Advertisement

التذكرة الحمدونية 002


الجزء الثاني
التذكرة الحمدونيّة تصنيف ابن حمدون محمّد بن الحسن بن محمّد بن علي تحقيق احسان عبّاس وبكر عبّاس المجلّد الثّاني دار صادر بيروت
(2/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة التحقيق
1 يشتمل هذا الجزء (الذي جعلته ثانيا) من التذكرة الحمدونية على أربعة أبواب، وإنما راعيت في هذه التجزئة أمر الحجم وحده بحيث يجيء هذا الجزء مقاربا للأول في عدد صفحاته، فأما التجزئة في النسخ الخطية فإنها متفاوتة ولا تعتمد قاعدة موحدة.
وقد تضمنت الأبواب الأربعة الموضوعات الآتية على التوالي:
1- الشرف والرياسة والسيادة (الفقرة 1- 370) .
2- محاسن الأخلاق ومساوئها (الفقرة 371- 664) .
3- الجود والبخل (الفقرة 665- 1006) .
4- الشجاعة والجبن (الفقرة 1007- 1234) .
ومن الواضح ان هذه القسمة تغليبيّة، إذ ان هذه الموضوعات الأخلاقية متداخلة في ما بينها في حالات كثيرة، ومن ثم يتعذّر الفصل الدقيق بين موضوع وآخر منها، ولو تأملنا الباب الرابع مثلا وهو في محاسن الأخلاق ومساوئها لوجدناه يشمل- كما لاحظ المؤلف نفسه- الصدق والوفاء والجود والبأس والصبر والقناعة والتواضع وأضدادها من المساوى، وإذن فإن عقد باب عام لهذا الموضوع يعدّ تزيّدا غير ضروري، ما دام المؤلف يعرف انه سيعقد أبوابا مستقلة لتلك الموضوعات فيتحدث عن الجود والبخل في الباب الخامس،
(2/5)

والشجاعة والجبن في الباب السادس، والوفاء والغدر في الباب السابع، وهكذا.
وبسبب المسحة الأخلاقية العامة التي تسيطر على جميع موضوعات هذا الجزء، نجد ان تلك الموضوعات تسمح بإيراد استشهادات شعرية كثيرة تكاد توازي الجانب النثري في الكتاب؛ وهذا ما يميّز هذا الجزء عن سابقه تمييزا بعيدا، لذلك يعدّ هذا الجزء نقلة واضحة من جوّ دينيّ سياسيّ تختلط فيه التوجهات والقيم على نحو قد يتضمن مفارقة حادة بين التوجه للآخرة وسياسة الدنيا، إلى جوّ نابض بحيوية ما اختاره العرب من مثل عليا في جاهليتهم، وحافظوا عليه في الإسلام، فهذه النماذج الكبيرة للجوانب الإيجابية من المروءة:
من جود وصبر وشجاعة وحلم وعلوّ همة ومحافظة على الجوار وتهمّم بما يكفل السؤدد والسيادة تجيء في هذا الجزء منتزعة- في الغالب- من السلوك العملي الدنيوي، دون نظر إلى ثواب أخروي، وتجيء الجوانب السلبية المعاكسة لها نوعا من السخرية بمن يعجز عن بلوغ تلك النماذج العليا؛ وقد حاول المؤلف أن يرسم نوعا من السيادة عن طريق الدين، ولكنه كان يدرك أنه لو أسرف في هذه الناحية لعاد يدرج في الأبواب الجديدة مادة كالتي نثرها في الجزء الأول.
ولعلّ ابن حمدون لم يتعمّد أن يكون أكثر الحكايات عن مكارم الأخلاق من حلم وسؤدد وشجاعة متصلة بالعنصر العربي حتى عصره، ولم يتعمد كذلك أن تكون نسبة كبيرة منها إنما يمثلها رجال عاشوا في العصر الأموي، إذ لعلّ طبيعة الفصول هي المسؤولة عن ذلك، مثلما ان طبيعة المصادر التي يستمد منها مادته تشاركها هذه المسؤولية.
ثم إن تلك الموضوعات نفسها تطلبت من المؤلف أن يرجع إلى مصادر لم يكن لها دور واضح في الجزء السابق، وهنا تبرز أهمية كتاب الأغاني والكامل للمبرد وحماسة أبي تمام وحماسة البحتري والوزراء والكتّاب للجهشياري والفرج بعد الشدة للتنوخي والبخلاء للجاحظ ودواوين الشعراء: كديوان المتنبّي والرضي وابن هاني الأندلسي والببغا والسريّ الرفاء. وهذا لم يقطع الصلة بالمؤلفات المشهورة في الأدب: فظل دور البيان والتبيين وعيون الأخبار والعقد
(2/6)

والبصائر ونثر الدر ومحاضرات الراغب متميّزا، بل لعلّ «العقد» من بينها قد اكتسب أهمية خاصة. وبالمقارنة تبيّن مدى دين ربيع الأبرار ونهاية الأرب والمستطرف للتذكرة الحمدونية في ما أوردته من نصوص. إلى جانب ذلك تضاءل الدور الذي احتلته مصادر كانت محورا هامّا في الجزء الأول مثل حلية الأولياء، ونهج البلاغة، وكليلة ودمنة، والأدب الكبير لابن المقفع.
ومما يلفت النظر ان ابن حمدون تعرّف على بعض شعراء أفريقية، وهم في الأغلب ممّن ضمهم كتاب الأنموذج لابن رشيق، غير أن صورة الأندلس لا وجود لها، ومثل هذا الاحتجاب للدور الأندلسي- في القرن السادس الهجري- يعدّ مستغربا.
وفي هذا الجزء تزحزح ابن حمدون قيد فتر عن مجال الاعتماد الكلي على النقل إلى شيء من تسجيل تجاربه الذاتية، فهو يعرف الشيخ الزاهد أبا عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي ويروي عنه (الفقرة 167) ، ويحدثنا عن بعض رجالات عصره حديث العارف بهم المتتبع لأخبارهم مثل وزير الموصل الملقب بالجواد ويوسف بن أحمد الحرزي ومجاهد الدين قايماز صاحب إربل؛ وهو لسبب يصعب الكشف عنه أو الاهتداء إليه شديد التحامل على زنكي بن آق سنقر، من بين معاصريه، وينسب إليه أعمالا منكرة، تجعل منه جبّارا عتيّا، وينسى دوره في جهاد الصليبيين، ونشر العدل والأمن في ربوع بلاده.
ولعلّ من الإنصاف أن نقول إن ابن حمدون ناقل تعجبه الحكاية ويهمّه منها مدى انطباقها على موضوع الباب، وانه لا يحكمه في نقله ميل أو هوى- مذهبي أو سياسيّ- وان كتابه سيظلّ «أدبيّا» في المنزع العامّ، يرجح فيه جانب العبرة أو التسلية على موثوقية الخبر؛ ومن المغالاة أن نتطلب منه شيئا أبعد من ذلك.
(2) وقد اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على النسخ الآتية:
(2/7)

1- نسخة مكتبة عمومية رقم: 5363 (ورمزها: ع) ورقمها المتسلسل في معهد المخطوطات التابع للجامعة العربية (120) حسبما جاء في فهرس المخطوطات المصورة (ص: 435) وهي تشتمل على الأبواب 1- 14 وقد تمّ وصفها في الجزء الأول (انظر ص: 15) .
2- نسخة رئيس الكتاب رقم: 767 (ورمزها: ر) وتشمل الأبواب:
الثالث والرابع والخامس من هذا الجزء، وتعدّ من أقدم النسخ من حيث تاريخها، إذ تم نسخها سنة 646، وعلى الورقة الأولى منها انها تمثل «الجزء الثاني من كتاب التذكرة» وتقع في 163 ورقة، وعدد السطور في كل صفحة من صفحاتها 17 سطرا، ومعدل الكلمات في كل سطر 12 كلمة، وفي السطور فجوات بعضها يفيد أن الناسخ يعني بداية فقرة جديدة، وبعضها محض بياض دون أي حذف؛ وهي على وجه العموم حسنة الضبط قليلة الخطأ.
3- نسخة أحمد الثالث رقم: 2948 (ورمزها: ح) وتحمل الرقم:
122 في مصورات معهد المخطوطات (ص: 436) وتقع في 175 ورقة، وتبدأ بالباب السادس وتنتهي بالباب الرابع عشر، وخطها نسخي جميل، وفي الصفحة الواحدة منها 17 سطرا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد 12 كلمة، وقد اقتصرت الإفادة منها في هذا الجزء على تحقيق الباب السادس وحده، وسيكون دورها أهم في تحقيق الجزء الثالث.
4- نسخة المتحف البريطاني رقم: 3179: وتقع في قسمين يضم الأول منهما الأبواب 1- 31 ويضم الثاني الأبواب 32- 47 وينقصها حتى تشمل كل التذكرة الأبواب الثلاثة الأخيرة، والقسم الأول منها يجيء في 452 ورقة والثاني في 272 ورقة، وهي مكتوبة بخط نسخي أقرب إلى الدقة، ولهذا تتسع الصفحة منها لثلاثة وثلاثين سطرا في كل سطر ما معدله 15 كلمة. وأقدم تملك عليها مؤرّخ بالعام 1004 وهو عام انتساخها أيضا، ومع انها حديثة نسبيّا فإنها هامة لضبط الترتيب وإبراز بعض الفروق المهمة، وقد انفردت- في هذا الجزء- بفقرة طويلة لم ترد في سائر النسخ وهي الفقرة 934 ب التي يتحدث فيها المؤلف
(2/8)

بإعجاب عن معاصره مجاهد الدين قايماز صاحب مدينة إربل.
وقد اتبعت في تحقيق هذا الجزء الخطة التي سرت عليها في تحقيق الجزء الأول، فقمت بإثبات الفروق بين النسخ (وهي نسبيّا غير كثيرة) وتتبعت النصوص المنقولة في أماكنها الأصلية، وأثبت أحيانا بعض الفروق الضرورية لدى مقارنة التذكرة بالمصادر التي ثبت لديّ اعتماد المؤلف- دون ريب- عليها. ومما تجدر ملاحظته في هذا الجزء ان المواد التي سقطت من هذه المخطوطة أو تلك أقلّ بكثير من المواد التي كانت تخلّ بها إحدى المخطوطات في الجزء الأول، وان الاضطراب في ترتيب النصوص قليل كذلك.
ولقد كان المرجو أن يظهر هذا الجزء في وقت قريب من ظهور الأول، ولكن الأحداث الأليمة والكوارث المريرة التي تعرضت لها بيروت، قد عطّلت هذا العمل كثيرا تارة على مستوى التحقيق وتارة على مستوى الإخراج الطباعي، وإني لأرجو أن تكون الأجزاء اللاحقة أسرع تتابعا، دون إهدار لمستوى الضبط والإتقان.
3 ويقتضيني واجب الإقرار بالفضل توجيه الشكر إلى عدد من الأصدقاء، وفي مقدمتهم الدكتورة وداد القاضي التي أذنت لي بالاطلاع على نسختها المحققة تحقيقا جديدا دقيقا لكتابي البصائر (بأجزائه التسعة) والأجوبة المسكتة، فالأرقام التي أعتمدها عند الإحالة على هذين الكتابين إنما تمثل الأرقام التي أثبتتها المحققة لفقرات الكتابين المذكورين اللذين سيظهران وشيكا.
وما يزال أخي الدكتور رضوان السيد مدير معهد الإنماء العربي ببيروت بالوكالة، صاحب الفضل الكبير في رعاية هذا الكتاب والحرص على إخراجه فله وللمعهد أجزل الشكر وأصدقه.
أما صديقي العلّامة زهير الشاويش فإنه- حفظه الله- قدّم إليّ من بين هداياه المتواترة من مطبوعات المكتب الإسلامي، صحيح الجامع الصغير
(2/9)

وضعيف الجامع الصغير (مرتبين مرقمين بعناية المحدث الكبير الشيخ محمد ناصر الألباني) وأشار عليّ باعتمادهما في تخريج الأحاديث، في ما يلي من أجزاء التذكرة، ففعلت ما أشار به شاكرا له فضله العميم ومقدّرا نصحه الكريم.
وللصديق الدكتور طريف الخالدي أتمّ التقدير لاهتمامه بالكتاب وبشخص محققه. لقد لامني محقّا من أجل جملة وردت في مقدّمة الجزء الأول (ص:
19) إذ وجدها تتنافي- حسب قوله- والخلق والمنهج العلميين اللذين حرصت عليهما دائما. فأنا أرجو أن يقبل اعتذاري عن هفوة جرّتني إليها تهجمات ظالمة.
وأخيرا لا آخرا أشكر اثنين من طلابي أسهما بالعون المشكور في إخراج هذا الكتاب وهما: الآنسة ناهد جعفر والسيد جمال خطاب، أسأل الله لهما التوفيق والرعاية، وأدعوه جلّ وعلا أن يسدّد الخطى وأن يلهم الصواب.
بيروت في تموز (يوليه) 1984 إحسان عباس.
(2/10)

الباب الثّالث في الشّرف والرّئاسة والسّيادة وما هو من خصائصها ومعانيها [1]
__________
[1] زاد في م: وهو أحسن ما قيل.
(2/11)

خطبة الباب
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أثق الحمد لله الذي شرّف أولياءه بتقريبه واصطفائه [1] ، وأعلى منازلهم عن إسفاف الطمع وإدنائه، وجعل هممهم في عبادته دالة على أخطارهم، وعزائمهم في طاعته زنة لأقدارهم [2] ، فعبدوه [3] إذ كان للعبادة أهلا عبادة الأحرار، لا رغبة في الجنّة ولا رهبة من النار، أولئك ذوو الهمم العلية، والنفوس الأبيّة، عزفت عن الارتغاب [4] ، وعزّت عن ذلّة الإرهاب، فلم يعملوا للجزاء، ولا سبقوا عند الجراء، نعم [5] السابقون الأولون، والصدّيقون المقرّبون أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(المجادلة: 22) سادة في الدنيا والآخرة، وقادة في رقدة دار الغفلة ويقظة الساهرة. والصلاة [6] على رسوله المصطفى المبعوث من أشرف عمارة [7] وأرفعها حسبا، وأطهر قبيلة وأكرمها نسبا، المخصوص بصفة الكمال، الممنوح حلما يستخفّ [8] رواسي الجبال، وصفحا يفكّ العناة [9] وإن ثقلت مغارمهم، وعفوا يسع الجنّاة وإن عظمت جرائمهم، وعلى آله الحالّين أعلى المنازل والرتب، الباقي ذكر شرفهم على الأزمان والحقب، وسلّم وشرّف وكرّم. [10]
__________
[1] ع: بتقريبهم واصطفائهم.
[2] ر: لاقرارهم.
[3] م: فعبده.
[4] م: الاتعاب (دون إعجام) .
[5] م ر: هم.
[6] م: وصلواته.
[7] العمارة: (بفتح العين وكسرها) اصغر من القبيلة، وقيل هو الحيّ العظيم.
[8] م: يستحق.
[9] العناة: جمع عان، وهو الأسير.
[10] وسلم ... وكرم: سقط من ر م.
(2/13)

مقدمة الباب
(الباب الثالث في الشرف والرياسة والسيادة وما هو من خصائصها ومعانيها) الرياسة أصلها علوّ الهمة، وقطبها الحلم، وزينها حمل [1] المغارم، وبهجتها حفظ الجوار، وحصنها حمي الذمار، وأنا ذاكر ما جاء في ذلك جملة وتفصيلا، ومجتهد في إضافة كلّ كلام إلى جنسه وشبيهه [2] ، ويدخل في الشرف والرياسة كفّ الأذى، وغضّ العين على القذى، وحياطة العشيرة، والايثار والتنزه والظلف والجود والبأس والصدق والوفاء وحسن الخلق والحياء، وغير ذلك من مكارم الأخلاق، ولهذه الخصائص أبواب مفردة قد استوفيتها، والفرق بين المكانين أن الشرف والرياسة معنى يشمل جميع الفضائل بطريق الاستيلاء والاستتباع [3] ، وهما قسمان: أحدهما وهو الحقيقي: رياسة العلم والدين، وهو المنهج الواضح المبين، وتلك رياسة لا تنازع فيها، ومنزلة تزلّ عنها قدم مساميها، والآخر رياسة الدنيا، وهو المقصود بهذا المكان [4] ، فإن القسم الأوّل قد دخل بالإشارة في الباب الأوّل من هذا الكتاب.
وقد تحصل الرياسة بالولاية لكنها عارية مؤدّاة، وبلغة تفارقه عند العزل وتقلاه، وإذا خلت من الفضيلة زادت اشتهارا بالمخازي [5] ، وكشفت مكنون
__________
[1] ر: حمال.
[2] ر م: وشبهه.
[3] م: والاتباع.
[4] م: الكتاب.
[5] ع: بالحاوي.
(2/15)

المساوي، وخلّدت الكتب والآثار من قبح الذكر [1] ، ما يبقى عاره وشناره على وجه الدهر. والرياسة عقبة كؤود، ومرتقى صعود، لا ينالها إلا من تجشّم فيها المشقّة، ولم يستبعد الشقّة، وقد أحسن القائل في وصفها: [من الوافر]
وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل [2] .
أقوال وأخبار في السيادة والسؤدد
وأنا أضمّن هذا الباب ما جاء من الآثار والأخبار والأشعار في علوّ الهمة وحمل المغارم، وحفظ الجوار وحمي الذمار، والحمية والأنف والحلم والعفو والصفح والتثبت والأناة، وما شاكل هذه المعاني وقاربها، إذ كان ما عداها قد أتى في أماكنه، مستمدا من الله سبحانه حسن التوفيق والتسديد، ومستدعيا بشكر نعمه فضل المزيد، قال الله عز من قائل: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
(الشورى: 43) وقال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ، وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
(الشورى: 37) وقال عز وجل: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
(الشورى: 40) وقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
(الشورى: 39) .
«1» وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: من رزقه الله فبذل معروفه وكفّ أذاه فذاك السيّد [3] .
__________
[1] ع: ذكر.
[2] البيت في اللسان والتاج (صعد) والبيان والتبيين 1: 195، 270 والحيوان 2: 95، وعيون الأخبار: 226 وبهجة المجالس 1: 612 وهو للأعلم الهذلي كما في ديوان الهذليين: 323 والذخيرة 4:
499 وأكمة ذات صعداء: يشتد صعودها على الراقي؛ وقد تضبط «صعداء» .
[3] وقعت الفقرتان: 140، 141 في م بعد هذا الحديث ثم وردتا أيضا في موضعهما.
(2/16)

«2» - قيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ قال: ببذل القرى، وترك المرا، ونصرة المولى.
«3» - وقيل لأبي سفيان: بم سدت قومك؟ قال لم أخاصم أحدا قطّ إلّا تركت للصلح موضعا.
«4» - من كلام سهل بن هارون: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب، ومن ترك الأمر الذي لعلّه أن يبلغ به حاجته مخافة ما لعلّه أن يوقّاه فليس ينال جسيما.
«5» - قال أبو بكر رضي الله عنه لسعيد الفهميّ: أخبرني عن نفسك في جاهليتك وإسلامك، فقال: أما جاهليتي فو الله ما خمت عن بهمة، ولا هممت بلمّة، ولا فاديت غير كريم، ولا رئيت إلّا في خيل مغيرة، أو حمل جريرة، أو في نادي عشيرة، وأما مذ خطمني الإسلام فلن أزكّي لك نفسي.
6- قال أفلاطون: إذا كبرت النفس استشعرت الخلود فعملت في العاجل ما يبقى لها في الآجل، وإذا صغرت استشعرت الفناء، فاستعجلت الأشياء خوفا من فواتها.
(2/17)

«7» - قال سعيد بن العاص: ما شاتمت رجلا مذ كنت رجلا لأني لا أشاتم إلا أحد رجلين: إما كريم فأنا أحقّ من احتمله، وإما لئيم فأنا أولى من رفع نفسه عنه.
«8» - قال الكلبيّ: قال لي خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز: ما تعدّون السؤدد؟ فقلت: أما في الجاهليّة فالرياسة، وأما في الإسلام فالولاية، وخير من ذا وذاك التقوى، فقال لي: صدقت، كان أبي يقول: لم يدرك الأوّل الشرف إلا بالفعل، ولا يدركه الآخر إلّا بما أدرك به الأوّل، قال: قلت: صدق أبوك، ساد الأحنف بحلمه، وساد مالك بن مسمع [1] بمحبة العشيرة له، وساد قتيبة بدهائه، وساد المهلب بهذه [2] الخلال.
فقال لي: صدقت، كان أبي يقول: خير الناس للناس خيرهم لنفسه، وذاك أنه إذا كان كذلك أبقى على نفسه من السّرق لئلا يقطع، ومن القتل لئلا يقاد، ومن الزنا لئلا يحدّ، فسلم الناس منه لإبقائه على نفسه.
«9» - وقالوا: من نعت السيد أن يكون لحيما ضخم الهامة، جهير الصوت، إذا خطا أبعد، وإذا تؤمّل [3] ملأ العين لأن حقّه أن يكون في صدر
__________
[1] م: مجمع.
[2] نثر الدر: بجميع هذه.
[3] ر: يؤمل.
(2/18)

مجلس أو ذروة منبر أو منفردا في موكب.
«10» - وكانوا يقولون في نعت السيد: يملأ العين جمالا والسمع مقالا.
«11» - وقال رجل لبعض أهله: والله ما أنت بعظيم فتكون سيدا، ولا بأرسح فتكون فارسا.
«12» - وقال آخر: والله ما فتقت فتق السادة ولا مطلت مطل الفرسان.
«13» - قيل للأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي: بم كنتم تعرفون السؤدد في الصبيّ [1] منكم؟ قال: إذا كان ملوث الأزرة، طويل الغرلة، سائل الغرّة كأنّ به لوثة فلسنا نشكّ في سؤدده.
هذه أمارات تصيب وتخون، والمعوّل على ما أدركته الحقيقة لا الظنون.
«14» - قيل للأحنف: من السيد؟ قال: الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المعنيّ بأمر قومه، الناظر للعامة.
«15» - وقال عدي بن حاتم: السيد الأحمق في ماله، الذليل في
__________
[1] م: الفتى.
(2/19)

عرضه، المطرّح لحقده، المعنيّ بأمر جماعته، وأحسن القول ما قارنه الفعل.
«16» - قدم وفد العراق على معاوية وفيهم الأحنف، فقام الآذن وقال:
إن أمير المؤمنين يعزم عليكم أن يتكلم أحد إلا لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أنّ رادفة ردفت، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، والكلّ بهم الحاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره. فقال:
حسبك يا أبا بحر فقد كفيت الغائب والشاهد.
«17» ومثل ذلك، بل أبلغ وأصلت [1] ، ومن امرأة أعظم وأغرب، ما روي عن سودة بنت عمارة الهمدانيّة، وفدت على معاوية فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: إنك أصبحت للناس سيدا، ولأمرهم متقلّدا، والله مسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقّنا، ولا يزال يقدم علينا من ينوء [2] بعزّك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السّنبل، ويدوسنا دوس [3] البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسلبنا [4] الجليلة، وهذا بسر بن أرطأة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي، يقول لي فوهي [5] بما أستعصم الله سبحانه وتعالى منه وألجأ إليه فيه، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة. فإما عزلته عنّا فشكرناك، وإما لا فعرفناك. فقال معاوية: أتهدديني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب [6] أشرس فأردّك إليه ينفذ فيك حكمه. فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول:
[من البسيط]
__________
[1] م: وأصلب.
[2] العقد: ينهض.
[3] العقد: دياس.
[4] العقد: ويسألنا.
[5] م: فهو.
[6] م: ذنب.
(2/20)

صلّى الاله على جسم [1] تضمّنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا [2] ... فصار بالحقّ والإيمان مقرونا
فقال لها: ومن ذاك؟ قالت: عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه.
قال: وما صنع بك حتّى صار عندك كذا؟ قالت: قدمت عليه في مصدّق قدم علينا من قبله، والله ما كان بيني وبينه إلا ما بين الغثّ والسمين، فأتيت عليّا لأشكو إليه ما صنع بنا فوجدته قائما يصلي. فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي، برأفة وتعطّف: ألك حاجة؟ فأخبرته، فبكى ثم قال: اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم، إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك؛ ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب، فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
(هود: 85- 86) . إذا [3] قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتّى يقدم عليك من يقبضه منك، والسلام.
فأخذته منه والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام، فقرأته.
فقال لها معاوية: لقد لمّظكم [4] ابن أبي طالب الجرأة على السلطان، فبطيئا ما [5] تفطمون، ثم قال: اكتبوا لها بردّ مالها والعدل عليها. قالت: ألي خاصة أم لقومي عامة؟ قال: ما أنت وقومك؟ قالت: هي إذن والله الفحشاء واللؤم، إن كان عدلا شاملا وإلا أنا كسائر قومي، قال: اكتبوا لها ولقومها.
__________
[1] العقد: روح؛ م: قبر.
[2] العقد: ثمنا.
[3] ع: واذا.
[4] لمظكم: ذوقكم.
[5] ما: زيادة من رم.
(2/21)

«18» - ومثله خبر الراعي مع عبد الملك لما أنشده قوله: [من البسيط]
فإن رفعت بهم رأسا نعشتهم ... وإن لقوا مثلها في قابل فسدوا
قال له: تريد ماذا؟ قال: تردّ عليهم صدقاتهم، وتدرّ أعطياتهم، وتنعش فقيرهم، وتخفّف مؤونة غنيّهم، قال: إنّ ذا لكثير، قال: أنت أكثر منه، قال: قد فعلت فسلني حوائجك، قال: قد قضيتها، قال: سل لنفسك، قال: لا والله لا أشوب هذه المكرمة بالمسألة لنفسي.
«19» - ومما يناسبه أن البادية قحطت في أيام هشام، فقدمت عليه العرب فهابوا أن يتكلموا وفيهم درواس بن حبيب ابن ست عشرة سنة له ذؤابة وعليه شملتان، فوقعت عليه عينا هشام فقال لحاجبه: ما يشاء أحد يدخل علي إلا دخل حتى [1] الصبيان؟! فوثب درواس بن حبيب حتى وقف بين يديه مطرقا، فقال: يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرا وطيّا، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره، فإن أذنت لي أن أنشره نشرته. قال: انشر لا أبا لك، وقد أعجبه كلامه مع حداثة سنه. فقال: إنه أصابتنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرّقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدّقوا بها عليهم إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي
__________
[1] حتى: سقطت من ر.
(2/22)

الْمُتَصَدِّقِينَ
(يوسف: 88) فقال هشام: ما ترك لنا الغلام في واحدة من الثلاث عذرا. فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، وله بمائة ألف درهم، فقال:
ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب، فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفاية [1] . فقال: أما لك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصّة نفسي دون عامة المسلمين. فخرج وهو من أنبل القوم.
«20» - قال رجل للأحنف: لم سوّدك قومك وما أنت بأشرفهم بيتا، ولا أصبحهم وجها، ولا أحسنهم خلقا؟ قال: بخلاف ما فيك يا بني، قال: وما ذاك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
«21» قال عمرو بن العاص لدهقان نهر تيرى: بم ينبل الرجل عندكم؟ قال: بترك الكذب فإنه لا يشرف من لا يوثق بقوله، وبقيامه بأمر أهله فإنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره، وبمجانبة الريب فإنه لا يعزّ من لا يؤمن أن يصادف على سوءة، وبالقيام بحاجات الناس فإنه من رجّي الفرج عنده كثرت غاشيته.
«22» - وقال بزرجمهر: من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان قبل وضيعا، وبعد صوته وإن كان خاملا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجات إليه وإن كان فقيرا.
__________
[1] ر: كفايتهم.
(2/23)

«23» - قال المعلوط الرّبعي: [من الطويل]
فما سوّد المال اللئيم ولا دنا ... لذاك ولكن الكريم يسود
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
ولهذا المعنى الذي بيّنه المعلوط قالوا: السؤدد مع السواد.
«24» - وقال المقنع الكنديّ [1] : [من الطويل]
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيّعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفي جفنة ما يغلق الباب دونها ... مكللة لحما مدفّقة ثردا
وفي فرس نهد عتيق جعلته ... حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا
فإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيّعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا
__________
[1] م: والمقنع الكندي الذي يقول.
(2/24)

ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قلّ مالي لم أكلّفهم رفدا
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
«25» - وقال آخر أيضا: [من الطويل]
وليس فتى الفتيان من جلّ همّه ... صبوح وإن أمسى ففضل غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ... لضرّ عدوّ أو لنفع صديق
26- وقد كان أحمد بن أبي دواد القاضي جبل على مثل هذا، قال أبو العيناء: ما رأيت مثل ابن أبي داود من رجل قد مكّن له في الدنيا ذلك التمكين، كنت أراه في مجلس سقفه غير مغرّى، جالسا على مسح وأصحابه معه، يتدرّن القميص عليه فلا يبدّله حتى يعاتب في ذلك، ليس له همة ولا لذة في الدنيا إلا أن يحمل رجلا على منبر وآخر على جذع.
«27» - قال أسد بن عبد الله القسريّ لسلم بن نوفل: ما أرخص السؤدد فيكم!! فقال سلم: أما نحن فلا نسوّد إلا من بذل لنا ماله، وأوطأنا عرضه، وامتهن في حاجتنا نفسه؛ فقال أسد: إنّ السؤدد فيكم لغال.
«28» - وقال معاوية لعرابة بن أوس بن قيظيّ الأنصاري: بم سدت
(2/25)

قومك؟ قال: لست بسيدهم ولكني رجل منهم فعزم عليه فقال: أعطيت في نائبتهم، وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل منهم فعلي فهو مثلي، ومن قصّر عني فأنا أفضل منه، ومن تجاوزني فهو أفضل مني.
وقيل في رواية بأربع خلال: أنخدع لهم في مالي، وأذلّ لهم في عرضي، ولا أحتقر صغيرهم، ولا أحسد رفيعهم.
«29» وكان سبب ارتفاع ذكر عرابة أنه قدم من سفر فجمعه والشمّاخ ابن ضرار المرّي الطريق فتحادثا، فقال له عرابة: ما الذي أقدمك المدينة؟
قال: قدمتها لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله برّا وتمرا وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ: [من الوافر]
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
إذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
«30» - سأل عبد الملك بن مروان روح بن زنباع عن مالك بن مسمع فقال: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف لا يسأله واحد منهم لم غضب، قال عبد الملك: هذا والله السؤدد.
«31» - كتب معاوية إلى زياد: اعزل حريث بن جابر فإني ما أذكر فتنة
(2/26)

صفين إلا كانت حزازة في صدري. فكتب إليه: خفّض عليك يا أمير المؤمنين، فقد بسق حريث بسوقا لا يرفعه عمل ولا يضرّه [1] عزل.
«32» - وكتب إليه: انظر رجلا يصلح لثغر الهند فولّه، فكتب إليه زياد: إن قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس وسنان بن سلمة.
فكتب معاوية: بأيّ يومي الأحنف نكافئه: ألخذلان أم المؤمنين أم بسعيه علينا يوم صفين؟ فوجّه سنانا. فكتب إليه زياد: إنّ الأحنف قد بلغ من الشرف والسؤدد ما لا ترفعه الولاية ولا يضعه العزل.
«33» - وقيل لرجل: بم ساد عليكم الأحنف؟ فو الله ما كان بأكبركم سنّا ولا بأكثركم [2] نشبا. قال: بقوّته على سلطان نفسه.
«34» - لما ولي زياد البصرة خطب فقال: إني رأيت خلالا ثلاثا نبذت إليكم فيهن النصيحة: لا يأتيني شريف بوضيع لم يعرف له شرفه إلا عاقبته، ولا كهل بحدث لم يعرف له فضل سنه [3] إلا عاقبته، ولا عالم يجاهل عنته إلا عاقبته، فإنما الناس بأشرافهم وذوي سنهم وعلمائهم.
«35» - أراد أنوشروان أن يقلد ابنه هرمز ولاية العهد، فاستشار عظماء
__________
[1] البصائر: يضعه.
[2] ر: بأكرمكم (اقرأ بعدها: نسبا) .
[3] ع: لم يعرف له شرفه.
(2/27)

مملكته فأنكروا عليه، وقال بعضهم: إن الترك ولدته وفي أخلاقهم ما علمت فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، وكانت أم قباذ تركية، وقد رأيتم من عدله وحسن سيرته ما رأيتم. فقيل: هو قصير وذاك يذهب ببهاء الملك. فقال: إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلا جالسا أو راكبا فلا يستبين ذلك فيه، فقيل: هو بغيض في الناس، فقال: أوه، أهلكت ابننا هرمز فقد قيل: إن من كان فيه خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة في الناس فلا خير فيه، ومن كان فيه عيب واحد ولم يكن ذلك العيب المبغضة في الناس فلا عيب فيه.
«36» - ذكرت البيوتات عند هشام بن عبد الملك فقال: البيت ما كانت له سالفة ولا حقة وعماد حال ومساك دهر، فإذا كان كذلك فهو بيت قائم؛ أراد بالسالفة ما سلف من شرف الآباء، واللاحقة ما لحق من شرف الأبناء، وبعماد الحال الثروة، وبمساك الدهر الجاه عند السلطان.
37- وكان يقال: مضر خيرة الله من خلقه، وقريش خيرة مضر، وهاشم خيرة قريش، وعترة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خيرة هاشم.
«38» - وأحفظ معاوية الأحنف وجارية بن قدامة ورجالا من بني سعد فأغلظوا له، وذلك بمسمع من بنت قرظة، فأنكرت ذلك فقال لها: إن مضر كاهل العرب، وتميما كاهل مضر، وسعدا كاهل تميم، وهؤلاء كاهل سعد.
ومن الرياسة علو الهمة
«39» - قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تصغرنّ هممكم فإني لم
(2/28)

أر شيئا أقعد بالرجل من سقوط همته.
40- وقال معاوية: تهامموا فإني هممت بالخلافة فنلتها. (يعني مع بعده عن رتبتها ووجود أعيان الصحابة الألى [1] هم أحقّ منه بها، كما يقال: قلّ من طلب إلا وجد أو كاد) .
«41» - وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن لي نفسا تتوق إلى معالي الأمور، تاقت إلى الخلافة فلما نلتها تاقت إلى الجنة.
«42» - وقيل للعتابي: إنّ فلانا بعيد الهمة، فقال: إذن لا يقنع بدون الجنة.
وإذا أردنا حقيقة علوّ الهمة، فطلب الجنة [2] ، وإذا أردنا الرياسة التي لا يفسدها الزمان فرياسة الدين والعلم، وإنما نذكر رياسة الدنيا والراغبين فيها مجازا ولذاك يقع بالأمر غير مستحقه، وينال الدنيا وشرفها ويدرك غاياتها من لا فضيلة عنده، فيهلك [3] صاحبها المحروم أسفا وكمدا، ويتقطع قلبه لهفا وحسدا.
ونعود إلى ما قصدنا له:
«43» - نازع عبد الملك بن مروان وهو حدث عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأربى عليه عبد الرحمن، فقيل له لو شكوت ما صنع بك إلى عمه لا نتقم لك منه، فقال: اني لا أرى انتقام غيري لي انتقاما؛ فلما استخلف
__________
[1] م: اللائي.
[2] م: الآخرة.
[3] م: فهلك.
(2/29)

أذكر بذلك فقال: حقد السلطان عجز.
«44» - وخاض جلساؤه يوما في مقتل عثمان فقال رجل: يا أمير المؤمنين في أيّ سنّك كنت يومئذ؟ قال: كنت دون المحتلم، فقال فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه.
«45» - قال يزيد بن المهلب: ما يسرّني أني كفيت أمر الدنيا كله، قيل: ولم أيها الأمير؟ قال: أكره عادة العجز.
«46» - ومن الهمّة البعيدة ما فعله بنو العبّاس: خرجوا في أربعة عشر راكبا يطلبون الخلافة، وأعداؤهم في أيديهم الأموال والبلاد، والجيوش منقادة لهم حتى قال بعضهم وهو داود بن عليّ، وقد لقيهم ولم يعلم أين يريدون: ما قصتكم وأين تريدون؟ فقصّ عليه أبو العبّاس القصة، وأنهم يريدون الكوفة ليظهر أمرهم بها، فقال له داود: يا أبا العبّاس تأتي الكوفة وشيخ بني مروان بحرّان، وهو مطلّ على العراق في أهل الشام، يعني مروان بن محمد، وشيخ العرب في العراق في حلبة العرب، يعني يزيد بن عمر بن هبيرة؟! فقال أبو العبّاس: من أحبّ الحياة ذلّ، ثم تمثل قول الأعشى: [من الطويل]
فما ميتة إن متّها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها
فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، ارجع بنا معه نعش أعزاء أو نموت كراما، فرجعوا معه.
(2/30)

والركب الأربعة عشر هم: أبو العبّاس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس وهو [أبو] العبّاس [1] السفاح، وأخوه أبو جعفر عبد الله المنصور، وعمومتهما عبد الله وصالح وعبد الصمد وإسماعيل وداود وعيسى بنو علي بن عبد الله بن عبّاس، ويحيى بن محمد بن علي، وعبد الوهّاب ومحمد ابنا إبراهيم بن محمد بن علي، وعيسى بن موسى بن علي، وموسى بن داود بن علي ويحيى بن جعفر بن تمام بن العبّاس.
وكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إن ركبا أربعة عشر خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم، كبيرة نفوسهم، شديدة قلوبهم.
«47» - وممن علت به همّته ورفعته من أوضع منزلة إلى أعلى درجة أبو مسلم صاحب الدولة، وهو عبد اشتراه إبراهيم الامام وأعتقه، وذلك بعد تعرضه للدعوة، وقد ذكرنا مبدأ أمره في موضعه من هذا الكتاب. قيل له في أيّام شبيبته وعصر حداثته: إنا نراك تأرق كثيرا ولا تنام كأنك موكّل برعي الكواكب أو متوقع للوحي من السماء. قال: والله ما هو ذاك، ولكن لي رأي جوال، وغريزة تامة، وذهن صاف، وهمّة بعيدة، ونفس تتوق إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمج والرعاع، وحال متناهية في الخساسة والاتضاع [2] ، وإني لأرى بعض هذا مصيبة لا تجبر بسهر ولا تتلافى برفق.
فقيل له: ما الذي يبرد غليلك، ويشفي أحاح صدرك، ويطفىء أوار نارك؟
قال: الظفر بالملك. قيل له: فاطلب، قال: إن الملك لا يطلب إلا بركوب
__________
[1] أبو العبّاس: سقطت من ر.
[2] نثر الدر: متناهية في الاتضاع.
(2/31)

الأهوال، قيل: فاركب الأهوال، قال: هيهات، العقل مانع من ركوب الأهوال، قيل: فما تصنع وأنت تبلى حسرة وتذوب كمدا؟ قال: سأجعل من عقلي بعضه جهلا وأحاول به خطرا لأنال بالجهل ما لا ينال إلا به، وأدبّر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوّته، وأعيش عيشا يبين [1] مكان حياتي فيه من مكان موتي عليه فإن الخمول أخو العدم، والشهرة أبو الكون.
«48» - وكان للفاذوسبان [2] ، وهو من كبار أهل نيسابور، يد عند أبي مسلم في اجتيازه إلى خراسان، فكان يرعى له ذلك، فقال له يوما الفاذوسبان: أيها السلار، وبذاك كان يخاطب قبل قتل [ابن] الكرماني، مال قلبك إلى أحد بخراسان؟ فقال: كنت في ضيافة رجل يقال له فلان السمرقندي، فقامت بين يديّ جارية له توضيني فاستحليتها، قال فأنفذ الفاذوسبان إلى سمرقند واحتال في تحصيل الجارية، ثم أضاف أبا مسلم وأمرها أن [3] توضيه، فلما نظر إليها عرفها، فوهبها له الفاذوسبان، وكان لا يحجب عن أبي مسلم في أي وقت جاءه، فدخل إليه يوما فوجده نائما في فراشه فانصرف، وأمر أبو مسلم برده فجاء حتى وقف عليه فرآه مضاجعا تلك الجارية، وهما في ثيابهما [4] ، وبينهما سيف مسلول، فقال: يا فاذوسبان، إنما أحببت أن تقف على صورتي في منامي لتعلم أنّ من قام بمثل ما قمت به لا يتفرغ إلى مباشرة النساء، وأنشد [5] : [من البسيط]
__________
[1] ر: يدين.
[2] م: لفاذوسان.
[3] ر ونثر الدر: بأن.
[4] م: شأنهما.
[5] م: ثم انشد في ذلك.
(2/32)

قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
«49» - وكتب عبد الحميد كتابا إلى أبي مسلم وقال لمروان: إني قد كتبت كتابا إن نجع فذاك وإلا فالهلاك، وكان من كبر حجمه يحمل على جمل، وكان عبد الحميد قال: أنا ضامن أنه متى قرأ الرسول على المستكفين حول أبي مسلم ذلك بمشهد منه أنهم يختلفون، وإذا اختلفوا كلّ حدّهم وذلّ جهدهم، فلما ورد الكتاب على أبي مسلم دعا بنار فطرحه فيها إلا قدر ذراع فإنه كتب عليه: [من الطويل]
محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كلّ جانب
فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذة ... يهون عليها العتب من كل عاتب
وردّه، فحينئذ وقع اليأس من معالجته.
«50» - وتزعم [1] الفرس انّ كابي كان حدادا بخراسان وقيل [2] بأصفهان في ملك بيوراسب، وأن بيوراسب قتل ابنين له، فسمت همّته إلى أن أخذ النطع [3] الذي يتوقى به من النار فجعله علما، ودعا الناس إلى مجاهدة [4] بيوراسب، فأجابه خلق كثير لما كان عليه بيوراسب من الجور [5] ، وهزم بيوراسب وقتل، وسألوا كابي أن يلي عليهم الملك فأبى حتى ملكوا غيره،
__________
[1] ر: ويزعم.
[2] بخراسان وقيل: زيادة من م.
[3] م: إلى أخذ النطع.
[4] م: مجاهرة.
[5] فأجابه ... الجور: سقط من م.
(2/33)

وعظموا ذلك النطع ورصعوه بالجوهر وصار علم ملوكهم الأكبر الذي يتبركون به في حروبهم ويسمونه درفش كابيان.
«51» - ويقال [1] لا ينبغي للرجل ذي المروءة الفاضلة أن يرى إلا في موضعين ولا يليق به غيرهما: إما مع الملوك مكرما، وإما مع النساك متبتلا.
«52» - وممن حركته همته حتى نال أمنيته على بعد منالها المختار بن أبي عبيد الثقفي، قال بن العرق [2] : رأيت المختار مشتور العين، قلت: من فعل بك هذا، قطع الله يده؟ فقال: ابن الفاعلة عبيد الله بن زياد، والله لأقطعنّ أنامله وأباجله، ولأقتلن بالحسين عدد من قتل بيحيى بن زكريا عليهما السلام. وحبس في فتنة يزيد فلما هلك اجتمعت الشيعة لإخراجه، فاستأناهم حتى أخرجه عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة وهما على الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير وكفلاه وحلّفاه ألا يخرج ما دام لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة، ومماليكه ذكرهم وأنثاهم [3] أحرار، فلما عزلا عن الكوفة وبعث ابن الزبير عليها عبد الله بن مطيع أظهر أمره حينئذ، وبلغ من الثأر ما هو مشهور. وكان يقول: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم باليمين، أما يميني بالله فانه ينبغي لي إذا حلفت على يمين ثم رأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير وأكفّر عن يميني، وأما
__________
[1] م: وقال.
[2] م: قال ابن العريق وقيل ابن العرق.
[3] م: ذكورهم وإناثهم.
(2/34)

هدي البدن فأهون عليّ من بصقة، وما ثمن ألف بدنة مما يهولني! وأما عتق مواليّ فو الله لوددت أنه قد استتب لي أمري ولم أملك مملوكا أبدا.
«53» - ولما حارب المختار مصعبا فلّ جيش مصعب، وقتل محمد بن الأشعث، وأوغل أصحاب المختار في أصحاب مصعب فظن أنهم انهزموا، فانصرف منهزما إلى القصر بالكوفة، وعاد أصحاب المختار من حملتهم فلم يجدوه، فتبعوه إلى القصر بعد أن تفرّق شطرهم وظنّوا أنه قد قتل، واجتمعوا في القصر ثمانية آلاف، وحصرهم مصعب فقال لهم: اخرجوا إلى القوم فما بكم من قلّة، فجبنوا عن ذلك وضعفوا، فخرج المختار إليهم في تسعة عشر رجلا فقاتلهم حتى قتل ولم يسلم نفسه لهم.
«54» - خرج معاوية متنزها فمرّ بحواء [1] ضخم فقصد لبيت منه، فإذا بفنائه امرأة برزة، فقال لها: هل من غداء؟ قالت: نعم حاضر، قال: وما غداؤك؟ قالت خبز خمير، وماء نمير، وحيس فطير، ولبن هجير [2] ، فثنى وركه ونزل، فلما تغدّى قال: هل لك من حاجة؟ فذكرت حاجة أهل الحواء، قال: هاتي حاجتك في خاصّة نفسك، قالت: يا أمير المؤمنين إني أكره أن تنزل واديا فيرفّ أوله ويقفّ آخره.
«55» - قال ابن عامر لامرأته أمامة بنت الحكم الخزاعية: إن ولدت
__________
[1] الحواء: بيوت مجتمعة متقاربة.
[2] الهجير: الفائق الفاضل.
(2/35)

غلاما فلك حكمك، فلما ولدت قالت: حكمي أن تطعم سبعة أيّام، كلّ يوم ألف خوان من فالوذج، وأن تعقّ بألف شاة، ففعل.
«56» - قال بعضهم: رحت عشية من طريق مكة مع عبد الله بن الحسن بن الحسن، فضمّنا المسير وداود وعبد الله وعيسى بني علي بن عبد الله ابن العبّاس، فسار عيسى وعبد الله أمام القوم، فقال داود لعبد الله بن الحسن: لم لا يظهر محمد، يعني ابنه؟ فقال عبد الله: لم يأت الوقت الذي يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنّهم الذي يظهر عليهم قتلا ذريعا، قال: فسمع عبد الله بن علي الحديث فالتفت إلى عبد الله بن الحسن وقال: يا أبا محمد [من الوافر]
سيكفيك الجعالة مستميت ... خفيف الحاذ من فتيان جرم [1]
أنا والله أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، فكان كما قال.
«57» - قال أبو هريرة رأيت هندا يعني بنت عتبة بمكة جالسة وكأنّ وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبيّ يلعب، فمرّ رجل فنظر إليه وقال: إني لأرى غلاما إن عاش ليسودنّ قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فلا جبره الله.
__________
[1] الجعالة: ما يجعل للغازي وذلك إذا وجب على الإنسان غزو فجعل مكانه رجلا آخر يجعل يشترطه؛ خفيف الحاذ: خفيف الظهر.
(2/36)

«58» - وقال عتبة بن ربيعة لابنته هند: قد خطبك إليّ رجلان «السم ناقعا» يعني سهيل بن عمرو، و «الأسد عاديا» يعني أبا سفيان، فأيهما أحبّ إليك أن أزوّجك؟ قالت: الذي يأكل أحبّ إلي من الذي يؤكل؛ فزوّجها أبا سفيان.
59- لما قتل حاجب بن زرارة قراد بن حنيفة قالت قبائل بني دارم لحاجب: إمّا أن تقيد من نفسك، وإما أن تدفع إلينا رجلا من رهطك، فأمر فتى من بني زرارة بن عدس أن يذهب إليهم حتى يقاد، فمرّوا بالفتى على أمه فحسبوها [1] تجزع فيدفع إليهم حاجب غيره، فقالت: إنّ حيضة وقت حاجبا الموت [2] لعظيمة البركة.
«60» - قيل إن الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي قال لخارجة بن سنان المريّ: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ قال: نعم، قال: ومن ذاك؟
قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، فركبا حتى انتهيا إلى أوس بن حارثة في بلاده، فوجداه في ثني [3] منزله، فلما رآه قال: مرحبا بك يا حار، ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطبا، قال: لست هناك، فانصرف ولم يكلّمه؛ ودخل أوس على امرأته مغضبا، وكانت من بني عبس فقالت: من رجل وقف عليك فلم يطل ولم تكلّمه؟ قال: ذاك سيد
__________
[1] م ر: وحسبوها.
[2] م: وقت لنا حاجبا من الموت.
[3] ثني: سقطت من الأغاني.
(2/37)

العرب الحارث بن عوف، قالت: فما لك لم تستنزله [1] ؟ قال: إنه استحمق، جاءني خاطبا، قالت: أفتريد أن تزوّج بناتك؟ قال: نعم، قالت: فإذا لم تزوّج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك، قالت: فتدارك ما كان منك، قال: بماذا؟ قالت: أن تلحقه فتردّه. قال: وكيف وقد فرط إليه مني ما فرط؟ قالت: تقول: إنك لقيتني وأنا مغضب بأمر لم تقدّم فيه قولا، فلم يكن عندي من الجواب إلا ما سمعت، فانصرف ولك عندي كلّ ما أحببت، فركب في أثرهما؛ قال خارجة بن سنان: فو الله إنا نسير [2] إذ حانت مني التفاتة فرأيته، فأقبلت على الحارث وما يكلمني غمّا، فقلت له: هذا أوس بن حارثة في أثرنا، قال: وما نصنع به؟ امض، فلما رآنا لا نقف عليه صاح:
يا حار اربع [3] عليّ، فوقفنا له وكلّمه بذلك الكلام، فرجع مسرورا، فبلغني أن أوسا لما دخل منزله [4] دعا ابنته الكبرى وأعلمها خطبة الحارث بن عوف فقالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأنّ في وجهي ردّة وفي خلقي بعض العربدة [5] ، ولست بابنة عمه فيرعى حقي [6] ، وليس بجارك فيستحي منك، ولا آمن أن يرى منّي ما يكره فيطلقني، فيكون عليّ في ذلك ما تعلم؛ قال:
قومي بارك الله عليك، ثم دعا بابنته الوسطى وقال لها كمقالته للكبرى، فقالت له: أنا خرقاء، وأجابته بنحو جواب أختها. فقال: ادعوا لي بهيسة، يعني الصغرى [7] ، فقال لها كمقالته لأختيها، فقالت: أنت وذاك. فقال لها: إنّي عرضت ذلك على أختيك فأبتاه، فقالت: لكني والله الجميلة وجها، الصّناع
__________
[1] م: فما رأيتك تستقر له.
[2] الأغاني: إني لأسير؛ انا لنسير.
[3] ع ر م: ارجع.
[4] م: إلى منزله.
[5] م ر والأغاني: العهدة (والعهدة: الضعف) .
[6] الأغاني: رحمي.
[7] م: يعني الطفلة وهي الصغرى.
(2/38)

يدا، الرقيقة خلقا، الحسيبة أبا، فإن طلّقني فلا أخلف الله عليه بخير.
قال، فخرج إلينا وقال: قد زوجتك يا حار بهيسة بنت أوس، قال:
قد قبلت؛ فأمر أمّها أن تهيّئها وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له وأنزله إيّاه، ثم خرج إليّ فقلت: أفرغت من شأنك؟ فقال:
لا، قلت: وكيف؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت: مه أعند أهلي [1] وإخوتي؟! هذا والله ما لا يكون، قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء الله ثم قال لي: تقدّم فتقدّمت، وعدل بها عن الطريق، فما لبث أن لحقني فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قلت:
ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة والسبيّة الأخيذة؟ لا والله حتى تنحر وتذبح [2] وتدعو العرب وتعمل ما يعمل لمثلي، قال: قلت والله إني لأرى همّة وأرى عقلا وإني لأرجو أن تكون المرأة النجيبة. فرحلنا حتى جئنا بلادنا فأحضر الإبل والغنم ودخل عليها ثم خرج فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله، قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها أريدها، وقلت لها: قد أحضرنا من المال ما تريدين [3] . فقالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف بما لا أراه فيك، قلت: وكيف؟ قالت: أتتفرغ لنكاح النساء والعرب يأكل بعضها بعضا؟! وذلك في أيام حرب عبس وذبيان. قلت: فتقولين ماذا؟ فقالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتوك، فقلت: والله إني لأرى همة وعقلا ولقد قالت قولا. قال: فاخرج بنا، فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحسبوا [4] القتلى ثم يؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الديات فكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين،
__________
[1] الأغاني: أبي.
[2] الأغاني: حتى تنحر الجزر وتذبح الغنم.
[3] الأغاني: ما قد ترين.
[4] الأغاني: يحتسبوا.
(2/39)

فانصرفنا بأجمل الذكر.
«61» - لما احتضر ذو الاصبع العدوانيّ دعا ابنه أسيدا فقال: يا بنيّ إن أباك قد فني وهو حيّ، وعاش حتى سئم العيش، وإني موصيك ما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته فاحفظ عني: ألن جانبك لقومك يحبّوك، وتواضع لهم [1] يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عنهم حتى يسوّدوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكبر على مودّتك صغارهم، واسمح بمالك واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ فان لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا يتمّ سؤددك.
«62» - لما أمعن داود بن علي في قتل بني أمية بالحجاز قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا ابن عمّ، إذ أفرطت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ أو ما يكفيك منهم أن يروك رائحا وغاديا فيما يسرّك ويسوءهم؟
«63» - كان عثمان بن حيان [2] المرّي على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك، فأساء بعبد الله والحسن ابني الحسن إساءة عظيمة وقصدهما، فلما عزل أتياه فقالا: لا تنظر إلى ما كان بيننا فان العزل قد محاه، وكلّفنا أمرك كله. فلجأ إليهما فبلّغاه كلّ ما أراد، فجعل عثمان يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
__________
[1] بعد هذا سقط من ع مقدار كراسة، وما أثبته فهو من ر م.
[2] نثر: عثمان بن خالد.
(2/40)

«64» - كان محمد بن سليمان بن علي من رجال بني هاشم وذوي هممهم، وكان له خمسون ألف مولى أعتق منهم عشرين ألفا، وخرج يوما إلى باب داره بالمربد في عشية من عشايا الصيف فرأى الحرّ شديدا فقال: رشّوا هذا الموضع، فخرج من داره خمسمائة عبد بخمسائة قربة ماء [1] ، فرشوا الشارع حتى أقاموا الماء فيه، وكانت غلّته كلّ يوم مائة ألف درهم، وسمع دعاؤه في السحر: اللهمّ أوسع عليّ فإنه لا يسعني إلا الكثير.
«65» - ولما أراد أن يدخل بالعبّاسة بنت المهدي شاور كاتبه حمادا في اللباس الذي يلبسه، فأشار عليه بأن لا يتصنّع، ويقتصر على ما كان يلبسه في كلّ يوم، فلم يقبل منه، وعمد إلى ثياب دبيقية كأنها غرقيء البيض فلبسها، فرأتها عليه، فلما كان الغد دخل عليها، وإذا هي في دار قد فرشت بالدبيقي الذي يشابه ما لبس أو يزيد عليه، فعلم أنّ كاتبه قد نصحه، وتمثّل يقول [2] :
[من الطويل]
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد
«66» - وكان يتصدّق في كل سنة بخمسمائة ألف درهم، ويوم الفطر بمائة ألف درهم وفي كل يوم بكرّين من الدقيق. [3]
«67» - وقدم المهديّ البصرة فنزل دار محمد بن سليمان، وترك محمد
__________
[1] نثر: قربة مملوءة ماء.
[2] يقول: زيادة من م.
[3] م: بكر بن دقيق.
(2/41)

المحدثة، فقام محمد بنزل المهديّ وأصحابه، فقال المهديّ ذات يوم لأصحابه: لنفضحنّ محمدا اليوم، فصلّى الفجر وركب هو وأصحابه ومحمد معه، فمضى نحو الجعفريّة والنحيت، ثم قال لمحمد: يا أبا عبد الله، امض بنا نتغدّى في المحدثة، فساعة جلس المهديّ قال لمحمد: إنه خطر ببالي لبأ الظباء مع أزاذ [1] فأحضره له من ساعته؛ وكان عند محمد ألف ظبية بالنحيت يتوالدن، ثم جاءوه بالطعام فأكل فقال: يا أبا عبد الله قد خطر ببالي مخ السوق معقود [2] بسكر طبرزذ، فأحضره، فقال يا أبا عبد الله أردنا أن نفضحك فغمرتنا، فأكثر الله في عمومتنا وبني عمنا مثلك.
68- ومن ذوي الهمم سعيد بن العاص، وكان أيضا من أجواد قريش، وأخباره في الجود ترد في موطنها. خطب سعيد أمّ كلثوم بنت عليّ عليه السلام، وبعث إليها مائة ألف درهم وشاور الحسن بن علي في ذلك، فقال: أنا أزوّجك، واتعدوا ولم يحضر الحسين معهم، فقال سعيد: أين أبو عبد الله؟ فقال الحسن: لم يحضر وأنا أكفيك، فقال: لعلّه كره شيئا مما نحن فيه، قالوا: نعم، فقال سعيد: لم أكن لأدخل في شيء كرهه أبو عبد الله، فتفرقوا [3] عن غير تزويج، وردّت المال فلم يقبله سعيد.
«69» - دخل المسور على معاوية فقال له: كيف تركت سعيدا؟
__________
[1] الأزاذ: نوع جيد من التمر؟؟؟.
[2] معقود: سقطت من م.
[3] ر: يتقرقرا.
(2/42)

فقال عليلا، قال: لليدين والفم: [من الطويل]
به لا بظبي بالصريمة أعفرا
قال: وعمرو بن سعيد صبيّ يسمع قوله من ورائه، فقال: إذن والله لا يسدّ حفرتك [1] ، ولا يزيد [2] في رزقك، ولا يدفع حتفا عليك، بل يفتّ في عضدك، ويهيض ظهرك، وينشر أمرك، فتدعو فلا تجاب، وتتوعّد فلا تهاب؛ فقال معاوية: أبا أمية أراك هاهنا، إنّ أباك جارانا إلى غاية الشرف [3] فلم نعلق بآثاره، ولم نقم لمحضاره، ولم نلحق بمضماره، ولم ندن من غباره، هذا مع قوة إمكان، وعزة سلطان، وإنّ أثقل قومنا علينا من سبقنا إلى غاية شرف.
«70» - وكان معاوية يعاقب بين سعيد وبين مروان في ولاية المدينة، وكان يغري بينهما، فكتب إلى سعيد وهو وال عليها أن أهدم دار مروان فلم يهدمها، وأعاد عليه الكتاب بهدمها فلم يفعل، فعزله وولّى مروان، وكتب إليه أن أهدم دار سعيد، فأرسل الفعلة وركب ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، أتهدم داري؟ قال: نعم، كتب إليّ أمير المؤمنين ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت، فقال: ما كنت لأفعل، قال: بلى والله ولو كتب إليك لهدمتها، قال: كلا يا أبا عبد الملك، وقال لغلامه: انطلق فجئني
__________
[1] ر: يسر حقرتك.
[2] ر: زيد.
[3] م: الغاية الشرف.
(2/43)

بكتب معاوية فجاءه بها، فقال مروان: كتب إليك يا أبا عثمان في هدم داري فلم تهدمها ولم تعلمني؟ قال: ما كنت لأهدم دارك ولا أمنّ عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرّض بيننا، فقال مروان: فداك أبي وأمي، أنت والله أكرمنا ريشا وعقبا، ورجع فلم يهدم دار سعيد.
«71» - وقدم سعيد على معاوية فقال له: يا أبا عثمان كيف تركت أبا عبد الملك؟ قال: تركته ضابطا لعملك، منفذا لأمرك، قال: إنه كصاحب الخبزة كفي نضجها [1] فأكلها، قال: كلا والله يا أمير المؤمنين، إنه لمع قوم ما يجمل بهم السوط ولا يحلّ لهم السيف، يتهادون [فيما بينهم كلاما] كوقع النبل:
سهم لك وسهم عليك، قال: ما باعد بينك وبينه؟ قال: خافني [2] على شرفه وخفته [3] على شرفي، قال: فما له عندك؟ قال: أسرّه غائبا وأسوءه شاهدا، قال: تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات [4] ، قال: نعم يا أمير المؤمنين فتحملت الثقل، وكفيت الغرم [5] وكنت قريبا: لو دعوت أجبت، ولو وهنت وقعت [6] .
«72» - وكان [7] ابن ظبيان نذر أن يقتل من قريش مائة بأخيه النابي، فقتل منهم ثمانين ثم قتل مصعبا وقال: [من الطويل]
__________
[1] البيان: إنضاجها.
[2] ر: حاقني.
[3] ر: وحقيه.
[4] البيان: الحروب.
[5] البيان: الحزم.
[6] البيان: ولو أمرت لأطعت.
[7] تأخرت هذه الفقرة في م عن الفقرتين 73، 74.
(2/44)

يرى مصعب أني تناسيت نابيا ... وليس لعمر الله ما ظنّ مصعب
فو الله ما أنساه ما ذرّ شارق ... وما لاح في داج من الليل كوكب
وثبت عليه ظالما فقتلته ... فقصرك منه يوم شرّ عصبصب
قتلت به من حيّ فهر بن مالك ... ثمانين منهم ناشئون وأشيب
وكفّي لهم رهن بعشرين أو يرى ... عليّ مع الإصباح نوح مسلّب
أأرفع رأسي وسط بكر بن وائل ... ولم أرو سيفي من دم يتصبّب
«73» - دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان على أبيه وهو يكيد بنفسه فقال: ألا أوصي بك الأمير زيادا؟ قال: لا، قال: ولم ذلك؟ قال: إذا لم يكن للحيّ إلا وصية الميت فالحيّ هو الميت.
«74» - وعبيد الله هذا هو قاتل مصعب بن الزبير، ولما أتي عبد الملك برأسه خرّ عبد الملك ساجدا، قال عبيد الله: فهممت أن أقتله فأكون أفتك العرب، قتلت ملكين في يوم واحد. وأمر له عبد الملك بألف دينار فأبى أن يأخذها وقال: إنما قتلته على وتر لي عنده، وكان مصعب قتل أخاه النابي بن ظبيان.
«75» - لما أخذ عبد الحميد بن ربعيّ وأتي به المنصور ومثل بين يديه قال: لا عذر فأعتذر، وقد أحاط بي الذنب، وأنت أولى بما ترى، قال المنصور: إني لست أقتل أحدا من آل قحطبة، أهب مسيئهم لمحسنهم، قال: يا أمير المؤمنين إن لم يكن فيّ مصطنع فلا حاجة بي إلى الحياة، لست
(2/45)

أرضى أن أكون طليق شفيع وعتيق ابن عمّ.
76- ويناسب هذه القصة ما فعله بابويه، أحد الشطّار، وكان محبوسا بعدة دماء، فلما نقب حمير بن مالك السجن وقام على باب النقب يسرّب الناس ويحميهم ليستتم المكرمة جاء رسوله إلى بابويه فقال: أبو نعمانة ينتظرك، وليس له همّ سواك، وما بردت [1] مسمارا ولا فككت حلقة وأنت قاعد غير مكترث ولا محتفل، وقد خرج الناس حتى الضعفاء، فقال بابويه:
ليس مثلي يخرج في الغمار ويدفع عنه الرجال، لم أشاور ولم أؤامر [2] ، ثم يقال لي الآن: كن كالظعينة والأمة والشيخ الفاني؟! والله لا أكون في شيء تابعا ذليلا، فلم يبرح وخرج سائر الناس، وأجرامه وحده كأجرام الجميع، فلما جاء الأمير ودخل السجن فلم ير فيه غيره قال للحرس: ما بال هذا؟ فقصّوا عليه القصّة فضحك وقال: خذ أيّ طريق شئت، فقال بابويه: هذا عاقبة الصبر.
«77» - لما عزل الحجاج أمية بن عبيد الله عن خراسان أمر رجلا من بني تميم فعابه بخراسان وشنّع عليه، فلما قفل لقيه التميميّ فقال: أصلح الله الأمير، أقلني فإني كنت مأمورا، فقال: يا أخا بني تميم، وحدّثتك نفسك أني وجدت عليك؟ قال: قد ظننت ذاك، قال: إنّ لنفسك عندك قدرا.
«78» - دخل عمارة بن حمزة على المنصور فقعد في مجلسه، وقام رجل
__________
[1] ر: يردق.
[2] ر: أذامر.
(2/46)

فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: ومن ظلمك؟ قال: عمارة غضبني ضيعتي، فقال المنصور: يا عمارة قم فاقعد مع خصمك، فقال: ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له فلست أنازعه، وإن كانت لي فهي له، ولا أقوم من مجلس قد شرّفني أمير المؤمنين بالرفعة إليه لأقعد في أدنى منه بسبب ضيعة.
«79» - وجرى بين الرشيد وزبيدة (وقيل: بل كان بين أبي العبّاس السفّاح وأمّ سلمة، وهو الأشبه) نزاهة نفس عمارة وكبره، فقالت له: ادع به وهب له سبحتي هذه، فإنّ شراءها خمسون ألف دينار، فإن ردّها علمنا نزاهته، فوجّه إليه فحضر، فحادثه ساعة ورمى إليه بالسبحة وقال: هي طرفة [1] وهي لك، فجعلها عمارة بين يديه، فلما قام تركها، فقالت: أنسيها، فأتبعوه خادما بالسبحة، فقال للخادم: هي لك، فرجع وقال: وهبها لي عمارة، فأعطت المرأة بها الخادم ألف دينار وأخذتها منه.
«80» - دخل الطرماح بن حكيم الطائيّ على خالد بن عبد الله القسري فقال له: أنشدني بعض شعرك فأنشده: [من الطويل]
وشيّبني ألّا أزال مناهضا ... بغير غنى أسموا به وأبوع [2]
وإنّ رجال المال أضحوا، ومالهم ... لهم عند أبواب الملوك شفيع
__________
[1] م ر: طريقة.
[2] أبوع: أبسط باعي بالمال.
(2/47)

فقال له خالد: لو كان لك مال ما كنت به صانعا؟ قال: أسود به قومي، وأصون به عرضي، فأمر له بعشرين ألفا.
«81» - كان المعتصم ينفق أمواله في جمع الرجال وابتياع الغلمان، وكان العبّاس بن المأمون مشغولا باتخاذ الضّياع، فكان المأمون كلّما نظر إلى المعتصم تمثل ببيتي أبي عبد الرحمن الأعمى الذي كان مع الحسن بن الحسين بن مصعب [1] : [من الكامل]
يبني الرجال وغيره يبني القرى ... شتان بين مزارع ورجال
قلق بكثرة ماله وسلاحه ... حتى يفرّقه على الأبطال
«82» - قيل: ما رئيت بنت عبد الله بن جعفر ضاحكة بعد أن تزوجها الحجاج، فقيل لها: لو تسليت فإنه أمر قد وقع، فقالت: كيف وبم [2] ؟
فوالله لقد ألبست قومي عارا لا يغسل درنه بغسل. ولما مات أبوها لم تبك عليه، فقيل لها: ألا تبكين على أبيك؟ قالت: والله إنّ الحزن ليبعثني وإنّ الغيظ ليصمتني. ولما أهديت إلى الحجاج نظر إليها في تلك الليلة وعبرتها تجول في خدّها فقال: ممّ تبكين؟ بأبي أنت؟ قالت: من شرف أتضع، ومن ضعة شرفت. ولما كتب عبد الملك إلى الحجاج بطلاقها قال لها: إن أمير المؤمنين أمرني بطلاقك، قالت: هو أبرّ بي ممّن زوّجك.
__________
[1] بن مصعب: سقطت من م.
[2] وبم: سقطت من م.
(2/48)

«83» - قيل ليزيد بن المهلب: ألا تبني دارا؟ فقال: منزلي دار الامارة.
«84» - وقيل للحسين بن حمدان في منزل بناه أخوه إبراهيم وأكثر من الإنفاق عليه، فقال: إنّا لا ننزل إلا دار الإمارة والقبر، فأخذ المعنى أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان فقال، وهو في الأسر: [من الكامل المجزوء]
من كان مثلي لم يبت ... إلا أميرا أو أسيرا
ليست تحلّ سراتنا ... إلا القبور أو القصورا
85- قام رجل إلى الرشيد ويحيى بن خالد يسايره فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل من المرابطة، وقد عطبت دابتي، فقال: يعطى ثمن دابة خمسمائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزل قال: يا أبة أومأت إليّ بشي لم أفهمه، فقال: يا أمير المؤمنين مثلك لا يجري هذا المقدار على لسانه، إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف إلى مائة ألف قال: فإذا سئلت مثل هذا كيف أقول؟ قال: تقول يشترى له دابة، يفعل به ما يفعل بأمثاله.
«86» - أهدى عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ولي مصر مائة وصيف مع كلّ وصيف ألف دينار، ووجّه بذلك ليلا، فردّه وكتب إليه: لو
(2/49)

قبلت هديتك ليلا لقبلتها نهارا فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
(النمل: 36) . وكان المأمون قال لطاهر: أشر عليّ بإنسان يكفيني أمر مصر والشام، فقال له طاهر: قد أصبته، فقال: من هو؟ قال: ابني عبد الله خادمك وعبدك، قال: كيف شجاعته؟ قال: معه ما هو خير من ذلك، قال المأمون: وما هو؟ قال: الحزم، قال: فكيف سخاؤه؟ قال:
معه ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: التنزه وظلف النفس، فولّاه فعفّ عن إصابة خمسة آلاف ألف دينار.
«87» - وكان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد من أصحاب الهمم والنبل والرياسة، قال: أنفذ إليّ أبو العبّاس تاش الحاجب رقعة في السرّ بخطّ صاحبه نوح بن منصور صاحب خراسان، يريدني فيها على الانحياز إلى حضرته ليلقي إليّ مقاليد ملكه، ويعتمدني لوزارته، ويحكّمني في ثمرات بلاده، فكان فيما اعتذرت به من تركي امتثال أمره والصّدر عن رأيه ذكر طول ذيلي، وكثرة حاشيتي، وحاجتي لنقل كتبي خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظنّ بما يليق بها من تجمّل؟
وكان يفطر عنده في شهر رمضان كل ليلة ألف نفس، قال عون بن الحسين الهمذاني التميمي: كنت يوما في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت حسبانات كاتبه [1] مبلغ عمائم الخز التي صارت تلك الشتوة في خلع العلويّة والفقهاء والشعراء، سوى ما صار منها في خلع الخدم والحاشية، ثمانمائة وعشرين.
__________
[1] اليتيمة: كاتبها (يعني الخزانة) .
(2/50)

«88» - قيل: أوّل يوم عرف فيه الحجاج أنه كان في الشرط مع عبد الملك بن مروان، فبعث إلى زفر بن الحارث عشرة هو أحدهم، فكلّموه وأبلغوه رسالة عبد الملك، فقال: لا سبيل إلى ما تريدون، فقال له أحدهم: أراه والله سيأتيك ما لا قبل لك به، ثم لا يغني عنك فسّاقك هؤلاء شيئا، فأطعني واخرج، قال: وحضرت الصلاة فقال: نصلّي ثم نتكلم، فأقام الصلاة وهم في بيته، فتقدّم زفر وصلّى بهم، وتأخر الحجاج فلم يصلّ، فقيل له: ما منعك من الصلاة؟ قال: أنا لا أصلّي خلف مخالف للجماعة مشاقّ للخلافة، لا والله لا يكون ذلك أبدا، فبلغت عبد الملك فقال: إنّ شرطيّكم هذا لجلد، فكان هذا مبدأ ظهور همته. ثم إن عبد الملك خطب بالكوفة بعد قتل مصعب، وندب الناس إلى قتال عبد الله بن الزبير فلم يقم أحد، فقام الحجاج فأقعده، ثم قام فقال: يا أمير المؤمنين إني رأيت في المنام كأني قتلته وسلخته، فلم يكن ليفعل به ذلك غيري فقال: أنت له، وولّاه حربه.
«89» - قال الجاحظ حدثني إبراهيم بن السنديّ قال: سمعت عبد الملك ابن صالح يقول، بعد إخراج المخلوع له من حبس الرشيد، وذكر ظلم الرشيد له وإقدامه عليه، وكان يأنس به ويثق بمودته وعقله: والله إن الملك لشيء ما نويته ولا تمنيته، ولا تصدّيت إليه ولا تبغيته [1] ، ولو أردته لكان أسرع إليّ من السيل إلى الحدور، ومن النار في يابس العرفج، وإني لمأخوذ بما لم أجن،
__________
[1] نثر: تبعته، م: تتبعته.
(2/51)

ومسؤول عمّا لا أعرف، ولكنه حين رآني للملك أهلا، ورأى للخلافة خطرا وثمنا، ورأى أنّ لي يدا تنالها إذا مدّت، وتبلغها إذا بسطت، ونفسا تكمل لها بخصالها، وتستحقها بخلالها، وإن كنت لم أختر تلك الخصال، ولا اصطنعت تلك الخلال، ولم أترشح [1] لها في سرّ، ولا أشرت إليها في جهر، ورآها تحنّ إليّ حنين الواله، وتميل نحوي ميل الهلوك، وخاف أن ترغب إلى خير مرغب وتنزع إلى أخصّ [2] منزع، عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها، ونصب في التماسها، وتعذّر [3] لها بجهده، وتهيأ لها بكلّ حيلة. فإن كان إنما حبسني على أني أصلح لها وتصلح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه. وإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من إعطابه، إلّا بأن أخرج له من الحلم والعلم، ومن الحزم والعزم، فكما لا يستطيع المضياع أن يكون حافظا، كذلك العاقل لا يستطيع أن يكون جاهلا، وسواء عاقبني على عقلي وعلمي أم على نسبي وسببي، وسواء عاقبني على خلالي أو على طاعة الناس لي، ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، ولشغلته عن التدبير، ولما كان فيه من الخطار إلا اليسير، ومن بذل الجهد إلا القليل.
«90» - كان سبب فتح المتعصم لعمورية أنّ امرأة من الثغر سبيت فصاحت: وا محمداه وامعتصماه، فبلغه الخبر، فركب لوقته وتبعه الجيش، فلما فتحها قال: لبيك.
«91» - ولما أسر المعتضد وصيفا عاد إلى إنطاكية وعليه قباء أصفر،
__________
[1] نثر: أرشح.
[2] نثر: أحص؛ م: أحصن.
[3] م ونثر: وتقدر.
(2/52)

فعجب الناس من تركه السواد، فقيل: إنه لما جاءه خبر وصيف وعصيانه كان ذلك القباء عليه، فركب وسار إلى طرسوس فأوقع به وأسره ولم ينزع قباءه.
«92» - قال عبد العزيز بن زرارة: [من البسيط]
لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه [1] ... ولا يضيق به صدري [2] إذا وقعا
كلّا لبست [3] فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشعت من لأوائها [4] جزعا
«93» - وقال الآخر: [من الكامل]
راع المهيرة في الظلام تأوّهي ... واستنبأت نبأي فقلت لها صه
غضّي وأرعي مقلتيك حمى الكرى ... للخفض نمت وللعلاء تنبّهي
أذر الزّلال إذا أردت وروده ... وأبلّ ريقي بالصّرى المتسنّه
إن قلّ مالي لم تشنّي فاقة ... وإذا سعيت إلى الغنى لم أشره
«94» - وقال الشنفرى: [من الطويل]
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متحوّل
__________
[1] الفرج: لا يملأ الهول صدري قبل وقعته.
[2] الفرج: ولا أضيق به ذرعا.
[3] البصرية: بلوت.
[4] البصرية: مكروهها.
(2/53)

وإني كفاني فقد من ليس جازيا ... بخير ولا في قربه متعلّل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيّع ... وأبيض إصليت وصفراء عيطل [1]
أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأستفّ ترب الأرض كيلا يرى له ... عليّ من الحق امرؤ متطوّل
ولولا اجتناب الذمّ لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لديّ ومأكل
ولكنّ نفسا حرّة لا تقيم بي ... على الضيم إلا ريثما أتحوّل
فاما تريني كابنة الرمل ضاحيا ... على قنّة أحفى ولا أتسر بل
فإني لمولى الصبر أجتاب بزّه ... على مثل قلب الليث والحزم أفعل
«95» - لما بلغ يزيد ومروان ابنا عبد الملك من عاتكة بنت يزيد بن معاوية قال لها عبد الملك: قد صار ابناك رجلين، فلو جعلت لهما من مالك ما يكون لهما فضيلة على إخوتهما، قالت: اجمع لي أهل معدلة من مواليّ ومواليك، فجمعهم وبعث معهم روح بن زنباع الجذامي، وكان [يدخل] على نسائهم، مدخل كهولتهم وجلّتهم، وقال له: أخبرها برضاي عنها، وحسّن لها ما صنعت، فلما دخلوا عليها اجتهد [2] روح في ذلك، فقالت: يا روح، أتراني أخشى على ابنيّ العيلة وهما ابنا أمير المؤمنين؟ أشهدكم أني قد تصدقت بمالي وضياعي على فقراء آل أبي سفيان، فقام روح ومن معه، فلما نظر إليه عبد الملك مقبلا قال: أشهد بالله لقد أقبلت بغير الوجه الذي أدبرت به، قال أجل، تركت معاوية في الإيوان آنفا، وخبّره بما كان، فغضب،
__________
[1] المشيع: الشجاع؛ الاصليت: الماضي؛ الصفراء العيطل: القوس الملساء الناعمة.
[2] ر: احتد.
(2/54)

فقال [روح] : مه يا أمير المؤمنين، هذا العقل [1] منها في ابنيك خير لهما ممّا أردت.
«96» ابن المعتز فيما [2] يدل على الهمّة: [من الوافر]
وبكر قلت موتي قبل بعل ... وإن أثرى وعدّ من الصميم
أأمزج باللئام دمي ولحمي ... فما عذري إلى النّسب الكريم
«97» - آخر: [من الطويل]
ومن يخش أطراف المنايا فاننا ... لبسنا لهنّ السّابغات من الصبر
وإنّ كريه الموت مرّ مذاقه ... إذا ما مزجناه بطيب من الذكر
وما رزق الإنسان مثل منيّة ... أراحت من الدنيا ولم يجز في القبر
«98» - كان إبراهيم الموصلي المغني ذا همة ونبل، فحدث مخارق أنه أتى محمد بن يحيى بن خالد في يوم مهرجان، فسأله محمد أن يقيم عنده، فقال:
ليس يمكنني لأنّ رسول أمير المؤمنين قد أتاني، قال: فتمرّ بنا إذا انصرفت ولك عندي كلّ ما يهدى إليّ اليوم، قال: نعم، وترك في المجلس صديقا له يحصي ما يبعث به إليه، قال: فجاءت هدايا عجيبة من كلّ صنف، قال: وأهدي إليه تمثال فيل من ذهب عيناه ياقوتتان، فقال محمد للرجل: لا تخبره بهذا حتى نبعث به إلى فلانة، ففعل، وانصرف إبراهيم إليه
__________
[1] م وبلاغات: الفعل.
[2] م: مما.
(2/55)

فقال: أحضرني ما أهدي لك، فأحضره ذلك كله إلا التمثال، وقال له: لا بدّ من صدقك، كان الأمر كذا وكذا، قال: لا إلّا على الشريطة وكما ضمنت لي، فجيء بالتمثال، فقال إبراهيم: أليس الهديّة لي وأعمل بها ما أريد؟ قال: بلى، قال: فردّ التمثال على الجارية، وجعل يفرّق الهدايا على جلساء محمد شيئا شيئا وعلى جميع من حضر من إخوانه وغلمانه وعلى من في دور الحرم [1] من جواريه حتى لم يبق منها شيئا، ثم أخذ من المجلس تفاحتين لما أراد الانصراف، قال: هذا لي، وانصرف، فجعل محمد يعجب من كبر نفسه ونبله.
«99» - قطع عبد الملك بن مروان عن آل أبي سفيان أشياء كان يجريها عليهم لمباعدة بينه [2] وبين خالد بن يزيد بن معاوية، فدخل عليه عمرو بن عتبة ابن أبي سفيان فقال: يا أمير المؤمنين أدنى حقّك متعب وتقصّيه فادح، ولنا مع حقّك علينا حق عليك، لقرابتنا منك وإكرام سلفنا لك، فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليك، وضعنا بحيث وضعتنا الرحم [3] منك، وزدنا بحسب [4] ما زادك الله، فقال عبد الملك: أفعل، وإنما يستحقّ عطيّتي من استعطاها، أمّا من ظنّ أنه يستغني بنفسه فسنكله إلى ذلك- يعرّض بخالد بن يزيد- ثم أقطع عمرا هزاردر [5] ، فبلغ ذلك خالدا فقال: أبا لحرمان يتهدّدني؟
يد الله فوق يده مانعة، وعطاؤه دونه مبذول، فأما عمرو فقد أعطى من نفسه أكثر مما أخذ.
__________
[1] م: الخدم.
[2] عيون: لتباعد كان بينه.
[3] ر: الرحمة.
[4] عيون: بقدر.
[5] ر: هزادر؛ م: هزاد.
(2/56)

«100» - وتشبه همة خالد في هذه القصة وضراعة عمرو، قول الكثيريّ: [من الكامل]
الموت أجمل بالفتى من خطة ... في الناس خوف شنارها يتقنّع
شتّان من أعطى الرجال ظلامة ... حذر البلاء وآخر لا يخضع
ليس الجزوع بمفلت من يومه ... والحرّ يصبر والأنوف تجدّع
لعن الإله عداوة لا تتّقى ... وقرابة يدلى بها لا تنفع
«101» - وكان سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ذا نخوة وهمة، قيل له عند الموت إن المريض ليستريح إلى الأنين، وإلى أن يصف ما به للطبيب، فقال: أما الأنين فو الله إنه لجزع وعار، ووالله لا سمع الله منّي أنينا فأكون عنده جزوعا، وأما صفة ما بي للطبيب فو الله لا يحكم غير الله في نفسي، فإن شاء قبضها وإن شاء وهبها ومنّ بها وقال: [من الطويل]
أجاليد من ريب المنون فلا ترى ... على هالك عينا لنا الدهر تدمع
«102» - قال عليّ عليه السلام: كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب.
«103» - ومن كلامه عليه السلام: أكرم نفسك عن كلّ دنيّة، وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تكن
(2/57)

عبد غيرك وقد جعلك الله حرّا.
«104» - قال رجل لسعيد بن العاص وهو أمير الكوفة: يدي عندك بيضاء، قال: وما هي؟ قال: كبت بك فرسك، فتقدّمت إليك غلمانك [1] ، فرفعت بضبعك، وهززتك ثم سقيتك ماء، ثم أخذت ركابك حتى ركبت، قال: فأين كنت؟ قال: حجبت عنك، قال: أمرنا لك بمائتي ألف درهم وبما يملكه الحاجب تأديبا [2] له أن يحجب مثلك، وهذه وسيلتك.
«105» - المتنبي [3] : [من الطويل]
أهمّ بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن فعله وأطارد
وحيدا من الخلّان في كلّ منزل ... إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
(2) وله: [من الخفيف]
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
(3) وقال: [من الطويل]
وإنّا لنلقى الحادثات بأنفس ... كثير الرزايا عندهنّ قليل
__________
[1] البصائر: وقد تقدمت غلمانك.
[2] ر: بأذننا.
[3] م: والمتنبي الذي يقول.
(2/58)

يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول
«105» .- (4) وقال: [من الطويل]
تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النحل
«106» - قال رجل لقتيبة بن مسلم: أتيناك لا نرزأك ولا نبكأك، وإنما نسألك جاهك، فقال: سألتم أثقل الأمور عليّ، والله إنا لنعطي أموالنا وقاية لوجوهنا.
«107» - قيل لأبي مسلم: بم أصبت ما أصبت؟ قال: ارتديت بالصبر، وائتزرت بالكتمان، وحالفت الحزم، ولم أجعل العدوّ صديقا ولا الصديق عدوا.
«108» ومن كبر النفس ما روي عن قيس بن زهير العبسي أنه لما تنقّل في العرب احتاج، فكان يأكل الحنظل حتى قتله ولم يخبر أحدا بحاجته.
«109» - قال المفضل بن المهلب: [من الطويل]
هل الجود إلا أن تجود بأنفس ... على كلّ ماضي الشفرتين قضيب
ومن هزّ أطراف القنا خشية الردى ... فليس لحمد صالح بكسوب
وما هي إلا رقدة تورث العلى ... لرهطك ما حنّت روائم نيب
(2/59)

«110» - دخل النخّار العذريّ على معاوية في عباءة، فاحتقره معاوية، فرأى ذلك النخار في وجهه فقال: يا أمير المؤمنين ليست العباءة تكلّمك، إنما يكلمك من فيها، ثم تكلم فملأ سمعه ولم يسأله، فقال معاوية: ما رأيت رجلا أحقر أوّلا ولا أجلّ آخرا منه.
«111» - قال شاعر: [من الطويل]
كفى حزنا أنّ الغنى متعذّر ... عليّ وأني بالمكارم مغرم
فو الله ما قصّرت في طلب العلى ... ولكنني أسعى إليها فأحرم
«112» - ومن المستحسن في ظلف النفس وبعد شأوها ما روي عن أمّ سليمان بن علي، وهي أمة من الصغد، قال جعفر بن عيسى الهاشمي: حضر علي بن عبد الله بن العبّاس عند عبد الملك بن مروان [1] وقد أهدي له من خراسان جارية وفص وسيف فقال: يا أبا محمد إن حاضر الهديّة شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحدا، فاختار الجارية، وكانت تسمّى سعدى، وهي من سبي الصغد من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان بن علي، فلما أولدها اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدريّ خرج عليه، فانصرف عليّ
__________
[1] ر: عبد الله بن مروان.
(2/60)

من مصلّاه فإذا بها على فراشه، فقال: مرحبا بك يا أمّ سليمان، فوقع بها فأولدها صالحا، فاجتنبته بعد، فسألها عن ذلك فقالت: خفت أن يموت سليمان فينقطع السبب [1] بيني وبين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فالآن إذ ولدت صالحا فبالحرى إن ذهب أحدهما أن يبقى الآخر، وليس مثلي وطئه الرجال، وكانت فيها رتّة، وهي الآن معروفة في ولد سليمان وولد صالح.
«113» - وكان علي يقول: أكره أن أوصي إلى محمد، وكان سيّد ولده، خوفا من أن أشينه بالوصيّة، فأوصى إلى سليمان، فلما دفن علي جاء محمد إلى سعدى هذه ليلا فقال: أخرجي إليّ وصيّة أبي، قالت: إنّ أباك أجلّ من أن تخرج وصيته ليلا، ولكنها تأتيك غدا، فلما أصبح غدا عليه بها سليمان فقال: يا أبي ويا أخي، هذه وصية أبيك، قال: جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لأثّرب على أبي بعد موته كما لم أثّرب عليه في حياته.
113 ب- الرتّة كالرتج تمنّع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل؛ والتمتمة الترديد في التاء، والفأفأة الترديد في الفاء، والعقلة التواء اللسان عند إرادة الكلام، والحبسة تعذّر الكلام عند إرادته، واللّفف إدخال حرف في حرف، والغمغمة أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحروف، والطمطمة أن يكون الكلام مشبها لكلام العجم، واللكنة أن تعترض على الكلام اللغة الأعجمية، واللثغة أن يعدل بحرف إلى حرف، والغنّة أن يشوب الحرف صوت الخيشوم، والخنّة أشدّ منها، والترخيم حذف الكلام. ويقال رجل
__________
[1] م: النسب.
(2/61)

فأفاء، تقديره فاعال، ونظيره من الكلام ساباط وخاتام؛ والحكلة نقصان آلة النطق حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال؛ فأما الرتّة فانها تكون غريزية، قال الراجز:
يا أيها المخلّط الأرتّ
ويقال إنها كثيرة في الاشراف. وأما المغمغة فقد تكون من الكلام وغيره لأنه [1] صوت لا يفهم تقطيع حروفه.
«114» - وكان فيروز حصين شريف الأفعال بعيد الهمة، وهو من أهل بيت في العجم، فلما أسلم [2] والى حصين بن عبد الله العنبريّ من ولد طريف بن تميم، وكان فيروز شجاعا جوادا نبيل الصورة جهير الصوت. ويروى أن رجلا من العرب كانت أمه فتاة فقاول بني عمّ له فسبّوه بالهجنة، ومرّ فيروز حصين فقال: هذا خالي فمن منكم له خال مثله؟ وظنّ أن فيروز لم يسمعها، وسمعها فيروز، فلما صار إلى منزله بعث إلى الفتى فاشترى له جارية ومنزلا ووهب له عشرة آلاف درهم.
«115» - ومن مآثره أنّ الحجاج لما واقف ابن الأشعث نادى منادي الحجاج من أتاني برأس فيروز حصين فله عشرة آلاف درهم، ففصل فيروز من الصفّ فصاح بالناس وقال: من عرفني فقد عرفني وقد اكتفى، ومن لم يعرفني فأنا فيروز حصين، وقد عرفتم مالي ووفائي فمن أتاني برأس الحجاج فله مائة ألف
__________
[1] م: فانها.
[2] م: أسلموا.
(2/62)

درهم، قال الحجاج: تركني أكثر التلفت وإني لبين خاصتي. فأتي به الحجاج فقال: أنت الجاعل في رأس أميرك مائة ألف درهم؟ قال: قد فعلت، فقال: ولا والله لأمهدنك ثم لأحملنّك على مركب صعب، ثم قال: أين المال؟ قال: عندي فهل إلى الحياة من سبيل؟ قال: لا، قال: فأخرجني إلى الناس حتى أجمع لك المال فلعل قلبك يرقّ عليّ، ففعل الحجاج، فخرج فيروز فأحلّ الناس من ودائعه وأعتق رقيقه وتصدّق بماله، ثم ردّ إلى الحجاج فقال: شأنك الآن فاصنع ما شئت، فشّدّ في القصب الفارسيّ ثم سلّ حتى شرّح ثم نضح بالخلّ والملح فما تأوه حتى مات.
«116» - كان أوس بن حارثة بن لام الطائي سيدا شريفا، فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو بن هند الملك، وأبوه المنذر بن ماء السماء، فدعا أوسا فقال: أنت أفضل أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن، لو ملكني حاتم وولدي ولحمي [1] لوهبنا في غداة واحدة؛ ثمّ دعا حاتما فقال:
أنت أفضل أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن، إنما ذكرت بأوس، ولأحد ولده أفضل مني.
«117» - وكان النعمان بن المنذر دعا بحلّة، وعنده وفود العرب من كلّ حيّ، فقال: احضروا في غداة غد فاني ملبس هذه الحلة أكرمكم، فحضر القوم جميعا إلا أوسا، فقيل له: لم تتخلّف؟ فقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء لي أن لا أكون حاضرا، وإن كنت المراد بها فسأطلب ويعرف
__________
[1] م والكامل: ولحمتي.
(2/63)

مكاني. فلما جلس النعمان لم ير أوسا فقال: اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمنا مما خفت، فحضر فألبس الحلّة، فحسده قوم من أهله [1] فقالوا للحطيئة:
اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال الحطيئة: كيف أهجو رجلا لا أرى في بيتي أثاثا ولا مالا إلا من عنده؟ ثم قال: [من البسيط]
كيف الهجاء وما تنفكّ صالحة ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
فقال لهم بشر بن أبي خازم الأسدي: أنا أهجوه لكم، فأخذ الابل وفعل، فأغار عليها أوس فاكتسحها، وطلبه فجعل لا يستجير أحدا إلا قال له: قد أجرتك إلا من أوس، وكان في هجائه قد ذكر أمّه، فأتي به، فدخل أوس الى أمّه فقال: قد أتينا ببشر الهاجي لك ولي، فما ترين فيه؟
فقالت: أو تطيعني؟ قال: نعم، قالت: أرى أن تردّ عليه ماله وتعفو عنه وتحبوه، وأفعل مثل ذلك به، فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه، فخرج إليه فقال: إنّ أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا وكذا، قال:
لا جرم والله لا مدحت حتى أموت أحدا غيرك.
«118» - وقيل إنّ المخبّل السعديّ مرّ بخليدة بنت بدر أخت الزبرقان بعد ما أسنّ وضعف بصره، وكان من قبل قد أفرط في هجائها، فأنزلته وقرته [2] وأكرمته ووهبت له وليدة، وقالت له: إني آثرتك بها يا أبا يزيد فاحتفظ بها، فقال لها: ومن أنت حتى أعرفك وأشكرك؟ قالت: لا عليك، قال:
بل، قالت: أنا بعض من هتكت بشعرك ظالما، أنا خليدة بنت بدر، قال: يا سوأتا منك فإني أستغفر الله وأستقيلك وأعتذر إليك، ثم قال: [من الطويل]
__________
[1] م: فحسده القوم وهم قوم من أهله.
[2] م: وفدته.
(2/64)

لقد ضل حلمي في خليدة إنني ... سأعتب قومي بعدها وأتوب
فأقسم بالرحمن أن قد ظلمتها ... وجرت عليها والهجاء كذوب
«119» - سأل عبد الله بن عبّاس صعصعة بن صوحان عن السؤدد قال:
إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكفّ المرء نفسه مع الحاجة عن السؤال.
«120» - قال له: صف لي أخويك بما فيهما لأعرف ميزتك [1] فقال: أما زيد فكما قال أخو غنيّ: [من الطويل]
فتى لا يبالي أن يكون بوجهه ... إذا نال خلّات الكرام شحوب
(وهي أبيات ذكرت في المديح) ثم قال: كان والله يا ابن عبّاس عظيم المروّة، شريف الأبوّة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش الغزوة، زين الندوة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الفكر [2] ، ذاكرا لله طرفي النهار وزلفا من الليل، الجوع والشبع عنده سيّان، لا منافس في الدنيا ولا غافل عن الآخرة، يطيل السكوت ويديم الفكر ويكثر الاعتبار، ويقول الحقّ ويلهج بالذكر، ليس في قلبه عير ربّه، ولا يهمّه غير نفسه، فقال ابن عبّاس: ما ظنّك برجل سبقه عضو منه إلى الجنّة؟ رحم الله زيدا. فأين كان عبد الله منه؟
قال: كان عبد الله سيّدا شجاعا، سخيا مطاعا، خيره وساع، وشرّه دفاع، قلّبيّ النحيزة، أحوذيّ الغريزة، لا ينهنه منهنه عما أراده، ولا يركب إلا ما
__________
[1] م: وزنكم.
[2] م: قليل الوساوس في الفكر.
(2/65)

اعتاده، سمام العدى، فيّاض الندى، صعب المقادة، جزل الوفادة، أخا إخوان، وفتى فتيان (وذكر أبياتا للبرجمي غير مختارة، في خبر طويل) .
«121» - وروي أن رجلا قال لمعن بن زائدة في مرضه: لولا ما منّ الله به من بقائك لكنا كما قال لبيد: [من الكامل]
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
فقال له معن: إنما تذكر أني سدت حين ذهب الناس، فهلّا قلت كما قال نهار ابن توسعة: [من الخفيف]
قلّدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تهلك السراة البحور
«122» - ومن صفات السيّد قول الخنساء في صخر: [من المتقارب]
طويل النجاد رفيع العماد ... ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدّوا بأيديهم ... إلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم مضى مصعدا
يكلّفه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
ترى الحمد يهوي إلى بيته ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا
«123» - وقول جرير: [من الطويل]
وإني لأستحيي أخي أن يرى له ... عليّ من الحقّ الذي لا أرى ليا
(2/66)

«124» - قال معاوية: اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم، فإنّ فيه مآثر أسلافكم، ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهرير وقد عزمت على الفرار فما ردّني إلا قول ابن الاطنابة: [من الوافر]
أبت لي عفّتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
«125» - قال عامر بن الطفيل [1] : [من الطويل]
إني وإن كنت ابن سيّد عامر ... وفي السرّ منها والصريح المهذّب
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبي الله أن أسموا بأمّ ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمقنب
«126» - وإلى هذا المعنى نظر المتوكّل الليثي في شعره السائر وهو: [من الكامل]
__________
[1] م: عامر بن الطفيل الذي يقول.
(2/67)

لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
127- وقول الآخر، وقد أجاد القول فيه [1] : [من الكامل]
لسنا إذا ذكر الفعال كمعشر ... أزرى بفعل أبيهم الأبناء
«128» - وقال عوف [2] بن الأحوص: [من الطويل]
وإني لترّاك الضغينة قد أرى ... ثراها من المولى فلا أستثيرها
إذا قيلت العوراء ولّيت [3] سمعها ... سواي ولم أسأل بها ما دبيرها
لعمري لقد أشرفت يوم عنيزة ... على طمع لو شدّ نفسي مريرها
ولكنّ هلك الأمر ألّا تمرّه ... ولا خير في ذي مرّة لا يغيرها
«129» - وقال ابن هرمة وقد أجاد فيه [4] : [من الطويل]
وإني وإن كانت مراضا صدوركم ... لملتمس البقيا سليم لكم صدري
وان ابن عمّ المرء من شدّ أزره ... وأصبح يحمي غيبه وهو لا يدري
وانّ الكريم من يكرّم معشرا ... على ما اعتراه لا يكرّم ذا يسر
وما غيّرتني ضجرة عن تكرّمي ... ولا عاب أضيافي غناي ولا فقري
__________
[1] وقد أجاد القول فيه: زيادة من م.
[2] م: العوف.
[3] م: أوليت.
[4] وقد أجاد فيه: زيادة من م.
(2/68)

«130» - وقال الحضين بن المنذر وأحسن وأجاد [1] : [من الكامل]
إنّ المكارم ليس يدركها امرؤ ... ورث المكارم عن أب فأضاعها
أمرته نفس بالدناءة والخنا ... ونهته عن طلب العلى فأطاعها
وإذا أصاب من الأمور كريمة ... يبني الكريم بها المكارم باعها
«131» - وقال آخر [2] : [من الطويل]
وإني لأستحيي صحابي أن يروا ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
أكفّ يدي عن أن [3] تنال أكفّهم ... إذا نحن أهوينا إلى زادنا معا [4]
أبيت خميص البطن مضطمر الحشا ... حياء وأخشى الذمّ [5] أن أتضلّعا
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
«132» - وقال رافع بن حميضة [6] : [من الطويل]
__________
[1] وأحسن واجاد: زيادة من م.
[2] م: وقال حاتم بن عدي الطائي.
[3] الديوان: أقصر كفي أن.
[4] الديوان: وحاجاتنا معا.
[5] الديوان: أخاف الذم.
[6] زاد في م: وقد جود فيه.
(2/69)

وإنّي لعفّ عن زيارة جارتي ... وإنّي لمشنوء إليّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زؤورا ولم تأنس إليّ كلابها
وما أنا بالداري خبيئة سرها [1] ... ولا عالما من أيّ حوك [2] ثيابها
وإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها [3]
«133» - وقال حسّان بن حنظلة: [من الكامل]
تلك ابنة العدويّ قالت باطلا ... أزرى بقومك قلّة الأموال
إنا لعمر أبيك يحمد ضيفنا ... ويسود مقترنا على الإقلال
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... ويزيد جاهلنا على الجهال
«134» - قدم عقيل بن علّفة على عبد الملك فقال له: ما أحسن أموالكم عندكم؟ قال: ما ناله أحدنا عن أخيه تفضلا، قال: ثم أيها؟
قال: مواريثنا، قال: فأيها أسرى؟ قال: ما استنقذناه بوقعة خوّلت نعما، قال: فما مبلغ عزكم؟ قال: لم يطمع فينا ولم نؤمن قال: فما مبلغ جودكم؟
قال: ما عقد مننا وأبقى ذكرا، قال: فكيف خفارتكم؟ قال: يدفع الرجل منا عن المستجير به كما يدفع عن نفسه، قال: مثلك فليصف قومه.
«135» - قال أبو خراش الهذليّ: [من الطويل]
__________
[1] بهجة والشجري: ولم اك طلابا أحاديث سرها.
[2] بهجة: جنس.
[3] بعد هذا الموضع ينتهي السقط في ع.
(2/70)

وإني لأثوي الجوع حتى يملّني ... فيذهب لم تدنس ثيابي ولا جرمي
وأغتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم [1]
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطّعم
مخافة أن أحيا برغم وذلّة ... وللموت خير من حياة على رغم
«136» - قال المأمون: الرتبة نسب تجمع أهلها، فشريف العرب أولى بشريف العجم من شريف العرب بوضيع العرب، وشريف العجم أولى بشريف العرب من شريف العجم بوضيع العجم، فأشراف الناس طبقة كما أن أوضاعهم طبقة.
«137» - وقال مرة: أهل السوق سفل، والصنّاع أنذال، والتجار بخلاء، والكتاب ملوك على النّاس.
«138» - قال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة بن حصن، وبلغه أنه أتي في ديات فعجز عنها وضمن منها أشياء يسيرة: يا أسماء بلغني عنك أشياء حسان أحببت أن أسمعها منك. قال: يا أمير المؤمنين هي من غيري أحسن، قال: لتفعلن، قال: يا أمير المؤمنين ما قدّمت ركبتي أمام جليسي مخافة أن يرى ذلك مني استخفافا بمجالسته، ولا صنعت طعاما قطّ فدعوت إليه إنسانا فأجابني إلا كنت له شاكرا حتى ينصرف ورأيت له الفضل إذ رآني للإجابة أهلا، ولا بذل لي رجل وجهه في حاجة فرأيت أنّ شيئا من الدنيا
__________
[1] المزلج: الذي ليس بمتين من الرجال وغيرهم.
(2/71)

عوض لبذل وجهه. فقال: ما أحقّ من كانت هذه الخصال فيه أن يكون شريفا!! وقد بلغني أنك أتيت في ديات ولم تكن بالضعيف عنها فاحتملت منها القليل، فقال: يا أمير المؤمنين: قد قلت في ذلك ما عذرت به إلا أن يهجّنني مهجّن، قال: وما قلت؟ قال: قلت: [من الطويل]
يرى المرء أحيانا إذا قلّ ماله ... إلى المجد سورات فلا يستطيعها
وليس به بخل ولكنّ ماله ... يقصّر عنها والبخيل يضيعها
فقال عبد الملك: هذا النقد الحاضر بالميزان العدل، حركناك فظهر الأحسن.
139- وقال أعرابي من طيء [1] : [من الطويل]
إذا الريح حلّت بالجهام تلفّه ... مدى ليله شلّ النعام الطرائد
وأعقب نوء المرزمين بهبوة ... وغيم قليل الماء بالليل بارد
كفى خلّة الأضياف حتى يزيحها ... عن الحيّ منا كلّ أروع ماجد
وليس أخونا عند شرّ يخافه ... ولا عند خير يرتجيه بواحد
إذا قال من للمعضلات أجابه ... عظام اللهى منّا طوال السواعد
وللموت خير للفتى من حياته ... إذا لم يطق علياء إلا بقائد
«140» - دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز وعليه ريطة من رياط مصر فقال: بكم أخذت هذه يا أبا سعيد؟ قال: بكذا وكذا.
قال: فلو نقصت من ثمنها شيئا أكان ناقصا من شرفك؟ قال: لا، قال:
فلو زدت في ثمنها شيئا أكان زائدا في شرفك؟ قال: لا، قال: فاعلم يا
__________
[1] زاد في م: وهو الذي أنشد.
(2/72)

مسلمة أن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضل اللين ما كان بعد الولاية.
«141» - معد بن الحسين [1] بن خيارة الفارسيّ المغربي: [من البسيط]
تضيق في عيني الدنيا ويعجبني ... في فسحة الجوّ تصعيدي وتصويبي
كأنني حامل رحلي على فلك ... تسري به عزماتي وهو يسري بي
«142» - ابن ميخائيل المغربي: [من الكامل]
ومن العجائب أن ترى مستصغرا ... لملمّة من لا يرى مستعظما
يقتاده الأمل القريب فينثني ... عنه إلى الأمل البعيد تقدما
ما بين أفئدة المنون مطنّبا ... أطنابه وعلى الحتوف مخيّما
وابن المهامة إن أراد يقوده ... عزم يقود به الجديل وشدقما
يستنّ من مجهولها في هبوة ... لو شقّها السّمع الأزلّ تندّما
«143» - ومن الحمية والأنف ما رواه أبو رياش يسنده إلى رجل من كندة كوفي قال: كنت أجالس شريحا وهو قاض لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فإني لفي مجلسه ذات يوم إذا أقبل رجل جيدر صعل الرأس ناتىء
__________
[1] ر: حسن؛ م: حسين.
(2/73)

الجبهة ثطّ اللحية [1] كأنه محراث، ومعه امرأة كالبكرة العيساء [2] تدير مقلتين نجلاوين كأن هدبها قوادم خطّاف، ثم أبرزت كفا كبياض الإغريض [3] ، وأنامل كبنات النّقا، فقالت: أيها الحاكم هذا بعلي، فقال شريح للرجل:
أكذاك؟ فكشر بشفتين بثعاوين [4] عن ثنايا ثعل [5] كأنها سناسن عير فقال:
نعم، فقال شريح للمرأة: وما قصّتك؟ قالت: إنه ابن عمي، وأنا خولة ابنة مخرمة إحدى نساء بني جرم ابن زبّان، وانه خرج بي وغرّبني عن بلادي وقومي وذوي قرابتي فصرت لا أنظر إلا إليه ولا أعوّل إلا عليه، وهو نهم إذا أكل، فلحس [6] إذا سأل، حريص مقفل اليدين بالبخل، مطلق اللسان بالخطل، يأكل وحده، ويخلف وعده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، فحّاش نجّاش [7] ، إن سانيت قطّب، وإن راشيت غضب [8] ، يصون ماله، ويهين عياله، فقال شريح: تالله ما رأيت كاليوم ذمّا أشنع، أحسني ملأ [9] أيتها الحرة، فإنه بعلك وابن عمك، فجثا الرجل على ركبتيه ثم قال: يا للأفيكة أيها الحاكم: [من البسيط]
سائل سراة بني جرم فانهم ... قد ينبئونك بالجالي من الخبر
هل أترك البكرة الكوماء كائسة [10] ... إذا تلاعبت النكباء بالخطر
للجار والضيف والمعترّ قد علموا ... في ليلة تتبع الشفّان بالخصر [11]
__________
[1] الجيدر: القصير؛ الصعل: الدقيق الصغير؛ ثط: قليل شعر اللحية.
[2] العيساء: البيضاء في شقرة.
[3] الاغريض: الطلع.
[4] بثعت الشفة: غلظ لحمها وظهر دمها.
[5] ثعل: متداخلة، نبت واحدها تحت الآخر.
[6] الفلحس: الملح في السؤال.
[7] نجاش: وقاع في الناس.
[8] سانى: راضى ودارى؛ راشى: لاين.
[9] الملأ: الخلق والعشرة: وفي م: كلامك.
[10] البكرة: الناقة الفتية؛ الكوماء: الضخمة السنام؛ كائسة: عقيرة.
[11] الشفان: الريح الباردة؛ الخصر: البرد.
(2/74)

وأترك الخصم مصفرّا أنامله ... دامي المرادغ منكبّا على العفر [1]
وأنظر الخصم ذا العوصاء حجّته ... حتى يلجلج بين العيّ والحصر
واسألهم هل رموا بي صدر معضلة ... فلم أكافح شبا أنيابها البتر
واسألهم كيف ذبّي عن ذمارهم ... إذا ترامى استعار الحرب بالشّرر
إني لأعظم في صدر الكميّ [2] على ... ما كان فيّ من التجدير [3] والقصر
حتى يصدّ لواذا عن مبادهتي ... صدّ الهجارس [4] عن ذي اللبدة الهصر
تالله تجمع شخصينا ملاءمة ... من بعد ذا اليوم في بدو ولا حضر
فقال شريح: أوضح عن نيتك، عافاك الله. قال: نعم هي طالق ثلاثا وهذا السائب بن عمرو فهو ابن أبي وأمها [5] يقوم بمؤونتها إلى انقضاء عدتها.
«144» - المتلمس [6] : [من الطويل]
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة ... وموتن بها حرّا وجلدك أملس
فمن حذر الأوتار ما حزّ أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرّع القوم حوله ... تبيّن في أثوابه كيف يلبس
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
__________
[1] المرادغ: ما بين العنق إلى الترقوة؛ العفر: التراب.
[2] الكميّ: الفارس.
[3] ر: التجرير.
[4] الهجارس: جمع هجرس وهو الثعلب.
[5] الزجاجي: بن عمرو بن أبي وليها.
[6] م: والمتلمس في هذا المعنى هو الذي يقول.
(2/75)

«145» - وقال بيهس نعامة حيث قتل قتلة إخوته: [من الرجز]
شفيت يا مازن حرّ صدري ... أدركت ثأري ونقضت وتري
كيف رأيتم طلبي وصبري ... السيف عزّي والاله ظهري
«146» - أنشد زيد بن علي وقد نهض من عند هشام بن عبد الملك مغضبا لكلام مما دار بينهما: [من الخفيف]
من أحبّ الحياة أصبح في قي ... د من الذلّ ضيّق الحلقات
ثم خرج فكان من أمره ما كان.
«147» وفد يحيى بن عروة بن الزبير على عبد الملك، فذكر حاجبه عبد الله بن الزبير فنال منه، فضرب يحيى وجهه حتى أدمى أنفه، فقال له عبد الملك: من فعل [1] بك؟ قال: يحيى، قال: أدخله، وكان متكئا فجلس وقال: ما حملك على ما صنعت بحاجبي؟ قال: يا أمير المؤمنين عمي عبد الله كان أحسن جوارا لعمتك منك لنا، والله إن كان ليوصي أهل ناحيته أن لا يسمعوها قذعا، وإن كان ليقول لها: من سّب أهلك فسبّي أهله، أنا
__________
[1] فعل: سقطت من ر.
(2/76)

والله المعمّ المخول، تفرقت العرب عن عمي وخالي، وكنت كما قال الأوّل: [من الطويل]
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما
فرجع عبد الملك إلى متكأه ولم يزل يعرف فيه الإكرام ليحيى، وكانت أمّ يحيى بنت الحكم ابن أبي العاص عمة عبد الملك.
«148» - ثابت قطنة: [من الوافر]
فما حلموا ولكن قد نهتهم ... سيوف [1] الأزد والعز القديم
وخيل كالقداح مسوّمات ... يفيض لما مغابئها حميم
عليها كلّ أبيض دوسريّ ... أغرّ تزين غرّته الكلوم [2]
به تستعتب السفهاء حتى ... ترى السفهاء تدركها الحلوم
149- قال بزرجمهر لكسرى وعنده أولاده: أيّ أولادك أحبّ إليك؟ فقال: أرغبهم في الأدب، وأجزعهم من العار، وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقه.
«150» - وقال معاوية: طيروا الذمّ في وجوه الصبيان، فإن بدا في وجوههم الحياء وإلا فلا تطمعوا فيهم.
«151» - السريّ الرفاء: [من المنسرح]
__________
[1] ر: سيود.
[2] الديوان: عزيز لا يفر ولا يريم.
(2/77)

لا تعجبوا من علوّ همته ... وسنّه في أوان منشاها
إن النجوم التي تضيء لنا ... أصغرها في العيون أعلاها
«152» بينما عبد الملك بن صالح يسير مع الرشيد في موكبه إذ هتف هاتف: يا أمير المؤمنين طأطىء من إشرافه، وقصّر من عنانه، واشدد من شكاله، فقال الرشيد: ما يقول هذا: فقال عبد الملك: مقال معاند ودسيس حاسد، قال: صدقت، نقص القوم وفضلتهم، وتخلّفوا وسبقتهم، حتى برز شأوك، وقصّر عنك غيرك، ففي صدورهم جمرات التخلّف وحزازات التبلد، فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين فأضرمها عليهم بالمزيد.
«153» - المتنبي: [من الطويل]
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّة ... فلا تستعدنّ الحسام اليمانيا
ولا تستطيلنّ الرماح لغارة ... ولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطّوى ... ولا تتّقى حتى تكون ضواريا
«154» - النمريّ [1] : [من الطويل]
يقولون في بعض التذلّل عزّة ... وعادتنا أن ندرك العزّ بالعزّ
أبى الله لي والأكرمون عشيرتي ... مقامي على دحض ونومي على وخز
__________
[1] م: والنمري هو الذي أنشد في هذا المعنى وقد أجاد فيه.
(2/78)

«155» - قال يحيى بن خالد للعتابي في لباسه، وكان لا يبالي ما لبس، فقال: يا أبا عليّ أخزى الله امرءا رضي أن ترفعه هيئتاه من ماله وجماله، فإنما ذلك حظّ الأدنياء من الرجال والنساء، لا والله حتى يرفعه أكبراه: همّته ونفسه، وأصغراه: قلبه ولسانه.
«156» قرأ الرشيد، قوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
(الزخرف:
51) فقال لعنه الله، ادّعى الربوبيّة بملك مصر، والله لأولّينّها أخسّ خدمي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه.
«157» - أبو زبيد الطائي: [من الوافر]
إذا نلت الإمارة فاسم منها ... إلى العلياء بالسّبب الوثيق
ولا تك عندها حلوا فتحسى ... ولا مرّا فتنشب في الحلوق
وكل امارة إلا قليلا ... مغيّرة الصديق على الصديق
«158» - قال رؤبة: بعث إليّ أبو مسلم لما أفضت الدولة إلى بني
(2/79)

هاشم، فلما دخلت إليه رأى مني جزعا فقال: اسكن فلا بأس عليك، ما هذا الجزع الذي ظهر منك؟ قلت: أخافك، قال: ولم؟ قلت: لأنّه بلغني أنك تقتل الناس، قال: إنما أقتل من يقاتلني ويريد قتلي، أفأنت منهم؟ قلت:
لا، فأقبل على جلسائه ضاحكا فقال: أما أبو العجاج فقد رخّص لنا، ثم قال: أنشدني قولك [1] : [من الرجز]
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
فقلت: أو أنشدك أصلحك الله أحسن منه؟ قال: هات، فأنشدته: [من الرجز]
قلت ونسجي مستجد حوكا ... لبّيك إذ دعوتني لبيكا
أحمد ربا ساقني إليكا
قال: هات كلمتك الأولى. قلت: أو أنشدك أحسن منها؟ قال:
هات، فأنشدته: [من الرجز]
ما زال يبني خندقا وتهدمه ... ويستجيش عسكرا وتهزمه
ومغنما يجمعه وتقسمه ... مروان لما أن تهاوت أنجمه
وخانه في حكمه منجمه
قال: دع هذا وأنشدني: وقاتم الأعماق. فقلت: أو أحسن منه؟
قال: هات فأنشدته: [من الرجز]
رفعت بيتا وخفصت بيتا ... وشدت ركن الذين إذ بنيتا
في الأكرمين من قريش بيتا
قال: هات ما سألتك عنه، فأنشدته: [من الرجز]
__________
[1] قولك: سقطت من ر.
(2/80)

ما زال يأتي الأمر من أقطاره ... على اليمين وعلى يساره
مشمرا لا يصطلى بناره ... حتى أقرّ الملك في قراره
وفرّ مروان على حماره
فقال: ويلك هات ما دعوتك له وأمرتك بانشاده ولا تنشد شيئا غيره فأنشدته: «وقاتم الأعماق» فلما وصلت إلى قولي:
ترمي الجلاميد بجلمود مدقّ
قال: قاتلك الله لشدّ ما استصلبت الحافر، ثم قال: حسبك أنا ذلك الجلمود المدق. قال: وجيء بمنديل فيه مال فوضع بين يديّ، فقال أبو مسلم: يا رؤبة إنك أتيتنا والأموال مشفوفة (يقال: اشتفّ ما في الاناء وشفّه إذا أتى عليه) وإنّ لك إلينا لعودة وعلينا معوّلا والدهر أطرق مستتب، فلا تجعل بيننا وبينك الأسدّة؛ قال رؤبة: فأخذت المنديل منه، وتالله ما رأيت أعجميا أفصح منه، وما ظننت أنّ أحدا يعرف هذا الكلام غيري وغير أبي.
«159» - قال أبو الفرج الأصفهاني: حضرت أبا عبد الله الباقطائي وهو يتقلّد ديوان المشرق وقد تقلد ابن أبي السلاسل ماسبذان ومهر جانقذق وجاءه ليأخذ كتبه، فجعل يوصيه كما يوصي أصحاب الدواوين والعمال، فقال ابن أبي السلاسل: كأنك قد استكثرت لي هذا العمل؛ أنت أيضا قد كنت
(2/81)

تكتب لأبي العبّاس ابن ثوابة ثم صرت صاحب ديوان. فقال له الباقطائي: يا جاهل يا مجنون لولا أنه قبيح بمثلي مكافأة مثلك لراجعت الوزير- أيده الله- في أمرك حتى أزيل يدك، ومن لي بأن أجد مثل ابن ثوابة في هذا الزمان فأكتب له ولا أريد الرياسة، ثم أقبل علينا يحدثنا فقال: دخلت مع أبي العبّاس ابن ثوابة إلى المهتدي وكان سليمان بن وهب وزيره، وكان يدخل إليه الوزير وأصحاب الدواوين والعمال والكتاب فيعملون بحضرته ويوقّع إليهم في الأمور. فأمر سليمان بأن يكتب عنه عشرة كتب مختلفة إلى جماعة من العمال، فأخذ سليمان بيد أبي العبّاس ابن ثوابة ثم قال له: أنت اليوم أحدّ ذهنا مني فهلمّ نتعاون، ودخلا بيتا ودخلت معهما، وأخذ سليمان خمسة أنصاف وأبو العبّاس خمسة أخر [1] ، فكتبا الكتب التي أمر بها، ما احتاج أحدهما إلى نسخة، وقرأ كلّ واحد منهما ما كتب به صاحبه فاستحسنه، ثم وضع سليمان الكتب بين يدي المهتدي فقال له وقد قرأها: أحسنت يا سليمان، نعم الرجل أنت لولا المعجّل والمعدّل- وكان سليمان إذا ولّى عاملا أخذ منه ما لا معجّلا وعدّل له مالا إلى أن يتسلّم عمله [2]- فقال له: يا أمير المؤمنين هذا قول لا يخلو أن [3] يكون حقا أو باطلا، فإن كان باطلا فليس مثلك قبله، وإن كان حقا وقد علمت أنّ الأصول محفوظة فما يضرّك من مساهمتي عمالي على بعض ما يصل إليهم من مرفق لا يجحف بالرعية ولا ينقص الأصول؟ فقال له: إذا كان هذا هكذا فلا بأس، ثم قال له: اكتب إلى فلان العامل بقبض ضيعة فلان العامل المصروف المعتقل في يديه بباقي ما عليه من المصادرة، فقال له أبو العبّاس ابن ثوابة: كلنا يا أمير المؤمنين خدمك وأولياؤك، وكلّنا حاطب في حبلك وساع فيما أرضاك وأيّد ملكك، أفنمضي ما تأمر به على ما خيّلت أم
__________
[1] م: خمسة أنصاف أخر.
[2] وكان سليمان ... عمله: سقط من م.
[3] م: إما أن.
(2/82)

نقول الحقّ؟ قال: لا بل قل الحقّ يا أحمد، فقال: يا أمير المؤمنين الملك حقّ والمصادرة شكّ، أفترى أن نزيل اليقين بالشك؟ قال: لا، فقال: قد شهدت للرجل بالملك وصادرته عن شكّ فيما بينك وبينه وهل خانك أم لا، فجعلت المصادرة صلحا، فإذا قبضت ضيعته بها فقد أزلت اليقين بالشكّ، فقال له: صدقت، ولكن كيف الوصول إلى المال؟ فقال له: أنت لا بدّ مولّ عمّالا على أعمالك، وكلّهم يرتزق ويرتفق فيحوز رزقه ورفقه إلى منزله، فاجعله أحد عمالك ليصرف هذين الوجهين إلى ما عليه ويسعفه معاملوه فيخلّص نفسه وضيعته ويعود إليك مالك. فأمر سليمان بن وهب أن يفعل ذلك. فلما خرجنا عن حضرة المهتدي قال له سليمان: عهدي بهذا الرجل عدوّك، وكلّ واحد منكما يسعى على صاحبه، فكيف زال ذاك حتى نبت عنه في هذا الوقت نيابة أحييته بها وتخلّصت نعمته؟ فقال: إنما كنت أعاديه وأسعى عليه وهو يقدر على الانتصاف مني، فأما وهو فقير إليّ فهو مما يحظره الدين والصناعة والمروءة، فقال له سليمان: جزاك الله خيرا، أما والله لأشكرنّ هذه النية لك، ولأعتقدنّك من أجلها أخا وصديقا، ولأجعلنّ هذا الرجل لك عبدا ما بقي؛ ثم قال له الباقطائي: من كان هذا وزنه وفضله يعاب من كان يكتب له؟
«160» - كليب بن وائل في العزم: [من الرجز]
ليس الكلام مغنيا دون العمل ... وشرّ ما رام امرؤ ما لم ينل
وكثرة الايغال عجز وفشل
«161» - عمرو بن الحارث [1] الطائي: [من الطويل]
__________
[1] م: حارثة.
(2/83)

إذا شئت أن تقتاس أمر قبيلة ... وأحلامها فانظر إلى من يسودها
«162» - الرضي أبو الحسن الموسوي: [من الخفيف]
أترى آن للمنى أن تقاضى ... حاجة طال مطلها في الفؤاد
بين همّ تحت المناسم مطرو ... ح وعزم على ظهور الجياد
«163» - (1) وكان الرضيّ بعيد مطمح الهمة يرى نفسه أهلا للخلافة، ويطمع في تقمصها، وكانت حاله كما أنبأ عن نفسه في قوله [من الوافر]
ولي أمل كصدر الرّمح ماض ... سوى أنّ الليالي من خصومي
(2) وفي قوله: [من الوافر]
وما يغني مضيّك في صعود ... إذا ما كان جدّك في صبوب
(3) فمن شعره في أمله وهمته قوله: [من الوافر]
وما في الأرض أحسن من يسار ... إذا استولى على أمر مطاع
(4) وقوله: [من الطويل]
وركب سروا والليل ملق رواقه ... على كلّ مغبّر المطالع قاتم
حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في ظهور [1] العزائم
__________
[1] الديوان: صدور.
(2/84)

تريهم نجوم الليل ما يبتغونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم
«163» . (5) وقال: [من البسيط]
وغلمة في ظهور العيس أرّقهم ... همّ شعاع وآمال عباديد
ملثّمين بما راخت عمائمهم ... وكلّهم طرب للبين غرّيد
لا آخذ المجد [1] إلا عن رماحهم ... إذا تطاعنت الشمّ المناجيد
(6) وقال: [من البسيط]
وما أسرّ بمال لا أعزّ به ... ولا ألذّ برأي فيه تفنيد
ليس الثراء بغير المجد فائدة ... ولا البقاء بغير العزّ محمود
(7) وقال: [من الطويل]
ولله قلب لا يبلّ غليله ... وصال ولا يلهيه من خلّة وعد
يكلّفني أن أطلب العزّ بالمنى ... وأين العلى إن لم يساعدني الجد
وليس فتى من عاق عن حمل سيفه ... إسار وحلّاه عن الطلب القدّ
ولا مال إلا ما كسبت بنيله ... ثناء ولا مال لمن ماله مجد
(8) وقال: [من الطويل]
ولي أمل لا بدّ أحمل عبئه ... على الجرد من خيفانة وحصان
فإن أنا لم أركب عظيما فلا مضى ... حسامي ولا روّى الطعان سناني
__________
[1] الديوان: الطعن، م: المدح.
(2/85)

«163» (9) وقال: [من المنسرح]
كيف يهاب الحمام منصلت ... مذ خاف غدر الزمان ما أمنا
لم يلبس الثوب من توقعه ... للأمر إلا وظنّه الكفنا
أعطشه الدهر من مطالبه ... فراح يستمطر القنا اللّدنا
(10) وقال في تعرضه للخلافة ودعواه استحقاقها: [من الطويل]
يخيفونني بالموت والموت راحة ... لمن بين غربي قلبه مثل همّتي
فلا صلح حتى يسمعوا [1] من أزيزها ... صواعق إما صكّت الأذن صمّت [2]
فخرت بنفسي لا بأهلي موفرا ... على ناقصي قومي مناقب أسرتي [3]
أما أنا موزون بكلّ خليفة ... أرى أنفا من أن يكون خليفتي
ولا بد يوما أن تجيء فجاءة ... فلا تنظراني عند وقت موقّت
(11) وقال: [من المنسرح]
فتى رأى الدهر غير مؤتمن ... فما فشا سرّه إلى أحد
واقتحم الليل [4] فهو يمتحن ال ... مهرة قبل الطّراد بالطّرد
في كلّ فج يقود راحلة ... تجذبها الأرض جذبة المسد
لا يبعد الله غلمة ركبوا ... أغراضهم واشتفوا من البعد
رموا بعهد النعيم واصطنعوا ... كلّ شريف [5] الذباب مطرد
__________
[1] الديوان: تسمعوا.
[2] الديوان: صكت.
[3] وقع البيت بعد التالي له في الديوان وفي ر.
[4] الديوان: واتهم الليل.
[5] الديوان: نحيل.
(2/86)

قلّوا على كثرة العدوّ لهم ... كم عدد لا يعدّ في العدد
«163» . (12) وقال: [من الكامل]
ما عذر من ضربت به أعراقه ... حتى بلغن إلى النبيّ محمد
ألّا يمدّ إلى المكارم باعه ... وينال منقطع العلى والسؤدد
متحلقا حتى تكون ذيوله ... أبد الزمان عمائما للفرقد
أعن المقادر لا تكن هيّابة ... وتأزّر اليوم العصبصب وارتد
لا تغبطنّ على البقاء معمّرا ... يا قرب يوم منية من مولد
«164» . (1) وقال محمد بن هانىء المغربي: [من الطويل]
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه ... فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
(2) وقال: [من البسيط]
فلست من سخطه المردي على وجل [1] ... ما دمت من عفوه المحيي على أمل
لعلّ حلمك أملى للذين هووا ... في غيهم بين معفور ومنجدل
فما شفا داءهم إلا دواؤهم ... والسيف نعم دواء الداء والعلل
(3) وقال أيضا: [من الكامل]
تأتي له خلف الخطوب عزائم ... تذكى لها خلف الصباح مشاعل
فكأنهن على الغيوب غياهب ... وكأنهنّ على النفوس حبائل
__________
[1] الديوان: خطر.
(2/87)

ملك إذا صدئت عليه دروعه ... فلها من الهيجاء يوم صاقل
«164» . (4) وقال: [من الكامل]
دعني أخاطر بالحياة فإنما ... طلب الرجال العزّ ضرب قداح
(5) وقال: [من الوافر]
وما لي من لقاء الموت بدّ ... فمالي لا أشدّ له حزيمي
«165» - ومن ارتفاع الهمّة الأبنية المشاهدة في دار الإسلام فمنها:
(1) إيوان كسرى: ويقال إنّ المنصور لما بنى بغداد أحبّ أن ينقضه ويبني بنقضه، فاستشار خالد بن برمك فنهاه وقال: هو آية الإسلام ومن رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبيّ، وهو مصلّى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الارتفاق به، فقال: أبيت إلا ميلا للعجم، فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا فأمسك، فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدّث بعجزك عنه، فلم يفعل.
وصفه البحتري فقال: [من الخفيف]
وكأن الإيوان من عجب الصّن ... عة جوب في جنب أرعن مرس
لم يعبه أن بزّ من ستر الديبا ... ج واستلّ من ستور الدمقس
(2/88)

مشمخرا تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لست أدري أصنع أنس لجن ... [سكنوه] أم صنع جنّ لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الرجال بنكس
«165» . (2) ومنها الهرمان بمصر، يقال: ليس في الأرض بناء أرفع منهما وأن ارتفاع كلّ واحد منهما أربعمائة ذراع في عرض أربعمائة، ولا يزالان ينخرطان في الهواء صنوبريا حتى ترجع دورتهما إلى مقدار خمسة أشبار في مثلها مبنيّة بحجار المرمر والرخام وكل حجر عشر أذرع إلى ثمان، وحجارتهما منقولة من مسافة أربعين فرسخا من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندريّة، منقولا فيهما بالمسند كل سحر وطب وطلسم، وفيه: إني بنيتهما فمن ادّعى قوة في ملكه فليهدمهما، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما. وقالوا لا يعرف من بناهما، قال المتنبيّ: [من الكامل]
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع
وأما البحتري فقد سمّى بانيهما وليست تسميته حجّة في صحة الأخبار فقال: [من الطويل]
ولا كسنان بن المشلّل بعد ما ... بنى هرميها من حجارة لابها
(3) ومنارة الإسكندريّة مبنيّة على قناطر من زجاج، والقناطر على ظهر
(2/89)

سرطان من نحاس في بطن أرض البحر، وطولها أربعمائة وخمسون ذراعا، وهي غاية ما يمكن رفعه في الهواء، وفيها ثلاثمائة وخمسون بيتا، وكانت في أعلاها مرآة كبيرة يرى فيها الناظر قسطنطينية وبينهما عرض البحر، وكلما جهّز ملك الروم جيشا أبصر فيها، فوجه ملك الروم إلى بعض الخلفاء أن في الثلث الأعلى كنوزا لذي القرنين فهدموه فلم يجدوا شيئا وعلم أنها حيلة في إبطال الطلسم في المرآة.
«166» - قال عبد الله بن المقفع: [من البسيط]
إن كنت لا تدّعي مجدا ومكرمة ... إلا بقصرك لم ينهض بأركان
سام الرجال بما تسمو الرجال به ... تلك المكارم لا تشييد بنيان
«167» - أخبرني الشيخ الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي قال: كان بميافارقين بائع يعرف بأبي نصر بن جريّ واسع المعيشة، فرفع إلى نصر الدولة بن مروان أنه تحصّل له من دلالة المقايضة في ليلة واحدة عشرون ألف درهم، فأحضره وسأله عما أنهي إليه فقال: كذب الواشي أيها الأمير، إنما كانت عشرين ألف دينار وهي خدمة مني للمولى فضل- يعني ولده- وهو قائم على رأسه، فقال: معاذ الله بل نوفّر عليك، وأحمد الله على أن حصل لتاجر من رعيتي في ليلة واحدة من الدلالة مثل هذا المال. ثم إنّ البائع المذكور قال له: أيها الأمير أنا كثير المال، واسع الحال، وقد جمعت شيئا أعددته لعمل مصلحة إن أعنتني عليها وأذنت لي فيها، قال: وما هي؟ قال أن أسوق
(2/90)

الماء من الجبل إلى البلد وأنقب له خرقا في السور، قال: وما يصنع بدور الناس ومجازه فيها؟ قال: أشتري كلّ دار تكون مجازا للماء فإن لم يبعنيها صاحبها أجريت له الماء في داره، فأذن له وأخرج مائة ألف دينار عمل بها هذه المصلحة، وأجرى الماء إلى المسجد الجامع والأسواق والآدر.
رياسة العلم والدين:
«168» - قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والحلم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم جهلكم بعلمكم.
169- وروي عن عيسى عليه السلام أنّه قال: من علم وعمل وعلّم عدّ في الملكوت الأعظم عظيما.
17»
- وقد كرهت الشهرة بذلك خوف الفتنة، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا.
«171» - وروي في الحديث: من تعلّم العلم لأربعة دخل النار: ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يأخذ به من الأمراء، أو يميل به وجوه الناس إليه.
«172» - وقال الحسن: لقد صحبت أقواما ان الرجل لتعرض له الكلمة من الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه وما يمنعه منها إلّا مخافة الشهرة.
(2/91)

«173» - وقال ابن سيرين: لم يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي، فأقمت على المصطبة [1] فقيل: هذا ابن سيرين.
«174» - قال معمر [2] : رأيت قميص أيوب السختياني يكاد يمس الأرض فقلت: ما هذا؟ فقال: إنما كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها واليوم الشهرة في تقصيرها؛ وكان يقول للخياط: اقطع وأطل فإن الشهرة اليوم في القصر.
«175» - وقال رجل لفضيل [3] : عظني، فقال: كن ذنبا ولا تكن رأسا، حسبك.
وهم وإن كرهوا الشهرة فإن الرياسة حاصلة لهم وإن أخفوا حالهم وستروها، والقلوب مسلّمة إليهم الرياسة وان أبوها، والجبابرة منقادة إليهم [4] صغرا وكرها لتمكن هيبتهم في صدورهم.
«176» - جاء عطاء بن أبي رباح إلى سدّة سليمان بن عبد الملك فجعل يقعقع الحلقة، فقال سليمان بن عبد الملك: افتحوا له، وتزحزح له عن مجلسه
__________
[1] م: المصيطبة.
[2] م: قال نعم.
[3] ع: للفضل؛ م: للفضيل.
[4] م ر: لهم.
(2/92)

فقال: أصلحك الله، احفظ وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أبناء المهاجرين والأنصار قال: أصنع بهم ماذا؟ قال: انظر في أرزاقهم، قال: ثم ماذا؟
قال: أهل البادية تفقّد أمورهم فإنهم مادة العرب، قال: ثم ماذا؟ قال: ذمّة المسلمين تفقد أمورهم وخفف عنهم من خراجهم فإنهم عون لك على عدو الله وعدوهم، قال: ثم ماذا؟ قال: أهل الثغور تفقدهم فإنه يدفع بهم عن هذه الأمّة، قال: ثم ماذا؟ قال: يصلح الله أمير المؤمنين. فلما ولى قال: هذا والله الشرف لا شرفنا، وهذا والله السؤدد لا سؤددنا، والله لكأنما معه ملكان ما أقدر أن أراجعه في شيء سألني، ولو سألني أن أتزحزح عن هذا المجلس لفعلت.
«177» - ودخل عمر بن عبد العزيز على عطاء وهو أسود مفلفل الشعر يفتي الناس في الحلال والحرام فتمثل: [من البسيط]
تلك المكارم لا قعبان من لبن
«178» - ودخل محمد بن أبي علقمة على عبد الملك بن مروان فقال له: من سيد الناس بالبصرة؟ قال: الحسن، قال: مولى أم عربي؟
قال: مولى، قال: ثكلتك أمك، مولى ساد العرب؟ قال: نعم، قال:
بم؟ قال: استغنى عما في أيدينا من الدنيا وافتقرنا إلى ما عنده من العلم.
قال: صفه لي، قال: آخذ الناس لما أمر به وأتركهم لما نهى عنه.
(2/93)

«179» - وروي أن بدويا قدم البصرة فقال لخالد بن صفوان: أخبرني عن سيد هذا المصر، قال: هو الحسن بن أبي الحسن، قال: عربيّ أم مولى؟ قال: مولى، قال: وبم سادهم؟ قال: احتاجوا إليه في دينهم واستغنى عن دنياهم، قال البدوي: كفى بهذا سؤددا.
180- ولما وقعت الفتنة بالبصرة رضوا بالحسن فاجتمعوا عليه وبعثوا إليه، فلما أقبل قاموا، فقال يزيد بن المهلب: كاد العلماء يكونون أربابا، أما ترون هذا المولى كيف قام له سادة العرب؟! «181» - وجّه الرشيد إلى مالك بن أنس ليأتيه فيحدثه، فقال مالك: إن العلم يؤتى، فصار الرشيد إلى منزله فاستند معه إلى الجدار فقال: يا أمير المؤمنين من إجلال الله إجلال العلم، فقام وجلس بين يديه. وبعث إلى سفيان ابن عيينة فأتاه وقعد بين يديه وحدّثه، فقال الرشيد بعد ذاك: يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به.
182- وأراد أن يسمع منه الموطأ مع ابنيه فاستخلى المجلس، فقال مالك: إن العلم إذا منع منه العامة لم ينتفع به الخاصّة، فأذن للناس فدخلوا.
«183» - وكان مالك يكرم العلم ويعظّمه، فإذا أراد أن يتحدث توضّأ وسرّح لحيته وجلس في صدر مجلسه بوقار وهيبة. ودخل عليه ليلة بعد ما أوى إلى فراشه قريبه إسماعيل بن أويس ليحدثه، فقام فتوضّأ وفعل نحو ذلك فحدّثه ثم نزع ثيابه وعاد إلى فراشه.
(2/94)

«184» - وفيه قيل: [من الكامل]
يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعزّ سلطان التقى ... فهو المهيب وليس ذا سلطان
«185» - قال سفيان الثوري: ما رأينا الزهد في شيء أقلّ منه في الرياسة لأنّ الرجل يزهد في الأموال ويسلمها وإذا نوزع في الرياسة لم يسلمها.
«186» - قال علي عليه السلام: من حقّ إجلال الله إكرام ثلاثة: ذو الشيبة المسلم، وذو السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الجافي عنه ولا الغالي فيه.
«187» - قام وكيع بن الجراح إلى سفيان الثوري فأنكر عليه قيامه، فقال وكيع: حدثتني عن عمرو بن دينار عن أنس قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، فسكت سفيان وأخذ بيده فأجلسه إلى جانبه.
«188» - قال ابن المبارك: سألت سفيان الثوريّ من الناس؟ قال:
العلماء، قلت: من الأشراف؟ قال: المتقون، قلت: من الملوك؟ قال:
الزهاد، قلت: من الغوغاء؟ قال: القصّاص الذين يستأكلون أموال الناس
(2/95)

بالكلام، قلت: من السفلة؟ قال: الظلمة.
«189» - دخل أبو العالية على ابن عبّاس فأقعده معه على السرير وأقعد رجالا من قريش تحته، فرأى سوء نظرهم إليه وحموضة وجوههم، فقال:
ما لكم تنظرون إليّ نظر الشحيح إلى الغريم المفلس؟ هكذا الأدب يشرّف الصغير على الكبير، ويرفع المملوك على المولى، ويقعد العبيد على الأسرّة.
«190» - مر الحسن بأبي عمرو بن العلاء وحلقته متوافرة، والناس عليه عكوف فقال: من هذا؟ قالوا: أبو عمرو، قال: لا إله إلا الله كاد العلماء يكونون أربابا.
«191» - قال الفضيل [1] : لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزّوا هذا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله إذن لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس فكانوا لهم تبعا، ولكنهم ابتذلوا أنفسهم، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا فهانوا وذلوا، ووجدوا لغامز فيهم مغمزا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، أعظم بها مصيبة.
نظر إلى هذا المعنى القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال:
[من الطويل]
ولم أقض حقّ العلم إن كنت كلّما ... بدا طمع صيرته لي سلّما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأغرسه عزا وأجنيه ذلة ... إذا فاتباع الجهل قد كان أسلما
__________
[1] م: الفضل.
(2/96)

فإن قلت جدّ العلم كاب فإنما ... كبا حين لم يحرس حماه وأسلما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوس لعظما
ولكن أذالوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتى تجهما
«192» - سأل خالد القسري واصل بن عطاء عن نسبه فقال: نسبي الإسلام الذي من ضيّعه فقد ضيّع نسبه، ومن حفظه فقد حفظ نسبه، فقال خالد: وجه عبد وكلام حرّ.
193- أوصى حكيم ابنه فقال: يا بني عزّ المال للذهاب والزوال، وعزّ السلطان يوم لك ويوم عليك، وعزّ الحسب للخمول والدثور، وأما عزّ الأدب فعز راتب رابط لا يزول بزوال المال، ولا يتحوّل بتحوّل السلطان، ولا ينقص على طول الزمان؛ يا بني عظّمت الملوك أباك وهو أحد رعيتها، وعبدت الرعية ملوكها فشتّان ما بين عابد ومعبود؛ يا بنيّ لولا أدب أبيك لكان للملوك بمنزلة الابل النقالة والعبيد الحمالة.
«194» - قال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عبّاس، أكثر فقها وأعظم جفنة: إن أصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، وأصحاب الفقه عنده، يصدرهم كلهم في واد واسع.
ومن الشرف والرياسة حمل المغارم:
«195» - جلس الاسكندر يوما فلم يسأله أحد حاجة فقال لجلسائه: إني لا أعدّ هذا اليوم من ملكي.
(2/97)

«196» - وقال أسماء بن خارجة: لا أشاتم رجلا ولا أردّ سائلا، فإنما هو كريم أسدّ خلّته، أو لئيم أشتري عرضي منه. (ولما جعل فعله وقاية لعرضه لم يكن جودا بل دل على طلب الرياسة ببذل ماله) .
«197» - ومثل هذا المعنى لبعض الأعراب: [من الطويل]
سأمنح مالي كلّ من جاء طالبا ... وأجعله وقفا على النّفل والفرض
فإما كريم صنت بالمال عرضه ... وإما لئيم صنت عن لؤمه عرضي
«198» - باع حكيم بن حزام داره من معاوية بستين ألف دينار فقيل له: غبنك معاوية، فقال: والله ما أخذتها في الجاهلية إلا بزقّ خمر، أشهدكم أنّها في سبيل الله، فانظروا أينا المغبون.
«199» - وقال حسان بن ثابت: [من البسيط]
أصون عرضي بمالي لا أدنّسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأكسبه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال
200- اشترى عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز من عمر بن الخطاب رضي الله عنه رقيقا من سبي ففضل عليهما ثمانون ألف درهم، فأمر
(2/98)

بهما أن يلازما، فمرّ عليهما طلحة بن عبيد الله وهو يريد الصلاة في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ما لابن معمر ملازم؟ فأخبر بخبره، فأمر له بالأربعين الألف الدرهم التي عليه فقضى عنه، فقال ابن معمر لابن عامر: انها إن قضيت عني بقيت ملازما، وإن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى تنقضي عني، فدفع إليه الأربعين الألف فقضاها ابن عامر عن نفسه وخلّيت سبيله، فمرّ طلحة منصرفا من الصلاة فوجد ابن معمر ملازما فقال ما لابن معمر، ألم آمر بالقضاء عنه؟ فأخبر بما صنع، فقال: أمّا ابن معمر فإنه علم أنّ له ابن عمّ لا يسلمه، احملوا عنه أربعين ألف درهم فاقضوها عنه، ففعلوا وخلّي سبيله.
201- سأل رجل ابن شبرمة القاضي أن يكلّم له رجلا في صلة يصله بها، ولازمه، فأعطاه ابن شبرمة من ماله وقال: [من الوافر]
وما شيء بأثقل وهو خفّ ... على الأعناق من منن الرجال
فلا تفرح بمال تشتريه ... بوجهك إنه بالوجه غال
«202» - زعم الأصمعي أنّ حربا كانت بالبادية ثم اتصلت بالبصرة فتفاقم الأمر فيها، ثم مشي بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع قال: فبعثت وأنا غلام إلى عبد الله بن عبد الرحمن من بني دارم، فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت، فإذا به في شملة يخلط بزرا لعنز له حلوب، فخبّرته بمجتمع القوم، فأمهل حتى أكلت العنز ثم غسل الصحفة وصاح: يا جارية [1]
__________
[1] سقط من م.
(2/99)

غدّينا، قال: فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني فقذرته أن آكل معه، حتى إذا قضى من أكله وطرا وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل به يده ثم صاح [1] : يا جارية اسقيني ماء، فأتته بماء فشربه، ومسح فضله على وجهه ثم قال: الحمد لله، ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام، متى نؤدي شكر هذه النعم [2] ؟ ثم قال: [يا جارية] عليّ بردائي، فأتته برداء عدنيّ فارتدى به على تلك الشملة، قال الأصمعيّ: فتجافيت عنه استقباحا لزيه، فلما دخل المسجد صلّى ركعتين ثم مضى إلى القوم فلم تبق حبوة إلّا حلّت إعظاما له، ثم جلس فتحمل جميع ما كان بين الأحياء من ماله ثم انصرف.
«203» - قال أبو عبيدة: لما أتى زياد بن عمرو المعنيّ المربد في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي جعل في الميمنة بكر بن وائل، وفي الميسرة عبد القيس، وهم لكيز بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة، وكان زياد بن عمرو في القلب، فبلغ ذلك الأحنف فقال: هذا غلام حدث شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قذف بنفسه، فندب أصحابه فجاءه حارثة بن بدر الغداني [3] فجعله في بني حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وجعل سعدا والرباب في القلب، ورئيسهم عبس ابن طلق الطعان المعروف بأخي كهمس وهو أحد بني صريم بن يربوع بحذاء الأزد، وجعل عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس، فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف: يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة، أنتم والله أحبّ إلينا من تميم الكوفة، جيراننا في الدار، ويدنا على عدونا، وأنتم بدأتمونا
__________
[1] سقط من م.
[2] م: النعمة.
[3] م: العدواني.
(2/100)

بالأمس ووطئتم حرمنا، حرّقتم علينا، فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشرّ ما أصبنا في الخير مسلكا، فتيمموا بنا طريقة قاصدة. فوجّه إليه زياد بن عمرو: تحيّر [1] خلّة من ثلاث: إن شئت فانزل أنت وقومك على حكمنا، وإن شئت فخلّ لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم، وإلا فدوا قتلانا واهدروا دماءكم وليؤدّ مسعود دية المشعرة. (قوله: دية المشعرة يريد أمر [الملوك في] الجاهلية، وكان الرجل إذا قتل وهو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات) . فبعث إليه الأحنف: سنختار، فانصرفوا في يومكم، فهزّ القوم راياتهم وانصرفوا، فلما كان من الغد بعث إليهم: إنكم خيرتمونا خلالا ليس فيها خيار، أمّا النزول على حكمكم فكيف يكون والكلم يقطر [دما] [2] ، وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل، قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ
(النساء: 66) ولكن الثالثة إنما هي حمل على المال، فنحن نبطل دماءنا وندي قتلاكم، وإنما مسعود رجل من المسلمين، وقد أذهب الله عز وجل أمر الجاهليّة. فاجتمع القوم على أن يقضوا [3] أمر مسعود، ويغمد السيف، ويودى سائر القتلى من الأزد وربيعة، فتضمن ذلك الأحنف ودفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدّى هذا المال، فرضي به القوم، ففخر بذلك الفرزدق فقال: [من الطويل]
ومنا الذي أعطى يديه رهينة ... لغاري معد يوم ضرب الجماجم
عشية سال المربدان كلاهما ... عجاجة موت بالسيوف الصوارم
هنالك لو تبغي كليبا وجدتها ... أذلّ من القردان تحت المناسم
ويقال إن تميما في ذلك الوقت اجتمعت مع باديتها وحلفائها من الأساورة والزطّ والسيابجة وغيرهم فكانوا زهاء سبعين ألفا. قال الأحنف: فكثرت
__________
[1] م: يخيره.
[2] م: والكلام تقطر.
[3] م والكامل: يقفوا.
(2/101)

الديات عليّ فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين فسألت عن المقصود هناك فأرشدت إلى قبة، فإذا شيخ جالس بفنائها مؤتزر بشملة محتب بحبل، فسلمت عليه وانتسبت له فقال: ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقلت توفي صلوات الله عليه. قال: فما فعل عمر بن الخطاب رحمه الله الذي كان يحفظ العرب ويحوطها؟ قلت: مات رحمه الله، قال: فأيّ خير في حاضرتكم بعدهما؟ قال: فذكرت له الديات التي لزمتنا للأزد وربيعة قال، فقال:
أقم، فإذا راع قد أراح عليه ألف بعير فقال: خذها، ثم أراح عليه آخر مثلها فقال: خذها، فقلت لا أحتاج إليها، قال: فانصرفت بالألف من عنده ولا أدري من هو إلى الساعة.
«204» - كان المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في جيش مسلمة بن عبد الملك حين غزا الروم في خلافة عمر بن عبد العزيز التي بلغ فيها القسطنطينيّة فشتا بها، فسامه مسلمة بماله الذي يعرف بالعرصة، فأبى المغيرة أن يبيعه، ثم أصاب أهل تلك الغزاة مجاعة، فباعها إياه بخمسة عشر ألف دينار، فنقده مسلمة الثمن، فبعث المغيرة بذلك المال مع من اشترى له إبلا من كلب، واشترى له دقيقا وزيتا وقباطيّ، وحمل ذلك على الابل، وكانوا لا يقدرون على الحطب، فأمر بالقباطيّ فأدرجت في الزيت وأوقدها ونحر الإبل واطّبخ [1] واختبز وأطعم الناس، وكان في تلك الغزاة أخوه أبو بكر بن عبد الرحمن فقيل له: نرى نارا في العسكر، فقال: لا تجدونها إلا في رحل
__________
[1] م: وطبخ.
(2/102)

المغيرة، فقولوا له يبعث إلينا من طعامه، فبعث إليه، فلما قفل الناس من غزاتهم تلك وبلغ هذا الخبر عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة: أنت كنت أقوى وأولى باطعام الناس من المغيرة، وذلك لك ألزم، لأنك إنما كنت تطعمهم من بعض مالك وهو يطعمهم عظم ماله، فأقله البيع فإنه بيع ضغطة لا يجوز، فعرض ذلك مسلمة على المغيرة فأبى وقال: قد أنفذت البيع، فأمر عمر بن عبد العزيز بتلك الضّيعة فردّت على المغيرة، وأمر بالمال فدفع إلى مسلمة من بيت المال، فتصدق المغيرة بالعرصة، وأمر أن يطعم الحاجّ منها يوم عرفة وثلاث منى، فهو السويق والسمن والتمر الذي يطعم بمنى من صدقة المغيرة.
«205» - كان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري سيدا شجاعا جوادا، وكان سعد أبوه حيث توجه إلى حوران قسم ماله بين ولده، وكان له حمل لم يشعر به، فلما ولد له مشى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى قيس بن سعد يسألانه في أمر هذا المولود فقال: نصيبي له ولا أغير ما فعل سعد.
«206» - استعمل الوليد بن عبد الملك ابن هبيرة على البحرين، فلما قام سليمان أخذ ابن هبيرة بألف ألف، ففزع إلى يزيد بن المهلب، فأتاه في جماعة من قومه فقال له: زاد الله في توفيقك وسرورك، أخذت بما لا يسعه مالي، ولا يحتمله عيالي، فقلت: ما لها إلّا سيد أهل العراق ووزير الخليفة وصاحب المشرق، فقال آخر من أصحاب ابن هبيرة: أيها الأمير ما خصّ هذا عمّنا، وقد أتيناك فيما شكا فإن تستقلّه فقد ترجّى لأكثر منه، وإن تستكثره فقد تضطلع بدونه، ووالله ما الدخان بأدلّ آية على النار ولا العجاج على الريح من ظاهر أمرك على باطنه. وقال آخر: عظم أمرك أن يستعان عليك إلا بك،
(2/103)

فلست تأتي شيئا من المعروف إلا صغر عنك وكبرت عنه، ولا غاية بلغتها إلا وحظّك منها مقدّم وحقك فيها معظّم، ولا نقيسك بأحد من الملوك إلا عظمت عنه، ولا نزنك بأحد منهم إلا رجحت به، ووالله ما العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. فقال يزيد: مرحبا بكم وأهلا، إنّ خير المال ما قضي به الحقّ، وإنما لي من مالي ما فضل عن الناس، وايم الله لو أعلم أن أحدا أملأ بحاجتكم مني لأرشدتكم إليه، فاحكموا واشتطوا. قال ابن هبيرة:
النصف أصلحك الله، قال: اغد على مالك فاقبضه، فدعوا له وانصرفوا، فمضوا غير بعيد وتثاقلوا في مشيهم، فقال لهم ابن هبيرة: ويحكم والله ما يفرق يزيد بن النصف والكلّ، وما لما بقي غيره؛ فهم يفكرون في الرجوع فظنّ ذلك يزيد بهم فأمر بردّهم وقال: إن ندمتم أقلناكم، وإن ازددتم زدناكم، قالوا: أقلنا وزدنا قال: قد حملتها كلّها؛ ثم كلّم يزيد سليمان وأخبره فقال:
احملها إلى بيت المال، ثم سوّغه إياها.
«207» - ومن أحسن الأفعال وأشرفها في احتمال المغارم ما فعله صعصعة ابن ناجية المجاشعيّ جدّ الفرزدق في افتداء الموؤدات، حتى جاء الإسلام وقد فدى ثلاثمائة وستين موؤدة، وخبره في ذلك يرد في باب أخبار العرب وعجائبهم.
«208» - قال ابن عياش: كان حوشب بن يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني وعكرمة بن ربعي البكري يتنازعان الشرف، ويتبازيان في إطعام الطعام ونحر الجزر في عسكر مصعب، وكان حوشب يغلب عكرمة بسعة يده، قال: وقدم عبد العزيز بن يسار مولى بحتر [1]- قال: وهو زوج أمّ شعبة
__________
[1] الأغاني: بخنر (وبحير في نسخة أخرى) .
(2/104)

الفقيه- بسفائن دقيق، فأتاه عكرمة فقال له: الله الله فيّ قد كاد حوشب يغلبني ويستعليني [1] بماله، فبعني هذا الدقيق بتأخير ولك فيه مثل ثمنه ربحا، فقال: خذه، فدفعه إلى قومه وفرقه فيهم فعجنوه كلّه، ثم جاء بالعجين كله فجمعه في هوّة عظيمة وأمر به فغطّي بالحشيش، وجاءوا برمكة فقربوها إلى فرس حوشب حتى [طلبها وأفلت ثم ركضوها بين يديه وهو يتبعها حتى] [2] ألقوها في ذلك العجين ومعها الفرس، فتورطا في ذلك العجين وبقيا فيه جميعا، وخرج قوم عكرمة يصيحون في العسكر: يا معشر المسلمين أدركوا فرس حوشب فقد غرق في خميرة عكرمة، فخرج الناس تعجبا من ذلك أن تكون خميرة يغرق فيها فرس، فلم يبق في العسكر أحد إلا ركب ينظر، وجاءوا إلى الفرس وهو غريق في العجين ما يبين منه إلا رأسه وعنقه، فما أخرج إلّا بالعمد والحبال وغلب عليه عكرمة.
209- كان للحسن بن سهل غريم له عليه مال كثير، فعلق به وصار به إلى ابن أبي داود فلم يقدر أن يمتنع عليه، وكان ابن أبي داود يريد أن يضع من الحسن، فصادفه قد ركب يريد دار الواثق فقال: انتظرا عودي، وتباطأ عن العود ليزيد في إذلال الحسن، فجاء وكيل الحسن فدخل عليه، فقال له الحسن: بعت الضيعة؟ قال: نعم، قال: زن لهذا الغريم ماله، وسأل جماعة من حضر مجلس الحكم ممن عليه دين وهو ملازم به عمّا عليهم، فتقدم إلى وكيله بأن يزن عنهم جميع ما عليهم لغرمائهم، ففعل، وعاد ابن أبي داود فلم يجد الحسن ولا أحدا ممن كان عنده ملازما عنده بدين، فسأل عن الخبر فأخبر به، فانكسر وخجل، وصار بعد ذلك يصف الحسن بالجلالة والنبل.
__________
[1] م: ويستغلبني.
[2] زيادة من الأغاني.
(2/105)

210- ولما أوقع الواثق بأحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب جعل سليمان في يد عمر بن فرج الرخّجي، ثم وجّه إليه يوما: طالب سليمان بمائة ألف دينار يؤديها بعد الذي أخذ منه، فإن أذعن بها وإلا فجرّده واضربه مائة سوط، ولا تتوقف عن هذا لحظة واحدة، ففعل عمر ما أمره به، فهو في ذلك إذ طلع عليه [1] محمد بن عبد الملك الزيات، وهو الوزير حينئذ وأبوه الوزير، وكانا عدوّيه، فلما رآهما سليمان أيقن بالهلاك، وعلم أنّ الجلّادين سيجوّدون [2] ضربه لما يعرفون من عداوتهما له، فلما دنا منه محمد بن عبد الملك الزيات قال له: يا أبا أيوب ليس إلا؟ قال له سليمان: ليس إلا، فقال للجلادين حطّوه، ففعلوا، فقال: بكم تطالب؟ قال: بمائة ألف دينار وما أملك زكاتها، فقال له: اكتب خطّك بها، فقال: أكتب وليس معي ما أؤديه؟ فقال له: إنّ عمالك ما أدّوا شيئا ونحن نقسّط عليهم خمسين ألف دينار، ونلزم في أموالنا خمسين ألف دينار؛ ثم التفت إلى عمر فقال: ابعث من يقبض المال، ثم قالا [3] : يا أبا أيوب إنا على جملتنا في عداوتك، وإنما فعلنا هذا للحرية، وأن تكون وأنت حرّ على مثل هذه الصورة فلا نتخلّصك، فلا تعتقد غير هذا.
211- ويشبه هذا ما ذكر أنّ أحمد بن المدبر لما اجتمع الكتّاب عليه وخانوه حتى نفي إلى أنطاكية وخرج إلى مضربه بظاهر سرّ من رأى أتاه المعلّى ابن أيوب وكان من أعدى الناس له، فقال له: قد عرفت حالك وشغل قلبك بمخلّفيك وضيعتك، فلا تهتمّ بشيء من ذلكم ولا تفكّر فيه، فإنني النائب عنك في جميعه حتى لا تبالي ألا تكون حضرته، وهذه سبعة آلاف دينار
__________
[1] عليه: سقطت من ر م.
[2] م: سيجيدون.
[3] م: قال.
(2/106)

استعن بها في طريقك، فشكره ابن المدبر غاية الشكر وسرّ بعود مودته وصفائه، فقال له المعلّى: لا تظنّ ذلك فما كنت قطّ أشدّ عداوة مني الساعة، ولكنّ عداوتي لك ما دمت مقيما معنا في بلدنا، فإذا خرجت وكفينا شرّك فنحن لك على ما ترى من المودّة، ومتى عدت إلى الحضرة عدنا إلى ما عرفت من العداوة.
«212» - كان على بني تميم حمالات فاجتمعوا فيها إلى الأحنف، فقال الأحنف: لا تعجلوا حتى يحضر سيدكم، قالوا: ومن سيدنا غيرك؟ قال:
حارثة بن بدر، وكان حارثة قد قدم قبل [1] ذاك بمال عظيم من الأهواز، فبلغه ما قال الأحنف فقال: أغرمنيها ابن الزافريّة، ثم أتاهم كأنه لم يعلم فيم اجتمعوا فأخبروه، فقال: لا تلقوا فيها أحدا، هي علي، ثم أتى منزله فقال: [من الكامل]
خلت البلاد فسدت غير مسوّد ... ومن العناء تفرّدي بالسؤدد
«213» - جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام، فباعها من معاوية بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال: ذهبت المكارم إلا من التقوى يا ابن أخي، إني اشتريت بها دارا في الجنة، أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله (وقد ورد هذا الخبر بغير هذه
__________
[1] م: قبيل.
(2/107)

الألفاظ وفيه زيادة ونقصان) [1] .
«214» - حجّة جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان أخت أبي تغلب صارت تاريخا مذكورا، حجت سنة ست وثمانين وثلاثمائة [2] فسقت أهل الموسم كلّهم السويق بالطبرزد والثلج، واستصحبت البقول المزروعة في المراكن على الجمال، وأعدّت خمسمائة راحلة للمنقطعين، ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار، ولم يستصبح عندها وفيها الا بشموع العنبر، وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية وأغنت الفقراء والمجاورين.
«215» - جاء الإسلام وإنّ جفنة العبّاس لتدور على فقراء بني هاشم، وإن درته لمعلقة لسفهائهم، وكان يقال: هذا السؤدد، يشبع جائعهم ويؤدب سفيههم.
«216» - قال بعضهم: قدمت على سليمان بن عبد الملك، فبينا أنا عنده إذ نظرت إلى رجل حسن الوجه يقول: يا أمير المؤمنين والله لحمدها خير منها ولذكرها أحسن من جمعها، ويدي موصولة بيدك فابسطها لسؤالها خيرا؛ فسألت عنه فقيل: يزيد بن المهلب يتكلّم في حمالات حملها.
217- وفد دهقان أصفهان على معاوية فلم يجد من يكلّمه في حاجته، فقيل له: ليس لها إلا عبد الله [3] بن جعفر، فكلّمه الدهقان وبذل له ألف ألف
__________
[1] وقد ورد ... ونقصان: سقط من ر.
[2] يبدو أن التاريخ خطأ (انظر التعليق: 214) .
[3] م: عبد الرحمن.
(2/108)

درهم، فكلم معاوية فقال: قد أردنا أن نصلك بألف ألف درهم فربحناها، فقال عبد الله: قد ربحت وربحنا شكر الدهقان. فلما قضى حاجته أكبّ عليه الدهقان يقبّل أطرافه ويقول: أنت قضيتها لا أمير المؤمنين، وحمل إليه المال فقال: ما كنت لآخذ على معروفي أجرا، وبلغ الخبر معاوية فبعث إليه ألف ألف درهم فلم يقبلها وقال: لا أقبل ما هو عوض عما تركت، فقال معاوية:
لوددت أنه من بني أمية وأنّي مخزوم ببرة.
«218» - أصاب الناس بالبصرة مجاعة [1] ، فكان ابن عامر يغدّي عشرة آلاف ويعشّي مثلهم حتى تجلّت الأزمة فكتب إليه عثمان يجزّيه خيرا، وأمر له بأربعمائة ألف معونة على نوائبه، وكتب إليه: لقد رفعك السؤدد إلى موضع لا يناله إلا الشمس والقمر، فتوخّ أن يكون ما أعطيت لله فإنه لا شرف إلا ما كان فيه وله.
«219» قدم سليمان بن عبد الملك المدينة فأهدى له خارجة بن زيد بن ثابت ألف عذق موز، وألف قرعة عسل أبيض، وألف شاة، وألف دجاجة، ومائة إوزة، ومائة جزور، فقال سليمان: أجحفت بنفسك يا خارجة، قال: يا أمير المؤمنين قدمت بلد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونزلت في أهل بيتي مالك بن النجار، وأنت ضيف، وإنما هذا قرى، فقال: هذا وأبيكم السؤدد. ثم سأل عن دينه فقيل خمسة وعشرون ألف دينار، فقضاها عنه وأعطاه عشرة آلاف دينار.
«220» - حرم الحجاج الشعراء في أوّل مقدمه العراق، فكتب إليه عبد
__________
[1] م: مجاعة بالبصرة.
(2/109)

الملك أجز الشعراء فإنهم يحبّون مكارم الأخلاق ويحرّضون على البرّ والسخاء، نظر إلى هذا المعنى أبو تمام فقال: [من الطويل]
ولولا خلال سنّها الشعر ما درت ... بغاة العلى من أين تؤتى المكارم
وقال ابن الرومي: [من الطويل]
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات
«221» قيل لبزرجمهر: أيّ شيء نلته أنت به أشدّ سرورا؟ قال: قوّتي على مكافأة من أحسن إليّ.
«222» - وسئل الإسكندر عن أفضل ما سرّه من مملكته فقال: اقتداري على أن أكثر الإحسان إلى من سبقت منه حسنة إليّ.
«223» - حبس داود كاتب أمّ جعفر وكيلا لها عليه في حسابه مائتا ألف درهم، فكتب الوكيل إلى عيسى [بن داود] وسهل بن صباح [1] وكانا صديقيه يسألهما الركوب إلى داود في أمره، فركبا إليه، فلقيهما الفيض بن أبي صالح فسألهما عن قصدهما فأخبراه، فقال: أتحبّان أن أكون معكما؟ قالا: نعم، فصاروا إلى داود فكلّموه في إطلاق الرجل، فطالع أمّ جعفر بحضورهم وسؤالهم، فوقّعت في الرقعة تعرّفهم ما وجب لها من المال وتعلمهم أنّه لا سبيل إلى إطلاقه دون أداء المال، قال: فاقرأهم التوقيع واعتذر، فقال عيسى وسهل: قد قضينا حقّ الرجل، وقد أبت أمّ جعفر أن تطلقه إلا بالمال،
__________
[1] م: الصباح.
(2/110)

فقوموا بنا ننصرف، فقال لهما الفيض: كأننا إنما جئنا لنؤكد حبس الرجل، قالا له: فما نصنع؟ قال: نؤدي المال عنه؛ ثم أخذ الدواة وكتب إلى وكيله في حمل المال عن الرجل ودفع الكتاب إلى داود وقال: قد أزحنا علّتك في المال فادفع إلينا صاحبنا، قال: لا سبيل إلى ذلك حتى أعرّفها الخبر، فكتب إليها فوقعت في رقعته: أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد عليه كتابه بالمال، وادفع إليه الرجل، وقل له: لا يعاود مثل ما كان منه. قال: ولم يكن الفيض يعرف الرجل وإنما أراد مساعدة صاحبيه في حقّه.
«224» - وحكي أنّ الفيض بن أبي صالح وأحمد بن الجنيد وجماعة من العمال والكتّاب خرجوا من دار الخليفة منصرفين إلى منازلهم في يوم وحل، فتقدم الفيض وتلاه أحمد فنضح دابة الفيض على ثياب أحمد من الوحل، فقال أحمد للفيض: هذه والله مسايرة بغيضة، لا أدري بأي حقّ وجب لك التقدم علينا، فلم يجبه الفيض عن ذلك بشيء ووجه إليه عند منصرفه إلى منزله بمائة تخت في كلّ تخت قميص ومبطّنة وسراويل وطيلسان ومع كلّ واحد عمامة أو شاشية، وقال لرسوله: قل له أوجب التقدم لنا عليك أنّ لنا مثل هذا نوجّه به إليك عوضا مما أفسدناه من ثيابك، فإن كان لك مثله فلك التقدم علينا، وإلا فنحن أحقّ بالتقدم منك.
225- حدث أبو الهيثم الرحبي من حمير قال: كان رجل من ذي مناخ، وهم بطن من ذي كلاع، يقال له جميم [1] بن معدي كرب، جوادا فأشفى جوده على ماله، فتدارأت بطون من ذي الكلاع في أمواه لهم، وكانت بينهم دماء، ثم تداعوا إلى الصلح وتعاقل الدماء وأن يبيئوا الدم بالدم، ويؤدّوا ما فضل، ففضلت إحدى الطائفتين بسبع ديات فحملها جميم، فسعى في
__________
[1] م: حميم.
(2/111)

عشيرته فتدافعوه، فأدّى ديتين فاستوعبتا ماله، فخرج ضاربا في الأرض حتى أوغل في مفاوز اليمن. قال أبو الهيثم: فحدثني شيخان منّا ممن أدركه وسمع حديثه من فلق فيه [1] ، قال: بينا أنا ذات عشيّة في بعض تلك الأغفال [2] أوائل الليل إذ حبا لي نشء [3] فألبس الأفق، فهمهم وتهزّم، وأطلّت أعاليه وتلاحقت تواليه، وبرق فخطف، ورعد فرجف، وأشرفت على الهلاك، وإني مع ذلك لسخيّ بنفسي أودّ لو هلكت لأعذر، والنفس مجبولة على طلب النجاة، فملت لأقرب الجبال مني لأعتصم بلجأ منه، فلما سندت في سفحه عرض لي غار غامض، فأطمأننت إليه، فإذا نار كالمصباح تخبو تارة وتضيء أخرى، واحتفل السحاب وشري [4] المطر، فاندفعت في الغار فأنخت في أدناه، فإذا نار في لوذ منه، فعقلت مطيتي وأخذت سيفي وولجت، لكني هجمت على شويخ [5] يوقد نويرة وبين يديه حمار قد قيّده ونبذ له أضغاثا فقلت: عم ظلاما، فقال:
نعم ظلامك، من أنت؟ فقلت: خابط ضلال ومعتسف أغفال، فقال:
أعاف أم باغ [6] ؟ فقلت: بل راكب خطار، وخائض غمار، تؤدي إلى بوار، فقال: إنّك لتنبىء عن شرّ، ليفرخ روعك، اجلس وخفّض عليك وتطامن، فلما اطمأننت قال: قرّب مطيّتك واحطط رحلها، واعضد لها من أغصان السّمر المتهدل على فجوة هذا الغار، ففعلت، ثم أقبلت إليه [7] فجلست، فاستنبث [8] رمادا إلى جانب موقده فاختفى [9] خبزة فلطمها بيده حتى
__________
[1] فلق: بكسر الفاء وفتحها أي شق فمه.
[2] الأغفال: الأراضي ليس فيها أعلام.
[3] حبا: دنا واعترض؛ والنشء: أول ما ينشأ من السحاب.
[4] شري: عظم واشتد.
[5] م: شيخ.
[6] العافي: طالب الرزق؛ والباغي: المتجاوز ما يحق له.
[7] م: عليه.
[8] م: واستنبش.
[9] اختفى: نبش عن الشيء حتى أظهره.
(2/112)

أبرز عن صميمها، وقرّب صحفة له، فكسر الخبزة فيها واستخرج نحيا [1] من خرج إلى جانبه فنكب [2] على الخبزة سمنا حتى سغبلها [3] ، ثم قرّبها مني فأكلت وأكل حتى انتهيت وأتى على ما فيها، ثم اضطجع وقال لي: نم آمنا واثقا بأنّك غير موّرّق ولا محقق، فاضطجعت، وطبن من ناره [4] ، واستوثق من عقال حماره وقال لي: أرّب [5] عقال مطيتك، ففعلت، وبتّ [6] ناعم البال، وكأن الأين قد وقذني فغلبتني عيناي هزيعا من الليل، ثم أزعج الخوف النوم وأتتني هماهم ولم آمن اغتيال الرجل، ثم ضربت بجروتي [7] ثم قلت: واثكل أماه، ما هذا الوهل [8] ؟! والله إنه لأعزل وإني لمستلئم [9] ، وإنه لمتسعسع [10] وإنّ فيّ لبقية شباب، فلما أحسّ بالصبح استيقظ فأرّث نارا وشبّها وقال:
أنائم أنت؟ فقلت: بل كميع [11] أرق وضجيع قلق، قال: ولم، وقد تقدم مني ما سمعت وأنا به زعيم [12] ؟ وفي كلّ ذلك لا يسألني عن نسبي، ثم استخرج مزودا فيه طحن [13] ، فقمت لأتكلّف ذلك عنه، فقال: اقعد فانك ضيف، وإنه للؤم بالرجل أن يمتهن ضيفه، فاعتجن طحنه [14] في جفنته وكفأ
__________
[1] النحي: السقاء أو الزق.
[2] نكب: هراق وصبّ.
[3] سغبلها: روّاها.
[4] طبن النار: دفنها كي لا تطفأ.
[5] أرّب: اشدد.
[6] م: ونمت.
[7] ضرب بجروته: وطن نفسه وصمم.
[8] الوهل: الفزع.
[9] مستلئم: لابس لأمة.
[10] متسعسع: هرم مضطرب من الكبر.
[11] كميع: مضطجع.
[12] زعيم: كفيل.
[13] م: طحين.
[14] م: طحينه.
(2/113)

عليها صحفته ثم مال إلى جانب من الغار فاحتمل أضغاثا من يبيس فألقاها لحماره، ثم استخرج معضدا من تحت وساده، وخرج إلى فم الغار فخطرف [1] ما استطفّ [2] له من الشجر والسّلم فألقاه لناقتي، وجلس يحادثني ويفاكهني ويناشدني الأشعار المؤسيّة، ويصف لي صروف الأيّام وتقلّبها بالرجال، فكأنه كان في نفسي أو قد بطن أمري، فلما ظنّ أنّ خبزته قد آنت استخرجها، ثم فعل كفعله أوّل الليل، فلما صددت أتى على باقي الخبزة، ثم قام فخرج من الغار، ثم رجع فقال: قد تقطّع أقران الحفل [3] وطحرت الريح الجفل [4] ، ووضح الحزن من السّهل فقم فارحل، ثم قذف رحالته على حماره، وقمت فارتحلت، وخرج وخرجت [5] أتبعه حتى دلكت الشمس أو كربت [6] ثم أشرفنا على واد عظيم شجير، وإذا نعم ما ظننت أنّ الأرض تحمل مثله، فهبط الوادي وتصايحت الرّعاء وأقبلوا [7] إليه من كل أوب حتى حفّوا به، وسار في بطن الوادي حتى انتهى إلى قباب متطابنة [8] ، فمال إلى أعظمها فنزل، وتباعد الأعبد فحطّوا رحلي وقادوا مطيتي وألقوا إلي مثالا، وقال: نم ليتسبخ لغوبك [9] فنمت آمنا مطمئنا حتى تروّيت، ثم هببت وإذا عبد موكّل بيه، فقال لي: انهض إن أردت المذهب [10] ، فقمت وقام معي بإداوة حتى أولجني خمرا وأدبر عني، فلما أحسّ بفراغي أقبل فحمل الإداوة وردّني إلى مثالي،
__________
[1] خطرف: ضرب.
[2] استطف: دنا.
[3] الأقران: الحبال، والحفل: اجتماع الماء؛ والمعنى قد انقطع المطر.
[4] م: وطرحت، وطحرت: فرّقت. والجفل: السحاب الذي هراق ماءه.
[5] م: وخرجت معه.
[6] دلكت الشمس: غربت؛ أو كربت أو كادت.
[7] م: وأقبلت.
[8] الطّبن: البيت؛ ولعلّ متطابنة بمعنى متقاربة أو متطامنة.
[9] م: لتنسخ؛ ويتسبخ: تخف شدته؛ واللغوب: التعب.
[10] المذهب: قضاء الحاجة.
(2/114)

وإذا الشيخ قد أقبل ومعه عبدان يحملان جفّنتين، فقلت: والله ما بي إلى الطعام من حاجة، فقال: لا بدّ منه، فلما فرغنا من غدائنا قال: هات الآن خبرك، فأخبرته، فقال لبعض عبيده: أوف ذلك النّدّ فألمع بنيّ [1] ، فكلا ولا ما كان إذا عجاجة مستطيرة وإذا عشرون فارسا تنكدر بهم خيولهم وقفوا عليه، فأمرهم بالنزول فنزلوا واقتصّ عليهم قصتي، وقال: ما عندكم لابن عمكم؟
قالوا: مرنا بأمرك فقال: خمس ديات يؤديها وثنتان شروى ما رزئه، فو الله ما أمسيت حتى أنيخت بفنائه، ورجع بنوه، وبتّ بأنعم مبيت، فلما أصبح قال لعبيده: عليّ عشرة يوردون هذا الابل بلاد هذا الرجل، ثم هم له إن شاء أعتق وإن شاء أرقّ، فانتدب له عشرة كالذئاب فوقفوا بين يديه، فقال لعبد آخر: هلمّ ما قبلك، فما راث أن جاء بمائة كالهضاب قال: وهذه لك من لدنّي، وارحل راشدا إلى أرض قومك، فقلت له: يا ابن عمّ إنه للؤم أن تقلّدني مثل هذه المنّة ولا أعرف لك اسما ولا نسبا قال: أنا محمية ابن الأدرع أحد بني هزّان.
«226» - كان يزيد بن مفرغ الحميريّ منفاقا كثير الدين وقدّمه غرماؤه إلى زياد مرات كثيرة فضجر وقال لغرمائه: بيعوه فقد نهيته أن يستدين فأبى، فأقاموه فنادوا عليه، فجعل الرجل يمرّ به فيؤدي عنه الألف والخمسمائة وأكثر وأقلّ، فمر به عبيد الله بن أبي بكرة فقال: مالك؟ فقال: أمر الأمير أن أباع في دين علي، قال: وكم دينك؟ قال: ثمانون ألفا، قال: هي عليّ، فقال يزيد بن مفرغ: [من السريع]
__________
[1] أوف: إبت، وأشرف على؛ الند: التلّ الذاهب في السماء؛ ألمع: أشر؛ يريده أن يصعد على التلّ ويدعو أبناءه.
(2/115)

لو شئت لم تشقي ولم تنصبي ... عشت بأسباب أبي حاتم
عشت بأسباب الجواد الذي ... لا يختم الأموال بالخاتم
ما دون معروفك قفل ولا ... أنت لمن يلقاك بالحارم
الواهب الجرد بأرسانها ... والحامل الثّقل عن الغارم
والطاعن الطعنة يوم الوغى ... توقظ منها سنة النائم
بكفّ بهلول له نجدة ... ما إن لمن عاداه من عاصم
فوجه إليه بعشرين ألفا تمام المائة الألف.
«227» - أتى الأخطل أسماء بن خارجة في خمس ديات ليحملهنّ فحملهن، ثم قال لبنيه وهم حوله: أقسمت عليكم إلّا حملتم له مثلها، فخرج الأخطل وهو يقول: [من الوافر]
إذا مات ابن [1] خارجة بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء
ولا رجع البشير [2] بخير غنم ... ولا حملت على الطّهر النساء
فيوم منك خير من رجال ... يروح عليهم [3] نعم وشاء
وبورك في أبيك وفي بنيه [4] ... إذا ذكروا ونحن لك الفداء
«228» - ركب محمد بن إبراهيم الامام دين فركب إلى الفضل بن يحيى
__________
[1] ع م: اذا ما مات خارجة.
[2] الأغاني: الوفود.
[3] الأغاني: كثير حولهم.
[4] الأغاني: فبورك في بنيك وفي أبيهم.
(2/116)

ومعه حق فيه جوهر وقال له: قصّرت غلاتنا، وأغفل أمرنا خليفتنا، وتزايدت مؤونتنا، ولزمنا دين احتجنا لأدائه إلى ألف ألف درهم، وكرهت بذل وجهي للتجار وإذالة عرضي بينهم، ولك من يعطيك منهم، ومعي رهن ثقة بذاك، فإن رأيت أن تأمر بعضهم بقبضه وحمل المال إلينا، فدعا الفضل بالحق فرأى ما فيه وختمه بخاتم محمد بن إبراهيم ثم قال له: نجح الحاجة أن تقيم في منزلنا [1] ، فقال له: إنّ في المقام عليّ مشقّة، قال له: وما يشقّ عليك من ذلك؟ إن رأيت أن تلبس شيئا من ثيابنا دعوت به، وإلا أمرت باحضار ثياب من منزلك، فأقام، ونهض الفضل فدعا بوكيله وأمر بحمل المال وتسليمه إلى خادم محمد بن إبراهيم وتسليم الحقّ الذي فيه الجوهر إليه بخاتمه وأخذ خطّه بقبضها، ففعل الوكيل ذلك، وأقام محمد عنده إلى المغرب وليس عنده شيء من الخبر، ثم انصرف إلى منزله فرأى المال، وأحضره الخادم الحقّ، فغدا على الفضل يشكره فوجده قد سبقه بالركوب إلى دار الرشيد، فوقف منتظرا له، فقيل له قد خرج من الباب الآخر قاصدا منزله، فانصرف عنه فلما وصل إلى منزله وجّه إليه الفضل ألف درهم آخر، فغدا عليه فشكره وأطال، فأخبره بأنه باكر إلى أمير المؤمنين فأعلمه حاله فأمره بالتقدير له ولم يزل يماكسه إلى أن تقرر الأمر معه على ألف ألف درهم، وأنه ذكر أنه لم يصلك بمثلها قطّ ولا زادك على عشرين ألف دينار، فشكرته وسألته أن يصكّ بها صكا بخطه ويجعلني الرسول، فقال له محمد: صدق أمير المؤمنين إنه لم يصلني قط بأكثر من عشرين ألف دينار، وهذا إنما تهيأ بك وعلى يدك، وما أقدر على شيء أقضي به حقّك ولا شكر أوازي به معروفك، غير أنّ علي وعليّ- وحلف أيمانا مؤكدة- إن وقفت بباب أحد سواك أبدا، ولا سألت حاجة أحدا غيرك ولو سففت التراب. فكان لا يركب إلى غير الفضل إلى أن حدث من أمرهم ما
__________
[1] ع: منزلك: وسقطت من ر.
(2/117)

حدث، فكان لا يركب إلى غير دار الخليفة ويعود إلى منزله، فعوتب بعد تقضي أيامهم في [ترك] [1] إتيان الفضل بن الربيع فقال: والله لو عمّرت ألف سنة ثم مصصت الثماد؟؟؟ ما وقفت بباب أحد بعد الفضل بن يحيي ولا سألت أحدا بعده حتى ألقى الله عز وجل، فلم يزل على ذلك حتى مات.
«229» - قال يحيى بن خالد: بلغت العطلة من أبي ومني وتوالت المحن علينا وأخفقنا حتى لم نهتد إلى ما ننفقه، فلبست يوما لأركب وأتنسّم الأخبار واتفرج، فقالت لي أهلي: أراك على [نية] [2] الركوب؟ قلت: نعم، قالت: فاعلم أنّ هؤلاء الصبيان باتوا البارحة بأسوأ حال، وإني ما زلت أعلّلهم بما لا علالة فيه وما أصبحت ولهم شيء، ولا لدابتك علف، ولا لك ما تأكل، إذا انصرفت فينبغي أن يكون بكورك وطلبك بحسب هذه الحال، فقطعتني عن الحركة ورميت بطرفي فلم أر إلا منديلا طبريا كان أهدي إليّ، فأخرجته مع الغلام [3] فباعه باثني عشر درهما، فاشترى به ما يحتاج إليه من القوت وعلف الدابة، وركبت لا أدري أين أقصد، فإذا بأبي خالد الأحول وهو خارج من درب ومعه موكب ضخم، وهو يكتب يومئذ لأبي عبيد الله كاتب المهدي، فملت إليه وقلت له: قد تناهت العطلة بأخيك وبي إلى كذا، وشرحت له القصّة وهو مستمع لذاك ماض في سيره، فلما بلغ مقصده عدت ولم يقل لي حرفا، فعدت منكسرا منكرا على نفسي ما كشفت له من أمري، فلما كان اليوم الثاني بعت أحد قميصيّ وتبلّغنا به يومين، ولحقني من الوسواس ما خفت منه على نفسي، فخرجت لأبلي عذرا فلقيني رسول أبي خالد، فلما جئته قال لي:
__________
[1] زيادة من الجهشياري.
[2] زيادة من الجهشياري.
[3] ر: فأخرجه الغلام؛ م: فأخرجه مع الغلام.
(2/118)

يا ابن أخي شكوت إليّ شكوى لم يكن ينفع في جوابها الا الفعل، ثم أحضر ابن حميد وزاهرا [1] ، تاجرين كانا يبيعان الطعام، فقال لهما: قد علمتا أني بايعتكما البارحة ثلاثين ألف كرّ على أنّ ابن أخي هذا شريككما فيها بالسعر، ثم التفت إليّ فقال: لك في هذه الاكرار عشرة آلاف كر، فإن دفعا إليك ثلاثين ألف دينار ربحك، فآثرت أن تخرج إليهما من حصتك فعلت، وإن آثرت أن تقيم على هذا الابتياع فعلت، فانفردا معي وقالا: أنت رجل شريف، وليست التجارة من شأنك، وتحتاج في الابتياع إلى أعوان وكفاة، وبذلا لي ثلاثين ألف دينار ففعلت، واستصوب أبو خالد فعلي، وقلت لأبي: تأمر في المال بأمرك، فقال: أحكم عليك فيه حكم أبي خالد في التاجرين، فأخذ الثلث، واشتريت بالثلث عقدة، وأنفقنا الباقي إلى أن أدّت بنا الحال إلى ما أدّت.
ومن الرياسة الحلم والعفو والصفح:
«230» - وقد ندب الله عز وجل إليه رسوله صلّى الله عليه وسلّم في قوله (فاصفح الصّفح الجميل) (الحجر: 85) . وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما أعزّ الله بجهل قط [2] ، ولا أذلّ بحلم قط.
231- وفي حديث آخر: ما عفا رجل عن مظلمة قطّ إلا زاده الله بها عزّا.
232- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث [3] خصال من لم
__________
[1] ع م: وداهرا.
[2] قط: سقطت من ر.
[3] ثلاث: سقطت من ر.
(2/119)

يكنّ فيه لم ينفعه الإيمان، حلم يردّ به جهل الجاهل، وورع يحجزه عن المحارم، وخلق يداري به الناس.
«233» - ومرّ عيسى عليه السلام ببعض الخلق فشتموه، ثم مر بآخرين فشتموه فكلما قالوا شرا قال خيرا، فقال له رجل من الحواريين: كلما زادوك شرا زدتهم خيرا كأنك إنما تغريهم بنفسك وتحثهم على شتمك، فقال: كلّ إنسان يعطي مما عنده.
وهذا وإن كان مخرجه مخرج الحلم فهو منه صلّى الله عليه وسلّم احتساب وتأديب.
«234» - وشتم رجل الشعبيّ فقال: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك.
«235» - وقيل للحسن بن عليّ عليهما السلام: إنّ فلانا يقع فيك، فقال: ألقيتني في تعب، الآن أستغفر الله لي وله.
«236» - وقال علي عليه السلام: أوّل عوض الحليم من حلمه أنّ الناس أنصار له على الجاهل.
«237» - وقال: إن لم تكن حليما فتحلّم، فإنه قلّ من تشبّه بقوم إلا
(2/120)

أوشك أن يكون منهم.
«238» - وقال عليه السلام: الحلم فدام السفيه.
«239» - وقال: الحلم والأناة توأمان ينتجهما علوّ الهمة.
«240» - قيل: اجعل الحلم عدّة للسفيه، وجنّة من ابتهاج الحاسد، فإنك لم تقابل سفيها بالاعراض عنه والاستخفاف بعقله إلا أذللته في نفسه، وسلّطت عليه الانتصار من غيرك، وإذا كافأته بمثل ما أتى وزنت قدرك بقدره ولم تنصر عليه.
«241» - وقال المنتصر: لذة العفو أطيب من لذّة التشفي لأنّ لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، وإن لذة التشفي يلحقها ذمّ الندم.
«242» - وقال ابن المعتز: لا تشن وجه العفو بالتقريع.
24»
- وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع عليه.
«244» - قال كثير: [من الطويل]
حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب
(2/121)

فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تحتسب من صالح لك يكتب
أساءوا فإن تغفر فإنك أهله ... وأفضل حلم حسبة حلم مغضب
«245» - وقال زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
وذي نعمة تمّمتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحقّ باطله
دفعت بمعروف عن القول صائب ... إذا ما أضلّ القائلين مفاصله
وذي خطل في القول تحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمي وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
«246» - وقال المرار بن سعيد: [من الطويل]
إذا شئت يوما أن تسود عشيرة ... فبالحلم سد لا بالتسرّع والشّتم
وللحلم خير فاعلمنّ مغبة ... من الجهل إلا أن تشمّس من ظلم
«247» - وقف رجل عليه مقطّعات على الأحنف بن قيس يسبّه، وكان عمرو بن الأهتم جعل له ألف درهم على أن يسفّه الأحنف، وجعل لا يألو أن يسبّه سبّا يغضب، والأحنف مطرق صامت لا يكلمه. فلما رآه لا يكلّمه أقبل الرجل يعضّ إبهامه ويقول: يا سوأتاه والله ما يمنعه من جوابي إلّا هواني عليه.
«248» - وقال رجل لرجل من آل الزبير كلاما أقذع فيه، فأعرض
(2/122)

الزبيري عنه، ثم دار كلام فسب الزبيريّ عليّ بن الحسين فلم يجبه، فقال له الزبيري: ما يمنعك من جوابي؟ فقال علي: ما منعك من جواب الرجل.
«249» - وقال رجل لرجل سبّه فلم يلتفت إليه: إيّاك أعني، فقال له الرجل: وعنك أعرض.
«250» - وقال آخر: لو قلت واحدة لسمعت عشرا، فقال له الآخر:
ولكنك لو قلت عشرا لما سمعت واحدة.
«251» - وقال الشاعر في نحو ذلك: [من الكامل]
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فأجوز ثم أقول لا يعنيني
«252» - قال الأحنف: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره باحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.
«253» - وشتمه رجل فأمسك عنه، وأكثر الرجل إلى أن أراد الأحنف
(2/123)

القيام للغداء، فأقبل على الرجل فقال: يا هذا إنّ غداءنا قد حضر فانهض بنا إليه إن شئت فإنك منذ اليوم تحدو بجمل ثفال.
«254» - وروي عن رجل من أهل الشام قال: دخلت المدينة فرأيت راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب فامتلأ قلبي له بغضا وحسدت عليا أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه فقلت له: أنت ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه. قلت: فبك وبأبيك، أسبّهما، فلما انقضى كلامي قال: أحسبك غريبا، قلت: أجل، قال: فمل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال واسيناك، أو إلى حاجة عاوناك، قال:
فانصرفت عنه وما على الأرض أحد أحبّ إليّ منه.
«255» - وقال معاوية: ما وجدت لذّة شيء ألذّ عندي غبّا من غيظ أتجرّعه، ومن سفه بالحلم أقمعه.
«256» - وقال له رجل: ما أشبه استك باست أمك، قال: ذاك الذي كان يعجب أبا سفيان منها.
«257» - وأغلظ له رجل فاحتمله، وأفرط عليه فحلم عنه، فقيل له في
(2/124)

ذلك فقال: إنا لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا؛ وإلى هذا المعنى أشار أبو تمام بقوله: [من الطويل]
جهول إذا أزرى التحلّم بالفتى ... حليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل
وكأنه ألمّ بقول سالم بن وابصة: [من البسيط]
إنّ من الحلم ذلا أنت عارفه ... والحلم عن قدرة فضل من الكرم
وقول الآخر: [من الطويل]
قليل الأذى إلّا على القرن في الوغى ... كثير الأيادي واسع الذرع بالفضل
ويحلم ما لم يجلب الحلم ذلّة ... ويجهل ما شدّت قوى الحلم بالجهل
«258» - وقال عامر بن مالك ملاعب الأسنة: [من الطويل]
دفعتكم عنّي وما دفع راحة ... بشيء إذا لم يستعن بالأنامل
تضعّفني حلمي وكثرة جهلكم ... عليّ وأني لا أصول بجاهل
«259» - وقال يزيد بن الحكم الكلابي: [من الطويل]
دفعناكم بالقول حتى بطرتم ... وبالراح حتى كان دفع الأصابع
فلما رأينا جهلكم غير منته ... وما غاب من أحلامكم غير راجع
مسسنا من الآباء شيئا وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
(2/125)

«260» - وكان معاوية مذكورا بالحلم، وأخباره فيه كثيرة، وقد دفعه قوم عن ذلك؛ ذكر عند ابن عبّاس رضي الله عنه بالحلم فقال: وهل أغمد سيفه وفي قلبه على أحد إحنة؟! وقال شريك بن عبد الله: لو كان معاوية حليما ما سفه الحق ولا قاتل عليا. وقال: لو كان حليما لما حمل أبناء العبيد على حرمه ولما أنكح إلا الأكفاء.
وقال الآخر: كان معاوية يتعرّض، ويحلم إذا أسمع، ومن تعرّض للسفيه فهو سفيه.
وقال آخر: كان يحبّ أن يظهر حلمه، وقد كان طار اسمه بذلك فأحبّ أن يزداد فيه.
«261» - وكان معاوية يقول: إني لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن إلا كلمة يشتفي بها مشتف جعلتها تحت قدمي ودبر أذني.
«262» - وشهد أعرابيّ عند معاوية بشهادة، فقال له معاوية:
كذبت، فقال له الأعرابيّ: الكاذب والله متزمّل في ثيابك، فقال معاوية:
هذا جزاء من عجل.
263- كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يعاتبه في التأني، فكتب إليه
(2/126)

معاوية: أما بعد، فإن التفهم في الخير زيادة ورشد، وان المتثبت مصيب والعجل مخطىء، وإن لم ينفعه الرفق ضرّه الخرق، ومن لم تعظه التجارب لم يدرك المعالي، ولا يبلغ الرجل أعلى المبالغ حتى يغلب حلمه جهله، والعاقل سليم من الزلل بالتثبت والأناة وترك العجلة، ولا يزال العجل يجتني ثمرة الندم.
«264» - وقال معاوية يوما: ما ولدت قرشية خيرا لقريش مني، فقال ابن زرارة: بل ما ولدت شرا لهم منك، فقال: كيف؟ قال لأنك عوّدتهم عادة يطلبونها ممن بعدك فلا يجيبونهم إليها، فيحملون عليهم كحملهم عليك فلا يحتملون، وكأني بهم كالزقاق المنفوخة على طرقات المدينة.
«265» - والأحنف بن قيس السعدي ثم أحد بني منقر قد اشتهر عند الناس بالحلم، وبذاك ساد عشيرته، وكان يقول: لست بحليم ولكني أتحالم، قلة رضى عن نفسه بما استكثره الناس منه، وهو اقتفى بقيس بن عاصم المنقريّ، وقال: كنا نختلف إليه في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه.
«266» - وقال الأحنف: حضرت قيس بن عاصم وقد أتوه بابن أخ له قتل ابنه، فجاءوه به مكتوفا يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى، ثم أقبل عليه فقال: يا بنيّ نقصت عددك، وأوهنت ركنك، وفتتّ في عضدك، وأشمتّ عدوك، وأسأت بقومك، خلّوا سبيله واحملوا إلى أمّ المقتول ديته، فانصرف القاتل وما حلّ قيس حبوته ولا تغيّر وجهه.
(2/127)

«267» - وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.
«268» - وقاتل بصفين فاشتدّ، فقيل له: أين الحلم يا أبا بحر؟ قال ذاك عند عقد الحبا.
«269» - وجلس على باب زياد فمرت به ساقية فوضعت قربتها وقالت:
يا شيخ احفظ قربتي حتى أعود، ومضت، وأتاه الآذن فقال: انهض، قال: لا فان معي وديعة.
«270» - وقال: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، وربّ غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشدّ منه.
«271» - وأسمعه رجل وأكثر فقال: يا هذا ما ستر الله أكثر.
«272» - ركب عمرو بن العاص يوما بغلة له شهباء، ومضى على قوم جلوس، فقال بعضهم: من يقوم إلى الأمير فيسأله عن أمه وله عشرة آلاف؟
فقال واحد منهم: أنا، فقام إليه فأخذ بعنانه وقال: أصلح الله الأمير، أنت أكرم الناس خيلا فلم تركب دابّة قد شاب وجهها؟ فقال: اني لا أملّ دابتي
(2/128)

حتى تملّني، ولا أملّ رفيقي حتى يملّني، إنّ الملالة من كدر الأخلاق، فقال:
أصلح الله الأمير، أما العاص بن وائل فقد عرفنا شرفه ونسبه ومنصبه، فمن أمّ الأمير أصلحه الله؟ قال: على الخبير وقعت، أمي النابغة بنت حرملة من عنزة ثم من بني جلّان، سبتها رماح العرب فأتي بها سوق عكاظ فبيعت فاشتراها عبد الله بن جدعان ووهبها للعاص بن وائل فولدت فأنجبت، فإن كان جعل لك جعل فامض فخذه، خلّ عنان الدابة.
وقد قيل إنها كانت بغيّا عند عبد الله بن جدعان، فوطئها في طهر واحد أبو لهب وأميّة بن خلف وهشام بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب والعاص بن وائل، فولدت عمرا فادعاه كلهم، فحكّمت فيه أمّه فقالت: هو للعاص، لأن العاص كان ينفق عليها، وقالوا: كان أشبه بأبي سفيان.
«273» - ودخل عمرو مكة فرأى قوما من قريش قد جلسوا حلقة، فلما رأوه رموه بأبصارهم، فعدل إليهم وقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري، قالوا: أجل، كنا نميّل بينك وبين أخيك هشام أيكما أفضل، فقال عمرو: إنّ لهشام عليّ أربعة: أمه ابنة هشام بن المغيرة وأمي من قد عرفتم، وكان أحبّ إلى أبي مني وقد عرفتم الوالد بالولد، وأسلم قبلي واستشهد وبقيت.
274- كان داود بن علي بن عبد الله بن العبّاس أديبا عاقلا جميلا جوادا فقيها عالما، وكان بينه وبين رجل من آل أبي معيط كلام في دولة بني أمية، فقدم داود العراق على خالد بن عبد الله القسري، فلقيه المعيطي في بعض الطرق فأخذ بلجام بغلته ثم أسمعه ما يكره، وداود منصت حتى قضى كلامه، فقال
(2/129)

له داود: فرغت من كلامك؟ قال: نعم، قال: أما لو كان خيرا ما سبقتني إليه.
«275» - وكان أبو جعفر المنصور شديد السطوة سريع الانتقام، وعدّت له فعلة كريمة في العفو، روي أنه خطب فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، واعترضه معترض عن يمينه فقال: أيها الإنسان، أذكّرك من ذكّرت به، فقطع الخطبة وقال:
سمعا سمعا لمن حفظ الله وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا، وأن تأخذني العزة بالاثم، قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين؛ وأنت أيها القائل فو الله ما الله أردت بها، ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بها ويلك لو هممت، وأهيب لها إذ عفوت، وإياكم معشر الناس مثلها، فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت، فردّوا الأمر إلى أهله يوردوه موارده ويصدروه مصادره، ثم عاد في خطبته كأنما يقرأها من كفّه:
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
«276» - جرى بين أبي مسلم صاحب الدعوة وبين شهرام المروزي كلام، فسبّه شهرام، فحلم عنه أبو مسلم وقال: لسان سبق ووهم أخطأ، والغضب غول الحلم، وأنا قسيمك في الذنب حين جرّأتك بالحلم والاحتمال، فأشفق شهرام فاعتذر وأطنب، فقال أبو مسلم: قد صفحت عنك فليفرخ روعك، فقال شهرام: إن ذنبي يأبى أن يقارّ قلبي السكون، فقال أبو مسلم: إن العجب أن تسيء وأحسن، ثم تحسن وأسيء، فقال: الآن وثقت بعفوك.
(2/130)

«277» - قالت خالدة بنت هاشم بن عبد مناف لأخ لها، وقد سمعته يتجهم [1] صديقا له: أي أخي، لا تطلع من الكلام إلا ما قد روّيت [2] فيه قبل ذلك ومن أجبته بالحلم وداويته بالرفق فإن ذلك أشبه بك، فسمعها أبوها هاشم فقام إليها فاعتنقها وقبلها وقال: واها لك يا قبّة الديباج، فلقبت بذلك.
«278» - وممن أوتي الحلم طبعا لا تحلّما، ومنح كرم الأخلاق لا تكرما المأمون، كان يقول: لقد حبّب إليّ العفو حتى أظنّ أني لا أثاب عليه. عفا عمن نازعه رداء الملك، كما عفا عمن نازعه درة الكأس، فعفوه عن إبراهيم ابن المهدي بعد أن بويع بالخلافة مشهور، وكذاك عفا عن الفضل بن الربيع وهو الذي جلب الحرب بينه وبين أخيه الأمين، وعفا عن الحسين بن الضحاك وقد أمعن في هجائه ممايلة لأخيه، وبالغ في الإشادة بتقبيح ذكره.
«279» - قال عمرو بن بانة: كنت عند صالح بن الرشيد، فقال لي:
لست تطرح على جواريّ وغلماني من الغناء ما أستجيده، فبعثت إلى منزلي فجئته بدفاتر الغناء ليختار منها ما يرضيه، فأخذ دفترا منها فتصفحه فمرّ به شعر للحسين ابن الضحاك يرثي الأمين ويهجو المأمون وهو: [من الطويل]
أطل جزعا وابك الامام محمدا ... بحزن وإن خفت الحسام المهندا
فلا تمّت الأشياء بعد محمد ... ولا زال شمل الملك عنه مبدّدا
ولا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريدا مشردا
__________
[1] م: يتهجم.
[2] م ر: روأت.
(2/131)

فقال لي صالح: أنت تعلم أنّ المأمون يجيء إليّ في كلّ ساعة، فإذا قرأ هذا ما تراه يكون فاعلا؟ فدعا بسكين وجعل يحكه، وصعد المأمون من الدرجة، فرمى صالح بالدفتر، فقال المأمون: يا غلام الدفتر، فأتي به فنظر فيه ووقف على الحكّ وقال: إن قلت لكم ما كنتم فيه تصدقوني؟ قلنا: نعم.
قال: ينبغي أن يكون أخي قال لك: ابعث بدفاترك ليتخيّر ما يطرحه على الجواري، فوقف على هذا الشعر فكره أن أراه فأمر بحكه، قلنا: كذا كان، قال: غنّه يا عمرو، فقلت: يا أمير المؤمنين: الشعر للحسين بن الضحاك والغناء لسعيد بن جابر، فقال: وما يكون؟ غنّه، فغنيته، فقال اردده، فرددته ثلاث مرات، فأمر لي بثلاثين ألف درهم وقال: حتى تعلم أنه لم يضرّك عندي.
280- قال ابن أبي داود: سمعت المأمون يقول لرجل: إنما هو عذر أو يمين، وقد وهبتهما لك، فلا تزال تسيء وأحسن، وتذنب وأعفو، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.
«281» - قال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى وخلاف، وكان يعجبه غناء أبي حشيشة الطنبوري، فوجد المسدود الطنبوري من ذلك، فكان يبلغه عنه ما يكره فيتجاوز، وكان المسدود قد هجاه ببيتين كانا معه في رقعته، وفي رقعة أخرى حاجة له يريد أن يرفعها إليه، فناوله رقعة الشعر وهو يرى أنها رقعة الحاجة، فقرأها الواثق فإذا فيها: [من الهزج]
من المسدود في الأنف ... إلى المسدود في العين
أنا طبل له شقّ ... فّيا طبلا بشقين
(2/132)

وكانت في عين الواثق نكتة، فلما قرأ الرقعة علم أنها فيه، فقال للمسدود: غلطت بين الرقعتين فاحذر أن يقع مثل هذا عليك، فما زاده على هذا القول شيئا ولا تغيّر له عما كان عليه.
وكان الواثق يتشبه بالمأمون في أخلاقه وحلمه، ويسمّى المأمون الصغير، وهو رباه دون أبيه وخرّجه فتقيّل أفعاله وكاد ولم يبلغ.
282- قال يحيى بن الربيع: رأيت قوما يسألون يحيى بن خالد بن برمك حاجة فقال: ما يمكنني، فقالوا: نسألك بحق الله، قال: وحقّ الله لا يمكنني، قالوا: فنسألك بحق ماني، فتغير وجهه، وساءني ذلك وهممت والله بهم، فكفّني عنهم وقال: لا تفعل، ولم يقل لهم شيئا ولا ردّ عليهم جوابا، فحدثت بهذا الفضل بن الربيع فقال: قاتله الله ما أشدّ استدامته للنعم.
283- وقال الشعبي: أول إشارات [1] العفو التّثبت.
284- وقال أبو حازم: التأني في العقوبة طرف من العفو.
«285» - دخلت ابنة مروان بن محمد على عبد الله بن علي فقالت:
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: لست به، قالت:
السلام عليك أيها الأمير، قال: وعليك السلام، فقالت: ليسعنا عدلك، قال: إذن لا نبقي على الأرض منكم أحدا لأنكم حاربتم عليّ بن أبي طالب ودفعتم حقّه، وسممتم الحسن ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين وسيّرتم رأسه، وقتلتم زيدا وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثّلتم به، ولعنتم عليّ بن أبي طالب على منابركم، وضربتم علي بن عبد الله ظلما بسياطكم، وحبستم
__________
[1] ر م: بشارات.
(2/133)

الامام في حبسكم، فعدلنا ألا نبقي منكم أحدا، قالت: فليسعنا عفوك، قال: أما هذا فنعم، وأمر بردّ أموالها عليها، ثم قال: [من الطويل]
سننتم علينا القتل، لا تنكرونه ... فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر
«286» - لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه وقومه [1] وقتلهم المخلوع، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصنيّ، وهو من ولد مسلمة ابن عبد الملك، فأفرط في السبّ وتجاوز الحدّ في قبح الردّ، وتوسط بين القوم [2] وبين بني هاشم فأربى في التوسط والتعصّب، فكان فيما قال: [من المديد]
يا ابن بيت النار موقدها ... ما لحاذيه سراويل
من حسين من أبوك ومن ... مصعب غالتهم غول
نسب عمرك [3] مؤتشب ... وأبوّات أراذيل [4]
قاتل المخلوع مقتول ... ودم المقتول مطلول
وهي قصيدة طويلة. فلما ولي عبد الله مصر وردّ إليه تدبير الشام [5] ، علم الحصنيّ أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده حيث حلّ، فثبت في موضعه، وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابّه وكلّ ما يملكه في موضعه، وفتح باب حصنه وجلس عليه، وتوقع الناس من عبد الله بن طاهر أن يوقع به. قال محمد بن الفضل الخراساني: فلما شارفنا بلده وكنّا على أن نصبّحه دعاني عبد الله
__________
[1] م والأغاني: وأهله.
[2] بين القوم و: سقطت من ر.
[3] الأغاني: نسب في الفخر.
[4] ر: أواذيل.
[5] الأغاني: تدبير أمر الشام.
(2/134)

في الليل فقال لي: بت عندي [1] وليكن فرسك معدّا عندك لا يرد. فلما كان في السحر أمر أصحابه وغلمانه ألا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر وأنا وخمسة من خواصّ غلمانه معه، فسار حتى صبّح الحصن [2] ، فرأى بابه مفتوحا ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلّم عليه ونزل عنده وقال له: ما أجلسك ها هنا وحملك على أن فتحت بابك ولم تتحصّن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنحّ عن عبد الله بن طاهر مع ما في نفسه عليك، ومع ما بلغه عنك؟ فقال له: إنّ ما قلت لم يذهب عليّ، ولكن تأمّلت أمري، وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب وغرّة الحداثة، وأني إن هربت منه لم أفته، فباعدت البنات والحرم [3] ، واستسلمت بنفسي وكلّ ما أملك، فإنا أهل بيت قد أسرع القتل فينا، ولي بمن مضى أسوة، فإني أثق بأنّ الرجل إذا قتلني وأخذ مالي شفى غيظه ولم يتجاوز ذلك إلى الحرم ولا له فيهنّ أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته له؛ قال: فوالله ما اتقاه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته ثم قال له: أتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا عبد الله بن طاهر وقد أمّن الله روعك [4] ، وحقن دمك، وصان حرمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجّلت إليك وحدي إلا لتأمن قبل هجوم الجيش، ولئلا يخالط عفوي عنك روعة تلحقك؛ فبكى الحصنيّ وقام فقبّل رأسه، وضمّه عبد الله إليه وأدناه، ثم قال له: إما لا فلا بدّ من عتاب يا أخي، جعلني الله فداك، قلت شعرا في قومي أفخر بهم لم أطعن فيه على حسبك، ولا أدّعيت فضلا عليك، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك فهم القوم الذين ثارك عندهم، وقد كان يسعك السكوت أو إن لم
__________
[1] زاد في الأغاني: الليلة.
[2] م والأغاني: الحصني.
[3] م: الثبات والحزم.
[4] الأغاني: روعتك.
(2/135)

تسكت ألا تغرق وتسرف، فقال: أيها الأمير قد عفوت، فاجعله العفو الذي لا يخلطه تثريب، ولا يكدّر صفوه تأنيب، قال: قد فعلت، فقم بنا ندخل إلى منزلك حتى نوجب عليك حقا بالضيافة، فقام مسرورا فأدخلنا منزله فأتى بالطعام كأنه قد أعده، فأكلنا وجلسنا نشرب في مستشرف له، وأقبل الجيش فأمرني عبد الله أن أتلقاهم فأرحّلهم، ولا ينزل منهم أحد إلا في المنزل، وهو على ثلاثة فراسخ، فنزلت فرحلتهم، وأقام عنده إلى العصر، ثم دعا بدواة فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين، وقال له: إن نشطت لنا فالحق بنا وإلا فأقم بمكانك، فقال: أنا أتجهز والحق بالأمير، ففعل ولحق بنا مصر فلم يزل مع عبد الله لا يفارقه حتى رحل إلى العراق، فودّعه وأقام ببلده.
«287» - كان عبد الله بن الزبير قد هجا آل الزّبير، وأفرط في العصبية لآل مروان فمن قوله: [من الطويل]
ففي رجب أو غرّة الشهر بعده ... تزوركم [1] حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفا دين عثمان دينهم [2] ... كتائب فيها جبرئيل يقودها
فمن عاش منكم عاش عبدا ومن يمت ... ففي النار سقياه هناك صديدها
فلما ولي مصعب العراق أدخل إليه عبد الله بن الزّبير، فقال له: إيه يا ابن الزّبير أنت القائل: إلى رجب السبعين أو ذلك قبله، وذلك الشعر، فقال: نعم أنا القائل ذلك [3] ، وإنّ الحقين ليأبى العذرة، ولو قدرت على
__________
[1] الأغاني: إلى رجب السبعين أو ذاك قبله تصبحكم.
[2] الأغاني: ثمانون ألفا نصر مروان دينهم.
[3] م: لذلك.
(2/136)

جحده لجحدته، فاصنع ما أنت صانع، قال: أما إني لا أصنع إلا خيرا، أحسن قوم إليك فأحببتهم وواليتهم فمدحتهم، وأمر له بجائزة وكسوة وردّه إلى منزله مكرّما، فكان ابن الزّبير بعد ذلك يمدحه ويشيد بذكره.
«288» - قال أبو الفضل العباس بن أحمد بن ثوابة: قدم البحتريّ النيل على أحمد بن عليّ الاسكافي مادحا له، فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها: [من الخفيف]
ما كسبنا من أحمد [1] بن عليّ ... ومن النيل غير حمّى النيل
وهجاه بقصيدة أخرى أولها: [من الخفيف]
قصة النيل فاسمعوها عجابه
فجمع إلى هجائه إياه هجاء لبني ثوابة، وبلغ ذلك أبي فبعث إليه بألف [2] درهم وثيابا ودابة بسرجه ولجامه، فردّه وقال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول صلتكم، فكتب إليه أبي: أما الإساءة فمغفورة، وأما المعذرة فمشكورة، والحسنات يذهبن السيئات، وما يأسو جراحك مثل يدك، فقد رددت إليك ما رددته عليّ وأضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا. فقبل ما بعث به وكتب إليه: كلامك
__________
[1] م: لأحمد.
[2] م: ألف.
(2/137)

والله أحسن من شعري، وقد أسلفتني ما أخجلني، وحمّلتني ما أثقلني، وسيأتيك ثنائي، ثم غدا عليه بقصيدة أولها: [من الطويل]
ضلال لها ماذا أرادت من الصدّ
وقال فيه بعد ذلك: [من المنسرح]
برق أضاء العقيق من ضرمه
وأيضا: [من الخفيف]
أن دعاه داعي الصّبا فأجابه
قال: ولم يزل أبي بعد ذلك يصله ويتابع برّه لديه حتى افترقا.
289- غضب كعب الأحبار على غلامه فحذفه بالدواة فشجه، فقيل له: أنت في حلمك تغضب؟ قال: قد غضب خالق الحلم.
290- قال معاوية لابنه، وقد رآه ضرب غلاما له: إياك يا بني والتشفي ممن لا يمتنع منك، فو الله لقد حالت القدرة بين أبيك وبين ذوي تراته، ولهذا قيل: القدرة تذهب الحفيظة.
291- وقال مالك بن أسماء: [من الكامل]
لما أتاني عن عيينة أنه ... عان عليه تظاهر الأقياد
تركت له نفسي الحفيظة إنه ... عند التمكن تذهب الأحقاد
«292» - قال الربيع: بلغ المنصور قتل عبد الله بن علي من قتل من بني أمية فقال: قاتله الله، ألا تركهم حتى يرغبوا إلينا كما رغبنا إليهم، ويروا من
(2/138)

ملكنا ودولتنا مثل الذي رأينا من ملكهم ودولتهم، وكان القتل بعد أقبح من العفو (وهو يشبه كلاما لعبد الله بن الحسن قد تقدم ذكره) .
«293» - قال معاوية: ما غضبي على من أملك وما غضبي على من [1] لا أملك.
«294» - وأتي عمر بن عبد العزيز برجل كان واجدا عليه فأمر بضربه، ثم قال: لولا أنّي غاضب لضربتك، ثم خلّى سبيله ولم يضربه.
«295» - سبّ رجل من قريش في أيام بني أمية بعض أولاد الحسن بن علي عليهما السلام فأغلظ له وهو ساكت، والناس يعجبون من صبره عليه، فلما أطال أقبل عليه الحسنيّ متمثلا قول ابن ميادة: [من الطويل]
أظنت وذاكم من سفاهة رأيها ... أن اهجوها كما هجتني محارب
«296» - قال رجل لعمر بن عبد العزيز: إنّ فلانا يقع فيك، فقال:
والله إني لأدع الانتصار وأنا أقدر عليه، وأدع الصغيرة مخافة الكبيرة، وإن التقيّ ملجم.
«297» - قال أنوشروان: وجدنا للعفو من اللذة ما لم نجده للعقوبة.
__________
[1] ر: ما؛ م: إلا على ما.
(2/139)

«298» - وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: عفو الملوك بقاء للملك.
«299» - وفي بعض الكتب أن كثرة العفو زيادة في العمر، وأصله قوله تعالى: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
(الرعد: 17) .
«300» - قال معاوية: إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي (وهذه دعوى عالية الرتبة إن قاربت الفعل استحق صاحبها صفة الكمال) .
«301» - قال عمر بن عبد العزيز: متى أشفي غيظي؟ أحين أقدر فيقال: ألا غفرت، أم حين أعجز فيقال: ألا صبرت؟
«302» - وقال إبراهيم بن أدهم: أنا منذ عشرين سنة في طلب أخ إذا غضب لم يقل إلّا الحقّ فما أجده.
«303» - أغلظ رجل لعمر بن عبد العزيز فأطرق طويلا ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك ما تناله مني غدا؟!
(2/140)

«304» - قال الحسن: المؤمن لا يجهل، وان جهل عليه حلم؛ لا يظلم وإن ظلم غفر؛ لا يبخل وإن بخل عليه صبر.
«305» - وقال أكثم بن صيفي: الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندم.
«306» - قال الشعبي: لا يكون الرجل سيدا حتى يعمل ببيتي الهذلي:
[من الطويل]
وإنّي للبّاس على المقت والقلى ... بني العم منهم كاشح وحسود
أذبّ وأرمي بالحصى من ورائهم ... وأبدأ بالحسنى لهم وأعود
«307» - الأحنف: [من الوافر]
وذي ضغن أمتّ القول عنه ... بحلم فاستمرّ على القتال
ومن يحلم وليس له سفيه ... يلاق المعضلات من الرجال
«308» - معد بن حسين بن خيارة الفارسيّ المغربيّ: [من الطويل]
إذا الحرّ لم يحمل على الصبر نفسه ... تضعضع وامتدّت إليه يد العبد
«309» - وقف أحمد بن عروة بين يدي المأمون لما عزله عن الأهواز،
(2/141)

فقال له: خرّبت البلاد، وقتلت العباد، والله لأفعلنّ بك ولأفعلنّ، قال:
يا أمير المؤمنين ما تحبّ أن يفعل الله بك إذا وقفت بين يديه وقد قرّعك بذنوبك؟ قال: العفو والصفح، قال: يا أمير المؤمنين، فافعل بعبدك ما تحبّ أن يفعل بك مولاك، قال: قد فعلت، ارجع فوال مستعطف خير من وال مستأنف.
«310» - قال المأمون للفضل بن الربيع: يا فضل، أكان حقي عليك وحقّ آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك أن تثلبني وتشتمني وتحرّض على دمي؟
أتحبّ أن أفعل بك مع القدرة ما أردت أن تفعله بي مع العجز؟ فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، إن عذري يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف إذا غيّبته العيوب وقبّحته الذنوب؟ فلا يضق عنّي من عفوك ما وسع غيري من حلمك، فانت والله كما قال الشاعر: [من الطويل]
صفوح عن الاجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
«311» - قال يزيد بن مزيد: أرسل إليّ الرشيد ليلا يدعوني، فأوجست منه خيفة فقال: أنت القائل: أنا ركن الدولة والثائر لها، والضارب أعناق بغاتها، لا أم لك، أيّ ركن لك، وأيّ ثائر أنت؟ وهل كان منك فيها إلا نفحة أرنب رعبت قطاة جثمت بمفحصها؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ما قلت هذا إنما قلت: أنا عبد الدولة والفائز بها؛ فأطرق وجعل ينحلّ غضبه عن وجهه، ثم ضحك، فقلت: أسرّ من هذا قولي: [من البسيط]
(2/142)

خلافة الله في هارون ثابتة ... وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور
إرث النبيّ لكم من دون غيركم ... حقّ من الله في القرآن مسطور
فقال: يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.
«312» - مدح شاعر زبيدة فقال: [من الكامل المجزوء]
أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكفّ من الرغاب
فتبادر العبيد ليوقعوا به، فقالت زبيدة: كفوا عنه فلم يرد إلا خيرا، ومن أراد خيرا فاخطأ خير ممن أراد شرا فأصاب؛ سمع الناس يقولون وجهك أحسن من وجه غيرك، وشمالك أندى من يمنى سواك، وقدّر أن هذا مثل ذاك، أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.
«313» - تقلّد فرج الرخجي الأهواز، واتصلت السعايات به، وتظلمت رعيّته منه فصرفه الرشيد بمحمد بن أبان الأنباري؛ قال مطير [1] بن سعيد كاتب فرج: فأحضره الرشيد وحضرنا معه، ولسنا نشك في إيقاعه به وإزالة نعمته، فوقفنا ننتظره يخرج على حال نكرهها، إذ خرج وعليه الخلع، فلما خلا سألته عن خبره فقال لي: دخلت إليه ووجهه في الحائط [2] وظهره إليّ، فلما أحسّ بي شتمني أقبح شتم، وتوعّدني أشدّ توعّد، ثم قال لي: يا ابن الفاعلة رفعتك فوق قدرك، وائتمنتك فخنتني، وسرقت مالي، وفعلت وصنعت،
__________
[1] الجهشياري: مظهر.
[2] الجهشياري: إلى المغرب؛ م: إلى الحائط.
(2/143)

لأفعلنّ ولأصنعنّ، فلما سكن قلت له: القول قول سيدي، أمّا ما قال في إنعامه عليّ فهو صحيح وأكثر منه، وحلفت له بأيمان أكدتها [1] لقد نصحت وما سرقت، ووفّرت وما خنت، واستقصيت في طلب حقوقه من غير ظلم، ولكني كنت إذا حضرت أوقات الغلات جمعت التجار وناديت عليها، فإذا تقررت العطايا أنفذت البيع، وجعلت لي مع التجار حصة، فربما ربحت وربما وضعت، إلى أن جمعت [2] من ذلك وغيره في عدة سنين عشرة آلاف ألف درهم، فاتخذت أزجا كبيرا فأودعته المال وسددته عليه، فخذه وحوّل وجهك إليّ، وكررت القول والحلف على صدقي، فقال لي: بارك الله لك في مالك، فارجع إلى عملك.
«314» - قال الجاحظ: ليس نفس تصبر على مضض الحقد ومطاولة الأيّام صبر الملوك، أشهد لكنت من الرشيد وهو متعلّق بأستار الكعبة بحيث يمسّ ثوبي ثوبه ويدي يده، وهو يقول في مناجاته: اللهمّ إني أستخيرك في قتل جعفر، ثم قتله بعد ذلك بستّ سنين.
«315» - قال ابن عبّاس لمعاوية: هل لك في مناظرتي فيما زعمت؟
قال: وما تصنع بذلك؟ فأشغب بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لا
__________
[1] م: بالأيمان وأكدتها.
[2] م: أجمع.
(2/144)

ينفعك، ويبقى في قلبي ما يضرّك.
«316» - كان ابن عون إذا وجد على إنسان وبلغ منه قال له: بارك الله فيك، وكانت له ناقة كريمة عليه، فضربها الغلام فأندر عينها فقالوا: إن غضب ابن عون فهو يغضب اليوم، فقال للغلام: غفر الله لك.
317- ويقال: انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟ وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟
«318» - بينا أبو العبّاس السفّاح يحدّث أبا بكر الهذلي، فعصفت الريح فأذرت طستا من سطح إلى المجلس، فارتاع من حضر ولم يتحوّل الهذليّ ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح، فقال: ما أعجب شأنك يا هذلي!! فقال:
إن الله تعالى يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
(الأحزاب:
4) وإنما لي قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، فلو انقلبت الخضراء على البيضاء ما أحسست بها ولا وجمت لها، فقال السفاح: لئن بقيت لأرفعنّ منك ضبعا لا تطيف [1] به السّباع ولا تنحطّ عليه العقبان.
«319» - وقال معاوية، يغلب الملك حتى يركب بالحلم عند سورته والاصغاء إلى حديثه.
ومن الشرف والرياسة حفظ الجوار وحمي الذمار:
وكانت العرب ترى ذلك دينا تدعو إليه، وحقا واجبا تحافظ عليه.
__________
[1] ر: تطرف.
(2/145)

«320» - كان أبو سفيان بن حرب إذا نزل بن جار قال: يا هذا إنك اخترتني جارا، واخترت داري دارا، فجناية يدك عليّ دونك، وإن جنت عليك يد فاحتكم حكم الصبيّ على أهله.
«321» - وذكر أبو عبيدة أن رجلا من السواقط من بني أبي بكر بن كلاب- والسواقط من قدم اليمامة ووردها من غير أهلها- قدم اليمامة ومعه أخ له، فكتب له عمير بن سلميّ أنه جار له، وكان أخو هذا الكلابي جميلا، فقال له قرين أخو عمير: لا تردنّ أبياتنا هذه بأخيك هذا؛ فرآه بعد بين أبياتهم فقتله، قال أبو عبيدة: وأما المولى فذكر أن قرينا أخا عمير كان يتحدّث إلى امرأة أخي الكلابيّ، فغيّر ذلك عليه زوجها فخافه قرين فقتله، وكان عمير غائبا، فأتى الكلابيّ قبر سلميّ أبي عمير وقرين فاستجار به وقال:
[من الكامل]
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر ... زيد بن يربوع وآل مجمّع
وأتيت سلميّا فعذت بقبره ... وأخو الزمانة عائذ بالأمنع
أقرين إنّك لو رأيت فوارسي ... بعمايتين إلى جوانب ضلفع [1]
حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغلّ الإصبع
(الإصبع موضعها ها هنا موضع اليد، يقال: لفلان عليك يد، وله عليك إصبع، والمراد النعمة، والعرب تقول: هو مغلّ الإصبع من أغل إذا خان وهو الذي يخدّ بإصبعه حتى يستسيل الودك) [2] .
__________
[1] عمايتان وضلفع أسماء أمكنة.
[2] الاصبع ... الودك: سقط من ر.
(2/146)

فلجأ قرين إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة، فحمل قتادة إلى الكلابيّ ديات مضاعفة، وفعلت وجوه بني حنيفة مثل ذلك، فأبى الكلابيّ أن يقبل؛ فلما قدم عمير قالت له أمه، وهي أم قرين: لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابيّ جميع ماله، فأبى الكلابيّ أن يقبل وقد لجأ قرين إلى خاله السمين بن عبد الله، فلم يمنع عميرا منه، فأخذه عمير فمضى به حتى قطع الوادي فربطه إلى نخلة وقال للكلابيّ: أما إذ أبيت إلا قتله فأمهل حتى أقطع الوادي، وارتحل عن جواري فلا خير لك فيه، فقتله الكلابيّ، ففي ذلك يقول عمير: [من الطويل]
قتلنا أخانا بالوفاء لجارنا ... وكان أبونا قد تجير مقابره
وقالت أم عمير: [من الوافر]
تعدّ معاذرا لا عذر فيها ... ومن يقتل أخاه فقد ألاما
«322» - جاور عروة بن مرّة أخو أبي خراش الهذلي ثمالة من الأزد، فجلس يوما بفناء بيته آمنا لا يخاف شيئا، فاستقبله رجل منهم بسهم فقصم صلبه، ففي ذلك يقول أبو خراش: [من الكامل]
لعن الإله وجوه قوم رضّع ... غدروا بعروة من بني بلّال
وأسر خراش بن أبي خراش، أسرته ثمالة، فكان فيهم مقيما، فدعا آسره رجلا منهم يوما للمنادمة، فرأى ابن ابي خراش موثقا في القدّ، فأمهل حتى قام الآسر لحاجة، فقال المدعوّ لابن أبي خراش: من أنت؟ فقال:
ابن أبي خراش فقال: كيف دلّيلاك؟ فقال: قطاة، قال: فقم فاجلس
(2/147)

ورائي، وألقى عليه رداءه، ورجع صاحبه، فلما رأى ذلك أصلت له بالسيف وقال له: أسيري، فنثل المجير كنانته وقال: والله لأرمينّك إن رميته، فإني قد أجرته، فخلّى عنه؛ فنجا إلى أبيه فقال له: من أجارك؟ قال: والله ما أعرفه، فقال أبو خراش: [من الطويل]
حمدت الهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشرّ أهون من بعض
يقول فيها:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض
«323» - وكان الفرزدق شريفا، وكان يجير من عاذ بقبر أبيه غالب بن صعصعة، فممن استجار بقبره فأجاره امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر أن يسمّيها ويسبّها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسما ولا نسبا، ولكن قال في كلمته التي يهجو فيها بني جعفر بن كلاب:
[من الطويل]
عجوز تصلّي الخمس عاذت بغالب ... فلا والذي عاذت به لا أضيرها
«324» - ومن ذلك أنّ الحجاج لما ولّى تميم بن زيد القيني السنّد، دخل البصرة فجعل يخرج من أهلها من شاء، فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت:
إني استجرت بقبر أبيك، وأتت منه بحصيّات، فقال: ما شأنك؟ قالت:
إن تميم بن زيد خرج بابن لي معه، ولا قرّة لعيني ولا كاسب عليّ غيره، فقال لها: وما اسم ابنك؟ قالت: حبيش، فكتب إلى تميم مع بعض من
(2/148)

شخص: [من الطويل]
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي ... بظهر ولا يعيا عليّ جوابها
وهب لي حبيشا واحتسب منه منّة ... لعبرة أمّ ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالب ... وبالحفرة السافي عليها ترابها
وقد علم الأقوام أنك ماجد ... وليت إذا ما الحرب شبّ شهابها
فلما ورد الكتاب على تميم تشكّك في الاسم فقال: أحبيش أم خنيس؟
فقال: انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا، فأصيب ستة ما بين حبيش وخنيس، فوجّه بهم إليه.
«325» - ومنهم مكاتب لبني منقر، ظلع بمكاتبته فأتى قبر غالب فاستجار به، وأخذ منه حصيّات فشدّهنّ في عمامته، ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره وقال: إني قد قلت شعرا، فقال: هاته، فقال: [من الطويل]
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما ... خشيت الردى أو أن أردّ على قسر
بقبر امرىء تقري المجير [1] عظامه ... ولم يك إلا غالبا ميّت يقري
فقال لي استقدم أمامك إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
فقال له الفرزدق ما اسمك؟ قال: لهذم، قال: يا لهذم، حكمك مشتطا [2] ، قال: ناقة كوماء سوداء الحدقة [3] ، قال: يا جارية اطرحي إلينا حبلا، ثم قال: يا لهذم اخرج بنا إلى المربد فألقه في عنق ما شئت، فتخيّر العبد على عينه، ثم رمى بالحبل في عنق ناقة، وجاء صاحبها فقال له
__________
[1] م والكامل: المئين.
[2] الكامل: مسمطا.
[3] م: سوداء الحدقة كوماء.
(2/149)

الفرزدق: اغد عليّ [في] ثمنها، قال: فجعل لهذم يقودها والفرزدق يسوقها حتى إذا نفذ بها من البيوت إلى الصحراء صاح به الفرزدق: يا لهذم قبّح الله أخسرنا.
«326» - كان أحمد بن أبي داود من المتقدمين في علوّ الهمة وحفظ الجوار، قال أبو العيناء: كان سبب اتصالي بأحمد بن أبي داود أن قوما من أهل البصرة عادوني وادّعوا عليّ دعاوى كثيرة، منها أنني رافضي، فاحتجت إلى أن خرجت عن البصرة إلى سرّ من رأى، وألقيت نفسي على ابن أبي داود وكنت نازلا في داره أجالسه في كلّ يوم، وبلغ القوم خبري فشخصوا نحوي إلى سرّ من رأى، فقلت له: إنّ القوم قد قدموا من البصرة يدا عليّ، فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
(الفتح: 10) فقلت: إن لهم مكرا، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
(الأنفال: 30) فقلت هم كثيرون، فقال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
(البقرة:
249) فقلت: لله درك أيها الأمير فأنت والله كما قال الصّموت الكلابيّ:
[من الكامل]
لله درّك أي جنّة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان
متخمّط يطأ الرجال غلبّة ... وطء العتيق دوارج [1] القردان
ويكبّهم حتى كأنّ رؤوسهم ... مأمومة [2] تنحطّ للغربان
ويفرّج الباب الشديد رتاجه ... حتى يصير كأنه بابان
فقال لابنه الوليد: اكتب هذه الأبيات، فكتبها بين يديه.
قال الصولي: حفظي عن أبي العيناء الصموت الكلابيّ على أنه رجل،
__________
[1] زهر: مدارج.
[2] مأمومة: مشجوجة.
(2/150)

وقال لي وكيع: حفظي أنها الصموت الكلابيّة، على أنها امرأة.
«327» - والعرب تضرب المثل بجار أبي داود، وهو أبو داود الإيادي، حلّ جارا للحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان فأعطاه عطايا كثيرة، ثم مات ابن أبي داود وهو في جواره فوداه، فمدحه أبو داود، فحلف الحارث أنّه لا يموت له ولد إلا وداه، ولا يذهب له مال إلا أخلفه، فذلك قول قيس ابن زهير: [من الوافر]
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي داود
«328» - تزوج مروان بن الحكم أمّ خالد بن يزيد بن معاوية، فقال مروان لخالد يوما، وأراد أن يصغّر به: يا ابن الرطبة، فقال له خالد: الأمير مخبر وأنت أعلم بهذا، ثم أتى أمّه فأخبرها وقال: أنت صنعت بي هذا، فقالت: دعه فإنه لا يقولها لك بعد اليوم، فدخل عليها مروان فقال لها: هل أخبرك خالد بشيء، فقالت: يا أمير المؤمنين خالد أشدّ تعظيما لك من أن يذكر لي شيئا جرى بينك وبينه. فلما أمسى وضعت مرفقة على وجهه، وقعدت هي وجواريها عليها حتى مات، فأراد عبد الملك قتلها، وبلغها ذلك فقالت:
أما إنه أشدّ عليك أن يعلم الناس أن أباك قتلته امرأة، فكفّ عنها. فهذه امرأة حميت أن سبّها ذو أمرها حتى انتصرت وكشفت العار عن ولدها.
«329» - قال العتبي: حمل زياد من البصرة مالا إلى معاوية، ففزعت
(2/151)

بنو تميم والأزد إلى مالك بن مسمع، وكانت ربيعة مجتمعة عليه كاجتماعها على كليب في حياته، واستغاثوا به وقالوا: يحمل المال ونبقى بلا عطاء، فركب مالك في ربيعة، واجتمع إليه الناس، فلحق بالمال فردّه وضرب الفسطاط بالمربد، وأنفق المال في الناس حتى وفّاهم عطاءهم وقال: إن شئتم الآن أن تحملوا فاحملوا، فما راجعه زياد في ذلك بحرف.
«330» - ولما ولي حمزة بن عبد الله بن الزبير البصرة جمع مالا ليحمله إلى أبيه، فاجتمع الناس إلى مالك واستغاثوا به، ففعل مثل فعله بزياد، فقال العديل بن الفرخ العجلي في ذلك: [من الطويل]
إذا ما خشينا من أمير ظلامة ... دعونا أبا غسان يوما فعسكرا
ترى الناس أفواجا إلى باب داره ... إذا شاء جاءوا دارعين وحسّرا
«331» - ومن أنواعه ما فعله هاشم بن عبد مناف في اعتقاد قريش (واعتفادها أن أهل البيت منهم كانوا إذا سافت [1] أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض، وضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تتاموا [2] فيها حتى يموتوا من قبل أن يعلم بخلّتهم، حتى نشأ هاشم وعظم قدره في قومه) فقال: يا معشر قريش، إنّ العز مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالا وأعزّهم نفرا، وإن هذا الاعتقاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأيا؛ قالوا:
رأيك رشد [3] فمرنا نأتمر؛ قال رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل
__________
[1] سافت: هلكت.
[2] ر: تنادموا؛ م: تناوموا؛ السيوطي: تناوبوا.
[3] السيوطي: راشد.
(2/152)

غنيّ فأضمّ إليه فقيرا عياله بعدد عياله، فيكون مؤازره [1] في الرحلتين: رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغنيّ من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعا للاعتقاد، قالوا: فإنك نعم ما رأيت. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله بهم ما أنزل، كان ذلك مفتاح النبوّة وأوّل عزّ قريش حتى هابهم الناس كلهم وقالوا: أهل الله والله يمنعهم [2] ، وكان مولد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله صلّى الله عليه وآله، وكان فيما أنزل عليه وهو يعرّف قومه ما صنع بهم وما نصرهم من الفيل وأهله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
(الفيل: 1) إلى آخر السورة. ثم قال: ولم فعلت ذلك يا محمد بقومك، وهم يوم فعلت ذلك بهم أهل عبادة أوثان لا يعبدونني، ولا يحلّون لي ولا يحرّمون، فنصرتهم كما أنصر أوليائي وأهل طاعتي، ثم أخبره لم فعل ذلك، فقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ
(قريش: 1) إلى آخر السورة أي لتراحمهم وتواصلهم، وإن كانوا على شرك، وكان الذي أمنتهم منه من الخوف خوف الفيل وأصحابه، وإطعامه إياهم من الجوع، من جوع [3] الاعتقاد.
«332» - مروان بن أبي حفصة: [من الطويل]
هم يمنعون الجار حتى كأنّما ... لجارهم بين السماكين منزل
__________
[1] ر: والسيوطي: يؤازره.
[2] السيوطي: معهم.
[3] من جوع: سقطت من ر.
(2/153)

«333» - نهشل: [من الطويل]
وجار منعناه من الضّيم والعدى ... وجيران أقوام بمدرجة النمل
«334» - ابن نباتة: [من البسيط]
ولو يكون سواد الشعر في ذممي [1] ... ما كان للشيب سلطان على القمم
«335» - قال علي بن محمد المدائني [2] : كان رجل من الشيعة يسعى في فساد الدولة، فجعل المهديّ لمن دلّ عليه أو أتى به مائة ألف درهم، فأخذه رجل ببغداد، فأيس من نفسه، فمرّ به معن بن زائدة فقال له: يا أبا الوليد أجرني أجارك الله، فقال معن للرجل: مالك وماله؟ قال هذا طلبة أمير المؤمنين، قال: خلّ سبيله، قال: لا أفعل، فأمر معن غلمانه فأخذوه، وأردفه بعضهم، ومضى الرجل إلى سّلام الأبرش فأخبره بالقصة، وقال له:
إنّ معنا قال له إن طلبه أمير المؤمنين فأعلمه أنه عندي، فلم يضع معن ثيابه حتى أتاه رسول المهديّ، فركب وقال لغلمانه: اذهبوا، ولأهل بيته ومواليه:
كونوا دونه ولا يصل أحد إلى هذا الرجل ومنكم عين تطرف؛ فلما دخل على المهدي قال: يا معن أتجير عليّ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قتلت في طاعتكم في يوم واحد خمسة آلاف رجل، هذا إلى أيام كثيرة قد تقدّمت فيها طاعتي وسبق فيها بلائي، أفما تروني أهلا أن تجيروا لي رجلا واحدا استجار
__________
[1] م: لممي.
[2] م: ابن المدائني.
(2/154)

بي؟ فاستحيا المهدي وأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: قد أجرنا يا أبا الوليد من أجرت، قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يحبو جاري فيكون قد أحياه وأغناه، قال: وقد أمرنا له بخمسين ألف درهم، قال: يا أمير المؤمنين ينبغي أن تكون صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية، وإنّ ذنب الرجل عظيم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجزل صلته، قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم، فقال: ان رأى أمير المؤمنين أن يهنّئه بتعجيلها، قال: تحمل بين يديه، فرجع إلى منزله فدعا بالرجل ووعظه وقال: لا تتعرض لمساخط الخلفاء، ودفع إليه المال.
«336» - كان جعفر بن أبي طالب يقول لأبيه: يا أبه إني لأستحيي أن أطعم طعاما وجيراني لا يقدرون على مثله، فكان أبوه يقول له: إني لأرجو أن يكون فيك خلف من عبد المطلب.
«337» - نزل الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بقوم فقروه، فأغير على بعضهم، فركب في نفير [1] معه فاستنقذهم وقال [2] : [من البسيط]
ناديتهم حين صمّوا عن مناشدتي ... صمّ القنا زعزعت أطرافه الخرق
وكم ترى يوم ذاكم من مولولة ... إنسان مقلتها في دمعها غرق
«338» - استنصر سبيع بن الخطيم التيمي زيد الفوارس الضبيّ فنصره
__________
[1] م: نفر.
[2] م: ثم أنشد.
(2/155)

وقال: [من البسيط]
نبّهت [1] زيدا ولم أفزع إلى وكل ... رثّ السلاح ولا في الحيّ مغمور [2]
سالت عليه شعاب الحيّ [3] حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير
«339» - سقط الجراد قريبا من بيت أبي حنبل جارية [4] بن مرّ، فجاء الحيّ وقالوا: نريد جارك فقال: أما إذ جعلتموه جاري فو الله لا تصلون إليه، فأجاره حتى طار من عنده فقيل له: مجير الجراد، وفي ذلك يقول هلال بن معاوية الثعليّ: [من المتقارب]
وبالجبلين لنا معقل ... صعدنا إليه بصمّ الصّعاد
ملكناه في أوليات الزمان ... من قبل نوح ومن قبل عاد
ومنا ابن مرّ أبو حنبل ... أجار من الناس رجل الجراد
وزيد لنا ولنا حاتم ... غياث الورى في السّنين الشداد
340- كان يقال: من تطاول على جاره، حرم بركة داره.
«341» - وكان عبيد الله بن أبي بكرة ينفق على من حول داره على أهل أربعين دارا من كل جهة من جهاتها الأربع، وكان يبعث إليهم بالأضاحي
__________
[1] الوحشيات: ناديت.
[2] الوحشيات: مكثور.
[3] الوحشيات: شعاب العزّ.
[4] م: حارثة.
(2/156)

والكسوة، ويقوم لمن تزوج منهم بما يصلحه، ويعتق في كل عيد مائة رقبة سوى ما يعتق في سائر السنة.
«342» - قال الحسن: ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى.
«343» - وجاءته امرأة محتاجة وقالت: أنا جارتك، قال: كم بيني وبينك؟ قالت: سبع أدؤر، فنظر الحسن فإذا تحت فراشه سبعة دراهم، فأعطاها إياها وقال: كدنا نهلك.
«344» - كان كعب بن مامة إذا جاوره رجل قام بما يصلحه وأهله، وحماه ممن يقصده، وإن هلك له شيء أخلفه، وإن مات وداه، فجاوره أبو داود الإيادي، فزاده على عادته. واحتذى أبو داود فعله حتى قال فيه قيس بن زهير: [من الوافر]
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي داود
وصار مثلا في حسن الجوار (وله خبر قد ذكر من قبل) .
«345» - (1) الرضيّ أبو الحسن الموسوي: [من الطويل]
وأبيض من عليا معدّ كأنما ... تلاقى على عرنينه القمران
إذا رمت طعنا بالقريض حميته ... وإن رام طعنا بالرماح حماني
(2) وقال أيضا: [من المنسرح]
(2/157)

لو أمطرته السماء أنجمها ... عزا لما قال للسماء قد
لا يسأل الضيف عن منازله ... ومنزل البدر غير مفتقد
نوادر من هذا الباب
«346» - كان عقيل بن علّفة من الغيرة والأنفة على ما ليس عليه [1] أحد، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه، وكانت لعقيل إليه حاجات، فقال له: إما إذ كنت فاعلا فجنبني هجناءك.
وخطب إليه ابنته إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة، وهو خال هشام بن عبد الملك ووالي المدينة، وكان أبيض شديد البياض، فردّه عقيل وقال: [من الوافر]
رددت صحيفة القرشيّ لما ... أبت أعراقه إلّا احمرارا
347- قدّم أعرابيّ رجلا إلى القاضي واستعدى عليه، وتقدم شاهدان فقالا: نشهد أنه قد ظلم الأعرابيّ، فقال الأعرابيّ: كذبا ما ظلمني ولكنّه لوى حقي، (كأنه أنف أن يكون مظلوما) .
«348» - ومثل هذا أن أعرابيا من بني سليم قيل له: أيما أحبّ إليك:
أن تلقى الله ظالما أو مظلوما؟ فقال: بل ظالما، قالوا: سبحان الله أتحبّ الظلم؟ قال: فما عندي إذا أتيته مظلوما يقول لي: خلقتك مثل البعير
__________
[1] م: مثله.
(2/158)

الصّمحمح ثم أتيتني تعصر عينيك وتشتكي؟! «349» - قيل لأعرابي اشتدّ به الوجع: لو تبت؟ فقال: لست ممن يعطي على الضيم، إن عوفيت تبت.
«350» - قال أعرابيّ لرفيقه: أترى هذه الأعاجم تنكح نساءنا في الجنة؟ قال له: نعم أرى ذلك بأعمالهم الصالحة، فقال: توطأ إذن والله رقابنا قبل ذلك.
«351» - نزل عطّار يهوديّ بعض أحياء العرب ومات، فأتوا شيخا لهم لم يكن يقطع في الحيّ أمر دونه، فأعلموه خبر اليهودي، فجاء فغسله وكفّنه وتقدّم وأقام الناس خلفه وقال: اللهمّ إن هذا اليهوديّ جار وله ذمام، فأمهلنا حتى نقضي ذمامه، فإذا صار في لحده فشأنك والعلج.
«352» - كان خالد بن صفوان أحد من إذا عرض له القول قال، فيقال إن سليمان بن عليّ سأله عن ابنيه جعفر ومحمد، فقال له: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال: [من الطويل]
أبو مالك جار لها وابن برثن ... فيا لك جاري ذلّة وصغار
والشعر ليزيد بن مفرغ الحميري، فأعرض عنه سليمان، وكان سليمان من أجمل الناس وأكرمهم، وهو في الوقت الذي أعرض فيه عنه والي البصرة وعمّ الخليفة المنصور.
(2/159)

«353» - خرج زياد الأعجم إلى المهلب ومدحه وهو بخراسان [1] ، فأمر له بجائزة، وأقام عنده أياما، قال: فإنه لعشية يشرب مع حبيب بن المهلب في دار فيها دلبة وفيها حمامة، فسجعت الحمامة فقال زياد: [من الوافر]
تغنّي أنت في ذممي وعهدي ... وذمة والدي ألّا تضاري
وبيتك أصلحيه ولا تخافي ... على صفر مزغّبة صغار
فإنك كلّما غنيت صوتا ... ذكرت أحبتي وذكرت داري
فاما يقتلوك طلبت ثأرا ... له نبأ لأنك في جواري
فقال حبيب: يا غلام هلمّ القوس، فأتي به، فنزع لها بسهم فقتلها، فوثب زياد فدخل على المهلب، فحدّثه الحديث وأنشده الشعر، فقال المهلب: عليّ بأبي بسطام فأتي بحبيب، فقال: أعط أبا أمامة دية جاره ألف دينار، فقال: أطال الله بقاء الأمير إنما كنت ألعب، فقال أعطه كما آمرك، فأعطاه، فأنشأ زياد يقول: [من الطويل]
فلله [2] عينا من رأى كقضيّة ... قضى لي بها قرم العراق المهلّب
قضى ألف دينار لجار أجرته ... من الطير حضّان على السقب ينعب
رماها حبيب بن المهلب رمية ... فأثبتها بالسهم والشمس تغرب
فألزمه عقل القتيل ابن حرّة ... وقال حبيب إنما كنت ألعب
فقال زياد لا يروّع جاره ... وجارة جاري مثل جاري وأقرب [3]
قال: فإنه لبعد هذا يشرب مع حبيب، وفي قلب حبيب عليه الألف،
__________
[1] م: وهو بخراسان ومدحه.
[2] م: ولله.
[3] في الأصول: بل من الجار اقرب.
(2/160)

إذ عربد عليه فشق قباء ديباج عليه فقام وقال: [من الطويل]
لعمرك ما الديباج خرّقت وحده ... ولكنّما خرّقت جلد المهلب
فبعث المهلب إلى حبيب فأحضره وقال: صدق زياد ما خرّقت إلا جلدي، تبعث عليّ هذا [1] يهجوني؟! ثم أحضره وتسلّل سخيمته وأمر له بمال وصرفه.
«354» - قيل لأعرابيّ ما يمنعك أن تمنع جارتك فإنه يتحدّث إليها فتيان الحيّ، قال: وهي طائعة أو كارهة؟ قالوا: طائعة، قال: إنما أمنع جاري مما يكره.
«355» - قدم الحكم بن عبدل الأسديّ على ابن هبيرة واسطا، فأقبل حتى وقف بين يديه ثم قال: [من الطويل]
اتيتك في أمر من آمر عشيرتي ... وأعيا الأمور المفظعات جسيمها
فإن قلت لي في حاجة أنا فاعل ... فقد ثلجت نفسي وولّت همومها
فقال ابن هبيرة: أنا فاعل إن اقتصدت، فما حاجتك؟ قال: غرم لزمنا في حمالة، قال: وكم هي؟ قال: أربعة آلاف، قال: نحن مناصفكوها، قال: أصلح الله الأمير، أتخاف عليّ التخمة إن أتممتها؟ قال: أكره أن أعوّد الناس هذه العادة، قال: فأعطني جميعها سرّا وامنعني جميعها ظاهرا حتى تعوّد الناس المنع، وإلا فالضرر عليك واقع إن عوّدتهم نصف ما يطلبون، فضحك ابن هبيرة وقال: ما عندنا غير ما بذلنا لك، فجثا بين يديه وقال:
__________
[1] م: هذا عليّ.
(2/161)

امرأته طالق لا أخذت أقلّ من أربعة آلاف أو أنصرف وأنا غضبان، قال:
أعطوه إياها قبّحه الله فإنه ما علمت حلّاف مهين، فأخذها وانصرف.
«356» - قال الأصمعي: دخلت خضراء [روح] فإذا أنا برجل من ولده على فاحشة يؤتى، فقلت: قبحك الله، هذا موضع كان أبوك يضرب فيه الأعناق ويعطي فيه اللهى، وأنت تفعل فيه ما أرى؟! فالتفت إليّ من غير أن يزول عنها وقال: (الشعر لمعن بن أوس المزني) [1] [من الوافر]
ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلته ... بناة السوء أوشك أن يضيعا
357- حضر يوما بشر بن هارون وجماعة من الكتاب في دار أبي محمد المهلبي الوزير، وكان المهلبيّ بحيث يراهم ويسمع كلامهم، وهم لا يشاهدونه، فأنشأ أحدهم يقول: [من المتقارب]
سبال الوزير سبال كبير
فقال الآخر:
وعقل الوزير فعقل صغير
فقال بشر بن هارون:
زيادة هذا بنقصان ذا ... كما طال ليل النهار القصير
فخرج إليهم المهلبيّ وشاتمهم وجلس معهم ومازحهم وأجاز كل واحد
__________
[1] الشعر ... المزني: جاء في م بعد البيتين.
(2/162)

منهم.
«358» - نظر أبو الحارث جمين [1] إلى برذون يستقى عليه الماء فقال:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
لو هملج هذا البرذون لم يجعل للرواية، والشعر لمعاوية بن فروة المنقري، وأوله: [من الطويل]
وإن خفت من أمر هوانا فولّه ... سواك وعن دار الأذى فتحوّل
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
«359» - ومن الحمية المنكرة ما فعله عبد العزيز بن أبي دلف: كان له جارية يرى الدنيا بعينها فضرب عنقها وقال: خفت أن أموت من حبها فتنام هي بعدي تحت غيري.
360- وقد ذكر أن عضد الدولة قتل جارية أحبّها لأنها ألهته عن النظر في أمور المملكة، وهذا من السياسة المذمومة.
«361» - عيّر شريف النسب سقراط بسقوط نسبه، فقال: نسبي عار عليّ، وأنت عار على نسبك.
«362» - وقال عبد الملك لروح بن زنباع: أيّ رجل أنت لولا أنك
__________
[1] حمير أو جميز (حيثما ورد في النسخ) وصوبته اعتمادا على ضبط المحدثين لاسمه.
(2/163)

ممّن أنت منه!! قال يا أمير المؤمنين، ما يسرني أنني ممن أنت منه، قال:
كيف؟ قال: لأني لو كنت ممن أنت منه لغمرتني أنت ونظراؤك، وأنا اليوم قد سدت قومي غير مدافع، فأعجب بقوله.
363- شاعر يذم صامتا لغير حلم ولا سيادة:
يا صنما في الصمت لا في الحسن
«364» - ولابن حجاج [1] في معناه: [من السريع]
يا صنما يعبده شعري ... بلا ثواب وبلا أجر
انطق تنفّس قبل أن يحسبوا ... أنك من جصّ وآجرّ
«365» - قال أعرابيّ: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما.
«366» - قال رجل لسيد: إن سوّدك القوم لجهلهم فسيد الجاهلين غير شريف، وإن سودوك للفقر إليك فأنت كما قال القائل: [من الكامل]
خلت البلاد فسدت غير مسوّد ... ومن العناء تفردي بالسؤدد
«367» - شتم مجنون رجلا فقال: أتشتمني وأنا سيد قومي؟ فقال:
__________
[1] ر: الحجاج.
(2/164)

[من الطويل]
وإنّ بقوم سودوك لفاقة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
368- نادرة في رياسة العلم: قال حماد بن سلمة: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاته لا شعير فيها.
«369» - قال حفص بن غياث [1] : خرج إلينا الأعمش يوما فقال لنا:
تدرون ما قالت الأذن؟ قلنا: وما قالت؟ قال: قالت لولا أني أخاف أن أقمع بالجواب لطلت كما طال اللسان (قال حفص: فكم من كلمة غاظني صاحبها منعني جوابها قول الأعمش) .
«370» - قال الجاحظ: مررت بحجّام يحجم حجاما أيام قتل المخلوع وهو يقول: سقط والله المأمون من عيني مذ قتل أخاه، فقلت له: هلك والله المأمون إذ سقط من عين مثلك؛ فرفع الخبر إلى المأمون فوجّه إليه بدرة وقال:
إن رأيت أن ترضى عني فعلت، قال: قد فعلت.
تمّ الباب الثالث بحمد الله ومنّه يتلوه الباب الرابع في مكارم الأخلاق ومساوئها.
__________
[1] م: عباد.
(2/165)

الباب الرّابع في محاسن الأخلاق ومساوئها
(2/167)

خطبة الباب
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الرؤوف بعباده، العطوف على من أناب منهم بعد عناده، الداني منهم برحمته، النائي عنهم بعظمته، العفوّ عن المذنب المسي، الغفور لهفوة المحتقب الغوي، مقيل العثرات، والمنجي من الغمرات، مسبل القطر عند اليأس، ومنزل الصبر حين البأس، وسعت رحمته، وشملت نعمته، حتى نال حظّه منها الملمّ [1] والمسرف، وأبصر بنورهما فاهتدى المضحي والمسدف، أحمده على صنوف آلائه، وأستدفع برأفته صروف بلائه، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنفي عن القلوب غواشي اللمم، وتشفي الأسماع من عوادي الصمم، والصلاة على محمد رسوله المبعوث بمكارم الأخلاق والشيم، والداعي إلى معالم الفضل والكرم، المأثور عنه حسن العفو الجزيل، والمأمور بالصفح الجميل، والمنعوت بالخلق العظيم، وعلى آله أهل التبجيل والتعظيم.
__________
[1] م: المسلم..
(2/169)

مقدمة الباب
(الباب الرابع في محاسن الأخلاق ومساوئها) هذه سمة [1] تجمع معاني لو أتيت بها في باب واحد طال فأملّ [2] ، وبعد على ذي الحاجة إليه مكان ملتمسه، إذ كانت تحوي الآداب والسياسة، والهمّة والسيادة، والصدق والوفاء، والجود والسخاء، والبأس والصبر، والقناعة والتواضع، وغير ذلك من خلال الخير والفضائل، وأضدادها من المساوىء والرذائل، فأفردت لكلّ واحد من هذه وعكسها بابا تطلب فيه، ويسرع إليه تأمل مبتغيه، وأوردت في هذا المكان جملا من مكارم الأخلاق نهجا لمن رام تقيّلها، ومن مساوئها تنبيها لمن أراد [3] تجنبها، والله الموفق للسداد، والهادي إلى سبيل الرشاد.
«371» - جاء [4] جبريل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله أتيتك بمكارم الأخلاق: أهل الجنة وأهل الدنيا في ثلاثة أحرف من كتاب الله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
(الأعراف: 199) وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
__________
[1] ر: شهرة.
[2] م: لطال تأمله.
[3] م: آثر.
[4] تأخرت هذه الفقرة في م فجاءت بعد رقم: 372.
(2/171)

«372» - قال الله عزّ وجل وقوله الحق ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
(فصلت: 34) ووصف نبيّه صلّى الله عليه وسلّم وأثنى عليه فقال وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
(القلم: 4) . فسّروا قوله تعالى وَلِباسُ التَّقْوى
(الأعراف: 26) إنه الحياء؛ ومن أوامره تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
(البقرة: 83) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
(طه:
44) وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
(الإسراء: 23) فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
(الإسراء: 28) وقال صلّى الله عليه وسلّم: من لانت كلمته وجبت محبته.
«373» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أمرني ربي بتسع: الاخلاص في السرّ والعلانية، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أعفو عمن ظلمني، وأصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة.
«374» - وقال صلّى الله عليه وسلّم من كلام له: ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا الذين يألفون ويؤلفون.
«375» - وقالت عائشة رضي الله عنها: مكارم الأخلاق عشر: صدق الحديث، وصدق البأس، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والمكافأة بالصنيع، وبذل المعروف، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهنّ الحياء.
(2/172)

«376» - وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في الخير، عجبت لرجل يجيئه أخوه في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كنا لا نرجو جنّة ولا نخشى نارا، ولا ننتظر ثوابا ولا عقابا، لكان ينبغي أن نطلب مكارم الأخلاق، فإنها تدلّ على سبل النجاة، فقام رجل فقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟
قال: نعم، وما هو خير منه، لما أتينا بسبايا طيء [1] كانت في النساء جارية حمّاء حوراء، لعساء لمياء عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة، درماء الكعبين، خدلّجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصر، ظاهرة الكشح، مصقولة المتن، فلما رأيتها أعجبت بها، فقلت: لأطلبنّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يجعلها من فيئي، فلما تكلمت نسيت جمالها لما سمعت من فصاحتها، فقالت: يا محمد هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلّي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني بنت سيد قومي، كان أبي يفكّ العاني، ويحمي الذمار، ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويفرّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، لم يردد [2] طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا جارية هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه، خلّوا عنها فإن أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق والله يحبّ مكارم الأخلاق.
377- ومن كلام عليّ عليه السلام: إن الله تعالى جعل مكارم الأخلاق وصلة بينه وبين عباده، فحسب أحدكم أن يتمسك بخلق متصل بالله
__________
[1] م: بني طيء.
[2] ر: ولم يردّ.
(2/173)

عز وجل [1] .
«378» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم. (وفي رواية أخرى: فسعوهم ببسط الوجه والخلق الحسن) .
«379» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن.
«380» - وقال صلّى الله عليه وسلّم حسن الخلق نصف الدين.
«381» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: الحياء خير كله.
«382» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: صلة الرحم منماة للعدد، مثراة للمال، محبة للأهل، منسأة للأجل.
«383» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه عمله [2] .
__________
[1] في نسخة رئيس الكتاب وردت الآيات الآتية بعد هذا الموطن:
من الآيات في الحسد: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
(النساء: 32) وقال أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
(النساء: 54) وقال تعالى أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
(الزخرف: 32) .
[2] م: حلمه.
(2/174)

«384» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا تجلسوا على الطرق فإن أبيتم فغضّوا الأبصار، وترادّوا السلام، واهدوا الضالّة، وأعينوا الضعيف.
«385» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: لا عقل كالتدبير في رضى الله، ولا ورع كالكفّ عن محارم الله، ولا حسب كحسن الخلق.
«386» - ومما يروى عنه صلّى الله عليه وسلّم: من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن برّه لأهل بيته مدّ له في عمره؛ ثم قال: وحسن الخلق وكفّ الأذى يزيدان في الرزق.
«387» - وقيل ليوسف عليه السلام: أتجوع وخزائن الدنيا بيدك؟
قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.
«388» - وقالت عائشة: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل له: لم [1] قلت كذا وكذا؟ ولكن يعمّي فيقول: ما بال أقوام.
«389» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه
__________
[1] لم: سقطت من م.
(2/175)

الله ويبتليك.
«390» - كان [1] الحسن إذ ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: أكرم ولد آدم على الله عز وجل، أعظم الأنبياء منزلة عند الله، أتي بمفاتيح الدنيا فاختار ما عند الله، كان يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض ويقول: إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، وكان يلبس المرقوع والصوف، ويركب الحمار ويردف خلفه، ويأكل الجشب من الطعام، ما شبع من خبز برّ يومين متواليين حتى لحق بالله، من دعاه لباه، ومن صافحه لم يدع يده من يده حتى يكون هو الذي يدعها، من دعاه لباه، ومن صافحه لم يدع يده من يده حتى يكون هو الذي يدعها، يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجالس الفقراء، أعظم الناس من الله مخافة وأتعبهم لله عز وجل بدنا، وأجدّهم في أمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما والله ما كانت تغلق دونه الأبواب ولا كان دونه حجاب صلّى الله عليه وسلّم كثيرا.
«391» - وقال أنس: ما بسط رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركبتيه بين يدي جليس له قطّ، ولا جلس إليه رجل فقام حتى يكون هو الذي يقوم من عنده، ولا صافحه رجل قطّ فأخذ يده من يده حتى يكون هو الذي يأخذ يده، ولا شممت رائحة قطّ أطيب من ريح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
392- وحدّث ابن عمر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل غيضة ومعه صاحب له، فأخذا منها مسواكين أراكا، أحدهما مستقيم والآخر معوج، فأعطى
__________
[1] وردت هذه الفقرة في ر بعد رقم: 393.
(2/176)

صاحبه المستقيم وحبس المعوج، فقال يا رسول الله: أنت أحقّ بالمستقيم مني قال: كلا إنه ليس من صاحب يصاحب صاحبا ولو ساعة من نهار إلا سأله الله تعالى عن مصاحبته إياه، فأحببت أن لا أستأثر عليك بشيء.
«393» - وقال عبد الله بن مسعود: كنا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، فكان عليّ وأبو لبابة زميلي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكانا إذا دارت عقبتهما قالا: يا رسول الله اركب ونمشي عنك، فيقول: ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما.
«394» - وعن أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وآله ما عاب طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله، وإلا لم يعبه.
395- وكان عليه السلام يطوف بالبيت، فانقطع شسعه، فأخرج رجل شسعا من نعله فذهب يشدّه في نعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: هذه أثرة ولا أحبّ الأثرة.
«396» - وقال أنس: خدمت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشر سنين، فما أرسلني في حاجة قط فلم تهيّأ إلا قال: لو قضي كان، لو قدّر كان.
«397» - وقالت عائشة رضي الله عنها: ما ضرب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم امرأة قط ولا خادما له ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله، ولا خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما حتى يكون إثما فإذا كان إثما كان أبعد
(2/177)

الناس منه.
«398» - قال علي عليه السلام: خالطوا الناس مخالطة جميلة، إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم.
399- وقال محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام: من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرم الرفق والخلق كان ذلك سبيلا إلى كلّ شرّ وبلية، إلّا من عصمه الله.
«400» - وقال ابن عبّاس: لجليسي علي ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدث.
«401» - وكان القعقاع بن شور أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة إذا جالسه جليس فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله، وأعانه على عدوه، وشفع له في حاجته، وغدا عليه بعد المجالسة شاكرا حتى شهر بذلك، وفيه يقول القائل: [من الوافر]
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السنّ إن نطقوا بخير ... وعند الشرّ مطراق عبوس
(2/178)

«402» - قال بعض الحكماء: ليس من جهل الناس بقدر الفضل قصّروا عنه، ولكن من استثقال فرائضه حادوا عن التمسك به، وهم على تبجيل أهله مجمعون؛ وإلى هذا المعنى نظر منصور النمري في قوله: [من البسيط]
الجود أخشن مسّا يا بني مطر ... من أن تبزّكموه كفّ مستلب
ما أعلم الناس أنّ الجود مكسبة ... للحمد لكنه يأتي على النّشب
ونظر المتنبي إلى المعنى فقال: [من البسيط]
لولا المشقة ساد الناس كلّهم ... الجود يفقر والإقدام قتّال
«403» - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر، قال الله تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
(فاطر: 43) والبغي، قال الله سبحانه يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
(يونس: 23) ومن بغي عليه لينصرنّه الله، والنكث، قال الله عزّ وجلّ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
(الفتح: 10) .
«404» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: أعجل الأشياء عقوبة البغي.
«405» وقال صلّى الله عليه وسلّم: ما من ذنب أدنى [1] أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخّر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم.
__________
[1] ر: أحرى.
(2/179)

«406» - وقيل [1] : سوء الخلق يعدي لأنّه يدعو صاحبه إلى أن يقابله بمثله.
«407» - وقيل: الحسن الخلق قريب عند البعيد، والسيء الخلق بعيد عند أهله.
408- وقيل: المرء عبد من رجاه، وبئس الشعار الحسد، والافتقار يمحق الأقدار، والبطر يسلب النعمة، وكثرة الكلام تكسب الملال وإن كان حكما، وإظهار الفاقة من خمول الهمة.
«409» - وقال معاوية: ثلاث ما اجتمعن في حرّ: مباهتة الرجال، والغيبة للناس، والملال لأهل المودة.
«410» - وقيل: شرّ الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.
«411» - وقال سقراط: المال رداء الكبر، والهوى مركب المعاصي، والتمني؟؟؟ رأس مال الجاهل، والكبر قاعدة المقت، وسوء الخلق سدّ بين المرء وبين الله.
«412» - وقال عليّ عليه السلام: الحاسد بخيل بما لا يملكه.
«413» - وقال أيضا: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.
__________
[1] قبل هذه اللفظة في ع: غيره.
(2/180)

«414» - وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله تعالى فإن الحسود عدوّ للنعم.
«415» - وقيل في الدعاء على الرجل: طلبك من لا يقصّر دون الظّفر، وحسدك من لا ينام دون الشفاء.
«416» - وقيل: الحسود غضبان على القدر، والقدر لا يعتبه.
«417» - وقيل لبعضهم: ما بال فلان ينتقصك؟ قال: لأنّه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة؛ فذكر دواعي الحسد كلها.
«418» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر.
«419» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
420- وكان يقال: الحسد يضعف اليقين، ويسهر العين، ويكثر
(2/181)

الهمّ.
421- وفي الحكمة: الحاسد لا يضرّ إلا نفسه.
«422» - وقال أعرابيّ: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، وهو مأخوذ من الخبر: قاتل الله الحسد فما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله.
«423» - وقيل [1] : ثلاث موبقات: الكبر فإنه حطّ إبليس عن مرتبته، والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه.
«424» - وقيل: يكفيك [2] من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك.
425- وقال محمد بن علي بن موسى بن جعفر: الحسد ما حق للحسنات، والزهو جالب للمقت، والعجب صادف عن طلب العلم داع إلى التخمّط في الجهل، والبخل أذمّ الأخلاق، والطمع سجية سيئة.
«426» - وقال أيضا: مخالطة الأشرار تدل على شر من يخالطهم، والكفر للنعم أمارة البطر وسبب للغير، واللجاجة مسلبة للسلامة ومؤذنة بالندامة، والهزء فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، والنّزق مغضبة للاخوان
__________
[1] وقعت هذه الفقرة والتالية لها بعد الفقرة: 417 في ر.
[2] ع: يشفيك.
(2/182)

يورث الشنآن، والعقوق يعقب القلة ويؤدي إلى الذلة.
«427» - وقال: إياك والحسد فإنه يبين فيك ولا يبين في عدوّك.
«428» - وقال محمد بن واسع: ليس لملول صديق، ولا لحسود غنى.
429- وقال آخر: يجب على ذي السعة في رأيه، والفضل في خصاله، أن يتطوّل على حسّاده بنظره، ويتحرّى لهم المنافع، فإنه بلاء غرسه الله فيهم ثم لم يسلطهم عليه، فهم يعذّبون بحركات الحسد في وقت مسرّته بما أكرم به.
430- وقال آخر: الحقد غصّة لا يسيغها إلا الظفر، والحسد شجى فارح [1] لا يدفعه عن صاحبه إلا بلوغ أمله في من قصده بحسده، وأنّى له بذلك؟ وقد قيل: من كنت سببا لبلائه فالواجب عليك التلطف له في علاجه من دائه.
«431» - قال صاحب كليلة ودمنة: مثل الحقد في القلب ما لم يجد محركا مثل الجمر المكنون، وليس ينفكّ الحقد يتطلّع إلى العلل كما تبتغي [2] النار الحطب، فإذا وجد شيئا استعر ثم لا يطفئه مال ولا كلام ولا تضرّع ولا
__________
[1] م: فادح.
[2] م: تتلقى.
(2/183)

مناصفة ولا شيء غير تلف تلك الأنفس.
«432» - وقال: لا يزيدك لطف الحقود بك، ولينه لك، وتكرمته إياك إلا وحشة وسوء ظن، وإنك لا تجد للحقود الموتور أمانا هو أوثق من الذّعر، ولا أحرز من البعد والاحتراس منه.
«433» - وقد اعتذر عبد الملك بن صالح للحقد فشبه وما قصر، قال له يحيى بن خالد: لله أنت من سيد لولا أنّك حقود؛ فقال عبد الملك: أنا خزانة تحفظ الخير والشرّ، فقال يحيى: ما رأيت أحدا احتجّ للحقد حتى حسّنه غيرك.
وسلك ابن الرومي هذه [1] السبيل فقال: [من الطويل]
وما الحقد إلا توأم الشكر للفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
«434» - ومن مكارم الأخلاق قول الشاعر: [من الطويل]
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
__________
[1] م: هذا.
(2/184)

«435» - وقول آخر: [من الطويل]
ومرضى إذا لوقوا [1] حياء وعفّة ... وفي الحرب أمثال الليوث الخوادر
كأن بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلّا اتّقاء المعاير
«436» - وقول آخر: [من الوافر]
يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا وأبيك ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فافعل ما تشاء
«437» - وقيل: الحياء لباس سابغ، وحجاب واق [2] ، وستر من المساوىء واقع، وحليف للدين، وموجب للصنع، ورقيب للعصمة، وعين كالئة، يذود عن الفساد وينهى عن الفحشاء والأدناس.
«438» - وقيل: لا ترض قول أحد حتى ترضى فعله، ولا ترض بما فعل حتى ترضى عقله، ولا ترض عقله حتى ترضى حياءه، فإن ابن آدم مطبوع على كرم ولؤم، فإذا قوي الحياء قوي الكرم، وإذا ضعف الحياء قوي اللؤم.
__________
[1] م: لاقوا.
[2] واق: سقطت من ر.
(2/185)

«439» - قال عروة بن الزبير: لعهدي بالناس والرجل منهم إذا أراد أن يسوء جاره سأل غيره حاجة، فيشكوه جاره ويقول: تجاوزني بحاجته [1] ، أراد بذلك شيني.
«440» - قال بعضهم: كنت أمشي مع الخليل فانقطع شسع نعلي، فخلع نعله، فقلت ما تصنع؟ قال: أواسيك في الحفا.
«441» - وكان الأحنف إذا أتاه إنسان أوسع له، فإن لم يجد موضعا تحرّك ليريه أنه يوسع له.
«442» - وقال ابن السمّاك لمحمد بن سليمان أو لحماد بن موسى كاتبه، ورآه كالمعرض عنه: مالي أراك كالمعرض عني؟ قال: بلغني عنك شيء كرهته، قال: إذن لا أبالي، قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان ذنبا غفرته، وإن كان باطلا لم تقبله. فعاد إلى مؤانسته.
«443» - دخل على الحسين بن علي عليهما السلام جارية في يدها طاقة ريحان فحيّته بها، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى؛ قال أنس، فقلت له: تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ فقال: كذا أدبنا الله عز وجل قال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
(النساء: 86) .
«444» - وكتب إليه أخوه الحسن في إعطائه الشعراء، فكتب إليه
__________
[1] م: حاجته.
(2/186)

الحسين: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقى العرض (فانظر شرف خلقه كيف [1] ابتدأ كتابه بقوله: أنت أعلم مني) .
«445» - وجنى غلام له جناية توجب العقاب عليها فأمر به أن يضرب، فقال: يا مولاي وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
قال: خلّوا عنه، فقال: يا مولاي وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
قال: قد عفوت عنك، قال: يا مولاي وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(آل عمران: 134) قال: أنت حرّ لوجه الله، ولك ضعف ما كنت أعطيك.
«446» - وكان بينه وبين أخيه الحسن كلام، فقيل له: ادخل على أخيك فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدي صلّى الله عليه وسلّم يقول: أيّما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضى الآخر كان سابقه إلى الجنة؛ وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر، فبلغ قوله الحسن فأتاه عاجلا.
«447» - وقال المغيرة بن حبناء: [من الطويل]
فإن يك عارا ما لقيت فربّما ... أتى المرء يوم السّوء من حيث لا يدري
ولم أر ذا عيش يدوم ولا أرى ... زمان الغنى إلّا قريبا من الفقر
ومن يفتقر يعلم مكان صديقه ... ومن يحي لا يعدم بلاء من الدهر
__________
[1] م ر: حيث.
(2/187)

وإني لأستحيي إذا كنت معسرا ... صديقي والخّلان أن يعلموا عسري
وأهجر خلّاني وما خان عهدهم ... حياء وإعراضا وما بي من كبر
وأكرم نفسي أن ترى بي حاجة ... إلى أحد دوني وإن كان ذا وفر
ولما رأيت المال قد حيل دونه ... وصدّت وجوه دون أرحامها البتر
جعلت حليف النفس عضبا ونثرة ... وأزرق مشحوذا كخافية النسر
ولا خير في عيش امرىء لا ترى له ... وظيفة حقّ في ثناء وفي أجر
«448» - وقال آخر: [من الطويل]
وإني لألقى المرء أعلم أنه ... عدوّ وفي أحشائه الضّغن كامن
فأمنحه بشري فيرجع قلبه ... سليما وقد ماتت لديه الضغائن
«449» - وقال يحيى بن زياد الحارثي: [من الطويل]
ولكن إذا ما حلّ كره فسامحت ... به النفس يوما كان للكره أذهبا
«450» - وقال آخر: [من الكامل]
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر
ويصمّ عمّا كان بينهما ... سمعي وما بي غيره وقر
«451» - حدّث رجل من الأعراف قال: نزلت برجل من طيّء فنحر لي
(2/188)

ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى فقلت: إن عندك من اللحم ما يغني ويكفي، فقال: إني والله ما أطعم ضيفي إلا لحما عبيطا، قال: وفعل ذلك في اليوم الثالث، وفي كلّ ذلك آكل شيئا ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم يؤتى باللبن فأشرب شيئا ويشرب عامّة الوطب، فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته فاضطجع، فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله فأقبلته الفجّ فانتبه، واختصر عليّ الطريق حتى وقف لي في مضيق منه فألقم وتره فوق [1] سهمه، ثم نادى: لتطب نفسك عنها، قلت: أرني آية، قال: انظر إلى ذلك الضبّ فإني واضع سهمي في مغرز ذنبه، فرماه فأندر ذنبه، فقلت:
زدني، قال: انظر إلى أعلى فقاره، فرمى فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثالثة والله في كبدك، قال قلت: شأنك بإبلك، قال: كلّا حتى تسوقها إلى حيث كانت، قال: فلما انتهيت بها قال: فكرت فيك فلم أجد لي عندك ترة تطالبني بها، وما أحسب حملك على أخذ إبلي إلا الحاجة، قلت: هو والله ذاك، قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها [2] فخذها، فقلت: إذن والله لا أفعل حتى تسمع مدحك، فو الله ما رأيت رجلا أكرم ضيافة، ولا أهدى لسبيل، ولا أرمى كفّا، ولا أوسع صدرا، ولا أرغب خوفا، ولا أكرم عفوا منك، قال: فاستحيا فصرف وجهه عني وقال: انصرف بالقطيع مباركا لك فيه.
«452» - خرج رجل من طيء، وكان مصافيا لحاتم، فأوصى حاتما
__________
[1] م: وفوق.
[2] ر ع م: جيادها.
(2/189)

بأهله فكان يتعهدهم، وإذا جزر جزرة بعث إليهم من أطايبها، فراودته امرأة الرجل فاستعصم ولم يفعل، فلما قدم زوجها أخبرته أنّ حاتما أرادها، فغضب من ذلك، وجاءت العشيرة للتسليم وحاتم معهم، فلم يلق حاتما بما كان يلقاه به من طلاقة الوجه وحسن البشر، فعلم حاتم أنّ ذلك من قبل امرأته، فأنشأ يقول: [من الطويل]
إني امروّ من عصبة ثعليّة ... كرام أغانيها عفيف فقيرها [1]
إذا ما بخيل الناس هرّت كلابه ... وشقّ على الضيف الطروق عقورها
فإني جبان الكلب رحلي موطّأ ... جواد [2] إذا ما النفس شحّ ضميرها
وما تشتكيني جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيري ويرجع زوجها [3] ... إليها ولم تسبل عليّ ستورها
فلما بلغ الرجل الشعر عرف أن حاتما بريء، فطلّق امرأته.
«453» - وكان مسلمة بن عبد الملك إذا كثر عليه أصحاب الحوائج وخشي الضجر أمر أن يحضر ندماؤه من أهل الأدب، فتذاكروا مكارم الأخلاق في الناس وجميل طرائقهم ومروءاتهم، فيطرب ويهيج ثم يقول: ائذنوا لأصحاب الحوائج، فلا يدخل عليه أحد إلا قضى حاجته.
«454» - كان يحيى بن خالد بن برمك عاقلا أديبا كريما حسن الأخلاق
__________
[1] رواية الديوان:
أبت لي ذاكم أسرة ثعلية ... كريم غناها مستعف فقيرها
[2] الديوان: بيتي موطأ أجود.
[3] الديوان: بعلها.
(2/190)

رضيّ الأفعال حليما ركينا، حتى لو ادّعى اجتماع مكارم الأخلاق فيه لكان أهلا للدعوى؛ وسخط الرشيد على كاتبه منصور بن زياد، وأمر أن يطالب بعشرة آلاف ألف درهم، أو يؤتى برأسه، وأمر صالحا صاحب المصلّى بذلك، قال صالح: فاستسلم للقتل وحلف أنه لا يعرف موضع ثلاثمائة ألف درهم فكيف بعشرة آلاف ألف، ثم دخل إلى داره فأوصى وارتفع الصراخ منها، وخرج فقال لي: امض بنا إلى أبي عليّ يحيى بن خالد لعل الله أن يأتينا بفرج من جهته، فلما قصّ القصة على يحيى قلق وأطرق مفكرا ثم قال لخازنه: كم عندك من المال؟ قال: خمسة آلاف ألف، فقال: أحضرني مفاتيحها، فأحضرها، ثم وجه إلى ابنه الفضل: إنك كنت أعلمتني أن عندك ألفي ألف درهم، قدّرت أن تشتري بها ضيعة، وقد أصبت لك ضيعة يبقى لك ذكرها وشكرها، فوجّه إليه بالمال، ثم وجه إلى جعفر ابنه فاستدعى منه ألف ألف درهم، ثم أرسل إلى دنانير جاريته فاستدعى منها عقدا كان وهبه الرشيد لها وابتاعه بمائة ألف وعشرين ألف دينار، قال صالح: وكان كعظم الذراع، وقال يحيى: قد حسبناه [1] بألفي ألف درهم، وهذا تمام مالك فانصرف وخلّ عن [2] صاحبنا، قال صالح: فأخذت ذلك ورددت منصورا معي فلما صرنا بالباب أنشد منصور متمثلا (والشعر للعين المنقري) [3] : [من الوافر]
فما بقيا عليّ تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال
قال صالح: فقلت ما على الأرض أنبل من رجل خرجنا من عنده ولا
__________
[1] ر: حسبنا.
[2] عن: سقطت من م.
[3] والشعر.. المنقري: زيادة من ر م.
(2/191)

أخبث سريرة من هذا النبطي، قال: ثم حدثت يحيى من بعد بقوله وقلت:
أنعمت على غير شاكر، فجعل يحيى يطلب له المعاذير ويقول: إن المنخوب القلب ربّما سبقه لسانه بما ليس في ضميره، وقد كان الرجل في حال عظيمة، فقلت: والله ما أدري من أيّ أمريك أعجب، أمن أوّله أم [1] من آخره.
«455» - وأمر يحيى بن خالد كاتبين من كتابه أن يكتبا كتابا في معنى واحد فكتباه، واختصر أحدهما وأطال الآخر، فلما قرأ يحيى كتاب المختصر قال: ما أجد موضع مزيد، ثم قرأ كتاب المطيل فقال: ما أجد موضع نقصان.
«456» - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه فانظروا إلى ما يتبعه من حسن الثناء.
«457» - وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
(الشعراء: 84) إنه أراد حسن الثناء من بعده.
«458» - وقال أكثم بن صيفي: إنما أنتم أخبار [فطيبوا أخباركم] [2] ؛ ألمّ بهذا المعنى أبو تمام فقال: [من البسيط]
وما ابن آدم إلّا ذكر صالحة ... أو ذكر سيئة يسري بها الكلم
إذا سمعت بدهر باد أمّته ... جاءت بأخبارها من بعدها أمم
__________
[1] م: أو.
[2] زيادة من العقد.
(2/192)

وإنما يكون الثناء على مكارم الأخلاق.
«459» - وقال الأحنف بن قيس: ما ذخرت الآباء للأبناء، وما أبقت الموتى للأحياء، أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الآداب والأحساب.
460- وقال بعضهم: ظفر الكريم عفو، وظفر اللئيم عقوبة.
«461» - وقال الأحنف: المروءة كلّها إصلاح المال وبذله للحقوق.
462- قال ابن أبي دواد، وقد وصف كرم أخلاق المعتصم: دخلت عليه يوما فدعا بالغداء ثم قال: يا أبا عبد الله ها هنا رجل قد صار إليه من مال فارس أيام عليّ بن عيسى القمي عشرون ألف ألف درهم، وقد عزمت على أخذها منه، فإن خرج إليّ منها طوعا وإلا قتلته وأخذت كل ما ظهر لي من ماله، قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يعقوب بن فرادون [1] النصراني كاتب عليّ بن عيسى، فقلت: وفّق الله أمير المؤمنين لطاعته، قال: وأحضر الطست ليغسل يده فغسلها ثم قال لي: اغسل يدك، فقلت: مالي إلى الطعام حاجة، قال: ولم؛ قلت: تأخذ مال [2] جاري وتقتله؟! قال: هو جار لك؟ قلت: بيتي وبيته، قال: فقد تركت من المال لك [3] خمسة آلاف ألف درهم، فقلت: ما آكل شيئا، قال: يا غلام هات طعامك ولا أبالي أن لا يأكل، وهو في خلل ذلك يكلّمني ويبتسم، فوضع الطعام بين يديه، فو الله ما هناه أن يأكل كرما ونبلا، ثم قال: يا أبا عبد الله كل حتى أترك لك من المال
__________
[1] م: مرادون.
[2] مال: سقطت من ر.
[3] م: لك من المال.
(2/193)

المذكور نصفه، فقلت: ما آكل شيئا، قال: فأكل لقما ثلاثا وأنا ألحظه ما يقدر أن يسيغها، ثم قال: يا أبا عبد الله ادن فكل فقد وهبت لك المال جميعه [1] ودمه، فقلت: وهب الله لأمير المؤمنين الجنة فو الله الذي لا إله إلّا هو ما رأيت ولا سمعت بخليفة قط ولا ملك أكرم منك عفوا، ولا أسمح كفا، ولا أجمل عشرة، ولا أنبل أخلاقا، ثم قال: يا غلام الطست، فجاء به، فغسلت يدي وأكلت، وبلغ الخبر إلى يعقوب فشكرني على ذلك فاستكففته وقلت: فعلت ذاك للحرمة لا للشكر.
«463» - سرق بعض غاشية جعفر بن سليمان بن علي درة نفيسة من بين يديه وباعها بمال جزيل، فأنفذ جعفر بن سليمان إلى الجوهريين بصفة الدرة فقالوا: باعها فلان منذ مدة، فأخذ وجيء به إليه وكان يختصّ به، فلما رآه جعفر ورأى ما قد ظهر عليه من الجزع والخوف قال له: أراك قد تغير لونك، ألست يوم كذا وكذا طلبت مني هذه الدرة فوهبتها لك؟ وأقسم بالله لقد أنسيت هذه الحال؛ وأحضر ما كان اشتريت به فدفعه إلى الجوهري ثم قال للرجل: خذ الدرة الآن [2] وبعها حلالا بالثمن الذي تطيب به نفسك لا بيع خائف ولا وجل، والله لقد آلمني ما دخل عليك من الرعب والجزع.
«464» - وقال الأصمعي: ما رأيت أكرم أخلاقا ولا أشرف أفعالا من جعفر بن سليمان، كنا عنده فتغدينا معه واستطاب الطعام فقال لطباخه [3] : قد أحسنت وسأعتقك وأزوّجك، فقال الطباخ: قد قلت هذه غير مرة وكذبت،
__________
[1] م: كله.
[2] الآن: سقطت من م.
[3] م: لصاحبه.
(2/194)

قال: فو الله ما زاد على أن ضحك، وقال لي: يا أصمعيّ إنما يريد البائس «أخلفت» ، قال الأصمعي: وإذا هو قد رضي ب «أخلفت» .
«465» - قيل كان المهتدي [1] يصلّي الصلوات كلّها في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوما فقال أعرابي: يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبت إلى الله تعالى في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء أن ينظروني، قال: انتظروه رحمكم الله، ودخل المحراب فوقف إلى أن أقبل وقيل له قد جاء الرجل، فعجب الناس من سماحة أخلاقه.
«466» - قال يحيى بن أكثم: ماشيت المأمون في بستانه ويده في يدي، فكان في الظلّ وأنا في الشمس، فلما بلغنا ما أردنا ورجعنا صرت أنا في الفيء وصار هو في الشمس، فدرت أنا إلى الشمس فقال: لا ليس هذا بإنصاف، كما كنت أنا في الفيء ذاهبا فكن أنت في الفيء راجعا.
467- ووقع إلى علي بن هشام وقد شكاه غريم له: ليس من المروءة أن تكون آنيتك [2] من ذهب وفضة ويكون غريمك عاريا [3] وضيفك طاويا.
468- كان أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي من أفاضل العلويين، وبقي في الاستتار ستين سنة، (فلما قام المنتصر وأظهر الميل إلى العلوية أراد أن يظهر فاعتلّ وتوفي بالبصرة) ؛ فبينا هو في استتاره مرّ به رجلان
__________
[1] ع م: المهدي.
[2] م: يكون بيتك.
[3] ر ع م: عاويا.
(2/195)

قد تلازما، فطالب أحدهما صاحبه بمائة دينار دينا له عليه: والرجل المطالب معترف فهو [1] يقول: يا هذا لا تمض بي إلى الحاكم، فإني قد تركت في منزلي أطفالا قد ماتت أمهم لا يهتدون لشرب ماء إن عطشوا، فإن تأخرت عنهم ساعة ماتوا، وإن أقررت عند القاضي حبسني فتلفوا، فلا تحملني على يمين فاجرة، فإني أحلف لك ثم أعطيك مالك، وصاحبه يقول: لا بدّ من تقديمك وحبسك أو تحلف، فلما كثر هذا منهما إذا صرّة قد سقطت بينهما ومعها رقعة: يا هذا خذ هذه المائة الدينار التي لك قبل الرجل ولا تحمله على الحلف كاذبا، وليكن جزاء هذا أن تكتماه فلا يعلم به غيركما، ولا تسألا عن فاعله، فسرّا جميعا بذلك وافترقا، فبدأ الحديث من أحدهما فشاع، فقيل: فمن يفعل هذا الفعل إلا أحمد بن عيسى؛ فقصدوا الدار لطلبه فوجدوا آثارا تدلّ على أنه كان فيها وتنحى، وهرب صاحب الدار فأحرقت.
469- قال علي بن عبيدة من كلام له: [حسن] الخلق جوهر الانسان، العفاف طهارة الجوارح. النية الحسنة عمارة الدين.
470- وقال أعرابيّ: خصلتان من الكرم: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الإخوان.
«471» - كان العبّاس بن الحسن [2] بن عبيد الله بن العبّاس بن علي بن أبي طالب شاعرا عالما فصيحا وكان يقال: من أراد لذة لا تبعة فيها فليسمع كلام العبّاس بن الحسن. ودخل أبو دلف العجلي على الرشيد وهو جالس على طنفسة في طارمة، وعند باب الطارمة شيخ على طنفسة مثلها، فقال الرشيد:
__________
[1] م: وهو.
[2] نثر الدر: الحسين.
(2/196)

يا قاسم ما خبر الجبل؟ قال: خراب يباب اعتوره الأكراد والأعراب، قال:
أنت سبب خرابه وفساده، فان ولّيتك إياه، قال: أعمره وأصلحه، فقال بعض من حضر: أو غير ذلك، فقال أبو دلف: وكيف يكون غير ذلك وأمير المؤمنين يزعم أني ملكته فأفسدته وهو عليّ، أفتراني لا أقدر على إصلاحه وهو معي؟ فقال الشيخ: إن همته لترمي به وراء سنّه مرمى بعيدا، وأخلق به أن يزيد فعله على قوله، فقبل الرشيد قوله [1] وولاه، وأمر بأن يخلع عليه، فلما خرج أبو دلف سأل عن الشيخ فقيل له: هو العبّاس بن الحسن العلويّ، فحمل إليه عشرة آلاف دينار وشكر فعله، فقال له العباس: ما أخذت على معروف أجرا قطّ، فاضطرب أبو دلف وقال: إن رأيت أن تكمل النعمة عندي وتتمّها عليّ بقبولها، فقال: أفعل، هي لي عندك، فإذا لزمتني حقوق لقوم يقصّر عنها مالي صككت عليك بما تدفعه إليهم إلى أن أستنفدها، فقنع بذلك أبو دلف، فما زال يصك عليه للناس إلى أن أفناها من غير أن يصل إلى العباس درهم منها.
«472» - روي أنّ شيخا أتى سعيد بن سلم وكلّمه في حاجة وما شاه، فوضع زجّ عصاه التي يتوكأ عليها على رجل سعيد حتى أدماها، فما تأوّه لذلك ولا نهاه، فلما فارقه قيل له: كيف صبرت منه على هذا؟ قال: خفت أن يعلم جنايته فينقطع عن ذكر حاجته.
«473» - مرّ عبد العزيز بن مروان بمصر فسمع امرأة تصيح بابنها: يا عبد العزيز، فوقف وقال: من المسمّى باسمنا؟ ادفعوا إليه خمسمائة دينار، فما ولد
__________
[1] م ر: رأيه.
(2/197)

في أيامه مولود بمصر إلا سمي عبد العزيز.
«474» - استلب رجل رداء طلحة بن عبيد الله، فذهب صاحبه يتبعه، فقال له طلحة: دعه فما فعل هذا إلا من حاجة.
«475» - قرع رجل باب بعضهم فقال لجاريته: انظري من القارع، فقال: أنا صديق لمولاك، فنهض وبيده السيف وكيس يسوق جاريته، وفتح الباب وقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا يك ما ساءك [1] ، قد قسمت أمرك بين نائبة فهذا المال، وبين عدوّ فهذا السيف، وأيّم فهذه [2] الجارية.
«476» - وقع جعفر بن يحيى في رقعة متحرم به، هذا فتى له حرمة الأمل فامتحنه بالعمل، فإن كان كافيا فالسلطان له دوننا، وإن لم يكن كافيا فنحن له دون السلطان.
«477» - قال خالد: أيلبس الرجل أجود ثيابه ويتطيّب بأطيب طيبه ثم يتخطى القبائل والوجوه لا [3] يريد إلا قضاء حقي [4] وتعظيمي بسؤاله حاجة، فلا أعرف ذلك له ولا أكافيه عليه؟! تخطيت إذن مكارم الأخلاق ومحاسنها إلى مساوئها.
__________
[1] لايك ما ساءك: سقط من م.
[2] ع ر م: وأتمه بهذه.
[3] م: فلا.
[4] م: قضاء حقه وقيل حقي.
(2/198)

«478» - قال ابن عبّاس: قدم علينا الوليد بن عتبة المدينة واليا كأن وجهه ورقة مصحف، فو الله ما ترك عانيا إلا فكّه، ولا غريما إلّا أدّى عنه، ينظر إلينا بعين أرقّ من الماء، ويكلّمنا بكلام أحلى من الجنى، ولقد شهدت منه مشهدا لو كان من معاوية لذكرته منه أبدا: تغدينا عنده فأقبل الخباز بصحفة فعثر بوسادة وندرت الصحفة من يده، فو الله ما ردّها إلا ذقنه، وصار ما فيها في حجره، ومثل الغلام ما فيه من الروح إلا ما يقيم رجله، فقام فدخل فغير ثيابه ثم أقبل تبرق أسارير وجهه، فأقبل على الخباز فقال: يا بائس ما أرانا إلا قد روّعناك، أنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى. فهذا هو التواضع الجميل، والبذل الحسن، والكرم المحض.
«479» - وفد داود بن سلم [1] على حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فلما نزل به حطّ غلمانه رحله فقال: [من المتقارب]
ولما دفعت لأبوابهم ... ولاقيت حربا لقيت النجاحا
رأيناه يحمده المجتدون ... ويأبى على العسر إلا سماحا
ويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا
فأجازه بجائزة عظيمة، ثم استأذنه داود في الخروج فأذن له، فأعطاه ألف دينار، ولما أراد أن يرحل لم يعنه غلمانه ولم يقوموا إليه، فظنّ داود أن حربا ساخط عليه، فرجع إليه فأخبره بما رأى من غلمانه، فقال، سلهم لم فعلوا
__________
[1] م: سليم.
(2/199)

بك ذلك [1] . قال فسألهم فقالوا: إنا ننزل من جاءنا ولا نرحّل من خرج عنا؛ فسمع الغاضريّ هذا الحديث فجاءه وقال له: أنا يهوديّ إن لم يكن الذي قال لك الغلمان أحسن من شعرك.
«480» - قال إسحاق الموصليّ: دخلت يوما إلى المعتصم وعنده إسحاق ابن إبراهيم بن مصعب، فاستدناني فدنوت، واستدناني فتوقفت خوفا من أن أكون موازيا في مجلسي لإسحاق بن إبراهيم، ففطن المعتصم وقال: إنّ إسحاق كريم وإنك لم تستنزل [2] ما عند الكريم بمثل إكرامه، ثم تحدثنا فأفضت بنا المذاكرة إلى قول أبي خراش الهذلي: [من الطويل]
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشرّ أهون من بعض
فأنشدها المعتصم إلى آخرها، وأنشد فيها:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنّه قد حطّ عن ماجد محض
فغلطت وأسأت الأدب فقلت: يا أمير المؤمنين هذه رواية الكتّاب وما أخذ عن المعلم، والصحيح: بزّ عن ماجد محض، فقال لي: نعم صدقت، وغمزني بعينه يحذّرني من إسحاق، وفطنت لغلطي فأمسكت، وعلمت أنه قد أشفق عليّ من بادرة تبدر من إسحاق لأنه كان لا يحتمل مثل هذا في الخلفاء من أحد حتى يعظم [3] عقوبته، ويطيل حبسه كائنا من كان، فنبهني رحمه الله على ذلك.
481- لما مات عبيد الله بن سليمان بن وهب وارتفع الصراخ من داره
__________
[1] ر: ذاك.
[2] ر: يسترك.
[3] ر: تعظم.
(2/200)

سجد المعتضد فأطال السجود، وكان بحضرته بدر المعتضديّ، فلما رفع رأسه قال له بدر: والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الولاء مجتهدا في خدمتك، عفيفا عن أموالك وأموال رعيتك، ميمون النقيبة حسن التدبير، قال:
أفظننت يا بدر أني سجدت سرورا بموته؟ إنما سجدت شكرا لله إذ وفّقني فلم أصرفه ولم أوحشه، ولم يبلغ بي الطمع فيه إلى القبض عليه، ولم يبلغ به الفزع مني إلى التدبير عليّ، ففارقني ومضى راضيا وما بيننا مستور، ولم يجد أعداؤنا طريقا إلى أن يصفوني بقلّة الرعاية، والمسارعة إلى الاستبدال بالخدم، والشره إلى أموال حاشيتي.
482- قال علي بن عبد الملك بن صالح: ما سمعت في الكرم بأحسن من فعل بعض ولد الحسين بن علي عليهما السلام بمستميح له، وذلك أنه أتاه ليلا، فلما ابتدأ يتكلم بحاجته أطفأ السراج وقال له: تكلّم بلسانك كلّه فإني أتخوّف أن تخجلك المعاينة عن استيفاء جميع مسألتك.
483- أنشد اليزيدي [1] : [من الطويل]
وما الجود عن فقر الرجال ولا الغنى ... ولكنّه خيم النفوس وخيرها
فنفسك أكرم عن أمور كثيرة ... فمالك نفس بعدها تستعيرها
«484» - وقال إبراهيم بن العبّاس: [من الوافر]
أميل مع الصديق على ابن أمي ... وأقضي للصديق على الشقيق
__________
[1] م: وأنشد الزينبي في هذا المعنى.
(2/201)

أفرّق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق
فإن ألفيتني مولى مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق
485- وقال ابن صرمة الأنصاري: [من الوافر]
لنا صرم يؤول الحقّ فيها ... وأخلاق يسود بها الفقير
ونصح للعشيرة حيث كانت ... إذا ملئت من الغشّ الصدور
وحلم لا يصوب الجهل فيه ... وإطعام إذا قحط الصّبير
بذات يد على ما كان فيها ... نجود به قليل أو كثير
ومما روي في مساوىء الأخلاق:
«486» - شخص أبو وجزة السلميّ (المعروف بالسعديّ لنزوله في بني سعد ومحالفته إياهم) إلى المدينة يريد آل الزبير، وشخص أبو زيد الأسلميّ يريد إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر [1] بن مخزوم وهو والي المدينة وخال هشام بن عبد الملك [2] ، فاصطحبا، فقال أبو وجزة: هلمّ فلنشترك فيما نصيبه، فقال أبو زيد: كلا أنا أمدح الملوك، وأنت تمدح السّوق، فلما دخلا المدينة صار أبو زيد إلى إبراهيم بن هشام فأنشده:
يا ابن هشام يا أخا الكرام
فقال إبراهيم: وكأنما أنا أخوهم وكأني لست منهم، ثم أمر به فضرب بالسياط. وامتدح أبو وجزة آل الزبير فكتبوا له بستين وسقا من تمر وقالوا: هي لك في كل سنة، فانصرفا فقال أبو زيد: [من الطويل]
__________
[1] ع ر: عبد الملك.
[2] بن مخزوم ... عبد الملك: سقط من ع ر.
(2/202)

مدحت عروقا للندى مصّت الثرى ... حديثا فلم تهمم بأن تتزعزعا [1]
نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى ... وحلّبت الأيّام والدهر أضرعا
سقاها ذوو الأرحام سجلا على الظما ... وقد كربت أعناقها أن تقطّعا
بفضل سجال لو سقوا من مشى بها ... على الأرض أرواهم جميعا وأشبعا
فضمّت بأيديها على فضل ما بها ... من الريّ لما أوشكت أن تضلّعا
وزهّدها أن تفعل الخير في الغنى ... مقاساتها من قبله [2] الفقر جوّعا
وقال أبو وجزة: [من البسيط]
راحت رواحا قلوصي وهي حامدة ... آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا
راحت بستّين وسقا في حقيبتها ... ما حملت حملها الأدنى ولا السّددا
ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت ... ستّين وسقا ولا جابت به بلدا
ذاك القرى لا قرى قوم رأيتهم ... يقرون ضيفهم الملويّة الجددا [3]
«487» - قال رجل من أهل العراق: أدناني أبو مسلم وآنسني ثم سألني فقال: أي الأعراض أدنى؟ قلت: عرض بخيل، قال: كلا، ربّ بخيل لم يكلّم عرضه، قلت: فأيها أصلح الله الأمير؟ قال: عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذمّ.
«488» - قال إبراهيم بن العباس: والله لو وزنت كلمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
__________
[1] ع ر: تترعرعا.
[2] م: قبلها.
[3] ر: الجردا؛ والملوية: السياط.
(2/203)

بمحاسن الناس لرجحت وهي قوله: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم؛ هذا أبو عبّاد كان كريم العهد كثير البذل، سريعا إلى فعل الخير، فطمس ذلك سوء خلقه فما ترى له حامدا.
«489» - قيل للمأمون: إنّ دعبلا قد هجاك، فقال: وأيّ عجب في ذاك؟ هو يهجو أبا عبّاد لا يهجوني أنا؟ ومن أقدم على جنون أبي عباد أقدم على حلمي. ثم قال للجلساء: من كان منكم يحفظ شعره في أبي عباد فلينشده، فأنشده بعضهم: [من الكامل]
أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبّره أبو عبّاد
خرق على جلسائه فكأنّهم ... حضروا لملحمة ويوم جلاد
يسطو على كتّابه بدواته ... فمضمّخ بدم ونضح مداد
وكأنه من دير هزقل مفلت ... حرد يجرّ سلاسل الأقياد
فاشدد أمير المؤمنين وثاقه ... فأصحّ منه بقية [1] الحداد
وكان بقية هذا مجنونا في البيمارستان.
ولأبي عباد حكايات عجيبة في طيشه وجهله، فمما يروى عنه أنه غضب على بعض كتّابه فرماه بدواة، فأبلغ المأمون فقال له: لم فعلت ذلك؟ فقال:
أنا ممن قال الله فيهم: وإذا ما غضبوا هم يعقرون فقال: ويلك لا تحسن آية؟
فقال: نعم: أنا أقرأ من سورة ألف آية.
__________
[1] ر: مقية.
(2/204)

«490» - وكان محمد بن جميل كاتب المنصور صاحب ديوان الخراج شديد الخرق غاية في الخفّة، وكان ومجلسه غاصّ بأهله يعدو خلف كاتبه بالنعل، وكاتبه يعدو بين يديه.
«491» - لقي الحجاج أعرابيا بفلاة فسأله عن نفسه، فأخبره بكلّ ما يكره وهو لا يعرفه، فقال: إن لم أقتلك فقتلني الله، قال الأعرابي: فأين حقّ الاسترسال؟ فقال الحجاج: أولى لك، وأعرص عنه. (وليس الحجاج ممن تأتي منه مكرمة، ولكن ربّ رمية من غير رام) .
«492» - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما نزعت الرحمة إلا من شقي.
«493» - ولما وفد عليه صلّى الله عليه وسلّم قيس بن عاصم سأله بعض الأنصار عما يتحدّث به عنه في الموؤدات، فأخبره أنه ما ولدت له قطّ بنت إلا وأدها وقال: كنت أخاف العار، وما رحمت منهنّ إلّا بنيّة كانت لي ولدتها أمّها وأنا في سفر، فدفعتها إلى أخوالها، وقدمت فسألت عن الحمل فأخبرتني المرأة أنها ولدت ولدا ميتا، ومضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبية ويفعت، فزارت أمّها ذات يوم، فدخلت فرأيتها وقد ضفّرت شعرها، وجعلت في قرونها شيئا من خلوق، ونظمت عليها ودعا، وألبستها قلادة جزع، وجعلت في عنقها مخنقة بلح، فقلت: من هذه الصبية، فلقد أعجبني كمالها وكيسها؟
(2/205)

فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، فأمسكت عنها حتى اشتغلت أمها، ثم أخرجتها يوما فحفرت لها حفيرة وجعلتها فيها وهي تقول لي: يا أبة ما تصنع بي؟ وجعلت أقذف عليها التراب وهي تقول: أمغطي أنت بالتراب؟ أتاركي أنت وحدي ومنصرف عني؟ وجعلت أقذف عليها التراب حتى واريتها فانقطع صوتها. فدمعت عين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: إنّ هذه لقسوة وإن من لا يرحم لا يرحم.
ورأى في حجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعض بناته يشمّها فقال له: ما هذه السخلة تشمها؟ والله لقد وأدت ثمانية، وولد لي ثمانون ما شممت منهم أنثى ولا ذكرا قط، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فهل إلا أن ينزع الله الرحمة منك.
«494» - وكان محمد بن عبد الملك الزيات قاسيا مع غير ذلك من رذائل جمعت فيه، على فضله وعلمه وأدبه وكفايته، فذكروا أن رجلا دخل عليه فقال له: أنا أصلحك الله أمتّ إليك بجواري وأرغب إليك في عطفك عليّ، فقال له: أما الجوار فنسب بين الحيطان، وأما العطف والرقة فهما للصبيان والنساء.
495- وقيل: كان له جار أيّام انخفاض حاله، وكان بينهما ما يكون بين الجيران من التباعد، فلما بلغ محمد ما بلغ من الولاية شخص إلى سرّ من رأى، فورد بابه وهو يتغدّى، فوصل إليه وهو على طعامه، فتركه قائما لا يرفع إليه طرفه وهو يأكل حتى فرغ من أكله، ثم رفع رأسه إليه وقال له: ما خبرك؟ فقال الرجل: قد أصارك الله تعالى أيها الوزير إلى أجلّ الآمال، وصرف رغبات الناس إليك، وقد علمت ما كنت تنقمه عليّ، وقد غيّر الدهر حالي فوفدت إليك مستقيلا عثرتي ومستعطفا لك على خلّتي، فقال له: قد
(2/206)

علمت هذا فانصرف وعد إليّ في غد، فولّى الرجل من بين يديه، فلما صار في صحن داره دعا به، فلما وقف بين يديه قال: لا والله مالك عندي شيء مما أمّلته وقدّرته، فلا تقم عليّ، ثم أقبل على بعض من بين يديه فقال: إنما رددته وأيّسته بخلا عليه بفسحة الأمل وأنس الرجاء في بقيّة يومه.
496- وكان عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر موصوفا بالقسوة، كان [1] يغضب على الرجل فيأمر بضربه بالسياط وهو يتحدّث، ويتغافل عنه حتى يموت تحت السياط.
وقال عيسى النوفلي: غضب ابن جعفر على غلام له وأنا عنده جالس في غرفة بأصفهان، فأمر أن يرمى به منها إلى أسفل، ففعل به ذلك، فتعلق بدرابزين كان على الغرفة فأمر بقطع يده التي أمسكه بها فقطعت، ومرّ الغلام يهوي حتى بلغ الأرض فمات.
497- شاعر: [من الطويل]
ولا تك ذا وجهين وجه شهادة ... ووجه مغيب غيبه غير طائل
«498» - آخر: [من الطويل]
وكم من صديق ودّه بلسانه ... خؤون بظهر الغيب لا يتذمّم
كذلك ذو الوجهين يرضيك شاهدا ... وفي غيبه إن غاب صاب وعلقم
499- آخر: [من الوافر]
وذو الوجهين ظاهره صحيح ... وباطن غيبه داء دفين
__________
[1] ر: وكان.
(2/207)

«500» - قال بعض الحكماء: آفة الملوك سوء السيرة، وآفة الوزراء سوء السريرة، وآفة الجند مخالفة القادة، وآفة الرعيّة مفارقة الطاعة، وآفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة، وآفة القضاة شدّة الطمع، وآفة العدول قلة الورع، وآفة الملوك مضادة الأعوان، وآفة العدل ميل الولاة، وآفة الجريء إضاعة الحزم، وآفة القويّ استضعاف الخصم، وآفة المنعم قبح المنّ، وآفة المذنب سوء الظنّ. من كثر ملقه لم يعرف بشره.
«501» - كان يوسف بن عمر الثقفي من الموصوفين بالقسوة والفظاظة، وكان في إمارته العراق يعظ الناس ويأمر بالخير، وينهى عن الأذى، ويزهّد في الدنيا، ويرغّب في المعاد، ويخالف فعله قوله- كان يتخد لهشام طنافس الخزّ في واسط، فامتحن طنفسة منها بأن جرّ عليها ظفر إبهامه فعلقت به غفرة من الطنفسة فأمر بيد الصانع فقطعت.
وأمر أن يضرب الدرهم لا ينقص حبّة فما فوقها، ونادى من فعل ذلك ضربته ألف سوط، ووجد درهما ناقصا حبّة فأحضر الضرّابون فكانوا مائة، فضرب كلّ واحد ألف سوط، فقيل ضرب في حبّة فضة مائة ألف سوط.
وقد أكثر الشعراء في ذكر حسد الأقارب:
502- قال الأقرع بن معاذ: [من الطويل]
ومولى أمنّا داءه تحت جنبه ... فلسنا نجازيه ولسنا نعاتبه
رأى الله أعطاني فأضمر صدره ... على حسد الإخوان وازورّ جانبه
فويل له منّا وويل لأمّه ... علينا إذا ما حرّكته حوازبه
(2/208)

«503» - وقال مبذول العنزي [1] : [من الطويل]
ومولى كضرس السوء يؤذيك مسّه ... ولا بدّ إن آذاك أنك فاقره
دويّ الجوف إن ينزع يسؤك مكانه ... وان يبق تصبح كلّ يوم تحاذره
يسرّ لك البغضاء وهو مجامل ... وما كلّ من يجني عليك تساوره
وما كلّ من مدّدت ثوبك فوقه ... لتستره ممّا جنى أنت ساتره
«504» - وقال عمر بن أبي ربيعة: [من الكامل]
ومشاحن ذي بغضة وقرابة ... يزجي لأقربه عقارب لسّعا
يسعى ليهدم ما بنيت وإنني ... لمشيّد بنيانه المتضعضعا
وإذا سررت يسوءه ما سرّني ... ويرى المسرّة مروتي أن تقرعا [2]
وإذا عثرت يقول إني شامت ... وأقول حين أراه يعثر دعدعا [3]
«505» - وقال الحسن بن هانىء: [من المديد]
وابن عمّ لا يكاشفنا ... قد لبسناه على غمره
كمن الشنآن فيه لنا ... ككمون النار في حجره
«506» - وقال آخر: [من الطويل]
__________
[1] ربما قرئت «الغنوي» في ر.
[2] المروة: الصخرة؛ ويقرع مروته: يعيبه.
[3] دع دع: كلمة لاقالة العاثر.
(2/209)

لكلّ كريم من ألائم قومه ... على كلّ حال حاسدون وكشّح
«507» - وقال ابن المعتز: [الكامل المجزوء]
ما عابني إلا الحسو ... د وتلك من خير المناقب
وإذا فقدت الحاسدي ... ن فقدت في الدنيا الأطايب
«508» - ومن كلام بعض الزهاد: إذا زال المحسود عليه علمت أنّ الحاسد كان يحسد على غير شيء.
«509» - وقال عروة بن أذينة: [من البسيط]
لا يبعد الله حسّادي وزادهم ... حتى يموتوا بداء فيّ مكنون
إني رأيتهم في كلّ منزلة ... أجلّ قدرا من اللائي يحبوني
«510» - ولقد أحسن الآخر في قوله، وهو الكميت بن معروف الأسدي [1] : [من البسيط]
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
511- وفي الحسد يقول الشاعر: [من الطويل]
__________
[1] وهو.. الأسدي: سقط من ر.
(2/210)

إني امرؤ لا أحسد الناس نعمة ... إذا نالها قبلي من الناس نائل
أأحسد فضل الله أن ناله امرؤ ... سواي وعندي للاله فضائل
وهبني حسدت المرء بالجهل رزقه ... وحال به عني من الله حائل
ولم يضرر المحسود مني نفاسة ... أليس على قلبي تحوم البلابل
«512» - ومن أبلغ ما سمع في الحنق أنّ أبا العبّاس السفّاح لمّا قتل بني أميّة بحضرته دعا بالغداء، ثم أمر ببساط فبسط عليهم، وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ قال: ما أعلمني أكلت أكلة قطّ كانت أهنا ولا أطيب في نفسي منها. ويقال: إنهم صلبوا في بستانه حتى تأذّى جلساؤه بروائحهم، فكلموه في ذلك فقال: والله لهذا ألذّ عندي من شمّ المسك والعنبر، غيظا عليهم، وتمثّل بقول ذي الإصبع: [من البسيط]
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ تشفيني
«513» - وضد هذا التشفي [1] ما حكي عن محمد بن زيد بن علي بن الحسين في حكاية طويلة رواها القاضي التنوخي قال: كان محمد بن زيد الداعي العلوي بطبرستان إذا افتتح الخراج نظر ما في بيت المال من خراج السنة التي قبلها، ففرّق في قبائل قريش قسطا على دعوتهم، وفي الأنصار والفقهاء وأهل القرآن وسائر الناس، حتى يفرق جميع ما بقي، فجلس في سنة من السنين يفرّق المال كما كان يفعل، فلما فرغ من بني هاشم دعا بسائر عبد مناف، فقام رجل فقال له: من أيّ عبد مناف أنت؟ قال من بني أميّة، قال: من
__________
[1] ر: الشفاء.
(2/211)

أيهم؟ فسكت. قال: لعلك من بني معاوية؟ قال: نعم، قال: فمن أي ولده؟ فأمسك، قال: لعلك من ولد يزيد، قال: نعم، قال بئس الاختيار اخترت لنفسك من قصدك بلدا ولايته لآل أبي طالب، وعندك ثأرهم في سيدهم، وقد كانت لك مندوحة عنهم في الشام والعراق إلى من يتوالى جدّك ويحبّ برّك، فإن كنت جئت على جهل [1] بهذا [2] منك فما يكون بعد جهلك شيء، وإن كنت جئت لغيره فقد خاطرت بنفسك، قال: فنظر إليه العلويون نظرا شديدا، فصاح بهم محمد وقال: كفوا، كأنكم تظنون أنّ في قتل هذا دركا أو ثأرا بالحسين بن علي، وأيّ جرم لهذا؟ إنّ الله جل وعز قد حرّم أن تطالب نفس بغير ما اكتسبت، والله لا يعرض له أحد إلا أقدته منه؛ واسمعوا حديثا أحدثكم به يكون لكم قدوة فيما تستأنفون، حدثني أبي عن أبيه قال:
عرض على المنصور سنة حجّ جوهر فاخر فعرفه وقال: هذا جوهر كان لهشام بن عبد الملك وهو هذا بعينه وقد بلغني [3] خبره عند محمد ابنه، وما بقي منهم أحد غيره، ثم قال للربيع: إذا كان غدا وصليت بالناس في المسجد الحرام وحصل الناس فيه فأعلق الأبواب كلّها ووكلّ بها ثقاتك من الشيعة فأقفلها وافتح للناس بابا واحدا وقف عليه، فلا يخرج أحد إلا من عرفته. فلما كان من الغد فعل الربيع ما أمره به وتبيّن محمد بن هشام القصة، فعلم أنه هو المطلوب وأنه مأخوذ، فتحير، وأقبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على تفئة ذلك فرآه متحيرا وهو لا يعرفه، فقال له: يا هذا أراك متحيرا فمن أنت، ولك أمان الله وأنت في ذمتي حتى أتخلّص بك، فقال: أنا محمد ابن هشام بن عبد الملك، فمن أنت؟ قال: أنا محمد بن زيد بن علي بن الحسين، فقال عند ذلك: أحتسب نفسي إذن، قال: لا بأس عليك يا ابن
__________
[1] م: جئت جاهلا.
[2] م: بهذا المكان.
[3] ر ع: وهذا بعينه قد بلغني.
(2/212)

عمّ، فانك لست قاتل زيد ولا في قتلك إدراك ثأره، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامي إيّاك، ولكن تعذرني في مكروه أتناولك به وقبيح [1] أخاطبك به يكون [2] فيه خلاصك، قال: أنت وذاك، فطرح رداءه على رأسه ووجهه، ولبّبه وأقبل يجره، فلما وقعت عين الربيع عليه لطمه لطمات وجاء به إلى الربيع وقال له: يا أبا الفضل إنّ هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكراني جماله ذاهبا وراجعا، وقد هرب منّي في هذا الوقت وأكرى بعض القواد الخراسانية، ولي عليه بيّنة فتضمّ إليّ حرسيّين يصيران به معي إلى القاضي ويمنعان الخراسانيّ من إعزازه، فضمّ إليه حرسيين وقال امضيا معه، فلما بعد عن المسجد قال له: يا خبيث تؤدّي إليّ حقي؟ قال: نعم يا ابن رسول الله، فقال للحرسيين: انصرفا، فانصرفا وأطلقه، فقبّل محمد بن هشام رأسه وقال: بأبي أنت وأمي: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ثم أخرج جوهرا له قدر وقال: تشرّفني بقبول هذا؟ قال: يا ابن عم إنّا أهل بيت لا نقبل على المعروف مكافأة، وقد تركت لك أعظم من ذلك، تركت لك دم زيد بن علي، فانصرف راشدا ووار شخصك حتى يخرج هذا الرجل فإنه مجدّ في طلبك، فمضى وتوارى.
ثم أمر للداعي الأموي بمثل ما أمر به لسائر بني عبد مناف، وضمّ إليه جماعة من مواليه، وأمرهم أن يخرجوه إلى الريّ ويأتوه بكتابه بسلامته، فقام الأمويّ فقبّل رأسه، ومضى معه القوم حتى وصل إلى مأمنه، وجاءوه بكتابه من الري.
«514» - ومن الحقد البليغ ما فعله عبد الله بن الزبير بأخيه عمرو، وكان
__________
[1] م: ومكروه.
[2] م: ويكون.
(2/213)

عمرو بن الزبير قد شايع بني أميّة، وهدم دور قوم في هواهم، فلما ولي عبد الله ابن الزبير أخوه واستولى على الحجاز، أقام عمرا للناس ليقتصوا منه، فبالغ كلّ ذي حقد عليه في ذلك، وتدسّس فيه من يتقرّب إلى أخيه، وكان أخوه عبد الله لا يسأل من ادعى عليه شيئا بيّنة، ولا يطالبه بحجة، وإنما يقبل قوله ودعواه، ثم يدخله إلى السجن ليقتص منه، فكانوا يضربونه والقيح يتنضح [1] من ظهره وأكتافه على الأرض والحائط [2] ، لشدّة ما يمرّ به، ثم يضرب وهو على تلك الحال، ثم أمر بأن ترسل عليه الجعلان، فكانت تدبّ عليه فتثقب لحمه وهو مقيّد مغلول يستغيث فلا يغاث، حتى مات على تلك الحال.
فدخل الموكل به على أخيه عبد الله بن الزبير وفي يده قدح لبن يريد أن يتسحر به وهو يبكي، فقال له: مالك، أمات عمرو؟ قال: نعم، قال: أبعده الله، وشرب اللبن ثم قال: لا تغسلوه ولا تكفّنوه وادفنوه في مقابر المشركين، فدفن فيها.
«515» - حدث شيخ من بني نبهان قال: أصابت بني شيبان [3] سنة ذهبت بالأموال، فخرج منهم رجل بعياله حتى أنزلهم الحيرة، وقال لهم:
كونوا قريبا من الملك يصبكنّ من خيره حتى أرجع إليكنّ، وآلى أليّة لا يرجع حتى يكسبهن خيرا أو يموت؛ فتزود زادا ثم مشى [يوما] إلى الليل فإذا هو بمهر مقيّد يدور حول خباء [4] ، فقال: هذا أول الغنيمة، فذهب يحلّه ويركبه، فنودي خلّ عنه واغنم [5] نفسك، فتركه ومضى، فمشى سبعة أيّام
__________
[1] م والأغاني: يتنضح.
[2] والحائط: سقطت من الأغاني.
[3] الأغاني: نبهان.
[4] الأغاني: مقيد يد ورجل حول خباء.
[5] م: واغتنم.
(2/214)

حتى انتهى إلى عطن إبل مع تطفيل الشمس، وإذا خباء عظيم وقبة أدم [1] ، قال: فقلت في نفسي: ما لهذا الخباء بدّ من أهل، وما لهذه القبة بدّ من ربّ، وما لهذا العطن بدّ من إبل، فنظرت في الخباء فإذا شيخ كبير قد اختلفت ترقوتاه كأنه نسر، [قال] : فجلست خلفه، فلما وجبت الشمس إذا فارس قد أقبل لم أر فارسا قطّ أعظم منه، ولا أجسم، على فرس مشرف، ومعه أسودان يمشيان جنبيه، وإذا مائة من الإبل مع فحلها، فبرك الفحل وبركن حوله، فقال لأحد عبديه احلب فلانة ثم اسق الشيخ، فحلب في عسّ حتى ملأه ووضعه بين يدي الشيخ وتنحّى، فكرع فيه الشيخ مرة أو مرتين ثم نزع، وثرت إليه فشربته، فرجع إليه العبد فقال: يا مولاي شربه حتى أتى على آخره، ففرح بذلك وقال: احلب له فلانة، فحلبها ثم وضع العسّ بين يدي الشيخ، فكرع فيه كرعة ثم نزع، فثرت إليه فشربت نصفه وكرهت أن آتي على آخره فأتّهم، فجاء العبد وأخذه وقال لمولاه: قد شرب وروي: قال: دعه، ثم أمر بشاة فذبحت وشوى للشيخ منها، واكل هو وعبداه، فأمهلت حتى إذا ناموا وسمعت الغطيط ثرت إلى الفحل فحللت عقاله وركبته، فاندفع بي وتبعته الإبل، فمشيت [2] ليلتي حتى الصباح، فلما أصبحت نظرت فلم أر أحدا، فشللتها إذن شلا عنيفا حتى تعالى النهار، ثم التفتّ التفاتة فإذا بشيء كأنه طائر، فما زال يدنو حتى تبيّنته، فإذا فارس على فرس، وإذا هو صاحبي بالأمس، فعقلت الفحل ونثلت كنانتي، ووقفت بينه وبين الإبل، فقال: احلل عقاله، فقلت: كلا والله، لقد خلّفت نسيّات بالحيرة وآليت أليّة ألا أرجع أو أفيدهنّ خيرا أو أموت، قال: فإنك ميت، حلّ عقاله لا أمّ لك، قلت: هو ما قلت لك، قال: إنك لمغرور انصب لي خطامه وانصب [3]
__________
[1] م والأغاني: من أدم.
[2] م: فهمشت.
[3] الأغاني: واجعل فيه.
(2/215)

خمس عجر، ففعلت فقال: أين تحبّ أن أضع سهمي، فقلت: في هذا الموضع، فكأنما وضعه بيده، ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمس بخمسة أسهم، فرددت نبلي وحططت قوسي، ووقفت له مستسلما فدنا مني، فأخذ السيف والقوس ثم قال: ارتدف خلفي، وعرف أني الذي شربت عنده اللبن، فقال: ما ظنّك بي؟ قلت: أحسن الظنّ، قال: وكيف ذاك؟ قلت: لما لقيت من تعب ليلتك وقد أظفرك الله بي، فقال: أترانا نهيجك وقد بتّ تنادم مهلهلا؟ فقلت: أزيد الخيل أنت؟ قال: نعم، فقلت: كن خير آخذ، فقال: ليس عليك بأس، فمضى إلى موضعه الذي كان به ثم قال:
أما لو كانت هذه الإبل لي لسلّمتها إليك ولكنها لبنت مهلهل، فأقم عليّ فإني على شرف غارة، فأقمت أياما [1] ، فمضى فأغار على بني نمير بالملح، فأصاب مائة بعير فقال: هذه أحبّ إليك أم تلك؟ قلت: بل هذه، قال: دونكها، وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء حتى وردت الحيرة، فلقيني نبطيّ فقال:
أيسرّك أنّ لك بإبلك هذه بكلّ بعير منها [2] بستانا من هذه البساتين؟ فقلت:
وكيف ذلك؟ قال: هذا قرب مخرج نبيّ يخرج فيملك هذه الأرض ويحول بين أربابها وبينها حتى إنّ أحدكم ليبتاع البستان من هذه البساتين بثمن بعير، قال: فاحتملت بأهلي حتى انتهيت إلى مواطننا، فبينا نحن في الشّيطين على ماء لنا وقد كان الحوفزان بن شريك أغار على بني تميم، فجاءنا خبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلمنا فما مضت أيّام حتى اشتريت بثمن بعير من إبلي بستانا بالحيرة.
«516» - أسلم أبو خراش الهذلي فحسن إسلامه، ثم أتاه نفر من أهل اليمن قدموا حجاجا [فنزلوا بأبي خراش] والماء غير بعيد عنهم، فقال: يا بني
__________
[1] ر: فأقت أنا.
[2] بكل بعير منها: سقط من الأغاني.
(2/216)

عمي ما أمسى عندنا ماء ولكن هذه برمة وشاة وقربة فردوا الماء ثم كلوا شاتكم ودعوا برمتنا وقربتنا على الماء حتى نأخذهما، فقالوا: لا والله ما نحن بسارين في ليلتنا هذه وما نحن ببارحين حيث أمسينا. فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استقى، ثم أقبل صادرا فنهشته حيّة. فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء، وقال: اطبخوا شاتكم وكلوا، ولم يعلمهم ما أصابه، فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا، وأصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه، فبلغ خبره عمر بن الخطاب فغضب غضبا شديدا وقال: لولا أن تكون سنّة لأمرت أن لا يضاف يمان أبدا، ولكتبت بذلك إلى الآفاق، إنّ الرجل ليضيف أحدهم فيبذل له مجهوده فيتسخطّه ولا يقبله منه ويطالبه بما لا يقدر عليه، كأنه يطالبه بدين، أو يتعنّته ليفضحه فهو يكلّفه التكاليف حتى أهلك ذلك من فعلهم رجلا مسلما وقتله، ثم كتب إلى عامله أن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرّمهم ديته ويؤدّبهم بعد ذلك بعقوبة يمسّهم بها جزاء لفعلهم.
«517» - قال أعرابيّ: أسوأ ما في الكريم أن يكفّ عنك خيره [1] ، وخير ما في اللئيم أن يكفّ عنك شرّه [2] .
«518» - قال عبد الملك بن مروان: يا بني أمية ابذلوا نداكم، وكفّوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، فإن خير المال ما أفاء حمدا
__________
[1] ربيع: جداه.
[2] ربيع: أذاه.
(2/217)

أو نفى ذمّا، ولا يقولنّ أحدكم ابدا بمن تعول فإنما الناس عيال الله قد كفل بأرزاقهم فمن وسّع أخلف الله عليه ومن ضيّق ضيق الله عليه.
«519» - وقال أعرابي: لا يوجد العجول محمودا، ولا الغضوب مسرورا، ولا الملول ذا أخدان [1] ، ولا الحرّ حريصا، ولا الشّره غنيا.
520- وقال أعرابي: صن عقلك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدتك بمجانبة الخيلاء، ومحلك بالإجمال في الطلب.
«521» - شاعر: [من الطويل]
أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتى ... وللحلم أحيانا من الجهل أقبح
إذا كان حلم المرء عون عدوّه ... عليه فإن الجهل أعفى وأروح
وفي العفو ضعف والعقوبة قوة ... إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح
«522» - قال رجل للأحنف: دلّني على رجل كثير العيوب، قال:
اطلبه عيّابا فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه.
«523» - وأنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
__________
[1] ر: إخوان.
(2/218)

«524» - ومثله: [من الوافر]
وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب
«525» - ويقال: شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند الاعطاء.
526- وقال سفيان بن عيينة، وذكر عنده البغي: أراد إخوة يوسف أن يذلّوه فما برح بهم الدهر حتى قالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ
(يوسف: 88) .
527- الأقرع بن معاذ: [من الطويل]
يطّيب نفسي أنني غير مجرم ... وأني إذا ناجيتها لا ألومها
«528» - زهير: [من الطويل]
وفي الحلم إدهان وفي العفو دربة ... وفي الصدق منجاة من الشرّ فاصدق
ومن يلتمس حسن الثناء بماله ... يصن عرضه من كلّ شنعاء موبق
ومن لا يصن قبل النوافذ عرضه ... فيحرزه يعرر به ويخرّق
«529» - العرزمي: [من الطويل]
وإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشرّ دعّاء وللغيّ جالب
(2/219)

والأصل فيه قوله تعالى وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
(الأنفال: 46) .
«530» - عدي بن زيد: [من الطويل]
وإياك من فرط المزاح فإنّه ... جدير بتسفيه الحليم المسدّد
531- يحيى بن زياد: [من البسيط]
لا يلبث الهزل أن يجني لصاحبه ... ذما ويذهب عنه بهجة الأدب
«532» - طريح بن إسماعيل: [من الطويل]
إذا كنت عيّابا على الناس فاحترس ... لنفسك مما أنت للناس قائله
«533» - بشار: [من الرجز]
وصاحب كالدمّل الممدّ ... حملته في رقعة من جلدي
أرقب منه مثل يوم الورد ... حتى مضى غير حميد الفقد
وما درى ما رغبتي من زهدي
534- نافع بن لقيط الاسدي: [من الطويل]
إذا أنت اكثرت المجاهل كدّرت ... عليك من الأخلاق ما كان صافيا
(2/220)

«535» - هدبة بن الخشرم: [من الطويل]
ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتمنّى الشرّ والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب
وقد علل سقراط هذا المعنى، قيل له: لم لا تهتمّ على فائتة و [لا] تفرح بعائدة؟ قال: لأن تلك لا تتلافى بالعبرة، وهذه لا تستدام بالحبرة [1] .
«536» - تأبط شرا: [من البسيط]
لكنّما عولي إن كنت ذا عول ... على بصير بكسب الحمد سبّاق
سباق غايات مجد في عشيرته ... مرجّع الصوت هدّا بين أرفاق
حمّال ألوية شهّاد أندية ... هبّاط أودية جوّال آفاق
وفيها يقول [2] :
لتقرعن عليّ السنّ من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي
«537» - قيس بن الخطيم: [من الطويل]
سلي من جليسي في النديّ [3] ومألفي ... ومن هو لي عند الصفاء خدين
وأيّ أخي حرب إذا هي شمّرت ... ومدره خصم يا نوار [4] أكون
__________
[1] وقد علل ... بالحبرة: وقع في ر بعد رقم 534.
[2] وفيها يقول: سقط من ر.
[3] ديوانه: من نديمي في الندامى.
[4] الديوان: بعد ذاك.
(2/221)

وهل يحذر الجار الغريب فجيعتي ... وخوني وبعض المقرفين خؤون
وما لمعت عيني لغرّة جارة ... ولا ودّعت بالذمّ حين تبين
أبى الذمّ آباء نماني مجدهم [1] ... ومجدي لمجد الصالحين معين
فهذا كما قد تعلمين وإنني ... لجد على ريب الخطوب متين
وإني لأعتام الرجال بخلتي ... أولي الرأي في الأحداث حين تحين
فأبري بهم صدري وأصفي مودّتي ... وأترك [2] عهدي دون ذاك مصون
أمرّ على الباغي ويغلظ جانبي ... وذو القصد أحلولي له وألين
«538» - المتنبي: [من الطويل]
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضرّ كوضع السيف في موضع النّدى
«539» - سأل الرشيد أبا يوسف عن أخلاق أبي حنيفة فقال: إن الله يقول ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
(ق: 18) وهو عند لسان كل قائل، كان علمي بأبي حنيفة أنه كان شديد الذبّ عن محارم الله عز وجل أن تؤتى، شديد الورع أن ينطق في دين الله بما لا يعلم، يحبّ أن يطاع الله ولا يعصى، مجانبا لأهل الدنيا في دنياهم، لا ينافسهم في عزها، طويل الصمت دائم الفكر على عمل واسع، لم يكن مهذارا ولا ثرثارا، إن
__________
[1] الديوان: نمتني جدودهم.
[2] م: ويترك.
(2/222)

سئل عن مسألة كان عنده فيها علم نطق فيها وأجاب عنها بما سمع، وإن كان غير ذلك قاس على الحقّ واتبعه، لا يميل إلى طبع [1] ، بعيد [عن] الغيبة لا يذكر أحدا إلا بخير؛ فقال الرشيد: هذه أخلاق الصالحين، ثم قال للكاتب: اكتب هذه الصفة وادفعها إلى ابني ينظر فيها، ثم قال: احفظها حتى أسألك عنها.
«540» - وكان أبو حنيفة سهل الأخلاق جوادا سمحا حسن الجوار مغضيا عمن يسيء إليه مسامحا له؛ وقيل: إن رجلا أتاه فقال: معي عشرة آلاف درهم كتبت على لسانك كتابا إلى الأمير بجرجان فوهبها لي، وهي لك وقد أحضرتها، فقال: بارك الله لك فيها، ومن استطاع منكم أن يفعل كما فعل فقد أذنت له في ذلك.
«541» - ورأى على بعض جلسائه ثيابا رثّة، فأمره فجلس حتى تفرّق الناس وبقي وحده، فقال: ارفع المصلّى وخذ ما تحته، فرفع المصلّى فكان تحته ألف درهم فقال: خذ هذه الدراهم فغيّر بها حالك، فقال الرجل: إني موسر وأنا في نعمة ولست أحتاج إليها، فقال: أما بلغك الحديث: إنّ الله يحبّ أن يرى أثر النعمة على عبده؟ فينبغي لك أن تغير حالك حتى لا يغتمّ بك صديقك.
542- وكان أبو حنيفة يفضل ويعطي من كسب تجارته، وكان قوته في الشهر درهمين لخاصّه.
«543» - قال خارجة بن مصعب: خرجت إلى الحجّ وخلّفت جارية لي
__________
[1] ر: الطبع.
(2/223)

عند أبي حنيفة وأقمت بمكة نحوا من أربعة أشهر، فلما قدمت قلت لأبي حنيفة: كيف وجدت خدمة هذه الجارية وخلقها؟ فقال: من قرأ القرآن وحفظ على الناس علم الحلال والحرام احتاج أن يصون نفسه عن الفتنة، والله ما رأيت جاريتك منذ خرجت إلى أن رجعت، فسألت الجارية عنه فقالت:
ما رأيت ولا سمعت مثله [1] ، ما رأيته [نام] على فراش منذ دخلت إليه، ولا رأيته اغتسل في ليل ولا نهار، ولقد كان يوم الجمعة يخرج يصلي [2] صلاة الصبح، ثم يدخل إلى منزله فيصلي صلاة الضحى صلاة خفيفة، وذاك أنه كان يبكر إلى المسجد ويغتسل غسل الجمعة ويمسّ شيئا من الدهن، ثم يمضي إلى الصلاة، وما رأيته يفطر النهار قط، وكان يأكل في آخر الليل، ثم يرقد رقدة خفيفة، ثم يخرج إلى الصلاة.
544- قال بعض أهل الأدب: عشر فيهنّ الكمال: كرم الحسب، وشدّة العقل، وصحة الدين، والسخاء، والمال، والحياء، والرفق، والتواضع، والشجاعة، وحفظ القرآن.
وعشر خصال تزري ومنها تتفرّع النذالة: الحسب الرديء، والخلق الدنيء، وقلة العقل، وسوء الفعل، ودناءة النفس، والجبن، والبخل، والفجور، والكذب، والغش للناس والوقيعة فيهم.
وعشر يجتلبن ودّ الناس ويذهبن الضّغن: العفو، والحلم، والاغضاء، وترك التأنيب والتوبيخ، والأخذ بالحزم، والعفة، وترك الغيبة، وكتمان السرّ، وقضاء الحقوق، وحسن اللقاء.
وعشر يمحقن الشكر ويجتلبن البغضة: الامتنان بالعطاء، وسوء الخلق، وتنكيد الهبة، ووضع الصنيعة في غير موضعها، وكمون الحقد، وبذاء
__________
[1] م: بمثله.
[2] م: فيصلي.
(2/224)

اللسان، والامساك عند الحاجة، وقلة الانصاف، والشماتة عند المصيبة، وترك العفو عند الزلة.
وعشر يفسدن المروءة ويقطعن الأخوّة: كثرة العتاب، وكثرة الهجران، والتعنت، والحمية، وقلة اللقاء، وقبح اللفظ، والحدة، وقلة المواساة، وقلة الحفاظ، وخلف الوعد.
وعشر يورثن المحبة: كثرة السلام، واللطف بالكلام، واتباع الجنائز، والهدية، وعيادة المرضى، والصدق، والوفاء، وانجاز الوعد، وحفظ المنطق، وتعظيم الرجال.
وعشر ينفين الذلّ: اقتصاد في الكثير، والقنوع بالقليل، ولزوم المنزل، وحضور الصلوات، ومجانبة السفل، والتفقه في الدين، وقلة سؤال الرجال، وترك النبيذ، وكثرة الصمت، ورأسهن ترك الدّين.
وعشر يورثن العز: مجالسة السراة، وكثرة الصدقة، وإسعاف الناس في حوائجهم، وتحمل الغرم، وأداء الأمانة، وطاعة الله، وحبّ المساكين، وترك المعازة [1] للسلطان، وقلة المشي في الأسواق، وترك الشتم.
وعشر يورثن الكرم: خفة المؤونة على الإخوان، وبذل المعروف، وقلة الأيمان، وترك ما لا تطيق، والتحمل لما أطقت، وإبقاء الرجل على ضيعته، وقلة دخوله فيما لا يعنيه، وقلة حرصه، واغضاؤه عن [2] المسيء يراه، وصبره على المكروه.
وعشر يورثن حميد العاقبة: حسن الجوار، وصحة المحاورة، وسلامة الصدر، وحفظ المودة، وكثرة المعونة، وقلة المشارّة، وقول الخير في كل أحد، ومجانبة السّفه، وترك المشورة على أحد، والتخلي عن الناس.
__________
[1] م: الغارة.
[2] م: على.
(2/225)

545- اشترى فائق غلام أحمد بن طولون دارا عظيمة بمصر، وأراد أن يدخل فيها دار العمريين وما يليها، فاستأذن مولاه في شراء ذلك فأذن له، فاشتراها وما حولها بعشرين ألف دينار، وأقبضهم الثمن وأشهد عليهم وأجّلهم شهرين، فلما انقضى الشهران ركب أحمد بن طولون إلى صلاة الجمعة ثم رجع، وانصرف فائق إلى داره فسمع صياحا عظيما فأنكره، وقال: ما هذا الصياح؟ فقالوا: صياح العمريين ينتقلون ويبكون، فدعاهم وقال: أليس بطيب أنفسكم بعتم؟ قالوا: نعم، قال: وقبضتم الثمن؟ قالوا: نعم، قال: فما هذا البكاء والصياح حتى يظنّ مولاي أنكم ظلمتم؟ قالوا: ما نبكي إلا على جوارك، فأطرق وأمر بالكتب فردّت عليهم، ووهب لهم الثمن، وركب إلى مولاه فأخبره فصوّب رأيه واستحسن فعله.
«546» - قال عبد الملك لسعيد بن المسيب: صرت أعمل الخير فلا أسرّ به، وأعمل الشرّ فلا أساء به، فقال: الآن تكامل فيك الموت، يعني موت القلب.
«547» - دخل محمد بن عباد على المأمون فجعل يعممه بيده، وجارية على رأسه تبتسم، فقال المأمون: مم تضحكين؟ فقال ابن عباد: أنا أخبرك يا أمير المؤمنين تتعجّب من قبحي واكرامك لي، فقال: لا تعجبي فإن تحت هذه العمّة مجدا وكرما.
«548» - شاعر: [من الطويل]
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم ... إذا كانت الأعراض غير حسان
(2/226)

فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى ... فما كلّ مصقول الحديد يماني
«549» - ابن الرومي: [من البسيط]
كلّ الخلال التي فيكم محاسنكم ... تشابهت فيكم الأخلاق والخلق
كأنكم شجر الأترجّ طاب معا ... حملا ونورا وطاب العود والورق
550- استعان عمر بن عبد العزيز برجل كريه المنظر فوجده حسن المخبر، فقال وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً
(هود:
31) .
«551» - قال بعض السلف: الحسن الخلق ذو قرابة عند الأجانب، والسيّىء الخلق أجنبيّ عند أهله.
«552» - الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحبّ إليّ من أن يصحبني عابد سيّىء [الخلق] . إن الفاسق إذا حسن خلقه خفّ على الناس وأحبوه، والعابد إذا ساء خلقه ثقل عليهم ومقتوه.
«553» - وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ثلاثة يعذرون بسوء الخلق: المريض والصائم والمسافر.
(2/227)

«554» - قال فرقد: بلغني أنه قيل يا رسول الله على من تحرم النار؟
قال: على الهين اللين القريب السهل.
555- قيل: من أحبّ المحمدة من الناس بغير مرزئة فليتلقّهم ببشر حسن.
«556» - وقال الأحنف: رأس المروءة طلاقة الوجه والتودّد إلى الناس.
«557» - وقال معاذ: إن المسلمين إذا التقيا فضحك كلّ واحد منهما في وجه صاحبه ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبهما كتحاتّ ورق الشجر.
558- البشر دالّ على السخاء كما يدلّ النّور على الثمر.
«559» - من حسن الخلق أن يحدّث الرجل صاحبه وهو مبتسم.
«560» - قال علي بن الحسين عليهما السلام: من تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أبونا إبراهيم عليه السلام بنفسه وأهله، ألم تسمع قوله وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ
(هود: 71) .
«561» - قال الأصمعي: سألت عنبسة بن وهب الدارمي عن مكارم الأخلاق فقال: أما سمعت قول عاصم بن وائل المنقري: [من الطويل]
وإنا لنقري الضيف قبل نزوله ... ونشبعه بالبشر من وجه ضاحك
(2/228)

مدح قوم سوء الظنّ ورأوه حزما، وكرهه آخرون، ولكلّ مقام:
562- قيل لعالم من أسوأ الناس حالا؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنه، ولا يثق به أحد لسوء فعله.
«563» - سهل الأحول كاتب إبراهيم بن المهدي: ما أحسن حسن الظنّ إلا أن فيه العجز، وما أقبح سوء الظنّ إلا أنّ فيه الحزم.
564- وقيل لبعضهم: أسأت الظن، فقال: إن الدنيا لما امتلأت مكاره وجب على العاقل أن يملأها حذرا.
«565» - قال المأمون: لم أر أحدا أبرّ من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من بره به أنه كان لا يتوضأ إلا بماء مسحّن، فمنعهم السجان من الوقود في ليلة باردة، فلما أخذ يحيى مضجعه قام الفضل إلى قمقم فأدناه من المصباح، فلم يزل قائما وهو في يده حتى أصبح، فشعر السجّان بذلك فغيّب المصباح فبات متأبّطه إلى الصباح.
«566» - قال الأحنف: رأس الأدب المنطق، ولا خير في قول إلا بفعل، ولا في مال الا بجود، ولا في صدق إلا بوفاء، ولا في فقه إلا بورع، ولا في حياة إلا بصحة وأمن.
567- قال ابن مسعود: جاء رجل إلى فاطمة عليها السلام فقال: يا بنت رسول الله، هل ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شيئا تطرفينيه؟ فقالت: يا جارية هاتي تلك الجريدة، فطلبتها فلم تجدها، فقالت: ويحك اطليبها فإنها تعدل عندي حسنا أو حسينا، فطلبتها فإذا هي: قال محمد صلّى الله عليه وسلّم: ليس من المؤمنين
(2/229)

من لم يأمن جاره بوائقه. من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت؛ إن الله عز وجل يحبّ الحليم المتعفف ويبغض الفاحش السآل الملحف؛ إن الحياء من الإيمان، والايمان في الجنة، وإن الفحش من البذاء، والبذاء في النار.
«568» - وجاء في الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: الحياء والعيّ شعبتان من الايمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق. ويشبه أن يكون العيّ في هذا الموضع في معنى الصمت، والبيان في معنى التشدق والتقعير، كما جاء في الحديث الآخر: أبغضكم الثرثارون المتفيهقون المتشدّقون.
«569» - قال إياس بن معاوية بن قرة المزني: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكر عنده الحياء، فقالوا: الحياء من الدين، فقال عمر: بل هو الدين كلّه. قال إياس قلت: يا أمير المؤمنين حدثني أبي عن قرة المزني قال:
كنا عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر عنده الحياء فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين، فقال صلّى الله عليه وسلّم: بل هو الدين كله، ثم قال صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الحياء والعفاف والعيّ- عيّ اللسان لا عيّ القلب- والعمل من الايمان، وهنّ يزدن في الآخرة وينقصن من الدنيا وما يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من الدنيا؛ وإن الفحش والبذاء من النفاق وانهن ينقصن من الآخرة ويزدن في الدنيا؛ قال إياس:
فأمرني عمر فأمليته عليه فكتبه بخطه، ثم صلّى الظهر وإنها لفي كفه ما يضعها إعجابا بها.
«570» - وجاء في حديث آخر: الحياء من الايمان، والايمان في
(2/230)

الجنة، والبذاء من النفاق، والنفاق في النار.
«571» - قال بعض أهل العلم: إنما جعل الحياء- وهو غريزة- من الايمان، وهو اكتساب، لأن المستحي ينقطع بالحياء عن المعاصي، وإن لم يكن له تقية، فصار كالايمان الذي يقطع عنها، ولذلك قال بعض الشعراء:
[من الوافر]
وربّ قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء
إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلّب في الأمور كما يشاء
572- ويقال: القناعة دليل الامانة، والأمانة دليل الشكر، والشكر دليل الزيادة، والزيادة دليل بقاء النعمة، والحياء دليل على الخير كلّه.
«573» - وقال الأحنف: أربع من كنّ فيه كان كاملا، ومن تعلّق بواحدة منهنّ كان من صالحي أهله: دين يرشده، أو عقل يسدّده، أو حسب يصونه، أو حياء يفثأه.
«574» - وقال أعرابي: من كساه الحياء ثوبه، خفي على [1]- الناس عيبه.
575- وقال الشاعر: [من المنسرح]
إياك أن تزدري الرجال فما ... يدريك ماذا تجنّه الصّدف
__________
[1] زهر الآداب: ستر عن.
(2/231)

نفس الجواد العتيق باقية ... فيه وإن كان مسّه العجف
والحرّ حرّ وإن ألمّ به ال ... ضرّ ففيه الحياء والأنف
«576» - قيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: أن لا تعمل في السرّ شيئا تستحيي منه في العلانيّة.
577- ومنه حديث حرملة العنبريّ، قال: قلت للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: دلّني على شيء ينفعني، قال: انظر ما تكره أن يتحدّث به الناس فإذا خلوت فلا تفعله.
«578» - نازع المهلب رجلا من كبار بني تميم فأربى على المهلب، فقيل له في ذلك فقال: كنت إذا سبّني أستحيي من سخف المسابّة، وأرغب عن غلبة اللئام والسفلة، وكان إذا سبّني تهلّل وجهه لنبذ المروءة وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء، وثلج بذلك صدره، وطلق له وجهه، وبرد له غليله.
«579» - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من كثر همّه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذّب نفسه، ومن لاحى الرجال سقطت مروءته وذهبت كرامته.
580- قيل كان ملك في بني اسرائيل، فجمع المشيخة وأهل العلم وقال: هاتوا ما عندكم وأشيروا علي، فقام شيخ منهم فقال: أيها الملك إن فيما حدّثنا إذا كان علينا الامام السمح الحليم عادت علينا السماء والأرض وإذا كان
(2/232)

علينا البخيل السفيه أمسكت علينا السماء والأرض، وانه من خلق الامام ان يقبل من المحسن، ويعفو عن المسيء، ويعطي كلّ ذي حقّ حقه.
«581» - يقال: الأدب خير ميراث، والاجتهاد أربح بضاعة، وحسن الخلق خير قرين، والتوفيق خير قائد، والرأي أعظم البذل.
«582» - وكان إياس بن معاوية يقول: إنه إن يكن في فعال الرجل فضل عن قوله أجمل من أن يكون في قوله فضل عن فعاله.
«583» - وروي عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: اللهم ارزقني مالا وفعالا، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال.
584- وقيل: ثلاث هي أحسن شيء فيمن كنّ فيه: جود لغير ثواب، ونصب لغير الدنيا، وتودد من غير ذلّ.
585- قال أنس بن مالك، زكاة الرجل في داره أن يجعل فيها بيتا للضيافة.
«586» - روي عن النبيّ عليه السلام أنه قال: إنّ الله جعل للمعروف وجوها من خلقه حبّب إليهم المعروف وحبّب إليهم فعاله، ووجّه طلّاب المعروف إليهم، ويسّر إعطاءه كما ييسّر الغيث إلى الأرض الجدبة ليحييها ويحيي بها أهلها، وإن الله عز وجل جعل للمعروف أعداء من خلقه، بغّض إليهم المعروف، وبغّض إليهم فعاله، وحظر على طلّاب المعروف الطلب إليهم وحظر
(2/233)

عليهم إعطاءه، كما يحظر الغيث على الأرض الجدية ليهلكها ويهلك بها أهلها، وما يعفو الله أكثر، وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أوّل أهل الجنة دخولا أهل المعروف، وإن صدقة السرّ لتطفىء غضب الربّ، وإن صلة الرحم لتزيد في العمر.
«587» - ذكر أنّ بهرام بن بهرام خرج يوما للصيد، فانفرد وراء طريدة وتبعها طامعا في لحاقها، حتى بعد عن أصحابه، فدفع إلى راع في أصل شجرة وقد احتاج إلى البول فنزل عن فرسه وقال للراعي: احفظ عليّ رأس فرسي حتى أبول، فوثب وأخذ برأس دابته، وقعد بهرام ناحية يبول، وكان عنان الدابة ملبسا ذهبا، فاغتنم الراعي غفلة بهرام، فأخرج سكينا وقطع أطراف اللجام، فرفع بهرام رأسه فنظر إليه، فاستحيا ورمى بطرفه إلى الأرض، وأطال الجلوس حتى أخذ الراعي حاجته، وقام بهرام فوضع يده على عينه وقال للراعي: قدّم إليّ فرسي فإنه قد دخل في عيني من سافي الريح، فما أقدر على فتحها، وغمّض عينه ليوهمه [1] أنه لا يرى حلقة اللجام، فلما ولّى قال له الراعي: أيها العظيم كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا- وذكر موضعا بعيدا- قال له بهرام: وما سؤلك عن ذلك الموضع؟ قال: هناك منزلي وما وطئت هذه الأرض قبل يومي هذا، ولا أراني أعود إلى موضعي هذا ثانية، فضحك بهرام وفطن لما أراد وقال: أنا رجل مسافر، وأنا أحقّ بأن لا أعود إلى ها هنا أبدا، ثم مضى، فلما نزل قال لصاحب مراكبه: إن معاليق اللجام وهبتها لسائل فلا تتهمنّ بها أحدا.
«588» - وذكر أن أنوشروان وضع الموائد للناس في يوم نوروز أو
__________
[1] ليوهمه: سقطت من م.
(2/234)

مهرجان، وجلس ودخل وجوه أهل [1] المملكة الايوان، فلما فرغوا من الطعام جاءوا بالشراب، وحضر الملهون، وأحضرت الأنقال والمشموم في آنية الذهب والفضة، فلما رفعت آلة المجلس أخذ بعض أولئك جام ذهب وزنه ألف مثقال، فطواه وأخفاه تحت ثيابه، وأنوشروان يراه، وافتقد صاحب الشراب الجام فقال بصوت عال: لا يخرجنّ أحد من الدار حتى يفتّش، فقال كسرى ولم ذاك؟ قال: قد افتقدت جام ذهب، فقال كسرى: لا تعرض لأحد، فقد أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينمّ عليه، وأخذ الرجل الجام فكسره، وصاغ منه منطقة وحلية لسيفه وسكينه، وجدّد به كسوة جميلة، فلما كان في يوم جلوس الملك لمثل ما كان جلس له دخل ذلك الرجل بتلك الحلية والزينة، فدعاه كسرى فقال له: هذا من ذاك؟ فقبّل الأرض وقال: نعم.
«589» - وقعد معاوية للناس في يوم عيد، ووضعت الموائد، وأحضر أكياسا فيها دنانير ودراهم، صلات وجوائز، ووضعت بالقرب من مجلسه، فجاء رجل فجلس على بعض تلك الأكياس، فصاح به الخدم تنحّ فليس لك هذا بموضع، فسمع ذلك معاوية فقال: دعوا الرجل يقعد حيث انتهى به مجلسه، فأخذ كيسا فوضعه بين بطنه وحجزة سراويله وقام، فلم يجترىء أحد أن يدنو منه، فقال الخازن: أصلح الله أمير المؤمنين إنه قد نقص من المال كيس دنانير، فقال: أنا صاحبه وهو محسوب لك.
«590» - وخرج سليمان بن عبد الملك في حياة أبيه إلى منتزه له، فنزل
__________
[1] أهل: سقطت من م.
(2/235)

بعض المروج المعشبة، فبسط له فتغدّى، وأقام فيه إلى حين الرواح، فلما حان انصرافه تشاغل غلمانه بالترحال، فجاء أعرابي فوجد منهم غفلة، فأخذ دوّاجا [1] لسليمان مثمنا فوضعه على عاتقه، وسعى وسليمان ينظر إليه، ورآه بعض حشم سليمان فصاح به: ألق ما معك، فقال الأعرابي: لا ألقيه ولا كرامة لك، وهذا كسوة الأمير وخلعته، فضحك سليمان وقال: صدق أنا كسوته، فمرّ كأنه إعصار ريح.
591- حكى بعض أسباب عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير أنه كان في أيام وزارته يذكر موسى بن بغا فيترحم عليه، ويتلهف على أيامه وطيبها، فقلت له يوما: قد أسرفت في هذا الباب، ولو رآك موسى بن بغا في حالك هذه لرضي أن يقف على سيفه بين يديك، فقال لي: أنا أحدّثك الآن بحديث واحد من أحاديثه فإن استحقّ ما أنا عليه وإلا فلمني، وأنشأ يحدثني قال: كنا بالري، وكنت قد عرّفته أني قد استفدت معه مائة ألف دينار، ورحلنا نريد سرّ من رأى، فلما نزلنا همذان دعاني يوما وإذا هو مشمئزّ مقطّب، فقال لي:
أريد مائة ألف دينار لا بدّ منها، فقلت له: قد استخرجنا مال البلاد وأخذناه وأجحفنا بأهلها فمن أين؟ قال: لا أدري لا بدّ منها البتة، فقام في نفسي أنه يريد المال الذي عرّفته أني قد أفدته، فقلت له: عندي المال الذي قد علمته، وهو مائة ألف دينار، خذه، فقال: تلك دعها بحالها لست أريدها، ولي فيها تدبير، وما أبرح من ها هنا أو تحصّل لي من مال البلاد مائة ألف دينار، فما زلت قائما وقاعدا ومكاتبا، وهو مقيم بهمذان لا يبرح منها، حتى حصّلتها وعرّفته خبرها، فلما عرفه أمسك عني، حتى إذا صار بخانقين دعاني فسألني عن المال، فعرّفته حصوله وحضوره، فقال لي: كنت عرّفتني أنك حصلت من الفائدة معي مائة ألف، فعلمت أن أبا أيوب- يعني أباه سليمان- يلقاك فيقول
__________
[1] الدواج: ضرب من الثياب.
(2/236)

لك: أيّ شيء معك؟ وكم مقدار ما أفدت؟ فتعرفه ذلك، فيقول لك:
عليّ ديون ومؤن، وقد امتدت عيون أهلك ومواليك ومؤمّليك إلى ما تنصرف به، ويأخذ منك المائة الألف وتحصل أنت على غير شيء، فأردت المائة الأخرى لتكون لك بعد الذي أخذ منك أبو أيوب، فهذا يا فلان لا يجب أن يتذكّر في كلّ وقت ويترحّم عليه؟ فقلت: بلى والله يا سيدي.
ومما يعد من محاسن الأخلاق الصمت: وقد ورد ما جاء فيه مكانا آخر مع الآداب الدنيويّة، ونجدّد من ذكره ها هنا لئلا يخلو الباب منه من غير تكرير للأوّل:
«592» - قال عمرو بن العاص: الكلام كالدواء، إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل.
«593» - لما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت طال صمته، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيّرني في بطن الحوت.
«594» - وقال علي عليه السلام: إذا تمّ العقل نقص الكلام.
«595» - تحدثوا عند الأوزاعي وفيهم أعرابي من بني عليم بن جناب لا يتكلم، فقيل له: بحقّ ما سميتم خرس العرب، أما تحدث؟ فقال: إنّ الحظ للمرء في أذنه، وإن الحظ في لسانه لغيره، فقال الأوزاعي: لقد حدثكم فأحسن.
(2/237)

«596» - كان يقال: من السكوت ما هو أبلغ من الكلام؛ إن السفيه إذا سكت عنه كان في اغتمام.
«597» - قيل: كان بهرام جور قاعدا ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والإنسان، لو حفظ هذا لسانه ما هلك.
598- شاعر: [من البسيط]
أقلل من القول تسلم من غوائله ... وارض السكوت شجى في الحلق معترضا
599- قيل لبعضهم: الصمت مفتاح السلامة، فقال: ولكنه قفل الفهم.
600- وقال الشاعر في مثله: [من الكامل]
خلق اللسان لنطقه وكلامه ... لا للسكوت وذاك صوت الأخرس
601- وقال أبو عطاء: [من الطويل]
أقلّبه كيلا يكلّ بحبسه ... وأبعثه في كلّ حقّ وباطل
602- قال علي عليه السلام: أكرم عشيرتك فانهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير، وانك بهم تصول وبهم تطول، وهم العدّة عند الشدة، فأكرم كريمهم، وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورك ويسّر عن معسرهم.
(2/238)

«603» - قال زادان: أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكا له، فأخذ من الأرض عودا فقال: مالي من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من لطم مملوكه أو ضربه فكفّارته أن يعتقه.
«604» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: عاقبوا أرقاءكم على قدر عقولهم.
«605» - قال المعرور بن سويد: دخلنا على أبي ذرّ بالرّبذة فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حلة، وكسوته ثوبا غيره، فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه مما يلبس، ولا يكلّفه ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه.
«606» - أبو هريرة رفعه: لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي، كلّكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي. ولا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضّىء ربك، ولا يقل أحدكم: ربي ولكن سيدي ومولاي.
«607» - وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شوم.
«608» - أبو مسعود الأنصاري: كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من
(2/239)

خلفي صوتا: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود الله أقدر عليك منك عليه، فالتفتّ فإذا هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فقلت: يا رسول الله، هو حرّ لوجه الله فقال:
أما لو لم تفعل للفحتك [1] النار.
«609» - وقال هلال بن يساف: كنا نزولا في دار سويد بن مقرن، وفينا شيخ فيه حدة ومعه جارية، فلطم وجهها، فما رأيت سويدا أشدّ غضبا منه ذلك اليوم قال: أعجز عليك إلّا حرّ وجهها؟ لقد رأيتني سابع سبعة من ولد مقرن ما لنا إلا خادم فلطم أصغرنا وجهها، فأمرنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعتقها.
«610» - قال عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون ثاني اثنين، فنادى بالخادم: يا غلام يا غلام بأعلى صوته، فدخل غلام تركي فقال: ألا ينبغي للغلام أن يأكل أو يشرب أو يتوضّأ أو يصلي؟ كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام يا غلام؟! فنكس رأسه طويلا فما شككت أنه يأمرني بضرب عنقه، فقال: يا عبد الله إنّ الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمه، فلا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتحسن أخلاق خدمنا.
«611» - وكان للمأمون خادم يتولى وضوءه فيسرق طساسه، فقال له يوما: كم تسرقها، فهلا تأتيني بها فأشتريها منك، قال فاشتر مني هذه التي بين يديك، قال: بكم؟ قال: بدينارين، فاشتراها منه وقال: فهذه الآن في أماني، قال: نعم قال: فلنا فيها كفاية إلى دهر.
__________
[1] ر م: للفعتك.
(2/240)

«612» - قال الشعبيّ: جاءت خادم لعليّ عليه السلام تشكو إليه مؤذنا له، فقالت له: يا أمير المؤمنين إنه يؤذيني، وقلّ ما أمرّ إلا قال لي: أنا والله لك محبّ. قال علي: فإذا قال لك ذلك فقولي له: وأنا أيضا محبة، ففعلت ذلك، وقالت له: فمه؟ فقال: تصبرين ونصبر حتى يوفّي الله الصابرين أجرهم بغير حساب، قال: فجاءت الجارية فأخبرت بذلك عليا عليه السلام، فاستعبر لقوله: «تصبرين ونصبر» ، ثم أرسل إليه فوهبها له وجعل الجمع بينهما ثواب صبرهما [1] .
613- وروي أن رجلا من بني عبد الأشهل يقال له معاذ القاري أبو حليمة كان يصلي بالناس القيام في ولاية عمر وعثمان، وكان عابدا قليل الكلام، وأنه رأى جارية لزيد [2] بن ثابت رضي الله عنه فأعجبته، فكانت إذا مرّت به نظر إليها نظرا شديدا، فاخبرت به زيدا، فأمرها فتهيأت وبعث إليه فأجلسه معها، وقال لها: إذا قمت فكلّميه وانظري ما يقول لك، فقام زيد معتلا بالوضوء، فأقبلت عليه فقالت: يا معاذ، أنا والله أحبك، قال: وأنا والله، قالت: فما الحيلة؟ قال: تصبرين كما أصبر، ثم خرج زيد إليهما، فانصرف معاذ، فأخبرته بما قالت له وقال لها، فبعث بها زيد إليه ووهبها له.
614- قيل: جاء رجل من قريش إلى محمد بن عبد العزيز فسأله، فقال: والله ما وجدت الحاجة حاضرة، ولكن تروح العشية تجدها مهيأة إن شاء الله. وأرسل فادّان وهيأ حاجة الرجل ووضعها تحت مصلّاه وقد حضر إخوانه، فجاء الرجل بالعشيّ فقال: قوموا بنا، وأقام إخوانه وقال للرجل:
__________
[1] ر: صبره.
[2] ع: لسويد (في هذا الموضع) .
(2/241)

حاجتك تحت المصلّى، فقال له أبو ثابت: سبحان الله قد هيّأت له مالا فهلّا أعطيته إياه؟ فقال: والله ما كنت لأجمع عليه خصلتين: ذلّ المسألة والإعطاء من يدي إلى يده.
«615» - مرض أحمد بن أبي دواد فعاده المعتصم وقال: نذرت إن عافاك الله أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين فاجعلها لأهل الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا، فقال: نويت أن أتصدق بها على من ها هنا وأطلق لأهل الحرمين مثلها، فقال أحمد: أمتع الله الإسلام وأهله بك، فإنك كما قال النمريّ لأبيك الرشيد: [من البسيط]
إنّ المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع [1]
من لم يكن بأمين الله معتصما [2] ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
فقيل للمعتصم: عدته ولا تعود جلّة أهلك؟ فقال: كيف وما وقعت عليه عيني قط إلا ساق إلى أجرا أو أوجب لي شكرا، وما سألني حاجة لنفسه قط.
«616» - قال علي بن الجنيد: كانت بيني وبين يحيى بن خالد مودة وأنس، وكنت أعرض الرقاع في الحوائج، فكثرت رقاع الناس عندي واتصل شغله، فقصدته يوما فقلت: يا سيدي قد كثرت الرقاع وامتلأ خفي وكمي، فإما تطوّلت بالنظر فيها وإما رددتها، قال فقال لي: أقم عندي حتى أفعل ما سألت، فأقمت وجمعت الرقاع في خفي، وأكلنا وغسلنا أيدينا وقمنا للنوم،
__________
[1] الأغاني: تتسع.
[2] الأغاني: أي امرىء بات من هارون في سخط.
(2/242)

واستحييت من إذكاره، ويئست من عرضها، لأني علمت أنا نقوم ونتشاغل بالشرب، فنمت، ودعا هو بالرقاع من خفّي فوقع في جميعها وردّها إليه، ونام وانتبه، ودخلت إليه في مجلس الشرب فلم أستجز ذكر الرقاع له، وشربت وانصرفت بالعشي، وبكّر إليّ أصحاب الرقاع لما وقفوا على إقامتي عنده، فاعتذرت إليهم وضاق صدري بهم، فدعوت بالرقاع لأميزها وأخفّف منها ما ليس بمهمّ، فوجدت التوقيعات في جميعها، فلم يكن لي همة إلا تفريقها والركوب إليه لشكره، وقلت له: يا سيدي قد تفضّلت وقضيت حاجاتي فلم علّقت قلبي ولم تعرّفني حتى يتكامل سروري؟ فقال: سبحان الله، أردت منّي أن أمتنّ عليك بأن أخبرك بما لم يكن يجوز أن يخفى عليك؟! «617» . (1) وقال الرضيّ في ذم الأخلاق السيئة: [من الطويل]
وأكثر من شاورته غير حازم ... وأكثر من صاحبت غير الموافق
إذا أنت فتشت القلوب وجدتها ... قلوب الأعادي في جسوم الأصادق
رمى الله بي من هذه الأرض غيرها ... وقطّع من هذا الأنام علائقي
يظنّون أنّ المجد ممن له الغنى ... وأنّ جميع العلم فضل التشادق
(2) وقال: [من الطويل]
أكلّ قريب لي بعيد بودّه ... وكلّ صديق بين أضلعه حقد
(3) وقال: [من الوافر]
بأخلاق كما دجت الليالي ... وأحساب كما نغل الأديم
«618» - ارسطاطاليس: سوء العادة كمين لا يؤمن وثوبه.
(2/243)

619- قال عبد الله الدارمي [1] : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.
«620» - قال أبو عبيدة: ألأم الناس الأغفال الذين لم يهجوا ولم يمدحوا.
62»
- قيل لسقراط: هل من إنسان لا عيب فيه؟ قال: لو كان انسان لا عيب فيه لكان لا يموت.
«622» - شاعر: [من الطويل]
إذا نلت يوما صالحا فانتفع به ... فأنت ليوم السوء ما عشت واجده
«623» - قال هاشم بن عبد مناف: أكرموا الجليس يعمر ناديكم.
«624» - قال روح بن زنباع: أقمت مع عبد الملك تسع عشرة سنة فما أعدت عليه حديثا إلا مرّة، فقال: قد سمعته منك.
«625» - وقال الشعبي: ما حدثت بحديث مرتين رجلا بعينه.
__________
[1] ع م: الداراني.
(2/244)

«626» - مرّ العبّاس بن عبد المطلب بابنه وهو نائم نومة الضحى، فركله برجله وقال: قم لا أنام الله عينك، أتنام في ساعة يقسم الله فيها الرزق بين عباده؟ أو ما سمعت ما قالت العرب: انها مكسلة مهزلة منساة للحاجة.
«627» - والنوم على أنواع ثلاثة: نومة الخرق، ونومة الخلق، ونومة الحمق؛ نومة الخرق: نومة الضحى، ونومة الخلق هي التي أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بها أمته: قيلوا فإن الشيطان لا يقبل، ونومة الحمق: النوم بعد العصر، لا ينامها إلا سكران أو مجنون.
«628» - شاعر: [من الطويل]
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه
«629» - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: حسب امرىء من الشر أن يخيف أخاه المسلم.
«630» - الحسن: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وفاسقها وجئنا بالحجاج وحده لزدنا عليهم.
«631» - وقيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت.
(2/245)

«632» - حميد شر الكوفي: [من البسيط]
إني امرؤ فوق رأس الشرّ مضطجعي ... أغفي عليه ولا أغفي على السّرر
الشرّ يعلم أني إن ظفرت به ... لم ينج مني بأنياب ولا ظفر
«633» - قيل لأرسطاطاليس: ما بال الحسود أشد غما؟ قال: لأنه يأخذ بنفسه من غموم الدنيا، ويضاف إلى ذلك غمّه لسرور الناس.
«634» - قال مالك بن دينار: شهادة القراء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فأنهم أشد تحاسدا من السوس في الوبر.
«635» - قيل لعبد الله بن عروة: لزمت البدو وتركت قومك، قال:
وهل بقي إلا حاسد على نعمة أو شامت على نكبة؟! «636» - المتنبيّ: [من البسيط]
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أني بما أنا باك منه محسود
«637» - سئل الحسن رحمة الله عليه: أيحسد المؤمن؟ قال: وما أنساك بني يعقوب؟
(2/246)

«638» - كان الفضل بن صالح بن عبد الملك الهاشمي يهوى جارية لأخيه عبيد بن صالح، فسقى أخاه سما فقتله وتزوجها، فقال ابن برد الشاميّ وقد ظلمه في أرض له: [من الطويل]
لئن كان فضل بزّني الأرض ظالما ... فقبلي ما أردى عبيد بن صالح
سقاه نشوعيا من السمّ ناقعا ... ولم يتّئب من مخزيات الفضائح
«639» - كان أسلم بن زرعة والي خراسان من قبل عبيد الله بن زياد ينبش قبور الأعاجم فربما أصاب فيها الذهب والفضة، فقال يهس بن صهيب الجرميّ: [من الطويل]
تعوّذ بحجر واجعل القبر في الصّفا ... من الأرض لا ينبش عظامك أسلم
هو النابش القبر المحيل عظامه ... لينظر هل تحت السقائف درهم
«640» - وكان [1]- في عصرنا زنكي بن آق سنقر والي الموصل والشام، أقسى الناس وأعظمهم تجبرا، أما قسوته وغلظه على من ناوأه واتهمه فما يقصر فيهما عن الحجاج، وزاد عليه بأنه كان يعامل نداماه ومطربيه ونساءه وذوي هواه بما يعامل به أعداءه: خلا بجارية له بكر ليفتضّها فتلوّت تحته فضربها بالسيف حتى قتلها. واستدعى أخرى بكرا فرأت صاحبتها متشحطة في دمائها فكادت تموت فرقا. وكان له نديم محدث يتعاطى كثرة الشراب والزيادة على غير
__________
[1] سقطت الفقرتان: 640، 641 من م.
(2/247)

نداماه، فسقاه الخمر العتيق الشاميّ صرفا وأكثر عليه وهو يستقيله ويستعطفه فلا يرجع، فتقطعت كبده ومات. وركب بغلة كان يؤثرها فحمحمت تحته فضرب عنقها بالسيف. وهو راكبها، ونزل فانتقل إلى أخرى.
وكان إذا رأى صبيا وضيئا خصاه وتركه في قلعة من قلاعه، ظنا منه أن نفسه تدعوه إليه فيما بعد، فيكون قد التحى، ولعله لا يذكره ولا يعلم ما يكون منه.
وسقى يوما بعض أصحابه خمرا صرفا في أقداح دسّها عليه في أثناء شربه، وأراد قتله سرا بذلك، فمرض ولم يهلك سريعا، وعالجه طبيب كان من أصحابه ولم يشعر بالقصة، فبرأ، فأحضره زنكي وقال له: عالجت فلانا وقد أردت قتله، فقال: كيف لي بعلم ذاك؟ وإنما أنا طبيب دخلت إلى مريض فداويته بما أخذ علينا في صناعتنا، ولو علمت أنك سقيته واعتمدت قتله ما دخلت إليه، فقال: اسقوه الخمر صرفا، فقال: الله الله اقتلني بالسيف ولا تعذبني، فلم يلتفت إلى تضرّعه، وسقاه حتى تقطعت كبده ومات بعد أيام.
(ومن مساوىء الأخلاق العقوق:) «641» - قيل لبعض الفلاسفة: لم تعق والديك؟ قال: لأنهما أخرجاني إلى الكون والفساد.
(نوادر من هذا الباب) 642- ورد على الصاحب بن عباد بعض كتّاب العراق ممن كان عرفه وقت مقامه ببغداد، وشكا سوء حاله، فأحسن إليه وولّاه عملا، وأجرى له في كلّ شهر خمسمائة درهم وكتب صكه بذلك، فحسده بعض الحاضرين
(2/248)

وقال للصاحب: إن هذا رجل مأبون معروف الطريقة بالفساد، وجميع ما تصله به وتوصله إليه ينفقه على من يرتكب منه الفضيحة، وأفرط في ذمّ الرجل والدلالة على قبائحه حتى ظنّ أنه قد أفسد حاله، فلما ردّ الصكّ إليه للتوقيع فيه لم يشكّ الساعي أنه يبطله أو يمزّقه، فلما نظر فيه كتب تحت ما كان قرّر [1] له في كل شهر: ولغلام يخدمه ويستعين به خمسون درهما، ووقع في الصكّ وردّه إليه.
«643» - اجتمع ثلاثة حسّاد فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ فقال ما اشتهيت أن أفعل بأحد خيرا قط، قال الثاني: أنت رجل صالح، ولكني ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قط، قال الثالث: ما في الأرض أصلح منكما، ولكني ما اشتهيت أن يفعل بي أحد خيرا قط.
«644» - قال المدائني: تذاكر قوم من ظراف أهل البصرة الحسد، فقال رجل منهم: إنّ من الناس من يحسد على الصّلب، فأنكروا ذلك عليه، ثم جاءهم بعد أيام فقال: الخليفة قد أمر أن يصلب الأحنف ومالك بن مسمع وقيس بن الهيثم وحمدان الحجام، فقال الحاضرون: هذا الخبيث يصلب مع هؤلاء؟! فضحك وقال: ألم أقل إن من الناس من يحسد على الصّلب؟! 645- قال إبراهيم الموصليّ: كنت عند الرشيد يوما فرفع إليه في الخبر أنّ رجلا أخذه صاحب الجسر، رفع في قصته أنه يجمع بين الرجال والنساء في منزله، وأنه سئل عما رفع عليه فأقرّ بذلك على نفسه وذكر أنه يجمع بينهم على
__________
[1] ر م: قدر.
(2/249)

تزويج لا على ريبة، وعلى نكاح لا على سفاح، وأنه شهد له بذلك جماعة من مستوري جيرانه وخلق كثير من وجوه الناس وأشرافهم، وشفع فيه من الكتّاب والقواد وأعيان العسكر قوم سمّاهم في آخر كتابه وما رفع من خبره؛ قال: فلما قرأ الرشيد الخبر واستوفاه تربّد واغتاظ وغضب واستشاط حتى أنكرناه وظننا أنه سينكّل بالرجل وبمن تكلم فيه، حتى قال: وما سبيلهم على رجل وسّع في منزله لصديقه، وأسبل عليه ستره، وسعى له فيما يطيب ويحلّ من لذته، وهو بعد مستراح للأحرار والأشراف وذوي الأقدار. ونحن نعلم أنّ الرجل الشريف المستور والأديب والأريب قد تكون عنده العقيلة بن بنات عمه وأشراف قومه ونظرائه، فتحظر عليه شهوته، وتملك عليه أمره، وهي أقبح من السحر، وأسمج من القرد، وأهرّ من الكلب، وأشدّ تعديا من الليث العادي، فبريد شراء الجارية أو تزويج الحرّة فلا يقدر على ذلك لمكانها، حتى يستريح إلى مثل هذا من الفتيان، ويغشى منزل مثله من الإخوان، يجعله سكنه، وينزل به مهمّه، فيساعده على حاجته، ويسعى له فيما يحبّ من لذته، ويستره بمنزله؛ اكتبوا في إطلاقه والسؤال عن حاله، فإن كان كما ذكر عنه من الستر وكان صادقا فيما حكى عن نفسه من الفعل أعين بألف دينار على مروءته، وأومن من روعته، وعرّف ما أمرنا به فيه، قال فقلنا جميعا:
سددك الله يا أمير المؤمنين ووفقك.
«646» - قال أبو العيناء: رأيت جارية في النّخاسين تحلف لا ترجع إلى مولاها، فقلت: لمه؟ قالت: يا سيدي يواقعني من قيام ويصلّي من قعود، ويشتمني باعراب ويلحن في القرآن، ويصوم الاثنين والخميس ويفطر في رمضان، ويصلي الضحى ويترك الفجر.
(2/250)

«647» - ظلمة القوادة يضرب بها المثل، كانت صبية في المكتب تسرق دويّ الصبيان وأقلامهم، فلما شبّت زنت، فلما أسنّت قادت، فلما قعدت اشترت تيسا تنزيه.
«648» - ابن الحجاج: [من البسيط]
إن تحسدوني فلا والله ما بلغت ... لولا الخساسة حالي موضع الحسد
وإنما في يدي عظم أمشّشه ... من المعاش بلا لحم ولا غدد
«649» - ابن حازم الباهلي: [الكامل المجزوء]
مالي رأيتك لا تدو ... م على المودة للرجال
خلق جديد كل يو ... م مثل أخلاق البغال
(1) وله: [من الكامل]
ومتى اختبرت أبا العلاء وجدته ... متلونا كتلون البغل
«650» - أبو تمام: [من الوافر]
مساوىء لو قسمن على الغواني ... لما جهّزن إلا بالطلاق
651- آخر: [من البسيط]
الليث ليث وإن جزّت براثنه ... والكلب كلب وإن طوّقته ذهبا
(2/251)

«652» - حكي أن اعرابيا أخذ جرو ذئب فربّاه بلبن شاة عنده، فقال:
إذا ربيته مع الشاء أنس بها فيذبّ عنها ويكون أشدّ من الكلب، ولا يعرف طبع أجناسه، فلما قوي وثب على شاته فافترسها، فقال الأعرابي: [من الوافر]
أكلت شويهتي ونشأت فينا ... فمن انباك [1] أن أباك ذيب
«653» - قال رجل ملول: إنه ليبلغ من مللي أني أغيّر كلّ شهر كنيتي مرتين.
«654» - وقال خالد بن صفوان: إنه ليبلغ من مللي أن أتبرم بنفسي فأتمنى أن يؤخذ مني رأسي فلا يردّ إليّ إلا في كلّ أسبوع.
«655» - وقال بشار في نحوه: [من الطويل]
إذا كان ذواقا أخوك من الهوى ... موجهة في كلّ أوب ركائبه
فخلّ له وجه الفراق ولا تكن ... مطية رحّال كثير مذاهبه
«656» - شاعر يذم وقحا: [من الكامل المجزوء]
الصّخر هشّ عند وج ... هك [ ... ] في الوقاحه
__________
[1] ر: فما أدراك.
(2/252)

«657» - في مثله: [من الكامل]
يا ليت لي من جلد وجهك رقعة ... فأقدّ منها حافرا للأشهب
«658» - آخر: [من الخفيف]
لك عرض مثلّم من قواري ... ر ووجه ململم من حديد
«659» - تشاجر رجلان فقال كل واحد منهما أنا ألأم، فتحاكما إلى رجل فقال: قد حكمتماني فأخبراني بأخلاقكما، فقال أحدهما: ما مرّ بي أحد إلا اغتبته ولا ائتمنني أحد إلا خنته، وقال الآخر: أنا أبطر الناس في الرخاء، وأجبنهم عند اللقاء، وأقلهم عند الحياء، فقال الرجل: كلا كما لئيم، وألأم منكما الحطيئة فإنه هجا أباه وأمّه ونفسه.
(من نوادر العقوق [1] ) :
«660» - ضرب رجل أباه فقيل له: أما عرفت حقّه؟ قال: لا فإنه لم يعرف حقّي، قيل: وما حقّ الولد على الوالد؟ قال: أن يتخير أمّه، ويحسن اسمه، ويختنه، ويعلمه القرآن، فكشف عن عورته فإذا هو أقلف، وقال:
اسمي برغوث، ولا أعلم حرفا من القرآن، وقد أولدني من زنجية، فقالوا للوالد: احتمله فانك تستأهل.
«661» - جفا جحا أمه فقالت له: هذا جزائي منك وقد حملتك في
__________
[1] من نوادر العقوق: سقطت من ر.
(2/253)

بطني تسعة أشهر؟! فقال: ادخلي في استي حتى أحملك سنتين وخلصيني.
«662» - وقالت امرأة لابنها: هذا جزائي وقد أرضعتك سنتين؟ فقال:
ارتجعي عن دورقين لبنا دورقين محضا وأعفيني.
«663» - كان لحنظلة النميري ابن عاقّ اسمه مرة، فقال له يوما: إنك لمرّ يا مرة فقال: أعجبتني حلاوتك يا حنظلة، فقال: إنك خبيث كاسمك، فقال: أخبث مني من سمّاني به، فقال: كأنك لست من الناس، فقال:
من أشبه أباه فما ظلم، قال: ما أحوجك إلى أدب، قال: الذي نشأت على يده أحوج إليه مني، قال: عقمت أمّ ولدتّك، قال: إذا ولدت من مثلك، قال: لقد كنت مشؤوما على إخوتك، دفنتهم وبقيت، قال:
أعجبني كثرة عمومتي، قال: لا تزداد إلا خبثا، قال: لا يجتنى من الشوك العنب.
«664» - أمر بعض الملوك عاملا له أن يصيد شرّ طائر ويشويه بشرّ حطب، ويبعثه على يد شرّ رجل، فصاد رخمة، وشواها ببعر، ودفعها إلى خوزي، فقال الخوزي: أخطأت في كلّ ما أمرك به الملك، صد بومة، واشوها بدفلى، وادفعها إلى نبطي ولد زنا، ففعل، وكتب به إلى الملك، فقال الملك: أصبت، ولكن كفى أن يكون الرجل نبطيا لا يحتاج إلى ولد زنا، فليس يزداد النبطيّ بذلك شرارة، فقد بلغ بجنسه الغاية.
تمّ الباب الرابع بحمد الله ومنّه يتلوه باب الجود والسخاء والبخل واللؤم
(2/254)

الباب الخامس في السّخاء والجود والبخل واللّوم
(2/255)

خطبة الباب
بسم الله الرّحمن الرّحيم رب أنعمت فزد [1] الحمد لله الكريم الجواد، السابغ فضله على العباد، معطي الرغبات ومنيلها، ومنهض عثرات الكريم ومقيلها، سمح فأفضل، ومنح فأجزل، أحمده على سعة عطائه وأثني عليه بنعمه وآلائه، وأعوذ به من شحّ الأنفس، ومنع المنفس، وبخل مطاع مرد، وهوى متبع مغو، وأسأله التوفيق لحسن التقدير، في غير ما سرف ولا تقتير، وصلواته على رسوله النبيّ الأميّ معدن الافضال، وبحر النوال [2] ، عصمة الأرامل والأيامى، وثمال العيّل واليتامى، أطعم في المحل والجدب إطعامه في الرخاء والخصب، وأعطى مع اللأواء والعسر، عطاء من لا يخاف الفناء والفقر، وعلى أصحابه وآله، المهتدين بهديه وفعاله.
__________
[1] سقطت من ر م.
[2] م: السؤال.
(2/257)

مقدمة الباب
(الباب الخامس في السخاء والجود والبخل واللؤم) الجود بذل المال [1] ، وأنفعه ما يصرف [2] في وجه استحقاقه، وقد حثّ الله عزّ وجلّ عليه، وندب إليه في قوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
(آل عمران: 92) والبخل منع الحقوق، وإليه الاشارة في قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
(التوبة: 34- 35) .
وقال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
(آل عمران:
180) . وقال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(الحشر: 9) .
«665» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزيّنوا دينكم بهما.
«666» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: تجاوزوا عن ذنب السخيّ فإن الله عز وجل آخذ
__________
[1] نهاية الأرب 3: 204.
[2] م: صرف.
(2/259)

بيده كلّما عثر وفاتح له كلما افتقر.
«667» - ووفد عليه صلّى الله عليه وسلّم رجل فسأله فكذبه فقال له: أسألك فتكذبني؟! لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشرّدت بك من وافد قوم.
«668» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: شرّ ما في الرجل شحّ هالع، أو جبن خالع.
«669» - وقال صلّى الله عليه وسلّم: خلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق.
«670» - وقال بعض السلف: منع الموجود سوء ظنّ بالمعبود، وتلا وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
(سبأ: 39) .
«671» - وقال علي عليه السلام: الجود حارس الأعراض.
«672» - وقال أيضا: السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمّم.
(2/260)

«673» - وقال أيضا: البخل عار.
«674» وقال أيضا: عجبت للبخيل الذي استعجل الفقر الذي منه هرب، وفاته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
«675» - وقال علي بن عبد الله بن العبّاس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء.
676- وقال يحيى بن معاذ الرازي: تأبى القلوب للأسخياء إلا حبّا ولو كانوا فجارا، وللبخلاء إلا بغضا ولو كانوا أبرارا.
«677» - وقال بعض الحكماء: الجواد من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره.
«678» - وقيل لعمرو بن عبيد: ما الكرم؟ فقال: أن تكون بمالك متبرعا، وعن مال غيرك متورّعا.
679- نظر أعرابي إلى قوم ينصرفون من المسجد الجامع فقال: لو ورد هؤلاء على بخيل لقضى حوائجهم، فكيف على أجود الأجواد؟
(2/261)

«680» - ومن كلام ينسب إلى جعفر بن محمد عليهما السلام: (1) لا يتمّ المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله وتصغيره وستره. (2) جاهل سخيّ خير من ناسك بخيل. (3) الجود زكاة السعادة. (4) الايثار على النفس موجب لاسم الكريم. (5) لا تستحي من بذل القليل فإن الحرمان أقلّ منه. ويشبه هذا المعنى قول الشاعر، وينسب إلى حماد عجرد: [من البسيط]
بثّ النوال ولا يمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
ومن هذا الشعر:
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى يخال غنيّا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
«681» - وقال علي بن موسى: لا خير في المعروف إذا أحصي.
«682» - وقال علي بن الحسين: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بماله.
«683» - وقال الحسين بن عليّ لمعاوية: من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم.
(2/262)

«684» - ومن كلام له: أيها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه.
«685» - وأنشد عبد الله بن جعفر قول الشاعر: [من الكامل]
إنّ الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع
فقال: هذا شعر رجل يريد أن يبخّل الناس؛ أمطر المعروف مطرا فإن صادف موضعا فهو الذي قصدت، وإلا كنت أحقّ به.
«686» - وقيل ليزيد بن معاوية: ما الجود؟ فقال: إعطاء المال من لا تعرف فإنه لا يصير إليه حتى يتخطّى من تعرف [1] .
«687» - وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر: ما دام قلمك يرعف فأمطره معروفا.
«688» - قال سعيد بن العاص، وكان من الأجواد: قبّح الله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك يتردد دمه في وجهه مخاطرا لا
__________
[1] ر: يعترف.
(2/263)

يدري أتعطيه أم لا، وقد بات ليلته يتململ على فراشه، يعاقب بين شفتيه مرة هكذا ومرة هكذا من لحاجته، فخطرت بباله أنا أو غيري فمثّل أرجاهم في نفسه وأقربهم من حاجته ثم عزم عليّ وترك غيري، فلو خرجت له مما أملك لم أكافه وهو عليّ أمنّ مني عليه.
«689» - وقال علي بن أبي طالب عليه السلام لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق في كلام دار بينهما: ما فعلت إبلك الكثيرة؟ قال: ذعذعتها [1] الحقوق يا أمير المؤمنين، قال: ذاك أحمد سبلها.
«690» - قال عمرو بن الأهتم: [من الطويل]
ألا طرقت أسماء وهي طروق ... وباتت على أنّ الخيال يشوق
بحاجة محزون كأنّ فؤاده ... جناح وهت عظماه فهو خفوق
ذريني فإن البخل يا أمّ هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سروق
وإنّي كريم ذو عيال تهمّني ... نوائب يغشى رزؤها وحقوق
ذريني وحطّي في هواي فإنني ... على الحسب الزاكي الرفيع شفيق
ومستنبح بعد الهدوء دعوته ... وقد حان من ساري الشتاء طروق
يعالج عرنينا من الليل باردا ... تلفّ رياح ثوبه وبروق
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مبيت صالح وصديق
__________
[1] ذعذعتها: فرقتها.
(2/264)

وقمت إلى البرك الهواجد فاتّقت ... مقاحيد كوم كالمجادل روق [1]
بأدماء مرباع النتاج كأنّها ... إذا عرضت دون العشار فنيق [2]
بضربة ساق أو بنجلاء ثرّة [3] ... لها من أمام المنكبين فتيق
وقام إليها الجازران فأوقدا ... يطيران عنها الجلد وهي تفوق [4]
فجرّ إلينا ضرعها وسنامها ... وأزهر يحبو للقيام عتيق [5]
بقير [6] جلا بالسيف عنه غشاءة ... أخ باخاء الصالحين رفيق
فبات لنا منها وللضيف موهنا ... عشاء سمين راهن وغبوق
وبات له دون الصّبا وهي قرّة ... لحاف ومصقول الكساء رقيق
وكلّ كريم يتّقي الذمّ بالقرى ... وللخير بين الصالحين طريق
أضفت فلم أفحش عليه ولم أقل ... لأسمعه إن الفناء مضيق [7]
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق
نمتني عروق من زرارة للعلى ... ومن فدكيّ والأشدّ عروق
أكارم يجعلن الفتى في أرومة ... يفاع وبعض الوالدين دقيق
«691» - وقال حاتم الطائي: [من الطويل]
__________
[1] البرك: الابل، الهواجد: النيام؛ المقاحيد: الابل العظام الاسنمة، وكذلك الكوم؛ المجادل:
القصور، روق: كريمة.
[2] الأدماء: البيضاء؛ مرباع النتاج: نتجت في أول النتاج؛ الفنيق: فحل الابل.
[3] في الأصل: بادماء؛ والنحلاء: الطعنة الواسعة؛ ثرة: واسعة مخرج الدم.
[4] تفوق: يخرج نفسها.
[5] الأزهر العتيق، يعني ولد الناقة.
[6] بقير: مبقور.
[7] لم يرد في المفضليات.
(2/265)

أماويّ إنّ المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال أمسى له وفر
أماويّ إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لديّ ولا خمر
تري أنّ ما أفنيت لم يك ضرّني ... وأنّ يدي مما بخلت به صفر
أماويّ إما مانع فمبيّن ... وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر
أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلّا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
«692» - وقال أيضا: [من الكامل]
وإذا تنوّر طارق مستنبح ... نبحت فدلّته عليّ كلابي
وعوين يستعجلنه فلقينه ... يضربنه بشراشر الأذناب
«693» - وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل]
دعيني فإن الجود يا أمّ خالد ... إليّ ومعروف الثناء عجيب
وإنك إن بخّلت ثم ندبتني ... بصالح أخلاق الفتى لكذوب
وما يك من عسري ويسري فإنني ... ذلول بحاج المعتفين أريب
وما زلت مثل البحر يركب مرة ... فيعلى ويولي مرة فيثيب
وما خير معروف الفتى في شبابه ... إذا لم يزده الشيب حين يشيب
(2/266)

وما السائل المحروم يرجع خائبا ... ولكن بخيل الأغنياء يخيب
وللمال أشراك وإن ضنّ ربه ... يصيب الفتى من ماله وتصيب
«694» .- (1) وقال ابن هرمة: [من المنسرح]
لا غنمي في الحياة مدّ لها ... إلى دراك القرى ولا إبلي
كم ناقة قد وجأت منحرها ... بمستهلّ الشؤبوب أو جمل
لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل
(2) وقال أيضا: [من الكامل]
أغشى الطريق بقبّتي ورواقها ... وأحلّ في قلل الرّبى فأقيم
إنّ امرءا جعل الطريق لبيته ... طنبا وأنكر حقّه للئيم
(3) وقال أيضا: [من الطويل]
ومستنج تستكشط الريح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثوب معصم [1]
عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نوّم
فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له عند إتيان المهبين [2] مطعم
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم
__________
[1] معصم: مستمسك.
[2] المهبين: الضيوف.
(2/267)

«695» - وقال الخثعمي: [من البسيط]
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينفدها التبذير والسّرف
وان تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
وقد روي هذان البيتان لبعض الكتاب، أنشدهما يحيى بن خالد وقد رآه يفرّق الصلات في النّاس.
«696» - وأخذ المعنى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فقال: [من الطويل]
فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسرا ... وأنفق على ما خيّلت حين تعسر
فلا الجود يفني المال والحظّ مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر
«697» - وقد قال عسل بن ذكوان: [من البسيط]
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... بين العباد مع الآجال أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولّية ... ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
والكلّ مأخوذ من قول امرأة من العرب لابنها: يا بنيّ إذا رأيت المال مقبلا فأنفق، فإن ذهابه فيما تريد خير من ذهابه فيما لا تريد.
698- وصف رجل عبد الله بن جعفر فقال: كان إذا افتقر لم تفتقر نفسه، وإذا استغنى لم يستغن وحده.
(2/268)

«699» - وكان عبد الله بن جعفر من الجود بالمكان المشهور، وله فيه أخبار يكاد سامعها ينكرها لبعدها عن المعهود، وكان معاوية يعطيه ألف ألف درهم كل سنة فيفرقها في الناس، ولا تراه إلّا وعليه دين. ولما مات معاوية وفد على يزيد فقال له: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك؟ قال: كان رحمه الله يعطيني ألف ألف، قال يزيد: قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف، قال: بأبي وأمي أنت، قال: ولهذه ألف ألف، قال: أمّا إني لا أقولها لأحد بعدك، فقيل ليزيد: أعطيت هذا المال العظيم رجلا واحدا من مال المسلمين فقال: والله ما أعطيته إلّا لجميع أهل المدينة، ثم وكل به من صحبه وهو لا يعلم، لينظر ما يفعل في المال، فلما وصل المدينة فرّق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى الدّين.
«700» - وقال له الحسن والحسين عليهما السلام: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي أنتما، إن الله عز وجل عوّدني أن يفضل عليّ وعوّدته أن أفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فتنقطع عنّي المادة.
«701» - ولما ولي عبد الملك بن مروان جفا عبد الله ورقّت حاله. فراح يوما إلى الجمعة وجاءه سائل فقال له: إن كان يقنعك أحد قميصيّ هذين فخذه، فقال نعم، فقال: اللهم إنك عودتني عادة جريت عليها، فإن كان ذلك قد انقطع فاقبضني إليك، فتوفي في الجمعة الأخرى.
(2/269)

«702» - وامتدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأمر له بخيل وأثاث وإبل ودنانير ودراهم، فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟
فقال عبد الله: إن كان أسود فإن شعره لأبيض وإن ثناءه لعربيّ، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفنى ومطايا تنضى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى؟
«703» - وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك تبذل الكثير إذا سئلت، وتضيّق في القليل إذا توجرت، فقال: إنّي أبذل مالي وأضنّ بعقلي.
وله أخبار سأذكر بعضها حيث يتفق من هذا الباب.
«704» - كان لبيد بن ربيعة العامري جوادا شريفا في الجاهلية والإسلام، وكان نذر أن لا تهبّ الصّبا إلا نحر وأطعم حتى تنقضي، فهبت في الإسلام وهو بالكوفة مملق مقتر، فعلم بذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو واليها من قبل عثمان، فخطب الناس فقال: إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل وما وكّد على نفسه، فأعينوا أخاكم؛ ثم نزل فبعث إليه بمائة ناقة وبعث الناس إليه أيضا، فقضى نذره، ففي ذلك تقول بنت لبيد: [من الوافر]
إذا هبّت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبّتها الوليدا
(2/270)

«705» - وكان عبد الله بن جدعان التيميّ- تيم قريش- من أجواد العرب في الجاهلية، فلما أسنّ أخذت بنو تيم على يده ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان إذا أتاه الرجل يطلب منه قال: ادن مني، فإذا دنا منه لطمه، ثم يقول: اذهب فاطلب لطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله، وذلك قول ابن قيس الرقيات: [من الخفيف]
والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللطم نائل وعطاء
«706» - مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ عوّاده، فقال لمولى له: ما بال الناس لا يعودونني؟ قال: للدّين الذي لك عليهم، قال: ناد فيهم: من كان عليه شيء فهو له، فكسروا درجته من تهافتهم.
«707» - كان سعيد بن العاص إذا سأله سائل فلم يكن له ما يعطيه قال له: اكتب عليّ سجّلا إلى يوم يسري؛ ولما مات أتى غرماوءه ابنه بما عليه من الصكاك وكان في جملتها صكّ لفتى من قريش فيه شهادة مولى له بعشرين ألفا فقال ابنه للمولى: من أين له هذا المال وإنما هو صعلوك من فتيان قريش؟
فقال المولى: إن أباك خرج من منزله فلقيه هذا الفتى فمشى معه، فلما بلغ حيث أراد سأله هل من حاجة؟ فقال: لا إنما رأيتك تمشي وحدك فوصلت جناحك، فلم يكن معه ما يعطيه فكتب له على نفسه بما رأيت.
(2/271)

«708» - اشترى عبيد الله بن أبي بكرة جارية بستين ألف درهم، فطلب دابة تحمل عليها فلم توجد، فجاء رجل بدابّته فحملها فقال له: إلى أين أحملها؟ فقال له عبيد الله: اذهب بها إلى منزلك، ووهبها له.
«709» - واستعمله عبيد الله بن زياد على إطفاء بيوت النيران بين البصرة وسجستان، فأصاب أربعين ألف ألف درهم، فحال الحول عليه وعليه دين.
«710» - أرتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى، فسكت ساعة ثم قال: لا أجمع عليكم عيّا وبخلا، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها عليّ.
«711» - باع أبو الجهم داره، فلما أرادوا الاشهاد عليه قال: بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص؟ قالوا: سبحان الله، وهل رأيت أحدا يشتري جوار أحد؟ قال: ألا تشترون جوار إنسان إذا أسأت إليه أحسن؟ لا أريد أن أبيعكم شيئا، ردّوا عليّ داري، فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه بألف دينار.
«712» - طلب رجل من أبي العبّاس الطوسي خطرا فلم يعطه، فبلغ
(2/272)

ذلك معن بن زائدة وهو باليمن، فأرسل إليه بجراب خطر فيه ألف دينار وكتب إليه: اختضب بالخطر وانتفع بالنخالة.
«713» - كان معن بن زائدة قد أبلى مع يزيد بن عمر بن هبيرة بلاء شديدا، فطلبه المنصور وبذل مالا لمن جاء به، فاضطر لشدة الطلب إلى أن أقام في الشمس حتى لوّحت وجهه، وخفّف عارضه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملا ثفالا، وخرج عليه ليمضي إلى البادية فيقيم بها؛ قال معن: فلما خرجت من باب حرب تبعني أسود متقلّد سيفا حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض علي فقلت: مالك؟
فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين، فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟
قال: دع هذا فأنا أعرف بك منك، قال معن فقلت له: يا هذا أتّق الله فيّ فان كانت القصة كما تقول فهذا جوهر حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي، فخذه ولا تسفك دمي، فقال: هاته، فأخرجته فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، فقلت: قل، فقال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت قطّ مالك كلّه؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال:
فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظنّ أني قد فعلت ذلك، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله رزقي من أبي جعفر عشرون درهما، وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير قد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أنّ في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحقر بعدها كلّ شيء تفعله، ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى بالجوهر في حجري وخلّى خطام البعير وانصرف، فقلت له: يا هذا قد والله فضحتني، ولسفك
(2/273)

دمي أهون عليّ مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك فإني عنه غني، فضحك وقال: أردت أن تكذبني في مقامي هذا؟ والله لا آخذه ولا آخذ لمعروف ثمنا أبدا. فو الله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاء به ما شاء فما عرفت له خبرا، وكأن الأرض ابتلعته.
«714» - أراد رجل أن يمدح رجلا عند خالد بن عبد الله القسري فقال: والله لقد دخلت إليه فوجدته أسرى الناس فرشا ودارا وآلة، فقال خالد: لقد ذممته من حيث أردت أن تمدحه، هذه والله حال من لم تدع فيه شهوته للمعروف فضلا.
«715» - قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في علّته: لم يبق عليّ من لباس الزمان إلا العلة والخلّة، وأشدّهما عليّ أهونهما على الناس، لأن ألم جسمي بالأوجاع أهون من ألم قلبي للحقّ المضاع.
«716» - قال أعرابي: ما زال فلان يعطيني حتى ظننته يودعني، وما ضاع مال أودع حمدا.
«717» - شاعر: [من الكامل]
وإذا الرجال تصرّفت أهواؤها ... فهواه لحظة سائل أو آمل
ويكاد من فرط السخاء بنانه ... حبّ العطاء يقول هل من سائل
(2/274)

«718» - وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد: [من الكامل]
تأبى خلائق خالد وفعاله ... إلا تجنّب كلّ أمر عائب
وإذا حضرنا الباب عند غدائه ... أذن الغداء لنا برغم الحاجب
«719» - وقال الخريميّ: [من الطويل]
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
«720» - مرّ يزيد بن المهلب بأعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز يريد البصرة، فقرته عنزا فقبلها وقال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟
قال: ثمانمائة دينار، قال: فادفعها إليها، فقال له ابنه: إنك تريد الرجال ولا تكون الرجال إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير وهي بعد لا تعرفك، قال:
فإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي؛ ادفعها إليها.
«721» - قال العتبيّ: أشرف عمر بن هبيرة يوما من قصره فإذا هو بأعرابيّ يرقص قلوصه الآل، فقال لحاجبه: إن أرادني هذا فأوصله إليّ، فلما
(2/275)

دنا الأعرابيّ سأله فقال: قصدت الأمير، فأدخله إليه، فلما مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك؟ فقال الأعرابيّ: [من المنسرح]
أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر أنحى بكلكه ... فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فأخذت عمر الأريحية فجعل يهترّ في مجلسه ثم قال: أرسلوك إليّ وانتظروا، إذن والله ولا تجلس حتى ترجع إليهم غانما، فأمر له بألف دينار وردّه على بعيره.
قال أبو العبّاس المبرد: بلغني أنّ الخبر لمعن، وذلك عندي أصحّ.
«722» - أتى رجل يسأل الحسن بن علي عليهما السلام فقال له: إنّ المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح، أو فقر مدقع، أو حمالة مفظعة، قال الرجل: ما جئت إلّا في إحداهن، فأمر له بمائة دينار، ثم أتى أخاه الحسين عليه السلام فقال له مثل ما قال له أخوه، فأعطاه تسعة وتسعين دينارا، كره أن يساوي أخاه. ثم أتى عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما فأعطاه سبعة دنانير، ولم يسأله عن شيء، فحدثه بقصته وما جرى بينه وبينهما، فقال عبد الله: ويحك وأين تجعلني منهما؟ إنهما عذّيا العلم [1] غذاء.
«723» - لما وجّه يزيد بن معاوية عسكره لاستباحة أهل المدينة ضمّ عليّ ابن الحسين إلى نفسه أربعمائة منافيّة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأة منهن: ما عشت والله بين أبويّ بمثل ذلك التتريف [2] .
__________
[1] م: بالعلم.
[2] ع م: الشريف.
(2/276)

724- ذكر العبّاس بن محمد أنّ المهديّ لما وجّه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين خرج يشيّعه وأنا معه، فلما حاذى قصر مسلمة قلت له: يا أمير المؤمنين إن لمسلمة في أعناقنا منّة، كان محمد بن علي مرّ به فأعطاه أربعة آلاف دينار وقال له: يا ابن عم هذان ألفان لدينك وألفان لمعونتك، فإذا نفدت فلا تحتشمنا؛ فقال لما حدّثته الحديث: أحضروا من ها هنا من ولد مسلمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأمر أن تجرى عليهم الأرزاق ثم قال: يا أبا الفضل أكافأنا مسلمة وقضينا حقه؟ قلت: وزدت يا أمير المؤمنين.
«725» - قال يحيى بن خالد: جعلت الدنيا دون عرضي، فأبرّها عندي ما صانه، وأهونها عليّ ما شانه.
«726» - كتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان في نكبته: إنّ الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور، لأنّ اللئيم إذا ازداد نعما ازداد لؤما، والكريم إذا ازداد عسرا ازداد ظنّه بالله حسنا.
«727» - رفع الواقدي قصة إلى المأمون يشكو غلبة الدّين وقلّة الصبر، فوقّع المأمون عليها: أنت رجل فيك خلّتان: الحياء والسخاء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فبلغ بك ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنّا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك، وإن كنّا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نفسك، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء
(2/277)

الرشيد عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال للزبير: يا زبير، إن مفاتيح الرزق بساق [1] العرش، ينزل الله عز وجل للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثّر كثّر له ومن قلّل قلّل له؛ قال الواقدي:
وكنت أنسيت الحديث، فكانت مذاكرته إياي به أعجب إليّ من صلته.
«728» - بعث روح بن حاتم بن المهلب إلى رجل بثلاثين ألف درهم وكتب إليه: قد وجهت إليك بما لا أقلّله تكبرا، ولا أكثّره تمنّنا، ولا أستثيبك عليه ثناء، ولا أقطع لك به رجاء.
«729» - أراد الرشيد أن يخرج إلى القاطول فقال يحيى بن خالد لرجاء ابن عبد العزيز، وكان على نفقاته: ما عند وكلائنا من المال؟ قال: سبعمائة ألف درهم، قال: فاقبضها إليك يا رجاء، فلما كان من الغد غدا إليه رجاء فقبّل يده وعنده منصور بن زياد، فلما خرج قال لمنصور: قد ظننت أنّ رجاء قد توهّم أنا قد وهبنا المال له وإنما أمرناه بقبضه من الوكلاء ليحفظه علينا لحاجتنا إليه في وجهنا هذا، قال منصور: فأنا أعلمه ذلك، قال إذن يقول:
فقل له يقبّل يدي كما قبلت يده، فلا تقل شيئا فقد تركتها له.
«730» - قال سلم بن زياد لطلحة بن عبيد الله بن خلف الخزاعي: إني أريد أن أصل رجلا له عليّ حقّ وصحبة بألف ألف درهم فما ترى؟ قال:
أرى أن تجعل هذه لعشرة، قال: فأصله بخمسمائة ألف درهم، قال: كثير، فلم يزل به حتى وقف على مائة ألف درهم قال: أفترى مائة الف يقضى بها
__________
[1] ر: بازاء.
(2/278)

ذمام رجل له انقطاع وصحبة ومودة وحقّ واجب؟ قال: نعم، قال: هي لك وما أردت غيرك، قال: فأقلني قال لا أفعل والله.
«731» - سئل إسحاق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد فقال:
أما الفضل فيرضيك فعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد، وأما موسى فيفعل ما لا يجد.
732- بات جماعة من الرؤساء عند أحمد بن أبي دواد، فلما أخذوا مضاجعهم إذا الخدم قد أخرجوا لكلّ واحد منهم جارية، قال: فاحتشموا من ذلك، وبات الجواري ناحية، فلما أصبحوا وجّه بجارية كلّ واحد إلى منزله ومعها وصيفة.
«733» - قال شريح بن الأحوص: [من الطويل]
ومستنبح يبغي المبيت ودونه ... من الليل سجفا ظلمة وستورها
رفعت له ناري فلما اهتدى بها ... زجرت كلابي أن يهرّ عقورها
فبات وقد أسرى من الليل عقبة ... بليلة صدق غاب عنها شرورها
إذا الشول راحت ثم لم تفد لحمها ... بألبانها ذاق السنان عقيرها
«734» - وقال عروة بن الورد: [من الطويل]
(2/279)

إني امرو عافي إنائي شركة ... وأنت امرو عافي إنائك واحد
أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترى ... بوجهي شحوب الحقّ والحقّ جاهد
أقسّم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
«735» - وقال آخر: [من البسيط]
ألا ترين وقد قطّعتني عذلا ... ماذا من الفوت بين البخل والجود
إلّا يكن ورق يوما أجود بها ... للمعتفين فإني ليّن العود
«736» - وقال قيس بن عاصم: [من الطويل]
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني غير آكله وحدي
كريما قصيا أو قريبا فإنني ... أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما فيّ إلا تيك من شيمة العبد
«737» - وقال آخر: [من الطويل]
(2/280)

ومستنبح قال الصّدى مثل قوله ... حضأت له نارا لها حطب جزل
وقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبل
وأوسعني حمدا وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل
«738» - وقال محمد بن يسير: [من البسيط]
لقلّ عارا إذا ضيف تضيفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
فضل [1]- المقلّ إذا اعطاه مصطبرا [2] ... ومكثر في الغنى سيّان في الجود
لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إمّا نوال وإما حسن مردود
«739» - وقال الهذلي: [من البسيط]
وهّاب ما لا تكاد النفس ترسله ... من التّلاد وصول غير منّان [3]
«740» - وقال البحتري: [من الطويل]
ألست ترى مدّ الفرات كأنه ... جبال شرورى جين في البحر عوما
وما ذاك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلما
__________
[1] الحماسة البصرية: جهد.
[2] الحماسة: اعطاك نائله.
[3] روايته في ديوان الهذليين:
يعطيك ما لا تكاد النفس تسلمه ... من التلاد وهوب غير منان
(2/281)

«741» - وقال حاتم: [من الطويل]
لا تسأليني واسألي أيّ فارس ... إذا الخيل جالت في قنا فتكسرا
ولا تسأليني واسألي أيّ ياسر ... إذا بادر القوم الكنيف المستّرا
وانّي لوهّاب لقطعي ونمرقي [1] ... إذا ما صحوت [2] والكميت المصدرا
وإني لتغشى أبعد الحيّ جفتني ... إذا ورق الطلح الطوال تحسّرا
«742» - نزل رجل بامرأة من العرب فقال لها: هل من لبن أو طعام يباع، فقالت: إنك للئيم أو حديث عهد باللئام، فاستحسن ذلك منها وخطبها فتزوجها.
«743» - قيل لأعرابيّة وقد حملت شاة تبيعها: بكم هذه؟ قالت:
بكذا، قيل لها: أحسني، فتركت الشاة ومرّت لتنصرف، فقيل لها: ما هذا؟ فقالت: لم تقولوا أنقصي، وإنما قلتم أحسني، والإحسان ترك الكلّ.
«744» - قال أبو الحسين محمد بن عمر بن بكير: كان أبي بين يدي
__________
[1] الديوان: قطوعي وناقتي.
[2] الديوان: إذا ما انتشيت.
(2/282)

المنتصر بالله، وأحمد بن الخصيب جالس، فدخل الحاجب فقال: أيها الأمير هذا [1] الحسن بن سهل بالباب، فالتفت إليه أحمد فقال: دعنا من العظام الناخرة والرسوم الداثرة، فوثب أبي وقال: أيها الأمير إنّ للحسن بن سهل عليّ نعما عظاما وله في عنقي أياد جمة، فقال: ما هو يا عمر؟ فقال: ملأ والله بيتي ذهبا وفضة، وأدنى مجلسي، وخلع عليّ وألحقني برؤساء أهل العلم كأبي عبيدة والأصمعي ووهب بن جرير وغيرهم، وقد أقدرني الله سبحانه بالأمير على مكافأته وهذا من أوقاته، فإن رأى الأمير أن يسهّل إذنه ويجعل ذلك على يدي وحبوة لي وذريعة إلى مكافأة الحسن بالحسنى فعل، فقال: يا أبا حفص بارك الله عليك، فمثلك يستودع المعروف، وعندك يثمر البرّ، وبمثلك يرغب الأشراف في اتخاذ الصنائع، وقد جعلت إذن الحسن إليك، فأدخله أيّ وقت حضر من ليل أو نهار، لا سبيل لأحد من الحجّاب عليه، فقبّل البساط ووثب إلى الباب، فأدخل الحسن، وأتكأه يده، فلما سلّم على المنتصر أمره بالجلوس فجلس، وقال له: قد جعلت إذنك إلى أبي حفص فاحضر إذا شئت من غدوّ أو عشيّ، وارفع حوائجك، وتكلّم بكلّ ما في صدرك، فقال الحسن: والله أيها الأمير ما أحضر طلبا للدنيا ولا رغبة فيها ولا حرصا عليها، ولكني عبد يشتاق إلى مواليه وسادته، وبلقائهم يشتدّ ظهره وينبسط أمله وتتجدّد نعم الله تعالى عنده، وما أحضر لغير ذلك، قال:
وأحمد بن الخصيب يكاد ينقدّ غيظا. فقال له المنتصر: فاحضر الآن في أيّ الأوقات أحببت، فأكبّ الحسن على البساط يقبله شكرا ونهض. قال أبي:
ونهضت معه، فلما بعدنا عن عينه بلغني أن المنتصر قال: هكذا فليكن الشاكرون، وعلى مثل هذا فلينعم المنعمون؛ ثم قال الحسن لعمر: والله ما أدري بأيّ لسان أثني عليك، فقال: يا سبحان الله أنا أولى بالثناء عليك
__________
[1] م: إن.
(2/283)

منك، والدعاء لك، لأنك خوّلتني الغنى وألبستني النعمى في الزمان الصعب والحال التي يجفوني في مثلها الحميم، فجزاك الله عنّي وعن ولدي أفضل الجزاء، فقال الحسن: والهفاه على أن لا يكون ذلك المعروف أضعاف ما كان، لادرّ درّ الفوت وتعسا للندم وأحواله، ولله درّ الخريميّ حيث يقول:
[من الطويل]
ودون الندى في كلّ قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل
وودّ الفتى في كلّ نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أنّ نائله جزل
ثم قال لي أبي: يا محمد اخرج معه، أعزه الله، حتى تؤدّيه إلى منزله، قال أبو الحسين: فخرجت معه، فلم أزل أحدّثه حتى جرى ذكر رزين العروضيّ الشاعر، وكان قد امتدحه بقصيدة، فمات رزين من قبل أن يوصلها إلى الحسن، فقلت: أعزّ الله الأمير، كان شاعرا ومن أهل العلم، مدح الأمير بقصيدة هي في العسكر مثل ومات قبل أن ينشدها، قال: فأسمعنيها أنت، فأنشدته:
قرّبوا جمالهم للرحيل ... غدوة أحبّتك الأقربوك
خلّفوك ثم مضوا مدلجين ... مفردا بهمّك ما ودّعوك
وهي ستون بيتا على غير وزن العروض.
قال أبو الحسين: فأنا والله أنشده، ودموعه تهمي على خده وتقطر على نحره، ثم قال: والله ما أبكي إلّا على قصور الأيام عنّا وبنا عنه، ثم جعل يتلهّف وقال: فما الذي منعه من اللقاء: تعذّر الحجاب أم قعود الأسباب؟
فقلت له: اعتلّ، جعلني الله فداك؛ فجعل يترحّم عليه ترحّم الرجل على أخيه ثم قال: والله لا أكون أعجز من علقمة قال: فوالله ما دريت ما عنى، فقلت: جعلني الله فداك: ومن علقمة؟ قال: علقمة بن علاثة حيث مات قبل وصول الحطيئة بالقصيدة التي رحل بها إليه حيث يقول: [من الطويل]
(2/284)

لعمري لنعم الحيّ من آل جعفر ... بحوران أمسى أدركته الحبائل
فإن تحي لا أملل حياتي وان تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل
وما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى الا ليال قلائل
فبلغت هذه الأبيات علقمة، فأوصى له بمثل نصيب ابن. ولكن هل ترك الرجل وارثا؟ قلت: بنيّة، قال: أتعرف مكانها؟ قلت: نعم، قال: والله ما أتسع في وقتي هذا ما أبرّ به هذه الصبية، ولكنّ القليل يقع منها والعذر يقنع، ثم دعا غلاما له فقال: هات ما بقي من نفقة شهرنا، قال: هذه فأعطاه ألفي درهم فدفعها إليّ وقال: خذ ألفا وأعط الصبية ألفا، ففعلت ما قال.
«745» - وأتى الحسن بن شهريار الحسن بن سهل فكلّمه في رجل فقال له: العيال متوافرون، والضياع متحيّفة، والوظائف قائمة، وذو العادة لا يرضيه دون عادته، وقد أمرت له بثلاثين ألف درهم، فقال الحسن بن شهريار: إنما مقدار الرجل الذي سألتك فيه أن يعطى ألفا أو ألفين، فقال:
يا حسن إنّ لكلّ شيء زكاة، وإن زكاة الجاه بذله، فإذا أجرى الله تعالى لإنسان على يدك خيرا فلا تعترض فيه.
«746» - قال علي عليه السلام لأصحابه: من كانت له إليّ منكم حاجة فليرفعها إليّ في كتاب لأصون وجهه عن المسألة.
«747» - وقالوا: السخيّ من كان مسرورا ببذله، مسرعا بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ويكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحبّ للطير لا يريد نفعها ولكن نفع
(2/285)

نفسه.
«748» - نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع فقال له: ما أصبرك على هذا القميص!! فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه، فبعث إليه بتخت من ثياب، فقال أبو الأسود: [من الطويل]
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإنّ أحقّ الناس ان كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر
«749» - ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفقراء فقال: إنّ سعيد بن خريم منهم، فأعطاه ألف دينار وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إذا أعطيت فأغن.
«750» - وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد من العرب، فأعطاهم وفضّل رجلا منهم، فقيل له في ذلك فقال: كلّ القوم عيال عليه.
«751» - وكان عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطلب من الأجواد، أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا ابن عبّاس إنّ لي عندك يدا وقد احتجت إليها، فصعد فيه بصره وصوّبه فلم يعرفه ثم قال: ما يدك عندنا؟
فقال: رأيتك واقفا بزمزم، وغلامك يمتح لك من مائها والشمس قد
(2/286)

صهرتك، فظللتك بطرف كسائي حتى شربت، فقال: أجل إني لأذكر ذلك، وإنك لتتردّد بين خاطري وفكري، ثم قال لغلامه ما عندك قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم، قال: ادفعها إليه، وما أراها تفي بحقّه عندنا، فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك كفاية، فكيف وقد ولد سيّد الأولين والآخرين محمدا صلّى الله عليه وسلّم، ثم شفع بك وبأبيك.
«752» - وحبس معاوية عن الحسين بن علي عليهما السلام صلاته، فقيل له: لو وجّهت إلى ابن عمك عبيد الله فإنه قد قدم بنحو ألف ألف، فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله، فو الله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر، ثم وجّه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله، وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم، فلما قرأ عبيد الله كتابه، وكان أرق الناس قلبا، وألينهم عطفا، انهملت عيناه ثم قال: ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك من الإثم حين أصبحت ليّن المهاد، رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال وكثرة العيال؟! ثم قال لقهرمانه:
احمل إلى الحسين نصف ما نملكه من فضة وذهب ودابّة، وأخبره أني شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر، فقال له القهرمان: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا [ذلك] دللتك على أمر تقيم به حالك، فلما أتاه الرسول قال: إنا لله، حملت والله على ابن عمي وما حسبت أنه يتسع لنا هذا كلّه، وأخذ الشطر من ماله.
«753» - وأهدى إليه معاوية وهو عنده من هدايا النيروز حللا كثيرة ومسكا وآنية من ذهب وفضة، ووجهها مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر
(2/287)

إلى الحاجب وهو ينظر إليها فقال له: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، وإن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف، فضحك عبيد الله وقال: فشأنك بها فهي لك قال: جعلت فداك، أنّى وإن يبلغ ذلك معاوية يجد عليّ، قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن، فإذا كان [1] خروجنا حملها إليك ليلا، قال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم اكبر من الكرم، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه، يعني معاوية، فظنّ عبيد الله أنها مكيدة منه فقال: دع هذا الكلام فإنا قوم نفي بما عقدنا ولا تنقض ما أكّدنا.
«754» - وجاءه رجل من الأنصار فقال له: يا ابن عمّ محمد، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سمّيته باسمك تبركا مني به، وإنّ أمّه ماتت، فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة، وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار لينفقها على تربيته، ثم قال للأنصاريّ: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس، وفي المال قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك، لو سبقت حاتما بيوم ما ذكرته العرب أبدا، ولكنه سبقك فصرت له تاليا، وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ صوبك أكثر من وابله.
«755» - وعبيد الله بن أبي بكرة من الأجواد، أدلى إليه رجل بحرمة فأمر له بمائة ألف درهم فقال: أصلحك الله ما وصلني بها أحد قط، لقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لنا بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس.
__________
[1] العقد: حان.
(2/288)

«756» - الذين انتهى إليهم الجود في الجاهليّة: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المريّ، وكعب بن مامة الايادي، وضرب المثل بحاتم وكعب، وحاتم أشهرهما. فأما كعب فجاد بنفسه وآثر رفيقه بالماء، تصافنا الإداوة في المفازة فمات عطشا، وليس له خبر مشهور غيره. وأما حاتم فأخباره كثيرة، وآثاره في الجود مشهورة، وكان إذا اشتدّ البرد وكلب الشتاء أمر غلامه يسارا فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضلّ الطريق ليلا فيصمد نحوها، فقال في ذلك: [من الرجز]
أوقد فإن الليل ليل قرّ ... والريح يا واقد ريح صرّ
عسى يرى نارك من يمرّ ... إن جلبت ضيفا فأنت حرّ
قالوا: ولم يكن حاتم يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود به ثم جاد بفرسه في سنة أزمة:
«757» - قالت النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ أفق السماء [1] ، وراحت الإبل حدبا حدابير [2] ، وضنّت المراضيع عن أولادها أن تبضّ بقطرة، وجلفت [3] السنة المال وأيقنّا بالهلاك، فو الله إني لفي
__________
[1] م: واقشعرت لها السماء.
[2] حدابير: سقطت من م.
[3] م: واحلفت.
(2/289)

ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى أصيبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبيّة، فو الله ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني، فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد آخر الليل، فقال: من هذا؟ قال: جارتك فلانة، أتيتك [1] من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوّلا إلا عليك أبا عدي، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي جانبيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرّ، ثم كشط عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، فقال: شأنك فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا، عليكم بالنار، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم أو حافر.
«758» - مرض سعيد بن العاص بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل ابن السمط ومسلم بن عقبة المريّ ويزيد بن شجرة الرهاوي، فلما نظر سعيد إلى معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما له، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان فإنك ضعفت للعلة، فسقط، فبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه، وأخذ بيده فأقعده معه على فراشه وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه، وأطال القعود عنده. فلما خرج التفت إلى شرحبيل ويزيد ابن شجرة فقال: هل رأيتما خللا في حال أبي عثمان؟ فقالا: لا ما رأينا شيئا ننكره، فقال لمسلم: ما تقول أنت؟ قال: رأيت خللا، قال: وما ذاك؟
قال: رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة، ورأيت صحن داره غير
__________
[1] م: جئتك.
(2/290)

مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه، قال: صدقت، كلّ ذلك قد رأيت، فوجه إليه [مع مسلم] بثلاثمائة ألف، فسبق رسول مسلم إلى سعيد يبشره بتوجيهها، ويخبره بما كان، فغضب سعيد وقال للرسول: إنّ صاحبك ظنّ أنه أحسن فأساء، وتأوّل فأخطأ، فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرت حركته اتسخ ثوبه، وأما كنس الدار فلست من جعل داره مرآته، وبهاءه لبسته [1] ، ومعروفه عطره، ثم لا يبالي من مات هزلا من ذوي رحمه أو لحمته [2] ، وأما منازعة التجار قهرماني فمن كثرت حوائجه وبيعه وشراؤه لم يجد بدا من أن يكون طالبا أو مطلوبا، وأما المال الذي أمر لنا به أمير المؤمنين فوصلته به كلّ رحم قاطعة، وهناه كرامة [3] المنعم بها، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معوّلنا. فركب مسلم إلى معاوية فأعلمه، فقال: صدق ابن عمّي فيما قال، وأخطأت فيما أنهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنّه من فعل خيرا كوفىء عليه.
«759» - قال الحسن: بلغني أن رجلا جهده الجوع ففطن به بعض الأنصار، فلما أمسى أتى به رحله، وقال لامرأته: هل لك أن نطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟ قالت: نعم، قال: فإذا قرّبت الطعام فاعمدي كأنك تصلحين السراج فاطفئيها، ففعلت، وجاءت بثريدة كأنها قطاة فوضعتها، ثم دنت فأطفأت السراج فجعل الانصاريّ يضع يده في القصعة ولا يأكل، وأكل
__________
[1] العقد: وتزينه لبسه.
[2] العقد: من ذي لحمة أو حرمة.
[3] ر: كرمه.
(2/291)

الضيف حتى أتى عليها، فلما أصبح صلّى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له: أنت صاحب الكلام الليلة؟ قال: وما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: قد كان ذاك يا رسول الله، قال: فوالله لقد عجب الله من صنيعكما.
«760» - اقترض ابن عبدل من التجار مالا، وحلف لهم بالطلاق ثلاثا أن يقضيهم المال عند طلوع الهلال، فلما بقي من الشهر يومان قال: [من المنسرح]
قد بات همّي قرنا أكابده ... كأنما مضجعي على حجر
من رهبة أن يرى هلال غد ... فإن رأوه فحقّ لي حذري
وفقد بيضاء غادة كملت ... كأنها صورة من الصور
أصبحت من أهلي الغداة ومن ... مالي على مثل ليلة الصّدر
فبلغ خبره عبد الملك بن بشر فأعطاهم ما لهم عليه وأضعفه له.
«761» - مرّ عبد الله بن جعفر ومعه عدة من أصحابه بمنزل رجل قد أعرس، فإذا بقينة تغنّي: [من المنسرح]
قل لكرام ببابنا يلجوا ... ما في التصابي على الفتى حرج
فقال عبد الله لأصحابه: لجوا فقد أذن لكم القوم، فنزل ونزلوا فدخلوا، فلما رآه صاحب المنزل تلقاه فأجلسه على الفرش، فقال للرجل: كم أنفقت على وليمتك؟ قال: مائتي دينار، قال: فكم مهر صاحبتك [1] ؟ قال:
كذا وكذا، فأمر له بالجميع وبمائة دينار بعد ذلك معونة واعتذر إليه وانصرف.
762- قيل غاب محمد بن نصر بن بسام عن داره مدة عشرين سنة،
__________
[1] ر: امرأتك.
(2/292)

ووكل بها في هذه المدة من يفرشها وينظفها في كلّ يوم فيدخل إليها المقيمون هناك من خواصّه وأصحابه، فيجلسون حيث كان يجلس منها قبل انتقاله إلى بغداد، ومطبخه فيها قائم، ويجتمع الناس فيها على طعامه وهو غائب عنها هذه المدّة الطويلة.
763- صنع عمرو بن حريث طعاما لعديّ بن حاتم، فلما دخل نظر إلى الستور مسبلة فقال: آكل وحدي؟ فقال عمرو: إنما هو شيء هيأناه لك خاصة، فقال: حرام عليّ اكله أو ترفع الستور فيدخل من شاء.
«764» - كان المهلب يقول لبنيه: يا بنيّ ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم وخدمكم عند غيركم أحسن منها عندكم.
765- اشتهى المأمون أن يأكل من الكواميخ، فقال له أخوه أبو إسحاق: إن لي نبطيا يجيدها، فاستدعى منه ما تعجّل عنده، فأحضر في الحال ثمانين غلاما على رؤوسهم جون وأطباق فيها ألوان من الكواميخ والمخللات والشواريز [1]- والسمك الطري والمملوح، ومن البوارد بالفراريج وغيرها، ومن المزوّرات، فاستكثره المأمون وأعجبه واستطابه، فقال لأبي إسحاق: قل له يعمل مثل ذلك في كلّ عام مرة، فقال: بل في كل يوم فإن منازلي لا تخلو منه وليس عليّ فيه كلفة. ثم رفع صاحب الديوان بعد مدة مؤامرة ببقايا السنة، فوجد المأمون فيها اسم مالك بن شاهي فقال: قد مرّ بي هذا الاسم، فقيل: هو الذي أكلت كوامخه، قال: فنأكل طعام الرجل ونحاسبه؟ وكان
__________
[1] ر: والسوارير.
(2/293)

عليه ثلاثة عشر ألف درهم، فوقع تحتها: يعان بها على مروءته، ورمى بها من يده ثم قال: ردّوها إليّ، إنّ الناس يتحدثون أن المأمون أكل سكرّجات قامت عليه بكذا وكذا، وأطلق صاحبها من الحبس، ثم وقع في المؤامرة باطلاق جميع من في الحبس، وكان مبلغ ما عليهم أربعين ألف ألف درهم.
«766» - قيل لم يكن لخالد بن برمك جليس الا وقد بنى له دارا على قدر كفايته، وكان يقف على أولاد الإخوان ما يعيّشهم أبدا، وما كان لأحد من إخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له.
«767» - وقيل إنّ جارا لابن المقفع أراد بيع داره لدين ركبه، وكان يجلس في ظلّ تلك الدار كثيرا، فقال: ما قمت إذن بحقّ ظلّ داره إن باعها معدما وبتّ واجدا، فبعث إليه بثمنها وقال: دعها على حالها وقلّب هذا المال في بعض التجارات.
«768» - روي أن سعيد بن خالد بن عثمان بن عفان أتى سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، أتيتك مستعديا، قال: ومن بك؟ قال:
موسى شهوات، قال: وماله؟ قال: سمّع بي واستطال في عرضي، فقال: يا غلام عليّ بموسى شهوات، فأتي به فقال: ويلك أسمّعت به واستطلت في عرضه؟ فقال: ما فعلت يا أمير المؤمنين ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو، قال: وكيف ذاك؟ قال: علقت جارية لم تبلغ ثمنها جدتي، فأتيته وهو صديقي فشكوت إليه ذلك، فلم أصب عنده فيه شيئا، فأتيت ابن
(2/294)

عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد، فشكوت إليه ما شكوته إلى هذا، قال: تعود إليّ، فتركته ثلاثا ثم أتيته فسهّل من إذنى، فلما استقر بي المجلس قال: يا غلام قل لقيمتي هاتي وديعتي، ففتح باب بين بيتين فإذا أنا بالجارية، فقال لي: أهذه بغيتك؟ قلت: نعم فداك أبي وأمي، قال:
اجلس، ثم قال: يا غلام قل لقيمتي هاتي ظبية نفقتي، فأتي بظبية فنثرت بين يديه فإذا فيها مائة دينار ليس فيها غيرها فردت في الظبية، ثم قال: عتيدة طيبي! فأتي بها، ثم قال: ملحفة فراشي، فأتي بها، فصير ما في الظبية والعتيدة في حواشي الملحفة ثم قال: شأنك بهواك واستعن بهذا عليه؛ فقال له سليمان بن عبد الملك: فذلك حين تقول ماذا؟ فأنشده: [من الطويل]
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنّني أعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى ... وإن مات لم يرض الندى بعقيد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود
فقال سليمان: يا غلام عليّ بسعيد بن خالد، فأتي به فقال: أحقّ ما وصفك به موسى؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه، فقال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، قال فما طوّقتك عواقب هذه الأفعال؟ قال: دين ثلاثين ألف دينار، قال: قد أمرت لك بها وبمثلها [وبمثلها] وبثلث مثلها، فحمل إليه مائة ألف دينار. قال الراوي: فلقيت سعيد بن خالد بعد ذلك فقلت له: ما فعل المال الذي وصلك به سليمان؟ قال: ما أصبحت والله أملك منه خمسين دينارا، قلت: فما اغتاله؟ قال: خلّة من صديق وفاقة من ذي رحم.
ولما أنشده موسى الشعر قال له: اتفقت أسماؤهما وأسماء آبائهما، فتخوفت أن يذهب شعري باطلا، ففرّقت بينهما بأمهاتهما، فأغضبه أن مدحت ابن
(2/295)

عمه، فقال سليمان: بلى والله لقد هجوته، وما خفي عليّ ذلك، ولكن لا أجد إليك سبيلا، فاطلقه.
«769» - والبخيل لا يزال عدوا للجواد يحسده على ما آتاه الله من فضله ويحقد عليه نعمة الله عنده؛ قال الطرماح بن حكيم: [من الطويل]
لقد زادني حبّا لنفسي أنني ... بغيض إلى كلّ امرىء غير طائل
وأنّى شقي باللئام ولا ترى ... شقيّا بهم إلا كريم الشمائل
«770» - قال إبراهيم بن هرمة: ما رأيت قطّ أسخى ولا أكرم من رجلين: إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وإبراهيم بن طلحة [بن عمرو] بن عبيد الله بن معمر؛ أما إبراهيم بن طلحة فأتيته فقال: أحسنوا ضيافة أبي إسحاق، فأتيت بكلّ شيء من الطعام، فأردت أن أنشده فقال: ليس هذا وقت الشعر، ثم أخرج إليّ الغلام رقعة فقال: إيت بها الوكيل، فأتيته بها فقال: إن شئت أخذت لك جميع ما كتب به، وإن شئت أعطيتك القيمة، قلت: وما أمر لي به؟ قال: مائتي شاة برعائها وأربعة أجمال وغلام جمّال، ومظلة وما يحتاج إليه، وقوتك وقوت عيالك سنة، فقلت: أعطني القيمة، فأعطاني مائتي دينار؛ وأما إبراهيم بن عبد الله فأتيته في منزله بمشاش على بئر الوليد [1] بن عثمان بن عفان، فدخل منزله ثم خرج إليّ برزمة ثياب وصرّة من دراهم ودنانير وحلي ثم قال: لا والله ما بقّينا في منزلنا ثوبا نواري به امرأة ولا حليا ولا دينارا ولا درهما.
__________
[1] الأغاني: ابن الوليد.
(2/296)

771- قال أعرابي: من لم يضنّ بالحقّ عن أهله فهو الجواد.
«772» - وقال آخر: الصبر عند الجود أخو الصبر عند البأس.
«773» - قيل: كان مبدأ أمر حاتم في الجود أنه لما ترعرع جعل يخرج طعامه، فإن وجد من يأكله معه أكله، وإن لم يجد طرحه، فلما رأى أبوه أنه يهلك طعامه قال له: الحق بالابل، فخرج إليها، ووهب له جارية وفرسا وفلوها. وقيل: بل هلك أبو حاتم وهو صغير، وهذه القصة كانت مع جدّه سعد بن الحشرج، فلما أتى حاتم الابل طفق يبغي الناس فلا يجدهم، ويأتي الطريق فلا يجد عليه أحدا، فبينا هو كذلك إذ بصر بركب على الطريق فأتاهم فقالوا: يا فتى هل من قرى؟ فقال: تسألوني عن القرى وقد ترون الابل؟
وكان الذين بصر بهم عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني، وكانوا يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الإبل، فقال عبيد: إنما أردنا اللبن، وكانت تكفينا بكرة إذا كنت لا بدّ متكلفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، ولكنّي رأيت وجوها مختلفة، وألوانا متفرقة، فظننت أن البلدان غير واحدة وأردت أن يذكر كلّ واحد منكم ما رأى إذا أتى قومه، فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها وذكروا فضله، فقال حاتم: أردت أن أحسن إليكم فصار لكم الفضل عليّ، وأنا أعاهد الله أن أضرب عراقيب إبلي عن آخرها أو تقوموا إليها فتقسموها، ففعلوا، فأصاب الرجل تسعة وثلاثين بعيرا، ومضوا على سفرهم إلى النعمان. وإن أبا حاتم أو جدّه سمع بما فعل، فأتاه فقال: أين
(2/297)

الابل؟ فقال: يا أبت [1] طوقتك بها طوق الحمامة مجد الدهر وكرما، لا يزال الرجل يحمل بيت شعر [2] أثنى به علينا عوضا من إبلك، فلما سمع أبوه ذلك قال: أبإبلي فعلت ذلك؟ قال: نعم، قال: والله لا أساكنك أبدا، فخرج أبوه بأهله وترك حاتما ومعه جاريته وفرسه وفلوها، فقال يذكر تحول أبيه عنه (والشعر يدلّ على أنه جده لأنه حاتم بن عبد الله بن سعيد بن الحشرج) :
[من الطويل]
إنّي لعفّ الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكل لا يوافقه شكلي
وشكلي شكل لا يقوم لمثله ... من الناس إلا كلّ ذي نيقة مثلي
وأجعل مالي دون عرضي جنّة ... لنفسي وأستغني بما كان من فضلي
وما ضرّني أن سار سعد بأهله ... وأفردني في الدار [3] ليس معي أهلي
قالوا: فبينا حاتم يوما بعد أن أنهب ماله ووهبه نائم إذ انتبه، وإذا حوله [4] نحو من مائتي بعير تجول ويحطم بعضها بعضا [5] فساقها إلى قومه فقالوا: يا حاتم أبق على نفسك، فقد رزقت مالا، ولا تعودنّ إلى ما كنت عليه من الإسراف، قال: فإنها نهبى بينكم، فانتهبت فأنشأ حاتم يقول: [من الطويل]
تداركني جدّي بسفح متالع ... فلا يأمنن ذو نومة أن يغنّما
وأقبل ركب من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان، فلقوا حاتما فقالوا له: إنا تركنا قومنا يثنون عليك خيرا، وقد أرسلوا إليك برسالة، قال: وما هي؟ فأنشده الأسديون شعرا لعبيد، وأنشده القيسيون شعرا للنابغة، فلما أنشدوه قالوا: إنا لنستحيي أن نسألك شيئا وإنّ لنا لحاجة، قال: وما
__________
[1] ر: يا أبه.
[2] م: بيتأ من الشعر.
[3] م: البرّ.
[4] م: إذ انتبه وحوله.
[5] م: بعضها على بعض.
(2/298)

هي؟ قالوا: صاحب لنا قد أرجل، فقال حاتم: خذوا فرسي هذه فاحملوا عليها صاحبكم، فأخذوها، وربطت الجارية فلوها بثوبها، فأفلت فاتبعته الجارية، فقال حاتم: ما لحقكم من شيء فهو لكم، فذهبوا بالفرس والفلو والجارية.
«774» - أسرت عنزة حاتما، فجعل نساء من عنزة يدارين بعيرا ليفصدنه، فضعفن عنه، فقلن: يا حاتم أفاصده أنت إن أطلقنا إحدى يديك؟ قال: نعم فأطلقن إحدى يديه فوجأ لبّته، فاستدمين منه ما شئن، ثم إنّ البعير عضد أي لوى عنقه، فقلن، ما صنعت؟ قال: هكذا فزدي، يريد فصدي، فجرت مثلا فلطمته إحداهنّ فقال: ما أنتنّ نساء عنزة بكرام ولا ذوات أحلام، وإن امرأة منهن يقال لها عاجزة أعجبت به فأطلقته ولم ينقمن [1] عليه، فقال حاتم يذكر البعير الذي فصده. [من الطويل]
كذلك فصدي إن سألت مطيتي ... دم الجوف إذ كلّ الفصاد وخيم
«775» - عظم [2] على طيء موت حاتم فادعى أخوه أن يخلفه، فقالت له أمه: هيهات فشتان ما بين خلقيكما، وضعته فبقي سبعة أيام لا يرضع حتى ألقمت أحد ثديي طفلا من الجيران، وكنت أنت راضعا أحدهما وآخذا الآخر بيدك، فأنى لك؟! «776» - قال حذيفة بن اليمان: ربّ رجل فاجر في دينه، أخرق في
__________
[1] ر م والأغاني: ولم ينقموا.
[2] سقطت هذه الفقرة من ر.
(2/299)

معيشته، يدخل الجنّة بسماحته.
«777» - كان جعفر بن محمد يقول: اللهم ارزقني مواساة من قتّرت عليه رزقك بما أوسعت علي من فضلك.
«778» - قيل لأنوشروان: ما الجود الذي يسع الناس كلهم؟ قال:
إرادة الخير لجميعهم، وبسط الوجه لهم.
«779» - وقيل: الكريم يكرم وإن افتقر، كالأسد يهاب وإن كان رابضا، واللئيم يهان وإن أيسر كالكلب يخسأ وإن طوّق وحلّي.
«780» - قال بعض العرب: يا بنيّ لا تزهدنّ في معروف فإن الدهر ذو صروف، كم راغب كان مرغوبا إليه، وطالب كان مطلوبا ما لديه، وكن كما قال أخو الدئل: [من الطويل]
وعدّ من الرحمن فضلا ونعمة ... عليك إذا ما جاء للخير طالب
ولا تمنعنّ ذا حاجة جاء راغبا ... فإنك لا تدري متى أنت راغب
«781» - المقنع الكندي: [من الكامل]
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل
(2/300)

782- آخر مثله: [من الخفيف]
ليس جود الجواد من فضل مال ... إنّما الجود للمقلّ المواسي
«783» - قال خالد بن عبد الله القسري وهو يخطب: أيها الناس من جاد ساد [1] ، ومن بخل رذل، وإنّ اكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته، والفروع من مغارسها تنمي وبأصولها تسمو، ثم قال في آخر كلامه: [من المنسرح]
قد توهم النفس في تحسّسها ... وتنكر العين في تفرسها
فعندها يستدلّ بالثمر ال ... عذب على مستطاب مغرسها
«784» - احتضر الحكم بن المطلب، وكان من الأسخياء، فأصابته غشية، فقيل: اللهم هوّن عليه فإنه كان وكان، فأفاق فقال: إن ملك الموت يقول: إني بكلّ سخيّ رفيق. وكان الحكم هذا إذا انقطع شسعه خلع النعل الأخرى [2] ومضى، فأخذ نعليه نوبيّ فسوّى الشسع، وجاءه بالنعلين في منزله، وقال: سوّيت لك الشسع، فدعا بثلاثين دينارا فدفعها إليه وقال:
ارجع بالنعلين فهما لك.
«785» - ومن الأجواد عبيد الله بن أبي بكرة، كتب إلى يزيد بن ربيعة
__________
[1] ر: من ساد جاد.
[2] م: وكان الحكم هذا انقطع شسع نعله يوما فخلع الأخرى.
(2/301)

ابن مفرغ الحميري: إني قد توجهت إلى سجستان فالحق بي، فلعلك إن قدمت عليّ ألا تندم ولا تذم [1] رأيك، فتجهز ابن مفرغ وخرج حتى قدم سجستان ممسيا، فدخل عليه وشغله بالحديث وأمر له سرا بمنزل وفرش وخدم، وجعل يطاوله حتى علم أنه قد استتم ما أمر له به، ثم صرفه إلى المنزل الذي هيّىء له، ثم دعا به في اليوم الثاني فقال له: يا ابن مفرغ إنك قد تجشمت إليّ شقة بعيدة، واتسع لك الأمل فرحلت إليّ لأقضي عنك دينك وأغنيك عن الناس، وقلت: أبو حاتم بسجستان فمن لي بالغنى بعده؟
فقال: والله ما أخطأت أيها الأمير ما كان في نفسي، فقال عبيد الله: أم والله لأفعلنّ، ولأقلّنّ لبثك عندي ولأحسننّ صلتك، وأمر له بمائة ألف درهم ومائة وصيف ومائة وصيفة ومائة نجيبة، وأمر له بما ينفقه إلى أن يبلغ بلده سوى المائة الألف، وبمن يكفيه الخدمة من غلمانه ومواليه، وقال له: إن [من] خفّة السفر أن لا تهتم بخفّ ولا حافر، فكان مقامه عنده سبعة أيام، ثم ارتحل وشيعه ابن أبي بكرة أربعة فراسخ، ثم قال له: يا ابن مفرغ انه ينبغي للمودّع أن ينصرف، وللمتكلم أن يسكت، وأنا من قد عرفت، فأنفق على الأمل وعلى حسن ظنك بي ورجائك فيّ، فإذا بدا لك أن تعود فعد، والسلام.
«786» - ولزم يزيد بن مفرّغ غرماؤه بدين فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير عسى أن يخرج الأشراف فيروني فيقضوا عني، فانطلقوا به، فكان أول من خرج إما عمر بن عبيد الله بن معمر وإما طلحة الطلحات، فلما رآه قال: أبا عثمان ما أقعدك ها هنا؟ قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم عليّ، قال: وكم هو؟ قال: سبعون ألفا، قال: علي منها عشرة آلاف، ثم خرج الآخر على الأثر فسأله كما سأل صاحبه قال: هل خرج قبلي أحد؟
__________
[1] الأغاني: يذم.
(2/302)

قالوا: نعم، قال: فما صنع؟ قال: ضمن عشرة آلاف، قال: فعليّ مثلها، قال: فجعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك حتى ضمنوا له أربعين ألف درهم، وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة، فلم يخرج حتى غربت الشمس، فخرج مبادرا فلم يره حتى كاد يبلغ بيته، فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزوما وقد مرّ به الأشراف فضمنوا عنه، فكرّ راجعا فوجده قاعدا فقال له: يا أبا عثمان ما يجلسك ها هنا؟
قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني، قال: وكم ضمن عنك قال: أربعون ألفا، قال: فاستمتع بها وعليّ دينك أجمع.
«787» - قيل لم يكن رجل من ولاة بني مروان أنفس على قومه ولا أحسد لهم من الوليد بن عبد الملك، فأذن يوما للناس فدخلوا عليه، وأذن للشعراء فكان أوّل من بدر بين يديه عويف القوافي الفزاري، فاستأذنه في الانشاد فقال: ما بقي لي بعد ما قلت لأخي زهرة؟ قال: وما قلت له مع ما قلت لأمير المؤمنين؟ قال: ألست الذي يقول له: [من الكامل]
يا طلح أنت أخو الندى وحليفه ... إنّ الندى من بعد طلحة ماتا
إن السماح إليك أطلق رحله ... فبحيث بتّ من المنازل باتا
أو لست الذي يقول: [من الوافر]
إذا ما جاء يومك يا ابن عوف ... فلا جادت [1] على الأرض السماء
ولا سار العزيز [2] بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النساء
__________
[1] الأغاني: مطرت.
[2] الأغاني: البشير.
(2/303)

تساقى الناس بعدك يا ابن عوف ... ذريع الموت ليس له شفاء
ألم تقم علينا الساعة يوم قامت عليه؟ لا والله لا أسمع منك شيئا، ولا أنفعك بنافعة أبدا، أخرجوه عنّي. فقال له القرشيون والشاميون: وما الذي أعطاك [1] حتى استخرج هذا منك؟ قال: أم والله لقد أعطاني غيره أكثر من عطيته، ولكن لا والله ما أعطاني أحد قط أحلى في قلبي ولا أبقى شكرا ولا أجدر ألّا أنساه، ما عرفت الصلات، من عطيّته. قالوا: وما أعطاك؟
قال: قدمت المدينة ومعي بضيّعة لي لا تساوي عشرة دنانير أريد أن أبتاع قعودا من قعدان الصدقة، فإذا برجل بصحن السوق على طنفسة قد طرحت له، وإذا الناس حوله، وإذا بين يديه إبل معقولة، فظننت أنه عامل السوق، فسلّمت عليه فأثبتني وجهلته، فقلت له: رحمك الله، هل أنت معيني ببصرك على قعود من هذه القعدان تبتاعه لي؟ فقال: نعم، أو معك ثمنه؟ فقلت: نعم، فأهوى بيده إليّ فأعطيته بضيّعتي، فرفع طنفسته فألقاها تحتها، ومكث طويلا، ثم قمت إليه فقلت: أي رحمك الله انظر في حاجتي، فقال: ما منعني منك إلا النسيان، أمعك حبل؟ قلت: نعم قال: هكذا أفرجوا، فأفرجوا حتى استقبل الابل التي بين يديه، فقال: اقرن هذه وهذه [2]-، فما برحت حتى أمر لي بثلاثين بكرة، أدنى بكرة فيها- ولا دنيّة فيها [3]- خير من بضاعتي ثم رفع طنفسته فقال: شأنك ببضاعتك فاستعن بها على من ترجع إليه، فقلت: رحمك الله أتدري ما تقول؟ فما بقي عنده إلّا من نهرني وشتمني، ثم بعث معي نفرا فأطردوها حتى أطلعوها في رأس الثنية، فو الله لا أنساه ما دمت حيا أبدا.
__________
[1] الأغاني: أعطاك طلحة.
[2] زاد في الأغاني: أدنى بكرة فيها.
[3] النص مضطرب في النسخ، وأثبت ما في الأغاني.
(2/304)

788- قيل: تراهن نفر من كلب ثلاثة على أن يختاروا من تميم وبكر نفرا ليسألوهم، فأيهم أعطى ولم يسألهم عن نسبهم ومن هم فهو أفضلهم، فاختار كلّ واحد منهم رجلا والذين اختيروا: عمير بن السليل بن قيس بن مسعود الشيباني وطلبة بن قيس بن عاصم المنقري وغالب بن صعصعة المجاشعي. فأتوا ابن السليل فسألوه مائة ناقة فقال: من أنتم؟ فانصرفوا عنه، ثم أتوا طلبة فقال لهم مثل ذلك، فردّوا عليه كردّ ابن السليل، فأتوا غالبا فسألوه فأعطاهم مائة ناقة وراعيها ولم يسألهم.
«789» - قال محمد بن حبيب: كان للنمر بن تولب صديق، فأتاه النمر في ناس من قومه يسألونه في دية احتملوها، فلما رآهم وسألوه تبسم فقال النمر:
[من الوافر]
تبسّم ضاحكا لما رآني ... وأصحابي لدى عين التمام
فقال لهم الرجل: إن لي نفسا تأمرني أن أعطيكم ونفسا تأمرني أن لا أفعل، فقال النمر: [من البسيط]
أمّا خليلي فانّي لست معجله ... حتى يؤامر نفسيه كما زعما
نفس له من نفوس الناس صالحة ... تعطي الجزيل ونفس ترضع الغنما
ثم قال النمر لأصحابه: لا تسألوا أحدا فالدية كلها عليّ.
«790» - ابن الرومي: [من الطويل]
عدونا إلى ميمون نطلب حاجة ... فأوسعنا منعا وجيزا بلا مطل
فقال اعذروني إنّ بخلي جبلّة ... وإنّ يدي مخلوقة خلقة القفل
طبيعة بخل أكّدتها خليقة ... تخلّقتها خوف احتياجي إلى مثلي
(2/305)

فألقى إلينا عذرة لا نردّها ... وكان ملقّى حجة اللؤم والبخل
«791» - كان رجل من البخلاء قد أفرط في البخل حتى صار مثلا، فأتى جارا له من الزهاد فجعل يشكو إليه البخل وما قد يلي به منه وأنه لا حيلة له فيه، فقال له الزاهد: لهذا القول كلام في الجواب طويل، ولكني أقول لك: إنك على ما وصفت من أنك لا تجود على نفسك بفلس غير بخيل، لأنّ البخيل يعطي ويمنع، وأنت تعطي كلّ مالك، فقال له البخيل: وكيف ذاك مع ما وصفت لك؟ قال: لأنك توفّره كلّه على من تخلّف. قال فرجع والله البخيل عن خلقه وعدّ من الأجواد.
«792» - قيل: كان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكثر الناس مالا وأشدّهم عارضة ولسانا، فطال عمره، ونكبه دهره، واختلت حاله، فخرج عشية يتبقّل لأهله، فمرّ به عميلة الفزاريّ فسلّم عليه وقال: يا عمّ ما أصارك إلى ما أرى من حالك؟ فقال بخل مثلك بماله، وصوني وجهي عن مسألة الناس، فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرنّ من حالك، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرها بما قال له عميلة، فقالت: لقد غرّك كلام غلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرا، فبات متململا بين رجاء ويأس، فلما كان السحر سمع ثغاء الشاء ورغاء الابل وصهيل الخيل ولجب الاموال، فقال: ما هذا؟
فقالوا: هذا عميلة ساق إليك ماله، قال: فاستخرج ابن عنقاء ثم قسم ماله شطرين وساهمه عليه، وأنشأ ابن عنقاء يقول: [من الطويل]
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسرّ كما جهر
(2/306)

دعاني فآساني [1] ولو ضنّ لم ألم ... على حين لا بدو يرجّى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أبليت من ذمّ أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردّى رداء سابغ الذيل واتّزر
غلام رماه الله بالخير يافعا ... له سيمياء لا تشقّ على البصر
كأن الثريا علّقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي خدّه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى [2] كأنه ... ذليل بلا ذلّ ولو شاء لانتصر
«793» - دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فقال: أصلح الله الأمير، شيخ كبير حدته إليك بارية العظام، ومورثة الاسقام، ومطوّلة الأعوام، فذهبت أمواله، وذعذعت إباله، وتغيرت أحواله، فإن رأى الأمير أن يجبره بفضله، وينعشه بسجله، ويردّه إلى أهله، فقال: كل ذلك، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
«794» - بعث معاوية إلى عائشة بمائة ألف درهم فما قامت من مجلسها حتى وزعتها، فدخلت عليها الخادم فقالت: لو حبست لنا درهما نشتري به لحما، فقالت: هلّا ذكرتني ذلك قبل أن أفرقه.
وكانت ترقع قميصا لها، ودخل عليها المنكدر فقال: أصابتني حاجة فأعينيني، فقالت: ما عندي شيء، ولو كانت عندي عشرة آلاف درهم بعثت بها إليك، فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف درهم من عند خالد
__________
[1] ع: فواساني؛ م: فأستاني.
[2] الأغاني: ولّى.
(2/307)

ابن أسيد، فقالت: ما أوشك ما ابتليت ثم أرسلت بها في أثره، فدخل السوق فاشترى جارية بألفي درهم فولدت له ثلاثة كانوا عبّاد أهل المدينة:
محمد وأبو بكر وعمر.
795- جاء أسماء بن خارجة الفزاري إلى داره فوجد على بابه فتى جالسا فقال: ما يجلسك ها هنا يا فتى؟ قال: خير، فألحّ عليه فقال:
جئت سائلا إلى هذه الدار فخرجت منها جارية اختطفت قلبي، فجلست لكي تخرج ثانية، فجعل يعرضهنّ عليه حتى مرّت به فقال: هي هذه، فقال:
مكانك، فدخل ثم خرج إليه فقال: إنها لم تكن لي، كانت لبعض بناتي فابتعتها بثلاثة آلاف درهم، خذ بيدها بارك الله لك فيها.
796- شاعر: [من الطويل]
أصبت صنوف المال من كلّ وجهة ... فما نلته إلا بكفّ كريم
وإني لأرجو أن أموت وتنقضي ... حياتي وما عندي يد للئيم
«797» - قال كسرى: اجتماع المال عند الأسخياء أحد الخصبين، واجتماعه عند البخلاء أحد الجدبين.
«798» - ابن الرومي: [من المتقارب]
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
(2/308)

«799» - دخل عبد الرحمن بن أبي عمار، وهو يومئذ فقيه أهل الحجاز، على نخاس يعترض جواري له، فعلق واحدة منهن فاستهتر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه فكان جوابه: [من البسيط]
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا
فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له همة غيره، فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيّمة جواريه أن تطيّبها وتحلّيها ففعلت، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: مالي لا أرى ابن أبي عمار؟ فأتاه، فلما أراد أن ينهض استجلسه فقعد، فقال له عبد الله بن جعفر: ما فعل حبّ فلانة؟ قال: في اللحم والمخ والدم والعصب والعظام، قال: تعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها؟ قال: فإنا قد ضممناها إلينا، فو الله ما نظرت إليها، فأمر بها فأخرجت في الحلي والحلل، قال: أهي هذه؟ قال: نعم بأبي أنت وأمي، قال: فخذ بيدها فقد جعلتها لك، أرضيت؟ قال: أي والله بأبي أنت وأمي وفوق الرضا، فقال له ابن جعفر:
لكني والله لا أرضى أن أعطيكها هكذا، يا غلام احمل معه مائة ألف درهم كيلا يهتمّ بها وتهتمّ به، قال: فراح بها وبالمال.
«800» - قال مروان بن أبي حفصة: دخلت على الوليد بن يزيد وأنا
(2/309)

غلام شاب ولي جمّة فينانة، وبيد الوليد قضيب، فجعل يشير به إلى جمتي ويقول: إنك لفينان الشعر يا ابن أبي حفصة فمن ولد سكّر أنت؟ قلت:
لا، ثم أنشد الوليد شعرا له: [من الطويل]
ألا أبلغوا أهل الحجاز رسالة [1] ... بأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع
ستوشك أموال معا وزوائد ... وأعطية تأتيكم تتسرّع [2]
قال مروان: فقلت معارضا للوليد: [من الطويل]
أتت منك قطّان الحجاز رسالة ... فأنت بها واف وقولك مقنع
وعدت بها أن تكشف الضر عنهم ... وأبلغها الركبان عنك فاسرعوا
في شعر لمروان طويل؛ ثم أنشدته شعرا مضى فيه فقلت: [من البسيط]
... فقلت لهم ... ذو اللبّ يعلم أنّى تؤكل الكتف
قال: ومعن بن زائدة واقف على رأس الوليد، قال: ثم انصرفت، فقبل أن أخرج من الدار أحسست بإنسان يضرب بين كتفيّ، فالتفتّ فإذا هو معن، فقال لي: يا ذا الكتف إن سمعت بي يوما من دهر قد وقعت في شيء فأتني، قال: ثم خرجت فنسيت قول معن وضرب الدهر من ضربه، ثم حججت في خلافة المنصور، فبينا أنا أطوف في البيت إذا رجل يضرب بين كتفيّ ويقول: يا ذا الكتف، فالتفتّ إليه فلم أعرفه فقال: أنا معن بن
__________
[1] هذا الشطر روي بعدة روايات في المصادر مثل: ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي.
[2] روايته في الديوان:
سيوشك إلحاق بكم وزيادة ... وأعطية تأتي تباعا فتشفع
(2/310)

زائدة، وقد وليت اليمن فالحق بي، فصرت إلى منزله فقلت: أعزّ الله الأمير، إنّ لي أبا شيخا كبيرا وأما عجوزا ولم أقدّر لقاءك في هذا الوجه فأخبرهما به فيسكنا إليه، فأذن لي في الرجوع إليهما واللحوق بك بعد ذلك، فأجابني إلى ما سألت، ونهضت من بين يديه، فلما كنت في بعض الدار تبعني غلام بكيس لا أعلمه إلا قال: خمسمائة دينار وبرد وشي فقال: يقول لك الأمير استعن بهذا على سفرك إلى أهلك ومن أهلك إلينا، فأخذتها ومضيت إلى منزلي، ثم خرجت إليه على طريق نجران فوافيته بصنعاء، فلما دخلت عليه أنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الكامل]
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان
وكان على فراش فنزل عنه، وأمر لي بمال فأعطانيه، ثم أنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الكامل]
مسحت ربيعة وجه معن سابقا ... لما جرى وجرى ذوو الأحساب
خلّى الطريق له الجياد قواصرا ... من دون غايته وهنّ كوابي
وسمت به غرّ سوابق زانها ... كرم النّجار وصحّة الأنساب
فقام من مجلسه إليّ وقبّل رأسي وأمر لي بمال فأعطانيه، فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الطويل]
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفّان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم في الجاهلية أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وان أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
(2/311)

فأمر لي بمال أعطانيه، فقلت له: أغنيتني أغناك الله، فقال: لعن الله من يقدّر أنه قد كافأك يا ابن أبي حفصة.
«801» - وولي معن أذربيجان، فقصده قوم من أهل الكوفة فاستأذنوا، فدخل الحاجب فقال: أعزّ الله الأمير، إنّ بالباب وفدا من أهل العراق، قال: من أيّ العراقين؟ قال: من أهل الكوفة، فأذن لهم، فلما نظر إليهم وثب عن أريكته وأنشأ يقول (الشعر لعباد بن عباد المهلبي) [1] : [من الطويل]
إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم ... مرمّتها فالدهر بالناس قلّب
فأحسن ثوبيك الذي هو لابس ... وأحسن مهريك الذي هو يركب
فبادر بمعروف إذا كنت قادرا ... حذار اقتدار أو غنى منك يعقب
فوثب إليه رجل من القوم فقال: أصلح الله الأمير، أنا أنشدك ما هو أحسن من هذا لابن عمك ابن هرمة، فقال: هات، فقال: [من الطويل]
وللنفس حاجات [2] تحلّ بها العرى ... وتسخو عن المال النفوس الشحائح
إذا المرء لم ينفعك حيا فنفعه ... أقلّ إذا ضمّت [3] عليه الصفائح
لأية حال يمنع المرء ماله [4] ... غدا فغدا والموت غاد ورائح
__________
[1] الشعر ... المهلبي: سقط من ر: م: لعبادة بن عباد.
[2] الجليس: تارات.
[3] الديوان: رصت.
[4] الديوان: لأي زمان يخبأ المرء نفعه.
(2/312)

قال: أحسنت والله، وإن كان الشعر لغيرك، يا غلام أعطهم أربعة آلاف، أربعة آلاف ليستعينوا بها على أمورهم إلى أن يتهيأ لنا فيهم ما نريد، قال الغلام: يا سيدي أعطيهم دنانير أو دراهم؟ قال معن: لا تكون همتك أبعد من همتي صفّرها لهم، فأعطاهم دنانير.
«802» - لم يغسل عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ثوبا قط، كلما استغسل ثوبه كساه، فكلما أراد أحد من أهله أو من غيرهم شيئا من ثيابه قال له: استغسل ثوبك، فيدفعه إليه.
«803» - جاء رجل إلى أحمد بن أبي دواد فقال: أيها القاضي مالي إليك حاجة غير أني أحبّك لعموم معروفك، ثم أنشأ يقول: [من الكامل]
مالي إلى ابن أبي دواد حاجة ... تدني إليه ولا له عندي يد
إلا يد عمّت فكنت كواحد ... ممن يعين على الثناء ويحمد
«804» - كانت العرب تسمي الكلب داعي الضمير، وهادي الضمير، وداعي الكرم، ومتمم النعم، ومشيد الذكر، لما يجلب من الأضياف بنباحه.
والضمير: الضيف الغريب، من أضمرته البلاد إذا غيبته؛ وكانوا إذا اشتد البرد وهبّت الرياح ولم تثبت النيران فرقوا الكلاب حوالي الحيّ وجعلوا لها مظالّ، وربطوها إلى العمد لتستوحش فتنبح فتهدي الضلّال.
«805» - المتنبيّ: [من الطويل]
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
(2/313)

وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
806- غزا تبع الأوس والخزرج فكان يقاتلهم نهارا ويخرجون إليه القرى ليلا.
«807» - سأل الوليد بن عقبة مروان بن الحكم، وهو على المدينة، والمغيرة ابن شعبة، وهو على الكوفة، فلم يجد عندهم طائلا، فانحدر إلى عبد الله بن عامر، وهو على البصرة، فقضى عنه دينه مائة ألف، وأجازه بمائة ألف، فقال: [من الطويل]
ألا جعل الله المغيرة وابنه ... ومروان نعلي بذلة لابن عامر
لكي يقياه الحرّ والقرّ والأذى ... ولسع الأفاعي واحتدام الهواجر [1]
«808» - قال يوسف بن محمد مولى آل عثمان: بعثني عبد الرحمن بن قطن المخزوميّ إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير يستسلفه ألف دينار، فدخلت عليه، فأمر بنجيبة له مريء [2] ، فحلبت في عسّ وطرح فيه طبرزد فشرب وسقاني، ودعا بالألف فأعطانيه، فلم يلبث عبد الرحمن إلا يسيرا أن بعثني بالألف إليه، فدخلت عليه، فحلبت النجيبة وسقيت لبنها مع الطبرزد، وقسم الألف نصفين وقال: خذ خمسمائة وأعطه خمسمائة وقل له: إنا قوم لا نعود فيما خرج منّا.
__________
[1] جاء في ع بعد هذا: تم الجزء الثالث من كتاب التذكرة يتلوه في الرابع إن شاء الله تعالى: قال يوسف بن محمد [مولى] آل عثمان؛ حسبنا الله ونعم الوكيل، بسم الله الرحمن الرحيم وبه أثق. وقد سقط هذا كله من ر م.
[2] مريء: سقطت من م.
(2/314)

«809» - مرّ محمد بن واسع بأسود عند حائط يحفظه، وبين يديه كلب يأكل لقمة ويطعمه لقمة، فقال له: إنك تضرّ [1] بنفسك، فقال: يا شيخ عينه بحذاء عيني، أستحيي أن آكل ولا أطعمه، فاستحسن ذلك منه فاشتراه واشترى الحائط وأعتقه ووهب له الحائط، فقال: إن كان لي فهو في سبيل الله، فاستعظم ذلك منه فقال: يجود هو وأبخل أنا؟ لا كان هذا أبدا.
«810» - وقف أعرابيّ على محمد بن معمر، وكان سخيا، فسأله فخلع خاتمه وأعطاه وقال له: لا تخدعنّ عن هذا الفصّ فانه قام علي بمائة دينار، فهشم الأعرابيّ الخاتم وقلع فصّه وقال: دونكه، فالفضّة تكفيني أياما فقال:
هذا والله أجود مني.
«811» - قدم نهيك بن مالك القشيريّ الملقب بمنهب الورق مكة بعير عليها طعام ومتاع فأنهبه، وقد أنهب ماله بعكاظ ثلاث مرات، فعاتبه خاله فقال: [من البسيط]
يا خال ذرني ومالي ما فعلت به ... وخذ نصيبك منّي إنني مودي
إن نهيكا أبى إلّا خلائقه ... حتى تبيد جبال الحرة السود
فلن أطيعك إلا أن تخلّدني ... فانظر بكيدك هل تسطيع تخليدي
الحمد لا يشترى إلّا له ثمن ... ولن أعيش بمال غير محمود
«812» - لقي سليمان بن المغيرة شعبة فشكا إليه الحاجة، وكان راكب
__________
[1] م: بصير.
(2/315)

حمار فقال: والله ما أملك من الدنيا إلا هذا الحمار، فنزل عنه ودفعه إليه.
«813» - دخل طلحة بن عبد الله بن عوف سوق الظّهر يوما فوافق فيه الفرزدق، فقال: يا أبا فراس، اختر عشرا من الابل، ففعل، فقال: ضمّ إليها مثلها، فلم يزل يقول ذلك حتى بلغت مائة فقال: هي لك، فقال:
[من الكامل]
يا طلح أنت أخو الندى وعقيده ... إنّ الندى إن مات طلحة ماتا
إن الندى ألقى إليك رحاله ... فبحيث بتّ من المنازل باتا
«814» - وقدم الفرزدق المدينة فتلقاه من نعى إليه طلحة فقال: بفيك التراب والحجر، ودخل من رأس الثنيّة يولول ويقول: يا أهل المدينة أنتم أذلّ قوم في الأرض، غلبكم الموت على طلحة.
«815» - وخرج طلحة ومع غلامه سبعة آلاف درهم، فقال له أعرابي: أعنّي على الدهر، فقال لغلامه: انثرها في حجر الأعرابي، فذهب يقلّها فعجز عنها فبكى، فقال: لعلك استقللتها، فقال: لا والله، ولكن تفكرت فيما تأكل الأرض من كرمك فبكيت.
«816» - وفد أبو عطاء السنديّ على نصر بن سيار بخراسان مع رفيقين له، فأنزله وأحسن إليه وقال: ما عندك يا أبا عطاء؟ قال: وما عسى أن أقول وأنت أشعر العرب؟ غير أني قلت بيتين، قال: هاتهما، فقال: [من البسيط]
(2/316)

يا طالب الجود إما كنت طالبه ... فاطلب على نأيه نصر بن سيّار
الواهب الخيل تعدو في أعنّتها ... مع القيان وفيها ألف دينار
فأعطاه ألف دينار ووصائف ووصفاء، وحمله وكساه، فقسم ذلك بين رفيقيه ولم يأخذ منه شيئا، فبلغه ما فعل فقال: ماله قاتله الله من سنديّ فما أضخم قدره!! ثم أمر له بمثله.
«817» - خرج الحسنان وعبد الله بن جعفر وأبو حبّة الأنصاريّ من مكة إلى المدينة، فأصابتهم السماء فلجأوا إلى خباء أعرابي، فأقاموا عنده ثلاثا حتى سكنت السماء، وذبح لهم، فلما ارتحلوا قال له عبد الله: إن قدمت المدينة فسل عنّا، فاحتاج الأعرابي بعد سنين، فقالت له امرأته: لو أتيت المدينة فلقيت أولئك الفتيان، فقال: قد أنسيت أسماءهم، قالت: سل عن ابن الطيار، فأتاه فقال: الق سيدنا الحسن، فلقيه فأمر له بمائة ناقة بفحولها ورعائها، ثم أتى الحسين فقال: كفانا أبو محمد مؤونة الابل، فأمر له بألف شاة، ثم أتى عبد الله بن جعفر فقال: كفاني أخواي الابل والشاء، فأمر له بمائة ألف درهم، ثم أتى أبا حبّة فقال: والله ما عندي مثل ما أعطوك، ولكن جئني بإبلك، فأوقرها له تمرا، فلم يزل اليسار في أعقاب الأعرابيّ.
«818» - قال المأمون لمحمد بن عباد: بلغني أنّ فيك سرفا، قال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظن بالمعبود، فأمر له بمائة ألف درهم وقال:
(2/317)

أنا مادتك، والله مادتي، فأنفق ولا تبخل.
«819» - بخلاء العرب أربعة: الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان.
«820» - أما الحطيئة فمرّ به ابن الحمامة وهو جالس بفناء بيته فقال:
السلام عليكم، فقال: قلت ما لا ينكر، فقال: إني خرجت من أهلي بغير زاد، فقال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: فتأذن لي أن آتي ظلّ بيتك فأتفيأ به؟ فقال: دونك الجبل يفىء عليك، قال: أنا ابن الحمامة، قال:
انصرف وكن ابن أيّ طائر شئت.
«821» - وأتاه رجل وهو في غنم له فقال: يا صاحب الغنم، فرفع الحطيئة العصا وقال: إنها عجراء من سلم، فقال: إني ضيف، قال:
لكعاب الضيفان أعددتها، فانصرف عنه.
«822» - وأما حميد الأرقط فكان هجاء للضيفان فحّاشا عليهم، فنزل به ضيف ذات ليلة فقال لامرأته: نزل بك البلاء فقومي وأعدّي لنا شيئا، فجعل الضيف يأكل متنفّجا ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلما فرغ قال حميد: [من الطويل]
(2/318)

يحرّ على الأطناب من جذل بيتنا ... هجفّ [1] لمخزون التحية باذل
يقول وقد ألقى المراسي للقرى [2] ... ابن لي ما الحجاج بالناس فاعل
فقلت لعمري ما لهذا أتيتنا [3] ... فكل ودع الأخبار [4] ما أنت آكل
تدبّل [5] كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الصدر ما حازت عليه الأنامل
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنّه ... من العيّ لما أن تكلّم باقل
«823» - ونزل به أضياف فأطعمهم تمرا وهجاهم وادّعى عليهم أنهم أكلوه بنواه فقال: [من البسيط]
باتوا وجلّتنا الشهريز حولهم ... كأنّ أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنّوى ملقى معرّسهم ... وليس كلّ النوى ألقى المساكين
«824» - وأما أبو الأسود فعمل دكانا عاليا يجلس عليه، فكان ربما أكل عليه فلا يناله المجتاز، فمر به أعرابيّ على جمل، فعرض عليه أن يأكل معه، وظنّ أنه لا يناله، فأناخ الاعرابيّ بعيره حتى وازى الدكان وأكل معه، فلم يجلس بعدها عليه.
825- وتصدق على سائل بتمرة، فقال له السائل: جعل الله نصيبك
__________
[1] الهجف: الطويل الضخم.
[2] البكري: مراسي مقعد.
[3] البكري: طرقتنا.
[4] البكري: التسآل.
[5] يدبل: يعظم اللقمة.
(2/319)

من الجنة مثلها.
«826» - وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا كنا أسوأ حالا منهم.
«827» - وأما خالد بن صفوان فكان إذا أخذ جائزته قال للدرهم: والله لطالما سرت في البلاد، أما والله لأطيلنّ ضجعتك ولأديمن صرعتك.
«828» - وقيل لخالد: مالك لا تنفق فإن مالك عريض؟ قال: الدهر اعرض منه؛ قيل له: كأنك تأمل أن تعيش الدهر كله، قال: ولا أخاف أن اموت في أوله.
«829» - وأحيحة بن الجلاح ممن كان يبخّل، وكان إذا هبّت الصّبا طلع من أطمه فنظر إلى ناحية هبوبها ثم يقول: هبّي هبوبك، فقد أعددت لك ثلاثمائة وستين صاعا من عجوة أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات فيردّ علي ثلاثا لصلابتها بعد جهد، ما يلوك منها اثنتين.
«830» - وتضرب العرب بمادر المثل [1] في اللؤم تقول: هو ألام من
__________
[1] م: ويضرب المثل بمادر ...
(2/320)

مادر، يزعمون أنه بنى حوضا وسقى إبله، فلما أصدرها سلح في الحوض لئلا يسقي غيره فيه.
«831» - وكان عمر بن يزيد الأسدي مبخّلا جدا، فأصابه القولنج، فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحلّ ما في بطنه في الطّست، فقال للغلام: ما تصنع به؟ قال: أصبّه، قال: لا ولكن ميّز الدهن منه واستصبح به.
«832» وجاءه الحكم بن عبدل الأسدي ومعه جماعة من قومه يسألونه حاجة، فدخلوا إليه وهو يأكل تمرا، فلم يدعهم إليه، وذكروا حاجتهم فلم يقضها، فقال فيه ابن عبدل. [من البسيط]
جئنا وبين يديه التمر في طبق ... فما دعانا أبو حفص ولا كادا
علا على جسمه ثوبان من دنس ... لؤم وكفر ولولا أيره سادا
قال ذلك لأن أباه وجده مع أمة له فكان يعيّر بذلك.
«833» كان الحكم بن أيوب من ولد أبي عقيل الثقفي بخيلا، وكان عاملا على البصرة، فاستعمل رجلا من بني مازن يقال له جرير بن بيهس، ولقبه العطرّق، على العرق، [فخرج الحكم يتنزّه وهو باليمامة] فأتي بغدائه، فدعا العطرق فتغدّى معه، وجاءوا بدراجة فتناول العطرق فخذها فانتزعها، فعزله الحكم واستعمل مكانه نويرة بن شقيق أحد بني حارثة بن حرقوص، فقال نويرة: [من البسيط]
قد كان بالعرق صيد لو قنعت به ... فيه غنى لك عن درّاجة الحكم
(2/321)

وفي عوارض ما تنفكّ آكلها ... لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم
وفي وطاب مملّاة متمّمة ... فيها الصريح الذي يشفي من السقم
ثم استعمل الحكم مكانه رجلا من بني ضبة يقال له المحلق، فقال نويرة للحكم: [من الطويل]
أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ... ونصحي إذن ما بعتني بالمحلّق
ولا اعتلّ سرّاق العراقة صالح ... عليّ ولا كلّفت ذنب العطرق
صالح بن كدير المازني كان على استخراج الحجاج فدفع إليه رجلا ليستخرج منه مالا فدفنه حيا فلقّبه الحجاج «قفل الأمانة» .
«834» - قال أنو شروان لأصحابه: أيّ شيء أضرّ على الإنسان؟
قالوا: الفقر، قال: الشحّ أضرّ منه، لأنّ الفقير إذا وجد اتسع، والشحيح لا يتّسع وإن وجد.
«835» - وقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: البخل جامع لمساوىء العيوب، وهو زمام يقاد به إلى كلّ سوء.
«836» - قيل لحبّى المدنية: ما السّقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم الذي [1] لا يجدي عليه.
__________
[1] الذي: سقطت من ر.
(2/322)

«837» - قيل لجعفر بن محمد: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب، فقال: ولم يا ويحه مع ما قد مكّن الله له من السلطان وجبى إليه من الأموال؟ فقيل له: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال فقال: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما ترك له دينه [1] .
«838» - وكان المنصور شديد البخل، حدا به سلم الحادي في طريقه إلى الحجّ، فحدا يوما بقول الشاعر: [من الرجز]
أغر بين حاجبيه نوره ... يزينه حياؤه وخيره
ومسكه يشوبه كافوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره
فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل ثم قال: يا ربيع، أعطه نصف درهم، فقال سلم: نصف درهم يا أمير المؤمنين؟ والله لقد حدوت بهشام فأمر لي بثلاثين ألف درهم، فقال المنصور: ما كان له أن يعطيك ثلاثين ألف درهم من بيت مال المسلمين، يا ربيع وكلّ به من يستخرج منه هذا المال، فقال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه وقفوله بغير مؤونة.
«839» - كان الحارثي يقول: الوحدة خير من جليس السوء، وأكيل السوء شر من جليس السوء، لأن كلّ أكيل جليس وليس كلّ جليس أكيلا.
__________
[1] سقطت الفقرات 837- 843 من النسخة ر.
(2/323)

«840» - وكان لسوار القاضي كاتبان، رزق أحدهما أربعون درهما والآخر عشرون درهما، فكتب إلى المنصور يسأله أن يلحق صاحب العشرين بالأربعين فأجابه بأن يحطّ من الأربعين عشرة ويزيدها صاحب العشرين حتى يعتدلا.
«841» - وكان عبد الملك بن مروان بخيلا فقال يوما لكثّير: أيّ الشعر أفضل؟ قال: أفضله قول المقنّع: [من البسيط]
إنّي أحرّض أهل البخل كلّهم ... لو كان ينفع أهل البخل تحريضي
يعرّض ببخله، فقال عبد الملك وعرف ما أراد: الله أصدق من المقنّع حيث يقول: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
(الفرقان: 67) .
«842» - قال العبّاس بن المأمون لغلامه: إني رأيت [في] الرصافة نقلا حسنا، فاشتر لي منه بنصف درهم [فقال المأمون: أما وقد عرفت للدرهم] نصفا فو الله لا أفلحت أبدا.
«843» .- (1) قال أبو الشمقمق: [من الوافر]
طعامك في السحاب إذا التقينا ... وخبزك عند منقطع التراب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
(2) وقال أيضا في سعيد بن سلم: [من الكامل]
(2/324)

هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد
تالله لو ملك البحور بأسرها ... وأتاه سلم في زمان مدود
يبغيه منها شربة لطهوره ... لأبي وقال تيممن بصعيد
«844» - وقال آخر: [من الوافر]
فتى لرغيفه شنف وقرط ... ومرسلتان من خرز وشذر
ودون رغيفه لمس الثريا ... ويوم مثل وقعة يوم بدر
وإن ذكر [1] الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر
«845» - آخر: [من البسيط]
وأبغض الضيف ما بي جلّ مأكله ... لكن تنفّجه حولي إذا قعدا
ما زال ينفض جنبيه وحبوته ... حتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا
«846» - آخر: [من الطويل]
وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة ... مخافة أن يضرى بنا فيعود
847- آخر: [من الطويل]
إذا المرء أثرى ثم قال لقومه ... أنا السيّد المفضى إليه المعمّم
__________
[1] ر: إذا كسر.
(2/325)

ولم يعطهم شيئا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو ألوم
«848» - آخر: [من الطويل]
إذا كنت جماعا لمالك ممسكا ... فأنت عليه خازن وأمين
تؤديه مذموما إلى غير حامد ... فيأكله عفوا وأنت دفين
«849» - وقال الرضي الموسوي: [من البسيط]
واجعل يديك مجاز المال تحظ به ... إنّ الأشحّاء للورّاث خزّان
85»
- روي أنه افتقر رجل من الصيارفة بإلحاج الناس في أخذ أموالهم التي كانت عليه، وتعذّر أمواله التي له عند الناس، فسأل جماعة من الجيران أن يصيروا معه إلى رجل من قريش كان موسرا من أولاد أجوادهم ليسدّ من خلته، فصاروا إليه فجلسوا في الصحن، فخرج إليهم يخطر بقضيب في يده، حتى ثنى وساده فجلس عليها، فذكروا حاجتهم وخلّة صاحبهم مع قديم نعمته وقرب جواره، فخطر بالقضيب ثم قال متمثلا: [من الطويل]
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو صديق توامقه
(2/326)

بخلت وبعض البخل حزم وقوة ... ولم يفتلذك المال إلا حقائقه
ثم أقبل على القوم وقال: إنّا والله ما نجمد عن الحقّ ولا نتدفّق في الباطل، وان لنا لحقوقا تشغل فضول أموالنا، وما كلّ من أفلس من الصيارفة احتلنا لجبره، قوموا يرحمكم الله، قال: فابتدر القوم الأبواب.
قوله: يفتلذك يقول: يقطع منك، يقال: فلذ له أي قطع له.
«851» - قال الجاحظ: يقول المروزي لزائره إذا أطال عنده: تغديت اليوم؟ فان قال: نعم، قال: لولا أنك تغديت لغديتك بطعام طيّب، فإن قال: لا قال: لو كنت تغديت لسقيتك خمسة أقداح، فلا يكون في يده على هذين الوجهين قليل ولا كثير.
«852» - كان أبو العتاهية ومروان بن أبي حفصة بخيلين يضرب بهما المثل، ويحسن فيهما قول أحمد بن أبي فنن: [من الطويل]
وإن أحقّ الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل
وكان سلم الخاسر سمحا، فكان يأتي باب المهديّ وعليه الثياب الجميلة، ورائحة الطيب تفوح منه، وتحته برذون فاره، وكان مروان يأتي وعليه فرو كبل منتن الرائحة، وكان لا يأكل اللحم حتى يقرم إليه، فإذا همّ بأكله اشترى رأسا، فقيل له في ذلك فقال: أعرف سعره فآمن خيانة الغلام فيه، وآكل منه ألوانا، آكل من غلصمته لونا، ومن عينيه لونا، ومن دماغه لونا.
«853» - وقال مروان: ما فرحت بشيء قطّ فرحي بمائة ألف درهم
(2/327)

وهبها إليّ المهدي فوزنتها فزادت درهما فاشتريت به لحما.
«854» - واشترى لحما بدرهم فلما وضعه في القدر وكاد أن ينضج دعاه صديق له، فردّه على القصّاب بنقصان دانق، فشكّه القصّاب وجعل ينادي:
هذا لحم مروان، وظنّ أنه يأنف لذلك، فبلغ الرشيد فقال: ويلك ما هذا؟
قال: أكره الإسراف.
«855» - ولما قال أبو العتاهية: [من الوافر]
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تصير إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى زوال
قال سلم: ويلي على الجرّار ابن الفاعلة قد كنز الكنوز لا ينفق منها وينسبني إلى الحرص، ولا أملك غير ثوبيّ هذين؟! «856» - واجتاز مروان بامرأة من العرب فأضافته، فقال لها: عليّ إن وهب لي أمير المؤمنين مائة ألف درهم أن أهب لك درهما فأعطاه سبعين ألفا فأعطاها أربعة دوانيق.
«857» - قال ثمامة بن أشرس: أنشدني أبو العتاهية: [من الطويل]
إذا المرء لم يعتق من المال نفسه ... تملّكه المال الذي هو مالكه
إلا إنما مالي الذي أنا منفق ... وليس لي المال الذي أنا تاركه
(2/328)

إذا كنت ذا مال فبادر به الذي ... يحقّ وإلا استهلكته مهالكه
فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ فقال: من قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت؛ فقلت له: هذا قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: نعم، قلت: فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة في دارك لا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكّي ولا تقدّمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك؟ فقال: يا أبا معن، والله إنّ ما قلت لهو الحقّ ولكنّي أخاف الفقر والحاجة إلى الناس، قلت: وبماذا يزيد حال من افتقر على حالك، وأنت دائم الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟ فترك جوابي كلّه ثم قال لي: والله لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم، فأضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه، وعلمت أنه ممن لم يشرح الله صدره للإسلام.
«858» - وقال له بعض إخوانه: أتزكّي مالك؟ فقال: والله ما أنفق على عيالي إلا من زكاة مالي، فقال: سبحان الله، إنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين، فقال لي: لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم.
859- وقيل له: مالك تبخل بما رزقك الله تعالى؟ فقال: والله ما بخلت بما رزقني الله قطّ، قيل له، وكيف ذلك، وفي بيتك من المال ما لا يحصى؟ قال: ليس ذلك رزقي، ولو كان رزقي أنفقته.
«860» - حدّث ذارع من أهل البصرة قال: دعاني خالد بن صفوان
(2/329)

فقسمت له مالا وأقمت حسابه، فلما كان عند الظهر دعا بالغداء فجاءوه بدجاجة، وجاءوني بزيتون وبصل، فقال لي: تشتهي أن تأكل من هذه الدجاجة؟ قلت: وما عليك لو أكلت منها؟ قال: إذن كنت أنا وأنت في مالي سواء، فما ينفعني مالي.
861- وقد قال بخيل آخر في مثل ذلك: إذا أكلت كما آكل فأين فضل المالك؟
«862» - عمل سهل بن هارون كتابا مدح فيه البخل وأهداه إلى الحسن ابن سهل، فوقّع على ظهره: قد جعلنا ثوابك عليه ما أمرت به فيه.
«863» - قال أبو نواس [1] ، قلت لبخيل: لم تأكل وحدك؟ فقال:
ليس في هذا سؤال، إنّما السؤال على من أكل مع الجماعة لأنّ ذاك تكلّف وهذا هو الأصل.
«864» - قال الكندي: من ذلّ البذل أنك [2] تقول نعم مطأطئا رأسك، ومن عزّ المنع أنك [3] تقول: لا، رافعا رأسك.
«865» - دخل هشام بن عبد الملك حائطا له وفيه أشجار فاكهة، ومعه
__________
[1] م: أنوشروان.
[2] م: أن.
[3] م: أن.
(2/330)

أصحابه، فجعلوا يأكلون منه ويدعون بالبركات، فقال هشام: كيف يبارك فيه وأنتم تأكلون؟ ثم قال: يا غلام، اقلع هذا واغرس مكانه الزيتون.
«866» - قال صعصعة: أكلت عند معاوية لقمة فقام بها خطيبا قيل:
وكيف ذاك؟ قال: كنت آكل معه فهيأ لقمة ليأكلها وأغفلها فأخذتها، فسمعته بعد ذلك يقول في خطبته: أيها الناس، أجملوا في الطلب فربّ رافع لقمة إلى فيه تناولها غيره.
«867» - أصاب أعرابيّ درهما في كناسة الكوفة [1] فقال: أبشر أيها الدرهم وقرّ قرارك، فطالما خيض فيك الغمار، وقطعت فيك الأسفار، وتعرّض فيك للنار.
«868» - وكان بعض البخلاء إذا صار الدرهم في يده خاطبه وناجاه وفدّاه واستبطأه وقال: بأبي أنت وأمي، كم من أرض قطعت، وكيس خرمت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع [2] أخملت، لك عندي ألا تعرى ولا تضحى، ثم يلقيه في كيسه ويقول: اسكن على اسم الله في مكان لا تزول عنه ولا تزعج منه.
«869» - وقال محمد بن أبي المعافى [3] : كان أبي متنحّيا [4] عن المدينة.
__________
[1] م: في الكوفة.
[2] م: وكم من رفيع.
[3] : ابن المعافى.
[4] م: متناحيا.
(2/331)

وكانت إلى جنبه مزرعة فيها قثّاء، وكنت صبيّا قد ترعرعت، فجاءني صبيان من جيراننا أقران لي، وكلمت أبي ليهب لي درهما أشتري به قثاء، فقال لي:
أتعرف حال الدرهم؟ كان في حجر في جبل فضرب بالمعاول حتى استخرج ثم طحن ثم أدخل القدور وصبّ عليه الماء وجمع بالزئبق ثم أدخل النار فسبك ثم أخرج فضرب، وكتب في أحد شقيه لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وفي الآخر محمد رسول الله، ثم صيّر إلى أمير المؤمنين فأمر بادخاله بيت ماله، ووكّل به عوج القلانس صهب السبال ثم وهب [1] لجارية حسناء جميلة، وأنت والله أقبح من قرد، أو رزقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صفرد، فهل ينبغي لك أن تمسّ الدرهم إلا بثوب؟! «870» - أهل مرو موصوفون بالبخل، ومن عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كل واحد منهم قطعة لحم ويشدّها في خيط، ويجمعون اللحم كلّه في قدر، ويمسك كلّ واحد منهم طرف خيطه، فإذا نضجت القدر جرّ كلّ واحد خيطه وتفرّد بأكل ما فيه، وتساعدوا على المرقة.
«871» - وحكي عنهم أنهم تخارجوا ثمن [2] بزر للسراج [3] ، وانفرد أحدهم فلم يوافقهم، فشدوا عينه لئلا يرى ضوء السراج.
872- ومن طريف [4] أمورهم أنهم يستعملون الخادم في ستة أعمال في وقت واحد: تحمل الصبيّ وتشدّ البربند في صدرها [5] فتدور وتطحن، وفي
__________
[1] م: وهبه.
[2] ثمن: سقطت من ر.
[3] م: بزر السراج.
[4] م: ظرائف.
[5] م: وسطها.
(2/332)

ظهرها سقاء تمخضه باختلافها وحركتها، وتدوس طعاما قد ألقي تحت رجليها، وتلقي الحنطة في الرحى، وتطرد العصافير عن طعام قد وكلت به.
«873» - قال العتبيّ: لو بذلت الجنة للأصمعي بدرهم لا ستنقص شيئا.
«874» - وسأله متكفّف فقال: لا أرضى لك ما يحضرني، فقال السائل: أنا أرضى به، فقال الأصمعي: بورك فيك.
«875» - أكل أعرابيّ مع أبي الأسود رطبا فأكثر، ومدّ أبو الأسود يده إلى رطبة ليأخذها، فسبقه الأعرابيّ إليها وأخذها، فسقطت في التراب فأخذها وجعل يمسحها ويقول: لا أدعها للشيطان، فقال أبو الأسود: ولا لجبريل وميكائيل لو نزلا.
«876» - وسأله رجل شيئا فمنعه فقال له: يا أبا الأسود، ما أصبحت حاتميا، فقال: بل أصبحت حاتميا، أما سمعت حاتما يقول: [من الطويل]
أماويّ إمّا مانع فمبيّن ... وإما عطاء لا ينهنهه الزّجر
«877» - ودخل أبو الأسود السوق [يشتري ثوبا] فقال له رجل: ادن أقاربك [في هذا الثوب] قال له: إن لم تقاربني أنت باعدتك أنا [بكم
(2/333)

[هو] ، قال: طلب بكذا قال أبو الأسود: أراك تحدّث بخير قد فاتك.
«878» - سمع أبو الأسود رجلا يقول: من يعشيّ الجائع؟ فعشّاه ثم ذهب السائل ليخرج، فقال: هيهات، عليّ أن لا تؤذي المسلمين الليلة، فوضع رجله في الأدهم وقال: لا تروّع مسلما سائر الليلة.
«879» - ووقف على بابه سائل وهو يأكل فقال: السلام عليكم، قال: كلمة مقولة، قال: أدخل؟ قال: وراءك أوسع لك، قال: إنّ الرمضاء قد أحرقت رجليّ، قال: بل عليهما؛ وأغلق دونه الباب [1] .
«880» - وقف أعرابيّ على أبي الأسود وهو يتغدى فسلّم فردّ عليه، ثم أقبل على الأكل ولم يعرض عليه، فقال له الأعرابي: أما إني قد مررت بأهلك، قال: كان ذلك طريقك، قال: هم صالحون، قال: كذلك هم، قال: وأمرأتك حبلى، قال: كذلك كان عهدي بها، قال:
وولدت، قال: ما كان بدّ لها أن تلد، قال: ولدت غلامين، قال: كذاك كانت أمها، قال: مات أحدهما قال: ما كانت تقوى على رضاع اثنين، قال: ثم مات الآخر، قال: ما كان ليبقى بعد أخيه، قال: وماتت الأمّ، قال: حزنا على ولدها، قال: ما أطيب طعامك!! قال: ذاك حداني على أكله، قال: أفّ لك ما ألأمك، قال: من شاء سبّ صاحبه.
__________
[1] م: الباب دونه.
(2/334)

«881» - كان الثوري يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرطب وتعوّدوا ابتلاعه فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفىء الكليتين، واعتبروا ذلك ببطون الصفايا وجميع ما يعتلف النوى، والله لو حملتم أنفسكم على قضم الشعير واعتلاف القتّ لوجدتموها سريعة القبول فقد يأكل الناس القتّ قداحا والشعير فريكا ونوى البسر الأخضر والعجوة، وأنا أقدر أن أبيع النوى وأعلفه الشاء، ولكن أقول هذا بالنظر لكم.
«882» - وكان يقول لهم: كلوا الباقلاء بقشوره فإن الباقلاء يقول: من أكلني ولم يأكل قشوري فأنا آكله، فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم وأكلا لما جعل أكلا لكم.
«883» - قال الجاحظ: كنا نسمع باللئيم الراضع، وهو الذي يرضع الخلف لئلا يسمع صوت الحلب أو يضيّع من الشخب شيئا، ثم رأيت أبا سعيد المدائني قد صنع أعظم من ذلك، اصطبغ من دنّ خلّ حتى فني وهو قائم ولم يخرج منه شيئا.
«884» - كان الكندي [1] لا يزال يقول للساكن من سكانه والمجاور له:
إنّ في داري امرأة بها حمل، والوحمى ربما أسقطت من ريح القدر الطيبة فإذا طبختم فردّوا شهوتها بغرفة أو قطعة فإن النفس يردّها اليسير، وإن لم تفعل ذلك فأسقطت فعليك غرة: عبد أو أمة.
__________
[1] ع م: المنذر.
(2/335)

«885» - دعبل [1] : [الكامل المجزوء]
استبق ودّ أبي المقا ... تل حين تأكل من طعامه
سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه
وتراه من خوف النزي ... ل به يروّع في منامه
«886» - ذكر أعرابيّ قوما فقال: ألقوا من الصلاة الأذان، لئلا تسمعه الآذان [2] ، فتدلّ عليهم الضيفان.
«887» - قال الأصمعي: سمعت بيتين لم أحفل بهما، ثم قلت هما على حال خير من وضعهما من الكتاب، فإني عند الرشيد يوما وعنده عيسى بن جعفر، فأقبل على مسرور الكبير [3] فقال: يا مسرور [4] كم في بيت مال السرور؟
فقال: ما فيه شيء، قال عيسى: هذا بيت مال الحزن، فاغتمّ لذلك الرشيد وأقبل على عيسى وقال: والله لتعطين الأصمعيّ سلفا على بيت مال السرور ألف دينار، فوجم عيسى وانكسر، فقلت في نفسي: جاء موقع البيتين، وأنشدت الرشيد: [من الطويل]
إذا شئت أن تلقى أخاك معبسا ... وجدّاه في الماضين كعب وحاتم
فكشّفه عما في يديه فإنما ... تكشّف أخبار الرجال الدراهم
قال: فتجلّى عن الرشيد وقال: يا مسرور، أعطه على بيت مال السرور
__________
[1] م: وأنشد دعبل.
[2] م: الأذن.
[3] الكبير: زيادة من ر.
[4] يا مسرور: سقطت من ع.
(2/336)

ألفي دينار فأخذت بالبيتين ألفي دينار وما كانا يساويان عندي در همين.
«888» - كان المغيرة بن شعبة من المدمنين للشراب، فقال لصاحب له يوم خيبر [1] قد قرمت إلى الشراب، ومعي درهمان زائفان، فأعطني زكرتين، فأعطاه فصب في إحداهما ماء وأتى بعض الخمارين فقال: كل بدرهمين، فكال في زكرته فأعطاه الدرهمين فردّهما، وقال هما زائفان، فقال: ارتجع ما اعطيتني فكاله وأخذه، وبقيت بقية في الزكرة بقدر الماء فصبّها في الفارغة، ثم فعل ذلك بكل خمار أتاه حتى ملأ زكرته، ورجع ومعه درهمان.
«889» - كان إبراهيم بن علي بن هرمة- جدّه هرمة [2]- دعيّا في الخلج، والخلج أدعياء في قريش، فكان يقول: أنا ألأم العرب، دعيّ أدعياء؛ وأراد الحارث بن فهر نفيه فقال: [من الطويل]
أحار بن فهر كيف تطّرحونني ... وجاني العدى من غيركم يبتغي نصري
فصار من ولد فهر في ساعته.
«890» - قال [عبد الله بن أبي] عبيدة [3] بن محمد بن عمار بن ياسر:
زرت عبد الله بن حسن [4] بباديته وزاره ابن هرمة، فجاءه رجل من أسلم، فقال ابن هرمة لعبد الله بن حسن: أصلحك الله، سل الأسلميّ أن يأذن لي أن أخبرك خبري وخبره، فقال له عبد الله: إيذن له، فأذن له الأسلميّ،
__________
[1] م: لصاحب له خبير (وقوله: يوم خبير محير حقا) .
[2] جده هرمة: زيادة من ر.
[3] ر ع م: قال أبو عبيدة.
[4] بن حسن بن حسين؛ م: بن حسن بن حسن.
(2/337)

فقال له ابن هرمة: إني خرجت أصلحك الله أبغي ذودا فأوحشت وضفت هذا الأسلميّ، فذبح لي شاة وخبز لي خبزا وأكرمني، ثم غدوت من عنده فأقمت ما شاء الله، ثم خرجت أيضا في بغاء ذود لي فأوحشت، فقلت: لو ضفت هذا الأسلمي، فملت إليه فجاءني بلبن وتمر، ثم خرجت بعد ذلك فقلت لو ضفت الأسلمي فاللبن والتمر خير من الطوى، فضفته فجاءني بلبن حامض، فقال: قد أجبته أصلحك الله إلى ما سأل، فسله أن يأذن لي أن أخبرك لم فعلت ذلك. فقال: إيذن له، فأذن له، فقال الأسلميّ: ضافني فسألت من هو، فقال: رجل من قريش، فذبحت له الشاة التي ذكر، والله لو كان لي غيرها لذبحت له حين ذكر أنه من قريش، ثم غدا من عندي وغدا الحيّ فقالوا: من كان ضيفك البارحة؟ فقلت: رجل من قريش، فقالوا: ليس من قريش ولكنه دعيّ فيها، ثم ضافني الثانية على أنه دعيّ في قريش فجئته بلبن وتمر، وقلت: دعيّ من قريش خير من غيره، ثم غدا من عندي وغدا الحيّ فقالوا: من كان ضيفك البارحة؟ فقلت ذلك الرجل الذي زعمتم أنه دعيّ من قريش، فقالوا: لا والله ما هو دعيّ قريش، ولكنه دعيّ أدعياء قريش، فقريته الثالثة لبنا حامضا، وو الله لو كان عندي شرّ منه لقريته إياه.
قال: فانخزل ابن هرمة، وضحك عبد الله وضحكنا معه.
891- وقيل: كان سليم [1] بن سلام من أبخل الناس، قال أبو الحواجب [2] الأنصاري: قال لي سليم يوما: امض إلى موسى بن إسحاق الأزرق فادعه، ووافياني مع الظهر، فجئناه فأخرج إلينا ثلاثين جارية محسنة ونبيذا ولم يطعمنا شيئا، فغمز موسى غلامه فذهب فاشترى لنا خبزا وبيضا وأدخله إلى الكنيف وجلسنا نأكل، فلما رآنا سليم غضب وخاصمنا وقال:
أهكذا يفعل الناس؟ تأكلون ولا تطعموني؟ وجلس معنا يأكل أكل واحد منّا
__________
[1] م: سلم (في هذا الموضع) .
[2] م: أبو الحاجب.
(2/338)

حتى فني الخبز والبيض.
«892» - وقد أشار جماعة من شعراء العرب إلى الحثّ على البخل بطريق الارشاد والتبصير (1) فمن ذلك قول المتلمس الضّبعيّ: [من الوافر]
لحفظ المال خير من بغاه ... وسير في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
(2) وقول الشماخ: [من الوافر]
لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعفّ من القنوع
(3) وقول أبي قيس بن الأسلت: [من الوافر]
بنيّ متى هلكت وأنت حيّ ... فلا ترحم فواضلك العديما
ومالك فاصطنعه وأصلحنه ... تجد فيه الفواضل والنعيما
(4) وقول أحيحة بن الجلاح وكان شديد البخل: [من البسيط]
ولن أزال على الزوراء أعمرها ... إنّ الكريم على الإخوان ذو المال
(2/339)

«892» .- (5) وقول عدي بن زيد: [من البسيط]
البس جديدك إني لابس خلقي ... ولا جديد لمن لم يلبس الخلقا
«893» - قال العتبيّ: قدم معن بن أوس مكة على ابن الزبير فأنزله دار الضيفان، وكان ينزلها الغرباء وابن السبيل والضيفان، فأقام يومه لم يطعم شيئا، حتى إذا كان الليل جاءهم ابن الزبير بتيس هرم هزيل فقال: كلوا من هذا، وهم نيّف وسبعون رجلا، فغضب معن وخرج من عنده، فأتى عبيد الله بن العبّاس فقراه وحمله وكساه، ثم أتى عبد الله بن جعفر وحدّثه حديثه فأعطاه حتى أرضاه، وأقام عنده ثلاثا ثم رحل، وقال يهجو ابن الزبير ويمدح ابن جعفر وابن العبّاس: [من الطويل]
ظللنا بمستنّ الرياح غديّة ... إلى أن تعالى اليوم في شر محضر
لدى ابن الزبير خاسئين [1] بمنزل ... من الخير والمعروف والرفد مقفر
رمانا أبو بكر وقد طال يومنا ... بتيس من الشاء الحجازيّ أعفر
وقال اطعموا منه ونحن ثلاثة ... وسبعون إنسانا فيا لؤم مخبر
فقلت له لا تقرين [2] فأمامنا ... جفان ابن عباس العلا وابن جعفر
وكن آمنا وانعق بتيسك إنه ... له أعنز ينزو عليها وأبشر
«894» - وكان عبد الله بن الزبير شديد البخل، وخبره مع عبد الله بن
__________
[1] م والأغاني: جالسين.
[2] الأغاني: لا تقرنا؛ م: تقربن.
(2/340)

فضالة، وقيل مع أبيه فضالة، مشهور حين أتاه مسترفدا وشكا إليه جهد سيره ونقب راحلته، فقال: أرقعها بسبت واخصفها بهلب وسر بها [1] البردين تصحّ، فقال: إني أتيتك مستحملا ولم آتك مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إنّ وراكبها، فقال عبد الله بن فضالة أبياتا منها: [من الوافر]
شكوت إليه أن نقبت قلوصي ... فردّ جواب مشدود الصّفاد
يضنّ بناقة ويروم ملكا ... محال ذاكم غير السّداد
895- ولما حوصر ابن الزبير كانت عنده البيوت مملوءة قمحا وذرة، وأصحابه يموتون جوعا، فقيل له فرقها فيهم، فلم يفعل، واحتجّ بأنّ قلوبهم قوية ما لم يفن.
«896» - كانت بين بني الديل وبني الليث منازعة، فقتلت بنو الديل منهم رجلا ثم اصطلحوا بعد ذلك على أن يؤدوا ديته، فاجتمعوا إلى أبي الأسود يسألونه المعونة على أدائها، وألحّ عليه منهم غلام ذو بيان وعارضة يقول: يا أبا الأسود، أنت شيخ العشيرة وسيدهم، وما يمنعك من معاونتهم [2] قلة ذات يد ولا سؤدد ولا جود، فلما أكثر أقبل عليه أبو الأسود ثم قال له:
قد أكثرت يا ابن أخي، فاستمع مني: إنّ الرجل والله لا يعطي ماله إلّا لإحدى خلال: إما رجل أعطى ماله رجاء مكافأة [3] ممن يعطيه، أو رجل خاف على نفسه فوقاها بماله، أو رجل أراد وجه الله وما عنده في الآخرة، أو رجل
__________
[1] م: وسيرها.
[2] ر: معانتهم.
[3] ر: وجاء بمكافأة.
(2/341)

أحمق خدع عن ماله، والله ما أنتم أحد هذه الطبقات، ولا جئتم في شيء من هذا، ولا عمك الرجل العاجز فينخدع لها، ولما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبي الأسود لو وصل إلى بني الديل. قوموا إذا شئتم، فقاموا يتبادرون الباب.
«897» - كان الفضل بن العبّاس اللهبيّ بخيلا، وكان ثقيل البدن، فكان كلما أراد يمضي [1] في حاجة استعار مركوبا، وطال ذلك من فعله، فقال له بعض بني هاشم: أنا أشتري لك حمارا تركبه وتستريح من العارية، وفعل، فكان الفضل يستعير له سرجا إذا أراد أن يركبه، فتواصى الناس بأن لا يعيره أحد سرجا، فلما طال ذلك عليه اشترى سرجا بخمسة دراهم، وقال: [من الطويل]
لما رأيت المال ما كفّ [2] أهله ... وصان ذوي الأخطار أن يتبذّلوا
رجعت إلى مالي فعاتبت بعضه ... فأعتبني إنّي كذلك أفعل
وقال المدائني [3] ، قال للذي اشترى له الحمار: إني لا أطيق علفه فاما أن بعثت إليّ بقوته وإلا رددته.
«898» - وكان خالد بن عبد الله القسري معروفا بالسماحة مشهورا بالجود [4] إلا أنه [5] كان أبخل الناس بالطعام، فوفد إليه رجل له حرمة، فأمر أن يكتب له بعشرين ألف درهم، وحضر الطعام فدعا به، فأكل أكلا منكرا، فأغضبه وقال للخازن: لا تعرض عليّ صكّه، فعرّفه الخازن ذلك، فقال: ويحك ما
__________
[1] م: يمشي.
[2] ع: يا لف.
[3] وقال المدائني: من م وحدها.
[4] م: مشهورا ... معروفا بالجود.
[5] إلا أنه: سقط من ر.
(2/342)

الحيلة؟ قال: تشتري له غدا كلّ ما يحتاج إليه في مطبخه وتهب للطباخ دراهم حتى لا يشتري شيئا، وتسأله إذا أكل خالد أن يقول: إنك كنت اليوم في ضيافة فلان، فاشترى له كلّ ما أراد حتى الحطب فبلغ خمسمائة درهم، فأكل خالد واستطاب ما صنع له، فقال الطباخ: إنك كنت اليوم في ضيافة فلان، فأخبره فاستحيا خالد، ودعا بصكّه فصيّره ثلاثين ألف درهم، ووقّع فيه، وأمر الخازن بتسليمه [1] إليه.
«899» - وكان لبعض التجار على رجل دين، فأراد استعداء خالد عليه، فلاذ الرجل ببواب خالد وبرّه، فقال له: سأحتال لك في أمر هذا بحيلة لا يدخله عليه أبدا قال: فلما جلس خالد للأكل أذن البواب للتاجر، فدخل وخالد يأكل سمكا، فجلس فأكل أكلا شنيعا فغاظ ذلك خالدا، فلما خرج قال خالد لبوابه: فيم أتاني هذا؟ قال: يستعدي على فلان في دين يدّعيه عليه، قال: إني لأعلم أنه كاذب فلا يدخلنّ عليّ، وتقدم إلى صاحب الشرطة بأن يقبض يده عن خصمه.
«900» - كانت بنو تميم اجتمعت ببغداد على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير حين قال شعره الذي يقدّم فيه غلاما من ربيعة على شيخ بني تميم، وهو مع ذلك من بيت تميم، ولاموه فقال [2] : [من الطويل]
صه يا تميم إنّ شيبان وائل ... بطرفهم عنكم أضنّ وأرغب
أإن سمت برذونا بطرف غضبتم ... عليّ وما في الحقّ والصدق [3] مغضب
__________
[1] الأغاني: بتسليمها.
[2] م: فأنشد.
[3] الأغاني: وما في السوق والسوم.
(2/343)

فان أكرمت أو أنجبت أمّ خالد ... فزند الرياحيين أورى وأثقب
ثم قال عمارة: قال لي عليّ بن هشام، وفيه عصبية على العرب: قد علمت مكانك مني وقيامي بأمرك حتى قرّبك أمير المؤمنين، والمائة الألف التي وصلك بها عليّ سببها، وها هنا من بني عمّك من هو أقرب إليك وأجدر أن يعينني على ما أمر به أمير المؤمنين لك، فقلت: ومن هو؟ قال: تميم بن خزيمة، قال: قلت آتيه قال: وخالد بن يزيد بن مزيد؟ قلت: سآتيهما، فبعث معي شاكريا من شاكريته حتى وقف بي على باب تميم، فلما نظر غلمانه إليّ أنكروا أمري، فدنا الشاكريّ فقال: أعلموا الأمير أن على الباب ابن جرير الشاعر جاء مسلّما، فتوانوا وخرج غلام عرّفني أنه قد علم الأمير فحجبني، فدخلني من ذلك ما الله به عالم، فقلت للشاكريّ: أين منزل خالد بن يزيد؟
قال: اتبعني، فما كان إلا قليلا حتى وقف بي على بابه، ودخل بعض غلمانه يطلب الاذن، فما كان إلا كلا حتى خرج في قميصه وردائه يتبعه حشمه، فقال بعض القوم: هذا خالد قد أقبل إليك قال: فأردت أن أنزل إليه فوثب وثبة فإذا هو معي آخذ بعضدي، فأنزلني وأدخلني وقرّب الطعام، فأكلت وشربت، وأخرج إلى خمسة آلاف درهم وقال: يا أبا عقيل ما آكل إلا بالدّين، وأنا على جناح من ولاية، فإن صحّت لي لم أدع أن أعينك [1] ، وهذه خمسة أثواب خزّ آثرتك بها كنت قد ادخرتها، قال عمارة فخرجت وأنا أقول: [من الطويل]
أأترك أن قلّت دراهم خالد ... زيارته إنّي إذن للئيم
فليت بثوبيه لنا كان خالد ... وكان لبكر بالثراء تميم
فيصبح فينا سابق متمهّل ... ويصبح في بكر أعمّ [2] بهيم
__________
[1] الأغاني: أغنيك.
[2] م ر ع: أعم.
(2/344)

قال عمارة: فلما بلغ خالد بن يزيد [1] هذا الشعر قال: يا أبا عقيل بلغك أن أهلي يرضون مني ببديل كما رضيت بي من تميم بن خزيمة؟ فقلت: إنما طلبت حظّ نفسي وسقت مكرمة إلى أهلي لو جاز ذلك، فما زال يضاحكني.
«901» - كان الواقدي شيخا سمحا، وأظلّه شهر رمضان ولم يكن عنده نفقة، فاستشار امرأته بمن ينزل ظنّه من اخوانه، فقالت: بفلان الهاشمي، فأتاه فذكر له خلّته، فأخرج له صرة فيها ثلاثمائة دينار وقال: والله ما أملك غيرها، فأخذها الواقدي فساعة دخل منزله جاءه بعض إخوانه وشكا إليه خلته، فدفع إليه الصرة بختمها، وعاد صاحب الصرة إلى منزله، فجاءه الهاشميّ فشكا إليه خلته فناوله الصرة فعرفها الهاشميّ فقال له: من أين لك هذه؟ فحدثه بقصته، فقال له: قم بنا إلى الواقديّ، فأتوه فقال الهاشمي:
حدّثني عنك وعن إخراج الصرة فحدثه الحديث على وجهه، فقال الهاشمي:
فأحقّ ما في هذه الصرة أن نقتسمها، ونجعل فيها نصيبا للمرأة التي وقع اختيارها عليّ.
«902» - والشافعيّ معدود في الأجواد، قال الربيع بن سليمان: ركب يوما فمرّ في الحدادين فسقط سوطه، فوثب غلام فمسحه وأعطاه إياه، فقال لي: ما معك يا ربيع؟ قلت: عشرة دنانير، قال: ادفعها إليه، وما كان معنا غيرها.
«903» - العجير السلوليّ وكان أسرع في ماله فأتلفه، ثم ادّان حتى أثقله
__________
[1] زيد: هكذا في النسخ، وقد مرّ «يزيد» .
(2/345)

الدين، ثم مدّ يده إلى مال زوجته فمنعته: [من الطويل]
تقول وقد غاديتها أمّ خالد ... على مالها أغرقت [1] دينا فأقصر
أبى القصر من يأوي إذا الليل جنّه [2] ... إلى ضوء ناري من فقير ومقتر
أيا موقدي ناري ارفعاها لعلّها ... تشبّ لمقو آخر الليل مقفر [3]
أمن راكب أمسى بظهر تنوفة ... أواريك أم من جاري المتنظّر
سلي الطارق المعترّ يا أمّ خالد ... إذا ما أتاني بين قدري ومجزري
أأبسط وجهي إنّه أوّل القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري
أقي العرض بالمال التلاد وما عسى ... أخوك إذا ما ضيّع العرض مشتر
يؤدي إليّ الليل [4] قنيان ماجد ... كريم ومالي سارحا مال مقتر
إذا متّ يوما فاحضري أمّ خالد ... تراثك من سيف وطرف وأقدر
«904» - وفد مطيع بن إياس إلى جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري وقد مدحه بقصيدة أولها: [من المتقارب]
أمن آل ليلى عزمت البكورا ... ولم تلق ليلى فتشفي الضميرا
فلما بلغ جريرا خبر قدومه دعا به ليلا ولم يعلم أحدا بحضوره وقال له: قد عرفت خبرك، وإني معجّل لك جائزتك ساعتي هذه، فإذا حضرت غدا فإني سأخاطبك مخاطبة فيها جفاء، وأزوّدك نفقة طريقك لئلا يبلغ أبا جعفر خبري
__________
[1] ر: أعرفت.
[2] الأغاني: جنني.
[3] بهامش ع: يروى لعروة بن الورد.
[4] الأغاني: النيل.
(2/346)

فيهلكني، فأمر له بمائتي دينار وصرفه، فلما أصبح أتاه فاستأذنه في الإنشاد فقال له: يا هذا لقد رميت بأملك غير مرمى، وفي أيّ شيء أنا حتى تنتجعني الشعراء؟ لقد أسأت إليّ لأني لا أستطيع تبليغك محبّتك ولا آمن سخطك ولا ذمّك، فقال له: تسمع مني ما قلته فإني أقبل ميسورك وأبسط عذرك، فاستمع كالمنكر المتكلّف، فلما فرغ قال لغلامه: يا غلام كم مبلغ ما بقي من نفقتنا؟ قال: ثلاثمائة درهم، قال: أعطه مائة درهم ينصرف بها إلى أهله، ومائة درهم لنفقة طريقه، واحبس مائة درهم لنفقتنا فانصرف مطيع عنه شاكرا. فهذا تسلق [1] على المروءة عجيب، وحيلة في الجود مع الخوف من سلطانه ومباينته [2] فيه لأخلاقه.
«905» - وعمر بن عبيد الله بن معمر التيمي من الأجواد: كان لرجل جارية يهواها فاحتاج إلى بيعها، فابتاعها؟؟؟ منه عمر بن عبيد الله بن معمر، فلما قبض ثمنها أنشأت تقول: [من الطويل]
هنيئا لك المال الذي قد قبضته [3] ... ولم يبق في كفّيّ غير التحسّر [4]
أبوء بحزن من فراقك موجع ... أناجي به صدرا طويل التفكر
فقال الرجل: [من الطويل]
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرّقنا شيء سوى الموت فاعذري
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلّا أن يشاء ابن معمر
__________
[1] ر: تساق.
[2] م: ومباهتة.
[3] م: حويته.
[4] م: التفكر.
(2/347)

فقال: قد شئت، خذ الجارية وثمنها وانصرف.
«906» - وكان زياد الأعجم صديقا لعمر بن عبيد الله قبل أن يلي، فقال له عمر: يا أبا أمامة لو وليت لتركتك لا تحتاج إلى أحد أبدا، فلما ولي عمر فارس قصده زياد، فلما لقيه قال: [من الطويل]
أبلغ أبا حفص رسالة ناصح ... أتت من زياد مستبينا كلامها
فانك مثل الشمس لا ستر دونها ... فكيف أبا حفص عليّ ظلامها
فقال له عمر: لا يكون عليك ظلامها أبدا.
فقال زياد:
لقد كنت أدعو الله في السرّ أن أرى ... أمور معدّ في يديك نظامها
فقال: قد رأيت ذلك، فقال:
فلما أتاني ما أردت تباشرت ... بناتي وقلن العام لا شكّ عامها
قال: فهو عامهنّ إن شاء الله تعالى، فقال:
فإني وأرضا أنت فيها ابن معمر ... كمكة لم يطرب لأرض حمامها
قال: فهي كذاك يا زياد، فقال:
إذا اخترت أرضا للمقام رضيتها ... لنفسي ولم يثقل عليّ مقامها
وكنت أمنّي النفس منك ابن معمر ... أمانيّ أرجو أن يتمّ تمامها
فقال: قد أتمها الله لك، فقال:
فلا أك كالمجري إلى رأس غاية ... يرجّي سماء لم يصبه غمامها
(2/348)

قال: لست كذاك، فسل حاجتك، قال: نجيبة ورحالتها، وفرس رائع وسائسه، وبدرة وحاملها، وجارية وخادمها، وتخت ثياب ووصيف يحمله، فقال: قد أمرنا لك بجميع ما سألت، وهو لك علينا في كل سنة.
«907» دخل حمزة بن بيض على يزيد بن المهلب وهو في السجن فأنشده: [من المنسرح]
أغلق دون السماح والجود والنّ ... جدة باب حديده أشب
لا بطر إن تتابعت نعم ... وصابر في البلاء محتسب
برزت سبق الجواد في مهل ... وقصّرت دون سعيك العرب
فقال: والله يا حمزة لقد أسأت حين نوّهت [1] باسمي في غير وقت تنويه، ثم رفع مقعدا تحته فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعليه صاحب خبر واقف، وقال: خذ هذا الدينار، فوالله ما أملك ذهبا غيره، فأخذه حمزة وأراد أن يرده، فقال له سرا: خذه ولا تخدع عنه، قال حمزة: فلما قال: لا تخدع عنه قلت: والله ما هذا بدينار، فخرجت فقال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: أعطاني دينارا، وأردت أن أردّه عليه فاستحييت منه، فلما صرت إلى منزلي حللت الصرة وإذا فصّ ياقوت أحمر كأنه سقط زند، فقلت:
والله لئن عرضت هذا بالعراق ليعلمنّ أني أخذته من يزيد فيؤخذ مني، فخرجت إلى خراسان فبعته على رجل يهوديّ بثلاثين ألفا، فلما قبضت المال وصار الفصّ في يد اليهوديّ قال لي: والله لو أبيت إلا خمسين ألف درهم لأخذته منك بها، فكأنه قذف في قلبي جمرة، فلما رأى تغير وجهي قال: إني رجل تاجر، ولست أشكّ أني قد غممتك، قلت: أي والله وقتلتني، فأخرج إليّ
__________
[1] م: توهمت.
(2/349)

مائة دينار وقال: أنفق هذه في طريقك ليتوفر المال عليك.
908- وليزيد أخبار في الجود عجيبة: فمن ذلك أنّ المهلب لما مات نادى منادي يزيد ابنه: من كانت له عند المهلب عدة أو له عليه دين فليحضر، فأتاه الناس، إلى أن أتاه رجل فقال: لي عنده عدة قال: وما عدتك؟ قال: سألته شيئا فأمرني بالمقام، قال: فما ظنّك؟ قال: على قدرك، فأمر له بمائة ألف درهم.
«909» قال عقيل بن أبي: لما أراد يزيد بن المهلب الخروج إلى واسط أتيته فقلت: أيها الأمير إن رأيت أن تأذن لي فأصحبك وأستظلّ بظلك وأكون في كنفك، فقال: إذا قدمت واسطا أتيتنا إن شاء الله، فشخص وأقمت، فقال لي اخواني: مالك لا تشخص؟ فقلت لهم: إن جوابه كان ضعيفا، فقالوا: أنت أضعف خلق الله، تريد من يزيد جوابا أكثر مما قال لك؟
فشخصت حتى قدمت عليه، فلما كان في الليل دعيت الى السمر، فتحدّث القوم حتى ذكروا الجواري فالتفت إليّ يزيد فقال: إيه يا عقيل فقلت: [من الوافر]
أفاض القوم في ذكر الجواري ... فأما الأعزبون فلن يقولوا
قال: إنك لن تبقى بعدها عزبا، فلما رجعت إلى منزلي إذا خادم له معه جارية وبدرة فيها عشرة آلاف درهم وفرس وفرش بيت، فلما كان الليلة الثانية دعيت إلى السمر، فلما رجعت إلى المنزل إذا بمثل ذلك، فمكثت عشر ليال كلما رجعت إلى منزلي وجدت مثل ذلك، فلما رأيت في بيتي عشرا من الجواري وعشرة من الخدم وعشر بدر وفرش عشرة وعشرة أفراس دخلت عليه فقلت:
أيها الأمير، قد والله أغنيت وأقنيت، فإن رأيت أن تأذن لي في الرجوع فأكبت عدوي وأسرّ صديقي، قال: بل نخيّرك خلتين اختر أيتهما شئت، إما أن تقيم
(2/350)

فنوليك أو تشخص فنغنيك، فقلت: أو لم تغنني أيها الأمير؟ قال: لا إنما هذا أثاث المنزل ومصلحة المقدم.
«910» - قال أبو العيناء: تذاكروا السخاء فاتفقوا على آل المهلّب في الدولة المروانيّة، وعلى البرامكة في الدولة العبّاسيّة، ثم اتفقوا على أن أحمد بن أبي دواد أسخى منهم جميعا وأفضل. وكان يقال للفضل بن يحيى «حاتم الاسلام وحاتم الأجواد» ، ويقال حدث عن البحر ولا حرج، وعن الفضل ولا حرج. وقالوا: ما بلغ أحد من أولاد خالد بن برمك مبلغه في جوده ورأيه وبأسه ونزاهته. وكان يحيى بن خالد يقول: ما أنا إلا شررة من نار أبي العباس. وقيل لداود الطائي: أيّ الناس أسخى؟ فذكر خالد بن برمك، فقيل: قد وصل الفضل بن يحيى منذ ترك النهروان إلى أن دخل خراسان بثمانين ألف ألف درهم، فقال: ما بلغ ذاك يوما من أيام خالد.
«911» - أتى الفرزدق عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي بالمدينة وليس عنده نقد حاضر، وهو يتوقع أعطيته وأعطيته ولده، فقال: والله يا أبا فراس ما وافقت عندنا نقدا، ولكن عروضا إن شئت، قال: نعم، قال:
فان عندنا رقيقا فرهة فإن شئت أخذتهم، قال: نعم، فأرسل إليه من بنيه وبني أخيه عدّة، وقال: هم لك عندنا حتى تشخص، وجاءه العطاء فأخبره [1] الحبر، وفداهم، فقال الفرزدق، ونظر إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان سيدا يطوف بالبيت يتبختر: [من البسيط]
تمشي تبختر حول البيت منتحيا ... لو كنت عمرو بن عبد الله لم تزد
__________
[1] ع: فأخبرهم.
(2/351)

«912» - وفد أبو الشمقمق إلى جنديسابور يريد محمد بن عبد السلام، فلما دخلها صار إلى منزله، فخبر أنه في دار الخراج مطالب، فقصده ودخل عليه وهو قائم في الشمس وعلى عنقه صخرة، فلما رآه محمد قال: [من الكامل]
ولقد قدمت على رجال طالما ... قدم الرجال عليهم فتمولوا
أخنى الزمان عليهم فكأنهم ... كانوا بأرض أقفرت فتحولوا
فقال أبو الشمقمق: [من الكامل]
الجود أفلسهم وأذهب مالهم ... فاليوم إن راموا السماح تجملوا
فقال محمد لغلامه: ادن مني يا غلام، فدنا فقال: خذ هذه الصخرة عني ولا تضعها على الأرض، فنزع ثيابه وخاتمه ودفع ذلك إليه وقال: اردد الصخرة على عاتقي، وأخذ أبو الشمقمق الثياب والخاتم معا ومضى، فكتب صاحب الخبر إلى الخليفة يخبره وذكر فعله وشعره، فوقّع إلى عامله بجنديسابور بإسقاط الخراج عنه في تلك السنة، وإسقاط ما عليه من البقايا، وأمر له بمائة ألف درهم معونة على مروءته.
«913» - قدم ربيعة على يزيد بن حاتم بمصر، فشغل عنه ببعض الأمر، فخرج وهو يقول: [من الطويل]
أراني ولا كفران لله راجعا ... بخفّى حنين من نوال ابن حاتم
فسأل عنه يزيد فأخبر أنه قد خرج وقال كذا، وأنشد البيت، فأرسل في طلبه، فأتي به فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت، فقال: شغلنا عنك وعجلت علينا، ثم أمر بخفيه فخلعتا من رجليه وملئتا مالا، وقال ارجع بهما
(2/352)

بدلا من خفي حنين.
«914» - حدّث أبو العبّاس أحمد بن يحيى قال: كان ببغداد فتى يجنّ ستة أشهر ويفيق ستة أشهر [1] ، فاستقبلني في بعض السكك ذات يوم فقال:
ثعلب؟ قلت: نعم، قال: أنشدني، فأنشدته: [من الكامل]
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح
فتضاحك وسكت ساعة ثم قال: ألا قال؟ [من الخفيف]
اذهبا بي إن لم يكن لكما عق ... ر إلى ترب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان
ثم إني رأيته يوما بعد ذلك فتأملني وقال: ثعلب؟ قلت: نعم، قال:
أنشدني، فأنشدته: [الوافر المجزوء]
أعار [2] الجود نائله ... إذا ما ماله نفدا [3]
وإن أسد شكا جبنا ... أعار فؤاده الأسدا
فضحك وقال: ألا قال؟ [من الرمل]
علّم الجود الندى حتى إذا ... ما حكاه علّم البأس الأسد
فله الجود مقرّ بالندى ... وله الليث مقرّ بالجلد
__________
[1] ويفيق ... أشهر: سقط من ع م.
[2] ر م: أعاد.
[3] ر: فقدا.
(2/353)

«915» - قال أبو العيناء: أضقت إضاقة شديدة فكتمتها عن أصدقائي، فدخلت على يحيى ابن أكثم القاضي فقال لي: إن أمير المؤمنين عبد الله المأمون قد جلس للمظالم وأخذ القصص، فتنشط للحضور؟ فقلت: نعم، فمضيت معه إلى دار أمير المؤمنين، فلما بصر بنا أجلس يحيى ثم أجلسني فقال: يا أبا العيناء، بالألفة والمحبة ما جاء بك في هذه الساعة؟ فانشأت أقول: [من البسيط]
فقد رجوتك دون الناس كلهم ... وللرجاء حقوق كلّها يجب
إلا تكن لي أسباب أمتّ بها ... ففي العلى لك أخلاق هي السبب
فقال: يا سلامة، انظر أيّ شيء في بيت مالنا وخاصّنا لا في بيت مال المسلمين، فقال: بقية من مال، فقال: ادفع إليه منها مائة ألف وأدررها عليه في كل وقت مثل هذا، فقبضها؛ فلما كان بعد أحد عشر شهرا مات المأمون، فبكى عليه أبو العيناء حتى قرحت عيناه، فدخل عليه بعض ولده فقال له: يا أبتاه بعد ذهاب العين ما يغني البكاء؟ فأنشأ يقول: [من الكامل]
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
«916» - كان أحمد بن طولون كثير الصدقة، وكان راتبه منها في الشهر ألف دينار سوى ما يطرأ عليه من نذر أو صلة أو شكر على تجديد نعمة، وسوى ما يرسله إلى أهل الستر، وسوى مطابخه التي تطبخ في دار الصدقة، وكان أحد المتولّين لصدقاته سليم الفاقو [1] الخادم المعدّل، وكان معروفا بالخير والورع، قال سليم: فقلت له أيها الأمير، إني أطوف القبائل، وأدقّ الأبواب بصدقاتك،
__________
[1] م: الفافو.
(2/354)

وان اليد تمتدّ إليّ فيها الحناء، وربما كان فيها الخاتم الذهب [1] ، وربما كان الدستينج والسوار الذهب، فأعطي أو أردّ؟ فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: كلّ يد امتدّت إليك فلا تردها.
«917» - كان بشر بن غالب الأسدي سخيا مطعاما، وكانت له موائد يغشاها إخوانه، ثم إنّ الدهر نبا به وضاقت ذات يده، فاختفى في منزله استحياء من الناس، وأظهر أنه غائب، وكانت له مولاة تقوم بحوائجه وتقيم له مروءته بالقرض والفرض وبيع الشيء بعد الشيء، حتى جاءته يوما فقالت: يا مولاي، قد والله أعيت الحيلة وما أجد اليوم مضطربا، فإن أذنت لي احتلت لك، قال: على أن لا تذكريني لأحد، قالت لا، فأتت عكرمة بن ربعيّ الفياض، فدخلت عليه فقالت له: هل لك في عورة كريم تسترها وخلّة تسدها؟ قال: ومن هو؟ قالت: قد أمرني أن لا أذكره، فدعا بثلاثمائة درهم فدفعها إليها، ثم قال لمولاة له ذات ظرف وعقل: اتبعي هذه المرأة فانظري أين تدخل، فرجعت إليه فأخبرته أنها دخلت دار بشر بن غالب، فقال لوكيله: هيّء أربعمائة دينار في كيس، فلما كان في بعض الليل أخذ عكرمة الكيس وجاء إلى باب بشر بن غالب فقرع الباب، فقيل له إنه غائب، فقال: أخبروه أني مستغيث يستغيث به، فخرج إليه في ظلمة الليل فرمى الكيس وركض البغلة منصرفا، فناداه بشر: أنشدك الله من أنت؟ قال: أنا جابر عثرات الكرام، قال: فلما رجع بشر إلى منزله دعا مولاته فقال: أخبريني من أتيت اليوم في حاجتك، قالت: عكرمة بن ربعي، فلم يك إلا أيام يسيرة حتى قدم بشر بن مروان الكوفة، فأرسل إلى بشر بن غالب فولّاه الشرطة، وقلّده سيفا، فقال: أيها الأمير، إنّ الشرطة لحوائج الناس وشفاعاتهم،
__________
[1] ع: الخاتم معا من.
(2/355)

فاجعل لي شيئا من الخراج أستعين به، فولّاه رستاقا، فقال له: أيها الأمير بقيت لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: عكرمة بن ربعي، كان من قصته وقصتي كيت وكيت، فإن رأى الأمير أن يأذن لي فاكرمه بهذه الولاية، قال:
أنت وذاك، فلم يشعر عكرمة وهو بباب بشر بن مروان أن خرج بشر بن غالب ومعه السيف، فقلده اياه ثم قال: السلام عليك أيها الأمير.
«918» - مدح بعض ولد نهيك بن إساف الأنصاري الحكم بن المطلب المخزوميّ فقال: [من الطويل]
خليليّ إنّ الجود في السجن فابكيا ... على الجود إذ سدّت علينا مرافقه
ترى عارض المعروف كلّ عشيّة ... وكلّ ضحى يستنّ في السجن بارقه
إذا صاح كبلاه طفا فوق بحره ... لزواره حتى تعوم غرانقه
«919» - وقال سلمة [1] بن عياش في جعفر بن سليمان بن علي: [من الطويل]
فما شمّ أنف ريح كفّ شممتها ... من الناس إلا ريح كفّك أطيب
فأمر له بألف دينار ومائة مثقال مسك ومائة مثقال عنبر.
«920» - دخل القعقاع بن شور الذهلي على معاوية، والمجلس غاصّ بأهله، ففسح له رجل حتى جلس إلى جنب معاوية، وأمر له معاوية بألف فجعلها للمفسح.
921- خرج عكرمة بن ربعيّ مع الوليد بن عبد الملك إلى الصائفة
__________
[1] م: سليمان.
(2/356)

ومعه ألف بعير عليها الطعام فجعل ينحر كلّ يوم سمينها ويطعم ما عليه.
«922» - لزمت داود بن قحذم العبدي، وكان عامل مصعب، مائة ألف فأخذ بها، فأرسل امرأته أمّ الفضل بنت غيلان بن خرشة الضبي إلى عائشة بنت طلحة امرأة مصعب لتشفع له، فجاء مصعب فسأل أمّ الفضل ومازحها ساعة، وكانت من أجمل نساء زمانها، ثم قال لعائشة: ما حاجتها؟ فذكرتها فقال: تحطّ عنه المائة الألف ونجيزه بمثلها، فجاءت بالكتابين إلى زوجها.
«923» - كان عبد العزيز بن مروان جوادا مضيافا فتغدّى عنده أعرابيّ، فلما كان من الغد رأى الناس على بابه كما رآهم بالأمس، فقال: أفي كلّ يوم يطعم الأمير؟ ثم أنشأ يقول: [من الخفيف]
كلّ يوم كأنه يوم أضحى ... عند عبد العزيز أو عيد فطر
وله ألف جفنة مترعات ... كلّ يوم تمدّها ألف قدر
«924» - وكان الحسن بن قحطبة مضيافا له مطبخان، في كلّ مطبخ سبعمائة تنّور.
«925» - وكان الزهري إذا لم يأكل أحد من أصحابه من طعامه حلف لا يحدثه عشرة أيّام.
«926» - وأراد ابن عامر أن يكتب لرجل خمسين ألفا فجرى القلم
(2/357)

بخمسمائة ألف، فراجعه الخازن فقال: أنفذه، فو الله لإنفاذه وإن خرج المال أحسن من الاعتذار، فاستسرفه فقال: إذا أراد الله بعبد خيرا حرف القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى إرادته، وأنا أردت شيئا وأراد الجواد الكريم أن يعطي عبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة الله الغالبة وأمره النافذ.
«927» - وقف أعرابيّ على ابن عامر فقال: يا قمر البصرة وشمس الحجاز ويا ابن ذروة العرب وترب بطحاء مكة، نزعت بي الحاجة، وأكدت بي الآمال إلا بفنائك، فامنحني بقدر الطاقة والوسع، لا بقدر المحتد والشرف والهمة، فأمر له بعشرة آلاف، فقال: ماذا؟ تمرة أو رطبة أو بسرة؟ قيل:
بل دراهم، فصعق ثم قال: ربّ إنّ ابن عامر يجاودك فهب له ذنبه في مجاودتك.
«928» - تعشى الناس عند سعيد بن العاص، فلما خرجوا بقي فتى من الشام قاعدا، فقال له سعيد: ألك حاجة؟ واطفأ الشمعة كراهة أن يحصر الفتى عن حاجته، فذكر أن أباه مات وخلّف دينا وعيالا، وسأله أن يكتب له إلى أهل دمشق ليقوموا بإصلاح بعض شأنه، فأعطاه عشرة آلاف دينار وقال:
لا تقاس الذلّ على أبوابهم.
قال بعض القرشيين: والله لإطفاؤه الشمعة أكثر من عشرة آلاف.
«929» - سمع المأمون قول عمارة بن عقيل: [من الطويل]
أأترك أن قلّت دراهم خالد ... زيارته إني إذن للئيم
(2/358)

فقال: أو قد قلّت دراهم خالد؟ احملوا إليه مائتي ألف درهم، فعشّرها خالد لعمارة وقال: هذا مطر من سحابك [1] .
«930» - كان يقال لإبراهيم الخليل عليه السلام أبو الضيفان لأنه أول من قرى الضيف وسنّ لأبنائه العرب القرى، وكان إذا أراد الأكل بعث أصحابه ميلا إلى ميل يطلبون ضيفا يؤاكله.
«931» - كان أبو عبيدة [2] بن عبد الله بن زمعة القرشي جوادا مطعاما، وكان يقول: إني لأستحيي أن يدخل داري أو يمّر بي أحد فلا أطعمه، حتى إنه كان يطرح للذّر السويق والحنطة. وأراد إبراهيم بن هشام أمير المدينة أن يبخّله، فقال لأصحابه: تعالوا نفجأ أبا عبيدة فاستنزلهم فقالوا: إن كان شيء عاجل وإلا فلا ننزل، فجاءهم بسبعين كرشا فيها رؤوس، فعجب ابن هشام وقال: ترونه ذبح في ليلته من الغنم عدد هذه الرؤوس.
«932» - أما أنا فما رأيت جوادا ينطلق عليه اسم الجود إلّا أن يكون أبا منصور محمد بن علي الأصفهاني الملقب بالجمال وزير الموصل، فإنه عمّ بعطائه وصلاته أهل ولايته، وتجاوزهم إلى أهل [3] العراق والجبل وأصفهان والحرمين، فكان يعطي من نأى عنه تبرعا كما يعطي من هاجر إليه سائلا، والذي أطلق
__________
[1] ع ر: سحاب.
[2] م: أبو عبد الله.
[3] أهل: سقطت من م.
(2/359)

عليه اسم الجود أنه كان مؤثرا على نفسه، متقللا في خاصته، وحاصله في السنة خمسون ألف دينار، كما قيل، ولا يزال يأخذ بالدين يتمم به صلاته، وتصدّق بداره التي يسكنها، فكان يؤدي أجرتها في كلّ شهر على السبيل الذي [1] جعلها فيه.
ومن عجيب أمره أنه خدم زنكي بن آق سنقر في مبدأ أمره مشرفا على الاصطبل، وكان ذاك موصوفا بالشحّ، فتقرب إليه بما يطابق هواه، حتى بما يسقط [2] من النعال، وتوسّل عنده بالتبخل [3] تكلفا تتطلع السجايا الكريمة من خلاله، ويشهد بما ستبديه الأيام من شرف جلاله، حتى صار مشرف ديوانه، فكان أقرب أصحابه إليه [4] ، فلما قتل زنكي وقام ولده بالأمر ووزر له وملك أمره، وأمن ما كان يخافه من أبيه، أظهر مكنون سجيته، وباح بما كان يضمره وأبان عن جود برمكيّ. ومن المستفيض عنه أنه لم يتضجر قطّ على سائل، ولم يبرم بملحّ، ولا منع أحدا، ولا أصغى بسمعه إلى عاذل في الجود ولا مشير.
933- وشاهدت اثنين أحدهما من أوساط الناس والآخر من فقرائهم:
أما الأوّل فكان يجوع ويطعم، ويعرى ويكسو، ويتكسب بالتصرف فيلبس القميص المرقوع ويركب الدابّة الضعيف، لا زوجة له ولا ولد ولا عبد، ويصرف ما يحصله في معونة الناس وإرفادهم وإطعامهم، وأما الثاني فرجل ضعيف يجتدي الناس في الأسواق ويسألهم، ويجمع ذلك فينفقه [5] على المحبوسين: يطعمهم ويسقيهم ويداوي مرضاهم، ويضع الأجاجين على الطرق
__________
[1] ر ع: التي.
[2] م: سقط.
[3] وتوسل عنده بالتبخل سقط من ع م.
[4] ع م: وكان مشرف ديوانه وأقرب أصحابه منه.
[5] ع م: ينفقه.
(2/360)

يملأها ثريدا، ويدعو الفقراء إليها، وهو بقميص متخرق مكشوف الرأس، لا يعود على نفسه مما يحصله إلا ببلغته، فهذان يستحقان اسم الكرم.
«934» - وكان يوسف بن أحمد الحرزي [1] وكيل المستظهر بالله يذكر بالكرم، وليس في هذه الرتبة: كان يعطي ويفضل، لكن قليلا من كثير، ولما قبض عليه المسترشد بالله وجد له ذخائر عظيمة وأموالا جليلة [2] لا يدّخرها جواد.
934 ب- وفات [3] هؤلاء المذكورين بالكرم، وفاقهم في حسن الشيم من أهل زماننا صاحب مدينة إربل وما والاها من الأعمال، وهو الأمير مجاهد الدين قايماز، فانه كلف بحب الحسنات، وعكف على فعل الخيرات، وقصر زمانه على مكارم الأخلاق؛ فمما شاهدته من ذلك أنه كان موئلا لكل وافد عليه من بلادنا العراقيّة، ملجأ لكلّ خائف يصل إليه منها، ولقد قصده جماعة من الأكابر أصحاب الأعمال السلطانيّة هاربين إليه إذ كربتهم الحوادث واستأصلتهم النوائب [4] ، فتلقّاهم بالبشر والترحيب وأحسن إليهم وبرّهم وعطف عليهم
__________
[1] م: ابن الجزري.
[2] م: جزيلة.
[3] انفردت النسخة م بهذه الفقرة.
[4] زاد بعدها في م: هاربين إليه.
(2/361)

وأشركهم في ماله وجاهه حتى أنساهم ما كانوا عليه بالعراق من حالة العمل وخدمة السلطان، فقال بعضهم فيه، وهو من أنساب الوزير عون الدين بن هبيرة: [من الوافر]
كأني شانى بمهلبيّ ... ونازل عبد شمس في احتكام
وهذا البيت من قصيدة طويلة امتدحه بها وشكره على ما أسداه إليه وإلى غيره من الإحسان. وشاعت هذه المكرمة عنه حتى قصده الخائفون في جميع البلاد، فأصبحت به إربل حمى لّلاجىء وملاذا للمستجير. وأما من وفد عليه من الشعراء والسؤال فكثير لا يحصى عددهم، وكان يحب الشعر ويجيز قائله بأسنى الجوائز، وخصّه الله عز وجل بالذكاء والمعرفة وصفاء النفس واتقاد الخاطر حتى إنه كان يستنبط بدقيق فكره معاني الآيات من القرآن العزيز والأخبار النبويّة والأشعار ويتفرد في ذلك بأشياء لم يسبق إليها. وأما ما منحه الله به من بذل الأموال وإنفاقها في عمارة بيوت الله تعالى وتجديد الرباطات والمدارس والجسور على الدجلة وغيرها من الأنهار وعمارة الخانات في الطرق المخوفة والقفار الخالية عن العمار والعمران فان ذلك مما لا يحتاج إلى ذكر وبيان، فإنه لم يخل بلد من البلاد التي تحت يده من ذلك، حتى أنه عمر بظاهر مدينة الموصل في خطة واحدة من الأرض مقدار رأي العين على الدجلة جامعا ورباطا للصوفيّة وبيمارستان للمرضى، غرم على ذلك مالا كثيرا يزيد على خمسين ألف دينار، ونصب على دجلة الموصل جسرا من الخشب، ووقف على هذه الوجوه الأربعة أوقافا كثيرة يحصل منها في السنة عشرة آلاف دينار أو أكثر من ذلك، فمن تسمح نفسه بهذه الأعمال لحقيق أن يوصف بالجود والكرم، ولولا أن نخرج عما يقتضيه عمل الكتاب لذكرنا من مناقبه ما يطرب السامع ويؤنق المتأمل، وفيما أشرت إليه من ذلك كفاية.
(2/362)

«935» - ركب الفضل بن يحيى بن خالد يوما من منزله بالخلد يريد منزله بباب الشماسية [1] فتلقاه فتى من الأبناء [2] مملك، ومعه جماعة من الناس ركبان تحملوا لإملاكه، فلما رآه الفتى نزل وقبّل يده ولم يكن يعرفه، فسأل عنه فعرف نسبه، فسأل عن مبلغ الصداق فعرف أنه أربعة آلاف درهم، فقال الفضل لقهرمانه: أعطه أربعة آلاف درهم لزوجته، وأربعة آلاف ثمن منزل ينزله، وأربعة آلاف للنفقة على وليمته، وأربعة آلاف يستعين بها على العقد وعلى نفسه.
«936» - قال المهلبي للقاضي أبي بكر ابن قريعة: كنت وعدتك أن أغنيك، فهل استغنيت؟ فقال: قد أغناني جود الوزير وإنعامه، ورفع مجلسي بسطه وإكرامه، ولم يبق في قلبي حسرة إلا ضيعة تجاورني لأبي الحسين [3] ابن أبي الطيب العلوي، وأنا متأذّ به، فقال له: كم مقدار ثمنها؟ فقال له:
تساوي ألف [4] دينار، قال: فهذا قريب، فلما انصرف القاضي قال المهلبي لحاجبه: إذا كان غدا فقل لأبي الحسين ابن حاجب النعمان يخرج ما على ابن أبي الطيب من بواقي معاملاته وعلقه وكفالاته، وتحضرني عملا به، فلما أحضر العمل أمر بملازمة ابن أبي الطيب عليه، فدخل العلويّ إلى فرح الخادم وحمّله رسالة إلى المهلبي، وسأله عن سبب وجده عليه، فلم يزل الكلام يتردد حتى
__________
[1] الجهشياري: منزله بالشماسية.
[2] م: الأنبار.
[3] م: لأبي الحسن.
[4] م: تسوى حدود ألف.
(2/363)

ذكر له أمر الضيعة ورغبته في شرائها، فحلف أنه لا يملكها وأنها لنساء علويات في داره وبذل له خطابهن عليها ونقد الثمن من ماله، فقال: لا بل تقرره على احتياطي [1] وتعرفني لتزاح العلة فيه، فمضى وعاد بكرة غد ومعه كتاب ابتياع الضيعة باسم أحد وكلائه بعشرة آلاف درهم، فقال لفرح: لا تبرح حتى توفيه المال، فقال: ما عندي دراهم تفي بهذا، فقال تممها من الدنانير التي عندك، ففعل واستدعى الوكيل الذي كتب الكتاب باسمه فأقرّ بالضيعة لأبي بكر ابن قريعة، وأخذ المهلبيّ الكتاب مفروغا منه، وتركه تحت مطرحه، وحضر ابن قريعة على رسمه بعد يومين ولا يعلم شيئا مما جرى، وجلس مع الندماء، فلما همّ المهلبيّ بالنوم نهضوا فقال للقاضي: اجلس حتى تحدثني إلى أن أنام، ثم نهض لبعض الأمر، وقلب جانب المطرح وقال: هذا كتاب ابتياعك الضّيعة التي كنت تتأذى بها، فأخذه القاضي وقرأه وبكى فرحا، فقال له المهلبيّ: القاضي مثل الصبيّ إن منع بكى وإن أعطي بكى، فقال له القاضي: الذي أبكاني فرط السرور، فاني رأيت لنفسي وللوزير ما كنت أسمعه لغيري عن أكارم الزمان فأقدّره كذبا مجموعا وحديثا مصنوعا.
«937» - الفرزدق: [من البسيط]
لو أنّ قدرا بكت من طول محبسها ... عن الحقوق [2] بكت قدر ابن ختّار [3]
ما مسّها دسم مذ فضّ معدنها ... ولا رأت بعد نار القين من نار
__________
[1] م: احتياط.
[2] ر م والديوان: على الحقوق.
[3] الديوان: جيار، الشريشي: عمار؛ البخلاء: حبار؛ عيون: جبار.
(2/364)


«938» - ابن بسام [1] : [من السريع]
دار أبي العبّاس مفروشة ... ما شئت من بسط وأنماط
لكنما بعدك من خبزه ... كبعد بلخ من سميساط
مطبخه قفر وطبّاخه ... أفرغ من حجّام ساباط
«939» - دخل الحسن البصري على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه، فرآه يصوّب النظر في صندوق في بيته ويصعّده ثم قال: أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدّ منها زكاة ولم أصل منها رحما؟ قال:
ثكلتك أمك، ولمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة. قال: ثم مات فشهده الحسن، فلما فرغ من دفنه قال:
انظروا إلى هذا المسكين، أتاه شيطانه فحذّره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته عما رزقه الله إياه وعمره فيه، انظروا إليه كيف خرج منه محروبا [2] . ثم التفت إلى الوارث فقال: أيها الوارث لا تحدعنّ كما خدع صاحبك بالأمس، أتاك المال حلالا، فلا يكوننّ عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا ممن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، ولم تقدح فيه بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين،
__________
[1] م: وقال ابن بسام الشاعر وقد أجاد.
[2] م: محروما.
(2/365)

إنّ يوم القيامة يوم ذو حسرات، وإنّ من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك، فيا لها عثرة لا تقال وتوبة لا تنال.
«940» - كان الحطيئة ساقط النفس دنيء الهمة، أتى بني كليب فقالوا: هو أشعر الناس، وهابوه وحكّموه وقالوا: سل ما أحببت يا أبا مليكة وأكثر ولا تبق علينا، فظنّوا أنه يسأل في دية، فقال: قصعة من ثريد قالوا:
ألف قصعة قال: لا أريد إلا واحدة، فأكل فشبع وقال: [من الوافر]
لعمرك ما المجاور في كليب ... بمقصى في المحلّ ولا مضاع
ويحرم سرّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع
وقدم المدينة فاستعدّوا له من كلّ جانب، وقال بعضهم: عليّ عشر من الإبل، وقال آخر: عليّ خمس وقال آخر: عليّ ألف درهم، وأعدّوا له كلّ ضرب من الثياب، فلما دخل قام متوكئا على عصاه فقال: من يحمل عليّ سمل نعله؟ من يعين بسحق عميمة؟ من يكسو جبيبة صوف؟ فسقط من أعينهم.
وخبره مع سعيد بن العاص يشبه هذا وقد ورد في موضعه.
«941» - عمرو [1] بن أحمر الباهلي: [من الطويل]
إذا أنت راودت البخيل رددته ... إلى البخل واستمطرت غير مطير
ومن يطلب المعروف من غير أهله ... يجد مطلب المعروف غير يسير
إذا أنت لم تجعل لعرضك جنّة ... من الذمّ سار الذمّ كلّ مسير
__________
[1] م: وقال عمرو.
(2/366)

«942» - دخل خالد بن صفوان في يوم شديد الحرّ على هشام، وهو في بركة فيها مجالس كالكراسيّ، فقعد على بعضها، فقال له هشام: ربّ خالد قد قعد مقعدك هذا، حديثه أشهى إليّ من الشهد، أراد خالد بن عبد الله القسري، فقال: ما يمنعك من إعادته إلى مكانه؟ قال: هيهات إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا، ولا للعودة موضعا، وأنشد: [من الطويل]
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
ثم سأله أن يزاد عشرة دنانير في عطائه فردّه، فقال له: وفقك الله يا أمير المؤمنين، فأنت كما قال أخو خزاعة، يعني كثيرا: [من الطويل]
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة قربى أو صديق توامقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة ... ولم يفتلذك المال إلا حقائقه
فقيل له: ما حملك على تزيينك الإمساك لهشام [1] ؟ فقال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.
«943» - سأل المأمون اليزيدي عن ابنه العبّاس فقال: رأيته وقد ناوله الغلام أشنانا ليغسل يده، فاستكثره فردّ بعضه في الاشناندانه ولم يلقه في الطّست، فعلمت أنه بخيل لا يصلح للملك.
__________
[1] م: عن هشام.
(2/367)

«944» - كتب أنوشروان إلى ابنه هرمز لا تعدّ الشحيح أمينا، ولا الكذاب حرّا فإنه لا عفّة مع الشح، ولا مروءة مع الكذب.
«945» - (1) قال محمد بن هانىء: [من الكامل]
أعطى وأكثر واستقلّ هباته ... فاستحيت الأنواء وهي هوامل
فاسم الغمام لديه وهو كنهور ... آل وأسماء البحار جداول
لم تخل أرض من نداه ولا خلا ... من شكر ما يولي لسان قائل
(2) وقال أيضا: [من الطويل]
لقد جدت حتى ليس للمال طالب ... وأعطيت حتى ما لمنفسة قدر
فليس لمن لا يرتقي النجم همّة ... وليس لمن لا يستفيد الغنى عذر
(3) وقال أيضا: [من البسيط]
الواهب الألف إلا أنها [1] بدر ... والطاعن الألف إلا أنه نسق
تأتي عطاياه شتّى غير واحدة ... كما تدافع موج البحر يصطفق
«946» .- (1) وقال الرضي: [من السريع]
ريان والأيام ظمآنة ... من النّدى نشوان بالبشر
لا يمسك العذل يديه ولا ... تأخذ منه نشوة الخمر
__________
[1] ر ع: أنه.
(2/368)

«946» . (2) وقال: [من المتقارب]
ذخائره العرف في أهله ... وخزّان أمواله السائلونا
(3) وقال: [من الكامل]
كالغيث يخلفه الربيع وبعضهم ... كالنار يخلفها الدخان [1] المظلم
نوادر في الجود والبخل واللؤم [2]
«947» - قال الفضل بن يحيى لجعيفران الموسوس: لم لم تصر إليّ؟
فقال: أنت بحر وأنا لا أحسن أسبح؛ فوصله بمال.
94»
- رأى رجل مزبدا بالرها وعليه جبة خز، وكان مزبد قد خرج إليها فحسنت حاله، فقال: يا مزبد هب لي هذه الجبة، فقال: ما أملك غيرها، فقال الرجل: إنّ الله تعالى يقول وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
(الحشر: 9) ، فقال: الله أرحم بعباده أن ينزل هذه الآية بالرها في كانون وكانون، وإنما نزلت بالحجاز في حزيران وتموز.
«949» - قال عبيد الله [3] بن سليمان لأبي العيناء: إن الأخبار المذكورة
__________
[1] م: الرماد.
[2] م: نوادر في هذا الباب.
[3] م: عبد الله.
(2/369)

في السخاء وكثرة العطاء أكثرها تصنيف الوراقين وأكاذيبهم، قال: ولم لا يكذبون على الوزير، أعزه الله؟
«950» - كان سعيد الدارمي بخيلا، وهو شاعر مغنّ، وكانت متفتّيات أهل مكة لا يطيب لهنّ متنزه إلّا به، فاجتمع جماعة منهنّ في متنزه لهنّ، وفيهن صديقة له، وكلّ واحدة منهن قد واعدت هواها، فخرجن حتى أتين الجحفة، فقال بعضهن لبعض: كيف لنا أن نخلو مع هؤلاء. الرجال من الدارمي فإنا إن فعلنا قطّعنا [1] في الأرض، فقالت لهنّ صاحبته: أنا أكفيكنّه، قلن: إنا نريد أن لا يلومنا، قالت: عليّ أن ينصرف حامدا، فأتته فقالت:
يا دارمي إنا قد تفلنا فاحتل [2] لنا طيبا، قال: نعم هو ذا آتى سوق الجحفة فآتيكنّ منها بطيب، فأتى المكارين فاكترى حمارا وطار [3] عليه إلى مكة، وهو يقول: [من الهزج]
من اللائي يردن الطي ... ب في العسرة واليسره [4]
أنا بالله ذي العزّ ... وبالركن وبالصخرة
وما أقوى على هذا ... ولو كنت على البصره
فمكث النسوة ما شئن، ثم قدمن مكة فلقيته صاحبته ليلة في الطواف فأخرجته إلى ناحية المسجد وجعلت تعاتبه على ذهابه ويعاتبها إلى أن قالت له:
يا دارميّ بحقّ هذه البنيّة تحبني؟ قال: نعم، فبربها تحبيني؟ قالت: نعم قال:
فيا لك الخير فأنت تحبينني وأنا أحبك، فما مدخل الدراهم بيننا؟
__________
[1] م: فضحنا.
[2] الأغاني: فاجلب؛ م: فاحمل.
[3] الأغاني: وصار.
[4] الأغاني: في العسر وفي اليسرة.
(2/370)

«951» - قال الجاحظ: شوي لأحمد بن جعفر بن سليمان دجاج، ففقد فخذا، فنادى في داره: من هذا الذي تعاطى فعقر؟ والله لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
(الشعراء: 49) ، فقال له أكبر ولده:
يا أبة، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، فجالوا في الدار فأصابوا الفخذ، فقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
(يوسف: 92) .
«952» - أكل قوم عند رجل بخيل وأمعنوا، فأراد أن يقطعهم عن الأكل فبقي متحيرا وقال: ليس هذا أكل من يريد أن يتعشّى.
«953» - قال بعضهم: دخلت الكوفة فرأيت صبيا ومعه رغيف، وهو يكسر منه لقمة ويومىء بها إلى شقّ في حائط يخرج منه دخان ثم يأكلها، فبقيت متعجبا منه، ووافاه أبوه فسأله عن ذلك فقال الصبيّ: هذه دار فيها عرس، وقد طبخوا سكباجة حامضة، فأنا أتأدم برائحتها، فصفعه أبوه صفعة شديدة وقال له: تريد أن تعوّد نفسك أن لا تأكل خبزك إلا بأدم.
«954» - سئل أبو الحارث جمين عمن يحضر مائدة محمد بن يحيى بن خالد فقال: أكرم الخلق والأمهم، يعني الملائكة والذباب.
«955» - تغدّى أعرابيّ عند رجل، فقدّم إليه جديا، فأمعن الأعرابيّ، فقال له الرجل: إنك لتمزقه كأن أمّه نطحتك، قال: لا، ولكنك تشفق عليه كأنّ أمّه أرضعتك.
(2/371)

956- وقال أبو عمرو بن العلاء: دعاني رجل وكان بخيلا، فقدم المائدة ونحن جماعة، وقدم جديا سمينا فنحن نأكله والشاة تصيح، فقلت:
سكّتوا الثكلى، فقال: كيف تسكت وقرّة عينها تمزقونه؟! «957» - قال رجل لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب، فقال: هذا خطأ بل أغلق الباب وآتي بالطعام، فقال: أنت حرّ لعملك بالحزم.
«958» - لقي أعرابيّ رجلا من الحاجّ فقال: ممن الرجل؟ قال: باهليّ فقال: أعيذك بالله من ذاك، قال: أي والله وأنا مع ذلك مولى لهم، فأقبل الأعرابيّ يقبّل يديه ويتمسّح به، فقال له الرجل: لم تفعل ذلك؟ قال:
لأني أثق بأنّ الله عز وجل لم يبتلك بهذا في الدنيا إلا وأنت من أهل الجنة.
«959» - قالت قينة لأبي العيناء هب لي خاتمك اذكرك به، قال:
اذكريني بالمنع.
«960» - قال مديني لآخر: صعدت إلى السماء في سلّم من زبد، كلما صعدت ذراعا نزلت ذراعا حتى أبلغ بنات نعش، فآخذ كوكبة كوكبة، لو أن لمولاك مائة بيدر من إبر خوارزمية ثم جاءه يوسف النبيّ عليه السلام وقد قدّ قميصه من دبر، ومعه جبريل وميكائيل يشفعان له، ما أعطاه إبرة منها يخيط بها قميصه.
(2/372)

«961» - استأذن مزبد على بعض البخلاء وقد أهدي له تين في أول أوانه، فلما أحسّ بدخوله تناول الطبق فوضعه تحت السرير، وبقيت يده معلقة ثم قال لمزبد: ما جاء بك في هذا الوقت؟ قال: يا سيدي مررت الساعة بباب فلان فسمعت جاريته تقرأ لحنا ما سمعت قطّ أحسن منه، فلما علمت من شدّة محبتك للقرآن وسماعك للألحان حفظته وجئت لأقرأه عليك، قال:
فهاته، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. والزيتون وطور سينين، فقال: ويلك أين التين؟ قال: تحت السرير.
«962» - قيل لأبي الحارث جمين: أتغديت عند فلان؟ قال: لا ولكني مررت ببابه وهو يتغدّى، قيل: وكيف علمت ذلك؟ قال: رأيت غلمانه بأيديهم قسيّ البندق يرمون الطير في الهواء.
«963» - قال الجماز: رأيت بالكوفة رجلا وقف على بقال فأخرج له رغيفا صحيحا فقال: أعطني به كسرا وبصرفه جزرا.
«964» - استوهب رجل من مخنث في الحمام خطميا فمنعه، فقال:
سبحان الله، تمنعني الخطميّ وقفيز منه بدرهم؟! فقال المخنث: فاحسب حسابك على أربعة أقفزة [1] كم يصيبك بلا شيء؟
«965» - كان زياد بن عبد الله الحارثي على شرطة المدينة، وكان مبخّلا
__________
[1] زاد في م: بدرهم.
(2/373)

على الطعام، فدعا أشعب في شهر رمضان كي يفطر عنده، فقدّمت إليه في أوّل ليلة مصليّة [1] معقودة، وكانت تعجبه، فجعل أشعب يمعن فيها وزياد يلمحه، فلما فرغوا من الأكل قال زياد: ما أظنّ أنّ لأهل السجن إماما يصلي بهم في هذا الشهر، فليصلّ بهم أشعب، فقال أشعب: أو غير ذلك أصلحك الله، قال: وما هو؟ قال: أحلف أني لا أذوق مصلية أبدا، فخجل زياد وتغافل عنه.
966- قال ابن باذشاه: كان عندنا بأصفهان رجل أعمى يطوف ويسأل، فأعطاه مرة إنسان رغيفا فدعا له وقال: أحسن الله إليك، وبارك عليك، وجزاك خيرا، وردّ غربتك؛ فقال له الرجل: ولم ذكرت الغربة؟
قال: لأنّ لي ها هنا عشرين سنة ما ناولني أحد رغيفا صحيحا.
«967» - كانت بالمدينة جارية يقال لها بصبص، مغنية يجتمع الأشراف عند مولاها لسماع غنائها، فاجتمع عندها يوما محمد بن عيسى الجعفري وعبد الله بن مصعب الزبيري [2] في جماعة من أشراف المدينة، فتذاكروا أمر مزبد وبخله، فقالت بصبص: أنا آخذ لكم منه درهما فقال لها مولاها: أنت حرّة إن لم أشتر لك مخنقة بمائة دينار إن فعلت هذا، وأشتري لك مع هذا ثوب وشي بمائة دينار، وأجعل لك مجلسا بالعقيق أنحر فيه بدنة لم تركب ولم تقتب، قالت: فجيء به وارفع الغيرة عني قال: أنت حرة إن منعتك منه ولو رأيته قد رفع رجليك ولأعاوننّه على ذلك إذا حصّلت منه الدرهم، فقال عبد الله بن مصعب: أنا لكم [3] به، قال عبد الله: فصليت الغداة في مسجد
__________
[1] م: بصلية. (وفي بعض المصادر: مضيرة) .
[2] ع: الزهري.
[3] م: آتيكم.
(2/374)

المدينة فإذا به قد أقبل، فقلت يا أبا إسحاق، ما تحبّ أن ترى بصبص؟
قال: بلى والله، وامرأته طالق إن لم يكن الله ساخطا عليّ في أمرها فقد جفتني، وإلا فأنا أسأله منذ سنة أن ألقاها فلا تجيبني، فقلت له: إذا صليت العصر فأتني هاهنا، فقال: امرأته طالق إن برح يومه من ها هنا إلى العصر، قال فتصرفت في حوائجي حتى كانت [1] العصر، فدخلت المسجد فوجدته، فأخذت بيده وأتيتهم به، واكل القوم وشربوا حتى صلّيت العتمة؛ ثم تساكروا وتنادموا [2] ، فأقبلت بصبص على مزبد فقالت: يا أبا إسحاق، كأني والله في نفسك تشتهي أن أغنيك الساعة: [من الهزج]
لقد حثوا [3] الجمال ليه ... ربوا منّا فلم يئلوا
فقال لها: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ، فغنّته إياه ثم قالت له: أي أبا إسحاق، كأني بك تشتهي أن أقوم من مجلسي فأجلس إلى جنبك فتدخل يدك في جلبابي فتقرص عكني قرصات وأغنيك:
قالت وأبثثتها وجدي فبحت به
فقال لها: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما [4] تكسب الأنفس غدا وبأيّ أرض تموت، قالت: فقم، فقام فجلس إلى جنبها وأدخل يده في جلبابها وقرصها، وغنت له، ثم قالت: برح الخفاء، أنا أعلم أنك تشتهي أن تقبلني شقّ التين وأغنيك هزجا: [من الهزج]
أنا أبصرت بالليل ... غلاما حسن الدلّ
كغصن البان قد أصب ... ح مسقيّا من الطلّ
__________
[1] نثر: فاتت.
[2] م: وتناوموا.
[3] ر ونثر: لقد رحلوا؛ م: لقد رحل.
[4] نثر: تعلمين ما في الأرحام وما.
(2/375)

فقال: امرأته طالق إن لم تكوني نبيّة مرسلة، فقبّلها وغنّته، ثم قالت:
يا أبا إسحاق، رأيت قطّ أنذل من هؤلاء؟ يدعونك ويخرجوني إليك ولا يشترون لنا ريحانا بدرهم؟ هلمّ درهما نشتري به ريحانا، فوثب وصاح:
واحرباه، أي زانية، أخطأت استك الحفرة، انقطع والله الوحي عنك، ووثب من عندها وجلس ناحية، فعطعط القوم بها، وعلموا أنّ حيلتها لم تنفذ عليه، وعادوا لمجلسهم وخرج مزبد من عندهم فلم يعد إليهم.
«968» - سأل يحيى بن خالد أبا الحارث جمينا عن مائدة ابنه فقال:
أما مائدته فمن نصف سمسمة، وأما صحافه فمقورة من قشور حبّ الخشخاش، وما بين الرغيف والرغيف مدّ البصر، وما بين واللون واللون فترة ما بين نبيّ ونبيّ، قال: فمن يحضرها؟ قال: خلق كثير من الكرام الكاتبين، قال فيأكل معه أحد؟ قال: نعم الذباب [1] ، قال: سوءة له، وهذا ثوبك مخرّق وأنت بفنائه تطور [2] ، فلو رقعت قميصك، قال: ما أقدر على إبرة، قال:
هو يعطيك، قال: والله لو ملك بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا في كلّ إبرة خيط ثم جاء جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبيّ عليه السلام يسألونه إبرة يخيط بها يوسف قميصه الذي قدّ من دبر ما أعطاهم.
«969» - ولقيه رجل وقد تعلق به غلام، فقال: يا أبا الحارث، من هذا؟ قال: هذا غلام للفضل بن يحيى، كنت عند مولى هذا أمس فقدّم إلينا مائدة عليها رغيفان عملا من نصف خشخاشة، وثريدة في سكرّجة
__________
[1] نثر: الذبان.
[2] م: تطوف بفنائه.
(2/376)

وخبيصة في مسعطة [1] ، فتنفست الصعداء فدخل الخوان وما عليه في أنفي، فمولاه يطالبني بالقيمة، قال الرجل: استغفر الله مما تقول، فأومأ إلى غلام معه وقال: غلامي هذا حرّ إن لم يكن لو أنّ عصفورا وقع على بعض قشور ذلك الخشخاش الذي عمل منه ذلك لما رضي مولى هذا حتى يؤتى بذلك العصفور مشويا بين رغيفين، والرغيفان من عند العصفور؛ ثم قال: وعليّ المشي إلى بيت الله الحرام إذا عطشت بالقرعاء رجعت إلى دجلة العوراء حتى أشرب منها لو أن مولى هذا كلّف في يوم قائظ شديد الحرّ أن يصعد على سلّم من زبد حتى يلتقط كواكب بنات نعش كوكبا كوكبا كان ذلك أسهل عليه من أن يشمّ شامّ تلك الثريدة أو يذوق ذائق تلك الخبيصة، فقال الرجل: عليك لعنة الله وعليّ إن سمعت منك شيئا بعد هذا.
«970» - قال بعضهم لبخيل: لم لا تدعوني؟ قال: لأنك جيد المضغ سريع البلع، إذا أكلت لقمة هيأت أخرى، قال فتريد مني إذا أكلت لقمة أصلّي ركعتين ثم أعود إلى الثانية؟! «971» - قال بعض البخلاء لرجل على مائدته: اكسر ذلك الرغيف، قال: دعه يبتلى به غيري.
«972» - نظر الكنديّ إلى رجل يكسر درهما صحيحا فقال: ويحك، لا تفرّق بين الله تعالى ورسوله.
«973» - وقد روي أن معاوية كان شحيحا على الطعام، ونسب إليه في
__________
[1] م ونثر: مسعط.
(2/377)

ذلك ما ليس بمشهور، فمن ذلك أنه قال لرجل واكله: ارفق بيدك، فقال له: وأنت فاغضض من طرفك وبصرك [1] .
«974» - ووصف رجل بخيلا فقال: عينه دولاب اللقم في أيدي الأضياف.
«975» - وروي أن بخيلا كان يقوم في الليل وقد نام صبيانه على الجنب الأيسر فيقلبهم إلى اليمين، فسئل عن ذلك فقال: هؤلاء ينامون على اليسار فيصبحون جياعا، فأنا أقلبهم على اليمين لئلا ينهضم ما أكلوه سريعا.
«976» - دعا بخيل على صاحبه فقال له: إن كنت كاذبا فعشّيت السكارى بجبن.
«977» - قيل لبخيل: ما أحسن الأيدي على المائدة؟ فقال: مقطّعة.
«978» - سقى بخيل ضيفا له نبيذا عتيقا على الريق فتأوّه الرجل فقيل له: لم لا تتكلم؟ قال: إن سكتّ متّ أنا، وإن تكلمت مات ربّ البيت.
«979» - استأذن جحظة على صديق له مبخّل، فقال له غلمانه: هو محموم، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق.
«980» - وقال: أكلت مع بخيل مرة فقال لي: يا هذا ما رأيت أذلّ من الرغيف في يدك.
__________
[1] ر م: فاغضض من بصرك.
(2/378)

«981» - أعطى المنصور بعضهم شيئا ثم ندم فقال له: لا تنفق هذا المال واحتفظ به، وجعل يكرر ذلك عليه فقال له: يا أمير المؤمنين، إن رأيت فاختمه حتى ألقاك به يوم القيامة.
«982» - تزوج عمرو بن حريث ابنة أسماء بن خارجة فقالت له يوما: ما أحسبك وأبي تقرآن من كتاب الله تعالى إلا حرفين: قال: وما هما؟ قالت:
كان أبي يقرأ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
(سبأ:
39) وأنت تقرأ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
(الإسراء: 27) .
«983» - قال أبو العيناء: دعاني جار لي إلى وليمة، وكان بخيلا، فرأيته يدور على الموائد ويتنفّس الصعداء ويقول وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً
(الإنسان: 12) .
«984» - حكى بعضهم أنه كان على مائدة بخيل قال: فطافت علينا هرة وصاحت، فألقينا إليها لقمة من حوّارى، فقال صاحب الدار: إن كان لا بدّ فمن الخشكار.
«985» - وذكر آخر أنه كان في دعوة بعض التجار المياسير [1] ، فألقى للسنّور لقمة خبز ثم أراد أن يثنّيها، فقال التاجر: دع هذا، فليست الهرّة لنا وإنما هي للجيران.
«986» - قال الجاحظ: كنا عند داود بواسط أيام ولايته كسكر، فأتته
__________
[1] م: في دعوة بعض البخلاء وقيل بعض التجار المياسير.
(2/379)

زقاق فيها دوشاب [1] من البصرة في جملة هدايا حملت إليه، فقسمها بيننا، فكلنا أخذ ما أعطي غير الحزامي، فأنكرنا ذلك وقلنا إنما يجزع الحزامي من الإعطاء وهو عدوه، فأما الأخذ فهو ضالته وأمنيّته، فإنه لو أعطي أفاعي سجستان وثعابين مصر وجرّارات [2] الأهواز لأخذها إذا كان اسم الأخذ واقعا عليها، فسألناه عن سبب ذلك فتعصّر قليلا ثم باح بسره فقال: وضيعته أضعاف ربحه، وأخذه من أسباب الإدبار، قلت: أول وضائعه احتمال ثقل الشكر، قال: هذا ما لم يخطر ببالي قطّ، ولكن أوّل ذلك كراء الحمّال، فإذا صار إلى المنزل صار سببا لطلب العصيدة والأرزة والبستندودة، فإن بعته فرارا من هذا البلاء صيرتموني شهرة، وإن أنا حبسته ذهب في ذلك وأشباهه وجذب ذلك شراء السمن، وصار أضرّ علينا من العيال، فإن أنا جعلته نبيذا احتجت إلى كراء القدور وإلى شراء الداذيّ والماء، وإن فسد ذهبت النفقة باطلا ولم نستخلفه منها بوجه من الوجوه، لأنّ خلّ الداذيّ يخضب اللحم، ويضرّ بالطبخ، ويفسد الطّعم، ويسوّد المرق، ولا يصلح للاصطباغ، وإن سلم وأعوذ بالله وجاد وصفا ولم نجد بدّا من شربه ولم تطب أنفسنا بتركه، فإن قعدت في البيت أشربه لم يكن ذلك إلا بترك سلاف الفارسيّ المعسّل والدجاج المسمّن وجداء كسكر وفاكهة الجبل والنّقل الهشّ والريحان الغضّ من عند من لا ينقص [3] ماله ولا تنقطع مادته، وعند من لا يبالي على أيّ قطريه وقع [4] ، مع فوت المجلس المؤنق والسماع المطرب، وعلى أني إن قعدت في البيت أشربه لم يكن لي بدّ من واحد، وذلك الواحد لا بدّ له من لحم بدرهم، ونقل بطسوج، وريحان بقيراط، وهذا كله غرم وشؤم وحرفة وخروج عن العادة، فإن كان ذلك النديم غير موافق فأهل السجن أحسن حالا منّي، وإن كان
__________
[1] البخلاء: دبس.
[2] البخلاء: وحيات.
[3] البخلاء: يغيض.
[4] البخلاء: سقط.
(2/380)

موافقا فقد فتح الله منه على مالي التلف، وإذا علم الصديق أن عندي زائرا ونبيذا دقّ عليّ الباب دقّ المدلّ، فان حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء، فإن بدا لي في استحسان حديث الناس عندي كما يستحسنه مني من أكون عنده فقد شاركت المسرفين، وفارقت إخواني من الصالحين [1] ، وصرت من إخوان الشياطين؛ فإذا صرت كذلك فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكسب مني، وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له، فكيف اذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ؟ أعوذ بالله من الخذلان بعد العصمة، ومن الحور بعد الكور، ولو كان هذا في الحداثة لكان أحسن. هذا الدوشاب دسيس [2] من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود، وهي الحلاوة التي تعقب المرارة، وما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد ملّني [3] فهو يحتال لي الحيل.
«987» - قال بعض البخلاء: يزعمون أن خبزنا خفاف؟ وأيّ ابن زانية يقدر أن يأكل منه أكثر من رغيف؟
«988» - ودخل قوم على بعضهم وقد تغدّى مع أصحابه ولم يرفع المائدة، فقال لهم: كلوا وأجهزوا على الجرحى، يريد كلوا ما كسر ونيل منه ولا تعرضوا للصحيح.
«989» - حدث محمد بن عيسى الحرفيّ، وكان جار أبي العتاهية، قال: كان لأبي العتاهية جار يلتقط النوى ضعيف سيء الحال متجمّل له
__________
[1] البخلاء: المصلحين.
[2] م: دسيس المرارة.
[3] البخلاء: مل منادمتي.
(2/381)

بنات [1] ، فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار فيقول أبو العتاهية: اللهم أعنه على ما هو بسبيله، شيخ ضعيف سيّىء الحال له بنات متجمل، اللهم أعنه، اللهم اصنع له، اللهم بارك فيه، فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحوا من عشرين سنة لا والله إن تصدّق عليه بدرهم ولا دانق قط، ولا زاده على الدعاء شيئا، فقلت له يوما: يا أبا إسحاق إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ، وتزعم أنه فقير معيل [2] فلم لا تتصدّق عليه بشيء؟ فقال: أخشى أن يعتاد الصدقة، والصدقة أخر مكاسب العبد، وإنّ في الدعاء لخيرا كثيرا.
«990» - ووقف على أبي العتاهية ذات يوم سائل من العيّارين الظرفاء، وجماعة جيرانه حواليه، فسأله من بين الجيران، فقال: صنع الله لك، فأعاد السؤال فردّ عليه مثل ذلك، فأعاده الثالثة فردّ عليه مثل ذلك، فغضب وقال له: ألست الذي يقول: [من المديد]
كلّ حيّ عند ميتته ... حظّه من ماله الكفن
قال: نعم، قال: فبالله أتريد أن تعدّ مالك كلّه لثمن كفنك؟ قال:
لا، قال: فبالله كم قدّرت لكفنك؟ قال: خمسة دنانير، قال: هي إذن حظك من مالك، قال: نعم، قال: فتصدّق عليّ من غير حظك بدرهم واحد، قال: لو تصدقت عليك لكان حظّي، قال: فاعمل على أن دينارا من الخمسة وضيعته قيراط، فادفع إليّ قيراطا واحدا، وإلا فواحدة أخرى قال: وما هي؟ قال: القبور تحفر بثلاثة دراهم، فاعطني درهما وأقيم لك كفيلا بأني أحفر لك قبرك متى متّ وتربح در همين لم يكونا في حسابك، فإن لم أحفر رددته على ورثتك أو ردّه كفيلي عليهم، فخجل أبو العتاهية وقال:
__________
[1] الأغاني: عليه ثياب.
[2] الأغاني: مقلّ.
(2/382)

اغرب لعنك الله وغضب عليك، وضحك جميع من حضر ومرّ السائل يضحك؛ فالتفت إلينا أبو العتاهية وقد اغتاظ فقال: من أجل هذا وأمثاله حرمت الصدقة، فقلنا له: ومن حرّمها؟ ومتى حرّمت؟ فما رأيت أحدا ادّعى أنّ الصدقة حرمت قبله ولا بعده.
«991» - قال محمد بن زيد بن علي بن الحسين: اجتمع قوم من قريش أنا فيهم، فأحببنا أن نأتي ابن هرمة فنعبث به، فتزودنا زادا كثيرا ثم أتيناه لنقيم عنده، فلما انتهينا إليه خرج علينا فقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: سمعنا شعرك فدعانا إليك لما سمعناك قلت: [من الكامل]
إنّ امرءا جعل الطريق لبيته ... طنبا وأنكر حقّه للئيم
وسمعناك قلت [1] : [من المنسرح]
كم ناقة قد وجأت منحرها ... بمستهلّ الشؤبوب أو جمل
لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل
قال: فنظر إلينا طويلا ثم قال: ما على الأرض عصابة أضعف عقولا ولا أسخف دينا منكم، فقلنا: يا عدوّ الله يا دعيّ، أتيناك زائرين، تسمعنا مثل هذا الكلام؟ فقال: أما سمعتم الله عز وجل يقول للشعراء وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
(الشعراء: 226) أفيخبركم الله أني أقول ما لا أفعل وتريدون مني أن أفعل ما أقول؟ قال: فضحكنا منه وأخرجناه فأقام عندنا في نزهتنا يشركنا في زادنا حتى انصرفنا إلى المدينة.
__________
[1] م: تقول.
(2/383)

«992» - قال يونس الخياط [1] : كان لأبي صديق وكان يدعوه يشرب معه فإذا سكر خلع عليه قميصه، فإذا صحا من الغد بعث إليه وأخذه منه، فقال أبي: [من الطويل]
كساني قميصا مرتين إذا انتشى ... وينزعه مني إذا كان صاحيا
فلي فرحة في سكره بقميصه ... وروعاته في الصّحو حصّت شواتيا
فيا ليت حظّي من سروري وروعتي ... يكون كفافا لا عليّ ولا ليا
«993» - قال أشعب: ولي المدينة رجل من ولد عامر بن لؤي، وكان أبخل الناس وأنكدهم، وأغراه الله بي يطلبني في ليله ونهاره، فإذا هربت منه هجم على منزلي بالشّرط، وإن كنت في موضع بعث إلى من أكون عنده يطلبني منه، فيطالبني بأن أحدّثه وأضحكه، ولا أسكت ولا أنام، ثم لا يطعمني ولا يعطيني شيئا، ولقيت منه جهدا عظيما وبلاء شديدا، وحضر الحج فقال لي:
يا أشعب كن معي، قلت: بأبي أنت وأمي، أنا عليل وليست لي في الحج نية فقال: عليه وعليه، وقال [2] إنّ الكعبة بيت النار لئن لم تخرج معي لأودعنّك الحبس حتى أقدم، فخرجت معه مكرها، فلما نزلنا المنزل أظهر أنه صائم، ونام حتى تشاغلت وأكل ما في سفرته، وأمر غلامه أن يطعمني رغيفين بملح، فجئت وعندي أنه صائم، ولم أزل منتظرا إلى المغرب أتوقّع إفطاره، فلما صلّيت المغرب قلت لغلامه: ما ينتظر بالأكل؟ قال: قد أكل منذ زمان، قلت:
أو لم يكن صائما؟ قال: لا، قلت: أفاطوي أنا؟ قال: قد أعدّ لك ما
__________
[1] ر م: بن الخياط.
[2] بأبي ... وقال: سقط من ع ر.
(2/384)

تأكله فكل، وأخرج إليّ رغيفين والملح، فأكلتهما وبتّ ميتا جوعا، وأصبحت فسرنا حتى نزلنا المنزل، فقال لغلامه: ابتع لنا لحما بدرهم، فابتاعه، فقال: كبب لي قطعا، ففعل، فأكله ونصب القدر، فلما اغبرت قال: اغرف لي منها قطعا ففعل، وأكلها [1] ثم قال: اطرح فيها دقة وأطعمني منها، ففعل، ثم قال: ألق توابلها وأطعمني منها، ففعل، وأنا جالس أنظر إليه لا يدعوني، فلما استوفى اللحم كلّه قال: يا غلام أطعم أشعب، فرمى إليّ برغيفين، فجئت إلى القدر فإذا ليس فيها إلّا مرق وعظام، فأكلت الرغيفين، وأخرج له جرابا فيه فاكهة يابسة، فأخذ منها حفنة فأكلها، وبقي في كفه كفّ لوز بقشره، ولم تكن له فيه حيلة، فرمى به إليّ وقال: كل هذا يا أشعب، فذهبت أكسر واحدة منه فإذا ضرسي قد انكسرت منها قطعة فسقطت بين يديّ، وتباعدت أطلب حجرا أكسر به فوجدته فضربت به لوزة فطفرت علم الله مقدار رمية حجر، وعدوت في طلبها، فبينا أنا في ذلك إذ أقبل بنو مصعب، يعني ثابتا وإخوته، يلبّون بتلك الحلوق الجهورية، فصحت بهم:
الغوث الغوث بالله وبكم يا آل الزبير، الحقوني أدركوني، فركضوا إليّ، فلما رأوني قالوا: مالك ويلك؟ قلت: خذوني معكم تخلصوني [2] من الموت، فحملوني معهم، فجعلت أرفرف بيديّ كما يفعل الفرخ إذا طلب الزّقّ من أبويه، فقالوا: مالك ويلك؟ قلت: ليس هذا موضع الحديث، زقّوني زقوني ما معكم، فقد متّ ضرا وجوعا منذ ثلاث، فأطعموني حتى تراجعت نفسي وحملوني معهم في محمل ثم قالوا: أخبرنا بقصتك، فحدثتهم وأريتهم ضرسي المكسورة، فجعلوا يضحكون ويصفقون فقالوا: ويحك من أين وقعت على هذا؟ هذا من أبخل خلق الله وأدناهم نفسا. فحلفت بالطلاق أني لا أدخل المدينة ما دام له بها سلطان، فلم أدخلها حتى عزل.
__________
[1] ونصب ... وأكلها: سقط من م ع.
[2] م ع: فخلصوني.
(2/385)

«994» - مرّ الفرزدق بمحمد بن وكيع بن أبي سود وهو على ناقة فقال له: غدّني فقال: ما يحضرني غداء، قال: فاسقني سويقا، قال: ما هو عندي، قال: فاسقني نبيذا، قال: أو صاحب نبيذ عهدتني؟ قال: فما يقعدك في الظل؟ قال: فما أصنع؟ قال: اطل وجهك بدبس ثم تحوّل إلى الشمس فاقعد فيها حتى يشبه لونك لون أبيك الذي تزعمه.
قال أبو عمرو بن الغلاء: فما زال ولد محمد يسبّون بذلك من قول الفرزدق.
«995» - قال محمد بن سعد الكراني: كنّا في حلقة التوزي، فلما انفضّت قلنا: انهضوا بنا إلى محمد بن يسير، فصرنا إليه فلم يكن عنده إلا شاة وبقية خبز له أيام، فقدم ذلك لنا فقلنا: هذا جود الأذواء، أي هو من اليمن فقال: [من البسيط]
ماذا عليّ إذا ضيف تأوّبني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقلّ إذا أعطاك مصطبرا ... ومكثر من غنى سيّان في الجود
لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إما نوال وإما حسن مردود
فقمنا إلى بيته غصبا فأكلنا من جلّة تمر كانت عنده أكثرها وحملنا الباقي، فكتب إلى والي البصرة عمر بن حفص هزار مرد: [من المديد]
يا أبا حفص بحرمتنا ... غبت عنها [1] حين تنتهك
خذ لنا ثأرا لجلتنا ... فبك الأوتار تدّرك
لهف نفسي حين تطرحها ... بين أيدي القوم تفترك [2]
__________
[1] الأغاني: عن نفسا.
[2] الأغاني: تبترك.
(2/386)

زارنا زور فلا سلموا ... وأصيبوا أيّة سلكوا
أكلوا حتى إذا شبعوا ... أخذوا الفضل الذي تركوا
فأنفذ إلينا فأحضرنا وأغرمنا مائة درهم، وأخذ من كلّ واحد منا جلّة تمر وسلّم ذلك إليه.
996- قال بديح، قال لي هشام: أخبرني بأعجب شيء رأيته من ابن جعفر، قال: أتاه فتى فقال له: قد تزوجت وليس عندي من الصداق شيء، قال: كم الصداق؟ قال ثلاثون دينارا قال: يا بديح ادع بالكيس، فأتيته بكيس فيه دنانير فقال: عدّ، فعددت ومددت صوتي وطرّبت، فقال: عدّ فعددت وهو يقول عد حتى عددت [1] خمسين وأربعمائة وفني ما في الكيس، فقال ابن جعفر: ليت دام لنا ما في الكيس ودام لنا صوتك، فقال لي هشام: من الرجل؟ قلت: لا أخبرك فإني أخاف أن تأخذها منه، فقال: ويحك يعطيه ابن جعفر وآخذها أنا منه؟! «997» - دخل أبو العيناء على عبد الرحمن بن خاقان في يوم شات فقال له: كيف تجد هذا اليوم؟ قال: تأبى نعماؤك أن أجده.
«998» - قال دعبل بن علي الشاعر أتيت سهل بن هارون بن راهبون الكاتب في حاجة فأطلت الجلوس عنده، وأخّر غداءه لقيامي، فجلست على عمد، فلما اضطررته وجاع قال: ويلك يا غلام غدّنا، قال: فجاءت المائدة
__________
[1] حتى عددت: سقطت من ع م.
(2/387)

وعليها قصعة فيها مرق وديك ليس قبلها ولا بعدها غيرها، فاطّلع في القصعة ففقد الرأس، فقال لغلامه: أين الرأس؟ قال: رميت به يا مولاي، قال:
ولم رميت به؟ قال: ظننتك لا تأكله، قال فهلا إذ ظننت أني لا آكله ظننت أن العيال يأكلونه [1] ؟ ثم التفت إليّ وقال: لو لم أكره إلا الطيرة مما صنع [2] لكان حسبي، لأن قولهم الرأس للرئيس وفيه الحواسّ، ومنه يصدح الديك، وفيه فرقه [3] الذي يتبرّك به، وعينه التي يضرب بصفائها المثل، ودماغه عجب من العجب لوجع الكليتين، وصوته الذي لولاه ما أريد لشيء، ولم أر عظما قطّ أهشّ تحت ضرس من عظم دماغ ديك، ويلك انظر أين رميت به، قال:
لا أدري، قال: لكنّي أدري أين رميت به، في بطنك، والله حسيبك.
«999» - أعرابيّ يرقص ولده: [من الرجز]
أحبّه حبّ الشحيح ماله ... قد ذاق طعم الفقر ثم ناله
إذا أراد بذله بدا له
«1000» - قال أعرابيّ لنازل به: نزلت بواد غير ممطور وبرجل غير مسرور، فأقم بعدم، أو ارحل بندم.
«1001» - لما قال أبو العتاهية: [مجزوء الكامل]
__________
[1] م: لا يأكلونه.
[2] م: مما صنع إلا الطيرة.
[3] م: رفرفه.
(2/388)

سافر بطرفك [1] حيث شء ... ت فلن ترى إلا بخيلا
قيل له: بخّلت الناس كلّهم، قال: فاكذبوني بواحد.
«1002» - قيل لبخيل: من أشجع الناس؟ قال من يسمع وقع أضراس الناس على طعامه فلا تنشقّ مرارته.
«1003» - أمر عبد الله بن الزبير لأبي جهم العدويّ بألف درهم، فدعا له وشكره، فقال له: بلغني أنّ معاوية أمر لك بمائة ألف درهم فتسخطتّها وشكوته، وقد شكرتني، فقال أبو جهم: بأبي أنت، أسأل الله أن يديم لنا بقاءك، فاني أخاف إن فقدناك أن يمسخ الناس قردة وخنازير، وكان ذلك من معاوية قليلا، وهذا منك كثير، فأطرق ولم ينطق.
«1004» - نزل ابن أحمر الشاعر على عمار بن مسروق، فقيل له: على من نزلت؟ فقال: على أبي الخصيب، والخبز من عندي، قيل: وكيف؟
قال: لأنّ خبزه مكتوب عليه «لا حافظ إلا الله» وهو في ثني الوسادة، وهو عليه متكىء.
«1005» - دخل أبو نخيلة على هشام وعليه لحاف سمّور مظهّر بخزّ، فرمقه أبو نخيلة فقال: ما بالك ترمقه ولست من أهله؟ قال: صدقت يا أمير
__________
[1] ديوان أبي العتاهية: فاضرب بطرفك.
(2/389)

المؤمنين، ولكني من أهل التشرف والافتخار به، فرمى به إليه، ثم دخل عليه وعليه رداء وشي أفواف، فجعل ينكت باصبعه الأرض ويقول: [من الرجز]
كسوتنيها فهي كالتجفاف ... كأنني فيها وفي اللحاف
من عبد شمس أو بني مناف ... والخزّ مشتاق إلى الأفواف
فرمى بالرداء إليه.
«1006» - كان المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يطعم الطعام، وكان أعور، فجعل أعرابيّ يديم النظر إليه حابسا نفسه عن طعامه، فقال له: مالك؟ قال: إنه ليعجبني طعامك وتريبني عينك، قال: وما يريبك من عيني؟ قال: أراك أعور وأراك تطعم الطعام، وهذه صفة الدجّال.
وكانت عينه أصيبت في قتال الروم، فقال: إنّ الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله [1]
آخر باب الجود والسخاء والبخل واللؤم يتلوه باب الشجاعة والجبن [2]
__________
[1] هنا تنتهي النسخة ر، وفي آخرها: الحمد لله حق حمده وصلواته على سيد المرسلين محمد المصطفى وعلى آله وعترته الطاهرين وكان الفراغ منه نهار الخميس عاشر جمادى الأول من شهور سنة ستة وأربعين وستمائة، وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى [ ... ] عفا الله عنهم وعن مصنفه وكاتبه وقارىء فيه ومن كتب له وعن جميع المسلمين، آمين يا رب العالمين.
[2] م: تم الباب الخامس بحمد الله وعونه ومنه وكرمه وحسن توفيقه والله أعلم.
(2/390)

الباب السّادس في البأس والشجاعة والجبن والضّراعة
(2/391)

خطبة الباب
بسم الله الرّحمن الرحيم الحمد لله المخوف بطشه وبأسه، الرؤوف حين يحيط بالمرء قنوطه ويأسه، العطوف برحمته على عباده، اللطيف بمن وفّقه لتزود معاده، موقي الشجاع وقد خاض غمار المنية، وملقّي الجبان وقد استدفع حتفه بقبول الدنية، لا ينجي من قضائه قراع البيض والأسل، ولا يلجي من بلائه ادّراع السوابغ والجنن، المسوي بين النّجد والضّرع في قسمة الآجال، ومسلط الحمام حائلا دون الأماني والآمال.
أحمده حمدا يكون مستحقه وأهله، وأذعن بأن لا حول ولا قوة إلا به وله [1] ، وأشهد أن لا اله إلا الله [2] وأنّ محمدا عبده ونبيه، ورسوله وصفيه، أرسله ويد البغي في العرب تقدّ وتصطلم، ونار الحرب بينها [3] تقد وتضطرم، وكل منهم مدلّ بنجدته وبسالته، ومولّ عن سنن رشده وهدايته، فدعاهم مخرجا لهم إلى الضياء من ديجور الظلام، وأنزل بمن خالفه منهم قوارع الانتقام، وأيده من أصحابه بالأبطال الأعلام، حتى قامت دعائم الاسلام، وآذنت قواعد الكفر بالانهدام، صلّى الله عليه وعليهم ما استهل الغمام، وأعقب الضياء الظلام.
__________
[1] ح: إلا له؛ م: إلا بالله.
[2] م ح: إلا هو.
[3] ح: بينهما.
(2/393)

مقدمة الباب
(الباب السادس في البأس والشجاعة والجبن والضّراعة [1] ) نذكر في هذا الباب ما جاء في البأس والشجاعة، والجبن والضراعة، والحرب والمقارعة، وما استعمل فيها من الآراء والمكايد، ونصب للأعداء فيها من الأشراك والمصايد، وتسمية أبطال الإسلام وقاتليهم [2] ، ومن مات منهم حتف أنفه فلم يضرّه إقدامه، ولا دنا بخوضه الغمرات حمامه، وأتبع ذلك بنوادر من هذين النوعين، يرتاح لها المتأمل من كلال الجدّ والأين.
الشجاعة عزّ والجبن ذل، وكفى بالعزّ مطلوبا، وبالذل مصروفا عنه ومرغوبا، وقد أثنى الله عز وجل على الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وعلى الذين هم أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين فقال سبحانه: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
(الفتح: 29) ووصف المجاهدين فقال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
(الصف: 4) وندب إلى جهاد الأعداء، ووعد عليه أفضل الجزاء، وجعل قتالهم أجلّ الأعمال ثوابا، والفرار أكبر وزرا وآلم عقابا. والرأي في الحرب أمام الشجاعة، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الحرب خدعة، وقال حكيم لابنه: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك فالحرب حرب [3] للمتهور، وغنيمة للمتحذر.
__________
[1] ح: الباب السادس من كتاب التذكرة في الشجاعة والجبن؛ م: الباب السادس في الشجاعة والجبن من كتاب التذكرة.
[2] وقاتليهم: سقطت من م.
[3] م: خدعة.
انظر كنز العمال 4: 358 (رقم: 10891) والمستطرف 1: 215.
(2/395)

«1007» - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيله أو قطرة دمع في جوف الليل من خشيته.
«1008» - وسمع رجل عبد الله بن قيس يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
إنّ أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقوله؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدوّ فضرب به حتى قتل.
«1009» - ولحق أبو الطيب المتنبي الأوائل بقوله: [من الكامل]
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أوّل وهي المحلّ الثاني
لكنه لا يستغني عنها ولا يتم إلّا بها، لأن صاحب الرأي إذا عدمها ضلّ لبّه، وانخلع قلبه، فلم يتمّ له كيده، وخانه دونه بطشه وأيده. والعرب تقول: الشجاعة وقاية والجبن مقتلة، فانظر في من رأيت أو سمعت من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا.
«1010» - قال قبيصة بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحرض بني وائل:
الجزع لا يغني من القدر، والدنيّة أغلظ من المنية، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر خير وأكرم منه في الدبر، يا بني بكر حاموا فما من
(2/396)

المنايا بدّ، هالك معذور، خير من ناج فرور.
«1011» - وضدّ ذلك ما روي عن أسلم بن زرعة الكلابي، وقد خرج لمحاربة أبي بلال مرداس بن أديّة الخارجي أحد بني ربيعة بن حنظلة في الفين، ومرداس في أربعين، فانهزم منه، فقال له ابن زياد: ويلك أتمضي في ألفين وتنهزم من أربعين؟ فكان أسلم يقول: لأن يذمّني ابن زياد حيّا أحبّ إليّ من أن يمدحني ميتا. وكان أسلم بعد ذلك إذا خرج إلى السوق أو مرّ بصبيان صاحوا به: أبو بلال وراءك، حتى شكا ذلك إلى ابن زياد فأمر الشرط بكفّ الناس عنه.
«1012» - قال علي بن أبي طالب عليه السلام: من أكثر النظر في العواقب لم يشجع.
101»
- وقال عليه السلام: الجبن منقصة.
«1014» - قيل لأكثم بن صيفيّ: صف لنا الحرب، فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه، واعلموا أنّ كثرة الصياح من الفشل، فتثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، وربّ عجلة تعقب ريثا، وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل، وتحفّظوا من البيات.
«1015» - ومن كلام عليّ عليه السلام لأصحابه في الحرب: قدّموا
(2/397)

الدارع وأخرّوا الحاسر، وعضّوا على الأضراس فإنه أنبا للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فإنه أنور [1] للأسنّة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، ورايتكم فلا تميلوها ولا تحلّوها [2] ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم، فإن الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفّون براياتهم ويكتنفونها، حفافها [3] وأمامها ووراءها، لا يتأخرون عنها فيسلمونها [4] ، ولا يتقدمون عليها فيفردونها [5] ، اجزأ [6] امرؤ قرنه، وواسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه، وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة، أنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم، إنّ في الفرار موجدة الله والذلّ اللازم والعار الباقي، وإنّ الفارّ غير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه.
«1016» - كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح: بلغني أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا بعث جيشا أو سرية قال: اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله، لا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا، فإذا بعثت جيشا أو سرية فمرهم بذلك.
«1017» - وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عند عقد الألوية:
__________
[1] م ونهج: أمور.
[2] نهج: تخلوها.
[3] نهج: حفافيها.
[4] نهج: فيسلموها.
[5] نهج: فيفردوها؛ ح م: فيردونها.
[6] ح: آخرا.
(2/398)

بسم الله، وبالله، وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله والنصر، ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تغفلوا [1] عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، توقوا [2] قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شنّ الغارات.
«1018» - كتب أنوشروان إلى مرازبة خراسان: عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن ظنّ بالله عز وجل.
1019- قيل لأبي مسلم من أشجع الناس؟ قال: كلّ قوم في إقبال دولتهم شجعان.
«1020» - قال عمر بن الخطاب: لا تخون [3] قوى ما كان صاحبها ينزع وينزو (يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع [4] في القوس وينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب) .
«1021» - ومن كلام لعلي بن أبي طالب عليه السلام: ربّ حياة سببها التعرض [5] للموت، وربّ منية سببها طلب الحياة.
__________
[1] عيون: تمثلوا.
[2] ر م: توفي.
[3] عيون: لن تخور.
[4] ح: ينتزع.
[5] م ح: التعريض.
(2/399)

«1022» - ومثله قول الحصين بن الحمام المري: [من الطويل]
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وهي قصيدة طويلة مشهورة من جيد أشعار العرب في هذا الفن، فمن مختارها:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما
نفلّق هاما من رجال أعزّة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
ولما رأينا الصبر قد حيل دونه ... وان كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر منا سجيّة ... بأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما
ولما رأيت الودّ ليس بنافعي ... عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
فلست بمبتاع الحياة بسبّة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
«1023» - قيل لعلي بن أبي طالب عليه السلام: إن جالت الخيل فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني.
«1024» - وقيل له: كيف صرت تقتل الأبطال؟ قال: لأني كنت ألقى الرجل فأقدّر أني أقتله، ويقدّر أني أقتله فأكون أنا ونفسه عونين عليه.
«1025» - وقال مصعب الزبيري: كان عليّ عليه السلام حذرا في
(2/400)

الحروب، شديد الروغان [1] من قرنه، لا يكاد أحد يتمكّن منه، وكانت [2] درعه صدرا لا ظهر لها، فقيل له: ألا تخاف أن تؤتى من قبل ظهرك؟
فقال: إذا أمكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن أبقى عليّ.
«1026» - قال ابن عبّاس: عقمت النساء أن يأتين بمثل علي بن أبي طالب عليه السلام، لعهدي به يوم صفين، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وهو يقف على شرذمة من الناس يحضّهم على القتال، حتى انتهى إليّ وأنا في كنف من الناس، وفي أغيلمة من بني عبد المطلب فقال: يا معشر المسلمين تجلببوا السكينة، وأكملوا اللأمة، وأقلقوا [3] السيوف في الأغماد، وكافحوا [4] بالظّبا، وصلوا السيوف بالخطا، فإنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. عاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، فإنه عار في الاعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن الحياة [5] أنفسا، وسيروا إلى الموت سيرا سجحا، ودونكم هذا الرواق الأعظم فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكب صعيديه [6] . قدّموا للوثبة رجلا وأخّروا للنكوص أخرى، فصمدا صمدا حتى يبلغ الحقّ أجله، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
(محمد: 25) . ثم صدر عني وهو يقرأ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
(التوبة: 14) .
__________
[1] ح م: الروعات.
[2] ح: مكان؛ م: وكان.
[3] نهج: وقلقلوا.
[4] نهج: ونافحوا.
[5] نهج: عن أنفسكم.
[6] نهج: فان الشيطان كامن في كسره.
(2/401)

«1027» - وقد أكثر الشعراء في مثل معنى قوله عليه السلام: صلوا السيوف بالخطا.
(1) قال كعب بن مالك: [من الكامل]
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق
(2) ومثله لبعض بني قيس بن ثعلبة: [من البسيط]
لو كان في الألف منّا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إياه يعنونا
إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهم ... حدّ الظباة وصلناها بأيدينا
(3) ومثله: [من الطويل]
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
(4) ومثله: [من الطويل]
(2/402)

إذا قصرت أسيافنا عن عداتنا ... جعلنا خطانا وصلها فتطول
«1027» . (5) ومثله لوداك بن ثميل المازني: [من الطويل]
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم ... بكلّ رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأيّة حرب أم بأيّ مكان
«1028» - تمثّل معاوية في عبد الله بن بديل: [من الطويل]
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت يوما به الحرب شمّرا
ويدنو إذا ما الموت لم يك دونه ... قدى الشبر يحمي الأنف أن يتأخرا
«1029» - وقال نضلة السّلمي: [من الوافر]
ألم تسأل فوارس من سليم ... بنضلة وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح
فلم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح
فأطلق غلّ صاحبه وأردى ... جريحا منهم ونجا جريح
«1030» - وقال حاتم: [من الطويل]
(2/403)

لحا الله صعلوكا مناه وهمّه ... إذا بات [1] أن يلقى لبوسا ومطعما
ولكنّ صعلوكا خميصا فؤاده ... ويمضي على الهيجاء ليثا مصمّما [2]
فذلك إن يلق المنية يلقها ... كريما وإن يستغن يوما فربما
«1031» - وقال الأعرج المعنيّ: [من الرجز]
أنا أبو برزة إذ جدّ الوهل ... خلقت غير زمّل ولا وكل
ذا قوّة وذا شباب مقتبل ... لا جزع اليوم على قرب الأجل
نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل ... نحن بنو الموت إذا الموت نزل
لا عار بالموت إذا حمّ الأجل ... الموت أحلى عندنا من العسل
1032- وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل]
وفيّ على ما كان من شيب لمتي ... خلائق مما يستحبّ وينفع
جوامع من قول ونفس سخية ... وقلب إذا ما غشّي الهول أشجع
وغلظة إضباري إذا رامني [3] العدا ... وليني إذا حاد الضعيف المدفّع
«1033» - وقال قطريّ بن الفجاءة المازني: [من الوافر]
__________
[1] عيون: من الدهر؛ الديوان: من العيش.
[2] سقط من م: عجز البيت الأول وشطر الثاني.
[3] م: لامني؛ والاضبار: اجتماع الخلق.
(2/404)

أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لن تراعي
فانك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عز ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع
ويروى أخي الجزع، واليراع: القصب، واحدته يراعة وإنما يريد خوره، والخنع: الخضوع [1]
سبيل الموت غاية كلّ حيّ ... وداعيه لأهل الأرض داع
ومن لا يعتبط يسأم ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع
«1034» - وقال قيس بن الخطيم الأوسي: [من الطويل]
وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبّة ... أسبّ بها إلا كشفت غطاءها
وإنّي في الحرب العوان موكّل ... باقدام نفس ما أريد بقاءها
«1035» - وقال بعض بني قيس بن ثعلبة: [من الطويل]
دعوت بني قيس إليّ فشمّرت ... خناذيذ من سعد طوال السواعد
إذا ما قلوب الناس طارت مخافة ... من الموت أرسوا بالنفوس المواجد
__________
[1] ويروى ... الخضوع: سقط من م.
(2/405)

«1036» - وقال القتّال الكلابي: [من الطويل]
إذا همّ همّا لم ير الليل عمّة ... عليه ولم تصعب عليه المراكب
إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعة ... ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب
يرى أن بعد العسر يسرا ولا يرى ... إذا كان عسر أنه الدهر لازب
«1037» - وقال آخر: [من الرجز]
إني إذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه
وشدّ فوق بعضهم بالأرويه [1] ... هناك أوصيني ولا توصي بيه
«1038» - وقال بعضهم: [من الرجز]
قد علم المستأخرون في الوهل ... إذا السيوف عريت من الخلل
أنّ الفرار لا يزيد في الأجل
«1039» - وقال سالم بن وابصة: [من البسيط]
عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إنّ التخلق يأتي دونه الخلق
وموقف مثل حدّ السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق
__________
[1] الأروية: الحبال.
(2/406)

فما زلقت ولا أبديت فاحشة ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا
1040- قيل: أراد تبع أن يجهّز جيشا وأن يؤمّر عليه [1] رجلا، فأتي برجل فقال: انعت لي نفسك، فقال: أنا جريء عضب لساني، أعرض عن الأمر وإن ساءني، لا أنتقص في قومي، ولا يظفر بي خصمي، قال:
انصرف ليس لهذا دعوتك؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: إذا تطاولت علوت، وإذا ساورت استويت، وإذا قدرت عفوت، وإذا غمزت قسوت، قال: ليس لهذا دعوتك انصرف؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: أعطي المائة، وأحمل الدية، وأسير بالسوية، وأسبق إلى الغاية، قال: انصرف ليس لهذا دعوتك؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: أصطنع الجميل، وأنهض بالثقيل، وأعود وأجود، وأكرم القعيد، وأنضي الشديد، وأشبع ضيفي وإن جاع عيالي قال: كدت ولم تفعل انصرف؛ ثم دعا بآخر فقال: انعت لي نفسك قال: أضرب عند النزال، وأغشى الأبطال، وألقح الحرب بعد الحيال، إذا أدبروا طعنت، وإذا أقبلوا ضربت، أترك قرني سطيحا، وكبش القوم نطيحا، فقال الملك: سئلت فبيّنت، ونطقت فأحسنت، اذهب فأنت أنت، وولّاه.
«1041» - قال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه، وكان يجتنب غير الأدباء: أيّ المناديل أفضل؟ فقال قائل: مناديل مصر كأنها غرقىء البيض، وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع، فقال عبد الملك: ما صنعتم شيئا، أفضل المناديل ما قال أخو تميم، يعني عبدة بن الطبيب: [من البسيط]
__________
[1] ح م: عليهم.
(2/407)

لما نزلنا أصبنا [1] ظلّ أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر ما ينهيه [2] طابخه ... ما غيّر الغلي منه فهو مأكول
ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ لأيدينا مناديل
وقد جمع ذلك امرؤ القيس في بيت واحد فقال: [من الطويل]
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب [3]
المضهب [4] : الذي لم يدرك، ونمش: نمسح، ويقال للمنديل المشوش، وغرقىء البيض: قشره الباطن، وقشره الظاهر القيض، وينهيه:
ينضجه.
«1042» - كان إبراهيم بن الأشتر من الشجعان المعدودين، حارب عبيد الله بن زياد وهو في أربعة آلاف وعبيد الله في سبعين ألفا فظفر به وقتله بيده وهزم جيشه. قال عمير بن الحباب السّلمي، وكان يقال له فارس الاسلام: كان إبراهيم لي صديقا، فلما كان الليلة التي يريد أن يواقع في صبيحتها ابن زياد خرجت إليه ومعي رجل من قومي، فصرت في عسكره، فرأيته وعليه قميص هرويّ وملاءة، وهو متوشح بالسيف، يجوس عسكره فيأمر فيه وينهى، فالتزمته من ورائه فو الله ما التفت إليّ ولكن قال: من هذا؟
فقلت: عمير بن الحباب، فقال: مرحبا بأبي المغلّس، كن بهذا الموضع حتى أعود إليك. (أرأيت أشجع من هذا قط؟ يختضنه رجل من عسكر عدوه لا يدري من هو فلا يلتفت إليه؟) ثم عاد إليّ فقال: ما الخبر؟
__________
[1] المفضليات: لما وردنا رفعنا.
[2] المفضليات: لم ينهئه.
[3] ح م: مهضب، المهضب.
[4] ح م: مهضب، المهضب.
(2/408)

فقلت: القوم كثير، والرأي أن تناجزهم فإنه لا صبر بهذه العصابة القليلة على مطاولة هذا الجمع الكثير، فقال: نصبح إن شاء الله، ثم نحاكمهم إلى ظباة السيوف وأطراف القنا؛ والقصة طويلة لا يتعلق تمامها بهذا الباب.
1043- قال ابن أبي عتيق: نظرت إلى عبد الله بن الزبير وعبد الله ابن صفوان وقد ذهب الناس عنهما ولم يبق معهما أحد، وهما نائمان يغطّان في الليلة التي قتلا في صبيحتها.
«1044» - ولما ذهب بهدبة بن الخشرم ليقتل انقطع قبال نعله، فجلس يصلحه، فقيل له: أتصلحه وأنت على مثل هذه الحال؟ فقال: [من الوافر]
أشدّ قبال نعلي أن يراني ... عدوّي للحوادث مستكينا
«1045» - وكان الناس يختبرون جلد هدبة حين أخرج ليقتل، لقيه عبد الرحمن بن حسان [1] فقال له: يا هدبة أتأمرني أن أتزوج هذه بعدك؟ يعني زوجته، فقال له: إن كنت من شرطها قال: وما شرطها؟ قال: قد قلت ذلك وهو: [من الطويل]
فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا ... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا [2]
__________
[1] م: جدعان.
[2] الأنزع: الذي انحسر مقدم شعر رأسه؛ والأغمّ الذي سال شعره حتى غطى قفا رأسه.
(2/409)

كليلا سوى ما كان من حدّ ضرسه ... أكيبد [1] مبطان العشيّات أروعا [2]
ضروبا بلحييه على عظم زوره ... إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا [3]
وحلّي بذي أكرومة وحمية ... وصبر إذا ما الدهر عضّ فأسرعا
«1046» - وقالت له حبى في تلك الحال: لقد كنت أعدّك من الفتيان وقد زهدت فيك [4] اليوم لأني لا أنكر صبر الرجال على الموت، ولكن كيف تصبر عن هذه؟ فقال: والله إنّ حبي لها لشديد، وإن شئت لأصفنّ ذلك، ووقف ووقف الناس معه فقال: [من الطويل]
وجدت بها ما لم تجد أمّ واحد ... ولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب
رأته طويل الساعدين شمردلا ... كما اشترطت [5] من قوة وشباب
فانقمعت [6] داخلة في بيتها وأغلقت الباب دونه.
«1047» - سأل ابن هبيرة عن مقتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر مجلسه: سألت وكيع بن الدورقية: كيف قتلته [7] ؟ قال: غلبته بفضل قنا كان لي عليه، فصرعته وجلست على صدره وقلت: يا لثارات دوبلة، يعني أخاه من أمه، فقال: ويلك تقتل كبش مضر بأخيك وكان لا يساوي كفّ نوى؟ ثم تنخم فملأ وجهي، فقال ابن هبيرة: هذه البسالة والله،
__________
[1] م ع: اليبد؛ والاكبيد: الذي في كبده وجع.
[2] الأروع: الجبان.
[3] ع م: تصنعا.
[4] ح: قبل.
[5] الأغاني: كما تشتهي.
[6] ع: فانقبعت؛ م: فانبعثت.
[7] ح: قتله.
(2/410)

استدلّ عليها بكثرة [1] ريقه في ذلك الوقت.
«1048» - لما أخذ بيهس الخارجيّ قطعت يداه ورجلاه وترك يتمرغ في التراب، فلما أصبح قال: هل أحد يفرغ عليّ دلوين فاني احتلمت في هذه الليلة، وهو عجب إن كان صادقا، وإن كان كاذبا فيدلّ أيضا على قلة مبالاته وفراغه للمجون.
1049- ووقف عليه رجل وهو مقطوع فقال: ألا أعطيك خاتما تتختم به؟ فقال له بيهس: أشهد أنك [2] إن كنت من العرب فأنت من هذيل، وإن كنت من العجم فأنت بربري، فسئل عنه فإذا هو من هذيل وأمّه بربرية.
«1050» - ذكر أعرابي قوما فقال: يقتحمون الحرب كأنهم يلقونها بنفوس أعدائهم.
«1051» - كان عبّاد بن الحصين الحبطيّ من فرسان الإسلام، فقيل له: في أيّ جنّة تحبّ أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل مستأخر.
«1052» - قال المهلب: أشجع الناس ثلاثة: ابن الكلبية وأحمر قريش وراكب البغلة، فابن الكلبية مصعب بن الزبير أفرد في سبعة نفر وأعطي الأمان
__________
[1] م: استدل بها على كثرة.
[2] أنك: سقطت من ح م.
(2/411)

وولاية العراقين فأبى ومات كريما، وأحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر ما لقي خيلا قطّ إلا كان في سرعانها، وراكب البغلة عبّاد بن الحصين الحبطي ما كنّا قط في كربة إلا فرّجها؛ فقال الفرزدق [1] وكان حاضرا: فأين أنت عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن خازم؟ فقال: ويحك إنما ذكرنا الإنس، فأما الجن فلم نذكرهم بعد.
«1053» - كان المهلب بن أبي صفرة وأولاده من الشجاعة والنجدة بالموضع المعروف، إلا أنّ المغيرة بن المهلب من بينهم كان أشدّ تمكنا، وكان المهلب يقول: ما شهد معي حربا إلا رأيت البشرى في وجهه، وكان أشدّ ما تكون الحرب أشدّ ما يكون تبسما، وكان إذا نظر إلى الرماح قد تشاجرت في وجهه نكس على قربوس السرج وحمل من تحتها فبراها بسيفه وأثر في أصحابها.
«1054» - قيل للمهلب: إنك لتلقي نفسك في المهالك، قال: إن لم آت الموت مسترسلا أتاني مستعجلا، إني لست آتي الموت من حبه وإنما آتيه من بغضه، ثم تمثل بقوله: [من الطويل]
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
«1055» - وقيل له في بعض حروبه: لو نمت، فقال: إن صاحب
__________
[1] الفرزدق: سقطت من م.
(2/412)

الحرب إذا نام نام قلبه [1] .
«1056» - وقال المهلب: يا بني تباذلوا تحابوا، فإن بني الأمّ يختلفون فكيف بنو العلّات؟ البرّ ينسأ في الأجل، ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلّة وتعقب النار بعد الذلة، واتقوا زلّة اللسان فإن الرجل نزلّ رجله فينتعش ويزلّ لسانه فيهلك، وعليكم في الحرب بالمكيدة فإنها أبلغ من النجدة، فإن القتال إذا وقع وقع القضاء وبطل الخيار، فان ظفر فقد سعد، وإن ظفر به لم يقولوا فرّط؛ واقتدوا بقول نبيكم صلّى الله عليه وسلّم: الحرب خدعة، فليكن أول أمركم منها وآخره المكيدة، فإذا اضطررتم إلى المجالدة فعليكم بالمطاولة فإنها نتيجة الظفر وذريعة المكايد [2] ، وهي بعد دربة [3] الفارس وتخريج الناشىء.
«1057» - قال الجاحظ، قال المهلب: ليس أنمى من سيف، فوجد الناس تصديق قوله فيما نال ولده من السيف، فصار فيهم النماء؛ وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: السيف أنمى عددا، وأكرم ولدا، ووجد الناس ذلك بالعيان الذي صار إليه ولده من نهك السيف وكثرة الذروء وكرم النجل.
__________
[1] م: جسده.
[2] ح م: المكايدة.
[3] ح: درية.
(2/413)

«1058» - قال حبيب بن المهلب: ما رأيت رجلا مستلئما في الحرب إلا كان عندي رجلين، ولا رأيت حاسرين إلا كانا عندي واحدا، فسمع بعض أهل المعرفة هذا الكلام فقال: صدق، إن للسلاح فضيلة، ألا تراهم ينادون السلاح السلاح ولا ينادون الرجال الرجال.
«1059» - قال رجل: كنت عند يزيد بن حاتم بافريقية، وكنت به خاصّا، فعرض عليه تاجر أدراعا فأكثر تقلبيها ومزاولة صاحبها [1] ، فقلت له:
أصلح الله الأمير فعلام نلوم السوق؟ فقال: ويحك إنّي لست أشتري أدراعا إنما أشتري أعمارا.
«1060» - قال بعض لصوص بني سعد: [من الطويل]
ألم ترني صاحبت صفراء نبعة [2] ... وأسمر إلا ما تحلّل عامله [3]
وطال احتضاني السيف حتى كأنما ... يلاط بكشحي جفنه وحمائله
أخو فلوات صاحب الجنّ وانتحى ... عن الإنس حتى قد تقضّت وسائله
له نسب في الإنس يعرف نجره ... وللجنّ منه شكله وشمائله
__________
[1] ومزاولة صاحبها: سقطت من م.
[2] خ بهامش ح: ألم ترنى صفراء أحمل نبعة.
[3] الكامل: لها ربذي لم تفلل معابله. والربذي: وتر شديد الحركة عند دفع السهام، والمعابل: السهام الخفيفة.
(2/414)

«1061» - وقال العبّاس بن عبد المطلب: [من الطويل]
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدما
تركناهم لا يستحلّون بعدها ... لذي رحم من سائر الناس محرما
وزعناهم وزع الخوامس غدوة ... بكلّ سريجيّ إذا هزّ صمما
أبا طالب لا تقبل النّصف منهم ... وإن أنصفوا حتى تعفّ وتظلما
«1062» - قال أبو طالب بن عبد المطلب: [من الطويل]
وإنا لعمر الله إن جدّ قومنا ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل [1]
بكفّ فتى مثل الشهاب سميدع ... أخي ثقة حامي الحقيقة باسل
وحتى ترى ذا الرّدع يركب ردعه ... من الطّعن فعل الأنكب المتحامل [2]
«1063» - قطري بن الفجاءة: [من الطويل]
إلى كم تعاديني [3] السيوف ولا أرى ... معاداتها تدعو إليّ حماميا
أقارع عن دار الخلود ولا أرى ... بقاء على حال لمن ليس باقيا
__________
[1] ح: بالأنامل.
[2] يركب ردعه: يخر لوجهه على دمه، الأنكب: المائل.
[3] في رواية: تغاربني، تغازيني.
(2/415)

ولو قرّب الموت القراع لقد أنى ... لموتي أن يدني إليّ قراعيا [1]
أغادي جلاد المعلمين كأنني ... على العسل الماذيّ أصبح غاديا
وأدعو الكماة للنزال إذا القنا ... تحطّم فيما بيننا من طعانيا
ولست أرى نفسا تموت وإن دنت ... من الموت حتى يبعث الله داعيا
«1064» - سأل عبد الملك بن مروان عن أشجع الناس في الشعر فقالوا: عمرو بن معدي كرب فقال عبد الملك: كيف وهو الذي يقول:
[من الطويل]
وجاشت إليّ النفس أوّل مرة ... وردّت [2] على مكروهها فاستقرّت
قالوا: فعامر بن الطفيل، قال: وكيف وهو الذي يقول: [من الطويل]
أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلّي مراحا إنني غير مدبر [3]
قالوا فعنترة، قال: كيف وهو الذي يقول: [من الكامل]
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم ... عنها ولكنّي تضايق مقدمي
__________
[1] في رواية: أن يدنو لطول قراعيا.
[2] ح م: فردت.
[3] الديوان: غير مقصر.
(2/416)

قالوا: فمن أشجعهم؟ قال: ثلاثة نفر: قيس بن الخطيم الأوسي والعبّاس بن مرداس السلمي ورجل من مزينة، أما قيس بن الخطيم فقال: [من الطويل]
وإني لدى الحرب العوان موكّل ... بإقدام نفس ما أريد بقاءها
وأما العبّاس بن مرداس فقال: [من الوافر]
أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
وأما المزني فقال: [من الوافر]
دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت ردوا ألا طاب النزول
«1065» - قيل للمهلب بن أبي صفرة: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ فقال: فتى كان يخرج إلينا منهم في كل غداة فيقف ويقول:
[من الطويل]
وسائلة بالغيب عني ولو درت ... مقارعتي الأبطال طال نحيبها
إذا ما التقينا كنت أوّل فارس ... يجود بنفس أثقلتها ذنوبها
ثم يحمل فلا يقوم له شيء إلا أقعده فإذا كان من الغد عاد لمثل ذلك.
«1066» - وقال زيد الخيل: [من البسيط]
هلا سألت بني نبهان [1] ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرّت الحدق
__________
[1] البصرية: هداك الله؛ م: بني النبهان.
(2/417)

وجالت الخيل مبتلّا جحافلها [1] ... زورا يسفح من لبّاتها العرق [2]
هل أطعن الفارس الحامي حقيقته ... نجلاء يهلك فيها الزيت والخرق
وأضرب الكبش والخيلان جانحة ... والهام منا ومن أعدائنا فلق
«1067» - وقال آخر: [من الطويل]
وقد طال حملي الرمح حتى كأنه ... على فرسي غصن من البان نابت
يطول لساني في العشيرة مصلحا ... على أنّني يوم الكريهة ساكت
«1068» - وقال آخر: [من الطويل]
حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندقّ قدما في الصدور صدورها
محرمة أعجاز خيلي على القنا ... محللّة لبّاتها ونحورها
«1069» - وقال جابر بن حنيّ: [من الطويل]
نعاطي الملوك السّلم ما قصدوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم
يرى الناس منّا جلد أسود سالخ ... وفروة ضرغام من الأسد ضيغم
وعمرو بن همّام صقعنا جبينه ... بشنعاء تشفي سورة المتظلم
__________
[1] البصرية: بالأبطال معلمة.
[2] البصرية: شعث النواصي عليها البيض يأتلق.
(2/418)

«1070» - وقال القطامي: [من الوافر]
بضرب يبصر العميان منه ... وتعشى دونه الحدق البصار
«1071» - وقال الأعشى: [من الكامل]
وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... يخشى الكماة الدارعون نزالها
كنت المقدم غير لابس جنّة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها
1072- وقال رجل من بني كاهل: [من الطويل]
يزيد اتساعا في الكريهة صدره ... تضايق أطراف الوشيج المقوّم
فما شارب بين الندامى معلل ... بأطرب منه بين سيف ولهذم
كأنّ نفوس الناس في سطواته ... فراش تهادى في حريق مضرّم
«1073» - وقال أبو ذؤيب: [من الكامل]
حميت عليه الدرع حتى وجهه ... من حرّها يوم الكريهة أسفع
تعدو به خوصاء يفصم جريها ... حلق الرحالة فهي رخو تمزع [1]
بينا تعنّقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء سلفع [2]
وكلاهما متوشّح ذا رونق ... عضبا إذا مسّ الكريهة يقطع
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبّع [3]
__________
[1] خوصاء: غائرة العين؛ تمزع: تمرّ في عدوها بخفة.
[2] بينا يقبل ويراوغ ويطاعن، عرض له فارس جريء واسع الصدر.
[3] مسرودتان: درعان، قضاهما: عملهما، صنع السوابغ: الماهر بعمل الدروع.
(2/419)

وكلاهما في كفّه يزنيّة ... فيها سنان كالمنارة أصلع [1]
يتناهبان المجد كلّ واثق ... ببلائه واليوم يوم أشنع
فتنازلا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مخدّع
فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التي لا ترقع [2]
وكلاهما قد عاش عيشة ماجد ... وجنى العلاء لو أنّ شيئا ينفع
السلفع: الجريء، يقال: ناقة سلفع أي جريئة على السير، وقوله كالمنارة أراد المصباح نفسه فلما لم يستقم له أقام المنارة مقامه، وأصلع:
براق، والمخدّع ها هنا أي ذو خدعة في الحرب، وقال أبو عمرو: مجدّع مضروب بالسيف ومخدّع أيضا بالخاء وهو المقطع بالسيوف.
«1074» - أمّر عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح على إفريقية فغزاها، وكان المسلمون عشرين ألفا، وفيهم عبد الله بن الزبير بن العوام، قال عبد الله بن الزبير: أحاط بنا جرجير [3] صاحب إفريقية وهو ملك فرنجة [4] في مائة وعشرين ألفا، فضاق بالمسلمين أمرهم واختلفوا في الرأي، فدخل عبد الله بن سعد فسطاطه يخلو ويفكر، قال عبد الله بن الزبير:
فرأيت عورة من جرجير، والناس على مصافّهم، رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا منهم، معه جاريتان تظلان عليه من الشمس بريش الطواويس [5] ،
__________
[1] اليزنية: الأسنة المنسوبة إلى ذي يزن.
[2] النوافذ: يريد الطعنات النافذة، العبط: الجلود أو الأثواب المشقوقة.
[3] ع: جرين؛ م ح: جرير.
[4] م: افرنجة.
[5] م: الطاوس.
(2/420)

فجئت فسطاط عبد الله بن سعد فطلبت الإذن عليه من حاجبه فقال:
إنه في شأنكم وقد أمرني أن أمسك الناس عنه، قال: فدرت فأتيت مؤخر الفسطاط فرفعته فإذا هو مستلق على فراشه، ففزع وقال: ما أدخلك عليّ يا ابن الزبير؟ فقلت: انه كلّ أزبّ نفور، إني رأيت عورة من عدونا فرجوت الفرصة منها وخشيت فوتها، فاندب الناس لي، قال: وما هي؟ فأخبرته فقال: فرصة وعورة لعمري، ثم خرج فقال: أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم. فاخترت ثلاثين فارسا وقلت: إني حامل فاضربوا عن [1] ظهري فاني سأكفيكم من ألقى إن شاء الله تعالى، فحملت في الوجه الذي هو فيه وحملوا فذبّوا عني حتى حزتهم إلى أرض خالية وتبيّنني فصمدت صمده، فو الله ما حسب إلا [2] أني رسول ولا ظنّ أكثر أصحابه إلا ذاك، حتى رأى ما بي من السلاح فثنى برذونه هاربا. فأدركته فطعنته فسقط، فرميت بنفسي عليه، واتقت جاريتاه عنه السيف فقطعت يدا إحداهما، وأجهزت عليه ثم رفعت رأسه في رمحي، وجال أصحابه، وحمل المسلمون في ناحيتي وكثروا [3] ، فقتلوهم كيف شاءوا وكانت الهزيمة.
«1075» - لما كان يوم مسكن وهرب الناس عن مصعب بن الزبير، دخل على سكينة بنت الحسين، وكانت شديدة المحبة له، وكانت تخفي ذلك عنه، فلبس غلالة وتوشح عليها وانتضى السيف، فلما رأت ذلك علمت أنه عزم على أن لا يرجع، فصاحت من ورائه واحرباه، فالتفت إليها وقال: أو هذا لي في قلبك؟ فقالت: أي والله وأكثر من هذا، فقال: أما لو علمت
__________
[1] م: على.
[2] م: ما حسبني إلا.
[3] م: وكبروا.
(2/421)

لكان لي ولك شأن، ثم خرج فقال لابنه عيسى: يا بنيّ انج إلى نجائك فإن القوم لا حاجة بهم إلى غيري، وستفلت بحيلة أو بقيا [1] فقال: يا أبتاه لا أخّرت [2] والله عنك أبدا فقال: أما والله لئن قلت ذلك لما زلت أتعرّف الكرم في أساريرك وأنت تقلّب في مهدك، فقتل بين يدي أبيه. ففي ذلك يقول الشاعر: [من الطويل]
فلو كان شهم النفس أو ذا حفيظة ... رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب
وأم عيسى هذا بنت فلان بن السائب من بني أسد بن عبد العزّى، وروي أن أباها زوجها عمرو بن عثمان بن عفان فلما نصت عليه طلّقها على المنصة، فجاء أبوها إلى عبد الله بن الزبير فقال له: إنّ عمرو بن عثمان طلّق ابنتي على المنصّة، وقد ظنّ الناس أنّ ذلك لعاهة، وأنت عمها فقم فادخل إليها، فقال عبد الله: أو خير من ذلك؟ جيئوني بالمصعب فخطب عبد الله فزوجها من المصعب وأقسم عليه ليدخلنّ بها في ليلته، فلا يعلم أنّ أمرأة نصت على رجلين في ليلة غيرها، فأولدها المصعب عيسى وعكاشة.
«1076» - كان محمد بن الحنفية شجاعا أيّدا وله في أيده أحاديث مشهورة، منها: أن أباه عليا عليه السلام اشترى درعا فاستطالها، فقال:
لينقص منها كذا، وعلّم على موضع منها، فقبض محمد بيده اليمنى على ذيلها وبالأخرى على فضلها، ثم جذبه فقطعها من الموضع الذي حدّ أبوه، وكان عبد الله بن الزبير يحسده على قوته، فإذا حدّث بهذا الحديث غضب واعتراه أفكل [3] .
__________
[1] ح: بفنا؛ أو بقيا: سقطت من م.
[2] ح: أحدث؛ م: أخذت. لعلها: أجدن.. بدّا) .
[3] الأفكل: الرعدة.
(2/422)

«1077» - كان مسلمة بن عبد الملك فارس بني أمية وشجاعهم، قال له أخوه هشام: يا أبا سعيد هل دخلك ذعر قطّ بحرب شهدتها أو لعدو؟ قال:
ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة، ولم يفتني فيها ذعر سلبني [1] رأيي، قال هشام: هذه البسالة.
«1078» - لم يكن في بني العبّاس أشجع من المعتصم، ولا أشدّ قلبا وأيدا، ولا أحسن تيقظا في الحرب، وكان من شدته يسمي ما بين إصبعيه السبابة والوسطى «المقطرة» ، واعتمد بها مرة على ساعد إنسان فدقّه، وكتب إليه ملك الروم يتهدّده، فأمر بكتب جوابه فلما قرىء عليه لم يرضه وقال للكاتب: اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد قرأت كتابك والجواب ما ترى لا ما تسمع وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ
(الرعد:
42) .
«1079» - وقال ابن أبي دواد: كان المعتصم يقول لي: يا أبا عبد الله عضّ ساعدي بأكثر قوتك، فأقول: والله يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك، فيقول: إنه لا يضرّني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فكيف الأسنان؟
«1080» - ويقال إنه طعنه بعض الخوارج وعليه جوشن، فأقام المعتصم ظهره فقصف الرمح بنصفين.
__________
[1] م ح: يسلبني.
(2/423)

«1081» كان عبد الملك بن صالح واليا للرشيد على الشام، فكان إذا وجه سريّة إلى أرض الروم أمّر عليها أميرا شهما وقال له: اعلم أنك مضارب الله تعالى بخلقه، فكن بمنزلة التاجر الكيّس إن وجد ربحا وإلا احتفظ برأس المال، وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوك عليك.
«1082» - وولّى العبّاس بن زفر الثغر فودّعه وقال: يا عبّاس إنّ حصن المحارب من عدوه حسن تدبيره، والمقاتل عنه جليد رأيه وصدق بأسه.
«1083» - يقال: إنه لا يصدق ويصبر في اللقاء إلا ثلاثة: مستبصر في دين، أو غيران على حرمة، أو ممتعض من ذلّ.
«1084» - كان حبيب بن مسلمة الفهري يغزو الترك، فخرج ذات مرّة إلى بعض غزواته فقالت له امرأته: أين موعدك؟ قال: سرادق الطاغية أو الجنة، قالت: إني لأرجو أن أسبقك إلى أيّ الموضعين كنت فيه، فجاء فوجدها في سرادق الطاغية تقاتل الترك.
«1085» - قال جعفر بن علبة الحارثيّ: [من الطويل]
لا يكشف الغماء إلّا ابن حرّة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
(2/424)

«1086» - وقال ابن هرمة: [من الوافر]
إذا شدّوا عمائمهم ثنوها ... على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار
1087- قيل: دخل على معاوية بعض كنانة فقال له: هل شهدت بدرا؟ قال: نعم، قال: مثل من كنت يومئذ؟ قال: غلام ممدود مثل عصا الجلمود، قال: فحدثني ما رأيت وحضرت، قال: ما كنّا إلا شهودا كأغياب، وما رأيت ظفرا كان أوشك منه، قال: فصف لي من رأيت، قال: رأيت في سرعان الناس عليّ بن أبي طالب غلاما ليثا عبقريا يفري الفريّ، لا يلبث [1] له أحد إلّا قتله، ولا يضرب شيئا إلا هتكه، لم أر من الناس أحدا قطّ أثقف منه، يحمل حملة ويلتفت التفاتة كأنه ثعلب روّاغ، وكأن له عينين في قفاه، وكأنّ وثوبه وثوب [2] وحشيّ، يتبعه رجل معلم بريش نعامة، كأنه جمل يحطم يبيسا، لا يستقبل شيئا إلا هدّه، ولا يثبت له شيء إلا ثكلته أمّه، شجاع ابله يحمل بين يديه، قيل هذا حمزة بن عبد المطلب عم محمد صلّى الله عليه وسلّم قال: فرأيت ماذا؟ قال: رأيت ما وصفت لك، ورأيت جدّك عتبة وخالك الوليد حيث قتلا، ورأيت من حضر من أهلك لم يغنوا عنه شيئا، قال: فكنت من المنهزمين؟ قال: نعم لما انهزمت عشيرتك، قال:
فأين كنت منهم؟ قال: لما انهزمنا كنت في سرعانهم، قال: فأين أرحت؟
قال: ما أرحت حتى نظرت إلى الهضبات [3] ، قال: لقد أحسنت الهرب،
__________
[1] م: يثبت.
[2] وثوب: سقطت من ح م.
[3] ع: العضبات.
(2/425)

قال: قبلي ما [1] أحسنه أبوك وبعد ما اتعظت بمصرع كمصرع جدّك وخالك وأخيك، قال: إنك لغليظ الكلام، قال: إنني ممن تعرف، قال: إنكم لتبغضون قريشا، قال: أما من كان أهله منهم فنبغضه، قال: ومن الذين هم اهله [2] ؟ قال: من قطع القرابة واستأثر بالفيء وطلب الحقّ فلما أعطيه منعه، قال: ما فيك خير من أن نسكت عنك، قال: ذاك إليك، قال:
قد فعلت، قال: فقد [3] سكت.
«1088» - قال الحارث بن خالد المخزومي، وقد فرّ عبد العزيز بن عبد الله بن أسيد من الخوارج فرارا قبيحا، على كثرة عدده [4] وقلتهم: [من الخفيف]
فرّ عبد العزيز حين رأى الأب ... طال بالسفح نازلوا قطريّا
عاهد الله إن نجا ملمنايا ... ليعودنّ بعدها حرميّا [5]
حيث لا يشهد القتال ولا يس ... مع يوما لكرّ خيل دويا
«1089» - قيل لأعرابي: ألا تغزو فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي في عافية فكيف أمضي إليه ركضا، ومثله قول الشاعر: [من البسيط]
__________
[1] م: لقد.
[2] ح: من أهله.
[3] ح م: قد.
[4] م: عددهم.
[5] ح: احدميا (دون اعجام) .
(2/426)

تمشي المنايا إلى قوم فأبغضها ... فكيف أعدو إليها عاري الكتف
«1090» - أنفذ الحجاج رجلا من ثقيف يستحثّ المهلب على مناجزة الخوارج، فلما وقعت الحرب انهزم الثقفيّ، فقال رجل من بني عامر بن صعصعة: [من الكامل]
ما زلت يا ثقفيّ تخطب بيننا ... وتعمّنا بوصية الحجّاج
حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا ... وسما لنا صرفا بغير مزاج
ولّيت يا ثقفيّ غير مناظر ... تنساب بين أحزّة وفجاج
ليست مقارعة الكماة لدى الوغى ... شرب المدامة في إناء زجاج
«1091» - قال أعرابيّ لقومه، وقد صافّوا بعض أصحاب السلطان: يا قوم لا أعرّكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها نيوب الفيلة، وقسيّ كأنها العتل، ينزع أحدهم حتى يتفرق شعر إبطه، ثم يرسل نشابة كأنها رشاء مقطع [1] ، فما بين أحدكم وبين أن ينصدع قلبه منزلة، قال: فطاروا رعبا قبل اللقاء.
«1092» - قيل: كانت لفتى من قريش وصيفة نظيفة جميلة الوجه حسنة الأدب وكان بها معجبا، فأضاق واحتاج إلى ثمنها، فحملها إلى العراق زمن الحجاج فباعها، فوقعت إلى الحجاج، فكانت تلي خدمته، فقدم عليه
__________
[1] ح م: منقطع.
(2/427)

فتى من ثقيف، أحد بني عقيل [1] ، فأنزله قريبا منه وألطفه، فدخل عليه يوما والوصيفة تغمز رجل الحجاج، وكان للفتى جمال وهيئة، فجعلت الوصيفة تسارق الثقفيّ النظر، وفطن الحجاج فقال للفتى: ألك أهل؟ قال: لا، قال: خذ بيد هذه الوصيفة فاسكن إليها واستأنس بها حتى [2] أنظر لك بعض [3] بنات عمك، فدعا له، وأخذها مسرورا وانصرف إلى رحله، فباتت معه ليلتها [4] وهربت بغلس، فأصبح لا يدري أين هي، وبلغ الحجاج ذلك، فأمر مناديا فنادى: برئت الذمة ممن آوى وصيفة من صفتها كذا وكذا، فلم يلبث أن أتي بها، فقال لها: يا عدوة الله، كنت عندي من أحبّ الناس، واخترت لك ابن عمي شابا حسن الوجه، ورأيتك تسارقينه النظر، فدفعتك إليه وأوصيته بك، فما لبثت إلا سواد ليلتك حتى هربت، قالت: يا سيدي، اسمع قصتي ثم اصنع ما أحببت، قال: هات، قالت: كنت لفلان القرشي، وكان بي معجبا، فاحتاج إلى ثمني فحملني إلى الكوفة، فلما صرنا قريبا من البلد دنا مني فوقع عليّ فلم يلبث أن سمع بزئير الأسد، فوثب عني إليه واخترط سيفه ثم حمل عليه فضربه وقتله [5] ، ثم أقبل إليّ وما برد ما عنده، فقضى حاجته، وكان ابن عمك هذا الذي اخترته لي لما أظلم الليل قام إليّ، فإنه لعلى بطني إذ وقعت فأرة من السقف عليه، فضرط ثم وقع مغشيا عليه، فمكث زمانا طويلا أقلّبه وأرشّ على وجهه الماء وهو لا يفيق، فخفت أن تتهمني به فهربت فزعا [6] من القتل، فما ملك الحجاج نفسه وقال: ويحك لا تعلمي بهذا أحدا، قالت: يا سيدي على أن لا تردني إليه، قال: لك ذلك.
__________
[1] م: أبي عقيل.
[2] ح م: إلى أن.
[3] بعض: سقطت من م.
[4] م: ليلته.
[5] م: واحتز رأسه بسيفه.
[6] فزعا: سقطت من م.
(2/428)

«1093» - حدّث جار لأبي حية النميري قال: كان لأبي حيّة سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان يسميه لعاب المنية، فأشرفت عليه وقد انتضاه من غمده وقد استذمر، وهو واقف [1] على باب بيت في داره، وقد سمع حسا، وهو يقول: أيّها المغترّ بنا والمجترىء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنايا [2] الذي سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك لا أدخل بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا تملأ الفضاء خيلا ورجلا، فيا سبحان الله ما أكثرها وأطيبها، ثم فتح الباب على وجل فإذا كلب قد خرج فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا.
«1094» - قال الأخطل يذكر شجاعا: [من الطويل]
وكرّار خلف المرهقين جواده ... حفاظا إذا لم يحم أنثى حليلها
ثنى مهره والخيل رهو كأنها ... قداح على كفّي مفيض يجيلها
يهين وراء الخيل نفسا كريمة ... لكبّة موت ليس يودى قتيلها
ويعلم أنّ المرء [3] ليس بخالد ... وأن منايا المرء يسعى دليلها
__________
[1] م: وقد انتضاه وهو واقف.
[2] م ح: المنية:
[3] م: الموت.
(2/429)

«1095» - وقال أبو كبير الهذلي: [من الكامل]
صعب الكريهة لا يرام جنابه ... ماضي العزيمة كالحسام المقصل [1]
يحمي الصحاب إذا تكون كريهة ... وإذا هم نزلوا فمأوى العيّل
«1096» - وقال تأبّط شرا: [من الطويل]
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حد أخلق صائك
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك
أراد المجرة وقيل الشمس [2] .
«1097» - وقال موسى بن جابر الحنفي: [من الطويل]
ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حدّ الموت والموت دونها
وجدت بنفس لايجاد بمثلها ... وقلت اطمئنّي حين ساءت ظنونها
وما خير مال لا يقي الذمّ ربّه ... ونفس امرىء في حقّها لا يهينها
«1098» - وقال عروة بن الورد: [من الطويل]
__________
[1] ح: المصقل.
[2] أراد ... الشمس: سقط من م.
(2/430)

ولكنّ صعلوكا صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنوّر
مطلّا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر
إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوّف أهل الغائب المتنظّر
فذلك إن يلق الكريهة يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر
«1099» - وقال عمرو بن كلثوم: [من الطويل]
معاذ الاله أن تنوح نساؤنا ... على هالك أو أن نضجّ من القتل
قراع السيوف بالسيوف أحلّنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل
«1100» - وقال عبد الله [1] بن سبرة: [من الطويل]
وإني إذا ضنّ الأمير باذنه ... على الإذن من نفسي إذا شئت قادر
«1101» - وقال تأبط شرا: [من الطويل]
قليل غرار النوم أكبر همّه ... دم الثأر أو يلقى كميّا مقنّعا
يماصعه كلّ يشجّع قومه ... وما ضربه هام العدى ليشجّعا
قليل ادّخار الزاد إلّا تعلّة ... فقد نشز الشّرسرف والتصق المعا
يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
وإني وإن عمّرت أعلم أنني ... سألقى سنان الموت يبرق أصلعا
ومن يغز بالأعداء لا بد أنه ... سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا
__________
[1] م ح: عبدة.
(2/431)

«1102» - وقال معبد بن علقمة: [من الطويل]
فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتّامين للمتشتّم
ولكننا نأبى الظّلام ونعتصي ... بكلّ رقيق الشفرتين مصمّم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وان التمادي في الذي كان بيننا ... بكفّيك فاستأخر له أو تقدّم
«1103» - وقال موسى بن جابر الحنفي: [من الطويل]
وإنا لوقّافون بالموقف الذي ... يخاف رداه [1] والنفوس تطلّع
وإنّا لنعطي المشرفيّة حقّها ... فتقطع في أيماننا وتقطّع
«1104» - تزوج الهذلول بن كعب العنبريّ امرأة من بني بهدلة، فرأته يوما يطحن وقد نزل به ضيف، فضربت صدرها وقالت: هذا زوجي [2] ؟ فقال في ذلك: [من الطويل]
تقول ودقّت [3] صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجبي وتبيّني ... فعالي إذا التفّت عليّ الفوارس
ألست أردّ القرن يركب ردعه ... وفيه سنان ذو غرارين يابس
__________
[1] معجم المرزباني: بالثغرة التي ... رداها.
[2] م: زوجي هذا.
[3] م: وصكت.
(2/432)

وأحتمل الأوق الثقيل وأمتري ... خلوف المنايا حين فرّ المغامس [1]
وأقري الهموم الطارقات حزامة ... إذا كثرت للطارقات الوساوس
إذا خام [2] أقوام تقحمت غمرة ... يهاب حميّاها الألدّ المداعس
لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس
وإني لأشري الحمد أبغي رباحه ... وأترك قرني وهو خزيان تاعس
«1105» - وقال طفيل الغنوي: [من الرجز]
إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوى بعيد المستمر ... ذا صولة في المصمئلّات الكبر
أحمل ما حمّلت من خير وشر ... كالحية الصمّاء في ظلّ الحجر
«1106» - قال آخر ويروى [3] لابن قيس الرقيات: [من الطويل]
وإني لآبى الشرّ حتى إذا أبى ... تجنّب بيتي قلت للشرّ مرحبا
وأركب ظهر الأمر حتى يلين لي ... إذا لم أجد إلا على الشرّ مركبا
__________
[1] الأوق: العبء؛ المغامس: الشجاع.
[2] خام: نكل وجين.
[3] م ح: وروي.
(2/433)

«1107» - وقال آخر: [من الطويل]
أفرّ حذار الشرّ والشرّ تاركي [1] ... وأطعن في أنيابه وهو كالح
«1108» .- (1) وقال ابن هرمة: [من الطويل]
إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره ... فناجى ضميرا غير مضطرب العقل
ولم يشرك الأدنين في جلّ أمره ... إذا انتقضت بالأضعفين قوى الحبل [2]
(2) وقال أيضا في مثل ذلك: [من الطويل]
يزرن امرءا لا يمحض القوم أمره ... ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول
إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبى ... وإن قال إني فاعل فهو فاعل
«1109» - ومثله لسعد بن ناشب المازني: [من الطويل]
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
«1110» - وقال مالك بن الريب في مثله: [من الطويل]
__________
[1] م ح: نازلي.
[2] ح م: الحمل.
(2/434)

وما أنا بالنابي الحفيظة بالوغى ... ولا المتّقي في السلم جرّ الجرائم
ولا المتأرّي في العواقب للذي ... أهمّ به من فاتكات العزائم
ولكنني ماضي العزيمة مقدم ... على غمرات الحادث المتفاقم
قليل اختلاج الرأي في الجدّ والهوى ... جميع الفؤاد عند وقع العظائم
«1111» - وقال [أبو] قيس بن الأسلت: [من السريع]
قالت ولم تقصد لقيل الخنا ... مهلا فقد أبلغت أسماعي
واستنكرت لونا له شاحبا [1] ... والحرب غول ذات أخداع [2]
من يذق الحرب يجد طعمها ... مرّا وتتركه [3] بأوجاع
قد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
أسعى على جلّ بني مالك ... كلّ امرىء في شأنه ساع
أعددت للأعداء فضفاضة ... موضونة [4] كالنّهي بالقاع
أحفزها [5] عني بذي رونق ... أبيض مثل الملح [6] قطّاع
صدق حسام وادق حدّه ... ومارن [7] أسمر قرّاع
بزّ [8] امرىء مستبسل حاذر ... للدهر جلد غير مجزاع
الكيس والقوة خير من ال ... إدهان والفهّة [9] والهاع [10]
__________
[1] المفضليات (ض) : أنكرته حين توسمته.
[2] م وأصل ح: أوجاع.
[3] ض: وتحبسه.
[4] ض: موضونة فضفاضة.
[5] م ح: أحفرها؛ ع: أحقرها.
[6] ض: مهند كالملح.
[7] ض: ومجنا.
[8] ح: مرّ؛ م: ابن.
[9] ض: والفكة.
[10] الادهان: النفاق، الفكة: الضعف، والفهة: العيّ؛ والهاع: النزع.
(2/435)

هلا سألت القوم [1] إذ قلّصت ... ما كان إبطائي وإسراعي
هل أبذل المال على حبّه ... فيهم وآتي دعوة الداعي
وأضرب القونس [2] يوم الوغى ... بالسيف لم يقصر به باعي
«1112» .- (1) وقال العلوي صاحب الزنج: [من الكامل]
يلقى السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر
(2) وقال أيضا: [من الرجز]
إذا اللئيم مطّ حاجبيه ... وذبّ عن حريم درهميه
فاقذف عنان البخل في يديه ... وقم إلى السيف وشفرتيه
فاستنزل الرزق بمضربيه ... إن قعد الدهر فقم إليه
(3) ومن شعره أيضا: [من المتقارب]
وإنّا لتصبح أسيافنا ... إذا ما اهتززن ليوم سفوك
منابرهنّ بطون الأكفّ ... وأغمادهنّ رؤوس الملوك
__________
[1] ض: الخيل.
[2] القونس: عظيم تحت ناصية الفرس.
(2/436)

«1113» - أبو العشائر ابن حمدان: [من الكامل]
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل م تحت الفوارس تنحط
لقرأت منا ما تخطّ يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط
«1114» - وقال أبو العبّاس النامي: [من الكامل]
ومنازلين إذا بدوا في شارق ... شبّوا ضياء وقوده بوقود
ردّوا على داود صنعة سرده ... لغناهم [1] بالصبر عن داود
لا يصبحون إذا انتضوا بيض الظبا ... وشبا القنا غير المنايا السود
«1115» - ومن كلام لأبي محمد المهلبي يناسب معنى البيت الثاني:
فإنهم لشدّة [2] تجهمهم، وسرعة تهجمهم [3] : [من الكامل]
تركوا المكيدة والكمين لجهدهم [4] ... والنّبل والأرماح للأسياف
«1116» - ومن كلامه أيضا: قد صدقه الحملة، ومنعه المهلة، [من المتقارب]
وأصلاه حر جحيم الحديد ... تحت دخان من القسطل
__________
[1] م: لغنائهم.
[2] اليتيمة: فاتهم بشدة.
[3] فانهم لشدة ... تهجمهم: سقط من م.
[4] م ح واليتيمة: جهرهم.
(2/437)

«1117» .- (1) وقال أبو الفرج الببغاء: [من البسيط]
من كلّ متّسع الأخلاق مبتسم ... للخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل
يسعى به البرق إلا أنّه فرس ... في صورة الموت إلا أنه رجل
يلقى الرماح بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ما له كفل
(2) وقال أيضا: [من البسيط]
الباذلي العرف والأنواء باخلة ... والمانعي الجار والأعمار تخترم
حيث الدجى النقع والبيض الكواكب وال ... أسد الفوارس والخطيّة الأجم
«1118» - وقال السريّ الرفّاء: [من الوافر]
طلعت على الديار وهم نبات ... وأغمدت السيوف وهم حصيد
فما أبقيت إلا مخطفات ... حمى الأخطاف منها والنهود
«1119» - وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري: [من الرجز]
يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... إن تسلمي اليوم فلن تفوتي
أو تبتلى فطالما عوفيت ... هذي حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
«1120» .- (1) وقال عنترة: [من الكامل]
(2/438)

بكرت تخوّفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بدّ أن أسقى بكأس المنهل
فأقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... اني امرؤ سأموت إن لم أقتل
«1120» . (2) وقال عنترة أيضا: [من الكامل]
وعلمت أن منيتي إن تأتني ... لا ينجني منها الفرار الأسرع
فصبرت عارفة لذلك حرّة ... نفسي إذا نفس الجبان تطلّع
«1121» - وقال العبّاس بن مرداس: [من الكامل]
القائلون إذا لقوا أقرانهم ... إنّ المنايا قصر من لم يقتل
فتعانقوا الأبطال في حمس الوغى ... تحت الأسنّة والغبار الاطحل
«1122» - وقال ضابىء البرجمي: [من الطويل]
وما الفتك ما شاورت فيه ولا الذي ... تخبّر من لاقيت أنك فاعله
«1123» - وقال حارثة بن بدر: [من الطويل]
ولا تلتمس أمر الشديدة بامرىء ... إذا رام أمرا عوّقته عواذله
وما الفتك الا لامرىء رابط الحشا ... إذا صال لم ترعد إليه خصائله
«1124» - وقال حسان بن ثابت: [من الخفيف]
(2/439)

كرهوا الموت فاستبيح حماهم ... وأقاموا فعل اللئيم الذليل
أمن الموت يهربون فإن ال ... موت موت الهزال غير جميل
«1125» - وقال هدبة بن خشرم العذري: [من الطويل]
وليس أخو الحرب الشديدة بالذي ... اذا زبنته كان للسلم أخضعا
ولكن أخو الحرب الحديد سلاحه ... إذا حملته فوق حال تشجعا أ
خو الحرب لا ينآد للحرب متنه ... ولا يظهر الشكوى إذا كان موجعا
ركوب على أثباجها متخوف ... لعوراتها ينمي إذا الثقل أضلعا
«1126» - وقال الحطيئة: [من الطويل]
إذا همّ بالأعداء لم يثن همّه ... كعاب عليها لؤلؤ وشنوف
أخذ المعنى وبعض اللفظ كثير فقال لعبد الملك: [من الطويل]
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها عقد درّ يزينها
«1127» - وقالت امرأة من بني عبد القيس: [من الطويل]
أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهم ... ولم يبتغوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
(2/440)

«1128» - وقال آخر: [من الرجز]
قد علم المستأخرون في الوهل ... إذا السيوف عريت من الخلل
أنّ الفرار لا يزيد في الأجل
«1129» - ومما يروى لعلي بن أبي طالب عليه السلام: [من الرجز]
من أيّ يوميّ من الموت أفر ... من يوم لا يقدر أم يوم قدر
«1130» - وقال المخبّل السعدي: [من الطويل]
وإنا أناس تعرف الخيل زجرنا ... إذا أمطرت سحب الصوارم بالدّم
وأنا لنعطي النصف من لو نضيمه ... أقرّ ونأبى نخوة المتظلم
«1131» - ومما جاء في ذكر الجبناء قول الطرماح: [من الطويل]
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت
ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّي تميم لولّت
ولو جمعت يوما تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لاستقلّت
«1132» - وقال آخر: [من الطويل]
(2/441)

إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد
«1133» - وقول الأخطل: [من الطويل]
ونجّى ابن بدر ركضه من رماحنا ... ونضاحة الأعطاف ملهبة الحضر
كأنهما والآل ينجاب عنهما ... إذا انغمسا فيه يعومان في بحر
يسرّ إليها والرماح تنوشه ... فدى لك أمّي إن دأبت إلى العصر
فظل يفدّيها وظلّت كأنها ... عقاب دعاها جنح ليل إلى وكر
1134- وقال آخر: [من البسيط]
لو كنت في مائتي ألف جميعهم ... مثل المزرفن داود بن حمدان
وتحتك الريح تجري حيث تأمرها ... وفي يمينك ماض غير خوّان
لكنت أول فرار إلى عدن ... إذا تحرك سيف في خراسان
«1135» - قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن أشجع من رأيت، فقال: والله يا أمير المؤمنين لأخبرنّك عن أحيل الناس، وعن أشجع الناس، وعن أجبن الناس، فقال له عمر:
هات، فقال: أربعت الصعابية [1] فخرجت كأحسن ما رأيت، شقّاء مقاء طويلة الأنقاء [2] [تمطّق بالعرق] تمطّق الشيخ بالمرق، فركبتها ثم آليت لا ألقى أحدا إلّا قتلته، فخرجت وهي تتقدّى [3] [بي] ، فإذا بفتى بين عرضين [4] ، فقلت
__________
[1] الصعابية: اسم فرسه (اللباب: الضبابية) .
[2] شقاء مقاء: طويلة؛ الأنقاء: عظم اليدين والرجلين.
[3] تتقدى: تلزم سنن السيرة (وغيرها محقق اللباب إلى «تنقز» ) .
[4] في الأصل: عن عرضين؛ والعرض: الوادي.
(2/442)

له: خذ حذرك فإني قاتلك، فقال: والله ما أنصفتني يا أبا ثور أنا كما ترى أعزل أميل، فأنظرني حتى آخذ نبلي، فقلت: وما غناؤها عنك؟ قال:
أمتنع بها، قلت: خذها، قال: لا والله أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنّك لا تروعني حتى آخذها، قال: فأثلجته فقال: وإلهي [1] قريش لا آخذها أبدا، فسلم والله وذهبت، فهذا أحيل الناس.
ثم مضيت حتى اشتمل عليّ الليل، فو الله إني لأسير في قمر زاهر، كالنور الظاهر، إذا بفتى على فرس يقود ظعينة وهو يقول: [الرمل المجزوء]
يا لدينا يا لدينا [2] ... ليتنا يعدى علينا
ثم يبلى ما لدينا
ثم يخرج حنظلة من مخلاته فيرمي بها في السماء فلا تبلغ الأرض حتى ينتظمها بمشقص من نبله، فصحت به: خذ حذرك ثكلتك أمّك فاني قاتلك، فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض، فقلت: إن هذا إلّا استخفاف، فدنوت منه فصحت به ويلك ما أجهلك، فما تحلحل ولا زال عن موضعه، فشككت بالرمح إهابه فإذا هو كأنه قد مات منذ سنة، فهذا أجبن الناس.
ثم مضيت فأصبحت من دكادك هرشى إلى غزال [3] ، فنظرت إلى أبيات فعدلت إليها، فإذا فيها جوار ثلاث كأنهنّ نجوم الثريا، فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكن؟ فقلن: لما ابتلينا به منك، ومن ورائنا أخت لنا هي أجمل منا، فأشرفت من فدفد، فإذا بامرىء لم أر قطّ أحسن من وجهه، وهو غلام يخصف نعله، عليه ذؤابة يسحبها، فلما نظر إليّ وثب على الفرس مبادرا، ثم ركض فسبقني إلى البيوت، فوجدهن قد ارتعن، فسمعته يقول:
[من الرجز]
__________
[1] الأغاني واللباب: وإله.
[2] اللباب: يا لبينا يا لبينا.
[3] غزال: ثنية قريبة من هرشى، تعرف بقرن غزال.
(2/443)

مهلا نسيّاتي لا تروّعن ... إن يمنع اليوم نساء تمنعن
أرخين أذيال المروط وأرتعن
فلما دنوت منه قال: أتطردني أم أطردك؟ فركض وركضت في أثره، حتى إذا أمكنت السنان من لفتته- واللفتة أسفل من الكتف- اتكأت عليه فإذا هو والله مع لبب فرسه، ثم استوى في سرجه فقلت: أقلني، قال: اطرد، فتبعته حتى إذا ظننت أن السنان بين ناغضتيه [1] اعتمدت عليه، فإذا هو والله قائم على الأرض والسنان زالج، ثم استوى على فرسه فقلت: أقلني، قال:
اطرد فطردته حتى إذا أمكنت السنان من متنه اتكأت عليه وأنا أظنّ أن قد فرغت منه، فمال في سرجه حتى نظرت إلى يديه في الأرض ومضى السنان زالجا، ثم قال: بعد ثلاث تريد ماذا؟ اطردني ثكلتك أمك، فوليت وانا مرعوب [2] منه، فلما غشيني ووجدت مسّ السنان التفتّ فإذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكفّ عني واستنزلني فنزلت، فجز والله ناصيتي وقال: انطلق فأنا أنفس بك عن القتل، فكان ذاك والله يا أمير المؤمنين عندي أشدّ من الموت، فذاك أشجع من رأيت، وسألت عن الفتى فقيل ربيعة بن مكدّم الفراسي من بني كنانة.
«1136» - وكان عمرو بن معدي كرب موصوفا بالأيد والشدة عظيم الخلقة، جاء إليه رجل وهو واقف بالكناسة على فرس له وقد أسنّ، فقال:
لأنظرنّ ما بقي من قوة أبي ثور، فأدخل يده بين ساقه وبين السرج، وفطن له عمرو فضمّها عليه وحرك فرسه، فجعل الرجل يعدو مع الفرس لا يقدر أن ينزع يده، حتى إذا بلغ منه قال: يا ابن أخي مالك؟ قال: يدي تحت ساقك، فخلّى عنه وقال: يا ابن أخي إن في عمك لبقية بعد.
__________
[1] الناغضة: أصل العنق.
[2] م: فوليت مرعوبا.
(2/444)

«1137» - ومن بليغ الشعر في الحرب والبأس والنجدة قول محمد بن هانئ: [من الطويل]
ومضرمة الأنفاس جمر وطيسها ... شرنبثة [1] الكفّين فاغرة الفم
ضروس لها أبناء صدق تحشّها ... فمن خادر ورد وأشجع أيهم [2]
وأرعن يحموم [3] كأنّ أديمه ... إذا شرعت أرماحه ظهر شيهم [4]
فما تنطق الأرماح غير تصلصل ... ولا ترجع الأبطال غير تغمغم
فتملأ سمعا من رواعد رجّف ... وتملأ عينا من بوارق ضرّم
فلا راجع باللأم [5] غير مبتّك ... ولا بحبيك البيض غير مثلّم
رفعت على هام العدى منه قسطلا ... خضبت مشيب الفجر منه بعظلم
فلا تتكلّف للخميس من العدى ... خميسا ولكن رعه باسمك يهزم
لقد أعذرت فيك الليالي وأنذرت ... فقل للعقول استأخري أو تقدمي
كأن قد كشفت الأمر عن شبهاته ... فلم يضطهد حقّ ولم يتهضّم
وفاض دما موج الفرات فلم يجز ... لوارده طهر بغير تيمم
فلا حملت فرسان حرب جيادها ... إذا لم يزرهم من كميت وأدهم
ولا عذب الماء القراح لشارب ... وفي الأرض مروانيّة غير أيّم
بريغون في الهيجا إلى ذي حفيظة ... طويل نجاد السيف أبلج خضرم
قليل لقاء البيض إلا من الظبا ... قليل شراب الكأس الا من الدم
وأيّ قوافي الشعر فيك أحوكها ... وما ترك التنزيل من متردّم
__________
[1] شرنبئة: غليظة.
[2] الأيهم: الجريء.
[3] الأرعن: الجيش؛ اليحموم: الأسود بسبب كثافته ولبس الدروع.
[4] الشيهم: القنفذ.
[5] اللأم: الدروع.
(2/445)

«1138» - وكان حسان بن ثابت الشاعر من الجبناء، وكان ابن الزبير يحدث أنه كان في فارع أطم ابن ثابت، يعني حسان، مع النساء يوم الخندق ومعهم عمرو بن أبي سلمة [قال ابن الزبير] : ومعنا حسان بن ثابت ضارب وتدا في ناحية [1] الأطم، فإذا حمل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المشركين حمل على الوتد يضربه بالسيف، وإذا أقبل المشركون انحاز عن الوتد، كأنه يقاتل قرنا، يتشبه بهم كأنه يرى أنه يجاهد حين جبن [2] . وقيل إنه أتاهم في ذلك اليوم يهوديّ يطيف بالحصن، وقد قطعت قريظة ما بينها وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالت صفية بنت عبد المطلب فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدلّ على عورتنا [3] من وراءنا من اليهود، وقد شغل عنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه فانزل إليه فاقتله، فقال:
يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت:
فلمّا قال ذلك ولم أر عنده شيئا اعتجرت [4] ، ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلّا أنه رجل، قال:
مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.
«1139» - كان حارثة بن بدر الغدانيّ من سادات بني تميم ووجوههم، وكان في وجه الخوارج والإمارة لغيره، فقتل صاحب الجيش فعقدوا الرياسة لآخر فقتل، فعقدوها لحارثة بن بدر فنادى في الناس: أن تثبتوا فتح الله
__________
[1] الأغاني: آخر.
[2] م: حين يضرب الوتد.
[3] م والأغاني: عوراتنا.
[4] الأغاني: احتجزت؛ م: اعجزت.
(2/446)

عليكم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة، وندب الناس فالتقوه وانهزم حارثة وقال: [من الرجز]
كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا
أير الحمار فريضة لعبيدكم ... والخصيتان فريضة الأعراب
فتتابع الناس على أثره منهزمين.
«1140» - وكان في الخوارج امرأة يقال لها أم حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها، وخطبها جماعة منهم فردتهم، وكانت في الحرب تحمل على الناس وتقول: [من الرجز]
أحمل رأسا قد سئمت حمله ... وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عنّي ثقله
وهم يفدّونها بالآباء والأمهات.
«1141» - وقال الحارث بن هشام يعتذر من الفرار. [من الكامل]
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوّي مشهدي
فصددت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد
(2/447)

«1142» - وقال زفر بن الحارث وقد فرّ يوم مرج راهط عن أبيه وأخيه:
[من الطويل]
أيذهب يوم واحد إن اسأته ... بصالح أعمالي وحسن بلائيا
ولم ير منّي زلّة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبيّ ورائيا
«1143» - وقال أزهر بن هلال التميمي: [من الطويل]
أعاتك ما ولّيت حتى تبددت ... رجالي وحتى لم أجد متقدّما
وحتى رأيت الورد يدمى لبانه ... وقد هزّه الأبطال فانتعل الدما
أعاتك أفناني السلاح ومن يطل ... مقارعة الأبطال يرجع مكلّما
«1144» - وأحسن ما قيل في الفرار قول قيس بن الخطيم: [من الطويل]
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب
صدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا تبرح الأقدام عند التضارب
«1145» - وقال مالك بن أبي كعب: [من الطويل]
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب
«1146» - وقال جرير يعيّر الأخطل إيقاع قيس ببني تغلب: [من الكامل]
(2/448)

حملت عليك حماة قيس خيلها ... شعثا عوابس تحمل الأبطالا
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا
نظر المتنبي إلى المعنى فقال وأحال [1] : [من البسيط]
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
وغير شيء ليس بشيء فيرى [2] ، وهذا مما طعن به عليه.
وبيت جرير مأخوذ من قوله عز وجل: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
[3]- (المنافقون: 4) .
«1147» - خرجت المغيرية [4] على خالد القسري وهو يخطب على المنبر ولا يعلم بهم، فخرجوا في التبابين [5] ينادون: لبّيك لبيك جعفر، وعرف خالد خبرهم وهو يخطب على المنبر، فدهش ولم يعقل ما يقول فزعا، فقال:
أطعموني ماء، ثم خرج الناس إليهم فأخذوا، فكان ضعفه على المنبر وجبنه حين خاف من أضعف خصم، ولما أمنهم وحصلوا في قبضته جعل يأخذ للرجل طنّ
__________
[1] ح: وأجاد (وسقطت من م) .
[2] م: وغير شيء لا يرى.
[3] وبيت ... العدو: سقط من م.
[4] الأغاني: الجعفرية.
[5] غيرها محقق الأغاني تعسفا إلى البيانية ظنا منه أن المغيرية والبيانية أتباع بيان بن سمعان خرجوا معا، وكلتا الفرقتين من الغلاة، وتعرض لهما خالد القسري، ولكن لا مجال لتغيير النصّ هنا.
(2/449)

قصب فيطلى بالنفظ ويقال له احتضنه، ويضرب حتى يفعل ذلك، ثم يحرق، فأحرقهم جميعا، فجمع القسوة وانخلاع القلب في حالتيه، وفي ذلك يقول الكميت [1] يمدح يوسف بن عمر: [من الطويل]
خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن ... كمن حصنه فيه الرتاج المضبّب
وما خالد يستطعم الماء فاغرا ... بعدلك والداعي إلى الموت ينعب
«1148» - لما دخلت غزالة الحروريّة الكوفة على الحجاج ومعها شبيب تحصّن منها وأغلق قصره، فكتب إليه عمران بن حطان، وكان الحجاج قد لجّ في طلبه: [من الكامل]
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... ربداء تجفل من صفير الصافر
هلّا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك مثل قلب الطائر [2]
صدعت غزالة قلبه بفوارس ... تركت مدابره كأمس الدابر
«1149» - ويقال إن عباد بن زياد كان جبانا، فبينا هو ذات ليلة نائم في عسكره صاحت بنات [3] آوى، فثارت الكلاب إليها، ونفر بعض الدواب،
__________
[1] ع: الشاعر.
[2] ح: ويروى: بل كان قلبك في جناحي طائر.
[3] م: بنو.
(2/450)

ففزع عباد وظنّ أنها كبسة من العدو، فركب فرسه ودهش فقال: افتحوا سيفي، فذلك قول ابن مفرغ يعيره: [من الوافر]
ويوم فتحت سيفك من بعيد ... أضعت وكلّ أمرك للضياع
إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشّر شعب قعبك بانصداع
ألم تر إذ تحالف حلف حرب ... عليك عددت من سقط المتاع
وكدت تموت إذ صاح ابن آوى ... ومثلك مات من خوف السباع
«1150» - وجه المهلب كعب بن معدان الأشقريّ إلى الحجاج في وقت محاربته الخوارج، فقال له الحجاج: كيف كانت حالكم مع عدوكم؟ قال:
كنّا إذا لقيناهم بعفونا وجهدهم أيسنا منهم، وإذا لقيناهم بجهدهم وجهدنا طمعنا فيهم؛ قال: وكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة الحريم نهارا، وفرسان الليل تيقّظا [1] قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال:
صفهم رجلا رجلا، قال: المغيرة فارسهم وسيدهم، نار ذاكية، وصعدة عالية، وكفى بيزيد فارسا شجاعا: ليث غاب وبحر جمّ [2] العباب، وجوادهم قبيصة، ليث المغار وحامي الذمار، ولا يستحيي الشجاع أن يفرّ من مدرك، وكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، ولا يستحيي الشجاع أن يفرّ من مدرك، ويكف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادر؟ وعبد الملك سمّ ناقع، وسيف قاطع، وحبيب الموت الذّعاف إنّما هو طود شامخ، وبحر باذخ، وأبو عيينة البطل الهمام، والسيف الحسام، وكفاك بالفضل نجدة: ليث هرّار وبحر موّار، ومحمد ليث غاب، وحسام ضراب. قال: فأيهم أفضل؟ قال: هم
__________
[1] الأغاني: أيقاظا.
[2] ح: ويحرهم (ويحر: سقطت من م) .
(2/451)

كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها [1] ، قال: فكيف جماعة الناس؟ قال: على أحسن حال، أدركوا ما رجوا وأمنوا ما خافوا، أرضاهم العدل، وأغناهم النّفل [2] ، قال: فكيف رضاهم بالمهلب؟ قال: أحسن رضى، وكيف لا يكونون [3] كذلك وهم لا يعدمون منه إشفاق [4] الوالد ولا يعدم منهم برّ الأولاد؟
قال: فكيف فاتكم قطريّ؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه، فتحوّل عن منزله، قال: فهلّا اتبعتموه؟ قال: حال الليل بيننا وبينه، وكان التحرز إلى أن يقع العيان ويعلم امرؤ ما يصنع أحزم، وكان الجدّ عندنا آثر من النّفل [5] .
«1151» - قيل لعنترة: أأنت أشجع العرب وأشدّها؟ قال: لا، قيل له: فبم شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم اذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الأحجام حزما، ولا أدخل موضعا لا أرى فيه مخرجا لي، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأنثني عليه فأقتله.
«1152» - لقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب، وكان جبانا [6] أهوج، وعليه حلّة جيّده، فقال أبو وهب لتأبط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت، وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ألقى الرجل: أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم، فبم تبتاعه؟ قال: بهذه
__________
[1] الأغاني: طرفاها.
[2] م: وأعياهم الثقل.
[3] ح م ع: يكون.
[4] الأغاني: رضا.
[5] الأغاني: الحد ... الفلّ (وفي الأمالي: آثرنا الحد على الفل) .
[6] الديوان: حسّانا.
(2/452)

الحلّة وكنيتي، قال: افعل، ففعل، وقال له: لك اسمي ولي اسمك وأخذ حلّته وأعطاه طمريه ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي: [من الطويل]
ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلها ... تأبط شرا واكتنيت أبا وهب
فهبه تسمّى اسمي وسمّاني اسمه ... فأين له صبري على معظم الخطب
وأين له بأس كبأسي وسورتي ... وأين له في كلّ فادحة قلبي
«1153» - البحتري: [من الطويل]
وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى تضيق دروعها
تقتّل من وتر أعزّ نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها
«1154» - مرّ خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بعروة بن الزبير، وكان بينهما تباعد [1] ، فقال له: يا خالد أتدع ابن أثال وقد تفصّى [2] أوصال عمّك [3] بالشام وأنت بمكة مسبل إزارك تجرّه وتخطر فيه متخايلا؟! (وكان عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد عند معاوية بالشام، فخافه معاوية على الأمر، فدسّ إليه ابن أثال الطبيب فسقاه شربة فمات منها) ، فحمي خالد بن المهاجر ودعا مولى له يدعى نافعا فأعلمه الخبر، وقال له: لا بدّ من قتل ابن أثال، وكان نافع جلدا شهما، فخرجا حتى قدما دمشق، وكان ابن أثال يمسي [4] عند معاوية،
__________
[1] م: وقفة وتباعد.
[2] الأغاني: وقد بين؛ م: وقدسا؛ ح: تقيا.
[3] الأغاني: ابن عمك.
[4] ح م: يتمشى، وأثبت ما في الأغاني.
(2/453)

فجلس له في مسجد دمشق إلى أصطوانة، وجلس غلامه إلى أخرى حتى خرج، فقال خالد لنافع: إيّاك أن تعرض له أنت، ولكن احفظ ظهري واكفني من ورائي، فإن رابك شيء من خلفي يريدني فشأنك [1] ، فلما حاذاه وثب إليه خالد فقتله [2] ، وثار إليه من كان معه فصاح بهم نافع فانفرجوا، ومضى خالد ونافع وتبعهما من كان معه، فلما غشاهما الليل [3] حملا عليهم فتفرقوا حتى دخل خالد ونافع زقاقا ضيّقا ففاتا القوم، فبلغ معاوية الخبر، فقال: هذا خالد بن المهاجر، اقلبوا الزقاق، ففتش عليه فأتي به [4] فقال: لا جزاك الله من زائر خيرا قتلت طبيبي، قال: قتلت المأمور وبقي الآمر، فقال: أم والله لو كان تشهّد مرّة واحدة لقتلتك به، وحبسه وضرب نافعا مائة سوط، وألزم بني مخزوم اثني عشر ألف درهم، أدخل بيت المال منها ستة آلاف وأخذ هو ستة آلاف، فلم يزل ذلك يجري دية المعاهد حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأبطل الذي يأخذه السلطان لنفسه، وأثبت الذي يدخل بيت المال.
«1155» - روي أن امرأة عمران بن حطان قالت له: ألم تزعم أنك لا تكذب في شعرك؟ قال: بلى، قالت: أفرأيت قولك: [الكامل المجزوء]
وكذاك مجزأة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامه
أيكون رجل أشجع من أسامة؟ قال: نعم، إن مجزأة بن ثور فتح مدينة
__________
[1] الأغاني: فان رابك شيء تراه من خلفي فشأنك.
[2] ح م: فقتلاه.
[3] الأغاني: فلما غشوهما؛ م: فلما غشياهما.
[4] م: فجيء به.
(2/454)

كذا وكذا، والأسد لا يقدر على فتح مدينة.
«1156» - روي أن أبا محجن عبد الله بن حبيب الثقفي كان في من خرج مع سعد بن أبي وقّاص لحرب الفرس، وكان سعد يؤتى به شاربا فيتهدّده فيقول له: لست تاركها إلّا لله، فأمّا لقولك فلا، فأتي به يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد خراجة فلم يخرج إلى الناس يومئذ، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما اشتدّ القتال تلك الليلة صعد أبو محجن إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده، وأتى سلمى بنت أبي حفصة فقال لها: يا ابنة أبي حفصة هل لك إلى خير [1] ؟ قالت: وما ذاك؟
قال: تحلّين عني وتعيرينني البلقاء، فلّله [2]- علي- إن سلمني الله- أن أرجع إلى حضرتك [3]- حتى تضعي [4] رجلي في قيدي، فقالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يرسف في قيوده ويقول: [من الطويل]
كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا قمت عنّاني الحديد وأغلقت ... مصاريع من دوني تصمّ المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدا لا أخا ليا
وقد شفّ جسمي أنني كلّ شارق ... أعالج كبلا مصمتا قد برانيا
فلله درّي يوم أترك موثقا ... وتذهل عنّي أسرتي ورجاليا
حبيسا عن الحرب العوان وقد بدت ... وإعمال غيري يوم ذاك العواليا
فلله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت ألّا أزور الحوانيا
__________
[1] م: في خير.
[2] فلله: سقطت من ع م.
[3] م: أرجع إليك.
[4] م: ثم تعيدي.
(2/455)

فقالت له سلمى: إني قد استخرت الله تعالى ورضيت بعهدك، فأطلقته ورجعت إلى بيتها، فخالفها أبو محجن إلى الفرس فأخذها وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق، فركبها ثم دبّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة، وأضاء النهار وتصافّ الناس كبّر ثم حمل على الميسرة يلعب برمحه وسلاحه [1] بين الصفّين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبدر أمام الناس فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا، فعجب الناس منه [2] وهم لا يعرفونه، ولم يروه بالأمس، فقال بعض القوم: هذا من أوائل أصحاب هاشم بن عتبة أو هشام [3] ، وقال قوم: إن كان الخضر شهد الحرب فهو صاحب البلقاء، وقال آخرون: لولا أن الملائكة لا تباشر القتال ظاهرا لقلنا هذا ملك بيننا، وجعل سعد يقول، وهو مشرف ينظر إليه: الطعن طعن أبي محجن، والضبر ضبر البلقاء، لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن، وهذه البلقاء، فلم يزل يقاتل حتى انتصف الليل وتحاجز أهل العسكرين، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر ووضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجليه في قيده وأنشأ يقول: [من الوافر]
لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وأنا رفدهم في كلّ يوم ... وان جحدوا فسل بهم عريفا
وليلة فارس [4] لم يشعروا بي ... ولم أكره لمخرجي الزّحوفا
فإن أحبس فقد عرفوا بلائي ... وان أطلق أجرّعهم حتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن في أيّ شيء حبسك هذا الرجل؟ فقال:
__________
[1] وسلاحه: سقطت من م.
[2] م: منه الناس.
[3] ع: هاشم (وسقطت من م) .
[4] الأغاني: قادس.
(2/456)

أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدبّ الشعر على لساني فينفثه أحيانا، فحبسني لأني قلت: [من الطويل]
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة ... يروّي مشاشي بعد موتي عروقها
ولا تدفنّني بالفلاة فانني ... إذا رحت مدفونا فلست أذوقها [1]
قال: وكانت سلمى قد رأت من المسلمين جولة، وسعد بن أبي وقاص في القصر لعلة كانت به لم يقدر معها على حضور الحرب، وكانت قبله عند المثنّى بن حارثة الشيبانيّ فلما قتل خلف عليها سعد، فلما رأت شدة البأس صاحت: وامثّنياه ولا مثنّى لي اليوم، فلطمها سعد، فقالت: أفّ لك أجبنا وغيرة؟ وكانت مغاضبة لسعد عشية ارماث وليلة الهرير وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته وصالحته وأخبرته خبر أبي محجن، فدعا به وأطلقه وقال: اذهب فلست مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، فقال: لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا، وذلك قول أبي محجن: [من البسيط]
إن كانت الخمر قد عزّت وقد منعت ... وحال من دونها الإسلام والحرج
فقد أباكرها صرفا وأشربها ... ريا وامزج أحيانا فامتزج
ولما انصرف أبو محجن إلى محبسه [2] رأته امرأته منصرفا فعيرته بفراره، فقالت له [3] : [من الكامل]
من فارس كره الطّعان يعيرني ... رمحا إذا نزلوا بمرج الصّفّر
فقال لها أبو محجن: [من الكامل]
إن الكرام على الجياد مبيتها ... فدعي الرماح لأهلها وتعطّري
__________
[1] م: أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها.
[2] ح: حبسه.
[3] ع م: فقال لها أبو محجن، ثم أورد البيتين، وهذا غير دقيق، انظر الأغاني.
(2/457)

«1157» - وذكر المفضل [1] أن الناس لما التقوا مع العجم يوم قسّ الناطف [2] كان مع الأعاجم فيل يكرّ عليهم، فلا تقوم له الخيل، فقال أبو عبيد ابن مسعود الثقفي: هل له مقتل؟ فقيل له: نعم خرطومه، إلا أنه لا يفلت منه من ضربه، فقال: أنا أهب نفسي لله، وكمن له حتى أقبل فوثب إليه فضرب خرطومه، ثم استدار فطحن الأعاجم وانهزموا.
«1158» - لما قال بكر بن النطاح الحنفي قصيدته التي يقول فيها: [من الطويل]
هنيئا لأخواني ببغداد عيدهم ... وعيدي بحلوان قراع الكتائب
أنشدها أبا دلف العجلي فقال له: إنك لتكثر وصف نفسك بالشجاعة، وما رأيت لذلك عندك أثرا قط ولا فيك، فقال له: أيها الأمير وأيّ غناء يكون عند الرجل الحاسر الأعزل؟ فقال: اعطوه سيفا وفرسا ودرعا ورمحا، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه وركب الفرس، وخرج على وجهه، فلقيه مال لأبي دلف يحمل من بعض ضياعه فأخذه، وخرج جماعة من غلمانه ومانعوه، فجرحهم جميعا وقطعهم فانهزموا، وسار بالمال فلم ينزل إلا على عشرين فرسخا، فلما اتصل خبره بأبي دلف قال: نحن جنينا على أنفسنا، وقد كنا أغنياء عن إهاجة أبي [3] وائل، ثم كتب إليه بالأمان وسوّغه المال، وكتب إليه: صر إلينا فلا ذنب لك، نحن كنا سبب فعلك بتحريكنا إياك وتحريضنا، فرجع ولم يزل معه يمتدحه حتى مات.
«1159» - قال أبو الحسين الرواية، قال لي المأمون: أنشدني أشجع
__________
[1] م: الفضل.
[2] م: لما التقوا يوم القادسية.
[3] ح م ع: بني.
(2/458)

بيت وأعفه وأكرمه من شعر المحدثين، فأنشدته: [من الطويل]
ومن يفتقر منّا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت ... عروس بعقد أو سخاب قرنفل
فقال لي: ويلك من يقول هذا؟ فقلت: بكر بن النطاح، فقال:
أحسن والله، ولكنه كذب في قوله، فما باله يسأل أبا دلف ويمدحه وينتجعه؟
هلّا أكل خبزه بسيفه كما قال؟! «1160» - قال العتبي: كتب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الحجاج مبتدئا: أما بعد فان مثلي ومثلك كما قال القائل: [من البسيط]
سائل مجاور جرم هل جنيت لهم ... حربا تزايل بين الجيرة الخلط
أم هل دلفت بجرّار له لجب ... يغشى الأماعز بين السهل والفرط
(والشعر لوعلة الجرميّ، وثالث البيتين:
حتى تركت نساء الحيّ ضاحية [1] ... في ساحة الدار يستوقدن بالغبط)
هذا مثلي ومثلك، سأحملك على أصعبه، وأريحك من مركبه، فكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه جوابه: أما بعد فاني قد أجبت عدوّ الرحمن ب «لا حول ولا قوة إلا بالله» ولعمر الله لقد صدق وخلع سلطان الله بيمينه وطاعته بشماله، وخرج من الدين عريان كما ولدته أمه؛ وعلى أن مثلي ومثله ما قال الشاعر: [من الطويل]
ألم تعلموا أني تخاف عرامتي ... وأنّ قناتي لا تذلّ على القسر
__________
[1] م: صائحة.
(2/459)

وإني وإياكم كمن نبّه القطا ... ولو لم ينبّه باتت الطير لا تسري
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا ... فما أنا بالواني ولا الضّرع الغمر
أظنّ صروف الدهر والجهل منكم ... ستحملكم منّي على مركب وعر
«1161» - قطري بن الفجاءة: [من البسيط]
يا ربّ ظل عقاب قد وقيت بها ... مهري من الشمس والأبطال تجتلد
وربّ يوم حمى أرعيت عقوته ... خيلي اقتسارا وأطراف القنا قصد
ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به ... لهوي اصطلاء الوغى وناره تقد
مشهرا موقفي والحرب كاشفة ... عنها القناع وبحر الموت يطّرد
وربّ هاجرة تغلي مراجلها ... نحرتها بمطايا غارة تخد
تجتاب أودية الأفراع آمنة ... كأنها أسد يقتادها أسد
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمدا ... على الطعان وقصر العاجز الكمد
ولم أقل لم أساق الموت شاربه ... في كأسه والمنايا شرّع ورد
«1162» - وقال أبو سعيد السكري: بلغني أن أبا دلف لحق أكرادا قطعوا في عمله، وقد أردف فارس منهم رفيقا له خلفه فطعنهما جميعا فأنفذهما، فتحدّث الناس أنه أنفذ بطعنة واحدة فارسين، فلما قدم من وجهه دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده: [من الكامل]
قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو أنّ طول قناته ... ميل إذن نظم الفوارس ميلا
(2/460)

«1163» لما غدر أصحاب مصعب به يوم مسكن، وقتل إبراهيم بن الأشتر، بقي مصعب وابنه عيسى في نفر قليل، فدعا محمد بن مروان عيسى بن مصعب، فقال له أبوه: انظر ما يريد محمد، فدنا منه فقال له: إني لكم ناصح، إنّ القوم خاذلوكم ولك الأمان، فأبى قبول ذلك، وناشده فرجع إلى أبيه فأخبره، فقال له: إني أظنّ أنّ القوم سيفون فإن أحببت أن تأتيهم فأتهم، فقال: والله لا يتحدث نساء قريش أني خذلتك، ورغبت بنفسي عنك، قال: فتقدم حتى أحتسبك، فتقدم وتقدّم ناس معه فقتل وقتلوا، وترك أهل العراق مصعبا حتى بقي في سبعة، وجاء رجل من أهل الشام ليحتزّ رأس عيسى فشدّ عليه مصعب فقتله، وشدّ على الناس فانفرجوا، ثم رجع فقعد على مرفقة ديباج، ثم جعل يقوم عنها ويحمل على أهل الشام فيفرجون له، ثم رجع فقعد على المرفقة، ففعل ذلك مرارا، ودعاه عبيد الله بن زياد ابن ظبيان، إلى المبارزة فقال أغرب يا كلب، وشدّ عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فرجع عبيد الله فعصب رأسه، وجاء ابن أبي فروة كاتب مصعب فقال له: جعلت فداك، قد تركك الناس، وعندي خيل مضمّرة فاركبها وانج بنفسك، فدفع في صدره وقال: ليس أخوك بالعبد، ورجع ابن ظبيان فحمل عليه هو وروق بن [1] زائدة بن قدامة، ونادى يا لثارات المختار، فقتله وحمل رأسه إلى عبد الملك، فلما وضعه بين يديه سجد، قال ابن ظبيان: فهممت والله أن أقتله حين سجد، فأكون أفتك العرب، قتلت ملكين في يوم واحد، ثم وجدت نفسي تنازعني إلى الحياة فأمسكت.
«1164» - وقال عبد الملك يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟ فاكثروا
__________
[1] م: هو وابن.
(2/461)

في هذا المعنى، فقال: أشجع الناس مصعب بن الزبير، جمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وأمة الحميد بنت عبد الله بن عاصم، وولي العراقين، وزحف إلى الحرب فبذل له الأمان والحباء والولاية والعفو عما خلص في يده، فأبى قبول ذلك واطّرح كلّ ما كان مشغولا به من ماله وأهله وراء ظهره، وأقبل بسيفه يقاتل قدما، وما بقي معه إلا سبعة، حتى قتل كريما.
«1165» - وكان مصعب لما قدم الكوفة يسأل عن الحسين بن عليّ عليهما السلام وعن قتله، فجعل عروة بن المغيرة يحدثه عن ذلك، فقال متمثلا بقول سليمان بن قتة: [من الطويل]
إن الأولى بالطفّ من آل هاشم ... تأسّوا فسنّوا للكرام التأسيا
قال عروة: فعلمنا أن مصعبا لا يفرّ أبدا.
«1166» - وقال خلاد بن فروة [1] السدوسي: لما كان يوم السبخة حين عسكر الحجاج بازاء شبيب الشاري، قال له الناس: لو تنحيت أيها الأمير عن هذه السبخة فقال لهم: ما تنحّوني إليه والله أنتن، فهل ترك مصعب لكريم مفرّا؟ ثم تمثل بقول الكلحبة: [من الطويل]
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطّعا
«1167» - حدث شيخ من أهل مكة قال: لما أتى عبد الله بن الزبير قتل
__________
[1] الأغاني: قرة.
(2/462)

مصعب أضرب عن ذكره أياما حتى تحدّثت به إماء مكة في الطريق، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليا لا يتكلم، فنظرت إليه والكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقا، فقلت لآخر إلى جنبي: ماله لا يتكلم؟ أتراه يهاب المنطق؟ فو الله إنه لخطيب فما تراه يهاب؟ قال: أراه يريد أن يذكر قتل مصعب سيد العرب، فهو يفظع [1] بذلك، وغير ملوم هو. فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، مالك الدنيا والآخرة، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، إلا أنه والله لا يذلّ من كان الحقّ معه وان كان مفردا ضعيفا، ولا يعزّ من كان الباطل معه وإن كان في العدد والكثرة. ثم قال: إنه أتانا الخبر من العراق بلد الغدر والشقاق، فساءنا وسرّنا، أتانا أنّ مصعبا قتل، رحمة الله عليه ومغفرته، فأما الذي حزننا [2] من ذلك فان لفراق الحميم لذعة [3] يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذوو الرأي والدين إلى جميل الصبر، وأما الذي سرّنا منه فانا قد علمنا أنّ قتله شهادة، وأنّ الله عز وجل جاعل لنا وله خيرة في ذلك، إن شاء الله. إنّ أهل العراق أسلموه وباعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه منه وأخسره، أسلموه إسلام الجمل المخطم فقتل [4] ، ولئن قتل فلقد قتل أبوه وعمه وأخوه وكانوا الخيار [5] الصالحين، إنّا والله ما نموت حتف أنوفنا، ما نموت إلا قتلا قصعا قصعا بين قصد الرماح وتحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان، والله ما قتل رجل منهم في جاهلية ولا إسلام. وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا ملكه [6] ، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ البطر
__________
[1] ح: ينطق؛ م: منقطع.
[2] م ح: أحزننا.
[3] م: لوعة.
[4] فقتل: سقطت من م.
[5] م: الأخيار.
[6] م: ولا يبيد ملكه.
(2/463)

الأشر، وإن تدبر عنّي لا أبكي عليها بكاء الخرف المهتر [1] ؛ ثم نزل.
116»
- قال المفضل الضبي: خرجت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن فلما صار [2] بالمربد وقف على دار [3] سليمان بن عليّ، فأخرج له صبيّان من ولده فضمهما إليه وقال: هؤلاء والله منّا ونحن منهم، إلّا أن آباءهما فعلوا بنا وصنعوا، وذكر كلاما يعتدّ عليهم فيه بالإساءة، ثم توجه لوجهه وتمثل:
[من المنسرح]
مهلا بني عمنا ظلامتنا ... إنّ بنا سورة من القلق
لمثلكم تحمل السيوف ولا ... تغمز أحسابنا من الرفق
إني لأنمي إذا انتميت إلى ... عزّ عزيز ومعشر صدق
بيض سباط كأنّ أعينهم ... تكحل يوم الهياج بالزرق
فقلت: ما أفحل هذه الأبيات، فلمن هي؟ قال: لضرار بن الخطاب، قالها في يوم جزع [4] الخندق في اجتماع المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، وتمثّل بها عليّ عليه السلام يوم صفين، والحسين بن علي عليهما السلام يوم قتل، وزيد بن علي، ولحق القوم ثم مضى [5] إلى باخمرى، فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد فتمثل: [من الكامل]
نبّئت أنّ بني ربيعة أجمعوا ... أمرا خلا لهم ليقتل خالدا
إن تقتلوني لا تصب أرماحكم ... ثأري ويسعى القوم سعيا جاهدا
__________
[1] م: الهرم.
[2] م: صرنا.
[3] الأغاني: رأس.
[4] جزع: سقطت من الأغاني.
[5] ثم مضى: سقطت من م.
(2/464)

أرمي الطريق وإن صددت لضيعة ... وأنازل البطل الكميّ الحاردا
فقلت: لمن هذه الأبيات؟ فقال للأحوص بن جعفر بن كلاب تمثّل بها يوم شعب جبلة، وهو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميما. قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر فقتل من أصحابه وقتل من القوم حتى كاد الظفر يكون له، قال المفضل، فقال لي: حرّكني بشيء، فأنشدته هذه الأبيات: [من الطويل]
ألا أيها الناهي فزارة بعد ما ... أجدّت [1] أسيرا إنما أنت حالم
أبى كلّ حرّ أن يبيت بوتره ... ويمنع منه النوم إذا أنت نائم
أقول لفتيان العشيّ تروّحوا ... على الجرد في أفواههنّ الشكائم
قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها ... ومن يخترم لا تتّبعه اللوائم
وهل أنت إن باعدت نفسك منهم ... لتسلم فيما بعد ذلك سالم
فقال لي: أعد، فتنبهت فقلت: أو غير ذلك؟ فقال: لا أعدها فأعدتها فتمطّى في ركابيه حتى خلته قد قطعهما، فطعن رجلا وطعنه آخر فقلت: أتباشر الحرب بنفسك والعسكر منوط بك؟ فقال إليك يا أخا بني ضبة، كأن عويفا أخا بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا حين يقول:
[من المتقارب]
ألمّت خناس وإلمامها ... أحاديث نفس وأسقامها
يمانية من بني مالك ... تطاول في المجد أعمامها
وإنّ لنا أصل جرثومة ... تردّ الحوادث أيامها
تردّ الكتيبة مفلولة ... بها أفنها وبها ذامها
قال: وجاءه السهم العاثر فشغله عني.
«1169» - قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لمعاوية: إني لأعجب
__________
[1] ع ح م: أخذت؛ الأغاني: أجدت بسير.
(2/465)

لك، تتقدم حتى أقول: أشجع الناس، وتتأخر حتى أقول: أجبن الناس، فقال له: إنني أتقدّم ما كان التقدم حزما، وأتأخر ما كان التأخر حزما كما قيل: [من الطويل]
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان
«1170» - محمد بن عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي: [من الكامل]
وكتيبة كالليل بل هي أظلم ... فيها شعار بني النزال تقدموا
تذر الاكام صفاصفا مسلوكة ... والبحر رنقا ماؤه يتقسّم
ولها يمين لا تشلّ بنانها ... ولها شمال صوب درّتها الدم
وكأن بين يمينها وشمالها ... نارا بأرواح الكماة تضرّم
نهنهت أولاها بضرب صادق ... هبر كما عطّ الرداء المعلم
وعليّ سابغة الذيول كأنها ... سلخ كسانيه الشجاع الأرقم
«1171» - كان أبو موسى الأشعريّ محاصرا تستر، فخرج رجل من العجم فدعا إلى البراز، فخرج إليه شيخ مسن من باهلة يدعى حليل [1] بن أوس على فرس عجفاء، فقال أبو موسى: ممن الرجل؟ قال: من باهلة، فقال ارجع يا أخا باهلة فإنك بال على بال، وأحجم الناس عن الرجل فدعا ثانية فخرج الباهليّ فردّه أبو موسى، فأبى أن يرجع ومضى، فقال أبو موسى:
اللهم إنه في حلّ، وتطاعنا فقتله الباهليّ وأقبل يجرّ رمحه ويقول: [من الوافر]
رآني الأشعريّ فقال بال ... على بال ولم يعلم بلائي
ومثلك قد عرضت الرمح فيه ... فبان بدائه وشفيت دائي
__________
[1] ح: هليل؛ م: هلال.
(2/466)

إذا اجتمع العشائر واستكفّوا ... فجامعني إلى ظلّ اللواء
فقال أبو موسى: إني لم أرد بأسا يا أخا باهلة، فقال الباهلي: وأخو باهلة لم يرد بأسا يا أخا الأشعريين. فبلغ الخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان لا يخفى عنه ما يجري بين الناس، فكتب إلى أبي موسى يلومه ويأمره أن يعرف لأهل البلاء بلاءهم وينزلهم منازلهم.
«1172» - كان مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان بن عفان حين شخص إلى خراسان وكان له منه رزق واسع، فبينا هم في بعض الطريق افتقدوا صاحب إبل سعيد والذي يحلب لهم نوقه واحتاجوا إلى اللبن، فقال مالك لبعض غلمان سعيد: أدن مني الفلانة- ناقة كانت لسعيد غزيرة- فأدناها منه فاحتلبها، فإذا أحسن الناس حلبا وأغزره درة، فانطلق الغلام فاخبر بذلك سعيدا فقال سعيد لمالك: هل لك أن تقيم في إبلي وأجزل لك الرزق إلى ما أرزقك، وأضع عنك الغزو؟ فقال مالك: [من الطويل]
وإني لأستحيي الفوارس أن أرى ... بأرض العدى بوّ المخاض الروائم
وإني لأستحيي إذا الحرب شمّرت ... أن أرخي دون الحرب ثوب المسالم
(وبعدها أبيات تتضمن العزم ذكرت مع أمثالها في مكان آخر من هذا الباب) .
«1173» - قيس بن الخطيم: [من الطويل]
ومنّا الذي آلى ثلاثين ليلة ... عن الخمر حتى زاركم في الكتائب [1]
__________
[1] هو أبو قيس بن الأسلت.
(2/467)

فلما هبطنا الحرث [1] قال أميرنا ... حرام علينا الخمر ما لم نضارب
فسامحه منّا رجال أعزّة ... فما برحوا حتى أحلّت لشارب
ويوم بعاث ألحقتنا سيوفنا ... إلى حسب في جذم غسّان ثاقب
يعرّين بيضا حين نلقى عدوّنا ... ويغمدن حمرا ناحلات المضارب
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب [2]
ترى قصد المرّان تلقى كأنها ... تذرّع خرصان بأيدي الشواطب [3]
وأضربهم [4] يوم الحديقة حاسرا ... كأنّ يدي بالسيف مخراق لاعب
«1174» - وفد ابن أبي محجن على معاوية فقام خطيبا فأحسن، فحسده، فأراد أن يكسره فقال: أأنت الذي أوصاك أبوك بقوله: [من الطويل]
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي [5] عروقها
ولا تدفننّي بالفلاة فانني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
فقال: بل أنا الذي يقول أبي: [من البسيط]
لا تسأل [6] الناس ما مالي وكثرته ... وسائل [7] الناس ما جودي وما خلقي
أعطي الحسام [8] غداة الروع حصّته ... وعامل الرمح أرويه من العلق
__________
[1] الحرث: اسم موضع.
[2] واجب: ميت.
[3] القصد: الكسر، المران: الرماح: التذرع: قدر ذراع، الشواطب: اللواتي يشققن السعف.
[4] الديوان: أجالدهم.
[5] م: في الممات.
[6] الأغاني: تسألي ... وسائلي.
[7] الأغاني: تسألي ... وسائلي.
[8] الأغاني: السنان.
(2/468)

ويعلم الناس [1] أني من سراتهم ... إذا سما بصر الرعديدة الفرق
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... واكتم [2] السرّ فيه ضربة العنق
«1175» - عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي: [من الطويل]
وملمومة قد لثّم النقع وجهها ... وأثقلها حمل الوشيج المقوّم
تثاقل في طود من الخيل أرعن ... وتسبح في بحر من البيض مفعم
رداح كما مادت رداح خريدة ... عروس المنايا زينها نقط الدم
«1176» - محمد بن إبراهيم التميمي الكموني المغربي: [من الطويل]
فتى الخيل يكسوها الغبار غلائلا ... إذا صممّمت [3] فيه وهنّ عوابس
طوال عليهنّ الطوال رماحهم ... عتاق عليهنّ العتاق الأبالس
«1177» - عبد الله بن محمد الأزدي المعروف بالعطّار المغربي: [من الكامل]
ويبيت [4] ملتحف العجاج كأنّه ... قبس يضيء سناه تحت دخان
1178- أبو عبد الله القزاز المغربي: [من الخفيف]
وإذا شمرت بنو الحرب عن سا ... ق ونادى الأبطال بالأبطال
__________
[1] الأغاني: والقوم أعلم.
[2] الأغاني: وأحفظ.
[3] المسالك: ضبحت.
[4] المسالك: يا بنت.
(2/469)

وتدانى خطو الجواد لقرب ال ... طعن حتى كأنه في شكال
كان فيه ثبت الجنان بعيد النف ... س في ضنكة من الأوجال
يتلقّى حدّ الحديد بوجه ... مشرق تحت برقع من جمال
«1179» - القاضي ابن الربيب المغربي: [من الطويل]
يفلّ الخميس المجر مصلت رأيه ... إذا رأي ثبت القوم فال وأحجما
إذا اشتجرت فيها الأسنّة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الموت أتحما [1]
ويروى أعصما [2]
ومهما انبرت أقلامه برت الطّلى ... وردّ بها ظفر الخطوب مقلّما
«1180» - قال عمر بن عبد العزيز لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله ابن الزبير، فإنه ترمرم على أصحابنا فتغشمروا عليه [3] ، فقال: والله ما رأيت جلدا قطّ ركّب على لحم، ولا لحما على عصب، ولا عصبا على عظم، مثل جلده ولحمه وعظمه، ولا رأيت نفسا بين جنبين مثل نفس ركّبت بين جنبيه، ولقد قام يوما إلى الصلاة فمرّ حجر من حجارة المنجنيق بين لحييه وصدره، فو الله ما خشع لها بصره، ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون الركوع الذي كان
__________
[1] م ح: أعصما.
[2] ويروى أعصما: سقط من ح م.
[3] ترمرم: نطق؛ تغشمر: ظلم.
(2/470)

يركع؛ إن ابن الزبير كان إذا دخل في الصلاة خرج من كلّ شيء إليها، ولقد كان يركع ويسجد كأنه ثوب مطروح.
«1181» - أجارت أمّ هانىء بنت أبي طالب الحارث بن هشام يوم الفتح، فدخل عليها عليّ عليه السلام فأخذ السيف ليقتله، فوثبت فقبضت على يده، فلم يقدر أن يرفع قدميه من الأرض، وجعل يتفلت منها ولا يقدر، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنظر إليها فتبسّم وقال: قد أجرنا من أجرت، ولا تغضبي عليا فإن الله يغضب لغضبه، وقال: يا علي أغلبتك امرأة؟ فقال: يا رسول الله ما قدرت أن أرفع قدمي من الأرض، فضحك النبي عليه السلام وقال: لو أنّ أبا طالب ولد الناس لكانوا شجعانا.
«1182» - لما قتل المأمون ابن عائشة قال: [من الطويل]
أنا النار في أحجارها مستكنّة ... متى ما يهجها قادح تتضرّم
«1183» - رأى حكيم مدينة حصينة بسور محكم فقال: هذا موضع النساء لا موضع الرجال.
«1184» - وقال المنذر بن ماء السماء: حصون العرب الخيل والسلاح؛ وقال الشاعر: [من الطويل]
أرى الناس يبنون الحصون وإنّما ... بقيّة آجال الرجال حصونها
(2/471)

«1185» - وقال سعد بن قرط العبقسي [1] : [من الطويل]
ولما رأيت الموت لا ستر دونه ... يحوم على هامات بكر بن وائل
عطفت عليهم مهرة أعوجيّة ... وناديت عبد القيس دون القبائل
فجاءوا كأسد الغاب في مرجحنّة ... لها ذمرات بالقنا والمناصل
ففرّجت عن بكر وكانت بحالة ... مخنقة للقوم ذات غوائل
لأني وبكرا من ربيعة في الذرى ... إذا خصل الأقوام أهل الفضائل
1186- وقال السنديّ: [من الطويل]
ويوم كيوم البعث ما فيه حاكم ... ولا عاصم إلّا قنا ودروع
حبست به نفسي على موقف الردى ... حفاظا وأطراف الرماح شروع
ولن يستوي عند الملمّات إن عرت ... صبور على مكروهها وجزوع
«1187» - قال سيف بن ذي يزن لأنوشروان حين أعانه بوهرز الديلمي ومن معه: أيها الملك أين تقع ثلاثة آلاف من خمسين ألفا، فقال: يا عربي، كثير الحطب يكفيه قليل النار.
1188- داود بن رزين الواسطي في الرشيد: [من الكامل]
أكّال أفئدة الرجال كأنما ... نضح الدماء بساعديه عبير
يمشي العرضنة في الحروب كأنه ... أسد لهيبته القلوب تطير
«1189» - صمصامة عمرو بن معدي كرب أشهر سيوف العرب، وممن
__________
[1] م: الفقعسي.
(2/472)

تمثل به نهشل بن حرى، وأهداه عمرو لخالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على اليمن وقال: [من الوافر]
خليلي لم أخنه ولم يخنّي ... إذا ما صاب أوساط العظام
خليلي لم أهبه من قلاه ... ولكنّ المواهب للكرام
حبوت به كريما من قريش ... فسرّ به وصين عن اللئام
وودّعت الصفي [صفيّ] نفسي [1] ... على الصمصام أضعاف السلام
فلم يزل في آل سعيد [2] حتى اشتراه خالد بن عبد الله القسري بمال خطير لهشام وكان قد كتب إليه، فلم يزل عند بني مروان، ثم طلبه السفاح والمنصور والمهدي فلم يجدوه، وجدّ في طلبه الهادي حتى ظفر به وأعطاه لأبي الهول الحميري الشاعر، وقد وصفه هو وغيره من الشعراء وقال فيه: [من الطويل]
حسام غداة الرّوع ماض كأنه ... من الله في قبض النفوس رسول
وكان على الصمصامة كتوبا: [من الكامل]
ذكر على ذكر يصول بصارم ... ذكر يمان في يمين يمان
وروي أنه وقع إلى المتوكل فدفعه إلى باغر التركي فقتله به يوم قتل.
«1190» - وأشهر منه ذو الفقار كان لمنبّه بن الحجاج فصار صفي
__________
[1] م: وودعت الصبا نفسي كريما.
[2] ع: السعيد.
(2/473)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة بني المصطلق، ولم يزل في بني عليّ عليه السلام يتوارثونه حتى وقع إلى بني العبّاس. قال الأصمعي: رأيت هارون متقلدا سيفا، فقال لي: يا أصمعيّ ألا أريك ذا الفقار؟ اسلل سيفي هذا، فسللته فرأيت فيه ثماني عشرة فقرة. قال المبرد في كتاب «الاشتقاق» : كانت فيه حزوز مطمئنة [1] شبّهت بفقار الظهر.
وسيوف العرب المسماة كثيرة، ولم أجد فائدة في ذكرها فألغيته، وسترد صفة السيوف والسلاح فيما بعد حيث يليق بها، وهو يغني عن الإشارة إليه ها هنا.
«1191» - ابن الرومي. [من السريع]
لم أر شيئا حاضرا نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف
يقضي له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحيف
1192- خوّف عليّ عليه السلام من الغيلة فقال: إن عليّ من الله جنّة حصينة، فإذا جاء يومي انفرجت عني، فحينئذ لا يطيش السّهم ولا يبرأ الكلم.
«1193» - قال الاسكندر في الحرب: احتل للشمس والريح بأن تكونا لك ولا تكونا عليك؛ حبّب إلى عدوّك الفرار بأن لا تتبعهم إذا انهزموا.
«1194» - قال بعض العرب: ما لقينا كتيبة فيها عليّ بن أبي طالب إلا أوصى بعض إلى بعض.
__________
[1] م: مطمسة.
(2/474)

«1195» - إبراهيم بن عبد الله بن الحسن في محمد أخيه حين قتل:
[من الطويل]
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإنّ بها ما يدرك الطالب الوترا
وإنا لقوم ما تفض دموعنا ... على هالك منّا ولو قصم الظهرا
ولست كمن يبكي أخاه بعبرة ... يعصّرها من جفن مقلته عصرا
ولكنني أشفي فؤادي بغارة ... تلهّب في قطري كنائنها الجمرا
«1196» - أمّ الحباب بنت غالب الكلابيّة: [من الطويل]
إذا فزعوا طاروا إلى كلّ شطبة ... تكاد إذا صلّ اللجام تطير
وزغف مثنّاة دلاص كأنها ... إذا أشرجت فوق الكميّ غدير
«1197» - لم يشهد أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك بدرا، فلم يزل متحسرا يقول: أول مشهد شهده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غيّبت عنه، إن أراني الله مشهدا آخر ليرينّ ما أصنع؛ فلما كان يوم أحد قال: واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، قالت أخته الربيع بنت النضر: فما عرفته إلّا ببنانه.
«1198» - لما خرج عبد الله بن رواحة إلى مؤتة قيل له: نسأل الله أن يردّك سالما، فقال: [من البسيط]
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تنضح الزّبدا
(2/475)

أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولوا إذا مرّوا على جدثي ... أرشدك الله من غاز وقد رشدا
1199- في وصف جبان: يحسب خفوق الريح قعقعة الرماح؛ فرّ فرار الليل من وضح النهار.
«1200» - قيل لأبي مسلم صاحب الدعوة: في بعض الكتب النازلة من قتل بالسيف فبالسيف يموت. فقال: الموت بالسيف أحبّ إليّ من اختلاف الأطبّاء، والنظر في الماء، ومقاساة الداء والدواء؛ فذكر ذلك للمنصور فقال: صادف منيّته كما أحبّ.
«1201» - قيل لمحمد بن الحنفية: كيف كان علي عليه السلام يقحمك في المآزق ويولجك في المضايق دون الحسن والحسين؟ فقال: لأنهما كانا عينيه وكنت يديه، فكان يقي عينيه بيديه.
«1202» - قال ابن شبرمة، قلت لأبي مسلم حين أمر بمحاربة عبد الله ابن علي: أيها الأمير إنك تريد عظيما من الأمور، فقال: يا ابن شبرمة، إنك بحديث تغلق معانيه، وشعر توضح قوافيه، أعلم منك بالحرب، إن هذه دولة قد اطّردت أعلامها، [وامتدت أيامها] وخفقت ألويتها، واتّسعت أفنيتها، فليس لمناويها والطامع فيها يد تنيله شيئا من قوة الوثوب عليها، فإذا تولت مدّتها قدح الوزغ بذنبه فيها.
1203- كان شبيب بن شبّة المنقري أحد الخطباء المصاقع، فأمره
(2/476)

المهدي بقتل رجل من أسارى الروم فأبى، فقال أبو الهول الحميري: [من الطويل]
فزعت من الروميّ وهو مقيّد ... فكيف إذا لاقيته وهو مطلق
فنحّ شبيبا عن قراع كتيبة ... وأدن شبيبا من كلام يلزّق
فلم يخطب بعد هذا البيت خطبة إلا وفيها اضطراب.
«1204» - كان عبد الله بن خازم من الشجاعة بالمكان المشهور، وكان يفرق من الجرذ إذا رآه، ويقال: إن هذه جبلّة موجودة في قوم من الشجعان، فبينا هو عند عبيد الله بن زياد إذا هو بجرذ أبيض دخلوا به للتعجب، فتجمع ابن حازم حتى عاد كأنه فرخ، واصفرّ كأنه جرادة، فقال عبيد الله بن زياد: أبو صالح يعصي الرحمن، ويتهاون بالسلطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الأسد، ويلقى الرماح بوجهه، وقد اعتراه من جرذ ما ترون، أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير.
«1205» - مزرّد: [من الطويل]
فقد علمت فتيان ذبيان أنني ... أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل
وأني أردّ الكبش والكبش جامح ... وأرجع رمحي وهو ريّان ناهل
«1206» - جعفر بن علبة: [من الطويل]
أرادوا ليثنوني فقلت تجنبوا ... طريقي فما لي حاجة من ورائيا
(2/477)

«1207» - وقد أكثر المتنبي من [1] ذكر الشجاعة والحماسة، فأضفت ما اخترته من ذلك بعضه إلى بعض: [من الطويل]
أحقّهم بالسيف من ضرب الطّلّى ... وبالأمر من هانت لديه الشدائد
وكلّ يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكنّ طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنّك خالد
تبكّي عليهنّ البطاريق في الدجى ... وهنّ لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
(2) وله أيضا: [من الوافر]
كأنّ الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
(3) وله أيضا: [من البسيط]
وفارس الخيل من خفّت فوقّرها ... في الدّرب والدم في أعطافها دفع
وأوحدته وما في قلبه قلق ... وأغضبته وما في لفظه قذع
لا يعتقي بلد مسراه عن بلد ... كالموت ليس له ريّ ولا شبع
حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصّلبان والبيع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
تهدي نواظرها والحرب مظلمة ... من الأسنّة نار والقنا شمع
لا تحسبوا من قتلتم [2] كان ذا رمق ... فليس تأكل إلا الميت الضبع
__________
[1] ح: في.
[2] الديوان: أسرتم.
(2/478)

من كان فوق محلّ الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
وما حمدتك في هول ثبتّ له ... حتى بلوتك والأبطال تمتصع
فقد يظنّ شجاعا من به خرق ... وقد يظنّ جبانا من به زمع
إن السلاح جميع الناس يحمله ... وليس كلّ ذوات المخلب السبع
(4) [1] : وله أيضا: [من الطويل]
وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
ويخفى عليك الرعد والبرق دونه ... من الرعد [2] في حافاته والهماهم
أرى دون ما بين الفرات وبرقة ... ضرابا يمشّي الخيل فوق الجماجم
وطعن غطاريف كأن اكفّهم ... عرفن الردينيّات قبل المعاصم
(5) [3] وقال: [من الخفيف]
ولو أنّ الحياة تبقى لحيّ ... لعددنا أضلّنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّ ... فمن العجز أن تكون جبانا
كلّ ما لم يكن من الصعب في الأن ... فس سهل فيها إذا هو كانا
تسمية أبطال العرب في الإسلام وقاتليهم:
قد ذكر المتقدمون فرسان العرب وجعلوهم في طبقات، ولعل العصبية قدّمت عندهم من يستحقّ التأخير والهوى أخّر مستوجب التقديم، وعلى الحقيقة فلم يجتمع القوم في حلبة فيبين السابق من المسبوق، ولا لفّتهم حرب فكشفت البطل من الفروق، والأولى كان أن يذكر الأقدم عصرا فالأقدم، ويجعل أهل
__________
[1] ديوانه: 197.
[2] الديوان: من اللمع.
[3] ديوانه: 470.
(2/479)

كلّ عصر طبقة، فإن ذلك أسلم من الوقوع في أهوية التعصب، وأبعد من خطاء الهوى والتحزب، وأنا أسمي هاهنا فرسان الإسلام المشهورين زمانا بعد زمان، إذ كانت الأخبار عنهم مضبوطة، وألغي تسمية فرسان الجاهلية اكتفاء بما يجيء من ذكرهم في الباب الموسوم بأخبار العرب إن شاء الله.
«1208» - الطبقة الأولى الذين أدركوا الجاهلية والإسلام:
(1) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أسد الله، قتل في غزاة أحد، رماه وحشيّ مولى جبير بن مطعم بحربة، ومثلت به قريش، ولاكت هند بنت عتبة بن عبد شمس كبده حنقا على قتله أباها يوم بدر، كان فارس قريش غير مدافع، وبطلها غير منازع، عظم قتله على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونذر أن يقتل به سبعين رجلا من قريش، وكبّر عليه في الصلاة سبعين تكبيرة.
(2) علي بن أبي طالب واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، آية من آيات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ومعجزة من معجزاته، مؤيد بالأيد [1] الالهي، كاشف الكرب ومجليها، وموطّد قواعد الإسلام ومرسيها، أجلّ من أن يقاس بغيره من الأبطال، أو يمثّل بسواه من الشجعان، وآثاره وأخباره أشهر من أن ينبّه عليها، وهو المقدّم في الشجاعة على الناس كلهم بلا مرية ولا خلاف، ولو ذكرت بعض مواقفه لضاق عنها كتاب مفرد. قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي غيلة وهو في صلاة الصبح، وقيل: كان داخلا إلى المسجد بالكوفة في الغلس، وذلك في تاسع عشر شهر رمضان سنة أربعين. ومات بعد ثلاث.
(3) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى حواريّ رسول الله
__________
[1] م: بالتأييد.
(2/480)

صلّى الله عليه وسلّم وابن عمته. بطل لا يجارى، وسهم من سهام الله لا يبارى [1] ، قتله عمرو بن جرموز التميمي [2] بوادي السباع وقد انصرف من حرب الجمل مقلعا، اغتاله وهو في الصلاة فطعنه في جربّان درعه، ولما لاح عمرو قال مولى الزبير: يا مولاي هذا فارس مقبل. فقال: ما يهولك من فارس؟ قال: إنه معدّ قال: وإن كان معدا. فلما قرب منه قال: وراءك. قال: إنما بعثني من ورائي لأعلم لهم حال الناس، فقال: تركتهم يضرب بعضهم بعضا، فلما أحرم بالصلاة قتله، فقالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: [من الكامل]
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرّد
(4) خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي سيف الله وسيف رسوله، بطل مذكور في الجاهلية والإسلام. وكان يوم أحد على الخيل [3] خيل المشركين، وهو صاحب أهل الردة. قتل مالك بن نويرة، وفلّ جمع طليحة الأسدي لما تنبأ واشتدت شوكته، وزحف إلى مسيلمة الحنفيّ فكانت وقعة اليمامة، ولم يلق المسلمون مثلها، وقتل فيها عالم من الصحابة رضوان الله عليهم، وقتل مسيلمة لعنه الله، وكان الفتح لخالد. وطعن قوم على خالد منهم عمر بن الخطاب عند أبي بكر رضي الله عنه لما تزوج امرأة مالك بن نويرة بعد قتله وأنكروا فعله وأكبروه، فقال أبو بكر: لا أغمد سيفا سلّه الله على أعدائه. وخالد الذي فتح دمشق وأكثر بلاد الشام، وله وقائع عظيمة في الروم أيّد الله بها الإسلام، مات على فراشه، وكان يقول: لقد شهدت كذا وكذا زحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه أثر من طعنة أو ضربة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي فلا نامت عين الجبان. ويروى أنه عدّ بجسده ثمانون ما بين طعنة وضربة، فأما السهام فلم تكن تحصى، وكان يقول: ما ليلة أسرّ من ليلة
__________
[1] ع: يمارى.
[2] التميمي: سقطت من م.
[3] الخيل: سقطت من م.
(2/481)

يهدى إليّ فيها عروس إلا ليلة أغدوا في صبيحتها إلى قتال عدو. وهو صاحب وقعة اليرموك، وكان الروم في ثلاثمائة ألف.
(5) عمرو بن معدي كرب الزبيدي: فارس من قدماء الفرسان جاهلي، له في الجاهلية مواقف مذكورة [1] ، وأسلم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام، وشهد حروب الفرس وكان له فيها أثر ونكاية، وكان موصوفا بالأيد، وقد ذكر بعض أوصافه في غير هذا المكان، وعمّر حتى ضعف وارتعش، قيل: قتل بنهاوند في وقعة الفرس، وقيل: بل مات حتف أنفه، وكان بعيد الصوت مهيب اللقاء [2] ، وهو أشهر الفرسان ذكرا. وهو معدود في الشعراء المبرزين.
(6) طليحة [3] الأسدي: من أكبر الشجعان جاهلية وإسلاما، أسلم ثم ارتد فتنبأ، وجمع جمعا عظيما وأغواهم [4] ، وكان يتكهن، ففلّ ذلك الجمع خالد بن الوليد، وعاد طليحة إلى الإسلام وشهد حرب القادسية وغيرها من الفتوح، وكانت له فيها آثار ومواقف.
(7) سعد بن أبي وقاص الزهري، واسم أبي وقاص مالك: كان فارسا بطلا راميا، وهو أول من رمى في سبيل الله، ولما تخير عمر رضي الله عنه من الصحابة من يؤمّره على قتال الفرس واستشار فيه قيل له: هو الليث عاديا سعد بن مالك، فبعثه حتى فتح العراق، ولما قتل عثمان اعتزل ولم يشهد الحرب بعده ومات حتف أنفه [5] .
__________
[1] م: كثيرة مذكورة.
[2] م: مهيبا في اللقاء.
[3] م: طلحة.
[4] وأغواهم: سقطت من م.
[5] زاد في ح بخط مختلف عن خط الأصل النبذة التالية عن المقداد:
المقداد بن الأسود، قتل في حرب صفين سنة سبع وثلاثين، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة مولى الأسود ابن عبد يغوث، من أشهر فرسان الإسلام وأشدهم بأسا، ومواقفه مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفي حرب صفين تدلّ على مكانه في الشجاعة.
(2/482)

(8) أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري الذي أخذ سيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحقّه لما عرضه على الجماعة، وخرج أبو دجانة به وقد أعلم يتبختر بين الصفين، فقال صلّى الله عليه وسلّم: انها لمشية يبغضها الله إلّا في هذا الموضع.
(9) المثنى بن حارثة الشيباني هو أول من افتتح حرب الفرس في قلّ من قومه [1] .
(10) أبو عبيد بن مسعود الثقفي قاتل الفيل يوم قسّ الناطف في حرب القادسيّة، وقد مضى خبره، وفيه كرّ الفيل عليه فقتله [2] .
(11) عمّار بن ياسر صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله: قال فيه صلّى الله عليه وسلّم: لا تؤذوني في عمار فعمار جلدة ما بين عينيّ، وقال فيه: الحقّ يدور مع عمار حيث دار، وأخبر أنه تقتله الفئة الباغية فقتل بصفين مع عليّ عليه السلام [3] .
(12) بديل بن ورقاء.
(13) هاشم بن عتبة: من أكابر الشجعان، صاحب راية عليّ عليه السلام بصفين، وله فتح جلولاء، وهي الوقعة المشهورة مع الفرس [4] .
(14) مالك بن الحارث النخعي الأشتر: مات مسموما في شربة من عسل، فقال معاوية: إن لله جنودا منها العسل [5] .
(15) القعقاع بن عمرو طاعن الفيل في عينه يوم القادسيّة.
__________
[1] زاد بخط مغاير في ح: قتل في بعض حروبه معهم وقيل مات حتف أنفه.
[2] زيادة: ولما قتل أبو عبيد الثقفي حمى المثنى بن حارثة المسلمين حتى أجازهم الجسر وكان له في ذلك موقف عظيم هائل.
[3] زيادة: وكان له في هذه الحروب حملات منكرة وهو ابن نيف وتسعين سنة.
[4] زيادة: قتل في وقعة صفين.
[5] زيادة: وذلك في سنة ثمان وثلاثين.
(2/483)

1209- أيام بني أمية: الطبقة الثانية:
(1) عبد الله بن الزبير بن العوام: معروف بالأيد والبسالة والاقدام وهو قاتل جرجير ملك افريقية، وكان يرى أنه أشجع أهل عصره، قتله الحجاج بعد أن حوصر بمكة وأسلمه أصحابه وعشيرته، وصلبه [1] ، ويقال: أعرق العرب في القتل عمارة بن حمزة بن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد، قتل عمارة وحمزة يوم قديد، قتلتهما الاباضية الخوارج، وقتل الحجاج عبد الله بن الزبير، وقتل عمرو بن جرموز الزبير، وقتلت بنو كنانة العوام، وقتلت خزاعة خويلدا.
(2) أبو هاشم محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية: كان أبوه يلقيه في البهم ويتقي به العظائم، وكان شديد الأيد ذا بأس عظيم، وكان ابن الزبير مع تقدمه في الشجاعة والنجدة يحسده ويعتريه أفكل إذا سمع ذكره، مات حتف أنفه بشعب رضوى [2] .
(3) عبد الله بن خازم السلمي والي خراسان: كبش مضر، قريعها وفارسها في عصره، قتله وكيع بن أبي سود الغداني بخراسان في الفتنة [3] .
(4) وكيع بن أبي سود الغداني قاتل عبد الله بن خازم: شجاع فاتك أهوج، ولي خراسان لما قتل عبد الله بن خازم ولم يضبط الأمر لهوجه، مات حتف أنفه.
(5) مصعب بن الزبير: شجاع بطل جواد، جاد بماله وبنفسه، عرض عليه الأمان وولاية العراقين وقد خذله أصحابه وبقي في نفر، فأبى أن يقبل وطلب [4] أن يمضي حميدا كريما، قتله عبيد الله بن زياد بن ظبيان في الحرب التي
__________
[1] زيادة: سنة ثلاث وسبعين.
[2] زيادة: سنة إحدى وثمانين (في الأصل: وثلاثين) .
[3] زيادة: سنة ثلاث وسبعين.
[4] ح: وطالب.
(2/484)

كانت بينه وبين عبد الملك بن مروان بمسكن [1] .
(6) عبيد الله بن ظبيان قاتل مصعب: بطل فتاك مقدام [2] .
(7) عمير بن الحباب السلمي فارس الإسلام: قتلته بنو تغلب بجانب الثرثار في الحرب التي كانت بينهم وبين قيس، وفي ذلك يقول الأخطل:
[من الطويل]
لعمري لقد لاقت سليم وعامر ... على جانب الثرثار راغية البكر
وفيه قال للجحاف السلمي: [من الطويل]
ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
فحمي الجحاف وجمع جمعا فأغار على بني تغلب بالبشر، وهو ماء لهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة وبقر بطون النساء، فقال الأخطل: [من الطويل]
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإن لم تغيرها قريش بحملها ... يكن عن قريش مستراد ومرحل
(8) شعيب بن مليل [3] التغلبي: قتله عمير بن الحباب يوم قتل عمير وقطعت رجله، فقاتل وهو يقول: [من الرجز]
قد علمت قيس ونحن نعلم ... أنّ الفتى يفتك وهو أجذم
ولما رآه عمير صريعا قال: من سرّه أن ينظر إلى الأسد معقورا [4] فلينظر إلى شعيب [5] .
__________
[1] زيادة: سنة إحدى وسبعين.
[2] زيادة: قتل مصعبا وأتى عبد الملك فسجد فهم أن يفتك به، وهمّ دفعة أخرى أن يفتك بالحجاج وهو في سلطانه، فأحسّ الحجاج فخدعه وأطعمه في الريّ فثنى عزمه وفل غربه.
[3] ح: مالك.
[4] م ح: صريعا.
[5] جاء بعده في هامش ح: المختار بن أبي عبيد الثقفي صاحب الثأر قتله مصعب بن الزبير في قصر الكوفة وهو في مائة رجل، فقال لأصحابه اخرجوا إلى عدوكم فما بكم من قلة، فذلوا واستسلموا فقتلهم مصعب وأصحابه، وخرج هو في بضعة عشر فارسا فقاتل حتى قتل.
(2/485)

(9) إبراهيم بن مالك بن الحارث: وهو ابن الأشتر الآخذ بثأر الحسين ابن علي، لقي عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف رجل، وعبيد الله في سبعين ألفا، فقتله بيده، وهزم جيشه، وحارب مع مصعب حتى لم يبق سواهما، وبذل له الأمان والولاية على أيّ بلد شاء فلزم الوفاء لمصعب، وقتل أمامه يوم مسكن.
(10) مسلمة بن عبد الملك بن مروان: فحل بني أمية وفارسها وقريعها ووالي حروبها، مات حتف أنفه، جلس يقضي بمصر بين الناس فكلّمته امرأة فلم يقبل عليها فقالت [1] . ما رأيت أقلّ حياء من هذا قطّ، فكشف عن ساقه فإذا فيها أثر تسع طعنات، فقال لها: هل ترين أثر هذا الطعن؟ والله لو أخّرت رجلي قيد شبر ما أصابتني واحدة منهنّ، وما منعني من تأخيرها الا الحياء، وانت تنحليني قلّته.
(11) أحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي [2] .
(12) عبيد الله بن الحر الجعفي: شاعر شجاع فاتك، كان لا يعطي الأمراء طاعة، له وقائع عظيمة هائلة، قتل وقد تفرّق أصحابه في بعث وبقي في عشرة، صرعه أبو كدينة الباهلي، ثم إنه ألقى نفسه في سفينة ليعبر الفرات فعالجه الملاح فاتّحدا فغرقا جميعا.
(13) جحدر بن ربيعة العكلي: لص فاتك شاعر أعيا الحجاج حتى احتال له فحصل عليه وحبسه، ثم اصطاد سبعا ضاريا وجعله في حفيرة وألقى جحدرا عليه مقيّدا وبيده سيف، فقتل الأسد وقال: [من الرجز]
__________
[1] الحكاية عن مسلمة مما نقله صاحب المستطرف: 1: 224.
[2] زاد في هامش ح: له وقائع مشهورة في الخوارج، قتل في بعضها ولده فقتل في وجهه ذلك منهم تسعين رجلا، وانفرد يوما من أصحابه فعمد له أربعة عشر رجلا من مذكوريهم وشجعانهم، وفي يده عمود، فجعل لا يضرب رجلا إلا صرعه.
(2/486)

ليث وليث في مجال ضنك ... كلاهما ذو أنف ومحك
فأطلقه الحجاج، ومات حتف أنفه.
(14) المهلب بن أبي صفرة، واسمه ظالم، وأولاده كلهم أنجاد أبطال، وأشهرهم بالنجدة المغيرة، وكان المهلب يجمع إلى النجدة والبسالة الرأي والحزم، وله في الحرب مكايد مشهورة، وصبر مسلّم إليه غايته، ووقائعه في الخوارج أبادتهم بعد أن كانوا استولوا على المسلمين. وكان سيدا كريما، وهو أزديّ عتكي، مات حتف أنفه، وكذلك ابنه المغيرة [1] ، وفيه يقول زياد الأعجم: [من الكامل]
مات المغيرة بعد طول تعرّض ... للقتل بين أسنّة وصفائح [2]
(15) القتّال الكلابي واسمه عبد الله بن المجيب بن المضرحيّ، يكنى أبا المسيب، وقيل اسمه عبادة، وقيل عتبة: بطل فاتك جنى جناية فخافها، فأقام في عماية، وهو جبل، عشر سنين يأكل من صيده، وألفه نمر هناك فكان رفيقه [3] .
وكان في الخوارج فوارس مشهورون لا تلبث لهم الرجال وذكرهم يطول ويخرج عما أردناه فمنهم:
(16) أبو بلال مرداس خرج في أربعين فهزم الفين.
__________
[1] زاد في هامش ح: كان اذا اشتجرت الرماح في وجهه حمل من تحتها وبراها بسيفه، مات حتف أنفه (انظر رقم: 1053) .
[2] زاد في هامش ح: عباد بن الحصين الحبطي كان يشهد الحروب على ...
[3] زاد هنا بهامش ح: عتاب بن ورقاء الأصفهاني قتله شبيب الشاري وله وقائع في الخوارج مذكورة. وكان من أشهر الفرسان وأنبههم الحارث بن عميرة الهمداني قاتل الزبير بن علي السليطي الخارجي، وله يقول أعشى باهلة:
إن المكارم أكملت أسبابها ... لابن الليوث الغر من قحطان
الفارس الحامي الحقيقة معلما ... زاد الرفاق وفارس الفرسان
ودّ الأزارق لو يصاب بطعنة ... ويموت من فرسانهم مائتان
(2/487)

(17) وشبيب الخارجيّ الذي غرق في الفرات وكان أصحابه لا يبلغون ألفا، نذرت امرأته غزالة أن تصلّي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ في إحداهما البقرة وفي الثانية آل عمران، فعبر بها جسر الفرات وأدخلها الجامع، ووقف على بابه يحميها حتى وفت بنذرها، والحجاج بالكوفة في خمسين ألفا.
(18) ومنهم قطري بن الفجاءة [المازني] : قتل في بعض الوقائع بين الخوارج والمهلب، وكان قطري رأس الخوارج، وخاطبوه بامرة المؤمنين وعظموه وبجّلوه، ويكنى أبا نعامة، وأشعاره في الشجاعة تدلّ على مكانه منها [1] .
1210- الدولة الهاشمية: الطبقة الثالثة:
(1) معن بن زائدة الشيباني: قتلته الخوارج بسجستان في أيام المهدي.
(2) يزيد بن مزيد الشيباني [2] .
(3) الوليد بن طريف الشيباني الخارجي: قتله يزيد بن مزيد، وخرجت أخته لتثأر به فضرب يزيد قطاة فرسها وقال: اغربي فقد فضحت العشيرة.
(4) إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن: قتل بباخمرى في الوقعة بينه وبين عيسى بن موسى، والمنصور وراءه، وأتاه سهم غرب بعد أن ظفر وكسر الجيش.
(5) عمر بن حفص هزارمرد، وهو حفص بن عثمان بن قبيصة أخي المهلب، قيل إنه كان يتصيد فتبع حمار وحش، وما زال يركض إلى أن حاذاه، فجمع جراميزه ووثب من الفرس فصار على ظهره، وما زال يحزّ عنقه بسيف أو سكين في يده حتى قتله.
(6) أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي: فارس بطل شاعر مغنّ نديم جامع لما تفرق في غيره، طعن فارسين رديفين فأنفذهما، وقتل قرقورا
__________
[1] زاد هنا بهامش ح: قتل بطبرستان.
[2] زاد هنا بهامش ح: مات ببرذعة وكان فارس بني العباس ووالي غزواتهم.
(2/488)

الشاري، وكان من المشهورين بالشدة، وجاء برمحه يحمله أربعة نفر.
(7) المعتصم أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد: فارس بني العبّاس وأشدهم بأسا، طعنه رجل مرة فأمال ظهره في الرمح فقصفه، وكان يسمي ما بين سبابته والوسطى «المقطرة» ، واعتمد به على عضد رجل فكسره، وكان يشدّ يده على كتابة الدينار فيمحوها، ويأخذ العمود الحديد فيلويه حتى يصير طوقا في العنق، وهمته في فتوحه تناسب شدّته في جبلّته [1] .
(8) بكر بن النطاح الحنفي: فاتك شاعر نجد، له خبر مع أبي دلف يدلّ على حميته ونجدته، لم يزل معه يمتدحه ويحارب بين يديه حتى مات [2] .
نوادر هذا الباب
«1211» - قال أبو دلامة: أتي بي المنصور أو المهدي وأنا سكران، فحلف ليخرجنّي في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة، فلما التقى الجمعان قلت لروح: أم والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثّرت في عدوك اليوم أثرا ترتضيه، فضحك وقال: والله العظيم لأدفعنّ إليك ذلك ولآخذنّك بالوفاء بشرطك، ونزل عن فرسه فنزع سلاحه ودفعهما إليّ، ودعا بغيرهما فاستبدل به، فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع قلت له: أيها الأمير هذا مقام العائذ بك، وقد قلت بيتين فاسمعها قال: هات، فأنشدته: [من الكامل]
__________
[1] انظر رقم: 1080.
[2] زاد في هامش ح: قحطبة بن شبيب الطائي من نقباء الدولة العبّاسية وصاحب حروبها، غرق في دجلة وقد اقتحمها في الحرب التي كانت بينه وبين بني أمية، وقام ابنه الحسن مقامه.
قائد الجيش عبد الله بن علي بن عبد الله بن العبّاس صاحب الوقائع وقاتل مروان، كان ذا نجدة وبأس ورأي في الحرب ومراس، ومات في حبس المنصور، قيل إنه بنى [ ... ] .
(2/489)

إني استجرتك أن أقدّم في الوغى ... لتطاعن وتنازل وضراب
فهب السيوف رأيتها مشهورة ... فتركتها ومضيت في الهرّاب
ماذا تقول لما يجيء ولا يرى ... من بادرات الموت في النشاب
فقال: دع ذا عنك وستعلم، وبرز رجل من الخوارج يدعو إلى المبارزة فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة، فقلت: أنشدك الله أيها الأمير فإنه أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، فقال: لا بدّ من ذاك، فقلت له: أنا والله جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصفّ فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو، وقد أصابه المطر فابتلّ، وأصابته الشمس فاقفعلّ، وعيناه تقدان، فأسرع إليّ فقلت له: على رسلك، فوقف فقلت:
أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا، قلت: أفتستحلّ أن تقتل رجلا على دينك؟ قال: لا، قلت: أتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟
قال: لا، فاذهب عنّي إلى لعنة الله، فقلت: لا أفعل أو تسمع مني، قال: هات، قلت: هل كان بيننا قطّ عداوة أو ترة أو تعرفني بحال تحفظك عليّ، أو تعرف بين أهلي وأهلك وترا؟ قال: لا والله، قلت: ولا أنا والله لك إلا على جميل، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين بدينك وأريد السوء لمن أراده بك، قال: يا هذا جزاك الله خيرا فانصرف، قلت: إنّ معي زادا وأريد مؤاكلتك لتؤكد [1] المودة بيننا، ونري أهل العسكرين هوانهم علينا، قال: فافعل، فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا، وجمعنا أرجلنا على معارفها، وجعلنا نأكل والناس قد غلبوا ضحكا، فلما استوفينا ودّعني، ثم قلت له: إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني لك، فتتعب وتتعبني، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل، قال: قد فعلت، ثم انصرف
__________
[1] م: لتتوكد.
(2/490)

وانصرفت، فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك، وخرج آخر يدعو إلى البراز فقال لي: اخرج إليه، فقلت: [من البسيط]
إني أعوذ بربي أن تقدّمني ... إلى القتال فيخزى بي بنو أسد
إن البراز إلى الأقران أعلمه ... مما يفرّق بين الروح والجسد
إن المهلب حبّ الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أنّ لي مهجة أخرى لجدت بها ... لكنها خلقت فردا فلم أجد
فضحك وأعفاني.
«1212» - ولأبي دلامة في المعنى: [من الطويل]
ألا لا تلمني إن فررت فإنني ... أخاف على فخارتي أن تحطّما
فلو أنني أبتاع في السوق مثلها ... وجدّك ما باليت أن أتقدّما
«1213» - وقال آخر: [من الوافر]
يقول لي الأمير بغير علم ... تقدّم حين جدّ بنا المراس
وما لي إن أطعتك من حياة، وما لي غير هذا الرأس راس «1214» - خطب ثمامة العوفي امرأة فسألت عن حرفته فقال: [من الطويل]
وسائلة عن حرفتي قلت حرفتي [1] ... مقارعة الأبطال في كلّ مأزق
__________
[1] م: إن حرفتي.
(2/491)

وضربي طلى الأبطال بالسيف معلما ... إذا زحف الصفّان تحت الخوافق
فلما قرأت الشعر قالت للرسول قل له: فديتك أنت أسد فاطلب لنفسك لبؤة، فاني ظبية أحتاج إلى غزال.
1214- دخل أعرابي البصرة في يوم جمعة، والناس في الصلاة، فركع معهم فزحموه، فرفع يده ولطم الذي يليه، وأخذ يزاحم ويقول في صلاته: [من الرجز]
إن تزحماني تجداني مزحما ... عبل الذراعين شديدا ملطما
«1215» - لما أحضر عبد الملك بن مروان حلحلة الفزاريّ وسعيد بن أبان ابن عيينة بن حصن الفزاري ليقيد منهما، قال لحلحلة: صبرا حلحل، فقال: أي والله: [من الرجز]
أصبر من ذي ضاغط عركرك [1] ... ألقى بواني [2] زوره للمبرك
ثم قال لابن الأسود الكلبيّ أجد الضربة، فإني ضربت أباك ضربة أسلحته فعددت النجوم في سلحته، ثم قال عبد الملك لسعيد صبرا سعيد، فقال:
[من الرجز]
أصبر من عود بجنبيه جلب [3] ... قد أثّر البطان فيه والحقب
«1216» - لما يئس [4] من وكيع بن أبي سود أحد بني غدانة بن يربوع،
__________
[1] العركرك: الشديد.
[2] البواني: القوائم والأكتاف.
[3] الجلب: آثار الدبر.
[4] م ح: أيس.
(2/492)

وهو قاتل عبد الله بن خازم، خرج الطبيب من عنده فقال له محمد ابنه: ما تقول؟ قال: لا يصلّي الظهر، وكان محمد ناسكا، فدخل إلى أبيه وكيع فقال له: ما قال لك المعلوج؟ قال وعد أنك تبرأ، قال: أسألك بحقي عليك، قال: ذكر أنك لا تصلّي الظهر، فقال: ويلي على ابن الخبيثة، والله لو كانت في شدقي للكتها إلى العصر.
«1217» - كان بهلول يوما جالسا والصبيان يؤذونه، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلّا بالله، يعيدها مرارا، فلما طال أذاهم له أخذ عصاه وقال:
حمي الوطيس وطابت الحرب، وأنا على بيّنة من ربي تعالى، ثم حمل عليهم وهو يقول: [من الوافر]
أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها
فتساقط الصبيان بعضهم على بعض وتهاربوا، فقال: هزم القوم وولّوا الدبر، أمرنا أمير المؤمنين ألّا نتبع موليّا ولا نذفّف على جريح، ثم رجع وجلس وطرح عصاه وقال: [من الطويل]
فألقت عصاها واستقّرت بها النوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
1218- لبس إبراهيم بن العبّاس سواده ثم قال: يا غلام، هات ذلك السيف الذي ما ضرّ الله به أحدا غيري.
«1219» - قال عمرو بن معدي كرب: [من البسيط]
اذا قتلنا ولم يحزن لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير
نعطى السويّة من طعن له نفذ ... ولا سويّة إذ تعطى الدنانير
(2/493)

1220- قال فيلسوف لأهل مدينته: ليت طبيبكم كان صاحب جيشكم، فإنه قد قتل الخلق وليت صاحب جيشكم كان طبيبكم فإنه لا يقتل أحدا قط.
«1221» - خرج المعتصم إلى بعض متصيداته فظهر له أسد، فقال لرجل من أصحابه أعجبه قوامه وسلاحه وتمام خلقه: يا رجل فيك خير؟ قال بالعجلة: لا يا أمير المؤمنين، فضحك المعتصم وقال: قبحك الله وقبح طللك.
1222- حدث بعض مشايخ الكتاب بالريّ قال: لما مات ابن قراتكين صاحب جيش خراسان، قام بالأمر بعده واحد يقال له ينال عز، قال فكنا بين يديه يوما إذ تقدم صاحب البريد وقال: أيها الأمير قد نزل ركن الدولة بالسين خارجا من أصفهان طامعا في الري، قال: فتغير لونه وتحرك فضرط، وأراد أن يستوي قاعدا فضرط أخرى وثلث وربّع، فقال له صاحب البريد: الرجل منا بعد [1] على ثمانين فرسخا، قال: فغضب وقال له: يا فاعل تقدّر أنني هو ذا أضرط من الفزع؟ إنما أضرط من الغضب.
«1223» - تزوج عمر بن عبيد الله بن معمر التيميّ رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية، وكانت جهمة الوجه عظيمة الأنف حسنة الجسم، وتزوج عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وجمع بينهما، فقال يوما لعائشة: فعلت في محاربتي الخوارج مع أبي فديك كذا وصنعت كذا، فذكر لها شجاعته وإقدامه، فقالت له عائشة: أنا أعلم أنك أشجع الناس، وأعلم لك يوما
__________
[1] م: بعيد.
(2/494)

أعظم من هذا اليوم الذي ذكرته، قال: وما هو؟ قالت: يوم اجتليت رملة [1] وأقدمت على وجهها وأنفها.
«1224» - كان أبو جلدة [2] اليشكريّ من الفرسان، وكان مع عمرو بن صوحان أخي صعصعة بن صوحان العبدي في بعض قرى بست، ومعهما جماعة يشربون، فقام أبو جلدة ليبول، وكان عظيم البطن فضرط، فتضاحك القوم به، فسلّ سيفه وقال: لأضربنّ كلّ من لا يضرط في مجلسه هذا بسيفي، أمنّي تضحكون لا أم لكم؟ فما زال حتى ضرطوا جميعا غير عمرو بن صوحان، فقال له: قد علمت أنّ عبد القيس لا تضرط، ولك بدلها عشر فسوات، قال: لا والله أو تفصح بها، فجعل ينحني ولا يقدر عليها فتركه، وقال أبو جلدة في ذلك: [من الطويل]
أمن ضرطة بالجيروان [3] ضرطتها ... تشدّد مني تارة وتلين
فما هو إلا السيف أو ضرطة لها ... يثور دخان ساطع وطنين
1224 ب- أنشد ابن الأعرابيّ لشفاء بن نصر الخزاعي: [من الرجز]
ليت الرجال قد تلاقوا بالعطن ... بأرزنات ليس فيهنّ أبن
يمتن إذ يحيين أضغان الدّمن ... طار فؤادي طيرة ثم سكن
إنّ لهم بعد الجزاء واللّعن ... سبّا إذا ما ظهر السبّ بطن
«1225» - محمد بن أبي حمزة الكوفي مولى الأنصار: [من البسيط]
__________
[1] م: اختليت برملة.
[2] م: أبو حلزة.
[3] الأغاني: بالخيزران.
(2/495)

باتت تشجّعني عرسي وقد علمت ... أنّ الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي حجّت الأنصار كعبته ... ما يشتهي الموت عندي من له أدب
للحرب قوم أضلّ الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى آفاتها وثبوا
ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا الجدّ يعجبني منهم ولا اللعب
«1226» - فر أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد من أبي فديك الخارجي، فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فجلس يوما بالبصرة فقال: سرت على فرسي المهرجان من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فقال له بعض جلسائه: أصلح الله الأمير فلو ركبت النيروز لسرت إليهم في يوم واحد.
1227- أغار أنس بن مدركة الخثعميّ على سرح قريش في الجاهلية فذهب به، فقال له عمر رضي الله عنه في خلافته: لقد تبعناك تلك الليلة فلو أدركناك، فقال: لو أدركتني [1] لم تكن للناس خليفة.
«1228» - رأى الاسكندر سميا له لا يزال ينهزم، فقال له: يا رجل، إما أن تغيّر فعلك وإما أن تغير اسمك «1229» - وقع في بعض العساكر هيج، فوثب خراسانيّ إلى دابته
__________
[1] ح: أدركتموني.
(2/496)

ليلجمها فصيّر اللجام في الذنب من الدهش، فقال يخاطب الفرس: هب جبهتك عرضت، ناصيتك كيف طالت؟!.
«1230» - قال الجاحظ: وصف خياط حربا فقال: لقيناهم في مقدار سوق الخلقانيّين، فما كان بمقدار ما يخيط الرجل درزين حتى تركناهم في أضيق من الجربّان، وخرجنا عليهم من وجهين كأنهما مقراضان، وتشبكت الرماح كأنها خيوط، فلو طرحت إبرة ما سقطت إلّا على درز رجل.
«1231» - لما حاصر المنصور ابن هبيرة بعث إليه ابن هبيرة: لأشهرنّ امتناعك ولأعيّرنّك به، فقال المنصور: مثلنا ما قيل إن خنزيرا بعث إلى الأسد وقال: قاتلني. فقال الأسد لست بكفؤي، ومتى قتلتك لم يكن لي فخر، وان قتلتني لحقني وصم عظيم. فقال الخنزير: لأخبرنّ السباع بنكولك، فقال الأسد: احتمال العار في ذلك أيسر من التلطخ بدمك.
«1232» - قيل لعقيبة المديني: ألا تغزو؟ فقال: والله إني لأكره الموت على فراشي فكيف أنتجعه؟!.
«1233» - اجتاز كسرى في بعض حروبه بشيخ وقد تمدد في ظل شجرة ونزع سلاحه وشدّ دابته، فقال له: أنا في الحرب وانت على مثل هذه الحال؟ فقال الشيخ: إنما بلغت هذه السن باشتمال هذا التوقي.
(2/497)

«1234» - قال بعض الشجعان لرفيق له وقد أقبل العدوّ: اشدد قلبك، قال: أنا أشدّه ولكنه يسترخي.
نجز الباب السادس بحسن رعاية الله سبحانه وتعالى، يتلوه ان شاء الله الباب السابع في الوفاء والمحافظة والأمانة والغدر والملل والخيانة
(2/498)

محتويات الكتاب
مقدمة التحقيق 5
الباب الثالث في الشرف والرياسة والسيادة 11
خطبة الباب 13
مقدمة الباب 15
أقوال وأخبار في السيادة والسؤدد 16
علو الهمة من ضروب الرياسة 28
أشعار في علو الهمة 66
عود إلى الأخبار والأقوال في علو الهمة 70
الأبنية ضرب من علوّ الهمة 88
رياسة العلم والدين 91
حمل المغارم ضرب من الشرف والرياسة 97
من الرياسة الحلم والعفو والصفح 119
من الرياسة حفظ الجوار وحمي الذمار 145
نوادر تتعلق بالرياسة والسيادة 158
الباب الرابع في مكارم الأخلاق ومساوئها 167
خطبة الباب 169
مقدمة الباب 171
(2/499)

أحاديث وأخبار في مكارم الأخلاق 171
سوء الخلق وبخاصة الحسد 180
في الحقد ومساوئه 183
عود إلى مكارم الأخلاق: الحياء والمواساة والمروءة 185
حكايات وأشعار في مساوىء الأخلاق: القسوة والتشفي 202
متنوعات في مكارم الأخلاق 222
الحياء والبذاء 228
التغاضي وسعة الصدر 234
الصمت 237
معاملة الأرقاء 239
أشعار وأخبار في مساوىء الأخلاق 243
نوادر من هذا الباب 248
الباب الخامس في السخاء والجود والبخل واللؤم 255
خطبة الباب 257
مقدمة الباب 259
أحاديث وحكم في الجود والبخل 259
أشعار في الجود 264
حكايات عن بعض الأجواد (عبد الله بن جعفر) 268
عود إلى رواية الأشعار 279
عود إلى الحكايات 282
جود عبيد الله بن العباس 286
جود ابن أبي بكرة 288
أجواد الجاهلية: حاتم، هرم، كعب بن مامة 289
(2/500)

حكايات متنوعة في الجود 292
عود إلى أخبار حاتم 297
أقوال في الجود 300
عبيد الله بن أبي بكرة 301
جود معن بن زائدة (وغيره) 309
بخلاء العرب، وأخبار وأشعار في البخل 318
بخل أبي العتاهية ومروان بن أبي حفصة 327
أقوال وحكايات في البخل 330
بخل أبي الأسود والثوري والكندي و 333
الحث على البخل 335
بخل ابن الزبير (وغيره ... ) 340
أخبار في جود يزيد بن المهلب وعود إلى الأجواد 349
الأسخياء الذين عرفهم المؤلف 359
عود إلى البخلاء (الحطيئة، خالد بن صفوان..) 366
نوادر في الجود والبخل واللؤم 369
الباب السادس في البأس والشجاعة والجبن والضراعة 391
خطبة الباب 393
مقدمة الباب 395
أحاديث وحكم في الشجاعة 396
أشعار في الشجاعة 402
من أخبار الشجعان 407
عود إلى الأشعار في الشجاعة 414
أخبار تاريخية 420
(2/501)

أخبار في الجبن 425
أشعار في وصف الشجاعة والشجعان 429
شجاعة عمرو بن معد يكرب 442
متنوعات في الثبات والفرار 445
أبو محجن الثقفي في القادسية 455
مواقف أخرى بطولية 458
بعض السيوف المشهورة 472
أشعار في الحماسة للمتنبي وغيره 477
أبطال العرب الذين أدركوا الجاهلية 480
أبطال العرب في العصر الأموي 484
أبطال العرب في الدولة الهاشمية 488
نوادر من هذا الباب 489
محتويات الكتاب 499.
(2/502)