Advertisement

التذكرة الحمدونية 003


الجزء الثالث
الباب السابع في الوفاء والمحافظة والأمانة والغدر والملل والخيانة
[خطبة الباب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
(وما توفيقي إلّا بالله [1] ) الحمد لله الوفّي عهده وميثاقه، المخشيّ عذابه ووثاقه، مبلي الصابرين بلاءهم، ومولي الموفين جزاءهم، جاعل النّكث عائدا على أهله، ومجازي المسيء بسوء فعله، لا يملّ من الإحسان حتى يملّ عبده ولا ينقطع عنه وإن فرط صنعه ورفده، أحمده على سبوغ نعمه، وألوذ به من نوازل نقمه، وأعوذ به من شيمة الغدر الوخيم ورده، وسجيّة المختر [2] الذميم عهده، وأستمدّه توفيقا يهدينا إلى مرضيّ المساعي، وأن يكفّ عنّا يد المعتدي [3] الباغي، وأشهد أنّ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله المحافظ على ذمّته، المؤدّي حقّ الرعاية في أمته، صلّى الله عليه وعلى آله الذين جعلهم على الناس شهداء، ولزموا في طاعته الحفاظ والوفاء.
__________
[1] ر: وبه العون.
[2] ع: الختر.
[3] ر ع: المتعدي.
(3/7)

(الباب السابع في الوفاء والمحافظة والأمانة والغدر والملل والخيانة) «1» - قال الله عزّ وجلّ: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)
(الإسراء:
34) . وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها)
(النساء:
58) . وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ)
(المؤمنون: 8) .
وعن ابن عباس في قوله تعالى: (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ)
(المدثر: 4) . قال: أما إنه لم يأمره أن ينضحها بالماء ولكن قال: لا تلبسها على معصية ولا غدرة، أما سمعت قول غيلان بن سلمة [1] : [من الطويل]
إني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من غدرة أتقنّع
[أحاديث في الوفاء]
2- روي عن معاذ بن جبل أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: من أمّن رجلا ثم قتله وجبت له النار وإن كان المقتول كافرا.
«3» - وقال ميمون: ثلاث المؤمن والكافر فيهنّ سواء: الأمانة تؤديها إلى من ائتمنك عليها من مسلم وكافر، وبرّ الوالدين، والعهد تفي به لمن عاهدت من مسلم أو كافر.
__________
[1] بن سلمة: سقطت من ر.
(3/8)

«4» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.
«5» - وقال صلّى الله عليه وسلم لأبي بكر رحمة الله عليه: عليك بصدق الحديث، ووفاء العهد، وحفظ الأمانة فإنها وصية الأنبياء.
«6» - وعنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: القتل يكفّر الذنوب، وقال: يكفّر كلّ شيء إلّا الأمانة، قال: ويؤتى بصاحب الأمانة يوم القيامة فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: يا ربّ قد ذهبت الدنيا، فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، ثم يصعد بها حتى إذا رأى أنه قد خرج زلّت فهوت وهوى في أثرها أبد الآبدين.
«7» - وروى عبد الله بن عمر عنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: إنّ الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان.
«8» - كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، ختن رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ابنته زينب، تاجرا تضاربه قريش بأموالهم، فخرج إلى الشام سنة الهجرة، فلما قدم عرض له المسلمون فأسروه وأخذوا ما معه وقدموا به المدينة ليلا، فلما صلّوا الفجر قامت زينب على باب المسجد فقالت: يا رسول الله قد أجرت أبا العاص وما معه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت، ودفع إليه جميع ما أخذ منه، وعرض عليه الإسلام فأبى، وخرج إلى مكة ودعا قريشا فأطعمهم ثم دفع إليهم أموالهم وقال: هل وفيت؟ قالوا: نعم قد أدّيت الأمانة
(3/9)

ووفيت، فقال: اشهدوا جميعا أني أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله، وما منعني أن أسلم إلّا أن تقولوا: أخذ أموالنا ثم هاجر. فأقرّه رسول الله صلّى الله عليه وسلم على النكاح، وتوفي سنة اثنتي عشرة.
«9» - وقال عليّ عليه السلام: إنّ الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنّة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل منه إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم الله، قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها مانع من الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا خريجة له في الدين.
[صور من الوفاء]
«10» - لما قوي أمر بني العباس وظهر، قال مروان بن محمد لعبد الحميد بن يحيى كاتبه: إنّا نجد في الكتب أنّ هذا الأمر زائل عنّا لا محالة، وسيضطر إليك هؤلاء القوم- يعني ولد العباس- فصر إليهم فإني لأرجو أن تتمكّن منهم فتنفعني في مخلّفيّ وفي كثير من أموري، فقال: وكيف لي بعلم الناس جميعا أنّ هذا عن رأيك وكلّهم يقول: إني غدرت بك وصرت إلى عدوك وأنشد:
[من الطويل]
أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
ثم أنشد: [من الوافر]
ولؤم ظاهر لا شكّ فيه ... للائمة وعذري بالمغيب
فلما سمع مروان ذلك علم أنه لا يفعل، ثم قال له عبد الحميد: إنّ الذي أمرتني به
(3/10)

أنفع الأمرين لك، وأقبحهما بي، ولك عليّ الصبر معك إلى أن يفتح الله عليك أو أقتل معك.
«11» - كان الحارث بن هشام المخزومي في وقعة اليرموك وبها أصيب فأثبتته الجراح، فاستسقى ماء، فأتي به، فلما تناوله نظر إلى عكرمة بن أبي جهل صريعا في مثل حاله، فردّ الإناء على الساقي وقال له: امض إلى عكرمة بن أبي جهل [1] يشرب أولا فإنه أشرف مني، فمضى به إليه فأبى أن يشرب قبله، فرجع إلى الحارث فوجده ميتا ورجع إلى عكرمة فوجده أيضا ميتا لم يشرب واحد منهما الماء.
«12» - كان مرداس بن أديّة أحد بني ربيعة بن حنظلة رأسا من رؤوس الخوارج، فحبسه عبيد الله بن زياد، فرأى السجّان شدّة اجتهاده وحلاوة منطقه، فقال له: إنّي أرى مذهبا حسنا، وإني لأحبّ أن أوليك معروفا، أفرأيتك إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أتدلج إليّ؟ قال: نعم، فكان يفعل ذلك به. ولجّ عبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم، فكلّم في بعضهم فأبى ولجّ وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع؛ فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشّرط، فقال ابن زياد: ما أدري ما أصنع بهؤلاء، كلّما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتك بقاتله، لأقتلنّ من في حبسي منهم. فأخرج السّجّان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداسا الخبر، فلما
__________
[1] بن أبي جهل: سقطت من ع.
(3/11)

كان السحر تهيّأ للرجوع، فقال له أهله: اتّق الله في نفسك، فإنّك إن رجعت قتلت، فقال: إنّي ما كنت لألقى الله غادرا. فرجع إلى السجّان وقال: إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك، فقال: أعلمت ورجعت؟ قال: نعم.
[وفاء السموأل]
«13» - والعرب تضرب المثل في الوفاء بالسموأل، وهو ابن عريض بن عادياء الأزدي، وقيل هو من ولد الكاهن ابن هارون بن عمران. وكان من خبره أنّ امرأ القيس بن حجر أودعه أدراعا مائة، فأتاه الحارث بن ظالم (ويقال: الحارث بن أبي شمر الغساني) ليأخذها منه، فتحصّن منه السموأل، فأخذ ابنا له غلاما وناداه: إما إن أسلمت إليّ الأدراع وإما إن قتلت ابنك، فأبى السموأل أن يسلم الأدراع إليه، فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه، فقال السموأل:
[من الوافر]
وفيت بأدرع الكنديّ إني ... إذا ما ذمّ أقوام وفيت
وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدّم يا سموأل ما بنيت
بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت
«14» - قال محمد بن السائب الكلبي: هجا الأعشى رجلا من كلب فقال:
[من الوافر]
بنو الشهر الحرام فلست منهم ... ولست من الكرام بني عبيد
ولا من رهط جبّار بن قرط ... ولا من رهط حارثة بن زيد
وهؤلاء كلهم من كلب، فقال: لا أبا لك، أشرف من هؤلاء أنا، قال:
(3/12)

فسبّه الناس بعد بهجاء الأعشى. وكان متغيّظا عليه، فأغار على قوم قد بات فيهم الأعشى فأسر منهم نفرا وأسر الأعشى، ولا يعرفه، فجاء حتى نزل بشريح بن السموأل صاحب تيماء بحصنه الذي يقال له الأبلق، فمرّ شريح بالأعشى فنادى به: [من البسيط]
شريح لا تتركنّي بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القدّ أظفاري
قد جلت ما بين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهدا وأوثقهم ... عقدا أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث ما استمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرّار
إذ سامه خطّتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار
فقال غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظّ لمختار
فشكّ غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... ربّ كريم وبيض ذات أطهار
لا سرّهنّ لدينا ذاهب هدرا ... وحافظات إذا استودعن أسراري
فاختار أدرعه كي لا يسبّ بها ... ولم يكن وعده فيها بختّار
قال: فجاء شريح الكلبيّ فقال: هب لي هذا الأسير المضرور، فقال: هو لك. فأطلقه، وقال له: أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك، فقال الأعشى: من تمام صنيعتك إليّ أن تعطيني ناقة ناجية وتخلّيني الساعة، قال: فأعطاه ناقة فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبيّ أنّ الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: ابعث إليّ بالأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه، قال:
قد مضى، فأرسل الكلبيّ في طلبه فلم يلحقه.
(3/13)

«15» - قال الأثرم: حجّ وفاء بن زهير المازنيّ في الجاهليّة، فرأى في منامه كأنه حاض، فغمّه ذلك، وقصّ رؤياه على قسّ بن ساعدة الإياديّ، فقال له:
أغدرت بمن أعطيته ذماما؟ قال: لا. قال: فهل غدر أحد من أهلك بجار لك؟
قال: لا علم لي؛ وقدم على أهله فوجد أخاه قد غدر بجار له فقتله، فانتضى سيفه، وناشده أخوه الله والرّحم، وخرجت أمّه كاشفة شعرها قد أظهرت ثدييها تناشده الله في قتل أخيه، فقال لها: علام سمّيتني وفاء إذا كنت أريد أن أغدر؟ ثم ضرب أخاه بسيفه حتى قتله وقال: [من الطويل]
يناشدني قيس قرابة بيننا ... وسيفي بكفّي وهو منجرد يسعى
غدرت وما بيني وبينك ذمّة ... تجيرك من سيفي ولا رحم ترعى
سأرحض عنّي ما فعلت بضربة ... عقيم البديّ لا تكرّ ولا تثنى
«16» - قال صعصعة بن ناجية المجاشعي للنبي صلّى الله عليه وعلى آله: إني حملت حمالات في الجاهلية، فجاء الإسلام وعليّ منها ألف بعير، فأدّيت من ذلك سبعمائة، فقال له: إنّ الإسلام أمر بالوفاء ونهى عن الغدر، فقال: حسبي حسبي، فوفى بها.
[وفاء حاجب بن زرارة]
«17» - أتى حاجب بن زرارة التميميّ- في جدب أصاب قومه بدعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم كسرى- فسأله أن يأذن لهم في دخول بلاده حتى يمتاروا، فقال: إنكم معشر العرب قوم غدر، فقال: إنّي ضامن للملك أن لا يفعلوا، قال: فمن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي، فضحك من حوله، فقال كسرى: ما كان ليخالف، فقبلها منه، وقال: يا حاجب إنّ قوسك لقصيرة معوجّة، قال: أيها الملك إنّ وفائي
(3/14)

طويل مستقيم. فمات حاجب وطلبها ابنه عطارد فردّت عليه، وكساه كسرى حلّة، فلما أسلم أهداها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فلم يقبلها، فباعها بأربعة آلاف درهم، وبقيت فخرا لبني تميم عامّة، ولبني دارم منهم خاصة.
«18» - لما طالب المنصور عيسى بن موسى بتقديم المهديّ عليه في العهد قال: [من الطويل]
بدت لي أمارات من الغدر شمتها ... أظنّ رواياها ستمطركم دما
وما يعلم العالي متى هبطاته ... وإن سار في ريح الغرور مسلّما
[يوم ذي قار]
«19» - ومن وفاء العرب ما فعله هانىء بن مسعود الشيبانيّ حتى جرّ ذلك يوم ذي قار. وكان من خبره أنّ النعمان بن المنذر حيث خاف كسرى وعلم أنه لا ملجأ له منه رأى أن يضع يده في يده، فأودع ماله وأهله وحلقته في بكر بن وائل عند هانىء بن مسعود، فلما أتى كسرى حبسه بساباط المدائن ثم قتله. ثم إنّ كسرى أرسل إلى هانىء بن مسعود يطالبه بوديعة النعمان، فقال له: إنّ النعمان كان عاملي فابعث إليّ بوديعته ولا تكلّفني أن أبعث إليك بالجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية. فبعث إليه هانىء: إنّ الذي بلغك باطل، وما عندي قليل ولا كثير، وإن يكن الأمر كما قيل فأنا أحد رجلين: إمّا رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردّها على من استودعه إيّاها، ولن يسلم الحرّ أمانته، أو رجل مكذوب عليه فليس ينبغي للملك أن يأخذه بقيل عدوّ وحاسد؛ فبعث كسرى إليهم
(3/15)

الجيوش: عقد للنعمان بن زرعة التغلبيّ على تغلب والنمر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة الطائي على جميع العرب ومعه كتيبتاه الشهباء والدّوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف، وعقد للهامرز على ألف من الأساورة، وعقد لخنابزين على ألف، وبعث معهم باللّطيمة، وهي عير كانت تخرج من العراق فيها البزّ والعطر والألطاف توصل إلى باذام عامله على اليمن. وعهد إليهم كسرى إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا إليهم النعمان بن زرعة، فإن اتقوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهنا بما أحدث سفهاؤكم فاقبلوا منهم وإلا قاتلوهم. وكان كسرى قبل ذلك قد أوقع بيني تميم يوم الصّفقة، فالعرب منه خائفة وجلة. فلما بلغ هانىء بن مسعود الخبر جاء حتى نزل بذي قار، وجاءهم النعمان بن زرعة، وكانت جدّته عجليّة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنكم أخوالي وأحد طرفيّ، وإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس وفرسان العرب، والكتيبتان: الشّهباء والدوسر، وإنّ في الشرّ خيارا، ولأن يفتدي بعضكم بعضا خير من أن تصطلموا، فانظروا هذه الحلقة فادفعوها، وادفعوا رهنا من أبنائكم. فقال له القوم: ننظر في أمرنا، ونبعث إلى من يلينا من بكر بن وائل. وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجلهتين. (قال الأثرم: جلهة الوادي ما استقبلك منه واتسع، وقال ابن الأعرابيّ: جلهة الوادي مقدّمه مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره، يقال رأس أجله) . ثم انتظروا أصحابهم، كلّما جاء سيّد انتظروا الآخر حتى جاء ثعلبة بن حنظلة بن سيّار العجليّ فقالوا له: يا أبا معدان، قد طال انتظارنا، وقد كرهنا أن نقطع أمرا دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاءنا، والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الذي أجمع عليه رأيكم واتفق عليه ملؤكم؟ قالوا: قلنا إنّ في الشرّ خيارا، ولأن يفتدي بعضنا بعضا خير من أن نصطلم جميعا. فقال حنظلة: قبّح الله هذا رأيا، ثم نزل ونزل الناس. ثم قال لهانىء بن مسعود: يا أبا أمامة، إنّ ذمّتكم ذمّتنا عامّة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج
(3/16)

هذه الحلقة ففرّقها بين قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، وإن تهلك فأيسر مفقود. فأمر بها فأخرجت ففرّقها بينهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لولا أنك رسول لما أبت إلى قومك سالما، فرجع النعمان، وبات الفريقان يتأهبون للحرب. وأمر حنظلة بالظّعن جميعا فوقفها خلف الناس ثم قال: يا معشر بكر ابن وائل قاتلوا عن ظعنكم أو دعوا؛ وانصرفت بنو قيس بن ثعلبة فلم يشهدوها.
وقال لهم ربيعة بن عراك السكونيّ ثم التجيبي، وكان نازلا في بني شيبان: أما إني لو كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل عروة العكم، فقالوا: فأنت والله من أوسطنا فأشر علينا، فقال: لا تستهدفوا لهذه الأعاجم فتهلككم بنشابها، ولكن تكردسوا لهم كراديس يشدّ عليهم كردوس كردوس، فإذا أقبلوا عليه شدّ الآخر، فقالوا إنك قد رأيت رأيا، ففعلوا. وقام هانىء بن مسعود وقال [1] : يا قوم مهلك معذور خير من منجى مغرور، إنّ الحذر لا يدفع القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر، المنيّة ولا الدنيّة، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر أكرم منه في الدبر؛ يا آل بكر شدّوا واستعدّوا، وإلا تشدّوا تردّوا. ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى وضين راحلة امرأته فقطعه، ثم تتبّع النساء فقطع وضينهنّ لئلّا يفزعهنّ الرجال، فسمّي يومئذ مقطّع الوضين- والوضين بطان الناقة- ثم إنّ القوم اقتتلوا صدر نهارهم أشدّ قتال رآه الناس إلى أن زالت الشمس، فشدّ الحوفزان، واسمه الحارث بن شريك، على الهامرز فقتله، وقتلت بنو عجل خنابزين، وضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، وتبعتهم بكر بن وائل، وقتل خالد بن يزيد البهرانيّ، قتله الأسود بن شريك بن عمرو، وقتل عمرو بن عدي ابن زيد العبادي الشاعر، ولحق أسود بن بحتر بن عائد بن شريك العجلي النعمان ابن زرعة فقال له: يا نعمان هلمّ إليّ فأنا خير آسر، أنا خير لك من العطش.
قال: ومن أنت؟ قال: الأسود بن بحتر، فوضع يده في يده فجزّ ناصيته وخلّى
__________
[1] قد مرّت هذه الخطبة في التذكرة 2: (رقم: 1010) ونسبت لقبيصة بن مسعود وانظر التعليق عليها وتخريجها، ونهاية الأرب 3: 347.
(3/17)

سبيله، وحمله الأسود على فرس له وقال له: انج على هذه فإنها أجود من فرسك، وجاء الأسود بن بحتر على فرس النعمان، وأفلت إياس بن قبيصة، وتبعتهم بكر بن وائل حتى شارفوا السواد فلم يفلت منهم كبير أحد، وكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة، وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه إياس سأله عن الخبر فقال: قد هزمنا بكر بن وائل وأتيناك بنسائهم، فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة. ثم إنّ إياسا استأذنه عند ذلك وقال: إنّ أخي مريض بعين التمر، وإنما أراد أن ينتحي عنه، فأذن له كسرى، فترك فرسه الحمامة وهي التي نجا عليها، وركب نجيبة له فلحق بأخيه، ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ قالوا: نعم، إياس، قال: ثكلت إياسا أمّه، وظنّ أنه قد حدثه بالخبر، فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم، فأمر به فنزعت كتفاه. وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر ورسول الله صلّى الله عليه وسلم بالمدينة، وكان شعارهم: يا محمد.
وروي أنه صلّى الله عليه وسلم تمثلت له الوقعة وهو بالمدينة، فرفع يديه ودعا لبني شيبان، ولما بلغته الوقعة قال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا. وفي وفائهم بالأمانة والوديعة يقول الأعشى: [1] [من المنسرح]
آليت بالملح والرماد وباك ... عزى وباللات تسلم الحلقه
حتى يظلّ الهمام منجدلا ... ويقرع النبل طرّة الدّرقه
[وفاء عبد الملك بن مروان]
«20» - قال مالك بن عمارة اللخمي: كنت أجالس في ظلّ الكعبة أيام
__________
[1] هي القطعة رقم: 171 في زيادات الديوان.
(3/18)

الموسم عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير، وكنّا نخوض في الفقه مرّة، وفي المذاكرة مرّة، وفي أشعار العرب وأمثال الناس مرّة، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك: من الاتساع في المعرفة، والتصرّف في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حدّث، وحلاوة لفظه إذا حدّث. فخلوت معه ذات ليلة فقلت: والله إني لمسرور بك لما أشاهده من كثرة تصرفك وحسن حديثك وإقبالك على جليسك، فقال لي: إنك إن تعش قليلا سترى العيون طامحة إليّ، والأعناق قاصدة، فلا عليك أن تعمل إليّ ركابك فلأملأنّ يديك. فلما أفضت إليه الخلافة شخصت أريده، فوافقته يوم جمعة وهو يخطب الناس على المنبر، فلما وقعت عينه عليّ بسر في وجهي وأعرض عنّي، فقلت: لم يثبتني معرفة أو عرفني فأظهر لي نكرة، لكني لم أبرح مكاني حتى قضيت الصلاة ودخل، فلم ألبث أن خرج الحاجب فقال: أين مالك بن عمارة؟ فقمت وأخذ بيدي وأدخلني عليه، فلما رآني مدّ إليّ يده وقال: إنك تراءيت لي في موضع لم يجز فيه إلّا ما رأيت من الإعراض والانقباض، فأما الآن فمرحبا وأهلا، كيف كنت بعدي، وكيف كان مسيرك؟ قلت: بخير وعلى ما يحبّه أمير المؤمنين.
فقال: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قال، قلت: نعم وهو الذي أعملني إليك.
فقال: والله ما هو بميراث ادّعيناه ولا أثر رويناه، ولكني أخبرك من نفسي بخصال سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى: ما لا حيت ذا ودّ قط، ولا شمتّ بمصيبة، ولا قصدت كبيرة من محارم الله متلذّذا بها واثبا عليها، وكنت من قريش في بيتها، ومن بيتها في واسط قلادتها، فكنت آمل بهذه أن يرفع الله لي، وقد فعل، يا غلام بوّئه منزلا في الدار. فأخذ الغلام بيدي وقال: انطلق إلى رحلك، فكنت في أخفض حال وأنعم بال، وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه، فإذا حضر عشاؤه وغداؤه أتاني الغلام فقال: إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنه جالس، فأمشي بلا حذاء ولا رداء، فيرفع من مجلسي ويقبل على مجالستي، ويسألني عن العراق مرة وعن الحجاز مرّة، حتى مضت لي عشرون
(3/19)

ليلة، فتغديت يوما عنده، فلما تفرّق الناس نهضت للقيام فقال: على رسلك أيها الرجل، فقعدت فقال: أيّ الأمرين أحبّ إليك: المقام عندنا، ولك النّصفة في المعاشرة والمجالسة مع المواساة أم الشخوص ولك الحباء والكرامة؟ فقلت:
فارقت أهلي وولدي على أني زائر لأمير المؤمنين وعائد إليهم، فإن أمرني اخترت فناءه على الأهل والولد. فقال: بل أرى لك الرجوع إليهم فإنهم متطلّعون إلى رؤيتك، فتحدث بهم عهدا ويحدثون بك مثله، والخيار بعد في زيارتنا والمقام فيهم إليك، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار وكسوناك وحملناك، أتراني ملأت يديك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أراك ذاكرا ما رأيت عن نفسك، قال: أجل ولا خير في من ينسى إذا وعد، ولا ينسى إذا أوعد، ودّع إذا شئت، صحبتك السلامة.
[حكايات مختلفة عن الوفاء]
«21» - أحضر الحجاج رجلا من الخوارج فمنّ عليه وأطلقه، فلما عاد إلى أصحابه قالوا له: إنّ الله تخلّصك من يده ليزيدك بصيرة في مذهبك، فلا تقصّر في الخروج عليه، فقال: هيهات غلّ يدا مطلقها، واسترقّ رقبة معتقها.
«22» - دخل هارون بن أبي زياد مؤدب الواثق على الواثق، فأكرمه وأظهر من برّه ما شهره به، فقيل له: يا أمير المؤمنين من هذا الذي فعلت به ما فعلت؟
قال: هذا أوّل من فتق لساني بذكر الله تعالى وأدناني من رحمته.
«23» - ومن الوفاء المستحسن ما روي عن أبي زكّار الأعمى، وهو مغنّ منقطع إلى آل برمك، قال مسرور الكبير: لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى دخلت وعنده أبو زكار الأعمى الطّنبوريّ يغنيه: [من الوافر]
(3/20)

فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
فقلت له: في هذا والله أتيتك، ثم أخذت بيده فأقمته وأمرت بضرب رقبته، فقال لي أبو زكار: نشدتك الله إلّا ألحقتني به، فقلت له: وما رغبتك في ذلك؟
فقال: إنه أغناني عما سواه بإحسانه فما أحبّ أن أبقى بعده، فقلت: أستأذن أمير المؤمنين في ذلك، فلما أتيت الرشيد برأس جعفر أخبرته بقصة أبي زكار فقال: هذا رجل مصطنع فاضممه إليك، وانظر ما كان جعفر يجريه عليه فأقمه له.
«24» - لقي الفضل بن يحيى إبراهيم الموصلّي وهو خارج من دار الفضل بن الربيع، وكانا متجاورين في الشماسية، فقال: من أين يا أبا إسحاق؟ أمن عند الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى؟ هذان والله أمران لا يجتمعان لك، فقال:
والله لئن لم يكن فيّ ما يتّسع لكما حتى يكون الوفاء لكما جميعا واحدا ما فيّ خير، والله لا أترك واحدا منكما لصاحبه، فمن قبلني على هذا قبلني، ومن لم يقبلني فهو أعلم، فقال له الفضل بن يحيى: أنت عندي غير متّهم، والأمر كما قلت، وقد قبلتك على ذلك.
«25» - قيل إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوّقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه.
25 ب- قال لقمان لابنه: إذا كان خازنك حفيظا وخزانتك أمينة سدت في دنياك وآخرتك.
(3/21)

26- قيل: أكرم الوفاء ما كان عند الشدة، وألأم الغدر ما كان عند الثقة.
27- كان يحيى بن خالد إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي جعل الوفاء أعزّ ما برأ.
«28» - أبو فراس بن حمدان: [من الطويل]
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحرّ الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلّا أقلّهم ... ذئابا على أجسادهنّ ثياب
«29» - وله: [من البسيط]
أبغي الوفاء بدهر لا وفاء به ... كأنني جاهل بالدهر والناس
«30» - عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن عن الأرذنّ وضربه وحلقه وأقامه للناس، وقال للموكلين به: من أتاه متوجعا فائتوني به، فأتاه عديّ ابن الرقاع العامليّ، وكان عبيدة إليه محسنا، فوقف عليه وقال: [من الوافر]
فما عزلوك مسبوقا ولكن ... إلى الغايات سبّاقا جوادا
وكنت أخي وما ولدتك أمي ... وصولا باذلا لا مستزادا
فقد هيضت بنكبتك القدامى ... كذاك الله يفعل ما أرادا
فوثب الموكلون إليه فأدخلوه إلى الوليد، وأخبروه بما جرى، فتغيّظ عليه الوليد وقال له: أتمدح رجلا قد فعلت به ما فعلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه كان إليّ محسنا، ولي مؤثرا، وبي برّا، ففي أيّ وقت كنت أكافيه بعد هذا اليوم؟
فقال: صدقت وكرمت، وقد عفوت عنه لك وعنك، فخذه وانصرف.
(3/22)

«31» - ولما حمل رأس مروان بن محمد إلى السفّاح وهو بالكوفة جلس مجلسا عامّا، وجاءوا بالرأس فوضع بين يديه، فقال لمن حضره: أفيكم من يعرف هذا الرأس؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعد بن هبيرة فأكبّ عليه فتأمّله مليّا ثم قال: نعم هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس رحمه الله، وعاد إلى مجلسه فقعد. ووثب أبو العباس فطعن في حجزته، وانصرف ابن جعدة إلى منزله، وتحدّث الناس بكلامه، فلامه بنوه وأهله وقالوا: عرّضتنا ونفسك للبوار فقال:
اسكتوا، قبّحكم الله، ألستم الذين أشرتم عليّ بالأمس بحرّان بالتخلّف عن مروان ففعلت في ذلك غير فعل أهل الوفاء والشكر؟ وما كان ليغسل عني عار تلك الفعلة إلّا هذه، وإنما أنا شيخ هامة اليوم أو غد، فإن نجوت يومي هذا من القتل متّ غدا. فجعل بنوه وأهله يتوقعون رسل السفاح أن تطرقه في جوف الليل، وغدا الشيخ فإذا هو بسليمان بن مجالد، فلما بصر به قال: ألا أسرّك يا ابن جعدة بجميل رأي أمير المؤمنين فيك؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما كان منك فقال:
أما والله ما أخرج ذلك الكلام من الشيخ إلّا الوفاء، ولهو أقرب بنا قرابة وأمس بنا رحما منه بمروان إن أحسنّا إليه، قال: أجل والله.
«32» - وسأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في بعض حروبه مع الخوارج فقال: فعل كذا وصنع كذا رحمه الله، فقال المنصور: قم عليك لعنة الله، تطأ بساطي وتترحّم على عدوي؟! فقام الرجل وهو يقول: والله إنّ نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلّا غاسلي، فقال المنصور: ارجع يا شيخ فإني أشهد أنك نهيض حرّة وغراس شريف، ودعا له بمال فأخذه وقال: لولا جلالة عزّ أمير المؤمنين وامتطاء طاعته ما لبست بعده لأحد نعمة، فقال له المنصور:
(3/23)

مت إذا شئت، لله أنت، فلو لم يكن في قومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجدا مخلّدا.
«33» - قيل: بينما عيسى بن موسى يساير أبا مسلم في مقدمه به على أبي جعفر إذ أنشد عيسى: [من الطويل]
لينهك ما أفنى القرون التي خلت ... وما حلّ في أكناف عاد وجرهم
ومن كان أنأى منك عزّا ومنعة ... وأنهد بالجيش اللهام العرموم
فقال أبو مسلم: علام أعطيتني عهد الله يا أبا موسى؟ قال: أعتق ما يملك إن كان أرادك بما قال، وإنما هو خاطر جرى على لساني، قال: ذاك شرّ.
«34» - ومن شعر عيسى بن موسى لما خلع من العهد: [من الطويل]
أينسى بنو العباس ذبّي عنهم ... بسيفي نار الحرب ذاك سعيرها
فتحت لهم شرق البلاد وغربها ... فذلّ معاديها وعزّ نصيرها
أقطّع أرحاما عليّ عزيزة ... وأسدي مكيدات لها وأنيرها
فلما وضعت الأمر في مستقرّه ... ولا حت له شمس تلألأ نورها
دفعت عن الحقّ الذي أستحقّه ... وسيقت بأوساق من الغدر عيرها
[أعرق العرب في الغدر]
«35» - يقال: أعرق العرب في الغدر آل الأشعث بن قيس، أغار قيس بن معدي كرب غدرا بمراد، وكان بينهم ولث- أي عهد- أن لا يغزوهم إلى انقضاء رجب، فوافاهم قبل الأمد بكندة. فجعل يحمل عليهم ويقول:
[من الرجز]
(3/24)

أقسمت لا أنزل حتى يهزموا ... أنا ابن معدي كرب فاستسلموا
فارس هيجا ورئيس مصدم
فقتل قيس بن معدي كرب وارتدّ الأشعث بن قيس عن الإسلام. وغدر محمد بن الأشعث بمسلم بن عقيل بن أبي طالب، وغدر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يوم دير الجماجم، وأتيح له غادر فأسلمه، وهو رتبيل ملك الترك، لجأ إليه لما انهزم من حرب دير الجماجم فغدر به وسلّمه إلى أصحاب الحجاج، فألقى نفسه في طريقه من سطح فمات.
[حكايات في الغدر]
«36» - ذكر هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ أنّ بابك بن ساسان كان يغشى البيت، وآخر ما زاره دفن فيه غزالا من ذهب عيناه ياقوتتان [1] ، وفي أذنيه شنفان من ذهب بدرّتين، والسيوف القلعية التي لم تكن إلّا لفارس، وهو الغزال الذي سرقه أبو لهب، وذاك أنّ أبا لهب كان يشرب ومعه ديك ودييك، موليان لخزاعة، فنفد شرابهم فقال أبو لهب: والله ما نعوّل على شيء إلّا على غزال الكعبة، فسرقوه، فعظم ذلك على قريش وقطعوا الموليين ولم يقووا على أبي لهب لمكان بني هاشم، وفيه يقول حسان: [من البسيط]
أبا لهيب فبيّن لي حديثكم ... أين الغزال عليه الدرّ من ذهب
«37» - كان لعمرو بن دويرة البجلي أخ قد كلف ببنت عمّ له، فتسوّر عليها فأخذه إخوتها وأتوا به خالد بن عبد الله القسري، وسرّقوه، فسأله فصدقهم
__________
[1] ع: ياقوت.
(3/25)

ليدفع الفضيحة عن الجارية، فأراد خالد قطعه، فقال عمرو: [من الطويل]
أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقرّ بما لم يأته المرء إنه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاتق
فزوّجه خالد الجارية.
«38» - قال العلاء بن منهال الغنويّ: [من الكامل]
إنّ العفيف [1] إذا استعان بخائن ... كان العفيف [2] شريكه في المأثم
«39» - كان أحمد بن يزيد المهلبيّ نديما للمنتصر، فطلبه أبوه المتوكل لمنادمته، فلم يزل نديمه حتى قتل. فلما ولي المنتصر حجبه، ثم أذن له وأمر بنان ابن عمرو فغّنى: [من الطويل]
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن ... ورمت بديلا بي ولم أتبدّل
والبيت للمنتصر، فاعتذر المهلبي فقال المنتصر: إنما قلته مازحا، أتراني أتجاوز بكم حكم الله (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)
(الأحزاب: 5) .
«40» - كان أبو بشر رزام مولى خالد بن عبد الله القسري يكتب لمحمد بن خالد، وهو يتولّى الحرمين لأبي جعفر، فصرف محمد بن خالد برياح بن عثمان المري، فحبس رزاما وطالبه بأن يرفع على صاحبه فامتنع، فكان يخرجه في كلّ
__________
[1] بهجة المجالس: إنّ الأمير.
[2] بهجة المجالس: الأمير.
(3/26)

يوم ويضربه خمسة عشر سوطا حتى صار جسمه كالقرحة. فأحضره يوما ليضربه فلم يجد فيه موضعا فضربه على كفّه. ولما بلغ به ما بلغ أحضره رزام كتابا يوهمه أنّ فيه رفائع على محمد بن خالد، وقد [1] جمع له رياح الناس، فلما اجتمعوا قال لهم رزام: أيها الناس إن الأمير أمرني أن أرفع على محمد بن خالد، وقد أحضرني [2] كتابا كلّ ما فيه باطل، وقد صدقت عما عندي، فأمر به فضرب مائة سوط وحبسه. فلم يزل محبوسا حتى غلب محمد بن عبد الله بن حسن بن علي على المدينة، فقتل رياحا وأطلق محمد بن خالد ورزاما كاتبه هذا.

- لما حلف محمد الأمين للمأمون في البيت الحرام، وهما وليّا عهد، طالبه جعفر بن يحيى بأن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرّات.
قال الفضل بن الربيع، قال لي في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس هو ذا أجد في نفسي أنّ أمري لا يتمّ، فقال له: ولم ذاك أعزّ الله الأمير؟
قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، فقلت: سبحان الله في مثل هذا الموضع؟ فقال لي: هو ما قلت لك.
«42» - قال مسرور الكبير: دخلت على الرشيد بعد أن قتل جعفر بن يحيى، وقد خرج من مرقده وهو يريد الخلاء، فلما رآني أمر بكرسيّ فطرح وجلس عليه ثم قال: إني سائلك عن أمر فلا تطوّل عليّ فإني أريد الطهور [3] ، ولست أبرح أو تخبرني بما أسألك عنه، فقلت له: ليسأل أمير المؤمنين عما أحبّ، قال:
أخبرني عما وجدته من المال والجوهر للبرامكة، فقلت له: ما وجدت شيئا من
__________
[1] وقد ... خالد: سقط من الجهشياري.
[2] الجهشياري: أحضرت.
[3] الجهشياري: التطهير.
(3/27)

ذلك لهم، فقال: وكيف وقد نهبوا مالي وذهبوا بخزائني؟ فقلت له: أنفقوه في المكارم، وأصيب لهم من الجوهر ما لا يشبه أمثالهم، قال لي: فما يقول الناس فينا؟ فقلت: الله الله في أمري، فقال: ما لك؟ قلت: الصدق يغضبك، وكان استحلفني ورشيدا والحسين الخادمين أن نصدقه عن كلّ شيء يسألنا عنه، فخفت أن أصدقه فلا يعجبه، لأني كنت قد صدقته عن شيء من أمر الحرم فغضب وحجبني أربعين يوما، فأذكرته بذلك فقال: كان ذلك مني غلطة ولن أعود لمثلها. فقلت له: يقول الناس لم تف لهم، وانك طمعت في أموالهم، قال:
فأيّ شيء حصلت منها؟ قلت: ضياعهم هي مال، فقال: البس سيفك وأحضرني يحيى بن خالد فأقمه وراء الستر، فقلت في نفسي: إنا لله وإنّا إليه راجعون، ماذا صنعت؟ قتلت ابنه وأقتله؟ ثم أحضرت يحيى، فلما خرج الرشيد من الخلاء قال لي: اخرج إليه فقل له ما حملك على أن حملت إلى يحيى بن عبد الله بالديلم مائتي ألف دينار؟ فقلت له ذاك، فقال: أليس قد صفحت عن هذا؟ فقال لي: أو يصفح الإنسان عن دمه؟ فقلت له ذاك، فقال: أردت أن تقوى شوكة يحيى بن عبد الله فيظفر به الفضل بعد قوّته فيكون أحظى له عندك، قال فقلت له: فما كان يؤمّنك أن يقوى فيقتل الفضل ويقتلني؟ وما حملك على أن حملت إلى أحمد بن عيسى بن زيد بالبصرة مع غلامك رباح سبعين ألف دينار؟ فقلت له ذاك، فقال، قل له: أفليس قد صفحت عن ذلك؟ فقال:
أو يصفح الإنسان عن دمه؟ ثم قال: قل له: أنت تعلم موقع عيالي منّي، وطلبت منك وأنا بالبصرة ألف ألف درهم فقلت لي: إن أخذت منها درهما واحدا لهذا الشأن ذهبت هيبتك، فأمسكت، فأخذت أنت منها ألف ألف وخمسماية ألف ففرّقتها في عيالك، واحتلت أنا بقرض تولّاه يونس ما فرّقته فيهم، ثم قال لي:
قل له كذا وقل له كذا حتى عدّ أربعة عشر شيئا، ثم أمرني بردّه إلى محبسه وقال:
يا مسرور، يقول الناس إني ما وفيت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ما أحبّ أن تستجهلني فقال: وكيف؟ قلت: كيف لك بأن يعلم الناس كعلمي، لبودّي
(3/28)

أنهم علموا ذلك، على أني أعلم أنه لو نودي فيهم دهرا من الدهور ما حفظوه.
«43» - خرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب إلى بعض جبابين الشام، وإذا امرأة جالسة عند قبر تبكي، فجاء سليمان فرفعت البرقع عن وجهها، فجلت شمسا عن متون غمامة، فوقفا متعجبين ينظران إليها، فقال لها يزيد بن المهلب: يا أمة الله هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ فنظرت إليهما ثم نظرت إلى القبر فقالت: [من الطويل]
فلا تسألاني عن هواي فإنه ... بحوماء هذا القبر يا فتيان
وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني
«44» - كانت عند الحسن بن الحسن بن عليّ امرأة، فضجر يوما وقال: أمرك في يدك، فقالت: أما والله لقد كان في يدك عشرين سنة فحفظته، أفأضيّعه في ساعة صار في يدي؟! قد رددت إليك حقّك، فأعجبه قولها وأحسن صحبتها.
«45» - ومن أحسن الوفاء ما روي عن نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص الكلبي، تزوّجها عثمان بن عفّان، وكان أبوها نصرانيّا، فأمر ابنه ضبّا بتزويجها وحملها إليه بالمدينة، فلما أدخلت إليه قال لها: أتقومين إليّ أم أقوم إليك؟ قالت:
ما قطعت إليك عرض السماوة وأنا أريد أن أكلّفك طول البيت. فلما جلست بين يديه قال: لا يروعنّك هذا الشيب، قالت: أما إني من نسوة أحبّ أزواجهنّ إليهنّ الكهل السيّد، قال: حلّي إزارك، قالت: ذاك بك أحسن. فلما قتل أصابتها ضربة على يدها، وخطبها معاوية فردّته وقالت: ما يعجب الرجل مني؟
(3/29)

قالوا: ثناياك، فكسرت ثناياها وبعثت بها إلى معاوية، فكان ذلك مما رغّب قريشا في نكاح نساء كلب.
«46» - مرّ أبو بكر رضي الله عنه بجارية سوداء تطحن لمولاتها، فقالت له مولاتها: يا أبا بكر اشترها فإنها على دينك، فلما علم أنها مسلمة حكّم مولاتها فاشتراها على المكان، فدفع ثمنها وقال: قومي يا جارية، قالت: يا أبا بكر إنّ لها عليّ حقّا بقدم ملكها، فائذن لي أن أستتمّ طحينها، ففعل.
«47» - لما أحسّ مصعب بن الزبير بالقتل دفع إلى مولاه زياد فصّ ياقوت قام عليه بألف ألف، وقال له: انج بهذا، فأخذه ودقّه بين حجرين وقال: والله لا أنتفع به بعدك.
«48» - المتنبي: [من الطويل]
أقلّ اشتياقا أيّها القلب إنني ... رأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا
خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبّا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
[أشعار في الغدر]
«49» - وقال الرضيّ الموسويّ: [من الطويل]
ومولى يعاطيني الكؤوس تجمّلا ... وقد ودّ لو أنّ العقار نجيع
خبأت له ما بين جنبيّ فتكة ... دهته ويوم الغادرين شنيع
فلا كان مولى لا يدوم وفاؤه ... وإنّ وفاء في الزمان بديع
وبعض مقال القائلين تكذّب ... وبعض وداد الأقربين خدوع
«50» - وقال أيضا: [من الطويل]
(3/30)

وما صحبك الأدنون إلّا أباعد ... إذا قلّ مال أو نبت بك حال
ومن لي بخلّ أرتضيه وليت لي ... يمينا تعاطيها الوفاء شمال
«51» - وقال أيضا: [من الطويل]
أحنّ إلى من لا يحنّ صبابة ... وما واحد قلبا مشوق وشائق
وعندي من الأحباب كلّ عظيمة ... تزهّد في قرب الضجيع المعانق
فكم فيهم من واعد غير منجز ... وكم فيهم من قائل غير صادق
وفاء كأنبوب اليراع لصاحب ... وغدر كأطراف الرّماح الدّوالق
«52» - قال إسحاق الموصلي: كان لزلزل الضارب جارية قد ربّاها وعلّمها الضرب، وسأل إبراهيم فطارحها، وكانت مطبوعة حاذقة، قال: فكان يصونها أن يسمعها أحد، فلما مات بلغني أنها تعرض في ميراثه، فصرت إليها لأعترضها فغنّت: [من السريع]
أقفر من أو تاره العود ... والعود للأوتار معمود
فأوحش المزمار من صوته ... فما له بعدك تغريد
من للمزامير وعيدانها ... وعامر اللذّات مفقود
الخمر تبكي في أباريقها ... والقينة الخمصانة الرّود
قال: وهذا شعر رثاه به صديق له كان يألفه [1] ، قال: فأبكت والله عيني وأوجعت قلبي. فدخلت على الرشيد فحدثته بحديثها فأمر بإحضارها فأحضرت، فقال لها: غنّي الصوت الذي حدثني عنك أنك غنيّته، فغنّته وهي تبكي، فتغرغرت
__________
[1] الأغاني: بالرقة.
(3/31)

عينا الرشيد وقال لها: أتحبّين أن أشتريك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين لقد عرضت عليّ ما يقصّر عنه الأمل، ولكن ليس من الوفاء أن يملكني أحد بعد سيدي فينتفع بي، فازداد رقّة عليها وقال: غنّي صوتا آخر فغنّت: [من البسيط]
العين تظهر كتماني وتبديه ... والقلب يكتم ما ضمّنته فيه
فكيف ينكتم المكنون بينهما ... والعين تظهره والقلب يخفيه
فأمر بأن تبتاع وتعتق، ولم يزل يجري عليها الى ان مات.
[حكاية الضّيزن صاحب الحضر وبنته]
«53» - ويروى في أخبار العرب أنّ الضّيزن بن معاوية من قضاعة كان ملكا ما بين دجلة والفرات، وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالحضر حيال تكريت، وملك الجزيرة وبلغ ملكه الشام، فأغار فأصاب أختا لسابور ذي الأكتاف، وفتح مدينة بهرسير [1] وقتل فيهم. قالوا: ثم إنّ سابور ذا الأكتاف جمع لهم وسار إليهم، فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منهم إلى شيء، ثم إنّ النضيرة بنت الضّيزن عركت، أي حاضت، فأخرجت إلى الرّبض، وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقته وعشقها، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ قال: حكمك، وأرفعك على نسائي، وأخصّك بنفسي دونهنّ، قالت: عليك بحمامة مطوّقة ورقاء، فاكتب في رجلها بحيض جارية زرقاء، ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فتتداعى المدينة، وكان ذلك طلّسمها لا يهدمها إلا هو. ففعل وتأهّب لهم، وقالت: أنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم وادخل المدينة. ففعل، فتداعت المدينة وفتحها
__________
[1] بهرسير: قرب المدائن.
(3/32)

سابور عنوة، وقتل الضيزن يومئذ، وأباد بني العبيد قبيلته الدنيا، وأفنى قضاعة الذين كانوا معه، واحتمل النضيرة بنت الضيزن فأعرس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تتضوّر من حشيّة في فراشها، وهي من حرير محشوّة بالقزّ. فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس ملتصقة بعكنة من عكنها قد أثّرت فيها. قال:
وكان ينظر إلى مخّها من لين بشرتها. فقال لها سابور: ويحك بأيّ شيء كان أبوك يغذوك؟ [1] قالت: بالزبد والمخّ وشهد الأبكار من النحل وصفوة الخمر، فقال: وأبيك لأنا أحدث عهدا بمعرفتك وأوتر لك في أبيك الذي غذاك بما تذكرين. فكان عاقبة غدرها بأبيها وعشيرتها أنّ سابور غدر بها، فأمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطّعها قطعا.
[جزاء سنمار]
«54» وتقول العرب أيضا: جزاني جزاء سنمّار، وهو بنّاء غدر به النعمان ابن الشقيقة اللخمي، والشقيقة أمه، وهو الذي ساح وتنصّر. وكان من حديث غدره بسنمّار أنّ يزدجرد بن سابور كان لا يعيش له ولد، فسأل عن منزل صحيح مريء فدلّ على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا، وهو عامله على أرض العرب، وأمره أن يبني الخورنق مسكنا له ولا بنه، وينزله إيّاه، وأمره بإخراجه إلى وادي العرب. وكان الذي بنى الخورنق رجل يقال له سنمّار، فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله فقال: لو علمت أنكم توفّوني أجرتي وتصنعون بي ما أستحقّه لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث دارت، فقالوا:
وإنك لتبني ما هو أفضل منه ولم تبنه؟ ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق.
__________
[1] ر: يغذيك.
(3/33)

وروي أنه قال: إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هدم تداعى القصر أجمع، فقال: أم والله لا تدلّ عليه أبدا، فذلك قول أبي الطّمحان القيني: [من الطويل]
جزاء سنمار جزاها وربّها ... وباللّات والعزّى جزاء المكفّر
وقول سليط بن سعد: [من البسيط]
جزى بنوه أبا غيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار
وقول عبد العزيز بن امرىء القيس الكلبي: [من الطويل]
جزاني جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب
سوى رصّه البنيان عشرين حجة ... يعلّ عليها بالقراميد والسكب
«55» - قال رجل للمبرد: أسمعني فلان في نفسي [مكروها] فاحتملته، ثم أسمعني فيك فجعلتك أسوتي فاحتملته فقال: ليسا سواء، احتمالك في نفسك حلم وفي صديقك غدر.
«56» - ومن كلام أبي محمد المهلبي: قد لبست سملا من عهده، وشربت وشلا من ودّه.
[عمرو بن جرموز والزبير]
«57» - وممّن اشتهر بالغدر عمرو بن جرموز، غدر بالزبير بن العوام. وكان لما انصرف من حرب الجمل مرّ بناد من أندية البصرة ممسيا، فرآه الأحنف بن قيس، وكان قد اعتزل الحرب فقال: هذا الزبير بن العوام منصرفا، والله ما هو بجبان، فمن يأتينا بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز: أنا آتيكم بخبره، وركب
(3/34)

فرسه وأخذ سلاحه واتّبعه حتى أدركه بوادي السباع، وهو على سبعة أميال من البصرة، وقد نزل الزبير يصلّي، فلما دنا ابن جرموز قال له الزبير: وراءك.
فقال: إنما بعثني من ورائي لأسألك عمّا صنع القوم، فقال: تركتهم يضرب بعضهم وجه بعض بالسيف. قال ابن جرموز: فقلت في نفسي جاء هذا من الحجاز فضرب بعضنا ببعض، وألقى بيننا الشرّ ثم ينجو سالما؟! كلّا وربّ الكعبة. وأراد الزبير الصلاة فقال: إني أريد الصلاة فتأخّر عنّي أصلّ، فقال:
أنت آمن فصلّ. فلما افتتح الصلاة طعنه في جربّان درعه فقتله، فقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تحت الزبير: [من الكامل]
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرّد
يا عمرو لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعش السنان ولا اليد
[عضل والقارة]
«58» - ومن الغدر الشنيع ما فعلته عضل والقارة. قال قتادة: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إنّ فينا إسلاما وخيرا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقّهونا في الدين، ويقرئونا القرآن، ويعلّمونا شرائع الإسلام. فبعث معهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ستة نفر من أصحابه: مرثد بن أبي مرثد الغنويّ، وخالد بن البكر [1] حليف بني عديّ بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عديّ أخا بني جحجبا بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنّة أخا بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليفا لبني ظفر من بليّ، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد. فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لبني هذيل بناحية
__________
[1] خالد بن أبي البكير، في مغازي الواقدي: 355.
(3/35)

من الحجاز، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلا. فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلّا الرجال في أيديهم السيوف قد غشوا، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا: إنّا والله ما نريد قتالكم، ولكنّا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألّا نقتلكم. فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكر وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا. فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران. وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما إلى مكة فباعو هما، فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان حجير أخا الحارث بن عامر لأمّه، ليقتله بأبيه. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف. وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليحملوه إلى سراقة بنت سعد بن سهيل ليبيعوه منها، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه الخمر، فمنعته الدّبر، فلما حالت بينه وبينهم قالت: دعوه حتى نمسي فيذهب الدبر عنه فنأخذه، فبعث الله عزّ وجلّ الوادي فاحتمل عاصما فذهب به، وكان عاصم قد أعطى الله عهدا لا يمسّه مشرك أبدا ولا يمسّ مشركا في حياته، فمنعه الله تعالى بعد وفاته. وكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أنّ الدّبر منعته: عجبا لحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر لا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركا في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.
وروي أنّ خبيبا لما حصل عند بنات الحارث استعار من إحداهنّ موسى يستحدّ بها للقتل، فما راع المرأة لها صبيّ يدرج إلّا بخبيب قد أجلس الصبيّ على فخذه، والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتحسبين أني أقتله؟
(3/36)

إنّ الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة بعد: ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب، لقد رأيته وما بمكة من ثمرة وإنّ في يده لقطفا من عنب يأكله إن كان إلّا رزقا رزقه الله خبيبا. ولما خرج بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: ذروني أصلّ ركعتين، ثم قال: لولا أن يقال جزع لزدت، وما أبالي على أيّ شقّيّ كان مصرعي، وقال: [من الطويل]
وذلك في ذات الإله ولو يشا ... لبارك في أوصال شلو ممزّق
اللهم أحصهم عددا، وخذهم بددا، ولا تفلت منهم أحدا.
وأخبر عون بن أمية عن أبيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعثه وحده عينا إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوّف العيون، فرقيت إليها فحللت خبيبا فوقعت إلى الأرض، فاستدرت غير بعيد ثم إني التفتّ فلم أر لخبيب أثرا، فكأنما الأرض ابتلعته، فلم تذكر لخبيب رمّة حتى الساعة.
وبعث صفوان بن أمية مولى له يقال له نسطاس، فأخرج زيد بن الدّثنّة من الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل: أنشدك يا زيد أتحبّ أنّ محمدا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك الآن؟ قال: والله ما أحبّ أنّ محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه فتصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. قال، يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمد محمدا، ثم قتله نسطاس.
«59» - قال مسعود بن عبد الله الأسدي يحسّن الغدر: [من الكامل]
سائل بني يربوع إن لاقيتهم ... عن ضيفهم يخبرك منهم خابر
(3/37)

قالوا غدرت فقلت إنّ وربما ... نال العلى وشفى الغليل الغادر
«60» - وقال حرب بن جابر الحنفي: [من الطويل]
رأيت أبا القيّار للغدر آلفا ... وللجار وابن العمّ جمّا غوائله
وإنّ أبا القيار كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوما دما فهو آكله
«61» - وقال عارق الطائي [من الطويل]
غدرت بأمر أنت كنت دعوتنا ... إليه وشرّ شيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذا هو أمسى جلّه من دم الفصد
«62» - أغار حنتمة بن مالك الجعفيّ على حيّ من بني القين بن جسر، فاستاق منهم إبلا، فلحقوه ليستنقذوها منه، فلم يطمعوا فيه، ثم إنه ذكر يدا كانت لبعضهم عنده، فخلّى عما كان في يده وولّى منصرفا. فنادوه وقالوا: إنّ المفازة أمامك ولا ماء معك، وقد فعلت جميلا فانزل ولك الذمام والحباء، فنزل. فلما اطمأنّ واستمكنوا منه غدروا به فقتلوه، فقالت عمرة ابنته:
[من الطويل]
غدرتم بمن لو كان ساعة غدركم ... بكفّيه مفتوق الغرارين قاضب
لذادكم عنه بضرب كأنّه ... سهام المنايا كلهنّ صوائب
[بنو مفروق]
«63» - تلاحى بنو مفروق بن عمرو بن محارب وبنو جهم بن مرّة بن محارب على ماء لهم، فعلتهم بنو مفروق فظهرت عليهم، وكان في بني جهم شيخ له تجربة وسنّ، فلما رأى ظهورهم قال: يا بني مفروق، نحن بنو أب واحد فلم
(3/38)

نتفانى؟ هلمّوا إلى الصّلح ولكم عهد الله وذمة آبائنا أن لا نهيجكم أبدا، ولا نزاحمكم في هذا الماء؛ فأجابتهم بنو مفروق إلى ذلك، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح عدا عليهم بنو جهم فنالوا منهم منالا عظيما، وقتلوا جماعة من أشرافهم، فقال أبيّ بن ظفر المحاربي في ذلك: [من البسيط]
هلا غدرتم بمفروق وأسرته ... والبيض مصلتة والحرب تستعر
لما اطمأنوا وشاموا من سيوفهم ... ثرتم إليهم وغبّ الغدر مشتهر
غررتموهم بأيمان موكّدة ... والورد من بعده للغادر الصّدر
[الوفاء في النساء]
«64» - تزوج عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو أمّ هشام بنت عبد الله بن عمر ابن الخطاب، وكانت من أجمل نساء قريش، وكان يجد بها وجدا شديدا.
فمرض مرضته التي هلك فيها، فجعل يديم النظر إليها وهي عند رأسه، فقالت له: إنك تنظر إليّ نظر رجل له حاجة، قال: اي والله، إنّ لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان عليّ ما أنا فيه، قالت: وما هي؟ قال: أخاف أن تتزوجي بعدي، قالت: فما يرضيك من ذلك؟ قال: أن توثّقي لي بالأيمان المغلّظة، فحلفت له بكلّ يمين سكنت إليها نفسه، ثم هلك. فلما انقضت [1] عدّتها خطبها عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فأرسلت إليه: ما أراك إلّا وقد بلغتك يميني، فأرسل إليها: لك مكان كلّ عبد وأمة عبدان وأمتان، ومكان كلّ علق علقان، ومكان كلّ شيء ضعفه، فتزوّجته فدخل عليها بطّال بالمدينة، وقيل بل كان رجلا من مشيخة قريش مغفّلا، فلما رآها مع عمر جالسة قال: [من الطويل]
__________
[1] الأغاني: قضت.
(3/39)

تبدّلت بعد الخيزران جريدة ... وبعد ثياب الخزّ أحلام نائم
فقال عمر: ويحك، جعلتني جريدة وأحلام نائم؟! فقالت أمّ هشام: ليس كما قلت، ولكن كما قال أرطأة بن سهيّة: [من الطويل]
وكائن ترى من ذات شجو وعولة ... بكت شجوها بعد الحنين المرجّع
وكانت كذات البوّ لما تعطّفت ... على قطع من شلوه المتمزّع
متى لا تجده تنصرف لطياتها ... من الأرض أو تعمد لإلف فتربع [1]
[عن الدهر فاصفح إنه غير معتب ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع]
«65» - لما قدّم هدبة بن الخشرم للقتل قودا قالت زوجته: إنّ لهدبة عندي وديعة، وذلك بحضرة مروان بن الحكم، فأمهله حتى آتيك بها فقال: أسرعي فإنّ الناس قد كثروا، وكان جلس لهم بارزا عن داره، فمضت إلى السوق فانتهت إلى قصّاب فقالت: أعطني شفرتك، وخذ هذين الدرهمين، وأنا أردّها عليك، فقرّبت من حائط وأرسلت ملحفتها على وجهها ثم جدعت أنفها من أصله وقطعت شفتيها وردّت الشفرة، ثم أقبلت حتى دخلت بين الناس فقالت:
أتراني يا هدبة متزوّجة بعد ما ترى؟ فقال: لا، الآن طابت نفسي بالموت، وخرج يرسف في قيوده، فإذا هو بأبويه يتوقّعان الثّكل، فهما بسوء حال، فأقبل عليهما وقال: [من الرمل]
أبلياني اليوم صبرا منكما ... إنّ حزنا إن بدا بادىء شرّ
__________
[1] بعد هذا في مخطوطة ع: تم الجزء الرابع، يتلوه إن شاء الله في الخامس: لما قدم هدبة بن الخشرم للقتل قودا. بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي.
(3/40)

لا أرى ذا اليوم إلّا هيّنا [1] ... إنّ بعد الموت دار المستقرّ
اصبرا اليوم فإني صابر ... كلّ حيّ لقضاء وقدر
وقد روي أنها تزوجت بعده على تشويه خلقتها ولم تدم على وفائها.
«66» - كان للنمر بن تولب العكلي أخ يقال له الحارث بن تولب، وكان سيّدا معظما. فأغار الحارث على بني أسد فسبى امرأة منهم يقال لها جمرة [2] بنت نوفل، فوهبها لأخيه النمر، ففركته فحبسها حتى استقرّت، وولدت له أولادا.
ثم قالت له في بعض أيامها: أزرني أهلي فإني قد اشتقت إليهم، فقال لها: إني أخاف إن صرت إلى أهلك أن تغلبيني على نفسك، فواثقته لترجعنّ إليه. فخرج بها في الشهر الحرام حتى أقدمها بلاد بني أسد، فلما أطلّ على الحيّ تركته واقفا وانصرفت إلى منزل بعلها الأول، فمكث [3] طويلا فلم ترجع إليه، فعرف ما صنعت وأنها اختدعته، فانصرف وقال: [من الطويل]
جزى الله عنّا جمرة ابنة نوفل ... جزاء مغلّ بالأمانة كاذب
لهان عليها أمس موقف راكب ... إلى جانب السّرحان أخيب خائب
وقد سألت عنّي الوشاة ليكذبوا ... عليّ وقد أبليتها في النّوائب
وصدّت كأنّ الشمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب
«67» - ومن أخبار العرب ما رواه أبو عبيدة أنّ رجلا خرج إلى جبّانة بلده مع
__________
[1] الأغاني: لا أراني اليوم إلا ميتا.
[2] الأغاني: حمزة.
[3] الأغاني: فمكثت.
(3/41)

أخيه وجار له ينتظرون الرفاق، وتبعه كلب له فضربه ورماه بحجر فلم ينته، فلما قعد ربض بين يديه، وجاء عدوّ له يطلبه بطائلة، فجرح جراحات وطرح في بئر قريبة القعر وحثي عليه التراب، وقد فرّ أخوه وجاره، والكلب ينبح حوله، ثم أتاه عند انصراف العدوّ فكشف التراب عن رأسه حتى تنفّس، ومرّ ناس فاستشالوه وأدّوه إلى أهله، وسمي الموضع بئر الكلب، وقيل فيه: [من الطويل]
يعرّد عنه جاره وشقيقه ... وينبش عنه كلبه وهو ضاربه
[وفاء كلب]
«68» - ويحكون في ضدّه أنّ قوما خرجوا للصيد فطردوا ضبعا حتى ألجأوها إلى خباء أعرابيّ، فأجارها وجعل يطعمها، فبينما هو نائم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه ومرّت، وجاء ابن عمّ له يطلبه، فإذا هو بقير، فتبعها حتى قتلها وقال:
[من الطويل]
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير امّ عامر
أعدّ لها لما استجارت ببيته ... أحاليب ألبان اللقاح الدرائر
وأسمنها حتى إذا ما تمكّنت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف على غير شاكر
(3/42)

نوادر من هذا الباب
«69» - دخل ابن أبي زهير المديني الحمام فرأى رجلا منعظا، فقال: ما شأن هذا؟ قال: ذكر صديقا له بالعراق، فقال: إيذن لي في تقبيله فقد انقطع الوفاء [1] إلّا منه.
«70» - قال المنصور لعامل بلغته عنه خيانة: يا عدوّ الله وعدوّ أمير المؤمنين، أكلت مال الله؟ قال: يا أمير المؤمنين نحن عيال الله، وأنت خليفة الله، والمال مال الله، فمال من نأكل إذن؟ فضحك وقال: خلّوه ولا تولّوه.
«71» - أمر الإسكندر بصلب سارق فقال: أيّها الملك، إني فعلت ما فعلت وأنا كاره، قال: وتصلب وأنت أيضا للصلب كاره.

- وسرق مدنيّ قميصا فأعطاه ابنه ليبيعه، فسرق منه، فجاء إلى أبيه فقال له: بكم بعته؟ قال: برأس المال.
«73» - كان لمروان بن الحكم غلام قد وكله بأمواله، فقال له يوما: أظنّك
__________
[1] البصائر: الرجاء.
(3/43)

تخونني، فقال: قد يخطىء الظنّ، اتخذتني في مدرعة صوف ولم أملك قيراطا وأنا اليوم أتصرّف في ألوف وأتبختر في الخزوز. إني أخونك، وأنت تخون معاوية، ومعاوية يخون الله ورسوله.
نجز الباب السابع من التذكرة بعون من الله وحسن رعاية.
يتلوه إن شاء الله تعالى الباب الثامن:
في الصدق والكذب ويتصل به فصل في العهود والمواثيق وأقسام العرب.
(3/44)

الباب الثّامن في الصّدق والكذب ويتّصل به فصل في العهود والمواثيق وأقسام العرب
(3/45)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الواجب شكره وحمده، الصادق قوله ووعده، الوفيّ ميثاقه الخفيّ برّه ورفده، الذي جعل الصدق منجاة لقائليه، والإفك مرداة لمؤتفكيه، أمر باجتناب الزّور، ونهى عن اتّباع الغرور، وندب إلى حفظ المواثيق والعهود، فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)
(المائدة: 1) وابتعث من أكرم محتد وأطيب مولد رسولا صادقا في المقالة، صادعا بالرسالة، ما كذب فؤاده ما رأى، ولا نطق عن الهوى، وأيّده من صحبه بالصادقين قولا وفعلا، والمخلصين سرّا وجهرا، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وكلّ منهم قضى نحبه مؤدّيا حقّه إليه.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا نبيّه ورسوله، وعبده وخليله، شهادة أدّخرها ليوم المعاد، وأجعلها العدّة فيه والزاد، يوم ينفع الصادقين صدقهم، ويؤدّى جزاؤهم عما قدّموه وحقّهم.
(3/47)

[آيات وأحاديث وأقوال في الصدق]
(الباب الثامن في الصدق والكذب (ويتصل به فصل من العهود والمواثيق وأقسام العرب)) 74- قال الله عزّ وجلّ مبشّرا للصادقين (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)
(المائدة: 119) وقال عزّ وجلّ (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)
(الأحزاب: 35) وقال تعالى في الكاذبين (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ)
(البقرة: 10) وإن كان أراد الكذب عليه سبحانه في آي كثير من القرآن: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)
(الجاثية: 7) (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ)
(النحل: 105) وفي شهادة الزور والكذب (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا)
(الإسراء: 36) .
«75» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنّ الطير يوم القيامة لتضرب بمناقيرها، وتقذف بما في حواصلها، وتحرّك أذنابها، من هول يوم القيامة، وما يكلّم شاهد الزور ولا تقرّ قدماه في الأرض حتى يقذف به في النار.
(3/48)

«76» - وقال صلّى الله عليه وسلم: إياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار. وتحرّوا الصدق فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ والبرّ يهدي إلى الجنة.
«77» - روي أنّ رجلا أتى النبي صلّى الله عليه وعلى آله فأسلم ثم قال: يا رسول الله إنّما أوخذ من الذنوب بما ظهر، وأنا أستسرّ بخلال أربع: الزنا والسّرق وشرب الخمر والكذب، فأيهنّ أحببت تركت لك سرّا. قال: دع الكذب. فلما تولّى من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم همّ بالزنا فقال: يسألني رسول الله فإن جحدت نقضت ما جعلت له، وإن أقررت حددت؛ فلم يزن، ثم همّ بالسرق، ثم بشرب الخمر فتفكّر في مثل ذلك فرجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله قد تركتهنّ جمع.
«78» - ومن كلام لعليّ بن أبي طالب عليه السلام: علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك.
«79» - وقال عمر رضي الله عنه: عليك بالصدق وإن قتلك.
«80» - وقيل: ما السيف الصارم في كفّ الشجاع بأعزّ له من الصّدق.
«81» - وقيل: الصدق زين إلّا أن يكون سعاية فإنّ الساعي أخبث ما يكون إذا صدق.
(3/49)

«82» - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
«83» - قال الأصمعيّ: كان ربعيّ بن خراش لم يكذب قطّ، فأقبل ابنان له من خراسان من عند قتيبة وقد أخلّا بمركز هما فباتا عنده، فسعي بهما، فدعا به عامل البصرة فقال: أين ابناك؟ قال: تركتهما في المنزل قال: هما لك.
«84» - لما نصب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبّة حمراء وجعل الناس يسلّمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين اعلم انك لو لم تولّ هذا أمور المسلمين لأضعتها، والأحنف جالس، فقال معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال:
أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت. فقال: جزاك الله عن الطاعة خيرا؛ وأمر له بألوف.
فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب فقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أنّ شرّ ما خلق الله تعالى هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع في استخراجها إلّا بما سمعت. قال له الأحنف: يا هذا أمسك، فإنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها.
«85» - قال رجل لعبد الملك بن مروان: إني أريد أن أسرّ إليك شيئا، فقال له عبد الملك: قف، لا تمدحني فإني أعلم بنفسي، ولا تكذبني فإنّه لا رأي لمكذوب، ولا تغتب عندي أحدا. فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن في الانصراف؟
قال: إذا شئت.
(3/50)

«86» - روي أنّ الحجّاج جلس لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقام رجل منهم: فقال: أصلح الله الأمير، إنّ لي عليك حقّا قال:
وما حقّك؟ قال: سبّك عبد الرحمن يوما فرددت عليه، فقال: من يعلم ذلك؟
قال: أنشد الله رجلا سمع ذلك إلّا شهد به. فقام رجل من الأسراء فقال: قد كان ذاك أيها الأمير، قال: خلّوا عنه. ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر؟ قال: لقديم بغضي إياك، قال: وليخلّ عنه لصدقه.
87- كتب عمر بن عبد العزيز في إشخاص إياس بن معاوية المزني وعديّ ابن أرطأة الفزاري، أمير البصرة وقاضيها يومئذ، فصار إليه عديّ فقرب أن يثني عليه عند الخليفة فقال: يا أبا وائلة إنّ لنا حقّا ورحما، فقال إياس: أعلى الكذب تريدني؟! والله ما يسرّني أن كذبت كذبة يغفرها الله لي ولا يطّلع عليها إلا هذا- وأومأ إلى ابنه- ولي ما طلعت عليه الشمس.
«88» - امتدح ابن ميادة جعفر بن سليمان فأمر له بمائة ناقة فقبّل يده وقال:
والله ما قبّلت يد قرشيّ غيرك إلا واحدا فقال: أهو المنصور؟ قال: لا والله قال:
فمن هو؟ قال: الوليد بن يزيد. فغضب، فقال: والله ما قبّلتها لله، ولكن قبّلتها لنفسي فقال: والله لا ضرّك الصدق عندي، أعطوه مائة ناقة أخرى.
«89» - استشهد ابن الفرات في أيام وزارته عليّ بن عيسى فلم يشهد له وكتب إليه لما عاد إلى بيته: لا تلمني على نكوصي عن نصرتك بشهادة زور، فإنه لا اتفاق على نفاق، ولا وفاء لذي مين واختلاق، وأحر بمن تعدّى الحقّ في مسرّتك إذا رضي، أن يتعدّى إلى الباطل في مساءتك إذا غضب.
«90» - قيل: أيّ الصدقين السكوت عنه أمثل؟ قيل تزكية المرء نفسه.
(3/51)

«91» - وقيل: إنّ الكذب يحمد إذا قرّب بين المتقاطعين، ويذمّ الصدق إذا كان غيبة.
«92» - وقد رفع الحرج عن الكاذب في الحرب، والمصلح بين المرء وزوجه.
«93» - وكان المهلّب في حرب الخوارج يكذب لأصحابه، يقوّي بذاك جأشهم، فإذا رأوه مقبلا إليهم قالوا: قد جاءنا يكذب.
94- وقيل: خصلتان لا تفارقان صاحبهما: الأبنة والكذب.
«95» - وقال يحيى بن خالد: رأيت شرّيب خمر نزع، ولصّا أقلع، وصاحب فواحش راجع، ولم نر كذّابا قطّ صار صادقا.
96- وقالوا: لا تجعل رسولك كذّابا فإنه إن كذبك أو رطك، وإن صدقك حيّرك.
«97» - قال أبو عمرو ابن العلاء: ساد عتبة بن ربيعة وكان مملقا، وساد أبو جهل وكان حدثا، وساد أبو سفيان وكان بخّالا، وساد عامر بن الطفيل وكان عاهرا، وساد كليب وائل وكان ظلوما، وساد عيينة وكان محمّقا، ولم يسد قطّ كذاب. فصلح السؤدد مع الفقر والحداثة والبخل والعهر والظلم والحمق، ولم يصلح مع الكذب، لأنّ الكذب يعمّ الأخلاق كلّها بالفساد.
(3/52)

«98» - قال الجاحظ: قلت لروح بن الطائفية: رأيت من يكذب فيما يضرّ وينفع، ولم أر من يكذب فيما لا يضرّ ولا ينفع غيرك، فقال: يا أبا عثمان، لا يكون الكذّاب عندنا كذّابا حتى يكذب فيما لا يضرّه ولا ينفعه.
«99» - قيل لكذاب بما تغلب الناس؟ قال: أبهت بالكذاب وأستشهد بالموتى.
100- قال الأصمعي: عذلت كذابا في الكذب فقال: والله إني لأسمعه من غيري فيدار بي من شهوته.
101- من كلام سهل بن هارون: إنّ زخرف الكلام لا يثبّت زلل الأقدام، وللصدق آثار في القلوب لا تعفّيها عواصف رياح الكذوب.
«102» - وللعرب أقوال منكرة، فمن ذاك قول رجل من آل الحارث بن ظالم: والله لقد غضب الحارث يوما فانتفخ في ثوبه، فبدر من عنقه أربعة أزرار، ففقأت أربعة أعين من عيون جلسائه.
وتزعم الرواة أنّ عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب قال لابني الجون الكنديين: إنّ لي عليكما حقّا لرحلتي ووفادتي، فدعاني أنذر قومي من موضعي، فقالا: شأنك، فصرخ بقومه فأسمعهم على مسيرة ليلة.
ويقولون إنّ أبا عروة السبّاع كان يصيح على السبع فيفتق مرارته في جوفه.
ويقولون في خبر لقمان بن عاد: إنّ جارية له سئلت عما بقي من بصره لدخوله في السنّ، فقالت: لقد ضعف بصره، ولقد بقيت منه بقيّة، إنه ليفصل
(3/53)

بين أثر الأنثى والذكر من الذرّ إذا دبّ على الصفا.
[عمرو بن معديكرب والكذب]
«103» - وكان عمرو بن معدي كرب مشهورا بالكذب. وكان أهل الكوفة الأشراف يظهرون بالكناسة فيتحدّثون على دوابّهم إلى أن تطردهم الشمس.
فوقف عمرو بن معدي كرب وخالد بن الصّقعب النهديّ، وأقبل عمرو يحدّثه فقال: أغرنا على بني نهد فخرجوا مسترعفين [1] بخالد بن الصقعب، فحملت عليه فأذريته، ثم ملت إليه بالصمصامة فأخذت رأسه، فقال خالد: حلّا أبا ثور، إنّ قتيلك هو المحدّث. فقال يا هذا إذا حدّثت فاستمع، فإنما نتحدّث بمثل هذا لنرهب به هذه المعديّة.
«104» - وقيل لخلف الأحمر، وكان شديد التعصب لليمن: أكان عمرو بن معدي كرب يكذب؟ فقال: كان يكذب في المقال، ويصدق في الفعال.
«105» - وسئل أبو عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب فقال: إنّ العجم تكذب فتقول: كان رجل نصفه من نحاس ونصفه من رصاص، فتعارضها العرب بهذا وشبهه.
[تكاذب الأعراب]
«106» - قال المبرد: تكاذب أعرابيّان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس فإذا بظلمة شديدة فيمّمتها حتى وصلت إليها فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل عليها بفرسي حتى أنبهتها فانجابت. فقال الآخر: لقد رميت ظبية مرة بسهم فعدل الظبي يمنة فعدل السهم خلفه، ثم تياسر فتياسر
__________
[1] مسترعفين: متقدمين.
(3/54)

السهم، ثم علا الظبي فعلا السهم، ثم انحدر فأخذه.
«107» - وذكروا أنّ رجلا نظر إلى ظبية فقال له أعرابيّ: أتحبّ أن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فأعطني أربعة دراهم حتى أردّها إليك، ففعل، فخرج يمحص في أثرها فجدّت وجدّ حتى أخذ بقرنيها فجاء بها وهو يقول:
[من الرجز]
وهي على البعد تلوّي خدّها ... تريغ شدّي وأريغ شدّها
كيف ترى عدو غلام ردّها
«108» - قال العتبيّ: أنا أصدق في صغير ما يضرّني، ليجوز كذبي في كبير ما ينفعني.
«109» - قال الجاحظ: قلت لخباب [1] إنك لتكذب في الحديث، قال: وما عليك إذا كان الذي أزيد فيه أحسن منه؟ فو الله ما ينفعك صدقه ولا يضرّك كذبه، وما يدور الأمر إلا على لفظ جيد ومعنى حسن. لكنك والله لو أردت ذلك لتلجلج لسانك وذهب كلامك.
[حماد الراوية والمفضل عند المهدي]
«110» - روي أنه اجتمع بدار المهديّ بعيساباذ عالم من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا بالمفضّل الضبيّ الراوية فدخل، فمكث مليّا ثم خرج ذلك الرجل بعينه فدعا بحماد الراوية، فمكث مليّا ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضّل جميعا، وقد بان في
__________
[1] المحاضرات: لحيان.
(3/55)

وجه حماد الانكسار والغمّ، وفي وجه المفضّل السرور والنشاط. ثم خرج الحسين الخادم معهما فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إنّ أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس فيها، ووصل المفضّل بخمسين ألف درهم لصدقه وصحّة روايته. فمن أراد أن يسمع شعرا محدثا جيّدا فليسمع من حمّاد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضّل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أنّ المهديّ قال للمفضّل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال: دع ذا وعدّ القول في هرم، ولم يتقدّم [له] قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضّل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلّا أنّي توهّمته كان [يفكر] في قول يقوله أو يروّي في أن يقول شعرا، فعدل عنه إلى مدح هرم [وقال] : دع ذا، أو كان مفكرا في شيء من شأنه فتركه وقال: دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر وعدّ القول في هرم. ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ فأنشده: [من الكامل المرفّل]
لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجج ومن عشر [1]
قفر بمندفع النجائب [2] من ... ضفوى أولات الضال والسدر
دع ذا وعدّ القول في هرم ... خير الكهول وسيد الحضر
قال: فأطرق المهديّ ساعة ثم أقبل على حماد فقال: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بدّ من استحلافك عليه، ثم أحلفه بأيمان البيعة وكلّ يمين محرجة ليصدقنّه عن كلّ ما يسأله عنه، فلما توثّق منه قال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير، فأقّر له حينئذ أنه قالها، فأمر فيه وفي
__________
[1] الأغاني: ومذ دهر.
[2] الأغاني: النحائث.
(3/56)

المفضل بما أمر من شهر [1] أمرهما وكشفه.
«111» - عبد الصمد بن المعذل في صديق له كان معروفا بالكذب:
[من المنسرح]
لي صاحب في حديثه البركه ... يزيد عند السكون والحركه
لو قال لا في قليل أحرفها ... لردّها بالحروف مشتركه [2]
[نماذج من الكذابين]
«112» - لما أراد المنصور البيعة لابنه المهدي أمر بإحضار الناس، وقامت الخطباء فتكلّمت، وقالت الشعراء فأكثرت [3] في وصف المهديّ وفضائله، وفيهم مطيع بن إياس، فلما فرغ من كلامه في الخطباء وإنشاده في الشعراء قال للمنصور: يا أمير المؤمنين حّدّثنا فلان بن فلان أنّ النبي صلّى الله عليه وعلى آله قال: المهديّ منّا محمد بن عبد الله، وأمّه من غيرنا، يملؤها عدلا كما ملئت جورا، وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك. ثم أقبل على العباس فقال: أنشدك الله أسمعت هذا؟ فخاف من المنصور فقال: نعم، فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهديّ. قال: ولما انقضى المجلس قال العباس بن محمد لمن يأنس به: أرأيتم هذا الزنديق، لم يرض أن كذب على الله عزّ وجلّ ورسوله عليه السلام حتى استشهدني على كذبه، فشهدت له خوفا وشهد كلّ من حضر عليّ بأنّي كاذب.
__________
[1] الأغاني: شهرة.
[2] الأغاني: مشتبكة.
[3] الأغاني: فتكلموا ... فأكثروا.
(3/57)

«113» - قال إسحاق: دخلت على الفضل بن الربيع وقد بلغ الرشيد إطلاقه يحيى بن عبد الله بن الحسن، وقد كان أمر بقتله فلم يظهر له أنه قتله، وسأله عن خبره هل قتله؟ فقال: لا، قال: فأين هو؟ قال: أطلقته. قال: ولم؟ قال:
لأنه سألني بحقّ الله ورسوله وقرابته منه ومنك، وحلف لي أنّه لا يحدث حدثا وأنه يجيئني متى طلبته، فأطرق ساعة ثم قال: امض بنفسك في طلبه حتى تجيئني به واخرج الساعة، فخرج.
قال: فدخلت عليه مهنّئا بالسلامة، فقلت له: ما رأيت أثبت من جأشك، ولا أصحّ من رأيك فيما جرى، وأنت والله كما قال أشجع، ويروى أيضا لسلم الخاسر: [من الوافر]
بديهته وفكرته سواء ... إذا ما نابه الخطب الكبير
وأحزم ما يكون الدهر رأيا ... إذا عيّ المشاور والمشير
وصدر فيه للهمّ اتساع ... إذا ضاقت عن الهمّ الصدور
فكانت نجاة الفضل في صدقه.
«114» - وقد روي أنّ يعقوب بن داود كذب المهديّ في مثل هذه القصة، فكان سبب فساد حاله معه، وكان بلغ به الغاية، وله أمناء في البلاد، فكان لا ينفذ للمهديّ توقيع حتى يكون معه كتاب من يعقوب إلى أمينه في ذلك البلد.
ثم اتهمه المهديّ بميله إلى العلوية، وأراد اختباره، فدعا به يوما وهو في مجلس أنسه، وعلى رأسه جارية حسناء، فقال له: كيف ترى مجلسنا؟ قال: على غاية الحسن، يمتع [1] الله أمير المؤمنين به. فقال له: جميع ما فيه لك، وهذه الجارية
__________
[1] الجهشياري: فمتع.
(3/58)

لك ليتمّ سرورك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم تصرفها [1] في بعض شأنك.
فدعا له بما يحبّ، وقال له: لي إليك حاجة، فقام قائما وقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا القول إلا لموجدة، وقال: أنا أستعيذ بالله من سخطك، فقال: أحبّ أن تضمن قضاءها، فقال له: السمع والطاعة. فأحلفه المهديّ، فلما استوثق منه قال له: هذا فلان بن فلان- رجل من العلوية- أحبّ أن تكفيني مؤونته وتريحني منه، فخذه إليك. فحوّله إليه وحوّل [2] الجارية وما كان في المجلس والمال، وأحضر العلويّ فوجده لبيبا فهما تقيّا فقال له: ويحك يا يعقوب، تلقى الله بدمي وأنا من ولد فاطمة بنت محمد صلّى الله عليه وسلم، فقال له يعقوب: يا هذا فيك خير؟ فقال له: إن فعلت فيّ خيرا شكرت ودعوت لك واستغفرت، فقال له:
خذ هذا المال وخذ أيّ طريق شئت، فقال: طريق كذا وكذا آمن لي، فقال له:
امض مصاحبا. وسمعت الجارية الكلام كلّه فأرسلت به إلى المهديّ، فشحن الطريق حتى ظفر بالرجل وبالمال، ثم وجّه إلى يعقوب فأحضره وسأله عن الرجل فقال: قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قال: نعم، قال: آلله، قال: والله، قال: فضع يدك على رأسي ففعل، وحلف له به أنّه مات. فقال: يا غلام أخرج إلينا من في هذا البيت، ففتح بابه عن العلويّ والمال، فتحير يعقوب وامتنع عليه الكلام، فقال له المهديّ: لقد حلّ لي دمك، وحبسه في مطبق، وطوى خبره عن كلّ أحد حتى أخرجه الرشيد بعد صدر من ولايته وقد عمي.
«115» - قيل: كان يزيد بن أسد أكذب الناس، معروفا بذلك، وكان يسمّى خطيب الشيطان، ونشأ ابنه عبد الله فسلك منهاجه في الكذب، ثم نشأ
__________
[1] الجهشياري: ففرقها.
[2] الجهشياري: وحمل.
(3/59)

ابنه خالد بن عبد الله ففاق الجماعة في الكذب، إلّا أنّ الولاية [1] وسخاء كان فيه سترا بعض أمره. فقال عمرو بن يزيد [2] : فإني لجالس على باب هشام بن عبد الملك إذ قدم إسماعيل بن عبد الله أخو خالد بخبر المغيرة بن سعيد وخروجه بالكوفة، وجعل يأتي بأحاديث أنكرها، فقلت له: من أنت يا ابن أخي؟ فقال:
إسماعيل بن عبد الله بن يزيد القسريّ، فقلت له: أنكرت ما جرى حتى عرفت نسبك، فجعل يضحك.
«116» - وقال ابن الكلبي: أول كذبة كذبتها في النّسب أنّ خالد بن عبد الله سألني عن جدّته أمّ كرز، وكانت أمة بغيا لبني أسد يقال لها زرنب، فقلت: هي زينب بنت عرعرة بن جذيمة بن نصر بن قعين، فسرّ بذلك ووصلني. قال: ثم قال خالد ذات يوم لمحمد بن منظور الأسدي: يا أبا الصباح قد ولدتمونا، قال:
ما أعرف فينا ولادة لكم، إنّ هذا لكذب. فقيل: لو أقررت للأمير بولادة ما ضرّك، قال: أفسد وأستليط [3] من ليس منّي، وأقرّ بالكذب على قومي!! «117» - روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله سأل عمرو بن الأهتم عن الزّبرقان بن بدر فقال: مانع في حوزته، مطاع في أدنيه [شديد] العارضة.
فقال الزبرقان: أمّا إنّه قد علم أكثر، ولكنه حسدني شرفي. فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فو الله ما علمته إلّا ضيّق العطن، زمر المروءة، لئيم الخال، أحمق الوالد، حديث الغنى. فلما رأى الإنكار في وجه رسول الله صلّى الله عليه وعلى
__________
[1] الأغاني: الرياسة.
[2] الأغاني: زيد.
[3] أي أستلحق بالنسب.
(3/60)

آله قال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى. فقال صلّى الله عليه وسلم عند ذلك: إنّ من البيان لسحرا.
[أقوال في الصدق والكذب]
«118» - قال قائل: رأيت أرسطاطاليس في النوم فقلت: أيّ الكلام أحسن؟
فقال ما صدق قائله. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما استحسنه سامعه، قلت: ثم ماذا؟ قال: كلّ كلام جاوز هذا فهو ونهيق الحمار بمنزلة.
«119» - ويقال: الصدق أفضل من الكذب إلا في السعاية، والعزة أفضل من الذلّ إلا في الاعتداء، والأناة أنجح من العجلة إلّا في التقوى، والشجاعة أفضل من الجبن إلّا في أمر الله عزّ وجلّ، والأمن أفضل من الخوف إلا من مكر الله عزّ وجل، والراحة أفضل من التعب إلّا في طاعة الله عزّ وجلّ، والحلم أفضل من الجهل إلا عن من يعصي الله عزّ وجل، والجود أفضل من البخل إلّا في بذل الدين والعرض.
119 ب- ويقال: الكذب مفتاح كلّ كبيرة، والخمر جماع كلّ شرّ.
«120» - وقيل: لا تأمن من يكذب لك أن يكذب عليك.
121- ويقال: الكذاب محلّ كلّ تهمة.
«122» - وقيل: الأذلّاء أربعة: النمام والكذاب والمديون والفقير.
123- وقال بعض العلماء: الأناة قبل الرأي، والصدق توفيق المنطق.
«124» - وقال حكيم: الصدق أزين حلية، والمعروف أربح تجارة، والشكر أدوم نعمة.
(3/61)

«125» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما، وكفى بك كذبا أن لا تزال محدّثا في غير ذات الله عزّ وجلّ.
«126» - وروي عنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: ليس بكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا. وأنه صلّى الله عليه وعلى آله قال: يا أيّها الناس ما يحملكم على أن تتايعوا في الكذب كما يتتايع الفراش في النار. كلّ الكذب يكتب على ابن آدم إلّا في ثلاثة: رجل يكذب رجلا في إصلاح بين اثنين، أو يكذب امرأته، أو يكذب في خدعة حرب. إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب.
«127» - وقال ابن سيرين: الكلام أوسع من أن يصرّح بالكذب [من الظريف] «128» - قال المنصور لهشام بن عروة: يا أبا المنذر تذكر يوم دخلت عليك وإخوتي مع أبي الخلائف- يعني أباه- وأنت تشرب سويقا بقصبة يراع، فلما خرجنا قال لنا أبونا: اعرفوا لهذا الشيخ حقّه فإنه لا يزال في قومكم خير ما بقي، قال: لا أذكر ذلك يا أمير المؤمنين. فلامه بعض أهله وقالوا: يذكرك أمير المؤمنين بما يمتّ به إليك، فتقول لا أذكره؟ فقال: لم أذكر ذلك، ولم يعوّضني الله من الصدق إلّا خيرا.
[مواقف لعمر وبلال والمأمون]
«129» - مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعجوز تبيع اللبن في سوق الليل فقال لها: يا عجوز، ألم أعهد إليك لا تشوبي لبنك بالماء؟ فقالت: والله ما فعلت
(3/62)

يا أمير المؤمنين، فتكلمت بنت لها من داخل الخباء فقالت: يا أمّه أغشّا وخشّا [1] جمعت على نفسك؟ فسمعها عمر فأعجبته، فالتفت إلى ولده فقال: أيّكم يتزوّجها فلعلّ الله أن يخرج منها نسمة طيّبة؟ فقال له ابنه عاصم: أنا أتزوّجها يا أمير المؤمنين، فزوّجها منه، فأولدها أمّ عاصم، تزوّجها عبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز.
«130» - روي أنّ بلالا لم يكذب منذ أسلم، فبلغ ذلك بعض من يحسده فأراد أن يعنته فقال: اليوم أكذبه، فسارّه فقال: يا بلال ما سنّ فرسك؟ قال:
عظم، قال: فما جريه؟ قال: يحضر ما استطاع، قال: فأين تنزل؟ قال:
حيث أضع قدمي، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن أبي وأمي، قال: فكم أتى عليك؟ قال: ليال وأيام الله يعلم عددها. فقال: هيهات، أعيت فيك حيلتي، ما أتعنّت بعد اليوم أبدا.
131- روي أنّ المأمون أمر الكتّاب أن يعملوا لعمرو بن مسعدة عملا بما يلزمه من المال عن أعمال السواد التي كان يتقلّدها، فعملوا له عملا بثمانية وعشرين ألف ألف درهم. فأمرهم المأمون بإعادة النظر فيه وإسقاط كلّ ما كان فيه تأويل أو حجّة، وتقريره على ما لا يدفع ولا يحتجّ بإبطال شيء منه.
وقرر الجميع على اثنين وعشرين ألف ألف درهم، ولم يكن له في شيء منها شبهة فضلا عن حجّة. فدعا به المأمون وقال له: ما تقول في هذا المال يا عمرو؟ قال: هو صحيح وعندي منه ثمانية عشر ألف ألف درهم، وتخرّمت مؤونتي أربعة آلاف ألف درهم، فقال: ليحمل إليك من بيت المال أربعة آلاف ألف درهم مكان ما تخرّمت مؤونتك، وبارك الله لك في الجميع
__________
[1] وخشا: هكذا في النسخ؛ ولعل صوابه: وخسّا أي خساسة.
(3/63)

جزاء على صدقك. فحمل إليه المال فكان بأخصّ منزلة عنده.
«132» - قال عبد الله بن عمرو: جاء رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما عمل أهل الجنة؟ فقال: الصدق، إذا صدق العبد برّ، وإذا برّ أمن، وإذا أمن دخل الجنة. فقال: يا رسول الله، ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار.
«133» - وعنه عليه السلام: الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ المرء ليتحرّى الصدق حتى يكتب صدّيقا.
«134» - وقالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم: بم يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه.
«135» - وقال صلّى الله عليه وسلم: ما أملق تاجر صدوق: التاجر الصدوق إن مات في سفره مات شهيدا، وإن مات على فراشه مات صدّيقا.
«136» - وقال الأحنف لابنه: يا بنيّ يكفيك من شرف الصدق أنّ الصدوق يقبل قوله في عدوّه، ومن دناءة الكذب أنّ الكذّاب لا يقبل قوله في صديقه ولا عدوّه.
«137» - لكلّ شيء حلية، وحلية المنطق الصدق.
«138» - الصدق يدلّ على اعتدال وزن العقل.
(3/64)

فصل في الأيمان والمواثيق وأقسام العرب
139- قال الله عزّ وجلّ: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ)
(البقرة:
224) وقال تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ)
(المائدة: 89) .
«140» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله عزّ وجلّ وهو عليه غضبان.
«141» - وقال صلّى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه.
«142» - وقال ابن عمر: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم كثيرا ما يحلف: لا ومقلّب القلوب.
143- وقد أقسم الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز بمصنوعاته الدالّة على قدرته وحكمته تعظيما له تعالى لا لها. وقيل المراد: وربّ هذه الأشياء.
«144» - واليمين الغموس عند الفقهاء تكون على ماض لم يكن. وقال الشافعي: يكون في خبره كاذبا وتجب بها الكفارة، وهو مذهب عطاء والزهري
(3/65)

والحكم بن عيينة وعثمان البتّي. وقال أبو حنيفة ومالك والثوريّ والليث وأحمد وإسحاق لا تجب بها الكفارة، وحكي ذلك عن سعيد بن المسيب وقال: هي من الكبائر أعظم من أن تكفّر.
«145» - ولغو اليمين عند الشافعي ما وقع من غير قصد ماضيا كان أو مستقبلا مثل قوله: لا والله، بلى والله. وقال أبو حنيفة: لغو اليمين الحلف على الماضي من غير أن يقصد الكذب في يمينه، كأنه يظنّ شيئا فيحلف عليه، وهو إحدى الروايتين عند أحمد، والأخرى مثل الشافعي. وحكي عن مالك أنه قال:
هو اليمين الغموس.
«146» - واختلفوا فيما يكون يمينا توجب الكفارة وما لا يوجبها، فقال الشافعي: إذا قال: إن فعلت كذا وكذا فأنا يهوديّ، أو بريء من الله، أو من رسوله، أو من الإسلام، لم تكن يمينا، ولم تتعلق به الكفارة، وهو مذهب مالك والأوزاعيّ والليث بن سعد. وقال أبو حنيفة وأحمد والثوري وإسحاق تتعلّق الكفارة بفعله. وقال الشافعيّ ومالك وأحمد إذا قال: وحقّ الله فهو يمين.
وقال أبو حنيفة: لا تكون يمينا لأنّ حقوق الله إنما هي طاعات، وتلك مخلوقة، ولا يمكن الحلف بها يمينا.
[الحلف وتفسير بعض الأقسام]
147- وقالوا: الحلف لا يخلو إما أن يكون بما هو عبارة عن الله تعالى خاصة، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، فالأول يكون الحلف به يمينا بكلّ حال. وأما الثاني فالأسماء على ثلاثة أضرب: أحدها ما لا يسمّى به إلا الله تعالى، مثل الرحمن أو الأول الذي ليس قبله شيء، فهذا يكون يمينا بكلّ حال،
(3/66)

والثاني ما يسمّى به الله تعالى ويسمّى به غيره على سبيل المجاز والإطلاق ينصرف إلى الله تعالى فيكون يمينا في الإطلاق إذا قصد به اليمين، وإذا أراد بالاسم غير الله تعالى لم تكن يمينا. والثالث ما يستعمل في الله تعالى ويشاركه فيه غيره، ولا ينصرف الإطلاق إليه، مثل قولهم: الموجود، الحيّ، الناطق، فذلك لا يكون الحلف به يمينا سواء قصد به الله تعالى أو لم يقصد، لأنّ اليمين إنما تنعقد بحرمة الاسم، فإذا كان مشتركا لم يكن له حرمة.
فأما الثالث وهو الصفة فإذا حلف بصفة من صفات ذاته كان يمينا، قال الشافعي: مثل أن يقول وعظمة الله، أو جلال الله، أو قدرة الله. والحلف بالقرآن يكون عند الشافعي يمينا. قال أبو حنيفة: لا يكون ذلك يمينا، فهذه جمل أقوالهم.
«148» - وأذكر الآن ما جاء في تفسير بعض الأقسام التي وردت في الكتاب العزيز.
(أ) فمن ذلك قوله سبحانه: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. فَالزَّاجِراتِ زَجْراً.
فَالتَّالِياتِ ذِكْراً)
(الصافات: 1- 3) قيل: المراد بالصافّات الملائكة.
(فَالزَّاجِراتِ زَجْراً)
الملائكة تزجر السحاب، وقيل كلّ ما زجر عن معصية الله عزّ وجلّ. (فَالتَّالِياتِ ذِكْراً)
الملائكة، قال الزجّاج: وجائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلو ذكر الله عزّ وجلّ.
(ب) وقوله عزّ وجلّ (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) *
(الزخرف: 1- 2 والدخان:
1- 2) أي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كلّ ما تحتاج إليه الأمّة.
(ج) وقوله تعالى (وَالذَّارِياتِ ذَرْواً. فَالْحامِلاتِ وِقْراً. فَالْجارِياتِ يُسْراً فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً)
(الذاريات: 1- 4) .
(3/67)

روي أنّ ابن الكوّاء سأل عليّا عليه السلام عن هذه الآيات فقال: (الذاريات ذروا) الرياح، (فالحاملات وقرا) السحاب، (فالجاريات يسرا) الفلك، (فالمقسمات أمرا) الملائكة.
«148» (د) وقوله سبحانه (وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ. وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)
(الطور: 1- 6) (والطور) جبل قيل هو الذي كلّم الله عزّ وجلّ عليه موسى عليه السلام. (والكتاب المسطور) ها هنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم. (رقّ منشور) الصحائف. (والسقف المرفوع) السماء. (والبيت المعمور) في التفسير أنه بيت في السماء بإزاء الكعبة يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون منه ولا يعودون إليه. (والبحر المسجور) جاء في التفسير أنّ البحر يسجر فيكون نار جهنّم، وأهل اللغة يقولون: (البحر المسجور) المملوء، وأنشدوا: [من المتقارب]
إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والسّاسما [1]
يعني عينا مملوءة بالماء.
(هـ) وقوله عزّ وجلّ (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى)
(النجم: 1) قيل أقسم بالنجم.
وقال أهل اللغة: النجم بمعنى النجوم، وأنشدوا: [من الطويل]
فظلّت تعدّ النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها
ومثله (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ)
(الواقعة: 75) (وهوى) سقط، وجاء في التفسير أنّ النجم نزول القرآن نجما بعد نجم، وكان تنزل منه الآية
__________
[1] النبع والساسم: نوعان من الشجر.
(3/68)

والآيتان، وعلى هذا يكون (هوى) بمعنى نزل.
«148» (و) وقوله سبحانه (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)
(القيامة: 1- 2) [معناه] أقسم بيوم القيامة (والنفس اللوّامة) تفسيرها: أنّ كلّ نفس تلوم صاحبها في الآخرة إن كان عمل شرّا لامته نفسه، وإن كان عمل خيرا لامته على ترك الاستكثار منه. واختلفوا في تفسير (لا) فقال بعضهم: هي لغو وإن كانت في أول السورة، لأنّ القرآن كلّه كالسورة الواحدة لأنه متصل بعضه ببعض، فجعلت «لا» ها هنا بمنزلتها في قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ)
(الحديد: 9) والمعنى لأن يعلم أهل الكتاب وقال بعض النحويين: (لا) ردّ لكلام، كأنهم أنكروا البعث فقال: لا، ليس الأمر على ما ذكرتم، أقسم بيوم القيامة أنكم مبعوثون، دلّ على الجواب قوله: بلى قادرين أن نجمعهم، قادرين على أن نسوّي بنانه.
(ز) وقوله تعالى (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً. فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً. وَالنَّاشِراتِ نَشْراً.
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً. فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً)
(المرسلات: 1- 5) جاء في التفسير:
(والمرسلات) الرياح أرسلت كعرف الفرس، وكذلك (فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا) الرياح تأتي بالمطر كما قال عزّ وجلّ (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)
(الأعراف: 57) (فالفارقات فرقا) الملائكة جاءت بما يفرق بين الحقّ والباطل، وكذلك (فالملقيات ذكرا) .
وقيل: (المرسلات) الملائكة أرسلت بالمعروف، وقيل كعرف الفرس، وقيل (العاصفات) الملائكة، تعصف بروح الكافر. والباقي إلى آخر الآيات يعنى به الملائكة.
وقيل: (والمرسلات عرفا) يعني به الرسل.
(3/69)

«148» (ح) وقوله تعالى: (وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً. وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً. وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً)
(النازعات: 1- 5) جاء في التفسير:
(والنازعات) الملائكة، وكذلك (الناشطات) تنزع روح الكافر وتنشطها ويشتد عليه أمر خروج نفسه. وقيل: (والسّابحات سبحا. فالسّابقات سبقا) أرواح المؤمنين تخرج بسهولة. وقيل: (والنازعات غرقا) القسيّ، (والناشطات نشطا) الأوهاق، (والسابحات سبحا) السّفن، (فالسابقات سبقا) الخيل، (فالمدبرات أمرا) الملائكة كلّ منهم لما وكل به.
وقيل: (النازعات) النجم، تنزع من مكان إلى مكان وكذلك (السابحات) تسبح في الفلك كما قال سبحانه (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
وكذلك (فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا) فالملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، والله أعلم بحقيقة ذلك.
(ط) وقوله عزّ وجلّ (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)
(البروج: 1- 3) (اليوم الموعود) : يوم القيامة، و (شاهد) يوم الجمعة (ومشهود) : يوم عرفة.
(ي) وقوله تعالى: (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ)
(الطارق: 1- 3) : (الطارق) النجم يعني به النجوم، وقد تقدّم الشاهد، وإنما قيل للنجم طارق لأنّ طلوعه بالليل، فكلّ ما أتى ليلا فهو طارق لأنّ الليل يسكن فيه، ومن هذا قيل: أطرق فلان إذا أمسك عن الكلام وسكن. (والثاقب) المضيء، يقال له ثقب يثقب ثقوبا إذا أضاء.
(3/70)

«148» (ك) وقوله سبحانه (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً. فَالْمُورِياتِ قَدْحاً. فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً)
(العاديات: 1- 3) قيل هي الخيل، وضبحها صوت أجوافها إذا عدت. (والموريات قدحا) إذا عدت الخيل بالليل وأصابت حوافرها الحجارة انقدح منها النيران. وروي أنها سريّة كانت للنبيّ عليه السلام إلى كندة.
(3/71)

أقسام العرب
«149» - قال الجاحظ عن الهيثم: يمين لا يحلف بها أعرابي أبدا أن يقول:
لا أورد الله لك صادرا، ولا صدر لك واردا، ولا حططت رحلك، ولا خلعت نعلك.
«150» - حلف أعرابيّ فقال: لا والذي شقهنّ خمسا من واحدة، وأشار إلى كفه.
«151» - وقال مالك بن الحارث الأشتر: [من الكامل]
بقّيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس
خيلا كأمثال السعالي شزّبا ... تعدو ببيض في الكريهة شوس
حمي الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برق أو شعاع شموس
«152» - وقال معدان بن جوّاس الكنديّ: [من الطويل]
إن كان ما بلّغت عنّي فلامني ... صديقي وشلّت من يديّ الأنامل
(3/72)

وكفّنت وحدي منذرا بردائه ... وصادف حوطا من أعاديّ قاتل
«153» - وقال عديّ بن زيد: [من الوافر]
فإن لم تهلكوا فثكلت عمرا ... وجانبت المروّق والسماعا
ولا ملكت يداي عنان طرف ... ولا أبصرت من شمس شعاعا
ولا وضعت إليّ على خلاء ... حصان يوم جلوتها قناعا
«154» - وقال عمرو بن قميئة: [من المتقارب]
فإن كان حقا كما خبّروا ... فلا وصلت لي يمين شمالا
«155» - وقال العلويّ البصري من أبيات قد ثبتت في موضع آخر من هذا الكتاب: [من الكامل]
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تعقر
وإذا تأمّل شخص ضيف طارقا ... متسربلا سربال ليل أغبر
أوما إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري
156- محمد بن الحصين الأنباري: [من الخفيف]
ثكلتني التي تؤمّل إدرا ... ك العلابي وعاجلتني المنون
إن تولى بظلمنا عبد عمرو ... ثم لم تلفظ السيوف الجفون
(3/73)

[نسخة بيعة لخليفة]
«157» - نسخة بيعة لخليفة ويمين:
تبايع عبد الله الإمام أمير المؤمنين بيعة طوع وإيثار، ورضى واختيار، واعتقاد وإضمار، وإعلان وإسرار، وإخلاص من طويتك، وصدق من نيتك، وانشراح من صدرك، وصحة من عزيمتك، طائعا غير مكره، ومنقادا غير مجبر، مقرّا بفضلها، ومعترفا ببركتها، ومعتدّا بحسن عائدتها، وعالما بما فيها وفي توكيدها من صلاح الكافّة، واجتماع كلمة الخاصّة والعامّة، ولمّ الشعث، وأمن العواقب، وسكون الدهماء، وعزّ الأولياء، وقمع الأعداء ثم على أنّ فلانا عبد الله وخليفته، المفترض عليك طاعته، الواجبة على الأمة ولايته وإمامته، اللازم لهم القيام بحقّه، والوفاء بعهده، لا تشكّ فيه، ولا ترتاب به، ولا تداهن في أمره، ولا تميل إلى غيره، وإنك وليّ أوليائه، وعدوّ أعدائه، من خاصّ وعامّ، وقريب وبعيد، وحاضر وغائب، متمسك في بيعته بوفاء العهد وذمة العقد، سريرتك مثل علانيتك، وضميرك فيه وفق ظاهرك. على أنّ إعطاءك هذه البيعة من نفسك، وتوكيدك إياها في عنقك، لفلان أمير المؤمنين عن سلامة من قلبك، واستقامة من عزمك، واستمرار من هواك ورأيك، على أن لا تتأوّل عليه فيها، ولا تسعى في نقض شيء منها، ولا تقعد عن نصرة له في الرخاء والشدة، ولا تدع النصح له في كلّ حال راهنة وحادثه، حتى تلقى الله موفيا بها، مؤدّيا للأمانة فيها، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر وخلفاء الله في الأرض (إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ)
(الفتح: 10) .
عليك بهذه البيعة- التي طوّقتها عنقك، وبسطت لها يدك، وأعطيت فيها صفقتك، وما شرط عليك فيها من وفاء وموالاة، ونصح ومشايعة، وطاعة
(3/74)

وموافقة، واجتهاد ومبالغة- عهد الله، إنّ عهده كان مسؤولا، وما أخذ الله على أنبيائه ورسله عليهم السلام وعلى من أخذ من عباده من موكدات مواثيقه، ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسك بها فلا تبدّل، وتستقيم فلا تميل. وإن نكثت هذه البيعة أو بدلت شرطا من شروطها، أو عفّيت رسما من رسومها، أو غيّرت حكما من أحكامها، معلنا أو مسرّا أو محتالا أو متأوّلا، أو زغت عن السبيل التي يسلكها من يخفر الأمانة، وكنت ممّن يستحلّ الغدر والخيانة، ويستجيز حلّ العقود وختر العهود، فكلّ ما تملكه من عين أو ورق أو آنية أو عقار، أو سائمة أو زرع أو ضرع، أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتقدة والأموال المدّخرة، صدقة على المساكين، محرّم عليك أن يرجع شيء من ذلك إلى مالك بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه، وسبب من الأسباب، أو مخرج من مخارج الأيمان. فكلّ ما تفيده [1] في بقيّة عمرك من مال يقلّ خطره أو يجلّ، فتلك سبيله إلى أن تتوفاك منيتك أو يأتيك أجلك، وكل مملوك [2] لك اليوم من ذكر أو أنثى أو تملكه إلى آخر أيامك أحرار سائبون لوجه الله. ونساؤك يوم يلزمك الحنث، ومن تتزوّج بعدهنّ مدة بقائك، طوالق ثلاثا، طلاق الحرج والسنّة لا مثنويّة فيها ولا رجعة، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة حافيا راجلا، لا يرضى الله منك إلا بالوفاء بها، ولا يقبل الله لك صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج إليه، وبرّأك من حوله وقوته، وألجأك إلى حولك وقوتك، والله عزّ وجلّ بذلك شهيد (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) *.
[عودة إلى الصدق والكذب]
«158» - قال عليّ عليه السلام: أحلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنّه بريء من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل، وإذا حلف بالله الذي لا إله إلّا
__________
[1] صبح الأعشى: تعتده.
[2] اضطرب هنا النص في صبح الأعشى فغيره المحقق.
(3/75)

هو لم يعاجل لأنه قد وحّد الله سبحانه.
وقد روي أنّ جعفر بن محمد عليهما السلام أحلف مدّعيا بالله لم يزد، فهلك الحالف لوقته. وقال له القاضي ومن حضر: ما هذا؟ فقال: إنّ يمينه بما فيه ثناء على الله ومدح يؤخّر العقوبة كرما منه عزّ وجلّ وتفضّلا.
«159» - وخبر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مع الزبيريّ عبد الله بن مصعب مشهور وهو قول أبي فراس الحمداني [1] : [من البسيط]
ذاق الزبيريّ غبّ الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة الأقوال والتهم
وهو خبر طويل يليق بهذا الموضع منه: أنّ الزبيريّ سعى بيحيى إلى الرشيد وجمع بينهما وتواقفا، ونسب يحيى إلى الزبيريّ شعرا يقول فيه: [من البسيط]
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها ... إنّ الخلافة فيكم يا بني حسن
وكان الزبيري خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وأنكر الزبيريّ الشعر فأحلفه يحيى فقال: قل برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلّدت الحول والقوة من دون الله استكبارا واستغناء عنه واستعلاء عليه، فامتنع، حتى غضب الرشيد وقال: إن كان صادقا فليحلف، وكان للفضل بن الربيع فيه هوى فرفسه برجله وقال له: احلف ويحك، فحلف ووجهه متغير وهو يرعد، فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام، فتقطّع ومات بعد ثلاثة أيام.
ولما حمل إلى قبره ليوضع فيه انخسف حتى غار عن أعين الناس، وخرجت منه
__________
[1] ع: ابن حمدان.
(3/76)

غبرة عظيمة، وكلّما هالوا عليه التراب انخسف، حتى سقفوه وانصرفوا.
«160» - قيل: اثنان لا تخطئهما سعادة وغبطة: سلطان حليم، ورجل صدوق.
«161» - الصدق محمود من كلّ أحد إلا الساعي.
«162» قال أبو حنيف [1] الأنطاكي: لا يستغني حال من الأحوال عن الصدق، والصدق مستغن عن الأحوال كلّها.
«163» - لو صدق عبد فيما بينه وبين الله حقيقة الصدق لا طّلع على خزائن من خزائن الغيب، ولكان أمينا في السموات والأرض.
«164» - قال عامر بن الظّرب العدوانيّ في وصيّته: إني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا. يعني من لزم الصدق الحق وعوّده لسانه وفّق فلا يكاد يتكلّم بشيء يظنه إلّا جاء على ظنّه.
«165» - قيل: الكذب والنفاق والحسد أثافيّ الذلّ.
«166» - قال ابن عباس: حقيق على الله أن لا يرفع للكاذب درجة، ولا يثبت له حجة.
«167» - وقال سليمان بن سعد: لو صحبني رجل وقال: لا تشترط عليّ إلا
__________
[1] ع: حنبق.
(3/77)

شرطا واحدا لقلت له: لا تكذبني.
«168» - سأل سعيد بن المسيّب أيوب السختياني عن حديث فقال: إني أشكّ فيه فقال: شكّك أحبّ إليّ من يقين شعبة.
«169» - قيل لرقبة بن مصقلة: ما أكثر ما تشكّ!! قال: ما ذاك إلا محاماة على اليقين.
«170» - خطب بلال لأخيه رباح امرأة قرشية فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم: كنّا عبدين فأعتقنا الله، وكنّا ضالّين فهدانا الله، وكنّا فقيرين فأغنانا الله. وأنا أخطب إليكم على أخي فلانة فإن تنكحونا فالحمد لله، وإن تردّونا فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض فقالوا: بلال من قد عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله صلّى الله عليه وسلم فزوّجوا أخاه. فلما انصرفا قال له أخوه: يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ قال: يا أخي صدقت فأنكحك الصدق.
171- شاعر: [من الكامل]
وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذّب ومصدّق
فأقم لنفسك في انتسابك شاهدا ... بحديث مجد للقديم محقّق
«172» - قال ابن السائب: جالست وكيعا سنين فما رأيته يحلف بالله.
«173» - وقال عبد الله بن السريّ، قلنا لابن المبارك: حدّثنا قال: ارجعوا فإني لست أحدّثكم. فقيل له إنك لم تحلف فقال: لو حلفت لكفّرت وحدثتكم
(3/78)

ولكن لست أكذب، فكان هذا أحبّ إلينا من الحديث.
«174» - وقال مجاهد: يكتب على ابن آدم كلّ شيء حتى أنينه في سقمه، حتى إنّ الصبيّ ليبكي فيقول له: اسكت أشتر لك كذا، ثم لا يفعل، تكتب كذبته.
«175» - قال الشعبي: وجّهني عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز، فقدمت عليه مصر وهو واليها- على رجل سخيّ صدوق اللسان، فقلت له يوما: أصلح الله الأمير، إنك تبلغ في منطقك وأنت في مجلسك ولا تفعل ذلك على منبرك، فقال:
يا شعبيّ إني لأستحيي من الله أن أقول على منبري خلاف ما يعلم من قلبي.
176- اجتمع متكلمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال الآخر:
على شرائط: أن لا تغضب ولا تعجب ولا تشغب، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوّز لنفسك دليل آية على مذهبك إلّا جوّزت لي تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف، وعلى أنّ كلّا منا تبنى مناظرته على أنّ الحقّ ضالّته والرشد غايته.
«177» - قال رجل: أنا لا أكذب كذبة بألف، فقال صاحبه: أمّا هذه فواحدة بلا درهم.
«178» - قيل: الراوية [1] أحد الكاذبين.
«179» - وقيل: إيّاك أن تكون للكذب واعيا أو راويا.
__________
[1] ع: الزاية.
(3/79)

«180» - وقيل: إيّاك وحكاية ما يستبعد فيجد عدوّك سبيلا إلى تكذيبك.
«181» - قيل: إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فحدّثه في خلال حديثك بما لا يكون، فإن أنكره فهو عاقل، وإن صدّقه فهو أحمق.
«182» - خطب الحجاج يوما فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة، الوقت لا ينتظرك، والله لا يعذرك. فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون، وسألوه أن يخلّي سبيله، فقال: إن أقرّ بالجنون خلّيته، فقيل له فقال: معاذ الله أن أزعم أنّ الله ابتلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه وأطلقه.
(3/80)

نوادر من هذا الباب والفصل
«183» - قال دغفل: حمى النعمان ظهر الكوفة [1] فخرج يوما يسير في ذلك الظهر فإذا هو بشيخ يخصف نعلا فقال: ما أولجك ها هنا؟ قال: طرد النعمان الرّعاء فأخذوا يمينا وشمالا، فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض، فنتجت الإبل وولّدت الغنم وسلأت السمن (والنعمان معتمّ لا يعرفه الرجل) فقال: وما تخاف النعمان؟ قال: وما أخاف منه؟ لربما لمست بيدي هذه بين عانة أمّه وسرتها، فأجده كأنه أرنب جاثم. فهاج غضبا وسفر عن وجهه، فإذا خرزات الملك [2] . فلما رآه الشيخ قال: أبيت اللعن لا تر أنك ظفرت بشيء، قد علمت العرب أنه ليس بين لا بتيها شيخ أكذب منّي. فضحك النعمان ومضى.
«184» - ذكر أنّ قاصا كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان، فاتفق معه هرم في المسجد وهو يقول حدثنا هرم مرّة بعد مرّة، بأشياء لا يعرفها هرم. فقال له:
يا هذا أتعرفني؟ أنا هرم بن حيان، ما حدّثتك بشيء. فقال له القاصّ: وهذا أيضا من عجائبك، إنه ليصلّي في مسجدنا خمسة عشر رجلا، اسم كلّ واحد منهم هرم بن حيان، فكيف توهّمت أنه ليس في الدنيا هرم غيرك؟
__________
[1] ظهر الكوفة: سقط من ع.
[2] أي شارة الملك، وفي شعر لبيد: رعى خرزات الملك عشرين حجة.
(3/81)

«185» - وذكروا أنّ أعرابيّا أضلّ بعيرا له عربيا، وكان في الصائفة، فبينا هو يطوف في طلبه إذا هو عند حجرة الوالي ببختيّ لنابيه صريف، فتأمّله طويلا ثم رجع إلى أصحابه فقال: بعيري الذي ضلّ قد وجدته، فجاء معه نحو من خمسمائة رجل من قومه حمير إلى الوالي، فقالوا: نشهد أنه بعيره. فقال له الوالي: خذه، فلما انصرف قال له بعضهم: يا فلان، ألم يكن بعيرك الذي أضللته عربيّا؟ قال: بلى ولكنه أكل من شعير الأمير فتبختى.
186- قال بعض المجّان: اليمين بعد الكذب كالمترس خلف الباب.
«187» - باع مزبّد جارية له على أنها طبّاخة، ولم تحسن شيئا فردّت، فلم يقبلها مزبد، وقدّم إلى القاضي وطولب بأن يحلف أنه ملكها وكانت تطبخ وتحسن، فاندفع وحلف بيمين غليظة أنه دفع إليها جرادة فطبخت منها خمسة ألوان، وفضلت منها شريحتين [1] للقديد سوى الجنب فإنها شوته، فضحك من حضر ويئس خصمه من الوصول منه إلى شيء، فخلّوه.
«188» - استعدت بنو بهز من سليم عثمان بن عفان رحمه الله على الشمّاخ ابن ضرار، وادّعوا عليه أنه هجاهم، وساموه اليمين، فتلكأ عليهم ليحرّضهم عليها وليرضوا بها، فلما رضوا باليمين قال من أبيات: [من الطويل]
يقولون لي احلف ولست بحالف ... أخادعهم عنها لكيما أنالها
ففرّجت غمّ الموت عني بحلفة ... كما شقّت الشقراء عنها جلالها
__________
[1] كذا هو في الأصول.
(3/82)

«189» - ومثل ذلك قول الآخر، وهو الأخيل بن مالك الكلابيّ:
[من الطويل]
تمنّعت لما قيل لي احلف هنيهة ... لتحلو في النوكى الخساس يميني
فلما رأوا منّي التمنّع خيّلوا ... صعوبتها عندي كقطع وتيني
ولم يعلموا أنّي قديما أعدّها ... لفكّ خناقي من وثاق ديوني
«190» - وقال الأخيل أيضا: [من الوافر]
فإنّ دراهم الغرماء عندي ... معلّقة لدى بيض الأنوق
فإن دلفوا دلفت لهم بحلف ... كعطّ البرد ليس بذي فتوق
وإن لانوا وعدتهم بلين ... وفي وعدي بنيّات الطريق
وإن وثبوا عليّ وجرّروني ... حلفت لهم كإضرام الحريق
«191» - وقال آخر: [من الخفيف]
سألوني اليمين فارتعت منها ... ليغرّوا بذلك الإرتياع
ثم أرسلتها كمنحدر السي ... ل تهادى من المكان اليفاع
ذكر البحتري أنه لأخيل بن مالك الكلابي.
«192» - وحلف الأخيل العجليّ بالطلاق والعتاق أن لا يهرب فهرب وقال:
[من الطويل]
إذا أحلفوني بالطلاق منحتهم ... يمينا كسحق الأتحميّ المخرّق [1]
__________
[1] ح: الممزق.
(3/83)

وإن أحلفوني بالعتاق فقد درى ... سحيم [1] غلامي أنّه غير معتق
وإن أحلفوني بالطلاق رددتها ... كأحسن ما كانت إذا لم تطلّق
«193» - قال مسعود بن مازن العكلي، وكان لرجل من تيم الرّباب عليه دين فجحده إياه وحلف له عليه: [من الوافر]
كفى لك بالوفاء أخيّ تيم ... يميني إذ مضت عنك الحقوق
وما يدريك ما أيمان عكل ... إذا يبست من الريق الحلوق
أبت أيمانها إلّا مضيّا ... كما يلتجّ في الأجم الحريق
«194» - قال الأصمعي: كان لأعرابيّ امرأتان فأخذه غرماؤه فأحلفوه بطلاقهما لا يغيب عنهم، فحلف، فأطلقوه فهرب، وقال: [من الكامل]
لو يعلم الغرماء منزلتيهما ... ما حلّفوني بالطلاق العاجل
قد ملّتا ومللت من وجهيهما ... عوجاء حاملة [2] وأخرى [3] حائل
لا حلوتان فتمسكا بحلاوة ... تشفي الضجيع ولا لدل عاسل
«195» - قال المدائني: كان عندنا بالمدائن دهقان يقال له دينارويه، وكان خبيثا، فقال له والي المدائن: إن كذبت كذبة لم أعرفها فلك عندي شراب ودراهم وغيرها. قال دينارويه: هرب لي غلام فغبر عنّي دهرا لا أعرف له
__________
[1] حماسة البحتري: دهيم.
[2] حماسة البحتري: شمطاء مرضعة.
[3] ح ع: ونقض.
(3/84)

خبرا، فاشتريت يوما بطيخا فشققته فإذا الغلام فيه يعمل خفّا، وإذا هو إسكاف. قال العامل: قد سمعت هذا. قال: كان لي برذون فدبر، فوصف لي قشور الرمان فألقيتها على دبرته فخرج من ظهره شجرة رمّان عظيمة. قال:
وقد سمعت بهذا أيضا. قال: كان لغلامي فروة فقملت فحملها القمل ميلين.
قال: قد سمعت بهذا. فلما رأى أنه يبطل عليه كلّ ما جاء به قال: إني وجدت في كتب أبي صكّا فيه أربعة آلاف درهم، والصكّ عليك. فقال: هذا كذب ما سمعته قط. قال: فهات ما خاطرت عليه، فأخذه.
«196» - قال بعض الرواة، قلت للشرقيّ بن القطاميّ: ما كانت العرب تقول في صلاتها على موتاها؟ فقال: لا أدري، فكذبت له فقلت: كانوا يقولون: [من الطويل]
ما كنت وكواكا ولا بزونّك ... رويدك حتى يبعث الخلق باعثه
فإذا أنا به يحدّث به في المقصورة يوم الجمعة.
197- قرع قوم الباب على الجاحظ، فخرج غلامه فسألوه ما يصنع، فقال: يكذب على الله، قالوا: كيف؟ قال: نظر في المرآة فقال: الحمد لله الذي خلقني وأحسن صورتي.
«198» - شهد أعرابيّ عند حاكم فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وله من المال كذا ولم يحجّ؟ فقال الأعرابيّ: بل لقد حججت كذا وكذا مرة، قال: سله أصلحك الله عن مكان زمزم، فسأله فقال: إني حججت قبل أن تحفر زمزم.
«199» - قال الأصمعي: كان قوم من الأعراب يسمطون أيمانهم سمطا
(3/85)

للمصدّقين [1] ، فقال مصدق: هؤلاء لا يخافون الله، ولكن أستحلفهم بأيمان في أمر معاشهم، فقال: سلخك الله برصا، وأبدى عورتك، وفتّك فتّ البعرة، وحتّك حتّ الشّعرة، ولا ترك لك صاهلا ولا ناهلا، ولا خفّا ولا ظلفا، إن كان لله في مالك حق؛ فيكيع عنها.
«200» - أراد قاضي البدو [2] أن يستحلف الخصم فقال: هو لا يبالي بالحلف، فقال: احمله على حلف لا يستجري عليه، فقال: جعل الله نومك نغصا، وطعامك غصصا، ومشيك رقصا، وسلخك برصا، وقطعك حصصا، وملأ عينيك رمصا، وأدخلك قفصا، وابتلاك بهذه العصا. فأبى أن يحلف وأذعن للحقّ.
«201» - كان بفارس محتسب يعرف بجراب الكذب، فكان يقول: إن منعت من الكذب انشقّت مرارتي، وإني لأجد به مع ما يلحقني من عاره ما لا أجد للصدق مع ما ينالني من نفعه.
«202» - شاعر: [من الكامل]
وتقول لي قولا أظنّك صادقا ... فأجيء من طمع إليك وأذهب
فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلس ... قالوا مسيلمة وهذا أشعب
«203» - شريك بن عبد الله القاضي: [من البسيط]
صلّى وصام لدنيا كان يأملها ... فقد أصاب فلا صلّى ولا صاما
__________
[1] يسمطون الأيمان: يوكدون الأيمان حين يحلفون. والمصدقون: جامعو الصدقات.
[2] ربيع: الدوّ (وأطنب المحقق في شرحها) .
(3/86)

«204» - تشاجر رجلان في سواد تراءى من سطح فقال أحدهما: غراب، وقال الآخر: خفّ، وحلف كلّ واحد منهما بما قاله، فدنوا منه فطار، فقال صاحب الغراب: كيف ترى؟ فقال الآخر: امرأته طالق إن كان إلّا خفّا ولو بلغ مكة طيرانا.
«205» - قال بعضهم [1] : كان أبي زرع سنة الشلجم فزكا، فكان يبلغ مساحة موضع كلّ شلجمة جريب أرض. فقال الآخر: كان أبي اتخذ مرجلا فكان يعمل فيه خمسون حدّادا لا يسمع كلّ واحد صوت مطرقة الآخر، فقال صاحبه: ما أكذبك، أيّ شيء كان يطبخ في ذلك المرجل؟ قال: الشلجم الذي زرعه أبوك.
يتلوه: باب التواضع والكبر.
__________
[1] ح: قال رجل.
(3/87)

الباب التّاسع في التّواضع والكبر
(3/89)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
(وبه أثق) الحمد لله ذي الجلال والعلاء، المتفرّد بصفة العظمة والكبرياء، قاصم من نازعه فيهما سمة الرداء، المتعالي عن الأشباه والنّظراء، الناهي لعباده عن الكبر والخيلاء، ندبنا إلى التواضع فكان سبب التحابّ رأفة بنا ولطفا، وأدبنا أن نختال باستمرار الشباب فجعل من بعد قوّة شيبا وضعفا، قال للسموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين، ولو يشاء نزل من السماء آية فظلّت أعناقهم لها خاضعين.
أحمده شاكرا طائعا، وأعبده صاغرا خاضعا، وأومن بربوبيّته مخلصا موحّدا، وأوقن بالمعاد مصدّقا معتقدا، وأشهد أن لا إله إلّا الله منشىء الأمم ومبيدها، ومنشر الرّمم ومعيدها، لا مشارك له فيما خلق، ولا مشاجر فيما قسم من العطايا ورزق. وأشهد أنّ محمدا رسوله المأمور بخفض الجناح لمن اتّبعه، المأمون على سرّ الغيب حيث اطّلعه، صلّى الله عليه وعلى آله ما زجر الكتاب عبدا ووزعه، وقهر الحقّ باطلا وقمعه.
(3/91)

(الباب التاسع ما جاء في التواضع والكبر والخيلاء والعجب)
[آيات وأحاديث]
206- قد وصف الله عزّ وجلّ قوما فقال: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
(المائدة:
54) وقال لنبيّه صلّى الله عليه وسلم: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)
(الحجر: 88) وأبان عن سخطه على المتكّبرين بقوله عزّ وجلّ: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)
(النحل:
23) وقوله تعالى: (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)
(النحل: 29) . وهذه الآيات مخرجها من الاستكبار في الدين. فأما الكبر الدنيويّ فالنهي عنه في قوله تعالى (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)
الآية (لقمان: 18) والتصعير الميل من الكبر. وقوله تعالى: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا)
(الإسراء: 37) وقوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
(القصص: 83) (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ)
(البقرة: 206) وقال قتادة في قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)
(الحج: 34) قال هم المتواضعون.
«207» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنكم لتغفلون أفضل العبادة، التواضع؛ وكان صلّى الله عليه وسلم يأكل على الأرض تواضعا.
«208» - وقال صلّى الله عليه وسلم: لا ترفعوني فوق قدري فتقعوا في ما قالت النصارى في المسيح، فإنّ الله عزّ وجلّ اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا.
(3/92)

«209» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر.
«210» - وقال صلّى الله عليه وسلم: لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب مع الجبّارين فيصيبه ما أصابهم.
211- وفي الأثر: من آتاه الله عزّ وجلّ زهدا وتواضعا وحسن خلق فهو إمام المتقين.
«212» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: من تعظّم في نفسه واختال في مشيته لقي الله عزّ وجلّ وهو عليه غضبان.
«213» - وقال صلّى الله عليه وسلم: من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه.
[أقوال للأئمة]
«214» - وقال عليّ عليه السلام: عجبت للمتكبّر الذي كان بالأمس نطفة وهو غدا جيفة.
«215» - وقال عليه السلام: الإعجاب يمنع من الازدياد.
216- وقال محمد بن علي بن الحسين: إياك والكبر فإنه داعية المقت.
«217» - أعطى رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله أبا سفيان مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى سهيل بن عمرو مائة، فقالوا: يا نبيّ الله، أتعطي هؤلاء وتدع جعيلا، وكان جعيل رجلا من بني غفار، فقال صلّى الله عليه وسلم: جعيل
(3/93)

خير من طلاع الأرض مثل هؤلاء [1] ، ولكن أعطي هؤلاء أتألّفهم، وأكل جعيلا إلى ما جعل الله عنده من التواضع.
218- وقال صلّى الله عليه وسلم: إنّ الله يأمركم أن تتواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض.
«219» - وقال أنس: كان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار. ولقد رأيته يوم حنين على حمار خطامه ليف.
220- وقال أنس أيضا: لم يكن شخص أكرم علينا من النبي صلّى الله عليه وعلى آله، وكنّا إذا رأيناه لم نقم لما نعلم من كراهيته لذلك [2] .
«221» - وقال أيضا: جاء جبريل عليه السلام إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم وهو يأكل طعيما له متكئا فقال: إنّ التّكأة من النعمة، فاستوى قاعدا، فما رأيته بعدها متكئا.
«222» - وقال: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب العبد.
«223» - وأتاه صلّى الله عليه وسلم رجل فكلّمه فأخذته رعدة، فقال له صلّى الله عليه وسلم: هوّن عليك فإني لست بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد.
«224» - وروي أنّ عبد الله بن سلام مرّ في السوق وعليه حزمة من حطب،
__________
[1] ع: من هؤلاء.
[2] ع: لذاك.
(3/94)

فقيل له: أليس قد أغناك الله عن هذا؟ قال: بلى، ولكنّي أردت أن أقمع به الكبر؛ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر.
[تواضع عمر]
225- وروي أنّ عمر بن الخطاب خرج وعلى ظهره قربة، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما هذا [1] ؟ قال: إنّ نفسي أعجبتني فأحببت أن أذلّها.
«226» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ العفو لا يزيد العبد إلّا عزّا فاعفوا يعزكم الله، وإنّ التواضع لا يزيد العبد إلّا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، وإنّ الصدقة لا تزيد المال إلّا نماء، فتصدّقوا يزد كم الله.
227- قال أبو أمامة: خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلم علينا فقمنا فقال لنا: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم لعظمائها فما قام إليه أحد منّا بعد ذلك.
«228» - ومرّ صلّى الله عليه وسلم على صبيان في المكتب فسلّم عليهم.
229- وقال أبو قتادة: قدم وفد النجاشيّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقام يخدمهم بنفسه، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال: إنهم كانوا لأصحابي مكرمين.
«230» - وصنع عيسى عليه السلام طعاما للحواريّين فلما أكلوا وضّأهم بنفسه فقالوا: يا روح الله نحن أولى أن نفعله منك، فقال: إنما فعلت هذا لتفعلوه بمن تعلّمون.
__________
[1] ما هذا؟ سقطت من ع.
(3/95)

«231» - لما تزوّج عليّ عليه السلام النهشلية بالبصرة قعد على سريره وأقعد الحسن عن يمينه، والحسين عن يساره [1] ، وجلس محمد بن الحنفية بالحضيض، فخاف أن يجد من ذلك فقال: يا بنيّ أنت ابني، وهذان ابنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
«232» - ومن التواضع المأثور ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خرج ويده على المعلّى [2] ، فلقيته امرأة من قريش فقالت له: يا عمر، فوقف لها فقالت: كنّا نعرفك مرّة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر، ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتّق الله يا ابن الخطاب، وانظر في أمور الناس، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت. فقال لها المعلّى: إيها إليك يا أمة الله فقد أبكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر: أتدري من هذه ويحك؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه، فعمر أحرى بأن يسمع قولها ويقتدي به.
233- وجلس رجل إلى الحسين بن علي عليهما السلام، فقال له الحسين:
إنك جلست إلينا ونحن نريد القيام، أفتأذن؟
«234» - أقبل رجل يمشي مرخيا يديه، طارحا رجليه يتبختر، فقال له عمر رضي الله عنه: دع هذه المشية [3] فقال: ما أطيق، فجلده فترك التبختر؛ فقال عمر: إذا لم أجلد في مثل هذا ففيم أجلد؟ فجاءه الرجل بعد ذلك فقال: جزاك الله خيرا إن كان إلا شيطانا أذهبه الله بك.
__________
[1] في أصل ح: عن شماله.
[2] ع: بن الجارود.
[3] فقال له عمر ... المشية: سقط من ع.
(3/96)

[كبر وائل بن حجر]
«235» - أتى وائل بن حجر النبيّ صلّى الله عليه وسلم فأقطعه أرضا وقال لمعاوية: اعرض هذه الأرض عليه واكتبها له، فخرج مع وائل في هاجرة شاوية، ومشى خلف ناقته، وقال له: أردفني على عجز راحلتك، قال: لست من أرداف [1] الملوك، قال: فاعطني نعليك، قال: ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن أنك لبست نعلي، ولكن امش في ظلّ ناقتي فحسبك بها شرفا. وهذا من كبر الجاهليّة المستهجن. قال: ثم إنّ وائلا لحق زمن معاوية ودخل عليه فأقعده معه على سريره [2] وحدّثه.
«236» - قال عديّ بن أرطأة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال ذاك أبعد من الكبر وأسرع في الحاجة. وهو منقول من قول عمر رضي الله عنه وقد قيل له مثله فقال: هو أنجح للحاجة، وأبعد من الكبر، أما سمعت قول الله عزّ وجلّ: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)
(لقمان: 19) .
«237» - خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر [3] وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله عليه السلام يقول:
من أحبّ أن يتمثّل [4] له الناس قياما فليتبوّأ مقعده من النار.
__________
[1] ع: أرادف.
[2] ح: على السرير.
[3] فقام ابن عامر: سقط من ع.
[4] ح: يمثل.
(3/97)

[علي والتواضع] «238»
- وقال عليّ عليه السلام: عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله [1] .
«239» - ولقيه دهاقين الأنبار عند مسيره إلى الشام فترجلوا له واشتدوا بين يديه فقال: ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق نعظّم به أمراءنا، فقال: والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقّون به على أنفسكم، وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وأربح الدعة معها الأمان من النار.
«240» - ومشى معه حرب بن شرحبيل الشبّاميّ [2] وكان من وجوه قومه، وهو راكب، فقال له: ارجع فإنّ مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلّة للمؤمن.
[أقوال في التواضع والكبر]
241- وقال الحسن عليه السلام: الحلم وزير العلم، والرفق أبوه، والتواضع سرباله.
241 ب- وقال غيره: ما آتى الله عبدا علما إلّا آتاه معه حلما وتواضعا وحسن خلق ورفقا.
«242» - وقال عمرو بن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف. وفي لفظ آخر: التواضع سلّم الشرف.
__________
[1] عقله: سقطت من ع.
[2] ح: الشامي.
(3/98)

«243» - وقال جعفر بن محمد: رأس الخير التواضع فقيل له: وما التواضع؟
قال: أن ترضى من المجلس بدون شرفك، وأن تسلّم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقّا. وقد روي عن عليّ عليه السلام ولم يذكر المراء فيه وزاد فيه: وتكره الرياء والسمعة.
«244» - وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة.
«245» - ومثله: التواضع نعمة لا يفطن لها إلّا [1] الحاسد.
«246» - وقالوا: المتواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها [2] . ونظر إلى هذا المعنى ابن المعتز فقال: متواضع العلماء أكثرهم علما كما أنّ المكان المنخفض أكثر الأماكن ماء.
247- قال الحسن: إنّ قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، وكبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة بمدرعته أشدّ فرحا من صاحب المطرف بمطرفه.
248- قال علي عليه السلام: الحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحّم في الذنوب.
«249» - رؤي بعض العلماء وهو يكتب من فتى حديثا، فقيل له: مثلك
__________
[1] إلا: سقطت من ح.
[2] زاد بهامش ح: والتكبر كالربوة لا يقرّ عليها قطرها ولا قطر غيرها.
(3/99)

يكتب عن هذا؟ فقال: أما إني أحفظ له منه، ولكن أردت أن أذيقه كأس الرياسة ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم.
«250» - كان يحيى بن خالد يقول: لست ترى أحدا تكبّر في إمارة إلّا وقد دلّ على أنّ الذي نال فوق قدره، ولست ترى أحدا تواضع في إمارة إلّا وهو في نفسه أكبر مما نال من سلطانه.
«251» - ومن كلام لابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عند أهل الكمال، استعانوا بالكبر ليعظّم صغيرا ويرفع حقيرا، وليس بفاعل.
«252» - والعرب تجعل جذيمة الأبرش الغاية في الكبر. ورووا أنه كان لا ينادمه أحد ترفّعا وكبرا ويقول: إنما ينادمني الفرقدان، ومن هذا قول متمم:
[من الطويل]
وكنّا كندماني جذيمة حقبة
أراد به الفرقدين، لا كما ذكرته الرواة أنهما مالك وعقيل فإنهما لا بدّ أن يفترقا، وإنما ضرب المثل على ما لا يصحّ وقوعه، وهو تفرّق الفرقدين.
«253» - وكان عبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، قاتل مصعب بن الزبير، شديد الكبر والخيلاء. ولما حدث أمر مسعود بن عمرو المعني من الأزد لم يعلمه مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب، أحد بني قيس بن ثعلبة، وكان سيد بكر بن وائل في زمانه، فقال عبيد الله: أيكون مثل هذا الحدث ولا تعلمني به؟ لهممت أن أضرم دارك عليك نارا. فقال له مالك: اسكت أبا
(3/100)

مطر، فو الله إنّ في كنانتي سهما [1] أنا أوثق به مني بك، فقال له عبيد الله: وأنا [2] في كنانتك؟ فو الله لو قعدت فيها لطلتها ولو قمت فيها لخرقتها. فقال له مالك، وأعجبه ما سمع: أكثر الله في العشيرة مثلك، فقال: لقد سألت ربّك شططا.
«254» - لما قال علي بن أبي طالب عليه السلام لصعصعة بن صوحان في المنذر بن الجارود ما قال، قال صعصعة: لئن قلت ذاك يا أمير المؤمنين، إنه لنظّار في عطفيه، نقّال [3] في شراكيه، تعجبه حمرة برديه.
[تيه عمارة بن حمزة]
«255» - كان عمارة بن حمزة أتيه الناس على جود فيه وسخاء، فمشى المهديّ يوما ويده في يد عمارة، فقال له رجل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال المهديّ: أخي وابن عمي عمارة بن حمزة، فلما ولّى الرجل ذكر ذلك المهديّ كالممازح لعمارة، فقال عمارة: انتظرت والله أن تقول: ومولاي، فأنفض يدي من يدك، فتبسّم المهديّ.
«256» - قال الواقدي: دخل الفضل بن يحيى ذات يوم على أبيه وأنا عنده، وهو يتبختر في مشيته فكره ذلك منه، فقال لي يحيى: يا أبا عبد الله أتدري ما بقّى الحكيم في طرسه؟ فقلت: لا، فقال: إنّ البخل والجهل مع التواضع أزين
__________
[1] ع: سهم.
[2] ح: أرانا.
[3] النهج: تفّال.
(3/101)

بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم، فيا لها حسنة غطّت على عيبين عظيمين، ويا لها سيئة غطّت على حسنتين كبيرتين. ثم أومأ إليه بالجلوس وقال لي: احفظه يا أبا عبد الله فإنه أدب كبير أخذناه عن العلماء.
257- قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: [من الطويل]
كفى حزنا ألّا صديق ولا أخ ... ينال غنى إلّا تداخله كبر
وإلّا التوى أو ظنّ أنك دونه ... وتلك التي جلّت وما دونها صبر
«258» - وكان ابن ثوابة من أقبح الناس كبرا؛ روي أنه قال لغلامه: اسقني ماء، فقال: نعم، فقال: إنما يقول نعم من يقدر أن يقول لا، وأمر بصفعه.
ودعا أكّارا وكلمه، فلما فرغ دعا بماء وتمضمض استقذارا لمخاطبته.
«259» - قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: [من الطويل]
لقد جعلت تبدو شواكل منكما ... كأنكما بي موقران من الصخر
فمسّا تراب الأرض منها خلقتما ... ومنها المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تعجبا أن تؤتيا فتكلما [1] ... فما حشي الأقوام شرّا من الكبر
«260» - قال أكثم بن صيفي: من أصاب حظّا من دنياه فأصاره ذلك إلى كبر وترفّع فقد أعلم أنه نال فوق ما يستحقّ، ومن تواضع وغادر الكبر فقد أعلم أنه نال دون ما يستحقّ.
__________
[1] الأغاني: ولا تأنفا أن تسألا وتسلّما.
(3/102)

«261» - مرّ بعض أولاد المهلّب بمالك بن دينار وهو يخطر فقال: يا بنيّ لو خفضت بعض هذه الخيلاء، ألم يكن أحسن بك من هذه الشهرة التي قد شهرت بها نفسك؟ قال له الفتى: أو ما تعرف من أنا؟ قال له: بلى والله أعرفك معرفة جيدة، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك حامل عذرة. فأرخى الفتى ردنيه، وكفّ مما كان يفعله، وطأطأ رأسه ومضى مسترسلا.
«262» - قال محمد بن حازم: مرّ بي أحمد بن سعيد بن سلم [1] وأنا على بابي فلم يسلّم عليّ سلاما أرضاه، فكتبت رقعة وأتبعته بها فيها: [من السريع]
وباهليّ من بني واثل ... أفاد مالا بعد إفلاس
قطّب في وجهي خوف القرى ... تقطيب ضرغام لدى الباس
وأظهر التيه فتايهته ... تيه امرىء لم يشق بالياس
أعرته إعراض مستكبر ... في موكب مرّ بكنّاس
[العجب أفسد أمر خالد القسريّ]
«263» - بلغ خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسريّ من هشام بن عبد الملك محلّا رفيعا، فأفسد أمره العجب والكبر وأدّياه إلى الهلكة، وعذّب حتى مات: روي أنه التفت يوما إلى ابنه يزيد بن خالد وهو عند هشام فقال له: كيف بك يا بنيّ إذا احتاج إليك ولد أمير المؤمنين؟ فقال: أواسيهم ولو بقميصي.
__________
[1] الأغاني: سالم؛ ح: مسلم.
(3/103)

فتبيّن الغضب في وجه هشام واحتملها. وكان إذا ذكر هشام قال: ابن الحمقاء.
فسمعها رجل من أهل الشام فقال لهشام: إنّ هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة أبيك يذكرك بأسوأ الذكر، قال: ماذا يقول؟ لعلّه يقول الأحول، قال:
لا والله ولكن يقول ما لا تلتقي به الشفتان، قال لعلّه قال: ابن الحمقاء؟ فأمسك الشاميّ فقال: قد بلغني كلّ ذلك عنه.
وكان خالد يقول: والله ما إمارة العراق مما يشرّفني، فبلغ ذلك هشاما فغاظه فكتب إليه: بلغني أنك يا ابن النصرانية تقول: ما إمارة العراق مما يشرفك، وأنت دعيّ إلى بجيلة القليلة الذليلة. أم والله إني لأظنّ أنّ أوّل ما يأتيك ضغن من قيس فيشدّ يدك إلى عنقك.
قال خالد بن صفوان بن الأهتم: لم تزل أفعال خالد حتى عزله هشام وعذّبه وقتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطا قد شدّ به، والصبيان يجرّونه، فدخلت إلى هشام يوما فحدّثته فأطلت، فتنفس وقال: يا خالد، ربّ خالد كان أحبّ إليّ قربا وألذّ عندي حديثا منك، يعني خالدا القسري، فانتهزتها ورجوت أن أشفع له فتكون لي عند خالد يدا، فقلت: يا أمير المؤمنين ما يمنعك من استئناف الصنيعة عنده، فقد أدّبته بما فرط منه. فقال: هيهات إنّ خالدا أوجف فأعجف، وأدلّ فأملّ، وأفرط في الإساءة فأفرطنا في المكافأة، فحلم الأديم، ونغل الجرح، وبلغ السيل الزبى والحزام الطّبيين، ولم يبق فيه مستصلح، ولا للصنيعة عنده موضع؛ عد إلى حديثك [1] .
264- جلس الأحنف مع مصعب بن الزبير على السرير، فمدّ مصعب رجله، فنحاه الأحنف ثم قال: العجب لمن يتعظّم وقد خرج من مخرج البول مرتين.
__________
[1] الأغاني: عد إلى ما كنت فيه.
(3/104)

«265» - قيل لبزرجمهر: ما النعمة التي لا يحسد عليها؟ قال: التواضع، قيل: فالبلاء الذي لا يرحم؟ قال: العجب.
«266» - البحتري: [من الوافر]
دنوت تواضعا وعلوت مجدا ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
«267» - أبو محمد التيمي: [من الطويل]
تواضع لما زاده الله رفعة ... وكلّ رفيع قدره متواضع
«268» - قال حرسيّ عمر بن عبد العزيز: خرج علينا عمر في يوم عيد وعليه قميص كتّان وعمامة على القلنسوة لاطية، فقمنا إليه وسلّمنا عليه فقال: مه أنا واحد وأنتم جماعة، السلام عليّ والردّ عليكم، ثم سلّم وردّوا عليه، ومشى ومشينا معه إلى المسجد.
«269» - كان يحيى بن خالد يقول: إذا ترقّى [1] الشريف تواضع، فأفشى السلام، وصافح العوامّ، وأنصف الضعفاء، وجالس الفقراء، وعاد المرضى، وشيّع الجنائز؛ وإذا ترقّى [2] الوضيع أمر بالمعروف، ووعظ الشريف، وأخذ
__________
[1] ح: نفر.
[2] ح: نفر.
(3/105)

في الحسبة، وأمّ أهل محلّته، واحتدّ على من ردّ [1] عليه، ورأى أنّ له فضيلة على كلّ أحد.
270- قال الحسن: من لبس الصوف تواضعا زاده الله نورا في بصره، ونورا في قلبه. ومن لبسه للكبر والخيلاء كوّر في جهنّم مع المردة.
271- قال عمرو بن عبيد: أتي الحسن بفالوذج فقال لي: هلمّ يا عمرو، فما فرحت بشيء فرحي بأن عرف اسمي. وكان المنصور يكنيه، فقيل له إنّ أمير المؤمنين يكنيك، فقال: ما ذكرت ذلك إلا دخلتني غضاضة.
272- قال معاوية بن سويد: لطمت مولى لنا فدعاه أبي فقال:
اقتصّ منه.
«273» - قال عبد الله بن حسن بن حسن، أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إليّ رسولا أو اكتب إليّ كتابا، فإني لأستحيي من الله أن يراك على بابي.
274- اجتمع أنس بن مالك وثابت البنانيّ على طعام، فقدّم إليه أنس الطّست فامتنع، فقال أنس: إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردّها.
[الرشيد يصب الماء على يدي عالم]
«275» - دعا الرشيد أبا معاوية الضرير فصبّ على يده ثم قال له: يا أبا معاوية، أتدري من صبّ على يدك؟ قال: لا، قال: صبّ على يدك أمير المؤمنين، قال: يا أمير المؤمنين، إنما أكرمت العلم وأجللته، فأكرمك الله وأجلّك.
276- ونزل الشافعي بمالك فصبّ بنفسه الماء على يده وقال: لا يرعك
__________
[1] ح: ورد.
(3/106)

ما رأيت مني فخدمة الضيف فرض.
«277» - قال المساور بن هند لرجل: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا المساور ابن هند، قال: لا أعرفك، قال: فتعسا ونكسا لمن لا يعرف القمر.
[عقيل بن علّقة والكبر]
278- كان عقيل بن علّقة المريّ أعرابيّا جافيا شديد الكبر. خطب إليه يزيد بن عبد الملك ابنته وقال له: زوّجني فلست بواجد في قومي مثلي، فقال عقيل: بلى والله لأجدنّ في قومك مثلك، وما أنت بواجد في قومي مثلي، وقال لابنه: يا بنيّ زوّجه فإنه [1] أحقّ بالأمة.
[لو أدرك الحجاج أربعة]
«279» - قيل للحجاج كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل، لو أدركت بها أربعة فتقرّبت إلى الله بدمائهم. قيل: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما قدم البصرة بسط له الناس أرديتهم فقال: (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ)
(الصافات: 61) ؛ وعبيد الله ابن ظبيان خطب خطبة فأوجز فيها، فناداه الناس من أعراض المسجد: كثّر الله فينا أمثالك، فقال: لقد كلّفتم ربّكم شططا؛ ومعبد بن زرارة كان ذات يوم جالسا على طريق فمرّت به امرأة فقالت له: يا عبد الله أين الطريق إلى مكان كذا؟
فقال: ألمثلي يقال عبد الله ويلك!! وأبو سمال الحنفي أضلّ ناقته فقال: والله لئن لم يردّ إليّ ناقتي لا صلّيت أبدا، فلما وجدها قال: علم أنّها مني صرّى [2] .
__________
[1] ح: فأنت.
[2] صرى: أي عزيمة قاطعة ويمين لازمة.
(3/107)

«280» - قال بعض الحكماء: يا بنيّ عليك بالترحيب والبشر، وإياك والتقطيب والكبر، فإنّ الإخوان يحبّون أن يلقوا بما يحبون وإن منعوا ولا يحبّون أن يلقوا بما لا يحبون وإن أعطوا [1] ، فانظر إلى خصلة غطّت على مثل اللؤم فالزمها، وانظر إلى خصلة غطّت على مثل الكرم فاجتنبها، ألم تسمع إلى قول حاتم: [من الطويل]
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمكان جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
[المذكورون بالكبر من قريش]
«281» - قال الجاحظ: المذكورون بالكبر من قريش: بنو مخزوم وبنو أمية، ومن العرب بنو جعفر بن كلاب وبنو زرارة بن عدس. وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدّون الناس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا. والكبر في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكنّ القلّة والذلّة مانعتان من ظهور كبرهم. والجملة أنّ من قدر من الوضعاء أدنى قدرة ظهر من كبره ما لا خفاء به، وشيء قد قتلته علما وهو أني لم أر ذا كبر قطّ على من دونه إلّا وهو يذلّ لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه.
وقال: أما بنو مخزوم وبنو أمية وبنو جعفر بن كلاب واختصاصهم بالتيه فإنهم أبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة، ولو كان في قوى عقولهم فضل على قوى دواعي الحميّة فيهم لكانوا كبني هاشم في تواضعهم وإنصافهم لمن دونهم.
«282» - أبو البيداء الأعرابي: [من الطويل]
__________
[1] اضطربت هذه الجملة في ع بسقوط أحد شقّيها.
(3/108)

ولست بتيّاه إذا كنت مثريا ... ولكنه خلقي إذا كنت معدما
وإنّ الذي يعطى من المال ثروة ... إذا كان نذل الوالدين تعظّما
«283» - قال رجل: ما رأيت ذا كبر قطّ إلّا تحوّل داؤه فيّ؛ يريد إني أتكبر عليه.
«284» - وقال آخر: ما تاه عليّ أحد مرتين. يريد أنه إذا تاه مرة لم أعاوده.
«285» - قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة؟ قال: أخاف أن لا يحمل الجسر شرفي.
«286» - قيل للحجاج بن أرطأة: ما لك لا تحضر الجماعة؟ قال: أكره أن يزاحمني البقالون.
«287» - عليّ بن الجهم: [من البسيط]
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأحوال المساكين [1]
«288» - استأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية بن أبي سفيان فمنعه الحاجب فهشم أنفه، فقال له معاوية: أتفعل هذا بحاجبي؟ فقال له: وما يمنعني وأنا بالمكان الذي أنا به من أمير المؤمنين؟ فقال له أبوه: فضّ الله فاك، ألا قلت:
__________
[1] كذا في النسخ وصوابه: المماليك.
(3/109)

وأنا بالمكان الذي أنا فيه من بني عبد مناف [1] .
«289» - دخل عقال بن شبة على هشام بن عبد الملك وأراد أن يقبّل يده فقال: لا تفعل، فلم يفعل هذا من العرب إلّا هلوع، ومن العجم إلّا خضوع.
«290» - ولما أفضت الخلافة إلى أبي العباس وفدت عليه قريش، فأمروا بتقبيل يده حتى دخل إبراهيم بن محمد العدوي فقال: يا أمير المؤمنين لو كان تقبيل اليد يزيد في القربة [2] منك لأخذت بحظّي منه، وإنك لغنيّ عما لا أجر لك فيه، وفيه منقصة لنا، فقارّه ولم ينقصه من حظوظ أصحابه شيئا.
__________
[1] ع: وما يمنعني وأنا بالمكان الذي أنا به من عبد مناف.
[2] ح: في القربى.
(3/110)

نوادر من هذا الباب
«291» - مرّ رجل بجمين [1] فسلّم عليه، فلم يردّ عليه، فقيل له في ذلك فقال: سلّم عليّ بالإيماء فرددت عليه بالضمير.
29»
- مرّ أبو دهمان، وهو أمير نيسابور، على رجل جالس، ومع أبي دهمان صديق له يسايره، فقام الناس إليه ودعوا له إلا ذلك الرجل، فقال أبو دهمان لصديقه الذي يسايره: أما ترى ذلك الرجل في النظّارة [2] وتيهه عليّ؟ فقال له: وكيف يتيه عليك وأنت الأمير؟ قال: لأنه قد ناكني وأنا غلام.
293- قيل لأعرابيّ كيف تقول: استخذأت أو استخذيت؟ قال: لا أقوله، قيل: ولم؟ قال: لأنّ العرب لا تستخذي.
«294» - الهنادي: [من الكامل]
يا قبلة ذهبت ضياعا في يد ... ضرب الإله بنانها بالنقرس
يتلوه: باب القناعة والحرص إن شاء الله تعالى.
__________
[1] ع: بجميز. ح: بحمّير.
[2] ع: في انتظاره.
(3/111)

الباب العاشر في القناعة والظّلف والحرص والطّمع
(3/113)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الوهّاب المفضل، المعطي المجزل، باسط الرزق لمن يشاء ومقدّره، ومانع ما يشاء وميسّره، الذي مدح القناعة وأعزّها، وذمّ الضّراعة وأذلّها، وأنزل الحريص بمنزلة المتسخّط فكدّر حياته وحرمه، وعلم أنّ القنوع راض بقسمته فهنّأ عيشه وسلّمه. وأعوذ بعصمته من موردات الطمع، وألوذ برأفته من مخزيات الطّبع، وأسأله أن يرضينا بما قسم لنا من رزقه، ولا يجعل لنا تطلّعا إلى ما في أيدي خلقه، والصلاة على نبيّه وصفوته، ورسوله وخيرته، الراضي من الدنيا بكفافها وميسورها، الرافض لما آتاه من كنوزها حين حيزت له بحذافيرها، وعلى آله ما حسر الصبح عن ظلم الدياجي وديجورها.
(3/115)

(الباب العاشر في القناعة والظّلف والحرص والطمع)
[آيات وأحاديث وحكم]
«295» - جاء في تفسير قوله عزّ وجلّ: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً)
(النحل: 97) أنّ المراد بها القناعة. وقال تعالى لنبيّه عليه السلام: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى)
(طه: 131) .
«296» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: القناعة مال لا ينفد.
«297» - وقال صلّى الله عليه وسلم: ما عال من اقتصد.
«298» - وقال صلّى الله عليه وسلم: أربع من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، والحرص، والأمل.
«299» - ومن كلام عليّ بن أبي طالب عليه السلام: كفى بالقناعة ملكا، وبحسن الخلق نعيما. من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوّأ خفض
(3/116)

الدعة. ما أقبح الخشوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى. الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفيّ، وربما شرق شارب الماء قبل ريّه، وكلّما عظم قدر الشيء المتنافس فيه عظمت الرزيّة لفقده. والأماني تعمي البصائر. أزرى بنفسه من استشعر الطمع.
300- وقال أرسطاطاليس: لا غنى لمن ملكه الطمع واستولت عليه الأماني.
301- ويقال: لا تخلق نفسك بالحرص فتذهب عنك بهجة الوقار.
«302» - وقال أعرابيّ لرجل حريص على الدنيا: يا أخي أنت طالب ومطلوب: يطلبك ما لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، كأنك بما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، أما رأيت حريصا محروما وزاهدا مرزوقا؟
«303» - وقال آخر: الحرص ينقص من قدر الإنسان ولا يزيد في رزقه.
304- قيل: أنفق ما يكون التعب إذا وعد كذاب حريصا.
305- وقال آخر: احتمل الفقر بالتنزّه عما في يدي غيرك، والزم القناعة بما قسم لك، فإنّ سوء حمل الفقر يضع الشريف، ويخمل الذكر، ويوجب الحرمان.
«306» - قال أبو ذؤيب: [من الكامل]
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
«307» - وقال سالم بن وابصة: [من الطويل]
غنى النفس ما يكفيك من سدّ خلّة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
(3/117)

«308» - قال الكنديّ: العبد حرّ ما قنع، والحرّ عبد ما طمع.
«309» - قيل: إنّ الغنى والعزّ خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرّا.
309 ب- وقيل: انتقم من الحرص بالقناعة كما تنتصر من العدوّ بالقصاص.
«310» - قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم فأفسداها أشدّ من حرص المرء على المال.
«311» - وقال صلّى الله عليه وسلم: يهرم ابن آدم وتشبّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر.
312- وقال صلّى الله عليه وسلم: إنّ لكلّ رجل من الدنيا رزقا هو يأتيه لا محالة، من رضي به بورك له فيه ووسعه، ومن لم يرض به لم يبارك له فيه ولم يسعه.
«313» - وقال صلّى الله عليه وسلم: لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغه آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ [1] الحلال وترك الحرام.
«314» - وقيل: يا رسول الله: ما الغنى؟ قال: اليأس عما في أيدي الناس؛ وإياكم والطمع فإنه الفقر الحاضر.
«315» - قال عبد الملك لأعرابيّ: تمنّ. فقال: العافية. قال: ثم ماذا؟
قال: رزق في دعة، قال: ثم ماذا؟ قال: الخمول فإني رأيت الشرّ إلى ذي النباهة أسرع.
__________
[1] ح: في أخذ.
(3/118)

[أخبار في هذا الباب]
316- قال قتيبة: إنّ الحريص ليتعجّل الذلّة قبل إدراك البغية.
«317» - وقيل: لا راحة لحريص ولا غنى لذي طمع.
«318» - وقال جعفر بن محمد: ثمرة القناعة الراحة.
«319» - وقال عليّ بن موسى: القناعة تجمع إلى صيانة النفس وعزّ القدرة طرح مؤن الاستكثار والتعبّد لأهل الدنيا. ولا يسلك طريق القناعة إلّا رجلان:
إمّا متقلّل يريد أجر الآخرة، أو كريم يتنزّه عن لئام الدنيا.
«320» - وقالوا: الراضي القانع يعيش آمنا مطمئنا، مستريحا مريحا؛ والشّره الحريص لا يعيش إلّا تعبا نصبا في خوف وأذى.
«321» - قال عبيد الله بن زياد بن ظبيان: إياكم والطمع فإنه يردي، والله لقد هممت أن أفتك بالحجاج، فإني لواقف على بابه بدير الجماجم إذا أنا بالحجاج قد خرج على دابة ليس معه غير غلام، فأجمعت على قتله، فكأنه عرف ما في نفسي فقال: ألقيت ابن أبي مسلم؟ قلت: لا، قال: فالقه، فإنّ عهدك معه على الريّ. قال: فطمعت وكففت عنه، وأتيت يزيد بن أبي مسلم فسألته فقال: ما أمرني بشيء.
322- قال بعض الأعراب: [من الرجز]
أريد أن أبقى ويبقى ولدي ... وأن تدوم صحّتي وجلدي
موفّرا عليّ ما تحوي يدي ... وهذه أمانيات الفند
(3/119)

«323» - وقال كلثوم بن عمرو العتّابي: [من الطويل]
تلوم على ترك الغنى باهليّة ... زوى الدهر عنها كلّ طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن في الكسى ... مقلّدة أجيادها بالقلائد
أسرّك أني نلت ما نال جعفر ... من المال أو ما نال يحيى بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أغصّني ... مغصّهما بالمشرقات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّة ... ولم أتجشّم هول تلك الموارد
فإنّ جسيمات الأمور منوطة ... بمستودعات في بطون الأساود
«324» - صحب أعشى همدان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، خالد بن عتّاب بن ورقاء فقصّر به في العطاء، وأعطى الناس عطايا جعله في أقلّها، وفضّل عليه آل عطارد، فقال من أبيات: [من الطويل]
ما كنت ممّن ألجأته خصاصة ... إليك ولا ممّن تغرّ المواعد
ولكنّها الأطماع وهي مذلّة ... دنت بي وأنت النازح المتباعد
325- قال المدائني: أبطأ على رجل من أصحاب الجنيد بن عبد الرحمن ما قبله وهو على خراسان، وكان يقال للرجل: زامل بن عمرو، من بني أسد بن خزيمة. فدخل على الجنيد يوما فقال: أصلح الله الأمير، قد طال انتظاري، فإن رأى الأمير أن يضرب لي موعدا أنتهي إليه فعل، قال: موعدك الحشر. فخرج زامل وارتحل متوجها إلى أهله. ودخل على الجنيد بعد ذلك رجل من أصحابه فقال: [من الطويل]
أرحني بخير منك إن كنت فاعلا ... وإلّا فميعاد كميعاد زامل
(3/120)

فقال: وما فعل زامل؟ قال: لحق بأهله. فأبرد الجنيد في أثره بريدا، وبعث بعهده على الكورة التي يدرك بها، فأدرك بنيسابور فوليها.
«326» - وفد الوليد بن عقبة إلى معاوية، فقيل له: هذا الوليد بن عقبة بالباب فقال: والله ليرجعنّ مغيظا [1] غير معطى، فإنه قد أتانا يقول: عليّ دين وعليّ كذا وكذا. يا غلام إيذن له. فأذن له، فساءله معاوية وتحدّث معه فقال له: أما والله إن كنّا لنحبّ إتيان [2] مالك بالوادي وقد أعجب أمير المؤمنين، فإن رأيت أن تهبه ليزيد فعلت، قال الوليد: هو ليزيد. انظر يا أمير المؤمنين في شأني، فإنّ عليّ مؤونة وقد أرهقني دين [3] ، فقال له معاوية: ألا تستحيي بحسبك ونسبك [4] تأخذ ما تأخذه فتبذره ثم لا تنفكّ تشكو دينا؟! فقال الوليد: أفعل، ثم انطلق من مكانه وصار [5] إلى الجزيرة وقال: [الكامل المجزوء]
تأبى فعال الخير لا ... تروى وأنت على الفرات
فإذا سئلت تقول لا ... وإذا سألت تقول هات
أفلا تميل إلى «نعم» ... أو ترك «لا» حتى الممات؟
وبلغ معاوية مقدمه إلى الجزيرة فخافه وكتب إليه أن أقبل إليّ، فكتب إليه:
[من الطويل]
أعفّ وأستغني كما قد أمرتني ... فاعط سواي ما بدا لك وانحل [6]
__________
[1] الأغاني: معطيا.
[2] الأغاني: إيثار.
[3] ح: أرهقني ذلك.
[4] ح: بحسبك (وسقطت نسبك) .
[5] ع: وطار.
[6] ح: وابخل.
(3/121)

سأحدو ركابي عنك إنّ عزيمتي ... إذا نابني أمر كسلّة منصل
وإني امرؤ للرأي مني تطرّب [1] ... وليس شبا قفل عليّ بمقفل
ورحل إلى الحجاز، فبعث إليه معاوية بصلته وجائزته.
[عروة بن أذينة والرزق]
«327» - خرج عروة بن أذينة إلى هشام بن عبد الملك في قوم من أهل المدينة وفدوا عليه، وكان ابنه مسلمة بن هشام سنة حجّ أذن لهم في الوفود عليه. فلما دخلوا على هشام انتسبوا له [2] ، فقال له: ما جاء بك [3] يا ابن أذينة؟ فقال:
[من المتقارب]
أتينا نمتّ بأرحامنا ... وجئنا بإذن أبي شاكر
بإذن الذي سار معروفه ... بنجد وغار مع الغائر ضإلى خير خندف في ملكها
لباد من الناس أو حاضر
فقال له هشام: ما أراك إلّا قد أكذبت نفسك حيث تقول: [من البسيط]
لقد علمت وما الإشراف [4] من خلقي ... أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
فقال له ابن أذينة: ما أكذبت [5] نفسي يا أمير المؤمنين، ولكني صدقتها وهذا من ذاك. ثم خرج من عنده وركب راحلته راجعا إلى المدينة، فلما أمر لهم هشام
__________
[1] الأغاني: تطرف.
[2] لهم ... انتسبوا له: سقط كله من النسخة ع.
[3] ح: ما حاجتك.
[4] ع: الاسراف.
[5] ح: أكذب.
(3/122)

بجوائزهم تفقدهم فقال: أين ابن أذينة؟ فقالوا: غضب من تقريعك له فانصرف راجعا إلى المدينة. فبعث إليه بجائزته وقال للرسول: قل له قد أردت أن تكذبنا وتصدّق نفسك. فمضى الرسول فلحقه على ماء يتغدّى عليه فأبلغه رسالته ودفع إليه الجائزة فقال: قال له: قد صدقني الله وكذبك.
وبيت عروة الذي واقفه هشام عليه من قصيدة مختارة وبعده:
أسعى له فيعنّيني تطّلبه ... ولو جلست أتاني لا يعنّيني
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفّة من قوام العيش تكفيني
لا أركب الأمر تزري بي عواقبه ... ولا يعاب به عرضي [1] ولا ديني
كم من فقير غنيّ النفس تعرفه ... ومن غنيّ فقير النفس مسكين
ومن عدوّ رماني لو قصدت له ... لم آخذ النّصف منه حين يرميني
ومن أخ لي طوى كشحا فقلت له ... إنّ انطواءك عني سوف يطويني
إني لأنظر فيما كان من أربي ... وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
لا أبتغي وصل من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
[أبو دهمان الغلابي]
«328» - قال سعيد بن سلم [2] : كنت واليا بأرمينية، فغبر أبو دهمان الغلابي على بابي أياما، فلما وصل مثل بين يديّ بين السماطين فقال: إني والله لأعرف أقواما لو علموا أنّ سفّ التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم، إيثارا للتنزّه عن عيش رقيق الحواشي. أما والله إني لبعيد الوثبة [3] ، بطيء العطفة،
__________
[1] ح: رزقي.
[2] ح: سلام.
[3] ح ع: الوثيقة.
(3/123)

إنه والله ما يثنيني عليك إلّا مثل ما يصرفك عنّي، ولأن أكون مقلّا مقرّبا أحبّ اليّ مّن أن أكون مكثرا مبعدا، ما نسألك عملا لا نضبطه، ولا مالا إلّا ونحن أكثر منه.
إنّ هذا الأمر الذي صار في يدك قد كان في يد غيرك فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا، فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الحجاب، فإنّ حبّ عباد الله موصول بحبّ الله، وهم شهداء على خلقه، ورقباؤه على من اعوجّ سبيله.
[مزيد من الأخبار والأشعار]
329- قال المنصور لبعض أصحابه: سلني، فقال: يبقي الله أمير المؤمنين. فقال: ويحك اذكر ما تريد فليس كلّ وقت تؤمر بهذا. فقال: والله ما أغتنم مالك، ولا أخاف بخلك، ولا أستقصر عمرك، وإنّ سؤالك لزين، وإنّ عطاءك لشرف، وما بامرىء بذل وجهه إليك من عار. فتلافى المنصور بالمدح بما ليس فيه، وكفته القناعة من اجتدائه.
330- رئي بهلول في مقبرة فقيل له: هلّا خالطت الناس؟ فقال: إني بين قوم إن حضرت لم يؤذوني، وإن غبت لم يغتابوني. قيل له: فادع الله تعالى فإنّ الناس في ضرّ وشدة من الغلاء، فقال: وما عليّ من ذاك ولو بلغت الحبة دينارا، وإنما عليّ أن أعبد [1] الله تعالى كما أمرني، وعليه أن يرزقني كما وعدني.
«331» - قال رجل: دخلت على هند بنت المهلب فرأيت بيدها مغزلا تغزل به، فقلت لها: تغزلين؟ قالت: نعم سمعت أبي يذكر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال:
أعظمكنّ أجرا أطولكنّ طاقة؛ وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس.
__________
[1] ح: أحمد.
(3/124)

«332» - وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: المغزل في يد المرأة مثل الرمح في يد الغازي في سبيل الله تعالى.
«333» - روي أنّ كعبا لقي عبد الله بن سلام فقال: يا ابن سلام، من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما أذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ علموه ووعوه؟ قال: الطمع وشره النفس وطلب الحوائج إلى الناس.
«334» - قال شيخ كوفيّ من بني عبس: سألت الحسن عما تنبسط فيه أيدينا من الطعام فقال، قال عمر: كفى شرها إذا اشتهيت شيئا أكلته؛ وقال: إن كان عمر ليشتهي الشيء فيدافعه سنة.
335- قال فيلسوف: الإنسان يزداد على كثرة المال نهما كما تزداد النار على الحطب ضرما.
336- الطامع في وثاق الذلّ.
337- ربّ مغرق قد خاب، ومقتصد قد فاز.
338- قال الأصمعي: لقيت أعرابيّا في بعض نواحينا فقلت: ممّن الرجل؟
قال: من بني أسد، قلت: من أين أقبلت؟ قال: من البادية بأرض ما نريد بها بدلا ولا نبغي عنها حولا، بعجتها الغاديات، وحفّتها الفلوات، فنحن فيها بأرقّ عيشة وأنعم معيشة، فقلت: ما طعامكم فيها؟ فقال: بخ بخ أطيب طعام وأهنأه وأمرأه: الهبيد والفطس والعنكث والعلهز [1] ، وربّما والله أكلنا القديد واشتوينا
__________
[1] بهامش ع: الهبيد: حب الحنظل، والعلهز: دم يعالج بالوبر يأكلونه في الشدائد، والعنكث: نبت رديء يكون بالفلاة إذا هبت الريح قطعته من أصله. والفطس: شجرة تأكل منها الإبل، فإذا شبعت منها أصابها الهيام (وبعضه بهامش ح) .
(3/125)

الجلد، فما نرى أنّ أحدا أحسن منا حالا، ولا أرضى منا بالا ولا أخصب رحالا، فالحمد لله على ما رزقنا من القناعة وحسن الدعة، أما سمعت ما قاله قائلنا؟ قلت: وما قال؟ فأنشدني: [من الطويل]
إذا ما امتذقنا كلّ يومين مذقة ... بخمس تميرات صغار كوانز
فنحن ملوك الأرض خصبا ونعمة ... ونحن ليوث الحرب عند الهزاهز
«339» - وقال يزيد بن الحكم الثقفي: [من الطويل]
رأيت السخيّ النفس يأتيه رزقه ... هنيئا ولا يعطى على الحرص جاشع
وكلّ حريص لن يجاوز رزقه ... وكم من موفّى رزقه وهو وادع
«340» - وقال عمرو بن مالك الحارثي: [من البسيط]
الحرص للنفس فقر والقنوع غنى ... والقوت إن قنعت بالقوت مجزيها
والنفس لو أنّ ما في الأرض حيز لها ... ما كان إن هي لم تقنع بكافيها
«341» - وقال آخر: [من المتقارب]
لعمرك لليأس عند اليقي ... ن خير من الطمع الكاذب
«342» - وقال ابن هرمة: [من الطويل]
إذا أنت لم تأخذ من اليأس عصمة ... تشدّ بها في راحتيك [1] الأصابع
شربت بطرق الماء حيث لقيته ... على رنق واستعبدتك المطامع
__________
[1] ح: في الراحتين.
(3/126)

«343» - وقال أيضا: [من الطويل]
وفي اليأس عن بعض المطامع راحة ... ويا ربّ خير أدركته المطامع
«344» - وقال هدبة بن خشرم: [من الطويل]
وبعض رجاء المرء ما ليس نائلا ... عناء وبعض اليأس أعفى وأروح
«345» - وقال مكنف بن معاوية التميمي: [من المتقارب]
ترى المرء يأمل ما لن يرى ... ومن دون ذلك ريب الأجل
وكم آيس قد أتاه الرجاء ... وذي طمع قد لواه الأمل
«346» - قال عبد الله بن مسعود: لو أنّ العلماء أعزّوا العلم بما أعزّه الله تعالى، ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم، وصار الناس لهم تبعا.
ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من فضلهم فهانوا عليهم.
346 ب- كان سويد بن غفلة إذا قيل له قد ولي فلان قال: حسبي كسرتي وملحي.
347- وقيل: من أمّل رجلا هابه، ومن قصرّ عن شيء عابه.
«348» - قال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرزق، فبينا هو يمشي إذ أعيا، فأوى إلى خراب يستريح فيه، فبينا هو يدير بصره إذ وقعت عيناه على بناء فيه كتاب [1] : [من الكامل]
__________
[1] ح: فيه مكتوب.
(3/127)

إني رأيتك قاعدا مستقبلي ... فعلمت أنك للهموم قرين
هوّن عليك وكن بربّك واثقا ... وأخو التوكّل شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقه ... لما تيقّن أنه مضمون
قال: فرجع الفتى إلى بيته وقال: اللهم أدّبنا أنت.
349- قال عامر بن عبد قيس [1] : ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات في كتاب الله تبارك وتعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)
(هود: 6) (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)
(فاطر: 2) (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
(الأنعام: 17) 350- قال أنس: كان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله لا يدّخر شيئا لغد. وأهدي إليه صلّى الله عليه وعلى آله ثلاث طوائر فأطعم خادمه طائرا، فلما كان من الغد أتته به فقال لها لله: ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد فإنّ الله يأتي برزق كلّ غد [2] .
351- وقال صلّى الله عليه وسلم: قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه.
352- وقال صلّى الله عليه وسلم لابن مسعود: لا تكثر همّك، ما يقدّر يكن، وما ترزق يأتك.
353- قيل: ما ترك عيسى عليه السلام حين رفع إلّا مدرعة من صوف، وخفّي راع، وحذّافة يحذف بها الطير.
__________
[1] ح: عبد القيس.
[2] ح: كل يوم.
(3/128)

«354» - وروى بعض أصحاب عليّ عليه السلام قال: دخلنا عليه وبين يديه طبق من خوص عليه قرص أو قرصان من خبز شعير، وإنّ أشطاب النّخالة لتبين في الخبز، وهو يكسره على ركبته [1] ، ويأكله بملح جريش، فقلنا لجارية له سوداء يقال لها فضّة: ألا نخلت هذا الدقيق لأمير المؤمنين؟ فقالت: يأكل هو المهنّا ويكون الوزر في عنقي، فتبسّم عليّ عليه السلام وقال: أنا أمرتها أن لا تنخله. قلنا: فلم يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك أجدر أن يذلّ النفس، ويقتدي بي المؤمن، وألحق بأصحابي.
355- وقال سلمان الفارسي: قسمت الدنيا على درهمين: أبتاع بأحدهما خوصا والآخر طعاما، فأعمل الخوص، وإلى أن ينفد طعامي [أكون] قد عملت الخوص فأبيعه بدرهمين فأبتاع بأحدهما طعاما والآخر خوصا.
356- يقال [2] : من لزم العفاف هانت عليه موجدة الملوك.
357- قيل للزهريّ: ما الزهد؟ قال: ليس هو تقشّف الجلد ولا خشونة المطعم ولكن ظلف النفس عن محبوب الشهوات.
«358» - قال عليّ عليه السلام: لا تجاهد في الطلب جهاد المغالبة، ولا تتّكل على القدر اتّكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الفضل من السنّة، والإجمال في الطلب من العفة.
«359» - قال عيسى عليه السلام للحواريين: أنتم أغنى من الملوك، قالوا:
كيف؟ قال: لأنكم لا تطلبون وهم يطلبون.
__________
[1] ح: ركبتيه.
[2] ح: وقال.
(3/129)

360- أصحر الحسن يوما فرأى صيادا فقال: ما أكثر ما يقع في شبكتك؟
قال: كلّ طير زاقّ، فقال الحسن: هلك المعيلون.
«361» - في الحديث: إنّ الصفاة الزلّاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء الطمع.
362- شدة الحرص من سبل المتالف.
363- المرء توّاق إلى ما لم ينل.
«364» - النابغة الذبياني ويروى لأوس بن حجر: [من الوافر]
ولست بخابىء لغد طعاما ... حذار غد لكلّ غد طعام
365- آخر [1] : [من الطويل]
إذا كنت تأتي المرء توجب حقّه ... ويجهل منك الودّ فالهجر أوسع
366- آخر: [من البسيط]
لا تنكرنّ كلامي إنّ مخرجه ... من جرأة اليأس لا من هيبة الأمل
«367» - ضده لجرير [2] : [من الكامل]
إني لآمل منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحبّ العاجل
__________
[1] ح: ولغيره.
[2] ح ع: لجبير.
(3/130)

368- هشام بن إبراهيم البصري: [من الطويل]
وكم ملك جانبته عن كراهة ... لإغلاق باب أو لتشديد حاجب
ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عنّي وجوه المذاهب
«369» - بشار [1] : [من الكامل المرفّل]
اسكن إلى سكن تسرّ به ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحاملة ... في الحيّ [2] لا يدرون ما تلد
«370» - استشار ابن المعتز صديق له في عمل فقال: ربّما أورد الطمع ولم يصدر، وضمن [3] ولم يف، ومن تماسكت حاله في أهل طبقته وجب على عقله القناعة، وربّما شرق شارب الماء قبل ريّه، ومن تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار، وكلّما عظم قدر المتنافس فيه عظمت الفجيعة به. ومن ارتحله الحرص أنضاه الطلب. والأماني تعمي أبصار البصائر [4] ، والحظّ يأتي من لا يأتيه. وربما كان الطمع [5] وعاء حشوه المتالف. وأشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا.
«371» - حكيم: عزّ النزاهة أحبّ إليّ من فرح الفائدة، والصبر على
__________
[1] ح: قال بشار.
[2] ح: يا صاح.
[3] الصولي: ووعد.
[4] الصولي: الأبصار والبصائر.
[5] الصولي: وربما طاب.
(3/131)

العسرة أحبّ إليّ من احتمال المنّة.
«372» - قال قدامة بن زياد الكاتب: دخلت والحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات وعنده جماعة من خاصّة إخوانه، فجعل الجماعة منهم يشكون أحوالهم والحسن ساكت، وكنت فيمن شكا، فقال له محمد: يا أبا عليّ، إن كانت حالك تستغني عن الشكوى فإنّ ذلك يسرّني، وإن كانت على غير ذلك وأنفت من الشكوى إليّ لقد سؤتني، فقال الحسن: لا ولكني أخذت بقول الكميت حيث يقول [1] : [من الطويل]
صموت إذا ضجّ المطيّ كأنّما ... تكرّم عن أخلاقهنّ وترغب
«373» - قال الجاحظ: إنّ الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفّق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلّهم الملك والسياسة، أو التجارة والفلاحة، وفي ذلك ذهاب المعاش وبطلان المصلحة. فكلّ صنف من الناس مزيّن لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيرا أو خرقا قال: يا حجّام، والحجّام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: يا حائك، فأراد الله تعالى أن يجعل الاختلاف سببا للائتلاف، فسبحانه من مدبّر حكيم. وترى البدويّ في بيت من قطعة كساء، معمّد بعظام الجيف مع كلبه، لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بول الإبل، وطيبه القطران وبعر الظباء، وحلي امرأته الودع وثمار المقل، وصيده اليربوع في مفازة لا يسمع فيها إلّا نئيم بومة، وزقاء هامة، وعواء ذئب، وهو راض بذلك مفتخر به.
__________
[1] ح: إذ يقول.
(3/132)

«374» - قال الأصمعي: سمعت أعرابيّا يقول: عجبت للحريص المستقلّ لكثير ما في يده، والمستكثر لقليل ما في يد غيره، حتى طلب الفضل بذهاب الأصل، فركب مفاوز البراري ولجج البحار معرّضا نفسه للممات وماله للافات، ناظرا إلى من سلم، غير معتبر بمن عدم.
[لما افتتح الرشيد هرقلة]
375- لما افتتح الرشيد هرقلة أباحها ثلاثة أيام، وكان بطريقها الخارج إليه بسيل الرومي، فنظر إليه الرشيد مقبلا على جدار فيه كتاب باليونانية، وهو يطيل النظر فيه، فدعا به فقال: لم تركت الانتهاب وأقبلت على هذا الجدار تنظر فيه؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّ في هذا الجدار كتابا هو أحبّ إليّ من هرقلة وما فيها. قال الرشيد: ما هو؟ قال: بسم الله الملك الحقّ المبين، ابن آدم: غافص الفرصة عند إمكانها، وكل الأمور إلى وليها. لا تحمل على قلبك همّ يوم لم يأت، إن يكن من أجلك يأتك الله برزقك فيه، ولا تجعل سعيك في المال أسوة المغرورين، فربّ جامع لبعل حليلته. واعلم أنّ تقتير المرء على نفسه توفير منه على غيره. فالسعيد من اتّعظ بهذه الكلمات ولم يضيّعها. قال له الرشيد: أعدها عليّ يا بسيل، فأعادها حتى حفظها.
«376» - قال سعد بن أبي وقاص: يا بنيّ إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فإنها مال لا ينفد، وإيّاك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس فإنك لم تيأس من شيء قطّ إلّا أغناك الله عنه. الغنيّ من استغنى بالله، والفقير من افتقر إلى الناس.
[عود إلى إيراد أشعار]
«377» - قيس بن الخطيم: [من الوافر]
فقل للمتّقي غرض المنايا ... توقّ وليس ينفعك اتقاء
(3/133)

فلا يعطى الحريص غنى بحرص ... وقد ينمي على الجود الثراء
غنيّ النفس ما استغنت غنيّ ... وفقر النفس ما عمرت شقاء
378- قيل [1] : اثنان لا يجتمعان أبدا: القنوع والحسد.
«379» - الرضيّ في الأمل: [من الطويل]
غرست غروسا كنت أرجو لحاقها ... وآمل يوما أن تطيب جناتها
فإن أثمرت لي غير ما كنت أرتجي ... فلا ذنب لي إن حنظلت نخلاتها
380- المنتصر بن المتوكل في مثله [2] : [من الطويل]
متى ترفع الأيام من قد وضعنه ... وينقاد لي دهر عليّ جموح
أعلّل نفسي بالرجاء وإنني ... لأغدو على ما ساءني وأروح
381- بلبل الصفّار: [من الطويل]
وما صاحب السبعين والعشر بعدها ... بأقرب ممّن حنّكته القوابل
ولكنّ آمالا يؤمّلها الفتى ... وفيهنّ للراجين حقّ وباطل [3]
«382» - وقال الرضيّ: [من الطويل]
أرى كلّ زاد ما خلا سدّ جوعة ... ترابا وكلّ المال عندي آل
ومثلي لا يأسى على ما يفوته ... إذا كان عقبى ما ينال زوال
__________
[1] ح: قال.
[2] في مثله: سقطت من ح.
[3] وقع هنا خرم في ح ضاع بسببه مقدار ورقة.
(3/134)

«383» - وقال أيضا: [من الطويل]
وما جمعي الأموال إلّا غنيمة ... لمن عاش بعدي واتهاما لرازقي
«384» - وقال: [من الطويل]
فما التذّ طعم السير إلّا بمنية ... وإنّ الأماني نعم زاد المسافر
«385» - وقال: [من المتقارب]
ولا بدّ من أمل للفتى ... وأمّ المنى أبدا حامل
[مزيد من الحكايات]
386- قال عمر بن عبد العزيز: تعلّموا العلم فإنه عون للفقر، أما إني لا أقول تطلب به الدنيا ولكن يدعو إلى القنوع.
«387» - الأعشى: [من الطويل]
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
«388» - أصابت داود الطائي ضيقة شديدة، فجاءه حماد بن أبي حنيفة بأربعمائة درهم من تركة أبيه، فقال: هي من مال رجل ما أقدّم عليه أحدا في زهده وورعه وطيب كسبه، ولو كنت قابلا من أحد شيئا لقبلتها إعظاما للميت وإيجابا للحيّ، ولكني أحبّ أن أعيش في عزّ القناعة.
«389» - العبيد ثلاثة: عبد رقّ، وعبد شهوة، وعبد طمع.
(3/135)

«390» - لقي كعب عبد الله بن سلام فقال: يا ابن سلام من أرباب العلم؟
قال: الذين يعملون به. قال: فما أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد إذ علموه؟
قال: الطمع، وشدة الحرص، وطلب الحوائج إلى الناس.
«391» - قيل لحكيم: ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشابّ؟ قال:
لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشابّ.
«392» - قيل للاسكندر: ما سرور الدنيا؟ قال: الرضى بما رزقت منها.
قيل: فما غمّها؟ قال: الحرص.
«393» - إبراهيم بن المهدي: [من البسيط]
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب ... إنّ الحريص من الدنيا لفي تعب
قد يرزق المرء لم تنصب رواحله ... ويحرم الرزق من لم يؤت من طلب
«394» - سعيد بن جبير: الاغترار بالله المقام على الذنوب رجاء المغفرة.
«395» - الفضيل: الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف.
«396» - قيل لرجل: كيف حالك؟ قال: أخدم الرجاء إلى أن ينزل القضاء.
(3/136)

«397» - إياكم وطول الأمل فإنّ من ألهاه أمله أخزاه أجله.
«398» - أنذر أبا مسلم شيخ نصرانيّ حين دنا قتله، فبكى، فقال: لا تبك فإنك لم تؤت من رأي رنيق، ولا حزم وثيق، ولا تدبير نافع، ولا سيف قاطع، ولكن ما اجتمع لأحد أمله إلّا أسرع في تفريقه أجله.
هو من قول عليّ عليه السلام: من بلغ أقصى أمله، فليتوقّع أدنى أجله.
399- قيل لراهب بالشام عليه مدرعة صوف ضيّقة الكمين: لم ضيّقت كمّيك؟ قال: إنّ المسيح أمرنا أن نضيّق أكمامنا لئلّا ندّخر فيها شيئا إذا فضل عنّا.
«400» - قال عباد بن منصور: كان بالبصرة من هو أفقه من عمرو بن عبيد وأفصح، ولكنّه كان أصبرهم عن الدرهم والدينار فساد أهل البصرة. قال له خالد بن صفوان: لم لا تأخذ منّي قال: لا يأخذ أحد من أحد إلّا ذلّ له، وأنا أكره أن أذلّ لغير الله. وكان معاشه من دار غلّتها دينار في الشهر.
401- حبس عمر بن عبد العزيز الغداء على مسلمة حتى برّح به الجوع، ثم دعا بشربة سويق فسقاه، حتى إذا انتفخ بطنه دعا بالغداء فلم يقدر على الأكل فقال: يا مسلمة أما يكفيك من الدنيا ما ترى؟ قال: بلى. قال: فعلام التقحّم في النار؟.
«402» - وقف الملك على سقراط وهو في المشرقة، وقد أسند ظهره إلى حبّ
(3/137)

كان يأوي إليه، فقال: سل حاجتك قال: حاجتي أن تزيل عنّي ظلك، فقد منعتني المرفق بالشمس. فدعا له بذهب وبكسى فاخرة من الديباج والقصب، فقال: ليس بسقراط حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبت ولعاب الدود، إنّ حاجته إلى شيء يكون معه أنّى توجه.
«403» - التقى عبد الرحمن بن عوف وأبو ذر، فقبّل عبد الرحمن ما بين عيني أبي ذرّ لكثرة سجوده، وقبّل أبو ذرّ يمين عبد الرحمن لكثرة صدقته. فلما افترقا بعث إليه عبد الرحمن ببدرة وقال لغلامه: إن قبلها منك فأنت حرّ، فأبى أن يقبلها. فقال الغلام: اقبل رحمك الله، فإنّ في قبولك عتقي، فقال أبو ذرّ: إن كان عتقك فيه فإنّ فيه رقّي، وردّها.
«404» - من كلام عليّ عليه السلام: لا تجاهدوا الطلب مجاهدة الغالب، ولا تتكلوا على القدر اتّكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الرزق من السنّة، والإجمال في الطلب من العفّة، وليست العفّة بدافعة رزقا، ولا الحرص بجالب فضلا.
(3/138)

نوادر من هذا الباب
«405» - قال رجل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم تقل هذا إلّا وفي نفسك خير تصنعه إليّ [1] .
«406» - وقيل: إنه لم يمت شريف قط من أهل المدينة إلّا استعدى أشعب على وصيّه أو وارثه [وقال له: احلف أنه لم يوص لي بشيء قبل موته] [2] .
«407» - وسأل سالم بن عبد الله بن عمر أشعب عن طمعه فقال: قلت لصبيان مرة هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا فلما أحضروا ظننت أنه كما قلت فعدوت في أثرهم.
«408» - وقال مرّة: بلغ من طمعي أني إذا رأيت دخان جاري أثرد [3] . وما رأيت اثنين يتسارّان إلّا ظننت أنهما يأمران لي بشيء.
__________
[1] ح: تصنعه بي.
[2] الزيادة من نهاية الأرب.
[3] ح: فأثرد.
(3/139)

«409» - وقال: ما رأيت عروسا بالمدينة تزفّ إلّا كنست بيتي ورششته طمعا في أن تزفّ إليّ.
«410» - ووقف على رجل يعمل طبقا من الخيزران فقال له: وسّعه قليلا، قال الخيزراني: كأنك تريد أن تشتريه؟ قال: لا ولكن يشترى لبعض الأشراف فيهدي إليّ فيه شيئا.
«411» - وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلب أمّ حومل تبعني فرسخين وأنا أمضغ كندرا ولقد حسدته على ذلك.
«412» - وسئل مرة عن مثل ذلك فقال: نعم، خرجت إلى الشام مع رفيق لي، فنزلنا بعض الديارات فتلاحينا في شيء، فقلت: أير الراهب في حر أمّ الكاذب، فلا نشعر إلّا بالراهب قد اطّلع علينا وقد أنعظ وهو يقول: أيّكما الكاذب؟
«413» - قال أشعب: تعلّقت بأستار الكعبة فقلت: اللهمّ أذهب عنّي الحرص والطلب إلى الناس، فمررت بالقرشيّين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئا، فجئت إلى أمي فقالت: ما لك قد جئت خائبا؟ فأخبرتها فقالت: لا والله لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربّك، فجعلت أقول: يا ربّ أقلني. ثم رجعت فما مررت بمجلس لقريش ولا غيرهم إلّا أعطوني. ووهب لي غلام فجئت إلى أمي بحمّال موقر من كلّ شيء فقالت: ما هذا الغلام؟ فخفت أن أخبرها فتموت فرحا، فقلت: وهبوا لي، فقالت أيّ شيء قلت؟ قلت: غين. قالت: أيّ شيء
(3/140)

قلت؟ قلت: لام، قالت: أيّ شيء قلت؟ قلت: ألف، قالت: أيّ شيء قلت؟ قلت: ميم. قالت: وأيّ شيء ميم؟ قلت: غلام. فغشي عليها، ولو لم أقطّع الحروف لماتت الفاسقة فرحا.
«414» - وكان لأشعب خرق في بابه [1] ، فينام ويخرج يده من الخرق، يطمع أن يجيء إنسان فيطرح في يده شيئا.
415- قطع على رجل فلقيه صديق له فقال: أحسبك جئت بخفّي حنين، فقال: تلقّاني حنين في الطريق فأخذ الخفّين من رجليّ وتركني حافيا.
ومما وضع على لسان الحيوان:
416- قالوا: جاء روميّ بخنزير فشدّه على اسطوانة، ووضع القتّ بين يديه ليسمّنه، وإلى جنبه أتان لها جحش كان يلتقط ما تناثر منه، فقال لأمه: ما أطيب هذا العلف، قالت: لا تغترّ بهذا العلف فإنّ وراءه الطامة الكبرى. فلما وضع السكين على حلق الخنزير ورآه الجحش وهو يضرب وينفح هرب وأتى أمه وأطلع أسنانه وقال: ويحك انظري هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف؟
«417» - ومنه: أنّ قصّارا كان يعمل على شاطىء نهر، وكان يرى كلّ يوم كركيا يجيء فيلتقط من الحمأة دودا ويقتصر في القوت عليه، فرأى يوما بازيا قد ارتفع في الجوّ فاصطاد حماما فأكل منها بعضا وترك في موضعها البعض وطار، فتفكر الكركي في نفسه وقال: ما لي لا أصطاد الطير كما يصطاد البازيّ، وأنا أكبر جسما منه، فارتفع في الجوّ وانقضّ على حمام فأخطأه وسقط في الحمأة فتلطّخ ريشه ولم يمكنه أن يطير، فأخذه القصّار وحمله إلى منزله، فاستقبله رجل
__________
[1] ح: في عتبة داره.
(3/141)

فقال له: ما هذا؟ فقال: كركي يتصقّر.
418- منصور الحراني: [من الطويل]
سعى نحونا يبغي القرى طاوي الحشا ... لقد عملت فيه الظنون الكواذب
فبات له منّا إلى الصبح شاتم ... يعدّد تطفيل الضيوف وضارب
419- قال عبد الملك حين حجّ لحبّى المدينية: ما فعلت خزيرتك؟
فقالت: البرمة عندي، وعندي أقط وسمن. فعملتها له، فأكل منها وقال: يا حبّى ليست كما كنت أعهد. فقالت: ألهاك عنها زمكّى الدجاج، قال:
صدقت، وأمر لها بمال.
«420» - قال رجل لمدنيّ: أيسرّك أنّ هذه الدار لك؟ قال: نعم، قال:
وليس إلّا نعم؟ قال: وكيف أقول؟ قال: تقول نعم، وأحمّ سنة وأعوّر.
«421» - وروي عن معاوية أنه قال لجلسائه مرّة: وددت لو أنّ الدنيا في يدي بيضة نيمبرشت وأحسوها كما هي. وهذا خبر غريب بعيد أورده الزمخشريّ اللغويّ في كتابه المعروف بربيع الأبرار.
422- كتب على عصا ساسان: الحركة بركة، والتواني هلكة، والكسل شؤم، والأمل زاد العجزة، وكلب طائف خير من أسد رابض، ومن لم يحترف لم يعتلف.
423- خرج جماعة إلى سلطان يتطلّبون شغلا فلم يجدوا، فقال بعضهم: تقوّتوا الإرجاف وانتظروا الدّول.
(3/142)

«424» - كان رجل يأكل الحوّارى ويطعم عبده الخشكار، فاستباع العبد فاشتراه آخر، فكان يأكل الخشكار ويطعمه الشعير، فاستباع فاشتراه آخر فكان يأكل الشعير ويطعمه النّخالة، فاستباع فاشتراه آخر فكان يجيعه وإذا قعد بالليل وضع السراج على رأسه فلم يستبعه، فقيل له في ذلك، فقال: أخشى إن باعني أن أقع إلى من يضع الفتيلة في حدقتي [1] .
يتلوه:
باب صون السرّ وتحصينه وذمّ السعاية والنميمة.
__________
[1] في ح: نجز الباب العاشر والحمد لله رب العالمين.
(3/143)

الباب الحادي عشر ما جاء في صون السّر وتحصينه وذمّ السّعاية والنّميمة
(3/145)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الذي أحاط علما بما تجنّه الضمائر، ولم يعزب عنه معرفة ما انطوت عليه السرائر، سواء عنده الإعلان والنجوى، وكلّ سارب وسار في اطلاعه شروى، الداعي إلى التخلّق بكلّ خلق كريم، النّاهي عن طاعة كلّ همّاز مشّاء بنميم. أحمده على مواهبه الجسام الحسان، وأسأله توفيقا يقبض اليد عن السوء ويقضي بخزن اللسان، وأسأله الصلاة على نبيّه الحافظ سرّ الغيب، المنزّه عن الطعن والعيب، وعلى آله البرءاء من مظنّة الشكّ والرّيب.
(3/147)

(الباب الحادي عشر ما جاء في صون السر وتحصينه وذم السعاية والنميمة)
[آيات وأحاديث وحكم]
425- من شواهد الكتاب العزيز في السرّ (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى)
(النجم: 10) وما هو على الغيب بظنين (التكوير: 24) في قراءة من قرأة بالظاء أي بمتهم، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير والكسائي. وفي ضده (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)
(القلم: 10- 11) .
الآثار
«426» - روي أنّ النبي صلّى الله عليه وعلى آله قال: لعن المثلّث فقيل: يا رسول الله ومن المثلث؟ قال: الذي يسعى بصاحبه إلى سلطانه، فيهلك نفسه وصاحبه وسلطانه.
«427» - وقال صلّى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفعنّ إلينا عورة أخيه المؤمن.
428- وقال صلّى الله عليه وسلم: إنّ ذا الوجهين لا يكون وجيها عند الله.
(3/148)

«429» - وفي الحديث: لا يراح القتّات رائحة الجنة. وفي لفظ آخر: لا يدخل الجنة قتات؛ والقتّات النمّام.
بدأنا بما جاء عن الرسول صلّى الله عليه وسلم لما يجب من تقديمه والشرف بإيراده، ونذكر الآن ما جاء في صون السرّ وتحصينه، ثم نعود إلى ما بدأنا به.
«430» - قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من كتم سرّه كان الخيار في يده.
«431» - وقال عليّ كرّم الله وجهه: الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين السر.
432- ويقال: من وهي الأمر إعلانه قبل إحكامه.
«433» - وقيل من حصّن سرّه فله من تحصينه إياه خلّتان: إما الظفر بما يريد، وإما السلامة من العيب والضرر إن أخطأه الظفر.
«434» - وذكر العتبي أنّ معاوية أسرّ إلى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان حديثا فقال عمرو: فجئت إلى أبي فقلت: إنّ أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثا أفأحدّثك به؟ فقال: لا، لأنه من كتم حديثه كان الخيار إليه، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تجعل نفسك مملوكا بعد أن كنت مالكا. قلت: أو يدخل هذا بين
(3/149)

الرجل وأبيه؟ قال: لا، ولكن أكره أن يذلّل لسانك بإفشاء السر. قال:
فرجعت إلى معاوية فذكرت ذلك له فقال: أعتقك أخي من رقّ الخطأ.
«435» - وقيل: كلّما كثر خزّان الأسرار زادت ضياعا. انفرد بسرّك لا تودعه خازنا [1] فيزلّ ولا جاهلا فيخون.
«436» - أسرّ رجل إلى صديق له حديثا فلما استقصاه قال له: أفهمت؟
قال: بل نسيت.
«437» - وقيل لآخر: كيف كتمانك للسرّ؟ قال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر.
«438» - وقال عمرو بن العاص: إذا أنا أفشيت سرّي إلى صديقي فأذاعه، فهو في حلّ، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أنا كنت أحقّ بصيانته.
«439» - وقال أيضا: من طلب لسرّه موضعا فقد أشاد به.
__________
[1] ح: حازما.
(3/150)

«440» - ويقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه فلم يبده لصديقه، فيوشك أن يصير عدوّا فيذيعه.
«441» - وقال المهلب: أدنى أخلاق الشريف كتمان السر، وأعلى أخلاقه نسيان ما أسرّ إليه.
وقد قال الشعراء في هذا الباب فأكثروا، فمن مختار شعرهم وعيونه:
[أشعار في صون السر]
«442» - قول امرىء القيس: [من الطويل]
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزّان
«443» - وكان عليّ عليه السلام ينشد كثيرا هذين البيتين، فقوم ينسبونهما إليه وقوم يقولون إنما كان ينشدهما متمثلا: [من المتقارب]
فلا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرّجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا
«444» - وقال قيس بن الخطيم: [من الطويل]
إذا جاوز الاثنين سرّ فإنه ... ببثّ وتكثير الحديث قمين
(3/151)

وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ضمنته [1] ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
«445» - وقال آخر: [من الطويل]
سأكتمه سرّي وأحفظ سرّه ... ولا غرّني أني عليه كريم
حليم فينسى أو جهول يضيعه ... وما الناس إلّا جاهل وحليم
«446» - وقال آخر: [من الطويل]
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
«447» - وقال كعب بن سعد الغنويّ: [من الطويل]
ولست بمبد للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بسؤول
«448» - وقال مسكين الدارمي: [من الطويل]
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها
يظلون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
لكلّ امرىء منهم من القلب شعبة ... وموضع نجوى لا يرام اطّلاعها
__________
[1] ح: أمنته.
(3/152)

«449» - وقال أبو مسلم صاحب الدولة [1] : [من البسيط]
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ جهدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولّى رعيها الأسد
«450» - وقال ابن المعتز: [من البسيط]
وربّ سرّ كنار الصخر كامنة ... أمتّ إظهاره مني فأحياني
«451» - وقال أبو إسحاق الصابي: [من الطويل]
لسرّ صديقي مكمن في جوانحي ... تمنّع أن تدنو إليه المباحث
تغلغل مني حيث لا تستطيعه ... كؤوس الندامى والأنيس المحادث
إذا الفحص آلى جاهدا أن يناله ... تراجع عنه وهو خزيان حانث
فقل لصديقي كن على السرّ آمنا ... إذا لم يكن ما بيننا فيه ثالث
كأنه أشار في هذا البيت إلى قول جميل: [من الطويل]
ولا يسمعن سرّي وسرّك ثالث ... ألا كلّ سرّ جاوز اثنين ضائع
«452» - وقال الصابي أيضا: [من الطويل]
__________
[1] ح: صاحب الدعوة.
(3/153)

وللسرّ فيما بين جنبيّ مكمن ... خفيّ قصيّ عن مدارج أنفاسي
أضنّ به ضنّي بموضع حفظه ... فأحميه عن إحساس غيري وإحساسي
فقد صار كالمعدوم لا يستطيعه ... يقين ولا ظنّ لخلق من الناس
كأنّي من فرط احتياطي أضعته ... فبعضي له واع وبعضي له ناس
«453» - وقال كثير: [من الطويل]
كريم يميت السرّ حتى كأنه ... إذا استنطقوه عن حديثك جاهله
رعى سرّكم مستودع القلب والحشا ... شفيق عليكم لا تخاف غوائله
وأكتم نفسي بعض سرّي تكرّما ... إذا ما أضاع السرّ في الناس حامله
«454» - وقال الرقاشي: [من الطويل]
إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق ... كلاما تكلّمنا بأعيننا سرّا
فنقضي ولم يعلم بنا كلّ حاجة ... ولم نكشف النجوى ولم نهتك السترا
«455» - وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه: [من الطويل]
إذا كان لي سرّ فحدثته العدى ... وضاق به صدري فللنّاس أعذر
هو السرّ ما استودعته وكتمته ... وليس بسرّ حين يفشو ويظهر
«456» - وقال الحسن: ما كتمته عن عدوّك لا تظهره لصديقك.
(3/154)

«457» - شاعر: [من الطويل]
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرّعته من غيظ ما أتجرّع
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفسي تطّلع
458- وقال الآخر: [من الطويل]
لعمرك ما الشكوى بأمر حزامة ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
«459» - وكان خالد بن صفوان يقول: احترزوا من العين فإنّها أنمّ من اللسان.
«460» - وقد قال المتغزّل في حفظ سرّ محبوبه ما لو قاله مستودع سرّ الملك لكان محسنا: [من الطويل]
ومستخبر عن سرّ ريّا رددته ... بعمياء من ريّا بغير يقين
فقال ائتمنّي إنني ذو أمانة ... وما أنا إن خبّرته بأمين
[في الغيبة والسعاية]
«461» - كتب محمد بن خالد إلى ابن الزيات: إنّ قوما صاروا إليه منتصحين فذكروا أنّ رسوما للسلطان قد عفت ودرست، وأنه توقّف عن كشفها إلى أن يعرف موقع رأيه فيها، فوقّع على رقعته: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وسوق السّعاة تكسد عندنا، وألسنتهم تكلّ في أيامنا، فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك، فلم ترد الناحية لكشف الرسوم العافية، ولا لتحيي الأعلام الداثرة، وجنّبني وتجنّب قول جرير: [من الوافر]
وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا
(3/155)

فأجر الأمر على ما يكسبنا الدعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدّة تنقضي فإما خزي طويل، وإما ذكر جميل.
462- قال أنس: من اغتاب المسلمين، وأكل لحومهم بغير حقّ، وسعى بهم إلى السلاطين، جيء به يوم القيامة مزرقّة عيناه، ينادي بالويل والثبور والندامة، يعرف أهله ولا يعرفونه.
«463» - ابن الرومي: [من الطويل]
ولو بلّغتني عنك أذني أقمتها ... لديّ مقام الكاشح المتكذّب
ولست بتقليب اللسان مصارما ... خليلي إذا ما القلب لم يتقلّب
«464» - قال رجل لعمرو بن عبيد: إنّ الأسواريّ لم يزل يذكرك ويقول:
الضالّ، فقال عمرو: يا هذا والله ما رعيت حقّ مجالسته حين نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقّي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه. اعلم أنّ الموت يعمّنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا.
465- المستورد رفعه: من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله مثلها من نار جهنّم (وهو أن يسعى بأخيه ويجترّ نفعا بسعايته) .
«466» - قال عليّ عليه السلام: الساعي ظالم لمن سعى به، خائن لمن سعى إليه.
«467» - وقال معاوية للأحنف في شيء بلغه عنه، فأنكره الأحنف: بلّغني عنك الثقة، فقال الأحنف: إنّ الثقة لا يبلّغ.
(3/156)

«468» - وقال عبد الله بن همام [من الطويل]
أنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
«469» - وكان الفضل بن سهل يبغض السعاة، وإذا أتاه ساع قال له: إن صدقتنا أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك.
«470» - ويشبهه ما ذكر عن الوليد بن عبد الملك أنه قال لمنتصح أتاه يستخليه: إن كانت نصيحتك لنا فأظهرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة بنا إليها.
فقال: لي جار أخلّ ببعثه، فقال له: أما أنت فقد خبّرتنا أنك جار سوء، فإن شئت أن ننظر فإن كنت صادقا أقصيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تاركناك، فقال: تاركوني.
«471» - وكتب الفضل بن سهل في جواب كتاب ساع: ونحن نرى أنّ قبول السعاية شرّ من السعاية، لأنّ السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء وأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتّقوا الساعي فإنه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة.
«472» - وجاء رجل إلى الوليد بن عبد الملك فقال: إنّ فلانا نال منك، فقال: أتريد أن تقتصّ أو تارك من الناس بي؟
(3/157)

«473» - وقال له رجل: إنّ فلانا شتمك، فقال: أتراه [1] شتمك؟! «474» - رفع بعض السعاة إلى أبي العباس السفاح قصة بسعاية على بعض عماله، فوقّع فيها: هذه نصيحة لم يرد بها ما عند الله عزّ وجلّ، ونحن لا نقبل قول من آثرنا على الله تعالى.
475- وقال بعضهم: رأيت المأمون قد ضرب غسّان بن عباد خمس عشرة درة لإعادته حديثا على النبيذ.
«476» - لما ولي عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك دمشق ولم يكن في بني أميّة ألبّ منه مع حداثة سنّه، قال أهل دمشق: هذا غلام شابّ لا علم له بالأمور وسيسمع منا. فقام إليه رجل فقال: أصلح الله الأمير، عندي نصيحة، قال:
ليت شعري ما هذه النصيحة التي ابتدأتني بها من غير يد سبقت إليك مني؟
قال: جار لي عاص متخلّف عن ثغره، فقال له: ما اتّقيت الله تعالى، ولا أكرمت أميرك، ولا حفظت جوارك. إن شئت نظرنا فيما تقول: فإن كنت صادقا لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت أقلناك. قال:
أقلني. قال: اذهب حيث شئت لا صحبك الله، إني أراك شرّ جيل رجلا. ثم قال: يا أهل دمشق، أما أعظمتم ما جاء به الفاسق؟ إنّ السعاية أحسب منه سجية، ولولا أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب قبل أن يعاتب، كان لي في ذلك رأي، فلا يأتينّي أحد منكم بسعاية على أحد بشيء، فإنّ الصادق فيها فاسق، والكاذب فيها بهّات.
477- قيل: من سعى بالنميمة حذره الغريب ومقته القريب.
__________
[1] ح: أراه.
(3/158)

478- قال ابن المعتز: النمام جسر الشرّ.
«479» - قال السريّ الرفّاء يذمّ مذيعا للسرّ: [من البسيط]
سرّي لديك كأسرار الزجاجة لا ... يخفى على العين منها الصفو والكدر
فاحذر من الشعر كسرا لا انجبار له ... فللزجاجة كسر ليس ينجبر
وقال أيضا في مثله: [من الوافر]
وانك كلّما استودعت سرّا ... أنمّ من النسيم على الرياض
«480» - وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: [من الطويل]
أناس أمنّاهم فنمّوا حديثنا ... فلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا
«481» - والجيّد في ذلك قول الأول: [من البسيط]
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرّا أذيع وإن لم يسمعوا كذبوا
«482» - وقال آخر: [من البسيط]
إنّ النّموم أغطّي دونه خبري ... وليس لي حيلة في مفتري الكذب
«483» - خطب أبو الأسود الدؤلي امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسرّ أمرها إلى صديق له من الأزد يقال له الهيثم بن زياد، فحدّث به ابن عم لها كان يخطبها، وكان لها مال عند أهلها [فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى
(3/159)

أهلها] الذين مالها في أيديهم، فأخبرهم خبر أبي الأسود وسألهم أن يمنعوها من نكاحه ومن مالها الذي في أيديهم، ففعلوا وضارّوها حتى تزوّجت ابن عمها، فقال أبو الأسود في ذلك: [من الطويل]
لعمري لقد أفشيت يوما فخانني ... إلى بعض من لم أخش سرّا ممنّعا
فمزّقه مزق العمى وهو غافل ... ونادى بما أخفيت منه فأسمعا
حديثا أضعناه كلانا فلن أرى ... وأنت نجيّا آخر الدهر أجمعا
وكنت إذا ضيّعت سرّك لم تجد ... سواك له إلّا أشتّ وأضيعا
«484» - كان مسلم بن الوليد جالسا بين يدي يزيد بن مزيد فأتاه كتاب فيه مهمّ له فقرأه ثم أراد القيام، فقال له مسلم: [من البسيط]
الحزم تخريقه إن كنت ذا حذر ... وإنما الحزم سوء الظنّ بالناس
لقد أتاك وقد أدّى أمانته ... فاجعل أمانته في بطن أرماس
قال فضحك يزيد وقال: صدقت لعمري، وخرّق الكتاب.
«485» - قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: من سمع بفاحشة فأفشاها فهو الذي أتاها.
485 ب- أبو تمام: [من الطويل]
منيع نواحي السرّ منه حصينها
«486» - المتنبي: [من الطويل]
وللسرّ مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب
(3/160)

«487» - ابن نباتة: [من الطويل]
أكاتم قلبي رأي عيني وإنه ... ليكتم عنّي سرّ كلّ خليل
«488» - الأحوص: [من الطويل]
كريم يميت السرّ حتى كأنه ... عم بنواحي أمره وهو خابر
489- دنا رجل من آخر فكلّمه فقال: ليس ها هنا أحد فقل، فقال: من حقّ السرّ التداني.
«490» - شاعر في ضد ذلك: [من الطويل]
فلا تودعي الأسرار أذني فإنما ... تصبّين ماء في إناء مثلّم
«491» - آخر: [من الطويل]
أمنت على السرّ امرءا غير حازم ... ولكنّه في النصح غير مريب
أذاع به في الناس حتى كأنّه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب
«492» - ليم بعضهم على إفشاء السرّ فقال: المصدور إذا لم ينفث جوي، والمهجور إذا لم يشك وري.
«493» - قال الزبير: لما وفدت على المتوكل قال لي: ادخل إلى أبي عبد الله
(3/161)

يعني المعتز، فدخلت إليه وهو صبيّ فحدثته وأنشدته، وسألني عن الحجاز وأهله، ثم نهضت لأنصرف فعثرت فسقطت فقال لي المعتز: يا زبير:
[من الطويل]
كم عثرة لي باللسان عثرتها ... تفرّق من بعد اجتماع من الشمل
يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل
(3/162)

نوادر من هذا الباب
494- عوتب رجل على إظهار ما في نفسه فقال: لا بدّ للملآن أن يفيض.
495- وعوتب آخر فقال: من طال صبره ضاق صدره.
496- وقال آخر: راحة ذي الأحزان في شكواه.
«497» - وقيل: كان أبو إسحاق النظام أضيق الناس صدرا بحمل سرّ، وكان شرّ ما يكون إذا يؤكد [1] عليه صاحب السرّ، وكان إذا لم يؤكد عليه [ربما] نسي القصة، فسلم عليه صاحب السرّ؛ فقال له قاسم التمار: سبحان الله ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، والله لأشكونّك في الناس. فقال: يا هؤلاء سلوه، نممت عليه مرة ومرتين وثلاثا وأربعا، فلمن الذنب الآن؟ فلم يرض بأن يشاركه في الذنب حتى صيّر الذنب كلّه لصاحب السرّ.
«498» - وقال شاعر: [من الطويل]
لا أكتم الأسرار لكن أنمّها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي
فإنّ قليل العقل من بات ليله ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
__________
[1] ح ع: توكد.
(3/163)

«499» - وقال آخر: [من الوافر]
وأمنع جارتي من كلّ خير ... وأمشي بالنميمة بين صحبي
«500» - ضرط رجل بحضرة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فلما حضرت الصلاة قال عمر: عزمت على من كانت هذه الضرطة منه إلّا توضّأ، فقال جرير بن عبد الله البجلي: لو عزمت علينا جميعا أن نتوضّأ كان أستر للرجل وأكرم في الفعل. فقال عمر: جزاك الله خيرا، فلقد كنت سيّدا في الجاهلية، وأنت سيّد في الاسلام، عزمت عليكم إلّا توضّأتم. ثم قاموا جميعا، وسترت على الرجل.
«501» - وضرط أبو الأسود الدؤلي بحضرة معاوية فقال: اكتمها عليّ، وكانا خاليين. ثم دخل عليه الناس فأحبّ أن يضع منه فأشاعها، فقال أبو الأسود: إنّ رجلا اؤتمن على ضرطة فلم يكتمها لحريّ أن لا يؤتمن على أمر الأمّة.
«502» - كان المتوكل على بركة يصيد السمك وعنده عبادة المخنّث، فتحرك المتوكل فخرجت منه ريح، فقال لعبادة: اكتمها عليّ فإنّك إن ذكرتها ضربت عنقك. ودخل الفتح فقال: أيّ شيء صدتم اليوم؟ فقال له عبادة: ما صدنا شيئا، والذي كان معنا أفلت.
«503» - قيل للوطيّ: ويحك، إنّ من الناس من يسرق ويزني ويعمل العظائم سنين كثيرة وأمره مستور، وأنت إنما لطت منذ شهور، وقد شهرت
(3/164)

وافتضحت. فقال: من يكون سرّه عند الصبيان كيف تكون حاله؟! «504» - كان ببغداد رجل يتعبّد اسمه رويم، فولي القضاء، فلقيه جنيد فقال: من أراد أن يستودع سرّه من لا يفشيه فعليه برويم، فإنه كتم حبّ الدنيا أربعين سنة حتى قدر عليها.
«505» - انقطع عبد الملك بن مروان عن أصحابه فانتهى إلى أعرابيّ فقال له:
أتعرف عبد الملك؟ قال: نعم جائر بائر، قال: ويحك، أنا عبد الملك بن مروان، قال: لا حيّاك الله ولا بيّاك ولا قرّبك، أكلت مال الله وضيّعت حرمته، قال:
ويلك أنا أضرّ وانفع، قال: لا رزقني الله نفعك، ولا دفع عني ضرّك. فلما وصلت خيله قال: يا أمير المؤمنين، اكتم ما جرى فالمجالس بالأمانة [1] .
يتلوه:
باب في العدل والجور.
__________
[1] هنا في ح: تمّ باب السرّ وتحصينه.
(3/165)

الباب الثّاني عشر ما جاء في العدل والجور
(3/167)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله المقسط في قضائه العادل، الحكيم بين عباده الفاصل، مجزل العطاء الفاضل، ودافع البلاء النازل، مبيد الظلم وأهله، ومبير الجور وفعله.
وعد على العدل أحسن الجزاء والثواب، وتوعّد الظالم المسيء بأليم العقاب.
سوّى بين المشركين والقاسطين فجعلهم لجهنّم حطبا ووقودا، وأخزاهم فيها خامدين لا يستطيعون عنها حولا ولا محيدا، كافى بين الدّماء فلم يكن لملك على سوقة فيها اختصاص، وحكم بأنّ الجروح وإن اختلفت المنازل قصاص، تعديلا بين القويّ والمستضعف، وحجزا عن العدوان والتحيّف، يمهل الكافرين إذا عدلوا حتى يستوفوا أجلهم، ويعجّل للظالمين وإن أسلموا رحمة لعباده وانتقاما لهم. فله الحمد منعما ومنتقما، ولإحسانه الشكر منتصرا وراحما. والصلاة على محمد المختار للرسالة المرتضى، المأمور بالعدل في الغضب والرضى، وعلى آله ما حسر الضياء ثوب الظلام ونضا.
(3/169)

(الباب الثاني عشر في العدل والجور)
[آيات وأحاديث وحكم]
506- العدل شيمة تستوجب الصفة بالكمال، ومن أوتيها ملك نفسه، ومن ملكها نجا. وقد ندب الله عزّ وجلّ إليه فعلا وقولا وخلقا، قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى)
(النحل: 90) وقال سبحانه: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
(المائدة:
42) وكفى شرفا فضيلة يحبّ الله فاعلها. وقال عزّ وجلّ: (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)
(الأنعام: 152) وقال تبارك وتعالى (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً)
(الفرقان: 67) والآيات في ذلك وفي ذمّ الجور والوعيد عليه أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)
(هود: 18) وقال عزّ وجلّ َ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)
(الجن:
15) وقال سبحانه (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ)
(ابراهيم: 42) قيل هذه تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.
وقال تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً)
(الكهف: 29) وقال تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
(الشعراء: 227) . ومن أمره بالعدل قوله سبحانه (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
(ص: 26) .
507- وسئل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: من أفضل الناس؟ قال:
(3/170)

أكثرهم ذكرا لله؛ قيل فمن أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله؛ قيل: فمن المؤمن؟
قال: من يخشى الله بالغيب، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويؤدي الأمانة إلى أهلها، ويتّقي دعوة المظلوم، ويعدل لسانه عند الرضى والغضب.
508- وقال له رجل: يا رسول الله أيّ الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حقّ عند سلطان جائر.
«509» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر. وفي لفظ آخر: إنّ أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدّهم عذابا إمام جائر.
«510» - وقال صلّى الله عليه وسلم: لا قدّست أمّة لا تأخذ للضعيف حقّه غير متعتع.
«511» - وروي عن عبادة بن الصامت انه قال: بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وعلى أن نقول الحقّ أيضا حيثما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم.
«512» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلّى الله منه ولزمه الشيطان.
«513» - وروي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال: إنّ الله نظر إلى أهل عرفات فباهى بهم الملائكة، فقال: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا يضربون إليّ من كلّ فجّ عميق، فاشهدوا أني قد غفرت لهم إلّا التبعات التي بينهم.
(3/171)

«514» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال، فأتاه فتحلّله منها قبل أن يأتي يوم ليس معه دينار ولا درهم.
«515» - وعنه صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال: نفس المؤمن معلّقة بدينه حتى يقضى عنه.
516- وجاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وعلى آله فقال: أرأيت إن ضربت بسيفي هذا في سبيل الله محتسبا مقبلا غير مدبر، أتكفّر خطاياي؟
قال: نعم. فلما أدبر قال: تعال، هذا جبريل عليه السلام يقول إلا أن يكون عليك دين.
«517» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: من اقتطع حقّ امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة. فقال رجل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا؟
قال: ولو كان قضيبا من أراك.
«518» - وجاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وعلى آله تقاضاه فأغلظ له، فهمّ أصحابه به، فنهاهم وقال: ألا كنتم مع الطالب؟ ثم قال: دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا، واشتروا له بعيرا. فلم يجدوا له إلّا فوق سنّه فقال: اشتروا له فوق سنّه، فأعطوه، فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: أخذت حقّك؟ قال: نعم، قال:
كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء.
«519» - وقيل: مرّ عليّ عليه السلام في سوق الكوفة ومعه الدرّة، وهو يقول: يا معشر التجّار، خذوا الحقّ وأعطوا الحقّ تسلموا، لا تردّوا قليل الربح
(3/172)

فتحرموا كثيره، ما منع مال من حقّ إلّا ذهب في باطل أضعافه.
520- وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لا تغبطنّ ظالما بظلمه فإنّ له عند الله طالبا حثيثا ثم قرأ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
(الإسراء: 97) .
«521» - وقال عليه السلام: يا عليّ إيّاك ودعوة المظلوم فإنما يسأل حقّه، وإنّ الله لا يمنع من ذي حقّ حقّه.
«522» - وقال صلّى الله عليه وسلم: من روّع مسلما لرضى سلطان جيء به معه يوم القيامة.
«523» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: من تزوّج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان، ومن ادّان دينا لا ينوي أن يقضيه فهو سارق.
«524» - قال الأحنف: إذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله على عقوبتك، وانتقام الله لهم منك، وذهاب ما أتيت إليهم عليك.
«525» - ويقال: ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقيقا على الله أن يزيلها.
526- وقال أبو سعيد: بينما النبي صلّى الله عليه وعلى آله يقسم شيئا إذ أكبّ عليه رجل فطعنه النبي صلّى الله عليه وسلم بعرجون معه، فصاح الرجل، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله: تعال فاستقد، فقال الرجل: بل قد عفوت يا رسول الله.
527- وخبر عكاشة مشهور وله موضع آخر من هذا الكتاب.
(3/173)

[أخبار في العدل والجور]
«528» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام.
«529» - وقال صلّى الله عليه وسلم: من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فقد حادّ الله في ملكه، ومن أعان على خصومة بغير علم فقد باء بسخط الله [1] .
«530» - وقال صلّى الله عليه وسلم: من أعان على باطل ليدحض بباطله حقا فقد برىء من ذمّة الله وذمة رسوله.
«531» - قال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله.
«532» - وروي عن جعفر بن محمد أنه قال: قال الله عزّ وجلّ: وعزتي لأجيبنّ دعوة المظلوم وإن كان كافرا، كفره على نفسه وإزالة الظلم عليّ.
«533» - وعنه قال: ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: أي ربّ، عبدك! ظلمت فلم أنتصر إلّا بك، إلّا قال الله عزّ وجلّ: لبيك عبدي حقا، لأنصرنّك ولو بعد حين.
534- وروي أنّ رجلا من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله جلس بين يديه وقال: يا رسول الله إنّ لي مملوكين يخونونني ويعصونني ويكذبونني، فأين أنا منهم؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: يحسب ما خانوك وعصوك وكذّبوك وعقابك
__________
[1] ح: فقد أسخط الله.
(3/174)

إياهم، فإن كان ذلك بقدر ذنوبهم كان ذلك كفافا لا لك ولا عليهم، وإن كان أكثر من ذنوبهم اقتصّ لهم منك. فبكى الرجل، فقال صلّى الله عليه وسلم: أما تقرأ (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ)
(الأنبياء: 47) فقال الرجل: والله يا رسول الله ما لي في صحبة هؤلاء من خير، أشهدك أنهم أحرار كلهم.
535- قيل أوحى الله إلى نبيّ من بني إسرائيل أن مر ملوك بني إسرائيل أن ينزلوا الجدب وينزلوا الرعيّة الخصب، ويشربوا الرّنق ويسقوا الرعيّة الصّفو، وإلّا حاسبتهم بالذرّة والشعرة.
«536» - سأل الاسكندر حكماء أهل بابل: أيّما أبلغ عندكم الشجاعة أم العدل؟ قالوا: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة.
«537» - ويقال: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان.
«538» - وتزعم الفرس أنّ فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور كان عادلا إلّا أنّه كان مشؤوما على رعيّته، فقحط الناس في زمانه سنين، وغارت الأنهار والعيون والقنيّ، وقحلت الأشجار والغياض، وتماوتت الوحوش والطيور، وصارت الدوابّ والأنعام لا تطيق حمولة، فأحسن إلى الناس، وكفّ عن الجباية، وقسم ما في بيت الأموال، وأمر بإخراج ما في الهري والمطامير من الطعام، وترك الاستئثار به، وتساوى فيه غنيّهم وفقيرهم، وأخبرهم أنه متى بلغه أنّ إنسيّا مات جوعا عاقب أهل تلك المدينة أو القرية ونكّل بهم أشدّ النكال.
فيقال إنه لم يهلك في تلك المجاعة واللّزبة إلّا رجل واحد من رستاق كورة أردشير. فقام عدله في الرعيّة مقام الخصب.
(3/175)

«539» - ويقال: إذا رغب الملك عن العدل رغبت رعيّته عن طاعته.
540- موت الملك الجائر خصب شامل.
541- قيل: أيّ شيء أرفع لذكر الملوك؟ قيل: تدبيرهم أمر البلاد بعدل، ومنعهم إياها بعزّ.
542- وكان بعضهم يوصي عمّاله فيقول: سوسوا الناس بالمعدلة، واحملوهم على النّصفة، واحذروا أن تلبسونا جلودهم، أو تطعمونا لحومهم، أو تسقونا دماءهم.
543- ذكر أعرابيّ السلطان فقال: أما والله لئن عزّوا في الدنيا بالجور، لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل.
544- قال الشعبيّ: كان بين عبد الله بن شريح وبين قوم خصومة، فقال:
يا أبت إنّ بيني وبين قوم خصومة، فإن كان الحقّ لي خاصمتهم. قال: اذكر لي قصتك. فذكرها له، فقال: ائتني بهم، فلما أتاه بهم قضى على ابنه؛ فلما رجع قال: يا أبت لو لم أخبرك بقصتي كان أعذر لك عندي، فقال: يا بنيّ أنت أعزّ عليّ من ملء الأرض مثلهم، والله تعالى أعزّ عليّ منك. كرهت أن أخبرك أنّ القضاء عليك فتصالحهم.
«545» - وانصرف شريح يوما من مجلس القضاء، فلقيه رجل فقال: أما حان لك يا شيخ أن تخاف الله تعالى وتستحيي؟ قال: ويلك من أيّ شيء؟
قال: كبرت سنّك، وفسد ذهنك، وكثر نسيانك، وأدهن كاتبك، وارتشى ابنك، فصارت الأمور تجوز عليك. قال: لا والله لا يقولها لي بعدك أحد، واعتزل عن القضاء ولزم بيته. وقضى شريح بالكوفة ستين سنة، ولّاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبقي إلى أيّام الحجاج.
(3/176)

546- ولّى الرشيد عاملا خراج طساسيج السواد، فقال لجعفر ويحيى:
أوصياه؛ فقال جعفر: وفّر واعمر، وقال يحيى أنصف وانتصف، وقال الرشيد:
يا هذا أحسن واعدل. ففضّل الناس كلام الرشيد، فقيل لهما: لم نقص كلامكما عن كلامه؟ فقال جعفر: لا يعتدّ هذا نقصانا إلّا من لا يعرف ما لنا وما علينا، إنما أمرنا بما علينا أن نأمر به، وأمر أمير المؤمنين بما له أن يأمر به.
«547» - وقع جعفر بن يحيى إلى عامل له: أنصف من وليت أمره، وإلّا أنصفه منك من ولي أمرك.
«548» - ووقّع إلى أحمد بن هشام في قصة متظلّم: اكفني أمر هذا، وإلّا كفيته أمرك.
549- كتب الفضل بن يحيى إلى عامل له: بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد.
«550» - تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع المتطبّب بين يدي أحمد بن أبي دواد القاضي في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فأربى عليه ابن المهدي وأغلظ له بين يدي ابن أبي دواد، فأحفظه ذلك فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم فلا أعلمنّ ما رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيدك، وليكن قصدك [1] أمما، وطريقك ثبجا [2] ، وريحك ساكنة. ووفّ
__________
[1] ع: فصلك.
[2] عيون الأنباء: نهجا.
(3/177)

مجالس الحكومة [1] حقّها من التوقير والتعظيم والتوجيه إلى الواجب، فإنّ ذلك أشبه [2] بك، وأجمل لمذهبك في محتدك وعظيم قدرك [3] ، ولا تعجل فربّ عجلة تعقب ريثا، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتمّ نعمته عليك كما أتمّها على أبويك من قبل. قال إبراهيم: أصلحك الله، أمرت بسداد، وحضضت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتي [4] ، ويسقطني من عينك، ويخرجني عن مقدار الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه، باخع بجرمه، فإنّ الغضب لا يزال يستفزّني بهواه [5] ، فيردّني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ وقد وهبت حقي [6] في هذا العقار لبختيشوع، فليت ذلك يقوم بأرش الجناية، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق.
«551» - كتب المنصور إلى سوّار بن عبد الله القاضي في مال كان له على سلمة بن سعيد، لما مات سلمة، وكان عليه ديون للناس وللمنصور، فكتب إليه: استوف لأمير المؤمنين دينه، وفرّق ما يبقى بين الغرماء. فلم يلتفت إلى كتابه وضرب للمنصور بسهم من المال كما ضرب لواحد من الغرماء، ثم كتب إليه: إني رأيت أمير المؤمنين غريما من الغرماء. فكتب إليه المنصور: ملئت الأرض بك عدلا.
__________
[1] عيون الأنباء: الخليفة.
[2] عيون الأنباء: اشكل.
[3] عيون الأنباء: خطرك.
[4] عيون الأنباء: قدري.
[5] عيون الأنباء: بمراده.
[6] عيون الأنباء: خلعت حظي.
(3/178)

«552» - قيل: أول من أظهر الجور في القضاء في الحكم بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري، وكان أمير البصرة وقاضيها. كان يقول: إنّ الرجلين يتقدّمان إليّ فأجد أحدهما أخفّ على قلبي فأقضي له.
«553» - وخاصم خالد بن صفوان إليه رجلا فقضى على خالد، فقام خالد وهو يقول: سحابة صيف عن قليل تقشّع.
فقال بلال: أما إنها لا تقشّع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، وأمر به إلى الحبس [1] . فقال خالد: علام تحبسني فو الله ما جنيت جناية، فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت، وأقياد ثقال، وقيّم يقال له حفص.
«554» - وخطب بلال بالبصرة فعرف أنهم قد استحسنوا كلامه فقال: لا يمنعنّكم ما تعلمون فينا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منّا.
«555» - تقدّم المأمون بين يدي يحيى بن أكثم مع رجل ادّعى عليه ثلاثين ألف دينار، فطرح المأمون مصلّى يجلس عليه، فقال يحيى: لا تأخذ على خصمك [2] شرف المجلس. ولم يكن للرجل بيّنة، فحلف المأمون، فلما فرغ وثب يحيى فقام على رجليه فقال: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حقّ الله تعالى حتى أخذته منك، وليس الآن من حقّك أن أتصدّر عليك. فأعطى الرجل ما ادّعاه، وهو ثلاثون ألف دينار، وقال: خذه، والله إني ما كنت لأحلف على فجرة ثم أسمح لك بالمال فأفسد ديني ودنياي. وو الله ما دفعت إليك هذا المال
__________
[1] ح: وأمر بحبسه.
[2] ح: لا تأخذ عليه.
(3/179)

الساعة إلّا خوفا من هذه العامة فلعلها ترى أني تناولتك من جهة القدرة، ومنعتك حقّك بالاستطالة عليك. فأما الآن فإنها تعلم أنّي ما كنت لأسمح باليمين والمال، وأمر ليحيى بثلاثين ألف دينار، وتصدّق بثلاثين ألف دينار.
«556» - وكان أبو خازم [1] عبد الحميد بن عبد العزيز السّكونيّ قاضيا للمعتضد، مات في أيامه الضّبعيّ صاحب الطعام، وله أطفال، وعليه للمعتضد دين قدره أربعة آلاف دينار. فقال المعتضد لعبيد الله بن سليمان: قل لعبد الحميد أن يدفع إلينا هذا المال من تركة الضبعي، فذكر له ذلك، فقال أبو خازم: إنّ المعتضد كأسوة الغرماء في تركة الضبعي. فقال له عبيد الله: أتدري ما تقول؟
فقال أبو خازم: هو ما قلت لك. وكان المعتضد يلحّ على عبيد الله في اقتضاء المال، وعبيد الله يؤخر ما قال له أبو خازم، فلما ألحّ عليه أخبره بما قال أبو خازم، فأطرق المعتضد ثم قال: صدق عبد الحميد هو كما قال: نحن كسائر الغرماء وأسوتهم.
«557» - أخذ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من رجل فرسا على سوم، فحمل عليه رجلا فعطب الفرس، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فقال له الرجل: أجعل بيني وبينك شريحا العراقيّ. فقال: يا أمير المؤمنين أخذته صحيحا سليما فعليك أن تردّه كما أخذته، فأعجبه ما قال، وبعث به قاضيا. ثم قال: ما وجدته في كتاب الله سبحانه فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يستبن في كتاب الله فالزم السنّة، فإن لم يكن في السنة فاجتهد رأيك.
__________
[1] في النسخ: أبو حازم.
(3/180)

«558» - وقال له عمر حين استقضاه: لا تشارّ ولا تضار، ولا تشتر ولا تبع، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: [من الرجز]
إنّ القضاة إن أرادوا عدلا ... ودفعوا قول الخصوم فصلا
وزحزحوا بالحكم عنهم جهلا ... كانوا كغيث قد أصاب محلا
«559» - ويقال: إنّ شريحا عاش مائة وستّ سنين، فقضى منها ستين سنة.
«560» - قال مسروق: لأن أحكم يوما بحقّ أحبّ إليّ من أن أغزو سنة في سبيل الله.
«561» - سمع ابن شبرمة ينشد: [من الطويل]
يمنّونني الأجر الجزيل وليتني ... أجوز [1] كفافا لا عليّ ولا ليا
562- قال أحمد بن وزير القاضي: لما ولّاني المعتزّ القضاء قال لي: يا أحمد قد ولّيتك القضاء، وإنما هي الدماء والفروج والأموال ينفذ فيها حكمك، ولا يردّ أمرك، فاتّق الله وانظر ما أنت صانع.
«563» - قال القاضي أبو عمر، وقدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى يوسف بن يعقوب- يعني أباه- في حكم فجاء فارتفع في المجلس، وأمره الحاجب بموازاة خصمه فلم يفعل إدلالا بعظم محلّه من الدولة، فصاح القاضي
__________
[1] وكيع: نجوت (وهي فوق أجوز في ح) .
(3/181)

عليه وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع؟! يا غلام عمرو بن أبي عمرو النخاس لتقدم إليه الساعة ببيع هذا العبد وحمل [1] ثمنه إلى أمير المؤمنين. ثم قال لحاجبه: خذ بيده، وسوّ بينه وبين خصمه؛ فأخذ كرها وأجلس مع خصمه.
فلما انقضى الحكم انصرف الخادم، فحدّث المعتضد بالحديث وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبدا، وليس خصوصيّتك بي تزيل مرتبة الحكم فإنه عمود السلطان وقوام الأديان.
«564» - قال الأحنف: ما عرضت الإنصاف قطّ على رجل فقبله إلّا هبته، ولا أباه إلّا طمعت فيه.
«565» - كتب المنصور إلى سوّار في شيء كان الحقّ في خلافه، فلم ينفذ سوّار كتابه وأمضى الحكم عليه، فتغيّظ المنصور عليه وتوعّده. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوّار لك ومضاف إليك وزين خلافتك، فأمسك عنه.
«566» - وكتب المهديّ إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة أن ينظر الأنهار التي كانت في أيام عمر وعثمان، رضي الله عنهما، فيأخذ الصدقة منها، نحو نهر معقل ونهر الأبلّة وما أشبههما، ويأخذ من الأنهار التي أحدثت بعد ذلك الخراج، فلم ينفذ كتابه، فتوعّده، فلما بلغ عبيد الله الخبر أحضر أشراف أهل البصرة من أهل العلم بالقضاء، وأشهدهم أنه قد قضى لأهل الأنهار كلّها التي بجزيرة العرب بالصدقة، فلم يردد المهديّ شيئا عليه من فعله.
__________
[1] ح: وأخذ.
(3/182)

567- وقيل: كان حفص [1] بن عتاب جالسا في الشرقية يقضي، فأنفذ الخليفة يستدعيه، فقال للرسول: أفرغ من أمر [2] الخصوم، إذ كنت أجيرا لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين. ولم يقم حتى تفرّق الخصوم.
«568» - حدث وكيع القاضي قال: كنت أتقلّد لأبي خازم وقوفا في أيام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل، فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر الحسنيّ أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت في يدي [3] ، وبلغت السّنة آخرها وقد جبيت مالها إلّا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرّفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله وعلى أهل الوقف، فقال لي:
فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟
قال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه؛ والله لئن لم يزح العلة لا وليت له عملا، ثم قال: امض إليه الساعة وطالبه، فقلت من يوصلني؟ قال: امض إلى صافي الحرمي وقل له إنك رسول أنفذتك في مهمّ، فإذا وصلت فعرّفه ما قلت لك. فجئت إلى صافي فأوصلني، وكان آخر النهار، فلما مثلت بين يدي الخليفة ظنّ أنّ أمرا عظيما قد حدث، وقال: هي قل، كأنه متشوّق، فقلت له: إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة امتنع من تفرقته إلى أن أجبي ما [4] على أمير المؤمنين، وأنفذني الساعة قاصدا بهذا السبب، وأمرني أن أقول إني
__________
[1] ح: جعفر.
[2] ح: أمور.
[3] المنتظم: التي كانت مجاورة للقصر.
[4] المنتظم: أجيء بما.
(3/183)

حضرت في مهمّ لأصل إليك. فسكت ساعة مفكرا ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي هات الصندوق. فأحضر صندوقا لطيفا فقال: كم يجب لك؟
فقلت: الذي جبيت عام [1] أول من ارتفاع هذه العقارات أربعمائة دينار. فقال:
كيف حذقك بالنّقد والوزن؟ قلت: أعرفهما. قال: هاتوا ميزانا، فجاءوا بميزان حرّانيّ عليه حلية ذهب، وأخرج من الصندوق دنانير عينا فوزن لي منها أربعمائة دينار، فانصرفت بها إلى أبي خازم فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه في غد في سبله، ففعلت.
«569» - وكان عافية القاضي يتقلّد للمهديّ أحد جانبي بغداد، وكان عالما زاهدا، فصار إلى المهدي في وقت الظهر في يوم من الأيام وهو خال، فاستأذن عليه فأدخله، وإذا معه قمطره، فاستعفاه من القضاء واستأذنه في تسليم القمطر إلى من يأمره بذلك. فظنّ أنّ بعض الأولياء قد غضّ منه أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك فقال: ما جرى من هذا شيء فقال: ما سبب استعفائك؟ فقال: كان يتقدّم إليّ خصمان موسران وجيهان مذ شهران في قصة معضلة مشكلة، وكلّ يدّعي بيّنة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبت.
فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا أو يعنّ لي وجه فصل ما بينهما. قال:
فوقف أحدهما من خبري على أني أحبّ الرّطب السكر، فعمد في وقتنا وهو أول أوقات الرطب إلى أن جمع من الرطب السكر ما لا يتهيأ في زماننا جمع مثله إلّا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابي جملة دراهم على أن يدخل
__________
[1] ح ع: عاما.
(3/184)

الطبق إليّ ولا يبالي أن يردّ. فلما أدخل إليّ أنكرت ذلك وطردت بوّابي وأمرت بردّ الطبق. فلما كان اليوم تقدم إليّ مع خصمه فما تساويا في قلبي ولا في عيني. وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف تكون حالي لو قبلت؟ ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني فأهلك. وقد فسد الناس. فأقلني أقالك الله وأعفني، فأعفاه.
[صفة الإمام العادل عند للحسن البصري]
«570» - نادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: أيا سليمان، أيا سليمان، اذكر يوم الأذان، فنزل عن المنبر ودعا بالرجل فقال له سليمان: فما يوم الأذان؟ فقال: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)
(الأعراف:
44) قال: فما ظلامتك؟ قال: أرضي بمكان كذا أخذها وكيلك، فكتب إلى وكيله أن ادفع إليه أرضه وأرضي مع أرضه.
571- واستؤمر عمر بن عبد العزيز في البسط على العمّال فقال: يلقون الله بجناياتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم.
«572» - كتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العدل، فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين أنّ الله تعالى جعل الإمام العدل قوام كلّ مائل، وقصد كلّ جائر، وصلاح كلّ فاسد، وقوة كلّ ضعيف، ونصفة كلّ مظلوم، ومفزع كلّ ملهوف. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السّباع، ويكنفها من أذى الحرّ والقرّ.
والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده: يسعى لهم صغارا، ويعلّمهم كبارا، يكسب لهم في حياته، ويدّخر لهم بعد وفاته. والإمام العدل يا
(3/185)

أمير المؤمنين كالأمّ الشفيقة، البرّة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربّته طفلا، تسهر لسهره، وتسكن لسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح لعافيته، وتغتمّ بشكاته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده. والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيّده، واستحفظه ماله وعياله، فبدّد المال، وشرّد العيال، فأفقر أهله، وأهلك ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأنّ الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم؟ [1]
[مالك وابن طاوس عند المنصور]
«573» - قال مالك بن أنس: بعث إليّ أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاووس، فدخلنا عليه وهو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا، فجلسنا وأطرق عنّا طويلا. ثم التفت إلى ابن طاووس فقال له: حدثني عن أبيك؛ قال:
نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله، قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني دمه. ثم التفت إليه أبو جعفر فقال:
عظني يا ابن طاووس، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنّ الله تعالى يقول: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ)
إلى قوله (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ)
__________
[1] لم ينته كتاب الحسن بل بقيت منه بقية تعدل نصفه تقريبا.
(3/186)

(الفجر: 6- 14) قال مالك: فضممت ثيابي أيضا مخافة أن يملأني من دمه.
فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبينه، ثم قال: يا ابن طاووس ناولني هذه الدواة، فأمسك. قال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكا [1] فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عنّي. قال ابن طاووس: (ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ)
[2] (الكهف: 64) قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله.
[عود إلى الأقوال والأخبار]
«574» - قال محمد بن حريث: بلغني أنّ نصر بن عليّ أرادوه على القضاء بالبصرة، واجتمع الناس إليه فكان لا يجيبهم، فلما ألّحوا عليه دخل بيته ونام على ظهره وألقى ملاءته على وجهه وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أني لهذا كاره فاقبضني إليك، فقبض.
«575» - كتب عبيد بن ثابت مولى بني عبس إلى عليّ بن ظبيان قاضي بغداد: بلغني أنك تجلس للحكم على باريّ، وكان من قبلك من القضاة يجلسون على وطاء ويتكئون، فكتب إليه: والله إني لأستحيي إن جلس بين يديّ رجلان حرّان مسلمان على باريّ وأنا على وطاء، لست أجلس إلّا على ما يجلس عليه الخصوم.
«576» - أراد عثمان استقضاء عبد الله بن عمر فقال: أليس سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلم يقول: من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ، قال: بلى، قال: فإني أعوذ بالله منك أن تستقضيني.
__________
[1] ح ع: شريكك.
[2] ح ع: ذلك ما نبغي (ولم يوردها آية) .
(3/187)

«577» - بينا داود عليه السلام جالسا على باب داره، جاء رجل فاستطال عليه، فغضب له إسرائيليّ كان معه فقال: لا تغضب فإنّ الله إنما سلّطه عليّ لجناية جنيتها. فدخل فتنصّل إلى ربّه، فجاء الرجل يقبّل رجليه ويعتذر إليه.
«578» - قال سقراط: ينبوع فرح الإنسان القلب المعتدل، وينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزن الإنسان القلب المختلف المزاج، وينبوع حزن العالم الملك الجائر.
«579» - لما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر، لم يزل الموكّل به يقتفي أثر عمر حتى عثر عليه في المسجد نائما متوسّدا درّته. فلما رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك، عدلت فأمنت فنمت؛ والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة.
«580» - مرّ عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا ربّ إنّ حلمك عن الظالمين قد أضرّ بالمظلومين، فرأى في منامه أنّ القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة، فرأى المصلوب فيها في أعلى علّيين، وإذا مناد ينادي:
حلمي عن الظالمين أحلّ المظلومين في أعلى علّيين.
«581» - بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم جيشا وأمّر عليهم رجلا، قيل هو عبد الله بن محرز، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجّج نارا وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها وقالوا: إنما فررنا من النار. وأراد قوم أن يدخلوها، فبلغ
(3/188)

ذلك النبيّ عليه السلام فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنّما الطاعة في المعروف.
«582» - ومن الإنصاف في الأقوال [1] : أغلظ رجل للمهلب فحلم عنه، فقيل له جهل عليك وتحلم عنه؟! فقال: لم أعرف مساوئه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه.
«583» - قال ابن دريد، قال أبو حاتم: فاتني نصف العلم، فقيل له:
وكيف ذاك؟ قال تصدّرت ولم أكن للتصدّر أهلا، واستحييت أن أسأل من دوني، واختلف إليّ من فوقي، فذلك الجهل في نفسي إلى اليوم.
«584» - وقال ابن المنجم: كنت أحضر وأنا صغير مجلس ثعلب، فأراه ربّما سئل عن خمسين مسألة وهو يقول: لا أدري، لا أعلم، لم أسمع.
«585» - وقال اليوسفي الكاتب: كنت يوما عند أبي حاتم السجستاني إذ أتاه شابّ من أهل نيسابور فقال له: يا أبا حاتم إنّي قدمت بلد كم وهو بلد العلم والعلماء، وأنت شيخ أهل المدينة، وقد أحببت أن أقرأ عليك كتاب سيبويه.
فقال له: الدين النصيحة، إن أردت أن تنتفع بما تقرأه فاقرأ على هذا الغلام محمد ابن يزيد، فتعجبت من ذلك.
[الأحنف عند معاوية]
586- جلس معاوية يوما وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف، إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، فكان آخر كلامه أن لعن عليا عليه السلام.
__________
[1] في ح: جعل هذا عنوانا بخط كبير.
(3/189)

فأطرق الناس وتكلّم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إنّ هذا القائل آنفا ما قال لو علم أنّ رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتّق الله تعالى ودع عليا فقد لقي الله وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله ما علمنا المبرّز بسبقه، الطاهر في خلقه، الميمون النقيبة، العظيم المصيبة. فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضيت العين على [1] القذى، وقلت بغير ما ترى، وأيم الله لتصعدنّ المنبر فلتلعننّه طائعا أو كارها، قال الأحنف: إن تعفني هو خير، وإن تجبرني على ذلك فو الله لا تجري به شفتاي. قال: قم فاصعد، فقال: أما والله لأنصفنّك في القول والفعل. قال معاوية: وما أنت قائل إن أنصفتني؟ قال: أصعد فأحمد الله تعالى بما هو أهله، وأصلّي على نبيّه، ثم أقول: أيها الناس إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليا، ألا وإنّ عليا ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادّعى كلّ واحد منهما أنه مبغيّ عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمّنوا يرحمكم الله، ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية على الفئة المبغيّ عليها، آمين ربّ العالمين. فقال معاوية: إذن نعفيك يا أبا بحر.
«587» - وقيل: لما أجمع معاوية على البيعة ليزيد جمع الخطباء فتكلموا، والأحنف ساكت، فقال: يا أبا بحر ما منعك من الكلام؟ فقال: أنت أعلمنا بيزيد ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، فإن كنت تعلم أنها شرّ له فلا تولّه الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة، فإنما لك ما طاب، وعلينا أن نقول: سمعنا وأطعنا.
[رقعة من أحمد بن إسماعيل إلى ابن المعتز]
«588» - كتب أحمد بن إسماعيل إلى ابن المعتز رقعة يقول فيها: ولم أر كالحقّ أصدق قائلا، ولا أفضل عاملا [2] ، ولا أجمل ظاهرا، ولا أعزّ ناصرا، ولا أوثق
__________
[1] ع: عن.
[2] البصائر: عالما.
(3/190)

عروة، ولا أحكم عقدة، ولا أعلى حجة، ولا أوضح محجة، ولا أعدل في النّصفة؛ لا يجري لأحد إلّا جرى عليه، ولا يجري على أحد إلّا جرى له، يستوي الملك والسوقة في واجبه [1] ، ويعتدل البغيض والحبيب [2] في تحقيقه [3] ، طالبه حاكم على خصمه، وصاحبه أمير على أمره [4] ، من دعا إليه ظهر برهانه، ومن جاهد عليه كثر أعوانه، يمكّن رعاته من آلة القهر، ويجعل في أيديهم راية النصر، ويحكم لهم بغلبة العاجلة، وسعادة الآجلة. ولم أر كالباطل أضعف سببا، ولا أوعر مذهبا، ولا أجهل طالبا [5] ولا أذلّ صاحبا؛ من اعتصم به أسلمه، ومن لجأ إليه خذله، يرتق فينفتق، ويرقع فينخرق؛ إن حاول صاحبه بيعه بارت سلعته، وإن رام ستره زادت ظلمته. لا يقارنه البرهان، ولا يفارقه الخذلان، قد قذف بالحقّ يدمغه ويقمعه فيمحقه، صاحبه في الدنيا مكذّب، وفي الآخرة معذّب، إن نطق دلّ على عيبه، وإن سكت تردّد في ريبه.
[أشعار منصفة]
«589» - ومن أشعار العرب المنصفة قول حكمة بن قيس الكنانيّ:
[من الطويل]
نهيت أبا عمرو عن الحرب لو يرى ... برأي رشيد أو يؤول إلى حزم
دعاني يشبّ الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلمّ إلى السلم
فلما أبي أرسلت فضلة ثوبه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
وأمهلته حتى رماني بحرّها ... تغلغل من غيّ غويّ ومن إثم
__________
[1] البصائر: واحته (وفي بعض أصوله: واجبه) ح: نواحيه.
[2] ح: والخبيث.
[3] البصائر: محضه.
[4] البصائر: أميره.
[5] ح: أجمل طلبا.
(3/191)

فلما رمانيها رميت سواده ... ولا بدّ أن يرمى سواد الذي يرمي
فبتنا على لحم من القوم غودرت ... أسنّتنا فيه وباتوا على لحم
وأصبح يبكي من بنين وإخوة ... حسان الوجوه طيّبي الجسم والنسم
ونحن نبكّي إخوة وبنيهم ... وليس سواء تلّ [1] حقّ على ظلم
«590» - وقال المسور بن زيادة العذري [2] : [من الطويل]
وكنّا بني عمّ جرى الجهل بيننا ... فكلّ توفّى حقّه غير وادع
فنلنا من الآباء شيئا وكلّنا ... إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمّكم كانوا كرام المضاجع
فما لهم عندي ولا لي عندهم ... وإن أكثر المغرور وتر لتابع
591- قال الحسن بن عبادة: وجّه إليّ الأمير وإلى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة، فسألنا عن مسألة، فأجاب هو وابن أبي ليلى جوابا واحدا، وخالفتهما أنا، وأمر الأمير بإنفاذ قوليهما وترك قولي. فتفكّر أبو حنيفة ساعة ثم قال للأمير: جوابي خطأ، والقول ما قال الحسن. فقال لابن أبي ليلى: ما تقول؟ فلم يرجع وجعل يناظرني. ثم قال أبو حنيفة: إنّ العلم يحتاج أن يعرض على الله عزّ وجلّ فلا يأنف أحد إذا أخطأ أن يرجع إلى الحقّ.
«592» - قال أبو الدرداء: إياك ودعوة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام.
__________
[1] ح: قتل.
[2] العذري: سقطت من ح.
(3/192)

«593» - قال منصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراده على القضاء: ما كنت لألي لك بعد ما حدّثني إبراهيم. قال: وما حدّثك؟ قال: حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظّلمة وأعوان الظّلمة وأشباه الظّلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة، فيجمعون في تابوت حديد ثم يرمى بهم في جهنم.
[عمر بن عبد العزيز وغيلان]
«594» - قال عمر بن عبد العزيز في غيلان بن مسلم الدمشقي: من سرّه أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله، ليس فيه عضو إلّا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا.
وقال له: يا أبا مروان، أعنّي أعانك الله، فقال: ولّني ردّ المظالم، فولّاه، فكان يخرج خزائن بني أمية فينادي عليها: هلمّوا إلى متاع الخونة. ونادى على جوارب خزّ قد تآكلت بلغت قيمتها ثلاثين ألفا، فقال: من عذيري ممن يزعم أنّ هؤلاء أئمة عدل؟ قد تآكلت هذه الجوارب في خزائنهم، والفقراء والمساكين يموتون جوعا. فلما ولي هشام بعث إليه واستنطقه فقال: أعوذ بجلال الله أن يأتمن الله خوّانا أو يستخلف خزّانا؛ إنّ أئمته القوّامون بأحكامه، الراهبون لمقامه؛ لم يولّ الله وثّابا على الفجور، ولا شرّابا للخمور، ولا ركّابا للمحظور.
فقطع هشام يديه ورجليه.
[حكايات في الباب]
«595» - قال النبي صلّى الله عليه وسلم: زيّن الله السماء بثلاث: بالشمس والقمر والكواكب، وزيّن الأرض بثلاث: بالعلماء، والمطر، وسلطان عادل.
«596» - قيل: إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان.
«597» - قيل لأنوشروان: أيّ الجنن أوقى؟ قال: الدين، قيل فأيّ العدد
(3/193)

أقوى؟ قال العدل.
«598» - قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: جلس أبي يوما للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا فقال له: ألك حاجة؟ قال:
نعم، تدنيني إليك فإنني مظلوم، فأدناه فقال: إني مظلوم وقد أعوزني الإنصاف، قال ومن ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتي.
قال: ومن يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولا؟ قال: يحجبني عنك هيبتك، وطول لسانك، وفصاحتك واطّراد حجتك. قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا بغير ثمن، وإذا وجب عليها خراج أدّيته باسمي لئلّا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلّتها وأنا أؤدّي خراجها، وهذا ما لم يسمع في الظلم بمثله. فقال له محمد: هذا قول يحتاج إلى بيّنة وشهود وأشياء، فقال له الرجل: أيؤمّنني الوزير من غضبه حتى أجيب؟
قال: قد أمّنتك. قال: البيّنة هم الشهود، وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: فيه شهود وأشياء؟ ما هذه الأشياء إلّا العيّ والحصر والتغطرس؟ فضحك وقال: صدقت، والبلاء موكّل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعا. ثم وقع له بردّ ضيعته وبأن يطلق له كرّ حنطة وكرّ شعير ومائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، وصيّره من أصحابه واصطنعه.
«599» - قيل لأعرابيّ من بني أسد: كيف تركت الناس قال: بشرّ، من مظلوم لا ينتصر، وظالم لا يقلع.
600- قال عبد الملك بن مروان: كنت أجالس بريرة قبل أن ألي هذا الأمر، فقالت لي: يا عبد الملك إنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته فاحذر
(3/194)

الدماء، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله يقول: إنّ الرجل ليحال بينه وبين الجنة بعد أن ينظر إليها بملء كفّ من دم مسلم سفكه بغير حقّ.
601- وروي أنّ رجلا من عمّال عمر رضي الله عنه أمر رجلا أن ينزل في واد ينظر كم عمقه، فقال الرجل: إني أخاف، فعزم عليه فنزل، فلما خرج كزّ فمات، فنادى: يا عمراه، فبعث عمر إلى العامل فقال: أما لولا أني أخاف أن تكون سنة بعدي لضربت عنقك، ولكن لا تبرح حتى تؤدي ديته، والله لا ولّيتك شيئا أبدا.
«602» - وروي أنّ يهوديا جاء إلى عبد الملك بن مروان فقال: إنّ ابن هرمز ظلمني، ثم أتاه الثانية ثم الثالثة فلم يلتفت اليه، فقال له اليهودي: إنا نجد في التوراة أنّ الإمام لا يشرك في ظلم أحد ولا جوره حتى يرفع إليه فإذا رفع إليه ولم يغيّر شرك في الظلم والجور. ففزع عبد الملك وأرسل إلى ابن هرمز فنزعه.
603- قال سريع الأهوازيّ: بعث إليّ عيسى بن جعفر فسألني عن النبيذ فقلت: سل عن الماء الذي يشربه النصارى واليهود والمجوس والكلاب والخنازير حلالا وتشربه أنت حراما، قال: وكيف ذاك؟ قلت: إنّ غلمانك يسخّرون الناس ويستقونه لهم. فبكى.
«604» - قال محمد بن صفوان الضبي: كنت أقوم على رأس سليمان بن عبد الملك، فدخل عليه رجل من حضرموت من حكمائهم، فقال له سليمان: تكلّم بحاجتك، فقال: من كان الغالب على كلامه النصيحة وحسن الإرادة أوفى به كلامه على السلامة، وإني أعوذ بالذي أشخصني من أهلي حتّى أوفدني عليك أن ينطقني بغير الحقّ، وأن يذلّل لساني بما فيه سخطه عليّ، وإنّ إقصار الخطبة أبلغ في أفئدة أولي الفهم من الإطالة والتشديق في البلاغة، ألا وإنّ من البلاغة يا أمير
(3/195)

المؤمنين ما فهم وإن قلّ، وإني مقتصر على الاقصار مجتنب لكثير من الإكثار.
أشخصني إليك وال عسوف ورعية ضائعة، وانك إن تعجل تدرك ما فات، وإن تقصّر تهلك رعيتك هناك ضياعا، وها فخذها إليك قصيرة موجزة. فقال سليمان: ادع لي رجلا من الحرس فاحمله على البريد وقل له: إذا أتيت البلاد فلا تنزل من مركبك حتى تعزله، ومن كانت له ظلامة أخذت له بحقّه. ثم أمر للحكيم بمال فأبى أن يقبل وقال: إني والله يا أمير المؤمنين أحتسب سفري على الله عزّ وجلّ، وإني أكره أن آخذ عليه من غيره أجرا. قال: انطلق بارك الله عليك. فلما ولّى قال سليمان: ما أعظم بركة المؤمن في كلّ شيء.
«605» - أتي المنصور ببشير الرحّال ومطر الوراق مكبّلين، وقد كانا خرجا مع إبراهيم بن عبد الله فقال لبشير: أنت القائل أجد في قلبي غمّا لا يذهبه إلّا برد عدل أو حرّ سنان؟ قال: نعم. قال: فو الله لأذيقنّك حرّ سنان يشيب منه رأسك، قال: إذن أصبر صبرا يذلّ به سلطانك، فقطعت يده فما قطّب ولا تحلحل، وقال لمطر: يا ابن الزانية، قال: إنك تعلم أنها خير من سلامة، قال: يا أحمق، قال: ذاك من باع دينه بدنياه، فرمي به من سطح فمات.
606- ظلم كبير من بني أمية حجازيا في ماله، فما تظلّم منه إلى أحد إلّا ضلع للأمويّ عليه. فخرج إلى سليمان وجعل لخصيّ أثير عنده مائتي دينار ليوصله إليه خاليا، فأوصله إليه حين سلّم في صلاته وجعل يدعو ويخطر بإصبعه نحو السماء ويتضرّع. فلما رآه كذلك رجع عنه، فسأل عنه سليمان وأمر بطلبه حتى صودف خارجا من باب دمشق، فأدخل عليه بعد شدّة شديدة [1] وإلحاح،
__________
[1] ع: فأدخل عليه بتشديد.
(3/196)

فقال له: ما شأنك؟ قال: جددت في التوصّل إليك، فلما رأيتك تخطر بإصبعك نحو السماء وتتضرّع علمت أني قد أخطأت موضع طلب الحاجة، فرجعت لأطلبها من حيث طلبت أنت حوائجك. فبكى سليمان وقال: إنّ الذي طلبت إليه حاجتك قد قضاها، وأمر بردّ ما أخذ منه وإعطائه ما يصلح ماله، ووصله وكساه وحمله وأمر له بفرائض.
«607» - قال الحجاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله: إنّ الله يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)
(التغابن: 16) فجعل فيها مثنويّة وقال (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)
(التغابن: 16) فلم يجعل فيها مثنوية، فلو قلت لرجل ادخل من هذا الباب فلم يدخل لحلّ لي دمه.
«608» - وخطب مرّة فقال: أتزعمون أنّي شديد العقوبة، وهذا أنس حدثني أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل أعينهم، قال أنس:
فوددت أني متّ قبل أن أحدّثه، جعل عدوّ الله فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم في أعداء الله حيث نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين احتجاجا لنفسه في قتل الصالحين وخيار الأمّة.
«609» - إياس بن قتادة: [من الطويل]
وإنّ من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها
«610» - قيل لأبي مسلم: لقد قمت بأمر لا يقصّر بك عن الجنّة، فقال:
(3/197)

خوفي فيه من النار أولى من الطمع في الجنة. إني أطفأت من بني أمية جمرة، وألهبت من بني العباس نيرانا، فإن أفرح بالإطفاء فواحزنا من الإلهاب.
«611» - قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرّة ابن شريك بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن:
امتلأت الأرض والله جورا.
«612» - محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن [1] : [من السريع]
متى نرى للعدل نورا فقد ... أسلمني ظلم إلى ظلم ضأمنيّة طالت عداتي بها
كأنني فيها أخو حلم
«613» - طرفة: [من الكامل]
والظلم فرّق بين حيّي وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب
«614» - رفع إلى أنوشروان أنّ عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب، فوقع: يردّ المال على الضعفاء، فإنّ الملك إذا كثرت أمواله بما يأخذ من رعيّته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنائه.
615- شاعر: [من الرمل المجزوء]
لا تبع عقدة مال ... خيفة الجار الغشوم
__________
[1] ح: الحسن بن الحسن.
(3/198)

واصطبر للفلك الجا ... ري على كلّ ظلوم
فهو الدائر بالأم ... س على آل سدوم
«616» - كان معلم أنوشروان يضربه بلا ذنب، ويأخذه بأن يمسك الثلج في يده حتى يكاد كفّه يسقط، فآلى لئن ملكت لأقتلنّه. فلما ملك هرب فأمّنه، فلما أتاه سأله عن الضرب ظلما فقال: لتعرف حقد المظلوم إذا ظلمته. قال:
أحسنت، فالثلج الذي كنت تعذّبني به؟ قال: ستعرف ذلك. فغزا فأصبحوا في غداة باردة فلم يقدروا على توتير قسيّهم، فوترها لهم فقاتل وظفر، فعلم مراد مؤدّبه.
«617» - لما ولي الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة: [من الطويل]
محرّمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتّاب والكتب تطبع
ضمنت لكم إن لم تعقني منيّتي ... بأن سماء الضرّ عنكم ستقلع
وهذا الشعر له وأوّله:
ألا أيها الركب المخبّون بلّغوا ... سلامي سكان البلاد فأسمعوا
وقولوا أتاكم أشبه الناس سنّة ... بوالده فاستبشروا وتوقعوا
سيوشك إلحاق [1] لكم وزيادة ... وأعطية تأتي تباعا فتنفع
فقال حمزة بن بيض يردّ على الوليد لما فعل خلاف ما قال: [من الطويل]
وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعدما ... زعمت سماء الضرّ عنا ستقلع
__________
[1] ح: إلحاف.
(3/199)

فليت هشاما كان حيا يسوسنا ... وكنّا كما كنّا نرجّي ونطمع
[أحمد بن طولون]
«618» - كان أحمد بن طولون والي مصر متحلّيا بالعدل مع تجبّره وسفكه الدماء، وكان يجلس للمظالم ويحضر مجلسه القاضي بكار بن قتيبة وجماعة من الفقهاء مثل الربيع بن سليمان ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومعمر بن محمد.
وكان ابن طولون يمكّن المتكلّم من الكلام وكشف ظلامته جالسا مقرّبا. قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاويّ الفقيه: فاعترضت ضيعة لنا بالصعيد من ضياع جدّي سلامة، فاحتجت إلى الدخول إليه والتظلّم مما جرى، وأنا يومئذ شابّ، إلّا أنّ العلم ومعرفة الحاضرين بسطني إلى الكلام والتمكّن من الحجة، فخاطبته في أمر الضيعة، فاحتجّ عليّ بحجج كثيرة وأجبته عنها بما لزمه الرجوع إليه. ثم ناظرني مناظرة الخصوم بغير انتهار ولا سطوة عليّ، وأنا أجيبه وأحلّ حججه، إلى أن وقف ولم يبق له حجة، فأمسك عنّي ساعة ثم قال لي:
إلى هذا الموضع انتهى كلامي وكلامك، والحجة فقد ظهرت لك، ولكن أجّلنا ثلاثة أيام، فإن ظهرت لنا حجة ألزمناك إياها، وإلّا سلّمنا إليك الضيعة، فقمت منصرفا. وقال ابن طولون بعد خروجي للحاضرين: ما أقبح ما أشهدتكم به على نفسي أقول لرجل من رعيّتي قد ظهرت له حجة: أنظرني إلى أن أطلب حجة وأبطل الحكم الذي أوجبته حجّته. من يمنعني إذا وجبت لي حجة أن أحضره وألزمه إياها؟ هذا والغصب واحد. أنتم رسلي إليه بأني قد التزمت حجّته، وأزلت الاعتراض عن الضيعة. وتقدّم بالكتاب له، وعرف الطحاوي الحال منهم فصار إلى الديوان وأخذ الكتاب بإزالة الاعتراض عن الضيّعة.
«619» - وروي أنّ بعض قوّاده كان يتولّى كورة من كور مصر، فدخل
(3/200)

راهب من رهبان النصارى متظلّما من ذلك القائد، فرآه بعض الحجّاب الذين يختصّون بذلك القائد فقال له ما لك؟ قال: ظلمني وأخذ مني ثلاثمائة دينار، فقال له الحاجب: لا تتظلّم وأنا أسلّم إليك ثلاثمائة دينار. فأخذه إلى داره ودفع إليه ثلاثمائة دينار فاغتنمها الراهب وطار. ونقل الخبر إلى أحمد بن طولون فأمر بإحضار القائد والحاجب والراهب وقال للقائد: أليس عللك مزاحة ورزقك دارّا، وليس لك سبب يحوجك إلى مدّ يدك؟ قال: كذاك، قال ما حملك على ما صنعت؟ وأمر بصرفه عن الكورة، وصرف الحاجب عن حجبته، وأحضر النصرانيّ وقال: كم أخذ منك؟ قال ثلاثمائة دينار فقال: لعنك الله لم لم تقل ثلاثة آلاف دينار فآخذها لك من ماله بقولك؟ ثم صاح بالقائد: إلى المطبق! المطبق! فحمل إليه.
«620» - وروي أنّ العباس بن أحمد بن طولون استدعى مغنيّة وهو مصطبح، فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره، ودخل العباس إلى أبيه فأخبره، فأرسل أحمد بن طولون فأحضر الرجل الصالح وقال له:
أنت الذي كسرت العود؟ قال: نعم، قال: فعلمت لمن هو؟ قال: نعم، قال:
لمن هو؟ قال: لابنك العباس. قال: أفما أكرمته لي؟ قال: أكرم لك بمعصية، والله عزّ وجلّ يقول (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)
(التوبة: 71) وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأطرق أحمد بن طولون ثم رفع رأسه وقال: كلّ منكر تراه فغيّره وأنا من ورائك، وصرفه مكرّما.
621- وكان أحمد بن طولون يحبّ العلماء ويحضرهم مجلسه؛ وأراد أبا إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني الفقيه صاحب الشافعيّ أن يحضره، فامتنع عليه زهدا وتورّعا، فتهدّده بهدم داره، فلم يجبه، وأمر سوّارا حاجبه بهدمها. فقام
(3/201)

المزنيّ مع سوّار يريه حدودها حين تقدّم وقال له: لا تهدم هذا الجدار فليس هو لي. فعاد سوّار فأخبره، فعظم في قلب أحمد بن طولون، وقلق إلى رؤيته. وكان أحمد بن طولون يحضر جنائز وجوه البلد وصالحيهم وأشرافهم، ويتولّى الصلاة بنفسه، فحضر يوما جنازة فقيل له: هذا أبو إبراهيم المزني في الجنازة، فقال:
أرونيه من غير أن يعلم لئلّا يتأذّى، فأروه إياه.
«622» - وأراد أن يحمل مالا إلى الحضرة، فأحضر القاضي والشهود ليشهدوا على القابض، فكتبوا وقد عاينوا المال ومبلغه ألف ألف ومائتا ألف دينار، فلما بلغ الكتاب إلى سليم الفانو [1] الخادم المعدّل قال له: أيها الأمير لست أشهد حتى يوزن المال بحضرتي، فغاظه ذلك، فقال للوزّانين: زنوه، فلما فرغ الوزن قالوا: أبقي لك شيء تقوله؟ قال: النقد، فغاظه ودعا بالنقد [2] ، وسليم جالس معهم حتى فرغ وختمت، وتسلّمها حاملها، فكتب شهادته وانصرف.
وكان ذلك سبب اختصاص سليم بأحمد بن طولون وقربه منه.
«623» - ومن الجور قصة زيد الخيل الطائيّ وقيس بن عاصم والمكسّر العجلي: وقعت حرب بين أخلاط طيّء، فنهاهم زيد الخيل عن ذلك وكرهه، فلم ينتهوا، واعتزل وجاور بني تميم ونزل على قيس بن عاصم؛ فغزت بنو تميم بكر بن وائل وعليهم قيس وزيد معه، فاقتتلوا قتالا شديدا وزيد كافّ، فلما رأى ما لقيت تميم ركب فرسه وحمل على القوم، وجعل يدعو يال تميم، ويتكنّى
__________
[1] ح: الفافو.
[2] ح: بالنقاد.
(3/202)

كنية قيس إذا قتل رجلا وأرداه [1] عن فرسه، أو هزم ناحية، حتى هزمت بكر وظفرت تميم، فصار فخرا لهم في العرب، وافتخر بها قيس. فلما قدموا قال له زيد: اقسم لي يا قيس [نصيبي] ، فقال: وأيّ نصيب؟ فو الله ما ولي القتال غيري وغير أصحابي، فقال زيد أبياتا منها: [من الطويل]
فلست بوقّاف إذا الخيل أحجمت ... ولست بكذّاب كقيس بن عاصم
إذا ما دعوا عجلا عجلنا عليهم ... بمأثورة تشفي صداع الجماجم
فبلغ المكسر [2] بن حنظلة العجليّ أحد بني سيار [3] قول زيد، فخرج في ناس من بني عجل حتى أغار على بني نبهان فأخذ من نعمهم ما شاء، وبلغ ذلك زيد الخيل فخرج في فوارس من بني نبهان حتى اعترض القوم فقال: ما لي وما لك يا مكسّر؟ فقال قولك:
إذا ما دعوا عجلا عجلنا عليهم
فقاتلهم زيد حتى استنقذ بعض ما كان في أيديهم، ومضى [4] المكسر ببقية ما أصاب. فأغار زيد على تيم الله بن ثعلبة فغنم ما شاء الله، وقال في ذلك:
[من الطويل]
إذا عركت عجل بنا ذنب غيرنا ... عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل
[حلف الفضول]
«624» - وعقدت قبائل من قريش بينها حلف الفضول لما لم يكن لها ملك أو
__________
[1] الأغاني: وأذراه.
[2] الأغاني: المكشر، وهو بالسين في شرح النقائض.
[3] الأغاني: سنان.
[4] الأغاني: ورجع.
(3/203)

قائد يمنع ظلم بعضهم من بعض، فكانوا يدا على من ظلم حتى يرتجعوا منه ظلمه. فروي أنّ رجلا من خثعم قدم مكة تاجرا ومعه ابنة له يقال لها القتول أوضأ نساء العالمين [وجها] ، فعلقها نبيه بن الحجاج السهميّ، فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها عليك بحلف الفضول. فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ متبدّ بناحية مكة وهي معه، وإلا فنحن من قد عرفت، فقال: يا قوم متّعوني منها الليلة، فقالوا: قبّحك الله ما أحمقك [1] ، لا والله ولا شخب لقحة، وهي أوسع أحاليب الشائل. فأخرجها إليهم فأعطوها أباها، وركبوا وركب معهم الخثعمي، فذلك قول نبيه بن الحجاج: [الكامل المجزوء]
لولا الفضول وأنه ... لا أمن من رقبائها [2]
لدنوت من أبياتها ... ولطفت حول خبائها
ولجئتها أمشي بلا ... هاد لدى ظلمائها
فشربت فضلة ريقها ... ولبتّ في أحشائها
«625» - وقد اختلف في سبب حلف الفضول، فروي أنّ قيس بن شيبة السلميّ باع متاعا من أمية بن خلف، فلواه وذهب بحقّه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يقوموا [3] بجواره فقال: [من الرجز]
يال قصيّ كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأعلاق الكرم
أظلم لا يمنع منّي من ظلم
__________
[1] الأغاني: ما أجهلك.
[2] الأغاني: عدوائها.
[3] الأغاني: فلم يقم (وهو أدق) .
(3/204)

وبلغ الخبر عباس بن مرداس فقال: [من البسيط]
إن كان جارك لم تنفعك ذمّته ... وقد شربت بكأس العدل أنفاسا
فأت البيوت وكن من أهلها صددا ... لا تلف [1] ناديهم فحشا ولا ياسا
وثمّ كن بفناء البيت معتصما ... تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا
فقام العباس وأبو سفيان حتى ردّا عليه متاعه. واجتمعت بطون قريش فتحالفت على ردّ المظالم بمكّة، وألّا يظلم أحد إلّا منعوه وأخذوا له بحقّه.
وقال آخرون: تحالفوا على مثل ما تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر لا يقرون ظالما ببطن مكة إلّا غيروه، وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة [2] .
«626» - وحدث ابن شهاب قال: كان شأن حلف الفضول وبدء ذلك أنّ رجلا من بني زبيد قدم مكة معتمرا في الجاهلية ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم، فآواها إلى بيته ثم إنه تغيب. فابتغى الزبيديّ متاعه فلم يقدر عليه. فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه فأغلظوا له، فعرف ألّا سبيل إلى ما له، فطوّف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه. فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها في المسجد الحرام وقال:
[من البسيط]
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنّفر
ومحرم شعث لم يقض عمرته ... يا آل غالب بين [3] الحجر والحجر
__________
[1] ح ع: لا تلق.
[2] الأغاني: ابن سما.
[3] الأغاني: يا آل فهر وبين.
(3/205)

أقائم في بني سهم بذمتهم [1] ... أم ذاهب في ضلال مال معتمر
فلما نزل أعظمت قريش ذلك، فتكلّمت فيه، فقال المطّيبون: والله لئن تكلّمنا [2] في هذا لتغضبنّ الأحلاف. وقالت الأحلاف: والله لئن تكلمنا في هذا ليغضبنّ المطّيبون. وقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفاء فضولا دون المطيبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان وصنع لهم يومئذ طعاما كثيرا. وكان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله معهم يومئذ، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم وتحالفوا على أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حرّ ولا عبد، إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه، ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت منه أركانه ثم أتوا به فشربوه.
فحدثت عائشة أنها سمعت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله يقول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول. أما لو دعيت إليه [اليوم] لأجبت، وما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم وأني نقضته. وكان معهم في الحلف بنو المطلب، فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أنّ رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس [حتى أدخل] في حلف الفضول؛ ولم يكن عبد شمس في هذا الحلف.
وروي [3] أنّ سبب حلف هذه القبائل أمر الغزال الذي سرق من الكعبة.
«626» ب- وقيل: كان بين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وبين الحسين بن
__________
[1] الأغاني: بخفرتهم.
[2] الأغاني: قمنا.
[3] انظر الأغاني 17: 216.
(3/206)

علي عليهما السلام كلام، والوليد يومئذ أمير على المدينة في زمن معاوية بن أبي سفيان، في مال كان بينهما بذي المروة. قال الحسين بن علي: استطال عليّ الوليد بسلطانه فقلت: أقسم بالله لتنصفنّي من حقي أو لآخذنّ سيفي ثم لأقومنّ في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثم لأدعونّ بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير وكان عند الوليد حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذنّ سيفي ثم لأقومنّ معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد بن عتبة ذلك أنصف الحسين من حقه حتى رضي.
[أبو الطمحان يستجير بعبد الله بن جدعان]
«626» ج- وقال عبد العزيز بن عمران: قدم أبو الطمحان القيني الشاعر، واسمه حنظلة بن الشرقي، فاستجار عبد الله بن جدعان التيميّ ومعه مال من الإبل، فعدا عليه قوم من بني سهم، فانتحروا ثلاثة من إبله، فبلغه ذلك فأتاهم بمثلها وقال: أنتم لها ولأكثر منها أهل، فأخذوها وانتهروها [1] ثم أمسكوا عنه زمانا، ثم جلسوا على شراب لهم، فلما انتشوا عدوا على إبله فاستاقوها كلّها، فأتى عبد الله بن جدعان يستصرخه، فلم يكن فيه ولا في قومه قوة ببني سهم، فأمسك عنهم ولم ينصره، فقال أبو الطمحان: [من الطويل]
ألا حنّت المرقال واشتاق ربّها ... تذكّر أزمانا وأذكر معشري
ولو علمت صرف البيوع لسرّها ... بيثرب [2] أن تبتاع حمضا بإذخر
أجدّ بني الشرقيّ أنّ أخاهم ... متى يعتلق جارا وإن عزّ يغدر
__________
[1] الأغاني: فانتحروها.
[2] الأغاني: بمكة.
(3/207)

ثم ارتحل عنهم.
وقدم [1] لميس بن سعد البارقيّ مكة فاشترى منه أبيّ بن خلف سلعة فظلمه إياها، فمشى في قريش فلم يجد أحدا يجيره فقال: [من الطويل]
أيظلمني مالي أبيّ سفاهة ... وبغيا ولا قومي لديّ ولا صحبي
وناديت قومي صارخا [2] ليجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن سهب
ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمح والحقّ يؤخذ بالغصب [3]
ثم كانت قصة الزبيديّ، وقد ذكرت.
فأعظم الزبير بن عبد المطلب ذلك وقال: يا قوم إني والله أخشى أن يصيبنا ما أصاب الأمم السالفة من ساكني مكة. فمشى إلى ابن جدعان، وهو يومئذ شيخ قريش، فقال له مثل ذلك، وأخبره بظلم بني سهم وبغيهم. وقد كان أصاب بني سهم أمران لا يشكّ أنهما للبغي:
احترق المقاييس [4] منهم وهم قيس ومقيس وعبد قيس بصاعقة، وأقبل منهم ركب من الشام، فنزلوا بماء يقال له الغطيفة [5] ، فصبّوا فضلة خمر لهم في إناء وشربوا ثم ناموا وقد بقيت منها بقيّة، فكرع فيها حية أسود ثم تقيأ في الإناء، فهبّ القوم فشربوا منه فماتوا عن آخرهم. فأذكره هذا ومثله.
فتحالف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وبنوت تيم: بالله القاتل إنا ليد واحدة على الظالم حتى يردّ الحق. وخرجت سائر قريش من هذا الحلف إلّا أنّ ابن الزبير ادعاه لبني أسد في الاسلام. وسأل معاوية جبير بن مطعم [6] عن دعوى
__________
[1] الأغاني: ووفد.
[2] الأغاني: بارقا.
[3] لم يرد هذا البيت في الأغاني.
[4] ع: المقايس.
[5] الأغاني: القطيعة (والغطيفة في نسخة) ، ح: العطيفة.
[6] السائل (في الأغاني) هو عبد الملك والمسؤول محمد بن جبير بن مطعم.
(3/208)

ابن الزبير في ذلك فقال جبير: هذا هو الباطل.
[عمر بن عبد العزيز]
«627» - قام إلى عمر بن عبد العزيز رجل وهو على المنبر فقال:
[من الكامل]
إنّ الذين بعثت في أقطارها [1] ... نبذوا كتابك واستحلّ المحرم
طلس الذئاب [2] على منابر أرضنا ... كلّ يجور وكلّهم يتظلّم [3]
وأردت أن يلي الأمانة منهم ... عدل وهيهات الأمين المسلم
[عمر بن الخطاب]
«628» - قال أنس: بينا عمر رضي الله عنه قاعد إذ جاء رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ فقال عمر: لقد عذت عائذا، فما شأنك؟ قال: سابقت على فرسي ابنا لعمرو بن العاص، وهو يومئذ على مصر، فمحك فجعل يقنّعني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين، وبلغ عمرا فخشي أن آتيك فحبسني في السجن، فانفلتّ منه، فهذا حين أتيتك. فكتب عمر إلى عمرو ابن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وابنك فلان، وقال للمصريّ: أقم حتى يأتيك مقدم عمرو؛ فشهد الحاجّ فلما قضى عمر الحجّ، وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جنبه، قام المصريّ فرمى عمر إليه بالدرّة. قال أنس: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع عنه حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين. قال: يا
__________
[1] الكامل: أمرتهم أن يعدلوا.
[2] الكامل: الثياب.
[3] الكامل: كل بنقص نصيبنا يتكلم.
(3/209)

أمير المؤمنين قد اشتفيت، قال: ضعها على صلعة عمرو، قال: يا أمير المؤمنين قد ضربت الذي ضربني؛ قال: أم والله لو فعلت لما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع. ثم قال: يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟! فجعل يعتذر ويقول: إني لم أشعر بهذا.
629- قال رجل للمنصور كان يعاشره أيام بني مروان: كنت تحدّث يا أمير المؤمنين قبل هذا الوقت بشيء أين أنت عنه الساعة؟ قال ما هو؟ قال كنت تقول: إنّ الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلوم من الظالم، ولم تعارض بالعدل في الرعية، وقسمة الفيء بالسويّة، صار عاقبة أمرها بوارا، وحاق بولاتها سوء العذاب. قال: فتنفّس الصّعداء ثم قال: قد كان ما تقول، ولكن استعجلنا ما في الفانية على ما في الباقية، وكأن قد انقضت هذه الدار. فقال له الرجل: فانظر على أيّ حالة تنقضي، فقال المنصور: تبا تبا لعالم أصاره علمه غرضا لسهام الخطايا، وهو عالم بسرعة أزوف المنايا، اللهم إن تقض للمسيئين صفحا فاجعلني منهم، وإن تهب للظالمين عفوا فلا تحرمني منه ما يتطوّل به المولى على أخسّ عبيده [1] .
630- قال الأصمعيّ: سمعت أعرابيا يقول: من اقتصد في الغنى والفقر فقد استعدّ لنائبة الدهر.
631- وقال آخر: الاقتصاد ينمّي القليل، والإسراف يبير الكثير، وهذا من عدل الأفعال.
632- حدث إياس بن سلمة عن أبيه قال: مرّ عليّ عمر وأنا في السوق وهو مارّ في حاجة ومعه الدرة، فقال: هكذا أمط عن الطريق يا سلمة. قال: ثم عفقني بها عفقة فما أصاب إلّا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق. فسكت عنّي حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق فقال: يا سلمة أردت الحج العام؟
__________
[1] ما يتطول ... عبيده: وضع في ح بصورة عنوان، بخط كبير.
(3/210)

قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي فما فارقت يده حتى دخل في بيته، فأخرج كيسا فيه ستمائة درهم فقال: يا سلمة استعن بهذه، واعلم أنها من العفقة التي عفقتك عام أوّل. قلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذكرتها حتى ذكرتنيها؛ قال: أنا والله ما نسيتها بعد.
633- وقال الأحنف: كنت مع عمر فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان فإنه قد ظلمني، فرفع الدرة فخفق بها رأسه وقال:
تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم، حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه: أعدني أعدني، قال: فانصرف الرجل وهو يتذمّر فقال: عليّ بالرجل، وألقى المخفقة فقال: امتثل، قال: ولكن أدعها لله ولك. قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله وإما أن تدعها لي، فاعلم ذلك. قال: أدعها لله. قال: انصرف.
ثم جاء يمشي حتى دخل منزله ونحن معه، فافتتح الصلاة فصلّى ركعتين ثم قال: يا بنيّ الخطاب، كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالّا فهداك الله، وكنت ذليلا فأعزّك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاء رجل يستعدي فضربته، ما تقول لربك إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه في صلاته تلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض.
«634» - دخل عمر على أبي بكر رضي الله عنهما فسلّم عليه فلم يردّ، فقال لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون قد وجد عليّ خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
فكلم عبد الرحمن أبا بكر فقال: أتاني وبين يديّ خصمان، وقد فرّغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أنّ الله سائلي [1] عنهما وعمّا قالا وعمّا قلت.
635- كان لعثمان عبد فاستشفع بعليّ أن يكاتبه فكاتبه، ثم دعا عثمان
__________
[1] ح: يسألني.
(3/211)

بالعبد فقال: إني كنت عركت أذنك فاقتصّ مني، فأخذ بأذنه ثم قال عثمان:
شدّ شدّ، يا حبذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة.
636- قال عبد الملك: لقد كنت أتحرّج أن أطأ نملة، وإنّ الحجاج يكتب إليّ في قتل فئام من الناس فما أحفل بذلك. فقال له الزهري: بلغني أنك شربت الطلاء قال: أي والله والدّماء.
[المنصور والفساد]
«637» - روي أنّ المنصور كان يطوف ليلا بالبيت [1] ، إذ سمع قائلا يقول:
اللهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحقّ وأهله من الطمع. فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل، فصلّى ركعتين واستلم الركن ثم أقبل مع الرسول، فسلّم عليه بالخلافة. فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض، وما الذي يحول بين الحقّ وأهله من الطمع؟ قال: إن أمّنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها، وإلّا اقتصرت على نفسي؛ قال: فأنت آمن على نفسك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله استرعاك أمر عباده وأموالهم، فجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجرّ، وأبوابا من الحديد، وحرّاسا [2] معهم السلاح، ثم سجنت نفسك عنهم؛ وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها، وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلّا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف إليك؛ ولا أحد إلّا وله في هذا المال حقّ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصت لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرتهم أن لا يحجبوا دونك، تجبي الأموال وتجمعها قالوا: هذا قد خان الله، فما لنا لا نخونه، وائتمروا ألّا يصل إليك من أخبار
__________
[1] بالبيت: لم ترد عند ابن قتيبة.
[2] عيون الأخبار: وحجبته.
(3/212)

الناس إلّا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل إلّا خوّنوه عندك، وبغوه [1] حتى تسقط منزلته؛ فلما انتشر ذلك عنهم وعنك أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم، وكان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيّتك؛ ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيّتك ليتناولوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك، وأنت غافل. فإن جاء متظلّم حيل بينه وبينك، وإن أراد رفع قصّته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك، ووقّفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل المتظلّم فبلغ بطانتك خبره، سأل بطانتك [صاحب المظالم] أن لا يرفع مظلمته إليك، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث و [هو] يدفعه، فإذا جهد وأخرج ثم ظهرت طرح [2] بين يديك، فيضرب ضربا مبرحا حتى يكون نكالا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين، فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه، فبكى يوما فحداه جلساؤه على الصبر فقال: أمّا إنّي لست أبكي للبليّة النازلة، ولكنّي أبكي لمظلوم يصرخ فلا أسمع صوته؛ فأمّا إذ ذهب سمعي [3] فبصري لم يذهب؛ نادوا في الناس ألّا يلبس ثوبا أحمر إلّا مظلوم. ثم كان يلتفت طرفي النهار هل يرى مظلوما. فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ، وأنت مؤمن بالله ثم من أهل بيت نبيّه صلّى الله عليه وسلم، لا تغلبنّك [4] رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك. قال: فبكى المنصور ثم قال: ويحك كيف احتيالي لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ للناس أعلاما يفزعون إليها في دينهم فيرضون بها [5] في دنياهم، فاجعلهم بطانتك
__________
[1] عيون: ونفوه.
[2] عيون: صرخ.
[3] ع: فاما سمعي ذهب.
[4] ح: لا تغلبك.
[5] ع: بهم.
(3/213)

يرشدوك، وشاورهم يسدّدوك. قال: قد نفذت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك؛ ولكن افتح بابك، وسهّل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات على وجهها، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة. وجاء المؤذنون فسلّموا عليه فصلّى وعاد إلى مجلسه؛ وطلب الرجل فلم يجده.
[حكايات في العدل والجور]
«638» - رفعت قصص إلى المهديّ، فإذا قصة مكتوب عليها: قصة صاحب السمكة، فقال: ما هي؟ قال الربيع: بينا أبوك مشرفا على دجلة إذ بصر بملّاح صاد سمكة، فوجّه خادما إليه ليشتريها، فاستامها بدينار، فأبى وباعها من تاجر باثني عشر درهما، فاستحضر التاجر وقد شوى السمكة فأخذها منه وأكلها وقال له: لو لم يكن معك مال لما اشتريت سمكة باثني عشر درهما، وأمر خادمه أن يذهب إلى منزله ويحمل ما أصاب في صناديقه، فجاء ببدرتين فقال: أنا رجل معيل وعليّ مؤونة، فأعطاه منها أربعمائة درهم يتعيّش بها. فأمر المهدي أن تطلب البدرتان في بيت المال فجيء بهما مكتوب عليها: مال صاحب السمكة.
فقال المهدي: اجعل أبي في حلّ فإنه كان مسرفا على نفسه وخذ المال.
«639» - لقي سفيان الثوري شريكا بعدما استقضي فقال: يا أبا عبد الله، بعد الإسلام والخير والفقه تلي القضاء؟! فقال: يا أبا عبد الله لا بدّ للناس من قاض، قال: يا أبا عبد الله لا بدّ للناس من شرطي.
«640» - قيل: لم يرتش حكم في الجاهلية غير ضمرة بن ضمرة النهشلي، تنافر إليه عباد بن أنف الكلب الصيداوي ومعبد بن نضلة الفقعسي، فرشاه عباد مائة بعير فنفّره على معبد.
(3/214)

«641» - قال الحسن [1] : كان القاضي في بني إسرائيل إذا اختصم إليه الخصمان رفع أحدهما الرشوة في كمّه، فأراه إياها فلا يسمع إلّا قوله. فأنزل الله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)
(المائدة: 42) .
«642» - قال الحجاج لبعض الدهاقين من الريّ: ما بال بلد كم قد خرب؟
فقال: لأنّ عمالكم استعملوا فيه قول شاعركم: [من السريع]
لا تكسع الشّول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
واصبب لأضيافك ألبانها ... فإنّ شرّ اللبن الوالج
«643» - روي أنّ أبرويز نزل بامرأة متنكرا، فحلبت له بقرة، ورأى لها لبنا كثيرا. فقال للمرأة: كم يلزمك في السنة للسلطان عن هذه البقرة؟ فقالت:
درهم واحد. قال: وأين ترتع؟ وبكم منها ينتفع؟ قالت: ترتع في أرض السلطان، ولي منها قوتي وقوت عيالي. فجعل في نفسه أن يجعل إتاوة على البقرة، فما لبث أن قالت المرأة: أوه إن سلطاننا همّ بجور، فقال أبرويز لها:
ولمه؟ قالت: إنّ درّة البقرة انقطعت، وإنّ جور السلطان مقتض لجدب الزمان كما أنّ عدله مقتض لخصب الزمان. فأقلع أبرويز عما همّ به.
644- كتب أخ لمحمد بن يوسف الأصفهاني إليه من أصفهان، يشكو إليه
__________
[1] ح: الحسين.
(3/215)

جور السلطان، فكتب إليه محمد: أما بعد، فهمت كتابك وما ذكرت فيه، وليس ينبغي لمن عمل الذنب أن ينكر العقوبة.
645- قدم مرزبان من مرازبة القرى على أبي عبد الله وزير المهدي فقال:
ولّيت علينا رجلا، إن ولّيته وأنت تعرفه فما خلق الله رعية أهون عليك منا، وإن لم تعرفه فما هذا جزاء الملك الذي ولّاك أمره، وسلّطك على ملكه. فدخل الوزير على المهديّ وخرج وقال: هذا رجل كان له علينا حقّ فكافأناه فقال:
أصلحك الله، إنّ على باب كسرى ساجة منقوشة بالذهب مكتوبا عليها: العمل للكفاة، وقضاء الحقوق على بيوت الأموال، فأمر بعزله.
«646» - قيل لمعاوية: إنّ أبا مسلم الخولانّي يطوف ويبكي على الإسلام، فقال له: سمعت أنك تطوف وتبكي على الإسلام، فقال: نعم، ما اسمك؟ قال: معاوية.
قال: يا معاوية إن عملت خيرا جزيت خيرا، وإن عملت شرّا جزيت شرّا، إنك لو عدلت بين أهل الأرض ثم جرت على واحد منهم لما وفى جورك بعدلك.
647- قال سليمان بن علي لعمرو بن عبيد: ما تقول في أموالنا التي نصرفها في سبيل الخير؟ فأبطأ عمرو في الجواب يريد به وقار العلم ثم قال: إنّ من نعمة الله على الأمير أنه أصبح لا يجهل أنّ من أخذ الشيء من حقه، ووضعه في وجهه، فلا تبعة عليه غدا. فقال: نحن أحسن ظنا بالله منكم، فقال: أقسم على الأمير بالله عزّ وجلّ هل يعلم أحدا كان أحسن ظنا بالله من رسوله؟ قال:
لا، قال: فهل علمته أخذ شيئا قطّ من غير حلّه ووضعه في غير حقه؟ قال:
اللهم لا، قال: حسن الظنّ بالله أن تفعل ما فعل رسول الله عليه السلام.
648- قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام: إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني.
(3/216)

«649» - قال ابن عباس: ليس للظالم عهد فإن عاهدته فانقضه، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)
(البقرة: 124) .
«650» - قدم المنصور البصرة قبل الخلافة فنزل بواصل بن عطاء فقال: إنّ أبياتا بلغتني عن سليمان بن يزيد العدوي في العدل، فمرّ بنا إليه. فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب. فقال: يحبّ أن يسمع أبياتك في العدل فأنشده: [من البسيط]
حتى متى لا نرى عدلا نسرّ به ... ولا نرى لولاة الحقّ أعوانا
مستمسكين بحقّ قائمين به ... إذا تلوّن أهل الجور ألوانا
يا للرّجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت أني رأيت يوم عدل ثم متّ.
قال ابن المبارك: فهلك أبو جعفر والله وما عدل.
«651» - استعدت أروى بنت أويس مروان بن الحكم على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وقالت: أخذ حقّي فأدخله في أرضه، فقال سعيد: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة. وترك لها سعيد ما ادعت ثم قال: اللهم إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها واجعل قبرها في بيتها، فعميت وخرجت في بعض حاجاتها فوقعت في البئر فماتت. ولما عميت سألت سعيدا أن يدعو لها وقالت: إني قد ظلمتك فقال: لا أردّ ما أعطانيه الله.
(3/217)

652- روى عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: إذا جار الحاكم قلّ المطر، وإذا غدر بالذمّة ظفر العدوّ، وإذا ظهرت الفاحشة كانت الرّجفة.
«653» - قال أحمد بن نصير: قدّم إليّ مجوسيّ لأضربه فقال: يا هذا اضرب بقدر ما تقوى عليه، يريد القصاص في الآخرة، فتركته وتركت عمل السلطان.
«654» - قال خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين [1] ، فهل تخاف عليّ أن أكون من أعوان الظّلمة؟ قال: لا، إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة، أما أنت فمن الظّلمة أنفسهم.
655- خطب المهديّ يوما فقال: عباد الله اتقوا الله، فقام رجل فقال:
وأنت فاتق الله، فإنك تعمل بغير الحقّ. فأخذ الرجل وأدخل عليه فقال: يا ابن الفاعلة تقول لي وأنا على المنبر اتق الله؟ فقال الرجل: سوءة لك، لو غيرك قالها كنت المستعدى عليه قال: ما أراك إلّا نبطيّا قال: ذاك أوكد للحجّة عليك أن يكون نبطيّ يأمرك بتقوى الله.
«656» - قال عبد العزيز العمري للمهدي: اعلم أنّ دوابك التي تركب تمسح بالمناديل، ويبرّد لها الماء، وينقّى لها العلف، فتعجبك شحومها وبريقها [2] وحسن ألوانها، ودينك أعجف قاتم أغبر، والله لو رأيته لساءك منظره.
657- ذكر هشام عند محمد بن كعب القرظي وثمّ محمد بن علي بن الحسين فوقع فيه، فقال القرظي: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون. إنّ
__________
[1] ح: السلطان.
[2] ح: وبريقك (ولعلها: ويروقك) .
(3/218)

ملكا من ملوك بني إسرائيل عتا عليهم فانطلق نفر منهم إلى حبرهم وقالوا:
تخرج عليه. فقال: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون، ولكن انطلقوا فصوموا عشرا، وقوموا ولا تظلموا فيها أحدا ولا تطؤوا فيها امرأة. فجاءوا بعد عشر فقال: زيدوا عشرا أخر، فلم يزالوا حتى بلغوا أربعين. ثم قال لهم:
اجتمعوا وادعوا الله أن يكفيكم ففعلوا. فدعا الملك ببرذون له، وأمر سائسه بإسراجه، فتشاغب وامتنع البرذون، فغضب الملك وقام وأسرجه وركبه، فجمح به حتى ألقاه فتقطع وهلك. فقال الحبر: هكذا إذا أردتم أن تقتلوا من ظلمكم.
(3/219)

نوادر من هذا الباب
«658» - اختصم رجلان إلى قاض، فدنا أحدهما منه وقال له سرا: قد وجهت إلى الدار فراريج كسكرية وحنطة بلديّة وكذا وكذا، فقال القاضي بصوت عال: إذا كانت لك بينة غائبة انتظرناها، ليس هذا مما يسارّ به.
«659» - حضر جماعة من أهل زنجان باب السلطان، فشكوا ثقل متولّيهم وتضاعف المؤن عليهم، فأجيبوا إلى حطيطة، فقالوا نحبّ أن يقتصر منّا على الأخماس بدل الأعشار، فصار ذلك بجهلهم رسما عليهم.
«660» - كان الفضل بن العباس اللهبي ثقيل البدن تتعذر الحركة عليه، وكان بخيلا فاشتري له حمار، فقال للذي اشترى له الحمار: إني لا أطيق علفه، فإمّا أن بعثت إليّ بقوته وإلّا رددته. فكان يبعث إليه بعلف كلّ ليلة، ولا يدع هو أن يطلب من كلّ أحد يأنس به علفا، ويعلف الحمار التبن، ويبيع الشعير، حتى هزل وعطب. فرفع الحزين الكنانيّ إلى ابن حزم أو غيره قصة، وكتب في رأسها «قصة حمار الفضل اللهبي» ، وشكا فيها أنه يركبه ويأخذ علفه وقضيمه من الناس، فيبيع الشعير ويعلفه التبن، ويسأل أن ينصف منه فقراء الرقعة، وضحك وقال: لئن كنت مازحا إني لأظنك صادقا، فأمر [1] بتحويل الحمار إلى اصطبله ليعلفه ويركبه اللهبي متى أراد.
__________
[1] ح: مر.
(3/220)

661- ابن حجاج من قصيدة له مشهورة: [من الخفيف]
ومن الجور والحديث شجون ... جائع بات أيره شبعانا
«662» - قيل: كان على الريّ قاض يكنى أبا حزوة [1] ، اختصم إليه قوم في عقد من لؤلؤ وجوهر، فوضع الجوهر بين يدي القاضي وهم يختصمون، فأخذ القاضي حجرا منه فوضعه في فيه ثم ابتلعه، وأعرابيّ ينظر إليه، ففطن له الأعرابي وأنشأ يقول: [من البسيط]
دعوت ربّ شعيب أن ينجّيني ... من كورة يبعر الياقوت قاضيها
إنّ التي [2] كان أوعاها فأخرجها ... دلّت على عذرات [3] كان يخفيها
«663» - ولّى المنصور سليمان بن راميل، وضمّ إليه ألفا من العجم، فقال:
قد ضممت إليك ألف شيطان تذلّ بهم الخلق. فعاثوا في نواحي الموصل، فكتب إليه كفرت النعمة يا سليمان، فأجاب (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا)
(البقرة: 102) فضحك المنصور وأمدّه بغيرهم.
«664» - شكا رجل إلى كسرى بعض عماله وأنه غصبه ضيعة، فقال له: قد أكلتها أربعين سنة، فما عليك أن تتركها على عاملي سنة؟ قال: أيها الملك وما عليك أن تسلّم ملكك إلى بهرام فيأكله سنة؟ فأمر أن يوجأ في عنقه فقال: أيها الملك دخلت بمظلمة وأخرج بمظلمتين؟ فأمر بردّ ضيعته وقضى حوائجه.
__________
[1] ح: حرّة.
[2] ح: الذي.
[3] ح: غدرات.
(3/221)

665- غزا محمد بن واسع خراسان مع قتيبة، فرعوا الزرع، وأخذ هو بعنان فرسه يتخلّل به الأودية. فقال له دهقان القرية: أنت الذي أهلكتني، قال:
كيف؟ قال: لولا أنت لهلك هؤلاء.
666- دخل رجل على الحجاج فقال: ما عندك؟ قال: علم ألسنة الطير، فإذا هامتان تجاوبتا فقال: ما تقولان؟ قال: تخطب إحداهما بنت الأخرى فتقول لها: لا أزوّجك إلّا بأربعمائة قصر منيف خراب؟ قال: أين تجد ذلك؟ قال: ما دام مثلك حيّا لا نعدمه، قال: كيف؟ قال: إنك تقتل الأخيار وتعطّل الديار.
«667» - ألحّ رجل من المتظلّمين على أحمد بن الخصيب وهو راكب إلى المنتصر، فركله فقيل فيه: [من الكامل]
قل للخليفة يا ابن عمّ محمد ... اشكل وزيرك إنّه ركّال
«668» - ومثله ما رفع إلى المأمون أنّ قاضيا له كان يعضّ الخصوم فوقّع في الرقعة: يشنق [1] .
669- خطب عليّ عليه السلام أهل الكوفة ودعا إلى الجهاد، فقال أريد الفزاريّ: والله لا نجيبك، فضربه قوم من همدان حتى مات، فوداه عليّ من بيت المال، فقال علاقة بن عركي التميمي: [من الطويل]
__________
[1] م: ليسنق.
(3/222)

معاذ إلهي أن تكون منيّتي ... كما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خصفا نعالها ... إذا رفعت عنه يد وقعت يد
670- أخرج [1] أبو علي ابن رستم عاملا إلى بعض النواحي، وكان في القرية حمام كثير، فعدّها وأخذ واحدة منها وشقّ حوصلتها، وعدّ الحبوب الموجودة فيها، واحتسب بذلك وقال: إنّ كلّ حمامة تأكل في السنة من الحنطة كذا، فألزمهم ذلك، فكتب إليه أبو عليّ كتابا وفي آخره: [من الرجز]
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشّفت عن ساقها
وهي من أبيات لرؤبة بن عيينة.
670 ب-[وقال آخر] [2] : [الرمل المجزوء]
يتغنّى القيد في رج ... ليه ألوان الغناء
باكيا لا رقأت عي ... ناه من طول البكاء
671- أقام عامل على دهقان عونين وأمرهما بنتف سباله، فقال: لم تفعل هذا أصلحك الله؟ قال: حتى تصحّح خراجك، وخراج أهل بيتك، وخراج شركائك، فلما أطال رفع رأسه إلى العونين فقال: انتفا على بركة الله.
672- كان معلّم يقعد أبناء المياسير في الظلّ، وأبناء الفقراء في الشمس ويقول: يا أهل الجنّة ابزقوا على أهل النار.
673- كان صاحب ربع يتشيّع، فارتفع إليه خصمان اسم أحدهما عليّ والآخر معاوية، فتحامل على معاوية فضربه مائة مقرعة من غير أن اتجهت عليه حجّة، ففطن من أين أتي فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو
__________
[1] م ح: خرج.
[2] جاء البيتان متصلين بما قبلهما دون فاصل. وفي إحدى نسخ رئيس الكتاب سقط البيتان.
(3/223)

أبو عبد الرحمن، فبطحه وضربه مائة مقرعة، فقال لصاحبه: ما أخذت مني بالاسم استرجعته منك بالكنية.
«674» - كان أبو ضمضم على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلا من عرض الناس فجرّده للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل: ما ذنبي أصلحك الله؟ قال: أحبّ أن تجمّلنا بنفسك ساعة.
«675» - قال كعب: نهيق الحمار دعاء على الظلمة، فحدّث به المسيّب بن شريك فقال: لو علمت أنّ هذا حقا لزدت في قضيم حماري.
«676» - قال أبو المطراب وهو من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم:
[من الوافر]
ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني
فلست بصابر إلّا قليلا ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني
«677» - تقدّم رجلان إلى قاض، فتكلّم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلّم، فقال: أيها القاضي يقضى على غائب، قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلّم.
«678» - بنى ابن أسد قصرا بالبصرة، وكانت في جانب منه حجرة صغيرة لعجوز كانت تساوي عشرين دينارا، فاحتاج إليها وطلبها بمائتي دينار، فأبت.
فقيل لها: إنّ القاضي يحجر عليك لسفاهتك لأنك ضيّعت مائتين فيما قيمته عشرون، فقالت: ولم لا يحجر على من يشتري بمائتين ما يساوي عشرين؟
(3/224)

فحجّت فاشتريت بثلاثمائة دينار.
679- كان لسعيد بن خالد القرشي طائر اسمه كسرى، وفرخ له اسمه ساسان، فأكل الفرخ سنّور جار له يعرف بأنس، فكتب إلى العلاء بن منظور صاحب شرطة الكوفة، وهو الذي وهب له كسرى: [من الرمل]
يا ابن منظور بن قيس دعوة ... ضوءها أنور من ضوء القبس
إنّ ساسان بن كسرى غاله ... في سواد الليل سنّور أنس
فأقدنا منه أو أخلفه أو ... خلّ بين الناس من عزّ افترس
680- قيل: أخذ رجل ذئبا وهو يعظه ويقول له: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول: خفّف واقتصر، فقدّامي قطيع من الغنم لا يفوتني.
681- انحدر القاضي أبو بكر ابن قريعة إلى ضيعة له، فلما وصلت سميريّته إلى شاطىء القرية سبق أكّار من أكرته يهوديّ اسمه شعيب، ومعه جماعة، فتظلّم من وكيله وأعطاه رقعة كان قد كتبها له معلّم في القرية [1] في وقتها بالحبر، وأخذها وطواها وهي رطبة فانطمس أكثرها. فلما دفعها إلى القاضي أعطاها لكاتبه فقال: اقرأ ما فيها، فلم يفهم شيئا من المكتوب فيها، فأطال استخراجه لها، والقاضي مستوفز والأكرة يصيحون، فضاق صدره واستبطأ كاتبه [2] ، فأخذ الرقعة من يديه ليقرأها فكانت صورته مثل صورة الكاتب فردّها إليه وقال له: وقّع فيها (يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ)
(هود: 91) وادفع الرقعة إليه، ونهض من السميرية صاعدا [3] .
يتلوه: باب العقل والحمق.
__________
[1] ح: متعلم من القرية.
[2] ح: قراءة كاتبه.
[3] بعد هذا في ح: بلغ. نجز الباب الثاني عشر.
(3/225)

الباب الثّالث عشر في العقل والحنكة والتجارب والحمق والجهل
(3/227)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
اللهم إنّا نحمدك على مزيّة العقل التي خصصت بها الإنسان، وفضّلته بها على الحيوان، وجعلته إلى معرفتك سبيلا، وعلى فوائد فضلك دليلا، واعتمدت عليه في التكليف والعبادة، ووعدت عليهما خير الجزاء والإفادة، ووقفتنا به على دقائق المعلومات، وبيّنت لنا به مناهج الخيرات، فاهتدى إليها من اهتدى بتوفيقك وتسديدك، وضلّ عنها وحار من عدم الإعانة من توفيقك وتأييدك.
ونعوذ بك من الجهل المضلّ عن سنن هداك القويم ورشدك، الداعي إلى سخطك الأليم وغضبك. وأشهد أن لا له إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنفي الضلالة، وتشفي من عمى الجهالة، وأسأله الصلاة على رسوله المصطفى ونبيّه المجتبى، الذي دلّت على بعثته العقول والألباب، وخصمت حجته الجهول والمرتاب، ووضحت به معالم الهدى فاستنارت، وكسدت بضائع النفاق فبارت، وعلى آله وأصحابه، أهل الفضل وأربابه.
(3/229)

(الباب الثالث عشر في العقل والحنكة والتجارب والحمق والجهل [1] )
[آيات وأحاديث وحكم]
فضيلة العقل أنّ الله عزّ وجلّ لم يخاطب إلّا أهله، وجعل التكليف عليه، ورفع به درجاتهم لديه، وجعل جميع مخلوقاته التي لا تعقل، وإن عظمت جثة وقوة وبطشا، آلة وخدما وسخريّا للعقلاء؛ قال الله تعالى (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)
(إبراهيم: 52) (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ)
(البقرة: 269) (هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ)
(الفجر: 5) وبيّن عزّ وجلّ خيبة من لم يعقل بقوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا)
(يس: 70) قيل عاقلا (وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ)
(الملك: 10) .
«682» - وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله قال: أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب.
__________
[1] ح: في الجهل والعقل والحنكة والتجارب والحمق.
(3/230)

«683» - وروي عنه صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال: إنّ الله قسم العقل على ثلاثة أجزاء، فمن كنّ فيه كمل عقله، ومن لم يكن فيه جزء منها فلا عقل له.
قيل: يا رسول الله ما أجزاء العقل؟ قال: حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر على أمر الله.
684- وقال صلّى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، اعقلوا عن ربكم، وتواصوا بالعقل تعرفوا به ما أمرتم به وما نهيتم عنه؛ والخبر طويل.
«685» - وقال أنس بن مالك: أثنى قوم على رجل عند النبي صلّى الله عليه وعلى آله حتى بالغوا، فقال صلّى الله عليه وعلى آله: كيف عقل الرجل؟ فقالوا:
نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنّما يرتفع العباد غدا في الدرجات زلفى من ربّهم على قدر عقولهم.
«686» - وعن عمر رضي الله عنه أنه صلّى الله عليه وسلم قال: ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويردّه عن ردى. وما تمّ إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله.
687- وعنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: لكلّ شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته. أما سمعتم قول الفاجر (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ) .
«688» - وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لتميم الداري: ما السؤدد فيكم؟
قال: العقل، قال: صدقت، سألت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله كما
(3/231)

سألتك، فقال كما قلت، ثم قال: سألت جبريل ما السؤدد فقال: العقل.
«689» - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله بأيّ شيء تفاضل الناس في الدنيا؟ قال: بالعقل، قلت: وفي الآخرة؟ قال: بالعقل.
قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم؟ فقال: يا عائشة، وهل عملوا إلّا بقدر ما أعطاهم الله تعالى من العقل؟ فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون.
690- وقال صلّى الله عليه وسلم: إنّ أحبّ المؤمنين إلى الله من نصب في طاعة الله، ونصح لعباده، وكمل عقله، ونصح نفسه فأبصر، وعمل به أيام حياته فأفلح وأنجح.
691- وقال صلّى الله عليه وسلم: أتمّكم عقلا أشدكم خوفا، وأحسنكم فيما أمر به ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلّكم تطوّعا.
«692» - قال لقمان لابنه: يا بنيّ إنّ غاية الشرف والسؤدد في الدنيا والآخرة حسن العقل لأنّ العبد إذا حسن عقله غطّى ذلك عيوبه، وأصلح مساوئه، ورضي عنه خالقه. وكفى بالمرء عقلا أن يسلم الناس من شرّه.
«693» - ومن كلامه: أن تكون أخرس عاقلا، خير من أن تكون نطوقا جاهلا. ولكلّ شيء دليل، ودليل العقل التفكّر، ودليل التفكر الصمت، وكفى بك جهلا. أن تنهى الناس عن شيء وتركبه.
«694» - وقال بزرجمهر: لا شرف إلّا شرف العقل، ولا غنى إلّا غنى النفس.
(3/232)

«695» - وقال أردشير: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خلال الخير عليه.
«696» - قيل: مكتوب في حكمة آل داود عليه السلام: على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه، مالكا للسانه، مقبلا على شانه.
697- قال أبو عطاء السندي: [من الوافر]
فإنّ العقل ليس له إذا ما ... تذكّرت الفضائل من كفاء
وإنّ النّوك للأحساب غول ... به تأوي إلى داء عياء
فلا تثقن من النوكى بشيء ... وإن كانوا بني ماء السماء
[حقيقة العقل]
«698» - وأما حقيقة العقل ومعناه وحدّه فقد كثر اختلاف الناس فيه، فقالت طائفة: هو ما وقع عليه التكليف، والناس فيه مستوون لا يتفاوتون فيه، ولا يرجح كبيرهم على صغيرهم؛ وإنما التفاوت الذي نراه في العالم بالتجارب وزيادة بعضهم على بعض في الذكاء والفطنة والحسّ وغير ذلك. وقالت طائفة:
هو متفاوت، وزيادة الناس فيه بعضهم على بعض ظاهرة واضحة. وهذا معتبر معلوم، وقد نرى الصبيّ في أوّل عمره ومبدأ أمره قبل التجربة أعقل من شيخ مجرّب قد حلب الدهر أشطره، وذاق حلوه ومرّه. ومن مليح ما وصف به العقل أنه نور يقذف في القلب تدرك به المعلومات.
وليس هذا موضع اختلاف الناس فيه، فإنه بكتب الأصول أليق، ولكني أورد ما بيّنه أبو حامد الغزالي رحمه الله مختصرا فإنه أنصف وحقّق وأوضح.
[فصل للغزالي في العقل]
«699» - قال أبو حامد: العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان كما
(3/233)

يطلق اسم العين مثلا على معان عدة، وما يجري هذا المجرى، فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حدّ واحد، بل يفرد كلّ قسم بالكشف عنه:
فالأول: الوصف الذي به يفارق الإنسان سائر البهائم، وهو الذي به استعدّ لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الفكرية، وهو الذي أراده الحارث المحاسبيّ حيث قال في حدّ العقل: إنه غريزة يتهيّأ بها درك العلوم النظرية. ولم ينصف من أنكر هذا وردّ العقل إلى مجرّد العلوم الضرورية، فإنّ الغافل عن العلوم والنائم يسمّيان عاقلين باعتبار وجود هذه الغريزة مع فقد العلوم، وكما أنّ الحياة غريزة بها يتهيّأ الجسم للحركات الاختيارية والإدراكات الحسيّة، فكذلك العقل غريزة بها يتهيأ بعض الحيوانات للعلوم النظرية، ولو جاز أن يسوّى بين الإنسان والحمار في الغريزة [1] . وقال [2] : لا فرق إلّا أنّ الله تعالى بحكم إجراء العادة يخلق في الإنسان علوما ليس يخلقها في الحمار والبهائم لجاز أن يسوّى بين الجماد والحمار في الحياة. ويقال لا فرق إلّا أنّ الله يخلق في الحمار حركات مخصوصة بحكم إجراء العادة، فإنه لو قدر الحمار جمادا صمتا لوجب القول بأنّ كلّ حركة تشاهد منه فالله قادر على خلقها فيه على الترتيب المشاهد. وكما وجب أن يقال لم تكن مفارقته للجماد في الحركة إلّا لغريزة اختصّت به عبّر به عنها بالحياة، فكذا [3] مفارقة الإنسان البهيمة في إدراك العلوم النظرية بغريزة يعبّر عنها بالعقل. وهي كالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية الصورة والألوان لصفة اختصّت [4] بها، وهي الصّقالة؛ وكذلك العين تفارق الجبهة في هيئات وصفات بها استعدّت للرؤية. فنسبة هذه الغريزة إلى العلوم نسبة العين إلى الرؤية، ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها
__________
[1] م: الغريزية.
[2] م: ويقال.
[3] ح: فهكذا.
[4] ح: اقتضت.
(3/234)

كنسبة نور الشمس إلى البصر. فهكذا ينبغي أن تفهم هذه الغريزة.
الثاني: هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميّز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، كالعلم بأنّ الاثنين أكثر من الواحد، وأنّ الشخص الواحد لا يكون في مكانين. وهو الذي عناه بعض المتكلّمين حيث قال في حدّ العقل: إنه بعض العلوم الضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وهو أيضا صحيح في نفسه، لأنّ هذه العلوم موجودة وتسميتها عقلا ظاهر، وإنما الفاسد أن تنكر تلك الغريزة ويقال: لا موجود إلّا هذه العلوم.
الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال. فإنّ من حنّكته التجارب وهذّبته المذاهب يقال إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف به يقال إنه غبي جاهل. فهذا نوع آخر من العلوم يسمّى عقلا.
والرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور، ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذّة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوّة سمّي صاحبها عاقلا من حيث أنّ إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة. وهذه أيضا من خواصّ الإنسان التي بها يتميّز عن سائر الحيوانات.
فالأول هو الأسّ والسّنخ والمنبع، والثاني هو الفرع الأقرب إليه، والثالث فرع الأول والثاني، إذ بقوّة الغريزة والعلوم تستفاد علوم التجارب، والرابع هو الثمرة الأخيرة، وهي الغاية القصوى؛ فالأولان بالطبع، والأخيران بالاكتساب.
ولذلك قال عليّ عليه السلام: العقل عقلان: فمطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يكن [1] مطبوع، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع [2] .
__________
[1] م ح: يك.
[2] يكتب قول علي على شكل شعر، مع بعض تغيير، كأن تغير «يكن» فتجعل «يك» .
(3/235)

والأول [1] هو المراد بقوله عليه السلام: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل.
والأخير هو المراد بقوله عليه السلام: إذا تقرّب الناس بأبواب البرّ فتقرب أنت بعقلك. وهو المراد بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأبي الدرداء رضي الله عنه: ازدد عقلا تزدد من ربك قربا فقال: بأبي أنت وأمي، وكيف لي بذلك؟ فقال:
اجتنب محارم الله، وأدّ فرائض الله تكن عاقلا، واعمل بالصالحات من الأعمال تزدد في عاجل الدنيا رفعة وكرامة وتنل من ربّك القرب والعزّ.
وعن سعيد بن المسيب أنّ عمر وأبيّ بن كعب وأبا هريرة دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله فقالوا: يا رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله من أعلم الناس؟ فقال: العاقل، فقالوا: فمن أفضل الناس؟ قال: العاقل، قالوا: أليس العاقل من تمّت مروءته، وظهرت فصاحته، وجادت كفّه، وعظمت منزلته؟ فقال عليه السلام: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)
(الزخرف: 35) إنّ العاقل هو المتقي وإن كان في الدنيا خسيسا دنيّا. وقال في حديث آخر: إنما العاقل من آمن بالله، وصدّق رسله، وعمل بطاعته.
ويشبه أن يكون الاسم في أصل اللغة لتلك الغريزة وكذا في الاستعمال، وإنما أطلق على العلوم من حيث أنها ثمرتها كما يعرف الشيء بثمرته، فيقال:
العلم هو الخشية، والعالم من يخشى الله، فإنّ الخشية ثمرة العلم، فيكون كالمجاز لغير تلك الغريزة. ولكن ليس الغرض البحث عن اللغة [2] . والمقصود أنّ هذه الأقسام الأربعة موجودة، والاسم يطلق على جميعها، ولا خلاف [3] في وجود جميعها إلّا في القسم الأول؛ والصحيح وجودها بل هي الأصل. وهذه
__________
[1] ح: والأولان.
[2] م: العلة.
[3] ع: والاختلاف.
(3/236)

العلوم كأنها [1] مضمنة [2] في تلك الغريزة بالفطرة، ولكن تظهر إلى الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأنّ هذه العلوم ليست شيئا واردا عليها من الخارج [3] ، وكأنها كانت مستكنّة فيها فظهرت. ومثاله الماء في الأرض، فإنه يظهر بحفر القنيّ ويجتمع ويتميّز للحسّ لا بأن يساق إليها شيء جديد، وكذلك الدهن في اللوز وماء الورد، ولذلك قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى)
(الأعراف:
172) فالمراد به إقرار نفوسهم [4] لا إقرار الألسنة، فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص، ولذلك قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)
(الزخرف: 87) معناه إن اعتبرت أحوالهم شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)
(الروم: 30) أي كلّ آدميّ فطر على الإيمان بالله بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه، أعني أنها كالمضمّنة فيها لقرب استعدادها للإدراك. ثم لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفّار، وإلى من أجال خاطره فتذكّر فكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكّرها. لذلك قال تعالى:
(لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)
(البقرة: 221) [5] (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)
(ص: 29) (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ)
(المائدة: 7) (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)
(القمر: 17) ؛ وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد، وكأنّ التذكر ضربان أحدهما: أن تذكر صورة كانت حاضرة الوجود في القلب لكن غابت بعد الوجود، والآخر أن يكون عن صورة كانت
__________
[1] م: كلها.
[2] ح: مصمتة.
[3] ح: من خارج.
[4] ح: إقرار نفسه.
[5] ترد في عدة سور.
(3/237)

مضمّنة فيه بالفطرة. وهذه حقائق ظاهرة للناظر بنور البصيرة، ثقيلة على من ستر وجه السماع والتقليد دون الكشف والعيان، ولذلك تراه يتخبّط في مثل هذه الايات ويتعسّف في تأويل التذكّر وإقرار النفوس أنواعا من التعسّفات، ويتخايل إليه في الأخبار والآيات ضروب من المناقضات، ومثاله مثال الأعمى الذي يدخل دارا فيعثر فيها بالأواني المصفوفة في الدار، فيقول: ما لهذه الأواني لا ترفع من الطريق وتردّ إلى مواضعها؟ فيقال له: إنها في مواضعها وإنما الخلل في بصرك.
فكذلك خلل البصيرة يجري مجراه وأعظم، إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس، وعمى الفارس أضرّ من عمى الفرس. ولمشابهة بصيرة الباطن لبصيرة الظاهر قال الله تعالى (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى)
(النجم: 11) قال (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)
(الأنعام: 75) وسمى ضده عمى فقال (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
(الحج:
46) وقال تعالى: (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)
(الإسراء: 72) وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء: بعضها كان بالبصر، وبعضها بالبصيرة، وسمّي الكلّ رؤية.
قال أبو حامد: والحقّ الصريح أنّ التفاوت يتطرّق إلى الأقسام الأربعة، سوى القسم الثاني، وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. فإنّ من عرف أنّ الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضا استحالة كون الشخص في مكانين، وكون الشيء الواحد قديما وحادثا، وكلّ من يدركه يدركه محققا من غير شك. فأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرّق إليها.
أما القسم الرابع وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات لا يخفى تفاوت الناس فيه، بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد. وهذا التفاوت تارة يكون لتفاوت الشهوة إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض ولكن غير مقصور عليه، فإنّ الشابّ قد يعجز عن ترك الزنا وإذا كبر وتمّ عقله قدر عليه؛ وشهوة الرياء والرياسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفا، وقد يكون سببه التفاوت في
(3/238)

العلم المعرّف لغائلة تلك الشهوة. ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرّة، وقد لا يقدر من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا، وإن كان يعتقد على الجملة فيه مضرّة. وإذا [1] كان علم الطبيب أتمّ كان خوفه أشدّ، فيكون الخوف جندا [2] للعقل وعدّة في قمع الشهوة وكسرها. ولذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من العامي لقوة علمه بضرر المعاصي. فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل، وإن كان من جهة العلم فقد سمّينا هذا الضرب من العلم عقلا فإنه يقوّي غريزة العقل فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه. وقد يكون لمجرد التفاوت في غريزة العقل فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشدّ.
وأما القسم الثالث وهو علم التجارب فتفاوت الناس فيها لا ينكر، فإنهم يتفاوتون بكثرة الإصابة وبسرعة الإدراك، ويكون سببه إما تفاوت في الغريزة، وإما تفاوت في الممارسة. أما الأول وهو الأصل- أعني الغريزة- فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على النفس ويطلع صبحه، ومبادي إشراقه عند سنّ التمييز، ثم لا يزال ينمي ويزداد نموّا خفيّ التدرج [3] إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة، ومثاله نور الصبح، فإنّ أوائله تخفى خفاء يكاد يشقّ إدراكها، ثم يتدرّج إلى الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس.
وتفاوت نور البصيرة كتفاوت [4] نور البصر، فالفرق مدرك بين الأعمش وبين الحادّ البصر، بل سنّة الله جارية في جميع خلقه بالتدريج في الايجاد حتى إنّ غريزة الشهوة لا تركن في الصبي عند البلوغ دفعة وبغتة، بل تظهر شيئا شيئا على التدريج، وكذا جميع القوى والصفات. فمن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة
__________
[1] ح: ولكن إذا.
[2] ح: جيدا.
[3] ح: التدريج.
[4] ح: وتقارب نور ... كتقارب.
(3/239)

فكأنه منخلع عن ربقة العقل، ومن ظنّ أنّ عقل النبي صلّى الله عليه وسلم مثل عقل آحاد السواديّة وأجلاف البوادي فهو أخسّ في نفسه من آحاد السواديّة وأجلاف البوادي. وكيف ينكر تفاوت الغريزة ولولاه لما اختلف الناس في فهم العلوم ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم إلّا بالتفهيم بعد تعب طويل من المعلّم وإلى ذكيّ يفهم بأدنى رمز وإشارة، وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور دون التعليم، يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار؛ وذلك مثل الأنبياء صلوات الله عليهم إذ يتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير تعلّم وسماع، ويعبّر عن ذلك بالإلهام، وعن مثله عبّر نبيّنا صلّى الله عليه وسلم حيث قال: إنّ روح القدس نفث في روعي: أحبب من أحببت فإنك مفارقه، وعش ما شئت فإنك ميّت، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به. وهذا النمط من تعريف الملائكة للأنبياء يخالف الوحي الصريح الذي هو سماع للصوت بحاسّة الأذن ومشاهدة للملك بحاسّة البصر، ولذلك أخبر عن هذا بالنّفث في الروع.
ودرجات الوحي كثيرة والخوض فيها لا يليق بعلم المعاملة، بل هو من علم المكاشفة، ولا تظنّنّ أنّ معرفة درجات الوحي تستدعي منصب الوحي، إذ لا يبعد أن يعرّف الطبيب للمريض درجات الصحة، ويعلّم [العالم] الفاسق ودرجات العدالة وإن كان خاليا عنها. فالعلم شيء ووجود المعلوم شيء آخر، فلا كلّ من عرف النبوة والولاية كان نبيّا، ولا كلّ من عرف التقوى والورع ودقائقه كان تقيا. وانقسام الناس إلى من ينتبه من نفسه ويفهم، وإلى من لا يفهم إلّا بتنبيه وتعليم، وإلى من لا ينفعه التعليم أيضا ولا ينبّهه، كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء ويقوى فيتفجّر بنفسه عيونا، وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج في القنوات، وإلى ما لا ينفع فيه الحفر وهو اليابس، وذلك لاختلاف جواهر الأرض في صفاتها؛ فكذلك هذا لاختلاف النفوس في غريزة العقل. ويدلّ على تفاوت [1]
__________
[1] ح: تقارب.
(3/240)

العقل من جهة النقل ما روي أنّ ابن سلام سأل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش، وأنّ الملائكة قالت: يا ربّ خلقت شيئا أعظم من العرش؟ قال: نعم العقل، قالوا: وما بلغ من قدره؟ قال:
هيهات لا يحاط بعلمه، هل لكم علم بعدد الرمل؟ قالوا: لا، قال: فإني خلقت العقل أصنافا شتّى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي حبّة، ومنهم من أعطي حبتين، ومنهم الثلاث والأربع، ومنهم من أعطي فرقا ومنهم من أعطي وسقا، ومنهم أكثر من ذلك. آخر كلام أبي حامد.
ونذكر الآن ما جاء من كلام الحكماء والأدباء ونظم الشعراء في العقل والعاقل والجهل والجاهل، وأخبارا تناسب ذلك وتجري معه إن شاء الله تعالى.
700- قال أبو سليمان محمد بن بهرام السجستاني المنطقي: الناس أصناف في عقولهم، فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم، فهم لا يبصرون بها إلّا حظوظهم المعجّلة، فلذلك يكيسون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكلّ طاقة ووسع على الظّفر بها. وصنف عقولهم متنبّهة لكنّها مخلوطة بسنات الجهل، فهم يحرصون على الخير واكتسابه ويخطئون كثيرا، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلّتهم الأولى، وهذا نعت موجود في العبّاد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أنّ النعت الأول موجود لطالبي الدنيا بكلّ حيلة ومحالة. وصنف عقولهم ذكيّة متلهّبة [1] لكنها عميّة عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة، والوصايا اللطيفة، والسمعة الربّانية. وهذا موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حقّ عندهم الحقّ اليقين، وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشيمون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد، فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذاذة والراحة. وصنف عقولهم مضيئة بما
__________
[1] ح: ملتهبة.
(3/241)

فاض عليها من عند الله باللطف الخفيّ، والاصطفاء السنيّ، والاجتباء [1] الذكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة، فتراهم حضورا وهم غيّب، وأشباها وهم متباينون، وكلّ صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ. وهذا كما تقول الملوك ساسة، ولكلّ واحد منهم في حاله خاصة، وهؤلاء شعراء ولكلّ واحد منهم بحر، وهؤلاء بلغاء ولكلّ واحد منهم أسلوب، وهؤلاء علماء ولكلّ واحد منهم مذهب.
«701» - وقيل: العقل عقلان: فعقل تفرّد الله عزّ وجلّ بصنعه، وعقل يستفيده المرء بأدبه وتجربته. ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلّا بصحة العقل المركّب في الجسد، فإذا اجتمعا قوّى كلّ واحد منهما صاحبه تقوية النار في الظلمة نور البصر.
702- قال سهل بن هارون، فيما ترجمه عن الحكماء: إنّ المعرفة لا تحيط بمقدار عقل في إنسان، حتى إذا أراد واصف أن يصفه لم يتجاوز حدّه إلى زيادة ولم يقصّر عنه نقصان. وذلك أنّ العقل ثبات المعرفة، وقد يوجد الإنسان ثابت المعرفة بشيء وغير ثابتها بشيء آخر، فلا يقدر على إحصاء ما تثبت فيه معرفة المرء مما لا تثبت إلّا الخالق، غير أنّ قلوب ذوي الألباب موازين معرفتها لا يزن بها أحد بعد اختباره وصحة الفهم له إلّا كادت أن تضعه في ميزان عدل منها.
وللقلوب في ذلك بما طوّقت من الفهم فضل على الألسن بما طوّقت من النطق وإن كانت تراجمة للقلوب. ألا ترى أنّ قائلا لو اجتهد في وصفه لما أتى على كنه معرفة قلبه، وليس ذلك لكلال من اللسان يلزمه عيبه، ولكنّ الفهم ألطف منه مدخلا وأدقّ مسلكا.
__________
[1] ح: والاختيار.
(3/242)

702 ب- قال: وسبب زيادة الفهم على المنطق أنّ اللسان رسول والقلب مرسل، ولا يقوم الرسول مقام المرسل.
702 ج- قال: والعقل صيغة موجودة في ضريبة الإنسان، ليس باكتساب.
702 د- قال: وموضع اللائمة للجاهل أنّ الجهل لو كان موجودا لا عقل معه لسقطت اللوائم عن صاحبه، ولكنّه يكون للمرء جزء من العقل فيلزمه من اللوم بقدر ما أضاعه بذلك الجزء، فإن كلّفه مكلّف أكثر من طاقة عقله فقد ظلمه، وهذا كثير في الناس: أن يؤنّبوا أهل النقص بأكثر من مقدار ما يلزمهم.
وإنما يؤتى اللائم في ذاك من قلّة معرفته بمقدار ما يسعه عقل الملوم، فيكلّفه فوق طاقته. ألا ترى أنّ الذنوب إذا أصابها مصيب [1] كشف الحكام وجوهها فميّزت الجهل من غيره، فحكمها في العمد وهو ارتكاب الذنب مع المعرفة به العقوبة، وفي الخطأ إزالة العقوبة، ويسقط [2] مع ذلك عنه المأثم.
702 هـ- قال: والعقل أمّ لكلّ عمود، وجنّة من كلّ مذموم، حياة النفس وراحة البدن، مدّته إلى السرور، وأيامه إلى السلامة، جامع شمل المواهب، وراجع فوت كلّ ذاهب، كنف للرحمة، ومفتاح للهدى، آخية المودّة بين الصالحين، والساقط بالظنّ على اليقين، زارع الخير، ومثمّر الغبطة، وحامي الهوى عن مراتع الهلكة، لا يخبو نوره [3] ، ولا تكبو زناده، يجنيك ثمرة العافية، ويقيك محذور العاقبة، مستصحب الصّنع وقرين التوفيق، ديوان للخيرات، ومعدن للصالحات، عليه معوّل المحروم، وفيه عوض من المعدوم.
«702» و قال: ووجدت مودّة الجاهل وعداوة العاقل أسوة في الخطر،
__________
[1] م: ذنوب.
[2] ح: وبسط.
[3] ح: ناره.
(3/243)

ووجدت الأنس بالجاهل والوحشة من العاقل سيّان في العيب، ووجدت ظنّ العاقل أوقع بالصواب من يقين الجاهل. ووجدت غشّ العاقل أقلّ ضررا من نصيحة الجاهل، ووجدت العاقل أحفظ لما لم يستكتم من الجاهل لما استكتم.
«703» - قال علي بن أبي طالب عليه السلام: قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. وقال: صديق الجاهل في تعب.
«704» - وقال آخر: لأنا للعاقل المدبر أرجى منّي للأحمق المقبل.
«705» - وقيل: كلّ شيء يعزّ إذا قلّ، والعقل كلما كان أكثر كان أعزّ وأغلى.
«706» - وقيل لبعضهم: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه، وما لا يوجد كاملا فلا حدّ له.
«707» - قال الزبيري: إذا أنكرت عقلك فاقدحه بعاقل.
«708» - ودخل عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، جالس الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإنّ العقل يقع على العقل.
«709» - وقال الأحنف: إني لأجالس الأحمق فأتبيّن ذلك في عقلي.
(3/244)

«710» - وقالوا: أول أمر العاقل آخر أمر الجاهل.
«711» - وقيل: عظمت المؤونة في عاقل متجاهل وجاهل متعاقل.
«712» - قيل لبعضهم: العقل أفضل أم الجدّ؟ فقال: العقل من الجدّ.
«713» - وقال بعضهم: لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره، وطاعة نفسه عليه ممتنعة.
«714» - وقال بكر بن المعتمر: إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جزء من جهل ليقدم على الأمور، فإنّ العاقل أبدا متوان متوقف، مترقّب متخوّف.
وهذا الكلام كأنه مأخوذ من قول النابغة الجعدي: [من الطويل]
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
«715» - قال أعرابي: ما تمّ عقل أحد إلّا قلّ كلامه.
«716» - وقال آخر: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء، آنس منه بلين العيش مع السفهاء.
717- وقال آخر: استشر عدوّك العاقل ولا تستشر صديقك الأحمق فإنّ العاقل يتقي على رأيه الزلل كما يتقي الورع على دينه الحرج.
«718» - قيل لحكيم: ما العقل؟ قال: الإصابة بالظنّ، ومعرفة ما لم يكن بما كان.
(3/245)

«719» - قال أرسطاطاليس: العاقل يوافق العاقل، والجاهل لا يوافق العاقل ولا الجاهل، ومثال ذلك المستقيم الذي ينطبق على المستقيم فأما المعوج فإنه لا ينطبق على المعوج ولا على المستقيم.
«720» - قال سابور: لما رأيت تأتّي الأشياء لذوي الجهل على جهلهم وانصرافها عن ذوي الألباب والعقول، علمت أنّ المدبّر غيرهما، وأنها جارية بغير تدبير من العاقل والأحمق.
720 ب- قال أردشير: نموّ العقل بالعلم.
721- قال أكثم بن صيفيّ: عدوّ الرجل حمقه، وصديقه عقله.
«722» - ومن أمثالهم في الحمق: خرقاء عيّابة.
723- وقالوا: معاداة العاقل خير من مصادقة الأحمق.
«724» - قال الشاعر [1] : [من المتقارب] عدوّك ذو العقل خير من الص صديق لك الوامق الأحمق «725» - والبيت السائر: [من الكامل]
ولأن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
«726» - ومن أمثال العرب في الحمق:
__________
[1] ح: قال شاعر.
(3/246)

(أ) خامري أمّ عامر، وهي الضبع تزعم العرب أنها من أحمق الدوابّ.
(ب) خرقاء وجدت صوفا: يضربونه للرجل يجد مالا فيعيث.
(ج) وشبيه به: عبد وحلى [1] في يديه.
«727» - ويضربون المثل في الحمق بعجل بن لجيم ويزعمون أنه قيل له: إنّ لكلّ فرس جواد اسما، وإنّ فرسك هذا سابق فسمّه، ففقأ إحدى عينيه وقال:
قد سميته الأعور، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل]
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل
«728» - قيل: ما أعدمك من الأحمق فلا يعدمك منه كثرة الالتفات، وسرعة الجواب. ومن علاماته الثقة بكلّ أحد.
«729» - ويقال: إنّ الجاهل مولع بحلاوة العاجل، غير مبال بالعواقب، ولا معتبر بالمواعظ، ليس يعجبه إلّا ما ضرّه، إن أصاب فعلى غير قصد، وإن أخطأ فهو الذي لا يحسن غيره. لا يستوحش من الإساءة، ولا يفرح بالإحسان. [كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد فيها قبحا] . غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله. العاقل إذا تكلم بكلمة أتبعها مثلا، والأحمق إذا تكلّم بكلمة أتبعها حلفا. الأحمق إذا حدّث ذهل، وإذا تكلّم
__________
[1] في بعض القراءات، وخلا (أو: وخليّ) وهو النبات الرطب.
(3/247)

عجل، وإذا حمل على القبيح فعل.
«730» - وقال أبو يوسف: إثبات الحجّة على الجاهل سهل، ولكنّ إقراره بها صعب.
«731» - وقد رضي قوم بالجهل فقالوا: ضعف العقل أمان من الغمّ؛ وقالوا: ما سرّ عاقل قط.
«732» - وقال المتنبي: [من الكامل]
من لي بعيش الأغبياء فإنه ... لا عيش إلّا عيش من لا يعلم
733- قال خالد بن صفوان: ينبغي للعاقل أن يمنع معروفه الجاهل واللئيم والسفيه، أما الجاهل فلا يعرف المعروف والشكر، واللئيم كأرض سبخة لا تنبت ولا تصلح، والسفيه يقول أعطاني فرقا من لساني.
[عمر وهرم بن قطبة]
«734» - نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى هرم بن قطبة ملتفّا في بتّ في ناحية المسجد، ورأى دمامته وقلّته، وعرف تقديم العرب له في الحلم والعلم، فأحبّ أن يكشفه ويسبر ما عنده، فقال: أرأيت لو تنافرا إليك اليوم، لأيّهما كنت تنفّر؟ يعني علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل، قال: يا أمير المؤمنين لو قلت فيهما كلمة لأعدتها جذعة. قال عمر: لهذا العقل تحاكمت إليك العرب [1] .
__________
[1] م: حكموك.
(3/248)

«735» - قدم هوذة بن عليّ الحنفيّ [1] على كسرى فسأله عن بنيه، فذكر عددا، فقال: أيهم أحبّ إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يصحّ. فقال له كسرى: ما غذاؤك في بلدك؟ قال:
الخبز. قال كسرى لجلسائه: هذا عقل الخبز، يفضّله على أهل البوادي الذين يغتذون اللبن والتمر.
[نصيب وجارية حمراء]
«736» - دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك فقال له: حدّثني يا نصيب ببعض ما مرّ عليك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، علقت جارية حمراء فمكثت زمانا تمنّيني الأباطيل، فلما ألححت عليها قالت: إليك عنّي فو الله لكأنّك من طوارق الليل، فقلت لها: وأنت والله كأنك من طوارق النهار، فقالت: ما أظرفك يا أسود، فغاظني قولها فقلت لها: هل تدرين ما الظّرف؟ إنما الظرف العقل، ثم قالت لي: انصرف حتى أنظر في أمرك فأرسلت إليها هذه الأبيات:
[من الوافر]
فإن أك حالكا فالمسك أحوى ... وما لسواد جلدي من دواء
ولي كرم من الفحشاء ناء [2] ... كبعد الأرض من جوّ السماء
ومثلي في رجالكم قليل ... ومثلك ليس يعدم في النساء
فإن ترضي فردّي قول راض ... وإن تأبي فنحن على السواء
قال: فلما قرأت الشعر قالت: المال والعقل يأتيان على غيرهما، فتزوجتني.
__________
[1] ح: الثقفي.
[2] ح ع: ناب (وهو صواب) .
(3/249)

«737» - كان عبد الله بن يزيد أبو خالد القسري من عقلاء الرجال. قال له عبد الملك يوما: ما مالك؟ قال: شيئان لا عيلة معهما: الرضى عن الله عزّ وجلّ والغنى عن الناس. فلما نهض من بين يديه قيل له: هلّا أخبرته بمقدار مالك؟
فقال: لم يعد أن يكون قليلا فيحقرني، أو جليلا فيحسدني.
«738» - قال الرشيد لسعيد بن سلم: يا سعيد من بيت قيس في الجاهلية؟
قال: يا أمير المؤمنين بنو فزارة. قال: فمن بيتهم في الاسلام؟ قال: يا أمير المؤمنين الشريف من شرّفتموه. قال: صدقت، أنت وقومك.
«739» - احتيج أن يكتب على المعتضد كتاب يشهد عليه فيه الشهود، فلما عرضت النسخة على عبيد الله بن سليمان كان ابن ثوابة قد كتبها كما يكتب في الصكاك «في صحة من عقله، وجواز من أمره» [1] فضرب عليه عبيد الله وقال: هذا لا يجوز أن يقال للخليفة وكتب: «في سلامة من جسمه، وأصالة من رأيه» .
[عند المأمون]
«740» - خاصم أحمد بن يوسف رجلا بين يدي المأمون، وكان قلب المأمون على أحمد مملوءا، فعرف أحمد ذلك فقال: يا أمير المؤمنين إنه يستملي من عينيك ما يلقاني به، ويستبين بحركتك ما تجنّه له، وبلوغ إرادتك أحبّ إليّ من بلوغ أملي، ولذة إجابتك آثر لديّ من لذّة ظفري، وقد تركت له ما نازعني فيه، وسلّمت إليه ما طالبني به. فشكر المأمون له ذلك.
__________
[1] ح ع: وجواز أمره عليه.
(3/250)

741- وهب المأمون لطاهر بن الحسين الهنيء والمريء، وهما نهران بقرب الرقة فقال: يا أمير المؤمنين كفى بالمرء شرها أن يأخذ كلّ ما أعطي، ما هما يا أمير المؤمنين من ضياع السّوقة، ما يصلحان إلّا لخليفة أو وليّ عهد، ولم يقبلهما.
742- وشبيه بهذا الفعل الذي هو نتيجة العقل ما روي عن الفضل بن سهل، وهو أنّ حمزة العطارة كانت تتولّى جوهر الخلافة، فلما قتل محمد الأمين حملت الجوهر إلى المأمون بمرو، فأحضر التجار والفضل بن سهل، فقوّم بعشرين ألف ألف دينار، فقال المأمون للفضل بن سهل: خذه فقد جعلته جميعه لك، فاستعفاه، والّح المأمون عليه حتى قال له: فخذ النصف فامتنع، فأخذ المأمون منه عقدا كان أكبر ما فيه وأحسنه، فحلف ليأخذنّه ففعل. فلما قتل الفضل بن سهل وجد في رحله حقّ مختوم، ففتح فإذا فيه العقد، ومعه رقعة بخطّه مكتوب فيها: كنت بحضرة المأمون وقد حمل إليه جوهر الخلافة، فقوّم بكذا، فوهبه جميعه لي، فامتنعت. ثم أمرني بأخذ نصفه فامتنعت، فأعطاني هذا العقد وحلف على أخذه ففعلت، وهو عندي لأمير المؤمنين المأمون وديعة، وليس لي فيه حقّ، فإن حدث بي حدث الموت فيحمل إلى أمير المؤمنين، فلا شيء لي فيه ولا لورثتي.
«743» - كتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم: إني قد طلّقت أمّ خالد بنت قطن الهلالية عن غير ريبة ولا سوء، فتزوّجها. فكتب إليه قتيبة: إنه ليس كلّ مطالع الأمير أحبّ أن أطلع، فقال الحجّاج: ويل امّ قتيبة، وأعجبه ذلك.
[ناس ذكروا بالجهل والحمق]
«744» - كان الوليد بن عبد الملك يذكر بالجهل، وذكر يوما عليّ بن أبي طالب عليه السلام على المنبر فقال: لصّ ابن لصّ، فقال بعضهم: ما أدري أيّ
(3/251)

أمريه أعجب: لحنه فيما لا يلحن فيه أحد، أو نسبته عليا إلى اللصوصية.
«745» - وقريب منه ما روي عن المتوكل أنه قال يوما لأصحابه: تكابروني في أمر عليّ بن أبي طالب، ورأيته البارحة في منامي وهو في النار، قالوا: فنحضر فلانا معبّر الرؤيا ونقصّها عليه، فلعلّ لذلك تأويلا. فأحضره وعرفه ما رآه ولم يذكر عليا، فقال له: لا يجوز أن يكون الرجل إلّا نبيّا أو في منزلة الأنبياء، فقال له: وكيف ذلك، وبما استدللت عليه قال: بقول الله تعالى (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها)
(النمل: 8) .
«746» - وقال يوما والله لأشفعنّ للحجاج بن يوسف.
وكان أخوه يزيد بن عبد الملك جاهلا مستهترا باللذات واللهو في خلافته، وكان يقول لمولاته حبابة إذا غنته: أتأذنين أن أطير؟ فتقول: وعلى من تدع الناس؟ فيقول: عليك.
ولما غلبت عليه حبابة قال لها يوما: قد استخلفتك على ما ورد عليّ، ونصبت لذلك مولاي فلانا فاستخلفيه لأقيم معك أياما وأستمتع بك، فقالت: إني قد عزلته، فغضب عليها وقال: أستعمله وتعزلينه؟! وخرج من عندها مغضبا. فلما ارتفع النهار وطال عليه هجرها قال لخصيّ له: انطلق فانظر ما تصنع، فرآها تلعب بلعبها، فقال له: احتل لي حتى تمرّ بها عليّ. فانطلق الغلام فلاعبها ساعة ثم استلب لعبة من لعبها وخرج، فخرجت تحضر في أثره، فمرّت بيزيد فوثب يقول: قد عزلته، وهي تقول قد استعملته؛ فعزل مولاه وولّاه وهو لا يدري.
(3/252)

«747» - وقد عدّ للحجاج أقوال تدلّ على الجهل، فمن ذلك أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك بعد وفاة محمد أخيه: أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أنه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار، فإن يكن أصابها من حلّها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا رحمه الله. فكتب إليه الوليد: أما بعد فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد من المال، وإنما أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، فترحم عليه رحمك [1] الله.
«748» - وكتب الحجاج إلى عبد الملك: بلغني أنّ أمير المؤمنين عطس عطسة فشمّته قوم فقال: يغفر الله لنا ولكم ف (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً)
(النساء: 73) .
«749» - ووفد مرة على الوليد فقال له وقد أكلا: هل لك في الشراب؟
فقال: ليس بحرام ما أحللته، ولكنّي أمنع أهل عملي منه، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ)
(هود: 88) .
750- وقيل له وقد احتضر: ألا تتوب؟ فقال: إن كنت مسيئا فليست هذه الساعة ساعة توبة، وإن كنت محسنا فليست ساعة جزع. وشكّه في نفسه بين الإساءة والإحسان من أجهل الجهل.
[من اهتز ومن حمّق]
«751» - كان عبيد الله بن أبي عبد الله كاتب المهدي يحمّق، وقتله المهديّ في الزندقة بعد أن أقرّ بها ولم ينكرها، وكان ذلك سبب فساد حال أبيه مع المهدي.
__________
[1] م: يرحمك؛ ح: رحمه.
(3/253)

وهب له المهديّ وصيفة ثم سأله بعد ذلك عنها فقال له: ما وضعت بيني وبين الأرض قطّ أوطأ منها حاشا سامع، فقال المهدي لأبيه: أتراه يعنيني أو يعنيك؟
قال: بل يعني أمّه الزانية، لا يكني.
752- قالت خيرة بنت ضمرة القشيرية امرأة المهلّب للمهلب: إذا انصرفت من الجمعة فأحبّ أن تمرّ بأهلي فقال: إنّ أخاك أحمق، قالت: فأحبّ أن تمرّ بنا. فجاء وأخوها جالس فلم يوسّع له فجلس المهلب ناحية ثم أقبل عليه وقال: ما فعل ابن عمّك فلان؟ قال حاضر قال: أرسل إليه، ففعل، فلما نظر إلى المهلب غير مرفوع المجلس قال: يا ابن اللخناء، المهلب جالس ناحية وأنت في صدر المجلس، وواثبه، فتركه المهلب وانصرف، فقالت له خيرة: أمررت بأهلي؟ قال: نعم، وتركت أخاك الأحمق يضرب.
«753» - قال ابن عائشة: كان مالك بن أبي السمح من أحمق الناس، فلما قتل الوليد بن يزيد كنّا حاضرين معه، فقال مالك: اهرب بنا، فقلت: وما يريدون منّا؟ قال: وما يؤمّنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسّنوا أمرهم بذلك؟ قال ابن عائشة: فما رأيت أقلّ [1] منه عقلا قط قبل [2] ذلك اليوم.
754- يقولون: الخرف حمق معتّق. وقالوا: إنما يهتر كلّ إنسان بما كان مغرى به زمن الشبيبة.
«754» ب- فمن ذلك أنّ بسر بن أرطأة أهتر فكان يطلب السيف ليضرب
__________
[1] أقل: سقطت من ح.
[2] ح: بعد.
(3/254)

به، فكانوا يعطونه سيفا من خشب، فلا يزال يضرب به كلّ ما يجده. وكان من قبل معدودا في أولي البأس، وكان سفّاكا للدماء.
«754» ج- والنمر بن تولب العكلي كان من الأجواد فأسنّ وأهتر، فكان دأبه أن يقول: أصبحوا الراكب، اغبقوا الراكب، اقروا الضيف، انحروا له، أعطوا السائل، تحملوا لهذا في حمالة كذا وكذا.
754 د- وخرفت امرأة من حيّ كرام عظيم خطرهم وخطرها فيهم، فكان هجّيراها: زوّجوني، قولوا لزوجي. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد بلغه خبرها: ما لهج به أخو عكل، النمر بن تولب، في خرفه أفخر وأسرى وأجمل مما لهجت به صاحبتكم، ثم ترحّم عليه.
«755» - أتى عديّ بن أرطأة شريحا ومعه امرأة من أهل الكوفة يخاصمها، فلما جلس بين يدي شريح قال عديّ: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط، قال:
إني امرؤ من أهل الشام، قال: بعيد سحيق، قال: وإني قدمت العراق، قال:
خير مقدم، قال وتزوّجت هذه المرأة وقد أردت أن أنقلها إلى داري، قال: المرء أحقّ بأهله، قال: قد كنت شرطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: اقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: فعلى من قضيت؟ قال: على ابن أمك.
«756» - قال محمد بن رياح القاضي: تقدم إليّ قثم مع ابن أخيه فادّعى عليه
(3/255)

خمسة آلاف دينار، فقال قثم: نعم له عليّ ذلك، فمن أيّ وجه؟ فقلت: قد أقررت له بالمال فإن شاء فسّر الوجه، وإن شاء لم يفسّر. فقال ابن أخيه: أشهد أنه بريء منها إن لم أثبتها، فقلت: وأما أنت فقد أبرأته إلى أن يثبت ذلك؛ فما رأيت أضعف منهما في الحكم.
«757» - خطب سعيد بن العاص عائشة بنت عثمان على [1] أخيه فقالت: لا أتزوّجه، قال: ولم؟ قالت: هو أحمق، له برذونان أشهبان، فيحتمل مؤونة اثنين وهما عند الناس واحد.
«758» - وكان خالد بن عبد الله القسريّ فيما تواترت به الأخبار عنه يتظاهر بما يدلّ على الكفر والجهل، وهو في الكفر أدخل وبه أليق. ومما يليق بالجهل أنه كان يوما يخطب على المنبر وكان لحنة، وكان له مؤدّب يجلس بإزائه، فإذا شكّ في شيء أومأ إليه، وكان لخالد صديق من تغلب زنديق يقال له زمزم، فقال له وهو على المنبر: مسألة قد حضرتني، فقال له: ويحك أما ترى الشيطان عينه في عيني؟ يعني مؤدّبه، قال: لا بدّ والله منها، أخبرني عن الحمار إذا ساف وكرف [2] ثم رفع رأسه وكرف أيّ شيء يقول؟ قال: أراه يقول: يا رباه ما أطيبه. قال: صدقت، ما كان يستشهد على هذا سوى ربّه.
«759» - كانت امرأة أبي خراش من أحمق النساء. قال أبو بكر الأشجعي:
خرج أبو خراش الهذلي من أرض هذيل يريد مكة، فقال لزوجته أمّ خراش:
__________
[1] ح: إلى.
[2] كرف الحمار: شمّ بول الأتان ثم رفع رأسه.
(3/256)

ويحك إني أريد مكّة لبعض الحاج، وإنك لمن أفك النساء [1] ، وإنّ بني الديل يطلبونني بترات، فإياك أن تذكريني لأحد [من أهل مكة] حتى أصدر عنها.
فقالت: أعوذ بالله أن أذكرك لأحد من أهل مكة وأنا أعرف السبب. قال:
فخرج يوما بأم خراش [2] وكمن لحاجته، وخرجت إلى السوق تشتري عطرا أو بعض ما يشتريه النساء من حوائجهنّ؛ فجلست إلى عطّار فمرّ بها فتيان من بني الديل، فقال أحدهما لصاحبه: أمّ خراش وربّ الكعبة، وإنها لمن أفك النساء، وإن كان أبو خراش معها فستدلّنا عليه. قال: فوقفا عليها فسلّما وأحفيا في المسألة والسلام، فقالت من أنتما بأبي أنتما، قالا: رجلان من أهلك. قالت بأبي أنتما، فإنّ أبا خراش معي فلا تذكراه لأحد، ونحن رائحون العشيّة. فخرج الرجلان فجمعا جماعة من فتيانهم وأخذوا مولى لهم يقال له مخلد، وكان من أجود الرجال عدوا، فكمنوا في عقبة على طريقه، فلما رآهم قد لاقوه في عين الشمس قال لها: قتلتني وربّ الكعبة، لمن ذكرتني؟ قالت ما ذكرتك إلّا لفتيين من هذيل، فقال لها: والله ما هما من هذيل، ولكنهما من بني الديل، وقد جلسا لي وجمعا عليّ جماعة من قومهما، فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلّا أستوحش فأفوتهم، فاركضي بعيرك، وضعي عليه العصا، والنجاء النجاء؛ قال: وهي على قعود عقيليّ يسبق الريح. فلما دنا منهم وقد تلثموا ووضعوا تمرا على طريقه على كساء، فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا، وجاوزتهم أمّ خراش فلم يعرضوا لها لئلّا ينفر منهم، ووضعت العصا على قعودها. فتواثبوا إليه ووثب يعدو، قال: فزاحمه على المحجة التي يسلك فيها على العقبة ظبي، فسبقه أبو خراش، وتصايح القوم لمخلد: يا مخلد أخذا أخذا، فقال: فات الأخذ، فقالوا: ضربا ضربا، فسبق الضرب. فقالوا: رميا رميا، فسبق الرمي. وسبقت أمّ خراش إلى الحيّ فنادت: ألا إنّ أبا خراش قد قتل، فقام الحيّ إليها وقام أبوه
__________
[1] أي من أضعفهنّ رأيا وأحمقهنّ.
[2] ح: يوما خراشا. ع: يوم خراشا.
(3/257)

فقال: ويحك ما كانت القصة [1] ؟ قالت: فإنّ بني الديل عرضوا له الساعة في العقبة، قال: فما رأيت أو ما سمعت؟ قالت: سمعتهم يقولون: رميا رميا، قال:
فإن كنت سمعت رميا رميا فهو منا قريب. ثم صاح: يا أبا خراش، فقال أبو خراش: لبيك لبيك، فإذا هو قد وافاهم على أثرها.
«760» - قال عبد الله بن محمد البواب: سألت الخيزران موسى الهادي أن يولّي خاله الغطريف اليمن، فوعدها بذلك ودافعها، ثم كتبت إليه يوما رقعة تناجزه [2] فيها أمره، فوجّه إليها برسولها يقول لها: خيّريه بين اليمن وطلاق ابنته، أو مقامي عليها ولا أولّيه اليمن، فأيّهما اختار فعلته. فدخل الرسول إليها، ولم يكن فهم عنه ما قال له فأخبرها بغيره، ثم خرج إليه فقال: تقول لك ولاية اليمن، فغضب وطلّق ابنته وولّاه اليمن. ودخل الرسول فأعلمه بذلك فارتفع الصراخ من داره فقال: ما هذا؟ فقالوا: من دار بنت خالك، قال: أولم يختر ذلك؟ قالوا: لا ولكنّ الرسول لم يفهم ما قلت وأدّى غيره، وعجلت بذلك [3] .
فندم ودعا صالحا صاحب المصلّى وقال له: أقم على رأس كلّ رجل يحضرني من الندماء رجلا بسيف، فمن لم يطلّق امرأته فليضرب عنقه، ففعل ذلك، ولم يبرح من حضرته أحد منهم حتى طلّق امرأته. قال ابن البواب: فخرج الخدم إليّ فأخبروني بذلك، وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه يراوح بين رجليه فخطر ببالي: [من الطويل]
خليليّ من سعد ألما فسلّما ... على مريم لا يبعد الله مريما
وقولا لها هذا الفراق عزمته ... فهل من نوال قبل ذاك فيعلما
__________
[1] الأغاني: ما كانت قصته.
[2] الأغاني: تتنجزه.
[3] الأغاني: وعجلت بطلاقها.
(3/258)

فأنشدته بالياء، فقال لي: فنعلما بالنون، فقلت له: وما الفرق بينهما؟ فقال: إنّ المعاني تحسّن الشعر وتفسده، وإنما قال «فنعلم» ليعلم هو القصة، وليست به حاجة إلى أن يعلم الناس سرّه. فقلت له: أنا أعلم بالشعر منك، قال: فلمن هو؟ قلت: للأسود بن عمارة النوفلي قال: أو تعرفه؟ قلت: لا، قال: فأنا هو.
فاعتذرت إليه من مراجعتي إياه ثم عرّفته خبر الخليفة فيما فعله، فقال: أحسن الله جزاءك، وانصرف، وقال: هذا أحقّ منزل بترك.
«761» - مدح البحتري المتوكل بقصيدته التي أولها: [من الكامل المجزوء]
عن أيّ ثغر تبتسم ... وبأيّ طرف تحتكم
وهي من فاخر الشعر ومونقه، فصاح به أبو العنبس الصيمري من خلفه:
[من الكامل المجزوء]
في أيّ سلح ترتطم ... وبأيّ كفّ تلتقم
أدخلت رأسك في الحرم ... وعلمت أنك تنهزم
وتمامها شعر سخيف ركيك، فغضب البحتريّ وخرج، وضحك المتوكل حتى أكثر، وأمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم، وقيل: أمر له بالصلة التي كانت أعدّت للبحتري.
«762» - قال المدائني: قدم البصرة راجز من أهل المدينة، فجلس إلى حلقة فيها الشعراء فقال: أنا أرجز العرب، أنا الذي أقول: [من الرجز]
مروان يعطي وسعيد يمنع ... مروان نبع وسعيد خروع
(3/259)

وددت أني راهنت [1] في الرجز من أحبّ، والله لأنا أرجز من العجاج، فليت البصرة جمعت بيني وبينه، قال: والعجاج حاضر، وابنه رؤبة معه. فأقبل رؤبة على أبيه فقال: قد أنصفك الرجل، فقال العجاج: ها أنا ذا العجاج، وزحف إليه، فقال: وأيّ العجّاجين أنت؟ قال: ما خلتك تعني غيري، أنا عبد الله الطويل، وكان يكنى بذلك. قال المدني: ما عنيتك ولا أردتك، قال: كيف وقد هتفت باسمي؟ قال: وما في الدنيا عجاج سواك؟ قال: ما علمت، قال:
لكني أعلم وإياه عنيت. قال: فهذا ابني رؤبة، قال: اللهم غفرا ما بيني وبينكما عمل، وإنما مرادي غيركما، فضحك أهل الحلقة، وكفّا عنه.
«763» - قال إسحاق الموصلي: دخلت يوما على الأمين فرأيته مغضبا كالحا، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما لي أراك كالخاثر [2] ؟ قال: غاظني أبوك الساعة، لا رحمه الله، والله لو كان حيا لضربته خمسمائة سوط، ولولاك لنبشت الساعة قبره وأحرقت عظامه. فقمت على رجليّ وقلت: أعوذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين. ومن أبي وما مقداره حتى تغتاظ منه؟ وما الذي غاظك؟ فلعلّ له فيه عذرا. فقال: شدة محبته للمأمون وتقديمه إياه عليّ حتى قال في الرشيد شعرا يقدّمه عليّ فيه وغنّاه فيه، وغنّيته الآن فأورثني هذا الغيظ، فقلت: والله ما سمعت هذا قطّ ولا لأبي غناء إلّا وأنا أرويه، فما هو؟ قال: قوله: [من الوافر]
أبو المأمون فينا والأمين ... له كنفان [3] من كرم ولين
فقلت له: يا أمير المؤمنين، لم يقدّم المأمون في هذا الشعر لتقديمه إياه في الموالاة،
__________
[1] الأغاني: راميت.
[2] ح: فقلت ما لأمير المؤمنين كالخاثر.
[3] ح: كفان.
(3/260)

ولكنّ الشعر لم يصحّ له وزنه إلّا هكذا، فقال: كان ينبغي إذا لم يصحّ له الشعر إلّا هكذا أن يدعه إلى لعنة الله. فلم أزل أداريه وأرفق به حتى سكن. فلما قدم المأمون سألني عن هذا الحديث، فحدثته به فجعل يعجب منه ويضحك.
[أخبار عن المنصور]
«764» - كان مطيع بن إياس الكنانيّ يخدم جعفر بن أبي جعفر المنصور وينادمه، فكره ذلك أبو جعفر لما شهر به مطيع في الناس، وخشي أن يفسده، فدعا بمطيع وقال له، قد عزمت على أن تفسد ابني عليّ وتعلّمه زندقتك؟! قال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من أن تظنّ بي هذا فأهلك، والله ما يسمع مني إلّا ما إذا وعاه جمّله وزيّنه ونبّله. قال: ما أرى ذلك ولا يسمع منك إلّا ما يضرّه ويعرّه. فلما رأى مطيع لجاجه [1] في أمره قال له: أتؤمّنني من غضبك حتى أصدقك؟ قال: أنت آمن قال: وأيّ مستصلح فيه، أو أيّ نهاية لم يبلغها في الفساد والهلاك [2] ؟! قال: ويلك بأيّ شيء؟ قال: يزعم أنه يتعشّق امرأة من الجنّ، وهو مجتهد في خطبتها، وقد جمع أصحاب العزائم عليها، وهم يغرونه ويعدونه بها ويمنّونه، فو الله ما فيه فضل لغير ذلك من جدّ ولا هزل، ولا كفر ولا إيمان. فقال له المنصور: ويلك أتدري ما تقول؟ قال: الحقّ والله أقول، فسل عن ذلك. فقال له: عد إلى صحبته واجتهد أن تزيله عن هذا الأمر، ولا تعلمه أني علمت بذلك حتى أجتهد في إزالته عنه.
«765» - ودخل المنصور دار جعفر ابنه هذا، وخرج جعفر من دار حرمه، فقال لأبيه: ما حملك على أن دخلت عليّ بغير إذن؟ فقال له أبو جعفر: لعنك
__________
[1] الأغاني: الحاحه.
[2] الأغاني: والضلال.
(3/261)

الله، ولعن من أشبهته، قال: والله لأنا أشبه بك منك بأبيك.
[عقيل بن علّفة]
«766» - دخل عقيل بن علّفة المريّ على يحيى بن الحكم، وهو يومئذ أمير المدينة، فقال له يحيى: أنكح ابن خالي- يعني ابن أوفى- فلانة ابنتك، فقال له: إنّ ابن خالك ليرضى منّي بدون ذلك، قال: وما هو؟ قال: أن أكفّ عنه سنن الخيل إذا غشيت سوامه، فقال يحيى لحرسيّين بين يديه: أخرجاه، فلما ولّى قال: أعيداه، فأعاداه، فقال له عقيل: مالك تكررني تكرار الناضح؟ قال:
أما والله إني لأكرّك أعرج جافيا، قال عقيل لذلك [1] قلت: [من البسيط]
تعجبت أن رأت رأسي تجلّله ... من الروائع شيب ليس من كبر
ومن أديم تولّى بعد جدّته ... والجفن يخلق حدّ الصارم الذكر
فقال له يحيى: أنشدني قصيدتك هذه كلّها، قال: ما انتهيت إلّا إلى ما سمعت، قال: أما والله إنك لتقول فتقصر قال: إنما يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق [2] . قال فأنكحني إحدى بناتك قال: أما أنت فنعم، قال: أما والله لأملأنّك مالا وشرفا.
قال: أما الشرف فقد حمّلت ركائبي منه ما أطاقت، وكلّفتها تجشّم ما لم تطق، ولكن عليك بهذا المال فإنّ فيه صلاح الأيّم ورضى الأبيّ. فزوجه ثم خرج فأهداها إليه، فلما قدمت عليه بعث إليها يحيى مولاة له لتنظر إليها، فجاءتها فجعلت تغمز عضدها، فرفعت يدها فدقّت أنفها، فرجعت إلى يحيى فقالت:
بعثتني إلى أعرابية مجنونة فصنعت بي ما ترى. فنهض إليها يحيى فقال: مالك؟
فقالت: ما أردت أن بعثت إليّ أمة تنظر إليّ؟ ما أردت بما فعلت إلّا أن يكون نظرك إليّ قبل كلّ ناظر، فإن رأيت حسنا كنت قد سبقت إلى بهجته، وإن رأيت
__________
[1] ح: كذلك.
[2] ح: بالرقبة.
(3/262)

قبيحا كنت أحقّ من ستره [1] ، فسرّ بقولها وعقلها، وحظيت عنده.
[محمد الأمين]
767- كان محمد الأمين مضعّفا شديد الانهماك على اللذّة، منهمكا على التصابي، مطاوعا هوى النفس وجهلها، فروي عنه أنه لاعب الفضل بن الربيع بالنرد في وقت محاربته طاهر بن الحسين، وأخذ خاتمه رهنا وعليه اسمه واسم أبيه وقام لحاجته، واستدعى نقّاشا وأمره أن يكتب تحت اسمه ينكح، ثم عاد إلى مجلسه وأعاد الخاتم إلى الفضل، وتركه أياما ثم أخذ الخاتم من يده فتأمّله وقال: ما الذي عليه مكتوب؟ قال: اسمي، قال: وما هذا تحته؟ فتأمله الفضل فكاد يجنّ وقال له: ما بقّيت في هتك سترك شيئا، هذا خاتم وزيرك تختم به الكتب الصادرة عنك إلى الآفاق، وبالأمس ختم به إلى أخيك الذي يدعو إلى خلعك، ويجهّز الجيوش لحربك، ويزعم أنه أحقّ بالأمر منك، وما يضرّ ذلك الفضل ولا الربيع، والله المستعان.
768- وذكره الفضل يوما فقال: ينام نوم الظّربان، وينتبه انتباه الذئب، همّه بطنه ولذّته، لا يفكّر في زوال نعمة، ولا يروّي في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد شمّر له عبد الله عن ساقه، وفوّق له أسدّ أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، قد عبأ له المنايا على متون الخيل، وناط له البلايا بأسنّة الرماح وشفار السيوف. [من الطويل]
يقارع أتراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم
فيصبح من طول الطراد وجسمه ... نحيل وأضحي في النعيم أصمم
فشتان ما بيني وبين ابن خالد ... أمية في الرزق الذي الله يقسم
ونحن نجري إلى غاية إن قصّرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعب من أصل: إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا. إن هذا الرجل
__________
[1] ح: سترته.
(3/263)

قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء ويعتزم على الرؤيا، قد أمكن أهل الخسارة واللهو من سمعه، فهم يمنّونه الظفر ويعدونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السّيل إلى قيعان الرمل.
[أقوال في العقل والحمق]
«769» - والمثل يضرب في حمق هبنّقة القيسيّ، واسمه يزيد بن ثروان وكنيته أبو نافع، شرد له بعير فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له أتجعل في بعير بعيرين؟ قال: إنكم لا تعرفون فرحة الوجدان.
«770» - قيل: أحقّ الناس بالرحمة ثلاثة: عاقل قد نفذت عليه أحكام جاهل، وبرّ سلّط عليه فاجر، وكريم عرضت له حاجة إلى لئيم. ومنه قول الأعشى: [من الكامل]
حسب الكريم مذلّة ومسبّة ... أن لا يزال إلى لئيم يرغب
771- قال أبو تمام الطائي: قلت لأعرابيّ أيسرّك أنك جاهل ولك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قلت: ولم؟ قال: لأنّ يسر الجاهل شين، وعسر العاقل زين، وما افتقر رجل صحّ عقله.
772- وقال الأحنف: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وبرّ من فاجر، وشريف من دنيء.
«773» - وقال أعرابي: العاقل حقيق أن يسخّي نفسه عن الدنيا علمه بأن [1]
__________
[1] ح: بأنه.
(3/264)

لا ينال منها [1] شيئا إلّا قلّ إمتاعه به، ويكثر عناؤه فيه، وتشتد مرزئته عند فراقه، وتعظم التّبعة فيه بعده.
«774» - قال وهب بن منبه، كان يقال: الأحمق إذا تكلّم فضحه حمقه، وإذا سكت فضحه عيّه، وإذا عمل أفسد، وإذا ترك أضاع، لا علمه يغنيه، ولا علم غيره ينفعه. تودّ أمه أنها ثكلته، وتتمنّى امرأته أنها عدمته، ويتمنّى جاره منه الوحدة، وتأخذ جليسه منه الوحشة.
«775» - وقال أفلاطن: الخصال رعيّة القلب، فعلى حسب قوّة تدبير العقل صلاح الخصال وفسادها. وللعقل تدبير ظاهر وباطن، فمن ظاهره الحياء وحسن البشر، ومن باطنه الوفاء والحلم.
«776» - وقال آخر: العقل صديق مقطوع، والهوى عدوّ متبوع.
«777» - قالت الحكماء: العلم قائد، والعقل سائق، والنفس ذود، فإذا كان قائد بلا سائق هلكت، وإن كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا، فإذا اجتمعا أجابت طوعا وكرها.
778- دخل رجل على سليمان بن عبد الملك فتكلّم عنده بكلام أعجب سليمان، وأراد أن يختبره وينظر: أعقله على قدر كلامه أم لا؛ فوجده مضعوفا فقال: فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة، وخير الأمور ما صدّق بعضها بعضا، وأنشد: [من الطويل]
__________
[1] ح: فيها.
(3/265)

ما المرء إلّا الأصغران لسانه ... ومعقوله والجسم خلق مصوّر
فإن تر منه ما يروق فربّما ... أمرّ مذاق العود والعود أخضر
«779» - وقال الحسن البصري: لو كان الناس كلّهم عقول خربت الدنيا.
«780» - وقال زياد: ليس العاقل الذي إذا وقع في الأمر احتال له، ولكنّ العاقل يحتال للأمر حتى لا يقع فيه.
«781» - وقيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغك [1] الجنّة وعدل بك عن النار. قال السائل: ليس هذا أريد، قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع [2] ، ومن لم يحسن أن يسمع [3] ، لم يحسن أن يسأل [4] ، ومن لم يحسن أن يسأل لم يحسن أن يقول [5] . قال: ليس هذا أريد؛ قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم:
إنّا معشر الأنبياء بكاء، أي قليلو الكلام، وهو جمع بكيء، وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. قال السائل ليس هذا أريد [6] . قال: فكأنك تريد تحبير [7] اللفظ في حسن إفهام، قال: نعم، قال: إنك إن أردت [8] تقرير حجة الله في عقول المتكلمين [9] ، وتخفيف المؤونة عن المستمعين، وتزيين المعاني في قلوب
__________
[1] البيان: ما بلغ بك (وزاد: وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيّك) .
[2] البيان: يستمع ... الاستماع.
[3] البيان: يستمع ... الاستماع.
[4] البيان: القول.
[5] ومن لم يحسن ... بقول: سقط من البيان.
[6] حذف المؤلف هنا عبارة كاملة.
[7] البيان: تخير؛ ح: تحسين.
[8] البيان: أوتيت.
[9] البيان: المكلفين.
(3/266)

المستفهمين [1] ، بالألفاظ الحسنة، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الناطقة عن الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب.
782- سأل الحسن بن سهل عليّ بن عبيدة فقال له: من الحاكم على الملوك؟
قال: أهل الآراء والعقول (وتمام الكلام من غير هذا الباب) .
783- قيل: نفور العالم من الجاهل أشدّ من نفور العالم من الجهل.
«784» - أعرابي: لولا ظلمة الخطأ ما أشرق نور الصواب.
785- قيل لبزرجمهر: لم لا تعاتبون الجهلة؟ قال: لأنّا لا نريد من العميان أن يبصروا.
«786» - عمرو بن أعبل [2] التميمي: [من الطويل]
وإنّ عناء أن تفهّم جاهلا ... فيحسب جهلا أنه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
«787» - حدّث شريك فقال عافية القاضي: ما سمعنا بهذا الحديث، فقال شريك: وما يضرّ عالما أن جهل جاهل؟! «788» - قال عيسى عليه السلام: عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني.
__________
[1] البيان: المريدين.
[2] ح: أعل.
(3/267)

«789» - كان شريح يقول: لأن أزاول أحمق أحبّ إليّ من أن أزاول نصف الأحمق قيل: يا أبا أمية، ومن نصف الأحمق؟ قال: الأحمق المتعاقل.
«790» - شاعر [من البسيط]
لكلّ داء دواء يستطبّ به ... إلّا الحماقة أعيت من يداويها
«791» - آخر: [من الطويل]
أبا جعفر إنّ الجهالة أمّها ... ولود وأمّ العقل جدّاء حائل
792- الأدب صورة العقل فحسّن صورة عقلك كيف شئت.
793- ابن السماك: أعقل الناس محسن خائف، وأجهلهم مسيء آمن.
794- قال حكيم: من أعجب الأشياء جاهل يسلم بالتهوّر، وعاقل يهلك بالتوقّي.
795- وقيل: العقل بلا أدب فقر، والأدب بغير عقل حتف. العقل يحتاج إلى مادة الحكمة كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الأطعمة.
«796» - قال الحسن: ثلاثة أشياء تذهب ضياعا: دين بلا عقل، ومال بلا بذل، وعشق بلا وصل.
797- قال زياد: الحديث أسمعه من عاقل أحبّ إليّ من سلافة فتقت [1] بماء ثغب في يوم ذي وديقة.
__________
[1] ح: فنيت (اقرأ: فثئت) .
(3/268)

«798» - أبو ذرّ عن النبي صلّى الله عليه وسلم: يوشك أن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع.
«799» - فيلسوف: إفراط العقل مضرّ بالجد.
«800» - وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: إنّ في كلّ أمّة محدّثين أو مروّعين، فإن يكن في هذه الأمة أحد فإن عمر منهم. (المحدّث المصيب في حديثه كأنما حدّث بالأمر، والمروّع الذي يلقى الأمر في روعه) .
«801» - محمد بن علي الصيني في طاهر بن الحسين: [من المتقارب]
كأنّك مطّلع في القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها
فكرّات طرفك ممتدّة ... إليك بغامض أخبارها
«802» - ابن المعتز: [من المتقارب]
تفقّد مساقط لحظ المريب ... فإنّ العيون وجوه القلوب
وطالع بوادره في الكلام ... فإنك تجني ثمار الغيوب
«803» - قال فيلسوف: عقل الغريزة سلّم إلى عقل التجربة.
«804» - قال أعرابيّ: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صوّر
(3/269)

الحمق لأضاء معه الليل.
805- الهيثم بن القاسم الخثعمي: [من البسيط]
قد يرزق الأحمق المرزوق في دعة ... ويحرم الأحوذيّ الأرحب الباع
كذا السّوام تصيب الأرض ممرعة ... والأسد منزلها في غير إمراع
والناس من كان ذا مال وسائمة ... مدّوا إليه بأبصار وأسماع
«806» - قيل لحكيم: متى عقلت؟ قال: حين، ولدت. فلما رأى إنكارهم قال: أما أنا فقد بكيت حين جعت، وطلبت الثّدي حين احتجت، وسكتّ حين أعطيت؛ يعني من عرف مقادير حاجاته فهو عاقل. وهذا كلام فاسد لأنّ ضرورات البدن والجوع والعطش يدركها العاقل والجاهل والبهائم وكلّ ذي روح، والطفل لا يعقل مقادير حاجاته.
«807» - قال الحجاج لابن القريّة: من أعقل الناس؟ قال: الذي يحسن المداراة مع أهل زمانه.
«808» - حكيم: العقل والتجربة في التعاون بمنزلة الماء والأرض، لا يطيق أحدهما دون الآخر إنباتا.
«809» - إذا غلب العقل الهوى صرف المساوىء إلى المحاسن، فجعل البلادة حلما، والحدّة ذكاء، والمكر فطنة، والهذر بلاغة، والعيّ صمتا، والعقوبة أدبا، والجبن حذرا، والإسراف جودا.
(3/270)

«810» - قال أردشير بن بابك: أربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودّة، والعقل إلى التجربة.
811- قال ابن الأعرابي: قلت لشيخ من قريش: من علّمك كذا؟ قال:
علّمني الذي علّم الحمامة على بلهها تقليب بيضها كي تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من الحضن.
812- قال النظام: ثلاثة تخلق العقل: طول النظر في المرآة، والاستغراب في الضحك، ودوام النظر في البحر.
«813» - المتنبي: [من الكامل]
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
(3/271)

نوادر من هذا الباب
«814» - كان يعقوب بن المهديّ محمّقا، وكان يخطر بباله الشيء فيكتبه، ثم يثبت تحته: إنه ليس عندنا، وإنما أثبتّه ليكون ذكره عندنا إلى أن نملكه.
فوجد له في دفتر: ثبت ما في الخزانة من الثياب المقّلة السكندريّة الهاشمية [1] : لا شيء، أستغفر الله، بلى عندنا زرّ من جبّة كانت للمهديّ. الفصوص الياقوت الحمر التي من حالها وقصّتها كذا وكذا: لا شيء، أستغفر الله، بلى عندنا درج كان فيه خاتم للمهدي هذه صفته. فحمل ذلك الدفتر إلى المأمون فضحك حتى فحص برجله وقال: ما سمعت مثل هذا قطّ.
«815» - كان معاوية بن مروان أخو عبد الملك ضعيفا، فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: يا أبا المغيرة ما أهونك على أخيك، لا يولّيك ولاية. قال: لو أردت لفعل، قال: كلا، قال: بلى والله، قال: فسله أن يولّيك بيت لهيا، قال:
نعم. فغدا على عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين: ألست أخاك؟ قال: بلى والله إنك لأخي وشقيقي، قال: فولّني بيت لهيا قال: متى كان عهدك بخالد؟ قال:
عشية أمس قال: إيّاك أن تكلّمه. ودخل خالد فقال له: كيف أصبحت يا أبا المغيرة؟ فقال: قد نهانا هذا عن كلامك، فغلب عبد الملك الضحك، فقام وتفرّق الناس.
__________
[1] ح ع: الاسكندرية الهاشمية.
(3/272)

«815» ب- وأفلت لمعاوية هذا باز فصاح: أغلقوا أبواب المدينة لا يخرج.
وقال له رجل: أنت الشريف ابن أمير المؤمنين، وأخو أمير المؤمنين، وابن عمّ أمير المؤمنين عثمان، وأمك عائشة بنت معاوية، قال: فأنا إذن مردّد في بني اللخناء تردادا. وصودر على ثمانية آلاف ألف دينار، وبقيت له بقية صالحة بعدها.
«816» - وكان ابن الجصاص مع يساره وسعة حاله، وتمكّنه من دولة المقتدر وغيرها، موصوفا بالجهل. قال لابن الفرات يوما: أعزّ الله الوزير، امنع هؤلاء الزنادقة من الاجتماع فقد بلغني أنهم يتكلمون بالكبائر، قال: وما الذي يقولون؟ قال: بلغني أنهم يقولون إنّ الصور ليس هو من قرن.
816 ب- وسمع آية من القرآن في بعض المجالس فقال: حسن والله، هاتوا دواة وقرطاسا أكتب هذا، فقالوا له: هذا من القرآن، وفي دارك خمسون مصحفا، فكتبها وقال: لكلّ جديد لذة. وبعث بها إلى معلّم ولده وأمره أن يحفّظهم ذلك.
816 ج- وكتب إلى وكيل له بأن يحمل مائة منّ قطنا، فحملها فلما حلجت استقلّ الحليج، وكتب إلى وكيله: إنه لم يحصل من هذا القطن إلّا ربعه، فلا تزرع بعدها قطنا بحبّه وازرع الحليج، ويكون معه أيضا شيء من الصوف.
816 د- وعرض على بعض الخلفاء عقدا مثمنا فقال: هل رأيت في عرس أمّك مثله؟
(3/273)

«816» هـ- ودخل يوما على ابن الفرات فقال له: يا سيدي عندنا في الجزيرة كلاب لا يتركونا ننام من الصياح والقتال، قال: أحسبهم جراء، قال: لا تظنّ ذلك أيها الوزير كلّ كلب مثلي ومثلك.
816 و وكانت في فمه درّة وأراد أن يبصق، فبصق على الخليفة، ورمى بالدرّة في دجلة وهو يظنّ أنه قد ناول الخليفة الدرّة، وبصق في الماء.
816 ز- وقال بعضهم: اطلعت يوما عليه وهو يقرأ في المصحف ويبكي وينتحب ويشهق، فقلت: ما لك؟ قال: أكلت اليوم مع الجواري المخيض بالبصل فآذاني فلما رأيت في المصحف (يسألونك عن المخيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المخيض) قلت: ما أعظم قدرة الله قد بيّن كلّ شيء حتى أكل اللبن مع الجواري.
816 ح- وقرأ مرة في المصحف فجعل يقول: رخيص، رخيص. فقيل له في ذلك فقال: ويحك ما ترى تفضّل الله تعالى يقول (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا)
(الحجر: 3) ما هذا رخيص؟
816 ط- وكان يدعو ويقول: اللهمّ أرخص السوق على الدقيق، اللهمّ إنك تجد من تغفر له غيري، ولا أجد من يعذبني سواك، حسيبي الله. اللهم امسخني حورية، وزوّجني من عمر بن الخطاب. فقالت زوجته: اسأل الله أن يزوّجك من النبي صلّى الله عليه وعلى آله إن كان ولا بد، قال: لا أحبّ أن أصير ضرّة عائشة.
(3/274)

«816» ي- ودخل ابن الجصاص على الوزير وبيده نبق مليح فسلّمه إليه وقال: [من الهزج]
تفيّلت بأن تبقى ... فأهديت لك النبقا
فقال له الوزير: يا أبا عبد الله ما تفيّلت ولكن تمعّزت. فضحك من حضر ولم يفطن ابن الجصاص.
«817» - حجّ خراساني من أهل السنة، فلما حضر الموسم أخذ دليلا يدلّه على المناسك، فلما فرغ أعطاه شيئا يسيرا لا يرضيه، فأخذه منه ثم جاء به إلى بعض الأركان، فنطح الركن برأسه، فقال له الخراساني: ما هذا؟ قال: كان معاوية يأتي هذا الركن فينطحه برأسه، وكلما كانت النطحة أشدّ كان الأجر أعظم، فشدّ الخراساني على الركن ونطحه سالت الدماء منها على وجهه، وسقط مغشيّا عليه، فتركه الرجل ومرّ.
«818» - قال بعضهم لأبيه: يا أبت قد علمت أنّ الرماديّة الذين يبولون في الرماد، فما القدرية؟ قال الذين يخرون في القدور.
819- كان في المدينة [1] غلام يحمّق، فقال لأمّه: يوشك أن تريني عظيم الشأن، قالت: وكيف؟ فو الله ما بين لابتيها أحمق منك. فقال: والله ما رجوت هذا الأمر إلّا من حيث يئست منه، أما علمت أنّ هذا زمان الحمقى وأنا أحدهم؟! «820» - جاء حائك إلى الأعمش فقال: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟
__________
[1] ح: بالمدينة.
(3/275)

قال: لا بأس بها على غير وضوء، قال: فما تقول في شهادته؟ قال: تقبل شهادته مع شاهدين عدلين، فقال الحائك: هذا ولا شيء واحد.
«821» - وقد أكثر الناس في رمي الحاكة بالنقص حتى قيل عن بعض العلماء انه قال: عقل سبعين امرأة عقل رجل واحد، وعقل سبعين حائكا عقل امرأة واحدة.
«822» - وقال ميمون بن مهران: السلام على الحائك يوهن العقل الركين.
«823» - قيل لبعضهم: قد رزقت ابنا فاختر له كنية فقال كنّوه: أبو عبد ربّ السموات السّبع وربّ العرش العظيم.
824- وقال جمين لرجل: أبو من؟ قال: أبو عبد الكريم الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه. فقال: مرحبا بك يا نصف القرآن، ارتفع.
825- وسمّى رجل بأذربيجان ابنه: عبد من الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويّات بيمينه.
«826» - جاز جحا بقوم وفي كمه خوخ فقال لهم: من أخبرني بما في كمي فله أكبر خوخة فيه، فقالوا: خوخ، فقال: ما قال لكم إلّا من أمّه زانية.
826 ب- وقال له أبوه يوما: احمل هذا الحبّ فقيّره، فذهب به وقيّره من خارج. فقال أبوه: أسخن الله عينك، رأيت من قيّر الحبّ من خارج، قال جحا: إن لم ترض به عافاك الله فاقلبه مثل الخفّ حتى يصير القير من الداخل [1] .
__________
[1] ح: إلى داخل.
(3/276)

826 ج- وخرج يوما بقمقم يستقي فيه من ماء النهر، فسقط من يده وغرق، فقعد على شطّ النهر، فمرّ به صاحب له فقال: ما يقعدك ها هنا؟ قال:
قمقم لي قد غرق، وأنا أنتظر أن ينتفخ ويطفو فوق الماء.
«827» - سئل الشيرجي عن أربعين رأسا نصفها ضأن ونصفها ما عز ما الذي يجب فيها؟ قال: يجب فيها شاة نصفها ضأن ونصفها ماعز.
«828» - جازت جارية بجامع الصيدلاني فقالت: قد فني البزر، فقال:
كيف يبقى وأنتم تقعدون حوله عشرة عشرة.
828 ب- ودخل السوق يوما يشتري لابنته نعلا فقالوا: كم سنّها؟ فقال:
لا أدري غير أنها في حاميم السجدة.
«829» - قال: اجتاز سيفويه القاص بباب شوكيّ، فوطىء الشوك ودخل في رجله شوكة، فقال للشوكيّ: اجعلني في حلّ من هذه الشوكة فإني لست أقدر على إخراجها في هذه الساعة فكنت أردّها عليك.
829 ب- وصلّى سيفويه بقوم وسلّم عن يمينه ولم يسلّم عن يساره، فقيل له في ذلك فقال: كان في ذلك الجانب إنسان لا أكلّمه.
«830» - وكان عبد الأعلى القاص يتكلّف لكلّ شيء اشتقاقا فقال: الكافر إنما سمّي كافرا لأنه اكتفى وفرّ. قيل له: بماذا اكتفى؟ ومن أي شيء فرّ؟
قال: اكتفى بالشيطان وفرّ من الله سبحانه.
(3/277)

«830» ب- وقال: سمّي الزنديق زنديقا لأنه وزن فدقق [1] . وسمّي البلغم لأنه بلاء وغم، وسمي الدرهم درهما لأنه داء وهم، وسمي الدينار دينارا لأنه دين ونار؛ وسمي العصفور عصفورا لأنه عصى وفر. وسمي الطفشيل طفشيلا لأنه طفا وشال. وسمّي نوح نوحا لأنه ناح على قومه، وسمّي المسيح مسيحا لأنه مسح الأرض صلّى الله عليه.
83»
- استفتي بعض الحمقى في إتيان النساء في أدبارهنّ فقال: مالك يبيحه، وغيره من الفقهاء يقول: إنه إذا استكرهت المرأة عليه وجب على الزوج أن يزيد في صداقها عشرة دراهم، وإن كان ذلك برضى منها نقص منه عشرة دراهم. والتفت إلى ابن له حاضر وأشار إليه فقال: تزوجت أمّ هذا على اثني عشر ألف درهم عقدت بها على نفسي، وقد حصل لي الآن عليها أربعمائة وخمسون درهما.
«832» - حلق بعض القصّاص لحيته وقال: إنها نبتت على معصية. وقيّر آخر إحدى عينيه وقال: النظر بهما إسراف.
«833» - وكان بعضهم يتشدد في خلق القرآن، فسئل عن معاوية أمخلوق هو؟ قال: كان إذا كتب الوحي غير مخلوق، وإذا لم يكتبه كان مخلوقا.
«834» - وكان بالشام قاصّ يقول: اللهم أهلك أبا حسان الدقاق، فإنه يتربّص بالمسلمين ويغلي أسعارهم، ومنزله أول باب الدرب على يسارك.
__________
[1] م: ودق.
(3/278)

«835» - قال أبو سالم القاص: لو كانت هند بنت عتبة حين لاكت كبد حمزة أجازتها إلى جوفها ما مسّتها النار، فقال النهرتيري: اللهم أطعمنا من كبد حمزة.
«836» - ادعى رجل على امرأة شيئا عند القاضي فأنكرت، فقال لها: إن كنت كاذبة فأير القاضي في حرك، فتوقّفت، فقال لها القاضي: قولي وإلّا فاخرجي من حقّه.
«837» - اختصم رجلان إلى قاض في ديك ذبحه أحدهما فقال: ارتفعا إلى الأمير، فإنّا لا نحكم في الدماء.
«838» - كان كثّير يحمّق، وله في ذلك أخبار مشهورة. فمن نوادرها قال طلحة بن عبيد الله بن عوف، دخلت عليه يوما في نفر من قريش، وكنا كثيرا ما نتهزأ به، فقلنا له: كيف تجدك يا أبا صخر؟ قال: بخير [1] ، ما سمعتم الناس يقولون شيئا؟ قلنا: نعم يتحدثون أنك الدجال، فقال: والله إن قلتم ذاك إني لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام. وكان يقول بالرجعة ويتشيع تشيعا قبيحا.
838 ب- دخل عليه عبد الله بن حسن بن حسن يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له كثير: أبشر فكأنك بعد أربعين يوما قد طلعت على فرس عتيق. فقال له عبد الله بن حسن: ما لك عليك لعنة الله، والله لئن متّ لا أشهدك [2] ولا أعودك ولا أكلّمك أبدا.
__________
[1] الأغاني: قال: أجدني ذاهبا.
[2] ح: لا أشهدك والله.
(3/279)

«838» ج- وكان أبو هاشم محمد بن علي قد وضع الأرصاد على كثير فلا يزال يؤتى بالخبر من خبره، فيقول له إذا لقيه: كنت في كذا وكذا، إلى أن جرى بين كثير وبين رجل كلام فأتي به أبو هاشم، فأقبل كثير فقال له أبو هاشم: كنت الساعة مع فلان، فقلت له كذا وكذا، وقال لك كذا وكذا، فقال له كثير: أشهد أنك رسول الله.
838 د- ونظر إلى بني حسن بن حسن وهم صغار فقال: وابأبي هؤلاء الأنبياء الصغار.
838 هـ- وكانت لكثير عمة برزة، فكان يدخل عليها فتكرمه وتطرح له وسادة يجلس عليها. فقال لها يوما: والله لا تعرفيني ولا تكرميني حقّ كرامتي، فقالت: بلى والله إني لأعرفك، قال: ومن أنا؟ قالت: ابن فلان وابن فلانة، وجعلت تمدح أباه وأمه، فقال: قد علمت أنك لا تعرفيني، قالت فمن أنت؟
قال: أنا يونس بن متى.
«839» - قيل: كان بشّار بن برد جالسا في دار المهدي، والناس ينتظرون الإذن. فقال بعض موالي المهدي، وهو المعلّى بن طريف، لمن حضر: ما عندكم في قول الله عزّ وجلّ: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً)
(النحل: 68) فقال له بشار: النحل التي يعرفها الناس، قال: هيهات يا أبا معاذ، النحل بنو هاشم وقوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ)
(النحل: 69) يعني العلم، فقال له بشار: أراني الله شرابك وطعامك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أو سعتنا غثاثة. فغضب وشتم بشارا. وبلغ المهديّ الخبر فدعاهما فسألهما عن القصة فحدثه بشار فضحك حتى
(3/280)

أمسك على بطنه، وقال للمولى: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غثّ.
«840» - اشترى المؤمّل بن جميل بن يحيى بن أبي حفصة غلاما مدينيا مغنيا من مولّدي السند على البراءة من كلّ عيب، يقال له المطرّز. فدعا أصحابا له ذات يوم، ودعا شيخين من أهل اليمامة مغنيين، يقال لأحدهما السائب وللآخر شعبة. فلما أخذ القوم مجلسهم، ومعهم المطرز، اندفع الشيخان فغنياه، فقال المطرز لمولاه: ويلك يا ابن جميل يا ابن الزانية، تدري ما فعلت ومن عندك؟
قال: ويلك، أجنننت؟ ما لك؟ قال: أما أنا فأشهد أنك تأمن مكر الله حين أدخلت منزلك هذين.
840 ب- قال: وبعثه يوما يدعو أصدقاء له، فوجدهم عند رجل من أهل اليمامة، يقال له بهلول، وهو في بستان له، فقال لهم: مولاي ابن جميل قد أرسلني أدعوكم، وقد بلّغتكم رسالته، وإن شاورتموني أشرت عليكم، قالوا:
فأشر علينا، قال: فإني أرى ألّا تذهبوا إليه، فمجلسكم والله أنزه من مجلسه وأحسن، فقالوا له: قد أطعناك، قال: وأخرى، قالوا: وما هي؟ قال: تحلفون عليّ الّا أبرح، ففعلوا، فأقام عندهم.
840 ج- قال: وكان يبعثه إلى بئر لهم عذبة في بستانه يستقي ماء، فكان يستقيه ويصبّه للجيران، ويستقي مكانه من بئر لهم غليظة، فإذا أنكر مولاه قال له: سل الغلمان أما أتيت البستان فاستقيت منه؟ فيسألهم فيجده صادقا.
«841» - حدث أشعب قال: كانت بنت للحسين بن علي عليهما السلام عند عائشة بنت عثمان رحمه الله، فربّتها حتى صارت امرأة؛ وحجّ الخليفة فلم يبق
(3/281)

بالمدينة خلق من قريش إلّا وافى الخليفة، إلّا من لا يصلح لشيء. فماتت بنت الحسين، فأرسلت عائشة إلى محمد بن عمرو بن حزم، وهو وإلى المدينة، وكان عفيفا حديدا كبير اللحية، له جارية موكّلة بلحيته إذا ائتزر لا يأتزر عليها؛ وكان إذا جلس للناس جمعها ثم أدخلها تحت فخذه- فأرسلت عائشة: يا أخي قد ترى ما دخل عليّ من المصيبة بابنتي، وغيبة أهلي وأهلها، وأنت الوالي. فأما ما يكفي النساء من النساء فأنا أكفيكه بيدي وعيني، وأما ما يكفي الرجال من الرجال فاكفنيه: مر بالأسواق أن ترفع، ومر بتجريد من يحمل [1] نعشها، ولا يحمل نعشها إلا الفقهاء والألبّاء [2] من قريش، بالوقار والسكينة، وقم على قبرها ولا يدخله إلّا قرابتها من ذوي الحجى والفضل. فأتى ابن حزم رسولها حين تغدّى ودخل ليقيل، فقال ابن حزم لرسولها: أبلغ ابنة المظلوم [3] وأخبرها أني قد سمعت الواعية، وأردت الركوب إليها، فأمسكت عن الركوب حتى أبرد ثم أصلّي وأنفّذ كلّ ما أمرت به. وأمر حاجبه وصاحب شرطته برفع الأسواق، ودعا بحرس [4] فقال: خذوا السياط حتى تحولوا بين الناس وبين النعش، إلا ذوي قرابتها، بالسكينة والوقار. ثم نام وانتبه فأسرج له، واجتمع كلّ من كان بالمدينة، وأتى باب عائشة حين أخرج النعش، فلما رأى الناس النعش التقفوه، فلم يملك ابن حزم ولا الحرس منه شيئا، وجعل ابن حزم يركض خلف النعش ويصيح بالناس من السّفلة والغوغاء [5] ، فلم يسمعوا حتى بلغ النعش القبر، فصلّى عليها، ثم وقف فنادى من ها هنا من قريش؟ فلم يحضره إلّا مروان بن أبان بن عثمان، وكان رجلا عظيم البطن نأنأ [6] لا يستطيع أن يثني من بطنه، سخيف
__________
[1] الأغاني: بتجويد عمل (وما هنا أدق) .
[2] ح: الأولياء.
[3] الأغاني: اقرىء ابنة المظلوم السلام.
[4] الأغاني: ودعا الحرس.
[5] زاد في الأغاني: اربعوا أي ارفقوا.
[6] نأنأ أو نأناء: عاجز جبان ضعيف؛ وفي الأغاني: بادنا وفي بعض أصوله فأفاء (وكذلك ح) .
(3/282)

العقل، فطلع وعليه سبعة قمص كأنها درج بعضها أقصر من بعض، ورداء [1] ثمّن بألفي درهم، فقال له ابن حزم: أنت لعمري قريبها، ولكنّ القبر لا يسعك، فقال: أصلح الله الأمير، إنما تضيق الأخلاق، فقال ابن حزم: إنّا لله، ما ظننت هذا هكذا كما أرى، فأمر له أربعة فأخذوا بضبعه حتى أدخلوه القبر، ثم أتى خرا الزنج، وهو عثمان بن عمرو بن عثمان، فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، ثم قال: واسيدتاه، وابنت أختاه، فقال ابن حزم: إنّا لله، قد كان بلغني عن هذا أنه مخنّث، ولم أكن أدري أنه بلغ هذا كلّه، دلّوه فإنه عورة، هو والله أحقّ بالدفن منها. فلما أدخلا قال مروان لخرا الزنج: تنحّ إليك شيئا، فقال له خرا الزنج: الحمد لله ربّ العالمين جاء كلب الوحشيّ يطرد كلب [2] الإنسي، فقال لهما ابن حزم: اسكتا قبحكما الله، وعليكما لعنته، أيكما الإنسيّ من الوحشيّ؟ والله لئن لم تسكتا لآمرنّ بكما فتدفنان. ثم جاء خال للجارية من الحاطبيين [3] ، وهو ناقه مريض لو أخذ بعوضة لم يضبطها فقال:
أصلح الله الأمير، أنا خالها وأمي سودة، وأمّها حفصة، ثم رمى نفسه في القبر فأصاب ترقوة خرا الزنج فصاح: أوه أصلح الله الأمير، دقّ والله ترقوتي. فقال ابن حزم: دقّ الله عرقوتك وترقوتك، اسكت ويلك، ثم أقبل على أصحابه فقال: ويلكم إنّي خبّرت أنّ الجارية بادن، وأنّ مروان لا يقدر أن يثني من بطنه، وخرا الزنج مخنّث لا يعقل سنّة ولا دفنا، وهذا الحاطبيّ لو أخذ عصفورا لم يضبطه لضعفه، فمن يدفن هذه الجارية؟ والله ما أمرتني ابنة المظلوم بهذا.
فقال له جلساؤه: لا والله ما بالمدينة خلق من قريش، ولو كان في هؤلاء خير ما بقوا. فقال: من هاهنا من مواليهم؟ فاذا أبو هانىء الأعمى وهو ظئرها. فقال ابن حزم: من أنت رحمك الله؟ قال: أبو هانىء ظئر عبد الله بن عمرو بن
__________
[1] الأغاني: ورداء عدني.
[2] الأغاني: جاء الكلب ... الكلب.
[3] ح: من الخطابيين.
(3/283)

عثمان، وأنا أدفن أحياءهم وموتاهم، فقال له ابن حزم: أنا في طلبك، ادخل رحمك الله فادفن هؤلاء الأحياء حتى يدلّى إليك الموتى. ثم أقبل على أصحابه فقال: وهذا أيضا أعمى لا يبصر، فنادوا من ها هنا من مواليهم، فإذا برجل بربريّ يقال له أبو موسى قد جاء، فقال له ابن حزم: من أنت أيضا؟ قال: أنا أبو موسى صالمين، وأنا ابن أبي السمط سميطين، والسعيد سعيدين، والحمد لله رب العالمين. فقال ابن حزم: والعظيم لتكوننّ لهم خامسا، رحمك الله يا بنت رسول الله، ما اجتمع على جيفة خنزير ولا كلب ما اجتمع على جثّتك، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
«842» - قال بعضهم: مررت بسكة من سكك البصرة، وإذا معلّم قد ضرب صبيا، وأقام الصبيان صفّا وهو يقول لهم: اقرأوا، ثم جاء إلى صبيّ بجنب الصبيّ الذي ضربه فقال: قل لهذا يقرأ فإني لست أكلّمه.
«843» - وكان لأبي داود المعلم ابن فمرض، فلما نزع قال: اغسلوه، قالوا: إنه لم يمت، قال: إلى أن يفرغ من غسله قد مات.
«844» - وقال بعضهم: مررت يوما بمعلّم والصبيان يحذفون عينه بنوى العنب [1] ، وهو ساكت، فقلت: ويحك أرى منك عجبا فقال: وما هو؟ قلت:
أراك جالسا والصبيان يحذفون عينك بنوى العنب [2] فقال: اسكت ودعهم، فما والله إلا أن يصيب عينيّ شيء فأريك كيف أنتف لحى آبائهم.
«845» - وقال آخر: رأيت معلّما وقد جاءه غلامان قد تعلّق أحدهما بالآخر
__________
[1] ح ع: بالقصب.
[2] ح ع: بالقصب.
(3/284)

وقال: يا معلم هذا عضّ أذني، فقال الآخر: والله ما عضضتها، وإنما هو عضّ أذن نفسه، فقال المعلم: يا ابن الخبيثة صار جملا حتى يعضّ أذن نفسه؟! «846» - وقال: رأيت معلّما بالكوفة وهو شيخ مخضوب الرأس واللحية، وهو جالس يبكي، فوقفت عليه وقلت: يا عمّ ممّ تبكي؟ فقال: سرق الصبيان خبزي.
«847» - قال: ورأيت بالبصرة معلّما وقد جاء صبيّ فصفعه محكمة، فقال له المعلم: أيّما أصلب هذه أم التي صفعتك بالأمس.
«848» - قال: وقرأ صبيّ على معلّم: الذين يقولون لا تنفقوا إلّا من عند رسول الله فقال المعلم: من عند أبيك القرنان أولى فإنه كثير المال.
«849» - قال معلّم لغلام: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها)
(الشمس: 10) فقال الصبي: وقد داس من خبّاها، فلم يزل يكرّر ذلك عليه إلى أن أعيته الحيلة، فقال المعلم: وقد داس من خبّاها، فقال الغلام: وقد خاب من دسّاها.
«850» - وقال آخر: مررت بأحدهم وصبيّ يقرأ عليه (فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)
(الماعون: 2) والمعلم يردّ عليه: يدعو اليتيم، ويضربه. قال:
فجئت إليه وقلت: هذا من الأمر بالمعروف، فقلت: يا شيخ، الصبيّ على الصواب، وأنت على الخطأ، وإنما معنى يدعّ: يدفع قال: فزبرني وأغلظ عليّ وقال: إنما معناه يدعو اليتيم ليفسق به، قال: فوليت عنه، وإذا به لا يرضى أن يخطىء حتى يكفر.
(3/285)

«851» - قال: وكان معلّم يقرىء صبيا: وإذ قال لقمان لابنه لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا. قيل: ما هذا؟ قال: أبوه يدخل مشاهرة شهر في شهر، وأنا أدخله من سورة إلى سورة.
«852» - قرأ صبيّ على معلّم: أريد أن أنكحك: قال: هذا إذا قرأت على أمك الزانية.
«853» - وقرأ آخر على معلّم: وأما الآخر فتصلّب فقال: هذا إذا قرأت على أبيك القرنان.
«854» - قيل: نكب بعض ندماء الخليفة نكبة اضطرّ معها إلى الاستتار، فاستتر وطال شعره، فقال للرجل الذي كان مستترا عنده: قد كان لي غلام سنديّ مزيّن أعتقته، ولا أعرف خبره منذ حين، فاذهب إلى موضع كذا فاطلبه، واجلس إليه، ثم اذكرني له، فإن رأيته يتوجّع لي فعرّفه مكاني وخذه معك، وإن رأيته يذمّني أو يشكوني فدعه ولا تذكرني له. فذهب الرجل حتى لقيه وجاراه خبر مولاه، فقال: يا سيّدي ومن أين تعرفه؟ فإني والله تالف شوقا إليه واغتماما له، أحسن الله صحبته حيث كان. فقال الرجل: هو عندي، وقد استدعاك.
فنهض السنديّ وقبّل يد الرجل وصار معه، فلما دخل إليه أظهر سرورا به وقبّل الأرض بين يديه، وأخذ شعره وحجمه، فأعطاه دينارا. فلما خرج لقي ابنا له فقال له: ويحك أليس وجّه إليّ فلان مولاي، وهو مستتر في دار فلان في الموضع الفلانيّ، فصرت إليه وخدمته وحجمته النّقرة، فأعطاني دينارا؟! فقال له ابنه:
ويلك حجمته النقرة بلا أخدعين وليس هذا حقّه علينا، ولم يعرّج على شيء
(3/286)

حتى قصد الدار التي وصفها له أبوه ودقّ الباب وقال: أنا فلان ابن خادمك المزيّن، ففتحوا له فدخل، وقبّل يديه ورجليه وأظهر من الاغتمام بأمره مثل ما أظهره أبوه، ثم قال: عرّفني غلامك أبي أنه حجمك النقرة وحدها، وهذا وقت حادّ، وقد ثار الدم، والوجه أن تحجم الأخدعين. فقال: لم يكن بي إلى هذا حاجة، والآن فقد أشرت به فاستخر الله تعالى، فحجمه الأخدعين، وأعطاه دينارا وأخرجه. فلقي أخا له وحكى له ما كان منه، فمرّ مبادرا وقال له مثل قوله، وفعل مثل فعله، حتى حجمه على الساقين، وأخذ دينارا. وخرج فلقي صهرا له فأخبره بالقصة، فبادر مسرعا حتى صار إلى الباب، ودخل وفعل مثل فعلهما وقال: لا بدّ مع حجامة الساقين والأخدعين من قطع الإجهارك، فقال الرجل: نعم لا أدري أيّ شيء ذنبي إليكم يا بني القحاب، اجلس، فأجلسه وقام وجلس في سميرية وانحدر إلى دار الخليفة، فلما رآه الحجّاب يستأذن تعجّبوا، ودخلوا يستأذنون له، فلما دخل انكبّ بين يدي الخليفة فقبّل الأرض ثم قال: يا أمير المؤمنين اسمع قصتي وحالي، وقصّ عليه خبر الحجامين وما لقي منهم. وقال: هؤلاء أولاد القحاب هو ذا يأخذون دمي بالمحاجم، خذه أنت بالسيف دفعة واحدة وأرحني مما أنا فيه. فضحك ووجع له وردّه إلى منزلته.
«855» - حضر القطيعيّ مع قوم جنازة رجل، فنظر إلى أخيه فقال: هذا هو الميت [1] أم أخوه؟
«856» - قال الجاحظ: كان لنا جار مغفّل جدا، وكان طويل اللحية، فقالت له امرأته يوما: من حمقك طالت لحيتك، فقال: من عيّر عيّر [2] .
__________
[1] ح: أهو الميت.
[2] ح: من عيب غيّر.
(3/287)

«857» - قال المأمون لمحمد بن العباس: ما حال غلّتنا بالأهواز؟ وما أتاك من خبر سعرها؟ فقال: أمّا متاع أمير المؤمنين فقائم على سوقه، وأما متاع أمّ جعفر فمسترخي، فقال له: اغرب قبّحك الله.
«858» - استعمل معاوية رجلا من كلب، فذكر يوما المجوس وعنده الناس: فقال: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت مائة ألف ما نكحت أمي. فبلغ ذلك معاوية فقال: قاتله الله أترونه لو زادوه على مائة ألف فعل؟! «859» - كان عبد الله [1] بن هلال الهنائي عنده زبيل حصى، فكان يسبّح بواحدة واحدة، فإذا ملّ شيئا طرح اثنتين اثنتين ثم ثلاثا، ثلاثا، فإذا ملّ شيئا قبض قبضة وقال: سبحان الله عدد هذا، وإذا ملّ شيئا قبض قبضتين وقال: سبحان الله بعدد هذا، وإذا بكّر لحاجة لحظ الزبيل وقال: سبحان الله عدد ما فيه.
«860» - ولد لرجل طويل اللحية ابن، فجاء بمنجّم يعمل له مولدا، فقال له: أحبّ أن تجعل عطارد في طالعه فإنه بلغني أنه يعطي الكتابة [2] .
«861» - قال حمزة بن نصير لغلام له كان أحمق منه: أيّ يوم صلينا الجمعة بالرصافة؟ قال: والله ما أذكر جيدا، ولكن أحسبه كان يوم الثلاثاء، قال:
__________
[1] ع: عبد الملك.
[2] ح: الكنية.
(3/288)

صدقت كذا كان.
«862» - قال المنصور للربيع: كيف تعرف الريح؟ قال: أنظر إلى خاتمي، فإن كان سلسا فشمال، وإلا فهي جنوب. فقال للطلحي: فأنت كيف تعرف الريح؟ قال: أضرب بيدي إلى خصيتيّ فإن كانتا قد تقلّصتا فهي شمال، وإن كانتا قد تدلّتا فهي جنوب، فقال المنصور: أنت أحمق.
863- قال الحجاج لاسماعيل بن الأشعث، وكان يحمّق: كيف ترى قصري؟ قال: أرى قصرا أستعظم المؤونة على من أراد هدمه، فقال: قبحك الله، ويلك ما خالف بك إلى ذكر الهدم؟! «864» - مات لأبي العطوف ابن، وكان يتفلسف، فلما دلّوه في القبر قال للحفّار: أضجعه على شقّه الأيسر فإنه أهضم للطعام.
«865» - عرض هشام بن عبد الملك الجند فأتاه رجل حمصيّ بفرس كلّما قدّمه نفر، فقام هشام: ما هذا عليه لعنة الله؟ قال الحمصي: يا سيدي هو فاره ولكن شبّهك ببيطار كان يعالجه فنفر.
«866» - كان رجل يختلف إلى الأعمش فيؤثره، وكان أصحاب الأعمش يسوؤهم ذلك، ففتشوا الرجل فإذا هو حمار، وكان سكوته للعيّ، فقالوا: سل الأعمش كما نسأله نحن وخاطبه، فقال له يوما: يا أبا محمد متى يحرم على الصائم الطعام؟ قال: إذا طلع الفجر، قال: فإن طلع نصف الليل؟ فقال له الأعمش:
عد إلى ما كنت عليه من الخرس.
«867» - وقيل عن ابن خلف الهمداني إنه اطّلع في الجبّ فرأى وجهه، فعدا
(3/289)

إلى أمّه وقال: يا أمي في الجبّ لصّ، فجاءت الأمّ وتطلعت، وقالت: اي والله ومعه قحبة.
«867» ب- وذكر بين يديه رجل فقال: هو رجل سوء، فقالوا له: من أين علمت؟ قال: قد أفسد بعض أهلنا، قيل: ومن هو؟ قال أمّي صانها الله.
867 ج- وأخذ الطلق امرأته فقال: بالله أخرجيه ابنا ولك دينار، ولك ما شئت، بالله ما أحتاج أوصيك.
«868» - اعترض أبو الخندق الأرمنيّ دوابّه، فأصاب فيها واحدا أعجف مهزولا فقال: هاتوا الطبّاخ، فبطحه وضربه خمسين مقرعة، فقال: يا سيدي، أنا طبّاخ لا أعرف أمر الدوابّ، قال: فلم لم تقل لي؟ اذهب الآن فإن أذنبت ذنبا ضربت السائس ستين مقرعة، بزيادة عشرة.
«869» - كتب المنصور إلى زياد بن عبد الله الحارثي ليقسم مالا بين العميان والقواعد والأيتام. فدخل عليه أبو زياد التميمي، وكان مغفّلا فقال: أصلحك الله اكتبني في القواعد، فقال له: عافاك الله، القواعد من النساء اللواتي قعدن عن أزواجهنّ، فقال له: اكتبني في العميان، قال: اكتبوه فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
(الحج 46) فقال أبو زياد: واكتب ابني في الأيتام، قال: نعم من كنت أباه فهو يتيم.
«870» - قال بعضهم: رأيت رجلا محموما مصدّعا وهو يأكل التمر ويتكرّهه، فقلت له: ويحك لم تأكل هذا في حالك هذه، يقتلك. فقال: عندنا شاة ترضع وليس لها نوى، فأنا آكل هذا التمر مع كراهتي له لأطعمها النوى،
(3/290)

قال: فقلت له أطعمها التمر بالنوى، قال أو يجوز هذا؟ قلت: نعم، قال: والله فرّجت عنّي، لا إله إلا الله، ما أحسن العلم.
871- قال الأصمعي: دخلت البادية ومعي شيء أودعته عند امرأة منهم.
طلبته منها فأنكرت وجحدت، فقدمتها إلى شيخ منهم فقرّرها، فأقامت على إنكارها. فقال: قد علمت أنه لا يلزمها إلّا اليمين أفتريد إحلافها، فقلت: لا تفعل، ألم تسمع قوله: [من الوافر]
ولا تسمع لسارقة يمينا ... ولو حلفت بربّ العالمينا
فقال: صدق الله [1] ثم تهدّدها وتشدّد عليها فأقرّت وردّت إليّ مالي. فالتفت إليّ الشيخ فقال في أيّ سورة هذا؟ فقلت في قوله: [من الوافر]
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
فقال: سبحان الله، قد كنت ظننتها في: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)
(الفتح: 1) .
872- حبس مصعب بن الزبير عبيد الله بن الحرّ الجعفيّ في بعض الأمور التي كان يجنيها، فكلّمت مذحج الأحنف بن قيس ليكلّم مصعبا فيه، فكلّمه حتى خلّى سبيله. فبينا الأحنف يوما جالس وعنده جماعة إذ جاءه عبيد الله بن الحر فوقف عليه وقال: كيف أنت يا أبا بحر؟ جزاك الله خيرا، قد بلغني ما كان منك، اعلم أنني نظرت في أمري وأمرك ومجازاتك، فإذا أنت أوجه مني فلست تحتاج إلى جاهي، وأنت فلا تستحلّ شيئا من مكاسبي، وإذا ليس شيء أمثل من ضربة بسيف تدخل بها الجنة وأدخل أنا بها النار. فجعل الأحنف يضحك ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعبيد الله يقول له: إن أذنت لي عجّلتها لك.
__________
[1] ح ع: صدقت.
(3/291)

873- ويشبه هذا ما حكي عن بعض العلويين أنه نزل ببعض نواحي خراسان، وكان أهلها شيعة، فأكرموه وخدموه، فلما كان الليل رآهم يتشاورون، فجاء إليه رجل وأعلمه أنهم عزموا على قتله، وقالوا: كلّ بلد جليل فيه مشهد لآل محمد عليه السلام، ونحن لا مشهد عندنا، فنقتل هذا العلويّ ونبني عليه مشهدا وقبة ويكون فخرا لنا بزيارته، فترك العلويّ رحله وهرب ليلا.
«874» - اصطحب اثنان من الحمقى في طريق، فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نتمنّى، فإنّ الطريق يقطع بالحديث والتمنّي، قال: تمنّ، قال: أتمنّى قطائع غنم حتى أنتفع بألبانها وصوفها ولحمها ويخصب معها رحلي، ويشبع أهلي. قال الآخر: أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى تأتي عليها.
قال: ويحك هذا من حقّ الصحبة وحرمة العشرة؟ وتلاحما واشتدّت الملحمة بينهما، ثم قال: نرضى بأول من يطلع علينا نتحاكم إليه، فبينما هما كذلك طلع عليهما شيخ يسوق حمارا، وعليه زقّان مملوءان عسلا، فاستوقفاه وحدّثاه فقال:
قد فهمت حديثكما، وفتح رأس الزقّين حتى سال العسل في التراب، وقال:
صبّ الله دمي مثل هذا العسل إن كنت رأيت أحمق منكما.
«875» - قيل: كان كيسان صاحب أبي عبيدة مضعّفا بليدا يأتي سهوا كثيرا، فسئل أبو عبيدة عن اسم بعض العرب فأنكر معرفته، وكيسان حاضر، فقال: أنا أعرف اسمه، فقال أبو عبيدة: ما هو؟ قال: خراش أو خداش أو رياش أو حماش أو شيء آخر. فقال أبو عبيدة: ما أحسن ما عرفته، فقال: نعم وهو مع ذاك قرشي، فاغتاظ أبو عبيدة وقال: من أين علمت أنه قرشي؟ قال: أما رأيت اكتناف الشينات عليه من كلّ جهة.
(3/292)

«876» - قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أنا أفسو في ثوبي وأصلّي فيه هل يجوز؟ قال: نعم لا كثّر الله في المسلمين مثلك.
877- سمع رجل من ينشد: [من الطويل]
وكان أخلائي يقولون مرحبا ... فلما رأوني معدما مات مرحب
فقال: مرحب لم يمت، قتله عليّ عليه السلام.
«878» - كان الوليد بن يزيد يلعب بالشطرنج، فاستأذن عليه رجل من ثقيف، فسترها ثم سأله عن حاله وقال له: أقرأت القرآن؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، قد شغلني عنه أمور وهنات. قال: أفتعرف الفقه؟ قال: لا والله؟ قال: أتروي من الشعر شيئا قال: ولاش، فكشف عن الشطرنج وقال: شاهك، فقال له عبد الله ابن معاوية: مه يا أمير المؤمنين، قال: اسكت فما معنا أحد.
«879» - قالوا: استأذن العقل على الحظّ فحجبه، قال: أتحجبني وأنا خير منك؟ قال: وأنت ما تساوي إذا لم أكن معك؟ قيراط من حظّ خير من كرّ عقل.
880- قال أعرابي لابنه: ما لي أراك ساكنا والناس يتكلمون؟ قال: ما أحسن ما يحسنون. قال: إن قيل لا فقل أنت نعم، وإن قيل نعم فقل أنت لا، وشاغبهم ولا تقعد غفلا لا يشعر بك.
881- كانت بربيعة بن عمرو طرقة أي جنون، ولذلك لقّب بحوثرة، وهو أبو الحواثر من عبد القيس، فغرس فسيلا فكان يسقيه بالنهار، فإذا كان الليل اقتلعه وأدخله بيته، فقيل له في ذلك فقال: أخزى الله مالا لا تغلق عليه بابك.
(3/293)

«882» - المتنبي: [من المتقارب]
لقد كنت أحسب قبل الخصي ... ي أنّ الرؤوس مقرّ النهى
فلما نظرت إلى عقله ... رأيت النهى كلّها في الخصى
«883» - قيل لمعلم: ليس لك درّة. قال: وما أصنع بها؟ أقول من لم يرفع صوته بالهجاء فأمّه قحبة، فيرفعون أصواتهم فهذا أبلغ وأسلم.
884- قال بعضهم: ما أحسن ما قال الله: اقتلوا السفلة حيث وجدتموهم فقيل له: ليس هذا بقرآن، قال: ألحقوه به فإنه آية حسنة.
«885» - قال لرجل غلامه: قد سرق الحمار يا سيدي، فقال الحمد لله الذي لم أكن على ظهره.
886- مدح شاعر أميرا فقال: [من الكامل المجزوء]
أنت الهمام الأريحيّ ... الواسع ابن الواسعه
فقال له: من أين عرفتها؟ فقال: قد جرّبتها، فقال: أسوأ من شعرك ما أتيت به من عذرك [1] .
يتلوه: باب المشورة والرأي.
__________
[1] في ح هنا: تمّ الباب الثالث عشر.
(3/294)

الباب الرّابع عشر في المشورة والرأي صوابه وخطئه
(3/295)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله المطّلع على مصير الأمور ومآلها، العليم قبل وقوعها بأعقابها ومآبها، الموجّه دقائق الفكر والآراء لأربابها، والمنبّه لهم بتوفيقه على خطأها وصوابها، موفق الألسنة عند النطق لسدادها، وهادي القلوب عند التدبير لرشادها، يمدّ كلّا بتأييد لا يتمّ صلاحها إلّا بمدده، وتخون كلّ عدة ليست من جنوده وعدده. أحمده وله المنة على الحمد، وأستمدّ منه بصيرة تهدي إلى الرّشد. وأسأله الصلاة على نبيّه المؤيد بأمداد الغيوب، المخصوص بكشف السرّ المحجوب، وأمر مع ذلك عن غير ضرورة [1] بمشاورة نصحائه [2] ، وعضد آرائهم برائه، تأديبا لأمّته واستنانا [3] ، وإيضاحا لبركة المشورة وفضيلتها وبيانا. صلّى الله عليه وعلى آله ما قدح الرأي زناد الصواب، وكشفت التجارب بصيرة ذوي الألباب.
__________
[1] عن غير ضرورة: سقطت من ر.
[2] ح: أصحابه.
[3] ح: واستباقا.
(3/297)

(الباب الرابع عشر في المشورة والرأي صوابه وخطئه)
[آيات وأحاديث وحكم وأشعار]
«887» - قال الله تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلم: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)
(آل عمران: 159) واختلف أهل التأويل في أمره بالمشاورة مع ما أمدّه بالتوفيق وأعانه بالتأييد على أربعة أوجه: أحدها أنه أمره بمشاورتهم في الحرب ليستقرّ له الرأي الصحيح فيه، فيعمل عليه، وهذا قول الحسن. وقال: ما تشاور قوم قطّ إلّا هدوا لأرشد أمورهم. والثاني: أنه أمره بمشاورتهم تألفا وتطييبا لنفوسهم، وهذا قول قتادة. والثالث: أنه أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل وعاد بها من النّفع، وهذا قول الضحّاك. والرابع: أنه أمره بمشاورتهم ليستنّ به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون، وإن كان عن مشاورتهم غنيا، وهذا قول سفيان.
«888» - وقد روي عن الحسن أنه قال: إنّ الله عزّ وجلّ لم يأمر نبيّه صلّى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه لحاجة منه إلى آرائهم، ولكنّه أحبّ أن يعلمه ما في المشاورة من البركة.
«889» - قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا افتقر من اقتصد.
(3/298)

«890» - وقال عليه السلام: المستشير معان.
891- وقال عليّ كرّم الله وجهه: من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ.
«892» - وقال أعرابي: ما غبنت قطّ حتى يغبن قومي. قيل: وكيف ذاك؟
قال: لا أفعل شيئا حتى أشاورهم.
893- وكان يقال: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.
«894» - وقال ابن المقفّع: لا يقذفنّ في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيقطعك ذلك عن المشورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع. ولو أنك أردت الذكر لكان أحسن الذّكرين عند الألباء أن يقال: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه.
«895» - وقال صاحب كليلة ودمنة: لا بدّ لصاحب السرّ من مستشار مأمون يفضي إليه بسرّه، ويعاونه على رأيه؛ فإنّ المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأيا فقد يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالسّليط ضوءا. وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى، والرفق في تبصيره خطأ إن أتى منه، وإجالة الرأي فيما أشكل عليهما حتى يستقيم لهما بتعاونهما، فإذا لم يكن المستشار كذلك فهو على المستشير مع [1] عدوّه.
__________
[1] ح: فهو مع.
(3/299)

«896» - وقال بشار: [من الطويل]
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي رافدات [1] القوادم
وخلّ الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
وأدن من القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرءا غير كاتم [2]
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم
«897» - قال الأصمعي: قلت لبشار: إنّ الناس يعجبون من أبياتك في المشورة، قال: يا أبا سعيد إنّ المشاور بين صواب يفوز بثمرته، وخطأ يشارك في مكروهه، فقلت: أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك.
«898» - وأنشد ابن الأعرابي: [من الطويل]
وأنفع من شاورت من كان ناصحا ... شفيقا فأبصر بعدها من تشاور
وليس بشافيك الشفيق ورأيه ... غريب ولا ذو الرأي والصدر واغر
«899» - وقال جعفر بن محمد: لا تكوننّ أوّل مشير، وإياك والرأي الفطير، وتجنّب ارتجال الكلام، ولا تشر على مستبدّ برأيه، ولا على وغد ولا
__________
[1] ر: رافعات.
[2] سقط البيت من ر.
(3/300)

متلوّن ولا على لجوج، وخف الله من موافقة هوى المستشير، فإنّ التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة.
[المشورة عند اليونان والفرس]
«900» - وقالت الفرس: ينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم، مهذّب الرأي، فليس كلّ عالم عارفا بالرأي الصائب، وكم نافذ في شيء ضعيف في غيره. وقد يكون المستشار مستقيم الرأي، سديد التدبير، فتعرض له آفة أخرى:
إما في خليقته ومقاصده، فلا يكون صوابه ملائما لما هو صواب للملك، أو يكون مائلا بهواه فيما استشير فيه إلى نفع صديق أو ضرّ عدوّ. ومثال الأول: أن يكون بخيلا فيحسّن البخل لحسنه عنده، أو جبانا فيشير بما يدعوه إلى الجبن، أو يكون مبذرا أو متهوّرا فبالضدّ. فإذا عرف الملك سلامة المستشار من هذه الشوائب وسمع مشورته، طالبه بالدليل على الصواب، فإذا أتى بالحجة عرضه الملك على رأيه، ووزنه بعقله. فإذا طابق الصواب عنده عمل به. وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر بقوله، وهي تروى لأبي الأسود الدؤلي واسمه الحارث بن ظالم [1] : [من الطويل]
وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب
«901» - وكان اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على الأمر يستشيرون فيه، إنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به، لمعان شتّى منها:
__________
[1] كذا هو في النسخ، ولعله سهو، إذ اسم أبي الأسود هو ظالم بن عمرو؛ فأما الحارث بن ظالم فإنه أحد فتاك العرب في الجاهلية.
(3/301)

لئلّا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأي وصحة النظر فيه، لأنّ من طباع المشتركين في الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم على بعض، وربما أشار أحدهم بالرأي الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون وتعقّبوه بالاعتراض والتأويل والتهجين، وكدّروه وأفسدوه، وشبّهوا الباطل بالحقّ ليصيّروا حقّه باطلا. وفي اجتماعهم أيضا على المشورة تعريض السرّ للإذاعة [1] والإشاعة، فإن كان ذلك لم يستطع الملك المقابلة على كشف سرّه لأنه لا يعلم أيّهم جنى فيه، فإن عاقب الكلّ عاقب بريئا بذنب مجرم، وإن عفا عنهم ألحق الجاني بمن لا ذنب له.
902- وقالت الفرس: إنما يراد الاجتماع والكثرة والتناصر في الأمور التي تحتاج إلى القوة، أو ما يخشى فيه الخيانة، فأما الآراء والأمور الغامضة فإنّ الاجتماع يفسدها، ويولّد فيها التضاغن والتنافس، وربما انقبض أحدهم عن تقسيم الآراء وذكر ما يعترض فيها لما يتخوّفه من منافسة ومشاحنة. وإنما يكون الرأي في الجفلى إذا خلصت النيّات وصفت، فحينئذ تقع المجاراة فيه والتعارض حتى يصفو ويخلص ويتّضح ولا يبقى فيه مراء ولا شكّ، وذلك في الأمر الذي يعمّ ضرره ونفعه للجماعة مثل القبيلة أو العصبة إذا حزبهم أمر يخافون من تضييع الحزم فيه بآفة [2] تعمّهم، فإنهم حينئذ يدعون التحاسد والتنافس، ويقبلون الصواب ممّن جاء به منهم لأنّ صلاح ذلك يعمّهم والخطأ فيه يشملهم.
«903» - وقال ابن المقفع: اعلم أنّ المستشار ليس بكفيل، وأنّ الرأي ليس بمضمون، بل الرأي كلّه غرر لأنّ أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة، وليس شيء من أمرها يدركه الحازم إلّا وقد يدركه العاجز؛ بل ربما أعيا الحزمة وأمكن
__________
[1] ح: للاضافة.
[2] ح: بانفة.
(3/302)

العجزة. فإذا أشار عليك صاحبك برأي ثم لم تحمد عاقبته فلا تجعلنّ ذلك عليه لوما وعذابا بأن تقول: أنت فعلت هذا بي، وأنت أمرتني، ولولا أنت ولا جرم لا أطعتك، فإنّ هذا كلّه ضجر ولؤم وخفّة. وإن كنت أنت المشير فعمل برأيك أو ترك فبدا صوابه فلا تمنن عليه، ولا تكثرنّ ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلم عليه إن كان استبان في تركه ضرر، وتقول: ألم أفعل؟ ألم أقل؟ فإنّ ذلك مجانب لأدب الحكماء.
«904» - قال أفلاطن: إذا استشارك عدوّك فجرّد له النصيحة لأنه بالاستشارة قد خرج من عداوتك إلى موالاتك.
«905» - وقيل: إذا أردت أن تعرف الرجل فشاوره، فإنك تقف من مشاورته [1] على جوره وعدله، وحبّه وبغضه، وخيره وشرّه.
«906» - وقيل: من طلب الرّخص من النّصحاء عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن العلماء عند الشّبهة، أخطأ منافع الرأي، وازداد في المرض، وحمل [2] الوزر في الدين.
«907» - وقيل: من بذل نصيحته واجتهاده لمن لا شكر له فإنما هو كمن بذر بذرة في السباخ، أو أشار على المعجب، أو سارّ الأصمّ.
«908» - وكان ابن هبيرة يقول: إياك وصحبة من غايته خاصّة نفسه،
__________
[1] ح ر: مشورته.
[2] ر: وحمله.
(3/303)

والانحطاط في هوى مستشيره، وهو من [1] لا يلتمس خالص مودّتك إلّا بالتأتي لموافقة شهوتك، ومن يساعدك على سرور ساعتك ولا يفكّر في حوادث غدك.
«909» - كتب الحجاج إلى المهلّب يعجله في حرب الأزارقة، فكتب إليه المهلب: إنّ البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه [2] دون من يبصره.
«910» - وكان عبد الله بن وهب الراسبيّ متقدّما في الخوارج [3] ، من ذوي آرائهم، وكان يقول: إنّ الرأي ليس بنهبى، وخمير الرأي خير من فطيره.
وربّ شيء غابّه خير من طريّه، وتأخيره خير من تقديمه. وقيل له يوم عقدت له الخوارج: تكلّم، فقال: ما أنا والرأي الفطير والكلام القضيب. وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الدّبريّ، وهو الذي يعرض بعد وقوع الشيء.
«911» - قال جرير: [من الطويل]
ولا يعرفون الشرّ حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلّا تدبّرا
«912» - ويقال: أناة في عواقبها درك خير من معاجلة في عواقبها فوت.
«913» - وأنشد الرياشي: [من البسيط]
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
__________
[1] ع ح: ومن.
[2] ح: ملكه.
[3] ح: متقدم الخوارج.
(3/304)

«914» - وللقطامي: [من الوافر]
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتباعا
«915» - ويقال: من لم ينفعك ظنّه، لم ينفعك يقينه.
«916» - وقال عبد الله بن الزبير: لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه.
«917» - وقال أوس بن حجر: [من المنسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ لك الظ ... نّ كأن قد رأى وقد سمعا
«918» - وقال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه [1] في ابن عباس: إنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
«919» - وقال الشاعر: [من الطويل]
تجلّلته بالرأي حتى أريته [2] ... به ملء عينيه مكان العواقب [3]
919 ب- آخر: [من الطويل]
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... تخاطبه من كلّ أمر عواقبه
__________
[1] ح: عليه السلام.
[2] ح: رأيته.
[3] ح: الكواعب.
(3/305)

«920» - وقال آخر: [من الطويل]
من النفر المدلين في كلّ حجّة ... بمستحصد [1] من جولة الرأي محكم
«921» - كان معاوية يقول: لقد كنت ألقى الرجل من العرب أعلم أنّ في قلبه عليّ ضغنا، فأستشيره، فيثور إليّ منه بقدر ما يجد في نفسه، فما يزال يوسعني شتما وأوسعه حلما حتى يرجع صديقا أستنجده فينجدني.
«922» - وقال جعفر بن محمد: من استشار لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا.
«923» - وأحسن ابن الروميّ في وصف ذي رأي محكم بقوله:
[من الطويل]
تراه عن الحرب العوان بمعزل ... وآثاره فيها وإن غاب شهّد
كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... عن الناس طرّا ليس عنه معرّد
«924» - ومن كلام لعبد الله بن المعتز: مشاورة المشفق الحازم ظفر، ومشاورة المشفق غير الحازم خطر. ومنه: المشورة راحة لك وتعب على غيرك.
«925» - وقال الأحنف: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى
__________
[1] ح: بمحتصد.
(3/306)

يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المضلّ حتى يجد، ولا الراغب حتى ينجح.
«926» - ومن الآراء قول الأحنف لأبي موسى لما حكّم: يا أبا موسى، إنّ هذا الأمر [1] له ما بعده من عزّ الدنيا أو ذلّها آخر الدهر. ادع القوم إلى طاعة عليّ فإن أبوا فادعهم إلى أن يختار أهل الشام من قريش العراق من أحبّوا، وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنيّة، أو أن يقعدك على صدر المجلس، فإنها خديعة، وأن يضمّك وإياه بيت يكمن لك فيه الرجال. ودعه فليتكلّم [2] لتكون عليه بالخيار، فإنّ البادىء مستغلق، والمجيب ناطق. فعمل أبو موسى بخلاف ما أشار به، فقال له والتقيا بعد ذلك: أدخل والله قدميك في خف واحد.
927- وقال قتيبة بن مسلم في الرأي: إذا تخالجتك الأمور فاستقلّ بأعظمها خطرا، فإن لم يستبن فأرجاها دركا، فإن اشتبهت عليك فأحراها أن لا يكون لها مرجوع عليك.
«928» - قال الفضل بن سهل: الرأي يسدّ ثلم السيف، والسيف، لا يسدّ ثلم الرأي.
[الرسول في غزوة بدر]
«929» - ولما سار رسول الله صلّي الله عليه وعلى آله إلى قريش في غزاة بدر نزل أدنى ماء من بدر، فقال له الحباب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أنزلكه الله عزّ وجلّ ليس لك أن تتقدّمه ولا تتأخّره أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله فإنّ هذا ليس بمنزل، فارحل بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزله، ثم
__________
[1] ع ح: أمر.
[2] ح: ليتكلم.
(3/307)

تغوّر ما سواه من القلب، ثم تبتني عليه حوضا فتملأه، ثم تقابل القوم فتشرب ولا يشربون. فقال صلّى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي. وفعل ما أشار به مع عناية الوحي المؤيّد له عن مشورة الرأي.
«930» - طاهر بن الحسين: [من البسيط]
اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة ... فلن يذمّ لأهل الحزم تدبير
فإن هلكت برأي أو ظفرت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور
وإن ظهرت على جهل وفزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير
أنكد بدنيا ينال المخطئون بها ... حظّ المصيبين والمقدور مقدور
[عود إلى أخبار وحكم]
931- استشار المنصور خاصّة أهله وأصحابه في تولية المهديّ السواد وكور دجلة، فاستصوب كلّهم رأيه إلّا أبا العباس الطوسيّ فإنه استخلاه ثم قال له: أرأيت إن سلك المهديّ غير سيرتك، واستعمل التسهيل، كنت ترضى بذلك؟ قال: لا والله، قال فأنت تريد أن تحبّبه إلى الرعية، وتقليدك إياه يبغّضه إليهم، لا سيما ما قرب منك، ولكن تولّي هذه الولاية عيسى بن موسى، وتجعل المهديّ الناظر في ظلامات الناس منه، وتأمره بأخذه بإنصافهم، فضحك منه حتى فحص برجليه.
932- وروي أنّ الحجاج استعمل عاملا على الفلّوجتين، فلما وردها قال: هل ها هنا دهقان يعاش برأيه؟ فقيل له: جميل بن بصبهرى، فأحضره وشاوره، فقال له جميل: أخبرني أقدمت لرضى ربك، أم لرضى نفسك، أم لرضى من يقلدك [1] ؟ قال: ما استشرتك إلّا لرضى الجميع. قال: فاحفظ عني
__________
[1] ح: لرضى تقليدك.
(3/308)

خلالا: لا يختلف حكمك في رعيتك. وليكن حكمك على الشريف والوضيع سواء، ولا تتخذنّ حاجبا ليردّ عليك الوارد من أهل عملك على ثقة من الوصول إليك، وأطل الجلوس لأهل عملك يتهيّبك عمّالك، ولا تقبل هدية فإنّ صاحبها لا يرضى بثلاثين ضعفا مثلها، فإذا فعلت ذلك فاسلخ جلودهم من فروعهم إلى أقدامهم. قال: فعملت برأيه فجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم.
«933» - قال الرضيّ: [من المنسرح]
يعجبني كلّ حازم الرأي لا ... يطمع في قرع سنّه الندم
إن قام خفّت به شمائله ... أو غار [1] خفّت بوطئه القدم
933 ب- وقال: [من الطويل]
يغامر بالآراء قبل جيوشه ... وبيض الظّبا بيض بغير فلول
فإن غنم الجيش المغير وراءه ... فما غنمه في الحرب غير غلول
«934» - وقال محمد بن هانىء: [من الطويل]
وكلّ أناة في المواطن سؤدد ... ولا كأناة من قدير محكّم
وما الرأي إلّا بعد طول تثبّت ... ولا الحزم إلّا بعد طول تلوّم
935- ومن الآراء الصائبة ما رآه عبد الملك بن مروان لما نفى ابن الزبير بني أمية؛ قيل: لما خلع عبد الله بن الزبير يزيد بن معاوية همّ بقتل بني أمية الذين بالحجاز، فشاور في ذلك إخوته المنذر وعروة ومصعبا فأشار به عليه المنذر
__________
[1] الديوان: أو سار.
(3/309)

وخالفه عروة ومصعب [1] ، وقالا له: انفهم عن المدينة وإلّا أفسدوا أمرك بها، فكتب بنفيهم، وورد كتابه بذلك وعبد الملك مجدور، ففزغ مروان إلى رأي ابنه عبد الملك، وكان منذ كان غلاما مجتمع الرأي حازما صليبا، فقال له: بادر بالخروج قال: فإني قد استنظرتهم فأجّلوني أياما، قال: لا تفعل، فإنّ هذا رأي تفرّد به أو شاور فيه من إخوته من اختلفت آراؤهم فيه عليه، ولو شاور كهول أصحابه لأشاروا عليه بقتلنا، وأعلموه أنّا إن خرجنا إلى الشام جررنا عليه شرّا، فاهتبل هذا الأمر وانج قبل أن تندم، فقال له: وكيف أصنع وأنت مجدور؟
قال: إنه لا بأس عليّ. فساروا وحمل عبد الملك في هودج، واحتثّوا في المسير فلم يحلّوا عقدة حتى نزلوا شبيكة الدوم [2] . ثم شاور ابن الزبير أصحابه الكهول مثل ابن مطيع وابن صفوان ونظرائهم، فعجّزوه وفيّلوا رأيه فيما صنع، وقالوا له: أدرك القوم، فو الله لئن وصلوا إلى الشام ليرجعنّ إليك في الجيوش. فكتب إلى عامله عبد الرحمن بن حنظلة الغسيل الأنصاري: أقرر بني أمية ولا تهج منهم أحدا، فكتب إليه ابن حنظلة بخبرهم وشخوصهم.
«936» - وقال إبراهيم بن العباس في وصف الرأي: [من الكامل المرفّل]
يمضي الأمور على بديهته [3] ... وتريه فكرته عواقبها
فيظلّ يصدرها ويوردها ... فيعمّ حاضرها وغائبها
وإذا الحروب غلت [4] بعثت لها ... رأيا تفلّ به كتائبها
__________
[1] ح: مصعب وعروة.
[2] شبيكة: موضع بين مكة والزاهر؛ ولم يوردها ياقوت مضافة؛ وفي ح: شبيكة الروم.
[3] الطرائف: على بدائهه.
[4] الطرائف: طغت.
(3/310)

رأيا إذا نبت السيوف مضى ... قدما [1] بها فسقى [2] مضاربها
937- قال معن بن زائدة: كنا في الصحابة سبعمائة رجل، فكنّا ندخل على المنصور في كلّ يوم، فقلت للربيع: اجعلني في آخر من يدخل عليه، فقال لي: لست بأشرفهم فتكون في أوّلهم ولست بأخسّهم نسبا فتكون في آخرهم، وإنّ مرتبتك لتشبه نسبك. فدخلت على المنصور ذات يوم وعليّ درّاعة فضفاضة وسيف حتفيّ [3] أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد سدلتها [4] من قدّامي ومن خلفي، فسلّمت عليه وخرجت، فلما صرت عند الستر صاح بي: يا معن، صيحة أنكرتها فلبّيتها [5] ، فقال: إليّ، فدنوت منه فإذا به قد نزل عن فرشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودا من بين فراشين، واستحال لونه، ودرّت أوداجه وقال: إنك لصاحبي يوم واسط لا نجوت إن نجوت منّي. قال، قلت: يا أمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم فكيف نصرتي لحقّك؟ فقال: كيف قلت؟ فأعدت عليه القول، فما زال يستعيدني حتى ردّ العمود إلى مستقرّه واستوى متربّعا وأسفر لونه وقال: يا معن إنّ باليمن هنات، قلت: يا أمير المؤمنين ليس لمكتوم رأي، وهو أول من أرسلها مثلا، فقال: أنت صاحبي فاجلس، قال: فجلست، وأمر الربيع فأخرج كلّ من كان في الدار، وخرج الربيع. فقال لي: إنّ صاحب اليمن قد همّ بالمعصية، وأريد أن آخذه أسيرا، ولا يفوتني شيء من ماله. قال، قلت:
ولّني اليمن وأظهر أنّك قد ضممتني إليه، ومر الربيع أن يزيح علّتي في كلّ ما أحتاج إليه، ويخرجني في يومي هذا لئلّا ينتشر الخبر. قال: فاستلّ عهدا من
__________
[1] الطرائف: عزم.
[2] الطرائف: فشفى.
[3] ح: حنفي.
[4] ح: أسدلتها.
[5] ح: فلبيته.
(3/311)

بين فراشين، فوقّع اسمي فيه وناولنيه، ثم دعا الربيع فقال: يا ربيع إنّا قد ضممنا معنا إلى صاحب اليمن فأزح علّته في ما يحتاج إليه من السلاح والكراع، ولا يمس إلّا وهو راحل [1] . قال: ثم ودّعني فودعته وخرجت إلى الدهليز. فلقيني أبو الوالي فقال: يا معن أعزز عليّ بأن تضمّ إلى ابن أخيك.
قال فقلت: إنه لا غضاضة على الرجل بأن يضمّه سلطانه إلى ابن أخيه.
وخرجت إلى اليمن فأتيت الرجل فأخذته أسيرا، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه.
«938» - استأذن زياد معاوية في الحجّ فأذن له، وبلغ ذلك أبا بكرة، وكان أخاه من أمّه، أمّهما سميّة، وكان حلف أن لا يكلّم زيادا حيث رجع عن الشهادة على المغيرة، وأن لا يظلّه وإياه سقف بيت أبدا. فدخل أبو بكرة دار الإمارة على زياد، فأمر زياد بكرسيين فوضعا في صحن القصر ليمينه، فجلس أبو بكرة على أحدهما وزياد على الآخر، ومع زياد بنيّ له حيث مشى. فقال أبو بكرة لابنه:
تعال يا ابن أخي، فجاء الصبيّ فجلس في حجره، فقال له: كيف أنت؟ كيف أهلك؟ اسمع منّي يا ابن أخي، وإنما يريد أن يسمع زيادا: إنّ أباك هذا أحمق، فجر في الإسلام ثلاث فجرات ما سمعنا بمثلهنّ. أما أوّلهنّ فجحوده الشهادة على المغيرة، والله يعلم أنه قد رأى ما قد رأينا فكتم، وقد قال الله تعالى (وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)
(البقرة: 283) فحلفت ألّا أكلمه أبدا؛ وأما الأخرى فانتفاوه من عبيد وادعاوه إلى أبي سفيان، وأقسم لك يا ابن أخي صادقا ما رأى أبو سفيان سمية قطّ في ليل ولا نهار، ولا جاهلية ولا إسلام؛ وأما الثالثة فأعظمهنّ: إنّه يريد أن يوافي العام الموسم، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلّى الله عليه وسلم تأتي الموسم كلّ
__________
[1] ولا ... راحل: سقط من ر.
(3/312)

عام، فإن هو أتاها فأذنت له كما تأذن الأخت لأخيها فأعظم بها مصيبة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وإن هي حجبته فأعظم بها حجّة عليه. ثم نهض، فقام زياد في أثره وأخذ بقميصه وقال: جزاك الله من أخ خيرا فما تركت النصيحة لأخيك على حال، وترك الحجّ.
«939» - قال الحسين بن الضحاك: كنت عازما على أن أرثي الأمين بلساني كلّه، وأشفي لوعتي، فلقيني أبو العتاهية فقال لي: يا حسين، أنا إليك مائل، ولك محبّ، وقد علمت مكانك من الأمين، وأنت حقيق بأن ترثيه، إلّا أنك قد أطلقت لسانك في التلهّف عليه والتوجّع له بما صار هجاء لغيره وثلبا له وتحريضا عليه، وهذا المأمون منصبّا إلى العراق قد أقبل إليك، فأبق على نفسك. ويحك يا حسين أتجسر على أن تقول: [من الكامل المرفّل]
تركوا حريم أبيهم نفلا ... والمحصنات صوارخ هتف
هيهات بعدك أن يدوم لهم ... عزّ وأن يبقى لهم شرف
اكفف غرب لسانك، واطو ما قد انتشر عنك، وتلاف ما فرط منك.
فعلمت أنه قد نصح لي فجزيته الخير، وقطعت القول، فنجوت برأيه، وما كدت أن أنجو.
«940» - قال المثقب العبدي: [من الطويل]
إذا ما تدبّرت الأمور تبيّنت ... عيانا صحيحات الأمور وعورها
«941» - وقال أبو زبيد: [من الطويل]
عليك برأس الأمر قبل انتشاره ... وشرّ الأمور الأعسر المتدبّر
(3/313)

«942» - وقال حصين بن منذر الرقاشي: [من الطويل]
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالما
«943» - وقال المتلمس الضبعي: [من الطويل]
عصاني فلم يلق الرشاد وإنما ... تبيّن من أمر الغويّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلة ... تمجّ نجيع الجوف منها ترائبه
«944» - وقال زهير بن كلحبة اليربوعي: [من الطويل]
أمرتكم أمري بمنعرج اللّوى ... ولا أمر للمعصيّ إلّا مضيّعا
فلما رأوا غبّ الذي قد أمرتهم ... تأسّف من لم يمس للأمر أطوعا
945- قالت الحكماء: العاقل يستشير عارضا للآراء على رأيه، وقائسا بعضها ببعض، حتى يقع اختياره على أسدّها وأولاها بالصواب طريقا، والجاهل يستشير مترددا في أمره، لا يزداد بما يسمع من الآراء إلّا حيرة وشعاع قلب، وتفييل رأي، حتى ينزل به المحذور ويلحقه المكروه.
946- وقال لقمان لابنه: يا بنيّ إذا استشهدت فاشهد، وإذا استعنت فأعن، وإذا استشرت فلا تعجل حتى تنظر، فإنّ العاقل يرى بعين قلبه ما لا يرى بعينيه.
«947» - وقال عليّ بن الحسين: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته.
(3/314)

948- قال رجل: أريد أن أشاور غير كاتبي هذا. فبلغ الكاتب فقال له:
أعزّك الله، إنّ المستشار لا ينصح نصيحة المستكفي.
«949» - وقال أبو الطمحان القيني: [من الطويل]
بنيّ إذا ما سامك الذلّ قاهر ... عزيز فبعض الذلّ أبقى وأحرز
ولا تخز من بعض الأمور تعزّزا ... فقد يورث الذلّ الطويل التعزّز
ويرويان لعبد الله بن معاوية الجعفري.
950- ولأبي الطمحان في مثله: [من البسيط]
يا ربّ مظلمة يوما لطيت بها ... تمضي عليّ إذا ما غاب أنصاري
حتى إذا ما انجلت عنّي غياهبها ... وثبت فيها وثوب المخدر الضاري
«951» - وقريب من معنى البيتين الأولين، وقد تقدّم هذا البيت في الباب الثاني: [من الطويل]
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها
«952» - شاور أعرابيّ ابن عمّ له، فأشار عليه برأي فقال: قد قلت بما يقول به الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمرّه، وحزنه بسهله، ويحرّك الاسعاف منه ما هو ساكن من غيره، وقد وعيت النصح منه وقبلته إذ كان مصدره من عند من لا شكّ في مودّته وصافي غيبه، وما زلت بحمد الله إلى الخير منهجا واضحا وطريقا مهيعا.
(3/315)

953- أراد عمر بن عبد العزيز أن يذكر بني أمية وجورهم وإفسادهم ويلعن الظالمين منهم، فشاور في ذلك جماعة من أهل العلم، منهم ميمون بن مهران، فقال له ميمون: يا أمير المؤمنين إنّ القول فتنة فعليك بالعمل.
«954» - قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: إذا استخار العبد ربّه، وشاور نصيحه، واجتهد رأيه، فقد قضى الذي عليه لنفسه، ويقضي الله في أمره ما أحبّ.
«955» - قال عبد الله بن الحسن بن الحسن لابنه محمد أو إبراهيم: يا بنيّ إنني مؤدّ حقّ الله في تأديبك، فأدّ إليّ حقّ الله في الاستماع. أي بنيّ كفّ الأذى، وأفض النّدى، واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك نفسك إلى القول، فإنّ للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصواب. واحذر مشاورة الجاهل، وإن كان ناصحا، كما تحذر مشاورة العاقل إذا كان غاشّا، لأنه يورّطك بمشورته، ويسبق إليك مكر العاقل والاغترار بالجاهل. واعلم يا بنيّ أنّ رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبدّ برأيك، فإنه حينئذ هواك. ولا تفعل فعلا إلا وأنت على يقين أنّ عاقبته لا ترديك وأنّ نتيجته لا تجني عليك.
956- قال حكيم: صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور. والحزم في الرأي سلامة من التفريط، وداعية إلى الظفر. والتدبر والتفكّر يبحثان عن [1] الفطنة ويكشفان الحزم. ومشاورة الحكماء بيان لليقين وقوة للبصيرة، ففكّر قبل أن تعزم، واعرض قبل أن تصرم، وتدبّر قبل أن تهجم، وشاور قبل أن تندم،
__________
[1] ح: على.
(3/316)

ولا تغفل ما أفادتك التجارب [1] فإنها عقل ثان، ودليل هاد، وأدب مستفاد.
واذكر ما مضى من عمرك بما بقي منه، وافهم عن الأيام إخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتعظ بما وعظك منها، وتأمّلها تأمّل ذي الفكرة فيها، فإنّ الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن خفيّات الأمور.
957- قال أعرابيّ لأخ له: اعلم أنّ الناصح لك، المشفق عليك، من طالع لك ما وراء العواقب بنظره ورويّته، ومثّل لك الأحوال المخوفة عليك، وخلط الوعر بالسّهل من كلامه ومشورته، ليكون خوفك كفاء رجائك، وشكرك إزاء النعمة عليك. وإنّ الغاشّ لك، والحاطب عليك، من مدّ لك في الاغترار، ووطّأ لك مهاد الظلم، تابعا لمرضاتك منقادا لهواك.
«958» - المتنبي: [من الخفيف]
إنّما تنجح المقالة في المر ... ءإذا وافقت هوى في الفؤاد
«959» - أراد نوح بن أبي مريم قاضي مرو الروذ أن يزوّج ابنته، فاستشار جارا له مجوسيا، فقال: سبحان الله، الناس يستفتونك وأنت تستفتيني؟ قال:
لا بدّ أن تشير عليّ، قال: إنّ رئيسنا كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار النسب، ورئيسكم محمد كان يختار الدين، فانظر أنت لنفسك بمن تقتدي.
960- بعض أعراب بني أسد: [من الطويل]
من الناس من إن يستشرك فتجتهد ... له الرأي يستغششك ما لم تتابعه
__________
[1] ر: التجربة.
(3/317)

فلا تمنحنّ النصح من ليس أهله ... فلا أنت محمود ولا الرأي نافعه
961- أراد عمرو بن مسعدة الركوب إلى دار المأمون في جبّة وشي ظاهرة، فقال له إبراهيم بن نوح: لا تفعل، فقال عمرو: أتنكر لمثلي وغلّتي في الشهر كذا؟ قال: إنّ غلّتك مسموعة، وجبّتك ملحوظة.
(3/318)

نوادر من هذا الباب
«962» - ولي حارثة بن بدر سرّق، فخرج معه المشيّعون من البصرة وفيهم أبو الأسود الدؤلي، فلما انصرف المشيّعون دنا منه أبو الأسود فقال له مشيرا:
[من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئا تصيبه ... فحظّك من مال العراقين سرّق
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما تهوى وإما مصدّق
يقولون أقوالا بظنّ وشبهة ... وإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا
ولا تعجزن فالعجز أوطأ مركب ... وما كلّ مدفوع إلى الرزق يرزق
وباه تميما بالغنى إنّ في الغنى ... بسلطانه يسطو الغنيّ وينطق
فقال حارثة يجيبه: [من الطويل]
جزاك مليك الناس خير جزائه ... فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا
أمرت بحزم لو أمرت بغيره ... لألفيتني فيه لرأيك عاصيا
ستلقى أخا يصفيك بالودّ حاضرا ... ويوليك حفظ الغيب إن كنت نائيا
963- قال الأصمعي: مرّ الفرزدق يوما في الأزد فوثب عليه ابن أبي علقمة لينكحه، وأعانه على ذلك سفهاء من سفهائهم، فجاءت مشايخ الأزد وأولو النهى منهم فصاحوا بابن أبي علقمة وبأولئك السفهاء، فقال لهم ابن أبي
(3/319)

علقمة: ويحكم أطيعوني اليوم واعصوني الدهر، هذا شاعر مضر ولسانها، وقد شتم أعراضكم وهجا ساداتكم، والله لا تنالون من مضر مثلها أبدا. فحالوا بينه وبينه. فكان الفرزدق بعد ذلك يقول: قاتله الله، والله لقد كان أشار عليهم بالرأي [1] .
تم الباب الرابع عشر بعون الله ويتلوه الباب الخامس عشر وهو في الوصايا والعهود.
__________
[1] جاء في آخر ع: تمّ والحمد لله وحده. وكان الفراغ من هذه النسخة يوم الجمعة الثاني عشر المحرم سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وجاء في آخر ح: تم الجزء الثالث بحمد الله ومنّه. يتلوه في الرابع: الوصايا والعهود، وصلّى الله على محمد وآله. بلغ مقابلة بحسب الطاقة والإمكان.
(3/320)

الباب الخامس عشر في العهود والوصايا
(3/321)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الصادق في وعده، الموثوق بعهده، لا إله خالق سواه، عهد أن لا نعبد إلّا إياه، له المثل الأعلى والأسماء الحسنى، وصىّ عباده بالتقوى، وجازى كلّا بسعيه الجزاء الأوفى. أحمده على ما قدّره وقضاه، وأشكر له سيبه ونعماه، وأسأله التوفيق للعمل بعهوده ووصاياه، وأشهد أن محمدا رسوله الأوّاه، خصّه الله بأفضل سلام وأزكاه، صلّى الله عليه وعلى آله الذين سيماهم في الوجوه والجباه، ما أمر الكتاب عبدا ونهاه، ودحر الحقّ باطلا ودحاه.
(3/323)

(الباب الخامس عشر في الوصايا والعهود)
[الوصايا في القرآن والحديث]
964- أما وصية الوفاة فقد ندب إليها، قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)
(البقرة: 180) . وجاء في الأثر: من مات من غير وصيّة مات ميتة جاهليّة. وأنا ذاكر منها ما تعلّق به أثر أو تضّمن أدبا وحكمة أو بيانا وبلاغة؛ وما خرج عن ذلك فلا فائدة تحته.
965- وأما وصايا التأديب والارشاد ففي الكتاب العزيز منها الجمّ الغزير، فممّا جاء بلفظ الوصية قوله تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)
(النساء: 131) وقوله عزّ وجلّ: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً)
(العنكبوت: 8) وقوله عزّ وجلّ (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
(الانعام:
151- 153) .
وما جاء بغير لفظ الوصية وهو في معناها فكثير، ليس هذا موضعا يقتضيه.
(3/324)

وخطبة الوداع هي في معنى الوصيّة من الرسول صلّى الله عليه وسلم، وقد كتبت في موضعها.
ووصاياه لأصحابه وأمّته المرشدة لهم والموقظة لغافلهم والدالة على حدود شريعته أكثر من أن تحصى، وأشير هنا إلى شيء منها قياما بشرط هذا الكتاب، والله الموفق للهداية والصواب.
«966» - قال أبو ذر: أوصاني خليلي صلّى الله عليه وسلم بسبع: حبّ المساكين والدنوّ منهم، وأن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أصل رحمي وإن جفاني، وأن أتكلم بمرّ الحق، وأن لا أخاف في الله لومة لائم، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، [وأن لا أسأل الناس شيئا] .
«967» - وقال أبو ذر أيضا: أتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست إليه واغتنمت خلوته فقال: يا أبا ذرّ، إن للمسجد تحية وتحيته ركعتان، فلما صلّيت قلت: يا نبيّ الله، إنك أمرتني بالصلاة، فما الصلاة؟ قال: خير موضوع فاستكثر أو استقلّ، قلت: فأيّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله. قلت: أيّ المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: أحسنهم خلقا. قلت: فأيّ المسلمين أسلم [1] ؟ قال: من سلم الناس من لسانه ويده. قلت: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: من هجر السيئات [2] . قلت: فأيّ الليل أفضل؟ قال: جوف الليل الغابر. قلت: فأيّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قلت: فأيّ الصدقة
__________
[1] الجليس: افضل.
[2] الجليس: السوء.
(3/325)

أفضل؟ قال: جهد من مقلّ يمشي به الى فقير [1] . قلت: يا نبيّ الله، فما الصيام؟
قال: قرض مجزيّ وعند الله أضعاف كثيرة [2] . قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال:
من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: فأيّ آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: آية من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: فأيّ آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: آية الكرسيّ. قلت: يا نبيّ الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة [وعلى ادريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة] وأنزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان. قلت:
فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا كلها، وكان فيها: قد أفلح من تزكّى. وذكر اسمّ ربّه فصلّى. بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى [3] .
وفيها: لا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى. وأنّ سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى إلى آخر السورة [4] . وفيها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فاني لا أردّها ولو كانت من كافر. وفيها: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يتفكّر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب.
وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلّا في ثلاث: تزوّد لمعاد أو مرمّة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شانه، حافظا للسانه. ومن حسب الكلام من عمله أقلّ الكلام إلّا فيما يعنيه. قلت: يا نبي الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرا كلّها: عجبت لمن أيقن [بالنار ثم هو يضحك] ، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلّبها بأهلها ثم يطمئنّ
__________
[1] الجليس: من مقل إلى فقير في سرّ.
[2] زاد في الجليس:؟؟؟ لت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها.
[3] سورة الأعلى: 4- 17 (ان هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى) .
[4] سورة النجم: 38- 41 (أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى) .
(3/326)

إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب وهو لا يعمل. قلت: يا نبيّ الله، أوصني.
قال: أوصيك بتقوى الله فانها رأس أمرك. قلت: يا نبيّ الله، زدني. قال:
عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فانه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض.
قلت: يا نبيّ الله، زدني. قال: عليك بالجهاد فانه رهبانية أمتي. قلت: زدني.
قال: عليك بالصمت إلا من خير فانه مطردة للشيطان وعون على أمر دينك.
قلت: زدني. قال [1] : انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك فانه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك. قلت: زدني. قال: صل قرابتك وإن قطعوك. قلت: زدني. قال: لا تخف في الله لومة لائم. قلت: يا نبيّ الله زدني. قال: ليردّك [2] عن الناس ما تعرف من نفسك ولا تجد عليهم في ما يأتي.
ثم ضرب يده على صدري فقال: يا أبا ذرّ لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق.
[وصايا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي]
«968» - وفي ما وصّى به عليه السلام عائشة رضي الله عنها: إياك ومحقّرات الذنوب فان لها من الله طالبا.
«969» - وصية أبي بكر عتيق بن أبى قحافة رضي الله عنه: هذا ما عهد أبو
__________
[1] انظر الفقرة رقم: 966.
[2] الجليس: ليحجزك.
(3/327)

بكر خليفة محمد صلّى الله عليه وسلم عند آخر عهده بالدنيا، وأوّل عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتّقي [1] فيها الفاجر: إني استعملت [2] عليكم عمر بن الخطاب، فان برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكلّ امرىء ما اكتسب (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
(الشعراء: 227) .
«970» - ولما احتضر قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا عمر، إن لله تعالى حقا [3] بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، وإن الله عزّ وجلّ لا يقبل نافلة حتى تؤدّى فريضة [4] . فكن مؤمنا راغبا راهبا، ولا ترغبنّ رغبة تمنّى على الله فيها ما ليس لك، ولا ترهبنّ رهبة تلقي بها يديك إلى التهلكة. ثم قال: إنّ أوّل ما أحذّرك نفسك وهؤلاء الرهط من المهاجرين والأنصار فانهم قد انتفخت أوداجهم، وطمحت أبصارهم، وتمنّى كلّ امرىء منهم لنفسه، وان لهم نحيرة ينحرونها عن زلّة منه ومنهم، فلا تكوننّها، فانهم لم يزالوا منك فرقين ما فرقت من الله عزّ وجلّ، في ما بين ذلك.
«971» - وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما طعن قيل له استخلف
__________
[1] الشيخان: ويوقن.
[2] الشيخان: استخلفت.
[3] نثر: عملا.
[4] بعد هذا يفترق نص الوصية عما جاء هنا، في اكثر المصادر؛ وقد خلط بها (رقم: 31) في خراج أبي يوسف.
(3/328)

فأبى أن يسمّي رجلا بعينه وقال: عليكم بهؤلاء الرهط الذين توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو عنهم راض: عليّ وعثمان ابني عبد مناف، وعبد الرحمن بن عوف وسعد، خالي رسول الله صلّى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام حواريّه وابن عمته، وطلحة الخير، فلتختاروا رجلا منهم، ويتشاوروا لثلاثة أيام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتي اليوم الثالث إلّا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا ولا شيء له من الأمر؛ وطلحة شريككم، فان قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم.
«972» - وقال لأبي طلحة الأنصاري: إنّ الله أعزّ الاسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الأنصار فاستحثّ هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا. وقال:
إن اجتمع خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وان اتفق أربعة فرضوا واحدا منهم وأبى اثنان فاضرب رءوسهما، وإن رضي ثلاثة منهم رجلا وثلاثة منهم رجلا فحكّموا عبد الله بن عمر، فبأيّ الفريقين حكم فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس.
973- فأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فلم تدوّن وصية عند الموت وقتل محصورا، مشغولا عن نفسه، ممنوعا من النظر لها وللأمة من بعده.
974- وأما عليّ بن أبي طالب عليه السلام فله وصية طويلة مشهورة إلى ابنه الحسن، وفيها حكم وآداب قد ضمنّت هذا الكتاب بعضها في أماكن منه متفرقة.
975- وله وصية كتبها إلى ابنه محمد بن الحنفية: أن تفقّه في الدين وعوّد نفسك الصّبر على المكروه، وكل نفسك في أمورك كلّها إلى الله، فانك تكلها إلى كاف حريز ومانع عزيز. وأخلص المسالة لربّك فانّ في يده العطاء والحرمان،
(3/329)

وأكثر الاستخارة لله والاستنجاد به. واعلم أنّ من كان مطيّته الليل والنهار يسار به وإن كان لا يسير، وأن الله تعالى قد أبى إلّا خراب الدنيا وعمارة الآخرة، فان تزهد فيها زهدك كلّه فلعلّ ذلك يقيك. وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، فانك في ديوان من كان قبلك، فأكرم نفسك عن كلّ دنيّة، وإياك إن ساقتك إلى رغب فانك لن تعتاض بما ابتذلت من نفسك. واياك أن توجف بك مطايا الطمع وتقول: متى ما أؤخره يذهب، فان هذا أهلك من هلك قبلك، وأمسك عليك لسانك، فان تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك ما فات من نطقك. واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء، فحسن التدبير مع الاقتصاد أكفى لك من الكثير مع الغناء، والعفّة مع الحرفة خير من السرور مع الفجور. والمرء أحفظ لسرّه. وربّ ساع في ما يكره. وإياك والاتّكال على الأماني فانها بضائع النّوكى وتثبيط عن الآخرة والأولى. ومن خير حظّ قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشرّ تبن منهم. ولا يغلب عليك سوء الظنّ فانه لا يدع بينك وبين خليل صلحا.
أذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب، واعلم أن كفر النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم، ومن الكرم منع الحرم. ومن حلم ساد، ومن تفّهم ازداد.
امحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة، ولا تصرمه على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب. وليس جزاء من يسرّك أن تسوءه.
الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك وان لم تأته أتاك. واعلم يا بنيّ أن ما لك من دنياك إلا ما أصلحت به مثواك، فأنفق من خيرك، ولا تكن خازنا لغيرك. وإن جزعت على ما تفلّت من يدك، فاجزع على ما لم يصل إليك. وربما أخطأ البصير قصده، وأبصر الأعمى رشده. لم يهلك امرؤ اقتصد، ولم يفتقر من زهد.
من ائتمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه. ورأس الدين اليقين؛ وتمام
(3/330)

الإخلاص اجتناب المعاصي. وخير المقال ما يصدّقه الفعال. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار. واحمل لصديقك عليك، واقبل من اعتذر إليك.
وأخّر الشرّ ما استطعت فانك اذا شئت تعجّلته. ولا تكوننّ على قطيعته أقوى منك على صلته، وعلى الاساءة أقوى منك على الاحسان.
لا تملّكنّ المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فان المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، فان ذلك أصلح لحالها. واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك.
وأكرم الذين بهم تصول، فاذا تطاولت فبهم تطول.
أسأل الله أن يلهمك الرشد، ويقوّيك على العمل بكلّ جميل، ويصرف عنك كلّ محذور برحمته، والسلام عليك.
[وصية هرم بن حيان]
«976» - قيل لهرم بن حيان في مرضه: أوص؛ فقال: إن نفسي صدقتني في الحياة فما أترك شيئا أوصي فيه إلا فرسي ودرعي، وهما في سبيل الله، وسبعين درهما من عطائي تكفّنوني بها. وأوصيكم بخواتيم سورة النحل: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... )
(النحل: 125) إلى آخرها. فلما مات ودفن جاءت سحابة فرشّت على قبره.
«977» - وأوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه خالد بن الوليد، وقد وجهه لبعض غزواته، فقال له: اكثر من الزاد [واستظهر] بالأدلّاء، وإذا جاءتك رسل أعدائك فامنع الناس من محادثتهم حتى يخرجوا جاهلين. وأقلل الكلام فانّما لك ما وعي عنك. وكن بعيدا من الحملة فانّي لا آمن عليك من الجولة. ولا تقاتلن على جزع فانه فاتّ بعضدك [1] .
__________
[1] في الأصل: فاقد بعضه (وكذلك هو في بعض أصول البصائر) .
(3/331)

«978» - قال سعيد بن عامر لعمر رضي الله عنهما: انّي موصيك بكلمات من جوامع الاسلام ومعاليه. قال: أجل، فان الله عزّ وجلّ قد جعل عندك أدبا.
قال: اخش الله في الناس ولا تخش الناس في الله. ولا يخالف قولك فعلك، فانّ خير القول ما صدّقه الفعل، ولا تقض في أمر واحد بقضاءين فيختلف عليك أمرك وتزيغ عن الحقّ، وأحبّ لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحبّ لنفسك وأهل بيتك. وأقم وجهك. وتضاءل لمن استرعاك الله عزّ وجلّ أمره من قريب المسلمين وبعيدهم. وخذ بأمر ذي الحجّة تأخذ بالفلج ويعينك الله ويصلح رعيتك على يديك. وخض الغمرات إلى الحقّ حيث علمته، ولا تخف في الله لومة لائم.
قال: ومن يستطيع ذلك يا سعيد؟ قال: من ركب في عنقه مثل ما ركبت في عنقك.
«979» - لقي رجل راهبا فقال: يا راهب، كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويجدّد الآمال، ويباعد الأمنية، ويقرّب المنية. قال: فما حال أهله؟
قال: من ظفر به نصب، ومن فاته تعب. قال: فما الغنى عنه؟ قال: قطع الرجاء منه. قال: فأيّ الأصحاب أبرّ وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقى.
قال: فأيّهم أضرّ وأبلى؟ قال: النفس والهوى. قال: فأين منه المخرج؟ قال: في سلوك المنهج. قال: وما ذلك؟ قال: بذل المجهود وخلع الراحة [ومداومة الفكرة] . قال: أوصني. قال: قد فعلت.
[وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز]
980- لما انصرف مروان بن الحكم من مصر استعمل ابنه عبد العزيز
(3/332)


عليها، وقال له حين ودّعه: أرسل حكيما ولا توصه. وانظر أي بنيّ، إلى أهل عملك، فان كان لهم حق عندك غدوة، فلا تؤخّرهم الى عشيّة، وإن كان لهم عشيّة فلا تؤخرهم إلى غدوة. أعطهم حقوقهم عند محلّها تستوجب بذلك الطاعة منهم. وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فانهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحقّ. واستشر جلساءك وأهل العلم، فان لم يتبين لك الرأي فاكتب إليّ لأرى لك فيه [1] وإياك إن كان [2] بك غضب على أحد من رعيتك أن تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفىء الجمرة، فان أوّل من جعل السجن كان حليما ذا أناة. ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة فليكونوا أصحابك، ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم بلا استرسال ولا انقباض. أقول قولي هذا وأستخلف الله عليك.
[وصايا متفرقة]
«981» - أوصى زيد بن عليّ ابنه فقال: يا بنيّ، إنّ الله تعالى لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك؛ واعلم أنّ خير الآباء للأبناء من لم تدعه المودة إلى التفريط، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق.
«982» - أوصى عبد الله بن الحسن ابنه محمدا لما أراد أن يستتر فقال: يا بنيّ اني مؤدّ إليك حقّ الله تعالى في تأديبك ونصيحتك، فأدّ إليّ حقّه في الاستماع والقبول: يا بني، كفّ من الأذى، وأفض الندى [3] ، واستعن على السلامة بطول
__________
[1] س: إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى.
[2] س: وإن كان (وسقطت: وإياك) .
[3] البيان والحصري: وارفض البذا.
(3/333)

الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها، فان الصمت حسن.
وللمرء ساعات يضرّه فيها خطؤه ولا ينفعه فيها صوابه. واعلم أنّ من أعظم الخطأ العجلة قبل الإمكان، والأناة بعد الفرصة. يا بنيّ، احذر [مشورة] الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان لك عدوا، فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل. وإياك ومعاداة الرجال فانه لا يعدمك منها مكر حليم ومباراة جاهل.
«983» - قال بعضهم لابنه: كن جوادا بالمال في موضع الحقّ، ضنينا بالأسرار عن جميع الخلق، فان أحمد جود المرء الانفاق في وجه البرّ، والبخل بمكتوم السرّ.
«984» - وأوصى بعض الأنصار ابنه فقال: يا بنيّ، إنّي موصيك بوصية إن لم تحفظها كنت خليقا أن لا تحفظها عن غيري. يا بني اتّق الله، وإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل. وإذا عثر عاثر من بني آدم فاحمد الله ألا تكونه. وإياك والطمع فانّه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدي الناس [1] ، فانك لن تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه. وإياك وما يعتذر منه فانه لا يعتذر من خير. وإذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودّع وأنت ترى أنّك لا تصلّي بعدها ابدا.
985- لما حضرت سعدا الوفاة دعا ابنه فقال: يا بنيّ: احفظ عني خصالا خمسا: أظهر اليأس مما في أيدي الناس فانه غنى حسن. وإياك وطلب الحاجات إليهم فانه فقر حاضر. وإياك وما يعتذر منه. وكن في اليوم الذي تستقبل خيرا
__________
[1] مما في أيدي الناس: سقط من س.
(3/334)

منك في اليوم الذي خلّفت [1] . وإذا قمت إلى الصلاة فأحسن الوضوء ثم صلّ صلاة المودّع فانه يوشك أن تصلّي صلاة لا تصلّي بعدها. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أشكو إلى الله بعد المفازة وقلّة الزاد. وهذه الوصية مثل التي قبلها إلا ألفاظا يسيرة.
986- كتب سفيان الثوري إلى عبّاد بن عباد: أما بعد فانّك في زمان كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتعوّذون أن يدركوه في ما بلغنا، ولهم من العزم ما ليس لنا ولا لك، ولهم من العمل ما ليس لنا ولا لك. فكيف بنا وقد أدركناه على قلّة علم وبصر، وقلّة أعوان على الخير، وكدر من الدنيا، وفساد من الناس؟ فعليك بالعزلة وقلة مخالطتهم فان عمر يقول: إياكم والطمع فانه فقر حاضر، وإن اليأس غنى، وفي العزلة راحة من خليط السّوء. وكان سعيد بن المسيب يقول: العزلة عبادة. وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذلك، والنجاة في تركهم فيما ترى. وإياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء. وإياك أن تخدع فيقال: ذلك رجل تشفع فيه تردّه عن مظلوم أو تردّه عن مظلمة، وإنما ذلك خديعة إبليس اتّخذها فخا. وكان يقال: اتقوا فتنة العابد وفتنة العالم فان فيهما فتنة لكلّ أحد [2] . وإياك أن تكون ممن يحبّ أن يعمل بقوله أو يسمع من قوله، فاذا لم تزل كذلك فقد عرفت. وإياك وحبّ الرياسة، فان الرجل تكون الرياسة أحبّ إليه من الذهب والفضة، وهذا باب غامض لا يبصره إلّا البصير من العلماء. واعمل بنية فان الحسن رحمه الله كان يقول: رحم الله عبدا وقف عند همّه، فانه ما من عبد يعمل حتى يهمّ، فان كان له مضى، وإن كان عليه أمسك، فان النيّة ليست كلّ ساعة تقع. وان طاووس قيل له: ادع لنا بدعوات فقال: ما أجد الآن لذلك نيّة. وكان حذيفة رضي الله عنه يقول:
يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا بمثل دعاء الغريق. وسئل حذيفة
__________
[1] س: يخلف.
[2] س: فتنة مفتون.
(3/335)

عن أيّ الفتن أشدّ فقال: أن يعرض عليك الخير والشرّ فلا تدري أيّهما تترك.
وقد ذكر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: لا تزال يد الله على هذه الأمة في كنفه، ما لم يمل قرّاؤهم إلى امرائهم، وما لم يوقّر خيارهم شرارهم، وما لم يعظّم أبرارهم فجّارهم؛ فاذا فعلوا ذلك رفعها عنهم وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل عليهم الفاقة، وسلّط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب. وقال حذيفة: لا يأتيهم أمر يضحكون منه إلا ردف أمر يشغلهم عن ذلك. فليكن الموت من شأنك وبالك. وأقلّ الأمل وأكثر ذكر الموت فانكم إذا ذكرتموه في قليل كثّره. واعلم أنه قد دنا من الناس أمور، وحضرت أمور يشتهي لها الرجل الموت، والسلام.
«987» - وصّى رجل آخر، وأراد سفرا، فقال: آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك. وليكن عقلك وزيرك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمك من الرّدى. ألجم هواك عن الفواحش، وأطلقه في المكارم، فانّك تبرّ بذلك سلفك، وتشيّد شرفك.
«988» - قال زياد عند موته لابنه عبيد الله: لا تدنّس عرضك، ولا تبذلنّ وجهك، ولا تخلقنّ جدّتك بالطّلب إلى من إن ردّك كان ردّه عليك عيبا، وإن قضى حاجتك جعلها عليك منّا. واحتمل الفقر بالتنزّه عما في أيدي الناس، والزم القناعة بما قسم لك، فان سوء حمل الفقر يضع الشرف، ويخمل الذكر، ويوجب الحرمان.
«989» - قال مهديّ بن أبان: قلت لولّادة العبدية، وكانت أعقل النساء:
أريد الحجّ فأوصيني، فقالت: أوجز فأبلغ أم أطيل فأحكم؟ قلت: ما شئت.
قالت: جد تسد، واصبر تفز. قلت: أيضا. قالت: لا يبعد غضبك حلمك،
(3/336)

ولا هواك علمك، وق دينك بدنياك، وفر عرضك بعرضك، وتفضّل تخدم، واحلم تقدّم. قلت: فمن أستعين؟ قالت: الله عزّ وجلّ. قلت: فمن الناس؟
قالت: الجلد النّشيط والناصح الأمين. قلت: فمن أستشير؟ قالت: المجرب الكبير أو الأديب الصغير. قلت: فمن أصحب؟ قالت: الصديق المسلم أو الراجي المتكرّم. ثم قالت: يا أبتاه، إنك تفد الى ملك الملوك فانظر كيف يكون مقامك بين يديه.
«990» - قال المنذر لابنه النعمان في ما أوصاه به: دع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن لك من عقلك خبيء ترجع إليه أبدا. فقال له النعمان: مرني بأمر جامع. قال: الزم الحزم والحياء.
«991» - لما حضرت الحارث بن كلدة الوفاة قيل له: أوصنا بما ننتفع به بعدك، فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا الشوابّ، ولا تأكلوا من اللحم إلا الفتيّ، ولا من الفاكهة إلا ما نضج، ولا يتداوينّ أحدكم بدواء ما احتمل بدنه الداء، وإذا تغدّيتم فناموا قليلا، وإذا تعشيتم فامشوا خطوات.
992- وقال بختيشوع للمأمون: أوصيك يا أمير المؤمنين بأربعة أشياء:
لا تأكل طعاما بين نبيذين، ولا تجامع على شبع، ولا تبت أو تخلي جوفك من الرياح والنجو، ولا تأكل لحم البقر، فو الله إني أمرّ به في الطريق فأغطّي عيني وعين برذوني من شدّة مضرّته.
«993» - قال أبان بن تغلب، وكان عابدا من [عباد] البصرة: شهدت
(3/337)

أعرابية وهي توصي ولدا لها يريد سفرا وهي تقول: أي بنيّ، اجلس أمنحك وصيّتي، وبالله توفيقك، فان الوصية أجدى عليك من كثير عقلك. قال أبان:
فوقفت مستمعا لكلامها، مستحسنا لوصيتها، فاذا هي تقول: يا بنيّ، إياك والنميمة فانها تزرع الضّغينة، وتفرّق بين المحبين. وإياك والتعرض للعيوب فتتّخذ غرضا، وخليق ألّا يثبت الغرض على كثرة السّهام، وقلّما اعتورت السهام غرضا إلا كلمته حتى يهي ما اشتدّ من قوّته. وإياك والجود بدينك والبخل بمالك. وإذا هززت فاهزز كريما يلين لمهزّتك، ولا تهزز اللئيم فانه صخرة لا ينفجر ماؤها. ومثّل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به، وما استقبحته من غيرك فاجتنبه، فان المرء لا يرى عيب نفسه. ومن كانت مودّته في بشره وخالف ذلك منه فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرّفها.
ثم أمسكت، فدنوت منها فقلت: بالله عليك يا أعرابية إلا ما زدته في الوصيّة. قالت: أوقد أعجبك كلام العرب يا عراقي؟ قلت: نعم. قالت:
والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم، ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة:
ريطها وسربالها.
«994» - وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني، اقبل وصيّتي وعهدي، فان سرعة ائتلاف قلوب الأبرار كسرعة ائتلاف قطر المطر بماء الأنهار، وبعد الفجّار من الائتلاف كبعد البهائم من التعاطف، وإن طال اعتلافها على آريّ واحد. كن يا بنيّ بصالح الوزراء أعنى منك بكثرة عددهم [1] ، فان اللؤلؤة خفيف محملها كثير ثمنها، والحجر فادح حمله قليل غناؤه.
__________
[1] الأمالي: عدتهم.
(3/338)

«995» - زوّج أسماء بن خارجة الفزاريّ ابنته هند من الحجاج بن يوسف.
فلما كانت ليلة أراد البناء بها قال لها أسماء: يا بنيّة، إنّ الأمهات يؤدّبن البنات، وإن أمّك هلكت وأنت صغيرة، فعليك بأطيب الطيب الماء، وأحسن الحسن الكحل. وإياك وكثرة المعاتبة فانها مقطعة للودّ، وإياك والغيرة فانها مفتاح الطلاق. وكوني لزوجك أمة يكن لك عبدا، واعلمي أنّي القائل لأمّك حيث أقول [1] : [من الطويل]
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تغضبي في سورتي حين أغضب
ولا تنقريني نقرك [2] الدفّ مرة ... فانك لا تدرين كيف المغيّب
فاني وجدت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
«996» - العتبيّ عن أبيه عمرو بن عتبة، قال: كان أبونا لا يرفع المواعظ عن أسماعنا، فأراد سفرا فقال: يا بنيّ، تألّفوا النّعم بحسن مجاورتها، والتمسوا المزيد بالشكر عليها، واعلموا أنّ النفوس أقبل شيء لما أعطيت، وأعطى شيء لما سئلت، فاحملوها على مطيّة لا تبطىء إذا ركبت، ولا تسبق إذا تقدّمت.
عليها نجا من هرب من النار، وأدرك من سابق إلى الجنة. فقال الأصاغر من ولده: يا أبانا، ما هذه المطية؟ قال: التوبة.
«997» - قال عبد الملك بن مروان للشعبيّ وهو يعلّم أولاده: علّمهم
__________
[1] حيث أقول: سقطت من س.
[2] الأغاني: نقرة.
(3/339)

الصّدق كما تعلّمهم القرآن، وجنّبهم السّفلة فانهم أسوأ الناس رعية [1] ، وأقلّهم أدبا، وجنّبهم الحشم فانّهم [2] لهم مفسدة. وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم تصحّ عقولهم وتشتدّ قلوبهم [3] ، وعلّمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا، ويمصّوا الماء مصّا ولا يعبّوه عبّا. وإذا احتجت إلى أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في سرّ ولا يعلمه أحد من الحاشية [4] فيهونوا عليهم.
998- كتب عبد الله بن عباس رضي الله عنه إلى الحسن بن عليّ عليهما السلام إذ ولّاه الناس أمرهم بعد أبيه أن شمّر للحرب وجاهد عدوّك، واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم دينك، وولّ أهل البيوتات من تستصلح به عشائرهم.
999- قال حكيم: انتهز الفرصة فانها خلسة، وثب عند رأس الأمر ولا تثب عند ذنبه، وإياك والعجز فانه أوضع مركب، والشفيع المهين فانه أضعف وسيلة.
1000- وقال آخر: إن اتسع لك المنهج، فاحذر أن يضيق بك المخرج.
1001- وقال الشاعر: [من الكامل]
واذا هممت بورد أمر فالتمس ... من قبل مورده طريق المصدر
«1002» - قال المعتمر بن سليمان: كان يقال: عليك بدينك ففيه معادك، وعليك بمالك ففيه معاشك، وعليك بالعلم ففيه دينك.
__________
[1] عيون الأخبار: رعة.
[2] فانهم أسوأ ... فانهم: سقط من س.
[3] عيون الأخبار: اللحم يقووا.
[4] س: الغاشية.
(3/340)

1003- ومن وصايا أرسطاطاليس للاسكندر: وإياك أن تعتمد من أصحابك على طاعة المخافة فانك تفقدها منهم أحوج ما تكون إليها، واجتهد في إحراز طاعة المحبة منهم تجدها في أيّ وقت أردت.
[وصية الحارث بن كعب]
«1004» - أوصى الحارث بن كعب بنيه فقال: يا بنيّ، قد أتت عليّ مائة وستون سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلّة فاجر [1] ، ولا بحت لصديق بسرّ، ولا طرحت عندي مومسة قناعا، ولا بقي على دين عيسى ابن مريم أحد من العرب غيري وغير تميم بن مر، وأسد بن خزيمة. فموتوا على شريعتي، واحفظوا وصيّتي، وإلهكم فاتقوا يكفكم المهمّ من أمركم ويصلح لكم أعمالكم، وإياكم ومعصيته لا يحلّ بكم الدمار وتوحش منكم الديار.
(في بعض الروايات: شعيب النبي [2] صلّى الله عليه وسلم وهو الأولى، فان النصارى في العرب كثير، وبنو الحارث بن كعب كلّهم نصارى) .
يا بنيّ: كونوا جميعا ولا تفرّقوا فتكونوا شيعا، وإنّ موتا في عزّ خير من حياة في ذلّ وعجز. وكلّ ما هو كائن كائن. وكلّ جمع الى تباب [3] . الدهر ضربان [4] : فضرب رخاء وضرب بلاء. واليوم يومان: فيوم حبرة ويوم عبرة.
والناس رجلان: فرجل لك ورجل عليك. زوّجوا النساء من الأكفاء، وليستعملن في طيبهنّ الماء، وتجنبوا الحمقاء فانّ ولدها إلى أفن ما يكون؛ ألا إنّه لا راحة لقاطع القرابة. وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم؛ وآفة العدد اختلاف
__________
[1] زاد في المعمرون والوصايا ونثر الدر: ولا صبوت بابنة عم لي ولا كنة.
[2] كذلك هو في المعمرون والوصايا.
[3] المعمرون والوصايا: تباين وكذلك في س.
[4] المعمرون والنثر: صرفان: فصرف ...
(3/341)

الكلمة، والتفضل بالحسنة يقي السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها، والعمل بالسوء يزيل النّعماء، وقطيعة الرّحم تورث الهمّ، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرّب البلد، والنصيحة تجرّ الفضيحة [1] ، والحقد يمنع الرفد، ولزوم الخطيّة يعقب البلية، وسوء الرعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين. ثم أنشأ يقول: [من المتقارب]
أكلت شبابي فأفنيته ... وأنضيت بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم ... فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا
قليل الطعام حسير القيا ... م قد ترك الدهر خطوي قصيرا
«1005» - أوصى سعد العشيرة بنيه عند موته فقال: إياكم وما يدعو إلى الاعتذار، ودعوا قذف المحصنات لتسلم لكم الأمّهات. وإياكم والبغي، ودعوا المراء والخصام تهبكم العشائر [2] ، وجودوا بالأموال تنم أموالكم، وإياكم ونكاح الورهاء فانها أدوى الداء. وأبعدوا من جار السوء داركم. ودعوا الضغائن فانها تدعو إلى التقاطع [3] .
«1006» - أوصى أبو الأسود ابنه فقال: يا بنيّ، إذا جلست إلى قوم فلا تتكلم بما هو فوقك فيمقتوك، ولا بما هو دونك فيزدروك. وإذا وسّع الله عليك فابسط يديك، وإذا أمسك عليك فأمسك. ولا تجاود الله تعالى فان الله أجود منك.
__________
[1] المعمرون: لا تهجم على الفضيحة.
[2] المعمرون والنثر: ودعوا المراء والخصام تسلم لكم المروءة والأحلام. تحببوا إلى العشائر تهبكم العمائر.
[3] المعمرون: التباين.
(3/342)

[وصية أكثم بن صيفي]
«1007» - قال أكثم بن صيفي: يا بني تميم، لا يفوتنّكم وعظي ان فاتكم الدهر بنفسي. إن بين حيزومي [وصدري] لبحرا من الكلم لا أجد له مواقع غير أسماعكم، ولا مقارّ إلا قلوبكم، فتلقّوها بأسماع صاغية، وقلوب واعية، تحمدوا عواقبها: إن الهوى يقظان، والعقل راقد، والشهوات مطلقة، والحزم معقول، والنفس مهملة، والروّية مقيّدة، ومن جهة التواني وترك الروّية يتلف الحزم، ولن يعدم المشاور مرشدا، والمستبدّ برأيه موقوف على مداحض الزّلل.
ومن سمّع سمّع به. ومصارع الألباب تحت ظلال الطمع، ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا في مقاتل الكرام. وعلى الاعتبار طريق الرشاد. ومن سلك الجدد أمن العثار. ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ويشغل فكره ويؤرّث غيظه، ولا يجاوز نفسه ضرّه. يا بني تميم: الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندم. ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذمّ. وكلم اللسان أنكى من كلم الحسام. والكلمة مزمومة ما لم تنجم من الفم، فاذا نجمت فهي سبع محرّب، ونار تتلهّب. ورأي الناصح اللبيب دليل لا يجور. ونفاذ الرأي في الحرب أنفذ من الطعن والضرب.
[وصية أعرابية لابنتها]
«1008» - وأوصت أعرابية ابنتها وقد زوّجتها فقالت: لو تركت الوصيّة لحسن أدب أو لكرم نسب لتركتها لك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل. يا بنية، إنّك قد خلّفت العشّ الذي فيه درجت، والموضع الذي منه خرجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه. كوني لزوجك أمة يكن لك عبدا. واحفظي عنّي خصالا عشرا، تكن لك دركا وذكرا: أما الأولى والثانية فحسن الصحّابة بالقناعة، وجميل المعاشرة بالسّمع والطّاعة، ففي حسن الصحابة راحة القلب، وفي جميل المعاشرة رضى الربّ. والثالثة والرابعة:
(3/343)

التفقّد لموضع عينه، والتعاهد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يجد أنفه منك خبيث ريح. واعلمي أنّ الكحل أحسن الحسن الموجود، وأن الماء أطيب الطيب الموجود. والخامسة والسادسة: فالحفظ لماله والإرعاء على حشمه وعياله، واعلمي أنّ أصل الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والارعاء على الحشم والعيال حسن التدبير. والسابعة والثامنة: التعاهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فحرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. والتاسعة والعاشرة: لا تفشين له سرّا، ولا تعصين له أمرا، فانك إذا أفشيت له سرّا لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أو غرت صدره.
[وصية رجل من ربيعة لابنتها]
«1009» - أوصى رجل من ربيعة ابنه فقال: يا بنيّ، إذا حزبك أمر فحكّ ركبتيك بركبة شيخ من قومك وشاوره. قال: فأردت التزويج، فأتيت شيخا من قومي في ناديه فجلست إليه حتى خفّ من عنده، فقال: يا ابن أخي، ألك حاجة؟ قلت: نعم، أردت التزويج فأتيتك أشاورك، فقال: أقصيرة النسب أم طويلته؟ فما أجدت ولا أرديت (أي لم أقل جيدا ولا رديا) فقال: يا ابن أخي، إني لأعرف في العين إذا عرفت، وأعرف في العين إذا أنكرت، وأعرف في العين إذا لم تنكر ولم تعرف. فأمّا العين إذا عرفت فانها تتخاوص للمعرفة، وإذا أنكرت تجحظ للانكار، وإذا لم تعرف ولم تنكر فانها تسجو سجوّا، يا ابن أخي، لا تتزوج إلى قوم أهل دناءة أصابوا من الدنيا عسرة فتشركهم في دناءتهم ولا يشركونك في أموالهم، قال: فقمت وقد اكتفيت.
[وصية دريد بن الصمّة]
«1010» - كان دريد بن الصمّة يقول: النصيحة ما لم تهجم على الفضيحة. وإذا أجدبتم فلا ترعوا حمى الملوك، فانه من رعاه غانما لم يرجع سالما. ولا تحتقروا شرّا فان قليله كثير. ومن خرق ستركم فارقعوه، ومن
(3/344)

حاربكم فلا تغفلوه، وأحيلوا حدّكم كلّه عليه [1] . ومن أسدى إليكم خطّة خير فأضعفوا له، وإلا فلا تعجزوا أن تكونوا مثله. ومن كانت له مروءة فليظهرها.
ولا تنكحنّ دنيّا من غيركم فان عاره عليكم. وإياكم وفاحشة النساء. وعليكم بصلة الرحم فانها تديم [2] الفضل وتزيد النّسل. وأسلموا ذا الجريرة بجريرته، ولا تسخطنّ أحدا من غيركم فتعلقوه بينكم.
[وصية أسلم بن أفصى]
«1011» - أوصى أسلم بن أفصى الخزاعيّ بنيه فقال: يا بنيّ، اتّقوا ربكم في الليل إذا دجا وفي النهار إذا أضا، يكفكم الله كلّ ما يخاف ويتّقى. وإياكم ومعصيته فانه ليس لكم وراءه وزر، ولا لكم دونه معتصر. يا بنيّ، جودوا بالنوال، وكفّوا عن السؤال، لا تمنعنّ سائلا محقّا كان أو مبطلا، فان كان محقّا فلا تحرموه، وإن كان في حال علّة فانها تسدّ منه خلّة، وإن كان مبطلا فقد ذهب خفره وصرّح الحياء عن بصره، فأعطوه. ولا تماروا عالما ولا جاهلا، فان العالم يحاججكم [3] فيغلبكم، وان الجاهل يلجّكم فيغضبكم، فاذا جاء الغضب كان فيه العطب. وإياكم والفجور بحرم الأقوام، فانه قلّ ما انتهك رجل حرمة إلا ابتلي في حرمته. وإياكم وشرب الخمر فانها متلفة للمال، طلّابة لما لا ينال، وان كان فيها صلاح البدن فان فيها مفسدة للعقل. وإياكم والاختلاف فانه ليس معه ائتلاف. ولا يكوننّ جار السوء لكم جارا، ولا خدين السوء لكم زوّارا. وعليكم بصلة الرّحم تكثر أموالكم، ولا تقطعوها فتفو من دياركم وآثاركم. وإياكم والعجز والتواني فانهما يورثان الندامة ويكثران الملامة. يا بنيّ، أنتم مثل شجرة ثابتة الأركان ملتفّة الأغصان، فاجتمعوا ولا تفرّقوا فيطمع
__________
[1] المعمرون: واجعلوا عليه حدكم كله.
[2] المعمرون: تعظم.
[3] م: يحجكم.
(3/345)

الناس فيكم فتفرّق الأغصان وتعجف الشجرة وتكونوا مثلا بكلّ مكان. يا بنيّ، قد أتت عليّ مائتا سنة ما شتمت ولا شتمت، ولا قلت من لوم ماذا صنعت. خذوا بوصيّتي تسلموا، ولا تخالفوا فتندموا.
[وصية يزيد بن المهلّب لابنه]
«1012» - أوصى يزيد بن المهلّب ابنه مخلدا حين استخلفه على جرجان فقال: يا بني، إني قد استخلفتك فانظر هذا الحيّ من اليمن، فكن منهم كما قال الشاعر: [من الطويل]
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الذين بهم ترمي
وانظر هذا الحيّ من ربيعة فانهم شيعتك وأنصارك فاقض حقوقهم. وانظر هذا الحيّ من تميم فأمطر ولا ترهم، ولا تدنهم فيطمعوا، ولا تقصهم فينقطعوا عنك، ولكن بين المطيع والمدبر. وانظر هذا الحيّ من قريش فانهم أكفاء قومك في الجاهلية ومناصفوهم في الاسلام، ورضاهم منك البشر. يا بني، إن لأبيك صنائع فلا تفسدها فانه كفى بالمرء من النّقص أن يهدم ما بناه أبوه. وإياك والدماء فانه لا بقية بعدها. وإياك وشتم الأعراض فان الحرّ لا يرضيه من عرضه عوض. وإياك وضرب الأبشار فانه عار باق ووتر مطلوب. واستعمل على النجدة والفضل دون الهوى، ولا تعزل إلا عن العجز والخيانة؛ ولا يمنعك من اصطناع رجل أن يكون غيرك قد سبقك إليه، فانك إنما تصطنع الرجال لنفسك؛ ولتكن صنيعتك عند من تكافيك عنه العشائر. واحمل الناس على حسن أدبك يكفوك أنفسهم. وإذا كتبت كتابا فأكثر النظر، وليكن رسولك في ما بيني وبينك من يفقه عني وعنك، فان كاتب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه. أستودعك الله فانه ينبغي للمودّع أن يسكت وللمشيّع أن ينصرف، وما خفّ من المنطق وقلّ من الخطبة أحبّ إلى أبيك.
(3/346)

[وصية قيس بن عاصم لابنه]
«1013» - أوصى قيس بن عاصم بنيه فقال: يا بنيّ، خذوا عنّي فلا أحد أنصح لكم مني. إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم فسوّدوا أكبركم فان القوم اذا سودوا أكبرهم اخلفوا آباءهم، ولا تسوّدوا أصغركم فان القوم إذا سوّدوا أصغرهم أزرى ذلك بهم في أكفائهم. وإياكم ومعصية الله تعالى وقطيعة الرحم.
وتمسّكوا بطاعة أمرائكم: فانهم من رفعوا ارتفع، ومن وضعوا اتّضع. وعليكم بهذا المال فأصلحوه، فانه منبهة للكريم واستغناء عن اللئيم. وإياكم والمسألة فانها أخر كسب الرّجل [1] ، وإن أحدا لم يسأل إلا ترك كسبه. وإياكم والنياحة فاني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينهى عنها. وادفنوني في ثيابي التي كنت أصلّي فيها وأصوم. ولا تعلم بكر بن وائل بمدفني فاني كنت أغتالهم [2] في الجاهلية وبيننا وبينهم خماشات [3] فأخاف أن يدخلوها عليكم فيعيبوا عليكم دينكم. وخذوا بثلاث خصال: اياكم وكلّ عرق لئيم أن تلابسوه، فانه مهما يسرّكم يوما فسوف يسوءكم يوما، واكظموا الغيظ، واحذروا بنيّ أعداء آبائكم فانهم على منهاج آبائهم لابائكم. وقال [4] : [من البسيط]
أحيا الضغائن آباء لنا هلكوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء
قال الكلبي: فنحل هذا البيت سابقا البربري، وقيس أول من قاله.
__________
[1] م: الرجال.
[2] س: أغالبهم؛ المعمرون: أغاورهم.
[3] خماشات: جراحات.
[4] البيت في عيون الأخبار 3: 107 والأغاني 4: 351 وشرح النهج 7: 141 وقد تمثل به السفاح.
(3/347)

«1014» - أوصى العباس بن محمد معلّم ولده فقال: قد كفيتك أعراقهم فاكفني آدابهم. لا أوتينّ فيهم منك فانك لم تؤت فيهم منّي: اغذهم بالحكمة فانها ربيع القلوب، وعلّمهم النسب والخبر فانه علم الملوك، وأيّدهم بكتاب الله تعالى فانه قد خصّهم ذكره، وعمّهم رشده [1] . وكفى بالمرء جهلا أن يجهل فضلا عنه أخذ. وخذهم بالإعراب فانه مدرجة البيان، وفقّههم في الحلال والحرام فانه حارس من أن يظلموا ومانع من أن يظلموا.
«1015» - وقال الرشيد وقد سمع أولاده يتعاطون الغريب في محاورتهم، ويجنحون إلى الغليظ من الكلام: لا تحملوا ألسنتكم على وحشيّ الكلام، ولا تعوّدوها المستشنع ولا المتصنّع، فان العادة ألزم من الطّبع. واعتمدوا سهولة الكلام من غير استكراه ولا مؤونة تكلّف. سيد الكلام ما ارتفع عن طبقة العامّة، وانخفض عن درجة المتشدّقين، وخالف سبل المغرقين. فليكن كلامكم قصدا وألفاظكم عددا، فان الاكثار يمحق [2] البيان، ومن قبله تحدث الآفة على اللسان. وتحاموا الأنس بالسلطان، وكلّما رفع دونكم سترا من الحشمة فاحتجبوا عنه بستر من الإعظام، وكونوا اشدّ ما يكون لكم بسطا أشدّ ما تكونون له هيبة. ثم تمثّل بأبيات الخطفى جدّ جرير: [من الطويل]
__________
[1] م: شكره.
[2] م: يمحو.
(3/348)

عجبت لازراء العييّ بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالنطق أعلما [1]
وفي الصمت ستر للغبيّ وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
ومن لا يصب قصد الكلام لسانه ... وصاحبه الاكثار كان مذمّما
إذا نلت إنسيّ المقالة فليكن ... به ظهر وحشيّ الكلام محرما
وإن اكثر السلطان أنسك فاحترز ... ولا تفغرن إلا بهيبته فما
[عينية عبدة بن الطّبيب]
«1016» - وقال عبدة بن الطّبيب، وهو من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وهي من الوصايا المأثورة وفصيح الكلام: [من الكامل]
أبنيّ إنّي قد كبرت ورابني ... بصري وفيّ لمصلح مستمتع
فلئن هلكت لقد بنيت مساعيا ... يبقى لكم منها مناقب أربع [2]
ذكر إذا ذكر الكلام يزينكم ... ووراثة الحسب المقدّم تنفع
ومقام أيّام لهنّ فضيلة ... عند الحفيظة والمجامع تجمع
ولهى من الكسب الذي يغنيكم ... يوما إذا احتضر النفوس المطمع
أوصيكم بتقى الاله فانه ... يعطي الرغائب من يشاء ويمنع
وببرّ والدكم وطاعة أمره ... إن الأبرّ من البنين الأطوع
ودعوا الضغينة لا تكن من شأنكم ... إن الضغائن للقرابة توضع
واعصوا الذي يسدي [3] النميمة بينكم ... متنصحا وهو السّمام المنقع
يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع
__________
[1] سقط هذا البيت والبيت الثالث من م.
[2] المفضليات: مآثر أربع.
[3] المفضليات: يزجي.
(3/349)

حرّان لا يشفي غليل فؤاده ... عسل بماء في الإناء مشعشع
لا تأمنوا قوما يشبّ صبيّهم [1] ... بين القوابل بالعداوة ينشع
فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب نفوسهم لا تنزع
قوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة [2] تمزع
أمثال زيد حين أفسد رهطه ... حتى تشتت أمرهم فتصدّعوا
إنّ الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل نفوسهم أن تصرعوا
وثنيّة من أمر قوم عزّة ... فرجت يداي وكان فيها المطلع
ومقام خصم قائم ظلفاته ... من زلّ طار له ثناء أشنع
ظلفات الرجل: ما وقع على الأرض من عيدانه فاستعاره للخصم
أصدرتهم فيه أقوّم درأهم ... عضّ الثقاف وهم ظماء جوّع
فرجعتهم شتّى كأنّ عميدهم ... في المهد يمرث ودعتيه مرضع
ولقد علمت بان قصري حفرة ... غبراء يحملني إليها شرجع
فبكى بناتي شجوهنّ وزوجتي ... والأقربون إليّ ثم تصدعوا
وتركت في غبراء يكره وردها ... يسفى عليّ الترب [3] حين أودّع
فاذا مضيت إلى سبيلي فابعثوا ... رجلا له قلب حديد أصمع
إن الحوادث يخترمن وإنما ... عمر الفتى في أهله مستودع
يسعى ويجمع جاهدا مستهترا ... جدا وليس بآكل ما يجمع
حتى إذا وافى الحمام لوقته ... ولكلّ جنب لا محالة مصرع
__________
[1] م: غويّهم.
[2] م: خرجوا فباتوا بالنميمة.
[3] المفضليات: تسفي علي الريح.
(3/350)

نبذوا إليه بالوداع [1] فلم يجب ... أحدا وصمّ عن النّدا لا يسمع
[ابن طباطبا يوصي أبا السرايا]
«1017» - لما اشتدت علة ابن طباطبا، وهو محمد بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن حسن، قال له أبو السرايا الخارج معه: أوصني يا ابن رسول الله فقال: الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين. أوصيك بتقوى الله فانها أحصن جنّة وأمنع عصمة، والصبر فانه أفضل منزل وأحمد معوّل، وأن تستتم الغضب لربّك تعالى، وتدوم على منع دينك، وتحسن صحبة من استصحبك واستجاب لك، وتعدل بهم عن المزالق، ولا تقدم إقدام متهوّر، ولا تضجّع تضجيع متهاون، واكفف عن الإسراف في الدماء ما لم يوهن [2] لك دينا ويصدّك عن صواب. وارفق بالضعفاء. وإياك والعجلة فان معها الهلكة.
واعلم أنّ نفسك موصولة بنفوس آل محمد عليه الصلاة والسلام، ودمك مختلط بدمائهم، فان سلموا سلمت وإن هلكوا هلكت، فكن على أن يسلموا أحرص منك على أن يعطبوا. وقرّ كبيرهم وبرّ صغيرهم، واقبل رأي عالمهم، واحتمل هفوة إن كانت من جاهلهم، يرع الله حقّك، واحفظ [3] قرابتهم يحسن الله نظرك، وولّ الناس الخيرة لأنفسهم في من يقوم مقامي من آل عليّ، فان اختلفوا فالأمر إلى عليّ بن عبيد الله، رضيت [4] دينه ورضيت طريقته، فارضوا به وأحسنوا طاعته تحمدوا رأيه وبأسه.
__________
[1] المفضليات: بالسلام.
[2] م: يهون.
[3] م: واحسن.
[4] مقاتل: بلوت.
(3/351)

[عهد لابن عبدكان]
«1018» - من عهد أنشأه ابن عبدكان: إن أولى من آثر الحقّ وعمل به، وراقب الله في سر أمره وجهره، واحترس من الزيغ والزلل في قوله وفعله، وعمل لمعاده ورجعته إلى دار فقره ومسكنته، من جعل بين المسلمين حاكما، وفي أمورهم ناظرا، فسفك الدماء وحقنها، وأحلّ الفروج وحرّمها، وأعطى الحقوق وأخذها، ومن علم أنّ الله عزّ وجلّ سائله عن مثقال الذرّة من عمله، وأنّه إنما يتقلّب في قبضته، أيام مدّته، ثم يخرج من دنياه كخروجه من بطن أمه، إمّا سعيدا بعدله، وإما شقيا بفعله. وإنا لما وقفنا عليه من سديد مذهبك وطريقتك، وحميد هديك وسيرتك، ورجوناه فيك، وقدّرناه عندك: من سلوك الطريقة المثلى، واقتداء آثار أئمة [1] الهدى، والعمل بالحقّ لا بالهوى، رأينا تقليدك القضاء بين أهل ثغر برقة، وامرناك بتقوى الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، وبطاعته التى من آثرها سعد، ومن عمل بها حمد، ومن لزمها [2] نجا، ومن فارقها هوى.
فصل منه: فانك أسعد بالعدل ممن تعدل عليه، وأحظى باصابة الحقّ ممن تصيبه فيه، لما تتعجله من جميل أحدوثته وذكره، ويذخر لك من عظيم ثوابه وأجره، ويصرف عنك من حوب [3] ما تتقلّده ووزره.
«1019» - وأحسن العهود وأحكمها عهد عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه لمالك بن الحارث الأشتر حين ولاه مصر، وقد كتب في باب الآداب الدنيوية إذ
__________
[1] م: واقتداء أثارة الهدى.
[2] م: رامها.
[3] س: وجوب.
(3/352)

كان أحق بها لما تضمن منها ما استوفى أقسامه، ودلّ على علمه بأمور الدنيا وسياستها كعلمه بأحكام الشريعة والدين وأوامره ونواهيه، الذي هو غير منازع فيه.
ونثبت ها هنا اختيارات من عهود كتبها أبو إسحاق الصابي تجنبا للاطالة، نذكرها على جهتها، ولعلّ فيها ما يخرج عن الاختيار، فمن أراد ذلك وجده في ديوان رسائله.
[فصول من عهود للصابي]
«1020» - فمن ذلك فصول من عهد القاضي أبي محمد عبيد الله بن معروف: أمره بتقوى الله مظهرا ومبطنا، وخيفته مسرّا ومعلنا، فانهما الحصن الحصين، والملجأ الأمين، والعصمة من نزغات الشيطان المردية، ودواعي الأهواء المؤذية [1] ، وأفضل العتاد في الأولى، وخير الزاد في الأخرى، من تمسك بعلائقهما، وتشبث بوثائقهما، أقامتاه على سبيل الهدى، ويمّمتا به الطريقة المثلى، وسلكتا به محجّة النجاة، واستنقذتاه في الحياة والوفاة. والله جلّ اسمه يقول: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)
(النحل: 128) .
وأمره أن يواظب على قراءة القرآن متفهما آياته [2] ، معظما بيناته، متدبرا حججه الظاهرة، متأملا أدلّته القاهرة، متّبعا أوامره الرّشيدة، مستمعا مواعظه السّديدة، آخذا بعزائمه المبرمة، عاملا على فرائضه المحكمة، فانه عمود الحقّ، ومنهاج الصّدق، وبشير الثواب، ونذير العقاب، والكاشف لما استبهم، والمنوّر لما أظلم، والإمام المنجي من الضلال، والخصم الغالب عند الجدال، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
__________
[1] المختار: المغوية.
[2] م: آيه.
(3/353)

وأمره بدراسة سنن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وآثاره، وتعهّد أحاديثه وأخباره، متأدبا بما حضّ الناس عليه، منتهجا ما أهاب بهم إليه، منتهيا إلى حكمه ووصاياه، متقيدا بخلائقه وسجاياه، فانه صلّى الله عليه وسلم الذي يدعو إلى الهدى، ولا ينطق عن الهوى، فمن ائتمّ لأوامره غنم، ومن ارتدع من زواجره سلم. وقد قرن الله طاعته بطاعته، وجعل العمل بقوله كالعمل بكتابه، فقال عزّ وجلّ: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)
(الحشر: 7) .
وأمره بمجالسة [1] أهل الدين [والعلم] ومدارسة أهل الفقه والفهم، ومشاورتهم في ما يقرّره ويمضيه، والأخذ من آرائهم في ما ينيره ويسديه، فان الشّورى نتاج [2] العقول، والمباحثة رائد الصّواب، واستظهار المرء على رأيه من عزم الأمور، واستنارته بعقل أخيه من حزم التدبير؛ فقد أمر الله تعالى بالاستشارة أكمل الخلق لبابة وأولى بالاصابة، فقال لرسوله الكريم في كتابه الحكيم: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
(آل عمران: 159) .
وأمره بفتح الباب، ورفع الحجاب، والبروز للخصوم، وإيصالهم إليه على العموم، وأن ينظر بين المتحاكمين بالسويّة، ويعدل فيهم عند القضيّة، ويعطيهم من نفسه أقساطا متساوية [3] ، ولا يفضّل خصما على صاحبه [4] في لحظ ولا لفظ، ولا يقوّيه عليه بقول ولا فعل، إذ كان جل اسمه قد جعل هذا الحكم سرّ [5] الحقّ وميزان القسط، وسبيل العدل في القبض والبسط، وسوّى بين الدنيّ والشريف، وأخذ به من القويّ للضعيف، ولم يجعل فيه مزية لغني على فقير ولا لكبير على
__________
[1] م: أن يجالس.
[2] المختار: لقاح.
[3] المختار: متكافئة، وينزلهم من مجلسه منازل متساوية.
[4] س: خصم.
[5] المختار: سنن.
(3/354)

صغير؛ قال الله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)
(النساء: 135) [1] .
وأمره إذا ترافع إليه متحاكمان، وتنازع إليه متخاصمان، أن يطلب الحكم بينهما في نصّ الكتاب، فان عدمه هناك التمسه من سنّة الرسول صلّى الله عليه وسلم، فان فقده من السنة القويمة، والآثار الصحيحة السليمة، ابتغاه في إجماع المسلمين، فان لم يجد فيه إجماعا اجتهد وحكم في الحادثة أشبه الأحكام بالأصول عنده، بعد أن يبلغ غاية الوسع في التحرّي، ويستنفد الطاقة في النظر والتقصّى، فانه من أخذ بالكتاب اهتدى، ومن اتبع السنة نجا، ومن تمسّك بالإجماع سلم، ومن اجتهد رأيه أعذر. والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل.
وأمره بالتثبت [2] في الحدود، والاستظهار فيها بتعديل الشهود [3] ، وأن يحترس من عجل يرهق [4] الحكم عن الموقع الصحيح، أو ريث يرجئه عن الوضوح حتى يقف عند الاشتباه، ويمضي لدى الاتجاه، ويقوم بالبينات، ويدرأ الشّبهات، ولا تستخفّه عجلة إلى بريء، ولا تاخذه رأفة بمسيء، فان الله عزّ وجلّ سمّى هذا الضرب من الأحكام حدودا تشددا [5] فيه، وإكبارا لتعدّيه، وجعله من معالم الحكم، ونسب من يجاوزه إلى الظلم، فقال تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
(البقرة: 229) .
وأمره بتصفّح أحوال من يشهد عنده فيقبل منهم من ظهرت منه العدالة، وعرفت منه الأصالة، وكان ورعا في دينه، حصيفا في عقله، ظاهر التيقّظ والحذر، بعيدا من السّهو والزلل، طيّبا بين الناس ذكره، مشهورا فيهم ستره،
__________
[1] في المختار آية أخرى غير هذه.
[2] س: ليتثبت.
[3] المختار: والاستظهار عليها بالشهود.
[4] س: يزهق، ولعلها يزهف.
[5] المختار: تضييقا.
(3/355)

منسوبا إلى العفّة والظّلف، معروفا بالنزاهة والأنف، سليما من شائن الطمع، بريئا من الحرص والجشع، فان هذه الطبقة هي حجّة الحاكم في ما يحكم، وطريقه إلى ما ينقض ويبرم، فمتى أعذر في ارتيادهم، كان معذورا في الحكم بشهاداتهم وان اختلفوا. ومتى عذّر في انتقادهم، كان ملوما في سماع أقوالهم وإن صدقوا، لأن على الحاكم أن يعتام أهل الثقة والأمانة، والعفّة والصّيانة، حدسا على باطنهم من ظاهرهم، ومخيلة لخافيهم من باديهم. والله وحده يبلو السرائر ويعلم الضمائر. وقد قال جل اسمه للحكام (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ)
[1] (البقرة: 282) وقال تعالى في الشهود (سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ)
(الزخرف: 19) .
وأمره أن يحتاط على مال الأيتام بثقات أمناء [2] ، ويكلها إلى الحفظة الأعفّاء، ويرعيهم في ذلك عينا بصيرة، ويكلأهم بهمّة يقظى حتى يسيروا في هذه الأموال بسيرة تثمّرها وتنمّيها، وتدبّرها تدبيرا يحرسها ويزيد فيها، من غير أن يركبوا بها خطرا، ولا يجرّوا عليها غررا، وأن ينفقوا عليهم منها بالمعروف، ويسلكوا فيها سبيل القصد، حتى إذا بلغ أربابها الحلم، وأونس منهم الرشد سلّمت الأموال إليهم وأشهد بقبضها عليهم. قال الله تعالى:
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا. وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً)
(النساء: 6) .
ومنه:
هذا ما عهد أمير المؤمنين إليك، والاحتياط لك وعليك، وهاديك إلى طريق
__________
[1] المختار: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط.
[2] س: الأمناء: المختار: الأيتام بالأمناء.
(3/356)

الرّشاد، وحاديك إلى سبيل السداد، ومقيمك على المحجّة الواضحة، وكفيلك [1] بالحجّة اللائحة. وقد أعذر أمير المؤمنين فيه وأنذر، وبصّر وحذّر، لم يألك وعظا، ولم يدّخرك معه حظّا. فكن عند ظنّ أمير المؤمنين وأوف على تقديره فيك، فانه اختارك عن علم وبصيرة، وقدّمك على فكر وروية. واجعل وصيته إمامك، واتبع أمره في تدبيرك، وأنجح [2] قوله في أمورك، وطالعه بما يشكل عليك مطالعة المستعلم، وأنهه إنهاء المستفهم، ليصدر إليك من رأيه ما تحتذيه، ويرد عليك من عزمه ما تقتفيه، إن شاء الله تعالى.
«1021» - من عهد كتبه للطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي بنقابة الطالبيين: وان أمير المؤمنين بنافذ عزيمته، وثاقب بصيرته، لا يهمل من الاصلاح صغيرا ولا كبيرا، ولا يضيع من الثواب [3] لا قليلا ولا كثيرا، حتى ينزل كلّ امرىء منزلته، ويؤتيه رغبته [4] ، ولا يجاوز موضعه، ولا يفاوت موقعه. ومن أجلّ الأحوال عند أمير المؤمنين وأولاها بالاهتمام والتقديم حال اختصّت أهل بيته عائدتها، وتوفرت عليهم فائدتها، وزانهم جمالها، والبسهم جلالها، وجمعت لهم إلى كرم الأحساب والأعراق، شرف الآداب والأخلاق، وأحسن الله عون أمير المؤمنين على ما ينويه، ووفّقه في ما يرتأيه، وخار له في ما يدبّره ويمضيه، وينيره [5] ويسديه، خيرة تجمع له الحظّ في العاجلة والآجلة، والنفع في الدنيا والآخرة.
ولذلك ما رأى أمير المؤمنين أن يقلّدك النقابة على الطالبيين أجمعين.
__________
[1] المختار: وزعيمك.
[2] المختار: وانح.
[3] س: الصواب؛ المختار: الحزم.
[4] المختار: ويرتبه رتبته.
[5] ينويه ... وينيره: سقط كله من م.
(3/357)

ومنه: واعلم أن أمير المؤمنين قد فضّلك على أهل بيتك طرّا، ورفعك فوقهم جميعا بعد أن كنت واحدا منهم، واختصّك دونهم بعد مساواتك لهم، فسر في تطبيقهم سيرته، واسلك في ترتيبهم طريقته، حتى إذا عممتهم بالكرامة التي توجبها أنسابهم وتقتضيها قرباهم، خصصت بأكابرهم زيادة [1] الإجلال والتوقير، وإذا شملتهم بالصيانة التى يؤثرها امير المؤمنين، وتوجبها شرائط الدين، ميّزت أصاغرهم بفضل الحنوّ والعطف. وكن لأفعال كلا الفريقين [2] ممتحنا، وفي أعمالهم متفرسا، فمن وجدته متوخيا من جميل الخلائق، ومستقيم الطرائق، مذهبا للشرف موافقا، وبسجايا السّلف لائقا، فزده إحسانا تكافيه فيه عن مرضيّ إيثاره، وتدعو غيره إلى مشاركته في جميل [3] اختياره. ومن ركب قبيحا يعود على ديانته بجرح، وعلى أمانته بقدح، ما لم يستوجب حدا معلوما، ويستحقّ جزاء محتوما، فلا تعجل عليه بالعقاب، واستأن معاودته للصواب، ونبّهه بالذكرى النافعة للمؤمنين، واعطفه بالموعظة [4] الناجعة في الصالحين. فإن تراجع [5] وتاب، وأقلع وأناب [6] ، فأعنه على الأوبة، واقبل منه التوبة، وبوّئه منزل مثله ممن جهل ثم حلم، وأذنب ثم ندم، وكن له بمكانك [7] لصالحي أهله، وأجره مجرى خيار قومه. ومن ضرب عن الادّكار [8] صفحا، وطوى دون الانذار كشحا، ولم يغن فيه التوقيف دون التثقيف، ولا التعليم دون [9] التقويم، فحكّم كتاب الله عزّ وجلّ
__________
[1] المختار: اكابرهم بزيادة.
[2] المختار: وكن لافعالك على كلا الفريقين.
[3] المختار: حميد.
[4] المختار: بالحسنى.
[5] س: راجع، المختار: رجع.
[6] وأقلع وأناب: سقطت من م.
[7] المختار: كونك.
[8] س: الافكار.
[9] التثقيف ... دون: سقط من س.
(3/358)

عليه، وأطع سنّة نبيه عليه السلام فيه. وقابله عن إساءته مقابلة من لا يصرفه عن الحق مراقبة، ولا يقصر به دون الواجب بقيا ولا بقية [1] . فان أمير المؤمنين وإن أوسع كافّة أهله عطفا، ولم يأل بهم رفقا ولا لطفا، لا يصل منهم من أوجب الدين قطيعته، ولا يرعى حقّ رحم لمن لم يكن في ذات الله تعالى قربته. وليكن لك عليهم عيون من خيارهم، ينهون إليك ما انطوى عنك من أخبارهم [2] ، وأوصهم بحسن التأمّل لاثار الجماعة، وكفّهم عما ينكر بالهيبة والطاعة. فان انثنوا أو ارتدعوا، وانتهوا أو نزعوا، وإلا احتذيت ما مثّله لك أمير المؤمنين من جميع الفرق، ولا تجاوز [3] ما فصّله من غلظة وشفق. واجعل في خطابك إياهم ومحاورتك لهم شعارا من الاكرام يبينون به عن جمهور العوام. ولا تقابل أحدا منهم بسبّ، ولا تغضض منه في ذكر أمّ ولا أبّ، فان أمير المؤمنين يصون سلفهم سلفه، ويحمي نسبهم لأنهم نسبه، وقد نزّه الله أسرته عن هجنة العيب، وباعد حامته [4] عن مقارفة الريب. وإنما جعلك أمير المؤمنين أمينه فيهم، وعينه عليهم، لمّا ضنّ بهم عن الزلل، وصانهم عن الغيّ والخطل. ولتكن عنايتك إلى حماية المناسب مصروفة، وعلى حراستها موقوفة، فانها قربى النبوة ولحمة الخلافة، والسبب المتصل يوم تقطّع [5] الأسباب، والنسب المعروف يوم تناكر الأنساب [6] . وأثبت الجماعة ممن بحضرتك منهم بأعيانهم وأسمائهم، واعزهم إلى أجدادهم وآبائهم، وليعمل بمثل ذلك أصحابك في الأطراف، وخلفاؤك في البلاد، حتى تأمن غلطا تفتن به [7] في سليم، ولبسا تركن به إلى سقيم. ثم إن وجدت من قد ادّعى نسبا لا يثبت
__________
[1] المختار: عن الحق الواجب بقيا ولا بقية.
[2] م: أشرارهم.
[3] المختار: ولم تتجاوز.
[4] المختار: خاصته.
[5] المختار: تنقطع.
[6] والنسب ... الأنساب: سقط من المختار.
[7] المختار: غلطا منك تشك به.
(3/359)

بالشهادة، ولا يعرف معرفة تزيل عنه التهم [1] ، فقابله بغليظ العقوبة ليرتدع غيره عن مثل دعواه، وأشهره شهرة يؤمّن معها اشتباه، وينزجر عن كذبة ثانية.
واحتط في أمر المناكح حتى لا تصل أيّم من الجماعة إلى دنيّ، ولا يقع عليها عقد إلا لكفؤ وفيّ.
«1022» - ومن تقليده الحج مضافا إلى نقابة الطالبيين: أما بعد، فان أمير المؤمنين برعايته الحرمات، ومحافظته على المواتّ [2] ، وإيجابه حقّ من تأكّدت له العصمة، وارتضيت منه الخدمة، وعرفت في الطاعة آثاره، وبليت في الموالاة أخباره، يعتقد ربّ صنيعته عندك، ومضاعفة نعمته عليك [3] ، والانافة بك على أعلى رتب ذوي الأسباب الواشجة والانساب المتشابكة [4] ، ولا سيّما وقد جمعت إلى القربى اضطلاعا بالأعباء، وإلى الموالاة قياما بحقّ الاستخدام والاستكفاء، فلن يعدم أمير المؤمنين في ما يكله إليك، ويعتمد فيه عليك، رعاية الحقّ، وصلة الرحم، وصواب التدبير، وإصلاح المهمّ. والله يحسن لأمير المؤمنين الاختيار، ويمدّه بالتوفيق والصنع في مجاري الأقدار [5] . ولما قلّدك أمير المؤمنين النقابة على الطالبيين فبان له فيها محمود سيرتك، وظهر من أفعالك ما دلّ على سلامة سريرتك، رأى أمير المؤمنين من حقّ العادة التي عوده الله فيها الصلاح، وأجرى له فيها طائر النجاح، أن يزيدك فضلا وإحسانا، ولا يألوك إنعاما وامتنانا، ويستأنف بك من إعلاء [6] الدرجة ورفع المرتبة ما يحمد به رأيك في الخدمة
__________
[1] المختار: التهمة.
[2] م: المودات.
[3] المختار: لديك.
[4] المختار: الشابكة.
[5] س: الاقتدار.
[6] م: علي.
(3/360)

والاجتهاد، ويستمرّ معه على طريقتك في الاستقامة والسّداد.
1023- ومن تقليد القاضي أبي القاسم عمر بن حسان جنديسابور: أمره بتقوى الله وخشيته ومراقبته وخيفته، وأن يسوّي في طاعته بين ما استسرّ من رأيه وعلن، ويخلص العمل له في ما ظهر من أمره وبطن، تلك مواد العصمة، ودواعي الرحمة، والمقيمات على سبل [1] الهداية، والمنجيات من أعقاب الغواية، وأنفع ما قدّم من زاد، وأحصن ما ادّخر من عتاد. فمن أصلح سجاياه، وجعل لهنّ سرّه ونجواه، أتمّ الله عليه نعمته، وكفاه عاجلته، وقد أدّب الله بهنّ أمير المؤمنين، وفرضهنّ على العالمين، فقال جلّ من قائل (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(آل عمران: 102) .
وأمره أن يكثر تلاوة القرآن، والاستنارة بما فيه من البيان، وأن يصرف إليه فكره، ويشغل به قلبه، ويكرّره اعتبارا وتذكرا، ويتأمّله استدلالا وتدبّرا، وأن يملّكه عنانه وزمامه، ويجري عليه نقضه وإبرامه، ويتصرّف معه في ما أحبّه وكرهه، ويطيع أمره في ما سرّه وساءه، فانه حجّة الله وعهده، ووعده ووعيده [2] ، وبرهانه الباهر، ودليله القاهر، وسبيله الوسط، وطريقه الجدد، والمؤدّي إلى رحمته وثوابه، والمنجي من سطوته وعقابه. قال الله عزّ وجلّ (وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)
(فصلت: 41- 42) .
وأمره أن يبرز للرعية، ويحملهم على حكم السّويّة، ويفتح لهم بابه، ويرفع عنهم حجابه، ويجعل لهم مجالس للحكم في المساجد الجامعة، والمواضع الضاحية، بحيث يصل إليه القويّ والضعيف، ويبلغه الدنيّ والشّريف، وإذا أفضى إليه الخصمان عدل بينهما في لحظه ولفظه، وسوّى تقاسمهما [3] في قوله
__________
[1] س: سبيل.
[2] س: ووعيده وتوعده.
[3] م: انقسامهما.
(3/361)

وفعله، حتى لا يتسلّط الهوى على حكمه، ولا يعترض الميل دون عدله، وأن يبسط للمتظلّمين وجهه، ويوطّىء لهم كنفه، ويبذل لهم بشره، ويرعيهم سمعه، ويمكّنهم من استقصاء حججهم، والابانة عن حقوقهم، وأن لا يخلو بأحد من [1] الخصماء دون صاحبه، ولا يمنعه ما يعطيه خصمه. قال الله جلّ ذكره (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ)
(ص: 26) .
وأمره أن يحضر الخصوم خاطره، ويجمع لهم رأيه، ويصرف إليهم باله، ويفرّغ لأحكامهم ذهنه، فاذا ترافعوا إليه في خصومة طلب حكمها في نصّ الكتاب، أو ثبت السنّة وإجماع المسلمين واجتهاد الرأي، فان تلك وجوه النظر في الحكم وطريق إصابة الحقّ، ومن أخذ بالقرآن اهتدى، ومن اتبع السنة نجا، ومن تمسك بالاجماع سلم، ومن بذل الوسع أعذر. قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً)
(النساء: 105- 106) .
منه: هذا عهد أمير المؤمنين إليك، والحجة لك وعليك، قد أعذر أمير المؤمنين فيه وأنذر، وبصّر وحذّر، ولم يألك وعظا، ولم يدّخرك حظا، وأقامك على سبيل القصد، وبذل في تسديدك غاية الجهد، وظنّه بك الاصغاء إلى التذكّر، والاقتداء بالتبصّر، والعمل في ولايتك لآخرتك، والأخذ من عاجلتك لآجلتك. فكن عند ظن أمير المؤمنين بك، وقف عند مخيلته فيك، واجعل عهده إماما تقتفيه، ومثالا تحتذيه، وناج بوصيّته نفسك، واعمر بتأديبه قلبك، وأنه إليه أخبارك، واعرض عليه آثارك، واستدلله على ما يعضلك [2] واسترشده
__________
[1] م: وألا يأخذ من.
[2] م: واستدلّ الله على ما يعضل.
(3/362)

إلى ما يشكل عليك [1] ليرشدك [2] ، ويرد [3] عليك من ثاقب رأيه، وصائب أنحائه [4] ، ما يرشد به سعيك، ويفوز به قدحك. وثق بالله أولا وآخرا، وتوكّل عليه باطنا وظاهرا، واستكفه المهمّ يكفك، واستوهبه السداد يهدك، واسترشده الصواب يرشدك، واشكر نعمه يزدك.
1024- كتاب عن المقتدر بتقليد حامد بن العباس الوزارة: أما بعد فإنّ أحمد الأمور ما رجّي صلاحه ومنفعته، وخير التدبير ما رجّي سداده وإصابته، وأولى الأعمال ما وصل إلى الكافّة يمنه وبركته، وأفضل الولاة من كان العدل هجّيراه وسجيّته، واصلح الأعوان من [5] كان اتباع الحقّ سبيله وعادته. وإنّ الله قد جعل أمير المؤمنين، منذ قلّده أمر المسلمين، متحريا للصلاح في ما يأتي ويذر، متوخّيا للصواب في ما بطن وظهر. وأنكر من عليّ بن محمد بن الفرات أمورا رأى معها صرفه والاستبدال به، وإقامة من هو أرضى منه عنده، فصعّد وصوّب في من بحضرته من كتّابه، وبحث وسأل عن أكفى من على بابه، فاجتمعت أقوال خاصّته ونصحائه، وشهادات ثقاته وأوليائه، على أن حامد بن العباس من لا تخالجهم الشكوك في فضل ورعه وديانته، وكمال أدبه وبراعته، ونبل قدره وهمته، وعزّة نفسه وسجيته، وخفّة وطأته على رعيته، وشمول عدله ونصفته، وأنه لم يزل منذ تصرّف في الأعمال، متقدما على أكفائه من الرجال؛ لم يسع منذ اكتهل في أمور الدنيا لمباهاة ولا مكاثرة، ولم يحرص عليها لمساواة ولا مفاخرة [6] ، ولم يردها لزيادة في نشب ولا ثروة، ولم يخترها لانبساط يد بانتقام ولا سطوة؛ لا يمنع الفضل إذا أرشده الحقّ إليه، ولا يؤخّر الحزم إذا
__________
[1] عليك: سقطت من م.
[2] ليرشدك: سقطت من س.
[3] س: ليرد.
[4] م: إيجابه.
[5] م: الاعمال ما.
[6] س: ولا منافسة.
(3/363)

دلّه الرأي عليه. وانضاف ذلك- وهو قول لم يدخله هوى، ووصف لم يشبه بزلل ولا دعوى- إلى ما يعلمه منه ويحمده له ويرتضيه من سالف نصحه، وقديم خدمته، فأقدمه إلى حضرته، وتلقّاه ببشره وكرامته، وقلّده تدبير وزارته، وسربله سربال ثقته، وفوّض إليه سياسة خاصّته وعامّته، واعتمد عليه في تدبير ملكه ودولته، وردّ إليه الدواوين كلّها، وحمّله أوقها وثقلها، عالما باضطلاعه بها، ساكنا إلى ركونه لها، واثقا بأنه لا يزول عما يحمد، ولا يحول عما يعهد، في جهد [1] نفسه ومرتبته، وبذل وسعه وطاقته، في نصيحة أمير المؤمنين، أدام الله سلطانه، ومن وراء بابه من المسلمين. فأعلمك بما تجدّد لحامد بن العباس عنده من المحلّ والمنزلة، وتوكّد لديه من الموضع والمرتبة، لتعرف حقّه وتطيع أمره، وتجريه على أفضل رسوم أمثاله، وأكمل سنن أشكاله، وان كان عبدا لأمير المؤمنين معدوم الشّبه والمثل، والنظير والعدل، وأن تمتثل كتبه إذا وردت عليك، وترتسم ما يصدره إليك عن أمير المؤمنين اذ كان السفير بينه وبينك، ومن لا معدل لك في كلّ الأمور عنه. فاعلم ذلك واعمل به، إن شاء الله تعالى. وكتب حامد بن العباس.
[نسخة عهد جاثليق]
1025- نسخة عهد جاثليق من إنشاء أخي رحمه الله: هذا كتاب أمر بانشائه سيدنا ومولانا أمير المؤمنين لعبد يشوع [2] الجاثليق البطرك [3] ؛ أما بعد، فالحمد لله العميم إحسانه، العظيم سلطانه، الواجب حمده، الغالب جنده، الكامل فضله، الشامل عدله، المعروف بغير رؤية تدركه ولا نظر، الخالق من غير رويّة يجيلها ولا فكر [4] ، العالم بالأشياء ما ظهر منها وما بطن، المتعالي عن التكييف ببعد الأوهام وغوص الفطن، الذي ابتدع المخلوقات على غير تمثيل،
__________
[1] م: جهة.
[2] م: يوشوع.
[3] س: الفطرك.
[4] س: تفكر.
(3/364)

واخترع [1] المصنوعات بغير [2] قياس اتّبعه ولا دليل، وأقام شواهد البيّنات على وحدانيّته، ومعجزات البراهين على عجائب حكمته، ما أيقنت معه العقول والبصائر، وشهدت له القلوب العارفة والضمائر، أنّه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شارك في ملكه أحدا، ولا ولد فيكون مولودا، ولا ولد فيكون محدودا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
والحمد لله الذي اختار محمدا من أشرف العرب منصبا، وأكرمها أمّا وأبا، وبعثه بالبرهان الساطع، والحقّ الصادع، والحجج الواضحة، والخلائق الصالحة، والناس في مجاهل الضلالة حائرون، وعن مناهج الهدى جائرون، على حين فترة من الرسل، واشتباه من السبل، وتفرّق من الملل، واستمرار من الزيغ والزلل، فلم يزل الأمر به مبلّغا، وبجهده في إمحاض النصيحة للأمة مستفرغا، حتى طمس معالم الباطل، ودفع عن وعد الصلاح ليّ الماطل، وأضحى الاسلام مرفوعا رايته، بعيدة غايته، منتشرة في الآفاق دعوته، مؤيّدة بالنصر المبين كلمته، وأنجز الله تعالى له ما وعد في إعلاء دينه على الدين كلّه وإظهاره، وإعزاز أشياعه وأنصاره، ونسخ الملل السالفة بملّته التي ختم بها الأديان، وأنزل عليه الكتاب المبشّر لمّتبعها بما فيه من الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. فصلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة تزلف محلّه، وتوازي شرفه وفضله، ما طرف طرف النهار بسدفة العشيّ، وصرف صرف المكروه بلطف الله الخفيّ.
والحمد لله على أن حاز لأمير المؤمنين من شرف الخلافة ميراث آبائه، وصرف إليه منها ما هو أحقّ بارتداء ردائه، وبوّأه من الامامة العظيمة متبوأ [3] تخرّ الجباه سجّدا لجلاله، وتنسب مفاخر الدين والدنيا إلى جماله؛ وأطلع
__________
[1] م: وضع.
[2] م: من غير.
[3] م: مبوأ.
(3/365)

بإمامته نجوم العدل فما تغور، وأقام بها أسواق الخيرات فما تكسد بضائع طالبيها ولا تبور، وحمى بحسن رعايته حمى الدين فما يذعر سربه، ولا يكدّر شربه، ولا يفلّ غربه؛ وخصّ الرعية من رأفته بمنحة أرهفت شذاتها، وثقّفت بعد الالتواء قناتها، وجمعت أشتات صلاحها، ويسّرت دواعي فلاحها، فهي محظوظة في كنف عدله، مغتبطة بخروجها من حزن العيش إلى سهله، بنعمته [1] التي شحذت في الطاعة بصائرها، واستخلصت مبادرتها في المتابعة ومصابرتها، وشفعت ظواهرها [2] في العكوف على الدعاء لآبائه، وبسطت آمالها بعد الانقباض وأحصدت مرائرها. وهو يستوزع الله عزّ وجلّ شكر هذه النعمة، ويستجزل بالتحدّث بها خطّة منها وقسمة. وما توفيقه إلا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب.
وان أمير المؤمنين بما وكله الله إليه من أمور عباده، وحمّله أعباءه في أرضه وبلاده، يرعي الأمة من اهتمامه عينا يقظى، ويوليها في عامة متصرفاته [3] حراسة شاملة وحفظا. ويتفقد أحوالها، تفقدا يصلح بالها [4] ، ويصل حبالها [5] ، ويعشب مرادها، ويكثب مرادها [6] ، ويعمّ بذلك عموما يشترك فيه المسلم منها والمعاهد، والداني والمتباعد، وطوائف الملل من أهل الكتاب الذين خفرهم عهد الشرع وذمّته، وكنفتهم حياطته وحمايته، ليفيء [7] عليهم ظلّ الحسنى بأجمعهم، ويقترن مرآهم في النظر لهم بمسمعهم.
ولما أنهيت حالك لأمير المؤمنين، وأنك أمثل أهل نحلتك طريقة، وأقربهم
__________
[1] م: ومعموره.
[2] واستخلصت ... ظواهرها: سقط من س.
[3] س: متصرفاتها.
[4] س: احوالها.
[5] م: جمالها.
[6] م: ويكتب موادها.
[7] م: ليبقى.
(3/366)

إلى الصّلاح مذهبا وخليقة، وأحواهم للخلال التي أجمعوا على تمييزك بها عنهم وانفرادك، واستحقاقك للاسعاف من بينهم بمأمولك ومرادك، وكونك [1] حاليا بشروط الجثلقة المتعارفة عندهم بأدواتها، مشهودا لك بنعوتها الكاملة وصفاتها، وحضر جماعة من النصارى الذين يرجع إليهم في استعلام سيرة أمثالك، واستطلاع أنباء مضارعيك وأشكالك، وذكروا أنهم تصفّحوا أحوال ذوي الديانات فيهم، واستثبتوا باديهم منها وخافيهم، بحكم مساس حاجتهم إلى جاثليق ينظر في أمورهم، ويراعي مصالح جمهورهم، فاتفقوا باجتماع من آرائهم، والتئام من قلوبهم وأهوائهم، على اختيارك لرياسة دينهم، ومراعاة شؤونهم، وتدبير وقوفهم، والتسوية في عدل الوساطة بين قويّهم، وضعيفهم، وسألوا إمضاء نصّهم [2] عليك بالاذن الذي به تستقرى قواعده، وتصدق مواعده، وتستحكم مبانيه، وتقوى أواخيه، فأوعز باسعافهم في ما سألوه بالإيجاب، وإلحافهم في ما طلبوه جناح الاطلاب. وبرز الاذن الامامي الأشرف، لا زالت أوامره بالتوفيق معضودة، بترتيبك جاثليقا لنسطور النصارى بمدينة السلام، ومن تضمّه منهم ديار الاسلام، وزعيما لهم ولمن عداهم من الروم واليعاقبة والملكية في جميع البلاد، وكلّ حاضر من هذه الطوائف وباد، وانفرادك عن كافّة أهل نحلتك، بتقمص أهبة الجثلقة المتعارفة في أماكن صلواتكم، ومجامع عباداتكم، غير مشارك في هذا اللباس، ولا مسوّغ في التحلّي به لمطران أو أسقف أو شماس، حطّا لهم عن رتبتك، ووقوفا بهم دون محلّك الذي خصصت به ومنزلتك. وإن ولج أحد من المذكورين باب المجاذبة لك والخلاف، وراع سرب المتابعة لك وأخاف، وأبى النزول على حكمك، وعدل إلى حربك عن سلمك، كانت المقابلة به لاحقة، والعقوبة به على شقائقه حائقة، حتى تعتدل قناته، وتلين بالقرع صفاته، ويزدجر أمثاله عن مثل مقامه،
__________
[1] وانفرادك ... وكونك: سقط من م.
[2] م: أيضا نصبهم.
(3/367)

وينحرس قانونك مما يقدح في نظامه.
وأمر بحملك على مقتضى الأمثلة الامامية في حقّ من تقدّمك من الجثالقة وسبقك، وإجراء أمرك عليه ومن تلاك منهم ولحقك، والحياطة لك ولاهل ملّتك في الأنفس والأموال، والحراسة الكافلة لكم بصلاح الأحوال، واتباع العادة المستمرة في مواراة أمواتكم، وحماية بيعكم ودياراتكم، والعمل في ذلك على الشاكلة التي عمل عليها الخفاء الراشدون مع من قبلكم، ورعى بها الأئمة السابقون رضوان الله عليهم عهدكم وإلّكم. وأن يقتصر في استيفاء الجزية على تناولها من العقلاء الواجدين من رجالكم دون النساء ومن لم يبلغ الحلم من أطفالكم. ويكون استيفاؤها مرة واحدة في كلّ سنة، من غير عدول في قبضها عن قضيّة الشرع المستحسنة. وفسح في الجاثليق أن يتوسّط طوائف النصارى في محاكماتهم، فيأخذ النّصف من القويّ للمستضعف، ويقود إلى الحقّ من مال إلى القسط والجنف، وينظر في وقوفهم نظرا يقوم بحقوق الأمانة وأشراطها، ويمضي على واضح حدودها وسويّ سراطها. فقابل هذا الانعام الذي شملك، وحقّق مناك في ما ناجتك به نفسك وأمّلك، بدعاء ينبي عن الاعتراف ويعرب، ويبدع في الاخلاص ويغرب. وسبيل كافة المطارنة والقسيسين والأساقفة من الطوائف المذكورة أن يحتذوا المأمور به في هذا المثال، ويتلقّوه بالانقياد والامتثال، إن شاء الله تعالى.
(3/368)

نوادر في الوصايا والعهود
«1026» - لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة أوص، قال: ويل للشعر من رواة [1] السّوء. قالوا: أوص يرحمك الله يا حطيء.
قال: من الذي يقول: [من الطويل]
إذا أنبض الرّامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلى أوجعتها الجنائز
قالوا: الشماخ. قال: أبلغوا غطفان أنّه أشعر العرب. قالوا: ويحك أهذه وصية؟! أوص بما ينفعك. قال: ابلغوا أهل ضابىء انه شاعر حيث يقول:
[من الطويل]
لكلّ جديد لذّة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ
قالوا: اتّق الله ودع عنك هذا. أوص بما ينفعك. قال: أبلغوا اهل امرىء القيس أنه أشعر العرب حيث يقول: [من الطويل]
فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
قالوا اتق الله ودع عنك هذا. قال: أبلغوا الأنصار أنّ صاحبهم أشعر العرب حيث يقول: [من الكامل]
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
__________
[1] الأغاني: راوية.
(3/369)

قالوا: إن هذا لا يغني عنك من الله شيئا فقل غير ما أنت فيه، فقال:
[من الرجز]
الشعر صعب وطويل سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه
قالوا: هذا مثل الذي كنت فيه. فقال: [من الرجز]
قد كنت أحيانا شديد المعتمد ... وكنت ذا خصم على الناس ألدّ
فوردت نفسي وما كادت ترد
قالوا: يا ابا مليكة، الك حاجة؟ قال: لا والله، ولكن أجزع للمديح الجيد يمدح به من ليس له أهلا. قالوا: فمن أشعر الناس؟ فأومى بيده إلى فيه وقال:
هذا الجحير إذا طمع في خير. واستعبر باكيا فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال:
[من الرجز]
قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر
فقيل له: ما تقول في عبيدك وإمائك؟ قال: هم عبيد قنّ ما عاقب الليل النهار. قالوا: فأوص للفقراء بشيء. قال: أوصيهم بالالحاح في المسألة فانها تجارة لا تبور، واست المسؤول أضيق. قالوا: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدي مثل [1] حظّ الذكرين. قالوا: ليس هكذا قضى الله، قال: لكنّي هكذا قضيت. قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمّهاتهم. قالوا:
فهل شيء تعهد به غير هذا؟ قال: نعم، تحملوني على أتان، وتتركوني راكبها حتى أموت، فان الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قطّ. فجعلوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول: [من الرجز]
__________
[1] س: مثلا.
(3/370)

لا أحد الأم من حطيّه ... هجا بنيه وهجا المريّه
من لؤمه مات على فريّه
«1027» - خطب الحجاج لما أراد الحجّ فقال: أيّها الناس، إني أريد الحجّ، وقد استخلفت عليكم ابني هذا، وأوصيته بخلاف وصية النبي صلّى الله عليه وسلم في الأنصار، فانه أمر أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. ألا وإني قد أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة [1] ، ألا وإني معجّل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة.
«1028» - كتب أبو العيناء إلى صديق له تولّى ناحية: أما بعد فأنّي لا أعظك موعظة الله تعالى لأنك غنيّ عنها ولأنّك أعلم منّي بها، ولا أرغّبك في الآخرة لمعرفتي بزهدك فيها، ولكنّي أقول كما قال الشاعر- وهي أبيات لأبي الأسود الدؤلي يقولها لحارثة بن بدر لما ولي رامهرمز: [من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وكاثر تميما بالغنى إن في الغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق
واعلم أنّ الخيانة فطنة، والأمانة خرق، والجمع كيس، والمنع صرامة،
__________
[1] م: لا أحسن الله إليه.
(3/371)

وليست كلّ يوم ولاية. فاذكر ايام العطلة، ولا تحقرنّ صغيرا، فمن الذّود إلى الذود إبل، والولاية رقدة فتنبّه قبل أن تنبّه: [من الرمل المجزوء]
وأخو السلطان أعمى ... عن قليل سوف يبصر
وما هذه الوصيّة التي أوصى بها يعقوب بنيه، ولكنّي رأيت [الحزم] أخذ العاجل وترك الآجل.
1029- احتضر بعض المجّان فقالت له زوجته: أوص، قال: وتقبلين مني؟ قالت: نعم. قال: إذا أنا متّ فادفني معي زنبيل الدقيق ودبّة البزر حتى تلحقهما ضغطة القبر فانّهما أكلا كبدي في الدنيا.
«1030» - بلغ أبا الأغرّ أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ، فأرسل ابنه الأغرّ وقال: يا بني، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإياك والسيف فانه ظلّ الموت، واتّق الرمح فانه رشاء المنية، ولا تقرب السهام فانها رسل لا تؤامر مرسلها. قال: فبماذا أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر: [من الطويل]
جلاميد أملاء الأكفّ كأنّها ... رؤوس رجال حلّقت في المواسم
«1031» - أوصت أعرابية ابنتها عند إهدائها فقالت: اقلعي زجّ رمحه، فان أقرّ فاقلعي سنانه، فان أقرّ فاكسري العظام بسيفه، فان أقرّ فاقطعي اللحم على ترسه، فان أقرّ فضعي الإكاف على ظهره فانه حمار.
«1032» - ومما ينسب إلى تميم بن مرّ انه وصّى بنيه فقال: يا بنيّ عليكم ب «لا» فانها ترفع اللحيين، وإياكم و «نعم» فانها ترخي اللحيين، وعليكم بالمسألة فان است المسؤول أضيق، ولا تحقروا اليسير أن تأخذوه فان اليسير إلى اليسير
(3/372)

كثير، واستعيروا ولا تعيروا، وأظهروا للناس الحاجة لكي لا تسألوا فتمنعوا فتكون أستاهكم هي الضيقة. وإن وعدتم الناس شيئا فاكذبوهم وامطلوهم، فإن الذي يصدق في الوعد وان مطل، وهو مقلّ، يكون حريا بالنجح في الموعد إذا أمكنته المقدرة. وابدأوا الناس بالشرّ يردد عنكم الشرّ، وإياكم والوهن فيجترأ عليكم. ولا تشتطّوا في مهور النساء فان ذلك آكد لأياماكم، جمع الله أمركم.
«1033» - أوصى وكيع بن حسّان بن سود فقال: يا بنيّ، إن أبي والله ما ورثني إلا درعا سحقا ورمحا خطلا، وما ورّثني دينارا ولا درهما. وقد جمعت لكم هذا المال الذي ترون من حلّه وحرامه؛ فإياكم إذا أنا متّ أن تأتيكم هذه الباعة من أهل الأسواق فيقولون: لنا على ابيكم دين. يا بني، إن كان الله تعالى يريد أن يغفر لي فوالله ما ديني في ذنوبي إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، وإن كان لا يريد أن يغفر لي، فو الله ما ديني في تلك الذنوب إلا كحصاة رمي بها في بحر. شدّوا أيديكم على مالكم واحفظوه ولا تقضوا عني شيئا. ثم مات.
«1034» - وروي أن أبا النجم العجلي أنشد هشاما:
والشمس قد صارت كعين الأحول
لما ذهب به الرويّ عن الفكر في عين هشام فأغضبه فأمر به فطرد، فأمّل أبو النجم رجعته، فكان يأوي إلى المسجد. فأرق هشام ذات ليلة فقال لحاجبه: ابغني رجلا عربيا فصيحا يحادثني وينشدني، فطلب له ما طلب فوقف على أبي النجم فأتي به، فلما دخل عليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك؟ قال: رجلين: كلبيا وتغلبيا أتغدى عند
(3/373)

أحدهما وأتعشّى عند الآخر. فقال له: ما لك من الولد؟ قال: ابنتان. فقال:
أزوّجتهما؟ قال: لا، زوّجت إحداهما. قال: فبم أوصيتها. قال: قلت لها ليلة أهديتها: [من الرجز]
سبّي الحماة وابهتي عليها ... وإن نأت فازدلفي إليها
ثم اقرعي بالودّ مرفقيها ... وركبتيها واقرعي كعبيها [1]
وجددي الحلف به عليها [2] لا تخبري الدهر بذاك ابنيها قال: أفأوصيتها بغير هذا؟ قال: نعم، قلت: [من الرجز]
وصيّت من برّة قلبا حرّا ... بالكلب خيرا والحماة شرّا
لا تسأمي نهكا لها وضرّا ... والحيّ عمّيهم بشرّ طرّا
وإن كسوك ذهبا [3] ودرّا ... حتى يروا حلو الحياة مرّا
قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بني كولده. قال: فما حال الأخرى؟ قال قد درجت بين بيوت الحيّ ونفعتنا في الرسالة والحاجة. قال: فما قلت فيها؟ قال: قلت:
[من الرجز]
كأنّ ظلّامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيّان
الرأس قمل كلّه وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خيطان
فهي التي يذعر منها الشيطان
قال: فقال هشام: يا غلام [4] ما فعلت الدنانير المختومة التي أمرتك بقبضها؟
__________
[1] هذان الشطران سقطا من م.
[2] هذان الشطران سقطا من م.
[3] س: درهما.
[4] يا غلام: سقطت من م.
(3/374)

قال: هي عندي، وزنها خمسمائة. قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجل ظلّامة مكان الخيطين. وزيد في رواية أخرى: [من الرجز]
أوصيك يا بنتي فاني ذاهب ... أوصيك أن يحمدك الأقارب
والجار والضيف الكريم الساغب ... لا يرجع المسكين وهو خائب [1]
ولا تني أظفارك السّلاهب ... لهنّ في وجه الحماة كاتب
والزوج إن الزوج بئس الصاحب
«1035» - قال لبطة بن الفرزدق: لما احتضر أبي قال: ابغني كتابا أكتب فيه وصيتي، فأتيته فكتب وصيته: [من الوافر]
أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
إلى من ترجعون إذا حثوتم ... بأيديكم عليّ من التراب
فقالت مولاة قد كان اوصى لها بوصية: إلى الله عزّ وجلّ. فقال: يا لبطة، امحها من الوصيّة.
«1036» - مرض أبو دهمان مرضا أشفى منه [على الموت] وأملى وصيّته على كاتبه، وأوصى فيها بعتق غلام كان واقفا. فلما فرغ غدا الغلام بالرقعة فأتربها، ونظر إليه أبو دهمان فقال: أتربها يا ابن الزانية حتى تكون أنجح للحاجة.
لا شفاني الله إن أنجحت. وأمر به فأخرج من وقته وبيع.
__________
[1] هذا الشطر سقط من س.
(3/375)

«1037» - أوصى بدويّ ابنه فقال: يا بني، كن سبعا خالسا، أو ذئبا خانسا، أو كلبا حارسا، ولا تكن إنسانا ناقصا.
[مقامة الوصية للهمذاني]
«1038» - من كلام أبي الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف بالبديع في ما أنشأه من المقامات: يا بنيّ، انا وإن وثقت بمتانة عقلك، وطهارة أصلك، فاني شفيق، والشفيق يسيء [1] الظنّ. ولست آمن عليك النفس وسلطانها، والشهوة وشيطانها [2] ، فاستعن عليها نهارك بالصوم، وليلك بترك النوم [3] ، إنه لبوس ظهارته الجوع وبطانته الهجوع، ما لبسها أسد إلا لانت سورته، أفهمتها يا ابن الخبيثة؟ وكما أخشى عليك ذاك فما آمن عليك لصّين [4] : أحدهما القرم والآخر [5] الكرم. فاياك وإياهما. إن الكرم أسرع في المال من السوس، وان القرم أشأم من البسوس. ودعني من قولهم إن الله كريم. إنها خدعة الصبيّ عن اللبن.
بلى إن الله لكريم، ولكن كرم الله تعالى يزيدنا ولا ينقصه، وينفعنا ولا يضره، ومن كانت هذه حاله فلتكرم خصاله. فأمّا كرم لا يزيدك حتى ينقصني، ولا يريشك حتى يبريني، فخذلان، ولا أقول عبقريّ، ولكن أقول [6] بقريّ. أفهمتها يا ابن المشومة؟ إنما يخرج للتجارة، لينبط [7] الماء من الحجارة، وبين الأكلة
__________
[1] المقامات: سيء (وكذلك س) .
[2] والشهوة وشيطانها: سقط من م.
[3] س: وليلك بالنوم.
[4] م: اثنين.
[5] المقامات: واسم الآخر.
[6] أقول: سقطت من المقامات.
[7] المقامات: إنما التجارة تنبط.
(3/376)

والأكلة ريح البحر بيد أن لا خطر، والصين، غير أن لا سفر. أفتتركه وهو معرض، ثم تتركه [1] وهو معوز؟ أفهمتها لا أمّ لك!! إنه المال عافاك الله، فلا تنفقنّ إلا من الربح، وعليك بالخبز والملح، ولك في البصل والخلّ رخصة، ما لم تدمنهما ولم تجمع بينهما؛ واللحم لحمك وما أراك تأكله، والحلواء [2] طعام من لا يبالي على أيّ جنبيه وقع [3] ، والوجبات عيش الصالحين. والأكل على الجوع واقية الفوت، وعلى الشّبع داعية الموت. ثم كن مع الناس كلاعب الشطرنج، خذ كلّ ما معهم واحفظ كل ما معك. يا بني قد أسمعت وأبلغت، فان قبلت فالله حسبك، وإن أبيت فالله خصمك [4] .
[عهد لطفيلي]
«1039» - كتب علي بن نصر الكاتب على بعض الطفيليين عهدا يوصي فيه بالنّهم والأكل: هذا كتاب من فلان في صحّة من فهمه، وسقم من جسمه، وضعف من عزمه، وأسف على هضمه، واستكلاب من شهوته، وانتكاس من علّته، عند آخر ساعة من ساعات دنياه، وأول وقت من أوقات أخراه، ومن النصيحة والصدق، والفيئة من الباطل إلى الحقّ- إلى جماعة الأكلة المتصوّفين، وذوي النّهم المتطفّلين، وأولي الطواحين الدائرة، والشّهوات الثائرة، والأشداق الفسيحة، والمبالع الصحيحة: سلام عليكم، فاني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، خالق الأنياب الحداد، والأضراس الشّداد، واللهى الواسعة، والحلاقم
__________
[1] المقامات: تطلبه.
[2] المقامات: والحلوى.
[3] المقامات: يقع.
[4] المقامات: حسيبك.
(3/377)

البالعة، وأسأله الصلاة على رسوله المبعوث بالاسلام، والآمر بافشاء السلام، وصلات الأرحام، وبذل الطعام، صلّى الله عليه وعلى آله وشرّف وكرّم.
أما بعد: فاني رأيت أهل هذه الصناعة قد قلّوا، ومحّصوا حتى ذلّوا، فلم يبق لهم ذكر إلا خمل، ولا نجم إلّا أفل، ولا علم إلا فقد، ولا نهم إلا أتخم واستشهد، فصار لا يوجد منهم في البلد العظيم، والإقليم بعد الاقليم، أحد مقيم بحقوقها، ومستقلّ بأعباء علومها، ويعرف ما يعترضها من العلل [1] ، ويخبر ما فيها من المكر والحيل، وكيف التوصّل إلى الولائم المشهودة، والهجوم على الموائد المنصوبة. وإنما قصار الواحد منهم أن يأنس ببعض كرماء دهرنا بواسطة الاتّفاق، وحسبك ضيق المذاق والأخلاق، فيحضر طبقه إما مستأذنا في الوصول، أو متسببا في الحصول [2] . فاذا جلس شمّر عن ساعده تنظّفا، ورفع أذيال ثوبه تظرّفا، وأظهر أن الطعام بأنملته، لا يلتصق بحافّة من حافات شفته، مقتصرا من آلة حرفته وأداة صناعته على تجريد اللحم، وتجويد اللّقم، حتى إذا أكل المختار الطيّب، وتناول المقدار المستقرب [3] ، زعم الانتهاء، وادّعى الشّبع والاكتفاء، وجعل ما يستمدّه من بعد على وجه التملّح والتعجيب، وطريق التنادر والتقريب. وعساه لا يبلغ في الاستزادة والاكثار، أقصى مدى تلك السادة الأبرار. وهذا أيدكم الله الذي أبطل صناعتكم وعفّى آثارها، وأفسد نظامها وأطفأ أنوارها. فصار الناشىء فيها غير عارف بقوانينها، ولا واجد بصيرا بأفانينها، فهو يخبط العشواء [4] منقبضا تارة ومنبسطا، ويخلط ما جاء صوابا مرّة وغلطا، لا يعرف فضل المستكره على المختار، ولا ميزة [5] الهاجم على
__________
[1] م: العالم.
[2] م: الى المحصول.
[3] م: المتقرب.
[4] م: عشواء.
[5] س: مزية.
(3/378)

المستزار، ولا يعلم أنّ المغافصة والمغالبة، والمجاحشة والمواثبة، مذاهب الأشياخ القدماء، وعادات أهل الصنعة الألبّاء، إلى غير ذلك من شرائط هذا العمل الجليل، وسنن كلّ وقاح أكيل.
ونحن ننطق في كتابنا هذا إليكم بلسان الشّره المليم، ونستمدّ لكم التوفيق من شيطان المعدة الرجيم. فأول ما أفهمكم إياه، وأنفعكم معناه، معاشر الإخوان، ورفقاء المائدة والخوان، أن تعلموا أن من صفق وجهه رقّ عيشه، ومن سعت قدمه طاب مطعمه، ومن أساء أدبه بلغ أربه، ومن قلّ حياؤه ساعدته أهواؤه.
وهذه وصيّة نبذت إليكم حكمها، وفرضت عليكم تعلّمها.
وأن تديموا دخول الحمّام، في صبيحة كلّ يوم من الأيام، فتمرّخوا المعدة، وتطلبوا التقلّب والتمدّد، ففي ذلك راحة من كد السّهر، وحدر لبقايا الطعام المعتكر. وتعقّبوه بتناول الجوارشنات، والسفوفات الفاتقة للشهوات، ثم تطرحوا أفكاركم يمنة ويسرة، وعيونكم خفية وجهرة، فتوكدوا الوصاة [1] عليهم، وتوثّقوا في العهود إليهم: لا تتركوا بابا لمنقية ولا دربا لمنقين، ولا سفينة [2] ولا موضعا موسوما [3] بكراء الحمير، ولا صقعا معروفا بالخانات والمواخير، إلا اخترقتموه مساء وصباحا، وطرحتموه غدوة ورواحا. وتتبعوا ولائم الإعذار [4] ، ودور الورّاث والقمار، وحمالي الفرض، وشواني الربض، وحلق الممخرقين، ومقامات المثاقفين، ومظانّ مناطح الكباش، ومواطن التنازق والهراش، وتسترشدوا قوّام المشاهد، وصالحي المساجد، وعجائز العكاكيز، وروائح الدهاليز. ولا يجوز أن يخفى عليكم حينئذ خافية، ولا تستر دونكم عورة دانية ولا قاصية، فاذا عادوا بالنبأ الواضح، وفازوا بالخبر الصالح،
__________
[1] م: الوصايا.
[2] ولا سفينة: سقط من س.
[3] موسوما: سقط من م.
[4] م: الأعراس.
(3/379)

استخرتم الله عزّ وجلّ مفكّرين في بعد الطريق أو قربها، فانها إن دنت أدنت البغية، وإن نأت هيّجت الشهوة، وأن لا تخفّفوا الأكل مما حضر، طمعا في ما يأتي وينتظر، وإن كنتم له محققّين، ومن وروده على يقين، فللطعام اغتنامات، وللتأخير آفات، وربما أفسد الطبّاخ ما تراعون، وطرقت صاحب المنزل نائبة في عرض ما تأكلون، وأخطأتم في الحساب، وحصلتم على تجويع الارتقاب.
وهذا سفه في العقل، وركوب غرر في فوت الأكل.
وأن تتخيّروا من المواضع أفسحها، ومن المجالس أفيحها، لتكون معدكم مطمئنة هادية، وأيديكم ذاهبة جائية، فلا يتعذّر عليكم، تناول ما قرب من الأطعمة إليكم. وإن كان لأحدكم قريب، وولد أو نسيب، قرب منه أو بعد، فلا يتنغّص له، ويتمنّى أن يشاركه في ما أكله، فان ذلك مشغلة عن الاستكثار، ومقطعة عن الاحتكار، ودلالة على وهي العزم وضعفه، وإظهار لقلة [1] الرأي وسخفه، بل يستجدّ لذكراه أكلة مفردة، ويستأنف من جرّاه شهوة مجددة، فإنّ ذلك أدخل في باب التطفيل، وأولى بذوي الرأي الأصيل.
وان تجعلوا السكباج مفتاح الفم، وتعظموها تعظيم الأب والأمّ، فإنها القدر المحبوبة، والشهوة المطلوبة، والعلق الصّبور، واللون الذي لا يبور.
وأن تبالغوا في الإمعان، عند حضور الفرصة والإمكان، في أفخاذ الفراريج ولصيقها، وصدور الدراريج بعد تعليقها، فانها المنظر الأنيق لذي عين، واللذة القصوى لصاحب ماضغين. وأن تعتمدوا أكل الهرائس، عاريات من الملابس، خاليات من الجزمازج والجرادق، منقولات بالأصابع والملاعق، فإن فيها معنى الخبز [2] ، من لباب البرّ والأرزّ، ولا فائدة في هذا التكرار، العائد بالتملّي والاستضرار [3] .
__________
[1] س: لأفولة.
[2] م: الحزم.
[3] م: والاستقرار.
(3/380)

واستوصوا بالصاعديّات خيرا، وبغلائلها المصبوغة حمرا، فأكبّوا على فرّوجها وعصفورها، واستكثروا من كبابها ومضفورها [1] ، وواظبوا على قرنائها وأخواتها، وبنات عمها وعمّاتها، من الاسفيذباجات والنرجسيات والمحرّقات.
فكلوا أكل الأيامى فقدوا [2] الصاحب، واليتامى عدموا الكاسب [3] ، وواصلوا المضاير إذا بدت إلية الحمل، واستدارت هامة البصل، فانها طعام السّلف الماضين، وأهل السنّة المتزهدين، وبها باع الناس قديما صلاتهم وصيامهم، ولها فارقوا خليفتهم وإمامهم، ومن أجلها دفعوا عن المحال وذبّوا، وأجابوا داعي الضلال ولبّوا.
وكونوا لذوات المرق إخوانا، فإن لها أنواعا من الطعوم وألوانا، وفضلا على غيرها ورجحانا، فثردها قوام الظّرف وكماله، وسنام العرف وجماله، وهي عزاء الصدور، ودواء المخمور. ولا تهملوا الحرص على لحمها المجزّع، من البشمازج والأضلع. ولفّوا لقلاياها لفّا، واستفّوا لحمها سفّا، استراحة من ناشفها إلى ممرّقها، ومراوحة من محمّصها إلى محرّقها، فانها قراضة الإبريز، وطراز المأكل الوجيز. ولا تحقروا الانتفاع بالأصباغ فنعم ظهير الأكل ومعينه، ونصيح المستكثر وأمينه. وبادروا الحلواء ساعة طلوعها في جاماتها، كالبدور في هالاتها، غير محفلين بما يقطر من أدهانها على العنافق، ويجري من مرقها على المرافق. فكلّ ذلك هيّن في جنب الظّفر بمنية النفس، وبلوغ شهوة الضّرس، ولا تستكثروا من الأنبذة فانها تضعف الشّهوة، ولذلك سمّيت الخمرة قهوة، ومن أصغر تأثيرها التملّي المانع، والخمار القاطع. وعليكم منها بما يعين المعدة على غذائها، ويكون سببا لسرعة نقائها. ولا تصغوا إلى عاذل مقبّح، ولائم متنصّح، فما ذاك إلا حسد على ما أنالكم الله من فضله: القدرة على كشف
__________
[1] م: ومقصورها.
[2] م: عدموا.
[3] س: المكاسب.
(3/381)

أغراضكم، ولا تستقلّوا في نيل إرادتكم بكل كلح الحجاب، أو ردّة البواب، ولا تستبعدوا فتح الباب وإن أبهمت أعلاقه، وتسلّق بنيان وإن أحكم وثاقه، فطال ما خاصمت وخوصمت، وزاحمت وزوحمت، وصادمت وصودمت، ولا كمت ولو كمت، فما ترى بي أثرا، إلا أنبأتك عنه خبرا، حتى صلع رأسي فما ينبت شعرة، وعمشت عيني فما تدرك نظرة، وكسر فكّي فما آكل إلا استراطا، واسترخى جانبي فما أتمالك ضراطا، وكل هذا قد يستسهل، في بلوغ لذة المأكل. وبه أوصيكم جماعة الأودّاء [1] والاخوان، وبحفظ ما رويته لكم عن المشاهدة والعيان، والله خليفتي على فكوككم القوية، ومعدكم النارية.
وكتب يوم عيد النحر ساعة توزيع لحم الأضحيات، ووقت إدراك الهرائس والوديات، وهو حسبي ونعم الوكيل.
«1040» - مساور الوراق يقول لابنه يوصيه: [من الكامل]
شمّر قميصك واستعد لقائل ... واحكك جبينك للشهود بثوم
واجعل صحابك كلّ حبر ناسك ... حسن التعهّد للصلاة صؤوم
وعليك بالغنويّ فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيم
«1041» - إسحاق الخاركي: [من الطويل]
__________
[1] م: الأولاد.
(3/382)

ولا تبق في وقت السّلامة ساعة ... تفوتك لم تسعد بها وتمتّع
فانّك لاق كلّما شئت ليلة ... ويوما يغصّان العيون بأدمع
تم باب الوصايا والعهود بحمد الله وعونه وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما.
(3/383)

الباب السّادس عشر في الفخر والمفاخرة
(3/385)

[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الماجد القّهار، العزيز الجبار، الذي يفتخر بطاعته ذوو الفخار، ويشرف بعبوديته أولو الأخطار. تعنو له الملوك صاغرة، إذا اختالت عند غيره فاخرة، وتذلّ لعزّته مسكينة محتقرة، إذا عدّت على من سواه باذخة مستكبرة.
أحمده معترفا بأياديه شاكرا، وأعبده خاضعا لعظمته صاغرا، وأسأله الصلاة على رسوله المصطفى المختار، مقتدى العالم، وسيد ولد آدم، خلع مع ذلك رداء الكبر، وقال حيث أنبأ عن محلّه «ولا فخر» صلّى الله عليه وعلى آله وعترته المؤمنين، وعلى من تلاهم بمصاحبته ومتابعته إلى يوم الدين.
(3/387)

(الباب السادس عشر في الفخر والمفاخرة)
[آيات وأحاديث]
«1042» - إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم منتهى الفخار، يدلنا على ذلك قوله تعالى (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ)
(الأنبياء: 34) فبين أنّه الغاية ولم يخلد، فكيف يخلد غيره. ومن شواهد المفاخرة قوله تعالى: (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً. لا يَسْتَوُونَ)
(السجدة: 18) نزلت في عليّ بن ابي طالب عليه السلام وعقبة بن أبي معيط وكانا تفاخرا. وقوله تعالى: (أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ)
(فصلت: 40) في أبي جهل وعمار بن ياسر. والنسب إليه أشرف الأنساب، كما قال أبو الحسن الرضيّ: [من الخفيف]
وإذا الناس أدركوا غاية الفخ ... ر شآهم من قال جدّي الرسول
«1043» - وقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: أنا سيّد ولد آدم ولا فخر.
1044- وقد نفى الله عزّ وجلّ الفخر بالأنساب بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ)
(الحجرات: 13) فالفخر في دار الاسلام بالتقوى.
(3/388)

«1045» - وقال صلّى الله عليه وسلم: الناس لآدم وحواء كطفّ الصاع لن تملؤه. إن الله لا يسأل عن أحسابكم ولا يسأل إلا عن [1] أعمالكم. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
«1046» - وقال صلّى الله عليه وسلم: إن نبيكم واحد، وإن أباكم واحد، وإنه لا فضل للأسود على الأحمر ولا عربي [2] على عجمي إلا بالتقوى. هل بلغت.
«1047» - وروى أبو هريرة عنه صلّى الله عليه وسلم قال: ان الله قد أذهب عنكم عبّية الجاهلية وفخرها بالآباء. الناس بنو آدم، وآدم من تراب، مؤمن تقي، وفاجر شقي. ولينتهين أقوام يفخرون برجالهم، إنما هم فحم من فحم جهنم. أو ليكونن أهون [3] على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها. وقد قال الله عزّ وجلّ: (يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ)
(هود: 46) .
1048- وقال صلّى الله عليه وسلم: إيتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم.
[أخبار في الباب]
1049- وقال عمر رضي الله عنه: الكرم التقوى، والحسب المال. لست بخير من فارسي [4] ولا نبطي إلا بالتقوى [5] .
«1050» - ورأى رجلا يخطر بيده ويقول: أنا ابن بطحاء مكة، كديّها
__________
[1] س: ولكن يسأل عن.
[2] س: لأسود على أحمر ولا لعربي.
[3] س: أهونهم.
[4] فارسي ولا: سقطت من م.
[5] س: لست بأخير ... إلا بتقوى.
(3/389)

وكدائها، فقال له: إن يكن لك دين فلك كرم، وان يكن لك عقل فلك مروّة، وإن يكن لك مال فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء.
1051- وقال علي بن الحسين: لا يفخر أحد على أحد فانكم عبيد والمولى واحد.
«1052» - وقال العتابي: العجب ضربان: مفترض ومطّرح، فأما المفترض فان يعظّم الرجل [1] نعم الله عليه، ويفرح باحسانه اليه؛ وأما المطرح فعجب الاستطالة الذي نهى الله تعالى عنه. الا ترى إلى النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، فجهر بعجب الشكر، وأسقط استطالة الكبر. وقد قيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقا؟ فقال مدح الرجل نفسه والفخر.
«1053» - وإن نهت عنه الأخبار النبوية وهجّنه العقل، فان العرب كانت تفتخر بما فيها من البيان طبعا لا تكلفا، وجبلّة لا تعلما، وتعتد ذلك مقارعة عن الأحساب، ومنازعة على شرف الأنساب، وتراه إرهابا للعدو في المنازلة واللقاء، ونشرا للفضيلة عند الأقران والاكفاء. ولم يكن لهم من ينطق بفضلهم إلا هم، ولا ينبه على مناقبهم سواهم. وقد كان أعرابي ليم بمدح [2] نفسه فقال: فإلى من أكلها إذن؟
وكان كعب بن زهير إذا أنشد شعرا قال لنفسه: أحسنت والله وجاوزت الاحسان، فيقال له: أتحلف على شعرك؟ فيقول: لأني أبصر به منكم.
وكان الكميت إذا قال قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها، وكان يقول عند
__________
[1] الرجل: سقطت من م.
[2] س: وقد ليم أعرابي بمدح.
(3/390)

إنشادها: لله درّي أيّ علم بين جنبيّ، وأيّ لسان بين فكي؟
وقال الجاحظ: لو لم يصف الطبيب مصالح دوائه للمتعالجين لما كان له طالب، ولا فيه راغب.
ولما أبدع ابن المقفع في رسالته سماها «اليتيمة» تنزيها لها عن المثل؛ ولو لم ينحلها هذا الاسم لكانت كسائر رسائله، فسكنت من النفوس موضع إرادته من تعظيمها.
وسأذكر في هذا الباب ما نطق به البلغاء نظما ونثرا في مفاخرهم، وما ورد فيها من أخبارهم، ومن الله تعالى أستمد العصمة، وإياه أشكر على ما أولى من النعمة.
[أشعار في الفخر]
«1054» - قال أبو بكر الهذلي: سرت مع المنصور وسايرته يوما فعرض لنا رجل على ناقة حمراء، تذهب في الأرض، وعليه جبّة خزّ وعمامة عدنية، وفي يده سوط يكاد يمسّ به الأرض، سويّ الهيئة، فلما رآه أمرني بدعوته، فسألته عن نسبه وبلاده، وعن باديته وقومه، وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال: أنشدني، فأنشده شعرا لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم، وحدّثه حتى أتى على شعر لطريف بن تميم [1] العنبري وهو قوله: [من البسيط]
إن قناتي لنبع لا يؤبّسها [2] ... غمز الثقاف ولا دهن ولا نار
متى أجر خائفا تأمن مسارحه ... وإن أخف آمنا تقلق به الدار
إنّ الامور إذا أوردتها صدرت ... إن الأمور لها ورد وإصدار
__________
[1] وحدثه ... تميم: سقط من م.
[2] يؤبسها: يكسرها أو يذلها.
(3/391)

قال: ويحك، وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر؟ قال: كان أثقل العرب على عدوّه وطأة إذا نهد إليهم بثار، وأيمنهم نقيية، وأعساهم قناة على من رام هضمه، وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره. اجتمعت العرب بعكاظ وكلهم أقرّ له بهذه الخلال، غير أن من اراد أن ينقص [1] به قال: والله ما أنت ببعيد النجعة ولا قاصد الرمية، فدعاه ذلك إلى أن جعل على نفسه ألا يأكل إلا لحم قنص يقتنصه، ولا ينزع كلّ عام عن غزوة يبعد فيها أثره. قال: يا أخا بني تميم، لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك، ولكني أحق ببيته منه، أنا ذاك الذي وصفت لا هو.
«1055» - تكلم الوفود عند عبد الملك حتى بلغ الكلام إلى خطيب الأزد، فقام فقبض على قائم سيفه ثم قال: قد علمت العرب أنّا حيّ فعال ولسنا حيّ مقال، وأنّا نأبى الحيف، ونعمل السيف، فمن مال قوّم السيف أوده، ومن نطق قمع الحقّ لدده؛ ثم جلس، فحفظت خطبته دون كلّ خطبة.
وفي رواية: وأنا نجزي بفعلنا عند أحسن قولهم. إن السيوف [2] لتعرف الفنا، وان الموت ليستعذب أرواحنا، وقد علمت الحرب الزّبون أنّا نقدع جماحها ونحلب صراها.
«1056» - قال الأسعر ابن أبي حمران الجعفي، وإنما لقب الأسعر لقوله:
[من الطويل]
فلا يدعني قومي لسعد بن مالك ... لئن أنا لم أسعر عليهم وأثقب
__________
[1] م: يقصر.
[2] م: الشرف.
(3/392)

واسمه مرثد بن الحارث: [من الطويل]
وكنت إذا خيل لخيل تعرّضت ... أكون لدى الهيجاء أول طاعن
وإني لوصّال لمن شئت وصله ... وإني لقطّاع حبال القرائن
«1057» - وقال الحادرة: [من الكامل]
أسميّ ويحك هل سمعت بغدرة ... رفع اللواء لنا بها في مجمع
إنّا نعفّ فلا نريب حليفنا ... ونكفّ شحّ نفوسنا في المطمع
ونقي بأيمن [1] مالنا أحسابنا ... ونجرّ في الهيجا الرماح وندّعي
ونخوض غمرة كلّ يوم كريهة ... تردي النفوس وغنمها للأشجع
ونقيم في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويظعن غيرنا للأمرع
أسميّ ما يدريك أن رب فتية ... باكرت لذّتهم بادكن مترع
بكروا عليّ بسحرة فصبحتهم ... من عاتق كدم الغزال مشعشع
ومعرّض تغلي المراجل تحته ... عجّلت طبخته لقوم جوّع
ولديّ أشعث باسط ليمينه ... قسما لقد أنضجت لم يتورّع
ومسهّدين من الكلال بعثتهم ... بعد الكلال إلى سواهم ظلّع
أودى السّفار برمّها فتخالها ... هيما مقطّعة حبال الأذرع
الهيام: داء يأخذ بالابل شبيه بالحمّى من شهوة الماء فتشرب فلا تروى، فاذا أصابها ذلك فصد لها عرق فيبرد ما بها.
__________
[1] المفضليات: بآمن.
(3/393)

تخد الفيافي بالمحال [1] وكلّها ... يعدو بمنخرق القميص سميدع
ومناخ غير تأيّة عرّسته ... قمن من الحدثان نابي المضجع
التأية: التمكث، يريد أنه مخوف.
عرّسته ووساد رأسي ساعد ... خاظي البضيع عروقه لم تدسع
تدسع: تمتلىء. وخاظي: مكتنز، خظا أي كثر.
فرفعت عنه وهو أحمر قانىء [2] ... قد بان مني غير أن لم يقطع
«1058» - وقال الشنفرى: [من الطويل]
وإنّي لحلو إن أريدت حلاوتي ... ومرّ إذا نفس العزوف أمرّت
أبيّ لما آبى سريع مفيئتي [3] ... إلى كلّ نفس تنتحي في مسرّتي
إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها ... ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي
«1059» - وقال عبد يغوث بن وقّاص الحارثي: [من الطويل]
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معدوّا عليه [4] وعاديا
وقد كنت نحّار الجزور ومعمل ال ... مطيّ وأمضي حيث لا حيّ ماضيا
وأنحر للشّرب الكرام مطيّتي ... وأصدع بين القينتين ردائيا
وعادية سوم الجراد وزعتها ... بكفّي وقد أنحوا إليّ العواليا
__________
[1] المفضليات: بالرجال.
[2] المفضليات: فاتر.
[3] المفضليات: مباءتي.
[4] المفضليات: عليّ.
(3/394)

كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرّي نفّسي عن رجاليا
ولم أسبأ الزقّ الرويّ ولم أقل ... لأيسار صدق أعظموا ضوء ناريا
«1060» - وقال ذو الاصبع العدواني: [من البسيط]
إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... على الصديق ولا خيري بممنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلق ... بالمنكرات [1] ولا فتكي بمأمون
لا يخرج القسر مني غير مغضبة ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
«1061» - وقال أبو الطمحان القيني: [من الطويل]
إني من القوم الذين هم هم ... إذا مات فيهم سيد قام صاحبه
نجوم سماء كلّما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كان مسوّد ... تسير المنايا حيث سارت ركائبه
«1062» - وقال قيس بن رفاعة الأنصاري: [من البسيط]
من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة ... يصل بنار كريم غير غدار
__________
[1] المفضليات: بالفاحشات.
(3/395)

أنا النذير لكم منّي مجاهرة ... كي لا ألام على نهي وإنذار
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
لتتركنّ أحاديثا وملعبة [1] ... لهو الحديث [2] ولهو المدلج الساري
من كان في نفسه حوجاء يطلبها ... عندي فإني له رهن باصحار
أقيم عوجته إن كان ذا عوج ... كما يقوّم قدح النبعة الباري
وصاحب الوتر ليس الدهر يدركه ... عندي وإني لطلّاب بأوتار
[عود إلى الأخبار]
«1063» - لما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من عليّ عليه السلام، فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله تعالى لم يبعث نبيا إلا جعل له عدّوا من المجرمين، فأنا ابن عليّ وأنت ابن صخر، وأمّك هند وأمّي فاطمة، وجدّتك قتيلة، وجدّتي خديجة، فلعن الله ألأمنا حسبا، وأخملنا ذكرا، وأعظمنا كفرا، وأشدّنا نفاقا. فصاح أهل المسجد: آمين آمين. فقطع معاوية خطبته ودخل منزله.
106»
- روي أن معاوية خرج حاجّا فمرّ بالمدينة فقسم في أهلها أموالا، ولم يحضر الحسن بن عليّ عليه السلام. فلما خرج من المدينة اعترضه الحسن فقال معاوية: مرحبا برجل تركنا حتى إذا نفد ما عندنا تعرّض لنا ليحلنا، فقال الحسن: ولم ينفد ما عندك وخراج الدنيا يجبى إليك؟ فقال معاوية: فاني قد أمرت لك بمثل ما قد أمرت به لأهل المدينة، وأنا ابن هند، فقال له الحسن: فاني قد رددته عليك وأنا ابن فاطمة (عليهما السلام) .
__________
[1] القالي: لترجعن ... ملعنة.
[2] القالي: المقيم.
(3/396)

1065- نازع بشر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب زيد بن عليّ بن الحسين، ففخر عليه زيد، فقال بشر: لا تفخر عليّ، فو الله ما رأيت أنّ لي فضلا على أحد إلا بفضلك علي.
1066- تفاخر جرير والفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال الفرزدق: أنا ابن محيي الموتى، فأنكر سليمان قوله، فقال: قال الله تعالى (وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)
(المائدة: 32) وجدّي فدى المؤودات فأحياهنّ. فقال سليمان: إنك مع شعرك لفقيه. وكان صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق أوّل من أحيا المؤودات، وخبره في أخبار العرب يورد.
«1067» - افتخر على شاهفريد [1] أمّ يزيد بن الوليد نساء الوليد العربيات فقالت: ليس منكن امرأة إلا وفي عشيرتها من يفخر عليها ولا يقر لها بالشرف والفضل، وليس في الدنيا أعجمية تفخر عليّ. وكانت من أولاد يزدجرد، ولذلك يقول يزيد بن الوليد: [من الرجز]
انا ابن كسرى وأبي لمروان ... وقيصر جدّي وجدّي خاقان
«1068» - قال أبو ذرّة الهذلي: [من الرجز]
نحن بنو مدركة بن خندف ... من يطعنوا في عينه لا يطرف
ومن يكونوا عزّه يغطرف ... كأنهم لجة ليل مسدف
__________
[1] س: شاه زنان، الطبري: شاه آفريد.
(3/397)

[عود إلى الأشعار]
«1069» - وقال أوس بن حجر: [من الطويل]
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
أناة وأحلاما وكان لقاؤنا ... رهينا بيوم كاسف الشّمس مظلم
أرى حرب أقوام تدقّ وحربنا ... تجلّ فنعروري بها كلّ معظم
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ... معضلة منّا بجمع عرمرم
وإن مقرم منّا ذرا حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم
لنا مرجم ننفي به عن بلادنا ... وكلّ تميم يرجمون بمرجم
رأتني تميم مصحرا [1] فتناذرت ... مبادهتي أمشي براية معلم
فينهى ذوي الأحلام عنا حلومهم ... وأرفع صوتي للنعام المخزّم [2]
متى تبغ عزّي في تميم ومنصبي ... تجد لي خالا غير مخز ولا عم
تجدني من أشرافهم وخيارهم ... حفيظا على عوراتهم غير مجرم
«1070» - وقال تميم بن أبيّ بن مقبل: [من الطويل]
مصاليت فكّاكون للسبي بعدما ... يعضّ على أيدي السبيّ سلاسله
وكم من مقام قد شهدت بخطّة ... نشجّ ونأسو أو كريم نفاضله
وكم من كميّ قد شككنا قميصه ... بأزرق عسّال إذا هزّ عامله
وإنا لنحدو الأمر حين [3] حدائه ... إذا عيّ بالأمر الفظيع قوابله
نعين على معروفه ونمرّه ... على شزر حتى تجال جوائله
__________
[1] الديوان: معدّ معلما.
[2] الديوان: المصلم.
[3] الديوان: عند.
(3/398)

ألم تر أن الماء يخلف نسله ... ويأتي عليه حقّ دهر وباطله
«1071» - وقال الأخطل: [من الطويل]
وإنا لحيّ الصدق لا غرة بنا ... ولا مثل من يفري البكيء المصرّما
نسير فنحتلّ المخوف فروعه ... ونجمع للحرب الخميس العرمرما
وإني لحلّال بي الحقّ أتقي ... إذا نزل الأضياف أن أتجهما
إذا لم تذد ألبانها عن لحومها ... حلبنا لهم منها بأسيافنا دما
«1072» - وقال أيضا: [من الطويل]
لعمري لئن كانت كليب [1] تتابعت ... على أمر غاويها وضلّت حلومها
لقد عجموا مني قناة صليبة ... إذا ضجّ خوّار القناة سؤومها
واني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها
«1073» - وقال جرير: [من الطويل]
وإني لعفّ الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري انتقاليا
جريء الجنان لا أهال من الردى ... إذا ما جعلت السيف قبض [2] بنانيا
وليست لسيفي في العظام بقيّة ... وللسّيف أشوى وقعة من لسانيا
«1074» - وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من البسيط]
__________
[1] الديوان: سليم.
[2] الديوان: من عن.
(3/399)

فإن هلكت وريب الدهر متلفة ... فلم أكن في الذي أبليتكم ورعا [1]
وإن حييت [2] فجلد ذو مواضحة [3] ... أسقي العدوّ نقيع السمّ والسّلعا
أصل المواضحة تباري المستبقين ثم كثر حتى استعمل في كلّ اثنين تباريا.
ما سدّ مطّلع ضاقت ثنيّته ... إلّا وجدت وراء الضيق مطّلعا
ولا رميت على خصم بقارعة ... إلّا رميت بخصم فرّ لي جذعا [4]
كم من عدوّ أخي ضغن يجاملني ... يخفي عداوته إذ لا يرى طمعا
حملت منه على عوراء طائشة ... لم أسر عنها ولم اكثر لها جزعا [5]
وكم تودّعت من أمر [6] تعرّض بي ... رفّهت عنه ولو أتبعته ظلعا
1075- وقال الأقرع أيضا: [من الطويل]
يسود كهول الآخرين غلامنا ... وإن كان فينا مستقيدا مقدّعا
مستقيدا أي منقادا، والقدع: الكف عن الشيء، وأمة [7] قدعة: قليلة الكلام حيية، والقدع: الخنا والفحش، وفي الحديث: من قال في الاسلام شعرا مقدعا فلسانه هدر، والكلمة تحتمل أن تكون ها هنا من هذين الأصلين.
ونجعل أحكام العشيرة بعد ما ... تهمّ قوى أسبابها أن تقطّعا
أحكام: جمع حكم، مثل جبل وأجبال، وتروى: حكام.
__________
[1] الورع: الجبان.
[2] مجالس: بقيت.
[3] مجالس: مواطحة (واصله: مواضحة) .
[4] فرّ جذعا: رجع عوده على بدئه.
[5] سقط هذا البيت من س.
[6] المجالس: وكم تورعت عن مولى.
[7] س: وامرأة.
(3/400)

ويتبع أطراف الأمور خطيبنا ... إذا قال حتى يبلغ القول أجمعا
يعني غاياتها ونهاياتها، يعني يبلغ أقصى القول.
إذا قال منّا قائل أنصتت له ... جماعتنا حتى يقول ونسمعا
وما ضمّ قوم أمرهم في أكفّنا ... فنترك فيه بعد للناس مصنعا
وسعنا بمال أو حكمنا حكومة ... يراها ذوو الألباب والله مقنعا
ونصرف ما في الأمر والأمر مقبل ... فتطلعنا منه المحالة مطلعا
وإنا لننطي النّصف من لو نضيمه ... بثورتنا لم يدفع الضيم مدفعا
ونعرض عن أشياء نعلم أنّها ... لنا لو أردنا خشية أن تخشعا
ونجعل للجار القليل سوامه ... سواما ونحمي سربه أن يفزّعا
إذا كان منا واحد في قبيلة ... أراد أمام القوم أن يتسرعا
وتحمي حمانا مقربات كأنها ... سعالي ترى منها صحاحا وظلّعا
إذا ركضت بالغائط السهل غادرت ... به رهجا يذري الحليّ المنزعا
عوابس يعلكن الشكيم كأنما ... يسقّين عقميا [1] من السمّ منقعا
1076- وقال أيضا: [من الطويل]
خلقت من الأشراف من آل عامر ... كموقع أمّ الرأس فيه المسامع
فما طمع الأعداء مني بعثرة ... ولا دنّستني عند ذاك المطامع
وإني على جودي أعين سماحتي ... بمنع إذا ما قيل هل أنت مانع
1077- وقال بعض القرشيين: [من الوافر]
لقد علمت قريش أنّ بيتي ... بحيث يكون فصل من نظام
__________
[1] السم العقمي: الشديد أو المنسوب إلى حية اسمها عقام.
(3/401)

وأنّا نحن أول من بنينا [1] ... بمكّتنا البيوت مع الحمام
«1078» - وقال النابغة الذبياني: [من البسيط]
هلّا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما
وهبّت الريح من تلقاء ذي أرل ... تزجي مع الليل من صرّادها صرما
ينبيك ذو علمهم [2] عني وجاهلهم ... وليس جاهل شيء مثل من علما
إنى أتمّم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
وأقطع الخرق بالخرقاء قد جعلت ... من الكلال تشكّى الأين والسأما
وغادة ذات أطفال ململمة ... شعواء تعتسف الصحراء والأكما
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت الكماة وخيل تعلك اللجما
أقدمتها ونواصي الخيل شاحبة ... تحتي مسوّمة أرمي بها قدما
«1079» - وقالت الخرنق بنت هفان القيسية، من بني قيس بن ثعلبة:
[من الكامل المرفّل]
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك ... والطيبين معاقد الأزر
«1080» - وقال ربيعة بن مقروم الضبي: [من الكامل]
__________
[1] س: تبنّى.
[2] الديوان: ذو عرضهم.
(3/402)

هل نكرم الأضياف إن نزلوا بنا ... ونسود بالمعروف غير تنحّل
ونعين غارمنا ونمنع جارنا ... ونزين مولى ذكرنا في المحفل
ونحلّ بالثغر المخوف عدوّه ... ونردّ حال العارض المتهلّل
وإذا امرؤ منّا جنى فكأنّه ... مما يخاف على مناكب يذبل
ومتى يقم عند اجتماع عشيرة ... خطباؤنا بين العشيرة تفصل
ودخلت أبنية الملوك عليهم ... ولشرّ قول المرء ما لم يفعل
«1081» - وقال زيد بن عمرو بن قيس بن عتاب: [من الطويل]
وكنت إذا ما باب ملك قرعته ... قرعت بآباء ذوي حسب ضخم
هم ملكوا أملاك آل محرّق ... وزادوا أبا قابوس رغما على رغم
وكنّا إذا قوم رمينا صفاتهم ... تركنا صدوعا في الصفاة التي نرمي
ونرعى حمى الأعداء غير محرّم ... علينا ولا يرعى حمانا الذي نحمي
«1082» - وقال الراجز: [من الرجز]
إن تميما أعطيت تماما ... وأعطيت مآثرا عظاما
وعددا وحسبا قمقاما ... وباذخا من عزّها قدامى
في الدهر أعيا الناس أن يراما ... إذا رأيت منهم الأجساما
والدلّ والشيمة والكلاما ... وأذرعا وقصرا وهاما
عرفت أن لم يخلقوا طغاما ... ولم يكن أبو هم مسقاما
لم تر في من يأكل الطّعاما ... أقلّ منهم سقطا وذاما
(3/403)

«1083» - وقال عنترة: [من الكامل]
إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحقت ... ألفيت خيرا من معمّ مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرّقت جمعهم بطعنة فيصل
ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المأكل
بكرت تخوّفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بدّ أن أسقى بذاك المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثّل مثّلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... يسقى فوارسها نقيع الحنظل
«1084» - وقال أبو الطّمحان القينيّ: [من الطويل]
فكم فيهم من سيّد وابن سيد ... وفيّ بعهد الجار حين يفارقه
يكاد الغمام الغرّ يرعد إن رأى ... وجوه بني لأم وينكل بارقه
«1085» - وقال الفرزدق: [من الطويل]
إذا اغبرّ آفاق السماء وكشّفت ... كسور بيوت الحيّ نكباء [1] حرجف [2]
__________
[1] الديوان: حمراء.
[2] كسور: جمع كسر وهو جانب البيت؛ والحرجف: الريح الشديدة.
(3/404)

وجاء قريع الشّول قبل إفالها ... يزفّ وراحت خلفه وهي زفّف [1]
وباشر راعيها الصّلا بلبانه ... وكفّيه حرّ النار ما يتحرّف [2]
وأو قدت الشّعرى مع الليل نارها ... وأمست محولا جلدها يتوسّف [3]
وأصبح موضوع الصقيع كأنّه ... على سروات النبت [4] قطن مندّف [5]
وقاتل كلب الحيّ عن نار أهله ... ليربض فيها والصّلا متكنّف
وجدت الثرى فينا إذا يبس الثرى ... ومن هو يرجو فضله المتضيّف
ترى جارنا فينا يجير وإن جنى ... ولا هو فيما ينطف الجار ينطف [6]
ويمنع مولانا وإن كان نائيا ... بنا جاره فيما يخاف ويأنف
وقد علم الجيران أنّ قدورنا ... ضوامن للأرزاق والريح زفزف [7]
نعجّل للضيفان في المحل بالقرى ... قدورا بمعبوط تمدّ وتغرف [8]
تفرّغ في شيزى كأنّ جفانها ... حياض جبى منها ملاء ونصّف
ترى حولهنّ المعتفين كأنهم ... على صنم في الجاهلية عكّف
وما حلّ من جهل حبى حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنّف
وما قام منّا قائم في نديّنا ... فينطق إلا بالتي هي أعرف
وإني لمن قوم بهم يتّقى العدا ... ورأب الثأى والجانب المتخوف
وأضياف ليل قد نقلنا قراهم ... إليهم فأتلفنا المنايا وأتلفوا [9]
__________
[1] القريع: الفحل، الافال: صغار الابل، يزف: يعدو.
[2] الصلا: الاصطلاء؛ اللبان: الصدر.
[3] يتوسف: يتقشر.
[4] الديوان: النيب.
[5] يصف الصقيع وكيف حطّ على أعالي الشجر (أو أعالي الابل) كالقطن.
[6] ينطف: يعاب.
[7] زفزف: شديدة الهبوب.
[8] المعبوط: المذبوح.
[9] عنى بأضياف الليل الأعداء.
(3/405)

قريناهم المأثورة البيض قبلها ... يثجّ العروق الأزأنيّ المثقف [1]
ولا نستجمّ الخيل حتى نعيدها ... غوائم من أعدائنا وهي زحّف
كذلك كانت خيلنا مرة ترى ... سمانا وأحيانا تقاد وتعجف
عليهنّ منا الناقصون ذحولهم ... فهنّ بأعباء المنية كنّف
وجدنا أعزّ الناس أكثرهم حصى ... واكرمهم من بالمكارم يعرف
وكلتاهما فينا إلى حيث تلتقي ... عصائب لاقى بينهنّ المعرّف [2]
ولا عزّ إلا عزّنا قاهر له ... ويسألنا النّصف الذليل فينصف
ومنا الذي لا ينطق الناس عنده ... ولكن هو المستاذن المتنصّف [3]
تراهم قعودا حوله وعيونهم ... مكسّرة أبصارها ما تصرّف [4]
«1086» - المتوكل الليثي: [من الكامل]
ولقد علمت لو ان علمك نافع ... وأتاك ما يتحدّث الأكفاء
أنّي من الحيّ الذين حصونهم ... زرق الأسنّة والحصون فضاء
والعاطفين على المصاف إذا دعا ... حتى تنفس والرماح رواء
قد يعلم الأقوام غير تنحّل ... أنا نجوم فوقهم وسماء
إنا أناس نستثير جدودنا ... ويموت أقوام وهم أحياء
__________
[1] المأثورة: السيوف، الأزأني: اليزني (وهو الرمح) .
[2] المعرّف: عرفات.
[3] المتنصف: الذي له خدم.
[4] سقط هذا البيت من م.
(3/406)

«1087» - وقال [1] رؤبة بن العجاج: [من الرجز]
اذا تميم زخرت تدفّع ... كالبحر يزفيه العباب المترع
عاذوا بأحلام لهم فأوسعوا ... وما افترشنا أرض قوم أمرعوا
إلا تركنا أرضهم تصدّع ... كأننا فيها الجراد الجوّع
تصدع- بصاد غير معجمة- النبت إذا هاج [2] .
«1088» - وقال القليب المنقري: [من الرجز]
أنا أبو الليل إذا ادلهمّا ... فرعت كعبا وذراها الشمّا
قد ذاقنا الناس فذاقوا سما
«1089» - علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي: [من الطويل]
لقد فاخرتنا من قريش عصابة ... بمطّ خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا الفخار قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصّوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا ... عليهم جهير الصوت من كلّ جامع
«1090» - وقال أيضا [3] : [من البسيط]
__________
[1] وقال: سقطت من س
[2] هذا الشرح سقط من س.
[3] س: وله.
(3/407)

إني وقومي من أنساب قومهم ... كمسجد الخيف من بحبوحة الخيف
ما علّق السيف منا بابن عاشرة ... إلّا وهمّته أمضى من السيف
[التناوب بين الأخبار والأشعار]
«1091» - فاخر أسماء بن خارجة رجلا فقال: أنا ابن أشياخ الشرف، فقال له ابن مسعود: كذبت، ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أولئك أشياخ الشرف ليسوا بآبائك.
«1092» - قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: بلغني أنك لهجت بقول الشعر، فقال: هو ذاك، فقال: إياك والمدح فانه طعمة الوقاح من الرجال، وإياك والهجاء فانك تحنق به كريما، وتستثير به لئيما، وإياك والتشبيب بالنساء فانك تفضح الشريفة وتعرّ العفيفة، ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأشعار ما تزين به نفسك وتؤدّب به غيرك.
1093- دخل بعض أولاد الزبير رضي الله عنه [1] على محمد بن سليمان فجلس على نمرقته، فاغتاظ من ذلك وقال: من أجلسك ها هنا؟ فقال: صفيّة بنت عبد المطلب، فسكن غضبه.
«1094» - وقال النابغة الجعدي: [من الطويل]
وإنّا لقوم ما نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى تحسب الجوان أشقرا
__________
[1] رضي الله عنه: من م وحدها.
(3/408)

وليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكر أن تعقّرا [1]
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ولما أنشدها لرسول الله صلّى الله عليه وسلم قال له: الى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة، فقال صلّى الله عليه وسلم: أولى لك.
«1095» - قال الفرزدق: [من الطويل]
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يخبطون الليل وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوار من كلّ جانب
إذا آنسوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
رأوا ضوء نار باليفاع تألّقت ... تؤدي إليها كلّ أسغب لا غب
إلى نار ضرّاب العراقيب لم يزل ... له من غراري سيفه خير حالب
«1096» - قال الجاحظ: رأيت رجلا من غنيّ يفاخر رجلا من بني فزارة ثم أحد بني بدر بن عمرو، وكان الغنوي متمكنا من لسانه، وكان الفزاريّ بكيّا، فقال الغنوي: ماؤنا بين الرقم إلى كدا، وهم جيراننا فيه فنحن أقصر منهم رشاء وأعذب ماء، لنا ريف السهول ومعاقل الجبال، وأرضهم سبخة ومياههم أملاح، وأرشيتهم طوال، والعرب تقول: من عزّ بزّ، فبعزّنا غرنا عليهم، وبذلّهم ما رضوا منا بالضّيم. وبنو بدر هم بيت فزارة، وفزارة أشراف قيس.
فقعد الفزاريّ عن حجّته لكنّه طمح بالغنويّ البيان إلى أن قابل بني بدر بقبيلته
__________
[1] سقط هذا البيت من م.
(3/409)

فصار بهم إلى قول الأخطل: [من الطويل]
وقد سرّني من قيس عيلان أنني ... رأيت بني العجلان سادوا بني بدر
«1097» - كتب الحكم بن عبد الرحمن المرواني من الاندلس إلى صاحب مصر يفتخر: [من الطويل]
ألسنا بني مروان كيف تبدّلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منّا تهللت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر
وكتب إليه كتابا يهجوه فيه ويسبّه، فكتب إليه صاحب مصر: أما بعد فانك عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك، والسلام.
«1098» - قال المبرد: حدّثت أنّ أسامة بن زيد قاول عمرو بن عثمان في أمر ضيعة يدّعيها كلّ واحد منهما، فلجّت بينهما الخصومة، فقال عمرو: يا أسامة، أتأنف أن تكون مولاي؟، فقال أسامة: والله ما يسرّني بولائي من رسول الله صلّى الله عليه وسلم نسبك. ثم ارتفعا إلى معاوية فلجّا بين يديه بالخصومة، فتقدّم سعيد بن العاص إلى جنب عمرو فجعل يلقّنه الحجة، فتقدم الحسن إلى جنب أسامة يلقّنه، فوثب عتبة فصار مع عمرو [ووثب الحسين فصار مع أسامة، فقام عبد الرحمن بن أم الحكم فجلس مع عمرو، فقام عبد الله بن العباس فجلس مع أسامة. فقال معاوية] الجليّة عندي؛ حضرت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد أقطع هذه الضيعة أسامة، فانصرف الهاشميون وقد قضى لهم. فقال الأمويون لمعاوية: هلّا إذ كانت هذه القضية عندك بدأت بها قبل التحزب أو أخرتها عن هذا المجلس؟
(3/410)

فتكلّم معاوية بكلام يدفعه بعض الناس.
«1099» - قال إبراهيم بن العباس: [من الطويل]
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... وتغبرّ عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستذمّ دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حقّ فناؤها
«1100» - وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: [من الطويل]
إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... ودافع ضيمي خازم وابن خازم
عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريّا قاعدا غير قائم
[بين اليمنية والقيسية]
110»
- وقال إبراهيم بن العباس: [من الطويل]
وكنّا متى ما نلتمس بسيوفنا ... طوائل ترجعنا وفينا طوائل
ويأمن فينا جارنا وعدوّنا ... ويرقد عنّا في المحول العواذل
نهمّ فتعطينا المنايا قيادها ... وتلقي إلينا ما تكنّ المعاقل
«1102» - كان أبو العبّاس السفاح يعجبه السّمر ومنازعة الرجال بعضهم بعضا، فحضر عنده إبراهيم بن مخرمة الكندي وناس من بلحارث بن كعب،
(3/411)

وكانوا أخواله، وخالد بن صفوان بن الأهتم، فخاضوا في الحديث، وتذاكروا مضر واليمن، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا، وكانت لهم البدأة [1] ولم يزالوا ملوكا وأربابا، ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخرا عن أوّل، منهم النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم عياض صاحب السحر، ومنهم من حمت لحمه الدّبر، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم من يأخذ كلّ سفينة غصبا، وليس من شيء له خطر إلّا إليهم ينسب، من كلّ فرس رائع، وسيف قاطع، أو درع حصينة، أو مجنّ واق، أو حلّة مصونة أو درّة مكنونة، إن سئلوا أعطوا، وان نزل بهم ضيف قروا، لا يبلغهم مكاثر، ولا يطاولهم مفاخر. هم العرب العاربة وغيرهم المستعربة. فقال أبو العباس: ما أظنّ أن التميمي يرضى بقولك، ثم قال: ما تقول أنت يا خالد؟ قال: إن أذنت لي في الكلام وأمّنتني من المؤاخذة [2] تكلّمت.
قال. تكلّم ولا تهب أحدا. فقال: أخطأ المتقحم بغير علم، ونطق بغير صواب. وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة، ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنّة؛ وانهم منّا على منزلتين إن جاوزوا حكمنا قتلوا، وإن حادوا عن قصدنا أكلوا: يفخرون علينا بالنعمانات والمنذرات والقابوسات ونفخر عليهم بخير الأنام، وأكرم الكرام، محمد عليه الصلاة والسلام، ولله المنة به علينا وعليهم، لقد كانوا أتباعه: به عرفوا [3] ، وله أكرموا. فمنا النبيّ المصطفى، ومنّا الخليفة المرتضى، ولنا البيت المعمور، وزمزم والحطيم والمقام، والحجابة والبطحاء وما لا يحصى من المآثر، وليس يعدل بنا عادل، ولا يبلغنا قول قائل، ومنّا الصديق والفاروق وذو النورين والوصيّ والوليّ وأسد الله وسيد الشهداء وذو الجناحين وسيف الله، وبنا عرفوا الدين، وأتاهم اليقين، فمن
__________
[1] الجليس: القرى.
[2] الجليس: الموجدة.
[3] الجليس: عزوا.
(3/412)

زاحمنا زاحمناه، ومن عادانا اصطلمناه. ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال: ألك علم بلغة قومك؟ قال: نعم. قال: فما اسم العين؟ قال: الجحمة [1] . قال: فما اسم السن؟ قال: المبزم [2] . قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنّارة. قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم اللحية؟ قال: الزبّ. قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكتع [3] ، ويقال الصّتع [4] . قال: أفعالم أنت بكتاب الله عزّ وجلّ؟
قال: نعم. قال: فان الله يقول: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا)
(يوسف: 2) وقال: (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)
(الشعراء: 195) وقال (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ)
(إبراهيم: 4) فنحن العرب، والقرآن بلساننا نزل. ألم تر أن الله تعالى قال: (الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ)
(المائدة: 45) ولم يقل: الجحمة بالجحمة.
وقال تعالى: (السِّنَّ بِالسِّنِّ)
ولم يقل: المبزم بالمبزم. وقال: (الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ)
(المائدة: 45) ولم يقل: الصنّارة بالصنارة. وقال: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ)
(البقرة: 19) ولم يقل: شناترهم في صناراتهم. وقال: تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)
(طه: 94) ولم يقل بزبي. وقال: (أَكَلَهُ الذِّئْبُ)
(يوسف: 14) ولم يقل: أكله الكتع. ثم قال خالد: إني أسألك عن أربع خصال، إن أقررت بهنّ قهرت، وان أنكرتهنّ كفرت. قال: ما هنّ؟ قال:
الرسول منا أو منكم؟ قال: منكم، قال: فالقرآن أنزل علينا أو عليكم؟ قال:
عليكم. قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال: فيكم. قال: فالبيت لنا أو لكم؟ قال:
لكم. قال: فاذهب فما كان بعد هؤلاء الخصال فهو لكم. فغلّب أبو العباس خالدا وحباهم جميعا. فقام خالد وهو يقول: ما أنتم إلا سائس قرد، أو دابغ جلد، أو ناسج برد.
__________
[1] اللسان (جحم) : الجحمة: العين بلغة اليمن.
[2] اللسان (بزم) : المبزم: السنّ، وأهل اليمن يسمون السنّ البزم.
[3] اللسان (كتع) : والكتع الذئب بلغة أهل اليمن.
[4] الصتع: حمار الوحش.
(3/413)

[كتاب المنصور إلى محمد النفس الزكية والجواب]
«1103» - كتب المنصور إلى محمد بن عبد الله بن الحسن لما خرج يعرض عليه الأيمان، ويبذل له البذول إن رجع عما عزم عليه، فكتب إليه محمد بن عبد الله بن الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن محمد: أما بعد طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)
(القصص: 1- 6) . وأنا أعرض عليك مثل الذي أعطيتني، فقد تعلم أنّ الحقّ حقّنا، وأنكم طلبتموه بنا، ونهضتم فيه بشيعتنا، وخطبتموه [1] بفضلنا. وإن أبانا عليا عليه السلام كان الوصيّ والامامة فيه [2] ، فكيف ورثتموه دوننا ونحن أحياء، وقد علمتم [3] أنه ليس أحد من بني هاشم يمتّ بمثل فضلنا، ولا يفخر بمثل قديمنا وحديثنا، ونسبنا وسببنا، وإنا بنو أمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم فاطمة بنت عمرو أم أبي طالب في الجاهلية دونكم، وبنو بنته فاطمة في الإسلام من بينكم، فأنا أوسط بني هاشم نسبا، وخيرهم أمّا وأبا، لم تلدني العجم ولم أعرق في [4] أمّهات الأولاد. وان الله تبارك وتعالى لم يزل يختار لنا، فولدني من النبيين أفضلهم محمد صلّى الله عليه وسلم، ومن الصحابة أقدمهم إسلاما، وأوسعهم
__________
[1] الكامل: وخبطتموه.
[2] الكامل: كان الوصي والامام.
[3] الكامل: علمت.
[4] الكامل: ولم تعرق فيّ.
(3/414)

علما، وأكثرهم جهادا، عليّ بن أبي طالب، ومن نسائهم [1] أفضلهنّ، خديجة بنت خويلد، أول من آمن بالله وصلّى القبلة، ومن بناته أفضلهنّ وسيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في دين الاسلام الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة. ثم قد علمت أنّ هاشما ولد عليا مرّتين [عبد المطلب ولد الحسن مرتين] وأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولدني مرتين من قبل جديّ الحسن والحسين. فما زال الله يختار لي حتى في النار [2] فولدني أرفع الناس درجة في الجنة وأهون أهل النار عذابا، فأنا ابن خير الأخيار، وابن، خير الأشرار، وابن خير أهل النار، وابن سيد أهل الجنة. ولك عهد الله إن دخلت في بيعتي أن أؤمنك على نفسك وولدك، وكلّ ما أصبته، إلا حدّا من حدود الله، وحقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك في ذلك، فأنا أوفى بالعهد منك وأحرى بقبول الأمان. فأما أمانك الذي عرضته عليّ فأيّ الأمان هو؟ أأمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله بن علي، أم أمان أبي مسلم، والسلام.
فكتب إليه المنصور: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله [عبد الله] أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله [3] أما بعد، فقد أتاني كتابك وبلغني كلامك، فاذا جلّ فخرك بالنساء، لتضلّ به الجفاة والغوغاء، ولم تجعل [4] النساء كالعمومة، ولا الآباء كالعصبة والأولياء. ولقد جعل الله العمّ أبا وبدأ به على الولد الأدنى فقال جل ثناؤه عن نبيه صلّى الله عليه وسلم (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ)
(يوسف: 38) .
كذا ذكر المبرد وجاءت الرواية، وليست الحجة كما ذكره في هذه الآية لان إسحاق عليه السلام جد يوسف هذا. وانما حجته في قوله سبحانه وتعالى:
__________
[1] الكامل: نسائه.
[2] الكامل: حتى اختار لي في النار.
[3] محمد بن عبد الله: سقط من م.
[4] الكامل: ولم يجعل الله.
(3/415)

(قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ)
[1] (البقرة: 133) . ولقد علمت أنّ الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلّى الله عليه وسلم وعمومته أربعة، فأجابه اثنان أحدهما أبي، وكفر به اثنان أحدهما أبوك. وأما ما ذكرت من النساء وقراباتهنّ فلو أعطين على قدر [2] الأنساب وحقّ الأحساب لكان الخير كلّه لآمنة بنت وهب، لكن الله يختار لدينه من يشاء من خلقه. وأمّا ما ذكرت من فاطمة أمّ أبي طالب فان الله لم يهد أحدا من ولدها إلى الاسلام، ولو فعل لكان عبد الله ابن عبد المطلب أولاهم بكلّ خير في الآخرة والأولى، وأسعدهم بدخول الجنّة غدا. لكنّ الله أبى ذلك فقال تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ)
(القصص: 56) . وأما ما ذكرت من فاطمة بنت أسد أمّ علي بن أبي طالب عليه السلام، وفاطمة أمّ [الحسن و] الحسين، وأن هاشما ولد عليا مرتين، وأن عبد المطلب ولد الحسن مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يلده هاشم إلا مرة واحدة. ولم يلده عبد المطلب إلا مرة واحدة. وأما ما ذكرت من أنك ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فان الله جلّ ثناؤه أبى ذلك فقال تعالى:
(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)
(الأحزاب: 40) ولكنكم بنو بنته، وانها لقرابة قريبة، غير أنها امرأة لا تحوز الميراث ولا يجوز أن تومّ. فكيف تورث الامامة من قبلها، ولقد طلبها [3] ابوك بكلّ وجه، فأخرجها [4] تخاصم على ميراثها [5] فلم يحصل لها شيء، ثم إنها مرضت [6] ومرّضها سرا ودفنها ليلا. وأبى الناس إلا تقديم الشيخين. ولقد حضر
__________
[1] لم ترد الآية الاولى في الكامل، ووردت الثانية فقط. ولعلّ هذا اتباعا للتعليق الذي أورده ابن حمدون أو ما يشبهه.
[2] الكامل: قرب.
[3] الكامل: طلب بها.
[4] م: وان فاطمة أخرجها.
[5] على ميراثها: لم ترد في س والكامل.
[6] فلم يحصل ... مرضت: سقط هذا من س والكامل.
(3/416)

أبوك وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأمر بالصلاة غيره ثم أخذ الناس رجلا رجلا فلم يأخذوا اباك فيهم. ثم كان في أصحاب الشّورى فكلّ دفعه عنها: بايع عبد الرحمن عثمان، وقبلها عثمان، وحارب أباك طلحة والزبير ودعا سعدا إلى بيعته فأغلق بابه [1] دونه، ثم بايع معاوية بعده، وأفضى امر جدّك إلى أبيك الحسن، فسلّمه إلى معاوية بخرق ودراهم وأسلم في يديه شيعته، وخرج إلى المدينة فدفع الأمر إلى غير أهله، واخذ مالا من غير حلّه، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه. فأما قولك إن الله اختار لك في الكفر [2] فجعل أباك أهون أهل النار عذابا فليس في الشرّ خيار ولا من عذاب الله هيّن، ولا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفتخر بالنار. وسترد فتعلم (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)
(الشعراء: 227) . فأمّا قولك إنه لم تلدك العجم ولم تعرق فيك أمّهات الأولاد، وأنك أوسط بني هاشم نسبا وخيرهم أمّا وأبا، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طرا وقدّمت نفسك على من هو خير منك أوّلا وآخرا وأصلا وفصلا: فخرت على إبراهيم ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم [وعلى والده ولده] فانظر ويحك أين تكون من الله غدا. وما ولد فيكم مولود بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أفضل من عليّ بن الحسين وهو لأمّ ولد [ولقد كان خيرا من جدك حسن بن حسن؛ ثم ابنه محمد بن علي خير من أبيك، وجدته أم ولد] ثم ابنه جعفر بن محمد وهو خير منك.
ولقد علمت أن جدّك عليا حكّم حكمين وأعطاهما عهده وميثاقه على الرضى بما حكما به، فاجتمعا على خلعه، ثم خرج عمك الحسين بن عليّ على ابن مرجانة فكان الناس الذين معه عليه حتى قتلوه. ثم أتوا بكم على الأقتاب بغير أوطية كالسّبي المجلوب إلى الشام. ثم خرج منكم غير واحد فقتلكم بنو أمية وحرقوكم بالنيران وصلبوكم على جذوع النخل حتى خرجنا عليهم فأدركنا بثاركم
__________
[1] م: الباب.
[2] م: في الأمر.
(3/417)

إذ لم تدركوه، ورفعنا أقداركم وورّثناكم أرضهم وديارهم بعد أن كانوا يلعنون أباك في أدبار الصلوات المكتوبة كما تلعن الكفرة، فعنّفناهم وكفّرناهم وبينّا فضلكم وأشدنا بذكركم، فاتخذت ذلك حجة علينا، وظننت انا لما ذكرنا من فضل علي أنا قدّمناه على حمزة والعباس وجعفر، كل أولئك مضوا سالمين مسلّما منهم، وابتلي ابوك بالدماء. [1]
ولقد علمت ان مآثرنا في الجاهلية من سقاية الحجيج الأعظم وولاية زمزم، كانت للعباس دون إخوته، فنازعنا فيها أبوك إلى عمر، فقضى لنا عمر عليه.
وتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وليس من عمومته واحد حيّ إلا العباس فكان وارثه دون بني عبد المطلب. وطلب الخلافة غير واحد من بني هاشم فلم ينلها إلا ولده، فاجتمع للعباس أنه أبو رسول الله صلّى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وبنوه القادة الخلفاء، فقد ذهب بفضل القديم والحديث. ولولا أنّ العباس أخرج إلى بدر كرها لمات عمّاك طالب وعقيل جوعا أو يلحسان جفان عتبة وشيبة، فأذهب عنهما العار والشنار. ولقد جاء الاسلام والعباس يمون أبا طالب للأزمة التي أصابتهم [ثم] فدى عقيلا يوم بدر، فقد منّاكم في الكفر وفديناكم [في الاسلام] من الأسر، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وحزنا شرف الآباء، وأدركنا من ثأركم ما عجزتم عنه، ووضعناكم حيث لم تضعوا انفسكم؛ [والسلام] .
1104- قالوا: قدم الزبير بن عبد المطلب من إحدى الرحلتين، فبينا رأسه في حجر وليدة له وهي تدري لمّته إذ قالت: ألم يرعك الخبر؟ قال: وما ذاك؟
قالت: زعم سعيد بن العاص أنه ليس لأبطحّي أن يعتمّ يوم عمته، فقال: والله لقد كان عندي ذا حجى، وقد فاض عندي القطر. وانتزع لمّته من يدها وقال:
عليّ بعمامتي الطولى، فأتي بها فلاثها على رأسه وألقى صنيفتها قدّامه وخلفه حتى لطما قدمه وعقبه، وقال عليّ بفرسي، فأتي بها واستوى على ظهرها، ومرّ
__________
[1] م: بالدنيا.
(3/418)

بحرف [1] الوادي كأنه لهيب عرفج، فلقيه سهيل بن عمرو فقال: بأبي أنت وأمي يا أبا الطاهر، ما لي أراك متغير الوجه [2] ؟ قال: أو لم يبلغك الخبر؟ هذا سعيد بن العاص يزعم أنه ليس لأبطحيّ أن يعتمّ يوم عمته. ولم؟ فو الله لطولنا عليهم أظهر من وضح النهار وقمر التمام ونجم الساري. والآن تنتثل كنانتنا فتعجم قريش عيدانها، فتعرف بازل عامنا وثنيانه. فقال له سهيل: بأبي أنت وأمي، فانه ابن عمك، ولن يعيبك شأوه ولن يقصر عنه طولك. وبلغ سعيدا الخبر فارتحل ناقته وأغرز رحله ولجأ الى الطائف، فقيل له: أتريد الجلاء؟ فقال: إني رأيت الجلاء خيرا من الفناء، ومضى قصده.
[وفد بني تميم عند الرسول]
«1105» - قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم وفد بني تميم، وهم سبعون أو ثمانون رجلا، فيهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب وقيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم، وانطلق معهم عيينة بن حصن الفزاري. فلما قدموا المدينة دخلوا المسجد فوقفوا عند الحجرات فنادوا بصوت عال جاف: اخرج يا محمد فقد جئنا لنفاخرك، وجئناك بخطيبنا وشاعرنا. فخرج إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعلى آله، فجلس، فقام الأقرع فقال: والله إنّ مدحي لزين، وإن ذمّي لشين، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ذلك الله عزّ وجلّ. فقالوا: إنّا لأكرم العرب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
فقالوا: إيذن لخطيبنا وشاعرنا. فأذن لهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم وجلس فجلس معه
__________
[1] م: يخرق.
[2] س: بغير وجهك.
(3/419)

الناس، فقام عطارد فقال: الحمد لله الذي له الفضل علينا، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا، وجعلنا أعزّ أهل الشرق، وآتانا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وليس في الناس مثلنا. ألسنا رؤوس الناس وذوي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، ولو نشاء لأكثرنا، ولكنا نستحي من الاكثار فيما خوّلنا الله وأعطانا، أقول هذا فأتوا بقول أفضل من قولنا، وأمر أبين من أمرنا ثم جلس.
فقام ثابت بن قيس بن شماس فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض من خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسع كرسيّه علمه، ولم يقض شيئا إلا من فضله وقدرته، وكان من قدرته أن اصطفى من خلقه رسولا أكرمهم حسبا، وأصدقهم حديثا، وأحسنهم رأيا، فأنزل الله عليه كتابه وأئتمنه على خلقه، وكان خيرة الله من العالمين. ثم دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الايمان فأجابه من قومه وذوي رحمه المهاجرون أكرم الناس أنسابا، وأصبح الناس وجوها، وأفضل الناس أفعالا. ثم كان أول من اتبع رسول الله صلّى الله عليه وسلم من العرب واستجاب له نحن معاشر الأنصار. فنحن أنصار الله ووزراء رسول الله صلّى الله عليه وسلم نقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن آمن بالله ورسوله منع منّا ماله ودمه، ومن كفر بالله ورسوله صلّى الله عليه وسلم جاهدناه في الله وكان جهاده علينا يسيرا. أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات.
[حكايات وأشعار في الفخر]
فقام الزبرقان فقال: [من البسيط]
نحن الملوك [1] فلا حيّ يقاربنا ... منّا الملوك وفينا توجد الرفع [2]
تلك المكارم حزناها مقارعة ... إذا الملوك على أمثالها قرعوا [3]
كم قد قسرنا من الأحياء كلّهم ... عند النهاب وفضل العزّ يتّبع
__________
[1] السيرة: الكرام.
[2] السيرة: تنصب البيع.
[3] لم يرد هذا البيت في السيرة.
(3/420)

وننحر الكوم عبطا في منازلنا ... للنازلين إذا ما استطعموا [1] شبعوا
ونحن نطعم عند القحط ما أكلوا ... من العبيط إذا لم تظهر القزع
وتبصر الناس تأتينا سراتهم ... من كلّ أوب فنمضي ثم نتبع [2]
فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى حسان فجاءه، فأمره أن يجيبه فقال:
[من البسيط]
إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سنّة للناس تتّبع
يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا [3]
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
إن كان في الناس سبّاقون بعدهم ... فكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق يوما [4] شرّها البدع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفّهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
أعفّة ذكرت في الوحي عفّتهم ... لا يطمعون [5] ولا يزري بهم طمع
ولا يضنّون عن جار [6] بفضلهم ... ولا يمسّهم من مطمع طبع
يسمون للحرب تبدو وهي كالحة ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفرحون [7] إذا نالوا عدوّهم ... وإن أصيبوا فلا حزن ولا جزع [8]
__________
[1] السيرة: أنزلوا.
[2] السيرة: من كل أرض هويا ثم نصطنع.
[3] السيرة: وكل الخير يصطنع.
[4] السيرة: فاعلم.
[5] السيرة: يطبعون.
[6] السيرة: لا يبخلون على جار.
[7] السيرة: يفخرون.
[8] السيرة: فلا خور ولا هلع.
(3/421)

كأنهم في الوغي والموت مكتنع ... أسود بيشة [1] في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتى عفوا فإن غضبوا ... فلا يكن همّك الأمر الذي منعوا
أكرم بقوم رسول الله قائدهم [2] ... إذا تفرّقت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره ... في ما أراد لسان حائك صنع
وانهم أفضل الأحياء كلّهم ... إن جدّ بالناس جدّ القول أو سمعوا [3]
فقام حاجب بن عطارد فقال [4] : [من الطويل]
أتيناك كي ما يعلم الناس فضلنا ... إذا اجتمعوا وقت [5] احتضار المواسم
بأنّا فروع الناس في كلّ موطن ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
فقام حسان فقال [6] : [من الطويل]
منعنا رسول الله من غضب له [7] ... على أنف راض من معدّ وراغم
هل المجد إلا السؤدد الفرد [8] والنّدى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
فقال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى له. والله لشاعره أشعر من شاعرنا، ولخطيبه أفهم من خطيبنا، وأصواتهما أرفع من أصواتنا. أعطني يا محمد، فأعطاه، فقال: زدني، فزاده، فقال: اللهم إنه سيد العرب.
ونزل فيهم (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)
__________
[1] السيرة: أسد بحلية.
[2] السيرة: شيعتهم.
[3] السيرة: شمعوا.
[4] نسب هذا الشعر في السيرة للزبرقان.
[5] السيرة: اذا احتفلوا عند.
[6] ديوان حسان: 109.
[7] السيرة: نصرنا وآوينا النبي محمدا.
[8] السيرة: العود.
(3/422)

(الحجرات: 4) ثم إن القوم أسلموا، وأقاموا عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم يتعلّمون القرآن ويتفقهون في الدين. ثم أرادوا الخروج إلى بيوتهم فأعطاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وكساهم وقال: أما بقي منكم أحد؟ وكان عمرو بن الأهتم في ركابهم، فقال قيس بن عاصم، وهو من رهطه، وكان مشاحنا له: لم يبق منا إلا غلام حديث السنّ في ركابنا، فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم.
«1106» - سابّ رجل من بني عبس عنترة بن شداد، فذكر سواده وسواد أمّه واخوته وعترته، فقال عنترة: والله إنّ الناس ليترافدون بالمطعم [1] ، فوالله لما حضرت مرفد الناس لا أنت ولا أبوك ولا جدّك قط. وإن الناس ليدعون إلى الفزع فما رأيناك في خيل قط ولا كنت إلا في أوائل النساء. وإن الّلبس- يعني الاختلاط- ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أحد من أهلك خطّة فصل قطّ.
وكنت فقعا بقرقر. ولو كنت في مرتبتك أو مغرسك الذي أنت فيه ثم ماجدتك لمجدتك، أو طاولتك لطلتك، ولو سألت أمّك وأباك هذا لأخبراك. وإني لأحضر الوغي، وأوفي المغنم، وأعفّ عند المسألة، وأجود بما ملكت، وأفصل الخطة الصّمعاء. فقال له الآخر: أنا أشعر منك، فقال له: ستعلم. وكان عنترة لا يقول من الشعر إلا البيت والبيتين في الحرب فقال قصيدته [2] : [من الكامل]
هل غادر الشّعراء من متردّم
وزعموا أنها أول قصيدة قالها، والعرب تسميها المذهبة.
«1107» - دخل العجاج على عبد الملك بن مروان فقال له: يا عجاج، بلغني
__________
[1] شرح السبع: بالعطية.
[2] م: قصيدة وهي.
(3/423)

أنّك لا تقدر على الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية أمكنه تقويض الأخبية. قال: فما يمنعك منه؟ قال: إنّ لنا عزّا يمنعنا من أن نظلم، وإن لنا حلما يردعنا عن أن نهضم، فعلام الهجاء؟ قال: لكلامك أشعر من شعرك، فأيّ عزّ لك يمنعك من أن تظلم؟ قال: الأدب البارع والفهم الناصع. قال: فما الحلم الذي يردعك أن تظلم؟ قال: الأدب المستطرف والطبع التالد. قال: يا عجاج، لقد أصبحت حكيما. قال: ما يمنعني وأنا نجيّ أمير المؤمنين؟
«1108» - قال الحكم بن عبدل: [من الطويل]
وإني لأستغني فما أبطر الغنى ... وأعرض ميسوري لمن يبتغي قرضي
وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
ولست بذي وجهين في من عرفته ... ولا البخل فاعلم من سمائي ولا أرضي
1109- وفي ما يروى للوليد بن عبد الملك على أنه كان مشهورا باللحن:
[من الكامل]
ولقد قضيت وإن تجلّل لمتي ... شيب على رغم العدا لذّاتي
من كاعبات كالدّمى ومناصف ... ومراكب للصيد والنشوات
في فتية تأبى الهوان وجوههم ... شمّ الأنوف جحاجح سادات
إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها ... أو يطلبوا لا يدركوا بترات
«1110» - وقال أبو النجم العجلي: [من الكامل]
والخيل تسبح بالكماة كأنّها ... طير تمطّر في ظلال عماء
(3/424)

يخرجن في رهج دوين ظلاله ... مثل الجنادب من حصى المعزاء
يلفظن من عجم الشكيم وعضّه ... زبدا خلطن بياضه بدماء
كم من كريمة معشر أيّمنها ... وتركن صاحبها بدار ثواء
إنّ الأعادي لن تنال قديمنا ... حتى تنال كواكب الجوزاء
كم في لجيم من أغرّ كأنّه ... صبح يشقّ طيالس الظلماء
بحر يكلّل بالسديف جفانه ... حتى يموت شمال كلّ شتاء
ومحرّب خضل البنان إذا التقى ... زحف محاترة الصدور ظماء
إنا وجدّك لا يكون سلاحنا ... حجر الاكام ولا عصا الطرفاء
نأوي إلى حلق الحديد وقرّح ... قبّ تشوّف نحو كلّ دعاء
تلكم مراكبنا وفوق كماتنا ... بيض الغضون سوابغ الأثناء
قدّرن من حلق كأنّ شعاعها ... ثلج يطيش على متون نهاء
تحمي الرماح لنا حمانا كلّه ... ونبيح بعد مسارح الأحياء
إن السيوف تجيرنا ونجيرها ... كلّ يجير بعزة ووفاء
إنّا لنعمل في الرءوس سيوفنا ... عمل الحريق بيابس الحلفاء
«1111» - وقال بشار بن برد: [من الطويل]
إذا نحن صلنا صولة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرى منبر صلّى علينا وسلّما
«1112» - الفرزدق: [من الطويل]
لقد علمت أفناء خندف أننا ... ذراها وأنّا عزّها وسنامها
(3/425)

وقد علم الأحياء من كلّ موطن ... إذا عدّت الأحياء أنّا كرامها
وأنا إذا الحرب العوان تضرّمت ... تليها إذا ما الحرب شبّ ضرامها
الى الله تشكو عزّنا الأرض فوقها ... وتعلم أنّا ثقلها وغرامها
شكتنا إلى الله العزيز فأسمعت ... قريبا وأعيا من سواه كلامها
نصول بحول الله في الأمر كلّه ... إذا قيل [1] من مصدوعة ما التئامها
«1113» - لما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق قدمها منه أشدّ خلق الله عصبية على نزار. قال لبطة بن الفرزدق: فلبس أبي من صالح ثيابه وخرج يريد السلام على خالد، فقلت له: يا أبت، إنّ هذا الرجل يمان، وفيه من العصبية ما قد علمت، فإن دخلت إليه فأنشده مديحك لأهل اليمن لعلّ الله أن يأتيك منه بخير، فإنك قد كبرت عن الرحلة. فجعل لا يردّ عليّ شيئا حتى دفعنا إلى البوّاب، وأذن له، فدخل وسلم فاستجلسه ثم قال: إيه يا أبا فراس، أنشدنا مما أحدثت، فأنشده: [من البسيط]
يختلف الناس ما لم نجتمع لهم ... ولا خلاف إذا ما استجمعت مضر
فينا الكواهل والأعناق تقدمها ... فيها الرءوس وفيها السمع والبصر
ومن يمل يملأ المأثور قلته ... بحيث يلقى حفافي رأسه الشعر
أما الملوك فإنا لا نلين لهم ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
ثم قام. فلما خرجنا قلت له: أهكذا أوصيتك؟ فقال: اسكت لا أمّ لك فما كنت قط أملأ لقلبه منّي الساعة.
__________
[1] الديوان: خيف.
(3/426)

«1114» - ودخل الفرزدق على بعض خلفاء بني مروان [1] ففاخره قوم من الشعراء، فأنشأ يقول: [من البسيط]
ما حملت ناقة من معشر رجلا ... مثلي إذا الريح القتني على الكور
أعزّ قوما وأوفى عقد مكرمة ... معظم من دماء القوم مشهور
فقال له الخليفة: إيه، فقال:
إلّا قريشا فإنّ الله فضّلها ... على البريّة بالإسلام والخير
تلقى وجوه بني مروان تحسبها ... عند اللقا مشرقات كالدنانير
ففضله عليهم ووصله.
[يزيد بن شيبان والشيخ المهري]
«1115» - خرج يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة حاجا فرأى حين شارف البلد شيخا يحفّه ركب على إبل عتاق برحال ميس ملبسة أدما قال:
فعدلت إليهم فسلّمت عليهم وبدأت به فقلت: من الرجل؟ ومن القوم؟ فأرمّ [2] القوم ينظرون إلى الشيخ هيبة، فقال الشيخ: رجل من مهرة بن حيدان بن عمران [3] بن الحاف ابن قضاعة، فقلت: حياكم الله، وانصرفت. فقال الشيخ:
قف أيها الرجل، نسبتنا فانتسبنا لك ثم انصرفت ولم تكلّمنا، قلت: ما أنكرت سوءا ولكني ظننتكم من عشيرتي، فأناسبكم فانتسبتم نسبا لا أعرفه ولا أراه يعرفني. قال: فأماط [4] الشيخ لثامه وحسر عمامته وقال: لعمري لئن كنت من
__________
[1] بني أميّة.
[2] م: فأومى.
[3] القالي: عمرو.
[4] س والقالي: فأمال.
(3/427)

جذم من أجذام العرب لأعرفنّك، قلت: فإني من أكرم أجذامها. قال: فإن العرب بنيت على أربعة أركان: مضر وربيعة واليمن وقضاعة، فمن أيهم أنت؟
قلت: من مضر، قال: أمن الأرحاء أم من الفرسان؟ فعلمت أن الأرحاء خندف والفرسان قيس، قلت: من الأرحاء. قال: فاذن أنت من خندف، قلت:
أجل، قال: فمن الأرنبة أنت أم من الجمجمة؟ فعلمت أنّ الأرنبة مدركة وأن الجمجمة طابخة، فقلت: من الجمجمة. قال: فأنت إذن من طابخة. قلت:
أجل. قال: فمن الصميم أم من الوشيظ؟ فعلمت أنّ الصميم تميم والوشيظ الرباب. قلت: من الصميم. قال: فاذن أنت من تميم. قلت: أجل. قال:
أفمن الأكرمين أم من الأحكمين [1] أم من الأقلين؟ فعلمت أن الأكرمين زيد مناة، وأن الأحكمين عمرو بن تميم، وأن الأقلين الحارث بن تميم قلت: من الأكرمين. قال: فأنت إذن من زيد مناة. قلت: أجل. قال. أفمن الجدود أم من البحور أم من الثماد؟ فعلمت أن الجدود مالك، وأن البحور سعد، وأن الثماد بنو امرىء القيس بن زيد مناة. قلت: من الجدود. قال فأنت إذن من بني مالك. قلت: أجل. قال: أفمن الذرى أم من الأرداف؟ فعلمت أن الذرى.
حنظلة، وأن الأرداف ربيعة ومعاوية، وهما الكردوسان. قلت: فمن الذرى.
قال: فأنت إذن من حنظلة. قلت: أجل. قال: أمن البدور أم من الفرسان أم من الجراثيم؟ فعلمت أن البدور مالك وأن الفرسان يربوع وأن الجراثيم البراجم.
قلت: من البدور. قال: فأنت إذن من مالك بن حنظلة. قلت: أجل. قال:
أفمن الأرنبة أم من اللحيين أم من القفا؟ فعلمت أن الأرنبة دارم، وأن اللحيين طهية والعدوية، وأن القفا ربيعة بن حنظلة. قلت: من الأرنبة. قال: فأنت إذن من دارم. قلت: أجل. قال: أفمن اللباب أم من الهضاب أم من الشهاب؟
فعلمت أن اللباب عبد الله، وأن الهضاب مجاشع، وأن الشهاب نهشل. قلت:
__________
[1] القالي: الأحلمين.
(3/428)

من اللباب. قال: أنت إذن من بني عبد الله. قلت: أجل. قال: أفمن البيت أم من الزوافر؟ فعلمت أن الزوافر الأحلاف، وأن البيت بنو زرارة. قلت: من البيت. قال فإذن أنت من بني زرارة. قلت: أجل. قال: فإن زرارة ولد عشرة:
حاجبا ولقيطا وعلقمة ومعبدا وخزيمة ولبيدا [1] وأبا الحارث وعمرا وعبد مناة [2] ومالكا، فمن أيهم أنت؟ قلت: من بني علقمة. قال: فإن علقمة ولد شيبان لم يلد غيره، فتزوج شيبان ثلاث نسوة: مهدد بنت حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد فولدت له زيدا [3] ، وتزوج عكرشة بنت حاجب بن زرارة بن عدس فولدت له المأمور، وتزوج عمرة بنت بشر بن عمرو بن عدس فولدت له المقعد، فلأيتهن أنت؟ قلت: لمهدد. قال: يا ابن أخي [4] ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلّا كنت في أفضلهما حتى زاحمك أخواك، فإنهما أن تلدني أما هما أحبّ إليّ من أن تلدني أمك. يا ابن أخي أتراني عرفتك؟ قلت: إي وأبيك وأيّ معرفة.
«1116» - أتت عمرة [5] بنت معاوية أباها مراغمة لزوجها عمرو بن عثمان، فقال: ما لك يا بنية؟ أطلّقك زوجك؟ قالت: الكلب أضنّ بشحمته ولكنه فاخرني، فكلّما ذكر رجلا من قومه ذكرت رجلا من قومي حتى عدّ ابني منه، فوددت أن بيني وبينه البحر الأخضر. فقال معاوية: يا بنية آل أبي سفيان أقلّ حظا في الرجال من أن تكوني رجلا.
__________
[1] م: وأسيدا.
[2] م: وعبد مناف.
[3] القالي: يزيد.
[4] هنا وقع سقط في س حتى آخر الفقرة رقم: 1140.
[5] القالي: رملة.
(3/429)

«1117» - قال أبو عبيدة: كان قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي بالعراق وسنة إلى الحارث ابن أبي شمر الغسّانيّ بالشام، فقال له الحارث: يا ابن رفاعة، بلغني أنك تفضّل النعمان عليّ، قال: وكيف أفضّله عليك أبيت اللعن؟
فو الله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمّك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من بذله [1] ، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أغزر من غديره، ولكرسيّك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمدّ من حوله، ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعزّ من جنده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لخم الكثيري النّوك، فكيف أفضّله عليك؟.
[الأنصار ودغفل النسابة]
«1118» - وقف جماعة من الأنصار على دغفل النسّابة بعد ما كفّ فسلّموا عليه فقال: من القوم؟ قالوا: سادة اليمن. فقال: أهل مجدها القديم، وشرفها العميم كندة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الطوال قصبا، الممحضون نسبا، بنو عبد المدان؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أقودها للزحوف، وأخرقها للصفوف، وأضربها بالسيوف، رهط عمرو بن معديكرب؟ قالوا:
لا. قال: فأنتم أحضرها قراء [2] ، وأطيبها فناء وأشدّها لقاء، رهط حاتم بن عبد الله؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الغارسون للنخل، المطعمون في المحل، والقائلون بالعدل، الأنصار؟ قالوا: نعم.
__________
[1] القالي: نداه.
[2] م: قرى؛ والقراء (بفتح القاف) بمعناه.
(3/430)

«1119» - وفخر أعرابي بقومه فقال: كانوا والله إذا اصطفّوا تحت القتام، خطرت [1] بينهم السهام، بشؤبوب الحمام. وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها [2] . فربّ قرن عارم قد أحسنوا أدبه، وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنّتهم، وخطب شئز [3] قد ذلّلوا مناكبه، ويوم عماس قد كشفوا ظلمته بالصّبر حتى ينجلي. إنما كانوا كالبحر الذي لا ينكش غماره، ولا ينهنه تيّاره.
الشئز: القلق، والعماس: الشديد، وينكش: ينزح.
[عبد الله بن الحجر بن عبد المدان ومعرفته بقومه]
1120- سأل معاوية بعد الاستقامة عبد الله بن الحجر بن عبد المدان، وكان عبد المدان وفد على النبي صلّى الله عليه وسلم فسمّاه عبد الله، فقال معاوية: كيف علمك بقومك؟ قال: كعلمي بنفسي. قال: فما تقول في النّخع؟ قال: مانعو السرب، ومسعّرو الحرب، وكاشفو الكرب. قال: فما تقول في بني الحارث ابن كعب؟ قال: فراجو اللّكاك [4] ، وفرسان العراك، ولزاز العكاك، من براك براك. قال: فما تقول في سعد العشيرة؟ قال: مانعوا الضيم، وبانو الريم [5] ، وشاتو الغيم. قال: فما تقول في جعفيّ؟ قال: فرسان الصباح، ومعلمو الصفاح، ومبارو الرماح. قال: فما تقول في بني أسد؟ قال: كماة الذياد، صبر عند الطّراد. قال: فما تقول في جنب؟ قال: كفاة يمنعون من الحريم، ويفرجون عن الكظيم. قال: فما تقول في صداء؟ قال: سمام الأعداء ومساعر الهيجاء. قال: فما تقول في رهاء؟ قال: ينهون عادية الفوارس، ويردون الموت
__________
[1] زهر: مطرت.
[2] زهر: فغرت أفواهها الحتوف.
[3] زهر: مشمئز.
[4] اللكاك: الزحام.
[5] الريم: الزيادة والفضل.
(3/431)

ورد الخوامس. قال: أنت أعلم قومك بقومك.
[أشعار في الفخر]
«1121» - أبو الأسد: [من الكامل]
وأنا ابن معتلج البطاح يضمّني ... كالدرّ في أصداف بحر زاخر
ينشقّ عنّي ركنها ومقامها ... كالجفن يفتح عن سواد الناظر
كجبالها شرفي ومثل سهولها ... خلقي ومثل ظبائهنّ مجاوري
1122- الزبير بن عبد المطلب: [من الكامل]
إن القبائل من قريش كلّها ... ليرون أنّا هام أهل الأبطح
وترى لنا فضلا على ساداتها ... فضل المنار على الطريق الأوضح
«1123» - المتلمس الضبعي: [من الطويل]
يعيرني أمي رجال ولا أرى ... أخا كرم إلّا بأن يتكرّما
ومن كان ذا عزّ كريم فلم يصن ... له حسبا كان اللئيم المذمما
أحارث لو أنا تساط دماؤنا ... تزايلن حتى ما يمسّ دم دما
أمنتقلا من نصر بهثة خلتني ... ألا إنّنى منهم وإن كنت أينما
ألا إنني منهم وعرضي عرضهم ... كذا الرأس يحمي أنفه أن يكشّما
وإن نصابي إن سألت وأسرتي ... من الناس حيّ يقتنون المزنّما
وكنّا إذا الجبار صعّر خدّه ... أقمنا له من ميله فتقومّا
(3/432)

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلّا ليعلما
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلّا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدّما
فلما استقاد الكفّ بالكفّ لم يجد ... له دركا في أن تثّنى فأجحما
إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي ... فلا بدّ يوما من قوى أن تجذما
إذا ما أديم القوم أنهجه البلى ... تفرّى وإن كتّبته وتخرّما
«1124» - وكانت هنيدة المعروفة بذات الخمار بنت صعصعة عمة الفرزدق تقول: من جاءت من نساء العرب بأربعة يحلّ لها أن تضع خمارها عندهم كأربعتي: أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي الزبرقان بن بدر، فسمّيت ذات الخمار.
1125- قال الزبير بن بكار: وكان هند بن أبي هالة [يقول] : ان زينب بنت النبي صلّى الله عليه وسلم تقول: أنا أكرم الناس أربعة: أبي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأمّي خديجة، وأختي فاطمة، وأخي القاسم، فهؤلاء الأربعة لا أربعتها [1] .
«1126» - عبيد الله بن الحرّ: [من الطويل]
فإن تك أمّي من نساء أفاءها ... جياد [2] القنا والمرهفات الصفائح
فتبّا لفضل الحرّ إن لم أنل به ... كرائم أولاد [3] النساء الصرائح
__________
[1] الإشارة هنا إلى هنيدة عمة الفرزدق وفخرها في الفقرة السابقة.
[2] القالي: أصابها سباء.
[3] القالي: أبناء.
(3/433)

«1127» - المرثدي بن عتبة التميمي: [من الطويل]
رمى الناس عن قوس تميما ولا أرى ... عداوة من عادى تميما أضرّها
«1128» - عرفطة الأسدي: [من الطويل]
ليهنك بغض في الصديق وظنّة ... وتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه
وأنّك مشنوء إلى كلّ صاحب ... بلاك ومثل الشرّ يكره راكبه
فلم أر مثل الجهل أدنى إلى الردى ... ولا مثل بعض الناس عيّر صاحبه
«1129» - وقال عمر بن لجأ التميمي: [من الكامل]
تهجو النجوم وأنت مقع تحتها ... كالكلب ينبح كلّ نجم مصعد
هيهات حلّت في السماء بيوتهم ... وأقام بيتك بالحضيض الأوهد
«1130» - ذو الرمة: [من الطويل]
وإنّا لحيّ ما تزال جيادنا ... توطّأ أكباد الكماة وتأسر
أبت إبلي أن يعرف الضيم نيبها ... إذا اجتيب للحرب العوان السنوّر
أبى الله إلّا أنّنا آل خندف ... بنا يسمع الصوت الأنام ويبصر
لنا الهامة الكبرى التي كلّ هامة ... وإن عظمت منها أذلّ وأصغر
أنا ابن النبيين الكرام فمن دعا ... أبا غيرهم لا بدّ أن سوف يقهر
لنا الناس أعطاناهم الله عنوة ... ونحن له والله أعلى وأكبر
(3/434)

لنا موقف الداعين شعثا عشيّة ... وحيث الهدايا بالمشاعر تنحر
وكلّ كريم من أناس سوائنا ... إذا ما التقينا خلفنا يتأخّر
هل الناس إلّا نحن أم هل لغيرنا ... بني خندف إلّا العواريّ منبر
ومنا بناة المجد قد علمت به ... معدّ ومنا الجوهر المتخيّر
«1131» - المتنبي: [من الكامل]
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... وإذا نطقت فإنّني الجوزاء
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء
«1132» - وله: [من الطويل]
وإنّي لنجم تهتدي صحبتي به ... إذا حال من دون النجوم سحاب
غنيّ عن الأوطان لا يستخفّني ... إلى بلد سافرت عنه إياب
وأصدى فلا أبدي إلى الماء حاجة ... وللشمس فوق اليعملات لعاب
وللسّتر منّي موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب
وللخود مني ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب
وما العشق إلّا غرّة وطماعة ... يعرّض قلب نفسه فيصاب
«1133» - تفاخر صبيّان في خطّهما إلى الحسن بن سهل فقال لأحدهما:
خطّك تبر مسبوك، وقال للاخر: خطّك وشي محبوك، وقد تسابقتما إلى غاية، فوافيتما إلى نهاية.
(3/435)

«1134» - تفاخر صاحب السيف وصاحب القلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن مثل مراده، وإلا فإلى السيف معاده.
قال البحتري: [من البسيط]
من عادة السيف أن يستخدم القلما
«1135» - وقال المتنبي: [من البسيط]
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
«1136» - وقال ابن الرومي في ضده: [من البسيط]
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنّ السيوف لها مذ أرهفت خدم
«1137» - مدح الرضي أبو الحسن القادر بالله بقصيدة في آخرها مفاخرة:
[من الكامل]
عطفا أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرّق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبدا كلانا في المعالي معرق
إلّا الخلافة ميّزتك فانني ... أنا عاطل منها وأنت مطوّق
(3/436)

«1138» - والبحتري: [من الخفيف]
ذهبت طيّء بسابقة المج ... د على العالمين بأسا وجودا
معشر أمسكت حلومهم الأر ... ض وكادت بعزهم أن تميدا
بوجوه تعشي السيوف [1] ضياء ... وسيوف تعشي الوجوه وقودا
«1139» - أبو تمام: [من الطويل]
أنا ابن الذين استرضع المجد فيهم ... وسمّي فيهم وهو كهل ويافع
نجوم طوالع جبال فوارع ... غيوث هوامع سيول دوافع
مضوا فكأنّ المكرمات لديهم ... لكثرة ما وصّي [2] بهنّ شرائع
إذا خفقت بالبذل أرواح جودهم ... حداها النّدى واستنشقتها المطامع
رياح كريح العنبر المحض في الندى ... ولكنّها يوم اللقاء زعازع
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع
يمدّون بالبيض القواطع أيديا ... وهنّ سواء والسيوف القواطع
«1140» - الموسوي: [من الطويل]
تفرد في العلياء في أهل بيته ... فكل يهاديه إلى المجد والد
وتختلف الأشجار [3] في ثمراتها ... إذا شرقت بالماء [4] والماء واحد
__________
[1] الديوان: العيون.
[2] الديوان: أوصوا.
[3] الديوان: الآمال.
[4] الديوان: بالريّ.
(3/437)

«1141» - آخر: [من البسيط]
لا تزرين بفتى من أن تكون له ... أمّ من الروم أو سوداء دعجاء
فإنما أمهات الناس أوعية ... مستودعات وللأحساب آباء
«1142» - أبو عطاء السندي: [من الكامل]
إنّ الخيار من البرية هاشم ... وبنو أميّة أرذل الأشرار
وبنو أميّة عودهم من خروع ... ولهاشم في المجد عود نضار
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاة النار
وبهاشم زكت البلاد وأعشبت ... وبنو أمية كالسّراب الجاري
«1143» - وقال الرضي: [من المتقارب]
وما الشعر فخري ولكنني ... أطول به همّة الفاخر
أنزّهه عن لقاء الرجال ... وأجعله تحفة الزائر
فما تتهدّى إليه الملو ... ك إلّا من المثل السائر
وإنّي وإن كنت من أهله ... لتنكرني حرفة الشاعر
وما الفخر في أدب ناتج ... يضاف إلى مطلب عاقر
«1144» - وقال أيضا: [من البسيط]
وأين قوم كقومي لو سألتهم ... سوابق الخيل في يوم الوغى نزلوا
(3/438)

كالصخر إن حلموا والنار إن غضبوا ... والأسد إن ركبوا والوبل إن بذلوا
الطاعنين من الجبّار مقتله ... والضاريين ونقع الذيل [1] منسدل
«1145» - وقال أيضا: [من الطويل]
وسائلة عنّي كأني لم أبح ... حمى قومها واليوم بالنّقع مسدف
لئن كنت مجهولا بذلّي في الهوى ... فإني بعزّي عند غيرك أعرف
يفزّع باسمي الجيش ثم يردّني ... إلى طاعة الحسناء قلب مكلّف
لنا الدولة الغراء ما زال عندها ... من الجور واق أو من الظلم منصف
بعيدة صوت في العلا غير رافع ... بها صوته المظلوم والمتحيّف
«1146» - وقال أيضا: [من الطويل]
أنا ابن الأولى إما دعوا يوم معرك ... أمدّوا أنابيب القنا بالمعاصم
إذا نزلوا بالماحل استنبتوا الرّبى ... وكان نتاجا للبطون [2] العقائم
قروا في حياض المجد واستذرعوا القنا ... إلى نيل أعناق الملوك القماقم
وما منهم إلا امرؤ شبّ ناشئا ... على نمطي بيضاء من آل هاشم
فتى لم تورّكه الإماء ولم تكن ... أعاريبه مدخولة بالأعاجم
إذا همّ أعطى نفسه كلّ منية ... وقعقع أبواب الأمور العظائم
وما اتخذوا إلا الرماح سرادقا ... ولا استنوروا إلا بضوء اللهاذم
وما فيهم من يقسم القوم أمره ... ولا ضارع ينقاد طوع الحزائم
__________
[1] الديوان: وذيل النقع.
[2] س: العظائم.
(3/439)

ولا واهن [1] إن عضّه الأمر هابه ... وألقى مقاليد الذليل المسالم [2]
لنا عفوات الماء من كلّ منهل ... موارد آساد العرين الضراغم
لويت إلى ودّ العشيرة جانبي ... على عظم داء بيننا متفاقم
ونمت عن الأضغان حتى تلاحمت ... جوائف هاتيك الندوب القدائم
وأوطأت أقوال الوشاة أخامصي ... وقد كان سمعي مدرجا للنمائم
وسالمت لما طالت الحرب بيننا ... إذا لم تظفّرك الحروب فسالم
وقد كنت أصميهم بعوج [3] نوافذ ... تئنّ لها الأعراض يوم الخصائم
صوائب من نبل العداوة لم تزل ... تعطّ قلوبا من وراء الحيازم
قضيت بهم حقّ الحفائظ مدّة ... ولا بدّ أن أقضي حقوق المكارم
تورّد ذكري كلّ نجد وغائر ... وألجم خوفي كلّ باغ وظالم
وهدّد بي الأعداء في المهد لم يحن ... نهوضي ولم أقطع عقود تمائمي
وعندي يوم لو يزيد ومسلم ... بدا لهما لاستقصرا [4] يوم واقم
على العزّ مت لا ميتة مستكينة ... تزيل عن الدنيا بشمّ المراغم
وخاطر على الجلّى خطار ابن حرّة ... وإن زاحم الأمر العظيم فزاحم
«1147» - وقال أيضا: [من الهزج]
لنا كلّ غلام هم ... مه أن يرد الحينا
يخال موفّيا نذرا ... به أو قاضيا دينا
__________
[1] س: ضارع.
[2] س: المساهم.
[3] الديوان: بعور.
[4] س: والديوان: لاستصغرا.
(3/440)

حديد السّمع في حيث ... تكون الأذن العينا
«1148» - وقال يفتخر بقومه: [من الطويل]
من القوم حلّوا في المكارم والعلا ... بملتفّ أعياص الفروع الأطايب
أقاموا بمستنّ البطاح ومجدهم ... مكان النّواصي من لؤيّ بن غالب
بهاليل أزوال تعاج إليهم ... صدور القوافي أو صدور النجائب
عظام المقاري يمطرون نوالهم ... بأيدي مساميح سباط الرواجب
وأضحوا على الأعواد تسمو لحاظهم ... كلمح القطاميّات فوق المراقب
فما شئت من داع إلى الله مسمع ... ومن ناصر للحقّ ماضي الضرائب
تساموا إلى العزّ الممنّع وارتقوا ... من المجد أنشاز الذّرى والغوارب
بحيث ابتنت أمّ النجوم منارها ... وأوفت ربايا الطالعات الثّواقب
لهم ورق من عهد عاد وتبّع ... حديد الظبا إلا انثلام المضارب
فضالات ما أبقى الكلاب وطخفة ... وما أسأر الأبطال يوم الذنائب
بهنّ فلول من وريدي عتيبة ... ونضح نجيع من ذؤاب بن قارب
تقلقل في الأغماد هزلا وخطبها ... جسيم إذا جرّبن بعض التجارب
غدوّا إلى هدم الكواهل والطّلى ... وعودا إلى حذف الذّرى والعراقب
(3/441)

نوادر في الفخر
«1149» - قال رجل: كان أبي الذي قيل له: [من المتقارب]
يقوم القعود إذا أقبلوا
فقال آخر: صدق لأنه كان بين يديه حمل شوك.
«1150» - لما قال إسماعيل بن يسار قصيدته التي يفخر فيها بالفرس على العرب، ومنها: [من الخفيف]
إذ نربّي بناتنا وتدسّو ... ن سفاها بناتكم في التراب
قال له العربي: لأن حاجتنا إلى البنات غير حاجتكم، يعني أنهم ينكحون بناتهم.
«1151» - لما قال مسكين الدارمي يفتخر: [من الكامل المرفّل]
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
قالت امرأته: صدقت لأنها ناره وقدره. ولما قال:
ما ضرّ جارا لي أجاوره ... ألا يكون لبيته ستر
(3/442)

قالت: إن كان له ستر هتكته.
«1152» - قال بعضهم: مررت بجماعة [1] من الكناسين وقد وقفوا على بئر لينقلوها، فقالوا لأحدهم: انزل، فتجرّد ونزل وهو يقول: [من الخفيف]
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النزولا
«1153» - مرّ الفرزدق بالفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وهو يستقي وينشد: [من الرمل]
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدّلو إلى عقد الكرب
فشمر الفرزدق ثيابه عنه وقال: أنا أساجلك، ثقة بنسبه، فقيل له: هذا ابن العباس بن عتبة ابن أبي لهب، فردّ الفرزدق ثيابه عليه وقال، ما يساجلك إلا من عضّ بأير أبيه.
«1154» - أتي العريان بن الهيثم بشابّ سكران، فقال: من أنت؟ فقال:
[من الطويل]
أنا ابن الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى باب داره ... فمنهم جثوم عندها وقعود
فظنّ أنه من أولاد الملوك فأمر بتخلية سبيله، ثم قال لبعض الشّرط: أخرج فاسأل
__________
[1] م: على جماعة.
(3/443)

عن هذا ابن من هو. فسأل عنه فقيل: هو ابن باقلّاني.
1155- قال العتبي: كان يجالسنا فتى من بني الحرماز فقال يوما: نظرت في نسبي فلم أجدني أصابتني هجنة إلا من قبل إبراهيم بن إسماعيل عليهما السلام. فقلنا له: أنت صريح وإسماعيل هجين، فأيكما أشرف؟ قال: فمسح سباله وقال: أما أنا فلا أقول شيئا.
«1156» - تفاخر أسدي وهذلي فرضيا برجل، فقال، إني ما أقضى بينكما إلا أن تجعلا لي عقدا وثيقا ألا تضرباني، فإني لست في بلاد قومي، ففعلا.
فقال: يا أخا بني أسد كيف تفاخر العرب وأنت تعلم أنه ليس حي أحبّ إلى الجيش [1] ولا أبغض إلى الضيف، ولا أقلّ تحت الرايات منكم؟ وأما أنت يا أخا هذيل فكيف تكلّم الناس وفيكم ثلاث خلال: منكم دليل الحبشة على الكعبة، ومنكم خولة ذات النحيين، وسألتم رسول الله أن يحلّ لكم الزنا. ولكن إذا أردتم بيتي مضر فعليكم بهذين الحيّين من تميم وقيس، قوما في غير حفظ الله.
«1157» - قال الجاحظ. أتيت بيت أبي الربيع الغنوي، وكان من أفصح الناس وأبلغهم، ومعي رجل من بني هاشم. فقلت: أبو الربيع هاهنا؟ فخرج إليّ وهو يقول: خرج إليك رجل كريم. فلما رأى الهاشميّ استحيا من فخره بحضرته، فقال: أكرم الناس رديفا وأشرفهم حليفا. فحدثنا مليا ثم نهض الهاشميّ فقلت لأبي الربيع: يا أبا الربيع، من خير الخلق؟ قال: الناس. قلت:
فمن خير الناس؟ قال: العرب. قلت، فمن خير العرب؟ قال: مضر والله.
قلت: فمن خير مضر؟ قال: قيس والله. قلت: فمن خير قيس؟ قال: يعصر
__________
[1] ر: الجليس.
(3/444)

والله. قلت: فمن خير يعصر؟ قال: غنيّ والله. قلت: فمن خير غنيّ؟ قال:
المخاطب لك والله. قلت: فأنت خير الناس؟ قال: اي والله. قلت: أيسرّك أن تحتك ابنة يزيد بن المهلب؟ قال: لا والله. قلت: ولك ألف دينار. قال: لا، والله. قلت: ولك الجنة. فأطرق وقال: على أن لا تلد منّي.
قوله: أكرم الناس رديفا يعني أبا مرثد الغنوي، كان رديف رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وأشرفهم حليفا هو كان حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. ويقال رجل كرم وامرأة كرم، وكذلك كلّ ما يوصف بالمصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكّر والأنثى.
1158- دعا أعرابي عند الكعبة مادّا يده وهو يقول: اللهم إن كنت ترى يدا أكرم منها فاقطعها.
«1159» - مرّ نصر بن سيار الليثي بأبي الهنديّ وهو غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي، وهو يميل سكرا فقال: أفسدت شرفك. فقال له أبو الهنديّ: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان.
«1160» - وزعم الأصمعيّ أنه رأى رجلا يختال في أزيّر في يوم قرّ، فقال له: ممن انت يا مقرور؟ قال: أنا ابن الوحيد أمشي الخيزلى ويدفئني حسبي.
1161- وقيل لآخر في مثل هذه الحال [1] : أما يوجعك البرد؟ قال: بلى، ولكنيّ أذكر حسبي فأدفأ.
«1162» - قال بلال بن أبي بردة للهيثم بن أبي الأسود: أنا ابن أحد
__________
[1] م: مثل هذا الباب.
(3/445)

الحكمين. قال: أما أحدهما ففاسق وأما الآخر فمائق، فابن أيهما أنت؟
«1163» - قدم أعرابي على يزيد بن مزيد وهو يتغدّى فقال لأصحابه:
أفرجوا لأخيكم. فقال الأعرابي: لا حاجة بي إلى ذلك، إن أطنابي بحمد الله طوال. فلما جلس وتهيأ ليأكل ضرط، فقال له يزيد، واستضحك: ما أظنّ إلا أن طنبا من أطنابك قد انقطع.
1164- تفاخر بصريّ وبغداديّ، فقال البصريّ للبغدادي: بم تفاخرني؟ فقال له البغدادي: تعال حتى نتناصف، ولا يستعمل منا أحد مع صاحبه البهت. فقال البصريّ: أفعل، فقال له البغداديّ: كيف طعم مائكم؟
قال: فيه أدنى ملوحة. قال: فكيف لونه؟ قال: فيه أدنى خضرة. قال: فكيف ريحه؟ قال: فيه أدنى نتن. قال: فهذه صفة الخرا ببغداد.
«1165» - قال قائل لنصيب: أيها العبد مالك وللشعر؟ فقال: أمّا قولك عبد، فما ولدت إلا وأنا حرّ، لكنّ أهلي ظلموني فباعوني، وأما السواد فأنا الذي أقول: [من الوافر]
فان أك حالكا لوني فاني ... لعقل غير ذي سقط وعاء
وما نزلت بي الحاجات إلّا ... وفي عرضي من الطمع الحياء
«1166» - وقال نصيب أيضا يفتخر ويعتذر عن سواده: [من الكامل]
ليس السواد بناقصي ما دام لي ... هذا اللسان إلى فؤاد ثابت
كم بين أسود ناطق ببيانه ... ماضي الجنان وبين أبيض ساكت
من كان ينفعه منابت أصله ... فبيوت أشعاري جعلن منابتي
(3/446)

إني ليحسدني الرفيع بناؤه ... من فضل ذاك وليس بي من شامت
1167- أخبر أبو الحكم عبد المطلب بن عبد الله بن يزيد [1] بن عبد الملك قال:
والله إني بالعقيق في قصر القاسم بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعندي أشعب وأبو رقيّة وعمر الوادي، إذ دعوت بدينار فوضعته بين يديّ وسبقتهم في دحق، فكان أول من خسق أبو رقية فقال: أنا ابن عامر القاري، أنا ابن أول أعمى تقدم في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ثم خسق أشعب ثم قال: أنا ابن الجلندح؛ أنا ابن المحرّشة بين أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلم. قال أبو الحكم: فقلت له أي أخزاك الله، هل سمعت أحدا قطّ فخر بهذا؟ فقال: وهل فخر أحد بمثل فخري؟ لولا أنّ أمي كانت عند هن ثقة ما قبلن منها حتى تغضب بعضهنّ على بعض.
يقال: دحق يده عن الشيء إذا قبضها، والدحيق: البعيد. وأدحقه الله أبعده. وأدحقت الرحم رمت بالماء فلم تقبله. والدحاق: أن يخرج رحم الأنثى بعد الولادة حتى تموت؛ وهي دحوق. وخسق السهم الهدف أصابه ولم يرتدّ وتعلّق.
«1168» - خرج العجّاج محتفلا. [2] عليه جبّة من خز وعمامة من خزّ، على ناقة له قد أجاد رحلها حتى وقف بالمربد، والناس مجتمعون فأنشدهم قوله:
[من الرجز]
قد جبر الدين إلاله فجبر
فذكر فيها ربيعة وفخر عليهم وهجاهم؛ فجاء رجل من بكر بن وائل إلى أبي النجم العجليّ، وهو في بيته، فقال: أنت جالس وهذا العجاج يهجونا في المربد
__________
[1] س: زيد.
[2] م: مختفيا (اقرأ: محتفيا) ؛ الأغاني: متحفلا.
(3/447)

قد اجتمع عليه الناس؟! فقال: صف لي حاله وزيّه الذي هو عليه، فوصفه له؛ فقال: ابغني جملا طحانا [1] قد أكثر عليه من الهناء، فجاء بالجمل إليه، فأخذ سراويل [2] له فجعل إحدى رجليه في السراويل واتّزر الأخرى وركب الجمل ودفع خطامه إلى من يقوده حتى أتى المربد، فلما دنا من العجاج قال: اخلع خطامه، فخلعه وأنشد: [من الرجز]
تذكّر القلب وجهلا ما ذكر
فجعل الجمل يدنو من الناقة ويتشمّمها ويتباعد عنه العجاج لئلا يفسد ثيابه ورحله القطران، حتى بلغ إلى قوله:
شيطانه أنثى وشيطانى ذكر
فعلق الناس هذا البيت، وهرب العجاج منه.
1169- نزل على رجل من طيء من بني حيّة رجل من بني الحارث بن ذهل ابن شيبان يقال له المكّاء، فذبح له شاة وسقاه من الخمر، فلما سكر الطائي قال: هلّم أفاخرك: أبنو حية أكرم أم بنو شيبان؟ فقال له الشيباني:
حديث حسن ومنادمة كريمة أحبّ إلينا من المفاخرة. فقال الطائي: والله ما مدّ رجل قطّ يدا أطول من يدي. فقال الشيباني: والله لئن رفعتها [3] لأخضبنّها من كوعها، فرفع الطائي يده، فخضبها من كوعها كما قال.
«1170» - قيل لجرير إن الطّرمّاح قد هجا الفرزدق وقد كبر وضعف، فلو أجبت عنه، فقال: صدى الفرزدق يفي بطيء كلّها، وقد أردت ذلك
__________
[1] م: طحانيا.
[2] س م: سراويلا.
[3] س: أعدتها.
(3/448)

فخفت أن يقال: اجتمع فحلا مضر على مخنّث طيء.
«1171» - وقع بين أبي علقمة وبين رجل ندّاف فقال له: لو وضعت يمنى رجليك على حراء، ويسراهما على ثبير، ثم تناولت قوس قزح [1] فندفت له بالغيم على حساب الملائكة [2] ، ما كنت إلّا ندافا.
«1172» - مازح الفرزدق بلال بن أبي بردة فذمّ بلال بني تميم ومدح أبا موسى، فقال الفرزدق: والله لو لم تكن لأبي موسى إلّا فضيلة واحدة لكفته.
قال: وما هي؟ قال: حجامته. فقال بلال: قد فعل ذلك لحاجة رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى ذلك؛ وما فعله قبله ولا بعده، فقال الفرزدق: كان أبو موسى أتقى لله من أن يقدم على نبيه بغير حذق.
«1173» - قال الحجاج بن عبد الملك بن الحجاج بن يوسف: لو كان رجل من ذهب لكنته، قيل: كيف؟ قال: لم تلدني أمة إلى آدم ما خلا هاجر، فقالوا له: لو لاها لكنت كلبا من الكلاب.
«1174» - جندل مولى عديّ بن حاتم يفتخر بأنّه محرّر الرجال دون النساء: [من الطويل]
وما فكّ رقي ذات دلّ خريدة [3] ... ولا أخطأتني غرّة وحجول
نماني إلى العلياء أبيض ماجد ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
__________
[1] س: قوس الله.
[2] فندفت ... الملائكة: سقط من س.
[3] البيان: خبرنج (أي خلق حسن) .
(3/449)

1175- جعفر بن عقاب، وعقاب أمة سوداء: [من الوافر]
وضمّتني العقاب إلى حشاها ... وخير الطير قد علموا العقاب
فتاة من بني سام بن نوح ... سبتها الخيل غصبا والركاب
«1176» - قيل لأبي العيناء: ما تقول في ابني وهب؟ فتلا قوله سبحانه وتعالى: (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ)
(فاطر: 12) 1177- قال سعيد بن سلم: حججنا سنة فبينا أنا أسير على حمار خلف المحامل والقباب والكنايس إذا أنا بأعرابي واقف ينظر إليها وهي تمرّ عليه. فقال لي: لمن هي يا هناه؟ فقلت: لرجل من باهلة. فقال: والله ما رأيت كاليوم قطّ.
ما ظننت أنّ الله يعطي باهليا هذا ولا نصيفه ولا عشيره. فقلت: هل يسرّك أنها لك وأنك من باهلة؟ قال: لاها الله ذا. فناولته صرّة كانت معي فقال: والله لقد وافقت مني حاجة، فقلت: إني من باهلة، فردّها وقال: أكره والله أن ألقى الله ولباهليّ عندي يد. فحدثت الرشيد فضحك وقال: ما أصبرك يا سعيد.
«1178» - قيل لأبي عبيدة: إن الأصمعيّ قال: بينا أبي يساير سلم بن قتيبة على فرس له، فقال أبو عبيدة: سبحان الله! المتشّبع بما ليس عنده كلابس ثوبي زور، والله ما ملك أبوه دابّة إلا في ثوبه.
1179- رؤي رجل في نظارة السباق، وقد سبق فرس، وهو يظهر النشاط وفرط سرور وابتهاج، فقيل: أهو لك؟ فقال: لا، ولكن لجامه لي.
«1180» - قال سقراط لرجل عيّره بحسبه: حسبي مني ابتدأ وحسبك
(3/450)

إليك انتهى.
«1181» - وقال آخر: قومي عار عليّ وأنت عار على قومك.
«1182» - وطعن في حسب رجل فقال: لأن يكون حسبي عيبا عليّ أصلح من أن أكون عيبا على حسبي.
«1183» - وقيل: لأن يكون الرجل شريف النفس دنيء الأصيل أفضل من أن يكون دنيء النفس شريف الأصل.
«1184» - قيل لرجل من ولد بشر بن مروان، وكان مأبونا، إن أباك كان سهما من سهام المسلمين وسيفا من سيوفهم فقال: وأنا جعبة من جعابهم وغمد لسيوفهم.
«1185» - بعض العبيد الرعاة يفاخر آخر: [من الطويل]
أتبعثني في الشاء وابن مويلك ... على هجمة قد لوّحتها الطبائخ
متى كان عمران الثماليّ راعيا ... وقد راعه بالدوّ أسود سالخ
(3/451)

محتويات الكتاب
الباب السابع في الوفاء والمحافظة والأمانة والغدر والملل والخيانة
5
خطبة الباب 7
أحاديث في الوفاء 8
صور من الوفاء 10
وفاء السموأل 12
وفاء حاجب بن زرارة 14
يوم ذي قار 15
وفاء عبد الملك بن مروان 19
حكايات مختلفة عن الوفاء 20
أعرق العرب في الغدر 24
حكايات في الغدر 25
أشعار في الوفاء 30
حكاية الضيزن صاحب الحضر وبنته 32
جزاء سنمار 33
عمرو بن جرموز والزبير 34
عضل والقارة 35
بنو مفروق 38
الوفاء في النساء 39
وفاء كلب 42
نوادر من هذا الباب 43
(3/453)

الباب الثامن في الصدق والكذب ويتصل به فصل في العهود والمواثيق وأقسام العرب
45
خطبة الباب 47
آيات وأحاديث وأقوال في الصدق 48
عمرو بن معديكرب والكذب 54
تكاذب الأعراب 54
حماد الراوية والمفضل عند المهدي 55
نماذج من الكذابين 57
أقوال في الصدق والكذب 61
مواقف لعمر وبلال والمأمون 62
فصل في الايمان والمواثيق وأقسام العرب 65
الحلف وتفسير بعض الأقسام 66
أقسام العرب 72
نسخة بيعة لخليفة 74
عودة إلى الصدق والكذب 75
نوادر من هذا الباب والفصل 81
الباب التاسع في التواضع والكبر
89
خطبة الباب 91
آيات وأحاديث 92
أقوال للأئمة 93
تواضع عمر 95
كبر وائل بن حجر 97
(3/454)

على والتواضع 98
أقوال في التواضع والكبر 98
تيه عمارة بن حمزة 101
العجب أفسد أمر خالد القسري 103
الرشيد يصب الماء على يدي عالم 106
عقيل بن علفة والكبر 107
لو أدرك الحجاج أربعة 107
المذكورون بالكبر من قريش 108
نوادر من هذا الباب 111
الباب العاشر في القناعة والظلف والحرص والطمع
113
خطبة الباب 115
آيات وأحاديث وحكم 116
أخبار في هذا الباب 119
عروة بن أذينة والرزق 122
أبو دهمان الغلابي 123
مزيد من الأخبار والأشعار 124
لما افتتح الرشيد هرقلة 133
عود إلى إيراد الأشعار 133
مزيد من الحكايات 135
نوادر من هذا الباب 139
الباب الحادي عشر ما جاء في صون السر وتحصينه والسعاية والنميمة
145
خطبة الباب 147
(3/455)

آيات وأحاديث وحكم 148
أشعار في صون السر 151
في الغيبة والسعاية 155
نوادر من هذا الباب 163
الباب الثاني عشر ما جاء في العدل والجور
167
خطبة الباب 169
آيات وأحاديث وحكم 170
أخبار في العدل والجور 174
صفة الإمام العادل للحسن البصري 185
مالك وابن طاووس عند المنصور 186
عود إلى الأقوال والأخبار 187
الأحنف عند معاوية 189
رقعة من أحمد بن اسماعيل إلى ابن المعتز 190
أشعار منصفة 191
عمر بن عبد العزيز وغيلان 193
حكايات في الباب 193
أحمد بن طولون 200
حلف الفضول 203
أبو الطمحان يستجير بعبد الله بن جدعان 207
عمر بن عبد العزيز 209
عمر بن الخطاب 209
المنصور والفساد 212
حكايات في العدل والجور 214
(3/456)

نوادر من هذا الباب 220
الباب الثالث عشر في العقل والحنكة والتجارب والحمق والجهل
227
خطبة الباب 229
آيات وأحاديث وحكم 230
حقيقة العقل 233
فصل للغزالي في العقل 233
كلام الحكماء والأدباء وشعر الشعراء في
العقل والعاقل والجهل والجاهل 241
عمر وهرم بن قطبة 248
نصيب وجارية حمراء 249
عند المأمون 250
ناس ذكروا بالجهل والحمق 251
من أهتر؛ ومن حمّق 253
أخبار عن المنصور 261
عقيل بن علفة 262
محمد الأمين 263
أقوال في العقل والحمق 264
نوادر من هذا الباب 272
الباب الرابع عشر في المشورة والرأي صوابه وخطأه
295
خطبة الباب 297
آيات وأحاديث وحكم وأشعار 298
المشورة عند اليونان والفرس 301
(3/457)

الرسول في غزوة بدر 307
عود إلى أخبار وحكم 308
نوادر من هذا الباب 319
الباب الخامس عشر في العهود والوصايا
321
خطبة الباب 323
الوصايا في القرآن والحديث 324
وصايا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي 327
وصية هرم بن حيان 331
وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز 332
وصايا متفرقة 333
وصية الحارث بن كعب 341
وصية أكثم بن صيفي 343
وصية أعرابية لابنتها 343
وصية رجل من ربيعة لابنه 344
وصية دريد بن الصمة 344
وصية أسلم بن أفصى 345
وصية يزيد بن المهلب لابنه 346
وصية قيس بن عاصم لبنيه 347
عينية عبدة بن الطبيب 349
ابن طباطبا يوصي أبا السرايا 351
عهد لابن عبد كان 352
فصول من عهود للصابي 353
نسخة عهد جاثليق 364
(3/458)

نوادر في الوصايا والعهود 369
مقامة الوصية للهمذاني 376
عهد لطفيلي 377
الباب السادس عشر في الفخر والمفاخرة
385
خطبة الباب 387
آيات وأحاديث 388
أخبار في الباب 389
أشعار في الفخر 391
عود إلى الأخبار 396
عود إلى الأشعار 398
التناوب بين الأخبار والأشعار 408
بين اليمنية والقيسية 411
كتاب المنصور إلى محمد النفس الزكية والجواب 414
وفد بني تميم عند الرسول 419
حكايات وأشعار في الفخر 420
يزيد بن شيبان والشيخ المهري 427
الأنصار ودغفل النسابة 430
عبد الله بن عبد المدان ومعرفته بقومه 431
أشعار في الفخر 432
نوادر في الفخر 442
(3/459)