Advertisement

التذكرة الحمدونية 007


الجزء السابع
[الباب الثاني والثلاثون في شوارد الأمثال]
[خطبة الباب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه الثقة والعون الحمد لله المتنزّه عن الضّريب والمثال، المستعلي عن ضرب المقاييس له والأمثال، المتفرّد بصفة الكبرياء والجلال، مجري البحار ومرسي الجبال، ومحصي عدد القطر والرّمال، خالق الجانّ من مارج من نار، والإنسان من حمإ صلصال، عالم الغيب والشّهادة الكبير المتعال؛ ضرب لنوره مثلا من المشكاة والمصباح، وخلق الشمس والقمر حسبانا وفلق الإصباح، وجعل اللّيل مطيّة الراغبين إليه ليحمدوا سراهم عند الصباح. أحمده حمدا يحرس نعمه عندنا من الزيال والانتزاح، ويقرن غدوّ مواهبه لدينا بالرّواح.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة تنقذ مخلصها من عماية الضلال، وتكون له خير ذخر في العقبى والمآل، والصلاة على رسوله محمد المخصوص بمعجز البلاغة والبيان، الناطق بنبوّته الحصى والسّرحان، المنعوت في الإنجيل والتوراة والقرآن، وعلى آله وأصحابه المتألّفة قلوبهم في اتّباعه بعد البغضاء والشنآن.
(7/7)

[مقدمة الباب]
(الباب الثاني والثلاثون في شوارد الأمثال) أمثال العرب كثير، وإن وقعت عليها أشعارهم، ومن تلاهم من المخضرمين والمحدثين، لم يضبطها حصر. وفي الأمثال الخامل والنادر، والبعيد المغزى، والعقد المعنى، والجافي اللفظ. فاعتمدت في هذا الباب على المشهور منها، وما جزلت ألفاظه، وسهلت معانيه، وحسن استعماله في عصرنا، ولم يكن بعيدا من الملاءمة، فمن الأمثال: «البس لكلّ حالة لبوسها» . واقتصدت فيما أوردته في الأمثال النبويّة، مع أنّ كلامه صلّى الله عليه وسلم حكمة، وأمثاله كثيرة، وفيما أوقعته عليها من الشعر. فإنّ الكتاب الذي هذه الأمثال باب من أبوابه، قد تضمّن من كلامه صلّى الله عليه وسلم، ومن الأشعار في كلّ أبوابه ما يقع شاهدا في عموم المعاني والمقاصد، فلا حظّ في تكريرها. وأضفت كلّ معنى إلى ما يجانسه ويقاربه لئلا تكثر الفصول فيضلّ المتأمّل لها.
وهي اثنان وسبعون فصلا: شواهد من الكتاب العزيز، من كلام الرسول عليه السلام، منتهى التمثيل في لفظ أفعل التفضيل، والحنكة والتجارب، الأخذ بالحزم والاستعداد للأمر، الاغترار والتحيل والاطماع، البرّ والعقوق، الحمية والأنف، الحلم والثبات، الصدق والكذب، وصف الرجل بالتدبير والفعل الجميل، التمسك بالأمر الواضح، التوسط في الأمور، التساوي في الأمر، المجازاة، التفرق والزّيال، حفظ اللسان، التصريح والمكاشفة، التسويف والوعد
(7/8)

والوعيد، المكر والمداهنة، الضرورة والمعذرة والأعذار، تعذر الكمال المحض، تعلّق الفعل بما يبعد، والامتناع عنه ما اتّصل المانع أو فعله ما استمر الشيء، وضع الشيء في موضعه، وضع الشيء في غير موضعه، إصلاح المال، تسهيل الأمور ودفع الأقدم بالأحدث، العداوة والشماتة والرمي بالعصبية، الاتفاق والتحابّ والاستمالة، قوة الخلق على التخلّق، دليل استعان بمثله، النفع والضرّ وفي معانيهما، النفع من حيث لا يحتسب، المبالغة، الأمر النادر، الجبن والذل، الجهل والحمق، البلية على البلية، خيبة الأمل والسعي، العدة تأوي إليها، ألزم الأمور بصاحبها، الجاني على نفسه، الإحالة بالذنب على من لم يجنه، لقاء الشيء بمثله أو أشد، تنافي الحالات، الرضى بالميسور إذا تعذر المنشود، الأمر المضاع والمهمل، ارتفاع الخامل، خمول النبيه، الشرّ وراءه الخير، ضد ذلك، الخطأ والاختلاط، الجميل يكدّر بالمنّ، اغتنام الفرصة، اللقاء، تعذر الأمر وما يعرض من دونه، طلب الحاجة، التعجيل وفوت الأمر، سوء المكافأة وظلم المجازاة، الظن، التبرّي من الأمر، الاستهانة وقلة الاحتفال، المشاركة في الرخاء والخذلان في الشدة، والرخاء والسعة، المعجب بخاصة نفسه، الساعي لنفسه في صلاحه، اليسير يحيي الكثير، الشدة والداهية، الدعاء.
1- من شواهد الكتاب العزيز
على أنه يحيط بما لا تفنى عجائبه، ولا تنفد غرائبه، وإنما نشير إلى ما يقتضيه شرط الكتاب، والله الموفّق للصواب.
1- قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
(يونس: 24) .
(7/9)

2- وقال الحسن: ضرب الله مثلا، فأقلّ النّاس انتفع به وأبصره، يقول الله عزّ وجلّ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
(البقرة: 266) .
ثم قال: هذا الإنسان حين كبرت سنّه وكثر عياله ورق عظمه، بعث الله على جنّته نارا فأحرقتها، أحوج ما كان إليها، فهذا مثل ضربه الله ليوم القيامة، يوم يقوم ابن آدم عريان ظمآن، ينتظر ويحذر شدّة ذلك اليوم، فأيّكم سرّه أن يذهب عمله أحوج ما كان إليه؟.
3- وقال تعالى في خيبة السّعي: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
(الكهف: 103- 104) .
4- وقال عزّ وجلّ: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
(الفرقان: 23) .
5- وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
(ابراهيم: 18) .
6- وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، والصّراط الإسلام» .
7- وقال عزّ من قائل: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
(الحج: 73- 74) .
(7/10)

8- وقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
(القلم: 42) .
وإنّما يراد بذلك الشّدّة- العرب تفرّق فتقول: كشف عن ساقه، وحسر عن ذراعه، وأسفر عن وجهه. هذا هو الفصيح، وربّما وضعت هذه الأفعال بعضها موضع بعض ولا يفسد الكلام.
9- وقال عزّ وجلّ: أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ
(النازعات: 10) .
10- وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
(البقرة: 261) .
العرب تقول: عاد فلان في حافرته، أي عاد إلى طريقه الأولى.
2- ومن الأمثال المأخوذة عن النبي عليه السلام
«11» - «إيّاكم وخضراء الدّمن» . فهذا كلام مفهوم من لفظه، والمراد به غير خضراء الدّمن، فلما سئل عنها قال: المرأة الحسناء في منبت السوء.
«12» - وقال صلّى الله عليه وسلم: «إنّ مما ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا أو يلمّ» . يريد بذلك على ما في عاقبة الغنى وزخرف الدنيا وزبرجها من الخطر، وأنّ من ذلك ما يؤدّي إلى هلاك المرء في دينه وآخرته.
«13» - وقال صلّى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزّرع تفيئها الريح مرّة هاهنا ومرّة هاهنا، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على الأرض حتى يكون انجعافها
(7/11)

مرّة» . الخامة من الزّرع قصبته ويقال: الأصل خامة، والأرزة العرعرة، وهي شجرة صلبة، والمجذية القائمة، الانجعاف الانقلاع.
«14» - وقوله عليه السلام: «الإيمان قيّد الفتك» . وليس هناك قيد، وإنما معناه الإسلام حاجز عما حظره.
«15» - وقوله عليه السلام في أهل الإسلام والشرك: «لا تراءى ناراهما» .
«16» - وقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا ترفع عصاك عن أهلك» .
«17» «18» - وقد قال صلّى الله عليه وسلم: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين» . و «لا ينتطح فيها عنزان» ، تسهيلا لأمر القتل لأنّ العنز إنما تشام في نطاحها وترجع.
«19» - وقال عليه السلام: «كل ما أصميت ودع ما أنميت» . العرب تقول: رمى فأصمى إذا أثقله فلم يتحامل، ورمى فأنمى إذا تحامل بالرمية، ورمى فأشوى إذا أصاب غير المقتل، والشّوى الأطراف.
3- منتهى التمثيل في لفظ أفعل التفضيل
«20» - ويقع التمثيل به في معان كثيرة جدا، والعرب تقول: هو «أعزّ من الأبلق العقوق» ، تعني في الشيء الذي لا يوجد، لأن العقوق إنما هو في الإناث دون الذكور. وكان المفضل يخبر أنّ المثل لخالد بن مالك النّهشلي، قاله للنعمان ابن المنذر، وكان أسر ناسا من بني مازن بن تميم، فقال: من يكفل
(7/12)

هؤلاء؟ فقال خالد: أنا، فقال النعمان: وبما أحدثوا؟ فقال خالد: نعم وإن كان الأبلق العقوق. فذهبت مثلا.
«21» - قال الأصمعي: إذا أرادوا العزّ والمنعة قالوا: «إنه لأمنع من أمّ قرفة» ، وهي امرأة مالك بن حذيفة بن بدر، كان يعلّق في بيتها خمسون سيفا كلّهم محرم. وقال غير الأصمعي: هي بنت ربيعة بن بدر الفزارية.
«22» - ومن أمثالهم: هو «أعزّ من كليب وائل» ، وهو كليب بن ربيعة التغلبي، كان أعزّ العرب في دهره، فقتله جسّاس بن مرّة، ففيه كانت حرب بكر وتغلب ابني وائل، وهي حرب البسوس.
«23» - ويقال: «هو أعزّ من مروان القرظ» ؛ «أعزّ من الزباء» ؛ «أعزّ من حليمة» ؛ «أعزّ من عقاب الجوّ» ؛ «أعزّ من قنوع» ؛ «أمنع من لهاة الليث» ؛ «أعزّ من است النمر» .
«24» - ويقولون: هو «أذلّ من فقع القرقر» ؛ وهو «أذلّ من وتد» ، وذلك لأنه يدقّ. وإنه «لأذلّ من يد في رحم» ، ومعناه أنّ صاحبها يتوق أن يصيب بيده شيئا؛ وهو «أذلّ من الحوار» ؛ و «أذلّ من عير» ؛ «أذلّ من حمار قعيد» ، «أذلّ من قيسي بحمص» ؛ «أذلّ من النقد» ؛ «أذلّ من قراد» .
(7/13)

«25» - ويقولون: هو «أحلم من الأحنف» ؛ «أحلم من قيس بن عاصم» ، وأخبارهما قد وردت في مكان آخر.
«26» - ويقولون هو «أجود من حاتم» ؛ و «أجود من كعب بن مامة» ؛ «أجود من هرم» وأخبارهم مشهورة، و «أجود من لافظة» يقال: إنها الرحى سمّيت بذلك لأنها تلفظ ما تطحنه، وقيل: إنها العنز، وجودها أنها تدعى إلى الحلب وهي تعتلف، فتلقي ما في فيها وتميل للحلب.
«27» - ويقال: هو «أشجع من ليث عفرّين» قال أبو عمرو: هو الأسد.
وقال الأصمعي: هو دابّة مثل الحرباء تتعرّض للراكب، وهو منسوب إلى عفرّين اسم بلد؛ وهو «أجرأ من خاصي الأسد» ؛ و «أجرأ من ذي لبد» ؛ و «أشجع من أسامة» ؛ و «أجرأ من قسورة» ؛ و «أجرأ من ليث بخفّان خادر» .
قال الشاعر: [من الطويل]
فتى كان أحيا من فتاة حييّة ... وأشجع من ليث بخفّان خادر
«28» - ويقولون: إنه «لأجبن من المنزوف ضرطا» . قال ابراهيم بن أبان:
(7/14)

المنزوف دابّة تكون في البادية، إذا صحّت بها لم تزل تضرط حتى تموت؛ و «أجبن من صافر» ، وهو ما يصفر من الطير، ولا يكون الصفير في سباع الطير، إنما يكون في خشاشها وما يصاد منها. و «أجبن من صفرد» .
«29» - ويقولون: «أبخل من مادر» ، لاط حوضه وسقى منه، فلما استغنى عنه سلح فيه لئلا يستقي منه غيره. «أبخل من ذوي معذرة» ؛ «أبخل من الضنين بنائل غيره» .
«30» - ويقولون: «أقرى من أزواد الركب» ؛ وهم ثلاثة نفر من قريش؛ «أقرى من غيث الضّريك» ، وهو قتادة بن مسلمة الحنفي؛ «أقرى من مطاعيم الريح» ؛ وهم أربعة: أحدهم أبو محجن الثقفي، وقد كان لبيد بن ربيعة العامريّ يطعم إذا هبّت الصّبا إلى أن تنقضي.
«31» - «أوفى من عوف بن محلّم» ؛ وخبره مع مهلهل، أخي كليب، لما أمّنه يوم التحالق مشهور؛ «أوفى من السموأل» ؛ وخبره مشهور؛ «أوفى من الحارث» ، يقول نصر: هو الحارث بن عباد.
«32» - ويقولون: «هو أحسن من الطاووس» ؛ و «أجمل من ذي العمامة» ، وهو سعيد بن العاص بن أمية ويكنى أبا أحيحة، وله يقول الشاعر: [من البسيط]
أبو أحيحة من يعتمّ عمّته ... يضرب وإن كان ذا مال وذا ولد
(7/15)

«33» - ويقولون: إنه «لأمضى من السهم» ؛ و «أمضى من سليك المقانب» .
«34» - ويقولون: «أعلى فداء من حاجب بن زرارة» ؛ و «من بسطام بن قيس» ؛ و «من الأشعث» ، أسرته مذحج ففدى نفسه بثلاثة آلاف بعير.
«35» - ويقولون: «أفتك من البرّاض» ، و «أفتك من الحارث بن ظالم» .
«36» - ويقولون: «أنجب من مارية» ، ولدت لزرارة حاجبا ولقيطا وعلقمة؛ «أنجب من بنت الخرشب» ولدت لزياد العبسيّ بنيه الكملة وهم:
ربيع الكامل، وعمارة الوهّاب، وقيس الحفاظ، وأنس الفوارس؛ «أنجب من أمّ البنين» ، ولدت لمالك بن جعفر بن كلاب: ملاعب الأسنّة عامرا، وفارس قرزل طفيلا، وربيع المقترين ربيعة، ونزّال المضيق سلمى، ومعوّد الحكماء معاوية، «أنجب من عاتكة» ، ولدت لعبد مناف هاشما وعبد شمس والمطّلب.
«37» - ويقولون: «أسرع من نكاح أمّ خارجة» ، وهي بنت سعد بن قدار من بجيلة، ولدت في نيف وعشرين حيا من العرب من آباء، وكان الرجل يقول لها: «خطب» فتقول: «نكح» . كذلك قال يونس بن حبيب، وقد قيل خطب ونكح. فنظر بنوها إلى عمرو بن تميم قد ورد بلادهم، فأحسّوا بأنه أراد
(7/16)

أمّهم، فبادروا إليها ليمنعوه من تزوّجها، وسبقهم لأنه كان راكبا، فقال لها: إنّ فيك لبقيّة، فقالت: إن شئت. فجاءوا وقد بنى عليها، ثم نقلها بعد إلى بلاده.
فزعم الرواة أنها جاءت معها بالعنبر صغيرا، وأنه ابن عمرو بن بهراء، وبهراء من قضاعة، وأولدها عمرو بن تميم أسيّدا والهجيم والقليب، فخرجوا ذات يوم يستسقون، فقلّ عليهم الماء، فأنزلوا مائحا من تميم، فجعل المائح يملأ الدلو إذا كانت للهجيم وأسيّد والقليب، فإذا وردت دلو العنبر تركها تضطرب، فقال العنبر: [من الرجز]
قد رابني من دلوي اضطرابها ... والنّأي عن بهراء واغترابها
إلّا تجىء ملأى تجىء قرابها
المائح الذي يستقي من أسفل البئر؛ والماتح الذي يستقي من أعلاها.
«38» - ويقولون: «أسرع من العين» ؛ و «من طرف العين» ؛ ومن «لمح البصر» ؛ و «أسرع من اليد إلى الفم» ؛ و «أعجل من نعجة إلى حوض» ؛ و «أسرع من دمعة الخصيّ» .

- ويقولون: «أعدا من الشنفرى» ؛ «أعدا من السّليك» ، «أسرع من عدوى الثوباء» ، وذلك أن الإنسان إذا تثاءب أعدى غيره.
«40» - ويقولون: «أبطا من فند» ، وهو مولى لعائشة بنت طلحة [1] ، بعثت به مولاته ليقتبس نارا، فأتى مصر فأقام بها سنة، ثم جاء يشتدّ ومعه نار، فتبدّدت
__________
[1] حمزة والعسكري: عائشة بنت سعد بن أبي وقاص.
[2] حيث لم يذكر اسم الكتاب فإن المقصود هو الدرة الفاخرة.
(7/17)

ناره، فقال: «تعست العجلة» .
«41» - ويقولون: «أحذر من غراب» ؛ «أحذر من ذئب» ؛ «أحذر من عقعق» ؛ «أروغ من ثعالة» ؛ «أختل من ثعالة» ، و «أختل من ذئب» .
«42» - ويقولون: «أخنث من هيت» ؛ «أخنث من طويس» ، وهما مخنثان؛ «أخبث من [ذئب] الخمر» ؛ و «أخبث من ذئب الغضا» .
«43» - ويقولون: «إنه لأصنع من تنوّط» ، وهو طائر يصنع عشّه مدلّى من الشجر؛ و «أصنع من سرفة» ، وهي دودة تكون في الحمض تصنع بيتها مربّعا من قطع العيدان.
«44» - ومن أمثالهم: «هو أصدق من قطاة» ، وذلك لأنها تقول: قطا قطا فاسمها من صوتها، قال النابغة: [من البسيط]
تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت ... يا صدقها حين تدعوها فتنتسب
«45» - ويقال: «لأكذب من الشيخ الغريب» ؛ و «أكذب من أخيذ الجيش» ، قيل: هو الذي يأخذه أعداؤه فيستدلونه على قومه، فهو يكذبهم بجهده، وهو «أكذب من الأخيذ الصبحان» ؛ و «أكذب من المهلب» ، وكان يكذب لأصحابه في الحرب، يعدهم بالنجدة والأمداد؛ و «أكذب من أسير السّند» .
(7/18)

«46» - ومن أمثالهم: إنه «لأحمق من تراب العقد» ، يعني عقد الرمل، قيل:
وحمقه أنه ينهار ولا يثبت. قال الفراء: «إنه لأحمق من راعي ضأن ثمانين» ، قال:
وذلك أن أعرابيا بشّر كسرى بشارة سرّ بها فقال: سلني ما شئت، قال: أسألك ضأنا ثمانين؛ «أحمق من العقعق» ، وحمقه أن ولده أبدا ضائع؛ «أحمق من الممتخط بكوعه» ؛ «أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها» ، قال: وذلك أن زوجها قضى حاجته منها ثم طلقها، فقالت: أعطني مهري، فأخذ أحد خلخاليها من رجلها فأعطاها إياه، فرضيت به وسكتت، وإنه «لأحمق من دغة» ، وهي امرأة عمرو بن جندب بن العنبر، وخبرها في حمقها قبيح مستهجن ذكره؛ و «أحمق من حمامة» ، وذلك أنها تبيض على الأعواد، فربما وقع بيضها فانكسر، و «أحمق من الضبع» ؛ و «أحمق [1] من ناكثة غزلها» ، وهي امرأة من قريش. « [أتيه من] أحمق ثقيف» وهو يوسف بن عمر. وفي الخبر: سيكون في ثقيف كذّاب ومبير وأحمق؛ قيل:
الكذّاب المختار، والمبير الحجاج، والأحمق يوسف.
«47» - ومن أمثالهم: «آبل من حنيف الحناتم» ؛ «آبل من مالك بن زيد مناة» .
«48» - ومنها: هو «أبلغ من سحبان وائل» ؛ و «أبين من قسّ» ؛ و «أخطب
__________
[1] م وكتب الأمثال: أخرق.
(7/19)

من قسّ» ؛ وهو «أعيا من باقل» ، وهو رجل من ربيعة كان عييّا فدما.
«49» - وهو «أخلى من جوف حمار» ، وهو رجل من عاد، وجوفه واد كان ينزل به، فلما كفر أخرب الله واديه.
«50» - ومنها: «أخجل من مقمور» .
«51» - و «أطمع من أشعب» .
«52» - ويقولون: «أزهى من غراب» ، و «أخيل من مذالة» ، يضرب للمتكبر في نفسه، وهو عند الناس مهين، والمذالة الأمة المهانة، وهي في ذلك تتبختر، و «أخيل من واشمة استها» ؛ و «أزهى من ثعلب» .
«53» - ومن أمثالهم: «هو أبصر من غراب» ؛ «أبصر من الزرقاء» ، وهي زرقاء اليمامة؛ ويقال: هو «أسمع من فرس» ؛ و «أسمع من قراد» ؛ «أسمع من سمع أزلّ» .
«54» - ويقال: هو «أنوم من فهد» ؛ و «أنوم من غزال» ، و «أنعس من كلب» ، و «أنوم من عبّود» ، وهو عبد نام في محتطبه أسبوعا، وإذا أرادوا خفة النوم قالوا: «أخفّ رأسا من الذئب» ؛ و «أخفّ رأسا من الطائر» .
«55» - ويقولون: «أملخ من لحم الحوار» أي ليس له طعم.
(7/20)

«56» - ومن أمثالهم: «أظلم من الحية» ، ومن «حية الوادي» ، و «أظلم من ذئب» ، «أظلم من الجلندى» ، و «أظلم من التمساح» .
«57» - ومن أمثالهم: إنه «لألصّ من شظاظ» ، وهو رجل من بني ضبة كان لصا مغيرا فصار مثالا، وله خبر غريب قد ذكر في باب الحيل؛ و «أسرق من جرذ» ؛ و «ألصّ من عقعق» ؛ و «أخطف من عقاب» .
«58» - ويقال: إنه «لأصرد من عنز جرباء» للذي يشتد عليه البرد.
«59» - ومن أمثالهم: إنه «لأطيش من فراشة» .
«60» - ويقولون: إنه «لأجوع من كلبة حومل» ، وهي كلبة كانت في الأمم السالفة، و «أجوع من زرعة» وهي كلبة؛ و «أجوع من ذئب» ؛ و «أجوع من قراد» .
«61» - ويقال: إنه «لأفحش من فاسية» ، يريد الخنفساء، وذلك أنها إذا حركت نتنت، و «أبذى من مطلّقة» ؛ و «أقود من ظلمة» ، و «ألوط من دبّ» ،
(7/21)

و «أسفد من ديك» ؛ «وأسفد من عصفور» ، و «أزنى من سجاح» ، و «أزنى من قرد» ، وهو قرد بن معاوية بن هذيل؛ و «أزنى من هرّ» وهي امرأة يهودية، وهي التي قطع المهاجر يدها في من قطع من النساء حين شمتن بموت النبي صلّى الله عليه وسلم؛ و «أشبق من حبّى المدينية» ؛ و «أسلح من دجاجة» ، و «أسلح من حبارى» .
«62» - ويقولون: إنه «لأبرّ من العملّس» ، وكان رجلا برّا بأمّه حتى كان يحملها على عاتقه؛ و «أبرّ من فلحس» ، وهو رجل من شيبان حمل أباه على ظهره وحجّ به؛ وانه «لأعقّ من ضبّ» وذلك لأنه يأكل ولده.
«63» - ويقولون: إنه «لأحيا من ضبّ» ، من الحياة وذلك «أطول من ذماء الضبّ» ، و «أطول ذماء من الحية» ، و «أطول صحبة من الفرقدين» ، و «أطول من اللّوح» ، و «أطول من السّكاك» .
«64» - ومن أمثالهم: «أصبر من عود بدفّيه الجلب» ، والدفّان الجنبان، والجلب آثار الدّبر؛ و «أصبر من جذل الطعان» ؛ و «أصبر من ضبّ» .
«65» - ويقال: إنه «لأدمّ من البعرة» ، في دمامة خلقته.
«66» - وإنه «لأعرى من المغزل» ؛ و «أكسى من البصل» .
«67» - ومن أمثالهم: وإنه «لأبعد من بيض الأنوق» ، وذلك أنها لاتبيض إلا
(7/22)

في قلل الجبال؛ و «أبعد من النجم» ، و «أناى من الكواكب» ؛ و «أرفع من السماء» ، «أبعد من مناط العيّوق» .
«68» - ويقولون: إنه «لأنمّ من صبح» ، إذ كان لا يكتم شيئا، وقد جاء في شعر محدث: [من الوافر]
أنمّ من النسيم على الرياض ... أنمّ من الرياض على السحاب
«أنمّ من الزجاج» .
«69» - ومن أمثالهم: إنه «لأسأل من فلحس» ، وهو الذي يتحيّن طعام النّاس، يقال منه «أتانا يتفلحس» ، وهو الذي تسميه العامة الطّفيلي. وقال ابن حبيب: هو رجل من شيبان، كان سيدا عزيزا يسأل سهما في الجيش وهو في بيته، فيعطى فإذا أعطيه سأل لامرأته، فإذا أعطي سأل لبعيره، وكان له ابن يقال له زاهر فكان مثله، فقيل له: «العصا من العصية» .
«70» - ويقولون: «أمطل من عرقوب» ، وخبره يجيء فيما بعد.
«71» - ويقولون: إنه «لأشهر من فارس الأبلق» ؛ و «أشهر من الشمس» ، و «أشهر من البدر» ، و «أشهر من القمر» ؛ و «أشهر من قطرب» .
«72» - ومن أمثالهم: إنه «لأروى من النقّاقة» ، وهي الضفدع، وذلك أن مسكنها الماء؛ و «أروى من ضبّ» ، لأنه لا يشرب الماء، و «أروى من الحوت» ، و «أظمأ من حوت» أيضا.
(7/23)

«73» - ومن أمثالهم: هو «أشأم من خوتعة» ، وهو رجل من بني عميلة بن قاسط، أخي النّمر بن قاسط، وكان مشؤوما؛ و «أشأم من قدار» ، وهو عاقر الناقة؛ و «أشأم من أحمر عاد» ، وهو عاقرها أيضا، وإنما هو أحمر ثمود؛ و «أشأم من طويس» ، وهو مخنّث كان يقول: ولدت يوم مات رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وفطمت يوم مات أبو بكر رضي الله عنه، وبلغت الحنث يوم قتل عمر رضي الله عنه، وتزوجت يوم قتل عثمان، وولد لي ليلة قتل عليّ عليه السّلام، و «أشأم من الأخيل» وهو الشقرّاق، و «أشأم من منشم» ، وهي امرأة عطّارة، قال زهير [1] : [من الطويل]
تداركتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم
«أشأم من غراب البين» ؛ «أبين شؤما من زحل» ؛ «أشأم من البسوس» ، وهي ناقة كانت لخالة جسّاس بن مرّة، رماها كليب بسهم فاختلط لبنها ودمها، فكانت سبب قتله، وفيها كانت حرب بكر وتغلب.
«74» - ومن أمثالهم: هو «أصحّ من عير أبي سيارة» ، قال الأصمعي: دفع بالناس من جمع أربعين سنة على حماره.
«75» - ويقولون: إنه «لأخيب صفقة من شيخ مهو» ، وهم حيّ من عبد
__________
[1] شرح ديوانه: 15.
(7/24)

القيس، لهم في هذا المثل قصة قبيحة: اشترى الفسو من إياد- وكانوا يعرفون به- ببردي حبرة، فعرفت بعد ذلك عبد القيس بالفسو، ويروى «أحمق من شيخ مهو» ، ويقال: «أخسر صفقة من أبي غبشان» ، باع مفاتيح الكعبة من قصيّ بزقّ من خمر.
«76» - ومن أمثالهم: «أهون مقتول أمّ تحت زوج» ، وأصله أنّ ربيعة البكّاء، وهو ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، رأى أمّه تحت زوجها، فقدّر أنه يقتلها، فبكى وصاح، فسمّي البكّاء، وقيل فيه هذا المثل، وضرب به المثل في الحمق، وقيل «أحمق من ربيعة البكّاء» [1] ؛ وقد قال الشاعر في الحمق: [من الطويل]
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في النّاس أحمق من عجل
قالوا: كان له فرس جواد فقيل له: لكلّ جواد من خيل العرب اسم، فما اسم جوادك؟ ففقأ عينه وقال: أسمّيه الأعور.
«أهون من تبالة على الحجّاج» ، وتبالة بلد صغير من بلدان اليمن، يقال إنها أوّل بلدة وليها الحجّاج، فلما سار إليها قال للدليل: أين هي؟ قال: قد سترتها عنك هذه الأكمة، فقال: أهون بعمل بلدة تسترها الأكمة، ورجع.
«أهون من قعيس على عمته» ، رهنته على صاع من برّ فلم تفتكّه. «أهون هالك عجوز في عام سنة» ، «أهون مظلوم عجوز معقومة» ، «أهون مظلوم سقاء مروّب» ، أصله السّقاء يلفّ حتى يبلغ أوان المخض، والمظلوم السقاء الذي
__________
[1] الدرة 1: 142.
(7/25)

يمخض قبل أوان المخض، «أهون من الشّعر الساقط» ؛ «أهون من ذباب» .
«77» - ومن أمثالهم: «أضلّ من موؤدة» ؛ «أضلّ من سنان» ؛ «أتيه من فقيد ثقيف» ؛ أما سنان فهو ابن أبي حارثة المرّي، وكان قومه عنّفوه على الجود، فركب ناقة ورمى بها الفلاة، فلم ير بعد ذلك، وسمّته العرب ضالّة غطفان، وقالوا: إن الجنّ استفحلته تطلب كرم نجله؛ وأما فقيد ثقيف فهو الذي هوي امرأة أخيه فتآخيا، وله قصة طويلة. وهو «أضلّ من ولد اليربوع» ؛ و «أضلّ من قارظ عنزة» ، ويقولون: «هو أهدى من النجم» ؛ و «أهدى من اليد إلى الفم» .
«78» - ومن أمثالهم: «أحيا من هديّ» ؛ «أحيا من فتاة» ؛ «أحيا من مخبّاة» ؛ «أحلى من ميراث العمّة الرّقوب» ؛ و «أحلى من الولد» ؛ و «أحنى من الوالد» ؛ وقال أعرابي: «هو أفرح من المضلّ الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد» .
«79» - ومن أمثالهم: «أدهى من قيس بن زهير» ؛ «أشدّ من لقمان بن عاد» ؛ «أبطش من دوسر» ، وهي كتيبة النعمان، «أرمى من ابن تقن» ، وهو رام كان في زمن لقمان بن عاد، وكان ينافر لقمان حتى همّ بقتله.
«80» - «أفرغ من حجّام ساباط» ؛ «أفرغ من يد تفتّ اليرمع» . يقال إنّ حجّام ساباط كان إذا أعوزه من يحجمه حجم أمّه، فلم يزل بها حتى نزف دمها وماتت.
(7/26)

«81» - «أغزل من امرئ القيس» .
«82» - «أكفر من ناشرة» ، من كفران النعمة.
«83» - «أنعم من خريم» ، رجل من ولد سنان بن أبي حارثة، كان في زمن الحجّاج، «أنعم من حيّان أخي جابر» .
«84» - ومن أمثالهم: «أنكح من ابن ألغز» ، هو رجل من إياد كان ينام فتأتي الفصلان تحتكّ بذكره تحسبه أصل شجرة، وله خبر مشهور مع شيرين زوجة كسرى، ولأجله نفى إيادا إلى أرض الروم.
«أنكح من جويرية» ، وهو رجل من عبد القيس.
«أشغل من ذات النّحيين» ، هي امرأة من هذيل، وخبرها مع خوّات بن جبير أشهر من أن يذكر.
«85» - ويقولون: هو «ألزم لليمين من الشمال» ؛ و «ألزم لك من شعرات قصّك» ، وذلك لأنها كلما حلقت نبتت.
«86» - ويقولون: هو «أندم من الكسعيّ» ، وكان أرمى الناس لا يخطئ له سهم، فرمى في الليل فأنفذ، فظنّ أنه أخطأ، فخلع إبهامه، فلما أصبح رأى رميّته فندم على ما فعل بنفسه.
(7/27)

«87» - ويقولون: هو «أبكى من يتيم» ؛ «أدنى من حبل الوريد» ؛ «أحقد من جمل» ؛ «أخلف من ثيل البعير» ؛ «أشرب من الهيم» ؛ «أغير من الفحل» ؛ «أثقل من حمل الدّهيم» ، وهي ناقة لها خبر يجيء في مكان آخر، «أنفر من ظبي» ، وشرحه يرد في مكان غير هذا.
«88» - ومن أمثالهم: «أقصر من أنملة» ؛ «أقصر من ظمء الحمار» ؛ «أقصر من إبهام القطاة» ؛ «أقصر من إبهام الحبارى» ؛ «أصغر من صعوة» ؛ «أصغر من قراد» ؛ «أقصر من إبهام الضبّ» ؛ «أصغر من صؤابة» ؛ «أضعف من بعوضة» .
«89» - «آمن من ظبي بالحرم» ؛ «آمن من حمام مكّة» ، «آلف من حمام مكة» ؛ «آلف من كلب» .
«90» - «أوقل من وعل» .
«91» - «أبلد من ثور» ؛ «أبلد من سلحفاة» .
«92» - «أبخر من أسد» ؛ «أبخر من صقر» .
(7/28)

«93» - «أحرص من ذئب» ؛ «أكسب من ثعلب» ، «أكسب من ذرّ» ؛ «أكسب من النمل» .
«94» - «أحرس من كلب» ؛ «أوقح من ذئب» ؛ «ألأم من كلب عقور» ؛ «آكل من السوس» ؛ «أفسد من السّوس» ، «أفسد من الجراد» ، «أحطم من جراد» ؛ «أجرد من جراد» ، «أجرد من صلعة» ؛ «أجمع من ذرّة» ؛ «أدبّ من قراد» ؛ «أدبّ من قرنبى» ؛ «أنزى من الجراد» ، «ألحّ من الذّباب» ؛ «ألحّ من الخنفساء» ؛ «أشرد من ورل» ؛ «أعقد من ذنب الضّبّ» ؛ «أسبح من نون» ؛ «أكثر من النمل» ، «أثبت من قراد» ، «أكثر من الدّبّاء» ؛ «أخشن من الشّيهم» ؛ «أخفّ حلما من العصفور» .
«95» - ويقولون: هو «أدب من الشمس إلى غسق الظّلمة» ؛ «أرقّ من الهواء» ، «أضيع من قمر الشتاء» .
«96» - «أقفط من تيس بني حمّان» ، يزعمون أنه قفط سبعين عنزا بعد ما فريت أوداجه.
(7/29)

4- غلبة الأقدار والجدود
«97» - من أمثالهم في هذا: «حارب بجدّ أو دع» ؛ ويقال: «عارك» .
«98» - «إذا جاء القدر عشي البصر» ؛ قاله ابن عباس لنافع بن الأزرق لما سأله عن الهدهد ونظره إلى الماء من تحت الأرض، ولا يرى الفخ تحت التراب، وفي الخبر: لا حذر من قدر [1] «99» - وقال أكثم بن صيفي: «من مأمنه يؤتى الحذر» . وتمثّل به عمر ابن الخطاب رضي الله عنه على المنبر وقد ذكر ما كان عليه في الجاهلية وما آل أمره إليه من الخلافة [2] : [من المتقارب]
هوّن عليك فإنّ الأمور ... بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها ... ولا قاصر عنك مأمورها
وقال عبد الله بن يزيد الهلالي [3] : [من الكامل]
الجدّ أملك بالفتى من نفسه ... فانهض بجدّ في الحوادث أو ذر
__________
[1] في كتب الأمثال: لا ينفع (لا ينفعك) حذر من قدر.
[2] البيتان للأعور الشني، وهما في الكتاب لسيبويه وأمثال ابن سلام: 193 ومجموعة المعاني: 10.
[3] الأول في بهجة المجالس 1: 186- 187 (دون نسبة) والثاني فيه (1: 182) لعبد الله بن المبارك؛ وهو في حماسة البحتري لعبد الله بن يزيد الهلالي، وفي معجم الأدباء: 9: 14 للأصبهاني، وانظر مجموعة المعاني: 10 ولباب الآداب: 361.
(7/30)

ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر
وقال السموأل بن عاديا [1] : [من المتقارب]
فلسنا بأوّل من فاته ... على رفقه بعض ما يطلب
وقد يدرك الأمر غير الأريب ... وقد يصرع الحوّل القلّب
وقال فيها:
ولكن لها آمر قادر ... إذا حاول الأمر لا يغلب
وقال توبة بن مضرس [2] : [من الطويل]
تجوز المصيبات الفتى وهو عاجز ... ويلعب صرف الدّهر بالحازم الجلد
«100» - ومن أمثالهم: «كيف توقّى ظهر ما أنت راكبه» ؛ وقال شريح في الذين فرّوا من الطاعون: إنّا وإيّاهم من طالب لقريب.
وقال نصيب [3] : [من الطويل]
ومن يبق مالا عزّة وصيانة ... فلا الدّهر مبقيه ولا الشّحّ وافره
ومن يك ذا عود صليب يعدّه ... ليكسر عود الدّهر فالدّهر كاسره
وقال آخر: [من الرجز]
__________
[1] مجموعة المعاني: 10.
[2] توبة بن مضرس يعرف بالخنّوت بن عبد الله من بني تميم، وبيته هذا في المؤتلف والمختلف للآمدي: 92 ومجموعة المعاني: 10.
[3] شعر نصيب (سلوم) : 92 ومجموعة المعاني: 10- 11 وهو في المؤتلف والمختلف لتوبة ابن الحمير.
(7/31)

والسبب المانع حظّ العاقل ... هو الذي سبّب رزق الجاهل
وقال آخر [1] : [من الطويل]
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
نظر إليه المتنبي فقال وأحسن وزاد: [من الطويل]
ويختلف الرّزقان والسّعي واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
وقال بشار [2] : [من الكامل]
تأتي اللئيم وما سعى حاجاته ... عدد الحصى ويخيب سعي الدّائب
«101» - ومن أمثالهم: «لا جدّ إلّا ما أقعص عنك ما تكره» ، قاله معاوية حيز مات عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد، وكان خافه على الأمر.
«102» - وقال معاوية أيضا حين مات الأشتر من شربة عسل: «إنّ لله جنود منها العسل» ، وقالت جنوب أخت عمرو ذي الكلب: [من البسيط]
كلّ امرئ بطوال العيش مكذوب ... وكلّ من غالب الأيّام مغلوب
وقال النابغة [3] : [من البسيط]
ما يطلب الدّهر تدركه مخالبه ... والدّهر بالوتر ناج غير مطلوب
__________
[1] مجموعة المعاني: 11 (وفيه بيت المتنبي) .
[2] ديوان بشار 1: 167.
[3] ديوان النابغة ... : 11.
(7/32)

وقال آخر [1] : [من الطويل]
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتّقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
وقال أبو قلابة الهذلي [2] : [من البسيط]
إنّ الرّشاد وإنّ الغيّ في قرن ... بكلّ ذلك يأتيك الجديدان
لا تأمننّ وإن أصبحت في حرم ... إنّ المنايا بجنبي كلّ إنسان
ولا تقولن لشيء لست أفعله ... حتى تبيّن ما يمني لك الماني [3]
أي يقدر لك القادر الله تعالى.
وقال آخر: [من الطويل]
ومن كان مسرورا بطول حياته ... فإني زعيم أن سيصرعه الدّهر
وقال ابن الرومي [4] : [من الكامل]
طامن حشاك فإنّ دهرك موقع ... بك ما تخاف من الأمور وتكره
وإذا حذرت من الأمور مقدّرا ... وفررت منه فنحوه تتوجّه
5- الحنكة والتجارب
«103» - ويقولون في أمثالهم: «أنا ابن بجدتها» .
__________
[1] مجموعة المعاني: 11.
[2] شرح أشعار الهذليين 2: 713 ومجموعة المعاني: 11.
[3] الديوان: سوف أفعله؛ يمني: يقدر، الماني: القادر.
[4] مجموعة المعاني: 11 ولم نجدهما في ديوان ابن الرومي.
(7/33)

«104» - ويقولون: «حلب الدهر أشطره» ، أي اختبر الدهر شطريه من خير وشرّ. وأصله من حلب الناقة، يقال: حلبتها شطرها أي نصفها، وذلك أنه حلب خلفين من أخلافها فهو شطر، ثم يحلبها الثانية خلفين أيضا فيقول: حلبتها شطرين، ثم يجمع فيقول: أشطر.
«105» - ويقولون: «فلان مؤدم مبشر» ، وهو الذي يجمع لينا وشدة، وأصله من أدمة الجلد، وهي باطنه، وبشرته وهي ظاهره.
«106» - ويقولون: «عند جهينة الخبر اليقين» ويروى «جفينة» ، ولذلك خبر معروف متداول، وهو رجل كان عنده خبر من قتل قد خفي أمره.
«107» - وقال المنذر بن الحباب بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة: «أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب» ؛ الجذيل تصغير الجذل، وهو أصل الشجرة تقطع أغصانها وتبقى قائمة، فتجيء الجرباء من الإبل فتحتكّ به، وهو يسمّى جذل الحكاك، وأما العذيق فهو تصغير العذق، وهي النخلة نفسها إذا كرمت حملت ما لا تطيقه، فتنحني فتبنى في أصلها دعامة تعتمد عليها، فذلك التّرجيب.
«108» - وقال علي عليه السّلام: «رأي الشيخ خير من مشهد الغلام» ، فصار هذا الكلام مثلا متداولا، ويقولون في التجارب: «رجل منجّذ» . وأنشد
(7/34)

الأصمعي [1] : [من الوافر]
أخو الخمسين مجتمع أشدّي ... ونجّذني مداورة الشؤون
«109» - ويقولون في الخبر: «كفى برغائها مناديا» .
«110» - «أعط القوس باريها» .
«111» - ومن أمثالهم: «من يشتري سيفي وهذا أثره» ، يدل أثره على مخبره.
«112» - ويقولون: «أتعلّمني بضبّ أنا حرشته» .
«113» - «أنت أعلم باللقمة أم من غصّ بها» ، أي الغاصّ باللقمة أخبر بها.
«114» - «الخيل أعلم بفرسانها» .
«115» - «الجواد عينه فراره» .
«116» - «عين عرفت فذرفت» .
«117» - «أفواهها مجاسّها» ، أصله أن الإبل إذا أحسنت الأكل اكتفى الناظر بذلك عن معرفة سنّها واستغنى عن جسّها.
__________
[1] البيت لسحيم بن وثيل الرياحي من قصيدة أصمعية.
(7/35)

«118» - «ربّ لحظ أصدق من لفظ» .
«119» - «ليس الخبر كالعيان» .
«120» - «است البائن أعلم» .
«121» - «كمعلّمة أمّها البضاع» .
«122» - «إني إذا حككت قرحة أدميتها» ، المثل لعمرو بن العاص، وكان انعزل في خلافة عثمان رضي الله عنه، فلما بلغه حصره وقتله، قال: أنا أبو عبد الله، إني إذا حككت قرحة أدميتها، فسارت مثلا، يعني أنه كان يظنّ هذا الأمر واقعا فكان كما ظن.
«123» - ومن أمثالهم في المجرّب للأمور: «العوان لا تعلّم الخمرة» .
«124» - ويقولون: «إذا هززت فاهتز، وإذا رمي بك فارتزّ» .
6- الأخذ بالحزم والاستعداد للأمر
«125» - ومن كلام لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اعقل وتوكّل» .
«126» «127» - ومن كلام العرب وأمثالهم: «عشّ ولا تغترّ» .
«أن ترد الماء بماء أكيس» . معنى الأوّل أن يمرّ صاحب الإبل بالأرض
(7/36)

المكلئة فيقول: أدع أن أعشّي إبلي منها حتى أرد على أخرى، ولا يدري ما الذي يرد عليه. وتأويل المثل الثاني: أن الرّجل يمرّ بالماء فلا يحمل منه اتّكالا على ماء آخر يصير إليه، فيقال له: أن تحمل معك ماء أحزم لك، وإن أصبت ماء آخر لم يضرّك، وإن لم تحمل فأخفقت من الماء عطبت.
«128» - قال حماد الراوية: أنشدت أبا عطاء السّندي هذا البيت:
[من المتقارب]
إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه
فقال أبو عطاء: بئس ما قال، فقلت: فكيف كان يقول؟
قال: كان يقول: [من الوافر]
إذا أرسلت في أمر رسولا ... فأفهمه وأرسله أديبا
فإن ضيّعت ذاك فلا تلمه ... على أن لم يكن علم الغيوبا
«129» - ومن أمثالهم: «قد أحزم لو أعزم» .
«130» - وقال الشعبي: أصاب متأمّل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد.
ومنه قول القطامي [1] : [من البسيط]
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
__________
[1] ديوان القطامي: 25.
(7/37)

«131» - ومن أمثالهم في الجد: «اجمع جراميزك» ؛ و «اشدد حزيمك» ؛ وأنه قول عليّ عليه السّلام: [من الهزج]
(اشدد) حيازيمك للموت ... فإنّ الموت لاقيكا
«132» - ويقولون في مثله: «اتّخذ اللّيل جملا» ؛ «هذا أوان الشدّ فاشتدي زيم» ، وزيم هاهنا اسم فرس، وهو في موضع آخر المتفرق؛ و «لتخرم فإذا استوضحت فاعزم» ؛ قال بشار: [من الطويل]
وخلّ الهوينا للضّعيف ولا تكن ... نووما فإنّ الحزم ليس بنائم
«133» - ومن أمثالهم: «اشتر لنفسك وللسوق» .
«134» - ومنها: «قبل الرّمي يراش السهم» .
«135» - ومنها: «قبل الرّمي تملا الكنائن» .
«136» - «دمّث لنفسك قبل النّوم مضطجعا» ، وقال الحمال العبدي:
[من الطويل]
إذا خفت في أمر عليك صعوبة ... فأصحب به حتى تذلّ مراكبه
(7/38)

وقال بعض بني سدوس: [من الكامل]
وإذا ظلمت فكن كأنّك ظالم ... حتى يفيء إليك حقّك أجمع
«137» - ومن أمثالهم: «رمت المحاجزة قبل المناجزة» . «الفرار بقراب أكيس» .
المثل الأول لأكثم بن صيفي، والثاني لجابر بن عمرو المازني، وذاك أنه كان يسير يوما في طريق إذ رأى رجلين شديدا كلبهما عزيزا سلبهما، فقال: الفرار بقراب أكيس ثم مضى.
138- «انج يا ثعالة فالقتل لا شوى له» .
«139» - ويقولون: «زاحم بعود أو دع» ، أي لا تستعن إلا بأهل القوة، وقال الشاعر: [من الطويل]
إذا المرء لم يبدهك بالحزم كلّه ... قريحته لم تغن عنك تجاربه
«140» - ومن أمثالهم في الاستعداد: «مخرنبق لينباع» ، أي مطرق ليثب.
«141» - ونحوه: «تحسبها حمقاء وهي باخس» .
«142» - وقولهم: «أطرّي فإنّك ناعلة» ، أي اركب الأمر الشديد فإنك قوي عليه. وأصل هذا أنّ رجلا قال لراعية له، وكانت تترك الحزونة وترعى في السهولة، أطرّي: خذي طرر الوادي، وهي نواحيه. قال أبو عبيد: أحسبه
(7/39)

يعني بالنعلين غلظ جلد القدمين.
«143» - ومن التحذير والحزم: قولهم: «انج سعد فقد هلك سعيد» .
«144» - ومن أمثالهم في الجد: «قرع له ساقه» ، و «قرع له ظنبوبه» .
«145» - ويقولون: «عدوك إذ أنت ربع» ، يؤمر الرجل بأن يأتي من الحزم ما كان يأتيه من قبل.
7- ما جاء في الاغترار والتحيل والإطماع وما يقارب هذه المعاني
«146» - «النساء حبائل الشيطان» ، قاله ابن مسعود رضي الله عنه.
«147» - ومن أمثالهم: «مرعى ولا أكولة» ، «عشب ولا بعير» . وقد يقع هذان المثلان في معنى وجود الشيء حيث لا ينتفع به.
«148» - «برد غداة غرّ عبدا من ظمأ» ، وذلك أنه خرج في برد غداة ولم يتزوّد الماء لما رأى من روح النهار، فلما حميت عليه الشمس بالفلاة هلك عطشا.
«149» - «ليس بأوّل من غرّه السّراب» .
«150» - ومن أمثالهم: «كيف بغلام قد أعياني أبوه» ، ومنه قول الشاعر [1] :
__________
[1] البيت في الميداني والعسكري وابن سلام.
(7/40)

[من البسيط]
ترجو الصغير وقد أعياك والده ... وما رجاوك بعد الوالد الولدا
ويشبهه قول الفرزدق وإن كان أراد به الهجاء [1] : [من الطويل]
ترجّي ربيع أن تجيء صغارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها
«151» - ويقولون: «يا عاقد اذكر حلّا» ، يضربون لمن يبالغ في الأمر وينسى عاقبته، وأصله الذي يشدّ عليه رحله ويسرف في الاستيثاق.
«152» - ويقولون: «لا تقتن من كلب سوء جروا» .
«153» - «والذئب خاليا أسد» ، ومثله قول المتنبي [2] : [من الخفيف]
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنّزالا
154- ويقولون في الاطماع: «أما كفى العبد أن ينام حتى يحلم برتبة» .
«155» - «إنّك لا تجني من الشّوك العنب» .
وقال كعب بن زهير [3] : [من البسيط]
فلا يغرّنك ما منّت وما وعدت ... إنّ الأمانيّ والأحلام تضليل
__________
[1] ديوان الفرزدق 1: 272.
[2] ديوان المتنبي: 405.
[3] من «بانت سعاد» .
(7/41)

«156» - يقولون: «إنباض بغير توتير» ، أي نبّض القوس من غير أن يوتّرها.
«157» - «قد نفخت لو نفخت في فحم» ، قاله الأغلب العجلي في شعر له.
«158» - ويقولون: هو «بنت الجبل» ، يعنون الصّدى، أي هو مع كل من يتكلم.
«159» - ويقولون أيضا: «ما أنت إلا كابنة الجبل مهما يقل تقل» .
ومن كلام المهلبي في الاغترار: «من ضاف الأسد قراه أظفاره، ومن حرّك الدّهر أراه اقتداره» .
8- البر والعقوق والمحافظة على الأهل والإخوان
«160» - من أمثالهم في هذه المعاني: «منك عيصك وإن كان أشبا» ، أي منك أهلك وإن كانوا على خلاف ما تريد.
«161» - ومثله: «منك أنفك وإن كان أجدع» .
«162» - ومنه: «الحفاظ يحلل الأحقاد» ، ومنه قول القطامي [1] : «وترفضّ عند المحفظات الكتائف» والكتائف السخائم.
__________
[1] هو لمسكين الدارمي في أمثال ابن سلام: 181 ونسب لغيره أيضا.
(7/42)

«163» - ويقولون: «لا يعدم الحوار من أمّه حنّة» .
«164» - «لا يضرّ الحوار وطء أمّه» . وقال الشاعر [1] : [من الطويل]
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وقال آخر: [من الطويل]
وإنّ ابن عمّ المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
والنصف الثاني من هذا البيت مثل سائر [2] .
«165» - ويقال في الأخ متمسك بإخائه: «ما عقلك بأنشوطة» . ومن ذلك قول ذي الرمة [3] : [من الطويل]
وقد علقت ميّ بقلبي علاقة ... بطيئا على مرّ الشّهور انحلالها
«166» - ويقولون: «هو على حبل ذراعك» .
«167» - ويقولون: «لا تدخل بين العصا ولحائها» .
«168» - وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «معاتبة الأخ خير من فقده» ،
__________
[1] هذا البيت مع الذي بعده في أمثال ابن سلام لمسكين الدارمي: 181.
[2] الميداني 2: 404 والمستقصى 2: 392.
[3] أمثال ابن سلام: 176 واللسان (علق) .
(7/43)

فصارت مثلا.
وقال طرفة بن العبد [1] : [من الطويل]
وأعلم علما ليس بالظّنّ أنّه ... إذا مات مولى المرء فهو ذليل
وقال بدر بن علماء العامري [2] : [من الطويل]
إذا سيم مولاك الهوان فإنّما ... تراد به فاقصد له وتشدّد
وقال ابن المولى [3] : [من الطويل]
لا تطلبي عزّا بذلّ عشيرة ... فإنّ الذّليل من تذلّ عشائره
ولما قال الشاعر في جرير بن عبد الله البجلي: [من الرجز]
لولا جرير هلكت بجيلة ... نعم الفتى وبئست القبيلة
قال قائل: ما مدح من هجي قومه.
«169» - ومن الأمثال في العقوق: «العقوق ثكل من لم يثكل» .
«170» - «الملك عقيم» .
«171» - ومن أمثال البرّ قول بيهس لأمّه لما قتل إخوته وعاد فحنّت إليه وكانت من قبل تقصيه: «الثكل أرأمها» .
__________
[1] مجموعة المعاني: 62 وديوانه (صادر) : 81.
[2] (مجموعة المعاني: 63.
[3] مجموعة المعاني: 63.
(7/44)

«172» - وقالت له: أجئت من بينهم؟ فقال: «لو خيّروك لاخترت» .
«173» - ومن أمثالهم: «وابأبي وجوه اليتامى» ، حكاه المفضل عن سعد القرقرة، وهو رجل من أهل هجر كان النعمان يضحك منه، فدعا بفرسه اليحموم، وقال لسعد: اركبه فاطلب عليه الوحش، قال سعد: إذن والله أصرع، فأبى النعمان إلا أن يركبه، فلما ركبه سعد نظر إلى بعض ولده فقال: وابأبي وجوه اليتامى.
«174» - ومن كلامهم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» .
«175» - ويقولون: «أعن أخاك ولو بالصوت» ، أي إن لم تقدر على معونته بيدك فاستصرخ له حتى يغاث.
«176» - ويقولون: «مولاك ولو عناك» .
9- ومن الأمثال في الحمية والأنفة
«177» - قول أكثم بن صيفي: «تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها» .
«178» - «الفحل يحمي معقولا شوله» .
«179» - ومنه: «الخيل تجري على مساويها» ، أي وإن كان بها أوصاب وعيوب.
(7/45)

«180» - وقولهم: «من عزّ بزّ» ، قاله جابر بن ألاف للمنذر.
«181» - وقولهم: «محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا» ، هو سالم بن دارة، هجا فزارة فأفحش فاغتاله أحدهم فقتله.
182- ومن الحميّة قولهم: «هاجت زبراء» ، وهي أمة كانت للأحنف كان يصغي إلى قولها كثيرا، ولها معه خبر قد ورد في موضعه، والأبيات السائرة في هذا المعنى كثيرة، فمن ذلك قول عبد الله بن الزّبير الأسدي [1] : [من البسيط]
فلن ألين لغير الحقّ أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وقال مالك بن الريب [2] : [من الطويل]
وما أنا كالعير المقيم لأهله ... على القيد في بحبوحة الدّار يرتع
وقال النابغة [3] : [من البسيط]
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي صولة المستأسد الحامي
وقال معارك بن مرة العبدي [4] : [من الطويل]
أتطمع في هضمي لدن شاب عارضي ... وقد كنت آبى الضّيم إذ أنا أمرد
وقال منقذ الهلالي [5] : [من الوافر]
__________
[1] مجموعة المعاني: 52.
[2] مجموعة المعاني: 52.
[3] مجموعة المعاني: 52 واللسان (ثغر) .
[4] مجموعة المعاني: 52.
[5] مجموعة المعاني: 53.
(7/46)

سئمت العيش حين رأيت دهرا ... يكلّفني التّذلّل للرّجال
فحسبك بالتّنصّف ذلّ حرّ ... وحسبك بالمذلّة سوء حال
وقال امرؤ القيس ويروى للخنساء [1] : [من المتقارب]
سأحمل نفسي على آلة ... فإمّا عليها وإمّا لها
وقال أبيّ بن حمام بن قراد بن مخزوم العبسي: [من الطويل]
ولست بمهياب لمن لا يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
وقال العباس بن مرداس [2] : [من الطويل]
فخذها فليست للعزيز بخطّة ... وفيها مقال لامرىء متذلّل
وقال محمد بن وهيب الحميري [3] : [من الطويل]
ألا ربما كان التصبّر ذلّة ... وأدنى إلى الحال التي هي أسمج
وقد يركب الخطب الذي هو قاتل ... إذا لم يكن إلا عليه معرّج
وقال مهيار فأحسن فجاز إلحاقه بالتمثيل بالقدماء [4] : [من المنسرح]
فاقعد إذا السعي جرّ مهلكة ... وجع إذا ما أهانك الشّبع
«183» - ومن أمثالهم: «لو كرهتني يدي لما صحبتني» ؛ وقال الشاعر:
__________
[1] ديوان الخنساء (أبو سويلم) : 84.
[2] ديوان العباس بن مرداس: 99.
[3] مجموعة المعاني: 53 ومعجم المرزباني: 43.
[4] ديوان مهيار 2: 173.
(7/47)

[من الطويل]
فلو رغبت عنّي يميني قطعتها ... وفيها لمن رام الوصال وصال
10- ما جاء في الحلوم والثبات
يشبه هذا المعنى قوله صلّى الله عليه وسلم: «جدع الحلال أنف الغيرة» .
«184» - ومن أمثالهم: «إذا نزابك الشّرّ فاقعد» أي فاحلم ولا تسارع إليه.
185- وقال الأحمر في مثله: «الحليم مطيّة الجهول» ، يعني أنه يحتمل جهله ولا يؤاخذ به.
«186» - ومن أمثالهم: «إنّه لواقع الطائر» .
«187» - و «إنّه لساكن الريح» .
«188» - و «هو واقع الغراب» ؛ «واقع الطير» ، وقال الشاعر [1] : [من البسيط]
قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء
«189» - ومنه: «ملكت فأسجح» . قالته عائشة لعلي عليه السلام يوم الجمل.
__________
[1] البيت في أمثال ابن سلام: 152 واللسان (صمم) وهو لبشار في ديوانه 1: 125.
(7/48)

«190» - ومن أمثالهم فيه: «إذا ارجحنّ شاصيا فارفع يدا» . يقول: إذا رأيته قد خضع واستكان فاكفف عنه، والشّاصي الرافع رجله، والمرجحنّ الساقط الثقيل.
«191» - ومن أمثالهم في الحلم والإيقاظ له: [من الطويل]
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
قيل: هو عامر بن الظرب العدواني حاكم العرب، عاش حتى أنكر عقله، فكان إذا زاغ في الحكم قرعت له العصا فينتبه ويعود إلى الحقّ؛ وقيل: أكثم بن صيفي، وقيل: أوّل من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني، وقيل هو عمرو ابن حممة الدوسي.
«192» - ومن كلام العرب: «عركت ذلك بجنبي» أي احتملته.
193- «ربط بالأمر جأشا» أي وطّن نفسه عليه.
11- ما جاء في الصدق والكذب
«194» - من أمثال العرب: «سبّني واصدق» .
«195» - «إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح» . يضرب للكذوب ولا يصدّق ولو صدق، وأصله أن القين إذا نزل بالحيّ قال لهم: إني أسري الليلة، يحثهم بذلك على معاملته ثم يصبح بمكانه.
(7/49)

«196» - ويقولون في كلامهم: «من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه» .
«197» - وقال حكيم: «الصدق عزّ والكذب خضوع» .
«198» - ومن أمثالهم: «لا يكذب الرائد أهله» .
«199» - ومنها: «الكذب داء والصدق شفاء» .
«200» - ومنها: «ليس لمكذوب رأي» ، كان المفضل يحدّث أنّ صاحب هذا المثل هو العنبر بن عمرو بن تميم قاله لابنته الهيجمانة؛ وذلك أن عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها، فنهاه قومها فأبى، حتى وقعت الحرب بين قومه وقومها، فأغار عليهم عبد شمس في جيشه، فعلمت الهيجمانة فأخبرت أباها، وقد كانوا يعلمون إعجاب الهيجمانة به كإعجابه بها.
«201» - فلما قالت هذه المقالة لأبيها قال مازن بن مالك بن عمرو بن تميم:
«حنّت ولات هنّت، وأنّى لك مقروع» ، وهو عبد شمس بن سعد كان يلقب به، فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنيّة، اصدقيني أكذاك هو فإنه لا رأي لمكذوب.
«202» - فقالت: «ثكلتك إن لم أكن صدقتك فانج ولا إخالك ناجيا» ،
(7/50)

فذهبت كلمته وكلمتها وكلمة مازن مثلا.
«203» - ومن أمثالهم: «إن الكذوب قد يصدق» .
«204» - «عند النوى يكذبك الصادق» . قال المفضل: إن رجلا كان له عبد فلم يكذب قطّ، فبايعه رجل ليكذّبنّه، وجعل الخطر بينهما أهلهما ومالهما، فقال الرجل لسيد العبد: دعه يبيت عندي الليلة، ففعل؛ فأطعمه الرجل لحم حوار وأسقاه لبنا حليبا في سقاء قد كان فيه لبن حازر؛ فلما أصبحوا تحمّلوا وقالوا للعبد: الحق بأهلك، فلما توارى عنهم نزلوا؛ فأتى العبد سيّده فسأله فقال: أطعموني لحما لا غثّا ولا سمينا، وسقوني لبنا لا محضا ولا حقينا، وتركتهم قد ظعنوا فاستقلوا فساروا بعد أو حلّوا، وفي النوى يكذبك الصادق، فأرسلها مثلا. وأحرز مولاه مال الذي بايعه وأهله.
«205» - ومن أمثالهم: «لا يدري الكذوب كيف يأتمر» .
«206» - «القول ما قالت حذام» ، المثل للجيم بن مصعب بن علي بن بكر بن وائل وحذام امرأته.
«207» - «صدقته الكذوب» أي نفسه.
«208» - «صدقني سنّ بكره» . قال علي عليه السّلام في رجل أخبره بشيء فصدقه.
(7/51)

«209» - «لا أليّة لسالية» ، زعم يونس أن ذلك لكذبها، تحلف أنّها قليلة السّلاء مخافة العين.
210- وفي الكذوب أحاديث «وبان استه حين أصعدا» .
12- وصف الرجل بالتبريز والفعل الحميد
«211» - من أمثالهم في هذا: «هو نسيج وحده» ، إذا كان مكتفيا بنفسه.
«212» - ويقولون: «هو يرقم على الماء» ، يضرب في الحذق.
«213» - ويقولون في المحافظة والحمى: «جار كجار أبي دواد» .
«214» - وفي الوفاء «أنجز حرّ ما وعد» ، قال ذلك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي لصخر بن نهشل بن دارم، وكان له مرباع من حنظلة، فقال له:
هل أدلّك على غنيمة ولي خمسها؟ قال: نعم. فدلّه على قبيلة فأغار عليها بقومه، فتنجّزه ما بذله له.
«215» - ويقولون في المجرّب: «جري المذكّي القارح» .
«216» - وقال قيس بن زهير لحذيفة بن بدر في الرهان بينهما: «جري المذكّيات غلاب» .
(7/52)

«217» - ويقولون للرجل المبرّز: «ما يشقّ غباره» ، وأصله قول قصير بن سعد في العصا فرسه حين قال لجذيمة: اركبها فإنه لا يشق غبارها، والخبر مشهور.
«218» - ويقولون: «ما يقعقع له بالشنان» ؛ و «لا يصطلى بناره» .
«219» - ويقولون: هو «ألوى بعيد المستمرّ» ، للشرس الشديد، قاله النعمان بن المنذر لخالد بن معاوية السعدي. وقال الشاعر: [من الرجز]
وجدتني ألوى بعيد المستمرّ ... أحمل ما حمّلت من خير وشرّ
«220» - ومن أمثالهم: «هل يخفى على الناس النهار» .
«221» - و «هل يجهل القمر» . وقال ذو الرمة [1] : [من البسيط]
لقد بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا
«222» - ومن أمثالهم: «لا حرّ بوادي عوف» ، المثل للمنذر يقوله لعوف بن محلّم الشيباني وقد أجار عليه، وقيل هو عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم،
__________
[1] البيت في أمثال ابن سلام: 93 وديوان ذي الرمّة 1163.
(7/53)

وكان يقتل الأسارى ولا يعتقهم.
«223» - ويقولون في الرجل المقدام على الأمور: «ما يبالي على أي قتريه وقع» ، ويقال: قطريه، أي جانبيه.
«224» - ويقال: «بمثلي تنكا القرحة» .
«225» - ويقولون: «هو عندي باليمين» عند الوصف والإحماد.
«226» - «ولا تجعلني في اليد الشمال» ، أي لا تحقرني.
227- ويقولون: «رجل مقابل مدابر» أي كريم الطرفين.
13- التمسك بالأمر الواضح
«228» - من أمثالهم فيه: «من سلك الجدد أمن العثار» .
«229» - ومن أمثالهم: «الحقّ أبلج والباطل لجلج» ، يتردد صاحبه فيه فلا يجد مخرجا.
«230» - «ليس لعين ما رأت ولكن لكفّ ما أخذت» .
23»
- «أكرمت فارتبط» .
«232» - ومنه: «اشدد يديك بغرزه» .
(7/54)

«233» - ويقولون: «محسنة فهيلي» ، يضربونه للأمر المستقيم، وأصله أن رجلا نزل بامرأة ومعه سلف دقيق، فلما غاب الرجل اغتنمت غيبته، فجعلت تهيل من سلفه [1] الدقيق في سلفها؛ فهجم عليها غفلة فدهشت فجعلت تهيل من دقيقها في دقيقه، فعند ذلك قال: محسنة فهيلي.
«234» - ويقولون: «خلاؤك أقنى لحيائك» ، أقنى أي ألزم، ومنه قول عنترة [2] :
[من الكامل]
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أنّي امرؤ سأموت إن لم أقتل
«235» - ومن أمثالهم: «اقصدي تصيدي» .
«236» - «دع عنك بنيّات الطريق» ، أي عليك واضح الأمر، ودع الرّوغان يمينا وشمالا.
14- التوسط في الأمور
«237» - من ذلك قوله صلّى الله عليه وسلم حين ذكر العبادة والغلوّ فيها: «إنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . يقول إذا كلّف نفسه فوق طاقتها من العبادة بقي حسيرا كالذي أفرط في إغذاذ السّير حتى عطبت راحلته ولم يقض سفره.
__________
[1] حاشية ر: السلف: الجراب.
[2] ديوان عنترة: 252.
(7/55)

«238» - «لا تكن حلوا فتسترط ولا مرّا فتعقى» ، أي تلفظ من المرارة، يقال: قد أعقى الشيء إذا اشتدّت مرارته، قال أبو عبيدة: وقول العامّة «فتلفظ» غير صحيح.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن هذا الأمر لا يصلحه إلا لين في غير ضعف وشدّة في غير عنف» .
«239» - وقيل: «خير الأمور الأوساط» .
240- وقالوا في مثله: «لا وكس ولا شطط» .
وقال زهير [1] : [من البسيط]
دون السماء ودون الأرض قدرهما ... دون الذّنابى فلا فوت ولا درك
وقال عنترة [2] : [من الكامل]
لا ممعنا هربا ولا مستسلم
«241» - وقالوا: «شرّ السّير الحقحقة» .
وفي الخبر: «خير الأمور أوساطها» . فالوسط محمود على كلّ حال إلا في العلوم؛ فإن الغايات فيها خير وأولى. وقيل: سائر العلوم والصناعات ينفع فيها التوسّط ولا يضرّ، كالنحو ليس يضرّ من أحسن باب الفاعل والمفعول، وباب الإضافة، وباب المعرفة والنكرة، أن يكون جاهلا ببقية أبواب النحو؛ وكذلك
__________
[1] شرح ديوان زهير: 174.
[2] شرح ديوانه: 209.
(7/56)

من نظر في علم الفرائض فليس يضرّ من أحكم باب الصّلب أن يجهل باب الجدّ. وغاية ذلك أن يكون علم من ذلك العلم نوعا دون نوع إلّا علم الطبّ والكلام، فأصلح الأمور لمن تكلّف علم الطبّ أن لا يحسن منه شيئا أو يكون حاذقا، فإنه إن أحسن منه شيئا ولم يبلغ فيه المبالغ هلك أو أهلك المرضى؛ وكذلك العلم بصناعة الكلام: إن قصّر فيه عرضت إليه الشّبهة، ولم يبلغ الغاية التي تزيلها فيضلّ ويضلّ.
15- التساوي في الأمر
«242» - «سواسية كأسنان الحمار» .
«243» - «سواسية كأسنان المشط» .
«244» - «القوم إخوان وشتّى في الشّيم» .
«245» - «هما كركبتي البعير» ، هذا مثل قاله هرم بن قطبة الفزاري في منافرة عامر بن الطّفيل وعلقمة بن علاثة إليه.
«246» - «هما كفرسي رهان» .
«247» - «هما زندان في وعاء» .
«248» - هما كحماري العبادي حين قيل له أيّهما شرّ؟ فقال: هذا ثم هذا،
(7/57)

وهذا المثل لا يوضع في المدح.
«249» - ومن أمثالهم: «وقعا كعكمي عير» .
«250» - «أنصف القارة من راماها» . قال هشام: والقارة هم عضل والديش ابنا الهون بن خزيمة، وإنما سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم؛ قال أبو عبيدة:
وأصل القارة الأكمة وجمعها قور. قال ابن واقد: وإنما قيل قد أنصف القارة من راماها في حرب كانت بين قريش وبكر بن عبد مناة بن كنانة، وكانت القارة مع قريش وهم قوم رماة؛ فلما التقى الفريقان راماهم الآخرون فقيل: قد أنصفكم هؤلاء إذ ساووكم في العمل الذي هو شأنكم وصناعتكم.
«251» - ومن أمثالهم: «سواء علينا سالباه وقاتله» ، وهو نصف بيت للوليد بن عقبة من شعر قاله في قتل عثمان رضي الله عنه، وأصله أن رجلا يقال له الحطم قتل فصارت خميصة له إلى غير القاتل، فرؤيت معه فقال: لست بقاتله، فقيل له ذلك.
«252» - ومن أمثالهم: «أشبه امرؤ بعض بزّه» ، قاله ذو الإصبع العدواني، وهو خبر طويل يجيء في موضعه.
«253» - «كلّ ذات صدار خالة» ؛ قاله همّام بن مرّة الشيباني.
«254» - ويقولون: «ما أشبه الليلة بالبارحة» .
(7/58)

«255» - و «حذو القذّة بالقذة» .
«256» - «كلّ نجار إبل نجارها» .
«257» - «لا تنبت الحقلة إلا بقلة» ، أي لا يلد الوالد إلا مثله.
16- المجازاة
«258» - من أمثالهم في هذا: «أضىء لي أقدح لك» . ويقال: «اكدح لي» ، أي كن لي أكن لك.
«259» - ومنها: «من ينكح الحسناء يعط مهرا» .
«260» - ومنها: «أساء سمعا فأساء إجابة» . قال النابغة [1] : [من البسيط]
لقد جزتكم بنو ذبيان ضاحية ... بما فعلتم ككيل الصّاع بالصّاع
لما مات محمد بن الحجاج بن يوسف اشتدّ جزع أبيه الحجاج عليه، ودخل الناس عليه يعزّونه ويسلّونه وهو لا يزداد إلا جزعا، وكان ممن دخل عليه رجل كان الحجاج قتل ابنه يوم الزاوية، فلما رأى جزع الحجاج وقلّة ثباته شمت به وتمثّل بقول طفيل الغنوي [2] : [من الطويل]
__________
[1] مجموعة المعاني: 79 وديوانه (ابن عاشور) : 177.
[2] مجموعة المعاني: 79 والعسكري 1: 125 واللسان (حوب) .
(7/59)

فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر ... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب
وقال حسان بن عمرو [1] : [من الطويل]
متى ما يشأ مستقبض [2] الشّرّ يلقه ... سريعا وتجمعه إليه أنامله
17- التفرق والزيال
«261» - من أمثالهم في ذلك: «أتى أبد على لبد» ، وهو نسر لقمان السابع.
«262» - «من يجتمع يتقعقع عمده» ، أي قصار اهم التفرّق.
«263» - «طارت بهم العنقاء» .
«264» - «أودت بهم عقاب ملاع» .
«265» - «ذهبوا أيدي سبأ» .
«266» - ويقال في مثله: «خفّت نعامته» .
«267» - و «شالت نعامته» .
«268» - و «زفّ رأله» .
__________
[1] مجموعة المعاني: 79.
[2] مجموعة: مستقبس.
(7/60)

«269» - ويقولون: «فسا بينهم ظربان» .
270- «أودى كما أودى إرم» . وقال الخنّوت السعديّ وهو توبة بن مضرّس [1] : [من الطويل]
أربّ بهم ريب المنون كأنّما ... على الدّهر فيهم أن يفرّقهم نذر
«271» - ومن أمثالهم: «لكلّ ذي عمود نوى» .
18- حفظ اللسان
من ذلك قوله تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[2] . وفي الحديث: «وهل يكبّ النّاس على مناخرهم في النار إلّا حصائد ألسنتهم» .
«272» - وقال أكثم بن صيفي: «مقتل الرّجل بين فكّيه» ، يعني لسانه.
«273» - وقال عمر بن عبد العزيز: «التّقيّ ملجم» .
«274» - وقال بعض العرب لرجل يوصيه: «إياك أن يضرب لسانك عنقك» . ومنه قول الشاعر [3] : [من المتقارب]
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا
__________
[1] مجموعة المعاني: 6.
[2] الآية: 3 من سورة الصف.
[3] البيت في فصل المقال: 23 والعسكري 2: 228.
(7/61)

«275» - وقال علقمة بن علاثة: «أوّل العيّ الاختلاط، وأسوأ القول الإفراط» .
«276» - ومن أمثالهم: «من أكثر أهجر» .
«277» - «اجعل هذا في وعاء غير سرب» .
«278» - ويقولون: «صدرك أوسع لسرّك» .
«279» - في أمثال أكثم بن صيفي: «لكلّ ساقطة لاقطة» ، يحذّر به من سقط الكلام.
«280» - ومن أمثاله: «ربّ قول أنفذ من صول» ، يضرب لحفظ اللسان، فيما يبقى من العار. وقال طرفة بن العبد [1] : [من الطويل]
وإنّ لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل
وقال كعب بن سعد [2] : [من الطويل]
إذا أنت جالست الرّجال فلا يكن ... عليك لعورات الرّجال دليل
وكان يجالس الأحنف رجل يطيل الصّمت حتى أعجب به الأحنف، فقال
__________
[1] مجموعة المعاني: 70.
[2] مجموعة المعاني: 70.
(7/62)

الرجل يوما للأحنف: يا أبا بحر، هل تقدر أن تمشي على شرف المسجد؟
فتمثل الأحنف [1] : [من الطويل]
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلّم
«281» - ومن أمثال العرب: «سكت ألفا ونطق خلفا» ، قال ابن الأعرابي: الخلف الرديء من القول. يقال: فأس ذات خلفين، أي ذات رأسين، والخلف الطريق وراء الجبل. ويقال: خلف صدق من أبيه وخلف سوء. ويقال لمن هلك والده: أخلف الله عليك، أي كان الله خليفة والدك عليك. ويقال لمن ذهب ماله: أخلف الله عليك، وخلف الرجل الوالي إذا كان خليفته. ويقال: خلف فوه من الصّيام يخلف خلوفا إذا تغيّر. ويقال: هو خالف أهله وخالفة أهله إذا كان فاسدا. ويقال في مثله: خلفناة وخليفة، ويقال: عبد خالف، أي فاسد. ويقال: أبيعك العبد وأبرأ إليك من خلفته، ورجل ذو خلفة؛ والخالفة عمود من أعمدة البيت، وخوالف البيت زواياه، واحدتها خلفة. قال الأصمعي: خلف فلان يخلف خلوفا إذا فسد ولم يفلح والخوالف النساء اللواتي غاب أزواجهنّ عنهنّ وليس عندهنّ رجال. قال الله تعالى: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ*
(التوبة 87، 93) وحيّ خلوف، أي غيّب، وخلوف حضور؛ والخلفة الورقة تخرج بعد الورق اليابس.
ويقال: الليل والنهار خلفة، أي إذا ذهب هذا جاء هذا. ويقال: خلف ثوبه إذا قطع وسطه وجمع بين طرفيه. ويقال: برئت إليك من خلفة العبد، أي فساده؛ والخلف طرف الضّرع. ويقال: أخلف بيده إذا أهوى بها إلى خلفه
__________
[1] البيت في أمثال ابن سلام: 55 وهو للهيثم بن الأسود النخعي ونسب لغيره.
(7/63)

ليتناول شيئا؛ والإخلاف أن يعيد على الناقة فلا تلقح، والإخلاف أن يعد الرجل عدة فلا ينجزها؛ والإخلاف أن يجعل الحقب وراء الثّيل، والثيل وعاء مقلم البعير، وهو قضيبه؛ يقال: أخلف عن بعيرك. قال أبو زيد: الخالف الفاسد الأحمق، وقد خلف يخلف خلافة. ويقال: جاء فلان خلافي وخلفي، وهما واحد، وقد جاءت اللغتان في كتاب الله عزّ وجلّ؛ ويقال اختلف فلان صاحبه في أهله اختلافا، وذلك أن يناظره حتى إذا غاب عن أهله جاء فدخل عليهن.
قال: ويقال: خلف الشراب واللبن يخلف خلوفا إذا حمض ثم أطيل إنقاعه ففسد. وقال أبو زيد والأصمعي: خلفت نفسي عن الطعام، تخلف خلوفا إذا أضربت عنه من مرض. وقال أبو زيد: لا يقال ذلك إلا من المرض. قال الأصمعي واللحياني في الخلف المربد يكون وراء البيت. وقال الأصمعي:
الخلفة الاستقاء. يقال: من أين خلفتكم؟ أي من أين تستقون.
ويقال: نتاج فلان خلفة، أي عام ذكر وعام أنثى؛ والخلفة النّبت في الصيف، والخلفة اختلاف البهائم وغيرها. ويقال: حلب الناقة خليف لبأها، يعني الحلبة التي بعد ذهاب اللبأ؛ والخليف الطريق في الجبل، وقال أبو نصر: هو الطريق وراء الجبل أو في أصله. وقال اللحياني: الخليف الطريق في ما وراء الجبل أو بين الجبلين؛ ويقال المخلفة: الطريق أيضا، يقال: عليك المخلفة الوسطى.
19- ما جاء في التصريح والمكاشفة
«282» - من ذلك قولهم: «صرّح الحقّ عن محضه» .
«283» - «أبدى الصريح عن الرّغوة» ، الرّغوة والرّغوة، لغتان. وهذا
(7/64)

المثل لعبيد الله بن زياد قاله لهانىء بن عروة المرادي في شأن مسلم بن عقيل. يقال للبن حين يحلب: حليب، فإذا ذهبت رغوته فهو صريح. فإذا أمكن أن يصبّ في الإناء فهو صريف، ثم نقيع يومه، ثم حقين إذا جعل في السّقاء، فإذا أخذ طعم السّقاء فهو ممحّل، فإذا أخذ في الحمض فهو قارس، فإذا راب فأمكن أن يمخض فهو ظليم ومظلوم، فإذا انقطع زبده فلم يخرج مستقيما فهو مثمر وثامر، فإذا خرج زبده فهو رائب، فإذا اشتد حمضه فتقطّع فصار اللبن ناحية والماء ناحية فهو الممذق، فإذا اشتدّ حمضه جدا فهو الأدل. يقال: جاءنا بأدلة تروي الوجه، فإذا بلبل وغلظ فهو الهدبد والعكلط والعجلط، وهو الغنميّ إذا صبّ فلم يسمع من خثورته، والمحض الذي لم يخالطه ماء. والخامط الذي أخذ ريحا، فإذا ذهبت عن اللبن حلاوته قيل له السامط، والحازر الذي يشتدّ أيضا، والضّريب الذي حقن أياما فاشتدّت حموضته، والدّواية شبيه الجليدة تعلو اللبن، والرثيئة حليب يصبّ على حامض وقد رثأته. والصّير ماء الجبن والمصل- عربيّ صحيح- والماء الذي يسيل منه المصالة، ويقال للكشك الزّهيدة، والنّسء حليب يصبّ عليه ماء، نسأته أنسوه نسئا، والنّخيسة لبن الضأن يصبّ عليه لبن المعزى. والضّيح الذي كثر ماؤه وهو الضّياح، والمذيق الذي فيه ماء. والرّخف الرّخو من الزّبد، والنّهيد الذي لم يتمّ روب لبنه، والصّرد أن ينقطع منتفثا لا يلتئم.
«284» - ومن أمثالهم: «قد بيّن الصبح لذي عينين» .
«285» - ومنها: «برح الخفاء» .
(7/65)

«286» - ومنها: «أخبرته بعجري وبجري» ، أي أظهرته من ثقتي على معايبي، وأصل العجر العروق المتعقدة، فأما البجر فهي أن تكون في البطن خاصة.
«287» - ومنها: «لبست له جلد النّمر» .
«288» - «قشرت له العصا» .
«289» - «لا مخبأ لعطر بعد عروس» ؛ وقد يضرب في الخطأ وترك الشّيء وقت الحاجة إليه. قال أبو زيد: وأصله أن رجلا تزوج بامرأة فوجدها تفلة، فقال: أين الطيب؟ فقالت: خبّأته فعنّفها، قال: «لا مخبأ لعطر بعد عروس» .
وذكر المفضل: أن المثل لامرأة عروس، وكان رجلا جميلا يسمّى عروسا، فهلك فحملت المرأة عطرا وآلة النساء والطيب، فمرّ بها بعض معارفها فوبّخها وعنّفها، فقالت عند ذلك هذا المثل.
«290» - ومن أمثالهم: «لا أطلب أثرا بعد عين» ، وقد يضرب في الاحتياط للأمر، المثل لمالك بن عمرو الباهلي، كان له أخ يقال له سماك، فقتله رجل من غسّان، فلقيه مالك فأراد قتله، فقال الغسّاني: دعني ولك مائة من الإبل، فقال: لا أطلب أثرا بعد عين، ثم قتله.
«291» - ومن أمثالهم: «ترك الخداع من أجرى من مائة» ، المثل لقيس بن
(7/66)

زهير في رهان داحس والغبراء لما جعل المدى مائة غلوة.
«292» - ويقولون في المكاشفة والتحذير: «قد أعذر من أنذر» .
«293» - «وما له ستر ولا حجر» ، السّتر هاهنا الحياء والحجر العقل.
«294» - ويقولون في الأمر الجلي: «ما يوم حليمة بسرّ» ، وحليمة بنت الحارث بن أبي شمر الغسّاني، ويوم حليمة من أيام العرب المشهورة، ولها فيه حديث معروف، وقد ذكر هذا اليوم في موضع آخر بشرحه.
«295» - ومن أمثالهم في الأمر الشائع: «يكفيك من شرّ سماعه» ، قالته فاطمة بنت الخرشب الأنمارية أمّ الربيع بن زياد، وهي أمّ الكملة إحدى المنجبات، لقيس بن زهير، وكان الربيع أخذ منه درعا فعرض لها قيس ليرتهنها عليه، فقالت: يا قيس أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمّهم يمينا وشمالا فقال الناس ما شاءوا، ويكفيك من شرّ سماعه.
«296» - ومن أمثالهم: «عند التصريح تريح» .
20- ما جاء في التسويف والوعد والوعيد
«297» - يقولون: «مطله مطلا كنعاس الكلب» ، وذاك أنه دائم متصل.
«298» - ويقولون: «أسمع جعجعة ولا أرى طحنا» ، والطّحن الدقيق.
(7/67)

«299» - ومن أمثالهم: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» ، غير مهموز من نبا ينبو.
«300» - ومنها: «جاء ينفض مذرويه» ، إذا جاء يتوعّد ويتهدّد، ولا يقال هذا إلا لمن يتوعد من غير حقيقة، والمذروان فرعا الإليتين.
«301» - ومنها ويقاربها قولهم: «ارق على ظلعك» .
«302» - والمثل السائر: «مواعيد عرقوب» . قالوا: كان عرقوب رجلا من العماليق أتاه أخ له يسأله شيئا فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت أتى الرجل أخاه للعدة فقال: دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت أتاه فقال له: دعها حتى تصير زهوا، فلما أزهت قال: دعها حتى تصير ثمرا، فلما أثمرت عمد إليها عرقوب من الليل فجدّها ولم يعط أخاه منها شيئا، وفيه يقول الأشجعي [1] : [من الطويل]
وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
«303» - ويقولون في الوعيد: «برّق لمن لا يعرفك» .
__________
[1] البيت في اللسان (عرقب) وأمثال ابن سلام.
(7/68)

«304» - ويقولون لمن يعد ولا ينجز وعده «ذكر ولا حساس» .
«305» - ومن أمثالهم في التسويف: «إلى ذاك ما باض الحمام وفرخا» .
21- المكر والمداهنة
«306» - ومن أمثالهم في ذلك: «يسرّ حسوا في ارتغاء» .
«307» - «أمكر وأنت في الحديد» ؛ قاله عبد الملك بن مروان لعمرو بن سعيد الأشدق عند قتله؛ وخبره معه طويل، وقد ذكر في موضع آخر، وقال له عمرو حين قيّده: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن لا تفضحني بأن تخرجني إلى أهل الشام فتقتلني بحضرتهم فافعل؛ وإنما أراد عمرو أن يخالفه فيخرجه، فإذا ظهر منعه أصحابه وحالوا بينه وبين عبد الملك.
«308» - ومن أمثالهم: «من حفر مغوّاة وقع فيها» .
«309» - «أعن صبوح ترقّق» .
أصل المغوّاة البئر تحفر للذئب ثم يجعل فيها جدي أو غيره، فيسقط الذئب فيها ليأخذه فيصطاد.
والمثل الثاني: قال المفضل الضبي فيه: كان نزل رجل بقوم أضافوه ليلا وغبقوه فلما فرغ قال لهم: إذا أصبحتموني غدا فكيف آخذ في حاجتي؟ فقالوا له: أعن صبوح ترقّق؟
(7/69)

«310» - «عاد الرمي على النّزعة» ، والنّزعة الرماة.
«311» - ومن أمثالهم في هذا المعنى: «لأمر ما جدع قصير أنفه» ، وخبر جذيمة يشتمل على هذا المثل وغيره فلا حاجة إلى إعادة ذكره.
«312» - «أطرق كرى إنّ النّعام في القرى» .
«313» - «ما زال يفتل في الذّروة والغارب» ، إذا بالغ في الخداع.
«314» - «الإيناس قبل الإبساس» .
«315» - «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» ، المثل لسهل بن مالك الفزاري، قاله لأخت حارثة بن لأم الطائي.
«316» - ومن أمثالهم في المكر: «خامري أمّ عامر» .
«317» - ويقارب ذلك قولهم: «أمر نهار قضي ليلا» .
318- ويقولون للخبّ: «أروغا ثعالة» .
22- حفظ المودة بالتباعد
«319» - من أمثالهم في هذا: «فرّق بين معدّ تحابّ» . وكتب عمر بن الخطاب
(7/70)

رضي الله عنه إلى أبي موسى أن مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا [1] ، وروي عنه وابن مسعود أنهما قالا [2] : «خالطوا الناس وزايلوهم» ، أي خالطوهم في المعاشرة والأخلاق وزايلوهم بأعمالكم، ويحتمل المباعدة أيضا، ويقارب هذا الكلام قول صعصعة بن صوحان: إذا لقيت المؤمن فخالطه، وإذا لقيت الفاجر فخالفه، ودينك فلا تكلمنه. ويشبه ما روي عن عيسى عليه السّلام: «كن وسطا وامش جانبا [3] » .
23- ما جاء في الضرورة والمعذرة والاعتذار
«أزهد الناس في عالم جاره» ويروى أهله [4] .
«320» - ومن أمثالهم في ذلك: «مكره أخوك لا بطل» ، خبره في قصة بيهس نعامة، وهو مذكور في مكانه من هذا الكتاب.
«321» - «لو ترك القطا لنام» ، هو لامرأة عمرو بن أمامة، وكان نزل بقوم من مراد فطرقوه ليلا فلما رأت امرأته سوادهم أنبهته فقالت: قد أتيت، فقال:
إنما هذه القطا، فقالت: لو ترك القطا لنام. فأتاه القوم فبيتوه فقتلوه.
«322» - ومن أمثالهم: «الشرّ ألجأه إلى مخّ العراقيب» ، وقد يضرب عند مسألة اللئيم.
__________
[1] الميداني 1: 150.
[2] الميداني 1: 243.
[3] الميداني 2: 157 والعسكري 2: 144.
[4] أمثال ابن سلام: 207 والميداني 1: 325.
(7/71)

«323» - ويقولون: «الطعن أظأر» ، يضرب للبخيل يعطي عن ضرورة، يقول: إذا خاف أن يطعنه عطفه ذلك عليه فجاد بماله خوفا منه.
«324» - ويقولون: «الخلّة تدعو إلى السّلّة» ، أي الحاجة تدعو إلى السرقة.
«325» - ويقولون: «لكلّ جواد كبوة ولكلّ عالم هفوة ولكلّ صارم نبوة» .
«326» - ويقولون: «ترك الذّنب أيسر من الاعتذار» .
«327» - ومن أمثالهم: «حيّاك من لا خلا فوه» ، وأصله أن رجلا سلّم عليه وهو يأكل فلم يردّ السلام، فلما فرغ قال هذه المقالة أي كنت مشغولا.
«328» - ومن أمثالهم في الضرورة: «بيتي يبخل لا أنا» .
«329» - «شغلت شعابي جدواي» .
«330» - «بالساعد تبطش الكفّ في الضرورة» ، هذا المثل يضرب أيضا في قلّة الأعوان.
«331» - ومن الاعذار قول قصير بن سعد لعمرو بن عديّ حين أمره أن يطلب ثأر خاله جذيمة من الزّباء، «افعل كذا وخلاك ذمّ» . قال الشاعر:
[من الطويل]
(7/72)

إذا ما شفيت النّفس أبلغت عذرها ... ولا لوم في أمر إذا بلغ العذر
«332» - ومن أمثال الضرورة: «يلبس الخلق من لا جديد له» .
24- تعذر الكمال والمحض
«333» - من أمثالهم فيه: «أيّ الرّجال المهذّب» .
«334» - وقول أبي الدرداء رضي الله عنه: «من لك بأخيك كله» .
«335» - وقولهم: «لا تعدم الحسناء ذاما» ، مخفّف وهو العيب.
25- تعلّق الفعل بما يتعذر والامتناع عنه ما اتّصل المانع، أو فعله ما استمرّ الشيء
«336» - ومن أمثالهم في هذا: «لا آتيك ما حنّت النّيب» .
«337» - ومثله: «لا آتيك ما أطّت الإبل» .
«338» - وقال أبو زيد: «لا آتيك ما اختلفت الدرة والجرة» ، واختلافهما أن الدرّة تنتقل إلى الضّروع والجرة تعلو إلى الرأس.
(7/73)

«339» - «ما اختلف الملوان» ، وهما الليل والنهار، والواحد منهما ملى مقصور.
«340» - ومثله: «ما اختلف الأجدّان» ، وكذلك: «ما اختلف الفتيان» ، ومنه قول الشاعر [1] : [من الكامل]
ما لبث الفتيان أن عصفا بهم ... ولكلّ قفل يسّرا مفتاحا
«341» - ويقولون: «ما أفعله ما سمر ابنا سمير» .
«342» - «ولا آتيك السّمر والقمر» ، يريدون ما كان السمر وما طلع القمر.
«343» - «ولا آتيك سنّ الحسل» ، والحسل ولد الضبّ، حتى تسقط أسنانه، ويقال إنها لا تسقط أبدا حتى يموت.
«344» - قال الأحمر في هذا: «لا آتيك سجيس الأوجس» .
«345» - «سجيس عجيس» ، ومعناهما: الدهر.
«346» - «ولا آتيك الأزلم الجذع» ، وهو الدهر.
__________
[1] البيت في أمثال ابن سلام: 381 واللسان (فتا) .
(7/74)

«347» - «وما حيّ حيّ وما مات ميت» . ويروى عن المفضل أنه قال: هذا المثل للقمان بن عاد.
«348» - ومثله: «لا أفعله دهر الداهرين، وعوض العائضين» .
«349» - «وأبد الآبدين، وأبد الأبيد» .
«350» - «وما حملت عيني الماء» .
«351» - «وحتى يرجع السهم على فوقه» [وهو لا يرجع] أبدا إنما مضاؤه قدما.
«352» - وقال ابن الكلبي: من هذا قولهم: «لا أفعل ذلك معزى الفزر» ، قال: والفزر سعد بن زيد مناة بن تميم، وكان وافى الموسم بمعزى فأنهبها هنالك، فتفرقت في البلاد، فالمعنى في معزى الفزر حتى تجتمع تلك، وهي لا تجتمع الدهر كله، وإنما سمي الفزر لأنه قال: من أخذ منها واحدة فهي له، ولا يؤخذ منها فزر، قال: وهي الاثنان.
«353» - «ولا أفعل ذلك حتى يؤوب القارظان» ، وهما من عنزة، فالأول منهما يذكر بن عنزة لصلبه، عشق فاطمة بنت خزيمة بن نهد، وخبرهما يرد في
(7/75)

أخبار العرب، والقارظ الآخر زهير بن عامر بن عنزة خرج يجتني القرظ فلم يرجع ولا علم بخبره.
«354» - ومن أمثالهم: «حتى يؤوب المنخّل» ، وخبره شبيه بهذا الخبر.
26- وضع الشيء في موضعه
355- من أمثالهم في هذا: «ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا» . وأصله أن رجلا حمل على رجل ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رمح فأنساه الدّهش والجزع ما في يده، فقال الحامل: ألق الرمح، فقال الآخر: أرى معي رمحا وأنا لا أشعر به، ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا، وكرّ على صاحبه فقتله أو هزمه، وقيل إن الحامل: صخر بن معاوية السّلمي والمحمول عليه: يزيد بن الصعق الكلابي.
«356» - ومن أمثالهم: «خلع الدّرع بيد الزّوج» .
«357» - «التجرّد لغير النكاح مثلة» ، وهما مثلان قالتهما رقاش بنت عمرو ابن تغلب بن وائل، تزوجها كعب بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة فقال لها: اخلعي درعك، فقالت: خلع الدرع بيد الزوج، فقال: اخلعيه لأنظر إليك، فقالت:
التجرّد لغير النكاح مثلة.
«358» - وقريب من معنى هذا الفصل قولهم: «اذكر الغائب يقترب» .
(7/76)

«359» - «اذكر غائبا تره» . والثاني قاله عبد الله بن الزبير وقد ذكر المختار وهو غائب فقدم عليه.
وقال عتبة بن أبي سفيان: العجب من علي بن أبي طالب عليه السّلام ومن طلبه الخلافة وما هو وهي؟ فقال معاوية: اسكت يا اوزه، فوالله إنه فيها كخاطب الحرة إذ يقول: [من الطويل]
لئن كان أدلى خاطب فتعذّرت ... عليه وكانت رائدا فتمطّت
لما تركته رغبة عن حباله ... ولكنها كانت لآخر حطت
وقال النجاشي الحارثي [1] : [من البسيط]
إني امرؤ قلّ ما أثني على أحد ... حتى أبيّن ما يأتي وما يذر
لا تحمدنّ امرءا حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّ من لم يبله الخبر
وفي بعض الحديث: لا تعجلوا بحمد الناس ولا ذمّهم، فإنّ أحدا لا يدري بما يختم له.
«360» - ومن أمثال العرب: «لا تحمدنّ أمة عام اشترائها ولا حرّة عام بنائها» .
«361» - ومثله: «لا تهرف قبل أن تعرف» ، والهرف الإطناب.
__________
[1] مجموعة المعاني: 81.
(7/77)

27- وضع الشيء في غير موضعه
قال أوس بن حجر: كمن دبّ يستخفي وفي الحلق جلجل.
«362» - ومن أمثال العرب: «خرقاء ذات نيقة» .
«363» - ومنها: «كالحادي وليس له بعير» .
«364» - ومن أمثالهم. «وحمى ولا حبل» ، يضربونه للشهوان وليس بجائع.
«365» - ومنها: «يحمل شنّ ويفدّى لكيز» ، وهما ابنا قصيّ بن عبد القيس، قاله شنّ لأمهما، وكانت تؤثر لكيزا عليه.
«366» - ويقولون: «ليس هذا بعشك فادرجي» .
«367» - ويقولون: «كمستبضع التمر إلى هجر» .
«368» - «متى كان حكم الله في كرب النخل» وهو نصف بيت لجرير قاله لشاعر من عبد القيس وقد حكم للفرزدق على جرير.
(7/78)

«369» - وقال الشاعر: [من الوافر]
فإنّك والكتاب إلى عليّ ... «كدابغة وقد حلم الأديم»
«370» - يقولون: «كالأمة تفخر بحجر ربتها» .
وقال ابن هرمة [1] : [من المتقارب]
«كتاركة بيضها بالعراء» ... وملحفة بيض أخرى جناها
قيل: أراد الكروان، فإنه يترك بيض نفسه ويحضن بيض غيره، وإن حمل على العموم كان حسنا.
وقال العديل بن الفرخ العجلي [2] : [من الطويل]
وكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابية صلد
كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بني بطنها هذا الضلال عن القصد
وقال آخر [3] : [من الطويل]
وإن كلام المرء في غير كنهه ... لكالنّبل ترمى ليس فيها نصالها
وقال يزيد بن ضبة [4] : [من الكامل]
__________
[1] بيت ابن هرمة في أمثال ابن سلام: 294 (وفيه تخريج) ومجموعة المعاني: 83.
[2] مجموعة المعاني: 83.
[3] مجموعة المعاني: 83.
[4] مجموعة المعاني: 83.
(7/79)

لا تبدينّ مقالة مأثورة ... لا تستطيع إذا مضت إدراكها
وقال آخر [1] : [من الطويل]
إذا عركت عجل بنا ذنب طيّء ... عركنا بتيم اللّات ذنب بني عجل
وقال حارثة بن بدر، ويروى لأنس بن زنيم الليثي [2] : [من الطويل]
أهان وأقصى ثم يستنصحونني ... ومن ذا الذي يعطي نصيحته قسرا
وقال آخر: [من الطويل]
ولم أر ظلما مثل ظلم ينالنا ... يساء إلينا ثم نؤمر بالشكر
وقال آخر: [من الوافر]
وكم من موقف حسن أحيلت ... محاسنه فعدّ من الذّنوب
«371» - ومن أمثالهم: «تبصر القذاة في عين أخيك وتعمى عن الجذع في عينك» ، «وتدع الجذع المعترض في حلقك» . وقد روي هذا المثل بألفاظ مختلفة، فمنها: أن رجلا كان أبوه صلب في حرب، ثم إنه قاول آخر وعابه، فقال له الآخر:
أحدكم يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع معترضا في است أبيه.
«372» - ويقولون: «في ذنب الكلب تطلب الإهالة» والإهالة الودك، لمن يطلب الشيء من غير وجهه.
__________
[1] مجموعة المعاني: 83.
[2] مجموعة المعاني: 83.
(7/80)

28- ما جاء في إصلاح المال
«373» - «لا جديد لمن لا يلبس الخلق» ، قالته عائشة رضي الله عنها، وقد وهبت مالا عظيما ثم رقعت ثوبا لها.
«374» - وقال أحيحة بن الجلاح: «التمرة إلى التمرة تمر» ؛ «والذّود إلى الذّود إبل» . ومنه [1] : [من الوافر]
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
«375» - ويقولون: «من ذهب ماله هان على أهله» .
«376» - ويقرب منه قولهم: «الشحيح أعذر من الظالم» .
«377» - ومن أمثالهم: «لا تفاكه أمة ولا تبل على أكمة» .
29- تسهيل الأمور ودفع الأقدم بالأحدث
«378» - ومن أمثالهم فيه: «كان جرحا فبرأ» ، قاله بعض العرب وأصيب بابن له فسئل عنه بعد مدة.
__________
[1] البيت في أمثال ابن سلام: 190 وهو للمتلمس الضبعي.
(7/81)

379- ومثله قول أبي خراش [1] : [من الطويل]
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
«380» - ومنه قولهم: «هوّن عليك ولا تولع بإشفاق» .
وقال الأحوص [2] : [من البسيط]
إن القديم وإن جلّت رزيّته ... ينضو فينسى ويبقى الحادث الأنف
«381» - ويقولون: «جاء ثانيا من عنانه» ، إذا جاء وقد قضى حاجته.
«382» - ويقولون: «لا تعدم صناع ثلّة» : والثلة الصوف تغزله المرأة.
383- و «لن تعدم سارقة حثيثا» .
«384» - ومن أمثالهم: «أنجد من رأى حضنا» ، وحضن جبل بنجد، يضرب ذلك لمن بلغ مقصده.
«385» - ومن أمثالهم في تسهيل الشيء: «أوردها سعد وسعد مشتمل» ، يعني أنه أورد إبله شريعة الماء ولم يوردها على بئر فيحتاج إلى الاستقاء.
__________
[1] بيت أبي خراش في أمثال ابن سلام: 162 وديوان الهذليين 2: 158.
[2] شعر الأحوص: 158.
(7/82)

«386» - ومنه: «أهون السقي التشريع» .
«387» - «هذا على طرف الثّمام» ، وذلك أن الثمام لا يطول فيشقّ على المتناول.
«388» - ومنه: «كلا جانبي هرشى لهنّ طريق» ، يضرب إذا سهل الأمر من الوجهين.
ومن التسهيل والمقاربة كلام ابن المعتز: أبق لرضاك من غضبك، وإذا طرت فقع قريبا.
وقال أعرابي: [من الطويل]
وقد غضبوا حتى إذا ملأوا الربى ... ولو أن إقرارا على الضّيم أروح
وقال عمرو بن أسيد الأسدي: [من الطويل]
كأنّك لم تسبق من الدّهر ليلة ... إذا أنت أدركت الذي أنت تطلب
ومثله: [من الطويل]
كأنّ الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تموّلا
«389» - وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لما قتل القاري الأنصاري عصماء بنت مروان اليهودية وكانت تهجو النبي صلّى الله عليه وسلم فطرقها ليلا فقتلها: «لا ينتطح فيها عنزان» .
وذلك أن العنز لا تبالغ، وإنما تشام وترجع، فهو أسهل ما يكون بين المتلاقيين.
(7/83)

«390» - ومن أمثالهم: «كل امرىء في بيته صبي» ، ويراد به تسهيل الخلق.
«391» - ويقولون في التسهيل وما يجتزىء به: «قد تقطع الدّوّيّة الناب» .
30- ما جاء في العداوة والشماتة والرمي بالعضيهة
«392» - من أمثالهم في هذا: «رماه بثالثة الأثافي» ، وهي القطعة المتصلة بالجبل يجعل إلى جنبها اثنتان. وقال خفاف بن ندبة: [من الوافر]
فإن قصيرة شنعاء منّي ... إذا حضرت كثالثة الأثافي
«393» - ويقولون: «لا تدّريه لعرضك فيلزم» ، تدّريه تغريه ويلزم يضرى.
«394» - ويقولون: «لا ترى العكليّ إلا حيث يسوءك» .
«395» - ويقولون: «رماه بالعضيهة وبالأفيكة وبالبهيتة» .
«396» - «ورماه بأقحاف رأسه» .
«397» - ومن أمثالهم: «رمتني بدائها وانسلّت» ، وقال المفضل: المثل لرهم بنت الخزرج من كلب وكانت امرأة سعد بن زيد مناة، وكان لها ضرائر
(7/84)

فسابّتها إحداهن يوما فرمتها رهم بعيب كان في رهم، فقالت ضرّتها: رمتني بدائها وانسلّت، فذهبت مثلا. ويشبه هذا المثل [1] : [من الكامل]
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال عدي بن زيد: [من الرمل]
واجتنب أخلاق من لم ترضه ... لا تعبه ثم تقفو في الأثر
وقال عبد الله بن معاوية الجعفري [2] : [من المتقارب]
ولا تقربنّ الصنيع الذي ... تلوم أخاك على مثله
«398» - ومن أمثالهم في هذا: «محترس من مثله وهو حارس» .
«399» - ويقال في العداوة: «هو أزرق العين» .
«400» - «وهم سود الأكباد» .
«401» - «وهم صهب السّبال» ، في كشف العداوة.
«402» - ويقال: «بينهم داء الضّرائر» .
__________
[1] البيت للمتو كل الليثي في أمثال ابن سلام: 74 وحماسة البحتري.
[2] شعره المجموع: 75.
(7/85)

«403» - ويقولون: «جلّى محبّ نظره» . قال زهير [1] : [من الوافر]
فإن يك في صديق أو عدوّ ... تخبّرك العيون عن القلوب
«404» - وقال أكثم بن صيفي: «من لا حاك فقد عاداك» .
«405» - ويقولون: «هو يعض على الأرّم» ، يقال ذلك في الغيظ، يقال إنها الحصى ويقال الأضراس.
«406» - ويقولون: «بينهم عطر منشم» ، يراد به الشرّ العظيم.
«407» - ويقولون: «عصبه عصب السّلمة» ، وهي شجرة لها شوك إذا أرادوا قطعها عصبوا أغصانها حتى يصلوا إليها.
«408» - ويقولون في الشماتة: «من ير يوما ير به» . ومنه قول نهشل بن حريّ [2] : [من الطويل]
ومن ير بالأقوام يوما يرونه ... معرّة يوم لا توازى كواكبه
__________
[1] شرح ديوانه: 333.
[2] مجموعة المعاني: 66.
(7/86)

فقل للّذي يبدي الشماتة جاهلا ... سيأتيك كأس أنت لا بدّ شاربه
وقال حارثة بن بدر [1] : [من البسيط]
يا أيها الشّامت المبدي عداوته ... ما بالمنايا التي عيّرت من عار
تراك تنجو سليما من غوائلها ... هيهات لا بدّ أن يسري بك الساري
والمستحسن في ذلك قول عدي بن زيد [2] : [من الخفيف]
أيها الشامت المعيّر بالده ... ر أأنت المبرّأ الموفور
وقال الأخطل [3] : [من الطويل]
لقد عثرت بكر بن وائل عثرة ... فإن عثرت أخرى فلليد والفم
وقال تميم بن [أبي بن] مقبل [4] : [من الطويل]
إذا الناس قالوا كيف أنت وقد بدا ... ضمير الذي بي قلت للناس صالح
ليرضى صديق أو ليبلغ كاشحا ... وما كلّ من أسلفته الودّ ناصح
وقد أحسن المتنبي في قوله [5] : [من البسيط]
ولا تشكّ إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
__________
[1] مجموعة المعاني: 67.
[2] مجموعة المعاني: 66 وديوان عدي: 87.
[3] شعر الأخطل 2: 472.
[4] ديوان ابن مقبل: 42- 43.
[5] ديوان المتنبي: 513.
(7/87)

31- ما جاء في الاتفاق والتحابّ والاستمالة
«409» - من أمثالهم في هذا: «كانت لقوة صادفت قبيسا» ، تضرب في سرعة الاتفاق، قال أبو عبيدة، اللقوة السريعة الحمل والقبيس العجل السريع الإلقاح.
«410» - ومنه: «التقى الثّريان» ، والثرى التراب النديّ، فإذا جاء المطر الكثير رسخ في الأرض حتى يلتقي بنداه، والندى الذي يكون في بطن الأرض.
«411» - ومن أمثالهم: «لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها معها» .
«412» - ويقولون: «ألقى عليه شراشره» .
«413» - «وألقى عليه بعاعه» ، أي ألقى عليه نفسه من حبه.
«414» - ويقولون: «نظرة من ذي علق» .
«415» - ومنها: «وافق شنّ طبقة» ، وفيه تأويلان: أحدهما أنهما قبيلتان كان فيهما شرّ فالتقتا، وشنّ من عبد القيس وطبقة من إياد؛ والآخر أنّ الشنّ القربة الخلق عمل منها إداوة فجاء موافقا، وقد فسّر بوجه ثالث قد ذكر في باب الكناية.
(7/88)

«416» - ويقولون: «هما كندماني جذيمة» ، قيل هما مالك وعقيل من بلقين كانا لا يفترقان. وقيل إن جذيمة كان لا ينادم أحدا ترفّعا وكبرا، ويقول:
إنما أنادم الفرقدين، والشعر قد دلّ على الأول وهو الأصح.
«417» - ومن أمثالهم في الاستمالة: «أرغوا لها حوارها تحنّ» ، أصله أن الناقة إذا سمعت رغاء حوارها سكنت وهدأت.
418- ومنه قول معاوية حين رفع قميص عثمان: حرّك لها حوارها تحنّ.
«419» - ومنها: «إن الرثيئة مما يفثأ الغضب» وأصله أن رجلا كان غضبانا على قوم، قال أبو زيد: وأحسبه كان جائعا، فسقوه رثيئة فسكن غضبه.
«420» - ومنها: «العاشية تهيج الآبية» ، أي تراها تأكل فتميل فتأكل بعد الإباء.
32- ما جاء في قوة الخلق على التخلّق
«421» - من أمثالهم في هذا: «إن العناء رياضة الهرم» .
«422» - ويقولون: «إن العروق عليها ينبت الشجر» ، يضربونه في شبه الفرع بالأصل. قريب من هذا المعنى.
(7/89)

«423» - يقولون: «أعييتني بأشر فكيف بدردر» ، يقول: لم تقبلي الأدب وأنت شابة ذات أشر فكيف وقد أسننت وبدأت درادرك، وهي مغارز الأسنان.
«424» - ويقولون: «أعييتني من شبّ إلى دبّ» ، أي من [لدن] شببت إلى أن دببت هرما. وقال ذو الاصبع العدواني [1] : [من البسيط]
كلّ امرىء صائر يوما لشيمته ... وإن تخلّق أخلاقا إلى حين
وهو القائل أيضا [2] : [من البسيط]
اعمد إلى الحقّ فيما أنت فاعله ... إن التخلّق يأتي دونه الخلق
وقال المخضّع النبهاني [3] : [من الطويل]
ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه ... يدعه وترجعه إليه الرواجع
وقال سليمان بن المهاجر، وتروى لحاتم [4] : [من الطويل]
ومن يبتدع ما ليس فيه سجيّة ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها
وقال آخر: [من الوافر]
وكيف ملامتي إذ شاب رأسي ... على خلق نشأت به غلاما
__________
[1] مجموعة المعاني: 160.
[2] مجموعة المعاني: 160.
[3] مجموعة المعاني: 160.
[4] مجموعة المعاني: 160.
(7/90)

وقال عمرو بن كلثوم [1] : [من الطويل]
ولكن فطام النّفس أيسر محملا ... من الصخرة الصمّاء حين ترومها
وقال صالح بن عبد القدوس [2] : [من الطويل]
ولن يستطيع الدهر تغيير خلقه ... لئيم ولن يسطيعه متكرّم
كما أنّ ماء المزن ما ذيق سائغ ... زلال وماء البحر يلفظه الفم
33- ما جاء في ذليل استعان بمثله
«425» - من أمثالهم فيه: «مثقل استعان بدفّيه» ، وأصله البعير يحمل عليه الحمل الثقيل ولا يقدر على النهوض، فيعتمد على دفّيه على الأرض، والدف الجنب.
«426» - ومثله «عبد صريخه أمة» .
قال الفرزدق: لقد خزيت قيس وذلّ نصيرها.
وقال آخر: وداعية عند القبور نصيرها.
42»
- ومن أمثالهم: «ذليل عاذ بقرملة» ، والقرمل نبات كل من رآه انتزعه من أصله لضعفه.
__________
[1] مجموعة المعاني: 161.
[2] مجموعة المعاني: 163.
(7/91)

34- ما جاء في النفع والضر ومعايبهما
«428» - من أمثالهم في ذلك: «سبق درّته غراره» ، الغرار قلة اللبن، والدّرة كثرته. يقولون: «سبق شرّه خيره» .
«429» - ويقولون: «هل بالرّمل أوشال؟» أي لا خير عنده، كما أن الرمل لا يكون فيه وشل.
«430» - ويقولون: «ما يبضّ حجره» ، والبضّ أدنى ما يكون من السّيلان.
«431» - ومن أمثالهم: «ما هو في العير ولا في النفير» ، فالعير عير قريش والنفير نفير قريش من مكة لحماية العير، فكانت غزوة بدر.
«432» - «صقر يلوذ بحمام العوسج» .
«433» - «خير مالك ما نفعك» .
«434» - «لم يضع من مالك ما وعظك» ، وهذا المثل لأكثم بن صيفي.
«435» - ويقولون: «ما عنده خلّ ولا خمر» ، أي ما عنده من الخير شيء.
(7/92)

«436» - ويقولون: «من شرّ ما ألقاك أهلك» ، يضرب لمن يتجافاه الناس ولا نفع عنده. وقال ابن لنكك البصري [1] : [من البسيط]
وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفرّ منها إذا مالت إلى الضّرر
وقال البحتري [2] : [من الطويل]
يقلّ غناء القوس نبع نجارها ... وساعد من يرمي عن القوس خروع
وقال عدي بن زيد [3] : [من الطويل]
إذا أنت لم تنفع بودّك أهله ... ولم تنك بالبوسى عدوّك فابعد
وقال قيس بن الخطيم [4] : [من الطويل]
إذا المرء لم يفضل ولم يلق نجدة ... مع القوم فليقعد بضعف ويبعد
وقال عبد الله بن معاوية [5] : [من الطويل]
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنما ... يراد الفتى كيما يضرّ وينفع
وقال آخر: [من الطويل]
وإن فتى الفتيان من راح أو غدا ... لضرّ عدوّ أو لنفع صديق
__________
[1] اليتيمة 2: 358.
[2] ديوان البحتري: 1269.
[3] مجموعة المعاني: 175 وديوان عدي: 105.
[4] مجموعة المعاني: 175 وديوان قيس 73.
[5] مجموعة المعاني: 175.
(7/93)

35- ومن أمثالهم مما جاء في النفع من حيث لا يحتسب
«437» - «جباب فلا تعقّ آبرا» : يضرب في عدم النفع، والجباب الجمّار الذي لا طلع فيه، والآبر الذي يلقح النخل.
36- ما جاء في المبالغة
«438» - «ربّ أخ لك لم تلده أمّك» ، يقال إنه للقمان بن عاد، وذلك أنه رأى رجلا مستخليا بامرأة فاتهمه فقال: من هذا؟ فقالت: أخي، وصار قوله مثلا لغير ما قصد له.
«439» - ويقولون: «الضّجور قد تحلب العلبة» ، ويضرب للمنوع قد ينال منه الشيء.
«440» - ويقولون: «ربّ رمية من غير رام» .
«441» - و «في الخواطىء سهم صائب» ، وقريب منه: «الأمر يجيء فوق ما في النفس» .
«442» - «ليس الري عن التشافّ» ، وأصل التشاف أن يشرب الرجل الشّفافة كلّها، وهي بقية الماء في الإناء. يقول: قد يروى الشارب قبل بلوغ تلك وكذلك الحاجة.
(7/94)

«443» - ويقولون: «قد يبلغ القطوف الوساع» .
«444» - و «قد يبلغ الخضم القضم» .
«445» - يقولون: «خذها ولو بقرطي مارية» ، وهي أم ولد جفنة الغسانيين، يقال للرجل يطلب الشيء فيحث على المبالغة فيه.
«446» - ومن هذا الفن قوله صلّى الله عليه وسلم لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب لما جاء مسلما وكان هجا النبي صلّى الله عليه وسلم: «كل الصيد في جوف الفرا» .
«447» - ويقولون: هو «بين الخلب والكبد» للمبالغة في الحنوّ والإشفاق.
«448» - ويقولون: «ليس لما قرّت به العين ثمن» .
«449» - ويقولون: «إذا لم تسمع فألمع» .
«450» - «إذا ضربت فأوجع» . ويكون الأول لا تترك في الأمر شبهة.
37- ما جاء في الأمر النادر
«451» - من أمثالهم في ذلك: «إنما هو كبارح الأروى» ، يضرب للرجل لا
(7/95)

يرى منه شيء إلا في الزمان مرة، لأن الأروى مساكنها الجبال، ولا تكاد ترى سانحة ولا بارحة.
«452» - «است لم تعوّد المجمر» .
«453» - «كانت كبيضة العقر» .
38- ما جاء في الجبن والذل
«454» - «إن الجبان حتفه من فوقه» ، قاله عمرو بن مامة في شعر له.
«455» - «كلّ أزبّ نفور» ، قاله زهير بن جذيمة العبسي، وإنما كان نفار الأزب من الإبل لكثرة شعره، ويكون ذلك في عينه، فكلما رآه ظنّ أنه شخص يطلبه فنفر من أجله.
«456» - «عصا الجبان أطول» ، وإنما يطيلها من جبنه إرهابا لعدوّه.
«457» - ومنها: «روغي جعار فانظري أين المفرّ» .
«458» - ومنها: «أفلت وانحصّ الذنب» ، المثل لمعاوية، وكان بعث رجلا من غسان إلى ملك الروم، وجعل له ثلاث ديات على أن ينادي بالأذان إذا دخل
(7/96)

عليه مجلسه، ففعل ذلك الغسّاني وعند ملك الروم بطارقته، فوثبوا عليه ليقتلوه، وثاروا إلى وجهه بالسيوف فنهاهم ملكهم وقال: كنت أظنّ أنّ لكم عقولا، إنما أراد معاوية أن أقتل هذا غدرا وهو رسول، فيفعل ذلك بكل مستأمن منا ويهدم كلّ كنيسة في مملكته، فجهّزه وأكرمه وردّه. فلما رآه معاوية قال: أفلت وانحصّ الذنب، فقال: كلا إنه لبهلبه، وحدثه الحديث، فقال معاوية: لقد أصاب ما أردت.
«459» - ومن أمثالهم: «أفلت وله حصاص» .
«460» - «أفلتني جريعة الذقن» ، إذا كان منه قريبا.
«461» - ويقال للخائف: «أفرخ روعك» ، والمثل لمعاوية، قاله لزياد.
39- الجهل والحمق
«462» - ومن أمثالهم: «لا يدري ما هرّ من برّ» .
«463» - و «لا يدري أي طرفيه أطول» ، معناه أنسب أبيه أفضل أم نسب أمه؟
«464» - ومنها: «لا يدري أسعد الله أكثر أم جذام» وهما حيان بينهما من التفاوت ما لا يخفى على جاهل، قاله حمزة بن الضليل البلوي لروح بن زنباع الجذامي.
(7/97)

وقال الشاعر: [من الوافر]
لقد أفحمت حتى لست تدري ... أسعد الله أكثر أم جذام
«465» - ويقولون: «ضلّ الدّريص نفقه» ، وهو تصغير الدّرص، والدّرص ولد اليربوع، يضرب في الحجة إذا أضلّها الباغي.
«466» - «قد يضرط العير والمكواة في النار» ، كأنه جاهل بما يراد به.
ويروى هذا المثل عن عمرو بن العاص.
«467» - ويقولون: «حدّث حديثين امرأة فإن أبت فأربعة» .
ويروى «حدّث حديثين امرأة فإن لم تفهم فأربع» ، أي كفّ عنها واسكت.
«468» - ومن أمثالهم: «ربما كان السكوت جوابا» .
«469» - ويقولون: «كالممهورة من مال أبيها» .
«470» - و «كالممهورة إحدى خدمتيها» .
«471» - ويقولون: «خرقاء عيّابة» .
«472» - ومن أمثالهم: «من كل شيء تحفظ أخاك إلا من نفسه» .
«473» - «سفه بالناب الرغاء» ، أي سفه بالشيخ التصابي.
(7/98)

40- البلية على البلية
«474» - من أمثالهم في هذا: «أغيرة وجبنا» ، قالته امرأة من العرب لزوجها، وقال أبو عبيدة: هذه امرأة المثنى بن حارثة، قالته يوم القادسية لسعد ابن أبي وقاص، كان قد تزوجها بعد قتل المثنى.
«475» - ومن أمثالهم: «هو بين حاذف وقاذف» ، والحاذف بالعصا والقاذف بالحجر.
«476» - ويقولون: «ضغث على إبالة» ، الإبّالة الحزمة من الحطب، والضغث الجرزة التي فوقها.
«477» - ويقولون: «أحشفا وسوء كيلة» .
«478» - ومن قول عامر بن الطفيل: «أغدّة كغدة البعير وموتا في بيت سلولية» . قال الشاعر [1] : [من الكامل]
غضبت تميم أن تقتّل عامر ... يوم النّسار فأعقبوا بالصّيلم
«479»
- ومن أمثالهم: «كالمستغيث من الرّمضاء بالنار» . أخذ العسس
__________
[1] البيت في اللسان (صلم) لبشر بن أبي خازم وديوانه: 180.
(7/99)

المستهلّ بن الكميت بن زيد في أيام المنصور فحبس، فكتب يشكو حاله وكتب في آخر الرقعة [1] : [من الطويل]
إذا نحن خفنا في زمان عدوّكم ... وخفناكم إن البلاء لراكد
فقال المنصور: صدق المستهلّ وأمر بتخلية سبيله.
«480»
- ومن أمثالهم: «إن جرجر العود فزده ثقلا» .
«481»
- ومنها: «هل بعد السلب إلا الإسار» .
41- خيبة الأمل والسعي
«482»
- ومن أمثالهم في نحو هذا: «كطالب القرن جدعت أذنه» .
«483»
- ومنها: «كالباحث عن الشفرة» .
«484»
- «كالشاة تبحث عن سكين جزار» .
«485»
- «سقط العشاء به على سرحان» .
__________
[1] البيت في الأغاني 16: 348.
(7/100)

«486»
- «كمبتغي الصيد في عرّيسة الأسد» .
وقال جرير [1] : [من الطويل]
يشقّ على ذي الحلم أن يتبع الهوى ... ويرجو من الأمر الذي ليس لاقيا
وإني لمغرور أعلّل بالمنى ... ليالي أرجو أنّ مالك ماليا
وقال الأقرع بن معاذ: [من الطويل]
وكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد الظّنّة المتنصّح
وقال عديّ بن زيد [2] : [من الرمل]
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
«487»
- ومن أمثال أكثم بن صيفي: «من فسدت بطانته كان كمن غصّ بالماء» .
«488»
- ومن أمثالهم: «رجع فلان من حاجته بخفّي حنين» ، وحنين إسكاف بالحيرة، ساومه أعرابي بخفّين فاختلفا حتى أغضبه الأعرابي، فلما ارتحل ألقى أحد خفّيه في طريقه ثم ألقى الآخر في موضع آخر، فلما مرّ الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا بخفّ حنين، لو كان معه الآخر أخذته؛ ومضى فلما
__________
[1] ديوان جرير: 80.
[2] بيت عدي في أمثال ابن سلام: 179 والحيوان 5: 138 واللسان (عصر- شرق) وديوانه: 93.
(7/101)

انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأول، فلما مضى الأعرابي عمد حنين إلى راحلته وما عليها وذهب بها، وأقبل الأعرابي ليس معه غير الخفّين، فقال له قومه: ماذا جئت به من سفرك؟ فقال: قد جئتكم بخفّي حنين، فصار مثلا.
«489»
- ويقال للرجل إذا جاء من حاجته فارغا: «جاء يضرب أصدريه» ، أي عطفيه، ويقرب من هذا المعنى قول الشاعر: [من الطويل]
يقولون إن العام أخلف نوؤه ... وما كلّ عام روضة وغدير
«490»
- ويقرب من ذلك قولهم: «أسمن كلبك يأكلك» ، ويقال سمّن.
قال المفضل: كان لرجل من طسم كلب يسقيه اللبن ويطعمه اللحم، وكان يأمل فيه أن يصيد، فضري الكلب على ذلك، فجاع يوما وفقد اللحم، فجاء ربّه فوثب عليه وأكل من لحمه.
42- ما جاء في العدة بارتحالها فيجدها
«491»
- من الأمثال في ذلك قولهم: «إلى أمه يلهف اللهفان» .
«492»
- و «لمثله كنت أحسيك الحسى» ، وأصله الرجل يغذو فرسه بالألبان فيقول ذلك عند الهرب والنجاة. ومثله قول القطامي [1] : [من الكامل]
__________
[1] بيت القطامي في أمثال ابن سلام: 180 وعيون الأخبار 3: 2 وديوانه: 111.
(7/102)

وإذا يصيبك والحوادث جمّة ... حدث حداك إلى أخيك الأوثق
«493»
- ويتصل بهذا المعنى من وجه آخر قولهم: «كلّ ضبّ عنده مرداته» ، والمرداة الحجر الذي يرمى به، ويقال: إن الضب قليل الهداية فلا يتخذ جحره إلا عند حجر يكون علامة له، فبه يرميه الطالب له، فهو كالعدة له.
43- ألزم الأمور بصاحبها
«494»
- من أمثالهم في هذا: «ابنك ابن بوحك» .
«495»
- «ابنك من دمّى عقبيك» . ويروى: ولدك. وكان المفضل يخبر بهذا المثل عن امرأة لطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهي امرأة من بلقين، فولدت له عقيل بن الطفيل فتبنّته كبشة بنت عروة بن جعفر بن كلاب، فقدم عقيل على أبيه يوما فضربه، فجاءته كبشة فمنعته وقالت: ابني، فقالت القينية: ابنك من أدمى عقبيك.
«496»
- ومن أمثالهم من ذلك: «منك الحيض فاغسليه» .
«497»
- ومن أمثالهم في تقارب هذا المعنى: «الحريص يصيدك لا الجواد» .
«498»
- وقال المساور بن هند: «إن الشقي بكل حبل يخنق» .
(7/103)

«499»
- ومثله: «إن الشقاء على الأشقين مصبوب» .
«500»
- ومن أمثالهم: «شنشنة أعرفها من أخزم» .
«501»
- «لا يدعى للجلّى إلا أخوها» .
«502»
- «ربّ مملول لا يستطاع فراقه» .
503- «ربّ مخالفة لا يمكن طلاقها» .
«504»
- «لا يعجز مسك السّوء عن عرف السوء» .
«505»
- ويقرب من هذا المعنى قولهم: «أينما أذهب ألق سعدا» ، قاله الأضبط ابن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، آذته عشيرته من بني سعد، فخرج عنهم فجعل لا يجاور قوما إلا آذوه، أي أفرّ من الأذى إلى مثله.
44- الجاني على نفسه
«506»
- من أمثالهم في هذا: «أتتك بحائن رجلاه» .
«507»
- «يداك أوكتا وفوك نفخ» ، الأول قاله عمرو بن هند وكان آلى
(7/104)

ليقتلنّ من تميم مائة رجل- في خبر طويل- وليحرقنّهم، فأحرق تسعة وتسعين وأعوزه الرجل، فإذا براكب يخبّ وقد رأى القتار فظنّه الطعام يصنع، فلما أشرف على عمرو وقال له من أنت؟ قال: من البراجم.
508- فقال له عمرو: «إن الشقيّ راكب البراجم» ، فأرسلها مثلا، ثم أحرقه؛ والمثل الثاني أصله أن رجلا كان في بعض جزائر العرب، فأراد أن يعبر على زقّ قد نفخ فيه فلم يحسن إحكامه حتى إذا توسط البحر خرجت منه الريح فغرق، فلما غشيه الموت استغاث برجل فقال له هذه المقالة.
509- ومن أمثالهم: «لا يضرّ الشرّ إلا من جناه» .
«510»
- «لا يحزنك دم ضيّعه أهله» .
«511»
- «على أهلها دلّت براقش» . الأول قاله جذيمة الأبرش لما قطعت الزبّاء رواهشه فقال قائل: احفظوا دم الملك لا يقطر منه إلى الأرض شيء فقال جذيمة عند ذلك هذا المثل. وأما براقش فهي كلبة نبحت على جيش مرّوا ولم يشعروا بالحي الذي فيه الكلبة، فلما سمعوا نباحها علموا أن أهلها هناك، فعطفوا عليهم فاستباحوهم.
«512» - ومن أمثالهم مما يقارب هذا: «كانت عليهم كراغية البكر» وهو بكر ثمود، وخبره سائر.
«513» - ويقولون: «نزت به البطنة» .
(7/105)

«514» - ومن أمثالهم: «كالنازي بين القرينين» ، وأصله في الإبل أن يترك الذكر فيأخذ في النزوان حتى يوثق في القران، ويقرب من هذه المعاني قول ابن هرمة [1] : [من الوافر]
وحسبك تهمة ببريء قوم ... يضمّ على أخي سقم جناحا
«515» - ومن أمثالهم: «كمجير أمّ عامر» .
«516» - ومنها: «ما لاقى يسار الكواعب» ، وكان من حديثه أن عبدا لبعض العرب ولمولاه بنات فجعل يتعرّض لهنّ ويراودهنّ عن أنفسهنّ، فقلن له: يا يسار اشرب ألبان هذه اللقاح ونم في ظلال هذه الخيام، ولا تتعرّض لبنات الكرام، فأبى؛ فلما أكثر عليهنّ واعدنه ليلا فأتاهنّ وقد أعددن له موسى، فلما خلا بهنّ قبضن عليه فجببن مذاكيره، فصار مثلا لكلّ جان على نفسه متعدّ لطوره.
«517» - ومن أمثالهم: «كالكبش يحمل شفرة وزنادا» .
518- «أحسن فوق» . وقال نصيب [2] : [من الطويل]
وإني وإياهم كساع لقاعد ... مقيم وأشقى الناس بالشعر قائله
__________
[1] ديوان ابن هرمة: 83.
[2] شعر نصيب: 117.
(7/106)

45- الإحالة بالذنب على من لم يجنه
من ذلك قول النابغة [1] : [من الطويل]
وحمّلتني دنب امرىء وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
والعرّ داء يأخذ الإبل في مشافرها وقوائمها، تزعم العرب أنهم إذا كووا الصحيح برىء السقيم، والعرّ بالفتح الجرب.
«519» - ومن أمثالهم: «كالثور يضرب لما عافت البقر» ، من شرب الماء ضربوا الثور يزعمون أن الجنّ تركب الثيران فتصدّ البقر عن الشرب. قال الحارث بن حلزة [2] : [من الخفيف]
عنتا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الرّبيض الظباء
كان الرجل ينذر إذا بلغت إبله أو غنمه مبلغا ما ذبح عنها كذا، فإذا بلغت ضربها وعمد إلى الظباء يصطادها ويذبحها وفاء بالنذر. وقال الفرزدق [3] :
[من الطويل]
وشيّبني أن لا يزال مرجّم ... من القول مأثور خفيف محامله
تقوّله غيري لآخر مثله ... ويرمى به رأسي ويترك قائله
وقال نهشل بن حري: [من الطويل]
__________
[1] ديوان النابغة: 37.
[2] شرح السبع: 486.
[3] ديوان الفرزدق 2: 113.
(7/107)

تخلّيت من داء امرىء لم يكن له ... شريكا وألقى رحله في الحبائل
فإن تغرموني داء غيري أحتمل ... ذنوب ذئاب القريتين العواسل
«520» - ومن أمثالهم: «ما لي ذنب إلا ذنب صحر» .
«521» - «جزاني جزاء سنمار» ، وخبرهما، قال المفضل: هي صحر بنت لقمان العادي، وكان أبوها لقمان وأخوها لقيم، فخرجا مغيرين فأصابا إبلا كثيرة، فسبق لقيم إلى منزله، فعمدت أخته صحر إلى جزور منها مما قدم به لقيم فنحرتها وصنعت منها طعاما يكون معدا لأبيها لقمان إذا جاء تتحفه به، وكان لقمان حسد ابنه لقيما لتبريزه- كان- عليه، فلما قدم لقمان قدّمت صحر إليه الطعام وعلم أنه من غنيمة لقيم لطمها لطمة فقأت عينها، فصارت عقوبتها مثلا لكل من لا ذنب له يعاقب.
وكان من حديث سنمار أنه كان بناء وكان مجيدا، وهو من الروم، فبنى الخورنق الذي بظهر الكوفة للنعمان بن امرىء القيس، فلما نظر إليه النعمان كره أن يعمل مثله لغيره فألقاه من أعلى الخورنق فخرّ ميتا. وفيه يقول القائل [1] : [من الطويل]
جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
«522» - ومثله: «إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا» .
__________
[1] البيت في اللسان (سنمر) دون نسبة وأمثال ابن سلام: 273.
(7/108)

«523» - «الحديد بالحديد يفلح» .
«524» - «النبع يقرع بعضه بعضا» .
«525» - «رمي فلان بحجره» .
526- ويقولون: «ليس هو حقيقة ولكنه قريب منه» .
«527» - «لئن التقى روعي وروعك لتندمنّ» .
«528» - ويقولون: «ادفع الشر بمثله إذا أعياك غيره» .
وقال الفند الزّمّاني [1] : [من الهزج]
وفي الشرّ نجاة حي ... ث لا ينجيك إحسان
46- دواء الشيء بمثله أو أشد
«529» - «إن على أختك تطردين» ، وذلك أن فرسا نفرت فطلبت أختها، يضرب للرجل يلقى مثله في الدهاء والشجاعة أو غير ذلك.
«530» - ومثله: «إن تك ضبّا فإني حسله» .
__________
[1] بيت الفند الزماني في الأغاني 24: 91، والحماسة (المرزوقي) : 38 وحماسة البحتري:
56.
(7/109)

«531» - ويقولون: «باءت عرار بكحل» ، وهما ثور وبقرة كانا لسبطين من بني إسرائيل، فقتل أحد السبطين الثور، فكادوا يتفانون بينهم حتى أباءوا به البقرة.
532- ويقولون: «قد بل بعير أعزل» أي يمر بين يدي عدة. «إن يكن بطريرا فإني صهصلق» ، كلاهما بمعنى صخوب.
47- تنافي الحالات
من شواهد الكتاب العزيز في ذلك قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
(الزمر: 9) . وقوله عزّ وجلّ: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ
(التوبة: 109) . قيل نزلت في شأن مسجد قباء ومسجد الضّرار الذي بناه أبو عامر الراهب، أحد المنافقين، بناه ليقطع به النبيّ صلّى الله عليه وسلم والمؤمنين عن مسجد قباء. قوله سبحانه: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
(السجدة: 18) . قيل نزلت في علي بن أبي طالب عليه السّلام وعقبة بن أبي معيط، وكان عقبة فخر على عليّ عليه السّلام فقال له عليّ عليه السّلام: اسكت إنما أنت فاسق، فنزلت هذه الآية، وشهد ما بعدها لعلي عليه السّلام بالجنة ولعقبة بالنار بقوله: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ
(السجدة 19، 20) . ذكره الزجاج وغيره.
«533» - ومن أمثال العرب: «ماء ولا كصدّاء» ، وصدّاء بئر؛ وأصل هذا المثل أن ابنة هانىء بن قبيصة لما قتل عنها زوجها لقيط بن زرارة تزوجها رجل من أهلها، فكان لا يزال يراها تذكر لقيطا، فقال لها ذات يوم: ما استحسنت من
(7/110)

لقيط؟ فقالت: كل أموره كانت حسنة، ولكني أحدّثك أنه خرج مرة إلى الصيد وقد انتشى، فركب ورجع وبقميصه نضح من صيده، والمسك يضوع من أعطافه، ورائحة الشراب من فيه، فضمّني ضمّة وشمّني شمّة فيا ليتني متّ ثمّة، قال: ففعل زوجها مثل ذلك ثم ضمّها إليه وقال: أين أنا من لقيط؟
فقالت: ماء ولا كصدّاء.
«534» - ومثله: «رجل ولا كمالك» ، يعنون مالك بن نويرة.
«535» - و «مرعى ولا كالسّعدان» ، قالته امرأة من طيء لامرىء القيس، وكان مفرّكا، فقال لها: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان. وأنشدوا للأسعر بن أبي حمران الجعفي: [من المتقارب]
أريد دماء بني مازن ... وراق المعلّى بياض اللبن
خليلان مختلف بالنا ... أريد العلاء ويبغي الثمن
يريد المعلّى فرسه، وكانت بنو مازن قتلت أباه وكانت خالته ناكحا في بني مازن؛ فكان الأسعر إذا وجد غفلة أغار على بني مازن فقتل فيهم؛ فقالت لهم خالته:
بوّلوا الودق على حافة الطريق وضعوا لبنا فلعل الفرس إذا وجد ريح ذلك احتبس فأصبتموه؛ ففعلوا ذلك وأغار عليهم وانصرف كعادته يحمي أصحابه حتى إذا أراد أن تسرح الفرس طفق الفرس إلى ريح اللبن والأبوال، وكثروه حتى اكتنفوه، فلما رأى ذلك قال: واثكل أماه وخالتاه! فلما سمعت ذلك خالته قالت: لا أراني إلا إحدى الثاكلتين، فنادت به أن اضرب فيه، ففعل فانسرح الفرس وذهب، وإنما أمرتهم بذلك لأن الفرس كان غذاؤه اللبن. وقال الأعشى
(7/111)

وبيته هذا مثل سائر: [من السريع]
شتّان ما يومي على كورها ... ويوم حيّان أخي جابر
«536» - ومن أمثال العرب: «أنت تئق وأنا مئق فكيف نتفق» ؟ ويروى: فمتى نتفق. التئق السريع إلى الشرّ، والمئق السريع البكاء. ويقال الممتلىء من الغضب.
«537» - ومن أمثالهم: «ما يجمع بين الأروى وبين النعام» ، يقولون: تلك في رؤوس الجبال وهذه في السهولة.
«538» - ومنها: «لا يجتمع السيفان في غمد» . ومنه قول أبي ذؤيب [1] :
[من الطويل]
تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
ولهذا الشعر خبر قد ذكر في موضعه.
«539» - ومنها: «ما يلقى الشجيّ من الخليّ» .
«540» - ويقولون: «هان على الأملس ما لاقى الدّبر» .
__________
[1] ديوان الهذليين: 159.
(7/112)

«541» - ومن أمثالهم: «حنّ قدح ليس منها» ، وأصله أن رجلا مدح قوما وأطراهم وليس منهم. ولما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم بدر بضرب عنق عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بالسيف صبرا قال: أقتل من بين قريش صبرا؟ فقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: حنّ قدح ليس منها، أي أنك لست من قريش، وكان عمر قائفا. ويروى أن أبا عمرو بن أمية كان عبدا في صفورية وكان أمية قد عمي فكان يقوده، فغناه ببيت جرير يقوله لعديّ بن الرقاع: [من البسيط]
وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وقال عدي بن الرقاع [1] : [من الكامل]
والقوم أشباه وبين حلومهم ... بون كذاك تفاضل الأشياء
كالبرق منه وابل متتابع ... جود وآخر ما يجود بماء
والمرء يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء
«542» - ويقولون في تنافي الحال بين الشبيبة والهرم: «كنت وما أخشّى بالذئب» ؛ ويقال: «كنت وما أخشى من الذئب» .
«543» - «كنت وما يقاد بي البعير» ، والمثل لسعد بن زيد مناة بن تميم.
«544» - ومن أمثالهم: «أريها السهى وتريني القمر» .
__________
[1] ديوان عدي: 163.
(7/113)

«545» - «تفرق من صوت الغراب وتفرس الأسد المشتّم» .
«546» - «بئس العوض من جمل قيده» .
«547» - «رأس في السماء واست في الماء» .
«548» - «أضرطا وأنت الأعلى» .
«549» - ويقولون: «سلكى ومخلوجة» ، يريدون الاختلاف. ويقولون إنما السلكى المستقيمة والمخلوجة المعوجة.
«550» - ويقولون: «لا تجعل قدّك إلى أديمك» . القدّ مسك السخلة، وجمعه قداد، والأديم الجلد العظيم.
«551» - ومن أمثالهم: «مرة جيش ومرّة عيش» .
«552» - «اليوم خمر وغدا أمر» ، قاله امرؤ القيس لما ورد عليه خبر قتل أبيه، وكان يشرب فذهبت مثلا.
«553» - ومن أمثالهم: «شخب في الإناء وشخب في الأرض» ، وقد يضرب مثلا للرجل يخطىء ويصيب.
(7/114)

«554» - ومثله: «يشج مرة ويأسو أخرى» .
«555» - ومثله: «أطرقي وميشي» ، وأصله خلط الصوف بالشعر، وقد يضرب للرجل يخلط كلامه بين صواب وخطأ.
«556» - ومما يناسب هذا المعنى المثل السائر: «شبّ عمرو عن الطوق» ، معناه كبر عن سن الصغير الذي يلبس الطوق.
«557» - وكذلك قولهم: «جلّت الهاجن عن الولد» ، قال أبو عبيد: الهاجن هي الصغيرة، ومنه يقال: اهتجنت الجارية إذا افترعت قبل الأوان، وإنما أرادوا صغرت. قال: وأنا أحسب هذا من الأضداد لأنهم يقولون للعظيم جلل.
ويقال أيضا في الحقير جلل؛ قال امرؤ القيس [1] : [من المتقارب]
لقتل بني أسد ربّهم ... ألا كل شيء سواه جلل
وقال لبيد في العظيم [2] : [من الرمل]
ومن الأرزاء رزء ذو جلل
ومما يليق بهذا المعنى قول الشاعر: [من الوافر]
ألم تر أنّ سير الخير ريث ... وأن الشرّ سائره يطير
__________
[1] ديوان امرىء القيس: 261.
[2] شرح ديوان لبيد: 197.
(7/115)

وقال آخر: [من الطويل]
إذا ما بريد الشام أقبل نحونا ... ببعض الدّواهي المفظعات فأسرعا
فإن كان شرّا سار يوما وليلة ... وإن كان خيرا أبطأ السير أربعا
وتمثل بهذا البيت الثاني معاوية لما بلغه وفاة الحسن بن علي عليهما السلام.
وقال أبو ذؤيب [1] : [من المتقارب]
فيا بعد داري من داركم ... كبعد سهيل من الفرقد
وقال المؤمّل: [من الكامل]
والقوم كالعيدان يفضل بعضهم ... بعضا كذاك يفوق عود عودا
558- ومن أمثالهم: «إن كنت ذوّاقا فإني نشبة» ، يقول: إن كنت لا وفاء لك، فإني دائم العهد، والنشبة الذي إذا عبث بالشيء لم يفارقه.
«559» - ومنها: «جلّ الرّفد عن الهاجن» . الرفد: العسّ، والهاجن البكرة تنتج قبل أن يخرج لها سنّ.
48- الرضا بالميسور إذا تعذر المنشود
«560» - من أمثالهم في هذا النحو: «إذا عزّ أخوك فهن» ، قاله الهذيل بن هبيرة الثعلبي، وكان أغار على بني ضبّة فغنم وأقبل بالغنائم، فقال أصحابه:
اقسمها بيننا، قال: إني أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب، فلما
__________
[1] لم يرد في ديوان الهذليين.
(7/116)

لم يقبلوا قال المثل حينئذ، ثم نزل فقسم بينهم الغنائم.
«561» - ويقارب ذلك قولهم: «إن لم تغلب فاخلب» .
«562» - «سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة» .
«563» - ويناسبه: «كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع» . وأصله الرجل يمشي في الوقع- وهي الحجارة- حافيا فيصيبه الوجى.
«564» - ومنه: «ولكن من يمشي سيرضى بما ركب» .
«565» - ومثله: «ركب الصعب من لا ذلول له» .
«566» - ومنه: «رضي من الوفاء باللفاء» ، واللفاء دون حق الرجل.
«567» - ومنه: «إن تسلم الجلة فالسخل هدر» .
«568» - ويقولون: «ارض من المركب بالتعليق» .
«569» - ويقولون: «الثيّب عجالة الراكب» .
«570» - ويقولون: «من حقر حرم» ، يحضون على المعروف ولا يحقر
(7/117)

قليله. وقال الشاعر: [من البسيط]
وكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
[من الرجز]
يكفيك ما بلّغك المحلّا
وقال امرؤ القيس بن حجر [1] : [من الوافر]
إذا ما لم تجد إبلا فمعزى ... كأن قرون جلّتها العصيّ
إذا ما قام حالبها أرنّت ... كأنّ القوم صبّحهم نعيّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ
قاله امرؤ القيس بن حجر، وقد نزل على المعلّى بن تيم الطائي حين طردته العرب، واتخذ هناك إبلا فغدا قوم من جديلة يقال لهم بنو زيد فطردوا الإبل، وكانت لامرىء القيس رواحل مقيّدة خوفا من أن يدهمهم أمر ليسبق عليهنّ، فخرج نفر منهم فركبوا الرواحل ليطلبوا الإبل، فأخذتهم جديلة، فرجعوا إليه بلا شيء، فذلك قوله [2] : [من الطويل]
فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديث ما حديث الرواحل
ففرقت عليه بنو نبهان فرقا من معزى يحتلبها. ومن ذلك قول عمرو بن معدي كرب [3] : [من الوافر]
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
يقول ذلك من أبيات أولها:
__________
[1] ديوان امرىء القيس: 136 وفيه «ألا إلا تكن ... » .
[2] ديوان امرىء القيس: 94.
[3] ديوانه: 142.
(7/118)

أمن ريحانة الدّاعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع
وريحانة أخته سباها الصّمّة الجشميّ أبو دريد، فلم يقدر عمرو على استنقاذها، ثم تزوجها الصّمّة فأولدها دريدا وعبد الله وقيسا وخالدا وعبد يغوث.
«571» - ومنه قولهم: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» .
قال زياد بن منقذ: [من الطويل]
إذا سدّ باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها
وقال يحيى بن زياد: [من الكامل]
وإذا توعّر بعض ما تسعى له ... فاركب من الأمر الذي هو أسهل
وقال أيضا: [من الوافر]
إذا كدرت عليك أمور ورد ... فجزه إلى موارد صافيات
«572» - ويقولون: «إن الرشف أنقع» .
«573» - و «قبح الله معزى خيرها خطّة» .
«574» - ويقولون: «كل فضل من أبي كعب درك» ، لمن يطلب المعروف من بخيل فينيل يسيرا فيرضى به.
(7/119)

49- الأمر المضاع المهمل
«575» - من أمثالهم في ذلك: «صفقة لم يشهدها حاطب» ، أصله أن بعض أهل حاطب باع بيعة غبن فيها، فقيل ذلك.
«576» - ويقارب ذلك قولهم: «يخبط خبط عشواء» .
«577» - ومن أمثالهم: «لا أبوك نشر ولا التراب نفد» .
«578» - ومنها: «لا ماءك أبقيت ولا إناءك أنقيت» . قال الأحمر في المثل الأول: أصل هذا أن رجلا قال: لو علمت أين قتل أبي لأخذت من تراب موضعه فجعلته على رأسي، فقيل له ذلك، أي لا تدرك بهذا آثار أبيك ولا ينفد التراب. وأما المثل الثاني فأصله أن رجلا كان في السفر ومعه امرأته، وكانت عاركا، فحضرها طهرها ومعها ماء يسير فاغتسلت به، فلم يكفها لغسلها وقد أنفدت الماء، فبقيت هي وزوجها عطشانين.
«579» - ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «النساء لحم على وضم إلا ما ذبّ عنه» .
«580» - وقول كعب بن زهير: «أوسعتهم سبّا وراحوا [1] بالإبل» ، وكانت
__________
[1] رواية المثل في كتب الأمثال «وأودوا» ورواية أخرى «وساروا» .
(7/120)

بنو أسد أغارت على إبلهم فهجاهم.
«581» - ويقرب من هذه المعاني قولهم: «إن الموصّين بنو سهوان» ، يراد أنهم يغفلون ويسهون عما يوصون به.
«582» - ويقرب منه قولهم: «كفّ مطلقة تفتّ اليرمع» ، كأنها تفعل فعلا لا يفيدها.
«583» - ويقولون: «بعد خيرتها يحتفظ» أي راعي الغنم، يضرب في الحذر بعد الإضاعة.
«584» - «كثرت الحلبة وقلّ الرعاء» ، يضرب في ضياع الأمر مع كثرة الولاة.
50- ارتفاع الخامل
«585» - «إن البغاث بأرضنا يستنسر» ، وقد يريدون بذلك وصف بلادهم وأن الضعيف بها الجبان يصير شجاعا.
«586» - ومن أمثالهم في هذا المعنى: «كان كراعا فصار ذراعا» ، وهذا يروى عن أبي موسى الأشعري.
«587» - ومنها: «لكن بشعفين أنت جدود» ، وأصله أن امرأة أخصبت بعد هزل فذكرت درة لبتها ففرحت بها فقيل لها: لكن بشعفين أنت جدود،
(7/121)

لم تكوني كذلك، وهو اسم موضع كانت تنزله.
«588» - ومن أمثالهم: «استنّت الفصال حتى القرعى» .
«589» - ويقولون: «الذئب يكنى أبا جعدة» ، وربما يريدون به إكرام من لا يراد إكرامه.
«590» - ويقرب من هذا في طلب الزيادة ممن ليس لها بأهل: «أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا» ، وأصله أن جارية يقال لها أم عمرو، وكانت لمالك وعقيل ندماني جذيمة، فجلس إليهما رجل طويل الشعر والأظافير هو عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة فناولاه شيئا من الطعام فطلب أكثر منه، فعندها قالت أم عمرو: أعطي العبد ذراعا. ثم صاروا إلى الشراب فجعلت أمّ عمرو تسقي صاحبيها وتدع عمرا، ففيها يقول عمرو بن كلثوم [1] : [من الوافر]
صددت الكأس عنا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
فذهب كلامه وكلامها مثلين، وكان هذا كله قبل أن يعرفوه، فلما انتسب إلى مالك وعقيل فرحا وقدما به على خاله جذيمة، فكان من أمره وأمرهما ما ذكرت في موضعه.
وما أحسن ما قال البحتري في هذا المعنى [2] : [من الطويل]
__________
[1] لم يرد في معلقته في شرح السبع الطوال.
[2] ديوان البحتري: 2399.
(7/122)

متى أرت الدنيا نباهة خامل ... فلا تنتظر إلا خمول نبيه
51- خمول النبيه
مما يقارب ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلم في استعاذته: «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور» ، أي من النقصان بعد الزيادة.
«591» - ومن أمثال العرب: «غلبت جلّتها حواشيها» ، الجلّة مسانّ الإبل وحواشيها صغارها ورذالها.
«592» - ويقولون: «كان حمارا فاستأتن» .
«593» - ويقولون في قريب منه: «أودى العير إلا ضرطا» .
«594» - ومن أمثالهم: «استنوق الجمل» ، وهذا المثل لطرفة بن العبد، وكان عند بعض الملوك وشاعر ينشده شعرا، فوصف جملا ثم حوّله إلى نعت ناقة، فقال ذلك عندها، وقد يضرب هذا المثل في التخليط.
«595» - ومن أمثالهم: «الحمّى أضرعتني لك» .
«596» - ويقولون: «لم يبق منه إلا قدر ظمء حمار» ، يقال: إن الحمار أقل الدواب ظمئا.
«597» - ويقولون: «كان جوادا فخصي» .
(7/123)

52- ما جاء في الشرّ وراءه الخير
من ذلك قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
(الشرح: 5) . وقوله سبحانه: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً
(النساء: 19) .
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
(البقرة: 216) .
وقيل لبعض الصالحين وقد أجهد نفسه في العبادة: أتعبت نفسك قال:
راحتها طلبت.
وقال يزيد بن محمد المهلبي: [من الرجز]
ربّ زمان ذلّه أرفق بك ... لا عار إن ضامك دهر أو ملك
وقال آخر: [من الطويل]
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها
«598» - ومن أمثال العرب: «لا يضرّ الحوار ما وطئته أمّه» .
«599» - ومن أمثالهم: «لم يذهب من مالك ما وعظك» ، يقول: إذا ذهب من مالك شيء فحذّرك أن يحلّ بك مثله، فتأديبه إياك عوض من ذهابه.
«600» - ومن أمثالهم: «الغمرات ثم ينجلين» .
«601» - «عند الصباح يحمد القوم السّرى» ، المثلان للأغلب العجلي.
(7/124)

«602» - ومنها: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» ، قاله النعمان بن المنذر للصقعب بن عمرو النهدي. هذا قول ابن الكلبي، وزعم أن قضاعة ابن معدّ، ونهد بطن من قضاعة؛ وأما المفضل فقال: إنّ المثل للمنذر بن ماء السماء قاله لشقة بن ضمرة النهشليّ، فقال له شقة: أبيت اللّعن إن الرجال ليسوا بجزر يراد منهم الأجسام، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، ذهبت مثلا، وأعجب المنذر ما رأى من بيانه وعقله، فسماه باسم أبيه وقال: أنت ضمرة بن ضمرة.
53- ما جاء في ضد ذلك
من شواهد الكتاب العزيز في هذا المعنى قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ
(الأحقاف: 24) . وقوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
(الأنبياء: 111) .
«603» - ومن أمثال العرب: «ربّ صلف تحت الراعدة» ، والصلف قلّة الخير، والراعدة السحابة ذات الرعد. وقال أعرابي: ربّ مونق موبق. ومثله لشاعر ينهى عن تزوّج الحسناوات: [من البسيط]
ولن تمرّ بمرعى مونق أبدا ... إلا وجدت به آثار مأكول
وقد تقدّم ذكر قوله صلّى الله عليه وسلم: «إياكم وخضراء الدمن» .
وقال رجل من عبد القيس: [من الرمل]
جامل الناس إذا ما جئتهم ... إنما الناس كأمثال الشّجر
منهم المذموم في منظره ... وهو صلب عوده حلو الثّمر
(7/125)

وترى منه أثيثا نبته ... طعمه مرّ وفي العود خور
وقال آخر: [من البسيط]
ألح جودا ولم تضرر سحائبه ... وربما ضرّه في الحاجة المطر
وقال أبو نواس: [من البسيط]
بل استترت بإظهار البشاشة لي ... بالبشر مثل استتار النار بالعود
«604» - ومن أمثالهم: «يا حبذا الميراث لولا الذلة» ، قاله نعامة حين قتل إخوته.
«605» - «نعم كلب في بؤس أهله» ، يقول: إذا وقع الموت في مواشي القوم نعم كلبهم.
«606» - ومثله: «سمن كلب ببؤس أهله» . وقال زهير [1] : [من الكامل المرفل]
والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر
«607» - ويقارب هذه المعاني قولهم: «ربّ عجلة تهب ريثا» .
«608» - «من سرّه بنوه ساءته نفسه» ، هذا المثل لضرار بن عدي الضبي،
__________
[1] شرح ديوانه: 95.
(7/126)

وكان طعنه عامر بن مالك فأرداه عن فرسه، فأشبل عليه بنوه حتى استشالوه.
ودخل ضرار على المنذر فقال له: ما الذي نجاك يومئذ؟ قال: تأخير الأجل وإكراهي نفسي على المقّ الطّوال.
«609» - ومن أمثالهم: «ربّ أمنيّة قادت إلى منية» .
«610» - ويقولون: «شرّ يوميها وأغواه لها» ، أصله أن امرأة من طسم يقال لها عنز سبيت فحملوها في هودج وألطفوها بالقول والفعل فقالت هذه المقالة.
ولها يقول الشاعر [1] : [من الرمل]
شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج جملا
«611» - ويقولون: «تجنّب روضة وأحال يعدو» ، أي ترك الخصب واختار الشقاء.
612- ويقولون: «تبرد هذا الضبّ فذنّب» ، أي أخرج ذنبه فحان، أراد أن يقع في الخير فوقع في الشر.
54- الخطأ والاختلاط
«613» - «إن أخا الظلماء أعشى بالليل» ، يضرب لمن يخطئ حجته ولا يبصر المخرج منها.
«614» - ومن أمثالهم: «أساء رعيا فسقى» ، وأصله أن يسيء الراعي رعي
__________
[1] البيت في فصل المقال.
(7/127)

الإبل نهاره، حتى إذا أراد أن يريحها إلى أهلها كره أن يظهر سوء أثره فيسقيها الماء فتمتلئ أجوافها.
«615» - ويقولون في الاختلاط: «اختلط الحابل بالنابل» .
«616» - ويقولون: «اختلفت رؤوسها فرتعت» ، يضرب مثلا في الاختلاط واختلاف الكلمة.
55- الجميل يكدّر بالمنّ
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً، لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
(البقرة: 264) .
«617» - ومن أمثال العرب: «شوى أخوك حتى إذا أنضج رمّد» ، وينسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال الحطيئة: [من الطويل]
«وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا»
[1] «618» - ومن أمثالهم: «ما ضفا ولا صفا عطاؤك، كدّره ما قال أحباؤك» ، أي يمنّون علي والمنّة تكدّر المعروف.
__________
[1] عجز بيت صدره: «وان كانت النعمى عليهم جزوا بها» ديوانه: 41.
(7/128)

56- ما جاء في اغتنام الفرصة
«619» - من أمثالهم في ذلك: «خذ من جذع ما أعطاك» . قال المفضل:
كان من حديثه أن غسان كانت تؤدي إلى ملوك سليح دينارين كلّ سنة عن كلّ رجل، فكان الذي يلي ذلك سبطة بن المنذر السليحي. فجاء سبطة بن المنذر إلى جذع بن عمرو الغساني يسأله الدينارين، [فقال: أعجل لك أحدهما وأخر عليّ الآخر حتى أوسر، فقال سبطة: ما كنت لأؤخّر عليك شيئا] ، فدخل جذع إلى منزله ثم خرج مشتملا على سيفه، فضرب سبطة حتى سكت ثم قال: خذ من جذع ما أعطاك. فذهب مثلا، وامتنعت غسان من الدينارين بعد ذلك.
«620» - ومنه قولهم: «أسر وقمر بدر» .
ويقاربه قولهم: «إذا أصبت إبلا فاذهب بها وأبعدن مراحها من ريّها» ، يقال هذا للرجل بين القوم فيؤمر أن ينأى عنهم كيلا يصيبوه بمثل ما أصابهم.
57- ومن أمثالهم في اللقاء
«621» - يقولون في اللقاء عن قرب: «لقيته أدنى ظلم» .
«622» - و «لقيته أول عين» ، أي أول شيء.
«623» - و «لقيته أول ذات يدين» .
(7/129)

«624» - و «لقيته شدّ النهار ومدّه» ، ومدّه ارتفاعه.
«625» - و «لقيته سراة اليوم» ، أي أوله.
«626» - و «لقيته أديم الضحى» ، أي أوسطه وأوله [ولقيته] التقاطا. قال الشاعر: [من الرجز]
«ومنهل وردته التقاطا»
«627» - ويقال في المواجهة: «لقيته كفاحا» .
«628» - و «لقيته صراحا» .
«629» - و «لقيته كفّة» .
«630» - وإذا لقيته في اليومين أو الثلاثة قلت: «لقيته في الفرط» . قال الأحمر: ولا يكون الفرط في أكثر من خمس عشرة ليلة.
«631» - فإن لقيته بعد شهر أو نحوه قلت: «لقيته عن عفر» .
«632» - فإن لقيته بعد الحول قلت: «لقيته عن هجر» .
«633» - ويقولون: «لقيته بين سمع الأرض وبصرها» ، إذا كان يأتيه ثم يمسك
(7/130)

ثم يأتيه، والاعتمار الزيارة متى كانت، قال أعشى باهلة: [من البسيط]
وراكب جاء من تثليث معتمرا
وقال أبو عبيدة: هو المعتمّ بالعمامة، وكل شيء جعلته على رأسك من عمامة أو قلنسوة أو تاج أو إكليل فهو عمار.
58- تعذّر الأمر وما يعرض دونه
«634» - من أمثالهم في ذلك: «من لي بالسانح بعد البارح» ؛ وأصله أن رجلا مرّت به ظباء بارحة فكره ذلك، فقيل إنها ستمر بك سانحة، فعندها قال ذلك.
«635» - ومنها: «لا تك كالمختنقة على آخر مدّها» ، وذلك أنها طحنت طحينها فلما بقي مدّ انكسر قطب الرحى.
«636» - ومن أمثالهم: «حيل بين العير والنّزوان» . قال الشاعر [1] :
[من الطويل]
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
«637» - ويقولون: «قد علقت دلوك دلوا أخرى» ، يريدون أنها تعلق بها فتمنعها من الصعود، وقد يقال ذلك في الاشتراك. قال الشاعر: [من الطويل]
وفي نظر الصادي إلى الماء حسرة ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد
__________
[1] من أبيات لصخر بن عمرو أخي الخنساء الأغاني 15: 63.
(7/131)

«638» - ومن أمثالهم: «حال الجريض دون القريض» ، والمثل لعبيد بن الأبرص في قصته مع النعمان.
«639» - ومنها: «سدّ ابن بيض الطريق» . أصله أن رجلا في الزمن الأول يقال له «ابن بيض» عقر ناقة على ثنيّة فسدّ بها الطريق، فمنع الناس من سلوكها. وقال المفضل: كان ابن بيض رجلا من عاد وكان تاجرا مكثرا، وكان لقمان بن عاد يخفره في تجارته، ويجيره على خرج يعطيه ابن بيض يضعه له على ثنية إلى أن يأتي لقمان فيأخذه، فإذا أبصره لقمان قد فعل ذلك قال: قد سدّ ابن بيض السبيل. يقول: إنه لم يجعل لي سبيلا على أهله وماله حتى وفى لي بالجعل الذي سمّاه.
«640» - ويقرب من ذلك قولهم: «من لك بذناب «لو» ؛ أي من لك بأن يكون «لو» حقا.
59- ما جاء في طلب الحاجة وما يليق بذلك
«641» - ومن أمثالهم: «أتبع الفرس لجامها» ، يضرب للحاجة يطلب تمامها. المثل لعمرو بن ثعلبة الكلبي أخي عدي بن جناب، وكان ضرار بن عمرو الضبي قد أغار عليهم فسبى يومئذ سلمى بنت وائل الصائغ، وكانت يومئذ أمة لعمرو بن ثعلبة وكان له صديقا، فقال له: أنشدك بالإخاء والمودة إلا رددت عليّ أهلي، فجعل يردّ شيئا بعد شيء حتى بقيت سلمى، وكانت قد
(7/132)

أعجبت ضرارا فأبى أن يردّها، فقال عمرو: يا ضرار أتبع الفرس لجامها، فأرسلها مثلا. وردّها عليه ضرار.
«642» - ومن أمثالهم: «تمام الربيع الصيف» ، وأصله في المطر، فأوّله الربيع والصيف الذي يليه.
«643» - ومنها: «السّراح مع النجاح» .
«644» - ومنها: «ألق دلوك في الدلاء» . قال الشاعر [1] : [من الوافر]
وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجيء مليئة طورا وطورا ... تجيء بحمأة وقليل ماء
«645» - ويقولون: «لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا» ، يضربونه مثلا لمن يسأل حاجة بعد حاجة قضيت له.
60- ومن أمثالهم في الطلب
«646» - «من أجدب انتجع» .
«647» - «إن جانب أعياك فالحق بجانب» .
__________
[1] هو أبو الأسود الدؤلي، والبيتان في أمثال ابن سلام: 200.
(7/133)

«648» - ومثله: «وفي الأرض للحرّ الكريم منادح» . والندحة السّعة.
«649» - ويقولون: «النفس تعرف من أخوها النافع» .
«650» - ومن كلامهم: «أدرّها وإن أبت» .
«651» - «سبق سيله مطره» .
«652» - ويقولون إذا اهتمّ بها: «جعلها نصب عينيه» .
«653» - وفي ضدّه: «جعلها بظهره» .
61- ما جاء في التعجيل وفوت الأمر
«654» - من أمثالهم في هذا: «انقطع السّلا في البطن» ، أي فات الأمر.
«655» - ويقولون للساهي يفوته الأمر: «يذهب يوم الغيم ولا تشعر به» .
قال البعيث: [من الطويل]
ولا تبكين في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النّوازع
«656» - ومن أمثالهم: «لا أدري أي الجراد عاره» ، للأمر يفوت، أي أيّ الناس آخذه.
(7/134)

«657» - ويقولون: «ضحّ رويدا» ، أي لا تعجل.
«658» - ومن أمثالهم: «سبق السيف العذل» ، كان المفضل يحدث بهذا المثل عن ضبة بن أدّ، وبدء ذلك أنه كان له ابنان سعد وسعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعد ولم يرجع سعيد، وكان ضبة كلما رأى شخصا مقبلا قال:
«659» - «أسعد أم سعيد» ؟
فذهبت هذه كلمته مثلا. قال: ثم إن ضبة بينما هو يسير ومعه الحارث ابن كعب في الشهر الحرام إذ أتيا على مكان فقال الحارث لضبّة: أترى هذا الموضع فإني لقيت به فتى من هيئته كذا وكذا فقتلته وأخذت منه هذا السيف، وإذا هو صفة سعيد؛ فقال له ضبّة: أرني السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه ضبّة، فقال عندها:
«660» - «إن الحديث ذو شجون» .
فذهبت كلمته هذه الثانية مثلا، ثم ضرب به الحارث حتى قتله، قال: فلامه الناس في ذلك وقالوا: أتقتل في الشهر الحرام؟ فقال سبق السيف العذل. فذهبت هذه الثالثة مثلا.
«661» - ومن أمثالهم في ترك التعجيل: «الليل طويل وأنت مقمر» ، قاله
(7/135)

السّليك لما هجم عليه الرجل وجلس على صدره وقال استأسر، يريد بالكلمة لا تعجل حتى تصبح.
«662» - «الحذر قبل إرسال السهم» ، أي لا تفعل ما تخاف أن يفوت.
«663» - ويقولون: «لا يملك حائن دمه» .
«664» - «لا عتاب على الجندل» ، أي قد وقع الأمر الذي لا مردّ له.
«665» - ومن أمثالهم في الفوت: «هلك القيد وأودى المفتاح» .
«666» - ومن الفوت قولهم: «الصّيف ضيّعت اللّبن» ، المثل لعمرو بن عمرو بن عدس، وكانت عنده دختنوس ابنة لقيط بن زرارة، وكان ذا مال كثير إلا أنه كان كبير السنّ، ففر كته فلم تزل تسأله الطلاق حتى فعل، فتزوجها بعده عمرو بن معبد بن زرارة ابن عمها، وكان شابا إلا أنه معدم، فمرّت إبل عمرو ابن عمرو ذات يوم بدختنوس فقالت لخادمتها: انطلقي فقولي له يسقينا من اللبن، فقال لها هذه المقالة، فذهبت مثلا؛ قال: ولعله كان طلقها بالصيف.
62- ما جاء في سوء المكافأة وظلم المجازاة
«667» - من أمثالهم في هذا المعنى: «من استرعى الذئب ظلم» .
«668» - وقال أكثم بن الصيفي: «ليس من العدل سرعة العذل» .
(7/136)

«669» - ومن كلامهم: «ربّ لائم مليم» .
«670» - ومن أمثالهم: «الحرب غشوم» ، أي يقتل فيها من لم يكن له فيها جناية ولا ذنب.
«671» - ويقولون: «الظلم مرتعه وخيم» . قال الشاعر: [من الكامل المجزوء]
البغي يصرع أهله ... والظّلم مرتعه وخيم
«672» - ومن أمثالهم: «أحشّك وتروثيني» ، يخاطب فرسا له، يقول:
أعلفك الحشيش وأنت تروثين علّي.
«673» - ومن أمثالهم: «شرّ الرّعاء الحطمة» . وقال الشاعر [1] : [من الوافر]
أعلّمه الرّماية كلّ يوم ... فلما اشتدّ ساعده رماني
«674» - ومن أمثالهم: «لو ذات سوار لطمتني» .
«675» - «لا تبل في قليب شربت منه» ، أي لا تذمّنّ من أسدى إليك معروفا.
__________
[1] البيت لمالك بن فهم الدوسي وهو في أمثال ابن سلام: 296 وعده أبو عبيد مثلا.
(7/137)

63- ما جاء في الظن
قال الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
(الحجرات: 12) .
«676» - ومن أمثالهم: «الشّفيق بسوء الظنّ مولع» .
«677» - وقال أكثم بن صيفي: «من أحسن الظنّ أراح نفسه» .
«678» - وقالوا: «من يسمع يخل» .
وقال الطرماح [1] : [من الطويل]
متى ما يسو ظنّ امرىء بصديقه ... وللظّنّ أسباب عراض المسارح
يصدّق أمورا لم يجئه يقينها ... عليه ويعشق سمعه كلّ كاشح
وقال ابن مقبل [2] : [من المتقارب]
سأترك للظنّ ما بعده ... ومن يك ذا ريبة يستبن
ولا تتبع الظنّ إنّ الظنون ... تريك من الأمر ما لم يكن
وقال يحيى بن زياد [3] : [من البسيط]
__________
[1] مجموعة المعاني: 143 وديوان الطرماح: 94.
[2] مجموعة المعاني: 143 وديوان ابن مقبل: 298.
[3] مجموعة المعاني: 143 وشعراء عباسيون 3: 48.
(7/138)

وسوء ظنّك بالأدنين داعية ... لأن يخونك من قد كان مؤتمنا
وقال أيضا [1] : [من الطويل]
إذا أنت خونت الأمين بظنّة ... فتحت له بابا إلى الخون مغلقا
فإياك إياك الظنون فإنها ... وأكثرها كالآل لما ترقرقا
وقال آخر [2] : [من الطويل]
إذا أنت لم تبرح تظنّ وتقتضي ... على الظنّ أردتك الظنون الكواذب
679- ويقرب من البناء على الظن قولهم: «من يرقد يحلم» .
64- ما جاء في التبرّي من الأمر
«680» - من أمثالهم في هذا: «لا ناقة لي في هذا ولا جمل» ، قاله الحارث بن عباد في قتل جساس كليبا.
«681» - ويقولون: «ما لي بهذا الأمر يدان» .
«682» - ويقولون: «هذا أحقّ منزل بترك» .
«683» - ويقاربه: «لا يطاع لقصير أمر» ، قاله قصير بن سعد صاحب الزباء حين أشار على جذيمة فصدف عن رأيه.
__________
[1] مجموعة المعاني: 143 وشعراء عباسيون 3: 32.
[2] مجموعة المعاني: 143.
(7/139)

«684» - ويقولون: «خلّ سبيل من وهى سقاؤه» ، أي خلّ سبيل من لا يريد صحبتك.
«685» - ومثله: «إنما يضنّ بالضنين» . قال لبيد [1] : [من الكامل]
فاقطع لبانة من تعرّض وصله ... ولخير واصل خلّة صرّامها
«686» - ومن أمثالهم: «لا قرار على زأر من الأسد» .
«687» - ويقولون: «خلّ امرءا وما اختار، وإن أبى إلا النار» .
«688» - ويقولون: «ألق حبله على غاربه» ، وأصله الناقة إذا أرسلت ترعى ألقي حبلها على غاربها؛ ولا يترك ساقطا فيمنعها من الرعي.
65- ما جاء في الاستهانة وقلة الاحتفال
«689» - يقولون: «على غريبتها تحدى الإبل» ، يريدون به تهاون الإنسان بمال غيره.
«690» - والمثل السائر: «أحق الخيل بالركض المعار» .
«691» - ومن أمثالهم: «عثيثة تقرض جلدا أملسا» ، قاله الأحنف لحارثة بن
__________
[1] بيت لبيد في أمثال ابن سلام: 112 وديوانه: 303.
(7/140)

بدر الغداني وعابه عند زياد، وذلك أنه طلب إلى علي عليه السّلام أن يدخله في الحكومة، فلما بلغه عيب حارثة إياه قال الأحنف ذلك. وهو مثل يضرب عند احتقار الرجل واحتقار كلامه.
«692» - ويقولون: «من باع بعرضه فقد أنفق» ، أي من أهان عرضه للشتم وجده حاضرا.
«693» - ومن أمثالهم: «احمل العبد على الفرس فإن هلك هلك وإن ملك ملك» .
«694» - «ترى من لا حريم له يهون» .
«695» - ومما يشبه ذلك ويضرب في من يفعل أمرا عظيما ولا يحتفل به ويظن أنه لم يصنع شيئا، ما حكاه يونس عن العرب: أن غلاما أخذ بعيرا فشق نصفه ثم أخرج مصيره وجعل يطويه فمرّ به قوم فقالوا: مه يا غلام؟ فقال: «إني لا أضيره وإنما أطوي مصيره» .
«696» - ومن أمثالهم: «أهون هالك عجوز في عام سنة» .
«697» - ويقال: «خلّه درج الضبّ» ، أي يذهب حيث يشاء.
«698» - ويقولون: «أجع كلبك يتبعك» .
(7/141)

وقال البريق الهذلي [1] : [من الطويل]
وكنت إذا الأيام أحدثن هالكا ... أقول شوى ما لم تصب بصميم
تصب من صاب أي قصد.
وقال الفرزدق في الاستهانة [2] : [من الكامل]
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أو بلت حيث تناطح البحران
وقال آخر [3] : [من الرمل]
ما يضرّ البحر أضحى زاخرا ... أن رمى فيه غلام بحجر
وقال آخر: [من الطويل]
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب
وقال آخر [4] : [من الطويل]
أنار النار في أحجارها مستكنّة ... فإن كنت ممّن يقدح النار فاقدح
أنا الليث وابن الليث في حومة الوغى ... فإن كنت ممّن ينبح الليث فانبح
وقال ابن الرومي: [من البسيط]
لينبح الكلب ضوء البدر ما نبحا
وقال الأخطل [5] : [من الطويل]
__________
[1] شرح أشعار الهذليين (وروايته: ما لم يصبن صميمي) ومجموعة المعاني: 75 (وهو محرّف) .
[2] ديوان الفرزدق 2: 344.
[3] مجموعة المعاني: 75 (ونسبه للفرزدق) .
[4] مجموعة المعاني: 75.
[5] ديوان الأخطل. 21.
(7/142)

عتبتم علينا آل غيلان كلّكم ... وأيّ عدوّ لم نبته على عتب
وقال آخر [1] : [من الطويل]
أهينوا مطاياكم فإني رأيته ... يهون على البرذون موت الفتى الندب
وقال آخر [2] : [من البسيط]
لا يجفل البرد من يبلي حواشيه ... ولا يبالي على من راحت الإبل
وقال آخر [3] : [من الطويل]
ألا لا يبالي البرد من جرّ فضله ... كما لا تبالي مهرة من يقودها
66- المشاركة في الرخاء والخذلان في الشدة
«699» - من أمثالهم في ذلك: «يربض حجرة ويرتعي وسطا» .
ومثله [4] : [من الوافر]
موالينا إذا افتقروا إلينا ... وإن أثروا فليس لنا موالي
وقريب منه [5] : [من البسيط]
لا أعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
__________
[1] مجموعة المعاني: 75.
[2] مجموعة المعاني: 75.
[3] مجموعة المعاني: 76.
[4] البيت في أمثال ابن سلام: 181 وعيون الأخبار 3: 84 ومجموعة المعاني: 64.
[5] البيت لعبيد بن الأبرص، انظر أمثال ابن سلام: 182 وديوانه: 48 ومجموعة المعاني: 64.
(7/143)

«700» - ويقولون: «من فاز بفلان فاز بالسهم الأخيب» ، لمن يخذل في وقت الحاجة، وقاله علي عليه السّلام فيما كان يستبطىء به أصحابه.
67- ما جاء في الرخاء والسعة
«701» - يقولون في ذلك: «هم في شيء لا يطير غرابه» . ومن شعر النابغة:
ليس غرابها بمطار [1] . وأصله أنّ الغراب إذا وقع في موضع منه لم يحتج أن يتحوّل إلى غيره. وقد يضرب هذا المثل في الشدة أيضا.
«702» - ويقرب منه قوله: «وجد ثمرة الغراب» ، إنما ينتقي من الثمر أطيبه وأجوده.
«703» - ويقولون: «هم في مثل حدقة البعير» ، يريدون الخصب والعشب.
«704» - «جاء بالضّحّ والريح» . الضح الشمس.
«705» - و «جاء بالطّمّ والرّمّ» ، يريدون الكثرة.
«706» - ومن أمثالهم: «إن أضاخا منهل مورود» .
__________
[1] بيت النابغة:
ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابها بمطار.
(7/144)

«707» - ومنها: «يوم توافى شأوه وأنعمه» ، لمن يملك أمره ويكثر جمعه.
«708» - ومنها: «تتابعي بقر» ، خبر ذلك أن بشر بن أبي خازم خرج سنة أسنت فيها قومه فمرّ بصوار من البقر وإجل من الأروى فذعرت منه فركبت جبلا وعرا ليس له منفذ، فلما نظر إليها قام على شعب من الجبل وأخرج قوسه وجعل يشير إليها كأنّه يرميها، فتلقي أنفسها فتكسّر، وجعل يقول [1] : [من الرجز]
أنت الذي تصنع ما لم يصنع ... أنت حططت من ذرا مقنّع
كلّ شبوب لهق مقنع
ويقول: تتابعي بقر، فخرج إلى قومه فدعاهم إليها فأصابوا من اللحم ما شاءوا وانتعشوا.
«709» - ومن أمثالهم في السعة لمن يفسد في المال ويضيعه: «ليس عليك نسجه فاسحب وجر» .
«710» - «وقعت في مرتعة فعيثي» .
«711» - «عبد وحلي في يديه» .
«712» - «عبد ملك عبدا» .
__________
[1] ديوان بشر: المقطوعة 10 من ملحق الديوان.
(7/145)

«713» - «ارعي فزارة لا هناك المرتع» .
«714» - «عيثي جعار» .
«715» - «خلا لك الجوّ فبيضي واصفري» . وتمثل بذلك عبد الله بن العباس لما خلت مكة لعبد الله بن الزبير وسار الحسين بن علي عليهما السّلام إلى العراق.
«716» - ومن أمثالهم في نحو ذلك: «كلّ ذات ذيل تختال» .
«717» - «من يطل ذيله ينتطق به» .
68- المعجب بخاصة نفسه
«718» - من أمثالهم في ذلك: «كل مجر بالخلاء يسرّ» .
«719» - «زيّن في عين والد ولده» .
«720» - «كلّ فتاة بأبيها معجبة» ، يروى هذا المثل للأغلب العجلي في شعر له، وقيل هو للعجفاء بنت علقمة، وقيل هو لكاهنة منهم تنافر إليها نسوان كلّ
(7/146)

واحدة منهن تذكر مجد أبيها وتفخر به. وأنشد الرياشي [1] : [من المنسرح]
زيّنه الله بالفخار كما ... زيّن في عين والد ولده
وقال أبو تمام [2] : [من الكامل]
ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون
69- الساعي لنفسه وفي خلاصه
«721» - من أمثالهم في هذا: «سمنكم هريق في أديمكم» ؛ لمن ينفق على نفسه ويمنع الناس.
«722» - «كلّ امرىء في شأنه ساع» .
«723» - «كلّ جان يده إلى فيه» . أصل المثل أن جذيمة الأبرش نزل منزلا وأمر الناس أن يجنوا الكمأة، فكان بعضهم إذا وجد شيئا يعجبه آثر به نفسه، وكان عمرو ابن عدي يأتيه بخير ما يجده فعندها قال عمرو بن عدي [3] : [من الرجز]
هذا جناي وخياره فيه ... وكلّ جان يده إلى فيه
وتمثل بذلك علي عليه السّلام لما جبيت إليه العراق، فنظر إلى فتنتها وذهبها: يا حمراء يا بيضاء: احمرّي وابيضّي، غرّي غيري
__________
[1] جمهرة العسكري وعيون الأخبار 3: 95 وفصل المقال: 218.
[2] ديوان أبي تمام 3: 331.
[3] يرد هذا في قصة عمرو بن عدي، انظر المفضل الضبي: 149.
(7/147)

هذا جناي وخياره فيه ... وكل جان يده إلى فيه
«724» - وقال أكثم بن صيفي: «من ضعف عن كسبه اتكل على زاد غيره» .
«725» - ويقولون في الرضا بما في اليد والإياس مما في يد الغير: «ملء عينيك وشيء غيرك» .
70- اليسير يجني الكثير
«726» - من أمثالهم: «الشرّ تبدوه صغاره» .
قال مسكين الدارمي [1] : [من الكامل المجزوء]
ولقد رأيت الشرّ بي ... ن الحيّ تبدوه صغاره
ولو انهم يأسونه ... لتنهنهت عنهم كباره
«727» - ومنها: «إن دواء الشقّ أن تحوصه» ، وأصل الحوص الخياطة، يعني قبل تفاقمه.
وقال طرفة بن العبد: [2] [من الكامل]
قد يبعث الأمر الكبير صغيره ... حتى تظلّ له الدماء تصبّب
وقال يزيد بن الحكم [3] : [من الكامل المجزوء]
__________
[1] البيت الأول في أمثال ابن سلام: 153 ومجموعة المعاني: 154 (البيتان) .
[2] مجموعة المعاني: 153.
[3] في الحماسة (المرزوقي) رقم: 445.
(7/148)

اعلم بني فإنه ... بالعلم ينتفع الحكيم
إن الأمور دقيقها ... مما يهيج له العظيم
وقال أنس بن مساحق العبدي: [من المتقارب]
بأنّ الدقيق يهيج الجليل ... وأنّ العزيز إذا شاء ذلّ
وقال عقيل بن هاشم القيني: [من البسيط]
فبينما المرء تزجيه أصاغره ... إذ شمّرت فحمة شهباء تستعر
تعيي على من يداويها مكايدها ... عمياء ليس لها سمع ولا بصر [1]
ويقارب هذه المعاني قول ابن نباتة [2] : [من المتقارب]
فلا تحقرنّ عدوّا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن الحسام يجزّ الرقاب ... ويعجز عما تنال الإبر
ومن كلام العرب يقولون: «الحرب أوّلها كلام» .
«728» - ويقال: «صغارها شرارها» ، أي أصغرهنّ أكثرهنّ شرّا.
«729» - ومن أمثالهم: «إن الخصاص يرى في جوفه الرّقم» ، أي أن الشيء الحقير الصغير يرى فيه العظيم، والخصاصة الفرجة بين الشيئين والرّقم الداهية.
__________
[1] مجموعة المعاني: 154 شمس ولا قمر.
[2] ديوان ابن نباته 2: 73.
(7/149)

71- ما جاء في الشدة والداهية
«730» - قولهم: «جاوز الماء الزّبى» .
«731» - و «بلغ الحزام الطبيين» .
«732» - «جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه» ، أي لا دواء له.
«733» - ومثله: «غادر وهيا لا يرقع» ، أي فتق فتقا لا يقدر على رتقه «734» - ويقال: «جاء فلان وقد لفظ لجامه» ، إذا جاء مجهودا.
«735» - ومثله: «جاء وقد قرض لنا رباطه» .
«736» - ويقال في الشدة: «جاء بعد اللّتيّا والتي» .
«737» - و «لقيت منه عرق القربة» .
«738» - «المنايا على الحوايا» ، والحوايا ها هنا مراكب، واحدتها حوية، كل ذلك في الشدة.
(7/150)

«739» - ويقولون في مثله: «رأى فلان الكواكب مظهرا» ، معناه أظلم عليه يومه حتى رأى الكواكب عند الظهر.
«740» - ويقولون: «قد أخذ منه بالمخنّق» .
«741» - ويقولون: «لقي منه الأمرّين، والفتكرين، والبرحين» .
«742» - «ولقيت منه بنات برح» .
«743» - ويقولون: «تركته على مثل ليلة الصّدر» ، يعنون نفر الناس وصدرهم من حجهم، يضرب في الاصطلام.
«744» - ومثله: «تركته على مثل مشفر الأسد» .
«745» - و «تركته على مثل مقلع الصمغة» .
«746» - و «تركته على أنقى من الراحة» .
«747» - ويقولون: «صبرا وإن كان قترا» ، والقتر شدة الزمان.
748- و «صبرا وإن كان جمرا» .
«749» - ومنه: «أساف حتى ما يشتكي السواف» ، يعني أنه اعتاده، والإسافة ذهاب المال واجتياحه.
(7/151)

«750» - ويقولون: «ما له ثاغية ولا راغية» .
«751» - ويقولون للرجل إذا كان داهية: «صلّ أصلال» ؛ و «هتر أهتار» .
«752» - وهو «حوّل قلّب» .
«753» - وهو «عضلة من العضل» .
«754» - و «داهية الغبر» ؛ و «صماء الغبر» .
«755» - ويقولون في الدواهي: قد «بدت جنادعه» .
«756» - «وقع في أم جندب» .
«757» - «وقع في هياط ومياط» وهو الصخب والضجر.
758- و «وقع في الدّهيم» ، وأصله أن إخوة قتلوا فحملوا على ناقة يقال لها الدهيم، فصارت مثلا.
«759» - ويقولون: «أتتكم الدهيم ترمي بالنشف والتي بعدها ترمي بالرضف» .
«760» و «جاء بالداهية الدهياء» ، و «الزباء والشعراء» .
«761» - و «جاء بالعنقفير» .
(7/152)

«762» - و «جاء بإحدى بنات طبق» ، وأصلها من الحيات.
«763» - ويقولون: «صمّي صمام» .
«764» - و «صمّي ابنة الجبل» .
ويسمون الدواهي المآود واحدتها موئدة.
72- في الدعاء
يقولون في الدعاء:
«765» - «هوت أمّه» .
«766» - و «هبلت أمّه» ، ويريدون بذلك المديح، وكأنه أخرج مخرج التفجّع.
قال أعشى باهلة: [من الطويل]
ألا هبلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر
«767» - ويقولون في الدعاء له: «نعم عوفك» ، أي نعم بالك.
768- ويقولون في الدعاء عليه: «لا نعم عوفك» .
«769» - «لا قبل الله منه صرفا ولا عدلا» ، فالعدل الفرض والصرف التطوع.
«770» - ويقولون: «رماه الله بالطلاطلة والحمّى المماطلة» ، الطلاطلة سقوط اللهاة، ويقال: الذبحة.
(7/153)

«771» - ويقولون في الشماتة: «لليدين وللفم» ، والمثل لعائشة رضي الله عنها.
«772» - و «للمنخرين» ، أي أكبّه الله على منخريه، والمثل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، قاله لرجل أتي به سكران في شهر رمضان.
«773» - ويقال: «بجنبيه الوجبة» ، يعني الصرعة.
«774» - و «من كلا جانبيك لا لبّيك» .
«775» - «به لا بظبي» .
«776» - «لا لعا لفلان» .
«777» - وقولهم: «بفيه الحجر» .
«778» - و «بفيه الأثلب والكثكث» .
تمّ الباب بحمد الله ومنّه والحمد لله وحده، ويتلوه إن شاء الله تعالى الباب الثالث والثلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة.
(7/154)

الباب الثّالث والثّلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة
(7/155)

[خطبة الباب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه الثقة والعون الحمد لله الملك الدّيان، المفضل المنّان، خالق الإنسان، ومفضّله بالبيان، ومؤتيه الحكمة وفصل الخطاب، موفّق بديهته لصواب الجواب، ومسدّده للقراع والنضال، ومؤيّده عند الخصام والجدال، له النّعم السابغة، والآيات الصادعة، والمعجزات الرادعة، والكلمة العليا القاطعة، والبطشة الكبرى الوازعة، وصلواته على نبيّه وصفيّه، محمد عبده ونبيّه، الذي أظهر حجّته، وأوضح محجّته، وآتاه جوامع الكلم، وخصّه بأكرم الأخلاق والشيم، وعلى آله مصابيح الظّلم، ودراريّ البهم.
(7/157)

[مقدمة الباب]
(الباب الثالث والثلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة) في الكتاب العزيز من الحجج القاطعة ما يكون غاية لمن تمثّل به، وكيف لا يكون ذلك وهو برهان الشريعة ودليلها، ومحجّة الهداية وسبيلها، فمن ذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
(يس: 78) وقال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
(القيامة: 36- 40) وقوله عزّ وجلّ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
(الروم: 27) أي في تقدير عقولكم وقياس ظنونكم المأخوذين من معارفكم. وقوله عزّ وجلّ حكاية عن إبراهيم عليه السلام:
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
(الأنعام: 81) .
ومن آيات الحجاج القاطع في إقامة التوحيد وتوهين الشرك قوله سبحانه:
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
(الاسراء:
42) وقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
(المؤمنون: 91) وقوله تعالى في تفرّده بخلق البريّة: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا
(7/158)

ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
(الحج:
73- 74) ومن الحجة في أمر كتابه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
(البقرة: 23) وقال في الدلالة على إثبات نبوّة رسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بتأمّل أحواله وتدبّر ما جاء به: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
(المؤمنون: 68- 69) فإنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعرف في قريش قبل البعثة بالصادق والأمين. وقوله تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
(يونس: 16) .
ولما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم قام فقال: «يا معشر قريش، لو قلت لكم إنّ خيلا تطلع عليكم من هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» . فلما أقرّوا بصدقه خاطبهم بالإنذار ودعاهم إلى الإسلام.
والآن نذكر ما تحاور به الناس فيما بينهم، وتحاجّوا به بعضهم على بعض في خطابهم ومقاصدهم.
77»
- قال عثمان بن عفّان رضي الله عنه لعامر بن عبد قيس العنبري ورآه ظاهر الأعرابية: يا أعرابي أين ربك؟ قال: بالمرصاد.
«780» - استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلا من آله على الطائف، فظلم رجلا من أزد شنوءة، فأتى الأزديّ عتبة فمثل بين يديه فقال: [من البسيط]
أمرت من كان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
ثم ذكر ظلامته فقال عتبة: إني أراك أعرابيا جافيا. والله ما أحسبك تدري كم تصلّي في كلّ يوم وليلة. فقال: أرأيتك إن أنبأتك ذاك أتجعل لي عليك مسألة؟
(7/159)

قال: نعم، فقال الأعرابي: [من الرجز]
إن الصلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهنّ أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيع
قال: صدقت، فسل، قال الأعرابي: كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري، قال الأعرابي: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ قال: ردوا عليه ظلامته.
«781» - لما انتهى إلى علي عليه السلام يوم السقيفة أنّ الأنصار قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال عليه السلام: فهلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وصّى بأن نحسن إلى محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم. قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم.
«782» - ومما ينظر إلى هذا المعنى وإن كان مخرجه مخرج علوّ الهمة وارتفاعها قول عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق، وقد دخل بعد موت أبيه على معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟
قال: إنّ أبي أوصى إليّ ولم يوص بي.
«783» - وفي يوم السقيفة أيضا قال الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب، إن شئتم كررناها جذعة، منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجريّ شيئا في الأنصار ردّه عليه الأنصاريّ، وإن عمل الأنصاريّ شيئا في المهاجرين ردّه عليه المهاجريّ، فأراد عمر الكلام فقال أبو بكر رضي الله عنه:
على رسلك، نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس
(7/160)

حسبا وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسّهم رحما بالرسول صلّى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم وقدّمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدّين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ؛ آويتم وآسيتم، فجزاكم الله خيرا؛ نحن الأمراء وأنتم الوزراء؛ لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، وأنتم محقوقون أن لا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم. قالوا: فإنّا قد رضينا وسلّمنا.
«784» - وقال عيسى بن يزيد: قال أبو بكر رضي الله عنه: نحن أهل الله وأقرب الناس بيتا من بيت الله، وأمسّهم رحما برسول الله؛ إن هذا الأمر إن تطاولت له الخزرج لم تقصّر عنه الأوس، وإن تطاولت له الأوس لم تقصّر عنه الخزرج، وقد كان بين الحيّين قتلى لا تنسى، وجراح لا تداوى، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد: يضغمه المهاجريّ ويخرجه الأنصاري.
قال ابن دأب: فرماهم والله بالمسكتة.
«785» - قال رجل للربيع بن خثيم وقد صلّى ليلة حتى أصبح: أتعبت نفسك فقال: راحتها أطلب، إن أفره العبيد أكيسهم.
785 ب- وهذا قول حقّ في مقام صدق، أخذه روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب في مقام الباطل، ونظر إليه رجل واقفا بباب المنصور في الشمس فقال له: قد طال وقوفك في الشمس، قال روح: ليطول وقوفي في الظّلّ.
786- رؤي عبيد الله بن الحسن القاضي على باب جعفر بن سليمان، والشمس تنقله من ظلّ إلى ظلّ، فقيل له: أمثلك في علمك ومكانك يقف هذا
(7/161)

الموقف؟ فقال: [من الطويل]
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها
787- وكأن هذه المعاني تنظر إلى قول الأعشى: [من الطويل]
تقول سليمى لو أقمت لسرّنا ... ولم تدر أنّي للمقام أطوف
وقول عنترة: [من الكامل]
ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المأكل
«788» - قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي مريم السلولي: والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم، قال: أفتمنعني حقّا؟ قال: لا، قال: لا بأس، إنما يأسى على الحبّ النساء.
«789» - دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان قبيحا، فلما رآه سليمان، قال: قبح الله رجلا أجرّك رسنه وأشركك في أمانته، فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين، رأيتني والأمر عنّي مدبر، ولو رأيتني وهو عليّ مقبل لاستكبرت مني ما استصغرت، واستعظمت مني ما استحقرت، فقال: أترى الحجّاج استقرّ في قعر جهنم بعد؟ قال: يا أمير المؤمنين، لا تقل ذلك في الحجاج، فإن الحجاج وطّأ لكم المنابر، وذلّل لكم الجبابرة، وهو يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك وعن يسار أخيك، فحيث كانا كان.
«790» - أرسل أهل البصرة رجلا يقال له كليب الجرمي إلى عليّ بن أبي
(7/162)

طالب عليه السّلام لما قرب منها ليعلم لهم حقيقة حاله ورأيه في أهل الجمل، فبيّن له من أمرهم ما علم أنّه على الحقّ، ثم قال له: تبايع؟ قال: إني رسول قوم، ولا أحدث حدثا حتى أرجع إليهم، فقال له: أرأيت لو أنّ الذين وراءك بعثوك رائدا لهم تبتغي مساقط الغيث فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلأ والماء، فخالفوا إلى المعاطش والمجادب، ما كنت صانعا؟ قال: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء، فقال له: فامدد إذن يدك، فقال الجرميّ: فوالله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة عليّ، فبايعته.
«791» - قال بعض اليهود لعليّ عليه السّلام: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم، فقال له: إنما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
(الأعراف: 138) .
«792» - قال معاوية لأبي الأسود: بلغني أنّ عليا أراد أن يدخلك في الحكومة، فعزمت عليك أيّ شيء كنت تصنع؟ قال: كنت آتي المدينة فأجمع ألفا من المهاجرين وألفا من الأنصار، فإن لم أجدهم تمّمتهم من أبنائهم، ثم أستحلفهم بالله العظيم: المهاجرون أحقّ أم الطّلقاء؟ فتبسّم معاوية وقال: إذن والله ما كان اختلف عليك اثنان.
«793» - كتب عليّ عليه السّلام إلى معاوية جوابا عن كتاب منه: وأمّا طلبك الشّام فإني لم أكن لأعطيك اليوم شيئا منعتكه أمس، وأما قولك: إنّ الحرب قد أكلت العرب إلّا حشاشات أنفس بقيت: ألا ومن أكله الحقّ فإلى
(7/163)

النار، وأما استواؤنا في الحرب والرجال: فلست بأمضى على الشكّ منّي على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إنا بنو عبد مناف: فكذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطّليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنّم، وفي أيدينا بعد فضل النبوّة التي [1] أذللنا بها العزيز، ونعشنا بها الذليل. ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا، وأسلمت له هذه الأمّة طوعا وكرها، كنتم ممن دخل في الدين إمّا رغبة وإما رهبة، على حين فاز أهل السّبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم، فلا تجعلنّ للشيطان فيك نصيبا وعليك [2] سبيلا.
«794» - وكتب إليه أيضا، وهو من محاسن الكتب، أخذ عليه فيه بالحجة ورماه بالمسكتة: أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمدا صلّى الله عليه وسلم لدينه، وتأييده إيّاه بمن أيّده الله به من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا بآلاء الله عندنا ونعمه علينا في نبيّنا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر، أو داعي مسدّدة إلى النضال. وزعمت أنّ أفضل الناس في الإسلام فلان وفلانّ، فذكرت أمرا إن تمّ اعتزلك كلّه، وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس، وما للطّلقاء وأبناء الطّلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد حنّ قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها. ألا تربع على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخّر حيث أخرّك القدر؟! فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، وإنك
__________
[1] ر: الذي.
[2] م: وعلى نفسك.
(7/164)

لذهّاب في التيه، روّاغ عن القصد. ألا ترى غير مخبر لك، لكن بنعمة الله أحدّث:
أن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين، ولكلّ فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيّد الشهداء، وخصّه رسول الله صلّى الله عليه وسلم بسبعين تكبيرة حين صلّى [1] عليه؟ أو لا [2] ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله، ولكلّ فضل، حتى إذا فعل بواحد منّا كما فعل بواحدهم قيل: الطيّار في الجنة وذو الجناحين؟ ولولا ما نهى الله عزّ وجلّ عن تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمّة تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجّها آذان السامعين. فدع عنك من مالت به الرّيبة [3] فإنّا صنائع ربّنا، والناس بعد صنائع لنا، لم يمنعنا قديم عزّنا وعاديّ طولنا على قومنا [4] أن خلطناهم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا، فعل الأكفاء، ولستم هناك، وأنّى يكون ذلك كذلك ومنّا النبيّ ومنكم المكذّب، ومنّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب، في كثير مما لنا وعليكم؟
فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع، وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنا، وقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ*
(الأنفال: 75) وقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
(آل عمران: 68) . فنحن مرّة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة.
ولما احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلّى الله عليه وسلم فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم.
وزعمت أني لكلّ الخلفاء حسدت وعلى كلّهم بغيت: فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
__________
[1] م: عند صلاته.
[2] م: ألا.
[3] م: الرتبة.
[4] م: قومك.
(7/165)

وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله، لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا بيقينه [1] ، وهذه حجّتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها.
ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان: ولك أن تجاب عن هذه لرحمه منك: فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقالته؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفّه؟ أم من استنصره فتراخى عنه وبثّ المنون إليه، حتى أتى قدره عليه؟
كلّا والله. لقد علم الله المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا، وما كنت أعتذر من أنّي كنت أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له، فربّ ملوم لا ذنب له.
وقد يستفيد الظنّة المتنصّح
وما أردت إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
(هود: 88) .
وذكرت أنه ليس لي عندك ولأصحابي إلا السيف: فلقد أضحكت بعد استعبار: متى ألفيت بنو عبد المطلب عن الأعداء ناكبين، وبالسيوف مخوّفين؟
فالبث قليلا يلحق الهيجا حمل، فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم، قد صحبتهم ذرّية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدّك وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد.
795- كان قبيصة بن جابر ممن كثّر على الوليد بن عقبة لما ولي الكوفة، فقال معاوية يوما والوليد وقبيصة عنده: يا قبيصة، ما كان شأنك وشأن الوليد؟
__________
[1] م: في نفسه.
(7/166)

قال: خير يا أمير المؤمنين في أول وصل الرحم وأحسن الكلام، فلا تسأل عن شكر وحسن ثناء، ثم غضب على الناس وغضبوا عليه، وكنّا منهم، فإما ظالمون فنستغفر الله، وإما مظلومين فيغفر الله له، وخذ في غير هذا يا أمير المؤمنين فإن الحديث ينسي القديم. قال: ولم؟ فو الله لقد أحسن السيرة وبسط الخير وكفّ الشرّ، قال: فأنت أقدر على ذلك منه يا أمير المؤمنين، فافعل، قال: اسكت لا سكتّ. فسكت وسكت القوم، ثم قال له معاوية: ما لك لا تتحدث؟ قال:
نهيتني عما أحبّ فسكتّ عما أكره.
«796» - قال معاوية للأحنف حين وبّخه بتخذيله عن عائشة ومشهده صفّين: فعلت وفعلت. فقال: يا أمير المؤمنين لم تردّ الأمور على أعقابها؟ أما والله إنّ القلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، وإنّ السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت يدا بشرّ من غدر لنمدّن باعا من ختر، وإن شئت لتستصفينّ كدر قلوبنا بصفو حلمك، قال: فإني بها أفعل.
«797» - روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم إلى الشام ومعه عبد الرحمن بن عوف رحمه الله وهما على حمارين قريبين من الأرض، فتلقاهما معاوية في كبكبة حسناء، فثنى وركه فنزل وسلّم عليه بالخلافة فلم يردّ عليه، فقال له عبد الرحمن أو أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أحصرت الفتى فلو كلّمته، فقال: إنك لصاحب الجيش الذي أرى؟ قال: نعم، قال: مع شدّة احتجابك ووقوف ذوي الحوائج ببابك؟ قال: أجل، قال: ولم ويلك؟ قال: لأنّا في بلاد يكثر فيها جواسيس العدوّ، فإن نحن لم نتّخذ العدّة والعدد استخفّ بنا، وهجم على عوراتنا، وأنا- بعد- عاملك، فإن وقفتني وقفت، وإن استزدتني زدت، وإن استنقصتني نقصت؛ قال: فو الله لئن كنت كاذبا إنه لرأي أريب، وإن كنت
(7/167)

صادقا إنه لتدبير أديب، ما سألتك عن شيء قطّ إلا تركتني منه في أضيق من رواجب الضرس، لا آمرك ولا أنهاك. فلما انصرف قال أبو عبيدة أو عبد الرحمن: لقد أحسن الفتى في إصدار ما أوردت عليه، قال: لحسن إصداره وإيراده جشّمناه ما جشّمناه.
«798» - روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعسّ بالمدينة في الليل، فسمع صوت رجل في بيته فارتاب بالحال، فتسوّر فوجد رجلا عنده امرأة وخمر، فقال: يا عدوّ الله، أكنت ترى أنّ الله يسترك وأنت تعصيه [1] ؟ فقال الرجل: لا تعجل عليّ يا أمير المؤمنين، إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته في ثلاث، قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَجَسَّسُوا
(الحجرات: 12) وقد تجسّست، وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
(البقرة: 189) ، وقد تسوّرت، وقال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا
(النور: 61) وما سلّمت.
فقال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: بلى والله يا أمير المؤمنين، لئن عفوت عني لا أعود لمثلها أبدا، فعفا عنه.
«799» - خطب رجل إلى عبد الله بن عباس يتيمة كانت في حجره، فقال: لا أرضاها لك، قال: ولم؟ قال: لأنها تشرّف وتنظر، وهي مع ذلك بذيئة، قال: فإني لا أكره ذلك، فقال ابن عباس: أمّا الآن فإني لا أرضاك لها.
«800» - قيل وقع بين عليّ وعثمان كلام فقال عثمان: ما أصنع بكم إن كانت قريش لا تحبّكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأنّ وجوههم شنوف
__________
[1] م: على معصيته.
(7/168)

الذهب تشرب آنفهم قبل شفاههم.
«801» - قدم حماد بن جميل من فارس فنظر إليه يزيد بن المنجاب وعليه جبّة وشي، فقال: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
(الإنسان: 1) ، فقال حماد: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
(النساء: 94) .
«802» - دخل وفد على عمر بن عبد العزيز فأراد فتى منهم الكلام، فقال عمر: ليتكلّم أسنّكم، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إنّ قريشا لترى فيها من هو أسنّ منك، فقال: تكلّم يا فتى.
«803» - قال معاوية يوما: الأرض لله وأنا خليفته، فما أخذت فلي حلال، وما تركت للناس فلي عليهم فيه منّة، فقال صعصعة: ما أنت وأقصى الأمّة فيه إلا سواء، ولكن من ملك استأثر. فغضب معاوية وقال: لقد هممت، قال صعصعة: ما كلّ من همّ فعل، قال: ومن يحول بيني وبين ذلك؟ قال: الذي يحول بين المرء وقلبه.
«804» - وجّه معاوية رجلا إلى ملك الرّوم ومعه كتاب تصديره: «إلى طاغية الرّوم» ، فقال ملك الرّوم للرجل: ما لذي الفخر بالرسالة والمتسمّي بخلافة النبوّة والسّفه؟ أظنكم ولّيتم هذا الأمر بعد إعواز، لو شئت كتبت: من ملك الروم إلى غاصب أهل بيت نبيّه، العامل بما يكفّره عليه كتابه، لكني أتجالل عن ذلك.
805- روي أنّ عائشة رضي الله عنها بعثت إلى معاوية وهو بالمدينة تذكر حاجة من آل أبي بكر، فأرسل إليها بثلاثين ألف درهم صلة لها وبمثلها لآل أبي
(7/169)

بكر، وبعث إلى أمّ حبيبة أخته عشرين ألف درهم، فقالت: أتفضّل عليّ وأنا أختك، وحقّي ما تعلم؟ فقال: إني آثرت هوى رسول الله صلّى الله عليه وسلم واقتديت به فيكما، فقالت: إن كنت صادقا فاعتزل ما أنت فيه، وخلّ بينه وبين من أدخلك في الإسلام، فو الله لهوى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيه كان فوق هواه فيك، فقال معاوية:
لله درّ الحقّ ما أقمعه.
«806» - سمع زياد امرأة تقول: اللهم اعزل عنا زيادا فقال: يا أمة الله، زيدي في دعائك: وأبدلنا به من هو خير لنا منه.
«807» - قال الأصمعي: ناظر قوم من الخوارج الحسن البصريّ فقال: أنتم أصحاب دنيا، قالوا: وكيف؟ قال: أيمنعكم السلطان من الصلاة؟ قالوا: لا، قال: أفيمنعكم من الحجّ؟ قالوا: لا، حتى عدّد وجوه البرّ ويقولون لا، قال:
فأراه إنّما منعكم الدرهم فقاتلتموه.
808- قال حاطب بن أبي بلتعة: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فأتيته بكتاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم فأبلغته رسالته، فضحك ثم قال:
كتب إليّ صاحبك يسألني أن أتبعه على دينه، فما يمنعه إن كان نبيّا أن يدعو الله فيسلّط عليّ البحر فيغرقني فيكفى مؤونتي ويأخذ ملكي؟ قلت:
فما منع عيسى عليه السلام إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وجعلوا عليه [1] إكليلا من شوك، وحملوا خشبته التي صلبوه عليها على عنقه، ثم أخرجوه وهو يبكي حتى نصبوه على الخشبة، ثم طعنوه حيّا بحربة [2] حتى مات- هذا على زعمكم- فما منعه أن يدعو الله فيجيبه فيهلكهم ويكفى مؤونتهم،
__________
[1] م: وحلقوا وسط رأسه.
[2] بحربة: سقطت من ر.
(7/170)

ويظهر هو وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله، فقتله وبعث [1] برأسه إليها حتى وضع بين يديها، أن يسأل الله أن ينجيه ويهلك الناس؟ فأقبل على جلسائه وقال: والله إنه لحكيم، وما يخرج الحكيم إلّا من عند الحكماء.
809- قال خالد بن يزيد القرشي: كانت لي حاجة بالجزيرة فاتخذتها طريقا مستخفيا، قال: فبينا أنا أسير بين أظهرهم إذا أنا بشمامسة ورهبان- وكان خالد رجلا لبيبا لسنا ذا رأي- فقلت لهم: ما جمعكم ها هنا؟ قالوا: إن لنا شيخا سيّاحا نلقاه كلّ عام في مكاننا هذا مرّة [2] فنعرض عليه ديننا وننتهي فيه إلى رأيه، قال: وكنت رجلا معنيا بالحديث فقلت: لو دنوت من هذا فلعلّي اسمع منه شيئا أنتفع به، قال:
فدنوت منه، فلما نظر إليّ قال لي: من أنت؟ أأنت من هؤلاء؟ قلت: أجل، قال:
من أمّة أحمد [3] ؟ قلت: نعم، قال: من علمائهم أنت أو من جهالهم؟ قلت: لست من علمائهم ولا من جهالهم، قال: ألستم تزعمون في كتابكم أنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون؟ قال، قلت: نعم نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلا في الدنيا، فما هو؟ قلت مثل هذا الصبي في بطن أمه يأتيه رزق الرحمن بكرة وعشية ولا يبول ولا يتغوّط، فتربّد وجهه وقال لي: ألم تزعم أنّك لست من علمائهم؟ قلت: بلى ما أنا من علمائهم ولا من جهّالهم، ثم قال: ألستم تزعمون أنكم تأكلون وتشربون ولا ينتقص ما في الجنة شيء؟ قال: نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلا في الدنيا، فما هو؟ قلت: مثل هذا مثل رجل أعطاه الله علما وحكمة في الدنيا وعلّمه كتابه، فلو اجتمع من خلق الله فتعلّموا منه ما نقص ذلك من علمه شيئا، قال: فتربّد وجهه وقال: ألم تزعم أنّك لست من علمائهم؟
قال، قلت: أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم، فقال: ألستم تقولون في
__________
[1] ر: فبعث.
[2] مرة: سقطت من م.
[3] م: محمد.
(7/171)

صلواتكم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ قال: قلت نعم، قال: فلها عنّي ثم أقبل على أصحابه وقال: ما بسط لأحد من الأمم ما بسط لهؤلاء من الخير، إنّ أحدهم إذا قال في صلواته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لم يبق عبد صالح في السموات والأرض إلا كتب الله له به عشر حسنات، ثم قال: ألستم تستغفرون لأنفسكم وللمؤمنين والمؤمنات؟ قال، قلت بلى، فقال لأصحابه: إن أحد هؤلاء إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات لم يبق عبد لله مؤمن في السموات والأرض من الملائكة والمؤمنين ولا من كان على عهد آدم أو كائن إلى يوم القيامة إلا كتب الله له به عشر حسنات، ثم أقبل عليّ فقال لي: إن لهذا مثلا في الدنيا فما هو؟ فقلت: كمثل رجل مرّ بملأ كثيرا كانوا أو قليلا، فسلّم عليهم فردّوا عليه، أو دعا لهم فدعوا له، قال:
فتربّد وجهه ثم قال: أتزعم أنك لست من علمائهم؟ قلت: أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم، فقال لي: ما رأيت من أمّة محمد من هو أعلم منك، سلني عما بدا لك؟ فقلت: كيف أسأل من يزعم أنّ لله ولدا؟ قال: فشقّ عن مدرعته حتى أبدى بطنه، ثم رفع يديه فقال: لا غفر الله لمن قالها، منها فررنا واتخذنا الصّوامع، وقال:
إني سائلك عن شيء فهل أنت مخبري؟ قال، قلت: نعم، قال: أخبرني هل بلغ ابن القرن فيكم أن يقوم إليه الناشىء والطفل فيشتمه ويتعرض لضربه ولا يغيّر ذلك عليه؟ قال، قلت: نعم، قال: ذلك حين رقّ دينكم، واستحببتم دنياكم، وآثرها من آثرها منكم. فقال له رجل من القوم: ابن كم القرن؟ قلت: أمّا أنا فأقول ابن ستين سنة، وأما هو فقال ابن سبعين.
فقال رجل من جلسائه: يا أبا هشام ما كان يسرّنا أن أحدا من هذه الأمّة لقيه غيرك.
810- قال العتبي: وفد زياد على معاوية فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملوء جوهرا لم ير مثله، فسرّ معاوية به سرورا شديدا، فلما رأى زياد ذلك صعد المنبر وقال: أنا والله يا أمير المؤمنين أقمت صعر العراق، وجبيت لك مالها،
(7/172)

وألفظت إليك بحرها. فقام إليه يزيد بن معاوية فقال: إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى ولاء قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بن أمية، فقال معاوية: اجلس فداك أبي وأمي.
811- قال موسى بن عقبة: حجّ عبد الملك فلقيه رجل من ولد عمر بن الخطاب وقد نالته ولادة من أبي بكر رحمهما الله، فسأله فحرمه وقال متمثلا:
[من الطويل]
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
فقال له رجل من القوم: إذا ذدت ابن الفاروق وابن الصديق فمن يرده؟ قال:
يرده عبد مناف.
812- سأل رجل رجلا حاجة فقال المسؤول: اذهب بسلام، سل الله تعالى، فقال السائل: قد أنصفنا من ردّنا إلى الله.
813- حجّ الرشيد فلقيه موسى بن جعفر على بغلة، فقال له الرشيد:
مثلك في حسبك وشرفك وتقدّمك يلقاني على بغلة؟ فقال: تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن دناءة [1] العير، وخير الأمور أوسطها.
«814» - قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان:
وا أبتاه! وبكت. فقال معاوية: يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم [2] أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كلّ
__________
[1] م: ذلة.
[2] م: فأعطيناهم.
(7/173)

إنسان سيفه، وهو يرى مكان أنصاره، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ولا ندري أعطينا يكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.
«815» - دخل زفر بن الحارث على عبد الملك بن مروان بعد الصّلح فقال: ما بقي من حبّك للضحّاك؟ قال: ما لا ينفعني [1] ولا يضرّك، قال: شدّ ما أحببتموه معاشر قيس، قال: أحببناه ولم نؤاسه ولو آسيناه لقد كنّا أدركنا ما فاتنا منه، قال:
فما منعكم من مواساته يوم المرج؟ قال: ما منع أباك من مواساة عثمان يوم الدار.
816- قال قريش بن أنس: حضرنا جماعة عند عمرو بن عبيد فقال:
يؤتى بي يوم القيامة فيقام بي بين يدي الله عزّ وجلّ فيقول لي: أقلت إني لا أغفر للقاتل وإني أدخله النار؟ فأقول: أنت قلت: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها
(النساء: 93) . فسكتت الجماعة، فقلت له، وما في البيت أصغر مني: أرأيت إن قال لك قد قلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ*
(النساء: 48، 116) فمن أين علمت أنّي لا أشاء أن أغفر للقاتل؟ فما ردّ عليّ شيئا.
«817» - قال الحجّاج لبعض الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أو متفرّقا كان فأجمعه؟ قال: أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بلى أقرؤه وأنا أبصره، قال: فتحفظه؟ قال: وهل أخشى فراره فأحفظه؟ قال: ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه، قال: إنك مقتول فكيف تلقى الله؟ قال: ألقاه بعملي وتلقاه بدمي.
__________
[1] البصائر: ينفعه.
(7/174)

«818» - دنا سقّاء من فقيه على باب سلطان فسأله عن مسألة، فقال له:
أهذا موضع المسألة؟ فقال له السّقّاء: أو هذا موضع الفقه؟
«819» - كان الحسن يقول: لا توبة لقاتل مؤمن متعمّدا. فدسّ إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال قل له: إنّه لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا أو فاسقا. فإن كان مؤمنا فإن الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
(التحريم: 8) ، وإن كان كافرا فإنه يقول:
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
(الانفال: 38) ، وإن كان منافقا فإنه يقول: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
(النساء: 145- 146) ، وإن كان فاسقا فإنه يقول: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
(النور: 4- 5) . فقال الحسن للرجل: من أين لك هذا؟ قال: شيء اختلج في صدري، قال:
اصدقني. فقال الرجل: عمرو بن عبيد، فقال الحسن: عمرو بن عبيد، وما عمرو؟ إذا قام بأمر قعد به، وإذا قعد بأمر قام به.
«820» - لما أخذ عمر بن الخطاب في التوجّه إلى الشام قال له رجل: أتدع [1] مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ قال: أدع مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم لصلاح أمّة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولقد هممت أن أضرب رأسك بالدّرّة حتى لا تجعل الردّ على الأئمّة عادة فيتخذها الأجلاف سنّة.
821- ولما أخذ سابور ماني الزنديق قال له نصحاؤه: اقتله، قال: إن قتلته من غير أن أغلبه بالحجّة قال عامّة الناس بقوله، ويقولون ملك جبّار قتل زاهدا،
__________
[1] م: تدع.
(7/175)

ولكني أحاجّه فإن غلبته بالحجّة حينئذ قتلته، ففعل، ثم حشا جلده تبنا وصلبه.
82»
- قال الحجاج بن يوسف ليحيى بن سعيد بن العاص: بلغني أنّك تشبه إبليس في قبح وجهك؛ قال: وما ينكر الأمير أن يكون سيّد الإنس يشبه سيّد الجنّ؟!.
823- قال إياس بن معاوية: كنت أختلف وأنا غلام إلى رجل من اليهود أتعلّم منه الحساب، فسمعته يوما يقول: ألا تعجبون من المسلمين، يزعمون أن أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون؟ قال إياس: فقلت يا معلّم ألست تزعم أن الدنيا مرآة الآخرة؟ قال: نعم، قلت: فأخبرني عما يأكله ابن آدم أيصير كلّه ثفلا؟ قال: لا ولكن بعضه ثفل وبعضه غذاء؛ قال، قلت: فما أنكرت أن يكون بعضه في الدنيا غذاء ويصير كلّه في الآخرة غذاء؛ فقال لي:
قاتلك الله من غلام ما أفهمك.
824- قال المنتصر لأبي العيناء: ما أحسن الجواب؟ قال: ما أسكت المبطل وحيّر المحقّ.
«825» - وقال المسور بن مخرمة: دخلت على معاوية، فقال: ما فعل طعنك على الأئمّة يا مسور؟ فاستعفيته فأقسم عليّ؛ فو الله ما تركت عيبا إلا ذكرته. فقال: لا تبرأ من ذنب، فهل لك يا مسور ذنوب تخافها أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك؟ قلت: نعم؛ قال: فما جعلك أحقّ أن ترجو المغفرة مني؟
فكان المسور إذا ذكره استغفر له وقال خصمني.
«826» - خطب معاوية ذات يوم فقال: إنّ الله يقول:
(7/176)

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
(الحجر: 21) ، فما نلام نحن؟ فقام إليه الأحنف بن قيس فقال له: يا معاوية، إنّا والله ما نلومك على ما في خزائن الله، وإنما نلومك على ما أنزل الله علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه.
«827» - خطب المنصور بمكة، وقد أمّل الناس عطاءه، فقال: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وخازنه على فيئه، أعمل فيه بمشيئته، وأقسمه بإرادته؛ وقد جعلني الله تعالى قفلا عليه، إذا شاء أن يفتحني فتحني، وإذا شاء أن يقفلني [1] أقفلني. فارغبوا إلى الله أيّها الناس في هذا اليوم الذي عرّفكم من فضله ما أنزله في كتابه، فقال عزّ وجلّ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
(المائدة: 3) ، أن يوفقني للصّواب، ويسدّدني للرّشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان اليكم، ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فيكم، إنه قريب مجيب.
فقال له ابن عياش المنتوف: أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربّه تعالى.
«828» - قال صالح بن علي بن عبد الله بن عباس لابنه عبد الملك وقد غضب عليه: يا ابن الفاعلة؛ فقال عبد الملك: الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
(النور: 3) ، وأنشد: [من الطويل]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن مقتد
فلم يكلّمه صالح حتى مات.
829- وكانت أمّ عبد الملك بن صالح جارية لمروان بن محمد، فلما قتله صالح بمصر، اتّخذ أمّ عبد الملك لنفسه. فلما سعى قمامة كاتب عبد الملك به
__________
[1] ر: يغلقني أغلقني.
(7/177)

إلى الرشيد واعتزم على حبسه كلّمه وأغلظ له، فقال الرشيد: ما أنت منا؛ فقال: والله ما أبالي لأيّ الفحلين كنت، لصالح بن عليّ أو لمروان بن محمد.
«830» - كلّم عروة بن الزبير عبد الملك بكلام غليظ والحجاج قائم على رأسه، فقال: يا ابن العمياء، أتكلّم أمير المؤمنين بمثل ما أسمع؟ قال عروة: يا ابن المتمنّية، وما ذكرك عجائز الجنّة؟
وكانت جدّة الحجاج القائلة: [من البسيط]
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتاز بالمرأة وهي تنشد هذا الشعر، فأحضر نصر بن حجّاج، وهو شابّ جميل ذو وفرة مليحة، فحلق شعره فكان أجمل، فنفاه، وقال: لا أسمع النّساء يتمنّينك في حجالهنّ.
فقال عبد الملك: أقسمت عليك إلّا أمسكت.
831- قال أبو حاتم: كنت في حلقة ابي عبيدة، فجاء إلينا غلام من آل المهلّب وضيء الوجه في منطقه لين، فكأنّ القوم استقبحوا منطقه. فقال له رجل من آل صباح بن خاقان المنقريّ: يا غلام ممن أنت؟ قال: من آل المهلّب؛ قال: ومن أمّك؟ قال: سبيّة من القندهار، قال: نزعت [1] فيك رخاوة الهند؛ فبعث منه شيطانا؛ فقال [2] : أيها المتكلّم فمن أنت؟ قال: من بني تميم؛ قال:
أمكنت والله من مقاتلك: أمّ شبيبكم وفارسكم سوداء، وأمّ عنترتكم سوداء، وأمّ ذي الرّقيبة سبيّة من أمانيا، وأمّ عمرو بن العاص سبيّة من عنزة، وأمّ عبيد الله بن زياد بن ظبيان سبيّة من أصفهان، وأمّ ابن زياد الذي مزّقكم كلّ
__________
[1] م: أثر.
[2] م: فتعجب منه وقال.
(7/178)

ممزّق مرجانة، وأمّ زياد الذي شدخ رؤوسكم سميّة، وأمّ الشعبي من جلولاء، وأمّ خالد بن عبد الله الذي غمركم نواله سبيّة من الروم، وأمّ وكيع ابن الدورقية الذي أدرك ثأركم سبيّة من دورق، وأمّ عبد الله بن خازم الذي أباد غابركم بخراسان سبيّة، فأيّتهنّ تعيب لا أمّ لك؟ ثم قام الغلام فما أبقى في الحلقة إلا ضاحكا أو شامتا.
832- وروي عن رجل من قريش، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيّب فقال لي يوما: من أخوالك؟ قلت: أمّي فتاة، فكأني نقصت من عينه، وأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر، فلما خرج من عنده قلت: من هذا يا عمّ؟ قال: سبحان الله، أتجهل هذا من قومك؟ هذا سالم بن عبد الله بن عمر، قلت: فمن أمّه؟ قال: فتاة؛ ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فجلس إليه فنهض، فقلت: من هذا يا عمّ؟ قال: أتجهل من أهلك مثله؟ ما أعجب هذا! هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر، قلت: فمن أمّه؟
قال: فتاة؛ قال: فأمهلت حتى جاء عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فسلّم عليه ثم نهض، فقلت له: يا عمّ، من هذا؟ قال: هذا الذي لا يسع مسلما أن يجهله، هذا عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قلت: فمن أمّه؟
قال: فتاة؛ قال: فقلت يا عمّ رأيتني نقصت في عينك لما علمت أني لأمّ ولد، أما لي في هؤلاء أسوة؟ قال: فجللت في عينه جدا.
«833» - وتزوج عليّ بن الحسين أمة له أعتقها، فلامه عبد الملك بن مروان وكتب إليه: أما بعد فإنه بلغني أنّك أعتقت أمتك وتزوّجتها، وقد كان لك في أكفائك من قريش ما تستكرم به في الصهر، وتستنجب به في الولد، فلم تنظر لنفسك ولا لولدك ونكحت في اللّؤم. فكتب إليه علي: أما بعد، فإنّي أعتقتها بكتاب الله عزّ وجلّ وارتجعتها بسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وإنّه والله ما فوق رسول
(7/179)

الله صلّى الله عليه وسلم مرتقى لأحد في مجد، إن الله عزّ وجلّ قد رفع بالإسلام الخسيسة، وأتمّ النّقيصة، وأكرم به من اللؤم، فلا عار على مسلم، هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم تزوّج أمته وامرأة عبده. فقال عبد الملك: إن عليّ بن الحسين يشرف من حيث يتّضع الناس.
«834» - سأل الرشيد موسى بن جعفر فقال: لم زعمتم أنّكم أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم منّا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنشر فخطب إليك كريمتك أكنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله، وكنت أفتخر بذلك على العجم والعرب؛ فقال: لكنه لا يخطب إليّ ولا أزوّجه لأنه ولدنا ولم يلدكم.
«835» - وروي أنه قال: هل كان يجوز أن يدخل على حرمك وهن متكشّفات؟ فقال: لا، قال: لكنه كان يدخل على حرمي كذلك، وكان يجوز له.
«836» - وقيل إنّه سأله أيضا: لم قلتم إنّا ذرية رسول الله، وجوّزتم للناس أن ينسبوكم إليه فيقولون يا بني رسول الله وأنتم بنو عليّ، وإنما ينسب الرجل إلى أبيه دون جدّه؟ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ
(الأنعام: 84- 85) ، وليس لعيسى أب، وإنما ألحق بذريّة الأنبياء من قبل أمّه، وكذلك ألحقنا بذريّة النبيّ صلّى الله عليه وسلم من قبل أمّنا فاطمة عليها السلام، وأزيدك يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ
(آل عمران: 61) . ولم يدع عليه السّلام عند مباهلة النصارى غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين وهم الأبناء.
(7/180)

«837» - قال الرشيد للجهجاه: أزنديق أنت؟ قال: وكيف أكون زنديقا وقد قرأت القرآن، وفرضت الفرائض، وفرّقت بين الحجة والشبهة؟ قال: والله لأضربنّك حتى تقرّ، قال: هذا خلاف ما أمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أمرنا أن نضرب الناس حتى يقرّوا بالإيمان وأنت تضربني حتى أقرّ بالكفر.
«838» - قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: أفرطت في ولائك لبني أمية، فقال: من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، فصدقه.
«839» - ودخل المكيّ على المأمون، وكان مفرط القصر والدمامة، فضحك المعتصم، فقال المكيّ: ممّ ضحك هذا؟ فوالله ما اصطفى الله يوسف عليه السّلام لجماله وإنما اصطفي لبيانه، وقد نصّ الله عزّ وجلّ على ذلك بقوله:
فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
(يوسف: 54) ، وبياني أحسن من هذا.
«840» - قال معاوية لرجل من أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين ملّكوا عليهم امرأة، قال: قومك أشدّ حماقة إذ قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
(الأنفال: 32) ، هلّا قالوا:
فاهدنا له.
«841» - طاف رجل من بني تغلب بالبيت، وكان وسيما جسيما، فبصر به رجل من قريش كان حسودا، فسأل عنه فخبّر أنه من تغلب، فلما حاذاه قال
(7/181)

القرشي ليسمعه: إنها لرجلان قلّما وطئت البطحاء. فالتفت إليه التغلبي وقال له: يا هذا البطحاوات ثلاث: فبطحاء الجزيزة وهي لي دونك، وبطحاء ذي قار وأنا أحقّ بها منك، وهذه البطحاء سواء العاكف فيه والباد. قال: فتحيّر الرجل فما أعاد كلمة.
«842» - قال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: وددت أنّ لي حسن خطّك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان حسن الخطّ مكرمة لكان أولى الناس بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
«843» - قال محمد بن عبد الملك الزيات لبعض أولاد البرامكة: من أنت ومن أبوك؟ قال: أبي الذي تعرفه، ومات وهو لا يعرفك.
844- ومثل هذا أو قريب منه ما حكي أن المروانيّ صاحب الأندلس كتب إلى صاحب مصر كتابا وملأه بسبّه وسبّ أبيه، فكتب إليه في الجواب: يا هذا، عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك، والسلام.
«845» - دخل شابّ من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، فقال:
مرض رضي الله عنه يوم كذا، ومات رحمه الله يوم كذا، وترك رحمه الله من المال كذا. فانتهره الربيع وقال: بين يدي أمير المؤمنين توالي الدّعاء لأبيك. فقال الشاب: لا ألومك لأنّك لم تعرف حلاوة الآباء. قال: فما علمنا أنّ المنصور ضحك في مجلسه قطّ ضحكا افترّ عن نواجذه إلا يومئذ- وكان الربيع لقيطا.
«846» - واستبطأ عبد الملك بن مروان ابنه مسلمة في مسيره إلى الروم فكتب
(7/182)

إليه: [من الكامل]
لمن الظّعائن سيرهنّ تزحّف ... سير السّفين إذا تقاعس يجذف
فكتب إليه مسلمة في الجواب: [من الطويل]
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
«847» - وسمع مسلمة رجلا تمثّل بقول الشاعر وقد دلّي بعض بني مروان في قبره: [من الطويل]
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما
فقال له مسلمة: لقد تكلمت بكلمة شيطان، هلا قلت: [من الطويل]
إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم
«848» - سابق مسلمة في حلبة فسبق وعبد الملك حاضر، فقال عبد الملك، والشعر لبعض بني عبس: [من الطويل]
نهيتكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرّهان فتدركوا
فتضعف ساقاه وتفتر كفّه ... وتخدر فخذاه فلا يتحرّك
وما يستوي المرآن هذا ابن حرّة ... وهذا هجين ظهره متشرّك
قعدن به خالاته فاختزلنه ... ألا إنّ عرق السّوء لا بدّ مدرك
فقال مسلمة، والشعر لمسكين الدارمي: [من الطويل]
وما أنكحونا طائعين فتاتهم ... ولكن نكحناها بأسيافنا قهرا
كريم إذا اعتلّ الزمان وجدته ... وقد سار في ظلمائه قمرا بدرا
(7/183)

فما زادها فينا السّباء مذلّة ... ولا خبزت خبزا ولا طبخت قدرا
وكائن ترى فينا من ابن سبيّة ... إذا التقت الخيلان يطعنها شزرا
ولكن خلطناها بحرّ نسائنا ... فجاءت بهم بيضا غطارفة زهرا
«849» - لما استخلف المهدي أخرج من في السجون، فقيل له: إنما تزري على أبيك، فقال: لا أزري على أبي، ولكن أبي حبس بالذنب وأنا أعفو عنه.
849 ب- وجزع المهديّ على رخيم جاريته جزعا شديدا، فكان يأتي المقابر ليلا فيبكي. فبلغ ذلك المنصور فكتب إليه: كيف ترجو أن أولّيك أمر الأمّة وأنت تجزع على أمة؟ فكتب إليه المهدي: إني لم أجزع على قيمتها وإنما جزعت على شيمتها.
«850» - عرض رجل للرشيد وهو يطوف بالبيت فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلّمك بكلام فيه خشونة، فاحتمله لي، قال: لا ولا كرامة، قد بعث الله تعالى من هو خير منك إلى من هو شرّ مني فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
(طه: 44) .
«851» - قال رجل لمعاوية: والله لقد بايعتك وأنا كاره، فقال معاوية: قد جعل الله لك في الكره خيرا كثيرا.
«852» - قال الحجاج يوما على المنبر: تزعمون أنّا من بقايا ثمود، والله جلّ وعزّ يقول: وَثَمُودَ فَما أَبْقى
(النجم: 51) .
وقال مرة أخرى: لئن كنّا من بقايا ثمود فما أنجى الله مع صالح إلا خيارهم.
وبنو ثقيف يزعمون أن ثقيفا هو قسيّ بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور
(7/184)

ابن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر؛ وقال قوم: إن ثقيفا والنخع أخوان من إياد، وقوم آخرون يزعمون أن ثقيفا من بقايا ثمود.
853- أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج، فقيل له ما تقول في أبي بكر وعمر: فقال خيرا، قيل فعثمان: قال خيرا. قيل فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك: فقال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجّاج خطيئة من خطاياه.
«854» - قال معاوية يوما لأهل الشام، وعنده عقيل بن أبي طالب: هذا أبو يزيد لولا أنه علم أني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه، فقال له عقيل: أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي.
«855» - وقال له مرة أخرى: أنت معنا يا أبا يزيد، قال: ويوم بدر كنت معكم.
«856» - مرّ معاوية بقوم من قريش، فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابك؟ ما ذاك إلا لموجدة أنّي قاتلتكم بصفّين، فلا تجد، فإن عثمان بن عفان [1] قتل مظلوما. قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قتل مظلوما، قال: إن عمر قتله كافر، قال ابن عباس فمن قتل عثمان؟ قال: المسلمون، قال: فذاك دحض لحجتك.
«857» - لقي أبو العيناء بعض إخوانه في السّحر، فجعل يعجب من بكوره ويقول: يا أبا عبد الله، أتركب في مثل هذا الوقت؟ فقال له أبو العيناء:
تشاركني بالفعل وتفردني بالتعجب.
__________
[1] نثر الدر: فإن عثمان ابن عمير.
(7/185)

«858» - وكان أبو العيناء في جملة أبي الصقر، وكان يعادي ابن ثوابة لمعاداته لأبي الصقر. فاجتمعا في مجلس صاعد، فتلاحيا، فقال له ابن ثوابة:
أما تعرفني؟ فقال له أبو العيناء: بلى والله، أعرفك ضيّق العطن، كثير الوسن، قليل الفطن، خارّا على الذقن. قد بلغني تعدّيك على أبي الصقر، وإنما حلم عنك لأنه لم يجد عزّا فيذله، ولا علوّا فيضعه، ولا مجدا فيهدمه، فعاف لحمك أن يأكله، وسهك دمك أن يسفكه. فقال له اسكت، فما تسابّ اثنان إلا غلب ألأمهما، فقال له أبو العيناء: فلهذا غلبت أبا الصقر بالأمس.
859- قال عبد الصمد بن علي: كنت عند عبد الله بن علي في عسكره بالشام لما خالف المنصور ودعا إلى نفسه، وكان أبو مسلم بإزائه يقاتله، فاستؤذن لرسول ابي مسلم عليه فأذن له، فدخل رجل من أهل الشام فقال له: يقول لك الأمير علام قتالك إيّاي وأنت تعلم أني أهزمك؟ فقال، قل له: يا ابن الزانية، ولم تقاتلني عنه وأنت تعلم أنه يقتلك.
«860» - وشبيه بهذا ما حكي عن الأمين أنه كتب إلى طاهر بن الحسين وقت محاربته إياه: يا طاهر، اعلم أنّه ما قام لنا قائم بأمر فكان جزاؤه منا إلا السيف، فخذ لنفسك أودع.
فكان طاهر يقول بعد ذلك: والله لقد جعلني على مثل النار من الحذر.
«861» - لما هرب ابن هبيرة من حبس خالد بن عبد الله القسريّ قال له خالد: أبقت إباق العبد، فقال: نعم، حين نمت نوم الأمة عن عجينها.
«862» - قال المهدي لشريك وعيسى بن موسى عنده: لو شهد عندك عيسى
(7/186)

كنت تقبله؟ وأراد أن يغري بينهما، فقال شريك: من شهد عندي سألت عنه، ولا يسأل عن عيسى غير أمير المؤمنين، فإن زكّيته قبلته. فقلبها عليه.
«863» - وقال مروان بن محمد لحاجبه يوم الزّاب وقد ولّى منهزما: كرّ عليهم بالسيف، فقال: لا طاقة لي بهم؛ قال: والله لئن لم تفعل لأسوأنّك، قال: وددت أنّك تقدر على ذلك.
«864» - قال بحيرا الراهب لأبي طالب: احذر على ابن أخيك فإنه سيصير إلى كذا وكذا. قال: إن كان الأمر على ما وصفت فهو في حصن من الله تعالى.
«865» - قال رجل لهشام بن الحكم: أليس اختصم العباس وعليّ إلى عمر؟ قال:
بلى، قال: فأيهما كان الظالم؟ قال: ليس فيهما ظالم، قال: سبحان الله كيف يتخاصم اثنان وليس فيهما ظالم؟ قال: كما تخاصم الملكان إلى داود وليس فيهما ظالم.
«866» - قال رجل لشريك: أخبرني عن قول عليّ عليه السلام للحسن:
ليت أباك كان قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، أقاله إلّا وهو شاكّ في أمره؟
قال له شريك: أخبرني عن قول مريم: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
(مريم: 23) ، قالته شاكة في عفتها؟ فسكت الرجل.
«867» - دخل الوليد بن يزيد على هشام وعلى الوليد عمامة وشي، فقال هشام: بكم أخذت عمامتك؟ قال بألف درهم. فقال هشام: عمامة بألف درهم؟ يستكثر ذلك، قال: يا أمير المؤمنين إنها لأكرم أطرافي، وقد اشتريت
(7/187)

أنت جارية بعشرة آلاف دينار لأخسّ أطرافك.
«868» - بايت المفضّل الضّبيّ المهديّ، فلم يزل يحدثه وينشده حتى جرى ذكر حمّاد الراوية، فقال له المهدي: ما فعل عياله ومن أين يعيشون؟ قال: من ليلة مثل هذه كانت مع الوليد بن يزيد.
«869» - شكا يزيد بن أسيد إلى المنصور ما ناله من العباس بن محمد أخيه، فقال المنصور: اجمع إحساني إليك وإساءة أخي فإنهما يعتدلان؛ قال: إذا كان إحسانكم إلينا جزاء لإساءتكم كانت الطاعة منا تفضلا.
«870» - لما بنى محمد بن عمران قصره حيال قصر المأمون قيل: يا أمير المؤمنين، ماراك وباهاك. فدعاه فقال: لم بنيت هذا القصر حذائي؟ قال: يا أمير المؤمنين، أحببت أن ترى أثر نعمتك عليّ فجعلته نصب عينيك. فاستحسن جوابه وأجزل عطيّته.
«871» - قال الأشعت بن قيس لشريح القاضي: يا أبا أميّة، عهدي بك وإنّ شأنك لشؤين، فقال: يا أبا محمد، أنت تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها في نفسك.
«872» - تظلم أهل الكوفة إلى المأمون من عامل ولّاه عليهم، فقال المأمون:
ما علمت في عمّالي أعدل ولا أقوم بأمر الرّعيّة، ولا أعود بالرفق عليهم منه. فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك،
(7/188)

فإذا كان عاملنا بهذه الصفة فينبغي أن تعدل بولايته بين أهل البلدان وتساوي به أهل الأمصار، حتى يلحق كلّ بلد وأهله من عدله وإنصافه مثل الذي لحقنا؛ وإذا فعل ذلك أمير المؤمنين فلا يصيبنا منه أكثر من ثلاث سنين، فضحك المأمون وعزل العامل عنهم.
«873» - وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل كثير المال يستسلف منه نفقة، فكتب إليه: العيال كثير، والدخل قليل، والدّين ثقيل، والمال مكذوب عليه.
فكتب إليه إبراهيم: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت محجوجا فجعلك الله معذورا.
874- نظر إلى هذا المعنى أبو عبد الله ابن الحجاج فقال من أبيات له:
[من السريع]
مدحته يوما برائيّة ... نفخت في انشادها شدقي
فلم يزل يقعد لي تارة ... وتارة في الدّست يستلقي
كأنه في شهرها حامل ... قد نخت يومين بالطلق
ثم اشتكى الفقر وقال ادع لي ... بأن يزيد الله في رزقي
فقلت يا ربّ بحقّ الذي ... أرسلته يدعو إلى الحقّ
إن كان فيما يدّعي كاذبا ... فافتح له بابا إلى الصدق
«875» - صار الفضل بن الربيع إلى أبي عبّاد في نكبته يسأله حاجة فأرتج عليه، فقال له: يا أبا العباس، بهذا البيان خدمت خليفتين؟ فقال: إنّا تعوّدّنا أن نسأل ولا نسأل.
(7/189)

«876» - قال مالك بن طوق للعتابي: سألت فلانا حاجة فرأيتك قليلا في كلامك. قال: كيف لا أقلّ في كلامي ومعي حيرة الطلب، وذلّ المسألة، وخوف الردّ.
«877» - قالت بنو تميم لسلّامة بن جندل: مجّدنا في شعرك. فقال: افعلوا حتى أقول.
«878» - ساير ابن لشبيب بن شبة عليّ بن هشام، وعليّ على برذون له فاره، فقال له: سر، قال: كيف أسير وأنت على برذون إن ضربته طار وإن تركته سار، وأنا على برذون إن ضربته قطف وإن تركته وقف. فدعا له ببرذون وحمله عليه.
«879» - عاتب الفضل بن سهل الحسين بن مصعب في أمر ابنه طاهر والتوائه عليه وتلوّنه، فقال له الحسين: أنا أيها الأمير شيخ في أيديكم، لا تذمّون اخلاصي، ولا تنكرون نصحي؛ فأما طاهر فلي في أمره جواب مختصر، وفيه بعض الغلظ، فإن أذنت ذكرته، قال: قل، فقال: أيها الأمير، أخذت رجلا من عرض الأولياء، فشققت صدره وأخرجت قلبه، ثم جعلت فيه قلبا قتل به خليفة، وأعطيته آلة ذلك من الرجال والأموال والعبيد، ثم تسومه بعد ذلك أن يذلّ لك ويكون كما كان؟ لا يتهيّأ هذا إلا أن تردّه إلى ما كان، ولا تقدر على ذلك. فسكت الفضل.
«880» - أتي هشام برجل قد رمي بخيانة، فأقبل يحتجّ عن نفسه، فقال له
(7/190)

هشام: أو تتكلّم أيضا؟ فقال الرجل: إن الله سبحانه يقول: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
(النحل: 111) ، أفنجادل الله تعالى جدالا ولا نكلّمك كلاما؟ فقال: تكلّم بما أحببت.
«881» - كتب الحسن بن زيد إلى صاحب الزّنج بالبصرة: عرّفني نسبك؟
فأجابه: ليعنك من شأني ما عناني من أمرك.
«882» - قيل لأبي الهذيل: إنّ قوما يلعنونك، قال: أرأيت إن أنا اتّبعتهم هل يلعنني قوم آخرون؟ قال: نعم، قال: فأراني لا أتخلّص من لعن طائفة، فدعني مع الحقّ وأهله.
«883» - خلع الرشيد على يزيد بن مزيد، وكان في مجلسه رجل من أهل اليمن، فقال: اجرر يا يزيد ما لم يعرق فيه جبينك، قال: صدقت عليكم نسجه وعلينا سحبه.
«884» - قال عمرو بن العاص لمعاوية: ما أشدّ حبّك للمال، قال: ولم لا أحبّه وأنا أستعبد به مثلك وأبتاع دينك ومروءتك.
«885» - قال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: لا تكثر الوقيعة في الناس، فقلت: إن لي في بصري شغلا عن ذلك، فقال: ذاك أشدّ لحقدك على أهل العافية.
886- وقال له المتوكل يوما: إن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
(المطففين: 29) .
«886» ب- وقال له ابن السّكّيت: تراك أحطت بما لم أحط به؟ قال: ما
(7/191)

أنكرت؟ فو الله لقد قال الهدهد- وهو أخسّ طائر- لسليمان: أحطت بما لم تحط به.
«887» - وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل: امض إلى موسى بن عبد الملك واعتذر إليه ولا تعلمه أنّي وجّهتك. فقلت له: تستكتمني بحضرة ألف؟ قال:
إنما عليك أن تنفذ لما تؤمر به، قلت: وعليّ أن أحترس مما أخاف منه.
«888» - وقال له يوما عبيد الله بن سليمان: كيف حالك؟ قال: أنت الحال، إذا صلحت صلحت.
«889» - وقرّبه يوما فقال: تقريب المولى وحرمان العدوّ.
«890» - قيل له: لا تعجل فإنّ العجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
(طه: 84) .
«891» - وقال أبو العيناء: أنا أوّل من أظهر العقوق بالبصرة، قال لي أبي: يا بنيّ إن الله قرن طاعته بطاعتي فقال: اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
(لقمان: 14) ، فقلت: يا أبة إن الله تعالى ائتمنني عليك ولم يأتمنك علي فقال سبحانه وتعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
(الاسراء: 31) .
«892» - وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: بلغني أنّك رافضيّ.
فقلت: للدّين أم للدنيا؟ فإن أك للدين ترفّضت فأبوك مستنزل الغيث؛ وإن أك لدنيا ففي يدك خزائن الأرض. وكيف أكون رافضيا وأنا مولاك، ومولدي
(7/192)

البصرة، وأستاذي الأصمعي، وجيراني باهلة؟! فقال: إن ابن سعدان زعم ذلك، فقلت: ومن ابن سعدان! والله ما يفرّق بين الإمام والمأموم، والتابع والمتبوع، إنما ذلك حامل درّة ومعلّم صبية، وآخذ على كتاب الله أجرة. قال:
لا تفعل، فإنه مؤدّب المؤيّد؛ قلت: يا أمير المؤمنين، لم يؤدّبه حسبة، وإنّما أدّبه بأجرة، فإذا أعطيته حقّه فقد قضيت ذمامه.
«893» - وقف بهلول على رجل فقال: خبرني عن قول الشاعر: [من الكامل]
وإذا نبا بك منزل فتحوّل
كيف هو عندك؟ قال: جيد، قال: فإن كان في الحبس فكيف يتحول؟ فانقطع الرجل. فقال بهلول: الصواب قول عنترة: [من الطويل]
إذا كنت في دار يسوؤك أهلها ... ولم تك مكبولا بها فتحوّل
«894» - قيل لمجنون: ما فعل ضربك للصبيان؟ فقال: [من الطويل]
وإنّ امرءا يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
895- تزوج أعرابي امرأة أشرف منه حسبا ونسبا فقال: يا هذه إنك مهزولة، فقالت: هزالي أولجني بيتك.
«896» - نظر رجل إلى امرأتين تتلاعبان فقال: مرّا، لعنكما الله، فانّكن صويحبات يوسف. فقالت إحداهما: يا عمّ فمن رمى به في الجبّ؟ أنحن أم أنتم؟
«897» - قال عليّ بن عبيدة: تزاور أختان من [أهل] القصر فأرهقتهما الصلاة، فبادرت إحداهما فصلّت صلاة خفيفة، فقال لها بعض النساء: كنت حريّة
(7/193)

أن تطوّلي الصلاة في هذا اليوم شكرا لله تعالى حيث التقيتما، قالت: لا ولكن أخفّف صلاتي اليوم وأتمتّع بالنظر إليها، وأشكر الله تعالى في صلاتي غدا.
«898» - قالت عائشة للخنساء: إلى كم تبكين على صخر، وإنما هو جذوة في النار؟ قالت: ذاك أشدّ لجزعي عليه.
«899» - جاءت امرأة إلى عديّ بن أرطأة تستعديه على زوجها وتشكو أنه عنّين لا يأتيها، فقال عدي: إني لأستحي للمرأة أن تستعدي على زوجها في مثل هذا، فقالت: ولم لا أرغب فيما رغبت فيه أمّك، فلعل الله أن يرزقني ابنا مثلك.
«900» - مدح رجل هشاما فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال له: ما مدحتك وإنما أذكرتك نعم الله تعالى لتجدّد له شكرا.
«901» - قال المغيرة بن شعبة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في جواب كلام اشار فيه إلى تجنب الفاجر: يا أمير المؤمنين، الضعيف المؤمن له أمانته وعليك ضعفه، والفاجر القويّ لك قوّته وعليه فجوره. فولّاه الكوفة.
«902» - لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أفضى إلى أثاث ومتاع لم ير مثله، وكان في جملة ذلك قدور يرقى إليها بالسلالم. فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليهم، فأمر بدار ففرشت له، وفي صحنها تلك القدور، فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرّقاشي قد اقبل والناس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير. فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة: ائذن لي في
(7/194)

معابثته، قال: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يأذن له- وكان عبد الله يضعّف، وكان تسوّر حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحضين، فقال له: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان؛ قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى؛ قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها؛ قال: أجل ولا عيلان، ولو كان رآها لسمّي شبعان ولم يسمّ عيلان، فقال له عبد الله: يا أبا ساسان أتعرف الذي يقول [1] :
[من الطويل]
عزلنا وأمّرنا وبكر بن وائل ... تجرّ خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول: [من الوافر]
وخيبة من يخيب على غنيّ ... وباهلة بن يعصر والرباب
قال: أتعرف الذي يقول: [من الطويل]
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل
قال: نعم وأعرف الذي يقول [2] : [من الكامل]
قوم قتيبة أمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: أقرأ منه الأكثر الأطيب: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
(الانسان: 1) . قال: فأغضبه، فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حامل من غيره، قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى، ثم قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاما على فراشي فيقال فلان ابن
__________
[1] البيت في الطبري 2: 445، 449 والنقائص: 112، 729 وأنساب الاشراف 4/1:
406 ونسب لحارثة بن بدر الغداني وإلى الفرزدق.
[2] البيت في الامتاع والمؤانسة 3: 172 وفيه أظنه لخداش بن زهير.
(7/195)

الحضين كما يقال: عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله وقال: لا يبعد الله غيرك.
«903» - قام عمرو بن العاص بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية، وتناول من بني هاشم، وذكر مشاهده بصفين، فقال له ابن عباس: يا عمرو، إنك بعت دينك من معاوية وأعطيته ما في يدك، ومنّاك ما في يد غيره، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك، وكان الذي أخذت منه دون ما أعطيته، وكلّ راض بما أخذ وأعطى؛ فلما صارت مصر في يدك تتبّعك فيها بالعزل والتنقّص، حتى لو أن نفسك فيها ألقيتها إليه.
وذكرت مشاهدك بصفين، فما ثقلت علينا وطأتك ولا نكأتنا فيها حربك، وإن كنت فيها لطويل اللسان قصير البنان [1] ، آخر الحرب إذا اقبلت وأوّلها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، ويد لا تقبضها عن شرّ، ووجهان: وجه مونس ووجه موحش، ولعمري إنّ من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول حزنه على ما باع واشترى؛ ولك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر [2] وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك.
فقال عمرو: أما والله ما في قريش أثقل وطأة منك عليّ، ولا لأحد من قريش عندي مثل قدرك.
«904» - ولما استقام رأي الناس على أبي موسى بصفّين، أتاه عبد الله بن عباس- وعنده وجوه الناس وأشرافهم- فقال: يا أبا موسى، إنّ الناس لم
__________
[1] نثر: السنان.
[2] نثر: قدرة.
(7/196)

يرضوا بك ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار والمقدّمين قبلك، ولكنّ أهل الشّام ابوا غيرك، وايم الله إنّي لأظنّ ذلك شرّا لنا وخيرا لهم، وإنّه قد ضمّ إليك داهية العرب، وليس في معاوية خصلة يستحقّ بها الخلافة؛ فإن تقذف بحقّك على باطله تدرك حاجتك، وإن تطمع باطله في حقّك يدرك حاجته فيك. اعلم أنّ معاوية طليق الإسلام، وأنّ أباه من الأحزاب، وأنّه ادعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدّقك فقد صرّح بخلعه، وإن كذّبك فقد حرم عليك كلامه، وإن ادعى أنّ عمر وعثمان استعملاه فصدق: فأمّا عمر استعمله وهو الوالي عليه، بمنزلة الطبيب من المريض يحميه مما يشتهي ويؤخّره مما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر من استعملاه ثم لم يدّعوا الخلافة، وهو منهم واحد. واعلم أنّ لعمرو مع كلّ شيء يسرّك حينا يسوءك. ومهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فإنها بيعة هدى، وأنّه لم يقاتل إلا غاصبا أو ناكثا.
فقال أبو موسى: رحمك الله والله ما لي إمام غير عليّ، وإني لواقف عند ما أرى، ولرضى الله أحبّ إليّ من رضى أهل الشام، وما أنا وأنت إلّا بالله.
«905» - دخل زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك الرّصافة فسلّم تسليم الخلافة، ثم مال فجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد فوق أن يوصى بتقوى الله وإني أوصيك بتقوى الله، وكفى به جازيا لعباده الصالحين ومثيبا.
فظنّ هشام أنه يريد أن يتظلّم، فقال: أنت الراجي للخلافة المنتظر لها، وكيف ترجوها وأنت ابن أمة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئت اجبت وإن شئت سكتّ، قال: أجب، قال: إنه ليس أحد أعظم عند الله منزلة من نبيّ بعثه رسولا، فلو كانت ولادة أمّ ولد تقصّر به عن بلوغ غاية الأنبياء والرسل لم يبعث
(7/197)

الله إسماعيل بن إبراهيم، وكانت أمّه مع أمّ إسحاق كأمّي مع أمّك، ثم لم يمنعه ذلك أن يبعثه الله نبيّا، وكان عند ربه مرضيّا، وكان أبا العرب وأبا خير البشر وخاتم المرسلين؛ فالنبوّة أعظم خطرا أم الخلافة؟ وما عار الرجل بأمّه وهو ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وابن عليّ بن أبي طالب؟ ثم طفق فخرج.
906- قال الإسكندر لابنه: يا ابن الحجّامة! فقال: أما أمّي فقد أحسنت التخيّر، وأما أنت فلم تحسن.
«907» - وقال أعرابيّ لابنه: يا ابن الأمة! فقال: لهي والله اعذر منك حيث لم ترض إلا حرّا.
«908» - قال رجل لأعرابي: أتجلب التمر إلى هجر؟ قال: نعم إذا أجدبت أرضها وعدم نخلها.
909- لما بلغ معاوية وفاة الحسن بن عليّ عليه السّلام دخل عليه ابن عباس قبل أن يعلم بها، فقال له: آجرك الله أبا عباس في أبي محمد الحسن بن عليّ- ولم يظهر حزنا- فقال ابن عباس: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وغلبه البكاء فردّه، ثم قال: لا يسدّ والله مكانه حفرتك، ولا يزيد موته في أجلك، والله لقد أصبنا بمن هو أعظم منه فقدا فما ضيّعنا الله بعده.
قال له معاوية: كم كانت سنّه؟ قال: هو أشهر من أن تجهل سنّه. قال:
أحسبه ترك أولادا صغارا؟ قال: كلّنا كان صغيرا فكبر، ولئن اختار الله لأبي محمد ما عنده وقبضه إلى رحمته، فلقد أبقى الله أبا عبد الله، وفي مثله الخلف الصالح.
«910» - لما أهديت بنت عقيل بن علّفة إلى عبد الملك بن مروان أو إلى الوليد
(7/198)

ابنه بعث مولاة له لتأتيه بخبرها قبل أن يدخل بها. فأتتها فلم تأذن لها وكلّمتها فأحفظتها فهشمت أنفها. فرجعت إليه فأخبرته، فغضب من ذلك، فلما دخل عليها قال: ما أردت إلى عجوزنا هذه؟ قالت: أردت والله إن كان خيرا أن تكون أوّل من لقي بهجته، وإن كان شرّا أن تكون أحقّ من ستره.
«911» - أرسل مسلمة بن عبد الملك إلى هند بنت المهلّب يخطبها على نفسه، فقالت لرسوله: والله لو أحيا من قتل من أهل بيتي ومواليّ ما طابت نفسي بتزويجه، بل كيف يأمنني على نفسه وأنا أذكر ما كان منه، وثأري عنده؟
لقد كان صاحبك يوصف بغير هذا في رأيه.
«912» - قال بعضهم: رأيت بالمدينة امرأة بين عينيها سجّادة وعليها ثياب معصفرة، فقلت لها: ما أبعد زيّك من سمتك؟ فقالت بصوت نشيط:
[من الطويل]
ولله منّي جانب لا أضيعه ... وللهو مني جانب ونصيب
ولست أبالي من رماني بريبة ... إذا كنت عند الله غير مريب
«913» - قال بعضهم: خرجت في حاجة فلما كنت بالسّيالة، وقفت على باب إبراهيم بن هرمة، فصحت: يا أبا إسحاق، فأجابتني ابنته، قالت: خرج آنفا؛ قلت: هل من قرى فإني مقو [1] من الزّاد؟ قالت: لا والله، قلت: فأين قول أبيك: [من المنسرح]
لا أمتع العود بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل
__________
[1] م: مقفر.
(7/199)

قالت: فذاك أفناها.
«914» - وقيل انه اجتمع بباب ابن هرمة جماعة من الشعراء فسألوا ابنته عنه فقالت: وما تريدون منه؟ قالوا: جئنا لنهاجيه، قالت: [من الطويل]
تجمّعتم من كلّ أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد
«915» - قيل لسعيد بن المسيّب وقد كفّ بصره: ألا تقدح عينك؟ قال:
حتى أفتحها على من؟.
«916» - قال رجل لعامر بن الطفيل: استأسر، قال: بيت أمّك لا يسعني.
«917» - وقف رجل للحجاج فقال: أصلح الله الأمير، جنى جان في الحي فأخذت بجريرته وأسقط عطائي، فقال: أما سمعت قول الشاعر:
[من الكامل المرفل]
جانيك من يجني عليك وقد ... يعدي الصحاح مبارك الجرب
ولربّ مأخوذ بذنب صديقه ... ونجا المقارف صاحب الذّنب
فقال الرجل: كتاب الله تعالى أولى ما اتّبع، قال الله عزّ وجلّ: مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ
(يوسف: 79) ؛ فقال الحجاج: صدقت، وأمر بردّ عطائه.
«918» - مرّ الأحنف بعكراش بن ذؤيب- وكان ممن شهد الجمل مع عائشة فقطعت يداه جميعا- فصاح به عكراش: يا مخذّل، فقال الأحنف: أما إنك لو أطعتني لأكلت بيمينك وتمسّحت بشمالك.
(7/200)

«919» - وقال له رجل: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه، قال: وما ذممت فيّ يا ابن أخي؟ قال: الدمامة وقصر القامة، قال: لقد عبت ما لم أؤامر فيه.
«920» - وشخص يزيد بن عمر بن هبيرة إلى هشام فتكلّم، فقال هشام:
ما مات من خلّف مثل هذا؛ فقال الأبرش الكلبي: ليس هناك، أما تراه يرشح جبينه لضيق صدره؟ فقال يزيد: ما لذاك أرشح، لكن لجلوسك في هذا الموضع.
«921» - خرج يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري يسير بالكوفة إلى مسجد بني غاضرة وقد أقيمت الصلاة، فنزل فصلّى واجتمع الناس لمكانه في الطريق، وأشرف النساء من السطوح، فلما قضى صلاته قال: لمن هذا المسجد؟ قيل:
لبني غاضرة، فتمثل قول الشاعر: [من الكامل]
ولما تركن من الغواضر معصرا ... إلّا فصمن بساقها خلخالا
فقالت له امرأة من المشرفات: [من الكامل]
ولقد عطفن على فزارة عطفة ... كرّ المنيح وجلن ثمّ مجالا
فقال يزيد: من هذه؟ قالوا: بنت الحكم بن عبدل، فقال: هل تلد الحيّة إلا حيّة.
«922» - دخل طريح بن إسماعيل الثقفي على أبي جعفر المنصور في جملة الشعراء، فقال له المنصور حين سلّم: لا حيّاك الله ولا بيّاك، أما اتّقيت الله ويلك حيث تقول للوليد: [من المنسرح]
(7/201)

لو قلت للسّيل دع طريقك وال ... موج عليه كالهضب يعتلج
لساخ وارتدّ أو لكان له ... في سائر الناس عنك منعرج
- ويروى إلى طريق سواك.
فقال طريح: قد علم الله أنّي قلت ذاك ويدي ممتدة إليه عزّ وجلّ، وإيّاه تبارك وتعالى عنيت، فقال المنصور: يا ربيع أما ترى هذا التخلص؟
«923» - أنشد إسماعيل بن يسار النساء عبد الملك بن مروان قصيدة مدحه بها يقول فيها: [من الطويل]
جعلت هشاما والوليد ذخيرة ... وليّين للعهد الوثيق المؤكّد
قال فنظر إليهما عبد الملك مبتسما، والتفت إلى سليمان فقال: أخرجك إسماعيل من هذا الأمر، فغضب سليمان ونظر إلى إسماعيل نظر مغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إنما وزن الشعر أخرجه من البيت الأول وقد قلت بعده: [من الطويل]
وأمضيت عزما في سليمان راشدا ... ومن يعتصم بالله مثلك يرشد
فأمر له بألفي درهم، وأمر أولاده الثلاثة فأعطوه ثلاثة آلاف درهم.
«924» - ومثله أن أبا تمّام أنشد أحمد بن المعتصم: [من الكامل]
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال له مؤدّبه- وأراد الغضّ منه-: الأمير أكبر من كلّ من وصفت.
فقال أبو تمام: الكلام بآخره، ثم أنشد: [من الكامل]
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في النّدى والباس
(7/202)

فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس
وقيل انه ارتجل البيتين لوقته.
«925» - اعترض الرشيد قينة ليشتريها فغنت: [من المنسرح]
ما نقموا من بني أميّة إل ... لا أنّهم يجهلون إن غضبوا
ثم تنبهت فقالت:
وإنهم معدن النفاق فما ... تفسد إلا عليهم العرب
فقال الرشيد ليحيى بن خالد: سمعت يا أبا علي؟
فقال: تبتاع، يا أمير المؤمنين، وتسنى لها الجائزة، ويعجّل لها الإذن ليسكن قلبها، قال: ذلك جزاؤها. وقال لها: أنت مني بحيث تحبّين، فأغمي على الجارية.
والشعر الذي غنّت لعبيد الله بن قيس الرقيات وهو [1] : [من المنسرح]
ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك فما ... تصلح إلا عليهم العرب
«926» - جلس عمرو بن هدّاب للشعراء فأنشده طريف بن سوادة أرجوزة فيه حتى انتهى إلى قوله: [من الرجز]
__________
[1] الأغاني 4: 349.
(7/203)

أبرص فيّاض اليدين أكلف ... والبرص أندى باللهى وأعرف
وكان عمرو أبرص فصاح به بعض حاضريه: اسكت قطع الله لسانك، فقال عمرو: مه إن البرص من مفاخر العرب، أما سمعت قول ابن حبناء: [من البسيط]
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة ... إنّ اللهاميم في أقرابها بلق
«927» - أحضر عبد الملك بن مروان رجلا يرى رأي الخوارج، فأمر بقتله وقال: ألست القائل: [من الطويل]
ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنّا أمير المؤمنين شبيب
فقال: يا أمير المؤمنين إنما قلت: أمير المؤمنين شبيب، أردت بك يا أمير المؤمنين فحقن دمه.
928- خرج رجل على عبد الله بن طاهر كان اصطنعه وأحسن إليه:
فحاربه عبد الله فظفر به، فقال له: ما حملك على ما صنعت مع إحساني إليك؟
فقال: حملني على ذلك قولك أيها الأمير: [من المنسرح]
حتى متى تصحب الرجال ولا ... تصحب يوما لأمّك الهبل
فصفح عنه وأعاده إلى مرتبته وزاد في برّه.
«929» - مرت امرأة من العرب بمجلس من مجالس نمير، فرماها جماعة منهم بأبصارهم، فوقفت وقالت: يا بني نمير لا لأمر الله أطعتم ولا لقول الشاعر
(7/204)

سمعتم، قال الله عزّ وجلّ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
(النور: 30) ، وقال الشاعر: [من الوافر]
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال: فما اجتمع منهم بعد ذلك في مجلس اثنان.
«929» ب- أنشد إبراهيم بن هرمة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بحضرة عبد الله بن الحسن بن الحسن شعرا يقول فيه: [من الوافر]
وجدنا غالبا كانت جناحا ... وكان أبوك قادمة الجناح
فغضب عبد الله بن الحسن حتى انقطع زرّه ثم وثب مغضبا وتجوز ابن هرمة في الإنشاد ثم لحقه فقال: جزاك الله خيرا يا ابن رسول الله، فقال: ولكن لا جزاك الله خيرا يا ماصّ بظر أمّه، أتقول لابن مروان «وكان أبوك قادمة الجناح» بحضرتي وأنا ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وابن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام؟ فقال ابن هرمة: جعلني الله فداك، إنّي قلت قولا أخدعه به طلبا للدنيا، وو الله ما قست بكم أحدا قط، أو لم تسمعني قد قلت فيها: وبعض القول يذهب في الرّياح.
قال: فضحك عبد الله وقال له: قاتلك الله فما أطرفك.
«930» - حجّت سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وكانت عائشة أحسنهما آلة وثقلا، وكان معها ستون بغلا فحدا حادي عائشة فقال: [من الرجز]
عائش يا ذات البغال الستين ... لا زلت ما عشت كذا تحجين
فشقّ ذلك على سكينة فنزل حاديها فقال: [من الرجز]
عائش هذي ضرّة تشكوك ... لولا أبوها ما اهتدى أبوك
(7/205)

فأمرت عائشة حاديها فكفّ.
931- عرض محمد بن واسع حمارا له على البيع فقال له رجل: أترضاه لي؟
فقال لو رضيته ما بعته.
وهذا إنما قال تحرّجا وتحوّبا وفيه جواب مسكت.
932- دعا بعض القرّاء بعض الأمراء باسمه فغضب وقال: أين الكنية لا ابا لك؟ فقال: إن الله تعالى سمّى أحبّ الخلق إليه فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
(آل عمران: 144) ، وكنّى أبغض الخلق إليه فقال: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
(المسد: 1) .
«933» - وناظر ابن الزّيات رجلا فصالحه على مال فقال له: عجّله، فقال:
أظلم وتعجيل؟ فقال ابن الزيات: أصلح وتأجيل؟
934- كانت قبيحة أمّ المعتزّ تحرّضه على قتل الأتراك الذين قتلوا أباه، وتبرز إليه قميصه المضرّج بدمه، فقال لها يوما: ارفعيه وإلا صار القميص قميصين، فما عادت لعادتها بعد ذلك.
«935» - لما أراد هشام أن ينزل الرّصافة قيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون [1] ولم نر خليفة طعن، قال: أنتم تريدون أن تجرّبوني، ونزل الرصافة وهي برّيّة.
«936» - وأتي هشام بعود فقال للوليد بن يزيد: ما هذا؟ قال: خشب يشقّق ثم يرقّق ثم يلصق ثم تعلّق عليه أوتار فينطق فتضرب الكرام برؤوسها الحيطان سرورا
__________
[1] لا يطعنون أي لا يصابون بالطاعون.
(7/206)

به، وما في المجلس إلّا من يعلم ما أعلمه وأنت أوّلهم يا أمير المؤمنين.
وقد قيل إن هذا الكلام للوليد بن مسعدة الفزاري مع عبد الملك بن مروان.
«937» - ركب الرشيد لينظر إلى هدايا بعث بها عليّ بن عيسى بن ماهان بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان، وجعفر بن يحيى يسايره، فقال لجعفر:
أين كان هذا أيام أخيك؟ قال: في منازل أربابه، فلم يحر جوابا.
938- قال التّوّزي: كان رجل من ولد جرير في حلقة يونس بن حبيب، وفيها رجل من بني شيبان، وأمّ جرير منهم، فقال الجريري يفتخر على الشيباني: [من الطويل]
نمتني من شيبان أمّ نزيعة ... كذلك ضرب المنجبات النزائع
أما والله- يا أخا بني شيبان- ما أخذناها إلا بأطراف الرماح. فقال له الشيباني:
صدقت والله، لأنت ألأم من أن يزوّجوك بها طوعا أو يرضوك لها كفؤا.
939- وقف الإسكندر على ذيوجانس فقال: أما تخافني؟ فقال: أخير أنت أم شرّ؟ قال: بل خير. فقال ذيوجانس: فإني لا أخاف الخير بل أحبّه.
940- سأل رجل جاهل أفلاطن: كيف قدرت على كثرة ما تعلّمت؟
قال: لأني أفنيت من الزّيت أكثر مما أفنيت من الشراب.
«941» - تكلّم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال: بهرك الكلام يا صعصعة؟ فقال: الخيل الجياد نضّاخة بالماء.
«942» - نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم، فقال له سعيد بن عثمان بن عفان: تشتمهم لأنهم قتلوا أباك؟ قال: صدقت، ولكنّ
(7/207)

المهاجرين والأنصار قتلوا أباك.
«943» - دخل معن بن زائدة على المنصور يقارب في خطوه، فقال أبو جعفر: كبرت سنّك يا معن؛ قال: في طاعتك؛ قال: وإنك لجلد قال: على أعدائك، قال: وإن فيك بقية؛ قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
944- مرّ أعرابي بمجلس قوم فسخروا منه واستهزأوا به، فرجع إليهم وقال: يا هؤلاء إنّ الناس رجلان: متكلّم غانم، وساكت سالم، فوالله ما سلمتم سلامة الصّامت، ولا غنمتم غنيمة المتكلّم.
945- قال عبد الله بن عباس: بعثني عليّ عليه السّلام إلى عائشة أمّ المؤمنين يأمرها بالرحيل إلى بلادها. فأتيتها فدخلت عليها فلم يوضع لي شيء أجلس عليه، فتناولت وسادة كانت في رحلها فقعدت عليها، فقالت عائشة: يا ابن عباس، أخطأت السنّة: قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا، فقلت: ما هذا بيتك، بيتك الذي أمرك الله سبحانه أن تقرّي فيه، ولو كان بيتك ما قعدت على وسادتك إلا بإذنك. ثم قلت: إنّ أمير المؤمنين عليا أرسلني إليك يأمرك بالرحيل إلى بلادك. قالت: وأين أمير المؤمنين؟ ذاك عمر. فقلت: ذاك عمر وعليّ أيضا، قالت: أبيت! أبيت!. قلت: أما والله ما كان إباؤك إلا قصير المدّة، عظيم التّبعة، قليل المنفعة، ظاهر الشّؤم، بيّن النكد، وما عسى أن يكون إباؤك وما كان أمرك إلا كحلب شاة حتى صرّت، لا تأمرين ولا تنهين، ولا تأخذين ولا تعطين، وما كان مثلك إلا كقول أخي بني أميّة حيث يقول: [من الكامل]
ما زال إهداء الضغائن بينهم ... تترى الحديث وكثرة الألقاب
حتى تركت كأنّ صوتك بينهم ... في كلّ مجمعة طنين ذباب
(7/208)

قال: فبكت حتى سمعت نحيبها من وراء الحجاب، ثم قالت: إني معجلة الرحيل إلى بلادي إن شاء الله، والله ما من بلد أبغض إليّ من بلد أنتم فيه. قال:
ولم ذاك؟ فو الله لقد جعلنا أباك صدّيقا، قالت: يا ابن عباس، أتمنّ عليّ برسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ فقلت: ما لي لا أمنّ عليك بمن لو كان منك لمننت عليّ [1] .
«946» - وقال بعض أصحاب الرشيد: كنت واقفا على رأس الرشيد وقد دخل عليه عبد الملك بن صالح، فأقبل عليه الرشيد فقال: كأني أنظر إلى شؤبوبها وقد لمع، وإلى غبارها وقد سطع، وإلى الوعيد وقد أورى نارا، وقد كشف عن لهازم بلا حلاقم ورؤوس بلا غلاصم، فمهلا مهلا يا بني هاشم، لا تستوعروا السّهل ولا تستسهلوا الوعر، ولا تبطروا النعم، ولا تستجلبوا النقم، فعن قليل يذمّ ذو الرأي منكم رأية، وينكص ذو الحزم منكم على عقبيه، وتستبدلوا الذّلّ بعد العزّ، وتستشعروا الخوف بعد الأمن. فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، أفذّا أتكلّم أم تواما؟ قال: بل فذّا؛ قال: إن لله عليك حقا فيما ولاك فأده، واحفظه في رعيّته، ولا تجعل الكفر في موضع الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، ولا تقطع رحمك التي أوجب الله عليك صلتها، وألزمك حقّها، ونطق الكتاب بها، فإنّ عقوقها كفر؛ وجاز ذا الحقّ على حقّه، ولا تصرف الحقّ إلى غير أهله؛ جمعت عليك القلوب بعد افتراقها، وسكّنتها بعد نفارها، وشددت أواخي ملكك بأشدّ من أركان يلملم، وكنت كما قال أخو بني جعفر ابن كلاب: [من الرمل]
ومقام ضيّق فرّجته ... بلساني ومقامي وجدل
__________
[1] هنا حاشية دخلت في المتن جاء فيها: وهذه حكاية خشنة ينبغي اسقاطها من الكتاب ولا يتكلم بما شجر بينهم.
(7/209)

لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل
فقال الرشيد: هذا ابنك يخبرنا عنك بمعصيتك وشقاقك. قال: ليس يخلو ابني من أن يكون مأمورا أو عدوّا، فإن كان مأمورا فمعذورا وعدوّا فمحذورا، وقد قال الله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
(التغابن: 14) ، قال: فهذا كاتبك قمامة بن يزيد يخبر بمثل ذلك، وقد سأل أن يجمع بينك وبينه، قال: إن من كذب عليّ وأشاط بدمي غير مأمون أن يبهتني، وخرج.
947- قال ابن مروان لأبي يوسف القزويني الفقيه الحنفي وقد أراه سور آمد وعجّبه من حصانته وإحكامه: كيف تراه؟ فقال له أبو يوسف: يحفظك بالليل، ويردّ عنك السبل، ولا يحجب عنك دعوة المظلوم.
«948» - كان أحمد بن يوسف يكتب بين يدي المأمون، فطلب منه السكين فدفعها إليه والنصاب في يده، فنظر إليه المأمون نظر منكر، فقال:
على عمد فعلت ذلك، ليكون الحدّ على أعدائك. فعجب الناس من سرعة جوابه وشدّة فطنته.
«949» - وقال المأمون لأحمد بن يوسف: إنّ أصحاب الصدقات تظلّموا منك، فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما رضي أصحاب الصدقات عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى أنزل الله تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ
(التوبة: 58) ، فكيف يرضون عني؟ فاستضحك المأمون وقال له: تأمّل أحوالهم وأحسن النظر في أمرهم.
(7/210)

«950» - لما ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة استصغروا سنّه، فقال له رجل: كم سنّ القاضي أعزّه الله؟ قال: سنّ عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكّة، فجعل جوابه احتجاجا.
«951» - قيل لابن شبرمة: لم تركت النبيذ؟ فقال: إن كان حلالا فحظّي تركت، وإن كان حراما فبالحزم أخذت.
«952» - لما قال النابغة الجعديّ في ليلى الأخيلية من أبيات: [من الطويل]
ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أيرا أغرّ محجّلا
وقد اكلت بقلا وخيما نباته ... وقد شربت من آخر اللّيل أيلا
- يعني ألبان الأيّل وقد تورث الغلمة- أجابته ليلى من أبيات: [من الطويل]
تعيّرني داء بأمّك مثله ... وأيّ حصان لا يقال لها هلا
فغلبته.
«953» - لما قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين قتل عثمان رضي الله عنه أبياته المشهورة التي من جملتها: [من الطويل]
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
أجابه الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بأبيات منها يقول: [من الطويل]
وشبّهته كسرى وقد كان مثله ... شبيها بكسرى هديه وعصائبه
(7/211)

«954» - أرسل أبو ذؤيب الهذليّ خالد بن زهير إلى امرأة بينه وبينها خلّة، فأفسدها خالد لنفسه، وكان أبو ذؤيب من قبل قد فعل مثل ذلك مع عويمر بن مالك بن عويمر، فلما عرف أبو ذؤيب ما فعله خالد كتب إليه بأبيات منها:
[من الطويل]
خليلي الذي دلّى لغيّ خليلتي ... جهارا وكلّ قد أصاب غرورها
ونفسك فاحفظها ولا تفش للعدى ... من السّرّ ما يطوى عليه ضميرها
فأجابه خالد بن زهير: [من الطويل]
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأوّل راض سنّة من يسيرها
أي جعلتها سائرة. ويروى «من سنة» وعلى هذه الرواية يروى «من يسيرها» بضم أوله، وفي ذلك يقول أبو ذؤيب: [من الطويل]
تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل يجمع السّيفان ويحك في غمد
«955» - شبّب الأحوص بن محمد الأنصاري بأمّ جعفر، وهي امرأة من الأنصار، وشاع شعره فيها، فأوعده أخوها أيمن وتهدّده فلم ينته، فاستعدى عليه عمر بن عبد العزيز، فربطهما في حبل ودفع إليهما سوطين وقال لهما:
تجالدا، فغلب أخوها وسلح الأحوص في ثيابه وهرب، وتبعه أيمن حتى فاته الأحوص هربا.
وإنما فعل ذلك عمر اقتداء بعثمان بن عفان، فإنّه لما تهاجى سالم بن دارة ومرّة بن رافع [1] الغطفاني لزمهما عثمان بحبل وأعطاهما سوطين فتجالدا بهما.
__________
[1] الأغاني: واقع.
(7/212)

وكان الأحوص قال في أمّ جعفر من أبيات: [من الطويل]
لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... وإنّي إلى معروفها لفقير
فقال السائب [أحد بني] عمرو بن عوف يعيّره فراره ويعارضه في هذه الأبيات: [من الطويل]
لقد منع المعروف من أمّ جعفر ... أخو ثقة عند الجلاد صبور
علاك بمتن السوط [1] حتى اتّقيته ... بأصفر من ماء الصّفاق يفور
فقال الأحوص: [من الطويل]
إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه ... فمن ذا الذي يغفر له ذنبه بعدي
أريد انتقام الذّنب ثم تردّه [2] ... يد لأدانيه مباركة عندي
«956» - هجا الأخطل سويد بن منجوف فقال: [من الطويل]
وما جذع سوء خرّق السّوس متنه ... لما حمّلته وائل بمطيق
فقال سويد: والله يا أبا مالك ما تحسن أن تهجو ولا تمدح. أردت هجائي فمدحتني، جعلت وائلا تحمّلني أمورها وما طمعت في بني ثعلبة [3] فضلا عن بكر.
«957» - طعن عامر بن الطفيل ضبيعة بن الحارث فقال ضبيعة:
__________
[1] م: بمتن السبت.
[2] الأغاني: تردني.
[3] الأغاني ونثر: تغلب؛ وفي حاشية م: أي أنه لم يكن يطمع في بني ثعلبة من بكر فجعله مقصد بكر وتغلب.
(7/213)

[من الكامل]
لولا اعتراض في الأغرّ وجرأة ... لفعلت فاقرة بجيش سعيد
فقال عامر: يعجز عن فرسه ويتوعّدني.
«958» - أنشد جرير قول الأخطل: [من الطويل]
وإنّي لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها
فقال: صدق، أنا لا أقوم عند است قسّ لآخذ القربان ولا بين يدي سلطان لأداء الجزية.
«959» - أنشد رجل يحيى بن خالد: [من البسيط]
إني امرؤ في أعالي بيت مكرمة ... إذا تمزّق ثوبي أرتدي حسبي
فقال يحيى: ما أقلّ غناء هذا الرّداء في كانونين.
«960» - قصد شاعر أبا دلف فقال له: ممن أنت؟ قال: من بني تميم، فقال أبو دلف: من الذين يقول فيهم الشاعر: [من الطويل]
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا
قال: نعم، بتلك الهداية جئتك؛ فخجل أبو دلف واستكتمه وأحسن جائزته.
«961» - لما قتل مسلمة بن عبد الملك يزيد بن المهلب قال ثابت قطنة يرثيه:
[من الكامل]
يا ليت إخوتك الذين تغيّبوا ... كانوا ليومك بالعراق شهودا
(7/214)

فقال مسلمة: وأنا والله وددت حتى أسقيهم بكأسه.
«962» - لما أسلمت بنت شيبة بن ربيعة قالت هند بنت عتبة لها: [من الوافر]
تدين مع الأولى قتلوا أباها ... أقتل أبيك جاءك باليقين
فقالت: نعم قتله جاءني باليقين.
«963» - عرض بلال بن أبي بردة الجند، فمرّ به رجل من بني نمير ومعه رمح قصير، فقال له بلال: يا أخا بني نمير ما أنت كما قال الشاعر: [من الوافر]
لعمرك ما رماح بني نمير ... بطائشة الصّدور ولا قصار
فقال: أصلح الله الأمير ما هو لي إنما استعرته من رجل من الأشعريين.
«964» - بصر الفرزدق بجرير محرما فقال: والله لأفسدنّ على ابن المراغة حجّه، ثم جاءه مستقبلا وقال: [من الطويل]
فإنك لاق بالمشاعر من منى ... فخارا فخبّرني بمن أنت فاخر
فقال جرير: لبّيك اللهمّ لبّيك.
«965» - قال الحسن بن قحطبة: دخلت على المهديّ بعيساباذ فدخل شريك القاضي فسلّم، فقال المهدي: لا سلّم الله عليك يا فاسق، فقال شريك: إن للفاسق علامات تعرف: شرب الخمور واتّخاذ القينات والمعارف. قال: قتلني الله إن لم أقتلك. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال:
رأيت في المنام كأني مقبل عليك أكلّمك وأنت تكلّمني من قفاك. فقال لي
(7/215)

المعبّر: هذا رجل يطأ بساطك وهو مخالف لك. فقال شريك: إن رؤياك ليست كرؤيا يوسف بن يعقوب، وإن دماء المسلمين لا تستحلّ بالأحلام.
فنكس المهديّ رأسه ثم أشار إليه أن اخرج، فخرج وخرجت خلفه. فقال لي: ما رأيت ما أراد صاحبك أن يفعل؟ فقلت: اسكت فلله أبوك!.
«966» - جاء رجل إلى شريح فكلّمه بشيء وأخفاه، فلما قام قال له رجل:
يا أبا أمية، ما قال لك؟ قال: يا ابن أخي أما رأيته أسرّه منك؟
«967» - وقيل للشعبي- وقد بنى بأهله-: كيف وجدت أهلك؟ قال:
ولم أرخيت الستور إذن.
«968» - دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فسأله عن مسألة فأفتاه، فأمر له بمائة ألف درهم، فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بتعجيلها قبل الصبح، فقال:
عجّلوها له، فقيل إنّ الخازن في بيته والأبواب مغلقة، فقال أبو يوسف: وقد كنت في بيتي والدروب مغلقة، فحين دعاني فتحت.
«969» - قال عبيد الله بن زياد لبعض بني بكر بن وائل: ما تقول فينا وفي الحسين وفي قتلنا إيّاه؟ فقال: ما أقول، يجيء جدّه يوم القيامة فيشفع له ويجيء جدّك فيشفع لك.
«970» - كان أبو الأسود يتشيّع، وكان ينزل في بني قشير وهم عثمانية، فكانوا يرمونه بالليل، فإذا أصبح شكا ذلك. فشكاهم مرّة فقالوا له: ما نحن نرميك ولكنّ الله يرميك، فقال: كذبتم لو كان الله يرميني لما أخطأني.
(7/216)

«971» - كان بعض أهل البصرة يتشيّع، وكان له صديق يفد إليه ويوافقه على مذهبه، فأودعه مالا فجحده، فاضطر إلى أن قال لمحمد بن سليمان، وسأله أن يحضره ويحلّفه بحقّ عليّ ففعل ذلك. فقال الرجل: أعزّ الله الأمير، هذا الرجل صديقي وهو أعزّ عليّ وأجلّ من أن أحلف له بالبراءة من مختلف في ولايته وإيمانه، ولكنّي أحلف له بالبراءة من المتّفق على إيمانهما وولايتهما أبي بكر وعمر. فضحك محمد بن سليمان، والتزم المال، وخلّى الرجل.
«972» - دخل أبو الطّفيل عامر بن واثلة الكناني على معاوية فقال له: أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكني ممن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار؛ قال معاوية: لقد كان حقّه واجبا وكان يجب عليهم أن ينصروه، قال: فما منعك يا أمير المؤمنين من نصرته ومعك أهل الشام؟ قال: أو ما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك عامر وقال: أنت والله وعثمان كقوله: [من البسيط]
لا أعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
فقال له معاوية: دع عنك هذا وقل لي ما بقّى الدهر من ثكلك عليّ بن ابي طالب؟ قال: ثكل العجوز المقلات والشيخ الرقوب، قال: كيف حبّك له؟
قال: حبّ أمّ موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير.
«973» - أتي الحجّاج بامرأة من الخوارج فقال لمن حضره: ما ترون فيها؟
قالوا اقتلها. فقالت: جلساء أخيك خير منك ومن جلسائك قال: ومن أخي؟
قالت: فرعون، لما شاور جلساءه في موسى قالوا: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ
(الأعراف: 111) .
(7/217)

«974» - أتي عتّاب بن ورقاء بامرأة من الخوارج، فقال لها: يا عدوّة الله ما دعاك إلى الخروج؟ أما سمعت الله تبارك وتعالى يقول: [من الخفيف]
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول
قالت: يا عدوّ الله، أخرجني قلّة معرفتك بكتاب الله تعالى.
«975» - قال المنصور لبعض الخوارج وقد ظفر به: عرّفني من أشدّ أصحابي إقداما كان في مبارزتك؟ قال: ما أعرفهم بوجوههم ولكني أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا حتى أصفهم؛ فاغتاظ وأمر بقتله.
«976» - قال الحجّاج لرجل من الخوارج: والله إني لأبغضكم، فقال الخارجي: أدخل الله أشدّنا بغضا لصاحبه الجنّة.
«977» - خفّف أشعب الصلاة مرّة، فقال له بعض أهل المسجد: خففت الصلاة جدا، قال: لأنه لم يخالطها رياء.
«978» - عاد المعتصم أبا الفتح ابن خاقان، والفتح صغير، فقال له: داري أحسن أم دار أبيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، دار أبي ما دمت فيها.
«979» - اجتاز عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير، فتهاربوا إلا عبد الله، فإنه وقف. فقال له عمر: لم لم
(7/218)

تفرّ مع أصحابك؟ قال: لم يكن لي جرم فأفرّ منك، ولا كان الطريق ضيّقا فأوسّعه عليك.
980- أتي الحجاج بأعرابيّ في أمر احتاج إلى مساءلته عنه، فقال الحجاج: قل الحقّ وإلا قتلتك، فقال له: اعمل به أنت، فإن الذي أمرك بذلك أقدر عليك منك عليّ، فقال الحجاج: صدق. فخلّوه.
«981» - قدم أعرابيّ على سلطان ومعه قصة، فجعل يقول: هاؤم اقرأوا كتابيه، فقيل له: هذا يقال يوم القيامة، فقال: هذا شرّ من يوم القيامة، إنه يؤتى يوم القيامة بحسناتي وسيّئاتي، وأنتم جئتم بسيّئاتي وتركتم حسناتي.
«982» - حلف أعرابيّ بالمشي إلى بيت الله الحرام لا يكلّم ابنه، فحضرته الوفاة، فقيل له: كلّمه قبل أن تفارق الدنيا، فقال: والله ما كنت قطّ أعجز عن المشي إلى بيت الله تعالى منّي الساعة.
«983» - قيل لأعرابي ينسج: ألا تستحي أن تكون نسّاجا فقال: إنما أستحي من أن أكون أخرق لا أنفع أهلي.
«984» - مدّ المأمون يده إلى أعرابيّ ليقبّلها، فتناولها بكمّه، فقال: أتتقزّز منها؟ قال: لا بل أتقزز لها.
«985» - قال رجل: رأيت أعرابيّا في إبل قد ملأت الوادي، فقلت: لمن هذه؟ قال: لله في يدي.
«986» - سأل أعرابي فقيل له: بورك فيك، وتوالى عليه ذلك من غير
(7/219)

مكان، فقال: وكلكم الله إلى دعوة لا تحضرها نيّة.
«987» - سألت أعرابيّة المنصور في طريق مكّة فحرمها، فقالت: [من الطويل]
إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا جنى ... فأبعدكنّ الله من شجرات
«988» - وسألته أخرى فمنعها، فقالت: [من الطويل]
دنوّك إن كان الدّنوّ كما أرى ... علي وبعد الدّار يستويان
«989» - قيل لجاذوسيس الصقليّ: إنّك من مدينة خسيسة، قال: أما أنا فيلزمني العار من قبل بلدي، وأما أنت فعار لازم لأهل بلدك.
«990» - وعيّر آخر سقراط ببلده، فقال سقراط: نسبي مني ابتدأ، ونسبك إليك انتهى.
«991» - قيل: طاف الرشيد بالبيت فوطىء جرادة، فلم يدر ما عليه فيها، فبعث بالمأمون إلى الفضيل بن عياض فسلّم عليه وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: لنا إليك حاجة، فأحبّ أن تعبر إلينا. فلم يجب الفضيل بشيء، فرجع المأمون وقال: رأيت رجلا ليست به إليك حاجة، فقام الرشيد مغضبا حتى خيف على الفضيل منه؛ فوقف عليه وسلّم، فوسّع الفضيل له وردّ عليه السّلام. فلما جلس أقبل على الفضيل فقال: رحمك الله، قد كان الواجب أن تأتينا وتعرف حقّنا إذ ولّانا الله أموركم فصيّرنا الحكام في دمائكم، والذّابّين عن حريمكم، وإذ لم تأتنا فقد أتيناك؛ إني وطئت الآن في الطواف على جندبة
(7/220)

فما ديتها؟ قال: فبكى الفضيل بكاء شديدا حتى علا صوته وقال: إذا كان الراعي يسأل عن الغنم هلكت الغنم، وإنما يجب على الراعي أن يرتاد لغنمه المرعى، وجيّد الكلأ، وعذب الماء، فإذا كنت يا أمير المؤمنين تسألني عن معالم الدّين فبأيّ شيء تسوس رعيّتك؟ قال: فخجل الرشيد حتى عرق وانصرف.
ومما وضع على لسان البهائم:
«992» - قالوا: عيّر الثعلب لبؤة بأنها لم تلد في عمرها إلا جروا واحدا، فقالت: نعم إلا أنّه أسد.
«993» - وقالوا: صحب ذئب وثعلب أسدا فاصطادوا عيرا وظبيا وأرنبا. فقال الأسد للذئب: اقسم هذا بيننا، فقال: العير لك، والظبي لي، والأرنب للثعلب.
فغضب الأسد وأخذ بحلق الذئب حتى قطع رأسه، وقال للثعلب: اقسمه أنت، فقال: العير لغدائك، والظبي لعشائك، والأرنب تتفكّه به في الليل، فقال: من علّمك هذه القسمة العادلة؟ قال: رأس الذئب الذي بين يديك.
«994» - قالوا: تعلّق ذئب بعوسجة ليصعد حائطا فعقرته، فأقبل يلومها فقالت: يا هذا لم نفسك في التعلّق، فما يتعلّق بكلّ شيء.
«995» - كان أبو أيوب المورياني، وزير المنصور، إذا دعاه المنصور يصفرّ ويرعد مع مكانه منه ومحله عنده. فقيل له في ذلك، فقال: مثلي ومثلكم في هذا مثل باز وديك تناظرا، فقال البازي: ما أعرف أقلّ وفاء منك، قال: وكيف ذلك؟ قال: تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك، وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفّهم ويحسنون إليك، حتى إذا وجدت منهم غفلة طرت وصحت وعلوت
(7/221)

الحيطان، وفارقت الدار التي ربيت بها وطرت إلى غيرها؛ وأنا أوخذ من الجبال فأوثق وتخاط عيني، وأطعم الشيء اليسير، وأونس يوما أو يومين ثم أطلق على الصيد، فأطير وحدي، وآخذ الصيد لصاحبي، وأمسكه عليه، وأعود إلى مكاني. فقال له الديك: ذهب عليك الصواب، أنت والله لو رأيت على السّفافيد من البزاة اليسير من الكثير الذي أراه أنا من الدّيكة ما عدت قطّ إليهم. ولكن لو عرفتم من المنصور ما أعرفه لكنتم أسوأ حالا منّي عند طلبه لكم.
«996» - تهاجى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت وعبد الرحمن بن الحكم فأفحشا، فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص، وهو عامله على المدينة، أن يجلد كلّ واحد منهما مائة سوط؛ وكان ابن حسان صديقا لسعيد، وما مدح أحدا قطّ غيره، فكره أن يضربه أو يضرب ابن عمّه، فأمسك عنهما؛ ثم ولي مروان بن الحكم فضرب ابن حسان مائة سوط ولم يضرب أخاه. فكتب ابن حسان إلى النعمان بن بشير وهو عند معاوية فعرّفه. فعزم معاوية على مروان أن يضرب اخاه مائة، فسأل مروان الأنصار سؤال ابن حسان أن يعفو فأبى، فطلبوا إليه أن يقتصر على خمسين ففعل. فلقي ابن حسان بعض من كان لا يهوى ما ترك من ذلك، فقال: ضربك مائة وتضرب خمسين، بئس ما صنعت إذ وهبتها له، فقال: إنه عبد وإنما يضرب العبد نصف ما يضرب الحرّ، فحمل هذا الكلام حتى شاع في المدينة، فبلغ ابن الحكم فشقّ عليه وأتى أخاه مروان وأخبره الخبر، فقال: فضحني لا حاجة لي فيما ترك، فهلمّ فاقتصّ، فضرب ابن الحكم خمسين أخرى.
997- روي أنّ امرأة أبي الأسود خاصمته إلى زياد في ولدها، فقالت:
أيها الأمير، إنّ هذا يريد أن يغلبني على ولدي، وقد كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له فناء؛ فقال أبو الأسود: بهذا تريدين أن تغلبيني على
(7/222)

ولدي، فو الله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه؛ قالت: لا سواء، إنّك حملته خفّا وحملته ثقلا، ووضعته شهوة ووضعته كرها. فقال له زياد إنّي أرى امرأة عاقلة يا أبا الأسود، فادفع إليها ابنها فأخلق أن تحسن أدبه.
«998» - لما حبس الحلّاج عند القشوري مرض ابن له فاشتهى التفّاح الشاميّ، وكان لا يصاب لفوت أوانه، فتلطّف الحلّاج واحتال حتى سأله القشوري تفاحة شامية، قصد بها تعرّف أمر الحلّاج في صدقه وكذبه، وأراد أيضا بلوغ مراده في ولده، وكان الحلّاج قد أعدّ تفاحة لذلك، فحين سأله أومى بيده هكذا وأعادها بتفاحة، وتناولها القشوري يقلّبها ويتعجّب منها، والحلّاج يقول: الساعة قطعتها من الجنّة، قال القشوري: إني أرى في موضع منها عيبا، قال الحلاج- غير مطرق ولا مكترث-: أما علمت أنّها إذا أخرجت من دار البقاء إلى دار الفناء لحقها جزء من البلاء، فكان جوابه أحسن من حيله وفعله.
«999» - وكان كثيّر قصيرا لا يبلغ ضروع الإبل، فقال له جرير: أيّ رجل أنت لولا دمامتك؟ فقال كثيّر: [من الطويل]
إن أك قصدا في الرّجال فإنّني ... إذا حلّ أمر ساحتي لطويل
«1000» - روي أنّ عزّة قالت لبثينة: تصدّي لكثيّر وأطمعيه في نفسك حتى أسمع ما يجيبك به؛ ثم أقبلت إليه وعزّة تمشي ورآها متخفّية وعرضت عليه الوصل فقاربها، ثم قال: [من الطويل]
رمتني على فوت بثينة بعد ما ... تولّى شبابي وارجحنّ شبابها
بعينين نجلاوين لو رقرقت بها ... لنوء الثريّا لاستهلّ ربابها
(7/223)

فكشفت عزّة عن وجهها، فبادرها الكلام ثم قال:
ولكنّما ترمين نفسا مريضة ... لعزّة منها صفوها ولبابها
فضحكت ثم قالت: أولى لك! بها نجوت، وانصرفتا تتضاحكان.
«1001» - قال يزيد بن عروة: لما مات كثيّر لم تتخلّف امرأة بالمدينة ولا رجل عن جنازته، وغلب النساء عليها يبكينه ويذكرن عزّة في ندبهنّ له، فقال أبو جعفر محمد بن علي: أفرجوا لي عن جنازة كثيّر لأرفعها، قال: فجعلنا ندفع النساء عنها، وجعل محمد بن علي يضربهنّ بكمّه ويقول: تنحّين يا صواحبات يوسف. فانتدبت له امرأة منهن فقالت: يا ابن رسول الله لقد صدقت، إنّا لصواحباته وقد كنّا خيرا منكم له، فقال أبو جعفر لبعض مواليه: احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفت. قال فلما انصرف أتي بتلك المرأة كأنها شرر النار، فقال لها محمد بن علي: أنت القائلة: إنكنّ ليوسف خير منا؟ قالت: نعم، تؤمّنني غضبك يا ابن رسول الله؟ قال: أنت آمنة من غضبي فأنبئيني. قالت:
نحن- يا ابن رسول الله- دعوناه إلى اللذات من المطعم والمشرب والتمتّع والتنعّم، وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجبّ وبعتموه بأبخس الأثمان، وحبستموه في السّجن، فأيّنا كان عليه أحنى وبه أرأف؟ فقال محمد: لله درّك، لن تغالب امرأة إلا غلبت، ثم قال لها ألك بعل؟ قالت: لي من الرجال من أنا بعله، فقال أبو جعفر: ما أصدقك، مثلك من تملك زوجها ولا يملكها، قال:
فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه بنت فلانة بنت معيقيب.
«1002» - أخبر كثيّر عن قطام صاحبة ابن ملجم في قدمة قدمها الكوفة، فأراد الدخول إليها ليوبّخها، فقيل له: لا تردها فإنّ لها جوابا، فأبى كثيّر وأتاها؛ فوقف على بابها وقرعه، فقالت: من هذا؟ قال: كثيّر بن عبد الرحمن
(7/224)

الشاعر، فقالت لبنات عمّ لها تنحّين حتى يدخل الرجل، فولجن البيت، وأذنت له فدخل، وتنحّت من بين يديه فرآها وقد ولّت، فقال لها: أنت قطام؟
فقالت: نعم قال: صاحبة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام؟ قالت: صاحبة عبد الرحمن بن ملجم، قال: أليس فيك قتل عليّ بن أبي طالب؟ قالت: بل مات بأجله، قال: أم والله لقد كنت أحبّ أن أراك، فلما رأيتك نبت عيني عنك، فما احلوليت في صدري، قالت: والله إنك لقصير القامة، عظيم الهامة، قبيح المنظر، وإنك لكما قال الأول: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه، فقال:
[من الطويل]
رأت رجلا أودى السّفار بوجهه ... فلم يبق إلا منظر وجناجن
فإن أك معروق العظام فإنّني ... إذا وزن الأقوام بالقوم وازن
وإني لما استودعتني من أمانة ... إذا ضاعت الأسرار للسرّ دافن
فقالت: أنت لله أبوك كثيّر عزّة؟ قال: نعم، فقالت: الحمد لله الذي قصّر بك فصرت لا تعرف إلا بامرأة، قال: ليس الأمر كذلك، والله لقد سار بها شعري، وطار بها ذكري، وقرب من الخليفة مجلسي، وإنّها لكما قلت:
[من الطويل]
فما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
فإن خفيت كانت لعينك قرّة ... وإن تبد يوما لم يغمّك عارها
فقالت: تا لله ما رأيت شاعرا قطّ أنقص عقلا ولا أضعف وصفا منك حيث تقول هذا، ألا قلت كما قال امرؤ القيس: [من الطويل]
ألم ترياني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
فخرج وهو يقول: [من الكامل]
(7/225)

الحقّ أبلج لا تخيل سبيله ... والحقّ يعرفه ذوو الألباب
«1003» - حجّ سليمان بن عبد الملك ومعه الشعراء، فمرّ بالمدينة منصرفا، فأتي بأسراء من الروم نحو من أربعمائة اسير. فقعد سليمان وعنده عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي عليهم السلام، وعليه ثوبان ممصّران، وهو أقربهم منه مجلسا، فأدنوا إليه بطريقهم وهو في جامعة، فقال لعبد الله بن الحسن: ثم فاضرب عنقه! فقام فما أعطاه أحد سيفا حتى دفع إليه حرسيّ سيفا كليلا، فضربه فأبان عنقه وذراعه وأطنّ ساعده وبعض الغلّ، فقال له سليمان: اجلس، فو الله ما ضربته بسيفك ولكن بحسبك، وجعل يدفع الأسراء إلى الوجوه فيقتلونهم، حتى دفع إلى جرير رجلا، فدسّت إليه بنو عبس سيفا قاطعا في قراب أبيض، فضربه فأبان رأسه؛ فدفع إلى الفرزدق أسيرا، فدسّت إليه القيسيّة سيفا كليلا، وقيل بل دفع إليه سليمان سيفا وقال: اقتله به، فقال: لا، أضربه بسيف مجاشع، واخترط سيفه فضربه فلم يغن شيئا، فقال له سليمان أم والله لقد بقي عليك عارها وشنارها، فقال جرير قصيدة يهجوه فيها، منها في المعنى: [من الطويل]
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم
وقيل: إن الفرزدق قال لسليمان: يا أمير المؤمنين هب لي هذا الأسير، فوهبه له، فأعتقه وقال: [من الطويل]
فهل ضربة الروميّ جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط التّمائم
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
وروي أنه سبق جريرا إلى البيتين الأوّلين المذكورين، وقال: كأني بابن
(7/226)

المراغة قد قال كذا؛ فما لبث إلّا مدّة يسيرة حتى جاءته القصيدة وفيها البيتان.
«1004» - ومن أجوبة الفرزدق المستحسنة في هذه القصيدة، وعرّض بسليمان لأنّ بني عبس أخواله: [من الطويل]
فإن يك سيف خان أو قدر أتى ... بتعجيل نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد [1]
وقوله أيضا: [من البسيط]
فما نبا السيف عن جبن ولا دهش ... عند الإمام ولكن أخّر القدر
ولو ضربت به عمدا مقلّده ... لخرّ جثمانه ما فوقه شعر
وما يقدّم نفسا قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصّمصامة الذكر
«1005» - قال أبو العيناء: نظر المأمون إلى يحيى بن أكثم يلحظ خادما له، فقال للخادم: تعرض له إذا قمت، فإني سأقوم للوضوء، وأمره أن لا يبرح، وعد إليّ بما يقول لك، فلما قام غمزه الخادم بعينه، فقال يحيى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
(سبأ: 31) فمضى الخادم إلى المأمون فأخبره، فقال له: عد إليه فقل له: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ
(سبأ: 32) فخرج إليه الخادم وقال له ذلك، فأطرق يحيى وكاد يموت جزعا، فخرج المأمون وهو يقول: [من الطويل]
__________
[1] حاشية في ر: هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، كان خالد بن جعفر بن كلاب قتل أباه زهيرا، فأدركه ورقاء، فضربه بسيفه فلم يغن شيئا ونجا خالد، فقال ورقاء:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
فشلت يميني يوم أضرب خالدا ... ويمنعه مني الحديد المظاهر
(7/227)

متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط
قم واتّق الله وأصلح دينك.
«1006» - لما هجا يزيد بن مفرّغ بني زياد فأفحش، وظفر به عبيد الله أمر به فسقي نبيذا حلوا قد خلط معه الشّبرم فأسهل بطنه، وطيف به وهو على تلك الحال، وقرن به هرّ وخنزير، فجعل يسلح والصبيان يقولون: إين جست؟
فيقول: آنست ونبيذ است وعصارة زبيب است وسمية روسبي است، وجعل كلما جرّ الخنزير ضغت فيقول: [من البسيط]
ضجّت سميّة لما لزّها قرني ... لا تجزعي إنّ شرّ الشّيمة الجزع
فلما خافوا عليه الهلاك أمر به أن يغسل، فلما غسل قال: [من الخفيف]
يغسل الماء ما صنعت وقولي ... راسخ منك في العظام البوالي
1007- لما وقع التباين بين محمد بن عبد الملك الزيات وبين أحمد بن أبي دواد في أيام الواثق، وسعى كلّ واحد منهما بصاحبه، دخل يوما محمد بن عبد الملك دار الواثق وابن أبي دواد هناك، فلما رآه وثب يصلّي صلاة الضحى، فقال محمد بن عبد الملك وأنشدها يسمعه: [من الكامل]
صلّى الضّحى لما استفاد عداوتي ... وأراك تنسك بعدها وتصوم
لا تعدمنّ عداوة من واحد ... تركتك تقعد بعدها وتقوم
1008- مات رجل وأوصى إلى أبي حنيفة وهو غائب، فقدم أبو حنيفة وارتفع إلى ابن شبرمة، وادعى الوصية وأقام البيّنة، فقال له ابن شبرمة، يا أبا حنيفة، احلف أنّ شهودك شهدوا بحقّ، قال: ليس عليّ يمين، كنت غائبا، قال: ضلّت مقاليدك يا أبا حنيفة، قال: ضلّت مقاليدي؟ ما تقول في أعمى شجّ
(7/228)

فشهد له شاهدان أنّ فلانا شجّه، أعلى الأعمى يمين أنّ شهوده شهدوا بحقّ وهو لا يرى؟
«1009» - قال أعرابيّ لعبد الملك: الناقة إذا كانت تمنع الحلب قوّمتها العصا، قال: إذن تكفأ الإناء وتكسر أنف الحالب.
«1010» - اجتمع شريك بن عبد الله ويحيى بن عبد الله بن الحسن في دار الرشيد، فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: فقليله أم كثيره؟ قال: بل قليله، قال: ما رأيت خيرا قط إلا والازدياد منه خير إلّا خيرك هذا فإن قليله خير من كثيره.
«1011» - كتب ملك الروم إلى الرشيد: إني متوجّه إليك بكلّ صليب في مملكتي وكل بطل في جندي، فوقع الرشيد في كتابه: وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار [1] .
1012- قال أبو حنيفة: قال لي حماد بن أبي سليمان: إذا سئلت عن معضلة فاقلبها سؤالا على سائلك حتى تتخلّص من مسألته، قال: فدسّ إليّ رجل على الباب وأنا عند ابن هبيرة قد أمر بي إلى السجن، فتبعني الرجل إلى السجن فقال لي: يا أبا حنيفة يحلّ للرجل إذا أمره السلطان الأعظم بقتل رجل أن يقتله؟
قال، قلت: وكان الرجل ممن يستحقّ القتل عليه؟ قال: نعم، قلت: فليقتله، قال: فإن لم يكن ممن وجب عليه القتل؟ قلت: إن السلطان الأعظم لا يأمر بقتل من لا يستحقّ عليه القتل.
__________
[1] اشارة الى الآية: 42 من سورة الرعد (وسيعلم الكفار ... ) .
(7/229)

1013- قال موسى بن عبد الله بن الحسن لامرأته أمّ سلمة وكانت من ولد أبي بكر الصديق: [من الطويل]
إني زعيم أن أجيء بضرّة ... فراسية فرّاسة للضرائر
فقال الربيع بن سليمان مولى الحسينيين: [من الطويل]
أبنت أبي بكر تريد بضرّة ... لعمري لقد حاولت إحدى الكبائر
1014- أعتق عمر بن عتبة غلاما كبيرا، فقال له عبد صغير:
اذكرني يا مولاي ذكرك الله بخير، فقال: إنك لم تخرف؟ فقال: إن النخلة تجتنى زهوا قبل أن تصير معوا، فقال: قاتلك الله لقد استعتقت فأحسنت، وقد وهبتك لواهبك، كنت أمس لي واليوم مني.
المعو: الجنيّ الرّطب، وجاء عن العرب عشر كلمات عينها عين ولامها واو- البعو: الجناية، الجعو: الطين، الدّعو: مصدر دعا يدعو، السّعو:
الشمع، والسّعو أيضا الرجل الضعيف، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور، القعو: من البكرة، اللّعو: الحريص والذئب في بعض اللغات، والمعو: وقد ذكر، النّعو: الشقّ في مشفر البعير.
(7/230)

نوادر من هذا الباب
«1015» - قال نصر بن سيّار بخراسان لأعرابي: هل اتخمت قطّ؟ قال:
أما من طعامك وطعام أبيك فلا. فيقال إن نصرا حمّ من هذا الجواب أياما، وقال: ليتني خرست ولم أفه بسؤال هذا الشيطان.
«1016» - بعث معن بن زائدة إلى ابن عياش المنتوف ألف دينار، وكتب إليه: قد بعثت إليك بألف دينار واشتريت بها دينك.
فكتب إليه: وصل ما أنفذت وقد بعتك ديني ما خلا التوحيد لعلمي بقلّة رغبتك فيه.
«1017» - دخل أشعري على الرشيد فسأله، فقال: احتكم، فقال: أشعري يحكّم بعد أبي موسى؟ فضحك وأعطاه.
«1018» - اعترض عمرو بن الليث فارسا من جيشه، وكانت دابته في غاية الهزال، فقال له: يا هذا، تأخذ مالي فتنفقه على امرأتك وتسمّنها وتهزل دابّتك التي تحارب عليها وبها تأخذ الرزق؟ امض لشأنك فليس لك عندي شيء.
فقال الجندي: أيها الأمير لو استعرضت امرأتي لاستسمنت دابّتي. فضحك عمرو وأمر بإعطائه رزقه.
(7/231)

«1019» - قال زياد لرجل: يا ابن الزانية، فقال: أتسبني بشيء شرفت به.
«1020» - لما قال ابن هرمة: [من المتقارب]
ومهما ألام على حبّهم ... فإني أحبّ بني فاطمة
بني بنت من جاء بالمحكما ... ت والدين والسنّة القائمة
لقيه رجل فسأله: من قائلها؟ فقال: من عضّ بظر أمّه، فقال له ابنه: ألست قائلها؟ قال: بلى، قال: فلم شتمت نفسك؟ قال: أليس [أن] يعضّ المرء بظر أمّه خير من أن يأخذه ابن قحطبة.
«1021» - ومر ابن هرمة على جيرانه وهو ميّت سكرا حتى دخل منزله.
فلما كان من الغد، دخلوا إليه فعاتبوه على الحال التي رأوه عليها، فقال لهم: أنا في طلب مثلها منذ دهر، أما سمعتم قولي: [من الخفيف]
أسأل الله سكرة قبل موتي ... وصياح الصبيان يا سكران
فنفضوا ثيابهم وخرجوا وقالوا: لا يفلح هذا أبدا.
«1022» - شهد رجل عند أبي العاج [1]- وكان على البصرة- على رجل من المعيطيّين بشهادة، وكان الشاهد سكران، فقال المعيطي المشهود عليه: أعزّك الله، إنه لا يحسن أن يقرأ من السكر، فقال الشاهد: بلى إني لأحسن، فقال اقرأ فقال: [من الرمل المجزوء]
علق القلب الربابا ... بعد ما شابت وشابا
__________
[1] الأغاني: أبي العجاج.
(7/232)

وإنما تماجن بذلك على المعيطي ليحكي به الوليد بن عقبة وإنشاده هذا البيت وهو يصلي في محراب الكوفة. وكان أبو العاج محمّقا وظنّ أن هذا قرآن، فقال: صدق الله ورسوله. ويلكم فلم تعلمون ولا تعملون.
«1023» - لما مات جعفر بن محمد عليهما السلام، قال أبو حنيفة لشيطان الطاق: مات إمامك، قال: لكن إمامك لا يموت إلى يوم القيامة، يعني إبليس.
فقال له أبو حنيفة: ما تقول في المتعة؟ قال: حلال، قال: أفيسرّك أن تكون بناتك وأخواتك يتمتّع بهن؟ قال: شيء قد أحلّه الله إن كرهت فما حيلتي؟
قال شيطان الطاق: فما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: أفيسرّك أن تكون بناتك وأخواتك نبّاذات؟
«1024» - قال رجل من ولد سعيد بن سلم لأبي العيناء: إن ابني يبغضك، قال: يا بني إن لي أسوة بآل محمد صلّى الله عليه وسلم.
1025- قال رجل للفرزدق: ما أقبح وجهك كأنه خلق من أحراح، فقال: انظر هل ترى حر أمّك فيه.
«1026» - وقيل لأبي الأسود: كأنّ وجهك من فقاح مجتمعة، فقال للقائل: فهل فقحة أمّك فيها.
وعلى كلامه احتذى الفرزدق.
1027- قيل لبشار: ما أذهب الله ناظري أحد إلا عوّضه منهما شيئا، فما الذي عوّضك؟ قال: أن لا أرى مثلك.
(7/233)

«1028» - تزوج أعمى امرأة فقالت: لو رأيت حسني وبياضي لعجبت، فقال: اسكتي، لو كنت كما تقولين ما تركك لي البصراء.
1029- نظر ذيوجانس إلى رجل مبذّر لماله فقال له: هب لي منّا فضة، قال له: كيف صرت تسأل الناس الحبّة والفلس وتسألني منا فضة؟ قال: لأني لا أرجو إليك العودة ولا أرجوها منك إذ كان لا يبقى معك.
1030- نظر حكيم إلى معلّم رديء الكتابة فقال له: لم لا تعلّم الصّراع؟
فقال: لا أحسنه، قال: هو ذا أنت تعلم الكتابة ولا تحسنها.
«1031» - ولي موسى بن مصعب الموصل فاستعمل رجلا من أهل حرّان على كورة باهدرا، وهي أجلّ كور الموصل، فأبطأ عليه الخراج فكتب إليه:
[من المنسرح]
هل عند رسم برامة الخبر ... أم لا فأيّ الأشياء ننتظر
احمل ما عندك يا ماصّ بظر أمّه وإلّا فقد أمرت رسولي يشدّك وثاقا ويأتيني بك. فأخذ الرجل ما كان معه من الخراج ولحق بحرّان وكتب إليه في الجواب في آخر الرقعة: [من البسيط]
إن الخليط الذي تهوى قد ائتمروا ... للبين ثم أجدّوا السير فانشمروا
اجهد جهدك يا ابن الزانية. فلما قرأ موسى كتابه ضحك وقال: أحسن والله الجواب، والله لا أطلبه أبدا.
1032- قال الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو وليّ عهد، للعباس بن الوليد بن عبد الملك وقد تماضّا: اسكت يا ابن البظراء، وكانت أمّ العباس رومية، فقال له العباس: أتفخر عليّ بما قطع من بظر أمك؟
(7/234)

1033- قال الوليد لأشعب: تمنّ؟ فقال أشعب: يتمنى أمير المؤمنين ثم أتمنى؟ فقال الوليد: إنما أردت أن تغلبني، إني أتمنّى ضعفي ما تتمنى، فقال أشعب: إني أتمنى كفلين من العذاب، قال: إذن نوفّرهما عليك.
«1034» - كانت سعدة بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان تحت الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، فهوي أختها سلمى، فطلّق سعدة طمعا أن يتزوّج أختها، فلم يزوجه أبوها. وندم على طلاقه سعدة واستهام بها، فتزوجت سعدة فأيس منها. فقال الوليد لأشعب: هل لك في عشرة آلاف درهم على أن تبلغ سعدة رسالتي؟ قال: أحضرها حتى أنظر إليها، فأحضرها الوليد، فوضعها أشعب على عاتقه وقال: هات رسالتك، فقال الوليد تقول لها: [من الوافر]
أسعدة هل إليك لنا سبيل ... وهل حتى القيامة من تلاق
بلى ولعلّ دهرا أن يواتي ... بموت من خليل أو فراق
فأصبح شامتا وتقرّ عيني ... ويجمع شملنا بعد افتراق
فأتى أشعب باب سعدة فاستأذن عليها، فأخبرت بمكانه فأمرت بفرش لها ففرشت وجلست وأذنت له. فلما دخل أنشدها ما أمر به، فقالت لخدمها:
خذوا الفاسق، فقال: يا سيدتي، إنها بعشرة آلاف درهم، قالت: والله لأقتلنّك أو تبلّغه كما بلغتني، قال: وما تهبين لي؟ قالت بساطي الذي تحتي، قال: قومي عنه، فقامت فطواه، ثم قال: هاتي رسالتك- جعلت فداك- قالت، قل له:
[من الطويل]
أتبكي على لبنى [1] وأنت تركتها ... فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع
__________
[1] في حاشية ر: سعدى.
(7/235)

فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت، فقال: أوّاه! قتلتني يا ابن الزانية! ما أنا صانع؟ اختر إما أن أدلّيك منكّسا على رأسك في البئر، أو أرمي بك منكّسا من فوق القصر، أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، هذا الذي أنا صانع، فاختر الآن ما أنت صانع.
قال أشعب: ما كنت لتفعل من هذا شيئا، قال: ولم يا ابن الزانية؟ قال: ما كنت لتعذّب عينين قد نظرتا إلى سعدة، قال: صدقت؛ أوّاه! أفلتّ مني بهذا والله يا ابن الزانية! «1035» - كان بالرّقّة قاصّ يكنى أبا عقيل يكثر التحدّث عن بني إسرائيل فيظنّ به الكذب، فقال له يوما الحجاج بن خيثمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ قال: خيثمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أيّ كتاب وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص.
«1036» - وكان أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شيث بن ربعي الرياحي، عجيب الجواب. فجلس إليه رجل مرة يعرف ببردين المناقير [1] ، وكان أبوه صلب في حرابة [2] ، والحرابة عندهم سرق الإبل خاصة، فأقبل يعرّض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في است أبيه.
«1037» - ومر به نصر بن سيار الليثي وهو يميل سكرا فقال له: أفسدت شرفك، فقال أبو الهندي: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان.
__________
[1] الأغاني: يقال له برزين ناسكا.
[2] الأغاني: خرابة.
(7/236)

«1038» - وخطب إلى رجل من بني تميم فقال له: لو كنت مثل أبيك لزوّجتك، فقال له أبو الهندي: لكن لو كنت مثل أبي ما خطبت إليك.
«1039» - كانت حميدة بنت النعمان بن بشير تحت روح بن زنباع الجذاميّ، فأشرفت على قوم من جذام وفدوا على روح فزجرها روح فقالت:
إني والله لأبغض الحلال من جذام، فكيف تخافني على الحرام منهم؟
وخلف عليها بعده الفيض بن محمد عمّ يوسف، فقالت فيه: [من البسيط]
سمّيت فيضا وما شيء تفيض به ... إلا بسلحك بين الباب والدار
وتمثل الفيض يوما بهذا البيت: [من البسيط]
إن كنت ساقية قوما على كرم ... صفو المدامة فاسقيها بني قطن
ثم تحرك فضرط، فقالت: وهذه أيضا فاسقيها بني قطن.
«1040» - جلس معن بن زائدة يقسم سلاحا في جنده إذ دفع إلى رجل منهم سيفا، وكان سيف سوء، فقال معن: خذه فإنها مأمورة، فقال: هذا مما قد أمر أن لا يقطع شيئا أبدا، فأبدله له وزاد في عطائه.
«1041» - أمر بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري بتفريق بين رجل وامرأته، فقال له: يا آل أبي موسى، إنما خلقكم الله للتفريق بين المسلمين.
«1042» - وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: هل رأيت طالبيا حسن الوجه قطّ؟ قلت: نعم، رأيت ببغداد منذ ثلاثين سنة واحدا، قال: تجده كان يؤاجر وكنت تقود عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد بلغ هذا من فراغي، أدع
(7/237)

مواليّ مع كثرتهم وأقود على الغرباء؟! فقال المتوكل للفتح: أردت ان أشتفي منهم فاشتفى لهم مني.
«1043» - وقدّم إلى مائدة عليها أبو هفّان وأبو العيناء فالوذجة، فقال أبو هفان: لهذه أحرّ من مكانك في جهنم، فقال له أبو العيناء: إن كانت حارّة فبرّدها بشعرك.
1044- وقال أبو العيناء: أدخل على المتوكّل رجل قد ادعى النّبوّة، فقيل له: ما علامة نبوّتك؟ قال: أن يدفع إليّ أحدكم امرأة فإني أحبلها في الحال، فقال: يا أبا العيناء، هل لك أن تعطيه بعض الأهل؟ فقال: إنما يعطيه من كفر به. فضحك وخلّاه.
«1045» - وقال: فلج بعض المجّان فرأيته وهو يأكل سمكا ولبنا فعاتبته على ذلك فقال: آمن ما يكون الطريق إذا قطع فيه.
«1046» - ومرت جارية بقوم ومعها طبق مغطّى، فقال لها بعضهم: أيّ شيء معك على الطبق؟ قالت: فلم غطّيناه؟
«1047» - قالت امرأة مزبد لمزبّد: يا قرنان! يا مفلس! قال: إن صدقت فواحدة من الله تعالى والأخرى منك.
«1048» - رفع مزبّد مرّة إلى والي المدينة ومعه زق فارغ، فأمر بضربه فقال له: لم تضربني؟ قال: لأنّ معك آلة الخمر، قال: وأنت- أعزّك الله- معك آلة الزنا.
(7/238)

«1049» - قال الرشيد لبهلول: من أحبّ الناس إليك؟ قال من أشبع بطني، قال: فأنا أشبعك فهل تحبني؟ قال الحبّ بالنّسيئة لا يكون.
«1050» - وقال له الرشيد: أبو بكر وعمر خير أم عليّ؟ فقال: واحد بإزاء الاثنين لا يجوز، ولكن عليّ والعباس خير من أبي بكر وعمر.
1051- وشبيه بهذا ما حكي عن السّندي بن شاهك أنه أحضر رجلا ادعى عليه الرفض فقال له: ما تقول في أبي بكر؟ فأثنى عليه، قال: فعمر؟
قال: لا أحبّه فاخترط السندي سيفه وقال: لم ويلك؟ قال: لأنه جعل الشورى في ستة من المهاجرين وأخرج العباس منهم، فشام سيفه ورضي عنه.
«1052» - ضرط ابن صغير لعبد الملك بن مروان في حجره، فقال له: قم إلى الكنيف، فقال: أنا فيه. وكان عبد الملك شديد البخر.
«1053» - دخل إبراهيم الحرانيّ الحمام فرأى رجلا عظيم الذكر فقال له:
أيباع [متاع] البغل؟ قال: لا بل نحملك عليه. فلما خرج بعث إليه بصلة وكسوة وقال لرسوله، قل له: اكتم هذا الحديث فإنه كان مزاحا. فردّه وقال، قل له: لو قبلت حمالتنا لقبلنا صلتك.
«1054» - قال الفرزدق لزياد الأعجم: يا أقلف، فقال يا ابن النمّامة.
«1055» - كان لبعضهم ابن دميم فخطب إلى قوم، فقال الابن لأبيه يوما:
بلغني أن العروس عوراء، فقال الأب: يا بنيّ، بودّي أنّها عمياء حتى لا ترى سماجة وجهك.
(7/239)

«1056» - كانت رقية بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان- وأمها فاطمة بنت الحسين- عند هشام بن عبد الملك، وكان يحبّها وتبغضه، فاعتلّت، فجلس عند رأسها فقال لها: ما تشتكين؟ قالت: بغضك، فسكت عنها ساعة ثم قال لها: ما تشتهين؟ قالت: فقدك.
«1057» - وكان بالبصرة رجل طيّب يقال له حوصلة، وكان له جار يعشق ابنا له، فوجّه حوصلة بابنه هذا إلى بغداد في حاجة له ولم يعلم جاره بذلك، فجاء ليلة يطلبه فصاح بالباب: أعطونا نارا، فقال حوصلة: المقدحة ببغداذ.
«1058» - وقد حكي مثل هذا سواء عن ابن أبي عتيق وقد جاء صديق لجاريته يطلب نارا، فقال له: قدّاحتنا في البستان.
«1059» - وقال بعض العلويّة لأبي العيناء: أتبغضني ولا تصحّ صلاتك إلا بالصلاة عليّ إذا قلت: اللهم صلّ على محمد وآله؟ قال أبو العيناء: إذا قلت «الطيبين الطاهرين» خرجت منهم.
«1060» - سكر مزبّد يوما فقالت امرأته: أسأل الله أن يبغّض إليك النبيذ، قال: والفتيت إليك.
«1061» - قالت امرأة مزبّد يوما، وكانت حبلى ونظرت إلى قبح وجهه:
الويل لي إن كان الذي في بطني يشبهك، فقال لها: الويل لي إن كان الذي في بطنك لا يشبهني.
(7/240)

«1062» - سأل بعض الخلفاء بعض من لا يستحقّ الولاية فقال: ولّني يا أمير المؤمنين ارمينية، قال: يبطىء على أمير المؤمنين خبرك.
«1063» - وقال رجل لحميد الطوسي، وكان عاتيا: رأيت في النوم كأنّ القيامة قد قامت، وكأن الله تعالى قد دعاك وغفر لك وأدخلك الجنّة. فقال: إن كانت رؤياك حقّا فالجور ثمّ أكثر منه ها هنا.
«1064» - مرّ الفرزدق وهو راكب على بغلة فضرطت، فضحكت منه امرأة، فالتفت إليها وقال: ما يضحكك؟ فو الله ما حملتني أنثى قطّ إلّا ضرطت.
فقالت له المرأة: قد حملتك أمّك تسعة أشهر يا ابن الضرّاطة.
«1065» - تنبّأ رجل فادعى أنه موسى بن عمران، وبلغ خبره الخليفة فأحضره وقال: من أنت؟ قال: موسى بن عمران الكليم قال: وهذه عصاك التي صارت ثعبانا؟ قال: نعم، قال: فألقها من يدك وأمرها أن تصير ثعبانا كما فعل موسى، قال: قل أنا ربّكم الأعلى كما قال فرعون حتى أصيّرها ثعبانا كما فعل موسى.
«1066» - وتنبّأت امرأة على عهد المأمون فأوصلت إليه، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا فاطمة النبيّة، قال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمد فهو حقّ؟ قالت: نعم، قال: فإنّ محمدا قال لا نبيّ بعدي، قالت: صدق عليه السلام، فهل قال لا نبيّة بعدي؟ قال المأمون لمن حضره: أما أنا فقد انقطعت، فمن كان عنده حجّة فليأت بها، وضحك حتى غطّى وجهه.
(7/241)

«1067» - وتنبأ آخر في أيام المعتصم، فلما أحضر بين يديه قال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم، قال: إلى من بعثت؟ قال: إليك، قال: أشهد إنّك لسفيه أحمق، قال: إنما يبعث إلى كلّ قوم مثلهم، فضحك المعتصم وأمر له بشيء.
«1068» - وتنبّأ آخر في خلافة المأمون فقال له: ما أنت؟ قال: نبيّ، قال:
فما معجزتك؟ قال: سل ما شئت- وكان بين يديه قفل- فقال: خذ هذا القفل فافتحه، قال: أصلحك الله، لم أقل لك إنني حدّاد، قلت: أنا نبيّ.
فضحك المأمون واستتابه وأجازه.
1069- قال بصيلة: دخلت سقاية بالكرخ فتوضّأت، فلما خرجت تعلّق بي السّقاء وقال: هات قطعة فضرطت ضرطة وقلت: خلّ الآن سبيلي فقد نقضت وضوئي، فضحك وخلّاني.
«1070» - دخل رجل من ولد قتيبة بن مسلم الحمّام وبشار بن برد فيه فقال: يا أبا معاذ وددت لو أنّك مفتوح العين، قال: ولم ذاك؟ قال: لترى استي فتعرف أنّك قد كذبت في شعرك حيث تقول: [من الوافر]
على أستاه سادتهم كتاب ... موالي عامر وسم بنار
قال: غلطت يا ابن أخي إنما قلت: على أستاه سادتهم، ولست منهم.
«1071» - كان بعضهم يتقلّد أعمال السلطان، فجاءه أبوه يوما يسأله في أمر إنسان فاشتدّ ذلك عليه وضجر، فقال لأبيه: أحبّ وأسألك أن تقول إذا جاءك إنسان وقال: كلّم ابنك بسببي قل: ليس ذلك بابني، فقال الأب: أنا هو ذا أقول هذا منذ ثلاثين سنة وما يقبل منى.
(7/242)

«1072» - كان أبو حنيفة وشيطان الطاق يمشيان ذات يوم إذ سمعا رجلا يقول: من يدلّنا على صبيّ ضالّ؟ فقال شيطان الطاق: أما الصبي فلا أدري ولكن إن أردت أن أدلّك على شيخ ضالّ فها هو ذا، وأومأ إلى أبي حنيفة.
«1073» - وكان لشيطان الطاق ابن أحمق فقال له أبو حنيفة: أنت من ابنك هذا في بستان، قال: هذا لو كان ابنك.
«1074» - لما أخذ محمد بن سليمان صالح بن عبد القدوس ليوجّه به إلى المهدي قال له: أطلقني حتى أفكّر فيولد لك ولد ذكر، ولم يكن لمحمد بن سليمان غير بنت واحدة، قال: بل أصنع ما هو أنفع لك، أفكّر حتى تفلت من يدي.
«1075» - حمل بعض الصوفيّة طعاما إلى طحّان ليطحنه فقال: أنا مشغول، فقال: اطحنه وإلّا دعوت عليك وعلى حمارك ورحاك، قال: فأنت مجاب الدعوة؟ قال: نعم، قال: فادع الله عزّ وجلّ أن يصير حنطتك دقيقا فهو أنفع لك وأسلم لدينك.
«1076» - دخل الشّعبيّ الحمّام وفيه رجل متكشّف، فغمّض عينيه فقال له الرجل: يا شيخ متى ذهبت عينك؟ قال: منذ هتك الله سترك.
«1077» - قال رجل من أهل الحجاز لابن شبرمة: من عندنا خرج العلم، قال: ثمّ لم يعد إليكم.
(7/243)

«1078» - اعترض رجل المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من العرب، قال: ما ذاك بعجب، قال: وإني أريد الحجّ، قال: الطريق أمامك نهج، قال: وليست لي نفقة، قال: قد سقط الفرض عنك، قال: إني جئتك مستجديا لا مستفتيا. فضحك وأمر له بصلة.
«1079» - وتنظر هذه الحكاية إلى قصّة عبد الله بن فضالة الأسدي مع ابن الزبير لما قال: إني جئتك مستجديا لا مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتني إليك؛ إلّا أن المأمون ولع بالأعرابي وابن الزبير قصد المنع لمجتديه، فلم أثبت الحكاية ها هنا لهذا السبب إذ كان لا يليق بها.
«1080» - قال الأصمعي: مررت بكنّاس يكنس كنيفا بالبصرة وهو ينشد:
[من الوافر]
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقلت له: أما سداد الكنيف فأنت مليء به، وأما سداد الثغر فلا علم لي بك كيف أنت فيه- وكنت حديث السنّ وأردت العبث به- قال: فأعرض عني مليّا ثم أقبل علي وأنشد متمثلا: [من الطويل]
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتها ... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت له: والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له، فبأيّ شيء أكرمتها؟ فقال: بلى والله، إنّ من الهوان ما هو شرّ مما أنا فيه، فقلت: ما هو؟
فقال: الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس.
1081- أتى الحكم بن عبدل ابن بشر بالكوفة، فسأله فقال: أخمسمائة
(7/244)

أحبّ إليك الآن أم ألف في القابل؟ قال: ألف في القابل، فلما أتاه قال: ألف أحب إليك أم ألفان في القابل؟ قال: ألفان في القابل. فلم يزل ذلك دأبه حتى مات ابن بشر وما أعطاه شيئا.
1082- ثم إن امرأة موسرة بالكوفة كانت لها على الناس ديون بالسواد، فاستعانت بابن عبدل في دينها وقالت: إني امرأة ليس لي زوج، وجعلت تعرّض بأنّها تزوّجه نفسها. فقام ابن عبدل في دينها حتى اقتضاه؛ فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه: [من الوافر]
سيخطيك الذي أخطاك مني ... فقطّع حبل وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال
1083- قال محمد بن إبراهيم الإمام لسعيد الدارميّ: لو صلحت عليك ثيابي لكسوتك، قال: فديتك إن لم تصلح عليّ ثيابك صلحت عليّ دنانيرك.
1084- قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: عمل محمد الأمين سفينة فأعجب بها وركب فيها يريد الأنبار وأنا معه. فقال لي: يا إسحاق كيف ترى سفينتي؟ قلت حسنة يا أمير المؤمنين، عمّرها الله ببقائك. وقام يريد الخلاء، وقال: قل فيها أبياتا، فقلت: نعم، وخرج. فقمت بالأبيات إليه فاشتهاها جدا وقال لي: أحسنت يا إسحاق، وحياتي لأهبنّ لك عشرة آلاف دينار، فقلت:
متى يا أمير المؤمنين، إذا وسّع الله عليك؟ فضحك ودعا بها على المكان.
1085- وفي حكاية أخرى عنه أنه طرب على غنائه فخرق درّاعته وقال: وحياتي لأهبنّ لك عشرة آلاف درهم، فقال متى يا سيدي؟ إذا بويعت بالخلافة وكنت بين يديك أغنّي، ووفّق لي أن طربت على غنائي؟
«1086» - وقد حكي عن الحجّاج ما يقارب هذا، وخرج في مقام الجدّ
(7/245)

والسخاء، وذلك أنه حجّ فلما أراد الصّدر قال: اعذرونا يا أهل مكة فإنّا على سفر. فقام إليه رجل من قريش فقال: لا عذر الله من يعذرك، أمير المصرين وابن عظيم القريتين، فإذا عذرناك فمن نلوم؟ فقال الحجاج: عليّ بالتجار فأحضروا، فاستسلف منهم ألف ألف درهم وقسمها منهم.
1087- رأى رجل رجلا يأخذ حجارة قد أعدّها لبناء له فاستحيا منه، فقال الآخذ: لم أعلم أنها لك؟ فقال: هب أنّك لم تعلم أنها لي، ألم تعلم أنها ليست لك؟
«1088» - دخل أبو الأقرع على الوليد فقال له: أنشدني قولك في الخمر، فأنشده: [من الطويل]
كميتا إذا شجّت وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونه وهي دونه ... لوجه اخيها في الإناء قطوب
فقال له الوليد: شربتها وربّ الكعبة، فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان نعتي لها رابك لقد رابتني معرفتك بها.
1089- قدّم رجل عجوزا دلّالة إلى القاضي، فقال: أصلح الله القاضي، زوّجتني هذه امرأة فلما دخلت بها وجدتها عرجاء، فقالت: أصلح الله القاضي، زوّجته امرأة يجامعها أو زوّجته حمارة يحجّ عليها؟! «1090» - قيل لامرأة ظريفة: أبكر أنت؟ قالت: أعوذ بالله من الكساد.
«1091» - قال أبو العيناء: خطبت امرأة فاستقبحتني فكتبت إليها:
[من الطويل]
فإن تنفري من قبح وجهي فإنني ... أديب أريب لا عييّ ولا فدم
(7/246)

فأجابت: ليس لديوان الرسائل أريدك.
«1092» - خرجت حبّى المدينية في جوف الليل فلقيها إنسان فقال:
أتخرجين في هذا الوقت؟ قالت: وما أبالي؟ إن لقيني الشيطان فأنا في طاعته، وإن لقيني رجل فأنا في طلبه.
«1093» - غاب رجل عن امرأته فبلغها أنّه اشترى جارية، فاشترت غلامين، فبلغ الخبر زوجها فجاء مبادرا وقال لها: ما هذا؟ فقالت: أما علمت أن الرحى أحوج إلى بغلين من البغل إلى رحوين، بع الجارية حتى نبيع الغلامين. ففعل ذلك.
«1094» - أدخل علويّ امرأة فلما طالبها قالت له: هات شيئا؟ قال: أما ترضين أن يلج فيك بضعة منّي؟ قالت: هذا ينفق بقمّ.
«1095» - دخل ابن يونس فقيه مصر على بعض الخلفاء، فقال له: ما تقول في رجل اشترى شاة فضرطت فخرجت من استها بعرة فقأت عين رجل؟ على من الدّية؟ قال: على البائع، قال: ولم؟ قال: لأنه باع شاة في استها منجنيق ولم يبرأ من العهدة.
«1096» - كان ابن قريعة القاضي في مجلس المهلّبي، فوردت عليه رقعة فيها: ما يقول القاضي- أعزّه الله- في رجل دخل الحمّام فجلس في الأبزن لعلّة كانت به، فخرجت منه ريح وتحول الماء زيتا، فتخاصم الحمّاميّ والضارط، وادعى كلّ واحد منهما أنّه يستحقّ جميع الزيت بحقّه فيه؟ فكتب القاضي في
(7/247)

الجواب: قرأت هذه الفتيا الظريفة في هذه القصّة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبثا باطلا وكذبا ماحلا، وإن كان ذلك كذلك فهو من أعاجيب الزمان وبدائع الحدثان. والجواب- وبالله التوفيق- أنّ للصاقع نصف الزيب بحقّ وجعائه، وللحمّاميّ نصف الزيت بحقّ مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله وقبح فصله، حتى يستعمله في مسرجته، ولا يدخله في أغذيته.
«1097» - وجد شيخ مع زنجية في ليلة الجمعة في مسجد وقد نوّمها على الجنازة، فقيل له: قبّحك الله يا شيخ، قال: اذا كنت أشتهي وأنا شيخ فما ينفعني شبابكم؟ قالوا: فزنجية؟ قال: فمن يزوّجني منكم بعربية؟ قالوا: ففي المسجد؟ قال: من يفرغ لي منكم بيته ساعة؟ قالوا: فعلى الجنازة؟ قال: من يعطيني سريره؟ قالوا: فليلة الجمعة؟ قال: إن شئتم جئتكم ليلة السبت.
فضحكوا منه وخلّوه.
«1098» - وقف أعرابي من بني فقعس على جماعة يسألهم، وهو عريان فأنشد: [من الوافر]
كساني فقعس وكسا بنيه ... عطاف المجد إن له عطافا
فقال بعضهم: لو كساك خرقة تواريك كانت أصلح لك من هذا العطاف.
«1099» - قال شاعر في الصّاحب: [من المتقارب]
وردنا لنشكر كافي الكفاة ... ونسأله الكفّ عن برّنا
فقال له بعضهم: فقد كفيت فليس يعطي أحدا شيئا.
«1100» - غضب سعيد بن وهب يوما على غلام له فأمر به فبطح وكشف
(7/248)

عنه الثوب ليضربه، وقال له: يا ابن الفاعلة، إنما غرّتك استك هذه حتى اجترأت عليّ هذه الجرأة، وسأريك هوانها عليّ. فقال الغلام: طالما غرتك هذه الاست حتى اجترأت على الله تعالى، وسوف ترى هوانك عليه. قال سعيد:
فورد عليّ من جوابه ما حيّرني وسقط السّوط من يدي.
«1101» - ركب أعرابيّ بحيرة، فقيل له: إنها حرام لا يحلّ ركوبها، فقال: يركب الحرام من لا حلال له.
«1102» - وسأل أعرابيّ عبد الملك فقال: سل الله تعالى، فقال الأعرابي:
قد سألته فأحالني عليك. فضحك وأعطاه.
«1103» - ودخل أعرابيّ المخرج فخرج منه صوت، فجعل فتيان حضور يضحكون منه، فقال: يا فتيان، هل سمعتم شيئا في غير موضعه؟
«1104» - وقال بعض المجان: حضرنا مجلسا فيه قينة، فتحرّكت فضرطت وتشوّرت وقطعت الزير، فتغافلوا عنها، ثم قالت لبعضهم: ما تحبّ أن أغنيك؟ قال [من المنسرح] :
يا ريح ما تصنعين بالدمن ... كم لك من محو منظر حسن
قال: فكان خجلها في اقترحه أشدّ من خجلها من ضرطها.
«1105» - وقال ابن أبي البغل لرجل: ولد لي مولود فما أسمّيه؟ قال: لا تخرج من الاصطبل وسمّه ما شئت.
«1106» - قال برصوما الزّامر لأبيه: لم تجد اسما تسميني به أحسن من
(7/249)

هذا؟ قال: لو علمت أنّك تجالس الخلفاء لسميّتك يزيد بن مزيد.
«1107» - لما قال إبراهيم بن هرمة: [من المنسرح]
لا أمتع العود بالفصال ولا ... ابتاع إلا قريبة الأجل
قال مزيد: صدق ابن الخبيثة فإنه لا يشتري إلا شاة الأضحى التي يذبحها من ساعته.
«1108» - لما قال أرطأة بن سهيّة، وهي أمّه، للربيع بن قعنب:
[من البسيط]
لقد رأيتك عريانا ومؤتزرا ... فما علمت أأنثى أنت أم ذكر
قال له: لكن سهيّة قد علمت، فغلبه.
«1109» - قال محمد بن الحارث بن بسخنّر: كان علويه بعيد الخجل صفيق الوجه لا يكاد يخجله شيء. فاجتمعنا يوما عند المعتصم ومعنا إبراهيم بن المهدي، فلما خرجنا قال إبراهيم لعلويه: هل أحدثت شيئا من الغناء؟ قال:
صنعت: [من الطويل]
إذا كان لي شيئان يا أمّ مالك ... فإن لجاري منهما ما تخيّرا
وفي واحد إن لم يكن غير واحد ... أراه له أهلا وإن كنت معسرا
قال إبراهيم: وإن كانت امرأتك؟ فانقطع علوية انقطاعا قبيحا، وخجل حتى لم ينتفع بنفسه ذلك اليوم.
ومما وضع على لسان البهائم أيضا:
(7/250)

«1110» - وقع في شرك صيّاد ثعلبان، فقال أحدهما لصاحبه: يا أخي أين ترى نلتقي؟ قال: في الفرّائين بعد ثلاثة أيام.
«1111» - دخل كلب مسجدا خرابا فبال في المحراب، وفي المسجد قرد نائم، فقال للكلب: أما تخاف تبول في المحراب؟ فقال الكلب: ما أحسن ما خلقك حتى تتعصّب له.
«1112» - وقالوا: إن جديا وقف على سطح يشتم ذئبا في الأرض، فقال له الذئب: لست الذي تشتمني ولكن مكانك الذي يفعل ذلك.
«1113» - عدا كلب خلف ظبي فقال له الظبي: إنك لا تلحقني، قال:
لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك.
«1114» - هاج بأبي علقمة الدّم فأتوه بحجّام يحجمه، فقال له: اشدد قصب الملازم وأرهف ظبة المشارط، وأسرع الوضع، وعجّل النّزع، وليكن شرطك وخزا، ومصّك نهزا، ولا تكرهنّ أبيّا، ولا تردّنّ آتيا. فوضع الحجّام محاجمه في جونته وقال: اسقوا هذا شربة فإنه إلى الدواء أحوج منه إلى الحجامة.
«1115» - استأجر رجل حمّالا ليحمل معه قفصا فيه قوارير على أن يعلّمه ثلاث خصال ينتفع بها. فلما بلغ ثلث الطريق قال: هات الخصلة الأولى، قال: من قال لك إنّ الجوع خير من الشّبع فلا تصدّقه، قال: نعم.
فلما بلغ نصف الطريق قال: هات الثانية، قال: من قال لك إن المشي خير من الركوب فلا تصدّقه، قال: نعم. فلما بلغ إلى باب الدار قال: هات الثالثة،
(7/251)

قال: من قال لك إنه وجد حمالا أرخص منك فلا تصدّقه. فرمى الحمال بالقفص وقال له: من قال لك إنه بقي في القفص قارورة واحدة فلا تصدّقه.
1116- جاء رجل إلى السيد الحميري فقال: بلغني أنك تقول بالرجعة، قال: صدق الذي أخبرك وهذا ديني، قال: أفتعطيني دينارا بمائة دينار إلى الرجعة؟ قال السيّد: نعم وأكثر من ذلك إن وثقت لي بمن يضمن لي أنّك ترجع إنسانا. قال: وأي شيء أرجع؟ قال: أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا أو حمارا وتذهب بمالي، فأفحمه.
1117- وقف مطيع بن إياس على رجل يعرف بأبي عمير من أصحاب المعلّى الخادم، فجعل يعبث به ويمازحه إلى أن قال له: [من الوافر]
ألا أبلغ لديك أبا العمير ... أراني الله في استك نصف أير
فقال له أبو العمر: يا أبا سلمى، لو جدت بالأير كلّه لأحد لجدت لي به لما بيننا من المصادقة، ولكنك لحبّك له لا تريده كلّه إلا لك. فأفحمه ولم يعاود العبث به. وكان مطيع يرمى بالأبنة.
«1118» - ألقى أبو دلف العجلي على فضل الشاعرة المتوكلية يوما:
[من الكامل]
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... اشهى المطيّ إليّ ما لم يركب
كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبّة لؤلؤ لم تثقب
فقالت فضل مجيبة له: [من الكامل]
إنّ المطيّة لا يلذّ ركوبها ... ما لم تذلّل بالزّمام وتركب
والحبّ ليس بنافع أربابه ... ما لم يؤلّف للنّظام ويثقب
(7/252)

1119- وقف الفرزدق بالبصرة على رجل يكري النساء الحمير يعرف بباب المكاري، فقال له: أنت باب؟ قال: نعم، فقال: [من الطويل]
كم من حر يا باب ضخم حملته ... على الرّحل فوق الأخدريّ المكرّم
فقال: الساعة والله- جعلني الله فداك- نزلت النّوار- استودعها الله- عن ذلك الحمار، وأشار بيده إلى بعض الحمير، فقال له ابنه: ما كان أغناك عن هذا العبث.
1120- تكلم البصريّ مع بعض المتكلمين في مجلس المرتضى فقال البصريّ: إن العقل غير العلم، وقال الآخر: العقل هو العلم. فدلّ البصريّ وأوضح حجّته والخصم يردّه بجحود وبهت لا دليل وراءه؛ فلما أعياه وضحك الحاضرون من فهمه، قال البصري: قد أتيت بالبرهان لست تقبله، وقد بقي عندي دليل واضح أذكره ولا تردّه، قال: ما هو؟ قال: أنت، فإنّك غاية في العلم والفضل، وليس لك عقل كلب. فاستشاط الآخر وسبّه وسفه عليه، وقال: يا زوج كذا، فقال البصريّ وأشار إلى الحاضرين: سيدنا يدلّ.
1121- قال الأصمعي: ولي أعرابيّ على تيماء، وكان هناك قوم من بني ضبة، وكان فيهم امرأة ماجنة. فمرّ بها الوالي ذات يوم وهو وحده وليس معه أحد من أعوانه، فقالت: أيها الرجل إني أحبّ الشّعر وسماعه، فهل تروي لجميل شيئا؟ قال: نعم، وأراد أن يجمّشها، فقال: أروي قوله [1] :
[من الطويل]
هممت بأمر يا بثينة لو مضى ... لشدّ بواقي حبّها من فؤاديا
لأجعل فخذا من بثينة كالنقا ... يمينا وأخرى مثلها عن شماليا
وأراد أن تنقمع وتحتشم بسماع هذا وتنصرف عنه. فقالت: ما أحسن ما فوّق
__________
[1] لم يرد البيتان في ديوانه المجموع.
(7/253)

لو أصاب القرطاس، فقال: قبّحك الله ما أمجنك، وانصرف مستحييا.
«1122» - قال شريك الحارثيّ لجارية سوداء: لمن أنت يا سوداء؟ - وكان أصلع- قالت: أنا لفلان يا أصلع، فغضب وقال: كأنّك لست سوداء، فلم غضبت؟ فقالت له: الحقّ أغضبك، لا تسبّ حتى لا تسبّ.
1123- جلس بعض الأعراب يبول وسط الطريق بالبصرة فقيل له: يا أعرابي أتبول في طريق المسلمين؟ قال: وأنا من المسلمين، بلت في حقّي من الطريق.
1124- كان في يحيى بن أكثم حسد شديد، وكان مفنّنا في العلوم، إذا ناظر رجلا فرآه عالما بالفقه أخرجه إلى الحديث، وإن وجده عالما بالفقه والحديث أخرجه إلى العربيّة، فقدم من أهل خراسان رجل له افتنان في العلوم فناظره، فجعل يحيى لا يخرجه إلى فنّ إلّا قام به. فناظره في الحديث وقال له: ما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليا عليه السلام رجم لوطيّا. فسكت يحيى ولم يناظره بعد ذلك بحرف.
1125- أخرج نصر بن سيار محمد بن قطن الأسدي إلى قتال الكرماني كارها، فأصابه سهم غرب فقتله، ورمي ذلك اليوم برذون الكرماني فنفق، فصاح أصحاب نصر: يا أصحاب الكرماني، ما فعل البرذون؟ فصاحوا بهم:
ركبه محمد بن قطن إلى النار.
«1126» - قال رجل لبعض الأعراب: لا أحسبك تحسن الخراءة قال: بلى وأبيك، إني بها لحاذق، أبعد الأثر، وأعدّ المدر، وأستقبل الشّيح، وأستدبر الريح، وأقعي إقعاء الظبي، وأجفل إجفال النعام.
(7/254)

«1127» - قال أبو زيد الأنصاري: دعا ابن أبي بردة أبا علقمة، وهو معتوه بصريّ، فلما دخل عليه قال: تدري لم أرسلت إليك؟ قال: لا، قال:
لأسخر منك. فقال أبو علقمة: لئن فعلت ذاك لقد سخر أحد الحكمين من صاحبه. فلعنه ابن أبي بردة وأمر بحبسه. فبقي أياما ثم أخرجه يوم السبت، فلما وقف بين يديه قال له: أبو علقمة ما هذا الذي في كمك؟ قال: طرف من طرف السجن، قال: أفلا تهب لنا منه، قال: هذا يوم لا نأخذ فيه ولا نعطي، قال ابن أبي بردة: ما أبردك وأثقلك يا أبا علقمة، قال: أبرد مني وأثقل من كانت جدّته يهودية من أهل السواد.
1128- قال أبو زيد النحوي: مرّ رجل من قيس ومعه ابن له يريد الجمعة، وأبو علقمة المعتوه هذا على باب المسجد جالس. فقال الغلام لأبيه: أكلّم أبا علقمة؟ قال: لا، فأعاد عليه الكلام ثلاثا، فقال له أبوه: أنت أعلم. فقال له الغلام: يا أبا علقمة، ما بال لحى قيس خفيفة قليلة المؤونة ولحى اليمن كبيرة عريضة شديدة المؤونة؟ قال: من قول الله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
(الأعراف: 58) ، مثل لحية أبيك، قال:
فجذب القيسيّ يده من يد ابنه ودخل في غمار الناس حياء وخجلا.
«1129» - قيل كان في همذان مجنون يجتمع عليه الناس، فإذا اجتمعوا عليه قال لهم: هل ترون ما أنتم فيه من حيرتكم وغفلتكم شيئا؟ ما هو إلا محنة العبودية ووطأة الشريعة في الدنيا، والحبس والسؤال والعذاب في الآخرة، وإنما الراحة ما أنا فيه: لا حرج في الدنيا ولا حساب في الآخرة.
«1130» - مرّ حوشب بمجنون من بني أسد وهو راكب قصبة والصبيان
(7/255)

معه. فقال حوشب: قبّحك الله! تصنع هذا وأنت امرؤ من العرب؟ فأنشأ المجنون يقول: [من الكامل]
نجّى وليدته وأسلم شيخه ... بئس الفتى عند الحفيظة حوشب
واتبعه الصبيان يصيحون به: بئس الفتى عند الحفيظة حوشب، وهو يركض هاربا.
1131- وقيل بينا أحمد بن طولون في فيئته إذ سمع صائحا يصيح: يا أحمد بن طولون، يا أخا ثمود، يا أحمد بن طولون، يا أخا فرعون! فقال:
عليّ بهذا الصائح، فمضوا وعادوا وقالوا: هو أبو نصر المجنون- لمجنون كان بمصر- فجيء به فقال: ما لك يا أبا نصر؟ قال جائع. قال: فأمر بطعام فجيء به وشواء وحلواء، فأكل الطعام والحلواء وشرب ثم نام بحضرة ابن طولون فما أيقظه بحرف، ولم يزل ساكتا حتى انتبه. فقال له: متى نراك يا أبا نصر؟ قال: حتى أجوع.
«1132» - قال عبد الله بن خزيمة لبعض أصحابه، وكان صاحب شرطته، ذات يوم: أين تذهب يا هامان؟ قال: أبني لك صرحا.
«1133» - قال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يتفرقع، قال: لا تخف إنما هو تسبيح، فقال: أخاف أن تدركه رقّة فيسجد.
«1134» - سمع إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يحيى بن أكثم يغضّ من جدّه، فقال: ما هذا جزاؤه منك، قال: حين فعل ماذا؟ قال: حين أباح النبيذ ودرأ الحدّ عن اللوطي.
1135- قال رجل لحسين بن منصور الحلاج: إن كنت فيما تدّعيه صادقا
(7/256)

فامسخني قردا، فقال لو هممت بذاك لكان نصف العمل مفروغا منه.
1136- سأل رجل رجلا: ما اسمك؟ قال: بحر، قال: أبو من؟ قال:
أبو الفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق.
1137- وأسرت مزينة حسّان بن ثابت في الجاهلية فأراد أهله أن يفادوه، فقالت مزينة: لا نفاديه إلا بتيس أجمّ، فقالوا: والله لا نرضى أن يفتدى شاعرنا ولساننا بتيس، فقال حسان ويحكم أتغبنون أنفسكم عيانا، إنّ القوم تيوس، فخذوا من القوم أخاكم وأعطوهم أخاهم.
«1138» - قال موسى بن قيس المازني قلت لأبي فراس المجنون: أنت النهار كلّه ماش أفتشتكي بدنك بالليل؟ فقال: [من المتقارب]
إذا الليل ألبسني ثوبه ... تقلّب فيه فتى موجع
فقلت: يا أحمق أسألك عن حالك وتنشدني الشعر؟ قال: أجبتك يا مجنون، قلت: أتقول لي هذا وأنا سيّد من سادات الأنصار فقال: [من الطويل]
وإن بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
ثم لطم عينه، ومرّ وهو يقول: هكذا يكون الجواب المقشّر.
تمّ الباب بحمد الله وعونه والحمد لله، اللهم صلّ على محمد النبي وآله وسلّم.
ويتلوه باب كبوات الجياد وهفوات الأمجاد والله المعين والموفق بحوله وقوّته قوبل بجميعه فصحّ وكان الفراغ منه في سابع عشر رجب من سنة تسعين وستمائة، والله يطيل بقاء مالكه ويمتّعه به آمين.
(7/257)

الباب الرّابع والثّلاثون في كبوات الجياد وهفوات الأمجاد
(7/259)

[خطبة الباب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله الحمد الله الذي تفرّد بالكمال، وتعالى عن الأشباه والأمثال، قوله الحقّ وأمره الفصل، وبيده الخير وله الفضل، خصّ البشر بالنقص وألزمهموه، ليعرفوا الخالق برتبة الكمال فيوحّدوه، ما استفزّ العجب ذا فضيلة إلا كشفته هفوته، ولا استقرّ في خياله التّمام إلا أكذب النقص مخيلته، ولا امتدّ سابق في جراء إلا والعثار غايته، ولا اشتدّ صاعد في ذروة علاء إلا والهبوط عاقبته، ولا اشتدّ ساعد في رماء إلا خان وقد أمكنت رميّته.
أحمده حمد مسلم معترف، وأسأله راغبا في قبول الإنابة من مقرّ مقترف. وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة أعوذ بها من هفوات القول والعمل، وألوذ بعصمتها من فرطات الخطأ والخطل، والصلاة على محمد نبيّه المعصوم من الزّلل والعثار، المؤيّد بالسّكينة والوقار، المختصّ بالاحتباء والاختيار، وعلى آله وأصحابه الأتقياء الأبرار.
(7/261)

[مقدمة الباب]
(الباب الرابع والثلاثون في كبوات الجياد وهفوات الأمجاد) ويتصل به سرقات فحول الشعراء وسقطاتهم.
1139- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
(آل عمران: 155) . فهذه كانت هفوة من المسلمين وفيهم سادات الصّحابة وأعيان الشّجعان في يوم حنين غفرها الله وعفا عنها. وكان بعض القوم قال في ذلك اليوم: لن نؤتى اليوم من قلّة، وهم في اثني عشر ألفا، فأنزل الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
(التوبة: 25) .
1140- ويليق بهذا الباب قصص الأنبياء عليهم السلام التي نسب إليهم فيها الخطأ: كخطيئة أبينا آدم عليه السّلام، وكقضيّة داود في الحكم، وقضيّة سليمان في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ
(ص: 34) فغفرنا له ذلك [1] ؛ وقد نسبوا إلى الخليل ابراهيم عليه السّلام نحو ذلك، حيث رأى الكوكب ثم القمر ثم الشمس؛ وقصة يوسف عليه السّلام حيث همّت به وهمّ بها.
__________
[1] فغفرنا له ذلك: هذا من آية أخرى في قصة داود.
(7/262)

ولكني ألغيت شرح هذه الأخبار التي أوردها أصحاب السّير تنزيها لهم، وإكبارا عن تمثيلهم ممن أدركه الزلل فهفا، وعثر في سنن هديه فكبا؛ وعلى أن الناس مختلفون فيما يجوز عليهم من الخطأ، وفيهم من لم يجوز [1] عليه وقوع الخطيئة، لا كبيرها ولا صغيرها، قبل النبوّة وبعدها. فأما الذين جوّزوا وقوع الخطأ منهم واختلفوا، فجوز [2] أصحاب الحديث ومن تابعهم وقوع الكبائر منهم قبل النّبوّة؛ وأفرط قوم منهم فجوّزوها في حال النّبوّة، سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة؛ ومنهم من جوّز ذلك في حال النّبوّة بشرط الإسرار [3] دون الإعلان؛ وفيهم من جوّزه على الأحوال كلّها، ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفّة من الأنبياء عليهم السلام قبل النّبوّة وفي حالها، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يستخفّ من الصغائر، ثم اختلفوا: فمنهم من جوّز على النبيّ الإقدام على المعصية الصغيرة لا على سبيل العمد، ومنهم من منع ذلك وقال: إنهم لا يقدمون على ما يعملونه معصية على سبيل التأويل.
وحكي عن النّظّام وجعفر بن مبشّر أنهما قالا مع جماعة اتبعتهما إنّ ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السّهو والغفلة، وأنّهم مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعا عن أممهم لقوّة معرفتهم وعلوّ مرتبتهم، وحجج هذه المقالات وتسمية قائليها والذاهبين إليها، تحتاج إلى بيان وشرح لا يليق بهذا الكتاب.
وحصل من هذا إجماع أكثر الناس أن أحدا لا يخلو من هفوة وزلّة، والله بكرمه وليّ العفو عنها والمسامحة بها، فلا يعاب ذو فضيلة بوقوعها منه.
1141- كان لرسول الله صلّى الله عليه وسلم ناقة تسبق ما يجاريها. فجاء أعرابيّ بناقة له فسبقها، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: حقيق على الله تعالى أن لا يرفع شيئا إلا وضعه.
__________
[1] م: لم يجز.
[2] م: فاختلفوا فجوز.
[3] رم: الاستسرار، وفي حاشية ر ما أثبتناه.
(7/263)

«1142» - وقال الأحنف: الشريف من عدّت سقطاته. قال النابغة:
«أيّ الرّجال المهذّب» . وقالوا: كلّ صارم ينبو، وكلّ جواد يكبو. ومنه قول الآخر: [من الطويل]
«هو السيف إلا أنّ للسيف نبوة»
1143- وكان الأحنف حليما سيّدا، يضرب به المثل، وقد عدّت له سقطات. فمن ذلك أنه نظر إلى خيل لبني مازن وقال: هذه خيل ما أدركت بالثار ولا نقضت الأوتار؛ فقال له سعيد بن العلقم المازني: أمّا يوم قتلت أباك فقد أدركت بثأرها. فقال الأحنف: لشيء ما قيل: دع الكلام حذر الجواب.
وكانت بنو مازن قتلت أبا الأحنف في الجاهلية.
«1144» - ومن سقطاته أنّ عمرو بن الأهتم دسّ إليه رجلا يسفّهه، فقال:
يا أبا بحر من كان أبوك في قومه؟ قال: كان من أوسطهم لم يسدهم ولم يتخلّف عنهم، فرجع إليه ثانية ففطن أنه من قبل عمرو، فقال: ما كان مال أبيك؟ قال:
كانت له صرمة [1] يمنح منها ويقري ولم يكن أهتم سلّاحا.
«1145» - ولما خرج الأحنف مع مصعب أرسل إليه بمائة [2] ألف درهم، ولم يرسل إلى زبراء جاريته بشيء، فجاءت حتى تقدّمت بين يدي الأحنف ثم أرسلت عينيها، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما لي لا أبكي عليك إذا [3] لم تبك
__________
[1] الصرمة: القطيع من الإبل.
[2] نثر: بثلاثين.
[3] م: إذ.
(7/264)

على نفسك؟ أبعد نهاوند ومرو الرّوذ تجمع [1] بين غارين [2] من المسلمين؟ فقال:
نصحتني والله في ديني إذ لم أنتبه لذلك، ثم أمر بفساطيطه فقوّضت، فبلغ مصعبا ذلك فقال: ويحكم! من دهاني في الأحنف؟ فقالوا: زبراء، فبعث إليها بثلاثين ألف درهم، فجاءت حتى أرخت عينيها بين يديه فقال: ما لك يا زبراء؟ قالت: جئت بإخوانك من أهل البصرة تزفّهم كما تزفّ العروس حتى إذا صيّرتهم في نحور أعدائهم أردت أن تفتّ في أعضادهم، قال: صدقت والله، يا غلام دع الفساطيط، فاضطرب العسكر بمجيء زبراء مرّتين فذهبت مثلا.
1146- وأنا أجتنب ذكر ما جاء في هفوات الصالحين والصّدر الأوّل إجلالا لهم عن سوء الظّنّ إلا أن يجيء ما ليس بخطأ على الحقيقة، وإنما اعترفوا به تواضعا، كما جاء عن عمر رضي الله عنه، قال: لا يبلغني أن أحدا تجاوز بصداقه صداق النبيّ صلّى الله عليه وسلم إلا ارتجعته منها. فقامت امرأة فقالت: ما جعل الله تعالى ذلك لك، يا ابن الخطاب، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
(النساء: 20) ، فقال عمر: ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت؟ ناضلت إمامكم فنضلته، وعمر رضي الله عنه إنما قال ذلك زجرا ليقتدوا بسنّة الرّسول صلّى الله عليه وسلم في صدقات النساء ولم يوجبه عليهم، والآية التي احتجت بها المرأة ليست في الصّداق [3] .
__________
[1] م: جمع.
[2] الغار: الجماعة أو الجيش الكثير.
[3] حاشية ر: قال عمر رضي الله عنه ذلك تواضعا، إن صحت هذه الحكاية عنه، وليس المراد من الآية الصداق وإنما المراد الهبة. وهناك حاشية أخرى طويلة بغير خط الناسخ وفيها رد على ما قاله المؤلف بالمقصود من الآية.
(7/265)

«1147» - روى قتادة أنّ الحسن سئل عن قوله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
(مريم: 24) ، فقال: إن كان لسريا وإن كان لكريما، فقال:
من هو؟ قال: المسيح، فقال له حميد بن عبد الرحمن: أعد نظرا إنما السّريّ الجدول فتمعّر لونه، وقال: يا حميد، غلبنا عليك الأمراء [1] .
«1148» - وكان أبو حنيفة يلحن، فسمعه أبو عمرو بن العلاء يتكلّم في الفقه ويلحن، فاستحسن كلامه واستقبح لحنه، فقال: إنه لخطاب لو ساعده صواب، ثم قال لأبي حنيفة: إنك أحوج إلى إصلاح لسانك من جميع الناس.
«1149» - وسأله رجل يوما فقال: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله أتقيده به؟ فقال: لا ولو ضربه بأبا قبيس.
وقد احتجّ قوم لأبي حنيفة وزعموا أنه لم يلحن، وقالوا: اسم الجبل كذا وليس بكنية؛ وروي أنّ عطاء كذا كان يقول، وكذاك ابن عباس، ولا يشكّ في فصاحته، ويحتجون بلغة بلحارث بن كعب، وأنهم يسوّون في التثنية بين النصب والجرّ؛ وينشدون بيت المتلمس: [من الطويل]
فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لناباه الشجاع لصمّما
ويقولون: رأيت أباه ومررت بأباه وينشدون: [من الرجز]
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
والأحسن في هذا أن يكون قولهم: أبا قبيس اسما للجبل ليس بكنية، فلا يغيّر بتغيير العوامل فيه، ويصير كالاسم الواحد.
__________
[1] نثر: الإماء.
(7/266)

«1150» - وكان بشر المريسي يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها، فسمع قاسم التمّار قوما يضحكون من ذلك فقال: هذا كما قال الشاعر: [من المنسرح]
إنّ سليمى والله يكلوّها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
فكان احتجاجه لبشر أعجب من لحنه، وهما متقدمان في أصحاب الكلام.
1151- قال سعيد بن المسيب: ما فاتني الأذان في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم منذ أربعين سنة، ثم قام يريد الصلاة فوجد الناس يخرجون من المسجد.
1152- وقال قتادة: ما نسيت شيئا قطّ، ثم قال: يا غلام ناولني نعلي، قال: النعل في رجلك.
1153- كان عامر بن عبد الله بن الزبير في غاية الفضل والدّين، وكان لا يعرف الشرّ، فأتي بعطائه إلى المسجد فأخذه، وقام إلى منزله ونسيه ثم ذكره في بيته، فقال لخادمه: ادخل المسجد فائتني بعطائي، قال: وأين تجده بعد؟ قال:
سبحان الله ويأخذ أحد ما ليس له؟! «1154» - قال الحسن بن زياد: مرّ ابن أبي ليلى بجبّانة الكوفة على امرأة مجنونة يقال لها أمّ عمران تعرّض لها رجل فشتمته، فأمر ابن أبي ليلى بإدخالها إلى المسجد وبأن تضرب الحدّ، فشتمت آخر بأقبح من شتيمة الأوّل، فأمر أن تضرب الحدّين. قال فبلغ أبا حنيفة ذلك، قال الحسن: وكنت حاضرا مجلس أبي حنيفة، فبعث بأربعة أنفس واحدا بعد واحد حتى تقصّوا الخبر وعادوا إليه، فوقف على صحته، فقال: إن للعلماء زلّات، ولكن يجب أن تخفى وأن يقال لهم في السّرّ: فإن كان الأمر كما قلتم فانظروا من يثق به من
(7/267)

أصدقائه يلقاه في سرّ، ويخبره أن الذي قد عمل قد وهم فيه. أما أولها فإن المجنون لا يجب عليه الحدّ، وأنه حكم بغير خصم حاضر ادّعى ذلك، وذلك أن الرجل الذي شتمته مضى ولم يقف؛ وأنه أقام حدا في المسجد، والحدود لا تقام في المساجد؛ وجمع عليها حدّين في مقام واحد، ولا يجوز أن يجمع على مسلم حدّان [1] في موضع حتى يبرأ الأوّل ويقام عليه الثاني. وأما حدّه إياها وهي قائمة، فليس بين المسلمين خلاف أنّ المرأة لا تضرب قائمة، ولكن تضرب جالسة، والمرأة إذا احتاج الحاكم أن يحدّها، أحضر وليّها حتى يتولّى من سترها ما لعلّه أن ينكشف منها؛ وأما انكشاف شعرها حين ضربت فلم يأمر أحدا أن يغطّيه، وقد كان يجب أن يأمر امرأة تغطيه.
«1155» - قال الشعبي: أخطأت عند عبد الملك بن مروان في أربع، حدثني بحديث فقلت: أعده عليّ، فقال: أما علمت أنّ أمير المؤمنين لا يستعاد؛ وقلت حين أذن لي: أنا الشعبيّ يا أمير المؤمنين؟ فقال: ما أدخلناك حتى عرفناك؛ وكنيت عنده رجلا فقال: أما علمت أنه لا يكنّى أحد عند أمير المؤمنين؛ وسألته أن يكتبني حديثا، فقال: إنّا نكتب ولا نكتب.
وليس ما ذكره الشعبيّ عن نفسه ونسبها فيه إلى الخطأ بخطأ، وإنما تخلّق عبد الملك بأخلاق الجبابرة، وخالف أخلاق الحنيفيّة السهلة، فكان غلط الشعبيّ مضافا إليها.
1156- وأنا أكره ذكر ما أخذ على الفقهاء ونسبوا فيه إلى الغلط، بل لكل منهم [2] فضيلة الاجتهاد، وزلّة الرأي- ما لم يتعمّد- مغفورة. وترك ما وهموا
__________
[1] م: ولا يجتمع حدان.
[2] م: بل كل منهم له.
(7/268)

فيه وتجنّبه، مع الاعتراف لهم، جامع للاحتياط وحسن الظنّ بهم.
قال المعتمر بن سليمان: إيّاك والاقتداء بزلّات أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فتقول: فلان شرب النبيذ، وفلان سمع الغناء، وفلان لعب بالشطرنج، فيجيء منك فاسق تام.
1157- كان هشام بن عبد الملك من رجال بني أميّة ودهاتهم، وكان المنصور يعدّه أفضل من معاوية ومن عبد الملك أبيه، وعدّت له سقطات، منها أن الحادي حدا به فقال: [من الرجز]
إن عليك أيها البختيّ ... أكرم من يمشي به المطيّ
فقال هشام: صدق. والأخرى ذكر عنده سليمان فقال: والله لأشكونّه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك. والأخرى [1] أنه لما ولي الخلافة خطب فقال:
الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام.
«1158» - كان الحجاج فصيحا محبّا للبلاغة، متحفّظا في خطبه، حتى انه غيّر القرآن خوف اللّحن، حيث بدر لسانه إلى فتح الهمزة في إنّ، فقرأ أنّ ربّهم يومئذ، ثم علم أن اللام لا تكون إلا في جواب إنّ المكسورة فقال: خبير، ومع هذا قرأ: إنّا من المجرمون منتقمين.
«1159» - قدم العريان بن الهيثم على عبد الملك بن مروان فقيل له: تحفّظ من مسلمة فإنه يقول: لأن يلقمني رجل حجرا أحبّ إليّ من أن يسمعني لحنا، فأتاه العريان ذات يوم فسلّم عليه فقال: كم عطاءك؟ قال العريان: ألفين، فقال: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، قال: ما الذي دعاك إلى اللّحن الأوّل؟ قال: لحن الأمير
__________
[1] م: وأخرى.
(7/269)

فكرهت أن أعرب، وأعرب فأعربت. فاستحسن كلامه.
«1160» - وكان يزيد بن المهلب فصيحا لم تؤخذ عليه زلّة في لفظ، ثم أخذ عليه غلط، فإنه قال على المنبر- وذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب- فقال: وهذه الضبعة العرجاء، فاعتدّت عليه لحنا، لأن الأنثى إنما يقال لها الضّبع ويقال للذكر الضّبعان.
[نماذج من التصحيف]
«1161» - قال الزبير: عيب على ابن قيس الرقيّات قوله: [من الطويل]
تقدّت بي الشهباء نحو ابن جعفر ... سواء عليها ليلها ونهارها
فناقض بين صدر البيت وعجزه لأنه قال في الأوّل: إنّه سار سيرا غير عجل، ثم قال في عجز البيت: «سواء عليها ليلها ونهارها» ، وهذا غاية الدأب في السير.
«1162» - وقد أخطأ أيضا في قوله: [من المنسرح]
ما مرّ يوم إلّا وعندهما ... لحم رجال أو يالغان دما
هكذا الرواية، فغيّرته الرّواة إلى الصحيح وهو: أو يولغان دما.
«1163» - العنزي أحد رواة العرب المشهورين، قال: دخلت على زياد فقال: أنشدني، فقلت: من شعر من أيها الأمير؟ قال: من شعر الأعشى فأنشدته: [من الكامل]
رحلت سميّة غدوة أجمالها
فما أتممت القصيدة حتى تبيّنت الغضب في وجهه، وقال الحاجب للناس:
(7/270)

ارتفعوا، فقاموا. قال: ثم لم أعد إليه والله بعدها.
واستمع حماد لرواية هذه الحكاية قال: فكنت بعد ذلك إذا استنشدني خليفة أو أمير تنبّهت قبل أن أنشده لئلا يكون في القصيدة ذكر امرأة له أو بنت أو أمّ.
«1164» - قال ابن دريد: وجدت للجاحظ في كتاب البيان تصحيفا شنيعا، فإنه قال: حدثني محمد بن سلام قال: سمعت يونس يقول: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم؛ وإنما هو عن أبي عثمان البتّيّ.
فأمّا النبي صلّى الله عليه وسلم فلا شك عند الملّي والذّمّي انه كان أفصح الخلق.
«1165» - وفي هذا الكتاب قال الجاحظ: يستحسن من النساء اللحن، وأنشد لمالك بن أسماء بن خارجة يحتجّ لقوله: [من الخفيف]
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
قال عليّ بن المنجم: قلت له: مثلك في فضلك وعلمك يقول هذا؟ وإنّما أراد وصفها بالظرف والفطنة، وأنها تورّي عمّا قصدت له، وتتنكّب التصريح.
فاعترف بذلك وقال: إني تنبّهت له من بعد؛ قلت: فلم لا تغيّره من الكتاب؟
فقال: كيف بما سارت به الرّكبان؟
واللحن هنا: الكناية عن الشيء والتعريض بذكره، والعدول عن الإيضاح به على معنى قوله تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
(محمد: 30) . وقد تبع عبد الله بن مسلم بن قتيبة الجاحظ، فذكر في كتابه المعروف بعيون الأخبار أبيات مالك هذه، واعتذر لها من لحن ان أصيب فيه. وقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لعلّ أحدكم ألحن بحجته» ، أي أفطن وأغوص عليها.
(7/271)

«1166» - من هذا أيضا: أنشد أبو البيداء الرياحي أبا عمرو: [من الطويل]
ولو أن حيا للمنايا مقاتلا ... يكون لقاتلنا المنيّة عن معن
فتى لا يقول الموت من حرّ وقعه ... لك ابنك خذه ليس من شيمتي دعني
فقال له أبو عمرو: صحّفت، إنما هو «قتالا يقول الموت» .
«1167» - أنشد العماني الراجز الرشيد شعرا يقول منه: [من الرجز]
كأنّ أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا
وعلم الجماعة أنّه لحن ولم يهتدوا إلى إصلاحه؛ فقال الرشيد: اجعله «تخال أذنيه» .
1168- كان اسحاق بن ابراهيم الموصلي من الأدب والفضل بالمكان المشهور، وكان الأصمعي يعارضه. فأنشده اسحاق بيتين كان يعجب بهما وهما: [من الخفيف]
هل إلى نظرة إليك سبيل ... يرو منك الصدى ويشف الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير من المحبّ القليل
فقال له الأصمعي: قد لحنت في قولك «يرو» ، وأخذت البيت الثاني من قول عمر بن أبي ربيعة: [من الخفيف]
وكثير منها القليل المهنّا
فلم يكن من اسحاق جواب- وقد احتجّ قوم لاسحاق بما أنشده أبو اسحاق الشيرازي: [من الرجز]
كفّاك كفّ لا تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما
(7/272)

وقالوا: الأصل في الأفعال الجزم، وإنما دخل في المضارع لمضارعته الأسماء، واستعملوه كذا في ضرورة الشعر.
اسحاق مع كثرة فضائله، وتوفّر معانيه وخصائصه، ومنها دماثته وكمال عقله، يتحقق بالشجاعة والفروسية، ويحبّ أن ينسب إليها آفة من الآفات المعترضة على العقول، وغفلة لا يخلو منها ذوو الحلوم؛ وشهد بعض الحروب فأصابه سهم فنكص على عقبيه حتى قال أخوه طيّاب فيه:
[من المتقارب]
وأنت تكلّف ما لا تطيق ... وقلت أنا الفارس الموصلي
فلما أصابتك نشّابة ... رجعت إلى بيتك الأوّل
«1169» - قال كيسان: سمعت أبا عبيدة ينشد: [من البسيط]
ما زال يضربني حتى خزيت له ... وحال من دون بعض البغية الشّفق
فقلت: خزيت خزيت؟ وضحكت فغضب وقال: كيف هو؟ قلت: إنما هو خذيت. فانخزل وما أحار جوابا.
«1170» - وروى أبو عبيدة أبيات لقيط في يوم جبلة: [من الرجز]
يا قوم قد حرقتموني باللّوم ... ولم أقاتل عامرا قبل اليوم
سيّان هذا والعناق والنّوم ... والمشرب البارد في ظل الدّوم
وقالوا: يعني في ظلال نخل المقل.
قال الأصمعي: قد أحال ابن الحائك؛ إنما هو «في الظلّ الدّوم» ، أي الدائم وجبلة بنجد.
(7/273)

«1171» - وروى الأصمعي بيت الحارث بن حلّزة: [من الخفيف]
عنتا باطلا وظلما كما تع ... نز عن حجرة الرّبيض الظّباء
وقال: العنزة الحربة ينخز [1] بها. فردّ عليه أبو عمرو وقال: إنما هو «تعتر» من العتيرة وهي ذبيحة للصنم، وكانوا ينذرون للأصنام ذبيحة ثم تشحّ نفوسهم فيذبحون عنها الظّباء.
«1172» - وروى لذي الرّمّة: [من البسيط]
«فيها الضفادع والحيتان تصطخب»
فقيل: هو «تصطحب» ، ولا صوت لها.
«1173» - وروى لرؤبة: [من الرجز]
«شمطاء تنوي الغيظ حين ترأم»
وإنما هو «تبوى» ، أي تجعله بمنزلة البوّ.
«1174» - وروى المفضل: [من الطويل]
«نمسّ بأعراف الجياد أكفّنا»
فقال له خلف: إنما هو «نمشّ» وهو مسح اليد؛ ومنه قيل للمنديل «مشوش» .
1175- وليس علينا أن يزلّ الوهم أو يجنح الخاطر، أو يشذّ عنه علم في
__________
[1] نثر: ينحر.
(7/274)

وقت ثم يثوب فيدركه. قال أبو موسى الحامض: قرئ على ثعلب كتاب بخطّ ابن الأعرابي [فيه] خطأ فردّه، فقيل إنّه بخطّه فقال: هو خطأ؛ قيل: فيغيّر؟
قال: دعوه ليكون عذرا لمن أخطأ.
«1176» - كان حماد الراوية لا يقرأ القرآن، فاستقرىء فقرأ في المصحف فصحّف في نيّف وعشرين موضعا. فمن جملتها: وأوحى ربّك إلى النّحل أن اتّخذي من الجبال بيوتا ومن الشّجر وممّا يغرسون [1] ؛ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلّا عن موعدة وعدها أباه [2] ؛ ليكون لهم عدوّا وحربا [3] ؛ وما يجحد بآياتنا إلا كلّ جبّار كفور [4] ؛ فعزّزوه ونصروه [5] ؛ وتعززوه وتوقّروه [6] ؛ لكل امرىء منهم يومئذ شأن يعنيه [7] ؛ هم أحسن أثاثا وريّا [8] ؛ عذابي أصيب به من أساء [9] ؛ يوم يحمى غليها [10] في نار جهنّم فبادوا ولات حين مناص [11] ؛ ونبلو خياركم [12] ؛ صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة [13] ؛ فاستعانه الذي من
__________
[1] وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
(النحل: 68) .
[2] وَعَدَها إِيَّاهُ
(التوبة: 114) .
[3] عَدُوًّا وَحَزَناً
(القصص: 8) .
[4] خَتَّارٍ كَفُورٍ
(لقمان: 32) .
[5] وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
(الأعراف: 157) .
[6] وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
(الفتح: 9) .
[7] شَأْنٌ يُغْنِيهِ
(عبس: 37) .
[8] أَثاثاً وَرِءْياً
(مريم: 74) .
[9] مَنْ أَشاءُ
(الأعراف: 156) .
[10] يُحْمى عَلَيْها
(التوبة: 35) .
[11] فنادوا (ص: 3) .
[12] وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
(محمد: 31) .
[13] صِبْغَةَ اللَّهِ
... صبغة (البقرة: 138) .
(7/275)

شيعته [1] ؛ سلام عليكم لا نتبع الجاهلين [2] ؛ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العائذين [3] .
«1177» - قال الحزنبل: كنّا عند ابن الأعرابي ومعنا أبو هفّان، فأنشد ابن الأعرابي عمّن أنشده، فقال ابن أبي سبّة العبليّ: [من المتقارب]
أفاض المدامع قتلى كذا ... وقتلى بكبوة لم ترمس
فغمز أبو هفان رجلا وقال: قل له ما معنى كذا؟ فقال: يريد كثرتهم. فلما قمنا قال لي أبو هفان: سمعت إلى هذا المعجب الرّقيع هو ابن أبي سنّة، وصحّف في بيت واحد موضعين، فقال: قتلى كذا وهو «كدا» ، وقال: بكبوة وهو «بكثوة» ؛ وأغلط من هذا على أنه يفسّر تصحيفه بوجه وقاح.
وابن أبي سنّة هو أبو سعيد مولى فايد من موالي بني أمية، وكان شاعرا مغنيا؛ وهذا البيت من شعره يرثي به مواليه ويذكر قتل بني هاشم ايّاهم.
«1178» - وذكر أبو تمام في كتاب الحماسة شعر ابن المقفّع يرثي يحيى بن زياد: [من الطويل]
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في سداد لها طمع
فقد جرّ نفعا فقدنا لك إنّنا ... أمنّا على كلّ الرزايا من الجزع
فقال أبو رياش: هذا مأخوذ من قول النمري منصور [4] : [من الوافر]
__________
[1] فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي
(القصص: 15) .
[2] لا نَبْتَغِي
(القصص: 55) .
[3] الْعابِدِينَ
(الزخرف: 81) .
[4] م: منصور النمري.
(7/276)

لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
وإنما يأخذ الأحدث من الأقدم، وابن المقفّع قتل في خلافة المنصور، والنمري إنما عرف شعره في خلافة الرشيد، فهو الأولى بأن ينسب إلى اقتفاء ابن المقفّع.
1179- قصد محمد بن الفضل بن يعقوب ابن داود العتبي- وكان قد وقع بين محمد وبين أبيه الفضل وحشة- فقال له: كنت عند أبي فتهدّم عليّ تهدّم الحائط، فتركته حتى سكن غباره، ثم جعلت أتأتّى له، فادخل بيني وبينه حتى يرضى عني.
فقال العتبي: إني لأكره أن أدخل بين الرجل وبين أبيه. فقال له محمد: هذه سقطة قد كنت آمنها عليك، إنّك لتدخل بين الرجل وبين ربّه فتقول له: كل كذا، واصنع كذا، ودع كذا، فقال العتبي: يا غلام أسرج لي، فقال محمد: لا حاجة لي في ركوبك، من كان هذا إسقاطه عند الأبناء كيف يكون تهوّره عند الآباء؟
«1180» - قال أبو الحسن الطوسي: كنّا في مجلس عليّ اللحياني، وكان عازما على أن يملي نوادر ضعف ما كان أملى. فقال يوما: تقول العرب: مثقل استعان بذقنه، فقام إليه يعقوب بن السّكّيت، وهو يومئذ حدث، فقال له: يا أبا الحسن، العرب تقول: مثقل استعان بدفّيه، يريدون الجمل إذا نهض بحمله استعان بجنبيه. فقطع الإملاء. فلما كان المجلس الثاني أملى فقال: العرب تقول هو جاري مكاشري. فقام إليه يعقوب فقال: أعزّك الله، إنما هو مكاسري كسر بيتي إلى كسر بيته، فقطع الإملاء فما أملى شيئا بعد ذلك.
1181- مرض أبو يوسف فعاده أبو حنيفة مرارا، ورآه في آخر مرّة ثقيلا، فاسترجع وقال: لقد كنت أؤمّلك بعدي للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتنّ علم كثير معك، ثم رزق العافية وخرج من العلة؛ وأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه؛ فعقد لنفسه مجلسا،
(7/277)

وقصّر عن حضور مجلس أبي حنيفة. فسأل عنه فأخبر بحاله، فدعا بغلام كان له عنده قدر وقال له: صر إلى مجلس يعقوب وقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصّار ثوبا ليقصره بدرهم، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصّار: ما لك عندي شيء وأنكره؛ ثم إن ربّ الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مقصورا، أله أجرة؟ فإن قال: له أجرة فقل: أخطأت، وإن قال: لا أجرة له، فقل: أخطأت.
فصار إليه وسأله فقال: له أجرة، فقال: أخطأت، فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له، فقال: أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال له: ما جاء بك إلا مسألة القصّار، قال: أجل؛ قال: سبحان الله، من عقد لنفسه مجلسا وقعد يفتي الناس، ويتكلّم في دين الله وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات.
فقال: يا أبا حنيفة علّمني. قال: إن كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن غصبه فله أجرة لأنه قصره لصاحبه. ثم قال: من ظنّ أنه يستغني عن العلم فليبك على نفسه.
«1182» - مات ولد طفل لسليمان بن عليّ، فأتاه الناس من أهل البصرة يعزّونه، وفيهم شبيب بن شيبة وبكر بن حبيب السهمي. فقال شبيب: أوليس يقال: إنّ الطفل [1] لا يزال محبنظيا بباب الجنّة حتى يدخل أبواه- فجاء بظاء معجمة- فقال له بكر بن حبيب، محبنطئا- بطاء غير معجمة فقال شبيب: ألا إنّ من بين لابتيها يعلم أن القول كما أقول، فقال بكر: وخطأ ثان، ما للبصرة واللّوب؟ أذهبت إلى ما قيل بالمدينة: «ما بين لابتيها» ، أي حرّتيها؟ واستشهد في المحبنطئ بقول القائل: [من الرجز]
إنّي إذا سئلت لا أحبنطي ... ولا أحبّ كثرة التمطّي
__________
[1] اللسان: ان السقط.
(7/278)

فصل في سرقات فحول الشعراء وسقطاتهم
1183- ليس منهم فحل مذكور ولا شاعر مشهور إلا وقد أسقط وجاء بالرّذل الذي لا يرضاه المضعوف البكيّ، وما فيهم إلا من وجد سارقا مغيرا على من تقدّمه، وقد تتبّعوا بأغلاط.
فأما فحول الجاهلية فخرّج العلماء لأغاليطهم وجها، واضطروا إلى ذلك لأن اللغة والإعراب عنهم أخذا، فلو جعلوا ما جاء عنهم غير جائز في لغتهم بطل الاستشهاد بأشعارهم؛ ثم إنهم لم يجيزوا ذلك لمن أخذ العربية نقلا وتلقينا.
وأنا ذاكر من ذلك ما يحضرني ويليق بهذا الكتاب مقتصرا ومستدلّا بالبعض على الكلّ، والله الموفّق للصواب.
1184- وخرق الإجماع والخروج عنه منكر؛ وإلا فلو قال قائل: ما المانع من نسبة العربيّ الفصيح الجاهليّ إذا أتى بغير المعتاد من لغتهم إلى الغلط والخطأ، فلو نبّه عليه لعاد إلى الواجب إذ كان غير معصوم ولا محفوظ من وقوع الزّلل عليه، لم يكن عن ذلك جواب محقّق.
«1185» - وقد كان النابغة الذّبياني كثير الإقواء في شعره، فلما دخل الحجاز هابوه أن يواقفوه على هذه العادة المستهجنة، فأمروا قينة فغنّته في
(7/279)

قوله: [من الكامل]
أمن آل ميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
فاستبان فحش الإقواء وقال: ما هذا؟ فقالوا: كذا قلت. فجعله «وبذاك تنعاب الغراب الأسود» ، وترك الإقواء.
«1186» - ولو أنصف متأوّل بيت امرىء القيس: [من السريع]
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
على أنه أراد «أشرب غير» ثم أسكن الباء وجعل «رب غ» مثل عضد، ولمّا جاز عندهم عضد وعضد قاس «رب غ» عليه، لعلم أنّ هذا الوجه إذا استعمل في الكلام لم يلحن أحد واستغني عن الإعراب.
«1187» - وكذلك قال امرؤ القيس في قصيدته التي أولها: [من الطويل]
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... نقضّ لبانات الفؤاد المعذّب
ثم قال فيها:
عقيلة أتراب لها لا ذميمة ... ولا ذات خلق إن تأمّلت جأنب
ولو استعمل غيره السّناد في قصيدته على غير حرف السّناد لمنع منه.
«1188» - وكم له من غاية تلهي السامع ثم يدركه نقص البشر فيقول:
[من الطويل]
(7/280)

أمن ذكر ليلى أن نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص
تبوص [1] وكم من دونها من مفازة ... ومن أرض جدب دونها ولصوص
«1189» - وزهير، وهو أصفاهم ألفاظا وأدقّهم كلاما، يقول: [من الطويل]
فأقسمت جهدا بالمنازل من منى ... وما سحقت فيه المقادم والقمل
فانظر كيف ختم البيت بلفظة «القمل» وهي أهجن لفظة وأبعدها من الاستعمال، والمقاطع أولى بالمراعاة، فإنها ملموحة مكشوفة، وعليها يقف الكلام.
«1190» - وقالوا: إنّ امرأ القيس أخذ قوله: [من الطويل]
كأنّ مكاكيّ الجواء غديّة ... صبحن سلافا من رحيق مفلفل
من قول أبي دواد الإيادي: [من المتقارب]
تخال مكاكيّة بالضحى ... خلال الدقاريّ شربا ثمالا
الدقاريّ الرياض، واحدتها دقرى محرّكة.
«1191» - والأعشى أخذ قوله في صفة الطيف: [من الكامل]
يلوينني ديني الغداة وأقتضي ... ديني إذا وقذ النّعاس الرّقّدا
من قول عمرو بن قميئة: [من المتقارب]
نأتك أمامة إلا سؤالا ... وإلا خيالا يوافي خيالا
__________
[1] م: تنوص.
(7/281)

يوافي مع اللّيل ميعادها ... ويأبى مع الصّبح إلا زوالا
«1192» - وعبيد بن الأبرص أخذ قوله: [من الكامل]
والناس يلحون الغويّ إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
من قول المرقش الأصغر [1] : [من الطويل]
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
«1193» - وأخذ جرير قوله: [من الطويل]
وإني لعفّ الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري احتماليا
من قول المخبل السعدي: [من الكامل]
إني لترزوني النوائب في الغنى ... وأعفّ عند مشحّة الإقتار
ولكن جريرا أكمل المعنى وجاء به في نصف بيت في أعذب لفظ وأسلمه.
«1194» - وأخذ عبدة بن الطبيب قوله: [من الطويل]
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما
من قول امرىء القيس، ولكنه كشف المعنى وبيّنه: [من الطويل]
فلو أنها نفس تموت سويّة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
__________
[1] في الأصل: الأكبر.
(7/282)

«1195» - وأخذ أبو حية النميري قوله: [من الطويل]
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
من قول النابغة الذبياني: [من الكامل]
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
فأحسن أبو حية كلّ الإحسان وزاد زيادات ليست في بيت النابغة.
«1196» - وكانت قصة الراعي النّميري ضد ذلك حيث أخذ قوله:
[من الطويل]
وأعلم أنّ الموت يا أمّ عامر ... قرين محيط حبله من ورائيا
من قول طرفة: [من الطويل]
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول المرخى وثنياه باليد
فإنه قصّر عن طرفة كلّ التقصير معنى ولفظا.
«1197» - والأعشى الكبير ميمون بن قيس، وهو أرقّهم طبعا، وأسلمهم لفظا، وأقلّهم إغلاقا، يقول وهو يتغزل ويصف ريّق شبابه ولهوه مع أترابه، وقبوله عند الكواعب، وما قضّاه في صباه من المآرب: [من الكامل]
فرميت غفلة عينه من شاته ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها
ويقول في مقام الوصف ومنتهى التمثيل: [من المتقارب]
وهل تنكر الشمس شمس النهار ... ولا القمر الباهر الأبرص
(7/283)

ويقول في مدح الملوك: [من الطويل]
ويقسم أمر الناس يوما وليلة ... وهم ساكتون والمنيّة تنطق
فأحسن وأبلغ ثم قصّر وتأخّر وأفحش فقال بعده: [من الطويل]
ويأمر لليحموم في كلّ ليلة ... بقتّ وتعليق فقد كاد يسنق
فانظر إلى هذا التباعد والفصال.
«1198» - ثم يقول في موضع الحكمة ومظنّة تهذيب اللفظ والمعنى، فيأتي بما لا معنى فيه ولا لفظ له: [من المنسرح]
إنّ محلّا وإن مرتحلا ... وإن للسّفر ما مضى مهلا
قال نقّاد الشّعر: الشّعر أربعة أضرب: ضرب حسن لفظه ومعناه، فإذا نثر لم يفقد حسنه، وذلك نحو: [من البسيط]
في كفّه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
وضرب حسن لفظه وخلا معناه نحو: [من الطويل]
ولما قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
وضرب جاد معناه وقصّر لفظه نحو: [من الطويل]
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع
وضرب قصّر معناه ولفظه نحو: [من المنسرح]
(7/284)

إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإن للسّفر ما مضى مهلا
المعنى إن لنا محلا، وإن لنا مرتحلا، وإن لنا مهلا بعد السفر الذي مضى.
1199- وما أحسن ما قال الوائلي: [من الطويل]
وحاطب ليل في القريض زجرته ... وقلت له قول النّصيح المجامل
إذا أنت لم تقدر على درّ لجّه ... فدعه ولا تعرض لحصباء ساحل
«1200» - وقد أخذ الأعشى قوله من قول النابغة: [من الكامل]
تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسفّ لثاته بالإثمد
وتبعه القتّال الكلابيّ فقال، ولم يمنعه اشتهار هذين البيتين من الإغارة وسلك في سرقة الشعر مسلكه في الغارة على المال، فإنه كان من مشهوري اللصوص وفتّاكهم وشعرائهم: [من الكامل]
تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... برد أسفّ لثاته مثلوج
وفي إعرابه كلام وتأويل.
«1201» - ومن المصالتة والمجاهرة في السرقة قول قيس بن الخطيم، وهو شاعر الأوس وفتاها وشجاعها: [من الطويل]
وما المال والأخلاق إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد
وكيف يخفى مأخذه مع اشتهار قصيدة طرفة بن العبد، وهي معلّقة على
(7/285)

الكعبة، وهو يقول فيها: [من الطويل]
لعمرك ما الأيّام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد
«1202» - قال أبو نواس: قد قال شاعران بيتين ووضعا التشبيه فيهما في غير موضعه، فلو أخذ البيت الثاني من شعر أحدهما فجعل مع البيت الآخر، وأخذ بيت ذاك فجعل مع هذا، كان لفقا له ومشبها، فقيل له: أيّ ذلك تعني؟
قال: قول جرير للفرزدق: [من الطويل]
فإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... تبابين قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أثارته [1] رياح السّمائم
وقول ابن هرمة: [من المتقارب]
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفيّ زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا
فلو قال جرير: فإنك إذ تهجو تميما، وبعده كتاركة بيضها بالعراء، لكان أشبه ببيته، ولو قال ابن هرمة مع بيته: وإني وتركي ندى الأكرمين، وبعده كمهريق ماء بالفلاة، لكان أشبه به.
1203- هكذا جاءت الرواية عن أبي نواس؛ وهو أيضا وهم فإن الشّعر للفرزدق من قصيدته التي أولها: [من الطويل]
«تحنّ بزوراء المدينة ناقتي»
__________
[1] عيار: أذاعته.
(7/286)

قالها لما قتل وكيع بن أبي سود قتيبة بن مسلم بخراسان. وجرير كان مولعا بمدح قيس، والفرزدق يهجوهم، وذلك محقّق لما ذكرته أيضا.
«1204» - قال سلمة بن عياش: دخلت على الفرزدق السّجن وهو محبوس، وقد قال قصيدته التي فيها: [من الكامل]
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
وقد أفحم وأجبل، فقلت له: ألا أرفدك؟ فقال: وهل ذاك عندك؟ فقلت:
نعم، ثم قلت:
بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
فاستجاد البيت وغاظه قولي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من قريش؛ قال:
فمن أيها أنت؟ قلت: من بني عامر بن لؤيّ فقال: لئام والله رضعة؛ جاورتهم بالمدينة فما أحمدتهم. فقلت: الألأم والله منهم وأرضع قومك، جاءك رسول مالك بن المنذر، وأنت سيّدهم وشاعرهم، فأخذ بأذنك يقودك حتى حبسك، فما اعترضه ولا نصرك أحد. فقال: قاتلك الله ما أنكرك؛ وأخذ البيت فأدخله في قصيدته.
«1205» - ولما قال ذو الرّمّة: [من الطويل]
أحين أعاذت بي تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليماني من الغمد
ومدّت بضبعيّ الرّباب ومالك ... وعمرو وسالت من ورائي بنو سعد
ومن آل يربوع زهاء كأنّه ... زها الليل محمود النكاية والرّفد
قال له الفرزدق لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك؛ قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلا لك، فهي في قصيدة الفرزدق التي يقول فيها: [من الطويل]
(7/287)

وكنّا إذا القيسيّ نبّ عتوده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكرد
ويروى: وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه.
«1206» - ومرّ الفرزدق بالشّمردل يوما وهو ينشد: [من الطويل]
وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حزّ الغلاصم
فقال والله لتتركنّه أو لتتركنّ عرضك، فقال: هو لك. فانتحله الفرزدق في قصيدته التي أولها:
تحنّ بزوراء المدينة ناقتي
«1207» - أنشد الكميت بن زيد نصيبا فاستمع له فكان فيما أنشده:
[من البسيط]
وقد رأينا بها حورا منعّمة ... بيضا تكامل فيها الدلّ والشّنب
فثنى نصيب خنصره فقال له الكميت: ما تصنع؟ قال: أحصي خطأك تباعدت في قولك: «تكامل فيها الدلّ والشنب» ، هلّا قلت كما قال ذو الرّمّة:
[من البسيط]
لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثاث وفي أنيابها شنب
ثم أنشده في أخرى: [من المتقارب]
إذا ما الهجارس غنّينها ... تجاوبن بالفلوات الوبارا
فقال له نصيب: الوبار جمع وبرة وهي دابّة معروفة لا تسكن الفلوات.
ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:
(7/288)

كأنّ الغطامط من جريها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا
فقال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا قطّ. فاستحيا الكميت فسكت.
والذي عابه نصيب من قبيح الكلام وفاحشه، فإن أحسن الكلام ما اتّسق وتشاكلت معانيه، وتقاربت ألفاظه، ولذلك قال ابن لجأ لابن عمّ له: أنا أشعر منك، قال: وكيف؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمّه.
«1208» - وأنشد الجاحظ: [من الطويل]
وشعر كبعر الكبش فرّق بينه ... لسان دعيّ في القريض دخيل
قال ذلك لأنّ بعر الكبش يقع متفرقا. ولذلك عيب على أبي تمّام قوله:
[من الكامل]
لا والذي خلق الهوى إن النّوى ... صبر وإنّ أبا الحسين كريم
«1209» - ولما قال ذو الرّمّة: [من الطويل]
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم
وقف بالمربد ينشد والناس مجتمعون عليه، فإذا هو بخيّاط يطالعه ويقول يا غيلان: [من الطويل]
أأنت الذي تستنطق الدار واقفا ... من الجهل هل كانت بكنّ حلول
فقام ذو الرّمّة وفكر زمانا ثم عاد فقعد بالمربد ينشد، فإذا الخياط قد وقف عليه وقال له: [من الطويل]
أأنت الذي شبهت عنزا بقفرة ... لها ذنب فوق استها أمّ سالم
(7/289)

فقام ذو الرّمّة فذهب ولم ينشد في المربد بعدها حتى مات الخياط.
«1210» - وقال غيلان بن المعذّل: قدم علينا ذو الرّمّة الكوفة فأنشدنا بالكناسة وهو على راحلته قصيدته الحائية التي يقول فيها: [من الطويل]
إذا غير النأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
فقال له عبد الله بن شبرمة: قد برح يا ذا الرّمّة، ففكر ساعة ثم قال: لم أجد رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح. قال: فأخبرت أبي بما كان من قول ذي الرّمّة واعتراض ابن شبرمة عليه، فقال: أخطأ ذو الرّمّة في رجوعه عن قوله الأول، وأخطأ ابن شبرمة في اعتراضه عليه. هذا مثل قول الله عزّ وجلّ: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
(النور: 40) هو لم يرها ولم يكد.
«1211» - قال أبو عبد الله الزبيري: اجتمع راوية جميل وراوية كثيّر وراوية جرير وراوية الأحوص وراوية نصيب، فافتخر كلّ واحد منهم بصاحبه، وقال صاحبي أشعر، فحكّموا سكينة بنت الحسين لما عرفوه من عقلها وبصرها بالشّعر، فخرجوا حتى استأذنوا عليها، وذكروا لها الذي كان من أمرهم، فقالت لراوية جرير: أليس صاحبك الذي يقول: [من الكامل]
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين [1] الزيارة فارجعي بسلام
وأيّ ساعة أحلى للزيارة من الطّروق؟ قبّح الله صاحبك وقبّح شعره، ألا قال:
ادخلي بسلام.
__________
[1] الأغاني: وقت.
(7/290)

ثم قالت لراوية كثيّر: أليس صاحبك الذي يقول: [من الطويل]
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرّت
وليس شيء أقرّ بعينها من النكاح، أفيحب صاحبك أن ينكح؟ قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
وقالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول: [من الطويل]
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
فما أرى بصاحبك هوى، إنما طلب عقله، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
ثم قالت لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول: [من الطويل]
أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فوا حزنا من ذا يهيم بها بعدي
فما أرى له همّة إلا من يعشقها بعده؟ قبّحه الله وقبح شعره ألا قال:
[من الطويل]
أهيم بدعد ما حييت وإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلّة بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص: أليس صاحبك الذي يقول: [من الكامل]
من عاشقين تواعدا وتراسلا ... ليلا إذا نجم الثريّا حلّقا
باتا بأنعم ليلة وألذّها ... حتى إذا وضح الصّباح تفرّقا
قال: نعم، قالت: قبّحه الله وقبّح شعره، هلّا قال: تعانقا. فلم تثن على أحد منهم ولم تقدّمه.
وليس كلّ ما ذكرته ساقطا، ولكلّ منه وجه ولصاحبه فيه قصد، وإنما حسن الخبر إذ كان من امرأة قد تتبعت فحول الشعراء وظرفت في ما تتبعتهم به، وقصّر رواتهم عن جوابها.
(7/291)

«1212» - وشبيه به الخبر الذي رواه الزبير بن بكّار قال: خرج عمر بن أبي ربيعة إلى مكة فخرج معه الأحوص واعتمرا. قال السائب راوية كثيّر: فلما مرّا بالروحاء استتلياني فخرجت أتلوهما حتى لحقتهما بالعرج رواحهما؛ فخرجنا جميعا حتى وردنا ودّان؛ فحبسهما نصيب وذبح لهما وأكرمهما؛ وخرجنا وخرج معنا نصيب. فلما جئنا كليّة عدلنا جميعا إلى منزل كثيّر، فقيل لنا: هبط قديدا، فأتينا قديدا فذكر لنا أنّه في خيمة من خيامها، فقال لي ابن أبي ربيعة: اذهب فادعه لي؛ فقال نصيب: هو أحمق وأشدّ كبرا من أن يأتيك؛ فقال لي عمر: اذهب كما أقول لك فادعه لي. فجئته فهشّ لي وقال: اذكر غائبا تره، لقد جئت وأنا أذكرك. فأبلغته رسالة عمر فحدّد نظره إليّ وقال: أما كان عندك من المعرفة ما يردعك عن إتياني بمثل هذا وتردعه عن مثل هذه الرسالة؟ قلت: بلى والله، ولكني سترت عليك وأبى الله إلا أن يهتك سترك. فقال لي: إليك يا ابن ذكوان، ما أنت من شكلي، فقل لابن أبي ربيعة: إن كنت قرشيا فأنا قرشيّ، فقلت: ألا تترك هذا التّلصّق وأنت تقرف عنهم كما تقرف الصمغة؟ فقال: والله لأنا أثبت فيهم منك في سدوس. ثم قال: وقل له إن كنت شاعرا فأنا أشعر منك، فقلت له: هذا إذا كان الحكم إليك. فقال: وإلى من هو؟ ومن أولى بالحكم مني؟ وبعد هذا يا ابن ذكوان فاحمد الله على لؤمك فقد منعك مني اليوم. فرجعت إلى عمر فقال: ما وراءك؟ فقلت: ما قال لك نصيب، فقال: وإن؟ فأخبرته فضحك وضحك صاحباه ظهرا لبطن. ثم نهضوا معي إليه فدخلنا عليه في خيمته فوجدناه جالسا على جلد كبش، فو الله ما أوسع للقرشيّ.
فلما تحدثوا مليا وأفاضوا في ذكر الشعر أقبل على عمر فقال له: أنت تنعت المرأة وتنسب بها ثم تدعها وتنسب بنفسك، أخبرني عن قولك: [من المنسرح]
قالت تصدّي له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرّت تشتدّ في أثري
(7/292)

وقولها والدموع تسبقها ... لنفسدنّ الطواف في عمر
أتراك لو وصفت بهذا هرّة أهلك، ألم تكن قد قبّحت وأسأت وقلت الهجر؟
إنما توصف الحرّة بالإباء والحياء والالتواء والبخل والامتناع كما قال هذا، وأشار إلى الأحوص: [من الطويل]
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور
وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
قال: فدخلت الأحوص أبّهة وعرفت الخيلاء فيه. فلما استبان ذلك كثيّر منه قال: أبطل آخرك أوّلك، أخبرني عن قولك: [من الوافر]
فإن تصلي أصلك وإن تبيني ... بصرمك بعد وصلك لا أبالي
ولا ألفى كمن إن سيم صرما ... تعرّض كي يردّ إلى الوصال
أما والله لو كنت فحلا لباليت ولو كسرت أنفك، [هلا قلت] كما قال هذا الأسود، وأشار إلى نصيب: [من الطويل]
بزينب ألمم قبل أن يرحل الرّكب ... وقل إن تملّينا فما ملّك القلب
قال: فانكسر الأحوص ودخلت نصيبا الأبّهة. فلما نظر إلى الكبرياء قد دخلته، قال له: وأنت يا ابن السوداء فأخبرني [1] عن قولك: [من الطويل]
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواكبدا من ذا يهيم بها بعدي
أهمّك من ينيكها بعدك؟ فقال نصيب: استوت القرفة [2] ، وهي لعبة لهم مثل المنقلة، قال سائب: فلما أمسك كثيّر أقبل عليه عمر فقال له: قد أنصتنا لك فاسمع يا مذبذب إليّ. أخبرني عن تخيّرك لنفسك وتخيّرك لمن تحبّ حيث
__________
[1] م: أخبرني.
[2] الأغاني: القرف.
(7/293)

تقول: [من الطويل]
ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذي غنى ... بعيرين نرعى في الخلاء ونعزب
كلانا به عزّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فما ننفكّ نرمى ونضرب
وددت وبيت الله أنّك بكرة ... هجان وأني مصعب ثم نهرب
نكون بعيري ذي غنى فيضيعنا ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
ويلك! أتمنيت لها ولنفسك الرّقّ والجرب والرّمي والطّرد والمسخ؟ فأي مكروه لم تتمنّ لها ولنفسك؟ لقد أصابها منك مثل قول الأول: معاداة عاقل خير من مودّة أحمق. قال: فجعل يختلج جسده كلّه، ثم أقبل عليه الأحوص فقال له: إليّ يا ابن استها، أخبرني بخبرك وتعرّضك للشرّ وعجزك عنه وإهدافك لمن رماك، أخبرني عن قولك: [من الطويل]
وقلن- وقد يكذبن- فيك تعيّف ... وشؤم إذا ما لم تطع صاح ناعقه
وأعييتنا لا راضيا بكرامة ... ولا تاركا شكوى الذي أنت صادقه
وأدركت صفو الودّ منّا فلمتنا ... وليس لنا ذنب فنحن مواذقه
وألفيتنا سلما فصدّعت بيننا ... كما صدّعت بين الأديم خوالقه
والله لو احتفل عليك هاجيك لما زاد على ما بؤت به على نفسك. قال: فخفق كما يخفق الطائر. ثم أقبل عليه نصيب فقال: أقبل عليّ يا زبّ الذباب، فقد تمنّيت معرفة غائب عندي علمه فيك حيث تقول: [من الطويل]
وددت وما تغني الودادة أنّني ... بما في ضمير الحاجبيّة عالم
فإن كان خيرا سرّني وتركته ... وإن كان شرّا لم تلمني اللّوائم
انظر في مرآتك، واطّلع في جيبك، واعرف صورة وجهك، تعرف ما عندها لك. فاضطرب اضطراب العصفور، وقام القوم يضحكون، وجلست عنده.
(7/294)

فلما هدأ شأوه قال لي: أرضيتك فيهم؟ فقلت له: أما في نفسك فنعم، لقد نحس يومك معهم، وقد بقيت أنا عليك فما عذرك- ولا عذر لك- في قولك: [من الطويل]
سقى دمنتين لم تجد لهما أهلا ... بحقل لكم يا عزّ قد رابني حقلا [1]
نجاء الثريّا كلّ آخر ليلة ... يجودهما جودا ويتبعه وبلا
ثم قلت في آخرها:
وما حسبت ضمريّة جدريّة ... سوى التّيس ذي القرنين أنّ لها بعلا [2]
أهكذا يقول الناس: «سوى التيس ذي القرنين» ؟ ويحك! ثم تظنّ ذلك قد خفي ولم يعلم به أحد، فتسبّ الرجال وتعيبهم؟ فقال: ما أنت وهذا؟ وما علمك بمعنى ما أردت؟ فقلت: هذا أعجب من ذاك، أتذكر امرأة تنسب بها في شعرك وتستغزر لها الغيث في أوّل شعرك، ثم تحمل عليها التيس في آخره؟ قال: فأطرق وذلّ وسكن. فعدت إلى أصحابي وأعلمتهم ما كان من خبره، فقالوا: ما أنت أهون حجارته التي رمي بها اليوم منّا، قال، فقلت لهم: لم يترني فأطلبه بذحل، ولكني نصحته لئلا يخلّ هذا الإخلال الشديد، ويركب هذه العروض التي ركب في الطعن على الأحرار والعيب لهم.
«1213» - ومن السرقة الفاحشة قول كثيّر في عبد الملك بن مروان:
[من الطويل]
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها عقد درّ يزينها
__________
[1] حقل: مكان دون أيلة بخمسة عشر ميلا كان لعزة فيه بستان (ياقوت) .
[2] جدرية: نسبة الى جدرة، حي من الأزد.
(7/295)

أخذه من قول الحطيئة مصالتة فلم يغيّر سوى الرويّ: [من الطويل]
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها لؤلؤ وشنوف
1214- ومثل ذلك فعل الفرزدق في قوله: [من الطويل]
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف
نقله من قول العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: [من الطويل]
إذا مجلس الأنصار خفّ بأهله ... وحلّت بواديهم غفار وأسلم
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم
«1215» - وجرير على سعة بحره وقدرته على غرر الشعر وأبكار الكلام نقل قوله: [من الوافر]
فلو كان الخلود لفضل قوم ... على قوم لكان لنا الخلود
من قول زهير، وهو شعر مشهور يحفظه الصبيان وترويه النساء:
[من الطويل]
فلو كان حمد يخلد المرء لم يمت ... ولكنّ حمد المرء غير مخلّد
«1216» - وقد قال جرير: [من الطويل]
فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا
فأخذه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فقال: [من الطويل]
أأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا
(7/296)

وهو من قصيدة له مشهورة أجاد فيها وأحسن كلّ الإحسان، ولم تمنعه قدرته على ذلك الإحسان من الشّره إلى ما ليس له.
«1217» - وقد قال الشماخ: [من الطويل]
وأمر ترجّي النفس ليس بنافع ... وآخر يخشى ضيرة لا يضيرها
فأغار عليه شبيب بن البرصاء فقال: [من الطويل]
ترجّي النفوس الشيء لا تستطيعه ... وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها
«1218» - وكان أبو العتاهية مع تقدّمه في الشعر كثير السقط، فروي أنه لقي محمد بن مناذر بمكة، فمازحه وضاحكه، ثم دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البصرة يقول قصيدة في كلّ سنة، وأنا أقول في السنة مئين قصائد. فأدخله الرشيد إليه فقال ما يقول أبو العتاهية. فقال: يا أمير المؤمنين لو كنت أقول كما يقول لقلت مثله كثيرا: [من الهزج]
ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة
لقلت مثله كثيرا، ولكنني أقول: [من الخفيف]
إنّ عبد المجيد يوم تولّى ... هدّ ركنا ما كان بالمهدود
ما درى نفسه ولا حاملوه ... ما على النّعش من عفاف وجود
فقال الرشيد: أنشدنيها، فأنشده إيّاها، فقال: ما لها عيب إلا أنها في سوقة، وما كان ينبغي إلا أن تكون في خليفة أو وليّ عهد، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم؛ فكاد أبو العتاهية يموت غمّا وأسفا.
(7/297)

«1219» - ذكر أبو الشّيص يوما في مجلس الرياشي فقال: أخطأ أبو الشّيص في بيت واحد في أربعة أماكن، وهو قوله: [من المتقارب]
أشاقك واللّيل ملقى الجران ... غراب ينوح على غصن بان
فالكلام شاقك لا غير، فجعل أفعل مكان فعل؛ وذكر أن الذي شاقه بالليل غراب، والغراب لا يصيح بالليل؛ وقال: غراب ينوح، وصياح الغراب لا يقال له نوح إنما يقال: نعب الغراب ونعق وشحج؛ وقال: غراب ينوح على غصن بان، وغصن البان أضعف من أن يحمل غرابا.
«1220» - استحسن من أبي نواس قوله: [من الطويل]
إليك رمت بالقوم هوج كأنما ... جماجمها تحت الرحال قبور
وهو مأخوذ من قول الوليد بن عديّ بن حجر الكندي: [من البسيط]
كأنّ هامتها قبر على شرف ... تمدّ للسير أوصالا وأصلابا
وطرق الراعي المعنى فقال: [من الوافر]
فهنّ سوابغ الأبدان غلب ... كأن رءوسهنّ قبور عاد
وتبعهما كثير فقال: [من الكامل]
كالقبر هامة رأسها وكأنما ... منها أمام الحاجبين قدوم
وأبو حية النميري فقال: [من الكامل]
وكأنّ هامته إذا استعرضته ... قبر برابية عليه الجندل
(7/298)

«1221» - قال الحسن بن رشيق الأزدي الكاتب المغربي في ما جمعه من شعر المغاربة: اجتمعت وأنا حدث بيعلى بن إبراهيم الأربسي، وكانت له مكانة من الخطّ والترسّل وعلم الطبّ والهيئة مع تقدّمه في الشعر، فأخذ في ذكر الشعراء وغضّ من عبد الكريم النهشلي- وهو من أعيان وقته- فأغلظت له في الجواب. فالتفت إليّ منكرا عليّ وقال: وما أنت وما دخولك بين الشيوخ يا بني؟! فقلت له: ومن يكون الشيخ أيّده الله؟ فعرّفني نفسه ثم أخرج رقعة من خطّه فيها شعره: [من البسيط]
إياة شمس حواها جسم لؤلؤة ... يغيب من لطف فيها ولم تغب
صفراء مثل النّضار السّكب لابسة ... درعا مكلّلة درّا من الحبب
لم يترك الدهر منها غير رائحة ... تضوّعت وسنا ينساح كاللهب
إذا النديم تلقّاها ليشربها ... صاغت له الراح أطرافا من الذهب
فقال: كيف رأيت؟ فقلت- وأردت الاشتطاط عليه: أما البيت الأوّل فناقص الصنعة، مسروق المعنى، فيه تنافر، قال: وكيف ذلك؟ قلت: لو كان ذكر الياقوتة مع اللؤلؤة كما قال أبو تمام: [من الكامل]
أو درّة بيضاء بكر اطبقت ... حبلا على ياقوتة حمراء
لكان أتمّ تصنيعا [وأحسن ترصيعا] ولو ذكرت روح الخمر مع ذكرك جسم اللؤلؤة- يعني الكأس- لكان أوفى للمعنى، ولو قلت مع قولك «إياة» :
«شمس حواها نهار» وعنيت به الكأس كما قال ابن المعتز، ويروى للقاضي التنوخي: [من المتقارب]
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار
(7/299)

لكنت قد ذهبت إلى شيء عجيب غريب؛ أما قولك: «يغيب من لطف فيها ولم يغب» ، فمن قول البحتري: [من الكامل]
يخفي الزجاجة لونها فكأنّها ... في الكفّ قائمة بغير إناء
وأما البيت الثاني فأكثر من أن ينبّه عليك فيه، وأما الثالث فمن قول ابن المعتز:
[من البسيط]
أبقى الجديدان من موجودها عدما ... لونا ورائحة في غير تجسيم
وأما البيت الأخير، فمن قول مسلم بن الوليد: [من الطويل]
أغارت على كفّ المدير بلونها ... فصاغت له منها أنامل من ذبل
وقوله أيضا: [من الطويل]
إذا مسّها الساقي أعارت بنانه ... جلابيب كالجاديّ من لونها صفرا
وفيه عيب يقال له التوكّؤ، وهو تكريرك ذكر الراح، وأنت مستغن عنه، قال:
فماذا كنت أنت تسدّ مكان الراح، قلت:
كنت أقول: «صاغت ليمناه أطرافا من الذهب» .
وأنشدته لنفسي دون أن أعلمه: [من الطويل]
معتقة يعلو الحباب جنوبها ... فتحسبه فيها نثير جمان
رأت من لجين راحة لمديرها ... فجادت له من عسجد ببنان
ثم أنشد يصف بستانا: [من البسيط]
تفيض بالماء منه كلّ فوّهة ... فكلّ فوارة بالماء تنذرف
كأنّها بين أشجار منوّرة ... ظلّت بمستحسن اللبلاب تستجف
مجامر تحت أثواب مجلّلة ... على مشاجبها دخانها يهف
(7/300)

فقال: هل تعلم في هذا المعنى شيئا؟ فلم أرد مكاشفته، فأضربت عن أبيات عليّ ابن العباس الرومي في تشبيه المجمرة بالفوّارة، وإنما عكسه يعلى، وقلت: بل قريبا منه، وأنشدته لنفسي شعرا؛ فقال: لمن أنشدتني بدءا وعودة؟ قلت:
للذي أنكرت عليه أن يدخل بين الشيوخ؛ فعرف، وعرّف بي فاستصحبني منذ ذلك اليوم.
«1222» - لما ورد الخالديان العراق قال فيهما السريّ الرفاء يخاطب أبا الخطّاب الصابي: [من الكامل]
بكرت عليك مغيرة الأعراب ... فاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب
ورد العراق ربيعة بن مكدّم ... وعتيبة بن الحارث بن شهاب
وهي قصيدة مشهورة من عيون شعره. فاستحسن هذا المعنى واستجيد، وإنما أخذه من قول أبي تمّام، وقد سرق شعره محمد بن يزيد الأموي فمدح به:
[من الخفيف]
من بنو عامر من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب
من طفيل بن عامر ومن الحا ... رث أم من عتيبة بن شهاب
«1223» - وبشّار يسمونه أبا المحدثين لتقدّمه وتسليمهم إليه الفضيلة والسبق، وبعض أهل اللغة يستشهدون بشعره لزوال الطعن عليه فيها فمما أسقط فقال: [من الرمل]
إنما عظم سليمى حبّتي ... قصب السّكّر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
(7/301)

يقول هذا مع قوله في معنى مثله: [من الوافر]
إذا قامت لمشيتها تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
ومع قوله في الفخر: [من الطويل]
كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ومع قوله:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
وقال له خلاد: إنّك لتجيء بالشيء المهجّن المتفاوت، قال: وما ذاك؟
قال: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع القلوب مثل قولك: [من الطويل]
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيّدنا من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلّما
على أن بيتي بشّار منقولان، فالأول أنشده أبو هلال العسكري للقحيف وأوّله: [من الطويل]
إذا ما فتكنا فتكة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
والثاني هو بيت جرير بعينه: [من الطويل]
منابر ملك كلّها مضرية ... يصلّي علينا من أعرناه منبرا
إلى أن تقول: [من الهزج]
ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ في الزيت
لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت
فقال: لكلّ شيء وجه وموضع؛ فالقول الأوّل جدّ، وهذا قلته في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات
(7/302)

وديك، فهي تجمع البيض لي وتحفظه عندها؛ فهذا قولي عندها أحسن من «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» عندك.
وهذا عذر غير واضح، وهو باستئناف ذنب أولى. وقد كان يسعه أن يقول ما تفهمه الأمة ولا يسقط هذا السقوط. وما الذي أحوجه إلى أن يدوّنه ويروى عنه؟ وأيّ حجّة له في البيتين الأوّلين لولا الزّلل والنقص المستوليان على البشر.
«1224» - وأبو تمام، مع باهر فضله وبديع نظمه ونطقه بالشعر الذي لو سمي سحرا لكان أليق، يقول: [من الوافر]
خشنت عليه أخت بني خشين
ويظن ذلك من البديع الذي اخترعه وسلك مذهبه. ويقول يمدح رجلا ويصفه بالتنين: [من الكامل]
ولّى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حثّ النجاء وخلفه التّنين
وقال أيضا وهجن: [من الكامل]
كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا ... فكأنّما لبس الزمان الصّوفا
وأغار على زهير حيث يقول: [من الوافر]
«لمن طلل برامة لا يريم»
فقال: [من الوافر]
أرامة كنت مألف كلّ ريم
(7/303)

وقد قال، وبعد عن الفصاحة وهو إمامها: [من الكامل]
والمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى امرؤ يرجوك إلا بالرضا
«1225» - وكذلك الرضيّ أبو الحسن الموسوي ممن شهد بفضله الأعداء، وترجم شعره أكابر العلماء، وقد كان علمه أكثر من شعره، وله تصنيف في علم القرآن برّز فيه على القدماء، ثم لم يمنعه اقتداره على درر الكلام وجواهر المعاني من التعرّض لما ليس له، والغارة الشعواء على متقدّمي الشعراء. وقد كان غنيّا ببنات صدره عن الاستلحاق، ومكفيّا بمصون خاطره عن الاستطراق. وقد عثرت له على زلل يرتفع قدره عنه، وسهو لو تنبّه له غيّره. ولعلّ غليان الخاطر وازدحام البيان، شغله عن تفقّد ما جرى به اللسان. وسأقتصر على البعض إذ كان القصد بكشف غلط مثله من صدور العلم إقامة عذر من لم يبلغ شأوه.
(1) فممّا سها في إعرابه وغفل عن تصحيحه قوله: [من البسيط]
ترجو وبعض رجاء الناس متعبة ... قد ضاع دمعك يا باك على الطلل
فرفع المنادى المشبّه بالمضاف وحقّه النصب.
(2) ومثله قوله أيضا: [من الطويل]
ولم أنسه غاد وقد أحدقت به ... أدان تروّي نعشه وأقارب
(3) ومن ذلك قوله: [من الطويل]
وأين المطايا تذرع البيد والدجى ... إلى أقرب من نيل عزّ وأبعد
ولم تستعمل العرب أفعل التفضيل إلا جاءت «بمن» ، كقولهم: أقرب من
(7/304)

كذا، أو يأتي بالألف واللام فيخرج عن معنى التفضيل كقولهم الأقرب والأبعد.
«1225» .- (4) ومنه قوله: [من الطويل]
ألا إنّ أصناف السيوف كثيرة ... وأقطعها هنديّها ويمانها
وإنما هو سيف يمان إذا خفّف الياء، فأما نقله إلى ما يجري الاعراب عليه في حالة الرفع فما تكلّمت به العرب.
(5) ومما أهمل قوافيه وأجرى منصوبه مجرى مرفوعه، ولم يرخّص أحد في مثله، قوله: [من الطويل]
إذا سكر العسّال من قطراتها ... سقيت حميّاها أغرّ يماني
(6) وقوله: [من الكامل]
كم من طويل العمر بعد وفاته ... بالذكر يصحب حاضرا أو بادي
على أن المعنى واللفظ لغيره وهو: [من الكامل]
كم من طويل العمر بعد مماته ... ويموت آخر وهو في الأحياء
وقول المتنبي:
ذكر الفتى عمره الثاني
والأصل قول الأول:
«إنّ الثناء هو الخلود»
(7) ومما استعار فيه كلام المتقدمين ولم يراقب تصفّح المتأمّلين قوله:
(7/305)

[من البسيط]
هل تعلمون على نأي الديار بكم ... أنّ الضمير إليكم شيّق ولع
وهو قول أبي زبيد الطائي بعينه: [من البسيط]
من مبلغ قومي النائين إن شحطوا ... أن الفؤاد إليهم شيّق ولع
«1225» .- (8) وقوله: [من الطويل]
مرمّون من قبل اللقاء مهابة ... إذا رقموا باب الطّراف الممدّد
من قول جرير: [من الطويل]
مرمّون من ليث عليه مهابة ... تفادى الأسود الغلب منه تفاديا
(9) وقوله: [من الوافر]
أروني من يقوم لكم مقامي ... أروني من يقول لكم مقالي
فقوله: أروني من يقوم لكم مقامي، هو صدر بيت لجرير: [من الوافر]
أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
(10) وقوله: [من الكامل]
لا تبعدنّ وأين قربك بعدها ... إن المنايا غاية الإبعاد
من قول مالك بن الريب: [من الطويل]
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا
(7/306)

«1225» .- (11) وقوله: [من الكامل]
قرف على قرح تقادم عهده ... إنّ القروف على القروح لأوجع
من بيت الحماسة المشهور: [من الطويل]
فلم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
(12) وقوله: [من البسيط]
فكاذب النفس يمتدّ الرجاء لها ... إنّ الرجاء بصدق النّفس ينقطع
من قول لبيد: [من الرمل]
واكذب النّفس إذا حدّثتها ... إنّ صدق النّفس يزري بالأمل
(13) وقوله: [من الخفيف]
وندامى تفرّقوا بعد إلف ... شغلوا الدمع بعدهم أن يعارا
وهو قول الشمردل اليربوعي بعينه: [من الطويل]
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله
(14) وقوله في صفة الخيل: [من الطويل]
خوارج من ذيل الغبار كأنّها ... أنامل مقرور دنا النار صاليا
هو بيت الأسعر بن [أبي] حمران الجعفي في مثله: [من الكامل]
(7/307)

يخرجن من خلل الغبار عوابسا ... كأنامل المقرور أقعى فاصطلى
«1225» .- (15) وقوله: [من الكامل المجزوء]
مستلأمين بها كأنّ ... رؤوسهم بيض النعام
وهو قول النابغة: [من الوافر]
فصبّحهم ململمة رداحا ... كأنّ رؤوسهم بيض النعام
(16) وقوله: [من الطويل]
وما كنت إلّا كالثريّا تحلّقا ... يدفّ على آثارها دبرانها
من قول ذي الرمة: [من الطويل]
يدفّ على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق
(17) وقوله: [من الكامل]
هنّ القسيّ من النحول فإن سما ... طلب فهنّ من النجاء الأسهم
أخذه من قول البحتري وإن كان زاد في المعنى ونقص: [من الخفيف]
كالقسيّ المعطفات بل ... الأسهم مبرية على الأوتار
(18) وفي هذه القصيدة يقول يصف الدرع [1] : [من الكامل]
__________
[1] م: الدروع.
(7/308)

من كل ضاحكة القتير كأنّها ... برد أعاركها [1] الشجاع الأرقم
نقله من محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي في قوله يصفها: [من الكامل]
وعليّ سابغة الدروع كأنها ... سلخ كسانيه الشجاع الأرقم
«1225» .- (19) ومن ذلك قوله: [من السريع]
إصلاحك المال ابن عمّ الغنى ... والبخل خير من سؤال البخيل
وهو مسلوخ من قول ابن المعتز: [من السريع]
فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل
(20) وقوله: [من الطويل]
فما آب حتى استفزع المجد كلّه ... شروب على غيظ الرجال أكول
منقول من قول الأقرع بن معاذ: [من الطويل]
متين حبال الودّ مطّلع العدى ... أكول على غيظ الرجال شروب
(21) ومن ذلك قوله: [من الكامل المجزوء]
يا حسنكم في الدهر أذ ... نابا وأقبحكم رؤوسا
من قول الأوّل: [من المتقارب]
فيا قبحهم في الذي خوّلوا ... ويا حسنهم في زوال النّعم
__________
[1] الديوان: أعاركه.
(7/309)

1226- وأبو الطيب المتنبي، مع فضله المشهور، وبحره الغزير، وأخذه برقاب الكلام، ووقوفه على دقائق المعاني، واتيانه بها في أبهج رونق وأصفى سبك وأرقّ لفظ، وعلى ما في شعره من الحكم والأمثال السائرة، يغلط ويحيل ويجيء بالمعنى الشنيع واللفظ الرّذل، ثم لا يتصفّحه فيسقطه أو ينبّه عليه من بعد فيضعه.
(1) فمن غلطه قوله: [من الكامل]
ملك زهت بمكانه أيامه ... حتى افتخرن به على الأيّام
وإنما هو زهيت، يقال: زهيت علينا يا رجل، وزها النبت إذا اصفرّ وظهر زهوه أي صفرته، وزها البسر وأزهى إذا احمرّ وإذا اصفرّ. وفي الخبر أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى عن بيع التمر حتى يزهو، ويروى حتى يزهي، والزّهو البسر والزّهو أيضا الكذب.
«1226» -. (2) وقوله: [من الكامل]
وصلت إليك يد سواء عندها ال ... بازيّ الاشهب والغراب الأبقع
وهو البازي غير مشدّد، وقد وصل ألف القطع في قوله «الاشهب» وإنما احتذى في البازيّ قول البحتري: [من الخفيف]
وبياض البازيّ أحسن لونا ... إن تأمّلت من سواد الغراب
وحكمها في هذا الإخلال عند من أخذه عليهما واحد.
(3) وأخذ على المتنبي قوله: [من الكامل]
وقتلن دفرا والدّهيم فما ترى ... أمّ الدّهيم وأمّ دفر هابل
والدّهيم اسم الداهية، وأصل ذلك ناقة اسمها الدهيم حملت رؤوس قتلى
(7/310)

جماعة إلى أبيهم؛ والعرب تسمي الدنيا أمّ دفر لما فيها من المزابل والدّفر النتن، فجعل المتنبي الدفر الداهية ووهم في ذلك.
«1226» .- (4) وقوله: [من الخفيف]
لأمة فاضة أضاة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داود
والمسموع مفاضة ولم تقل العرب فاضة.
(5) وقوله: [من الطويل]
فأرحام شعر يتّصلن لدنّه ... وأرحام مال ما تني تتقطّع
فقالوا: لم تقل العرب لدنّ بالتشديد.
(6) وعيب في القوافي بقوله: [من الكامل]
أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه ... تأتي الندى ويذاع عنك فتكره
وإذا رأيتك دون عرض عارضا ... أيقنت أنّ الله يبغي نصره
فإنه إن جعل الهاء حرف الرّويّ لم يجز لأن هاء الضمير لا تكون رويّا إلّا إذا سكّن ما قبلها، وإن جعل الراء الرويّ- وهو أولى- جاءه الخلل في التصريع بأشبه في البيت الأول.
(7) وأحال في قوله: [من البسيط]
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
وغير شيء معناه المعدوم، والمعدوم لا يرى.
(7/311)

«1226» .- (8) وأحال في قوله: [من الخفيف]
يفضح الشمس كلّما ذرّت ... الشمس بشمس منيرة سوداء
(9) وفي قوله أيضا: [من الطويل]
وإن نلت ما أمّلت منك فربّما ... شربت بماء يعجز الطير ورده
فجعله في عسر المنال كالماء الذي يعجز الطير أن يرده فأحال المدح هجوا.
(10) وسقط في مواضع كثيرة، فمن ذلك قوله في سيف الدولة:
[من الطويل]
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
أراد أن يمدحه فنسب به.
(11) وقوله فيه: [من الطويل]
فإن كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
(12) وقوله: [من الكامل]
إنّي على شغفي بما في خمرها ... لأعفّ عما في سراويلاتها
فافتضح مع قول الرضيّ رضي الله عنه من بعده: [من الطويل]
يحنّ إلى ما تضمر الخمر والحلى ... ويصدف عما في ضمان المآزر
(7/312)

«1226» . (13) وقوله: [من البسيط]
العارض الهتن بن العارض الهتن ... بن العارض الهتن بن العارض الهتن
(14) وقوله: [من الكامل]
فكأنّه حسب الأسنّة حلوة ... أو ظنّها البرنيّ والآزاذا
(15) وقوله: [من الكامل]
«قلق المليحة وهي مسك هتكها»
(16) وقوله: [من مخلع البسيط]
ماذا يقول الذي يغنّي ... يا خير من تحت ذي السماء
(17) وقوله: [من الكامل]
أنّى يكون أبا البريّة آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمّد
تقدير الكلام: كيف يكون آدم أبا البريّة وأبوك محمد وأنت الثقلان، يعني الإنس والجنّ، وآدم واحد من الإنس، وقد فصل بين المبتدأ الذي هو «أبوك» وبين الخبر الذي هو «محمد» بالجملة التي هي «والثقلان أنت» ، وهذا تعسف قبيح.
(18) ويناسبه قوله: [من الطويل]
حملت إليه من ثنائي حديقة ... سقاها الحجى سقي الرياض السحائب
(7/313)

أراد سقي السحائب الرياض. وليس كلّ ما استعملته العرب يحسن استعماله بالمحدثين.
«1226» .- (19) ومثله من شعره: [من الكامل]
فتبيت تسئد مسئدا في نيّها ... إسآدها في المهمه الإنضاء
تقديره: مسئدا في نيّها الإنضاء إسآدها في المهمه. وقد كان يكفيه في هذا البيت التكرير الذي لا فائدة فيه حتى أضاف إليه هذا التعقيد في التقديم والتأخير.
(20) ومن الساقط المستهجن قوله: [من الوافر]
جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا
(21) فأما ما اقتبس معناه واحتذى فيه على مثال من تقدّمه فكثير، ولا يعدّ عيبا، إنما اعتدّه عليه ضدّ أو شانىء. والمعاني ليست مملوكة، وأولى الناس بها من كساها لفظا رائقا وكملها وأحسن مجتلاها.
(22) وقد تتوارد الخواطر في المعاني فلا ينسب الثاني إلى السرقة ما كانت مصالتة لفظا ومعنى، أو بيتا كاملا، كما أخذ الفرزدق، وكما قيل في بيت أبي تمام: [من الطويل]
وأحسن من نور تفتّحه الصّبا ... بياض العطايا في سواد المطالب
إنه مأخوذ من قول الأخطل: [من الطويل]
رأين بياضا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب
(7/314)

ويقول من يتعصب لأبي تمام: إن هذا البيت مصنوع ولم يصحّ [1] عن الأخطل، وهذا الأصح، فإنّ ديوانه لم يتضمّنه ولا وجد في نسخة من النسخ.
لكن قد قال العمّي [2] في ذكر الشيب: [من الطويل]
رأين بياضا في سواد كأنّه ... بياض العطايا في سواد المطالب
«1226» .- (23) ومن سقطات المتنبي: [من الطويل]
ولا واحدا في ذا الورى بل جماعة ... ولا البعض من كلّ ولكنك الضعف
ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضّعف بل مثله ألف
أقاضينا هذا الذي أنت أهله ... غلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف
(24) ومن معانيه المسروقة المنقولة في أفحش لفظ وأهجنه قوله:
[من الوافر]
ونهب نفوس أهل النّهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
وأصله قول عمرو بن كلثوم: [من الوافر]
فآبوا بالنّهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا
وأخذ المعنى أبو تمّام، لكنه زاد وبيّن وهذّب اللفظ فقال: [من البسيط]
إن الأسود أسود الغاب همّتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السّلب
__________
[1] م: ولم تصحّ الرواية فيه.
[2] م: العتبي.
(7/315)

«1226» .- (25) وممّا استهجن لفظه وبعد عن الاستعمال ومجّته الأسماع قوله:
[من الكامل]
ولديه ملعقيان والأدب المفا ... د وملحياة وملممات مناهل
(26) وقوله: [من الكامل]
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغرّ دلائل
(27) وقوله: [من الوافر]
أروض الناس من ترب وخوف ... وأرض أبي شجاع من أمان
(28) وقوله: [من الخفيف]
كل آخائه كرام بني ... الدنيا ولكنه كريم الكرام
(29) وقوله: [من الكامل]
لو لم تكن من ذا الورى اللّذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حوّاء
(30) ويجري مجراه في ركاكة لفظه والتكرير الذي لا معنى تحته إلا العيّ قوله: [من الطويل]
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنّه بي جاهل
(31) وقوله: [من الطويل]
(7/316)

فقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهنّ قلاقل
«1226» .- (32) وقوله: [من الوافر]
وأفقد من فقدنا من وجدنا ... قبيل الفقد مفقود المثال
(33) وقوله: [من الطويل]
«وطعن كأنّ الطعن لا طعن عنده»
(34) وقد خرّج متتبّعوه معاني من شعره مترذلة، اقتصرت منها على قوله مضافا إلى ما سبق في أول هذا الفصل: [من البسيط]
لو استطعت ركبت الناس كلّهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
(35) وله وقد جمع قبح اللفظ وبرد المعنى: [من الكامل]
إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام
(36) وقوله: [من الكامل]
خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا
(37) وعيب عليه قوله في صفة فرس: [من الرجز]
«وزاد في الأذن على الخرانق»
، وهو الأرنب، فدلّ على جهله بالخيل والمستحسن من صفاتها والمستقبح. وإنما توصف بصغر الأذن ودقتها، وهي
(7/317)

ضدّ صفة الأرنب.
«1226» .- (38) وأخذ عليه في العروض استعماله فاعلاتن في عروض الرّمل في أبيات كثيرة غير مصرّعة من قصيدة أولها: [من الرمل]
إنّما بدر بن عمّار سحاب ... هطل فيه ثواب وعقاب
فجاء به على تمام الدائرة، ولم تستعمله العرب، وإنما جاء في شعرها على فاعلن.
(39) ومنه قوله: [من الطويل]
تفكّره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف
فجاء في عروض الطويل مفاعيلن ولم يرد في أشعار العرب إلا مفاعلن إلا في التصريع.
(7/318)

نوادر من هذا الباب
«1227» - قيل لم ير الأحنف ضجرا قطّ إلا مرة واحدة، فإنه أعطى خياطا قميصا يخيطه فحبسه حولين، فأخذ الأحنف بيد ابنه بحر، فأتى به الخياط وقال: إذا متّ فادفع القميص إلى هذا.
«1228» - قال أبو حاتم: كنت أقرأ شعر المتلمّس على الأصمعي فانتهينا إلى قوله: [من البسيط]
أغنيت شأني فأغنوا اليوم شأنكم ... واستحمقوا في هراس الحرب أو كيسوا
فغلطت فقلت أغنيت شاتي، فقال الأصمعي: فأغنوا اليوم تيسكم، وأشار إليّ، فضحك جميع الحاضرين.
«1229» - قيل إنّ عبد الله بن أحمد بن حنبل قرأ في الصلاة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
، فقيل له: أنت وأبوك في طرفي نقيض، زعم أبوك أن القرآن ليس بمخلوق، وقد جعلت أنت ربّ القرآن مخلوقا.
«1230» - قال بعضهم: سمعت ابن شاهين المحدّث في جامع المنصور يقول في الحديث: نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلم عن تشقيق الحطب، فقال بعض الملاحين: يا قوم فكيف نعمل والحاجة ماسة. وهو تشقيق الخطب.
(7/319)

«1231» - قال: وسمعته مرّة أخرى وهو يفسّر قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
(المدثر: 4) ، قال: قيل لا تلبسها على غدرة، وإنما هو عذرة.
1232- كان عند عمر بن عبد العزيز رجلان، فجعلا يلحنان، فقال الحاجب: قوما فقد أوذيتما أمير المؤمنين، فقال عمر أنت والله أشدّ أذى لي منهما.
1233- خرج إسحاق بن مسلم العقيلي مع المنصور إلى مكة فأمعن في السير وطوى المراحل، فقال إسحاق: إنّا قد هلكنا يا أمير المؤمنين، فما هذه العجلة؟ قال: نخاف أن يفوتنا الحجّ، فقال: اكتب إليهم ليؤخّروه عشرة أيام.
«1234» - قيل للنسّابة البكريّ: يا أبا ضمضم، آدم من أبوه؟ فحمله استقباح الجهل عنده حتى أن قال: آدم بن الصاء بن الحملح وأمّه صاعدة بنت فرزام. فتضاحكت العرب.
1235- محمد بن وهيب الحميري يذكر داخلا فيما لا يحسنه وليس بمن شأنه: [من الطويل]
تشبّهت بالأعراب أهل التّعجرف ... فدلّ على مثواك قبح التكلّف
لسان عراقيّ إذا ما صرفته ... إلى لغة الأعراب لم يتصرّف
1236- قرأ الرشيد ليلة: وما لي لا أعبد الذي فطرني، فأرتج عليه، فأخذ يردد وابن أبي مريم بقربه في الفراش، فقال: لا أدري والله لم لا تعبده.
فضحك الرشيد وقطع صلاته.
1237- مدح عليّ بن الجهم المتوكّل بقصيدة قال في أولها:
(7/320)

[من الكامل]
الله أكبر والنبيّ محمّد ... والحقّ أبلج والخليفة جعفر
فاستبرد هذا اللفظ والافتتاح. وقال فيه مروان ابن أبي الجنوب- ويقال ابن أبي الحكم- يهزأ به: [من الطويل]
أراد عليّ أن يقول قصيدة ... بمدح أمير المؤمنين فأذّنا
(7/321)

الباب الخامس والثلاثون في أخبار العرب الجاهلية وأوابدهم، وغرائب من عوائدهم
وجمل من بلاغتهم، وعجائب من أكاذيبهم، وفنون من سيرهم ووقائعهم
(7/323)

[خطبة الباب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين اللهمّ إنّا نحمدك على ما هديتنا له من الإيمان واليقين، وحملتنا عليه من الصّراط الواضح المبين، وأنقذتنا من عمى الجهالة، ونجّيتنا من الزّيغ والضّلالة، وأريتنا من الآيات في أنفسنا فأبصرنا، ووقفتنا عليه من المعجزات فأقصرنا، حمدا يزيدنا من توفيقك وتسديدك، ويقف بنا عند أوامرك وحدودك، ونسألك الصّلاة على نبيّك العربيّ، ورسولك الأميّ، الذي بعثته والعرب في جاهليّة جهلاء، وعلى سبيل من الضّلال عمياء، فردّهم عن زيغ الطغيان إلى سنن الإيمان، وشرّد بالأنصاب [1] التي اتخذوها آلهة والأوثان، ونقلهم من ذلّ دين الآباء إلى عزّ الإسلام، وعدل بهم عن جماح الإباء إلى ذلّ الاستسلام، وعلى آله وأصحابه الذين قمع بهم أهل [2] العناد، وجمع بهم كلمة الرشاد، آمين.
__________
[1] ر: بالأباليس.
[2] أهل: من م.
(7/325)

[مقدمة الباب]
(الباب الخامس والثلاثون في أخبار العرب الجاهلية وأوابدهم، وغرائب من عوائدهم، وجمل من بلاغتهم، وعجائب من أكاذيبهم، وفنون من سيرهم ووقائعهم) للعرب أوابد وعوائد كانوا يرونها دينا، وضلالا يعتقدونه هدى، وقد دلّ على بعضها القرآن، وأكذب الله عزّ وجلّ دعاويهم فيها.
«1238» - فمن ذلك قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
(المائدة: 103) .
قال أهل اللغة: البحيرة ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي شقّوها، وامتنعوا من ذكاتها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من مرعى. وكان الرجل إذا أعتق عبدا وقال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وأما الوصيلة ففي الغنم، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا يجعلونه [1] لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم. وأما الحامي فالذكر من الإبل، كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا حمى ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى.
__________
[1] ر: جعلوه.
(7/326)

«1239» - قوله عزّ وجل: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
(المائدة: 90) . فالخمر ما خامر العقل، ومنه سمّيت الخمر، والميسر القمار كلّه. وأصله أنه كان قمارا في الجزور سأشرحه بعد تمام التفسير. والأنصاب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان، الواحد نصاب، وجمعه نصب، والأنصاب جمع نصب. والأزلام واحدها زلم وزلم، وهي سهام كانت لهم مكتوب على بعضها: «أمرني ربّي» ، وعلى بعضها «نهاني ربّي» . وروي أنّهم كان لهم آخر مكتوب عليه «متربّص» ، فإذا أراد الرجل سفرا أو أمرا هو مهتمّ به ضرب بتلك القداح، فإذا خرج سهم الأمر مضى لحاجته، وإذا خرج الناهي لم يمض في أمره.
1240- القداح عشرة؛ ذوات الحظّ منها سبعة وهي: الفذّ، والتّوأم، والرّقيب ويسمّى الضريب، والحلس، والنّافس، والمسبل، ويسمّى المصفح، والمعلّى؛ وثلاثة أغفال لا حظوظ لها وهي: السّفيح والمنيح والوغد. والمنيح له مواضع يمدح فيها ويذمّ. فالمذموم الذي لا حظّ له، والممدوح قدح يمنح أي يستعار فيدخل في القداح ثقة بفوزه أيّ قدح كان من السبعة، ويسمّى المستعار أيضا، والشجير والغريب، ومنه قول المنخّل اليشكريّ [1] : [من الكامل المجزوء]
بمري قدحي أو شجيري
وللفذّ نصيب واحد، ولكلّ واحد واحد يلي الآخر زيادة عليه بنصيب، حتى تكون للسابع سبعة أنصبة على كلّ قدح فرض بعدد أنصبائه.
__________
[1] الأغاني 21: 9 والبيت كاملا:
ألفيتني هش اليدين ... بمري قدحي أو شجيري
(7/327)

والفرض: الحزّ وربما كانت العلامات بالنار، فتلك يقال لها القرم، الواحدة قرمة، وهي السمة؛ واللواتي بلا حظوظ لا علامة عليها، ولذلك تدعى الأغفال، وإنما تجعل الأغفال بين ذوات الحظوظ لتجول فيها فيؤمن من معرفة الضارب بها. والقداح متشابهة المقادير كالنّبل، والسهم إذا لم يكن له نصل ولا ريش فهو قدح، فإذا كان ذا نصل وريش فهو سهم.
والأيسار سبعة على عدد القداح، وربما كانوا أقلّ من سبعة لأنّ الرجل يأخذ قدحين أو ثلاثة، فيكون عليه غرم الخائب يحتمله لجوده ويساره، وله حظّ الفائز منها؛ وإنما يأخذون القداح على أحوالهم ويسارهم، فالقدح لا يكثر غنمه ولا غرمه، لأنه يأخذ حظّا واحدا ويغرم واحدا. وكانوا إذا أرادوا أن ييسروا ابتاعوا ناقة بثمن مسمّى وضمنوه لصاحبها، ولم يدفعوا إليه شيئا حتى يضربوا فيعلموا على من يجب الثمن فينحرون [1] قبل أن ييسروا وتقسم عشرة أقسام: فأحد الوركين جزء، والآخر جزء، والمنهل جزء، والكاهل جزء، والزور جزء، والملحاء [2] جزء، والكتفان جزء وهما العضدان، والذراع جزءان، وأحد الفخذين جزء والآخر جزء؛ ثم يعمدون إلى الطفاطف، وفقر الرقبة فتفرّق على تلك الأجزاء بالسواء، فإن بقي عظم أو بضعة بعد القسم، فذلك الرّيم وهو للجازر، وسمّي بذلك لأنه فصله، والرّيم العلاوة توضع فوق الجمل، وقال الشاعر [3] : [من الطويل]
وكنت كعظم الرّيم لم يدر جازر ... على أيّ بدأي مقسم اللحم يجعل
فالبدء النصيب، ويستثني بائع الناقة لنفسه، وأكثر ما يستثنى الرأس والأطراف والفرث.
__________
[1] م: ثم ينحرون.
[2] الملحاء: لحم في الصلب من الكاهل إلى العجز من البعير.
[3] في اللسان (ريم) لشاعر من حضرموت؛ وروايته «وكنتم ... » .
(7/328)

وربما ضربوا القداح على الإبل، وجعلوا مكان كلّ جزء من أعشار البعير جزورا أو ما شاءوا من مضاعفة العدد. وإذا أرادوا أن يفيضوا بالقداح أحضروا رجلا يسمّونه الحرضة، لأنه نذل من الرجال لا يأكل لحما بثمن، إنما يستطعمه، فشدّوا عينيه ثم ألقوا على يديه مجولا، وهو ثوب أبيض، لئلا يفهم مجسّة [1] القداح ويعصب على يديه الرّبابة، وهي سلفة فيها القداح كالخريطة الواسعة تستدير فيها القداح وتستعرض وتجلجل، ومخرجها يضيق عن أن يخرج منه قدحان، ويؤتى برجل فيقعد أمينا عليها يقال له الرقيب.
قال أبو ذؤيب يذكر حميرا [2] : [من الكامل]
فوردن والعيّوق مقعد رابىء الض ... ضرباء خلف النّجم لا يتتلّع
النجم ها هنا الثريّا، شبّه العيوق وراءها برابىء الضّرباء وهو الرقيب، لأنه يربأ أي يشرف، فإذا قعد قعد الرّقيب وراءه بعد شدّ عينيه وشدّ الرّبابة على يديه.
وقيل جلجل، فيجلجلها مرتين أو ثلاثا، ثم يفيضها؛ والإفاضة أن يدفعها دفعة واحدة إلى قدّام ليخرج منها قدح، وكذلك الإفاضة من الحجّ، إنما هي من عرفات للدفع إلى جمع. فإذا برز منها قدح قام الرّقيب فأخذه ونظر إليه، فإن كان غفلا ردّه في الرّبابة وقال للحرضة: جلجل، وكان الخارج لغوا لا غنم فيه ولا غرم، وإن كان من السبعة دفعه إلى صاحبه فأخذ نصيبه، ثم تعاد الجلجلة والإفاضة، فإذا خرج من القداح ما يستوعب جميع الأعشار قطع الإفاضة، وكان ثمن الجزور على الذين لم تخرج قداحهم موزّعا في قدر سهامهم إن استوت حظوظ السّهام والأعشار، فإن زادت الحظوظ الخارجة عن عشرة كان غرم الزيادة لأرباب القداح الفائزة على من لم تخرج قداحه مع ثمن الجزور على قدر سهامهم أيضا، وربما حضر بعد فوز الواحد والاثنين من يسألهم أن
__________
[1] نهاية الأرب (3: 119) : مسّ.
[2] من عينيته (ديوان الهذليين 1: 6) واللسان (عوق) .
(7/329)

يدخل قدحه في قداحهم فيفعلون، وهذا يعدّونه من شريف فعالهم لأنه من كرم النفس وسعة الخلق.
قال المرقش: [من الطويل]
جديرون أن لا يحبسوا مجتديهم ... للحم وأن لا يدرءوا قدح رادف
الرادف الذي يجيء بعد إغلاق الخطر.
«1241» - وأد البنات: ومن أوابدهم وأد البنات، نهاهم الله عزّ وجلّ عنه في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
(الإسراء: 31) . وكانوا يقتلونهنّ كما ذكر تعالى خشية إملاق، وقد ذكر أنّهم كانوا يقتلونهنّ خوف العار وأن يسبين وليس يمتنع وقوع السبّبين [1] ، وقد جاءت أخبارهم دالّة عليهما.
وكان قيس بن عاصم المنقريّ يئد بناته، وكان من وجوه قومه له من المال ما شاء.
فمن قتلهم إيّاهنّ خشية الإملاق ما روي عن صعصعة بن ناجية المجاشعيّ جدّ الفرزدق أنه لما أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إني كنت أعمل عملا في الجاهلية، فينفعني ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ قال: أضللت ناقتين عشراوين، فركبت جملا ومضيت في بغائهما فرفع لي بيت جريد فقصدته، فإذا رجل جالس بفناء الدار، فسألته عن الناقتين فقال: ما تارهما؟ قلت: ميسم بني دارم، قال: هما عندي، وقد أحيا الله بهما قوما من أهلك من مضر. فجلست معه فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال لها: ما وضعت فإن كان سقبا
__________
[1] م: الشيئين.
(7/330)

شاركنا في أموالنا، وإن كانت حائلا وأدناها، فقالت العجوز: وضعت أنثى، قلت: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟ قال، قلت: وإنما أشتري حياتها ولا أشتري رقّها، قال: فبكم؟ قلت: احتكم، قال: بالناقتين والجمل، قلت: ذلك لك على أن يبلغني الجمل وإيّاها، قال: ففعل. فآمنت بك يا رسول الله وقد صارت لي سنّة على أن أشتري كلّ موؤدة بناقتين عشراوين وجمل، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موؤدة قد أنقذتها. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لا ينفعك ذلك لأنك لم تبتغ به وجه الله عزّ وجلّ، وإن تعمل في إسلامك عملا صالحا تثب عليه، فذلك قول الفرزدق يفتخر به: [من المتقارب]
وجدّي الذي منع الوائدين ... وأحيا الوئيد فلم توءد
وفاخر الفرزدق رجلا عند بعض خلفاء بني أميّة فقال: أنا ابن محيي الموتى، فأنكر ذلك من قوله، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
(المائدة: 32) وجدّي منع من وأد البنات واشتراهنّ بماله، فذلك الإحياء، فقال الخليفة: إنك مع شعرك لفقيه.
قوله: عشراوان، العشراء الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر، وحمل الناقة سنة، وقد تسمّى النّوق بعدما تضع عشارا، والجريد المنفرد، يقال انجرد الجمل إذا انتحى عن الإناث فلم يترك معها. وقوله: وإن كان سقبا وإن كانت حائلا، قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة فولدها سليل قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى، فإذا علم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمّه مسقب، وإن كانت أنثى فهي حائل وأمّها أمّ حائل، قال الهذليّ [1] : [من الطويل]
فتلك التي لا يبرح القلب حبّها ... ولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل
وهي مؤنث، وقد آنثت أي جاءت بأنثى، وقد أذكرت فهي مذكر إذا
__________
[1] هو أبو ذؤيب، انظر: ديوان الهذليين 1: 145.
(7/331)

جاءت بذكر، وإن كان من عادتها أن تضع الإناث فهي مئناث، وإن كان من عادتها أن تضع الذكور فهي مذكار، وإذا قوي ومشى مع أمّه فهو راشح، والأم مرشح، وإذا حمل في سنامه شحما فهو محدود معكر، ثم هو ربع، وسئل العجاج عن الرّبع، فقال: الرّبع ما نتج في أوّل الربيع والهبع ما نتج في آخره، فإذا مشى الهبع مع الرّبع أبطره ذرعا فهبع بعنقه أي استعان به. ثم هو حوار، فإذا فصل عن أمّه- والفصال الفطام- فهو فصيل والجمع فصلان، ومنه الحديث: «لا رضاع بعد فصال» . فإذا أتى عليه حول فهو ابن مخاض، وإنما سمّي ابن مخاض لأنّ أمّه لحقت بالمخاض وهي الحوامل، وإن لم تكن حاملا، فإذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون، وإنما سمّي ابن لبون لأنّ أمّه كانت من المخاض في السنة الثانية، فإذا وضعت في الثالثة، فصار لها ابن فهي لبون، وهو ابن لبون، فلا يزال كذلك حتى يستكمل الثالثة، فإذا دخل الرابعة فهو حينئذ حقّ، والأنثى حقّة لأنها قد استحقّت أن يحمل عليها وتركب، فإذا استكمل الرابعة ودخل في الخامسة فهو جذع، والأنثى جذعة، فإذا دخل في السادسة فهو ثنيّ والأنثى ثنيّة، فإذا دخل في السابعة فهو رباع والأنثى رباعيّة، فإذا دخل في الثامنة فهو سديس وسدس، والأنثى سديسة. فإذا دخل في التاسعة وبزل نابه يبزل فهو بازل، يقال بزل نابه يبزل بزولا وشقأ يشقأ شقوءا، أو شقأ وشقىء أيضا، وشقّ يشقّ شقوقا، وفطر يفطر فطورا، وبزغ وصبأ وعرد عرودا، فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، ثم ليس له اسم بعد الإخلاف، ولكن يقال بازل عام وبازل عامين ومخلف عام ومخلف عامين.
«1241» ب- وممّن ذكر أنّ الوأد كان خوف العار أبو عبيدة معمر بن المثنّى قال: منعت تميم النعمان بن المنذر الإتاوة وهي الأربان، فوجّه إليهم أخاه الريّان بن
(7/332)

المنذر، وكانت للنعمان خمس كتائب: إحداهنّ الوضائع، وهم قوم من الفرس، كان كسرى بعثهم عنده عدّة ومددا، فيقيمون سنة عند الملك من ملوك لخم، فإذا كان رأس الحول ردّهم إلى أهليهم وبعث بمثلهم؛ وكتيبة يقال لها الشهباء وهي أهل بيت الملك، وكانوا بيض الوجوه يسمّون الأشاهب؛ وكتيبة ماكثة يقال لها الصنائع، وهم صنائع الملك، أكثرهم من بكر بن وائل؛ وكتيبة رابعة يقال لها الرهائن، وهم قوم كان يأخذهم من كلّ قبيلة فيكونون رهنا عنده، ثم يوضع مكانهم مثلهم؛ والخامسة دوسر، وهي كتيبة ثقيلة تجمع فرسانا وشجعانا من كلّ قبيلة. فأغزاهم أخاه وكلّ من معه من بكر بن وائل، فاستقاق النّعم وسبى الذراري، فوفدت إليه بنو تميم، فلما رآها أحبّ البقيا فقال النعمان: [من البسيط]
ما كان ضرّ تميما لو تعمّدها ... من فضلنا ما عليه قيس عيلان
فأثاب [1] القوم وسألوه النساء، فقال النعمان: كلّ امرأة اختارت أباها تركت عليه، فكلّهن اخترن آباءهنّ إلّا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو ابن المشمرج، فنذر قيس ألّا يولد له ابنة إلا قتلها، واعتلّ بهذا من وأد وزعم أنّه أنفة وحميّة.
وبمكّة جبل يقال له أبو دلامة كانت قريش تئد فيه البنات، وخبر قيس مع النبي صلّى الله عليه وسلم في ذلك قد ذكر في موضع آخر.
«1242» - قوله عزّ وجلّ: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
(التوبة:
37) ، النسيء تأخير الشيء، وكانوا يحرّمون القتال في المحرّم، ثم إذا عزموا أن يقاتلوا فيه جعلوا صفرا كالمحرّم وقاتلوا في المحرّم وأبدلوا صفرا منه. فأعلم الله عزّ وجلّ أنّ ذلك زيادة في كفرهم ليواطئوا عدّة ما حرّم الله، فيجعلوا صفرا
__________
[1] نهاية: فأناب.
(7/333)

كالمحرّم في العدد، ويقولون: إنّ هذه أربعة أشهر بمنزلة أربعة، والمواطأة المماثلة والموافقة. والأشهر الحرم: المحرّم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
«1243» - الرّتم شجر معروف. كانت العرب إذا خرج أحدهم إلى سفر عمد إلى هذا الشجر فعقد غصنا منه بغصن، فإذا عاد من سفره إن وجده قد انحلّ قال: قد خانتني امرأتي، وإن وجده على حاله قال: لم تخنّي. وذلك قول الشاعر: [من الرجز]
هل ينفعنك اليوم إن همّت بهمّ ... كثرة ما توصي وتعقاد الرّتم
«1244» - البليّة: ناقة. كانت العرب إذا مات أحدهم عقلوا ناقة عند قبره وشدّوا عينيها حتى تموت، يزعمون أنه إذا بعث من قبره ركبها، وذلك قول الحارث بن حلّزة اليشكريّ: [من الخفيف]
أتلهي بها الهواجر إذ كل ... ل ابن همّ بليّة عمياء
«1245» - اغلاق الظهر: كان الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة عمد إلى البعير الذي أمأت به فأغلق ظهره لئلا يركب ويعلم أنّ صاحبه تمأى، وإغلاق ظهره أن ينزع سناسن فقره ويعقر سنامه.
«1246» - التعمية والتفقئة: كان الرجل إذا بلغت إبله ألفا فقأ عين الفحل، يقول إنّ ذلك يدفع عنها العين والغارة. قال الشاعر: [من الرجز]
وهبتها وأنت ذو امتنان ... تفقأ فيها أعين البعران
فإذا زادت الإبل على الألف فقأ العين الأخرى فهو التعمية.
(7/334)

«1247» - العتيرة: كان الرجل منهم يأخذ الشاة فيذبحها ويصبّ دمها على رأس صنم، وتسمّى الشاة العتيرة والمعتورة، وذلك يكون في رجب، وفيهم من يضنّ بالشاة فيذبح عنها الظّباء، وذلك قول الحارث بن حلّزة: [من الخفيف]
عنتا باطلا وزورا كما تع ... تر عن حجرة الرّبيض الظّباء
«1248» - العرّ: داء يأخذ الإبل شبيه بالجرب، كانوا يكوون السليم ويزعمون أنّ ذلك يبرىء ذا العرّ، وذلك قول النابغة: [من الطويل]
حملت عليّ ذنبه وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
«1249» - ضرب الثور عن البقر: كانوا إذا امتنعت البقر من شرب ضربوا الثور، ويزعمون أنّ الجنّ تركب الثيران فتصدّ البقر عن الشرب، وذلك قول الشاعر: [من البسيط]
كالثور يضرب لما عافت البقر
«1250» - عقد السّلع والعشر: كانوا إذا استمطروا في الجدب يعمدون إلى البقر فيعقدون في أذنابها السّلع والعشر، ثم يضرمون فيها النار ويصعدونها في الجبل، ويزعمون أنهم يمطرون في الوقت.
«1251» - دائرة المهقوع: وهو الفرس الذي به الدابرة التي تسمّى الهقعة، يزعمون أنه إذا عرق تحت صاحبه اغتلمت حليلته وطلبت الرجال، قال الشاعر: [من الطويل]
(7/335)

إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حرّا عجانها
«1252» - وطء المقاليت: المقلات التي لا يعيش لها ولد، يزعمون أنّ المرأة المقلات إذا وطئت قتيلا شريفا عاش أولادها. قال بشر بن أبي خازم:
[من الطويل]
تظلّ مقاليت النّساء يطأنه ... يقلن ألا يلقى على المرء مئزر
«1253» - الهامة: زعموا أنّ الإنسان إذا قتل ولم يطلب بثأره خرج من رأسه طائر يسمّى الهامة، وصاح على قبره: أسقوني! إلى أن يدرك ثأره، وذلك قول ذي الإصبع: [من البسيط]
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث [1] تقول الهامة اسقوني
«1254» - الصّفر: زعموا أنّ الإنسان إذا جاع عضّ على شرسوفه الصّفر، وهي حية تكون في البطن، وذلك قول أعشى باهلة، ويروى لأخت المنتشر الباهلي: [من البسيط]
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ... ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر
«1255» - تثنية الضربة: زعموا أنّ الحية تموت من أوّل ضربة فإذا ثنّيت عاشت، قال تأبّط شرّا: [من الوافر]
فقالت عد رويدك قلت إني ... على أمثالها ثبت الجنان
__________
[1] نثر والنهاية: حتى.
(7/336)

«1256» - حيض الضبع: يقولون إنّ الضبع تحيض وإنها تنتاب جيف القتلى فتركب كمرها، وحملوا قول الشاعر على هذا: [من المديد]
تضحك الضّبع لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهلّ
وللعرب أقوال وأفعال تناسب هذه الأوابد وهي دونها في الاشتهار والالتزام.
«1257» - كانوا يقولون: من علّق عليه كعب الأرنب لم تصبه عين ولا سحر، وذلك أنّ الجنّ تهرب من الأرنب لأنها تحيض وليست من مطايا الجنّ.
وقيل لبعضهم: أحقّ ما يقولون: إنّ من علّق على نفسه كعب أرنب لم يقربه جنّان الحيّ وعمّار الدار؟ قال: إي والله! وشيطان الحماطة وجانّ العشيرة وغول القفر وكلّ الخوافي، إي والله! ويطفىء عنه نيران السعالي.
«1258» - وزعموا أنّ الإنسان إذا غشي ثم قلي له سنام وكبد فأكله، فكلما أكل لقمة مسح جفنه الأعلى بسبّابته وقال: يا سنام وكبد، ليذهب الهدبد ليس شفاء هدبد إلا سنام وكبد، عوفي. والهدبد العشاء.
«1259» - ويزعمون أنّ المرأة إذا أحبت رجلا وأحبها ثم لم تشقّ عليه رداءه ويشقّ عليها برقعها فسد حبّهما، فإذا فعلا ذلك دام حبّهما.
«1260» - ويزعمون أنّ الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحبّ الناس إليه ذهب الخدر عنه. قالت امرأة من كلاب: [من الطويل]
إذا خدرت رجلي ذكرت ابن مصعب ... فإن قلت عبد الله أجلى فتورها
(7/337)

«1261» - ويزعمون أنّ الرجل إذا دخل قرية فخاف وباءها فوقف على بابها قبل أن يدخلها فعشر كما ينهق الحمار لم يصبه وباؤها. قال عروة بن الورد:
[من الطويل]
لعمري لئن عشّرت من خشية الرّدى ... نهاق الحمير إنني لجزوع
«1262» - ويزعمون أنّ الحرقوص، وهو دويبة أكبر من البرغوث، يدخل أحراح الأبكار فيفتضّهنّ. وأنشدوا: [من الرجز]
ما لقي البيض من الحرقوص ... من مارد لصّ من اللصوص
يدخل بين الغلق المرصوص ... بمهر لا غال ولا رخيص
«1263» - لوجدان الضالة: يزعمون أنّ الرجل إذا ضلّ قلب ثيابه فاهتدى.
«1264» - ويزعمون أنّ الذئاب إذا ظهر بأحدها دم أحال عليه صاحبه فقتله.
«1265» - وكانوا يكرهون نوء السّماك ويقولون فيه داء الإبل.
«1266» - ويزعمون أنّ الكلاب تنبح السماء في الخصب، وكلما ألحّت عليها السماء بالمطر نبحت. قال الشاعر: [من الطويل]
وما لي لا أغزو وللدهر كرّة ... وقد نبحت نحو السماء كلابها
1267- وكانوا إذا نفرت الناقة ذكروا اسم أمّها وزعموا أنها تسكن حينئذ.
(7/338)

1268- ويقولون سبب بكاء الحمام أنه أضلّ فرخا على عهد نوح عليه السّلام، فهو يبكيه، وهو الهديل.
«1269» - خرزة السلوان: ولهم خرزة يزعمون أنّ العاشق إذا حكّها وشرب ما يخرج منها صبر ويسمّى السلوان، قال رؤبة: [من الرجز]
لو أشرب السلوان ما شفيت ... ما بي غنى عنك وإن غنيت
«1270» - نكاح المقت: ونكاح المقت من سننهم، وهو أنّ الرجل إذا مات قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له فيها حاجة تزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، فكانوا يرثون نكاح النساء كما يرثون المال.
1271- ويقولون: إنّ الدّبران خطب الثريّا، وأراد القمر أن يزوّجه فأبت عليه وولّت عنه، وقالت: ما أصنع بهذا السّبروت الذي لا مال له؟
فجمع الدّبران قلاصه يتموّل بها، وهو يتبعها حيث توجّهت يسوق صداقها قدّامه، يعنون القلاص.
1272- ويزعمون أنّ الجدي قتل نعشا فبناته تدور تريده كما قيل: ابن من غير الجنّ والإنس، فإنه إذا جمع قيل: بنات، كما يقال: بنات الماء لضرب من الطير، الواحد ابن ماء.
قال ذو الرمّة: [من الطويل]
على قمة الرأس ابن ماء محلّق
وقال الآخر وجمع: [من الطويل]
صياح بنات الماء أصبحن وقّعا
(7/339)

وكذاك بنات آوى وبنات عرس وبنات أوبر وبنات النقا، كلّ واحد من هذه البنات ابن، ولم يأت في ذلك مذكر إلا في بيتين شاذّين عن الباب؛ قال الأعشى: [من الكامل]
حتى يقيدك من بنيه رهينة ... نعش ويرهنك السّماك الفرقد
وقال نابغة بني جعدة: [من الطويل]
تمزّزتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
1273- وزعموا أنّ سهيلا خطب الجوزاء فركضته برجلها فطرحته حيث هو، وضربها هو بالسيف فقطع وسطها.
«1274» - يقولون: كان سهيل والشعريان مجتمعة وانحدر سهيل فصار يمانيا، وتبعته العبور فعبرت إليه المجرّة، وأقامت الغميصاء فبكت حتى غمصت.
«1275» - ويقولون: إنّ الله تعالى لم يدع ماكسا إلا أنزل به بليّة، وإنه مسخ منهم اثنين ذئبا وضبعا؛ وإنّ الضبّ وسهيلا كانا ماكسين فمسخ الله أحدهما في الأرض والآخر في السماء، وفي ذلك يقول الحكم بن عمرو البهرانيّ: [من الخفيف]
مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أم عمرو
مسخ الضبّ في الجدالة قدما ... وسهيل السماء عمدا بصغر
الجدالة: الأرض.
«1276» - ومن أكاذيبهم ما حكاه أبو عمرو الجرمي، قال: سألت أبا
(7/340)

عبيدة عن قول الراجز: [من الرجز]
أهدّموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنك لا أخا لكا
وأنا أمشي الدّألى حوالكا
فقلت: لمن هذا الشّعر؟ قال: يقول العرب هذا يقوله الضبّ للحسل أيام كانت الأشياء تتكلّم. الدّألى: مشي كمشي الذئب، يقال هو يدأل في مشيته إذا مشى كمشية الذئب، ومنه قول امرىء القيس: [من الطويل]
«أقبّ حثيث الرّكض والدّألان»
ومن روى بيت ابن عنمة الضبيّ: [من الوافر]
«تعارضه مربّبة دؤول»
بالدال غير معجمة أراد هذا، ومن قال «ذؤول» بالذال معجمة أراد السرعة، يقال: مرّ يذأل أي يسرع.
1277- وزعموا أنّ الضبّ قاضي الطير والبهائم، وأنها اجتمعت إليه أوّل ما خلق الإنسان فوصفوه له فقال: تصفون خلقا ينزل الطير من السماء ويخرج الحوت من الماء، فمن كان ذا جناح فليطر، ومن كان ذا مخلب فليحتفر.
«1278» ومن دعاويهم أنّ أبا عروة كان يزجر الذئاب ونحوها مما يغير على الغنم، فيفتق مرارة السّبع في جوفه، فذلك قول النابغة الجعدي: [من المنسرح]
زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يختلطن بالغنم
وقال من يطعن في هذا، السبع أشدّ أبدا من الغنم، فإذا فعل ذلك بالسبع
(7/341)

هلكت الغنم قبله، وقال من يحتجّ له: إنّ الغنم كانت قد أنست بهذا منه.
«1279» - ويزعمون أنّ عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب قال لابني الجون الكنديين يوم جبلة: إنّ لي عليكما حقا لرحلتي ووفادتي، فدعوني أنذر قومي من موضعي هذا، فقالوا: شأنك. فصرخ بقومه فأسمعهم على مسيرة ليلة.
1280- وذكروا أنّ أبا عطية عفيفا في الحرب التي كانت بين ثقيف وبني نصر نادى: يا سوء صباحاه، أتيتم يا بني نصر، فأسقطت الحبالى بصيحته فقيل فيه: [من الطويل]
وأسقط أحبال النساء بصوته ... عفيف وقد نادى بنصر [1] فثوّبا
«1281» - قال التوّزي: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار فقال: إنّ العجم تكذب فتقول: كان رجل ثلثه من نحاس وثلثه من نار وثلثه من ثلج، فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه.
«1282» - قال أبو العميثل: تكاذب أعرابيّان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي، فإذا أنا بظلمة شديدة فيمّمتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل عليها بفرسي حتى أبهتّها فانجابت. فقال الآخر: لقد رميت ظبيا مرة بسهم فعدل الظبي يمنة فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، ثم انحدر فانحدر حتى أخذه.
«1283» - وكان عمرو بن معدي كرب الزبيدي معروفا بالكذب على رئاسته في قومه وتقدّمه وبسالته، وكان أشراف الكوفة يظهرون بالكناسة على
__________
[1] فوقها في ر: بصوت.
(7/342)

دوابّهم فيتحدّثون إلى أن تطردهم الشمس. فوقف عمرو بن معدي كرب وخالد ابن الصقعب النّهديّ، فأقبل عمرو يحدّثه فقال: أغرنا مرة على بني نهد فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصقعب، فحملت عليه فطعنته فأرديته [1] ثم ملت عليه بالصمصامة فأخذت رأسه. فقال له خالد: حلّا أبا ثور، إنّ قتيلك هو المحدّث، فقال له: يا هذا إذا حدّثت بحديث فاستمع، فإنما نتحدّث بمثل ما تسمع لنرهب به هذه المعيدية.
قوله مسترعفين أي متقدمين، يقال: جاء فلان يرعف الجيش، ويؤمّ الجيش إذا جاء متقدّما لهم، وقوله: حلّا أي استثن، يقال: حلف ولم يحلّل.
«1284» - وقد زعموا أنّ رجلا نظر إلى ظبية فقال له أعرابيّ: أتحبّ أن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فأعطني أربعة دراهم حتى أردّها إليك، ففعل؛ فخرج يمحص في أثرها، وجدّ حتى أخذ بقرنيها فجاء بها وهو يقول: [من الرجز]
وهي على البعد تلوّي خدّها ... تريغ شدّي وأريغ شدّها
كيف ترى عدو غلام ردها
«1285» - ويحكون في خبر لقمان بن عاد أنّ جارية له سئلت عما بقي من بصره، فقالت: والله لقد ضعف، ولقد بقيت منه بقيّة، وأنه ليفصل بين أثر الأنثى والذكر من الذر إذا دبّ على الصّفا.
«1286» - قال حماد الراوية: قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها:
أرأيت قول أبيك: [من الطويل]
__________
[1] م وحاشية ر: فأذريته.
(7/343)

بني عامر هل تعرفون إذا غدا ... أبو مكنف قد شدّ عقد الدوابر
بجيش تضلّ البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجّدا للحوافر
يقول: لكثرة الجيش يطحن الأكم حتى يلصقها بالأرض.
وجمع كمثل اللّيل مرتجس الوغى ... كثير تواليه سريع البوادر
أبت عادة للورد أن يكره الوغى ... وعادة رمحي في نمير وعامر
هل حضرت مع أبيك هذه الوقعة؟ قال: نعم، قلت: فكم كانت خيلكم؟
قال: ثلاثة أفراس أحدها فرسه. فذكرت هذا لابن أبي بكير الهذليّ، فحدّثني عن أبيه وقال: حضرت يوم جبلة- وقد بلغ مائة سنة وأدرك أيام الحجاج- قال: فكانت الخيل في الفريقين مع ما كان لابني الجون ثلاثين فرسا. قال فحدّثت بهذا الحديث الخثعميّ، وكان راوية أهل الكوفة، فحدّثني أنّ خثعم قتلت رجلا من بني سليم بن منصور فقالت أخته ترثيه: [من الطويل]
لعمري وما عمري عليّ بهيّن ... لنعم الفتى غادرتم آل خثعما
وكان إذا ما أورد الخيل بيشة ... إلى جنب أشراج أناخ فحمحما
فأرسلها زهوا رعالا كأنها ... جراد زهته ريح نجد فأتهما
فقيل لها: كم كانت خيل أخيك؟ قالت: اللهم إني لا أعرف إلا فرسه.
«1287» - وسأل الحجاج محمد بن عبد الله بن نمير الثقفيّ عن قوله في أخته زينب بنت يوسف حيث شبّب بها: [من الطويل]
ولما رأت ركب النّميريّ أعرضت ... وكنّ من ان يلقينه حذرات
كم كان ركبك يا نميري؟ قال: والله إن كنت إلا على حمار هزيل ومعي رفيق لي على أتان مثله. ويقال بل قال كان معي ثلاثة أحمرة أجلب عليها القطران.
(7/344)

«1288» - وعلى هذا قول مهلهل: [من الوافر]
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
وإنما كانت الوقعة بعنيزة، وهي من حدود الشام فكم بينها وبين حجر اليمامة؟
«1289» - وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى عمّن حدّثه أنّ بكر بن وائل أرادت الغارة على قبائل تميم فقالوا إن علم بنا السّليك أنذرهم، فبعثوا فارسين على جوادين يريغان السّليك، فبصرا به فقصداه، وخرج يحضر كأنه ظبي، وطارداه سحابة يومهما، فقالا: هذا النهار ولو جنّ عليه الليل لقد فتر. فجدّا في طلبه، فإذا بأثره قد بال فرغا في الأرض وقد خدّها، فقالا: قاتله الله ما أشدّ متنه، ولعلّ هذا كان من أوّل الليل. فلما اشتدّ به العدو فتر، فاتّبعاه، فإذا به قد عثر بأصل شجرة فندر منها كمكان تلك، وانكسرت قوسه فارتزّت قصدة منها في الأرض فنشبت. فقالا: قاتله الله، والله لا نتبعه بعد هذا، فرجعا عنه. فأتمّ إلى قومه فأنذرهم فلم يصدّقوه لبعد الغاية عنه. ففي ذلك يقول: [من الطويل]
يكذّبني العمران: عمرو بن جندب ... وعمرو بن عمرو [1] والمكذب أكذب
ثكلتهما إن لم أكن قد رأيتها ... كراديس يهديها إلى الحيّ موكب
كراديس فيها الحوفزان وحوله ... فوارس همّام متى يدع يركبوا
فصدقه قوم فنجوا، وكذّبه الباقون فورد عليهم الجيش فاكتسحهم.
1290- وكان تأبّط شرا عجبا، وهو من العدائين الفتّاك الشجعان،
__________
[1] الكامل: وعمرو بن كعب؛ الدرة: وعمرو بن سعد.
(7/345)

وكان يسبق الخيل عدوا على رجليه هو والشّنفرى الأزديّ وعمرو بن برّاق، وله أخبار تبعد عن الصحّة. وهو ثابت بن جابر بن سفيان بن عديّ بن كعب بن حرب بن شيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن غيلان. فمن أخباره أنه كان يأتي امرأة يقال لها الزرقاء، وكان لها ابن من هذيل معها في أهلها، فقال لها ابنها وهو غلام قد قارب الحلم: ما هذا الرجل عليك؟ قالت: عمك، إنه كان صاحبا لأبيك. فقال لها: إني والله ما أدري ما شأنه، ولا رأيته عندك! والله لئن رأيته عندك لأقتلنّه قبلك. فلما رجع إليها تأبّط شرا أخبرته الخبر فقالت: إنه شيطان من الشياطين! والله ما رأيته مستثقلا نوما قط، ولا ممتلئا ضحكا قط، ولا همّ بشيء قط مذ كان صغيرا إلا فعله؛ ولقد حملته فما رأيت عليه دما حتى وضعته، وحملته وإني لمتوسّدة سرجا في ليلة هرب، وإنّ نطاقي لمشدود وإنّ على أبيه لدرع حديد، فاقتله، فأنت والله أحبّ إليّ منه. قال: أفعل. فمرّ به وهو يلعب مع الغلمان فقال: انطلق معي أهبك نبلا. فمشى معه شيئا ثم وقف:
وقال: لا أرب لي في نبلك. ثم رجع فلقي أمّه فقال: والله ما أقدر عليه. وحال بينهما الغلام سنوات، ثم قال لها: إني قاتله، أغزو به فأقتله، فقالت: افعل.
فقال تأبّط شرا للغلام: هل لك في الغزو؟ قال: نعم. فخرج معه غازيا لا يرى له غرّة حتى مرّ بنار ليلا، وهي نار بني أم قترة الفزاريين، وكانوا في نجعة. فلما رأى تأبّط شرا النار وقد عرفها وعرف أهلها وأنهما لا يلقيان شيئا إلا أهلكاه، أكبّ على رجله وقال: بهشت بهشت! النار النار! فخرج الغلام يهوي قبل النار حتى صادف عليها رجلين فواثباه فقتلهما جميعا، ثم أخذ جذوة من النار وأقبل يهوي إليه، فلما رأى النار تهوي قبله قال في نفسه: قتل والله واتبعوا أثره.
قال تأبّط فخرجت أسعى حتى إذا بلغت النار حيث كنت استدرت طوفا أو طوفين ثم اتّبعت أثره. فما نشب أن أدركني ومعه جذوة من نار ويطرد إبل القوم، فقال: ما لك ويلك! أتعبتني منذ الليلة، قال: قلت إني والله ظننت أنك قتلت، قال: لا والله، بل قتلت الرجلين، عاديت بينهما.
(7/346)

قال أبو عمرو وقد سمعت ابن أنس السلمي يقول: ليسا من بني فزارة إنما هما ابنا قترة من الأزد، ولقد لقيت أهل ذلك البيت وحدثتهم.
فقال تأبّط شرا لصاحبه: الهرب الهرب الآن! فالطلب والله في أثرك. ثم أخذ به غير الطريق، فما سار إلا ساعة أو قليلا حتى قال له الغلام: أنت مخطىء، الطريق ما تستقيم الريح فيه. قال: قلت فأين؟ قال هذا المكان، فو الله ما جرم أن استقبل الطريق، وما كان سلكها قط. فأصبحنا فما برحت أطرد به حتى رأيت عينيه كأنهما خيط، فقلت: انزل فقد أمنت، فقال: هل تخاف شيئا؟ قلت له: لا، قال: فنزلنا وأنخنا الإبل، ثم انتبذنا فنام في طرفها ونمت في الطرف الآخر ورمقته حتى أوى إلى نفسه وخط طرفاه نوما. فقمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما فقال: ما شأنك؟ فقلت: سمعت حسّا في الإبل، فطاف معي بينها حتى استثرناها، فقال: والله ما أرى شيئا، أتخاف أن تكون نمت وأنت تخاف شيئا؟ فقلت: لا والله لقد أمنت، فقال: فنم. فنمت ونام، فقلت: عجلت أن يكون استثقل نوما فأمهلته حتى أوى إلى نفسه وتملا، فقمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما فقال: ما شأنك؟ قلت: سمعت حسّا في الإبل، قال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا والله، قال: فنم ولا تعد فإني قد ارتبت منك.
قال: فأمهلته حتى أدى نفسه واستثقل نفسه نوما فقذفت بحصاة إلى رأسه فو الله ما عدا أن وقعت فوثب وتناومت، فأقبل فركضني برجله فقال: أنائم أنت؟
قلت: نعم، قال: أسمعت ما سمعت؟ قلت: لا، قال: والله لقد سمعت مثل بركة الجزور عند رأسي، قال: وطفت معه في البرك، فلم ير شيئا فرجع إلى مكانه ورجعت، فلما استثقل نوما، قذفت بحصاة إلى رأسه. فو الله ما عدا أن وقعت فوثب وتناومت فجاء فركضني برجله وقال: أسمعت ما سمعت؟ قلت له: لا، قال: والله لقد سمعت عند رأسي مثل بركة الجزور. فطاف فلم ير شيئا، ثم أقبل عليّ مغضبا توقّد عيناه، فقال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا، قال والله لئن أيقظتني ليموتنّ أحدنا: أنا أو أنت. ثم أتى مضجعه، قال: فو الله لقد بتّ
(7/347)

أكلؤه أن يوقظه شيء. وتأملته مضطجعا فإذا هو على حرف لا يمسّ الأرض منه إلا منكبه وحرف ساق، وإنّ سائر ذلك لناشز منه. فلما فرغ من نومه قال: ألا تنحر جزورا فنأكل منها؟ قال: قلت بلى، فنحرنا جزورا فاشتوينا منها واحتلب ناقة فشرب ثم خرج يريد المذهب، وراث عليّ جدا. فلما ارتبت اتّبعت أثره، فأجده مضطجعا على مذهبه، وإذا يده داخلة في جحر وإذا رجله منتفخة مثل الوتر، وإذا هو قد مات. فانتزعت يده من الجحر، وإذا به قابض على رأس أسود، وإذا بهما ميتان.
فقال تأبّط شرا في ذلك: [من الكامل]
ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مثقّل
وهي أبيات الحماسة المشهورة.
«1291» - ومن أخباره التي تشبه أكاذيب العرب ودعاويهم: أنه قتل الغول وقال في ذلك: [من الوافر]
ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان [1]
وإني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها كلانا نضو أرض ... أخو سفر فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوى ... لها كفّي بمصقول يمان
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران
الجران: جلد الحلق، وسمّي جران العود بسوط كان في يده من جران عوده.
فقالت عد فقلت لها رويدا ... مكانك إنني ثبت الجنان
__________
[1] هامش ر: رحى بطان: موضع قفر من بلاد العرب.
(7/348)

فلم أنفكّ متّكئا لديها ... لأنظر مصبحا ماذا دهاني
إذا عينان في رأس قبيح ... كرأس الهرّ مسترق اللسان
وساقا مخدج وسراة كلب ... وثوب من عباء أو شنان
«1292» - كان من خبر سجاح وادّعائها النبوّة وتزويج مسيلمة إياها أنّ سجاح التميمية ادّعت النبوّة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فاجتمعت عليها بنو تميم وكان فيما ادّعت أنه أنزل عليها:
«يا أيها المتقون، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكنّ قريشا قوم يبغون» .
واجتمعت بنو تميم كلّها لنصرها، وكان فيهم الأحنف بن قيس وحارثة بن بدر ووجوه بني تميم كلّها. وكان مؤذّنها شبث بن ربعي الرياحي، فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذّاب وهو باليمامة، فقالت: يا معشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل هامة، وأضرموا فيها نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة.
وقالت لبني تميم: إنّ الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة، وإنما جعله في مضر، فاقصدوا هذا الجمع، فإذا فضضتموه كررتم على قريش. فسارت في قومها وهم الدّهم الداهم. وبلغ مسيلمة خبرها، فضاق به ذرعا وتحصّن في حجر حصن اليمامة. وجاءت في جيوشها فأحاطت به. فأرسل إلى وجوه قومه وقال: ما ترون؟
قالوا: نرى أن تسلّم الأمر إليها وتدعنا، فإن لم تفعل فهو البوار.
وكان مسيلمة داهية، فقال: سأنظر في هذا. ثم بعث إليها أنّ الله تبارك وتعالى أنزل عليك وحيا وأنزل عليّ وحيا، فهلمّي نجتمع ونتدارس ما أنزل علينا، فمن عرف الحقّ نفعه [1] ، واجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي وقومك.
__________
[1] م والأغاني: تبعه.
(7/349)

فبعثت إليه: أفعل. فأمر بقبّة أدم فضربت، وأمر بالعود المندل فسجر فيها، وقال: أكثروا من الطّيب والمجمر، فإنّ المرأة إذا شمّت رائحة الطّيب ذكرت الباءة. ففعلوا ذلك. وجاءها رسوله يخبرها بأمر القبّة المضروبة للاجتماع، فأتته فقالت: هات ما أنزل الله عليك، فقال:
«ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة [1] تسعى، ما بين صفاق وحشا، من بين ذكر وأنثى، وأموات وأحيا، ثم إلى ربّهم يكون المنتهى» .
قالت: وماذا؟ قال: «ألم تر أنّ الله خلقنا أفواجا، وجعل النّساء لنا أزواجا، فنولج فيهنّ قعسا إيلاجا، ونخرجها منهنّ إذا شئنا إخراجا» .
قالت: فأيّ شيء أمرك؟ قال: [من الهزج]
ألا قومي إلى النّيك ... فقد هيّي لك المضجع
فإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
فقالت: لا، إلا به أجمع، فقال: كذلك أوحي إليّ. فواقعها. فلما قام عنها قالت: «إنّ مثلي لا يجري أمرها كذا فيكون وصمة على قومي وعليّ، ولكن أنا مسلّمة إليك النبوّة فاخطبني إلى أوليائي يزوّجوك، ثم أقود تميما معك» .
فخرج وخرجت معه، فاجتمع الحيّان من حنيفة وتميم، فقالت سجاح: إنه قرأ عليّ ما أنزل عليه، فوجدته حقا فاتبعته. ثم خطبها فزوّجوه إياها، ثم سألوه عن المهر، فقال: قد وضعت عنكم صلاة العصر. فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلّونها، ويقولون: هذا حقّ لنا ومهر كريمتنا لا نردّه.
__________
[1] الأغاني: نطفة.
(7/350)

وقال شاعر بني تميم يذكر أمر سجاح: [من البسيط]
أضحت نبيّتنا أنثى يطاف بها ... وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
قال: وسمع الزّبرقان بن بدر الأحنف يومئذ، وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم، فقال الأحنف: تالله ما رأيت أحمق من هذه الأنبياء قطّ، فقال الزبرقان:
والله لأخبرنّ بذلك مسيلمة، فقال: إذن والله أحلف أنك كذبت فيصدّقني ويكذّبك، قال: فأمسك الزبرقان وعلم أنه قد صدق.
قال: وحدّث الحسن البصري بهذا فقال: أمن والله أبو بحر من نزول الوحي. وأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة، وحسن إسلامها.
وقال الأغلب العجليّ في تزويج مسيلمة الكذّاب بسجاح: [من الرجز]
قد لقّيت سجاح من بعد العمى ... ملوّحا في العين مجلوز القرا [1]
مثل الفنيق في شباب قد أتى ... اللّجيميّين أصحاب القرى [2]
ليس بذي واهنة ولا نسا ... نشا بلحم وبخبز ما اشتهى
حتى شتا تنتح ذفراه الندى ... خاظي البضيع لحمه خظا بظا [3]
كأنّما جمّع من لحم الخصى ... إذا تمطّى بين برديه صأى
كأنّ عرق أيره إذا ودى ... حبل عجوز ضفّرت سبع قوى
يمشي على خمس قوائم زكا ... يرفع وسطاهنّ من برد الندى
قالت متى كنت أبا الخير متى ... قال حديث لم يغيّرني البلى
ولم أفارق خلّة لي عن قلى ... فانتشغت فيشته نصف الشّوى
كأنّ في أجيادها سبع كلى ... ما زال عنها بالحديث والمنى
__________
[1] مجلوز: مجتمع الخلق؛ القرا: الظهر.
[2] الفنيق: الجمل المكرم.
[3] خاظي البضيع: مكتنز اللحم، خظا بظا: متراكب اللحم.
(7/351)

والحلف السّفساف يردي في الرّدى ... قالت ألا ترينه قالت أرى
قال ألا أدخله قالت بلى ... فشام فيها مثل محراث الغضا
يقول لما غاب فيها واستوى ... لمثلها كنت أحسّيك الحسى
وأما خبر مسيلمة في قتله فهو مع المغازي، وقتله جيش أبي بكر رضي الله عنه باليمامة بعد حرب عظيمة. وكان معظم الصحابة رضي الله عنهم في الجيش، وقتل منهم عدد كثير. وكانت لخالد بن الوليد فيها نكاية شديدة.
«1293» - وتنّبأ قبل وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلم الأسود العنسيّ باليمن، واشتدت شوكته واستطار أمره كالحريق فقتله الأبناء باتفاق من زوجته بصنعاء.
«1294» - وتنّبأ طلحة الأسديّ في بني أسد بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، ثم عاد إلى الإسلام وشهد وقائع الفرس، وكان له فيهم نكاية. وهو معدود من الفرسان. وكان يتكهّن.
«1295» - قال الجاحظ: كان مسيلمة قبل التنبّؤ يدور في الأسواق التي بين دور العجم والعرب كسوق الأبلّة وسوق الأنبار وسوق بقّة وسوق الحيرة، يلتمس تعلّم الحيل والنيرنجات واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم، وقد كان أحكم حيل الحزاة وأصحاب الزجر والخطّ. فمن ذلك أنه صبّ على بيضة من خلّ حاذق قاطع فلانت حتى إذا مدّدها استطالت واستدقّت كالعلك، ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس وتركها حتى انضمّت واستدارت وعادت كهيئتها الأولى، فأخرجها إلى قومه وادّعى النبوّة فآمن به جماعة منهم وقيل فيه: [من الطويل]
ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف
(7/352)

يريد براية الشادن [1] الراية التي يعملها الصبيّ من القرطاس الرقيق، ويجعل لها ذنبا وجناحا، ويرسلها يوم الريح بالخيوط الطّوال. وكان يعمل رايات من هذا الجنس ويعلّق فيها الجلاجل ويرسلها في ليلة الريح ويقول: الملائكة تنزل عليّ وهذه خشخشة الملائكة وزجلها. وكان يصل جناح الطائر المقصوص بريش معه فيطير.
«1296» - قوله سبحانه وتعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ
(البقرة: 189) .
كان النبيّ صلّى الله عليه وسلم سئل عن الهلال في بدئه دقيقا، وعن عظمه بعد، وعن رجوعه دقيقا كالعرجون القديم. فأعلم الله عزّ وجلّ أنه جعل ذلك ليعلّم الناس أوقاتهم فيما فرض عليهم من حجّهم وعدّة نسائهم وجميع ما يريدون علمه مشاهرة، لأنّ هذا أسهل على الناس من حفظ عدد الأيام، يستوي فيه الحاسب وغيره.
واشتقاق الهلال من قولهم: استهل الصبيّ إذا بكى حين يولد، وأهلّ القوم بحجّ وعمرة أي رفعوا أصواتهم بالتّلبية. وكذلك الهلال حين يرى يهلّ الناس بذكره، ويقال: أهلّ الهلال واستهلّ، ولا يقال اهتلّ. ويقال: أهللنا الهلال وأهللنا شهر كذا وكذا، أي دخلنا فيه. وسمّي الشهر شهرا لشهرته وبيانه.
واختلف الناس في الهلال إلى متى يسمّى هلالا، وإلى متى يسمّى قمرا. فقال بعضهم: يسمّى هلالا لليلتين من الشهر، ثم لا يسمّى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني. وقال بعضهم: يسمّى هلالا حتى يحجّر، أي يستدير بخطة دقيقة، وهو قول الأصمعي. وقال بعضهم: يسمّى هلالا إلى أن يبهر بضوئه [2] سواد الليل، فإذا كان كذلك قيل له قمر، وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة.
__________
[1] في هامش ر هنا: تفسير راية شادن.
[2] ر: يبهر ضوءه.
(7/353)

قال أبو إسحاق الزجّاج: والذي عندي وما عليه الأكثر أن يسمّى هلالا ابن ليلتين، فإنه في الثالثة يبين ضوؤه.
واسم القمر الزّبرقان، واسم دارته الهالة، واسم ضوئه الفخت، وقال بعض أهل اللغة: لا أدري الفخت اسم ضوئه أو ظلمته على الحقيقة، واسم ظلّه السّمر، ومن هذا قيل للمتحدّثين ليلا سمّار. ويقال: ضاء القمر وأضاء، ويقال طلع القمر، ولا يقال: طلعت القمراء، ويقال أضاءت القمراء وضاءت.
«1296» ب- قال أبو زيد وابن الأعرابي:
يقال للقمر ابن ليلة عتمة سخيلة، حلّ أهلها برميلة، وقال غيرهما: رضاع سخيلة.
وابن ليلتين، حديث أمتين، كذب ومين. وقال ابن الأعرابي: بكذب ومين.
وابن ثلاث، حديث فتيات، غير مؤتلفات. وقيل: ابن ثلاث قليل اللّباث.
ابن أربع: عتمة ربع، لا جائع ولا يرضع. وعن ابن الأعرابي: عتمة ابن الربع.
وابن خمس: حديث وأنس، وقال أبو زيد: عشاء خلفات قعس.
وابن ست سر وبت.
وابن سبع دلجة الضّبع.
وابن ثمان: قمراء إضحيان. وقيل: قمر اضحيان وبالتنوين فيهما.
وابن تسع، عن أبي يزيد: انقطع الشسع. وعن غيره يلتقط فيه الجزع.
وابن عشر: ثلث الشهر. عن أبي زيد وعن غيره: فخنق الفجر، وفي رواية:
أودتك إلى الفجر. ولم تقل العرب في صفة ليلة بعد العشر كما قالت في هذه العشر، كذا قال الزجّاج.
(7/354)

وجاء عن الأصمعيّ وغيره وصفها إلى آخر الشهر:
قالوا: ابن إحدى عشرة، أطلع عشاء وأرى بكرة، وقيل: وأغيب بسحرة.
قيل: ما أنت ابن اثنتي عشر؟ قال فويق البشر في البدو والحضر.
قيل: ما أنت ابن ثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر يعشى له الناظر.
قيل: ما أنت ابن أربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء دجنّات السحاب.
قيل: ما أنت ابن خمس عشرة؟ قال: ثمّ الشباب، وانتصف الحساب.
قيل: ما أنت ابن ستّ عشرة؟ قال: نقص الحلق في الغرب والشرق.
قيل: ما أنت ابن سبع عشرة؟ قال: أمكنت المقتفر القفرة.
قيل: ما أنت ابن ثماني عشرة؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء.
قيل: ما أنت ابن تسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع، بيّن الخشوع.
قيل: ما أنت ابن عشرين؟ قال: أطلع سحرة وأضيء بالبهرة.
قيل: ما أنت ابن إحدى وعشرين؟ قال: أطلع كالقبس، يرى بالغلس.
قيل: ما أنت ابن اثنتين وعشرين؟ قال: لا أطلع إلا ريثما أرى.
قيل: ما أنت ابن ثلاث وعشرين؟ قال: أطلع في قتمة ولا أجلو الظّلمة.
قيل: ما أنت ابن أربع وعشرين؟ قال: لا قمر ولا هلال.
قيل: ما أنت ابن خمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل.
قيل: ما أنت ابن ستّ وعشرين؟ قال: دنا ما دنا فما يرى مني الأشقا.
قيل: ما أنت ابن سبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا ولا أرى ظهرا.
قيل: ما أنت ابن ثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس.
قيل: ما أنت ابن تسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير ولا يراني إلا البصير.
قيل: ما أنت ابن ثلاثين. قال: هلال مستبين.
(7/355)

تفسير هذه الألفاظ ومعانيها
أما قوله رضاع سخيلة: فالمعنى أن القمر يبقى بقدر ما نزل قوم فتضع شاتهم ثم ترضعها ويرتحلون.
وقوله حلّ أهلها برميلة يحتمل الإخبار عن قلة اللباث وسرعة الانتقال، لأنّ الرمل ليس بمنزل مقام للقوم، لأنهم كانوا يختارون في منازلهم جلد الأرض وهضبها والأماكن التي لا تستولي عليها السيول؛ فخصّ الرميلة لهذا المعنى.
وقوله حديث أمتين بكذب ومين: يريد أنّ بقاءه قليل بقدر ما تلقى الأمة الأمة فتكذب لها حديثا ثم يفترقان.
وقوله حديث فتيات غير مؤتلفات: أراد أنه يريد أنه يبقى بقاء فتيات اجتمعن على غير موعد فيتحدّثن ساعة وينصرفن غير مؤتلفات.
وقوله عتمة أم ربع: يقال: عتمت إبله إذا تأخرت عن العشاء، ومن هذا سمّيت العتمة لأنه أخّر الوقت في العشاء.
وقوله أم ربع يعني الناقة، وهو تأخير حلبها. يريد أنّ بقاءه بمقدار حلب ناقة لها ولد ولدته في أول الربيع، وهو أول النّتاج، والولد في هذا الوقت يسمّى ربعا إذا كان بكرا، فإن كان أنثى قيل: ربعة، فإن كان في آخر النتاج قيل:
هبع للذكر والأنثى هبعة.
وقوله عشاء خلفات قعس: فالخلفات اللواتي قد استبان حملهنّ، واحدتها خلفة. وهي واحدة المخاض من لفظها، وإنما قال عشاء خلفات لأنها لا تعشّى إلى أن يغيب القمر في هذه الليلة؛ والقعساء الداخلة الظهر الخارجة البطن.
وقوله سر وبت: يريد أنه يبقى بقدر ما يبيت الإنسان ثم يسير، فقلب المعنى لأنه يسير في الضوء.
وقوله قمر إضحيان بالتنوين فيهما: أي ضاح بارز. ويقال قمر إضحيان بالإضافة، ومنه قيل: ليلة إضحيانة إذا كانت نقية البياض.
(7/356)

وقوله منقطع الشّسع: أي أنه يبقى بقدر ما يبقى شسع من قدّ يمشى به حتى ينقطع.
وقوله يلتقط فيه الجزع: أي أنه مضيء أبلج لو انقطعت مخنقة فتاة فيها شذور مفصّلة بجزع ما ضاع منها شيء لصفائه وبقائه.
وقوله أضيء بالبهرة: يعني به وسط الليل لأنّ بهرة الشيء وسطه.
وقوله أمكنت المقتفر القفرة: فالمقتفر الذي يتتبّع الآثار، وقفرته موضعه الذي يقصده.
وقد جزّأت العرب الليل عشرة أجزاء، فجعلوا لكل ثلاث صفة، فقالوا: ثلاث غرر، وبعضهم يقول: غرّ، وثلاث شهب، وثلاث بهر وبهر، وثلاث عشر، وثلاث بيض، وثلاث درع ودرع، ومعنى الدّرع سواد مقدّم الشاة وبياض مؤخّرها، وإنما قيل لها درع لأنّ القمر يغيب في أولها فيكون الليل أدرع، لأنّ أوّله أسود وما بعده مضيء، وثلاث خنس، وإنما قيل لها خنس لأنّ القمر يخنس فيها أي يتأخر، وثلاث دهم لأنها تظلم حتى تدهامّ. وقال بعضهم: ثلاث حنادس، وثلاث قحم، لأنّ القمر ينقحم فيها أي يطلع في آخر الليل، وثلاث دآديّ، وهي أواخر الشهر، وإنما أخذ من الدأدأة؛ وهو ضرب من السير تسرع فيه الإبل نقل أرجلها من موضع أيديها، فالدأدأة آخر نقل القوائم، وكذلك هي أواخر أيام الشهر.
وفي حديث النبي صلّى الله عليه وسلم: «الوليمة في أربع: في عرس أو خرس أو إعذار أو توكير» . فالعرس طعام المبتني، والخرس طعام الولادة مأخوذ من الخرسة؛ وهو طعام النّفساء، والإعذار طعام الختان، والوكيرة طعام البناء، كان الرجل إذا فرغ من بنائه أطعم أصحابه، يتبرّك بذلك. يقال: غلام معذور. وقال بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم: كنّا من أعذار عام واحد، يريد تقارب أسنانهم.
«1297» - كانت العرب أشدّ الأمم عناية بمعرفة النجوم وأنوائها، وهم
(7/357)

أحوج إليها لأنهم أهل عمد وطنب، وحلّ وترحال، فلهم في كلّ نوء حال يصرّفون أمرهم عليها.
1298- وقد قيل لأعرابيّ: ما أعلمك بالنجوم؟ قال: من الذي لا يعلم أجذاع بيته؟
1299- وقيل لأعرابيّة: تعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله أما نعرف أشياخنا وقوفا علينا كل ليلة؟
«1300» - ولهم فيها أسجاع محفوظة متداولة.
قالوا: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.
إذا طلع الدّبران توقّدت الحزّان، واستعرت الدبان، ويبست الغدران.
إذا طلعت الجوزاء توقّدت المعزاء وأوفى على عوده الحرباء، وكنست الظباء، وعوق العلباء، وطاب الخباء.
إذا طلع الدراع حسرت الشمس القناع، وأشعلت في الأفق الشعاع، وترقرق السراب بكل قاع.
إذا طلعت الشعرى، نشّفت الثرى، وأجن الصرى، وجعل صاحب النحل يرى.
إذا طلعت الجبهة، كانت الولهة، وتغارت السفهة.
إذا طلع سهيل، طاب الليل، وحدى النيل، وامتنع القيل، وللفصيل الويل، ورفع كيل، ووضع كيل.
إذا طلعت الصرفة، اختال كل ذي حرفة، وجفر كل ذي نطفة.
إذا طلعت العوّاء، ضرب الخباء، وطاب الهواء، وكره العراء، وسنن السقاء.
إذا طلعت السماك ذهبت العكاك، وقل على الماء اللكاك.
(7/358)

إذا طلعت الزبانى أحدثت لكل ذي عيال شانا، ولكل ذي ماشية هوانا، وقالوا كان وكانا، فاجمع لأهلك ولا توان.
إذا طلع الإكليل هبّت الفحول، وشمّرت الذيول، وخيفت السيول.
إذا طلع القلب، جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في كرب.
إذا طلع الهرّاران، هزلت السّمان، واشتد الزمان، وجوّع الولدان.
والهرّاران قلب العقرب والنسر الواقع يطلعان معا.
إذا طلعت الشولة، أخذت الشيخ البولة، واشتدّت على العيال العولة، وقيل شتوة زولة، أي عجيبة.
إذا طلع سعد السعود ذاب كل جمود، واخضرّ كلّ عود، وانتشر كل مصرود.
إذا طلع الحوت، خرج الناس من البيوت.
«1301» - وهذا موضع آرائهم وأقوالهم في الأنواء. قال أبو جعفر محمد بن حبيب: العهاد الوسميّ من المطر، والوليّ ما كان من مطر بعد الوسميّ حتى تنقضي السنة، فذلك كلّه وليّ. والوسميّ أوّل مطر يقع في الأرض، وله سبعة أنجم: الفرع والموخر والحوت والشرطين والبطين والثريا- وهو النجم- والدّبران والهقعة. والوسمي يسمّى العهاد، ثم يكون الوسميّ الدفيء وهو مطر الشتاء وهو الربيع، وأنجمه الهقعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزّبرة وهي الخراتان والصّرفة آخر مطر الشتاء.
ويقال: إذا سقطت الجبهة نظرت الأرض بإحدى عينيها، فإذا سقطت الصرفة نظرت الأرض بعينيها كلتيهما لاستقبال الصيف وتقضّي الشتاء واستحلاس الأرض وتناول المال. ثم أنجم الصيف: العواء وهو السماك، والغفر والزبانيان والإكليل والقلب والشولة، فهذه كواكب الصيف، فإذا
(7/359)

استهلّت هذه الأنجم بعد ما قد قضى وثق الناس بالحيا. ثم بعد الصيف مطر الحميم وهو أربعة أنجم، وهو مطر الفيض، أوّلهن العنائم ثم البلدة ثم سعد الذابح ثم سعد بلع، فهذه أنجم الحميم، وإنما سمي الحميم لأنه مطر في أيام حارة، وقد هاجت الأرض فتنشر عليه الأرض، فإذا أكلته الماشية لم تكد تسلم فأصابها الهرار والسهام؛ والهرار هو سلال الماشية وذلك أن تشرب الماء فلا تروى فتسلح حتى تموت، والسهام تبرأ منه والهرار لا تكاد تبرأ منه، ثم أنجم الخريف ثلاثة:
فأولهن سعد السعود وسعد الأخبية وفرغ الدلو المقدّم.
«1302» - والبوارح أربعة: فأولهن النجم، وهي الثريا، ثم الدّبران والجوزاء والشعرى، فهذا لبّ القيظ وغرّته وشدة حرّه.
«1303» - وقولهم أيام العجوز: زعموا أنّ عجوزا دهريّة كانت من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع آخر الشتاء يسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا بقولها، وجرّوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع، فإذا هم ببرد شديد أهلك الزرع والضّرع، فقالوا: أيام العجوز. وقيل هي عجوز كان لها سبعة بنين، فسألتهم أن يزوّجوها وألحّت، فقالوا لها ابرزي للهواء سبع ليال حتى نزوّجك ففعلت، والزمان شتاء كلب، فماتت في السابعة، فنسبت الأيام إليها. وقيل هي الأيام السبعة التي أهلك فيها عاد. وقيل الصواب أيام العجز وهي أواخر أيام الشتاء.
«1304» - أسماء الأيام عند العرب:
الأحد أول، الإثنين أهون، الثلاثاء جبار، الأربعاء دبار، الخميس مؤنس، الجمعة عروبة، السبت شيار. وأنشدوا في ذلك شعرا كأنه مصنوع لأنه مختل
(7/360)

الإعراب وهو: [من الوافر]
أؤمّل أن أعيش وأنّ يومي ... بأوّل أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
أنشد ذلك أبو عمر الزاهد.
«1305» - يقال: إنّ بدء تفرّق ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام عن تهامة، ونزوحهم عنها إلى الآفاق، وخروج من خرج منهم عن نسبه، أنّ خزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة بن معدّ كان مشؤوما فاسدا متعرّضا للنّساء، فعلق فاطمة بنت يذكر بن عنزة، واسم يذكر عامر، فشبّب بها، وقال فيها: [من الوافر]
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظّنونا
وحالت دون ذلك من همومي ... هموم تخرج الشّجن الدّفينا
أرى ابنة يذكر ظعنت وحلت ... جنوب الحزن يا شحطا مبينا
فمكث كذلك زمانا، ثم إن خزيمة بن نهد قال ليذكر بن عنزة: أحبّ أن تخرج معي حتى نأتي بقرظ، فخرجا جميعا، فلما خلا خزيمة بيذكر قتله، فلما رجع وليس هو معه سأله أهله عنه فقال: لست أدري، فارقني وما أدري أين سلك. فتكلّموا فيه فأكثروا، ولم يصحّ على خزيمة بن نهد عندهم شيء يطالبونه به حتى قال خزيمة بن نهد: [من المتقارب]
فتاة كأنّ رضاب العبير ... بفيها يعلّ به الزّنجبيل
قتلت أباها على حبّها ... فتبخل إن بخلت أو تنيل
(7/361)

فلما قال هذين البيتين تساور الحيّان فاقتتلوا وصاروا أحزابا، فكانت نزار بن معد وكندة، وهي يومئذ تنتسب فتقول كندة بن جنادة بن معد، وحاء وهم يومئذ ينتمون ويقولون: حاء بن عمرو بن ودّ بن أدد ابن أخي عدنان بن أدد، والأشعرون ينتمون إلى الأشعر بن أدد، فكانوا يتبدّون من تهامة إلى الشام، فكانت منازلهم بالصفاح من الصفاح، وكان مرّ وعسفان لربيعة بن نزار، وكانت قضاعة بين مكة والطائف، وكانت كندة تسكن من العمر إلى ذات عرق، فهو إلى اليوم يسمّى عمر كندة، وكانت منازل حاء بن عمرو بن أدد والأشعر بن أدد وعك بن عدنان بن أدد فيما بين جدة إلى البحر.
قال فيذكر بن عنزة أحد القارظين اللذين قال فيهما الهذلي [1] : [من الطويل]
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ... ويرجع في القتلى كليب لوائل
والآخر من عنزة أيضا يقال له: أبو رهم، خرج يبغي القرظ فلم يرجع ولم يعرف له خبر. هذا قول من يجعل قضاعة من معدّ، وجعل هذه القبائل أيضا من ولد إسماعيل عليه السّلام. والأشهر من قول النسّابين أنها من قحطان، وقضاعة يقولون ابن مالك بن حمير، والله أعلم.
«1306» - قالوا: وكان سبب اصطلام طسم وجديس أنّ الملك كان في طسم، وطسم بن لوذ بن إرم بن سام بن نوح، وجديس بن جاثر بن إرم بن سام ابن نوح. فانتهى ملكهم إلى عمليق، فبغى وتمادى في الغشم والظّلم حتى أمر أن لا تزوّج بكر من جديس ولا تهدى إلى زوجها حتى يفترعها هو قبله. فلقوا من ذلك ذلّا وجهدا. فلم يزل يفعل ذلك حتى زوّجت الشّموس، وهي عفيرة
__________
[1] ديوان الهذليين 1: 139 وروايته: وينشر في القتلى.
(7/362)

بنت عباد الجديسية، أخت الأسود الذي وقع إلى جبل طيّ فقتلته طيّ، وسكنت من بعده الجبل. فلما أرادوا نقلها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله، ومعها القيان يغنّين، ويقلن: [من الرجز]
ابدي بعمليق وقومي فاركبي ... وبادري الصبح لأمر معجب
فسوف تلقين الذي لم تطلبي ... وما لبكر عنده من مهرب
فلما دخلت عليه افترعها وخلّى سبيلها، فخرجت إلى قومها في دمائها، شاقّة درعها من قبل ومن دبر، والدّم يتبيّن وهي في أقبح منظر، وهي تقول:
[من الرجز]
لا أحد أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومي حرّ ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
لأخذة الموت كذا لنفسه ... خير من ان يفعل ذا بعرسه
وقالت تحرّض قومها فيما أتي إليها: [من الطويل]
أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم أناس [1] فيكم عدد النّمل
وتصبح تمشي في الدماء عفيرة ... عفيرة زفّت في الدّماء إلى بعل
فلو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء حجال لم نقرّ بذا الفعل
فموتوا كراما أو أميتوا عدوّكم ... ودبّوا لنار الحرب بالحطب الجزل
وإلا فخلّوا بطنها وتحمّلوا ... إلى بلد قفر وموتوا من الهزل
فللبين خير من مقام على أذى ... وللموت خير من مقام على الذلّ
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
__________
[1] أيام العرب: رجال.
(7/363)

فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
قال: فلما سمع أخوها الأسود ذلك، وكان سيّدا مطاعا، قال لقومه: يا معشر جديس، إنّ هؤلاء القوم ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلا بما كان من ملك صاحبهم علينا وعليهم، ولولا عجزنا وإدهاننا ما كان له فضل علينا، ولو امتنعنا لكان لنا منه النّصف، فأطيعوني فيما آمركم به، فإنه عزّ الدهر، وذهاب ذلّ العمر فاقبلوا رأيي.
قال: وقد أحمى جديسا ما سمعوا من قولها، فقالوا: نحن نطيعك ولكنّ القوم أكثر وأقوى، قال: فإني أصنع للملك طعاما ثم أدعوهم إليه جميعا، فإذا جاؤوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفنا وهم غارّون فأهمدناهم، قالوا: نفعل. فصنع طعاما كثيرا، وخرج بهم إلى ظهر بلدهم، وكان منزلهم أرض اليمامة، ودعا عمليقا وسأله أن يتغدّى عنده هو وأهل بيته، فأجابه إلى ذلك، وخرج إليه مع أهله يرفلون في الحلى والحلل، حتى إذا أخذوا مجالسهم ومدّوا أيديهم إلى الطعام، أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم، فشدّ الأسود على عمليق وكل رجل على جليسه حتى أناموهم، فلما فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة فلم يدعوا منهم أحدا، ثم إنّ بقيّة طسم لجأوا إلى حسّان بن تبّع، فغزا جديسا فقتلها وخرّب بلادها. فهرب الأسود قاتل عمليق فأقام بجبل طيّ قبل نزول طيّ إياها، وكانت طيّ تسكن الحرف من أرض اليمن، وهي اليوم محلة مراد وهمدان، وكان سيّدهم يومئذ أسامة بن لؤي بن الغوث بن طيّ، وكان الوادي مسبعة، وهم قليل عددهم، وقد كان ينتابهم بعير في زمان الخريف لا يدرى أين يذهب ولا يرونه إلى قابل. وكانت الأزد قد خرجت من اليمن أيام العرم. فاستوحشت طيّ لذلك وقالت: قد ظعن إخواننا فصاروا إلى الأرياف. فلما هموا بالظعن قالوا لأسامة بن لؤي: إنّ هذا البعير الذي يأتينا من بلد ريف وخصب، وإنّا لنرى في بعره النوى، فلو أنّا نتعهّده عند انصرافه فشخصنا معه لعلّنا نصيب مكانا خيرا من مكاننا هذا. فأجمعوا أمرهم على هذا. فلما كان الخريف جاء البعير يضرب
(7/364)

في إبلهم. فلما انصرف احتملوا، فجعلوا يسيرون ويبيتون حيث يبيت حتى هبط على الجبلين، فقال أسامة بن لؤي: [من الرجز]
اجعل ظريبا لحبيب ينسى ... لكلّ قوم مصبح وممسى
قال: وظريب اسم الموضع الذي كانوا ينزلونه. فهجمت طيّ على النخل في الشعاب وعلى مواشي كثيرة، وإذا هم برجل في شعب من تلك الشعاب، وهو الأسود الجديسي، فهالهم ما رأوا من عظم خلقه وتخوّفوه، ونزلوا ناحية من الأرض واستبروها هل يرون أحدا غيره، فلم يروا أحدا. فقال أسامة بن لؤي لابن له يقال له الغوث: يا بني إنّ قومك قد عرفوا فضلك عليهم في الجلد والبأس والرمي، وإن كفيتنا هذا الرجل سدت قومك إلى آخر الدهر، وكنت الذي أنزلتنا هذا البلد. فانطلق الغوث حتى أتى الرجل فكلّمه وساءله، فعجب الأسود من صغر خلق الغوث، فقال له: من أين أقبلتم؟ قال: من اليمن، وأخبره خبر البعير ومجيئهم معه، وأنهم رهبوا ما رأوا من عظم خلقه وصغرهم عنه. قال وشغله بالكلام، فرماه الغوث بسهم فقتله، وأقامت طيّ بالجبلين بعده، فهم هناك إلى اليوم.
1307- قال يعقوب بن إسحاق السّكّيت: ضبيعات العرب ثلاثة:
ضبيعة بن ربيعة، وضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وأمّه مارية بنت الجعيد العبدية، وضبيعة بن عجل بن لخم، وأمّه المفداة بنت سوادة بن بلال بن سعد بن بهشة.
وكان العزّ والشرف في ربيعة بن نزار وفي ضبيعة أضجم وهو ضبيعة بن ربيعة، وأمّه أمّ الأصبغ بنت الحاف بن قضاعة. وكان يلي ذلك منهم الحارث بن عبد الله ابن ربيعة بن دوفر بن حرب، وكان يقال للحارث أضجم، أصابته لقوة فضجم فمه، وهو أوّل بيت كان في ربيعة، وأوّل حرب كانت في ربيعة فيه. ثم انتقل ذلك فصار يليه منهم القدار بن عمرو بن ضبيعة بن الحارث بن الدّول بن صباح ابن العتيك بن أسلم بن يذكر بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
(7/365)

ثم صار في عبد القيس فكان يلي ذلك منهم الأفكل وهو عمرو بن الجعيد بن صبرة بن الديل بن شن بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن حديلة بن أسد بن ربيعة. وعمرو بن الجعيد الذي ساقهم إلى البحرين من تهامة من ولده الثنى بن مخرمة صاحب علي عليه السّلام، وعبد الرحمن بن أذينة ولي قضاء البصرة، وعبد الله بن أذينة كان عاملا.
ثم صار في النمر بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي، فكان يلي ذلك منهم عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، وربع عامر الضحيان ربيعة أربعين سنة، وأمه ليلى بنت عامر بن الظّرب العدواني، وإنما سمّي الضحيان لأنه كان يجلس لهم في الضحى.
ثم انتقل الأمر إلى بني يشكر بن بكر بن وائل، فكان يلي ذلك منهم الحارث ابن غبر بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر. والحارث هو صاحب الفرخ الذي كان يضعه على الطريق الذي وطئه عمرو بن شيبان الأعمى بن ذهل بن ربيعة بن تغلب، فوثب الحارث على عمرو ووثب بنو عمرو فمنعوه، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل الحارث بن غبر.
ثم انتقل الأمر إلى بني تغلب بن وائل، فصار يليه ربيعة بن مرّة بن الحارث ابن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، ثم وليه من بعده كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر، وكان من أمره في البسوس ما كان، فاختلف الأمر وذهبت الرئاسة.
ثم ضربت القبة على عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، فكان آخر بيوت ربيعة، فولد عبد الله بن عمرو خالدا وهو ذو الجدّين، فلم يزل البيت فيهم إلى الآن.
فأما مضر فلم يجمعها رئيس واحد، وكان في كل قبيلة منها بيت، فبيت تيم في زرارة بن عدي، وبيت قيس عيلان في آل بدر الفزاريين، ولم يكن لذلك البيت التقدّم في القبيلة، إنما كان الشرف فيهم والحسب.
(7/366)

1308- خبر نزار بن معد بن عدنان فيما عينه لبنيه:
روي عن عبد الله بن عباس أنّ نزار بن معد بن عدنان لما حضره الموت أوصى بنيه وهم أربعة: ربيعة ومضر وإياد وأنمار، وقسم ماله بينهم فقال: يا بنيّ هذا الفرس الأدهم والخباء الأسود والقدر وما أشبهها من مالي لربيعة، فسمّي ربيعة الفرس؛ وهذه القبة الحمراء وما أشبهها من مالي لمضر، فسموا بذلك مضر الحمراء، وهذه الخادمة وما أشبهها من مالي لإياد، وكانت شمطاء فأخذ البلق من غنمه؛ والنّدوة وهي المجلس لأنمار.
وروي عن غير ابن عباس رحمه الله أنه قال لبنيه: إن أصبتم فقد أوجبت حنونة نسبا، فذهبت مثلا، فإذا لم تسمع فالمع، وإن اختلفتم فتحاكموا إلى أفعى نجران، وهو جرهميّ. فلما اختلفوا توجهوا إليه فبينا هم في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال: إنّ البعير الذي قد رعى هذا الكلأ أعور؛ فقال ربيعة:
وهو أزور؛ وقال إياد: وهو أبتر؛ فقال أنمار: وهو شرود. فلم يسيروا إلا قليلا، فلقيهم رجل فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور، قال: نعم، فقال ربيعة: وهو أزور، قال: نعم، وقال إياد: وهو أبتر، قال: نعم، وقال أنمار:
هو شرود، قال: نعم، هذه صفة بعيري دلّوني عليه. فحلفوا أنهم لم يروه، فلم يصدّقهم، وسار معهم إلى الأفعى، وقال: هؤلاء أصحاب بعيري وصفوه لي وقالوا لم نره. فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه؛ وقال مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعلمت أنه أعور؛ وقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره، ولو كان ذيّالا لمصع ببعره، وقال أنمار: عرفت أنه شرود لأنه كان يرعى في المكان الملتفّ نبته ثم يجوز إلى مكان آخر أرقّ منه وأخبث. فقال الجرهمي للرجل: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه. ثم سألهم من هم، فأخبروه.
فرحّب بهم وقال: أتحتاجون إليّ وأنتم كما أرى؟ ثم دعا بطعام وشراب فأكلوا وشربوا. فقام عنهم الشيخ ووقف بحيث يسمع كلامهم فقال ربيعة: لم أر كاليوم
(7/367)

لحما أطيب لولا أنه غذّي بلبن كلبة، وقال مضر: لم أر يوما كاليوم خمرا أجود لولا أنها على قبر، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه ليس لمن ينسب إليه، وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا.
وسمع الشيخ كلامهم فقال: ما هؤلاء؟ إنهم لشياطين. فسأل أمّه فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك منهم، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها فوطئها؛ وقال للقهرمان الخمر التي شربناها ما أمرها؟
قالت: من حبلة غرستها على قبر أبيك؛ وقال للراعي: اللحم الذي أطعمتنا ما أمره؟ قال: شاة أرضعناها من لبن كلبة، فقال: قصّوا أمركم، فقصّوه فقضى بينهم. فاقتسموا مال أبيهم على ما وصفناه.
1309- وجاء من أخبار العرب أنّ نزار بن معد كان اسمه خالدا فقدم على يشتاسف ملك الفرس، وكان رجلا نحيفا، فقال له: أي نزار فسمّي نزارا، ورووا لقمعة بن الياس بن مضر بن نزار: [من الطويل]
خلفنا جديسا ثم طسما بأرضنا ... فأعظم بنا يوم الفخار فخارا
تسمّى نزارا بعد ما كان خالدا ... وأمسى بنوه الأطيبون خيارا
«1310» - وخندف التي ينسب إليها بنو إلياس بن مضر هي امرأته ليلى بنت تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ولدت له عمرا وعامرا وعميرا، فقدهم ذات يوم، فقال لها: اخرجي في أثرهم، فخرجت وعادت بهم، فقالت: ما زلت أخندف في طلبهم حتى ظفرت بهم، فقال لها إلياس: أنت خندف. والخندفة تقارب الخطو في إسراع.
وقال عمرو: يا أبه أنا أدركت الصيد فلويته، فقال: أنت مدركة. وقال عامر: أنا طبخته وشويته، فقال له: أنت طابخة، وقال عمير: أنا انقمعت
(7/368)

في الخباء، فقال: أنت قمعة. ولصقت بها وبهم هذه الألقاب وغلبت على أسمائهم، فالقبائل من أبنائهم ينتسبون إلى ألقابهم دون أسمائهم.
«1311» - هاشم بن عبد مناف اسمه عمرو، وسمّي هاشما لأنه هشم الثريد لقومه.
«1312» - وحلف المطيبين من قريش: بنو عبد مناف وبنو أسد بن عبد العزّى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرّة والحارث بن فهر، غمسوا أيديهم في خلوق ثم تحالفوا.
«1313» - والأحلاف بنو عبد الدار وبنو مخزوم وبنو جمح وبنو سهم وبنو عديّ، نحروا جزورا وغمسوا أيديهم في دمها وتحالفوا فسمّوا لعقة الدم.
«1314» - الأحابيش: الذين حالفوا قريشا من القبائل، اجتمعوا بذنب حبشيّ- جبل بمكة، فقالوا: تالله إنهم يد على من خالفهم ما سجا ليل وما رسا الحبشيّ مكانه. وقيل هو من التحبيش وهو من الاجتماع، الواحد أحبوش.
«1315» - الحمس: حمس قريش وكنانة وخزاعة وعامر وثقيف، سمّوا بذلك لتحمّسهم في دينهم أي تشدّدهم.
«1316» - قصي: اسمه زيد، أقصي عن دارة قومه لأنه حمل من مكة في صغره بعد موت أبيه، فلما شبّ رجع إلى مكة ولم ينشب أن ساد. وكانت قريش في رؤوس الجبال والشعاب، فجمعهم وقسّم بينهم المنازل بالبطحاء، فقيل له مجمّع.
«1317» - شيبة الحمد: عبد المطلب: لقّب بشيبة كانت في رأسه حين ولد، وسمّي عبد المطلب لأنّ عمه المطلب مرّ به في سوق مكة مردفا له، فجعلوا يقولون:
(7/369)

من هذا وراءك؟ فيقول: عبد لي. واسمه عامر.
1318- همدان واسمه أوسلة بن مالك. أصابه أمر أهمّه فقال: هذا همّ دان، فلقّب بهمدان.
«1319» - ولد نبت بن زيد بن يشجب والشعر نابت على جميع بدنه، فلقّب بالأشعر، فغلبت عليه، وولده الأشعرون، منهم أبو موسى.
«1320» - أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان أبو غنيّ وباهلة القبيلتين، اسمه منبّه، سمّي أعصر لقوله: [من الكامل]
قالت عميرة ما لرأسك بعدما ... فقد الشّباب أتى بلون منكر
أعمير إنّ أباك غيّر رأسه ... مرّ الليالي واختلاف الأعصر
«1321» - جعفر بن قريع التميمي: نحر أبوه ناقة قسّمها بين نسائه، فأدخل يده في أنفها فجرّ الرأس إلى أمه فنبز به وعيّر أولاده به إلى أن جاء الحطيئة فقال: [من البسيط]
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذّنبا
فصار فخرا لهم.
«1322» - خثعم: يقال لهم في الجاهلية الفجّار لأنهم لم يكونوا في الجاهلية يحجّون. وخثعم هم سعد الريث وهم الفزر. وبنو قحافة أبناء عفرس بن بجيلة ابن أنمار بن نزار؛ وهم رهط ابن الدثنة ابن عفرس، تحالفت هذه القبائل، غمست أيديها في الدم ثم وضعتها على ورك جمل يقال له الخثعم، فسمّيت به.
(7/370)

«1323» - مزيقياء: هو عمرو بن عامر بن ماء السماء جدّ الأزد، سمّي بذلك لأنه كان يمزّق كل يوم حلّة جديدة لئلا يلبسها غيره؛ وقيل كان ينسج له كلّ سنة حلّة من ذهب فيلبسها يوم العيد، فإذا أمسى مزّقها، ويقوم بنسج أخرى لعيد السنة القابلة؛ وقيل لأنّ الله تعالى مزّقهم، وذلك قوله: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
(سبأ: 19) .
«1324» - جذيمة بن سعد الخزاعي: قيل له المصطلق لحسن صوته وشدّته، من الصّلق وهو شدّة الصوت.
1325- بنو أمية بن عبد شمس يقال لهم: الأعياص والعنابس. والعنابس:
حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو، وأبلوا في حرب فشبّهوا بالعنابس، وهي الأسد. والأعياص: العاص وأبو العاص، والعيص وأبو العيص، والعويص، وهم أحد عشر ولدا.
«1326» - مذحج: أكمة ولدت عليها مدلّة بنت ذي منجشان مالك بن أدد، فنسب ولد مالك إليها، فمنهم الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد، ومنهم همدان بن مالك بن أدد، ومنهم زيد وجعفيّ والنخع.
«1327» - مهلهل بن ربيعة التغلبي: اسمه عدي، والمهلهل لقب غلب عليه لأنه أول من هلهل الشعر أي أرقّه، ويقال إنه أوّل من قصّد القصائد.
«1328» - الأسعر ابن أبي حمران الجعفي: لقّب الأسعر لقوله: [من الطويل]
فلا يدعني قومي لسعد بن مالك ... لئن أنا لم أسعر عليهم وأنقب
واسمه مرثد بن الحارث.
(7/371)

«1329» - المتلمّس: اسمه جرير بن عبد المسيح الضبعي، وقيل جرير بن يزيد الضبعي، سمّي المتلمّس لقوله: [من الطويل]
فذاك أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس
«1330» - تأبّط شرا الفهمي: اسمه ثابت بن جابر.
يزعمون أنه قتل الغول وجاء متأبّطا لها، فألقاها وسط أصحابه، فقالوا: لقد تأبّط شرا، فغلبت عليه. وقيل: بل أخذ جونة فملأها حيّات ثم أتى بها أمّه متأبّطها فقالت: تأبّط شرا.
«1331» - الحادرة هو: قطبة بن حصن.
غلب عليه الحادرة ببيت قاله وهو: [من المتقارب]
كأنك حادرة المنكبين ... رصعاء تنفض في جامر
«1332» - النابغة الذبياني: اسمه زياد بن عمرو ويكنى أبا أمامة، غلب عليه النابغة لأنه غبر برهة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله.
«1333» - وكذلك النابغة الجعدي: اسمه قيس بن عبد الله ويكنى أبا ليلى، وهو أسنّ من النابغة الذبياني، وطال عمره حتى أدرك أيام بني أمية.
«1334» - الأعشى الكبير ميمون بن قيس من بني قيس بن ثعلبة، غلب عليه اللقب لعشا في عينيه.
(7/372)

1335- وكذلك أعشى باهلة، وأعشى همدان.
«1336» - الفرزدق همّام بن غالب.
لقّب الفرزدق لأنه كان جهم الوجه فشبّهته امرأة [1] بالفرزدقة وهي القطعة من العجين يعمل منها الفتوت، وقيل إن أباه لقّبه بذلك تشبيها بدهقان يعرفه.
«1337» - الأخطل: اسمه مالك بن غياث بن غوث، وقال أبو عمرو:
غويث بن الصلت، قال له رجل وهو صبي: يا غلام إنك لأخطل، فغلبت عليه وقيل لخطل في لسانه وثقل في كلامه.
1338- أبو بكرة: اسمه نضيع [2] . كان مولى الحارث بن كلدة بالطائف، فلما حاصرها النبي صلّى الله عليه وسلم قال: أيما عبد نزل إليّ فهو حرّ، فتدلّى من السور على بكرة فسمّي أبا بكرة.
1339- الحطيئة: اسمه جرول بن أوس بن جؤيّة بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، حبق في مجلس قومه فقال: إنما هي حطأة فسمّي الحطيئة.
«1340» - ذو الرمّة اسمه غيلان بن عقبة من عديّ الرباب سمّي ذا الرمّة بمعاذة علّقت عليه في صغره بخيط وكان خشي عليه المسّ.
«1341» - القطامي الشاعر التغلبي: شبّه بالقطامي وهو الصقر واسمه عمير ابن شييم.
__________
[1] م: امرأته.
[2] ر: نقيع.
(7/373)

«1342» - غسان: ماء بالسليّل، من نزل عليه من الأزد قيل له غساني.
«1343» - وبارق: جبل، من نزله من الأزد قيل له بارقي.
1344- جذيمة بن عوف الأنماري: ضربه أثال بن لجيم فجذمه، فسمّي جذيمة، وضرب هو أثالا فحنف رجله فسمّي حنيفة، قال: [من الوافر]
إن تك خنصري بانت فإني ... بها حنفت حاملتي أثال
«1345» - غلبة قريش على مكة: مات كلاب بن مرّة بن لؤي بن غالب وابنه قصيّ صغير، فتزوّجت أمّه فاطمة بنت سعد من ربيعة بن حزام العذريّ، فولدت له رزاحا ومحمودا وحيا وجلهمة. وكان قصيّ لا يعرف أبا غير ربيعة حتى كان بينه وبين رجل من غسان شيء، فعيّره الرجل بالغربة، فرجع إلى أمه فسألها فقالت: صدق ما أنت منهم بل أنت أفضل منهم، أنت ابن كلاب بن مرّة بن لؤي بن غالب، وقومك عند بيت الله الحرام. فأزمع قصيّ أن يلحق بقومه، وطلبت إليه أمه أن يؤخّر ذلك إلى حين خروج الحاج، فخرج مع حاجّ قضاعة، وكان رجلا جلدا أديبا عاقلا جوادا، فخطب إلى الخليل بن حبشة الخزاعي ابنته حيّة، وخزاعة يومئذ بمكة ولهم حجابة البيت، فزوّجه فولدت له عبد مناف وعبد الدار وعبد العزّى وعبد قصيّ.
ولما هلك الخليل، رأى قصيّ أنه أحق بولاية البيت وأنه بيت آبائه. فكلم من لقي من قريش ودعاهم إلى إخراج خزاعة، وقال: قوم طروا عليكم من أهل اليمن فغلبوا أوليتكم على مسجدهم، فأنتم أحقّ أن يكون في أيديكم، فقالوا: إنّ خزاعة لها عدد وعدّة، ولا نجدة لنا، وإخواننا من كنانة حلفاؤهم وأنصارهم؛ فإن تابعونا فقد هلك القوم. فمشى في كنانة وغيرهم، فكتب إلى رزاح بن ربيعة
(7/374)

العذريّ أخيه لأمه، فقدم عليه في ألف رجل من عذرة. فانحازت خزاعة عن قصيّ، واقتتلوا حتى كادوا يتفانون، ثم رجعوا عن القتال وراسلوا في الصلح.
فرجع الأمر إلى قصيّ، وهدرت الدماء بينهم. فكان قصيّ أوّل من أصاب الملك من بني كعب بن لؤي، فكانت إليه الحجابة والسّقاية والرّفادة والنّدوة واللواء. فقسم مكة أرباعا بين قومه، وأمر بقطع شجرها وبناها بيوتا. قال:
فهابت ذلك قريش، فأمر قصيّ أعوانه فقطعوها، وقطع معهم بيده، وسمّي قصيّ مجمّعا لأنه أول من جمع قريشا، وكانت في نواحي مكة وفي بني كنانة وما يليها من العرب. ولما ظهر أولاد قصيّ تفرّقت لؤيّ، فلحق سامة بن لؤي بأزد عمان، وصارت الحارث بن لؤي إلى غير حيّ من بني شيبان بن ثعلبة عن عكابة، وهم عائذة، وصارت سعد بن لؤي من بني ذبيان بن بغيض، وهم بنو مرّة بن عوف، فلم يعد قصيّ منهم إلا على ولد كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي.
«1346» - وقيل في خروج سامة بن لؤي غير هذا، قال ابن الكلبي: كان سبب خروج سامة بن لؤي من تهامة إلى عمان أنه فقأ عين عامر بن لؤي، وذلك أنه ظلم جارا له فغضب عامر، وكان شرسا سيّء الخلق، فخاف سامة أن يقع بمكة شرّ فيقال كان سامة سببه. وقيل: إنّ سامة كان يشرب بعكاظ، فلما أخذ منه الشراب أتاه ابن لعامر بن لؤيّ، فقال: يا عمّ هل لك في لحم؟ - وقد قرم سامة إلى اللحم للشراب الذي شربه- فقال: نعم. فمضى الغلام إلى جفرة لسامة فذبحها وأتاه بها. فعرفها سامة، فأخذ صخرة ففضخ بها رأس الغلام فقتله، ومضى سامة ومعه الحارث ابنه وهند ابنته وأمّهما هند بنت تيم الأدرم ابن غالب، وإنما سمّي الأدرم لنقصان ذقنه، فنزل قرية على بني عامر بن صعصعة. وكانت بنت الحارث بن سامة خالة كلاب بن ربيعة وأمّهم مجدانية ابنة تيم بن غالب ولدت كلابا وعامرا وكليبا وكعبا ومحمسا. فدرج محمس،
(7/375)

فجعل الحارث بن سامة يصارع عامرا فيصرعهم رجلا رجلا، فخشي سامة أن يقع بينهم الشر، فأتى عمان، فتزوّج ناجية بنت جرم بن زبان وهو علاف بن حلوان، فأقام بها فنهشته حية فمات. ويقال: إنّ سامة بن لؤيّ شرب هو وأخوه شرابا، فلما أخذ الشراب من كعب بن لؤي أقبل على امرأة سامة فقبلها، فأنف سامة من ذلك وقال: لا أساكنك في بلد، فلم يزل يرتاد حتى نزل عمان.
فلما أصاب المواطن التي يشتهي رجع فحمل امرأته إلى عمان واسمها ناجية، وإنما سمّيت ناجية لأنها عطشت فجعل يقول لها: هذا الماء هذا الماء حتى نجت، وركب هو ناقة، فبينا هو يسير عليها إذ مرّ بواد مخصب، فتناولت ناقته من حشيشه فعلقت بمشفرها أفعى فاحتكت بالغرز، فنهشت الأفعى ساق سامة فخرّا جميعا ميتين.
قال الشاعر: وقيل [1] إنها لأخيه كعب: [من الخفيف]
عين بكّي لسامة بن لؤي ... غلقت ما بساقه العلّاقه
ربّ كأس هرقتها ابن لؤيّ ... حذر الموت لم تكن مهراقه
وبنو ناجية ينتسبون في قريش، وبعض النسابين ينكرون ذلك، ويزعمون أنّ سامة لما مات من نهشة الأفعى تزوّجت امرأته رجلا من البحرين فولدت منه الحارث، ومات أبوه وهو صغير، فلما ترعرع طمعت أمّه أن تلحقه بقريش فأخبرته أنه ابن سامة بن لؤي، فرحل عن البحرين إلى عمه كعب فأخبره أنه ابن أخيه سامة، فعرف كعب أمه وظنّه صادقا فقبله. ومكث عنده مدة حتى قدم ركب من البحرين، فرأوا الحارث فسلّموا عليه وحادثوه، فسألهم كعب بن لؤي: من أين تعرفونه؟ قالوا: هذا ابن رجل من بلدنا يقال له فلان وشرحوا له خبره فنفاه كعب ونفى أمه، فرجعا إلى البحرين فكانا هناك، وتزوّج الحارث فأعقب هذا العقب.
وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: عمي سامة لم يعقب. وأما الزبير بن بكار فإنه
__________
[1] م: يقال.
(7/376)

أدخلهم في قريش العازبة، وإنما سمّوا العازبة لأنهم عزبوا عن قومهم فنسبوا إلى أمهم ناجية. ولعل الزبير يقول ذلك على مذهبه في التعصّب ومخالفة أمير المؤمنين علي عليه السلام. وكان بنو ناجية ارتدوا عن الإسلام، فلما ولي علي عليه السلام الخلافة دعاهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم وأقام الباقون على الرّدّة، فسباهم واسترقّهم، فاشتراهم مصقلة بن هبيرة الشيباني ثم أعتقهم وهرب من تحت ليلته إلى معاوية فصاروا أحرارا ولزمه الثمن. فشعث علي عليه السلام شيئا من داره، وقيل بل هدمها، فلم يدخل مصقلة الكوفة حتى قتل علي عليه السلام.
«1347» - زعموا أنّ الخطيم بن عديّ الأوسي قتله رجل من بني عامر بن ربيعة ابن صعصعة يقال له مالك، وقتل عديّ بن عمرو أباه رجل من عبد القيس. فلما شبّ قيس بن الخطيم بن عديّ، رضمت أمّه حجارة كهيئة القبر وجعلت تقول:
هذا قبر أبيك وجدّك، مخافة أن يسمع بقتلهما فيطلب بدمائهما فيقتل، وكان قيس قويّا شديدا. وإنه نازع غلاما من قومه فقال له الغلام: أما والله لو ألقيت كرعك- يعني بدنك- وقوّتك على قاتل أبيك وجدّك لكان أولى بك. فرجع إلى أمّه فقال لها: أخبريني عن أبي وجدّي. قالت: يا بني ماتا في وجع البطن وهذان قبراهما، فأخذ سيفه فوضع ذبابه بين ثدييه فقال: والله لتخبريني خبرهما أو لأتحمّلنّ عليه حتى يخرج من ظهري؟ فقالت له: إنّ أباك قتله رجل من بني عامر، وإنّ جدّك قتله رجل من بني عبد القيس. فخرج بسيفه حتى أتى ناضحه وهو يسنو، فضرب رشاءه فهوى الغرب في البئر، واختطم البعير فأقبل به عليه فشدّ جهاره حتى وقف على نادي قومه فقال: أيكم يكفيني مؤونة هذه العجوز بفضل ثمرة مالي، فإن رجعت فمالي لي وإن هلكت فلها حتى تموت ثم المال له. فقال بعضهم: أنا، فدفعه إليه ثم سار، فقالت له أمه: يا بنيّ إن كنت لا بدّ فاعلا فأت خداش بن زهير فإنه قد كانت لأبيك عنده نعمة، فسله أن يقوم معك. فمضى حتى انتهى إلى مرّ الظهران، ثم سأل عن
(7/377)

مظلّة خداش بن زهير فأتاها، فسأل امرأته عنه، فقالت: ليس هو ها هنا، قال: فهل عندك من قرى؟ قالت: نعم، قال: فهلمّ. فأخرجت إليه قباع تمر فتناول تمرة فأكل نصفها وردّ نصفها في القباع، ثم تنحّى فنزل في ظلّ شجرة، فلم ينشب أن طلع خداش. فدخل على امرأته فأخبرته الخبر فقال: هذا رجل متحرّم. وركب قيس بعيره ثم أقبل حتى سلّم. فقال خداش: والله لكأنّ قدم هذا الفتى قدم الخطيم صديقي اليثربي. ودخل عليه قيس فانتسب له وأخبره ما الذي جاء به، فقال له: يا ابن أخي قاتل أبيك ابن عمي وإن أردت دفعه إليك لم أقدر مع قومي، ولكن سأجلس العشيّة إلى قاتل أبيك فأحدّثه وأضرب بيدي على فخذه، فإذا رأيت ذلك فشدّ عليه واقتله فإني سأمنعك. فلما كان العشاء جلس خداش بن زهير فصنع ذلك بالرجل، وأقبل قيس إليه فضربه بالسيف حتى قتله، ووثبوا إليه ليقتلوه فحال بينهم وبينه خداش وقال: إنما قتل قاتل أبيه. قال له: ما تريد يا ابن أخي؟ قال: الطلب بدم جدي، قال: فأنا معك. وركبا جميعا فسارا حتى أتيا البحرين، فلما دنوا من قاتل جدّه قال له خداش: إني سأكمن في هذه الدارة من الرمل، فاخرج حتى يأتي الرجل فقل له: إني أقبلت أريد بلادكم، فلما كنت بهذا الرمل برح بي لصّ فسلبني وأخذ متاعي، وقد جئتك لتركب معي لتستنقذ لي ذلك؛ فإن هو أمر ناسا بالركوب معك فاضحك، فإن سألك عن ضحكك فقل له: إنّ السيّد مثلك لا يفعل مثل فعلك، إنما يخرج وحده إذا استعين على شيء حتى يفرغ منه. فخرج قيس حتى أتاه، فأمر خداش، فأحمسه فدعا بفرسه فركب معه وحده حتى أتى خداشا، فنهض إليه خداش فقال: يا ابن أخي إن شئت كفيتكه، فقال قيس: لا بل دعني أنا وإياه فإن قتلني لا يفتك، ونازله قيس فطعنه بحربة معه فقتله. فقال له خداش: إنّا إن أخذنا الطريق طلبنا وظفر بنا، ولكن اكمن بنا في هذا الرمل حتى يهدأ الطلب عنا، فكمنا فيه وفقد القوم صاحبهم فخرجوا في طلبه فوجدوه قتيلا، فتفرّقوا في كل وجه فلم يظفروا بأحد، فرجعوا وانصرف خداش وقيس راجعين، حتى إذا بلغا مأمنهما أقبل
(7/378)

قيس نحو قومه وهو يقول [1] : [من الطويل]
تذكّر ليلى حسنها وصفاءها ... وباتت فأمست [2] لا ينال لقاءها
ومثلك قد أصبيت ليست بكنّة ... ولا جارة أفضت إليّ حياءها
سرّها، ويروى حباءها، يقول: أخبرتني بما تكتم وتسرّ.
إذا ما اصطبحت أربعا خط [3] مئزري ... وأتبعت دلوي في السماح [4] رشاءها
ثأرت عديّا والخطيم فلم أضع ... ولاية أشياخ [5] جعلت إزاءها
ويروى ورثت عديّا.
ضربت بذي الزّرين ربقة مالك ... وأبت بنفس قد أصبت شفاءها
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
الشّعاع بالفتح المنتشر.
ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها ... يرى قائما من دونها [6] ما وراءها
يهون عليّ أن يروع جراحها ... عيون الأواسي إذ حمدت بلاءها
وشاركني [7] فيها ابن عمرو بن عامر ... خداش فأدّى نعمة وأفاءها
وكانت شجى في النفس ما لم أبؤ بها ... فأبت ونفسي قد أصبت دواءها
وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبّة ... أسبّ بها إلا كشفت غطاءها
__________
[1] ديوان قيس: 3.
[2] ديوانه: فأمسى.
[3] حط: بالحاء المهملة وبالخاء.
[4] الديوان: السخاء.
[5] في رواية:، وصابة أشياخ.
[6] الديوان: من خلفها.
[7] في رواية: وسامحني، وساعدني.
(7/379)

متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
وإنّي لدى الحرب العوان موكّل ... بإقدام نفس لا أريد بقاءها
لقد جرّبت منّا لدى كلّ مأقط ... دحيّ إذا ما الحرب ألقت رداءها
ونلقحها مبسورة ضرزنيّة ... بأسيافنا حتى نذلّ إباءها
مبسورة: مستكرهة، ضرزنيّة: شديدة.
وإنّا منعنا من بعاث نساءنا ... وما منعت م المخزيات نساءها
وأدرك قيس بن الخطيم الإسلام، وخرج مع قوم من الأنصار إلى مكة بعد العقبة الأولى، فلقوا النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فدعا قيسا إلى الإسلام وقرأ عليه القرآن، فقال له قيس: والله إنّ حسبك لكريم، وإنّ وجهك لحسن، وللّذي أنت عليه خير من الذي أنا عليه، أفرأيت إن أنا بايعتك أيحلّ لي الزّنا؟
قال: لا، قال: أفيحلّ لي الهجاء؟ قال: لا، قال: أفيحلّ لي القتل؟ قال: لا، قال: ففي نفسي من هذه الخصال شيء، فأنا أرجع إلى بلدي فأقضي أربي، فإذا قدمت اتبعتك. فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: فإن لي إليك حاجة، قال قيس: هي لك، قال: إنّ امرأتك حواء بنت يزيد مسلمة فلا تؤذها ولا تحل بينها وبين الإسلام، قال: ذلك لك، وما علمت بذلك. وهي أخت رافع بن يزيد الأشهلي، وهو ممن شهد بدرا. ثم رجعوا إلى المدينة وقد فشا الإسلام في الأوس والخزرج، ودخل بعضهم في كفة بعض بعد الحرب المتصلة بينهم. وكان قيس من ذوي البلاء فيها.
فاجتمع ناس [1] من بني سلمة فيهم رجل من بني مازن بن النجار، فقالوا: قد علمتم ما صنعت بكم الأوس يوم بعاث، وقيس بن الخطيم فتى الأوس وشاعرها فتهيّأوا لقتله، فإنّا إن قتلناه أدركنا ثأرنا. فاجتمع ملأهم على ذلك، وسألوا عنه
__________
[1] في اغتيال قيس بن الخطيم انظر أسماء المغتالين (نوادر المخطوطات) 2: 274.
(7/380)

فقالوا: إنه يخرج في كلّ عشيّة فيأخذ على بني حارثة حتى يأتي ماله بالشوط.
فخرجوا حتى جاؤوا محيصة وحويصة والأحوص من بني مسعود، وكانت بنو سلمة أخوالهم، فمتّوا إليهم بالخؤولة وذكّروهم إخراج بني عبد الأشهل إيّاهم إلى خيبر وما صنعوا بهم في تلك الحروب. وقالوا لهم: إنّ قيس بن الخطيم يمرّ على أطمكم كلّ عشيّة، وقد أردنا قتله، فإن رأيتم أن تتركونا حتى نكمن له فيكم. فأذنوا لهم في ذلك، فكمنوا له في رأس أطمهم. فلما كان من العشيّ أقبل يمشي في ثوبين له مورّسين، حتى إذا جاء الأطم رموه، فوقعت في صدره ثلاثة أسهم، فصاح صيحة سمعها بنو ظفر. فأقبلوا يسعون إليه فقالوا: ما لك؟ قال: قتلني بنو حارثة بأيدي بني سلمة. فخرجوا يحملونه حتى جاؤوا به منزله. فلما رأته امرأته خرجت تصيح وتولول، قالت: فنظر إليّ نظرا علمت أنه لو عاش لقتلني، لا والله ما رأى عندي رجلا قطّ إلا أنه قد كان يأتي بالأسير فيأمرني فأدهنه وأرجّله ثم يقوم إليه فيضرب عنقه. فمكث قيس أياما، ويخرج [1] رجل من قومه حتى أتى بني مازن بن النجار وهم في مجلسهم، فقال: أين ابن أبي صعصعة؟ قالوا: في منزله، فخرج حتى أتاه، فقال: يا عمّ أخل، فخلا معه في بيت في داره، فحدثه شيئا ثم وثب عليه فضرب عنقه، ثم اشتمل على رأسه فخرج وأجاف الباب عليه. فلما طلع على بني مازن خشي أن ينذروا به فيطلبوه، فقال: قوموا إلى سيّدكم يا بني مازن فإنه يدعوكم، فوثبوا وقالوا: هذا أمر حدث من أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ورفع الآخر جراميزه حتى انتهى إلى قيس وهو بآخر رمق، فقال: يا قيس قد ثأرت بك. قال: عضضت أير أبيك إن كنت عدوت أبا صعصعة، قال: فإني لم أعده. وأخرج له رأسه فلم يلبث قيس أن مات.
وقال قيس حين رمي وجاءت رزاح من بني ظفر لينظروا إليه، وكان بينه وبينهم شرّ فقال [2] : [من السريع]
__________
[1] م: وخرج.
[2] ديوان قيس: 148.
(7/381)

كم قاعد [1] يحزنه مقتلي ... وقاعد يرقبني شامت
أبلغ رزاحا [2] أنّني ميّت ... كلّ امرىء ذي حسب مائت
أيام العرب:
وأيام العرب ووقائعها كثيرة لا يحويها كتاب مفرد ولو أسهب جامعه.
وقد ذكرت بعض المشهور منها على إيجاز واختصار وحذف للمصنوع المضاف إليها، والأشعار التي قيلت فيها مما فيه أدب يستفاد، أو تجربة تقتبس أو فعل مستغرب.
«1348» - فمن أيامهم المشهورة يوم حليمة.
يقولون في أمثالهم: ما يوم حليمة بسرّ. وخبره أنّ المنذر بن ماء السّماء اللخميّ ملك الحيرة، غزا الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ ملك العرب بالشام، فأتاه في زهاء مائة ألف، فهابه الحارث وخاف البوار على قومه. فأتاه شمر بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزّى بن سحيم بن مرّة بن الدّول بن حنيفة ابن لجيم بن مصعب بن علي بن بكر بن وائل في جمع من قومه، وقد كان المنذر أغضبه في شيء. فأشار شمر على الحارث بأن يريّث المنذر عن الحرب، ويعده بأن يعطيه مالا ويدين له. ففعل الحارث ذلك فاغترّ المنذر بذلك، ثم قال لفتيان غسان الذين هم كانوا من بيت الملك: أما تجزعون أن يتقسّم اللخميّون نساءكم؟
فانتدب منهم مائة، وفيهم لبيد بن أخي الحارث بن أبي شمر بن عمرو بن الحارث بن عوف بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد واسمه درء بن الغوث بن
__________
[1] الديوان قائم.
[2] الديوان: خداشا.
(7/382)

نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وليس الحارث من بني جفنة، وقد نسب إلى بني جفنة لأنّ الملوك كانوا منهم. وأخرج الحارث ابنته حليمة، وكانت أجمل نساء العرب، فدافت مسكا في جفنة وبرزت. فجعلت تطلي هؤلاء الفتيان بذلك المسك، وكان آخرهم لبيد. فلما خلّقته قبض عليها وقبّلها، فصاحت وولولت. فقال أبوها: ما شأنك؟ فأخبرته فقال: قدمناه للقتل فإن يقتل فقد كفيت أمره وإن يسلم- وهو أحبّهما إليّ- زوّجتك إياه، فهو كفؤ لك كريم.
فلما تجهّزوا قال لهم شمر: ائتوا المنذر وأعلموه أنكم خرجتم مراغمين للحارث لسوء أثره فيكم، فإنه سيسرّ بمكانكم فكونوا قريبا من قبّته، فإذا رأيتمونا قد زحفنا إليه فشدّوا على حرسه وحجّابه. ففعل الفتيان ما أمرهم به، فلما زحف الحارث وأصحابه شدّ الفتية على الحرس فقاتلوهم أشدّ قتال، وقتلوا منهم بشرا وقتلوا كلّهم، ولحقهم شمر فيمن معه من جفنة، ولم يكن له همة إلا قتل المنذر، فقصده فدخل عليه فقتله. ولم ينج من أهل المائة إلا لبيد صاحب حليمة، فرجع وقد اسودّت فرسه من العرق، فأخبر الحارث بأنّ شمر بن عمرو قد قتل المنذر.
ثم حمل على أصحاب المنذر، فقال له الحارث: ويحك! أين تمضي؟ ارجع وقد زوّجتك حليمة، فقال: والله لا تحدّث العرب أني بقيت فلّ مائة. ولحق الحارث الناس فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر شأس بن عبدة أخا علقمة بن عبدة الذي يعرف بعلقمة الفحل في سبعين من أشراف تميم سوى الشرط، وأسر من أسد وقيس جمعا كثيرا. وهذا اليوم أيضا يسمّى عين أباغ.
ووفد علقمة [1] بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بني عبيد بن ربيعة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم إلى الحارث فامتدحه بقوله: [من الطويل]
طحا بك قلب في الحسان طروب
وهي من قلائد أشعار العرب يقول فيها:
__________
[1] ديوان علقمة الفحل: 33، 48.
(7/383)

وفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمة ... فحقّ لشأس من نداك ذنوب
فأطلق له شأسا مع أسرى تميم.
1349- ومن أيامهم المشهورة يوم ذي قار وقد مضى خبره في باب الوفاء.
خبر ابن الهبولة:
«1350» - هو زياد بن الهبولة بن عمرو بن عوف بن ضجعم بن حماطة واسمه: سعد ابن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكانت الضجاعمة ملوك الشام قبل غسان. وكان سبب قتله أنه أغار على حجر بن عمرو بن معاوية بن ثور بن مريع الكندي، وكان يسكن عاقلا، فأخذ ما وجد في عسكره وأخذ امرأته هندا وعمرو غاز، ثم إنّ زيادا انكفأ راجعا، وقد كان استاق إبلا لعمرو بن أبي ربيعة بن شيبان بن ثعلبة، فأتاه عمرو وهو بالبردان فقال له: يا خير الفتيان أردد عليّ فحل إبلي، فقال: هو لك. فامتنع الفحل على عمرو فأخذ ذنبه ثم أقعده حتى سقط على جنبه؛ فحسده ابن الهبولة على ما رأى من شدته، فقال: يا معشر بني شيبان لو كنتم تقتعدون الرجال كاقتعادكم الإبل كنتم أنتم أنتم. فقال له عمرو: لقد وهبت قليلا، وشتمت مجيلا، وجنيت على نفسك شرّا طويلا، ولئن قدرت عليك لأضربنّك. ثم ركض فرسه وارتحل الضجعمي من موضعه ذلك، فعسكر بموضع آخر يقال له حفير، وعمّى على حجر موضع عسكره. واستغاث حجر ببكر بن وائل، فأتاه أشرافهم، فقال لضليع بن عبد غنم بن ذهل بن شيبان وسدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة: اعلما لي علم معسكره وعدة من معه. فذهبا متنكّرين حتى انتهيا إلى موضع معسكره في ليلة قرّة. وكان ابن الهبولة قد نادى من أتى بشيء من حطب فله من التمر مثله، ولم يكن أحد يدخل عسكره إلا بحطب. فاحتطبا ثم دخلا العسكر، فوضعا الحطب بين يديه،
(7/384)

وكان جالسا أمام قبّة له، فأعطاهما من التمر الذي كان أخذه من معسكر حجر. فقال ضليع: هذه أمارة، هذا التمر من تمر حجر فترجع [1] به. وأما سدوس فقال: لست براجع إلا بعين جليّة. فانصرف ضليع وأقام سدوس، وأوقد السلمي نارا ودخل قبّته وقال لأصحابه: تحارسوا، ولينظر كلّ امرىء منكم من جليسه. فضرب سدوس بيده إلى جليسه، فقال: من أنت؟ مخافة أن يسبق إليها، فقال: أنا فلان، فقال: معروف. ونوموا [2] . ودنا سدوس من القبّة، فداعب ابن الهبولة هندا امرأة حجر ساعة ثم قال لها: ما ظنّك بحجر لو علم مكاني منك؟ قالت: والله لو علم لأتاك سريع الطلب، شديد الكلب، فاغرا فاه كأنه جمل آكل مرار، وكأني بفتيان بكر بن وائل معه يذمرهم ويذمرونه. فرفع يده فلطمها ثم قال: والله ما قلت هذا إلا من حبه، قالت: والله ما قلت هذا إلا من بغضه، ووالله ما أبغضت بغضه أحدا، وسأخبرك من بغضي إياه بشيء لتعلم أني صادقة، قال: ما هو؟ قالت: كان ينام فيستيقن نوما ويبقى عضو من جسده لا ينام، وما رأيت أحدا أحزم منه قطّ نائما ويقظان. فبينا هو نائم ذات يوم قد مدّ إحدى يديه وبسط الأخرى، ومدّ إحدى رجليه وبسط الأخرى، إذ أقبل ثعبان أسود فأهوى إلى رجله الممدودة فقبضها، ثم أهوى الى يده المبسوطة فقبضها، ثم أهوى الى عسّ فيه لبن، فشرب ثم مجّه فيه، فقلت في نفسي: يشربه فيهلك فأستريح منه. فما كان بأسرع من أن استوى جالسا فقال: لقد ألّم بنا ملمّ، لقد دخل علينا عدوّ. قالت: قلت ومن يدخل عليك وأنت ملك؟ فأهوى إلى العسّ فأخذه فسقط من يده، والكلام بأذن سدوس. فلما أصبح عدا إلى حجر وهو يقول: [من الوافر]
__________
[1] م: فرجع.
[2] م: وناموا.
(7/385)

أتاك المرجفون برجم غيب ... على دهش وجئتك باليقين
فمن يأتي بأمر فيه لبس [1] ... فقد آتي بأمر مستبين
فقصّ عليه القصّة، وخبّره بموضع معسكره. فنادى حجر في أصحابه، فأغار عليه، وشدّ سدوس على ابن الهبولة فقتله وأخذ رأسه، وأخذ هندا وأتى بها حجر فقال: يا سدوس قصّ عليها القصة فقصّ، فدعا بفرسين: صادر ووارد، فربطها فيهما ثم ضربا فقطّعاها. فقال حجر في ذلك: [من الخفيف]
إنّ من غرّه النساء بشيء ... بعد هند لجاهل مغرور
حلوة الدلّ واللسان ومرّ ... كلّ شيء أجنّ منها الضمير
كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحبّ حبّها خيتعور
الخيتعور: الدنيا، وكل شيء لا يدوم فهو خيتعور.
«1351» - قال أبو عبيدة: غزا صخر بن عمرو أخو الخنساء بني أسد بن خزيمة، فاكتسح إبلهم، فأتى الصريخ بني أسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ابن ثور الأسدي صخرا في جنبه وفات القوم فلم يقعص مكانه، وجوي منها فكان يمرّض قريبا من حول حتى ملّه أهله، فسمع امرأة تسأل سلمى امرأته: كيف بعلك؟ فقالت: لا حيّ فيرجى ولا ميّت فينعى، لقينا منه الأمرّين.
وقال عبد القاهر بن السري: طعنه ربيعة الأسدي، فأدخل حلقات من حلق الدّرع في جوفه، فضمن منها زمانا ثم كان ينفث الدم وينفث تلك الحلق معها، فملّته امرأته، وكان يكرمها ويعينها على أهله، فمرّ بها رجل وهي قائمة، وكانت
__________
[1] أيام العرب: فمن يك قد أتاك بأمر لبس.
(7/386)

ذات خلق وأوراك، فقال: أيباع الكفل؟ قالت: عمّا قليل. وكل ذلك يسمعه صخر، فقال: لئن استطعت لأقدّمنّك أمامي، وقال لها: ناوليني السّيف أنظر هل تقلّه يدي فإذا هو لا يقلّه. فقال صخر: [من الطويل]
أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتي ... وملّت سليمى مضجعي ومكاني
فأيّ امرىء ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلا في أذى وهوان
لعمري لقد نبّهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغترّ بالحدثان
فللموت خير من حياة كأنّها ... معرّس يعسوب برأس سنان
وقال أبو عبيدة: فلما طال به البلاء وقد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد في موضع الطعنة، قالوا له: لو قطعتها رجونا أن تبرأ، فقال: شأنكم. وأشفق عليه بعضهم فنهاه فأبى، فأخذوا شفرة فقطعوا ذلك المكان فيئس من نفسه، وقال:
[من الطويل]
كأني وقد أدنوا لحزّ شفارهم ... من الصبر دامي الصفحتين نكيب
فمات فدفنوه إلى جنب عسيب، وهو جبل إلى جنب المدينة. ورثته أخته خنساء بنت عمرو، وفيه كان جلّ مراثيها دون أخيها معاوية. وكانت قد آلت ألا تنزع المسوح عنها أبدا بعد صخر. ورجت أن يأمرها عمر رضي الله عنه بنزعها، فقال لها: في بما جعلت على نفسك.
وقال المتلمّس الضبعي [1] : [من الطويل]
ألم تر أنّ المرء رهن منيّة ... صريع لعافي الطّير أو سوف يرمس
__________
[1] ديوان المتلمّس: 110- 116.
(7/387)

فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة ... وموتن بها حرا وجلدك أملس
فمن حذر الأوتار ما حزّ أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرّع القوم رهطه ... تبيّن في أثوابه كيف يلبس
أما قصير [1] وخبره مع الزبّاء، وجدعه أنفه حتى احتال عليها، وأنست إليه، وجعلته وكيلها يحمل إليها الأمتعة والتجارة من البلاد، فلما اطمأنّت إليه وسكنت كلّ السكون، جعل الرجال في الغرائر ومعهم السلاح، فيهم عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة مولى قصير حتى قتلها، وفيه خبر مشهور وقد أخلق بكثرة التداول فيه، وفيه طول على أنه يتضمّن حكما وأمثالا وحيلا، وليس هذا موضعه.
وأما بيهس [2] المعروف بنعامة، فذكر أبو يوسف أنه كان رجلا من بني غراب ابن ظالم بن فزارة بن ذبيان بن بغيض، وكان سابع سبعة أخوة. فأغار عليهم ناس من أشجع بن ريث بن غطفان، وكانت بينهم حرب، وهم في إبلهم، فقتلوا منهم ستة وبقي بيهس، وكان يحمّق وهو أصغرهم، فأرادوا قتله، فقالوا: ما تريدون من قتل هذا؟ يحسب عليكم برجل ولا خير فيه. فقال: دعوني أتوصّل معكم إلى الحيّ، فإنكم إن تركتموني وحدي أكلتني السّباع أو قتلني العطش، ففعلوا. فأقبل معهم فنزلوا منزلا فنحروا جزورا في يوم شديد الحرّ، فقال بعضهم: أظلوا لحمكم لا يفسد، فقال بيهس: لكن بالأثلات لحما لا يظلّل.
فقالوا إنه منكر، وهموا بقتله، ثم إنهم تركوه، ففارقهم حين انشعب به الطريق إلى أهله، فأتى أمّه فأخبرها الخبر، فقالت: ما جاء بك من بين إخوتك؟ فقال:
لو خيّرك القوم لاخترت، فذهبت مثلا. ثم إنّ أمّه عطفت عليه ورقّت له
__________
[1] خبر قصير في قصة جذيمة والزباء، انظر أمثال المفضل الضبي: 143- 147 (وفيه تخريج الأمثال المتصلة بهذا الخبر) .
[2] خبر بيهس والأمثال المتصلة به في أمثال الضبي: 110- 113 وفيه تخريج.
(7/388)

وأعطته ميراثه من إخوته. فقال: يا حبّذا التراث لولا الذّلة، فذهبت مثلا. فقال الناس: أحبت أمّ بيهس بيهسا، فقال بيهس: ثكل أرأمها ولدا، فذهبت مثلا، فأتى على ذلك ما شاء الله. ثم إنه مرّ على نسوة في قومه وهنّ يصلحن امرأة منهنّ يردن أن يهدينها إلى زوجها، وهو من بعض من قتل إخوته. فكشف ثوبه عن استه وغطّى رأسه، فقلن: ويلك! أيّ شيء تصنع؟ فقال: البس لكلّ حالة لبوسها، إما نعيمها وإما بوسها. فأتى على ذلك ما شاء الله لكنه جعل يتتبّع قتلة إخوته ويتقاصّهم حتى قتل منهم ناسا وقال في ذلك: [من الرجز]
يا لها نفسا أنّى لها ... المطعم والسلامه
قد قتل القوم إخوتها ... فبكلّ واد زقاء هامه
فلأطرقنّ قوما وهم نيام ... فلأبركنّ بركة النّعامه
قابض رجل وباسط أخرى ... والسيف أقدمه أمامه
وهذا الشعر مزحوف في أصل النسخة، قال: فسمّي بيهس نعامة بقوله:
فلأبركنّ بركة النعامة. قال: ثم إنه أخبر أنّ أناسا من أشجع يشربون في غار.
فانطلق بخال له يقال له أبو حشر وقال له: هل لك في غار فيه ظباء؟ قال: نعم، فانطلق حتى قام على فم الغار، ثم دفع أبا حشر فيه، وقال ضربا أبا حشر. فقال بعض القوم: إنّ أبا حشر لبطل، فقال أبو حشر: مكره أخوك لا بطل، فأرسلها مثلا. وقتل القوم.
قوله: البس لكلّ حالة لبوسها، إما نعيمها وإما بوسها: يقول: أنتم مسرورون بعرسكم وأنا مهتوك السّتر موتور، فأبدي عن دبري حتى أدرك بثأري.
1352- وفعل أبو جندب أخو أبي خراش الهذليّ مثل ذلك. قتل جيران له كانوا في جواره، فأتى مكة فجعل يطوف بالبيت مكشوف الدّبر، فقيل له: ما هذا؟ قال: إني موتور ولا ينبغي لمثلي أن يطوف البيت إلا هكذا حتى يدرك بثأره.
فأتى بالخلعاء فأغار بهم على الذين فعلوا بجيرانه ما فعلوا حتى انتقم منهم.
(7/389)

خبر طرفة في صحيفته ومقتله ومبدأ أمره:
«1353» كان المسيّب بن علس الضبعي شاعر ربيعة في زمانه، وإنه وقف على مجلس لبني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة فاستنشدوه فأنشدهم شعرا له: [من الطويل]
وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره ... بناج عليه الصّيعريّة مكدم
الصّيعرية: سمة كان أهل اليمن يسمون بها النّوق دون الفحول.
كميت كناز اللحم دون علالة ... إذا انتعلت أخفافهنّ من الدّم
وطرفة يسمع نشيده مع القوم، وهو يومئذ غلام حين قال الشّعر، فقال طرفة: نعتّ جملا أول مرة، ثم إذا هي ناقة، استنوق الجمل! فذهبت مثلا. فضحك القوم من قول طرفة، فقال المسيّب: ما هذا الغلام ويحكم؟ قالوا: غلام منّا وقد قال بعض الشّعر، قال: مروه فلينشدني، فأنشده، فقال: يا غلام أخرج لسانك فأخرجه، فإذا فيه خطّ أسود، فقال المسيّب: ويل لهذا من هذا- يريد طرفة من لسانه.
ثم إنّ طرفة شهر وذكر شعره حتى وفد به إلى الملوك، وقد كان عبد عمرو ابن بشر بن عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ربيعة من أجمل أهل زمانه وأعظمهم، وكان رجلا بضّا بادنا جميلا، وكانت أخت طرفة عنده، فشكت إلى طرفة شيئا من زوجها كرهته، فقال طرفة: [من الطويل]
أيا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما
ولا خير فيه غير أنّ له غنى ... وأنّ له كشحا إذا قام أهضما
فروي هذا الشّعر ورفع إلى عمرو بن هند الملك، وهند أمّه بنت الحارث الملك ابن عمرو المقصور. وإنّما سمّي المقصور لأنه اقتصر على ملك أبيه فلم يتجاوزه عمرو
(7/390)

ابن حجر آكل المرار الكنديّ. وكان عمرو بن هند على الحيرة وعلى ما سقى الفرات مما يلي ملك فارس من أرض العرب، وهو محرّق الأحدث، وسمّي محرّقا لأنه حرق باليمامة قرى كثيرة لبني حنيفة، وكان شمر بن عمرو الحنفي قتل أباه المنذر يوم عين أباغ مع الحارث بن جبلة الغسّاني. وكان عمرو هذا شديد السلطان والبطش متجبّرا قليل العفو، وكانت ربيعة تسمّيه مضرّط الحجارة. وكانت لعبد عمرو منزلة عظيمة من عمرو بن هند. فوافق عنده المتلمّس الضبعي، وهو جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن زيد بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وقال أبو عبيدة: اسمه جرير بن يزيد وكان ينادم الملك. وكان للملك أخ يقال له قابوس لأبيه وأمه، وكان يحبّه ويرشّحه للملك بعده. فجعل له صحابة وأمر لهم بمعروف، وأمرهم بلزومه ومجالسته، وكان في من أمر بذلك طرفة والمتلمّس.
وكان قابوس غلاما معجبا بالصيد، وكان يركب ويركبون معه فيتصيّدون يومهم ويركضون حتى يرجعوا وقد ملّوا من التعب، ثم يغدون عليه، فيتشاغل عنهم بالسّماع والشراب، فيستثقل اجتماعهم عنده، فلا يأذن لهم ولا يصرفهم، فيظلّون وقوفا عامّة نهارهم. فضجّ من ذلك طرفة وثقل عليه، وكره مكانه معه، وسأله الملك أن يكون معه فأمره بلزومه، فقال طرفة يهجوه: [من الوافر]
فليت لنا مكان الملك عمرو ... وغوثا حول قبّتنا تدور [1]
فرويت هذه القصيدة حين أتمّها ولم يتستّر. فخرج عمرو بن هند يتصيّد ومعه عبد عمرو، فرمى الملك حمارا فصرعه، فقال: يا عبد عمرو انزل فأجهز عليه، فنزل فاضطرب من عظمه وذهب الحمار؛ وضحك الملك وقال آخرون:
بل دخل معه الحمام. فلما تجرّد نظر إلى بدنه، فقال: لله درّ ختنك وابن عمّك ما كان أبصره بك حين يقول فيك ما قال، وأنشده الشّعر. فقال عبد عمرو:
أبيت اللعن ما قال فيك شرّ مما قال فيّ، قال: وما قال؟ قال: أكرم الملك أن
__________
[1] م ر: تخور.
(7/391)

أنشده إياه. قال: لتفعلنّ، فلم يزل حتى أنشده قول طرفة. قال الملك: فقد بلغ أمره إلى هذا؟ ووقعت في نفسه واختبأها عليه، فكره أن يريه أنه غضب عليه فتدركه الرّحم فينذر طرفة فيهرب، فقال: كذبت أنت متّهم عليه. وسأل عمرو عما قال فوجده والمتلمّس قد قالا فيه قولا سيّئا، فسكت عنهما أياما ثم قال لهما: ما أظنكما إلا قد سرّكما إتيان أهليكما وغرضتما بمكانكما؟ قالا:
أجل. قال: فإني كاتب لكما بها بحباء وكرامة إلى عامل هجر. فكتب لهما أن يقتلا، وجهّزهما بشيء إلى عامله على البحرين، وعامله معضد بن عمرو بن عبد القيس، ثم من الجواثر، وبنو تغلب تقول: كتب له إلى عبد هند بن حر بن حري بن حرورة بن حمير التغلبيّ، وكان عامله على البحرين. فخرجا فمرّا بنهر الحيرة، فإذا هما بغلمان يلعبون في المآء، فرأى المتلمّس في ثياب بعضهم أثر الأنقاس، فقال: يا غلام هل تكتب؟ قال: نعم. فقال لطرفة: تعلم أنّ ارتياح الملك لي ولك من بين شعراء بكر بن وائل لأمر مريب، وقد رأيت من نظر الملك إلينا أشياء ارتبت بها، فهل لك أن تنظر في كتابينا، فإن كان ما نحبّ فختمناهما ورجعنا، وإن كان ما نكره رجعنا إلى مأمننا، فقال طرفة: ما أخاف، ما كان ليكتب إلا بما قال، ولو أراد غير ذلك لكان قادرا عليه، وما كان ليجترىء عليّ وعلى قومي. فدفع المتلمّس كتابه إلى الغلام العبادي، فلما فضّ ختامه ونظر فيه جعل يقرأ ويقول: ثكلت المتلمّس أمّه، فقال: ويلك وما في الكتاب؟ قال: فيه يقتل المتلمّس. فقال لطرفة: في كتابك والله مثل ما في كتابي، فألق صحيفتك.
فأبى، وألقى المتلمّس صحيفته في الماء، وقال: [من الطويل]
وألقيتها بالثني من شطّ كافر ... كذلك أقنو كلّ قطّ مدلّل
الثني من أثناء الوادي والنهر، وكافر نهر الحيرة، كفر: غطّى ووارى فهو كافر، وأقنو أجزي، والقط: الصحيفة والصك، ومنه قوله عزّ وجلّ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا
(ص: 16) .
(7/392)

ومضى طرفة على وجهه حتى أتى عامل عمرو بن هند، فلما قرأ الكتاب قال: أتدري ما في كتابك؟ قال: لا، قال: فإنه قد كتب إليّ بقتلك، وأنت رجل شريف، وبيني وبينك وبين أهلك إخاء فانج ولا تعلم بمكانك، فإنك إن قرىء كتابك لم أجد بدّا من قتلك، فخرج فلقي شبّانا من عبد قيس، فجعلوا يسقونه الشراب ويقول الشّعر، فقال عامّة شعره هناك، وعلم الناس بمكانه فقدمه وقتله، فأغار رجل من بني مرثد على الجواثر فأخذ نعما فساقها إلى معبد أخي طرفة فذلك قول المتلمّس: [من الكامل]
لن يرحض السوءات عن أحسابكم ... نعم الجواثر أن تساق لمعبد
فلما بلغ عمرو بن هند صنيع المتلمّس قال إنّ حراما عليه حبّ العراق أن يطعم منه حبّة ما عاش، فذلك قوله: [من البسيط]
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه ... والحبّ يأكله في القرية السّوس
ولحق بالشام فصار في دين الغسانيين.
النّعم: الإبل والبقر والغنم، فإذا انفردت الإبل قيل لها نعم، فإذا انفردت البقر والغنم لم يقل لها نعم.
والإبل: جمع لا واحد له من لفظه، ومثله قوم وغنم ونساء وخيل ومذاكير الرجل، ومحاسن المرأة ومطايب الجزور. واختلفوا في المخاض والأبابيل والعقابيل، وقال أبو عبيدة: المداحيض. وقد وضعوا لكلّ حالة من حالات الإبل صيغة اسم تتميّز به عن الأخرى: فالقلوص من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، والبكر من الإبل بمنزلة الفتى من الرجال، وقد يقال للقلوص بكرة، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبعير بمنزلة الإنسان يقع على الجمل والناقة كما يقع الإنسان على الرجل والمرأة.
وخبر المتلمّس مع عمرو بن هند يدلّ على أقواء العرب وجهدها، إذ كانت عقوبة هذا الملك الجبّار لهذا الشاعر المشهور أهم غايتها منعه من حبّ العراق.
(7/393)

1354- وأخبار العرب في الجهد والجوع كثيرة.
قال حماد الرواية عن قتادة، قال زياد لغيلان بن خرشة: أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد الله على النعمة التي أصبحنا بها.
قال غيلان: حدثني عمي قال: توالت على العرب سنون حصّت كلّ شيء، فخرجت على بكر لي في العرب، فمكثت سبعا لا أذوق شيئا إلا ما ينال بعيري أو من حشرات الأرض، حتى وقعت على حواء عظيم، فإذا بيت جحيش عن الحيّ، فملت إليه فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة، فقالت: من؟ فقلت: طارق ليل يلتمس القرى، فقالت: لو كان عندنا شيء آثرناك به، والدالّ على الخير كفاعله، جس هذه البيوت ثم انظر أعظمها، فإن يك في شيء منها خير ففيه. ففعلت حتى دفعت إليه، فرحّب ثم قال: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى، فقال: يا فلان! فأجابه، فقال: هل عندك طعام؟ قال: لا، قال: فوالله ما وقر في أذني شيء كان أشدّ عليّ منه، فقال: هل عندك شراب؟ قال: لا، ثم تأوّه ثم قال: قد بقّينا في ضرع الفلانية شيئا لطارق إن طرق، قال: فأت به، فأتى العطن فابتعثها.
فحدّثني عمي أنه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذق وكور الأهواز وفارس، وجاهد عند السلطان، وكثر ماله وولده، قال: فما سمعت شيئا قط كان ألذّ من شخب تلك الناقة في تلك العلبة، حتى إذا ملأها ففاضت جوانبها وارتفعت عليها شكرة أي رغوة كجمّة الشّيخ، أقبل بها نحوي، فعثر بعود أو حجر فسقطت العلبة.
فلما رأى ذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه، فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما على ظهرها مثل رأس الصعل، فكشف عرقوبها، ثم أوقد نارا واجتبّ سنامها، ودفع إليّ مدية وقال: يا عبد الله اصطل واجتمل، فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار فإذا بلغت إناها أكلتها، ثم مسحت ما بيدي من إهالتها على جلدي، وكان قد قحل جلدي كأنه شنّ، ثم شربت ماء وخررت مغشيّا عليّ فما استفقت إلى السّحر.
وقطع زياد الحديث وقال: لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا فمن المنزول به؟ قلت: عامر بن الطفيل.
(7/394)

«1355» - خبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس في وفودهما على النبيّ صلّى الله عليه وسلم. قال ابن جريج: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس العامريان، فقال عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلّم: أدخل في دينك على أن أكون الخليفة من بعدك، قال: ليس ذاك لك ولا لأحد من قومك. قال: أفأدخل في دينك على أن أكون على أهل الوبر وأنت على أهل المدر؟ قال: لا، قال: فأيّ شيء تعطيني إذا أنا أسلمت؟ قال: أعطيك أعنّة الخيل تقاتل عليها في سبيل الله فإنك رجل شجاع، قال عامر: أو ليست أعنّة الخيل بيدي؟ ثم انصرف وهو يقول: لأملأنّها عليك خيلا ورجالا، ثم قال لأربد: إما أن تكفينيه وأقتله أو أكفيكه وتقتله؟ قال أربد: بل تكفينيه وأقتله. فأقبلا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال له عامر: إني أريد أن أشاركك [1] بشيء. فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ادن، فدنا منه وجنأ عليه، وسلّ أربد بعض سيفه، فلما رأى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بريق سيفه تعوّذ بآية من القرآن فيبست يد أربد على سيفه، وأرسل الله عليه صاعقة فأحرقته، ومضى عامر هاربا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللهم اهد بني عامر وأرح الدنيا من عامر وأصبه بسهم من سهامك نافذ؛ فألجأه الموت إلى بيت امرأة من سلول، فجعل يقول أغدّة كغدّة الجمل، وفي بيت امرأة من سلول؟ فلم يزل يردّد هذا القول حتى خرجت نفسه.
وقال لبيد بن ربيعة [2] يرثي أخاه لأمه أربد بن قيس: [من المنسرح]
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أحذر [3] نوء السّماك والأسد
__________
[1] م ر: أشارك.
[2] شرح ديوان لبيد: 158.
[3] ر: أرهب.
(7/395)

فجّعني البرق [1] والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النّجد
وأنزل الله تعالى في قصة عامر وأربد مع النبي صلّى الله عليه وسلّم: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
(الرعد: 13) .
وروي عن ابن عباس أنه قال في شديد المحال: شديد المكر شديد العداوة؛ وقال أبو عبيدة: شديد المكر والعداوة والنكال، وقال اليزيدي: هو من المماحلة وهي المجادلة. وفي الحديث: «إنّ هذا القرآن شافع فمشفع وماحل فمصدق» ، ومنه:
«اللهم لا تجعل القرآن بنا ماحلا» . وقال ابن قتيبة هو المكر والكيد. وأصل المحال والحول الحيلة.
«1356» - وأصل هذه القصة أنّ عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب عم عامر بن الطفيل وهو ملاعب الأسنة أصابته الدبيلة فاستطبّ لها فلم ينتفع، فدعا ابن أخيه لبيد بن ربيعة الشاعر فقال: يا ابن أخي إنك من أوثق أهل بيتي في نفسي، فأت هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فاستطبّ لي منه واهد له إبلا.
فانطلق لبيد فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فقال صلّى الله عليه وسلّم: أما الهدية فلسنا نقبلها إلا من رجل على ديننا، ولو كنت قابلها من أحد قبلتها منه. قال: فذكر له وجعه، فأخذ صلّى الله عليه وسلّم حثوة من الأرض فتفل فيها ثم قال للبيد: مثها له في ماء ثم اسقها إياه. قال:
فانصرف لبيد فأخبره ما قال، قال عامر: ما فعلت في طبي؟ قال: ذاك أحقر ما رأيت منه، قال: وكيف ذاك؟ قال: أخذ حثوة من الأرض فتفل فيها ثم قال مثها له في ماء واسقها إياه، وها هي ذه في جهازي، فقال: هاتها، فماثها في ماء فشرب منه فكأنما نشط من عقال، فرغب أبو براء في الإسلام، فبعث إلى النبي
__________
[1] الديوان: الرعد.
(7/396)

صلّى الله عليه وسلّم: إبعث لنا قوما يفقهونا ويعلّمونا وأنا لهم جار. فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر ابن عمرو الساعدي فعقد له على ثلاثين رجلا، منهم ستة وعشرون رجلا من الأنصار وأربعة من المهاجرين وهم: عامر بن فهيرة مولى أبي بكر وعمرو بن أمية الضمري من كنانة ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعروة بن أسماء بن الصلت السليمي. فخرجوا حتى انتهوا إلى ماء لبني عامر بن صعصعة يقال له بئر معونة، وبلغ عامر بن الطفيل مكانهم فاستجاش عليهم بني عامر، فقالوا: ما كنا لنخفر أبا براء، فاستنجد قوما من قيس فيهم ناس من بني سليم، ثم من بني عصيّة وذكوان، فخرج عامر بن طفيل يريدهم، وقد بعث أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في رعي إبلهم عمرو بن أمية وحرام بن ملحان النجاري، وهجم عليهم على بئر معونة فقتلهم جميعا.
وفي رواية أنّ كعب بن زيد الديناري نزل وبه رمق فعاش حتى قتل يوم الخندق، ونظر الرجلان اللذان مع الإبل إلى العقبان تقذف بالعلق، فقالا: لقد كانت في أصحابنا وقعة أو معركة بعدنا فرجعا؛ ولقيهما عامر بن الطفيل فقال:
أمن القوم أنتما؟ فقالا: نعم، فقال لحرام: ممن أنت؟ قال: من الأنصار، فضرب عنقه، ثم قال لعمرو: ممن أنت؟ قال: من مضر، فخلّى عنه ثم ردّه معه إلى المعركة، فقال: انظر هل تفقد أحدا من أصحابك بين القتلى؟ فقال: نعم أفقد رجلا واحدا، قال: ومن هو؟ قال عامر بن فهيرة وكان خيارنا، قال: فإني أخبرت عنه بعجب، طعنه هذا- وأشار إلى خيار بن سلمى بن مالك بن جعفر- فأنفذه فأخذ من رمحه ثم صعد به إلى السماء حتى توارى عنا. وأتى الخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال لحسان: قل شعرا واذكر إخفار عامر بن الطفيل لعامر بن مالك، فقال: [من الوافر]
بني أمّ البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد
(7/397)

ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الخطوب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد
يعني حكم بن أبي سعد بن أبي عمرو القيسي، وأخته كبيشة بنت سعد أم ربيعة. وبلغ شعر حسان بن ثابت ربيعة بن عامر بن مالك، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: هل يذهب خفرة أبي عندك أن أطعن عامر بن الطفيل متمكّنا بالغا ما بلغت؟ فرجع وأخذ الرمح وعامر بن الطفيل جالس مع بني الطفيل، فلما نظر إلى ربيعة وبيده الرمح عرف الشرّ في وجهه فولّى فطعنه فأشواه. وثار بنو الطفيل وبنو عامر بن مالك، فقال عامر بن الطفيل حيث خاف أن يقع الشر: يا بني جعفر، حكموني في هذه الطعنة، قالوا: قد حكمناك فيها، فخرج يمشي حتى برز من الحيّ، ثم قال: احفروا لي حفيرة، فحفروا له قعدة الرجل، فقال: يا بني جعفر إني قد جعلت طعنتي في هذه الحفرة فأهيلوا التراب عليها ففعلوا.
وأما أبو براء عامر بن مالك فإنه جمع بني عامر، فقال: قد ترون ما صنع هذا الفاسق وإخفاره إياي، وسألهم أن ينجدوه فتثاقلوا، فقال: قد بلغ من أمري أن أعصى فلا يقبل لي رأي؟ فوضع سيفه في رهابته حتى خرج من ظهره.
قال أبو النضر: الرهابة موضع القلادة من النحر. وفي رواية أنه شرب الخمر صرفا حتى مات.
وقد روي أنّ أبا براء هو الذي قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك؛ فقال عليه السلام: أخشى عليهم أهل نجد، قال أبو براء: أنا جار لهم فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
وروي أنه قال لقومه وهو شيخ كبير: من كان منكم يأتي المدينة فليعرض عليّ ما جاء به محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فعرضوا عليه ما يقول، فقال:
كريم الحسب محتنك قد بلغ الأربعين يدعو إلى مكارم الأخلاق ويأمر بها، والله
(7/398)

إنّ هذا لأهل أن يتّبع وأن ينصر. وبعث إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن ابعث إليّ من قبلك قوما يفهموننا الذي جئت به وتدعونا إليه.
وأما عمرو بن أمية فإنه لما عاد من المعركة لقي رجلين من بني عامر معهما عقد وجوار من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يعلم بذلك عمرو. فنزلا معه في ظل فسألهما: من أنتما؟ فقالا: من بني عامر؛ فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أن قد أصاب ثأره من بني عامر، فلما قدم عمرو على النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبره الخبر، فقال له: لقد قتلت اثنين لأدينّهما، ثم قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها.
وقيل لعامر بن الطفيل: إنك إن أتيت محمدا صلّى الله عليه وسلّم أمنّك على ما صنعت، فأقبل هو وأربد وكان من شأنهما ما تقدّم ذكره.
منافرة عامر وعلقمة
. «1357» من أخبار العرب المشهورة المنافرة بين عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب. وقد أكثرت الرواة فيها وأطالت، فأتيت منها بأخصر ما يكون ويمكن، وحذفت الفضول.
كان عامر بن الطفيل من أشهر فرسان العرب بأسا ونجدة حتى كان قيصر إذا قدم عليه قادم من العرب قال له: ما بينك وبين عامر بن الطفيل؟ فإن ذكر نسبا عظم عنده به حتى وفد عليه علقمة بن علاثة فانتسب له، فقال له: أنت ابن عمّ عامر، فغضب علقمة وقال: أراني لا أعرف إلا بعامر، وكان ذلك مما أوغر صدره ودعاه إلى المنافرة. وغزا عامر بن مالك ملاعب الأسنّة اليمن بقبائل من بني عامر، فرجع وقد ظفر وملأ يده، فلما صاروا إلى مأمنهم وأرادوا أن يتفرّقوا إلى محالهم خطبهم عامر فقال: إنّ الله قد أثرى عددكم وكثّر أموالكم وقد ظفرتم، ومن الناس البغي
(7/399)

والحسد، ولم يكثر قوم قط إلا تباغوا ولست آمنها عليكم وبينكم حسائف وأضغان، وتواعدوا ماء النطيم يوم كذا، فأعطى بعضكم من بعض واستلّ ضغن بعضكم من بعض؛ فقالوا: ما تعقبنا قط من أمرك إلا يمنا وحزما، ونحن موافوك بالنطيم في اليوم الذي أمرت بموافاتك فيه. فاجتمعت بنو عامر ولم يفقد منهم أحد غير عامر بن الطفيل فانتظروه، فقام علقمة بن علاثة مغضبا، وكان له جد في ناديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: ننتظر أبا علي، فقال: وما تنتظرون منه؟ فو الله إنه لأعور البصر، عاهر الذكر، قليل الذكر والنفر. فقال له عامر بن مالك: اجلس ولا تقل لابن عمك إلا خيرا، فلو شهد وغبت لم يقل فيك مقالتك فيه. وأقبل عامر على ناقة له، فتلقّاه بعض من غضب له من فتيان بني مالك بن جعفر وأخبره بمقالة علقمة، قال: فهل قال غير هذا؟ قالوا: لا، قال: قد والله صدق ما لي ولد وإني لعاهر الذكر وإني لأعور البصر؛ ثم قال للذي أخبره: فهل ردّ عليه أحد؟ قال: لا، قال:
أحسنوا. وجاء حتى وقف راحلته على ناديهم فحياهم وقال لهم: لم تقرون بشتمي؟
فو الله ما أنا عن عدوكم بجبان، ولا إلى أعراضكم بسريع، وما حبسني عنكم إلا خمر قدم بها إليّ فسبأتها وجمعت عليها شباب الحيّ، فكرهت أن أدعهم يتفرّقون حتى أنفدتها؛ وقد علمت لأيّ شيء جمعكم أبو براء، فأصلح الله شأنكم ولمّ شعثكم وكثّر أموالكم. ثم قال: كل قرامة أو خداش أو حق أو ظفر يطلبه بنو عامر فهو في أموال بني مالك، مالي أول ذلك. قال أعمامه: وكل شيء لنا فيكم فهو لكم، قال أعمامه: قد رضينا بما فعل وحملنا ما يحمل، فتصدّع الناس على ذلك. وكان ذلك مما زاد صدر علقمة عليه وغرا حتى دعاه إلى المنافرة. وقال عامر في مراجعته لعلقمة:
والله لأنا أركب منك في الحماة، وأقتل منك للكماة، وخير منك للمولى والمولاة.
فقال علقمة: والله إني لبرّ وإنك لفاجر، وإني لوفيّ وإنك لغادر، ففيم تفاخرني يا عامر؟ فقال: والله لأنا أنزل منك للفقرة، وأنحر منك للبكرة، وأضرب منك للهدي، وأطعن منك للنثرة. فقال علقمة: والله إنك لكليل البصر، نكد الذكر، وثاب على جاراتك في السحر. فقال: بنو خالد بن جعفر، وكانوا يدا مع بني الأحوص
(7/400)

على بني مالك بن جعفر: إنك لن تطيق عامرا، ولكن قل له أنا أنافرك بخيرنا وأقربنا للخيرات، وخذ عليه بالكبر. فقال له علقمة هذا القول، فقال له عامر: وعنز وتيس، وتيس وعنز، فأرسلها مثلا، نعم، على مائة من الإبل إلى مائة يعطاها الحكم أينا نفّر عليه صاحبه أخرجها، ففعلوا ووضعوا بها رهنا من أبنائهم على يدي رجل من بني الوحيد. وخرج علقمة في من معه من بني خالد، وخرج عامر في من معه من بني مالك، وقد أتى عمه عامر بن مالك فقال: يا عماه أعنّي، قال: يا ابن أخي سبّني؛ فقال: لا أسبّك وأنت عمي؛ قال: فسبّ الأحوص، فقال عامر: لا أسبّ والله الأحوص وهو عمي، قال: فكيف أعينك إذن؟ ولكن دونك نعليّ فإني ربعت فيهما أربعين مرباعا فاستعن بهما في نفارك، وكره ما كان بينهما. وجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب فلم يقل بينهما شيئا وكره ذلك لحالهما وحال عشيرتهما وقال: أنتما كركبتي البعير الأدرم؛ فأتيا اليمنى، قال: كلا كما يمنى، وأبى أن يقضي بينهما. فانطلقا إلى أبي جهل ابن هشام بن المغيرة لعنه الله فأبى أن يحكم بينهما.
وكانت العرب تحاكم إلى قريش فأبت أن تحكم بينهما. فأتيا عيينة بن حصن فأبى أن يحكم ويقول بينهما شيئا. فأتيا غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي فردّهما إلى حرملة بن الأشعر المرّي، فردّهما إلى هرم بن سنان بن قطبة بن سيار بن عمرو الفزاري. فانطلقا حتى نزلا به. وقيل إنهما ساقا الإبل حتى أثنت وأربعت، فجعلا لا يأتيان أحدا إلا هاب أن يقضي بينهما. فقال هرم: لعمري لأحكمنّ بينكما ولأفضّلن، ولست أثق بواحد منكما، فأعطياني موثقا أطمئن به أن ترضيا بما أقول وتسلّما لما قضيت بينكما، وأمرهما بالانصراف، ووعدهما ذلك اليوم من قابل، فانصرفا. حتى إذا بلغ الأجل خرجا إليه، فخرج علقمة والأحوص ولم يتخلّف منهم أحد، معهم القباب والجزر والقدور، ينحرون في كلّ منزل ومعهم الحطيئة. وجمع عامر ببني مالك فقال: إنما تخاطرون عن أحسابكم فأجابوه وساروا معه، ولم ينهض أبو براء عامر بن مالك معه وقال لعامر: والله لا تطلع ثنية إلا وجدت الأحوص منيخا بها، وخرج معهم لبيد بن ربيعة والأعشى. وقال رجل من غني: يا عامر ما صنعت؟
(7/401)

أخرجت بني مالك تنافر بني الأحوص ومعهم القباب والجزر وليس معك شيء تطعمه الناس، ما أسوأ ما صنعت! فقال عامر لرجلين من بني عمه: أحصيا كلّ شيء مع علقمة، ففعلا. وقال: يا بني مالك إنها المقارعة عن أحسابكم فأشخصوا، بمثل ما شخصوا، ففعلوا. وقال لبيد [1] : [من الرجز]
إني امرؤ من مالك بن جعفر ... علقم قد نافرت غير منفّر
نافرت سقبا من سقاب العرعر
فقال قحافة بن عوف بن الأحوص: [من الرجز]
نهنه إليك الشعر يا لبيد ... واصدد فقد ينفعك الصدود
ساد أبونا قبل أن تسودوا ... سؤددكم مطرّف زهيد
وقال الأعشى: [من السريع]
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
سدت بني الأحوص لم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر
وكره كل واحد من البطنين هذه المنافرة، فقال عامر بن مالك: [من الوافر]
أؤمر أن أسبّ أبا شريح ... ولا والله أفعل ما حييت
ولا أهدي إلى هرم لقاحا ... فيحيي بعد ذلك أو يميت
أكلّف سعي لقمان بن عاد ... فيا لأبي شريح ما لقيت
أبو شريح: هو الأحوص.
وقال عبد عمرو بن شريح بن الأحوص: [من الطويل]
لحى الله وفدينا وما ارتحلا به ... من السوأة الباقي عليهم وبالها
__________
[1] شرح ديوان لبيد: 334.
(7/402)

ألا إنما يردى صفاة متينة ... أبى الضيم أعلاها وأثبت حالها
والأشعار في هذه القصة كثيرة وليست كلها مختارة. قال: فأقام القوم عند هرم أياما، فأرسل إلى عامر فأتاه سرّا لا يعلم به علقمة، قال: يا عامر، قد كنت أظنّ أنّ لك رأيا وأنّ فيك خيرا، وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك، أتنافر رجلا لا تفخر أنت ولا قومك إلا بآبائه، فما الذي أنت به خير منه؟ فقال عامر: أنشدك الله والرحم أن لا تفضل عليّ علقمة فوالله لئن فعلت ذاك لا أفلح بعدها، هذه ناصيتي بيدك فاجززها واحتكم في مالي، وإن كنت لا بدّ فاعلا فسوّ بيني وبينه. قال له هرم: انصرف فسوف أرى رأيي. فخرج عامر وهو لا يشكّ أنه منفّر عليه. ثم أرسل إلى علقمة سرا لا يعلم به عامر، فأتاه فقال: يا علقمة، والله إني كنت أحسب أنّ فيك خيرا [1] .
وعاش هرم حتى أدرك خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسأله عمر فقال: يا هرم أي الرجلين كنت مفضّلا لو فضّلت؟ فقال: لو قلت ذلك اليوم يا أمير المؤمنين لعادت جذعة ولبلغت شعفات هجر، فقال عمر: نعم مستودع السرّ ومسند الأمر إليه يا هرم أنت، مثل هذا فليستودع وليسد العشيرة. وقال:
إلى مثلك فليستبضع القوم أحكامهم.
1358- قال الهيثم بن عدي: قالت الأعاجم لكسرى بن هرمز: إنّ العرب لا عقول لهم ولا أحلام ولا كتاب لهم يدرسونه ولا إله يعبدونه، إنما يعبدون الحجر، فإذا أرادوا أحسن منه طرحوا الذي يعبدونه وأخذوا الذي هو أحسن منه فعبدوه،
__________
[1] في الأغاني هنا زيادة حذفها ابن حمدون لأنها مكررة وهي: وأن لك رأيا، وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك. أتفاخر رجلا هو ابن عمك في النسب وأبوه أبوك، وهو مع هذا أعظم قومك غناء وأحمدهم لقاء؟ فما الذي أنت به خير منه؟ فقال له علقمة:
أنشدك الله والرحم أن لا تنفر عليّ عامرا، اجزز ناصيتي واحتكم في مالي، وإن كنت لا بد أن تفعل فسوّ بيني وبينه. فقال: انصرف فسوف أرى رأيي. فخرج وهو لا يشك أنه سيفضل عليه عامرا.
(7/403)

وإنّ بعضهم يقتل بعضا. فعجب كسرى من ذلك وقال: بلغت حيلة قوم أن يكونوا على ما تصفون؟ قالوا: نعم. وكتب إلى النعمان بن المنذر يخبره بما قالت الأعاجم وأنه أنكر ذلك، وأمره أن يكتب إليه بشيء من كتبهم ليعتبر به عقولهم. فكتب النعمان إلى أكثم بن صيفي أن اكتب إلينا أمرا نبلغه عنك الملك، وأخبره بما رفع إلى الملك من قلة عقول العرب، فكتب إليه أكثم:
لن يهلك امرؤ حتى يستصغر أفعال الناس عند فعله، ويستبدّ على قومه برأيه في أموره، ويعجب بما يظهر من مروءته، ويعبر بالضعف عن قوته، والعجز عن الأمر يتأتّى له، وإنه ليس للمختال في حسن الثناء نصيب، ولا للوالي المعجب في بقاء سلطانه ظفر به، وإنه لا تمام لشيء مع العجب، ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ، لقاء الأحبة مسلاة، اللهم ومن أسر ما يشتبه إعلانه فلم يعالن الأعداء بسريرته سلم الناس عليه وعظم عندهم شأنه. والغيّ أن تتكلم فوق ما يشبه حاجتك، وينبغي لمن له عقل أن لا يثق بإخاء من لم تضطرّه إليه حاجة، وأقلّ الناس راحة الحسود، من أتى بيده ما يقصده بقلبه فأعفه من اللائمة، ولا تحل رحمتك دون عقوبتك، فإن الأدب رفق، والرفق يمن؛ إنّ كثير النصح يهجم على كثير الظّنّة؛ إن أردت النصيحة فبعد إسرافك على الفضيحة؛ وانّ أكيس الكيس التّقى وأحمق الحمق الفجور.
فبعث النعمان بهذا الكتاب إلى كسرى فقرىء عليه وفسّر له، فقال لأصحابه: أهؤلاء الذين زعمتم أنهم لا عقول لهم، ما على الأرض قوم أعقل من هؤلاء وليكوننّ لهم نبأ.
خبر النعمان ووفود العرب معه على كسرى.
1359- قال الكلبي: قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضّلهم على جميع الأمم لا يستثني فارسا ولا غيرها. فقال كسرى- وأخذته غيرة الملك-:
يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حال من يقدم
(7/404)

عليّ من وفود الأمم، فوجدت الروم لها حظ في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها، وأنّ لها دينا يبين حلالها وحرامها، ويردّ سفيهها ويقوّم جاهلها؛ ورأيت الهند لها نحو من ذلك في حكمتها وطبها، مع كثرة أنهار بلادها وأثمارها، وعجيب صناعتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها مع كثرة عددها؛ وكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصنعة الحديد، وإنّ لها ملكا يجمعها؛ والترك والخزر على ما بهم من سوء الحالة والمعاش وقلة الريف والثمار، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم؛ ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ولا حزم ولا قوة ولا عقل ولا حكمة، مما يدل على مهانتها وذلّها وصغر همّتها، محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطيور الطائرة الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويقتل بعضهم بعضا من الحاجة، وقد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ولهوها ولذتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها.
هذا خبر تشهد معانيه أنه مصنوع، فإنّ ألفاظه مولدة، ورجال العرب والذين نسب إليهم الحكاية [1] متباعدة أعصارهم، لكنه يتضمن محاسن العرب والاحتجاج على من ينتقصهم ويقدح فيهم، وفي هذه الفائدة كفاية لأجلها نقلته إلى هاهنا.
وإن قرى أحدهم ضيفا عدّها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدّها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية الذي استنّ جدي اجتماعها وشيّد مملكتها ومنعها من عدوّها، فحريّ لها ذلك إلى يومنا هذا، وإنّ لها مع ذلك آثارا ولبوسا وقرارا وحصونا، نسبه بعض أمور الناس- يعني أهل
__________
[1] م: الخطابة.
(7/405)

اليمن- ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس، حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس.
قال النعمان: أصلح الله الملك، حق لأمة الملك منها أن تسمو بفضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها، إلّا أنّ عندي في كل ما نطق به الملك جوابا في غير ردّ عليه ولا تكذيب له، فإن أمّنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: قل فأنت آمن. قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليس تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به في عقولها وأحلامها وبسط محلها وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك، وأما الأمم الذي ذكرت فأيّ أمة قرنتها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزّها ومنعتها وحسن وجوهها وألوانها وبأسها وسخائها، وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها. فأما عزّها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوّخوا البلاد ووطّدوا الملك وقادوا الجنود، لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيولهم ومهادهم الأرض وسقفهم السماء وجنتهم السيوف وعدّتهم الصبر، ثم إنّ غيرهم من الأمم إنما عزّها الحجارة والطين وجزائر البحار. وأما حسن وجوهها وألوانها فقد تعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المحترقة والصين المحسمة والترك المشوهة والروم المقشرة. وأما أنسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولاها وأخراها حتى إنّ أحدهم يسأل عما وراء أبيه دنية فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمّي آباءه أبا فأبا، حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينسب إلى غير نسبه ولا يدعى إلى غير أبيه. وأما سخاؤهم فإنّ أدناهم رجلا للذي عنده البكرة يكون عليها بلاغه في حمولته وشبعه وريه، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويحتزىء بالسّربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج له عن دنياه كلّها فيما يكسبه من أحدوثة الشكر وطيب الذكر. وأما حكمة ألسنتها فإنّ الله أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، مع معرفتهم بالإشارة وضربهم
(7/406)

الأمثال، وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس. ثم خيلهم أفضل الخيول، ونساؤهم أعفّ النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الفضة والذهب، وحجارة جبالهم الجزع، ومطاياهم التي تبلغ على مثلها السفر ويقطع بمثلها البلد القفر. وأما دينها وشريعتها فإنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من تمسكه بدينه أنّ لهم أشهرا حراما وبلدا محرّما وبيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه وأخيه- وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك دمه- فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله. وأما وفاؤها فإنّ أحدهم يلحظ اللحظة ويومىء الإيماءة فهي عقدة لا يحلّها إلا خروج نفسه، وإنّ أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا في يده، فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمّته، وإن أحدهم يبلغه أنّ رجلا استجار به، وعسى أن يكون نائيا عن داره، فيصاب فلا يرضى حتى تفنى القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما يخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث عن غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله. وأما قولك أيها الملك إنهم يئدون أولادهم من الحاجة فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج. وأما قولك إنّ أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له، فعمدوا إلى أجلّها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم، مع أنها أكثر البهائم شحوما، وأطيبها لحوما، وأرقّها ألبانا، وأقلّها غائلة، وأحلاها مضغة، وأنه لا شيء من اللحم يعالج بما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه. وأما تحاربهم وقتل بعضهم بعضا وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من أنفسها ضعفا وتخوّفت نهوض عدوّها إليها بالزحف، وإنه إنما تكون المملكة العظيمة لأهل بيت واحد يعرف فضله على سائرهم، فيلقون إليه أمورهم وينقادون إليه بأزمتهم. فأما العرب فإنّ ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطء والعسف. فأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى الملك إليها
(7/407)

الذي أتاه عند غلبة الحبشي له على ملك متّسق وأمن مجتمع، فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا قد تقاصر عن إيوائه، وصغر في عينه ما شيد من بنيانه، ولولا ما وتر به ممن يليه من العرب لمال إلى محتل، ولو وجد من يجيد الطعان ويعصب الأحرار من غلبة العبيد الأشرار.
قال: فعجب كسرى لما أجابه به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرئاسة في أهل إقليمك ولما هو أفضل، ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة.
فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميين، وإلى الحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريين، وإلى خالد بن جعفر وعلقمة ابن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المرّي. فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم: قد عرفتم حال هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منهم، وقد سمعت من كسرى مقالة تخوّفت أن يكون لها غور وأن يكون إنما أظهرها لأمر أراده أن يتخذ العرب خولا كبعض طماطميه في أدائهم الخراج إليه كما يفعل ملوك الأمم الذين حوله، واقتصّ عليهم مقالة كسرى وما ردّ عليه. فقالوا: وفّقك الله أيها الملك فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت، قال: إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت وعززت بمكانكم وبما يتخوّف من ناحيتكم، وليس شيء أحبّ إليّ مما سدد الله به أمركم وأصلح شأنكم وأدام عزّكم، والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا بكتابي هذا إلى باب كسرى، فإذا دخلتم عليه نطق كل رجل منكم بما حضره ليعلم أنئ العرب على غير ما ظنّ أن حدّثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه، فإنه ملك عظيم السلطان كثير الأعوان، مترف معجب بنفسه، ولا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمرا بين ذلك يظهر به وثاقة حلومكم وغور عقولكم وفضل منزلتكم وعظيم أخطاركم. وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي لسنّه وحاله، ثم تتابعوا على الولاء من منازلكم التي
(7/408)

وضعتكم بها، فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بحرص كلّ رجل منكم على التقدّم قبل صاحبه، فلا يكوننّ ذلك منكم فيجد في أدبكم طعنا، فإنه ملك مترف وقادر متسلّط. ثم دعا لهم بما في خزانته من طرائف حلل الملوك، فكسا كلّ رجل منهم حلّة وعمّمه بعمامة وختمه بياقوتة، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة ومهرية وفرس يجنب معه، وكتب لهم كتابا فيه:
أما بعد فإنّ الملك ألقى إليّ من أمر العرب ما قد علم، وأجبته فيه بما قد فهم، مما أحبّ أن يكون منه على علم، ولم يتلجلج في نفسه أنّ أمة من الأمم التي افتخرت دونه بملكها وحمت ما يليها بفضل قوتها يبلغها في شيء من الأمور التي يتعزّز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة.
ولقد أنفذت إليك أيها الملك رهطا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم، فليسمع الملك منهم وليغمض عن جفاء إن ظهر منهم، وليكرمني بإكرامهم ويعجّل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم.
فخرج القوم في أهبتهم حتى دفعوا إلى باب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم. فلما كان من الغد أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا مجلسه، وجلس على سريره، وتتوّج بتاجه، وتهيّأ لهم بأعظم الهيئة، ثم أذن لهم فدخلوا وأجلسوا على كراس عن يمينه وعن شماله، ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم بها النعمان في كتابه، فقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.
(1) فقام أكثم بن صيفي فقال: إنّ أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمّها نفعا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها: الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشر لجاجة، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء، وآفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور مغبة الصبر، حسن الظنّ ورطة، وسوء الظنّ عصمة، إصلاح فساد الرعية خير من
(7/409)

إصلاح فساد الراعي، من فسدت بطانته كان كالغاصّ بالماء، شرّ البلاد بلاد لا أمير بها، شرّ الملوك من خافه البريء، المرء يعجز لا المحالة، أفضل البرّ برّ برة، خير الأعوان من لم يرائي بالنصيحة، أحقّ الجنود من حسنت سيرته، يكفيك من الزاد ما بلغك المحلّ، حسبك من شرّ سماعه، الصمت حكم وقليل فاعله، البلاغة الإيجاز، من تشدّد نفّر ومن تراخى ألّف.
فتعجّب كسرى من أكثم ثم قال له: ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك آخر كلامك في غير موضعه. قال أكثم: الصدق ينبي عنك لا الوعيد، قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفاها، قال أكثم: ربّ قول أنفذ من صول.
2) ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال: وري زندك، وعلت يدك، وملّئت سلطانك، إن العرب أمة غلظت أكبادها، واستحصدت مرّتها، وهي لك واقعة ما تألفتها، مسترسلة ما لاينتها، سامعة ما سامحتها، وهي العلقم مرارة، والصاب فظاظة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة، نحن وفودها إليك وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة، إن بادرت لك حامدين جرى لك بذاك عموم محمدتها، وإن لم تذمم لم تخصّ بالذم دونها.
قال كسرى: يا حاجب ما أشبه حجل التلال بألوان صخرها، قال حاجب ابن زرارة: زئير الأسد بصولتها، قال كسرى: وذاك.
3) ثم قام الحارث بن عباد فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظّها وعلوّ سنائها، من طال رشاؤه كثر متحه، ومن ذهب ماله قلّ منحه، وعند تناقل الأقاويل يعرف اللبّ، وهذا مقام يستوجب بما ينطق فيه الركب، ويعرف كنه ألباب العجم والعرب، ونحن جيرتك الأدنون وأعوانك الأعلون، خيولنا جمة وجيوشنا قحمة، إن استجرنا فغير ريض، وإن استطرقنا فغير جهض، وإن طلبنا فغير غمض، لا ننثني لذعر، ولا نتنكّر لدهر، رماحنا طوال وأعمارنا قصار.
(7/410)

قال كسرى: أنفس عزيزة وآلة ضعيفة؟ قال الحارث: أيها الملك وأنّى تكون للضعيف عزة وللصغير مرة؟ قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك. قال الحارث: أيها الملك إنّ الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرّرا بنفسه على الموت فهي منية استقبلها وحياة استدبرها، والعرب تعلم أنّي أبعث الحرب قدما وأجلسها وهي تصرف نابها، حتى إذا حشّت نارها وسعّرت لظاها وكشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحي وبرقها سيفي ورعدها زئيري، ولم أقصّر عن خوض ضحضاحها حتى أنغمس في غمرات لججها وأكون ملكا لفرساني إلى بحبوحة كبشها، فأستمطرها دما وأترك حماتها جزر السباع وكلّ نسر قشعم. قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟ قالوا: فعاله أنطق من لسانه. فقال كسرى: ما رأيت كاليوم وفدا أحدّ ولا شهودا أرفد.
4) ثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال: أيها الملك نعم بالك، ودام في السرور حالك، إنّ عاقبة الكلام متدبّرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير القول ثقلة، وفي قليله بلغة، وفي الملوك سورة العزة وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه من شرف، وخمل فيه من خمل؛ لم نأت لضيمك، ولم نفد لسخطك، ولم نتعرّض لرفدك؛ إنّ في أموالنا مستندا وعلى عزّنا معتمدا، وإن أورينا نارا اتقينا، وإن أود دهرنا اعتدلنا، إلا أنّا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك مكافحون، حتى يحمد الصّدر، ويستطاب الخبر.
قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمّك، قال عمرو: كفى بقليل قصدي هاديا، وبأيسر إفراطي مخبرا، ولم يلم من عرفت نفسه عما يعلم، ورضي من القصد بما بلغ.
قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به اللسان، اجلس.
5) ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعادا، وأرشده إرشادا؛ إنّ لكلّ منطق فرصة، وإنّ لكل حاجة غصّة، وعيّ المنطق أشدّ من عيّ السكوت، وعثار القول أنكى من عثار الوعث، وما فرصة المنطق عندك إلا بما
(7/411)

تهوى، وغصة المنطق بما لا تهوى غير مستطاعة، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعني أني له مطيق أحبّ إليّ من تكليفي ما لا أتخوّف وتتخوّف مني، وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان، ونعم حامل المعروف والإحسان؛ إنّ أنفسنا لك بالطاعة باخعة، ورقابنا لك بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة.
قال كسرى: نطقت بعقل، وسموت بفضل، وعلوت بنبل.
6) ثم قام علقمة بن علاثة فقال: نهجت لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد، إنّ للأقاويل مناهج، وللآراء موالج، وللعويص مخارج، وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه؛ إنّا وإن كانت المحبة أحضرتنا، والوفادة قرّبتنا، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك، بل لو فتّشت كلّ رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له في آبائه أندادا وأكفاء، كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسؤدد موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف، يحمي حماه، ويروي نداماه، ويذود أعداه، ولا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره، أيها الملك من يبل العرب يعرف فضلهم، فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزا، والبحور الزواخر طما، والنجوم الزواهر شرفا، والحصى عددا، فإن تعرف لهم فضلهم يعزّوك، وإن تستصرخهم لا يخذلوك.
قال كسرى- وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه-: حسبك أبلغت وأحسنت.
7) ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنّبك المصائب، ووقاك مكروه الشصائب [1] ، فما أحقنا إذ أتيناك بإسماعك ما لا يحش صدرك، ولا يزرع لنا حقدا في قلبك، لم نقدم أيها الملك لمباهاة، ولم ننتسب لمعاداة، ولا نزرع لنا حقدا في قلبك، ولكن لتعلم أنت ورعيّتك ومن حضرك من وفود الأمم أنّا في المنطق غير مفحمين وفي الناس غير مقصّرين، إن جوزينا
__________
[1]- الشصائب: الشدائد.
(7/412)

فغير مسبوقين وإن سوبقنا فغير مغلوبين.
قال كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين، وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد.
قال قيس: أيها الملك ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به وكخافر خفر بذمته.
قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان ولا لذليل خفارة. قال قيس: أيها الملك ما أنا فيما تخفر من ذمتي بألزم بالعار منك فيما قتل من رعيتك وانتهك من حرمتك.
قال كسرى: كذلك من ائتمن الخانة واستخدم الأثمة ناله من الخطأ ما نالني، وليس كل الناس سواء. كيف رأيت حاجب بن زرارة؟ ألم يحكم قوله فيبرم، ويعهد فيوفي ويعد فينجز؟ قال: ما أحقه بذلك وما رأيته الأولى.
قال كسرى: القوم بزل فأفضلها أشدها.
8) ثم قام عامر بن الطفيل فقال: كثر فنون المنطق، ولبس القول أعمى من حندس الظلماء، وإنما العجز في الفعال، والفخر في النجدة، والسؤدد مطاوعة القدرة، ما أعلمك بقدرنا وأبصرك بفضلنا وبالجزاء إن دالت الأيام وثابت الأحلام أن تحدث أمور لها أعلام.
قال كسرى: وما تلك الأعلام والأيام؟ قال: مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر في أمر يذكر.
قال كسرى: وما الأمر الذي يذكر؟.
قال: ما لي علم بأكثر ما خبرني مخبر.
قال كسرى: ومتى تكهّنت يا ابن الطفيل؟.
قال عامر: لست بكاهن ولكني بالرمح طاعن.
قال كسرى: فإن أتاك آت من ناحية عينك العوراء ما أنت صانع؟.
(7/413)

قال: ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عبث ولكن مطاعنة المعث.
9) ثم قام عمرو بن معدي كرب الزبيدي فقال: إنّ المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النجدة الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقيف الخيرة خير من اعتساف الخيرة، فاجتبذ طاعتنا بلطفك، واكظم بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك، يسلس لك قيادنا؛ وإنّا أناس لم يكسر صفاتنا قراع منافر أراد لها قصما، ولكن منعنا حمانا من كلّ من رام لنا هضما.
10) ثم قام الحارث بن ظالم فقال: إنّ من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الأخلاق الملق، ومن خطل الرأي صفة الملك المسلط، فإن أعلمناك أنّ مواجهتنا لك من ائتلاف، وانقيادنا لك عن إنصاف، ما أنت لقبول ذلك منا بخليق وللاعتماد عليه بحقيق، ولكن الوفاء بالعهود وإحكام ولث العقود، والأمر بيننا وبينك معتدل، ما لم يأت من قبلك ميل وزلل.
قال كسرى: من أنت؟ قال: الحارث بن ظالم، قال: إنّ في أسماء آبائك لدليلا على قلّة وفائك، وأن تكون أولى بالغدر، وأقرب من الوزر.
قال الحارث: إنّ في الحق مغضبة والسر والتغافل، ولم يستوجب أحد الحكم إلا مع المقدرة، فليشبه أفعالك مجلسك. فقال كسرى: هذا فتى القوم.
ثم قال كسرى: قد فهمت ما نطق فيه خطباؤكم، وتفنّن فيه متكلّموكم، ولولا أني أعلم أنّ الأدب لم يثقف أودكم ولم يحكم أموركم، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعيّة الخاضعة الباخعة، فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طبائعكم، لم أجز لكم كثيرا مما تكلمتم به، وإنني لأكره أن أجبه وفودي وأخشّن صدورهم، وللذي [أطلب] أحبّ من إصلاح مدبركم، وتألّف سوادكم والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم، وقد قبلت ما كان من منطقكم من صواب، وصفحت عما فيه من خلل، فانصرفوا إلى ملككم
(7/414)

فأحسنوا مؤازرته، والزموا طاعته، واردعوا سفهاءكم، وأقيموا أودهم، وأحسنوا أدبهم، فإنّ في ذلك صلاح العامة وأخذا بطول السلامة. ثم أمر لكل رجل منهم بخمسين دينارا وحلة، وصرفهم.
(7/415)

نوادر من هذا الباب
«1360» - لما زفّت ميسون بنت بحدل الكلبية إلى معاوية تشوفت إلى البادية فقالت: [من الوافر]
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحبّ إليّ من قصر منيف
وأصوات الرياح بكل فجّ ... أحبّ إليّ من نقر الدفوف
وكلب ينبح الطّراق عني ... أحبّ إليّ من هرّ ألوف
وبكر يتبع الأظعان صعب ... أحبّ إليّ من بغل زفوف
ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
وخرق من بني عمي كريم ... أحبّ إليّ من علج عليف
وتروى الأبيات لأعرابيّ وأولها:
لضأن ترتعي الذكران حولي ... أحبّ إليّ من بقر علوف
وشرب لبينة وتطيب نفسي ... أحبّ إليّ من أكل الرغيف
فلما بلغت الأبيات معاوية قال: والله ما رضيت بنت بحدل حتى جعلتني علجا عليفا.
«1361» - قال الفرزدق: أصابني بالبصرة مطر جود ليلا فإذا أنا بأثر دواب قد خرجت ناحية البرية، فظننت أنّ قوما قد خرجوا لنزهة، فقلت: خليق أن يكون معهم سفرة وشراب، فقصصت آثارهم حتى دفعت إلى بغال عليها رحائل
(7/416)

موقوفة على غدير فأغذذت السير نحو الغدير، فإذا نسوة مستنقعات في الماء؛ فقلت: لم أر كاليوم قط ولا يوم دارة جلجل، وانصرفت مستحييا منهن.
فنادينني بالله يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيء، فانصرفت إليهن وهنّ في الماء إلى حلوقهن، فقلن: بالله لما حدثتنا بحديث دارة جلجل، فقلت: إنّ امرأ القيس كان يهوى ابنة عمّ له يقال لها عنيزة، فطلبها زمانا فلم يصل إليها حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل، وذلك أنّ الحيّ احتملوا فتقدّم الرجال وتخلّف النساء والخدم والثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلّف بعد ما سار مع الرجال غلوة، فكمن في غيابة من الأرض حتى مرّ به النساء، فإذا فتيات وفيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فذهب بعض كلالنا، فنزلن إليه ونحين العبيد عنهنّ، ثم تجرّدن فاغتمسن في الغدير كهيئتكنّ الساعة، فأتاهنّ امرؤ القيس مخاتلا كنحو ما أتيتكنّ وهنّ غوافل، فأخذ ثيابهنّ فجمعها. ورمى الفرزدق بنفسه عن بغلته فأخذ بعض أثوابهنّ فجمعها ووضعها على صدره وقال لهنّ كما أقول لكنّ: والله لا أعطي جارية منكنّ ثوبها ولو قامت في الغدير يومها حتى تخرج مجرّدة. قال الفرزدق: فقالت إحداهنّ وكانت أمجنهنّ: هذا امرؤ القيس كان عاشقا لابنة عمه، أفعاشق أنت لبعضنا؟ قال: لا والله ما أعشق منكنّ واحدة ولكن أستهبكنّ، قال: فنعرن وصفقن بأيديهنّ وقلن: خذ في حديثك فلست منصرفا إلا بما تحبّ. قال الفرزدق في حديث امرىء القيس: فتأبّين عليه إلى آخر النهار وخشين أن يعصرن دون المنزل الذي أردنه، فخرجت إحداهنّ فدفع لها ثوبها ووضعه ناحية فأخذته ولبسته، وتتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة وحدها، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها، فقال: دعينا منك فأنا حرام إن أخذت ثوبك إلا بيدك، قال: فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة، فوضع لها ثوبها فأخذته، وأقبلن عليه يعذلنه ويلمنه ويقلن: عرّيتنا وحبستنا وجوّعتنا، قال: فإن نحرت لكنّ ناقتي تأكلن منها؟ قلن: نعم، فأخذ سيفه فعرقبها ونحرها وكشطها وصاح بالخدم فجمعوا له حطبا فأجّج نارا عظيمة، وجعل يقطع لهنّ
(7/417)

سنامها وأطاييها وكبدها، فيقلبها على الجمر فيأكل ويأكلن معه، ويشرب من ركوة كانت معه، ويغنيهنّ وينبذ إليهنّ وإلى العبيد والخدم من الكباب حتى شبعن وطربن. فلما أراد الرحيل قالت إحداهنّ: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله، وقالت الأخرى: عليّ حشيته وأنساعه. فتقاسمن رحله، وبقيت عنيزة فلم يحمّلها شيئا، فقال لها امرؤ القيس: يا ابنة الكرام لا بدّ أن تحمليني معك فإني لا أطيق المشي وليس من عادتي؛ فحملته على غارب بعيرها، وكان يدخل رأسه في خدرها فيقبّلها فإذا امتنعت مال حدجها فتقول: يا امرأ القيس عقرت بعيري فانزل، فذلك قوله: [من الطويل]
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فلما فرغ الفرزدق من حديثه، قالت تلك الماجنة: قاتلك الله فما أحسن حديثك وأطرفك فمن أنت؟ قلت: من مضر، قالت: فمن أيها؟ قلت: من تميم، قالت: فمن أيها؟ قال: إلى ها هنا انتهى جوابي، قالت: إخالك الفرزدق، قلت: الفرزدق شاعر وأنا راوية، قالت: دعنا من توريتك عن نفسك، أسألك بالله: أنت هو؟ قلت: أنا هو والله، قالت: فإن كنت أنت هو فلا أحسبك تفارق ثيابنا إلا عن رضى. قلت: أجل، قالت: فاصرف وجهك عن وجهنا ساعة، وهمست إلى صواحباتها بشيء لم أفهمه، فانعطفن من الماء فتوارين وأبدين رؤوسهن وخرجن ومع كل واحدة منهنّ ملء كفّها طينا، وجعلن يتعادين نحوي ويضربن بذلك الطين والحمأة وجهي وثيابي وملأن عيني، ووقعت على وجهي مشغولا بعينيّ وما فيهما، وشددن على ثيابهنّ فأخذنها، وركبت تلك الماجنة بغلتي وتركتني متخبّطا بأسوأ حال وأخزاها، ويقلن: زعم الفتى أنه لا بدّ له أن ينيكنا. فما زلت في ذلك المكان حتى غسلت وجهي وثيابي وجففتها وانصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي على قدميّ، وبغلتي قد وجّهن بها إلى منزلي مع رسول وقلن له: قل له يقلن لك أخواتك: طلبت منا ما لا
(7/418)

يمكننا، وقد وجّهنا إليك بزوجتك فنكها سائر ليلتك، وهذا كسر درهم يكون لحمامك إذا أصبحت. وكان إذا حدّث بهذا الحديث يقول: ما منيت بمثلهن.
1362- حكى يونس عن أبي عمرو بن كعب بن أبي ربيعة: اشترى لأخيه كلاب بن ربيعة بقرة بأربعة أعنز، فركبها كلاب ثم أجراها فأعجبه عدوها، فجعل يقول:
فدى لها أبو أبي بويب الغصن بي
ثم التفت إلى أخيه كعب فقال: زدهم عنزا حين أعجبته، فذهبت مثلا للأحمق إذ أمره بالزيادة بعد البيع. ويزعمون أنه ألجمها من قبل استها وحوّل وجهه إلى استها. قال: ولما ركب كلاب البقرة نظر إلى أرنب ففزع منها وركض البقرة وقال: [من الرجز]
الله نجّاك وجري البقره ... من جاحظ العينين تحت الشجره
1363- ويقولون: كان الأسد يهاب الحمار ويرى فيه القوة والمنعة، فاستجرّه ذات يوم ليبلوه، فقال: يا حمار ما أكبر أسنانك! قال: للتمام، قال:
ما أنكر حوافرك! قال: للصم ذاك، قال: ما أتم أذنك! قال: للذب ذاك، قال:
ما أعظم بطنك! قال: ضرط أكثر ذاك. فلما سمع مقالته اغتنم فيه فوثب عليه فافترسه. فكلّهن يضربن مثلا للمنظر الذي يخالف المخبر.
1364- حدث الأصمعي عن يونس قال: صرت إلى حيّ بني يربوع فلم أجد إلا النساء فأضرّ بي الجوع، فصرت إليهنّ وقلت: هل لكنّ في الصلاة؟ قلن: أيم الله إنّ لنا فيها لأهلا، فأذّنت وأقمت وتقدّمت وكبّرت وقرأت الحمد لله رب العالمين، ثم قلت: يا أيها الذين آمنوا إذا نزل بكم الضيف فلتقم ربة البيت فتملأ قعبا زبدا وقعبا تمرا فإنّ ذلك خير وأعظم أجرا، قال: فو الله ما انقلبت من صلاتي إلا وصحاف القوم حولي، فأكلت حتى امتلأت. ثم جاء رجال الحي، فسمعت امرأة وهي تقول لزوجها: يا فلان ما سمعت قرآنا أحسن من قرآن قرأه اليوم ضيفنا، فقال
(7/419)

لها زوجها: تبارك ربنا إنه ليأمرنا بمكارم الأخلاق.
1365- قيل لأعرابيّ: ما أصبركم على البدو، قال: كيف لا يصبر من طعامه الشمس وشرابه الريح، ولقد خرجنا في إثر قوم تقدّموا مراحل ونحن حفاة والشمس في قلة السماء حيث انتعل كل شيء ظلّة، وما زادنا إلا التوكّل وما مطايانا إلا الأرجل حتى لحقناهم.
1366- عبيد: [من الطويل]
لعمرك إني والظليم بقفرة ... لمشتبها الأهواء مختلفا النجر
خليلا صفاء بعد طول عداوة ... ألا يا لتقليب القلوب وللدهر
1367- قال: اجتمع السرور والنوك والخصب والوباء والمال والسلطان والصحة والفاقة بالبادية، فقالوا: إنّ البادية لا تسعنا فتعالوا نتفرّق في الآفاق، فقال السرور: أنا منطلق إلى اليمن، قال النوك: أنا معك، قال الخصب: أنا إلى الشام، قال الوباء: أنا معك، قال المال: أنا إلى العراق، قال السلطان: أنا معك، قال الفاقة:
ما بي حراك، فقالت الصحة أنا معك، فبقيت الفاقة والصحة بالبادية.
1368- الحرقوص دويبة أكبر من البرغوث وعضّها أشدّ. تزعم العرب أنها مولعة بفروج النساء، ويقال لها: النهيك، وقيل هو البرغوث بعينه، قال أعرابي وقد عضّ بهن امرأته: [من الطويل]
وإني من الحرقوص إن عضّ عضّة ... بما بين رجليها لجدّ غيور
تطيّب نفسي عندما يستفزّني ... مقالتها إنّ النهيك صغير
ويتلوه الباب السادس والثلاثون والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد نبيّه وآله وصحبه وسلم.
(7/420)

محتويات الكتاب
الباب الثاني والثلاثون في شوارد الأمثال 5
خطبة الباب 7
مقدمة الباب 8
1- من شواهد الكتاب العزيز 9
2- من الأمثال المأخوذة عن النبي 11
3- منتهى التمثيل في لفظ أفعل 12
4- غلبة الأقدار والجدود 30
5- الحنكة والتجارب 33
6- الأخذ بالحزم والاستعداد للأمر 36
7- ما جاء في الاغترار والتحيل والإطماع 40
8- البر والعقوق والمحافظة على الأهل والإخوان 42
9- في الحمية والأنفة 45
10- في الحلوم والثبات 48
11- في الصدق والكذب 49
12- وصف الرجل بالتبريز والفعل الحميد 52
13- التمسك بالأمر الواضح 54
14- التوسط في الأمور 55
15- التساوي في الأمر 57
(7/421)

16- المجازاة 59
17- التفرق والزيال 60
18- حفظ اللسان 61
19- في التصريح والمكاشفة 64
20- في التسويف والوعد والوعيد 67
21- المكر والمداهنة 69
22- حفظ المودة بالتباعد 70
23- في الضرورة والمعذرة والاعتذار 71
24- تعذر الكمال والمحض 73
25- تعلق الفعل بما يتعذّر والامتناع عنه 73
26- وضع الشيء في موضعه 76
27- وضع الشيء في غير موضعه 78
28- ما جاء في إصلاح المال 81
29- تسهيل الأمور ودفع الأقدم بالأحدث 81
30- ما جاء في العداوة والشماتة 84
31- ما جاء في الاتفاق والتحاب 88
32- ما جاء في قوة الخلق على التخلّق 89
33- ما جاء في ذليل استعان بمثله 91
34- ما جاء في النفع والضر ومعايبهما 92
35- ما جاء في النفع من حيث لا يحتسب 94
36- ما جاء في المبالغة 94
37- ما جاء في الأمر النادر 95
38- ما جاء فى الجبن والذل 96
39- في الجهل والحمق 97
40- البلية على البلية 99
(7/422)

41- خيبة الأمل والسعي 100
42- ما جاء في العدة بارتحالها فيجدها 102
43- ألزم الأمور بصاحبها 103
44- الجاني على نفسه 104
45- الاحالة بالذنب على من لم يجنه 107
46- دواء الشيء بمثله أو أشدّ 109
47- تنافي الحالات 110
48- الرضا بالميسور اذا تعذّر المنشود 166
49- الأمر المضاع المهمل 120
50- ارتفاع الخامل 121
51- خمول النبيه 123
52- ما جاء في الشر وراءه الخير 124
53- ما جاء في ضد ذلك 125
54- الخطأ والاختلاط 127
55- الجميل يكدر بالمنّ 128
56- ما جاء في اغتنام الفرصة 129
57- في اللقاء 129
58- تعذّر الأمر وما يعرض دونه 131
59- ما جاء في طلب الحاجة وما يليق بذلك 132
60- في الطلب 133
61- ما جاء في التعجيل وفوت الأمر 134
62- ما جاء في سوء المكافأة وظلم المجازاة 136
63- ما جاء في الظن 138
64- ما جاء في التبري من الأمر 139
65- ما جاء في الاستهانة وقلّة الاحتفال 140
(7/423)

66- المشاركة في الرخاء والخذلان 143
67- ما جاء في الرخاء والسعة 144
68- المعجب بخاصة نفسه 146
69- الساعي لنفسه وفي خلاصه 147
70- اليسير يجني الكثير 148
71- ما جاء في الشدّة والداهية 150
72- في الدعاء 153
الباب الثالث والثلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة 155
خطبة الباب 157
مقدمة الباب 158
الباب الرابع والثلاثون في كبوات الجياد وهفوات الأمجاد 259
خطبة الباب 261
مقدمة الباب 262
نماذج من التصحيف 270
فصل في سرقات فحول الشعراء وسقطاتهم 279
الفرزدق يأخذ شعر غيره غصبا 286
ذو الرمّة وما أخذ عليه في المربد 289
رواة الشعر يحكمون سكينة 290
هفوات الشريف الرضي 304
هفوات المتنبي 310
نوادر من هذا الباب 319
(7/424)

الباب الخامس والثلاثون في أخبار العرب الجاهلية وأوابدهم وغرائب من عوائدهم 323
خطبة الباب 325
مقدمة الباب 326
البحيرة والسائبة والحام 326
الميسر والقداح 327
الحرضة في الميسر 329
رابىء الضرباء 329
وأد البنات 330
النسيء 333
الرتم وعقده 334
إغلاق ظهر البعير 334
العتيرة 335
العرب- وضرب الثور عند الورود 335
عقد السلع 335
المهقوع اذا عرق 335
المقلات- الهامة- الصفر- تثنية الضربة 336
حيض الضبع 337
كعب الأرنب- الهدبد- شق الرداء- خدر الرجل 337
التعشير- قلب الثياب- اذا نفرت الناقة ذكروا اسم أمها 338
سبب بكاء الحمام- خرزة السلوان- أساطيرهم حول النجوم 339
مسخ الماكسين 340
أساطيرهم حول الضب وغيره 341
تكاذب الأعراب 342
(7/425)

عدو السليك- تأبط شرا 345
تأبط شرا والغول 348
خبر سجاح ومسيلمة 349
بقية المتنبئين 352
حالات القمر 353
أجزاء الليل 357
أسجاع في طلوع النجوم 358
آراء العرب وأقوالهم في الأنواء 359
البوارح- أيام العجوز- أسماء الأيام 360
بدء تفرق ولد اسماعيل 361
القارظان 362
سبب اصطلام طسم وجديس 362
ضبيعات العرب 365
خبر نزار بن معد 367
خندف 368
هاشم بن عبد مناف 369
حلف المطيبين- الأحلاف- الحمس- الأحابيش 369
قصي- شيبة الحمد 369
همدان 370
الأشعر- أنف الناقة- خثعم 370
مزيقياء 371
جذيمة بن سعد- العنابس والأعياص- مذحج- مهلهل 371
الأسعر الجعفي 371
المتلمس 372
تأبط شرا- الحادرة- النابغة- الأعشى 372
(7/426)

الفرزدق 373
الأخطل 373
أبو بكرة- الحطيئة- ذو الرمّة- القطامي 373
غلبة قريش على مكّة 374
خروج سامة بن لؤي إلى عمان 375
قيس بن الخطيم يثأر لأبيه وجده 377
من أيام العرب المشهورة 382
يوم حليمة 382
يوم ذي قار 384
خبر ابن الهبولة 384
خبر صخر بن عمرو 386
قصير والزباء 388
بيهس المعروف بنعامة 388
خبر طرفة والمتلمس والصحيفة 390
أخبار العرب في الجهد والجوع 394
خبر عامر بن الطفيل واربد 395
خبر يوم بئر معونة 396
منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة 399
خبر النعمان ووفود العرب معه على كسرى 404.
(7/427)