Advertisement

الحيوان 003

الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
باب ذكر الحمام
وما أودعها الله عزّ وجلّ من ضروب المعرفة، ومن الخصال المحمودة، لتعرف بذلك حكمة الصّانع، وإتقان صنع المدبّر.
557 [استنشاط القارئ ببعض الهزل]
وإن كنّا قد أمللناك بالجدّ وبالاحتجاجات الصحيحة والمروّجة؛ لتكثّر الخواطر، وتشحذ العقول- فإنّا سننشّطك ببعض البطالات، وبذكر العلل الظّريفة، والاحتجاجات الغريبة؛ فربّ شعر يبلغ بفرط غباوة صاحبه من السرور والضحك والاستطراف، ما لا يبلغه حشد أحرّ النوادر، وأجمع المعاني.
وأنا أستظرف أمرين استظرافا شديدا: أحدهما استماع حديث الأعراب. والأمر الآخر احتجاج متنازعين في الكلام، وهما لا يحسنان منه شيئا؛ فإنّهما يثيران من غريب الطّيب ما يضحك كلّ ثكلان وإن تشدّد، وكلّ غضبان وإن أحرقه لهيب الغضب. ولو أنّ ذلك لا يحلّ لكان في باب اللهو والضّحك والسّرور والبطالة والتشاغل، ما يجوز في كلّ فنّ.
وسنذكر من هذا الشكل عللا، ونورد عليك من احتجاجات الأغبياء حججا. فإن كنت ممّن يستعمل الملالة، وتعجل إليه السآمة، كان هذا الباب تنشيطا لقلبك، وجماما لقوّتك. ولنبتدئ النّظر في باب الحمام وقد ذهب عنك الكلال وحدث النشاط.
وإن كنت صاحب علم وجدّ، وكنت ممرّنا موقّحا، وكنت إلف تفكير وتنقير، ودراسة كتب، وحلف تبيّن، وكان ذلك عادة لك لم يضرك مكانه من الكتاب، وتخطّيه إلى ما هو أولى بك.
558-[ضرورة التنويع في التأليف]
وعلى أنّي قد عزمت- والله الموفّق- أنّي أوشّح هذا الكتاب وأفصّل أبوابه،
(3/3)

بنوادر من ضروب الشّعر، وضروب الأحاديث، ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل؛ فإنّي رأيت الأسماع تملّ الأصوات المطربة والأغانيّ الحسنة والأوتار الفصيحة، إذا طال ذلك عليها. وما ذلك إلّا في طريق الراحة، التي إذا طالت أورثت الغفلة.
وإذا كانت الأوائل قد سارت في صغار الكتب هذه السّيرة، كان هذا التّدبير لما طال وكثر أصلح، وما غايتنا من ذلك كلّه إلّا أن تستفيدوا خيرا.
وقال أبو الدّرداء: إنّي لأجمّ نفسي ببعض الباطل، كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملّها [1] !
559-[طائفة من النوادر]
1-[ادّعاء الكرخيّ الفقه]
فمن الاحتجاجات الطيّبة، ومن العلل الملهية، ما حدّثني به ابن المديني قال [2] : تحوّل أبو عبد الله الكرخيّ اللّحيانيّ إلى الحربيّة [3] فادّعى أنّه فقيه، وظنّ أنّ ذلك يجوز له؛ لمكان لحيته وسمته.
قال: فألقى على باب داره البواريّ، وجلس وجلس إليه بعض الجيران، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله! رجل أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم، أيّ شيء يصنع؟! قال: يحتجم. قال: قعدت طبيبا أو قعدت فقيها؟
2-[جواب المروزيّ]
وحدّثني شمعون الطبيب قال [4] : كنت يوما عند ذي اليمينين طاهر بن الحسين فدخل عليه أبو عبد الله المروزيّ فقال طاهر: يا أبا عبد الله مذكم دخلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة، وأنا صائم منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين!
__________
[1] ورد هذا الخبر في البخلاء 187، ورسائل الجاحظ 2/91، ونثر الدرر 2/170، وانظر مثل هذا الخبر في أخبار الظراف 26.
[2] ورد هذا الخبر في البيان والتبيين 2/321. 322، وعيون الأخبار 2/54.
[3] الحربية: محلة كبيرة مشهورة ببغداد، تنسب إلى حرب بن عبد الله البلخي أحد قواد المنصور.
(معجم البلدان 2/237) .
[4] ورد هذا الخبر في البيان والتبيين 2/319، والبخلاء 22، وربيع الأبرار 2/100.
(3/4)

3-[جواب شيخ كندي]
وحدّثني أبو الجهجاه قال: ادّعى شيخ عندنا أنّه من كندة، قبل أن ينظر في شيء من نسب كندة، فقلت له يوما وهو عندي: ممن أنت يا أبا فلان؟ قال: من كندة. قلت: من أيّهم أنت؟ قال: ليس هذا موضع هذا الكلام، عافاك الله!
4-[جواب ختن أبي بكر بن بريرة]
ودخلت على ختن أبي بكر بن بريرة، وكان شيخا ينتحل قول الإباضيّة، فسمعته يقول: العجب ممن يأخذه النّوم وهو لا يزعم أنّ الاستطاعة مع الفعل [1] ! قلت: ما الدليل على ذلك؟ قال: الأشعار الصحيحة. قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله [2] : [من الرجز]
ما إن يقعن الأرض إلّا وفقا
ومثل قوله: [من الرجز]
يهوين شتّى ويقعن وفقا [3]
ومثل قولهم في المثل: «وقعا كعكمي عير» [4] .
وكقوله أيضا: [من الطويل]
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل [5]
وكقوله [6] : [من الطويل]
أكفّ يدي عن أن تمسّ أكفهم ... إذا نحن أهوينا وحاجتنا معا
ثم أقبل عليّ فقال: أما في هذا مقنع؟ قلت: بلى، وفي دون هذا!
__________
[1] ورد الخبر في عيون الأخبار 2/56.
[2] الرجز لرؤبة في عيون الأخبار 2/56.
[3] الرجز لرؤبة في ديوانه 180، واللسان والتاج (عنف) ، والتهذيب 3/4، وبلا نسبة في اللسان والتاج وأساس البلاغة (وفق) ، والتهذيب 9/342، والعين 5/226.
[4] العكم: العدل، والمثل في مجمع الأمثال 2/364، وفصل المقال 198، وجمهرة الأمثال 2/336، ويضرب المثل للمتساويين.
[5] البيت لامرئ القيس من معلقته في ديوانه 19، واللسان (علا) ، والجمهرة 126، والتاج (فرر، علا) ، والعين 7/174، وإصلاح المنطق 25، والخزانة 2/397، 3/242، وبلا نسبة في اللسان والتاج (حطط) .
[6] البيت لحاتم الطائي في ديوانه 174، وأمالي القالي 2/318 وشرح شواهد المغني 2/744.
(3/5)

5-[جواب هشام بن الحكم]
وذكر محمّد بن سلّام عن أبان بن عثمان قال: قال رجل من أهل الكوفة لهشام ابن الحكم: أترى الله عزّ وجلّ في عدله وفضله كلّفنا ما لا نطيق ثمّ يعذّبنا؟! قال:
قد والله فعل، وكنّا لا نستطيع أن نتكلّم به!
6-[مسائل بين ممرور وأبي يوسف]
وحدّثني محمّد بن الصباح قال: بينا أبو يوسف القاضي يسير بظهر الكوفة- وذلك بعد أن كتب كتاب الحيل- إذ عرض له ممرور عندنا أطيب الخلق، فقال له:
يا أبا يوسف، قد أحسنت في كتاب الحيل، وقد بقيت عليك مسائل في الفطن، فإن أذنت لي سألتك عنها. قال: قد أذنت لك فسل. قال: أخبرني عن الحر كافر هو أو مؤمن؟ فقال أبو يوسف: دين الحر دين المرأة ودين صاحبة الحر: إن كانت كافرة فهو كافر، وإن كانت مؤمنة فهو مؤمن. قال: ما صنعت شيئا. قال: فقل أنت إذن؛ إذ لم ترض بقولي. فقال: الحر كافر. قال: وكيف علمت ذلك؟ قال لأنّ المرأة إذا ركعت أو سجدت استدبر الحر القبلة واستقبلت هي القبلة، ولو كان دينه دين المرأة لصنع كما تصنع. هذه واحدة يا أبا يوسف. قال: صدقت.
قال: فتأذن لي في أخرى؟ قال: نعم. قال: أخبرني عنك إذا أتيت صحراء فهجمت على بول وخراء كيف تعرف أبول امرأة هو أم بول رجل؟ قال: والله ما أدري! قال أجل والله ما تدري! قال: أفتعرف أنت ذاك؟ قال: نعم، إذا رأيت البول قد سال على الخراء وبين يديه فهو بول امرأة، وخراء امرأة، وإذا رأيت البول بعيدا من الخراء فهو بول رجل وخراء رجل. قال: صدقت! قال: وحكى لي جواب مسائل فنسيت منها مسألة، فعاودته فإذا هو لا يحفظها.
7-[التفاف شعر الاست]
وحدّثني أيّوب الأعور، قال قائل للحجاج العبسي: ما بال شعر الاست إذا نبت أسرع والتفّ؟ قال: لقربه من السّماد والماء هطل عليه!!
8-[جواب نوفل عريف الكناسين]
وحدّثني محمّد بن حسّان قال: وقفت على نوفل عريف الكنّاسين، وإذا موسوس قد وقف عليه، وعنده كلّ كنّاس بالكرخ، فقال له الموسوس: ما بال بنت
(3/6)

وردان [1] تدع قعر البئر وفيه كرّ [2] خراء وهو لها مسلم وعليها موفر، وتجيء تطلب اللّطاخة التي في است أحدنا وهو قاعد على المقعدة، فتلزم نفسها الكلفة الغليظة، وتتعرّض للقتل، وإنّما هذا الذي في أستاهنا قيراط من ذلك الدرهم، وقد دفعنا إليها الدّرهم وافيا وافرا. قال: فضحك القوم، فحرّك نوفل رأسه ثم قال: أتضحكون؟! قد والله سأل الرجل فأجيبوا! وأمّا أنا فقد- والله- فكّرت فيها منذ ستّين سنة، ولكنّكم لا تنظرون في شيء من أمر صناعتكم. لا جرم أنّكم لا ترتفعون أبدا! قال له الموسوس: قل- يرحمك الله- فأنت زعيم القوم، فقال نوفل: قد علمنا أنّ الرّطب أطيب من التّمر، والحديث أطرف من العتيق، والشيء من معدنه أطيب، والفاكهة من أشجارها أطرف. قال: فغضب شريكه مسبّح الكنّاس ثم قال: والله لقد وبّختنا، وهوّلت علينا، حتى ظننّا أنّك ستجيب بجواب لا يحسنه أحد، ما الأمر عندنا وعند أصحابنا هكذا. قال: فقال لنا الموسوس: ما الجواب عافاكم الله، فإنّي ما نمت البارحة من الفكرة في هذه المسألة؟ قال مسبّح: لو أنّ لرجل ألف جارية حسناء ثم عتقن عنده لبردت شهوته عنهنّ وفترت، ثمّ إن رأى واحدة دون أخسّهن في الحسن صبا إليها ومات من شهوتها. فبنت وردان تستظرف تلك اللطاخة وقد ملّت الأولى؛ وبعض الناس الفطير أحبّ إليهم من الخمير. وأيضا إنّ الكثير يمنع الشّهوة، ويورث الصّدود. قال: فقال الموسوس- واستحسن جواب مسبّح، بعد أن كان لا يرى جوابا إلّا جواب نوفل-: لا تعرف مقدار العالم حتّى تجلس إلى غيره! أنتم أعلم أهل هذه المدرة، ولقد سألت علماءها عنه منذ عشرين سنة فما تخلّص أحد منهم إلى مثل ما تخلّصهم إليه. وقد والله- أنمتم عيني، وطاب بكم عيشي! وقد علمنا أنّ كلّ شيء يستلب استلابا أنّه ألذ وأطيب. ولذلك صار الدّبيب إلى الغلمان ونيكهم على جهة القهر ألذ وأطيب، وكلّ شيء يصيبه الرّجل فهو أعزّ عليه من المال الذي يرثه أو يوهب له.
9-[علة الحجاج بن يوسف]
قال: وحدّثني أبان بن عثمان قال: قال الحجّاج بن يوسف: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله؛ لأنّ الله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[3] فجعل فيها
__________
[1] بنات وردان: تسمى فالية الأفاعي؛ وهي دويبة تتولد في الأماكن الندية، وأكثر ما تكون في الحمامات. حياة الحيوان 2/429.
[2] الكر: مكيال للعراق، وستة أوقار حمار «الوقر: الحمل الثقيل» ، أو هو ستون قفيزا، أو أربعون إردبّا.
«القاموس: كرّ» .
[3] 16/التغابن: 64.
(3/7)

مثنويّة [1] ؛ وقال: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
[2] ولم يجعل فيها مثنويّة ولو قلت لرجل:
ادخل من هذا الباب، فلم يدخل، لحلّ لي دمه!
10-[المدني والكوفي]
قال: وأخبرني محمّد بن سليمان بن عبد الله النوفليّ قال: قال رجل من أهل الكوفة لرجل من أهل المدينة: نحن أشدّ حبّا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم وعلى آله- منكم يا أهل المدينة! فقال المدنيّ: فما بلغ من حبّك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله؟ قال: وددت أنّي وقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم- وأنّه لم يكن وصل إليه يوم أحد، ولا في غيره من الأيّام شيء من المكروه يكرهه إلا كان بي دونه! فقال المدنيّ: أفعندك غير هذا؟ قال: وما يكون غير هذا؟ قال: وددت أنّ أبا طالب كان آمن فسرّ به النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّي كافر!
11-[جواب رجل من وجوه أهل الشام]
وحدّثني أبان بن عثمان قال: قال ابن أبي ليلى: إنّي لأساير رجلا من وجوه أهل الشّام، إذ مرّ بحمّال معه رمّان، فتناول منه رمّانة فجعلها في كمّه. فعجبت من ذلك، ثمّ رجعت إلى نفسي وكذّبت بصرى، حتّى مرّ بسائل فقير، فأخرجها فناوله إيّاها.
قال: فعلمت أنّي رأيتها فقلت له: رأيتك قد فعلت عجبا. قال: وما هو؟ قلت:
رأيتك أخذت رمّانة من حمّال وأعطيتها سائلا؟ قال: وإنّك ممّن يقول هذا القول؟
أما علمت أنّي أخذتها وكانت سيّئة وأعطيتها فكانت عشر حسنات؟ قال: فقال ابن أبي ليلى: أما علمت أنك أخذتها فكانت سيّئة وأعطيتها فلم تقبل منك؟!
12-[جهل الأعراب بالنحو]
وقال الربيع: قلت لأعرابيّ: أتهمز إسرائيل؟ قال: إنّي إذا لرجل سوء؟ قلت:
أتجرّ فلسطين؟ قال: إنّي إذا لقويّ [3] .
13-[احتجاج رجل من أهل الجاهلية]
قال: وحدّثنا حمّاد بن سلمة قال: كان رجل في الجاهليّة معه محجة يتناول به متاع الحاجّ سرقة، فإذا قيل له: سرقت! قال: لم أسرق، إنّما سرق محجني! قال: فقال حماد: لو كان هذا اليوم حيّا لكان من أصحاب أبي حنيفة!
__________
[1] مثنوية: استثناء، أي قوله تعالى: مَا اسْتَطَعْتُمْ.
[2] 16/التغابن: 64.
[3] الخبر في عيون الأخبار 2/157، والبيان والتبيين 2/220.
(3/8)

14-[الأعمش وجليسه]
قال [1] : وحدّثني محمّد بن القاسم قال: قال الأعمش لجليس له: أما تشتهي بنانيّ [2] زرق العيون نقيّة البطون، سود الظّهور، وأرغفة حارّة ليّنة، وخلّا حاذقا؟
قال: بلى! قال: فانهض بنا. قال الرّجل: فنهضت معه ودخل منزله. قل: فأومأ إليّ:
أن خذ تلك السّلّة. قال: فكشفها فإذا برغيفين يابسين وسكرّجة [3] كامخ شبث [4] .
قال: فجعل يأكل. قال: فقال لي تعال كل. فقلت: وأين السمك؟ قال: ما عندي، سمك، إنما قلت لك: تشتهي!
15-[رأي في فقه أبي حنيفة]
قال: وسئل حفص بن غياث عن فقه أبي حنيفة، قال: كان أجهل النّاس بما يكون، وأعرفهم بما لا يكون [5] .
16-[علة خشنام بن هند]
وأما علة خشنام بن هند، فإنّ خشنام بن هند كان شيخا من الغالية، وكان ممّن إذا أراد أن يسمّي أبا بكر وعمر قال: الجبت والطّاغوت، ومنكر ونكير، وأفّ وتفّ، وكسير وعوير. وكان لا يزال يدخل داره حمار كسّاح ويضربه مائة عصا على أنّ أبا بكر وعمر في جوفه. ولم أرقطّ أشدّ احترافا منه. وكان مع ذلك نبيذيّا وصاحب حمام. ويشبه في القدّ والخرط شيوخ الحربيّة [6] . وكان من بني غبر من صميمهم.
وكان له بنيّ يتبعه، فكان يزنّي [7] أمّه عند كلّ حقّ وباطل، وعند كلّ جدّ وهزل.
قلت له يوما- ونحن عند بني ربعيّ: ويحك، بأيّ شيء تستحلّ أن تقذف أمّه
__________
[1] الخبر في ديوان المعاني 1/292.
[2] البناني: السمك، انظر نهاية هذه الفقرة.
[3] سكرجة: إناء صغير يوضع فيه الشيء القليل من الأدم وكل ما يوضع من الكوامخ ونحوها على المائدة حول الأطعمة للتشهي والهضم. الوصلة إلى الحبيب 824. الكامخ: نوع من اللبن الحليب واللبن الخاثر، انظر السامي 200، وفي الوصلة إلى الحبيب 868 «الكامخ: إدام يؤتدم به، وخصه بعضهم بالمخللات التي تستعمل لتشهي الطعام» .
[4] الشبث: بقلة معروفة. «القاموس: شبث» وفي اللسان (الشبث: نبات. قال أبو منصور: وأما البقلة التي يقال لها الشبث فهي معربة؛ وأصلها بالفارسية شوذ) .
[5] الخبر في البيان والتبيين 2/253، والبرهان 3- 4.
[6] الحربية: محلة كبيرة ببغداد، تنسب إلى حرب بن عبد الله البلخي أحد قواد المنصور. معجم البلدان 2/237.
[7] يزنّي: يقذفها بالزنى.
(3/9)

بالزّنا؟ فقال: لو كان عليّ في ذلك حرج لما قذفتها: فلم تزوّجت امرأة ليس في قذفها حرج؟ قال: إنّي قد احتلت حيلة حتّى حلّ لي من أجلها ما كان يحرم. قلت: وما تلك الحيلة؟ قال: أنا رجل حديد، وهذا غلام عارم، وقد كنت طلّقت أمّه فكنت إذا افتريت عليها أثمت، فقلت في نفسي إن أرغتها [1] وخدعتها حتّى أنيكها مرّة واحدة حلّ لي بعد ذلك افترائي عليها، بل لا يكون قولي حينئذ فرية، وعلمت أنّ زنية واحدة لا تعدل عشرة آلاف فرية. فأنا اليوم أصدق ولست أكذب. والصّادق مأجور.
إني والله ما أشكّ أنّ الله إذا علم أنّي لم أزن بها تلك المرّة إلّا من خوف الإثم إذا قذفتها- أنّه سيجعل تلك الزّنية له طاعة فقلت: أنت الآن على يقين أنّ زناك طاعة لله تعالى؟ قال: نعم.
17-[حجة الشيخ الإباضي في كراهية الشيعة]
[2] قال الشّيخ الإباضي وقد ذهب عني اسمه وكنيته وهو ختن أبي بكر بن بريرة- وجرى يوما شيء من ذكر التشيّع والشّيعة، فأنكر ذلك واشتدّ غضبه عليهم، فتوهّمت أنّ ذلك إنّما اعتراه للإباضيّة التي فيه، وقلت: وما عليّ إن سألته؟ فإنّه يقال:
إنّ السائل لا يعدمه أن يسمع في الجواب حجّة أو حيلة أو ملحة- فقلت: وما أنكرت من التشيّع ومن ذكر الشّيعة؟ قال: أنكرت منه مكان الشّين التي في أوّل الكلمة؛ لأني لم أجد الشّين في أوّل كلمة قطّ إلّا وهي مسخوطة مثل: شؤم، وشرّ، وشيطان، وشغب، وشحّ، وشمال، وشجن، وشيب، وشين، وشراسة، وشنج [3] ، وشكّ، وشوكة، وشبث [4] ، وشرك، وشارب، وشطير، وشطور، وشعرة، وشاني [5] ، وشتم، وشتيم [6] ، وشيطرج [7] ، وشنعة، وشناعة، وشأمة، وشوصة [8] ، وشتر [9]
__________
[1] أراغ: أراد وطلب. «القاموس: راغ» .
[2] ورد الخبر في عيون الأخبار 2/56.
[3] الشنج: تقبض الجلد. «القاموس: شنج» .
[4] الشّبث: دويبة كثيرة الأرجل. «القاموس: شبث» .
[5] الشاني: المبغض. «القاموس: شنأ» .
[6] الشتيم: الكريه الوجه. «القاموس: شتم» .
[7] الشيطرج: دواء معروف نافع لوجع المفاصل والبرص والبهق. «القاموس: شيطرج» .
[8] الشوصة: وجع في البطن، أو ريح تعتقب في الأضلاع، أو ورم في حجابها من داخل. «القاموس:
شوص» .
[9] الشتر: الانقطاع وانقلاب الجفن من أعلى وأسفل، وانشقاقه أو استرخاء أسفله. «القاموس: شتر» .
(3/10)

وشجوب [1] وشجّة، وشطون، وشاطن [2] ، وشنّ [3] ، وشلل، وشيص [4] ، وشاطر [5] ، وشاطرة، وشاحب.
قلت له: ما سمعت متكلّما قطّ يقول هذا ولا يبلغه، ولا يقوم لهؤلاء القوم قائمة بعد هذا!
18-[حيلة أبي كعب القاص]
قال: وتعشّى أبو كعب القاصّ بطفشيل [6] كثير اللّوبيا، وأكثر منه، وشرب نبيذ تمر، وغلّس إلى بعض المساجد ليقصّ على أهله، إذ انفتل الإمام من الصلاة فصادف زحاما كثيرا، ومسجدا مستورا بالبواريّ [7] من البرد والرّيح والمطر، وإذا محراب غائر في الحائط، وإذا الإمام شيخ ضعيف؛ فلمّا صلّى استدبر المحراب وجلس في زاوية منه يسبّح، وقام أبو كعب فجعل ظهره إلى وجه الإمام ووجهه إلى وجوه القوم، وطبّق وجه المحراب بجسمه وفروته وعمامته وكسائه، ولم يكن بين فقحته وبين أنف الإمام كبير شيء، وقصّ وتحرّك بطنه، فأراد أن يتفرّج بفسوة وخاف أن تصير ضراطا، فقال في قصصه: قولوا جميعا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم.
وفسا فسوة في المحراب فدارت فيه وجثمت على أنف الشيخ واحتملها، ثمّ كدّه بطنه فاحتاج إلى أخرى فقال: قولوا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم. فأرسل فسوة أخرى فلم تخطئ أنف الشيخ، واختنقت في المحراب. فخمّر الشّيخ أنفه، فصار لا يدري ما يصنع. إن هو تنفّس قتلته الرائحة، وإن هو لم يتنفّس مات كربا.
فما زال يداري ذلك، وأبو كعب يقصّ، فلم يلبث أبو كعب أن احتاج إلى أخرى.
وكلما طال لبثه تولّد في بطنه من النّفخ على حسب ذلك. فقال: قولوا جميعا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم. فقال الشيخ من المحراب- وأطلع رأسه وقال-: لا تقولوا! لا تقولوا قد قتلني! إنّما يريد أن يفسو! ثم جذب إليه ثوب أبي كعب وقال:
__________
[1] شجوب: هموم. «القاموس: شجب» .
[2] الشطون: البعيدة. الشاطن: الخبيث والشيطان، وكل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة.
«القاموس: شطن» .
[3] الشن: القربة الخلق الصغيرة. «القاموس: شن» .
[4] الشيص: أردأ التمر، ووجع الضرس أو البطن. «القاموس: شيص» .
[5] شاطر: الذي أعيا أهله ومؤدبه خبثا، وقد يراد بها اللص. «القاموس: شطر» .
[6] في القاموس «الطّفيشل: كسميدع، نوع من المرق. وفي معجم استينجاس 313 (الطفشيل:
ضرب من اللحم يعالج بالبيض والجزر والعسل) .
[7] البوري: الحصير المنسوج. «القاموس: بور» .
(3/11)

جئت إلى ها هنا لتفسو أو تقصّ؟ فقال: جئنا لنقص، فإذا نزلت بليّة فلا بدّ لنا ولكم من الصّبر! فضحك الناس، واختلط المجلس.
19-[جواب أبي كعب القاصّ]
وأبو كعب هذا هو الذي كان يقصّ في مسجد عتّاب كلّ أربعا فاحتبس عليهم في بعض الأيام وطال انتظارهم له. فبينما هم كذلك إذ جاء رسوله فقال: يقول لكم أبو كعب: انصرفوا؛ فإنّي قد أصبحت اليوم مخمورا!
20-[علة عبد العزيز]
وأمّا علة عبد العزيز بشكست فإنّ عبد العزيز كان له مال، وكان إذا جاء وقت الزّكاة وجاء القوّاد بغلام مؤاجر [1] ، قال: يا غلام ألك أمّ؟ ألك خالات؟ فيقول الغلام:
نعم. فيقول: خذ هذه العشرة الدارهم- أو خذ هذه الدّنانير- من زكاة مالي، فادفعها إليهنّ، وإن شئت أن تبركني بعد ذلك على جهة المكارمة، فافعل، وإن شئت أن تنصرف فانصرف. فيقول ذلك وهو واثق أنّ الغلام لا يمنعه بعد أخذ الدراهم، وهو يعلم أنه لن يبلغ من صلاح طباع المؤاجرين أن يؤدّوا الأمانات. فغبر بذلك ثلاثين سنة وليس له زكاة إلّا عند أمّهات المؤاجرين وأخواتهم وخالاتهم.
21-[احتجاج كوفي للتسمية بمحمد]
وحدثني محمّد بن عبّاد بن كاسب قال: قال لي الفضل بن مروان شيخ من طياب الكوفيّين وأغبيائهم: إن ولد لك مائة ذكر فسمهم كلّهم محمدا، وكنّهم بمحمد؛ فإنّك سترى فيهم البركة. أو تدري لأيّ شيء كثر مالي؟ قلت: لا والله ما أدري. قال: إنّما كثر مالي لأنّي سمّيت نفسي فيما بيني وبين الله محمدا! وإذا كان اسمي عند الله محمدا فما أبالي ما قال الناس!
22-[جواب الجوهري]
وشبه هذا الحديث قول المروزي: قلت: لأحمد بن رياح الجوهري اشتريت كساء أبيض طبريّا بأربعمائة درهم، وهو عند الناس- فيما ترى عيونهم قومسيّ [2] يساوي مائة درهم! قال: علم الله أنّه طبريّ فما عليّ ممّا قال الناس؟!
__________
[1] آجرت المرأة: أباحت نفسها بأجر. «القاموس: أجر» .
[2] قومسي: نسبة إلى قومس، وهي كورة كبيرة واسعة في ذيل جبال طبرستان. «معجم البلدان 4/414» .
(3/12)

23-[جواب أبي خزيمة الحارس]
[1] وكان عندنا حارس يكنى أبا خزيمة، فقلت يوما- وقد خطر على بالي-:
كيف اكتنى هذا العلج الألكن بأبي خزيمة؟ ثمّ رأيته فقلت له: خبّرني عنك، أكان أبوك يسمّى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فجدّك أو عمك أو خالك؟ قال: لا. قلت: فلك ابن يسمّى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فكان لك مولّى يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت:
فكان في قريتك رجل صالح أو فقيه يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فلم اكتنيت بأبي خزيمة، وأنت علج ألكن، وأنت فقير، وأنت حارس؟ قال: هكذا اشتهيت. قلت: فلأي شيء اشتهيت هذه الكنية من بين جميع الكنى؟ قال: ما يدريني. قلت: فتبيعها السّاعة بدينار، وتسكتني بأيّ كنية شئت؟ قال: لا والله، ولا بالدّنيا وما فيها!
24-[جواب الزيادي لمسعدة بن طارق]
وحدثني مسعدة بن طارق، قلت للزياديّ- ومررت به وهو جالس في يوم غمق [2] حارّ ومد [3] ، على باب داره في شروع نهر الجوبار [4] بأردية، وإذا ذلك البحر يبخر في أنفه- قال فقلت له بعت دارك وحظّك من دار جدّك زياد بن أبي سفيان، وتركت مجلسك في ساباط غيث [5] ، وإشرافك على رحبة بني هاشم، ومجلسك في الأبواب التي تلي رحبة بني سليم، وجلست على هذا النّهر في مثل هذا اليوم، ورضيت به جارا؟ قال. نلت أطول آمالي في قرب هولاء البزّازين [6] . قلت له لو كنت بقرب المقابر فقلت نزلت هذا الموضع للاتّعاظ به والاعتبار كان ذلك وجها. ولو كنت بقرب الحدّادين فقلت لأتذكّر بهذه النّيران والكيران [7] نار جهنّم، كان ذلك قولا. ولو كنت اشتريت دارا بقرب العطّارين فاعتللت بطلب رائحة الطّيب كان ذلك وجها فأمّا قرب البزّازين فقط فهذا ما لا أعرفه. أفلك فيهم دار غلّة، أو هل لك عليهم ديون حالّة، أو هل لك فيهم أو عندهم غلمان يؤدّون الضّريبة، أو هل لك معهم شركة مضاربة؟ قال: لا. قلت: فما ترجو إذا من قربهم فلم يكن عنده إلّا: نلت آمالي بقرب البزّازين.
__________
[1] ورد الخبر في البيان والتبيين 4/24- 25.
[2] يوم غمق: ذو ندى وثقل. «القاموس: غمق» .
[3] الومد: ندى يجيء في صميم الحر من قبل البحر. «القاموس: ومد» .
[4] الجوبار: محلة بأصبهان، وقرية من قرى هراة، وموضع بجرجان. معجم البدان 2/175- 176.
[5] الساباط عند العرب: سقيفة بين دارين من تحتها طريق نافذ. معجم البلدان 3/166.
[6] البزاز: بائع الثياب. «القاموس: بز» .
[7] الكيران: جمع كير، وهو الزق ينفخ فيه الحداد. «القاموس: كير» .
(3/13)

25-[حكاية عن ممرور]
وحدثني ثمامة بن أشرس قال: كان رجل ممرور يقوم كلّ يوم فيأتي دالية لقوم، ولا يزال يمشي مع رجال الدالية على ذلك الجذع ذاهبا وجائيا، في شدّة الحرّ والبرد. حتّى إذا أمسى نزل إليهم وتوضّأ وصلّى، وقال: اللهمّ اجعل لنا من هذا فرجا ومخرجا! ثمّ انصرف إلى بيته. فكان كذلك حتّى مات.
26-[بين أعمى وقائده]
وحدّثني المكّي قال [1] : كان رجل يقود أعمى بكراء، وكان الأعمى ربّما عثر العثرة ونكب النّكبة، فيقول: اللهمّ أبدل لي به قائدا خيرا منه! قال: فقال القائد:
اللهمّ أبدل لي به أعمى خيرا لي منه.
27-[حماقة ممرور]
وحدثني يزيد مولى إسحاق بن عيسى قال كنّا في منزل صاحب لنا، إذ خرج واحد من جماعتنا ليقيل [2] في البيت الآخر، فلم يلبث إلّا ساعة حتى سمعناه يصيح: أوه أوه! قال: فنهضنا بأجمعنا إليه فزعين، فقلنا له: ما لك؟ وإذا هو نائم على شقّه الأيسر، وهو قابض على خصيته بيده فقلت له: لم صحت؟ قال: إذا غمزت خصيتي اشتكيتها، وإذا اشتكيتها صحت. قال: فقلنا له: لا تغمزها بعد حتى لا تشتكي! قال: نعم إن شاء الله تعالى.
28-[حماقة مولاة عيسى بن علي]
قال يزيد: وكانت لعيسى بن عليّ مولاة عجوز خراسانية تصرخ بالليل من ضربان ضرس لها، فكانت قد أرّقت الأمير إسحاق، فقلت له: إنّها مع ذلك لا تدع أكل التمر! قال: فبعث إليها بالغداة فقال لها: أتأكلين التّمر بالنّهار وتصيحين باللّيل؟ فقالت: إذا اشتهيت أكلت وإذا أوجعني صحت!
29-[حكاية عن ممرور]
وحدثني ثمامة قال [3] : مررت في غبّ مطر والأرض نديّة، والسّماء متغيّمة، والرّيح شمال، وإذا شيخ أصفر كأنّه جرادة، قد جلس على قارعة الطّريق، وحجّام
__________
[1] الخبر في عيون الأخبار 2/48.
[2] قال يقيل: نام في نصف النهار. «القاموس: قيل» .
[3] عيون الأخبار 2/52.
(3/14)

زنجيّ يحجمه، وقد وضع على كاهله وأخدعيه محاجم، كل محجمة كأنّها قعب، وقد مصّ دمه حتّى كاد أن يستفرغه. قال: فوقفت عليه فقلت: يا شيخ لم تحتجم في هذا البرد؟ قال لمكان هذا الصّفار [1] الذي بي.
30-[صنيع ممرور]
وحدثني ثمامة قال [2] : حدّثني سعيد بن مسلم قال: كنا بخراسان في منزل بعض الدّهاقين ونحن شباب، وفينا شيخ. قال: فأتانا ربّ المنزل بدهن طيب فدهن بعضنا رأسه، وبعضنا لحيته، وبعضنا مسح شاربه، وبعضنا مسح يديه وأمرّهما على وجهه، وبعضنا أخذ بطرف إصبعه فأدخل في أنفه ومسح به شاربه. فعمد الشيخ إلى بقيّة الدّهن فصبّها في أذنه، فقلنا له: ويحك، خالفت أصحابك كلّهم! هل رأيت أحدا إذا أتوه بدهن طيب صبّه في أذنه؟ قال: فإنّه مع هذا يضرّني؟
31-[أمر عيص، سيّد بني تميم]
وحدّثني مسعدة بن طارق الذّرّاع قال [3] : والله إنّا لوقوف على حدود دار فلان للقسمة، ونحن في خصومة، إذ أقبل عيص سيّد بني تميم وموسرهم والذي يصلّي على جنائزهم. فلمّا رأيناه مقبلا إلينا أمسكنا عن الكلام، فأقبل علينا فقال: حدّثوني عن هذه الدّار، هل ضمّ منها بعضها إلى بعض أحد؟! قال مسعدة: فأنا منذ ستين سنة أفكّر في كلامه ما أدري ما عنى به. قال: وقال لي مرّة: ما من شر من ذين! قلت:
ولم ذاك؟ قال: من جرا يتعلقون.
وحدّثني الخليل بن يحيى السّلوليّ قال [4] : نازع التميميّ بعض بني عمّه في حائط، فبعث إلينا لنشهد على شهادته، فأتاه جماعة منهم الحميريّ والزهريّ، والزّياديّ، والبكراوي. فلمّا صرنا إليه وقف بنا على الحائط وقال: أشهدكم جميعا أنّ نصف هذا الحائط لي!
32-[جواب ممرور]
قال: وقدم ابن عمّ له إلى عمر بن حبيب، وادّعى عليه ألف درهم فقال ابن
__________
[1] الصفار: الماء الأصفر يجتمع في البطن، أو دود فيها. «القاموس: صفر» .
[2] عيون الأخبار 2/55- 56.
[3] عيون الأخبار 2/54- 55.
[4] عيون الأخبار 2/54، وفيه «نازع التيمي ... »
(3/15)

عمّه: ما أعرف ممّا قال قليلا ولا كثيرا، ولا له عليّ شيء! قال: أصلحك الله تعالى! فاكتب بإنكاره. قال: فقال عمر: الإنكار لا يفوتك، متى أردته فهو بين يديك!
33-[أمنية الجرّار والغزّال]
قال [1] : وقلت لأبي عتّاب الجرّار: ألا ترى عبد العزيز الغزّال وما يتكلم به في قصصه؟ قال: وأيّ شيء قاله؟ قلت: قال: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا السّاعة أعور! قال أبو عتّاب: وقد قصّر في القول، وأساء في التمني. ولكنّي أقول: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين!
34-[تعزية طريفة لأبي عتّاب الجرار]
[2] ودخل أبو عتّاب على عمرو بن هدّاب وقد كفّ بصره، والناس يعزّونه، فمثل بين يديه، وكان كالجمل المحجوم [3] ، وله صوت جهير، فقال: يا أبا أسيد، لا يسوءنّك ذهابهما، فلو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أنّ الله تعالى قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ضلعك!.
35-[داود بن المعتمر وبعض النساء]
وبينما داود بن المعتمر الصبّيريّ جالس معي، إذ مرت به امرأة جميلة لها قوام وحسن، وعينان عجيبتان، وعليها ثياب بيض، فنهض داود فلم أشكّ أنّه قام ليتبعها، فبعثت غلامي ليعرف ذلك، فلمّا رجع قلت له: قد علمت أنّك إنما قمت لتكلّمها؛ فليس ينفعك إلا الصّدق، ولا ينجيك منّي الجحود، وإنما غايتي أن أعرف كيف ابتدأت القول، وأي شيء قلت لها- وعلمت أنّه سيأتي بآبدة. وكان مليّا بالأوابد- قال: ابتدأت القول بأن قلت لها [4] : لولا ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك.
قال: فضحكت حتى استندت إلى الحائط، ثمّ قالت: إنما يمنع مثلك من اتّباع مثلي والطّمع فيها، ما يرى من سيماء الخير فأمّا إذ قد صار سيماء الخير هو الدي يطمع في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون! وتبع داود بن المعتمر امرأة، فلم يزل يطريها حتى أجابت، ودلّها على المنزل
__________
[1] البيان والتبيين 2/317- 318.
[2] البرصان 34، وعيون الأخبار 2/48، والعقد الفريد 3/309.
[3] الحجام: شيء يجعل في فم البعير أو خطمه لئلا يعض. «القاموس: حجم» .
[4] عيون الأخبار 2/51.
(3/16)

الذي يمكنها فيه ما يريد، فتقدمت الفاجرة وعرض له رجل فشغله، وجاء إلى المنزل وقد قضى القوم حوائجهم وأخذت حاجتها، فلم تنتظره. فلما أتاهم ولم يرها قال:
أين هي؟ قالوا: والله قد فرغنا وذهبت! قال فأيّ طريق أخذت؟ قالوا: لا والله ما ندري؟ قال فإن عدوت في إثرها حتّى أقوم على مجامع الطرق أتروني ألحقها؟ قالوا:
لا والله ما تلحقها! قال: فقد فاتت الآن؟ قالوا: نعم. قال: فعسى أن يكون خيرا! فلم أسمع قطّ بإنسان يشكّ أنّ السّلامة من الذنوب خير غيره.
36-[قول الممرور في الجزء الذي لا يتجزّأ]
وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزّأ: ما هو؟ قال:
الجزء الذي لا يتجزأ هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقال له أبو العيناء محمد:
أفليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره؟ قال: بلى حمزة جزء لا يتجزأ، وجعفر جزء لا يتجزأ! قال فما تقول في العباس؟ قال: جزء لا يتجزأ. قال: فما تقول في أبي بكر وعمر؟
قال: أبو بكر يتجزأ، وعمر يتجزأ. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: يتجزّأ مرّتين، والزّبير يتجزّأ مرّتين. قال: فأيّ شيء تقول في معاوية؟ قال: لا يتجزأ ولا لا يتجزأ.
فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الإمام جزءا لا يتجزأ إلى أيّ شيء ذهب، فلم نقع عليه إلّا أن يكون كان أبو لقمان إذا سمع المتكلّمين يذكرون الجزء الذي لا يتجزّأ، هاله ذلك وكبر في صدره، وتوهّم أنّه الباب الأكبر من علم الفلسفة، وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ.
وقد تسخّفنا في هذه الأحاديث، واستجزنا ذلك بما تقدّم من العذر، وسنذكر قبل ذكرنا القول في الحمام جملا من غرر ونوادر وأشعار ونتف وفقر من قصائد قصار وشوارد وأبيات، لنعطي قارئ الكتاب من كلّ نوع تذهب إليه النّفوس نصيبا إن شاء الله.
560-[تناسب الألفاظ مع الأغراض]
ولكلّ ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكلّ نوع من المعاني نوع من الأسماء: فالسّخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل، والإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال.
وإذا كان موضع الحديث على أنّه مضحك ومله، وداخل في باب المزاح والطّيب، فاستعملت فيه الإعراب، انقلب عن جهته. وإن كان في لفظه سخف وأبدلت
(3/17)

السّخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على أن يسرّ النّفوس يكر بها، ويأخذ بأكظامها [1] .
561-[الورع الزائف]
[2] وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر الحر والأير والنيك ارتدع وأظهر التقزّز، واستعمل باب التّورّع. وأكثر من تجده كذلك فإنّما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم [3] ، والنّبل والوقار، إلّا بقدر هذا الشّكل من التّصنع. ولم يكشف قطّ صاحب رياء ونفاق، إلّا عن لؤم مستعمل، ونذالة متمكّنة.
562-[تسمّح بعض الأئمة في ذكر ألفاظ]
وقد كان لهم في عبد الله بن عباس مقنع، حين سمعه بعض الناس [4] ينشد في المسجد الحرام: [من الرجز]
وهنّ يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطّير ننك لميسا [5]
فقيل له في ذلك، فقال: إنّما الرّفت ما كان عند النساء.
وقال الضّحّاك: لو كان ذلك القول رفثا لكان قطع لسانه أحبّ إليه من أن يقول هجرا.
قال شبيب بن يزيد الشيباني، ليلة بيّت عتّاب بن ورقاء: [من الرجز] من ينك العير ينك نيّاكا [6] وقال عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- حين دخل على بعض الأمراء فقال له [7] : من في هذه البيوت؟ فلما قيل له: عقائل من عقائل العرب، قال عليّ: «من يطل أير أبيه ينتطق به» [8] .
__________
[1] الأكظام: جمع كظم، وهي الحلق؛ أو الفم؛ أو مخرج النفس. «القاموس: كظم» .
[2] رسائل الجاحظ 2/92، «مفاخرة الجواري والغلمان» .
[3] في رسائل الجاحظ «من المعرفة والكرم» .
[4] هو أبو العالية كما في المستدرك للحاكم 2/476، وعيون الأخبار 1/321.
[5] الرجز لابن عباس في رسائل الجاحظ 2/92، وعيون الأخبار 1/321، والجمهرة 422، واللسان والتاج (رفث، همس) ، والتهذيب 6/143، 15/78، وعمدة الحفاظ (رفث) ، وبلا نسبة في العين 4/10، والتاج (لمس) والجمهرة 863.
[6] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (نوك) ، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/305، والمستقصى 2/364، يضرب مثلا لمن يغالب الغلاب، وتقدم في الفقرة (447) .
[7] رسائل الجاحظ 2/92.
[8] مجمع الأمثال 2/300، والمستقصى 2/364، وأمثال ابن سلام 198، وجمهرة الأمثال 2/253، «يريد: من كثر إخوته اشتد ظهره وعزه بهم» .
(3/18)

فعلى عليّ رضي الله تعالى عنه- يعوّل في تنزيه اللفظ وتشريف المعاني.
وقال أبو بكر- رضي الله عنه- حين قال بديل بن ورقاء للنبيّ صلى الله عليه وسلم: جئتنا بعجرائك وسودانك، ولو قد مسّ هؤلاء وخز السّلاح لقد أسلموك! فقال أبو بكر- رضي الله عنه-: عضضت ببظر اللّات [1] ! وقد رووا مرفوعا قوله: «من يعذرني من ابن أمّ سباع مقطّعة البظور؟» [2] .
563-[لكلّ مقام مقال]
ولو كان ذلك الموضع موضع كناية هي المستعملة. وبعد فلو لم يكن لهذه الألفاظ مواضع استعملها أهل هذه اللّغة وكان الرأي ألّا يلفظ بها، لم يكن لأوّل.
كونها معنى إلّا على وجه الخطإ، ولكان في الحزم والصّون لهذه اللّغة أن ترفع هذه الأسماء منها.
وقد أصاب كلّ الصّواب الذي قال: «لكلّ مقام مقال» [3] .
564-[الورع الذي يبغضه الله تعالى]
ولقد دخل علينا فتى حدث كان قد وقع إلى أصحاب عبد الواحد بن زيد ونحن عند موسى بن عمران، فدار الحديث إلى أن قال الفتى: أفطرت البارحة على رغيف وزيتونة ونصف، أو زيتونة وثلث، أو زيتونة وثلثي زيتونة، أو ما أشبه ذلك.
بل أقول: أكلت زيتونة، وما علم الله من أخرى، فقال موسى: إنّ من الورع ما يبغصه الله، علم الله؛ وأظنّ ورعك هذا من ذلك الورع.
وكان العتبي ربّما قال: فقال لي المأمون كذا وكذا، حين صار التّجم على قمّة الرأس، أو حين جازني شيئا، أو قبل أن يوازي هامتي. هكذا هو عندي، وفي أغلب ظنّي، وأكره أن أجزم على شيء وهو كما قلت إن شاء الله تعالى، وقريبا ممّا نقلت.
فيتوقف في الوقت الذي ليس من الحديث في شيء. وذلك الحديث إن كان مع طلوع الشمس لم يزده ذلك خيرا، وإن كان مع غروبها لم ينقصه ذلك شيئا. هذا ولعلّ الحديث في نفسه لم يكن قطّ ولم يصل هو في تلك الليلة البتّة. وهو مع ذلك زعم أنّه دخل على أصحاب الكهف فعرف عددهم، وكانت عليهم ثياب سبنيّة
__________
[1] رسائل الجاحظ 2/93، والنهاية 1/138.
[2] يروى هذا القول لحمزة بن عبد المطلب في رسائل الجاحظ 2/93، والمعارف 317.
[3] رسائل الجاحظ 2/93، ومجمع الأمثال 2/198، والمستقصى 2/293، والفاخر 314.
(3/19)

وكلبهم ممعّط الجلد. وقد قال الله عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه وسلم: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
[1] .
565-[جملة من نوادر الشعر]
وسنذكر من نوادر الشّعر جملة، فإن نشطت لحفظها فاحفظها؛ فإنّها من أشعار المذاكرة. قال الثّقفي [2] : [من البسيط]
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الذّليل الّذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره ... ويأنف الضّيم إن أثرى له عدد
وقال أبو قيس بن الأسلت [3] : [من السريع]
بزّ امرئ مستبسل حاذر ... للدّهر، جلد غير مجزاع
الكيس والقوّة خير من ال ... إشفاق والفهة والهاع
وقال عبده بن الطّبيب [4] : [من البسيط]
ربّ حبانا بأموال مخوّلة ... وكلّ شيء حباه الله تخويل
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل
وكان عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه- يردّد هذا النصف الآخر، ويعجب من جودة ما قسم [5] .
وقال المتلمّس [6] : [من الوافر]
وأعلم علم حقّ غير ظنّ ... وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد
__________
[1] 18/الكهف: 18.
[2] البيتان للأجرد الثقفي في الشعر والشعراء 460، وللثقفي في البيان والتبيين 1/67، 3/325، وعيون الأخبار 3/2، والأول للأجرد في التاج (عضد) ، وبلا نسبة في الجمهزة 658.
[3] ديوان أبي قيس بن الأسلت 79، والمفضليات 285، وشرح اختيارات المفضل 1238، والأول في اللسان والتاج (هيع، فكك) ، والجمهرة 158، 161، 970، والتهذيب 3/23، 9/460، والبيان والتبيين 1/204، وبلا نسبة في العين 2/170، والتاج (دهن) ، والمخصص 2/122، 3/52، 65، 14/65، وأمالي القالي 2/215.
[4] ديوان عبدة بن الطبيب 75، والمفضليات 142، وشرح اختيارات المفضل 674.
[5] انظر البيان والتبيين 1/241.
[6] الأبيات في الحماسة البصرية 2/68، ونهاية الأرب 3/64، والشعر والشعراء 88.
(3/20)

وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال آخر [1] : [من الطويل]
وحفظك مالا قد عنيت بجمعه ... أشدّ من الجمع الذي أنت طالبه
وقال حميد بن ثور الهلاليّ [2] : [من الطويل]
أتشغل عنّا يابن عمّ فلن ترى أخا ... البخل إلّا [3] سوف يعتلّ بالشغل
وقال ابن أحمر [4] : [من البسيط]
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه ... وقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال ابن مقبل [5] : [من الطويل]
هل الدّهر إلّا تارتان، فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وكلتاهما قد خطّ لي في صحيفة ... فلا الموت أهوى لي ولا العيش أروح
وقال عمرو بن هند [6] : [من الطويل]
وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحيّ في طرّة البرد
يعلّل والأيّام تنقص عمره ... كما تنقص النّيران من طرف الزّند
وقال أميّة- إن كان قالها [7]-: [من الخفيف]
ربّما تجزع النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال
__________
[1] البيت بلا نسبة في البخلاء 170، ومحاضرات الأدباء 1/237.
[2] ديوان حميد بن ثور 127.
[3] في ديوانه (لاء) ، وعلق محقق الديوان: ( «لاء» مهموزة هي «لا» النافية؛ وإنما زيد عليها الهمزة لأنه قصد اسميتها) .
[4] ديوان ابن أحمر 136، والبيان والتبيين 1/181، والبرصان 195، والسمط 127، والمعاني الكبير 1258، واللسان والتاج (دوم) ، والتهذيب 14/212، وبلا نسبة في المقاييس 2/316، والمجمل 2/302.
[5] ديوان ابن مقبل 38- 39، وحماسة البحتري 123، والخزانة 5/55.
[6] البيتان لعمرو بن هند في البيان والتبيين 3/34، ولعبد هند بن زيد التغلبي في الوحشيات 19.
[7] البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه 444، وحماسة البحتري 223، والخزانة 6/108، 113، 10/9، واللسان والتاج (فرج) ، والكتاب 2/109، والدرر 1/77، وله أو لحنيف بن عمير أو لنهار ابن أخت مسيلمة الكذاب في شرح شواهد المغني 2/707، 708، والمقاصد النحوية 1/484، وله أو لأبي قيس صرمة بن أبي أنيس أو لحنيف في الخزانة 6/115، ولعبيد بن الأبرص في ديوانه 128، وبلا نسبة في أساس البلاغة (فرج) ، وأمالي المرتضى 1/486، والبيان والتبيين 3/260، والمقاييس 4/223، والجمهرة 463، وشرح المفصل 4/352، 8/30، ومغني اللبيب 2/297.
(3/21)

566-[شعر في الغزل]
وقال آخر [1] : [من الطويل]
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشيّة آرام الكناس رميم
ألا ربّ يوم لو رمتني رميتها ... ولكنّ عهدي بالنّضال قديم
رميم الّتي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم أن لا يزال يهيم
وقال آخر [2] : [من البسيط]
لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفها ... إلّا تطاول غصن الجيد للجيد
كما تطاعم في خضراء ناعمة ... مطوّقان أصاخا بعد تغريد
فإن سمعت بهلك للبخيل فقل ... بعدا وسحقا له من هالك مودي
567-[شعر في الحكم والزهد]
وقال أبو الأسود الدؤلي [3] : [من الكامل]
المرء يسعى ثمّ يدرك مجده ... حتّى يزيّن بالّذي لم يفعل
وترى الشقيّ إذا تكامل غيّه ... يرمى ويقذف بالّذي لم يعمل
وقال دريد [4] : [من الطويل]
رئيس حروب لا يزال ربيئة ... مشيح على محقوقف الصّلب ملبد [5]
صبور على رزء المصائب حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وهوّن وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
وقال سعيد بن عبد الرحمن [6] : [من الطويل]
وإنّ امرأ يمسي ويصبح سالما ... من النّاس إلّا ما جنى لسعيد
__________
[1] الأبيات لنصيب في ديوانه 125، وأمالي المرتضى 1/447، ولأبي حية النميري في ديوانه 172، والبيان والتبيين 3/324، والسمط 924، وبلا نسبة في البيان 1/68، والأمالي 2/280.
[2] البيت الأول والثاني بلا نسبة في اللسان والتاج (طعم) ، والثاني في أساس البلاغة (طعم) ، والتهذيب 2/192، والثالث في الجمهرة 1258، والبخلاء 155.
[3] ديوان أبي الأسود الدؤلي 238.
[4] ديوان دريد بن الصمة 50- 51، وترتيب الأبيات فيه (38، 31، 43) ، والأصمعيات 108.
[5] الربيئة: الطليعة؛ وهو الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو. مشيح: جاد. المحقوقف: المعوج.
ملبد: الفرس: شدّ عليه لبد السرج.
[6] البيت لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في البيان والتبيين 1/364، ولحسان بن ثابت في ديوانه 198، وعيون الأخبار 2/12.
(3/22)

وقال أكثم بن صيفيّ: [من المتقارب]
نربّى ويهلك آباؤنا ... وبينا نربّي بنينا فنينا
وقال بعض المحدثين: [من المنسرح]
فالآن أسمحت للخطوب فلا ... يلفى فؤادي من حادث يجب
قلّبني الدّهر في قوالبه ... وكلّ شيء ليومه سبب
وقال آخر [1] : [من الوافر]
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلّكم يصير إلى ذهاب
ألا يا موت لم أر منك بدّا ... أبيت فما تحيف ولا تحابي
كأنّك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي
وقال آخر: [من البسيط]
يا نفس خوضي بحار العلم أو غوصي ... فالنّاس من بين معموم ومخصوص
لا شيء في هذه الدنيا يحاط به ... إلّا إحاطة منقوص بمنقوص
568-[شعر في التشبيه]
وأنشدنا للأحيمر [2] : [من الكامل]
بأقبّ منطلق اللّبان كأنّه ... سيد تنصّل من حجور سعالي [3]
وقال الآخر [4] : [من الطويل]
أراقب لمحا من سهيل كأنّه ... إذا ما بدا من دجية اللّيل يطرف
وقالوا [5] : قال خلف الأحمر: لم أر أجمع من بيت لامرئ القيس، وهو قوله:
[من المتقارب]
أفاد وجاد وساد وزاد ... وقاد وذاد وعاد وأفضل
__________
[1] الأبيات لأبي العتاهية في ديوانه 33، وهي لأبي نواس في ديوانه 99 (طبعة المكتبة التجارية الكبرى، 1937) .
[2] البيت في البيان والتبيين 4/53.
[3] الأقب: الضامر البطن. «القاموس: قب» . اللبان: الصدر. «القاموس: لبن» . السيد: الذئب «القاموس: سيد» .
[4] البيت لجران العود في ديوانه 53، والبيان والتبيين 4/40، وأساس البلاغة (لوح) ، والمجمل 4/256، وبلا نسبة في المقاييس 5/209، 220.
[5] ورد الخبر مع البيت في البيان والتبيين 4/53، والوساطة 337- 338، والعمدة 2/31 «باب التقسيم» .
(3/23)

ولا أجمع من قوله [1] : [من الطويل]
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وقالوا: ولم نر في التشبيه كقوله، حين شبّه شيئين بشيئين في حالتين مختلفين في بيت واحد، وهو قوله [2] : [من الطويل]
كأن قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
569-[قطعة من أشعار النساء] :
وسنذكر قطعة من أشعار النساء. قالت أعرابيّة [3] : [من الطويل]
رأت نضو أسفار أميمة شاحبا ... على نضو أسفار فجنّ جنونها
فقالت: من أيّ الناس أنت، ومن تكن ... فإنّك مولى فرقة لا تزينها
وقالت امرأة من خثعم: [من الطويل]
فإن تسألوني من أحبّ فإنّني ... أحبّ، وبيت الله، كعب بن طارق
أحبّ الفتى الجعد السّلوليّ ناضلا ... على النّاس معتادا لضرب المفارق
وقالت أخرى: [من الطويل]
وما أحسن الدّنيا وفي الدّار خالد ... وأقبحها لمّا تجهز غاديا
وقالت أمّ فروة الغطفانيّة [4] : [من الطويل]
فما ماء مزن أيّ ماء تقوله ... تحدّر من غرّ طوال الذّوائب
بمنعرج أو بطن واد تحدّرت ... عليه رياح الصّيف من كلّ جانب
نفى نسم الرّيح القذا عن متونه ... فما إن به عيب يكون لعائب
__________
[1] ديوان امرئ القيس 21، والعمدة 2/24، واللسان (غور، تفل، رخا) ، والتاج (أطل، تفل) ، والتهذيب 8/181، 14/285، والمقاييس 1/112، وبلا نسبة في اللسان (سرح، أطل) ، والتهذيب 4/301، 7/542، وشرح المفصل 6/112.
[2] ديوان امرئ القيس 38، وعيار الشعر 25- 26، والمقاصد النحوية 3/216، واللسان (أدب) ، والتاج (بال) ، وشرح شواهد المغني 1/342، 2/595، 819، والصاحبي في فقه اللغة 244، والمنصف 2/117.
[3] البيتان في اللسان (جنن، ضحا) ، وأمالي المرتضى 1/508، وحماسة الخالديين 1/217، وإنباه الرواة 3/133، ونقد الشعر 193، وحماسة القرشي 120.
[4] الأبيات لزينب بنت فروة المرية في أمالي القالي 2/87، ولامرأة من طيئ في الوحشيات 202، ولعاتكة المرية في زهر الآداب 1/167، ومعجم الأبيات الشواعر 312، وشاعرات العرب 201.
(3/24)

بأطيب ممّن يقصر الطّرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب
وقال بعض العشاق [1] : [من الطويل]
وأنت الّتي كلّفتني دلج السّرى ... وجون القطا بالجلهتين جثوم
وأنت الّتي أورثت قلبي حرارة ... وقرّحت قرح القلب وهو كليم
وأنت التي أسخطت قومي فكلّهم ... بعيد الرّضا داني الصّدود كظيم
فقالت المعشوقة [2] : [من الطويل]
وأنت الّذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمتّ بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للنّاس حتّى تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أنّ قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجلدي من قول الوشاة كلوم
وقال آخر [3] : [من الطويل]
شهدت وبيت الله أنّك غادة ... رداح وأنّ الوجه منك عتيق [4]
وأنّك لا تجزينني بمودّة ... ولا أنا للهجران منك مطيق
فأجابته [5] : [من الطويل]
شهدت وبيت الله أنّك بارد ال ... ثّنايا وأنّ الخصر منك رقيق
وأنّك مشبوح الذّراعين خلجم ... وأنّك إذ تخلو بهنّ رفيق [6]
570-[شعر مختار]
وقال آخر [7] : [من الكامل]
الله يعلم يا مغيرة أنني ... قد دستها دوس الحصان الهيكل
__________
[1] الأبيات لابن الدمينة في ديوانه 36- 37، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1379، والأغاني 17/101، ومعاهد التنصيص 1/162، ومعجم الأدبيات الشواعر 97- 98.
[2] الأبيات لأمامة (أو أميمة) معشوقة ابن الدمينة في تزيين الأسواق 307، وديوان ابن الدمينة 42، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1381، والأغاني 2/59، 17/100، والبيان 3/370، ومعجم الأبيات 98، ومعاهد التنصيص 1/162.
[3] البيتان لقيس بن الذريح في ديوانه 130، وتزيين الأسواق 190، والأغاني 9/204.
[4] رداح: الثقيلة الأوراك. «القاموس: ردح» العتيق: الجميل الرائع. «القاموس: عتق» .
[5] البيتان لأعرابية في بلاغات النساء 153، ومعجم الأدبيات 93، وشاعرات العرب 206، وبلا نسبة في البيان 2/351، ورواية عجز البيت الأول: (وإن الخصر منك لطيف) ، ورواية عجز البيت الثاني: (وأنك إذ تخلو بهن عنيف) .
[6] مشبوح الذراعين: عريضهما. «القاموس: شبح» . خلجم: الجسيم العظيم. «القاموس: خلجم» .
[7] البيتان للعجاج في ديوانه 2/312، وبلا نسبة في البيان والتبيين 2/351، والثاني في اللسان والتاج (فتخ) .
(3/25)

فأخذتها أخذ المقصّب شاته ... عجلان يشويها لقوم نزّل
وقال كعب بن سعد الغنويّ [1] : [من الطويل]
وحدّثتماني أنّما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب
وماء سماء كان غير مجمّة ... ببرّيّة تجري عليه جنوب [2]
ومنزلة في دار صدق وغبطة ... وما أقتال في حكم عليّ طبيب
وقال دريد بن الصّمّة [3] : [من الطويل]
رئيس حروب لا يزال ربيئة ... مشيح على محقوقف الصّلب ملبد
صبور على رزء المصائب حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وهوّن وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
571-[قطع من البديع]
وقطعة من البديع قوله: [من الرجز]
إذا حداها صاحبي ورجّعا ... وصاح في آثارها فأسمعا
يتبعن منهن جلالا أتلعا ... أدمك في ماء المهاوي منقعا
وقال الراجز في البديع المحمود [4] : [من الرجز]
قد كنت إذ حبل صباك مدمش ... وإذ أهاضيب الشباب تبغش [5]
ومن هذا البديع المستحسن منه، قول حجر بن خالد بن مرثد [6] : [من الطويل]
سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد ... كفعل أبي قابوس حزما ونائلا
يساق الغمام الغرّ من كلّ بلدة ... إليك فأضحى حول بيتك نازلا
فأصبح منه كلّ واد حللته ... وإن كان قد خوّى المرابيع سائلا [6]
فإن أنت تهلك يهلك الباع والنّدا ... وتضحي قلوص الحمد جرباء حائلا [7]
فلا ملك ما يبلغنّك سعيه ... ولا سوقة ما يمدحنّك باطلا
__________
[1] الأبيات في الأصمعيات 97، والحماسة البصرية 1/233، والأمالي 2/148، والسمط 774.
[2] المجمة: مكان وجوم الماء، أي كثير. «القاموس: جمّ» .
[3] ديوان دريد بن الصمة 50- 51، والأصمعيات 108.
[4] الرجز بلا نسبة في البيان والتبيين 3/334، والبيت الأول برواية: (إذ ذاك إذ حبل الوصال مدمش) وهو في اللسان (دمج) ، وشرح الأشموني 3/878، وسر صناعة الإعراب 1/205، والممتع في التصريف 1/412.
[5] قوله «مدمش» أراد به «مدمج» ، فأبدل الشين مكان الجيم.
[6] الأبيات في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 2/294.
[7] المرابيع: الأمطار أول الربيع. «القاموس: ربع» .
[8] القلوس: الناقة الفتية. «القاموس: قلص» . الحائل: الناقة التي حمل عليها فلم تلقح. «القاموس: حول» .
(3/26)

باب في صدق الظّنّ وجودة الفراسة
572-[شعر في الظن والفراسة]
قال أوس بن حجر [1] : [من المنسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ بك الظ ... نّ كأن قد رأى وقد سمعا
وقال عمر بن الخطّاب [2] : «إنك لا تنتفع بعقل الرّجل حتّى تعرف صدق فطنته» .
وقال أوس بن حجر [3] : [من المتقارب]
مليح نجيح أخو مأزق ... نقاب يحدّث بالغائب
وقال أبو الفضّة، قاتل أحمر بن شميط: [من الوافر]
فإلّا يأتكم خبر يقين ... فإنّ الظّنّ ينقص أو يزيد
وقيل لأبي الهذيل: إنّك إذا راوغت واعتللت- وأنت تكلّم النظام وقمت- فأحسن حالاتك أن يشكّ النّاس فيك وفيه! قال: خمسون شكّا خير من يقين واحد!! وقال كثيّر في عبد الملك: [من الوافر]
رأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيب وما فقد الشّبابا [4]
__________
[1] ديوان أوس بن حجر 53، وذيل الأمالي 34، واللسان (حظرب، لمع) ، والتهذيب 2/424، وديوان الأدب 1/273، وكتاب الجيم 3/214، ومعاهد التنصيص 1/128، والبيان والتبيين 4/68، وعيون الأخبار 1/34، ورسائل الجاحظ 1/302.
[2] ورد قول عمر بن الخطاب في رسائل الجاحظ 1/302.
[3] ديوان أوس بن حجر 12، ورسائل الجاحظ 1/302، واللسان والتاج (نقب، نجح، أقط) ، والمقاييس 5/466، والتهذيب 4/159، 9/199، والتنبيه والإيضاح 1/142، وفصل المقال 142، ومجمع الأمثال 1/18، وزهر الأكم 1/125، وكتاب الأمثال لمجهول 36، والمستقصى 1/423، وبلا نسبة في ديوان الأدب 1/455، والجمهرة 375.
[4] ديوان كثير عزة 268، والبيان والتبيين 4/67، ونسب الأول والثالث إلى الأقيشر الأسدي في التاج (مرض) ، وهما بلا نسبة في رسائل الجاحظ 1/302، واللسان وأساس البلاغة (مرض) ، وتهذيب اللغة 12/35، والثالث بلا نسبة في المقاييس 5/312، والمجمل 4/320، والعين 7/40.
(3/27)

فقلت له، ولا أعيا جوابا: ... إذا شابت لدات المرء شابا
ولكن تحت ذاك الشيب حزم ... إذا ما قال أمرض أو أصابا
وليس في جودة الظّنّ بيت شعرا أحسن من بيت بلعاء بن قيس: [من الطويل]
وأبغي صواب الظّنّ، أعلم أنّه ... إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره [1]
وقال الله عزّ وجلّ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ
[2] .
وقال ابن أبي ربيعة في الظّنّ [3] : [من الخفيف]
ودعاني إلى الرّشاد فؤاد ... كان للغيّ مرّة قد دعاني
ذاك دهر لو كنت فيه قريني ... غير شكّ عرفت لي عصياني
وتقلّبت في الفراش ولا تع ... لم إلّا الظّنون أين مكاني
573-[شعر مختار]
وقال ابن أبي ربيعة في غير هذا الباب [4] : [من الوافر]
وخلّ كنت عين النّصح منه ... إذا نظرت ومستمعا مطيعا
أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا شنيعا
أردت رشاده جهدي، فلما ... أبى وعصى أتيناها جميعا
وقال معقّر بن حمار البارقي [5] : [من البسيط]
الشّعر لبّ المرء يعرضه ... والقول مثل مواقع النّبل
منها المقصّر عن رميّته ... ونوافذ يذهبن بالخصل
574-[أبيات للمحدثين حسان]
وأبيات للمحدثين حسان، قال العتّابيّ [6] : [من الطويل]
وكم نعمة آتاكها الله جزلة ... مبرّأة من كلّ خلق يذيمها
__________
[1] البيت لبلعاء بن قيس في البرصان 5، 33، وفصل المقال 128، ومجموعة المعاني 210، والمؤتلف 106، وبهجة المجالس 1/419، ونسب إلى عفرس بن جبهة الكلابي في حماسة البحتري 403، وبلا نسبة في عيون الأخبار 1/35.
[2] 20/سبأ: 34.
[3] ديوان عمر بن أبي ربيعة 289- 290.
[4] ديوان عمر بن أبي ربيعة 495- 496.
[5] البيتان لمعقر بن حمار في ربيع الأبرار 5/263.
[6] البيتان الأخيران في البيان والتبيين 1/120، ونسبا إلى عمرو بن كلثوم في محاضرات الأدباء 1/133.
(3/28)

فسلطت أخلاقا عليها ذميمة ... تعاورنها حتّى تفرّى أديمها
ولوعا وإشفاقا ونطقا من الخنا ... بعوراء يجري في الرّجال نميمها
وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمة تستديمها
ولكن فطام النّفس أعسر محملا ... من الصّخرة الصّمّاء حين ترومها
وقال أيضا: [من الطويل]
وكنت امرأ هيّابة تستفزّني ... رضاعي بأدنى ضجعة أستلينها
أوافي أمير المؤمنين بهمّة ... توقّل في نيل المعالي فنونها
رعى أمّة الإسلام فهو إمامها ... وأدّى إليها الحقّ فهو أمينها
ويستنتج العقماء حتّى كأنما ... تغلغل في حيث استقرّ جنينها
وما كل موصوف له يهتدي ... ولا كل من أمّ الصّوى يستبينها
مقيم بمستنّ العلا، حيث تلتقي ... طوارف أبكار الخطوب وعونها
وقال الحسن بن هانئ [1] : [من السريع]
قولا لهارون إمام الهدى ... عند احتفال المجلس الحاشد
نصيحة الفضل وإشفاقه ... أخلى له وجهك من حاسد [2]
بصادق الطاعة ديّانها ... وواحد الغائب والشاهد
أنت على ما بك من قدرة ... ما أنت مثل الفضل بالواجد
أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقال عديّ بن الرّقاع العاملي [3] : [من الكامل]
وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتّى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتّى يقيم ثقافه منآدها
وعلمت حتّى لست أسأل عالما ... عن حرف واحدة لكي أزدادها
صلّى الإله على امرئ ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها
__________
[1] ديوان أبي نواس 454.
[2] الفضل هو ابن يحيى البرمكي.
[3] ديوان عدي بن الرقاع 38. 39، والطرائف الأدبية 89، والأغاني 9/316- 317، ومعجم الشعراء 87، والبيان والتبيين 3/244، ومعجم البدان (الأحص، خناصرة) ، وعيون الأخبار 2/128.
(3/29)

575-[من قال شعرا وهو صغير]
قال [1] : واجتمع ناس من الشّعراء بباب عديّ بن الرقاع يريدون مما تنته ومساجلته، فخرجت إليهم بنت له صغيرة، فقالت [1] : [من الطويل]
تجمّعتم من كلّ أوب ومنزل ... على واحد لا زلتم قرن واحد
وقال عبد الرحمن بن حسّان الأنصاري، وهو صغير [2] : [من البسيط]
الله يعلم أنّي كنت مشتغلا ... في دار حسّان أصطاد اليعاسيبا
وقال لأبيه وهو صبيّ- ورجع إليه وهو يبكي ويقول: لسعني طائر! قال: فصفه لي يا بنيّ! قال كأنّه ثوب حبرة! قال حسّان: قال ابني الشّعر وربّ الكعبة! وكان الذي لسعه زنبورا.
وقال سهل بن هارون، وهو يختلف إلى الكتّاب لجار لهم [3] : [من البسيط]
نبّيت بغلك مبطونا فقلت له ... فهل تماثل أو نأتيه عوّادا
وقال طرفة وهو صبيّ صغير [4] : [من الرجز]
يا لك من قبّرة بمعمر ... خلالك الجوّ فبيضي واصفري
وقال بعض الشعراء [5] : [من الوافر]
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرّك أن يعيش فجئ بزاد
__________
[1] الخبر مع البيت في ذيل الأمالي 70، والأغاني 9/310، والكامل 343، والشعر والشعراء 622 (شاكر) ، والبيت بلا نسبة في المعاني الكبير 845، والجمهرة 1029.
[2] البيت مع الخبر في الكامل 343 (طبعة الوالي) ، 154 (طبعة المعارف) .
[3] البيت في رسائل الجاحظ 2/304، ورواية الخبر في الرسائل: «قال سهل بن هارون: بعثت وأنا صبي إلى جار لنا أستعير منه بغلا، فزعم أنه مبطون، فغبرت أياما، ثم كتبت له: نبّيت بغلك ... »
[4] الرجز لطرفة في ديوانه 46، والشعر والشعراء 90، واللسان (عمر، قبر، نقر، جوا) ، والجمهرة 795، والتاج (عمر، نقر، جوا، الياء) ، والتهذيب 2/384، 11/228، ولكليب بن ربيعة في اللسان (يا) ، والتنبيه والإيضاح 2/184، وبلا نسبة في الخصائص 3/230، والمخصص 12/39، والجمهرة 772، والمنصف 1/138، 3/21، والعقد الفريد 3/127، ورسائل الجاحظ 1/343.
[5] الأبيات ليزيد بن الصعق في أشعار العامريين 58، والحماسة البصرية 2/259، ومعجم الشعراء 480، والاقتضاب 288، وله أو لأبي المهوش (أو المهوس) في اللسان (لفف، لقم) ، والتاج (لفف) ، ولأبي مهوش الفقعسي أو أبي الهوس الأسدي في الكامل 1/100 (طبعة المعارف) ، وبلا نسبة في البيان والتبيين 1/190، ومجمع الأمثال 2/395، وعيون الأخبار 2/203، وأدب الكاتب 13، والمعاني الكبير 580، والبيت الثالث لأبي المهوش في رسائل الجاحظ 2/283، وبلا نسبة في البيان 3/321، وثمار القلوب 257 (493) . والأول بلا نسبة في السان (عفر) .
(3/30)

بخبز أو بلحم أو بسمن ... أو الشّيء الملفّف في البجاد [1]
تراه يطوف بالآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وقال الأصمعي: الشيء الملفّف في البجاد: الوطب.
وقال أعرابيّ: [من الطويل]
ألا بكرت تلحى قتيلة بعد ما ... بدا في سواد الرّأس أبيض واضح
لتدرك بالإمساك والمنع ثروة ... من المال أفنتها السّنون الجوائح
فقلت لها: لا تعذليني فإنما ... بذكر النّدى تبكي عليّ النوائح
576-[أشعار تجوز في المذاكرة]
وقال بشّار أبياتا تجوز في المذاكرة، في باب المنى، وفي باب الحزم، وفي باب المشورة، وناس يجعلونها للجعجاع الأزدي، وناس يجعلونها لغيره، وهي قوله [2] :
[من الطويل]
إذا بلغ الرّأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشّورى عليك غضاضة ... مكان الخوافي رافد للقوادم
وأدن من القربى المقرّب نفسه ... ولا تشهد الشّورى امرأ غير كاتم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير نصل لم يؤيّد بقائم
فإنّك لا تستطرد الهمّ بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم
وقال بعض الأنصار [3] : [من الوافر]
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء الشيخ ليس له شفاء
__________
[1] البجاد: الكساء «القاموس: بجد» .
[2] الأبيات لبشار بن برد في ديوان المعاني 1/137، والبيان والتبيين 4/49، والمختار من شعر بشار 201، ونهاية الأرب 6/71، ومحاضرات الراغب 1/14، ونكت الهميان 130، والأغاني 3/157، 214، والحماسة البصرية 2/58، وبلا نسبة في عيون الأخبار 1/32.
[3] البيتان لقيس بن الخطيم في ديوانه 151، 154، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1187، وله أو لربيع بن أبي الحقيق في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 3/104، ولربيع بن أبي الحقيق في البيان والتبيين 3/186، والأشباه والنظائر للخالديين 1/72، والبيت الأول للحطيئة في ديوانه 319، وأساس البلاغة (عنج) ، ولابن الإطنابة في التاج (أتو) ، وأساس البلاغة (أتى) ، وبلا نسبة في اللسان (عنج، أتى) ، والمقاييس 1/52، 4/151، 152، والعين 8/146، والتهذيب 1/370، والتاج (عنج) .
(3/31)

وبعض القول ليس له عناج ... كمخض الماء ليس له إتاء
وقال تأبّط شرّا- إن كان قالها-[1] : [من المديد]
شامس في القرّ حتّى إذا ما ... ذكت الشّعرى فبرد وظلّ [2]
وله طعمان: أري وشريّ ... وكلا الطّعمين قد ذاق كلّ [3]
مسبل في الحيّ أحوى رفلّ ... وإذا يغدو فسمع أزلّ [4]
ووراء الثأر منه ابن أخت ... مصع عقدته ما تحلّ
مطرق يرشح سمّا، كما ... أطرق أفعى ينفث السمّ صلّ
خبر ما نابنا مصمئلّ ... جلّ حتّى دقّ فيه الأجلّ [5]
كلّ ماض قد تردّى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسلّ [6]
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إنّ جسمي بعد خالي لخلّ
وقال سلامة بن جندل [7] : [من الطويل]
سأجزيك بالودّ الذي كان بيننا ... أصعصع إنّي سوف أجزيك صعصعا
سأهدي وإن كنا بتثليث مدحة ... إليك وإن حلّت بيوتك لعلعا
فإن يك محمودا أبوك فإنّنا ... وجدناك محمود الخلائق أروعا
فإن شئت أهدينا ثناء ومدحة ... وإن شئت أهدينا لكم مائة معا
فقال صعصعة بن محمود بن بشر بن عمرو بن مرثد: الثّناء والمدحة أحبّ إلينا. وكان أحمر بن جندل أسيرا في يده، فخلّى سبيله من غير فداء.
__________
[1] الأبيات من قصيدة تنسب إلى تأبط شرّا، أو الشنفرى، أو خلف الأحمر، أو ابن أخت تأبط شرا في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 832، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 2/162، والخزانة 3/332 (بولاق) ، وانظر ديوان الشنفرى في الطرائف الأدبية 39، الفقرة (حى) .
[2] الشعرى: كوكب نيّر يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر. «اللسان: شعر» .
[3] الأري: العسل. «القاموس: أري» . الشري: الحنظل أو شجره. «القاموس: شري» .
[4] الرفل: الكثير اللحم. «القاموس: رفل» . السمع: ولد الذئب من الضبع. «القاموس: سمع» . الأزل:
القليل لحم الفخذين. «القاموس: أزل» .
[5] المصمئل؛ في القاموس: اصمأل: اشتد، والمصمئلة: الداهية. «القاموس: صمأل» .
[6] أراد بالماضي الأول: الرجل الشديد، وبالماضي الثاني: السيف القاطع.
[7] الأبيات في البيان والتبيين 3/318- 319.
(3/32)

وقال أوس بن حجر، في هذا الشّكل من الشّعر- وهو يقع في باب الشّكر والحمد-[1] : [من الطويل]
لعمرك ما ملّت ثواء ثويّها ... حليمة إذ ألقى مراسي مقعد [2]
ولكن تلقت باليدين ضمانتي ... وحلّ بفلج فالقنافذ عوّدي [3]
وقد غبرت شهري ربيع كليهما ... بحمل البلايا والخباء الممدّد
ولم تلهها تلك التّكاليف؛ إنّها ... كما شئت من أكرومة وتخرّد [4]
سأجزيك أو يجزيك عني مثوّب ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي
وقال أبو يعقوب الأعور [5] : [من الطويل]
فلم أجزه إلّا المودّة جاهدا ... وحسبك منّي أن أودّ وأجهدا
577-[أبيات تضاف إلى الإيجاز]
وأبيات تضاف إلى الإيجاز وحذف الفضول. قال بعضهم ووصف كلابا في حال شدّها وعدوها، وفي سرعة رفع قوائمها ووضعها- فقال [6] : [من الرجز]
كأنّما ترفع ما لم يوضع
ووصف آخر ناقة بالنشاط والقوّة فقال [7] : [من الرجز]
خرقاء إلّا أنها صناع
وقال الآخر [8] : [من الرجز]
الليل أخفى والنهار أفضح
__________
[1] ديوان أوس بن حجر 26، والبيان والتبيين 3/319 والأغاني 11/73، ومعاهد التنصيص 1/134، وشرح الأبيات التالية من ديوانه.
[2] الثوي: الضيف. الثواء: الإقامة. ألقى مراسيه: استقر.
[3] الضمانة: العاهة والداء. فلج والقنافذ: موضعان. العود: جمع عائد، وهو الذي يزور المريض.
[4] التخرد: مصرد تخرّد؛ والخريدة من النساء: البكر التي لم تمس قط، وقيل: هي الحيية الطويلة السكوت؛ الخافضة الصوت؛ الخفرة المستترة: الأكرومة من «كرم» كالأعجوبة من «عجب» .
[5] البيت للخريمي أبي يعقوب في ديوانه 22، والبيان والتبيين 3/320، ورسائل الجاحظ 1/305.
[6] الرجز في محاضرات الأدباء 2/285، والصناعتين 79.
[7] الرجز في الرسالة الموضحة 28، والبيان والتبيين 1/150، 3/72، والصناعتين 314، 419.
[8] الرجز من الأمثال في مجمع الأمثال 1/255، وجمهرة الأمثال 2/72، والمستقصى 1/343، والدرة الفاخرة 1/172، 2/454، وهو في البيان والتبيين 1/151 وقبله: «إنك يا ابن جعفر لا تفلح» .
(3/33)

ووصف الآخر قوسا فقال [1] : [من الرجز]
في كفّه معطية منوع
وقال الآخر [2] : [من الرجز]
ومهمه فيه السّراب يسبح ... كأنّما دليله مطوّح
يدأب فيه القوم حتّى يطلحوا ... كأنّما باتوا بحيث أصبحوا
ومثل هذا البيت الأخير قوله [3] : [من الكامل]
وكأنّما بدر وصيل كتيفة ... وكأنّما من عاقل أرمام [4]
ومثله [5] : [من المتقارب]
تجاوزت حمران في ليلة ... وقلت قساس من الحرمل [6]
ومن الباب الأوّل قوله [7] : [من المجتث]
عادني الهمّ فاعتلج ... كلّ همّ إلى فرج
وهذا الشّعر لجعيفران الموسوس.
وقال الآخر [8] : [من الرجز]
لم أقض من صحبة زيد أربي ... فتى إذا نبّهته لم يغضب
أبيض بسّام وإن لم يعجب ... ولا يضن بالمتاع المحقب
موكّل النّفس بحفظ الغيّب ... أقصى رفيقيه له كالأقرب
__________
[1] الرجز للعكلي في البيان والتبيين 1/150، وديوان المعاني 2/59، وبلا نسبة في اللسان (ذوق) ، والتهذيب 9/263.
[2] البيتان لمسعود أخي ذي الرمة في ديوان المعاني 2/128.
[3] البيت لامرئ القيس في ديوانه 116.
[4] في ديوانه: (كتيفة من بلاد باهلة. وعاقل: جبل قريب منها. أرمام: متباعد عنها. يقول: كأن هذه المواضع متصلة على تباعد ما بينها لسرعة سير ناقته) .
[5] البيت لأوفى بن مطر الخزاعي في ذيل الأمالي 91، وبلا نسبة في التاج (حرمل) .
[6] حمران: اسم موضع، وفي التاج «جمران» ، وفي ذيل الأمالي «ماوان» وهما موضعان، وكذلك قساس.
[7] البيت في الأغاني 20/191، ورواية صدره: (لجّ ذا الهم واعتلج) .
[8] الرجز لجرير في أمالي المرتضى 4/202، والأبيات (2، 3، 5، 6) بلا نسبة في عيون الأخبار 3/23.
(3/34)

وقال دكين [1] : [من الرجز]
وقد تعلّلت ذميل العنس ... بالسّوط في ديمومة كالتّرس
إذ عرّج اللّيل بروج الشّمس
وقال دكين أيضا [2] : [من الرجز]
بموطن ينبط فيه المحتسي ... بالمشرفيّات نطاف الأنفس
وقال الراجز [3] : [من الرجز]
طال عليهنّ تكاليف السّرى ... والنّصّ في حين الهجير والضّحى
حتّى عجاهنّ فما تحت العجى ... رواعف يخضبن مبيضّ الحصى [4]
في هذه الأرجوزة يقول:
وضحك المزن بها ثمّ بكى
ومن الإيجاز المحذوف قول الراجز، ووصف سهمه حين رمى عيرا كيف نفذ سهمه، وكيف صرعه، وهو قوله [5] : [من الرجز]
حتّى نجا من جوفه وما نجا
578-[شعر في الاتّعاظ]
ومما يجوز في باب الاتّعاظ قول المرأة وهي تطوف بالبيت [6] : [من الرجز]
أنت وهبت الفتية السّلاهب ... وهجمة يحار فيها الطّالب
وغنما مثل الجراد السّارب ... متاع أيّام وكلّ ذاهب
ومثله قول المسعوديّ: [من الكامل]
أخلف وأنطف، كلّ شي ... ء زعزعته الريح ذاهب [7]
__________
[1] الرجز لمنظور بن مرثد في المقاييس 4/13، ولمنظور بن حبة الأسدي في المؤتلف 104، وبلا نسبة في البيان والتبيين 3/334، واللسان والتاج (علل) ، وديوان الأدب 3/190، وزهر الآداب 458 (طبعة زكي مبارك) .
[2] الرجز بلا نسبة في اللسان (رعس) .
[3] الرجز بلا نسبة في البيان والتبيين 3/335.
[4] العجى: جمع عجاية؛ وهي عصب مركب فيه فصوص من عظام تكون عند رسغ الدابة. «القاموس:
عجي» .
[5] الرجز في الرسالة الموضحة 29، والبيان والتبيين 1/150، 3/72، والصناعتين 406، 474.
[6] الرجز بلا نسبة في البخلاء 165، والبيان والتبيين 3/194، 252، 4/69.
[7] ورد البيت مع بيت آخر في البيان والتبيين 3/194، 252، 4/69، ورواية صدر البيت في المواضع الثلاثة (أخلف وأتلف كل شيء) .
(3/35)

وقال القدار وكان سيّد عنزة في الجاهلية: [من الكامل]
أهلكت مهري في الرّهان لجاجة ... ومن اللّجاجة ما يضرّ وينفع
قال: وسمعت عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ينشد- وكان فصيحا: [من الطويل]
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفعا [1]
وقال الأخطل: [من البسيط]
شمس العداوة حتّى يستفاد لهم ... وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا [2]
وقال حارثة بن بدر: [من الطويل]
طربت بفاثور وما كدت أطرب ... سفاها وقد جرّبت فيمن يجرّب [3]
وجرّبت ماذا العيش إلّا تعلّة ... وما الدّهر إلّا منجنون يقلّب
وما اليوم إلّا مثل أمس الذي مضى ... ومثل غد الجائي وكلّ سيذهب
وقال حارثة بن بدر الغداني أيضا [4] : [من الطويل]
إذا الهمّ أمسى وهو داء فألقه ... ولست بممضيه وأنت تعادله
فلا تنزلن أمر الشديدة بامرئ ... إذا رام أمرا عوّقته عواذله
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الرّوع أفرخ أكثر الرّوع باطله
579-[شعر في الغزو]
وقال الحارث بن يزيد وهو جدّ الأحيمر السّعديّ وهو يقع في باب الغزو وتمدّحهم ببعد المغزى [5] : [من مجزوء الكامل]
لا لا أعقّ ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر
__________
[1] البيت للنابغة الجعدي في ملحق ديوانه 246، وله أو للنابغة الذبياني في شرح شواهد المغني 1/507، ولهما أو لقيس بن الخطيم في الخزانة 8/498، والمقاصد النحوية 4/245، ولقيس ابن الخطيم في ملحق ديوانه 235، وللنابغة الذبياني في المقاصد النحوية 4/379، وشرح التصريح 2/3، وبلا نسبة في الخزانة 7/105، وشرح الأشموني 2/283 ومغني اللبيب 1/182.
[2] ديوان الأخطل 201، واللسان (جشر، شمس) ، وبلا نسبة في أساس البلاغة (شمس) .
[3] الفاثور: اسم موضع أو واد بنجد، معجم البلدان 4/224.
[4] الأبيات في ديوان حارثة بن بدر الغداني 362، والبيان والتبيين 3/218، وأمالي المرتضى 1/381، وحماسة البحتري 11، وحماسة القرشي 130، والبيت الأول بلا نسبة في اللسان والتاج وأساس البلاغة (عدل) ، ومجمل اللغة 3/453، والتهذيب 2/213، والثالث له في البيان والتبيين 2/187، وبلا نسبة في اللسان والتاج وأساس البلاغة (فرخ) .
[5] البيتان في البيان والتبيين 3/200، وأشعار اللصوص 1/92.
(3/36)

لكنّما غزوي إذا ... ضجّ المطيّ من الدّبر
وقال ابن محفّض المازنيّ [1] : [من الطويل]
إن تك درعي يوم صحراء كلية ... أصيبت فما ذاكم عليّ بعار [2]
ألم تك من أسلابكم قبل ذاكم ... على وقبى يوما ويوم سفار [3]
[فتلك سرابيل ابن داود بيننا ... عواريّ والأيام غير قصار] [4]
ونحن طردنا الحيّ بكر بن وائل ... إلى سنة مثل الشّهاب ونار [5]
وموم وطاعون وحمّى وحصبة ... وذي لبد يغشى المهجهج ضاري [6]
وحكم عدوّ لا هوادة عنده ... ومنزل ذلّ في الحياة وعار
وقال آخر [7] : [من الطويل]
خذوا العقل إن أعطاكم القوم عقلكم ... وكونوا كمن سيم الهوان فأرتعا
ولا تكثروا فيها الضّجاج فإنّه ... محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا
وقال أبو ليلى [8] : [من الوافر]
كأن قطاتها كردوس فحل ... مقلّصة على ساقي ظليم
__________
[1] الأبيات لحريث بن سلمة بن مرارة بن محفّص في ذيل الأمالي 81، والأبيات (1- 2- 3) له في معجم البلدان 4/478 (كلية) .
[2] في ذيل الأمالي: «يوم صحراء كلية: موضع وقعة كانت بينهم وبين بني بكر بن وائل» ، وفي معجم البلدان «كلية: هي من أودية العلاة باليمامة لبني تميم» .
[3] في ذيل الأمالي: «الوقبى وكذلك سفار: ماء لبني مازن» . وفي معجم البدان 5/381، «الوقبى:
ماء لبني مالك بن مازن لهم به حصن وكانت لهم به وقائع مشهورة، وهي على طريق المدينة من البصرة» . وفي معجم البلدان 3/223 «سفار- بوزن قطام- منهل قبل ذي قار بين البصرة والمدينة؛ وهو لبني مازن بن مالك بن عمرو وكان فيه يوم مشهور من أيام العرب بين بكر بن وائل وبني تميم» .
[4] استدركت هذا البيت من ذيل الأمالي ومعجم البلدان. وفي ذيل الأمالي «السرابيل: الدروع لداود؛ فجعلها لسليمان» . وانظر ثمار القلوب (122) .
[5] في ذيل الأمالي «قال أبو علي: سنة: أراد أسكناهم السواد؛ وهو بلد وباء» .
[6] موم: الجدري الكثير. المهجهج: الذي يزجر السبع صائحا: هج هج.
[7] البيتان للكميت بن معروف في ديوانه 195 (شعراء مقلون) ، والبيان والتبيين 1/389، والوحشيات 116، وحماسة البحتري 116، وله أو للكميت بن ثعلبة في اللسان (دور، قزع) ، والتاج (قزع) ، وللكميت في المستقصى 2/342، ومجمع الأمثال 2/279، وبلا نسبة في الحماسة البصرية 1/73- 75، وفصل المقال 26.
[8] البيت لخالد بن الصقعب النهدي في كتاب الجيم 3/170.
(3/37)

580-[شعر في السيادة]
وقال أبو سلمى [1] : [من الرجز]
لابدّ للسّودد من أرماح ... ومن سفيه دائم النّباح
ومن عديد يتّقى بالرّاح
وقال الهذلي [2] : [من الوافر]
وإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل
وقال حارثة بن بدر، وأنشده سفيان بن عيينة: [من الكامل]
خلت الدّيار فسدت غير مسوّد ... ومن الشّقاء تفرّدي بالسّودد [3]
581-[شعر في هجاء السادة]
وقال أبو نخيلة: [من الطويل]
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيّد، لو يظفرون بسيّد [4]
وقال إياس بن قتادة، في الأحنف بن قيس: [من الطويل]
وإنّ من السّادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها [5]
وقال حميضة بن حذيفة: [من الطويل]
أيظلمهم قسرا فتبّا لسعيه ... وكل مطاع لا أبالك يظلم
وقال آخر: [من الطويل]
فأصبحت بعد الحلم في الحيّ ظالما ... تخمّط فيهم والمسوّد يظلم [6]
__________
[1] الرجز بلا نسبة في البيان والتبيين 3/335، وأساس البلاغة (هرر) .
[2] البيت للأعلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين 323، وللهذلي في البيان والتبيين 1/275، 2/352، 3/218، وعيون الأخبار 1/226، وتهذيب اللغة 2/11، وأساس البلاغة (صعد) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (صعد) ، والجمهرة 654.
[3] البيت في الأغاني 8/408، والبيان والتبيين 3/219، وربيع الأبرار 4/142، وأمالي المرتضى 2/53، لعمرو بن النعمان البياض في معجم البلدان 1/473 (بقيع الغرقد) ، ولرجل من خثعم في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1/333، وبلا نسبة في البيان والتبيين 3/336.
[4] البيت لأبي نخيلة في البيان والتبيين 3/336، وبلا نسبة في البيان والتبيين 3/219.
[5] البيت لإياس بن قتادة في البيان والتبيين 3/218، وبلا نسبة في البيان والتبيين 3/336.
[6] البيت بلا نسبة في البيان والتبيين 3/336.
(3/38)

وكان أنس بن مدركة الخثعمي يقول: [من الوافر]
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسوّد من يسود [1]
وقال الآخر: [من الوافر]
كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمّعت من شيء لأمر
وقال أبو حيّة: [من الطويل]
إذا قلن كلّا قال والنّقع ساطع ... بلى، وهو واه بالجراء أباجله [2]
وقال آخر: [من البسيط]
إني رأيت أبا العوراء مرتفقا ... بشطّ دجلة يشري التمر والسمكا
كشدّة الخيل تبقى عند مذودها ... والموت أعلم إذ قفّى بمن تركا
هذه مساعيك في آثار سادتنا ... ومن تكن أنت ساعيه فقد هلكا
وقال شتيم بن خويلد، أحد بني غراب بن فزارة [3] : [من المتقارب]
وقلت لسيّدنا يا حليم ... إنّك لم تأس أسوا رفيقا [4]
أعنت عديّا على شأوها ... تعادي فريقا وتبقي فريقا
زحرت بها ليلة كلّها ... فجئت بها مؤيدا خنفقيقا [5]
وقال ابن ميادة [6] : [من الطويل]
أتيت ابن قشراء العجان فلم أجد ... لدى بابه إذنا يسيرا ولا نزلا
__________
[1] البيت لأنس بن مدركة في الخزانة 3/87، 189، والدرر 1/312، 3/85، وشرح المفصل 3/12، ولأنس بن نهيك في اللسان (صبح) ، ولرجل من خثعم في شرح أبيات سيبويه 1/388، وبلا نسبة في الخزانة 6/119، والخصائص 3/32، والكتاب 1/227، والمقتضب 4/345، وهمع الهوامع 1/197، والبيان والتبيين 2/352، 3/218.
[2] ديوان أبي حية النميري 71.
[3] الأبيات في البيان والتبيين 1/181، ومعجم الشعراء 311، واللسان (خفق) ، والبرصان 351، والثالث في التاج (خفق) ، وهو بلا نسبة في اللسان (خنفق، ودن) ، والتاج (ودن) ، والإنصاف 453، والخزانة 5/170، وجمهرة اللغة 2/304، 3/401، والتهذيب 7/122، 633، وتذكرة النحاة 641.
[4] قوله «يا حليم» هو من استعمال المدح مكان الذم، كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
الدخان: 49، وهذا القول هزء منه، أي تزعم أنك حكيم وتخطئ هذا الخطأ.
[5] في البيان «مؤيد: داهية. خنفقيق: داهية أيضا» .
[6] ديوان ابن ميادة 197.
(3/39)

وإنّ الّذي ولّاك أمر جماعة ... لأنقص من يمشي على قدم عقلا
582-[شعر في السيادة]
وقال آخر [1] : [من الوافر]
ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصّنيعا
إذا المجد الرّفيع تعاورته ... بناة السّوء أوشك أن يضيعا
وقال الآخر [2] : [من الطويل]
إذا المرء أثرى ثمّ قال لقومه ... أنا السّيّد المفضى إليه المعمّم
ولم يعطهم خيرا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو أظلم
وقال الآخر [3] : [من الطويل]
تركت لبحر درهميه ولم يكن ... ليدفع عنّي خلّتي درهما بحر
فقلت لبحر خذهما واصطرفهما ... وأنفقهما في غير حمد ولا أجر
أتمنع سؤال العشيرة بعد ما ... تسمّيت بحرا وأكنيت أبا الغمر
وقال الهذليّ [4] : [من الطويل]
وكنت إذا ما الدّهر أحدث نكبة ... أقول شوى، ما لم يصبن صميمي
وقال آخر [5] في غير هذا الباب: [من الطويل]
سقى الله أرضا يعلم الضّبّ أنّها ... بعيد من الأدواء طيّبة البقل
بنى بيته في رأس نشز وكدية ... وكلّ امرئ في حرفة العيش ذو عقل
583-[أبو الحارث والبرذون]
وحدّثني المكيّ قال: نظر أبو الحارث جمّين إلى برذون يستقى عليه ماء، فقال: [من الطويل]
[وما] [6] المرء حيث يضع نفسه
__________
[1] البيتان لمعن بن أوس في الأغاني 12/59، وبلا نسبة في عيون الأخبار 4/113.
[2] البيتان للمغيرة بن حبناء في أمالي الزجاجي 18، وبلا نسبة في عيون الأخبار 1/248.
[3] الأبيات بلا نسبة في عيون الأخبار 3/143، ومحاضرات الراغب 2/152، والعقد الفريد 2/275، وربيع الأبرار 3/9.
[4] البيت للبريق الهذلي في شرح أشعار الهذليين 744، واللسان (شوا) ، والجمهرة 883، وبلا نسبة في المخصص 15/166، وأساس البلاغة (شوي) ، والأضداد 229.
[5] البيتان لأعرابي في ربيع الأبرار 5/469.
[6] الزيادة من البيان والتبيين 2/103، 3/228.
(3/40)

هذا لو قد هملج لم يبتل يما ترى [1] !
584-[بين العقل والحظ]
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: [من الوافر]
وما لبّ اللّبيب بغير حظّ ... بأغنى في المعيشة من فتيل
رأيت الحظّ يستر كلّ عيب ... وهيهات الحظوظ من العقول
585-[هجو الخلف]
وقال الآخر [2] : [من الكامل]
ذهب الّذين أحبّهم سلفا ... وبقيت كالمقهور في خلف
من كلّ مطويّ على حنق ... متضجّع يكفى ولا يكفي
586-[عبد العين]
وقال آخر [3] : [من الطويل]
ومولى كعبد العين أمّا لقاؤه ... فيرضى وأمّا غيبه فظنون
ويقال للمرائي، ولمن إذا رأى صاحبه تحرّك له وأراه الخدمة والسرعة في طاعته فإذا غاب عنه وعن عينه خالف ذلك: «إنّما هو عبد عين» [4] .
وقال الله عزّ وجلّ: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
[5] .
587-[من إيجاز القرآن]
وقد ذكرنا أبياتا تضاف إلى الإيجاز وقلّة الفضول، ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن؛ لتعرف بها فصل ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزّوائد والفضول
__________
[1] في البيان والتبيين «لو هملج هذا البرذون لم يجعل للراوية» .
[2] البيتان في البيان والتبيين، وهما للأحوص في 2/184، وبلا نسبة في 3/336.
[3] البيت لجميل في ديوانه 208، وديوان المعاني 1/159، وبلا نسبة في البيان والتبيين 3/204، واللسان والتاج وأساس البلاغة (عين) ، وثمار القلوب 263 (502) .
[4] مجمع الأمثال 2/397.
[5] 75/آل عمران: 3.
(3/41)

والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة على الّذي كتبته لك في باب الإيجاز وترك الفضول. فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنّة:
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[1] وهاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدّنيا.
وقوله عزّ وجل حين ذكر فاكهة أهل الجنّة فقال: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ
[2] جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني.
وهذا كثير قد دللتك عليه، فإن أردته فموضعه مشهور.
588-[رأي أعرابي في تثمير المال]
وقال أعرابي من بني أسد: [من الطويل]
يقولون ثمّر ما استطعت، وإنما ... لوارثه ما ثمّر المال كاسبه
فكله وأطعمه وخالسه وارثا ... شحيحا ودهرا تعتريك نوائبه
589-[شعر في الهجاء]
وقال رجل من بني عبس [3] : [من البسيط]
أبلغ قرادا لقد حكّمتم رجلا ... لا يعرف النّصف بل قد جاوز النّصفا
كان امرأ ثائرا والحقّ يغلبه ... فجانب السّهل سهل الحقّ واعتسفا
وذاكم أنّ ذلّ الجار حالفكم ... وأنّ أنفكم لا يعرف الأنفا
إنّ المحكّم ما لم يرتقب حسبا ... أو يرهب السّيف أو حدّ القنا جنفا [4]
من لاذ بالسّيف لاقى قرضه عجبا ... موتا على عجل أو عاش منتصفا
بيعوا الحياة بها إذ سام طالبها ... إمّا رواحا وإما متة أنفا
ليس امرؤ خالدا والموت يطلبه ... هاتيك أجساد عاد أصبحت جيفا
أبلغ لديك أبا كعب مغلغلة ... أنّ الذي بيننا قد مات أو دنفا
__________
[1] 19/الواقعة: 56.
[2] 33/الواقعة: 56.
[3] البيتان الرابع والخامس في البيان والتبيين 1/311.
[4] الجنف: الميل والجور. «القاموس: جنف» .
(3/42)

كانت أمور فجابت عن حلومكم ... ثوب العزيمة حتّى انجاب وانكشفا
إنّي لأعلم ظهر الضّغن أعدله ... عنّي، وأعلم أنّي آكل الكتفا
590-[شعر في الحكم]
وقال أسقف نجران [1] : [من الكامل]
منع البقاء تصرّف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
اليوم أعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس
وقال عبيد بن الأبرص [2] : [من مخلع البسيط]
وكلّ ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
من يسأل النّاس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
وعاقر مثل ذات رحم ... وغانم مثل من يخيب
أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضّ ... عف وقد يخدع الأريب
المرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب
وقال آخر [3] : [من الرجز]
إذا الرّجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أوصابها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها
__________
[1] الأبيات لأسقف نجران في البيان والتبيين 3/342- 343، ومعاهد التنصيص 2/121، وثمار القلوب (374) ، والسمط 486، واللسان (أمس) ، والمقاصد النحوية 4/373، وله أو للقمقام ابن العباهل في معجم الشعراء 223، ولتبع بن الأقرن أو لراهب من نجران في الحماسة البصرية 2/406- 407، والمعارف 630، ولعابد من نجران في العقد الفريد 2/122 (مطبعة الاستقامة) ، ولبعض ملوك اليمن في الصناعتين 201، ولذي القرنين في التيجان 101، وأنشدها روح بن زنباع في ذيل الأمالي 31، وبلا نسبة في شرح قطر الندى 15، وشرح شذور الذهب 126- 127، وهمع الهوامع 1/209.
[2] ديوان عبيد بن الأبرص 13- 15.
[3] الرجز لعبدة بن الطبيب في الوحشيات 156، ولزر بن حبيش في أدب الدنيا والدين للماوردي 108 (1925 م) ، ولضرار بن عمرو الضبي في أمثال الضبي 166، وبلا نسبة في جمهرة الأمثال 2/246.
(3/43)

591-[مرثية في محمد المخلوع]
وقال بنت عيسى بن جعفر وكان مملكة لمحمد المخلوع حين قتل: [من المنسرح]
أبكيك لا للنّعيم والأنس ... بل للمعالي والرّمح والفرس [1]
أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
592-[من نعت النساء]
وقال سلم الخاسر: [من الطويل]
تبدّت فقلت الشّمس عند طلوعها ... بجيد نقيّ الّلون من أثر الورس [2]
فلما كررت الطّرف قلت لصاحبي ... على مرية: ما هاهنا مطلع الشمس!
593-[شعر رثاء]
وقال الآخر [3] : [من الوافر]
كفى حزنا بدفنك ثمّ أنّي ... نفضت تراب قبرك عن يديّا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
__________
[1] البيتان لزوجة الخليفة الأمين لبابة بنت علي في مروج الذهب 4/297، ونزهة الجلساء 67، وللبانة بنت ريطة في العقد الفريد 3/204 (2/178) ، وشاعرات العرب 239، ومعجم الأديبات 414، ولامرأة بعض الملوك في البيان والتبيين 3/202.
[2] البيتان في ديوانه 90، والحماسة البصرية 2/161، ونهاية الأرب 2/37.
[3] البيتان لأبي العتاهية في ديوانه 679، والوحشيات 132، والبيان والتبيين 1/408، 3/258، ومجالس ثعلب 59، ومعاهد التنصيص 4/188، الأغاني 4/44، ومحاضرات الراغب 2/217.
(3/44)

باب من المديح بالجمال وغيره
594-[شعر في المديح]
قال مزاحم العقيليّ: [من الطويل]
يزين سنا الماويّ كلّ عشيّة ... على غفلات الزّين والمتجمّل [1]
وجوه لو انّ المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدّجى حتّى ترى اللّيل ينجلي
وقال الشّمردل: [من البسيط]
إذا جرى المسك يندى في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم [2]
يشبّهون ملوكا من تجلّتهم ... وطول أنضية الأعناق والأمم
النضيّ: السّهم الذي لم يرش، يعني أن أعناقهم ملس مستوية، والأمم:
القامات.
وقال القتّال الكلابيّ [3] : [من البسيط]
يا ليتني، والمنى ليست بنافعة ... لمالك أو لحصن أو لسيّار
طوال أنضية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأزفار
__________
[1] ديوان مزاحم العقيلي 6، ومجالس ثعلب 229- 230، والبيان والتبيين 3/252، 4/69، واللسان (عشا، موا) ، وبلا نسبة في التاج واللسان (موه) ، والبيت الثاني في الوساطة 355.
[2] البيتان للشمردل بن شريك في الشعر والشعراء 443 (ليدن) ، 708 (طبعة شاكر) ، وله أو لليلى الأخيلية في اللسان (أمم، نضا) ، ولليلى الأخيلية في ديوانها 118، واللسان (جلل، نصا) ، والتاج (نصا) ، وبلا نسبة في أمالي القالي 1/238، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1611، والتاج (نصا) ، والمقاييس 5/433، والمجمل 4/409.
[3] ديوان القتال الكلابي 60، وأمالي القالي 2/223، والمعاني الكبير 520، والكامل 1/34 (طبعة المعارف) ، ونسب البيت الأول والثالث إلى رافع بن هريم في نوادر أبي زيد 22.
(3/45)

لم يرضعوا الدّهر إلا ثدي واضحة ... لواضح الوجه يحمي باحة الدّار
وقال آخر: [من الطويل]
إذا كان عقل قلتم إنّ عقلنا ... إلى الشّاء لم تحلل علينا الأباعر
وإنّ امرأ بعدي يبادل ودّكم ... بودّ بني ذبيان مولى لخاسر
أولئك قوم لا يهان هديّهم ... إذا صرّحت كحل وهبّت أعاصر [1]
مذاليق بالخيل العتاق إذا عدوا ... بأيديهم خطّيّة وبواتر [2]
وقال أبو الطّمحان القينيّ في المعنى الذي ذكرنا [3] : [من الطويل]
كم فيهم من سيّد وابن سيّد ... وفيّ بعقد الجار، حين يفارقه
يكاد الغمام الغرّ يرعد أن رأى ... وجوه بني لأم وينهلّ بارقه
وقال لقيط بن زرارة [4] : [من الطويل]
وإنّي من القوم الذين عرفتم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبه [5]
وقال بعض التميميّين، يمدح عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة: [من الطويل]
بحقّ امرئ سرو عتيبة خاله ... وأنت لقعقاع وعمّك حاجب
__________
[1] الهدي: الأسير، وقيل: الرجل ذو الحرمة، يأتي القوم يستجير بهم؛ أو يأخذ منهم عهدا، فهو ما لم يجر، أو يأخذ العهد هدي، فإذا أخذ العهد منهم فهو حينئذ جار لهم (اللسان 15/358- 359: هدي) . الكحل: السنة الشديدة «القاموس: كحل» .
[2] مذاليق: جمع مذلاق؛ وهو السريع الجري «القاموس: ذلق» .
[3] البيتان في البيان والتبيين 3/337، والثاني في عيون الأخبار 4/25، والشعر والشعراء 230 (ليدن) .
[4] الأبيات للقيط بن زرارة في الشعر والشعراء 447 (ليدن) ، والبيت الثالث في عيون الأخبار 4/24، وتنسب الأبيات إلى أبي الطمحان القيني في الحماسة البصرية 1/161، والحماسة المغربية 609، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1598، والأغاني 13/9، وأمالي المرتضى 1/257، والكامل 1/31 (طبعة المعارف) ، والخزانة 8/95- 96، وديوان المعاني 1/22، والصناعتين 360، والمقاصد النحوية 1/567، واللسان (خضض) ، وأخبار أبي تمام 135، والسمط 236، وفي الشعر والشعراء 447 «وبعض الرواة ينحل هذا الشعر أبا الطمحان القيني، وليس كذلك؛ إنما هو للقيط» .
[5] الجزع: ضرب من الخرز فيه سواد وبياض. «القاموس: جزع» .
(3/46)

دراري نجوم كلما انقضّ كوكب ... بدا كوكب ترفضّ عنه الكواكب
وقال طفيل الغنويّ [1] : [من الطويل]
وكان هريم من سنان خليفة ... وعمرو ومن أسماء لّما تغيّبوا
نجوم ظلام كلما غاب كوكب ... بدا ساطعا في حندس اللّيل كوكب
وقال الخريمي [2] ، يمدح بني خريم من آل سنان بن أبي حارثة: [من الطويل]
بقيّة أقمار من الغرّ لو خبت ... لظلّت معدّ في الدّجى تتكسّع
إذا قمر منهم تغوّر أو خبا ... بدا قمر في جانب الليل يلمع
وقال بعض غنيّ [3] وهو يمدح جماعة إخوة، أنشدنيها أبو قطن الذي يقال له شهيد الكرم: [من البسيط]
حبّر ثناء بني عمرو فإنّهم ... أولو فضول وأنفال وأخطار
إن يسألوا الخير يعطوه، وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيب أخبار
وإن تودّدتهم لانوا، وإن شهموا ... كشفت أذمار حرب غير أغمار
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النّجوم التي يسري بها السّاري
595-[شعر في الفخر]
وقال رجل من بني نهشل [4] : [من البسيط]
إنّي لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا
__________
[1] ديوان طفيل 38، 39، والبيان والتبيين 3/337، والثاني في أخبار أبي تمام 136، وأمالي المرتضى 1/186.
[2] ديوان الخريمي 43، وبهجة المجالس 1/503، والأشباه والنظائر للخالديين 1/158، والبيت الثاني في ديوان المعاني 2/175، وأمالي المرتضى 1/258، وأخبار أبي تمام 126، 134، والموشح 323، وهو لأعرابي في ذيل الأمالي 121.
[3] الأبيات للعرندس الكلابي في معجم الشعراء 173، وأمالي القالي 1/239، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1593، والحماسة المغربية 299، ولعبيد بن العرندس الكلابي في التنبيه للبكري 72، والسمط 546، والكامل 1/47 (طبعة المعارف) ، وبلا نسبة في ديوان المعاني 1/23، 41، والحماسة الشجرية 1/359، وانظر حاشية الحماسة المغربية 299.
[4] الأبيات لنهشل بن حري في ديوانه 127 (شعراء مقلون) ، وعيار الشعر 104- 105، والشعر والشعراء 405 (ليدن) ، وزهر الآداب 1159، والأبيات لبشامة في عيون الأخبار 1/190، وله أو لبعض بني قيس بن ثعلبة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 100، ولأبي مخزوم النهشلي في الحماسة المغربية 727- 728، ولرجل من بني نهشل في البيان والتبيين 3/337.
(3/47)

لو كان في الألف منّا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إيّاه يعنونا
وليس يذهب منّا سيّد أبدا ... إلّا افتلينا غلاما سيّدا فينا
596-[شعر في المديح]
وفي المعنى الأوّل يقول النّابغة الذّبيانيّ [1] : [من الطويل]
وذاك لأنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
بأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وفي غير ذلك من المديح يقول الشاعر [2] : [من الكامل]
وأتيت حيّا في الحروب محلّهم ... والجيش باسم أبيهم يستهزم
وفي ذلك يقول الفرزدق [3] : [من الطويل]
لتبك وكيعا خيل ليل مغيرة ... تساقى السّمام بالرّدينيّة السّمر
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة ... دعوها وكيعا والرّماح بهم تجري
وأما قول الشاعر: [من الرجز]
تخامل المحتد أو هزام
فإنّما ذهب إلى أنّ الدّعوة إذا قام بها خامل الذّكر والنسب فلا يحسده من أكفائه أحد وأما إذا قام بها مذكور بيمن النّقيبة، وبالظّفر المتتابع، فذلك أجود ما يكون، وأقرب إلى تمام الأمر.
وقال الفرزدق [4] : [من الطويل]
تصرّم منّي ودّ بكر بن وائل ... وما كان ودّي عنهم يتصرّم
قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الأناء فيفعم
__________
[1] ديوان النابغة الذبياني 73، وديوان المعاني 1/15- 16، وعيار الشعر 34، والأول في اللسان والتاج (سور) ، والجمهرة 174، 723، والتهذيب 13/49.
[2] البيت لخزر بن لوذان في الوساطة 364، وبلا نسبة في ديوان المعاني 1/145 وفيه «أنشدناه أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد» .
[3] ديوان الفرزدق 246، ورسائل الجاحظ 2/286، وديوان المعاني 1/145. والثاني في الوساطة 364.
[4] البيتان في عيون الأخبار 2/16.
(3/48)

وقال الفرزدق [1] : [من الطويل]
وقالت أراه واحدا لا أخا له ... يؤمّله في الوارثين الأباعد
لعلّك يوما أن تريني كأنّما ... بنيّ حواليّ الأسود الحوارد [2]
فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانا وهو في الناس واحد
وقال الفرزدق أيضا [3] : [من الطويل]
فإن كان سيف خان أو قدر أتى ... لميقات يوم حتفه غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحيانا مناط القلائد [4]
597-[خير القصائد]
وإن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعرا لم يسمع بمثله، فالتمس ذلك في قصار قصائد الفرزدق؛ فإنك لم تر شاعرا قطّ يجمع التّجويد في القصار والطّوال غيره.
وقد قيل للكميت: إن النّاس يزعمون أنّك لا تقدر على القصار! قال [5] : من قال الطّوال فهو على القصار أقدر.
هذا الكلام يخرج في ظاهر الرّأي والظّن، ولم نجد ذلك عند التّحصيل على ما قال.
وقيل لعقيل بن علّفة: لم لا تطيل الهجاء؟ قال [6] : «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .
__________
[1] الأبيات للفرزدق في ديوانه 172، 1/146 (طبعة دار صادر) ، وعيون الأخبار 4/123، ولابن عنقاء الفزاري في معجم الشعراء 199، ومعاهد التنصيص 1/304، والثاني في أساس البلاغة (حرر) ، والمجمل 2/56، وبلا نسبة في المقاييس 2/52، والجمهرة 501.
[2] الحوارد: جمع حارد، وهو الرجل المتنحي المعتزل والغضبان: «اللسان حرد» ، ورواية البيت في
الديوان: (فإني عسى أن تبصريني كأنما ... بنيّ حوالي الأسود اللوابد) .
[3] الأبيات في الأغاني 15/343- 344، والنقائض 384، والعمدة 1/189- 190 «باب في البديهة والارتجال» . والوساطة 437.
[4] الظّبة: حد السيف. «القاموس: ظبو» .
[5] في البيان والتبيين 1/207، والعمدة 1/188 «باب في القطع والطوال» : (ولاموا الكميت بن زيد على الإطالة، فقال: أنا على القصار أقدر) .
[6] البيان والتبيين 1/207، 2/68، 3/165، والأغاني 21/358، والعمدة 1/187، ونهاية
(3/49)

وقيل لجرير: إلى كم تهجو النّاس؟ قال [1] «إنّي لا أبتدي، ولكنّي أعتدي» .
وقيل له: لم لا تقصّر؟ قال: «إن الجماح يمنع الأذى» .
598-[شعر مختار]
قال عبيد بن الأبرص [2] : [من الكامل]
نبّئت أنّ بني جديلة أوعبوا ... نفراء من سلمى لنا وتكتبوا [3]
ولقد جرى لهم فلم يتعيّفوا ... تيس قعيد كالهراوة أعضب [4]
وأبو الفراخ على خشاش هشيمة ... متنكّب إبط الشّمائل ينعب [5]
فتجاوزوا ذاكم إلينا كلّه ... عدوا وقرطبة فلما قرّبوا [6]
طعنوا بمرّان الوشيج فما ترى ... خلف الأسنة غير عرق يشخب [7]
وتبدّلوا اليعبوب بعد إلههم ... صنما ففرّوا يا جديل وأعذبوا [8]
وقال آخر: [من الطويل]
ألم تر حسّان بن ميسرة الذي ... بجوخى إلى جيرانه كيف يصنع
متاريب ما تنفكّ منهم عصابة ... إليه سراعا يحصدون ويزرع [9]
-
__________
الأرب 3/27، وزهر الآداب 694 (طبعة مبارك) ، وهو من الأمثال في المستقصى 2/62، ومجمع الأمثال 1/196، والأمثال لمجهول 57.
[1] البيان والتبيين 3/165.
[2] ديوان عبيد بن الأبرص 2- 3 وشرح الأبيات التالية في ديوانه.
[3] أوعبوا: نفروا جميعا ولم يتخلف منهم أحد. تكتبوا: صاروا كتائب. بنو جديلة: حي من طيء.
سلمي: أحد جبلي طيء.
[4] تعيفوا من العيافة، وهي هنا التشاؤم. التيس: الذكر من الظباء. القعيد: الذي يأتي من الخلف، وهو يتشاء به. الأعضب: المكسور أحد القرنين.
[5] أبو الفراخ: الغراب. الخشاش: كل ما لا عظم له من الدواب. الهشيمة: الشجرة اليابسة. متنكب:
مجتنب.
[6] ذاكم: عنى به التعيف والزجر. القرطبة: العدو الشديد.
[7] المران: الرماح الصلبة اللدنة، جمع مرانة. الوشيج: شجر الرماح. يشخب: يسيل دمه.
[8] اليعبوب: صنم لجديلة. وفي الديوان (فقرّوا) مكان (ففروا) .
[9] متاريب: جمع مترب، وهي كلمة من الأضداد تعني الذي قلّ ماله والذي كثر ماله. انظر القاموس «ترب» ، والأضداد 380.
(3/50)

599-[شعر في معنى قوله: يريد أن يعربه فيعجمه]
وباب آخر مثل قوله [1] : [من الرجز]
يريد أن يعربه فيعجمه
وقال آخر: [من الرجز]
كأنّ من يحفظها يضيعها
وقال آخر: [من الرجز]
أهوج لا ينفعه التثّقيف
وقال بعض المحدثين [2] في هذا المعنى: [من الطويل]
إذا حاولوا أن يشعبوها رأيتها ... مع الشّعب لا تزداد إلا تداعيا
وقال صالح بن عبد القدّوس [3] : [من السريع]
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتّى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضّنا عاد إلى نكسه
ومثل هذا قوله [4] : [من الكامل]
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
وقال حسيل بن عرفطة [5] : [من الطويل]
ليهنيك بغض في الصّديق وظنة ... وتحديثك الشّيء الذي أنت كاذبه
وأنك مشنوء إلى كلّ صاحب ... قلاك ومثل الشّرّ يكره جانبه
__________
[1] الرجز للحطيئة في ديوانه 291، والأغاني 2/196، ولرؤية في ملحق ديوانه 186، واللسان (عجم) ، ولهما في التاج (عجم) .
[2] البيت لمحمد بن يسير الرياشي في ديوانه 128. وعيون الأخبار 3/266، وبلا نسبة في البخلاء 222.
[3] البيتان لصالح بن عبد القدوس في طبقات ابن المعتز 89، والحماسة البصرية 2/40، وأمالي المرتضى 1/101، والأول في الأغاني 14/177، ضمن أخبار علي بن الخليل، والثاني بلا نسبة في اللسان (ضنى) ، والعين 2/240، 7/60.
[4] البيت لمالك بن دينار في أمالي القالي 2/51، والأمثال في مجمع الأمثال 2/301، وجمهرة الأمثال 2/279، والمستقصى 2/249، وفصل المقال 182، والأمثال لابن سلام 121.
[5] الأبيات في البيان والتبيين 3/249، وبلا نسبة في رسائل الجاحظ 2/339.
(3/51)

وأنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السّباب رافع الصوت غالبه [1]
فلم أر مثل الجهل يدعو إلى الرّدى ... ولا مثل بغض النّاس غمّض صاحبه
600-[كلمة للزّبرقان]
وقال الأصمعي: قال الزّبرقان بن بدر: خصلتان كبيرتان في امرئ السّوء: شدّة السّباب، وكثرة اللّطام.
601-[تمجيد الأقارب]
وقال خالد بن نضلة [2] : [من الطويل]
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه ولو عالوا به كلّ مركب
من الجانب الأقصى وإن كان ذا ندى ... كثير ولا ينبيك مثل المجرّب
إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيّب
فإن تلتبس بي خيل دودان لا أرم ... وإن كنت ذا ذنب وإن غير مذنب
602-[بكل واد بنو سعد]
قال: ولمّا تأذّى الأضبط بن قريع في بني سعد تحوّل عنهم إلى آخرين فآذوه فقال: بكلّ واد بنو سعد [3] !
603-[مقطّعات شتّى]
وقال سحيم بن وثيل [4] : [من الطويل]
ألا ليس زين الرّحل قطع ونمرق ... ولكنّ زين الرّحل يا ميّ راكبه [5]
__________
[1] النطف: المتهم المريب «القاموس: نطف» . النثا: ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيء «القاموس: نثا» .
[2] الأبيات لخالد بن نضلة الحجواني؛ أو لزرافة بن سبيع الأسدي، انظر الحماسة البصرية 2/56، وحاشية المحقق فيها، والبيت الثالث للحماسي في أساس البلاغة (علف) ، وبلا نسبة في المجمل 3/457، واللسان والتاج (عدا) ، والتهذيب 3/110، والمخصص 12/52، 15/82. وانظر الأبيات في الفقرة (902) .
[3] البيان والتبيين 3/294، والبخلاء 189، ومجمع الأمثال 1/105، وجمهرة الأمثال 1/61.
[4] البيت لسحيم بن وثيل في عيون الأخبار 1/297، ولمضرس بن ربعي في معجم الشعراء 307.
[5] القطع: البساط «القاموس: قطع» . نمرق: الوسادة الصغيرة «القاموس: نمرق» .
(3/52)

وقال أعرابيّ [1] : [من الطويل]
فما وجد ملواح من الهيم خلّئت ... عن الماء حتّى جوفها يتصلصل [2]
تحوم وتغشاها العصيّ وحولها ... أقاطيع أنعام تعلّ وتنهل
بأكثر منّي غلّة وتعطّفا ... إلى الورد، إلّا أنّني أتجمّل
وقال خالد بن علقمة ابن الطّيفان، في عيب أخذ العقل والرّضا بشيء دون الدّم، فقال [3] : [من الطويل]
وإنّ الّذي أصبحتم تحلبونه ... دم غير أنّ اللّون ليس بأحمرا
فلا توعدوا أولاد حيّان بعدما ... رضيتم وزوّجتم سيالة مسهرا [4]
وأعجب قرد يقصم القمل حالقا ... إذا عبّ في البقية بربرا
إذا سكبوا في القعب من ذي إنائهم ... رأوا لونه في القعب وردا وأشقرا
__________
[1] الأبيات بلا نسبة في البيان والتبيين 3/55.
[2] الهيم: الإبل العطاش «القاموس: هيم» . حلئت: منعت من الماء «القاموس: حلأ» .
[3] الأبيات في الوحشيات 81، والأول بلا نسبة في السمط 673.
[4] في الوحشيات (رضيتم وزوجتم سبالا مشعّرا) .
(3/53)

باب آخر في ذكر الغضب، والجنون، في المواضع التي يكون فيها محمودا
604-[شعر في الجنون]
قال الأشهب بن رميلة [1] : [من الطويل]
هرّ المقادة من لا يستقيد لها ... واعصوصب السّير وارتدّ المساكين [2]
من كلّ أشعث قد مالت عمامته ... كأنّه من ضرار الضّيم مجنون
وقال في شبيه ذلك أبو الغول الطّهويّ [3] : [من الوافر]
فدت نفسي وما ملكت يميني ... معاشر صدّقت فيهم ظنوني
معاشر لا يملّون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الطّحون
ولا يجزون من خير بشر ... ولا يجزون من غلظ بلين
ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين
هم أحموا حمى الوقبى بضرب ... يؤلّف بين أشتات المنون [4]
فنكّب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون
وقال ابن الطّثريّة [5] : [من البسيط]
لو أنّني لم أنل منكم معاقبة ... إلا السّنان لذاق الموت مظعون
أو لا ختطبت فإني قد هممت به ... بالسّيف إن خطيب السّيف مجنون
__________
[1] البيتان في ديوانه 244.
[2] هرّ: كره «القاموس: هرّ» . المقادة: القود، وهو نقيض السوق «القاموس: قود» .
[3] الأبيات لأبي الغول الطهوي في الأمالي 1/260، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 39- 40، والسمط 580، والخزانة 6، 433، 8/314، والأبيات (1، 2، 5) في معجم البلدان 5/380 (الوقبى) ، و (1، 2) في شرح المفصل 5/55، و (3، 5، 6) في الشعر والشعراء 256- 257 (طبعة ليدن) ، والثالث في اللسان (سوا) ، والرابع في اللسان (صلا) ، و (1، 2) بلا نسبة في الخصائص 2/121.
[4] الوقبى: ماء لبني مالك بن مازن بن مالك، وكانت لهم به وقائع مشهورة، وهو على طريق المدينة من البصرة. معجم البلدان 5/380 (الوقبى) .
[5] ديوان ابن الطثرية 107.
(3/54)

وقال آخر [1] : [من الكامل]
حمراء تامكة السّنام كأنّها ... جمل بهودج أهله مظعون [2]
جادت بها يوم الوداع يمينه ... كلتا يدي عمرو الغداة يمين
ما إن يجود بمثلها في مثله ... إلّا كريم الخيم أو مجنون [3]
وفي هذا المعنى يقول حسّان، أو ابنه عبد الرحمن بن حسّان [4] : [من الخفيف]
إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
إن يكن غثّ من رقاش حديث ... فبما نأكل الحديث سمينا
وفي شبيه بذلك قول الشّنفرى [5] : [من الطويل]
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فول جنّ إنسان من الحسن جنّت
وقال القطاميّ [6]- حين وصف إفراط ناقته في المرح والنّشاط: [من البسيط]
يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل
وقال ابن أحمر [7] ، في معنى التشبيه والاشتقاق: [من الوافر]
بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به الحنينا [8]
__________
[1] الأبيات لجميل في ديوانه 198، والبرصان 349، ولابن الطثرية في ديوانه 106، ولعبيد بن أيوب في أشعار اللصوص 1/232، 233، والبيت الثالث لعبيد بن أيوب في الرسالة الموضحة 38، وأخبار أبي تمام 33، والأبيات بلا نسبة في الوحشيات 268.
[2] التامكة: الناقة العظيمة السنام «القاموس: تمك» .
[3] الخيم: السجية «القاموس: خيم» .
[4] البيتان لحسان بن ثابت في ديوانه 473، والأول في اللسان والتاج (شرخ) ، والجمهرة 92، 585، والتهذيب 7/81، وديوان الأدب 1/101، وبلا نسبة في المقاييس 3/269، والمخصص 1/38، والثاني في اللسان والتاج (ما) ، والتهذيب 15/628.
[5] البيت للشنفرى في المفضليات 109، وشرح اختيارات المفضل 519، ورسائل الجاحظ 2/98، والبيان والتبيين 3/224، واللسان (جنن) ، والأغاني 21/187.
[6] ديوان القطامي 27.
[7] ديوان ابن أحمر 159، والبيان والتبيين 3/223، ومعجم البلدان (قسا) ، والجمهرة 289، والأول في اللسان (قسأ، فقأ، جرب، ذفر، قسا، هجل) ، والجمهرة 266، والتاج (فقأ، قسأ، جرب، ذفر، هجل، جنن) ، وبلا نسبة في المخصص 11/207، 15/201، والثاني في السان (فقأ، خوز، قلع، جنن) ، والتاج (فقأ، قسأ، جرب، خوز، قلع، جنن) ، والخزانة 6/442، وإصلاح المنطق 44.
[8] الهجل: المطمئن من الأرض «القاموس: هجل» . الجربياء: الريح الشمالية الباردة «القاموس جرب» . الحنين: صوت الريح «القاموس: حنّ» .
(3/55)

تفقّأ فوقه القلع السّواري ... وجنّ الخازباز به جنونا [1]
وفي مثل ذلك يقول الأعشى [2] : [من الخفيف]
وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجنّ التّلاع والآفاق
لم يزدهم سفاهة نشوة الخم ... ر ولا اللهو فيهم والسّباق
وقال آخر في باب المزاح والبطالة، مما أنشدنيه أبو الأصبغ بن ربعيّ: [من الطويل]
أتوني بمجنون يسيل لعابه ... وما صاحبي إلّا الصّحيح المسلّم
605-[إبراهيم بن هانئ والشعر]
وأنشدني إبراهيم بن هانئ، وعبد الرحمن بن منصور: [من الطويل]
جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون
وكان إبراهيم بن هانئ لا يقيم شعرا ولا أدري كيف أقام هذا البيت! وكان يدّعى بحضرة أبي إسحاق علم الحساب، والكلام، والهندسة، واللحون، وأنه يقول الشعر؛ فقال أبو إسحاق: نحن لم نمتحنك في هذه الأمور، فلك أن تدّعيها عندنا. كيف صرت تدّعي قول الشعر، وأنت إذا رويته لغيرك كسرته؟! قال:
فإنّي هكذا طبعت، أن أقيمه إذا قلت، وأكسره إذا أنشدت! قال أبو إسحاق: ما بعد هذا الكلام كلام!
606-[جواب أعرابي في شدة الغلمة]
وقلت لأعرابيّ، أيّما أشدّ غلمة: المرأة أو الرجل؟ فأنشد [3] : [من الطويل]
فو الله ما أدري وإنّي لسائل ... ألأير أدنى للفجور أو الحر
وقد جاء هذا مرخيا من عنانه ... وأقبل هذا فاتحا فاه يهدر
607-[مقطعات شتى]
وأنشد بعضهم [4] : [من الخفيف]
أصبح الشّيب في المفارق شاعا ... واكتسى الرأس من بياض قناعا
__________
[1] القلع: قطع من السحاب «القاموس: قلع» .
[2] ديوان الأعشى 265.
[3] البيتان في محاضرات الأدباء 2/118 (3/261) وفيه (قيل لقطرب: أيهما أسرع على المباضعة؛ الأير أم الحر؟ فقال ... ) .
[4] البيتان بلا نسبة في البيان والتبيين 2/334.
(3/56)

ثم ولّى الشّباب إلّا قليلا ... ثم يأبى القليل إلّا نزاعا
وأنشد محمد بن يسير [1] : [من المنسرح]
قامت تخاصرني لقبّتها ... خود تأطّر ناعم بكر [2]
كلّ يرى أنّ الشّباب له ... في كل مبلغ لذّة عذر
وقال الآخر في خلاف ذلك، أنشدنيه محمد بن هشام السّدري: [من الطويل]
فلا تعذراني في الإساءة إنّه ... أشرّ الرّجال من يسيء فيعذر [3]
وقال ابن فسوة [4] : [من الطويل]
فليت قلوصي عرّيت أو رحلتها ... إلى حسن في داره وابن جعفر
إلى معشر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السّبت ما لم يحضّر [5]
وقال الطّرمّاح بن حكيم، وهو أبو نفر [6] : [من الطويل]
لقد زادني حبّا لنفسي أنّني ... بغيض إلى كلّ امرئ غير طائل
إذا ما رآني قطّع الطّرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتّى كأنّها ... من الضّيق في عينيه كفّة حابل
وقال آخر: [من الوافر]
إذا أبصرتني أعرضت عنّي ... كأنّ الشّمس من قبلي تدور
وقال الخريمي [7] وذكر عماه: [من المنسرح]
أصغي إلى قائدي ليخبرني ... إذا النقينا عمّن يحيّيني
__________
[1] البيتان لمحمد بن يسير الرياشي في ديوانه 139، والبيان والتبيين 1/198 وفيه «وأنشدني محمد ابن يسير للأحوص بن محمد» ، وبلا نسبة في البيان والتبيين 3/341، وهما لمحمد بن بشير في المحب والمحبوب 4/380، وانظر ديوان الأحوص 113، المقطوعة رقم 42.
[2] في البيان والتبيين 1/198 «تخاصرني: آخذ بيدها وتأخذ بيدي. والقنة: الموضع الغليظ من الأرض في صلابة. والخود: الحسنة الخلق. تأطر: تتثنى. والغادة: الناعمة اللينة» .
[3] البيت في أدب الدنيا والدين للماوردي 31، وروضة المحبين 57.
[4] البيتان لعتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة في الأغاني 22/230، والبيان والتبيين 3/109، والأول في الشعر والشعراء 218.
[5] السّبت: جلود البقر: وكل جلد مدبوغ «القاموس: سبت» ، وأراد الشاعر هنا النعال.
[6] ديوان الطرماح 346- 347، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 227- 228.
[7] ديوان الخريمي 61، ونكت الهميان 71، وربيع الأبرار 5/116- 117، وعيون الأخبار 4/57، ومعاهد التنصيص 1/253، والشعر والشعراء 543.
(3/57)

أريد أن أعدل السّلام وأن ... أفصل بين الشّريف والدّون
اسمع ما لا أرى فأكره أن ... أخطئ، والسّمع غير مأمون
لله عيني التي فجعت بها ... لو أنّ دهرا بها يواتيني
لو كنت خيّرت ما أخذت بها ... تعمير نوح في ملك قارون
وقال بعض القدماء [1] : [من الوافر]
ألم تر حوشبا أضحى يبنّي ... قصورا نفعها لبني بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله
وقال ابن عبّاس بعد ما ذهب بصره [2] : [من البسيط]
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكيّ وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسّيف مأثور
وقال حسّان يذكر بيان ابن عبّاس [3] : [من الطويل]
إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعيّ ولم يثن اللّسان على هجر
يصرّف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصّقر
608-[شعر لأعرابي في الخصب والجدب]
وقال بعض الأعراب [4] يذكر الخصب والجدب: [من الطويل]
مطرنا فلمّا أن روينا تهادرت ... شقاشق فيها رائب وحليب
ورامت رجالا من رجال ظلامة ... وعدّت ذحول بينهم وذنوب
__________
[1] البيتان أنشدهما أبو العباس متمثلا؛ وهما في معجم البلدان 3/46 (رصافة أبي العباس) ، وعيون الأخبار 1/211، 314، والوحشيات 174، والأغاني 21/120، والأنوار ومحاسن الأشعار 2/96، وأساس البلاغة (بنى) .
[2] البيتان لابن عباس في نكت الهميان 71 نقلا عن الجاحظ، وعيون الأخبار 4/56، ومعاهد التنصيص 1/87، وربيع الأبرار 5/116، والشعر والشعراء 543، وهما لحسان بن ثابت في ديوانه 221، وذيل الأمالي 15، وهما لأبي العيناء في معجم الأدباء 18/203.
[3] لم يرد البيتان في ديوان حسان بن ثابت، وهما في معجم الأدباء 6/189.
[4] الأبيات لأعرابي في ديوان المعاني 2/45، والإمتاع والمؤانسة 1/196، وانظر المخصص 10/180.
(3/58)

ونصّت ركاب للصّبا فتروّحت ... لهنّ بما هاج الحبيب خبيب [1]
وطنّ فناء الحيّ حتّى كأنّه ... رحى منهل من كرّهنّ نحيب
بني عمّنا لا تعجلوا، ينضب الثّرى ... قليلا ويشفى المترفين طبيب
فلو قد تولّى النّبت وامتيرت القرى ... وحنّت ركاب الحيّ حين تثوب
وصار غبوق الخود وهي كريمة ... على أهلها، ذو جدّتين مشوب [3]
وصار الّذي في أنفه خنزوانة ... ينادى إلى هادي الرّحى فيجيب [3]
أولئك أيّام تبيّن ما الفتى ... أكاب سكيت أم أشمّ نجيب
609-[شعر لأنس بن أبي إياس]
وقال: ولما ولي حارثة بن بدر سرّق، كتب إليه أنس بن أبي إياس الدّؤلي [4] :
[من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق
ولا تحقرن يا حار شيئا ملكته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق
فإنّ جميع النّاس إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى، وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعرفونها ... ولو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا
وقال بعض الأعراب: [من الطويل]
فلمّا رأينا القوم ثاروا بجمعهم ... رعينا الحديث وهو فيهم مضيّع
وأدركنا من عزّ قيس حفيظة ... ولا خير فيمن لا يضرّ وينفع
610-[أقوال مأثورة]
ويقال إنّ رجلا قال لبعض السّلاطين: الدّنيا بما فيها حديث، فإن استطعت أن تكون من أحسنها حديثا فافعل!
__________
[1] خبيب: سرعة الجري «القاموس: خبّ» .
[2] الغبوق: ما يشرب بالعشي «القاموس: غبق» الخود: الشابة الحسنة الخلق «القاموس: خود» .
[3] الخنزوانة: الكبر. هادي الرحى: مقبضها.
[4] الأبيات لأنس الدؤلي في عيون الأخبار 1/58، وأمالي المرتضى 2/49- 51، ومعجم البلدان (سرق) ، ومحاضرات الراغب 1/83، وزهر الآداب 986 (طبعة زكي مبارك) .
(3/59)

وقال حذيفة بن بدر لصاحبه يوم جفر الهباءة [1] ، حين أعطاهم بلسانه ما أعطى: إيّاك والكلام المأثور [2] .
وأنشد الأصمعي: [من الخفيف]
كلّ يوم كأنّه يوم أضحى ... عند عبد العزيز أو يوم فطر
وقال: وذكر لي بعض البغداديّين أنّه سمع مدنيّا مرّ بباب الفضل بن يحيى- وعلى بابه جماعة من الشعراء- فقال [3] : [من الخفيف]
ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك النّاس كلّهم شعراء
وقال الأصمعي: قال لي خلف الأحمر: الفارسيّ إذا تظرّف تساكت، والنّبطيّ إذا تظرّف أكثر الكلام.
وقال الأصمعيّ: قال رجل لأعرابيّ: كيف فلان فيكم؟ قال: مرزوق أحمق! قال: هذا الرّجل الكامل.
قال: وقال أعرابيّ لرجل: كيف فلان فيكم؟ قال: غنيّ حظيّ، قال: هذا من أهل الجنّة!
611-[السواد والبياض في البادية]
الأصمعيّ قال: أخبرني جوسق قال: كان يقال بالبدو: «إذا ظهر البياض قلّ السّواد، وإذا ظهر السّواد قلّ البياض» . قال الأصمعيّ: يعني بالسّواد التّمر، وبالبياض اللّبن والأقط [4] ، يقول: إذا كانت السّنة مجدبة كثر التّمر وقلّ اللّبن والأقط. وقال: إذا كان العام خصيبا ظهر في صدقة الفطر البياض يعني الإقط وإذا كان جدبيا ظهر السّواد، يعني التّمر.
وتقول الفرس: إذا زخرت الأودية بالماء كثر التّمر، وإذا اشتدّت الرّياح كثر الحبّ.
__________
[1] يوم الهباءة: هو يوم الجفر؛ لعبس على ذبيان، وفيه قتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل سيدا بني فزارة. العمدة 2/202- 203.
[2] ورد القول في البيان والتبيين 2/105.
[3] البيت لنصيب الأصغر أبي الحجناء في الأغاني 23/20.
[4] الأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض؛ يطبخ ثم يترك حتى يمصل «اللسان: أقط» .
(3/60)

612-[أثر الريح في المطر]
وحدّثني محمّد بن سلام، عن شعيب بن حجر قال: جاء رجل على فرس فوقف بماء من مياه العرب فقال: أعندكم الرّيح الّتي تكبّ [1] البعير؟ قالوا: لا. قال:
فتذري [2] الفارس؟ قالوا: لا. قال: فكما تكون يكون مطركم.
وحدّثني العتبيّ قال: هجمت على بطن بين جبلين، فلم أر واديا أخصب منه، وإذا رجال يتركّلون على مساحيهم [3] ، وإذا وجوه مهجّنة، وألوان فاسدة فقلت:
واديكم أخصب واد، وأنتم لا تشبهون المخاصيب قال: فقال شيخ منهم: ليس لنا ريح.
613-[شعر في الخصب]
وقال النّمر بن تولب [4] : [من البسيط]
كأنّ جمرة، أو عزّت لها شبها ... في العين يوما تلاقينا بأرمام [5]
ميثاء جاد عليها وابل هطل ... فأمرعت لاحتيال فرط أعوام
إذا يجفّ ثراها بلّها ديم ... من كوكب بزل بالماء سجام
لم يرعها أحد واربتها زمنا ... فأو من الأرض محفوف بأعلام [6]
تسمع للطّير في حافاتها زجلا ... كأنّ أصواتها أصوات جرّام [7]
كأنّ ريح خزاماها وحنوتها ... باللّيل ريح يلنجوج وأهضام [8]
قال: فلم يدع معنى من أجله يخصب الوادي ويعتمّ نبته إلّا ذكره وصدق النمر!
__________
[1] تكب البعير: تقلبه «القاموس: كبّ» .
[2] ذرت الريح الشيء: أطارته وأذهبته «القاموس: ذرو» .
[3] المسحاة: المجرفة من الحديد «اللسان: سحا» .
[4] ديوان النمر بن تولب 386- 387، وديوان المعاني 2/13، والبرصان 187، وشرح الأبيات التالية في ديوانه.
[5] أرمام: جبل في ديار باهلة بن أعصر، وقيل: أرمام: واد.
[3] الفأو: قطعة من الأرض تطيف بها الجبال.
[4] الجرام: الذين يصرمون التمر، أي يقطعونه.
[5] الحنوة: نبات سهلي طيب الرائحة. اليلنجوج: عود طيب الريح، وقيل: هو الذي يتبخر به.
الأهضام: كل شيء يتبخر به.
(3/61)

وقال الأسديّ في ذكر الخصب ورطوبة الأشجار ولدونة الأغصان وكثرة الماء [1] : [من الكامل]
وكأنّ أرحلنا بجوّ محصّب ... بلوى عنيزة من مقيل التّرمس [2]
في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس أهله لم يقبس
ذهب إلى أنّه قد بلغ من الرّطوبة في أغصانه وعيدانه، أنّها إذا حكّ بعضها ببعض لم يقدح.
وفي شبيه بذلك يقول الآخر، وذهب إلى كثرة الألوان والأزهار والأنوار [3] :
[من الرجز]
كانت لنا من غطفان جاره ... كأنها من دبل وشاره
والحلي حلي التّبر والحجاره ... مدفع ميثاء إلى قراره
ثم قال [4] : [من الرجز]
إيّاك أعني واسمعي يا جاره
وقال بشّار [5] : [من الخفيف]
وحديث كأنّه قطع الرّو ... ض وفيه الحمراء والصّفراء
__________
[1] البيتان للأسدي في البيان والتبيين 3/34، والمخصص 10/133، 176، 11/32، وهما من قصيدة للمرار بن منقذ، ورد منها ثلاثة أبيات في معجم الشعراء 338. وهما للمرار بن سعيد في أشعار اللصوص 2/363. وانظر الحيوان 4/488، الفقرة (1245) .
[2] الترمس: ماء لبني أسد، وموضع قرب القنان من أرض نجد. معجم البلدان 2/27 (ترمس) .
[3] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (نوق، حلا) ، والثالث في المخصص 4/40.
[4] الرجز من الأمثال في مجمع الأمثال 1/49، والفاخر 158، وجمهرة الأمثال 1/8، 29، والمستقصى 1/450، وفصل المقال 76- 77، وأمثال ابن سلام 65، ونسب مع أبيات أخرى إلى سهل بن مالك الفزاري، وبلا نسبة في اللسان والتاج (نوق، حلا) .
[5] ديوان بشار 1/119، والبرصان 188، والعقد الفريد 5/417.
(3/62)

باب من الفطن وفهم الرّطانات والكنايات والفهم والإفهام
614-[حديث المرأة التي طرقها اللصوص]
الأصمعي قال: كانت امرأة تنزل متنحّية من الحيّ، وتحبّ العزلة وكان لها غنم، فطرقها اللّصوص فقالت لأمتها: اخرجي! من هاهنا؟ قالت: هاهنا حيّان، والحمارس، وعامر والحارث، ورأس عنز وشادن. وراعيا بهمنا: فنحن ما أولئك. أي:
فنحن أولئك. فلما سمعوا ذلك ظنّوا أنّ عندها بنيها. وقال الأصمعيّ مرّة: فلما سمعت حسّهم قالت لأمتها: أخرجي سلح بنيّ من هاهنا.
قال: وسلح جمع سلاح [1] . وحيّان والحمارس: أسماء تيوس لها.
615-[قصة الممهورة الشياه والخمر]
قال الأصمعيّ [2] : تزوّج رجل [3] امرأة فساق إليها مهرها ثلاثين شاة، وبعث بها رسولا، وبعث بزقّ خمر. فعمد الرّسول فذبح شاة في الطريق فأكلها، وشرب بعض الزّقّ. فلما أتى المرأة نظرت إلى تسع وعشرين ورأت الزّقّ ناقصا، فعلمت أنّ الرجل لا يبعث إلّا بثلاثين وزقّ مملوء فقالت للرسول: قل لصاحبك: إن سحيما قد رثم [4] ، وإن رسولك جاءنا في المحاق! فلما أتاه الرّسول بالرّسالة: قال يا عدوّ الله، أكلت من الثّلاثين شاة شاة، وشربت من رأس الزّق! فاعترف بذلك.
616-[قصة العنبريّ الأسير]
الأصمعيّ قال [5] : أخبرني شيخ من بني العنبر قال: أسر بنو شيبان رجلا من
__________
[1] السّلاح: النجو «القاموس: سلح» .
[2] الخبر باختصار في البيان والتبيين 3/211، والكنايات 63، ومحاضرات الأدباء 1/143 (1/67) .
[3] في البيان والتبيين «قسامة بن زهير العنبري» ، وفي محاضرات الأدباء «امرؤ القيس» .
[4] رثم أنفه أو فاه: كسره حتى تقطر منه الدم، وكل ما لطخ بدم وكسر فهو رثيم «القاموس: رثم» .
[5] الخبر في محاضرات الأدباء 1/143 (1/67) ، والكنايات 64، وأمالي المرتضى 1/12، وأخبار الظراف 64، والمعاني للأشنانداني 57، وطراز المجالس 254.
(3/63)

بني العنبر، قال: دعوني حتى أرسل إلى أهلي ليفدوني. قالوا: على ألّا تكلّم الرّسول إلّا بين أيدينا. قال: نعم. قال: فقال للرسول. ائت أهلي فقل: إنّ الشّجر قد أورق.
وقل: إنّ النّساء قد اشتكت وخرزت القرب. ثمّ قال له: أتعقل؟ قال: نعم. قال: إن كنت تعقل فما هذا؟ قال: الليل. قال: أراك تعقل انطلق إلى أهلي فقل لهم: عرّوا جملي الأصهب، واركبوا ناقتي الحمراء، وسلوا حارثا عن أمري- وكان حارث صديقا له- فذهب الرّسول فأخبرهم. فدعوا حارثا فقصّ عليه الرّسول القصة، فقال أمّا قوله: «إنّ الشّجر قد أورق» فقد تسلّح القوم. وأمّا قوله: «إن النساء قد اشتكت وخرزت القرب» فيقول: قد اتخذت الشّكا [1] وخرزت القرب للغزو. وأما قوله: «هذا الليل» فإنّه يقول: أتاكم جيش مثل الليل. وأمّا قوله: «عرّوا جملي الأصهب» فيقول: ارتحلوا عن الصّمّان. وأما قوله: «اركبوا ناقتي الحمراء» فيقول انزلوا الدّهناء وكان القوم قد تهيّؤوا لغزوهم، فخافوا أن ينذرهم، فأنذرهم وهم لا يشعرون فجاء القوم يطلبونهم فلم يجدوهم.
617-[قصة العطاردي]
وكذلك صنع العطاردي في شأن شعب جبلة [2] ، وهو كرب بن صفوان؛ وذلك أنه حين لم يرجع لهم قولا حين سألوه أن يقول، ورمى بصرّتين في إحداهما شوك، والأخرى تراب، فقال قيس بن زهير: هذا رجل مأخوذ عليه ألا يتكلّم، وهو ينذركم عددا وشوكة [3] .
قال الله عزّ وجلّ: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
[4] .
618-[شعر في صفة الخيل والجيش]
قال أبو نخيلة [5] : [من الرجز]
لما رأيت الدّين دينا يؤفك ... وأمست القبة لا تستمسك
__________
[1] الشكا: جمع شكوة: وهي وعاء من أدم «القاموس: شكو» .
[2] شعب جبلة: من أيام العرب، وكان لبني عامر وعبس على أسد وذبيان. العمدة 2/203، والأغاني 11/131، ومعجم البلدان 2/104 (جبلة) .
[3] ورد الخبر في الأغاني 11/139، ومحاضرات الأدباء 1/143 (1/67) .
[4] 7/الأنفال: 8.
[5] الرجز في طبقات ابن المعتز 64، وديوان المعاني 2/116، وبلا نسبة في المخصص 7/55، والجمهرة 798.
(3/64)

يفتق من أعراضها ويهتك ... سرت من الباب فطار الدّكدك
منها الدّجوجيّ ومنها الأرمك ... كالّليل إلّا أنّها تحرّك
وقال منصور النّمري [1] : [من البسيط]
ليل من النّقع لا شمس ولا قمر ... إلّا جبينك والمذروبة الشّرع [2]
وقال آخر: [من السريع]
كأنّهم ليل إذا استنفروا ... أو لجّة ليس لها ساحل
وقال العجاج [3] : [من الرجز]
كأنّما زهاؤه إذا جهر ... ليل ورزّ وغره إذا وغر
سار سرى من قبل العين فجر
وفي هذا الباب وليس منه يقول بشّار [4] : [من الطويل]
كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وقال كلثوم بن عمرو [5] : [من البسيط]
تبني سنابكهم من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير
وهذا المعنى قد غلب عليه بشّار، كما غلب عنترة على قوله [6] : [من الكامل]
فترى الذّباب بها يغنّي وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
فلو أنّ امرأ القيس عرض في هذا المعنى لعنترة لافتضح.
__________
[1] ديوان منصور النمري 101، وديوان المعاني 2/67، والأغاني 13/196، وأخبار أبي تمام 18، ومعاهد التنصيص 1/143.
[2] المذروبة: المحددة «القاموس: ذرب» الشرع: المشروعة، والمراد بها السيوف.
[3] ديوان العجاج 1/26- 27 (السطلي) ، 75 (عزة حسن) ، وديوان المعاني 2/71، والبيتان (1- 2) في اللسان (زها، لها) ، والتاج (لها) ، والجمهرة 468، والمجمل 1/465، والتهذيب 6/49، 374، والعين 3/389، وبلا نسبة في اللسان والتاج (جهر، وغر) ، والمقاييس 1/487، والمخصص 6/202، والبيت الثالث في المخصص 16/185، وأساس البلاغة (عيط) .
[4] ديوان بشار 1/318، والأغاني 3/196، وديوان المعاني 2/67، والحماسة البصرية 1/8، وطبقات ابن المعتز 26، وأخبار أبي تمام 18، والوساطة 313، وعيون الأخبار 2/190.
[5] البيت في أخبار أبي تمام 19، والمختار من شعر بشار 1، والصناعتين 190.
[6] البيتان من معلقة عنترة في ديوانه 19، والبيان والتبيين 3/326، والأول في أساس البلاغة (هزج) ، والثاني في اللسان والتاج (قدح) ، والتهذيب 4/33، 8/70.
(3/65)

619-[مقطعات شتى]
وقال بعضهم في غير هذا المعنى: [من الخفيف]
وفلاة كأنّما اشتمل الّلي ... ل على ركبها بأبناء حام
خضت فيها إلى الخليفة بالرّ ... قّة بحري ظهيرة وظلام
وقال العرجيّ [1] : [من البسيط]
سمّيتني خلقا بخلّة قدمت ... ولا جديد إذا لم يلبس الخلق
يا أيها المتحلّي غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصاد والملق
ارجع إلى خيمك المعروف ديدنه ... إن التّخلق يأتي دونه الخلق
وقال آخر [2] : [من الكامل]
أودى الخيار من المعاشر كلهم ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتنازعوا في كلّ أمر عظيمة ... لو قد تكون شهدتهم لم ينبسوا
وأبيات أبي نواس على أنه مولّد شاطر، أشعر من شعر مهلهل في إطراق النّاس في مجلس كليب، وهو قوله [3] : [من الطويل]
على خبز إسماعيل واقية البخل ... وقد حلّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلّا كآوى يرى ابنها ... ولم ترآوى في الحزون ولا السّهل
وما خبزه إلّا كعنقاء مغرب ... تصوّر في بسط الملوك وفي المثل
يحدث عنها النّاس من غير رؤية ... سوى صورة ما أن تمرّ ولا تحلي
وما خبزه إلّا كليب بن وائل ... ليالي يحمي عزّه منبت البقل
__________
[1] الأبيات للعرجي في ديوانه 33، والشعر والشعراء 365- 366 (ليدن) ، والعقد الفريد 33، وزهر الآداب 124- 125 (طبعة مبارك) ، والأبيات لسالم بن وابصة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 710، والبيان 1/233، ونوادر أبي زيد 181، والكامل 1/11 (طبعة المعارف) ، والثاني له في اللسان والتاج (خلق) ، والأبيات بلا نسبة في مجالس ثعلب 248، والثالث بلا نسبة في عيون الأخبار 2/6.
[2] البيتان لمهلهل بن ربيعة في أمالي القالي 1/95، والسمط 298- 299، وثمار القلوب (191) ، وديوان المعاني 2/176، والحماسة البصرية 1/234، ومجالس ثعلب 38، 584- 585، ومجمع الأمثال 2/42، والمستقصى 1/247، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/385.
[3] ديوان أبي نواس 515، وثمار القلوب 77 (192) ، وديوان المعاني 1/203- 204، والقصيدة في هجاء إسماعيل النيبختي، انظر البخلاء 72.
(3/66)

وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده ... ولا القول مرفوع بجد ولا هزل
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذي ... أصاب كليبا لم يكن ذاك عن بذل
ولكن قضاء ليس يسطاع دفعه ... بحيلة ذي دهي ولا فكر ذي عقل
620-[الأعراب أشعر من أهل الأمصار]
والقضية التي لا أحتشم منها، ولا أهاب الخصومة فيها: أنّ عامّة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب، أشعر من عامّة شعراء الأمصار والقرى، من المولدة والنابتة. وليس ذلك بواجب لهم في كلّ ما قالوه.
وقد رأيت ناسا منه يبهرجون أشعار المولّدين، ويستسقطون من رواها ولم أر ذلك قطّ إلّا في رواية للشعر غير بصير بجوهر ما يروى. ولو كان له بصر لعرف موضع الجيّد ممّن كان، وفي أيّ زمان كان.
وأنا رأيت أبا عمرو الشيبانيّ وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين، ونحن في المسجد يوم الجمعة، أن كلّف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتّى كتبهما له.
وأنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا. ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك؛ لزعمت أنّ ابنه لا يقول شعرا أبدا، وهما قوله [1] : [من السريع]
لا تحسبنّ الموت موت البلى ... فإنّما الموت سؤال الرّجال
كلاهما موت ولكنّ ذا ... أفظع من ذاك لذلّ السّؤال
621-[القول في المعنى واللفظ]
وذهب الشّيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقروي، والمدنيّ. وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النّسج، وجنس من التّصوير.
وقد قيل للخليل بن أحمد: ما لك لا تقول الشّعر؟ قال: «الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني» [2] .
__________
[1] البيان بلا نسبة في البيان والتبيين 2/171.
[2] نسب هذا القول إلى ابن المقفع في البيان والتبيين 1/208.
(3/67)

فأنا أستحسن هذا الكلام، كما أستحسن جواب الأعرابيّ حين قيل له: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد [1] !
622-[شعر ابن المقفع]
وقيل لابن المقفّع: ما لك لا تجوز البيت والبيتين والثلاثة! قال: إن جزتها عرفوا صاحبها. فقال له السائل: وما عليك أن تعرف بالطّول الجياد؟! فعلم أنّه لم يفهم عنه.
623-[الفرق بين المولد والأعرابي]
ونقول: إن الفرق بين المولّد والأعرابي: أنّ المولّد يقول بنشاطه وجمع باله الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن انحلّت قوّته، واضطرب كلامه.
624-[شعر في تعظيم السادة]
وفي شبيه بمعنى مهلهل وأبي نواس، في التّعظيم والإطراق عند السّادة، يقول الشاعر في بعض بني مروان [2] : [من البسيط]
في كفّه خيزران ريحه عبق ... في كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم
إن قال قال بما يهوى جميعهم ... وإن تكلّم يوما ساخت الكلم
كم هاتف بك من داع وهاتفة ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم
وقال أبو نواس في مثل ذلك [3] : [من المديد]
فترى السادات ماثلة ... لسليل الشّمس من قمره
فهم شتّى ظنونهم ... حذر المطويّ من خبره
__________
[1] نسب هذا القول إلى أبي الدقيش في عيون الأخبار 3/49. وبلا نسبة في البيان والتبيين 1/210.
[2] الأبيات للفرزدق في ديوانه 2/179- 180، وأمالي المرتضى 1/68، وله أو لكثير بن كثير السهمي في المؤتلف والمختلف 89، وللفرزدق أو لداود بن سلم أو للحزين الكناني في زهر الآداب 103- 105 (طبعة مبارك) ، والأغاني 15/337، ولهم جميعا أو للعين المنقري في العمدة 2/138، وللحزين في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1622، وبلا نسبة في البيان والتبيين 1/370، 3/41- 42، وعيون الأخبار 1/294، 2/196.
[2] ديوان أبي نواس 431.
(3/68)

وقال إبراهيم بن هرمة في مديح المنصور، وهو شبيه بهذا وليس منه [1] : [من الطويل]
له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذي أمّنت آمنة الرّدى ... وأمّ الذي أو عدت بالثّكل ثاكل
625-[شعر في الحلف]
وقال مهلهل، وهو يقع في باب الحلف وكّد بعقد [2] : [من المنسرح]
ملنا على وائل وأفلتنا ... يوما عديّ جريعة الذّقن [3]
دفعت عنه الرّماح مجتهدا ... حفظا لحلفي وحلف ذي يمن
أذكر من عهدنا وعهدهم ... عهدا وثيقا بمنحر البدن
ما بلّ بحر كفا بصوفتها [4] ... وما أناف الهضاب من حضن [5]
يزيده اللّيل والنّهار معا ... شدّا، خراط الجموح في الشّطن [6]
626-[شعر في مصرع عمرو بن هند]
وقال جابر بن حنيّ التغلبيّ [7] : [من الطويل]
ولسنا كأقوام قريب محلهم ... ولسنا كمن يرضيكم بالتملق
فسائل شرحبيلا بنا ومحلّما ... غداة نكرّ الخيل في كلّ خندق
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمّه بموفّق
__________
[1] ديوان ابن هرمة 168، والحماسة البصرية 1/146، وعيون الأخبار 1/294، وذيل الأمالي 41، والأغاني 6/109، 111.
[2] البيت الأول في ثمار القلوب 511، والمستقصى 1/274، واللسان (جرع) ، والتاج (فلت) .
[3] من الأمثال قولهم «أفلت فلان بجريعة الذقن» ، وهو مثل للمفلت من الهلاك بعد قربه منه. ثمار القلوب 511، ومجمع الأمثال 2/69، والمستقصى 1/274، وجمهرة الأمثال 1/115.
[4] من الأمثال في المستقصى 2/246 «ما بل بحر صوفة» ، وفي مجمع الأمثال 2/230 «لا أفعل كذا ما بل بحر صوفة» . وصوف البحر: شيء على شكل هذا الصوف الحيواني؛ واحده صوفه.
اللسان (صوف) .
[5] حضن: جبل بأعلى نجد، وهو أول حدود نجد، وأشهر جبالها، معجم البلدان 2/271 (حضن) .
[6] الخراط: الجماح «القاموس: خرط» . الشطن: الحبل «القاموس: شطن» .
[7] الأبيات (3- 4- 5) لأفنون التغلبي في الأغاني 11/55، والبيتان (1- 2) في النقائص 886- 887، والأول في الشعر والشعراء 119، 249.
(3/69)

فقام ابن كلثوم إلى السّيف مغضبا ... فأمسك من ندمانه بالمخنّق
وعممه عمدا على الرّأس ضربة ... بذي شطب صافي الحديدة مخفق
627-[شعر في الأقارب]
وقال المتلمّس [1] : [من الطويل]
على كلّهم آسى وللأصل زلفة ... فزحزح عن الأدنين أن يتصدّعوا
وقد كان إخواني كريما جوارهم ... ولكنّ أصل العود من حيث ينزع
وقال المتلمس [2] : [من الطويل]
ولو غير أخوالي أرادوا نقيضتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلّا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدّما
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمّما
أحارث إنا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتّى لا يمسّ دم دما
628-[تفسير كلمة لعمر بن الخطاب]
قال: وسألت عن قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي مريم الحنفي:
والله لأنا أشدّ بغضا لك من الأرض للدّم [3] ! قال: لأنّ الدّم الجاري من كلّ شيء بيّن، لا يغيض في الأرض؛ ومتى جفّ وتجلّب ففرقته رأيت مكانه أبيض [4] .
إلّا إنّ صاحب المنطق قال في كتابه في الحيوان: كذلك الدّماء، إلّا دم البعير.
629-[أشعار شتى]
وقال النّمر بن تولب [5] : [من الطويل]
إذا كنت في سعد، وأمّك منهم ... غريبا فلا تغررك أمّك من سعد
__________
[1] ديوان المتلمس 155، 160.
[2] ديوان المتلمس 29- 34، والأصمعيات 245- 246، والخزانة 10/59.
[3] في البيان والتبيين 2/89 «والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم المسفوح. قال: فتمنعني لذلك حقا؟ قال: لا. قال: فلا ضير، إنما يأسف على الحب النساء» . وانظر الخبر في روايات مختلفة في البيان والتبيين 1/376، وعيون الأخبار 3/13 والكامل 1/355 «طبعة المعارف» .
[4] في البيان 1/376 «والأرض لا تنشف الدم المسفوح ولا تمصه، فمتى جف الدم وتجلّب لم تره أخذ من الأرض شيئا» .
[5] البيت للنمر بن نولب في ملحق ديوانه 397، والحماسة البصرية 2/287، وعيون الأخبار 3/89، والكامل 1/346 (المعارف) ، والمستقصى 1/260 لغسان بن وعلة في اللسان
(3/70)

وقال [1] : [من الطويل]
وإنّ ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
وقال آخر [2] : [من الطويل]
تخيّره الله الغداة لدينه ... على علمه والله بالعلم أفرس
وقال آخر [3] : [من الطويل]
وما ترك الهاجون لي في أديمكم ... مصحّا ولكنّي أرى مترقّعا
وقال العجليّ، أو العكليّ، لنوح بن جرير: [من الكامل]
أتسبّني فأراك مثلي سبّة ... وأسبّ جدّكم بسبّ أبينا
ولقد أرى والمقتضى متجوّز ... يا نوح أنّ أباك لا يوفينا
وقال عمرو بن معد يكرب [4] : [من الوافر]
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وصله بالزّماع فكلّ أمر ... سما لك أو سموت له ولوع
وقال المقنّع الكنديّ [5] : [من البسيط]
وصاحب السّوء كالدّاء العياء إذا ... ما ارفضّ في الجوف يجري هاهنا وهنا
ينبي ويخبر عن عورات صاحبه ... وما رأى عنده من صالح دفنا
كمهر سوء إذا رفّعت سيرته ... رام الجماع وإن خفّضته حرنا
إن يحي ذاك فكن منه بمعزلة ... أو مات ذاك فلا تعرف له جننا
-
__________
التاج (شطر) ، وشرح ديوان الحماسة 1/172، ومحاضرات الراغب 1/177، وللنمر أو لضمرة ابن ضمرة في اللسان والتاج (كيس) ، ولدريد بن الصمة في نظام الغريب 38.
[1] البيت في المصادر السابقة، وبلا نسبة في المخصص 13/161، وأساس البلاغة (صفا) ، والتهذيب 8/159.
[2] البيت للبعيث في أساس البلاغة (فرس) .
[3] البيت للبعيث في التاج (رقع) ، وبلا نسبة في اللسان (رقع) ، والمقاييس 2/429، وأساس البلاغة (رقع) .
[4] ديوان عمرو بن معدي كرب 145، والأصمعيات 175، والتاج (زمع، طوع، ودع) ، والأغاني 15/207، 225، 236، والحماسة البصرية 1/33.
[5] ديوان المقنع الكندي 215، وهي لرافع بن هريم في أمالي القالي 2/182، وللمثقب العبدي في بهجة المجالس 1/722.
(3/71)

باب ذكر خصال الحرم
[1]
630-[خصال الحرم]
فمن خصاله: أنّ الذّئب يصيد الظّبي ويريغه ويعارضه، فإذا دخل الحرم كفّ عنه [2] .
ومن خصاله: أنّه لا يسقط على الكعبة حمام إلّا وهو عليل. يعرف ذلك متى امتحن وتعرّفت حاله [3] . ولا يسقط عليها ما دام صحيحا.
ومن خصاله: أنّه إذا حاذى أعلى الكعبة عرقة من الطّير كاليمام وغيره، انفرقت فرقتين ولم يعلها طائر منها [4] .
ومن خصاله [5] : أنّه إذا أصاب المطر الباب الذي من شقّ العراق، كان الخصب والمطر في تلك السّنة في شقّ العراق، وإذا أصاب الذي من شقّ الشّام كان الخصب والمطر في تلك السّنة في شقّ الشام. وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر والخصب عامّا في سائر البلدان.
ومن خصال الحرم [6] : أنّ حصى الجمار يرمى بها في ذلك المرمى، مذ يوم حجّ النّاس البيت على طوال الدّهر، ثمّ كأنّه على مقدار واحد. ولولا موضع الآية والعلامة والأعجوبة التي فيها، لقد كان ذلك كالجبال. هذا من غير أن تكسحه السّيول، ويأخذ منه النّاس.
__________
[1] ربيع الأبرار 1/300- 301.
[2] ثمار القلوب 13 (67) ، ومحاضرات الأدباء 2/263.
[3] في ثمار القلوب «يعرف ذلك من امتحن وتعرف حاله» .
[4] ثمار القلوب 13 (67) .
[5] ثمار القلوب 13 (67) ، وعيون الأخبار 1/222.
[6] انظر الحاشية السابقة.
(3/72)

ومن سنّتهم [1] : أنّ كلّ من علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، لا يرون الملك على من علاها، ولا يجمعون بين عزّ علوّها وذلة الملك.
وبمكة رجال من الصّلحاء لم يدخلوا الكعبة قطّ.
وكانوا في الجاهليّة لا يبنون بيتا مربّعا؛ تعظيما للكعبة [2] . والعرب تسمّي كلّ بيت مربّع كعبة، ومنه: كعبة نجران [3] . وكان أوّل من بنى بيتا مربّعا حميد بن زهير، أحد بني أسد بن عبد العزّى.
ثمّ البركة والشفاء الذي يجده من شرب من ماء زمزم على وجه الدهر وكثرة من يقيم عليه يجد فيه الشفاء، بعد أن لم يدع في الأرض حمّة إلّا أتاها، وأقام عندها، وشرب منها، واستنقع فيها [4] .
هذا مع شأن الفيل، والطّير الأبابيل، والحجارة السّجّيل، وأنّها لم تزل أمنا ولقاحا [5] ، لا تؤدّي إتاوة، ولا تدين للملوك، ولذلك سمّي البيت العتيق؛ لأنّه لم يزل حرّا لم يملكه أحد.
وقال حرب بن أميّة في ذلك [6] : [من الوافر]
أبا مطر هلمّ إلى صلاح ... فتكفيك النّدامى من قريش
فتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطر هديت لخير عيش
وتنزل بلدة عزّت قديما ... وتأمن أن يزروك ربّ جيش
وقال الله عزّ وجلّ: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
[7] وقال عزّ وجلّ، حكاية عن إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
[8] .
__________
[1] انظر الحاشية السابقة.
[2] ثمار القلوب (66) .
[3] نجران: أقدم بلاد اليمن، وكانت لها كعبة تحجّ فخرّبت وبطلت. وضرب بها المثل في الخراب وزوال الدولة. انظر ثمار القلوب (751) ، ومعجم البلدان 5/268.
[4] انظر ثمار القلوب (804- 805) .
[5] اللقاح: الذي ليس في سلطان ملك. الكامل 2/306 (طبعة المعارف) .
[6] الأبيات في معجم البلدان 3/419 (صلاح) ، والكامل 2/306، واللسان والتاج وأساس البلاغة وعمدة الحفاظ (صلح) ، وما بنته العرب على فعال 18، والأول في التنبيه والإيضاح 1/253، وهو بلا نسبة في المخصص 13/181، والجمهرة 543.
[7] 125/البقرة: 2.
[8] 37/إبراهيم: 14.
(3/73)

631-[خصال المدينة]
[1] والمدينة هي طيبة، ولطيبها قيل تلفط خبثها وينصع طيبها. وفي ريح ترابها وبنّة تربتها، وعرف ترابها ونسيم هوائها، والنعمة التي توجد في سككها وفي حيطانها- دليل على أنّها جعلت آية حين جعلت حرما.
وكلّ من خرج من منزل مطيّب إلى استنشاق ريح الهواء والتّربة في كل بلدة فإنّه لابدّ عند الاستنشاق والتثبّت من أن يجدها منتنة. فذلك على طبقات من شأن البلدان، إلّا ما كان في مدينة الرّسول، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فللصّيّاح [2] والعطر والبخور والنضوح، من الرائحة الطيبة- إذا كان فيها- أضعاف ما يوجد له في غيرها من البلدان، وإن كان الصّيّاح أجود، والعطر أفخر، والبخور أثمن.
632-[بعض البلدان الرديئة]
وربّت بلدة يستحيل فيها العطر وتذهب رائحته، كقصبة الأهواز.
وقد كان الرشيد همّ بالإقامة بأنطاكية [3] ، وكره أهلها ذلك، فقال شيخ منهم، وصدقه: يا أمير المؤمنين، ليست من بلادك، ولا بلاد مثلك، لأنّ الطّيب الفاخر يتغيّر فيها حتّى لا ينتفع منه بكثير شيء، والسّلاح يصدأ فيها ولو كان من قلعة الهند [4] ، ومن طبع اليمن، ومطرها ربّما أقام شهرين، ليس فيه سكون. فلم يقم بها.
ثمّ ذكر المدينة فقال [5] : وإنّ الجويرية السّوداء، لتجعل في رأسها شيئا من بلح، وشيئا من نصوح، مما لا قيمة له؛ لهوانه على أهله، فتجد لذلك خمرة طيّبة وطيب رائحة لا يعدلها بيت عروس من ذوي الأقدار. حتّى إنّ النّوى المنقع، الذي يكون عند أهل العراق في غاية النّتن، إذا طال إنقاعه، يكون عندهم في غاية الطّيب.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
__________
[1] ثمار القلوب (790- 791) ، ورسائل الجاحظ 4/130، ولطائف المعارف 155.
[2] الصياح: العطر «القاموس: صيح» .
[3] ورد الخبر في معجم البلدان 1/268 (أنطاكية) .
[4] قلعة الهند: قلعة عظيمة ببلدة «كله» وهي أول بلاد الهند من جهة الصين، فيها الرصاص القلعي لا يكون إلا في قلعتها، وفي هذه القلعة تضرب السيوف القلعية؛ وهي الهندية العتيقة. معجم البلدان 4/389 (الصين) ، وانظر أيضا 3/445 «الصين» حيث ذكر الخبر نفسه.
[5] ثمار القلوب 436 (790) .
(3/74)

باب ذكر الحمام
633-[أجناس الحمام]
قال صاحب الحمام: الحمام وحشيّ، وأهليّ، وبيوتيّ، وطوراني [1] . وكلّ طائر يعرف بالزّواج، وبحسن الصّوت، والهديل، والدّعاء، والترجيع فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضا في بعض الصّوت واللّون، وفي بعض القدّ. ولحن الهديل. وكذلك تختلف أجناس الدّجاج على مثل ذلك ولا يخرجها ذلك من أن تكون دجاجا:
كالدّيك الهندي والخلاسيّ [2] والنّبطيّ، وكالدّجاج السّنديّ والزنجيّ وغير ذلك.
وكذلك الإبل: كالعراب والبخت، والفوالج، والبهونيّات [3] والصّرصرانيّات [4] ، والحوش، والنّجب، وغير ذلك من فحول الإبل؛ ولا يخرجها ذلك من أن تكون إبلا.
وما ذاك إلّا مخالفة الجرذان والفأر، والنّمل والذّر، وكاختلاف الضّأن والمعز، وأجناس البقر الأهليّة والبقر الوحشيّة، وكقرابة ما بينهما وبين الجواميس.
وقد تختلف الحيّات والعقارب بضروب الاختلاف، ولا يخرجها ذلك من أن تكون عقارب وحيّات، وكذلك الكلاب، والغربان.
وحسبك بتفاوت ما بين النّاس: كالزّنج والصقالبة، في الشّعور والألوان، وكيأجوج ومأجوج، وعاد وثمود، ومثل الكنعانيّين والعمالقة.
فقد تخالف الماعزة الضائنة حتىّ لا يقع بينهما تسافد ولا تلاقح. وهي في ذلك غنم وشاء.
قال: والقمريّ حمام، والفاختة حمام، والورشان حمام. والشّفنين حمام، وكذلك
__________
[1] الطوراني: نسبة إلى جبل طور «القاموس: طور» ، وفي معجم البلدان 4/24 «طرآن» : (وطرآن جبل فيه حمام كثير؛ إليه ينسب الحمام الطرآني، والعامة تقول طوراني وهو خطأ) .
[2] الخلاسي: الديك بين دجاجتين هندية وفارسية «القاموس: خلس» .
[3] البهونية من الإبل: ما بين الكرمانية والعربية «القاموس: بهن» .
[4] الصرصرانيات من الإبل: ما بين البخاتي «الخراسانية» والعراب «القاموس: صرّ» .
(3/75)

اليمام واليعقوب. وضروب أخرى كلها حمام. ومفاخرها التي فيها ترجع إلى الحمام التي لا تعرف إلّا بهذا الاسم.
قال [1] : وقد زعم أفليمون (صاحب الفراسة) أنّ الحمام يتّخذ لضروب: منها ما يتخذ للأنس والنساء والبيوت، ومنا ما يتخد للزّجال والسباق.
والزّجال: إرسال الحمام الهوادي
634-[مناقب الحمام]
ومن مناقب الحمام حبّه للناس، وأنس الناس به، وأنّك لم تر حيوانا قطّ أعدل موضعا، ولا أقصد مرتبة من الحمام. وأسفل النّاس لا يكون دون أن يتّخذها، وأرفع الناس لا يكون فوق أن يتّخذها. وهي شيء يتّخذه ما بين الحجّام إلى الملك الهمام.
والحمام مع عموم شهوة النّاس له، ليس شيء مما يتّخذونه هم أشدّ شغفا به ولا أشدّ صبابة منهم بالحمام، ثمّ تجد ذلك في الخصيان كما تجده في الفحول، وتجده في الصّبيان كما تجده في الرّجال، وتجده في الفتيان كما تجده في الشيوخ، وتجده في النساء كما تجده في الرّجال.
والحمام من الطّير الميامين، وليس من الحيوان الذي تظهر له عورة وحجم قضيب كالكلب والحمار وأشباه ذلك، فيكون ذلك مما يكون يجب على الرّجال ألّا يدخلوه دورهم.
635-[الحمام ملقّى]
قال مثنّى بن زهير: ومن العجب أنّ الحمام ملقّى، والسّكران موقّى، فأنشده ابن يسير بيت الخريميّ [2] : [من الطويل]
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّة ... وسهم المنايا بالذّخائر مولع
636-[شرب الحمام]
ومتى رأى إنسان عطشان الدّيك والدّجاجة يشربان الماء، ورأى ذئبا وكلبا يلطعان الماء لطعا، ذهب عطشه من قبح حسو الديك نغبة نغبة ومن لطع الكلب.
__________
[1] نهاية الأرب 10/257.
[2] ديوان الخريمي 43، والبيان والتبيين 1/406، ونهاية الأرب 3/87، والكامل 2/303 (طبعة المعارف) .
(3/76)

وإنّه ليرى الحمام وهو يشرب الماء! وهو ريّان فيشتهي أن يكرع في ذلك الماء معه.
637-[صدق رغبة الحمام في النّسل]
[1] والدّيك والكلب في طلب السّفاد وفي طلب الذّرء كما قال أبو الأخزر الحمّانيّ: [من السريع]
لا مبتغي الضّنء ولا بالعازل
والحمام أكثر معانيه الذّرء وطلب الولد. فإذا علم الذّكر أنّه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد تقدّما في إعداد العشّ، ونقل القصب وشقق الخوص، وأشباه ذلك من العيدان الخوّارة الدّقاق حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجا مداخلا، وفي الموضع الذي قد رضياه اتخذاه واصطنعاه، بقدر جثمان الحمامة، ثمّ أشخصا لتلك الأفحوصة حروفا غير مرتفعة؛ لتحفط البيض وتمنعه من التّدحرج، ولتلزم كنفي الجؤجؤ ولتكون رفدا لصاحب الحضن، وسدا للبيض، ثمّ يتعاوران ذلك المكان ويتعاقبان ذلك القرموص وتلك الأفحوصة، يسخّنانها ويدفّيانها ويطيّبانها، وينفيان عنها طباعها الأوّل، ويحدثان لها طبيعة أخرى مشتقّة من طبائعهما، ومستخرجة من رائحة أبدانهما وقواهما الفاصلة منهما؛ لكي تقع البيضة إذا وقعت، في موضع أشبه المواضع طباعا بأرحام الحمام، مع الحضانة والوثارة؛ لكي لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا ينكر طباعها طباع المكان، وليكون على مقدار من البرد والسّخانة والرّخاوة والصّلابة. ثمّ إن ضربها المخاض وطرّقت [2] ببيضتها، بدرت إلى الموضع الذي قد أعدّته، وتحاملت إلى المكان الذي اتّخذته وصنعته، إلّا أن يقرّعها رعد قاصف، أو ريح عاصف فإنّها ربّما رمت بها دون كنّها وظل عشها، وبغير موضعها الذي اختارته. والرّعد ربما مرق [3] عنده البيض وفسد، كالمرأة التي تسقط من الفزع، ويموت جنينها من الرّوع.
638-[عناية الحمام بالبيض]
وإذا وضعت البيض في ذلك المكان فلا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه، حتّى إذا بلغ ذلك البيض مداه وانتهت أيّامه، وتمّ ميقاته الذي وظّفه خالقه، ودبّره
__________
[1] نهاية الأرب 10/271.
[2] طرّقت: حان خروج بيضها «القاموس: طرق» .
[3] مرقت البيضة: فسدت فصارت ماء «القاموس: مرق» .
(3/77)

صاحبه، انصدع البيض عن الفرخ، فخرج عاري الجلد، صغير الجناح، قليل الحيلة، منسدّ الحلقوم. فيعينانه على خلاصه من قيضه [1] وترويحه من ضيق هوّته [2] .
639-[عناية الحمام بالفراخ]
وهما يعلمان أن الفرخين لا تتّسع حلوقهما وحواصلهما للغذاء، فلا يكون لهما عند ذلك همّ إلّا أن ينفخا في حلوقهما الريح، لتتسع الحوصلة بعد التحامها، وتنفتق بعد ارتتاقها، ثم يعلمان أنّ الفرخ وإن اتّسعت حوصلته شيئا، أنّه لا يحتمل في أول اغتذائه أن يزقّ بالطّعم، فيزقّ عند ذلك باللّعاب المختلط بقواهما وقوى الطعم- وهم يسمّون ذلك اللّعاب اللّباء- ثم يعلمان أنّ طبع حوصلته يرق عن استمراء الغذاء وهضم الطّعم، وأنّ الحوصلة تحتاج إلى دبغ وتقوية، وتحتاج إلى أن يكون لها بعض المتانة والصلابة، فيأكلن من شورج أصول الحيطان، وهو شيء بين الملح الخالص وبين التّراب الملح، فيزقّان الفرخ حتّى إذا علما أنّه قد اندبغ واشتدّ زقّاه بالحبّ الذي قد غبّ في حواصلهما ثم زقّاه بعد ذلك بالحبّ الذي هو أقوى وأطرى [3] . فلا يزلان يزقّانه بالحبّ والماء على مقدار قوّته ومبلغ طاقته، وهو يطلب ذلك منهما، ويبضّ [4] نحوهما؛ حتى إذا علما أنّه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع، ليحتاج إلى اللقط فيتعوّده، حتى إذا علما أن أداته قد تمّت، وأن أسبابه قد اجتمعت وأنّهما إن فطماه فطما مقطوعا مجذوذا قوي على اللّقط، وبلغ لنفسه منتهى حاجته- ضرباه إذا سألهما الكفاية، ونفياه متى رجع إليهما ثمّ تنزع عنهما تلك الرحمة العجيبة منهما له، وينسيان ذلك العطف المتمكّن عليه، ويذهلان عن تلك الأثرة له، والكدّ المضني من الغدوّ عليه، والرّواح إليه، ثم يبتديان العمل ابتداء ثانيا، على ذلك النظام وعلى تلك المقدّمات.
فسبحان من عرّفهما وألهمهما، وهداهما، وجعلهما دلالة لمن استدلّ، ومخبرا صادقا لمن استخبر، ذلكم الله رب العالمين.
640-[حالات الطّعم الذي يصير في أجواف الحيوان]
وما أعجب حالات الطّعم الذي يصير في أجواف الحيوان، وكيف تتصرّف به
__________
[1] القيض: القشرة العليا اليابسة على البيضة «القاموس: قيض» .
[2] الهوّة: الكوة، وهي الخرق في الحائط، والثقب في البيت «القاموس: الهوة، الكوة» .
[3] عيون الأخبار 2/91.
[4] البضّ: أن يسأل عن الحاجة فيتمطق بشفتيه «القاموس: بض» .
(3/78)

الحالات، وتختلف في أجناسه الوجوه: فمنها ما يكون مثل زق الحمام لفرخه، والزقّ في معنى القيء أو في معنى التقيؤ وليس بهما؛ وجرّة البعير والشاة والبقرة في معنى ذلك، وليس به. والبعير يريد أن يعود في خضمه [1] الأوّل واستقصاء طعمه. وربّما كانت الجرّة رجيعا. والرّجيع: أن يعود على ما قد أعاد عليه مرّة حتّى ينزعه من جوفه، ويقلبه عن جهته.
641-[زقّ الحمام]
والحمام يخرجه من حوصلته ومن مستكنّه وقراره، وموضع حاجته واستمرائه، بالأثرة والبرّ، إلى حوصلة ولده. قد ملك ذلك وطابت به نفسه ولم تغنث عليه نفسه ولم يتقذّر من صنيعه، ولم تخبث نفسه، ولم تتغيّر شهوته. ولعلّ لذّته في إخراجه أن تكون كلذّته في إدخاله، وإنما اللذة في مثل هذا بالمجاري، كنحو ما يعتري مجرى النّطفة من استلذاذ مرور النّطفة، فهذا شأن قلب الحمام ما في جوفه، وإخراجه بعد إدخاله. والتمساح يخرجه على أنّه رجعه ونجوه الذي لا مخرج له ولا فرج له في سواه.
642-[طبيعة الإنسان والحيوان في الطعام]
وقد يعتري ذلك الإنسان لما يعرض من الدّاء، فلا يعرف إلّا الأكل والقيء، ولا يعرف النّجو إلّا في الحين على بعض الشّدّة. وليس ما عرض بسبب آفة كالذي يخرج على أصل تركيب الطبيعة.
والسّنّور والكلب على خلاف ذلك كلّه، لأنهما يخرجانه بعارض يعرض لهما من خبث النّفس، ومن الفساد، ومن التّثوير والانقباض ثمّ يعودان بعد ذلك فيه من ساعتهما، مشتهيين له، حريصين عليه.
والإنسان إذا ذرعه ذلك لم يكن شيء أبغض إليه منه، وربّما استقاء وتكلّف ذلك لبعض الأمر. وليس التكلف في هذا الباب إلّا له.
وذوات الكروش كلها تقعص بجرّتها، فإذا أجادت مضغه أعادته، والجرّة هي الفرث، وأشدّ من ذلك أن تكون رجيعا، فهي تجيد مضغها وإعادتها إلى مكانها، إلّا أنّ ذلك ممّا لا يجوز أفواهها. وليس عند الحافر من ذلك قليل ولا كثير، بوجه من الوجوه.
__________
[1] الخضم: الأكل بأقصى الأضراس «القاموس: خضم» .
(3/79)

وقد يعتري سباع الطير شبيه بالقيء، وهو الذي يسمّونه «الزّمّج» [1] . وبعض السّمك يقيء قيئا ذريعا، كالبال [2] ، فإنّه ربّما دسع الدّسعة، فتلقى بعض المراكب، فيلقون من ذلك شدّة. والناقة الضجور ربّما دسعت بجرّتها في وجه الذي يرحلها أو يعالجها، فيلقى من ذلك أشدّ الأذى. ومعلوم أنّها تفعل ذلك على عمد.
فلذوات الأقدام في ذلك مذهب، ولذوات الكروش من الظّلف والخفّ في ذلك مذهب، ولذوات الأنياب في ذلك مذهب، وللسّمك والتمساح الذي يشبه السّمك في ذلك مذهب.
ويزعمون أن جوف التمساح إن هو إلّا معاليق فيه، وأنه في صورة الجراب، مفتوح الفم، مسدود الدّبر، ولم أحقّ ذلك، وما أكثر من لا يعرف الحال فيه.
643-[القوة التناسلية لدى الحمام]
ثم رجع بنا القول في الحمام بعد أن استغنى ولده عنه، وبعد أن نزعت الرحمة منه، وذلك أنّه يبتدئ الذّكر الدّعاء والطرد، وتبتدئ الأنثى بالتأتّي والاستدعاء، ثمّ تزيف وتتشكّل، ثمّ تمكّن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها، ثم يتعاشقان ويتطاوعان، ويحدث لهما من التغزّل والتفتّل ومن السّوف والقبل، ومن المصّ والرّشف، ومن التنفّخ والتنفّج، ومن الخيلاء والكبرياء، ومن إعطاء التقبيل حقه، ومن إدخال الفم في الفم، وذلك من التطاعم، وهي المطاعمة. وقال الشاعر [3] : [من البسيط]
لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفها ... إلّا تطاول غصن الجيد بالجيد
كما تطاعم في خضراء ناعمة ... مطوّقان أصاخا بعد تغريد
هذا مع إرسالها جناحيها وكفّيها على الأرض، ومع تدرعها وتبعّلها ومع تصاوله وتطاوله، ومع تنفّجه وتنفّخه، مع ما يعتريه مع الحكة والتفلّي والتنفّش حتّى تراه وقد رمى فيه بمثله.
ثمّ الذي ترى من كسحه بذنبه، وارتفاعه بصدره، ومن ضربه بجناحه، ومن
__________
[1] الزمج: طائر دون العقاب حمرته غالبة، يصيد به الملوك الطير. حياة الحيوان 1/538.
[2] البال: حوت عظيم، جناحه كالشراع الظيم. وأهل المراكب يخافون منها أعظم خوف. حياة الحيوان 1/159.
[3] البيتان بلا نسبة في اللسان والتاج (طعم) ، والثاني في أساس البلاغة (طعم) ، والتهذيب 2/192، وتقدم البيتان في الفقرة (566) ، مع بيت ثالث.
(3/80)

فرحه ومرحه بعد قمطه والفراغ من شهوته، ثمّ يعتريه ذلك في الوقت الذي يفتر فيه أنكح النّاس.
وتلك الخصلة يفوق بها جميع الحيوان، لأنّ الإنسان الذي هو أكثر الخلق في قوّة الشهوة، وفي دوامها في جميع السّنة، وأرغب الحيوان في التصنّع والتغزل، والتشكّل [1] والتفتّل أفتر ما يكون إذا فرغ، وعندها يركبه الفتور، ويحبّ فراق الزّوج، إلى أن يعود إلى نشاطه، وترجع إليه قوّته.
والحمام أنشط ما يكون وأفرح، وأقوى ما يكون وأمرح، مع الزّهو والشكل، واللهو والجذل، أبرد ما يكون الإنسان وأفتره، وأقطع ما يكون وأقصره.
هذا، وفي الإنسان ضروب من القوى: أحدها فضل الشّهوة، والأخرى دوام الشهوة في جميع الدّهر، والأخرى قوة التصنّع والتكلف، وأنت إذا جمعت خصاله كلها كانت دون قوّة الحمام عند فراغه من حاجته وهذه فضيلة لا ينكرها أحد، ومزيّة لا يجحدها أحد!!
644-[الشبق المفرط في البغال]
ويقال: إنّ النّاس لم يجدوا مثل نشاط الحمام في وقت فترة الإنسان إلّا ما وجدوه في البغال؛ فإنّ البغال تحمل أثقالا عشيّة، فتسير بقيّة يومها وسواد ليلتها، وصدر نهار غدها، حتّى إذا حطّوا عن جميع ما كان محمّلا من أصناف الدواب أحمالها، لم يكن لشيء منها همّة، ولا لمن ركبها من النّاس إلّا المراغة [2] والماء والعلف، وللإنسان الاستلقاء ورفع الرّجلين والغمز والتأوّه، إلّا البغال فإنها في وقت إعياء جميع الدواب وشدّة كلالها، وشغلها بأنفسها ممّا مرّ عليها، ليس عليها عمل إلّا أن تدلي أيورها وتشظّ [3] وتضرب بها بطونها؛ وتحطها وترفعها. وفي ذلك الوقت لو رأى المكاري امرأة حسناء لما انتشر لها ولا همّ بها. ولو كان منعظا ثم اعتراه بعض ذلك الإعياء لنسي الإنعاظ [4] .
وهذه خصلة تخالف فيها البغال جميع الحيوان، وتزعم العملة [5] أنّها تلتمس
__________
[1] الشكل: الغنج والدلاب «القاموس: شكل» .
[2] تمرغ في التراب: تقلّب فيه، والاسم منه المراغة «القاموس: مرغ» .
[3] تشظ: تنعظ «القاموس: شظ» .
[4] انظر مثل هذا الخبر في رسائل الجاحظ 2/324.
[5] العملة: العمال.
(3/81)

بذلك الرّاحة وتتداوى به. فليس العجب- إن كان ذلك حقّا- إلّا في إمكان ذلك لها في ذلك الوقت، وذلك لا يكون إلّا عن شهوة وشبق مفرط.
645-[نشاط الأتراك]
وشبه آخر وشكل من ذلك، كالذي يوجد عند الأتراك عند بلوغ المنزل بعد مسير اللّيل كلّه وبعض النّهار، فإن النّاس في ذلك الوقت ليس لهم إلّا أن يتمددوا ويقيّدوا دوابّهم. والتركي في ذلك الوقت إذا عاين ظبيا أو بعض الصّيد، ابتدأ الرّكض بمثل نشاطه قبل أن يسير ذلك السير، وذلك وقت يهمّ فيه الخارجيّ والخصيّ أنفسهما؛ فإنّهما المذكوران بالصّبر على ظهر الدّابّة.
646-[فطام البهائم أولادها]
وليس في الأرض بهيمة تفطم ولدها عن اللّبن دفعة واحدة، بل تجد الظّبية أو البقرة أو الأتان أو الناقة، إذا ظنت أنّ ولدها قد أطاق الأكل منعته بعض المنع، ثمّ لا تزل تنزّل ذلك المنع وترتبه وتدرّجه، حتّى إذا علمت أنّ به غنّى عنها إن هي فطمته فطاما لا رجعة فيه، منعته كلّ المنع.
والعرب تسمّي هذا التّدبير من البهائم التّعفير، ولذلك قال لبيد [1] : [من الكامل]
لمعفّر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمنّ طعامها
وعلى مثل هذه السّيرة والعادة يكون عمل الحمام في فراخه.
647-[من عجيب أمر الحمام]
ومن عجيب أمر الحمام أنّه يقلب بيضه، حتى يصير الذي كان منه يلي الأرض يلي بدن الحمام من بطنه وباطن جناحه، حتّى يعطي جميع البيضة نصيبها من الحضن، ومن مسّ الأرض، لعلمها أن خلاف ذلك العمل يفسده.
وخصلة أخرى محمودة في الحمام، وذلك أنّ البغل المتولّد بين الحمار والرّمكة لا يبقى له نسل، والرّاعبي المتولّد فيما بين الحمام والورشان، يكثر نسله ويطول عمر ولده. والبخت والفوالج، إن ضرب بعضها بعضا خرج الولد منقوص
__________
[1] ديوان لبيد 308، واللسان والتاج (قهد، عفر، منن) ، والتهذيب 6/57، 13/348، والمقاييس 4/67، والمجمل 3/384، وديوان الأدب 1/104، 3/135، وكتاب الجيم 3/116.
(3/82)

الخلق لا خير فيه. والحمام كيفما أدرته، وكيفما زاوجت بين متّفقها ومختلفها، يكون الولد تامّ الخلق، مأمول الخير. فمن نتاج الحمام إذا كان مركبا مشتركا ما هو كالرّاعبي والورداني. وعلى أنّ للورداني غرابة لون وظرافة قدّ، للرّاعبيّ فضيلة في عظم البدن والفراخ، وله من الهديل والقرقرة ما ليس لأبويه، حتىّ صار ذلك سببا للزّيادة في ثمنه، وعلّة للحرص على اتّخاذه.
والغنم على قسمين: ضأن ومعز، والبقر على قسمين: أحدهما الجواميس إلا ما كان من بقر الوحش. والظّلف إذا اختلفا لم يكن بينهما تسافد ولا تلاقح، فهذه فضيلة للحمام في جهة الإنسال والإلقاح، واتّساع الأرحام لأصناف القبول. وعلى أنّ بين سائر أجناس الحمام من الوراشين، والقماريّ، والفواخت، تسافدا وتلاقحا.
648-[مما أشبه فيه الحمام الناس]
وممّا أشبّه فيه الحمام النّاس، أنّ ساعات الحضن أكثرها على الأنثى، وإنّما يحضن الذّكر في صدر النهار حضنا يسيرا، والأنثى كالمرأة التي تكفل الصبيّ فتفطمه وتمرّضه، وتتعهده بالتمهيد والتّحريك. حتّى إذا ذهب الحضن وانصرم وقته، وصار البيض فراخا كالعيال في البيت، يحتاجون إلى الطّعام والشّراب، صار أكثر ساعات الزّقّ على الذّكر كما كان أكثر ساعات الحضن على الأنثى.
وممّا أشبه فيه الحمام النّاس ما قال مثنّى بن زهير وهو إمام النّاس في البصرة بالحمام وكان جيّد الفراسة، حاذقا بالعلاج، عارفا بتدبير الخارجيّ إذا ظهرت فيه مخيلة الخير- واسم الخارجيّ عندهم: المجهول- وعالما بتدبير العريق المنسوب إذا ظهرت فيه علامات الفسولة وسوء الهداية. وقد يمكن أن يخلف ابن قرشيّين ويندب ابن خوزيّ [1] من نبطيّة. وإنما فضّلنا نتاج العلية على نتاج السّفلة لأنّ نتاج النّجابة فيهم أكثر، والسّقوط في أولاد السفلة أعمّ، فليس بواجب أن يكون السفلة لا تلد إلّا السفلة والعلية لا تلد إلّا العلية، وقد يلد المجنون العاقل والسخيّ البخيل، والجميل القبيح.
وقد زعم الأصمعي أنّ رجلا من العرب قال لصاحب له: إذا تزوّجت امرأة من العرب فانظر إلى أخوالها، وأعمامها، وإخوتها، فإنها لا تخطئ الشبّه بواحد منهم! وإن كان هذا الموصي والحكيم، جعل ذلك حكما عامّا فقد أسرف في القول، وإن كان ذهب إلى التّخويف والزّجر والترهيب كي يختار لنفسه، ولأنّ المتخيّر أكثر نجابة فقد أحسن.
__________
[1] الخوزي: نسبة إلى خوزستان.
(3/83)

وقال مثنّى بن زهير [1] : لم أر قطّ في رجل وامرأة إلّا وقد رأيت مثله في الذّكر والأنثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلّا ذكرها، كالمرأة لا تريد إلّا زوجها وسيّدها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة، ورأيت امرأة لا تمنع يد لامس، ورأيت الحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد وشدة طلب، ورأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها ساعة يقصد إليها، ورأيت من النساء كذلك، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن ذكرا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك من النساء، ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلّا وذكرها يطير أو يحضن، ورأيت الحمامة تقمط الحمام الذكور، ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت أنثى كانت لي لا تقمط إلا الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط، ولا تدع أنثى تقمطها.
قال: ورأيت ذكرا يقمط الذّكورة وتقمطه؛ ورأيت ذكرا يقمطها ولا يدعها تقمطه، ورأيت أنثى تزيف للذّكورة ولا تدع شيئا منها يقمطها.
قال: ورأيت هذه الأصناف كلّها في السّحّاقات من المذكّرات والمؤنثات، وفي الرّجال الحلقيّين [2] واللّوطيّين. وفي الرجال من لا يريد النساء، وفي النساء من لا يريد الرجال.
قال: وامتنعت عليّ خصلة، فو الله لقد رأيت من النساء من تزني أبدا وتساحق أبدا ولا تتزوج أبدا، ومن الرجال من يلوط أبدا، ويزني أبدا ولا يتزوّج، ورأيت حماما ذكرا يقمط ما لقي ولا يزاوج. ورأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر وأنثى، وتقمط الذكورة والإناث، ولا تزاوج. ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها؛ كالمرأة تتزوّج وهي عاقر، وكالمرأة تلد وتكون خرقاء ورهاء. ويعرض لها الغلظة والعقوق للأولاد، كما يعتري ذلك العقاب.
وأمّا أنا فقد رأيت الجفاء للأولاد شائعا في اللّواتي حملن من الحرام ولرّبما ولدت من زوجها، فيكون عطفها وتحنّنها كتحنن العفيفات السّتيرات، فما هو إلّا أن تزني أو تقحب فكأنّ الله لم يضرب بينها وبين ذلك الولد بشبكة رحم، وكأنّها لم تلده.
قال مثنّى بن زهير: ورأيت ذكرا له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه
__________
[1] انظر الخبر في عيون الأخبار 2/91، والعقد الفريد 6/240، ومحاضرات الأدباء 4/660.
[2] الحلقي: من ألفاظ المولدين، وتعني: الذي فسد عضوه فانعكس ميل شهوته. انظر شفاء الغليل 70.
(3/84)

ومع تلك، ويزقّ مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضة، ورأيت أنثى تبيض في أكثر حالاتها ثلاث بيضات.
وزعم أنّه إنّما جزم بذلك فيها ولم يظنه بالذّكر، لأنّها قد كانت قبل ذلك عند ذكر آخر، وكانت تبيض كذلك.
ورأيت أنا حمامة في المنزل لم يعرض لها ذكر إلّا اشتدّت نحوه بحدّة ونزق وتسرّع، حتى تنقر أين صادفت منه، حتى يصدّ عنها كالهارب منها، وكان زوجها جميلا في العين رائعا، وكان لها في المنزل بنون وبنو بنين وبنات وبنات بنات، وكان في العين كأنّه أشبّ من جميعهنّ. وقد بلغ من حظوته أني قلّما رأيته أراد واحدة من عرض تلك الإناث فامتنعت عليه، وقد كن يمتنعن من غيره، فبينا أنا ذات يوم جالس بحيث أراهنّ إذ رأيت تلك الأنثى قد زافت لبعض بنيها! فقلت لخادمي: ما الذي غيّرها عن ذلك الخلق الكريم؟ فقال: إني رحّلت زوجها من القاطول [1] فذهب، ولهذا شهر. فقلت: هذا عذر! قال مثنّى بن زهير: وقد رأيت الحمامة تزاوج هذا الحمام، ثم تتحول منه إلى آخر، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك في الإناث، ورأيت الذّكر كثير النّسل قويا على القمط، ثمّ يصفي كما يصفي الرّجل إذا أكثر من النّسل والجماع.
ثمّ عدّد مثنّى أبوابا غير ما حفظت ممّا يصاب مثله في الناس.
649-[معرفة مثنّى بن زهير بالحمام]
وزعموا أنّ مثنّى كان ينظر إلى العاتق [2] والمخلف، فيظن أنّه يجيء من الغاية فلا يكاد ظنه يخطئ. وكان إذا أظهر ابتياع حمام أغلوه عليه، وقالوا: لم يطلبه إلّا وقد رأى فيه علامة المجيء من الغاية، وكان يدسّ في ذلك ففطنوا له وتحفظوا منه، فربّما اشترى نصفه وثلثه، فلا يقصّر عند الزّجال من الغاية.
وكان له خصيّ يقال له خديج، يجري مجراه، فكانا إذا تناظرا في شأن طائر لم تخلف فراستهما.
__________
[1] القاطول: اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة؛ وهو نهر كان في موضع سامرا قبل أن تعمّر. معجم البلدان 4/299.
[2] العاتق: فرخ الطائر إذا طار واستقل «القاموس: عتق» .
(3/85)

650-[المدة التي يبيض فيها الحمام والدجاج]
قال: والحمام تبيض عشرة أشهر من السّنة، فإذا صانوه وحفظوه، وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهّده، باض في جميع السّنة.
قالوا: والدّجاجة تبيض في كلّ السّنة خلا شهرين.
651-[ضروب من الدجاج]
ومن الدّجاج ما هو عظيم الجثّة، يبيض بيضا كبيرا، وما أقل ما يحضن، ومن الدجاج ما يبيض ستّين بيضة، وأكثر الدجاج العظيم الجثّة يبيض أكثر من الصغير الجثّة.
قال: أما الدّجاج التي نسبت إلى أبي ريانوس الملك، فهو طويل البدن ويبيض في كلّ يوم، وهي صعبة الخلق وتقتل فراريجها.
ومن الدّجاج الذي يربّى في المنازل ما يبيض مرّتين في اليوم، ومن الدجاج ما إذا باض كثيرا مات سريعا، لذلك العرض.
652-[عدد مرات البيض عند الطيور]
قال: والخطّاف تبيض مرّتين في السّنة، وتبني بيتها في أوثق مكان وأعلاه.
فأمّا الحمام والفواخت، والأطرغلّات والحمام البريّ، فإنّها تبيض مرّتين في السنة، والحمام الأهليّ يبيض عشر مرات. وأما القبج والدّرّاج فهما يبيضان بين العشب، ولا سيما فيما طال شيّا والتوى.
653-[خروج البيضة]
وإذا باض الطّير بيضا لم تخرج البيضة من حدّ التحديد والتّلطيف، بل يكون الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم، وكان الظنّ يسرع إلى أنّ الرأس المحدّد هو الذي يخرج أوّلا.
قال: وما كان من البيض مستطيلا محدّد الأطراف فهو للإناث، وما كان مستديرا عريض الأطراف فهو للذّكور.
قال: والبيضة عند خروجها ليّنة القشر. غير جاسية [1] ولا يابسة ولا جامدة.
654-[بيض الريح والتراب]
قال [2] : والبيض الذي يتولد من الريح والتّراب أصغر وألطف، وهو في الطّيب
__________
[1] جاسية: صلبة «القاموس: جسي» .
[2] عيون الأخبار 2/92.
(3/86)

دون الآخر. ويكون بيض الرّيح من الدجاج والقبج، والحمام، والطاوس، والإوزّ.
655-[أثر حضن الطائر]
قال: وحضن الطائر وجثومه على البيض صلاح لبدن الطائر، كما يكون صلاحا لبدن البيض. ولا كذلك الحضن على الفراخ والفراريج فربما هلك الطائر عن ذلك السبب.
656-[تكوّن بيض الريح]
وزعم ناس أن بيض الرّيح [1] إنما تكوّن من سفاد متقدّم. وذلك خطأ من وجهين: أمّا أحدهما فأن ذلك قد عرف من فراريج لم يرين ديكا قط. والوجه الآخر:
أن بيض الريح لم يكن منه فرّوج قطّ إلّا أن يسفد الدجاجة ديك، بعد أن يمضي أيضا خلق البيض.
657-[معارف شتى في البيض]
قال: وبيض الصّيف المحضون أسرع خروجا منه في الشتاء ولذلك تحضن الدجاجة البيضة في الصّيف خمس عشرة ليلة.
قال: وربّما عرض غيم في الهواء أو رعد، في وقت حضن الطائر، فيفسد البيض. وعلى كل حال ففساده في الصيف أكثر، والموت فيها في ذلك الزمان أعمّ.
وأكثر ما يكون فساد البيض في الجنائب [2] ، ولذلك كان ابن الجهم لا يطلب من نسائه الولد إلّا والرّيح شمال. وهذا عندي تعرّض للبلاء، وتحّكك بالشرّ، واستدعاء للعقوبة.
وقال: وبعضهم يسمّي بيض الرّيح: البيض الجنوبيّ، لأنّ أصناف الطّير تقبل الرّيح في أجوافها.
وربّما أفرخ بيض الرّيح بسفاد كان، ولكنّ لونه يكون متغيّرا وإن سفد الأنثى طائر من غير جنسها، غيّر خلق ذلك المخلوق الذي كان من الذّكر المتقدّم. وهو في الديكة أعمّ.
ويقولون [3] : إنّ البيض يكون من أربعة أشياء: فمنه ما يكون من التّراب، ومنه
__________
[1] انظر عيون الأخبار 2/92.
[2] الجنائب: جمع جنوب، وهي الريح الجنوبية.
[3] عيون الأخبار 2/92.
(3/87)

ما يكون من السفاد، ومنه ما يكون من النّسيم إذا وصل إلى أرحامهن وفي بعض الزّمان، ومنه شيء يعتري الحجل وما شاكله في الطّبيعة، فإنّ الأنثى ربّما كانت على سفالة الريح التي تهبّ من شقّ الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضا. ولم أرهم يشكون أن النّخلة المطلعة تكون بقرب الفحّال وتحت ريحه، فتلقح بتلك الريح وتكتفي بذلك. قال: وبيض أبكار الطّير أصغر، وكذلك أولاد النساء. إلى أن تتسع الأرحام وتنتفخ الجنوب.
658-[هديل الحمام]
ويكون هديل الحمام الفتيّ ضئيلا فإذا زقّ مرارا فتح الزّقّ جلدة غببه وحوصلته، فخرج الصّوت أغلظ وأجهر.
659-[حياة البكر]
وهم لا يثقون بحياة البكر من النّاس كما يثقون بحياة الثاني، ويرون أنّ طبيعة الشباب والابتداء لا يعطيانه شيئا إلّا أخذه تضايق مكانه من الرّحم، ويحبّون أن تبكّر بجارية! وأظنّ أن ذلك إنما هو لشدّة خوفهم على الذكر. وفي الجملة لا يتيمّنون بالبكر الذكر. فإن كان البكر ابن بكر تشاءموا به، فإن كان البكر ابن بكرين فهو في الشؤم مثل قيس بن زهير، والبسوس، فإن قيسا كان أزرق وبكرا ابن بكرين. ولا أحفظ شأن البسوس حفظا أجزم عليه.
660-[ما يعتري الحمام والإوز بعد السفاد]
قال: وأمّا الحمام فإنّه إذا قمط تنفّش وتكبّر ونفض ذنبه وضرب بجناحه، وأمّا الإوزّ فإنّه إذا سفد أكثر من السباحة، اعتراه في الماء من المرح مثل ما يعتري الحمام في الهواء.
661-[مدة تخلق البيض]
قال: وبيض الدجاج يتمّ خلقه في عشرة أيام وأكثر شيئا، وأمّا بيض الحمام ففي أقلّ من ذلك.
662-[سبب احتباس بيض الحمامة]
والحمامة ربّما احتبس البيض في جوفها بعد الوقت لأمور تعرض لها: إمّا لأمر عرض لعشّها وأفحوصها. وإمّا لنتف ريشها، وإمّا لعلّة وجع من أوجاعها وإمّا لصوت
(3/88)

رعد؛ فإنّ الرّعد إذا اشتدّ لم يبق طائر على الأرض واقع إلّا عدا فزعا، وإن كان يطير رمى بنفسه إلى الأرض. قال علقمة بن عبدة [1] : [من الطويل]
رغا فوقهم سقب السّماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب
كأنّهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهنّ دبيب
663-[تقبيل الحمام]
قال: وليس التّقبيل إلّا للحمام والإنسان، ولا يدع ذلك ذكر الحمام إلّا بعد الهرم. وكان في أكثر الظّنّ أنّه أحوج ما يكون إلى ذلك التّهييج به عند الكبر والضّعف.
وتزعم العوامّ أنّ تسافد الغربان هو تطاعمها بالمناقير، وأنّ إلقاحها إنّما يكون من ذلك الوجه. ولم أر العلماء يعرفون هذا.
قال: وإناث الحمام إذا تسافدت أيضا قبّل بعضهنّ بعضا، ويقال إنّها تبيض عن ذلك، ولكن لا يكون عن ذلك البيض فراخ، وإنّه في سبيل بيض الريح.
664-[تكوّن الفرخ في البيضة]
قال: ويستبين خلق الفراخ إذا مضت لها ثلاثة أيّام بليالها وذلك في شباب الدّجاج، وأمّا في المسانّ منها فهو أكثر، وفي ذلك الوقت توجد الصّفرة من النّاحية العليا من البيضة، عند الطرف المحدّد وحيث يكون أوّل نقرها، فثمّ يستبين في بياض البيضة مثل نقطة من دم، وهي تختلج وتتحرّك. والفرخ إنّما يخلق من البياض، ويغتذي الصّفرة، ويتمّ خلقه لعشرة أيّام. والرّأس وحده يكون أكبر من سائر البدن.
665-[البيض ذو الصفرتين]
قال: ومن الدّجاج ما يبيض بيضا له صفرتان في بعض الأحايين، خبّرني بذلك كم شئت [2] من ثقات أصحابنا.
وقال صاحب المنطق: وقد باضت فيما مضى دجاجة ثماني عشرة بيضة، لكلّ بيضة محّتان، ثمّ سخّنت وحضنت، فخرج من كلّ بيضة فرّوجان، ما خلا البيض
__________
[1] ديوان علقمة 46، والمفضليات 395، والأول في اللسان والتاج (دحص) ، والتهذيب 4/230، والمقاييس 2/332، والمجمل 2/319، وبلا نسبة في الجمهرة 503، والثاني بلا نسبة في اللسان (صوب) ، والتهذيب 12/252.
[2] هذه العبارة يستخدمها الجاحظ كثيرا، انظر رسائله 2/264.
(3/89)

الذي كان فاسدا في الأصل. وقد يخرج من البيضة فرّوجان، ويكون أحدهما أعظم جثّة، وكذلك الحمام. وما أقلّ ما يغادر الحمام أن يكون أحد الفرخين ذكرا والآخر أنثى.
666-[معارف في البيض]
قال: وربّما باضت الحمامة وأشباهها من الفواخت ثلاث بيضات، فأمّا الأطر غلّات والفواخت فإنها تبيض بيضتين، وربّما باضت ثلاث بيضات ولكن لا يخرج منها أكثر من فرخين، وربّما كان واحدا فقط.
قال: وبعض الطير لا يبيض إلّا بعد مرور الحول عليه كاملا، والحمامة في أكثر أمرها يكون أحد فرخيها ذكرا والآخر أنثى، وهي تبيض أوّلا البيضة التي فيها الذّكر، ثمّ تقيم يوما وليلة. ثمّ تبيض الأخرى، وتحضن ما بين السّبعة عشر يوما إلى العشرين، على قدر اختلاف طباع الزّمان، والذي يعرض لها من العلل. والحمامة أبرّ بالبيض، والحمام أبرّ بالفراخ.
قال: وأمّا جميع أجناس الطير ممّا يأكل اللّحم، فلم يظهر لنا أنّه يبيض ويفرخ أكثر من مرّة واحدة، ما خلا الخطّاف فإنّه يبيض مرّتين.
667-[حضانة الطيور فراخها]
والعقاب تبيض ثلاث بيضات، فيخرج لها فرخان. واختلفوا فقال بعضهم:
لأنها لا تحضن إلّا بيضتين، وقال آخرون: قد تحضن ويخرج لها ثلاثة أفراخ، ولكنّها ترمي بواحد استثقالا للتكسّب على ثلاثة. وقال آخرون: ليس ذلك إلّا بما يعتريها من الضعف عن الصّيد، كما يعتري النّفساء من الوهن والضّعف. وقال آخرون: العقاب طائر سيّء الخلق، رديء التّربية، وليس يستعان على تربية الأولاد إلّا بالصّبر. وقال آخرون: لا، ولكنّها شديدة النّهم والشّره، وإذا لم تكن أمّ الفراخ ذات أثرة لها، ضاعت.
وكذلك قالوا في العقعق [1] ، عند إضاعتها لفراخها، حتى قالوا: «أحمق من عقعق» [2] ، كما قالوا: «أحذر من عقعق» [3] .
__________
[1] العقعق: طائر على قدر الحمامة وعلى شكل الغراب، وهو ذو لونين أبيض وأسود. حياة الحيوان 2/67.
[2] المستقصى 1/83، وأمثال ابن سلام 365، ومجمع الأمثال 1/226، وجمهرة الأمثال 1/395، والدرة الفاخرة 1/155.
[3] المستقصى 1/62، وجمهرة الأمثال 1/343، 396، والدرة الفاخرة 1/133، 2/441.
(3/90)

وقالوا: وأمّا الفرخ الذي يخرجه العقاب، فإنّ المكلّفة، وهي طائر يقال لها كاسر العظام، تقبله وتربّيه.
والعقاب تحضن ثلاثين يوما، وكذلك كلّ طائر عظيم الجثّة، مثل الإوزّ وأشباه ذلك، فأمّا الوسط فهو يحضن عشرين يوما. مثل الحدأ ومثل أصناف البزاة كالبواشق واليآيئ.
والحدأة تبيض بيضتين. وربّما باضت ثلاث بيضات وخرج منهمن ثلاثة فراخ.
قالوا: وأما العقبان السّود الألوان، فإنّها تربّي وتحضن.
وجميع الطير المعقّف المخالب تطرد فراخها من أعشاشها عند قوّتها على الطّيران. وكذلك سائر الأصناف من الطير، فإنّها تطرد الفراخ ثمّ لا تعرفها، ما عدا الغداف، فإنها لا تزال لولدها قابلة، ولحاله متفقّدة.
668-[أجناس العقبان]
وقال قوم: إن العقبان والبزاة التّامّة، والجهاررانك، والسّمنان. والزّمامج والزّرارقة إنها كلّها عقبان. وأمّا الشّواهين والصّقورة واليوايئ، فإنها أجناس أخر.
669-[حضن الطير]
قال: وقالوا: فراخ البزاة سمينة طيّبة جدّا. وأما الإوزة فإنها التي تحضن دون الذكر، وأمّا الغربان فعلى الإناث الحضن، والذكورة تأتي الإناث بالطّعمة.
وأمّا الحجل فإنّ الزّوج منها يهيّئان للبيض عشّين وثيقين مقسومين عليهما، فيحضن أحدهما الذّكر، والآخر الأنثى، وكذلك هما في التّربية. وكلّ واحد منهما يعيش خمسا وعشرين سنة، ولا تلقح الأنثى بالبيض ولا يلقح الذكر إلّا بعد ثلاث سنين.
670-[الطاوس]
قال: وأمّا الطّاوس فأوّل ما تبيض ثماني بيضات. وتبيض أيضا بيض الريح.
والطاوس يلقي ريشه في زمن الخريف إذا بدا أوّل ورق الشّجر يسقط. وإذا بدأ الشّجر يكتسي ورقا. بدأ الطاوس فاكتسى ريشا.
671-[ما ليس له عشّ من الطير]
قال: وما كان من الطّير الثّقيل الجثّة فليس يهيئ لبيضه عشّا؛ من أجل أنّه لا
(3/91)

يجيد الطّيران، ويثقل عليه النهوض ولا يتحلّق، مثل الدّرّاج والقبج، وإنما يبيض على التّراب. وفراخ هذه الأجناس كفراريج الدّجاج، وكذلك فراريج البطّ الصّيني، فإنّ هذه كلّها تخرج من البيض كاسية كاسبة تلقط من ساعتها، وتكفي نفسها.
672-[القبجة]
قال: وإذا دنا الصّيّاد من عشّ القبجة ولها فراخ، مرّت بين يديه مرّا غير مفيت، وأطمعته في نفسها ليتبعها، فتمرّ الفراخ في رجوعها إلى موضع عشّها. والفراخ ليس معها من الهداية ما مع أمّها. وعلى أنّ القبجة سيّئة الدّلالة والهداية، وكذلك كلّ طائر يعجّل له الكيس والكسوة، ويعجّل له الكسب في صغره.
وهذا إنّما اعتراها لقرابة ما بينها وبين الدّيك.
قال: فإذا أمعن الصّائد خلفها وقد خرجت الفراخ من موضعها، طارت وقد نحّته إلى حيث لا يهتدي الرّجوع منه إلى موضع عشّها، فإذا سقطت قريبا دعتها بأصوات لها، حتّى يجتمعن إليها.
قال: وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة إلى ستّ عشرة بيضة. قال: والقبج طير منكر وهي تفرّ ببيضها من الذّكر؛ لأنّ الأنثى تشتغل بالحضن عن طاعة الذّكر في طلب السّفاد. والقبج الذّكر يوصف بالقوّة على السّفاد، كما يوصف الدّيك والحجل والعصفور.
قال: فإذا شغلت عنه بالحضن، ظلب مواضع بيضها حتى يفسده فلذلك ترتاد الأنثى عشّها في مخابئ إذا أحسّت بوقت البيض.
673-[وثوب الذكورة على الذكورة]
وإذا قاتل بعض ذكورة القبج بعضا فالمغلوب منها مسفود والغالب سافد. وهذا العرض يعرض للدّيكة ولذكور الدّراريج، فإذا دخل بين الدّيكة ديك غريب، فما أكثر ما تجتمع عليه حتّى تسفده!.
وسفاد ذكورة هذه الأجناس إنما يعرض لها لهذه الأسباب، فأمّا ذكورة الحمير والخنازير والحمام، فإنّ ذكورها تثب على بعض من جهة الشّهوة.
وكان عند يعقوب بن صباح الأشعثيّ، هرّان ضخمان، أحدهما يكوم الآخر متى أراده، من غير إكراه، ومن غير أن يكون المسفود يريد من السّافد مثل ما يريد
(3/92)

منه السّافد. وهذا الباب شائع في كثير من الأجناس، إلّا أنّه في هذه الأجناس أوجد.
674-[صيد البزاة للحمام]
ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر الحمام، من غير أن يشاب بذكر غيره.
زعم صاحب المنطق أنّ البزاة عشرة أجناس، فمنها ما يضرب الحمامة والحمامة جاثمة، ومنها ما لا يضرب الحمام إلّا وهو يطير، ومنها ما لا يضرب الحمام في حال طيرانه ولا في حال جثومه، ولا يعرض له إلّا أن يجده في بعض الأغصان، أو على بعض الأنشاز والأشجار. فعدّد أجناس صيدها، ثمّ ذكر أنّ الحمام لا يخفى عليه في أوّل ما يرى البازي في الهواء أيّ البزاة هو، وأيّ نوع صيده، فيخالف ذلك. ولمعرفة الحمام بذلك من البازي أشكال: أوّل ذلك أنّ الحمام في أوّل نهوضه يفصل بين النّسر والعقاب، وبين الرّخمة والبازي، وبين الغراب والصّقر؛ فهو يرى الكركيّ والطّبرزين [1] ولا يستوحش منهما! ويرى الزّرّق فيتضاءل. فإن رأى الشّاهين فقد رأى السّمّ الذعاف الناقع.
675-[إحساس الحيوان بعدوّه]
والنّعجة ترى الفيل والزّندبيل [2] والجاموس والبعير، فلا يهزّها ذلك، وترى السّبع وهي لم تره قبل ذلك، وعضو من أعضاء تلك البهائم أعظم وهي أهول في العين وأشنع، ثمّ ترى الأسد فتخافه. وكذلك الببر [3] والنمر. فإن رأت الذئب وحده اعتراها منه وحده مثل ما اعتراها من تلك الأجناس لو كانت مجموعة في مكان واحد. وليس ذلك عن تجربة، ولا لأنّ منظره أشنع وأعظم، وليس في ذلك علّة إلّا ما طبعت عليه من تمييز الحيوان عندها. فليس بمستنكر أن تفصل الحمامة بين البازي والبازي، كما فصلت بين البازي والكركيّ.
فإن زعمت أنّها تعرف بالمخالب فمنقار الكركيّ أشنع وأعظم وأفظع، وأطول وأعرض. فأمّا طرف منقار الأبغث فما كان كلّ سنان وإن كان مذرّبا [4] ليبلغه.
__________
[1] الطبرزين: الفأس التي يعلقها الفارس في سرج جواده. انظر المعرب للجواليقي 194.
[2] الزندبيل: الفيل الكبير. حياة الحيوان 1/540.
[3] الببر: ضرب من السباع، يسابق الأسد، يقال إنه متولد من الزبرقان واللبوة. حياة الحيوان 1/159.
[4] المذرب: المحدد «القاموس: ذرب» .
(3/93)

676-[بلاهة الحمام]
قال صاحب الدّيك: وكيف يكون للحمام من المعرفة والفطنة ما تذكرون، وقد جاء في الأثر [1] : «كونوا بلها كالحمام» ! وقال صاحب الدّيك: تقول العرب: «أخرق من حمامة» [2] ، وممّا يدل على ذلك قول عبيد بن الأبرص [3] : [من مجزوء الكامل]
عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه
فإن كان عبيد إنما عنى حمامة من حمامكم هذا الذي أنتم به تفخرون، فقد أكثرتم في ذكر تدبيرها لمواضع بيضها، وإحكامها لصنعة عشاشها وأفاحيصها.
وإن قلتم: إنّه إنما عنى بعض أجناس الحمام الوحشي والبرّيّ، فقد أخرجتم بعض الحمام من حسن التّدبير. وعبيد لم يخصّ حماما دون حمام.
677-[رغبة عثمان في ذبح الحمام]
وحدّث أسامة بن زيد قال: سمعت بعض أشياخنا منذ زمان، يحدّث أنّ عثمان ابن عفّان- رضي الله تعالى عنه- أراد أن يذبح الحمام ثمّ قال: «لولا أنّها أمّة من الأمم لأمرت بذبحهن، ولكن قصّوهنّ» . فدلّ بقوله: قصّوهنّ على أنّها إنما تذبح لرغبة من يتّخذهنّ، ويلعب بهنّ من الفتيان والأحداث والشّطّار، وأصحاب المراهنة والقمار، والذين يتشرّفون على حرم الناس والجيران، ويختدعون بفراخ الحمام أولاد النّاس، ويرمون بالجلاهق [4] وما أكثر من قد فقأ عينا وهشم أنفا، وهتم فما، وهو لا يدري ما يصنع، ولا يقف على مقدار ما ركب به القوم. ثم تذهب جنايته هدرا؛ ويعود ذلك الدّم مطلولا بلا عقل ولا قود ولا قصاص ولا أرش؛ إذ كان صاحبه مجهولا.
__________
[1] ورد الأثر في البيان والتبيين 2/242. وعيون الأخبار 2/72، ومحاضرات الراغب 2/300.
[2] مجمع الأمثال 1/255، وجمهرة الأمثال 1/431، والمستقصى 1/99، وأمثال ابن سلام 366، وثمار القلوب (682) .
[3] ديوان عبيد ابن الأبرص 126، وعيون الأخبار 2/72، وهما لسلامة بن جندل في ديوانه 248، والنظام الغريب 208.
[4] الجلاهق كلمة فارسية تعنى الطين المدور الذي يرمى به عن القوس، انظر المعرب للجواليقي 42.
(3/94)

وعلى شبيه بذلك كان عمر- رضي الله عنه- أمر بذبح الدّيكة وأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقتل الكلاب [1] .
قالوا: ففيما ذكرنا دليل على أنّ أكل لحوم الكلاب لم يكن من دينهم ولا أخلاقهم، ولا من دواعي شهواتهم. ولولا ذلك لما جاء الأثر عن النبيّ- صلّى الله عليه وسلم- وعمر وعثمان- رضي الله تعالى عنهما بذبح الدّيكة والحمام، وقتل الكلاب. ولولا أنّ الأمر على ما قلنا، لقالوا: اقتلوا الدّيوك والحمام كما قال: اقتلوا الكلاب. وفي تفريقهم بينها دليل على افتراق الحالات عندهم.
قال: حدّثني أسامة بن زيد، وإبراهيم بن أبي يحيى، أنّ عثمان شكوا إليه الحمام، وأنّه قال: «من أخذ منهنّ شيئا فهو له» . وقد علمنا أنّ اللفظ وإن كان قد وقع على شكاية الحمام، فإن المعنى إنّما هو على شكاية أصحاب الحمام؛ لأنّه ليس في الحمام معنى يدعو إلى شكاية.
قال: وحدّثنا عثمان قال: سئل الحسن عن الحمام الذي يصطاده النّاس، قال:
لا تأكله، فإنّه من أموال الناس! فجعله مالا، ونهى عن أكله بغير إذن أهله. وكلّ ما كان مالا فيبيعه حسن وابتياعه حسن. فكيف يجوز لشيء هذه صفته أن يذبح، إلّا أن يكون ذلك على طريق العقاب والزّجر لمن اتّخذه لما لا يحلّ!!.
قال: ورووا عن الزّهري عن سعيد بن المسيّب قال: نهى عثمان عن اللعب بالحمام، وعن رمي الجلاهق. فهذا يدلّ على ما قلنا.
678-[أمن حمام مكة وغزلانها]
والناس يقولون: «آمن من حمام مكّة، ومن غزلان مكة» [2] . وهذا شائع على جميع الألسنة، لا يردّ أحد ممن يعرف الأمثال والشّواهد. قال عقيبة الأسديّ لابن الزّبير: [من الكامل]
مازلت مذ حجج بمكة محرما ... في حيث يأمن طائر وحمام
فلتنهضنّ العيس تنفخ في البرا ... يجتبن عرض مخارم الأعلام [3]
أبنو المغيرة مثل آل خويلد؟! ... يا للرّجال لخفّة الأحلام!
__________
[1] انظر ما تقدم في الفقرة (225) .
[2] المستقصى 1/9، ومجمع الأمثال 1/87، والدرة الفاخرة 1/69.
[3] البرا: جمع برة، وهي الحلقة في أنف البعير «القاموس: برّ» .
(3/95)

وقال النابغة في الغزلان وأمنها، كقول جميع الشّعراء في الحمام: [من البسيط]
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكّة بين الغيل والسّعد [1]
ولو أنّ الظّباء ابتليت ممّن يتّخذها بمثل الذي ابتليت به الحمام ثمّ ركبوا المسلمين في الغزلان بمثل ما ركبوهم به في الحمام، لساروا في ذبح الغزلان كسيرتهم في ذبح الحمام.
وقالوا [2] : إنّه ليبلغ من تعظيم الحمام لحرمة البيت الحرام، أنّ أهل مكة يشهدون عن آخرهم أنّهم لم يروا حماما قطّ سقط على ظهر الكعبة، إلّا من علة عرضت له. فإن كانت هذه المعرفة اكتسابا من الحمام فالحمام فوق جميع الطير وكلّ ذي أربع. وإن كان هذا إنّما كان من طريق الإلهام، فليس ما يلهم كما لا يلهم.
وقال الشّاعر في أمن الحمام: [من الوافر]
لقد علم القبائل أنّ بيتي ... تفرّع في الذّوائب والسّنام [3]
وأنّا نحن أول من تبنّى ... بمكّتها البيوت مع الحمام
وقال كثيّر- أو غيره من بني سهم [4]- في أمن الحمام: [من الخفيف]
لعن الله من يسبّ عليّا ... وحسينا من سوقة وإمام
أيسبّ المطيّبون جدودا ... والكرام الأخوال والأعمام
يأمن الظبي والحمام ولا يأ ... من آل الرّسول عند المقام!!
رحمة الله والسّلام عليهم ... كلما قام قائم بسلام
وذكر شأن ابن الزبير وشأن ابن الحنفيّة، فقال [5] : [من الطويل]
ومن ير هذا الشّيخ بالخيف من منى ... من النّاس يعلم أنّه غير ظالم
__________
[1] ديوان النابغة الذبياني 25، والمقاييس 1/135، وفي ديوانه: (قوله «والمؤمن العائذات» يعني الله تعالى أمّنها أن تهاج أو تصاد في الحرم، والعائذات: التي عاذت بالحرم. والغيل: الشجر الملتف، وكذلك السعد) .
[2] ثمار القلوب 13 (67) .
[3] البيتان للزبير بن عبد المطلب في المؤتلف والمختلف 130- 131.
[4] الأبيات لكثير بن كثير بن المطلب السهمي في معجم الشعراء 240، ونسب قريش 60، ولكثير عزة في ديوانه 537، وثمار القلوب (678- 679) ، ولعبد الله بن كثير السهمي في البيان والتبيين 3/360، وبلا نسبة في الرسالة البغدادية 54.
[5] الأبيات لمحمد بن كثير في معجم البلدان 4/66 (عارم) ، ولكثير عزة في ديوانه 224- 225، واللسان والتاج (لزم) ، والكامل 1124، 1193 (الدالي) ، والعقد الفريد 4/413.
(3/96)

سميّ النبيّ المصطفى وابن عمّه ... وفكّاك أغلال ونفّاع غارم
أبى فهو لا يشري هدى بضلالة ... ولا يتّقي في الله لومة لائم
ونحن بحمد الله نتلو كتابه ... حلولا بهذا الخيف خيف المحارم
بحيث الحمام آمنات سواكن ... وتلقى العدوّ كالوليّ المسالم
679-[حمامة نوح وطوقها]
قال صاحب الحمام [1] : أمّا العرب والأعراب والشّعراء، فقد أطبقوا على أنّ الحمامة هي التي كانت دليل نوح ورائده، وهي التي استجعلت [2] عليه الطّوق الذي في عنقها، وعند ذلك أعطاها الله تعالى تلك الحلية؛ ومنحها تلك الزّينة، بدعاء نوح عليه السلام، حين رجعت إليه ومعها من الكرم ما معها، وفي رجليها من الطّين والحمأة ما برجليها، فعوّضت من ذلك الطّين خضاب الرّجلين، ومن حسن الدّلالة والطّاعة طوق العنق.
680-[شعر في طوق الحمامة]
وفي طوقها يقول الفرزدق [3] : [من الوافر]
فمن يك خائفا لأذاة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام
وقال في ذلك بكر بن النّطّاح [4] : [من الطويل]
إذا شئت غنّتني ببغداد قينة ... وإن شئت غنّاني الحمام المطوّق
لباسي الحسام أو إزار معصفر ... ودرع حديد أو قميص مخلّق
فذكر الطّوق، ووصفها بالغناء والإطراب. وكذلك قال حميد بن ثور [5] : [من الطويل]
رقود الضّحى لا تعرف الجيرة القصا ... ولا الجيرة الأدنين إلّا تجشّما
__________
[1] ثمار القلوب (679) .
[2] استجعلت: طلبت الجعالة، وهي الرشوة.
[3] البيتان للفرزدق في طبقات ابن سلام 325، وثمار القلوب 368 (681) والتشبيهات 229، والعمدة 1/66، والأول في اللسان والتاج (حرم) ، ولم يرد البيتان في ديوانه.
[4] ديوان بكر بن النطاح 255، والعمدة 2/17.
[5] ديوان حميد بن ثور 17- 27، وهي الأبيات (48، 50، 78، 89، 92، 93، 94) ، والوحشيات 193، والكامل 2/98، والبيتان التاليان في عيون الأخبار 4/145، والأول بلا نسبة في اللسان والتاج (قصر) ، والمقاييس 1/458، والمخصص 4/3.
(3/97)

وليست من اللائي يكون حديثها ... أمام بيوت الحيّ إنّ وإنّما
ثمّ قال:
وما هاج هذا الشّوق إلّا حمامة ... دعت ساق حرّ ترحة وترنّما [1]
مطوّقة خطباء تصدح كلما ... دنا الصّيف وانجاب الربيع فأنجما [2]
ثمّ قال بعد ذكر الطوق [3] :
إذا شئت غنّتني بأجزاع بيشة ... أو النّخل من تثليث أو بيلملما
عجبت لها، أنّى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
ولم أر محزونا له مثل صوتها ... ولا عربيّا شاقه صوت أعجما
وقال في ذكر الطّوق- وأنّ الحمامة نوّاحة- عبد الله بن أبي بكر وهو شهيد يوم الطائف، وهو صاحب ابن صاحب [4] : [من الطويل]
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم تطلّق
أعاتك لا أنساك ما هبّت الصّبا ... وما ناح قمريّ الحمام المطوّق
وقال جهم بن خلف، وذكرها بالنّوح، والغناء، والطّوق، ودعوة نوح؛ وهو قوله [5] : [من المتقارب]
وقد شاقني نوح قمرية ... طروب العشيّ هتوف الضّحى
من الورق نوّاحة باكرت ... عسيب أشاء بذات الغضا
__________
[1] البيت له في معجم البلدان 5/428 (يبمبم) ، والحماسة البصرية 2/150، واللسان (حرر، سوق، حمم) ، والتاج (حرر، علط، سوق، وحى) ، والمقاييس 2/6، والمجمل 2/8، وبلا نسبة في العين 3/24.
[2] اللسان (صدح، جول) ، والتاج (جول) .
[3] الأبيات الثلاثة التالية في معجم البلدان 5/428 (يبمبم) . وهي عدا الأخير في ديوان المعاني 1/326، والأول منها في اللسان والتاج (فغر، غنا) ، وأساس البلاغة (فغر) ، وبلا نسبة في الخزانة 1/37، والثاني في اللسان (ببم) ، والتاج (ببم، يبمبم) ، والتهذيب 15/591. والأغاني 14/355.
[4] الأبيات في الأغاني 18/59، وتزيين الأسواق 245، وذم الهوى 647، وربيع الأبرار 5/297، ونوادر المخطوطات 1/61، وأخبار النساء 214، وحياة الحيوان 2/222، والظرف والظرفاء 173- 174، وروضة المحبين 281- 282.
[5] ورد البيت الأول والرابع منسوبا إلى جهم بن خلف في ثمار القلوب (681) ، والقصيدة منسوبة إلى أبي صفوان الأسدي في الأمالي 2/238، وسرور النفس 107.
(3/98)

تغنّت عليه بلحن لها ... يهيّج للصّبّ ما قد مضى
مطوّقة كسبت زينة ... بدعوة نوح لها إذ دعا
فلم أر باكية مثلها ... تبكّي ودمعتها لا ترى
أضلّت فريخا فطافت له ... وقد علقته حبال الرّدى
فلما بدا اليأس منه بكت ... عليه، وماذا يردّ البكا
وقد صاده ضرم ملحم ... خفوق الجناح حثيث النّجا [1]
حديد المخالب عاري الوظي ... ف ضار من الورق فيه قنا
ترى الطّير والوحش من خوفه ... جوامز منه إذا ما اغتدى
681-[نزاع صاحب الدّيك في الفخر بالطوق]
قال صاحب الديك: وأمّا قوله: [من الوافر]
مطوّقة كساها الله طوقا ... ولم يخصص به طيرا سواها
كيف لم يخصص بالأطواق غير الحمام، والتّدارج أحقّ بالأطواق وأحسن أطواقا منها، وهي في ذكورتها أعمّ؟! وعلى أنّه لم يصف بالطّوق الحمامة التي فاخرتم بها الدّيك؛ لأنّ الحمامة ليست بمطوّقة، وإنما الأطواق لذكورة الوارشين وأشباه الوارشين، من نوائح الطّير وهواتفها ومغنّياتها. ولذلك قال شاعركم، حيث يقول [2] :
[من الطويل]
أعاتك لا أنساك ما هبّت الصّبا ... وما ناح قمريّ الحمام المطوّق
وقال الآخر [3] : [من المتقارب]
وقد شاقني نوح قمرية ... طروب العشيّ هتوف الضّحى
ووصفها فقال: [من المتقارب]
مطوّقة كسيت زينة ... بدعوة نوح لها إذ دعا
فإن زعمتم أنّ الحمام والقمريّ واليمام والفواخت والدّباسيّ [4] والشّفانين
__________
[1] الضرم: الشديد الجوع «القاموس: ضرم» . الملحم: الذي يطعم اللحم «القاموس: لحم» . حثيث النجا: السريع الطيران.
[2] البيت لعبد الله بن أبي بكر؛ كما تقدم في الصفحة السابقة.
[3] البيت لجهم بن خلف أو لأبي صفوان الأسدي؛ كما تقدم في الصفحة السابقة.
[4] الدباسي: جمع دبسي، طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب، وهو من الحمام البري. حياة الحيوان 1/466.
(3/99)

والوارشين حمام كلّه، قلنا: إنّا نزعم أنّ ذكورة التّدارج وذكورة القبج، وذكورة الحجل ديوك كلها. فإن كان ذلك كذلك، فالفخر بالطّوق نحن أولى به.
قال صاحب الحمام [1] : العرب تسمّي هذه الأجناس كلها حماما، فجمعوها بالاسم العامّ، وفرّقوها بالاسم الخاص، ورأينا صورها متشابهة، وإن كان في الأجسام بعض الاختلاف، وفي الجثث بعض الائتلاف وكذلك المناقير. ووجدناها تتشابه من طريق الزّواج، ومن طريق الدّعاء والغناء والنّوح، وكذلك هي في القدود وصور الأعناق، وقصب الريش، وصيغة الرّؤوس والأرجل والسّوق والبراثن.
والأجناس التي عددتم ليس يجمعها اسم ولا بلدة، ولا صورة ولا زواج. وليس بين الدّيكة وبين تلك الذّكورة نسب إلّا أنّها من الطّير الموصوفة بكثرة السّفاد، وأنّ فراخها وفراريجها تخرج من بيضها كاسية كاسبه. والبطّ طائر مثقل، وقد ينبغي أن تجعلوا فرخ البطّة فرّوجا، والأنثى دجاجة والذّكر ديكا، ونحن نجد الحمام، ونجد الوراشين، تتسافد وتتلاقح، ويجيء منها الراعبيّ والوردانيّ؛ ونجد الفواخت والقماريّ تتسافد وتتلاقح، مع ما ذكرنا من التشابه في تلك الوجوه. وهذا كلّه يدلّ على أنّ بعضها مع بعض كالبخت والعراب ونتائج ما بينهما، وكالبراذين والعتاق، وكلها خيل، وتلك كلها إبل. وليس بين التّدارج والقبج والحجل والدّجاج هذه الأمور التي ذكرنا.
وعلى أنّا قد وجدنا الأطواق عامّة في ذوات الأوضاح من الحمام، لأنّ فيها من الألوان، ولها من الشّيات وأشكال وألوان الريش ما ليس لغيرها من الطّير. ولو احتججنا بالتّسافد دون التّلاقح، لكان لقائل مقال، ولكنّا وجدناها تجمع الخصلتين، لأنّا قد نجد سفهاء النّاس، ومن لا يتقّذر من الناس والأحداث ومن تشتدّ غلمته عند احتلامه، ويقلّ طروقه، وتطول عزبته؛ كالمعزب من الرّعاء فإنّ هذه الطّبقة من النّاس، لم يدعوا ناقة، ولا بقرة، ولا شاة، ولا أتانا، ولا رمكة، ولا حجرا، ولا كلبة، إلّا وقد وقعوا عليها.
ولولا أنّ في نفوس النّاس وشهواتهم ما يدعو إلى هذه القاذورة، لما وجدت هذا العمل شائعا في أهل هذه الصفة، ولو جمعتهم لجمعت أكثر من أهل بغداد والبصرة. ثم لم يلقح واحد منهم شيئا من هذه الأجناس على أنّ بعض هذه الأجناس يتلقى ذلك بالشّهوة المفرطة.
__________
[1] ثمار القلوب (681) .
(3/100)

ولقد خبّرني من إخواني من لا أتّهم خبره أنّ مملوكا كان لبعض أهل القطيعة- أعني قطيعة الربيع- وكان ذلك المملوك يكوم بغلة وأنّها كانت تودق [1] وتتلمّظ وأنّها في بعض تلك الوقعات تأخّرت وهو موعب فيها ذكره تطلب الزيادة، فلم يزل المملوك يتأخّر وتتأخّر البغلة حتّى أسندته إلى زاوية من زوايا الإصطبل، فاضّغطته حتّى برد [2] ، فدخل بعض من دخل فرآه على تلك الحال فصاح بها فتنحّت وخرّ الغلام ميّتا [3] .
وأخبرني صديق لي قال: بلغني عن برذون لزرقان المتكلّم، أنّه كان يدربخ [4] للبغال والحمير والبراذين حتى تكومه، قال: فأقبلت يوما في ذلك الإصطبل، فتناولت المجرفة [5] ، فوضعت رأس عود المجرفة [5] على مراثه وإنّه لأكثر من ذراع ونصف، وإنه لخشن غليظ غير محكوك الرأس ولا مملّسه، فدفعته حتى بلغ أقصى العود، وامتنع من الدّخول ببدن المجرفة. فحلف أنّه ما رآه تأطّر ولا انثنى.
قال صاحب الحمام: فهذا فرق ما بيننا وبينكم.
682-[ما وصف به الحمام من الإسعاد وحسن الغناء]
ونذكر ما وصف به الحمام من الإسعاد، ومن حسن الغناء والإطراب والنّوح والشّجا. قال الحسن بن هانئ [6] : [من المنسرح]
إذا ثنته الغصون جلّلني ... فينان ما في أديمه جوب
تبيت في مأتم حمائمه ... كما ترنّ الفواقد السّلب
يهبّ شوقي وشوقهنّ معا ... كأنّما يستخفّنا طرب
وقال آخر [7] : [من الطويل]
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن وهنا وإنّي لنائم
__________
[1] ودقت: أرادت الفحل «القاموس: ودق» .
[2] برد: مات.
[3] ورد هذا الخبر في رسائل الجاحظ 2/262.
[4] دربخت الحمامة لذكرها: طاوعته للسفاد «القاموس: دربخ» .
[5] المجرفة: المكنسة «القاموس: جرف» .
[6] ديوان أبي نواس 4.
[7] الأبيات لنصيب في ديوانه 124، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 3/250، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1289، وهي لمجنون ليلى في ديوانه 238، والظرف والظرفاء 140، وللمجنون أو لنصيب في الحماسة البصرية 2/152، ولقيس بن الذريح في الحماسة المغربية 929.
(3/101)

فقلت اعتذارا عند ذاك وإنّني ... لنفسي مما قد سمعت للائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
وقال نصيب [1] : [من الطويل]
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدي شفيت النّفس قبل التندّم
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدّم
وقال أعرابي: [من الطويل]
عليك سلام الله قاطعة القوى ... على أنّ قلبي للفراق كليم
قريح بتغريد الحمام إذا بكت ... وإن هبّ يوما للجنوب نسيم
وقال المجنون [2] ، أو غيره: [من الطويل]
ولو لم يهجني الرائحون لها جني ... حمائم ورق في الدّيار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لا تجري لهنّ دموع
وقال الآخر [3] : [من الطويل]
ألا يا سيالات الدّحائل باللّوى ... عليكنّ من بين السّيال سلام
أرى الوحش آجالا إليكنّ بالضحى ... لهنّ إلى أفيائكنّ بغام [4]
وإنّي لمجلوب لي الشّوق كلما ... ترنّم في أفنانكنّ حمام
وقال عمرو بن الوليد [5] : [من الخفيف]
حال من دون أن أحلّ به النّأ ... ي وصرف النّوى وحرب عقام
فتبدّلت من مساكن قومي ... والقصور التي بها الآطام [6]
كلّ قصر مشيّد ذي أواس ... تتغنّى على ذراه الحمام [7]
__________
[1] البيتان لنصيب في ديوانه 130، وله أو لعدي بن الرقاع في الحماسة البصرية 2/142، ولعدي بن الرقاع في شرح الحماسة للمرزوقي 1290، والكامل 2/99 (طبعة المعارف) ، وبلا نسبة في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 3/251، والثاني بلا نسبة في الرسالة الموضحة 130.
[2] البيتان للمجنون في ديوانه 191، والحماسة البصرية 2/198، ولقيس بن الذريح في ديوانه 114، ولهما في أمالي القالي 1/136.
[3] الأبيات بلا نسبة في ربيع الأبرار 3/144، ومعجم البلدان 2/444 (دحائل) .
[4] آجال: جمع إجل، وهو القطيع من بقر الوحش «القاموس: أجل» .
[5] الأبيات لأبي قطيفة، عمرو بن الوليد في الأغاني 1/28، وحماسة القرشي 438.
[6] في الأغاني «الآطام: الدور المسطحة السقوف» .
[7] في الأغاني «أواس: واحدها آسي، والآسي والأساس واحد» .
(3/102)

وقال آخر [1] : [من الطويل]
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد هاج لي مسراك وجدا على وجد
أأن هتفت ورقاء في رونق الضّحى ... على غصن غضّ النّبات من الرّند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا ... يملّ، وأنّ النّأي يشفي من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أنّ قرب الدّار خير من البعد
683-[أنساب الحمام]
وقال صاحب الحمام: للحمام مجاهيل، ومعروفات، وخارجيّات، ومنسوبات.
والذي يشتمل عليه دواوين أصحب الحمام أكثر من كتب النّسب التي تضاف إلى ابن الكلبيّ، والشّرقيّ بن القطاميّ، وأبي اليقظان، وأبي عبيدة النحويّ، بل إلى دغفل ابن حنظلة، وابن لسان الحمّرة، بل إلى صحار العبديّ. وإلى أبي السّطّاح اللّخميّ، بل إلى النّخّار العذريّ، وصبح الطائيّ، بل إلى مثجور بن غيلان الضّبيّ، وإلى سطيح الذئبيّ، بل ابن شريّة الجرهميّ، وإلى زيد بن الكيّس النّمريّ؛ وإلى كلّ نسّابة راوية، وكلّ متفنن علّامة.
ووصف الهذيل المازنيّ، مثنّى بن زهير وحفظه لأنساب الحمام. فقال: والله لهو أنسب من سعيد بن المسيّب، وقتادة بن دعامة للنّاس، بل هو أنسب من أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه! لقد دخلت على رجل أعرف بالأمّهات المنجبات من سحيم ابن حفص، وأعرف بما دخلها من الهجنة والإقراف، من يونس بن حبيب.
684-[مما أشبه فيه الحمام الناس]
قال: وممّا أشبه فيه الحمام النّاس في الصّور والشّمائل ورقّة الطباع، وسرعة القبول والانقلاب، أنّك إذا كنت صاحب فراسة، فمرّ بك رجال بعضهم كوفيّ، وبعضهم بصريّ، وبعضهم شاميّ وبعضهم يمانيّ، لم يخف عليك أمورهم في الصّور والشمائل والقدود والنّغم أيّهم بصريّ، وأيّهم كوفيّ، وأيّهم يمانيّ، وأيهم مدنيّ وكذلك الحمام؛ لا ترى صاحب حمام تخفى عليه نسب الحمام وجنسها وبلادها إذا رآها.
__________
[1] الأبيات لابن الدمينة في ديوانه 85، ولابن الطثرية في ديوانه 68- 69، ولمجنون ليلى في ديوانه 112- 113.
(3/103)

685-[ثمن الحمام وغيره]
[1] وللحمام من الفضيلة والفخر، أن الحمام الواحد يباع بخسمائة دينار، ولا يبلغ ذلك باز ولا شاهين، ولا صقر ولا عقاب، ولا طاوس، ولا تدرج ولا ديك، ولا بعير ولا حمار، ولا بغل. ولو أردنا أن نحقّق الخبر بأنّ برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار، لما قدرنا عليه إلّا في حديث السّمر.
وأنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذي جاء من الغاية، ثمّ دخلت بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة. وفيه أنّ الحمام إذا جاء من الغاية بيع الفرخ الذّكر من فراخ بعشرين دينارا أو أكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير أو أكثر، وبيعت البيضة بخمسة دنانير، فيقوم الزّوج منها في الغلّة مقام ضيعة، وحتى ينهض بمؤنة العيال، ويقضي الدّين، وتبنى من غلّاته وأثمان رقابه الدّور الجياد، وتبتاع الحوانيت المغلّة. هذا؛ وهي في ذلك الوقت ملهى عجيب، ومنظر أنيق، ومعتبر لمن فكّر، ودليل لمن نظر.
686-[عناية الناس بالحمام]
ومن دخل الحجر ورأى قصورها المبنيّة لها بالشّامات وكيف اختزان تلك الغلّات، وحفظ تلك المؤونات؛ ومن شهد أرباب الحمام. وأصحاب الهدّى وما يحتملون فيها من الكلف الغلاظ أيّام الزّجل، في حملانها على ظهور الرّجال، وقبل ذلك في بطون السفن، وكيف تفرد في البيوت، وتجمع إذا كان الجمع أمثل، وتفرّق إذا كانت التّفرقة أمثل وكيف تنقل الإناث عن ذكورتها، وكيف تنقل الذّكورة عن إناثها إلى غيرها، وكيف يخاف عليها الضّوى [2] إذا تقاربت أنسابها، وكيف يخاف على أعراقها من دخول الخارجيّات فيها، وكيف يحتاط في صحّة طرقها ونجلها؛ لأنّه لا يؤمن أن يقمط الأنثى ذكر من عرض الحمام، فيضرب في النّجل بنصيب، فتعتريه الهجنة- والبيضة عند ذلك تنسب إلى طرقها. وهم لا يحوطون أرحام نسائهم كما يحوطون أرحام المنجبات من إناث الحمام. ومن شهد أصحاب الحمام عند زجلها من الغاية، والذين يعلّمون الحمام كيف يختارون لصاحب العلامات، وكيف يتخيّرون الثّقة وموضع الصّدق والأمانة، والبعد من الكذب والرّشوة، وكيف يتوخّون
__________
[1] ربيع الأبرار 5/447.
[2] الضوى: الهزال والضعف «القاموس: ضوى» .
(3/104)

ذا التّجربة والمعرفة اللّطيفة، وكيف تسخو أنفسهم بالجعالة الرّفيعة، وكيف يختارون لحملها من رجال الأمانة والجلد والشّفقة والبصر وحسن المعرفة- لعلم عند ذلك صاحب الدّيك والكلب أنّهما لا يجريان في هذه الحلبة، ولا يتعاطيان هذه الفضيلة.
687-[خصائص الحمام]
قال: وللحمام من حسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذّكر، وقوّة النّزاع إلى أربابه، والإلف لوطنه، ما ليس لشيء. وكفاك اهتداء ونزاعا أن يكون طائر من بهائم الطير، يجيء من برغمة، لا بل من العليق، أو من خرشنة [1] أو من الصفصاف [2] ، لا بل من البغراس [3] ، ومن لؤلؤة [4] .
ثمّ الدّليل على أنّه يستدلّ بالعقل والمعرفة، والفكرة والعناية أنّه إنما يجيء من الغاية على تدريج وتدريب وتنزيل. والدليل على علم أربابه بأنّ تلك المقدّمات قد نجعن فيه، وعملن في طباعه، أنّه إذا بلغ الرّقّة غمّروا به بكرّة إلى الدّرب وما فوق الدّرب من بلاد الرّوم، بل لا يجعلون ذلك تغميرا؛ لمكان المقدمات والترتيبات التي قد عملت فيه وحذّقته ومرّنته.
ولو كان الحمام ممّا يرسل باللّيل، لكان ممّا يستدلّ بالنّجوم؛ لأنّا رأيناه يلزم بطن الفرات، أو بطن دجلة، أو بطون الأودية التي قد مرّ بها، وهو يرى ويبصر ويفهم انحدار الماء. ويعلم بعد طول الجولان وبعد الزّجال، إذا هو أشرف على الفرات أو دجلة، أنّ طريقه وطريق الماء واحد، وأنه ينبغي أن ينحدر معه.
وما أكثر ما يستدلّ بالجوادّ من الطّرق إذا أعيته بطون الأودية. فإذا لم يدر أمصعد أم منحدر، تعرّف ذلك بالرّيح، ومواضع قرص الشمس في السماء. وإنّما يحتاج إلى ذلك كلّه إذا لم يكن وقع بعد على رسم يعمل عليه فربّما كرّ حين يزجل به يمينا وشمالا، وجنوبا وشمالا، وصبا ودبورا- الفراسخ الكثيرة وفوق الكثيرة.
__________
[1] خرشنة: بلد قرب ملطية من بلاد الروم. معجم البلدان 2/359.
[2] الصفصاف: كورة من ثغر المصيصة، والمصيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم، تقارب مدينة طرسوس معجم البلدان 3/413، 5/145.
[3] بغراس: مدينة في لحف جبل اللكام، بينها وبين أنطاكية أربعة فراسخ، على يمين القاصد إلى أنطاكية من حلب. معجم البلدان 1/467.
[4] لؤلؤة: قلعة قرب طرسوس. معجم البلدان 5/26.
(3/105)

688-[الغمر والمجرّب من الحمام]
وفي الحمام الغمر والمجرّب، وهم لا يخاطرون بالأغمار لوجهين: أحدهما أن يكون الغمر عريفا فصاحبه يضنّ به، فهو يريد أن يدرّبه ويمرّنه ثمّ يكلفه بعد الشيء الذي اتّخذه له، وبسببه اصطنعه واتخذه. وإمّا أن يكون الغمر مجهولا، فهو لا يتعنّى ويشقي نفسه، ويتوقّع الهداية من الأغمار المجاهيل.
وخصلة أخرى: أنّ المجهول إذا رجع مع الهدّى المعروفات، فحمله معها إلى الغاية فجاء سابقا، لم يكن له كبير ثمن حتّى تتلاحق به الأولاد. فإن أنجب فيهنّ صار أبا مذكورا وصار نسبا يرجع إليه، وزاد ذلك في ثمنه.
فأمّا المجرّب غير الغمر، فهو الذي قد عرّفوه الورود [1] والتحصّب؛ لأنّه متى لم يقدر على أن ينقضّ حتّى يشرب الماء من بطون الأودية والأنهار والغدران، ومناقع المياه، ولم يتحصّب بطلب بزور البراريّ، وجاع وعطش- التمس مواضع الناس. وإذا مرّ بالقرى والعمران سقط، وإذا سقط أخذ بالبايكير [2] وبالقفّاعة [3] ، وبالملقف [4] وبالتّدبيق [5] وبالدّشاخ [6] ؛ ورمى أيضا بالجلاهق [7] وبغير ذلك من أسباب الصّيد.
والحمام طائر ملقّى غير موقّى [8] ، وأعداؤه كثير، وسباع الطّير تطلبه أشدّ الطلب. وقد يترفّع مع الشّاهين، وهو للشاهين أخوف. فالحمام أطير منه ومن جميع سباع الطير، ولكنّه يذعر فيجهل باب المخلص ويعتريه ما يعتري الحمار من الأسد إذا رآه، والشاة إذا رأت الذّئب والفارة إذا رأت السّنّور.
689-[سرعة طيران الحمام]
والحمام أشدّ طيرانا من جميع سباع الطير، إلّا في انقضاض وانحدار؛ فإنّ تلك
__________
[1] الورود: ورود الماء «القاموس: ورد» .
[2] البايكير: ما يصاد به الطير.
[3] القفاعة: شيء يتخد من جريد النخل لصيد الطائر «القاموس: قفع» .
[4] تلقف الشيء: تناوله «القاموس: لقف» .
[5] الدبق: غراء يصاد به الطير «القاموس: دبق» .
[6] آلة من آلات الصيد.
[7] الجلاهق: كلمة فارسية تعني الطين المدور الذي يرمى به عن القوس. انظر المعرب للجواليقي 42.
[8] انظر الفقرة (635) .
(3/106)

تنحطّ انحطاط الصخور ومتى التقت أمّة من سباع الطّير أو جفالة [1] من بهائم الطير، أو طرن على عرقة [2] وخيط ممدود، فكلّها يعتريها عند ذلك التّقصير عما ما كانت عليه، إذا طارت في غير جماعة.
ولن ترى جماعة طير أكثر طيرانا إذا كثرن من الحمام؛ فإنّهنّ كلما التففن وضاق موضعهنّ كان أشدّ لطيرانهنّ، وقد ذكر ذلك النّابغة الذّبيانيّ في قوله [3] : [من البسيط]
واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثّمد [4]
يحفّه جانبا نيق ويتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد [5]
قال: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتا ونصفه فقد [6]
فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد
قال الأصمعيّ: لما أراد مديح الحاسب وسرعة إصابته، شدّد الأمر وضيّقه عليه؛ ليكون أحمد له إذا أصاب؛ فجعله حزر طيرا، والطّير أخفّ من غيره، ثمّ جعله حماما والحمام أسرع الطّير، وأكثرها اجتهادا في السرعة إذا كثر عددهنّ؛ وذلك أنّه يشتدّ طيرانه عند المسابقة والمنافسة. وقال: يحفّه جانبا نيق ويتبعه، فأراد أنّ الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع منه إذا اتّسع عليه الفضاء.
690-[غايات الحمام]
وصاحب الحمام قد كان يدرّب ويمرّن وينزل في الزّجال، والغاية يومئذ واسط [7] .
فكيف يصنع اليوم بتعريفه الطّريق وتعريفه الورود والتحصّب [8] ، مع بعد الغاية؟!
__________
[1] الجفالة: الجماعة من كل شيء «القاموس: جفل» .
[2] العرقة: السطر من الطير وكل مصطفّ «القاموس: عرق» .
[3] ديوان النابغة الذبياني 23- 25، ومنه استقيت شرح الأبيات التالية.
[4] احكم: كن حكيما في أمرك، مصيبا في الرأي، ولم يرد الحكم في القضاء. فتاة الحي: زرقاء اليمامة. الشراع: القاصدة إلى الماء. الثمد: الماء القليل.
[5] النيق: الجبل. وقوله «وتتبعه مثل الزجاجة» ، أي عينها صافية كصفاء الزجاجة. وقوله «لم تكحل من الرمد» ، أي لم يصبها رمد فتكحل.
[6] فقد: أي حسبي.
[7] واسط: اسم لعدة مواضع، أعظمها وأشهرها واسط الحجاج، سميت بذلك لأنها متوسطة بين البصرة والكوفة. معجم البلدان 5/347.
[8] تحصّب الحمام: خرج إلى الصحراء لطلب الحب «القاموس: حصب» .
(3/107)

691-[ما يختار للزّجل من الحمام]
والبغداديون يختارون للزّجال من الغاية الإناث، والبصريّون يختارون الذّكور فحجّة البغداديّين أن الذّكر إذا سافر وبعد عهده بقمط الإناث، وتاقت نفسه إلى السّفاد، ورأى أنثاه في طريقه، ترك الطّلب إن كان بعد في الجولان؛ أو ترك السّير إن كان وقع على القصد، ومال إلى الأنثى وفي ذلك الفساد كلّه.
وقال البصريّ: الذّكر أحنّ إلى بيته لمكان أنثاه، وهو أشدّ متنا وأقوى بدنا، وهو أحسن اهتداء. فنحن لا ندع تقديم الشيء القائم إلى معنى قد يعرض وقد لا يعرض.
692-[نصيحة شدفويه في تربية الحمام]
وسمعت شدفويه السلائحي من نحو خمسين سنة، وهو يقول لعبد السلام بن أبي عمار: اجعل كعبة حمامك في صحن دارك، فإنّ الحمام إذا كان متى خرج من بيته إلى المعلاة لم يصل إلى معلاته إلّا بجمع النّفس والجناحين، وبالنهوض ومكابدة الصعود- اشتدّ متنه، وقوي جناحه ولحمه. ومتى أراد بيته فاحتاج إلى أن ينتكس ويجيء منقضّا كان أقوى على الارتفاع في الهواء بعد أن يروى. وقد تعلمون أنّ الباطنيّين أشدّ متنا من الظاهريّين، وأنّ النّقرس لا يصيب الباطنيّ في رجله ليس ذلك إلّا لأنّه يصعد إلى العلالي فوق الكناديج [1] درجة بعد درجة، وكذلك نزوله، فلو درّبتم الحمام على هذا التّرتيب كان أصوب. ولا يعجبني تدريب العاتق وما فوق العاتق [2] إلّا من الأماكن القريبة؛ لأن العاتق كالفتاة العاتق، وكالصبّي الغرير، فهو لا يعدمه ضعف البدن، وقلّة المعرفة، وسوء الإلف. ولا يعجبني أن تتركوا الحمام حتّى إذا صار في عدد المسانّ واكتهل، وولد البطون بعد البطون، وأخذ ذلك من قوّة شبابه، حملتموه على الزّجل، وعلى التّمرين، ثمّ رميتم به أقصى غاية لا، ولكنّ التّدريب مع الشباب، وانتهاء الحدّة، وكمال القوّة، من قبل أن تأخذ القوّة في النّقصان. فهو يلقّن بقربه من الحداثة، ويعرّف بخروجه من حدّ الحداثة. فابتدئوا به التّعليم والتمرين في هذه المنزلة الوسطى.
__________
[1] في القاموس: (الكندوج: شبه المخزن؛ معرب كندو، وكندجة الباني في الجدران والطيقان، مولّدة) . «القاموس: كندج» .
[2] العاتق من الحمام: فرخه ما لم يستحكم، أو فرخ الطائر إذا طار واستقل «القاموس: عتق» .
(3/108)

693-[الوقت المناسب لتمرين فراخ الحمام]
وهم إذا أرادوا أن يمرّنوا الفراخ أخرجوها وهي جائعة، حتى إذا ألقوا إليها الحبّ أسرعت النزول. ولا تخرج والرّيح عاصف، فتخرج قبل المغرب وانتصاف النهار، وحذّاقهم لا يخرجونها مع ذكورة الحمام؛ فإنّ الذّكورة يعتريها النّشاط والطّيران والتّباعد ومجاوزة القبيلة. فإن طارت الفراخ معها سقطت على دور الناس. فرياضتها شديدة، وتحتاج إلى معرفة وعناية، وإلى صبر ومطاولة؛ لأنّ الذي يراد منها إذا احتيج إليه بعد هذه المقدّمات كان أيضا من العجب العجيب.
694-[اختيار الحمام]
وحدّثني بعض من أثق به أنّ يعقوب بن داود، قال لبعض من دخل عليه- وقد ذهب عنّي اسمه ونسيته، بعد أن كنت عرفته-: أما ترى كي أخلف ظنّنا وأخطأ رأينا، حتّى عمّ ذلك ولم يخصّ؟! أما كان في جميع من اصطنعناه واخترناه، وتفرّسنا فيه الخير وأردناه به- واحد تكفينا معرفته مؤنة الاحتجاج عنه، حتّى صرت لا أقرّع إلّا بهم، ولا أعاب إلّا باختيارهم!! قال: فقال له رجل إنّ الحمام يختار من جهة النّسب، ومن جهة الخلقة. ثم لا يرضى له أربابه بذلك حتى ترتّبه وتنزّله وتدرّجه، ثم تحمل الجماعة منه بعد ذلك التّرتيب والتّدريب إلى الغاية، فيذهب الشّطر ويرجع الشطر، أو شبيه بذلك أو قريب من ذلك. وأنت عمدت إلى حمام لم تنظر في أنسابها ولم تتأمّل مخيلة الخير في خلقها ثمّ لم ترض حتى ضربت بها بكرّة واحدة إلى الغاية، فليس بعجب ولا منكر ألّا يرجع إليك واحد منها، وإنما كان العجب في الرّجوع. فأمّا في الضّلال فليس في ذلك عجب. وعلى أنّه لو رجع منها واحد أو أكثر من الواحد لكان خطؤك موفّرا عليك، ولم ينتقصه خطأ من أخطأ؛ لأنّه ليس من الصواب أن يجيء طائرا من الغاية على غير عرق وعلى غير تدريب.
(3/109)

باب ومن كرم الحمام الإلف والأنس والنّزاع والشّوق
695-[صدق خلق الحمام]
وذلك يدلّ على ثبات العهد، وحفظ ما ينبغي أن يحفظ، وصون ما ينبغي أن يصان وإنه لخلق صدق في بني آدم فكيف إذا كان ذلك الخلق في بعض الطير.
وقد قالوا [1] : عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان.
قال ابن الزّبير [2] : ليس النّاس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم! وأخبر الله عزّ وجلّ عن طبائع النّاس في حبّ الأوطان، فقال: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
[3] وقال: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
[4] .
وقال الشاعر [5] : [من البسيط]
وكنت فيهم كممطور ببلدته ... فسرّ أن جمع الأوطان والمطرا
فتجده يرسل من موضع فيجيء، ثمّ يخرج من بيته إلى أضيق موضع وإلى رخام ونقان [6] فيرسل من أبعد من ذلك فيجيء. ثم يصنع به مثل ذلك المرار الكثيرة، ويزاد في الفراسخ، ثم يكون جزاؤه أن يغمّر به من الرّقّة إلى لؤلؤة [7] فيجيء ويسترق
__________
[1] هذا القول لعمر بن الخطاب في رسائل الجاحظ 2/389، وللعبدي في 1/64، وبلا نسبة في 4/110.
[2] رسائل الجاحظ 4/110، 1/64.
[3] 246/البقرة: 2.
[4] 66/النساء: 4.
[5] البيت بلا نسبة في رسائل الجاحظ 2/406، وديوان المعاني 2/190.
[6] نقان: بضم أوله ويكسر، اسم جبل في بلاد أرمينية معجم البلدان 5/297.
[7] لؤلؤة: قلعة قرب طرسوس. معجم البلدان 5/26.
(3/110)

من منزل صاحبه فيقصّ، ويغبر هناك حولا وأكثر من الحول، فحين ينبت جناحه يحنّ إلى إلفه وينزع إلى وطنه، وإن كان الموضع الثّاني أنفع له، وأنعم لباله. فيهب فضل ما بينهما لموضع تربيته وسكنه، كالإنسان الذي لو أصاب في غير بلاده الرّيف لم يقع ذلك في قلبه، وهو يعالجهم على أن يعطى عشر ما هو فيه في وطنه.
ثمّ ربّما باعه صاحبه، فإذا وجد مخلصا رجع إليه، حتّى ربما فعل ذلك مرارا.
وربّما طار دهره وجال في البلاد، وألف الطّيران والتقلّب في الهواء، والنّظر إلى الدنيا، فيبدو لصاحبه فيقصّ جناحه ويلقيه في ديماس [1] ، فينبت جناحه، فلا يذهب عنه ولا يتغيّر له. نعم، حتّى ربّما جدف [2] وهو مقصوص، فإمّا صار إليه، وإمّا بلغ عذرا.
696-[قص جناح الحمام]
ومتى قصّ أحد جناحيه كان أعجز له عن الطّيران، ومتى قصّهما جميعا كان أقوى له عليه، ولكنه لا يبعد، لأنّه إذا كان مقصوصا من شقّ واحد اختلف خلقه، ولم يعتدل وزنه، وصار أحدهما هوائيا والآخر أرضيا فإذا قصّ الجناحان جميعا طار، وإن كان مقصوصا فقد بلغ بذلك التعديل من جناحيه أكثر مما كان يبلغ بهما إذا كان أحدهما وافيا والآخر مبتورا.
فالكلب الذي تدّعون له الإلف وثبات العهد، لا يبلغ هذا، وصاحب الدّيك الذي لا يفخر للدّيك بشيء من الوفاء والحفاظ والإلف، أحقّ بألّا يعرض في هذا الباب.
قال: وقد يكون الإنسان شديد الحضر. فإذا قطعت إحدى يديه فأراد العدو كان خطوه أقصر، وكان عن ذلك القصد والسّنن أذهب، وكانت غاية مجهوده أقرب.
697-[حديث نباتة الأقطع]
وخبّرني كم شئت [3] ، أنّ نباتة الأقطع وكان من أشدّاء الفتيان وكانت يده قطعت من دوين المنكب، وكان ذلك في شقّه الأيسر؛ فكان إذا صار إلى القتال وضرب بسيفه، فإن أصاب الضّريبة ثبت، وإن أخطأ سقط لوجهه؛ إذ لم يكن جناحه الأيسر يمسكه ويثقّله حتى يعتدل بدنه.
__________
[1] الديماس: الكنّ «القاموس: دمس» .
[2] جدف الطائر وهو مقصوص، كأنه يرد جناحيه إلى خلفه «القاموس: جدف» .
[3] هذه العبارة يستخدمها الجاحظ كثيرا، انظر رسائله 2/264.
(3/111)

698-[أجنحة الملائكة]
وقد طعن قوم في أجنحة الملائكة. وقد قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
[1] وزعموا أنّ الجناحين كاليدين، وإذا كان الجناح اثنين أو أربعة كانت معتدلة، وإذا كانت ثلاثة كان صاحب الثّلاثة كالجادف من الطّير [2] ، الذي أحد جناحيه مقصوص، فلا يستطيع الطّيران لعدم التعديل. وإذا كان أحد جناحيه وافيا والآخر مقصوصا، اختلف خلقه وصار بعضه يذهب إلى أسفل والآخر إلى فوق.
وقالوا: إنّما الجناح مثل اليد، ووجدنا الأيدي والأرجل في جميع الحيوان لا تكون إلّا أزواجا. فلو جعلتم لكلّ واحد منهم مائة جناح لم ننكر ذلك. وإن جعلتموها أنقص بواحد أو أكثر بواحد لم نجوّزه.
قيل لهم: قد رأينا من ذوات الأربع ما ليس له قرن، ورأينا ما له قرنان أملسان، ورأينا ما له قرنان لهما شعب في مقاديم القرون، ورأينا بعضها جمّا ولأخواتها قرون، ورأينا منها ما لا يقال لها جمّ لأنّها ليست لها شكل ذوات القرون، ورأينا لبعض الشاء عدّة قرون نابتة في عظم الرّأس أزواجا وأفرادا، ورأينا قرونا جوفا فيها قرون، ورأينا قرونا لا قرون فيها، ورأيناها مصمتة، ورأينا بعضها يتصل قرنه في كلّ سنة، كما تسلخ الحيّة جلدها، وتنفض الأشجار ورقها، وهي قرون الأيائل، وقد زعموا أنّ للحمار الهنديّ [3] قرنا واحدا.
699-[ضروب من الطير]
وقد رأينا طائرا شديد الطيران بلا ريش كالخفاش، ورأينا طائرا لا يطير وهو وافي الجناح، ورأينا طائرا لا يمشي وهو الزّرزور. ونحن نؤمن بأنّ جعفرا الطّيار ابن أبي طالب، له جناحان يطير بهما في الجنان، جعلا له عوضا من يديه اللتين قطعتا على لواء المسلمين في يوم مؤتة [4] . وغير ذلك من أعاجيب أصناف الخلق.
__________
[1] 1/فاطر: 35.
[2] الجادف: الطائر الذي يطير وهو مقصوص «القاموس: جدف» .
[3] الحمار الهندي: هو الكركدن، وهو عدو الفيل، يقال إنه متولد من بين الفرس والفيل. حياة الحيوان 3/243.
[4] مؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، وبها كان يوم مؤتة في السنة الثامنة للهجرة بين المسلمين والروم. انظر أيام العرب في الإسلام 88- 91، ومعجم البلدان 5/219 (مؤتة) .
(3/112)

فقد يستقيم- وهو سهل جائز شائع مفهوم، ومعقول قريب غير بعيد أن يكون إذا وضع طباع الطائر على هذا الوضع الذي تراه ألّا يطير إلّا بالأزواج. فإذا وضع على غير هذا الوضع، وركّب غير هذا التّركيب صارت ثلاثة أجنحة وفوق تلك الطبيعة.
ولو كان الوطواط في وضع أخلاطه وأعضائه وامتزاجاته كسائر الطير، لما طار بلا ريش.
700-[الطير الدائم الطيران]
وقد زعم البحريّون أنّهم يعرفون طائرا لم يسقط قطّ، وإنما يكون سقوطه من لدن خروجه من بيضه إلى أن يتمّ قصب ريشه [1] ، ثمّ يطير فليس له رزق إلّا من بعوض الهواء وأشباه البعوض؛ إلّا أنّه قصير العمر سريع الانحطام.
701-[بقية الحديث في أجنحة الملائكة]
وليس بمستنكر أن يمزج الطائر ويعجن غير عجنه الأوّل فيعيش ضعف ذلك العمر. وقد يجوز أيضا أن يكون موضع الجناح الثالث بين الجناحين، فيكون الثالث للثاني كالثاني للأوّل، وتكون كلّ واحدة من ريشة عاملة في التي تليها من ذلك الجسم فتستوي في القوى وفي الحصص.
ولعلّ الجناح الذي أنكره الملحد الضّيّق العطن أن يكون مركز قوادمه في حاقّ [2] الصّلب.
ولعلّ ذلك الجناح أن تكون الريشة الأولى منه معينة للجناح الأيمن والثانية معينة للجناح الأيسر، وهذا مما لا يضيق عنه الوهم، ولا يعجز عنه الجواز.
فإذا كان ذلك ممكنّا في معرفة العبد بما أعاره الربّ جلّ وعزّ، كان ذلك في قدرة الله أجوز. وما أكثر من يضيق صدره لقلّة علمه!
702-[أعضاء المشي لدى الحيوان والإنسان]
وقد علموا أنّ كلّ ذي أربع فإنّه إذا مشى قدّم إحدى يديه، ولا يجوز أن يستعمل اليد الأخرى ويقدّمها بعد الأولى حتّى يستعمل الرّجل المخالفة لتلك اليد:
إن كانت اليد المتقدّمة اليمنى حرّك الرّجل اليسرى، وإذا حرّك الرجل اليسرى لم
__________
[1] ربيع الأبرار 5/456.
[2] حاق الصلب: وسطه.
(3/113)

يحرّك الرّجل اليمنى- وهو أقرب إليها وأشبه بها- حتّى يحرّك اليد اليسرى. وهذا كثير.
وفي طريق أخرى فقد يقال: إنّ كلّ إنسان فإنما ركبته في رجله، وجميع ذوات الأربع فإنّما ركبها في أيديها. وكلّ شيء ذي كفّ وبنان كالإنسان، والقرد، والأسد، والضّبّ، والدّب، فكفّه في يده. والطّائر كفّه في رجله.
703-[غرائب تصرفات بعض الناس]
1-[استعمال الإنسان رجليه ما كان يعمله بيديه]
وما رأيت أحدا ليس له يد إلّا وهو يعمل برجليه ما كان يعمل بيديه، وما أقف على شيء من عمل الأيدي إلّا وأنا قد رأيت قوما يتكلّفونه بأرجلهم.
ولقد رأيت واحدا منهم راهن على أن يفرغ برجليه ما في دستيجة [1] نبيذ في قنانيّ رطليّات وفقّاعيّات فراهنوه، وأزعجني أمر فتركته عند ثقات لا أشك في خبرهم، فزعموا أنّه وفى وزاد. قلت: قد عرفت قولكم «وفى» فما معنى قولكم «زاد» قالوا: هو أنّه لو صبّ من رأس الدّستيجة حوالي أفواه القنانيّ كما يعجز عن ضبطه جميع أصحاب الكمال في الجوارح، لما أنكرنا ذلك. ولقد فرّغ ما فيها في جميع القناني فما ضيّع أوقيّة واحدة.
2-[قيام بعض الناس بعمل دقيق في الظلام]
وخبّرني الحزاميّ عن خليل أخيه، أنّه متى شاء أن يدخل في بيت ليلا بلا مصباح، ويفرغ قربة في قنانيّ فلا يصبّ إستارا [2] واحدا فعله.
ولو حكى لي الحزاميّ هذا الصّنيع عن رجل ولد أعمى أو عمي في صباه، كان يعجبني منه أقلّ. فأمّا من تعوّد أن يفعل مثل ذلك وهو يبصر فما أشدّ عليه أن يفعله وهو مغمض العينين. فإن كان أخوه قد كان يقدر على ذلك إذا غمّض عينيه فهو عندي عجب، وإن كان يبصر في الظلمة فهو قد أشبه في هذا الوجه السّنّور والفأر، فإنّ هذا عندي عجب آخر وغرائب الدّنيا كثيرة عند كلّ من كان كلفا بتعرافها، وكان له في العلم أصل، وكان بينه وبين التبيّن نسب.
__________
[1] الدستيج: آنية تحول باليد، معرب دستي. «القاموس: دستج» .
[2] الإستار: من الأوزان يساوي أربعة مثاقيل ونصف «القاموس: ستر» .
(3/114)

3-[إنكار الناس للغرائب]
وأكثر الناس لا تجدهم إلّا في حالتين: إمّا في حال إعراض عن التبيّن وإهمال للنّفس، وإمّا في حال تكذيب وإنكار وتسرّع إلى أصحاب الاعتبار وتتبّع الغرائب، والرغبة في الفوائد. ثمّ يرى بعضهم أنّ له بذلك التكذيب فضيلة، وأنّ ذلك باب من التوقّي، وجنس من استعظام الكذب، وأنّه لم يكن كذلك إلّا من حاقّ الرّغبة في الصّدق. وبئس الشيء عادة الإقرار والقبول. والحقّ الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه، وحثّ عليه أن ننكر من الخبر ضربين: أحدهما ما تناقض واستحال، والآخر ما امتنع في الطبيعة، وخرج من طاقة الخلقة. فإذا خرج الخبر من هذين البابين، وجرى عليه حكم الجواز، فالتدبير في ذلك التثبت وأن يكون الحقّ في ذلك هو ضالّتك، والصّدق هو بغيتك، كائنا ما كان، وقع منك بالموافقة أم وقع منك بالمكروه. ومتى لم تعلم أنّ ثواب الحقّ وثمرة الصّدق أجدى عليك من تلك الموافقة لم تقع على أن تعطي التثبت حقّه.
704-[تشبيه رماد الأثافي بالحمام]
قال: وهم يصفون الرّماد الذي بين الأثافيّ بالحمامة، ويجعلون الأثافيّ أظآرا لها، للانحناء الذي في أعالي تلك الأحجار، ولأنّها كانت معطّفات عليها وحانيات على أولادها. قال ذو الرّمّة [1] : [من الطويل]
كأنّ الحمام الورق في الدّار جثّمت ... على خرق بين الأثافي جوازله
شبّه الرّماد بالفراخ قبل أن تنهض والجثوم في الطير مثل الرّبوض في الغنم. وقال الشماخ [2] : [من الطويل]
وإرث رماد كالحمامة ماثل ... ونؤيين في مظلومتين كداهما
وقال أبو حيّة [3] : [من الوافر]
من العرصات غير مخدّ نؤي ... كباقي الوحي خطّ على إمام [4]
__________
[1] ديوان ذي الرمة 1244، وفيه: (شبّه الأثافي بحمام ورق تضرب إلى السواد. وقوله «جثمت على خرق» يريد به الرماد. فشبه الأثافي على الرماد بحمام على الفراخ. والجوزل: الفرخ) .
[2] ديوان الشماخ 309.
[3] ديوان أبي حية النميري 91.
[4] في ديوانه: (المخد: موضع الخد وهو الشق. الوحي: الكتابة. الإمام: الكتاب) .
(3/115)

وغير خوالد لوّحن حتى ... بهنّ علامة من غير شام [1]
كأنّ بها حمامات ثلاثا ... مثلن ولم يطرن مع الحمام
وقال العرجي [2] : [من الطويل]
ومربط أفراس وخيم مصرّع ... وهاب كجثمان الحمامة هامد [3]
وقال البعيث: [من الطويل]
ويسفع ثوين العام والعام قبله ... وسحق رماد كالنّصيف من العصب [4]
705-[ما قيل من الشعر في نوح الحمام وفي ارتفاع بيوتها]
وقالوا في نوح الحمام، قال جران العود [5] : [من البسيط]
واستقبلوا واديا نوح الحمام به ... كأنّه صوت أنباط مثاكيل
وقالوا في ارتفاع مواضع بيوتها وأعشاشها. وقال الأعشى [6] : [من الطويل]
ألم تر أن العرض أصبح بطنه ... خيلا وزرعا نابتا وفصافصا [7]
وذا شرفات يقصر الطّرف دونه ... ترى للحمام الورق فيه قرامصا
وقال عمرو بن الوليد [8] : [من الخفيف]
فتبدّلت من مساكن قومي ... والقصور التي بها الآطام
كلّ قصر مشيّد ذي أواس ... تتغنّى على ذراه الحمام
والحمام أيضا ربما سكن أجواف الرّكايا، ولا يكون ذلك إلّا للوحشيّ منها، وفي البير التي لا تورد. قال الشاعر: [من الوافر]
بدلو غير مكربة أصابت ... حماما في مساكنه فطارا
__________
[1] (لوحن: غيرتهن النار. الخوالد: الأثافي) .
[2] ديوان العرجي 117.
[3] خيم: جمع خيمة «القاموس: خيم» . الهابي: الرقيق الدقيق المرتفع «القاموس: هبي» .
[4] العصب: ضرب من البرود اليمنية «القاموس: عصب» .
[5] ديوان جران العود 36.
[6] ديوان الأعشى 201، والأول في اللسان والتاج (فصص، عرض) ، والمقاييس 4/280، والمخصص 14/41، والثاني في اللسان والتاج (قرمص) ، والعين 5/247.
[7] العرض: موضع باليمامة. فصافص: جمع فصصة، بكسر الفاء؛ وهو نبات تعلفه الدواب.
[8] البيتان في الأغاني 1/28، وحماسة القرشي 438.
(3/116)

يقول: استقى بسفرته من هذه البئر، ولم يستق بدلو. وهذه بئر قد سكنها الحمام لأنّها لا تورد.
وقال جهم بن خلف [1] : [من الطويل]
وقد هاج شوقي أن تغنّت حمامة ... مطوّقة ورقاء تصدح في الفجر
هتوف تبكّي ساق حرّ ولن ترى ... لها دمعة يوما على خدّها تجري
تغنّت بلحن فاستجابت لصوتها ... نوائح بالأصياف في فنن السّدر [2]
إذا فترت كرّت بلحن شج لها ... يهيّج للصّبّ الحزين جوى الصّدر
دعتهنّ مطراب العشيّات والضّحى ... بصوت يهيج المستهام على الذّكر
فلم أر ذا وجد يزيد صبابة ... عليها، ولا ثكلى تبكّي على بكر
فأسعدنها بالنّوح حتّى كأنّما ... شربن سلافا من معتّقة الخمر
تجاوبن لحنا في الغصون كأنّها ... نوائح ميت يلتدمن لدى قبر [3]
بسرّة واد من تبالة مونق ... كسا جانبيه الطّلح واعتمّ بالزّهر [4]
706-[استطراد لغوي]
ويقال: هدر الحمام يهدر. قال: ويقال في الحمام الوحشي من القماريّ والفواخت والدّباسي وما أشبه ذلك: قد هدل يهدل هديلا. فإذا طرّب قيل غرّد يغرد تغريدا. والتغريد يكون للحمام والإنسان، وأصله من الطير.
وأمّا أصحابنا فيقولون: إنّ الجمل يهدر، ولا يكون باللام، والحمام يهدل وربّما كان بالراء.
وبعضهم يزعم أنّ الهديل من أسماء الحمام الذّكر. قال الرّاعي واسمه عبيد بن الحصين [5] : [من الكامل]
كهداهد كسر الرّماة جناحه ... يدعو بقارعة الطّريق هديلا
__________
[1] الأبيات في ربيع الأبرار 5/447، عدا البيت قبل الأخير.
[2] السدر: شجر النبق. «القاموس: سدر» .
[3] يلتدمن: يضربن صدورهن في النياحة «القاموس: لدم» .
[4] تبالة: موضع ببلاد اليمن. معجم البلدان 2/9. الطلح قيل: الموز، وقيل: شجر عظيم بالبادية كالسّمر، أو شجر حسن اللون لخضرته، له رفيف ونور طيب. عمدة الحفاظ (طلع) ، وانظر كتب التفسير في قوله تعالى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ
[29/الواقعة: 56] .
[5] ديوان الراعي 238، واللسان والتاج (هدد، هدل) ، والجمهرة 194، 1211، والتهذيب 5/353، 354، والعين 3/347، والمجمل 4/447، والمخصص 8/134.
(3/117)

707-[ساق حرّ]
وزعم الأصمعيّ أنّ قوله [1] : «هتوف تبكّي ساق حرّ» إنّما هو حكاية صوت وحشيّ الطير من هذه النّوّاحات. وبعضهم يزعم أنّ «ساق حرّ» هو الذكر، وذهب إلى قول الطّرمّاح في تشبيه الرّماد بالحمام، فقال [2] : [من المديد]
بين أظآر بمظلومة ... كسراة السّاق ساق الحمام
708-[صفة فرس]
وقال آخر [3] يصف فرسا: [من الراجز]
ينجيه من مثل حمام الأغلال ... رفع يد عجلى ورجل شملال
تظمأ من تحت وتروي من عال
الأغلال: جمع غلل، وهو الماء الذي يجري بين ظهري الشّجر قال: والمعنى أنّ الحمام إذا كان يريد الماء فهو أسرع لها. وقوله: شملال أي خفيفة.
__________
[1] يقصد قصيدة جهم بن خلف التي تقدمت.
[2] ديوان الطرماح 391، والبرصان 179.
[3] الرجز لدكين بن رجاء في اللسان (غلل، ظما، علا) ، والتاج (غلل) . وبلا نسبة في اللسان (ظمأ) ، والتاج (ظمأ، علا) ، والمخصص 13/144، والتهذيب 3/185، 14/402، والمقاييس 4/117.
(3/118)

باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح والشّيات
709-[شيات الحمام]
ويكون فيها المصمت والبهيم أكثر ألوانا، ومن أصناف التّحاسين ما يكون في الحمام، فمنها ما يكون أخضر مصمّتا، وأحمر مصمتا وأسود مصمتا، وأبيض مصمتا، وضروبا من ذلك، كلها مصمتة [1] . إلّا أنّ الهداية للخضر النّمر. فإذا ابيضّ الحمام كالفقيع فمثله من النّاس الصّقلابيّ، فإن الصّقلابيّ فطير [2] خام لم تنضجه الأرحام؛ إذ كانت الأرحام في البلاد التي شمسها ضعيفة.
وإن اسودّ الحمام فإنما ذلك احتراق، ومجاوزة لحدّ النّضج. ومثل سود الحمام من الناس الزّنج؛ فإن أرحامهم جاوزت حدّ الإنضاح إلى الإحراق، وشيّطت [4] الشّمس شعورهم فتقبّضت.
والشّعر إذا أدنيته من النّار تجعّد، فإن زدته تفلفل [5] ، فإن زدته احترق.
وكما أنّ عقول سودان النّاس وحمرانهم دون عقول السّمر، كذلك بيض الحمام وسودها دون الخضر في المعرفة والهداية.
710-[استطراد لغوي]
وأصل الخضرة إنّما هو لون الرّيحان والبقول، ثم جعلوا بعد الحديد أخضر، والسماء خضراء، حتّى سمّوا بذلك الكحل واللّيل.
قال الشّمّاخ بن ضرار [5] : [من الطويل]
ورحن رواحا من زرود فنازعت ... زبالة جلبابا من الليل أخضرا
__________
[1] المقصود بالمصمت: الخالص.
[2] فطير: لم ينضج «القاموس: فطر» .
[3] شيطت: أحرقت «القاموس: شيط» .
[4] شعر مفلفل: شديد الجعودة «القاموس: فلّ» .
[5] ديوان الشماخ 139، وأساس البلاغة (نزع) ، والجمهرة 684، وبلا نسبة في الجمهرة 586.
(3/119)

وقال الرّاجز [1] : [من الرجز]
حتّى انتضاه الصّبح من ليل خضر ... مثل انتضاء البطل السّيف الذّكر
نضو هوى بال على نضو سفر
وقال الله عزّ وجلّ: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُدْهامَّتانِ
[2] قال: خضراوان من الرّي سوداوان.
ويقال: إن العراق إنّما سمّي سوادا بلون السّعف الذي في النّخل، ومائه.
والأسودان: الماء والتمر. والأبيضان: الماء واللبن. والماء أسود إذا كان مع التّمر، وأبيض إذا كان مع اللّبن.
ويقولون: سود البطون وحمر الكلى، ويقولون: سود الأكباد يريدون العداوة، وأن الأحقاد قد أحرقت أكبادهم، ويقال للحافر أسود البطن؛ لأن الحافر لا يكون في بطونها شحم.
ويقولون: نحن بخير ما رأينا سواد فلان بين أظهرنا، يريدون شخصه. وقالوا:
بل يريدون ظلّه.
فأمّا خضر محارب، فإنما يريدون السّود وكذلك: خضر غسّان ولذلك قال الشاعر [3] : [من البسيط]
إنّ الخضارمة الخضر الذين غدوا ... أهل البريص ثمان منهم الحكم [4]
ومن هذا المعنى قول القرشي في مديح نفسه [5] : [من الرمل]
وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب
وإذا قالوا: فلان أخضر القفا، فإنما يعنون به أنّه قد ولدته سوداء. وإذا قالوا:
__________
[1] الرجز بلا نسبة في رسائل الجاحظ 1/208.
[2] 64- 65/الرحمن: 55.
[3] البيت للغساني في رسائل الجاحظ 1/209.
[4] البريص: اسم نهر دمشق، أو الغوطة بأجمعها. معجم البلدان 1/407.
[5] البيت للفضل بن العباس في السمط 701، والفاخر 53، والمؤتلف 35، ومعجم الشعراء 178، والأغاني 16/172، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 224، والمعارف 126، والأضداد 382.
والتنبيه والإيضاح 2/117، والتهذيب 7/106، والجمهرة 587، 685، وأساس البلاغة والتاج (خضر) ، والحماسة المغربية 649، ونسب قريش 90، ورغبة الآمل 2/237، 8/183، وله أو لعمر بن أبي ربيعة في رسائل الجاحظ 1/208، ولعتبة بن أبي لهب في اللسان (خضر) ، وبلا نسبة في المقاييس 2/195، والمجمل 2/198، والتهذيب 7/103.
(3/120)

فلان أخضر البطن، فإنما يريدون أنّه حائك، لأنّ الحائك بطنه لطول التزاقه بالخشبة التي يطوى عليها الثّوب يسودّ.
وكان سبب عداوة العروضي لإبراهيم النّظام، أنّه كان يسمّيه الأخضر البطن، والأسود البطن؛ فكان يكشف بطنه للناس- يريد بذلك تكذيب أبي إسحاق- حتى قال له إسماعيل بن غزوان: إنّما يريد أنّك من أبناء الحاكة! فعاداه لذلك.
فإذا قيل أخضر النّواجذ، فإنما يريدون أنّه من أهل القرى، ممّن يأكل الكرّاث والبصل.
وإذا قيل للثّور: خاضب؛ فإنما يريدون أنّ البقل قد خضب أظلافه بالخضرة.
وإذا قيل للظليم: خاضب، فإنما يريدون حمرة وظيفيه [1] فإنهما يحمرّان في القيظ، وإذا قيل للرّجل خاضب، فإنّما يريدون الحنّاء فإذا كان خضابه بغير الحنّاء قالوا: صبغ ولا يقال خضب.
711-[الألفاظ المثناة]
ويقولون في شبيه بالباب الأوّل: الأحمران: الذهب والزعفران، والأبيضان:
الماء واللّبن، والأسودان: الماء والتمر.
ويقولون: أهلك النّساء الأحمران: الذّهب والزّعفران، وأهلك النّاس الأحامر:
الذهب، والزعفران، واللّحم، والخمر.
والجديدان: اللّيل والنهار، وهما الملوان.
والعصر: الدّهر، والعصران: صلاة الفجر وصلاة العشي، والعصران: الغداة والعشيّ، قال الشاعر [2] : [من الطويل]
وأمطله العصرين حتّى يملّني ... ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم
ويقال: «البائعان بالخيار» [3] وإنّما هو البائع والمشتري [4] ، فدخل المبتاع في البائع.
__________
[1] الوظيف: مستدق الذراع والساق «القاموس: وظف» .
[2] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (عصر) ، والمقاييس 3/380، والتهذيب 2/13، والمجمل 3/297، والأضداد 202، وصدر البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه 119 ورواية عجزه: (ويرضى ببعض الدين في غير نائل) .
[3] أخرج البخاري في كتاب البيوع برقم 1973، 1976، 2002، 2004، 2008 (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ... ) ، وأخرجه مسلم في البيوع برقم 1532.
[4] أي أن «باع» هي كلمة من الأضداد، انظر الأضداد 73- 75، 199.
(3/121)

وقال الله عزّ وجلّ: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ
[1] ، دخلت الأمّ في اسم الأبوّة، كأنهم يجمعون على أنبه الاسمين وكقولهم: ثبيرين [2] ، والبصرتين [3] . وليس ذلك بالواجب؛ وقد قالوا: سيرة العمرين، وأبو بكر فوق عمر، قال الفرزدق [4] : [من الطويل]
أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
وأمّا قول ذي الرّمّة [5] : [من الطويل]
وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد
فإنه ليس يريد لون الجلباب، ولكنّه يريد سبوغه.
712-[جواب أعرابيّ]
قال [6] : وكذلك قول الأعرابيّ حين قيل له: بأيّ شيء تعرف حمل شاتك؟
قال: «إذا استفاضت خاصرتها، ودجت شعرتها» . فالدّاجي هاهنا اللابس.
قال الأصمعي ومسعود بن فيد الفزاري: ألا ترونه يقول: «كان ذلك وثوب الإسلام داج» . وأما لفظ الأصمعيّ فإنّه قال: كان ذلك منذ دجا الإسلام [7] . يعني أنّه ألبس كلّ شيء.
713-[شيات الحمام]
ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر شيات الحمام.
وزعموا أنّ الأوضاح كلّها ضعف، قليلها وكثيرها، إلّا أنّ ذلك بالحصص على
__________
[1] 11/النساء: 4.
[2] الثبيران: جبلان مفترقان يصب بينهما أفاعية، وهو واد يصب من منى، يقال لأحدهما ثبير غينى، وللآخر ثبير الأعرج. معجم البلدان 2/73 (ثبير) .
[3] البصرتان: البصرة والكوفة. معجم البلدان 1/430 (البصرة) .
[4] ديوان الفرزدق 1/419، والخزانة 4/391، 9/128، وشرح شواهد المغني 1/13، 2/964، واللسان (عوي) ، وبلا نسبة في اللسان (شرق، قبل) ، والمقتضب 4/326.
[5] ديوان ذي الرمة 1108، واللسان والتاج وأساس البلاغة (روز) . ورواية صدر البيت في المصادر (وليل كأثناء الرويزي جبته) . والبيت كرواية الجاحظ في ديوان المعاني 1/342، وأخبار أبي تمام 83.
[6] عيون الأخبار 2/75.
[7] النهاية 2/102 وفيه «دجا الإسلام: شاع وكثر» .
(3/122)

قدر الكثرة والقلّة، كذلك هي في جميع الحيوان سواء مستقبلها ومستدبرها. وذلك ليس بالواجب حتى لا يغادر شيئا البتة؛ لأنّ الكلبة السّلوقيّة البيضاء أكرم وأصيد، وأصبر من السّوداء.
والبياض في النّاس على ضروب: فالمعيب منه بياض المغرب والأشقر والأحمر أقلّ في الضّعف والفساد، إذا كان مشتقّا من بياض البهق والبرص والبرش والشيب والمغرب عند العرب لا خير فيه البتة. والفقيع لا ينجب، وليس عنده إلّا حسن بياضه، عند من اشتهى ذلك.
714-[سوابق الخيل]
وزعم ابن سلّام الجمحيّ أنّه لم يرقطّ بلقاء ولا أبلق جاء سابقا. وقال الأصمعيّ: لم يسبق الحلبة أهضم قطّ؛ لأنهم يمدحون المجفر [1] من الخيل، كما قال [2] : [من المنسرح]
خيط على زفرة فتمّ ولم ... يرجع إلى دقّة ولا هضم
ويقولون: إنّ الفرس بعنقه وبطنه.
وخبّرني بعض أصحابنا، أنّه رأى فرسا للمأمون بلقاء سبقت الحلبة. وهذه نادرة غريبة.
715-[نظافة الحمام ونفع ذرقه]
والحمام طائر ألوف مألوف ومحبّب، موصوف بالنّظافة، حتى إنّ ذرقه لا يعاف ولا نتن له، كسلاح [3] الدّجاج والدّيكة. وقد يعالج بذرقه صاحب الحصاة.
والفلّاحون يجدون فيه أكثر المنافع. والخبّاز يلقي الشيء منه في الخمير لينتفخ العجين ويعظم الرغيف، ثمّ لا يستبين ذلك فيه. ولذرقه غلّات، يعرف ذلك أصحاب الحجر. وهو يصلح في بعض وجوه الدّبغ.
__________
[1] المجفر: الواسع العظيم «القاموس: جفر» .
[2] البيت للنابغة الجعدي في ديوانه 156، واللسان (زفر، هضم) ، وأساس البلاغة (زفر) ، والتاج (هضم) ، والمعاني الكبير 139، وبلا نسبة في الجمهرة 706، والمخصص 14/146.
[3] السّلاح: النجو «القاموس: سلح» .
(3/123)

[باب الحمام طائر لئيم]
(باب)
716-[لؤم الحمام]
وقال صاحب الدّيك: الحمام طائر لئيم قاسي القلب، وإن برّ بزعمكم ولد غيره، وصنع به كما يصنع بفرخه؛ وذلك أنهما يحضنان كلّ بيض، ويزقّان كلّ فرخ، وما ذاك منهما إلّا في الفرط.
فأمّا لؤمه فمن طريق الغيرة، فإنّه يرى بعينه الذّكر الذي هو أضعف منه، وهو يطرد أنثاه ويكسح بذنبه حولها، ويتطوّس [1] لها ويستميلها، وهو يرى ذلك بعينه- ثمّ لم نرقط ذكرا واثب ذكرا عند مثل ذلك.
فإذا قلت: إنّه يشتدّ عليه ويمنعه إذا جثمت له وأراد أن يعلوها؛ فكلّ ذكر وأنثى هنالك يفعل ذلك، وليس ذلك من الذكر الغريب من طريق الغيرة، ولكنّه ضرب من البخل ومن النّفاسة. وإذا لم يكن من ذكرها إلّا مثل ما يكون من جميع الحمام علم أنّ ذلك منه ليس من طريق الغيرة. وأنا رأيت النواهض تفعل ذلك، وتقطع على الذّكر بعد أن يعلو على الأنثى.
قال: وأمّا ما ذكرتم من أن الحمام معطوف على فراخه ما دامت محتاجة إلى الزّقّ، فإذا استغنت نزعت منها الرحمة، فليس ذلك كما قلتم. الحمام طائر ليس له عهد؛ وذلك أنّ الذّكر ربما كانت معه الأنثى السّنين، ثمّ تنقل عنه وتوارى عنه شهرا واحدا، ثم تظهر له مع زوج أضعف منه، فيراها طول دهره وهي إلى جنب بيته وتماريده [2] فكأنه لا يعرفها بعد معرفتها الدّهر الطويل، وإنما غابت عنه الأيّام اليسيرة. فليس يوجّه ذلك الجهل الذي يعامل به فراخه بعد أن كبرت، إلّا على الغباوة وسوء الذّكر، وأنّ الفرخ حين استوى ريشه وأشبه غيره من الحمام جهل الفصل الذي بينهما.
فإن كان يعرف أنثاه وهو يجدها مع ذكر ضعيف وهو مسلّم لذلك وقانع به، وقليل الاكتراث به، فهو من لؤم في أصل الطبيعة.
__________
[1] تطوّس: أبدى محاسنه وجماله. انظر القاموس «طوس» .
[2] التّمراد: بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه.
(3/124)

717-[قسوة الحمام]
قال: وباب آخر من لؤمه: القسوة، وهي ألأم اللّؤم؛ وذلك أن الذّكر ربّما كان في البيت طائر ذكر قد اشتدّ ضعفه، فينقر رأسه والآخر مستخذ له، قد أمكنه من رأسه خاضعا له، شديد الاستسلام لأمره، فلا هو يرحمه لضعفه وعجزه عنه، ولا هو يرحمه لخضوعه، ولا هو يملّ وليس له عنده وتر. ثمّ ينقر يافوخه حتى ينقب عنه، ثمّ لا يزال ينقر ذلك المكان بعد النّقب حتى يخرج دماغه فيموت بين يديه.
فلو كان ممّا يأكل اللّحم واشتهى الدماغ كان ذلك له عذرا؛ إذ لم يعد ما طبع الله عليه سباع الطير.
فإذا رأينا من بعض بهائم الطير من القسوة ما لا نرى من سباع الطير لم يكن لنا إلّا أن نقضي عليه من اللؤم على حسب مباينته لشكل البهيمة، ويزيد في ذلك على ما في جوارح الطير من السّبعية.
718-[أقوال لصاحب الديك في الحمام]
وقال صاحب الديك:
زعم أبو الأصبغ بن ربعيّ قال: كان روح أبو همام صاحب المعمّى، عند مثنّى ابن زهير، فبينما هو يوما وهو معه في السطح إذ جاء جماعة فصعدوا. فلم يلبث أن جاء آخرون، ثمّ لم يلبث أن جاء مثلهم، فأقبل عليهم فقال: أيّ شيء جاء بكم؟ وما الذي جمعكم اليوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي يرجع فيه مزاجيل الحمام من الغاية. قال:
ثمّ ماذا؟ قالوا: ثمّ نتمتّع بالنّظر إليها إذا أقبلت. قال: لكنّني أتمتّع بتغميض العين إذا أقبلت، وترك النّظر إليها!! ثمّ نزل وجلس وحده.
719-[التلهّي بالحمام]
وقال مثنّى بن زهير ذات يوم: ما تلهّى النّاس بشيء مثل الحمام، ولا وجدنا شيئا مما يتخذه النّاس ويلعب به ويلهى به، يخرج من أبواب الهزل إلى أبواب الجدّ- كالحمام- وأبو إسحاق حاضر- فغاظه ذلك، وكظم على غيظه. فلمّا رأى مثنّى سكوته عن الردّ عليه طمع فيه فقال: يبلغ والله من كرم الحمام ووفائه، وثبات عهده، وحنينه إلى أهله، أنّي ربّما قصصت الطّائر وبعد أن طار عندي دهرا، فمتى نبت جناحه كنباته الأوّل، لم يدعه سوء صنعي إليه إلى الذّهاب عنّي. ولربّما بعته
(3/125)

فيقصّه المبتاع حينا، فما هو إلّا أن يجد في جناحه قوّة على النّهوض حتّى أراه أتاني جادفا أو غير جادف [1] . وربّما فعلت ذلك به مرارا كثيرة، كلّ ذلك لا يزداد إلّا وفاء.
قال أبو إسحاق: أمّا أنت فأراك دائبا تحمده وتذمّ نفسك. ولئن كان رجوعه إليك من الكرم إنّ إخراجك له من اللّؤم! وما يعجبني من الرّجال من يقطع نفسه لصلة طائر، وينسى ما عليه في جنب ما للبهيمة. ثم قال: خبّرني عنك حين تقول:
رجع إليّ مرّة بعد مرّة، وكلما زهدت فيه كان فيّ أرغب، وكلّما باعدته كان لي أطلب؛ إليك جاء، وإليك حنّ أم إلى عشّه الذي درج منه، وإلى وكره الذي ربّي فيه؟! أرأيت أن لو رجع إلى وكره وبيته ثمّ لم يجدك، وألفاك غائبا أو ميّتا، أكان يرجع إلى موضعه الذي خلّفه؟! وعلى أنّك تتعجّب من هدايته، وما لك فيه مقال غيره. فأمّا شكرك على إرادته لك، فقد تبيّن خطاؤك فيه، وإنما بقي الآن حسن الاهتداء، والحنين إلى الوطن.
720-[هداية الرخم]
وقد أجمعوا على أنّ الرّخم من لئام الطير وبغاثها، وليست من عتاقها وأحرارها، وهي من قواطع الطّير، ومن موضع مقطعها إلينا ثمّ مرجعها إليه من عندنا، أكثر وأطول من مقدار أبعد غايات حمامكم. فإن كانت وقت خروجها من أوطانها إلينا خرجت تقطع الصّحارى والبراريّ والجزائر والغياض والبحار والجبال، حتّى تصير إلينا في كلّ عام- فإن قلت إنّها ليست تخرج إلينا على سمت ولا على هداية ولا دلالة، ولا على أمارة وعلامة، وإنما هربت من الثّلوج والبرد الشّديد، وعلمت أنّها تحتاج إلى الطّعم، وأنّ الثّلج قد ألبس ذلك العالم، فخرجت هاربة فلا تزال في هربها إلى أن تصادف أرضا خصبا دفئا، فتقيم عند أدنى ما تجد- فما تقول فيها عند رجوعها ومعرفتها بانحسار الثلوج عن بلادها؟! أليست قد اهتدت طريق الرّجوع!؟
ومعلوم عند أهل تلك الأطراف، وعند أصحاب التّجارب وعند القانص، أنّ طير كلّ جهة إذا قطعت رجعت إلى بلادها وجبالها وأوكارها، وإلى غياضها وأعشّتها. فتجد هذه الصّفة في جميع القواطع من الطّير، كرامها كلئامها، وبهائمها كسباعها. ثمّ لا يكون اهتداؤها على تمرين وتوطين، ولا عن تدريب وتجريب، ولم تلقّن بالتّعليم، ولم تثبّت بالتّدبير والتقويم. فالقواطع لأنفسها تصير إلينا، ولأنفسها تعود إلى أوكارها.
__________
[1] جدف الطائر: طار وهو مقصوص «القاموس: جدف» .
(3/126)

وكذلك الأوابد من الحمام، لأنفسها ترجع. وإلفها للوطن إلف مشترك مقسوم على جميع الطّير. فقد بطل جميع ما ذكرت.
721-[قواطع السمك]
ثمّ قال: وأعجب من جميع قواطع الطّير قواطع السّمك، كالأسبور والجواف والبرستوج، فإنّ هذه الأنواع تأتي دجلة البصرة من أقصى البحار، تستعذب الماء في ذلك الإبّان، كأنها تتحمّض بحلاوة الماء وعذوبته، بعد ملوحة البحر؛ كما تتحمّض الإبل فتتطلب الحمض- وهو ملح- بعد الخلّة- وهو ما حلا وعذب.
722-[طلب الأسد للملح]
والأسد إذا أكثرت من حسو الدّماء- والدّماء حلوة- وأكل اللّحم واللّحم حلو- طلبت الملح لتتملّح به، وتجعله كالحمض بعد الخلّة.
ولولا حسن موقع الملح لم يدخله النّاس في أكثر طعامهم.
والأسد يخرج للتملّح فلا يزال يسير حتّى يجد ملّاحة. وربّما اعتاد الأسد مكانا فيجده ممنوعا، فلا يزال يقطع الفراسخ الكثيرة بعد ذلك فإذا تملّح رجع إلى موضعه وغيضته وعرينه، وغابه وعرّيسته، وإن كان الذي قطع خمسين فرسخا.
723-[قواطع السمك]
ونحن بالبصرة نعرف الأشهر التي يقبل إلينا فيها هذه الأصناف وهي تقبل مرّتين في كلّ سنة، ثمّ نجدها في إحداهما أسمن الجنس، فيقيم كلّ جنس منها عندنا شهرين إلى ثلاثة أشهر، فإذا مضى ذلك الأجل، وانقضت عدّة ذلك الجنس، أقبل الجنس الآخر. فهم في جميع أقسام شهور السّنة من الشتاء والربيع، والصّيف والخريف، في نوع من السّمك غير النّوع الآخر. إلّا أن البرستوج يقبل إلينا قاطعا من بلاد الزّنج، يستعذب الماء من دجلة البصرة، يعرف ذلك جميع الزّنج والبحريّين.
724-[بعد بلاد الزّنج والصّين عن البصرة]
وهم يزعمون أنّ الذي بين البصرة والزّنج، أبعد مما بين الصّين وبينها.
وإنما غلط ناس فزعموا أنّ الصّين أبعد، لأن بحر الزّنج حفرة واحدة عميقة واسعة، وأمواجها عظام، ولذلك البحر ريح تهبّ من عمان إلى جهة الزّنج شهرين، وريح تهبّ من بلاد الزّنج تريد جهة عمان شهرين، على مقدار واحد فيما بين الشّدّة
(3/127)

واللّين، إلّا أنّها إلى الشدّة أقرب، فلما كان البحر عميقا والرّيح قويّة، والأمواج عظيمة، وكان الشّراع لا يحطّ، وكان سيرهم مع الوتر ولم يكن مع القوس، ولا يعرفون الخبّ والمكلأّ [1] ، صارت الأيّام التي تسير فيها السّفن إلى الزّنج أقل.
725-[سمك البرستوج]
قال: والبرستوج سمك يقطع أمواج الماء، ويسيح إلى البصرة من الزنج، ثم يعود ما فضل عن صيد الناس إلى بلاده وبحره. وذلك أبعد ممّا بين البصرة إلى العليق المرار الكثيرة. وهم لا يصيدون من البحر فيما بين البصرة إلى الزنج من البرستوج شيئا إلّا في إبان مجيئها إلينا ورجوعها عنّا، وإلّا فالبحر منها فارغ خال.
فعامة الطير أعجب من حمامكم، وعامّة السّمك أعجب من الطّير.
726-[هداية الطير والسمك]
والطّير ذو جناحين، يحلّق في الهواء، فله سرعة الدّرك وبلوغ الغاية بالطيران، وله إدراك العالم بما فيه بعلامات وأمارات إذا هو حلّق في الهواء، وعلا فوق كل شيء.
والسّمكة تسبّح في غمر البحر والماء، ولا تسبّح في أعلاه. ونسيم الهواء الذي يعيش به الطير لو دام على السمك ساعة من نهار لقتله وقال أبو العنبر: قال أبو نخيلة الراجز [2] وذكر السمك: [من الرجز]
تغمّه النشرة والنسيم ... فلا يزال مغرقا يعوم
في البحر والبحر له تخميم ... وأمّة الوالدة الرؤوم
تلهمه جهلا وما يريم
يقول: النشرة والنسيم الذي يحيي جميع الحيوانات، إذا طال عليه الخموم واللّخن والعفن، والرّطوبات الغليظة، فذلك يغمّ السّمك ويكربه، وأمّه التي ولدته تأكله؛ لأنّ السّمك يأكل بعضه بعضا، وهو في ذلك لا يريم هذا الموضع.
وقال رؤبة [3] : [من الرجز]
والحوت لا يكفيه شيء يلهمه ... يصبح عطشان وفي الماء فمه
__________
[1] الخب: اضطراب أمواج البحر «القاموس: خبّ» المكلأ: المرفأ «القاموس: كلأ» .
[2] الرجز في اللسان (نشر) ، وحياة الحيوان 1/567.
[3] الرجز لرؤبة في ديوانه 159، والخزانة 4/451، 454، 460، والدرر 1/114، وشرح شواهد المغني 1/467، والمقاصد النحوية 1/139، وبلا نسبة في المخصص 1/136، وهمع الهوامع 1/40.
(3/128)

يصف طباعه واتّصاله بالماء، وأنّه شديد الحاجة إليه، وإن كان غرقا فيه أبدا.
727-[شعر في الهجاء]
وأنشدني محمّد بن يسير لبعض المدنيّين، يهجو رجلا، وهو قوله [1] : [من مجزوء الرمل]
لو رأى في السّقف فرجا ... لنزا حتّى يموتا
أو رآه وسط بحر ... صار فيه الدّهر حوتا
قال: يقول في الغوص في البحر، وفي طول اللبث فيه.
728-[حالة من امتلأ فمه ماء]
وقال الذّكواني [2] ، وهو يصف الضّفدع: [من الرجز]
يدخل في الأشداق ماء ينصفه ... كيما ينقّ والنّقيق يتلفه
قال: يقول: الضّفدع لا يصوّت، ولا يتهيّأ له ذلك حتّى يكون في فيه ماء، وإذا أراد ذلك أدخل فكه الأسفل في الماء، وترك الأعلى حتى يبلغ الماء نصفه.
والمثل الذي يتمثّل به النّاس: «فلان لا يستطيع أن يجيب خصومه لأنّ فاه ملآن ماء» [3] . وقال شاعرهم [4] : [من البسيط]
وما نسيت مكان الآمريك بذا ... يا من هويت ولكن في فمي ماء
وإنّما جعلوا ذلك مثلا، حين وجدوا الإنسان إذا كان في فمه ماء على الحقيقة لم يستطع الكلام. فهو تأويل قول الذّكوانيّ: [من الرجز]
يدخل في الأشداق ماء ينصفه
بفتح الياء وضمّ الصّاد، فإنّه ذهب إلى قول الشاعر [5] : [من الطويل]
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري
المضوفة: الأمر الذي يشفق منه.
__________
[1] البيتان لأبي نواس في الكنايات للجرجاني 37، ومعاهد التنصيص 1/68.
[2] الرجز بلا نسبة في عيون الأخبار 2/97، وحياة الحيوان 1/646.
[3] في مجمع الأمثال 2/90 (في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء) .
[4] البيت لأبي نواس في ديوانه 709.
[5] البيت لأبي جندب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 358، واللسان (جور، ضيف، نصف، كون) ، والتاج (حير، ضوف، ضيف) ، وأساس البلاغة (ضيف) ، والمعاني الكبير 700، 1119، وبلا نسبة في شرح المفصل 10/81، والممتع في التصريف 2/470، والمنصف 1/301.
(3/129)

وكقول الآخر [1] : [من الوافر]
فإنّ الظّنّ ينصف أو يزيد
وهذا ليس من الإنصاف الذي هو العدل، وإنّما هو من بلوغ نصف الساق.
وأمّا قوله: [من الرجز]
كيما ينقّ والنّقيق يتلفه
فإنه ذهب إلى قول الشاعر [2] : [من الطويل]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
729-[معرفة العرب والأعراب بالحيوان]
وقلّ معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتب الأطبّاء والمتكلمين- إلّا ونحن قد وجدناه أو قريبا منه في أشعار العرب والأعراب، وفي معرفة أهل لغتنا وملّتنا. ولولا أن يطول الكتاب لذكرت ذلك أجمع. وعلى أنّي قد تركت تفسير أشعار كثيرة، وشواهد عديدة مما لا يعرفه إلّا الرّواية النّحرير؛ من خوف التطويل.
730-[حمام النساء وحمام الفراخ]
وقال أفليمون صاحب الفراسة: اجعل حمام النساء المسرولات العظام الحسان، ذوات الاختيال والتّبختر والهدير؛ واجعل حمام الفراخ ذوات الأنساب الشريفة والأعراق الكريمة، فإنّ الفراخ إنّما تكثر عن حسن التعهّد، ونظافة القراميص [3] والبروج. واتّخذ لهنّ بيتا محفورا على خلقة الصّومعة، محفوفا من أسفله إلى مقدار ثلثي حيطانه بالتماريد [4] ، ولتكن واسعة وليكن بينها حجاز.
وأجود ذلك أن تكون تماريدها محفورة في الحائط على ذلك المثال، وتعهّد البرج
__________
[1] صدر البيت
(فإلّا يأتكم خبر يقين)
، وهو لأبي الفضة قاتل أحمر بن شميط، وقد تقدم في مطلع باب «في صدق الظن وجودة الفراسة» ، ص 27.
[2] البيت للأخطل في ديوانه 181، والبيان 1/270، والكنايات 72، وبلا نسبة في عيون الأخبار 2/97.
[3] القراميص: جمع قرموص؛ وهو العش يبيض فيه الحمام «القاموس: قرمص» .
[4] التماريد: جمع تمراد، وهو بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه «القاموس مرد» .
(3/130)

بالكنس والرّشّ في زمان الرش، وليكن مخرجهنّ من كوّ [1] في أعلى الصّومعة، وليكن مقتصدا في السّعة والضّيق، بقدر ما يدخل منه ويخرج منه الواحد بعد الواحد. وإن استطعت أن يكون البيت بقرب مزرعة فافعل. فإن أعجزك المنسوب منها فالتمس ذلك بالفراسة التي لا تخطئ وقلّما يخطئ. المتفرّس.
قال: وليس كلّ الهدّى تقوى على الرّجعة من حيث أرسلت؛ لأنّ منها ما تفضل قوّته على هدايته، ومنها البطيء وإن كان قويّا، ومنها السّريع وإن كان ضعيفا، على قدر الحنين والاغترام. ولا بدّ لجميعها من الصّرامة، ومن التّعليم أوّلا والتّوطين آخرا.
731-[جماع الفراسة أربعة]
وقال [2] : جماع الفراسة لا يخرج من أربعة أوجه: أوّلها التقطيع، الثاني المجسّة، والثالث الشمائل، والرابع الحركة.
فالتقطيع: انتصاب العنق والخلقة، واستدارة الرأس من غير عظم ولا صغر، مع عظم القرطمتين [3] ، واتّساع المنخرين، وانهرات الشدقين وهذان من أعلام الكرم في الخيل؛ للاسترواح وغير ذلك. ثمّ حسن خلقة العينين، وقصر المنقار في غير دقّة ثمّ اتّساع الصّدر وامتلاء الجؤجؤ، وطول العنق، وإشراف المنكبين، وطول القوادم في غير إفراط، ولحوق بعض الخوافي ببعض، وصلابة العصب في غير انتفاخ ولا يبس واجتماع الخلق في غير الجعودة والكزازة، وعظم الفخذين، وقصر الساقين والوظيفين، وافتراق الأصابع، وقصر الذّنب وخفّته، من غير تفنين وتفرّق. ثم توقّد الحدقتين، وصفاء اللّون. فهذه أعلام الفراسة في التقطيع.
وأمّا أعلام المجسة، فوثاقة الخلق، وشدّة اللّحم، ومتانة العصب، وصلابة القصب، ولين الرّيش في غير رقّة وصلابة المنقار في غير دقة.
وأمّا أعلام الشمائل، فقلّة الاختيال، وصفاء البصر وثبات النّظر وشدّة الحذر، وحسن التّلفت، وقلّة الرعدة عند الفزع، وخفّة النّهوض إذا طار، وترك المبادرة إذا لقط.
__________
[1] الكوّ: الخرق في الحائط «القاموس: كوة» .
[2] انظر المخصص 8/170، ونهاية الأرب 10/270.
[3] القرطمتان: نقطتان على أصل منقار الحمام «القاموس: قرطم» .
(3/131)

وأمّا أعلام الحركة، فالطيران في علوّ، ومدّ العنق في سموّ، وقلة الاضطراب في جوّ السماء، وضمّ الجناحين في الهواء، وتدافع الركض في غير اختلاط، وحسن القصد في غير دوران، وشدّة المدّ في الطيران. فإذا أصبته جامعا لهذه الخصال فهو الطائر الكامل. وإلا فبقدر ما فيه من المحاسن تكون هدايته وفراهته.
732-[أدواء الحمام وعلاجها]
قال [1] : فاعلموا أنّ الحمام من الطير الرقيق، الذي تسرع إليه الآفة، وتعروه الأدواء، وطبيعته الحرارة واليبس. وأكثر أدوائه الخنان [2] والكباد [3] ، والعطاش، والسل، والقمّل. فهو يحتاج إلى المكان البارد والنّظيف، وإلى الحبوب الباردة كالعدس والماش والشّعير المنخول. والقرطم له بمنزلة اللّحم للإنسان؛ لما فيه من قوّة الدّسم.
فممّا يعالج به الكباد [4] : الزّعفران والسكر الطبرزد، وماء الهندباء يجعل في سكرّجة، ثمّ يوجر ذلك أو يمجّ في حلقه مجّا وهو على الرّيق.
وممّا يعالج به الخنان [4] : أن يليّن لسانه يوما أو يومين بدهن البنفسج، ثمّ بالرّماد والملح، يدلك بها حتّى تنسلخ الجلدة العليا التي غشيت لسانه. ثمّ يطلى بعسل ودهن ورد، حتّى يبرأ.
وممّا يعالج به السّلّ [4] : أن يطعم الماش [5] المقشور، ويمجّ في حلقه من اللّبن الحليب، ويقطع من وظيفيه عرقان ظاهران في أسفل ذلك، مما يلي المفصل من باطن.
وممّا يعالج به القمّل: أن يطلى أصول ريشه بالزّيبق المحلّل بدهن البنفسج، يفعل به ذلك مرّات حتى يسقط قمله؛ ويكنس مكانه الذي يكون فيه كنسا نظيفا.
733-[تعليم الحمام]
وقال: اعلم أنّ الحمام والطير كلّها لا يصلح التّغمير به من البعد. وهدايته على
__________
[1] عيون الأخبار 2/90.
[2] الخنان: داء يأخذ الطير في حلوقها «القاموس: خن» .
[3] الكباد: وجع الكبد.
[4] عيون الأخبار 2/91، وفيه سرد لعلاج أمراض الحمام.
[5] الماش: حب مدور أصغر من الحمص؛ أسمر اللون، يميل إلى الخضرة، يؤكل مطبوخا.
(3/132)

قدّر التعليم، وعلى قدر التوطين. فأوّل ذلك أن يخرج إلى ظهر سطح يعلو عليه، وينصب عليه علم يعرفه، ويكون طيرانه لا يجاوز محلّته، وأن يكون علفه بالغداة والعشيّ، يلقى له فوق ذلك السّطح، قريبا من علمه المنصوب له، حتّى يألف المكان ويتعّود الرّجوع إليه. ولكن لينظر من أيّ شيء يتّخذ العلم؟ فإنّه لا ينبغي أن يكون أسود، ولا يكون شيئا تراه من البعد أسود. وكلما كان أعظم كان أدلّ.
ولا ينبغي أن يطيّره وزوجته معا، ولكن ينتف أحدهما ويطيّر الآخر، ويخرجان إلى السّطح جميعا، ثمّ يطيّر الوافي الجناح؛ فإنّه ينازع إلى زوجته. وإذا عرف المكان، ودار ورجع، وألف ذلك الموضع، ونبت ريش الآخر، صنع به كذلك.
وأجود من ذلك أن يخرجا إلى السّطح وهما مقصوصان، حتّى يألفا ذلك الموضع، ثمّ يطيّر أحدهما قبل صاحبه، ويصنع بالثّاني كما صنع بالأوّل.
وما أشبه قوله هذا بقول ماسرجويه؛ فإنه وصف في كتابه، طباع جميع الألبان، وشربها للدّواء، فلمّا فرغ من الصّفة قال: وقد وصفت لك حال الألبان في أنفسها، ولكن انظر إلى من يسقيك اللّبن؛ فإنّك بدءا تحتاج إلى تنظيف جوفك، وتحتاج إلى من يعرف مقدار علّتك من قدر اللّبن، وجنس علّتك من جنس اللّبن.
734-[حوار مع نجار يفهم صناعته]
ومثل ذلك قول نجّار كان عندي، دعوته لتعليق [1] باب ثمين كريم فقلت له:
إنّ إحكام تعليق الباب شديد ولا يحسنه من مائة نجّار نجار واحد. وقد يذكر بالحذق في نجارة السقوف والقباب، وهو لا يكمل لتعليق باب على تمام الاحكام فيه. والسقوف، والقباب عند العامّة أصعب.
ولهذا أمثال: فمن ذلك أنّ الغلام والجارية يشويان الجدي والحمل ويحكمان الشيّ، وهما لا يحكمان شيّ جنب. ومن لا علم له يظنّ أنّ شيّ البعض أهون من شيّ الجميع!.
فقال لي: قد أحسنت حين أعلمتني أنّك تبصر العمل، فإنّ معرفتي بمعرفتك تمنعني من التشفيق [2] . فعلّقه فأحكم تعليقه؛ ثمّ لم يكن عندي حلقة لوجه الباب إذا أردت إصفاقه، فقلت له: أكره أن أحبسك إلى أن يذهب الغلام إلى السوق
__________
[1] تعليق الباب: تركيبه «القاموس: علق» .
[2] الشفق: الرديء من الأشياء «القاموس: شفق» .
(3/133)

ويرجع. ولكن اثقب لي موضعها. فلما ثقبه وأخذ وحقّه ولّاني ظهره للانصراف، والتفت إليّ فقال: قد جوّدت الثّقب، ولكن انظر أيّ نجار يدقّ فيه الزّرّة؛ فإنه إن أخطأ بضربة واحدة شقّ الباب- والشق عيب- فعلمت أنّه يفهم صناعته فهما تامّا.
735-[قص الحمام ونتفه]
وبعض الناس إذا أراد أن يعلّم زوجا قصّهما ولم ينتفهما. وبين النّتف والقصّ بون بعيد. والقصّ كثير القصّ لا يوجع ولا يقرّح مغارز قصب الرّيش، والنّتف يوهن المنكبين. فإذا نتف الطائر مرارا لم يقو على الغاية، ولم يزل واهن المنكبين. ومتى أبطأ عليه فنتفه وقد جفّت أصوله وقربت من الطّرح كان أهون عليه، وكلما كان النبات أطرأ كان أضرّ عليه. وإنه ليبلغ من مضرّته، وأنّ الذّكر لا يجيد الإلقاح، والأنثى لا تجيد القبول. وربّما نتفت الأنثى وقد احتشت بيضا، وقد قاربت أن تبيض، فتبطئ بعد وقتها الأيّام؛ وربما أضرّ ذلك بالبيض.
736-[زجل الحمام]
قال: وإذا بلغ الثّاني مبلغ الأوّل في استواء الرّيش، والاهتداء إلى العلم، طيّرا جميعا، ومنعا من الاستقرار؛ إلّا أن يظن بهما الإعياء والكلال. ثم يوطّن لهما المراجل برّا وبحرا، من حيث يبصران إذا هما ارتفعا في الهواء السّمت ونفس العلم، وأقاصي ما كانا يريانه منها عند التّباعد في الدّوران والجولان. فإذا رجعا من ذلك المكان مرّات زجلا من أبعد منه- وقد كانوا مرّة يعجبهم أن يزجلوا من جميع التوطينات، ما لم تبعد، مرّتين مرّتين- فلا يزالان كذلك حتّى يبلغا الغاية، ويكون أحدهما محتبسا إذا أرسل صاحبه؛ ليتذكّره فيرجع إليه. فإن خيف عليه أن يكون قد ملّ زوجته، عرضت عليه زوجة أخرى قبل الزّجل؛ فإذا تسنّمها مرّة حيل بينه وبينها يومه ذلك، ثمّ عرضوها عليه قبل أن يحمل، فإذا أطاف بها نحّيت عنه، ثمّ حمل إلى الزّاجل؛ فإنّ ذلك أسرع له.
وقال: اعلموا أنّ أشدّ المزاجل ما قلّت أعلامه، كالصّحارى والبحار.
737-[اختلاف طباع الطير]
قال: والطير تختلف في الطّباع اختلافا شديدا: فمنها القويّ، ومنها الضعيف، ومنها البطيء، ومنها السّريع، ومنها الذّهول، ومنها الذّكور، ومنها القليل الصّبر على العطش، ومنها الصّبور. وذلك لا يخفى فيهنّ عند التّعليم والتّوطين، في سرعة
(3/134)

الإجابة والإبطاء. فلا تبعدنّ غاية الضّعيف والذّهول والقليل الصّبر على العطش، ولا تزجلنّ ما كان منشؤه في بلا الحرّ في بلاد البرد، ولا ما كان منشؤه في بلاد البرد في بلاد الحرّ؛ إلّا ما كان بعد الاعتياد. ولا يصبر على طول الطيران في غير هوائه وأجوائه طائر إلا بطول الإقامة في ذلك المكان، ولا تستوي حاله وحال من لا يعدو هواءه والهواء الذي يقرب من طباع هوائه.
738-[تعليم الحمام ورود الماء]
قال: ولا بدّ أن يعلّم الورود، فإذا أردت به ذلك فأورده العيون والغدران والأنهار، ثمّ حل بينه وبين النّظر إلى الماء، حتى تكفّ بصره بأصابعك عن جهة الماء واتّساع المورد، إلّا بقدر ما كان يشرب فيه من المساقي، ثمّ أوسع له إذا عبّ قليلا بقدر ما لا يروعه ذلك المنظر وليكن معطّشا؛ فإنّه أجدر أن يشرب. تفعل به ذلك مرارا، ثمّ تفسح له المنظر أوّلا أوّلا، حتى لا ينكر ما هو فيه. فلا تزال به حتّى يعتاد الشّرب بغير سترة.
739-[استئناس الحمام واستيحاشه]
قال: واعلم أنّ الحمام الأهليّ الذي عايش النّاس، وشرب من المساقي ولقط في البيوت يختلّ بالوحدة، ويستوحش بالغربة.
قال: واعلم أنّ الوحشيّ يستأنس، والأهلي يستوحش.
قال: واعلم أنّه ينسى التّأديب إذا أهمل، كما يتأدّب بعد الإهمال.
740-[ترتيب الزجل]
وإذا زجلت فلا تخطرف به من نصف الغاية إلى الغاية، ولكن رتّب ذلك؛ فإنّه ربّما اعتاد المجيء من ذلك البعد، فمتى أرسلته من أقرب منه تحيّر، وأراد أن يبتدئ أمره ابتداء. وهم اليوم لا يفعلون ذلك؛ لأنّه إذا بلغ الرّقّة أو فوق ذلك شيئا فقد صار عقدة، وصار له ثمن وغلّة. فهو لا يرى أن يخاطر بشيء له قدر. ولكنّه إن جاء من هيت [1] أدرب [2] به؛ لأنّه إن ذهب لم يذهب شيء له ثمن، ولا طائر له رياسة؛ وليس له اسم ولا ذكر؛ وإن جاء جاء شيء كبير وخطير، وإن جاء من الغاية فقد حوى به ملكا. على هذا هم اليوم.
__________
[1] هيت: بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار معجم البلدان 5/421.
[2] الدرب: كل مدخل إلى الروم أو النافذ منه، ودرّب: عوّد المشي في الدروب «القاموس: درب» .
(3/135)

وقال: لا ترسل الزّاقّ [1] حتى تستأنف به الرّياضة ولا تدع ما تعدّه للزّجال أن يحصن بيضا، ولا يجثم عليه، فإنّ ذلك ممّا ينقضه [2] ويفتّحه [3] ، ويعظم له رأسه، لأنّه عند ذلك يسمن وتكثر رطوبته فتقذف الحرارة تلك الرّطوبة الحادّة العارضة إلى رأسه، فإن ثقب البيض وزقّ وحضن، احتجت إلى تضميره واستئناف سياسته. ولكن إن بدا لك أن تستفرخه فانقل بيضه إلى غيره، بعد أن تعلمه بعلامة تعرفه بها إذا انصدع.
741-[علاج الحمام الفزع]
وإن أصاب الحمام أيضا فزع وذعر؛ عن طلب شيء من الجوارح له، فإيّاك أن تعيده إلى الزّجل حتّى ترضمه [4] وتستفرخه؛ فإن ذلك الذّعر لا يفارقه ولا يسكن حتى تستأنف به التّوطين.
742-[طريقة استكثار الفراخ]
وإن أردت أن تستكثر من الفراخ فاعزل الذّكورة عن الإناث شهرا أو نحوه، حتى يصول بعضها على بعض، ثم اجمع بينها؛ فإنّ بيضها سيكثر ويقلّ سقطه ومروقه.
وكذلك كلّ أرض أثيرت، وكذلك الحيال لما كان من الحيوان حائلا [5] . قال الأعشى [6] : [من الخفيف]
من سراة الهجان صلّبها الع ... ضّ ورعي الحمى وطول الحيال
وقال الحارث بن عباد [7] وجعل ذلك مثلا: [من الخفيف]
قرّبا مربط النّعامة منّي ... لقحت حرب وائل عن حيال
__________
[1] زقّ الطائر فراخه: أطعمها بمنقاره.
[2] ينقضه: يضعف قوته.
[3] تفتحه: تسمنه، وفي القاموس «ناقة مفاتيح، وأينق مفاتيحات: سمان» «القاموس: فتح» .
[4] رضمت الطير: ثبتت «القاموس: رضم» .
[5] صارت إبله حائلا: أي لم تحمل «القاموس: حول» .
[6] ديوان الأعشى 55، واللسان والتاج (صلب، عضض) ، والجمهرة 146، والمقاييس 4/50، والعين 1/72، والتنبيه والإيضاح 1/103، وبلا نسبة في اللسان (حيل، هجن، حما، سرا) ، والتاج (حمي) .
[7] البيت للحارث بن عباد في الأصمعيات 71، والحماسة البصرية 1/16، وذيل الأمالي 27، والخزانة 1/472، 473، والسمط 757، والأغاني 5/47، 4/59، وديوان المعاني 2/63، واللسان (قلص، نعم، عنن) ، والتاج (نعم، عنن) ، وأساس البلاغة (حول، لقح) ، والصاحبي في فقه اللغة 208، وانظر حاشية الحماسة البصرية.
(3/136)

743-[حديث أفليمون عن نفع الحمام]
وقال أفليمون صاحب الفراسة، لصاحبه: وأنا محدّثك عن نفع الحمام بحديث يزيدك رغبة فيها: وذلك أنّ ملكين طلب أحدهما ملك صاحبه، وكان المطلوب أكثر مالا وأقلّ رجالا، وأخصب بلادا، وكانت بينهما مسافة من الأرض بعيدة، فلما بلغه ذلك دعا خاصّته فشاورهم في أمره وشكا إليهم خوفه على ملكه، فقال له بعضهم: دامت لك أيّها الملك السلامة، ووقيت المكروه! إنّ الذي تاقت له نفسك قد يحتال له باليسير من الطمع، وليس من شأن العاقل التّغرير، وليس بعد المناجزة بقيّة، والمناجز لا يدري لمن تكون الغلبة، والتمسّك بالثقة خير من الإقدام على الغرر.
وقال بعضهم: دام لك العزّ، ومدّ لك في البقاء! ليس في الذّلّ درك ولا في الرّضا بالضيم بقيّة، فالرّأي اتخاذ الحصون وإذكاء العيون، والاستعداد للقتال؛ فإنّ الموت في عزّ خير من الحياة في ذلّ! وقال بعضهم: وقيت وكفيت، وأعطيت فضل المزيد! الرّأي طلب المصاهرة له والخطبة إليه؛ فإنّ الصهر سبب ألفة تقع به الحرمة، وتثبت به المودّة، ويحلّ به صاحبه المحلّ الأدنى. ومن حلّ من صاحبه هذا المحلّ لم يخلّه مما عراه، ولم يمتنع من مناوأة من ناواه. فالتمس خلطته؛ فإنّه ليس بعد الخلطة عداوة، ولا مع الشّركة مباينة! فقال لهم الملك: كلّ قد أشار برأي، ولكلّ مدّة، وأنا ناظر في قولكم، وبالله العصمة، وبشكره تتمّ النعمة. وأظهر الخطبة إلى الملك الذي فوقه، وأرسل رسلا، وأهدى هدايا، وأمرهم بمصانعة جميع من يصل إليه، ودسّ رجالا من ثقاته، وأمرهم باتّخاذ الحمام في بلاده وتوطينهنّ، واتخذ أيضا عند نفسه مثلهنّ، فرفّعهن من غاية إلى غاية. فجعل هؤلاء يرسلون من بلاد صاحبهم، وجعل من عند الملك يرسلون من بلاد الملك، وأمرهم بمكاتبته بخبر كلّ يوم، وتعليق الكتب في أصول أجنحة الحمام. فصار لا يخفى عليه شيء من أمره. وأطمعه الملك في التزويج واستفرده [1] وطاوله، وتابع بين الهدايا، ودسّ لحرسه رجالا يلاطفونهم حتى صاروا يبيتون بأبوابه معهم. فلمّا كتب أصحابه إليه بغرّتهم وصل الخبر إليه من يومه، فسار إليه في جند
__________
[1] أفرده: عزله، وإليه رسولا: جهزه «القاموس: فرد» .
(3/137)

قد انتخبهم، حتى إذا كان على ليلة أو بعض ليلة، أخذ بمجامع الطّرق، ثم بيّتهم [1] ووثب أصحابه من داخل المدينة وهو وجنده من خارج، ففتحوا الأعراب وقتلوا الملك. وأصبح قد غلب على تلك المدينة، وعلى تلك المملكة، فعظم شأنه، وأعظمته الملوك، وذكر فيهم بالحزم والكيد.
وإنما كان سبب ذلك كلّه الحمام!.
744-[حديث آخر في نفع الحمام]
قال: وأحدّثك عن الحمام أيضا بحديث آخر في أمر النساء والرّجال وما يصاب من اللّذّة فيهنّ، والصّواب في معاملتهنّ. قال: وذلك أنّ رجلا أتاني مرّة فشكا إليّ حاله في فتاة علّقها فتزوّجها، وكات جارية غرّا حسناء، وكانت بكرا ذات عقل وحياء، وكانت غريرة فيما يحسن النّساء من استمالة أهواء الرّجال، ومن أخذها بنصيبها من لذّة النساء فلما دخل بها امتنعت عليه، ودافعته عن نفسها، فزاولها بكلّ ضرب كان يحسنه من لطف، وأدخل عليها من نسائه ونسائها من ظنّ أنّها تقبل منهنّ، فأعيتهن، حتى همّ برفضها مع شدّة وجده بها، فأتاني فشكا ذلك إليّ مرة، فأمرته أن يفردها ويخلّيها من الناس، فلا يصل إليها أحد، وأن يضعف لها الكرامة في اللّطف والإقامة لما يصلحها من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغير ذلك، مما تلهو به امرأة وتعجب به، وأن يجعل خادمها أعجميّة لا تفهم عنها، وهي في ذلك عاقلة، ولا تفهمها إلّا بالإيماء؛ حتى تستوحش إليها وإلى كل من يصل إليها من النّساء وحتى تشتهي أن تجد من يراجعها الكلام وتشكو إليه وحشة الوحدة، وأن يدخل عليها أزواجا من الحمام، ذوات صورة حسنة، وتخيّل وهدير فيصيّرهنّ في بيت نظيف، ويجعل لهنّ في البيت تماريد [2] وبين يدي البيت حجرة نظيفة، ويفتح لها من بيتها بابا فيصرن نصب عينها فتلهو بهن وتنظر إليهنّ، ويجعل دخوله عليها في اليوم دفعة إلى تلك الحمام. والتسلّي بهنّ، والاستدعاء لهنّ إلى الهدير ساعة، ثم يخرج، فإنّها لا تلبث أن تتفكّر في صنيعهنّ إذا رأت حالهن؛ فإنّ الطّبيعة لا تلبث حتى تحرّكها، ويكون أوفق المقاعد لها الدنّو منهن، وأغلب الملاهي عليها النّظر إليهن؛ لأنّ الحواس لا تؤدي إلى النّفس شيئا من قبل السمع، والبصر، والذوق، والشم والمجسّة إلّا تحرّك من العقل في قبول ذلك أو ردّه، والاحتيال في إصابته أو دفعه،
__________
[1] بيتهم: أوقع بهم ليلا «القاموس: بيت» .
[2] التماريد: جمع تمراد، وهو بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه. «القاموس: مرد» .
(3/138)

والكراهية له أو السّرور به بقدر ما حرّك النّفس منه. فإذا رأيت الغالب عليها الدنوّ منهنّ، والتأمّل لهن، فأدخل عليها امرأة مجرّبة غزلة تأنس بها، وتفطنها لصنيعهنّ، وتعجّبها منهنّ، وتستميل فكرتها إليهنّ، وتصف لها موقع اللّذّة على قدر ما ترى من تحريك الشّهوة. ثمّ أخرج المرأة عنها، وحاول الدّنو منها، فإن رأيت كراهية أمسكت وأعدت المرأة إليها، فإنها لا تلبث أن تمكنك. فإن فعلت ما تحبّ وأمكنتك بعض الإمكان، ولم تبلغ ما تريد فأخبرني بذلك.
قال: وقلت له: مر المرأة فلتسألها عن حالها في نفسها، وحالك عندها، فلعلّ فيها طبيعة من الحياء تمنعها من الانبساط، ولعلّها غرّ لا يلتمس ما قبلها من الخرق [1] . ففعل، وأمر المرأة أن تكشفها عن ذات نفسها، فشكت إليها الخرق [1] ، فأشارت عليها بالمتابعة، وقالت: اعتبري بما ترين من هذا الحمام؛ فقد ترين الزّوجين كيف يصنعان! قالت: قد تأمّلت ذلك فعجبت منه، ولست أحسنه! فقالت لها: لا تمنعي يده ولا تحملي على نفسك الهيبة، وإن وجدت من نفسك شيئا تدعوك إليه لذّة فاصنعيه؛ فإنّ ذلك يأخذ بقلبه، ويزيد في محبّتك، ويحرّك ذلك منه أكثر مما أعطاك. فلم يلبث أن نال حاجته وذهبت الحشمة، وسقطت المداراة فكان سبب الصّنع لهما، والخروج من الوحشة إلى الأنس، ومن الحال الدّاعية إلى مفارقتها إلى الحال الدّاعية إلى ملازمتها، والضّنّ بها- الحمام.
745-[الخوف على النساء من الحمام]
وما أكثر من الرّجال، من ليس يمنعه من إدخال الحمام إلى نسائه الّا هذا الشيء الذي حثّ عليه صاحب الفراسة؛ وذلك أنّ تلك الرّؤية قد تذكّر وتشهّي وتمحن [2] .
وأكثر النّساء بين ثلاثة أحوال: إمّا امرأة قد مات زوجها، فتحريك طباعها خطار بأمانتها وعفافها. والمغيبة [3] في مثل هذا المعنى. والثّالثة: امرأة قد طال لبثها مع زوجها؛ فقد ذهب الاستطراف، وماتت الشهوة. وإذا رأت ذلك تحرّك منها كلّ ساكن وذكرت ما كانت عنه بمندوحة.
والمرأة سليمة الدين والعرض والقلب، ما لم تهجس في صدرها الخواطر، ولم تتوهّم حالات اللّذّة وتحرّك الشهوة. فأمّا إذا وقع ذلك فعزمها أضعف العزم، وعزمها على ركوب الهوى أقوى العزم.
__________
[1] الخرق: الدّهش من خوف أو حياء «القاموس: خرق» .
[2] تمحن: تصيب بالمحن والبلية.
[3] امرأة مغيّبة: غاب عنها زوجها «القاموس: غيب» .
(3/139)

فأمّا الأبكار الغريرات فهنّ إلى أن يؤخذن بالقراءة في المصحف، ويحتال لهن حتى يصرن إلى حال التشييخ والجبن والكزازة [1] وحتّى لا يسمعن من أحاديث الباه والغزل قليلا ولا كثيرا- أحوج.
746-[نادرة لعجوز أعجمية]
[2] ولقد ركبت عجوز سندية ظهر بعير، فلما أقبل بها هذا البعير وأدبر وطمر، فمخضها مرّة مخض السقاء، وجعلها مرّة كأنّها ترهز [3] فقالت بلسانها- وهي سنديّة أعجميّة- أخزى الله هذا الذّمل؛ فإنه يذكّر بالسّرّ [4] ! تريد: أخزى الله هذا الجمل، فإنه يذكّر بالشر. حدثنا بهذه النادرة محمّد بن عبّاد بن كاسب.
747-[نادرة لعجوز أعرابية]
وحدّثنا ربعيّ الأنصاريّ: أنّ عجوزا من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذا لهم، فسقوها قدحا فطابت نفسها، وتبسمت؛ ثمّ سقوها قدحا آخر فاحمرّ وجهها وضحكت، فسقوها قدحا ثالثا فقالت: خبّروي عن نسائكم بالعراق، أيشربن من هذا الشراب؟ فقالوا: نعم. فقالت: زنين وربّ الكعبة!
748-[عقاب خصيّ بسبب الحمام]
وزعم إبراهيم الأنصاريّ المعتزليّ أنّ عباس بن يزيد بن جرير دخل مقصورة لبعض حواريه، فأبصر حماما قد قمط حمامة، ثمّ كسح بذنبه ونفش ريشه، فقال:
لمن هذا الحمام؟ فقالوا: لفلان خادمك- يعنون خصيّا له- فقدّمه فضرب عنقه.
749-[داعية الزنا]
[5] وقد قال الحطيئة لفتيان من بني قريع- وقد كانوا ربّما جلسوا بقرب خيمته، فتغنّى بعضهم غناء الرّكبان- فقال: يا بني قريع! إيّاي والغناء؛ فإنّه داعية الزّنا [6] !.
__________
[1] الكزازة: البخل «القاموس: كزز» .
[2] الخبر في البيان والتبيين 1/74.
[3] الرهز: حركة الرجل والمرأة عند الجماع «اللسان: رهز» .
[4] السرّ: النكاح «القاموس: سرر» ، ولم ترد العجوز ذلك، بل أرادت «الشر» كما ذكر الجاحظ.
[5] الخبر في الأغاني 2/179، وثمار القلوب (955) ، والشعر والشعراء 1/327، وانظر مثل هذا الخبر في الأغاني 4/273، والتوفيق للتلفيق 198.
[6] في مجمع الأمثال 2/67 (الغناء رقية الزنا) ، وهذا المثل ينسب إلى أكثم بن صيفي وإلى بزر جمهر في العقد الفريد 3/77، وإحكام صنعة الكلام 38.
(3/140)

750-[حمام واسط]
وأما أبو أحمد التمار المتكلم، فإنّه شاهد صاحب حمام في يوم مجيء حمامه من واسط، وكانت واسط يومئذ الغاية، فرآه كلما أقبل طائر من حمامه نعر [1] ورقص، فقال له: والله إني لأرى منك عجبا؛ أراك تفرح بأن جاءك حمام من واسط، وهو ذلك الذي كان، وهو الذي جاء. وهو الذي اهتدى؛ وأنت لم تجئ ولم تهتد؛ وحين جاء من واسط، لم يجئ معه بشيء من خبر أبي حمزة، ولا بشيء من مقاريض [2] واسط، وبزيون [3] واسط، ولا جاء معه أيضا بشيء من خطميّ [4] ، ولا بشيء من جوز ولا بشيء من زبيب. وقد مرّ بكسكر [5] فأين كان عن جداء كسكر، ودجاج كسكر، وسمك كسكر، وصحناة [6] كسكر، وربيثاء كسكر وشعير كسكر؟! وذهب صحيحا نشيطا، ورجع مريضا كسلان، وقد غرمت ما غرمت!! فقل لي: ما وجه فرحك؟
فقال: فرحي أنّي أرجو أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارا؟ قال: فلان، وفلان. فقام ومضى إلى فلان فقال: زعم فلان أنّك تشتري منه حماما جاء من واسط بخمسين دينارا؟ قال: صدق. قال: فقل لي لم تشتريه بخمسين دينارا؟ قال: لأنّه جاء من واسط. قال: فإذا جاء من واسط فلم تشتريه بخمسين دينارا؟ قال: لأنّي أبيع الفرخ منه بثلاثة دنانير، والبيضة بدينارين. قال:
ومن يشتري منك؟ قال: مثل فلان وفلان. فأخذ نعله ومضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أنّك تشتري منه فرخا من طائر جاء من واسط بثلاثة دنانير، والبيضة بدينارين.
قال: صدق، قال: فقل لي: لم تشتري فرخة بثلاثة دنانير؟ قال: لأنّ أباه جاء من واسط. قال: ولم تشتريه بثلاثة دنانير إذا جاء أبوه من واسط؟ قال: لأني أرجو أن يجيء من واسط. قال: وإذا جاء من واسط فأيّ شيء يكون؟ قال: يكون أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارا؟ قال: فلان. فتركه ومضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أنّ فرخا من فراخه إذا جاء أبوه من واسط اشتريته أنت منه
__________
[1] نعر: صاح «القاموس: نعر» .
[2] في القاموس «قرض» : (المقارض: أوعية الخمر، والجرار الكبار) .
[3] البزيون: السندس، وهو رقيق الديباج «القاموس: بزيون، سندس» .
[4] الخطمي: نبات محلّل منضّج مليّن، نافع لعسر البول والحصا والنسا وقرحة الأمعاء والارتعاش وتسكين الوجع «القاموس: خطم» .
[5] كسكر: كورة بين الكوفة والبصرة. معجم البلدان 4/461.
[6] الصحناة: إدام يتخذ من السمك الصغار والملح «القاموس: صحن» .
(3/141)

بخمسين دينارا. قال: صدق. قال: ولم تشتريه بخمسين دينارا قال: لأنّه جاء من واسط. قال: وإذا جاء من واسط لم تشتريه بخمسين دينارا؟ قال: فأعاد عليه مثل قول الأوّل. فقل: لا رزق الله من يشتري حماما جاء من واسط بخمسين دينارا، ولا رزق الله إلّا من لا يشتريه بقليل ولا بكثير.
751-[نوادر لأبي أحمد التمار]
وأبو أحمد هذا هو الذي قال- وهو يعظ بعض المسرفين- لو أنّ رجلا كانت عنده ألف ألف دينار ثم أنفقها كلّها لذهبت كلها. وإنما سمع قول القائل: لو أنّ رجلا عنده ألف ألف دينار فأخذ منها ولم يضع عليها لكان خليقا أن يأتي عليها.
وهو القائل في قصصه: ولقد عظّم رسول الله صلى الله عليه وسلّم حقّ الجار، وقال فيه قولا أستحيي والله من ذكره! وهو الذي قال لبعضهم: بلغني أنّ في بستانك أشياء تهمّني، فأحبّ أن تهب لي منه أمرا من أمر الله عظيم.
وكان زجّالا قبل أن يكون تمارا.
وزعم سليمان الزجّال وأخوه ثابت، أنّه قبل أن يكون تمارا قال يوما- وذكر الحمام، حين زهد في بيع الحمام؛ وذكر بعض الملوك- فقال: أمّا فلان فإنّه لما بلغني أنه يلعب بالحمام سقط من عيني! والله سبحانه وتعالى أعلم.
تمّ القول في الحمام، والحمد لله وحده.
(3/142)

باب القول في أجناس الذّبّان
بسم الله، وبالله والحمد لله ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ الأميّ وعلى آله وصحبه وسلّم، وعلى أبرار عترته الطيّبين الأخيار.
أوصيك أيّها القارئ المتفهّم، وأيها المستمع المنصت المصيخ، ألّا تحقر شيئا أبدا لصغر جثّته، ولا تستصغر قدره لقلّة ثمن.
752-[دلالة الدقيق من الخلق على الله]
ثمّ اعلم أنّ الجبل ليس بأدلّ على الله من الحصاة، ولا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدلّ على الله من بدن الإنسان. وأنّ صغير ذلك ودقيقه كعظيمه وجليله.
ولم تفترق الأمور في حقائقها، وإنما افترق المفكّرون فيها، ومن أهمل النّظر، وأغفل مواضع الفرق، وفصول الحدود.
فمن قبل ترك النّظر، ومن قبل قطع النّظر، ومن قبل النظر من غير وجه النّظر، ومن قبل الإخلال ببعض المقدّمات، ومن قبل ابتداء النّظر من جهة النّظر، واستتمام النظر مع انتظام المقدّمات- اختلفوا.
فهذه الخصال هي جمّاع هذا الباب، إلّا ما لم نذكره من باب العجز والنقص، فإن الذي امتنع من المعرفة من قبل النّقصان الذي في الخلقة باب على حدة.
وإنما ذكرنا باب الخطأ والصّواب، والتّقصير والتكميل. فإياك أن تسيء الظّنّ بشيء من الحيوان لاضطراب الخلق، ولتفاوت التركيب، ولأنّه مشنوء في العين، أو لأنّه قليل النّفع والرّدّ؛ فإنّ الذي تظّنّ أنّه أقلّها نفعا لعله أن يكون أكثرها ردّا، فإلّا يكن ذلك من جهة عاجل أمر الدنيا، كان ذلك في آجل أمر الدين. وثواب الدين وعقابه باقيان، ومنافع الدنيا فانية زائلة؛ فلذلك قدّمت الآخرة على الأولى.
فإذا رأيت شيئا من الحيوان بعيدا من المعاونة، وجاهلا بسبب المكانفة [1] ، أو
__________
[1] المكانفة: المعاونة «القاموس: كنف» .
(3/143)

كان مما يشتدّ ضرره، وتشتدّ الحراسة منه، كذوات الأنياب من الحيّات والذئاب وذوات المخالب من الأسد والنّمور، وذوات الإبر والشعر من العقارب والدّبر، فاعلم أنّ مواقع منافعها من جهة الامتحان، والبلوى. ومن جهة ما أعد الله عزّ وجلّ للصابرين، ولمن فهم عنه، ولمن علم أنّ الاختيار والاختبار لا يكونان والدنيا كلّها شرّ صرف أو خير محض؛ فإنّ ذلك لا يكون إلّا بالمزواجة بين المكروه والمحبوب، والمؤلم والملذّ، والمحقّر والمعظّم، والمأمون والمخوف. فإذا كان الحظّ الأوفر في الاختبار والاختيار. وبهما يتوسل إلى ولاية الله عزّ وجلّ، وآبد [1] كرامته، وكان ذلك إنما يكون في الدار الممزوجة من الخير والشرّ، والمشتركة والمركّبة بالنّفع والضر، المشوبة باليسر والعسر- فليعلم موضع النّفع في خلق العقرب، ومكان الصّنع في خلق الحيّة، فلا يحقرنّ الجرجس [2] والفراش والذرّ والذّبان ولتقف حتّى تتفكّر في الباب الذي رميت إليك بجملته، فإنّك ستكثر حمد الله عزّ وجلّ على خلق الهمج والحشرات وذوات السّموم والأنياب، كما تحمده على خلق الأغذية من الماء والنّسيم.
فإن أردت الزّراية والتّحقير، والعداوة والتّصغير، فاصرف ذلك كلّه إلى الجنّ والإنس، واحقر منهم كلّ من عمل عملا من جهة الاختيار يستوجب به الاحتقار، ويستحقّ به غاية المقت من وجه، والتصغير من وجه.
فإن أنت أبغضت من جهة الطبيعة، واستثقلت من جهة الفطرة ضربين من الحيوان: ضربا يقتلك بسمه، وضربا يقتلك بشدة أسره [3] لم تلم. إلّا أنّ عليك أن تعلم أنّ خالقهما لم يخلقهما لأذاك، وإنما خلقهما لتصبر على أذاهما، ولأن تنال بالصّبر الدرجة التي يستحيل أن تنالها إلّا بالصّبر. والصبر لا يكون إلّا على حالّ مكروه. فسواء عليك أكان المكروه سبعا وثّابا، أو كان مرضا قاتلا، وعلى أنّك لا تدري لعلّ النزع [4] ، والعلز [5] والحشرجة، أن يكون أشدّ من لدغ حيّة، وضغمة [6]
__________
[1] آبد: دائم «القاموس: أبد» .
[2] الجرجس: البعوض الصغار «القاموس: جرجس» .
[3] الأسر: الشد والعصب وشدة الخلق والخلق «القاموس: أسر» .
[4] يقال: هو في النزع: أي قلع الحياة «القاموس: نزع» .
[5] العلز: هلع يصيب المحتضر «القاموس: علز» .
[6] الضغمة: العضّة «القاموس: ضغم» .
(3/144)

سبع. فإلّا تكن له حرقة كحرق النار وألم كألم الدّهق [1] ، فلعلّ هناك من الكرب ما يكون موقعه من النّفس فوق ذلك.
وقد عمنا أنّ النّاس يسمّون الانتظار لوقع السيف على صليف [2] العنق جهد البلاء؛ وليس ذلك الجهد من شكل لذع النار، ولا من شكل ألم الضرب بالعصا.
فافهم فهمك الله مواقع النفع كما يعرفها أهل الحكمة وأصحاب الأحساس الصحيحة.
ولا تذهب في الأمور مذهب العامّة، وقد جعلك الله تعالى من الخاصة، فإنك مسؤول عن هذه الفضيلة، لأنّها لم تجعل لعبا، ولم تترك هملا. واصرف بغضك إلى مريد ظلمك، لا يراقب فيك إلّا ولا ذمّة، ولا مودة، ولا كتابا ولا سنّة. وكلما زادك الله عزّ وجلّ نعمة ازداد عليك حنقا، ولك بغضا. وفرّ كلّ الفرار واهرب كلّ الهرب، واحترس كلّ الاحتراس، ممن لا يراقب الله عزّ وجلّ؛ فإنه لا يخلو من أحد أمرين، إمّا أن يكون لا يعرف ربّه مع ظهور آياته ودلالاته، وسبوغ آلائه، وتتابع نعمائه، ومع برهانات رسله، وبيان كتبه؛ وإمّا أن يكون به عارفا وبدينه موقنا، وعليه مجترئا، وبحرماته مستخفّا. فإن كان بحقّه جاهلا فهو بحقّك أجهل، وله أنكر. وإن كان به عارفا وعليه مجترئا فهو عليك أجرأ، ولحقوقك أضيع ولأياديك أكفر.
فأمّا خلق البعوضة والنّملة والفراشة والذّرّة والذّبّان والجعلان، واليعاسيب والجراد- فإياك أن تتهاون بشأن هذا الجند، وتستخف بالآلة التي في هذا الذّرء [3] ؛ فربّت أمة أجلاها عن بلادها النمل، ونقلها عن مساقط رؤوسها الذّرّ، وأهلكت بالفأر، وجردت بالجراد، وعذّبت بالبعوض، وأفسد عيشها الذّبّان، فهي جند إن أراد الله عزّ وجلّ أن يهلك بها قوما بعد طغيانهم وتجبّرهم وعتوّهم؛ ليعرفوا أو ليعرف بهم أنّ كثير أمرهم، لا يقوم بالقليل من أمر الله عزّ وجلّ. وفيها بعد معتبر لمن اعتبر، وموعظة لمن فكّر، وصلاج لمن استبصر، وبلوى ومحنة، وعذاب ونقمة، وحجّة صادقة، وآية واضحة، وسبب إلى الصّبر والفكرة. وهما جماع الخير في باب المعرفة والاستبانة، وفي باب الأجر وعظم المثوبة.
__________
[1] الدهق: خشبتان يغمز بهما الساق «القاموس: دهق» .
[2] صليف العنق: عرضه «القاموس: صلف» .
[3] الذرء: النسل والخلق «القاموس: ذرأ» .
(3/145)

وسنذكر جملة من حال الذّبّان، ثم نقول في جملة ما يحضرنا من شأن الغربان والجعلان.
753-[أمثال في الفراش والذباب]
ويقال في موضع الذمّ والهجاء: «ما هم إلّا فراش نار وذبّان طمع» [1] . ويقال:
«أطيش من فراشة» [2] ، «وأزهى من ذبّان» [3] .
وقال الشاعر [4] : [من الوافر]
كأنّ بني ذويبة رهط سلمى ... فراش حول نار يصطلينا
يطفن بحرّها ويقعن فيها ... ولا يدرين ماذا يتّقينا
والعرب تجعل الفراش والنّحل والزّنابير والدّبر كلّها من الذّبان. وأما قولهم:
«أزهى من ذباب» فلأن الذّباب يسقط على أنف الملك الجبّار، وعلى موق عينيه ليأكله، ثم يطرده فلا ينطرد.
754-[أمثال في الأنف]
والأنف هو النّخوة وموضع التّجبّر.
وكان من شأن البطارقة [5] وقوّاد الملوك إذا أنفوا من شيء أن ينخروا كما ينخر الثّور عند الذّبح، والبرذون عند النّشاط.
والأنف هو موضع الخنزوانة [6] والنّعرة. وإذا تكبّرت النّاقة بعد أن تلقح فإنّها تزمّ بأنفها.
والأصيد: الملك الذي تراه أبدا من كبره مائل الوجه. وشبّه بالأسد فقيل أصيد؛ لأنّ عنق الأسد من عظم واحد، فهو لا يلتفت إلّا بكلّه، فلذلك يقال للمتكبّر: «إنّما أنفه في أسلوب» [7] ، ويقال: أرغم الله أنفه وأذلّ معطسه! ويقال:
__________
[1] ثمار القلوب (730) .
[2] مجمع الأمثال 1/438، والمستقصى 1/230، وجمهرة الأمثال 2/32، وأمثال ابن سلام 374.
[3] المستقصى 1/151، والدرة الفاخرة 1/213، ومجمع الأمثال 1/327.
[4] البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب (730) .
[5] البطريق؛ ككبريت؛ القائد من قواد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل «القاموس: بطرق» .
[6] الخنزوانة: الكبر «القاموس: خنز» . وكذلك النعرة.
[7] جمهرة الأمثال 2/99.
(3/146)

ستفعل ذلك وأنفك راغم! والرّغام: التّراب. ولولا كذا وكذا لهشّمت أنفك. فإنما يخصّون بذلك الأنف؛ لأنّ الكبر إليه يضاف قال الشاعر [1] : [من السريع]
يا ربّ من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين [2]
لو نبت البقل على أنفه ... لرحن منه أصلا قد أبين
ويقال «بعير مذبوب» إذا عرض له ما يدعو الذّبّان إلى السّقوط عليه. وهم يعرفون الغدّة [3] إذا فشت أو أصابت بعيرا بسقوط الذّبّان عليه.
755-[احتيال الجمالين على السلطان]
وبسقوط الذّبّان على البعير يحتال الجمّال للسّلطان، إذا كان قد تسخّر إبله وهو لذلك كاره، وإذا كان في جماله الجمل النفيس أو الناقة الكريمة؛ فإنه يعمد إلى الخضخاض [4] فيصبّ فيه شيئا من دبس ثم يطلى به ذلك البعير، فإذا وجد الذّبّان ريح الدّبس تساقطن عليه. فيدّعي عند ذلك أنّ به غدّة ويجعل الشاهد له عند السّلطان ما يوجد عليه من الذّبان! فما أكثر ما يتخلصون بكرائم أموالهم بالحيل من أيدي السلطان ولا يظنّ ذلك السّلطان إلّا أنه متى شاء أن يبيع مائة أعرابي بدرهم فعل. والغدّة [3] عندهم تعدي، وطباع الإبل أقبل شيء للأدواء التي تعدي، فيقول الجمّال عند ذلك للسّلطان: لو لم أخف على الإبل إلّا بعيري هذا المغدّ أن يعدي لم أبال، ولكنّي أخاف إعداء الغدّة ومضرّتها في سائر مالي! فلا يزال يستعطفه بذلك، ويحتال له به حتّى يخلّي سبيله.
756-[نفور الذّبّان من الكمأة]
ويقال إنّ الذّبّان لا يقرب قدرا فيه كمأة. كما لا يدخل سامّ أبرص بيتا فيه زعفران.
__________
[1] البيتان لعمرو بن لأي بن موءلة في معجم الشعراء 24- 25، والوحشيات 9، والأول لعمرو بن قميئة في ديوانه 82، والكتاب 2/108، والأزهية 101، وبلا نسبة في شرح المفصل 4/11، ومحاضرات الأدباء 2/63، والمقتضب 1/41.
[2] الأذواد: جمع ذود، وهو القطيع من الإبل «القاموس: ذود» .
[3] الغدة: طاعون الإبل «القاموس: غدد» .
[4] الخضخاض: نقط أسود رقيق تهنأ به الإبل الجربى «القاموس: خضض» .
(3/147)

757-[الخوف على المكلوب من الذّبّان]
ومن أصابه عض الكلب حموا وجهه من سقوط الذّبان عليه. قالوا: وهو أشدّ عليه من دبيب النّبر على البعير.
758-[النّبر]
والنّبر دويبّة إذا دبّت على البعير، تورّم، وربّما كان ذلك سبب هلاكه.
قال الشاعر [1] وهو يصف سمن إبله، وعظم أبدانها: [من الكامل]
حمر تحقّنت النّجيل كأنّما ... بجلودهنّ مدارج الأنبار [2]
759-[مميزات خلقيّة لبعض الحيوان]
[3] وليس في الأرض ذباب إلّا وهو أقرح [4] ، ولا في الأرض بعير إلّا وهو أعلم [5] ، كما أنّه ليس في الأرض ثور إلّا وهو أفطس [6] .
وفي أنّ كلّ بعير أعلم يقول عنترة [7] : [من الكامل]
وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم [8]
كأنّه قال: كشدق البعير؛ إذ كان كله بعير أعلم.
والشعراء يشبّهون الضربة بشدق البعير، ولذلك قال الشاعر [9] : [من البسيط]
كم ضربة لك تحكي فا قراسية ... من المصاعب في أشداقه شنع [10]
__________
[1] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (حقن) ، والتهذيب 4/65.
[2] تحقنت: امتلأت. النجيل: خير الحمض كله وألينه على السائمة. المدارج: مواضع الدروج؛ وهو المشي.
[3] انظر عيون الأخبار 2/75.
[4] الأقرح: الذي بوجهه قرحة كالغرة «القاموس: قرح» .
[5] الأعلم: المشقوق المشفر الأعلى «القاموس: علم» .
[6] الأفطس: الذي تطامنت قصبة أنفه وانتشرت، أو انشرم أنفه في وجهه «القاموس: فطس» .
[7] البيت من معلقته في ديوانه 24، واللسان والتاج (حلل، مكا) ، وأساس البلاغة (مكو) ، والتهذيب 10/411، والمجمل 4/342، والمقاييس 5/344، والعين 2/152.
[8] حليل: زوج. تمكو: تصفر. الفريصة: لحمة في وسط الجنب عند منبض القلب.
[9] البيت للنمر بن تولب في البيان 1/55، ولم يرد في ديوانه.
[10] القراسية: الضخم الشديد من الإبل «القاموس: قرس» . المصاعب: جمع مصعب؛ وهو الفحل «القاموس: صعب» . الشنع: القبح «القاموس: شنع» .
(3/148)

وقال الكميت [1] : [من المتقارب]
مشافر قرحى أكلن البريرا [2]
وإذا قيل الأعلم، علم أنّه البعير، كما أنّه إذا قيل الأقرح علم أنّه الذّبّان، قال الشاعر [3] : [من الكامل]
ولأنت أطيش، حين تغدو سادرا ... حذر الطعان، من القدوح الأقرح [4]
يعني الذبّان لأنه أقرح، ولأنّه أبدا يحكّ بإحدى ذراعيه على الأخرى كأنّه يقدح بعودي مرخ وعفار، أو عرجون، أو غير ذلك مما يقدح به.
760-[إغارة الشعراء على المعاني]
ولا يعلم في الأرض شاعر تقدّم في تشبيه مصيب تامّ، وفي معنى غريب عجيب، أو في معنى شريف كريم، أو في بديع مخترع، إلّا وكلّ من جاء من الشعراء من بعده أو معه، إن هو لم يعد على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره، فإنّه لا يدع أن يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكا فيه؛ كالمعنى الذي تتنازعه الشعراء فتختلف ألفاظهم، وأعاريض أشعارهم، ولا يكون أحد منهم أحقّ بذلك المعنى من صاحبه. أو لعلّه أن يجحد أنّه سمع بذلك المعنى قطّ، وقال إنّه خطر على بالي من غير سماع، كما خطر على بال الأوّل. هذا إذا قرّعوه به. إلّا ما كان من عنترة في صفة الذباب؛ فإنه وصفه فأجاد صفته فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرض له أحد منهم. ولقد عرض له بعض المحدثين ممن كان يحسّن القول، فبلغ من استكراهه لذلك المعنى، ومن اضطرابه فيه، أنّه صار دليلا على سوء طبعه في الشعر. قال عنترة [5] : [من الكامل]
جادت عليها كلّ عين ثرّة ... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
__________
[1] صدر البيت (تشبّه في الهام آثارها) ، وهو في ديوان الكميت 1/191، والبيان والتبيين 1/55، واللسان والتاج (قرح) ، والتهذيب 4/38.
[2] البرير: الأول من ثمر الأراك «القاموس: برر» .
[3] البيت بلا نسبة في مجمع الأمثال 1/438، وجمهرة الأمثال 2/23، والمستقصى 1/230، والدرة الفاخرة 1/289، والأمثال للسدوسي 63، وثمار القلوب (724) ، وأساس البلاغة (قدح) .
[4] السادر: الراكب رأسه «القاموس: سدر» ، القدوح: الذي يحك ذراعا بذراع «القاموس: قدح» .
[5] الأبيات من معلقته في ديوانه 18- 19.
(3/149)

فترى الذّباب بها يغنّي وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
قال: يريد فعل الأقطع المكبّ على الزّناد. والأجذم: المقطوع اليدين. فوصف الذّباب إذا كان واقعا ثمّ حكّ إحدى يديه بالأخرى، فشبّهه عند ذلك برجل مقطوع اليدين، يقدح بعودين. ومتى سقط الذّباب فهو يفعل ذلك.
ولم أسمع في هذا المعنى بشعر أرضاه غير شعر عنترة.
761-[قول في حديث]
وقد كان عندنا في بني العدوية شيخ منهم منكر، شديد العارضة فيه توضيع، فسمعني أقول: قد جاء في الحديث: «إنّ تحت جناح الذّباب اليمين شفاء وتحت جناحه الأيسر سمّا. فإذا سقط في إناء أو في شراب أو في مرق فاغمسوه فيه؛ فإنه يرفع عند ذلك الجناح الذي تحته الشفاء، ويحطّ الجناح الذي تحته السمّ» [1] .
فقال: بأبي أنت وأمي هذا يجمع العداوة والمكيدة!
762-[قصّة لتميمي مع أناس من الأزد]
وقد كان عندنا أناس من الأزد، ومعهم ابن حزن، وابن حزن هذا عدويّ من آل عموج، وكان يتعصّب لأصحابه من بني تميم وكانوا على نبيذ، فسقط ذباب في قدح بعضهم، فقال له الآخر: غطّ التميمي، ثمّ سقط آخر في قدح بعضهم، فقال الباقون: غطّ التميميّ! فلمّا كان في الثالثة قال ابن حزن: غطّه فإن كان تميميّا رسب، وإن كان أزديّا طفا. فقال صاحب المنزل: ما يسرّني أنّه كان نقصكم حرفا.
وإنما عنى أنّ أزد عمان ملّاحون.
763-[ضروب الذّبّان]
والذّبّان ضروب سوى ما ذكرناه من الفراش والنّحل والزّنابير. فمنها الشّعراء، وقال الراجز [2] : [من الرجز]
ذبّان شعراء وبيت ماذل
__________
[1] أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب 17، حديث 3142، وأعاده برقم 5445.
[2] الرجز بلا نسبة في نهاية الأرب 10/299.
(3/150)

وللكلاب ذباب على حدة يتخلّق منها ولا يريد سواها. ومنها ذبّان الكلأ والرياض. وكلّ نوع منها يألف ما خلق منه. قال أبو النّجم [1] : [من الرجز]
مستأسد ذبّانه في غيطل ... يقلن للرّائد أعشبت انزل [2]
764-[ما قيل في طنين الذّباب]
والعرب تسمّي طنين الذّبّان والبعوض غناء. وقال الأخطل [3] في صفة الثّور:
[من البسيط]
فردا تغنّيه ذبّان الرّياض كما ... غنّى الغواة بصنج عند أسوار [4]
وقال حضرميّ بن عامر [5] في طنين الذباب: [من الكامل]
ما زال إهداء القصائد بيننا ... شتم الصّديق وكثرة الألقاب
حتّى تركت كأنّ أمرك بينهم ... في كلّ مجمعة طنين ذباب
ويقال: «ما قولي هذا عندك إلّا طنين ذباب» .
765-[سفاد الذباب وأعمارها]
وللذّباب وقت تهيج فيه للسّفاد مع قصر أعمارها. وفي الحديث: «أنّ عمر الذباب أربعون يوما» ولها أيضا وقت هيج في أكل النّاس وعضّهم، وشرب دمائهم.
وإنما يعرض هذا الذّبّان في البيوت عند قرب أيّامها؛ فإنّ هلاكها يكون بعد ذلك وشيكا. والذّبّان في وقت من الأوقات من حتوف الإبل والدوابّ.
766-[ذوات الخراطيم]
والذّباب والبعوض من ذوات الخراطيم، ولذلك اشتدّ عضّها وقويت على خرق الجلود الغلاظ. وقال الراجز [6] في وصف البعوضة: [من الرجز]
مثل السّفاة دائم طنينها ... ركّب في خرطومها سكّينها [7]
__________
[1] ديوان أبي النجم العجلي 178- 179، والطرائف الأدبية 58، واللسان (عشب، أسد) ، والتاج (عشب، أسد، مرع) ، وأساس البلاغة (عشب، أسد) ، والعين 1/262، 7/286، والمقاييس 4/323، ومجالس ثعلب 191.
[2] الغيطل: الشجر الكثير الملتف «القاموس: غطل» .
[3] ديوان الأخطل 167.
[4] الأسوار: قائد الفرس «ديوان الأخطل» .
[5] البيتان له في ثمار القلوب 397 (727) .
[6] الرجز بلا نسبة في الأمالي 3/129، وحياة الحيوان 1/180 مادة (البعوض) .
[7] السفاة: جمع السفا، وهو شوك البهمى والسنبل، أو كل شوك «القاموس: سفى» .
(3/151)

وقالوا: ذوات الخراطيم من كلّ شيء أقوى عضّا ونابا وفكّا؛ كالذيب والخنزير، والكلب. وأمّا الفيل فإنّ خرطومه هو أنفه، كما أنّ لكلّ شيء من الحيوان أنفا، وهو يده، ومنه يغنّي وفيه يجري الصّوت، كما يجري الزّامر الصّوت في القصبة بالنّفخ.
ومتى تضاغط الهواء صوّت على قدر الضّغط، أو على قدر الثّقب.
768-[أمثال من الشعر في الذباب]
والذباب: اسم الواحد، والذّبّان: اسم الجماعة. وإذا أرادوا التّصغير والتقليل ضربوا بالذبّان المثل. قال الشاعر [1] : [من الوافر]
رأيت الخبز عزّ لديك حتّى ... حسبت الخبز في جوّ السّحاب
وما روّحتنا لتذبّ عنا ... ولكن خفت مرزية الذّباب
وقال آخر [2] : [من الكامل]
لما رأيت القصر أغلق بابه ... وتعلّقت همدان بالأسباب
أيقنت أنّ إمارة ابن مضارب ... لم يبق منها قيس أير ذباب
قال بعضهم: لم يذهب إلى مقدار أيره وإنما ذهب إلى مثل قول ابن أحمر [3] :
[من السريع]
ما كنت عن قومي بمهتضم ... لو أنّ معصيّا له أمر
كلفّتني مخّ البعوض فقد ... أقصرت لا نجح ولا عذر [4]
769-[ما يلغ من الحيوان وما لا يلغ]
قال: وليس شي مما يطير يلغ في الدّم، وإنما يلغ في الدماء من السّباع ذوات الأربع. وأمّا الطّير فإنّها تشرب حسوا، أو عبّة بعد عبّة. ونغبة بعد نغبة. وسباع الطّير
__________
[1] البيتان لأبي الشمقمق في البخلاء 73، وعيون الأخبار 2/36، 3/247، وبلا نسبة في البخلاء 126، والثاني بلا نسبة في ديوان المعاني 1/187، والعقد الفريد 6/191.
[2] البيتان لعبد الله بن همام السلولي في ديوانه 37- 38، وبلا نسبة في ثمار القلوب 398 (728) .
[3] ديوان ابن أحمر 94- 95، والمقاييس 1/270، والثاني في ثمار القلوب 399 (729) ، والمعاني الكبير 608، والمستقصى 2/223.
[4] قوله «كلفتني مخ البعوض» من الأمثال في مجمع الأمثال 2/147، والمستقصى 2/223.
(3/152)

قليلة الشّرب للماء. والأسد كذلك. قال أبو زبيد الطائي [1] : [من المنسرح]
تذبّ عنه كفّ بها رمق ... طيرا عكوفا كزوّر العرس
إذا ونى ونية دلفن له ... فهنّ من والغ ومنتهس [2]
قال: والطّير لا تلغ، وإنما يلغ الذباب. وجعله من الطّير، وهو وإن كان يطير فليس ذلك من أسمائه. فإذ قد جاز أن يستعير له اسم الطائر، جاز أن يستعير للطير ولغ السّباع فيجعل حسوها ولغا، وقال الشاعر: [من الطويل]
سراع إلى ولغ الدماء رماحهم ... وفي الحرب والهيجاء أسد ضراغم
770-[خصلتان محمودتان في الذباب]
قال وفي الذباب خصلتان من الخصال المحمودة:
أمّا إحداهما: فقرب الحيلة لصرف أذاها ودفع مكروهها؛ فمن أراد إخراجها من البيت فليس بينه وبين أن يكون البيت على المقدار الأوّل من الضّياء والكنّ بعد إخراجها مع السّلامة من التأذي بالذبان- إلّا أن يغلق الباب، فإنّهنّ يتبادرن إلى الخروج، ويتسابقن في طلب الضوء والهرب من الظلمة، فإذا أرخي السّتر وفتح الباب عاد الضّوء وسلم أهله من مكروه الذباب، فإن كان في الباب شقّ، وإلّا جافى المغلق أحد البابين عن صاحبه ولم يطبقه عليه إطباقا. وربّما خرجن من الفتح الذي يكون بين أسفل الباب والعتبة. والحيلة في إخراجها والسّلامة من أذاها يسيرة، وليس كذلك البعوض؛ لأنّ البعوض إنما يشتدّ أذاه، ويقوى سلطانه، ويشتدّ كلبه في الظلمة، كما يقوى سلطان الذبان في الضياء، وليس يمكن النّاس أن يدخلوا منازلهم من الضّياء ما يمنع عمل البعوض؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا بإدخال الشّمس، والبعوض لا يكون إلّا في الصيّف، وشمس الصيّف لا صبر عليها. وليس في الأرض ضياء انفصل من الشمس إلّا ومعه نصيبه من الحرّ، وقد يفارق الحرّ الضياء في بعض المواضع، والضّياء لا يفارق الحرّ في مكان من الأماكن.
فإمكان الحيلة في الذباب يسير، وفي البعوض عسير! والفضيلة الأخرى: أنه لولا أن الذّبابة تأكل البعوضة وتطلبها وتلتمسها على وجوه حيطان البيوت، وفي الزوايا، لما كان لأهلها فيها قرار!
__________
[1] ديوان أبي زبيد 640، وطبقات ابن سلام 516، والحماسة الشجرية 273، والأول بلا نسبة في اللسان والتاج (عكف) .
[2] في ديوانه (ولغ السبع والكلب: شرب بطرف لسانه، ونهس اللحم: قبض عليه بمنسره) .
(3/153)

وذكر محمد بن الجهم- فيما خبّرني عنه بعض الثقات- أنه قال لهم ذات يوم: هل تعرفون الحكمة التي استفدناها في الذّباب؟ قالوا: لا.
قال: بلى، إنّها تأكل البعوض وتصيده وتلقطه وتفنيه: وذلك أنّي كنت أريد القائلة [1] ، فأمرت بإخراج الذّباب وطرح السّتر وإغلاق الباب قبل ذلك بساعة. فإذا خرجن حصل في البيت البعوض، في سلطان البعوض وموضع قوّته. فكنت أدخل إلى القائلة [1] فيأكلني البعوص أكلا شديدا. فأتيت ذات يوم المنزل في وقت القائلة [1] ، فإذا ذلك البيت مفتوح، والسّتر مرفوع، وقد كان الغلمان أغفلوا ذلك في يومهم، فلما اضطجعت للقائلة لم أجد من البعوض شيئا وقد كان غضبي اشتدّ على الغلمان، فنمت في عافية. فما كان من الغد عادوا إلى إغلاق الباب وإخراج الذّباب، فدخلت ألتمس القائلة [1] ، فإذا البعوض كثير. ثم أغفلوا إغلاق الباب يوما آخر، فلما رأيته مفتوحا شتمتهم فلمّا صرت إلى القائلة [1] لم أجد بعوضة واحدة، فقلت في نفسي عند ذلك: أراني قد نمت في يومي الإغفال والتّضييع وامتنع منّي النّوم في أيّام التحفّظ والاحتراس. فلم لا أجرّب ترك إغلاق الباب في يومي هذا. فإن نمت ثلاثة أيام لا ألقى من البعوض أذى مع فتح الباب، علمت أنّ الصّواب في الجمع بين الذّبان وبين البعوض؛ فإنّ الذّبّان هي التي تفنيه، وأنّ صلاح أمرنا في تقريب ما كنّا نباعد.
ففعلت ذلك، فإذا الأمر قد تمّ. فصرنا إذا أردنا إخراج الذّبّان أخرجناها بأيسر حيلة، وإذا أردنا إفناء البعوض أفنيناها على أيدي الذّبّان بأيسر حيلة.
فهاتان خصلتان من مناقب الذّبّان.
776-[طبّ القوابل والعجائز]
وكان محمد بن الجهم يقول [2] : لا تتهاونوا بكثير ممّا ترون من علاج القوابل والعجائز، فإنّ كثيرا من ذلك إنما وقع إليهنّ من قدماء الأطباء؛ كالذّبان يلقى في الإثمد ويسحق معه، فيزيد ذلك في نور البصر، ونفاذ النظر، وفي تشديد مراكز شعر الأشفار [3] في حافات الجفون.
__________
[1] القائلة: النوم في نصف النهار «القاموس: قيل» .
[2] ورد الخبر في عيون الأخبار 2/104، والعقد الفريد 6/245.
[3] الأشفار: جمع شفر، وهو أصل منبت الشعر في الجفن «القاموس: شفر» .
(3/154)

777-[فائدة دوام النظر إلى الخضرة]
وقلت له مرّة [1] : قيل لما سرجويه: ما بال الأكرة [2] وسكّان البساتين، مع أكلهم الكرّاث والتمر، وشروبهم ماء السّواقي على المالح [3] أقلّ النّاس خفشانا وعميانا وعمشانا وعورا؟ قال: إني فكّرت في ذلك فلم أجد له علّة إلّا طول وقوع أبصارهم على الخضرة.
778-[من لا يتقزّز من الذّبّان والزنابير والدّود]
قال ابن الجهم: ومن أهل السّفالة ناس يأكلون الذّبّان، وهم لا يرمدون. وليس لذلك أكلوه وإنما هم كأهل خراسان الذي يأكلون فراخ الزّنابير، والزّنابير ذبان، وأصحاب الجبن الرّطب يأخذون الجبنة التي قد نغلت دودا، فينكتها أحدهم حتّى يخرج ما فيها من الدّود في راحته، ثم يقمحها [4] كما يقمح السّويق. وكان الفرزدق يقول: ليت أنّهم دفعوا إليّ نصيبي من الذبان ضربة واحدة، بشرط أن آكله لراحة الأبد منها. وكان كما زعموا شديد التقذّر لها والتقزّز منها.
779-[دعاء أحد القصاص]
وقال ثمامة [5] : تساقط الذبّان في مرق بعض القصّاص وعلى وجهه فقال: كثرّ الله بكنّ القبور! وحكى ثمامة [6] عن هذا القاصّ أنه سمعه بعبّادان يقول في قصصه: اللهمّ منّ علينا بالشهادة، وعلى جميع المسلمين.
780-[قصّة في عمر الذّباب]
وقال لي المكّيّ مرّة: إنما عمر الذبّان أربعون يوما، قلت: هكذا جاء في الأثر.
وكنّا يومئذ بواسط في أيّام العسكر وليس بعد أرض الهند أكثر ذبابا من واسط، ولربّما رأيت الحائط وكأنّ عليه مسحا [7] شديد السّواد من كثرة ما عليه من الذبّان.
__________
[1] ورد الخبر في عيون الأخبار 2/108.
[2] الأكرة: جمع أكار، وهو الحراث لحفرة الأرض «القاموس: أكر» .
[3] في عيون الأخبار «وشربهم الماء الحار على السمك المالح» .
[4] قمح: استفّ «القاموس: قمح» .
[5] ورد الخبر في البيان 2/317، والعقد الفريد 4/200.
[6] ورد الخبر في البيان 2/317.
[7] المسح: كساء من شعر «القاموس: مسح» .
(3/155)

فقلت للمكّيّ: أحسب الذبّان يموت في كل أربعين يوما، وإن شئت ففي أكثر، وإن شئت ففي أقلّ. ونحن كما ترى ندوسها بأرجلنا، ونحن هاهنا مقيمون من أكثر من أربعين يوما، بل منذ أشهر وأشهر، وما رأينا ذبابا واحدا ميّتا. فلو كان الأمر على ذلك لرأينا الموتى كما رأينا الأحياء. قال: إنّ الذّبابة إذا أرادت أن تموت ذهبت إلى بعض الخربات، قلت: فإنّا قد دخلنا كلّ خربة في الدّنيا، ما رأينا فيها قط ذبابا ميّتا.
781-[نوادر للمكي]
وكان المكّيّ طيّبا طيّب الحجج، ظريف الحيل، عجيب العلل وكان يدّعي كلّ شيء على غاية الإحكام، ولم يحكم شيئا قطّ، لا من الجليل ولا من الدّقيق. وإذ قد جرى ذكره فسأحدّثك ببعض أحاديثه، وأخبرك عن بعض علله، لتلهّى بها ساعة، ثم نعود إلى بقية ذكر الذّبّان.
ادّعى هذا المكّيّ البصر بالبراذين، ونظر إلى برذون واقف، قد ألقى صاحبه في فيه اللّجام، فرأى فأس اللّجام وأين بلغ منه، فقال لي: العجب! كيف لا يذرعه القيء، وأنا لو أدخلت إصبعي الصغرى في حلقي لما بقي في جوفي شيء إلّا خرج؟!! قلت:
الآن علمت أنّك تبصر! ثمّ مكث البرذون ساعة يلوك لجامه، فأقبل عليّ فقال لي:
كيف لا يبرد أسنانه؟! قلت: إنما يكون علم هذا عند البصراء مثلك! ثمّ رأى البرذون كلّما لاك اللّجام والحديدة سال لعابه على الأرض فأقبل عليّ وقال: لولا أنّ البرذون أفسد الخلق عقلا لكان ذهنه قد صفا! قلت له: قد كنت أشك في بصرك بالدّوابّ، فأمّا بعد هذا فلست أشكّ فيه! وقلت له مرّة ونحن في طريق بغداد: ما بال الفرسخ في هذه الطريق يكون فرسخين، والفرسخ يكون أقلّ من مقدار نصف فرسخ؟! ففكّر طويلا ثمّ قال: كان كسرى يقطع للنّاس الفراسخ، فإذا صانع صاحب القطيعة زادوه، وإذا لم يصانع نقصوه! وقلت له مرّة: علمت أنّ الشاري حدّثني أنّ المخلوع بعث إلى المأمون بجراب فيه سمسم؛ كأنّه يخبر أنّ عندّه من الجند بعدد ذلك الحبّ وأنّ المأمون بعث إليه بديك أعور، يريد أنّ طاهر بن الحسين يقتل هؤلاء كلّهم، كما يلقط الدّيك الحبّ! قال: فإنّ هذا الحديث أنا ولّدته. ولكن انظر كيف سار في الآفق؟! وأحاديثه وأعاجيبه كثيرة.
(3/156)

782-[معارف في الذّباب]
ثمّ رجع بنا القول إلى صلة كلامنا في الإخبار عن الذّبّان.
فأمّا سكّان بلاد الهند فإنّهم لا يطبخون قدرا، ولا يعملون حلوى ولا يكادون يأكلون إلّا ليلا؛ لما يتهافت من الذّبّان في طعامهم. وهذا يدل على عفن التّربة ولخن الهواء.
وللذّبّان يعاسيب وجحلان [1] ، ولكن ليس لها قائد ولا أمير. ولو كانت هذه الأصناف التي يحرس بعضها بعضا. وتتّخذ رئيسا يدبّرها ويحوطها، إنما أخرج ذلك منها العقل دون الطّبع، وكالشيء يخصّ به البعض دون الكلّ لكان الذرّ والنّمل أحقّ بذلك من الكراكيّ [2] والغرانيق [2] والثّيران، ولكان الفيل أحقّ به من البعير؛ لأنه ليس للذّرّ قائد ولا حارس، ولا يعسوب يجمعها ويحميها بعض المواضع، ويوردها بعضا.
وكلّ قائد فهو يعسوب ذلك الجنس المقود. وهذا الاسم مستعار من فحل النّحل وأمير العسّالات.
وقال الشاعر وهو يعني الثّور: [من الطويل]
كما ضرب اليعسوب إذ عاف باقر ... وما ذنبه إذ عافت الماء باقر [3]
وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في صلاح الزّمان وفساده: «فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدّين بذنبه» [4] .
وعلى ذلك المعنى قال حين مرّ بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قتيلا يوم الجمل: «لهفي عليك يعسوب قريش! جدعت أنفي وشفيت نفسي!» [5] .
قالوا: وعلى هذا المعنى قيل: «يعسوب الطّفاوة» .
783-[أقذر الحيوان]
وزعم بعض الحكماء أنّه لا ينبغي أن يكون في الأرض شيء من الأشياء أنتن
__________
[1] في القاموس: (الجحل: اليعسوب العظيم والجعل. جمع جحول وجحلان) .
[2] الكراكي: جمع الكركي، وهو طائر كبير، ذهب بعض الناس إلى أنه الغرنوق، وهو أغبر؛ طويل الساقين. حياة الحيوان 2/244.
[3] تقدم البيت في مقدمة لمؤلف في الجزء الأول، ونسبه إلى الهيبان الفهمي ص 18.
[4] الحديث في النهاية 3/234، وأساس البلاغة (عسب) .
[5] الحديث في النهاية 3/235، وأساس البلاغة (عسب) ، ومجالس ثعلب 129.
(3/157)

من العذرة، فكذلك لا شيء أقذر من الذّبان والقمل. وأمّا العذرة فلولا أنّها كذلك لكان الإنسان مع طول رؤيته لها، وكثرة شمّه لها من نفسه في كلّ يوم صباحا ومساء، لقد كان ينبغي أن يكون قد ذهب تقذّره له على الأيّام، أو تمحّق، أو دخله النّقص.
فثباتها ستين عاما وأكثر وأقلّ على مقدار واحد من النتن في أنف الرّجل ومنهم من وجدناه بعد مائة عام كذلك، وقد رأينا المران والعادات وصنيعها في الطّبائع. وكيف تهوّن الشديد، وتقلّل الكثير. فلولا أنّا فوق كلّ شيء من النّتن، لما ثبتت هذا الثّبات، ولعرض لها ما يعرض لسائر النّتن، وبعد فلو كان إنّما يشمّ شيئا خرج من جوف غيره ولم يخرج من جوف نفسه، لكان ذلك أشبه. فإذ قد ثبت في أنفه على هذا المقدار. وهو منه دون غيره، وحتّى صار يجده أنتن من رجيع جميع الأجناس- فليس ذلك إلّا لما قد خصّ به من المكروه.
وكذلك القول في القمل الذي إنّما يخلق من عرق الإنسان، ومن رائحته ووسخ جلده. وبخار بدنه. وكذلك الذّبّان المخالطة لهم في جميع الحالات، والملابسة لهم دون جميع الهوامّ والهمج والطّير والبهائم والسّباع حتّى تكون ألزم من كلّ ملازم، وأقرب من كلّ قريب؛ حتى ما يمتنع عليه شيء من بدن الإنسان، ولا من ثوبه، ولا من طعامه، ولا من شرابه، حتّى لزمه لزوما لم يلزمه شيء قطّ كلزومه، حتى إنّه يسافر السّفر البعيد من مواضع الخصب، فيقطع البراريّ والقفار التي ليس فيها ولا بقربها نبات ولا ماء ولا حيوان، ثم مع ذلك يتوخّى عند الحاجة إلى الغائط في تلك البرّية أن يفارق أصحابه، فيتباعد في الأرض، وفي صحراء خلقاء [1] ، فإذا تبرّز فمتى وقع بصره على برازه رأى الذّبّان ساقطا عليه. فقبل ذلك ما كان يراه. فإن كان الذّباب شيئا يتخلّق له في تلك الساعة فهذه أعجب مما رآه ومما أردنا وأكثر ممّا قلنا. وإن كان قد كان ساقطا على الصّخور الملس، والبقاع الجرد، في اليوم القائظ، وفي الهاجرة التي تشوي كلّ شيء، وينتظر مجيئه- فهذا أعجب ممّا قلنا. وإن كانت قد تبعته من الأمصار، إمّا طائرة معه، وإمّا ساقطة عليه، فلما تبرّز انتقلت عنه إلى برازه، فهذا تحقيق لقولنا إنّه لا يلزم الإنسان شيء لزوم الذباب؛ لأنّ العصافير، والخطاطيف، والزّرازير، والسّنانير، والكلاب وكلّ شيء يألف النّاس، فهو يقيم مع النّاس. فإذا مضى الإنسان في سفره، فصار كالمستوحش، وكالنّازل بالقفار، فكلّ شيء أهليّ يألف النّاس فإنّما هو مقيم على مثل ما كان من إلفه لهم، لا يتبعهم من دور النّاس إلى منازل الوحش؛ إلّا الذّبّان.
__________
[1] خلقاء: لا نبات فيها «القاموس: خلق» .
(3/158)

قال: فإذا كان الإنسان يستقذر الذّبّان في مرقه وفي طعامه هذا الاستقذار، ويستقذر القمل مع محلّه من القرابة والنّسبة هذا الاستقذار فمعلوم أنّ ذلك لم يكن إلّا لما خص به من القذر. وإلّا فبدون هذه القرابة وهذه الملابسة، تطيب الأنفس عن كثير من المحبوب.
784-[لجاج الذّباب]
قال: وفي الذّبّان خبر آخر: وذلك أنّهنّ ربّما تعوّدن المبيت على خوص فسيلة وأقلابها [1] من فسائل الدّور، أو شجرة، أو كلّة [2] ، أو باب، أو سقف بيت، فيطردن إذا اجتمعن لوقتهنّ عند المساء ليلتين أو ثلاث ليال، فيتفرقن أو يهجرن ذلك المكان في المستقبل، وإن كان ذلك المكان قريبا، وهو لهنّ معرّض، ثمّ لا يدعن أن يلتمسن مبيتا غيره. ولا يعرض لهنّ من اللّجاج في مثل ذلك، مثل الذي يعرض لهنّ من كثرة الرّجوع إلى العينين والأنف بعد الذّبّ والطّرد، وبعد الاجتهاد في ذلك.
785-[أذى الذباب ونحوها]
وقال محمّد بن حرب: ينبغي أن يكون الذّبّان سمّا ناقعا؛ لأنّ كلّ شيء يشتدّ أذاه باللّمس من غيره، فهو بالمداخلة والملابسة أجدر أن يؤذي. وهذه الأفاعي والثعابين والجرّارات [3] قد تمسّ جلودها ناس فلا تضرّهم إلّا بأن تلابس إبرة العقرب وناب الأفعى الدّم ونحن قد نجد الرّجل يدخل في خرق أنفه ذباب، فيجول في أوله من غير أن يجاوز ما حاذى روثة أنفه وأرنبته [4] فيخرجه الإنسان من جوف أنفه بالنّفخ وشدة النّفس ولم يكن له هنالك لبث، ولا كان منه عضّ، وليس إلا ما مسّ بقوائمه وأطراف جناحيه، فيقع في ذلك المكان من أنفه، من الدّغدغة والأكال والحكّة، ما لا يصنع الخردل [5] وبصل النّرجس، ولبن التّين. فليس يكون ذلك منه إلّا وفي طبعه من مضادّة طباع الإنسان ما لا يبلغه مضادّة شيء وإن أفرط.
قال: وليس الشّأن في أنّه لم ينخس، ولم يجرح، ولم يخز ولم يعضّ، ولم
__________
[1] الأقلاب: جمع قلب؛ وهو شحمة النخلة «القاموس: قلب» .
[2] الكلّة: ستر رقيق يتوقى به من البعوض «القاموس: كلل» .
[3] الجرارة- كجبّانة: عقيرب تجر ذنبها «القاموس: جرر» .
[4] روثة الأثف: طرف الأرنبة «القاموس: روث» ، أرنبة الأنف: طرفه «القاموس: رنب» .
[5] الخردل: حب شجر معروف، قالع للبلغم مليّن هاضم، نافع طلاؤه للنقرس والنسا والبرص «القاموس: خردل» .
(3/159)

يغمز، ولم يخدش. وإنّما هو على قدر منافرة الطّباع للطباع، وعلى قدر القرابة والمشاكلة.
786-[الأصوات المكروهة]
وقد نجد الإنسان يغتمّ بتنقّض [1] الفتيلة وصوتها عند قرب انطفاء النار، أو لبعض البلل يكون قد خالط الفتيلة، ولا يكون الصّوت بالشّديد، ولكنّ الاغتمام به، والتكرّه له ويكون في مقدار ما يعتريه من أشدّ الأصوات. ومن ذلك المكروه الذي يدخل على الإنسان من غطيط النّائم، وليست تلك الكراهة لعلّة الشّدّة والصّلابة، ولكن من قبل الصّورة والمقدار، وإن لم يكن من قبل الجنس. وكذلك صوت احتكاك الآجرّ الجديد بعضه ببعض. وكذلك شجر الآجام [2] على الأجراف [3] ؛ فإنّ النّفس تكرهه كما تكره صوت الصّاعقة. ولو كان على ثقة من السّلامة من الاحتراق، لما احتفل بالصّاعقة ذلك الاحتفال. ولعلّ ذلك الصّوت وحده ألّا يقتله.
فأمّا الذي نشاهد اليوم الأمر عليه، فإنّه متى قرب منه قتله. ولعلّ ذلك إنّما هو لأنّ الشّي إذا اشتدّ صدمه فسخ القوّة أو لعلّ الهواء الذي فيه الإنسان والمحيط به أن يحمى ويستحيل نارا للذي قد شارك ذلك الصّوت من النّار. وهم لم يجدوا الصّوت شديدا جدّا إلّا ما خالط منه النّار.
787-[ما يقتات بالذّباب]
وقال ابن حرب: الذّبّان قوت خلق كثير من خلق الله عزّ وجلّ، وهو قوت الفراريج، والخفافيش، والعنكبوت، والخلد، وضروب كثيرة من الهمج، همج الطير، وحشرات السّباع. فأمّا الطّير والسّودانيّات، والحصانيّات [4] ، والشاهمركات [5] ، وغير ذلك من أصناف الطّير؛ وأمّا الضّباع- فإنّها تأكل الجيف، وتدع في أفواهها فضولا، وتفتح أفواهها للذّبّان، فإذا احتشت ضمّت عليها. فهذه إنّما تصيد الذّبّان بنوع واحد، وهو الاختطاف والاختلاس، وإعجالها عن الوثوب إذا تلقّطته بأطراف المناقير، أو كبعض ما ذكرنا من إطباق الفم عليها.
__________
[1] تنقضت الفتيلة: صوتت. انظر القاموس «نقض» .
[2] الآجام: الشجر الكثير الملتف «القاموس: أجم» .
[3] الجرف: المكان الذي لا يأخذه السيل «القاموس: جرف» .
[4] الحصانيات: طير «القاموس: حصن» .
[5] الشاه مرك: يعني ملك الطير؛ وهو الفتي من الدجاج حياة الحيوان 1/594.
(3/160)

فأمّا الصّيد الذي ليس للكلب، ولا لعناق الأرض [1] ، ولا للفهد، ولا لشيء من ذوات الأربع مثله في الحذق والختل والمداراة، وفي صواب الوثبة، وفي التسدّد وسرعة الخطف، فليس مثل الذي يقال له الليث، وهو الصّنف المعروف من العناكب بصيد الذّبّان؛ فإنّك تجده إذا عاين الذّبّان ساقطا، كيف يلطأ [2] بالأرض، وكيف يسكّن جميع جوارحه للوثبة، وكيف يؤخّر ذلك إلى وقت الغرّة، وكيف يريها أنّه عنها لاه؛ فإنّك ترى من ذلك شيئا لم تر مثله من فهد قطّ، وإن كان الفهد موصوفا منعوتا.
واعلم أنّه قد ينبغي ألّا يكون في الأرض شيء أصيد منه؛ لأنّه لا يطير، ولا يصيد إلّا ما يطير! ويصيد طائرا شديد الحذر، ثمّ يصيد صيّادا! لأن الذّباب يصيد البعوض. وخديعتك للخدّاع أعجب، ومكرك بالماكر أغرب! فكذلك يكون صيد هذا الفن من العنكبوت.
وزعم الجرداني أنّ الوزغ تختل الذّبان، وتصيدها صيدا حسنا شبيها بصيد اللّيث.
قال: والزّنبور حريص على صيد الذّبّان، ولكنه لا يطمع فيها إلّا أن تكون ساقطة على خرء، دون كلّ تمر وعسل؛ لشدّة عجبها بالخرء، وتشاغلها به! فعند ذلك يطمع فيه الزنبور ويصيده.
وزعم الجرداني وتابعه كيسان: أنّ الفهد إنما أخذ ذلك عن اللّيث. ومتى رآه الفهد يصيد الذّبّان حتى تعلّم منه؟! فظننت أنّهما قلّدا في ذلك بعض من إذا مدح شيئا أسرف فيه.
788-[تقليد الحيوان للحيوان]
ويزعمون أنّ السّبع الصّيود إذا كان مع سبع هو أصيد منه، تعلّم منه وأخذ عنه. وهذا لم أحقّه. فأمّا الذي لا أشكّ فيه فأنّ الطائر الحسن الصّوت الملحّن، إذا كان مع نوائح الطّير ومغنّياتها، فكان بقرب الطّائر من شكله، وهو أحذق منه وأكرز وأمهر، جاوبه وحكاه، وتعلّم منه، أو صنع شيئا يقوم مقام التعلّم.
__________
[1] عناق الأرض: دويبة أصغر من الفهد، يصيد كل شيء، حتى الطير، حياة الحيوان 2/79.
[2] لطأ: لصق «القاموس: لطأ» .
(3/161)

789-[تعليم البراذين والطير]
والبرذون يراض فيعرف ما يراد منه، فيعين على نفسه. وربّما استأجروا للطّير رجلا يعلّمها. فأمّا الذي رأيته أنا في البلابل، فقد رأيت رجلا يدعى لها فيطارحها من شكل أصواتها.
790-[اختراع الطير للأصوات واللحون]
وفي الطّير ما يخترع الأصوات واللّحون التي لم يسمع بمثلها قطّ من المؤلّف للحون من النّاس؛ فإنّه ربّما أنشأ لحنا لم يمرّ على أسماع المغنّين قطّ.
وأكثر ما يجدون ذلك من الطّير في القماريّ، وفي السّودانيات، ثمّ في الكرارزة [1] . وهي تأكل الذّبّان أكلا ذريعا.
791-[اللّجوج من الحيوان]
ويقال إن اللّجاح في ثلاثة أجناس من بين جميع الحيوان: الخنفساء، والذّباب، والدّودة الحمراء؛ فإنّها في إبّان ذلك تروم الصّعود إلى السّقف، وتمرّ على الحائط الأملس شيئا قليلا فتسقط وتعود، ثمّ لا تزال تزداد شيئا ثمّ تسقط، إلى أن تمضي إلى باطن السّقف، فربما سقطت ولم يبق عليها إلّا مقدار إصبع، ثمّ تعود.
والخنفساء تقبل قبل الإنسان فيدفعها، فتبعد بقدر تلك الطّردة والدّفعة ثمّ تعود أيضا، فيصنع بها أشدّ من تلك ثمّ تعود، حتّى ربما كان ذلك سببا لغضبه، ويكون غضبه سببا لقتلها.
792-[اعتقاد المفاليس في الخنافيس]
وما زالوا كذلك، وما زالت كذلك، حتّى سقط إلى المفاليس أنّ الخنافس تجلب الرّزق. وأنّ دنوّها دليل على رزق حاضر: من صلة، أو جائزة، أو ربح، أو هديّة، أو حظّ. فصارت الخنافس إن دخلت في قمصهم ثمّ نفذت إلى سراويلاتهم لم يقولوا لها قليلا ولا كثيرا. وأكثر ما عندهم اليوم الدّفع لها ببعض الرّفق. ويظنّ بعضهم أنّه إذا دافعها فعادت، ثمّ دافعها، فعادت، ثمّ دافعها فعادت- أنّ ذلك كلما كان أكثر، كان حظّه من المال الذي يؤمّله عند مجيئها أجزل.
__________
[1] الكرارزة: جمع كرّزي، هو الصقر والبازي «القاموس: كرز» .
(3/162)

فانظر، أيّة واقية وأيّة حافظة، وأيّ حارس، وأيّ حصن أنشأه لها هذا القول! وأيّ حظّ كان لها حين صدّقوا بهذا الخبر هذا التصديق! والطّمع هو الذي أثار هذا الأمر من مدافنه، والفقر هو الذي اجتذب هذا الطّمع واجتلبه. ولكن الويل لها إن ألّحت على غنيّ عالم، وخاصّة إن كان مع جدته وعلمه حديدا عجولا.
793-[اعتقاد العامة في أمير الذّبّان]
وقد كانوا يقتلون الذباب الكبير الشديد الطنين الملحّ في ذلك، الجهير الصوت، الذي تسميه العوامّ: «أمير الذّبّان» ، فكانوا يحتالون في صرفه وطرده وقتله، إذا أكربهم بكثرة طنينه وزجله وهماهمه فإنّه لا يفتر. فلمّا سقط إليهم أنّه مبشّر بقدوم غائب وبرء سقيم، صاروا إذا دخل المنزل وأوسعهم شرّا، لم يهجه أحد منهم.
وإذا أراد الله عزّ وجلّ أن ينسئ في أجل شيء من الحيوان هيّأ لذلك سببا، كما أنّه إذا أراد أن يقصر عمره ويحين يومه هيّأ لذلك سببا. فتعالى الله علوّا كبيرا! ثمّ رجع بنا القول إلى إلحاح الذّبّان.
794-[إلحاح الذّباب]
كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوّار، لم ير النّاس حاكما قطّ ولا زمّيتا ولا ركينا، ولا وقورا حليما، ضبط من نفسه وملك من حركته مثل الذي ضبط وملك. كان يصلّي الغداة في منزله، وهو قريب الدّار من مسجده، فيأتي مجلسه فيحتبي ولا يتّكئ، فلا يزال منتصبا ولا يتحرّك له عضو، ولا يلتفت، ولا يحلّ حبوته [2] ولا يحوّل رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقّيه، حتّى كأنّه بناء مبنيّ، أو صخرة منصوبة. فلا يزال كذلك، حتّى يقوم إلى صلاة الظهر ثمّ يعود إلى مجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى العصر، ثمّ يرجع لمجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثمّ ربما عاد إلى محلّه، بل كثيرا ما كان يكون ذلك إذا بقي عليه من قراءة العهود والشّروط والوثائق، ثمّ يصلّي العشاء الأخيرة وينصرف.
فالحق يقال: لم يقم في طول تلك المدّة والولاية مرّة واحدة إلى الوضوء، ولا احتاج إليه، ولا شرب ماء ولا غيره من الشّراب. كذلك كان شأنه في طوال الأيام وفي
__________
[1] وردت القصة في ثمار القلوب 396 (725) ، وأمالي المرتضى 2/105 (4/22) .
[2] الاحتباء: أن يضم الرجل رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليها، وهو منهي عنه كما في الحديث الوارد في النهاية 1/335، واللسان (حبا) .
(3/163)

قصارها، وفي صيفها وفي شتائها. وكان مع ذلك لا يحرّك يده، ولا يشير برأسه.
وليس إلّا أن يتكلم ثمّ يوجز، ويبلغ بالكلام اليسير المعاني الكثيرة. فبينا هو كذلك ذات يوم وأصحابه حواليه، وفي السّماطين بين يديه، إذ سقط على أنفه ذباب فأطال المكث، ثمّ تحوّل إلى مؤق عينه، فرام الصّبر في سقوطه على المؤق، وعلى عضّه ونفاذ خرطومه كما رام من الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرّك أرنبته، أو يغضّن وجهه، أو يذبّ بإصبعه. فلمّا طال ذلك عليه من الذباب وشغله وأوجعه وأحرقه، وقصد إلى مكان لا يحتمل التّغافل، أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح، فتنحّى ريثما سكن جفنه، ثمّ عاد إلى مؤقه بأشدّ من مرّته الأولى فغمس خرطومه في مكان كان قد أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، وعجزه عن الصّبر في الثانية أقوى، فحرّك أجفانه وزاد في شدّة الحركة وفي فتح العين، وفي تتابع الفتح والإطباق، فتنحّى عنه بقدر ما سكنت حركته ثمّ عاد إلى موضعه، فما زال يلحّ عليه حتى استفرغ صبره وبلغ مجهوده. فلم يجد بدّا من أن يذبّ عن عينيه بيده، ففعل، وعيون القوم إليه ترمقه، وكأنّهم لا يرونه، فتنحّى عنه بقدر ما ردّ يده وسكنت حركته ثمّ عاد إلى موضعه، ثمّ ألجأه إلى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، وعلم أنّ فعله كلّه بعين من حضره من أمنائه وجلسائه. فلمّا نظروا إليه قال: أشهد أنّ الذّباب ألحّ من الخنفساء، وأزهى من الغراب! وأستغفر الله! فما أكثر من أعجبته نفسه فأراد الله عزّ وجلّ أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا! وقد علمت أني عند الناس من أزمت الناس، فقد غلبني وفضحني أضعف خلقه! ثمّ تلا قوله تعالى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
[1] .
وكان بيّن اللّسان، قليل فضول الكلام، وكان مهيبا في أصحابه، وكان أحد من لم يطعن عليه في نفسه، ولا في تعريض أصحابه للمنالة.
795-[قصّة في إلحاح الذباب]
فأمّا الذي أصابني أنا من الذّبّان، فإنّي خرجت أمشي في المبارك [2] أريد دير الربيع، ولم أقدر على دابّة، فمررت في عشب أشب [3] ونبات ملتفّ كثير الذّبّان،
__________
[1] 73/الحج: 22.
[2] المبارك: اسم نهر بالبصرة؛ احتفره خالد القسري، والمبارك: نهر وقرية فوق واسط. معجم البلدان 5/50.
[3] عشب أشب: ملتف «القاموس: أشب» .
(3/164)

فسقط ذباب من تلك الذّبّان على أنفي، فطردته، فتحولّ إلى عيني فطردته، فعاد إلى موق عيني، فزدت في تحريك يديّ فتنحّى عني بقدر شدّة حركتي وذبّي عن عيني- ولذبّان الكلإ والغياض والرّياض وقع ليس لغيرها- ثمّ عاد إليّ فعدت عليه ثمّ عاد إليّ فعدت بأشدّ من ذلك، فلما عاد استعملت كمّي فذببت به عن وجهي، ثمّ عاد، وأنا في ذلك أحثّ السّير، أؤمّل بسرعتي انقطاعه عنّي فلما عاد نزعت طيلساني [1] من عنقي فذببت به عنّي بدل كمّي؛ فلما عاود ولم أجد له حيلة استعملت العدو، فعدوت منه شوطا تامّا لم أتكلف مثله مذ كنت صبيّا، فتلقّاني الأندلسيّ فقال لي:
ما لك يا أبا عثمان! هل من حادثة؟ قلت: نعم أكبر الحوادث، أريد أن أخرج من موضع للذّبّان عليّ فيه سلطان! فضحك حتى جلس. وانقطع عني، وما صدّقت بانقطاعه عنّي حتّى تباعد جدّا.
796-[ذبّان العساكر]
والعساكر أبدا كثيرة الذّبّان. فإذا ارتحلوا لم ير المقيم بعد الظّاعن منها إلا اليسير.
وزعم بعض النّاس أنّهنّ يتبعن العساكر، ويسقطن على المتاع، وعلى جلال الدّواب، وأعجاز البراذين التي عليها أسبابها حتى تؤدّي إلى المنزل الآخر.
وقال المكّيّ: يتبعوننا ليؤذونا، ثمّ لا يركبون إلّا أعناقنا ودوابّنا!
797-[تخلّق الذّباب]
ويقول بعضهم: بل إنما يتخلّق من تلك العفونات والأبخرة والأنفاس، فإذا ذهبت فنيت مع ذهابها، ويزعمون أنّهم يعرفون ذلك بكثرتها في الجنائب، وبقلّتها في الشمائل.
قالوا: وربّما سددنا فم الآنية التي فيها الشّراب بالصّمامة، فإذا نزعناها وجدنا هناك ذبابا صغارا.
وقال ذو الرّمّة [3] : [من الطويل]
وأيقنّ أنّ القنع صارت نطافه ... فراشا وأنّ البقل ذاو ويابس
__________
[1] الطيلسان: ضرب من الأكسية، أصله فارسي «اللسان: طلس» .
[2] انظر الفقرة (803) .
[3] ديوان ذي الرمة 1121، واللسان (فرش، قنع، ذوي) ، والتاج (فرش، قنع) ، والعين 1/171، والتهذيب 1/258، 11/346، 15/438، وديوان الأدب 1/188.
(3/165)

القنع: الموضع الذي يجتمع فيه نقران الماء. والفراش: الماء الرقيق الذي يبقى في أسفل الحياض.
وأخبرني رجل من ثقيف، من أصحاب النّبيذ أنّهم ربّما فلقوا السّفرجلة أيام السّفرجل للنّقل والأكل، وليس هناك من صغار الذّبّان شيء البتّة ولا يعدمهم أن يروا على مقاطع السّفرجل ذبابا صغارا. وربّما رصدوها وتأمّلوها، فيجدونها تعظم حتّى تلحق بالكبار في السّاعة الواحدة.
798-[حياة الذّباب والجعلان بعد موته]
قال: وفي الذّبان طبع كطبع الجعلان، فهو طبع غريب عجيب. ولولا أنّ العيان قهر أهله لكانوا خلقاء أن يدفعوا الخبر عنه؛ فإنّ الجعل إذا دفن في الورد مات في العين، وفنيت حركاته كلّها، وعاد جامدا تارزا [1] ولم يفصل الناظر إليه بينه وبين الجعل الميّت، ما أقام على تأمله. فإذا أعيد إلى الروث عادت إليه حركة الحياة من ساعته.
وجرّبت أنا مثل ذلك في الخنفساء، فوجدت الأمر فيها قريبا من صفة الجعل، ولم يبلغ كلّ ذلك إلّا لقرابة ما بين الخنفساء والجعل.
ودخلت يوما على ابن أبي كريمة، وإذا هو قد أخرج إجّانة [2] كان فيها ماء من غسالة أوساخ الثياب، وإذا ذبّان كثيرة قد تساقطن فيه من اللّيل فموّتن. هكذا كنّ في رأي العين. فغبرن كذلك عشيّتهنّ وليلتهنّ، والغد إلى انتصاف النهار، حتّى انتفخن وعفنّ واسترخين؛ وإذا ابن أبي كريمة قد أعدّ آجرّة جديدة، وفتات آجرّ جديد، وإذا هو يأخذ الخمس منهنّ والستّ، ثمّ يضعهنّ على ظهر الآجرّة الجديدة، ويذرّ عليهنّ من دقاق ذلك الآجرّ الجديد المدقوق بقدر ما يغمرها فلا تلبث أن يراها قد تحرّكت، ثمّ مشت، ثمّ طارت؛ إلّا أنّه طيران ضعيف.
799-[غلام ابن أبي كريمة]
وكان ابن أبي كريمة يقول: لا والله، لا دفنت ميّتا أبدا حتّى ينتن! قلت:
وكيف ذاك؟ قال: إنّ غلامي هذا نصيرا مات، فأخّرت دفنه لبعض الأمر، فقدم أخوه تلك اللّيلة فقال: ما أظنّ أخي مات! ثمّ أخذ فتيلتين ضخمتين، فروّاهما دهنا ثمّ
__________
[1] التارز: اليابس لا روح فيه؛ والميت «القاموس: ترز» .
[2] الإجانة: الوعاء يغسل فيه الثياب «القاموس: أجن» .
(3/166)

أشعل فيها النّار، ثمّ أطفأهما وقرّبهما إلى منخريه، فلم يلبث أن تحرّك. وها هو ذا قد تراه! قلت له: إن أصحاب الحروب والذين يغسلون الموتى، والأطباء، عندهم في هذا دلالات وعلامات فلا تحمل على نفسك في واحد من أولئك ألّا تستره بالدفن حتى يجيف.
والمجوس يقرّبون الميّت من أنف الكلب، ويستدلون بذلك على أمره فعلمت أنّ الذي عاينّاه من الذّبّان قد زاد في عزمه.
800-[النّعر]
والنّعر: ضرب من الذّبان، والواحدة نعرة. وربما دخلت في أنف البعير أو السّبع، فيزمّ بأنفه؛ للذي يلقى من المكروه بسببه. فالعرب تشبّه ذا الكبر من الرجال إذا صعّر خده، وزمّ أنفه- بذلك البعير في تلك الحال. فيقال عند ذلك: «فلان في أنفه نعرة» [1] ، و «في أنفه خنزوانة» [2] . وقال عمر: «والله لا أقلع عنه أو أطيّر نعرته» [3] .
ومنها القمع، وهو ضرب من ذبّان الكلأ. وقال أوس [4] : [من الطويل]
ألم تر أن الله أنزل مزنه ... وعفر الظّباء في الكناس تقمّع
وذلك مما يكون في الصيف وفي الحرّ.
801-[أذى الذّبّان للدوابّ]
والذّبان جند من جند الله شديد الأذى. وربّما كان أضرّ من الدّبر [5] في بعض الزمان، وربما أتت على القافلة بما فيها؛ وذلك أنّها تغشى الدوابّ حتّى تضرب بأنفسها الأرض- وهي في المفاوز- وتسقط، فيهلك أهل القافلة؛ لأنهم لا يخرجون من تلك المفاوز على دوابهم- وكذلك تضرب الرّعاء بإبلهم، والجمالون بجمالهم عن تلك الناحية، ولا يسلكها صاحب دابّة، ويقول بعضهم لبعض: بادروا قبل حركة الذّبان، وقبل أن تتحرك ذّبان الرّياض والكلأ!
__________
[1] في الأمثال (في رأسه نعرة) ، والمثل في مجمع الأمثال 2/69، والمستقصى 2/83، وجمهرة الأمثال 2/99.
[2] جمهرة الأمثال 2/99.
[3] النهاية 5/80. أي حتى أخرج جهله من رأسه.
[4] ديوان أوس بن حجر 57، واللسان والتاج (قمع، حزن) ، والمقاييس 8/28، والمخصص 8/183، والمجمل 4/124، والتهذيب 1/291، وبلا نسبة في الجمهرة 941.
[5] الدبر: جماعة النحل والزنابير «القاموس: دبر» .
(3/167)

والزّنابير لا تكاد تدمي إذا لسعت بأذنابها. والذّبّان تغمس خراطيمها في جوف لحوم الدوابّ، وتخرق الجلود الغلاظ حتى تنزف الدّم نزفا. ولها مع شدّة الوقع سموم. وكذلك البعوضة ذات سمّ، ولو زيد في بدن البعوضة وزيد في حرقة لسعها إلى أن يصير بدنها كبدن الجرّارة [1]- فإنها أصغر العقارب- لما قام له شيء، ولكان أعظم بليّة من الجرّارة النصيبية [2] أضعافا كثيرة. وربّما رأيت الحمار وكأنّه ممغّر أو معصفر. وإنّهم مع ذلك ليجلّلون حمرهم ويبرقعونها، وما يدعون موضعا إلّا ستروه بجهدهم، فربّما رأيت الحمير وعليها الرّجال فيما بين عبدسي [3] والمذار [4] بأيديهم المناخس والمذابّ، وقد ضربت بأنفسها الأرض واستسلمت للموت. وربّما رأيت صاحب الحمير إذا كان أجيرا يضربها بالعصا بكلّ جهده، فلا تنبعث.
وليس لجلد البقرة والحمار والبعير عنده خطر. ولقد رأيت ذبابا سقط على سالفة [5] حمار كان تحتي، فضرب بأذنيه، وحرّك رأسه بكلّ جهده، وأنا أتأمّله وما يقلع عنه، فعمدت بالسّوط لأنحّيه به فنزا عنه، ورأيت مع نزوه عنه الدّم وقد انفجر؛ كأنّه كان يشرب الدّم وقد سدّ المخرج بفيه، فلمّا نحّاه طلع.
802-[ونيم الذّباب]
وتزعم العامّة أنّ الذّبّان يخرأ على ما شاء قالوا: لأنّا نراه يخرأ على الشيء الأسود أبيض، وعلى الأبيض أسود.
__________
[1] الجرارة، كجبانة: عقيرب تجر ذنبها «القاموس: جرر» .
[2] الجرارة النصيبية: نسبة إلى نصيبين، وهي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام وسبب كثرة عقاربها أن أنو شروان الملك حاصرها وما قدر أن يفتحها، فأمر أن تجمع إليه العقارب. فحملوا العقارب من قرية تعرف بطيرانشاه من عمل شهرزور، فرماهم بها في العرادات والقوارير. وكان يملأ القارورة من العقارب ويضعها في العرادة؛ وهي على هيئة المنجنيق، فتقع القارورة وتنكسر وتخرج تلك العقارب، حتى ضجّ أهلها وفتحوا له البلد، وأخذها عنوة، وذلك أصل عقارب نصيبين. معجم البلدان 5/288.
[3] عبدسي: اسم مصنعة كانت برستاق كسكر، خربها العرب، وبقي اسمها على ما كان حولها من العمارة. معجم البلدان 4/77.
[4] المذار: مدينة بين واسط والبصرة، فتحها عتبة بن غزوان أيام عمر بن الخطاب. معجم البلدان 4/88.
[5] السالفة: ما تقدم من العنق «القاموس: سلف» .
(3/168)

ويقال قد ونم الذّباب- في معنى خرئ الإنسان- وعرّ الطائر. وصام النّعام، وذرق الحمام. قال الشاعر [1] : [من الوافر]
وقد ونم الذّباب عليه حتّى ... كأنّ ونيمه نقط المداد
وليس طول كوم البعير إذا ركب النّاقة، والخنزير إذا ركب الخنزيرة، بأطول ساعة من لبث ذكورة الذّبان على ظهور الإناث عند السّفاد.
803-[تخلق الذّباب]
[2] والذّباب من الخلق الذي يكون مرّة من السّفاد والولاد، ومرّة من تعفّن الأجسام والفساد الحادث في الأجرام.
والباقلاء إذا عتق شيئا في الأنبار [3] استحال كلّه ذبابا، فربّما أغفلوه في تلك الأنبار فيعودون إلى الأنبار [3] وقد تطاير من الكوى والخروق فلا يجدون في الأنبار إلّا القشور.
والذّباب الذي يخلق من الباقلاء يكون دودا، ثمّ يعود ذبابا. وما أكثر ما ترى الباقلاء مثقّبا في داخله شيء كأنّه مسحوق، إذا كان الله قد خلق منه الذّبّان وصيّره.
وما أكثر ما تجده فيه تامّ الخلق. ولو تمّ جناحاه لقد كان طار.
804-[حديث شيخ عن تخلق الذّباب]
وحدّثني بعض أصحابنا عن شيخ من أهل الخريبة قال: كنت أحبّ الباقلاء، وأردت، إمّا البصرة وإما بغداد- ذهب عنّي حفظه- فصرت في سفينة حملها باقلاء، فقلت في نفسي: هذا والله من الحظّ وسعادة الجدّ، ومن التّوفيق والتسديد، ولقد أربع من وقع له مثل هذا الذي قد وقع لي: أجلس في هذه السفينة على هذا الباقلاء، فآكل منه نيّا ومطبوخا ومقلوّا، وأرضّ [4] بعضه وأطحنه، وأجعله مرقا وإداما، وهو يغذو غذاء صالحا، ويسمن، ويزيد في الباه. فابتدأت فيما أمّلته، ودفعنا السّفينة،
__________
[1] البيت للفرزدق في ديوانه 215 (طبعة الصاوي) ، واللسان والتاج (ونم) ، والمجمل 4/556، والجمهرة 992، وبلا نسبة في ديوان الأدب 3/255، والمخصص 8/186، والتهذيب 15/535، 16/209.
[2] انظر الفقرة (797) .
[3] الأنبار: جمع نبر، وهو بيت التاجر ينضّد فيه المتاع، والأنبار أيضا: أكداس الطعام «القاموس: نبر» .
[4] أرضّ: أدق «القاموس: رضض» .
(3/169)

فأنكرت كثرة الذّبّان. فلما كان الغد جاء منه ما لم أقدر معه على الأكل والشرب.
وذهبت القائلة وذهب الحديث، وشغلت بالذّبّ. على أنهنّ لم يكنّ يبرحن بالذّبّ، وكنّ أكثر من أن أكون أقوى عليهنّ؛ لأنّي كنت لا أطرد مائة حتى يخلفها مائة مكانها. وهنّ في أول ما يخرجن من الباقلاء كأنّ بهنّ زمانة [1] فلما كان طيرانهنّ أسوأ كان أسوأ لحالي، فقلت للملاح: ويلك! أيّ شيء معك حتى صار الذبان يتبعك! قد والله أكلت وشربت! قال: أو ليس تعرف القصّة؟ قلت: لا والله! قال:
هي والله من هذه الباقلاء، ولولا هذه البليّة لجاءنا من الرّكاب كما يجيئون إلى جميع أصحاب الحمولات. وما ظننته إلّا ممن قد اغتفر هذا للين الكراء، وحبّ التفرّد بالسفينة. فسألته أن يقربني إلى بعض الفرض [2] ، حتى أكتري من هناك إلى حيث أريد، فقال لي: أتحبّ أن أزوّدك منه؟ قلت: ما أحبّ أن ألتقي أنا والباقلاء في طريق أبدا!.
805-[من كره الباقلاء]
ولذلك كان أبو شمر لا يأكل الباقلاء، وكان أخذ ذلك عن معلّمه معمّر أبي الأشعث. وكذلك كان عبد الله بن مسلمة بن محارب والوكيعيّ ومعمّر، وأبو الحسن المدائني، برهة من دهرهم.
وكان يقول: لولا أنّ الباقلاء عفن فاسد الطّبع، رديء يخثّر الدّم ويغلّظه ويورث السّوداء وكلّ بلاء- لما ولّد الذّبان. والذّبان أقذر ما طار ومشى! وكان يقول: كلّ شيء ينبت منكوسا فهو رديء للذّهن، كالباقلاء والباذنجان.
وكان يزعم أنّ رجلا هرب من غرمائه فدخل في غابة باقلاء، فتستّر عنهم بها، فأراد بعضهم إخراجه والدخول فيها لطلبه، فقال: أحكمهم وأعلمهم كفاكم له بموضعه شرّا! وكان يقول: سمعت ناسا من أهل التجربة يحلفون بالله: إنّه ما أقام أحد أربعين يوما في منبت باقلاء وخرج منه إلّا وقد أسقمه سقما لا يزايل جسمه.
وزعم أنّ الذي منع أصحاب الأدهان والتربية بالسمسم من أن يربّوا السّماسم [3]
__________
[1] الزمانة: العاهة «القاموس: زمن» .
[2] الفرض: جمع فرضة، وهي محطّ السفن من البحر «القاموس: فرض» ..
[3] السّماسم: طائر «القاموس: سمم» . وفي حياة الحيوان 1/566: (السّمائم: جمع سمامة، وهو ضرب من الطير كالخطاف، وقيل هو السنونو، وهو الطير الأبابيل الذي أرسله الله تعالى على أصحاب الفيل) .
(3/170)

بنور الباقلاء، الذي يعرفون من فساد طبعه، وأنّه غير مأمون على الدّماغ وعلى الخيشوم والصّماخ [1] ، ويزعمون أنّ عمله الذي عمله هو القصد إلى الأذهان بالفساد.
وكان يزعم أنّ كلّ شيء يكون رديئا للعصب فإنّه يكون رديئا للذّهن، وأن البصل إنما كان يفسد الذهن؛ إذ كان رديّا للعصب، وأن البلاذر [2] إنما صار يصلح العقل ويورث الحفظ؛ لأنّه صالح للعصب.
وكان يقول: سواء عليّ أكلت الذّبان أو أكلت شيئا لا يولّد إلّا الذّبان، وهو لا يولّده إلّا هو. والشيء لا يلد الشيء إلّا وهو أولى الأشياء به، وأقربها إلى طبعه، وكذلك جميع الأرحام، وفيما ينتج أرحام الأرض وأرحام الحيوان، وأرحام الأشجار، وأرحام الثّمار، فيما يتولّد منها وفيها.
806-[حديث أبي سيف حول حلاوة الخرء]
وبينما أنا جالس يوما في المسجد مع فتيان من المسجديّين مما يلي أبواب بني سليم، وأنا يومئذ حدث السّنّ إذ أقبل أبو سيف الممرور- وكان لا يؤذي أحدا، وكان كثير الظّرف من قوم سراة- حتى وقف علينا، ونحن نرى في وجهه أثر الجدّ، ثمّ قال مجتهدا: والله الذي لا إله إلّا هو إن الخرء لحلو. ثمّ والله الذي لا إله إلّا هو إنّ الخرء لحلو. ثم والله الذي لا إله إلّا هو إن الخرء لحلو، يمينا باتّة يسألني الله عنها يوم القيامة! فقلت له: أشهد أنّك لا تأكله ولا تذوقه، فمن أين علمت ذلك؟ فإن كنت علمت أمرا فعلّمنا مما علمك الله. قال: رأيت الذّبّان يسقط على النّبيذ الحلو، ولا يسقط على الحازر [3] ، ويقع على العسل ولا يقع على الخلّ، وأراه على الخرء أكثر منه على التّمر. أفتريدون حجّة أبين من هذه؟ فقلت: يا أبا سيف بهذا وشبهه يعرف فضل الشّيخ على الشابّ.
807-[تخلق بعض الحيوان من غير ذكر وأنثى]
[4] ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر خلق الذّبان من الباقلاء. وقد أنكر ناس من العوامّ
__________
[1] الصماخ: خرق الأذن، والأذن نفسها «القاموس: صمخ» .
[2] البلاذر: يسمى باليونانية أنقرديا Anacardier ومعناها: الشبيه بالقلب؛ إلماعا إلى شكل الثمر، وهو نبات طبي من فصيلة البطميات، تؤكل ثماره؛ وتسمى تفاح الأكاجو، وتفاح البلاذر، انظر معجم الألفاظ الزراعية للشهابي 36.
[3] الحازر: الحامض من اللبن والنبيذ «القاموس: حزر» .
[4] انظر الفقرة (812) .
(3/171)

وأشباه العوامّ أن يكون شيء من الخلق كان من غير ذكر وأنثى. وهذا جهل بشأن العالم، وبأقسام الحيوان. وهم يظنّون أنّ على الدّين من الإقرار بهذا القول مضرّة.
وليس الأمر كما قالوا. وكلّ قول يكذّبه العيان فهو أفحش خطأ، وأسخف مذهبا، وأدلّ على معاندة شديدة أو غفلة مفرطة.
وإن ذهب الذّاهب إلى أن يقيس ذلك على مجاز ظاهر الرّأي، دون القطع على غيب حقائق العلل، فأجراه في كلّ شيء- قال قولا يدفعه العيان أيضا، مع إنكار الدّين له.
وقد علمنا أنّ الإنسان يأكل الطّعام ويشرب الشّراب، وليس فيهما حيّة ولا دودة، فيخلق منها في جوفه ألوان من الحيّات، وأشكال من الدّيدان من غير ذكر ولا أنثى. ولكن لابدّ لذلك الولاد واللّقاح من أن يكون عن تناكح طباع، وملاقاة أشياء تشبه بطباعها الأرحام وأشياء تشبه في طبائعها ملقّحات الأرحام.
808-[استطراد لغوي بشواهد من الشعر]
وقد قال الشاعر: [من الكامل]
فاستنكح اللّيل البهيم فألقحت ... عن هيجه واستنتجت أحلاما
وقال الآخر: [من مجزوء الكامل]
وإذا الأمور تناكحت ... فالجود أكرمها نتاجا
وقال ذو الرّمّة: [من الطويل]
وإنّي لمدلاج إذا ما تناكحت ... مع اللّيل أحلام الهدان المثقّل [1]
وقال عليّ بن معاذ: [من السريع]
للبدر طفل في حضان الهوا ... مستزلق من رحم الشّمس [2]
وقال دكين الرّاجز [3] ، أو أبو محمد الفقعسيّ: [من الرجز]
وقد تعللت ذميل العنس ... بالسّوط في ديمومة كالتّرس
إذا عرّج اللّيل بروج الشّمس
__________
[1] الهدان: الأحمق الثقيل «القاموس: هدن» .
[2] أزلقت الفرس: ألقت ولدها تاما «القاموس: زلق» .
[3] تقدم الرجز في الفقرة (577) صفحة 37.
(3/172)

وقال أمية بن أبي الصّلت [1] : [من الكامل]
والأرض نوّخها الإله طروقة ... للماء حتّى كلّ زند مسفد [2]
والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد
وذكر أميّة الأرض فقال [3] : [من البسيط]
والطّوط نزرعه فيها فنلبسه ... والصّوف نجتزّه ما أردف الوبر [4]
هي القرار فما نبغي بها بدلا ... ما أرحم الأرض إلّا أنّنا كفر
وطعنة الله في الأعداء نافذة ... تعيي الأطبّاء لا تثوى لها السّبر [5]
ثمّ رجع إليها فقال:
منها خلقنا وكانت أمّنا خلقت ... ونحن أبناؤها لو أنّنا شكر [6]
809-[ما تستنكره العامة من القول]
وتقول العرب: الشمس أرحم بنا! فإذا سمع السامع منهم أنّ جالينوس قال:
عليكم بالبقلة الرحيمة- السّلق- استشنعه السامع، وإذا سمع قول العرب: الشمس أرحم بنا، وقول أميّة [7] : [من البسيط]
ما أرحم الأرض إلا أنّنا كفر
لم يستشنعه، وهما سواء.
فإذا سمع أهل الكتاب يقولون: إنّ عيسى ابن مريم أخذ في يده اليمنى غرفة، وفي اليسرى كسرة خبز، ثم قال: هذا أبي، للماء، وهذه أمّي، لكسرة الخبز.
استشنعه، فإذا سمع قول أميّة [8] : [من الكامل]
والأرض نوّخها الإله طروقة ... للماء حتّى كل زند مسفد
لم يستشنعه.
__________
[1] ديوان أمية بن أبي الصلت 356، والأول في اللسان والتاج (سفد) ، والثاني في المخصص 13/180، وبلا نسبة في المذكر والمؤنث للأنباري 187.
[2] في ديوانه: (نوّخها: أبركها. والطروقة: أنثى الفحل، شبه الماء والأرض بالأنثى والفحل) .
[3] ديوان أمية بن أبي الصلت 385.
[4] في ديوانه (الطوط: القطن، وقيل: قطن البردي خاصة، أردف: توالى وتتابع) .
[5] في ديوانه (السبر: جمع سبار، وهو فتيلة تجعل في الجرح. وثوى في المكان: أطال الإقامة به) .
[6] في ديوانه (شكر: جمع شاكر، وهو خلاف الجاحد) .
[7] تقدم البيت في نهاية الفقرة السابقة.
[8] تقدم البيت في الفقرة السابقة.
(3/173)

والأصل في ذلك أنّ الزّنادقة أصحاب ألفاظ في كتبهم، وأصحاب تهويل؛ لأنّهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم فيها طائل، مالوا إلى تكلّف ما هو أخضر وأيسر وأوجز كثيرا.
810-[حظوة بعض الألفاظ لدى بعض النّاس]
ولكلّ قوم ألفاظ حظيت عندهم. وكذلك كلّ بليغ في الأرض وصاحب كلام منثور، وكلّ شاعر في الأرض وصاحب كلام موزون؛ فلا بد من أن يكون قد قد لهج وألف ألفاظا بأعيانها؛ ليديرها في كلامه، وإن كان واسع العلم غزير المعاني، كثير اللّفظ.
فصار حظّ الزّنادقة من الألفاظ التي سبقت إلى قلوبهم، واتّصلت بطبائعهم، وجرت على ألسنتهم التناكح، والنتائج، والمزاج والنّور والظلمة، والدفّاع والمنّاع، والساتر والغامر، والمنحلّ، والبطلان، والوجدان، والأثير والصّدّيق وعمود السبح، وأشكالا من هذا الكلام. فصار وإن كان غريبا مرفوضا مهجورا عند أهل ملّتنا ودعوتنا، وكذلك هو عند عوامّنا وجمهورنا، ولا يستعمله إلّا الخواصّ وإلّا المتكلّمون.
811-[لكل مقام مقال ولكل صناعة شكل]
وأنا أقول في هذا قولا، وأرجو أن يكون مرضيا. ولم أقل «أرجو» لأني أعلم فيه خللا، ولكنّي أخذت بآداب وجوه أهل دعوتي وملّتي، ولغتي، وجزيرتي، وجيرتي؛ وهم العرب. وذلك أنّه قيل لصحار العبديّ: الرجل يقول لصاحبه، عند تذكيره أياديه وإحسانه: أما نحن فإنّا نرجو أن نكون قد بلغنا من أداء ما يجب علينا مبلغا مرضيا. وهو يعلم أنّه قد وفّاه حقّه الواجب، وتفضّل عليه بما لا يجب. قال صحار: كانوا يستحبّون أن يدعوا للقول متنفّسا، وأن يتركوا فيه فضلا، وأن يتجافوا عن حقّ إن أرادوه لم يمنعوا منه.
فلذلك قلت «أرجو» . فافهم فهّمك الله تعالى.
فإنّ رأيي في هذا الضّرب من هذا اللفظ، أن أكون ما دمت في المعاني التي هي عبارتها، والعادة فيها، أن ألفظ بالشّيء العتيد [1] الموجود، وأدع التكلّف لما عسى ألّا يسلس ولا يسهل إلّا بعد الرّياضة الطويلة.
__________
[1] العتيد: الحاضر المهيأ «القاموس: عتد» .
(3/174)

وأرى أن ألفظ بألفاظ المتكلمين ما دمت خائضا في صناعة الكلام مع خواصّ أهل الكلام؛ فإن ذلك أفهم لهم عني، وأخفّ لمؤنتهم عليّ.
ولكل صناعة ألفاط قد حصلت لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم إلّا بعد أن كانت مشاكلا بينها وبين تلك الصناعة.
وقبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلّمين في خطبة، أو رسالة، أو في مخاطبة العوام والتجار، أو في مخاطبة أهله وعبده وأمته، أو في حديثه إذا تحدث، أو خبره إذا أخبر.
وكذلك فإنّه من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب، وألفاظ العوامّ وهو في صناعة الكلام داخل. ولكلّ مقام مقال، ولكلّ صناعة شكل.
812-[خلق بعض الحيوان من غير ذكر وأنثى]
ثم رجع بنا القول إلى ما يحدث الله عزّ وجلّ من خلقه من غير ذكر ولا أنثى.
فقلنا [1] : إنّه لابدّ في ذلك من تلاقي أمرين يقومان مقام الذّكر والأنثى، ومقام الأرض والمطر. وقد تقرب الطّبائع، وإن لم تتحوّل في جميع معانيها، كالنطفة والدّم، وكاللّبن والدّم.
وقد قال صاحب المنطق: أقول بقول عامّ: لابدّ لجميع الحيوان من دم، أو من شيء يشاكل الدّم.
ونحن قد نجد الجيف يخلق منها الدّيدان، وكذلك العذرة. ولذلك المجوسيّ كلما تبرّز ذرّ على برازه شيئا من التراب؛ لئلا يخلق منها ديدان. والمجوسيّ لا يتغوّط في الآبار والبلاليع لأنّه بزعمه يكرم بطن الأرض عن ذلك، ويزعم أنّ الأرض أحد الأركان التي بنيت العوالم الخمسة عليها بزعمهم: أبرسارس وأبرمارس وأبردس وكارس وحريرة أمنة. وبعضهم يجعل العوالم ستة ويزيد أسرس، ولذلك لا يدفنون موتاهم ولا يحفرون لهم القبور، ويضعونهم في النّواويس وضعا.
قالوا: ولو استطعنا أن نخرج تلك الجيف من ظهور الأرضين وأجواف الأحراز [2] ، كما أخرجناها من بطون الأرضين لفعلنا. وهم يسمّون يوم القيامة روز رستهار، كأنّه يوم تقوم الجيف. فمن بغضهم لأبدان الموتى سمّوها بأسمج أسمائهم.
__________
[1] انظر الفقرة (807) .
[2] الأحراز: جمع حرز، وهو المكان الحصين «القاموس: حرز» .
(3/175)

قالوا: وعلى هذا المثال أعظمنا النّار والماء، وليسا بأحقّ بالتعظيم من الأرض.
وبعد فنحن ننزع الصّمامة من رؤوس الآنية التي يكون فيها بعض الشراب، فنجد هنالك من الفراش ما لم يكن عن ذكر ولا أنثى، وإنما ذلك لاستحالة بعض أجزاء الهواء وذلك الشراب إذا انضمّ عليه ذلك الوعاء. وهذا قول ذي الرمّة وتأويل شعره، حيث يقول [1] : [من الطويل]
وأبصرن أن القنع صارت نطافه ... فراشا وأنّ البقل ذاو ويابس
وكذلك كلّ ما تخلق من جمّار النّخلة وفيها، من ضروب الخلق والطّير، وأشباه الطير، وأشباه بنات وردان [2] ، والذي يسمّى بالفارسية فاذو، وكالسّوس، والقوادح [3] ، والأرضة، وبنات وردان اللاتي يخلقن من الأجذاع والخشب والحشوش. وقد نجد الأزج [4] الذي يكبس فيه اليخّ [5] بخراسان، كيف يستحيل كله ضفادع. وما الضّفدع بأدلّ على الله من الفراش.
وإنما يستحيل ذلك الثّلج إذا انفتح فيه كقدر منخر الثّور، حتّى تدخله الرّيح التي هي اللاقحة، كما قال الله عزّ وجلّ: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
[6] ، فجعلها لاقحة ولم يجعلها ملقحة.
ونجد وسط الدّهناء [7]- وهي أوسع من الدوّ [8] ومن الصّمّان [9]- وعلى ظهر مسجد الجامع في غبّ المطر من الضّفادع ما لا يحصى عدده. وليس أنّ ذلك كان عن ذكر وأنثى، ولكنّ الله خلقها تلك الساعة من طباع تلك التّربة وذلك المطر
__________
[1] ديوان ذي الرمة 1121، واللسان (فرش، قنع، ذوي) ، والتاج (فرش، قنع) ، والعين 1/171، وديوان الأدب 1/188، والتهذيب 1/258، 11/346، 15/438.
[2] بنات وردان: دويبة تتولد في الأماكن الندية، وأكثر ما تكون في الحمامات والسقايات، وهي تألف الحشوش، أي قطع النخل. حياة الحيوان 2/429.
[3] القوادح: جمع قادحة، وهي الدودة «القاموس: قدح» . وحياة الحيوان: 2/194.
[4] الأزج: ضرب من الأبنية «القاموس: أزج» .
[5] اليخ: كلمة فارسية تعني الثلج. انظر السامي في الأسامي 343، وقد وردت هذه الفقرة في ربيع الأبرار 5/440.
[6] 22/الحجر: 15.
[7] الدهناء: واد ببادية البصرة في أرض بني سعد معجم البلدان 2/493.
[8] الدّوّ: أرض ملساء بين مكة والبصرة على الجادة، ليس فيها جبل ولا رمل. معجم البلدان 2/490.
[9] الصمّان: أرض فيها غلظ وارتفاع، وفيها قيعان واسعة، وهي متاخمة للدهناء، وقيل: الصمان جبل في أرض تميم أحمر ليس له ارتفاع، انظر معجم البلدان 3/423.
(3/176)

وذلك الهواء المحيط بهما، وتلك الرّيح المتحرّكة. وإن زعموا أن تلك الضّفادع كانت في السّحاب، فالذي أقرّوا به أعجب من الذي أنكروه. وإنما تقيم الضّفادع وتتربّى وتتوالد في مناقع المياه، في أرض تلاقي ماء. والسّحاب لا يوصف بهذه الصفة. قد نجد الماء يزيد في دجلة والفرات فتنزّ البطون والحفائر التي تليها من الأرض، فيخلق من ذلك الماء السّمك الكثير، ولم يكن في تلك الحفائر الحدث [1] ، ولا في بحر تلك الأرضين شيء من بيض السّمك.
ولم نجد أهل القاطول [2] يشكّون في أنّ الفأر تخلّق من أرضهم، وأنّهم ربّما أبصروا الفأرة من قبل أن يتم خلقها. فنسبوا بأجمعهم خلق الفأر إلى الذكر والأنثى، وإلى بعض المياه والتّرب والأجواء والزمان، كما قالوا في السمك، والضّفادع، والعقارب.
813-[ضعف اطراد القياس والرأي في الأمور الطبيعية]
فإن قاس ذلك قائس فقال: ليس بين الذّبّان وبنات وردان وبين الزّنابير فرق، ولا بين الزّنابير والدّبر والخنافس فرق، ولا بين الزّرازير والخفافيش ولا بين العصافير والزّرازير فرق فإذا فرغوا من خشاش الأرض صاروا إلى بغاثها ثم إلى أحرارها، ثم إلى الطواويس والتدّارج [3] والزمامج [4] حتى يصعدوا إلى الناس. قيل لهم: ليس ذلك كذلك، وينبغي لكم بديّا أن تعرفوا الطّبيعة والعادة، والطبيعة الغريبة من الطبيعة العامّية، والممكن من الممتنع، وأنّ الممكن على ضربين: فمنه الذي لا يزال يكون، ومنه الذي لا يكاد يكون، وما علة الكثرة والقلة، وتعرفوا أنّ الممتنع أيضا على ضربين: فمنه ما يكون لعلة موضوعة يجوز دفعها، وما كان منه لعلة لا يجوز دفعها، وفصل ما بين العلة التي لا يجوز دفعها وهي على كل حال علة، وبين الامتناع الذي لا علة له إلّا عين الشيء وجنسه.
وينبغي أن تعرفوا فرق ما بين المحال والممتنع، وما يستحيل كونه من الله عزّ وجلّ؛ وما يستحيل كونه من الخلق.
__________
[1] الأحداث: أمطار أول السنة. «القاموس: حدث» .
[2] القاطول: اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة، وهو نهر كان في موضع سامرّا قبل أن تعمر، وكان الرشيد أول من حفره. معجم البلدان 4/297.
[3] التدرج: طائر يغرد في البساتين بأصوات طيبة حياة الحيوان. 1/230.
[4] الزمج: طائر من الجوارح يصيد به الملوك الطير، وهو دون العقاب، تسميه العجم «دو برادران» .
حياة الحيوان 1/538.
(3/177)

وإذا عرفتم الجواهر وحظوظها من القوى، فعند ذلك فتعاطوا الإنكار والإقرار، وإلّا فكونوا في سبيل المتعلم، أو في سبيل من آثر الرّاحة ساعة على ما يورث كدّ التعلّم من راحة الأبد. قد يكون أن يجيء على جهة التوليد شيء يبعد في الوهم مجيئه، ويمتنع شيء هو أقرب في الوهم من غيره؛ لأنّ حقائق الأمور ومغيّبات الأشياء، لا تردّ إلى ظاهر الرّأي، وإنما يردّ إلى الرّأي ما دخل في باب الحزم والإضاعة وما هو أصوب وأقرب إلى نيل الحاجة. وليس عند الرّأي علم بالنّجح والإكداء؛ كنحو مجيء الزّجاج من الرّمل، وامتناع الشّبه [1] والزئبق من أن يتحوّل في طبع الذّهب والفضّة. والزئبق أشبه بالفضّة المايعة من الرّمل بالزجاج الفرعونيّ. والشّبه الدمشقي بالذهب الإبريز أشبه من الرّمل بفلق [2] الزجاج النقيّ الخالص الصافي.
ومن العجب أنّ الزّجاج- وهو مولّد- قد يجري مع الذهب في كثير مفاخر الذّهب؛ إذ كان لا يغيّر طبعه ماء ولا أرض؛ والفضّة التي ليست بمولدة إذا دفنت زمانا غير طويل استحالت أرضا. فأمّا الحديد فإنّه في ذلك سريع غير بطيء.
وقد زعم ناس أنّ الفرق الذي بينهما إنما هو أنّ كلّ شيء له في العالم أصل وخميرة، لم يكن كالشيء الذي يكتسب ويجتلب ويلفّق ويلزّق، وأن الذّهب لا يخلو من أن يكون ركنا من الأركان قائما منذ كان الهواء والماء والنار والأرض. فإن كان كذلك فهو أبعد شيء من أن يولّد النّاس مثله. وإن كان الذّهب إنما حدث في عمق الأرض، بأن يصادف من الأرض جوهرا. ومن الهواء الذي في خلالها جوهرا، ومن الماء الملابس لها جوهرا، ومن النار المحصورة فيها جوهرا، مع مقدار من طول مرور الزمان، ومقدار من مقابلات البروج. فإن كان الذّهب إنما هو نتيجة هذه الجواهر على هذه الأسباب، فواجب ألّا يكون الذهب أبدا إلّا كذلك.
فيقال لهؤلاء: أرأيتم الفأرة التي خلقت من صلب جرذ ورحم فأرة، وزعمتم أنّها فأرة على مقابلة من الأمور السّماويّة والهوائيّة والأرضية وكانت نتيجة هذه الخصال، مع استيفاء هذه الصّفات؟ ألسنا قد وجدنا فأرة أخرى تهيّأ لها من أرحام الأرضين، ومن حضانة الهواء، ومن تلقيح الماء، ومن مقابلات السماويّات والهوائيّات. فالزّمان أصار جميع ذلك سببا لفأرة أخرى مثلها. وكذلك كلّ ما عددناه فمن أين يستحيل أن يخلط الإنسان بين مائيّة طبيعية ومائيّة جوهر؟ إمّا من طريق
__________
[1] الشّبه: النحاس الأصفر. «القاموس: شبه» .
[2] فلق: جمع فلقة، وهي القطعة. «القاموس: فلق» .
(3/178)

التبعيد والتقريب، ومن طريق الظّنون والتجريب، أو من طريق أن يقع ذلك اتفاقا، كما صنع النّاطف [1] الساقط من يد الأجير في مذاب الصّفر [2] حتى أعطاه ذلك اللّون، وجلب ذلك النّفع، ثم إنّ الرّجال دبرته وزادت ونقصت، حتى صار شبها ذهبيّا. هذا مع النّوشاذر المولّد من الحجارة السّود.
فلو قلتم: إنّ ذلك قائم الجواز في العقل مطّرد في الرّأي، غير مستحيل في النّظر. ولكنّا وجدنا العالم بما فيه من النّاس منذ كانا فإنّ النّاس يلتمسون هذا وينتصبون له، ويكلفون به. فلو كان هذا الأمر يجيء من وجه الجمع والتوليد والتركيب والتجريب، أو من وجه الاتفاق، لقد كان ينبغي أن يكون ذلك قد ظهر من ألوف سنين وألوف؛ إذ كان هذا المقدار أقلّ ما تؤرّخ به الأمم، ولكان هذا مقبولا غير مردود. وعلى أنّه لم يتبيّن لنا منه أنّه يستحيل أن يكون الذّهب إلّا من حيث وجد. وليس قرب كون الشيء في الوهم بموجب لكونه، ولا بعده في الوهم بموجب لامتناعه.
ولو أنّ قائلا قال: إنّ هذا الأمر إذ قد يحتاج إلى أن تتهيّأ له طباع الأرض، وطباع الماء، وطباع الهواء، وطباع النار، ومقادير حركات الفلك، ومقدار من طول الزمان.
فمتى لم تجتمع هذه الخصال وتكمل هذه الأمور لم يتمّ خلق الذّهب. وكذلك قد يستقيم أن يكون قد تهيأ لواحد أن يجمع بين مائتي شكل من الجواهر، فمزجها على مقادير، وطبخها على مقادير، وأغبّها مقدارا من الزمان، وقابلت مقدارا من حركات الأجرام السماويّة، وصادفت العالم بما فيه على هيئة، وكان بعض ما جرى على يده اتفاقا وبعضه قصدا، فلما اجتمعت جاء منها ذهب فوقع ذلك في خمسة آلاف سنة مرّة، ثمّ أراد صاحبه المعاودة فلم يقدر على أمثال مقادير طبائع تلك الجواهر، ولم يضبط مقادير ما كان قصد إليه في تلك المرّة، وأخطأ ما كان وقع له اتّفاقا، ولم يقابل من الفلك مثل تلك الحركات، ولا من العالم مثل تلك الهيئة، فلم يعد له ذلك.
فإن قال لنا هذا القول قائل وقال: بيّنوا لي موضع إحالته، ولا تحتجّوا بتباعد اجتماع الأمور به، فإنّا نقر لكم بتباعدها. هل كان عندنا في ذلك قول مقنع، والدّليل الذي تثلج به الصّدور؟! وهل عندنا في استطاعة النّاس أن يولّدوا مثل ذلك، إلّا بأن
__________
[1] الناطف: ضرب من الحلوى، ويسمى القبّيط، لأنه يتنطّف قبل استضرابه، أي يقطر قبل خثورته.
«اللسان: نطف» .
[2] الصفر: النحاس أو الذهب. «القاموس: صفر» .
(3/179)

يعرض هذا القول على العقول السليمة، والأفهام التّامّة وتردّه إلى الرسل والكتب؟! فإذا وجدنا هذه الأمور كلها نافية له، كان ذلك عندنا هو المقنع. وليس الشأن فيما يظهر اللّسان من الشكّ فيه والتّجويز له، ولكن ليردّه إلى العقل؛ فإنّه سيجده منكرا ونافيا له، إذا كان العقل سليما من آفة المرض. ومن آفة التخبيل.
814-[ضروب التخبيل]
والتخبيل ضروب: تخبيل من المرار، وتخبيل من الشّيطان، وتخبيل آخر كالرجل يعمد إلى قلب رطب لم يتوقّح [1] ، وذهن لم يستمرّ [2] ، فيحمله على الدقيق وهو بعد لا يفي بالجليل، ويتخطّى المقدّمات متسكعا [3] بلا أمارة، فرجع حسيرا [4] بلا يقين، وغبر زمانا لا يعرف إلّا الشكوك والخواطر الفاسدة، التي متى لاقت القلب على هذه الهيئة، كانت ثمرتها الحيرة، والقلب الذي يفسد في يوم لا يداوى في سنة، والبناء الذي ينقض في ساعة لا يبنى مثله في شهر.
815-[قولهم: هذا نبيذ يمنع جانبه]
ثم رجع بنا القول إلى ذكر الذّبّان
قيل لعلّويه كلب المطبخ: أيّ شيء معنى قولهم: «هذا نبيذ يمنع جانبه» ؟
قال: يريدون أن الذّبّان لا يدنو منه. وكان الرّقاشي حاضرا فأنشد قول ابن عبدل: [من الخفيف]
عشّش العنكبوت في قعر دنّي ... إنّ ذا من رزيّتي لعظيم
ليتني قد غمرت دني حتّى ... أبصر العنكبوت فيه يعوم
غرقا لا يغيثه الدّهر إلّا ... زبد فوق رأسه مركوم [5]
مخرجا كفّه ينادي ذبابا ... أن أغثني فإنّني مغموم
قال: دعني فلن أطيق دنوّا ... من شراب يشمّه المزكوم
قال: والذّبّان يضرب به المثل في القذر وفي استطابة النّتن، فإذا عجز الذّباب عن شمّ شيء فهو الذي لا يكون أنتن منه.
__________
[1] وقح وقاحة: صلب. «القاموس: وقح» .
[2] يستمر: يقوى، ومنه يوم نحس مستمر: أي قوي. «القاموس: مرر» .
[3] تسكع: تحير. «القاموس: سكع» .
[4] حسر: كفرح وضرب: أعيا، فاستحسر فهو حسير. «القاموس: حسر» .
[5] الركم: جمع شيء فوق آخر حتى يصير ركاما مركوما. «القاموس: ركم» .
(3/180)

ولذلك حين رمى ابن عبدل محمّد بن حسّان بن سعد بالبخر، قال [1] : [من الوافر]
وما يدنو إلى فيه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند [2]
يرين حلاوة ويخفن موتا ... وشيكا إن هممن له بورد
816-[أبو ذبّان]
ويقال لكلّ أبخر: أبو ذبّان، وكانت فيما زعموا كنية عبد الملك بن مروان [3] وأنشدوا قول أبي حزابة: [من الرجز]
أمسى أبو ذبّان مخلوع الرّسن ... خلع عنان قارح من الحصن [4]
وقد صفت بيعتنا لابن حسن
817-[شعر فيه هجاء بالذباب]
قال رجل يهجو هلال بن عبد الملك الهنائيّ: [من الوافر]
ألا من يشتري منّي هلالا ... مودّته وخلّته بفلس
وأبرأ للذي يبتاع منّي ... هلالا من خصال فيه خمس
فمنهنّ النغانغ والمكاوي ... وآثار الجروح وأكل ضرس [5]
ومن أخذ الذباب بإصبعيه ... وإن كان الذّباب برأس جعس [6]
818-[التسوية بين الذبان والناس في العجز]
قالوا: وضرب الله عزّ وجلّ لضعف النّاس وعجزهم مثلا، فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
[7] فقال
__________
[1] الأغاني 2/413، وفيه البيت الأول مع أبيات أخرى.
[2] القند: كلمة معرّبة تعني عسل قصب السكر إذا جمّد. «القاموس: قند» .
[3] ثمار القلوب 197 (393) ، وعيون الأخبار 4/61، والمرصع 177، ولطائف المعارف 26، وقيل إن الذباب كان يسقط إذا قارب فاه من شدة رائحته.
[4] القارح: الذي وقعت سنه الرّباعية. «القاموس: قرح» . الحصن: جمع حصان.
[5] النغانغ: جمع نغنغ؛ كبرقع؛ وهو لحمة في الحلق «القاموس: نغنغ» .
[6] الجعس: الرجيع. «القاموس: جعس» .
[7] 73/الحج: 22.
(3/181)

بعض النّاس: قد سوّى بين الذّبّان والنّاس في العجز: وقالوا: فقد يولّد النّاس من التّعفين الفراش وغير الفراش وهذا خلق، على قوله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
[1] وعلى قوله: أَحْسَنُ الْخالِقِينَ*
[2] وعلى قول الشاعر [3] : [من الكامل]
وأراك تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثمّ لا يفري
قيل لهم: إنما أراد الاختراع، ولم يرد التّقدير.
819-[قول في شعر]
وأمّا قول ابن ميّادة [4] : [من الطويل]
ألا لا نبالي أن تخندف خندف ... ولسنا نبالي أن يطنّ ذبابها [5]
فإنّما جعل الذّباب هاهنا مثلا، وقد وضعه في غير موضع تحقير له وموضع تصغير. وهو مثل قوله [6] : [من الطويل]
بني أسد كونوا لمن قد علمتم ... موالي ذلّت للهوان رقابها
فلو حاربتنا الجنّ لم نرفع العصا ... عن الجنّ حتّى لا تهرّ كلابها
وليس يريد تحقير الكلاب.
ويقال: هو ذباب العين، وذباب السّيف، ويقال تلك أرض مذبّة أي كثيرة الذّباب.
وقال أبو الشّمقمق في هجائه لبعض من ابتلي به [7] : [من الرمل]
أسمج النّاس جميعا كلّهم ... كذباب ساقط في مرقه
ويقال إن اللبن إذا ضرب بالكندس [8] ونضح به بيت لم يدخله ذبّان.
__________
[1] 110/المائدة: 5.
[2] 14/المؤمنون: 23.
[3] ديوان زهير 82، واللسان (خلق، فرا) ، وعمدة الحفاظ (خلق) ، والمقاييس 2/214، 4/497، وديوان الأدب 2/123، وكتاب الجيم 3/49، والمخصص 4/111، والتهذيب 7/26، 15/242، وبلا نسبة في الجمهرة 619، والتاج (فرا) .
[4] ديوان ابن ميادة 78، وحماسة القرشي 143، والأغاني 2/333، والمختار من شعر بشار 3/579.
[5] في ديوانه «تخندف: تهرول، خندف: امرأة إلياس بن مضر واسمها ليلى. الطنين: صوت الذباب» .
[6] أي ابن ميادة، انظر المصادر في الحاشية قبل السابقة.
[7] ديوان أبي الشمقمق 157.
[8] الكندس: عروق نبات داخله أصفر وخارجه أسود، مقيء مسله جلاء للبهق. «القاموس: كدس» .
(3/182)

820-[أبو حكيم وثمامة بن أشرس]
وسمعت أبا حكيم الكيمائي وهو يقول لثمامة بن أشرس: قلنا لكم إنّنا ندلكم على الإكسير، فاستثقلتم الغرم، وأردتم الغنم بلا غرم. وقلنا لكم: دعونا نصنع هذه الجسور صنعة لا تنتقض أبدا، فأبيتم. وقلنا لكم: ما ترجون من هذه المسنّيات [1] التي تهدمها المدود [2] ، وتخرّبها المراديّ [3] ؟! نحن نعمل لكم مسنّيات [1] بنصف هذه المؤونة، فتبقى لكم أبدا. ثم قولوا للمدود أن تجتهد جهدها، وللمراديّ أن تبلغ غايتها فأبيتم. وقولوا لي: الذّباب ما ترجون منها؟! وما تشتهون من البعوض؟
وما رغبتكم في الجرجس [4] ؟ لم لا تدعوني أخرجها من بيوتكم بالمؤونة اليسيرة؟
وهو يقول هذا القول وأصحابنا يضحكون، وابن سافري جالس يسمع.
فلما نزلنا أخذ بيده ومضى به إلى منزله، فغدّاه وكساه وسقاه، ثمّ قال له:
أحببت أن تخرج البعوض من داري. فأمّا الذّباب فإني أحتمله. قال: ولم تحتمل الأذى وقد أتاك الله بالفرج؟ قال: فافعل. قال: لابدّ لي من أن أخلط أدوية وأشتري أدوية قال: فكم تريد؟ قال: أريد شيئا يسيرا. قال: وكم ذاك؟ قال: خمسون دينارا.
قال: ويحك! خمسون يقال لها يسير؟! قال: أنت ليس تشتهي الرّاحة من قذر الذّبّان ولسع البعوض! ثمّ لبس نعليه وقام على رجليه. فقال له: اقعد. قال: إن قعدت قبل أن آخذها ثمّ اشتريت دواء بمائة دينار لم تنتفع به؛ فإنّي لست أدخّن هذه الدّخنة، إلّا للذين إذا أمرتهم بإخراجهنّ أخرجوهن. ولا أكتمك ما أريد؛ إنّي لست أقصد إلّا إلى العمّار [5] . فما هو إلّا أن سمع بذكر العمّار حتى ذهب عقله، ودعا له بالكيس وذهب ليزن الدنّانير، فقال له: لا تشقّ على نفسك! هاتها بلا وزن عددا، وإنّما خاف أن تحدث حادثة، أو يقع شغل، فتفوت. فعدّها وهو زمع [6] فغلط بعشرة دنانير، فلما انصرف وزنها وعدّها فوجد دنانيره تنقص، فبكر عليه يقتضيه الفضل، فضحك أبو حكيم حتّى كاد يموت، ثمّ قال: تسألني عن الفرع وقد استهلك الأصل؟! ولم يزل يختلف إليه ويدافعه حتّى قال له ثمامة: ويلك أمجنون أنت؟! قد ذهب المال
__________
[1] المسنيات: جمع سانية وهي العرم، والعرم هي الأحباس تبنى في الأودية. «القاموس: سني، عرم» .
[2] المدود: السّيول.
[3] المرادي: جمع مردي كشرطي، وهو خشبة تدفع بها السفينة «القاموس: مرد» .
[4] الجرجس: لغة في القرمص؛ وهو البعوض الصغار حياة الحيوان 1/273.
[5] عمّار البيوت: سكانها من الجن. (اللسان: عمر 4/607) .
[6] الزمع: الدهش والخوف. «القاموس: زمع» .
(3/183)

والسّخرية مستورة. فإن نافرته فضحت نفسك، وربحت عداوة شيطان هو والله أضرّ عليك من عمّار بيتك، الذي ليس يخرجون عنك الذباب والبعوض بلا كلفة، مع حقّ الجوار. قال: هم سكّاني وجيراني. قالوا: لو كان سمع منك أبو حكيم هذه الكلمة لكانت الخمسون دينارا مائة دينار!!.
821-[شعر في أصوات الذّباب وغنائها]
ومما قيل في أصوات الذباب وغنائها، قال المثقّب العبديّ [1] : [من الوافر]
وتسمع للذّباب إذا تغنّى ... كتغريد الحمام على الغصون
وقال آخر: [من مجزوء الكامل]
حوّ مساربه تغ ... نّى في غياطله ذبابه [2]
وقال أبو النجم [3] : [من الرجز]
أنف ترى ذبابها تعلّله ... من زهر الرّوض الذي يكلّله [4]
وقال أيضا [5] : [من الرجز]
والشيخ تهديه إلى طحمائه ... فالرّوض قد نوّر في عزّائه [6]
مختلف الألوان في أسمائه ... نورا تخال الشّمس في حمرائه [7]
مكلّلا بالورد من صفرائه ... يجاوب المكّاء من مكّائه [8]
صوت ذباب العشب في درمائه ... يدعو كأنّ العقب من دعائه [9]
صوت مغنّ مدّ في غنائه
__________
[1] ديوان المثقب العبدي 182، واللسان والتاج (ذبب) ، والمفضليات 291، وبلا نسبة في المجمل 2/335، والمقاييس 2/349، والجمهرة 222، والتاج واللسان (وكك) .
[2] الحوة: سواد إلى الخضرة، أو حمرة إلى السواد، والأحوى: الأسود والنبات الضارب إلى السواد لشدة خضرته. «القاموس: حوو» ، المسارب: جمع مسربة، وهي المرعى. «القاموس: سرب» .
الغيطلة: الشجر الكثيف الملتف «القاموس: غطل» .
[3] ديوان أبي النجم 157، والأول في اللسان والتاج (أنف) .
[4] الأنف: روضة لم يرعها أحد «القاموس: أنف» .
[5] ديوان أبي النجم 62- 64.
[6] في ديوانه «قال أبو زيد: الشيخ شجرة وثمرتها جرو كجرو الخرّيع، وهي شجرة العصفر، والطحماء:
ضرب من النبات. تهديه: تهاديه» وفيه «العزاء: الأرض التي بلّها المطر فتماسكت» .
[7] في ديوانه «أراد أرضا جاءت بعشب وزهر مختلف الألوان» .
[8] في ديوانه «المكّاء: نوع من القنابر حسن الصوت» .
[9] في ديوانه «الدرماء: نبت لا يطول، بل يتجمع في نموه يشبه الكبد، يريد أن المكاء يجاوب ذباب الدرماء حين يصوّت مغنيا» .
(3/184)

وقال الشمّاخ [1] : [من الطويل]
يكلفها ألّا تخفّض صوتها ... أهازيج ذبّان على عود عوسج
بعيد مدى التطريب أوّل صوته ... سحيل وأعلاه نشيج المحشرج [2]
822-[المغنّيات من الحيوان]
والأجناس التي توصف بالغناء أجناس الحمام والبعوض، وأصنف الذّبّان من الدّبر، والنّحل، والشّعراء، والقمع والنّعر، وليس لذبّان الكلب غناء، ولا لما يخرج من الباقلاء. قال الشاعر [3] : [من الرجز]
تذبّ عنها بأثيث ذائل ... ذبّان شعراء وصيف ماذل [4]
823-[ألوان الذّبّان]
وذبّان الشّعراء حمر. قال: والذّبّان التي تهلك الإبل زرق.
قال الشاعر: [من الرجز]
تربّعت والدّهر ذو تصفّق ... حالية بذي سبيب مونق [5]
إلّا من أصوات الذّباب الأزرق ... أو من نقانق الفلا المنقنق
والذّبّان الذي يسقط على الدواب صفر.
وقال أرطأة بن سهيّة [6] ، لزميل بن أمّ دينار: [من الكامل]
أزميل إنّي إن أكن لك جازيا ... أعكر عليك وإن ترح لا تسبق
إنّي امرو تجد الرّجال عداوتي ... وجد الرّكاب من الذّباب الأزرق
وإذا مرّ بك الشّعر الذي يصلح للمثل وللحفظ، فلا تنس حظّك من حفظه.
__________
[1] ديوان الشماخ 97.
[2] السحيل: أشد نهاق الحمار. «القاموس: سحل» .
[3] الرجز بلا نسبة في نهاية الأرب 10/299.
[4] الأثيث: الكثير الملتف. «القاموس: أثث» . ذائل: طويل «القاموس: ذيل» . الماذل: الذي تطيب نفسه عن الشيء يتركه ويسترجي غيره. «اللسان: مذل» .
[5] التصفق: التقلب والتحول «القاموس: صفق» حالية: مزينة. السبيب: العضاه أو ذوائب الأشجار.
«القاموس: سبب» . المونق: المعجب. «القاموس: ونق» .
[6] البيتان لأرطأة بن سهية في الأغاني 13/38، ولسالم بن دارة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 385، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/203، والأول بلا نسبة في المقاييس 4/106.
(3/185)

وقال المتلمس [1] : [من الطويل]
فهذا أوان العرض جنّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس [2]
وبه سمّي المتلمّس.
وقال ابن ميّادة: [3] [من البسيط]
بعنتريس كأنّ الدّبر يلسعها ... إذا تغرّد حاد خلفها طرب [4]
824-[ما يسمّى بالذّبان]
والدّليل على أنّ أجناس النّحل والدّبر كلّها ذبّان، ما حدث به عبّاد بن صهيب، وإسماعيل المكّي عن الأعمش، عن عطيّة بن سعيد العوفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كلّ ذباب في النار إلّا النّحلة» [5] .
وقال سليمان: سمعت مجاهدا يكره قتل النّحل وإحراق العظام. يعني في الغزو.
وحدثنا عنبسة قال: حدّثنا حنظلة السّدوسيّ قال: أنبأنا أنس بن مالك، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عمر الذّباب أربعون يوما. والذّباب في النار» .
825-[بحث كلاميّ في عذاب الحيوان والأطفال]
وقد اختلف النّاس في تأويل قوله: «والذباب في النار» وقال قوم: الذّباب خلق خلق للنّار. كما خلق الله تعالى ناسا كثيرا للنّار، وخلق أطفالا للنّار. فهؤلاء قوم خلعوا عذرهم فصار أحدهم إذا قال: ذلك عدل من الله عزّ وجلّ؛ فقد بلغ أقصى العذر، ورأى أنّه إذا أضاف إليه عذاب الأطفا فقد مجّده. ولو وجد سبيلا إلى أن يقول إنّ ذلك ظلم لقاله ولو وجد سبيلا إلى أن يزعم أن الله تعالى يخبر عن شيء أنّه
__________
[1] ديوان المتلمس 123، والاشتقاق 317، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 662، والجمهرة 747، واللسان والتاج (لمس، عرض) ، والخزانة 4/185، والبيان 1/375، وبلا نسبة في الخصائص 2/377، والمخصص 14/96.
[2] في اللسان «الأزرق: الذباب. وقيل: كل واد عرض ... وكل واد فيه شجر فهو عرض» . اللسان «عرض» .
[3] ديوان ابن ميادة 59.
[4] العنتريس: الناقة الصلبة القوية. «ديوانه» .
[5] الحديث في ثمار القلوب 839.
(3/186)

يكون وهو لا يكون، ثم يقول إلّا أنّ ذلك صدق لقاله. إلّا أنّه يخاف السّيف عند هذه، ولا يخاف السّيف عند تلك. وإن كانت تلك أعظم في الفرية من هذه.
وبعض يزعم أنّ الله عزّ وجلّ إنّما عذّب أطفال المشركين ليغمّ بهم آباءهم. ثمّ قال المتعاقلون منهم: بل عذّبهم لأنّه هكذا شاء، ولأنّ هذا له. فليت شعري أيحتسب بهذا القول في باب التمجيد لله تعالى؛ لأنّ كل من فعل ما يقدر عليه فهو محمود، وكل من لم يخف سوط أمير فأتى قبيحا فالذي يحسن ذلك القبيح أنّ صاحبه كان في موضع أمن، أو لأنّه آمن يمتنع من مطالبة السلطان. فكيف وكون الكذب والظّلم والعبث واللهو والبخل كلّه محال ممّن لا يحتاج إليه، ولا تدعوه إليه الدواعي.
وزعم أبو إسحاق أنّ الطّاعات إذا استوت استوى أهلها في الثّواب، وأنّ المعاصي إذا استوت استوى أهلها في العقاب. وإذا لم يكن منهم طاعة ولا معصية استووا في التفضّل.
وزعم أنّ أجناس الحيوان وكلّ شيء يحسّ ويألم، في التفضّل سواء وزعم أنّ أطفال المشركين والمسلمين كلّهم في الجنّة. وزعم أنّه ليس بين الأطفال ولا بين البهائم والمجانين فرق، ولا بين السّباع في ذلك وبين البهائم فرق.
وكان يقول: إنّ هذه الأبدان السبعيّة والبهيمية لا تدخل الجنّة، ولكنّ الله عزّ وجلّ ينقل تلك الأرواح خالصة من تلك الآفات؛ فيركّبها في أيّ الصّور أحبّ.
وكان أبو كلدة، ومعمر، وأبو الهذيل وصحصح، يكرهون هذا الجواب.
ويقولون: سواء عند خواصّنا وعوامّنا، أقلنا: إنّ أرواح كلابنا تصير إلى الجنّة، أم قلنا:
إن كلابنا تدخل الجنّة ومتى ما اتّصل كلامنا بذكر الكلب على أيّ وجه كان؛ فكأنّا عندهم قد زعمنا أنّ الجنّة فيها كلاب. ولكنّا نزعم [1] أنّ جميع ما خلق الله تعالى من السّباع والبهائم والحشرات والهمج فهو قبيح المنظرة مؤلم، أو حسن المنظرة ملذّ؛ فما كان كالخيل والظباء، والطواويس، والتّدارج فإنّ تلك في الجنّة، ويلذّ أولياء الله عزّ وجلّ بمناظرها. وما كان منها قبيحا في الدّنيا مؤلم النظر جعله الله عذابا إلى عذاب أعدائه في النّار فإذا جاء في الأثر: أنّ الذّباب في النّار، وغير ذلك من الخلق، فإنّما يراد به هذا المعنى.
وذهب بعضهم إلى أنها تكون في النّار، وتلذّ ذلك، كما أن خزنة جهنّم والذين يتولّون من الملائكة التّعذيب، يلذّون موضعهم من النار.
__________
[1] هذا القول نقله الثعالبي في ثمار القلوب (839) .
(3/187)

وذهب بعضهم إلى أنّ الله تعالى يطبعهم على استلذاذ النّار والعيش فيها، كما طبع ديدان الثلج والخلّ على العيش في أماكنها [1] .
وذهب آخرون إلى أنّ الله عزّ وجلّ يحدث لأبدانهما علّة لا تصل النّار إليها، وتنعم قلوبهما وأبدانهما من وجه آخر كيف شاء. وقالوا: وقد وجدنا النّاس يحتالون لأنفسهم في الدّنيا حيلا، حتى يدخل أحدهم بعض الأتاتين [2] بذلك الطلاء، ولا تضرّه النار، وهو في معظمها، وموضع الجاحم [3] منها. ففضل ما بين قدرة الله وقدرة عباده أكثر من فضل ما بين حرّ نار الدّنيا والآخرة.
وذهب بعضهم إلى أنّ سبيلها فيها كسبيل نار إبراهيم؛ فإنّه لما قذف فيها بعث الله عزّ وجلّ ملكا يقال له ملك الظلّ، فكان يحدّثه ويؤنسه؛ فلم تصل النار إلى أذاه، مع قربه من طباع ذلك الملك.
وكيفما دار الأمر في هذه الجوابات؛ فإن أخسّها وأشنعها أحسن من قول من زعم أنّ الله تعالى يعذّب بنار جهنّم من لم يسخطه ولا يعقل كيف يكون السخط.
ومن العجب أنّ بعضهم يزعم أن الله تعالى إنما عذّبه ليغمّ أباه. وإنما يفعل ذلك من لا يقدر على أن يوصل إليهم ضعف الاغتمام، وضعف الألم الذي ينالهم بسبب أبنائهم. فأمّا من يقدر على إيصال ذلك المقدار إلى من يستحقه، فكيف يوصله ويصرفه إلى من لا يستحقّه؟ وكيف يصرفه عمّن أسخطه إلى من لم يسخطه؟ هذا وقد سمعوا قول الله عزّ وجلّ: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ.
وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ. وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ. كَلَّا إِنَّها لَظى. نَزَّاعَةً لِلشَّوى
[4] وكيف يقول هذا القول من يتلو القرآن؟! ثمّ رجع بنا القول إلى الذبّان وأصناف الذّبّان.
826-[الذبان أجهل الخلق]
والذّبّان أجهل الخلق؛ لأنّها تغشى النّار من ذات أنفسها حتى تحترق. وقال الشاعر: [من المتقارب]
ختمت الفؤاد على حبّها ... كذاك الصّحيفة بالخاتم
__________
[1] انتهى ما نقله الثعالبي في ثمار القلوب (839) .
[2] الأتاتين: جمع أتّون، وهو الموقد. «اللسان: أتن» .
[3] الجاحم: المكان الشديد الحر. «القاموس: جحم» .
[4] 11- 16/المعارج 70.
[5] البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب 399 (730) ، والأوائل للعسكري 1/144.
(3/188)

هوت بي إلى حبها نظرة ... هويّ الفراشة للجاحم
وقال آخر [1] : [من الوافر]
كأنّ مشافر النّجدات منها ... إذا ما مسّها قمع الذّباب
بأيدي مأتم متساعدات ... نعال السّبت أو عذب الثّياب
827-[كراع الأرنب]
وقال بعض الشعراء [2] ، يهجو حارثة بن بدر الغدانيّ: [من الكامل]
زعمت غدانة أنّ فيها سيّدا ... ضخما يواريه جناح الجندب
وزعم ناس أنّه قال: [من الكامل]
يرويه ما يروي الذّباب فينتشي ... سكرا، وتشبعه كراع الأرنب [3]
قالوا: لا يجوز أن يقول: «يرويه ما يروي الذباب» و «يواريه جناح الجندب» ثم يقول: «ويشبعه كراع الأرنب» .
وإنما [4] ذكر كراع الأرنب؛ لأنّ يد الأرنب قصيرة، ولذلك تسرع في الصّعود، ولا يلحقها من الكلاب إلّا كلّ قصير اليد. وذلك محمود من الكلب. والفرس توصف بقصر الذّراع.
828-[قصة في الهرب من الذّباب]
وحدّثني الحسن بن إبراهيم العلويّ قال: مررت بخالي، وإذا هو وحده يضحك، فأنكرت ضحكه؛ لأنّي رأيته وحده، وأنكرته، لأنّه كان رجلا زمّيتا ركينا [5] ، قليل الضحك. فسألته عن ذلك فقال: أتاني فلان يعني شيخا مدينيا- وهو مذعور فقلت له: ما وراءك؟ فقال: أنا والله هارب من بيتي! قلت ولم؟ قال: في بيتي ذباب أزرق، كلما دخلت ثار في وجهي، وطار حولي وطنّ عند أذني، فإذا وجد
__________
[1] البيتان بلا نسبة في أساس البلاغة (قمع) .
[2] البيتان للأبيرد بن المعذر الرياحي في ديوانه 273، والأغاني 13/127، والوافي 6/193، ولزياد الأعجم في المنتخب 129، وبلا نسبة في ثمار القلوب 325 (603) ، والأول بلا نسبة في المقاييس 3/10.
[3] الكراع: قائمة الدابة.
[4] ثمار القلوب 325 (604) .
[5] الزمّيت: الوقور «القاموس: زمت» . الركين: الرزين. «القاموس: ركن» .
(3/189)

مني غفلة لم يخطئ موق عيني. هذا والله دأبه ودأبي دهرا معه. قلت له: إنّ شبه الذباب بالذباب كشبه الغراب بالغراب؛ فلعلّ الذي آذاك اليوم أن يكون غير الذي آذاك أمس، ولعلّ الذي آذاك آمس غير الذي آذاك أوّل من أمس، فقال: أعتق ما أملك إن لم أكن أعرفه بعينه منذ خمس عشرة سنة. فهذا هو الذي أضحكني.
829-[قصة في سفاد الذباب]
وقال الخليل بن يحيى: قد رأيت الخنزير يركب الخنزيرة عامّة نهاره، ورأيت الجمل يركب الناقة ساعة من نهاره. وكنت قبل ذلك أغبط العصفور والعصم- فإنّ الذّكر وإن كان سريع النّزول عن ظهر الأنثى فإنّه لسرعة العودة، ولكثرة العدد، كأنّه في معنى الخنزير والجمل وحتّى رأيت الذّباب وفطنت له، فإذا هو يركب الذّبابة عامّة نهاره. فقال له محمد بن عمر البكراوي: ليس ذلك هو السّفاد. قال: أمّا الذي رأت العينان فهذا حكمه. فإن كنت تريد أن تطيب نفسك بإنكار ما تعرف ممّا قسم الله عزّ وجلّ بين خلقه، من فضول اللّذّة، فدونك.
ويزعمون أنّ للورل [1] في ذلك ما ليس عند غيره.
830-[قصّة آكل الذّبّان]
وأنشد ابن داحة في مجلس أبي عبيدة، قول السّيّد الحميريّ [2] : [من الكامل]
أترى ضهاكا وابنها وابن ابنها ... وأبا قحافة آكل الذّبان
كانوا يرون، وفي الأمور عجائب ... يأتي بهنّ تصرّف الأزمان
أنّ الخلافة في ذؤابة هاشم ... فيهم تصير وهيبة السّلطان
وكان ابن داحة رافضيّا، وكان أبو عبيدة خارجيّا صفريا، فقال له: ما معناه في قوله: «آكل الذّبّان» ؟ فقال: لأنّه كان يذبّ عن عطر ابن جدعان. قال: ومتى احتاج العطّارون إلى المذابّ؟! قال: غلطت إنّما كان يذب عن حيسة ابن جدعان. قال:
فابن جدعان وهشام بن المغيرة، كان يحاس لأحدهما الحيسة [3] على عدّة أنطاع [4] ،
__________
[1] الورل: دابة على خلقة الضب، إلا أنه أعظم منه، وليس في الحيوان أكثر سفادا منه. حياة الحيوان 2/417- 418.
[2] ديوان السيد الحميري 449.
[3] الحيس: تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه. «القاموس: حيس» .
[4] الأنطاع: جمع نطع، وهو بساط من الأديم. «القاموس: نطع» .
(3/190)

فكان يأكل منها الراكب والقائم والقاعد فأين كانت تقع مذبّة أبي قحافة من هذا الجبل؟! قال: كان يذبّ عنها ويدور حواليها. فضحكوا منه، فهجر مجلسهم سنة.
831-[تحقير شأن الذّبابة]
قال: وفي باب تحقير شأن الذبابة وتصغير قدرها، يقول الرسول: «لو كانت الدّنيا تساوي عند الله تعالى جناح ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئا» [1] .
832-[أعجوبة في ذبان البصرة]
وعندنا بالبصرة في الذبّان أعجوبة، لو كانت بالشّامات أو بمصر لأدخلوها في باب الطّلّسم؛ وذلك أنّ التّمر يكون مصبوبا في بيادر التمر في شقّ البساتين، فلا ترى على شيء منها ذبابة لا في اللّيل، ولا في النّهار، ولا في البردين [2] ولا في أنصاف النهار، نعم وتكون هناك المعاصر، ولأصحاب المعاصر ظلال، ومن شأن الذّباب الفرار من الشّمس إلى الظّلّ. وإنّما تلك المعاصر بين تمرة ورطبة، ودبس وثجير [3] ، ثمّ لا تكاد ترى في تلك الظّلال والمعاصر، في انتصاف النهار، ولا في وقت طلب الذّبّان الكنّ، إلّا دون ما تراه في المنزل الموصوف بقلّة الذّبّان.
وهذا شيء يكون موجودا في جميع الشّقّ الذي فيه البساتين. فإن تحوّل شيء من تمر تلك الناحية إلى جميع ما يقابلها في نواحي البصرة، غشيه من الذّبان ما عسى إلّا يكون بأرض الهند أكثر منه وليس بين جزيرة نهر دبيس [4] ، وبين موضع الذّبان إلّا فيض البصرة، ولا بين ما يكون من ذلك بنهر أذرب وبين موضع الذبّان ممّا يقابله، إلّا سيحان [5] ، وهو ذلك التمر وتلك المعصرة، ولا تكون تلك المسافة إلّا مائة ذراع أو أزيد شيئا أو أنقص شيئا.
833-[نوم عجيب لضروب من الحيوان]
وأعجوبة أخرى، وهي عندي أعجب من كلّ شيء صدّرنا به جملة القول في
__________
[1] أخرجه الترمذي من حديث سهل بن سعد الساعدي برقم 2321، والسيوطي في الجامع الصغير برقم 7480، وانظر جامع الأصول 4/510.
[2] البردان: الغداة والعشي، أو الظل والفيء. «القاموس: برد» .
[3] الثجير: ما عصر من العنب فجرت سلافته وبقيت عصارته، وثفل البسر يخلط بالتمر. «اللسان:
ثجر» .
[4] نهر دبيس: نهر بالبصرة؛ سمي باسم رجل قصّار كان يقصر عليه الثياب. معجم البلدان 5/320.
[5] سيحان: نهر بالبصرة كان للبرامكة. معجم البلدان 3/293.
(3/191)

الذباب. فمن العجب أن يكون بعض الحيوان لا ينام كالصافر والتنوّط؛ فإنّهما إذا كان اللّيل فإن أحدهما يتدلّى من غصن الشّجرة، ويضمّ عليه رجليه، وينكّس رأسه، ثمّ لا يزال يصيح حتّى يبرق النور. والآخر لا يزال يتنقّل في زوايا بيته، ولا يأخذه القرار، خوفا على نفسه، فلا يزال كذلك، وقد نتف قبل ذلك ممّا على ظهور الأشجار مما يشبه الليف فنفشه، ثمّ فتل منه حبلا، ثمّ عمل منه كهيئة القفّة، ثمّ جعله مدلّى بذلك الحبل، وعقده بطرف غصن من تلك الأغصان؛ إلّا أنّ ذلك بترصيع ونسج، ومداخلة عجيبة؛ ثمّ يتّخذ عشّه فيه، ويأوي إليه مخافة على نفسه.
والأعراب يزعمون أنّ الذّئب شديد الاحتراس، وأنّه يرواح بين عينيه، فتكون واحدة مطبقة نائمة وتكون الأخرى مفتوحة حارسة ولا يشكّون أنّ الأرنب تنام مفتوحة العينين.
وأمّا الدّجاج والكلاب فإنما تعزب [1] عقولهما في النّوم، ثمّ ترجع إليهما بمقدار رجوع الأنفاس. فأمّا الدّجاج فإنها تفعل ذلك من الجبن وأمّا الكلب فإنّه يفعل ذلك من شدّة الاحتراس.
وجاؤوا كلهم يخبرون أن الغرانيق والكراكيّ لا تنام أبدا إلّا في أبعد المواضع من النّاس، وأحرزها من صغار سباع الأرض، كالثعلب وابن آوى. وأنها لا تنام حتى تقلّد أمرها رئيسا وقائدا، وحافظا وحارسا، وأن الرئيس إذا أعيا رفع إحدى رجليه، ليكون أيقظ له.
834-[سلطان النوم]
وسلطان النّوم معروف. وإن الرّجل ممن يغزو في البحر، ليعتصم بالشّراع وبالعود وبغير ذلك، وهو يعلم أن النّوم متى خالط عينيه استرخت يده، ومتى استرخت يده باينه الشيء الذي كان يركبه ويستعصم به، وأنه متى باينه [2] لم يقدر عليه، ومتى عجز عن اللّحاق به فقد عطب. ثمّ هو في ذلك لا يخلو، إذا سهر ليلة أو ليلتين، من أن يغلبه النّوم ويقهره، وإمّا أن يحتاج إليه الحاجة التي يريه الرأي الخوّان، وفساد العقل المغمور بالعلّة الحادثة، أنّه قد يمكن أن يغفي وينتبه في أسرع الأوقات، وقبل أن تسترخي يده كلّ الاسترخاء، وقبل أن تباينه الخشبة إن كانت خشبة.
__________
[1] عزب: بعد وغاب. «القاموس: عزب» .
[2] باين: فارق. «القاموس: بين» .
(3/192)

835-[أعجب من نوم الذبان]
وليس في جميع ما رأينا وروينا، في ضروب نوم الحيوان، أعجب من نوم الذّبّان، وذلك أنّها ربما جعلت مأواها بالليل دروند الباب [1] وقد غشّوه ببطانة ساج [2] أملس كأنّه صفاة، فإذا كان اللّيل لزقت به، وجعلت قوائمها مما يليه، وعلّقت أبدانها إلى الهواء. فإن كانت لا تنام البتّة ولا يخالطها عزوب [3] المعرفة فهذا أعجب: أن تكون أمّة من أمم الحيوان لا تعرف النّوم، ولا تحتاج إليه. وإن كانت تنام ويعزب عنها ما يعزب [3] عن جميع الحيوان سوى ما ذكرنا، فما تخلو من أن تكون قابضة على مواضع قوائمها، ممسكة بها، أو تكون مرسلة لها مخلّية عنها. فإن كانت مرسلة لها فكيف لم تسقط وهي أثقل من الهواء؟! وإن كانت ممسكة لها فكيف يجامع التشدّد والتثبيت النّوم؟!.
836-[بعض ما يعتري النائم]
ونحن نرى كلّ من كان في يده كيس أو درهمأو حبل، أو عصا فإنّه متى خالط عينيه النّوم استرخت يده وانفتحت أصابعه. ولذلك يتثاءب المحتال للعبد الذي في يده عنان دابّة مولاه، ويتناوم له وهو جالس؛ لأنّ من عادة الإنسان إذا لم يكن بحضرته من يشغله، ورأى إنسانا قبالته ينود [4] أو ينعس، أن يتثاءب وينعس مثله. فمتى استرخت يده أو قبضته عن طرف العنان، وقد خامره سكر النّوم، ومتى صار إلى هذه الحال- ركب المحتال الدّابّة ومرّ بها.
__________
[1] في اللسان «نجف» : (النجاف هو أسكفّة الباب، قال الأزهري: هو درونده أي أعلاه) .
[2] الساج: الطيلسان الأخضر أو الأسود «القاموس: ساج» .
[3] عزب: بعد وغاب «القاموس: عزب» .
[4] ينود: يتمايل من النعاس. «القاموس: نود» .
(3/193)

باب القول في الغربان
اللهم جنبنا التكلّف، وأعذنا من الخطأ، واحمنا العجب بما يكون منه، والثّقة بما عندنا، واجعلنا من المحسنين.
نذكر على اسم الله جمل القول في الغربان، والإخبار عنها، وعن غريب ما أودعت من الدّلالة، واستخزنت من عجيب الهداية.
وقد كنّا قدّمنا ما تقول العرب في شأن منادمة الغراب والدّيك وصداقته له، وكيف رهنه عند الخمّار، وكيف خاس به وسخر منه وخدعه وكيف خرج سالما غير غارم، وغانما غير خائب، وكيف ضربت به العرب الأمثال، وقالت فيه الأشعار، وأدخلته في الاشتقاق لزجرها عند عيافتها وقيافتها، وكيف كان السبب في ذلك.
837-[ذكر الغراب في القرآن]
فهذا إلى ما حكى الله عزّ وجلّ من خبر ابني آدم، حين قرّبا قربانا فحسد الذي لم يتقبّل منه المتقبل منه، فقال عندما همّ به من قتله، وعند إمساكه عنه، والتّخلية بينه وبين ما اختار لنفسه: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ
[1] . ثم قال: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ
[2] حتّى قال القائل، وهو أحد ابني آدم ما قال: فلولا أنّ للغراب فضيلة وأمورا محمودة، وآلة وسببا ليس لغيره من جميع الطّير لما وضعه الله تعالى في موضع تأديب الناس، ولما جعله الواعظ والمذكّر بذلك. وقد قال الله عزّ وجلّ:
__________
[1] 29/المائدة: 5.
[2] 30- 31/المائدة: 5.
(3/194)

فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ
[1] ، فأخبر أنّه مبعوث، وأنه هو اختاره لذلك من بين جميع الطّير.
قال صاحب الدّيك: جعلت الدّليل على سوء حاله وسقوطه الدّليل على حسن حاله وارتفاع مكانه. وكلما كان ذلك المقرّع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ.
ألا تراه يقول: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
[1] .
ولو كان في موضع الغراب رجل صالح، أو إنسان عاقل، لما حسن به أن يقول: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا العاقل الفاضل الكريم الشّريف. وإذا كان دونا وحقيرا فقال: أعجزت وأنا إنسان أن أحسن ما يحسنه هذا الطائر، ثمّ طائر من شرار الطير. وإذا أراه ذلك في طائر أسود محترق، قبيح الشّمائل، رديء المشية، ليس من بهائم الطير المحمودة، ولا من سباعها الشريفة، وهو بعد طائر يتنكّد به ويتطيّر منه، آكل جيف، رديء الصيّد. وكلما كان أجهل وأنذل كان أبلغ في التّوبيخ والتّقريع.
وأمّا قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
[1] فلم يكن به على جهة الإخبار أنّه كان قتله ليلا، وإنما هو كقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
[2] . ولو كان المعنى وقع على ظاهر اللّفظ دون المستعمل في الكلام من عادات الناس، كان من فرّ من الزّحف ليلا لم يلزمه وعيد.
وإنما وقع الكلام على ما عليه الأغلب من ساعات أعمال الناس، وذلك هو النّهار دون اللّيل.
وعلى ذلك المعنى قال صالح بن عبد الرحمن، حين دفعوا إليه جوّابا الخارجيّ ليقتله، وقالوا: إن قتله برئت الخوارج منه، وإن ترك قتله فقد أبدى لنا صفحته. فتأوّل صالح عند ذلك تأويلا مستنكرا: وذلك أنّه قال: قد نجد التّقيّة تسيغ الكفر، والكفر باللسان أعظم من القتل والقذف بالجارحة. فإذا جازت التقيّة في الأعظم كانت في الأصغر أجوز. فلما رأى هذا التأويل يطّرد له، ووجد على حال بصيرته ناقصة، وأحسّ بأنّه إنما التمس عذرا ولزّق الحجّة تلزيقا فلمّا عزم على قتل جوّاب، وهو عنده واحد الصّفرية في النّسك والفضل قال: إني يوم أقتل جوّابا على هذا الضّرب من التأويل
__________
[1] 31/المائدة: 5.
[2] 16/الأنفال: 8.
(3/195)

لحريص على الحياة! ولو كان حين قال إني يوم أقتل جوّابا إنما عنى النهار دون اللّيل، كان عند نفسه إذا قتله تلك القتلة ليلا لم يأثم به. وهذا أيضا كقوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[1] .
ولو كان هذا المعنى إنما يقع على ظاهر اللفظ دون المستعمل بين الناس، لكان إذا قال من أوّل الليل: إني فاعل ذلك غدا في السّحر، أو مع الفجر أو قال الغداة:
إني فاعل يومي كلّه، وليلتي كلها، لم يكن عليه حنث، ولم يكن مخالفا إذا لم يستثن، وكان إذن لا يكون مخالفا إلّا فيما وقع عليه اسم غد. فأمّا كلّ ما خالف ذلك في اللّفظ فلا. وليس التّأويل كذلك لأنّه جلّ وعلا إنما ألزم عبده أن يقول: إن شاء الله، ليتّقى عادة التألّي [2] ولئلا يكون كلامه ولفظه يشبه لفظ المستبدّ والمستغني، وعلى أن يكون عند ذلك ذاكر الله، لأنه عبد مدبّر، ومقلّب ميّسر، ومصرّف مسخّر.
وإذا كان المعنى فيه، والغاية التي جرى إليها اللفظ، إنما هو على ما وصفنا، فليس بين أن يقول أفعل ذلك بعد طرفة، وبين أن يقول أفعل ذلك بعد سنة فرق.
وأمّا قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
فليس أنّه كان هنالك ناس قتلوا إخوتهم وندموا فصار هذا القاتل واحدا منهم؛ وإنما ذلك على قوله لآدم وحوّاء عليهما السلام: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ*
[3] ، على معنى أن كلّ من صنع صنيعكما فهو ظالم.
838-[الاستثناء في القسم]
وعجبت من ناس ينكرون قولنا في الأستثناء، وقد سمعوا الله عزّ وجلّ يقول:
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. وَلا يَسْتَثْنُونَ.
فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
[4] ، مع قوله عزّ وجلّ: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[5] .
839-[تسمية الغراب ابن دأية]
والعرب تسمّي الغراب ابن دأية، لأنّه إذا وجد دبرة [6] في ظهر البعير، أو في عنقه
__________
[1] 23/الكهف: 18.
[2] الإلّ: الحلف «القاموس: ألل» .
[3] 35/البقرة: 2.
[4] 17- 20/القلم: 68.
[5] 23/الكهف: 18.
[6] الدبرة: القرحة. «القاموس: دبر» .
(3/196)

قرحة سقط عليها، ونقره وأكله، حتّى يبلغ الدّايات. قال الشاعر [1] : [من الطويل]
نجيبة قرم شادها القتّ والنّوى ... بيثرب حتى نيّها متظاهر [2]
فقلت لها سيري فما بك علّة ... سنامك ملموم ونابك فاطر [3]
فمثلك أو خيرا تركت رذيّة ... تقلّب عينيها إذا مرّ طائر [4]
ومثله قول الرّاعي: [من الطويل]
فلو كنت معذورا بنصرك طيّرت ... صقوري غربان البعير المقيد
هذا البيت لعنترة، في قصيدة له. ضرب ذلك مثلا للبعير المقيّد ذي الدّبر، إذا وقعت عليه الغربان.
840-[علّة غرز الريش والخرق في ظهر البعير]
وإذا كان بظهر البعير دبرة غرزوا في سنامه إمّا قوادم ريش أسود وإمّا خرقا سودا، لتفزع الغربان منه، ولا تسقط عليه. قال الشاعر، وهو ذو الخرق الطّهوي [5] : [من البسيط]
لما رأت إبلي حطت حمولتها ... هزلى عجافا عليها الرّيش والخرق [6]
قالت ألا تبتغي عيشا نعيش به ... عمّا نلاقي، فشرّ العيشة الرّنق
الرّنق، بالرّاء المهملة، وبالنون، هو الكدر غير الصافي.
وقال آخر: [من البسيط]
كأنّها ريشة في غارب جرز ... في حيثما صرفته الرّيح ينصرف
__________
[1] الأبيات للجون المحرزي أو لأبي الربيس التغلبي في الخزانة 6/85، ولأبي الربيس التغلبي في شرح أبيات سيبويه 1/572، وبلا نسبة في البيان والتبيين 3/306- 307، والأول بلا نسبة في اللسان والتاج (ضزز) ، والثالث في اللسان والتاج (رهب) .
[2] القرم: الفحل الكريم. «القاموس: قرم» . القت: العلف. نيها: شحمها.
[3] ناب فاطر: مشقوق وظاهر. «القاموس: فطر» .
[4] الرذية: الناقة المهزولة من السير. «القاموس: رذي» .
[5] البيتان في الأصمعيات 124- 125، والتاج (خرق) ، والأول في اللسان (خرق) ، والمقاييس 2/173، والجمهرة 591، والمجمل 2/178.
[6] العجف: ذهاب السّمن؛ وهو أعجف؛ وهي عجفاء. والجمع عجاف. «القاموس: عجف» .
(3/197)

جرز: عظيم. قال رؤبة [1] : [من الرجز]
عن جرز منه وجوز عار
وقد توضع الرّيش في أسنمتها وتغرز فيها لغير ذلك [2] ، وذلك أنّ الملوك كانت تجعل الرّيش علامة لحباء الملك، تحميها بذلك وتشرّف صاحبها.
قال الشاعر [3] : [من الكامل]
يهب الهجان بريشها ورعائها ... كاللّيل قبل صباحه المتبلج [4]
ولذلك قالوا في الحديث: فرجع النّابغة من عند النّعمان وقد وهب له مائة من عصافيره بريشها [5] .
وللرّيش مكان آخر: وهو أنّ الملوك إذا جاءتها الخرائط بالظّفر غرزت فيها قوادم ريش سود.
841-[غربان الإبل]
وقال الشاعر [6] : [من الطويل]
سأرفع قولا للحصين ومالك ... تطير به الغربان شطر المواسم
وتروى به الهيم الظماء، ويطّبي ... بأمثاله الغازين سجع الحمائم
يعني غربان الليل. وأمّا قوله: «وتروى به الهيم الظّماء» فمثل قول الماتح [7] :
[من الرجز]
علقت يا حارث عند الورد ... بجاذل لا رفل التّردّي [8]
ولا عييّ بابتناء المجد
__________
[1] الرجز ليس لرؤبة؛ بل للعجاج في ديوانه 1/117، واللسان والتاج (جزر، همم، وري) ، والجمهرة 170، وبلا نسبة في ديوان الأدب 3/183، والتهذيب 5/382، 10/608، والمخصص 4/136، والعين 3/358.
[2] البيان 3/96، ومجالس ثعلب 35.
[3] البيت بلا نسبة في البيان 3/96.
[4] الهجان: الإبل البيض. «القاموس: هجن» .
[5] الأغاني 11/28، 39، والشعر والشعراء 71، 75، وأساس البلاغة (عصفر) .
[6] البيت الأول بلا نسبة في اللسان والتاج (غرب) ، والتهذيب 8/120.
[7] الرجز في البيان 1/4. الماتح: المستقي من أعلى البئر، والمائح: الذي يملأ الدلو من أسفل البئر «اللسان: متح» .
[8] جذل الشيء يجذل جذولا: انتصب وثبت لا يبرح. «اللسان: جذل» . الرفل: الذي يجر ثوبه متبخترا. «اللسان: رفل» . التردي: ارتداء اللباس.
(3/198)

وقالوا في البعير إذا كان عليه حمل من تمر أو حبّ، فتقدّم الإبل بفضل قوّته ونشاطه، فعرض ما عليه للغربان. قال الرّاجز [1] : [من الرجز]
قد قلت قولا للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول [2]
تغدّ ما شئت على غير عجل
ومثله [3] : [من الرجز]
يقدمها كلّ علاة مذعان ... حمراء من معرّضات الغربان [4]
842-[أمثال في الغراب]
ويقال: «أصحّ بدنا من غراب» ، و «أبصر من غراب» [5] ، و «أصفى عينا من غراب» [6] .
وقال ابن ميّادة [7] : [من الطويل]
ألا طرقتنا أمّ أوس ودونها ... حراج من الظلّماء يعشى غرابها
فبتنا كأنّا بيننا لطميّة ... من المسك، أو داريّة وعيابها [8]
__________
[1] الرجز بلا نسبة في المخصص 10/167، والتنبيه للبكري 48، ومجالس ثعلب 112، واللسان والتاج (سنف) .
[2] المسانيف: المتقدمة «اللسان: سنف» .
[3] الرجز للشماخ في ديوانه 416- 417، وله أو للأجلح بن قاسط في اللسان والتاج (عرض) ، وللأجلح بن قاسط في اللسان (علا) ، ولرجل من غطفان في التنبيه للبكري 47. وبلا نسبة في التهذيب 1/461، والمقاييس 4/118، 279، والمجمل 3/471، والمخصص 4/17، 7/137، وأساس البلاغة (عرض) ، والجمهرة 355، 748، 1320، وأمالي القالي 1/119، والمعاني الكبير 1/259.
[4] في التنبيه للبكري: (العلاة: الشديدة الصلبة، مشبهة بالعلاة، وهو السندان) ، وفيه: (الحمر أجلد الإبل، والمعرضات التي تقدم الإبل فتقع الغربان على حملها إن كان تمرا أو غيره فتأكله) .
[5] مجمع الأمثال 1/115، والدرة الفاخرة 1/78، وجمهرة الأمثال 1/240، والمستقصى 1/21، وفصل المقال 491، وأمثال ابن سلام 360.
[6] المثل برواية (أصفى من عين الغراب) في مجمع الأمثال 1/417، والدرة الفاخرة 1/250، 263، وجمهرة الأمثال 1/567، والمستقصى 1/210.
[7] ديوان ابن ميادة 77، والمستقصى 1/21، والأول في اللسان والتاج وأساس البلاغة (حرج) ، والتهذيب 4/140، وثمار القلوب 461 (673) ، والمعاني الكبير 1/258.
[8] في ديوانه: (اللطمية: من معانيها: الجمال التي تحمل العطر، وهي عند ابن الأعرابي سوق الإبل، والمقصود بها هنا الوعاء الذي يوضع فيه المسك. دارية: المسك المنسوب إلى دارين، وهو مرفأ في البحرين كانت ترفأ إليه السفن التي فيها المسك. العياب: الوعاء الذي يوضع فيه المسك) .
(3/199)

يقول [1] : إذا كان الغراب لا يبصر في حراج الظلماء. وواحد الحراج حرجة، وهي هاهنا مثل، حيث جعل كلّ شيء التفّ وكثف من الظلام حراجا، وإنّما الحراج من السّدر وأشباه السّدر.
يقول: فإذا لم يبصر فيها الغراب مع حدّة بصره، وصفاء مقلته فما ظنّك بغيره؟! وقال أبو الطمحان القينيّ [2] : [من الطويل]
إذا شاء راعيها استقى من وقيعة ... كعين الغراب صفوها لم يكدّر
والوقيعة: المكان الصلب الذي يمسك الماء، والجمع الوقائع.
843-[استطراد لغوي]
قال: وأنشدنا أبو عمرو بن العلاء، في الوقائع: [من الطويل]
إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفهم ... وقائع للأبوال والماء أبرد [3]
يقول: كانوا في فلاة فاستبالوا الخيل في أكفهم، فشربوا أبوالها من العطش.
ويقال شهد الوقيقة والوقعة بمعنى واحد. قال الشاعر [4] : [من الطويل]
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفر داء من الشّرّ باقيا
وقال زفر بن الحارث [5] : [من الطويل]
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لمروان صدعا بيننا متنائيا
وقال الأخطل [6] : [من الطويل]
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
__________
[1] ثمار القلوب 461 (673) .
[2] البيت لأبي الطمحان في الأغاني 13/14، وقصائد جاهلية نادرة 220، وأشعار اللصوص 1/78، والمعاني الكبير 259، وثمار القلوب (673) ، وبلا نسبة في المخصص 10/162، والجمهرة 944.
[3] البيت لمالك بن نويرة في ديوانه 64، والأصمعيات 195، والسمط 347، واللسان (بول) ، وبلا نسبة في اللسان (وقع) ، والجمهرة 944، والاشتقاق 291.
[4] البيت لجواس بن القعطل الكلبي في المؤتلف والمختلف 74.
[5] ديوان زفر بن الحارث الكلابي 171، والحماسة البصرية 1/26، والأغاني 19/196، والتاج (رهط) ، ومعجم البلدان 3/21 (راهط) ، وحماسة القرشى 136، والوحشيات 50، وهو بلا نسبة في اللسان (شأي) ؛ وقافيته فيه (متشائيا) مكان (متنائيا) .
[6] ديوان الأخطل 32، ومعجم البلدان 1/427 (بشر) ، والتاج (بشر) ، والجمهرة 310، وبلا نسبة في اللسان (عول) .
(3/200)

844-[أمثال من الشعر والنثر في الغراب]
وفي صحّة بدن الغراب يقول الآخر [1] : [من المنسرح]
إنّ معاذ بن مسلم رجل ... قد ضجّ من طول عمره الأبد
قد شاب رأس الزّمان واكتهل الدّه ... ر وأثواب عمره جدد
يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تسحب ذيل الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنّك الوتد
تسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصّداع والرّمد
ويقال: «أرض لا يطير غرابها» [2] . قال النّابغة [3] : [من الكامل]
ولرهط حرّاب وقد سورة ... في المجد ليس غرابها بمطار [4]
جعله مثلا. يعني أنّ هذه الأرض تبلغ من خصبها أنّه إذا دخلها الغراب لم يخرج منها، لأنّ كلّ شيء يريده فيها.
وفي زهو الغراب يقول حسّان، في بعض قريش [5] : [من الكامل]
إنّ الفرافصة بن الاحوص عنده ... شجن لأمّك من بنات عقاب
أجمعت أنّك أنت ألأم من مشى ... في فحش مومسة وزهو غراب
ويقال: «وجد فلان تمرة الغراب» [6] ، كأنّه يتّبع عندهم أطيب التمر.
ويقال: «إنّه لأحذر من غراب» [7] و: «أشد سوادا من غراب» [8] .
__________
[1] الأبيات للخزرجي في مروج الذهب 2/322، ووفيات الأعيان 5/218، وثمار القلوب (695) ، ولمحمد بن مناذر في العقد الفريد 3/55، وبغية الوعاة 393، ولابن عبدل في الدرة الفاخرة 316، وبلا نسبة في أمالي الزجاجي 17، والمعاني الكبير 58، وعيون الأخبار 4/59، وإنباه الرواة 3/290، والبيت الثاني في مجالس ثعلب 163.
[2] المثل في كتاب الأمثال لأبي عكرمة الضبي 73.
[3] ديوان النابغة الذبياني 55، واللسان والتاج (قدد، سور، طير) ، وأساس البلاغة (غرب) .
[4] في ديوانه: حراب وقد: رجلان من بني أسد. والسورة: المنزلة الرفيعة. وقوله: «ليس غرابها بمطار» أي شرفهم ثابت باق وليس بزائل.
[5] ديوان حسان 116، والثاني في ثمار (491) ، واللسان (زنك) ، والتاج (زوك) ، وبلا نسبة في اللسان (زوك) ، والمخصص 3/103، والمجمل 3/33، والمقاييس 3/37.
[6] مجمع الأمثال 2/362، وجمهرة الأمثال 2/333، والمستقصى 2/373، والأمثال لمجهول 116.
[7] مجمع الأمثال 1/226، وجمهرة الأمثال 1/396، والمستقصى 1/62، والأمثال لمجهول 7، والدرة الفاخرة 1/133، 156، 196.
[8] المثل في المستقصى 1/192 برواية «أشد سوادا من حنك الغراب» .
(3/201)

وقد مدحوا بسواد الغراب. قال عنترة [1] : [من الكامل]
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم
وقال أبو دؤاد [2] : [من البسيط]
تنفي الحصى صعدا شرقيّ منسمها ... نفي الغراب بأعلى أنفه الغردا [3]
والمغاريد: كمء. صغار. وأنشد [4] : [من البسيط]
يحجّ مأمومة في قعرها لجف ... فاست الطبيب قذاها كالمغاريد [5]
وقد ذكرنا شدّة منقاره، وحدّة بصره في غير هذا المكان.
845-[شعر في مديح السواد]
وقالوا في مديح السواد، قال امرؤ القيس [6] : [من البسيط]
العين قادحة واليدّ سابحة ... والأذن مصغية واللّون غربيب
وفي السّواد يقول ربيّعة أبو ذؤاب الأسدي [7] ، قاتل عتيبة بن الحارث بن شهاب: [من الكامل]
إن المودة والهوادة بيننا ... خلق كسحق اليمنة المنجاب [8]
إلّا بجيش لا يكتّ عديده ... سود الجلود من الحديد غضاب [9]
__________
[1] البيت من معلقته في ديوانه 17، والخزانة 7/390، والمقاصد النحوية 4/487، وبلا نسبة في شرح المفصل 3/55، 6/24.
[2] ديوان أبي دؤاد 308.
[3] منسم الناقة: خفها «اللسان: نسم» .
[4] البيت لعذار بن درة الطائي في اللسان والتاج (حجج، لفف) ، والمجمل 2/32، 4/266، والتنبيه والإيضاح 1/197، وبلا نسبة في اللسان والتاج (غرد) ، والمقاييس 1/23، 2/30، 5/235، والجمهرة 86، 633، 1234، والمخصص 13/182، 16/62، والتهذيب 3/390، والكامل 1/65 (طبعة المعارف) .
[5] في الكامل قوله «في قعرها لجف» أي تقلع، ويقال تلجفت البئر إذا انقلع طيّها من أسفلها.
[6] البيت لامرئ القيس في ديوانه 226، والجمهرة 516، ولعمران بن إبراهيم الأنصاري في شرح شواهد الإيضاح 497، ولإبراهيم بن عمران في اللسان (قصب) ، وبلا نسبة في الجمهرة 278، واللسان (لحب، قبب) ، والتاج (قبب) ، والتهذيب 8/299، وأساس البلاغة (قدح) .
[7] البيتان في أمالي القالي 1/72، والأول في اللسان والتاج (يمن) ، والثاني في الجمهرة 79، وبلا نسبة في اللسان والتاج (كتت) .
[8] اليمنة: ضرب من برود اليمن. «اللسان: يمن» .
[9] كتّ القوم يكتّهم: عدّهم وأحصاهم، وأكثر ما يستعملونه في النفي. «اللسان: كتت» .
(3/202)

846-[شعر ومثل في شيب الغراب]
وفي المثل: «لا يكون ذلك حتّى يشيب الغراب» [1] . وقال العرجيّ [2] : [من الخفيف]
لا يحول الفؤاد عنه بودّ ... أبدا أو يحول لون الغراب
وقال ساعدة بن جؤيّة [3] : [من الكامل]
شاب الغراب ولا فؤادك تارك ... عهد الغضوب ولا عتابك يعتب
847-[نقر الغراب للدماغ والعيون]
ومما يذكر للغراب ما حدّث به أبو الحسن، عن أبي سليم، أنّ معاوية قال لأبي هوذة بن شمّاس الباهليّ: لقد هممت أن أحمل جمعا من باهلة في سفينة ثم أغرقهم! فقال أبو هوذة: إذن لا ترضى باهلة بعدّتهم من بني أمية! قال: اسكت أيّها الغراب الأبقع! وكان به برص، فقال أبو هوذة: إنّ الغراب الأبقع ربّما درج إلى الرّخمة حتى ينقر دماغها، ويقلع عينيها! فقال يزيد بن معاوية: ألا تقتله يا أمير المؤمنين؟
فقال: مه! ونهض معاوية. ثمّ وجهه بعد في سريّة فقتل. فقال معاوية ليزيد: هذا أخفى وأصوب [4] ! وقال آخر [5] في نقر الغراب العيون: [من الوافر]
أتوعد أسرتي وتركت حجرا ... يريغ سواد عينيه الغراب
ولو لاقيت علباء بن جحش ... رضيت من الغنيمة بالإياب
وقال أبو حيّة- في أنّ الغراب يسمّونه الأعور تطيّرا منه [6]-: [من الكامل]
وإذا تحلّ قتودها بتنوفة ... مرّت تليح من الغراب الأعور [7]
لأنها تخاف من الغربان، لما تعلم من وقوعها على الدّبر.
__________
[1] المستقصى 2/59، وفصل المقال 474، 482، وجمهرة الأمثال 1/363.
[2] ديوان العرجي 116، ورواية صدره: (لم أحل عنك ما حييت بودي) .
[3] البيت لساعدة بن جؤية في شرح أشعار الهذليين 1098، واللسان والتاج (شيب، عتب، غضب) ، والعين 4/413.
[4] انظر الخبر في البرصان 69- 70.
[5] البيتان لعبيد بن الأبرص، والأول في ديوانه 1، والتهذيب 8/187، وبلا نسبة في اللسان (روغ) ، والثاني في ديوانه 24، والعمدة 1/103.
[6] ديوان أبي حية النميري 59، والمعاني الكبير 260، ورواية البيت في ديوانه:
(آلت إذا ما حلّ عنها رحلها ... جعلت تضيف من الغراب الأعور) .
[7] تليح: تحذر وتشفق.
(3/203)

848-[مدح لون الغراب]
ومما يمدح به الشّعراء بلون الغراب قال أبو حيّة [1] : [من الوافر]
غراب كان أسود حالكيّا ... ألا سقيا لذلك من غراب
وقال أبو حيّة [2] : [من المتقارب]
زمان عليّ غراب غداف ... فطيّره الدّهر عني فطارا
فلا يبعد الله ذاك الغداف ... وإن كان لا هو إلّا ادّكارا
فأصبح موضعه بائضا ... محيطا خطاما محيطا عذارا [3]
وقال أبو حيّة في غير ذلك، وهو مما يعدّ للغراب [4] : [من الطويل]
كأنّ عصيم الورس منهنّ جاسد ... بما سال من غربانهنّ من الخطر [5]
849-[استطراد لغوي]
والغراب ضروب، ويقع هذا الاسم في أماكن، فالغراب حدّ السكين والفأس، يقال فأس حديدة الغراب. وقال الشّماخ [6] : [من الطويل]
فأنحى عليها ذات حدّ غرابها ... عدوّ لأوساط العضاه مشارز [7]
المشارزة: المعاداة والمخاشنة.
والغراب: حدّ الورك ورأسه الذي يلي الظهر، ويبدأ من مؤخّر الرّدف. والجمع غربان. قال ذو الرّمّة [8] : [من الطويل]
وقرّبن بالزّرق الحمائل بعد ما ... تقوّب من غربان أوراكها الخطر [9]
__________
[1] ديوان أبي حية 121.
[2] ديوان أبي حية 43، وحماسة القرشي 281- 282، وطبقات ابن المعتز 145، وأمالي المرتضى 1/445، ونسب البيت خطأ إلى الكميت في اللسان (غرب) .
[3] في ديوانه: (بائض: من باض النبت إذا صوّح، وبائض: أي مبيض. خطام: أي ما خطم به من الشعر.
[4] ديوان أبي حية 52.
[5] في ديوانه: (العصيم: الدرن والوسخ والبول إذا يبس على فخذ الناقة) .
[6] ديوان الشماخ 185، واللسان والتاج (غرب، شرز) ، والجمهرة 321، والعين 4/413، وديوان الأدب 1/439.
[7] في ديوانه: (أنحى عليها: عرض عليها: أي أقبل يقطعها. ذات حد: فأس ذات حد. غرابها:
حدها. العضاه: شجر عظيم له شوك. الشرز: القطع) .
[8] ديوان ذي الرمة 566، والجمهرة 234، 703، 1097، واللسان (غرب، خطر، زرق، جمل) .
[9] في ديوانه: (الزرق: أكثبة الدهناء) . ويقال: «جمائل وجمال» .
(3/204)

تقوّب: تقشر ما على أوراكها من سلحها وبولها، من ضربها بأذنابها.
850-[غراب البين]
وكلّ غراب فقد يقال له غراب البين إذا أرادوا به الشؤم، أمّا غراب البين نفسه، فإنّه غراب صغير. وإنّما قيل لكلّ غراب غراب البين، لسقوطها في مواضع منازلهم إذا بانوا عنها. قال أبو خولة الرّياحيّ [1] : [من الطويل]
فليس بيربوع إلى العقل فاقة ... ولا دنس يسودّ منه ثيابها
فكيف بنوكي مالك إن كفرتم ... لهم هذه، أم كيف بعد خطابها
مشائم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلّا ببين غرابها
851-[الوليد بن عقبة وعبد الله بن الزبير]
ومن الدّليل على أنّ الغراب من شرار الطّير، ما رواه أبو الحسن قال: كان ابن الزبير يقعد مع معاوية على سريره، فلا يقدر معاوية أن يمتنع منه، فقال ذات يوم: أما أحد يكفيني ابن الزبير؟ فقال الوليد بن عقبة: أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين. فسبق فقعد في مقعده على السرير، وجاء ابن الزبير فقعد دون السرير، ثمّ أنشد ابن الزبير:
[من الطويل]
تسمّى أبانا بعد ما كان نافعا ... وقد كان ذكوان تكنّى أبا عمرو
فانحدر الوليد حتى صار معه، ثم قال: [من الوافر]
ولولا حرّة مهدت عليكم ... صفيّة ما عددتم في النّفير
ولا عرف الزبير ولا أبوه ... ولا جلس الزبير على السرير
وددنا أنّ أمّكم غراب ... فكنتم شرّ طير في الطيور
852-[القواطع والرواجع والأوابد]
قال أبو زيد [2] : إذا كان الشتاء قطعت إلينا الغربان، أي جاءت بلادنا، فهي
__________
[1] الأبيات لأبي الأحوص الرياحي في البيان 2/260- 261، والبيت الثالث للأخوص الرياحي في الإنصاف 193، والخزانة 4/158، 160، 164، وشرح شواهد المغني 871، وشرح المفصل 2/52، والكتاب 1/165، 306، وشرح أبيات سيبويه 1/74، 2/105، واللسان (شأم) ، والمؤتلف 49، وهو للفرزدق في الكتاب 3/29، وديوانه 23، وبلا نسبة في الخزانة 8/295، 554، والخصائص 2/354، وشرح المفصل 5/68، 7/57، ومغني اللبيب 478.
[2] ورد الخبر في ثمار القلوب (655- 656) .
(3/205)

قواطع إلينا، فإذا كان الصيف فهي رواجع. والطير التي تقيم بأرض شتاءها وصيفها أبدا فهي الأوابد. والأوابد أيضا هي الدواهي، يقال جاءنا بآبدة. ومنها أوابد الوحش.
ومنها أوابد الأشعار. والأوابد أيضا: الإبل إذا توحّش منها شيء فلم يقدر عليه إلا بعقر. وأنشد أبو زيد في الأوابد [1] : [من الرجز]
ومنهل وردته التقاطا ... طام فلم ألق به فرّاطا [2]
إلّا القطا أوابدا غطاطا [3]
853-[صوت الغراب]
ويقال نغق الغراب ينغق نغيقا، بغين معجمة، ونعت ينعب نعيبا بعين غير معجمة. فإذا مرّت عليه السّنون الكثيرة وغلظ صوته قيل شحج يشحج شحيجا.
وقال ذو الرّمّة [4] : [من الطويل]
ومستشحجات بالفراق كأنّها ... مثاكيل من صيّابة النّوب نوّح [5]
والنّوبة توصف بالجزع.
854-[أثر البادية في رجال الروم والسند]
وأصحاب الإبل يرغبون في اتخاذ النوبة والبربر والرّوم للإبل، يرون أنهم يصلحون على معايشها، وتصلح على قيامهم عليها.
ومن العجب أنّ رجال الرّوم تصلح في البدو مع الإبل، ودخول الإبل بلاد الروم هو هلاكها.
__________
[1] الرجز لنقادة الأسدي في اللسان (فرط، لقط) ، والتاج (فرط، لغط، لقط) ، وبلا نسبة في اللسان (لغط، رجم) ، والكتاب 1/371، والتهذيب 8/58، 16/252، والعين 5/101، والمقاييس 5/23، والمجمل 4/287، والمخصص 14/226، والتاج (ترجم) ، وديوان الأدب 2/308، وإصلاح المنطق 68، 96.
[2] الفراط: المتقدمات إلى الماء «اللسان: فرط» .
[3] الغطاط: ضرب من القطا، الطوال الأرجل، البيض البطون، الغبر الظهور، الواسعة العيون. «اللسان:
غطط» .
[4] ديوان ذي الرمة 1207، واللسان (صيب، شحج، ثكل) ، والتاج (صيب، شحج) ، وأساس البلاغة (ثكل، صيب) ، والعين 7/167، والمخصص 3/153، 4/30، 8/134، والتهذيب 4/117، وبلا نسبة في ديوان الأدب 3/460، والجمهرة 1024.
[5] الصيابة: الخالص والصميم والخيار من الشيء والسيد. «القاموس: صيب» .
(3/206)

فأمّا السند؛ فإنّ السّنديّ صاحب الخربة [1] إذا صار إلى البدو، وهو طفل، خرج أفصح من أبي مهديّة، ومن أبي مطرف الغنويّ. ولهم طبيعة في الصّرف، لا ترى بالبصرة صيرفيّا إلا وصاحب كيسه سنديّ.
855-[تفوق أهل السند]
واشترى محمّد بن السّكن، أبا روح فرجا السّندي، فكسب له المال العظيم.
فقلّ صيدلانيّ عندنا إلّا وله غلام سنديّ. فبلغوا أيضا في البربهار والمعرفة بالعقاقير، وفي صحّة المعاملة، واجتلاب الحرفاء مبلغا حسنا.
وللسّند في الطبخ طبيعة، ما أكثر ما ينجبون فيه.
وقد كان يحيى بن خالد أراد أن يحوّل إجراء الخيل عن صبيان الحبشان والنّوبة، إلى صبيان السند، فلم يفلحوا فيه، وأراد تحويل رجال السّند إلى موضع الفرّاشين من الرّوم، فلم يفلحوا فيه.
وفي السّند حلوق [2] جياد، وكذلك بنات السّند.
856-[استطراد لغوي]
والغراب يسمّى أيضا حاتما. وقال عوف بن الخرع [3] : [من الطويل]
ولكنّما أهجو صفيّ بن ثابت ... مثبّجة لاقت من الطّير حاتما [4]
وقال المرقّش، من بني سدوس [5] : [من مجزوء الكامل]
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
__________
[1] الخربة: سعة خرق الأذن، وكل ثقب مستدير. «القاموس: خرب» .
[2] حلوق: جمع حلق، أراد أن أصواتهم جيدة.
[3] البيت في الأصمعيات 169.
[4] المثبجة: البوم. «القاموس: ثبج» .
[5] الأبيات للمرقش في اللسان والتاج (وقي) ، والمعاني الكبير 262، والأزمنة والأمكنة 2/352، 1187، والتهذيب 4/450، 9/375، وله أو لخزز بن لوذان في اللسان والتاج (حتم، يمن) ، والمؤتلف 143، ولرجل من بني سدوس في الاختيارين 171، وللمرقم في عيون الأخبار 1/145 (ورد الاسم في الحاشية، وأثبت المحقق في المتن «المرقش» مدعيا أنه الصواب) ، وحماسة البحتري 255، وبلا نسبة في الوحشيات 166، وذيل الأمالي 106- 107، وزهر الآداب 524، والعمدة 2/262، والأغاني 11/9.
(3/207)

فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم
وأنشد لخثيم بن عديّ [1] : [من الطويل]
وليس بهيّاب إذا شدّ رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم
ولكنّه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم
والخثارم: هو المتطيّر من الرّجال. وأما قوله: «واق وحاتم» فحاتم هو الغراب، والواقي هو الصّرد، كأنّه يرى أنّ الزّجر بالغراب إذا اشتقّ من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب، فإنّ ذلك حتم. ويشتق من الصّرد التصريد، والصّرد وهو البرد. ويدلك على ذلك قوله [2] : [من الطويل]
دعا صرد يوما على غصن شوحط ... وصاح بذات البين منها غرابها [3]
فقلت: أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها
فاشتقّ التّصريد من الصّرد، والغربة من الغراب، والشّحط من الشّوحط.
ويقال أغرب الرّجل: إذا اشتدّ مرضه، فهو مغرب.
قال: والعنقاء المغرب، العقاب، لأنها تجيء من مكان بعيد.
857-[أصل التطير في اللغة]
قال: وأصل التطيّر إنما كان من الطّير ومن جهة الطير، إذا مرّ بارحا [4] أو سانحا [5] ، أو رآه يتفلى وينتتف، حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من النّاس أو البهائم، أو الأعضب أو الأبتر، زجروا عند ذلك وتطيّروا عندها، كما تطيّروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال. فكان زجر الطّير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطيّر، ثمّ استعملوا ذلك في كلّ شيء.
__________
[1] البيتان للرقاص الكلبي أو لخثيم بن عدي في اللسان والتاج (حتم، خثرم، وقي) ، ولخثيم بن عدي في التهذيب 7/690، وبلا نسبة في المخصص 8/152، 13/25، والعين 5/239.
[2] البيتان بلا نسبة في زهر الآداب 524.
[3] الشوحط: شجر تتخذ منه القسي. «القاموس: شحط» .
[4] البارح: من الصيد؛ ما مرّ من ميامنك إلى مياسرك. «القاموس: برح» .
[5] السانح: ضد البارح، ومنه «من لي بالسانح بعد البارح» أي بالمبارك بعد الشؤم. «القاموس:
سنح» .
(3/208)

858-[أسماء الغراب]
والغراب لسواده إن كان أسود، ولاختلاف لونه إن كان أبقع، ولأنّه غريب يقطع إليهم، ولأنّه لا يوجد في موضع خيامهم يتقمّم، إلّا عند مباينتهم لمساكنهم، ومزايلتهم لدورهم، ولأنّه ليس شيء من الطير أشدّ على ذوات الدّبر من إبلهم من الغربان، ولأنه حديد البصر فقالوا عند خوفهم من عينه «الأعور» . كما قالوا: «غراب» لاغترابه وغربته «وغراب البين» ، لأنّه عند بينونتهم يوجد في دورهم.
ويسمّونه «ابن داية» ، لأنّه ينقب عن الدّبر حتّى يبلغ إلى دايات العنق وما اتصل بها من خرزات الصّلب، وفقار الظهر.
859-[مراعاة التفاؤل في التسمية]
وللطّيرة سمّت العرب المنهوش بالسّليم، والبرّيّة بالمفازة، وكنوا الأعمى أبا بصير، والأسود أبا البيضاء، وسمّوا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزّجر به على الأمور.
فصار تطيّرهم من القعيد والنّطيح [1] ومن جرد الجراد، ومن أن الجرادة ذات ألوان، وجميع ذلك- دون التّطيّر بالغراب.
860-[ضروب من الطّيرة]
ولإيمان العرب بباب الطّيرة والفأل عقدوا الرّتائم [2] ، وعشّروا إذا دخلوا القرى تعشير الحمار [3] ، واستعملوا في القداح الآمر، والناهي، والمتربّص. وهنّ غير قداح الأيسار.
861-[اشتقاق أسماء في الطيرة]
ويدلّ على أنهم يشتقون من اسم الشيء الذي يعاينون ويسمعون، قول سوّار ابن المضرّب [4] : [من الوافر]
تغنّى الطائران ببين ليلى ... على غصنين من غرب وبان
__________
[1] القعيد: ما جاء من ورائك من ظبي أو طائر. «القاموس: قعد» . والنطيح: ما جاء من أمامك من الطير والوحش. «القاموس: نطح» .
[2] كان من أراد سفرا يعمد إلى شجرة؛ فيعقد غصنين منها، فإن رجع وكانا على حالهما قال: إن أهله لم تخنه، وإلا فقد خانته، وذلك الرتم والرتيمة. «القاموس: رتم» .
[3] كانوا يزعمون أن الرجل إذا ورد أرض وباء وضع يده خلف أذنه فنهق عشر نهقات نهيق الحمار ثم دخلها أمن من الوباء، وعشّر الحمار: تابع النهيق عشر نهقات. «اللسان: عشر» .
[4] البيتان لسوار بن المضرب في الأصمعيات 243، ولجحدر العكلي في الحماسة البصرية 2/98، وأشعار اللصوص 1/195، وأمالي القالي 1/282، والكامل 1/85، وللمعلوط في عيون الأخبار 1/149، وبلا نسبة في الوحشيات 183.
(3/209)

فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير دان
فاشتقّ كما ترى الاغتراب من الغرب، والبينونة من البان.
وقال جران العود [1] : [من الطويل]
جرى يوم رحنا بالجمال نزفّها ... عقاب وشحّاج من البين يبرح
فأمّا العقاب فهي منها عقوبة ... وأمّا الغراب فالغريب المطوّح
فلم يجد في العقاب إلّا العقوبة. وجعل الشّحاج هو الغراب البارح وصاحب البين، واشتقّ منه الغريب المطوّح.
ورأى السّمهريّ غرابا على بانة ينتف ريشه، فلم يجد في البان إلّا البينونة، ووجد في الغراب جميع معاني المكروه، فقال [2] : [من الطويل]
رأيت غرابا واقعا فوق بانة ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقلت، ولو أني أشاء زجرته ... بنفسي، للنهديّ: هل أنت زاجره
فقال: غراب باغتراب من النّوى ... وبالبان بين من حبيب تعاشره
فذكر الغراب بأكثر ممّا ذكر به غيره، ثمّ ذكر بعد شأن الريش وتطايره. وقال الأعشى [3] : [من الرمل]
ما تعيف اليوم في الطير الرّوح ... من غراب البين أو تيس برح
فجعل التّيس من الطّير، إذ تقدم ذكر الطير، وجعله من الطير في معنى التطيّر.
وقال النّابغة [4] : [من الكامل]
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
__________
[1] ديوان جران العود 3، والشعر والشعراء 451.
[2] الأبيات للسمهري في الأغاني 21/239، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/211، وأشعار اللصوص 1/39، ولكثير في عيون الأخبار 1/148، وزهر الآداب 525، والبيت الأول بلا نسبة في اللسان والتاج (نشش) ، والمخصص 8/131.
[3] ديوان الأعشى 287، واللسان والتاج (روح، عيف) ، وأساس البلاغة (عيف) ، والعين 3/292، والجمهرة 939، 1080، والمقاييس 2/455، 4/197، والمجمل 2/432، والمخصص 9/57، والتهذيب 3/231، 5/222، والتنبيه والإيضاح 2/243.
[4] ديوان النابغة الذبياني 89، والخصائص 1/240، والأغاني 11/8، وبلا نسبة في اللسان (وجه) .
(3/210)

وقال عنترة [1] : [من الكامل]
ظعن الذين فراقهم أتوقّع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع
حرق الجناح كأنّ لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع
فزجرته ألّا يفرّخ بيضه ... أبدا ويصبح خائفا يتفجّع
إنّ الذين نعبت لي بفراقهم ... هم أسهروا ليلى التّمام فأوجعوا
فقال: «وجرى ببينهم الغراب» لأنّه غريب، ولأنه غراب البين، ولأنّه أبقع. ثم قال: «حرق الجناح» تطيرا أيضا من ذلك. ثمّ جعل لحيي رأسه جلمين، والجلم يقطع. وجعله بالأخبار هشّا مولعا، وجعل نعيبه وشحيجه كالخبر المفهوم.
862-[التشاؤم بالغراب]
قال: فالغراب أكثر من جميع ما يتطيّر به في باب الشؤم. ألا تراهم كلما ذكروا ممّا يتطيرون منه شيئا ذكروا الغراب معه! وقد يذكرون الغراب ولا يذكرون غيره، ثم إذا ذكروا كلّ واحد من هذا الباب لا يمكنهم أن يتطيروا منه إلّا من وجه واحد، والغراب كثير المعاني في هذا الباب، فهو المقدّم في الشؤم.
863-[دفاع صاحب الغراب]
قال صاحب الغراب: الغراب وغير الغراب في ذلك سواء. والأعرابيّ إن شاء اشتقّ من الكلمة، وتوهّم فيها الخير، وإن شاء اشتقّ منها الشرّ. وكلّ كلمة تحتمل وجوها.
ولذلك قال الشاعر: [من الطويل]
نظرت وأصحابي ببطن طويلع ... ضحيّا وقد أفضى إلى اللّبب الحبل [2]
إلى ظبية تعطو سيالا تصوره ... يجاذبها الأفنان ذو جدد طفل [3]
__________
[1] ديوان عنترة 48، والأول والثاني في اللسان والتاج (بين) ، والثاني في اللسان (حرق) ، وهو بلا نسبة في أساس البلاغة (حرق) ، والمخصص 1/73، والجمهرة 519.
[2] طويلع: هضبة بمكة، وواد في طريق البصرة إلى اليمامة، وموضع بنجد. (معجم البلدان 4/51) .
الحبل: الرمل المستطيل. «القاموس: حبل» . اللبب: ما استرق من الرمل. «القاموس: لبب» .
[3] السيال: نبات له شوك أبيض طويل. «القاموس: سيل» . الجدد: الخطوط. «القاموس: جدد» .
(3/211)

فقلت وعفت: الحبل حبل وصالها ... تجذّذ من سلماك وانصرم الحبل [1]
وقلت: سيال! قد تسلّت مودّتي ... تصور غصونا! صار جثمانها يعلو [2]
وعفت الغرير الطّفل طفلا أتت به ... فقلت لأصحابي: مضيّكم جهل
رجوعي حزم وامترائي ضلّة ... كذلك كان الزّجر يصدقني قبل
وقال ابن قيس الرّقيّات [3] : [من الخفيف]
بشّر الظّبي والغراب بسعدى ... مرحبا بالذي يقول الغراب
وقال آخر [4] : [من الطويل]
بدا إذ قصدنا عامدين لأرضنا ... سنيح فقال القوم: مرّ سنيح
وهاب رجال أن يقولوا وجمجموا ... فقلت لهم: جار إليّ ربيح
عقاب بإعقاب من الدار بعد ما ... مضت نيّة لا تستطاع طروح
وقالوا: دم! دامت مودّة بيننا ... وعاد لنا غض الشباب صريح
وقال صحابي: هدهد فوق بأنة! ... هدى وبيان في الطريق يلوح
وقالوا: حمامات! فحمّ لقاؤها ... وطلح! فنيلت والمطيّ طليح
قالوا: فهو إذا شاء جعل الحمام من الحمام والحميم والحمى. وإن شاء قال:
«وقالوا حمامات فحمّ لقاؤها» وإذا شاء اشتق البين من البان. وإذا شاء اشتقّ منه البيان.
وقال آخر [5] : [من الطويل]
وقالوا: عقاب! قلت عقبى من الهوى ... دنت بعد هجر منهم، ونزوح
وقالوا: حمامات! فحمّ لقاؤها ... وعاد لنا حلو الشّباب ربيح
وقالوا: تغنّى هدهد فوق بانة! ... فقلت: هدى نغدو به ونروح
ولو شاء الأعرابيّ أن يقول إذا رأى سواد الغراب: سواد سودد، وسواد الإنسان:
__________
[1] عفت: من العيافة والزجر. تجذد: تقطع. «القاموس: جذذ» . سلماك: أي حبيبته سلمى.
[2] تصور: تقطع. «القاموس: صور» .
[3] ديوان ابن قيس الرقيات 84.
[4] الأبيات لأبي حية النميري 129- 130، والحماسة البصرية 2/188- 189، والأمالي 1/24، وزهر الآداب 523.
[5] الأبيات لأبي حية النميري. انظر مصادرها في الحاشية السابقة.
(3/212)

شخصه، وسواد العراق: سعف نخله، والأسودان: الماء والتمر، وأشباه ذلك- لقاله.
قال: وهؤلاء بأعيانهم الذين يصرّفون الزّجر كيف شاؤوا، وإذا لم يجدوا من وقوع شيء بعد الزّجر بدّا- هم الذين إذا بدا لهم في ذلك بداء أنكروا الطّيرة والزّجر البتّة.
864-[تطير النابغة]
وقد زعم الأصمعي أنّ النّابغة خرج مع زبّان بن سيّار يريدان الغزو، فبينما هما يريدان الرحلة إذ نظر النّابغة وإذا على ثوبه جرادة تجرد ذات ألوان، فتطيّر وقال: غيري الذي خرج في هذا الوجه! فلما رجع زبّان من تلك الغزوة سالما غانما، قال [1] : [من الوافر]
تخبّر طيره فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير
أقام كأنّ لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير
تعلّم أنّه لا طير إلّا ... على متطير وهو الثّبور
بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير
فزعم كما ترى زبّان- وهو من دهاة العرب وساداتهم- أنّ الذي يجدونه إنّما هو شيء من طريق الاتفاق، وقال: [من الوافر]
تعلّم أنّه لا طير إلا ... على متطيّر وهو الثّبور
وهذا لا ينقض الأول من قوله: أمّا واحدة فإنه إن جعل ذلك من طريق العقاب للمتطير لم ينقض قوله في الاتفاق. وإن ذهب إلى أنّ مثل ذلك قد يكون ولا يشعر به اللّاهي عن ذلك والذي لا يؤمن بالطيرة، فإنّ المتوقّع فهو في بلاء مادام متوقعا. وإن وافق بعض المكروه جعله من ذلك.
865-[تطير ابن الزبير]
ويقال إنّ ابن الزبير لما خرج مع أهله من المدينة إلى مكّة، سمع بعض إخوته ينشد: [من الطويل]
وكلّ بني أمّ سيمسون ليلة ... ولم يبق من أعيانهم غير واحد
__________
[1] الأبيات لزبان بن سيّار في البيان 3/304- 305، والبيتان الثالث والرابع له في العمدة 2/262، وهما بلا نسبة في عيون الأخبار 1/146، واللسان والتاج (طير) ، والثالث بلا نسبة في اللسان والتاج وأساس البلاغة (علم) ، والمخصص 3/29.
(3/213)

فقال لأخيه: ما دعاك إلى هذا؟ قال: أما إني ما أردته! قال: ذلك أشدّ له.
وهذا منه إيمان شديد بالطيرة كما ترى.
866-[بعض من أنكر الطيرة]
وممن كان لا يرى الطيرة شيئا المرقش. من بني سدوس، حيث قال [1] : [من مجزوء الكامل]
إني غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
فكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم
قال سلامة بن جندل [2] : [من البسيط]
ومن تعرّض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بدّ مشؤوم
وممن كان ينكر الطيرة ويوصي بذلك، الحارث بن حلزة، وهو قوله- قال أبو عبيدة: أنشدنيها أبو عمرو، وليست إلا هذه الأبيات، وسائر القصيدة مصنوع مولد- وهو قوله [3] : [من السريع]
يا أيها المزمع ثم انثنى ... لا يثنك الحازي ولا الشاحج
ولا قعيد أغضب قرنه ... هاج له من مربع هائج
بينا الفتى يسعى ويسعى له ... تاح له من أمره خالج
يترك ما رقّح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج
لا تكسع الشّول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
وقال الأصمعي: قال سلم بن قتيبة: أضللت ناقة لي عشراء، وأنا بالبدو، فخرجت في طلبها، فتلقاني رجل بوجهه شين من حرق النار، ثم تلقّاني رجل آخذ بخطام بعيره، وإذا هو ينشد [4] : [من مجزوء الكامل]
فلئن بغيت لها البغا ... ة فما البغاة بواجدينا
__________
[1] تقدمت الأبيات مع تخريجها في الفقرة (856) ص 207- 208.
[2] ديوان سلامة بن جندل 252، والبيت لعلقمة في ديوانه 67، والمفضليات 401، وأمالي المرتضى 1/578، والحماسة البصرية 2/385.
[3] الأبيات في المفضليات 430، والبيان والتبيين 3/303- 304، والبخلاء 164.
[4] البيت للبيد في ديوانه 323، وعيون الأخبار 1/145.
(3/214)

ثم من بعد هذا كلّه، سألت عنها بعض من لقيته. فقال لي: التمسها عند تلك النار. فأتيتهم فإذا همّ قد نتجوها حوارا [1] ، وقد أوقدوا لها نارا فأخذت بخطامها وانصرفت.
867-[عدم إيمان النّظّام بالطيرة]
وأخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام قال: جعت حتّى أكلت الطين، وما صرت إلى ذلك حتّى قلبت قلبي أتذّكر: هل بها رجل أصيب عنده غداء أو عشاء، قما قدرت عليه، وكان علي جبّة وقميصان، فنزعت القميص الأسفل فبعته بدريهمات، وقصدت إلى فرضة الأهواز، أريد قصبة الأهواز، وما أعرف بها أحدا. وما كان ذلك إلّا شيئا أخرجه الضّجر وبعض التعرّض. فوافيت الفرضة فلم أصب فيها سفينة، فتطيّرت من ذلك. ثم إني رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم فتطيرت من ذلك أيضا، وإذا فيها حمولة، فقلت للملاح: تحملني؟ قال: نعم. قلت: ما اسمك؟
قال: «داوداذ» وهو بالفارسية الشّيطان، فتطيرت من ذلك. ثم ركبت معه، تصكّ الشمال وجهي، وتثير بالليل الصّقيع على رأسي. فلما قربنا من الفرصة صحت: يا حمّال! معي لحاف لي سمل، ومضربة خلق، وبعض ما لا بدّ لمثلي منه، فكان أول حمّال أجابني أعور فقلت لبقّار كان واقفا: بكم تكري ثورك هذا إلى الخان؟ فلما أدناه من متاعي إذا الثّور أعضب القرن، فازددت طيرة إلى طيرة، فقلت في نفسي:
الرّجوع أسلم لي. ثم ذكرت حاجتي إلى أكل الطين فقلت: ومن لي بالموت؟! فلما صرت في الخان وأنا جالس فيه، ومتاعي بين يديّ وأنا أقول: إن أنا خلفته في الخان وليس عنده من يحفظه فشّ الباب وسرق، وإن جلست أحفظه لم يكن لمجيئي إلى الأهواز وجه. فبينا أنا جالس إذ سمعت قرع الباب، قلت: من هذا عافاك الله تعالى؟
قال: رجل يريدك، قلت: ومن أنا؟ قال: أنت إبراهيم. فقلت: ومن إبراهيم؟ قال:
إبراهيم النّظّام. قلت: هذا خنّاق، أو عدوّ، أو رسول سلطان! ثم إني تحاملت وفتحت الباب، فقال: أرسلني إليك إبراهيم بن عبد العزيز ويقول:
نحن وإن كنّا اختلفنا في بعض المقالة، فإنّا قد نرجع بعد ذلك إلى حقوق الإخلاق والحرّيّة. وقد رأيتك حين مررت بي على حال كرهتها منك، وما عرفتك حتى خبّرني عنك بعض من كان معي وقال: ينبغي أن يكون قد نزعت بك حاجة.
__________
[1] الحوار: ولد الناقة. «القاموس: حور» .
(3/215)

فإن شئت فأقم بمكانك شهرا أو شهرين، فعسى أن نبعث إليك ببعض ما يكفيك زمنا من دهرك. وإن اشتهيت الرّجوع فهذه ثلاثون مثقالا، فخذها وانصرف، وأنت أحقّ من عذر.
قال: فهجم والله عليّ أمر كاد ينقضني. أما واحدة: فأنّي لم أكن ملكت قبل ذلك ثلاثين دينارا في جميع دهري. والثّانية: أنّه لم يطلع مقامي وغيبتي عن وطني، وعن أصحابي الذين هم على حال أشكل بي وأفهم عنّي. والثّالثة: ما بيّن لي من أنّ الطيرة باطل؛ وذلك أنّه قد تتابع عليّ منها ضروب، والواحدة منها كانت عندهم معطبة.
قال: وعلى مثل ذلك الاشتقاق يعمل الذين يعبّرون الرّؤيا.
868-[ضروب من العجب في غربان البصرة]
وبالبصرة من شأن الغربان ضروب من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات [1] : لكان عندهم من أجود الطّلّسم. وذلك أنّ الغربان تقطع إلينا في الخريف، فترى النّخل وبعضها مصرومة [2] ، وعلى كلّ نخلة عدد كثير من الغربان، وليس منها شيء يقرب نخلة واحدة من النّخل الذي لم يصرم، ولو لم يبق عليها إلا عذق واحد. وإنّما أو كار جميع الطير المصوّت في أقلاب تلك النّخل، والغراب أطير وأقوى منها ثم لا يجترئ أن يسقط على نخلة منها، بعد أن يكون قد بقي عليها عذق واحد.
869-[منقار الغراب]
ومنقار الغراب معول، وهو شديد النّقر. وإنّه ليصل إلى الكمأة المندفنة في الأرض بنقرة واحدة حتى يشخصها. ولهو أبصر بمواضع الكمأة من أعرابيّ يطلبها في منبت الإجردّ [3] والقصيص [4] ، في يوم له شمس حارّة. وإن الأعرابيّ ليحتاج إلى أن
__________
[1] الشامات: بلاد الشام.
[2] صرم: قطع «القاموس: صرم» .
[3] الإجرد: نبت يدل على الكمأة، واحدته إجردّة، وقال النضر: الإجرد: بقل، يقال: له حب كأنه الفلفل. «اللسان: جرد» .
[4] القصيص: جمع قصيصة، وهي شجرة تنبت في أصلها الكمأة، وقد يجعل غسلا للرأس.
«اللسان: قصص» .
(3/216)

يرى ما فوقها من الأرض فيه بعض الانتفاخ والانصداع، وما يحتاج الغراب إلى دليل.
وقال أبو دؤاد الإياديّ [1] : [من البسيط]
تنفي الحصى صعدا شرقي منسمها ... نفي الغراب بأعلى أنفه الغردا
ولو أنّ الله عزّ وجلّ أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها الثّمرة لذهبت، وفي ذلك الوقت لو أنّ إنسانا نقر العذق نقرة واحدة لا نتثر عامّة ما فيه، ولهلكت غلّات الناس. ولكنّك ترى منها على كلّ نخلة مصرومة الغربان الكثيرة، ولا ترى على التي تليها غرابا واحدا، حتى إذا صرموا ما عليها تسابقن إلى ما سقط من التمر في جوف الليف وأصول الكرب [2] لتستخرجه كما يستخرج المنتاخ [3] الشّوك.
870-[حوار في نفور الغربان من النخل]
فإن قال قائل: إنما أشباح تلك الأعذاق المدلّاة كالخرق السّود التي تفزع الطير أن يقع على البزور، وكالقودام السّود تغرز في أسنمة ذوات الدبر من الإبل، لكيلا تسقط عليها الغربان. فكأنها إذا رأت سواد الأعذاق فزعت كما يفزع الطير من الخرق السّود.
قال الآخر: قد نجد جميع الطير الذمي يفزع بالخرق السّود فلا يسقط على البزور، يقع كله على النخل وعليه الحمل، وهل لعامّة الطيّر وكور إلا في أقلاب النّخل ذوات الحمل.
قال الآخر: يشبه أن تكون الغربان قطعت إلينا من مواضع ليس فيها نخل ولا أعذاق، وهذا الطير الذي يفزع بالخرق السّود إنّما خلقت ونشأت في المواضع التي لم تزل ترى فيها النّخيل والأعذاق. ولا نعرف لذلك علة سوى هذا.
قال الآخر: وكيف يكون الشأن كذلك ومن الغربان غربان أوابد بالعراق فلا تبرح تعشّش في رؤوس النّخل، وتبيض وتفرخ، إلّا أنّها لا تقرب النّخلة التي يكون عليها الحمل.
__________
[1] ديوان أبي دؤاد 308.
[2] الكرب: أصول السعف الغلاظ العراض التي تيبس فتصير مثل الكتف؛ واحدتها كربة. «اللسان:
كرب» .
[3] المنتاخ: المنقاش، والنتخ: إخراج الشوك بالمنتاخ. «اللسان: نتخ» .
(3/217)

والدّليل على أنها تعشش في نخل البصرة، وفي رؤوس أشجار البادية قول الأصمعيّ: [من المتقارب]
ومن زردك مثل مكن الضّباب ... يناوح عيدانه السيمكان [1]
ومن شكر فيه عشّ الغراب ... ومن جيسران وبنداذجان [2]
وقال أبو محمد الفقعسيّ [3] ، وهو يصف فحل هجمة [4] : [من الرجز]
يتبعها عدبّس جرائض ... أكلف مربدّ هصور هائض [5]
بحيث يعتش الغراب البائض
871-[التطير والتفاؤل من الطير والنبات]
والعامّة تتطيّر من الغراب إذا صاح صيحة واحدة، فإذا ثنّى تفاءلت به.
والبوم عند أهل الرّيّ وأهل مرو يتفاءل به، وأهل البصرة يتطيرون منه. والعربيّ يتطير من الخلاف، والفارسي يتفاءل إليه، لأنّ اسمه بالفارسية «باذامك» أي يبقى، وبالعربية خلاف، والخلاف غير الوفاق.
والريحان يتفاءل به، لأنه مشتقّ من الرّوح، ويتطيرّ منه لأن طعمه مرّ، وإن كان في العين والأنف مقبولا.
وقال شاعر من المحدثين [6] : [من الكامل]
أهدى له أحبابه أترجّة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
__________
[1] الزردك: الجزر، وهي كلمة فارسية. الضباب: جمع ضب. المكن: البيض.
[2] شكر النخل: كثرت فراخه، وشكير النخيل: هو الخوص الذي حول السعف، «اللسان: شكر» .
الجيسران: جنس من أفخر النخل؛ معرب «عيون الأخبار 3/297» .
[3] الرجز لأبي محمد الفقعسي في اللسان (بيض، جرض) ، والتاج (عشش، جرض) ، وكتاب الجيم 1/239، وبلا نسبة في اللسان (عشش) ، والتاج (بيض) ، والعين 1/69، والمقاييس 4/46، والمخصص 8/125، 16/127.
[4] الهجمة: من الإبل أولها أربعون إلى ما زادت، أو ما بين السبعين إلى المائة؛ أو إلى دوينها «القاموس: هجم» .
[5] جمل عدبس: شديد؛ وثيق الخلق؛ عظيم. «اللسان: عدبس» . الجرائض: الجمل الذي يحطم كل شيء بأنيابه. «اللسان: جرض» . المربد: الذي لونه بين السواد والغبرة. «اللسان: ربد» . الهصور:
الذي يأخذ طرف العود ويثنيه؛ وقيل للأسد هصور، لأنه يكسر ويميل. «اللسان: هصر» . هاض:
كسر «اللسان: هيض» .
[6] البيتان للعباس بن الأحنف في زهر الآداب 1017، ونهاية الأرب 11/83.
(3/218)

متطيّرا ممّا أتاه، فطعمه ... لونان باطنه خلاف الظّاهر
والفرس تحبّ الآس [1] وتكره الورد، لأن الورد لا يدوم، والآس دائم.
قال: وإذا صاح الغراب مرتين فهو شرّ، وإذا صاح ثلاث مرّات فهو خير، على قدر عدد الحروف.
872-[عداوة الحمار للغراب]
ويقال: إنّ بين الغراب والحمار عداوة. كذا قال صاحب المنطق.
وأنشدني بعض النحويّين [2] : [من الرجز]
عاديتنا لا زلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب
873-[أمثال في الغراب]
ويقال: «أصحّ من غراب» . وأنشد ابن أبي كريمة لبعضهم، وهو يهجو صريع الغواني مسلم بن الوليد: [من الوافر]
فما ريح السّذاب أشدّ بغضا ... إلى الحيّات منك إلى الغواني [3]
وأنشد: [من الوافر]
وأصلب هامة من ذي حيود ... ودون صداعه حمّى الغراب [4]
وزعم لي داهية من دهاة العرب الحوّائين، أنّ الأفاعي وأجناس الأحناش، تأتي أصول الشّيح والحرمل، تستظل به، وتستريح إليه.
ويقال: «أغرب من غراب» . وأنشد قول مضرّس بن لقيط: [من الطويل]
كأني وأصحابي وكرّي عليهم ... على كلّ حال من نشاط ومن سأم
غراب من الغربان أيّام قرّة ... رأين لحاما بالعراص على وضم [5]
874-[حديث الطيرة]
وقد اعترض قوم علينا في الحديث الذي جاء في تفرقة ما بين الطيرة والفأل،
__________
[1] الآس: ضرب من الرياحين، وهو شجرة ورقها عطر «اللسان: أوس» .
[2] تقدم البيت في الفقرة (285) ، ص 281.
[3] البيت بلا نسبة في ربيع الأبرار 1/277.
[4] الحيود: ما شخص من نواحي الرأس. «القاموس: حيد» .
[5] الوضم: ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب أو حصير، والجمع: أوضام. «القاموس: وضم» .
(3/219)

وزعموا أنّه ليس لقوله: «كان يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة» [1] معنى. وقالوا:
إن كان ليس لقول القائل: يا هالك، وأنت باغ، وجه ولا تحقيق، فكذلك إذا قال: يا واجد، ليس له تحقيق، وليس قوله يا مضلّ ويا مهلك، أحقّ بأن يكون لا يوجب ضلالا ولا هلاكا من قوله يا واجد، ويا ظافر، من ألّا يكون يوجب ظفرا ولا وجودا.
فإمّا أنّ يكونا جميعا يوجبان، وإما أن يكونا جميعا لا يوجبان. قيل لهم: ليس التأويل ما إليه ذهبتم. لو أن النّاس أمّلوا فائدة الله عزّ وجلّ ورجوا عائدته، عند كلّ سبب ضعيف وقويّ، لكانوا على خير. ولو غلطوا في جهة الرّجاء لكان لهم بنفس ذلك الرّجاء خير. ولو أنهم بدل ذلك قطعوا أملهم ورجاءهم من الله تعالى، لكان ذلك من الشرّ والفأل، أن يسمع كلمة في نفسها مستحسنة. ثمّ إن أحبّ بعد ذلك أو عند ذلك أنّ يحدث طمعا فيما عند الله تعالى، كان نفس الطمع خلاف اليأس.
وإنما خبّر أنّه كان يعجبه. وهذا إخبار عن الفطرة كيف هي، وعن الطبيعة إلى أيّ شيء تتقلب.
وقد قيل لبعض الفقهاء [2] : ما الفأل؟ قال: أن تسمع وأنت مضلّ: يا واجد، وأنت خائف: يا سالم. ولم يقل إنّ الفأل يوجب لنفسه السلامة. ولكنّهم يحبّون له إخراج اليأس وسوء الظن وتوقّع البلاء من قلبه على كل حال- وحال الطيرة حال من تلك الحالات- ويحبون أن يكون لله راجيا، وأن يكون حسن الظن. فإن ظنّ أن ذلك المرجوّ يوافق بتلك الكلمة ففرح بذلك فلا بأس.
875-[تطير بعض البصريين]
وقال الأصمعيّ [3] : هرب بعض البصريين من بعض الطّواعين، فركب ومضى بأهله نحو سفوان، فسمع غلاما له أسود يحدو خلفه، وهو يقول: [من الرجز]
لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعة مطّار [4]
أو يأتي الحين على مقدار ... قد يصبح الله أمام السّاري
فلما سمع ذلك رجع بهم.
__________
[1] في النهاية 3/405 (أنه كان يتفاءل ولا يتطير) .
[2] هو ابن عون، كما في عيون الأخبار 1/146.
[3] الخبر مع الشعر في زهر الآداب 1066، والبيان 3/278، وعيون الأخبار 1/144، ومحاضرات الأدباء 2/225. وأمالي المرتضى 4/112.
[4] المطار: السريع الجري.
(3/220)

876-[معرفة في الغربان]
قال: والغربان تسقط في الصحارى تلتمس الطّعم، ولا تزال كذلك، فإذا وجبت [1] الشمس نهضت إلى أو كارها معا. وما أقلّ ما تختلط البقع بالسّود المصمتة.
877-[الأنواع الغريبة من الغربان]
قال: ومنها أجناس كثيرة عظام كأمثال الحداء السّود، ومنها صغار. وفي مناقيرها اختلاف في الألوان والصور. ومنها غربان تحكي كلّ شيء سمعته، حتى إنها في ذلك أعجب من الببغاء. وما أكثر ما يتخلّف منها عندنا بالبصرة في الصيف، فإذا جاء القيظ قلّت. وأكثر المتخلّفات منها البقع. فإذا جاء الخريف رجعت إلى البساتين، لتنال مما يسقط من التمر في كرب النّخل وفي الأرض، ولا تقرب النّخلة إذا كان عليها عذق واحد، وأكثر هذه الغربان سود، ولا تكاد ترى فيهنّ أبقع.
878-[قبح فرخ الغراب]
وقال الأصمعيّ: قال خلف: لم أر قطّ أقبح من فرخ الغراب! رأيته مرّة فإذا هو صغير الجسم، عظيم الرأس، عظيم المنقار، أجرد أسود الجلد، ساقط النفس، متفاوت الأعضاء.
879-[غربان البصرة]
قال: وبعضها يقيم عندنا في القيظ. فأمّا في الصّيف فكثير. وأمّا في الخريف فالدّهم. وأكثر ما تراه في أعالي سطوحنا في القيظ والصيف البقع. وأكثر ما تراه في الخريف في النخل وفي الشتاء في البيوت السّود.
وفي جبل تكريت [2] في تلك الأيّام، غربان سود كأمثال الحداء السّود عظما.
880-[تسافد الغربان]
وناس يزعمون أنّ تسافدها على غير تسافد الطير، وأنّها تزاقّ بالمناقير، وتلقح من هناك.
__________
[1] وجبت الشمس: سقطت للمغيب. «اللسان: وجب» .
[2] تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد والموصل. معجم البلدان 2/38.
(3/221)

881-[نوادر وأشعار]
نذكر شيئا من نوادر وأشعار وشيئا من أحاديث، من حارّها وباردها.
قال ابن نجيم: كان ابن ميّادة يستحسن هذا البيت لأرطأة بن سهيّة [1] : [من الطويل]
فقلت لها يا أمّ بيضاء إنّه ... هريق شبابي واستشنّ أديمي
صار شنّا.
وكان الأصمعي يستحسن قول الطرمّاح بن حكيم، في صفة الظّليم [2] : [من الكامل]
مجتاب شملة برجد لسراته ... قدرا وأسلم ما سواه البرجد [3]
ويستحسن قوله في صفة الثّور [4] : [من الكامل]
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وكان أبو نواس يستحسن قول الطّرماح [5] : [من الطويل]
إذا قبضت نفس الطّرماح أخلقت ... عرى المجد واسترخى عنان القصائد
وقال كثير [6] : [من الطويل]
إذا المال يوجب عليك عطاؤه ... صنيعة برّ أو خليل توامقه
منعت وبعض المنع حزم وقوّة ... فلم يفتلتك المال إلّا حقائقه
وقال سهل بن هارون؛ يمدح يحيى بن خالد [7] : [من الطويل]
عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما
__________
[1] البيت لأرطأة بن سهية في العمدة 1/274، ولأبي حية النميري في ديوانه 194، واللسان والتاج (شنن) ، وللطرماح في ديوانه 319.
[2] ديوان الطرماح 144 (114) ، والمعاني الكبير 328، وربيع الأبرار 5/453.
[3] في ديوانه: (مجتاب: لابس. البرجد: كساء ضخم مخطط فيه سواد وبياض، شبّه ريش الظليم به) .
[4] ديوان الطرماح 146 (117) ، وأساس البلاغة (ضمر) ، وديوان المعاني 2/131، والأغاني 6/95، والعمدة 1/260.
[5] ذيل ديوان الطرماح 311، والبيان 1/46.
[6] ديوان كثير 309، واللسان والتاج (فلذ) ، وأمالي المرتضى 2/261، وبلا نسبة في أساس البلاغة (فلذ) ، وديوان الأدب 2/400.
[7] البيت له في البيان 3/352، والبخلاء 14، وزهر الآداب 616، ولكثير في العقد الفريد 6/192.
(3/222)

قال: وكان ربعيّ بن الجارود يستحسن قوله: [من الوافر]
فخير منك من لا خير فيه ... وخير من زيارتك القعود
وقال الأعشى [1] : [من البسيط]
قد نطعن العير في مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
لا تنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل
وقال العلاء بن الجارود [2] : [من مجزوء الرمل]
أظهروا للنّاس نسكا ... وعلى المنقوش داروا
وله صاموا وصلّوا ... وله حجّوا وزاروا
وله قاموا وقالوا ... وله حلّوا وساروا
لو غدا فوق الثريّا ... ولهم ريش لطاروا
وقال الآخر في مثل ذلك [3] : [من الكامل]
شمر ثيابك واستعدّ لقابل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم
وامش الدّبيب إذا مشيت لحاجة ... حتى تصيب وديعة ليتيم
وقال أبو الحسن: كان يقال: «من رقّ وجهه رقّ علمه» .
وقال عمر: «تفقّهوا قبل أن تسودوا» [4] .
وقال الأصمعي: «وصلت بالعلم، وكسبت بالملح» [5] .
ومن الأشعار الطيبة قول الشاعر في السمك والخادم [6] : [من الخفيف]
مقبل مدبر خفيف ذفيف ... دسم الثّوب قد شوى سمكات
__________
[1] ديوان الأعشى 113، والأول في اللسان والتاج (شيط، فيل) ، وأساس البلاغة (شيط) ، وشرح المفصل 5/64، والثاني في اللسان (دنا) ، والخزانة 9/453، 10/170، والمقاصد النحوية 3/291، وعمدة الحفاظ وأساس البلاغة (فتل) ، وبلا نسبة في الخصائص 2/386، والمقتضب 4/141.
[2] الأبيات لمحمود الوراق في العقد الفريد 2/141، 4/337.
[3] البيتان لمساور الوراق في الأغاني 18/150، والبيان 3/105، والعقد 3/216، 6/366.
[4] ورد قول عمر بن الخطاب في النهاية 2/418.
[5] ورد قول الأصمعي في البيان 1/199، 243.
[6] البيتان بلا نسبة في اللسان والتاج (شبط) .
(3/223)

من شبابيط لجة ذات غمر ... حدب من شحومها زهمات [1]
ففكّر فيهما فإنّهما سيمتعانك ساعة.
وقال الشاعر [2] : [من الكامل]
إن أجز علقمة بن سيف سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد
لأحبّني حبّ الصبيّ ورمّني ... رمّ الهديّ إلى الغنيّ الواجد
ولقد شفيت غليلتي ونقعتها ... من آل مسعود بماء بارد
وقال رجل من جرم [3] : [من الطويل]
نبئت أخوالي أرادوا عمومتي ... بشنعاء فيها ثامل السّمّ منقعا
سأركبها فيكم وأدعى مفرّقا ... وإن شئتم من بعد كنت مجمّعا
882-[أحاديث مستحسنة]
وقال يونس بن حبيب: ما أكلت في شتاء شيئا قطّ إلّا وقد برد، ولا أكلت في صيف شيئا إلّا وقد سخن.
وقال أبو عمرو المدينيّ: لو كانت البلايا بالحصص، ما نالني كما نالني:
اختلفت الجارية بالشاة إلى التّيّاس اختلافا كثيرا، فرجعت الجارية حاملا والشاة حائلا.
وقال جعفر بن سعيد [4] : الخلاف موكّل بكلّ شيء يكون، حتى القذاة في الماء في رأس الكوز، فإن أردت أن تشرب الماء جاءت إلى فيك، وإن أردت أن تصبّ من رأس الكوز لتخرج رجعت.
883-[حديث أبي عمران وإسماعيل بن غزوان]
وقال إسماعيل بن غزوان: بكرت اليوم إلى أبي عمران، فلزمت الجادّة،
__________
[1] زهمات: سمينات «اللسان: زهم» .
[2] الأبيات للمرناق الطائي في معجم الشعراء 446، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1590، وبلا نسبة في البيان 3/233، والبيت الثاني لفدكي بن أعبد في اللسان والتاج (لمم) .
[3] البيتان لقيس بن رفاعة في الوحشيات 60، ومعجم الشعراء 197، والأشباه والنظائر للخالديين 1/123.
[4] الخبر في ثمار القلوب 494 (880) ، وربيع الأبرار 1/230.
(3/224)

فاستقبلني واحد فلزم الجادّة التي أنا عليها، فلما غشيني انحرفت عنه يمنة فانحرف معي، فعدت إلى سمتي فعاد، فعدت فعاد ثمّ عدت فعاد. فلولا أنّ صاحب برذون فرّق بيننا لكان إلى الساعة يكدّني. فدخلت على أبي عمران فدعا بغدائه، فأهويت بلقمتي إلى الصّباغ فأهوى إليه بعضهم، فنحّيت يدي فنحّى يده، ثمّ عدت فعاد، ثمّ نحيت فنحّى، فقلت لأبي عمران: ألا ترى ما نحن فيه؟ قال سأحدّثك بأعجب من هذا، أنا منذ أكثر من سنة أشفق أن يراني ابن أبي عون الخياط، فلم يتّفق لي أن يراني مرّة واحدة، فلما أن كان أمس ذكرت لأبي الحارث الصّنع في السلامة من رؤيته، فاستقبلني أمس أربع مرّات!
884-[نوادر من الكلام البليغ]
وذكر محمّد بن سلام، عن محمّد بن القاسم قال: قال جرير: أنّا لا أبتدي ولكنّي أعتدي [1] .
وقال أبو عبيدة: قال الحجّاج: أنا حديد حقود حسود! [2] قال: وقال قديد بن منيع، لجديع بن عليّ: لك حكم الصبيّ على أهله! [3] وقال أبو إسحاق- وذكر إنسانا [4]-: هو والله أترف من ربيب ملك [5] ، وأخرق من امرأة [6] ، وأظلم من صبي [7] .
وقال لي أبو عبيدة: ما ينبغي أن يكون كان في الدنيا مثل هذا النّظام. قلت:
وكيف؟ قال: مرّ بي يوما فقلت: والله لأمتحننّه، ولأسمعنّ كلامه؛ فقلت له: ما عيب الزّجاج- قال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر- من غير أن يكون فكّر أو ارتدع!
__________
[1] البيان 3/165.
[2] البيان 3/255.
[3] ثمار القلوب 538 (949) .
[4] انظر البيان 1/247، ورسائل الجاحظ 1/196.
[5] الدرة الفاخرة 2/445، والمثل برواية: (أترف من ربيب نعمة) في مجمع الأمثال 1/150، والدرة الفاخرة 1/97، والمستقصى 1/34، وجمهرة الأمثال 1/286.
[6] المثل برواية (أخرق من أمة) ، وبرواية (أخرق من صبي) في المستقصى 1/99، وجمهرة الأمثال 1/431.
[7] مجمع الأمثال 1/446، والمستقصى 1/234، وجمهرة الأمثال 2/27، والدرة الفاخرة 1/293.
(3/225)

قال: وقال جبّار بن سلمى بن مالك- وذكر عامر بن الطفيل فقال [1] : كان لا يضل حتّى يضلّ النّجم، ولا يعطش حتّى يعطش البعير ولا يهاب حتّى يهاب السيل، كان والله خير ما يكون حين لا تظنّ نفس بنفس خيرا.
وقال ابن الأعرابيّ: قال أعرابي [2] : اللهمّ لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء! يقول: يدعوني قلّته إلى منعه.
وقال محمّد بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس: إنّ الأحنف كان يكره الصّلاة في المقصورة، فقال له بعض القوم: يا أبا بحر، لم لا تصلي في المقصورة؟ قال: وأنت لم لا تصلّي فيها؟ قال: لا أترك.
وهذا الكلام يدل على ضروب من الخير كثيرة.
ودخل عبد الله بن الحسن على هشام في ثياب سفره، فقال: اذكر حوائجك.
فقال عبد الله: ركابي مناخة، وعليّ ثياب سفري! فقال: إنّك لا تجدني خيرا منّي لك الساعة.
قال أبو عبيدة [3] : بلغ عمر بن عبد العزيز قدوم عبد الله بن الحسن، فأرسل إليه: إني أخاف عليك طواعين الشام، وإنّك لا تغنم أهلك خيرا لهم منك فالحق بهم، فإنّ حوائجهم ستسبقك.
وكان ظاهر ما يكلّمونه به ويرونه إيّاه جميلا مذكورا، وكان معناهم الكراهة لمقامه بالشام، وكانوا يرون جماله، ويعرفون بيانه وكماله فكان ذلك العمل من أجود التدبير فيه عند نفسه.
885-[شعر في الزهد والحكمة]
وأنشد: [من الطويل]
تليح من الموت الذي هو واقع ... وللموت باب أنت لا بدّ داخله [4]
وقال آخر: [من الوافر]
أكلكم أقام على عجوز ... عشنزرة مقلّدة سخابا [5]
__________
[1] البيان 1/54، والأغاني 17/61.
[2] البيان 1/405، 2/283، 3/269.
[3] ثمار القلوب 435 (789) .
[4] تليح: تخاف «القاموس: ليح» . وانظر مجالس ثعلب 349.
[5] العشنزرة: الشديدة الخلق العظيمة من كل شيء. «القاموس: عشنزر» . السّخاب: القلادة من سكّ وقرنفل ومحلب بلا جوهر. «القاموس: سخب» .
(3/226)

وقال آخر [1] : [من البسيط]
الموت باب وكل الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدّار
لو كنت أعلم من يدري فيخبرني ... أجنّة الخلد مأوانا أم النّار
وقال آخر [2] : [من الكامل]
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
فإذا ذكرت مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبيّ محمد
وقال آخر: [من مجزوء الكامل]
والشمس تنعى ساكن ال ... دّنيا ويسعدها القمر
أين الذين عليهم ... ركم الجنادل والمدر
أفناهم غلس العشا ... ء يهزّ أجنحة السّحر
ما للقلوب رقيقة ... وكأنّ قلبك من حجر
ولقلّما تبقى وعو ... دك كلّ يوم يهتصر
وقال زهير [3] : [من الطويل]
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البرّ لا يتجمجم
ومن يغترب يحسب عدوّا صديقه ... ومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على النّاس تعلم
ومن لا يزل يسترحل النّاس نفسه ... ولا يعفها يوما من الذّمّ يندم
وقال زهير أيضا [4] : [من البسيط]
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
__________
[1] البيتان لأبي العتاهية في ديوانه 141، والبيت الأول في الأغاني 21/305 تمثل به الحسن البصري.
[2] البيتان لأبي العتاهية في ديوانه 110- 111.
[3] الأبيات من معلقته في ديوانه 36- 37، والأول في اللسان (جمم، فضا) ، والتاج (كشح، كنن) ، والثاني في اللمع 215، وعجزه لأبي المثلم الهذلي في اللسان (كرم) ، والثالث في الدرر 4/184، 5/82، وشرح شواهد المغني 386، 738، 743، وبلا نسبة في الهمع 2/35، 58، ومغني اللبيب 330، والرابع في اللسان والتاج (رحل) ، والتهذيب 5/8.
[4] ديوان زهير 51، وعيون الأخبار 1/190، واللسان (وصل) ، والتهذيب 1/253، والعين 5/168، والمقاييس 4/160، وبلا نسبة في اللسان (عنق) .
(3/227)

وقال [1] : [من الوافر]
وجار البيت والرّجل المنادي ... أمام الحيّ عقدهما سواء [2]
جوار شاهد عدل عليكم ... وسيّان الكفالة والتّلاء [3]
فإن الحقّ مقطعه ثلاث: ... يمين، أو نفار، أو جلاء
فتفهّم هذه الأقسام الثلاثة، كيف فصّلها هذا الأعرابيّ! وقال أيضا [4] : [من الطويل]
فلو كان حمد يخلد النّاس لم تمت ... ولكنّ حمد المرء ليس بمخلد
ولكنّ منه باقيات وراثة ... فأورث بنيك بعضها وتزوّد
تزوّد إلى يوم الممات فإنّه ... وإن كرهته النّفس آخر معهد
وقال الأسديّ [5] : [من الطويل]
فإني أحبّ الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم
وقال الحادرة [6] : [من الطويل]
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بإحساننا إنّ الثّناء هو الخلد
وقال الغنوي [7] : [من الكامل]
فإذا بلغتم أهلكم فتحدّثوا ... ومن الحديث مهالك وخلود
__________
[1] الأبيات من القصيدة الثالثة في ديوانه، وترتيب الأبيات فيه (56، 45، 42) وهي في الصفحات 70، 67، 66، والبيت الثاني في اللسان والتاج (تلا) ، وأساس البلاغة (تلو) ، والتهذيب 14/318، وبلا نسبة في المخصص 6/84، والثالث في اللسان والتاج (نفر، قطع، جلا) ، والتهذيب 1/194، 11/185، والمخصص 12/200، 16/29، والعين 1/138، 8/268، وعيون الأخبار 1/67.
[2] في ديوانه: (المنادي: المجالس، من النادي والندي) .
[3] في ديوانه: (التلاء: الحوالة، قال أبو عبيدة: التلاء: أن يكتب على سهم أو قدح فلان جار فلان، يقال أتله سهما. وقد أتليته ذمة أي: أعطيته ذمة.
[4] البيتان (1- 2) في ديوانه 170، والثالث فيه 164، والأول في شرح شواهد المغني 2/642، والدرر 5/101، وبلا نسبة في الهمع 2/66، ومغني اللبيب 1/256، والثالث في اللسان (بضع) ، والتاج (غفر، بضع) ، وأساس البلاغة (غفر) .
[5] البيت في البيان 3/320، ورسائل الجاحظ 1/304.
[6] ديوان الحادرة 73، والبيان 1/320، والوساطة 340، وبلا نسبة في رسائل الجاحظ 1/304، وعيون الأخبار 1/161.
[7] البيت للغنوي في رسائل الجاحظ 1/304، وعيون الأخبار 1/161، ولأبي بن هريم في ديوان الحادرة 73.
(3/228)

وقال آخر [1] : [من الطويل]
فقتلا بتقتيل وعقرا بعقركم ... جزاء العطاس لا يموت من اتّأر
وقال زهير [2] : [من المنسرح]
والإثم من شرّ ما تصول به ... والبرّ كالغيث نبته أمر [3]
أي كثير. ولو شاء أن يقول:
والبرّ كالماء نبته أمر
استقام الشعر، ولكن كان لا يكون له معنى، وإنّما أراد أن النبات يكون على الغيث أجود. ثمّ قال [4] : [من المنسرح]
قد أشهد الشّارب المعذّل لا ... معروفه منكر ولا حصر [5]
في فتية ليّني المآزر لا ... ينسون أحلامهم إذا سكروا [6]
يشوون للضّيف والعفاة ويو ... فون قضاء إذا هم نذروا [7]
يمدح كما ترى أهل الجاهليّة بالوفاء بالنّذور أنشدني حبّان بن عتبان، عن أبي عبيدة، من الشّوارد التي لا أرباب لها، قوله [8] : [من مجزوء الكامل]
إن يغدروا أو يفجروا ... أو يبخلوا لم يحفلوا
يغدوا عليك مرجّلي ... ن كأنّهم لم يفعلوا
كأبي براقش كلّ يو ... م لونه يتخيّل
__________
[1] البيت للمهلهل في البيان 3/320، والتهذيب 11/145، وبلا نسبة في المقاييس 4/79، ورسائل الجاحظ 1/304.
[2] ديوان زهير 230، وأمالي القالي 1/103.
[3] في ديوانه: (أمر: كثير يزداد) .
[4] انظر الحاشية قبل السابقة.
[5] في ديوانه: (المعذل: الملوّم. حصر: ضيّق) .
[6] في ديوانه: (ليّني: أي أنهم ملوك، ليست ثيابهم بغلاظ جافية، لا ينسون أحلامهم: أراد أنهم حلماء لا يجهلون ولا يسفهون) .
[7] في ديوانه: (العفاة: الذين يأتونه ويطلبون ما عنده) .
[8] الأبيات لبعض بني أسد في الخزانة 9/91، والكتاب 3/87، وشرح المفصل 1/36، واللسان والتاج (برقش) ، وبلا نسبة في رسائل الجاحظ 2/338، والبيان 3/333، وعيون الأخبار 2/29، وديوان المعاني 1/182، وذيل الأمالي 83، وثمار القلوب (394) ، وشرح أبيات سيبويه 2/206، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 515، والثالث في أساس البلاغة (برقش، خيل) ، والتنبيه والإيضاح 2/312.
(3/229)

وقال الصّلتان السعديّ، وهو غير الصّلتان العبديّ [1] : [من المتقارب]
أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كرّ الغداة ومرّ العشي
إذا ليلة هرّمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي
إذا قلت يوما لدى معشر ... أروني السّريّ أروك الغني
ألم تر لقمان أوصى بني ... هـ وأوصيت عمرا فنعم الوصي
وسرّك ما كان عند امرئ ... وسرّ الثّلاثة غير الخفي
أنشدني محمّد بن زياد الأعرابيّ: [من الطويل]
ولا تلبث الأطماع من ليس عنده ... من الدّين شيء أن تميل به النّفس
ولا يلبث الدّحس الإهاب تحوزه ... بجمعك أن ينهاه عن غيرك الترس [2]
وأنشدني أبو زيد النحويّ لبعض القدماء [3] : [من الطويل]
ومهما يكن ريب المنون فإنّني ... أرى قمر اللّيل المعذّر كالفتى
يعود ضئيلا ثم يرجع دائبا ... ويعظم حتّى قيل قد ثاب واستوى
كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى
وقال أبو النّجم [4] : [من الرجز]
ميّز عنه قنزعا من قنزع ... مرّ اللّيالي أبطئي وأسرعي
أفناه قيل الله للشّمس اطلعي ... ثمّ إذا واراك أفق فارجعي
وقال عمرو بن هند [5] : [من الطويل]
وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحيّ في طرّة البرد
__________
[1] الأبيات للصلتان العبدي وليست للسعدي كما صرح الجاحظ وهي في معجم الشعراء 49، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1210، وعيون الأخبار 3/132، والشعر والشعراء 316، والعقد الفريد 2/123، ومعاهد التنصيص 1/74، والسمط 532، 766.
[2] الدحس: الفساد. «القاموس: دحس» .
[3] الأبيات لحسان السعدي في نوادر أبي زيد 111- 112، ولحنظلة بن أبي عفراء الطائي في معجم البلدان 2/506 (دير حنظلة) ، ولبعض شعراء طيء في أمالي المرتضى 2/76.
[4] ديوان أبي النجم 133، واللسان (قرن، قنزع) ، وبلا نسبة في التهذيب 9/94، والمخصص 1/71، والجمهرة 815، 1154، وخلق الإنسان 75.
[5] البيتان لعمرو بن عبد هند في البيان 3/34، ولعبد هند بن زيد التغلبي في الوحشيات 19.
(3/230)

يعلّل والأيّام تنقص عمره ... كما تنقص النّيران من طرف الزّند
وقال ابن ميّادة [1] : [من البسيط]
هل ينطق الرّبع بالعلياء غيّره ... سافي الرّياح ومستنّ له طنب [2]
وقال أبو العتاهية [3] : [من الرجز]
أسرع في نقص امرئ تمامه
وقال [4] : [من الخفيف]
ولمرّ الفناء في كلّ شيء ... حركات كأنّهنّ سكون
وقال ابن ميّادة [5] : [من الطويل]
أشاقك بالقنع الغداة رسوم ... دوارس أدنى عهدهنّ قديم
يلحن وقد جرّمن عشرين حجّة ... كما لاح في ظهر البنان وشوم
وقال آخر [6] : [من البسيط]
في مرفقيها إذا ما عونقت جمم ... على الضّجيع وفي أنيابها شنب [7]
وقال ابن ميّادة في جعفر ومحمد ابني سليمان، وهو يعني أمير المؤمنين المنصور [8] : [من الطويل]
وفى لكما يا ابني سليمان قاسم ... بجدّ النّهى إذ يقسم الخير قاسمه
فبيتكما بيت رفيع بناؤه ... متى يلق شيئا محدثا فهو هادمه
لكم كبش صدق شذّب الشّول عنكم ... وكسّر قرني كلّ كبش يصادمه [9]
__________
[1] ديوان ابن ميادة 57، والأغاني 2/304.
[2] في ديوانه: (استن المطر: أي انصب. الطنب: هو في الأصل حبل الخباء والسرادق، وهو هنا كناية عن غزارة المطر) .
[3] ديوان أبي العتاهية 636، وعيون الأخبار 2/322، والسمط 104، والرسالة الموضحة 109، والبيان 1/154، والأشباه والنظائر للخالديين 1/39، والعقد الفريد 3/58.
[4] ديوان أبي العتاهية 374.
[5] البيت لابن ميادة أو لمزاحم العقيلي في ديوان ابن ميادة 251، ولمزاحم في ديوانه 20، ومعجم البلدان 4/407 (قنع) ، والتاج (قنع) .
[6] البيت لابن ميادة في ديوانه 58، والأغاني 2/304.
[7] في ديوانه: (الجمم: كثرة اللحم. الشنب: رقة وعذوبة في الأسنان) .
[8] ديوان ابن ميادة 224- 225.
[9] في ديوانه: (شذب: طرد. الشول من الإبل: التي نقصت ألبانها) .
(3/231)

باب في من يهجى ويذكر بالشؤم
قال دعبل بن عليّ، في صالح الأفقم- وكان لا يصحب رجلا إلّا مات أو قتل، أو سقطت منزلته [1]-: [من الكامل]
قل للأمين أمين آل محمّد ... قول امرئ شفق عليه محام
إيّاك أن تغترّ عنك صنيعة ... في صالح بن عطيّة الحجّام
ليس الصّنائع عنده بصنائع ... لكنهنّ طوائل الإسلام
اضرب به نحر العدوّ فإنّه ... جيش من الطاعون والبرسام
وقال محمد بن عبد الله في محمد بن عائشة: [من مجزوء الرمل]
للهلاليّ قتيل ... أبدا في كلّ عام
قتل الفضل بن سهل ... وعليّ بن هشام
وعجيفا آخر القو ... م بأكناف الشآم
وغدا يطلب من يق ... تل بالسّيف الحسام
فأعاذ الله منه ... أحمدا خير الأنام
يعني أحمد بن أبي دؤاد.
وقال عيسى بن زينب في الصخري، وكان مشؤوما: [من السريع]
يا قوم من كان له والد ... يأكل ما جمّع من وفر
فإنّ عندي لابنه حيلة ... يموت إن أصحبه الصخري
كأنما في كفّه مبرد ... يبرد ما طال من العمر
887-[شعر في مديح وهجاء]
وقال الأعشى [2] : [من المتقارب]
فما إن على قلبه غمرة ... وما إن بعظم له من وهن
__________
[1] الأبيات في الأغاني 20/157، والأبيات قالها في صالح بن عطية الأضجم الذي كان من أقبح الناس وجها.
[2] ديوان الأعشى 69، وبلا نسبة في اللسان والتاج (وهن) ، والعين 4/92، والتهذيب 6/444.
(3/232)

وقال الكميت [1] : [من المنسرح]
ولم يقل عند زلّة لهم ... كرّوا المعاذير إنّما حسبوا
وقال آخر [2] : [من الطويل]
فلا تعذراني في الإساءة إنّه ... شرار الرّجال من يسيء فيعذر
وقال العتّابي [3] : [من الكامل]
رحل الرّجاء إليك مغتربا ... حشدت عليه نوائب الدّهر
ردّت عليك ندامتي أملي ... وثنى إليك عنانه شكري
وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذري
وقال أعشى بكر [4] : [من المنسرح]
قلّدتك الشّعر يا سلامة ذا ... الإفضال والشّيء حيث ما جعلا
والشّعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السّحابة السّبلا
لو كنت ماء عدّا جممت إذا ... ما ورد القوم لم تكن وشلا [5]
أنجب آباؤه الكرام به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا
استأثر الله بالبقاء وبالحم ... د وولّى الملامة الرّجلا
وقال الكذّاب الحرمازيّ لقومه، أو لغيرهم [6] : [من الرجز]
لو كنتم شاء لكنتم نقدا ... أو كنتم ماء لكنتم ثمدا [7]
أو كنتم قولا لكنتم فندا [8]
__________
[1] البيت في شرح القصائد الهاشميات 57 (ضمن كتاب الروضة المختارة) ، والبيان 1/198.
[2] البيت في أدب الدنيا والدين للماوردي 31، وتقدم في الفقرة 607.
[3] ديوان العتابي 72، وعيون الأخبار 1/100، وطبقات ابن المعتز 263.
[4] ديوان الأعشى 285.
[5] الوشل: القليل. «القاموس: وشل» .
[6] الرجز للّعين المنقري في الأزمنة والأمكنة 2/277، وبلا نسبة في التاج (غرد، قرد) ، والأضداد 405، والأشباه والنظائر للخالديين 2/164، ومجمع الأمثال 1/284، والمستقصى 1/131، والفاخر 30، والدرة الفاخرة 205، وجمهرة الأمثال 1/469، وثمار القلوب (568) .
[7] النقد: جنس من الغنم قبيح الشكل. «القاموس: نقد» . ثمد: ماء قليل. «القاموس: ثمد» .
[8] الفند: الكذب. «القاموس: فند» .
(3/233)

وقال الأعشى في الثياب [1] : [من الخفيف]
فعلى مثلها أزور بني قي ... س إذا شطّ بالحبيب الفراق
المهينين ما لهم في زمان السّ ... وء حتّى إذا أفاق أفاقوا
وإذا ذو الفضول ضنّ على المو ... لى وصارت لخيمها الأخلاق [2]
ومشى القوم بالعماد إلى الرّز ... حى وأعيا المسيم أين المساق [3]
أخذوا فضلهم هناك وقد تج ... ري على عرقها الكرام العتاق
وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجنّ التّلاع والآفاق
لم يزدهم سفاهة شرب الخم ... ر ولا اللهو فيهم والسّباق
واضعا في سراة نجران رحلي ... ناعما غير أنني مشتاق
في مطايا أربابهنّ عجال ... عن ثواء وهمّهنّ العراق
درمك غدوة لنا ونشيل ... وصبوح مباكر واغتباق [4]
وندامى بيض الوجوة كأنّ الشّ ... رب منهم مصاعب أفناق [5]
فيهم الخصب والسّماحة والنج ... دة جمعا والخاطب المسلاق [6]
وأبيّون لا يسامون ضيما ... ومكيثون والحلوم وثاق [7]
وترى مجلسا يغصّ به المح ... راب بالقوم والثّياب رقاق
وقال أيضا [8] في الثّياب: [من المتقارب]
أزور يزيد وعبد المسيح ... وقيسا هم خير أربابها
وكعبة نجران حتم علي ... ك حتّى تناخي بأبوابها
إذا الحبرات تلوّت بهم ... وجرّوا أسافل هدّابها
__________
[1] ديوان الأعشى 263- 265.
[2] الخيم: السجية «القاموس: خيم» .
[3] العماد: الأخبية. الرزحى: النوق الهزال. المسيم: راعي الإبل.
[4] الدرمك: الذي يدرمك حتى يكون دقاقا من كل شيء الدقيق والكحل وغيرهما. «اللسان:
درمك» . النشيل: ما نشل من لحم القدر بمائه. «اللسان: نشل» .
[5] الأفناق: جمع فنيق، وهو الفحل من الإبل. «اللسان: فنق» .
[6] الخطيب المسلاق: البليغ. «القاموس: سلق» .
[7] المكيث: الرزين. «القاموس: مكث» . الحلوم: العقول.
[8] ديوان الأعشى 223، والأول والثاني في التاج (نجر) .
(3/234)

وفي الثّياب يقول الآخر [1] : [من الطويل]
أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين ترجّي أو لأذن تسمّع
من النّفر البيض الذين إذا انتموا ... وهاب الرّجال حلقة الباب قعقعوا
جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدّهان رأسه فهو أنزع
إذا النّفر السّود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أجادوا وأوسعوا
وقال كثيّر [2] : [من الطويل]
يجرّر سربالا عليه كأنّه ... سبيّ هلال لم تفتق شرانقه
وقال الجعدي [3] : [من الوافر]
أتاني نصرهم وهم بعيد ... بلادهم بأرض الخيزران
يريد أرض الخصب والأغصان اللّيّنة.
وقال الشاعر [4] : [من البسيط]
في كفّه خيزران ريحها عبق ... بكفّ أروع في عرنينه شمم
لأن الملك لا يختصر إلّا بعود لدن ناعم. وقال آخر [5] : [من الطويل]
تجاوبها أخرى على خيزرانة ... يكاد يدنيها من الأرض لينها
وقال آخر [6] : [من الطويل]
نبتّم نبات الخيزرانيّ في الثرى ... حديثا، متى ما يأتك الخير ينفع
وقال المسيّب بن علس: [من الوافر]
قصار الهمّ إلّا في صديق ... كأنّ وطابهم موشى الضّباب [7]
__________
[1] الأبيات لأبي الربيس في الخزانة 6/78- 80، 83- 89، وبلا نسبة في البيان 1/396، 3/305، ورسائل الجاحظ 1/221، والبرصان 324، والبخلاء 232، والعقد الفريد 5/343، والكامل 1/105 (طبعة المعارف) ، الخزانة 6/156.
[2] البيت لكثير في ديوانه 308، واللسان وأساس البلاغة (سبي) ، والمعاني الكبير 673، والتاج (هلل) ، وللراعي النميري في ملحق ديوانه 308، والتاج (سبي) .
[3] ديوان النابغة الجعدي 165، واللسان والتاج (خزر) .
[4] تقدم البيت وتخريجه في الفقرة 624.
[5] البيت بلا نسبة في البيان 3/62.
[6] البيت للنجاشي الحارثي في ديوانه 110، والخزانة 11/387، 395، 397، والمقاصد النحوية 4/344، وبلا نسبة في الكتاب 3/515، والهمع 2/78.
[7] الوطاب: سقاء اللبن. «القاموس: وطب» . وشى الشيء: استخرجه برفق «القاموس: وشي» .
الضباب: جمع ضب.
(3/235)

888-[عين الرضا وعين السخط]
وقال المسيب بن علس [1] : [من الكامل]
تامت فؤادك إذ عرضت لها ... حسن برأي العين ما تمق [2]
وقال ابن أبي ربيعة [3] : [من الرمل]
حسن في كلّ عين من تود
وقال عبد الله بن معاوية [4] : [من الطويل]
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا
وقال روح أبو همّام [5] : [من الطويل]
وعين السّخط تبصر كلّ عيب ... وعين أخي الرّضا عن ذاك تعمى
889-[شعر وخبر]
وقال الفرزدق [6] : [من الطويل]
ألا خبّروني أيّها النّاس إنّما ... سألت ومن يسأل عن العلم يعلم
سؤال امرئ لم يغفل العلم صدره ... وما السائل الواعي الأحاديث كالعمي
وقيل لدغفل: أنّى لك هذا العلم؟ قال: لسان سؤول، وقلب عقول [7] وقال النابغة [8] : [من الطويل]
فآب مضلوه بعين جليّة ... وغودر بالجولان حزم ونائل [9]
__________
[1] البيت في الشعر والشعراء 84.
[2] تامت فؤادك: استعبدته. «القاموس: تيم» . تمق: تحب. «القاموس: ومق» .
[3] صدر البيت (فتضاحكن وقد قلن لها) ، وهو في ديوانه 321.
[4] ديوان عبد الله بن معاوية 90، وعيون الأخبار 3/11، 76، والحماسة البصرية 2/55، والحماسة المغربية 1241، والأغاني 12/214، 233، وثمار القلوب 327 (499) .
[5] البيت في تزيين الأسواق 30.
[6] ديوان الفرزدق 759.
[7] القول لدغفل في عيون الأخبار 2/118، وله أو لعبد الله بن عباس في البيان 1/84- 85.
[8] ديوان النابغة الذبياني 121، واللسان والتاج (ضلل، جلا) ، والتهذيب 11/187، 465، والجمهرة 1044، وبلا نسبة في الجمهرة 1077، والمقاييس 1/496، 3/356، والمجمل 3/277.
[9] في ديوانه: (بعين جلية: أي بخبر صادق أنه قد مات. وغودر بالجولان: أي دفن وترك. والجولان:
موضع بالشام. وقوله: «حزم ونائل» أي رجل ذو حزم. والنائل: العطاء) .
(3/236)

مضلوه: دافنوه، على حدّ قوله تعالى: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
[1] .
وقال المخبّل [2] : [من الطويل]
أضلّت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدّهر قيس بن عاصم
قوال زهير- أو غيره- في سنان بن أبي حارثة [3] : [من الكامل]
إن الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلّت
ولذلك زعم بعض النّاس أنّ سنان بن أبي حارثة خرف فذهب على وجهه، فلم يوجد [4] .
900-[من هام على وجهه فلم يوجد]
ويزعمون أنّ ثلاثة نفر هاموا على وجوههم فلم يوجدوا: طالب بن أبي طالب، وسنان بن أبي حارثة، ومرداس بن أبي عامر.
وقال جرير [5] : [من الطويل]
وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... عليّ من الفضل الذي لا يرى ليا
وقال امرؤ القيس [6] : [من الطويل]
وهل يعمن إلّا خليّ منعّم ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال [7]
وقال الأصمعي: هو كقولهم: «استراح من لا عقل له!» وقال ابن أبي ربيعة [8] : [من الطويل]
وأعجبها من عيشها ظلّ غرفة ... وريّان ملتفّ الحدائق أخضر
ووال كفاها كلّ شيء يهمّها ... فليست لشيء آخر اللّيل تسهر
__________
[1] 10/السجدة: 32.
[2] ديوان المخبل السعدي 318، واللسان والتاج وأساس البلاغة (ضلل) .
[3] ديوان زهير 248، والأغاني 10/299، وصدر البيت تناوله أكثر من شاعر منهم لبيد في ديوانه 155، وعجزه: (فقدان كل أخ كضوء الكوكب) ، ومنهم الفرزدق في ديوانه 1/161؛ وعجزة: (فقدان مثل محمد ومحمد) ، وهو بلا نسبة في الأزهية 286؛ وعجزة: (أخواي إذ قتلا بيوم واحد) .
[4] الأغاني 10/299، وفيه عدة روايات، وانظر رسائل الجاحظ 2/375.
[5] البيت لجرير في عيون الأخبار 3/18، وبهجة المجالس 709، والسمط 289، والموشح 308، ولسيار ابن هبيرة في ذيل الأمالي 74، ولعبد الله بن معاوية في ديوانه 87، وبلا نسبة في اللسان (حيا) .
[6] ديوان امرئ القيس 27، ورواية صدره: (وهل يعمن إلا سعيد ومخلّد) .
[7] في ديوانه: (الأوجال: جمع وجل؛ وهو الفزع) .
[8] ديوان عمر 95، والبيان 3/318.
(3/237)

باب في مديح الصّالحين والفقهاء
901-[شعر في مديح العلماء ورثائهم]
قال ابن الخيّاط [1] ، يمدح مالك بن أنس: [من الكامل]
يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان
هدي التقيّ وعز سلطان التّقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان
وقال ابن الخياط في بعضهم: [من الطويل]
فتى لم يجالس مالكا منذ أن نشا ... ولم يقتبس من علمه فهو جاهل
وقال آخر [2] : [من البسيط]
فأنت باللّيل ذئب لا حريم له ... وبالنّهار على سمت ابن سيرين
وقال الخليل بن أحمد وذكروا عنده الحظّ والجدّ، فقال: أمّا الجدّ فلا أقول فيه شيئا، وأمّا الحظّ فأخزى الله الحظّ، فإنه يبلّد الطالب إذا اتّكل عليه ويبعد المطلوب إليه من مذمّة الطّالب.
وقال ابن شبرمة: [من البسيط]
لو شئت كنت ككرز في تعبّده ... أو كابن طارق حول البيت والحرم
قد حال دون لذيذ العيش خوفهما ... وسارعا في طلاب العزّ والكرم
وقال آخر [3] يرثي الأصمعيّ: [من البسيط]
لا درّ درّ خطوب الدهر إذ فجعت ... بالأصمعيّ لقد أبقت لنا أسفا
__________
[1] البيتان لابن الخياط في الكامل 1/408، وله أو لعبد الله بن المبارك في زهر الآداب 115، ولعبد الله بن المبارك في العقد الفريد 1/268، وبلا نسبة في عيون الأخبار 1/294.
[2] البيت بلا نسبة في البيان 3/173، وثمار القلوب 70 (177) .
[3] الأبيات لأبي العالية الشامي في تاريخ بغداد 10/419- 420، ضمن أخبار الأصمعي.
(3/238)

عش ما بدا لك في الدّنيا فلست ترى ... في الدّهر منه ولا من علمه خلفا
وقال الحسن بن هانئ [1] ، في مرثية خلف الأحمر: [من الرجز]
لو كان حيّ وائلا من التّلف ... لوألت شغواء في أعلى الشّعف [2]
أمّ فريخ أحرزته في لجف ... مزغّب الألغاد لم يأكل بكف [3]
هاتيك أم عصماء في أعلى الشّرف ... تظلّ في الطّبّاق والنّزع الألف [4]
أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... قليذم من العيالم الخسف [5]
وقال يرثيه في كلمة له [6] : [من المنسرح]
بتّ أعزّي الفؤاد عن خلف ... وبات دمعي إلّا يفض يكف [7]
أنسى الرّزايا ميت فجعت به ... أضحى رهينا للتّرب في جدف [8]
كان يسنّى برفقه غلق ال ... أفهام في لا خرق ولا عنف
يجوب عنك التي عشيت لها ... حيران، حتّى يشفيك في لطف
لا يهم الحاء في القراءة بالخا ... ء ولا لامها مع الألف
ولا مضلّا سبل الكلام ولا ... يكون إسناده عن الصّحف
وكان ممن مضى لنا خلفا ... فليس إذ مات عنه من خلف
وقال آخر [9] في ابن شبرمة: [من الرجز]
إذا سألت الناس أين المكرمه ... والعزّ والجرثومة المقدّمه
وأين فاروق الأمور المحكمه ... تتابع النّاس على ابن شبرمه
__________
[1] ديوان أبي نواس 577.
[2] في ديوانه: (وائلا: ناجيا. وألت: نجت. الشغواء: العقاب. الشعف: رأس الجبل) .
[3] في ديوانه: (اللجف: محبس السيل، أو كل ما أشرف على الغار من صخرة ونحوها. المزغب: ذو الزغب؛ وهو الريش الدقيق. الألغاد: جمع لغد؛ وهو لحم الحلق) .
[4] العصماء: من الظباء والوعول ما كان في ذراعيها أو أحدهما بياض؛ وسائرهما متخلف. الشرف:
المكان المرتفع.
[5] القليذم: البئر الغزيرة. العيالم: جمع عيلم؛ وهو البحر أو البئر الكثيرة الماء. الخسف: جمع خسيفة؛ وهي البئر حفرت في حجارة فنبعت بماء كثير لا ينقطع) .
[6] ديوان أبي نواس 575- 576.
[7] في ديوانه: (يكف: يسيل) .
[8] (الجدف: القبر) .
[9] الرجز ليحيى بن نوفل في البيان 1/337، ولرؤبة في أمالي الزجاجي 100، وليس في ديوانه.
(3/239)

902-[شعر مختار]
وقال ابن عرفطة [1] : [من الطويل]
ليهنيك بغض للصّديق وظنّة ... وتحديثك الشّيء الذي أنت كاذبه
وأنّك مشنوء إلى كلّ صاحب ... بلاك، ومثل الشر يكره جانبه
وإنّك مهداء الخنا نطف النّثا ... شديد السّباب رافع الصّوت غالبه
وقال النّابغة الجعدي [2] : [من المتقارب]
أبى لي البلاء وأنّي امرؤ ... إذا ما تبيّنت لم أرتب
وليس يريد أنّه في حال تبيّنه غير مرتاب، وإنّما يعني أنّ بصيرته لا تتغيّر وقال ابن الجهم، ذات يوم: أنا لا أشكّ! قال له المكيّ: وأنا لا أكاد أوقن! وقال طرفة [3] : [من الطويل]
وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضى في الطّخية المتورّد [4]
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء الممدّد [5]
أرى قبر نحّام بخيل بماله ... كقبر غويّ في البطالة مفسد [6]
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول المرخى وثنياه باليد [7]
أرى الموت أعداد النّفوس ولا أرى ... بعيدا غدا، ما أقرب اليوم من غد [8]
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجر ... إذا خطرت أيدي الرّجال بمشهد
__________
[1] تقدم تخريج الشعر في نهاية الفقرة (599) .
[2] ديوان النابغة الجعدي 27، والبيان 1/100، والمقاييس 1/294.
[3] الأبيات من معلقته في ديوانه، البيت الأول ص 32، والثاني والثالث ص 33، والرابع ص 34، والسادس ص 36، والخامس في ديوانه 44 (طبعة سلغسون) .
[4] في ديوانه: (الكر: العطف. المضائق: الخائف والمذعور. المحنب: الذي في يده انحناء. السيد:
الذئب) ، والبيت في اللسان (حنب، ورد، ضيف) ، والتاج (ورد، ضيف) ، والتهذيب 14/166.
[5] في ديوانه: (الدجن: الغيم. البهكنة: المرأة الحسنة الخلق السمينة الناعمة) ، والبيت في اللسان (خدر) ، والجمهرة 754، والمخصص 13/200.
[6] في ديوانه: (النحّام: الحريص على الجمع والمنع. الغوي: الغاوي الضال) . والبيت في اللسان والتاج (نحم) ، والتهذيب 4/381، وبلا نسبة في العين 3/252.
[7] في ديوانه: (الطّول: الحبل الذي يطول للدابة فترعى فيه. الإرخاء: الإرسال. الثني: الطرف) ، والبيت في اللسان (طول، ثنى، مها) ، والتاج (طول، ثنى) ، والمقاييس 3/434، والجمهرة 926، وأساس البلاغة وعمدة الحفاظ (طول) ، والعين 7/451.
[8] البيت في اللسان (عدد) ، والتهذيب 1/92، 8/170.
(3/240)

باب القول في الجعلان والخنافس
903-[صداقة الحيوانات لبعضها]
وسنقول في هذه المحقرات من حشرات الأرض، وفي المذكور من بغاث الطّير وخشاشه، ممّا يقتات العذرة ويوصف باللؤم، ويتقزّز من لمسه وأكل لحمه، كالخنفساء والجعل، والهداهد والرّخم، فإنّ هذه الأجناس أطلب للعذرة من الخنازير.
فأوّل ما نذكر من أعاجيبها صداقة ما بين الخنافس والعقارب، وصداقة ما بين الحيّات والوزغ.
وتزعم الأعراب أنّ بين ذكورة الخنافس وإناث الجعلان تسافدا وأنهما ينتجان خلقا ينزع إليهما جميعا.
وأنشد خشنام الأعور النحويّ عن سيبويه النّحويّ، عن بعض الأعراب في هجائه عدوّا له كان شديد السّواد: [من الرجز]
عاديتنا يا خنفسا كام جعل ... عداوة الأوعال حيّات الجبل [1]
من كلّ عود مرهف النّاب عتل ... يخرق إن مسّ وإن شمّ قتل [2]
ويثبت أكل الأوعال للحيّات الشّعر المشهور، الذي في أيدي أصحابنا، وهو:
[من الرمل]
علّ زيدا أن يلاقي مرّة ... في التماس بعض حيّات الجبل
غاير العينين مفطوح القفا ... ليس من حيّات حجر والقلل [3]
__________
[1] كام: سفد. «القاموس: كوم» .
[2] العتل: الشديد. «القاموس: عتل» .
[3] مفطوح: عريض. «القاموس: فطح» .
(3/241)

يتوارى في صدوع مرّة ... ربذى الخطفة كالقدح المؤل [1]
وترى السمّ على أشداقه ... كشعاع الشّمس لاحت في طفل [2]
طرد الأروى فما تقربه ... ونفى الحيّات عن بيض الحجل
وإنما ذكر الأورى من بين جميع ما يسكن الجبال من أصناف الوحش، لأنّ الأروى من بينها تأكل الحيّات، للعداوة التي بينها وبين الحيّات.
904-[استطراد لغوي]
والأروى: إناث الأوعال، واحدتها أرويّة. والناس يسمّون بناتهم باسم الجماعة، ولا يسمّون البنت الواحدة باسم الواحدة منها: لا يسمّون بأرويّة، ويسمّون بأروى.
وقال شماخ بن ضرار [3] : [من الوافر]
فما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقّفة حرون [4]
وأنشد أبو زيد في جماعة الأوريّة [5] : [من الطويل]
فما لك من أروى، تعاديت بالعمى ... ولاقيت كلابا مطلّا وراميا [6]
يقال: تعادى القوم وتفاقدوا: إذا مات بعضهم على إثر بعض.
وقالت في ذلك ضباعة بنت قرط، في مرثية زوجها هشام بن المغيرة [7] : [من السريع]
إنّ أبا عثمان لم أنسه ... وإنّ صمتا عن بكاه لحوب
__________
[1] الربذ: السريع «القاموس: ربذ» . المؤل. المحدد. «القاموس: ألل» .
[2] الطّفل: الغروب. «القاموس: طفل» .
[3] ديوان الشماخ 319، والسمط 663، وأمالي القالي 2/29، واللسان والتاج (وقف، حرن) ، والمقاييس 2/47، والمخصص 8/30، 15/210.
[4] في ديوانه: (الموقفة: من التوقيف؛ وهو البياض مع السواد، والمراد هنا: الأروية التي في قوائمها خطوط تخالف لونها، والحرون من الدواب: التي إذا استدر جريها وقفت فلم تبرح. والمعنى: إن هذه المرأة ليست بأقرب منالا من الأروية التي تعتصم بأعلى الجبل فتمتنع على الصياد) .
[5] البيت لعمرو بن أحمر في ديوانه 173، واللسان (أبي) ، والتاج (عدو، أبي) ، والتهذيب 3/116، 15/104، وبلا نسبة في اللسان (عدا) ، والجمهرة 236، 1091، والمجمل 3/456، والمخصص 5/72، 6/125، 13/155.
[6] في ديوانه: (تعاديت بالعمى: يدعون عليها بالهلاك. الكلاب: الصائد. المطل: المشرف المترصد) .
[7] البيتان في العمدة 1/278، وانظر أعلام النساء 2/355.
(3/242)

تفاقدوا من معشر ما لهم ... أيّ ذنوب صوّبوا في القليب [1]
905-[طلب الحيّات البيض]
وأما قوله: [من الرمل]
ونفى الحيّات عن بيض الحجل
فإنّ الحيّات تطلب بيض كلّ طائر وفراخه. وبيض كلّ طائر مما يبيض على الأرض أحبّ إليها. فما أعرف لذلك علّة إلا سهولة المطلب.
والأيائل تأكل الحيّات، والخنازير تأكل الحيّات وتعاديها.
906-[عداوة الحمار للغراب]
وزعم صاحب المنطق أن بين الحمار والغراب عداوة. وأنشدني بعض النحويّين [2] : [من الرجز]
عاديتنا لا زلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب
وأنشد ابن أبي كريمة لبعض الشّعراء في صريع الغواني [3] : [من الوافر]
فما ريح السّذاب أشدّ بغضا ... إلى الحيّات منك إلى الغواني
907-[أمثال في الخنفساء]
ويقال: «ألجّ من الخنفساء» [4] ، و «أفحش من فاسية» وهي الخنفساء و «أفحش من فالية الأفاعي» [5] .
والفساء يوصف بن ضربان من الخلق: الخنفساء، والظّربان وفي لجاج الخنفساء يقول خلف الأحمر [6] : [من المتقارب]
لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصّواب
ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
__________
[1] الذّنوب: الدلو العظيمة «القاموس: ذنب» . القليب: البئر. «القاموس: قلب» .
[2] تقدم الرجز في الفقرة (872) .
[3] تقدم البيت في الفقرة (873) .
[4] المستقصى 1/308، ومجمع الأمثال 2/250، وأمثال ابن سلام 374، والدرة الفاخرة 2/369.
[5] المستقصى 1/267، ومجمع الأمثال 2/85، والدرة الفاخرة 1/331، وجمهرة الأمثال 2/89، 106.
[6] البيتان في حياة الحيوان 1/437، ومعجم الأدباء 16/161.
(3/243)

908-[طول ذماء الخنفساء]
وقال الرقاشي: ذكرت صبر الخنزير على نفوذ السهام في جنبه، فقال لي أعرابيّ: الخنفساء أصبر منه، ولقد رأيت صبيّا من صبيانكم البارحة وأخذ شوكة وجعل في رأسها فتيلة، ثمّ أوقد نهارا، ثمّ غرزها في ظهر الخنفساء، حتّى أنفذ الشّوكة. فغبرنا ليلتنا وإنّها لتجول في الدّار وتصبح لنا. والله إنّي لأظنها كانت مقربا [1] ، لانتفاخ بطنها.
قال: وقال القنانيّ: العواساء: الحامل من الخنافس، وأنشد [2] : [من الرجز]
بكرا عواساء تفاسا مقربا
909-[أعاجيب الجعل]
قال: ومن أعاجيب الجعل أنّه يموت من ريح الورد، ويعيش إذا أعيد إلى الرّوث. ويضرب بشدّة سواد لونه المثل. قال الرّاجز وهو يصف أسود سالخا [3] : [من الرجز]
مهرّت الأشداق عود قد كمل ... كأنّما قمّص من ليط جعل [4]
والجعل يظلّ دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان، كالنمل الذي يغبر دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان، وذلك عند هلكته.
910-[تطور الدعاميص]
والدّعاميص [5] قد تغبر حينا بلا أجنحة، ثم تصير فراشا وبعوضا. وليس كذلك الجراد والذّبّان، لأنّ أجنحتها تنبت على مقدار من العمر ومرور من الأيام.
وزعم ثمامة، عن يحيى بن خالد: أنّ البرغوث قد يستحيل بعوضة.
__________
[1] مقرب: قرب ولادها. «القاموس: قرب» .
[2] الرجز بلا نسبة في اللسان (قنب، عوس، فسا) ، والتاج (فسا) ، والمقاييس 4/187، والمخصص 2/18، وديوان الأدب 4/136، والتهذيب 3/88، 9/195، 13/95.
[3] الرجز بلا نسبة في البيان 3/225.
[4] الهرت: الواسع. «القاموس: هرت» . العود: المسن من الإبل. «القاموس: عود» . قمّص: ألبس قميصا. الليط: قشر القصب. «القاموس: لوط» .
[5] الدعموص: دويبة أو دودة سوداء تكون في الغدران إذا نشّت. «القاموس: دعمص» ، وانظر حياة الحيوان 1/479.
(3/244)

911-[عادة الجعل]
والجعل يحرس النّيام، فكلما قام منهم قائم فمضى لحاجته تبعه، طمعا في أنّه إنّما يريد الغائط. وأنشد بعضهم قول الشاعر [1] : [من البسيط]
يبيت في مجلس الأقوام يربؤهم ... كأنّه شرطيّ بات في حرس
وأنشد بعضهم لبعض الأعراب في هجائه رجلا بالفسولة، وبكثرة الأكل، وبعظم حجم النّجو [2] : [من الرجز]
حتّى إذا أضحى تدرّى واكتحل ... لجارتيه ثمّ ولّى فنثل
رزق الأنوقين القرنبى والجعل
سمى القرنبي والجعل- إذ كانا يقتاتان الزّبل- أنوقين. والأنوق: الرّخمة، وهي أحد ما يقتات العذرة. وقال الأعشى [3] : [من الرجز]
يا رخما، قاظ على ينخوب ... يعجل كفّ الخارئ المطيب [4]
المطيب: الذي يستطيب بالحجارة، أي يتمسّح بها. وهم يسمّون بالأنوق كلّ شيء يقتات النّجو والزّبل، إلّا أنّ ذلك على التشبيه لها بالرّخم في هذا المعنى وحده.
وقال آخر [5] : [من الرجز]
يا أيهذا النّابحي نبح القبل ... يدعو عليّ كلما قام يصل [6]
رافع كفّيه كما يفري الجعل ... وقد ملأت بطنه حتى أتل
غيظا فأمسى ضغنه قد اعتدل
والقبل: ما أقبل عليك من الجبل. وقوله أتل، أي امتلأ عليك غيظا فقصّر في مشيته. وقال الجعديّ [7] : [من الرمل]
منع الغدر فلم أهمم به ... وأخو الغدر إذا همّ فعل
__________
[1] البيت بلا نسبة في البرصان 157، وتقدم في الفقرة (185) .
[2] تقدم الرجز في الفقرة (184) .
[3] ديوان الأعشى 315، واللسان (خرأ، طلب، طيب، قيظ، رخم) ، والتاج (سلب، قلب، رخم) والتنبيه والإيضاح 1/14، والتهذيب 14/40، وبلا نسبة في اللسان (سلب) ، والتهذيب 12/435، والجمهرة 340، 1194.
[4] ينخوب: موضع؛ لم يحدده ياقوت، معجم البلدان 5/450؛ وفيه استشهد برجز الأعشى.
[5] الرجز بلا نسبة في نوادر أبي زيد 49، والأول والثاني في اللسان (قبل) ، والرابع والخامس في اللسان والتاج (أتل) ، والمقاييس 1/47.
[6] القبل: الجبل. «اللسان: قبل» .
[7] ديوان النابغة الجعدي 96، والبخلاء 243، واللسان والتاج (قبل) ، والتهذيب 9/165، وبلا نسبة في الجمهرة 372.
(3/245)

خشية الله وأنّي رجل ... إنما ذكري كنار بقبل
وقال الرّاجز- وهو يهجو بعضهم بالفسولة، وبكثرة الأكل، وعظم حجم النّجو [1]-:
بات يعشّي وحده ألفي جعل
وقال عنترة [2] : [من الوافر]
إذا لاقيت جمع بني أبان ... فإني لائم للجعد لاحي
كسوت الجعد جعد بني أبان ... ردائي بعد عري وافتضاح
ثم شبّهه بالجعل فقال:
كأنّ مؤشر العضدين جحلا ... هدوجا بين أقلبة ملاح [3]
تضمن نعمتي فغدا عليها ... بكورا أو تهجّر في الرّواح
وقال الشمّاخ [4] : [من الطويل]
وإن يلقيا شأوا بأرض هوى له ... مفرّض أطراف الذّراعين أفلج
والشأو هاهنا: الرّوث، كأنه كثره حتّى ألحقه بالشأو الذي يخرج من البئر، كما يقول أحدهم إذا أراد أن ينقي البئر: أخرج من تلك البئر شأوا أو شأوين، يعني من التراب الذي قد سقط فيها، وهو شيء كهيئة الزّبيل الصّغير.
والشاو: الطّلق. والشأو: الفوت.
والمفرّض الأفلج الذي عنى، هو الجعل، لأنّ الجعل في قوائمه تحزيز، وفيها تفريج.
912-[معرفة في الجعل]
وللجعل جناحان لا يكادان يريان إلّا عند الطّيران، لشّدة سوادهما، وشبههما بجلده، ولشدّة تمكنهما في ظهره.
__________
[1] تقدم الرجز في الفقرة (186) .
[2] ديوان عنترة 115.
[3] مؤشر: مرقق. الجحل: العظيم من الجعلان. «اللسان: جحل» . الهدوج: الذي يمشي رويدا «اللسان: هدج» . أقلبة: جمع قليب، وهو البئر. «اللسان: قلب» . والبيت في اللسان (قلب، ملح، أشر، حجل) (والتاج، قلب، ملح، أشر) والمخصص 17/35.
[4] ديوان الشماخ 93، واللسان (فرض، قرض، شأي) ، والتاج (فرض، شأي) ، والتهذيب 11/447، والعين 6/297، وبلا نسبة في التهذيب 8/343.
(3/246)

قال الشاعر، حيث عدّد الخونة، وحثّ الأمير على محاسبتهم: [من البسيط]
واشدد يديك بزيد إن ظفرت به ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل
والجعل لا يدحرج إلّا جعرا يابسا، أو بعرة.
وقال سعد بن طريف، يهجو بلال بن رباح مولى أبي بكر [1] : [من البسيط]
وذاك أسود نوبيّ له ذفر ... كأنّه جعل يمشي بقرواح [2]
وسنذكر شأنه وشأن بلال في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
913-[أبو الخنافس وأبو العقارب]
وكان بالكوفة رجل من ولد عبد الجبّار بن وائل بن حجر الحضرميّ يكنى أبا الخنافس راضيا بذلك، ولم تكن الكنية لقبا ولا نبزا، وكان من الفقهاء، وله هيئة ورواء. وسألته: هل كان في آبائه من يكنى أبا الخنافس؟ فإن أبا العقارب في آل سلم مولى بني العباس كثير على اتّباع أثر. وكان أبو الخنافس هذا اكتنى به ابتداء.
914-[طول ذماء الخنفساء]
وقال لي أبو الفضل العنبريّ: يقولون: الضّبّ أطول شيء ذماء، والخنفساء أطول منه ذماء، وذلك أنه يغرز في ظهرها شوكة ثاقبة، وفيها ذبالة تستوقد وتصبح لأهل الدّار، وهي تدبّ بها وتجول! وربما كانت في تضاعيف حبل قتّ، أو في بعض الحشيش والعشب والخلا، فتصير في فم الجمل فيبتلعها من غير أن يضغم الخنفساء، فإذا وصلت إلى جوفه وهي حيّة جالت فيه، فلا تموت حتى تقتله.
فأصحاب الإبل يتعاورون تلك الأواريّ والعلوفات، خوفا من الخنافس.
915-[هجاء جواس لحسّان بن بحدل]
وقال جوّاس بن القعطل في حسّان بن بحدل: [من الكامل]
هل يهلكنّي لا أبالكم ... دنس الثياب كطابخ القدر
جعل تمطّى في عمايته ... زمر المروءة ناقص الشّبر [3]
__________
[1] البيت في البرصان 156.
[2] القرواح: البارز الذي لا يستره من السماء شيء، وهو الفضاء. «القاموس: قرح» .
[3] الزمر: القليل. «القاموس: زمر» . الشبر: العطاء. «القاموس: شبر» .
(3/247)

لزبابة سوداء حنظلة ... والعاجز التّدبير كالوبر [1]
فأمّا الهجاء والمدح، ومفاخرة السّودان والحمران، فإنّ ذلك كلّه مجموع في كتاب «الهجناء والصّرحاء» وقد قدّمنا في صدر هذا الكتاب جملة في القول في الجعلان وغير ذلك من الأجناس اللئيمة والمستقذرة، في باب النّتن والطّيب، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.
__________
[1] الزبابة: فأر عظيم أصم؛ أو أحمر الشعر؛ أو بلا شعر. «القاموس: زبب» .
(3/248)

باب القول في الهدهد
وأما القول في الهدهد، فإنّ العرب والأعراب كانوا يزعمون أنّ القنزعة التي على رأسه ثواب من الله تعالى على ما كان من برّه لأمّه! لأنّ أمّه لما ماتت جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة.
والهدهد طائر منتن الريح والبدن، من جوهره وذاته، فربّ شيء يكون منتنا من نفسه، من غير عرض يعرض له، كالتيوس والحيّات وغير ذلك من أجناس الحيوان فأمّا الأعراب فيجعلون ذلك النّتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التي كانت مدفونة في رأسه. وقد قال في ذلك أميّة أو غيره من شعرائهم. فأمّا أميّة فهو الذي يقول [1] : [من الكامل]
اعلم بأنّ الله ليس كصنعه ... صنيع ولا يخفى على الله ملحد
وبكلّ منكرة له معروفة ... أخرى على عين بما يتعمّد
جدد وتوشيم ورسم علامة ... وخزائن مفتوحة لا تنفد
عمن أراد بها وجاب عنانها ... لا يستقيم لخالق يتزيّد
غيم وظلماء وغيث سحابة ... أزمان كفّن واستراد الهدهد [2]
يبغي القرار لأمّه ليجنّها ... فبنى عليها في قفاه يمهد [3]
مهدا وطيئا فاستقلّ بحمله ... في الطّير يحملها ولا يتأوّد [4]
من أمّه فجزي بصالح حملها ... ولدا، وكلف ظهره ما تفقد
فتراه يدلح ما مشى بجنازة ... فيها وما اختلف الجديد المسند [5]
__________
[1] ديوان أمية 353- 356.
[2] في ديوانه: (استراد: خرج يبحث عن الكلأ، وأراد خروج الهدهد باحثا عن مكان صالح لدفن أمه) .
[3] في ديوانه (يجنها: يدفنها بالجنن؛ وهو القبر) .
[4] في ديوانه (تأود: تعوّج وتثنى) .
[5] في ديوانه (دلح الرجل بحمله: مر متثاقلا غير منبسط الخطو. المسند: الدهر) .
(3/249)

916-[معرفة الهدهد بمواضع المياه]
[1] ويزعمون أنّ الهدهد هو الذي كان يدلّ سليمان عليه السلام على مواضع المياه في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها.
917-[سؤال في الهدهد]
[2] ويروون أنّ نجدة الحروريّ أو نافع بن الأزرق قال لابن عباس: إنّك تقول إنّ الهدهد إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه وبين الماء، والهدهد لا يبصر الفخّ دوين التراب، حتى إذا نقر التّمرة انضمّ عليه الفخّ! فقال ابن عبّاس: «إذا جاء القدر عمي البصر» [3] .
ومن أمثالهم: «إذا جاء الحين غطّى العين» [4] .
وابن عباس إن كان قال ذلك فإنّما عنى هدهد سليمان عليه السلام بعينه؛ فإنّ القول فيه خلاف القول في سائر الهداهد.
وسنأتي على ذكر هذا الباب من شأنه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد قال الناس في هدهد سليمان، وغراب نوح، وحمار عزير، وذئب أهبان بن أوس، وغير ذلك من هذا الفنّ، أقاويل، وسنقول في ذلك بجملة من القول في موضعه إن شاء الله.
918-[اتخاذ الهدهد عشه من الزبل]
وقد قال صاحب المنطق وزعم في كتاب الحيوان، أنّ لكلّ طائر يعشّش شكلا يتخذ عشّه منه، فيختلف ذلك على قدر اختلاف المواضع وعلى قدر اختلاف صور تلك القراميص والأفاحيص. وزعم أنّ الهدهد من بينها يطلب الزّبل، حتّى إذا وجده نقل منه، كما تنقل الأرضة من التّراب، ويبني منه بيتا، كما تبني الأرضة، ويضع جزءا على جزء، فإذا طال مكثه في ذلك البيت، وفيه أيضا ولد، أو في مثله، وتربّى ريشه وبدنه بتلك الرائحة، فأخلق به أيضا أن يورث ابنه النّتن الذي علقه، كما أورث جدّه أباه، وكما أورثه أبوه. قال: ولذلك يكون منتنا.
__________
[1] ثمار القلوب 384 (706) .
[2] المصدر السابق، والكامل 3/225- 226 (أبو الفضل إبراهيم) .
[3] ورد قول ابن عباس في مجمع الأمثال 1/123، وأمثال ابن سلام 326، وجمهرة الأمثال 1/118، والأمثال لمجهول 32.
[4] المستقصى 1/123، وأمثال ابن سلام 326، وهو برواية (إذا جاء الحين حارت العين) في مجمع الأمثال 1/20، وجمهرة الأمثال 1/10، 118- 119، والأمثال لمجهول 32.
(3/250)

وهذا وجه أن كان معلوما أنّه لا يتّخذ عشّه إلّا من الزّبل.
فأمّا ناس كثير، فيزعمون أن ربّ بدن يكون طيب الرّائحة، كفأرة المسك التي ربما كانت في البيوت. ومن ذلك ما يكون منتن البدن، كالذي يحكى عن الحيّات والأفاعي والثّعابين، ويوجد عليه التّيوس.
919-[طائر الاغتيولس]
وذكر صاحب المنطق أنّ الطير الكبير، الذي يسمى باليونانية اغتيولس، يحكم عشّه ويتقنه، ويجعله مستديرا مداخلا كأنّه كرة معمولة. وروى أنّهم يزعمون أنّ هذا الطائر يجلب الدّارصينيّ من موضعه، فيفرش به عشّه، ولا يعشّش إلّا في أعالي الشّجر المرتفعة المواضع.
قال: وربّما عمد الناس إلى سهام يشدّون عليها رصاصا، ثمّ يرمون بها أعشتها، فيسقط عليهم الدّارصينيّ، فيلتقطونه ويأخذونه.
920-[زعم البحريين في الطير]
ويزعم البحريّون أنّ طائرين يكونان ببلاد السّفالة [1] ، أحدهما يظهر قبل قدوم السفن إليهم، وقبل أن يمكن البحر من نفسه، لخروجهم في متاجرهم فيقول الطائر:
قرب آمد، فيعلمون بذلك أنّ الوقت قد دنا، وأن الإمكان قد قرب.
قالوا: ويجيء به طائر آخر، وشكل آخر، فيقول: سمارو. وذلك في وقت رجوع من قد غاب منهم، فيسمّون هذين الجنسين من الطير: قرب، وسمارو، كأنّهم سمّوهما بقولهما، وتقطيع أصواتهما، كما سمّت العرب ضربا من الطّير القطا، لأن القطا كذلك تصيح، وتقطيع أصواتها قطا، وكما سمّوا الببغاء بتقطيع الصّوت الذي ظهر منه.
فيزعم أهل البحر أنّ ذينك الطائرين لا يطير أحدهما أبدا إلّا في إناث، وأنّ الآخر لا يطير أبدا إلّا في ذكورة.
921-[وفاء الشفنين]
وزعم لي بعض الأطباء ممن أصدّق خبره، أنّ الشّفنين [2] إذا هلكت أنثاه لم يتزوّج وإن طال عليه التعزّب. وإن هاج سفد ولم يطلب الزواج.
__________
[1] السفالة: آخر مدينة تعرف بأرض الزنج، معجم البلدان 3/224.
[2] الشفنين: هو اليمام، ومن طبعه إيثار العزلة. حياة الحيوان 1/601.
(3/251)

922-[من عجائب الطير]
وحكوا أنّ عندهم طائرين، أحدهما وافي الجناحين وهو لم يطر قطّ، والآخر وافي الجناحين، ولكنه من لدن ينهض للطّيران فلا يزال يطير ويقتات من الفراش وأشباه الفراش، وأنّه لا يسقط إلّا ميّتا. إلّا أنهم ذكروا أنه قصير العمر.
923-[كلام في قول أرسطو]
ولست أدفع خبر صاحب المنطق عن صاحب الدارصيني، وإن كنت لا أعرف الوجه في أنّ طائرا ينهض من وكره في الجبال، أو بفارس أو باليمن، فيؤمّ ويعمد نحو بلاد الدارصيني، وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه. وليس يخلو هذا الطائر من أن يكون من الأوابد أو من القواطع. وإن كان من القواطع فكيف يقطع الصّحصحان [1] الأملس وبطون الأودية، وأهضام الجبال [2] بالتّدويم في الأجواء، وبالمضيّ على السّمت، لطلب ما لم يره ولم يشمّه ولم يذقه. وأخرى فإنّه لا يجلب منه بمنقاره ورجليه، ما يصير فراشا له ومهادا، إلا بالاختلاف الطويل. وبعد فإنّه ليس بالوطيء الوثير، ولا هو له بطعام.
فأنا وإن كنت لا أعرف العلّة بعينها فلست أنكر الأمور من هذه الجهة. فاذكر هذا.
924-[قول أبي الشيص في الهدهد]
وقال أبو الشّيص في الهدهد [3] : [من البسيط]
لا تأمننّ على سرّي وسرّكم ... غيري وغيرك أو طيّ القراطيس
أو طائر سأحلّيه وأنعته ... ما زال صاحب تنقير وتدسيس
سود براثنه، ميل ذوائبه ... صفر حمالقه، في الحسن مغموس
قد كان همّ سليمان ليذبحه ... لولا سعايته في ملك بلقيس
وقد قدّمنا في هذا الكتاب في تضاعيفه، عدّة مقطّعات في أخبار الهدهد.
__________
[1] الصحصحان: ما استوى من الأرض. «القاموس: صحح» .
[2] الأهضام: جمع هضم؛ مسقط الجبل، وهو ما دنا من السهل من أصله. «اللسان: هضم» .
[3] الأبيات في الحماسة البصرية 2/341، وعيون الأخبار 1/41، والمختار من شعر بشار، ونهاية الأرب 10/248، وحياة الحيوان 2/394.
(3/252)

باب القول في الرخم
وقال: إنّ لئام الطير ثلاثة: الغربان، والبوم، والرّخم
925-[أسطورة الرخم]
ويقال: إنّه قيل للرّخمة: ما أحمقك! قالت: وما حمقي، وأنا أقطع في أوّل القواطع، وأرجع في أوّل الرّواجع، ولا أطير في التّحسير [1] . ولا أغتر بالشّكير [2] ، ولا أسقط على الجفير [3] .
وقد ذكرنا تفسير هذا. وقال الكميت [4] : [من مجزوء الكامل]
إذ قيل يا رخم انطقي ... في الطّير، إنّك شرّ طائر
926-[شر الطير]
وقال أبو الحسن المدائني: أمر بعض ملوك العجم الجلندي بن عبد العزيز الأزديّ، وكان يقال له في الجاهلية عرجدة، فقال له: صد لي شرّ الطير، واشوه بشرّ الحطب، وأطعمه شرّ الناس. فصاد رخمة وشواها ببعر، وقرّبها إلى خوزيّ [5] . فقال له الخوزيّ: أخطأت في كلّ شيء أمرك به الملك: ليس الرّخمة شرّ الطير، وليس البعرة شرّ الحطب، وليس الخوزيّ شرّ الناس. ولكن اذهب فصد بومة، واشوها بدفلى، وأطعمها نبطيّا ولد زنى. ففعل، وأتى الملك فأخبره، فقال: ليس يحتاج إلى ولد زنى! يكفيه أن يكون نبطيّا.
__________
[1] التحسير: سقوط ريش الطائر. «القاموس: حسر» .
[2] الشكير: الريش الصغير. «القاموس: شكر» .
[3] الجفير: جعبة السهام «القاموس: جفر» .
[4] ديوان الكميت 1/227، والسمط 300، والمستقصى 1/81، والمعاني الكبير 292.
[5] نسبة إلى خوزستان.
(3/253)

927-[الغراب والرخمة]
والغراب يقوى على الرّخمة، والرخمة أعظم من الغراب وأشدّ. والرّخمة تلتمس لبيضها المواضع البعيدة، والأماكن الوحشيّة، والجبال الشامخة، وصدوع الصّخر.
فلذلك يقال في بيض الأنوق ما يقال [1] .
928-[ما قيل في بيض الأنوق]
وقال عتبة بن شمّاس [2] : [من الخفيف]
إنّ أولى بالحقّ في كلّ حقّ ... ثمّ أولى أن يكون حقيقا
من أبوه عبد العزيز بن مروا ... ن ومن كان جدّه الفاروقا
ردّ أموالنا علينا وكانت ... في ذرى شاهق تفوت الأنوقا
وطلب رجل من أهل الشام الفريضة من معاوية فجاد له بها، فسأل لولده، فأبى، فسأله لعشيرته، فقال معاوية [3] : [من الخفيف]
طلب الأبلق العقوق، فلمّا ... لم يجده أراد بيض الأنوق
وليس يكون العقوق إلّا من الإناث، فإذا كانت من البلق كانت بلقاء. وإنما هذا كقولهم: «زلّ في سلى جمل» [4] ، والجمل لا يكون له سلى [5] .
وقد يرون بيض الأنوق، ولكنّ ذلك قليلا ما يكون، وأقلّ من القليل، لأنّ بيضها في المواضع الممتنعة، وليست فيها منافع فيتعرض في طلبها للمكروة.
__________
[1] ثمار القلوب (717) .
[2] الأبيات لعتبة بن شماس في الكامل 1/400 (طبعة المعارف) ، 2/271 (أبو الفضل إبراهيم) ، والعقد الفريد 3/393، والأول والثاني في اللسان والتاج (فرق) ، والأبيات لبعض ولد عيينة بن حصن في ثمار القلوب (718) ، والبيت الثاني مع جملة أبيات لرجل من الأنصار في رسائل الجاحظ 2/286، والثالث لعقبة بن أسماء في المستقصى 1/25.
[3] الخبر مع البيت في ثمار القلوب (718) ، والكامل 1/401 (طبعة المعارف) ، 2/271 (أبو الفضل إبراهيم) ، والنهاية 1/77، والدرة الفاخرة 299، وجمهرة الأمثال 2/64، وربيع الأبرار 3/316، واللسان (عقق) ، والبيت في الفاضل 46، والمصون 30، ونظام الغريب 207، والإصابة (1098) 8/206، واللسان والتاج (أنق) ، والتهذيب 1/62، 9/324، والجمهرة 371، والمقاييس 1/149.
[4] المثل برواية: (وقع القوم في سلى جمل) ، وهو في مجمع الأمثال 2/360، والدرة الفاخرة 1/299، وجمهرة الأمثال 2/366، والمستقصى 2/377، وأمثال ابن سلام 343.
[5] ثمار القلوب (529) .
(3/254)

وأنا أظنّ أن معاوية لم يقل كما قالوا: ولكنّه قدم في اللّفظ بيض الأنوق، فقال:
«طلب بيض الأنوق، فلما لم يجده طلب الأبلق العقوق» .
929-[ما يسمّى بالهدهد]
وأمّا قول ابن أحمر [1] : [من الكامل]
يمشي بأوظفة شديد أسرها ... شمّ السنابك لا تقي بالجدجد [2]
إذ صبّحته طاويا ذا شرّة ... وفؤاده زجل كعزف الهدهد
فقد يكون ألّا يكون عنى بهذا الهدهد، لأنّ ذكورة الحمام وكلّ شيء غنّى من الطير وهدر ودعا، فهو هدهد. ومن روى «كعزف الهدهد» [3] فليس من هذا في شيء.
وقد قال الشاعر في صفة الحمام: [من الكامل]
وإذا استشرن أرنّ فيها هدهد ... مثل المداك خضبته بجساد [4]
930-[ميل بعض النساء إلى المال]
وخطب رجل جميل امرأة، وخطبها معه رجل دميم فتزوجت الدّميم لماله، وتركته، فقال [5] : [من الطويل]
ألا يا عباد الله ما تأمرونني ... بأحسن من صلّى وأقبحهم بعلا
يدبّ على أحشائها كلّ ليلة ... دبيب القرنبى بات يقرو نقا سهلا [6]
__________
[1] البيت الأول في ديوان ابن أحمر 56، واللسان والتاج (جدد، وقي) ، والتنبيه والإيضاح 2/13، والتهذيب 9/375، وبلا نسبة في الجمهرة 182، والثاني في ديوانه 59، واللسان والتاج (هدد) .
[2] الأوظفة: جمع وظيف، وهو مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل وغيرها. «القاموس: وظف» .
السنبك: طرف الحاف. ر «القاموس: سنبك» . لا تقي: لا تتوقاه. الجدجد: الأرض الصلبة المستوية «القاموس: جدد» .
[3] في اللسان «هدد» : (الهدهد: أصوات الجن؛ ولا واحد له) .
[4] استشارت: سمنت وحسنت «القاموس: شار» . المداك: حجر يدق به الطيب. الجساد: الزعفران «القاموس: جسد» .
[5] البيتان للأخطل في حياة الحيوان 2/209 (القرنبى) ، وليسا في ديوانه، وبلا نسبة في الكامل 1/282 (طبعة المعارف) ، 595 (الدالي) ، والأول في قطر الندى 202، والهمع 2/70، والدرر 5/115، والثاني في اللسان والتاج (قرنب) .
[6] في الكامل: (القرنبى: دويبة على هيئة الخنفس منقطة الظهر، وفي قوائمها طول على الخنفس؛ وهي ضعيفة المشي) .
(3/255)

931-[الأجناس التي تطلب العذرة]
والأجناس التي تريد العذرة وتطلبها كثيرة، كالخنازير، والدّجاج، والكلاب، والجراد، وغير ذلك. ولكنها لا تبلغ مبلغ الجعل والرّخمة.
932-[أكل الأعراب لبعض الحيوان]
وقال ابن أبي كريمة: كنت عند أبي مالك عمرو بن كركرة، وعنده أعرابيّ، فجرى ذكر القرنبى. قال: فقلت له: أتعرف القرنبى؟ قال: وما لي لا أعرف القرنبى؟! فو الله لربّما لم يكن غدائي إلّا القرنبى يحسحس [1] لي. قال: فقلت له: إنها دويبّة تأكل العذرة. قال: ودجاجكم تأكل العذرة! وقال [2] : قال بعض المدنيّين لبعض الأعراب: أتأكلون الحيّات والعقارب والجعلان والخنافس؟ فقال: نأكل كلّ شيء إلّا أمّ حبين [3] . قال: فقال المدنيّ:
«لتهن أمّ الحبين العافية» .
قال: وحدثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [4] : «من الدوابّ أربع لا يقتلن: النملة، والنّحلة، والصّرد، والهدهد» .
[باب في الخفاش]
933-[القول في الخفاش]
فأوّل ذلك أنّ الخفّاش طائر، وهو مع أنّه طائر من عرض الطير فإنّه شديد الطّيران، كثير التكفّي في الهواء، سريع التقلّب فيه، ولا يجوز أن يكون طعمه إلا من البعوض، وقوته إلا من الفراش وأشباه الفراش، ثمّ لا يصيده إلّا في وقت طيرانه في الهواء، وفي وقت سلطانه، لأنّ البعوض إنّما يتسلط بالليل. ولا يجوز أن يبلغ ذلك إلّا بسرعة اختطاف واختلاس، وشدّة طيران، ولين أعطاف وشدّة متن، وحسن تأتّ، ورفق في الصّيد. وهو مع ذلك كلّه ليس بذي ريش، وإنما هو لحم وجلد. فطيرانه بلا ريش عجب، وكلما كان أشدّ كان أعجب.
__________
[1] حسحس اللحم: جعله على الجمر. «القاموس: حسس» .
[2] الخبر في عيون الأخبار 3/209، وثمار القلوب (410) ، والمرصع 140، والدرة الفاخرة 479، وأدب الكاتب 216.
[3] أم حبين: دويبة على قدر الكف. ثمار القلوب (410) .
[4] عيون الأخبار 2/89.
(3/256)

934-[من أعاجيب الخفاش]
ومن أعاجيبه أنّه لا يطير في ضوء ولا في ظلمة. وهو طائر ضعيف قوى البصر، قليل شعاع العين الفاصل من النّاظر. ولذلك لا يظهر في الظّلمة، لأنّها تكون غامرة لضياء بصره، غالبة لمقدار قوى شعاع ناظره. ولا يظهر نهارا، لأنّ بصره لضعف ناظره يلتمع في شدة بياض النهار. ولأنّ الشيء المتلألئ ضارّ لعيون الموصوفين بحدّة البصر، ولأن شعاع الشمس بمخالفة مخرج أصوله وذهابه، يكون رادعا لشعاع ناظره، ومفرّقا له. فهو لا يبصر ليلا ولا نهارا. فلما علم ذلك واحتاج إلى الكسب والطّعم، التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون غامرا قاهرا، وعاليا غالبا. ولا من الضّياء ما يكون معشيا رادعا، ومفرّقا قامعا. فالتمس ذلك في وقت غروب القرص، وبقيّة الشّفق، لأنّه وقت هيج البعوض وأشباه البعوض، وارتفاعها في الهواء، ووقت انتشارها في طلب أرزاقها. فالبعوض يخرج للطعم، وطعمه دماء الحيوان، وتخرج الخفافيش لطلب الطعم، فيقع طالب رزق على طالب رزق، فيصير ذلك هو رزقه.
وهذا أيضا مما جعل الله في الخفافيش من الأعاجيب.
935-[البائضة والوالدة]
[1] ويزعمون أن السّك [2] الآذان والممسوحة، من جميع الحيوان، أنها تبيض بيضا، وأنّ كلّ أشرف [3] الآذان فهو يلد ولا يبيض. ولا ندري لم كان الحيوان إذا كان أشرف الآذان ولد، وإذا كان ممسوحا باض.
ولآذان الخفافيش حجم ظاهر، وشخوص بيّن. وهي وإن كانت من الطير فإنّ هذا لها، وهي تحبل وتلد، وتحيض، وترضع.
936-[ما يحيض من الحيوان]
والناس يتقزّزون من الأرانب والضّباع، لمكان الحيض.
وقد زعم صاحب المنطق أنّ ذوات الأربع كلّها تحيض، على اختلاف في القلّة والكثرة. والزّمان، والحمرة والصفرة، والرقّة والغلظ. قال: ويبلغ من ضنّ أنثى
__________
[1] عيون الأخبار 2/88، ومحاضرات الأدباء 4/676.
[2] السّكك: صغر الأذن ولزوقها بالرأس وقلة إشرافها «القاموس: سكك» .
[3] أذن شرفاء: طويلة. «القاموس: شرف» .
(3/257)

الخفافيش بولدها ومن خوفها عليه، أنها تحمله تحت جناحها، وربّما قبضت عليه بفيها، وربّما أرضعته وهي تطير، وتقوى من ذلك، ويقوى ولدها على ما لا يقوى عليه الحمام والشّاهمرك، وسباع الطير.
937-[معارف في الخفاش]
وقال معمر أبو الأشعث: ربّما أتأمت الخفافيش فتحمل معها الولدين جميعا، فإن عظما عاقبت بينهما.
والخفّاش من الطير، وليس له منقار مخروط، وله فم فيما بين مناسر السّباع وأفواه البوم. وفيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك، إلى أصول الفك، إلّا ما كان في نفس الخطم.
وإذا قبضت على الفرخ وعضت عليه لتطير به، عرفت ذرب أسنانها [1] ، فعرفت أي نوع ينبغي أن يكون ذلك العض، فتجعله أزما ولا تجعله عضّا ولا تنييبا ولا ضغما، كما تفعل الهرّة بولدها، فإنّها مع ذرب أنيابها، وحدّة أظفارها ودقّتها، لا تخدش لها جلدا، إلا أنها تمسكها ضربا من الإمساك، وتأزم عليها ضربا من الأزم قد عرفته.
ولكل شيء حدّ به يصلح، وبمجاوزته والتقصير دونه يفسد.
وقد نرى الطّائر يغوص في الماء نهاره، ثم يخرج منه كالشّعرة سللها من العيجن، غير مبتلّ الرّيش، ولا لثق الجناحين. ولو أنّ أرفق الناس رفقا، راهن على أن يغمس طائرا منها في الماء غمسة واحدة ثمّ خلّى سربه ليكون هو الخارج منه، لخرج وهو متعجّن الريش، مفسد النظم، منقوض التأليف. ولكان أجود ما يكون طيرانا أن يكون كالجادف. فهذا أيضا من أعاجيب الخفاش.
938-[من أعاجيب الخفافيش]
ومن أعاجيبها تركها ذرى الجبال وبسيط الفيافي، وأقلاب النخل، وأعالي الأغصان، ودغل الغياض والرياض، وصدوع الصّخر، وجزائر البحر، ومجيئها تطلب مساكن الناس وقربهم، ثم إذا صارت إلى بيوتهم وقربهم، قصدت إلى أرفع مكان وأحصنه، وإلى أبعد المواضع من مواضع الاجتياز، وأعرض الحوائج.
__________
[1] ذرب أسنانها: حدتها «القاموس: ذرب» .
(3/258)

939-[طول عمر الخفاش]
ثمّ الخفّاش بعد ذلك من الحيوان الموصوف بطول العمر، حتى يجوز في ذلك العقاب والورشان إلى النسر، ويجوز حد الفيلة والأسد وحمير الوحش، إلى أعمار الحيّات.
ومن أعاجيب الخفافيش أنّ أبصارها تصلح على طول العمر، ولها صبر على طول فقد الطّعم. فيقال إنّ اللواتي يظهرن في القمر من الخفافيش المسنّات المعمّرات، وإنّ أولادهن إذا بلغن لم تقو أبصارهنّ على ضياء القمر.
ومن أعاجيبها أنها تضخم وتجسم وتقبل الشّحم على الكبر وعلى السنّ.
940-[القدرة التناسلية]
وقد زعم صاحب المنطق أنّ الكلاب السلوقيّة كلما دخلت في السنّ كان أقوى لها على المعاظلة.
وهذا غريب جدا، وقد علمنا أنّ الغلام أحدّ ما يكون وأشبق وأنكح وأحرص، عند أوّل بلوغه. ثم لا يزال كذلك حتى يقطعه الكبر أو إصفاء أو تعرض له آفة.
ولا تزال الجارية من لدن إدراكها وبلوغها وحركة شهوتها على شبيه بمقدار واحد من ضعف الإرادة. وكذلك عامّتهنّ. فإذا اكتهلن وبلغت المرأة حدّ النّصف فعند ذلك يقوى عليها سلطان الشّهوة والحرص على الباه، فإنما تهيج الكهلة عند سكون هيج الكهل وعند إدبار شهوته، وكلال حدّه.
941-[قول النساء في الخفافيش]
وأما قول النساء وأشباه النساء في الخفافيش، فإنهم يزعمون أن الخفاش إذا عضّ الصبي لم ينزع سنه من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحشيّ. فما أنسى فزعي من سنّ الخفاش، ووحشتي من قربه! إيمانا بذلك القول، إلى أن بلغت.
وللنساء وأشباه النساء في هذا وشبهه خرافات، عسى أن نذكر منها شيئا إذا بلغنا إلى موضعه إن شاء الله.
942-[ضعف البصر لدى بعض الحيوان]
ومن الطير وذوات الأربع ما يكون فاقد البصر بالليل، ومنها ما يكون سيّء البصر. فأمّا قولهم: إنّه الفأرة والسنّور وأشياء أخر أبصر باللّيل، فهذا باطل.
(3/259)

والإنسان رديء البصر باللّيل، والذي لا يبصر منهم باللّيل تسمّيه الفرس شبكور وتأويله أنّه أعمى ليل [1] ، وليس له في لغة العرب اسم أكثر من أنّه يقال لمن لا يبصر باللّيل بعينه: هدبد. ما سمعت إلّا بهذا، فأمّا الأغطش فإنّه السيّء البصر بالليل والنهار جميعا.
وإذا كانت المرأة مغربة العين فكانت رديّة البصر، قيل لها: جهراء. وأنشد الأصمعيّ في الشاء [2] : [من الكامل]
جهراء لا تألو إذا هي أظهرت ... بصرا ولا من عيلة تغنيني
وذكروا أنّ الأجهر الذي لا يبصر في الشمس. وقوله «لا تألو» أي لا تستطيع.
وقوله: «أظهرت» صارت في الظهيرة. «والعيلة» : الفقر. قال: يعني به شاة.
وقال يحيى بن منصور، في هجاء بعض آل الصّعق: [من البسيط]
يا ليتني، والمنى ليست بمغنية، ... كيف اقتصاصك من ثأر الأحابيش
أتنكحون مواليهم كما فعلوا ... أم تغمضون كإغماض الخفافيش
وقال أبو الشمقمق، وهو مروان بن محمد [3] : [من مجزوء الرمل]
أنا بالأهواز محزو ... ن وبالبصرة داري
في بني سعد وسعد ... حيث أهلي وقراري
صرت كالخفاش لا أب ... صر في ضوء النهار
وقال الأخطل التغلبيّ [4] : [من الطويل]
وقد غبر العجلان حينا إذا بكى ... على الزّاد ألقته الوليدة في الكسر
فيصبح كالخفاش يدلك عينه ... فقبّح من وجه لئيم ومن حجر [5]
وقالوا: السحاة مقصورة: اسم الخفاش، والجمع سحا كما ترى.
__________
[1] نقل الزمخشري هذا القول في أساس البلاغة (هدب) .
[2] البيت لأبي العيال الهذلي في شرح أشعار الهذليين 415، واللسان والتاج (جهر، ألا) ، والمخصص 6/164، وديوان الأدب 2/261، وللهذلي في التهذيب 6/49، 15/432، والمقاييس 1/129.
[3] ديوان أبي الشمقمق 136.
[4] ديوان الأخطل 183، والأول في العين 5/307، والثاني في اللسان والتاج (حجر) .
[5] حجر: أراد محجر العين. ديوانه 183.
(3/260)

943-[لغز في الخفاش]
وقالوا في اللّغز، وهم يعنون الخفّاش [1] : [من الطويل]
أبى شعراء النّاس لا يخبرونني ... وقد ذهبوا في الشّعر في كلّ مذهب
بجلدة إنسان وصورة طائر ... وأظفار يربوع وأنياب ثعلب
944-[النهي عن قتل الضفادع والخفافيش]
هشام الدّستوائي قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن عمر أنّه قال: «لا تقتلوا الضّفادع فإنّ نقيقهنّ تسبيح. ولا تقتلوا الخفّاش فإنّه إذا خرب بيت المقدس قال: يا ربّ سلّطني على البحر حتّى أغرقهم» .
حماد بن سلمة قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: قال عبد الله بن عمر: «لا تقتلوا الخفّاش، فإنّه استأذن في البحر: أن يأخذ من مائه فيطفئ نار بيت المقدس حيث حرق. ولا تقتلوا الضّفادع فإنّ نقيقها تسبيح» .
قال: وحدثنا عثمان بن سعيد القرشي قال: سمعت الحسن يقول: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قتل الوطواط، وأمر بقتل الأوزاغ» .
قال: والخفاش يأتي الرّمانة وهي على شجرتها، فينقب عنها، فيأكل كلّ شيء فيها حتى لا يدع إلّا القشر وحده. وهم يحفظون الرّمّان من الخفافيش بكلّ حيلة.
قال: ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصّقورة والبوازي، ولكثير من جوارح الطير، وهي تسمن عنها، وتصحّ أبدانها عليها. ولها في ذلك عمل محمود نافع عظيم النّفع، بيّن الأثر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
تمّ المصحف الثالث من كتاب الحيوان ويليه المصحف الرابع وأوله في الذّرّ
__________
[1] نهاية الأرب 10/284.
(3/261)