Advertisement

الحيوان 004

الجزء الرابع
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم) نبدأ في هذا الجزء، بعون الله وتأييده، بالقول في جملة الذّرّة والنملة، كما شرطنا به آخر المصحف الثّالث. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
[باب في الذّرّة والنملة]
945-[خصائص النملة]
قد علمنا أنّ ليس عند الذّرّة غناء الفرس في الحرب، والدّفع عن الحريم. ولكنّا إذا أردنا موضع العجب والتّعجيب، والتّنبيه على التدبير، ذكرنا الخسيس القليل، والسّخيف المهين، فأريناك ما عنده من الحسّ اللطيف، والتّقدير الغريب، ومن النظر في العواقب، ومشاكلة الإنسان ومزاحمته.
والإنسان هو الذي سخّر له هذا الفلك بما يشتمل عليه.
وقد [1] علمنا أنّ الذّرّة تدّخر للشتاء في الصّيف، وتتقدّم في حال المهلة، ولا تضيع أوقات إمكان الحزم. ثم يبلغ من تفقّدها وحسن خبرها [2] ، والنظر في عواقب أمرها، أنّها تخاف على الحبوب التي ادّخرتها للشّتاء في الصيف، أن تعفن وتسوّس، [فتنقلها من] [3] بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها، لتيبّسها وتعيد إليها جفوفها، وليضربها النّسيم، وينفى عنها اللّخن والفساد.
ثمّ ربّما كان- بل يكون أكثر- مكانها نديّا [4] . وخافت أن تنبت نقرت موضع القطمير من وسط الحبّة، وتعلم أنّها من ذلك الموضع تبتدئ وتنبت وتنقلب [5] ، فهي تفلق الحبّ كلّه أنصافا. فأمّا إذا كان الحب من حبّ الكزبرة، فلقته أرباعا، لأنّ
__________
[1] الخبر في ثمار القلوب (643) .
[2] في ثمار القلوب: «ثم تبلغ من نقدها؛ وصحة تمييزها» .
[3] في الأصل: «ويقبلها» ؛ والتصحيح من ثمار القلوب.
[4] في الثمار: «ثم ربما- بل في أكثر الأوقات- اختارت ذلك ليلا، لأنه أخفى، وفي القمر لأنها فيه أبصر، فإن كان مكانها نديّا» .
[5] في الثمار: «تنبت وتصلب» .
(4/262)

أنصاف حبّ الكزبرة ينبت من بين جميع الحبوب. فهي على هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوان، حتّى ربّما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس.
ولها، مع لطافة شخصها وخفّة وزنها، وفي الشمّ والاستراوح ما ليس لشيء.
وربّما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فتسقط من يده الواحدة أو صدر الواحدة، وليس يرى بقربه ذرّة ولا له بالذّرّ عهد في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها وتحاول قلبها ونقلها، وسحبها وجرّها، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا، مضت إلى جحرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت، وخلفها صويحباتها كالخيط الأسود الممدود، حتى يتعاونّ عليها فيحملنها.
فأوّل ذلك صدق الشّمّ لما لا يشمّه الإنسان الجائع. ثمّ بعد الهمّة، والجراءة على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرّة، وأكثر من مائة مرّة.
وليس شيء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غيرها.
وعلى أنها لا ترضى بأضعاف الأضعاف، إلّا بعد انقطاع الأنفاس.
946-[كلام النمل]
فإن قلت: وما علّم الرّجل أنّ الّتي حاولت نقل الجرادة فعجزت، هي التي أخبرت صويحباتها من الذّرّ، وأنها كانت على مقدّمتهن؟ قلنا: لطول التّجربة، ولأنّا لم نر ذرّة قط حاولت نقل جرادة فعجزت عنها، ثمّ رأيناها راجعة، إلّا رأينا معها مثل ذلك، وإن كنّا لا نفصل في العين بينها وبين أخواتها، فإنّه ليس يقع في القلب غير الذي قلنا. وعلى أنّنا لم نر ذرّة قطّ حملت شيئا أو مضت إلى جحرها فارغة، فتلقاها ذرّة، إلّا واقفتها ساعة وخبّرتها بشيء. فدلّ ذلك على أنّها في رجوعها عن الجرادة، إنّما كانت لأشباهها كالرّائد لا يكذب أهله [1] .
ومن العجب أنّك تنكر أنّها توحي إلى أختها بشيء، والقرآن قد نطق بما هو أكثر من ذلك أضعافا. وقال رؤبة بن العجّاج [2] : [من الرجز]
لو كنت علّمت كلام الحكل ... علم سليمان كلام النّمل [3]
__________
[1] في مجمع الأمثال 2/233، وجمهرة الأمثال 1/474: «الرائد لا يكذب أهله» .
[2] ديوان رؤبة 131، واللسان والتاج (حكل، فطحل) ، والجمهرة 562، والتهذيب 4/101، والمجمل 2/94، وبلا نسبة في المخصص 2/122، والمقاييس 2/91، وديوان الأدب 1/158.
[3] الحكل: ما لا يسمع له صوت كالذر والنمل. «اللسان: حكل» .
(4/263)

وقال الله عز وجلّ: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَ
[1] فقد أخبر القرآن أنها قد عرفت سليمان وأثبتت عينه، وأنّ علم منطقها عنده، وأنها أمرت صويحباتها بما هو أحزم وأسلم. ثمّ أخبر أنها تعرف الجنود من غير الجنود، وقد قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
. ونخالك أيها المنكر تبسّمه بحالهنّ، أنّك لم تعرف قبل ذلك الوقت وبعده، شيئا من هذا الشكل من الكلام، ولا تدبيرا في هذا المقدار. وأمّا ما فوق ذلك فليس لك أن تدّعيه. ولكن، ما تنكر من أمثاله وأشباهه وما دون ذلك، والقرآن يدلّ على أنّ لها بيانا، وقولا، ومنطقا يفصل بين المعاني التي هي بسبيلها؟! فلعلها مكلّفة، ومأمورة منهيّة، ومطيعة عاصية. فأوّل ذلك أن المسألة من مسائل الجهالات.
وإنّ من دخلت عليه الشّبهة من هذا المكان لناقص الرّويّة رديّ الفكرة.
وقد علمنا، وهم ناس ولهم بذلك فضيلة في الغريزة وفي الجنس والطّبيعة. وهم ناس إلى أن ينتهوا إلى وقت البلوغ ونزول الفرض حتى لو وردت ذرّة لشربت من أعلاه.
947-[شعر فيه ذكر النمل]
وقال أبو دهبل [2] : [من المديد]
آب هذا اللّيل فاكتنعا ... وأمرّ النّوم فامتنعا [3]
في قباب وسط دسكرة ... حولها الزّيتون قد ينعا [4]
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا [5]
خرفة، حتى إذا ارتبعت ... سكنت من جلّق بيعا [6]
__________
[1] 18- 19/النمل: 27.
[2] الأبيات لأبي دهبل الجمحي في ديوانه 85، والمستقصى 1/51، وليزيد بن معاوية في ديوانه 22، والمقاصد النحوية 1/48، ومعجم البلدان 5/42 (الماطرون) ، وللأحوص الأنصاري في ديوانه 221، وليزيد أو للأحوص في الخزانة 7/309، والكامل 1/226- 227 (طبعة المعارف) ، والثاني للأخطل في اللسان والتاج (دسكر) ، والثالث له في اللسان (مطرن) .
[3] اكتنع الليل: حضر ودنا. «اللسان: كنع» . أمرّ: صار مرّا.
[4] الدسكرة: بناء كالقصر حوله بيوت للأعاجم؛ يكون فيها الشراب والملاهي. «اللسان: دسكر» .
[5] الماطرون: موضع بالشام قرب دمشق. معجم البلدان 5/42.
(4/264)

عند غيري فالتمس رجلا ... يأكل التّنّوم والسّلعا [1]
ذاك شيء لست آكله ... وأراه مأكلا فظعا
وقال أبو النّجم في مثل ذلك [2] : [من الرجز]
1- وكان نشّاب الرّياح سنبله ... واخضرّ نبتا سدره وحرمله [3]
3- وابيضّ إلّا قاعه وجدوله ... وأصبح الرّوض لويّا حوصله [4]
5- واصفرّ من تلع فليج بقله ... وانحتّ من حرشاء فلج خردله [5]
7- وانشقّ عن فصح سواء عنصله ... وانتفض البروق سودا فلفله [6]
9- واختلف النّمل قطارا ينقله ... طار عن المهر نسيل ينسله [7]
948-[استطراد لغوي]
قال أبو زيد: الحمكة القملة، وجمعه حمك. وقد ينقاس ذلك في الذّرّة.
قال أبو عبيدة: قرية النمل من التّراب [8] ، وهي أيضا جرثومة النمل.
وقال غيره: قرية النمل ذلك التراب والجحر بما فيه من الذرّ والحبّ والمازن.
والمازن هو البيض، وبه سمّوا مازن.
__________
[1] التنّوم: شجر له حمل صغار كمثل حب الخروع، ويتفلق عن حب يأكله أهل البادية. «اللسان:
تنم» .
[2] ديوان أبي النجم 157- 159، والرابع في اللسان (حصل) ، والتهذيب 4/241، والسادس والتاسع في اللسان والتاج (قطر، حرش) ، وبلا نسبة في الجمهرة 218، 513، والسادس في المقاييس 2/39، و (6، 8، 9) بلا نسبة في الاشتقاق 298، و (7، 8) في التاج (نفض) ، والجمهرة 218، و (8) في اللسان والتاج (فلل) ، و (8، 9) في أساس البلاغة (فلل) ، و (10) في اللسان والتاج (عتل) .
[3] في ديوانه: (السدر: شجر النبق. الحرمل: نبت له ورق كورق الصفصاف) .
[4] في ديوانه: (حوصله: مجتمع الماء فيه) .
[5] في ديوانه: (التلع: السيل؛ أو مجرى الماء من مكان عال. الفليج: المتسع ذو الأفلاج، والأفلاج:
الأودية الصغيرة. انحتّ: سقط وطاح. الحرشاء: اسم لخردل البر) .
[6] في ديوانه: (انشق: انفتح وكبّ ثمرته بعد أن أتم النضج. العنصل: بصل البر. البروق: شجر هش ضعيف له ثمر حبه أسود صغير كالفلفل) .
[7] في ديوانه: (القطار أصلا أن تتلو الإبل بعضها مقطورة، وكذا جاء النمل يجمع الحب بجد ونشاط. النسيل: الساقط من الريش والصوف والشعر) .
[8] في المخصص 8/120: (قرية النمل وجرثومته: ما يجمع من التراب) .
(4/265)

قال أبو عمرو: الزّبال ما حملت النملة بفيها، وهو قول ابن مقبل [1] :
[من المتقارب]
كريم النّجار حمى ظهره ... فلم يرتزأ بركوب زبالا [2]
949-[شعر في التعذيب بالنمل]
وأنشد ابن نجيم: [من الخفيف]
هلكوا بالرّعاف والنمل طورا ... ثمّ بالنّحس والضّباب الذّكور
وقال الأصمعيّ في تسليط الله الذّرّ على بعض الأمم [3] : [من الخفيف]
لحقوا بالزّهويين فأمسوا ... لا ترى عقر دارهم بالمبين
سلّط الله فازرا وعقيفا ... ن فجازاهم بدار شطون
يتبع القارّ والمسافر منهم ... تحت ظلّ الهدى بذات الغصون
فازر، وعقيفان: صنفان من الذّرّ. وكذلك ذكروه عن دغفل بن حنظلة الناسب [4] . ويقال: إنّ أهل تهامة هلكوا بالرّعاف مرتين. قال: وكان آخر من مات بالرّعاف من سادة قريش، هشام بن المغيرة.
قال أميّة بن أبي الصّلت في ذلك [5] : [من الخفيف]
نزع الذّكر في الحياة وغنا ... وأراه العذاب والتّدميرا [6]
أرسل الذّرّ والجراد عليهم ... وسنينا فأهلكتهم ومورا [7]
__________
[1] ديوان ابن مقبل 237 (176) ، واللسان والتاج (رزأ، زبل) ، والجمهرة 334، والتهذيب 13/216، وديوان الأدب 1/466، وهو لابن أحمر في أساس البلاغة (زبل) ، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في المخصص 8/120.
[2] في ديوانه: (النجار: الأصل. الزبال: ما تحمل النملة بفيها، والمعنى أنه فحل لم يركب وأودع للفحلة) .
[3] البيت الثاني بلا نسبة في اللسان والتاج (عقف) ، والتهذيب 1/266، وروايته:
(سلّط الذرّ فازر أو عقيفا ... ن فأجلاهم لدار شطون) .
[4] في اللسان: (قال دغفل النسابة: ينسب النمل إلى عقفان والفازر. فعقفان جدّ السود، والفازر:
جد الشقر) .
[5] ديوان أمية 402، 404، 405.
[6] رواية صدره في ديوانه: (سلب الذكر في الحياة جزاء) .
[7] في ديوانه: (عليهم: الضمير لآل فرعون، لأن الله أهلكهم بالطوفان والجراد. والمور: التراب تثيره الرياح) .
(4/266)

ذكر الذّرّ إنّه يفعل الشر ... رّ وإن الجراد كان ثبورا [1]
950-[النبي سليمان والنملة]
وقرأ أبو إسحاق قوله عز وجلّ: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ
[2] ، فقال [3] : كان ذلك الوادي معروفا بوادي النمل، فكأنّه كان حمى. وكيف ننكر أن يكون حمى؟! والنّمل ربّما أجلت أمّة من الأمم عن بلادهم.
ولقد سألت أهل كسكر فقلت: شعيركم عجب، وأرزكم عجب، وسمككم عجب، وجداؤكم عجب، وبطّكم عجب، ودجاجكم عجب، فلو كانت لكم أعناب! فقالوا: كلّ أرض كثيرة النّمل لا تصلح فيها الأعناب. ثمّ قرأ: قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
[4] فجعل تلك الجحرة مساكن. والعرب تسميها كذلك ثمّ قال: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ
[4] فجمعت من اسمه وعينه، وعرفت الجند من قائد الجند، ثم قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
فكانوا معذورين، وكنتم ملومين، وكان أشدّ عليكم. فلذلك قال: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
[5] لما رأى من بعد غورها وتسديدها، ومعرفتها. فعند ذلك قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ
[5]
951-[أمثال في النمل]
قال: ويقال: «ألطف من ذرّة» و: «أضبط من نملة» [6] .
قال: والنملة أيضا: قرحة تعرض للسّاق، وهي معروفة في جزيرة العرب.
قال: ويقال: «أنسب من ذرّة» .
__________
[1] في ديوانه: (الثبور: الهلاك، وصفه بالمصدر، يريد أنه مهلك) .
[2] 17- 18/النمل: 27.
[3] ثمار القلوب 345 (639) .
[4] 18/النمل: 27.
[5] 19/النمل: 27.
[6] المستقصى 1/214، ومجمع الأمثال 1/427، وجمهرة الأمثال 2/12، والدرة الفاخرة 1/282.
(4/267)

952-[تفسير بيت من الشعر]
فأمّا قوله [1] : [من الخفيف]
لو يدبّ الحوليّ من ولد الذّ ... رّ عليها لأندبتها الكلوم
فإنّ الحوليّ منها لا يعرف من مسانّها، وإنما هو كما قال الشاعر: [من الطويل]
تلقّط حوليّ الحصى: في منازل ... من الحيّ أمست بالحبيبين بلقعا
قال: وحوليّ الحصى: صغارها. فشبّهه بالحوليّ من ذوات الأربع.
953-[أحاديث في النمل]
ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من الدّوابّ أربع لا يقتلن: النّملة، والنّحلة، والصّرد، والهدهد» .
وحدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: حدّثنا الحسن بن سعد، مولى علي بن عبد الرحمن بن عبد الله قال: «نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم منزلا فانطلق لحاجته، فجاء وقد أوقد رجل على قرية نمل، إمّا في شجرة وإمّا في أرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فعل هذا؟! أطفئها أطفئها!» .
ويحيى بن أيوب، عن أبي زرعة بن جرير، قال أنبأنا أبو زرعة عن أبي هريرة قال: «نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فعضّته نملة، فقام إلى نمل كثير تحت شجرة فقتلهنّ، فقيل له: أفلا نملة واحدة؟!» [2] .
وعبد الله بن زياد المدنيّ، قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فقرصته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر بقرية النّمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمّة من الأمم يسبّحون الله تعالى؟! فهلّا نملة واحدة!» [3] .
يحيى بن كثير، قال: حدّثنا عمر بن المغيرة بن الحارث الزّمّاني، عن هشام
__________
[1] ديوان حسان 433، والتاج (ندب) .
[2] أخرجه البخاري في بدء الخلق برقم 3141، ومسلم في السلام برقم 2241.
[3] أخرجه البخاري في الجهاد برقم 2856.
(4/268)

الدّستوائي قال: إنّ النّمل والذّرّ إذا كانا في الصّيف كلّه ينقلن الحبّ، فإذا كان الشتاء وخفن أن ينبت فلقنه.
هشام بن حسّان، أنّ أهل الأحنف بن قيس لقوا من النّمل أذى، فأمر الأحنف بكرسيّ فوضع عند جحرهنّ، فجلس عليه ثمّ تشهّد فقال: لتنتهنّ أو لنحرّقنّ عليكنّ، أو لنفعلنّ أو لنفعلنّ! قال: فذهبن.
وعوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال: قال أبو موسى الأشعريّ: إنّ لكلّ شيء سادة، حتّى إنّ للنمل سادة.
عبد الله بن زياد المدنيّ، قال: أنبأنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خرج نبيّ من الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة رافعة رأسها إلى السماء، فقال ذلك النبيّ: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذا النّمل!» .
مسعر بن كدام، قال حدّثنا زيد القمّيّ، عن أبي الصّدّيق النّاجي قال: «خرج سليمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهمّ إنّا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقيك، فإمّا أن تسقينا وترزقنا، وإمّا أن تميتنا وتهلكنا! فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم!» [1] .
954-[تأويل آية]
وحدثني أبو الجهجاه قال: سأل أبو عمرو المكفوف عن قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
[2] فقلت له: إن نذيرا يعجب منه نبيّ من الأنبياء ثمّ يعظم خطره حتى يضحكه لعجيب! قال: فقال: ليس التأويل ما ذهبت إليه. قال: فإنّه قد يضحك النبيّ، عليه السلام، من الأنبياء من كلام الصبيّ، ومن نادرة غريبة. وكلّ شيء يظهر من غير معدنه، كالنّادرة تسمع من المجنون، فهو يضحك، فتبسّم سليمان عندي على أنّه استظرف ذلك المقدار من النّملة. فهذا هو التأويل.
__________
[1] تفسير ابن كثير 3/372.
[2] 18- 19/النمل: 27.
(4/269)

955-[سادة النمل]
وقال أبو الجهجاه: سألته عن قول أبي موسى: إنّ لكلّ شيء سادة حتى الذّرّ.
قال: يقولون: إنّ سادتها اللّواتي يخرجن من الجحر، يرتدن بجماعتها، ويستبقن إلى شمّ الذي هو من طعامهنّ.
وقال زهير [1] : [من الطويل]
وقال سأقضي حاجتي ثمّ أتّقي ... عدوّي بألف من ورائي ملجّم
فشدّ ولم تفزع بيوت كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم [2]
قال بعض العلماء: قرية النمل.
956-[استطراد لغوي]
قال: ويقال في لسانه حبسة: إذا كان في لسانه ثقل يمنعه من البيان. فإذا كان الثّقل الذي في لسانه من قبل العجمة قيل: في لسانه حكلة. والحكل من الحيوان كلّه ما لم يكن له صوت يستبان باختلاف مخارجه، عند حرجه وضجره، وطلبه ما يغذوه، أو عند هياجه إذا أراد السّفاد، أو عند وعيد لقتال، وغير ذلك من أمره.
957-[سبب اختلاف كلام الناس في رأي الهند]
وتزعم الهند أنّ سبب ما له كثر كلام الناس واختلفت صور ألفاظهم، ومخارج كلامهم، ومقادير أصواتهم في اللّين والشّدّة، وفي المدّ والقطع- كثرة حاجاتهم.
ولكثرة حاجاتهم كثرت خواطرهم وتصاريف ألفاظهم، واتّسعت على قدر اتّساع معرفتهم.
قالوا: فحوائج السّنانير لا تعدو خمسة أوجه: منها صياحها إذا ضربت، ولذلك صورة. وصياحها إذا دعت أخواتها وآلافها، ولذلك صورة. وصياحها إذا دعت أولادها للطّعم، ولذلك صورة. وصياحها إذا جاعت، ولذلك صورة. فلما قلّت وجوه المعرفة ووجوه الحاجات، قلّت وجوه مخارج الأصوات. وأصواتها تلك فيما بينها هو كلامها.
وقالوا: ثمّ من الأشياء ما يكون صوتها خفيّا فلا يفهمه عنها إلا ما كان من
__________
[1] البيتان من معلقته في ديوانه 29.
[2] في ديوانه: (أم قشعم: الحرب؛ أو المنية) .
(4/270)

شكلها. ومنها ما يفهم صاحبه بضروب الحركات والإشارات والشمائل. وحاجاتها ظاهرة جليّة، وقليلة العدد يسيرة. ومعها من المعرفة ما لا يقصّر عن ذلك المقدار، ولا يجوزه.
وراضة الإبل، والرّعاء، وروّاض الدّوابّ في المروج، والسّوّاس، وأصحاب القنص بالكلاب والفهود، يعرفون باختلاف الأصوات والهيئات والتشوّف، واستحالة البصر، والاضطراب، ضروبا من هذه الأصناف، ما لا يعرف مثله من هو أعقل منهم، إذا لم يكن له من معاينة أصناف الحيوان ما لهم. فالحكل من الحيوان من هذا الشكل.
وقد ذكرناه مرّة قال رؤبة [1] : [من الرجز]
لو أنّني عمّرت عمر الحسل ... أو أنّني أوتيت علم الحكل
علم سليمان كلام النّمل
958-[تفسير معنى الحكل]
وقال أبو العباس محمّد بن ذؤيب الفقيميّ، وهو الذي يقال له العمانيّ في بعض قصائده في عبد الملك بن صالح. والعمانيّ ممن يعدّ ممن جمع الرّجز والقصيد، كعمر بن لجإ، وجرير بن الخطفي، وأبي النّجم وغيرهم.
قال العمانيّ [2] : [من الطويل]
ويعلم قول الحكل لو أنّ ذرّة ... تساود أخرى لم يفته سوادها
يقول: الذّرّ الذي لا يسمع لمناجاته صوت، لو كان بينها سواد لفهمه.
والسّواد هو السّرار. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: «أذنك حتى أساودك» أي تسمع سوادي. وقالت ابنة الخسّ: قرب الوساد وطول السّواد [3] .
قال أبو كبير الهذليّ [4] : [من الكامل]
ساودت عنها الطّالبين فلم أنم ... حتى نظرت إلى السّماك الأعزل [5]
__________
[1] ديوان رؤبة 131، واللسان والتاج (حكل) والبيان 1/40.
[2] البيت في المعاني الكبير 636، والبيان 1/40، 325، وبهجة المجالس 1/423، وأساس البلاغة (حكل) ، وبلا نسبة في اللسان (حكل) ، والمختار من شعر بشار 8.
[3] ورد قولها في البيان 1/324، ومجالس ثعلب 304، وربيع الأبرار 3/158، وهو من الأمثال في المستقصى 1/195، ومجمع الأمثال 2/93، وجمهرة الأمثال 2/114، 126.
[4] شرح أشعار الهذليين 1079، واللسان (سهر) .
[5] السماك الأعزل: نجم وقّاد؛ شبهوه بالأعزل من الرجال، وهو الذي لا سلاح معه، وهو منزل القمر.
العمدة 2/254.
(4/271)

وقال النمر بن تولب [1] : [من الكامل]
ولقد شهدت إذا القداح توحّدت ... وشهدت عند اللّيل موقد نارها
عن ذات أولية أساود ربّها ... وكأنّ لون الملح تحت شفارها
وقد فسّرنا شأن الحكل.
وقال التيميّ الشاعر المتكلم- وأنشد لنفسه وهو يهجو ناسا من بني تغلب معروفين-[2] : [من الكامل]
عجم وحكل لا تبين، ودينها ... عبادة أعلاج عليها البرانس [3]
ففصل بين الحكل والعجم مثل ذوات الحافر والظّلف والخفّ، وجعل الحكل كالذّرّ والنّمل والخنافس، والأشكال التي ليست تصيح من أفواهها. فقال لي يومئذ حفص الفرد: أشهد أنّ الذي يقال فيه حقّ، كان والله نصرانيّا، ثمّ صار يخبر عن النصارى كما يخبر عن الأعراب!
959-[بين الأصمعي والمفضّل]
وقال الأصمعيّ للمفضّل، لما أنشد المفضّل جعفر بن سليمان قول أوس بن حجر [4] : [من المنسرح]
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا [5]
فجعل الذّال معجمة، وفتحها، وصحّف، وذهب إلى الأجذاع. قال الأصمعيّ:
__________
[1] ديوان النمر بن تولب 351، وأدب الكاتب 514، والسمط 783، والمخصص 14/67، والأول في اللسان والتاج (ولي) والتهذيب 15/453، والبيتان بلا نسبة في رصف المباني 369.
[2] البيت في البيان 1/40، ورواية صدره: (ولكن حكلا لا تبين وديتها) .
[3] العلج: الرجل من كفار العجم، والرجل القوي الضخم من الكفار. «اللسان: علج» . البرانس: جمع برنس: وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به، أو هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. «اللسان: برنس» .
[4] البيت لأوس بن حجر في ديوانه 55، والخصائص 3/306، واللسان (تلب، جدع، هدم) ، والتاج (تلب، هدم) ، والتهذيب 1/346، والمخصص 14/64، والمزهر 2/378، ولبشر بن أبي خازم في ديوانه 127 (150) ، ولبشر أو لأوس في التاج (جدع) ، وبلا نسبة في الجمهرة 1313، والمقاييس 1/432، وديوان الأدب 2/35، والعقد الفريد 2/483.
[5] في ديوان بشر: (الهدم: الثوب الخلق الرث، وذات هدم: يعني امرأة ضعيفة. النواشر: عروق السواعد. تولب: أراد به طفلها؛ وهو في الأصل ولد الحمار. الجدع: السيئ الغذاء) .
(4/272)

إنما هي: «تولبا جدعا» الدّال مكسورة. وفي الجدع يقول أبو زبيد [1] : [من البسيط]
ثمّ استقاها فلم يقطع نظائمها ... عن التضبّب لا عبل ولا جدع
وإنما ذلك كقول ابن حبناء الأشجعي: [من الوافر]
وأرسل مهملا جدعا وخفّا ... ولا جدع النّبات ولا جديب
فنفخ المفضّل، ورفع بها صوته، وتكلّم وهو يصيح. فقال الأصمعي: لو نفخت بالشّبّور لم ينفعك! تكلّم بكلام النّمل وأصب! والشّبّور: شيء مثل البوق، والكلمة بالفارسية. وهو شيء يكون لليهود، إذا أراد رأس الجالوت أن يحرّم كلام رجل منهم نفخوا عليه بالشّبّور.
960-[تحريم الكلام لدى اليهود والنصارى]
وليس تحريم الكلام من الحدود القائمة في كتبهم، ولكنّ الجاثليق ورأس الجالوت، لا يمكنهما في دار الإسلام حبس ولا ضرب، فليس عندهما إلّا أن يغرّما المال، ويحرّما الكلام. على أنّ الجاثليق كثيرا ما يتغافل عن الرّجل العظيم القدر، الذي له من السّلطان ناحية.
وكان طيمانو رئيس الجاثليق، قد همّ بتحريم كلام عون العباديّ، عندما بلغه من اتخاذ السّراري، فتوعّده وحلف: لئن فعل ليسلمنّ! وكما ترك الأشقيل وميخاييل وتوفيل، سمل عين منويل- وفي حكمهم أنّ من أعان المسلمين على الرّوم يقتل؛ وإن كان ذا رأي سملوا عينيه ولم يقتلوه- فتركوا سنّتهم فيه.
وقد ذكرنا شأنهم في غير ذلك، في كتابنا على النّصارى فإن أردته فاطلبه هنالك.
961-[معنى بيت لابن أبي ربيعة]
وقال عمر بن أبي ربيعة [2] : [من الكامل]
لو دبّ ذرّ فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهنّ حدور
والحدر: الورم والأثر يكون عن الضّرب.
__________
[1] ديوان أبي زبيد 645، والطرائف الأدبية 100، وأساس البلاغة (جدع) .
[2] ديوان عمر بن أبي ربيعة 125، واللسان والتاج وأساس البلاغة (حدر) ، وبلا نسبة في اللسان (بين) ، والمخصص 2/80، والتهذيب 4/408، والعين 3/179.
(4/273)

962-[التكنّي بالنمل]
وقد يسمّى بنملة ونميلة، ويكتنون بها. وتسمّوا بذرّ، واكتنوا بأبي ذرّ.
ويقال: سيف في متنه ذرّ، وهو ذرّيّ السّيف.
963-[أشعار تصف السيف]
وقال ابن ضبّة [1] : [من الهزج]
وقد أغدو مع الفتيا ... ن بالمنجرد التّرّ [2]
وذى البركة كالتّابو ... ت والمحزم كالقرّ [3]
معي قاضبة كالمل ... ح في متنيه كالذّرّ
وقد أعتسر الضّرب ... ة تثني شثن الشّتر
وقال الآخر: [من الوافر]
تكاد الرّيح ترميها صرارا ... وترجف إن يلثّمها خمار
وتحسب كلّ شيء قيل حقّا ... ويرعب قلبها الذّرّ الصّغار
وقال أوس بن حجر، في صفة السّيف [4] : [من الطويل]
كأن مدبّ النّمل يتّبع الرّبا ... ومدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا [5]
على صفحتيه بعد حين جلائه ... كفى بالّذي أبلى وأنعت منصلا [6]
قال [7] : وخطب إلى عقيل بن علّفة بعض بناته رجل من الحرقة من جهينة، فأخذه فشدّه قماطا، ودهن استه بربّ وقمطه وقرّبه من قرية النّمل، فأكل النمل حشوة بطنه.
__________
[1] الأبيات في الوحشيات 74، واللسان والتاج (ترر) ، والتهذيب 14/249، والجمهرة 325، 355، وأساس البلاغة (ثرر) .
[2] المنجرد: الفرس السبّاق القصير الشعر. (القاموس: جرد) .
التر: السريع الركض والمعتدل الأعضاء من الخيل. (القاموس: ترر) .
[3] البركة: الصدر. (القاموس: برك) . القر: الهودج. (القاموس: قرر) .
[4] ديوان أوس بن حجر 85، والشعر والشعراء 100، والأول في عيون الأخبار 2/187، ومعاهد التنصيص 1/135.
[5] في ديوانه: (يقول: اشتد على النمل البرد في أعلى الوادي فأسهل، أي أتى السهل فاستبان أثره) .
[6] في ديوانه: (الجلاء: الصقل. أبلي: أشفيك من نعته وأحدثك عنه. النصل: السيف) .
[7] الخبر في الأغاني 12/255 برواية مختلفة.
(4/274)

964-[ذكر النمل في الشعر]
وقال ذو الرّمّة [1] : [من الطويل]
وقرية لا جنّ ولا أنسيّة ... مداخلة أبوابها بنيت شزرا [2]
نزلنا بها ما نبتغي عندها القرى ... ولكنّها كانت لمنزلنا قدرا
وقال أبو العتاهية [3] : [من الكامل]
أخبث بدار همّها أشب ... جثل الفروع كثيرة شعبه
إنّ استهانتها بمن صرعت ... لبقدر ما تعلو به رتبه
وإذا استوت للنّمل أجنحة ... حتى يطير فقد دنا عطبه
وقال البعيث: [من الطويل]
ومولى كبيت النمل لا خير عنده ... لمولاه إلّا سعيه بنميم
965-[أقوال في النمل]
قال: وقد سمعت بعض الأعراب يقول: إنّه لنمام نمليّ. على قولهم: «كذب عليّ نمل» إذا أرادوا أن يخبروا أنه نمام. وقال حميد بن ثور، في تهوين قوّة الذّرّ [4] :
[من الطويل]
منعّمة، لو يصبح الذّرّ ساريا ... على جلدها بضّت مدارجه دما
وقال الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[5] .
قال: وقيل لعائشة- رضي الله تعالى عنها، وقد تصدّقت بحبّة عنب-:
أتصدّقين بحبّة عنب؟! قالت: «إن فيها لمثاقيل ذرّ» [6] .
__________
[1] ديوان ذي الرمة 1432، والمعاني الكبير 636، وشروح سقط الزند 1556.
[2] في ديوانه: (يريد قرية النمل. «مداخلة» : بعضها في بعض، وقوله: «بنيت شزرا» ، أي: ليست بمستقيمة، هي معوجّة) .
[3] ديوان أبي العتاهية 49، وثمار القلوب 346 (641) .
[4] ديوان حميد بن ثور 17، وعيون الأخبار 4/144، والأغاني 4/354.
[5] 7- 8/الزلزلة: 99.
[6] ورد قول عائشة رضي الله عنها في تفسير الآية التي تقدمت، انظر تفسير ابن كثير 4/577.
(4/275)

966-[لغز في النّمل]
وممّا قيل في الشّعر من اللّغز [1] : [من المتقارب]
فما ذو جناح له حافر ... وليس يضرّ ولا ينفع
يعني النّمل. فزعم أنّ للنّمل حافرا، وإنّما يحفر جحره، وليس يحفره بفمه.
967-[التعذيب بالنمل]
وعذّب عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ بأنواع العذاب فقيل له: إن أردت ألّا يفلح أبدا فمرهم أن ينفخوا في دبره النّمل. ففعلوا فلم يفلح بعدها.
968-[ما يّدخر قوته من الحيوان]
قالوا: وأجناس من الحيوان تدّخر، وتشبّه في ذلك بالإنسان ذي العقل والرّويّة، وصاحب النّظر في العواقب، والتفكير في الأمور: مثل الذّرّ، والنّمل، والفأر، والجرذان، والعنكبوت، والنّحل. إلّا أنّ النحل لا يدّخر من الطعام إلّا جنسا واحدا، وهو العسل.
969-[أكل الذّرّ والضباع للنمل]
وزعم اليقطريّ أنّك لو أدخلت نملة في جحر ذرّ لأكلتها، حتى تأتي على عامّتها. وذكر أنّه قد جرّب ذلك.
وقال صاحب المنطق: إنّ الضّباع تأكل النمل أكلا ذريعا، وذلك أن الضّباع تأتي قرية النّمل في وقت اجتماع النّمل، فتلحس ذلك النّمل بلسانها، بشهوة شديدة، وإرادة قويّة.
970-[أكل النمل للأرضة]
قالوا: وربّما أفسدت الأرضة على أهل القرى منازلهم، وأكلت كلّ شيء لهم.
ولا تزال كذلك حتى ينشو في تلك القرى النّمل، فيسلّط الله ذلك النّمل على تلك الأرضة، حتى تأتي على آخرها. وعلى أنّ النّمل بعد ذلك سيكون له أذى، إلّا أنّه دون الأرضة تعدّيا. وما أكثر ما يذهب النّمل أيضا من تلك القرى، حتى تتمّ لأهلها السّلامة من النّوعين جميعا.
__________
[1] البيت في محاضرات الأدباء 2/305.
(4/276)

وزعم بعضهم أنّ تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملا، وليس فناؤها لأكل النّمل لها، ولكنّ الأرضة نفسها تستحيل نملا. فعلى قدر ما يستحيل منها يرى النقص [1] في عددها. ومضرّتها على الأيام.
971-[مثل في النمل]
قال: وبالنّمل يضرب المثل؛ يقال: «جاؤوا مثل النّمل» [1] .
والزّنج نوعان [2] : أحدهما يفخر بالعدد، وهم يسمّون النّمل، والآخر يفخر بالصّبر وعظم الأبدان، وهم يسمّون الكلاب. وأحدهما يكبو والآخر ينبو. فالكلاب تكبو، والنّمل تنبو [2] .
972-[أجنحة النّمل سبب هلاكها]
قال: ومن أسباب هلاك النّمل نبات الأجنحة له. وقد قال الشاعر [3] : [من الكامل]
وإذا استوت للنّمل أجنحة ... حتى يطير فقد دنا عطبه
وإذا صار النّمل كذلك أخصبت العصافير؛ لأنها تصطادها في حال طيرانها.
973-[وسيلة لقتل النمل]
قالوا [4] : وتقتل بأن يصبّ في أفواه بيوتها القطران والكبريت الأصفر، ويدسّ في أفواهها الشّعر. وقد جرّبنا ذلك فوجدناه باطلا. انتهى.
__________
[1] في المستقصى 2/48: «جاءت مثل النمل» .
[2] البيان 3/51، ورسائل الجاحظ 1/211 «رسالة فخر السودان» .
[3] البيت لأبي العتاهية في ديوانه 49، وثمار القلوب 346 (641) .
[4] ربيع الأبرار 5/482.
(4/277)

باب جملة القول في القرد والخنزير
وفي تأويل المسخ، وكيف كان، وكيف يمسخ الناس على خلقتهما دون كلّ شيء، وما فيهما من العبرة والمحنة؛ وفي خصالهما المذمومة، وما فيهما من الأمور المحمودة؛ وما الفصل الذي بينهما في النّقص، وفي الفضل، وفي الذمّ وفي الحمد.
974-[ذكر الحيوان في القرآن]
وقد ذكر الله عزّ وجلّ في القرآن العنكبوت، والذّرّ والنّمل، والكلب، والحمار، والنّحل، والهدهد، والغراب، والذئب، والفيل والخيل، والبغال، والحمير، والبقر، والبعوض، والمعز، والضأن، والبقرة، والنعجة، والحوت، والنّون. فذكر منها أجناسا، فجعلها مثلا في الذّلّة والضّعف، وفي الوهن، وفي البذاء، والجهل.
وقال الله عزّ وجلّ: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[1] فقلّلها كما ترى وحقّرها، وضرب بها المثل. وهو مع ذلك جلّ وعلا، لم يمسخ أحدا من حشو أعدائه وعظمائهم بعوضة.
وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
[2] . إنّما قرّع الطالب في هذا الموضع [3] بإنكاره وضعفه، إذ عجز ضعفه عن ضعف مطلوب لا شيء أضعف منه، وهو الذباب. ثمّ مع ذلك لم نجده جلّ وعلا، ذكر أنّه مسخ أحدا ذبابا.
وقال: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
[3] فدلّ بوهن بيته على وهن خلقه، فكان هذا القول دليلا على التّصغير والتّقليل. وإنما لم يقل: إنّي مسخت أحدا من أعدائي عنكبوتا.
__________
[1] 26/البقرة: 2.
[2] 73/الحج: 22.
[3] 41/العنكبوت: 29، وانظر ثمار القلوب (635) ففيه التعليق نفسه الذي أورده الجاحظ.
(4/278)

وقال تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[1] فكان في ذلك دليل على ذمّ طباعه، والإخبار عن تسرّعه وبذائه. وعن جهله في تدبيره، وتركه وأخذه. ولم يقل إني مسخت أحدا من أعدائي كلبا.
وذكر الذّرّة فقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[2] فكان ذلك دليلا على أنّه من الغايات في الصّغر والقلّة، وفي خفّة الوزن وقلة الرجحان. ولم يذكر أنّه مسخ أحدا من أعدائه ذرّة.
وذكر الحمار فقال: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[3] فجعله مثلا في الجهل والغفلة، وفي قلّة المعرفة وغلظ الطّبيعة. ولم يقل إنّي مسخت أحدا من أعدائي حمارا. وكذلك جميع ما خلق وذكر من أصناف الحيوان بالذّمّ والحمد.
فأمّا غير ذلك ممّا ذكر من أصناف الحيوان، فإنّه لم يذكره بذمّ ولا نقص، بل قد ذكر أكثرهنّ بالأمور المحمودة، حتّى صار إلى ذكر القرد فقال: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
[4] فلم يكن لهما في قلوب النّاس حال. ولو لم يكن جعل لهما في صدور العامّة والخاصّة من القبح والتّشويه، ونذالة النّفس، ما لم يجعله لشيء غيرهما من الحيوان، لما خصّهما الله تعالى بذلك.
وقد علمنا أنّ العقرب أشدّ عداوة وأذى، وأفسد، وأنّ الأفعى والثّعبان وعامّة الأحناش، أبغض إليهم وأقتل لهم، وأنّ الأسد أشدّ صولة، وأنّهم عن دفعهم له أعجز، وبغضهم له على حسب قوّته عليهم، وعجزهم عنه، وعلى حسب سوء أثره فيهم.
ولم نره تعالى مسخ أحدا من أعدائه على صورة شيء من هذه الأصناف.
ولو كان الاستنذال والاستثقال والاستسقاط أراد، لكان المسخ على صورة بنات وردان أولى وأحقّ. ولو كان التّحقير والتّصغير أراد، لكانت الصّؤابة والجرجسة أولى بذلك. ولو كان إلى الاستصغار ذهب لكان الذّرّ والقمل والذّباب أولى بذلك.
والدّليل على قولنا قوله تبارك وتعالى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ.
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
[5] وليس أن النّاس رأوا شيطانا قطّ على صورة، ولكن
__________
[1] 176/الأعراف: 7.
[2] 7- 8/الزلزلة: 99، وانظر التعليق نفسه في ثمار القلوب (645) .
[3] 5/الجمعة: 62.
[4] 60/المائدة: 5.
[5] 64- 65/الصافات: 37، وانظر التعليق نفسه في ثمار القلوب (157) .
(4/279)

لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشّياطين، واستسماجه وكراهته، وأجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك- رجع بالإيحاش والتّنفير، وبالإخافة والتقريع، إلى ما قد جعله الله في طباع الأوّلين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم.
وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسّرين، أنّ رؤوس الشّياطين نبات نبت باليمن. [وقول بعضهم: إن الشياطين ها هنا: الحيّات] [1] .
وقال الله عزّ وجلّ لنبيّه: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[2] فذكر أنه رجس، وذكر الخنزير، وهو أحد المسوخ، ولم يذكر في هذه الآية التي أحصى فيها أصناف الحرام، وأباح ما وراء ذلك- القرد.
وصار بعضهم إلى تحريمه من جهة الحديث. وهو عند كثير منهم يحتمل المعارضة.
975-[مساوئ الخنزير]
فلولا أنّ في الخنزير معنى متقدّما سوى المسخ، وسوى ما فيه من قبح المنظر وسماجة التمثيل، وقبح الصوت، وأكل العذرة، مع الخلاف الشديد واللّواط المفرط والأخلاق السمجة، ما ليس في القرد الذي هو شريكه في المسخ- لما ذكره دونه.
976-[تحريم الخنزير في القرآن، دون القرد]
وقد زعم ناس أنّ العرب لم تكن تأكل القرود. وكان من تنصّر من كبار القبائل وملوكها يأكل الخنزير، فأظهر لذلك تحريمه؛ إذ كان هناك عالم من الناس، وكثير من الأشراف والوضعاء، والملوك والسّوقة، يأكلونه أشدّ الأكل، ويرغبون في لحمه أشدّ الرغبة.
قالوا: ولأنّ لحم القرد ينهى عن نفسه. ويكفي الطبائع في الزّجر عنه غنثه. ولحم الخنزير ممّا يستطاب ويتواصف، وسبيل لحم القرد كسبيل لحم الكلب، بل هو شرّ
__________
[1] الزيادة من ثمار القلوب (157) .
[2] 145/الأنعام: 6.
(4/280)

منه وأخبث. وقد قال الشاعر للأسديّ الذي ليم بأكل لحم الكلب [1] : [من الرجز]
يا فقعسيّ لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرّمه
فما أكلت لحمه ولا دمه
وليس يريد بقوله: «لو خافك الله عليه» أنّ الله يخافه على شيء أو يخافه من شيء. ولكنّه لمّا كان الكلب عنده مما لا يأكله أحد ولا يخاف على أكله إلّا المضطرّ، جعل بدل قوله: أمن الكلب على أكل لحمه، أنّ الله هو الذي لم يخف ذلك فيحرّمه. وهذا ممّا لا تقف الأعراب عليه، ولا تتّبع الوهم مواضعه؛ لأنّ هذا باب يدخل في باب الدّين، فيما يعرف بالنّظر.
977-[أكل لحوم بعض الحيوانات]
وقد يأكل أجراء الكلاب ناس، ويستطيبونها فيما يزعمون. ويقولون: إنّ جرو الكلب أسمن شيء صغيرا، فإذا شبّ استحال لحمه، كأنّه يشبّه بفرخ الحمام مادام فرخا وناهضا، إلى أن يستحكم ويشتدّ.
وما أكثر من يأكل السّنانير. والذين يأكلونها صنفان من الناس: أحدهما الفتى المغرور، الذي يقال له أنت مسحور، ويقال له: من أكل سنّورا أسود بهيما لم يعمل فيه السحر، فيأكله لذلك. فإذا أكله لهذه العلّة، وقد غسل ذلك وعصره، أذهب الماء زهومته، ولم يكن ذلك المخدوع بمستقذر ما استطابه. ولعلّه أيضا أن يكون عليه ضرب من الطّعام فوق الذي هو فيه، فإذا أكله على هذا الشّرط، ودبّر هذا التدبير، ولم ينكره، عاوده. فإذا عاوده صار ذلك ضراوة له.
والصّنف الآخر أصحاب الحمام؛ فما أكثر ما ينصبون المصائد للسّنانير، التي يلقّون منها في حمامهم. وربّما صادف غيظ أحدهم وحنقه وغضبه عليه، أن يكون السّنّور مفرط السّمن، فيدع قتله ويذبحه. فإذا فعل ذلك مرّة أو مرتين، صار ضراوة عليها. وقد يتقزّز الرّجل من أكل الضّبّ والورل والأرنب، فما هو إلّا أن يأكله مرّة لبعض التّجربة، أو لبعض الحاجة، حتى صار ذلك سببا إلى أكلها، حتى يصير بهم الحال إلى أن يصيروا أرغب فيها من أهلها.
وها هنا قوم لا يأكلون الجراد الأعرابيّ السمين، ونحن لا نعرف طعاما أطيب منه. والأعراب إنّما يأكلون الحيّات على شبيه بهذا الترتيب ولهذه العوارض.
__________
[1] الرجز في اللسان (روح، لوم) ، والبخلاء 234، والمخصص 3/4، والمقاصد النحوية 4/555.
(4/281)

وزعم بعض الأطبّاء والفلاسفة، أنّ الحيّات والأفاعي تؤكل نيئة ومطبوخة، ومشويّة، وأنّها تغذو غذاء حسنا.
وزعم أبو زيد، أنّه دخل على رؤبة، وعنده جرذان قد شواهنّ، فإذا هو يأكلهنّ، فأنكر ذلك عليه، فقال رؤبة: هنّ خير من اليرابيع والضّباب وأطيب؛ لأنها عندكم تأكل الخبز والتمر وأشباه ذلك. وكفاك بأكل الجرذان [1] ! ولولا هول الحيّات في الصّدور من جهة السّمرم، لكانت جهة التقذّر أسهل أمرا من الجرذان.
وناس من السّفالة يأكلون الذّبّان. وأهل خراسان يعجبون باتخاذ البزماورد من فراخ الزّنابير، ويعافون أذناب الجراد الأعرابيّ السمين. وليس بين ريح الجراد إذا كانت مشويّة وبين ريح العقارب مشويّة فرق. والطّعم تبع للرائحة: خبيثها لخبيثها، وطيّبها لطيّبها.
وقد زعم ناس، ممن يأكلون العقارب مشويّة ونيئة، أنها كالجراد السّمان.
وكان الفضل بن يحيى يوجّه خدمه في طلب فراخ الزّنابير ليأكلها. وفراخها ضرب من الذّبان.
فأمّا لحوم البراذين فقد كثر علينا وفينا، حتى أنسنا به. وزعم بعضهم أنّه لم يأكل أطيب من رأس برذون وسرّته. فأمّا السّرّة والمعرف [2] فإنهم يزاحمون بها الجداء والدّجاج. ويقدّمون الأسرام المحشوّة.
ومن أصحابنا من يأكل السراطين أكلا ذريعا. فأما الرق [3] والكوسج [4] فهو من أعجب طعام البحريّين. وأهل البحر يأكلون البلبل فهو اللّحم الذي في جوف الأصداف.
والأعرابيّ إذا وجد أسود سالخا، رأى فيه ما لا يرى صاحب الكسمير في كسميره.
__________
[1] ورد الخبر في الأغاني 20/350، وفيه أنه يأكل الفئران.
[2] المعرفة: موضع العرف من الفرس.
[3] الرق: ضرب من دواب الماء يشبه التمساح، والرق أيضا: العظيم من السلاحف. حياة الحيوان 1/527.
[4] الكوسج: نوع من السمك تنفر منه الحيوانات البحرية، وهي القرش. حياة الحيوان 2/299.
(4/282)

وخبّرني كم شئت من الناس، أنّه رأى أصحاب الجبن الرّطب بالأهواز وقراها، يأخذون القطعة الضّخمة من الجبن الرّطب، وفيها ككواء الزنابير، وقد تولّد فيها الدّيدان، فينفضها وسط راحته، ثمّ يقمحها في فيه، كما يقمح السّويق والسّكّر، أو ما هو أطيب منه.
978-[آيات في تعذيب الناس بالحيوان]
وقد خبّر الله تعالى عن أصحاب النّقم، وما أنزل الله من العذاب، وما أخذ من الشكل والمقابلات، فقال: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا
[1] ، وقال:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ
[2] .
وليس من هذه الأصناف شيء أبلغ في المثلة والشّنعة، ممّن جعل منهم القردة والخنازير.
979-[الأهلي والوحشي من الحيوان]
فالخنزير يكون أهليا ووحشيا، كالحمير والسّنانير، مما يعايش النّاس. وكلها لا تقبل الآداب. وإنّ الفهود وهي وحشيّة تقبل كلها، كما تقبل البوازي، والشّواهين، والصقورة، والزّرّق، واليؤيؤ، والعقاب، وعناق الأرض، وجميع الجوارح الوحشيّات.
ثمّ يفضلها الفهد بخصلة غريبة وذلك أنّ كبارها ومسانّها أقبل للآداب، وإن تقادمت في الوحش، من أولادها الصغار، وإن كانت تقبل الآداب؛ لأنّ الصغير إذا أدّب فبلغ، خرج جبينا مواكلا، والمسنّ الوحشيّ يخلص لك كله، حتى يصير أصيد وأنفع.
وصغار سباع الطّير وكبارها على خلاف ذلك، وإن كان الجميع يقبل الأدب.
والخنزير وإن كان أهليّا فإنه لا يقبل الأدب على حال، حتى كأنّه- وإن كان بهيمة- في طباع ذئب.
وذلك أن أعرابيّا أخذ جرو ذئب وكان التقطه التقاطا، فقال: أخذته وهو لا يعرف أبويه ولا عملهما، وهو غرّ لم يصد شيئا، فهو إذا ربّيناه وألّفناه، أنفع لنا من
__________
[1] 40/العنكبوت: 29.
[2] /الفيل: 105.
(4/283)

الكلب. فلمّا شبّ عدا على شاة له فقتلها وأكل لحمها، فقال الأعرابيّ [1] : [من الوافر]
أكلت شويهتي وربيت فينا ... فمن أدراك أنّ أباك ذيب
فالذئب وجرو الذئب إذا كانا سبعين وحشيّين كانا ثمّ من أشدّ الوحش توحّشا وألزمها للقفار، وأبعدها من العمران.
والذّئب أغدر من الخنزير والخنّوص [2] وهما بهيمتان.
980-[ضرر الخنزير]
وأمّا ضرره وإفساده، فما ظنّك بشيء يتمنّى له الأسد؟! وذلك أن الخنازير إذا كانت بقرب ضياع قوم، هلكت تلك الضّياع، وفسدت تلك الغلّات. وربّما طلب الخنزير بعض العروق المدفونة في الأرض فيخرّب مائة جريب، ونابه ليس يغلبه معول. فإذا اشتدّ عليهم البلاء تمنّوا أن يصير في جنبتهم أسد. ولربّما صار في ضياعهم الأسد فلا يهيجونه، ولا يؤذونه، ولو ذهب إنسان ليحفر له زبية منعوه أشدّ المنع؛ إذ كان ربّما حمى جانبهم من الخنازير فقط. فما ظنّك بإفسادها، وما ظنّك ببهيمة يتمنّى أن يكون بدلها أسد؟! ثمّ مع ذلك إذا اجتمعوا للخنازير بالسّلاح، وبالآلات والأدوات التي تقتل بها، فربّما قتل الرّجل منهم، أو عقره العقر الذي لا يندمل؛ لأنّه لا يضرب بنابه شيئا إلّا قطعه، كائنا ما كان. فلو قتلوا في كلّ يوم منها مائة وقتلت في كلّ يوم إنسانا واحدا، لما كان في ذلك عوض.
والخنازير تطلب العذرة، وليست كالجلّالة [3] ؛ لأنها تطلب أحرّها وأرطبها وأنتنها، وأقربها عهدا بالخروج. فهي في القرى تعرف أوقات الصّبح والفجر، وقبل ذلك وبعده؛ لبروز النّاس للغائط. فيعرف من كان في بيته نائما في الأسحار ومع الصّبح، أنّه قد أسحر وأصبح، بأصواتها ومرورها، ووقع أرجلها في تلك الغيطان، وتلك المتبرّزات. وبذلك ضربوا المثل ببكور الخنزير، كما ضربوا المثل بحذر الغراب وروغان الثّعلب.
__________
[1] الخبر والبيت في عيون الأخبار 2/5، وثمار القلوب (581) ، ومجمع الأمثال 1/446، والمستقصى 1/233، وجمهرة الأمثال 2/30، والدرة الفاخرة 294، والتذكرة الحمدونية 2/248، ومحاضرات الأدباء 1/122 (1/249) .
[2] الخنوص: ولد الخنزير. (القاموس: خنص) .
[3] الجلّالة: البقرة تتبع النجاسات، والجلة: البعرة. (القاموس: جلل) .
(4/284)

على أنّ الثّعلب ليس بأروغ من الخنزير، ولا أكدّ للفارس، ولا أشدّ إتعابا لصاحبه.
981-[بعض أسباب مسخ الإنسان]
[1] فأمّا قبح وجهه فلو أنّ القبح [2] والإفلاس، والغدر والكذب، تجسّدت ثمّ تصوّرت لما زادت على قبح الخنزير. وكلّ ذلك بعض الأسباب التي مسخ لها الإنسان خنزيرا.
وإنّ القرد لسمج الوجه، قبيح [في] [3] كلّ شيء. وكفاك به أنّه للمثل المضروب- ولكنّه في وجه آخر مليح. فملحه يعترض على قبحه فيمازجه ويصلح منه. والخنزير أقبح منه لأنّه ضرب مصمت بهيم. فصار أسمج ببعيد.
982-[نزو الذكر على الذكر]
وحدّثني بعض أهل العلم، ممّن طال ثواؤه في أرض الجزيرة، وكان صاحب أخبار وتجربة، وكان كلفا يحبّ التبيّن، معترضا للأمور، يحبّ أن يفضي إلى حقائقها، وتثبيت أعيانها بعللها، وتمييز أجناسها، وتعرّف مقادير قواها وتصرّف أعمالها، وتنقّل حالاتها؛ وكان يعرف للعلم قدره، وللبيان فضله.
قال: ربّما رأيت الخنزير الذّكر وقد ألجأه أكثر من عشرين خنزيرا إلى مضيق، وإلى زاوية، فينزون عليه واحدا واحدا، حتى يبلغ آخرهم.
وخبّرني هذا الرّجل وغيره من أهل النظر وأصحاب الفكر، أنّهم رأوا مثل ذلك من الحمير. وذكروا أنّ ذلك إما تأنيت في طبعه، وإمّا أن يكون له في أعينها من الاستحسان شبيه بالذي يعتري عيون بعض الرجال في الغلمان، والأحداث الشّباب.
وقد يكون هذا بين الغزانق والكراكيّ. والتّسافد بين الذّكر والأنثى. والسافد والمسفود إذا كانا من جميع الذكورة، كثير في جميع أصناف الحيوان، إلّا أنّه في جميع الخنازير والحمير أفشى. وأمّا تسافد الحمام الذّكر والأنثى للذّكر، فأكثر من أن يكون فيه تنازع.
__________
[1] وردت هذه الفقرة في ثمار القلوب 321 (598) .
[2] في ثمار القلوب (الكفر) .
[3] إضافة من ثمار القلوب.
(4/285)

983-[معارف في الخنزير]
وباب آخر ممّا ذكر صاحب المنطق، فزعم أنّ من الخنازير ما له ظلف واحد، وليس لشيء من ذوات الأنياب في نابه من القوّة والذّرب ما للخنزير الذكر، وللجمل، والفهد، والكلب. قال: والإنسان يلقي أسنانه، وكذلك الحافر والخفّ. قال:
والخنزير لا يلقي أسنانه البتّة.
ويقال: إنّ عبد الصّمد بن عليّ لم يثغر قط، وأنّه دخل قبره بأسنان الصّبا.
984-[أسنان الذئب والحية]
وزعم بعضهم أنّ أسنان الذّئب مخلوقة في الفكّ، ممطولة في نفس العظم.
وذلك ممّا توصف به أسنان الحيّة. قال الشّاعر: [من السريع]
مطلن في اللّحيين مطلا إلى ... الرّأس وأشداق رحيبات
والشّاعر يمدح الشيء فيشدّد أمره، ويقوّي شأنه، وربّما زاد فيه، ولعلّ الذي قال في الذّئب ما قال، هذا أراد. ولا يشكّون أنّ الضّبع كذلك.
985-[مرق لحم الحيوان]
قال وليس يجمد مرق لحم الحيوان السّمين، مثل الخنزير والفرس، وأمّا ما كان كثير الثرب فمرقته تجمد، مثل مرق لحم المعزى.
986-[طباع بعض الحيوان عند الهيج]
قال: والخنزير الذّكر يقاتل في زمن الهيج، فلا يدع خنزيرا إلّا قتله، ويدنو من الشّجرة ويدلك جلده، ثمّ يذهب إلى الطين والحمأة فيتلطخ به، فإذا تساقط عاد فيه.
قال: وذكورة الخنازير تطرد الذّكورة عن الإناث، وربّما قتل أحدهما صاحبه وربّما هلكا جميعا، وكذلك الثّيران والكباش والتّيوس في أقاطيعها، وهي قبل ذلك الزّمان متسالمة.
والجمل في تلك الحالة لا يدع جملا ولا إنسانا يدنو من هجمته [1] . والجمل خاصّة يكره قرب الفرس، ويقاتله أبدا.
__________
[1] الهجمة من الإبل: أولها أربعون، أو ما بين السبعين إلى المائة. (القاموس: هجم) .
(4/286)

ومثل هذا يعرض للذّئبة والذّئب. والأسد ليس ذلك من صفاتها؛ لأنّ بعضها لا يأوي إلى بعض، بل ينفرد كلّ واحد بلبؤته. وإذا كان للذّئبة الأنثى جراء ساءت أخلاقها وصعبت، وكذلك إناث الخيل والفيل: يسوء خلقها في ذلك الزّمان.
والفيّالون يحمونها النّزو؛ لأنها إذا نزت جهلت جهلا شديدا، واعتراها هيج لا يقام له. وإذا كان ذلك الزّمان أجادوا عقله، وأرسلوه في الفيلة الوحشيّة. فأمّا الخنزير والكلب فإنهما لا يجهلان على النّاس؛ لمكان الألفة.
قال: وزعم بعض النّاس أنّ إناث الخيل تمتلئ ريحا في زمان هيجها، فلا يباعدون الذّكورة عنها. وإذا اعتراها ذلك ركضت ركضا شديدا، ثمّ لا تأخذ غربا ولا شرقا، بل تأخذ في الشّمال والجنوب.
ويعرض مثل هذا العرض لإناث الخنازير. فإذا كان زمن هياج الخنازير، تطأطئ رؤوسها، وتحرّك أذنابها تحريكا متتابعا، وتتغيّر أصواتها إذا طلبت السّفاد. وإذا طلبت الخنزيرة السّفاد بالت بولا متتابعا.
987-[مدد الحمل للحيوان]
قال: وإناث الخنازير تحمل أربعة أشهر. وأكثر ما تحمل عشرون خنّوصا [2] .
وإذا وضعت أجراء كثيرة لم تقو على رضاعها وتربيتها.
قال: وإناث الخنازير تحمل من نزوة واحدة، وربّما كان من أكثر. وإذا طلبت الذّكر لم تنزع حتى تطاوع وتسامح، وترخي أذنابها. فإذا فعلت ذلك تكتفي بنزوة واحدة.
ويعلف الذّكر الشّعير في أوان النّزو، ويصلح للأنثى.
والخنزيرة تضع في أربعة أشهر، والشّاة في خمسة، والمرأة والبقرة في تسعة أشهر، والحافر كله في سنة.
988-[خصائص الخنزير]
قال: ومتى قلعت العين الواحدة من الخنزير هلك. وكثير من الخنازير تبقى خمسة عشر عاما. والخنزير ينزو إذا تمّ له ثمانية أشهر، والأنثى تريد الذّكر إذا تمّت لها ستّة أشهر. وفي بعض البلدان ينزو إذا تمّ له أربعة أشهر، والخنزيرة إذا تمّت لها ستّة أشهر، ولكنّ أولادهما لا تجيء كما يريدون. وأجود النّزو أن يكون ذلك منه
(4/287)

وهو ابن عشرة أشهر إلى ثلاث سنين. وإذا كانت الخنزيرة بكرا ولدت جراء ضعافا وكذلك البكر من كل شيء.
989-[الحلال والحرام من الطيبات في القرآن]
وقال الله تبارك وتعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
[1] ثمّ ذكر غير الطيّبات فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ، ذلِكُمْ فِسْقٌ
[2] ثمّ قال: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
[3] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[4] .
وقوله تعالى: طَيِّباتِ
تحتمل وجوها كثيرة، يقولون: هذا ماء طيّب، يريدون العذوبة. وإذا قالوا للبرّ والشّعير والأرز طيّب، فإنما يريدون أنّه وسط، وأنّه فوق الدّون. ويقولون: فم طيّب الرّيح، وكذلك البرّ، يريدون أنّه سليم من النّتن، ليس أنّ هناك ريحا طيبة ولا ريحا منتنة. ويقولون: حلال طيّب، وهذا لا يحل لك، ولا يطيب لك، وقد طاب لك أي حل لك، كقول: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
[5] .
990-[استطراد لغوي]
قال طويس المغنّي لبعض ولد عثمان بن عفّان [6] : لقد شهدت زفاف أمّك المباركة إلى أبيك الطيّب. يريد الطّهارة. ولو قال: شهدت زفاف أمّك الطيّبة إلى أبيك المبارك، لم يحسن ذلك؛ لأنّ قولك طيّب إنّما يدلّ على قدر ما اتّصل به من الكلام.
__________
[1] 172/البقرة: 2.
[2] 3/المائدة: 5.
[3] 160/المائدة: 5.
[4] 87/المائدة: 5.
[5] 3/النساء: 4.
[6] الخبر في البيان 1/263، ورواية الخبر فيه: (قال سعيد بن عثمان بن عفان لطويس المغني: أيّنا أسف أنا أم أنت يا طاوس؟ قال: بأبي أنت وأمي؛ لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب) .
(4/288)

وقد قال الشّاعر [1] : [من الكامل]
والطيّبون معاقد الأزر
وقد يخلو الرّجل بالمرأة فيقول: وجدتها طيّبة. يريد طيّبة الكوم [2] ، لذيذة نفس الوطء. وإذا قالوا: فلان طيّب الخلق، فإنما يريدون الظّرف والملح.
وقال الله عزّ وجلّ: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
[3] يريد ريحا ليست بالضعيفة ولا القويّة.
ويقال: لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفس منه. وقال الله عزّ وجلّ:
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
[4] وقال: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
[5] وذلك إذ كانت طيّبة الهواء والفواكه، خصيبة.
وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
[6] ثم قال: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
[7] .
وفي هذا دليل على أنّ التأويل في امرأة نوح وامرأة لوط، عليهما السلام، على غير ما ذهب إليه كثير من أصحاب التّفسير: وذلك أنهم حين سمعوا قوله عزّ وجلّ:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما
[8] فدلّ ذلك على أنّه لم يعن الخيانة في الفرج.
__________
[1] صدر البيت: (النازلين بكل معترك) ؛ وهو للخرنق بنت بدر بن هفان في حماسة القرشي 367، وأشعار النساء 163، والحماسة البصرية 1/227، والأمالي 2/158، وأمالي المرتضى 1/206، والسمط 548، والخزانة 5/41، 42، 44، واللسان (نضر) ، وأساس البلاغة (أزر) ، والمقاصد النحوية 3/602، 4/72، والكتاب 1/202، 2/57، 58، 64، وشرح أبيات سيبويه 2/16.
[2] كام المرأة: نكحها. (القاموس: كوم) .
[3] 22/يونس: 10.
[4] 4/النساء: 4.
[5] 15/سبأ: 34.
[6] 23/النور: 24.
[7] 26/النور: 24.
[8] 10/التحريم: 66.
(4/289)

وقد يقع اسم الخيانة على ضروب: أوّلها المال، ثمّ يشتقّ من الخيانة في المال الغشّ في النصيحة والمشاورة. وليس لأحد أن يوجّه الخبر إذا نزل في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وحرم الرّسل، على أسمج الوجوه، إذا كان للخبر مذهب في السّلامة، أو في القصور على أدنى العيوب.
وقد علمنا أنّ الخيانة لا تتخطّى إلى الفرج حتّى تبتدئ بالمال. وقد يستقيم أن يكونا من المنافقين فيكون ذلك منهما خيانة عظيمة. ولا تكون نساؤهم زواني، فيلزمهم أسماء قبيحة. وقال الله عزّ وجلّ: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً
[1] وقال: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
[2] وقال: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
[3] وقال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
[4] وقال:
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[5] و: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
[6] وقال: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
[7] فقوله: طيّب، يقع في مواضع كثيرة، وقد فصّلنا بعض ذلك في هذا الباب.
__________
[1] 61/النور: 24.
[2] 114/النحل: 16.
[3] 97/النحل: 16.
[4] 32/الأعراف: 7.
[5] 26/إبراهيم: 14.
[6] 24/إبراهيم: 14.
[7] 57/البقرة: 2.
(4/290)

ثم رجع بنا القول إلى موضعنا من ذكر الخنزير
ثمّ قال: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[1] ألا تراه قد ذكر أصناف ما حرّم ولم يذكرها بأكثر من التّحريم، فلمّا ذكر الخنزير قال: فَإِنَّهُ رِجْسٌ
؟! فجعل الخنزير وإن كان غير ميتة أو ذكر الذّابح عليه اسم الله، أنّه رجس. ولا نعلم لهذا الوجه إلّا الذي خصّه الله به من ذكر المسخ، فأراد تعظيم شأن العقاب ونزول الغضب، وكان ذلك القول ليس ممّا يضرّ الخنزير، وفيه الزّجر عن محارمه، والتّخويف من مواضع عذابه. وإن قيل: ينبغي أن يكون مسخ صورة القرد، فهلّا ذكره في التحريم مع أصناف ما حرّم، ثمّ خصّه أيضا أنّه من بينها رجس، وهو يريد مذهبه وصفته؟ قلنا. إنّ العرب لم تكن تأكل القرود، ولا تلتمس صيدها للأكل. وكلّ من تنصّر من ملوك الرّوم والحبشة والصّين، وكلّ من تمجّس من ملك أو سوقة، فإنّهم كانوا يرون للحم الخنزير فضيلة، وأنّ لحومها ممّا تقوم إليه النفوس، وتنازع إليه الشّهوات.
وكان في طباع الناس من التكرّه للحوم القردة، والتقذّر منها ما يغني عن ذكرها. فذكر الخنزير إذ كان بينهما هذا الفرق، ولو ذكر ذلك وألحق القرد بالخنزير لموضع التحريم، لكان ذلك إنما كان على وجه التوكيد لما جعله الله تعالى في طبائعهم من التكرّه والتقذّر، ولا غير ذلك.
وقال الله عزّ وجلّ: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ
[2] .
991-[بعض وجوه التحريم]
وقد أنبأك كما ترى عن التّحريم أنّه يكون من وجوه: فمنها ما يكون كالكذب والظلم والغشم والغدر؛ وهذه أمور لا تحلّ على وجه من الوجوه. ومنها ما يحرم في العقل من ذبح الإنسان الطّفل. وجعل في العقول التبيّن بأنّ خالق الحيوان أو المالك له، والقادر على تعويضه، يقبح ذلك في السماع على ألسنة رسله.
__________
[1] 45/الأنعام: 6.
[2] 146/الأنعام: 6.
(4/291)

وهذا ممّا يحرم بعينه لا أنه حرّم لعلة قد يجوز دفعها. والظلم نفسه هو الحرام، ولم يحرّم لعلة غير نفسه.
وباب آخر، وهو ما جاء من طريق التعبّد، وما يعرف بالجملة، ويعرف بالتفسير.
ومنه ما يكون عقابا، ويكون مع أنه عقاب امتحانا واختبارا، كنحو ما ذكر من قوله: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ
[1] وكنحو أصحاب البقرة الذين قيل لهم: اذبحوا بقرة فإنّي أريد أن أضرب بها القتيل ثم أحييهما جميعا. ولو اعترضوا من جميع البقر بقرة فذبحوها، كانوا غير مخالفين. فلمّا ذهبوا مذهب التشكك والتعلّل، ثم التعرّض، والتعنّت في طريق التعنّت، صار ذلك سبب تغليظ الفرض [2] .
وقد قال الله عزّ وجلّ: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
[3] وقال الله تعالى:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
[4] ومثله: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا
[5] يجوز أن يكون إنّما يريدون صرف العذاب، ويجوز أن يكون إنما يريدون تخفيف الفرائض. وقد يجوز أن يكون على قول من قال: لا أستطيع النظر إلى فلان، على معنى الاستقبال.
وباب آخر من التّحريم، وهو قوله: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
[6] .
992-[شعر في الخنزير]
وقال مروان بن محمد [7] : [من المنسرح]
يمشي رويدا يريد ختلكم ... كمشي خنزيرة إلى عذره
__________
[1] 146/الأنعام: 6.
[2] ثمار القلوب (560) .
[3] 32/المائدة: 5.
[4] 157/الأعراف: 7.
[5] 86/البقرة: 2.
[6] 93/آل عمران: 3.
[7] ديوان أبي الشمقمق 138.
(4/292)

وقال آخر [1] : [من الخفيف]
نعم جار الخنزيرة المرضع الغر ... ثى إذا ما غدا، أبو كلثوم
طاويا قد أصاب عند صديق ... من ثريد ملبّد مأدوم
ثمّ أنحى بجعره حاجب الشّم ... س فألقى كالمعلف المهدوم
993-[جرير والحضرمي]
وقال أبو الحسن: وفد جرير على هشام، فقال الحضرمي: أيّكم يشتمه؟
فقالوا: ما أحد يقدم عليه! قال: فأنا أشتمه ويرضى ويضحك! قال: فقام إليه فقال:
أنت جرير؟ قال: نعم. قال: فلا قرّب الله دارك ولا حيّا مزارك! يا كلب! فجعل جرير ينتفخ، ثمّ قال له: رضيت في شرفك وفضلك وعفافك أن تهاجي القرد العاجز؟! يعني الفرزدق. فضحك.
فحدّث صديق لي أبا الصّلع السّنديّ بهذا الحديث، قال: فشعري أعجب من هذا لأني شتمت البخلاء، فشتمت نفسي بأشدّ ممّا شتمتهم. فقال: وما هو؟ قال قولي: [من مجزوء الرمل]
لا ترى بيت هجاء ... أبدا يسمع منّي
الهجا أرفع ممّن ... قدره يصغر عنّي
994-[احتيال بعض الناس]
قال أبو الحسن: كان واحد يسخر بالنّاس، ويدّعي أنّه يرقي من الضّرس إذا ضرب على صاحبه. فكان إذا أتاه من يشتكي ضرسه قال له إذا رقاه: إيّاك أن تذكر إذا صرت إلى فراشك القرد؛ فإنّك إن ذكرته بطلت الرّقية! فكان- إذا آوى إلى فراشه- أوّل شيء يخطر على باله ذكر القرد، ويبيت على حاله من ذلك الوجع، فيغدو إلى الذي رقاه فيقول له: كيف كنت البارحة؟ فيقول: بتّ وجعا! فيقول: لعلّك ذكرت القرد! فيقول: نعم! فيقول: من ثمّ لم تنتفع بالرّقية!
995-[شعر لبعض ظرفاء الكوفيين]
وقال بعض ظرفاء الكوفيّين [1] : [من الوافر]
فإن يشرب أبو فرّوخ أشرب ... وإن كانت معتّقة عقارا
__________
[1] الأبيات في البيان 3/311.
[2] البيتان لبعض الكوفيين في عيون الأخبار 3/16، واللسان والتاج (فرخ) .
(4/293)

وإن يأكل أبو فرّوخ آكل ... وإن كانت خنانيصا صغارا [1]
996-[قرد يزيد بن معاوية]
وقال يزيد بن معاوية [2] : [من الطويل]
فمن مبلغ القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان
تعلّق أبا قيس بها إن أطعتني ... فليس عليها إن هلكت ضمان
997-[شعر في الهجاء]
وزعم الجرداني، أنّ بشّارا الأعمى، لم يجزع من هجاء قطّ كجزعه من بيت حمّاد عجرد، حيث يقول [3] : [من الهزج]
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد
وقال بشير بن أبي جذيمة العبسيّ [4] : [من الطويل]
أتخطر للأشراف حذيم كبرة ... وهل يستعدّ القرد للخطران
أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها ... ولؤم قرود وسط كلّ مكان
لقد سمنت قردانكم آل حذيم ... وأحسابكم في الحيّ غير سمان
الأصمعيّ عن أبي الأشهب عن أبي السليل قال: ما أبالي أخنزيرا رأيت يجرّ برجله، أو مثل عبيد ينادي: يال فلان!
998-[استطراد لغوي]
الأصمعيّ عن أبي ظبيان قال [5] : الخوز هم البناة الذين بنوا الصّرح واسمهم مشتقّ من الخنزير. ذهب إلى اسمه بالفارسية خوك، فجعلت العرب خوك خوزا. إلى هذا ذهب.
__________
[1] الخنانيص: جمع خنوص، وهو ولد الخنزير. (القاموس: خنص) .
[2] البيتان في مروج الذهب 3/266، ونهاية الأرب 9/337، والمخصص 13/177، وحياة الحيوان 2/201 (قرد) .
[3] البيت في البيان 1/30، والأغاني 14/329، 333، وطبقات ابن المعتز 25، 67، والمؤتلف 235، وثمار القلوب (147) .
[4] الأبيات في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 4/9.
[5] معجم البلدان 2/404 (خوز) .
(4/294)

999-[القول في المسخ]
وقد قال النّاس في المسخ بأقاويل مختلفة: فمنهم من زعم أنّ المسخ لا يتناسل ولا يبقى إلّا بقدر ما يكون موعظة وعبرة، فقطعوا على ذلك الشهادة. ومنهم من زعم أنّه يبقى ويتناسل، حتى جعل الضّبّ والجرّيّ، والأرانب، والكلاب وغير ذلك، من أولاد تلك الأمم التي مسخت في هذه الصّور. وكذلك قولهم في الحيّات.
وقالوا في الوزغ: إن أباها، لمّا صنع في نار إبراهيم وبيت المقدس ما صنع، أصمّه الله وأبرصه، فقيل: «سامّ أبرص» . فهذا الذي نرى هو من ولده؛ حتّى صار في قتله الأجر العظيم، ليس على أنّ الذي يقتله كالذي يقتل الأسد والذّئاب، إذا خافها على المسلمين.
وقالوا في سهيل، وفي الزّهرة، وفي هاروت وماروت، وفي قيرى وعيرى أبوي ذي القرنين، وجرهم، ما قالوا.
فأمّا القول في نفس المسخ فإنّ النّاس اختلفوا في ذلك: فأمّا الدّهريّة فهم في ذلك صنفان: فمنهم من جحد المسخ وأقرّ بالخسف والرّيح والطّوفان، وجعل الخسف كالزّلازل، وزعم أنّه يقرّ من القذف بما كان من البرد الكبار؛ فأمّا الحجارة فإنّها لا تجيء من جهة السّماء. وقال: لست أجوّز إلّا ما اجتمعت عليه الأمّة أنّه قد يحدث في العالم. فأنكر المسخ البتّة.
1000-[أثر البيئة]
وقال الصّنف الآخر: لا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم، فيعمل ذلك في طباعهم على الأيّام، كما عمل ذلك في طباع الزّنج، وطباع الصّقالبة، وطباع بلاد يأجوج ومأجوج.
وقد رأينا العرب وكانوا أعرابا حين نزلوا خراسان، كيف انسلخوا من جميع تلك المعاني، وترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل والدّوابّ وجميع ماشيتهم: من سبع وبهيمة، على طبائعهم. وترى جراد البقول والرّياحين وديدانها خضراء، وتراها في غير الخضرة على غير ذلك [1] . وترى القملة في رأس الشابّ الأسود الشّعر سوداء، وتراها في رأس الشّيخ الأبيض الشّعر بيضاء، وتراها في رأس الأشمط شمطاء، وفي
__________
[1] رسائل الجاحظ 1/220.
(4/295)

لون الجمل الأورق. فإذا كانت في رأس الخضيب بالحمرة تراها حمراء. فإن نصل خضابه صار فيها شكلة، من بين بيض وحمر.
وقد نرى حرّة بني سليم، وما اشتملت عليه من إنسان، وسبع، وبهيمة، وطائر، وحشرة فتراها كلّها سوداء [1] .
وقد خبّرنا من لا يحصى من النّاس أنّهم قد أدركوا رجالا من نبط بيسان [2] ، ولهم أذناب إلّا تكن أذناب التماسيح والأسد والبقر والخيل؛ وإلّا كأذناب السّلاحف والجرذان، فقد كان لهم عجوب [3] طوال كالأذناب.
وربّما رأينا الملّاح النّبطيّ في بعض الجعفريّات على وجهه شبه القرد. وربّما رأينا الرّجل من المغرب فلا نجد بينه وبين المسخ، إلّا القليل.
وقد يجوز أن يصادف ذلك الهواء الفاسد، والماء الخبيث، والتربة الرديّة، ناسا في صفة هؤلاء المغربيّين والأنباط، ويكونون جهّالا، فلا يرتحلون؛ ضنانة بمساكنهم وأوطانهم، ولا ينتقلون. فإذا طال ذلك عليهم زاد في تلك الشعور، وفي تلك الأذناب، وفي تلك الألوان الشّقر، وفي تلك الصّور المناسبة للقرود.
قالوا: ولم نعرف، ولم يثبت عندنا بالخبر الذي لا يعارض، أنّ الموضع الذي قلب صور قوم إلى صور الخنازير، هو الموضع الذي نقل صور قوم إلى صور القرود.
وقد يجوز أن تكون هذه الصّور انقلبت في مهبّ الريح الشمالي، والأخرى في مهبّ الجنوب. ويجوز أن يكون ذلك كان في دهر واحد؛ ويجوز أن يكون بينهما دهر ودهور.
قالوا: فلسنا ننكر المسخ إن كان على هذا الترتيب؛ لأنّه إن كان على مجرى الطّبائع، وما تدور به الأدوار، فليس ذلك بناقض لقولنا، ولا مثبت لقولكم.
قال أبو إسحاق: الذي قلتم ليس بمحال، ولا ينكر أن يحدث في العالم برهانات، وذلك المسخ كان على مجرى ما أعطوا من سائر الأعاجيب، والدّلائل والآيات. ونحن إنّما عرفنا ذلك من قبلهم. ولولا ذلك لكان الذي قلتم غير ممتنع.
ولو كان ذلك المسخ في هذا الموضع على ما ذكرتم، ثمّ خبر بذلك نبيّ، أو دعا به نبيّ، لكان ذلك أعظم الحجّة.
__________
[1] رسائل الجاحظ 2/313، وانظر الرسائل 1/219- 220. وربيع الأبرار 5/481.
[2] بيسان: مدينة بالأردن بالغور الشامي، وهي بين حوران وفلسطين. معجم البلدان 1/527.
[3] العجوب: جمع عجب، وهو أصل الذنب. (القاموس: عجب) .
(4/296)

فأما أبو بكر الأصمّ، وهشام بن الحكم، فإنّهما كانا يقولان بالقلب، ويقولان:
إنّه إذا جاز أن يقلب الله خردلة من غير أن يزيد فيها جسما وطولا أو عرضا جاز أن يقلب ابن آدم قردا من غير أن ينقص من جسمه طولا أو عرضا.
وأمّا أبو إسحاق فقد كان- لولا ما صحّ عنده من قول الأنبياء وإجماع المسلمين على أنّه قد كان، وأنّه قد كان حجّة وبرهانا في وقته- لكان لا ينكر مذهبهم في هذا الموضع.
وقوله هذا قول جميع من قال بالطّبائع، ولم يذهب مذهب جهم، وحفص الفرد.
وقال ابن العنسيّ يذكر القرد: [من الطويل]
فهلّا غداة الرّمل يا قرد حذيم ... تؤامرها في نفسها تستشيرها
1001-[القول في تحريم الخنزير]
قال: وسأل سائلون في تحريم الخنزير عن مسألة؛ فمنهم من أراد الطّعن، ومنهم من أراد الاستفهام، ومنهم من أحبّ أن يعرف ذلك من جهة الفتيا؛ إذ كان قوله خلاف قولنا.
قالوا: إنّما قال الله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
[1] ، فذكر اللّحم دون الشّحم، ودون الرّأس، ودون المخّ، ودون العصب، ودون سائر أجزائه؛ ولم يذكره كما ذكر الميتة بأسرها، وكذلك الدّم؛ لأنّ القول وقع على جملتهما، فاشتمل على جميع خصالهما بلفظ واحد، وهو العموم. وليس ذلك في الخنزير؛ لأنّه ذكر اللّحم من بين جميع أجزائه وليس بين ذكر اللّحم والعظم فرق، ولا بين اللّحم والشّحم فرق. وقد كان ينبغي في قياسكم هذا لو قال: حرّمت عليكم الميتة والدّم وشحم الخنزير، أن تحرّموا الشحم، وإنّما ذكر اللّحم، فلم حرّمتم الشحم؛ وما بالكم؛ تحرّمون الشّحم عند ذكر غير الشّحم! فهلّا حرّمتم اللّحم بالكتاب، وحرّمتم ما سواه بالخبر الذي لا يدفع!؟ فإن بقيت خصلة أو خصلتان ممّا لم تصيبوا ذكره في كتاب منزّل، وفي أثر لا يدفع، رددتموه إلى جهة العقل.
قلنا: إنّ النّاس عادات، وكلاما يعرّف كل شيء بموضعه، وإنما ذلك على قدر استعمالهم له، وانتفاعهم به.
وقد يقول الرجل لوكيله: اشتر لي بهذا الدّينار لحما، أو بهذه الدراهم، فيأتيه باللّحم فيه الشّحم والعظم، والعرق والعصب والغضروف. والفؤاد والطّحال، والرّئة،
__________
[1] 3/المائدة: 5.
(4/297)

وببعض أسقاط الشاة وحشو البطن. والرأس لحم، والسّمك أيضا لحم. وقال الله تعالى: هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
[1] . فإن كان الرّسول ذهب إلى المستعمل من ذلك، وترك بعض ما يقع عليه اسم لحم، فقد أخذ بما عليه صاحبه. فإذا قال حرّمت عليكم لحما، فكأنّه قال: لحم الشّاة والبقرة والجزور. ولو أنّ رجلا قال: أكلت لحما- وإنما أكل رأسا أو كبدا أو سمكا- لم يكن كاذبا. وللنّاس أن يضعوا كلامهم حيث أحبّوا، إذا كان لهم مجاز؛ إلّا في المعاملات.
فإن قلت: فما تقول في الجلد؟ فليس للخنزير جلد، كما أنّه ليس للإنسان جلد إلّا بقطع ما ظهر لك منه بما تحته، وإنّما الجلد ما يسلخ ويدحس [2] فيتبرأ ممّا كان به ملتزقا ولم يكن ملتحما، كفرق ما بين جلد الحوصلة والعرقين.
فإن سألت عن الشّعر، وعن جلد المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع، فإنّي أزعم أنّ جلده لا يدبغ ولا ينتفع به إلّا الأساكفة، والقول في ذلك أنّ كلّه محرّم. وإنما ذلك كقوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ
[3] وكقوله عزّ وجلّ: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[4] .
والعرب تقول للرّجل الصانع نجّارا، إن كان لا يعمل بالمثقب والمنشار ونحوه ولا يضرب بالمضلع ونحو ذلك، وتسميّه خبّازا إذا كان يطبخ ويعجن. وتسمّي العير لطيمة، وإن لم يكن فيها ما يحمل العطر إلّا واحد. وتقول: هذه ظعن فلان؛ للهوادج إذا كانت فيها امرأة واحدة. ويقال: هولاء بنو فلان؛ وإن كانت نساؤهم أكثر من الرجال.
فلما كان اللحم هو العمود الذي إليه يقصد، وصار في أعظم الأجزاء قدرا، دخل سائر تلك الأجزاء في اسمه. ولو كان الشّحم معتزلا من اللّحم ومفردا في جميع الشّحام، كشحوم الكلى والثّروب، لم يجز ذلك. وإذا تكلمت على المفردات لم يكن المخّ لحما، لا الدّماغ، ولا العظم، ولا الشّحم، ولا الغضروف، ولا الكروش، ولا ما أشبه ذلك. فلما قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
[5] وكانت
__________
[1] 14/النحل: 16.
[2] دحس الرجل الشاة: أدخل يده بين جلدها وصفاقها للسلخ.
[3] 16/الأنفال: 8.
[4] 23/الكهف: 18.
[5] 3/المائدة: 5.
(4/298)

هذه الأشياء المشبّهة باللّحم تدخل في باب العموم في اسم اللحم، كان القول واقعا على الجميع.
وقال الشاعر: [من الكامل]
من يأتنا صبحا يريد غداءنا ... فالهام منضجة لدى الشّحّام
لحم نضيج لا يعنّي طابخا ... يؤتى به من قبل كلّ طعام
1002-[مسألة الهدهد]
وإذ قد ذكرنا بعض الكلام، والمسائل في بعض الكلام، فسنذكر شأن الهدهد والمسألة في ذلك. قال الله عزّ وجلّ: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
[1] ثم قال:
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
[2] يعني الهدهد. فقال لسليمان المتوعد له بالذّبح عقوبة له- والعقوبة لا تكون إلا على المعصية لبشريّ آدميّ لم تكن عقوبته الذّبح، فدلّ ذلك على أنّ المعصية إنما كانت له، ولا تكون المعصية لله إلّا ممّن يعرف الله، أو ممّن كان يمكنه أن يعرف الله تعالى فترك ما يجب عليه من المعرفة- وفي قوله لسليمان: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
[3] . ثمّ قال بعد أن عرف فصل ما بين الملوك والسّوقة، وما بين النّساء والرجال، وعرف عظم عرشها، وكثرة ما أوتيت في ملكها، قال: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ
[4] فعرف السّجود للشمس وأنكر المعاصي. ثمّ قال: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ
[5] ويتعجّب من سجودهم لغير الله. ثمّ علم أنّ الله يعلم غيب السّموات والأرض، ويعلم السّرّ والعلانية. ثمّ قال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
[6] وهذا يدلّ على أنّه أعلم من ناس كثير من المميّزين المستدلّين الناظرين.
__________
[1] 21/النمل: 27.
[2] 22/النمل: 27.
[3] 22/النمل: 27.
[4] 24/النمل: 27.
[5] 25/النمل: 27.
[6] 26/النمل: 27.
(4/299)

قال سليمان: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ
[1] ثمّ قال: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
[2] فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
[3] وذلك أنّها قالت: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
[4] ثمّ قال سليمان للهدهد: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
[5] وقال: يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
[6] فطعن في جميع ذلك طاعنون، فقال بعضهم: قد ثبت أنّ الهدهد يحتمل العقاب والعتاب، والتّكليف والثّواب، والولاية، ودخول الجنّة بالطّاعة، ودخول النّار بالمعصية؛ لأنّ المعرفة توجب الأمر والنهي، والأمر والنهي يوجبان الطاعة والمعصية، والطاعة والمعصية يوجبان الولاية والعداوة، فينبغي للهداهد أن يكون فيها العدوّ والوليّ، والكافر والمسلم، والزّنديق والدّهريّ.
وإذا كان حكم الجنس حكما واحدا لزم الجميع ذلك. وإن كان الهدهد لا يبلغ عند جميع الناس في المعرفة مبلغ الذرّة، والنملة، والقملة، والفيل، والقرد، والخنزير، والحمام- وجميع هذه الأمم، تقدّمها عليه في المعرفة- فينبغي أن تكون هذه الأصناف المتقدّمة عليه، في عقول هذه الأمّة والأنبياء.
وقد رأينا العلماء يتعجّبون من خرافات العرب والأعراب في الجاهليّة ومن قولهم في الدّيك والغراب، ويتعجّبون من الرّواية في طوق الحمام فإنّ الحمام كان رائد نوح على نبينا وعليه السلام.
__________
[1] 27/النمل: 27.
[2] 28- 31 النمل: 27.
[3] 36/النمل: 27.
[4] 34/النمل: 27.
[5] 37/النمل: 27.
[6] 38- 40/النمل: 27.
(4/300)

وهذا القول الذي تؤمنون به في الهدهد، من هذا النوع.
قلنا: إنّ الله تعالى لم يقل: وتفقّد الطّير فقال ما لي لا أرى هدهدا من عرض الهداهد، فلم يوقع قوله على الهداهد جملة، ولا على واحد منها غير مقصود إليه، ولم يذهب إلى الجنس عامّة، ولكنّه قال: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
[1] فأدخل في الاسم الألف واللام، فجعله معرفة فدلّ بذلك القصد على أنّه ذلك الهدهد بعينه. وكذلك غراب نوح، وكذلك حمار عزير، وكذلك ذئب أهبان ابن أوس؛ فقد كان لله فيه وفيها تدبير، وليجعل ذلك آية لأنبيائه، وبرهانا لرسله.
ولا يستطيع أعقل الناس أن يعمل عمل أجرإ النّاس، كما لا يستطيع أجرأ النّاس أن يعمل أعمال أعقل الناس. فبأعمال المجانين والعقلاء عرفنا مقدارهما من صحّة أذهانهما وفسادها، وباختلاف أعمال الأطفال والكهول عرفنا مقدارهما في الضعف والقوّة، وفي الجهل والمعرفة. وبمثل ذلك فصلنا بين الجماد والحيوان، والعالم وأعلم منه، والجاهل وأجهل منه. ولو كان عند السّباع والبهائم ما عند الحكماء والأدباء، والوزراء والخلفاء والأمم والأنبياء، لأثمرت تلك العقول، باضطرار، إثمار تلك العقول. وهذا باب لا يخطئ فيه إلّا المانيّة [2] وأصحاب الجهالات فقط. فأمّا عوامّ الأمم، فضلا عن خواصهم، فهم يعلمون من ذلك مثل ما نعلم. وإنما يتفاضل بالبيان والحفظ، وبنسق المحفوظ. فأمّا المعرفة فنحن فيها سواء. ولم نعرف العقل وعدمه ونقصانه، وإفادته، وأقدار معارف الحيوان إلّا بما يظهر منها. وبتلك الأدلّة عرفنا فرق ما بين الحيّ والميت، وبين الجماد والحيوان.
فإن قال الخصم: ما نعرف كلام الذّئب، ولا معرفة الغراب، ولا علم الهدهد.
قلنا: نحن ناس نؤمن بأنّ عيسى عليه السلام خلق من غير ذكر وإنّما خلق من أنثى؛ وأنّ آدم وحوّاء خلقا من غير ذكر وأنثى، وأنّ عيسى تكلّم في المهد، وأنّ يحيى بن زكريّا نطق بالحكمة في الصّبا، وأنّ عقيما ألقح، وأنّ عاقرا ولدت [3] ؛ وبأشياء كثيرة
__________
[1] 20/النمل: 27.
[2] المانية: ويقال: المنانية؛ والمنائية؛ والمانوية، هم الزنادقة أصحاب ماني بن فاتك الذي كان يقول:
إن مبدأ العالم من كونين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما في صراع مستمر لا ينتهي إلا بانتهاء الدنيا. انظر فهرست ابن النديم 456 وما يليها، ومروج الذهب 7/629.
[3] إشارة إلى قوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
[آل عمران: 40] ، وقوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
[مريم: 8] ، وقوله تعالى: قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً
[هود: 72] .
(4/301)

خرجت خارجية من نسق العادة. فالسّبب الذي به عرفنا أنّه قد كان لذلك الهدهد مقدار من المعرفة، دون ما توهّمتم وفوق ما مع الهدهد. ومتى سألتمونا عن الحجّة فالسبيل واحدة. ونحن نقرّ بأنّ من دخل الجنة من المجانين والأطفال يدخلون عقلاء كاملين، من غير تجارب وتمرين وترتيب. فمسألتكم عما ألهم الهدهد، هي المسألة عمّا ألهم الطفل في الجنة.
فإن قال قائل: فإنّ ذلك القول كلّه، الذي كان من الهدهد، إنما كان على الإلهام والتّسخير، ولم يكن ذلك عن معرفة منه، فلم قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ
[1] ؟ قلنا: فإنّه قد يتوعّد الرّجل ابنه- وهو بعد لم يجر عليه الأحكام- بالضّرب الوجيع، إن هو لم يأت السّوق، أو يحفظ سورة كذا وكذا؛ فلا يعنّفه أحد على ذلك الوعيد. ويكذب فيضربه على الكذب، ويضرب صبيا فيضربه لأنه ضربه.
وهو في ذلك قد حسن خطّه، وجاد حسابه، وشدا من النّحو والعروض والفرائض شدوا حسنا، ونفع أهله، وتعلم أعمالا، وتكلّم بكلام، وأجاب في الفتيا بكلام فوق معاني الهدهد في اللّطافة والغموض. وهو في ذلك لم يكمل لاحتمال الفرض والولاية والعداوة.
فإن قال: فهل يجوز لأحد أن يقول لابنه: إن أنت لم تأت السّوق ذبحتك؛ وهو جادّ؟ قلنا: لا يجوز ذلك. وإنّما جاز ذلك في الهدهد لأنّ سليمان- ومن هو دون سليمان من جميع العالم- له أن يذبح الهدهد والحمام والدّيك، والعناق والجدي.
والذّبح سبيل من سبل مناياهم. فلو ذبحه سليمان لم يكن في ذلك إلّا بقدر التّقديم والتأخير، وإلّا بقدر صرف ما بين أن يموت حتف أنفه، أو يموت بالذّبح. ولعلّ صرف ما بينهما لا يكون إلّا بمقدار ألم عشرين درّة [2] . ولعلّ نتف جناحه يفي بذلك الضرب. وإذا قلنا ذلك فقد أعطينا ذلك الهدهد بعينه حقّ ما دلّت عليه الآية، ولم نجز ذلك في جميع الهداهد، ولم نكن كمن ينكر قدرة الله على أن يركّب عصفورا من العصافير ضربا من التراكيب يكون أدهى من قيس بن زهير. ولو كان الله تعالى قد فعل ذلك بالعصافير لظهرت كذلك دلائل.
على أنّا لو تأوّلنا الذّبح على مثال تأويل قولنا في ذبح إبراهيم إسماعيل عليهما السلام- وإنما كان ذلك ذبحا في المعنى لغيره- أو على معنى قول القائل: أمّا أنا
__________
[1] 21/النمل: 27.
[2] الدّرّة: درة السلطان التي يضرب بها. (اللسان: درر) .
(4/302)

فقد ذبحته وضربت عنقه، ولكن السيف خانني. أو على قولهم: المسك الذّبيح، أو على قولهم: فجئت وقد ذبحني العطش- لكان ذلك مجازا.
ولو أنّ صبيّا من صبياننا سئل، قبل أن يبلغ فرض البلوغ بساعة، وكان رأى ملكة سبإ في جميع حالاتها، لما كان بعيدا ولا ممتنعا أن يقول: رأيت امرأة ملكة، ورأيتها تسجد للشّمس من دون الله، ورأيتها تطيع الشّيطان وتعصي الرّحمن، ولا سيما إن كان من صبيان الخلفاء والوزراء، أو من صبيان الأعراب.
والدّليل على أنّ ذلك الهدهد كان مسخّرا وميسّرا، مضيّه إلى اليمن، ورجوعه من ساعته.
ولم يكن من الطّير القواطع فرجع إلى وكره. والدّليل على ذلك أنّ سليمان عليه السلام لم يقل: نعم قد رأيت كلّ ما ذكرت، وأنت لم تعلم حين مضيت بطّالا هاربا من العمل، أتكدي أم تنجح، أو ترى أعجوبة أو لا تراها. ولكنّه توعّده على ظاهر الرّأي، ونافره القول؛ ليظهر الآية والأعجوبة.
1003-[طعن الدهرية في ملك سليمان]
ثمّ طعن في ملك سليمان وملكة سبإ، ناس من الدّهريّة، وقالوا: زعمتم أنّ سليمان سأل ربّه فقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
[1] وأنّ الله تعالى أعطاه ذلك، فملّكه على الجنّ فضلا عن الإنس، وعلّمه منطق الطّير، وسخّر له الرّيح، فكانت الجنّ له خولا، والرّياح له مسخرة ثمّ زعمتم- وهو إمّا بالشّام وإمّا بسواد العراق- أنّه لا يعرف باليمن ملكة هذه صفتها. وملوكنا اليوم دون سليمان في القدرة، لا يخفى عليهم صاحب الخزر، ولا صاحب الروم، ولا صاحب الترك، ولا صاحب النّوبة، وكيف يجهل سليمان موضع هذه الملكة، مع قرب دارها واتّصال بلادها! وليس دونها بحار ولا أوعار؛ والطريق نهج للخفّ والحافر والقدم.
فكيف والجنّ والإنس طوع يمينه. ولو كان، حين خبّره الهدهد بمكانها، أضرب عنها صفحا، لكان لقائل أن يقول: ما أتاه الهدهد إلّا بأمر يعرفه. فهذا وما أشبهه دليل على فساد أخباركم.
قلنا: إنّ الدّنيا إذا خلّاها الله وتدبير أهلها، ومجاري أمورها وعاداتها كان لعمري كما تقولون. ونحن نزعم أنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان أنبه أهل
__________
[1] 35/ص: 38.
(4/303)

زمانه؛ لأنّه نبيّ ابن نبيّ، وكان يوسف وزير ملك مصر من النّباهة بالموضع الذي لا يدفع، وله البرد، وإليه يرجع جواب الأخبار، ثمّ لم يعرف يعقوب مكان يوسف، ولا يوسف مكان يعقوب عليهما السلام- دهرا من الدّهور، مع النّباهة، والقدرة، واتّصال الدار.
1004-[القول في موسى بن عمران]
وكذلك القول في موسى بن عمران ومن كان معه في التّيه، فقد كانوا أمّة من الأمم يتكسّعون أربعين عاما، في مقدار فراسخ يسيرة ولا يهتدون إلى المخرج. وما كانت بلاد التّيه إلّا من ملاعبهم ومنتزهاتهم. ولا يعدم مثل ذلك العسكر الأدلّاء والجمّالين، والمكارين [1] ، والفيوج [2] ، والرّسل، والتّجار. ولكنّ الله صرف أوهامهم، ورفع ذلك الفصل [3] من صدورهم.
1005-[القول في الشياطين]
وكذلك القول في الشّياطين الذين يسترقون السّمع في كلّ ليلة، فنقول: إنّهم لو كان كلما أراد مريد منهم أن يصعد ذكر أنّه قد رجم صاحبه، وأنّه كذلك منذ كان لم يصل معه أحد إلى استراق السّمع، كان محالا أن يروم ذلك أحد منهم مع الذّكر والعيان.
ومثل ذلك أنّا قد علمنا أنّ إبليس لا يزال عاصيا إلى يوم البعث. ولو كان إبليس في حال المعصية ذاكرا لإخبار الله تعالى أنّه لا يزال عاصيا وهو يعلم أنّ خبره صدق، كان محالا أن تدعوه نفسه إلى الإيمان، ويطمع في ذلك، مع تصديقه بأنّه لا يختار الإيمان أبدا.
ومن المحال أن يجمع بين وجود الاستطاعة وعدم الدّواعي وجواز الفعل.
ولو أنّ رجلا علم يقينا أنّه لا يخرج من بيته يومه ذلك، كان محالا أن تدعوه نفسه إلى الخروج، مع علمه بأنّه لا يفعل. ولكنّ إبليس لما كان مصروف القلب عن ذكر ذلك الخبر، دخل في حدّ المستطيعين.
__________
[1] المكارين: جمع مكار، وهو الذي يؤجر دابته للناس. انظر اللسان (كرى) .
[2] الفيوج: جمع فيج: رسول السلطان الذي يسعى بالكتب. (اللسان: فيج) .
[3] الفصل: التمييز. (اللسان: فصل) .
(4/304)

ومثل ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا بشره الله بالظّفر وتمام الأمر [1] بشرّ أصحابه بالنّصر، ونزول الملائكة. ولو كانوا لذلك ذاكرين في كلّ حال، لم يكن عليهم من المحاربة مؤونة. وإذا لم يتكلفوا المؤونة لم يؤجروا. ولكنّ الله تعالى بنظره إليهم رفع ذلك في كثير من الحالات عن أوهامهم؛ ليحتملوا مشقّة القتال، وهم لا يعلمون:
أيغلبون أم يغلبون؛ أو يقتلون أم يقتلون.
ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب، وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن، بعد أن تحدّاهم الرّسول بنظمه. ولذلك لم نجد أحدا طمع فيه. ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصّة على الأعراب وأشباه الأعراب، والنّساء وأشباه النساء، ولألقى ذلك للمسلمين عملا، ولطلبوا المحاكمة والتراضي ببعض العرب، ولكثر القيل والقال.
فقد رأيت أصحاب مسيلمة، وأصحاب ابن النواحة إنما تعلّقوا بما ألّف لهم مسيلمة من ذلك الكلام، الذي يعلم كلّ من سمعه أنّه إنّما عدا على القرآن فسلبه، وأخذ بعضه، وتعاطى أن يقارنه. فكان لله ذلك التّدبير، الذي لا يبلغه العباد ولو اجتمعوا له.
فإن كان الدّهريّ يريد من أصحاب العبادات والرّسل، ما يريد من الدّهريّ الصّرف، الذي لا يقرّ إلا بما أوجده العيان، وما يجري مجرى العيان- فقد ظلم.
وقد علم الدّهريّ أنّنا نعتقد أنّ لنا ربّا يخترع الأجسام اختراعا وأنّه حيّ لا بحياة، وعالم لا بعلم، وأنّه شيء لا ينقسم، وليس بذي طول ولا عرض ولا عمق، وأنّ الأنبياء تحيي الموتى. وهذا كلّه عند الدهريّ مستنكر، وإنما كان يكون له علينا سبيل لو لم يكن الذي ذكرنا جائزا في القياس، واحتجنا إلى تثبيت الرّبوبيّة وتصديق الرّسالة، فإذا كان ذلك جائزا، وكان كونه غير مستنكر، ولا محال، ولا ظلم، ولا عيب، فلم يبق له إلّا أن يسألنا عن الأصل الذي دعا إلى التّوحيد، وإلى تثبيت الرسل.
وفي كتابنا المنزّل الذي يدلّنا على أنّه صدق، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدّلائل التي جاء بها من جاء به.
وفيه مسطور أنّ سليمان بن داود غبر حينا- وهو ميّت- معتمدا على عصاه، في الموضع الذي لا يحجب عنه إنسيّ ولا جنّيّ، والشّياطين مهم المكدود بالعمل الشديد، ومنهم المحبوس والمستعبد، وكانوا كما قال الله تعالى:
__________
[1] إشارة إلى وقعة أحد، وهي التي ورد ذكرها في سورة آل عمران؛ الآيات 122- 126.
(4/305)

يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
[1] وقال: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
[2] ، وأنّه غبر كذلك حينا وهو تجاه أعينهم، فلا هم عرفوا سجيّة وجوه الموتى، ولا هو إذ كان ميّتا سقط سقوط الموتى.
وثبت قائما معتمدا على عصاه، وعصاه ثابتة قائمة في يده، وهو قابض عليها.
وليست هذه الصّفة صفة موتانا.
وقال: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
[3] ونحن دون الشّياطين والجنّ في صدق الحسّ، ونفوذ البصر. ولو كنّا من بعض الموتى بهذا المكان، لما خفي علينا أمره وكان أدنى ذلك أن نظنّ ونرتاب.
ومتى ارتاب قوم وظنّوا وماجوا وتكلموا وشاوروا، لقنوا وثبّتوا. ولا سيّما إذا كانوا في العذاب ورأوا تباشير الفرج.
ولولا الصّرفة. التي يلقيها الله تعالى على قلب من أحبّ، ولولا أنّ الله يقدر على أن يشغل الأوهام كيف شاء، ويذكّر بما يشاء، وينسّي ما يشاء، لما اجتمع أهل داره وقصره، وسوره وربضه، وخاصّته، ومن يخدمه من الجنّ والإنس والشّياطين، على الإطباق بأنّه حيّ. كذلك كان عندهم. فحدث ما حدث من موته، فلمّا لم يشعروا به كانوا على ما لم يزالوا عليه. فعلمنا أنّ الجنّ والشّياطين كانت توهم الأغبياء والعوامّ والحشوة والسّفلة، أنّ عندهما شيئا من علم الغيب- والشياطين لا تعلم ذلك- فأراد الله أن يكشف من أمرهم للجهّال ما كان كشفه للعلماء. فبهذا وأشباهه من الأمور نحن إلى الإقرار به مضطرون بالحجج الاضطراريّة فليس لخصومنا حيلة إلّا أن يواقفونا، وينظروا في العلّة التي اضطرتنا إلى هذا القول؛ فإن كانت صحيحة فالصّحيح لا يوجب إلا الصحيح. وإن كانت سقيمة علمنا أنّما أتينا من تأويلنا.
وأما قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ
[4] فإنّ التعذيب يكون بالحبس، كما قال الله عزّ وجلّ:
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
[5] . وإنّما كانوا مخيّسين [6] .
__________
[1] 13/سبأ: 34.
[2] 38/ص: 38.
[3] 14/سبأ: 34.
[4] 21/النمل: 27.
[5] 14/سبأ: 34.
[6] المخيس، هو من قولهم: إبل مخيسة؛ أي لا تسرح.
(4/306)

وقد يقول العاشق لمعشوقته: يا معذّبتي! وقد عذّبتني! ومن العذاب ما يكون طويلا، ومنه ما يكون قصير الوقت. ولو خسف الله تعالى بقوم في أقلّ من عشر ساعة لجاز لقائل أن يقول: كان ذلك يوم أحلّ الله عذابه ونقمته ببلاد كذا وكذا.
1006-[القول في الخنزير]
وقال أبو ناصرة: الخنزير ربّما قتل الأسد، وما أكثر ما يلحق بصاحب السّيف والرّمح، فيضربه بنابه، فيقطع كلّ ما لقيه من جسده: من عظم وعصب، حتى يقتله.
وربّما احتال أن ينبطح على وجهه على الأرض، فلا يغني ذلك عنه شيئا.
وليس لشيء من الحيوان كاحتمال بدنه لوقع السهام، ونفوذها فيه.
وهو مع ذلك أروغ من ثعلب، إذا أراده الفارس. وإذا عدا أطمع في نفسه كلّ شيء، وإذا طولب أعيا الخيل العتاق. والخنزير مع ذلك أنسل الخلق؛ لأنّ الخنزيرة تضع عشرين خنّوصا، وهو مع كثرة إنساله- من أقوى الفحول على السّفاد، ومع القوّة على السّفاد هو أطولها مكثا في سفاده، فهو بذلك أجمع للفحولة.
وإذا كان الكلب والذّئب موصوفين بشدّة القلب؛ لطول الخطم، فالخنزير أولى بذلك.
وللفيل ناب عجيب، ولكنّه لقصر عنقه لا يبلغ النّاب مبلغا، وإنّما يستعين بخرطومه، وخرطومه هو أنفه، والخطم غير الخرطوم.
قال أبو ناصرة: وله طيب، وهو طيب لحمه ولحم أولاده. وإذا أرادوا وصف اختلاط ودك الكركيّ [1] في مرق طبيخ، قالوا كأنّ إهالته إهالة [2] خنزير؛ لأنّه لا يسرع إليها الجمود. وسرعة جمود إهالة الماعز في الشّتاء عيب. وللضّأن في ذلك بعض الفضيلة على الماعز؛ ولا يلحق بالخنزير.
وإذا نقص من الإنسان عظم واحتيج إلى صلته في بعض الأمراض لم يلتحم به إلّا عظم الخنزير.
وإذا ضرب فصاح لم يكن السّامع يفصل بين صوته وبين صوت صبيّ مضروب.
__________
[1] الودك: الدسم (القاموس: ودك) . الكركي: طائر كبير، أغبر؛ طويل الساقين. (حياة الحيوان 2/244) .
[2] الإهالة: الشحم. (القاموس: هال) .
(4/307)

وفي إطباق جميع الأمم على شهوة أكله واستطابة لحمه، دليل على أنّ له في ذلك ما ليس لغيره.
1007-[زعم المجوس في المنخنقة والموقوذة والمتردية]
والمجوس تزعم أنّ المنخنقة والموقوذة والمتردّية، وكلّ ما اعتبط [1] ولم يمت حتف أنفه، فهو أطيب لحما وأحلى؛ لأنّ دمه فيه، والدم حلو دسم. وإنما عافه من عافه من طريق العادة والدّيانة، لا من طريق الاستقذار والزّهد الذي يكون في أصل الطبيعة.
1008-[اختلاف ميل الناس إلى الطعام]
وقد عاف قوم الجرّيّ والضّباب [2] على مثل ذلك، وشغف به آخرون.
وقد كانت العرب في الجاهليّة تأكل دم الفصد، وتفضّل طعمه، وتخبر عمّا يورث من القوّة.
قال: وأيّ شيء أحسن من الدّم، وهل اللّحم إلا دم استحال كما يستحيل اللّحم شحما؟ ولكنّ الناس إذا ذكروا معناه، ومن أين يخرج وكيف يخرج، كان ذلك كاسرا لهم، ومانعا من شهوته.
1009-[ما يغير نظر الإنسان إلى الأشياء]
وكيف حال النّار في حسنها، فإنّه ليس في الأرض جسم لم يصبغ أحسن منه.
ولولا معرفتهم بقتلها وإحراقها وإتلافها، والألم والحرقة المولدين عنها، لتضاعف ذلك الحسن عندهم. وإنّهم ليرونها في الشّتاء بغير العيون التي يرونها بها في الصّيف. ليس ذلك إلّا بقدر ما حدث من الاستغناء عنها.
وكذلك جلاء السّيف؛ فإنّ الإنسان يستحسن قدّ السّيف وخرطه، وطبعه وبريقه. وإذا ذكر صنيعه والذي هيئ له، بدا له في أكثر ذلك، وتبدّل في عينه، وشغله ذلك عن تأمّل محاسنه.
ولولا علم النّاس بعداوة الحيّات لهم، وأنهها وحشيّة لا تأنس ولا تقبل أدبا، ولا
__________
[1] اعتبط: مات من غير علة. (القاموس: عبط) .
[2] الجرّي: ضرب من السمك. الضباب: جمع ضب.
(4/308)

ترعى حقّ تربية، ثمّ رأوا شيئا من هذه الحيّات، البيض، المنقّشة الظّهور- لما بيّتوها ونوّموها إلّا في المهد، مع صبيانهم.
1010-[ردّ على من طعن في تحريم الخنزير]
فيقال لصاحب هذه المقالة: تحريم الأغذية إنّما يكون من طريق العبادة والمحنة، وليس أنه جوهر شيء من المأكول يوجب ذلك. وإنّما قلنا: إنّا وجدنا الله تعالى قد مسخ عبادا من عباده في صور الخنزير دون بقيّة الأجناس، فعلمنا أنّه لم يفعل ذلك إلّا لأمور اجتمعت في الخنزير. فكان المسخ على صورته أبلغ من التّنكيل. لم نقل إلّا هذا.
1011-[القول في القرد]
والقرد يضحك ويطرب، ويقعي ويحكي، ويتناول الطّعام بيديه ويضعه في فيه، وله أصابع وأظفار، وينقي الجوز، ويأنس الأنس الشّديد، ويلقن بالتّلقين الكثير، وإذا سقط في الماء غرق ولم يسبح؛ كالإنسان قبل أن يتعلّم السّباحة. فلم تجد النّاس للذي اعترى القرد من ذلك- دون جميع الحيوان علّة- إلّا هذه المعاني التي ذكرتها، من مناسبة الإنسان من قبلها.
ويحكى عنه من شدّة الزّواج، والغيرة على الأزواج، ما لا يحكى مثله إلّا عن الإنسان؛ لأنّ الخنزير يغار، وكذلك الجمل والفرس، إلّا أنها لا تزاوج. والحمار يغار ويحمي عانته الدّهر كلّه، ويضرب فيها كضربه لو أصاب أتانا من غيرها. وأجناس الحمام تزاوج ولا تغار.
واجتمع في القرد الزّواج والغيرة، وهما خصلتان كريمتان، واجتماعهما من مفاخر الإنسان على سائر الحيوان. ونحن لم نر وجه شيء غير الإنسان أشبه صورة وشبها، على ما فيه من الاختلاف، ولا أشبه فما ووجها بالإنسان من القرد. وربّما رأينا وجه بعض الحمر إذا كان ذا خطم، فلا نجد بينه وبين القرد إلّا اليسير.
وتقول الناس: «أكيس من قشّة» [1] و «أملح من ربّاح» [2] ولم يقل أحد:
أكيس من خنزير، وأملح من خنّوص. وهو قول العامّة: «القرد قبيح ولكنّه مليح» .
__________
[1] المثل في مجمع الأمثال 2/169، والفاخر 81، وجمهرة الأمثال 2/175، والمستقصى 1/297، وأمثال ابن سلام 370، والدرة الفاخرة 2/366.
[2] الرباح: ذكر القرد. (القاموس: ربح) .
(4/309)

وقال النّاس في الضبّ: إنه مسخ. وقالوا: انظر إلى كفّه وأصابعه. فكفّ القرد وأصابعه أشبه وأصنع. فقدّمت القرد على الخنزير من هذا الوجه.
1012-[علة تحريم لحم الخنزير]
وأمّا القول في لحمه، فإنّا لم نزعم أنّ الخنزير هو ذلك الإنسان الذي مسخ، ولا هو من نسله، ولم ندع لحمه من جهة الاستقذار لشهوته في العذرة، ونحن نجد الشّبّوط والجرّيّ، والدّجاج، والجراد، يشاركنه في ذلك ولكن للخصال التي عدّدنا من أسباب العبادات. وكيف صار أحقّ بأن تمسخ الأعداء على صورته في خلقته.
1013-[حديث عبيد الكلابي]
قال: وقلت مرّة لعبيد الكلابيّ- وأظهر من حبّ الإبل والشّغف بها ما دعاني إلى أن قلت له-: أبينها وبينكم قرابة؟ قال: نعم، لها فينا خؤولة. إنّي والله ما أعني البخاتيّ، ولكني أعني العراب، التي هي أعرب! قلت له: مسخك الله تعالى بعيرا! قال: الله لا يمسخ الإنسان على صورة كريم، وإنما يمسخه على صورة لئيم، مثل الخنزير ثم القرد. فهذا قول أعرابيّ جلف تكلم على فطرته.
1014-[تأويل آية]
وقد تكلم المخالفون في قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
[1] .
وقد طعن ناس في تأويل هذه الآية، بغير علم ولا بيان، فقالوا: وكيف يكون ذلك وليس بين أن تجيء في كلّ هلال فرق، ولا بينها إذا جاءت في رأس الهلال فرق، ولا بينها إذا جاءت في رأس السّنة فرق.
1015-[هجرة السمك]
وهذا بحر البصرة والأبلّة، يأتيهم ثلاثة أشهر معلومة معروفة من السنة السّمك الأسبور، فيعرفون وقت مجيئه وينتظرونه، ويعرفون وقت انقطاعه ومجيء غيره، فلا يمكث بهم الحال إلّا قليلا حتّى يقبل السّمك من ذلك البحر، في ذلك الأوان، فلا
__________
[1] 163/الأعراف: 7.
(4/310)

يزالون في صيد ثلاثة أشهر معلومة من السّنة، وذلك في كلّ سنة مرّتين لكل جنس.
ومعلوم عندهم أنه يكون في أحد الزمانين أسمن، وهو الجواف، ثمّ يأتيهم الأسبور، على حساب مجيء الأسبور والجواف. فأمّا الأسبور فهو يقطع إليهم من بلاد الزّنج.
وذلك معروف عند البحريّين. وأنّ الأسبور في الوقت الذي يقطع إلى دجلة البصرة لا يوجد في الزّنج، وفي الوقت الذي يوجد في الزنج لا يوجد في دجلة. وربّما اصطادوا منها شيئا في الطريق في وقت قطعها المعروف، وفي وقت رجوعها. ومع ذلك أصناف من السمك كالإربيان، والرّقّ، والكوسج، والبرد، والبرستوج. وكلّ ذلك معروف الزّمان، متوقع المخرج.
وفي السّمك أوابد وقواطع، وفيها سيّارة لا تقيم. وذلك الشبه يصاب. ولذلك صاروا يتكلمون بخمسة السنة، يهذّونها [1] ، سوى ما تعلّقوا به من غيرها.
ثمّ القواطع من الطير قد تأتينا إلى العراق منهم في ذلك الإبّان جماعات كثيرة، تقطع إلينا ثمّ تعود في وقتها.
1016-[رد على المعترض]
قلنا لهؤلاء القوم: لقد أصبتم في بعض ما وصفتم، وأخطأتم في بعض. قال الله تعالى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ
[2] ويوم السبت يدور مع الأسابيع، والأسابيع تدور مع شهور القمر. وهذا لا يكون مع استواء من الزمان. وقد يكون السبت في الشتاء والصّيف والخريف، وفيما بين ذلك. وليس هذا من باب أزمان قواطع السّمك وهيج الحيوان وطلب السّفاد، وأزمان الفلاحة، وأوقات الجزر والمدّ؛ وفي سبيل الأنواء، والشجر كيف ينفض الورق والثمار؛ والحيّات كيف تسلخ، والأيائل كيف تلقي قرونها، والطير كيف تنطق ومتى تسكت.
ولو قال لنا قائل: إني نبيّ وقلنا له: وما آيتك؟ وعلامتك؟ فقال: إذا كان في آخر تشرين الآخر أقبل إليكم الأسبور من جهة البحر، ضحكوا منه وسخروا به.
ولو قال: إذا كان يوم الجمعة أو يوم الأحد أقبل إليكم الأسبور، حتّى لا يزال يصنع ذلك في كلّ جمعة- علمنا اضطرارا إذا عاينّا الذي ذكر على نسقه أنّه صادق، وأنّه لم يعلم ذلك إلّا من قبل خالق ذلك. تعالى الله عن ذلك.
__________
[1] الهذّ: سرعة القراءة. «القاموس: هذذ» .
[2] 163/الأعراف: 7.
(4/311)

وقد أقررنا بعجيب ما نرى من مطالع النّجوم، ومن تناهي المدّ والجزر على قدر امتلاء القمر، ونقصانه وزيادته، ومحاقه [1] واستراره [2] . وكلّ شيء يأتي على هذا النّسق من المجاري، فإنّما الآية فيه لله وحده على وحدانيّته.
فإذا قال قائل لأهل شريعة [3] ولأهل مرسى، من أصحاب بحر أو نهر أو واد، أو عين، أو جدول: تأتيكم الحيتان في كلّ سبت، أو قال: في كلّ رمضان. ورمضان متحوّل الأزمان في الشّتاء والصيف والرّبيع والخريف. والسّبت يتحوّل في جميع الأزمان. فإذا كان ذلك كانت تلك الأعجوبة فيه دالة على توحيد الله تعالى، وعلى صدق صاحب الخبر، وأنّه رسول ذلك المسخّر لذلك الصّنف. وكان ذلك المجيء خارجا من النّسق القائم، والعادة المعروفة. وهذا الفرق بذلك بيّن. والحمد لله.
1017-[شنعة المسخ على صورة الخنزير والقرد]
قال الله تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
[4] وفي الموضع الذي ذكر أنّه مسخ ناسا خنازير قد ذكر القرود. ولم يذكر أنّه مسخ قوما خنازير، ولم يمسخ منهم قرودا. وإذا كان الأمر كذلك فالمسخ على صورة القردة أشنع؛ إذ كان المسخ على صورتها أعظم، وكان العقاب به أكبر. وإنّ الوقت الذي قد ذكر أنّه قد مسخ ناسا قرودا فقد كان مسخ ناسا خنازير. فلم يدع ذكر الخنازير وذكر القرود؛ إلّا والقرود في هذا الباب أوجع وأشنع وأعظم في العقوبة، وأدلّ على شدّة السّخطة. هذا قول بعضهم.
1018-[استطراد لغوي]
قال: ويقال لموضع الأنف من السّباع الخطم، والخرطوم- وقد يقال ذلك للخنزير- والفنطيسة [5] ، والجمع الفناطيس. وقال الأعرابيّ: كأنّ فناطيسها كراكر [6] الإبل.
__________
[1] المحاق: آخر الشهر، أو ثلاث ليال من آخره، أو أن يستسر القمر فلا يرى غدوة ولا عشية.
(القاموس: محق) .
[2] استرار القمر: اختفاؤه. (اللسان: ستر) .
[3] الشريعة: مورد الماء. (اللسان: شرع) .
[4] 166/الأعراف: 7.
[5] فنطيسة الخنزير: خطمه. (اللسان: فنطس) .
[6] الكراكر: جمع كركر، وهو وعاء قضيب البعير والتيس. (اللسان: كركر) .
(4/312)

1019-[خصائص حيوانات بعض البلدان]
وقال صاحب المنطق: لا يكون خنزير ولا أيّل بحريّا. وذكر أنّ خنازير بعض البلدان يكون لها ظلف واحد، ولا يكون بأرض نهاوند حمار؛ لشدّة برد الموضع، ولأنّ الحمار صرد.
وقال: في أرض كذا وكذا لا يكون بها شيء من الخلد، وإن نقله إنسان إليها لم يحفر، ولم يتّخذ بها بيتا. وفي الجزيرة التي تسمّى صقلّية لا يكون بها صنف من النمل، الذي يسمّى أقرشان.
1020-[قول أهل الكتابين في المسخ]
وأهل الكتابين [1] ينكرون أن يكون الله تعالى مسخ النّاس قرودا وخنازير، وإنما مسخ امرأة لوط حجرا. كذلك يقولون.
[باب في الحيات]
(القول في الحيات) اللهمّ جنّبنا التكلف، وأعذنا من الخطل، واحمنا من العجب بما يكون منّا، والثّقة بما عندنا، واجعلنا من المحسنين.
حدثنا أبو جعفر المكفوف النحويّ العنبريّ، وأخوه روح الكاتب ورجال من بني العنبر، أن عندهم في رمال بلعنبر حيّة تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب صيد. زعموا أنها إذا انتصف النهار واشتدّ الحرّ في رمال بلعنبر، وامتنعت الأرض على الحافي والمنتعل، ورمض [2] الجندب، غمست هذه الحيّة ذنبها في الرّمل، ثم انتصبت كأنها رمح مركوز، أو عود ثابت، فيجيء الطائر الصغير أو الجرادة، فإذا رأى عودا قائما وكره الوقوع على الرّمل لشدّة حرّه، وقع على رأس الحيّة، على أنّها عود.
فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإن كان جرادة أو جعلا أو بعض ما لا يشبعها مثله، ابتلعته وبقيت على انتصابها. وإن كان الواقع على رأسها طائرا يشبعها مثله أكلته وانصرفت. وأنّ ذلك دأبها ما منع الرّمل جانبه في الصّيف والقيظ، في انتصاف النهار والهاجرة. وذلك أنّ الطائر لا يشكّ أنّ الحيّة عود، وأنه سيقوم له مقام الجذل [3] للحرباء، إلى أن يسكن الحرّ ووهج الرّمل.
__________
[1] أهل الكتابين: اليهود والنصارى.
[2] الرمض: شدة الحر. (اللسان: رمض) .
[3] الجذل: أصل الشجرة وغيرها، أو ما عظم من أصول الشجر. (القاموس: جذل) .
(4/313)

وفي هذا الحديث من العجب أن تكون هذه الحيّة تهتدي لمثل هذه الحيلة.
وفيه جهل الطائر بفرق ما بين الحيوان والعود. وفيه قلة اكتراث الحيّة بالرّمل الذي عاد كالجمر، وصلح أن يكون ملّة [1] وموضعا للخبزة، ثمّ أن يشتمل ذلك الرّمل على ثلث الحيّة ساعات من النّهار، والرمل على هذه الصفة. فهذه أعجوبة من أعاجيب ما في الحيّات.
وزعم لي [2] رجال من الصّقالبة، خصيان وفحول، أنّ الحيّة في بلادهم تأتي البقرة المحفّلة [3] فتنطوي على فخذيها وركبتيها إلى عراقيبها، ثمّ تشخص صدرها نحو أخلاف ضرعها، حتى تلتقم الخلف؛ فلا تستطيع البقرة مع قوّتها أن تترمرم [4] .
فلا تزال تمصّ اللبن، وكلما مصّت استرخت. فإذا كادت تتلف أرسلتها.
وزعموا أن تلك البقرة إمّا أن تموت، إمّا أن يصيبها في ضرعها فساد شديد تعسر مداواته.
والحيّة تعجب باللبن. وإذا وجدت الأفاعي الإناء غير مخمّر كرعت فيه، وربّما مجّت فيه ما صار في جوفها، فيصيب شارب ذلك اللبن أذى ومكروه كثير.
ويقال إنّ اللبن محتضر [5] . وقد ذهب ناس إلى العمّار، على قولهم إنّ الثوب المعصفر محتضر [5] . فظنّ كثير من العلماء أنّ المعنى في اللبن إنما رجع إلى الحيّات.
والحيّة تعجب باللّفّاح [6] والبطّيخ، وبالحرف [7] ، والخردل المرخوف [8] ؛ وتكره ريح السذاب [9] والشّيح، كما تكره الوزغ ريح الزّعفران.
__________
[1] الملّة: الرماد الحار والجمر. (القاموس: ملل) .
[2] نهاية الأرب 9/139.
[3] المحفلة: الناقة أو البقرة أو الشاة لا يحلبها صاحبها أياما حتى يجتمع لبنها في ضرعها، فإذا احتلبها المشتري وجدها غزيرة فزاد في ثمنها، فإذا حلبها بعد ذلك، وجدها ناقصة اللبن عما حلبه أيام تحفيلها. (اللسان: حفل) .
[4] تترمرم: تتحرك. (اللسان: رمم) .
[5] محتضر: تحضره الجن. (اللسان: حضر) .
[6] اللفاح: نبات يقطيني أصفر شبيه بالباذنجان طيب الرائحة. (اللسان: لفح) .
[7] الحرف: حب الرشاد. (القاموس: حرف) .
[8] المرخوف: المسترخي. (القاموس: رخف) .
[9] السذاب: ضرب من البقول. (القاموس: سذب) .
(4/314)

وليس في الأرض شيء جسمه مثل جسم الحيّة، إلا والحيّة أقوى بدنا منه أضعافا. ومن قوّتها أنها إذا أدخلت رأسها في جحرها، أو في صدع إلى صدرها، لم يستطع أقوى النّاس وهو قابض على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها؛ لشدّة اعتمادها، وتعاون أجزائها. وليست بذات قوائم لها أظفار أو مخالب أو أظلاف، تنشبها في الأرض، وتتشبث بها، وتعتمد عليها. وربما انقطعت في يدي الجاذب لها، مع أنها لدنة ملساء علكة فيحتاج الرفيق في أمرها عند ذلك، أن يرسلها من يديه بعض الإرسال، ثمّ ينشطها كالمختطف والمختلس، وربما انقطع ذنبها في يد الجاذب لها. فأمّا أذناب الأفاعي فإنها تنبت.
ومن عجيب ما فيها من هذا الباب، أنّ نابها يقطع بالكاز [1] ، فينبت حتى يتمّ نباته في أقلّ من ثلاث ليال.
والخطّاف في هذا الباب خلاف الخنزير؛ لأنّ الخطاف إذا قلمت إحدى عينيه رجعت. وعين البرذون يركبها البياض، فيذهب في أيّام يسيرة.
وناب الأفعى يحتال له بأن يدخل في فيها حمّاض أترجّ [2] ، ويطبق لحيها الأعلى على الأسفل، فلا تقتل بعضّتها أياما صالحة.
والمغناطيس الجاذب للحديد، إذا حكّ عليه الثّوم، لم يجذب الحديد.
1021-[خصائص الأفعى]
والأفعى لا تدور عينها في رأسها، وهي تلد وتبيض، وذلك أنها إذا طرّقت [3] ببيضها تحطّم في جوفها، فترمي بفراخها أولادا، حتى كأنها من الحيوان الذي يلد حيوانا مثله.
وفي الأفاعي من العجب أنها تذبح حتى يفرى منها كلّ ودج، فتبقى كذلك
__________
[1] الكاز: المقطع. «السامي في الأسامي 147» .
[2] في القاموس «ترج» : (الأترجّ، والأترجّة والتّرنجة والتّرنج: نبات معروف، حامضه مسكّن غلمة النساء؛ ويجلو اللون والكلف، وقشره في الثياب يمنع السوس) . وفي معجم الألفاظ الزراعية 163- 164. (جنس الليمون فيه أنواع البرتقال والأترج والنارنج والليمون الحلو والحامض، وهي تسمى الموالح في مصر؛ والحوامض في الشام، وما في جوف ثماره يسمى الحمّاض. جنس شجر مثمر من الفصيلة البرتقالية) .
[3] طرّقت ببيضها: حان لها أن يخرج بيضها. (القاموس: طرق) .
(4/315)

أيّاما لا تموت. وأمرت الحاوي فقبض على خرزة [1] عنقها، فقلت له: اقبضها من الخرزة [1] التي تليها قبضا رفيقا. فما فتح بينها بقدر سمّ الإبرة حتّى بردت ميّتة.
وزعم أنّه قد ذبح غيرها من الحيّات فعاشت على شبيه بذلك، ثمّ إنه فصل تلك الخرزة [1] على مثال ما صنع بالأفعى، فماتت بأسرع من الطّرف.
1022-[قوة بدن الممسوح]
وكلّ شيء ممسوح البدن، ليس بذي أيد ولا أرجل، فإنّه يكون شديد البدن، كالسّمكة والحيّة.
1023-[سم الأفعى]
وزعم أحمد بن غالب قال: باعني حوّاء ثلاثين أفعى بدينارين، وأهدي إليّ خمسا اصطادها من قبالة القلب، في تلك الصحارى على شاطئ دجلة. قال: وأردتها للتّرياق. قال: فقال لي حين جاءني بها: قل لي: من يعالجها؟ قال: فقلت له: فلان الصيدلانيّ. فقال: ليس عن هذا سألتك، قل لي: من يذبحها ويسلخها؟ قال: قلت:
هذا الصيدلانيّ بعينه. قال: أخاف أن يكون مغرورا من نفسه. إنّه والله إن أخطأ موضع المفصل من قفاه، وحركته أسرع من البرق، فإن كان لا يحسن ولا يدري كيف يتغفله، فينقره نقرة، لم يفلح بعدها أبدا. ولكني سأتطوّع لك بأن أعمل ذلك بين يديه. قال: فبعثت إليه. وكان رأسه إلى الجونة [2] ، فيغفل الواحدة فيقبض على قفاها بأسرع من الطّرف، ثمّ يذبحها. فإذا ذبحها سال من أفواهها لعاب أبيض، فيقول: هذا هو السم الذي يقتل! قال: فجالت يده جولة، وقطرت من ذلك اللّعاب قطرة على طرف قميص الصيدلانيّ. قال: فتفشّى ذلك القاطر حتّى صار في قدر الدّرهم العظيم. ثم إنّ الحوّاء امتحن ذلك الموضع فتهافت في يده، وبقيت الأفاعي مذبّحة تجول في الطست ويكدم بعضها بعضا، حتى أمسينا.
قال: وبكرت على أبي رجاء إلى باب الجسر، أحدّثه بالحديث، فقال لي وددت أنّي رأيت موضع القطرة من قميص الصّيدلاني! قال: فو الله مارمت حتّى مرّ معي إلى الصّيدلانيّ، فأريته موضعه.
وأصحابنا يزعمون أنّ لعاب الأفاعي لا يعمل في الدّم. إلّا أنّ أحمد بن المثنّى
__________
[1] الخرزة: فقرة من فقرات العنق. (القاموس: خرز) .
[2] الجونة: سلة صغيرة مستديرة مغشاة أدما تكون مع العطارين. اللسان (جون) .
(4/316)

زعم أنّ من الأفاعي جنسا لا يضرّ الفراريج من بين الأشياء، ولا أدري أيّ الخبرين أبعد: أخبر ابن غالب في تفسيخ الثّوب، أو خبر ابن المثنى في سلامة الفرّوج على الأفعى؟
1024-[ما تضيء عينه من الحيوان]
وزعم محمد بن الجهم أنّ العيون التي تضيء بالليل كأنها مصابيح، عيون الأسد والنمور، والسّنانير والأفاعي. فبينا نحن عنده إذ دخل عليه بعض من يجلب الأفاعي من سجستان، ويعمل التّرياقات، ويبيعها أحياء ومعمولة [1] ، فقال له:
حدّثهم بالذي حدّثتني به من عين الأفعى. قال: نعم، كنت في منزلي نائما في ظلمة، وقد كنت جمعت رؤوس أفاع كنّ عندي، لأرمي بها، وأغفلت تحت السّرير رأسا واحدا، ففتحت عيني تجاه السّرير في الظلمة، فرأيت ضياء إلّا أنّه ضئيل ضعيف رقيق، فقلت: عين غول أو بعض أولاء السّعالى، وذهبت نفسي في ألوان من المعاني، فقمت فقدحت نارا، وأخذت المصباح معي، ومضيت نحو السرير فلم أجد تحته إلّا رأس أفعى، فأطفأت السّراج ونمت وفتحت عيني، فإذا ذلك الضوء على حاله، فنهضت فصنعت كصنيعي الأوّل، حتى فعلت ذلك مرارا. قال: فقلت آخر مرّة: ما أرى شيئا إلّا رأس أفعى، فلو نحّيته! فنحّيته وأطفأت السّراج، ثمّ رجعت إلى منامي، ففتحت عيني فلم أر الضّوء، فعلمت أنّه من عين الأفعى، ثمّ سألت عن ذلك، فإذا الأمر حقّ، وإذا هو مشهور في أهل هذه الصّناعة.
1025-[علة قوة بدن الحية]
قال: وربّما قبض الرّجل الشديد الأسر والقوّة القبضة على قفا الحيّة فتلتفّ عليه فتصرعه. وفي صعودها وفي سعيها خلف الرّجل الشديد الحضر، أو عند هربها حتّى تفوت وتسبق، وليست بذات قوائم، وإنما تنساب على بطنها، وفي تدافع أجزائها وتعاونها، وفي حركة الكلّ من ذات نفسها، دليل على إفراط قوّة بدنها.
ومن ذلك أنها لا تمضغ، وإنما تبتلع، فربّما كان في البضعة أو في الشيء الذي ابتلعته عظم، فتأتي جذم شجرة، أو حجرا شاخصا [2] فتنطوي عليه انطواء شديدا فيتحطّم ذلك العظم حتّى يصير رفاتا.
__________
[1] في حياة الحيوان 1/401 «الحية» : (يحرم أكل الترياق المعمول من لحومها) .
[2] شخص: ارتفع. (القاموس: شخص) .
(4/317)

ثمّ يقطع ذنبها فينبت. ثمّ تعيش في الماء، إن صارت في الماء، بعد أن كانت برّيّة، وتعيش في البرّ بعد أن طال مكثها في الماء وصارت مائية.
قال: وإنّما أتتها هذه القوّة، واشتدّت فقر ظهرها هذه الشّدّة؛ لكثرة أضلاعها، وذلك أنّ لها من الأضلاع عدد أيّام الشّهر. وهي مع ذلك أطول الحيوان عمرا.
1026-[موت الحية]
ويزعمون أنّ الحيّة لا تموت حتف أنفها، وإنّما تموت بعرض يعرض لها. ومع ذلك فإنه ليس في الحيوان شيء هو أصبر على جوع من حيّة؛ لأنّها إن كانت شابّة فدخلت في حائط صخر، فتتبّعوا موضع مدخلها بوتد أو بحجر، ثمّ هدموا هذا الحائط، وجدوها هناك منطوية وهي حيّة. فالشّابة تذكر بالصّبر عند هذه العلّة. فإن هرمت صغرت في بدنها، وأقنعها النّسيم، ولم تشته الطعم. وقد قال الشاعر:- وهو جاهليّ [1]-: [من الرجز]
فابعث له من بعض أعراض اللّمم ... لميمة من حنش أعمى أصم
قد عاش حتى هو لا يمشي بدم ... فكلّما أقصد منه الجوع شم
وهذا القول لهذا المعنى. وفي هذا الوجه يقول الشاعر [2] : [من الرجز]
داهية قد صغرت من الكبر ... صلّ صفا ما ينطوي من القصر
طويلة الإطاق من غير خفر ... كمطرق قد ذهبت به الفكر [3]
جاء بها الطوفان أيّام زخر
1027-[صبر الحية على فقد الطّعم]
ومن أعاجيبها أنها وإن كانت موصوفة بالشّره والنّهم، وسرعة الابتلاع، فلها في الصّبر في أيّام الشّتاء ما ليس للزّهيد. ثمّ هي بعد ممّا يصير بها الحال إلى أن تستغني عن الطّعم.
__________
[1] الرجز بلا نسبة في البرصان 233، والسمط 490، واللسان (حنش) ، والتهذيب 4/186.
[2] الرجز للنابغة في ديوان المعاني 2/145، والحماسة الشجرية 273- 274، وبلا نسبة في الخزانة 2/457، والمخصص 8/109، 16، 106، 185، والمنصف 3/16، وأساس البلاغة (حرو) ، وربيع الأبرار 5/475.
[3] الإطراق: إرخاء العينين. (القاموس: طرق) .
(4/318)

1028-[النمس والثعابين]
ثمّ قد يزعمون أنّ بمصر دويبّة يقال لها النمس يتّخذها الناطور إذا اشتدّ خوفه من الثّعابين؛ لأنّ هذه الدّابة تنقبض وتنضمّ، تتضاءل وتستدقّ، حتّى كأنها قديدة [1] أو قطعة حبل، فإذا عضّها الثّعبان وانطوى عليها زفرت، وأخذت بنفسها وزخرت جوفها فانتفخ. فتفعل ذلك وقد انطوى عليها، فتقطعه قطعا من شدّة الزّخرة. وهذا من أعجب الأحاديث.
1029-[القواتل من الحيات]
والثّعابين إحدى القواتل. ويزعمون أنها ثلاثة أجناس لا ينجع فيها رقية ولا حيلة، كالثعبان، والأفعى، والهنديّة. ويقال: إنّ ما سواها فإنما يقتل مع ما يمدّها من الفزع؛ فقد يفعل الفزع وحده؛ فكيف إذا قارن سمّها؟! وسمّها إن لم يقتل أمرض.
1030-[ما يفعل الفزع في المسموم]
ويزعمون أنّ رجلا قال [2] تحت شجرة، فتدلّت عليه حيّة منها فعضّت رأسه، فانتبه محمرّ الوجه، فحكّ رأسه، وتلفّت، فلم ير شيئا، فوضع رأسه ينام، وأقام مدّة طويلة لا يرى بأسا، فقال له بعض من كان رأى تدلّيها عليه ثمّ تقلّصها عنه وهروبها منه: هل علمت من أيّ شيء كان انتباهك تحت الشّجرة؟ قال: لا والله، ما علمت.
قال: بلى، فإنّ الحيّة الفلانيّة نزلت عليك حتّى عضّت رأسك، فلما جلست فزعا تقلّصت عنك وتراجعت. ففزع فزعة وصرخ صرخة كانت فيها نفسه. وكأنهم توّهموا أنّه لما فزع واضطراب، وقد كان ذلك السمّ مغمورا ممنوعا فزال مانعه، وأوغله ذلك الفزع، حين تفتّحت منافسه، إلى موضع الصّميم والدّماغ وعمق البدن، فانحلّ موضع العقد الذي انعقدت عليه أجزاؤه وأخلاطه.
وأنشد الأصمعيّ: [من الرجز]
نكيثة تنهشه بمنبذ
__________
[1] قديدة: تصغير القدة، وهي جمع القد. والقد: سيور تقد من جلد فطير غير مدبوغ، فتشد بها الأقتاب والمحامل. (اللسان: قدد) .
[2] قال يقيل قيلولة: نام في نصف النهار.
(4/319)

وأنشد لأبي دؤاد الإياديّ [1] : [من الخفيف]
فأتاني تقحيم كعب لي المن ... طق إن النّكيثة الإقحام [2]
قال: فالفزع إمّا أن يكون يوصل السمّ إلى المقاتل، وإمّا أن يكون معينا له، كتعاون الرّجلين على نزع وتد. فهم لا يجزمون على أنّ الحيّة من القواتل البتّة، إلّا أن تقتل إذا عضّت النائم والمغشيّ عليه، والطفل الغرير، والمجنون الذي لا يعقل، وحتّى تجرّب عليه الأدوية.
1031-[الترياق وانقلاب الأفعى]
وكنت يوما عند أبي عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، وكان عنده سلمويه وابن ماسويه، وبختيشوع بن جبريل، فقال: هل ينفع التّرياق من نهشة أفعى؟ فقال بعضهم: إذا عضّت الأفعى فأدركت قبل أن تنقلب نفع الترياق، وإن لم تدرك لم ينفع؛ لأنهم إن قلّلوا من التّرياق قتله السّمّ، وإن كثّروا منه قتله الفاضل عن مقدار الحاجة.
قلت: فإنّ ابن أبي العجوز خبّرني بأنها ليست تنقلب لمجّ السمّ وإفراغه، ولكنّ الأفعى في نابها عصل [3] ، وإذا عضّت استفرغت إدخال النّاب كلّه، وهو أحجن أعصل، فيه مشابه من الشّصّ، فإذا انقلبت كان أسهل لنزعه وسلّه. فأمّا لصبّ السّمّ وإفراغه فلا. قال: والله لعلّه ما قلت! قلت: ما أسرع ما شككت!!.
ثمّ قلت له: فكأنما وضعوا الترياق واجتلبوا الأفاعي وضنّوا وعزموا على أنه لا ينفع إلّا بدرك الأفعى قبل أن تنقلب! وكيف صار التّرياق بعد الانقلاب لا يكون إلّا في إحدى منزلتين: إمّا أن يقتل بكثرته، وإمّا ألّا ينفع بقلّته! فكأنّ الترياق ليس نفعه إلّا في المنزلة الوسطى التي لا تكون فاضلة ولا ناقصة! ولكني أقول لك: كيف يكون نفعه إذا كان الترياق جيّدا قويّا، وعوجل فسقي المقدار الأوسط، قبل أن يبلغ الصّميم، ويغوص في العمق. وعلى هذا وضع، وهم كانوا أحزم وأحذق من أن يتكلّفوا شيئا، ومقداره من النّفع لا يوصل إلى معرفته.
__________
[1] ديوان أبي دؤاد 338، والأصمعيات 186.
[2] في ديوانه: (تقحيمه: توركه قولا نابيا، وهو إدخال الكلام بعضه في إثر بعض. كعب: قيل إنه ابن مامة بلغه عنه أمر يكرهه. النكيثة: الخطة الصعبة) .
[3] العصل: الاعوجاج. (القاموس: عصل) .
(4/320)

ويقول بعض الحذّاق: إنّ سقي التّرياق بعد النهش بساعة أو ساعتين موت المنهوش.
ثم قلت له: وما علّمك؟ وبأيّ سبب أيقنت أنها تمجّ من جوف نابها شيئا؟! ولعله ليس هنالك إلّا مخالطة جوهر ذلك النّاب لدم الإنسان! أولسنا قد نجد من الإنسان من يعضّ صاحبه فيقتله، ويكون معروفا بذلك؟! وقد تقرّون أنّ الهنديّة والثّعبان يقتلان، إمّا بمخالطة الرّيق الدم، وإمّا بمخالطة السّنّ الدّم، من غير أن تدّعوا أنّ أسنانهما مجوّفة. وقد أجمع جميع أصحاب التجارب أنّ الحيّة تضرب بقصبة فتكون أشدّ عليها من العصا. وقد يضرب الرجل على جسده بقضبان اللّوز وقضبان الرّمان، وقضبان اللّوز أعلك [1] وألدن، ولكنّها أسلم، وقضبان الرّمّان أخفّ وأسخف ولكنها أعطب.
وقد يطأ الإنسان على عظم حيّة أو إبرة عقرب، وهما ميتتان، فيلقى الجهد.
وقد يخرج السّكّين من الكير وهو محمى، فيغمس في اللبن فمتى خالط الدّم قام مقام السمّ، من غير أن يكون مجّ في الدّم رطوبة غليظة أو رقيقة.
وبعض الحجارة يكوى بها- وهو رخو- الأورام حتى يفرقها ويحمصها [2] من غير أن يكون نفذ إليها شيء منه، وليس إلّا الملاقاة.
قلت: ولعلّ قوى قد انفصلت من أنياب الأفاعي إلى دماء النّاس. وقد رووا أنّه قيل لجالينوس: إنّ ها هنا رجلا يرقي العقارب فتموت، أو تنحلّ فلا تعمل، فرآه يرقيها ويتفل عليها، فدعا به بحضرة جماعة وهو على الرّيق، ودعا بغدائه فتغدّى معه، ثمّ دعي له بالعقارب فتفل عليها، فلم يجد لعابه يصنع شيئا إلّا أن يكون ريقا.
وهو حديث يدور بين أهل الطبّ، وأنت طبيب. فلم أره في يومه ذلك قال شيئا إلّا من طريق الحزر والحدس، والبلاغات.
1032-[سموم الحيات والعقارب]
وسموم الحيّات ذوات الأنياب، والعقارب ذوات الإبر، إنما تعمل في الدّم بالإجماد والإذابة. وكذا سموم ذوات الشعر والقرون والجمّ، إنما تعمل في العصب، ومنها ما يعمل في الدم.
__________
[1] أعلك: أشد وأمتن، وطعام عالك: متين الممضغة. (القاموس: علك) .
[2] انحمص: انقبض وتضاءل. (القاموس: حمص) .
(4/321)

1033-[شرب المسموم للّبن]
وحدّثني بعض أصحابنا قال: كنت إمّا برماي وإما بباري وهما بلاد حيّات وأفاع، ونحن في عرس، إذ أدخلوا الخدر العروس فأبطؤوا عليه شيئا، فأغفى وتلوّت على ذراعه أفعى، فذهب ينفضها وحجمت على ذراعه- وقد يقال ذلك إذا كانت العضّة في صورة شرط الحجّام- فصرخ وجاؤوا يتعادون [1] فوجدوها فقتلوها، وسقوه في تلك اللّيلة لبن أربعين عنزا، كلّما استقرّ في جوفه قعب من ذلك اللّبن قاء فيخرج منه كأمثال طلع الفحّال [2] الأبيض، فيه طرائق من دسم تعلوه خضرة، حتى استوفى ذلك اللّبن كله. قال: فعندها قال شيخ من أهل القرية: إن كنتم أخرجتم ذلك السّمّ فقد أخرجتم نفسه معه! قال: فغبر أيّاما بأسوإ حال ثمّ مات. قال: وكنت أعجب من سرعة استحالة اللّبن وجموده.
1034-[اكتفاء الحيات والضباب بالنسيم]
قلت: والحيّات البرّيّة إذا هرمت تنسّمت النّسيم فاكتفت بذلك، وكذلك الضّباب إذا هرمت.
قال: ولا يكون ذلك للمائيّة من حيّات الغياض وشطوط الأنهار، ومناقع المياه.
1035-[الحيات المائية]
قال: والحيّات المائيّة، إمّا أن تكون برّيّة أو جبليّة، فاكتسحتها السّيول واحتملتها في كثير من أصناف الحشرات والدّوابّ والسّباع، فتوالدت تلك الحيّات وتلاقحت هناك. وإمّا أن تكون كانت أمهاتها وآباؤها في حيّات الماء. وكيف دارت الأمور فإنّ الحيّات في أصل الطّبع مائيّة. وهي تعيش في النّدى، وفي الماء، وفي البرّ وفي البحر، وفي الصّخر والرّمل. ومن طباعها أن ترقّ وتلطف على شكلين: أحدهما لطول العمر، والآخر للبعد من الرّيف. وعلى حسب ذلك تعظم في المياه والغياض.
قال: وكلّ شيء في الماء ممّا يعايش السمك، مما أشبه الحيّات كالمارماهي والأنكليس فإنها كلها على ضربين: فأحدهما من أولاد الحيات انقلبت بما عرض لها من طباع البلد والماء. والآخر من نسل سمك وحيات تلاقحت؛ إذ كان طباع السمك قريبا من طباع تلك الحيّات. والحيّات في الأصل مائيّة، وكلّها كانت حيّات.
__________
[1] يتعادون: يتبارون في العدو. (القاموس: عدو) .
[2] الطلع: نور النخل. (القاموس: طلع) . الفحال: ذكر النخل. (القاموس: فحل) .
(4/322)

1036-[قرابة بعض النبات لبعض]
وقد زعم أهل البصرة أنّ مشان [1] الكوفة قريب من برنيّ [2] البصرة، قلبته البلدة.
ويزعم أهل الحجاز أنّ نخل النارجيل [3] هو نخل المقل [4] ، ولكنّه انقلب لطباع البلدة. وأشباه ذلك كثير.
ويزعمون أنّ الفيلة مائية الطّباع بالجاموسيّة والخنزيريّة التي فيها.
1037-[الذئب والنسيم]
قال: والذّئب أيضا، وإن كان عندهم ممّا لا يجتزي بالنّسيم، فإنّه من الحيوان الذي يفتح فاه للنّسيم؛ ليبرد جوفه من اللهيب الذي يعتري السّباع؛ ولأنّ ذلك يمدّ قوّته، ويقطع عنه ببرودته ولطافته الرّيق. فإن كان ذا سعر إذا عدا احتشى ريحا.
1038-[صبر الذئب والأسد على الطعام]
وربّما جاع الأسد ففعل فعل الذّئب، فالأسد والذّئب يختلفان في الجوع والصبر؛ لأنّ الأسد شديد النّهم، رغيب حريص شره؛ وهو مع ذلك يحتمل أن يبقى أيّاما لا يأكل شيئا. والذّئب وإن كان أقفر منزلا، وأقلّ خصبا، وأكثر كدّا وإخفاقا، فلا بدّ له من شيء يلقيه في جوفه، فإذا لم يجد شيئا استعار النسيم، [وربما استفّ التراب] [5] .
1039-[حيلة بعض الجائعين]
والنّاس إذا جاعوا واشتدّ جوعهم شدّوا على بطونهم العمائم. فإن استقلوا، وإلّا شدّوا الحجر.
1040-[شعر في الذئب]
وأنشد: [من الطويل]
كسيد الغضا العادي أضلّ جراءه ... على شرف مستقبل الرّيح يلحب [6]
__________
[1] المشان: نوع من الرطب إلى السواد دقيق، هو أعجمي. (اللسان: مشن) .
[2] البرني: ضرب من التمر أصفر مدور. (اللسان: برن) .
[3] النارجيل: جوز الهند. (اللسان: نرجل) .
[4] المقل: حمل الدوم، واحدته مقلة، والدوم: شجرة تشبه النخلة في حالاتها. (اللسان: مقل) .
[5] الزيادة من ثمار القلوب 310 (578) ، حيث وردت الفقرة كلها.
[6] السيد: الذئب. (القاموس: سيد) . الجراء: جمع جرو. الشرف: ما علا من الأرض. (القاموس:
شرف) . يلحب: يسرع. (القاموس: لحب) .
(4/323)

كأنّه يجمع استدخال الرّيح والنّسيم، فلعلّه أن يجد ريح جرائه.
وقال الرّاجز [1] : [من الرجز]
يستخبر الرّيح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصّفا الموقّع [2]
1041-[شمّ الظليم]
والظّليم يكون على بيضه فيشمّ ريح القانص من أكثر من غلوة، ويبعد عن رئاله فيشمّ ريحها من مكان بعيد.
وأنشدني يحيى بن نجيم بن زمعة قال [3] : [من الرجز]
أشمّ من هيق وأهدى من جمل
[4] وأنشدني عمرو بن كركرة: [من الرجز]
ما زال يشتمّ اشتمام الهيق
قال: وإنّما جعله ذئب غضا لأنهم يقولون: ذئب الخمر أخبث.
ويقولون: شيطان الحماطة: يريدون الحيّة [5] .
1042-[الحيّات الخفيفة والثقيلة]
وكلّ حيّة خفيفة الجسم فهي شيطان. والثّقال لا تنشط من أرض إلى أرض، وتثقل عمّا تبلغه المستطيلات الخفاف. وقال طرفة [6] : [من الطويل]
تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه ... تعمّج شيطان بذي خروع قفر
__________
[1] الرجز لأبي الرديني العكلي في البيان 1/82، والخزانة 3/105 (بولاق) ، وبلا نسبة في البرصان 198، واللسان والتاج (مخر، قرع) ، وديوان الأدب 1/311.
[2] في البرصان: (وصف الراجز استرواح الذئب وحرصه على استنشاق الريح) . المقراع: الفأس.
(اللسان: قرع) .
[3] الرجز بلا نسبة في البرصان 303، وثمار القلوب (652) ، واللسان (نعم) ، والتهذيب 3/14.
[4] الهيق: ذكر النعام. (اللسان: هيق) .
[5] ثمار القلوب (623) .
[6] لم يرد البيت في ديوان طرفة، وهو بلا نسبة في اللسان (حبب، عمج، خرع، شطن، ثنى) ، والتاج (حبب، خرع، ثنى) ، والمقاييس 2/28، 3/148، 4/137، والمجمل 2/30، والمخصص 7/110، 8/109، وديوان الأدب 2/60، 440.
(4/324)

الكرماني عن أنس- ولا أدري من أنس هذا- في صفة ناقة: [من الطويل]
شناحية فيها شناح كأنّها ... حباب بكفّ الشّأو من أسطع حشر [1]
والحباب: الحيّة الذّكر.
1043-[المضاف إلى النبات من الحيوان]
وكما يقولون [2] : ذئب الخمر، يقولون: أرنب الخلّة [3] ، وتيس الرّبل، وضبّ السّحا [3] . والسّحا بقلة تحسن حاله من أكلها.
وكذلك يقولون: «ما هو إلّا قنفذ برقة» [4] لأنه يكون أخبث له.
1044-[خصائص البلدان]
وذلك كلّه على قدر طبائع البلدان والأغذية العاملة في طبائع الحيوان. ألا ترى أنّهم يزعمون أنّ من دخل أرض تبّت [5] لم يزل ضاحكا مسرورا، من غير عجب حتّى يخرج منها. ومن أقام بالموصل حولا ثم تفقّد قوّته وجد فيها فضلا. ومن أقام بالأهواز حولا فتفقّد عقله ذو فراسة وجد النّقصان فيه بيّنا. كما يقال في حمّى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وجرب الزّنج. وقال الشمّاخ [6] : [من الوافر]
كأنّ نطاة خيبر زوّدته ... بكور الورد ريّثة القلوع [7]
وقال أوس بن حجر [8] : [من الطويل]
كأنّ به إذ جئته خيبريّة ... يعود عليه وردها وقلالها [9]
__________
[1] الشناحية: الناقة الطويلة الجسم. (القاموس: شنح) . الشأو: الزمام. (القاموس: شأو) . الأسطع:
العنيق الطويل. (القاموس: سطع) .
[2] ثمار القلوب 330 (577، 614) .
[3] الخلة والسحا: شجرة شاكة. (القاموس: خلل، سحى) .
[4] برقة: الأرض ذات الحجارة المختلفة الألوان. وللعرب مئة برقة، من بينها (برقة أنقد) وهو القنفذ.
انظر معجم البلدان 1/390 وما بعد.
[5] تبت: بلد بأرض الترك، أو هي مملكة متاخمة للصين والهند. معجم البلدان 2/10، وانظر الفقرة في ثمار القلوب 310 (577، 794) ، وعيون الأخبار 1/219.
[6] ديوان الشماخ 223، واللسان (صلل، نطا) ، والتاج (نطا) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (قلع) ، والتهذيب 1/25، 14/31، ومعجم البلدان 5/291 (نطاة) .
[7] في ديوانه: (نطاة خيبر: قيل: هي خيبر نفسها علم لها، وقيل واد بخيبر، وقيل: حصن بها. زودته:
أعطته زادا. بكور الورد: يعني حمى تباكر بوردها جسمه. ريثة القلوع: بطيئة الذهاب والانكشاف) .
[8] ديوان أوس 100، وثمار القلوب 436 (791) ، والسمط 918.
[9] في ديوانه: (الورد: ورود الحمى) .
(4/325)

وقال آخر [1] : [من الرجز]
كأنّ حمّى خيبر تملّه
وكذلك القول في وادي جحفة، وفي مهيعة، وفي أصول النخل حيث كان.
وقال عبد الله بن همام السّلوليّ في دماميل الجزيرة [2] : [من الطويل]
أتيح له من شرطة الحيّ جانب ... غليظ القصيرى لحمه متكاوس
تراه إذا يمضي يحكّ كأنّما ... به من دماميل الجزيرة ناخس
فحدّثني أبو زفر الضّراري قال [3] : مات ضرار بن عمرو وهو ابن تسعين سنة بالدّماميل. قلت: والله إنّ هذا لعجب! قال: كلّا، إنّما احتملها من الجزيرة.
وكذلك القول في طواعين الشّام. قال أحد بني المغيرة، فيمن مات منهم بطواعين الشام، ومن مات منهم بطعن الرّماح أيّام تلك المغازي [4] : [من السريع]
من ينزل الشّام ويعرس به ... فالشّام إن لم يفنه كاذب
أفنى بني ريطة فرسانهم ... عشرين لم يقصص لهم شارب
ومن بني أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا عجب العاجب
طعن وطاعون مناياهم ... ذلك ما خطّ لنا الكاتب
1045-[قدوم عبد الله بن الحسن على عمر بن عبد العزيز وهشام]
قال [5] ولمّا قدم عبد الله بن الحسن بن الحسن رضي الله عنهم، على عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- في حوائج له، فلمّا رأى مكانه بالشام، وعرف سنّه وسمته وعقله، ولسانه، وصلاته وصيامه، فلم يكن شيء أحبّ إليه من ألّا يراه أحد من أهل الشام، فقال له: إنّي أخاف عليك طواعين الشّام؛ فإنّك لن تغنم أهلك أكثر
__________
[1] الرجز لليلى الأخيلية في ديوانها 99، ولعمرة بنت الحمارس في أشعار النساء 155، وبلا نسبة في ثمار القلوب (791) .
[2] البيتان في البرصان 147، ومعجم البلدان 2/134 (جزيزة أقور) . والثاني بلا نسبة في الجمهرة 565، 1051.
[3] ثمار القلوب (794) .
[4] الأبيات للمهاجر بن خالد بن الوليد في الإصابة 6/160 رقم 8329، وتاريخ الطبري 4/65، ولبعض بني المغيرة في ثمار القلوب 435 (789) ، والتعازي للمبرد 215.
[5] ثمار القلوب 435 (789) .
(4/326)

منك، فالحق بهم؛ فإنّ حوائجك ستسبقك إليهم. ثمّ قدم على هشام، فكره عبد الله أن يدخل منزل له حتّى يأتيه في ثياب سفره؛ مخافة سوء ظنّه. فلما أعلمه الحاجب مكانه، ودخل عليه وعاينه، كره أن يقيم بها طرفة عين. قال: اذكر حوائجك. قال:
أحطّ رحلي وأضع ثياب سفري، وأتذكّر حوائجي. قال: إنّك لن تجدني في حال خيرا لك منّي الساعة! يريد أنّ القلوب أرقّ ما تكون إذا تلاقت العيون عن بعد عهد.
وليس ذلك أراد.
1046-[طحال البحرين]
والعامّة تنشد [1] : [من الطويل]
من يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع
ونظر دكين الرّاجز، إلى أبي العباس محمّد بن ذويب الفقيميّ الرّاجز، وهو غليّم مصفرّ مطحول، وهو يمتح على بكرة ويرتجز. فقال: من هذا العمانيّ؟ فلزمته هذه النّسبة [2] .
1047-[جرب الزنج]
وحدّثني يوسف الزّنجي أنّه لا بدّ لكلّ من قدم من شقّ العراق إلى بلاد الزّنج ألّا يزال جربا، ما أقام بها. وإن أكثر من شرب نبيذها، أو شراب النّارجيل، طمس الخمار على عقله، حتّى لا يكون بينه وبين المعتوه إلّا الشّيء اليسير [3] .
1048-[طبيعة المصيصة]
وخبّرني كم شئت من الغزاة، أن من أطال الصّوم بالمصيصة في أيّام الصّيف، هاج به المرار. وأنّ كثيرا منهم قد جنّوا عن ذلك الاحتراق [4] .
1049-[حمى الأهواز]
فأمّا قصبة الأهواز، فإنّها قلبت كلّ من نزلها من بني هاشم إلى كثير من
__________
[1] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (بطن) ، والمستقصى 1/319، وزهر الأكم 3/7، ومجمع الأمثال 1/278، وفصل المقال 435، ورسائل الجاحظ 1/341، ونوادر المخطوطات 1/261، والشعر والشعراء 475 (ليدن) ، 2/755 (شاكر) ، وثمار القلوب (794) .
[2] الخبر في الشعر والشعراء 475 (ليدن) ، 2/755 (شاكر) .
[3] الخبر في ثمار القلوب (795) .
[4] الخبر في عيون الأخبار 1/219، وثمار القلوب (795) ، ولطائف المعارف 230.
(4/327)

طباعهم وشمائلهم، ولا بدّ للهاشميّ، قبيح الوجه كان أو حسنا، أو دميما كان أو بارعا رائعا، من أن يكون لوجهه وشمائله طبائع يبين بها من جميع قريش وجميع العرب. فلقد كادت البلدة أن تنقل ذلك فتبدّله، ولقد تخيّفته وأدخلت الضّيم عليه، وبيّنت أثرها فيه فما ظنّك بصنيعها في سائر الأجناس [1] ؟! ولفساد عقولهم، ولؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، والضّياع الفاشية، يحبّون من البنين والبنات ما يحبّه أوساط أهل الأمصار على الثّروة واليسار، وإن طال ذلك. والمال منبهة كما تعلمون.
وقد يكتسب الرّجل، من غيرهم، المويل [2] اليسير، فلا يرضى لولده حتّى يفرض له المؤدّبين، ولا يرضى لنسائه مثل الذي كان يرضاه قبل ذلك. وليس في الأرض صناعة مذكورة، ولا أدب شريف؛ ولا مذهب محمود، لهم في شيء منه نصيب وإن خسّ [3] . ولم أر بها وجنة حمراء لصبيّ ولا صبيّة، ولا دما ظاهرا ولا قريبا من ذلك. وهي قتّالة للغرباء.
وعلى أنّ حمّاها خاصّة ليست للغريب بأسرع منها إلى القريب. ووباؤها وحمّاها، في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمّى عن جميع البلدان.
وكلّ محموم في الأرض فإنّ حمّاه لا تنزع عنه، ولا تفارقه وفي بدنه منها بقيّة، فإذا نزعت عنه فقد أخذ منها عند نفسه البراءة، إلى أن يعود إلى الخلط، وأن يجمع في جوفه الفساد [4] .
وليست كذلك الأهواز لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث، كما تعاود أصحاب الحدث؛ لأنّهم ليسوا يؤتون من قبل النّهم [5] ، ومن قبل الخلط والإكثار، وإنّما يؤتون من عين البلدة.
وكذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطّاعن في منازلها، المطلّ عليها؛ والجرّارات [6] في بيوتها ومقابرها ومنابرها. ولو كان في العالم شيء هو شرّ من
__________
[1] الخبر في عيون الأخبار 1/219- 220، وثمار القلوب (792) ، ولطائف المعارف 175.
[2] المويل: تصغير المال.
[3] بعدها في معجم البلدان 1/286: الأهواز: «أو دقّ أو جلّ» .
[4] في معجم البلدان: «فإذا نزعت فقد وجد في نفسه منها البراءة، إلا أن تعود لما يجتمع في بطنه من الأخلاط الرديئة» .
[5] في معجم البلدان: «من قبل التّخم والإكثار من الأكل وإنما يؤتون من عين البلدة» .
[6] الجرارات: العقارب.
(4/328)

الأفعى والجرّارة، لما قصّرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. وبليتها أنّها من ورائها سباخ [1] ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقها تسايل كنفهم، ومياه أمطارهم ومتوضّآتهم.
فإذا طلعت الشّمس فطال مقامها، وطالت مقابلتها لذلك الجبل، قبل بالصّخرية التي فيه تلك الجرّارات. فإذا امتلأت يبسا وحرارة، وعادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم.
وقد تحدث تلك السّباخ وتلك الأنهار بخارا فاسدا، فإذا التقى عليهم ما تحدث السّباخ وما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء. وبفساد الهواء يفسد كلّ شيء يشتمل عليه ذلك الهواء.
وحدّثني إبراهيم بن عباس بن محمد بن منصور، عن مشيخة من أهل الأهواز، عن القوابل، أنهنّ ربّما قبلن [2] الطّفل المولود، فيجدنه في تلك السّاعة محموما.
يعرفن ذلك ويتحدّثن به.
1050-[عيون فراخ الحيات والخطاطيف]
قال: ويعرض لفراخ الحيّات مثل الذي يعرض لفراخ الخطاطيف؛ فإنّ نازعا لو نزع عيون فراخ الخطاطيف، وفراخ الحيّات، لعادت بصيرة.
1051-[مفارقة السلحفاة والرق والضفدع للماء]
وزعم أنّ السّلحفاة والرّقّ، والضّفدع، ممّا لا بدّ له من التنفّس، ولا بدّ لها من مفارقة الماء، وأنّها تبيض وتكتسب الطعم وهي خارجة من الماء، وذلك للنّسب الذي بينها وبين الضّب، وإن كان هذا برّيّا وهذا بحريّا.
1052-[شبه بعض الحيوان البري بنظيره من البحري]
ويزعمون أنّ ما كان في البرّ من الضبّ والورل والحرباء، والحلكاء، وشحمة الأرض، والوزغ والعظاء [3] مثل الذي في البحر من السّلحفاة والرّقّ، والتّمساح،
__________
[1] سباخ: جمع سبخة، وهي الأرض تعلوها ملوحة. (القاموس: سبخ) .
[2] قبلت القابلة الولد: تلقته عند خروجه. (القاموس: قبل) .
[3] الورل والضب والحرباء وشحمة الأرض والوزغ، كلها متناسبة في الخلق. حياة الحيوان 2/418 (الورل) .
(4/329)

والضّفدع، وأنّ تلك الأجناس البرّية وإن اختلفت في أمورها، فإنّها قد تتشابه في أمور، وأنّ هذه الأجناس البحرية من تلك، ككلب الماء من كلب الأرض.
1053-[صبر بعض الحيوان عن الطعم]
وقد زعم صاحب المنطق أنّ الحيّة وسامّ أبرص من العظاء، والتّمساح، تسكن في أعشّتها الأربعة أشهر الشديدة البرد، لا تطعم شيئا، وأنّ سائر الحيّات تسكن بطن الأرض. فأمّا الأفاعي فإنّها تسكن في صدوع الصّخر.
وليس لشيء من الحيوان من الصّبر عن الطّعم ما لهذه الأجناس. وإنّ الفيل ليناسبها من وجهين: أحدهما من طول العمر، فإنّ منها ما قد عاش أربعمائة سنة.
والوجه الآخر أنّ الفيلة مائيّة وهذه الأجناس مائيّة وإن كان بعضها لا يسكن الماء.
1054-[داهية الغبر]
قال: وسمعت يونس بن حبيب يقول [1] : «داهية الغبر» قال [2] : وقيل ذلك لأنها ربّما سكنت بقرب ماء، إمّا غدير وإما عين، فتحمي ذلك الموضع. وربما غبر ذلك الماء في المنقع حينا وقد حمته. وقال الكذّاب الحرمازيّ [3] : [من الرجز]
يا ابن المعلّى نزلت إحدى الكبر ... داهية الدّهر وصمّاء الغبر
قال: وسأل الحكم بن مروان بن زنباع، عن بني عبد الله بن غطفان، قال: أفعى إن أيقظتها لسعتك، وإن تركتها لم تضرك.
1055-[نادرة تتعلق بالحيات]
وذكر عن سعيد بن صخر قال: نهش رجل من أهل البادية كثير المال، فأشفى على الموت، فأتاهم رجل فقال: أنا أرقيه، فما تعطوني؟ فشارطوه على ثلاثين درهما، فرقاه وسقاه أشياء ببعض الأخلاط، فلمّا أفاق قال الرّاقي والمداوي: حقي! قال الملدوغ: وما حقه، قالوا: ثلاثون درهما. قال أعطيه من مالي ثلاثين درهما في نفثات نفثها، وحمض سقاه! لا تعطوه شيئا!
__________
[1] من الأمثال قولهم «إنه لداهية الغبر» وهو في مجمع الأمثال 1/44، وجمهرة الأمثال 1/450، والمستقصى 1/421، وفصل المقال 141، وأمثال ابن سلام 99، والغبر: عين ماء بعينه تألفه الحيات.
[2] ورد القول في أساس البلاغة «غبر» .
[3] الرجز في مصادر المثل السابق، واللسان والتاج وأساس البلاغة (غبر) .
(4/330)

1056-[حديث سكر الشطرنجي]
وحدّثني بعض أصحابنا عن سكّر الشّطرنجيّ، وكان أحمق القاصّين، وأحذقهم بلعب الشّطرنج، وسألته عن خرق كان في خرمة [1] أنفه فقلت له: ما كان هذا الخرق؟ فذكر أنّه خرج إلى جبّل [2] يتكسّب بالشّطرنج، فقدم البلدة وليس معه إلّا درهم واحد، وليس يدري أينجح أم يخفق، ويجد صاحبه الذي اعتمده أم لا يجده؟
فورد على حوّاء [3] وبين يديه جون [4] عظام فيها حيات جليلة.
والحيّة إذا عضّت لم تكن غايتها النّهش أو العضّ، وأن ترضى بالنّهش، ولكنّها لا تعضّ إلّا للأكل والابتلاع. وربّما كانت الحيّات عظاما جدّا ولا سموم لها، ولا تعقر بالعضّ، كحيات الجولان.
وفي البادية حيّة يقال لها الحفّاث، والحفّاث من الحيّات تأكل الفأر وأشباه الفأر، ولها وعيد منكر، ونفخ وإظهار للصّولة، وليس وراء ذلك شيء. والجاهل ربّما مات من الفزع منها. وربّما جمعت الحيّة السّمّ وشدّة الجرح، والعضّ والابتلاع، وحطم العظم.
فوقف سكّر على الحوّاء وقد أخرج من جونته أعظم حيّات في الأرض، وادّعى نفوذ الرّقية وجودة التّرياق، فقال له سكّر: خذ منّي هذا الدّرهم، وارقني رقية لا تضرّني معها حيّة أبدا! قال: فإنّي أفعل. قال: فأرسل قبل ذلك حيّة، حتّى ترقيني بعد أن تعضّني، فإن أفقت علمت أنّ رقيتك صحيحة. قال: فإنّي أفعل، فاختر أيّتهنّ شئت. فأشار إلى واحدة ممّا تعضّ للأكل دون السّمّ، فقال: دع هذه، فإنّ هذه إن قبضت على لحمك لم تفارقك حتى تقطعك! قال: فإنّي لا أريد غيرها. وظنّ أنّه إنّما زواها عنه لفضيلة فيها. قال: أمّا إذ أبيت إلّا هذه فاختر موضعا من جسدك حتّى أرسلها عليه. فاختار أنفه، فناشده وخوّفه، فأبى إلّا ذلك أو يردّ عليه درهمه. فأخذها الحّواء وطواها على يده، كي لا يدعها تنكز [5] فتقطع أنفه من أصله. ثمّ أرسلها عليه. فلما أنشبت أحد نابيها في شقّ أنفه صرخ عليه صرخة جمعت عليه أهل تلك
__________
[1] الخرمة: موضع الخرم من الأنف. (القاموس: خرم) .
[2] جبّل: بلدة بين النعمانية وواسط في الجانب الشرقي. معجم البلدان 2/103.
[3] رجل حوّاء وحاو: يجمع الحيات. (اللسان: حوا) .
[4] جون: جمع جونة، وهي سليلة «تصغير سلة» مغشاة أدما تكون مع العطارين. (القاموس: جون) .
[5] نكزت الحية: لسعت بأنفها. (القاموس: نكز) .
(4/331)

البلدة، ثمّ غشي عليه، فأخذ الحوّاء فوضع في السّجن، وقتلوا تلك الحيّات، وتركوه حتّى أفاق كانّه أجنّ الخلق، فتطوّعوا بحمله فحملوه مع المكاري [1] ، وردّوه إلى البصرة، وبقي أثر نابها في أنفه إلى أن مات.
1057-[أظلم من حية]
قال: وأشياء من الحشرات لا تتخذ لنفسها ولا لبيضها ولا أولادها بيوتا، بل تظلم كلّ ذي جحر جحره، فتخرجه منه، أو تأكله إنّ ثبت لها.
والعرب تقول للمسيء: «أظلم من حيّة» لأنّ، الحيّة لا تتّخذ لنفسها بيتا. وكلّ بيت قصدت نحوه هرب أهله منه. وأخلوه لها.
1058-[الورل والحية]
والورل يقوى على الحيّات ويأكلها أكلا ذريعا. وكلّ شدّة يلقاها ذو جحر منها فهي تلقى مثل ذلك من الورل. والورل ألطف جرما من الضّبّ.
وزعم أنّهم يقولون: «أظلم من ورل» [2] كما يقولون: «أظلم من حيّة» [3] ، وكما يقولون: «أظلم من ذئب» [4] ويقولون: «من استرعى الذّئب ظلم» [5] .
1059-[الورل والضبّ]
وبراثن الورل أقوى من براثن الضّبّ. والضّباب تحفر جحرتها في الكدى [6] .
والورل لا يحفر لنفسه بل يخرج الضّبّ من بيته. فتزعم الأعراب أنّه إنما صار لا يحفر لنفسه إبقاء على براثنه. ويمنع الحيّة أن تحفر بيتها أنّ أسنانها أكلّ من أسنان الفأر ومن التي تحفر بالأفواه والأيدي، كالنمل والذّرّ وما أشبه ذلك. والحيّة لا ترى أن تعاني ذلك، وحفر غيرها ومعاناته يكفيها.
__________
[1] المكاري: من يكري الناس دابته، أي يؤجرها. (انظر القاموس: كرى) .
[2] مجمع الأمثال 1/445، وجمهرة الأمثال 2/30، والمستقصى 1/234.
[3] مجمع الأمثال 1/445، وجمهرة الأمثال 2/29، والمستقصى 1/232 وفصل المقال 492.
[4] مجمع الأمثال 1/446، وجمهرة الأمثال 2/30، والمستقصى 1/234.
[5] مجمع الأمثال 2/302، وجمهرة الأمثال 2/265، والمستقصى 2/352، وأمثال ابن سلام 294، والفاخر 265، والدرة الفاخرة 1/294.
[6] الكدى: جمع كدية، وهي الأرض الصلبة. (القاموس: كدي) .
(4/332)

1060-[شعر في ظلم الحية]
وفي ضرب المثل بظلم الحيّة، يقول مضرّس بن لقيط [1] : [من الطويل]
لعمرك إنّي لو أخاصم حيّة ... إلى فقعس ما أنصفتني فقعس
إذا قلت مات الدّاء بيني وبينهم ... سعى حاطب منهم لآخر يقبس
فما لكم طلسا إليّ كأنّكم ... ذئاب الغضا والذّئب بالليل أطلس [2]
وجعله أطلس؛ لأنّه حين تشتدّ ظلمة اللّيل فهو أخفى له، ويكون حينئذ أخبث له وأضرى.
وقال حريز بن نشبة العدويّ، لبني جعفر بن كلاب، وضرب جور الحيّة والذّئب في الحكم مثلا، فقال [3] : [من البسيط]
كأنّني حين أحبو جعفرا مدحي ... أسقيهم طرق ماء غير مشروب [4]
ولو أخاصم أفعى نابها لثق ... أو الأساود من صمّ الأهاضيب [5]
لكنتم معها إلبا، وكان لها ... ناب بأسفل ساق أو بعرقوب [6]
ولو أخاصم ذئبا في أكيلته ... لجاءني جمعكم يسعى مع الذّيب [7]
1061-[فم الأفعى]
قال: والحيّة واسعة الشّحو والفم، لها خطم، ولذلك ينفذ نابها. وكذلك كلّ ذي فم واسع الشّحو، كفم الأسد. فإذا اجتمع له سعة الشّحو وطول اللّحيين، وكان ذا خطم وخرطوم فهو أشدّ له؛ كالخنزير، والذّئب والكلب. ولو كان لرأس الحيّة عظم كان أشدّ لعضّتها، ولكنّه جلد قد أطبق على عظمين رقيقين مستطيلين بفكّها الأعلى والأسفل. ولذلك إذا أهوى الرّجل بحجر أو عصى، رأيتها تلوّي رأسها وتحتال
__________
[1] الأبيات للأسدي في البيان 2/160، ولعامر بن لقيط الأسدي في حماسة البحتري 380، ومحاضرات الراغب 1/174.
[2] الأطلس: وهو الذي في لونه غبرة إلى سواد. (القاموس: طلس) .
[3] ورد البيتان الثاني والرابع في البيان 2/160 مع نسبتهما إلى الفزاري.
[4] ماء طرق: بالت فيه الإبل وبعرت. (القاموس: طرق) .
[5] لثق: مبتل. (القاموس: لثق) .
[6] ألب القوم إليه: أتوه من كل جانب، وانضم بعضهم إلى بعض. (القاموس: ألب) .
[7] الأكيلة: شاة تنصب ليصاد بها الذئب ونحوه؛ وهي قبيحة. (القاموس: أكل) .
(4/333)

في ذلك، وتمنعه بكلّ حيلة، لأنّها تعلم وتحسّ بضعف ذلك الموضع منها، وهو مقتل. وما أكثر ما يكون في أعناقها تخصير [1] ، ولتندورها أغباب [2] ، وذلك في الأفاعي أعمّ. وذلك الموضع المستدقّ [1] إنّما هو شيء كهيئة الخريطة، وكهيئة فم الجراب، منضمّ الأثناء، مثنّى الغضون. فإذا شئت أن تفتح انفتح لك فم واسع.
ولذلك قال إبراهيم بن هانئ: كان فتح فم الجراب يحتاج إلى ثلاثة أيد، ولولا أنّ الحمالين قد جعلوا أفواههم بدل اليد الثّالثة لقد كان ذلك ممتنعا حتّى يستعينوا بيد إنسان.
وهذا ممّا يعدّ في مجون ابن هانئ.
وكذلك حلوق الحيّات وأعناقها وصدورها، قد تراها فتراها في العين دقيقة، ولا سيّما إذا أفرطت في الطّول.
1062-[شراهة الحية والأسد]
وهي تبتلع فراخ الحمام. والحية أنهم وأشره من الأسد. والأسد يبلع البضعة العظيمة من غير مضع، وذلك لما فيه من فضل الشره. وكذلك الحيّة. وهما واثقان بسهولة وسعة المخرج.
1063-[تنّين أنطاكية]
وممّا عظّمها وزاد في فزع النّاس منها، الذي يرويه أهل الشام، وأهل البحرين، وأهل أنطاكية، وذلك أنّي رأيت الثلث الأعلى من منارة مسجد أنطاكية أظهر جدّة من الثلثين الأسفلين، فقلت لهم: ما بال هذا الثلث الأعلى أجدّ وأطرى؟ قالوا: لأنّ تنّينا [3] ترفّع من بحرنا هذا، فكان لا يمرّ بشيء إلّا أهلكه، فمرّ على المدينة في الهواء، محاذيا لرأس هذه المنارة، وكان أعلى ممّا هي عليه، فضربه بذنبه ضربة، حذفت من الجميع أكثر من هذا المقدار، فأعادوه بعد ذلك، ولذلك اختلف في المنظر.
ولم يزل أهل البقاع يتدافعون أمر التّنّين. ومن العجب أنّك تكون في مجلس
__________
[1] تخصير: دقّة.
[2] أغباب: جمع غبب، وهو اللحم المتدلي تحت الحنك. (القاموس: غبب) .
[3] التنين: ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها، وطوله نحو فرسخين. حياة الحيوان 1/233.
(4/334)

وفيه عشرون رجلا، فيجري ذكر التّنّين فينكره بعضهم. وأصحاب التثبت يدّعون العيان. والموضع قريب، ومن يعاينه كثير. وهذا اختلاف شديد.
1064-[الحية الأصلة]
والأعراب تقول في الأصلة قولا عجيبا: تزعم أنّ الحيّة التي يقال لها الأصلة لا تمرّ بشيء إلّا احترق. مع تهاويل كثيرة، وأحاديث شنيعة.
1065-[الأجدهاني]
وتزعم الفرس أنّ الأجدهاني أعظم من البعير، وأنّ لها سبعة رؤوس، وربّما لقيت ناسا فتبتلع من كلّ جهة فم ورأس إنسانا. وهو من أحاديث الباعة والعجائز.
1066-[الحية ذات الرأسين]
وقد زعم صاحب المنطق أنّه قد ظهرت حيّة لها رأسان. فسألت أعرابيّا عن ذلك فزعم أنّ ذلك حقّ. فقلت له: فمن أي جهة الرّأسين تسعى؟ ومن أيّهما تأكل وتعضّ؟ فقال: فأمّا السّعي فلا تسعى، ولكنّها تسعى إلى حاجتها بالتقلب، كما يتقلّب الصّبيان على الرّمل. وأمّا الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغدّى بفم. وأمّا العضّ فإنها تعضّ برأسيها معا!! فإذا به أكذب البريّة. وهذه الأحاديث كلها، ممّا يزيد في الرعب منها، والاستهالة لمنظرها.
1067-[فرانق الأسد]
ومثل شأن التّنّين مثل أمر فرانق [1] الأسد، فإنّ ذكره يجري في المجلس، فيقول بعضهم: أنا رأيته وسمعته!
1068-[فزع الناس من الحية]
وربما زاد في الرعب منها والاستهالة لمنظرها قول جميع المحدّثين: إنّ من أعظم ما خلق الله الحية والسّرطان والسّمك!
1069-[طول عمر الحية]
وتقول الأعراب: إنّ الحية أطول عمرا من النّسر، وإن الناس لم يجدوا حية قطّ ماتت حتف أنفها، وإنما تموت بالأمر يعرض لها. وذلك لأمور؛ منها قولهم: إنّ فيها شياطين، وإنّ فيها من مسخ، وإنّ إبليس إنما وسوس إلى آدم وإلى حوّاء من جوفها.
__________
[1] الفرانق: معرب بروانك. (القاموس: فرنق) .
(4/335)

وزعم لي الفضل بن إسحاق، أنه كان لأبيه نخّان [1] ، وأنّ طول كلّ نخّ تسعة عشر ذراعا.
1070-[تخلّق القشور للحيات]
ومن الحيّات الجرد والزعر، وذلك فيها من [الغالب] [2] .
ومنها ذوات شعر، ومنها ذوات قرون. وإنّما يتخلق لها في كلّ عام قشر وغلاف [فهي تسلخ القشور الناعمة والغلف، التي على مقادير أجسادها، وإنما يستدل بالقشور، فأما الجلود فإن أبدانها لا تفارقها إلا بسلخ السكين] [3] .
1071-[تقشر جلد الإنسان]
وأمّا الجلود فإنّ الأرمينيّ زعم أنه كان عندهم رجل ينقشر من جلده وينسلخ في كلّ شهر مرّة. قال فجمع ذلك فوجد فيه ملء جراب أو قال: أكثر.
1072-[علة الفزع من الحية]
وأمّا الذي لا أشك في أنه قد زاد في أقدارها في النفوس، وعظّم من أخطارها، وهوّل من أمرها، ونبّه على ما فيها من الآية العجيبة والبرهان النيّر، والحجّة الظاهرة، فما في قلب العصا حيّة، وفي ابتلاعها ما هوّل به القوم وسحروا من أعين النّاس، وجاؤوا به من الإفك. قال الله عزّ وجلّ: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[4] ، إلى قوله: فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ
[5] .
فإن قلت: إنه إنما حوّل العصا ثعبانا لأنهم جاؤوا بحبال وعصيّ؛ فحوّلوها في أعين الناس كلها حيّات، فلذلك قلب الله العصا حية على هذه المعارضة. ولو كانوا
__________
[1] النّخّ: بساط طويل. (القاموس: نخخ) .
[2] الإضافة من حياة الحيوان 392/1، وفيه: (ومن أنواعها: الأزعر وهو غالب فيها، ومنها ما هو أزبّ ذو شعر، ومنها ذوات القرون وأرسطو ينكر ذلك) .
[3] ما بين القوسين زيادة من ثمار القلوب (630) ، وقد نقله الثعالبي عن الجاحظ، وفي الأصل «فأما مقادير أجسامها فقط» ، وهي كلمات لا تفيد معنى.
[4] الأعراف: 104- 107.
[5] الشعراء: 44.
(4/336)

حين سحروا أعين الناس جعلوا حبالهم وعصيّهم ذئابا في أعين الناس ونمورا، لجعل الله عصا موسى ذئبا أو نمرا، فلم يكن ذلك لخاصّة في بدن الحية.
قلنا: الدّليل على باطل ما قلتم، قول الله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى.
قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
[1] وقال الله عزّ وجلّ: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً
[2] إلى قوله: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
[3] فقلبت العصا جانّا، وليس هناك حبال ولا عصيّ. وقال الله: قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[4] فقلب العصا حيّة كان في حالات شتّى. فكان هذا ممّا زاد في قدر الحية.
وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال في دعائه أن لا يميته الله لديغا [5] . وتأويل ذلك: أنّه صلى الله عليه وسلم ما استعاذ بالله من أن يموت لديغا، وأن تكون ميتته بأكل هذا العدوّ، إلا وهو من أعداء الله، بل من أشدّهم عداوة.
وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أشدّ النّاس عذابا بوم القيامة من قتل نبيّا أو قتله نبيّ» كأنّه كان في المعلوم أنّ النبيّ لا يقتل أحدا، ولا يتفّق ذلك إلّا في أشرار الخلق. ويدلّ على ذلك، الذي اتفّق من قتل أبيّ بن خلف بيده، والنّضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاصي- صبرا [6] .
وحدّثت عن عبد الله بن أبي هند، قال: حدّثني صيفي بن أبي أيّوب، أنه سمع أبا بشير الأنصاريّ يقول: «كان رسول صلى الله عليه وسلم يتعوّذ من هؤلاء السّبع: كان يقول:
اللهمّ إني أعوذ بك من الهدم [7] وأعوذ بك من التردّي، وأعوذ بك من الغمّ
__________
[1] طه: 18.
[2] النمل: 7.
[3] النمل: 10.
[4] الشعراء: 29- 32.
[5] في النهاية 4/245 (أعوذ بك أن أموت لديغا) .
[6] قتله صبرا: حبسه ورماه حتى مات (القاموس: صبر) .
[7] في النهاية 5/252 «أنه كان يتعوذ من الأهدمين» هو أن ينهار عليه بناء، أو يقع في بئر أو أهوية.
(4/337)

والغرق [1] ، وأعوذ بك من الحرق والهرم، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك من أن أموت لديغا» [2] .
وطلحة بن عمرو قال: حدثني عطاء أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من الأسد والأسود، وأعوذ بك من الهدم» [3] .
1073-[استطراد لغوي]
قال: ويقال للحيّة: صفرت تصفر صفيرا، والرجل يصفر بالطير للتنفير، وبالدوابّ وببعض الطير للتعليم. وتتخذ الصّفّارة يصفر بها للحمام وللطير في المزارع. قال أعشى همدان يهجو رجلا: [من الكامل]
وإذا جثا للزّرع يوم حصاده ... قطع النّهار تأوّها وصفيرا
1074-[لسان الحية]
والحيّة مشقوقة اللسان سوداؤه. وزعم بعضهم أن لبعض الحيّات لسانين. وهذا عندي غلط، وأظنّ أنّه لما رأى افتراق طرف اللسان قضى بأنّ له لسانين.
1075-[عجيبة للضب]
ويقال: إن للضّبّ أيرين، ويسمّى أير الضّبّ نزكا. قال الشاعر [4] : [من الطويل]
كضبّ له نزكان كانا فضيلة ... على كلّ حاف في الأنام وناعل [5]
قال أبو خلف النمريّ: سئل أبو حيّة النميري عن أير الضّبّ، فزعم أنّ أير الضّب كلسان الحيّة: الأصل واحد، الفرع اثنان.
__________
[1] رواه السيوطي في الجامع الصغير 1541 رواية عن النسائي والحاكم.
[2] النهاية 4/245.
[3] في حياة الحيوان 1/38 «الأسود السالخ» : (روى أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب..» . والأسود نوع من الأفعوان شديد السواد، سمي بذلك لأنه يسلخ جلده كل عام.
[4] البيت لحمران ذي الغصة في اللسان والتاج (نزك) ، والتهذيب 10/101، 15/109، وبلا نسبة في الجمهرة 825، واللسان والتاج (سبحل) ، والمقاييس 5/416، وأساس البلاغة (نزك) ، وعيون الأخبار 2/98، والمخصص 8/97، ومحاضرات الأدباء 2/303، وربيع الأبرار 5/469.
[5] الناعل: من لبس نعلا.
(4/338)

1076-[عقاب الحية في زعم المفسرين]
وبعض أصحاب التفسير يزعم أنّ الله عاقب الحيّة حين أدخلت إبليس في جوفها، حتى كلّم آدم وحوّاء وخدعهما على لسانها، ببشر خصال: منها شقّ اللسان.
قالوا: فلذلك ترى الحيّة إذا ضربت للقتل كيف تخرج لسانها لتري الضّارب عقوبة الله، كأنها تسترحم. وصاحب هذا التفسير لم يقل ذلك إلّا لحيّة كانت عنده تتكلم، ولولا ذلك لأنكر آدم كلامها، وإن كان إبليس لا يحتال إلّا من جهة الحيّة، ولا يحتال بشيء غير مموّه ولا مشبّه.
1077-[استطراد لغوي]
قال: ويقال: أرض محواة ومحياة من الحيّات، كما يقال أرض مضبّة وضببة من الضّباب، وفائرة من الفأر.
1078-[هذا أجل من الحرش]
وقال الأصمعيّ في تفسير قولهم في المثل: «هذا أجلّ من الحرش» [1] : إنّ الضّبّ قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ! قال: وذلك أنّهم يزعمون أن الحرش تحريك اليد عند جحر الضّبّ، ليخرج إذا ظنّ أنه حية- قال: وسمع ابنه صوت الحفر فقال: يا أبه هذا الحرش؟ قال: يا بنيّ، هذا أجلّ من الحرش! فأرسلها مثلا.
1079-[الحيوانات التي تأكل الحيات]
بين الحيات وبين الخنازير عداوة، والخنازير تأكلها أكلا ذريعا. وسموم ذوات الأنياب من الحيّات، وذوات الإبر، سريعة في الخنازير، وهي تهلك عند ذلك هلاكا وشيكا، فلذلك لا ترضى بقتلها حتى تأكلها. وتأكل الحيّات العقبان، والأيائل، والأراويّ، والأوعال، والسّنانير والشّاهمرك [2] ، والقنفذ. إلّا أن القنفذ أكثر ما يقصد إلى الأفاعي، وإنما يظهر بالليل. قال الرّاجز: [من الرجز]
قنفذ ليل دائم التّجآب
وهذا الراجز هو أبو محمد الفقعسيّ.
__________
[1] المثل في مجمع الأمثال 1/186، وجمهرة الأمثال 1/298، 332، والمستقصى 1/50، 384، والفاخر 242، 289، وفصل المقال 471، وأمثال ابن سلام 342، والدرة الفاخرة 1/118.
[2] الشاهمرك: الفتي من الدجاج، وهو معرب «الشاه مرغ» . ومعناه ملك الدجاج. حياة الحيوان 1/594.
(4/339)

1080-[القول في القنفذ]
وكذلك يشبه النّمّام، والمداخل، والدّسيس، بالقنفذ، لخروجه بالليل دون النهار، ولاحتياله للأفاعي. قال عبدة بن الطبيب [1] : [من الكامل]
اعصوا الذي يلقي القنافذ بينكم ... متنصّحا وهو السّمام الأنقع
يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع [2]
حرّان لا يشفي غليل فؤاده ... عسل بماء في الإناء مشعشع [3]
لا تأمنوا قوما يشب صبيهم ... بين القوابل بالعداوة ينشع [4]
وهذا البيت الآخر يضم إلى قول مجنون بني عامر [5] : [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
ويضم إليه قول ابن أود: «الطينة تقبل الطبائع ما كانت ليّنة» .
ثم قال عبدة بن الطّبيب [6] ، في صلة الأبيات التي ذكر فيها القنفذ والنّميمة:
[من الكامل]
إنّ الذين ترونهم خلّانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... جذعوا قنافذ بالنميمة تمزع
وهذا الشعر من غرر الأشعار. وهو ممّا يحفظ.
وقال الأوديّ [7] : [من البسيط]
كقنفذ القنّ لا تخفى مدارجه ... خبّ إذا نام عنه الناس لم ينم [8]
__________
[1] ديوان عبدة بن الطبيب 47، وشرح اختيارات المفضل 693؛ وحماسة البحتري 240.
[2] في ديوانه: يزجي: يسوق ويدفع، والأخدعان: عرقا الرقبة.
[3] في ديوانه: شعشع العسل بالماء: خلطه.
[4] القوابل: جمع قابلة، وهي التي تتلقى الولد وقت الولادة. ينشع بالعداوة: أي توضع في فمه ليشربها.
[5] البيت لمجنون ليلى في ديوانه 282، والبيان 2/42، وليزيد بن الطثرية في ديوانه 109، والحماسة الشجرية، ولعمر بن أبي ربيعة في عيون الأخبار 3/9.
[6] البيتان في المفضليات 147، وحماسة البحتري 155.
[7] ديوان الأفوه الأودي 24، وهو لأيمن بن خريم في ديوان المعاني 2/144.
[8] القن، بالكسر، قرية في ديار فزارة، وبالضم، جبل من جبال أجإ عند ذي الجليل واد. (معجم البلدان 4/408) . الخب: الخداع.
(4/340)

وفي عهد آل سجستان على العرب حين افتتحوها [1] : لا تقتلوا قنفذا ولا ورلا ولا تصيدوا، لأنها بلاد أفاع. وأكثر ما يجتلب أصحاب صنعة الترياق والحواؤون الأفاعي من سجستان. وذلك كسب لهم وحرفة ومتجر. ولولا كثرة قنافذها لما كان لهم بها قرار.
والقنفذ لا يبالي أيّ موضع قبض من الأفعى. وذلك أنه إن قبض على رأسها أو على قفاها فهي مأكولة على أسهل الوجوه، وإن قبض على وسطها أو على ذنبها، جذب ما قبض عليه، فاستدار وتجمّع، ومنحه سائر بدنه، فمتى فتحت فاها لتقبض على شيء منه، لم تصل إلى جلده مع شوكه النّابت فيه. والأفعى تهرب منه، وطلبه لها وجراءته عليها، على حسب هربها منه وضعفها عنه.
1081-[أمثال في الحية والورل والضّبّ]
وأمّا قولهم: «أضل من حيّة» ؛ و «أضلّ من ورل» ؛ [2] و «أضلّ من ضبّ» [2] .
فأمّا الحيّة فإنّها لا تتّخذ لنفسها بيتا، والذّكر لا يقيم في الموضع، وإنما يقيم على بيضها بقدر ما تخرج فراخها وتقوى على الكسب والتماس الطعم، ثمّ تصير الأنثى سيّارة، فمتى وجدت جحرا دخلت واثقة بأنّ السّاكن فيه بين أمرين: إمّا أقام فصار طعما لها، وإمّا هرب فصار البيت لها ما أقامت فيه ساعة، كان ذلك من ليل أو نهار.
1082-[بيض الحيات وجسمها]
وقد رأيت بيض الحيّات وكسرتها لأتعرّف ما فيها. فإذا هو بيض مستطيل أكدر اللون أخضر، وفي بعضه نمش [3] ولمع [4] . فأمّا داخله فلم أرقيحا قطّ، ولا صديدا خرج من جرح فاسد، إلّا والّذي في بيضها أسمج منه وأقذر. ويزعمون أنها كثيرة البيض جدّا، وأنّ السلامة في بيضها على دون ذلك، وأنّ بيضها يكون منضّدا في جوفها طولا على غرار واحد، وعلى خيط واحد.
وهي طويلة البطن والأرحام. وعدد أضلاعها عدد أيام الشهر. وكان ذلك بعض ما زاد في شدّة بدنها.
__________
[1] مروج الذهب 1/235، وعيون الأخبار 1/220، وثمار القلوب (626) ، وكان ذلك سنة 81 هـ.
[2] مجمع الأمثال 1/426، والمستقصى 1/218، وفصل المقال 163، وجمهرة الأمثال 2/11، والدرة الفاخرة 1/288.
[3] النمش: نقط بيض وسود، أو بقع تقع في الجلد تخالف لونه. (القاموس: نمش) .
[4] اللمع: كل لون خالف لونا. (القاموس: لمع) .
(4/341)

1083-[أكثر الحيوان نسلا]
والخلق الكثير الذّرء [1] الدّجاج. والضّبّ أكثر بيضا من الدّجاجة. والخنزيرة تضع عشرين خنّوصا.
ويخرج من أجواف العقارب عقارب صغار، كثيرة العدد جدّا. وعامّة العقارب إذا حبلت كان حتفها في ولادها، لأنّ أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمّهات حتّى تثقبها. وتكون الولادة من ذلك الثّقب، فتخرج ولأمهات ميّتة.
وأكثر من ذلك كله ذرء السّمك، لأنّ الإنسان لو زعم أنّ بيضة واحدة من بعض الأسبور عشرة آلاف بيضة، لكان ذلك لعظم ما تحمل، ولدقّة حبّه وصغره. ولكن يعتريها أمران: أحدهما الفساد، والآخر أنّ الذكورة في أوان ولادة الإناث تتبع أذنابها، فكلّما زحرت بشيء التقمته والتهمته.
ثمّ السّمك بعد ذلك في الجملة إنما طبعها أن يأكل بعضها بعضا.
1084-[علة كثرة الأولاد]
ويزعمون أن الكثرة في الأولاد إنّما تكون من العفن واللّخن [2] ، وعلى قدر كثرة المائيّة وقلّتها. فذهبوا إلى أنّ أرحام الرّوميّات والنّصرانيّات أكثر لخنا ورطوبة، لأنّ غسل الفروج بالماء البارد مرارا في اليوم، ممّا يطيّب الأرحام، وينفي اللّخن [2] والعفن، ويزعمون أنّ المرأة إذا كان فرجها نظيفا، وكانت معطّرة قويّة المنّة [3] قلّ حملها، فإن أفرطت في السّمن عادت عاقرا. وسمان الرّجال لا يكاد يعتريهم ذلك.
وكذلك العاقر من إناث الإبل والبقر والغنم والنّخل. إذا قويت النّخلة وكانت شابّة، وسمن جمّارها، صارت عاقرا لا تحمل، فيحتالون عند ذلك بإدخال الوهن عليها.
1085-[طعن في التعليل السابق]
وقد طعن في ذلك ناس فقالوا: إنّ في الضّبّ على خلاف ما ذكرتم. قد تبيض الأنثى سبعين بيضة فيها سبعون حسلا [4] . ولولا أنّ الضّبّ يأكل ولده لانتفشت
__________
[1] الذرء: النسل. (القاموس: ذرأ) .
[2] اللخن: قبح ريح الفرج، ولخن: أنتن. (القاموس: لخن) .
[3] لعله الصواب: سريّة البنّة، أي طيبة الرائحة.
[4] الحسل: ولد الضب، وهو واضح من المعنى.
(4/342)

الصحارى ضبابا. والضب لا يحفر إلّا في كدية [1] وفي بلاد العراد [2] . وإذا هرمت تبلّغت بالنّسيم. وهذا كله ممّا يستدلّ به على بعد طبعها من اللّخن والعفن.
وقيل لهم: قد يمكن أن يكون ذلك كذلك في جميع صفاتها إلّا في أرحامها فقط.
1086-[سفاد الحيات]
وليس للحيّات سفاد معروف ينتهي إليه علم، ويقف عليه عيان. وليس عند الناس في ذلك إلّا الذي يرون من ملاقاة الحيّة للحيّة، والتواء كلّ منهما على صاحبه، حتى كأنهما زوج خيزران مفتول، أو خلخال مفتول. فأمّا أن يقفوا على عضو يدخل أو فرج يدخل فيه فلا.
1087-[شعر في الأيم والجرادة الذكر]
والعرب تذكر الحيّات بأسمائها وأجناسها. فإذا قالوا: أيم، فإنما يريدون الذّكر دون الأنثى. ويذكرونه عند جودة الانسياب، وخفّة البدن، كما تذكر الشّعراء في صفة الخيل الجرادة الذّكر، دون الأنثى. فهم وإن ألحقوا لها فإنما يريدون الذّكر. قال بشر بن أبي خازم [3] : [من الوافر]
جرادة هبوة فيها اصفرار
لأنّ الأنثى لا تكون صفراء، وإنما الموصوف بالصّفرة الذّكر، لأن الأنثى تكون بين حالتين: إمّا أنّ تكون حبلى ببيضها فهي مثقلة، وإمّا أن تكون قد سرأت [4] وقذفت بيضها، فهي أضعف ما تكون.
قال الشاعر [5] : [من الطويل]
أتذهب سلمى في اللّمام ولا ترى ... وفي اللّيل أيم حيث شاء يسيب [6]
__________
[1] الكدية: الأرض الصلبة الغليظة. (القاموس: كدي) .
[2] العراد: حشيش طيب الرائحة. (اللسان: عرد) .
[3] صدر البيت: (مهارشة العنان كأن فيها) وهو في ديوان بشر بن أبي خازم 74، واللسان (عرر) ، والتهذيب 1/102، 6/79، وبلا نسبة في المخصص 16/115، واللسان وأساس البلاغة (هرش) ، والتاج (عرر، هرش) .
[4] سرأت: باضت. (القاموس: سرأ) .
[5] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (سيب) .
[6] اللمام: اللقاء اليسير. سابت الحية تسيب: مضت مسرعة.
(4/343)

1088-[آثار الحيات والعظاء في الكثبان]
وإذا انسابت في الكثبان والرّمل، يبين مواضع مزاحفها، وعرفت آثارها.
وقال آخر [1] : [من الوافر]
كأنّ مزاحف الحيّات فيها ... قبيل الصّبح آثار السّياط
وكذلك يعرفون آثار العظاء. وأنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
بها ضرب أذناب العظاء كأنها ... ملاعب ولدان تخطّ وتمصع [2]
وقال الآخر، وهو يصف حيّات [3] : [من المتقارب]
كأنّ مزاحفها أنسع ... جررن فرادى ومثناتها
وقال ثمامة الكلبيّ [4] : [من الوافر]
كأنّ مزاحف الهزلى صباحا ... خدود رصائع جدلت تؤاما
والهزلى من الحيّات. قال جرير أو غيره [5] : [من الطويل]
ومن ذات أصفاء سهوب كأنها ... مزاحف هزلى بينها متباعد [6]
وقال بعض المحدثين، وذكر حال البرامكة كيف كانت، وإلى أيّ شيء صارت: [من الكامل]
وإذا نظرت إلى التّرى بعراصهم ... قلت: الشجاع ثوى بها والأرقم
وقال البعيث [7] : [من الطويل]
لقى حملته أمّة وهي ضيفة ... فجاءت بيتن للضيافة أرشما [8]
__________
[1] البيت للمتنخل الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1273، والشعر والشعراء 2/664، وجمهرة اللغة 527، واللسان (زحف) ، وبلا نسبة في أساس البلاغة (زحف) ، والمخصص 16/101.
[2] تمصع: تسرع. (القاموس: مصع) .
[3] نهاية الأرب 10/146، والأنسع جمع نسع، بالكسر، وهو سير يصفر ويجعل زماما للبعير.
[4] البيت في أساس البلاغة (هزل) .
[5] البيت للّعين المنقري في الوحشيات 267، وبلا نسبة في اللسان (صوى) .
[6] الأصفاء: جمع صفا، والصفا جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء.
[7] البيت الأول للبعيث في التاج (رشم، يتن) ، واللسان (ضيف، رشم، يتن) ، ولجرير في ذيل ديوانه 1041، واللسان (نزر، لقا) ، والتاج (نزر) ، والعين 6/262، وبلا نسبة في المقاييس 2/396، 3/382، والمجمل 2/380، 3/298، والمخصص 3/66، 17/30، وديوان الأدب 2/268، 3/209، واللسان والتاج (نزل) ، والبيت الثاني للبعيث في اللسان والتاج (سمسم) .
[8] اللقى: الذي لا يدري ابن من هو، ضيفة: أي أن أمه دعيت إلى ضيافة، فحملت به، وهذه كناية الزنى. اليتن: من يخرج رجلاه عند الولادة قبل رأسه. الأرشم: من يتشمم الطعام.
(4/344)

مدامن جوعات كأنّ عروقه ... مسارب حيّات تسرّبن سمسما [1]
1089-[أعجوبة جلد الحية]
[وليس في الأرض قشر ولا ورقة] [2] ، ولا ثوب، ولا جناح، ولا ستر عنكبوت، إلا وقشر الحيّة أحسن منه وأرقّ، وأخفّ وأنعم، وأعجب صنعة وتركيبا.
ولذلك وصف كثيّر قميص ملك، فشبّهه بسلخ الحيّة، حيث يقول [3] : [من الطويل]
إذا ما أفاد المال أودى بفضله ... حقوق، فكره العاذلات يوافقه
يجرّر سربالا عليه كأنّه ... سبيء لهزلى لم تقطّع شرانقه [4]
والسّبيء: السّلخ والجلد. قال الشاعر [5] : [من الطويل]
وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد
1090-[صمم النعام والأفعى]
وترعم العرب أنّ النّعام والأفعى صمّ لا تسمع، وكذلك هما من بين جميع الخلق. وسنذكر من ذلك في هذا الموضع طرفا، ونؤخر الباقي إلى الموضع الذي نذكر فيه جملة القول في النّعام.
وقد ابتلينا بضربين من الناس، ودعواهما كبيرة، أحدهما يبلغ من حبه للغرائب أن يجعل سمعه هدفا لتوليد الكذابين، وقلبه قرارا لغرائب الزّور. ولكلفه بالغريب، وشغفه بالطّرف، لا يقف على التّصحيح والتمييز، فهو يدخل الغثّ في السمين، والممكن في الممتنع، ويتعلّق بأدنى سبب ثمّ يدفع عنه كلّ الدّفع.
والصّنف الآخر، وهو أنّ بعضهم يرى أنّ ذلك لا يكون منه عند من يسمعه يتكلم إلا من خاف التقزّز من الكذب.
فزعم ناس أنّ الدّليل على أنّ الأفاعي صمّ، قول الشاعر: [من الرجز]
أنعت نضناضا من الحيّات ... أصمّ لا يسمع للرّقاة [6]
__________
[1] مدامن جوعات: مدمن جوع.
[2] الزيادة من ثمار القلوب (630) 340.
[3] البيتان لكثير عزة في ديوانه 308، والمعاني الكبير 673، وللراعي النميري في ديوانه 308.
[4] الهزلى: الحيات. (القاموس: هزل) .
[5] الشطر بلا نسبة في اللسان والتاج (سبأ) .
[6] النضناض: حية لا تستقر في مكان، أو إذا نهشت قتلت من ساعتها، أو التي أخرجت لسانها تحركه. (القاموس: نضض) . الرقاة: جمع راق.
(4/345)

قد ذكروا بالصّمم أجناسا من خبيثات الحيّات، وذهبوا إلى امتناعها من الخروج عند رقية الرّاقي عند رأس الجحر، فقال بعضهم: [من الرجز]
وذات قرنين من الأفاعي ... صمّاء لا تسمع صوت الدّاعي
ويزعمون أنّ كلّ نضناض أفعى. وقال آخر [1] : [من المتقارب]
ومن حنش لا يجيب الرّقا ... ة أرقش ذي حمة كالرّشا [2]
أصمّ سميع طويل السّبا ... ت منهرت الشدق عاري النسا [3]
فزعم أنّه أصمّ سميع، فجاز له أن يجعله أصمّ بقوله: «ومن حنش لا يجيب الرّقاة» وقال الآخر [4] : [من السريع]
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى ... يفترّ عن عصل حديدات [5]
والأفعى ليس بأعمى، وعينه لا تنطبق، وإن قلعت عينه عادت. وهو قائم العين كعين الجرادة، كأنها مسمار مضروب. ولها بالليل شعاع خفيّ. قال الرّاعي يصف الأفعى: [من الطويل]
ويدني ذراعيه إذا ما تبادرا ... إلى رأس صلّ قائم العين أسفع
وهذه صفة سليم الأفعى، فيجوز أن يكون الشاعر وصفها بالتمنع من الخروج بالصّمم، كما وصفها بالعمى، لمكان السّبات وطول الإطراق.
قال الشاعر [6] : [من المتقارب]
أصمّ سميع طويل السّبات ... منهرت الشّدق عاري القرا
وقال آخر: [من السريع]
منهرت الشّدق رقود الضّحى ... سار طمور بالدّجنّات [7]
__________
[1] البيتان لأبي صفوان الأسدي في الحماسة البصرية 2/344، وأمالي القالي 2/238، وحماسة الخالديين 359.
[2] في الأمالي: (الحمة: سمه وضره، والرشاء: الحبل) .
[3] في الأمالي: (المنهرت: واسع مشق الشدق) .
[4] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (سبت) والتهذيب 12/388.
[5] الأعصل: الأعوج.
[6] تقدم شرح البيت في الحاشية قبل السابقة.
[7] الطمور: الوثوب. (القاموس: طمر) .
(4/346)

وتارة تحسبه ميّتا ... من طول إطراق وإخبات [1]
يسبته الصّبح وطورا له ... نفخ ونفث في المغارات
ويعلم أنّه وصف أفعى بقوله: [من السريع]
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى ... يفترّ عن عصل حديدات
منهرت الشّدق رقود الضّحى
«الخ» ثم ذكر أنيابه، فقال:
قدّمن عن ضرسيه واستأخرا ... إلى صماخين ولهوات
فجعله أعصل الأنياب، منهرت الأشداق، ثمّ وصفها بالسّبات وطول الإطراق، وبسرعة النّشطة [2] ، وخفّة الحركة، إذا هّمت بذلك وكانت تعظم.
1091-[شعر في صفة الحية]
وقد وصفتها امرأة جاهليّة بجميع هذه الصّفة، إلّا أنها زادت شيئا. والشّعر صحيح. وليس في أيدي أصحابنا من صفة الأفاعي مثلها.
وقد رأيت عند داود بن محمّد الهاشميّ كتابا في الحيّات، أكثر من عشرة أجلاد، ما يصحّ منها مقدار جلد ونصف.
ولقد ولّدوا على لسان خلف الأحمر، والأصمعيّ، أرجازا كثيرة. فما ظنّك بتوليدهم على ألسنة القدماء! ولقد ولّدوا على لسان جحشويه في الحلاق أشعارا ما قالها جحشويه قط. فلو تقذّروا من شيء تقذّروا من هذا الباب.
والشّعر الذي في الأفعى [3] : [من الكامل]
قد كاد يقتلني أصمّ مرقّش ... من حبّكم، والخطب غير كبير
خلقت لهازمه عزين ورأسه ... كالقرص فلطح من دقيق شعير
ويدير عينا للوقاع كأنّها ... سمراء طاحت من نفيض برير
__________
[1] الإخبات: الإطراق والسكون. (القاموس: طرق) .
[2] نشطت الحية: عضت بنابها. (القاموس: نشط) .
[3] انظر الأبيات مع تخريجها في الأصمعيات رقم 35.
(4/347)

وكأنّ ملقاه بكلّ تنوفة ... ملقاك كفّة منخل مأطور [1]
وكأنّ شدقيه إذا استعرضته ... شدقا عجوز مضمضت لطهور
فقد زعمت [2] كما ترى أنها تدير عينا، وزعم الأوّل أنها قائمة العين [3] . إلّا أن تزعم أنها لم ترد بالإدارة أن مقلتها تزول عن موضعها، ولكنّها أرادت أنّها جوّالة في إدراك الأشخاص، البعيدة والقريبة، والمتيامنة والمتياسرة وقد يجوز أن يكون إنّما جعلها سميعة لدقّة الحسّ، وكثرة الاكتراث وجودة الشمّ، لا جودة السّمع؛ فإنّ الذين زعموا أنّ النّعامة صمّاء زعموا أنّها تدرك من جهة الشمّ والعين، جميع الأمور التي كانت تعرفها من قبل السّمع لو كانت سميعة. وقد قال الشاعر في صفة الحيّة [4] : [من البسيط]
تهوي إلى الصّوت والظلماء عاكفة ... تعرّد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا [5]
هذا بعد أن قال:
إني وما تبتغي منّي كملتمس ... صيدا وما نال منه الرّيّ والشّبعا
أهوى إلى باب جحر في مقدّمه ... مثل العسيب ترى في رأسه نزعا
اللّون أربد والأنياب شابكة ... عصل ترى السمّ يجري بينها قطعا [6]
أصم ما شمّ من خضراء أيبسها ... أو شمّ من حجر أوهاه فانصدعا
فقد جعل لها أنيابا عصلا، ووصفها بغاية الخبث، وزعم أنها تسمع. فهؤلاء ثلاثة شعراء.
1092-[الثقة بالعلماء]
فإن قلت: إنّ المولّد لا يؤمن عليه الخطأ، إذ كان دخيلا في ذلك الأمر، وليس كالأعرابيّ الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له، الذي عليه نشأ، وبمعرفته غذي.
__________
[1] التنوفة: الأرض المتباعدة الأطراف. (القاموس: تنف) . كفة النخل: إطاره. (القاموس: كفف) .
[2] يقصد الشاعرة قائلة الأبيات.
[3] أي الراعي النميري في البيت الذي تقدم قبل قليل.
[4] الأبيات للزماني في يحيى بن أبي حفصة وهي في الوحشيات 86، وسيذكرها الجاحظ مرة أخرى.
انظر الفقرة (1150) . ص: 398.
[5] عرد فلان: ترك الطريق. (القاموس: عرد) . الحيد: ما شخص من الجبل. (القاموس: حيد) .
[6] عصل: جمع أعصل، وهو الأعوج. (القاموس: عصل) .
(4/348)

فالعلماء الذين اتّسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر كانوا الثّقات فيما بيننا وبينهم، هم الذين نقلوا إلينا. وسواء علينا جعلوه كلاما وحديثا منثورا، أو جعلوه رجزا وقصيدا موزونا.
ومتى أخبرني بعض هؤلاء بخبر لم أستظهر عليه بمسألة الأعراب. ولكنه إن تكلم وتحدّث، فأنكرت في كلامه بعض الإعراب، لم أجعل ذلك قدوة حتى أوقفه عليه، لأنّه ممّن لا يؤمن عليه اللّحن الخفيّ قبل التفكر. فهذا وما أشبهه حكمه خلاف الأوّل.
1093-[ضروب من الرّقية]
والرّقية تكون على ضروب: فمنها الذي يدّعيه الحوّاء والرّقّاء؛ وذلك يشبه بالذي يدّعي ناس من العزائم على الشياطين والجن، وذلك أنهم يزعمون أن في تلك الرّقية عزيمة لا يمتنع منها الشيطان، فكيف العامر [1] ؟! وأن العامر إذا سئل بها أجاب، فيكون هو الذي يتولى إخراج الحيات من الصّخر. فإن كان الأمر على ما قالوا فما ينبغي أن يكون بين خروج الأفاعي الصمّ وغيرها فرق، إذا كانت العزائم والرّقى والنّفث ليس شيئا يعمل في نفس الحيّة، وإنّما هو شيء يعمل في الذي يخرج الحيّة.
وإذا كان ذلك كذلك فالسّميع والأصمّ فيه سواء.
وكذلك يقولون في التّحبيب والتّبغيض، وفي النّشرة وحلّ العقدة، وفي التّعقيد والتحليل.
ويزعمون أنّ الجن لا تجيب صاحب العزيمة حتى يتوحّش ويأتي الخرابات والبراريّ، ولا يأنس بالناس، ويتشبّه بالجنّ، ويغسل بالماء القراح [2] ، ويتبخّر باللّبان الذّكر، ويراعي المشتري فإذا دقّ ولطف، وتوحّش وعزم، أجابته الجنّ، وذلك بعد أن يكون بدنه يصلح هيكلا لها، وحتّى يلذّ دخوله وادي منازلها، وألّا يكره ملابسته والكون فيه. فإن هو ألحّ عليها بالعزائم، ولم يأخذ لذلك أهبته خبلته، وربّما قتلته، لأنها تظنّ أنّه متى توحّش لها، واحتمى، وتنظف فقد فرغ. وهي لا تجيب بذلك فقط، حتى يكون المعزّم مشاكلا لها في الطّباع.
فيزعمون أنّ الحيّات إنما تخرج إخراجا، وأنّ الذي يخرجها هو الذي يخرج سمومها من أجساد النّاس، إذا عزم عليها.
__________
[1] يزعمون أن العامر هم من الجن الذين يسكنون بيوت الناس.
[2] القراح: الخالص. (القاموس: قرح) .
(4/349)

والرّقية الأخرى بما يعرف من التعويذ. قال أبو عبيدة: سمعت أعرابيّا يقول:
قد جاءكم أحدكم يسترقيكم فارقوه. قال: فعوّذوه ببعض العوائذ.
والوجه الآخر مشتقّ من هذا ومحمول عليه، كالرّجل يقول: ما زال فلان يرقي فلانا حتّى لان وأجاب.
1094-[قول الشعراء والمتكلمين في رقى الحيات]
وقد قالت الشعراء في الجاهليّة والإسلام في رقى الحيات، وكانوا يؤمنون بذلك ويصدقون به، وسنخبر بأقاويل المتكلمين في ذلك، وبالله التوفيق.
ومنهم من زعم أنّ إخراج الحيّة من جحرها إلى الرّاقي، إنما كان للعزيمة والإقسام عليها، ولأنّها إذا فهمت ذلك أجابت ولم تمتنع.
وكان أميّة بن أبي الصّلت، لا يعرف قولهم في أنّ العمّار هم الذين يجيبون العزائم بإخراج الحيّات من بيوتها، وفي ذلك يقول [1] : [من البسيط]
والحيّة الذّكر الرّقشاء أخرجها ... من جحرها أمنات الله والقسم
إذا دعا باسمها الإنسان أو سمعت ... ذات الإله بدا في مشيها رزم [2]
من خلفها حمّة لولا الذي سمعت ... قد كان ثبتها في جحرها الحمم [3]
ناب حديد وكفّ غير وادعة ... والخلق مختلف في القول والشّيم [4]
إذا دعين بأسماء أجبن لها ... لنافث يعتديه الله والكلم [5]
لولا مخافة ربّ كان عذّبها ... عرجاء تظلع، في أنيابها عسم [6]
وقد بلته فذاقت بعض مصدقه ... فليس في سمعها، من رهبة صمم [7]
فكيف يأمنها أم كيف تألفه ... وليس بينهما قربى، ولا رحم!
__________
[1] ديوان أمية 461- 462.
[2] في ديوانه: (الرزم: عدم القدرة على النهوض هزالا أو إعياء، وهذا إشارة إلى زحف الحية في سيرها) .
[3] في ديوانه: (الحمة، بكسر الحاء: الموت. والجمع: حمم) .
[4] في ديوانه: (الحديد: القاطع. كف: أراد كف الحية على التشبيه، وأراد به ما لديها من استعداد للشر دائم) .
[5] في ديوانه: (النافث: أراد به الحاوي) .
[6] في ديوانه: (تظلع: تعرج، أي تزحف وتتلوى، العشم: اليبس) .
[7] في ديوانه: (بلاه: اختبره. المصدق: الجدّ والصلابة) .
(4/350)

يقول: لو أنّها أخرجت حين استحلفت بالله لما خرجت، إذ ليس بينهما قربى ولا رحم. ثمّ ذكر الحمّة والنّاب.
وقال آخرون: إنما الحيّة مثل الضبّ والضّبع، إذا سمع بالله والهدم والصّوت خرج ينظر. والحوّاء [1] إذا دنا من الجحر رفع صوته وصفّق بيديه، وأكثر من ذلك، حتى يخرج الحيّة، كما يخرج الضب والضّبع.
وقال كثيّر [2] : [من الطويل]
وسوداء مطراق إليّ من الصّفا ... أنيّ إذا الحاوي دنا فصدا لها [3]
والتّصدية. التّصفيق، قال الله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
[4] الآية. فالمكاء: صوت بين النّفخ والصّفير، والتّصدية: تصفيق اليد باليد.
فكان الحوّاء يحتال بذلك للحيّة، ويوهم من حضر أنّه بالرّقية أخرجها، وهو في ذلك يتكلم ويعرّض، إلّا أنّ ذلك صوت رفيع. وهو لو رفع صوته ببيت شعر أو بخرافة، لكان ذلك والذي يظهر من العزيمة عند الحيّة سواء. وإنّما ينكر الصّوت، كما ينكره الضّبّ وغير ذلك من الوحش.
ثم قال [5] : [من الطويل]
كففت يدا عنها وأرضيت سمعها ... من القول حتّى صدّقت ما وعى لها
وأشعرتها نفثا بليغا، فلو ترى ... وقد جعلت أن ترعني النّفث بالها
تسلّلتها من حيث أدركها الرّقى ... إلى الكفّ لما سالمت، وانسلالها
فقال كما ترى:
كففت يدا عنها وأرضيت سمعها
(البيت) ثم قال:
وأشعرتها نفثا بليغا فلو ترى
__________
[1] الحواء: الذي يجمع الأفاعي. (القاموس: حوي) .
[2] ديوان كثير 85، والمعاني الكبير 670.
[3] الصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء.
[4] 35/الأنفال: 8.
[5] ديوان كثير 86.
(4/351)

وقال الأعشى [1] : [من الطويل]
أبا مسمع إني امرؤ من قبيلة ... بنى لي عزّا موتها وحياتها
فلا تلمس الأفعى يديك تريدها ... إذا ما سعت يوما إليها سفاتها
وقال آخر: [من الرجز]
يدعو به الحيّة في أقطاره ... فإن أبى شمّ سفا وجاره
والسّفا: التراب اليابس بين التربين. يقال سفا وسفاة.
1095-[من حيل الحواء والراقي]
والحوّاء والرّاقي يري النّاس أنّه إذا رأى جحرا لم يخف عليه: أجحر حيّة هو أم جحر شيء غيره، فإن كان جحر حيّة لم يخف عليه أهي فيه أم لا، ثمّ إذا رقى وعزّم فامتنعت من الخروج، وخاف أن تكون أفعى صمّاء لا تسمع، وإذا أراغها [2] ليأخذها فأخطأ، لم يأمن من أن تنقره نقرة؛ لا يفلح بعدها أبدا، فهو عند ذلك يستبري بأن يشمّ من تراب الجحر، فلا يخفى عليه: أهي أفعى أم حيّة من سائر الحيات. فلذلك قال:
يدعو به الحية في أقطاره
(البيت) والوجار: الجحر.
1096-[ريح الأفعى]
وزعم لي بعض الحوّائين أنّ للحيّات نتنا وسهكا [3] ، وأن ريح الأفعى معروفة.
وليس شيء أغلق، ولا أعنق [4] ، ولا أسرع أخذا لرائحة من طين أو تراب، وأنّه إذا شمّ من طينة الجحر لم يخف عليه. وقال: اعتبر ذلك بهذا الطين السداني والرّاهطي إذا ألقي في الزّعفران والكافور، أو غيره ذلك من الطّيب، فإنّه متى وضع إلى جنب روثة أو عذرة، قبل ذلك الجسم.
__________
[1] البيتان للأعشى في ديوانه 135، ولخالد بن زهير الهذلي في شرح أشعار الهذليين 221، ومعجم الشعراء 276، ولأبي ذؤيب الهذلي في المخصص 15/125، وبلا نسبة في اللسان (سفا) ، والجمهرة 850، 1073، والاشتقاق 73، والمخصص 10/63، والتهذيب 13/94.
[2] أراغ: طلب. (القاموس: طلب) .
[3] السّهك: ريح كريهة ممن عرق. (القاموس: سهك) .
[4] أعنق: أي أسرع.
(4/352)

والرّقاء يوهم النّاس إذا دخل دورهم لاستخراج الحيّات أنّه يعرف أماكنها برائحتها، فلذلك يأخذ قصبة ويشعب رأسها، ثم يطعن بها في سقف البيت والزّوايا، ثمّ يشمها ويقول مرة: فيها حيّات؛ ويقول مرّة: بلى فيها حيّات، على قدر الطمع في القوم، وفي عقولهم.
1097-[تأثير الأصوات في المخلوقات]
وأمر الصّوت عجيب، وتصرّفه في الوجوه عجب. فمن ذلك أنّ منه ما يقتل، كصوت الصاعقة. ومنها ما يسرّ النفوس حتى يفرط عليها السّرور؛ فتقلق حتى ترقص، وحتّى ربما رمى الرّجل بنفسه من حالق [1] . وذلك مثل هذه الأغاني المطربة.
ومن ذلك ما يكمد. ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية، والقراءات الملحّنة. وليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني؛ لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهم. وقد بكى ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدّق به؟ قال: إنما أبكاني الشجا! وبالأصوات ينوّمون الصّبيان والأطفال.
والدّوابّ تصرّ [2] آذانها إذا غنّى المكاري. والإبل تصرّ آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطا، وتزيد في مشيها. ويجمع بها الصّيّادون السّمك في حظائرهم التي يتّخذونها له. وذلك أنّهم يضربون بعصيّ معهم، ويعطعطون [3] ، فتقبل أجناس السّمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات، حتّى تدخل في الحظيرة ويضرب بالطّساس للطّير، وتصاد بها. ويضرب بالطّساس للأسد وقد أقبلت، فتروعها تلك الأصوات.
وقال صاحب المنطق: الأيائل تصاد بالصّفير والغناء. وهي لا تنام مادامت تسمع ذلك من حاذق الصوت. فيشغلونها بذلك ويأتون من خلفها فإن رأوها مسترخية الآذان وثبوا عليها، وإن كانت قائمة الأذنين فليس إليها سبيل.
والصّفير تسقى به الدوابّ الماء، وتنفّر به الطير عن البذور.
__________
[1] الحالق: الجبل المرتفع. (القاموس: حلق) .
[2] صرت الدابة أذنها: نصبتها للاستماع. (القاموس: صرر) .
[3] العطعطة: تتابع الأصوات واختلاطها في الحرب وغيرها، وحكاية صوت المجان (القاموس: عطط) .
(4/353)

وزعم صاحب المنطق أنّ الرّعد الشّديد إذا وافق سباحة السّمك في أعلى الماء رمت ببيضها قبل انتهاء الأجل. وربّما تمّ الأجل فتسمع الرّعد الشّديد، فيتعطّل عليها أيّاما بعد الوقت.
وقال أبو الوجيه العكليّ: أحبّ السّحابة الخرساء ولا أحبها! فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأنها لا تخرس حتى تمتلئ ماء وتصبّ صبّا كثيرا، ويكون غيثا طبقا [1] .
وفي ذلك الحيا [2] . إلّا أنّ الكماة لا تكون على قدر الغيث. ذهب إلى أنّ للرّعد في الكمأة عملا.
وقال جعفر بن سعيد: سأل كسرى عن الكمأة فقيل له: لا تكون بالمطر دون الرّعد، ولا بالرّعد دون المطر. قال: فقال كسرى: رشّوا بالماء واضربوا بالطبول! وكان من جعفر على التمليح. وقد علم جعفر أنّ كسرى لا يجهل هذا المقدار.
فالحيّة واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصّوت في طبعه عمل. فإذا دنا الحوّاء وصفق بيديه، وتكلم رافعا صوته حتى يزيّد، خرج إليه كلّ شيء كان في الجحر، فلا يشكّ من لا علم له أنّ من لا علم له أنّ لحيّة خرجت من جهة الطاعة وخوف المعصية، وأنّ العامر [3] أخرجها تعظيما للعزيمة، ولأنّ المعتزم مطاع في العمّار. والعامّة أسرع شيء إلى التّصديق.
1098-[شعر في الروح وهيكلها]
وفي الرّوح، وفي أنّ البدن هيكل لها، يقول سليمان الأعمى؛ وكان أخا مسلم ابن الوليد الأنصاريّ. وكانوا لا يشكون بأنّ سليمان هذا الأعمى، كان من مستجيبي بشار الأعمى، وأنّه كان يختلف إليه وهو غلام فقبل عنه ذلك الدّين. وهو الذي يقول [4] : [من المديد]
إنّ في ذا الجسم معتبرا ... لطلوب العلم مقتبسه
هيكل للرّوح ينطقه ... عرقه والصّوت من نفسه
__________
[1] الطبق: المطر العامّ. (القاموس: طبق) .
[2] الحيا: الخصب. (القاموس: حيي) .
[3] العامر: زعموا أنه من الجن الذين يسكنون بيوت الناس. (القاموس: عمر) .
[4] الأبيات في نكت الهميان 160، والبيتان الأخيران في البيان 3/202، وعيون الأخبار 3/61، والكامل 2/370 (طبعة المعارف) .
(4/354)

لا تعظ إلّا اللّبيب فما ... يعدل الضّلع على قوسه
ربّ مغروس يعاش به ... فقدته كفّ مغترسه
وكذاك الدّهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
1099-[قول في شعر لأمية بن أبي الصلت]
وكانت العرب تقول: كان ذلك إذ كان كلّ شيء ينطق، وكان ذلك والحجارة رطبة.
قال أميّة [1] : [من الوافر]
وإذ هم لا لبوس لهم تقيهم ... وإذ صمّ السّلام لهم رطاب [2]
بآية قام ينطق كلّ شيء ... وخان أمانة الدّيك الغراب
وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تدلّ على المهالك لا تهاب
تلمّس هل ترى في الأرض عينا ... وعاينة بها الماء العباب
فجاءت بعد ما ركضت بقطف ... عليها التّأط والطّين الكباب [3]
فلما فرّسوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السّخاب [4]
إذا ماتت تورّثه بنيها ... وإن تقتل فليس له انسلاب
ضفذكر رطوبة الحجارة، وأنّ كلّ شيء قد كان ينطق. ثمّ خبّر عن منادمة الدّيك الغراب، واشتراط الحمامة على نوح، وغير ذلك ممّا يدلّ على ما قلنا. ثم ذكر الحيّة، وشأن إبليس وشأنها، فقال: [من الوافر]
كذي الأفعى تربّبها لديه ... وذي الجنّيّ أرسلها تساب [5]
فلا ربّ البريّة يأمننها ... ولا الجنيّ أصبح يستتاب
__________
[1] ديوان أمية 337- 340. وشرح الأبيات التالية من ديوانه.
[2] «اللبوس: الثياب. السلام: الحجارة، الواحدة سلمة، وكانت العرب تزعم أن الحجارة كانت رطبة لينة في قديم الزمان» .
[3] «القطف: ما قطف من ثمار وسواها. والثأط: الطين الأسود المنتن. الكباب: الطين اللازب.
الكثاب: المجتمع» .
[4] «فرسوا الآيات: تثبتوا منها، والآيات مفردها آية، وهي العلامة، السخاب: القلادة، وأراد به ما يرى في عنق الحمامة شبه الطوق» .
[5] «ذو الأفعى: لعله يريد به آدم عليه السلام. ترببها: رباها، ذو الجني: إبليس. سابت الحية وانسابت: جرت» .
(4/355)

فإن قلت: إنّ أميّة كان أعرابيّا، وكان بدويّا، وهذا من خرافات أعراب الجاهليّة، وزعمت أنّ أميّة لم يأخذ ذلك عن أهل الكتاب فإني سأنشدك لعديّ بن زيد، وكان نصرانيّا ديانا، وترجمانا، وصاحب كتب، وكان من دهاة أهل ذلك الدّهر.
1100-[آدم عليه السلام والحية]
قال عديّ بن زيد، يذكر شأن آدم ومعصيته، وكيف أغواه، وكيف دخل في الحية، وأنّ الحية كانت في صورة جمل فمسخها الله عقوبة لها، حين طاوعت عدوّه على وليّه. فقال [1] : [من البسيط]
قضى لستّة أيّام خليقته ... وكان آخرها أن صوّر الرّجلا
دعاه آدم صوتا فاستجاب له ... بنفخة الروح في الجسم الذي جبلا
ثمّت أورثه الفردوس يعمرها ... وزوجه صنعة من ضلعه جعلا
لم ينهه ربّه عن غير واحدة ... من شجر طيّب: أن شمّ أو أكلا
فكانت الحيّة الرّقشاء إذ خلقت ... كما ترى ناقة في الخلق أو جملا
فعمدا للتي عن أكلها نهيا ... بأمر حوّاء لم تأخذ له الدّغلا
كلاهما خاط إذ بزّا لبوسهما ... من ورق التّين ثوبا لم يكن غزلا
فلاطها الله إذ أغوت خليفته ... طول اللّيالي ولم يجعل لها أجلا [2]
تمشي على بطنها في الدّهر ما عمرت ... والتّرب تأكله حزنا وإن سهلا
فأتعبا أبوانا في حياتهما ... وأوجدا الجوع والأوصاب والعللا
وأوتيا الملك والإنجيل نقرؤه ... نشفي بحكمته أحلامنا عللا
من غير ما حاجة إلّا ليجعلنا ... فوق البريّة أربابا كما فعلا
1101-[عقاب حواء وآدم والحية]
فرووا أنّ كعب الأحبار قال: مكتوب في التوارة أنّ حوّاء عند ذلك عوقبت بعشر خصال، وأنّ آدم لمّا أطاع حوّاء وعصى ربّه عوقب بعشر خصال، وأنّ الحيّة التي دخل فيها إبليس عوقبت أيضا بعشر خصال.
__________
[1] ديوان عدي بن زيد 159- 160.
[2] ينسب هذا البيت أيضا لأمية بن أبي الصلت في ديوانه 460، واللسان (ليط) . وفي ديوانه:
«لاطها: لعنها، أو ألصقها بالتراب. لم يجعل لها أجلا: أراد أنها لا تموت بأجلها حتى تقتل قتلا» .
(4/356)

وأوّل خصال حوّاء التي عوقبت بها وجع الافتضاض، ثم الطلق، ثمّ النّزع، ثمّ بقناع الرّأس، وما يصيب الوحمى والنفساء من المكروه، والقصر في البيوت، والحيض، وأنّ الرّجال هم القوّامون عليهنّ، أن تكون عند الجماع هي الأسفل.
وأمّا خصال آدم صلى الله عليه وسلم: فالذي انتقص من طوله، وبما جعله الله يخاف من الهوامّ والسّباع، ونكد العيش، وبتوقع الموت، وبسكنى الأرض، وبالعري من ثياب الجنّة، وبأوجاع أهل الدنيا، وبمقاساة التحفظ من إبليس، وبالمحاسبة بالطّرف، وبما شاع عليه من اسم العصاة.
وأمّا الحيّة فإنها عوقبت بنقص جناحها، وقطع أرجلها، والمشي على بطنها، وبإعراء جلدها- حتى يقال: «أعرى من حيّة» وبشقّ لسانها- لذلك كلما خافت من القتل أخرجت لسانها لتريهم العقوبة- وبما ألقي عليها من عداوة النّاس، وبمخافة الناس، وبجعله لها أوّل ملعون من اللّحم والدّم، وبالذي ينسب إليها من الكذب والظلم [1] .
فأمّا الظلم فقولهم: «أظلم من حيّة» [2] وأما الكذب فإنها تنطوي في الرّمل على الطّريق وتدخل بعض جسدها في الرّمل، فتظهر كأنها طبق خيزران. ومنها حيّات بيض قصار تجمع بين أطرافها على طرق الناس، وتستدير كأنها طوق أو خلخال، أو سوار ذهب أو فضة- ولما تلقي على نفسها من السّبات، ولما تظهر من الهرب من الناس. وكلّ ذلك إنما تغرّهم وتصطادهم بتلك الحيلة، فذلك هو كذبها.
1102-[عقاب الأرض]
قال: وعوقبت الأرض حين شربت دم ابن آدم بعشر خصال: أنبت فيها الشّوك، وصيّر فيها الفيافي، وخرق فيها البحار، وملّح أكثر مائها، وخلق فيها الهوامّ والسّباع، وجعلها قرارا لإبليس والعاصين، وجعل جهنّم فيها، وجعلها لا تربي ثمرتها. إلّا في الحرّ، وهي تعذّب بهم إلى يوم القيامة، وجعلها توطأ بالأخفاف، والحوافر، والأظلاف، والأقدام، وجعلها مالحة الطّعم.
ثم لم تشرب بعد دم ابن آدم دم أحد من ولده، ولا من غير ولده. قال: ولذلك
__________
[1] انظر الفقرة 1076.
[2] مجمع الأمثال 1/445، وجمهرة الأمثال 2/29، والمستقصى 1/232، والدرة الفاخرة 1/293، وفصل المقال 492.
(4/357)

قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي مريم الحنفيّ: «لأنا أشدّ لك بغضا من الأرض للدم» [1] .
وزعم صاحب المنطق أنّ الأرض لا تشرب الدّم، إلّا يسيرا من دماء الإبل خاصّة.
1103-[اختبار العسل]
وإذا أرادوا أن يمتحنوا جودة العسل من رداءته، قطروا على الأرض منه قطرة.
فإذا استدارت كأنها قطعة زئبق، ولم تأخذ من الأرض ولم تعطها فهو الماذيّ الخالص الذّهبيّ. فإن كان فيه غشوشة نفشت القطرة على قدر ما فيها، وأخذت من الأرض وأعطتها. وإن لم يقدروا على اللّحم الغريض دفنوه وغرّقوه في العسل، فإنهم متى رجعوا فغسلوه عنه وجدوه غضّا طريّا، لأنّه ذهبيّ الطّباع، ليس بينه وبين سائر الأجرام شيء. فهو لا يعطيه شيئا ولا يأخذ منه. وكذلك الذّهب إذا كان مدفونا.
1104-[زمن الفطحل]
وهذه الأحاديث، وهذه الأشعار، تدلّ على أنّهم قد كانوا يقولون: إنّ الصخور كانت رطبة ليّنة، وإنّ كلّ شيء قد كان يعرف وينطق وإنّ الأشجار والنّخل لم يكن عليها شوك. وقد قال العجّاج، أو رؤبة [2] : [من الرجز]
أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصّخر مبتلّ كطين الوحل
1105-[مرويات كعب الأحبار]
وأنا أظنّ أنّ كثيرا ممّا يحكى عن كعب أنّه قال: «مكتوب في التوراة» أنّه إنّما قال: «نجد في الكتب» ، وهو إنّما يعني كتب الأنبياء، والذي يتوارثونه من كتب سليمان؛ وما في كتبهم من مثل كتب إشعياء وغيره. والذين يروون عنه في صفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأشباه ذلك، فإن كانوا صدقوا عليه وكان الشيخ لا يضع الأخبار فما كان وجه كلامه عندنا إلّا على ما قلت لك.
__________
[1] انظر عيون الأخبار 3/13، والكامل 1/355، (طبعة المعارف) ، والبيان 1/376، 2/89، 3/60.
[2] الرجز لرؤبة في ديوانه 128.
(4/358)

1106-[نطق الحية]
وفي أنّ الحيّة قد كانت تسمع وتنطق، يقول النّابغة في المثل الذي ضربه، وهو قوله [1] : [من الطويل]
أليس لنا مولى يحبّ سراحنا ... فيعذرنا من مرّة المتناصره
ليهنكم أن قد نفيتم بيوتنا ... محلّ عبيدان المحلّئ باقره [2]
وإني للاق من ذوي الضّغن نكبة ... بلا عثرة والنفس لا بدّ عاثره
كما لقيت ذات الصّفا من حليفها ... وما انفكّت الأمثال في الناس سائره
فقالت له: أدعوك للعقل وافرا ... ولا تغشينّي منك للظّلم بادره [3]
فواثقها بالله حتّى تراضيا ... فكانت تديه الجزع خفيا وظاهره
فما توفّى العقل إلّا أقلّه ... وجارت به نفس عن الخير جائره
تفكّر أنّى يجمع الله شمله ... فيصبح ذا مال ويقتل واتره
فظلّ على فأس يحدّ غرابها ... ليقتلها، والنّفس للقتل حاذره [4]
فلما وقاها الله ضربة فأسه ... ولله عين لا تغمّض ساهره
فقال: تعالي نجعل الله بيننا ... على العقل حتّى تنجزي لي آخره
فقالت: يمين الله، أفعل؛ إنّني ... رأيتك ختّارا يمينك فاجره
أبى لك قبر لا يزال مواجها ... وضربة فأس فوق رأسي فاقره [5]
فذهب النّابغة في الحيّات مذهب أميّة بن أبي الصّلت، وعديّ بن زيد، وغيرهما من الشعراء.
1107-[حال الصخور والأشجار في ماضي الزمان]
وأنشدني عبد الرحمن بن كيسان: [من الطويل]
فكان رطيبا يوم ذلك صخرها ... وكان خضيدا طلحها وسيالها [6]
__________
[1] ديوان النابغة الذبياني 202- 203. وشرح الأبيات التالية منه.
[2] في ديوانه «المحلئ: الذي يمنع الإبل أن ترد الماء، والباقر: جماعة البقر» .
[3] «العقل: عزم الدية» .
[4] «يحد غرابها: يعني طرفها وحدّها» .
[5] «فاقرة: مؤثرة» .
[6] خضد الشوك: قطعه. (القاموس: خضد) .
(4/359)

فزعم كما ترى أنّ الصّخور كانت ليّنة، وأنّ الأشجار: الطلح والسّيال كانت خضيدا لا شوك عليها.
وزعم بعض المفسّرين وأصحاب الأخبار، أنّ الشّوك إنما اعتراها في صبيحة اليوم الذي زعمت النّصارى فيه أنّ المسيح ابن الله.
وكان مقاتل يقول- حدّثنا بذلك عنه أبو عقيل السّواق، وكما أحد رواته والحاملين عنه- إنّ الصّخور كانت ليّنة، وإنّ قدم إبراهيم عليه السلام أثرت في تلك الصخرة، كتأثير أقدام الناس في ذلك الزّمان. إلّا أنّ الله تعالى توفّى تلك الآثار، وعفّى عليها، ومسحها ومحاها، وترك أثر مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم. والحجّة إنما هي في إفراده بذلك ومحو ما سواه من آثار أقدام الناس. ليس أنّ إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان وطئ على صخرة خلقاء يابسة فأثّر فيها.
1108-[فضل المتكلمين والمعتزلة]
وأنا أقول على تثبيت ذلك بالحجة. ونعوذ بالله من الهذر والتكلف وانتحال ما لا أقوم به. أقول: إنّه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوامّ من جميع النّحل. فإن لم أقل، ولولا أصحاب إبراهيم وإبراهيم لهلكت العوامّ من المعتزلة، فإني أقول: إنه قد أنهج لهم سبلا، وفتق لهم أمورا، واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة، وشملتهم بها النعمة.
1109-[ما يحتاج إليه الناس]
وأنا أزعم أن الناس يحتاجون بديّا إلى طبيعة ثم إلى معرفة، ثم إلى إنصاف.
وأوّل ما ينبغي أن يبتدئ به صاحب الإنصاف أمره ألّا يعطى نفسه فوق حقها، وألّا يضعها دون مكانها، وأن يتحفظ من شيئين؛ فإن نجاته لا تتمّ إلّا بالتحفظ منهما:
أحدهما تهمة الإلف، والآخر تهمة السّابق إلى القلب- والله الموفق.
1110-[معاناة الجاحظ في تأليف هذا الكتاب]
وما أكثر ما يعرض في وقت إكبابي على هذا الكتاب، وإطالتي الكلام، وإطنابي في القول، بيت ابن هرمة، حيث يقول [1] : [من البسيط]
إنّ الحديث تغر القوم خلوته ... حتى يلجّ بهم عيّ وإكثار
__________
[1] ديوان ابن هرمة 124.
(4/360)

وقولهم في المثل: «كل مجر في الخلاء يسرّ» [1] .
وأنا أعوذ بالله أن أغرّ من نفسي، عند غيبة خصمي، وتصفح العلماء لكلامي، فإني أعلم أن فتنة اللسان والقلم، أشدّ من فتنة النساء، والحرص على المال.
وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه، أوّل ذلك العلة الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب، والرابعة أني لو تكلفت كتابا في طوله، وعدد ألفاظه ومعانيه، ثمّ كان من كتب العرض والجوهر، والطّفرة، والتولد، والمداخلة، والغرائز، والتماس- لكان أسهل وأقصر أياما، وأسرع فراغا؛ لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقّط الأشعار، وتتبّع الأمثال، واستخراج الآي من القرآن، والحجج من الرّواية، مع تفرّق هذه الأمور في الكتب، وتباعد ما بين الأشكال. فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ، ومن سوء تأليف، أو من تقطيع نظام، ومن وقوع الشيء في غير موضعه- فلا تنكر، بعد أن صوّرت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي.
ولولا ما أرجو من عون الله على إتمامه؛ إذ كنت لم ألتمس به إلّا إفهامك مواقع الحجج لله، وتصاريف تدبيره، والذي أودع أصناف خلقه من أصناف حكمته- لما تعرّضت لهذا المكروه.
فإن نظرت في هذا الكتاب فانظر فيه نظر من يلتمس لصاحبه المخارج، ولا يذهب مذهب التعنّت، ومذهب من إذا رأى خيرا كتمه، وإذا رأى شرّا أذاعه.
وليعلم من فعل ذلك أنّه قد تعرّض لباب إن أخذ بمثله، وتعرّض له في قوله وكتبه، أن ليس ذلك إلّا من سبيل العقوبة، والأخذ منه بالظلامة. فلينظر فيه على مثال ما أدّب الله به، وعرّف كيف يكون النظر والتفكير والاعتبار والتعليم؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
[2] .
1111-[الحكمة في الأشياء الصغيرة]
فينبغي أن تكون إذا مررت بذكر الآية والأعجوبة، في الفراشة والجرجسة، ألّا تحقر تلك الآية، وتصغّر تلك الأعجوبة؛ لصغر قدرهما عندك، ولقلّة معرفتهما عند
__________
[1] مجمع الأمثال 2/135، 145، وفصل المقال 203، وأمثال ابن سلام 136، والمستقصى 2/229.
[2] 63، 93/البقرة: 2.
(4/361)

معرفتك، لصغر أجسامهما عند جسمك. ولكن كن عند الذي يظهر لك من تلك الحكم، ومن ذلك التّدبير، كما قال الله عزّ وجلّ: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
[1] ثم قال: فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
[1] ثمّ قال الله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
[2] . وقد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» [3] .
1112-[حث على التنبّه عند النظر]
وأنا أعيذ نفسي بالله أن أقول إلّا له، وأعيذك بالله أن تسمع إلّا له. وقد قال الله عزّ وجلّ: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[4] فاحذر من أن تكون منهم، وممّن ينظر إلى حكمة الله وهو لا يبصرها، وممّن يبصرها بفتح العين واستماع الآذان؛ ولكن بالتوقف من القلب، والتثبت من العقل، وبتحفيظه وتمكينه من اليقين، والحجّة الظاهرة. ولا يراها من يعرض عنها.
وقد قال الله عزّ وجلّ: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
[5] وقال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
[6] ولو كانوا صمّا بكما وكانوا هم لا يعقلون، لما عيّرهم بذلك، كما لم يعيّر من خلقه معتوها كيف لم يعقل، ومن خلقه أعمى كيف لم يبصر، وكما لم يلم الدوابّ، ولم يعاقب السّباع. ولكنّه سمّى البصير المتعامي أعمى، والسميع المتصامم أصمّ، والعاقل المتجاهل جاهلا.
وقد قال الله عزّ وجلّ: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[7] فانظر كما أمرك الله، وانظر من الجهة التي دلّك منها، وخذ ذلك بقوة. قال تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ*
[8] .
__________
[1] 145/الأعراف: 7.
[2] 171/الأعراف: 7.
[3] البيان 1/83- 84.
[4] 57/الكهف: 18.
[5] 21/الأنفال: 8.
[6] 22/الأنفال: 8.
[7] 50/الروم: 30.
[8] 163/البقرة: 2، 171/الأعراف: 7.
(4/362)

1113-[عود إلى القول في الحيات]
ثمّ رجع بنا القول إلى ما في الحيّات من العلم والعبرة، والفائدة والحكمة؛ ولذلك قال أبو ذرّ الغفاريّ: «لقد تركنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما يمرّ بنا طائر إلا وعندنا من شأنه علم» . وهذا القول صحيح عن أبي ذر، ولم يخصّ أبو ذرّ خشاش الطّير من بغاثها وأحرارها، ولا ما يدخل في بابة الهمج. وقد أريناك من تحقيق قوله طرفا. ولعلك إن جمعت نظرك إلى نظرنا، أن تستتمّ هذا الباب، فقد قال الشاعر [1] : [من الطويل]
خليليّ ليس الرأي في رأي واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان
وقال الأحنف: «ما من الناس أحد إلّا وقد تعلّمت منه شيئا، حتّى من الأمة الورهاء والعبد الأوره» .
والحيّات مختلفات الجهات جدّا، وهي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في الضّرر والسمّ، وفي الصّغر والعظم، وفي التعرّض للنّاس، وفي الهرب منهم. فمنها ما لا يؤذي إلّا أن يكون الناس قد آذوها مرّة. وأمّا الأسود فإنّه يحقد ويطالب، ويكمن في المتاع حتى يدرك بطائلته. وله زمان يقتل فيه كلّ شيء نهشه.
وأمّا الأفعى فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر في الصّيف مع أوّل الليل، إذا سكن وهج الرّمل وظاهر الأرض؛ فتأتي قارعة الطّريق حتى تستدير وتطحن كأنّها رحى، ثمّ تلصق بدنها بالأرض وتشخص رأسها؛ لئلّا يدركها السّبات، معترضة؛ لئلّا يطأها إنسان أو دابّة فتنهشه. كأنّها تريد ألّا تنهش إلّا بأن يتعرّض لها، وهي قد تعرّضت لنهشه باعتراضها في الطّريق وتناومها عليه! وهي من الحيّات التي ترصد وتوصف بذلك. قال معقل بن خويلد [2] : [من الطويل]
أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي ... رؤوس الأفاعي في مراصدها العرم
يريد: الأفاعي في مراصدها. وكلّ منقّطة فهي عرماء، من شاة أو غير ذلك.
وقال آخر: [من الرجز]
وكم طوت من حنش وراصد ... للسّفر في أعلى البيات قاصد
__________
[1] البيت لعطارد بن قران الحنظلي في الحماسة البصرية 1/107، ولطهمان بن عمرو الدارمي في معجم البلدان 2/463 (دمخ) ، وبلا نسبة في محاضرات الراغب 1/12 (1/29) .
[2] البيت لمعقل الهذلي في شرح أشعار الهذليين 383، واللسان (رصد، بغض، عرم) ، والتاج (بغض، عرم) ، وبلا نسبة في التهذيب 2/391، والمقاييس 4/293، والمخصص 7/194، 8/111.
(4/363)

والأفعى تقتل في كلّ حال وفي كلّ زمان. والشّجاع يواثب ويقوم على ذنبه، وربّما بلغ رأسه رأس الفارس.
وليس يقتلها- إذا تطوّقت على الطّريق وفي المناهج، أو اعترضتها لتقطعها عابرة إلى الجانب الآخر- شيء كأقاطيع الشّياه إذا مرّت بها، وكذلك الإبل الكثيرة إذا مرّت، فإنّ الحيّة إذا وقعت بين أرجلها كان همتها نفسها، ولم يكن لها همة إلّا التّخلص بنفسها؛ لئلّا تعجلها بالوطء. فإن نجت من وطء أيديها، لم تنج من وطء أرجلها. وإن سلمت من واحدة لم تسلم من التي تليها، إلى آخرها.
وقال عمر بن لجأ، وهو يصف إبله [1] : [من الرجز]
تعرّض الحيّات في غشاشها
وقال ذو الأهدام: [من الرجز]
تعجلها عن نهشها والنّكز
ومن ذلك أنّ العقرب تقع في يد السّنّور، فيلعب بها ساعة من اللّيل وهي في ذلك مسترخية مستخذية لا تضربه. والسّنانير من الخلق الذي لا تسرع السّموم فيه.
1114-[مسالمة الأفعى للقانص والراعي]
وربّما باتت الأفعى عند رأس الرّجل وعلى فراشه فلا تنهشه. وأكثر ما يوجد ذلك من القانص والرّاعي. قال الشاعر [2] : [من الوافر]
تبيت الحيّة النّضناض منه ... مكان الحبّ مستمع السّرار
قال: الحبّ: الحبيب. والنضناض من الحيّات: الذي يحرّك لسانه. وعن عيسى بن عمر قال: قلت لذي الرّمّة: ما النضناض؟ فأخرج لسانه يحرّكه.
وإنما يصف القانص وأنّه يبيت بالقفر. ومثله قول أبي النجم [3] : [من الرجز]
تحكي لنا القرناء في عرزالها ... جري الرّحى تجري على ثفالها
__________
[1] ديوان عمر بن لجأ 151، والأغاني 8/70 وحلقات الشعراء 1/224، واللسان (عفر) .
[2] صواب الرواية «يستمع السرارا» والبيت للراعي النميري في ديوانه 149، وأمالي القالي 2/23، واللسان والتاج (حبب، نضض) والتنبيه والإيضاح 1/56، والتهذيب 11/470، والجمهرة 64، وكتاب الجيم 1/162، وبلا نسبة في المخصص 4/43، 8/110، وأساس البلاغة (نضض) ، والمجمل 2/30.
[3] الرجز لأبي النجم في ديوانه 161، وللأعشى في اللسان والتاج (عرزل، قرن) ، وبلا نسبة في الجمهرة 794، 1150.
(4/364)

العرزال: المكان وفي ذلك يقول أبو وجزة [1] : [من البسيط]
تبيت جارته الأفعى وسامره ... ربد به عاذر منهنّ كالجرب
وقوله: ربد، يريد البعوض. وعاذر: أثر.
1115-[مسالمة الأفعى]
قال: وبات يحيى بن منقاش مع دارم الدارميّ، فلما أصبح يحيى رأى بينهما أفعى مستوية، فوثب يحيى ليقتلها، فقال له دارم. قد أعتقتها وحرّرتها! ولم تقتلها وهي ضجيعتي من أوّل الليل؟ فقال يحيى: [من الطويل]
أعوذ بربّي أن ترى لي صحبتي ... يطيف بنا ليلا محرّر دارم
من الخرس لا ينجو صحيحا سليمها ... وإن كان معقودا بحلي التمائم
1116-[القول في العقرب]
والعقارب في ذلك دون الحيّات، إلّا الجرّارات، فإنها ربّما باتت في لحاف الرّجل اللّيلة بأسرها، وتكون في قميصه عامّة يومها، فلا تلسعه. فهي بالأفعى أشبه.
فأمّا سائر العقارب فإنها تقصد إلى الصّوت، فإذا ضربت إنسانا فرّت كما يصنع المسيء الخائف للعقاب.
والعقرب لا تضرب الميت ولا المغشيّ عليه، ولا النائم إلّا أن يحرك شيئا من جسده، فإنها عند ذلك تضربه.
ويقال إنها تأوي مع الخنافس وتسالمها، ولا تصادق من الحيّات إلا كلّ أسود سالخ.
وحدّث أبو إسحاق المكي قال: كان في دار نصر بن الحجاج السّلمي عقارب إذا لسعت قتلت، فدبّ ضيف لهم على بعض أهل الدّار فضربته عقرب على مذاكيره، فقال نصر يعرّض به [2] : [من المتقارب]
وداري إذا نام سكّانها ... أقام الحدود بها العقرب
__________
[1] البيت لأبي وجزة في اللسان والتاج وأساس البلاغة (رمد) ، والمقاييس 2/438، والمجمل 2/420، والتهذيب 14، 121.
[2] البيتان في حياة الحيوان 2/52 (العقرب) .
(4/365)

إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربها تضرب
قال: فأدخل النّاس بها حوّاء، وحكوا له شأن تلك العقارب، فقال: إن هذه العقارب تستقي من أسود سالخ. ونظر إلى موضع في الدار فقال: احفروا هاهنا.
فحفروا عن أسودين: ذكر وأنثى، وللذّكر خصيتان ورأوا حول الذّكر عقارب كثيرة فقتلوها.
قال: وقال الفضل بن عبّاس حين راهنه عقرب بالشّعر، وقيل لكلّ واحد منهما:
لست في شيء حتّى تغلب صاحبك، فقال الفضل [1] : [من السريع]
قد تجر العقرب في سوقنا ... لا مرحبا بالعقرب التّاجره
كل عدوّ يتّقى مقبلا ... وعقرب تخشى من الدّابره
كلّ عدوّ كيده في استه ... فغير ذي أيد ولا ضائره
قد ضاقت العقرب واستيقنت ... بأنّ لا دنيا ولا آخره
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النّعل لها حاضره
واسم أم حارثة بن بدر، عقرب. وآل أبي موسى يكتنون بأبي العقارب. ومن هؤلاء الذين يكتنون بالعقرب: ابن أبي العقرب الليثيّ الخطيب الفصيح، الراوية.
ورووا أنّ عقربا لسعت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «لعنها الله، فإنّها لا تبالي من ضربت!» وقال الضّبيّ: أنا عقرب، أضرّ ولا أنفع [2] .
وكان الرّجل تلسعه الجرّارة بعسكر مكرم، أو بجند يسابور، فتقتله؛ وربّما تناثر لحمه، وربّما تعفّن وأنتن، حتى لا يدنو منه أحد إلّا وهو مخمّر أنفه، مخافة إعدائه، ولا سيما إن كان قد نال من اللحم وهو لا يعلم أنّ الوخزة التي وخزها كانت من جرّارة.
وكانوا إذا شعروا بها دعوا حجاما، يحجم ذلك الموضع ويمصّه، قبل أن يتفشى فيه السمّ ويدخل تلك المداخل. فكان الحجّام لا يجيئهم حتى يقبض دنانير كثيرة. وإنما كانوا يجودون له بذلك؛ لما كان لصاحبهم في ذلك من الفرج، وما على الحجام في ذلك من ضرر. وذلك أن وجهه ربّما اسمارّ واربدّ، وربّما عطّلت مقاديم
__________
[1] الأبيات في عيون الأخبار 1/256، وحياة الحيوان 2/61 (العقرب) .
[2] ورد الخبر في عيون الأخبار 2/103، وربيع الأبرار 5/476.
(4/366)

أسنانه وتوجّعت عليه، فيلقى من ذلك الجهد، وذلك لما كان يتّصل إلى فيه من بخار الدّم، ومن ذلك السمّ المخالط لذلك الدّم. ثمّ إنّهم بعد ذلك حشوا أذناب المحاجم بالقطن، فصار القطن لا يمنع قوّة المصّ والجذب، ولم يدعه يصل إلى فم الحجام.
ثمّ إنّهم بعد مدّة سنيّات [1] أصابوا نبتة في بعض الشّعب [2] ، فإذا عالجوا الملسوع بها حسنت حاله.
والجرّارات تألف الأخواء [3] التي تكون بحضرة الأتاتين [4] ، وتألف الحشوش [5] والمواضع الناريّة. وسمّها نار.
وقيل لماسرجويه: قد نجد العقرب تلسع رجلين فتقتل أحدهما ويقتلها الآخر، وربّما نجت ولم تمت، كما أنّه ربّما عقرت ولم تفت، ونجدها تضرب رجلين في ساعة واحدة، فيختلفان في سوء الحال. ونجدها تختلف مواضع ضررها على قدر الأغذية، وعلى قدر الأزمان، وعلى قدر مواضع الجسد. ونجد واحدا يتعالج بالمسوس [6] فيحمده، ونجد آخر يدخل يده في مدخل حارّ من غير أن يكون فيه ماء فيحمده، ونجد آخر يعالجه بالنّخالة الحارّة فيحمدها، ونجد آخر يحجم ذلك الموضع فيحمده، ونجد كلّ واحد من هؤلاء يشكو خلاف ما يوافقه، ثم إنّا نجده يعاود ذلك العلاج عند لسعة أخرى فلا يحمده! قال ماسرجويه: لما اختلفت السّموم في أنفسها بالجنس والقدر، وفي الزّمان، باختلاف ما لاقاه اختلف الذي وافقه على حسب اختلافه.
وكان يقول: إنّ قول القائل في العقرب: شرّ ما تكون حين تخرج من جحرها، ليس يعنون من ليلتها- إذ كان لا بدّ من أن يكون لها نصيب من الشدّة- ولكنّهم إنما يعنون: في أوّل ما تخرج من جحرها عند استقبال الصّيف، بعد طول مكثها في غير عالمنا وغذائنا وأنفاسنا ومعايشنا.
__________
[1] سنيات: جمع سنية، تصغير سنة.
[2] الشعب: جمع شعبة، وهي المسيل في الرمل، أو التلعة الصغيرة. (القاموس: شعب) .
[3] الأخواء: جمع خوى، وهو اللين من الأرض. (القاموس: خوى) .
[4] الأتاتين: جمع أتون، وهو موقد النار. (القاموس: أتن) .
[5] الحشوش: جمع حش، وهو المخرج لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. (القاموس:
حشش) .
[6] المسوس: كل ما شفى الغليل. (القاموس: مسس) . وهو دواء يعالج به الملسوع والملدوغ.
(4/367)

والعامّة تزعم أنها شرّ ما تكون إذا ضربت الإنسان وقد خرج من الحمام؛ لتفتح المسامّ، وسعة المجاري، وسخونة البدن. ولذلك صار سمها في الصيف أشدّ. هذا قول أبي إسحاق. كأنّه كان يرى أنّ الهواء كلما كان أحرّ، وكان البدن أسخن كان شرّا.
ونحن نجدهم يصرخون من لسعتها اللّيل كلّه، وإذا طلعت الشمس سكن ما بهم. فإذا بقيت فضلة من تلك الجارحة في الشمس فما أكثر ما يسكن. وسمومها باللّيل أشدّ، إلّا أن يزعم أنّ أجواف الناس في برد الليل أسخن وفي حرّ النهار أفتر.
1117-[الحية الدّساس]
وزعم لي بعض العلماء ممّن قد روى الكتب، وهو في إرث منها، أنّ الحية التي يقال لها: الدسّاس، تلد ولا تبيض؛ وأنّ أنثى النمور لم تضع نمرا قط إلّا ومعه أفعى.
1118-[استحالة الكمأة إلى أفاع]
والأعراب تزعم أنّ الكمأة تبقى في الأرض فتمطر مطرة صيفيّة، فيستحيل بعضها أفاعي. فسمع هذا الحديث منّي بعض الرّؤساء الطّائيّين، فزعم لي أنّه عاين كمأة ضخمة فتأمّلها، فإذا هي تتحرّك، فنهض إليها فقلعها، فإذا هي أفعى. هذا ما حدّثته عن الأعراب، حتّى برئت إلى الله من عيب الحديث.
1119-[زعم صاحب المنطق في الحيات]
وزعم صاحب المنطق أنّ الوزغة والحيّات تأكل اللّحم والعشب. وزعم أنّ الحيّات أظهر كلبا من جميع الحيوان، مع قلّة شرب الماء. وأنّ الأسد مع نهمه قليل شرب الماء. قال: ولا تضبط الحيّات أنفسها إذا شمّت ريح السّذاب، وربّما اصطيدت به وإذا أصابوها كذلك وجدوها وقد سكرت.
قال: والحيات تبتلع البيض، والفراخ، والعشب.
1120-[سلخ الحيوان]
وزعم أنّ الحيات تسلخ جلودها في أوّل الرّبيع، عند خروجها من أعشّتها وفي أوّل الخريف.
وزعم أن السّلخ يبتدئ من ناحية عيونها أوّلا. قال: ولذلك يظنّ بعض من يعانيها أنها عمياء.
(4/368)

وهي تسلخ من جلودها في يوم وليلة من الرّأس إلى الذّنب، ويصير داخل الجلد هو الخارج، كما يسلخ الجنين من المشيمة، وكذلك جميع الحيوان المحزّز الجسد، وكلّ طائر لجناحه غلاف مثل الجعل والدّبر وكذلك السّرطان، يسلخ أيضا، فيضعف عند ذلك من المشي.
وتسلخ جلودها مرارا.
والسّلخ يصيب عامّة الحيوان [1] : أمّا الطير فسلخها تحسيرها [2] ، وأمّا ذوات الحوافر فسلخها عقائقها [3] ، وسلخ الإبل طرح أوبارها، وسلخ الجراد انسلاخ جلودها، وسلخ الأيائل إلقاء [4] قرونها، وسلخ الأشجار إسقاط ورقها. [5]
والأسروع: دويبّة تنسلخ فتصير فراشة. وقال الطّرمّاح شعرا [6] : [من الكامل]
وتجرّد الأسروع واطّرد السّفا ... وجرت بجاليها الحداب القردد [7]
وانساب حيّات الكثيب وأقبلت ... ورق الفراش لما يشبّ الموقد [8]
يصف الزّمان.
والدّعموص ينسلخ، فيصير إمّا بعوضة وإما فراشة.
وزعم ثمامة عن يحيى بن برمك أنّ البرغوث ينسلخ فيصير بعوضة، وأنّه البعوضة التي من سلخ دعموص ربّما انسلخت برغوثا.
والنمل تحدث لها أجنحة ويتغيّر خلقها، وذلك هو سلخها. وهلكها يحين عند طيرانها.
والجراد ينسلخ على غير هذا النوع. قال الرّاجز [9] : [من الرجز]
ملعونة تسلخ لونا لونين
__________
[1] ثمار القلوب (631) .
[2] التحسير: سقوط ريش الطائر. (القاموس: حسر) .
[3] العقائق: جمع عقيقة، وهي شعر المولود. (القاموس: عقق) .
[4] في ثمار القلوب (نصول قرونها) .
[5] بعده في ثمار القلوب «والسراطين تسلخ فتضعف عند ذلك» .
[6] ديوان الطرماح 134، (111) ومنه شرح المفردات.
[7] «السفا: التراب الذي تسفيه الرياح، ويكون ذلك في الصيف حين تجف الأرض. واطراده: حمل الريح السفا دفعة بعد دفعة. والجائل: ما سفرته الريح من حطام النبت وسواقط ورق الشجر فجالت به. الحداب: جمع حدب، وهو ما أشرف من الأرض وغلظ. والقردد: الأرض المرتفعة إلى جانب وهدة، والبيت كناية عن إقبال الصيف» .
[8] «ورق الفراش: جمع أورق، أي الذي لونه لون الرماد» .
[9] الرجز لعوف بن ذروة في نوادر أبي زيد 48، وقبله (من كل سفعاء القفا والخدين) .
(4/369)

1121-[اختلاف ضرر الأفاعي ونحوها باختلاف البلدان]
قال: وعضّ السّباع ذوات الأربع، ولدغ الهوامّ، يختلف بقدر اختلاف البلدان؛ كالذي يبلغنا عن أفاعي الرّمل، وعن جرّارات قرى الأهواز، وعقارب نصيبين [1] ، وثعابين مصر، وهنديّات [2] الخرابات.
وفي الشّبثان [3] ، والزّنابير، والرّتيلات [4] ما يقتل. فأمّا الطّبّوع [5] فإنّه شديد الأذى. وللضّمج [6] أذى لا يبلغ ذلك.
1122-[أقوال لصاحب المنطق]
وقال صاحب المنطق: ويكون بالبلدة التي تسمّى باليونانية: «طبقون» حيّة صغيرة شديدة اللّدغ، إلا أن تعالج بحجر، يخرج من بعض قبور قدماء الملوك.
ولم أفهم هذا، ولم كان ذلك.
وإذا أكل بعض ذوات السموم من جسد بعضها، كانت أردأ ما تكون سما، مثل العقارب والأفاعي.
قال: والأيّل إذا ألقى قرونه علم أنّه قد ألقى سلاحه فهو لا يظهر. وكذلك إن سمن علم أنّه يطلب، فلا يظهر. وكذلك أوّل ما ينبت قرنه يعرّضه للشمس؛ ليصلب ويجفّ. وإن لدغت الأيّل حيّة أكل السّراطين؛ فلذلك نظنّ أنّ السّراطين صالحة للّديغ من الناس.
قال: وإذا وضعت أنثى الأيّل ولدا أكلت مشيمتها. فيظنّ أنّ المشيمة شيء يتداوى به من علّة النفاس.
قال: والدّبّة إذا هربت دفعت جراءها بين يديها، وإن خافت على أولادها غيّبتها، وإذا لحقت صعدت في الشجر وحملت معها جراءها.
قال: والفهد إذا عراه الدّاء الذي يقال له: «خانق الفهود» أكل العذرة فبرئ منه.
__________
[1] انظر القول في عقارب نصيبين في معجم البلدان 5/288 (نصيبين) .
[2] الهنديات: ضرب من الأفاعي.
[3] الشبثان: دويبة تكون في الرمل، سميت بذلك لتشبثها بما دبت عليه. حياة الحيوان 1/595.
[4] الرتيلى: جنس من العناكب، وتسمى عقرب الحيات، لأنها تقتل الحيات. حياة الحيوان 1/523.
[5] الطبوع: دويبة ذات سم، أو من جنس القردان؛ لعضته ألم شديد. (القاموس: طبع) .
[6] الضمج: دويبة منتنة تلسع. (القاموس: ضمج) .
(4/370)

قال: والسّباع تشتهي رائحة الفهود، والفهد يتغيّب عنها، وربّما فرّ بعضها منه فيطمع في نفسه، فإذا أراده السّبع وثب عليه الفهد فأكله.
قال: والتمساح يفتح فاه إذا غمّه ما قد تعلق بأسنانه، حتى يأتي طائر فيأكل ذلك، فيكون طعاما له وراحة للتّمساح.
قال: وأمّا السّلحفاة فإنّها إذا أكلت الأفعى أكلت صعترا جبليّا، وقد فعلت ذلك مرارا، فربما عادت فأكلت منها ثمّ أكلت من الصّعتر مرارا كثيرة، فإذا أكثرت من ذلك هلكت.
قال: وأمّا ابن عرس، فإنّه إذا قاتل الحيّة بدأ بأكل السّذاب، لأنّ رائحة السّذاب مخالفة للحيّة، كما أن سامّ أبرص لا يدخل بيتا فيه زعفران.
قال: والكلاب إذا كان في أجوافها دود أكلت سنبل القمح.
قال: ونظنّ أنّ ابن عرس يحتال للطير بحيلة الذئب للغنم؛ فإنه يذبحها كما يفعل الذئب بالشاة.
قال: وتتقاتل الحيّات المشتركة في الطّعم.
وزعم أنّ القنافذ لا يخفى عليها شيء من جهة الرّيح وتحوّلها وهبوبها، وأنّه كان بقسطنطينيّة رجل يقدّم ويعظّم؛ لأنه كان يعرف هبوب الرّيح ويخبرهم بذلك وإنما كان يعرف الحال فيها بما يرى من هيئة القنافذ.
1123-[القول في العيون]
والعيون الحمر للعرض المفارق، كعين الغضبان، وعين السّكران، وعين الكلب، وعين الرّمد.
والعيون الذهبيّة، عيون أصناف البزاة من بين العقاب إلى الزّرّق.
والعيون التي تسرج بالليل، عيون الأسد، وعيون النمور، وعيون السّنانير، وعيون الأفاعي.
قال أبو حيّة [1] : [من الطويل]
غضاب يثيرون الذّحول، عيونهم ... كجمر الغضا ذكّيته فتوقّدا
__________
[1] ديوان أبي حية 136 «الذحول: جمع ذحل، وهو الثأر» .
(4/371)

وقال آخر [1] : [من الكامل]
ومدجّج يسعى بشكّته ... محمرّة عيناه كالكلب
رجع بالكلب إلى صفة المدجّج.
وقال معاوية لصحار العبديّ: يا أحمر! قال: والذهب أحمر! قال يا أزرق! قال:
والبازي أرزق! وأنشدوا [2] : [من الطويل]
ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطير شكل عيونها
وقال آخر: [من الطويل]
وشكلة عين لو حبيت ببعضها ... لكنت مكان العين مرأى ومسمعا
ومن العيون المغرب [3] ، والأزرق، والأشكل، والأسجر [4] ، والأشهل [5] ، والأخيف [6] . وذلك إذا اختلفا.
وعين الفأرة كحلاء، وهي أبصر بالليل من الفرس والعقاب.
وفي حمرة العينين وضيائهما يقول محمّد بن ذؤيب العمانيّ، في صفة الأسد:
[من الرجز]
أجرأ من ذي لبدة همّاس ... غضنفر مضبّر رهّاس [7]
منّاع أخياس إلى أخياس ... كأنّما عيناه في مراس [8]
شعاع مقباس إلى مقباس
وقال المرّار: [من المنسرح]
كأنّما وقد عينيه النّمر
__________
[1] البيت للحارث بن الطفيل في الأغاني 13/224، وبلا نسبة في اللسان والتاج (دجج) ، والمقاييس 2/265، والمجمل 2/258، والعين 6/11، والمخصص 8/95، والتهذيب 10/467، والكامل 1211 (طبعة الدالي) .
[2] البيت بلا نسبة في اللسان (غير، شكل، شهل) ، والتاج (شكل) .
[3] المغرب: الأبيض. (اللسان: غرب) .
[4] الشكلة في العين: حمرة في بياض العين، ومثلها الأسجر.
[5] الأشهل: حمرة في سواد العين. (القاموس: شهل) .
[6] الأخيف: زرقة إحدى العينين، وسواد الأخرى. (القاموس: خيف) .
[7] الهماس: الشديد الغمز بضرسه. (القاموس: همس) . الرهاس: الذي يطأ الأرض بشدة.
(القاموس: رهس) .
[8] الأخياس: جمع خيس، وهو الأجمة يكون فيها الأسد. (القاموس: خيس) .
(4/372)

أصوات خشاش الأرض
نحو الضبّ، والورل، والحيّة، والقنفذ، وما أشبه ذلك.
يقال للضبّ والحيّة والورل: فحّ يفحّ فحيحا. وقال رؤبة [1] : [من الرجز]
فحّي فلا أفرق أن تفحّي ... وأن ترحّي كرحى المرحّي [2]
أصبح من نحنحة وأحّ ... يحكي سعال النّشر الأبحّ [3]
قال: الفحيح: صوت الحيّة من فيها. والكشيش والنشيش: صوت جلدها إذا حكّت بعضه ببعض. قال الرّاجز في صفة الشّخب والحب [4] : [من الرجز]
حلبت للأبرش وهو مغض ... حمراء منها شخبة بالمخض
ليست بذات وبر مبيضّ ... كأنّ صوت شخبها المرفضّ
كشيش أفعى أجمعت لعصّ
ويقال للضّبّ والورل: كش يكش كشيشا. وأنشد أبو الجرّاح [5] : [من الطويل]
ترى الضّبّ إن لم يرهب الضبّ غيره ... يكشّ له مستنكرا ويطاوله [6]
__________
[1] ديوان رؤبة 36- 37.
[2] الفرق: الخوف. (القاموس: فرق) .
[3] أن ترحي: أن تستديري. (القاموس: رحى) .
[4] الرجز لمعتمر بن قطبة في التاج (كشش) ، وبلا نسبة في اللسان وأساس البلاغة (كشش) والمخصص 8/115، والتهذيب 9/424، والخزانة 4/571 (بولاق) .
[5] البيت لابن ميادة في ديوانه 193، والمعاني الكبير 649.
[6] يطاوله: يبارزه ويغالبه.
(4/373)

باب من ضرب المثل للرّجل الداهية وللحيّ الممتنع بالحيّة
قال ذو الإصبع العدوانيّ [1] : [من الهزج]
عذير الحيّ من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض
بغى بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض
وفيهم كانت السّادا ... ت والموفون بالقرض
1124-[أمثال أشعار في الحية]
يقال: «فلان حيّة الوادي» [2] ، و: «ما هو إلّا صلّ أصلال» [3] . والصّلّ: الداهية والحيّة. قال النّابغة [4] : [من البسيط]
ماذا رزئنا به من حيّة ذكر ... نضناضة بالرّزايا، صلّ أصلال
وقال آخر: [من المنسرح]
صلّ صفا تنطف أنيابه ... سمام ذيفان مجيرات
وقال آخر [5] : [من المديد]
مطرق يرشح سمّا، كما ... أطرق أفعى ينفث السمّ صلّ
ومن أمثالهم: «صمّي صمام» [6] ، و: «صمّي ابنة الجبل» ، [6] وهي الحيّة.
__________
[1] ديوان ذي الإصبع العدواني 46، والأصمعيات 72، والحماسة البصرية 1/269، والمعمرون والوصايا 58، والخزانة 5/286.
[2] في جمهرة الأمثال 2/27، والدرة الفاخرة 1/293 (أظلم من حية الوادي) .
[3] جمهرة الأمثال 2/357، والمستقصى 1/422، وفصل المقال 140، وأمثال ابن سلام 99.
[4] ديوان النابغة الذبياني 165، واللسان والتاج (صلل) ، والمستقصى 1/422، وبلا نسبة في ثمار القلوب (624) ، وأساس البلاغة (صلل) .
[5] البيت من قصيدة تنسب للشنفرى، ولخلف الأحمر، ولتأبط شرا، انظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 833، والتبريزي 2/162.
[6] مجمع الأمثال 1/320، وجمهرة الأمثال 1/578، والدرة الفاخرة 2/499، والمستقصى 2/143، وفصل المقال 189، 474، 478، وأمثال ابن سلام 348.
(4/374)

قال الكميت [1] : [من الوافر]
إذا لقي السّفير لها ونادى ... بها: صمّي ابنة الجبل، السّفير
ومن أمثالهم: «جاء بأمّ الرّبيق على أريق» [2] ، أمّ الرّبيق: إحدى الحيات. وأريق:
أمّ الطّبق. ضربوا به مثلا في الدواهي. وأصلها من الحيّات قال [3] : [من البسيط]
إذا وجدت بواد حيّة ذكرا ... فاذهب ودعني أمارس حية الوادي
وفي المثل: «أدرك القويّمة لا تأكلها الهويّمة» [4] يعني الصبي الذي يدرج ويتناول كلّ شيء سنح له، ويهوي به إلى فيه. كأنه قال لأمّه: أدركيه لا تأكله الهامّة! وهي الحيّة. وهو قوله في التعويذ: «ومن كلّ شيطان وهامّة، ونفس وعين لامّة» .
وقال الأخطل، في جعلهم الرّجل الشّجاع وذا الرّأي الدّاهية حية- وكذلك يجعلون إذا أرادوا تعظيم شأنها. وإذا أرادوا ذلك فما أكثر ما يجعلون الحيّة ذكرا. قال الأخطل [5] : [من الطويل]
أنبئت كلبا تمنّى أن يسافهنا ... وطالما سافهونا ثمّ ما ظفروا
كلفتمونا رجالا قاطعي قرن ... مستلحقين كما يستلحق اليسر [6]
ليست عليهم إذا عدّت خصالهم ... خصل وليس لهم إيجاب ما قمروا
قد أنذروا حيّة في رأس هضبته ... وقد أتتهم به الأنباء والنذر
باتوا رقودا على الأمهاد ليلهم ... وليلهم ساهر فيها، وما شعروا
ثمّت قالوا أمات الماء حيّته ... وما يكاد ينام الحية الذّكر
1125-[حيّة الماء]
وما أكثر ما يذكرون حيّة الماء؛ لأنّ حيّات الماء فيها تفاوت. إمّا أن تكون لا تضرّ كبير ضرر، وإمّا أن تكون أقتل من الحيّات والأفاعي.
__________
[1] ديوان الكميت 1/167، واللسان (صمم) .
[2] مجمع الأمثال 1/169، وجمهرة الأمثال 1/47، والمستقصى 2/41، وأمثال ابن سلام 348، وفصل المقال 477.
[3] البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه 48، وله أو للحارث بن بدر في شرح شواهد الإيضاح 428، وبلا نسبة في ثمار القلوب 335 (623) ، والمخصص 16/101، والجمهرة 576.
[4] المستقصى 1/116، ومجمع الأمثال 1/264.
[5] ديوان الأخطل 515- 516؛ وشرح المفردات التالية منه.
[6] اليسر: صاحب القداح في القوم.
(4/375)

1126-[سبب وجود الحيات في بعض البيوت]
ويقال إنّ الهنديّات إنّما تصير في البيوت والدّور، والإصطبلات، والخرابات؛ لأنّها تحمل في القضب وفي أشباه ذلك.
والحيّات تأكل الجراد أكلا شديدا، فربّما فتح رأس كرزه وجرابه وجوالقه، الذي يأتي الجراد، وقد ضربه برد السّحر، وقد تراكم بعضه على بعض؛ لأنّها موصوفة بالصّرد.
والحيّات توصف بالصّرد، كذلك الحمير، والماعز من الغنم. ولذلك قال الشاعر [1] : [من الطويل]
بليت كما يبلى الوكاء ولا أرى ... جنابا ولا أكناف ذروة تخلق [2]
ألوّي حيازيمي بهنّ صبابة ... كما تتلوّى الحيّة المتشرّق
وإنما تشرّق إذا أدركها برد السّحر ولم تصر بعد إلى صلاحها، وإذا خرجت بالليل تكتسب الطعم كما يفعل ذلك سائر السّباع. فربما اجترف صاحب الكرز الجراد، فأدخله كرزه، وفيه الأفعى وأسود سالخ، حتى ينقل ذلك إلى الدّور، فرّبما لقى النّاس منها جهدا.
وقال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج [3] : [من الرجز]
يا عجبا والدّهر ذو عجائب ... من شاهد وقلبه كالغائب
وحاطب يحطب في بجاده ... في ظلمة الليل وفي سواده [4]
يحطب في بجاده الأيم الذكر ... والأسود السّالخ مكروه النّظر
1127-[شعر في حية الماء]
فممن ذكر حيّة الماء، عبد الله بن همّام السلوليّ فقال: [من البسيط]
كحيّة الماء لا تنحاش من أحد ... صلب المراس إذا ما حلّت النّطق
__________
[1] البيتان لصخر بن الجعدي الخضري في الأغاني 22/35، والبيت الأول في معجم البلدان 3/5 (ذروة) ، والثاني في العمدة 2/58.
[2] الوكاء: السقاء، ورباط القربة وغيرها. (القاموس: وكي) . الجناب: موضع بالقرب من خيبر والمدينة. معجم البلدان.
[3] الرجز في ثمار القلوب (910) .
[4] البجاد: الكساء. (القاموس: بجد) .
(4/376)

وقال الشّمّاخ بن ضرار [1] : [من البسيط]
خوص العيون تبارى في أزمّتها ... إذا تفصّدن من حرّ الصّياخيد [2]
وكلّهن تباري ثني مطّرد ... كحية الماء ولّى غير مطرود [3]
وقال الأخطل [4] : [من الطويل]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حيّة البحر
وقال أيضا [5] : [من الطويل]
هلمّ ابن صفّار فإنّ قتالنا ... جهارا وما منّا ملاوذة العذر
فإنّك في قيس لتال مذبذب ... وغيرك منهم ذو الثّناء وذو الفخر
ونحن منعنا ماء دجلة منكم ... ونمنع ما بين العراق إلى البشر
ألا يا ابن صفّار فلا ترم العلى ... ولا تذكرن حيّات قومك في الشّعر
فما تركت حيّاتنا لك حيّة ... تحرّك في أرض براح ولا بحر
وقال نفيع يعيّره بالكحيل [6] : [من الطويل]
فإن تك قتلاكم بدجلة غرّقت ... فما أشبهت قتلى حنين ولا بدر
ثووا إذ لقونا بالكحيل كما ثوى ... شمام إلى يوم القيامة والحشر [7]
بدجلة حالت حربنا دون قومنا ... وأوطاننا ما بين دجلة فالحضر
ولو كنتم حيّات بحر لكنتم ... غداة الكحيل إذ تقومون في الغمر
1128-[ما يشبّه بالأيم]
فالأيم الحيّة الذكر يشبهون به الزّمام، وربّما شبّهوا الجارية المجدولة الخميصة
__________
[1] ديوان الشماخ 114، والأول في أساس البلاغة (صخد) ، والثاني في المعاني الكبير 668.
[2] في ديوانه: «أخذت هذه الإبل الغائرات العيون تتسابق سائلة العرق من حر الهواجر» .
[3] في ديوانه: «يباري: يعارض. ثني مطرد: يعني زماما طويلا، وشبهه بحية الطود، وهو الجبل، لأنه في خشونة، فهو يتلوى إذا مشى، وجعله غير مطرود، لأنه أراد أنه لم يطرد فيستعجل، ويمر مرا مستقيما» .
[4] ديوان الأخطل 181، وبلا نسبة في عيون الأخبار 2/97، والبيان 1/270. وتقدم في 3/130.
[5] ديوان الأخطل 188.
[6] المؤتلف والمختلف 195.
[7] الكحيل: موضع بالجزيرة، كان فيه يوم للعرب. (معجم البلدان 4/439) ، شمام: اسم جبل لباهلة. (معجم البلدان 3/361) .
(4/377)

الخواصر، في مشيها، بالأيم؛ لأنّ الحيّة الذّكر ليس له غبب، وموضع بطنه مجدول غير متراخ. وقال ابن ميّادة [1] : [من الطويل]
قعدت على السّعلاة تنفض مسحها ... وتجذب مثل الأيم في بلد قفر [2]
تيمّم خير النّاس من آل حاضر ... وتحمل حاجات تضمّنها صدري [3]
1129-[شعر في حمرة العين]
وقال الآخر في حمرة عين الأفعى [4] : [من البسيط]
لولا الهراوة والكفّات أوردني ... حوض المنيّة قتّال لمن علقا [5]
أصمّ منهرت الشّدقين ملتبد ... لم يغذ إلّا المنايا من لدن خلقا [6]
كأنّ عينيه مسماران من ذهب ... جلاهما مدوس التّألاق فائتلقا [7]
وقال في حمرة عيون النّاس في الحرب وفي الغضب، ابن ميّادة [8] : [من الطويل]
وعند الفزاري العراقي عارض ... كأنّ عيون القوم في نبضة الجمر
وفي حمرة العين من جهة الخلقة، يقول أبو قردودة، في ابن عمار حين قتله النّعمان [9] : [من البسيط]
إنّي نهيت ابن عمّار وقلت له: ... لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إنّ الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدمت ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
__________
[1] ديوان ابن ميادة 152، ومنه شرح المفردات التالية.
[2] «السعلاة: اسم ناقة لابن ميادة. المسح: الكساء من الشعر. الأيم: الحية» .
[3] «الحاضر: الحي العظيم أو القوم» .
[4] الأبيات بلا نسبة في البيان 3/60.
[5] الكفات: جمع كفة، وهي إحدى آلات الصيد.
[6] منهرت: واسع. (القاموس: هرت) .
[7] المدوس: خشبة يشد عليها مسن، يدوس بها الصيقل السيف حتى يجلوه. (اللسان: دوس) .
[8] ديوان ابن ميادة 154.
[9] الأبيات في معجم الشعراء 59، ونوادر المخطوطات 2/222، والوحشيات 146، وقصائد جاهلية نادرة 167، والبيان 1/223، 349.
(4/378)

1130-[أسماء الحية]
وأكثر ما يذكرون من الحيات بأسمائها دون صفاتها: الأفعى، والأسود، والشجاع، والأرقم. قال عمر بن لجأ [1] : [من الرجز]
يلزق بالصّخر لزوق الأرقم
وقال آخر [2] : [من الطويل]
ورفّع أولى القوم وقع خرادل ... ووقع نبال مثل وقع الأساود
1131-[أولاد الأفاعي]
وفي بعض كتب الأنبياء، أنّ الله تبارك وتعالى قال لبني إسرائيل: «يا أولاد الأفاعي» .
1132-[مثل وشعر في الحية]
ويقال: «رماه الله بأفعى حارية» [3] وهي التي تحري، وكلما كبرت في السن صغرت في الجسم. وأنشد الأصمعيّ في شدّة اسوداد أسود سالخ: [من الرجز]
مهرّت الأشداق عود قد كمل ... كأنما قيّظ من ليط جعل
وقال جرير في صفة عروق بطن الشّبعان [4] : [من الطويل]
وأعور من نبهان أمّا نهاره ... فأعمى، وأمّا ليله فبصير
رفعت له مشبوبة يلتوي بها ... يكاد سناها في السماء يطير
فلما استوى جنباه لاعب ظلّه ... عريض أفاعي الحالبين ضرير
قال: ويقال: «أبصر من حيّة» [5] ، كما يقال: «أسمع من فرس» [6] ، و «أسمع من عقاب» [7] . وقال الراجز: [من الرجز]
أسمع من فرخ العقاب الأشجع
__________
[1] ديوان عمر بن لجأ 162.
[2] البيت لعروة بن مرة الهذلي في شرح أشعار الهذليين 663، واللسان والتاج (وكع) .
[3] مجمع الأمثال 1/390.
[4] ديوان جرير 877، والأول في معجم الشعراء 88، والثالث في أساس البلاغة (فعي) .
[5] المستقصى 2/20.
[6] الدرة الفاخرة 1/218، ومجمع الأمثال 2/349، وأمثال ابن سلام 360، وبرواية (أسمع من فرس بيهماء في غلس) في فصل المقال 492، والمستقصى 1/173، ومجمع الأمثال 1/349.
[7] المستقصى 1/173، وهو برواية (أسمع من فرخ العقاب) في مجمع الأمثال 1/355.
(4/379)

وقال آخر [1] : [من الطويل]
أسود شرى لاقت أسود خفيّة ... تساقوا على حرد دماء الأساود [2]
ضرب المثل بجنسين من الأسود، إذ كانا عنده الغاية في الشدّة والهول، فلم يقنع بذلك حتى ردّ ذلك كلّه إلى سموم الحيّات.
1133-[ما يشبّه بالأسود]
وفي هول منظر الأسود يقول الشاعر [3] : [من الكامل]
من دون سيبك لون ليل مظلم ... وحفيف نافجة وكلب موسد
والضّيف عندك مثل أسود سالخ ... لا بل أحبّهما إليك الأسود
ويصفون ذوائب الناس، فإذا بلغوا الغاية شبهوها بالأساود. قال جران العود [4] :
[من الطويل]
ألا لا تغرّنّ امرأ نوفليّة ... على الرّأس منها، والترائب وضّح [5]
ولا فاحم يسقى الدّهان كأنّه ... أساود يزهاها لعينك أبطح [6]
قال: والخرشاء: القشرة الغليظة بعد أن تنقب فيخرج ما فيها، وجماعه الخراشيّ، غير مهموز. قال: وخرشاء الحيّة: سلخها حين تسلخ. وقال: هذا أسود سالخ، وهذان أسودان سالخان، وأساود سالخة. وقال مرقّش [7] : [من السريع]
إن يغضبوا يغضب لذاكم كما ... ينسلّ عن خرشائه الأرقم
__________
[1] البيت للأشهب بن رميلة في ديوانه 232، والبيان 4/55، والحماسة البصرية 1/269، وأمالي القالي 1/8، والسمط 35، والخزانة 6/27، وشرح شواهد المغني 2/517، واللسان (حرد، خفا) ، ومعجم ما استعجم 2/506، والمقاصد النحوية 1/483، والمنصف 1/67، والأضداد 229، وصدر البيت في معجم البلدان 3/330 (شرى) .
[2] شرى: جبل بنجد أو تهامة موصوف بكثرة السباع. (معجم البلدان 3/30) . خفية: أجمة في سواد الكوفة، ينسب إليها الأسود. (معجم البلدان 2/380) .
[3] تقدم البيتان في الفقرة 268.
[4] ديوان جران العود 37، واللسان والتاج (نفل) ، والتهذيب 15/358، والخزانة 10/19، والخصائص 2/414.
[5] النوفلية: شيء يتخذه نساء الأعراب من صوف يكون في غلظ أقل من الساعد، ثم يحشى ويعطف، فتضعه المرأة على رأسها. انظر التهذيب 15/358.
[6] الأبطح: بطن واد فيه رمل وحجارة.
[7] المفضليات 240.
(4/380)

1134-[علة تعليق الحلي والخلاخيل على السليم]
وكانوا يرون أنّ تعليق الحلي، وخشخشة الخلاخيل على السّليم، ممّا لا يفيق ولا يبرأ إلّا به. وقال زيد الخيل [1] : [من الطويل]
أيم يكون النعل منه ضجيعة ... كما علّقت فوق السليم الخلاخل
وخبّرني خالد بن عقبة، من بني سلمة بن الأكوع، وهو من بني المسبع، أنّ رجلا من حزن، من بني عذرة، يسمّى أسباط، قال في تعليقهم الحلي على السّليم [2] : [من الطويل]
أرقت فلم تطعم لي العين مهجعا ... وبتّ كما بات السليم مقرّعا
كأني سليم ناله كلم حيّة ... ترى حوله حلي النّساء مرصّعا
وقال الذّبيانيّ [3] : [من الطويل]
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع [4]
يسهّد من ليل التّمام سليمها ... لحلي النّساء في يديه قعاقع [5]
1135-[استطراد فيه لغة وشعر]
قال: ويقال لسان طلق ذلق [6] . يقال للسليم إذا لدغ: قد طلّق، وذلك حين ترجع إليه نفسه. وهو قول النابغة [7] : [من الطويل]
تناذرها الرّاقون من سوء سمّها ... تطلّقه طورا وطورا تراجع
__________
[1] ديوان زيد الخيل 191، وأمالي الزجاجي 107.
[2] البيت الثاني في عيار الشعر 53.
[3] ديوان النابغة الذبياني 33، والخزانة 2/457، والسمط 489، وشرح شواهد المغني 2/902، والمقاصد النحوية 4/73، واللسان والتاج (طور، نذر، نقع) . والثاني في اللسان والتاج (سهد، قعع) ، والعين 1/64، والتهذيب 6/115، وبلا نسبة في المخصص 2/41.
[4] في ديوانه «ساورتني: واثبتني. ضئيلة: حية دقيقة قد أتت عليها سنون كثيرة، فقلّ لحمها؛ واشتدّ سمّها. الرقش: التي فيها نقط؛ سواد وبياض. ناقع: ثابت» .
[5] في ديوانه «ليل التمام: أطول ليالي الشتاء، والسليم: الملدوغ» .
[6] في الإتباع والمزاوجة 109 «طلق ذلق: من ذلقت الشيء: حددته» والطلق: الفصيح.
[7] ديوان النابغة 34، والخزانة 2/459، 4/46، 48، وشرح شواهد الإيضاح 126، 152، والمعاني الكبير 663، واللسان (عدد، طور، نذر، طلق، حين) ، والتاج (عدد، طور، نذر) ، والجمهرة 922، وأساس البلاغة (نذر، طلق) ، والتهذيب 1/89، 2/16، 5/255، 9/293، 14/421، 16/261، وبلا نسبة في المخصص 8/113، 9/65، والمقاييس 3/421.
(4/381)

وقال العبدي [1]- إن كان قاله-: [من الطويل]
تبيت الهموم الطّارقات يعدنني ... كما تعتري الأهوال رأس المطلّق
وأنشد [2] : [من الوافر]
تلاقي من تذكّر آل ليلى ... كما يلقى السّليم من العداد
والعداد: الوقت. يقال: إنّ تلك اللّسعة لتعادّه: إذا عاده الوجع في الوقت الذي لسع فيه.
1136-[الحمل المصليّ]
وذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم السّمّ الذي كان في الحمل المصليّ، الذي كانت اليهوديّة قدّمته إليه فنال منه، فقال: «إنّ تلك الأكلة لتعادّني» [3] .
1137-[نفع الحية]
وفي الحيّة قشرها، وهو أحسن من كلّ ورقة وثوب، وجناح، وطائر؛ وأعجب من ستر العنكبوت، وغرقئ البيض.
ويقال في مثل، إذا مدحوا الخفّ اللّطيف، والقدم اللّطيفة قالوا: كأنّه لسان حيّة.
وبالحيّة يتداوى من سمّ الحيّة. وللدغ الأفاعي يؤخذ التّرياق الذي لا يوجد إلّا بمتون الأفاعي. قال كثيّر [4] : [من الوافر]
وما زالت رقاك تسلّ ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي
وترقيني لك الحاوون حتّى ... أجابك حيّة تحت الحجاب
__________
[1] البيت للممزق العبدي في الأصمعيات 164، وبلا نسبة في اللسان (طلق) ، والتهذيب 16/261، وديوان الأدب 2/369، والجمهرة 922، والمقاييس 3/421.
[2] البيت بلا نسبة في اللسان (عدد) ، والتاج (عدد، أول) ، والعين 1/80، والجمهرة 332، والمخصص 5/88، والتهذيب 1/89.
[3] انظر السيرة 2/337- 338، والتنبيه والإشراف 257، وأسماء المغتالين في نوادر المخطوطات 2/147، وتاريخ الطبري 3/15، وثمار القلوب (874) ، والنهاية 3/189، والبخاري في المغازي، ومسند أحمد 6/18.
[4] ديوان كثير 280، والأغاني 21/383، والسمط 62، والأول في أساس البلاغة (رقي) ، والجمهرة 72، والمعاني الكبير 644، وبلا نسبة في اللسان والتاج (ضبب) .
(4/382)

1138-[قصة امرأة لدغتها حية]
جويبر بن إسماعيل، عن عمّه، قال: حججت فإنّا لفي وقعة مع قوم نزلوا منزلنا، ومعنا امرأة، فنامت فانتبهت وحيّة منطوية عليها، قد جمعت رأسها مع ذنبها بين ثدييها، فهالها ذلك وأزعجنا، فلم تزل منطوية عليها لا تضرّها بشيء، حتّى دخلنا أنصاب الحرم [1] ، فانسابت فدخلت مكّة، فقضينا نسكنا وانصرفنا، حتّى إذ كنّا بالمكان الذي انطوت عليها فيه الحيّة، وهو المنزل الذي نزلناه، نزلت فنامت واستيقظت، فإذا الحيّة منطوية عليها، ثمّ صفرت الحيّة فإذا الوادي يسيل حيّات عليها، فنهشتها حتّى نقت عظامها، فقلت لجارية كانت لها: ويحك: أخبرينا عن هذه المرأة. قالت: بغت ثلاث مرّات، كلّ مرّة تأتي بولد، فإذا وضعته سجرت التّنّور، ثمّ ألقته فيه.
1139-[قول امرأة في عليّ والزّبير وطلحة]
قال ونظرت امرأة إلى عليّ، والزّبير، وطلحة، رضي الله تعالى عنهم، وقد اختلفت أعناق دوابّهم حين التقوا، فقالت: من هذا الذي كأنه أرقم يتلمّظ؟ قيل لها: الزّبير. قالت: فمن هذا الذي كأنّه كسر ثمّ جبر؟ قيل لها: عليّ. قالت: فمن هذا الذي كأنّ وجهه دينار هرقليّ؟ قيل لها: طلحة.
1140-[استطراد لغوي]
وقال أبو زيد: نهشت أنهش نهشا. والنّهش: هو تناولك الشّيء بفيك، فتمضغه فتؤثّر فيه ولا تجرحه. وكذلك نهش الحيّة. وأمّا نهش السّبع فتناوله من الدّابّة بفيه، ثمّ يقطع ما أخذ منه فوه. ويقال نهشت اللحم أنهشه نهشا، وهو انتزاع اللّحم بالثّنايا؛ للأكل. ويقال نشطت العقد نشطا: إذا عقدته بأنشوطة. ونشطت الإبل تنشط نشطا: إذا ذهبت على هدى أو غير هدى، نزعا أو غير نزع. ونشطته الحيّة فهي تنشطه نشطا، وهو أن تعضّه عضّا. ونكزته الحيّة تنكزه نكزا، وهو طعنها الإنسان بأنفها. فالنّكز من كلّ دابّة سوى الحيّة العضّ. ويقال: نشطته شعوب نشطا وهي المنيّة.
قال: وتقول العرب. نشطته الشّعوب، فتدخل عليها التعريف.
__________
[1] أنصاب الحرم: حدوده. (القاموس: نصب) .
(4/383)

ويسمون النهيش سليما على الطيرة. قال ابن ميّادة: [1] [من الطويل]
كأنّي بها لما عرفت رسومها ... قتيل لدى أيدي الرّقاة سليم
وممّا يضربون به المثل بالحيّات في دواهي الأمر، كقول الأقيبل القينيّ [2] :
[من البسيط]
لقد علمت وخير القول أنفعه ... أنّ انطلاقي إلى الحجّاج تغرير
لئن ذهبت إلى الحجّاج يقتلني ... إنّي لأحمق من تحدى به العير
مستحقبا صحفا تدمى طوابعها ... وفي الصّحائف حيّات مناكير
وقال الأصمعيّ: يقال للحيّة الذّكر أيّم وأيم، مثقّل ومخفف، نحو ليّن ولين، وهيّن وهين. قال الشاعر [3] : [من البسيط]
هينون لينون أيسار ذوو يسر ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار
وأنشد في تخفيف الأيم وتشديده [4] : [من الكامل]
ولقد وردت الماء لم تشرب به ... زمن الرّبيع إلى شهور الصّيّف
إلّا عواسر كالمراط معيدة ... باللّيل مورد أيّم متغضّف
الصّيّف، يعني مطر الصّيف. والعواسر: يعني ذئابا رافعة أذنابها.
والمراط: السهام التي قد تمرّط ريشها. ومعيدة: يعني معاودة للورد. يقول هو مكان لخلائه يكون فيه الحيّات، وترده الذّئاب. ومتغضّف يريد بعضه على بعض، يريد تثني الحيّة.
وأنشد لابن هند: [من البسيط]
أودى بأمّ سليمى لاطئ لبد ... كحيّة منطو من بين أحجار
__________
[1] ديوان ابن ميادة 251.
[2] المؤتلف والمختلف 24، والبيت الثالث في اللسان والتاج (نكر) ، والتهذيب 10/192، وبلا نسبة في العين 5/355.
[3] تقدم تخريج البيت في (ج 2 ص 300) .
[4] البيتان لأبي كبير الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1085، واللسان (عود، عبس، مرط، صيف، غضف، أيم) ، والتاج (عبس، عود، مرط، غضف، أمل، عسل) ، والتهذيب 2/82، 3/130، 8/16، 15/551، وللهذلي في الجمهرة 248، وبلا نسبة في اللسان والتاج (عسر) ، والمقاييس 1/166.
(4/384)

وقال محمد بن سعيد: [من البسيط]
قريحة لم تدنّيها السّياط ولم ... تورد عراكا ولم تعصر على كدر
كمنطوى الحيّة النّضناض مكمنها ... في الصّدر ما لم يهيّجها على زور
الليث للّيث منسوب أظافره ... والحيّة الصّلّ نجل الحيّة الذّكر
وقال ذو الرّمّة [1] : [من الطويل]
وأحوى كأيم الضّال أطرق بعدما ... حبا تحت فينان من الظّلّ وارف
قال: ويقال انبسّت الحيّات: إذا تفرّقت وكثرت. وذلك عند إقبال الصّيف. قال أبو النّجم [2] : [من الرجز]
وانبس حيّات الكثيب الأهيل
وقال الطّرمّاح [3] : [من الكامل]
وتجرّد الأسروع واطّرد السّفا ... وجرت بجاليها الحداب القردد
وانساب حيّات الكثيب وأقبلت ... ورق الفراش لما يشبّ الموقد
قال: ويقال جبأ عليه الأسود من حجره: إذا فاجأه. وهو يجبأ جبأ وجبوا.
وقال رجل من بني شيبان [4] : [من الطويل]
وما أنا من ريب المنون بجبّإ ... وما أنا من سيب الإله بيائس [5]
1141-[شرع الحيّة في اللبن]
قال: ويقال: اللّبن محتضر فغطّ إناءك. كأنّهم يرون أنّ الجنّ تشرع فيه، على
__________
[1] ديوان ذي الرمة 1636، والمخصص 10/195، وبلا نسبة في اللسان (ورف، فين، حبا) ، والتاج (ورف) ، والتهذيب 15/239.
[2] ديوان أبي النجم 188، والطرائف الأدبية 62، والجمهرة 69، والمقاييس 1/181، والمجمل 1/229، واللسان (عدل) ، والتاج (عدل، هيل) ، وبلا نسبة في المخصص 7/7، واللسان (بسس) ، والتهذيب 12/316.
[3] ديوان الطرماح 134 (111) .
[4] البيت لمفروق بن عمرو الشيباني في اللسان والتاج (جبأ) ، وكتاب الجيم 1/117، والتنبيه والإيضاح 1/8، وبلا نسبة في العين 6/191، والمخصص 3/26، 15/148، والمقاييس 1/504، والمجمل 1/481، وديوان الأدب 4/174، واللسان والتاج (سيب) ، والتهذيب 11/215، 216، 13/99.
[5] الجبأ: الهيوب الجبان.
(4/385)

تصديق الحديث في قول المفقود لعمر، حين سأله وقد استهوته الجانّ: ما كان طعامهم؟ قال الرّمّة. يريد العظم البالي. قال: فما شرابهم؟ قال: الجدف. قال: وهو كلّ شراب لا يخمّر.
وتقول الأعراب: ليس ذلك إلّا في اللّبن. وأمّا النّاس فيذهبون إلى أنّ الحيّات تشرع في اللّبن، وكذلك سامّ أبرص، كذلك الحيّات تشرع في كثير من المرق.
1142-[حديث في المعصفر]
وجاء في الحديث: «لا تبيتوا في المعصفر؛ فإنها محتضرة» أي يحضرها الجنّ والعمّار.
1143-[شعر فيه مجون]
وقال الشاعر فيما يمجنون به، من ذكر الأفعى [1] : [من الوافر]
رماك الله من أير بأفعى ... ولا عافاك من جهد البلاء
أجبنا في الكريهة حين تلقى ... ونعظا ما تفتّر في الخلاء!!
فلولا الله ما أمسى رفيقي ... ولولا البول عوجل بالخصاء
وقال أبو النّجم [2] : [من الكامل]
نظرت فأعجبها الذي في درعها ... من حسنها ونظرت في سرباليا
فرأت لها كفلا ينوء بخصرها ... وعثا روادفه وأخثم ناتيا [3]
ورأيت منتشر العجان مقبّضا ... رخوا حمائله وجلدا باليا
أدني له الرّكب الحليق كأنّما ... أدني إليه عقاربا وأفاعيا [4]
وقال آخر [5] : [من الطويل]
مريضة أثناء التّهادي كأنّما ... تخاف على أحشائها أن تقطّعا
تسيب انسياب الأيم أخصره النّدى ... يرفّع من أطرافه ما ترفّعا
__________
[1] الأبيات في المحاسن والمساوئ 75.
[2] ديوان أبي النجم 235- 236، والأغاني 10/158، وطبقات الشعراء 747.
[3] الوعث: المكان السهل الدهس؛ تغيب فيه الأقدام. الأخثم: المرتفع الغليظ. ناتيا: ناتئا، بارزا.
[4] الركب: الفرج.
[5] البيتان لمسلم بن الوليد «صريع الغواني» في الحماسة البصرية 2/220- 221، وفيه المزيد من المصادر، ولم يرد البيتان في ديوانه.
(4/386)

1144-[شعر في العقربان]
وقال إياس بن الأرتّ [1] : [من السريع]
كأنّ مرعى أمّكم سوءة ... عقربة يكومها عقربان
إكليلها زول وفي شولها ... وخز حديد مثل وخز السنان
كلّ امرئ قد يتّقى مقبلا ... وأمّكم قد تتّقى بالعجان
وقال آخر [2] لمضيفه: [من الوافر]
تبيت تدهده القذّان حولي ... كأنّك عند رأسي عقربان [3]
فلو أطعمتني حملا سمينا ... شكرتك؛ والطّعام له مكان
1145-[شعر في الأفاعي]
وقال النّابغة [4] : [من المتقارب]
فلو يستطيعون دبّت لنا ... مذاكي الأفاعي وأطفالها [5]
وقال رجل من قريش: [من البسيط]
ما زال أمر ولاة السّوء منتشرا ... حتّى أظلّ عليهم حيّة ذكر
ذو مرّة تفرق الحيّات صولته ... عفّ الشّمائل قد شدّت له المرر
لم يأتهم خبر عنه يلين له ... حتّى أتاهم به عن نفسه الخبر
وقال بشار [6] : [من الطويل]
تزلّ القوافي عن لساني كأنّها ... حمات الأفاعي ريقهنّ قضاء
وقال: [من الطويل]
فكم من أخ قد كان يأمل نفعكم ... شجاع له ناب حديد ومخلب
أخ لو شكرتم فعله لو عضضتم ... رؤوس الأفاعي عضّ لا يتهيّب
__________
[1] تقدمت الأبيات في الفقرة [462] .
[2] البيتان لهيزدان بن اللعين المنقري في ذيل الأمالي 17، والأول له في معجم الشعراء 469 مع بيت آخر، وهما بلا نسبة في عيون الأخبار 3/230.
[3] تدهده: تدحرج. القذان: جمع قذة، وهي البراغيث.
[4] لم يرد البيت في ديوان النابغة الذبياني.
[5] المذاكي: جمع المذكّي، وهو المسن من كل شيء.
[6] ديوان بشار بن برد 1/129، والمختار من شعر بشار 90.
(4/387)

وقال الحارث دعيّ الوليد، في ذكر الأسود بالسمّ من بين الحيّات: [من الطويل]
فإن أنت أقررت الغداة بنسبتي ... عرفت وإلّا كنت فقعا بقردد [1]
ويشمت أعداء ويجذل كاشح ... عمرت لهم سمّا على رأس أسود
وقال آخر: [من البسيط]
ومعشر منقع لي في صدورهم ... سمّ الأساود يغلي في المواعيد
وسمتهم بالقوافي فوق أعينهم ... وسم المعيديّ أعناق المقاحيد [2]
وقال أبو الأسود [3] : [من المنسرح]
ليتك آذنتني بواحدة ... جعلتها منك آخر الأبد
تحلف ألّا تبرّني أبدا ... فإنّ فيها بردا على كبدي
إن كان رزقي إليك فارم به ... في ناظري حيّة على رصد
وقال أبو السّفّاح يرثي أخاه يحيى بن عميرة ويسمّيه بالشجاع: [من السريع]
يعدو فلا تكذب شدّاته ... كما عدا اللّيث بوادي السّباع [4]
يجمع عزما وأناة معا ... ثمّت ينباع انبياع الشجاع [5]
وقال المتلمّس [6] : [من الطويل]
فأطرق إطراق الشجاع، ولو يرى ... مساغا لنابيه الشّجاع لصمّما
وقال معمر بن لقيط أو ابن ذي القروح: [من الطويل]
شموس يظلّ القوم معتصما به ... وإن كان ذا حزم من القوم عاديا
__________
[1] الفقع: كمأة رخوة، ويقال في الأمثال «أذل من فقع بقرقرة» ويضرب المثل للذليل، وذاك أن الفقع يوطأ بالأرجل، ولا يمتنع على من جناه، والمثل في مجمع الأمثال 1/284، والدرة الفاخرة 1/304، وجمهرة الأمثال 1/469، والمستقصى 1/134. وأمثال ابن سلام 367.
[2] المقاحيد: جمع مقحاد، وهو ما عظم سنامه من الإبل. (القاموس: قحد) .
[3] الأبيات لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه 239، وعيون الأخبار 3/189، والأبيات لأبي زبيد في ديوانه 605، والعقد الفريد 5/298.
[4] البيتان للسفاح بن بكير اليربوعي في شرح اختيارات المفضل 1363، والثاني في التاج (بوع) ، وهو بلا نسبة في اللسان (بوع، نبع، ثمم) ، والتهذيب 15/71، والمقاييس 1/319.
[5] ينباع: يثب ويسطو.
[6] ديوان المتلمس 34، والأصمعيات 246، والخزانة 7/487، والمؤتلف والمختلف 71، وبلا نسبة في الجمهرة 757، وشرح المفصل 3/128.
(4/388)

أبيت كما بات الشجاع إلى الذّرى ... وأغدو على همّي وإن بتّ طاويا
وإنّي أهضّ الضّيم منّي بصارم ... رهيف وشيخ ماجد قد بنى ليا
وهكذا صفة الأفعى؛ لأنها أبدا نابتة مستوية، فإن أنكرت شيئا فنشطتها كالبرق الخاطف.
ووصف آخر أفعى، فقال [1] : [من الرجز]
وقد أراني بطويّ الحسّ ... وذات قرنين طحون الضّرس
نضناضة مثل انثناء المرس ... تدير عينا كشهاب القبس
لمّا التقينا بمضيق شكس ... حتى قنصت قرنها بخمس [2]
وهم يتهاجون بأكل الأفاعي والحيّات. قال الشاعر: [من الطويل]
فإياكم والرّيف لا تقربنّه ... فإن لديه الموت والحتم قاضيا
هم طردوكم عن بلاد أبيكم ... وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا
وقال عمر بن أبي ربيعة [3] : [من الطويل]
ولمّا فقدت الصّوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبّت بالعشاء وأنؤر
وغاب قمير كنت أرجو مغيبه ... وروّح رعيان وهوّم سمّر
ونفّضت عنّي اللّيل أقبلت مشية ال ... حباب، وركني خيفة القوم أزور
1146-[ضرب المثل بسمّ الأساود]
وضرب كلثوم بن عمرو، المثل بسمّ الأساود، فقال [4] : [من الطويل]
تلوم على ترك الغنى باهليّة ... طوى الدّهر عنها كلّ طرف وتالد
رأت حولها النّسوان يرفلن في الكسا ... مقلّدة أجيادها بالقلائد [5]
يسرّك أنّي نلت ما نال جعفر ... من الملك، أو ما نال يحيى بن خالد
__________
[1] ورد البيت الثاني مع بيتين آخرين في اللسان والتاج (نهس) .
[2] الشكس: الضيق. (اللسان: شكس) .
[3] ديوان عمر بن أبي ربيعة 96، والخزانة 5/318، وشرح المفصل 10/11، وشرح شواهد الإيضاح 512.
[4] ديوان كلثوم بن عمرو العتابي 65، والبيان 3/353، وعيون الأخبار 1/231، ومحاضرات الراغب 1/92، والحماسة الشجرية 140، ونهاية الأرب 6/151، وغرر الخصائص 408.
[5] يرفلن: يتبخترن. الكسا: جمع كسوة.
(4/389)

وأنّ أمير المؤمنين أعضّني ... معضّهما بالمرهفات البوارد! [1]
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّة ... ولم أتقحّم هول تلك الموارد
فإن كريمات المعالي مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
1147-[القول في الحيّات]
وفي التشنيع لحيّات الجبل، يقول اللّعين المنقريّ [2] ، لرؤبة بن العجّاج: [من البسيط]
إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني ... يا رؤب، والحيّة الصّماء في الجبل
أبا الأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز جلب اللؤم والكسل
الأصمعيّ، قال: حدّثني ابن أبي طرفة. قال [3] مرّ قوم حجّاج من أهل اليمن مع المساء، برجل من هذيل، يقال له أبو خراش، فسألوه القرى، فقال لهم: هذه قدر، وهذه مسقاة، وبذلك الشّعب ماء! فقالوا: ما وفّيتنا حقّ قرانا! فأخذ القربة فتقلّدها يسقيهم، فنهشته حيّة.
قال أبو إسحاق: بلغني وأنا حدث، أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن اختناث فم القربة، والشرب منه» [4] . قال: فكنت أقول إنّ لهذا الحديث لشأنا، وما في الشرب من فم قربة حتّى يجيء فيها هذا النهي؟! حتّى قيل: إنّ رجلا شرب من فم قربة، فوكعته حيّة فمات، وإنّ الحيّات تدخل في أفواه القرب، فعلمت أنّ كلّ شيء لا أعرف تأويله من الحديث، أنّ له مذهبا وإن جهلته.
وقال الشاعر في سلخ الحيّة: [من الرجز]
حتّى إذا تابع بين سلخين ... وعاد كالميسم أحماه القين [5]
أقبل وهو واثق بثنتين: ... بسمّه الرّأس ونهش الرّجلين
قال: كأنه ذهب إلى أنّ سمّه لا يكون قاتلا مجهزا حتّى تأتي عليه سنتان.
__________
[1] المرهفات: السيوف المرققات. البوارد: التي تثبت في الضريبة ولا تنثني.
[2] البيتان للّعين المنقري في الوحشيات 63، والتاج (رجز) ، وللمكعبر الضبي في حماسة البحتري 13.
[3] الخبر في الأغاني 21/227، والإصابة 2341.
[4] مسند أحمد 3/6، وسنن أبي داود في الأشربة 3/330، ومسلم صفحة 1600، والنهاية 2/82.
[5] الميسم: أداة الوسم. (القاموس: وسم) . القين: الحداد. (القاموس: قين) .
(4/390)

وزعم بعضهم أنّ السّلخ للحيّة مثل البزول والقروح للخف والحافر. قال: وليس ينسلخ إلّا بعد سنين كثيرة، ولم يقفوا من السّنين على حدّ.
وزعم بعضهم أنّ الحيّة تسلخ في كلّ عام مرّتين، والسلخ في الحيات كالتّحسير من الطير، وأنّ الطير لا تجتمع قويّة إلّا بعد التحسير وتمام نبات الرّيش.
وكذلك الحيّة، تضعف في أيام السّلخ ثمّ تشتدّ بعد.
قال الأصمعيّ: أخبرني أبو رفاعة، شيخ من أهل البادية، قال: رأيت في المنام كأني أتخطّى حيّات. فمطرت السماء، فجعلت أتخطى سيولا.
وحكى الأصمعيّ أنّ رجلا رأى في المنام في بيوته حيّات، فسأل عن ذلك ابن سيرين أو غيره، فقال: هذا رجل يدخل منزله أعداء المسلمين. وكانت الخوارج تجتمع في بيته.
قال العرجيّ [1] ، في دبيب السمّ في المنهوش: [من الطويل]
وأشرب جلدي حبّها ومشى به ... كمشي حميّا الكأس في جلد شارب
يدبّ هواها في عظامي وحبها، ... كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب
وقال العرجيّ في العرماء من الأفاعي، وكونها في صدوع الصّخر، فقال [2] : [من الطويل]
تأتي بليل ذو سعاة فسلّها ... بها حافظ هاد ولم أرق سلما
كمثل شهاب النّار في كفّ قابس ... إذا الرّيح هبت من مكان تضرّما
أبرّ على الحوّاء حتى تناذروا ... حماه محاماة من الناس، فاحتمى
يظلّ مشيحا سامعا، ثمّ إنها ... إذا بعثت لم تأل إلّا تقدّما
قال: ويقال: تطوّت الحيّة. وأنشد العرجيّ [3] : [من الخفيف]
ذكرتني إذ حيّة قد تطوّت ... فرقا عند عرسه في الثياب [4]
__________
[1] ديوان العرجي 146، والبصائر والذخائر 2/447، وهما للعرجي أو عامر بن مالك الفزاري في الحماسة البصرية 2/229، وبلا نسبة في حماسة القرشي 260.
[2] ديوان العرجي 37.
[3] ديوان العرجي 115، ورواية صدره فيه: (وركوب إذا الجبان تطوّى) .
[4] تطوت: انقبضت والتفت، فرقا: خوفا.
(4/391)

وقال الشّماخ، أو البعيث [1] : [من الطويل]
وأطرق إطراق الشجاع وقد جرى ... على حدّ نابيه الذّعاف المسمّم
1148-[ما ينبح من الحيوان]
والأجناس التي تذكر بالنّباح: الكلب، والحيّة [2] ، والظّبي إذا أسنّ، والهدهد.
وقد كتبنا ذلك مرة ثمّ.
قال أبو النّجم [3] : [من الرجز]
والأسد قد تسمع من زئيرها ... وباتت الأفعى على محفورها
تأسيرها يحتكّ في تأسيرها ... مرّ الرّحى تجري على شعيرها [4]
كرعدة الجراء أو هديرها ... تضرّم القصباء في تنّورها
توقّر النّفس على توقيرها ... تعلّم الأشياء في تنقيرها
في عاجل النفس وفي تأخيرها
1149-[أقسام الحيوان من حيث تحركه]
وسنذكر مسألة وجوابها. وذلك أنّ ناسا زعموا أنّ جميع الحيوان على أربعة أقسام. شيء يطير، وشيء يمشي، وشيء يعوم، وشيء ينساح.
وقد قال الله عزّ وجلّ: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ
[5] .
وقد وضع الكلام على قسمة أجناس الحيوان، وعلى تصنيف ضروب الخلق، ثمّ قصّر عن الشيء الذي وضع عليه كلامه، فلم يذكر ما يطير وما يعوم، ثمّ جعل ما ينساح، مثل الحيّات والدّيدان، ممّا يمشي؛ والمشي لا يكون إلّا برجل، كما أنّ العضّ لا يكون إلا بفم، والرّمح لا يكون إلّا بحافر؛ وذكر ما يمشي على أربع، وهاهنا
__________
[1] ملحق ديوان الشماخ 461.
[2] في المخصص 8/115 (الأفاعي تكش خلا الأسود، فإنه يصفر وينبح ويضبح) .
[3] ديوان أبي النجم 113- 114.
[4] التأسير: السير يؤسر به السرج، وجعله هنا لجلد الحية.
[5] 45/النور: 24.
(4/392)

دوابّ كثيرة تمشي على ثمان قوائم، وعلى ستّ، وعلى أكثر من ثمان. ومن تفقّد قوائم السّرطان وبنات وردان، وأصناف العناكب- عرف ذلك.
قلنا: قد أخطأتم في جميع هذا التّأويل وحدّه. فما الدّليل على أنّه وضع كلامه في استقصاء أصناف القوائم؟ وبأيّ حجة جزمتم على ذلك؟ وقد قال الله عزّ وجلّ:
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ*
[1] وترك ذكر الشّياطين والنّار لهم آكل، وعذابهم بها أشدّ. فترك ذكرهم من غير نسيان، وعلى أنّ ذلك معلوم عند المخاطب. وقد قال الله عزّ وجلّ: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً
[2] أخرج من هذا العموم عيسى ابن مريم، وقد قصد في مخرج هذا الكلام إلى جميع ولد آدم. وقال:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
[3] أدخل فيها آدم وحوّاء. ثمّ قال على صلة الكلام: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ
[4] أخرج منها آدم وحوّاء وعيسى ابن مريم.
وحسن ذلك إذ كان الكلام لم يوضع على جميع ما تعرفه النّفوس من جهة استقصاء اللّفظ. فقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
[5] كان على هذا المثال الذي ذكرنا. وعلى أنّ كلّ شيء يمشي على أربع فهو مما يمشي على رجلين، والذي يمشي على ثمان هو مما يمشي على أربع، وعلى رجلين وإذا قلت: لي على فلان عشرة آلاف درهم، فقد خبّرت أنّ لك عليه ما بين درهم إلى عشرة آلاف.
وأمّا قولكم: إنّ المشي لا يكون إلّا بالأرجل، فينبغي أيضا أن تقولوا فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
[6] : إنّ ذلك خطأ؛ لأنّ السّعي لا يكون إلّا بالأرجل.
وفي هذا الذي جهلتموه ضروب من الجواب:
- أمّا وجه منه: فهو قول القائل وقول الشّاعر: «ما هو إلّا كأنه حيّة» و: «كأنّ مشيته مشية حيّة» يصفون ذلك، ويذكرون عنده مشية الأيم والحباب، وذكور
__________
[1] 24/البقرة: 2.
[2] 11/فاطر: 35.
[3] 1/الإنسان: 76.
[4] 2/الإنسان: 76.
[5] 45/النور: 24.
[6] 20/طه: 20.
(4/393)

الحيّات. ومن جعل للحيّات مشيا من الشعراء، أكثر من أن نقف عليهم. ولو كانوا لا يسمّون انسيابها وانسياحها مشيا وسعيا، لكان ذلك مما يجوز على التشبيه والبدل، وأن قام الشيء مقام الشيء أو مقام صاحبه؛ فمن عادة العرب أن تشبّه به في حالات كثيرة. وقال الله تعالى: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
[1] والعذاب لا يكون نزلا، ولكنّه أجراه مجرى كلامهم، كقول حاتم حين أمروه بفصد بعير، وطعنه في سنامه، وقال:
«هذا فصده!» [2] .
وقال الآخر [3] : [من الرجز]
فقلت يا عمرو اطعمنّي تمرا ... فكان تمري كهرة وزبرا [4]
وذمّ بعضهم الفأر، وذكر سوء أثرها في بيته، فقال [5] : [من الرجز]
يا عجّل الرّحمن بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
يقول: هذا هو عمارتها. كما يقول الرّجل، «ما نرى من خيرك ورفدك إلّا ما يبلغنا من حطبك علينا، وفتّك في أعضادنا!» [6] .
وقال النّابغة في شبيه بهذا، وليس به [7] : [من الطويل]
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
- ووجه آخر: أنّ الأعراب تزعم- وكذلك قال ناس من الحوّائين والرّقائين- إنّ للحيّة حزوزا في بطنه، فإذا مشى قامت حزوزه، وإذا ترك المشي تراجعت إلى مكانها، وعادت تلك المواضع ملسا. ولم توجد بعين ولا لمس، ولا يبلغها إلّا كلّ حوّاء دقيق الحسّ.
وليس ذلك بأعجب من شقشقة الجمل العربيّ؛ فإنّه يظهرها كالدّلو، فإذا هو أعادها إلى لهاته تراجع ذلك الجلد إلى موضعه، فلا يقدر أحد عليه بلمس ولا عين.
__________
[1] 56/الواقعة: 56.
[2] في مجمع الأمثال 2/394 (هكذا فصدي) والفصد: شق العرق لاستخراج دمه.
[3] الرجز بلا نسبة في المخصص 2/134، والبيان 1/153، والأضداد 178.
[4] الكهرة: الانتهار. الزبر: الزجر.
[5] الرجز بلا نسبة في ديوان المعاني 2/151، والبيان 1/152، وربيع الأبرار 5/470.
[6] البيان 1/152- 153.
[7] ديوان النابغة الذبياني 44، والخزانة 3/327، 331، 334، وشرح شواهد المغني 349، ومعاهد التنصيص 3/107، واللسان (قرع، فلل) .
(4/394)

وكذلك عروق الكلى إلى المثانة التي يجري فيها الحصى المتولّد في الكلية إذا قذفته تلك العروق إلى المثانة، فإذا بال الإنسان انضمّت العروق واتّصلت بأماكنها، والتحمت حتى كان موضعها كسائر ما جاوز تلك الأماكن.
- ووجه آخر: وهو أنّ هذا الكلام عربيّ فصيح؛ إذ كان الذي جاء به عربيّا فصيحا، ولو لم يكن قرآنا من عند الله تبارك وتعالى، ثمّ كان كلام الذي جاء به، وكان ممّن يجهل اللّحن ولا يعرف مواضع الأسماء في لغته، لكان هذا- خاصّة- ممّا لا يجهله.
فلو أنّنا لم نجعل لمحمّد صلى الله عليه وسلم، فضيلة في نبوّة، ولا مزيّة في البيان والفصاحة، لكنّا لا نجد بدّا من أن نعلم أنّه كواحد من الفصحاء. فهل يجوز عندكم أن يخطئ أحد منهم في مثل هذا في حديث، أو وصف أو خطبة، أو رسالة، فيزعم أن كذا وكذا يمشي أو يسعى أو يطير، وذلك الذي قال ليس من لغته ولا من لغة أهله؟! فمعلوم عند هذا الجواب، وعند ما قبله، أنّ تأويلكم هذا خطأ.
وقال الله عزّ وجلّ: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
[1] وأصحاب الجنّة لا يوصفون بالشّغل، وإنما ذلك جواب لقول القائل: خبّرني عن أهل الجنّة، بأيّ شيء يتشاغلون؟ أم لهم فراغ أبدا؟ فيقول المجيب: لا، ما شغلهم إلّا في افتضاض الأبكار، وأكل فواكه الجنّة، وزيارة الإخوان على نجائب الياقوت! وهذا على مثال جواب عامر بن عبد قيس، حين قيل له وقد أقبل من جهة الحلبة، وهو بالشام: من سبق؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم! قيل: فمن صلّى؟ قال: أبو بكر! قال: إنّما أسألك عن الخيل! قال: وأنا أجيبك عن الخير! [2] وهو كقول المفسّر حين سئل عن قوله: لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[3] فقال: ليس فيها بكرة وعشيّ. وقد صدق القرآن، وصدق المفسّر، ولم يتناكرا، ولم يتنافيا؛ لأنّ القرآن ذهب إلى المقادير، والمفسّر ذهب إلى الموجود، من دوران ذلك مع غروب الشّمس وطلوعها.
__________
[1] 55/يس: 36.
[2] البيان 2/282.
[3] 62/مريم: 19.
(4/395)

وعلى ذلك المعنى روي عن عمر أنّه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما» [1] .
قد كان المسلمون يتكلمون في الصّلاة ويطبّقون [2] إذا ركعوا، فنهى عن ذلك إمام من الأئمّة، وضرب عليه، بعد أن أظهر النّسخ، وعرّفهم أن ذلك من المنسوخ، فكأنّ قائلا قال: أتنهانا عن شيء، وقد كان على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: نعم. وقد قدّم الاحتجاج في النّاسخ والمنسوخ.
ومن العجب أنّ ناسا جعلوا هذا القول على المنبر من عيوبه. فإن لم يكن المعنى فيه على ما وصفنا، فما في الأرض أجهل من عمر حين يظهر الكفر في الإسلام على منبر الجماعة، وهو إنّما علاه بالإسلام. ثمّ في شيء ليس له حجّة فيه ولا علة. وأعجب منه تلك الأمّة، وتلك الجماعة التي لم تنكر تلك الكلمة في حياته، ولا بعد موته؛ ثمّ ترك ذلك جميع التّابعين وأتباع التّابعين، حتّى أفضى الأمر إلى أهل دهرنا هذا.
وتلك الجماعة هم الذين قتلوا عثمان على أن سيّر رجلا، وهذا لا يقوله إلّا جاهل أو معاند.
وعلى تأويل قوله: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
[3] قال: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ
[4] وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ
[5] فجعل للنّار خزائن، وجعل لها خزنة، كما جعل في الجنّة خزائن وجعل لها خزنة.
__________
[1] البيان 2/282، المتعتان هما متعة النساء ومتعة الحج، والأول يسمى نكاح المتعة، وقد نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، أما متعة الحج: فهي محرمة على مكان مكة في الحديث «ليس لأهل مكة تمتع ولا قران» ، وانظر القول في هاتين المتعتين في النهاية 4/292، وهاتان المتعتان حرمتا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى قول عمر بن الخطاب: «أنا أنهي عنهما كما نهى عنهما الرسول» وليس المراد أن الرسول أحلهما، وعمر حرمهما.
[2] في النهاية 3/114، «كان يطبق في صلاته: هو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد» وانظر البيان 2/282.
[3] 20/طه: 20.
[4] 56/ص: 38.
[5] 71/الزمر: 39.
(4/396)

ولو أنّ جهنّم فتحت أبوابها، ونحّي عنها الخزنة، ثمّ قيل لكلّ لصّ في الأرض، ولكلّ خائن في الأرض: دونك؛ فقد أبيحت لك! لما دنا منها، وقد جعل لها خزائن وخزنة. وإنّما هذا على مثال ما ذكرنا. وهذا كثير في كلام العرب.
والآي التي ذكرنا في صدق هذا الجواب، كلها حجج على الخوارج في إنكارهم المنزلة بين المنزلتين.
1150-[شعر في الحيات]
وقال خلف الأحمر في ذكر الحيّات: [من الوافر]
يرون الموت دوني إن رأوني ... وصلّ صفا لنابيه ذباب [1]
من المتحرّمات بكهف طود ... حرام ما يرام له جناب [2]
أبى الحاوون أن يطؤوا حماه ... ولا تسري بعقوته الذّئاب [3]
كأنّ دما أمير على قراه ... وقطرانا أمير به كباب [4]
إذا ما استجرس الأصوات أبدى ... لسانا دونه الموت الضباب
إذا ما الليل ألبسه دحاه ... سرى أصمى تصيح له الشّعاب [5]
فقلت لحيّان بن عتبي: لم قال موسى بن جابر الحنفيّ: [من الرمل]
طرد الأروى فما تقربه ... ونفى الحيّات عن بيض الحجله
قال: لأنّ الذّئاب تأكل الحيّات. قلت: فلم قال خلف الأحمر:
ولا تسري بعقوته الذئاب؟
قال: لأنّ الذّئاب تأكل الحيّات. فظننت أنّه حدس ولم يقل بعلم.
وقال الزّياديّ في يحيى بن أبي حفصة [6] : [من البسيط]
إني ويحيى وما يبغي كملتمس ... صيدا وما نال منه الرّيّ والشّبعا
__________
[1] ذباب الناب: طرفه الحاد. (القاموس: ذبب) .
[2] طود حرام: جبل لا يستطاع القرب منه.
[3] العقوة: الساحة. (القاموس: عقو) .
[4] أمار الدم: أساله. (القاموس: أمر) . القرا: الظهر. (القاموس: قرا) . الكباب: التراب. (القاموس:
كبب) .
[5] الأصمى: الشديد الوثاب.
[6] تقدمت الأبيات في الفقرة (1091) .
(4/397)

أهوى إلى باب جحر في مقدّمه ... مثل العسيب ترى في رأسه قزعا
اللّون أربد والأنياب شابكة ... عصل ترى السّمّ يجري بينها قطعا
يهوي إلى الصّوت والظلماء عاكفة ... تعرد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا
لو نال كفّك آبت منه مخضبة ... بيضاء قد جللت أنيابها قزعا
بيعت بوكس قليل فاستقلّ بها ... من الهزال أبوها بعد ما ركعا
فردّ عليه يحيى فقال [1] : [من البسيط]
كم حيّة ترهب الحيّات صولته ... يحمى لريديه قد غادرته قطعا [2]
يلقين حيّة قفّ ذا مساورة ... يسقى به القرن من كأس الرّدى جرعا [3]
تكاد تسقط منهنّ الجلود؛ لما ... يعلمن منه إذا عاينّه، قزعا [4]
أصمّ ما شمّ من خضراء أيبسها ... أو مسّ من حجر أوهاه فانصدعا [5]
وقال آخر: [من السريع]
وكم طوت من حنش راصد ... للسّفر في أعلى الثّنيّات
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى ... يفترّ عن عصل حديدات [6]
منهرت الشدق رقود الضحى ... سار طمور في الدّجنّات [7]
ذي هامة رقطاء مفطوحة ... من الدّواهي الجبليّات
صلّ صفا، تنطف أنيابه ... سمام ذيفان مجيرات [8]
مطلن في اللّحيين مطلا إلى ... رأس وأشداق رحيبات
قدّمن عن ضرسين واستأخرا ... إلى سماخين ولهوات [9]
يسبته الصّبح وطورا له ... نفخ ونفث في المغارات [10]
__________
[1] الوحشيات 86- 87.
[2] الرّيد: الحرف الناتئ من الجبل. (القاموس: ريد) .
[3] القف: مرتفع حجري. (القاموس: قفف) .
[4] القزع: القطع من السحاب، ويعني هنا القطع المتفرقة. (القاموس: قزع) .
[5] تقدم هذا البيت مع أبيات الزماني «الزيادي» في الفقرة (1091) .
[6] عصل، جمع أعصل، وهو الملتوي والمعوج. (القاموس: عصل) .
[7] منهرت: واسع. (القاموس: هرت) . الطمور: الوثاب. (القاموس: طمر) .
[8] تنطف: تقطر. (القاموس: نطف) . الذيفان: السم القاتل. (القاموس: ذيف) .
[9] لهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق.
[10] سبته: أنامه. (القاموس: سبت) .
(4/398)

وتارة تحسبه ميّتا ... من طول إطراق وإخبات [1]
وقال آخر، وهو جاهليّ [2] : [من الرجز]
لا همّ إن كان أبو عمرو ظلم ... وخانني في علمه وقد علم
فابعث له في بعض أعراض اللّمم ... لميمة من حنش أعمى أصم
أسمر زحّافا من الرّقط العرم ... قد عاش حتى هو لا يمشي بدم [3]
فكلّما أقصد منه الجوع شم ... حتى إذا أمسى أبو عمرو ولم
يمسّ منه مضض ولا سقم ... قام وودّ بعدها أن لم يقم
ولم يقم لإبل ولا غنم ... ولا لخوف راعه ولا لهم
حتّى دنا من رأس نضناض أصم ... فخاضه بين الشّراك والقدم [4]
بمذرب أخرجه من جوف كم ... كأنّ وخز نابه إذا انتظم [5]
وخزة إشفى في عطوف من أدم [6]
ومخالب الأسد وأشباه الأسد من السّباع، تكون في غلف، إذا وطئت على بطون أكفها ترفّعت المخالب ودخلت في أكمام لها، وهو قول أبي زبيد [7] : [من الوافر]
بحجن كالمحاجن في فتوخ ... يقيها فضّة الأرض الدّخيس [8]
وكذلك أنياب الأفاعي، هي ما لم تعضّ فمصونة في أكمام، ألا تراه يقول [9] :
[من الرجز]
فخاضه بين الشّراك والقدم ... بمذرب أخرجه من جوف كم
__________
[1] الإطراق: النظر إلى الأرض والسكوت. (القاموس: طرق) . الإخبات: الخشوع. (القاموس: خبت) .
[2] الرجز لخلف الأحمر في مجمع الذاكرة 1/162، وبلا نسبة في البرصان 233- 234، وسمط اللآلي 490.
[3] العرم: جمع أعرم، وهو المنقط بسواد وبياض. (القاموس: عرم) .
[4] نضنض الشيء: حركه. (القاموس: نضض) .
[5] المذرب: عنى به ناب الحية.
[6] الإشفى: المخرز. الأدم: الجلد المدبوغ. (القاموس: أدم) .
[7] ديوان أبي زبيد الطائي 632. والبرصان 233، والمعاني الكبير 1036.
[8] الحجن: المخالب، والمحجن: العصا المعوجة، والفتوخ: الاسترخاء واللين، القضة: الحصى الصغار، الدخيس: لحم الكفين.
[9] تقدم الرجز قبل ستة أسطر.
(4/399)

وقال آخر [1] : [من الرجز]
أنعت نضناضا كثير الصّقر ... مولده كمولد ابن الدّهر [2]
كانا جميعا ولدا في شهر ... يظلّ في مرأى بعيد القعر
بين حوافي سدر وصخر [3]
وقال: [من الطويل]
وكيف وقد أسهرت عينك تبتغي ... عنادا لنابي حيّة قد تربّدا [4]
من الصّمّ يكفي مرّة من لعابه ... وما عاد إلّا كان في العود أحمدا [5]
وقال خلف الأحمر- وهي مخلوطة فيها شيء، وله شيء، من الغبرة وما علمت أنّ وصف عين الأفعى على معرفة واختبار غيره- وهو قوله [6] : [من الرجز]
1- أفعى رخوف العين مطراق البكر ... داهية قد صغرت من الكبر [7]
3- صلّ صفا ما ينطوي من القصر ... طويلة الإطراق من غير حسر [8]
5- كأنّما قد ذهبت به الفكر ... شقّت له العينان طولا في شتر
7- مهروتة الشدقين حولاء النظر ... جاء بها الطّوفان أيام زخر
9- كأنّ صوت جلدها إذا استدرّ ... نشيش جمر عند طاه مقتدر
1151-[أحاديث في الوزغ]
هشام بن عروة قال: أخبرني أبي أنّ عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها كانت تقتل الأوزاغ.
__________
[1] الرجز بلا نسبة في المخصص 13/208.
[2] الصقر: أراد به لعابه وسمه.
[3] السدر: البحر.
[4] تربد: صار أربد، والربدة؛ بالضم؛ لون إلى الغبرة. (القاموس: ربد) .
[5] من الأمثال قولهم: (العود أحمد) ، والمثل في مجمع الأمثال 2/34، 233، والمستقصى 335، وجمهرة الأمثال 2/41، وفصل المقال 252، وأمثال ابن سلام 169.
[6] الأبيات (3، 4، 7، 2) للنابغة في ديوان المعاني، وربيع الأبرار 5/475، وحماسة ابن الشجري 273- 274، ولخلف الأحمر في مجمع الذاكرة 1/143- 144.
[7] رخوف: مسترخية.
[8] الصل: من أخبث الحيات، الإطراق: النظر إلى الأرض مع السكون. (القاموس: طرق) .
(4/400)

يحيى بن أبي أنيسة، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة قالت [1] : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للوزغ: فويسق» .
قالت [1] : «ولم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتله» .
قال: قالت عائشة رضي الله عنها [1] : «سمعت سعدا يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله» .
عبد الرحمن بن زياد قال: أخبرني هشام عن عروة عن عائشة «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للوزغ: الفويسق» .
أبو بكر الهذليّ، عن معاذ عن عائشة قالت: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ وفي يدي عكّاز فيه زجّ، فقال: يا عائشة ما تصنعين بهذا؟ قلت: أقتل به الوزغ في بيتي. قال: إن تفعلي فإنّ الدّوابّ كلها، حين ألقي إبراهيم صلى الله عليه وسلم في النّار، كانت تطفئ عنه، وإنّ هذا كان ينفخ عليه، فصمّ وبرص» [2] .
وهذه الأحاديث كلها يحتجّ بها أصحاب الجهالات، ومن زعم أنّ الأشياء كلها كانت ناطقة، وأنها أمم مجراها مجرى الناس.
1152-[تأوّل آيات من الكتاب]
وتأوّلوا قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[3] ، وقالوا: قال الله عزّ وجلّ: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[4] وقال تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
[5] وقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[6] .
__________
[1] أخرج البخاري في بدء الخلق برقم 3130 «عن ابن شهاب، عن عروة: يحدث عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للوزغ: فويسق. ولم أسمعه أمر بقتله، وزعم سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله» . وأخرجه مسلم في باب استحباب قتل الوزغ برقم 2239.
[2] في النهاية 5/181 «ومنه حديث عائشة: لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه» ، وانظر أحاديث قتل الوزغ في جامع الأصول 10/236- 237.
[3] 38/الأنعام: 6.
[4] 72/الأحزاب: 33.
[5] 10/سبأ: 34.
[6] 74/البقرة: 2.
(4/401)

فذهبت الجهمية ومن أنكر إيجاد الطّبائع مذهبا، وذهب ابن حائط ومن لفّ لفّه من أصحاب الجهالات مذهبا، وذهب ناس من غير المتكلمين، واتّبعوا ظاهر الحديث وظاهر الأشعار، وزعموا أنّ الحجارة كانت تعقل وتنطق، وإنما سلبت المنطق فقط. فأمّا الطير والسّباع فعلى ما كانت عليه.
قالوا: والوطواط، والصّرد، والضفدع، مطيعات ومثابات والعقرب، والحيّة والحدأة، والغراب، والوزغ، والكلب، وأشباه ذلك، عاصيات معاقبات.
ولم أقف على واحد منهم فأقول له: إنّ الوزغة التي تقتلها على أنّها كانت تضرم النّار على إبراهيم أهي هذه أم هي من أولادها فمأخوذة هي بذنب غيرها؟ أم تزعم أنّه في المعلوم أن تكون تلك الوزغ لا تلد ولا تبيض ولا تفرخ إلّا من يدين بدينها، ويذهب مذهبها؟! وليس هؤلاء ممّن يفهم تأويل الأحاديث، وأيّ ضرب منها، يكون مردودا، وأيّ ضرب منها يكون متأوّلا، وأيّ ضرب منها يقال إنّ ذلك إنّما هو حكاية عن بعض القبائل.
ولذلك أقول: لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ، واختطفت واسترقت، ولولا المعتزلة لهلك المتكلمون.
1153-[أحاديث في الوزغ]
شريك عن التّخميّ، عن ليث، عن نافع، أنّ ابن عمر كان يقتل الوزغ في بيته ويقول هو شيطان! هشام بن حسّان، عن خالد الرّبعيّ، قال: لم يكن شيء من خشاش الأرض إلّا كان يطفئ النّار عن إبراهيم، إلّا الوزغ، فإنّه كان ينفخ عليه.
حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت القاسم بن محمّد يقول إنّ الأوازغ كانت يوم حرق بيت المقدس تنفخه والوطاوط بأجنحتها.
شريك عن النّخعيّ، عن جابر، عن ابن عباس، قال: الوزغ شريك الشيطان.
أبو داود الواسطيّ قال: أخبرنا أبو هاشم، قال [1] : من قتل وزغة حطّ الله عنه سبعين خطيئة، ومن قتل سبعا كان كعتق رقبة.
__________
[1] الجامع الصغير للسيوطي رقم 8915. وانظر جامع الأصول 10/236- 237.
(4/402)

هشام بن حسّان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن عقيل، عن يحيى بن يعمر، قال: لأن أقتل مائة من الوزغ أحبّ إليّ من أن أعتق مائة رقبة.
وهذا الحديث ليس من شكل الأوّل، لأنّ يحيى بن يعمر لم يزعم أنّه يقتله لكفره أو لكفر أبيه، ولكنها دابّة تطاعم الحيّات وتزاقّها وتقاربها، وربّما قتلت بعضّتها، وتكرع في المرق واللّبن ثمّ تمجّه في الأناء فينال النّاس بذلك مكروه كبير، من حيث لا يعلمون. وقتله في سبيل قتل الحيّات والعقارب.
1154-[صنع السم من الأوزاغ]
وأهل السّجن يعملون منها سموما أنفذ من سم البيش [1] ، ومن ريق الأفاعي، وذلك أنّهم يدخلون الوزغ قارورة، ثمّ يصبّون فيها من الزّيت ما يغمرها، ويضعونها في الشّمس أربعين يوما، حتّى تختلط بالزّيت وتصير شيئا واحدا، فإن مسح السّجين منه على رغيف مسحة يسيرة فأكل منه عشرة أنفس ماتوا. ولا أدري لم توخّوا من مواضع الدّفن عتب الأبواب.
1155-[أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه]
يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع ونهانا عن أربع، أمرنا أن نجيف أبوابنا، وأن نخمّر آنيتنا، وأن نوكي أسقيتنا، وأن نطفئ سرجنا. فإنّ الشّيطان إذا وجد بابا مجافا لم يفتحه، وإناء مخمّرا لم يكشفه، وسقاء موكى لم يحلّه. وإنّ الفويسقة تأتي المصباح فتضرمه على أهل البيت [2] . ونهانا عن أربع: نهانا عن اشتمال الصّمّاء، وأن يمشي أحدنا في النّعل الواحدة أو الخفّ الواحد، وأن يحتبي الرّجل منّا في الثّوب الواحد ليس عليه غيره، وأن يستلقي أحدنا على ظهره ويرفع إحدى رجليه على الأخرى» [3] .
وهذا الحديث ليس هذا موضعه، وهو يقع في باب جملة القول في النّار، وهو يقع بعد هذا الذي يلي القول في النعام.
__________
[1] البيش: نبت ببلاد الهند، وهو سم. (اللسان: بيش) .
[2] أخرج البخاري في بدء الخلق برقم 3138 (عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما رفعه قال:
«خمروا الآنية، وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، واكفتوا صبيانكم عند العشاء، فإن للجن انتشارا وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» وانظر الحديث رقم 3106، والحديث الذي أخرجه مسلم في الأشربة برقم 2012.
[3] أخرج البخاري في الصلاة برقم 360 (عن أبي سعيد الخدري أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء) ، وانظر أيضا الأحاديث التي أرقامها 1890، 2037، 2040، 5482، 5484، 5927.
(4/403)

1156-[أحاديث في قتل الحيات]
شعبة أبو بسطام، قال أخبرني أبو قيس، قال: جلست إلى علقمة بن قيس، وربيع بن خثيم فقال ربيع: قولوا وافعلوا خيرا تجزوا خيرا، وقال علقمة: من استطاع منكم ألّا يرى الحيّة، إلّا قتلها إلّا التي مثل الميل؛ فإنّها جانّ. وإنّه لا يضرّه قتل حيّة أو كافر.
إسماعيل المكي، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود:
من قتل حيّة فقتل كافرا.
ثم سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: من قتل حيّة أو عقربا قتل كافرا.
وهذا ممّا يتعلق به أصحاب ابن حائط، وتأويله في الحديث الآخر.
عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن، يقول: قال عبد الله: من قتل حيّة أو عقربا فكأنّما قتل كافرا. فعلى هذا المعنى يكون تأليف الحديث.
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما سالمناهنّ مذ حاربناهنّ» .
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قالت عائشة: «من ترك قتل حيّة مخافة أثآرها فعليه لعنة الله والملائكة» .
الرّبيع بن صبيح عن عطاء الخراسانيّ قال: كان فيما أخذ على الحيّات ألّا يظهرن. فمن ظهر منهنّ حلّ قتله. وقتالهنّ كقتال الكفّار، ولا يترك قتلهنّ إلا شاكّ.
وهذا ممّا يتعلّق به أصحاب ابن حائط.
محمد بن عجلان قال: سمعت أبي يحدّث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما سالمناهنّ مذ حاربناهنّ» .
ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أخبرني أبو الطفيل أنّه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «اقتلوا من الحيّات ذا الطفيتين، والكلب الأسود البهيم ذا الغرّتين» [1] .
قال: والغرّة: حوّة تكون بعينيه.
__________
[1] النهاية 3/130، 354، وأخرج البخاري في بدء الخلق برقم 3123 (عن ابن عمر رضي الله عنهما:
أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول: «اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل) ، وأخرجه مسلم في السلام، باب قتل الحيات، رقم 2233.
(4/404)

1157-[قول صاحب المنطق في طعام الحيوان ومسكنه]
قال صاحب المنطق: الطير على ضربين: أوابد وقواطع، ومنه ما يأكل اللحم لا يأكل غيره وإن لم يكن ذا سلاح. فأمّا ذو السّلاح فواجب أن يكون طعامه اللّحم.
ومن الطّير ما يأكل الحبوب لا يعدوها، ومنه المشترك الطّباع، كالعصفور والدّجاج والغراب. فإنها تأكل النوعين جميعا، وكطير الماء، يأكل السّمك ويلقط الحبّ.
ومنه ما يأكل شيئا خاصّا، مثل جنس النّحل المعسّل الذي غذاؤه شيء واحد، وجنس العنكبوت، فإن طعم النحل المعسّل العسل، والعنكبوت يعيش من صيد الذباب.
ومن الحيوان ما له مسكن ومأوى، كالخلد، والفأر، والنّمل، والنّحل، والضّبّ. ومنه ما لا يتّخذ شيئا يرجع إليه كالحيّات لأنّ ذكورة الحيّات سيّارة، وإناثها إنّما تقيم في المكان إلى تمام خروج الفراخ من البيض، واستغناء الفراخ بأنفسها.
ومنها ما يكون يأوي إلى شقوق الصّخور والحيطان، والمداخل الضّيّقة، مثل سامّ أبرص.
قال: والحيّات تألفها كما تألف العقارب الخنافس. والعظايا تألف المزابل والخرابات. والوزغ قريبة من النّاس.
1158-[زعم زرادشت في العظايا وسوامّ أبرص]
وزعم زرادشت أنّ العظايا ليست من ذوات السّموم، وأنّ سامّ أبرص من ذوات السّموم، وأنّ أهرمن [1] لما قعد ليقسم السّموم. كان الحظ الأوفر لكلّ شيء سبق إلى طلبه، كالأفاعي، والثّعابين والجرّارات، وأنّ نصيب الوزغ نصيب وسط قصد، لا يكمل أن يقتل، ولكنّه يزاقّ [2] الحيّة، فتميره [3] ممّا عندها. ومتى دبر [4] الوزغ جاء منه السمّ القاتل، أسرع من سمّ البيش، ومن لعاب الأفاعي، فأمّا العظاية فإنّها احتبست عن الطّلب حتى نفذ السمّ، وأخذ كلّ شيء قسطه، على قدر السّبق والبكور، فلما جاءت العظاية وقد فني السمّ، دخلها من الحسرة، وممّا علاها من الكرب، حتى جعلت وجهها إلى الخرابات والمزابل، فإذا رأيت العظاية تمشي مشيا
__________
[1] يرى زرادشت أن «أهرمن» هو رمز لقوة الشر، وأن «أرموزد» رمز لقوة الخير، وأنهما يظلان في نزاع إلى أن تتغلب قوة الخير على قوة الشر.
[2] زق الطائر فرخه: أطعمه. (القاموس: زقق) .
[3] الميرة: الطعام. (القاموس: مير) .
[4] دبر: أدركه الهرم. (القاموس: دبر) .
(4/405)

سريعا ثمّ تقف، فإنّ تلك الوقفة إنّما هي لما يعرض لها من التذكّر والحسرة على ما فاتها من نصيبها من السمّ.
1159-[الرد على ما زعم زرادشت]
ولا أعلم العظاية في هذا القياس إلّا أكثر شرورا من الوزغ؛ لأنها لولا إفراط طباعها في الشّرارة، لم يدخلها من قوّة الهمّ مثل الذي دخلها ولم يستبن للنّاس من اغتباط الوزغ بنصيبه من السمّ، بقدر ما استبان من ثكل العظاية، وتسلّلها وإحضارها وبكائها وحزنها، وأسفها على ما فاتها من السّمّ.
1160-[زعم زرادشت في خلق الفأرة والسّنّور]
ويزعم زرادشت، وهو مذهب المجوس، أنّ الفأرة من خلق الله، وأنّ السّنّور من خلق الشّيطان، وهو إبليس، وهو أهرمن [1] . فإذا قيل له: كيف تقول ذلك والفأرة مفسدة، تجذب فتيلة المصباح فتحرق بذلك البيت والقبائل الكثيرة، والمدن العظام، والأرباض الواسعة، بما فيها من النّاس والحيوان والأموال، وتقرض دفاتر العلم، وكتب الله، ودقائق الحساب، والصّكاك [2] ، والشّروط؛ وتقرض الثّياب، وربّما طلبت القطن لتأكل بزره فتدع اللّحاف غربالا، وتقرض الجرب، وأوكية الأسقية والأزقاق والقرب فتخرج جميع ما فيها؛ وتقع في الآنية وفي البئر، فتموت فيه وتحوج النّاس إلى مؤن عظام؛ وربّما عضّت رجل النّائم، وربّما قتلت الإنسان بعضّتها. والفأر بخراسان ربّما قطعت أذن الرّجل. وجرذان أنطاكية تعجز عنها السّنانير، وقد جلا عنها قوم وكرهها آخرون لمكان جرذانها، وهي التي فجرت المسنّاة [3] ، حتى كان ذلك سبب الحسر [4] بأرض سبأ؛ وهي المضروب بها المثل، وسيل العرم ممّا تؤرخ بزمانه العرب. والعرم: المسنّاة. وإنما كان جرذا.
وتقتل النّخل والفسيل، وتخرّب الضّيعة، وتأتي على أزمّة الركاب والخطم، وغير ذلك من الأموال.
__________
[1] أهرمن: رمز لقوة الشر، وانظر الفقرة (1158) .
[2] الصكاك: جمع صك، وهو الكتاب. (القاموس: صكك) .
[3] المسناة: السد الذي يعترض به الوادي.
[4] حسر الماء عن الأرض: نضب.
(4/406)

والنّاس ربما اجتلبوا السّنانير ليدفعوا بها بوائق الفأر- فكيف صار خلق الضّارّ المفسد من الله، وخلق النّافع من الضّرر من خلق الشيطان؟! والسّنّور يعدى به على كلّ شيء خلقه الشّيطان من الحيّات، والعقارب، والجعلان، وبنات وردان، والفأرة لا نفع لها، ومؤنها عظيمة.
قال: لأنّ السّنّور لو بال في البحر لقتل عشرة آلاف سمكة! فهل سمعت بحجّة قطّ، أو بحيلة، أو بأضحوكة، أو بكلام ظهر على تلقيح هرة، يبلغ مؤن هذا الاعتلال؟! فالحمد لله الذي كان هذا مقدار عقولهم واختيارهم.
وأنشد أبو زيد [1] : [من الرجز]
والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبدا آكل الأبارصا
يعني جماع سامّ أبرص: أبارص.
1161-[تأثير أكل سامّ أبرص والسمانى]
وسامّ أبرص ربّما قتل أكله، وليس يؤكل إلّا من الجوع الشّديد. وربما قتل السّنانير وبنات عرس، والشّاهمرك [2] ، وجميع اللّقاطات.
وقال آخر [3] : [من الوافر]
كأنّ القوم عشّوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم
وهو شيء يعرض عن أكل دسم الضّأن، وهو أيضا يلقى على دسمه النّعاس.
وقد يفعل ذلك الحيق. والخشخاش.
والخشخاش يسمّى بالفارسيّة «أناركبو» وتأويله رمّان الخسّ. وإنما اشتقّ له ذلك إذ كان يورث النّعاس، كما يورثه الخس.
وأكل الطّعام الذي فيه سمان يورث الدّوار. وزعموا أنّ صبيّا من الأعراب فيما
__________
[1] لم يرد الرجز في نوادر أبي زيد، وهو بلا نسبة في اللسان والتاج وأساس البلاغة (برص) ، وشرح المفصل 9/23، 36، والمخصص 8/101، والمقاييس 1/219، ورصف المباني 195، والمنصف 2/232، والجمهرة 312، والبرصان 92.
[2] الشاهمرك: الفتي من الدجاج. حياة الحيوان «شامرك» .
[3] ديوان ذي الرمة 1097، واللسان والتاج (نعج) ، والمعاني الكبير 694، والجمهرة 486، والتنبيه والإيضاح 1/220، وخلق الإنسان 275، وبلا نسبة في المخصص 5/80، وديوان الأدب 2/228، والمقاييس 5/448، والتهذيب 1/381.
(4/407)

مضى من الدّهر، صاد هامة على قبر، فظنها سمان، فأكلها فغثت نفسه، فقال [1] :
[من الرجز]
نفسي تمقّس من سمانى الأقبر
ويقال: غثت نفسه غثيانا وغثيا، ولقست تلقس لقسا، وتمقّست تتمقّس تمقسا: إذا غثيت.
1162-[أكل الحيات]
وأخبرني صباح بن خاقان، قال: كنت بالبادية، فرأيت ناسا حول نار فسألت عنهم، فقالوا: قد صادوا حيات فهم يشوونها ويأكلونها؛ إذ نظرت إلى رجل منهم ينهش حية قد أخرجها من الجمر، فرأيته إذا امتنعت عليه يمدّها كما يمدّ عصب لم ينضج. فما صرفت بصري عنه حتّى لبط به [2] ، فما لبث أن مات، فسألت عن شأنه، فقيل لي: عجّل عليها قبل أن تنضج وتعمل النّار في متنها.
وقد كان قد بغداد وفي البصرة جماعة من الحوّائين، يأكل أحدهم أيّ حيّة أشرت إليها في جونته، غير مشويّة. وربّما أخذ المرارة وسط راحته، فلطعها بلسانه، ويأكل عشرين عقربانة نيّة بدرهم. وأما المشويّ فإنّ ذلك عنده عرس.
1163-[شعر في الحيات]
وقال كثيّر [3] : [من الوافر]
وما زالت رقاك تسلّ ضغني ... فتخرج من مكامنها ضبابي
وترقيني لك الحاوون حتّى ... أجابت حيّة خلف الحجاب
وقال أبو عدنان، وذكر ابن ثروان الخارجيّ، حين كان صار إلى ظهر البصرة، وخرج إليه من خرج من بني نمير: [من الطويل]
حسبت نميرا يا ابن ثروان كالألى ... لقيتهم بالأمس: ذهلا ويشكرا
كما ظنّ صيّاد العصافير أنّ في ... جميع الكوى، جهلا، فراخا وأطيرا
__________
[1] الرجز بلا نسبة في اللسان (مقس، سمن) ، والجمهرة 429، 852، والمقاييس 5/432، والتهذيب 8/425، والمجمل 4/341.
[2] لبط به: صرع.
[3] ديوان كثير 280، وتقدم البيتان في الفقرة (1137) .
(4/408)

فأدخل يوما كفّه جحر أسود ... فشرشره بالنّهش حتى تشرشرا [1]
أراد قول رؤبة [2] : [من الرجز]
كنتم كمن أدخل في حجر يدا ... فأخطأ افعى ولاقى الأسودا
لو مسّ حرفي حجر تقصّدا ... بالشّمّ لا بالسمّ منه قصدا [3]
فقدّم الأسود على الأفعى، وهذا لا يقوله من يعرف مقدار سمّ الحيات، وقال عنترة [4] : [من الطويل]
حلفنا لهم والخيل تردي بنا معا ... نزايلكم حتّى تهرّوا العواليا
عوالي سمر من رماح ردينة ... هرير الكلاب يتّقين الأفاعيا
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا ذا الطّفيتين والأبتر» [5] .
شبّه الخيطين على ظهره بخوص المقل. وأنشدت لأبي ذؤيب [6] : [من الطويل]
عفت غير نؤي الدّار لأيا أبينه ... وأقطاع طفي قد عفت في المعاقل [7]
والطّفي: خوص المقل.
وهم يصفون بطن المرأة الهيفاء الخميصة البطن، ببطن الحيّة. وهي الأيم.
وقال العجّاج [8] : [من الرجز]
وبطن أيم وقواما عسلجا
[9]
__________
[1] شرشره: قطعه.
[2] ديوان رؤبة 173، والوساطة 13.
[3] تقصد: تكسر.
[4] ديوان عنترة 80- 81 (دار صادر) ، والأول في اللسان والتاج (هرر) ، والجمهرة 127، وديوان الأدب 3/140، والتنبيه والإيضاح 2/227، وهما بلا نسبة في أساس البلاغة (هرر) .
[5] أخرجه البخاري في بدء الخلق برقم 3123، ومسلم في السلام برقم 2233.
[6] شرح أشعار الهذليين 140، واللسان والتاج (قطع، طفا) ، والتهذيب 14/32، وللهذلي في المقاييس 3/414.
[7] النؤي: الحفير حول الخباء أو الخيمة يمنع السيل. المعاقل: جمع معقل، وهو المكان تعقل فيه الإبل.
[8] ديوان العجاج 2/36، واللسان والتاج (عسلج، أيم) ، والتهذيب 3/312، 15/551، والجمهرة 722، والمخصص 10/214، والعين 2/315، ونسب إلى رؤبة في المقاييس 1/166، وليس في ديوانه.
[9] قوام عسلج: ناعم ينثني ويميل.
(4/409)

وقال أدهم بن أبي الزّعراء، وشبّه نفسه بحيّة: [من الطويل]
وما أسود بالبأس ترتاح نفسه ... إذا حلبة جاءت ويطرق للحسّ
به نقط حمر وسود كأنما ... تنضّح نضحا بالكحيل وبالورس [1]
أصمّ قطاريّ يكون خروجه ... قبيل غروب الشّمس مختلط الدّمس [2]
له منزل، أنف ابن قترة يغتذي ... به السمّ، لم يظهر نهارا إلى الشّمس [3]
يقيل إذا ما قال بين شواهق ... تزلّ العقاب عن نفانفها الملس [4]
بأجرأ منّي يا ابنة القوم مقدما ... إذا الحرب دبّت أو لبست لها لبسي [5]
فأجابه عنترة الطائي، فقال [6] : [من الطويل]
عساك تمنى من أراقم أرضنا ... بأرقم يسقى السمّ من كلّ منطف [7]
وقال عنترة [8] : [من الطويل]
أترجو حياة يا ابن بشر بن مسهر ... وقد علقت رجلاك في ناب أسودا
أصمّ جباليّ إذا عضّ عضّة ... تزايل عنه جلده فتبدّدا
بسلع صفا لم يبد للشّمس قبلها ... إذا ما رآه صاحب اليمّ أرعدا [9]
له ربقة في عنقه من قميصه ... وسائره عن متنه قد تقدّدا [10]
رقود ضحيّات، كأن لسانه ... إذا سمع الأجراس مكحال أرمدا [11]
يفيت النّفوس قبل أن يقع الرّقى ... وإن أبرق الحاوي عليه وأرعدا [12]
__________
[1] الكحيل: قطران أسواد اللون يطلى به الإبل، والورس: نبت يصبغ به.
[2] القطاري: الضخم.
[3] ابن قترة: حية خبيثة، تنطوي ثم تنقز ذراعا أو نحوها.
[4] النفانف: جمع نفنف، وهو صقع الجبل الذي كأنه جدار مبني مستو.
[5] لبسي: أي لباس الحرب.
[6] البيت في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/118، ومحاضرات الراغب 2/305.
[7] المنطف: الموضع ينطف منه السم، أي يقطر.
[8] الأبيات بلا نسبة في لسان العرب، الأول والثاني في (قطر) ، والثالث في (سلع) ، والخامس في (ضحا) .
[9] السلع: الشق. اليم: الحية. أرعد: أصابته رعدة.
[10] الربقة: الحبل. قميصه: جلده المنسلخ.
[11] المكحال الأرمد: ما يكتحل به، وهو أشد سوادا من غيره.
[12] يفيت النفوس: يميتها.
(4/410)

وقال آخر [1] : [من البسيط]
لا ينبت العشب في واد تكون به ... ولا يجاورها وحش ولا شجر
ربداء شابكة الأنياب ذابلة ... ينبو، من اليبس، عن يافوخها الحجر
لو سرّحت بالنّدى ما مسّها بلل ... ولو تكنّفها الحاوون ما قدروا [2]
قد حاوروها فما قام الرّقاة لها ... وخاتلوها فما نالوا ولا ظفروا
تقصر الورل العادي بضربتها ... نكزا، ويهرب عنها الحيّة الذّكر [3]
جملة القول في الظليم
1164-[أعاجيب في الظليم]
فممّا فيه من الأعاجيب أنّه يغتذي الصّخر، ويبتلع الحجارة، ويعمد إلى المرو، والمرو من الحجارة التي توصف بالملاسة، ويبتلع الحصى، والحصى أصلب من الصّخر، ثمّ يميعه ويذيبه في قانصته، حتّى يجعله كالماء الجاري، ويقصد إليه وهو واثق باستمرائه وهضمه، وأنّه له غذاء وقوام.
وفي ذلك أعجوبتان: إحداهما التّغذّي بما لا يتغذّي به. والأخرى استمراؤه وهضمه للشيء الذي لو ألقي في شيء ثم طبخ أبدا ما انحلّ ولا لان، والحجارة هو المثل المضروب في الشدّة. قال الشاعر: [من البسيط]
حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وقال آخر [4] : [من البسيط]
ما أطيب العيش لو أنّ الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم [5]
ووصف الله قلوب قوم بالشدّة والقسوة، فقال: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[6] ، وقال في التشديد: ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[7] . لأنه حين حذر
__________
[1] الأبيات لعمرو بن شأس في ديوانه 80، والحماسة البصرية 2/343.
[2] في ديوانه «أي ينزلق عنها الندى لملاستها» .
[3] في ديوانه «النكز: طعن الحية الحيوان بأنفها» .
[4] البيت لابن مقبل في ديوانه 273 (198) ، وشرح شواهد المغني 2/661، وبلا نسبة في اللسان (أمت، نعم) ، والتاج (نعم) والخزانة 11/304، والخصائص 1/318 وشرح الأشموني 3/602، وشرح المفصل 1/87، ومغني اللبيب 1/270.
[5] في ديوانه «الحجر الملموم: المجموع بعضه إلى بعض، وهو الصلب المستدير» .
[6] 74/البقرة: 2.
[7] 6/التحريم: 66.
(4/411)

النّاس أعلمهم أنّه يلقي العصاة في نار تأكل الحجارة.
ومن الحجارة ما يتّخذه الصفّارون [1] علاة [2] دون الحديد؛ لأنّه أصبر على دقّ عظام المطارق والفطّيسات [3] .
فجوف النعامة يذيب هذا الجوهر الذي هذه صفته.
1165-[أكل النعام الحصى والحجارة]
وقال ذو الرّمّة [4] : [من البسيط]
أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب [5]
شخت الجزارة مثل البيت سائره ... من المسوح خدبّ شوقب خشب [6]
كأنّ رجليه مسماكان من عشر ... صقبان لم يتقشّر عنهما النّجب [7]
الهاه آء وتنّوم، وعقبته ... من لائح المرو، والمرعى له عقب [8]
وقال أبو النّجم [9] : [من الرجز]
والمرو يلقيه إلى أمعائه ... في سرطم ماد على التوائه [10]
يمور في الحلق على علبائه ... تمعّج الحيّة في غشائه [11]
هاد ولو حار بحوصلائه
[12] ومن زعم أنّ جوف الظّليم إنما يذيب الحجارة بقيظ الحرارة فقد أخطأ. ولكن
__________
[1] الصفارون: جمع صفّار، وهو الذي يعمل الصفر أي النحاس الأصفر.
[2] العلاة: السندان، وهو ما يطرق عليه الحديد.
[3] الفطيسات: جمع فطيس، وهي المطرقة العظيمة.
[4] ديوان ذي الرمة 114- 117، ومنه شرح المفردات.
[5] في ديوانه «يريد: أذاك الثور شبه ناقتي في سرعتها أم ظليم، والخاضب: الظليم الذي أكل الربيع فاحمرت ساقاه. وأبو ثلاثين: الظليم، لأنه أبو ثلاثين فرخا. والسي: ما استوى من الأرض» .
[6] «شخت الجزارة: دقيق القوائم والرأس. المسوح: الشعر. خدب: ضخم. شوقب: طويل. خشب:
غليظ جاف» .
[7] «المسماكان: عودان يسمك بهما البيت، العشر: شجر. صقبان: طويلان. النجب: لحاء الشجر.
[8] «آء: نبت، وكذلك التنوم، لاح من المرو: ظهر من الحجارة البيض» .
[9] ديوان أبي النجم 55- 56، وعيون الأخبار 2/86.
[10] المرو: الحجارة البيض، السرطم: البلعوم. ماد: مال واضطرب.
[11] ماريمور: اضطرب وتردد، العلباء: عصب العنق. التمعج: التلوي.
[12] هاد: مهتد.
(4/412)

لابدّ من مقدار للحرارة ونحو غرائز أخر، وخاصّيّات أخر، ألا ترى أنّ القدور التي يوقد تحتها الأيّام واللّيالي، لا تذوب.
1166-[القول في الخاصّيّات والمقابلات والغرائز]
وسأدلك على أنّ القول في الخاصّيّات والمقابلات والغرائز حقّ. ألا ترى أنّ جوف الكلب والذّيب يذيبان العظام ولا يذيبان نوى التمر، ونوى التمر أرخى وألين وأضعف من العظام المصمتة. وما أكثر ما يهضم العظم. وقد يهضم العظم جوف الأسد وجوف الحيّة. إذا ازدردت بضع اللحم بالشّره والنّهم، وفيها بعض العظام.
والبراذين التي يحيل أجوافها القتّ والتّبن روثا، لا تستمري الشعير.
والإبل تقبض بأسنانها على أغصان أمّ غيلان، وله شوك كصياصي [1] البقر، والقضبان علكة [2] يابسة جرد، وصلاب متينة، فتستمرئها وتجعلها ثلطا [3] ، ولا تقوى على هضم الشّعير المنقع، وليس ذلك إلّا بالخصائص والمقابلات.
وقد قدّر كلّ شيء لشيء. ولولا ذلك لما نفذ خرطوم البعوضة والجرجسة في جلد الفيل والجاموس، ولما رأيت الجاموس يهرب إلى الانغماس في الماء مرّة، ومرّة يتلطّخ بالطّين، ومرّة يجعله أهله على ربيث الدكان. ولو دفعوا إليك مسلّة شديدة المتن، لما أدخلتها في جلد الجاموس إلّا بعد التكلّف، وإلّا ببعض الاعتماد.
والذي سخّر جلد الجاموس حتّى انفرى وانصدع لطعنة البعوضة، وسخّر جلد الحمار لطعنة الذّباب، وسخّر الحجارة لجوف الظليم، والعظم لجوف الكلب- هو الذي سخّر الصّخر الصّلب لأذناب الجراد، إذا أرادت أن تلقي بيضها؛ فإنّها في تلك الحال متى عقدت ذنبها في ضاحي صخرة انصدعت لها. ولو كان انصداعها من جهة الأسر [4] ، ومن قوّة الآلة، ومن الصّدم وقوّة الغمز، لا نصدعت لما هو في الحسّ أشدّ وأقوى، ولكنّه على جهة التّسخير، والمقابلات، والخصائص.
وكذلك عود الحلفاء، مع دقّته ورخاوته ولين انعطافه، إذا نبت في عمق الأرض، وتلقّاه الآجرّ والخزف الغليظ، ثقب ذلك، عند نباته وشبابه، وهو في ذلك عبقر نضير.
وزعم لي ناس من أهل الأردنّ، أنّهم وجدوا الحلفاء قد خرق جوف القار [5] .
__________
[1] صياصي البقر: قرونها.
[2] علكة: شديدة.
[3] الثلط: الروث.
[4] من جهة الأسر: من جهة القوة.
[5] القار: الزفت.
(4/413)

وزعم لي أبو عتّاب الجرّار، أنّه سمع الأكرة يخبرون أنّهم وجدوه قد خرق فلسا بصريّا [1] .
وليس ذلك لشدّة الغمز وحدّة الرأس، ولكنه يكون على قدر ملاقاة الطباع.
ويزعمون أنّ الصّاعقة تسقط في حانوت الصّيقل [2] فتذيب السّيوف بطبعها، وتدع الأغماد على شبيه بحالها، وتسقط على الرّجل ومعه الدراهم فتسبك الدّراهم، ولا يصيب الرجل أكثر من الموت.
والبحريّون عندنا بالبصرة والأبلّة التي تكون فيها الصّواعق. لا يدعون في صحون دورهم وأعالي سطوحهم، شيئا من الصّفر إلّا رفعوه؛ لأنّها عندهم تنقضّ من أصل مخارجها، على مقدار من محاذاة الأرض، ومقابلة المكان. فإذا كان الصّفر لها ضاحيا، عدلت إليه عن سننها [3] .
وما أنكر ما قالوا. وقد رأيتهم يستعملون ذلك.
وقد يسقط النّوى في تراب المتوضّإ، فإذا صهرج [4] نبت، فإذا انتهى إلى الصّاروج أمسك. وإن كان الصّاروج رقيقا فإن قيّر، وجعل غلظه بقدر طول الإبهام، نبت ذلك النّوى حتّى يخرق ذلك القار.
ولو رام رجل خرقه بمسمار أو سكّة، لما بلغ إرادته حتى يشقّ على نفسه.
والذي سخّر هذه الأمور القويّة في مذهب الرّأي وإحساس النّاس، هو الذي سخّر القمقم، والطّيجن [5] ، والمرجل، والطّست [6] ، لإبرة العقرب. فما أحصي عدد من أخبرني من الحوّائين، من أهل التّجارب، أنّها ربّما خرجت من جحرها في اللّيل لطلب الطّعم. ولها نشاط وعرام، فتضرب كلّ ما لقيت ولقيها: من حيوان، أو نبات، أو جماد.
وزعم لي خاقان بن صبيح- واستشهد المثنّى بن بشر، وما كان يحتاج خبره إلى شاهد؛ لصدقه- أنّه سمع في داره نقرة وقعت على قمقم- وقد كان سمع بهذا
__________
[1] الفلس: من أجزاء الدرهم.
[2] الصيقل: من يصقل السيوف، أي يشحذها ويجلوها.
[3] السنن: الطريق.
[4] صهرج المتوضأ: عمل بالصاروج، وهو النورة أو أخلاطها.
[5] الطيجن: المقلى الذي يقلى فيه.
[6] الطست: الطشت.
(4/414)

الحديث- فنهض نحو الصّوت، فإذا هو بعقرب فتعاورها هو والمثني بنعالهما حتى قتلاها، ثمّ دعوا بماء فصبّاه في القمقم في عشيّتهما، وهو صحيح لا يسيل منه شيء.
فمن تعجّب من ذلك فليصرف بديّا تعجّبه إلى الشيء الذي تقذفه بذنبها العقرب في بدن الإنسان والحمير والبغال، فليفكّر في مقدار ذلك من القلة والكثرة.
فقد زعم لي ناس من أهل العسكر أنّهم وزنوا جرّارة [1] بعد أن ألسعوها فوجدوا وزنها على تحقيق الوزن على مقدار واحد، فإن كان الشيء المقذوف من شكل الشيء الحارّ، فلم قصّرت النّار عن مبلغ عمله؟! وإن كان من شكل الشيء البارد فلم قصّر الثلج عن مبلغ عمله؟! فقد وجب الآن أنّ السمّ ليس يقتل بالحرارة، ولا بالبرودة إذا كان باردا. ولو وجدنا فيما أردنا شيئا بلغ مبلغ الثّلج والنار لذكرناه.
فقد دلّ ما ذكرنا على أنّ جوف النّعامة ليس يذيب الصّخر الأملس بالحرارة، ولكنّه لا بدّ على كلّ حال من مقدار من الحرارة، مع خاصيّات أخر، ليست بذات أسماء، ولا تعرف إلّا بالوهم في الجملة.
1167-[علة قتل السم]
والسمّ يقتل بالكمّ والكيف والجنس، والكمّ المقدار، والكيف: الحدّ.
والجنس: عين الجوهر وذاته.
وتزعم الهند أنّ السمّ إنما يقتل بالغرابة، وأنّ كلّ شيء غريب خالط جوف حيوان قتله. وقد أبى ذلك ناس فقالوا: وما باله يكون غريبا إذا لاقى العصب واللّحم، وربّما كان عاملا فيهما جميعا. بل ليس يقتل إلّا بالجنس، وليس تحسّ النّفس إلّا بالجنس، ولو كان الذي يميت حسّهما إنّما يميته لأنّه غريب. جاز أيضا أن يكون الحسّاس إنما حسّ لأنه غريب، ولو كان هذا جائزا لقيل في كلّ شيء.
وقال ابن الجهم: لولا أنّ الذهب المائع، والفضّة المائعة، يجمدان إذا صارا في جوف الإنسان. وإذا جمدا لم يجاوزا مكانهما- لكانا من القواتل بالغرابة.
وهذا القول دعوى في النّفس، والنّفس تضيق جدّا. وما قرأت للقدماء في النفس الأجلاد الكثيرة. وإنما يستدلّ ببقاء تلك الكتب على وجه الدّهر إلى يومنا هذا، ونسخ الرّجال لها أمّة بعد أمّة، وعمرا بعد عمر، على جهل أكثر النّاس بالكلام. والمتكلمون يريدون أن يعلموا كلّ شيء، ويأبى الله ذلك. فهذا باب من أعاجيب الظليم.
__________
[1] الجرارة: العقارب صغيرة تجر أذنابها.
(4/415)

باب آخر وهو عندي أعجب من الأول
وهو ابتلاعه الجمر حتى ينفذ إلى جوفه، فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، ولا يكون الجمر هو العامل في إحراقه.
وأخبرني إبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام- وكنّا لا نرتاب بحديثه إذا حكى عن سماع أو عيان- أنّه شهد محمد بن عبد الله- يلقي الحجر في النّار، فإذا عاد كالجمر قذف به قدّامه، فإذا هو يبتلعه كما يبتلع الجمر. كنت قلت له: إنّ الجمر سخيف سريع الانطفاء إذا لقي الرّطوبات، ومتى أطبق عيه شيء يحول بينه وبين النّسيم خمد، والحجر أشدّ إمساكا لما يتداخله من الحرارة، وأثقل ثقلا، وألزق لزوقا وأبطأ انطفاء، فلو أحميت الحجارة! فأحماها ثم قذف بها إليه، فابتلع الأولى فارتبت به، فلما ثنى وثلّث اشتدّ تعجبي له، فقلت له: لو أحميت أواقيّ الحديد، ما كان منها ربع رطل ونصف رطل! ففعل، فابتلعه، فقلت: هذا أعجب من الأوّل والثّاني، وقد بقيت علينا واحدة، وهو أن ننظر: أيستمري الحديد كما يستمري الحجارة؟ ولم يتركنا بعض السفهاء وأصحاب الخرق [1] أن نتعرّف ذلك على الأيّام.
وكنت عزمت على ذبحه وتفتيش جوفه وقانصته، فلعلّ الحديد يكون قد بقي هناك لا ذائبا ولا خارجا فعمد بعض ندمائه إلى سكّين فأحمي، ثم ألقاه إليه فابتلعه، فلم يجاوز أعلى حلقه حتى طلع طرف السّكين من موضع مذبحه، ثمّ خرّ ميّتا. فمنعنا بخرقه من استقصاء ما أردنا.
1168-[شبه النعامة بالبعير وبالطائر]
وفي النّعامة أنّها لا طائر ولا بعير، وفيها من جهة المنسم والوظيف [2] والخرمة [3] ، والشقّ الذي في أنفه، ما للبعير. وفيها من الرّيش والجناحين والذّنب والمنقار، ما للطائر. وما كان فيها من شكل الطّائر أخرجها ونقلها إلى البيض، وما كان فيها من شكل البعير لم يخرجها ولم ينقلها إلى الولد. وسماها أهل
__________
[1] الخرق: العمق.
[2] الوظيف: مستدق الذراع والرجل من الإبل.
[3] الخرمة: موضع الخرم من الأنف.
(4/416)

فارس: «أشتر مرغ» ، كأنّهم قالوا: هو طائر وبعير.
وقال يحيى بن نوفل [1] : [من الوافر]
فأنت كساقط بين الحشايا ... تصير إلى الخبيث من المصير
ومثل نعامة تدعى بعيرا ... تعاظمها إذا ما قيل طيري
فإن قيل احملي قالت فإنّي ... من الطّير المربّة بالوكور [2]
ثمّ هجا خالدا فقال:
وكنت لدى المغيرة عير سوء ... تصول، من المخافة، للزّئير
لأعلاج ثمانية وعلج ... كبير السّنّ ذي بصر ضرير
هتفت بكلّ صوتك: أطعموني ... شرابا، ثمّ بلت على السّرير
وإنما قيل ذلك في النّعامة؛ لأنّ النّاس يضربون بها المثل للرّجل إذا كان ممّن يعتلّ في كلّ شيء يكلفونه بعلة، وإن اختلف ذلك التكليف، وهو قولهم: «إنما أنت نعامة، إذا قيل لها احملي قالت: أنا طائر، وإذا قيل لها طيري قالت: أنا بعير» ،
1169-[قصة أذني النعامة]
وتزعم الأعراب أنّ النّعامة ذهبت تطلب قرنين، فرجعت مقطوعة الأذنين؛ فلذلك يسمّونه الظليم، ويصفونه بذلك [3] .
وقد ذكر أبو العيال الهذليّ ذلك، فقال [4] : [من الكامل]
وإخال أنّ أخاكم وعتابه ... إذ جاءكم بتعطّف وسكون
يمسي إذا يمسي ببطن جائع ... صفر ووجه ساهم مدهون [5]
فغدا يمثّ ولا يرى في بطنه ... مثقال حبّة خردل موزون [6]
__________
[1] الأبيات ليحيى بن نوفل في البيان 2/266- 267، ومحاضرات الراغب 2/298، وعيون الأخبار 2/86، وبلا نسبة في اللسان والتاج (نعم) ، والتهذيب 3/15.
[2] أربّ الطائر بوكره: لزمه.
[3] في فصل المقال 361، ومجمع الأمثال 1/406، 2/139 «ذهبت النعامة تطلب قرنين، فرجعت مصلمة الأذنين» . وانظر الفقرة (1206) .
[4] شرح أشعار الهذليين 422.
[5] الصفر: الخالي. الساهم: الضامر.
[6] يمث: يرى على جلده مثل الدهن.
(4/417)

أو كالنّعامة إذ غدت من بيتها ... ليصاغ قرناها بغير أذين
فاجتثّت الأذنان منها فانثنت ... صلماء ليست من ذوات قرون [1]
1170-[تقليد الغراب للعصفور]
ويقولون: ذهب الغراب يتعلم مشية العصفور، فلم يتعلّمها، ونسي مشيته، فلذلك صار يحجل ولا يقفز قفزان العصفور.
1171-[مشي طوائف من الحيوان]
والبرغوث والجرادة ذات قفز، ولا تمشي مشية لدّيك والصّقر والبازي، ولكن تمشي مشية المقيّد أو المحجّل خلقه.
قال أبو عمران الأعمى، في تحوّل قضاعة إلى قحطان عن نزار [2] : [من الطويل]
كما استوحش الحيّ المقيم ففارقوا ال ... خليط فلا عزّ الّذين تحمّلوا
كتارك يوما مشية من سجيّة ... لأخرى ففاتته فأصبح يحجل
1172-[عظام النعامة]
ومن أعاجيبها أنّها مع عظم عظامها، وشدّة عدوها، لا مخّ فيها.
وفي ذلك يقول الأعلم الهذلي [3] : [من الوافر]
على حتّ البراية زمخريّ الس ... واعد ظلّ في شري طوال
يعني ظليما شبّه به عدو فرسه. والحتّ: السريع. والشّري: الحنظل. وبرايته:
قوّته على ما يبريه من السّير. والسّواعد: مجاري مخّه في العظم وكذلك مجاري عروق الضّرع، يقال لها السّواعد.
قال: ونظنّ إنّما قيل لها ذلك لأنّ بعضها يسعد بعضا، كأنّه من التّعاون أو من المواساة.
__________
[1] الصلماء: المقطوعة الأذنين.
[2] البيتان لأبي عمران الأعجم في البرصان 140.
[3] البيت للأعلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين 320، واللسان (حتت، سعد، زمخر) والتاج (سعد، زمخر، بري، شرا) ، والتنبيه والإيضاح 1/161، والمقاييس 1/233، 2/28، وللهذلي في جمهرة اللغة 1145، 2109، وبلا نسبة في الجمهرة 77، والتهذيب 2/73، 7/38، 669.
(4/418)

قال: والزّمخريّ: الأجوف. ويقال: إنّ قصب عظم الظّليم لا مخّ له. وقال أبو النّجم [1] : [من الرجز]
هاو يظلّ المخّ في هوائه
وواحد السّواعد: ساعد.
وقال صاحب المنطق: ليس المخّ إلّا في المجوّفة، مثل عظم الأسد.
وفي بعض عظامه مخّ يسير. وكذلك المخّ قليل في عظام الخنازير، وليس في بعضها منه شيء البتّة.
1173-[بيض النعام]
ومن أعاجيبها [2] أنّها مع عظم بيضها تكثّر عدد البيض، ثمّ تضع بيضها طولا، حتى لو مددت عليها خيطا لما وجدت لها منه خروجا عن الأخرى، تعطي كلّ بيضة من ذلك قسطه، ثمّ هي مع ذلك ربّما تركت بيضها وذهبت تلتمس الطّعام، فتجد بيض أخرى فتحضنه، وربّما حضنت هذه بيض تلك، وربّما ضاع البيض بينهما.
وأمّا عدد بيضها ورئالها فقد قال ذو الرّمّة [3] : [من البسيط]
أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
وفي وضعها له طولا وعرضا على خطّ وسطر، يقول [4] : [من الوافر]
وما بيضات ذي لبد هجفّ ... سقين بزاجل حتّى روينا [5]
وضعن فكلّهنّ على غرار ... هجان اللّون لم تقرع جنينا
يبيت يحفهنّ بمرفقيه ... ويلحفهنّ هفهافا ثخينا [6]
__________
[1] ديوان أبي النجم 57.
[2] ربيع الأبرار 5/451.
[3] ديوان ذي الرمة 114، وتقدم البيت في الفقرة (1165) .
[4] الأبيات لعمرو بن أحمر في ديوانه 158، والأول في اللسان والتاج (هجف، زجل) ، والجمهرة 122، وديوان الأدب 1/359، 3/52، وبلا نسبة في الجمهرة 471، والثاني في اللسان والتاج (قفف، هفف) .
[5] هجف: طويل ضخم، الزاجل: ما يسيل من مؤخر الظليم على البيض حين يحضنه.
[6] لحفه: غطاه باللحاف. الهفهاف: أراد به جناحه.
(4/419)

وقال الآخر [1] : [من البسيط]
تهوي بها مكربات في مرافقها ... فتل صلاب مياسير معاجيل [2]
يدا مهاة، ورجلا خاضب سنق ... كأنّه من جناه الشّري مخلول [3]
هيق هجفّ وزفّانيّة مرطى ... زعراء، ريش جناحيها هراميل [4]
كأنما منثنى أقماع ما هصرت ... من العفاء بليتيها ثآليل [5]
تروّحا من سنام العرق فالتبطا ... إلى القنان التي فيها المداحيل [6]
إذا استهلّا بشؤبوب فقد فعلت ... بما أصابا من الأرض الأفاعيل [7]
فصادفا البيض قد أبدت مناكبها ... منها الرّئال، لها منها سرابيل [8]
فنكّبا ينقفان البيض عن بشر ... كأنها ورق البسباس مغسول [9]
1174-[تشبيه القدر الضخمة بالنعامة]
والشّعراء يشبّهون القدر الضّخمة التي تكون بمنزل العظيم وأشباهه من
__________
[1] الأبيات للشماخ في ديوانه 277- 280 ومنه شرح المفردات.
[2] «تهوي: تسرع. مكربات: مشدودات. يعني أن أذرعها مشدودة في مرافقها شدا محكما. فتل:
جمع أفتل، أي مندمجة شديدة. صياب: لا تحيد عن القصد، مياسير: خفاف تلاين في مشيها.
معاجيل: تعجل بالسير.
[3] المهاة: بقر الوحش. الخاضب: الظليم. السنق: الشبعان كالمتخم. من جناه الشري: من تناوله الحنظل. مخلول: في فمه خلال، وأصله أن يلهج الفصيل الذي برضاع أمه، فيجعل عود في لسانه لئلا يرضع.
[4] «الهيق: الطويل. الهجف: الظليم المسن، أو هو الجافي الثقيل الضخم. الزفانية: الخفيف السريع. مرطى: سريعة. زعراء: قليلة الريش. هراميل: جمع هرمول، وهي قطعة من الشعر تبقى في نواحي الرأس؛ وكذلك من الريش والوبر» .
[5] الاهتصار والانهصار: سقوط الغصن على الأرض؛ وأصله في الشجر. أقماع: جمع قمع، وأصله الذي على رأس الثمرة، شبّه آثار ما سقط من ريشها بأقماع الثمرة. العفاء: الريش الذي يكون على الزف الصغار، بليتيها: بصفحتي عنقها. الثآليل: البثرات تكون في الجسد.
[6] تروحا: سارا في الرواح. سنام العرق: أعلاه. والعرق: موضع على فراسخ من هيت، وجبل بين البصرة واليمامة. التبطا: من اللبط، وهو عدو مع وثب. مداحيل: مداخل تحت الجرف» .
[7] «استهلا بشؤبوب: اشتد عدوهما. والمراد هنا: الدفعة من العدو» .
[8] «المعنى أنهما وجدا البيض قد انفلق عن أعلى الرئال، وبقي أسفلها فيه فكان لها كالسرابيل» .
[9] «نكبا: مالا. ينقفان: ينقبان ويقشران. البشر: جمع بشرة. البسباس: نبت طيب الرائحة» .
(4/420)

الأجواد، بالنّعامة. قال الرّمّاح، ابن ميّادة [1] : [من الطويل]
وقلت لها لا تعجلي.... ... كذلك تقري الشوك ما لم تردد
إلى جامع مثل النّعامة يلتقي ... عوازبه فوق.............
جامع: يعني القدر. وجعلها مثل النّعامة.
وقال ابن ميادة [2] يمدح الوليد بن يزيد: [من الطويل]
نتاج العشار المنقيات إذا شتت ... روابدها مثل النّعام العواطف [3]
وقال الفرزدق [4] : [من الطويل]
وقدر كحيزوم النّعامة أحمشت ... بأجذال خشب زال عنها هشيمها [5]
1175-[لعب الذئب بالنعام]
وضحك أبو كلدة حين أنشد شعر ابن النّطّاح، وهو قوله [6] : [من الكامل]
والذّئب يلعب بالنّعام الشّارد
قال: وكيف يلعب بالنّعام، والذّئب لا يعرض لبيض النّعام وفراخه حين لا يكونان حاضرين، أو يكون أحدهما، لأنّهما متى ناهضاه ركضه الذّكر فرماه إلى الأنثى، وأعجلته الأنثى فركضته ركضة تلقيه إلى الذّكر فلا يزالان كذلك حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا، وإذا حاول ذلك منه أحدهما لم يقو عليه. قال: فكيف يقول: [من الكامل]
والذّئب يلعب بالنّعام الشّارد
وهذه حاله مع النّعام؟!
__________
[1] البيتان فيهما نقص وتحريف، وهما في ديوانه 120 نقلا عن الحيوان.
[2] ديوان ابن ميادة 172.
[3] في ديوانه «العشار: جمع، والعشراء من الإبل: الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر، والعرب يسمونها عشارا بعدما تضع ما في بطونها، وقيل: العشراء من الإبل كالنفساء من النساء» المنقيات: جمع منقية؛ وهي السمينة. الروابد: عنى بها القدور المقيمة على النار. والعواطف:
الحانيات على أولادها.
[4] البيت للفرزدق في البخلاء 225، وأساس البلاغة (حمش) ، وأمالي المرتضى 4/29، وليس في ديوانه.
[5] الحيزوم: الصدر، أو ما استدار بالظهر والبطن. أحمشت: أشبع وقودها.
[6] ديوان بكر بن النطاح 241، نقلا عن الحيوان.
(4/421)

وزعم أنّ نعامتين اعتورتا ذئبا فهزمتاه، وصعد شجرة، فجالدهما، فنقره أحدهما، فتناول الذّئب رأسه فقطعه، ثمّ نزل إلى الآخر فساوره فهزمه.
1176-[جبن الظليم]
والظّليم يوصف بالجبن، ويوصف بالنّفار والتّوحّش وقال سهم بن حنظلة [1] ، في هجائه بني عامر: [من المتقارب]
إذا ما رأيت بني عامر ... رأيت جفاء ونوكا كثيرا
نعام تجرّ بأعناقها ... ويمنعها نوكها أن تطيرا
1177-[شدة ضرر النعامة]
والنّعامة تتخذها النّاس في الدّور، وضررها شديد، لأنّها ربّما رأت في أذن الجارية أو الصبيّة قرطا فيه حجر، أو حبّة لؤلؤ، فتخطفه لتأكله. فكم أذن قد خرقتها! وربّما رأت ذلك في لبّة [2] الصبيّ أو الصبيّة، فتضربه بمنقارها، فربّما خرقت ذلك المكان.
1178-[تشبيه الفرس بالظليم]
وممّا يشبّه به الفرس ممّا في الظليم، قول امرئ القيس بن حجر [3] : [من الطويل]
وخدّ أسيل كالمسنّ وبركة ... كجؤجؤ هيق دفّه قد تموّرا [4]
وقال عقبة بن سابق: [من الخفيف]
وله بركة كجؤجؤ هيق ... ولبان مضرّج بالخضاب [5]
وقال أبو داؤد الإيادي [6] : [من مجزوء الكامل]
يمشي كمشي نعامت ... ين يتابعان أشقّ شاخص [7]
__________
[1] البيتان في عيون الأخبار 2/87، والحماسة البصرية 2/287.
[2] اللّبة: موضع القلادة من الصدر.
[3] ديوان امرئ القيس 267.
[4] البركة والجؤجؤ: الصدر. الهيق: ذكر النعام. الدف: صفحة الجنب. تمور: سقط منه النسيل؛ وهو الريش.
[5] البركة والجؤجؤ: الصدر. الهيق: ذكر النعام. اللبان: وسط الصدر. مضرج بالخضاب: ملطخ بالدم.
[6] ديوان أبي دؤاد 322، واللسان والتاج (مصص) ، والمعاني الكبير 3، 40، والجمهرة 1331.
[7] في ديوانه: «إذا مشى اضطرب فارتفعت عجزه مرة؛ وعنقه مرة أخرى، وكذلك مشي النعامتين إذا تتابعتا تقاصر واحدة وتطاول واحدة، فإذا مشت المتقدمة ارتفع الصدر، وإذا مشت المتأخرة ارتفع العجز. الأشق: الطويل.
(4/422)

وقال آخر: [من الوافر]
كأنّ حماته كردوس فحل ... مقلّصة على ساقي ظليم [1]
وقال أبو داؤد الإياديّ [2] : [من الكامل]
كالسّيد ما استقبلته وإذا ... ولّى تقول ململم ضرب [3]
لأم إذا استقبلته ومشى ... متتابعا ما خانه عقب [4]
يمشي كمشي نعامة تبعت ... أخرى إذا ما راعها خطب
القول فيما اشتقّ له من البيض اسم
قال العدبّس الكنانيّ: باضت البهمى [5] : أي سقطت نصالها [6] وباض الصّيف، وباض القيظ: اشتدّ الحرّ وخرج كلّ ما فيه- من ذلك.
وقال الأسديّ: [من الطويل]
فجئنا وقد باض الكرى في عيوننا ... فتى من عيوب المقرفين مسلّما [7]
وقال أميّة بن أبي الصّلت [8] : [من الخفيف]
ركبت بيضة البيات عليهم ... لم يحسّوا منها سواها نذيرا [9]
وقال الرّاعي [10] ، يهجو ابن الرّقاع: [من البسيط]
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرّقاع، ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة لم تقبل لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد
__________
[1] الحماة: عضلة الساق. الكردوس: واحد الكراديس؛ وتعني رؤوس العظام.
[2] ديوان أبي دؤاد 284؛ ومنه شرح المفردات التالية.
[3] في ديوانه «ململم: مجتمع الخلق. ضرب: خفيف اللحم» .
[4] «اللأم: الشديد من الخيل وغيرها. عقب: جري بعد جري» .
[5] البهمى: نبت تجد به الغنم وجدا شديدا ما دام أخضر، فإذا يبس هرّ شوكه وامتنع، والبهمى:
ترتفع نحو الشبر ونباتها ألطف من نبات البر. انظر اللسان (بهم) .
[6] النصال: سنابل البهمى.
[7] المقرف: الهجين الذي أمه عربية وأبوه غير عربي.
[8] ديوان أمية بن أبي الصلت 404.
[9] في ديوانه «البيضة، هنا: الشدة. والبيات الاسم من قولهم: بيّت القوم، إذا أوقع بهم ليلا وأخذهم بغتة» .
[10] ديوان الراعي 203، وثمار القلوب 392 (720) ، واللسان والتاج (بيض) ، والعمدة 2/189، والأول في اللسان والتاج (رقع) ، والثاني في التهذيب 3/124، 12/85، واللسان والتاج (بلد) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (دعا) .
(4/423)

وفي المديح قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «أنا بيضة البلد» ، [1] ومنه «بيضة الإسلام» [2] . وبيضة القبّة: أعلاها، وكذلك الصّومعة، والبيض: قلانس الحديد.
وقال أبو حيّة النّميريّ [3] : [من الوافر]
وصدّ الغانيات البيض عنّي ... وما إن كان ذلك عن تقالي [4]
رأين الشّيب باض على لداتي ... وأفسد ما عليّ من الجمال [5]
وبيض الجرح والخراج والحبن [6] : الوعاء الذي يجمع فيه الصّديد، إذا خرج برئ وصلح.
وقد يسمّون ما في بطون إناث السّمك بيضا، وما في بطون الجراد بيضا، وإن كانوا لا يرون قشرا يشتمل عليه، ولا قيضا [7] يكون لما فيه حضنا.
والخرشاء: قشرة البيض إذا خرج ما فيه. وسلخ الحيّة يقال له الخرشاء.
1179-[شعر في التشبيه بالبيض]
وقال الأعشى [8] في تشبيه اللّفاء الحسناء [9] بالبيضة: [من السريع]
أو بيضة في الدّعص مكنونة ... أو درّة سيقت إلى تاجر [10]
وقال في بيض الحديد [11] : [من الطويل]
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... إذا شام يوما للصّريخ المندّد [12]
__________
[1] ثمار القلوب 392 (720) ، والعمدة 2/189، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال 1/97، وجمهرة الأمثال 1/231، وفصل المقال 417، 438، 487.
[2] في ثمار القلوب (722) : بيضة الإسلام: هي مجتمعه وحوزته.
[3] ديوان أبي حية النميري 168.
[4] التقالي: المباغضة.
[5] لداتي: جمع لدة، وهو من يولد معك.
[6] الحبن. الدمل.
[7] القيض: القشرة العليا اليابسة على البيضة.
[8] ديوان الأعشى 189، وبلا نسبة في اللسان والتاج (حرب) ، والتهذيب 5/23، والجمهرة 1256.
[9] اللفاء: الضخمة الفخذين في اكتناز.
[10] مكنونة: مخبأة. الدعص: الرمل المستدير.
[11] ديوان الأعشى 289.
[12] الدو: الفلاة: شام: نظر، أو: سلّ سيفه. الصريخ: المستغيث.
(4/424)

وقال الأعشى [1] : [من الطويل]
أتتنا من البطحاء يبرق بيضها ... وقد رفعت نيرانها فاستقلّت
وقال زيد الخيل [2] : [من الطويل]
كأنّ نعام الدّوّباض عليهم ... فأحداقهم تحت الحديد خوازر [3]
قال: ويقال تقيّضت البيضة، والإناء، والقارورة، تقيّضا: إذا انكسرت فلقا.
فإذا هي لم تتفلّق فلقا وهي متلازقة، فهي منقاضة انقياضا. وقيض البيضة: قشرتها اليابسة. وغرقئها: القشرة الرّقيقة التي بين اللّحم وبين الصّميم. قال: والصّميم:
الجلدة.
قال: ويقال غرقأت البيضة: إذا خرجت وليس لها قشر ظاهر غير الغرقئة.
قال الرّدّاد: غرقأت الدّجاجة بيضها، فالبيضة مغرقأة. والخرشاء: القشرة الغليظة من البيضة، بعد أن تثقب فيخرج ما فيها من البلل؛ وجماعها الخراشيّ، غير مهموز.
قال: وقال ردّاد: خرشاء الحيّة: سلخها حين تنسلخ.
قال: وتغدّى أعرابيّ عند بعض الملوك، فدبّت على حلقه قملة، فتناولها فقصعها بإبهامه وسبّابته، ثمّ قتلها، فقالوا له: ويلك! ما صنعت؟! فقال: بأبي أنتم وأمي، ما بقي إلا خرشاؤها! وقال المرقّش [4] : [من السريع]
إن تغضبوا نغضب لذاكم كما ... ينسلّ من خرشائه الأرقم [5]
وقال دريد بن الصّمّة في بيض الحديد [6] :
قال: ويقال في الحافر نزا ينزو. وأمّا الظّليم فيقال: قعا يقعو، مثل البعير.
__________
[1] ديوان الأعشى 309، وأمالي ابن الشجري 2/165، وحماسة ابن الشجري 41.
[2] البيت لزيد الخيل في ديوانه 211، ولمعقر بن أوس بن حمار في الأغاني 11/161، ولمعقر بن حمار في قصائد جاهلية نادرة 111، وصدر البيت بلا نسبة في المقاييس 3/112.
[3] الخازر: من ينظر بلحاظ عينيه.
[4] المفضليات 240.
[5] الأرقم من الحيات: الذي فيه سواد وبياض.
[6] سقط البيت من الأصل، ولم يرد في ديوان دريد بن الصمة شعر قاله في بيضة الحديد.
(4/425)

يقال: قاع يقوع قوعا وقياعا، وقعا يقعو قعوا. فهذا ما يسوّون فيه بينه وبين البعير.
ويقال: خفّ البعير، والجمع أخفاف. ومنسم البعير، والجمع مناسم؛ وكذلك يقال للنّعامة.
وقال الرّاعي [1] : [من الطويل]
ورجل كرجل الأخدريّ يشيلها ... وظيف على خفّ النّعامة أروح [2]
وقال جران العود [3] : [من الطويل]
لها مثل أظفار العقاب ومنسم ... أزجّ كظنبوب النّعامة أروح [4]
قال: والزّاجل: ماء الظّليم؛ وهو كالكراض من ماء الفحل. وأنشد لابن أحمر [5] : [من الوافر]
وما بيضات ذي لبد هجفّ ... سقين بزاجل حتّى روينا
وقال الطّرمّاح [6] : [من الخفيف]
سوف تدنيك من لميس سبندا ... ة أمارت بالبول ماء الكراض [7]
وربّما استعاروا المناسم. قال الشاعر: [من الرجز]
توعدني بالسّجن والآدات ... إذا عدت تأظبت أدات
تربط بالحبل أكيرعات
قال: ويقال لولد النّعام: الرّأل، والجمع رئال ورئلان؛ وحفّان. وحفّانة
__________
[1] ديوان الراعي 44.
[2] الأخدري: الحمار الوحشي. يشيل: يرفع.
[3] ديوان جران العود 6.
[4] في ديوانه «يقول: أظفارها كمخالب العقاب. والمنسم طرف خف النعامة. والأزج: المقوس.
الظنبوب: أنف عظم السوق» .
[5] ديوان عمرو بن أحمر 158، وتقدم في الفقرة (1173) .
[6] ديوان الطرماح 266 (172) ، واللسان (نضج، مور، يعر، كرض) ، والتاج (مور، يعر، كرض) ، والتهذيب 3/182، 10/36، 557، 15/298، والجمهرة 751، والعين 5/301، والمقاييس 5/170، وبلا نسبة في المجمل 4/222، 564.
[7] في ديوانه «سبنداة: الناقة الجريئة. أمارت: أسالت وأجالت. والكراض: ماء الفحل. وأمارته: أي أسالته مع البول، فلم تعقد عليه، ولم تحمل فتضعف، وعدم الحمل أقوى للناقة» .
(4/426)

للواحدة، والجمع حفّان؛ وحسكل. ويقال: هذا خيط نعام وخيطان. وقال الأسود بن يعفر: [من الكامل]
وكأنّ مرجعهم مناقف حنظل ... لعب الرّئال بها وخيط نعام
ويقال: قطيع من نعام، ورعلة من نعام.
وقال الأصمعيّ: الرّعلة: القطعة من النّعام. والسّرب من الظّباء والقطا. والإجل من الظّلف.
وقال طفيل الغنويّ [1] في بيضة الحيّ وما أشبه ذلك: [من الطويل]
ضوابع تنوي بيضة الحيّ بعدما ... أذاعت بريعان السّوام المعزّب [2]
قال: ويقال: للظليم إذا رعى في هذا النّبات ساعة وفي هذا ساعة قد عقّب يعقّب تعقيبا. وأنشدني لذي الرّمّة [3] : [من البسيط]
ألهاه آء وتنّوم وعقبته ... من لائح المرو والمرعى له عقب
قال: ويقال للرجل، إذا كان صغير الأذنين لاصقتين بالرّأس: أصمع؛ وامرأة صمعاء. ويقال: خرج السهم متصمّعا: إذا ابتلّت قذذه من الدّم وانضمّت. وقال أبو ذؤيب [4] : [من الكامل]
سهما فخرّ وريشه متصمّع
ويقال: أتانا بثريدة مصمّعة: إذا دقّقها وحدّد رأسها. وصومعة الرّاهب منه؛ لأنها دقيقة الرأس. وفلان أصمع القلب: إذا كان ذكيا حديدا ماضيا. وقال طرفة [5] :
[من الطويل]
لعمري لقد مرّت عواطس جمّة ... ومرّ قبيل الصّبح ظبي مصمّع [6]
__________
[1] ديوان طفيل الغنوي 29، والعين 2/25.
[2] في ديوانه «الضبع: أن تهوي بأيديها إلى أعضادها، بيضة الحي: معظمهم. أذاعت: فرّقت. ريعان كل شيء: أوله. السوام: ما يسرح من إبل أو بقر أو غنم. المعزب: الذي بعد عن أهله لا يروح عليهم» .
[3] ديوان ذي الرمة 114.
[4] صدر البيت (فرمى فأنفذ من نحوص عائط) ، وهو لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 22، واللسان والتاج (نجد، صمع) ، والعين 1/317، والمجمل 3/242، والتهذيب 2/60، 10/665، وللهذلي في الجمهرة 887، وبلا نسبة في المقاييس 3/311، والمخصص 6/94.
[5] البيت في ملحق ديوان طرفة 156 «طبعة مكس سلغسون» ، واللسان والتاج (عطس، سمع) والتهذيب 2/65، وبلا نسبة في المخصص 8/26.
[6] العواطس: جمع عاطس، وهو ما استقبلك من الظباء.
(4/427)

أراد: ماضيا.
وقال الشاعر في بيضة البلد: [من البسيط]
أقبلت توضع بكرا لا خطام لها ... حسبت رهطك عندي بيضة البلد
ويشبّه عظام جماجم الرؤوس ببيض النّعام. وقال الأعرج القينيّ: [من الوافر]
بكينا بالرّماح غداة طرق ... على قتلى بناصفة كرام [1]
جماجم غودرت بحمام عرق ... كأنّ فراشها بيض النّعام [2]
وقال مقاتل بن طلبة [3] : [من الطويل]
رأيت سحيما فاقد الله بينها ... تنيك بأيديها وتأبى أيورها
وقال السّحيمي يردّ عليه: [من الطويل]
مقاتل، بشّرها ببيض نعامة ... وإن لم تبشّرها فأنت أميرها
وقال أبو الشّيص الخزاعي في بيضة الخدر: [من البسيط]
وأبرز الخدر من ثنييه بيضته ... وأعجل الرّوع نصل السّيف يخترط [4]
فثمّ تفديك منّا كلّ غانية ... والشّيخ يفديك والولدان والشّمط [5]
وقال جحش بن نصيب: [من الطويل]
كأنّ فلاق الهام تحت سيوفنا ... خذاريف بيض عجّل النّقف طائره [6]
وقال مهلهل [7] في بيضة الخدر: [من الكامل]
وتجول بيضات الخدور حواسرا ... يمسحن فضل ذوائب الأيتام [8]
__________
[1] ناصفة: موضع في العقيق بالمدينة، ويوم ناصفة من أيام العرب. معجم البلدان 5/252.
[2] الفراش: كل عظم رقيق.
[3] البيت في عيون الأخبار 4/96.
[4] الثنيان: مثنى ثني، والجمع أثناء، وهي المحاني، والمعاطف. يخترط: يستل من غمده.
[5] الشمط: جمع أشمط، وشمطاء، وهو الذي اختلط بياض رأسه بسواده.
[6] الفلاق: جمع فلاقة، وهي القطعة، والخذاريف: جمع خذروف: وهي كل شيء مبعثر من شيء.
نقف الطائر البيضة: ثقبها.
[7] البيت في الأصمعيات 156.
[8] حواسر: كاشفات رؤوسهن.
(4/428)

وهو وما قبله يدلان على أنهم لا يشبّهون ببيض النّعام إلّا الأبكار.
قال الشاعر [1] : [ممن الطويل]
وبيض أفقنا بالضّحى من متونها ... سماوة بيض كالخباء المقوّض [2]
هجوم عليها نفسه، غير أنّه ... متى يرم في عينيه بالشّخص ينهض [3]
يعني بالبيض بيض النّعام. وسماوة الشيء: شخصه. لأنّ الظّليم لما رآهم فزع ونهض. وهذا البيت أيضا يدلّ على أنّه فروقة [4] .
وقال ذو الرّمّة [5] في بيض النّعام: [من الطويل]
تراه إذا هبّ الصّبا درجت به ... غرابيب من بيض هجائن دردق [6]
قال: والصّبا والجنوب تهبّان في أيام يبس البقل، وهو الوقت الذي يثقب النّعام فيه البيض. يقول: درجت به رئلان سود غرابيب، وهي من بيض هجائن: أي بيض.
والدّردق: الصّغار، وهو من صغر الرّئلان.
قال طفيل بن عوف الغنويّ [7] ، وذكر كيف يأخذون بيض النّعام: [من الطويل]
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم [8]
__________
[1] ديوان ذي الرمة 1831- 1832، والخزانة 8/157، والثاني بلا نسبة في اللسان والتاج (هجم) ، والكتاب 1/110.
[2] في ديوانه «سماوة جون» ، وفيه: «السماوة: شخصه، أي: فزعناه فقام عن بيضه. والخباء: البيت.
المقوض: الذي هلك وقلعت أوتاده» .
[3] في ديوانه: «بالشبح ينهض» ، وفيه: «هجوم عليها: يعني الظليم، يرمي نفسه على بيضه، الشبح:
الشخص، ينهض: إذا رأى شخصا فرّ وهرب» .
[4] فروقة: كثير الفزع.
[5] ديوان ذي الرمة 480، والمعاني الكبير 354، والأزمنة والأمكنة 2/81.
[6] في ديوانه «إنما اختار الصبا لأنها تهب في الشتاء، والنعام لا يبيض إلا في الشتاء. فلذلك درجت في هذا الوقت. غرابيب: سود، الواحد: غربيب، يعني الفراخ. من بيض: يقول: هذه الفراخ خرجت من بيض بيض. والهجائن: البيض. دردق: صغار، لا واحد لها» .
[7] ديوان طفيل الغنوي 77- 78، وأمالي القالي 2/83، والأول في أساس البلاغة (تمم، نبح) ، وهما لابن مقبل في ديوانه 276.
[8] في ديوانه «عوازب: لا تروح إلى أهلها بالقفر. النبوح: أصوات كلاب المقيمين. تم حول: يقال:
مضى له حول مجرم، إذا كان تماما» .
(4/429)

سوى نار بيض أو غزال معفّر ... أغنّ من الخنس المناخر توءم [1]
هذه إبل راع معزب صاحب بواد وبدوة لا يأتي المحاضر والمياه حيث تكون النّيران. وهو صاحب لبن وليس صاحب بقل، فإبله لا ترى نارا سوى نار بيض أو غزال.
1180-[نار الصّيد]
وهذه النّار هي النّار التي يصطاد بها الظّباء والرّئلان وبيض النّعام [2] لأنّ هذه كلّها تعشى إذا رأت نارا، ويحدث لها فكرة فيها ونظر. والصبيّ الصغير كذلك.
وأوّل ما يعابث الرّضيع، أوّل ما يناغي، المصباح.
وقد يعتري مثل ذلك الأسد، ويعتري الضّفدع؛ لأنّ الضّفدع ينقّ، فإذا رأى نارا سكت. وهذه الأجناس قد تغترّ بالنّار، ويحتال لها بها.
1181-[تشبيه الغيوم بالنّعام]
وتوصف الغيوم المتراكمة بأنّ عليها نعاما. قال الشّاعر [3] : [من المتقارب]
كأنّ الرّباب دوين السّحا ... ب نعام تعلّق بالأرجل [4]
وقال آخر [5] : [من الطويل]
خليليّ لا تستسلما وادعوا الّذي ... له كلّ أمر أن يصوب ربيع
حيا لبلاد أبعد المحل أهلها ... وفي العظم شيء في شظاه صدوع [6]
بمستنضد غرّ النّشاص كأنها ... جبال عليهنّ النّسور وقوع [7]
1182-[استطراد لغوي]
وقال آخر [8] : [من الكامل]
وضع النّعامات الرّجال بريدها ... من بين مخفوض وبين مظلّل [9]
__________
[1] في ديوانه «يقول: سوى نار بيض نعام أو غزال يصيدونه. والأخنس: القصير الأنف. توءم: اثنان في بطن.
[2] في ثمار القلوب 462 (830) : نار الصيد ... ويطلب بها أيضا بيض النعام في أفاحيصها ومكامنها.
[3] البيت لعبد الرحمن بن حسان أو لعروة بن جلهمة المازني في اللسان والتاج (ربب) ، والتنبيه والإيضاح 1/80، ولحسان بن ثابت في زهر الآداب 240.
[4] الرباب: السحاب المتعلق.
[5] الأبيات بلا نسبة في ربيع الأبرار 1/139.
[6] الحيا: الخصب. المحل: الجدب. الشظي: عظيم لاصق بالركبة.
[7] المستنضد: السحاب المتراكم، والنشاص: السحاب المرتفع بعضه فوق بعض.
[8] البيت لأبي كبير الهذلي في ديوان الهذليين 2/97، وبلا نسبة في المخصص 5/135.
[9] الرّيد: حرف الجبل الناتئ.
(4/430)

والنعائم في السماء [1] ، والنعائم والنّعامتان من آلات البئر. والنعامة: بيت الصائد.
وقال في مثل ذلك عروة بن مرّة الهذليّ [2] : [من الطويل]
وذات ريد كزنق الفأس مشرفة ... طريقها سرب بالنّاس مجبوب [3]
لم يبق من عرشها إلّا نعامتها ... حالان منهزم منها ومنصوب [4]
1183-[مسكن الأروى والنعام]
وفي المثل: «ما يجمع بين الأروى والنّعام» [5] لأنّ الأروى تسكن الجبال ولا تسهل [6] ، والنّعام تسكن السهل ولا ترقى في الجبال. ولذلك قال الشاعر [7] : [من المتقارب]
وخيل تكردس بالدّارعين ... كمشي الوعول على الظّاهره [8]
وقال كثيّر [9] : [من الكامل]
يهدي مطايا كالحنيّ ضوامرا ... بنياط أغبر شاخص الأميال [10]
__________
[1] هي منزلة من منازل القمر بها ثمانية كواكب نيّرة، أربعة منها في المجرة تسمى الواردة وأربعة خارجة منها تسمى الصادرة، وشبهت بالخشبات التي تكون على البئر يعلق بها البكرة والدلاء.
انظر العمدة 2/55، وصبح الأعشى 2/179.
[2] البيتان لأبي خراش الهذلي في ديوان الهذليين 2/159- 160، والبيت الأول في اللسان (سرب) ، والتاج (دعب، سرب) .
[3] في ديوان الهذليين: «الريد: حرف ناتئ من الجبل. كذلق الفأس: كحدّ الفأس، طريقها سرب: شائع» .
[4] في ديوان الهذليين «قوله: من عرشها: هو أن يوضع فوق هذه الدعامة ثمام أو شيء يستظل تحته، فيقول: لم يبق من عرش هذه إلا جذلان: عودان، واحد قائم، والآخر ساقط» .
[5] مجمع الأمثال 2/271، والمستقصى 2/335، وأمثال ابن سلام 279، وجمهرة الأمثال 2/169.
[6] تسهل: تنزل في السهل من الأرض.
[7] البيت للمهلهل في التهذيب 6/250، 10/46، واللسان والتاج (ظهر) ، وله أو لعبيد في اللسان والتاج (كدس) ، وبلا نسبة في المقاييس 5/165، والمخصص 10/69، والبرصان 143.
[8] الدارع: لابس الدرع الحديدي. الظاهر: أعلى الجبل.
[9] ديوان كثير 287.
[10] الحنيّ: جمع حنية، وهي القوس، الأغبر: الطريق ذو الغبرة. شاخص: قائم.
(4/431)

فكأنّه إذ يغتدي متسنّما ... وهدا فوهدا ناعق برئال [1]
1184-[تشبيه النعام بالسحاب]
وقال الأعشى [2] ، في تشبيه النّعام بما يتدلّى من السّحاب من قطع الرّباب:
[من مجزوء الكامل]
يا هل ترى برقا على ال ... جبلين يعجبني انجيابه [3]
من ساقط الأكناف ذي ... زجل أربّ به سحابه [4]
مثل النّعام معلّقا ... لمّا زقا ودنا ربابه [5]
وقال وشبّه ناقته بالظّليم [6] : [من الكامل]
وإذا أطاف لبابه بسديسه ... ومسافرا ولجا به وتزيّدا
شبّهته هقلا يباري هقلة ... ربداء في خيط نقانق أربدا [7]
وذكر زهير [8] الظّليم وأولاده، حتّى شبّه ناقته بالظّليم: [من الطويل]
كأنّي وردفي والقراب ونمرقي ... على خاضب السّاقين أزعر نقنق [9]
تراخى به حبّ الضّحاء وقد رأى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق [10]
تحنّ إلى ميل الحبابير جثّم ... لدى سكن من بيضها المتفلّق [11]
تحطّم عنها عن خراطم أسيح ... وعن حدق كالسّبج لم يتفلّق
__________
[1] الوهد: الأرض المنخفضة. ناعق: من نعق الراعي بالغنم: دعاها وصاح بها.
[2] ديوان الأعشى 339.
[3] انجيابه: انكشافه.
[4] الزجل: الصوت. أرب به: أقام.
[5] زقا: صاح.
[6] ديوان الأعشى 279.
[7] الهقل: الفتي من النعام. الصعل: الطويل من النعام. الربداء، الرمادية اللون. الخيط: جماعة النعام. النقانق: الخفيف من النعام.
[8] ديوان زهير 177- 178، والشرح التالي منه.
[9] «ردفه: عيبه أو حقيبة، النمرق: الوسادة. خاضب: قد خضب البقل ساقيه. أزعر: قليل الريش.
نقنق: ينقنق في صوته، ويقال هو اسم الظليم» .
[10] تراخى: تطاول. تباعد به حبّه لأن يتضحّى، والضحاء للإبل: مثل الغداء للناس. وسماوة الشيء: أعلى شخصه. وقشراء: نعامة متقشرة الساق لا ريش عليها. والوظيف: عظم الساق. وعوهق: طويلة العنق.
[11] «تحن هذه النعامة. الحبابير: فراخها. ويقال: هي جمع حبارى. جثم: جاثمة أقامت في موضعها. سكن: حيث تسكن إليه، وهو الموضع الذي باضت فيه» .
(4/432)

السّبج: الخرز
1185-[النعامة فرس خالد بن نضلة]
وكان اسم فرس خالد بن نضلة: «النّعامة» . قال: [من الطويل]
تدارك إرخاء النّعامة حنثرا ... ودودان أدّته إليّ مكبّلا
1186-[تشبيه مشي الشيخ بهدجان الرئال]
وقال عروة بن الورد [1] : [من الطويل]
أليس ورائي أن أدبّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
رهينة قعر البيت كلّ عشيّة ... يطيف بي الولدان أهدج كالرّأل
شبّه هدجان الشّيخ الضّعيف في مشيته بهدجان الرّأل.
وقال أبو الزّحف [2] : [من الرجز]
أشكو إليك وجعا بركبتي ... وهدجانا لم يكن في مشيتي
كهدجان الرّأل حول الهيقت [3]
وقال آخر، ولست أدري أيّهما حمل على صاحبه: [من الرجز]
أشكو إليك وجعا بمرفقي ... وهدجانا لم يكن في خلقي
كهدجان الرّأل حول النّقنق
ولم يفضحه إلّا قوله:
أشكو إليك وجعا بمرفقي
لأنّ الأوّل حكى أنّ وجعه في المكان الذي يصيب الشّيوخ، ووجع المرفق مثل وجع الأذن، وضربان الضّرس ليس من أوجاع الكبر في شيء.
__________
[1] ديوان عروة بن الورد 54.
[2] الرجز لأبي الزحف في الشعر والشعراء 433 (ليدن) ، ولأبي علقمة التيمي في نوادر أبي زيد 255، وبلا نسبة في اللسان وأساس البلاغة والتاج (هدج) ، والجمهرة 227، 452، وأمالي القالي 1/189.
[3] الهيقة: النعامة الطويلة.
(4/433)

1187-[شعر فيه ذكر النعامة]
وقال ابن ميّادة [1] ، وذكر بني نعامة من بني أسد- وقد كان قطريّ بن الفجاءة يكنى أبا نعامة-: [من الطويل]
فهل يمنعنّي أن أسير ببلدة ... نعامة، مفتاح المخازي وبابها
1188-[جعل البيضة الفاسدة مثلا]
وهجا دريد بن الصّمّة رجلا فجعل البيضة الفاسدة مثلا له، ثمّ ألحق النّسر بأحرار الطّير وكرامها- وما رأيتهم يعرفون ذلك لنسر- فقال [2] : [من الطويل]
فإنّي على رغم العذول لنازل ... بحيث التقى عيط وبيض بني بدر
أيا حكم السّوءات لا تهج واضطجع ... فهل أنت إن هاجيت إلّا من الخضر
وهل أنت إلّا بيضة مات فرخها ... ثوت في سلوخ الطير في بلد قفر
حواها بغاث: شرّ طير علمتها ... وسلّاء ليست من عقاب ولا نسر
1189-[استطراد لغوي]
ويقال للأنثى من ولد النّعامة: قلوص؛ على التشبيه بالنّعام من الإبل. وهذا الجمع إلى ما جعلوه له من اسم البعير، وإلى ما جعلوا له من الخفّ والمنسم، والخرمة، وغير ذلك.
قال عنترة [3] : [من الكامل]
تأوي له قلص النّعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم [4]
__________
[1] ديوان ابن ميادة 79.
[2] الأبيات لدريد بن الصمة في ديوانه 71، ولابن ميادة في ديوانه 281، ورأى محقق ديوان ابن ميادة أن الأبيات لابن ميادة وليست لدريد بن الصمة وعلل ذلك اعتمادا على ما جاء في البيت الثاني حيث ورد اسم «الحكم الخضري» الذي كان معاصرا لابن ميادة وكانت بينهما علاقة عدائية مشهورة.
[3] البيت لعنترة من معلقته في ديوانه 20، واللسان والتاج (قلص، حزق، طمم) ، والتهذيب 13/207، والمجمل 2/57، والجمهرة 213، 894، والمقاييس 2/53، وبلا نسبة في المخصص 2/120، 122، وشرح المفصل 8/153.
[4] في ديوانه «الحزق: الجماعات. الطمطم: الذي لا يفصح» .
(4/434)

وقال شماخ بن ضرار [1] : [من الطويل]
قلوص نعام زفّها قد تموّرا [2]
1190-[وصف الرئال]
ووصف لبيد الرّئال فقال [3] : [من الوافر]
فأضحت قد خلت إلّا عرارا ... وعزفا، بعد أحياء حلال [4]
وخيطا من خواضب مزلفات ... كأنّ رئالها ورق الإفال [5]
وقال حسان بن ثابت، رضي الله عنه [6] : [من الوافر]
لعمرك إنّ إلّك في قريش ... كإلّ السّقب من رأل النّعام [7]
وقد عاب عليه هذا البيت ناس، وظنّوا أنّه أراد التبعيد، فذكر شيئين قد يتشابهان من وجوه. وحسان لم يرد هذا، وإنما أراد ضعف نسبه في قريش، وأنّه حين وجد أدنى نسب انتحل ذلك النّسب.
1191-[النعامة، فرس الحارث بن عباد]
وقال الفرزدق- وذكر الفرس الذي يقال له: «النّعامة» وهو فرس الحارث بن
__________
[1] صدر البيت: (وقد أنعلتها الشمس نعلا كأنه) ، وهو في ديوان الشماخ 138، واللسان والتاج (قلص) ، والمخصص 8/56، 158، وبلا نسبة في الجمهرة 894.
[2] في ديوانه: «القلوص: الأنثى الشابة من الرئال، الزف: صغير الريش. تمور: سقط» .
[3] ديوان لبيد 72- 73، والأول في اللسان والتاج (خيط) ، والتهذيب 7/503، والعين 4/239، والثاني في اللسان والتاج (عرر) ، والعين 1/86، وبلا نسبة في المقاييس 4/35، والمخصص 17/124.
[4] العرار: صوت الظليم. والعزف: صوت الرياح أو الجن. أحياء حلال: أقوام مقيمون.
[5] الخيط: جماعة النعام. الخواضب: الظلمان المحمرة سوقها. رئال: فراخ. إفال: جمع أفيل، وهو الفصيل من الإبل.
[6] ديوان حسان 465، واللسان والتاج (ألل) ، وديوان الأدب 4/155، وكتاب الجيم 3/226، وبلا نسبة في المقاييس 1/21، والعين 8/361، والمخصص 3/151. والبيت قاله حسان لأبي سفيان بن الحارث.
[7] في ديوانه: «الآل: الرحم. السقب: ولد الناقة ساعة يولد. الرأل: ولد النعام. يقول: إن قرابتك من قريش كقرابة ولد الناقة لرأل النعام، أي لست منهم في نسب» .
(4/435)

عباد، التي يقول فيها [1] : [من الخفيف]
قرّبا مربط النّعامة منّي ... لقحت حرب وائل عن حيال
وقول الفرزدق [2] : [من الطويل]
ترييك نجوم اللّيل والشّمس حيّة ... كرام بنات الحارث بن عباد
نساء أبوهنّ الأغرّ، ولم تكن ... من الحتّ في أجبالها وهداد [3]
أبوها الذي آوى النّعامة بعدما ... أبت وائل في الحرب غير تماد
وقد مدحوا بنات الحارث بن عباد هذا، فمن ذلك قوله [4] : [من الكامل]
جاؤوا بحارشة الضّباب كأنّهم ... جاؤوا ببنت الحارث بن عباد [5]
ويلحق هذا البيت بموضعه، من قولهم. باض الصّيف، وباض القيظ.
وقال مضرّس [6] : [من الطويل]
بلمّاعة قد باكر الصّيف ماءها ... وباضت عليها شمسه وحرائره
1192-[ابن النعامة، فرس خزز بن لوذان]
وابن النّعامة: فرس خزز بن لوذان. وهو الذي يقول لامرأته حين أنكرت عليه إيثاره فرسه باللبن [7] : [من الكامل]
كذب العتيق وماء شنّ بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي [8]
__________
[1] البيت للحارث بن عباد في الأصمعيات 71، والحماسة البصرية 1/16، والسمط 757، والخزانة 1/472، 473، واللسان (قلص، نعم، عنن) ، والتاج (نعم، عنن) ، وأساس البلاغة (حول، لقح) ، والأغاني 5/47، وديوان المعاني 2/63، وذيل الأمالي 27، والأزهية 280، وتقدم البيت الأول في الفقرة (8) 1/21.
[2] ديوان الفرزدق 159 (طبعة الصاوي) ، والأغاني 21/289- 290.
[3] في الأغاني: «من الأزد في جاراتها وهداد» . الحت وهداد: قبيلتان من الأزد.
[4] البيت لامرأة من بني مرة بن عباد في ثمار القلوب 240 (465) .
[5] في ثمار القلوب: «بنت الحارث بن عباد: ممن يتمثّل بها من النساء في الشرف والجمال» .
[6] البيت في اللسان والتاج (حرر) .
[7] الأبيات لخزز بن لوذان في البرصان 175، والبيان 3/317، وله أو لعنترة في اللسان (نعم) ، والخزانة 6/183، والأغاني 10/180، ولعنترة في ديوانه 33، وانظر الحماسة البصرية 1/16، وأمالي الشجري 1/260، وحماسة الشجري 8.
[8] في ديوان عنترة «كذب، هنا: بمعنى وجب. العتيق: التمر. الشن: القربة البالية» .
(4/436)

إنّي لأخشى أن تقول خليلتي ... هذا غبار ساطع فتلبّب [1]
إنّ العدوّ لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضبي
ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النّعامة يوم ذلك مركبي [2]
1193-[شعر في النعامة]
وقال أبو بكر الهذليّ [3] : [من الكامل]
وضع النّعامات الرّجال بريدها ... يرفعن بين مشعشع [4] ومهلّل
وقال ذو الإصبع العدوانيّ [5] : [من البسيط]
ولي ابن عمّ على ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني [6]
أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني [7]
وقال أبو داؤد الإياديّ في ذكر الصّيد، وذكر فرسه [8] : [من الخفيف]
وأخذنا به الصّرار وقلنا ... لحقير بنانه أضمار [9]
وأتى يبتغي تفرّس أمّ البي ... ض شدّا وقد تعالى النهار
غير جعف أوابد ونعام ... ونعام خلالها أثوار
في حوال العقارب العمر فيها ... حين ينهضن بالصّباح عذار
ثم قال:
يتكشّفن عن صرائع ستّ ... قسّمت بينهنّ كأس عقار
بين ربداء كالمظلّة أفق ... وظليم مع الظّليم حمار
__________
[1] تلبب: تشمر للحرب.
[2] في ديوان عنترة «القعود: ما اتخذه الراعي من الإبل للركوب، ابن النعامة: صدر القدم» .
[3] ديوان الهذليين 2/97، والمخصص 5/135.
[4] الريد: الحرف الناتئ في عرض الجبل.
[5] ديوان ذي الإصبع 89، والمفضليات 160، واللسان (نعم) .
[6] أقليه ويقليني: أبغضه ويبغضني.
[7] شالت نعامتهم: تفرقت كلمتهم وذهب عزهم.
[8] ديوان أبي دؤاد 319- 320، والشرح التالي من الديوان.
[9] «الصرار: الأماكن المرتفعة، أي انحاز بحصانه إليها. لحقير: أي للخادم الذي يخدمه أو للصائد.
بنانه أضمار: لعلها: ثيابه أطمار» .
(4/437)

ومهاتين حرس ورئال ... وشبوب كأنّه أوثار [1]
ووصف علقمة بن عبدة [2] ناقته، وشبّهها بأشياء منها، ثمّ أطنب في تشبيهه إيّاها بالظّليم: [من البسيط]
تلاحظ السّوط شزرا وهي ضامزة ... كما توجسّ طاوي الكشح موشوم [3]
كأنّها خاضب زعر قوائمه ... أجني له باللّوى شري وتنّوم [4]
يظلّ في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطفّ من التّنّوم مخذوم [5]
فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه ... أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم [6]
يكاد منسمه يختلّ مقلته ... كأنّه حاذر للنّخس مشهوم [7]
حتى تذكّر بيضات وهيّجه ... يوم رذاذ، عليه الرّيح مغيوم
فلا تزيّده في مشيه نفق ... ولا الزّفيف دوين الشّدّ مسؤوم [8]
يأوي إلى حسكل زعر حواصلها ... كأنّهنّ إذا برّكن جرثوم [9]
وضّاعة كعصيّ الشّرع جؤجؤه ... كأنّه بتناهي الرّوض علجوم [10]
__________
[1] «الأوثار: الثوب الأبيض المحشو، وقيل البرذعة، وذلك أنه سمين، أما حرس ورئال فلم أهتد للصواب فيهما» .
[2] ديوان علقمة 57- 62، والمفضليات 399- 400، والشرح التالي من ديوانه.
[3] الشزر: النظر بمؤخر العين. ضامزة: ضامّة لحييها لا تجتر، وذلك أسرع لها. توجس: تسمع حسّا.
الطاوي: الضامر الكشح، الموشوم: المنقط القوائم بسواد.
[4] الخاضب: الظليم الذي أكل الربيع. الزعر: القليلة الريش. اللوى: ما التوى من الرمل، وهو هاهنا موضع بعينه. الشري: شجر الحنظل. التنوم: نبت.
[5] الخطبان من الحنظل: الذي صارت فيه خطوط صفر وحمر. ينقفه: يكسره، ويستخرج حبه، ويأكله. والمخذوم: المقطوع. استطف: ارتفع، أي: يقطع ما ارتفع من أغصانه ويرعاه.
[6] فوه كشق العصا: أي ما تكاد تستبين ما بين منقاريه لشدة التصاقهما. وقوله «أسك ما يسمع» ، أراد:
أسكّ الشيء الذي يسمع الأصوات، والسكك: صغر الأذن وضيقها والمصلوم: المقطوع الأذن من الأصل.
[7] «يكاد منسمه» يريد: ظفره. وقوله «يختل مقلته» يريد: أنه يزج برجليه زجّا شديدا ويخفض عنقه، ويمدها في عدوه، فيكاد ظفره يصيب مقلته فيشقها، والمشهوم: الفزع، والشهم: الذكي القلب.
[8] «التزيد» فوق المشي. و «النفق» الذاهب المنقطع، و «الزفيف» دون العدو و «الشد» العدو الشديد. و «المسؤوم» المملول. يقول: لشدة عدو هذا الظليم وحرصه على إدراك البيض أو الأفراخ لا يسأم الزفاف.
[9] يأوي هذا الظليم إلى فراخ، «زعر» أي أن ريش القوادم لم ينبت بعد لصغرها و «الجرثومة» أصل الشجرة.
[10] الوضع: ضرب من العدو، «كعصي الشرع» شبه عنق الظليم بالبربط، وهو العود، و «الشرع» أوتاره. و «الجؤجؤ» الصدر، و «تناهي الروض» حيث ينتهي السيل ويستقر. و «العلجوم» الليل، شبه الظليم به لسواده، و «العلجوم» أيضا، الجمل الضخم، ويحتمل أن يشبه الظليم به في عظم خلقه.
(4/438)

حتى تلافى وقرن الشّمس مرتفع ... أدحيّ عرسين فيه البيض مركوم [1]
يوحى إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الرّوم [2]
صعل، كأنّ جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم [3]
تحفّه هقلة سطعاء خاضبة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم [4]
1194-[النعامة التي تطحن]
الأصمعيّ قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: أرسل شيخ من ثقيف ابنه فلانا- ولم يحفظ اسمه- إلى ابن سيرين، فكلمه بكلام، وأمّ ابنه هذا قاعدة، ولا يظنّ أنّها تفطن، فقال له: يا بنيّ اذهب إلى ابن سيرين، فقل له: رجل رأى أنّ له نعامة تطحن. قال: فقلت له؛ فقال: هذا رجل اشترى جارية فخبّأها في بني حنيفة.
قال: فجئت أبي فأخبرته، فنافرته أمّي، وما زالت به حتى اعترف أنّ له جارية في بني حنيفة.
وما أعرف هذا التأويل. ولولا أنّه من حديث الأصمعي مشهور ما ذكرته في كتابي.
1195-[مسيلمة الكذاب]
وأمّا قول الشاعر الهذليّ في مسيلمة الكذاب، في احتياله وتمويهه وتشبيه ما يحتال به من أعلام الأنبياء، بقوله [من الطويل]
ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف
__________
[1] «تلافى» تدارك، و «الأدحي» مبيض النعام، لأنها تدحوه بأرجلها، أي تبسطه وتسهله، وأراد «بالعرسين» الظليم والنعامة، لأن كل واحد منهما عرس لصاحبه، و «المركوم» الذي ركب بعضه بعضا لكثرته.
[2] «الإنقاض والنقنقة» صوته، و «تراطن الروم» ما لا يفهم من كلامهم، وإنما أراد أن الظليم يكلم النعامة بما لا يفهمه غيرهما، كما تتكلم العجم بما لا تفهم عنها العرب. و «الأفدان» جمع فدن، وهو القصر. وإنما ذكر الأفدان لأن الروم أهل أبنية وقصور.
[3] «الصّعل» الرقيق العنق، الصغير الرأس من الظّلمان، وقوله «بيت» يعني: بيتا من شعر أو وبر، «الخرقاء» المرأة التي لا تحسن عملا، «المهجوم» الساقط المهدوم.
[4] «الهقلة: النعامة. و «السطعاء» : الطويلة العنق، و «الخاضعة» التي أمالت رأسها ووضعته للرعي.
و «الزمار» صوت النعامة، والعرار: صوت الظليم.
[5] الخبر مع البيت التالي في ربيع الأبرار 4/343/345.
(4/439)

قال: هذا شعر أنشدناه أبو الزّرقاء سهم الخثعمي، هذا منذ أكثر من أربعين سنة. والبيت من قصيدة قد كان أنشدنيها فلم أحفظ منها إلّا هذا البيت.
فذكر أنّ مسيلمة طاف قبل التنبّي، في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوّق والبياعات، كنحو سوق الأبلّة، وسوق لقه، وسوق الأنبار، وسوق الحيرة.
قال: وكان يلتمس تعلّم الحيل والنّيرجات [1] ، واختيارات النّجوم والمتنبئين.
وقد كان أحكم حيل السّدنة [2] والحوّاء [3] وأصحاب الزّجر [4] والخطّ [5] ومذهب الكاهن والعيّاف والسّاحر، وصاحب الجنّ الذي يزعم أنّ معه تابعه.
قال: فخرج وقد أحكم من ذلك أمورا. فمن ذلك أنّه صبّ على بيضة من خلّ قاطع- والبيض إذا أطيل إنقاعه في الخلّ لان قشره الأعلى، حتّى إذا مددته استطال واستدقّ وامتدّ كما يمتدّ العلك، أو على قريب من ذلك- قال: فلمّا تمّ له فيها ما طاول وأمّل، طوّلها ثمّ أدخلها قارورة ضيّقة الرّأس، وتركها حتّى جفّت ويبست. فلمّا جفّت انضمّت، وكلما انضمّت استدارت، حتى عادت كهيئتها الأولى. فأخرجها إلى مجّاعة، وأهل بيته، وهم أعراب، وادّعى بها أعجوبة، وأنّها جعلت له آية. فآمن به في ذلك المجلس مجّاعة. وكان قد حمل معه ريشا في لون ريش أزواج حمام، وقد كان يراهنّ في منزل مجّاعة مقاصيص. فالتفت، بعد أن أراهم الآية في البيض، إلى الحمام فقال لمجّاعة: إلى كم تعذّب خلق الله بالقصّ؟! ولو أراد الله للطّير خلاف الطّيران لما خلق لها أجنحة، وقد حرّمت عليكم قصّ أجنحة الحمام! فقال له مجّاعة كالمتعنت: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطائر الذّكر السّاعة! فقلت لسهم: أما كان أجود من هذا وأشبه أن يقول: فسل الذي أدخل لك هذه البيضة فم هذه القارورة أن يخرجها كما أدخلها. قال. فقال: كأنّ القوم كانوا
__________
[1] النيرنجات: علم الحيل، وهو فرع من فروع علم السحر، وهو علم يعرف به طريق الاحتيال في جلب المنافع. انظر: كشف الظنون 1/694، وانظر اللسان والتاج (نرج) .
[2] السدنة: جمع سادن، وهو خادم بيت الصنم، وخادم الكعبة.
[3] الحواء: جمع حاو، وهو الذي يجمع الحيات.
[4] الزجر: العيافة، وهو ضرب من التكهن.
[5] الخط: خط الزاجر، وهو أن يخط بإصبعه في الرمل ويزجر.
(4/440)

أعرابا، ومثل هذا الامتحان من مجّاعة كثير، ولعمري إنّ المتنبئ ليخدع ألفا مثل قيس ابن زهير، قبل أن يخدع واحدا من آخر المتكلمين، وإن كان ذلك المتكلم لا يشقّ غبار قيس فيما قيس بسبيله.
قال مسيلمة: فإن أنا سألت الله ذلك، فانتبه له حتى يطير وأنتم ترونه، أتعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: نعم. قال: فإني أريد أن أناجي ربّي، وللمناجاة خلوة، فانهضوا عنّي، وإن شئتم فادخلوه هذا البيت وأدخلوني معه، حتى أخرجه إليكم السّاعة في الجناحين يطير، وأنتم ترونه. ولم يكن القوم سمعوا بتغريز الحمام، ولا كان عندهم باب الاحتياط في أمر المحتالين. وذلك أن عبيدا الكيّس، فإنّه المقدّم في هذه الصناعة، لو منعوه السّتر والاختفاء، لما وصل إلى شيء من عمله جلّ ولا دقّ؛ ولكان واحدا من النّاس.
فلما خلا بالطائر أخرج الريش الذي قد هيّأه، فأدخل طرف كلّ ريشة ممّا كان معه، في جوف ريش الحمام المقصوص، من عند المقطع والقصّ. وقصب الرّيش أجوف، وأكثر الأصول حداد وصلاب. فلما وفّى الطّائر ريشه صار في العين كأنّه برذون موصول الذّنب، لا يعرف ذلك إلّا من ارتاب به. والحمام بنفسه قد كان له أصول ريش، فلما غرّزت تمت فلما أرسله من يده طار. وينبغي ألّا يكون فعل ذلك بطائر قد كانوا قطوه بعد أن ثبت عندهم. فلما فعل ذلك ازداد من كان آمن به بصيرة، وآمن به آخرون لم يكونوا آمنوا به، ونزع منهم في أمره كلّ من كان مستبصرا في تكذيبه.
قال: ثمّ إنّه قال لهم- وذلك في مثل ليلة منكرة الرّياح مظلمة، في بعض زمان البوارح [1]- إنّ الملك على أن ينزل إليّ، والملائكة تطير، وهي ذوات أجنحة، ولمجيء الملك زجل وخشخشة وقعقعة، فمن كان منكم ظاهرا فليدخل منزله؛ فإنّ من تأمّل اختطف بصره! ثمّ صنع راية من رايات الصّبيان التي تعمل من الورق الصّينيّ، ومن الكاغد [2] ، وتجعل لها الأذناب والأجنحة، وتعلّق في صدورها الجلاجل [3] ، وترسل يوم الرّيح بالخيوط الطّوال الصّلاب.
__________
[1] البوارح: جمع بارحة، وهي الريح الشديدة التي تحمل التراب.
[2] الكاغد: القرطاس الذي يكتب فيه.
[3] الجلاجل: الأجراس الصغيرة.
(4/441)

قال: فبات القوم يتوقّعون نزول الملك، ويلاحظون السّماء، وأبطأ عنهم حتّى قام جلّ أهل اليمامة؛ وأطنبت الرّيح [1] وقويت، فأرسلها، وهم لا يرون الخيوط، واللّيل لا يبين عن صورة الرّقّ، وعن دقّة الكاغد. وقد توهّموا قبل ذلك الملائكة.
فلمّا سمعوا ذلك ورأوه تصارخوا وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو آمن! فأصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدّفع عنه. فهو قوله [2] : [من الطويل]
ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف
فقلت لسهم: يكون مثل هذا الأمر العجيب، فلا يقول فيه شاعر، ولا يشيع به خبر؟! قال: أو كلما كان في الأرض عجب، أو شيء غريب، فقد وجب أن يشيع ذكره، ويقال فيه الشّعر، ويجعل زمانه تاريخا! ألسنا معشر العرب نزعم أنّ كسرى أبرويز، وهو من أحرار فارس، من الملوك الأعاظم، وسليل ملوك، وأبو ملوك، مع حزمه ورأيه وكماله، خطب إلى النّعمان بن المنذر، وإلى رجل يرضى أن تكون امرأته ظئرا لبعض ولد كسرى، وهو عامله، ويسمّيه كسرى عبدا، وهو مع ذلك أحيمر أقيشر، إمّا من أشلاء قصيّ بن معد، وإما من عرض لخم. وهو الذي قالوا: تزوّج مومسة- وهي الفاجرة؛ ولا يقال لها مومسة إلّا وهي بذلك مشهورة- وعرفها بذلك، وأقام عليها، وهجي بها ولم يحفل بهجائهم. وممّا زاد في شهرتها قصّة المرقش. وناكها قرّة بن هبيرة حين سباها. فعلم بذلك وأقام عليها، ثمّ لم يرض حتّى قال لها: هل مسّك؟ قالت: وأنت والله لو قدر عليك لمسّك! فلم يرض بها حتى قال لها: صفيه لي. فوصفته حتّى قالت: كأنّ شعر خدّيه حلق الدّرع! وبال على رأسه خلف ابن نوالة الكناني عام حجّ، ونصّره عديّ بن زيد بأحمق سبب [3] . وخطب أخوه المنذر إلى عبيدة بن همام، فردّه أقبح الرّدّ، وقال [4] : [من المتقارب]
__________
[1] أطنبت الريح: اشتدت.
[2] تقدم البيت في بداية هذه الفقرة.
[3] نصّره: أدخله في النصرانية، وكان سبب تنصّر النعمان- وكان يعبد الأوثان قبل ذلك- أنه مر على المقابر ومعه عدي بن زيد الذي قال له إن هذه المقابر تقول:
كنا كما كنتم فغيّرنا دهر ... فسوق كما صرنا تصيرونا
فدخلته رقة، وخرجا مرة أخرى، ومرّا على المقابر فأنشده عدي أبياتا أخرى فرجع النعمان وتنصر، انظر تفصيل الخبر في الأغاني 2/134- 135.
[4] البيتان للأسود بن يعفر في ديوانه 67، واللسان والتاج (نكر) ، والأول في التنبيه والإيضاح 2/218، والبيتان بلا نسبة في الكامل 920، 1077 (الدالي) ، والأول في المخصص 17/12، وديوان الأدب 1/261، 3/435، والعين 8/137.
(4/442)

أتوني ولم أرض ما بيّتوا ... وقد طرقوني بأمر نكر
لأنكح أيّمهم منذرا ... وهل ينكح العبد حرّ لحر
ثمّ مع ذلك خطب إليه كسرى بعض بناته فرغب بها عنه، حتّى كان ذلك سبب هربه وعلّة لقتله- فهل رأيت شاعرا في ذلك الزّمان مع كثرة الشعراء فيه، ومع افتخارهم بالذي كان منهم في يوم جلولى [1] ويوم ذي قار، وفي وقائع المثنّى بن حارثة وسعد بن أبي وقّاص- فهل سمعت في ذلك بشعر صحيح طريف المخرج، كما سمعته في جميع مفاخرهم ممّا لا يداني هذا المفخر؟! ولقد خطب بعض إخوته إلى رجال من نزار، من غير أهل البيوتات، فرغبوا عنهم.
وأمّ النعمان سلمى بنت الصّائغ [2] : يهوديّ من أنباط الشام، ثمّ كان نجله لفعل غير محمود.
وقد قال جبلة بن الأيهم، لحسّان بن ثابت: قد دخلت عليّ ورأيتني، فأين أنا من النّعمان؟ قال: والله [3] .......
فالنّعمان مع هذه المثالب كلّها قد رغب بنفسه عن مصاهرة كسرى، وهو من أنبه الأكاسرة. وكما كان أبرويز أعظم خطرا، كانت أنفته أفخر للعرب، وأدلّ على ما يدّعون من العلوّ في النسب وكان الأمر مشهودا ظاهرا، ومردّدا على الأسماع مستفيضا. فإذ قد تهيّأ أن يكون مثل هذا الأمر الجليل، والمفخر العظيم، والعرب أفخر الأمم، ومع ذلك قد أغفلوه- فشأن مسيلمة أحقّ بأن يجوز ذلك عليه.
__________
[1] جلولاء: طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان، بينها وبين خانقين سبعة فراسخ، وبها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة 16. «معجم البلدان 2/156» . وانظر أيام العرب 290- 291.
[2] في البيان 3/246: «سلمى بنت عقاب» ، وفي الأغاني 11/13: «سلمى بنت عطية» .
[3] ثمة نقص يمكن استدراكه من الأغاني 15/161 «لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه، ولخطؤك خير من صوابه، ولصمتك خير من كلامه، ولأمك خير من أبيه، ولخدمك خير من قومه» ، وفي الأغاني ورد أن صاحب الحديث هو عمرو بن الحارث الأعرج، وليس جبلة، وأن القول الذي استدركته ينسب إلى حسان وإلى النابغة.
(4/443)

وأنشدني يوسف لبعض شعراء بني حنيفة، وكان يسمّى مسيلمة ويكنى أبا ثمامة [1] : [من مجزوء الكامل]
لهفي عليك أبا ثمامه ... لهفي على ركني شمامه
كم آية لأبيهم ... كالشّمس تطلع من غمامه
وقد كتبنا قصّته وقصّة ابن النّوّاحة (في كتابنا الذي ذكرنا فيه فصل ما بين النبيّ والمتنبي) وذكرنا جميع المتنبئين، وشأن كلّ واحد منهم على حدته، وبأيّ ضرب كان يحتال، وذكرنا جملة احتيالاتهم، والأبواب التي تدور عليها مخاريقهم.
فإن أردت أن تعرف هذا الباب فاطلب هذا الكتاب؛ فإنّه موجود.
1196-[هجاء عبد القيس للنعمان]
وقد هجا عبد القيس بن خفاف البرجميّ، النّعمان بن المنذر، في الجاهليّة، وذكر ولادة الصّائغ له فقال [2] : [من الخفيف]
لعن الله ثمّ ثنّى بلعن ... ابن ذا الصّائغ، الظلوم الجهولا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثمّ لا يرزأ العدوّ فتيلا [3]
1197-[سهم الحنفي]
وكان سهم الحنفيّ يلي طبرستان، لمعن بن زائدة، مع حداثة سنه يومئذ، وكان له مروءة وقدر في نفسه.
1198-[حظ القبائل من الشعر]
وبنو حنيفة مع كثرة عددهم، وشدّة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرا كلها- ومع ذلك لم نر قبيلة قطّ أقلّ شعرا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء ورجّازون. وليس ذلك لمكان الخصب وأنّهم أهل مدر، وأكّالو تمر؛ لأنّ الأوس والخزرج كذلك، وهم في الشعر كما قد علمت. وكذلك عبد
__________
[1] البيتان في المعارف 405.
[2] البيتان لعبد القيس بن خفاف في الأغاني 11/13، وللنابغة الذبياني في ديوانه 170، والشعر والشعراء 76 (ليدن) ، 71 (شاكر) ، والأول في اللسان (ربذ) ، والثاني بلا نسبة في المقاييس 4/472، والمخصص 13/254.
[3] الفتيل: الهنة التي في شق النواة.
(4/444)

القيس النّازلة قرى البحرين، فقد تعرف أنّ طعامهم أطيب من طعام أهل اليمامة.
وثقيف أهل دار ناهيك بها خصبا وطيبا، وهم وإن كان شعرهم أقلّ، فإنّ ذلك القليل يدلّ على طبع في الشعر عجيب. وليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، ولا من قلّة الخصب الشّاغل والغنى عن النّاس؛ وإنّما ذلك عن قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها.
وبنو الحارث بن كعب قبيل شريف، يجزون مجاري ملوك اليمن، ومجاري سادات أعراب أهل نجد ولم يكن لهم في الجاهليّة كبير حظّ في الشعر. ولهم في الإسلام شعراء مفلقون.
وبنو بدر كانوا مفحمين، وكان ما أطلق الله به ألسنة العرب خيرا لهم من تصيير الشعر في أنفسهم.
وقد يحظى بالشعر ناس ويخرج آخرون، وإن كانوا مثلهم أو فوقهم. ولم تمدح قبيلة في الجاهليّة، من قريش، كما مدحت مخزوم. ولم يتهيّأ من الشّاهد والمثل لمادح في أحد من العرب، ما تهيّأ لبني بدر.
وقد كان في ولد زرارة لصلبه، شعر كثير، كشعر لقيط وحاجب وغيرهما من ولده. ولم يكن لحذيفة ولا حصن، ولا عيينة بن حصن، ولا لحمل بن بدر. شعر مذكور.
وقد كان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم. ولم يكن أحد من أصحابنا، من خلفائنا وأئمتنا، أحظى في الشعر من الرّشيد. وقد كان يزيد ابن مزيد وعمّه، ممّن أحظاه الشّعر.
وما أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية الله، أعظم من أن يكون الرّجل ممدوحا.
1199-[الصّمّ من الحيوان]
تقول العرب: ضربان من الحيوان لا يسمعان الأصوات. وذلك عامّ في الأفاعي والنّعام.
واعتدّ من ادّعى للنّعام الصّمم بقول علقمة [1] : [من البسيط]
فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه ... أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم
__________
[1] تقديم تخريج البيت والأبيات التالية في الفقرة (1193) .
(4/445)

قال: ولا يصلح أن تكون «ما» في الموضع الذي ذكر؛ لأنّ ذلك يصير كقول القائل: التمر حلو، والثّلج بارد، والنّار حارّة. ولا يحتاج إلى أن يخبر أنّ الذي يسمع هذا الصّوت؛ لأنه لا مسموع إلّا الصّوت.
قال خصمه: فقد قال علقمة بن عبدة: [من البسيط]
حتّى تلافى وقرن الشّمس مرتفع ... أدحيّ عرسين فيه البيض مركوم
يوحي إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الرّوم
ثم قال:
تحفّه هقلة سفعاء خاذلة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم
واحتجّ من زعم أنها تسمع، بقوله [1] : [من الطويل]
وصحم صيام بين صمد ورجلة ... وبيض تؤام بين ميث ومذنب [2]
متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرة ... يجيب زمارا كاليراع المثقب [3]
وقال الطّرمّاح [4] : [من الكامل]
يدعو العرار بها الزّمار كأنّه ... ألم تجاوبه النّساء العوّد [5]
قال: وصوت النعامة الذّكر: العرار. وصوت الأنثى: الزّمار.
وأنشد الذي زعم أنّها لا تسمع، قول أسامة بن الحارث الهذليّ [6] : [من الطويل]
تذكّرت إخواني فبتّ مسهّدا ... كما ذكرت بوّا من اللّيل فاقد [7]
__________
[1] البيتان للبيد، والأول في ديوانه 12، وصدره في اللسان (صحم) ، وهو بلا نسبة في التهذيب 4/273، والثاني في ديوانه 18.
[2] في ديوانه «الصحم: الحمير، وأصحم: أسود اللون من كل لون. صيام: قيام. الصمد: الغلظ.
والرجلة: رجلة الوادي، مسيله وجمعه رجل. وبيض: يريد بيض النعام. تؤام: اثنان اثنان.
الميث: الأرض السهلة. المذنب: مجرى الماء» .
[3] في ديوانه «العرار: صوت النعام الذكر، والزمار صوت الأنثى. واليراع: القصب يتخذ منها زمارات» .
[4] ديوان الطرماح 143 (115) ، والجمهرة 123، والمعاني الكبير 343.
[5] في ديوانه «يدعو: بمعنى يجيب هاهنا. والعوّد: اللواتي يعدن المريض الألم، أي يزرنه» .
[6] ديوان الهذليين 2/201- 202، وشرح أشعار الهذليين 1296.
[7] في ديوان الهذليين «البوّ: جلد يحشى للفاقد ولدها، يذبح أو يموت فترأمه وتدرّ عليه، فإذا ذكرته حنّت» .
(4/446)

لعمري لقد أمهلت في نهي خالد ... عن الشّام إمّا يعصينّك خالد [1]
وأمهلت في إخوانه فكأنّما ... تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد
وقال الذي زعم أنّها تسمع: فقد قال الله عزّ وجلّ: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
[2] ولو عنى أنّ عماهم كعمى العميان، وصممهم كصمم الصّمّان، لما قال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
[3] وإنّما ذلك كقوله: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ*
[4] وكيف تسمع المدبر عنك! ولذلك يقال: «إنّ الحبّ يعمي ويصمّ» [5] . وقد قال الهذليّ: [من الطويل]
تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد
والشارد النافر عنك لا يوصف بالفهم. ولو قال: تسمع بالنّهي، وسكت- كان أبلغ فيما يريد. وهو كما قال الله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ*
[4] . قال الرّاجز [6] : [من الرجز]
ردي ردي ورد قطاة صمّا ... كدريّة أعجبها برد الما [7]
أي لأنها لا تسمع صوتا يثنيها ويردّها.
وأنشد قول الشاعر [8] : [من الطويل]
دعوت خليدا دعوة فكأنما ... دعوت به ابن الطّود أو هو أسرع
والطّود: الجبل. وابنه: الحجر الذي يتدهده [9] منه، كقوله [10] : [من الطويل]
كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
__________
[1] في ديوان الهذليين «أمهلت: أي نهيته في مهلة قبل أن يأزف أمره، أي جعلت له مهلة ولم أجد بنفسه، وكان نهاه أن يهاجر، وقوله: إما يعصينك خالد، أي: عصاك خالد» .
[2] 23/محمد: 47.
[3] 24/محمد: 47.
[4] 80/النمل: 27.
[5] هذا القول من الأمثال في مجمع الأمثال 1/78، 196، وجمهرة الأمثال 1/356 والمستقصى 2/56، وفصل المقال 320، وأمثال ابن سلام 224، والأمثال لمجهول 57.
[6] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (صمم) ، والوساطة 402.
[7] الكدرية: ضرب من القطا قصار الأذناب، والقطا: ثلاثة أضرب، كدري وجوني وغطاط. انظر اللسان (كدر) .
[8] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (طود) ، وأساس البلاغة (بني، طود) والتهذيب 14/4، والمخصص 13/202.
[9] يتدهده: يتدحرج.
[10] صدر البيت (مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا) وهو لامرئ القيس من معلقته في ديوانه 19، واللسان
(4/447)

وقال الرّاجز [1] : [من الرجز]
ومنهل أعور إحدى العينين ... بصير أخرى وأصمّ الأذنين
كأنّه كان في ذلك المنهل بيران، والآبار أعين، فغوّرت إحدى البيرين وتركت الأخرى وقوله: «أصمّ الأذنين» لما أن كان عنده في الأرض فضاء وخلاء، حيث لا يسمع فيه صوت. جعله أن كان لا يسمع صوتا أصمّ؛ وإن كان ذلك لفقد الأصوات.
قال: وقد قال الحارث بن حلّزة قولا يدلّ على أنّها تسمع، حيث قال [2] : [من الخفيف]
ولقد أستعين يوما على اله ... مّ إذا خفّ بالثّويّ الثّواء
بزفوف كأنها هقلة أ ... مّ رئال دوّيّة سفعاء [3]
ثم قال:
آنست نبأة وأفزعها القن ... اص عصرا وقد دنا الإمساء
فترى خلفهنّ من سرعة المش ... ي منينا كأنّه أهباء [4]
ولو قال: «أفزعها القنّاص» ولم يقل: «آنست نبأة» - والنّبأة الصّوت- لكان لكم في ذلك مقال.
وقال امرؤ القيس [5] : [من الطويل]
وصمّ صلاب ما يقين من الوجى ... كأنّ مكان الرّدف منه على رال [6]
وإنما يعني أنها مصمتة غير جوفاء. وقال الآخر [7] : [من البسيط]
قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء
(علا) ، والتاج (فرر) ، والجمهرة 126، والعين 7/174، والخزانة 2/397، 3/242، 243، والمقاصد النحوية 3/449، وبلا نسبة في اللسان والتاج (حطط) .
__________
[1] الرجز بلا نسبة في اللسان (عور، صمم) .
[2] الأبيات من معلقته في شرح القصائد السبع 440، وشرح القصائد العشر 373.
[3] الزفوف: الناقة السريعة. الهقلة: النعامة. الرئال: فراخ النعامة. السفعاء: السوداء.
[4] المنين: الغبار الدقيق. الإهباء: إثارة التراب، والأهباء: الغبار المرتفع في الجو.
[5] ديوان امرئ القيس 36، واللسان والتاج (رأل، قطا، وقي) ، وبلا نسبة في المخصص 8/56.
[6] في ديوانه «أراد بالصم: حوافره. وقوله: «ما يقين من الوجّى» ، أي لا يهبن المشي من حفا، لصلابتهن. والرأل: فرخ النعامة، وهو مشرف المؤخر، فشبّه قطاة الفرس لإشرافها بمؤخر الرأل» .
[7] البيت لبشار بن برد في ديوانه 1/125، وجمهرة الأمثال 1/140، وبلا نسبة في اللسان والتاج (صمم) .
(4/448)

يريد أنّ حلمه ليس بسخيف متخلخل، وليس بخفيف سار، ولكنّه مصمت.
قال الشاعر [1] : [من الطويل]
وأسأل من صمّاء ذات صليل
وإنّما يريد أرضا يابسة، ورملة نشّافة، تسأل الماء: أي تريده وتبتلعه؛ وهي في ذلك صمّاء.
1200-[ذكر الصّمّ في القرآن الكريم]
وقد قال الله لناس يسمعون: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
[2] ذلك على المثل. وقال: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[3] . وذلك كلّه على ما فسّرنا. وقال: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً
[4] وقال أيضا: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ
[5] .
1201-[شعر في الصمم]
وقال عنترة [6] : [من الطويل]
ظللنا نكرّ المشرفيّة فيهم ... وخرصان صمّ السّمهريّ المثقف [7]
وقال العجير السّلوليّ [8] : [من الطويل]
وقد جذب القوم العصائب مؤخرا ... ففيهنّ عن صلع الرّجال حسور
فظلّ رداء العصب ملقى كأنّه ... سلى فرس تحت الرّجال عقور [9]
__________
[1] صدر البيت (أجل، لا، ولكن أنت أشأم من مشى) ، والبيت بلا نسبة في اللسان والتاج (صمم) ، ورصف المباني 59، والجنى الداني 360.
[2] 18/البقرة: 2.
[3] 171/البقرة: 2.
[4] 73/الفرقان: 25.
[5] 45/الأنبياء: 21.
[6] ديوان عنترة 52.
[7] في ديوانه «المشرفية: سيوف منسوبة إلى مشارف الشام. الخرصان: الرماح، الواحد خرص. لدن:
لينة» .
[8] الأبيات في البيان 1/123، ومجالس ثعلب 523، والأغاني 13/68- 69.
[9] العصب: ضرب من البرود. السلى: الجلدة التي يكون فيها الولد.
(4/449)

لو ان الصّخور الصّمّ يسمعن صلقنا ... لرحن وفي أعراضهنّ فطور [1]
وقال زهير [2] : [من المديد]
ليتني خلقت للأبد ... صخرة صمّاء في كبد
لا تشكّي شرّ جارتها ... خلقت غليظة الكبد
وقالت جمل بنت جعفر: [من الطويل]
بني جعفر لا سلم حتّى نزوركم ... بكلّ ردينيّ وأبيض ذي أثر [3]
وحتّى تروا وسط البيوت مغيرة ... تصمّكم بالضّرب حاشية الذّعر [4]
تبين لذي الشّكّ الذي لم يكن درى ... ويبصرها الأعمى ويسمع ذو الوقر [5]
وقال دريد [6] : [من الوافر]
متى كان الملوك قطينا ... عليّ ولاية صمّاء منّي
1202-[مثل وحديث في الصمم]
ومن الأمثال قولهم: «صمّت حصاة بدم» [7] قال: فأصله أن يكثر القتل وسفك الدّماء، حتّى لو وقعت حصاة على الأرض لم يسمع لها صوت؛ لأنّها لا تلقى صلابة الأرض.
وقد جاء في بعض الحديث: «إذا كانت تلك الملاحم بلغت الدّماء الثّنن» [8] يعني ثنن الخيل، وهو الشّعر الذي خلف الحافر.
__________
[1] الصلق: الصياح والولولة والصوت الشديد. الأعراض: الجوانب والنواحي. فطور: تشقق.
[2] لم يرد البيتان في ديوان زهير.
[3] الرديني: رمح ينسب إلى امرأة تسمى ردينة. الأبيض: السيف. الأثر: فرند السيف.
[4] مغيرة: عنى بها خيلا مغيرة.
[5] الوقر: ذهاب السمع، أو ثقل في الأذن.
[6] ديوان دريد بن الصمة 113، ونقله محقق الديوان عن كتاب الحيوان، وذكر في الحاشية أن رواية عجز البيت في المستقصى 1/143: (عليّ ولاية صمّي صمام) ، و «صمي صمام» من الأمثال في جمهرة الأمثال 1/578، ومجمع الأمثال 1/320، والدرة الفاخرة 2/499، وأمثال ابن سلام 348، وفصل المقال 189، 474، 478.
[7] مجمع الأمثال 1/393، والمستقصى 2/143، وفصل المقال 474، وجمهرة الأمثال 1/578، وأمثال ابن سلام 346.
[8] الحديث في النهاية 1/224، وهو من حديث فتح نهاوند، وانظر المثل «بلغت الدماء الثنن» في مجمع الأمثال 1/93، وأمثال ابن سلام 346، والمستقصى 2/13.
(4/450)

وقال الزّبير بن عبد المطّلب [1] : [من الوافر]
وينبي نخوة المختال عنّي ... جراز الحدّ ضربته صموت [2]
لأنّ السّيف إذا مرّ في العظم مرّا سريعا فلم يكن له صوت- كان في معنى الصامت.
1203-[شعر في الصمم]
وقال ابن ميّادة [3] : [من الطويل]
متى أدع في قيس بن عيلان خائفا ... إلى فزع تركب إليّ خيولها
بملمومة كالطّود شهباء فيلق ... رداح يصمّ السّامعين صليلها [4]
لأنّ الصّوت إذا اشتدّ جدّا لم يفهم معناه، إن كان صاحبه أراد أن يخبر عن شيء. ومتى كثرت الأصوات صارت وغى [5] ، ومنع بعضها بعضا من الفهم. فإذا لم يفهمها صار في معنى الأصمّ، فجاز أن يسمّى باسم الأصمّ.
وعلى ذلك قال الأضبط بن قريع، حين آذوه بنو سعد فتحوّل من جوارهم في آخرين فآذوه، فقال: «بكلّ واد بنو سعد» [6] .
وقال جران العود [7] : [من الطويل]
وقالت لنا والعيس صعر من البرى ... وأخفافها بالجندل الصّمّ تقذف [8]
__________
[1] البيت في اللسان والتاج (صمت) ، وحماسة القرشي 92.
[2] ينبي: يبعد. سيف جراز: ماض نافذ.
[3] ديوان ابن ميادة 196- 197.
[4] في ديوانه «ملمومة: أي كتيبة عظيمة مجتمعة. الطود: الجبل العظيم. الشهباء: البيضاء، لما فيها من بياض السلاح. الفيلق: الكثيرة السلاح. الرداح: الكثيرة الفرسان، الثقيلة السير لكثرتها» .
[5] الوغى: الأصوات في الحرب، وغمغمة الأبطال في حومة الحرب.
[6] مجمع الأمثال 1/105، وجمهرة الأمثال 1/61.
[7] ديوان جران العود 16.
[8] العيس: الإبل الخالصة البياض. البرى: جمع برة، وهي الحلقة التي توضع في أنف البعير. صعر من البرى: موائل من جذبها. الجندل: الحجارة.
(4/451)

1204-[قول منكر صمم النعام]
وقال الذي ينكر صمم شيء من الخلق: اعتللتم في صمم النّعام بقول زهير:
[من الوافر]
[أصكّ مصلّم الأذنين أجنى ... له بالسّيّ تنّوم وآء] [1]
وبقول أوس بن حجر [2] : [من الطويل]
وينهى ذوي الأحلام عنّي حلومهم ... وأرفع صوتي للنّعام المخزّم
يريد خرق أنفه، وهو في موضع الخرمة من البعير.
وأمّا قوله: «وأرفع صوتي للنّعام» فإنما خصّ بذلك النّعام لأنّها تجمع الشّرود والنّفار، إلى الموق وسوء الفهم. ولو قال: «وأرفع صوتي للحمير والدّوابّ» لكان كذلك. والمصلّمة: السّكّ التي ليس لآذانها حجم.
1205-[رد على منكر الصمم]
قال: قول الذي زعم أنها ليست بصماء لا يجوز؛ لأنّ الدواب تسمع وتفهم الزّجر، وتجيب الدّعاء. بل لو قال: وأرفع صوتي للصخور والحجارة، كان صوابا، وكان لرفع صوته معنى؛ إذ كان الرّفع والوضع عند الصّخور سواء. وليس كذلك الدوابّ. ولو كان إنما جعله مصلّما، وجعل آذان النّعام مصلومة، لأنه ليس لآذانها حجم فالطير كله كذلك إلّا الخفّاش. وكلّ شيء يبيض من الحيوان فليس لها حجم آذان. ففي قصدهم بهذه الكلمة إلى النّعام، بين جميع ما ليس لأذنيه حجم، دليل على أنّ تأويلكم خطأ. قال علقمة بن عبدة [3] : [من البسيط]
فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه ... أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم
__________
[1] لم يرد البيت في الأصل، ورأيت أن أثبته اعتمادا على ما سيأتي في نهاية الفقرة التالية، والبيت في ديوان زهير 58.
[2] ديوان أوس بن حجر 122، وفيه «المصلم» ، مكان «المخزم» ، والمعاني الكبير 340، وديوان الأدب 1/193، وبلا نسبة في اللسان والتاج وأساس البلاغة (خزم) ، والتهذيب 7/219، والمجمل 2/183، والجمهرة 595، والمقاييس 2/178، والمعاني الكبير 344.
[3] تقدم تخريج البيت وشرحه في الفقرة (1193) .
(4/452)

وقالت كبشة بنت معد يكرب [1] : [من الطويل]
وأرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه ألّا تغلّوا لهم دمي [2]
ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم [3]
جدعتم بعبد الله آنف قومكم ... بني مازن أن سبّ راعي المخزّم
فإن أنتم لم تثأروا لأخيكم ... فمشّوا بآذان النّعام المصلّم
فلو كانت إنّما تريد أنّه ليس لمسامعها حجم، كانت الدّنيا لها معرضة. وقال عنترة [4] : [من الكامل]
وكأنّما أقص إلإكام عشيّة ... بقريب بين المنسمين مصلّم [5]
تأوي له حزق النّعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم [6]
ولو كان عنترة إنّما أراد عدم الحجم، لقد كانت الدّنيا له معرضة.
وقال زهير [7] : [من الوافر]
بآرزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الرّكاب ولا خلاء [8]
__________
[1] الأبيات لكبشة بنت معدي كرب في الحماسة البصرية 1/73- 74، والأغاني 15/230، والأمالي 2/226، وذيل الأمالي 190، ومعجم البلدان 3/406 (صعدة) ، والخزانة 3/77 (بولاق) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 217، والتبريزي 1/117، ومعجم الأديبات الشواعر 412، وحماسة البحتري 30.
[2] تغلوا: تخونوا.
[3] الإفال: جمع أفيل، زنة أمير، وهو من أولاد الإبل ما أتى عليها سبعة أشهر أو ثمانية. والأبكر:
جمع بكر، وهو ولد الناقة. صعدة: مخلاف من مخاليف اليمن. وفي قولها: «بيت بصعدة مظلم» إشارة إلى زعم العرب من أن القتيل إذا ثأروا به أضاء قبره، أما إذا قبلت ديته أو هدر دمه فإن قبره يبقى مظلما.
[4] ديوان عنترة 20.
[5] أقص: أكسر. الإكام: جمع أكمة، وهي الرابية. المنسمان: الظفران المقدمان في الخف.
[6] تقدم شرح البيت مع تخريج واف له في الفقرة (1189) .
[7] ديوان زهير 57- 58، والبيت الأول في اللسان والتاج (خلأ، أرز، قطف) ، والمقاييس 1/79، والعين 7/383، والجمهرة 1056، والتهذيب 7/577، 13/249، والمجمل 1/179، وبلا نسبة في الجمهرة 64، 1069، والمخصص 7/162، والبيت الثاني في اللسان والتاج (أوأ، هوى) ، والمقاييس 6/15، والمخصص 3/64، 15/120، والمجمل 4/455، والبيت الثالث في اللسان (أوأ، جنأ، سكك، صلم، خنا، سيا) والتاج (أوأ، سكك، تنم، صلم) وكتاب الجيم 1/279، والتهذيب 9/340، 11/197، 14/307، والتنبيه والإيضاح 1/5، وبلا نسبة في المقاييس 1/33، والجمهرة 250، والمجمل 1/155.
[8] في ديوانه: «الآرزة: الدانية بعضها إلى بعض. الفقارة: فقر الظهر. القطاف: مقاربة الخطو وضيق الشحوة وألا يكون وساعا. الركاب: الإبل. الخلاء: أن تبرك فلا تبرح.
(4/453)

كأنّ الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء [1]
أصكّ مصلّم الأذنين، أجنى ... له بالسّيّ تنّوم وآء [2]
1206-[رد منكر صمم النعام]
قال القوم: فإنّا لا نقول ذلك، ولكنّ العرب في أمثالها تقول: إنّ النّعامة ذهبت تطلب قرنين فقطعوا أذنيها [3] . ليجعلوها مثلا في الموق وسوء التدبير. فإذا ذكر الشّاعر الظّليم، وذكر أنّه مصلّم الأذنين، فإنما يريد هذا المعنى. فكثر ذلك حتى صار قولهم: مصلم الأذنين، مثل قولهم صكّاء. وسواء قال صكّاء، أو قال نعامة، كما أنّه سواء قال خنساء أو قال مهاة ونعجة وبقرة وظبية؛ لأنّ الظّباء والبقر كلها فطس خنس وإذا سمّوا امرأة خنساء فليس الخنس والفطس يريدون، بل كأنهم قالوا: مهاة وظبية. ولذلك قال المسيّب بن علس [4] ، في صفة النّاقة: [من الكامل]
صكّاء ذعلبة إذا استقبلتها ... حرج إذا استدبرتها هلواع [5]
فتفهّم هذا البيت، فإنه قد أحسن فيه جدّا.
والصّكك في الناس، والاصطكاك في رجلي الناقة عيب. فهو لم يكن ليصفها بما فيه عيب، ولكنّه لا يفرق بين قوله صكّاء، وبين قوله نعامة، وكذلك لا يفرّقون بين قولهم أعلم، وبين قولهم: بعير. قال الراجز: [من الرجز]
إني لمن أنكر أو توسّما ... أخو خناثير يقود الأعلما [6]
__________
[1] في ديوانه «الصعل: الظليم الدقيق العنق، الصغير الرأس. جؤجؤه: صدره. هواء: لا مخّ فيه. وقال الأصمعي: جؤجؤه هواء: أراد لا عقل له» .
[2] في ديوانه «الصكك: اصطكاك العرقوبين، ويقال: إنما يكون ذلك إذا مشى. مصلم الأذنين: لا أذني له. أجنى: أي أدرك أن يجنى. السي: أرض. تنوم: الواحدة تنومة، شجيرة غبراء تنبت حبا دسما. آء: الواحدة: آءة، وهي ثمر السّرح» .
[3] انظر الفقرة (1169) .
[4] ديوان المسيب بن علس 616، وذيل الأمالي 132، والمفضليات 61، واللسان والتاج (هلع) ، والتهذيب 1/144.
[5] ذعلبة: سريعة، جسيمة طويلة على وجه الأرض. هلواع: مستخفة كأنها تفزع من النشاط، والهلع: الخفة.
[6] الخناثير: الدواهي.
(4/454)

كأنه يقول: يقود بعيرا. وهو كقول عنترة [1] : [من الكامل]
وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
1207-[ردّ مدّعي الصّمم]
فقال من ادّعى للنّعام الصّمم: أمّا قولكم: من الدّليل على أن النّعامة تسمع قول الشاعر [2] : [من الكامل]
تدعو النّعام به العرار
وقوله [3] : [من الطويل]
متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرة ... يجيب زمارا كاليراع المثقّب
وقوله [4] : [من الخفيف] آنست نبأة وأفزعها القنّاص عصرا وقد دنا الإمساء فليس ذلك أراد. وقد يراك الأخرس من النّاس- والأخرس أصمّ- فيعرف ما تقول، بما يرى من صورة حركتك، كما يعرف معانيك من إشارتك، ويدعوك ويطلب إليك بصوت؛ وهو لم يسمع صوتك قط فيقصد إليه، ولكنه يريد تلك الحركة، وتلك الحركة تولد الصّوت، أراده هو أو لم يرده. ويضرب فيصيح، وهو لم يقصد إلى الصّياح، ولكنّه متى أدار لسانه في جوبة الفم بالهواء الذي فيه، والنّفس الذي يحضره جمّاع [5] الفم، حدث الصّوت. وهذا إنما غايته الحركة فيعرف صورة تلك الحركة.
والأخرس يرى النّاس يصفّقون بأيديهم، عند دعاء إنسان، أو عند الغضب والحدّ، فيعرف صورة تلك الحركة؛ لطول تردادها على عينيه، كما يعرف سائر الإشارات. وإذا تعجّب ضرب بيديه كما يضربون.
فالنّعامة تعرف صورة إشارة الرّئلان وإرادتها، فتعقل ذلك، وتجاوبها بما تعقل عنها من الإشارة والحركة، وغدت لحركتها أصوات. ولو كانا يسمعان لم تزد حالهما في التّفاهم على ذلك.
__________
[1] ديوان عنترة 24، وتقدم البيت في 3/148.
[2] البيت للطرماح في ديوانه 143 (115) .
[3] البيت للبيد في ديوانه 18.
[4] البيت للحارث بن حلزة من معلقته، وقد تقدم في ص 448.
[5] الجمّاع: مجتمع الأصل.
(4/455)

1208-[الشّمّ عند الحيوان]
والعرب تقول: «أشمّ من نعامة» [1] و: «أشمّ من ذرّة» [1] . قال الرّاجز [2] :
[من الرجز]
أشمّ من هيق وأهدى من جمل
وقال الحرمازيّ، في أرجوزته [2] : [من الرجز]
وهو يشتمّ اشتمام الهيق
قال: وأخبرنا ابن الأعرابيّ أنّ أعرابيّا كلم صاحبه، فرآه لا يفهم عنه ولا يسمع فقال: «أصلخ كصلخ النّعامة!» [3] .
وقد يكون الفرس في الموكب وخلفه، على قاب غلوتين، حجر أو رمكة [4] ، فيتحصّن [5] تحت راكبه، من غير أن تكون صهلت.
والذّئب يشتمّ ويستروح من ميل، والذّرّة تشتمّ ما ليس له ريح، ممّا لو وضعته على أنفك ما وجدت له رائحة وإن أجدت التشمّم، كرجل الجرادة تنبذها من يدك في موضع لم تر فيه ذرّة قطّ، فلا تلبث أن ترى الذّرّ إليها كالخيط الأسود الممدود.
وقال الشّاعر [6] ، وهو يصف استرواح الناس: [من الطويل]
وجاء كمثل الرّأل يتبع أنفه ... لعقبيه من وقع الصّخور قعاقع [7]
فإنّ الرّأل يشتم رائحة أبيه وأمّه والسّبع والإنسان من مكان بعيد. وشبّه به رجلا جاء يتّبع الرّيح فيشتمّ.
__________
[1] المثل في الدرة الفاخرة 1/253، وجمهرة الأمثال 1/538، 560، ومجمع الأمثال 1/385، 391، والمستقصى 1/197.
[2] تقدم الرجز في 324.
[3] في مجمع الأمثال 1/406 «صلخا كصلخ النعامة» .
[4] الحجر: أنثى الخيل. والرمكة: البرذونة.
[5] يتحصن: تبدو منه أمارات الذكورة.
[6] البيت بلا نسبة في البرصان 304، وأساس البلاغة (أنف) .
[7] الرأل: فرخ النعام.
(4/456)

1209-[استطراد لغوي]
وقال الآخر [1] : [من الكامل]
والمرء لم يغضب لمطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب
ومطلب أنفه: فرج أمّه؛ لأنّ الولد إذا تمّت أيّامه في الرّحم، قلا [2] مكانه وكرهه، وضاق به موضعه، فطلب بأنفه موضع المخرج ممّا هو فيه من الكرب، حتّى يصير أنفه ورأسه على فم الرّحم، تلقاء فم المخرج. فالأناء [3] والمكان يرفعانه في تلك الجهة، والولد يلتمس تلك الجهة بأنفه، ولولا أنّه يطلب الهواء من ذاته، ويكره مكانه من ذاته، ثمّ خرج إلى عالم آخر خلاف عالمه الذي ربّي فيه، لمات؛ كما يموت السّمك إذا فارقه الماء. ولكنّ الماء لمّا كان قابلا لطباع السمك غاذيا لها، والسّمك مريدا له، كان في مفارقته له عطبه. وكان في مفارقة الولد لجوف البطن واغتذائه فضلات الدّم، ما لا ينقص شيئا من طباعه وطباع المكان الذي كان له مرّة مسكنا. فلذلك قال الشّاعر الجاهلي [4] : [من الكامل]
والمرء لم يغضب لمطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب
يقول: متى لم يحم فرج أمّه وامرأته، فليس ممّن يغضب من شيء يؤول إليه.
1210-[قول المتكلّمين في صمم الأخرس]
وزعم المتكلّمون أنّ الأخرس أصمّ، وأنّه لم يوت من العجز عن المنطق لشيء في لسانه، ولكنّه إنّما أتي في ذلك؛ لأنّه حين لم يسمع صوتا قطّ، مؤلّفا أو غير مؤلّف، لم يعرف كيفيّته فيقصد إليه. وأنّ جميع الصّمّ ليس فيهم مصمت [5] ، وإنما يتفاوتون في الشّدّة واللّين؛ فبعضهم يسمع الهدّة والصّاعقة، ونهيق الحمار إذا كان قريبا منه، والرّعد الشّديد، لا يسمع غير ذلك. ومنهم من يسمع السّرار، وإذا رفعت له الصّوت لم يسمع. ومتى كلّمته وقرّت الشّكاية في أذنه، فهم عنك كلّ الفهم. وإن
__________
[1] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (أنف) ، والتهذيب 1/68.
[2] قلا: كره وأبغض.
[3] الأناء: آن الشيء: حان.
[4] تقدم البيت في بداية هذه الفقرة.
[5] مصمت: تام الصمم.
(4/457)

تكلّمت على ذلك المقدار في الهواء، ولم يكن ينفذ في قناة تحصره وتجمعه، حتّى تؤدّيه إلى دماغه- لم يفهمه.
فالأصمّ في الحقيقة إنّما هو الأخرس، والأخرس إنّما سمّي بذلك على التشبيه والقرابة. ومتى ضرب الأصمّ من النّاس إنسانا أو شيئا غيره، ظنّ أنّه لم يبالغ، حتّى يسمع صوت الضربة. قال الشّاعر [1] : [من الطويل]
أشار بهم لمع الأصمّ فأقبلوا ... عرانين، لا يأتيه للنّصر محلب [2]
وقال الأسديّ [3] : [من المتقارب]
وأوصيكم بطعان الكماة ... فقد تعلمون بأن لا خلودا
وضرب الجماجم ضرب الأصمّ ... حنظل شابة يجنى الهبيدا [4]
وقال الهذلي [5] : [من البسيط]
فالطعن شغشغة والضّرب معمعة ... ضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا [6]
وإنما جعله تحت الدّيمة؛ لأنّ الأغصان والأشجار تصير ألدن وأعلك، فيحتاج
__________
[1] البيت لبشر بن أبي خازم في ديوانه 10 (61) ، واللسان والتاج (حلب، صمم) ، وأساس البلاغة (صمم) ، والتهذيب 5/85، 12/127، والتنبيه والإيضاح 1/68، وبلا نسبة في المجمل 2/99، والمقاييس 2/96.
[2] في ديوانه «لمع الرجل بيده: أشار بها، ولمع الأصم: أي كما تشير للأصم بإصبعك. والضمير يعود على مقدم الجيش. والعرانين: الرؤساء. والمحلب: المعين من غير قومه، يقول: أشار إليهم فأقبلوا مسرعين. ولا يأتيه سوى قومه وبني عمه يكفونه» .
[3] البيتان بلا نسبة في اللسان (صمم) ، والتهذيب 12/127، والثاني في اللسان والتاج (شوب) ، والتهذيب 6/219.
[4] الأصم: عنى به الظليم من النعام. شابة: موضع بنجد. الهبيد: حب الحنظل.
[5] البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي في شرح أشعار الهذليين 674، واللسان والتاج (عضد، هقع، شغغ، عول) ، والتنبيه والإيضاح 2/39، والجمهرة 945، 1172، والمجمل 3/147، وديوان الأدب 3/434، وكتاب الجيم 2/272، وللهذلي في التهذيب 1/127، 3/198، 16/32، وبلا نسبة في الجمهرة 206، والمقاييس 3/169، 4/350، والمخصص 5/135، 6/90.
[6] في ديوان الهذليين 2/40 «شغشغة: حكاية لصوت الطعن حين يدخل. هيقعة: حكاية لصوت الضرب والوقع. وقوله: ضرب المعول، المعوّل: الذي يبني عالة، والعالة: شجر يقطعه الراعي فيستظل به من المطر يكون الرجل يحتاج إلى الكن فيقطع شجرة فيضعها على شجرتين فيستظل تحتها. والعضد: ما قطع من الشجر، وجعل تحت الديمة لأنه أسمع لصوته إذا ابتلّ» .
(4/458)

الذي يضرب تلك الأصول قبل المطر، إلى عشر ضربات حتّى يقطع ذلك المضروب؛ فإذا أصابه المطر احتاج إلى أكثر من ذلك.
1211-[تفسير بيت من الشعر]
وأنشدني يحيى الأغر: [من المتقارب] كضرب القيون سبيك الحديد يوم الجنائب ضربا وكيدا [1] فلم أعرفه؛ فسألت بعض الصّياقلة فقال: نعم، هذا بيّن معروف. إذا أخرجنا الحديدة من الكير في يوم شمال [2] ، واحتاجت في القطع إلى مائة ضربة، احتاجت في قطعها يوم الجنوب إلى أكثر من ذلك، وإلى أشدّ من ذلك الضّرب؛ لأنّ الشمال ييبّس ويقصف، والجنوب يرطّب ويلدّن.
1212-[الأخرس]
والإنسان أبدا أخرس، إذا كان لا يسمع ولا يتبيّن الأصوات التي تخرج من فيه، على معناه [3] . ويقال في غير الإنسان، على غير ذلك. قال كثيّر [4] : [من الطويل]
ألم تسألي يا أمّ عمرو فتخبري ... سلمت وأسقاك السّحاب البوارق
بكيا لصوت الرّعد خرس روائح ... ونعق ولم يسمع لهن صواعق
1213-[السحابة الخرساء]
وتقول العرب: «مازلت تحت عين خرساء» . والعين: السحابة تبقى أيّاما تمطر. وإذا كثر ماؤها وكثف، ولم يكن فيها مخارق تمدح ببرق [5] .
__________
[1] القيون: جمع قين، وهو الحداد. الجنائب: جمع جنوب، وهي الريح. الوكيد: الشديد.
[2] أي في يوم رياحه شمالية.
[3] معناه: أي المعنى الحقيقي للخرس.
[4] ديوان كثير 417.
[5] «قال أبو حنيفة: عين خرساء وسحابة خرساء: لا رعد فيها ولا برق، ولا يسمع لها صوت رعد.
قال وأكثر ما يكون ذلك في الشتاء، لأن شدة البرد تخرس البرد، وتطفئ البرق» . (اللسان:
خرس) .
(4/459)

ومتى رأيت البرق سمعت الرّعد بعد. والرّعد يكون في الأصل قبله، ولكنّ الصّوت لا يصل إليك في سرعة البرق؛ لأنّ البارق والبصر أشدّ تقاربا من الصّوت والسّمع. وقد ترى الإنسان، وبينك وبينه رحله فيضرب بعصا إمّا حجرا، وإمّا دابّة، وإمّا ثوبا، فترى الضّرب، ثمّ تمكث وقتا إلى أن يأتيك الصّوت.
فإذا لم تصوّت السّحابة لم تبشّر بشيء، وإذا لم يكن لها رزّ [1] سمّيت خرساء.
1214-[الصخرة الصماء]
وإذا كانت الصّخرة في هذه الصّفة سمّيت صماء. قال الأعشى [2] : [من الكامل]
وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... مكروهة يخشى الكماة نزالها
وعلى غير هذا المعنى قال كثيّر [3] : [من الطويل]
كأني أنادي صخرة، حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت
ومن هذا الشّكل قول زهير [4] : [من الكامل]
وتنوفة عمياء لا يجتازها ... إلا المشيّع ذو الفؤاد الهادي [5]
قفر هجعت بها، ولست بنائم، ... وذراع يلقية الجران وسادي [6]
__________
[1] الرز: الصوت.
[2] ديوان الأعشى 83، واللسان والتاج (حصف) ، والتهذيب 4/252، والمقاييس 2/67، والمجمل 2/71، والعين 3/121.
[3] ديوان كثير 97، والموشح 252، والمقاصد النحوية 2/408- 409.
[4] ديوان زهير 244، والبيت الثاني في اللسان والتاج (هجع) ، وبلا نسبة في المخصص 5/104، والبيت الثالث في أساس البلاغة (لحظ) ، والإنصاف 778.
[5] في ديوانه: «التنوفة: القفر. يجتازها: يجاوزها. عمياء: لا طريق بها. المشيع: الجريء الشجاع الذي كأنّ معه من يشيّعه، أي لجرأته» .
[6] في ديوانه: «هجعت: نمت. ولست بنائم: أي لم أنم على تحقيق نوم. كقولك نمت ولم أنم.
والجران: باطن الحلق ما أصاب الأرض، وإنما تضعه من الإعياء. يقول: توسدت ذراع هذه الناقة من الكلال والتعب. توسّد ذراع ناقته، حين نزل، وقد ألقت جرانها بالأرض، وهو باطن الحلقوم، من التعب والكلال» .
(4/460)

ووقعت بين قتود عنس ضامر ... لحّاظة طفل العشيّ سناد [1]
فجعل التّنوفة عمياء، حين لم تكن بها أمارات.
1215-[الحيوان الأعمى]
ودابّة يقال لها الزّبابة، عمياء صمّاء، تشبه الفأرة؛ وليست بالخلد؛ لأنّ الخلد أعمى وليس بأصمّ. والزباب يكون في الرّمل. وقال الشاعر [2] : [من مجزوء الكامل]
وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا
وكلّ مولود في الأرض يولد أعمى، إن كان تأويل العمى أنّه لا يبصر إلّا بعد أيام. فمنه ما يفتح عينيه بعد أيّام كالجرو؛ إلّا أولاد الدّجاج؛ فإنّ فراريجها تخرج كاسية كاسبة.
1216-[شعر فيه مجون]
وقال أبو الشمقمق- وجعل الأير أعمى أصمّ على التشبيه- فقال [3] : [من الطويل]
فسلّم عليه فاتر الطرف ضاحكا ... وصوّت له بالحارث بن عباد
بأصلع مثل الجرو جهم غضنفر ... معاود طعن جائف وسناد
أصمّ وأعمى ينغض الدّهر رأسه ... يسير على ميل بغير قياد [4]
1217-[قول لمن زعم أن النعامة تسمع]
وقال من زعم أنّ النّعامة تسمع: يدلّ على ذلك قول طرفة [5] : [من المنسرح]
هل بالدّيار الغداة من خرس ... أم هل بربع الجميع من أنس
__________
[1] في ديوانه: «القتود: أحناء الرحل، عيدان الرحل. الواحد قتد. عنس: ناقة. لحّاظة: تنظر وتتلفّت حين اصفرّت الشمس للمغيب في الوقت الذي تكلّ فيه الإبل. لحاظة: تلحظ يمينا وشمالا.
طفل العشي: قبيل العشي. سناد، مشرفة» .
[2] البيت للحارث بن حلزة في عيون الأخبار 2/96، والمعاني الكبير 656، وأدب الكاتب 196، والسمط 504، والخزانة 5/113، وشعراء النصرانية 417، واللسان والتاج (زبب) ، والتهذيب 13/171، والجمهرة 1000، 1120، ومعجم البلدان 3/129 (الزباء) .
[3] ديوان أبي الشمقمق 133.
[4] أنغض رأسه: حركه إلى أسفل وأعلى.
[5] ديوان طرفة 155 (طبعة مكس سلغسون) .
(4/461)

سوى مهاة تقرو أسرّته ... وجؤذر يرتعي على كنس [1]
أو خضاب يرتعي بهقلته ... متى ترعه الأصوات يهتجس [2]
فقد قال طرفة كما ترى:
متى ترعه الأصوات يهتجس
وقال الآخر: جوابنا في هذا هو جوابنا فيما قبله.
1218-[فكاهة]
وروى الهيثم بن عديّ، وسمعه بعض أصحابنا من أبي عبيدة، قال: تضارط أعرابيّان عند خالد بن عبد الله، أحدهما تميميّ والآخر أزديّ فضرط الأزديّ ضرطة ضئيلة، فقال التميميّ: [من الطويل]
حبقت عجيفا محثلا ولو انّني ... حبقت لأسمعت النّعام المشرّدا [3]
فمرّ كمّر المنجنيق وصوته ... يبذّ هزيم الرّعد، بدءا عمرّدا [4]
1219-[سبب إطلاق لقب نعامة على بعض الناس]
وزعم أبو عمرو الشّيبانيّ عن بعض العرب، أنّ كلّ عربيّ وأعرابيّ كان يلقّب نعامة، فإنما يلقّب بذلك لشدّة صممه. وأنّه سأله عن الظليم: هل يسمع؟ فقال:
يعرف بأنفه وعينه، ولا يحتاج معهما إلى سمع. وأنشدني: [من الطويل]
فجئتك مثل الهقل يشتمّ رأله ... ولا عرف إلّا سوفها وشميمها [5]
وزعم أنّ لقب بيهس نعامة، وأنه لقّب بذلك لأنّه كان في خلق نعامة، وكان
__________
[1] المهاة: البقرة الوحشية. تقرو: تقصد. الأسرة: جمع سر. وهو أفضل موضع في الوادي. الجؤذر:
ولد البقرة الوحشية. الكنس: جمع كناس، وهو بيت الوحش.
[2] الخاضب: الظليم. الهقلة: النعامة. يهتجس: هجسه: رده عن الأمر فانهجس.
[3] العجيف: المهزول. المحثل: الهزيل.
[4] المنجنيق: آلة ترمى بها الحجارة، فارسيتها: من چهـ نيك، أي: أنا ما أجودني. يبذ: يغلب.
الهزيم: صوت الرعد. البدء: السيد والشاب العاقل. العمرّد: الطويل.
[5] الهقل: ذكر النعام. الرأل: فرخ النعام. العرف: الريح طيبة أو غير طيبة. السوف: الشم.
(4/462)

شديد الصّمم مائقا. فأنشد لعديّ بن زيد [1] : [من الطويل]
ومن حذر الأيّام ما حزّ أنفه ... قصير وخاض الموت بالسّيف بيهس [2]
نعامة لمّا صرّع القوم رهطه ... تبيّن في أثوابه كيف يلبس
وقال المتنخّل الهذليّ [3] وذكر سيفا: [من السريع]
منتخب اللّبّ له ضربة ... خدباء كالعطّ من الخذعل [4]
يقول: هذا السّيف أهوج لا عقل له. والخدب في هذا الموضوع: الهوج.
وتهاوي الشيء لا يتمالك. ويقال للسّيف لا يبالي ما لقي.
1220-[شعر في التشبيه بالنعام]
وقال الأعشى [5] في غير هذا الباب: [من المتقارب]
كحوصلة الرّال في جريها ... إذا جليت بعد إقعادها [6]
«كحوصلة الرّأل» يصف الخمر بالحمرة. جليت: أخرجت؛ وهو مأخوذ من جلوة العروس القاعدة، إذا قعدت عن الطّلب. ومثله في غير الخمر قول علقمة [7] : [من البسيط]
تأوي إلى حسكل حمر حواصله ... كأنّهنّ إذا برّكن جرثوم
__________
[1] البيتان في ملحق ديوان عدي بن زيد 200، وللمتلمس في ديوانه 113، 116، والخزانة 7/290، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 659، وحماسة البحتري 20، والفاخر 64، وبلا نسبة في البيان 4/17.
[2] قصير: هو قصير بن سعد اللخمي، وقصته مشهورة مع الزباء ملكة تدمر، وبه ضرب المثل «لأمر ما جدع قصير أنفه» ، وهذا المثل في المستقصى 2/383، ومجمع الأمثال 1/290، والأمثال لمجهول 116.
[3] شرح أشعار الهذليين 1260، واللسان (خذعل) ، وديوان الهذليين 2/12.
[4] في ديوان الهذليين: «منتخب، أي منخوب اللب. يقول: ذهب عقله. يقول: كأنه ليس له عقل من مرّه لا يتماسك. والخدب: الاسترخاء، وركوب من الرجل لرأسه، وهو مثل الهوج. والعط:
الشّقّ. والخذعل: المرأة الحمقاء. ويقال: هذه الحمقاء لا تداوي الشق، تدعه كما هو» .
[5] ديوان الأعشى 121.
[6] في جريها: أي عند سيلانها وتدفقها من فم الدن. الرأل: فرخ النعام، وحوصلته حمراء لتجردها من الريش.
[7] تقدم تخريج البيت وشرحه في الفقرة 1193، ص 438.
(4/463)

وقال الأخنس بن شهاب [1] : [من الطويل]
تظلّ بها ربد النّعام كأنّها ... إماء تزجّي بالمساء حواطب [2]
تزجّي: تدفع؛ وذلك أنّه يثقل حملها فتمشي مشية النّعامة. وقال الرّاجز [3] :
[من الكامل]
وإذا الرّياح تروّحت بعشيّة ... رتك النّعام إلى كثيف العرفج [4]
والرّتك: مشي سريع. يقول تبادر إلى الكثيف تستتر به من البرد. وقال [5] :
[من الكامل]
رتك النّعامة في طريق حام [6]
1221-[زعم في استقبال الظليم للريح]
وليس لقول من زعم أنّ الظليم إذا عدا استقبل الرّيح [7] ، وإنّما ذلك مخافة أن تكون الرّيح من خلفه فتكبته- معنى؛ لأنّا نجدهم يصفون جميع ما يستدعونه باستقبال الرّيح. قال عبدة بن الطّبيب [8] ، يصف الثّور: [من البسيط]
مستقبل الرّيح يهفو وهو مبترك ... لسانه عن شمال الشّدق معدول [9]
__________
[1] البيت في المفضليات 204، والموشح 44، والشعر والشعراء 79 (ليدن) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 724.
[2] في المفضليات: «الربد: جمع أربد وربداء، والربدة سواد في بياض. الحواطب: اللاتي يحملن الحطب. وإنما خصّ العشيّ لأن الإماء المحتطبات يرجعن فيه إلى أهاليهن» .
[3] كذا، والصواب «الشاعر» . وهو للحارث بن حلزة في شرح اختيارات المفضل 1142، والمفضليات 256، والتاج (رتك) .
[4] الكثيف: الملتف. العرفج: شجر سريع الالتهاب.
[5] صدر البيت: (ومجدّة نسّأتها فتكمّشت) ، وهو لامرئ القيس في ديوانه 115، وأساس البلاغة (كمش) .
[6] في ديوانه: (قوله: «ومجدة» ، أي ربّ ناقة لها جدّ في السير وسرعة. ومعنى «تكمشت» ، أسرعت وجدّت لا تفتر. وشبّه سرعة سيرها برتك النعامة، وهو تقارب خطوها في سرعة.
والحامي: الحار المتوهّج. وصف أنه صار في الهاجرة) .
[7] ربيع الأبرار 5/452.
[8] ديوان عبدة بن الطبيب 61، والمفضليات 140.
[9] في المفضليات: «مستقبل الريح: يستروح بها من حرارة التعب وجهد العدو. المبترك: المعتمد في سيره لا يترك جهدا، معدول: ممال. يريد أنه قد دلع لسانه يلهث من الإعياء» .
(4/464)

ووصف الذّيب طفيل الغنويّ، فقال [1] : [من الطويل]
كسيد الغضا العادي أضلّ جراءه ... على شرف مستقبل الرّيح يلحب
1222-[استطراد]
ويلحق بموضع ذكر الضّرب الشديد، قولهم في المثل: «ضربناهم ضرب غرائب الإبل» [2] . قال أبو حيّة [3] : [من الطويل]
جديرون يوم الرّوع أن يخضبوا القنا ... وأن يتركوا الكبش المدجّج ثاويا [4]
ضربناهم ضرب الجنابى على جبى ... غرائب تغشاه حرارا ضواريا [5]
وإذا جاءت عطاشا قد بلغ منها العطش واليبس، قيل: جاءت تصلّ أجوافها صليلا. قال الرّاعي [6] : [من الكامل]
فسقوا صوادي يسمعون عشيّة ... للماء في أجوافهنّ صليلا
قال: وأنشدنا أبو مهديّة، لمزاحم العقيليّ [7] : [من الطويل]
غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها ... تصلّ، وعن قيض بزيزاء مجهل [8]
__________
[1] ديوان طفيل الغنوي 45، والمعاني الكبير 1/162، 319، وتقدم البيت في الصفحة 323.
[2] المثل برواية «ضربه ضرب غرائب الإبل» ، ويروى «اضربه ضرب غريبة الإبل» ، والمثل في مجمع الأمثال 1/419، وجمهرة الأمثال 2/8، والمستقصى 1/215، وأمثال ابن سلام 270، ومثله حديث الحجاج في النهاية 3/349 «لأضربنّكم ضرب غريبة الإبل» ، وذلك أن الإبل إذا وردت الماء فدخل فيها غريبة من غيرها ضربت وطردت، حتى تخرج منها.
[3] ديوان أبي حية النميري 104- 105.
[4] القنا: الرماح. الكبش: القائد. المدجج: ذو السلاح. ثاويا: مقتولا.
[5] رواية البيت في الأصل:
(ضربناهم ضرب الحساما غرائب ... وإذا جاءك عطاشا لعسا حرارا ضواريا)
[6] ديوان الراعي النميري 223، واللسان والتاج (صلل) ، والجمهرة 143، 1321، وراجع المزيد من مصادر البيت في ديوانه 223- 224.
[7] ديوان مزاحم العقيلي 11، والخزانة 10/147، 150، ونوادر أبي زيد 163، واللسان والتاج (صلل، علا) ، وشرح شواهد المغني 1/425، وشرح المفصل 8/38، وشرح شواهد الإيضاح 230، والأزهية 194، والدرر 4/187، وبلا نسبة في مغني اللبيب 1/146، 2/532، والخزانة 6/535، ومجالس ثعلب 304، وأوضح المسالك 3/58، وأسرار العربية 103، وهمع الهوامع 2/36. والمخصص 14/57، والكتاب 4/231.
[8] في الكتاب «يصف قطاة غدت عن فرخها طالبة للورد بعد تمام الخمس، وهو أن ترد الماء يوما
(4/465)

قال الزّيزاء: المكان الغليظ.
وقال آخر [1] : [من الطويل]
ألم تعلمي يا أمّ حسّان أنّني ... إذا عبرة نهنهتها فتجلّت [2]
رجعت إلى صدر كجرّة حنتم ... إذا قرعت صفرا من الماء صلّت [3]
1223-[اختبار لأحد الحوّاء]
وزعم ابن أبي العجوز الحوّاء، أنّ الأفاعي صمّ، فلذلك لا تجيب الرّقى، ثمّ زعم لي في ذلك المجلس أنّ أمير المؤمنين المنصور، أراد امتحان رقى حيّة وأن يتعرّف صحّتها من سقمها، وأنّه أمر فصاغوا له أفعى من رصاص، فجاءت ولا يشكّ النّاظر فيها؛ وأنّه أمر بإلزاقها في موضع من السّقف؛ وأنّه أحضره وقال له: إنّ هذه الأفعى قد صارت في هذه الدّار، وقد كرهتها لمكانها؛ فإن احتلت لي برقية، أو بما أحببت أحسنت إليك. قال: إن أردت أن آخذها هربت، ولكن أرقيها حتى تنزل! فرقاها فلما رآها لا تتحرّك زاد في رفع صوته وألقى قناعه، فلما رآها لا تتحرّك نزع عمامته وزاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرّك نزع قلنسوته وزاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرّك نزع ثيابه، وزاد في رفع صوته، حتّى أزبد، وتمرّغ في الأرض، فلما فعل ذلك سال ذلك الرّصاص وذاب، حتى صار بين أيديهم، فأقرّ عند ذلك المنصور بجودة رقيته.
فقلت له: ويلك! زعمت قبيل أنّ الأفاعي لا تجيب الرّقى؛ لأنها لا تسمع، وهي حيوان، ثمّ زعمت أنّها أجابت، وهي جماد!!
1224-[نفار النعامة وغيرها]
وقال الشّاعر: [من الطويل]
__________
ثم تتركه ثلاثا وتعود إليه في الخامس. والظمء: ما بين الوردين، والقيض: قشور البيض. يريد أنها أفرخت بيضها لتوّها، فهي تسرع في طيرانها في ذهابها وإيابها إشفاقا وحرصا. المجهل: الذي لا يهتدى فيه» .
[1] البيتان لعمرو بن شأس في ديوانه 79، والأغاني 11/199، والبيت الثاني في اللسان (حنتم) وكتاب الجيم 1/205، والمذكر والمؤنث للأنباري 317، وبلا نسبة في الجمهرة 143، والمخصص 17/16، والتهذيب 12/112، والتاج (حنتم) .
[2] في ديوانه «أم حسان: زوجة الشاعر، واسمها: حية بنت الحارث بن سعد. نهنهتها: كففتها» .
[3] في ديوانه «الحنتم: جرار خضر تضرب إلى الحمرة. صلت: صوتت» . صفرا: خالية.
(4/466)

وربداء يكفيها الشّميم وما لها ... سوى الرّبد من أنس بتلك المجاهل
يخبر أنّ النّعامة لا تستأنس بشيء من الوحش، وأنّ الشّمّ يغنيها في فهم ما تحتاج إليه.
وهي مع ذلك إذا صارت إلى دور النّاس، فليس معها من الوحشة منهم، على قدر ما يذكرون.
وفي الوحش ما يأنس، وفيها ما لا يأنس. وقال كثيّر [1] : [من الطويل]
فأقسمت لا أنساك ما عشت ليلة ... وإن شحطت دار وشطّ مزارها
وما استنّ رقراق السّراب وما جرت ... ببيض الرّبا أنسيّها ونوارها [2]
ووصف بلادا قفارا غير مأنوسة فقال [3] : [من الخفيف]
ما ترى العين حولها من أنيس ... قربها غير رابدات الرّئال [4]
خصّها بالذّكر؛ لأنها أنفر وأشرد، وأقلّ أنسا من جميع الوحش.
وقال الأحيمر [5] : كنت آتي الظّبي حتى آخذ بذارعيه؛ وما كان شيء من بهائم الوحش ينكرني إلّا النّعام. وأنشد قول ذي الرّمّة [6] : [من الطويل]
وكلّ أحمّ المقلتين كأنّه ... أخو الإنس من طول الخلاء المغفّل [7]
__________
[1] ديوان كثير 430- 431.
[2] استن: اضطرب. النور: النافر الذي لا يستأنس من الحيوان.
[3] ديوان كثير 398.
[4] رابدات: مقيمات. الرئال: فراخ النعام.
[5] هو الأحيمر السعدي، وتمام الخبر في عيون الأخبار 2/88: «كنت حين خلعني قومي وأطلّ السلطان دمي، وهربت وترددت في البوادي، ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريب منها، وذلك أني كنت أرى النوى في رجع الذئاب، وكنت أغشى الظباء وغيرها من بهائم الوحش، فلا تنفر مني، لأنها لم تر أحدا قبلي، وكنت أمشي إلى الظبي السمين فآخذه، وعلى ذلك رأيت جميع تلك الوحوش إلا النعام، فإنه لم أره إلا نافرا فزعا» .
[6] ديوان ذي الرمة 1462، وعيون الأخبار 2/88، والمعاني الكبير 754، وجمهرة الأمثال 2/317، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/343.
[7] في ديوانه «يريد: وكل ثور أسود العينين كأنه أخو الإنس لا ينحاش من الناس، لا يفزع منهم لأنه لا يعرفهم» والمغفل: الذي لا علامة فيه ولا أثر.
(4/467)

يدلّ على ذلك في قدر ما شاهدنا أنّهم يخرجون إلى الصّحارى الأغفال، التي لم يذعر صيدها، ولا يطؤها النّاس، فيأتون الوحش فوضى هملا، ومعهم كلابهم وفهودهم تتلوى بأيديهم، فيتقدّمون إلى المواضع التي لو كانوا ابتدؤوا الصّيد من جهتها لأخذوا ما أخذوا فإذا نفرت وحوش هذه الأرض، ومرّت بالأرض المجاورة لها، نفرت سكّان تلك الأرض مع هذه النّوافر، ولا تعود تلك الصحارى إلى مثل ما كانت عليه، من كثرة الوحش حينا.
ومتى لم تنفّرها الأعراب بالكلاب والقسيّ، ونصب الحبائل، رتعت بقربهم، ثمّ دنت منهم أوّلا فأوّلا، حتى تطأ أكناف بيوتهم. وهي اليوم في حير [1] المعتصم بالله والواثق بالله على هذه الصّفة.
1225-[إقبال الظّباء على الناس]
وخبّرني إبراهيم بن السّنديّ قال خبرني عبد الملك بن صالح، وإسحاق بن عيسى، وصالح صاحب الموصل، أنّ خالد بن برمك، بينا هو على سطح من سطوح القرى مع قحطبة، وهم يتغدّون، وذلك في بعض منازلهم، حين فصلوا من خراسان إلى الجبل. قال: وبين قحطبة وبين الأعداء مسيرة أيّام وليال. قال: فبينا خالد يتغدّى معه وذلك حين نزلوا وبهم كلال السّير، وحين علّقوا [2] على دوابّهم، ونصبوا قدورهم، وقرّبوا سفرهم [3] .
قال فنظر خالد إلى الصّحراء، فرأى أقاطيع الظّباء قد أقبلت من جهة الصّحارى، حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيّها الأمير! ناد في النّاس: «يا خيل الله اركبي» [4] ؛ فإنّ العدوّ قد حثّ إليك السّير، وغاية أصحابك أن يسرجوا ويلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل [5] . فقام قحطبة مذعورا، فلما لم ير شيئا يروعه، ولم ير غبارا قال لخالد: ما هذا الرّأي! قال: أيّها الأمير! لا تتشاغل بي وبكلامي، وناد في النّاس.
أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت، فارقت مواضعها حتّى خالطت الناس؟! إنّ وراءها
__________
[1] الحير: البستان.
[2] في اللسان «العليق: القضيم يعلق على الدابة» والقضيم: الشعير.
[3] السّفر: جمع سفرة، وهي طعام المسافر.
[4] الحديث أورده الجاحظ في البيان 2/15، وتقدم في الفقرة (243) ، 1/222.
[5] سرعان الخيل: أوائلها.
(4/468)

جمعا عظيما!. قال: فو الله ما ألجموا وأسرجوا حتى رأوا ساطع الغبار، ولا تلبّسوا [1] وتسلّحوا حتّى رأوا الطليعة [2] . فما التأموا حتى استوى أصحاب قحطبة على ظهور خيولهم. ولولا نظرة خالد بن برمك وفراسته، لقد كان ذلك الجيش اصطلم [3] .
1226-[قصة في قوة الشمّ]
وكان إبراهيم بن السّنديّ يحدّثنا من صدق حسّ أبيه في الشّمّ، بشيء ما يحكى مثله إلّا عن السّباع والذّرّ والنّعام. وزعم أنّ أباه قال ذات يوم: أجد ريح بول فأرة! ثمّ تشمّم وأجال أنفه في المجلس، فقال: هو في تلك الزّاوية! فنظروا فإذا على طرف البساط من البلل بقدر الدّرهم، أو أوسع شيئا، فقضوا أنّه بول فأرة.
قال: وشهدته مرّة وأشراطه [4] قيام على رأسه في السّماطين [5] ، فقال: أجد ريح جورب عفن منتن! فتشمّمنا بأجمعنا، فلم نجد شيئا، ثمّ تشمّم وقال: انزعوا خفّ ذاك. فنزعوا خفّه، فكلّما مدّ النازع له شيئا بدا من لفافته. فما زال النّتن يكثف ويزداد، حتى خلع خفّه ونزعه من رجله، فظهر من نتن لفافته ما عرف به صدق حسّه. ثمّ قال: انزعوا الآن أخفافكم بأجمعكم، فلا بدّ من ألّا يكون في جميع اللّفائف منتن غير لفافته، أو تكون لفافته أنتنها؛ فنزعوا، فلم يجدوا في جميعها لفافة منتنة غيرها.
وأنشدوا [6] : [من الطويل]
غزا ابن عمير غزوة تركت لنا ... ثناء كنتن الجورب المتخرّق
1227-[أقوى درجات التشمم]
وليس الذي يحكى من صدق الحسّ في الشّم- عن بعض النّاس، وعن النّعام والسّباع، والفأر والذّرّ، وضروب من الحشرات- من شكل ما نطق به القرآن العظيم،
__________
[1] تلبسوا: لبسوا ثياب الحرب.
[2] طليعة الجيش: أولهم.
[3] اصطلم الجيش: استؤصل وأبيد.
[4] الأشراط: الحرس.
[5] السماطين: مثنى سماط، وهو الصف من الناس.
[6] البيت بلا نسبة في ثمار القلوب 486 (867) ، والمستقصى 1/382، والوساطة 400، وتقدم في 1/157.
(4/469)

من شأن يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام حين يقول تعالى: قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
[1] . وكان هذا من يعقوب بعد أن قال يوسف اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
[2] . ولذلك قال: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ
[1] ثمّ قال: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً
[3] .
وإنّما هذا علامة ظهرت له خاصة؛ إذ كان النّاس لا يشتمّون أرواح [4] أولادهم إذا تباعدوا عن أنوفهم، وما في طاقة الحصان الذي يجد ريح الحجر [5] ممّا يجوز الغلوتين والثّلاث [6] . فكيف يجد الإنسان وهو بالشّام ريح ابنه في قميصه، ساعة فصل من أرض مصر؟! ولذلك قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[7] .
1228-[بعض المجاعات]
وقد غبر [8] موسى وهو يسير أربعين عاما، لا يذوق ذواقا [9] . وجاع أهل المدينة في تلك الحطمة [10] ، حتى كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدّون الحجر على بطونهم، من الجوع والجهد [11] . وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطّيبين الطاهرين
__________
[1] 94/يوسف: 12.
[2] 93/يوسف: 12.
[3] 96/يوسف: 12.
[4] الأرواح: جمع ريح: وهي الرائحة.
[5] الحجر: أنثى الخيل.
[6] الغلوة: قدر رمية بسهم، وانظر الفقرة (1208) ، ص 455.
[7] 96/يوسف: 12.
[8] غبر: مكث.
[9] الذواق: المأكول والمشروب، فعال بمعنى مفعول، وفي الحديث «لم يكن يذم ذواقا» انظر النهاية 2/172.
[10] الحطمة: هي السنة الشديدة الجدب، ومنه حديث جعفر «كنا نخرج سنة الحطمة» .
[11] كان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا على مضر بقوله: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف» فكان القحط سبع سنين متتالية، حتى أكلوا القد والعظام. فنال ذلك الجدب النبي وأصحابه. حتى شد المسلمون على بطونهم الحجارة من الجوع. انظر صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، حديث 961، وكتاب صفة الصلاة، حديث 771، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث 675، ومسند أحمد 2/239، 255، وثمار القلوب 37 (113) .
(4/470)

يقول: «إنّي لست كأحدكم، إنّي أبيت عند ربّي، يطعمني ويسقيني» [1] .
1229-[جدال في ذبح الحيوان وقتله]
ورجال ممّن ينتحل الإسلام، يظهرون التقذّر من الصّيد، ويرون أنّ ذلك من القسوة، وأنّ أصحاب الصّيد لتؤدّيهم الضّراوة التي اعترتهم من طروق الطّير في الأوكار، ونصب الحبائل للظّباء، التي تنقطع عن الخشفان [2] حتى تموت هزلا وجوعا، وإشلاء السّباع على بهائم الوحش وستسلم أهلها إلى القسوة، وإلى التهاون بدماء النّاس.
والرّحمة شكل واحد. ومن لم يرحم الكلب لم يرحم الظّبي، ومن لم يرحم الظّبي لم يرحم الجدي، ومن لم يرحم العصفور لم يرحم الصّبيّ. وصغار الأمور تؤدّي إلى كبارها.
وليس ينبغي لأحد أن يتهاون بشيء ممّا يؤدي إلى القسوة يوما ما. وأكثر ما سمعت هذا الباب، من ناس من الصّوفيّة، ومن النّصارى؛ لمضاهاة النّصارى سبيل الزّنادقة، في رفض الذبائح، والبغض لإراقة الدّماء، والزّهد في أكل اللّحمان.
وقد- كان يرحمك الله- على الزّنديق ألّا يأتي ذلك في سباع الطّير، وذوات الأربع من السّباع. فأما قتل الحيّة والعقرب، فما كان ينبغي لهم البتّة أن يقفوا في قتلهما طرفة عين؛ لأنّ هذه الأمور لا تخلو من أن تكون شرّا صرفا، أو يكون ما فيها من الخير مغمورا بما فيها من الشرّ. والشّرّ شيطان، والظّلمة عدوّ النّور. فاستحياء الظلمة وأنت قادر على إماتتها، لا يكون من عمل النّور. بل قد ينبغي أن تكون رحمة النّور لجميع الخلائق والنّاس، إلى استنقاذهما من شرور الظّلمة.
وكما ينبغي أن يكون حسنا في العقل استحياء النّور والعمل في تخليصه والدّفع عنه- فكذلك ينبغي أن يكون قتل الظّلمة وإماتتها، والعون على إهلاكها، وتوهين أمرها- حسنا.
__________
[1] أخرج البخاري في الصوم برقم 1860، ومسلم في الصيام برقم 1104 (عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تواصلوا. قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى، أو: إني أبيت أطعم وأسقى) وأعاده البخاري في التمني برقم 6814.
[2] الخشفان: جمع خشف، وهو ولد الظبية عندما يتحرك للمشي.
(4/471)

والبهيمة التي يرون أن يدفعوا عنها أيضا ممزوجة [1] ، إلّا أنّ شرّها أقلّ. فهم إذا استبقوها فقد استبقوا الشّرور المخالطة لها.
فإن زعموا أنّ ذلك إنّما جاز لهم؛ لأنّ الأغلب على طباعها النّور فليغتفروا في هذا الموضع إدخال الأذى على قليل ما فيها من أجزاء الشّرّ كما اغتفروا ما في إدخال الروح والسّرور على ما في البهيمة من أجزاء الظّلمة لدفعهم عن البهيمة؛ إذ كان أكثر أجزائها من النّور.
وإنّما ذكرت ما ذكرت؛ لأنّهم قالوا: الدّليل على أنّ الذي أنتم فيه، من أكل الحيوان كلّ يوم من الذبائح، مكروه عند الله، أنّكم لم تروا قطّ ذبّاحي الحيوان ولا قتّالي الإنسان، ولا الذين لا يقتاتون إلّا اللّحمان يفلحون أبدا. ويستغنون؛ كنحو صيّادي السّمك وصيّادي الوحش وأصناف الجزّارين والقصّابين، والشّوّائين والطهّائين والفهّادين والبيازرة [2] والصّقّارين والكلابين؛ لا ترى أحدا منهم صار إلى غنى ويسر، ولا تراه أبدا إلا فقيرا محارفا [3] ، وعلى حال مشبهة بحاله الأولى.
وكذلك الجلادون، ومن يضرب الأعناق بين يدي الملوك. وكذلك أصحاب الاستخراج والعذاب، وإن أصابوا الإصابات، وجميع أهل هذه الأصناف.
نعم؛ وحتّى ترى بعضهم وإن خرج نادرا خارجيّا، ونال منهم ثروة وجاها وسلطانا، فإمّا أن يقتل، وإمّا يغتصب نفسه بميتة عاجلة، عند سروره بالثّروة، أو يبعث الله عليه المحق [4] فلا ينمو له شيء، وإما ألّا يجعل من نسلهم عقبا مذكورا، ولا ذكرا نبيها وذرّيّة طيبة، مثل الحجّاج بن يوسف، وأبي مسلم، ويزيد بن أبي مسلم ومثل أبي الوعد، ومثل رجال ذكروهم لا نحبّ أن نسميهم.
قال: فإنّ هؤلاء، مع كثرة الطّروقة [5] وظهور القدرة، ومع كثرة الإنسال، قد قبح الله أمرهم، وأخمل أولادهم. فهم بين من لم يعقب، أو بين من هو في معنى من لم يعقب.
__________
[1] ممزوجة: أي ممزوج فيها الخير بالشر.
[2] البيازرة: جمع بيزار، وهو القائم بأمر البازي.
[3] المحارف: المحروم.
[4] المحق: النقصان.
[5] الطروقة: الزوجة، والمرأة.
(4/472)

فقلت للنّصارى بديّا: كيف كان النّاس أيّام الحكم بما في التّوراة أيّام موسى وداود، وهما صاحبا حروب وقتل، وسباء وذبائح؟! نعم حتى كان القربان كله أو عامّته حيوانا مذبوحا، لذلك سمّيتم بيت المذبح.
ولسنا نسألكم عن سيرة النّصارى اليوم، ولكنّا نسألكم عن دين موسى وحكم التّوراة، وحكم صاحب الزّبور. وما زالوا عندكم إلى أن أنكروا ربوبيّة المسيح، على أكثر من حالنا اليوم في الذبائح. وأنتم في كثير من حالاتكم تغلون علينا السّمك، حتى نتوخّى أيّاما بأعيانها، فلا نشتري السّمك إلا فيها؛ طلبا للإمكان والاسترخاص، وهي يوم الخميس، ويوم السّبت، ويوم الثّلاثاء؛ لأنّ شراءكم في ذلك اليوم يقلّ. على أنّكم تكثرون من الذّبائح في أيّام الفصح، وهل تدعون أكل الحيوان إلّا أيّاما معدودة، وساعات معلومة؟!.
فإذا كانت الحرفة والمحن إنّما لزما القصّابين والجزّارين والشّوّائين، وأصناف الصّيّادين، من جهة العقوبة- فأنتم شركاء صيّادي السّمك خاصّة؛ لأنّكم آكل الخلق له، وأنتم أيضا شركاء القصّابين في عامّة الدّهر. فلا أنتم تدينون للإسلام فتعرفوا ما عليكم ولكم، وفصل ما بين الرّحمة والقسوة، وما الرّحمة، وفي أيّ موضع يكون ذلك القتل رحمة؟ فقد أجمعوا على أنّ قتل البعض إحياء للجميع، وأنّ إصلاح النّاس. في إقامة جزاء الحسنة والسيئة. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[1] .
والقود حياة. وهذا شيء تعمل به الأمم كلها، غير الزّنادقة. والزّنادقة لم تكن قطّ أمّة، ولا كان لها ملك ومملكة، ولم تزل بين مقتول وهارب ومنافق. فلا أنتم زنادقة. ولا ينكر لمن كان ذلك مذهبه أن يقول هذا القول.
فأنتم لا دهريّة، ولا زنادقة، ولا مسلمون؛ ولا أنتم راضون بحكم الله أيّام التّوراة.
فإن كان هذا الحكم قد أمر الله به- وهو عدل- فليس بين الزّمانين فرق.
وبعد فإنّا نجدكم تأكلون السّمك أكلا ذريعا، وتتقذرون من اللّحمان! أفلأنّ السّمك لا يألم القتل، أم لأنّ السّمك لمّا قتلتموه بلاسكّين لم يحسّ قتله؟! فالجميع حيوان، وكلّ مقتول يألم، وكلّ يحسّ. فكيف صار أكل اللّحم قسوة، وأكل السّمك ليس بقسوة؟!. وكيف صار ذبح البهائم قسوة ولا تكون تفرقة ما بين
__________
[1] 179/البقرة: 2
(4/473)

السّمك والماء حتّى تموت قسوة! وكيف صار ذبح الشّاة قسوة وصيد السمك بالسّنانير المذرّبة المعقّفة [1] ليس لها شعائر تخالف العقاف المنصوص في جهاتها.
وكيف وهي وإن لم تنشب في أجوافها، وتقبض على مجامع أرواحها، لم تقدر على أخذها؟!.
وكيف صار وجء اللّبّة [2] من الجزور أقسى من ضرب النبائل؟! أم كيف صار طعن العير بالرّمح، ونصب الحبائل للظّباء، وإرسال الكلاب عليها أشدّ من وقع النّبائل في ظهر السّمك؟! ولأنّكم تكثرون قولكم: لا نأكل شيئا فيه دم أيّام صومنا، فللسّمك دم، ولا بدّ لجميع الحيوان من دم أو شيء يشاكل الدّم، فما وجه اعتلالكم بالدّم؟! ألأنّ كلّ شيء فيه دم فهو أشدّ ألما؟ فكيف نعلم ذلك؟ وما الدّليل عليه؟
فإن زعمتم أنّ ذلك داخل في باب التعبّد والمصلحة، لا في باب القياس والرّحمة والقسوة، فهذا باب آخر. إلّا أن تدّعوا أنّ ذوات الدّماء أقوى للأبدان، وآشر [3] للنّفوس، فأردتم بذلك قلّة الأشر وضعف البدن. فإن كان ذلك كذلك فقد ينبغي أن يكون هذا المعنى مستبينا في آكلي السّمك من البحريين.
وأمّا ما ذكرتم من ملازمة الحرفة لهؤلاء الأصناف، فإنّ كلّ من نزلت صناعته، ودقّ خطر تجارته، كذلك سبيله.
وأحلّ الكسب كلّه وأطيبه عند جميع النّاس سقي الماء، إمّا على الظّهر، وإمّا على دابّة. ولم أر سقّاء قطّ بلغ حال اليسار والثّروة وكذلك ضرّاب اللّبن، والطّيّان، والحرّاث. وكذلك ما صغر من التّجارات والصّناعات.
ألا ترون أنّ الأموال كثيرا ما تكون عند الكتّاب، وعند أصحاب الجوهر، وعند أصحاب الوشي والأنماط [4] ، وعند الصّيارفة والحنّاطين [5] ، وعند البحريّين
__________
[1] المذربة: المحددة: المعقفة: الملوية.
[2] الوجء: الطعن. اللبة: موضع النحر.
[3] الأشر: المرح والنشاط.
[4] الأنماط: ضرب من البسط.
[5] الحناطين: بائعو الحنطة، أي البر.
(4/474)

والبصريين. والجلّاب [1] أبدا، والبيازرة [2] أيسر ممّن يبتاع منهم.
وجمل الأموال حقّ بأن تربح الجمل من تفاريق الأموال. وكذلك سبيل القصّاب والجزّار، والشّوّاء، والبازيار [2] ، والفهّاد.
وأمّا ما ذكرتم من انقطاع نسل القساة، وخمول أولادهم، كانقطاع نسل فرعون، وهامان، ونمرود، وبخت نصّر، وأشباههم، فإنّ الله يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
[3] .
وإن شئتم أن تعدّوا من المذكورين بالصّلاح أكثر من هؤلاء ممّن كان عقيما أو كان ميناثا [4] ، أو يكون ممّن نبت لهم أولاد سوء عقّوهم في حياتهم، وعرّضوهم للسّبّ بعد موتهم- لوجدتموهم.
وعلى أني لم أنصب نفسي حربا للحجّاج بن يوسف، ويزيد بن أبي مسلم، أتحرى بهما، وهما عندي من أهل النّار. ولكنّي عرفت مغزاكم.
وعلى أنّكم ليس القصّابين أردتم، ولكنّكم أردتم دين المسلمين.
وقد خرج الحجّاج من الدّنيا سليما في بدنه، وظاهر نعمته، وعليّ مرتبته من الملك، ومكانه من جواز الأمر والنّهي.
فإن كان الله عندكم سلّمه وعاقب أولاده، وكان ذلك دينكم فإنّ هذا قول إن خاطبتم به الجبريّة [5] فعسى أن تتعلّقوا منهم بسبب فأمّا من صحّح القول بالعدل فإنّ هذا القول عنده من الخطإ الفاحش الذي لا شبهة فيه.
1230-[شعر في فقر القانص]
وكان ممّا أنشدوا من الدّليل على أنّ القانص لا يزال فقيرا- قول ذي الرّمة [6] :
[من البسيط]
__________
[1] الجلّاب: الذين يجلبون العبيد للتجارة.
[2] البيازرة: جمع بيزار، وهو القائم بأمر البازي، وبيزار: معرب بازيار.
[3] 164/الأنعام: 6، 15/الإسراء: 17، 18/فاطر: 35، 7/الزمر: 39.
[4] المئناث: الذي لا يولد له إلا الإناث.
[5] الجبرية: فرقة يقوم مذهبها على نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإسناده إلى الله تعالى.
[6] ديوان ذي الرمة 95- 101. وشرح المفردات التالية منه.
(4/475)

حتّى إذا ما لها في الجدر واتّخذت ... شمس النّهار شعاعا بينها طبب [1]
ولاح أزهر مشهور بنقبته ... كأنّه حين يعلو عاقرا لهب [2]
هاجت به جوّع طلس مخصّرة ... شوازب لاحها التّغريث والجنب [3]
جرد مهرّتة الأشداق ضارية ... مثل السّراحين في أعناقها العذب [4]
ومطعم الصّيد هبّال لبغيته ... ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب [5]
مقزّع أطلس الأطمار ليس له ... إلّا الضّراء وإلّا صيدها نشب [6]
فانصاع جانبه الوحشيّ وانكدرت ... يلحبن لا يأتلي المطلوب والطّلب [7]
قال: فجعله كما ترى مقزّعا أطلس الأطمار، وخبّر أنّ كلابه نشبه، وأنّه ألفى أباه كذلك.
__________
[1] «حتى إذا ما لها» الثور: من اللهو. «في الجدر» : وهو نبت، أي: يلهو في هذا النبت ويرعى فيه، وقوله: «واتخذت شمس النهار شعاعا» ، أي: حين طلعت. «بينه طبب» ، يريد بين الشعاع، «طبب» أي طرائق الشمس.
[2] «لاح» : ظهر. «أزهر» ، يعني الثور في بياضه. «نقبته» يعني لونه. «لهب» شعلة نار. وشبهه بالنار في بياضه وإضاءته حين يعلو عاقرا. و «العاقر» من الرمل: المشرف الذي لا ينبت أعلاه. و «لاح أزهر مشهورا» يعني: الفجر.
[3] «شوازب» : يبّس. «لاحها» : أضمرها الجوع. و «الجنب» : يقاد للصيد، و «الجنب» : الذي لصقت رئته بجنبه. و «الغرثان» : الجائع.
[4] جرد: جمع أجرد، وهو القليل الشعر، ورواية ديوانه «غضف» ، وتعني الكلاب التي تنقلب آذانها على مؤخرها. و «مهرتة الأشداق» ، يريد: واسعة الأشداق. وأصل «الهرت» : الشق. و «ضارية» :
قد ضريت. يريد: الكلاب. «مثل السراحين» ، يريد: مثل الذئاب. «العذب، يريد: القلائد التي في أعناقها من السيور» .
[5] «ومطعم الصيد» . يريد: الصائد، يرزق الصيد. و «هبّال» : محتال. «لبغيته» لطلبه.
[6] «مقزع» ، يريد: الصائد، مخفّف الشعر، في رأسه بقايا شعر، و «أطلس الأطمار» «أطماره» :
أخلاقه، و «أطلس» ، يقول: أطماره فيها غبسة، أي: هي وسخة ليست بواضحة تضرب إلى السواد. وقوله: «ليس له نشب» ، أي: متاع. «إلا الضراء» ، يريد: الكلاب وصيدها. وواحد الضراء: ضرو، وضروة.
[7] «فانصاع» الثور: مضى على أحد شقّيه. و «جانبه الوحشي» . جانبه الأيمن. و «انكدرت الكلاب» : انتقضت «يلحبن» : يمررن مستقيمات. وقوله: «لا يأتلي المطلوب والطلب» ، أي: لا يألو «المطلوب» : وهو الثور. و «الطلب» : وهو الكلاب، الوحد: طالب.
(4/476)

وأنشدوا في ذلك قول الآخر: [من الطويل]
وأعصم أنسته المنيّة نفسه ... رعى النبع والظّيّان في شاهق وعر [1]
موارده قلت تصفّقه الصّبا ... بنيق مزلّ، غير كدر ولا نزر [2]
قرته السّحاب ماءها، وتهدّلت ... عليه غصون دانيات من السّمر [3]
أتيح له طلح إزاه بكفّه: ... هتوف وأشباه تخيّرن من حجر [4]
أبو صبية لا يستدرّ إذا شتا ... لقوحا، ولا عنزا، وليس بذي وفر [5]
له زوجة شمطاء يدرج حولها ... فطيم تناجيه، وآخر في الحجر [6]
مشوّهة لم تعب طيبا ولم تبت ... تقتّر هنديّا بليل على جمر [7]
محدّدة العرقوب ثلّم نابها ... تعرّقها الأوذار من فقر الحمر [8]
مسفّعة الخدّين، سوّد درعها ... تقدّرها باللّيل، والأخذ بالقدر [9]
كغول الفلاة لم تخضّب بنانها ... ولم تدر ما زيّ الخرائد بالمصر [10]
فأرسل سهما أرهف القين حدّه ... فأنفذ حضنيه فخرّ على النّحر [11]
__________
[1] الأعصم: الوعل بإحدى يديه بياض. النبع والظيان: من شجر الجبال.
[2] قلت: النقرة في الجبل، يستنقع فيها الماء إذا انصب السيل. تصفقه: تضربه. الصبا: الريح الشرقية. النيق: أعلى موضع في الجبل. مزل: تزلق عليه الأقدام ولا تثبت. الكدر: نقيض الصّفو. نزر: قليل.
[3] تهدلت: تدلت. السمر: بضم الميم «وسكّنت للشعر» : جمع سمرة، وهي شجر الطلح، والسمر أيضا: ضرب من العضاه.
[4] الطّلح: المتعب والمعيى. إزاه: هي بكسر الهمزة والمد: أي سبب عيشه. الهتوف: القوس المصوتة. أشباه: يريد أنها سهام متشابهة. حجر: موضع باليمامة تنسب إليه السهام والنصال.
[5] اللقوح: الناقة الحلوب. الوفر: الغنى.
[6] الشمطاء: التي شعرها أسود يخالطه بياض، وهو يصور في هذا البيت كثرة عياله.
[7] عبّأ الطيب: صنعه وخلطه. التقتير: تهييج القتار، وهو ريح البخور. الهندي: أراد: العود الهندي الذي يتبخر به.
[8] العرقوب: عصب غليظ فوق عقب الرّجل. ثلّم نابها: كسر حرفه. التعرق: أكل العظم الذي على اللحم. الأوذار: قطع لحم صغيرة. الفقر: جمع فقرة، وهي الواحدة من عظام الصلب. الحمر: أراد بها ما يصطاده من حمر الوحش.
[9] مسفعة: مسودة. الدرع: القميص.
[10] الخرائد: جمع خريدة، وهي البكر لم تمسس، أو الخفرة الطويلة السكوت، الخافضة الصوت، المتسترة.
[11] القين: الحداد. أرهف السهم: رقّقه. أنفذ حصنيه: خرق جنبيه. النحر: أعلى الصدر، أو موضع القلادة.
(4/477)

1231-[مساءلة أبي إسحاق للمنانية]
كان أبو إسحاق يسأل المنانيّة [1] ، عن مسألة قريبة المأخذ قاطعة، وكان يزعم أنّها ليست له.
وذلك أنّ المنانيّة تزعم أنّ العالم بما فيه، من عشرة أجناس: خمسة منها خير ونور، وخمسة منها شرّ وظلمة. وكلّها حاسّة وحارّة.
وأنّ الإنسان مركّب من جميعها على قدر ما يكون في كلّ إنسان من رجحان أجناس الخير على أجناس الشّرّ، ورجحان أجناس الشّرّ على أجناس الخير.
وأنّ الإنسان وإن كان ذا حواسّ خمسة، فإنّ في كلّ حاسّة متونا من ضدّه من الأجناس الخمسة. فمتى نظر الإنسان نظرة رحمة فتلك النّظرة من النّور، ومن الخير.
ومتى نظر نظرة وعيد، فتلك النّظرة من الظلمة. وكذلك جميع الحواسّ.
وأنّ حاسّة السّمع جنس على حدة، وأنّ الذي في حاسّة البصر من الخير والنّور، لا يعين الذي في حاسّة السّمع من الخير ولكنه لا يضادّه، ولا يفاسده، ولا يمنعه. فهو لا يعينه لمكان الخلاف والجنس، ولا يعين عليه؛ لأنّه ليس ضدّا.
وأنّ أجناس الشّرّ خلاف لأجناس الشّرّ، ضدّ لأجناس الخير. وأجناس الخير يخالف بعضها بعضا ولا يضادّ. وأنّ التّعاون والتآدي [2] لا يقع بين مختلفها، ولا بين متضادّها، وإنما يقع بين متفقها.
قال: فيقال للمنانيّ: ما تقول في رجل قال لرجل: يا فلان، هل رأيت فلانا؟
فقال المسؤول: نعم قد رأيته. أليس السّامع قد أدّى إلى النّاظر، والنّاظر قد أدّى إلى الذّائق؟! وإلّا فلم قال اللّسان: نعم! إلّا وقد سمع الصّوت صاحب اللّسان؟! وهذه المسألة قصيرة كما ترى، ولا حيلة له بأن يدفع قوله.
1232-[مساءلة المأمون لزنديق]
ومسألة أخرى، سأل عنها أمير المؤمنين الزّنديق الذي كان يكنى بأبي عليّ،
__________
[1] المنانية: أتباع ماني. انظر الفهرست 456- 472.
[2] التآدي: التعاون.
(4/478)

وذلك عند ما رأى من تطويل محمّد بن الجهم وعجز العتبي وسوء فهم القاسم بن سيّار، فقال له المأمون: أسألك عن حرفين فقط. خبّرني: هل ندم مسيء قطّ على إساءته، أو نكون نحن لم نندم على شيء كان منّا قط؟! قال: بل ندم كثير من المسيئين على إساءتهم. قال: فخبّرني عن النّدم على الإساءة، إساءة أو إحسان؟ قال:
إحسان. قال: فالذي ندم هو الذي أساء أو غيره؟ قال: الذي ندم هو الذي أساء. قال:
فأري صاحب الخير هو صاحب الشّرّ، وقد بطل قولكم: إنّ الذي ينظر نظر الوعيد غير الذي ينظر نظر الرحمة. قال: فإني أزعم أنّ الذي أساء غير الذي ندم. قال: فندم على شيء كان منه أو على شيء كان من غيره؟ فقطعه بمسألته [1] ، ولم يتب ولم يرجع، حتى مات، وأصلاه الله نار جهنّم.
1233-[شعر في هجو الزنادقة]
وقد ذكر حمّاد عجرد ناسا في هجائه لبشار [2] ، فقال: [من الكامل]
لو كنت زنديقا، عمار، حبوتني ... أو كنت أعبد غير ربّ محمّد
أو كنت عندك أو تراك عرفتني ... كالنّضر أو ألفيت كابن المقعد
أو كابن حمّاد ربيئة دينكم ... جبل وما جبل الغويّ بمرشد [3]
لكنّني وحّدت ربّي مخلصا ... فجفوتني بغضا لكلّ موحّد
وحبوت من زعم السّماء تكوّنت، ... والأرض خالقها لها لم يمهد
والنّسم مثل الزّرع آن حصاده ... منه الحصيد ومنه ما لم يحصد [4]
وحمّاد هذا أشهر بالزّندقة من عمارة بن حربية، الذي هجاه بهذه الأبيات.
وأمّا قوله:
وحبوت من زعم السّماء تكوّنت
فليس يقول أحد: إنّ الفلك بما فيه من التّدبير، تكوّن بنفسه ومن نفسه!
__________
[1] قطعه بمسألته: غلبه بالحجة.
[2] كذا؟ ونص الشعر يوضح أن المهجو اسمه عمارة، وليس بشارا.
[3] الربيئة: الطليعة وعين القوم.
[4] النّسم: جمع نسمة، وتعني الإنسان. وقد سكنت السين للضرورة.
(4/479)

فجهل حمّاد بهذا المقدار من مقالة القوم، كأنّه عندي ممّا يعرفه من براءته الساحة.
فإن كان قد أجابهم فإنما هو من مقلّديهم.
وهجا حمّاد بن الزّبرقان، حمادا الراوية فقال [1] : [من الكامل]
نعم الفتى لو كان يعرف ربّه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد
هدلت مشافره الدّنان فأنفه ... مثل القدوم يسنّها الحدّاد [2]
وابيضّ من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد
فقد كان كما ترى:
هدلت مشافره الدنان فأنفه ... مثل القدوم.....
(البيت) فقد رأيت جماعة ممّن يعاقرون الشّراب، قد عظمت آنفهم. وصارت لهم خراطيم، منهم روح الصّائغ، وعبد الواحد صاحب اللؤلويّ وجماعة من ندمان [3] حمّاد بن الصّباح، وعبد الله أخو نهر ابن عسكر وناس كثير.
ويدلّ على ذلك من المنافرة قول جرير [4] للأخطل: [من الكامل]
وشربت بعد أبي ظهير وابنه ... سكر الدّنان كأنّ أنفك دمّل
وكان منهم يونس بن فروة. وفي يونس يقول حمّاد عجرد [5] : [من الكامل]
أما ابن فروة يونس فكأنّه ... من كبره أير الحمار القائم
ما النّاس عندك غير نفسك وحدها ... والخلق عندك ما خلاك بهائم
إنّ الذي أصبحت مفتونا به ... سيزول عنك وأنف جارك راغم
فتعضّ من ندم يديك على الذى ... فرّطت فيه، كما يعض النّادم
فلقد رضيت بعصبة آخيتهم ... وإخاهم لك بالمعرّة لازم
فعلمت حين جعلتهم لك دخلة ... أني لعرضك في إخائك ظالم [6]
__________
[1] الأبيات في البرصان 300، والأغاني 6/86، وطبقات ابن المعتز 69، وبهجة المجالس 1/526، والعقد الفريد 4/321، والشعر والشعراء 181، وديوان المعاني 1/314، والمخصص 17/6، وأمالي المرتضى 1/91، والخزانة 4/132 (بولاق) .
[2] الدنان: جمع دنّ، وهو من الأوعية التي يحفظ فيها الخمر. القدوم، قدوم النّجّار.
[3] ندمان: النديم على الشراب، وتستخدم «ندمان» في الإفراد والجمع.
[4] ديوان جرير 477، والبرصان 301.
[5] الأبيات في جمع الجواهر 209، والبيتان الأول والثاني في العمدة 2/239، وهما بلا نسبة في عيون الأخبار 1/272.
[6] دخلة الرجل: بطانته.
(4/480)

1234-[ذكر بعض الزنادقة]
[1] وكان حمّاد عجرد، وحمّاد الرّاوية، وحمّاد بن الزّبرقان، ويونس بن هارون، وعلي بن الخليل، ويزيد بن الفيض، وعبادة وجميل بن محفوظ، وقاسم، ومطيع، ووالبة بن الحباب، وأبان بن عبد الحميد، وعمارة بن حربية، يتواصلون، وكأنهم نفس واحدة وكان بشّار ينكر عليهم.
ويونس الذي زعم حماد عجرد أنّه قد غرّ نفسه بهؤلاء، كان أشهر بهذا الرّأي منهم، وقد كان كتب كتابا لملك الرّوم في مثالب العرب، وعيوب الإسلام، بزعمه.
1235-[هجاء أبي نواس لأبان اللاحقي والزنادقة]
وذكر أبو نواس أبان بن عبد الحميد اللّاحقي، وبعض هؤلاء، ذكر إنسان يرى لهم قدرا وخطرا، في هجائيّة لأبان، وهو قوله [3] : [من المجتث]
جالست يوما أبانا ... لا درّ درّ أبان
ونحن حضر رواق ال ... أمير بالنهروان
حتّى إذا ما صلاة الأ ... أولى أتت لأذان
فقام ثمّ بها ذو ... فصاحة وبيان
فكلّ ما قال قلنا ... إلى انقضاء الأذان
فقال: كيف شهدتم ... بذا، بغير عيان؟!
لا أشهد الدّهر حتّى ... تعاين العينان!
فقلت: سبحان ربّي! ... فقال: سبحان ماني [3] !
فقلت: عيسى رسول ... فقال: من شيطان!
فقلت: موسى كليم ال ... مهيمن المنّان
فقال: ربّك ذو مق ... لة إذا ولسان!
__________
[1] هذه الفقرة بتمامها نقلها الصولي في أخبار الشعراء المحدثين، ص 10، ولم يصرح بالنقل، وهي أيضا في الأغاني 18/101.
[2] الأبيات لأبي نواس في ديوانه 543، والأغاني 23/156، وأخبار الشعراء المحدثين 11.
[3] ماني: رجل فارسي له مذهب يقول بالنور والظلمة، وهما العنصران المسيطران على الوجود.
والنور مبعث الخير، كما أن الظلمة مبعث الشر.
(4/481)

فنفسه خلقته ... أم من؟! فقمت مكاني
عن كافر يتمرّى ... بالكفر بالرّحمن [1]
يريد أن يتسوّى ... بالعصبة المجّان
بعجرد وعباد ... والوالبيّ الهجان
وقاسم ومطيع ... ريحانة النّدمان
وتعجّبي من أبي نواس، وقد كان جالس المتكلمين أشدّ من تعجّبي من حمّاد، حين يحكي عن قوم من هؤلاء قولا لا يقوله أحد. وهذه قرّة عين المهجوّ.
والذي يقول: سبحان ماني يعظم أمر عيسى تعظيما شديدا فكيف يقول: إنّه من قبل شيطان؟! وأما قوله: «فنفسه خلقته أم من» فإنّ هذه مسألة نجدها ظاهرة على ألسن العوامّ. والمتكلمون لا يحكون هذا عن أحد.
وفي قوله: «والوالبيّ الهجان» دليل على أنّه من شكلهم.
والعجب أنّه [2] يقول في أبان: إنّه ممّن يتشبه بعجرد ومطيع، ووالبة بن الحباب، وعليّ بن الخليل [3] ، وأصبغ [4]- وأبان فوق ملء الأرض من هؤلاء، ولقد كان أبان، وهو سكران، أصحّ عقلا من هؤلاء وهم صحاة. فأمّا اعتقاده فلا أدري ما أقول لك فيه: لأنّ النّاس لم يؤتوا في اعتقادهم الخطأ المكشوف، من جهة النظر.
ولكن للنّاس تأسّ وعادات، وتقليد للآباء والكبراء، ويعملون على الهوى، وعلى ما يسبق إلى القلوب، ويستثقلون التّحصيل، ويهملون النّظر، حتى يصيروا في حال متى عاودوه وأرادوه، نظروا بأبصار كليلة، وأذهان مدخولة، ومع سوء عادة. والنّفس لا تجيب وهي مستكرهة. وكان يقال: «العقل إذا أكره عمي» . ومتى عمي الطّباع وجسا وغلط وأهمل، حتّى يألف الجهل، لم يكد يفهم ما عليه وله. فلهذا وأشباهه قاموا على الإلف، والسّابق إلى القلب.
__________
[1] يتمرى: يتزين.
[2] أي أبا نواس، وهذا التعليق نقله الصولي في أخبار الشعراء المحدثين 12.
[3] لم يرد اسمه في الأبيات التي رواها الجاحظ، وفي ديوان أبي نواس:
«وابن الخليع عليّ ... ريحانة الندمان» .
[4] لم يرد اسمه في سائر أبيات القصيدة.
(4/482)

1236-[شعر لحماد عجرد]
وقال حمّاد عجرد: [من مجزوء الرمل]
اعلموا أنّ لودّي ... ثمنا عندي ثمينا
ليت شعري أيّ حكم ... قد أراكم تحكمونا
أن تكونوا غير معطي ... ن وأنتم تأخذونا
ابن لقمان بن عاد ... في است هذا الدّين دينا [1]
وما رأيت أحدا وضع لقمان بن عاد في هذا الموضع، غيره! وقال حمّاد عجرد في بشار: [من مجزوء الكامل]
يا ابن الخبيثة إنّ أمّ ... ك لم تكن ذات اكتتام
وتبدّلت ثوبان ذا الأ ... ير المضبّر والعرام [2]
ثوبان دقّاق الأزز ... بأرواث حسام
عرد كقائمة السّر ... ير يبيلها عند الرّطام [4]
وأتت سميعة بعدها ... بالمصملّات العظام [4]
أخت لهم كانت تكابر ... أن تسافح من قيام
وقال حمّاد يذكر بشارا: [من السريع]
غزالة الرجسة أو بنتها ... سميعة الناعية الفهرا
وقال وذكر أمّه: [من الكامل]
أبني غزالة يا بني جشم استها ... ليحقكم أن تفرحوا لا تجزعوا [5]
__________
[1] ابن: فعل أمر من بنى يبني. ولقمان: منادى، حذفت أداة ندبه.
[2] المضبّر: المكتنز لحما والشديد. عرام الجيش: حدتهم وشدتهم وكثرتهم. والشاعر استعار هذه الصفة.
[3] العرد: الصلب الشديد. يبليها: يجعلها تبول. الرطام: أن يخالطها مستوعبا.
[4] المصمئلات: الدواهي.
[5] الجشم: الجوف.
(4/483)

وما كان ينبغي لبشّار أن يناظر حمادا من جهة الشعر وما يتعلّق بالشّعر، لأنّ حمّادا في الحضيض، وبشّارا مع العيّوق. وليس في الأرض مولّد قرويّ يعدّ شعره في المحدث إلّا وبشّار أشعر منه.
1237-[شعر في هجو بعض الزنادقة]
وقال أبو الشمقمق [1] في جميل بن محفوظ: [من المتقارب]
وهذا جميل على بغله ... وقد كان يعدو على رجله
يروح ويغدو كأير الحمار ... ويرجع صفرا إلى أهله [2]
وقد زعموا أنّه كافر ... وأنّ التّزندق من شكله
كأني به قد دعاه الإمام ... وآذن ربّك في قتله
1238-[عيوب المعنى في شعر أبي نواس]
وأمّا أبو نواس فقد كان يتعرّض للقتل بجهده. وقد كانوا يعجبون من قوله [3] :
[من المديد]
كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره
فلما قال [4] : [من المنسرح]
فاحبب قريشا لحبّ أحمدها ... واشكر لها الجزل من مواهبها
جاء بشيء غطّى على الأوّل.
وأنكروا عليه قوله: [من الرجز]
لو أكثر التّسبيح ما نجّاه
__________
[1] ديوان أبي الشمقمق 148.
[2] صفرا: خالي اليدين.
[3] ديوان أبي نواس 430، والكامل للمبرد 1/243 (المعارف) ، والموشح 279، وعلق المبرد على البيت بقوله: «وهو لعمري كلام مستهجن موضوع في غير موضعه، لأن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضاف إليه ولا يضاف إلى غيره ... » .
[4] ديوان أبي نواس 508.
(4/484)

فلما قال [1] : [من البسيط]
يا أحمد المرتجى في كلّ نائبة ... قم سيّدي نعص جبّار السّموات [2]
غطّى هذا على الأوّل. وهذا البيت مع كفره مقيت جدا. وكان يكثر في هذا الباب.
وأما سوى هذا الفنّ فلم يعرفوا له من الخطإ إلا قولّه [3] : [من السريع]
أمستخبر الدّار هل تنطق ... أنا مكان الدار لا أنطق
كأنها إذ خرست جارم ... بين ذوي تفنيده مطرق [4]
فعابوه بذلك، وقالوا: لا يقول أحد: لقد سكت هذا الحجر، كأنّه إنسان ساكت، وإنما يوصف خرس الإنسان بخرس الدّار، ويشبّه صممه بصمم الصّخر.
وعابوه بقوله، حين وصف عين الأسد بالجحوظ، فقال [5] : [من السريع]
كأنّ عينه إذا التهبت ... بارزة الجفن عين مخنوق
وهم يصفون عين الأسد بالغؤور. قال الرّاجز [6] : [من الرجز]
كأنما ينظر من جوف حجر
وقال أبو زبيد [7] : [من البسيط]
كأنّ عينيه في وقبين من حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير [8]
ومع هذا فإنّا لا نعرف بعد بشّار أشعر منه.
__________
[1] ديوان أبي نواس 174.
[2] أحمد: هو أحمد بن أبي صالح، وقد كان أبو نواس يتعشقه.
[3] لم يرد البيتان في ديوان أبي نواس، وورد البيت الثاني في الصناعتين 86.
[4] الجارم: الجاني. التفنيد: التكذيب، والمراد هنا: اللوم والعذل.
[5] ديوان أبي نواس 452، والصناعتين 134.
[6] الرجز لحميد الأرقط في أراجيز العرب 22، وبلا نسبة في الصناعتين 134.
[7] ديوان أبي زبيد 623، والصناعتين 134.
[8] الوقب في الحجر: نقرة يجتمع فيها الماء. قيضا: حفرا. اقتياضا: استئصالا. المناقير: جمع منقار، وهو حديدة كالفأس ينقر بها.
(4/485)

وقال أبو زبيد [1] : [من الطويل]
وعينان كالوقبين في ملء صخرة ... ترى فيهما كالجمرتين تسعّر
1239-[قصة راهبين من الزّنادقة]
وحدّثني أبو شعيب القلّال، وهو صفريّ [2] ، قال: رهبان الزّنادقة سيّاحون؛ كأنهم جعلوا السّياحة بدل تعلق النّسطوري [3] في المطامير [4] .
ومقام الملكانيّ [5] في الصّوامع، ومقام النّسطوريّ في المطامير [4] .
قال: ولا يسيحون إلا أزواجا. ومتى رأيت منهم واحدا فالتفتّ رأيت صاحبه، والسّياحة عندهم ألّا يبيت أحدهم في منزل ليلتين. قال: ويسيحون على أربع خصال: على القدس، والطّهر، والصّدق، والمسكنة. فأمّا المسكنة، فأن يأكل من المسألة، وممّا طابت به أنفس النّاس له حتّى لا يأكل إلّا من كسب غيره الذي عليه غرمه ومأثمه، وأمّا الطهر فترك الجماع، وأمّا الصّدق فعلى ألّا يكذب. وأما القدس فعلى أن يكتم ذنبه، وإن سئل عنه.
قال: فدخل الأهواز منهم رجلان، فمضى أحدهما نحو المقابر للغائط، وجلس الآخر بقرب حانوت صائغ، وخرجت امرأة من بعض تلك القصور ومعها حقّ [6] فيه أحجار نفيسة، فلما صعدت من الطّريق إلى دكان الصّائغ زلقت فسقط الحقّ من يدها، وظليم لبعض أهل تلك الدّور يتردّد فلما سقط الحقّ وباينه الطّبق [7] ، تبدّد ما
__________
[1] ديوان أبي زبيد 608، والصناعتين 134.
[2] جاء في اللسان «صفر» : «الصفرية: جنس من الخوارج، وقيل قوم من الحرورية سموا صفرية لأنهم نسبوا إلى صفرة ألوانهم، وقيل: إلى عبد الله بن صفّار؛ فهو على هذا القول الأخير من النسب النادر، وفي الصحاح: صنف من الخوارج نسبوا إلى زياد بن الأصفر رئيسهم، وزعم قوم أن الذي نسبوا إليه هو عبد الله بن الصفار ... ) .
[3] في اللسان «نسطر» : (النسطورية: أمة من النصارى يخالفون بقيتهم) .
[4] المطامير: حفر تحفر في الأرض توسّع أسافلها تخبأ فيها الحبوب.
[5] الملكاني، ويقال: الملكائي: واحد جماعة الملكانية أو الملكائية، وهم منسوبون إلى «ملكا» ويعني بالسريانية «الملك» ، والمقصود بهم: أتباع مذهب فياصرة الروم. انظر مفاتيح العلوم 23، والملل والنحل 2/62.
[6] الحقّ: وعاء من خشب أو العاج.
[7] الطبق: غطاء كل شيء.
(4/486)

فيه من الأحجار، فالتقم ذلك الظّليم أعظم حجر فيه وأنفسه، وذلك بعين السّائح؛ ووثب الصّائغ وغلمانه فجمعوا تلك الأحجار، ونحّوا النّاس وصاحوا بهم فلم يدن منهم أحد، وفقدوا ذلك الحجر، فصرخت المرأة، فكشف القوم وتناحوا [1] ، فلم يصيبوا الحجر، فقال بعضهم: والله ما كان بقربنا إلّا هذا الرّاهب الجالس، وما ينبغي أن يكون إلّا معه! فسألوه عن الحجر؛ فكره أن يخبرهم أنه في جوف الظليم فيذبح الظليم، فيكون قد شارك في دم بعض الحيوان، فقال ما أخذت شيئا! وبحثوه وفتّشوا كلّ شيء معه وألحّوا عليه بالضّرب، وأقبل صاحبه وقال: اتّقوا الله! فأخذوه وقالوا:
دفعته إلى هذا حتّى غيّبه! فقال: ما دفعت إليه شيئا! فضربوهما ليموتا. فبينما هما كذلك إذ مرّ رجل يعقل، ففهم عنهم القصّة، ورأى ظليما يتردّد فقال لهم: أكان هذا الظليم يتردّد في الطريق حين سقط الحجر؟ قالوا: نعم. قال: فهو صاحبكم.
فعوّضوا أصحاب الظليم، وذبحوه وشقّوا عن قانصته، فوجدوا الحجر وقد نقص في ذلك المقدار من الزّمان شبيها بشطره، إلّا أنها أعطته لونا صار الذي استفادوه من جهة اللّون أربح لهم من وزن ذلك الشّطر أن لو كان لم يذهب.
ونار القانصة غير نار الحجر.
__________
[1] تناحوا: تباعدوا.
(4/487)

[باب في النّيران وأقسامها]
(القول في النّيران وأقسامها) [1] ونحن ذاكرون جملا من القول في النّيران وأجناسها، ومواضعها، وأيّ شيء منها يضاف إلى العجم، وأيّ شيء منها يضاف إلى العرب، ونخبر عن نيران الدّيانات، وغير الدّيانات، وعمّن عظّمها وعمّن استهان بها، وعمّن أفرط في تعظيمها حتّى عبدها. ونخبر عن المواضع التي عظّم فيها من شأن النّار.
1240-[نار القربان]
[2] فمن مواضعها التي عظّمت بها أنّ الله عزّ وجلّ جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم، وتعرّف صدق نياتهم، فكانوا يتقرّبون بالقربان. فمن كان منهم مخلصا نزلت نار من قبل السّماء حتّى تحيط به فتأكله، فإذا فعلت ذلك كان صاحب القربان مخلصا في تقرّبه. ومتى لم يروها وبقي القربان على حاله، قضوا بأنّه كان مدخول القلب فاسد النّية. ولذلك قال الله تعالى في كتابه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[3] .
والدّليل على أنّ ذلك قد كان معلوما، قول الله عزّ وجلّ: قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
ثمّ إنّ الله ستر على عباده، وجعل بيان ذلك في الآخرة. وكان ذلك التّدبير مصلحة ذلك الزّمان [4] ، ووفق طبائهم وعللهم، وقد كان القوم من المعاندة والغباوة على مقدار لم يكن لينجع فيهم ويكمل لمصلحتهم إلا ما كان في هذا الوزن، فهذا باب من عظم شأن النّار في صدور النّاس.
__________
[1] انظر ثمار القلوب (819- 841) ، الباب التاسع والأربعين، في النيران.
[2] ثمار القلوب 455، (821) .
[3] 183/آل عمران: 3.
[4] في ثمار القلوب: «وكان ذلك التدبير مصلحة في ذلك الأمر» .
(4/488)

1241-[نار موسى]
[1] وممّا زاد في تعظيم شأن النّار في صدور النّاس قول الله عزّ وجلّ: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى. إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
[2] ، وقال عزّ وجلّ: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[3] .
وكان ذلك مما زاد في قدر النّار في صدور النّاس.
1242-[نار إبراهيم]
[4] ومن ذلك نار إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقال الله عزّ وجلّ: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ. قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
[5] ثم قال: قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
[6] فلما قال الله عزّ وجلّ:
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
[7] كان ذلك ممّا زاد في نباهة النّار وقدرها في صدور النّاس.
__________
[1] نار موسى: تضرب مثلا للشيء الهين اليسير يطلب فيتوصل بسببه إلى الشيء الخطير، والغنيمة الباردة. انظر ثمار القلوب (116- 820) ، حيث نقل الثعالبي عن الجاحظ.
[2] 9- 12/طه: 20.
[3] 7- 8/النمل: 27.
[4] نار إبراهيم: يضرب بها المثل في البرد والسلامة. انظر ثمار القلوب (103، 820) ، حيث نقل الثعالبي عن الجاحظ.
[5] 60- 61/الأنبياء: 21.
[6] 68/الأنبياء: 21.
[7] 69/الأنبياء: 21.
(4/489)

باب آخر
1243-[نار الشجر]
[1] وهو قوله عزّ وجلّ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
[2] .
والنّار من أكبر الماعون، وأعظم [المنافع] [3] المرافق [في هذه الدنيا على عباده] [3] . ولو لم يكن فيها إلّا أنّ الله عزّ وجلّ قد جعلها الزاجرة عن المعاصي، لكان ذلك ممّا يزيد في قدرها، وفي نباهة ذكرها.
وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ
[4] ، ثم قال: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
[5] . فقف عند قوله [6] : نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً
فإن كنت بهذا القول مؤمنا فتذكّر ما فيها من النعمة أولا ثم آخرا، ثم توهّم مقادير النعم وتصاريفها [7] .
1244-[نار الله]
[8] وقد علمنا أنّ الله عذّب الأمم بالغرق، والرّياح، وبالحاصب، والرّجم، وبالصّواعق، وبالخسف، والمسخ، وبالجوع، وبالنقص من الثمرات، ولم يبعث عليهم نارا، كما بعث عليهم ماء وريحا وحجارة. [وإنما] [9] جعلها من عقاب الآخرة [وعذاب العقبى] [9] ، ونهى أن يحرق بها شيء من الهوامّ [10] ، وقال [رسول الله صلى الله عليه وسلم] [9] : «لا تعذّبوا بعذاب الله» [11] . فقد عظّمها كما ترى.
__________
[1] ثمار القلوب 823.
[2] 80/يس: 36.
[3] الزيادة من ثمار القلوب.
[4] 71- 72/الواقعة: 56.
[5] 73/الواقعة: 56.
[6] في ثمار القلوب: «فكم تحت قوله» .
[7] في ثمار القلوب: «من تبصرة، بما فيها من مقادير النعم وتصاريف النقم» .
[8] ثمار القلوب (80- 819) ، وقد نقل الثعالبي هذه الفقرة عن الجاحظ.
[9] الزيادة من ثمار القلوب.
[10] في ثمار القلوب «من الحيوان» .
[11] أخرجه البخاري في الجهاد برقم 2854 (حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة: أن عليّا رضي الله عنه حرّق قوما، فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرّقهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» . ولقتلتهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» ، وأعاده البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين برقم 6524، وانظر جامع الأصول 3/481، والجامع الصغير 9830، وفيه: رواه أبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك.
(4/490)

فتفهّم- رحمك الله- فقد أراد الله إفهامك.
وقال الله تعالى للثّقلين: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[1] ، فجعل الشّواظ والنّحاس، وهما النّار والدّخان، من الآية. ولذلك قال على نسق الكلام: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[1] ولم يعن أن التّعذيب بالنّار نعمة يوم القيامة، ولكنه أراد التّحذير بالخوف والوعيد بها، غير إدخال النّاس فيها، وإحراقهم بها.
1245-[نار الشجر]
وقال المرّار بن منقذ [2] : [من الكامل]
وكأنّ أرحلنا بجوّ محصب ... بلوى عنيزة من مقيل التّرمس
في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس أهلها لم يقبس
أراد خصب الوادي ورطوبته. وإذا كان كذلك لم تقدح عيدانه، فإن دخلها مستقبس لم يور نارا.
وقال كثيّر [3] : [من الطويل]
له حسب في الحيّ، وار زناده ... عفار ومرخ حثّه الوري عاجل [4]
والعفار والمرخ، من بين جميع العيدان التي تقدح، أكثرها في ذلك وأسرعها.
قال: ومن أمثالهم: «في كلّ الشّجر نار، واستمجد المرخ والعفار» [5] .
1246-[نار الاستمطار]
[6] ونار أخرى، وهي النّار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهليّة الأولى؛ فإنهم
__________
[1] 35/الرحمن: 55.
[2] البيتان للمرار بن سعيد في ديوانه 461، وأشعار اللصوص 363، وللأسدي في البيان 3/34، والبيت الثاني للأسدي في المخصص 10/176، 11/32، وتقدم البيتان في 3/62، فقرة (613) مع نسبتهما للأسدي.
[3] ديوان كثير 277، والمخصص 11/27.
[4] وار: متقد.
[5] المستقصى 2/183، وفصل المقال 202، وجمهرة الأمثال 1/173، 2/92، ومجمع الأمثال 2/74، وثمار القلوب (823) ، وقيل إن معناه: أنهما أخذا الفضل وذهبا بالمجد.
[6] ثمار القلوب (829) ، وانظر الخزانة 7/147، والأوائل 35، ونهاية الأرب 3/120، ومحاضرات الراغب 1/152.
(4/491)

كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات وركد عليهم البلاء، واشتدّ الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار، استجمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثمّ عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها، السّلع والعشر [1] ، ثمّ صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النّيران، وضجّوا بالدّعاء والتضرّع. فكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب الشّقيا. ولذلك قال أميّة [2] : [من الخفيف]
سنة أزمة تخيّل بالنّا ... س ترى للعضاه فيها صريرا [3]
إذ يسفّون بالدّقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون شيئا فطيرا [4]
ويسوقون باقرا يطرد السّه ... ل مهازيل خشية أن يبورا [5]
عاقدين النّيران في شكر الأذ ... ناب عمدا كيما تهيج البحورا [6]
فاشتوت كلها فهاج عليهم ... ثمّ هاجت إلى صبير صبيرا [7]
فرآها الإله ترشم بالقط ... ر وأمسى جنابهم ممطورا [8]
فسقاها نشاصه واكف الغى ... ث منهّ إذ رادعوه الكبيرا [9]
سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البنقورا [10]
__________
[1] السلع والعشر: ضربان من الشجر.
[2] ديوان أمية بن أبي الصلت 396- 399، وعيار الشعر 60، 2/395، والحماسة البصرية 2/395.
[3] في ديوانه: «سنة جدبة: شديدة القحط، وهي من الأزم، وهو العض بالفم أو بالأنياب. تخيل بالناس: تشتبه عليهم فيتوهمون الخير ولا خير فيها. العضاه: كل شجر له شوك» .
[4] في ديوانه: «سففت الدقيق: أخذته غير معجون. الفطير: العجين الذي لم يختمر.
[5] في ديوانه: «الباقر: جماعة البقر. يبور: يهلك» .
[6] في ديوانه: «الشكر: مفردها شكير، وهو من الشعر» . والريش والنبت ما نبت صغاره بين كباره.
تهيج البحور: أراد تبعث المطر الغزير الذي يشبه البحور بغزارته» .
[7] في ديوانه: «وهاجت السماء: غيمت وكثرت ريحها، وهاجت الإبل: عطشت. والصبير: السحاب يثبت يوما وليلة لا يبرح، كأنه يصبر، أي يحبس» .
[8] في ديوانه: «الرشم: الأثر والعلامة» .
[9] في ديوانه: «النشاص: السحاب المرتفع. والواكف: الهاطل. منهّ: فاعل من نهّى الشيء وانتهى وتناهى، إذا بلغ نهايته. وردعه عن الأمر: كفّه، ورادعوه: للمشاركة؛ فهم كفّوا عما بهم من إثم، وهو كفّ عن الانحباس والتشديد عليهم. والكبيرا صفة قامت مقام الموصوف بعد حذفه، والتقدير: رادعوه الشر الكبيرا. منهّ: حال «نشاصه» ، أي سقاها نشاصه بالغا نهايته، وكان حقها أن تكون «منهّيا» ولكنه حذف الياء ضرورة كحذفها في الرفع والجر.
[10] في ديوانه: «السلع والعشر: ضربان من الشجر. وعال الشيء فلانا: ثقل عليه، يريد أن السنة أثقلت البقر بما حملتها من السلع والعشر» .
(4/492)

هكذا كان الأصمعيّ ينشد هذه الكلمة، فقال له علماء بغداد: صحفت، إنما هي البيقور، مأخوذة من البقر.
وأنشد القحذمي للورل الطائيّ [1] : [من البسيط]
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر [2]
قال: ويقال بقر، وبقير، وبيقور، وباقر. ويقال للجماعة منها قطيع، وإجل، وكور، وأنشد [3] : [من الطويل]
فسكّنتهم بالقول حتى كأنّهم ... بواقر جلح أسكنتها المراتع [4]
وأنشد [5] : [من البسيط]
ولا شبوب من الثيران أفرده ... عن كوره كثرة الإغراء والطّرد [6]
1247-[نار الحلف]
[7] ونار أخرى، هي التي توقد عند التّحالف؛ فلا يعقدون حلفهم إلّا عندها.
فيذكرون عند ذلك منافعها، ويدعون إلى الله عزّ وجلّ، بالحرمان والمنع من منافعها، على الذي ينقض عهد الحلف، ويخيس بالعهد.
__________
[1] البيتان للورل الطائي في الحماسة البصرية 2/396، واللسان والتاج (بقر، سلع) ، ورسالة النيروز لابن فارس 2/19 (ضمن نوادر المخطوطات) ، وهما للودك الطائي في ثمار القلوب 580 (830) ، وللوديك الطائي في نهاية الأرب 1/110، والبيت الثاني في التنبيه والإيضاح 2/87، وبلا نسبة في التهذيب 2/99، والمجمل 1/282، وديوان الأدب 2/61.
[2] في الحماسة البصرية 2/395- 396: (تزعم العرب أنه إذا أمسكت السماء قطرها وأرادوا أن يستمطروا، عمدوا إلى شجرتين يقال لهما: السلع والعثير «العشر» ، فعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النار وأصعدوهما في جبل وعر، واتبعوا آثارهما؛ يدعون الله تعالى ويستسقون، ويفعلون ذلك تفاؤلا للبرق) .
[3] البيت لقيس بن عيزارة في شرح أشعار الهذليين 950، وديوان الهذليين 3/76، واللسان والتاج (جلح) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (بقر) .
[4] في ديوان الهذليين: «جلح: بقر لا قرون لها. والمراتع: مواضع ترتع» .
[5] البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 60، وديوان الهذليين 1/126، واللسان والتاج (كور) ، والتنبيه والإيضاح 2/201، وبلا نسبة في المخصص 8/33، 42.
[6] في ديوان الهذليين: «يقال للمسنّ من الثيران: شبوب ومشبّ وشبب. والكور: القطيع» .
[7] ثمار القلوب (826) .
(4/493)

ويقولون في الحلف: الدّم الدّم، والهدم الهدم [1] ، يحرّكون الدّال في هذا الموضع؛ لا يزيده طلوع الشمس إلا شدّا، وطول اللّيالي إلّا مدّا، ما بلّ البحر صوفة [2] ، وما أقام رضوى في مكانه، (إن كان جبلهم رضوى [3] ) .
وكلّ قوم يذكرون جبلهم، والمشهور من جبالهم.
وربّما دنوا منها حتى تكاد تحرقهم.
ويهوّلون على من يخاف عليه الغدر، بحقوقها ومنافعها، والتّخويف من حرمان منفعتها. وقال الكميت [4] : [من المتقارب]
كهولة ما أوقد المحلفو ... ن للحالفين وما هوّلوا
وأصل الحلف والتّحالف، إنما هو من الحلف والأيمان. ولقد تحالفت قبائل من قبائل مرّة بن عوف، فتحالفوا عند نار فدنوا منها، وعشوا [5] بها، حتّى محشتهم. فسمّوا: المحاش [6] .
وكان سيدهم والمطاع فيهم، أبو ضمرة يزيد بن سنان بن أبي حارثة. ولذلك يقول النّابغة [7] : [من الكامل]
جمّع محاشك يا يزيد فإنّني ... جمّعت يربوعا لكم وتميما [8]
__________
[1] مجمع الأمثال 1/265، وهو من حديث بيعة العقبة في النهاية 5/251 وفيه: «الهدم؛ بالتحريك: القبر. يعنى إني أقبر حيث تقبرون. وقيل: هو المنزل، أي منزلكم منزلي. والهدم بالسكون وبالفتح أيضا: هو إهدار دم القتيل: يقال: دماؤهم بينهم هدم: أي مهدرة. والمعنى: إن طلب دمكم فقد طلب دمي، وإن أهدر دمكم فقد أهدر دمي؛ لاستحكام الألفة بيننا» .
[2] مجمع الأمثال 2/230، والمستقصى 2/246، الصوفة: واحدة الصوف، وصوف البحر: شيء على شكل هذا الصوف الحيواني.
[3] رضوى: جبل بالمدينة.
[4] ديوان الكميت 2/14، واللسان والتاج وأساس البلاغة (هول) ، والتهذيب 6/415، والبيان 3/8، والخزانة 3/14 (بولاق) .
[5] عشي بالنار، كرضي ودعا، ساء بصره.
[6] محشته النار: أحرقته. وانظر الحاشية بعد التالية.
[7] ديوان النابغة الذبياني 102، والرواية فيه «أعددت يربوعا» ، والبيت الأول في اللسان والتاج (حوش، محش، حشا) ، والتهذيب 4/196، 5/141، والعين 3/261، والمقاييس 2/65، 5/299، والمجمل 2/68، 4/311، وبلا نسبة في الجمهرة 539.
[8] في ديوانه: «كان يزيد بن سنان بن أبي حارثة يمحش المحاش، وهم بنو خصيلة بن مرة، وبنو نشبة بن غيظ بن مرة على بني يربوع بن غيظ بن مرة رهط النابغة، فتحالفوا على بني يربوع على النار، فسموا المحاش، لتحالفهم على النار. قال الأصمعي: المحاش أربعة أحياء من فزارة
(4/494)

ولحقت بالنّسب الذي عيّرتني ... وتركت أصلا يا يزيد ذميما [1]
وقوله: «تميم» يريد: تميمة [2] . فحذف الهاء.
1248-[التحالف والتعاقد على الملح]
وربّما تحالفوا وتعاقدوا على الملح. والملح شيئان: أحدهما المرقة، والأخرى اللّبن. وأنشدوا لشتيم بن خويلد الفزاري [3] : [من المتقارب]
لا يبعد الله ربّ العباد ... والملح ما ولدت خالده
وأنشدوا فيه قول أبي الطّمحان [4] : [من الطويل]
وإني لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبرا
وذلك أنّه كان جاورهم، فكان يسقيهم اللّبن؛ فقال: أرجو أن تشكروا لي ردّ إبلي، على ما شربتم من ألبانها، وما بسطت من جلد أشعث أغبر. كأنّه يقول: كنتم مهازيل- والمهزول يتقشّف جلده وينقبض- فبسط ذلك من جلودكم.
1249-[نار المسافر]
[5] ونار أخرى، وهي النّار التي كانوا ربّما أوقدوها خلف المسافر، وخلف الزّائر
__________
ومرة، وقال ابن الأعرابي: المحاش: الذين لا خير فيهم ولا غناء عندهم، يقال: محشته النار، إذا أحرقته وأفسدته. وقوله: «أعددت يربوعا» يريد: يربوع بن غيظ بن مرة، و «تميما» أراد: تميم بن ضبة من عذرة بن سعد بن ذبيان» .
[1] في ديوانه: «وقوله: ولحقت بالنسب الذي عيرتني، يريد النسب الذي نفاه إليه، وعيّره به، وذلك أن ابنة النابغة كانت تحت يزيد فطلقها، فقيل له: لم طلقتها؟ فقال: لأنه رجل من عذرة، فنفى النابغة انتسابه إليهم، وزعم أنه نسب يزيد، إلا أنه تركه، وانتفى منه، وهو معنى قوله: وتركت أصلك يا يزيد ذميما» ، أي «مذموما» .
[2] أي حذف الهاء للترخيم في غير موضع النداء، وأراد: تميمة بن ضبة، وانظر الحاشية قبل السابقة.
[3] البيت لشتيم بن خويلد الفزاري في اللسان (لوم) ، وأساس البلاغة (ملح) ، ولعبد الله بن الزبعري في ديوانه 35، ولنهيكة بن الحارث المازني في الخزانة 4/164 (بولاق) ، وبلا نسبة في الكامل 1/295 (المعارف) ، والفاخر 9، واللسان (ملح) والمخصص 1/26، والتهذيب 5/100، 102.
[4] البيت في الشعر والشعراء 229 (ليدن) ، والكامل 1/295، (المعارف) ، والاشتقاق 451، واللسان والتاج، وأساس البلاغة وعمدة الحفاظ (ملح) ، وبلا نسبة في الجمهرة 569، والمخصص 1/26.
[5] ثمار القلوب 459 (826) ، وسماها في الأوائل 37 «نار الطرد» . وانظر المعاني الكبير 433، والخزانة 7/148، ومحاضرات الراغب 1/154.
(4/495)

الذي لا يحبّون رجوعه. وكانوا يقولون في الدّعاء: أبعده الله وأسحقه، وأوقد نارا خلفه، وفي إثره! وهو معنى قول بشار [1]- وضربه مثلا: [من المتقارب]
صحوت وأوقدت للجهل نارا ... وردّ عليك الصّبا ما استعارا
وأنشدوا [2] : [من الطويل]
وجمّة أقوام حملت ولم تكن ... لتوقد نارا إثرهم للتندّم
والجمّة: الجماعة يمشون في الصلح. وقال الراجز [3] في إبله: [من الرجز]
تقسم في الحقّ وتعطى في الجمم
يقول: لا تندم على ما أعطيت في الحمالة، عند كلام الجماعة فتوقد خلفهم نارا كي لا يعودوا.
1250-[نار الإنذار]
[4] ونار أخرى وهي النّار التي كانوا إذا أرادوا حربا، وتوقّعوا جيشا عظيما، وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلا على جبلهم نارا؛ ليبلغ الخبر أصحابهم.
وقد قال عمرو بن كلثوم [5] : [من الوافر]
ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرّافدينا
وإذا جدّوا في جمع عشائرهم إليهم أوقدوا نارين. وهو قول الفرزدق [6] :
[من الكامل]
لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... سدّ العدوّ عليك كلّ مكان
__________
[1] البيت لبشار بن برد في ديوانه 4/65، والمختار من شعر بشار 340، وثمار القلوب (827) وبلا نسبة في اللسان والتاج (وقد) ، والتهذيب 9/250.
[2] البيت بلا نسبة في اللسان (نور) ، والتهذيب 15/232، وعيار الشعر 54، والمعاني الكبير 1/433، وثمار القلوب (827) .
[3] الرجز بلا نسبة في جمهرة اللغة 496، وروايته: (أضرب في النقع وأعطي في الجمم) .
[4] ثمار القلوب 461 (829) ، وسماها في الأوائل 37 «نار الأهبة» ، وانظر الخزانة 7/152، ومطلع الفوائد 42.
[5] البيت برقم 68 من معلقته في شرح القصائد السبع 409، وشرح القصائد العشر 352، واللسان والتاج (خزر، خزز) ، والبيان 3/22، والمعاني الكبير 434، ومعجم البلدان 2/419 (خزاز) ، ومعجم ما استعجم 2/496.
[6] ديوان الفرزدق 2/345 (صادر) ، 882- 883 (الصاوي) ، والبيت الأول في اللسان (مضح) ، وبلا نسبة في المقتضب 3/360.
(4/496)

ضربوا الصّنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النّيران
1251-[نار الحرّتين]
[1] ونار أخرى، وهي «نار الحرّتين» ، وهي نار خالد بن سنان، أحد بني مخزوم، من بني قطيعة بن عبس. ولم يكن في بني إسماعيل نبيّ قبله. وهو الذي أطفأ الله به نار الحرّتين. وكانت ببلاد بني عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، وكانت طيّئ تنفش [2] بها إبلها من مسيرة ثلاث، وربّما ندرت منها العنق [3] فتأتي على كلّ شيء فتحرقه. وإذا كان النهار فإنما هي دخان يفور. فبعث الله خالد بن سنان فاحتفر لها بئرا، ثمّ أدخلها فيها، والنّاس ينظرون؛ ثمّ اقتحم فيها حتى غيّبها.
وسمع بعض القوم وهو يقول: [هلك الرّجل! فقال خالد بن سنان] [4] : كذب ابن راعية المعز، لأخرجنّ منها وجبيني يندى! فلمّا حضرته الوفاة، قال لقومه: إذا أنا متّ ثمّ دفنتموني، فاحضروني بعد ثلاث؛ فإنّكم ترون عيرا أبتر يطوف بقبري، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني؛ فإني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فاجتمعوا لذلك في اليوم الثالث، فلما رأوا العير [5] وذهبوا ينبشونه، اختلفوا، فصاروا فرقتين، وابنه عبد الله في الفرقة التي أبت أن تنبشه، وهو يقول: لا أفعل! إني إذا أدعى ابن المنبوش! فتركوه.
وقد قدمت ابنته على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فبسط لها رداءه وقال: هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه.
قال: وسمعت سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فقالت: قد كان أبي يتلو هذه السورة.
والمتكلّمون لا يؤمنون بهذا، ويزعمون أنّ خالدا هذا كان أعرابيّا وبريّا، من أهل شرج وناظرة [6] ، ولم يبعث الله نبيّا قطّ من الأعراب ولا من الفدّادين [7] أهل
__________
[1] ثمار القلوب 456 (821) ، وانظر الإصابة 2351.
[2] تنفش: ترعى.
[3] ندرت: ظهرت وبدت. العنق: القطعة أو الطائفة.
[4] ما بين المعكوفتين مستدرك من الإصابة 2351، وهو ضروري لإتمام المعنى، ولم يرد في ثمار القلوب.
[5] العير: الحمار الوحشي.
[6] شرج وناظرة: ماءان لعبس. معجم البلدان (ناظرة) .
[7] الفدادون: أهل البادية الذين يعيشون في بيوت من وبر الإبل.
(4/497)

الوبر، وإنما بعثهم من أهل القرى، وسكّان المدن [1] .
وقال خليد عينين [2] : [من الطويل]
وأي نبيّ كان في غير قومه ... وهل كان حكم الله إلّا مع النّخل
وأنشدوا [3] : [من الوافر]
كنار الحرّتين لها زفير ... يصمّ مسامع الرّجل السّميع
1252-[تعظيم النار وعبادتها]
وما زال النّاس كافّة، والأمم قاطبة- حتى جاء الله بالحقّ- مولعين بتعظيم النّار؛ حتى ضلّ كثير من النّاس لإفراطهم فيها، أنهم يعبدونها [4] .
فأما النار العلويّة، كالشمس والكواكب، فقد عبدت البتّة. قال الله تعالى:
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[5] .
وقد يجيء في الأثر وفي سنّة بعض الأنبياء، تعظيمها على جهة التعبّد والمحنة، وعلى إيجاب الشكر على النّعمة بها وفيها. فيغلط لذلك كثير من النّاس، فيجوزون الحدّ، ويزعم أهل الكتاب أنّ الله تعالى أوصاهم بها، وقال: «لا تطفئوا النّيران من بيوتي» . فلذلك لا تجد الكنائس والبيع [6] ، وبيوت العبادات، إلّا وهي لا تخلو من نار أبدا، ليلا ولا نهارا؛ حتّى اتّخذت للنّيران البيوت والسّدنة. ووقفوا عليها الغلّات الكثيرة.
1253-[نار المجوس]
أبو الحسن عن مسلمة وقحدم، أنّ زيادا بعث عبد الله بن أبي بكرة، وأمره أن
__________
[1] بعد ذلك في ثمار القلوب: «والله أعلم حيث يجعل رسالاته» .
[2] تقدم البيت في 1/266.
[3] البيت لخليد عنين في الأوائل 39، وشرح شواهد المغني 1/310، وبلا نسبة في ثمار القلوب (821) .
[4] في ثمار القلوب: «حتى ظنّ كثير من الناس لإفراطهم أنهم يعبدونها» .
[5] 24/النمل: 27.
[6] البيع: جمع بيعة، وهي كنيسة اليهود أو النصارى.
(4/498)

يطفئ النيران، فأراد عبد الله أن يبدأ بنار جور فيطفئها [1] ، فقيل له: ليست للمجوس نار أعظم من نار الكاريان [2] من دار الحارث. فإن أطفأتها لم يمتنع عليك أحد، وإن أطفأت سافلتها استعدّوا للحرب وامتنعوا. فابدأ بها. فخرج إلى الكاريان فتحصّن أهلها في القلعة. وكان رجل من الفرس من أهل تلك البلاد معروف بالشدّة. لا يقدر عليه أحد، وكان يمرّ كلّ عشيّة بباب منزله استخفافا وإذلالا بنفسه، فغمّ ذلك عبد الله، فقال: أما لهذا أحد؟! وكان مع عبد الله بن أبي بكرة رجل من عبد القيس، من أشدّ النّاس بطشا، وكان جبانا، فقالوا له: هذا العبدي، هو شديد جبان. وإن أمرته به خاف القتال فلم يعرض له. فاحتل له حيلة. فقال: نعم.
قال: فبينا هو في مجلسه إذ مرّ الفارسيّ، فقال عبد الله: ما رأيت مثل خلق هذا، وما في الأرض- كما زعموا- أشدّ منه بطشا! ما يقوى عليه أحد! فقال العبدي:
ما تجعلون لي إن احتملته حتّى أدخله الدّار وأكتفه؟ فقال له عبد الله: لك أربعة آلاف درهم. فقال: تفون لي بألف؟ قال: نعم! فلمّا كان الغد مرّ الفارسيّ، فقام إليه العبديّ فاحتمله فيما امتنع ولا قدر أن يتحرّك، حتّى أدخله الدّار وضرب به الأرض ووثب عليه النّاس فقتلوه، وغشي على العبدي حين قتلوه. فلما قتل أعطى أهل القلعة بأيديهم [3] . فقتل ابن أبي بكرة الهرابذة، وأطفأ النّار، ومضى يطفئ النّيران حتّى بلغ سجستان.
والمجوس تقدّم النّار في التّعظيم على الماء، وتقدّم الماء في التّعظيم على الأرض. ولا تكاد تذكر الهواء.
1254-[نار السعالي والجن والغيلان]
ونار أخرى، التي يحكونها من نيران السّعالي [4] والجنّ وهي غير نار الغيلان.
وأنشد أبو زيد لسهم بن الحارث [5] : [من الطويل]
__________
[1] ورد مثل هذا الكلام في معجم البلدان (جور) .
[2] الكاريان: مدينة بفارس صغيرة، ورستاقها عامر، وبها بيت نار معظم عند المجوس. معجم البلدان (الكاريان) .
[3] أعطوا بأيديهم: استسلموا.
[4] السعالي: جمع سعلاة، وهي أخبث الغيلان، ويزعمون أنها أنثى الجن. حياة الحيوان 1/555.
[5] الأبيات لشمر بن الحارث الضبي في الحماسة البصرية 2/246، ولشمير بن الحارث في نوادر أبي زيد 123، ولتأبط شرا في ديوانه 255- 257.
(4/499)

ونار قد حضأت بعيد هدء ... بدار لا أريد بها مقاما [1]
سوى تحليل راحلة وعين ... أكالئها مخافة أن تناما
أتوا ناري، فقلت منون أنتم ... فقالوا: الجنّ! قلت: عموا ظلاما [2]
فقلت: إلى الطّعام، فقال منهم ... زعيم: نحسد الإنس الطعاما
وهذا غلط وليس من هذا الباب، وسنضعه في موضعه إن شاء الله تعالى. بل الذي يقع ههنا قول أبي المطراب عبيد بن أيّوب [3] : [من الطويل]
فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقفّر [4]
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تبوخ وتزهر [5]
1255-[نار الاحتيال]
[6] وما زالت السّدنة تحتال للنّاس جهة النّيران بأنواع الحيل، كاحتيال رهبان كنيسة القمامة ببيت المقدس بمصابيحها، وأنّ زيت قناديلها يستوقد لهم من غير نار، في بعض ليالي أعيادهم قال [7] : وبمثل احتيال السّادن لخالد بن الوليد، حين رماه بالشّرر؛ ليوهمه أنّ ذلك من الأوثان، أو عقوبة على ترك عبادتها وإنكارها، والتعرّض لها؛ حتى قال [8] :
[من الرجز]
يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إنّي وجدت الله قد أهانك
حتى كشف الله ذلك الغطاء، من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
1256-[نار الصيد]
[9] ونار أخرى، وهي النّار التي توقد للظباء وصيدها، لتعشى إذا أدامت النّظر،
__________
[1] حضأت: أشعلت.
[2] منون أنتم: أي من أنتم.
[3] البيتان في أشعار اللصوص 218.
[4] المتقفر: الذي يتبع آثار الصيد، وفي أشعار اللصوص «يتستر» مكان «المتقفر» .
[5] تبوخ: تسكن وتفتر. تزهر: تضيء.
[6] ثمار القلوب (74) ، حيث نقل عن الجاحظ.
[7] ربيع الأبرار 1/181.
[8] الرجز بلا نسبة في ثمار القلوب (75) .
[9] ثمار القلوب (830) .
(4/500)

وتختل من ورائها، ويطلب بها بيض النعام في أفاحيصها ومكناتها.
ولذلك قال طفيل الغنوي [1] : [من الطويل]
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم
سوى نار بيض أو غزال بقفرة ... أغنّ من الخنس المناخر توءم
1257-[نار التهويل]
[2] وقد يوقدون النّيران يهوّلون بها على الأسد إذا خافوها، والأسد إذا عاين النّار حدق إليها وتأمّلها، فما أكثر ما تشغله عن السابلة، ومرّ أبو ثعلب الأعرج. على وادي السّباع، فعرض له سبع، فقال له المكاري:
لو أمرت غلمانك فأوقدوا نارا، وضربوا على الطّساس [الذي معهم] [3] ففعلوا فأحجم عنها [4] ، فأنشدني له ابن أبي كريمة، في حبّه بعد ذلك للنّار، ومدحه لها وللصوت الشّديد، بعد بغضه لهما وهو قوله [5] : [من الطويل]
فأحببتها حبّا هويت خلاطها ... ولو في صميم النّار نار جهنّم
وصرت ألذّ الصّوت لو كان صاعقا ... وأطرب من صوت الحمار المرقّم [6]
1258-[نار الاصطلاء]
[7] وروي أنّ أعرابيّا اشتدّ عليه البرد، فأصاب نارا، فدنا منها ليصطلي بها، وهو يقول: اللهم لا تحرمنيها في الدّنيا ولا في الآخرة!.
1259-[سكوت الضفدع عند رؤية النار]
وممّا إذا أبصر النّار اعترته الحيرة، الضّفدع؛ فإنّه لا يزال ينقّ فإذا أبصر النّار سكت.
__________
[1] البيتان في ديوان طفيل الغنوي 77، وثمار القلوب (75) ، وتقدم البيتان مع شرحهما في الفقرة 1179.
[2] ثمار القلوب 461 (828) .
[3] الزيادة من ثمار القلوب (829) .
[4] في ثمار القلوب: «فأحجم عنهم الأسد» .
[5] البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب (829) .
[6] الحمار المرقم: المخطط القوائم.
[7] ثمار القلوب 828.
(4/501)

1260-[نار الحباحب]
[1] ومن النّيران «نار الحباحب» وهي أيضا «نار أبي الحباحب» . وقال أبو حيّة [2] : [من الطويل]
يعشّر في تقريبه فإذا انحنى ... عليهنّ في قفّ أرنّت جنادله [3]
وأوقدن نيران الحباحب والتقى ... غضا تتراقى بينهنّ ولاوله [4]
وقال القطاميّ [5] في نار أبي الحباحب: [من الطويل]
تخوّد تخويد النّعامة بعدما ... تصوّبت الجوزاء قصد المغارب [6]
ألا إنما نيران قيس إذا اشتوت ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
ويصفون نارا أخرى، وهي قريبة من نار أبي الحباحب، وكلّ نار تراها العين ولا حقيقة لها عند التماسها [7] ، فهي نار أبي الحباحب. ولم أسمع في أبي حباحب نفسه شيئا.
1261-[نار البرق]
وقال الأعرابيّ، وذكر البرق [8] : [من الطويل]
نار تعود به للعود جدّته ... والنّار تشعل نيرانا فتحترق
يقول: كلّ نار في الدّنيا فهي تحرق العيدان وتبطلها وتهلكها، إلّا «نار البرق» ،
__________
[1] ثمار القلوب (832) ، والخزانة 7/150، والأوائل 42، ومجمع الأمثال 2/149، وشروح سقط الزند 2/506- 507.
[2] ديوان أبي حية النميري 70- 71.
[3] في ديوانه: «القف: الأرض ذات حجارة عظام. أرنّت: صوتت. الجنادل: الحجارة الكبيرة. أي تصوت الحجارة لضرب بعضها بعضا» .
[4] في ديوانه «الولاول: الأصوات، جمع ولولة» .
[5] ديوان القطامي 50، والبيت الثاني له في ثمار القلوب (833) ، وهو للنابغة الذبياني في ملحق ديوانه 228، واللسان والتاج (حبحب) ، وبلا نسبة في المخصص 11/26.
[6] خوّد البعير والظليم: أسرع واهتز في مشيه. تصوبت: انحدرت. الجوزاء: نجم.
[7] نقل الثعالبي هذا القول عن الجاحظ، وبعده: «كقدح الخيل من حوافرها النار إذا وطئت المرو والصفا والجلاميد الكبار» . ثمار القلوب (832) .
[8] البيت لابن ميادة في ديوانه 276، والسمط 1/445، والحماسة البصرية 2/349، ولعدي بن الرقاع في الوحشيات 279، والحماسة الشجرية 2/783، ومحاضرات الراغب 2/327، وبلا نسبة في المخصص 9/102، والأمالي 1/180، وزهر الآداب 1/178، ونهاية الأرب 1/114.
(4/502)

فإنّها تجيء بالغيث. وإذا غيثت الأرض ومطرت أحدث الله للعيدان جدّة. وللأشجار أغصانا لم تكن.
1262-[نار اليراعة]
ونار أخرى، وهي شبيهة بنار البرق، ونار أبي حباحب، وهي «نار اليراعة» ، واليراعة: طائر صغير، إن طار بالنّهار كان كبعض الطّير، وإن طار باللّيل كان كأنّه شهاب قذف أو مصباح يطير.
1263-[الدفء برؤية النار]
وفي الأحاديث السّائرة المذكورة في الكتب، أنّ رجلا ألقي في ماء راكد في شتاء بارد، في ليلة من الحنادس [1] ، لا قمر ولا ساهور [2]- وإنما ذكر ذلك، لأنّ ليلة العشر والبدر والطّوق الذي يستدير حول القمر، يكون كاسرا [3] من برد تلك الليلة- قالوا: فما زال الرجل حيّا وهو في ذلك تارز [4] جامد، ما دام ينظر إلى نار، كانت تجاه وجهه في القرية، أو مصباح، فلما طفئت انتفض.
1264-[نار الخلعاء والهرّاب]
وقال الشّاعر [5] : [من الطويل]
ونار قبيل الصّبح بادرت قدحها ... حيا النّار قد أوقدتها للمسافر [6]
يقول: بادرت اللّيل، لأنّ النّار لا ترى بالنهار، كأنه كان خليعا أو مطلوبا.
وقال آخر: [من الطويل]
ودوّيّة لا يثقب النّار سفرها ... وتضحي بها الوجناء وهي لهيد [7]
__________
[1] الحنادس: ثلاث ليال من الشهر مظلمات.
[2] الساهور: التسع البواقي من الشهر.
[3] كاسرا: مخففا.
[4] التارز: الصلب الشديد.
[5] البيت لكعب بن زهير في ديوانه 185، وأساس البلاغة (قهر) ، وبلا نسبة في اللسان (حيا) .
[6] حيا النار: أراد: حياة النار فحذف الهاء. «اللسان: حيا» .
[7] يثقب النار: يشعلها. السفر: المسافرون. الوجناء: الناقة الشديدة. اللهيد: المجهدة المتعبة.
(4/503)

كأنّهم كانوا هرّابا، فمن حثهم السّير لا يوقدون لبرمة ولا ملّة؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا بالنزول والتمكث، وإنما يجتازون بالبسيسة [1] ، أو بأدنى علقة. وقال بعض اللّصوص [2] : [من الرجز]
ملسا بذود الحدسيّ ملسا ... نبّهت عنهن غلاما غسّا [3]
لمّا تغشّى فروة وحلسا ... من غدوة حتّى كأنّ الشّمسا [4]
بالأفق الغربيّ تكسى ورسا ... لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا [5]
ولا تطيلا بمناخ حبسا ... وجنّباها أسدا وعبسا
قال: والبسيسة: أن يبلّ الدّقيق بشيء حتى يجتمع ويؤكل.
1265-[نار الوشم]
ونار أخرى، وهي «نار الوشم والميسم» يقال للرجل: ما نار إبلك؟ فيقول:
علاط [6] ، أو خباط [7] ، أو حلقة [8] أو كذا وكذا.
1266-[رجز لبعض اللصوص]
وقرّب بعض اللّصوص إبلا من الهواشة [9] ، وقد أغار عليها من كلّ جانب،
__________
[1] البسيسة: سيفسرها الجاحظ بعد روايته الأبيات.
[2] الرجز للهفوان العقيلي، أحد بني المنتفق؛ في معجم الشعراء 475- 476، وأشعار اللصوص 631، ونوادر أبي زيد 12، 70، وبلا نسبة في المخصص 104، 127، والأبيات (1، 6، 7) بلا نسبة في اللسان والتاج (خبز، بسس، حدس، ملس) ، والتهذيب 7/215، 216، 12/316، 458، وديوان الأدب 2/160، والجمهرة 69، والمقاييس 1/181، 2/240، والمجمل 1/228.
[3] ملس الإبل: ساقها في خفية. الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. الحدسي: منسوب إلى بني حدس بن أراش اللخمي، وهو الذي سرقوا إبله. الغسّ:
الضعيف اللئيم.
[4] الحلس: الكساء الذي على ظهر البعير تحت القتب.
[5] الورس: نبت له نور يشبه الزعفران. البس: الحلب.
[6] العلاط: سمة في عرض عنق البعير والناقة، والعلاط: يكون في العنق عرضا.
[7] الخباط: سمة تكون في الفخذ؛ طويلة عرضا، وهي لبني سعد، وقيل هي التي تكون على الوجه، أو هي فوق الخد.
[8] الحلقة: سمة على شكل الحلقة، في الفخذ أو أصل الأذن، وانظر المخصص 7/154- 156 حيث أفرد بابا في سمات الإبل.
[9] هاشت الإبل: نفرت في الغارة فتبددت وتفرقت.
(4/504)

وجمعها من قبائل شتى، فقرّبها إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التّجار: ما نارك؟
وإنما يسأله عن ذلك؛ لأنهم يعرفون بميسم كلّ قوم كرم إبلهم من لؤمها. فقال [1] :
[من الرجز]
تسألني الباعة ما نجارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها [2]
فكلّ دار لأناس دارها ... وكلّ نار العالمين نارها
وقال الكردوس المرادي [3] : [من الطويل]
تسائلني عن نارها ونتاجها ... وذلك علم لا يحيط به الطّمش
والطّمش: الخلق. والورى: النّاس خاصّة تمّ المصحف الرابع من كتاب الحيوان، ويليه إن شاء الله تعالى المصحف الخامس.
وأوله: نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العجم والعرب، ونيران الدّيانة، ومبلغ أقدارها.
__________
[1] الرجز بلا نسبة في اللسان (نجر، نور) ، والتهذيب 11/41، 15/231، والتاج (نجر، نور، بيع) ، والخزانة 3/213 (بولاق) ، ومحاضرات الراغب 2/290، وحلية المحاضرة 2/137، وأشعار اللصوص 648.
[2] زعزعوها: ساقوها سوقا شديدا.
[3] البيت للكردوس المرادي في حلية المحاضرة 2/137، وأشعار اللصوص 649.
(4/505)

فهرس الجزءين الثالث والرابع من كتاب الحيوان
(4/507)

فهرس أبواب المصحف الثالث
باب ذكر الحمام 3
باب في صدق الظن وجودة الفراسة 27
باب من المديح بالجمال وغيره 5
باب آخر في مثل ذلك من الغضب وفي ذكر الجنون في المواضع التي يكون ذكره فيها محمودا 54
باب من الفطن وفهم الرّطانات والكنايات والفهم والإفهام 63
باب ذكر خصال الحرم 72
باب ذكر الحمام 75
باب ومن كرم الحمام 110
باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح 119
باب الحمام طائر لئيم 124
باب القول في أجناس الذّبّان 143
باب رجع القول إلى ذكر الذّبّان 180
باب القول في الغربان 194
باب فيمن يهجى ويذكر بالشّؤم 232
باب في مديح الصّالحين والفقهاء 238
باب القول في الجعلان والخنافس 241
باب القول في الهدهد 249
باب القول في الرّخم 253
باب القول في الخفاش 256
(4/509)

فهرس أبواب المصحف الرابع
القول في الذّرّة والنمّل 262
باب جملة القول في القرد والخنزير 278
رجع القول إلى ذكر الخنزير 291
القول في الحيّات 313
ومن أعاجيب الحيّات 373
أصوات خشاش الأرض 373
باب من ضرب المثل للرجل الداهية وللحيّ الممتنع بالحية 374
جملة القول في الظّليم 411
باب آخر وهو أعجب من الأول 416
القول فيما اشتقّ له من البيض اسم 423
القول في النيران 488
باب آخر 490
(4/510)