Advertisement

الحيوان 005

الجزء الخامس
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
[تتمة القول في النيران وأقسامها]
[القول في نيران العرب والعجم]
(أول المصحف الخامس من كتاب الحيوان في الكتاب على بقية النبران) نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العرب والعجم، ونيران الدّيانة ومبلغ أقدارها عند أهل كلّ ملّة وما يكون منها مفخرا، وما يكون منها مذموما، وما يكون صاحبها بذلك مهجورا.
ونبدأ بالإخبار عنها وبدئها، وعن نفس جوهرها، وكيف القول في كمونها وظهورها، إن كانت النار قد كانت موجودة العين قبل ظهورها، وعن كونها، على المجاورة كان ذلك أم على المداخلة، وفي حدوث عينها إن كانت غير كامنة، وفي إحالة الهواء لها والعود جمرا، إن كانت الاستحالة جائزة، وكانت الحجّة في تثبيت الأعراض صحيحة. وكيف القول في الضّرام الذي يظهر من الشجر، وفي الشّرر الذي يظهر من الحجر. وما القول في لون النار في حقيقتها. وهل يختلف الشّرار في طبائعها، أم لا اختلاف بين جميع جواهرها، أم يكون اختلافها على قدر اختلاف مخارجها ومداخلها، وعلى قدر اختلاف ما لاقاها وهيّجها؟
1267-[قول أبي إسحاق النظام في النار]
ونبدأ، باسم الله وتأييده، بقول أبي إسحاق.
قال أبو إسحاق: الناس اسم للحرّ والضّياء. فإذا قالوا: أحرقت أو سخّنت، فإنما الإحراق والتسخين لأحد هذين الجنسين المتداخلين، وهو الحرّ دون الضياء.
وزعم أن الحرّ جوهر صعّاد. وإنما اختلفا، ولم يكن اتّفاقهما على الصعود موافقا بين جواهرهما؛ لأنهما متى صارا من العالم العلويّ إلى مكان صار أحدهما فوق صاحبه.
وكان يجزم القول ويبرم الحكم بأنّ الضياء هو الذي يعلو إذا انفرد، ولا يعلى.
(5/3)

قال: ونحن إنما صرنا إذا أطفأنا نار الأتّون [1] وجدنا أرضه وهواه وحيطانه حارّة، ولم نجدها مضيئة، لأن في الأرض، وفي الماء الذي قد لابس الأرض، حرّا كثيرا، وتداخلا متشابكا؛ وليس فيهما ضياء. وقد كان حرّ النار هيّج تلك الحرارة فأظهرها، ولم يكن هناك ضياء من ملابس فهيّجه الضياء وأظهره، كما اتصل الحرّ بالحرّ فأزاله من موضعه، وأبرزه من مكانه. فلذلك وجدنا أرض الأتّون [1] ، وحيطانها، وهواها حارّة، ولم نجدها مضيئة.
وزعم أبو إسحاق أنّ الدليل على أن في الحجر والعود نارا مع اختلاف الجهات، أنه يلزم من أنكر ذلك أن يزعم أن ليس في السّمسم دهن ولا في الزّيتون زيت.
ومن قال ذلك لزمه أن يقول: أن ليس في الإنسان دم، وأنّ الدّم إنّما تخلّق عند البطّ [2] ، وكان ليس بين من أنكر أن يكون الصّبر [3] مرّ الجوهر، والعسل حلو الجوهر قبل ألّا يذاقا، وبين السمسم والزيتون قبل أن يعصرا- فرق.
وإن زعم الزاعم أنّ الحلاوة والمرارة عرضان، والزيت والخلّ جوهر، وإذا لزم من قال ذلك في حلاوة العسل، وحموضة الخلّ، وهما طعمان- لزمه مثل ذلك في ألوانهما، فيزعم أنّ سواد السّبج [4] ، وبياض الثلج، وحمرة العصفر، وصفرة الذهب، وخضرة البقل، إنما تحدث عند رؤية الإنسان، وإن كانت المعاينة والمقابلة غير عاملتين في تلك الجواهر.
قال: فإذا قاس ذلك المتكلّم في لون الجسم بعد طعمه، وفي طوله وعرضه وصورته بعد رائحته، وفي خفته وثقل وزنه، كما قاس في رخاوته وصلابته- فقد دخل في باب الجهالات، ولحق بالذين زعموا أن القربة ليس فيها ماء، وإن وجدوها باللمس ثقيلة مزكورة [5] وإنما تخلّق عند حلّ رباطها. وكذلك فليقولوا في الشمس والقمر، والكواكب، والجبال، إذا غابت عن أبصارهم.
قال: فمن هرب عن الانقطاع إلى الجهالات، كان الذي هرب إليه أشدّ عليه.
__________
[1] الاتّون: الموقد.
[2] بطّ الجرح: شقه، والمبطة: المبضع.
[3] الصّبر: عصارة شجر مر.
[4] السبج: الخرز الأسود.
[5] مزكورة: مملوءة.
(5/4)

وكان يضرب لهما مثلا ذكرته لظرافته:
حكى عن رجل أحدب سقط في بئر، فاستوت حدبته وحدثت له أدرة [1] في خصيته، فهنّاه رجل عن ذهاب حدبته، فقال: الذي جاء شرّ من الذي ذهب!
1268-[رد النظام على ضرار في إنكار الكمون]
وكان أبو إسحاق يزعم أن ضرار بن عمرو قد جمع في إنكاره القول بالكمون الكفر والمعاندة؛ لأنه كان يزعم أن التوحيد لا يصحّ إلا مع إنكار الكمون، وأن القول بالكمون لا يصحّ إلا بأن يكون في الإنسان دم. وإنما هو شيء تخلّق عند الرّؤية.
قال: وهو قد كان يعلم يقينا أنّ جوف الإنسان لا يخلو من دم.
قال: ومن زعم أن شيئا من الحيوان يعيش بغير الدم، أو شيء يشبه الدم، فواجب عليه أن يقول بإنكار الطبائع؛ ويدفع الحقائق بقول جهم في تسخين النار وتبريد الثلج، وفي الإدراك والحسّ، والغذاء والسّمّ. وذلك باب آخر في الجهالات.
ومن زعم أن التوحيد لا يصلح إلا بألّا يكون في الإنسان دم، وإلا بأن تكون النار لا توجب الإحراق، والبصر الصحيح لا يوجب الإدراك- فقد دلّ على أنه في غاية النقص والغباوة، أو في غاية التكذيب والمعاندة.
وقال أبو إسحاق: وجدنا الحطب عند انحلال أجزائه، وتفرّق أركانه التي بني عليها، ومجموعاته التي ركّب منها وهي أربع: نار، ودخان، وماء، ورماد، ووجدنا للنار حرّا وضياء، ووجدنا للماء صوتا، ووجدنا للدّخان طعما ولونا ورائحة، ووجدنا للرّماد طعما ولونا ويبسا، ووجدنا للماء السائل من كل واحد من أصحابه. ثمّ وجدناه ذا أجناس ركّبت من المفردات.
ووجدنا الحطب ركّب على ما وصفنا، فزعمنا أنه ركّب من المزدوجات، ولم يركّب من المفردات.
قال أبو إسحاق: فإذا كان المتكلم لا يعرف القياس ويعطيه حقه فرأى أنّ العود حين احتكّ بالعود أحدث النار فإنه يلزمه في الدخان مثل ذلك، ويلزمه في الماء السائل مثل ذلك. وإن قاس قال في الرّماد مثل قوله في الدخان والماء. وإلا فهو إما جاهل، وإمّا متحكم.
__________
[1] الأدرة: انتفاخ في الخصية.
(5/5)

وإن زعم أنه إنما أنكر أن تكون النار كانت في العود، لأنه وجد النار أعظم من العود، ولا يجوز أن يكون الكبير في الصغير، وكذلك الدخان- فليزعم أن الدخان لم يكن في الحطب، وفي الزّيت وفي الزّيت وفي النّفط.
فإن زعم أنهما سواء، وأنه إنما قال بذلك لأن بدن ذلك الحطب لم يكن يسع الذي عاين من بدن النار والدخان، فليس ينبغي لمن أنكر كمونها من هذه الجهة أن يزعم أنّ شرر القدّاحة والحجر لم يكونا كامنين في الحجر والقدّاحة.
وليس ينبغي أن ينكر كمون الدم في الإنسان، وكمون الدّهن في السمسم، وكمون الزيت في الزيتون. ولا ينبغي أن ينكر من ذلك إلا ما لا يكون الجسم يسعه في العين.
فكيف وهم قد أجروا هذا الإنكار في كلّ ما غاب عن حواسّهم من الأجسام المستترة بالأجسام حتى يعود بذلك إلى إبطال الأعراض؟! كنحو حموضة الخلّ، وحلاوة العسل، وعذوبة الماء، ومرارة الصبر.
قال: فإن قاسوا قولهم وزعموا أن الرماد حادث، كما قالوا في النار والدّخان، فقد وجب عليهم أن يقولوا في جميع الأجسام مثل ذلك كالدقيق المخالف للبرّ في لونه، وفي صلابته، وفي مساحته، وفي أمور غير ذلك منه. فقد ينبغي أن يزعم أن الدقيق حادث، وأن البرّ قد بطل.
وإذا زعم ذلك زعم أنّ الزّبد الحادث بعد المخض لم يكن في اللبن، وأنّ جبن اللبن حادث، وقاس ماء الجبن على الجبن. وليس اللبن إلا الجبن والماء.
وإذا زعم أنهما حادثان، وأن اللبن قد بطل، لزمه أن يكون كذلك الفخّار، الذي لم نجده حتى عجنّا التراب اليابس المتهافت على حدته، بالماء الرّطب السيّال على حدته، ثم شويناه بالنار الحارّة الصّعّادة على حدتها. ووجدنا الفخار في العين واللمس والذّوق والشّمّ، وعند النّقر والصّكّ- على خلاف ما وجدنا عليه النار وحدها، والماء وحده، والتّراب وحده؛ فإنّ ذلك الفخار هو تلك الأشياء. والحطب هو تلك الأشياء، إلا أن أحدها من تركيب العباد، والآخر من تركيب الله.
والعبد لا يقلب المركّبات عن جواهرها بتركيبه ما ركب منها.
والحجر متى صكّ بيضة كسرها، وكيف دار الأمر، سواء كانت الرّيح تقلبه أو إنسان.
(5/6)

فإن زعموا أن الفخار ليس ذلك التّراب، وذلك الماء، وتلك النار، وقالوا مثل ذلك في جميع الأخبصة [1] والأنبذة، كان آخر قياسهم أن يجيبوا بجواب أبي الجهجاه؛ فإنه زعم أن القائم غير القاعد، والعجين غير الدقيق. وزعم- ولو أنه لم يقل ذلك- أن الحبّة متى فلقت فقد بطل الصحيح، وحدث جسمان في هيئة نصفي الحبّة. وكذلك إذا فلقت بأربع فلق، إلى أن تصير سويقا، ثم تصير دقيقا، ثم تصير عجينا، ثم تصير خبزا، ثم تعود رجيعا وزبلا، ثم تعود ريحانا وبقلا، ثم يعود الرجيع أيضا لبنا وزبدا؛ لأن الجلّالة [2] من البهائم تأكله، فيعود لحما ودما.
وقال: فليس القول إلا ما قال أصحاب الكمون، أو قول هذا.
1269-[ردّ النظام على أصحاب الأعراض]
قال أبو إسحاق: فإن اعترض علينا معترض من أصحاب الأعراض فزعم أن النار لم تكن كامنة، وكيف تكمن فيه وهي أعظم منه؟ ولكنّ العود إذا احتكّ بالعود حمي العودان، وحمي من الهواء المحيط بهما الجزء الذي بينهما، ثم الذي يلي ذلك منهما، فإذا احتدم رقّ، ثم جفّ والتهب. فإنما النار هواء استحال.
والهواء في أصل جوهره حارّ رقيق، وهو جسم رقيق، وهو جسم خوّار، جيّد القبول، سريع الانقلاب.
والنار التي تراها أكثر من الحطب، إنما هي ذلك الهواء المستحيل، وانطفاؤها بطلان تلك الأعراض الحادثة من النارية فيه. فالهواء سريع الاستحالة إلى النار، سريع الرجوع إلى طبعه الأول. وليس أنها إذا عدمت فقد انقطعت إلى شكل لها علويّ واتصلت، وصارت إلى تلادها [3] ، ولا أنّ أجزاءها أيضا تفرقت في الهواء، ولا أنها كانت كامنة في الحطب، متداخلة منقبضة فيه، فلما ظهرت انبسطت وانتشرت.
وإنما اللهب هواء استحال نارا؛ لأن الهواء قريب القرابة من النار، والماء هو حجاز بينهما، لأنّ النار يابسة حارة، والماء رطب بارد، والهواء حارّ رطب، فهو يشبه الماء من جهة الرطوبة والصفاء، ويشبه النار بالحرارة والخفة فهو يخالفهما ويوافقهما؛ فلذلك جاز أن ينقلب إليهما انقلابا سريعا، كما ينعصر الهواء إذا استحال رطبا
__________
[1] الأخبصة: حلوى تصنع من التمر والسمن.
[2] الجلّالة: البقرة تتبّع النجاسات، والجلّة: البعر.
[3] أصل التلاد: المال القديم الأصلي، وهو يريد القول: رجعت إلى معدنها وأصلها الأول.
(5/7)

وحدث له كثافة، إلى أن تعود أجزاؤه مطرا. فالماء ضدّ النار، والهواء خلاف لهما، وليس بضدّ. ولا يجوز أن ينقلب الجوهر إلى ضده حتى ينقلب بديّا إلى خلافه. فقد يستقيم أن ينقلب الماء هواء، ثم ينقلب الهواء نارا، وينقلب الهواء ماء، ثم ينقلب الماء أرضا. فلا بدّ في الانقلاب من الترتيب والتدريج. وكلّ جوهر فله مقدمات؛ لأن الماء قد يحيل الطين صخرا، وكذلك في العكس، فلا يستحيل الصخر هواء، والهواء صخرا، إلا على هذا التنزيل والترتيب.
وقال أبو إسحاق لمن قال بذلك من حذّاق أصحاب الأعراض: قد زعمتم أن النار التي عاينّاها لم تخرج من الحطب، ولكنّ الهواء المحيط بهما احتدم واستحال نارا. فلعلّ الحطب الذي يسيل منه الماء الكثير، أن يكون ذلك الماء لم يكن في الحطب، ولكنّ ذلك المكان من الهواء استحال ماء. وليس ذلك المكان من الهواء أحقّ بأن يستحيل ماء من أن يكون سبيل الدخان في الاستحالة سبيل النار والماء.
فإن قاس القوم ذلك، فزعموا أن النار التي عاينّاها، وذلك الماء والدخان في كثافة الدخان وسواده، والذي يتراكم منه في أسافل القدور وسقف المطابخ إنما ذلك هواء استحال، فلعلّ الرماد أيضا، هواء استحال رمادا.
فإن قلتم: الدّخان في أول ثقله المتراكم على أسافل القدور، وفي بطون سقف مواقد الحمامات، الذي إذا دبّر ببعض التدبير جاء منه الأنقاس [1] العجيبة أحق بأن استحال أرضيّا. فإن قاس صاحب العرض، وزعم أن الحطب انحلّ بأسره، فاستحال بعضه رمادا كما قد كان بعضه رمادا مرة، واستحال بعضه ماء كما كان بعضه ماء مرة، وبعضه استحال أرضا، كما كان بعضه أرضا مرة، ولم يقل إن الهواء المحيط به استحال رمادا، ولكنّ بعض أخلاط الحطب استحال رمادا ودخانا، وبعض الهواء المتصل به استحال ماء وبعضه استحال نارا، على قدر العوامل، وعلى المقابلات له.
وإذا قال صاحب العرض ذلك كان قد أجاب في هذه الساعة على حدّ ما نزّلته لك.
وهذا باب من القول في النار. وعلينا أن نستقصي للفريقين والله المعين.
1270-[ردّ على منكري كمون النار في الحطب]
وباب آخر، وهو أن بعض من ينكر كمون النار في الحطب قالوا: إن هذا الحرّ
__________
[1] الأنقاس: جمع نقس، وهو المداد.
(5/8)

الذي رأيناه قد ظهر من الحطب، لو كان في الحطب لكان واجبا أن يجده من مسّه كالجمر المتوقد، إذا لم يكن دونه مانع منه. ولو كان هناك مانع لم يكن ذلك المانع إلا البرد؛ لأن اللون والطعم والرائحة لا يفاسد الحرّ، ولا يمانعه إلا الذي يضادّه، دون الذي يخالفه ولا يضاده.
فإن زعم زاعم أنه قد كان هناك من أجزاء البرد ما يعادل ذلك الحرّ ويطاوله، ويكافيه ويوازيه؛ فلذلك صرنا إذا مسسنا الحطب لم نجده مؤذيا، وإنما يظهر الحرق ويحرق لزوال البرد، إذا قام في مكانه وظهر الحرّ وحده فظهر عمله. ولو كان البرد المعادل لذلك الحرّ مقيما في العود على أصل كمونه فيه. لكان ينبغي لمن مسّ الرّماد بيده أن يجده أبرد من الثلج. فإذا كان مسه كمسّ غيره، فقد علمنا أنه ليس هناك من البرد ما يعادل هذا الحرّ الذي يحرق كلّ شيء لقيه.
فإن زعم أنهما خرجا جميعا من العود، فلا يخلو البرد أن يكون أخذ في جهته، فلم وجدنا الحرّ وحده وليس هو بأحق أن نجده من ضدّه. وإن كان البرد أخذ شمالا، وأخذ الحرّ جنوبا، فقد كان ينبغي أن يجمد ويهلك ما لاقاه، كما أهلك الحر وأحرق وأذاب كلّ ما لاقاه.
قالوا: فلما وجدنا جميع أقسام هذا الباب، علمنا أن النار لم تكن كامنة في الحطب.
قال أبو إسحاق: والجواب عن ذلك أنا نزعم أن الغالب على العالم السفليّ الماء والأرض، وهما جميعا باردان، وفي أعماقهما وأضعافهما من الحر ما يكون مغمورا ولا يكون غامرا، ويكون مقموعا ولا يكون قامعا؛ لأنه هناك قليل، والقليل ذليل، والذليل غريب، والغريب محقور. فلما كان العالم السفلي كذلك، اجتذب ما فيه من قوة البرد وذلك البرد الذي كان في العود عند زوال مانعه؛ لأن العود مقيم في هذا العالم. ثم لم ينقطع ذلك البرد إلى برد الأرض، الذي هو كالقرص له، إلا بالطّفرة [1] والتخليف [2] ، لا بالمرور على الأماكن والمحاذاة لها وقام برد الماء منه مقام قرص الشمس من الضياء الذي يدخل البيت للخرق الذي يكون فيه، فإذا سدّ فمع السّدّ ينقطع إلى قرصه، وأصل جوهره.
__________
[1] الطفرة: الوثبة.
[2] التخليف: التّرك.
(5/9)

فإذا أجاب بذلك أبو إسحاق لم يجد خصمه بدّا من أن يبتدئ مسألة في إفساد القول بالطفرة والتخليف.
ولولا ما اعترض به أبو إسحاق من الجواب بالطفرة في هذا الموضع، لكان هذا مما يقع في باب الاستدلال على حدوث العالم.
1271-[قول النظام في الكمون]
وكان أبو إسحاق يزعم أن احتراق الثوب والحطب والقطن، إنما هو خروج نيرانه منه، وهذا هو تأويل الاحتراق، وليس أن نارا جاءت من مكان فعملت في الحطب، ولكن النار الكامنة في الحطب لم تكن تقوى على نفي ضدّها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى، واستمدّت منها، قويتا جميعا على نفي ذلك المانع، فلما زال المانع ظهرت. فعند ظهورها تجزّأ الحطب وتجفف وتهافت؛ لمكان عملها فيه.
فإحراقك للشيء إنما هو إخراجك نيرانه منه.
وكان يزعم أن حرارة الشمس، إنما تحرق في هذا العالم بإخراج نيرانها منه.
وهي لا تحرق ما عقد العرض وكثّف تلك النداوة؛ لأن التي عقدت تلك الأجزاء من الحر أجناس لا تحترق، كاللون والطعم والرائحة، والصوت. والاحتراق إنما هو ظهور النار عند زوال مانعها فقط.
وكان يزعم أن سمّ الأفعى مقيما في بدن الأفعى، ليس يقتل، وأنه متى مازج بدنا لا سمّ فيه لم يقتل ولم يتلف، وإنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادّها. فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السمّ الممنوع على مانعه. فإذا زال المانع تلف البدن. فكان المنهوش عند أبي إسحاق، إنما كان أكثر ما أتلفه السمّ الذي معه.
وكذلك كان يقول في حرّ الحمّام، والحر الكامن في الإنسان: أنّ الغشي الذي يعتريه في الحمام ليس من الحر القريب، ولكن من الحر الغريب، حرّك الحرّ الكامن في الإنسان، وأمدّه ببعض أجزائه، فلما قوي عند ذلك على مانعه فأزاله، صار ذلك العمل الذي كان يوقعه بالمانع واقعا به. وإنما ذلك كماء حار يحرق اليد، صبّ عليه ماء بارد، فلما دخل عليه الماء البارد صار شغله بالداخل، وصار من وضع يده فيه ووضع يده في شيء قد شغل فيه بغيره. فلما دفع الله، عزّ وجلّ، عنه ذلك الجسم
(5/10)

الذي هو مشغول به، صار ذلك الشّغل مصروفا إلى من وضع يده فيه؛ إذ كان لا ينفكّ من عمله.
وكان مع ذلك يزعم أنك لو أطفأت نار الأتّون [1] لم تجد شيئا من الضوء، ووجدت الكثير من الحر؛ لأن الضياء لما لم يكن له في الأرض أصل ينسب إليه، وكان له في العلوّ أصل، كان أولى به.
وفي الحقيقة أنهما جميعا قد اتصلا بجوهرهما من العالم العلويّ. وهذا الحر الذي تجده في الأرض، إنما هو الحرّ الكامن الذي زال مانعه.
هكذا كان ينبغي أن يقول. وهو قياسه.
وكان يزعم أنك إن أبصرت مصباحا قائما إلى الصّبح أن الذي رأيته في أول وهلة قد بطل من هذا العالم، وظفر من الدهن بشيء من وزنه وقدره بلا فضل [2] ، ثم كذلك الثالث والرابع والتاسع. فأنت إن ظننت أن هذا المصباح ذلك، فليس به، ولكن ذلك المكان لما كان لا يخلو من أقسام متقاربة متشابهة، ولم يكن في الأول شية [3] ولا علامة، وقع عندك أن المصباح الذي رأيته مع طلوع الفجر، هو الذي رأيته مع غروب الشّفق.
وكان يزعم أن نار المصباح لم تأكل شيئا من الدّهن ولم تشربه، وأن النار لا تأكل ولا تشرب، ولكن الدهن ينقص على قدر ما يخرج منه من الدخان والنار الكامنين، اللذين كانا فيه. وإذا خرج كلّ شيء فهو بطلانه.
[باب في المجاز والتشبيه بالأكل]
1272-[المجاز والتشبيه الأكل]
وقد يقولون ذلك أيضا على المثل، وعلى الاشتقاق، وعلى التشبيه.
فإن قلتم: فقد قال الله عزّ وجلّ في الكتاب: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
[4] علمنا أن الله، عزّ وجلّ، إنما كلمهم بلغتهم.
__________
[1] الأتّون: الموقد.
[2] الفضل: الزيادة.
[3] الشية: اللون يخالف معظم اللون.
[4] 183/آل عمران: 3.
(5/11)

وقد قال أوس بن حجر [1] : [من الطويل]
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكّلا [2]
وقد أكلت أظفاره الصّخر كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصّلا
فجعل النحت والتّنقّص أكلا.
وقال خفاف بن ندبة [3] : [من البسيط]
أبا خراشة أمّا كنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضبع
والضّبع: السّنة. فجعل تنقّص الجدب، والأزمة، أكلا.
باب آخر مما يسمونه أكلا
وقال مرداس بن أديّة [4] : [من البسيط]
وأدّت الأرض منّي مثل ما أكلت ... وقرّبوا لحساب القسط أعمالي
وأكل الأرض لما صار في بطنها: إحالتها له إلى جوهرها.
[باب آخر في المجاز والتشبيه بالأكل]
(باب آخر)
1273-[في المجاز والتشبيه بالأكل]
وهو قول الله عزّ وجلّ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
[5] وقوله
__________
[1] ديوان أوس بن حجر 87، والسمط 492، والأول في اللسان والتاج (شرط، عصم) ، وأساس البلاغة (شرط) ، والعين 6/236، والجمهرة 726، والسمط 492، والفاخر 123، والثاني في أساس البلاغة (أكل) .
[2] في ديوانه: «قال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علما للموت، ومنه أشراط الساعة. ويقال:
أشرط نفسه في ذلك الأمر؛ أي خاطر بها. والمعصم: المتعلق بالحبل. والسبب: الحبل» .
[3] البيت لخفاف بن ندبة في ديوانه 533، وللعباس بن مرداس في ديوانه 106، والاشتقاق 313، والخزانة 4/13، 14، 17، 200، 5/445، 6/532، 11/62، وشرح شذور الذهب 242، وشرح شواهد المغني 1/116، 179، وشرح قطر الندى 140، وشرح المفصل 2/99، 8/132، والكتاب 1/293، والمقاصد النحوية 2/55، واللسان (خرش، ضبع) ، وبلا نسبة في الأزهية 147، والإنصاف 71، ومغني اللبيب 1/35، واللسان والتاج (ما) ، وأوضح المسالك 1/265، والجنى الداني 528.
[4] البيت في شعر الخوارج 50.
[5] 10/النساء: 4.
(5/12)

تعالى، عزّ اسمه: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
[1] . وقد يقال لهم ذلك وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، ولبسوا الحلل، وركبوا الدوابّ، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل.
وقد قال الله عزّ وجلّ: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
[2] . وهذا مجاز آخر.
وقال الشاعر في أخذ السّنين من أجزاء الخمر [3] : [من الخفيف]
أكل الدّهر ما تجسّم منها ... وتبقّى مصاصها المكنونا [4]
وقال الشاعر: [من السريع]
مرّت بنا تختال في أربع ... يأكل منها بعضها بعضا [5]
وهل قوله [6] : «وقد أكلت أظفاره الصّخر» ، إلا كقوله [7] : [من الطويل]
كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر [8]
وإذا قالوا: أكله الأسد، فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف. وإذا قالوا: أكله الأسود [9] ، فإنما يعنون النّهش واللّدغ والعضّ فقط.
وقد قال الله عزّ وجلّ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
[10] .
ويقال: هم لحوم الناس.
__________
[1] 42/المائدة: 5
[2] 10/النساء: 4.
[3] البيت لأبي نواس في ديوانه 30.
[4] المصاص: خالص كل شيء، ورواية الديوان «وتبقى لبابها» ، المكنون: المستور.
[5] أربع: أراد: صواحبها، وأراد أنها في تثنّيها وتعطّفها كأنما يأكل بعضها بعضا.
[6] جزء من بيت لأوس بن حجر، ورد في الصفحة السابقة.
[7] صدر البيت: (ترى الشّرّ قد أفنى دوائر وجهه) ، وهو لخالد بن علقمة في ديوان علقمة الفحل 110، ولابن الطيفان خالد بن علقمة بن مرثد في المؤتلف والمختلف 221، وللزبرقان بن بدر في المقاصد النحوية 4/171، وللحصين بن القعقاع في ثمار القلوب (613) .
[8] في ديوان علقمة: «قد أفنى دوائر وجهه، أي: قد ملأ الشر وجهه أجمع؛ فأنت تستبين أثر الشر وتغييره في وجهه. وقوله: كضب الكدى: الضب لا يحتفر أبدا إلا في مكان صلب كيلا يهدم عليه جحره، واستعار للضب أنامل مكان البراثن لما أخبر عنه بمثل ما يخبر به عن الآدميين من الحفر» .
[9] الأسود: ضرب خبيث من الأفاعي.
[10] 12/الحجرات: 49.
(5/13)

وقال قائل لإسماعيل بن حماد: أيّ اللّحمان أطيب؟ قال: لحوم الناس، هي والله أطيب من الدجاج، ومن الفراخ، والعنوز الحمر [1] .
ويقولون في باب آخر: فلان يأكل الناس. وإن لم يأكل من طعامهم شيئا.
وأما قول أوس بن حجر [2] : [من الطويل]
وذو شطبات قدّه ابن مجدّع ... له رونق ذرّيّه يتأكّل [3]
فهذا على خلاف الأول. وكذلك قول دهمان النهري [4] : [من الرمل]
سألتني عن أناس أكلوا ... شرب الدّهر عليهم وأكل
فهذا كله مختلف، وهو كله مجاز.
[باب آخر في مجاز الذوق]
(باب آخر)
1274-[في مجاز الذوق]
وهو قول الرّجل إذا بالغ في عقوبة عبده: ذق! و: كيف ذقته؟! و: كيف وجدت طعمه! وقال عزّ وجلّ: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[5] .
وأما قولهم: «ما ذقت اليوم ذواقا» [6] ، فإنه يعني: ما أكلت اليوم طعاما، ولا شربت شرابا، وإنما أراد القليل والكثير، وأنه لم يذقه، فضلا عن غير ذلك.
__________
[1] العنوز: جمع عنز، وهي الأنثى من المعز.
[2] ديوان أوس بن حجر 95، وديوان المعاني 2/57.
[3] في ديوانه: «الشطبات: جمع شطبة، وهي الطريقة من طرائق السيف. قده: قطعه وصنعه. وابن مجدع: قين مشهور بصنع السيوف. الرونق: ماء السيف وصفاؤه وحسنه. الذري: التلألؤ واللمعان. يتأكل: يبرق ويلمع بشدة» .
[4] لم يرد البيت منسوبا إلى دهمان النهري في المصادر المتاحة، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه 92، 98، والأزهية 285، واللسان والتاج (طرب، أكل) ، وأساس البلاغة (شرب) ، والمعاني الكبير 1208، وأمالي المرتضى 1/66، وبلا نسبة في مجمع الأمثال 1/42، وانظر المستقصى 2/283.
[5] 49/الدخان: 44.
[6] المثل في مجمع الأمثال 2/281، والمستقصى 2/321، وأمثال ابن سلام 390.
(5/14)

وقال بعض طبقات الفقهاء، ممن يشتهي أن يكون عند الناس متكلما: ما ذقت اليوم ذواقا على وجه من الوجوه، ولا على معنى من المعاني، ولا على سبب من الأسباب، ولا على جهة من الجهات، ولا على لون من الألوان.
وهذا من عجيب الكلام! قال: ويقول الرجل لوكيله: ايت فلانا فذق ما عنده وقال شمّاخ بن ضرار [1] : [من الطويل]
فذاق فأعطته من اللّين جانبا ... كفى، ولها أن يغرق السهم حاجز
وقال ابن مقبل [2] : [من البسيط]
أو كاهتزاز ردينيّ تذاوقه ... أيدي التّجار فزادوا متنه لينا [3]
وقال نهشل بن حرّيّ [4] : [من الوافر]
وعهد الغانيات كعهد قين ... ونت عنه الجعائل مستذاق [5]
الجعائل: من الجعل.
وتجاوزوا ذلك إلى أن قال يزيد بن الصّعق، لبني سليم حين صنعوا بسيّدهم العباس ما صنعوا. وقد كانوا توّجوه وملّكوه، فلما خالفهم في بعض الأمر وثبوا عليه، وكان سبب ذلك قلة رهطه. وقال يزيد بن الصّعق [6] : [من الوافر]
وإن الله ذاق حلوم قيس ... فلما ذاق خفّتها قلاها
__________
[1] ديوان الشماخ 190، وجمهرة أشعار العرب 832، والتهذيب 9/263، واللسان والتاج وأساس البلاغة (ذوق) ، وبلا نسبة في المقاييس 2/365، والمخصص 6/47.
[2] ديوان ابن مقبل 328 (232) ، والحماسة البصرية 2/91، والأمالي 1/229، والموشح 15، واللسان والأساس (ذوق) .
[3] في ديوانه: «الرديني: الرمح، منسوب إلى ردينة، وهي امرأة كانت تتقن هي وزوجها سمهر صنع الرماح بخط هجر. والتجار: جمع تاجر، وهو الذي يتجر في الشيء، أو الحاذق في الأمر. شبّه تثني النساء في مشيهن باهتزاز الرمح اللدن» .
[4] ديوان نهشل بن حري 117، واللسان والتاج (ذوق، لمق) ، وجمهرة الأمثال 1/23، ومجمع الأمثال 1/41، والمستقصى 1/125، ونسب خطأ إلى جرير في أساس البلاغة (ذوق) ، وهو بلا نسبة في التهذيب 9/263.
[5] القين: الحداد أو العامل. ونت: أبطأت. الجعائل: جمع جعالة، وهو ما يجعل للعامل على عمله.
مستذاق: مختبر.
[6] البيتان في أشعار العامريين الجاهليين 63.
(5/15)

رآها لا تطيع لها أميرا ... فخلّاها تردّد في خلاها [1]
فزعم أن الله، عزّ وجلّ، يذوق.
وعند ذلك قال عباس الرّعلي يخبر عن قلّته وكثرتهم، فقال [2] : [من الطويل]
وأمّكم تزجي التّؤام لبعلها ... وأمّ أخيكم كزّة الرّحم عاقر [3]
وزعم يونس أنّ أسلم بن زرعة لما أنشد هذا البيت اغرورقت عيناه.
وجعل عباس أمّه عاقرا إذ كانت نزورا. وقد قال الغنويّ [4] : [من الكامل]
وتحدثوا ملأ لتصبح أمّنا ... عذراء لا كهل ولا مولود
جعلها إذ قلّ ولدها كالعذراء التي لم تلد قطّ. لما كانت كالعذراء جعلها عذراء.
وللعرب إقدام على الكلام، ثقة بفهم أصحابهم عنهم. وهذه أيضا فضيلة أخرى.
وكما جوّزوا لقولهم أكل وإنما عضّ، وأكل وإنما أفنى، وأكل وإنما أحاله، وأكل وإنما أبطل عينه- جوّزوا أيضا أن يقولوا: ذقت ما ليس بطعم، ثم قالوا:
طعمت، لغير الطعام. وقال العرجيّ [5] : [من الطويل]
وإن شئت حرّمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا [6]
وقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
[7] ، يريد: لم يذق طعمه.
__________
[1] خلّاها: تركها. الخلى: جمع خلاة، وهو الرطب من النبات.
[2] تقدم البيت في الفقرة (255) 1/239.
[3] تزجي: تسوق. التؤام: جمع توءم، وهو المولود مع غيره في بطن. كزة: قليلة الخير.
[4] البيت لأبيّ بن هرثم الغنوي في تهذيب إصلاح المنطق 368، وبلا نسبة في إصلاح المنطق 150، واللسان والتاج (ملأ) ، والتهذيب 15/405.
[5] البيت للعرجي في ديوانه 109، واللسان والتاج (نقخ، برد) ، والتنبيه والإيضاح 1/292، 2/10، ولعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 315، وللحارث بن خالد المخزومي في ديوانه 117، وبلا نسبة في المقاييس 1/243، والتهذيب 14/105، وديوان الأدب 1/102.
[6] النقاخ: الماء البارد العذب الصافي. البرد: الريق.
[7] 249/البقرة: 2.
(5/16)

وقال علقمة بن عبدة [1] : [من البسيط]
وقد أصاحب فتيانا طعامهم ... حمر المزاد ولحم فيه تنشيم [2]
يقول: هذا طعامهم في الغزو والسفر البعيد الغاية، وفي الصيف الذي يغيّر الطعام والشراب.
والغزو على هذه الصفة من المفاخر؛ ولذلك قال الأول [3] : [من مجزوء الكامل]
لا لا أعقّ ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر
لكنّما غزوي إذا ... ضجّ المطيّ من الدّبر
وعلى المعنى الأول قول الشاعر [4] : [من الرجز]
قالت ألا فاطعم عميرا تمرا ... وكان تمري كهرة وزبرا
وعلى المعنى الأول قال حاتم: «هذا فصدي أنه!» [5] ولذلك قال الرّاجز [6] : [من الرجز]
لعامرات البيت بالخراب
يقول: هذا هو عمارتها.
__________
[1] ديوان علقمة 77، وأساس البلاغة (نشم) ، والمفضليات 403، وبلا نسبة في اللسان والتاج (نشم) ، والتهذيب 11/382.
[2] في ديوانه: «قوله: طعامهم خضر المزاد، فيه قولان: أحدهما أن يكون ماؤهم في مزادة، قد طحلبت لطول الغزو أو السفر وتغيرت؛ والآخر: أن يريد أن الماء نفد عندهم لطول السفر، فكانوا إذا جهدهم العطش افتظّوا الكروش فشربوا ما فيها من الماء؛ وذلك الماء أخضر لما في الكروش من بقية العلف. و «التنشيم» التغيير. ووصف في البيت جلادته، وبعد همته» .
[3] البيتان للحارث بن يزيد جد الأحيمر السعدي، وهما في البيان 3/200، وتقدما في 1/88.
[4] تقدم البيتان في 4/394.
[5] ورد هذا القول في عمدة الحفاظ 1/134، 3/106، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/394، وانظر الأغاني 17/391، وديوان حاتم الطائي 275، البيت رقم 104 وتعليق المحقق عليه، والفصد: كانوا يفصدون النوق في الجدب، ويستقبلون موضع الفصد برأس معى، فإذا امتلأ شدوا رأسه وشووه وأكلوه ضرورة. وانظر ما تقدم في 4/394، س 6.
[6] الرجز بلا نسبة في البيان 1/152، وديوان المعاني 2/151، وربيع الأبرار 5/470، وتقدم في 4/394، وسيعيده الجاحظ في الصفحة 141.
(5/17)

1275-[تأويل النظام لقولهم: النار يابسة]
وكان أبو إسحاق يتعجب من قولهم: النار يابسة. قال: أما قولهم: الماء رطب، فيصح؛ لأنا نراه سيّالا. وإذا قال الأرض يابسة، فإنما يريد التراب المتهافت فقط. فإن لم يرد إلا بدن الأرض الملازم بعضه لبعض؛ لما فيها من اللّدونة فقط، فقد أخطأ، لأن أجزاء الأرض مخالطة لأجزاء الماء، فامتنعت من التهافت على أقدار ذلك.
ومتى حفرنا ودخلنا في عمق الأرض، وجدنا الأرض طينا؛ بل لا تزال تجد الطين أرطب حتى تصير إلى الماء. والأرض اليوم كلها أرض وماء، والماء ماء وأرض، وإنما يلزمها من الاسم على قدر الكثرة والقلة. فأما النار فليست بيابسة البدن. ولو كانت يابسة البدن لتهافتت تهافت التراب، ولتبرّأ بعضها من بعض. كما أن الماء لما كان رطبا كان سيّالا.
ولكن القوم لما وجدوا النار تستخرج كل شيء في العود من النار فظهرت الرطوبات لذلك السبب، ووجدوا العود تتميز أخلاطه عند خروج نيرانه التي كانت إحدى مراتعها من التمييز فوجدوا العود قد صار رمادا يابسا متهافتا- ظنوا أن يبسه إنما هو مما أعطته النار وولّدت فيه.
والنار لم تعطه شيئا، ولكن نار العود لما فارقت رطوبات العود، ظهرت تلك الرطوبات الكامنة والمانعة، فبقي من العود الجزء الذي هو الرماد، وهو جزء الأرض وجوهرها؛ لأن العود فيه جزء أرضيّ، وجزء مائيّ، وجزء ناريّ، وجزء هوائيّ، فلما خرجت النار واعتزلت الرطوبة بقي الجزء الأرضيّ.
فقولهم: النار يابسة، غلط، وإنما ذهبوا إلى ما تراه العيون، ولم يغوصوا على مغيّبات العلل.
وكان يقول: ليس القوم في طريق خلّص المتكلمين، ولا في طريق الجهابذة المتقدّمين.
1276-[علاقة الذكاء بالجنس]
وكان يقول: إنّ الأمّة التي لم تنضجها الأرحام [1] ، ويخالفون في ألوان أبدانهم،
__________
[1] أراد بذلك سكان الإقليم السادس والسابع في التقسيم البلداني القديم، وهم من الجنس الأبيض.-
(5/18)

وأحداق عيونهم، وألوان شعورهم، سبيل الاعتدال- لا تكون عقولهم وقرائحهم إلا على حسب ذلك. وعلى حسب ذلك تكون أخلاقهم وآدابهم، وشمائلهم، وتصرّف هممهم في لؤمهم وكرمهم، لاختلاف السّبك وطبقات الطبخ. وتفاوت ما بين الفطير والخمير [1] ، والمقصّر والمجاوز- وموضع العقل عضو من الأعضاء، وجزء من تلك الأجزاء- كالتفاوت الذي بين الصّقالبة والزّنج [2] .
وكذلك القول في الصور ومواضع الأعضاء. ألا ترى أن أهل الصين والتّبّت، حذّاق الصناعات، لها فيها الرّفق والحذق، ولطف المداخل، والاتساع في ذلك، والغوص على غامضه وبعيده. وليس عندهم إلا ذلك؛ فقد يفتح لقوم في باب الصناعات ولا يفتح لهم في سوى ذلك.
1277-[تخطئة من زعم أن الحرارة تورث اليبس]
قال: وكان يخطّئهم في قولهم: إن الحرارة تورث اليبس، لأن الحرارة إنما ينبغي أن تورث السخونة، وتولّد ما يشاكلها. ولا تولد ضربا آخر مما ليس منها في شيء. ولو جاز أن تولّد من الأجناس التي تخالفها شكلا واحدا لم يكن ذلك الخلاف بأحقّ من خلاف آخر. إلا أن يذهبوا إلى سبيل المجاز: فقد يقول الرجل: إنما رأيتك لأني التفتّ. وهو إنما رآه لطبع في البصر الدرّاك [3] ، عند ذلك الالتفات.
وكذلك يقول: قد نجد النار تداخل ماء القمقم [4] بالإيقاد من تحته، فإذا صارت النار في الماء لابسته، واتصلت بما فيه من الحرارات، والنار صعّادة- فيحدث عند ذلك للماء غليان؛ لحركة النار التي قد صارت في أضعافه. وحركتها تصعّد. فإذا ترفّعت أجزاء النار رفعت معها لطائف من تلك الرّطوبات التي قد لابستها؛ فإذا دام ذلك الإيقاد من النار الداخلة على الماء، صعدت أجزاء الرطوبات
__________
- وأما من أنضجتهم الأرحام فهم سكان الأقاليم الثالث والرابع والخامس، وأما من جاوزت أرحامهم حد الإنضاج فهم سكان الإقليمين الأول والثاني، وهم الزنوج، انظر ما تقدم 3/119، ومقدمة ابن خلدون 73.
[1] الفطير: ما يختبز من ساعته قبل أن يختمر، والخمير: ما ترك حتى اختمر.
[2] جعل الصقالبة والزنج متضادات، أي أن الصقالبة لم تنضجهم الأرحام، أما الزنج فقد زادت الأرحام في إنضاجهم.
[3] الدرّاك: المدرك.
[4] القمقم: ضرب من الأواني، وهو من نحاس وغيره، يسخن فيه الماء؛ ويكون ضيق الرأس.
(5/19)

الملابسة لأجزاء النار. ولقوة حركة النار وطلبها التّلاد [1] العلويّ، كان ذلك. فمتى وجد من لا علم له في أسفل القمقم كالجبس [2] ، أو وجد الباقي من الماء مالحا عند تصعّد لطائفه، على مثال ما يعتري ماء البحر- ظنّ أن النار التي أعطته اليبس.
وإن زعموا أن النار هي الميبّسة- على معنى ما قد فسرنا- فقد أصابوا. فإن ذهبوا إلى غير المجاز أخطؤوا.
وكذلك الحرارة، إذا مكنت في الأجساد بعثت الرطوبات ولابستها، فمتى قويت على الخروج أخرجتها منه، فعند خروج الرطوبات توجد الأبدان يابسة، ليس أن الحرّ يجوز أن يكون له عمل إلا التسخين والصعود؛ والتقلب إلى الصعود من الصعود، كما أن الاعتزال من شكل الزوال [3] .
وكذلك الماء الذي يفيض إلى البحر من جميع ظهور الأرضين وبطونها، إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة. فالماء غسّال مصّاص، والأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة.
وحرارة الشمس والذي يخرج إليه [4] من الأرض، من أجزاء النيران المخالطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما، وتبخيرهما. فإذا رفعا اللطائف، فصار منهما مطر وما يشبه المطر، وكان ذلك دأبهما، عاد ذلك الماء ملحا لأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، والنيران تخرج منه العذوبة واللطافة- كان واجبا أن يعود إلى الملوحة.
ولذلك يكون ماء البحر أبدا على كيل واحد، ووزن واحد؛ لأن الحرارت تطلب القرار وتجري في أعماق الأرض، وترفع اللطائف [5] ؛ فيصير مطرا، وبردا، وثلجا، وطلّا [6] . ثم تعود تلك الأمواه سيولا تطلب الحدور [7] ، وتطلب القرار، وتجري في أعماق الأرض، حتى تصير إلى ذلك الهواء. فليس يضيع من ذلك الماء شيء، ولا يبطل منه شيء. والأعيان قائمة. فكأنه منجنون [8] غرف من بحر، وصبّ في جدول يفيض إلى ذلك النهر.
__________
[1] التّلاد: أراد: الموطن الأول، وانظر الفقرة (1269) ، ص 7، س 19.
[2] الجبس: الذي يبنى به.
[3] إيضاحا لهذه العبارة؛ انظر ص 18.
[4] أي إلى البحر.
[5] اللطائف: أراد بها: الأبخرة الدقيقة.
[6] البرد: حب الغمام. الطل: المطر الضعيف.
[7] الحدور: مكان الانحدار.
[8] المنجنون: دولاب يستقى عليه. وهو على شكل الناعورة.
(5/20)

فهو عمل الحرارات [1] إذا كانت في أجواف الحطب، أو في أجواف الأرضين، أو في أجواف الحيوان.
والحر إذا صار في البدن، فإنما هو شيء مكره، والمكره لا يألو يتخلص وهو لا يتخلص إلا وقد حمل معه كلّ ما قوي عليه، مما لم يشتد، فمتى خرج خرج معه ذلك الشيء.
قال: فمن ههنا غلط القوم.
1278-[قول الدّهرية في أركان العالم]
قال أبو إسحاق: قالت الدهرية في عالمنا هذا بأقاويل: فمنهم من زعم أن عالمنا هذا من أربعة أركان: حرّ، وبرد، ويبس، وبلّة [2] . وسائر الأشياء نتائج، وتركيب، وتوليد. وجعلوا هذه الأربعة أجساما.
ومنهم من زعم أن هذا العالم من أربعة أركان: من أرض، وهواء، وماء، ونار.
وجعلوا الحر، والبرد، واليبس، والبلّة أعراضا في هذه الجواهر. ثم قالوا في سائر الأراييح، والألوان، والأصوات: ثمار هذه الأربعة [3] ، على قدر الأخلاط، في القلة والكثرة، والرقة والكثافة.
فقدّموا ذكر نصيب حاسّة اللمس فقط، وأضربوا عن أنصباء الحواسّ الأربع.
قالوا: ونحن نجد الطّعوم غاذية وقاتلة، وكذلك الأراييح [4] . ونجد الأصوات ملذة ومؤلمة، وهي مع ذلك قاتلة وناقصة للقوى متلفة. ونجد للألوان في المضار والمنافع، واللّذاذة والألم، المواقع التي لا تجهل، كما وجدنا مثل ذلك في الحر والبر، واليبس والبلّة، ونحن لم نجد الأرض باردة يابسة، غير أنا نجدها مالحة، أي ذات مذاقة ولون كما وجدناها ذات رائحة، وذات صوت متى قرع بعضها بعضا.
فبرد هذه الأجرام وحرها، ويبسها ورطوبتها، لم تكن فيها لعلة كون الطّعوم والأراييح والألوان فيها. وكذلك طعومها، وأراييحها وألوانها، لم تكن فيها لمكان كمون البرد، واليبس، والحر، والبلّة فيها.
__________
[1] الحرارت: جمع حرارة.
[2] البلّة: البلل.
[3] أي: الحر والبر؛ واليبس والبلة.
[4] الأراييح: جمع للريح، وهو الرائحة.
(5/21)

ووجدنا كلّ ذلك إما ضارّا وإما نافعا، وإما غاذيا وإما قاتلا، وإما مؤلما وإما ملذّا.
وليس يكون كون الأرض مالحة أو عذبة، ومنتنة أو طيبة أحقّ بأن يكون علة لكون اليبس والبرد، والحر والرطوبة، من أن يكون كون الرطوبة واليبس، والحر والبرد- علّة لكون اللون والطعم والرائحة.
وقد هجم الناس على هذه الأعراض الملازمة، والأجسام المشاركة هجوما واحدا، على هذه الحلية والصورة ألفاها الأول والآخر.
قال: فكيف وقع القول منهم على نصيب هذه الحاسّة [1] ، وحدها ونحن لم نر من البلّة، أو من اليبس نفعا ولا ضرّا، تنفرد به دون هذه الأمور؟!.
قال: والهواء يختلف على قدر العوامل فيه من تحت ومن فوق، ومن الأجرام المشتملة عليه والمخالطة له. وهو جسم رقيق، وهو في ذلك محصور، وهو خوّار سريع القبول. وهو مع رقّته يقبل ذلك الحصر؛ مثل عمل الريح والزّقّ [2] ، فإنها تدفعه من جوانبه، وذلك لعلة الحصر ولقطعه عن شكله.
والهواء ليس بالجسم الصعاد، والجسم النّزّال، ولكنه جسم به تعرف المنازل والمصاعد.
والأمور ثلاثة: شيء يصعد في الهواء، وشيء ينزل في الهواء، وشيء مع الهواء. فكما أن الصاعد فيه، والمنحدر- لا يكونان إلا مخالفين، فالواقع معه لا يكون إلا موافقا.
ولو أنّ إنسانا أرسل من يده- وهو في قعر الماء- زقّا [2] منفوخا، فارتفع الزّقّ لدفع الريح التي فيه، لم يكن لقائل أن يقول: ذلك الهواء شأنه الصعود بل إنما ينبغي أن يقول: ذلك الهواء من شأنه أن يصير إلى جوهره، ولا يقيم في غير جوهره؛ إلا أن يقول: من شأنه أن يصعد في الماء، كما أن من شأن الماء أن ينزل في الهواء، وكما أن الماء يطلب تلاد الماء، والهواء يطلب تلاد الهواء.
قالوا: والنار أجناس كثيرة مختلفة. وكذلك الصاعد. ولا بدّ إذا كانت مختلفة
__________
[1] أي حاسة اللمس.
[2] المزق: أي الهواء المحصور في الزق، والزق: السقاء والقربة.
(5/22)

أن يكون بعضها أسرع من بعض، أو يكون بعضها إذا خرج من عالم الهواء، وصار إلى نهاية، إلى حيث لا منفذ- ألّا يزال فوق الآخر الذي صعد معه، وإن وجد مذهبا لم يقم عليه.
ويدلّ على ذلك أنا نجد الضياء صعّادا، والصوت صعّادا، ونجد الظلام رابدا [1] ، وكذلك البرد والرّطوبة. فإذا صح أن هذه الأجناس مختلفة، فإذا أخذت في جهة، علمنا أن الجهة لا تخالف بين الأجناس ولا توافق، وأن الذي يوافق بينهما ويخالف اختلاف الأعمال.
ولا يكون القطعان متفقين، إلا بأن يكون سرورهما سواء. وإذا صارا إلى الغاية، صار اتصال كل واحد منهما بصاحبه، كاتصال بعضه ببعض. ثم لا يوجد أبدا، إلا إمّا أعلى، وإما أسفل.
قال أبو إسحاق: فيستدل على أن الضياء أخفّ من الحر بزواله. وقد يذهب ضوء الأتّون، وتبقى سخونته.
قال أبو إسحاق: لأمر ما حصر الهواء في جوف هذا الفلك. ولا بد لكل محصور من أن يكون تقلبه وضغطه على قدر شدة الحصار. وكذلك الماء إذا اختنق.
قال: والريح هواء نزل لا غير. فلم قضوا على طبع الهواء في جوهريته باللدونة، والهواء الذي يكون بقرب الشمس، والهواء الذي بينهما على خلاف ذلك؟
ولولا أن قوى البرد غريزية فيه، لما كان مروّحا عن النفوس، ومنفّسا عن جميع الحيوان إذا اختنق في أجوافها البخار والوهج المؤذي، حتى فزعت إليه واستغاثت به، وصارت تجتلب من روحه وبرد نسيمه، في وزن ما خرج من البخار الغليظ، والحرارة المستكنّة.
قال: وقد علموا ما في اليبس من الخصومة والاختلاف. وقد زعم قوم أن اليبس إنما هو عدم البلّة. قالوا: وعلى قدر البلة قد تتحول عليه الأسماء. حتى قال خصومهم: فقولوا أيضا إنما نجد الجسم باردا على قدر قلة الحرّ فيه.
وكذلك قالوا في الكلام: إن الهواء إنما يقع عندنا أنه مظلم لفقدان الضياء،
__________
[1] الرابد: المقيم.
(5/23)

ولأن الضياء قرص قائم، وشعاع ساطع فاصل، وليس للظلام قرص. ولو كان في هذا العالم شيء يقال له ظلام، لما قام إلا في قرص، فكيف تكون الأرض قرصة، والأرض غبراء، ولا ينبغي أن يكون شعاع الشيء أسبغ منه [1] .
قال: والأول لا يشبه القول في اليبس والبلة، والقول في الحر والبرد، والقول في اليبس والرطوبة. والقول في الخشونة واللين، لأن التراب لو كان كله يابسا، وكان اليبس في جميع أجزائه شائعا، لم يكن بعضه أحق بالتقطيع والتبرد والتهافت، من الجزء الذي نجده متمسكا [2] .
قال خصمه: ولو كان أيضا التهافت الذي نجده فيه إنما هو لعدم البلة، وكله قد عدم البلّة، لكان ينبغي للكل أن يكون متهافتا، ولا نجد منه جزأين متلازقين.
فإن زعمتم أنه إنما اختلف في التهافت على قدر اختلاف اليبس، فينبغي لكم أن تجعلوا اليبس طبقات، كما يجعل ذلك للخضرة والصّفرة.
وقال إبراهيم: أرأيت لو اشتمل اليبس الذي هو غاية التّراب كله كما عرض لنصفه، أما كان واجبا أن يكون الافتراق داخلا على الجميع؟ وفي ذلك القول بالجزء الذي لا يتجزأ.
وأبو إسحاق، وإن كان اعترض على هؤلاء في باب القول في اليبس، فإنّ المسألة عليه في ذلك أشد.
وكان أبو إسحاق يقول: من الدليل على أن الضياء أخفّ من الحرّ أنّ النار تكون منها على قاب غلوة [3] فيأتيك ضوؤها ولا يأتيك حرها. ولو أن شمعة في بيت غير ذي سقف، لارتفع الضوء في الهواء حتى لا تجد منه على الأرض إلا الشيء الضعيف، وكان الحرّ على شبيه بحاله الأول.
1279-[رد النظام على الديصانية]
وقال أبو إسحاق: زعمت الديصانية [4] أن أصل العالم إنما هو من ضياء وظلام،
__________
[1] أسبغ منه: أكبر منه.
[2] متمسكا: عنى به: الحجر ونحوه.
[3] الغلوة: مقدار رمية السهم.
[4] الديصانية: فرقة من المجوس، وهم أصحاب ديصان، الذي كان قبل ماني. والمذهبان متقاربان، ويختلفان في اختلاط النور والظلمة. انظر فهرست ابن النديم 474، والملل والنحل 2/88.
(5/24)

وأن الحرّ والبرد، واللون والطعم والصوت والرائحة، إنما هي نتائج على قدر امتزاجهما [1] .
فقيل لهم: وجدنا الحبر إذا اختلط باللبن صار جسما أغبر، وإذا خلطت الصّبر [2] بالعسل صار جسما مرّ الطعم على حساب ما زدنا. وكذلك نجد جميع المركبات. فما لنا إذا مزجنا بين شيئين من ذوات المناظر، خرجنا إلى ذوات الملامس، وإلى ذوات المذاقة والمشّمة؟! وهذا نفسه داخل على من زعم أن الأشياء كلها تولدت من تلك الأشياء الأربعة [3] ، التي هي نصيب حاسة واحدة [4] .
1280-[نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة]
وقال أبو إسحاق: إن زعم قوم أن ههنا جنسا هو روح، وهو ركن خامس- لم نخالفهم.
وإن زعموا أن الأشياء يحدث لها جنس إذا امتزجت بضرب من المزاج، فكيف صار المزاج يحدث لها جنسا وكلّ واحد منه إذا انفرد لم يكن ذا جنس، وكان مفسدا للجسم، وإن فصل عنها أفسد جنسها؟! وهل حكم قليل ذلك إلا كحكم كثيره؟ ولم لا يجوز أن يجمع بين ضياء وضياء فيحدث لهما منع الإدراك؟!.
فإن اعتلّ القوم بالزاج [5] والعفص [6] والماء، وقالوا: قد نجد كلّ واحد من هذه الثلاثة ليس بأسود، وإذا اختلطت صارت جسما واحدا أشدّ سوادا من الليل، ومن السّبج [7] ، ومن الغراب- قال أبو إسحاق: بيني وبينكم في ذلك فرق. أنا أزعم أن السواد قد يكون كامنا ويكون ممنوع المنظرة، فإذا زال مانعه ظهر، كما أقول في
__________
[1] أي الضياء والظلام.
[2] الصّبر: عصارة شجر مر، ونبات الصّبر كنبات السوسن الأخضر، غير أن ورق الصبر أطول وأعرض وأثخن كثيرا، وهو كثير الماء جدا.
[3] المراد بالأشياء الأربعة: الأرض والهواء، والماء، والنار، أو: الحر والبرد؛ واليبس والبلة، انظر الفقرة (1278) ، ص 21.
[4] هي حاسة اللمس، انظر الفقرة (1278) السطر السادس فيها.
[5] الزاج: يقال له: الشب اليماني، وهو من الأدوية، وهو من أخلاط الحبر، فارسي معرب.
[6] العفص: شجر وثمر معروف بهذا الاسم، يتخذ منه الحبر.
[7] السبح: الخرز الأسود.
(5/25)

النار والحجر [1] وغير ذلك من الأمور الكامنة. فإن قلتم بذلك فقد تركتم قولكم.
وإن أبيتم فلا بدّ من القول. قال أبو إسحاق: وقد خلط أيضا كثير منهم فزعموا أن طباع الشيخ البلغم.
ولو كان طباعه البلغم، والبلغم ليّن رطب أبيض، لما ازداد عظمه نحولا، ولونه سوادا، وجلده تقبّضا.
وقال النّمر بن تولب [2] : [من الطويل]
كأنّ محطّا في يدي حارثيّة ... صناع علت منّي به الجلد من عل [3]
وقال الراجز [4] : [من الرجز]
وكثرت فواضل الإهاب [5]
قال: ولكنهم لما رأوا بدنه يتغضّن، ويظهر من ذلك التغضّن رطوبات بدنية كالبلغم من الفم، والمخاط السائل من الأنف، والرّمص [6] والدمع من العين، ظنوا أن ذلك لكثرة ما فيه من أجزاء الرطوبات. وأرادوا أن يقسّموا الصّبا والشباب، والكهولة والشيوخة على أربعة أقسام كما تهيأ لهم ذلك في غير باب.
وإذا ظهرت تلك الرطوبات، فإنما هي لنفي اليبس لها، ولعصره قوى البدن.
ولو كان الذي ذكروا لكان دمع الصّبا أكثر ومخاطه أغزر، ورطوباته أظهر. وفي البقول والرياحين والأغصان والأشجار ذلك؛ إذ كانت في الحداثة أرطب، وعلى مرور السنين والأيام أيبس.
قال الرّاجز [7] : [من الرجز]
__________
[1] يقصد كمون النار واختفاءها في الحجر الذي تقتدح منه النار.
[2] ديوان النمر بن تولب 367، واللسان والتاج (حطط) ، والجمهرة 99، والبرصان 189، وبلا نسبة في ديوان الأدب 3/53.
[3] في ديوانه: «المحط: حديدة أو خشبة يصقل بها الجلد حتى يلين ويبرق، وأراد بالحارثية:
النسبة إلى الحارث بن كعب لأنهم أهل أدم. شبّه برقان بدنه لماء الشباب بالأديم المصقول» .
[4] الرجز بلا نسبة في البرصان 189.
[5] الإهاب: الجلد ما لم يدبغ.
[6] الرمص: هو البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان.
[7] الرجز في البيان 1/399- 440، 2/69، وعيون الأخبار 2/321، والفاضل للمبرد 70، والعقد 2/52، واللسان والتاج (عكر) ، والتهذيب 1/305.
(5/26)

اسمع أنبّئك بآيات الكبر ... نوم العشيّ وسعال بالسّحر [1]
وسرعة الطّرف وضعف في النظر ... وتركي الحسناء في قبل الطّهر [2]
وحذر أزداده إلى حذر ... والناس يبلون كما يبلى الشجر [3]
وكان يتعجّب من القول بالهيولى.
وكان يقول: قد عرفنا مقدار رزانة [4] البلّة. وسنعطيكم أن للبرد وزنا. أليس الذي لا تشكّون فيه أن الحر خفيف ولا وزن له، وأنه إذا دخل في جرم له وزن صار أخفّ. وإنكم لا تستطيعون أن تثبتوا لليبس من الوزن مثل ما تثبتون للبلّة. وعلى أنّ كثيرا منكم يزعم أن البرد المجمد للماء هو أيبس.
وزعم بعضهم أن البرد كثيرا ما يصاحب اليبس، وأن اليبس وحده لو حلّ بالماء لم يجمد، وأن البرد وحده لو حلّ بالماء لم يجمد، وأن الماء أيضا يجمد لاجتماعهما عليه. وفي هذا القول أن شيئين مجتمعين قد اجتمعا على الإجماد، فما تنكرون أن يجتمع شيئان على الإذابة؟!.
وإن جاز لليبس أن يجمد جاز للبلّة أن تذيب.
قال أبو إسحاق: فإن كان بعض هذه الجواهر صعّادا وبعضها نزّالا، ونحن نجد الذهب أثقل من مثله من هذه الأشياء النزّالة، فكيف يكون أثقل منها وفيه أشياء صعّادة؟!.
فإن زعموا أن الخفة إنما تكون من التّخلخل والسّخف [5] ، وكثرة أجزاء الهواء في الجرم. فقد ينبغي أن يكون الهواء أخفّ من النار، وأن النار في الحجر، كما أن فيه هواء. والنار أقوى رفع الحجر من الهواء الذي فيه.
__________
[1] بعده في البيان، والفاضل؛ وعيون الأخبار:
(وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطعم إذا الزاد حضر)
[2] بعده في الفاضل: (وكثرة النسيان فيما يدّكر) .
[3] بعده في الفاضل: (فهذه أعلام آيات الكبر) .
[4] الرزانة: النقل.
[5] التخلخل: أن يكون الجسم غير متضام الأجزاء، والسخف: الخفة والرقة.
(5/27)

وكان يقول: من الدليل على أن النار كامنة في الحطب، أن الحطب يحرق بمقدار من الإحراق، ويمنع الحطب أن يخرج جميع ما فيه من النيران، فيجعل فحما، فمتى أحببت أن تستخرج الباقي من النار استخرجته، فترى النار عند ذلك يكون لها لهب دون الضرام. فمتى أخرجت تلك النار الباقية، ثم أوقدت عليها ألف عام لم تستوقد. وتأويل: «لم تستوقد» إنما هو ظهور النار التي كانت فيه. فإذا لم يكن فيه شيء فكيف يستوقد؟.
وكان يكثر التعجّب من ناس كانوا ينافسون في الرّآسة، إذا رآهم يجهلون جهل صغار العلماء، وقد ارتفعوا في أنفسهم إلى مرتبة كبار العلماء.
وذلك أن بعضهم كان يأخذ العود فينقيه [1] فيقول: أين تلك النار الكامنة؟! ما لي لا أراها، وقد ميّزت العود قشرا بعد قشر؟!.
1281-[استخراج الأشياء الكامنة]
فكان يقول في الأشياء الكامنة: إن لكل نوع منها نوعا من الاستخراج، وضربا من العلاج. فالعيدان تخرج نيرانها بالاحتكاك، واللبن يخرج زبده بالمخض، وجبنه يجمع بإنفحّة [2] ، وبضروب من علاجه.
ولو أن إنسانا أراد أن يخرج القطران من الصّنوبر، والزّفت من الأرز [3] ؛ لم يكن يخرج له بأن يقطع العود ويدقّه ويقشره، بل يوقد له نارا بقربه، فإذا أصابه الحرّ عرق وسال، في ضروب من العلاج.
ولو أن إنسانا مزج بين الفضة والذهب، وسبكهما سبيكة واحدة، ثم أراد أن يعزل أحدهما من صاحبه لم يمكنه ذلك بالفرض [4] والدّق. وسبيل التفريق بينهما قريبة سهلة عند الصّاغة، وأرباب الحملانات [5] .
1282-[رد النظام على أرسطاطاليس]
وزعم أبو إسحاق أن أرسطاطاليس كان يزعم أن الماء الممازج للأرض لم
__________
[1] ينقيه: يستخرج نقيّه، وأصل النقي: مخ العظام.
[2] الإنفحة: شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع، أصفر، يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ.
[3] الزفت: ما يسيل من شجر الصنوبر، والأرز: شجر الصنوبر.
[4] الفرض: القطع والحز.
[5] ورد في القاموس المحيط: «وفي اصطلاح الصاغة ما يحمل على الدراهم من الغش» .
(5/28)

ينقلب أرضا، وأن النار الممازجة للماء لم تنقلب ماء. وكذلك ما كان من الماء في الحجر، ومن النار في الأرض والهواء. وأن الأجرام إنما يخفّ وزنها وتسخف [1] ، على قدر ما فيها من التخلخل [2] ومن أجزاء الهواء. وأنها ترزن [3] وتصلب وتمتن على قدر قلّة ذلك فيها.
ومن قال هذا القول في الأرض والماء والنار والهواء، وفيما تركّب منها من الأشجار وغير ذلك- لم يصل إلى أن يزعم أن في الأرض عرضا يحدث، وبالحرا [4] أن يعجز عن تثبيت كون الماء والأرض والنار عرضا.
وإذا قال في تلك الأشجار بتلك القالة [5] ، قال في الطول والعرض، والعمق، وفي التربيع والتثليث والتدوير، بجواب أصحاب الأجسام. وكما يلزم أصحاب الأعراض [6] أصحاب الأجسام [7] بقولهم في تثبيت السكون والحركة أن القول في حراك الحجر كالقول في سكونه- كذلك أصحاب الأجسام يلزمون كلّ من زعم أن شيئا من الأعراض لا ينقض أنّ الجسم يتغير في المذاقة والملمسة والمنظرة والمشمّة من غير لون الماء. وفي برودة نفس الأرض وتثبيتها كذلك.
ومتى وجدنا طينة مربّعة صارت مدوّرة، فليس ذلك بحدوث تدوير لم يكن.
فكان عنده تغيّره في العين أولى من تغيّر الطينة في العين من البياض إلى السواد.
وسبيل الصلابة والرّخاوة؛ والثقل والخفّة، سبيل الحلاوة والملوحة، والحرارة والبرودة.
__________
[1] السخف: الخفة والرقة.
[2] التخلخل: أن يكون الجسم غير متضام الأجزاء.
[3] ترزن: تثقل.
[4] الحرا: الجدير والخليف، وبالحرا: بالأجدر.
[5] القالة: القول.
[6] أصحاب الأعراض: يزعمون أن الإنسان أعراض مجتمعة؛ وكذلك الجسم أعراض مجتمعة من لون وطعم ورائحة وحرارة وبرودة وغير ذلك، وهو مذهب أصحاب ضرار بن عمرو، ويعرفون بالضرارية.
انظر مروج الذهب 7/436، مقالات الأشعري 281، 305، 317.
[7] أصحاب الأجسام: يزعمون أن ليس في العالم إلا جسم، وأن الألوان والحركات ما هي إلا أجسام، وهو مذهب أصحاب هشام بن الحكم، ويعرفون بالهشامية. انظر الفصل 5/66، وما سيأتي في الفقرة (1285) ص 32.
(5/29)

1283-[أصحاب القول بالاستحالة]
وليس يقيس القول في الأعراض إلا من قال بالاستحالة. وليس في الاستحالة شيء أقبح من قولهم في استحالة الجبل الصّخير [1] إلى مقدار خردلة، من غير أن يدخل أجزاءه شيء على حال. فهو على قول من زعم أنّ الخردلة تتنصّف أبدا أحسن. فأما إذا قال بالجزء الذي لا يتجزأ، وزعم أن أقل الأجسام، الذي تركيبه من ثمانية أجزاء لا تتجزأ، أو ستة أجزاء لا تتجزأ، يستحيل جسما على قدر طول العالم وعرضه وعمقه- فإنّا لو وجدناه كذلك لن نجد بدّا من أن نقول: إنا لو رفعنا من أوهامنا من ذلك شبرا من الجميع، فإن كان مقدار ذلك الشبر جزءا واحدا فقد وجدناه جسما أقلّ من ثمانية أجزاء ومن ستة أجزاء. وهذا نقض الأصل. مع أنّ الشبر الذي رفعناه من أوهامنا، فلا بدّ إن كان جسما أن يكون من ستة أجزاء أو من ثمانية أجزاء. وهذا كله فاسد.
1284-[الأضواء والألوان]
والنار حرّ وضياء، ولكلّ ضياء بياض ونور، وليس لكلّ بياض نور وضياء. وقد غلط في هذا المقام عالم من المتكلمين.
والضياء ليس بلون، لأن الألوان تتفاسد، وذلك شائع في كلها، وعامّ في جميعها؛ فاللبن والحبر يتفاسدان، ويتمازج التراب اليابس والماء السائل، كما يتمازج الحارّ والبارد، والحلو والحامض. فصنيع البياض في السواد، كصنيع السواد في البياض. والتفاسد الذي يقع بين الخضرة والحمرة، فبذلك الوزن يقع بين البياض وجميع الألوان.
وقد رأينا أن البياض ميّاع [2] مفسد لسائر الألوان. فأنت قد ترى الضياء على خلاف ذلك؛ لأنه إذا سقط على الألوان المختلفة كان عمله فيها عملا واحدا، وهو التفصيل بين أجناسها، وتمييز بعضها من بعض، فيبين عن جميعها إبانة واحدة، ولا تراه يخصّ البياض إلا بما يخص بمثله السواد، ولا يعمل في الخضرة إلا مثل عمله في الحمرة، فدلّ ذلك على أن جنسه خلاف أجناس الألوان، وجوهره خلاف جواهرها، وإنما يدل على اختلاف الجواهر اختلاف الأعمال؛ فباختلاف الأعمال واتفاقها تعرف اختلاف الأجسام واتفاقها.
__________
[1] الصخير: الكثير الصخر.
[2] مياع: سيّال.
(5/30)

جملة القول في الضد والخلاف والوفاق
قالوا: الألوان كلها متضادّة، وكذلك الطعوم، وكذلك الأراييح، وكذلك الأصوات، وكذلك الملامس: من الحرارة والبرودة، واليبس والرطوبة، والرخاوة والصلابة، [والملاسة] [1] والخشونة. وهذه جميع الملامس.
وزعموا أن التضادد إنما يقع بين نصيب الحاسّة الواحدة فقط. فإذا اختلفت الحواس صار نصيب هذه الحاسة الواحدة من المحسوسات، خلاف نصيب تلك الحاسة، ولم يضادّها بالضّدّ كاللّون واللون؛ لمكان التفاسد، والطعم والرائحة؛ لمكان التفاسد.
ولا يكون الطعم ضدّ اللون، ولا اللون ضدّ الطعم، بل يكون خلافا. ولا يكون ضدّا ولا وفاقا، لأنه من غير جنسه، ولا يكون ضدّا، لأنه [لا] [1] يفاسده.
وزعم من لا علم له من أصحاب الأعراض [2] ، أن السواد إنما ضادّ البياض، لأنهما لا يتعاقبان، ولا يتناوبان، ولأنهما يتنافيان.
قال القوم: لو كان ذلك من العلة، كان ينبغي لذهاب الجسم قدما أن يكون بعضه يضاد بعضا، لأن كونه في المكان الثاني لا يوجد مع كونه في المكان الثالث.
وكذلك التربيع: كطينة لو ربّعت بعد تثليثها، ثم ربّعت بعد ذلك. ففي قياسهم أن هذين التربيعين ينبغي لهما أن يكونا متضادّين، إذ كانا متنافيين، لأن الجسم لا يحتمل في وقت واحد طولين، وأن الضدّ يكون على ضدين: يكون أحدهما أن يخالف الشيء الشيء من وجوه عدة، والآخر [أن] [3] يخالفه من وجهين [أو وجه] [3] فقط.
قالوا: والبياض يخالف الحمرة ويضادّها، لأنه يفاسدها ولا يفاسد الطعم؛ وكذلك البياض للصفرة والحوّة [4] والخضرة. فأما السواد خاصة فإن البياض يضاده بالتفاسد، وكذلك التفاسد، وكذلك السواد.
وبقي لهما خاصة من الفصول في أبواب المضادة: أن البياض ينصبغ ولا يصبغ، والسواد يصبغ ولا ينصبغ، وليس كذلك سائر الألوان لأنها كلها تصبغ وتنصبغ.
__________
[1] زيادة يقتضيها المعنى.
[2] انظر الحاشية السادسة، ص 29.
[3] زيادة يقتضيها المعنى.
[4] الحوة: سواد إلى خضرة، أو حمرة إلى سواد.
(5/31)

قالوا: فهذا باب يساق.
باب آخر
إن الصفرة متى اشتدت صارت حمرة، ومتى اشتدت الحمرة صارت سوادا، وكذلك الخضرة متى اشتدت صارت سوادا.
والسواد يضاد البياض مضادة تامة، وصارت الألوان الأخر فيما بينها تتضاد عادة، وصارت الطّعوم والأراييح والملامس تخالفها ولا تضادها.
1285-[أصل الألوان]
وقد جعل بعض من يقول بالأجسام [1] هذا المذهب دليلا على أن الألوان كلّها إنما هي من السواد والبياض، وإنما تختلفان على قدر المزاج. وزعموا أن اللون في الحقيقة إنما هو البياض والسواد، وحكموا في المقالة الأولى بالقوة للسواد على البياض؛ إذ كانت الألوان كلها كلما اشتدت قربت من السواد، وبعدت من البياض، فلا تزال كذلك إلى أن تصير سوادا.
وقد ذكرنا قبل هذا قول من جعل الضياء والبياض جنسين مختلفين، وزعم أن كلّ ضياء بياض وليس كلّ بياض ضياء.
1286-[عظم شأن المتكلمين]
وما كان أحوجنا وأحوج جميع المرضى أن يكون جميع الأطباء متكلمين، وإلى أن يكون المتكلمون علماء؛ فإن الطبّ لو كان من نتائج حذاق المتكلمين ومن تلقيحهم له، لم نجد في الأصول التي يبنون عليها من الخلل ما نجد.
1287-[ألوان النّيران والأضواء]
وزعموا أن النار حمراء، وذهبوا إلى ما ترى العين، والنار في الحقيقة بيضاء.
ثم قاسوا على خلاف الحقيقة المرّة الحمراء [2] ، وشبّهوها بالنار. ثم زعموا أن المرة الحمراء مرّة. وأخلق بالدخان أن يكون مرّا. وليس الدخان من النار في شيء.
__________
[1] انظر الحاشية 6 ص 29.
[2] المرة: مزاج من أمزجة البدن الأربعة. وهي البلغم والدم والصفراء والسوداء، والمرة هي المرة الصفراء. قال داود في التذكرة: «والطبيعي منها أحمر عند المفارقة، أصفر بعدها» .
(5/32)

وكل نور وضياء هو أبيض، وإنما يحمرّ في العين بالعرض الذي يعرض للعين.
فإذا سلمت من ذلك، وأفضت إليه العين رأته أبيض، وكذلك نار العود تنفصل من العود، وكذلك انفصال النار من الدّهن ومعها الدخان ملابسا لأجزائها. فإذا وقعت الحاسة على سواد أو بياض في مكان واحد، كان نتاجهما [1] في العين منظرة [2] الحمرة.
ولو أنّ دخانا عرض بينك وبينه قرص الشمس أو القمر لرأيته أحمر. وكذلك قرص الشمس في المشرق أحمر وأصفر، للبخار والغبار المعترض بينك وبينه.
والبخار والدخان أخوان.
ومتى تحلّق القرص في كبد السماء، فصار على قمة رأسك؛ ولم يكن بين عينيك وبينه إلا بقدر ما تمكن البخار من الارتفاع في الهواء صعدا- وذلك يسير قليل- فلا تراه حينئذ إلا في غاية البياض.
وإذا انحطّ شرقا أو غربا صار كلّ شيء بين عينيك وبين قرصها من الهواء، ملابسا للغبار والدخان والبخار، وضروب [3] الضّباب والأنداء [4] فتراها إما صفراء، وإما حمراء.
ومن زعم أن النار حمراء فلم يكذب إن ذهب إلى ما ترى العين، ومن ذهب إلى الحقيقة والمعلوم في الجوهرية، فزعم أنها حمراء، ثم قاس على ذلك جهل وأخطأ.
وقد نجد النار تختلف على قدر اختلاف النّفط الأزرق، والأسود، والأبيض.
وذلك كله يدور في العين مع كثرة الدخان وقلته.
ونجد النار تتغير في ألوانها في العين، على قدر جفوف الحطب ورطوبته، وعلى قدر أجناس العيدان والأدهان، فنجدها شقراء، ونجدها خضراء إذا كان حطبها مثل الكبريت الأصفر.
__________
[1] نتاجهما: أي نتاج السواد والبياض.
[2] المنظرة: المنظر.
[3] الضروب: الأنواع.
[4] الأنداء: جمع ندى.
(5/33)

1288-[سبب تلون السحاب]
ونجد لون السحاب مختلفا في الحمرة والبياض، على قدر المقابلات والأعراض، ونجد السحابة بيضاء، فإذا قابلت الشمس بعض المقابلة، فإن كانت السحابة غربية أفقيه والشمس منحطّة، رأيتها صفراء، ثم سوداء، تعرض للعين لبعض ما يدخل عليها.
1289-[شعر في ألوان النار]
وقال الصّلتان الفهميّ في النار: [من الطويل]
وتوقدها شقراء في رأس هضبة ... ليعشو إليها كلّ باغ وجازع [1]
وقال مزرّد بن ضرار [2] : [من الطويل]
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت ... بعلياء نشز، للعيون النواظر [3]
وقال آخر [4] : [من الطويل]
ونار كسحر العود يرفع ضوءها ... مع الليل هبّات الرياح الصّوارد [5]
والغبار يناسب بعض الدخان. ولذلك قال طفيل الغنويّ [6] : [من الطويل]
إذا هبطت سهلا كأنّ غباره ... بجانبها الأقصى دواخن تنضب [7]
لأن دخانه يكون أبيض يشبه الغبار، وناره شقراء.
والعرب تجمع الدخان دواخن. وقال الأزرق الهمدانيّ: [من الطويل]
ونوقدها شقراء من فرع تنضب ... وللكمت أروى للنّزال وأشبع
__________
[1] يعشو إلى النار: يقصد إليها. الباغي: الطالب. الجازع: الذي يقطع الوادي أو الأرض.
[2] البيت لمزرد بن ضرار في البخلاء 243، ويروى عجز البيت: (بليل فلاحت للعيون النواظر) ونسب إلى جبيهاء الأسدي في اللسان والتاج (حفر) ، وإلى جبيهاء الأشجعي في حماسة ابن الشجري 258.
[3] في البخلاء: «جعلها شقراء ليكون أضوأ لها، وكذلك النار إذا كان حطبها يابسا كان أشد لحمرة ناره، وإذا كثر دخانه قلّ ضوءه» . النشر: المكان المرتفع.
[4] البيت بلا نسبة في البخلاء 243، وشرح ديوان الحماسة 2/136، والزهرة 321.
[5] السّحر: الرئة وما يتعلق بالحلقوم. العود: الجمل المسن. الصوارد: جمع صرد، وهو البرد.
[6] ديوان طفيل الغنوي 25، والمعاني الكبير 1/58.
[7] تنضب: شجر ضخام وورقه متقبض، وعيدانه بيض، له شوك قصار، ينبت بالحجاز.
(5/34)

وذلك أن النار إذا ألقي عليها اللحم فصار لها دخان، اصهابّت [1] بدخان ماء اللحم وسواد القتار [2] . وهذا يدل أيضا على ما قلنا.
وفي ذلك يقول الهيّبان الفهميّ: [من الوافر]
له فوق النّجاد جفان شيزى ... ونار لا تضرّم للصّلاء [3]
ولكن للطّبيخ، وقد عراها ... طليح الهمّ مستلب الفراء [4]
وما غذيت بغير لظى، فناري ... كمرتكم الغمامة ذي العفاء [5]
وقال سحر العود: [من الوافر]
له نار تشبّ على يفاع ... لكلّ مرعبل الأهدام بالي [6]
ونار فوقها بجر رحاب ... مبجّلة تقاذف بالمحال [7]
1290-[اختلاف ألوان النار]
ويدلّ أيضا على ما قلنا: أن النار يختلف لونها على قدر اختلاف جنس الدّهن والحطب والدخان، وعلى قدر كثرة ذلك وقلّته، وعلى قدر يبسه ورطوبته- قول الراعي حين أراد أن يصف لون ذئب فقال [8] : [من الكامل]
وقع الربيع وقد تقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزلّ نسولا [9]
__________
[1] اصهابت، صارت صهباء، وهي الحمرة يعلوها سواد.
[2] القتار: ما يتصاعد من الشواء.
[3] النجاد: جمع نجد، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع. الشيزى: شجر تعمل منه القصاع والجفان.
الصلاء: مقاساة حر النار، أو التمتع بها في الشتاء.
[4] عراها: غشيها وقصدها. الطليح: المتعب المعيى.
[5] المرتكم: المتراكم، أي المجتمع. عفاء السحاب: كالخمل في وجهه لا يكاد يخلف.
[6] اليفاع: التل. المرعبل: الممزق. الأهدام: جمع هدم، وهو الثوب الخلق البالي.
[7] البجر: جمع بجراء، وهي العظيمة البطن، وأراد بها هنا القدور. الرحاب: الواسعات. المبجلة المعظمة. المحال: جمع محالة، وهي الفقرة من فقار البعير.
[8] ديوان الراعي 239- 240، والأول في اللسان (نهش) ، والتاج (نسل) ، وبلا نسبة في الازمنة والأمكنة 2/113، والبيت الثاني في اللسان (نهش) ، والتاج (نهش، شكل) ، والتهذيب 5/158، 6/83، 85، والتنبيه والإيضاح 11/327، وبلا نسبة في اللسان والتاج (وضح، شهل) ، والثالث في الجمهرة 464 والتهذيب 11/33، واللسان والتاج (تلع، رجل) ، وبلا نسبة في الجمهرة 1300، والمجمل 2/468 وتقدم البيت في 2/431.
[9] وقع الربيع: أي مثل شدة ضرب المطر للأرض. العقوة: الساحة، وما حول الدار، الأزلّ: السريع وعنى به الذئب. النسول: مشية الذئب إذا أسرع.
(5/35)

متوضّح الأقراب فيه شهبة ... هشّ اليدين تخاله مشكولا [1]
كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان ضرّم عرفجا مبلولا [2]
المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد، فهو يشويه. وجعله غرثان لكون الغرث لا يختار الحطب اليابس على رطبه، فهو يشويه بما حضره. وأدار هذا الكلام، ليكون لون الدخان بلون الذئب الأطحل [3] متفقين.
1291-[تعظيم زرادشت لشأن النار]
وزرادشت هو الذي عظم النار وأمر بإحيائها، ونهى عن إطفائها، ونهى الحيّض عن مسها والدنوّ منها. وزعم أن العقاب في الآخرة إنما هو بالبرد والزمهرير والدّمق [4] .
1292-[سبب تخويف زرادشت أصحابه بالبرد والثلج]
وزعم أصحاب الكلام أن زرادشت- وهو صاحب المجوس- جاء من بلخ، وادعى أن الوحي نزل عليه على جبال سيلان، وأنه حين دعا سكان تلك الناحية الباردة، الذين لا يعرفون إلا الأذى بالبرد، ولا يضربون المثل إلا به؛ حتى يقول الرجل لعبده: لئن عدت إلى هذا لأنزعنّ ثيابك، ولأقيمنّك في الريح، ولأوقفنّك في الثلج! فلما رأى موقع البرد منهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعفه، وظنّ أنّ ذلك أزجر لهم عما يكره.
وزرادشت في توعده تلك الأمة بالثلج دون النار، مقرّ بأنه لم يبعث إلا إلى أهل تلك الجبال. وكأنه إذا قيل له: أنت رسول إلى من؟ قال لأهل البلاد الباردة، الذين لابدّ لهم من وعيد، ولا وعيد لهم إلا بالثلج.
وهذا جهل منه، ومن استجاب له أجهل منه.
1293-[ردّ على زرادشت في التخويف بالثلج]
والثلج لا يكمل لمضادّة النار، فكيف يبلغ مبلغها؟ والثلج يؤكل ويشرب،
__________
[1] المتوضح: الأبيض.
الأقراب: جمع قرب وهي الخاصرة. الشهية: لون بياض يصدعه سواد في خلاله. الهش: الخفيف.
المشكول: المشدود بالشكال، وهو عقال الدابة.
[2] التلعة: ما ارتفع من الأرض. الغرثان: الجوعان. العرفج: نبت سريع الالتهاب.
[3] الذئب الأطحل: الذي لونه كلون الرماد.
[4] الدمق: الثلج مع الريح يغشى الإنسان من كل أوب، حتى يكاد يقتل من يصيبه.
(5/36)

ويقضم قضما، ويمزج بالأشربة، ويدفن فيه الماء وكثير من الفواكه.
وربما أخذ بعض المترفين القطعة منه كهامة [1] الثور، فيضعها على رأسه ساعة من نهار، ويتبرّد بذلك.
ولو أقام إنسان على قطعة من الثلج مقدار صخرة في حمدان ريح [2] ساعة من نهار، لما خيف عليه المرض قطّ.
فلو كان المبالغة في التنفير والزجر أراد، وإليه قصد؛ لذكر ما هو في الحقيقة عند الأمم أشدّ. والوعيد بما هو أشد، وبما يعم بالخوف سكان البلاد الباردة والحارة أشبه، إذا كان المبالغة يريد.
والثلج قد يداوى به بعض المرضى، ويتولد فيه الدود، وتخوضه الحوافر، والأظلاف، والأخفاف، والأقدام، بالليل والنهار، في الأسفار.
وفي أيام الصيد يهون على من شرب خمسة أرطال نبيذ أن يعدو عليه خمسة أشواط.
1294- (معارضة بعض المجوس في عذاب النار)
وقد عارضني بعض المجوس وقال: فلعلّ أيضا صاحبكم إنما توعّد أصحابه بالنار، لأن بلادهم ليست ببلاد ثلج ولا دمق [3] ، وإنما هي ناحية الحرور والوهج والسّموم [4] ، لأن ذلك المكروه أزجر لهم. فرأي هذا المجوسي أنه قد عارضني! فقلت له: إن أكثر بلاد العرب موصوفة بشدة الحر في الصيف. وشدة البرد في الشتاء؛ لأنها بلاد صخور وجبال، والصخر يقبل الحر والبرد ولذلك سمت الفرس بالفارسية، العرب والأعراب: «كهيان» ، والكه بالفارسية هو الجبل. فمتى أحببت أن تعرف مقدار برد بلادهم في الشتاء وحرّها في الصيف، فانظر في أشعارهم، وكيف قسّموا ذلك، وكيف وضعوه لتعرف أن الحالتين سواء عندهم في الشدة.
1295-[القول في البرودة والثلج]
والبلاد ليس يشتد بردها على كثرة الثلج، فقد تكون بلدة أبرد وثلجها أقل،
__________
[1] الهامة: الرأس.
[2] حمدان الريح: لعله من قولهم: يوم محتمد: أي شديد الحر.
[3] الدمق: الثلج مع الريح يغشى الإنسان من كل أوب حتى يكاد يقتل من يصيبه.
[4] السموم: الريح الحارة.
(5/37)

والماء ليس يجمد للبرد فقط، فيكون متى رأينا بلدة ثلجها أكثر، حكمنا أن نصيبها من البرد أوفر.
وقد تكون الليلة باردة جدا، وتكون صنّبرة [1] فلا يجمد الماء، ويجمد فيما هو أقلّ منها بردا. وقد يختلف جمود الماء في الليلة ذات الريح، على خلاف ما يقدّرون ويظنون.
وقد خبرني من لا أرتاب بخبره، أنهم كانوا في موضع من الجبل، يستغشون [2] به بلبس المبطّنات [3] ، ومتى صبوا ماء في إناء زجاج، ووضعوه تحت السماء، جمد من ساعته.
فليس جمود الماء بالبرد فقط، ولا بد من شروط ومقادير، واختلاف جواهر، ومقابلات أحوال، كسرعة البرد في بعض الأدهان، وإبطائه عن بعض وكاختلاف عمله في الماء المغلى، وفي الماء المتروك على حاله وكاختلاف عمله في الماء والنبيذ، وكما يعتري البول من الخثورة والجمود، على قدر طبائع الطعام والقلة.
والزّيت خاصة يصيبه المقدار القليل من النار، فيستحيل من الحرارة إلى مقدار لا يستحيل إليه ما هو أحرّ.
1296-[ردّ آخر على المجوس]
وحجة أخرى على المجوس. وذلك أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم، لو كان قال: لم أبعث إلا إلى أهل مكة- لكان له متعلق من جهة هذه المعارضة. فأما وأصل نبوّته، والذي عليه مخرج أمره وابتداء مبعثه إلى ساعة وفاته، أنه المبعوث إلى الأحمر والأسود، وإلى الناس كافة [4] ، وقد قال الله تعالى:
__________
[1] الصنبرة: الشديدة البرد.
[2] يستغشون: يتغطون.
[3] المبطنات: ثياب مبطنة بالفراء.
[4] انظر مسند أحمد 1/250، 301، 403. وصحيح البخاري في كتاب التيمم، الحديث 328، وكتاب المساجد، الحديث 427، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، الحديث 531، والدارمي في «السير» ، والنسائي في «الطهارة» . وفي النهاية 1/437 «بعثت إلى الأحمر والأسود، أي العرب والعجم؛ لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض، وعلى ألوان العرب الأدمة والسمرة.
وقيل: أراد الجن والإنس. وقيل: أراد بالأحمر: الأبيض مطلقا.
(5/38)

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
[1] وقد قال تعالى: نَذِيراً لِلْبَشَرِ
[2]- فلم يبق أن يكون مع ذلك قولهم معارضة، وأن يعدّ في باب الموازنة.
1297-[ما قيل من الشعر في البرد]
ومما قالوا في البرد قول الكميت [3] : [من المتقارب]
إذا التفّ دون الفتاة الضّجيع ... ووحوح ذو الفروة المرمل [4]
وراح الفنيق مع الرائحات ... كإحدى أوائلها المرسل [5]
وقال الكميت أيضا في مثل ذلك [6] : [من البسيط]
وجاءت الريح من تلقاء مغربها ... وضنّ من قدره ذو القدر بالعقب [7]
وكهكه المدلج المقرور في يده ... واستدفأ الكلب في المأسور ذي الذّئب [8]
وقال في مثله جران العود [9] : [من الوافر]
ومشبوح الأشاجع أريحيّ ... بعيد السّمع، كالقمر المنير [10]
رفيع الناظرين إلى المعالي ... على العلّات في الخلق اليسير [11]
يكاد المجد ينضح من يديه ... إذا دفع اليتيم عن الجزور [12]
__________
[1] 158/الأعراف: 7.
[2] 36/المدثر: 74.
[3] ديوان الكميت 2/14، والبيت الأول في اللسان والتاج (فرا) ، والتهذيب 15/241.
[4] وحوح الرجل من البرد: إذا ردد نفسه في حلقه حتى تسمع له صوتا. الفروة: الوفضة التي يجعل فيها السائل صدقته. المرمل: الذي نفذ زاده.
[5] الفنيق: الفحل المكرم من الإبل، لا يركب لكرامته على أهله.
[6] ديوان الكميت 1/127، والبيت الثاني في اللسان والتاج والأساس (كهه) .
[7] العقب: جمع عقبة، وهي المرقة ترد في القدر المستعارة، فقد كانوا إذا استعاروا قدرا ردوا فيها شيئا من المرق.
[8] كهكه المقرور تنفس في يده ليسخنها بنفسه من شدة البرد.
المأسور: المشدود بالإسار وهو القد الذي يؤسر به القتب، والقتب: وهو الفرجة بين دفّتي الرحل.
[9] ديوان جران العود 24- 28.
[10] مشبوح الأشاجع: عريض الكف، والأشجع، العصب الذي على ظاهر الكف. الأريحي: الذي يرتاح للمعروف. السمع: المقصود بها: الذكر الحسن.
[11] على العلات: على كل حال.
[12] الجزور: الناقة المجزورة. جزر الناقة: نحرها وقطعها.
(5/39)

وألجأت الكلاب صبا بليل ... وآل نباحهنّ إلى الهرير [1]
وقد جعلت فتاة الحي تدنو ... مع الهلّاك من عرن القدور [2]
وقال في مثل ذلك ابن قميئة [3] : [من الخفيف]
ليس طعمي طعم الأرامل إذ ق ... لّص درّ اللّقاح في الصّنّبر [4]
ورأيت الإماء كالجعثن البا ... لي عكوفا على قرارة قدر [5]
ورأيت الدخان كالودع [6] الأه ... جن ينباع من وراء السّتر
حاضر شركم وخيركم د ... رّ خروس من الأرانب بكر [7]
وقال في مثل ذلك [8] : [من الكامل]
وإذا العذارى بالدّخان تقنّعت ... واستعجلت نصب القدور فملّت
درّت بأرزاق العيال مغالق ... بيديّ من قمع العشار الجلّة [9]
__________
[1] البليل: الريح الباردة التي كأنها يقطر منها الماء لبردها.
آل: جمع وصار. الهرير: صوت الكلب في صدره.
[2] فتاة الحي: أي الفتاة المصونة. الهلاك: الصعاليك. العرن: ريح القدر.
[3] ديوان عمرو بن قميئة 77- 78، ورسائل الجاحظ 2/357 (كتاب البغال) ، والبيت الأخير في البخلاء 214، وبلا نسبة في اللسان والتاج (خرس) ، والجمهرة 584، والمقاييس 2/167.
[4] اللقاح: جمع لقحة؛ وهي الناقة الحلوب. قلص درها: ارتفع لبنها.
الصنبر: شدة البرد.
[5] الجعثن: أصل كل شجرة إلا شجرة لها خشب، شبههن به في التقبض وشوه الخلق مما أضرّ بهن الجرب وسوء الغذاء.
عكوفا: مستديرات حولها. القرارة: ما لزق بأسفل القدر من مرق، أو حطام تابل محترق، أو سمن، أو غيره.
[6] الودع: خرز بيض جوف في بطونها شق كشق. النواة. الأهجن: الأبيض، جعل الدخان أبيض لضعف ناره. ينباع يجري جريا لينا.
[7] الدر: اللبن. الخروس: صاحبة الخرسة، والخرسة طعام النفساء، والخرس: الطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء، وانظر تعليق الجاحظ في البخلاء 213- 214.
[8] البيتان لسلمى بن ربيعة في الخزانة 8/36، 44، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 55، ونوادر أبي زيد 121، والأمالي 1/81، ولعلباء بن أرقم في الأصمعيات 162، وبلا نسبة في شرح اختيارات المفضل 816.
[9] درّت: در الضرع: كثر لبنه. العيال: جمع عيل، وهو الفقير. المغالق: جمع مغلق وهي قداح الميسر. القمع: الأسنمة. العشار: جمع عشراء، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر. الجلة:
العظام الكبار، جمع جليل.
(5/40)

وقال الهذليّ [1] : [من البسيط]
وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من الشّتاء ولا تسري أفاعيها
وفي الجمد والبرد والأزمات يقول الكميت [2] : [من الوافر]
وفي السنة الجماد يكون غيثا ... إذا لم تعط درّتها الغضوب [3]
وروّحت اللّقاح مبهلات ... ولم تعطف على الرّبع السّلوب [4]
وكان السّوف للفتيان قوتا ... تعيش به وهيّبت الرقوب [5]
وفي هذه القصيدة يقول في شدة الحر:
وخرق تعزف الجنّان فيه ... لأفئدة الكماة لها وجيب [6]
قطعت ظلام ليلته ويوما ... يكاد حصى الإكام به يذوب
وقال آخر لمعشوقته [7] : [من الطويل]
وأنت التي كلفتني البرد شاتيا ... وأوردتنيه فانظري أيّ مورد [8]
فما ظنك ببرد يؤدّي هذا العاشق إلى أن يجعل شدّته عذرا له في تركه الإلمام بها. وذلك قوله في هذه القصيدة [9] :
فيا حسنها إذ لم أعج أن يقال لي ... تروّح فشيعنا إلى ضحوة الغد
فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد
__________
[1] تقدم تخريج البيتين في 1/258؛ الفقرة (269) ، 2/290؛ الفقرة (293) .
[2] ديوان الكميت 1/84، والبيت الأول بلا نسبة في اللسان والتاج (جمد) ، والتهذيب 10/679، والثالث للكميت في أساس البلاغة (سوف) ، والأزمنة والأمكنة 2/299.
[3] سنة جماد: لا مطر فيها. الغضوب: الناقة العبوس.
[4] روّحت: رعيت وقت الرواح. المبهلات: المهملات. الرّبع: الفصيل ينتج وقت الربيع.
السلوب: الناقة فقدت ولدها.
[5] السّوف: الأماني. الرقوب: هي التي لا تدنو إلى الحوض من الزحام، وذلك لكرمها.
[6] الخرق: الفلاة الواسعة تنخرق فيها الريح. الجنّان: الجن.
عزيفها: تصويتها. الوجيب: الخفقان والاضطراب.
[7] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (برك) ، والتهذيب 10/228، والعين 5/367، وكتاب الجيم 1/81.
[8] الرواية في المصادر السابقة: «البرك» مكان «البرد» ، والبرك: مستنقع الماء وشبه حوض يحفر في الأرض، لا يجعل له أعضاد فوق صعيد الأرض.
[9] ديوان مسكين الدارمي 36.
(5/41)

ومما يقع في الباب قبل هذا، ولم نجد له بابا قول مسكين الدّارميّ: [من الوافر]
وإني لا أقوم على قناتي ... أسبّ الناس كالكلب العقور [1]
وإني لا أحلّ ببطن واد ... ولا آوي إلى البيت القصير
وإني لا أحاوص عقد ناد ... ولا أدعو دعائي بالصفير [2]
ولست بقائل للعبد أوقد ... إذا أوقدت بالعود الصّغير
ولو تأملت دخان أتّون [3] واحد، من ابتدائه إلى انقضائه، لرأيت فيه الأسود الفاحم، والأبيض الناصع.
والسواد والبياض، هما الغاية في المضادّة، وذلك على قدر البخار والرطوبات.
وفيما بينهما ضروب من الألوان.
وكذلك الرماد، منه الأسود، ومنه الأبيض، ومنه الأصهب، ومنه الخصيف [4] .
وذلك كله على قدر اختلاف حالات المحترق وجواهره.
فهذا بعض ما قالوا في البرد.
1298-[ما قيل من الشعر في صفة الحر]
وسنذكر بعض ما قالوا في صفة الحر. قال مضرّس بن زرارة بن لقيط [5] : [من الطويل]
ويوم من الشّعرى كأنّ ظباءه ... كواعب مقصور عليها ستورها [6]
__________
[1] القناة: العصا. الكلب العقور: الذي يعقر، أي يجرح ويعض.
[2] يقال: فلان يحاوص فلانا، أي ينظر إليه بمؤخر عينيه ويخفي ذلك. النادي: مجلس القوم.
الصفير: التصويت بالفم والشفتين.
[3] الأتون: الموقد.
[4] رماد خصيف: قيه سواد وبياض.
[5] الأبيات في الحماسة البصرية 2/243، من قصيدة تنسب إلى مضرس بن ربعي بن لقيط الأسدي، أو شبيب بن البرصاء، أو عوف بن الأحوص الكلابي، والأبيات في الأزمنة والأمكنة 2/161، والثاني والثالث في الألفاظ لابن السكيت 552، والثاني في اللسان والتاج (نور) ، وراجع المزيد من المصادر في حاشية الحماسة البصرية 2/243.
[6] الشعرى: كوكب نيّر يقال له المرزم؛ يطلع بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر. كواعب: جمع كاعب، وهي الجارية قد نهد ثديها.
(5/42)

تدلّت عليها الشمس حتى كأنه ... من الحر يرمى بالسكينة نورها [1]
سجودا لدى الأرطى كأن رؤوسها ... علاها صداع أو فوال يصورها [2]
وقال القطاميّ [3] : [من البسيط]
فهن معترضات والحصى رمض ... والريح ساكنة والظلّ معتدل [4]
حتى وردن ركيّات الغوير وقد ... كاد الملاء من الكتّان يشتعل [5]
وقال الشماخ بن ضرار [6] : [من الطويل]
كأنّ قتودي فوق جأب مطرّد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز [7]
طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشّعريين الأماعز [8]
وظلّت بيمؤود كأن عيونها ... إلى الشمس، هل تدنو، ركيّ نواكز [9]
__________
[1] السكينة: السكون. النور: جمع نوار، وهي النفور من الظباء والوحش.
[2] الأرطى: شجر تتخذ الظباء في أصوله كنسها. فوال: جمع فالية، وهي التي تفلي الرأس. يصورها: يميلها.
[3] ديوان القطامي 26- 27، والبيت الأول بلا نسبة في اللسان والتاج (رمض) ، والتهذيب 12/32، والبيت الثاني في اللسان والتاج (عور) ، ونظام الغريب 222.
[4] في ديوانه: «فهن: يعني النوق. الحصى رمض: حار» .
[5] الركيات: جمع ركية؛ وهي البئر. الغوير: موضع. الكتان: هاهنا القطن.
[6] ديوان الشماخ 175- 176، وجمهرة أشعار العرب 824، والبيت الأول في اللسان والتاج (جدد) ، والعين 6/8، والجمهرة 706، والتهذيب 10/462، وبلا نسبة في الجمهرة 264، والمجمل 1/419، والبيت الثاني في اللسان والتاج (بيض، عنن) ، والأساس (بيض) ، والعين 1/90، والمقاييس 4/19، والجمهرة 825، والكامل 928 (الدالي) ، وبلا نسبة في التهذيب 1/110، 12/89، والثالث في اللسان والتاج (مأد) .
[7] في ديوانه: «القتود: جمع قتد، وهو خشب الرحل. الجأب: الصلب الشديد من حمير الوحش المطرد: الذي طردته الرماة، أعني مطاردة الصائد إياه. الحقب: جمع أحقب، وهو الحمار الأبيض الحقوين. لاحته: غيرته. الجداد: جمع جدود، وهي التي يبس لبنها. الغوارز: جمع غارز، وهي التي قلّت ألبانها» .
[8] في ديوانه: «طوى ظمأها: زاد فيه. بيضة القيظ: وقت اشتداد الحر وتلهبه. الشعريان: هما شعرى العبور؛ وشعرى الغميصاء، وهما من نجوم القيظ. الأماعز: جمع أمعز: أي جرى بها السراب بعد ما طلعت الشعرى» .
[9] في ديوانه: «يمؤود: واد بعطفان. هل: بمعنى إذ، أي حين تدنو. الركي: الآبار. النواكز: الغوائر، نكزت البئر تنكز نكوزا: إذا ذهب ماؤها» .
(5/43)

ولهذه الأبيات كان الحطيئة والفرزدق يقدّمان الشماخ بغاية التقديم.
وقال الراعي [1] : [من الوافر]
ونار وديقة في يوم هيج ... من الشّعرى نصبت لها الجبينا [2]
إذا معزاء هاجرة أرنّت ... جنادبها وكان العيس جونا [3]
وقال مسكين الدارمي [4] : [من الطويل]
وهاجرة ظلّت كأنّ ظباءها ... إذا ما اتّقتها بالقرون سجود
تلوذ لشؤبوب من الشّمس فوقها ... كما لاذ من حرّ السّنان طريد [5]
وقال جرير [6] : [من الطويل]
وهاجد موماة بعثت إلى السّرى ... وللنّوم أحلى عنده من جنى النّحل [7]
يكون نزول الركب فيها كلا ولا ... غشاشا ولا يدنون رحلا إلى رحل [8]
ليوم أتت دون الظلال سمومه ... وظلّ المها صورا جماجمها تغلي [9]
وفيها يقول جرير: [من الطويل]
تمنّى رجال من تميم لي الرّدى ... وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي [10]
__________
[1] ديوان الراعي النميري 266، والأزمنة والأمكنة 1/287، والأول في اللسان والتاج (هيج) .
[2] الوديقة: حر نصف النهار: يوم هيج: يوم ريح.
[3] المعزاء: الأرض الحزنة الغليظة. الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر. أرنّت: صوّتت.
[4] ديوان مسكين الدارمي 32، وحماسة القرشي 463، ومعاهد التنصيص 2/119، والبيت الثاني بلا نسبة في اللسان والتاج (أول) والتهذيب 15/441، والجمهرة 1305.
[5] تلوذ: تلجأ. الشؤبوب: الدفعة من المطر، واستعارها هنا ليدل على شدة حرارة الشمس.
[6] ديوان جرير 461 (الصاوي) ، والنقائض 160- 161، والأبيات من قصيدة في هجاء البعيث والفرزدق.
[7] الهاجد: الساهر. الموماة: الفلاة.
[8] كلا: أي مثل «لا» سرعة النطق بها. الغشاش: العجلة.
[9] دون الظلال: قريبا منها. السموم: الريح الحارة.
المها: جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية. الصور: جمع أصور وهو المائل العنق.
[10] بهذا البيت يرد جرير على الفرزدق الذي قال:
(أنا الضامن الراعي عليهم وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي)
وهذا البيت هو الثامن من قصيدته في النقائض 127- 157، وديوانه 2/153 (صادر) .
(5/44)

1299-[احتجاج النظام للكمون]
وقال أبو إسحاق: أخطأ من زعم أن النار تصعد في أول العود، وتنحدر وتغوص فيه، وتظهر عليه، وتأخذ منه عرضا.
وقال: العود، النار في جميعه كامنة، وفيه سائحة، وهي أحد أخلاطه. والجزء الذي يرى منها في الطرف الأول، غير الجزء الذي في الوسط والجزء الذي في الوسط غير الجزء الذي في الطرف الآخر. فإذا احتكّ الطرف فحمي زال مانعه، وظهرت النار التي فيه. وإذا ظهرت حمي لشدة حرها الموضع الذي يليها، وتنحّى أيضا مانعه.
وكذلك الذي في الطرف الآخر ولكن الإنسان إذا رأى النار قد اتصلت في العود كله، وظهرت أولا فأوّلا، ظن أن الجزء الذي كان في المكان الأول قد سرى إلى المكان الثاني، ثم إلى المكان الثالث. فيخبر عن ظاهر ما يرى ولا يعرف حقيقة ما بطن من شأنها.
وقال أبو إسحاق: ولو كانت العيدان كلها لا نار فيها، لم يكن سرعة ظهورها من العراجين، ومن المرخ والعفار [1] ، أحقّ منها بعود العنّاب [2] والبرديّ [3] وما أشبه ذلك. لكنها لمّا كانت في بعض العيدان أكثر، وكان مانعها أضعف، كان ظهورها أسرع، وأجزاؤها إذا ظهرت أعظم. وكذلك ما كمن منها في الحجارة. ولو كانت أجناس الحجارة مستوية في الاستسرار [4] فيها، لما كان حجر المرو أحقّ بالقدح إذا صكّ بالقدّاحة، من غيره من الحجارة، ولو طال مكثه في النار ونفخ عليه بالكير.
ولم صار لبعض العيدان جمر باق، ولبعضها جمر سريع الانحلال، وبعضها لا يصير جمرا؟ ولم صار البرديّ مع هشاشته ويبسه ورخاوته، لا تعمل فيه النيران؟
ولذلك إذا وقع الحريق في السّوق سلم كل مكان يكون بين أضعاف البردي. ولذلك ترى النار سريعة الانطفاء في أضعاف البرديّ، ومواضع جميع اللّيف.
وقال أبو إسحاق: فلم اختلفت في ذلك؟ إلا على قدر ما يكون فيها من النار، وعلى قدر قوة الموانع وضعفها.
__________
[1] المرخ والعفار: شجران يتخذ منهما زناد القدح.
[2] العنّاب: شجر مثمر من الفصيلة السّدرية، له ثمرة نووية حلوة تؤكل. معجم الألفاظ الزراعية 372.
[3] في اللسان «حفأ» : (الحفأ: البردي. وقيل: هو البردي الأخضر ما دام في منبته، وقيل هو أصله الأبيض الرطب الذي يؤكل) وفي معجم الألفاظ الزراعية 209: (البردي نوع مائي كانوا يصنعون ورق البردي من لحائه) . وانظر المخصص 11/166.
[4] الاستسرار: الكمون.
(5/45)

ولم صارت تقدح على الاحتكاك حتى تلهبت، كالساج [1] في السفن إذا اختلط بعضه ببعض عند تحريك الأمواج لها؟ ولذلك أعدّوا لها الرجال لتصبّ من الماء صبّا دائما. وتدوّم الريح فتحتك عيدان الأغصان في الغياض، فتلتهب نار فتحدث نيران.
ولم صار العود يحمى إذا احتكّ بغيره؟ ولم صار الطّلق [2] لا يحمى؟ فإن قلت لطبيعة هناك، فهل دللتمونا إلا على اسم علّقتموه على غير معنى وجدتموه؟ أولسنا قد وجدنا عيون ماء حارة وعيون ماء بارد، بعضها يبرص وينفط الجلد [3] ، وبعضها يجمد الدم ويورث الكزاز [4] ؟ أولسنا قد وجدنا عيون ريح [5] وعيون نار [6] ؟ فلم زعمتم أن الريح والماء كانا مختنقين في بطون الأرض ولم تجوّزوا لنا مثل ذلك في النار؟ وهل بين اختناق الريح والماء فرق؟ وهل الريح إلا هواء تحرّك؟ وهل بين المختنق والكامن فرق؟.
وزعم أبو إسحاق: أنه رمى بردائه في بئر النبي صلّى الله عليه وسلّم التي من طريق مكة، فردّته الريح عليه.
وحدّثني رجل من بني هاشم قال: كنت برامة [7] ، من طريق مكة فرميت في بئرها ببعرة فرجعت إليّ، ثم أعدتها فرجعت، فرميت بحصاة فسمعت لها حريقا [8] وحفيفا [9] شديدا وشبيها بالجولان، إلى أن بلغت قرار الماء.
__________
[1] الساج: شجر يعظم جدّا، ويذهب طولا وعرضا، وله ورق أمثال التراس الديلمية، يتغطى الرجل بورقة منه فتكنه «أي تستره» من المطر، وله رائحة طيبة. تشابه رائحة ورق الجوز مع رقة ونعمة.
«اللسان: سوج» .
[2] الطّلق: نبت تستخرج عصارته فيتطلى به الذين يدخلون في النار. «اللسان: طلق» .
[3] يبرص: يصيب بالبرص. ينفط: أصابه بالنفطة، وهي في أصلها بشرة تخرج في اليد من العمل ملأى ماء.
[4] الكزاز: تشنج يصيب الإنسان.
[5] عيون ريح: تنجم عن تحلل مواد عضوية في باطن الأرض، فتنشأ أبخرة وتتجمع، ثم تندفع إلى ظاهر الأرض.
[6] عيون نار: هي ما تعرف بالبراكين.
[7] رامة: منزل بينه وبين الرمادة ليلة، في طريق البصرة إلى الكوفة. «معجم البلدان: رامة» .
[8] الحريق: الصريف، وفي الحديث: «يحرقون أنيابهم غيظا وحنقا» أي يحكّون بعضها ببعض.
والصوت الذي سمعه ذلك الرجل من الحصاة إنما هو لدفع الهواء إياها إلى أعلى ومحاولتها هي النزول.
[9] الحفيف: صوت الشيء تسمعه كالرنّة.
(5/46)

وزعم أبو إسحاق أنه رأى عين نار في بعض الجبال، يكون دخانها نهارا وليلا.
أو ليس الأصل الذي بني عليه أمرهم: أن جميع الأبدان من الأخلاط الأربعة [1] : من النار، والماء، والأرض، والهواء؟ فإذا رأينا موضعا من الأرض يخرج منه ماء قلنا: هذا أحد الأركان؛ فما بالنا إذا رأينا موضعا من الأرض يخرج منه نار لم نقل مثل ذلك فيه؟.
ولم نقول في حجر النار إنه متى وجد أخف من مقدار جسمه من الذهب والرّصاص والزئبق، إنما هو لما خالطه من أجزاء الهواء الرّافعة له؟ وإذا وجدناه أعلك علوكة، وأمتن متانة، وأبعد من التهافت جعلنا ذلك لما خالطه من أجزاء الماء. وإذا وجدناه ينقض الشرر، ويظهر النار جعلنا لك للذي خالطه من الهواء؟ ولم جعلناه إذا خف عن شيء بمقدار جسمه، لما خالطه من أجزاء الهواء، ولا نجعله كذلك لما خالطه من أجزاء النار؟! ولا سيما إذا كانت العين تجده يقدح بالشرر، ولم تجر أجزاء الهواء فيه عندنا عيانا. فلم أنكروا ذلك، وهذه القصة توافق الأصل الذي بنوا عليه أمرهم؟.
قال: أو ليس من قوله أنه لولا النيران المتحركة في جوف الأرض، التي منها يكون البخار- الذي بعضه أرضيّ وبعضه مائيّ- لم يرتفع ضباب، ولم يكن صواعق ولا مطر ولا أنداء.
1300-[الصواعق وما قيل فيها]
ومتى كان البخار حارّا يابسا قدح وقذف بالنار التي تسمى «الصاعقة» ، إذا اجتمعت تلك القوى في موضع منه. فإن كانت القوى ريحا كان لها صوت، وإن كانت نارا كانت لها صواعق. حتى زعم كثير من الناس [أن بعض السيوف من خبث نيران الصواعق] [2] ، وذلك شائع على أفواه الأعراب والشعراء. قال أبو الهول الحميري [3] : [من الخفيف]
__________
[1] انظر الفقرة (1278) ، ص 21.
[2] الزيادة من ثمار القلوب (888) .
[3] الأبيات لأبي الهول الحميري أو ابن يامين البصري في الوحشيات 280، وثمار القلوب 498 (887- 888) ، والعقد 1/180، ووفيات الأعيان 6/109، وفوات الوفيات 2/204، ومروج الذهب 4/195، وديوان المعاني 2/52، والحماسة الشجرية 797، وحماسة القرشي 454، 455، والسمط 604، وإعجاز القرآن 242، والأنوار ومحاسن الأشعار 1/33، وزهر الآداب 781.
(5/47)

حاز صمصامة الزّبيديّ من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمين [1]
سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خير ما أطبقت عليه الجفون [2]
أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم ساطت به الزّعاف المنون [3]
وقال منهم آخر [4] : [من الكامل]
يكفيك من قلع السماء عقيقة ... فوق الذّراع ودون بوع البائع [5]
قال الأصمعيّ: الانعقاق: تشقّق البرق. ومنه وصف السيف بالعقيقة، وأنشد [6] : [من الوافر]
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي [7]
وقال الأخطل [8] : [من الطويل]
وأرّقني من بعد ما نمت نومة ... وعضب إباطي كالعقيق يماني [9]
__________
[1] الصمصامة: سيف عمرو بن معدي كرب، وهو من أشهر سيوف العرب، وقد وهبه عمرو لخالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على اليمن، فلم يزل في آل سعيد إلى أيام هشام بن عبد الملك، فاشتراه خالد القسري بمال خطير وأنقذه إلى هشام فلم يزل الأمر عند بني مروان حتى زال الأمر عنهم، ثم طلبه السفاح والمنصور والمهدي، فلم يجدوه، وجدّ الهادي في طلبه حتى ظفر به، وطلب من الشعراء أن يقولوا فيه، فقالوا وأطالوا، حتى قام أبو الهول الحميري وأنشد قصيدته؛ فوهبه الهادي الصمصامة. انظر وفيات الأعيان 6/109، وثمار القلوب (886- 888) ، والأغاني 15/211، وزهر الآداب 780، والعقد الفريد 1/180.
[2] الجفون: جمع جفن، وهو قراب السيف.
[3] السوط: الخلط. الزعاف: السم السريع القتل.
[4] البيت لمنصور النمري في ديوانه 109، وبلا نسبة في الوحشيات 281، والأنوار ومحاسن الأشعار 1/30، والأشباه والنظائر للخالديين 2/44.
[5] القلع: جمع قلعة، وهي السحابة الضخمة. العقيقة: السيف. فوق الذراع: أي طوله فوق الذراع:
البوع: قدر مدّ اليدين وما بينهما من البدن.
[6] عجز البيت: (سلاحي لا أفلّ ولا فطارا) ، وهو لعنترة في ديوانه 43، واللسان والتاج (فطر، كمع، عقق، فلل) ، والتهذيب 13/303، وديوان الأدب 1/188، 442، وبلا نسبة في الجمهرة 755.
[7] في ديوانه: «العقيقة: شعاع البرق. كمعي: ضجيعي، ووأراد: لا يفارقني. أفل: ذو فلول، أي مثلم. الفطار: فيه صدوع وشقوق لا يقطع» .
[8] ديوان الأخطل 294، ورواية عجزه في الديوان: (وعضب، جلت عنه القيون، بطاني) .
[9] العضب: السيف القاطع. إباطي: تحت إبطي.
[1] أي فقد الماء.
(5/48)

[جملة من القول في الماء]
(ونذكر بعون الله وتأييده جملة من القول في الماء ثمّ نصير إلى ذكر ما ابتدأنا به، من القول في النار) ذكروا أن الماء لا يغذو، وإنما هو مركب ومعبر وموصل للغذاء. واستدلّوا لذلك بأن كلّ رقيق سيّال فإنك متى طبخته انعقد، إلا الماء. وقالوا في القياس: إنه لا ينعقد في الجوف عند طبخ الكبد له، فإذا لم ينعقد لم يجئ منه لحم ولا عظم.
ولأننا لم نر إنسانا قطّ اغتذاه وثبت عليه روحه، وإن السمك الذي يموت عند فقده [1] ليغذوه سواه مما يكون فيه دونه.
قال خصمهم: إنما صار الماء لا ينعقد؛ لأنه ليس فيه قوى مستفادة مأخوذة من قوى الجواهر. والماء هو الجوهر القابل لجميع القوى. فبضرب من القوى والقبول يصير دهنا، وبضرب آخر يصير خلّا، وبضرب آخر يصير دما، وبضرب آخر يصير لبنا.
وهذه الأمور كلها إنّما اختلفت بالقوى العارضة فيها. فالجوهر المنقلب في جميع الأجرام [2] السّيّالة، إنما هو الماء. فيصير عند ضرب من القبول دهنا، وعند ضرب من القبول لبنا.
وعصير كل شيء ماؤه والقابل لقوى ما فيه. فإذا طبخت الماء صرفا، سالما على وجهه، ولا قوى فيه، لم ينعقد وانحلّ بخارا حتى يتفانى؛ وإنما ينعقد الكامن من الملابس له. فإذا صار الماء في البدن وحده ولم يكن فيه قوى لم ينعقد. وانعقاده إنما هو انعقاد ما فيه.
والماء لا يخلو من بعض القبول ولكنّ البعض لا ينعقد ما لم يكثر.
وزعم أصحاب الأعراض [3] أن الهواء سريع الاستحالة إلى الماء، وكذلك الماء إلى الهواء، للمناسبة التي بينهما من الرطوبة والرقة. وإنما هما غير سيّارين. ويدل على ذلك اجتذاب الهواء للماء وملابسته له، عند مصّ الإنسان بفيه فم الشّرابة [4] .
ولذلك سرى الماء وجرى في جوف قصب الخيزران، إذا وضعت طرفه في الماء.
__________
[2] الأجرام: الأجسام.
[3] انظر الحاشية السادسة، ص 29.
[4] الشرابة: هي التي تسميها العامة سارقة الماء، أعني الأنبوبة المعطوفة المعمولة من زجاج أو غيره.
فيوضع أحد رأسيها في الماء أو غيره من الرطوبات المائية، ويمص الرأس الآخر؛ إلى أن يصل الماء إليه وينصبّ منه، فلا يزال يسيل إلى أن ينكشف رأسه الذي في الماء. انظر مفاتيح العلوم 144، وانظر ما سيذكره الجاحظ في الصفحة 64 حيث سماها هناك «السكابة» .
(5/49)

وكذلك الهواء، فيه ظلام الليل وضياء النهار وما كان فيه من الأشباح. والحدقة لا ترى من الضياء العارض في الهواء ما تباعد منها.
1301-[ألوان الماء]
والماء يرقّ فيكون له لون، ويكون عمقه مقدارا عدلا فيكون له لون، فإن بعد غوره وأفرط عمقه رأيته أسود.
وكذلك يحكون عن الدّردور [1] .
ويزعمون أن عين حوارا ترمى بمثل الزنوج.
فتجد الماء جنسا واحدا، ثم تجد ذلك الجنس أبيض إذا قلّ عمقه، وأخضر إذا كان وسطا، وأسود إذا بعد غوره.
ويختلف منظره على قدر اختلاف إنائه وأرضه، وما يقابله. فدلّ ذلك على أنه ليس بذي لون، وإنما يعتريه في التخييل لون ما يقابله ويحيط به. ولعلّ هذه الأمور إذا تقابلت أن تصنع في العين أمورا، فيظنّ الإنسان مع قرب المجاورة والالتباس، أن هذه الألوان المختلفة إنما هي لهذا الماء الرائق الخالص، الذي لم ينقلب في نفسه، ولا عرض له ما يقلبه. وكيف يعرض له ويقلبه وعين كل واحد منهما غير عين صاحبه؟ وهو يرى الماء أسود كالبحر، متى أخذ منه أحد غرفة رآه كهيئته إذا رآه قليل العمق.
ويتشابهان أيضا لسرعة قبولهما للحر والبرد، والطّيب والنّتن؛ والفساد والصلاح.
1302-[حجة للنظام في الكمون]
قال أبو إسحاق: قال الله عزّ وجلّ عند ذكر إنعامه على عباده وامتنانه على خلقه، فذكر ما أعانهم به من الماعون: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ
[2] ، وكيف قال «شجرتها» وليس في تلك الشجرة
__________
[1] الدّردور: موضع في وسط البحر يجيش ماؤه، لا تكاد تسلم منه السفينة؛ يقال: لجّجوا فوقعوا في الدردور، والدردور: الماء الذي يدور ويخاف منه الغرق. انظر اللسان «درر» ، والسامي في الأسامي 383، وفيه «الدردور: دوامة الماء» .
[2] 71/الواقعة: 76.
(5/50)

شيء. وجوفها وجوف الطّلق [1] في ذلك سواء. وقدرة الله على أن يخلق النار عند مسّ الطّلق، كقدرته على أن يخلقها عند حكّ العود وهو، تعالى وعز، لم يرد في هذا الموضع إلا التعجيب [2] من اجتماع النار والماء.
وهل بين قولكم في ذلك وبين من زعم أن البذر الجيّد والرديء والماء العذب والملح، والسّبخة [3] والخبرة [4] الرّخوة، والزمان المخالف والموافق، سواء، وليس بينها من الفرق إلا أن الله شاء أن يخلق عند اجتماع هذه حَبًّا. وَعِنَباً وَقَضْباً.
وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا
[5] دون تلك الأضداد.
ومن قال بذلك وقاسه في جميع ما يلزم من ذلك، قال كقول الجهميّة في جميع المقالات، وصار إلى الجهالات، وقال بإنكار الطبائع والحقائق.
وقال الله عزّ وجلّ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
[6] .
ولو كان الأمر في ذلك على أن يخلقها ابتداء لم يكن بين خلقها عند أخضر الشجر وعند اليابس الهشيم فرق، ولم يكن لذكر الخضرة الدّالة على الرطوبة معنى.
وقد ذكرنا جملة من قولهم في النار. وفي ذلك بلاغ لمن أراد معرفة هذا الباب. وهو مقدار قصد، لا طويل ولا قصير.
فأما القول في نار جهنم، وفي شواظها [7] ودوامها وتسعّرها وخبوّها والقول في خلق السماء من دخان والجانّ من نار السّموم [8] ، وفي مفخر النار على الطين، وفي احتجاج إبليس بذلك- فإنا سنذكر من ذلك جملة في موضعه إن شاء الله تعالى.
1303-[حسن النار]
ونحن راجعون في القول في النار إلى مثل ما كنا ابتدأنا به القول في صدر هذا
__________
[1] الطلق: نبت تستخرج عصارته فيتطلى به الذين يدخلون في النار. «اللسان: طلق» .
[2] عجبه تعجيبا: حمله على التعجب.
[3] السبخة: أرض ذات نزّ وملح.
[4] الخبرة: منقع الماء في أصول السّدر، ومنبت السّدر في القيعان.
[5] 27- 29/عبس: 80.
[6] 80/يس: 36.
[7] شواظ النار: لهبها الذي لا دخان فيه.
[8] السموم: الريح الحارة.
(5/51)

الكلام، حتى نأتي من أصناف النيران على ما يحضرنا، إن شاء الله تعالى.
قالوا: وليس في العالم جسم صرف غير ممزوج، ومرسل غير مركب، ومطلق القوى، غير محصور ولا مقصور، أحسن من النار.
قال: والنار سماوية علوية؛ لأن النار فوق الأرض، والهواء فوق الماء، والنار فوق الهواء.
ويقولون: «شراب كأنه النار» ، و «كأن لون وجهها النار» . وإذا وصفوا بالذكاء قالوا: «ما هو إلا نار» وإذا وصفوا حمرة القرمز [1] وحمرة الذهب قالوا: «ما هو إلا نار» .
قال: وقالت هند [2] : «كنت والله في أيام شبابي أحسن من النار الموقدة!» .
وأنا أقول: لم يكن بها حاجة إلى ذكر «الموقدة» وكان قولها: «أحسن من النار» يكفيها. وكذلك اتهمت هذه الرواية.
وقال قدامة حكيم المشرق في وصف الذّهن [3] : «شعاع مركوم [4] ، ونسم معقود، ونور بصّاص [5] . وهو النار الخامدة، والكبريت الأحمر» [6] .
ومما قال العتّابي: «وجمال كل مجلس بأن يكون سقفه أحمر، وبساطه أحمر» .
وقال بشّار بن برد: [من الطويل]
هجان عليها حمرة في بياضها ... تروق بها العينين والحسن أحمر [7]
وقال أعرابيّ: [من الطويل]
هجان عليها حمرة في بياضها ... ولا لون أدنى للهجان من الحمر
__________
[1] القرمز: صبغ أرمني أحمر، يقال: إنه من عصارة دود يكون في آجامهم، فارسي معرب.
[2] هي هند بنت الخس، والخبر في ثمار القلوب 640 (828) ، والتمثيل والمحاضرة 262، ومحاضرات الأدباء 2/277، وانظر أخبارها في بلاغات النساء 80- 86، والمزهر 2/540- 545.
[3] الخبر في محاضرات الأدباء 2/277.
[4] مركوم: مجموع.
[5] بصاص: لمّاع وبرّاق.
[6] الكبريت الأحمر: يسمى حجر الفلاسفة، ويدخل في عمل الذهب عند أهل الصنعة. انظر قاموس الأطبا 1/72، واللسان والتاج (كبرت) ، ومفاتيح العلوم 150 «حجر الصنعة» . ومن الأمثال قولهم: «أعز من الكبريت الأحمر» ، والمثل في مجمع الأمثال 2/44، والمستقصى 1/245، وجمهرة الأمثال 2/33.
[7] الهجان: البيضاء، وقوله: «الحسن أحمر» من الأمثال في مجمع الأمثال 1/199، وجمهرة الأمثال 1/366، وفصل المقال 344، وأمثال ابن سلام 38، والمستقصى 1/312.
(5/52)

1304-[تعظيم الله شأن النار]
قال [1] : ومما عظم الله به شأن النار أنها تنتقم في الآخرة من جميع أعدائه.
وليس يستوجبها بشريّ من بشريّ، ولا جنيّ من جنيّ بضغينة ولا ظلم، ولا جناية ولا عدوان، ولا يستوجب النار إلا بعداوة الله عزّ وجلّ وحده، وبها يشفي صدور أوليائه من أعدائهم في الآخرة.
1305-[تعظيم الله لما أضافه إلى نفسه]
وكل شيء أضافه الله إلى نفسه فقد عظّم شأنه، وشدّد أمره. وقد فعل ذلك بالنار [2] ، فقالوا بأجمعهم: دعه في نار الله وسقره، وفي غضب الله ولعنته، وسخط الله وغضبه. هما ناره أو الوعيد بناره، كما يقال: بيت الله، وزوّار الله، وسماء الله، وعرش الله.
ثم ذكرها فامتنّ بها على أهل الأرض من وجهين [3] : أحدهما قوله عزّ وجلّ:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
[4] فجعلها من أعظم الماعون معونة، وأخفها مؤونة.
1306-[استطراد لغوي]
والماعون الأكبر: الماء والنار، ثم الكلأ والملح.
قال الشاعر في الماعون بيتا جامعا، أحسن فيه التأدية حيث قال [5] : [من البسيط]
لا تعدلنّ أتاويّين قد نزلوا ... وسط الفلاة بأصحاب المحلّات [6]
والمحلّات هي الأشياء التي إذا كانت مع المسافرين حلّوا حيث شاؤوا، وهي القدّاحة، والقربة، والمسحاة. فقال: إياك أن تعدل، إذا أردت النّزول، من معه أصناف
__________
[1] ثمار القلوب 454 (820) .
[2] ثمار القلوب (80) .
[3] ثمار القلوب 457 (823) ، فقرة «نار الشجر» .
[4] 80/يس: 36.
[5] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (حلل، أتو) ، وأساس البلاغة (حلل) . والمخصص 13/225، والمقاييس 1/52، 5/474، والبيان 3/23.
[6] الأتاوي: الغريب في غير وطنه.
(5/53)

الماعون بأتاويّين، يعني واحدا أتى من هاهنا، وآخر أتى من هاهنا. كأنهم جماعة التقوا من غير تعريف بنسب ولا بلد.
وإذا تجمعوا أفذاذا [1] لم يكمل كلّ واحد منهم خصال المحلّات.
قال أبو النجم [2] : [من الرجز]
يضعن بالفقر أتاويّات ... معترضات غير عرضيّات [3]
وقالت امرأة من الكفار، وهي تحرّض الأوس والخزرج، حين نزل فيهم النبي صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وصحبه: [من المتقارب]
أطعتم أتاويّ من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج
ولم ترد أنهما أشرف من قريش، ومن الحيّين كعب وعامر، ولكنها أرادت أن تؤلّب وتذكي العصبيّة.
وقالوا: لا تبتنى المدن إلا على الماء والكلإ والمحتطب. فدخلت النار في المحتطب؛ إذ كان كلّ عود يوري.
وأما الوجه الآخر [4] من الامتنان بها، فكقوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ
[5] ثم قال على صلة الكلام: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[6] . وليس يريد أنّ إحراق الله عزّ وجلّ العبد بالنار من آلائه ونعمائه.
ولكنه رأى [7] أن الوعيد الصادق إذا كان في غاية الزجر عما يطغيه ويرديه [8] فهو من النعم السابغة والآلاء العظام.
__________
[1] الرجز لأبي النجم في ديوانه 74، ولحميد الأرقط في اللسان (عرض، هيه، أتي) ، والتاج (عرض، صنبع، أتو) ، والتهذيب 1/459، 463، 14/351، وبلا نسبة في التاج (هيه) ، والجمهرة 1321، وشرح المفصل 4/65- 66.
[2] يضعن: من الوضع، وهو ضرب من العدو فوق الخبب. الأتاويات: الغريبات. معترضات: نشيطات لم يكسلهن السفر. عرضيات: من غير صعوبة.
[3] البيت لعصماء بنت مروان اليهودي في أنساب الأشراف 373، ولامرأة هجت الأنصار في اللسان والتاج (أتى) ، والتهذيب 2/359.
[4] ثمار القلوب 457 (824) ، فقرة «نار الشجر» .
[5] في ثمار القلوب «كقوله للثقلين» .
[6] 35/الرحمن: 55.
[7] في ثمار القلوب «أراد» .
[8] يرديه: يهلكه.
(5/54)

وكذلك نقول في خلق جهنم: إنها نعمة عظيمة، ومنّة جليلة، إذا كان زاجرا عن نفسه ناهيا، وإلى الجنة داعيا. فأما الوقوع فيها فما يشكّ أنه البلاء العظيم.
وكيف تكون النقم نعما! ولو كانت النقمة نعمة لكانت رحمة، ولكان السّخط رضا وليس يهلك على البينة إلا هالك. وقال الله عزّ وجلّ: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
[1] .
1307-[من مواعظ الحسن البصري]
وقال الحسن: «والله يا ابن آدم، ما توبقك إلا خطاياك! قد أريد بك النجاة فأبيت إلا أن توقع نفسك» !.
وشهد الحسن بعض الأمراء، وقد تعدّى إقامة الحدّ، وزاد في عدد الضرب، فكلمه في ذلك، فلما رآه لا يقبل النصح قال: أما إنك لا تضرب إلا نفسك، فإن شئت فقلّل، وإن شئت فكثّر.
وكان كثيرا ما يتلو عند ذلك: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
[2] .
1308-[عقاب الآخرة وعقاب الدنيا]
والعقاب عقابان: فعقاب آخرة، وعقاب دنيا. فجميع عقاب الدنيا بليّة من وجه، ونعمة من وجه. إذ كان يؤدّي إلى النعمة وإن كان مؤلما. فهو عن المعاصي زاجر، وإن كان داخلا في باب الامتحان والتعبّد، مع دخوله في باب العقاب والنعمة؛ إذ كان زجرا، وتنكيلا لغيره. وقد كلّفنا الصبر عليه، والرضا به، والتسليم لأمر الله فيه.
وعقاب الآخرة بلاء صرف، وخزي بحت. لأنه ليس بمخرج منه، ولا يحتمل وجهين.
1309-[معارف في النار]
وقال أبو إسحاق: الجمر في الشمس أصهب [3] ، وفي الفيء أشكل [4] ، وفي ظلّ
__________
[1] 42/الأنفال: 8.
[2] 175/البقرة: 2
[3] الأصهب: الأبيض تخالطه حمرة.
[4] الأشكل: الأسود تخالطه حمرة.
(5/55)

الأرض- الذي هو الليل- أحمر. وأيّ صوت خالطته النار فهو أشد الأصوات، كالصاعقة، والإعصار الذي يخرج من شقّ [1] البحر، وكصوت الموم [2] ، والجذوة من العود إذا كان في طرفه نار ثم غمسته في إناء فيه ماء نوى منقع.
ثم بالنار يعيش أهل الأرض من وجوه: فمن ذلك صنيع الشمس في برد الماء والأرض؛ لأنها صلاء جميع الحيوان، عند حاجتها إلى دفع عادية البرد. ثمّ سراجهم الذي يستصبحون به، والذي يميزون بضيائه بين الأمور.
وكلّ بخار يرتفع من البحار والمياه وأصول الجبال، وكل ضباب يعلو، وندى يرتفع ثم يعود بركة ممدودة على جميع النبات والحيوان- فالماء الذي يحلّه ويلطّفه، ويفتح له الأبواب، ويأخذ بضبعه [3] من قعر البحر والأرض النار المخالطة لهما من تحت، والشمس من فوق.
1310-[عيون الأرض]
وفي الأرض عيون نار، وعيون قطران، وعيون نفط وكباريت وأصناف جميع الفلزّ من الذهب والفضة والرّصاص والنّحاس. فلولا ما في بطونها من أجزاء النار لما ذاب في قعرها جامد، ولما انسبك في أضعافها شيء من الجواهر، ولما كان لمتقاربها جامع، ولمختلفها مفرّق.
1311-[قول العرب في الشمس]
قال: وتقول العرب [4] «الشمس أرحم بنا» .
وقيل لبعض العرب: أيّ يوم أنفع؟ قال: يوم شمال وشمس.
وقال بعضهم [5] لامرأته: [من الوافر]
تمنّين الطّلاق وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشّمال [6]
__________
[1] الشّق: الناحية والجانب.
[2] في اللسان «موم» : (الموم: الشمع، معرب، واحدته مومة) .
[3] الضبع: العضد كلها أو وسطها.
[4] انظر تعليق الجاحظ في 3/173، الفقرة (809) .
[5] البيت بلا نسبة في عيون الأخبار 4/125، وأخبار النساء 79، واللسان والتاج (شرق) ، والمخصص 23/9.
[6] المشرقة؛ مثلثة الراء: الموضع الذي تشرق عليه الشمس. الشمال: الريح الشمالية.
(5/56)

وقال عمر [1] : «الشمس صلاء العرب» . وقال عمر: «العربيّ كالبعير، حيثما دارت الشمس استقبلها بهامته» .
ووصف الرّاجز إبلا فقال [2] : [من الرجز]
تستقبل الشمس بجمجماتها
وقال قطران العبسيّ [3] : [من الطويل]
بمستأسد القريان حوّ تلاعه ... فنوّاره ميل إلى الشمس زاهرة [4]
1312-[نبات الخيريّ]
والخيريّ [5] ينضم ورقه بالليل، وينفتح بالنهار.
ولإسماعيل بن غزوان في هذا نادرة. وهو أن سائلا سألنا من غير أهل الكلام، فقال: ما بال ورق الخيريّ ينضم بالليل وينتشر بالنهار؟ فانبرى له إسماعيل بن غزوان فقال: لأن برد الليل وثقله، من طباعهما الضمّ والقبض والتّنويم، وحرّ شمس النهار من طباعه الإذابة، والنشر، والبسط، والخفّة، والإيقاظ. قال السائل: فيما قلت دليل، ولكنه! قال إسماعيل: وما عليك أن يكون هذا في يدك، إلى أن تصيب شيئا هو خير منه.
وكان إسماعيل أحمر حليما، وكذلك كان الحراميّ. وكنت أظن بالحمر الألوان التسرع والحدّة، فوجدت الحلم فيهم أعمّ. وكنت أظن بالسمان الخدال [6] العظام أنّ الفالج إليهم أسرع، فوجدته في الذين يخالفون هذه الصّفة أعمّ.
__________
[1] ثمار القلوب (279) .
[2] الرجز لعمر بن لجأ في ديوانه 154، والأصمعيات 35، والرواية فيهما: «واتقت الشمس بجمجماتها» ، وبلا نسبة في ثمار القلوب (279) .
[3] البيت للحطيئة في ديوانه 20، والأغاني 2/155 وبلا نسبة في المخصص 10/219.
[4] في ديوانه: «استأسد النبت: طال وأتم. القريان: مجاري الماء إلى الرياض، وأحدها قريّ. الحوّ:
التي قد اشتدت خضرتها حتى ضربت إلى السواد. التلاع: مسيل الماء إلى الوادي، واحدها تلعة.
النوّار: الزهر. زاهره: ما زهر منه» .
[5] الخيري: جنس زهر من الفصيلة الصليبية. يعرف بالعربية باسم «المنثور» ، وهو نوع ينبت بريا ويتبقلونه لوجود عقد نشوية في جذورها؛ طمعها يشبه طعم الكستناء. انظر معجم الألفاظ الزراعية 307.
[6] الخدال: جمع خدل، وهو الممتلئ الأعضاء لحما في رقة عظام.
(5/57)

1313-[أثر الجوّ في الأبدان]
وقال إياس بن معاوية: «صحّة الأبدان مع الشمس» . ذهب إلى أهل العمد والوبر.
وقال مثنّى بن بشير: «الحركة خير من الظل والسّكون» .
وقد رأينا لمن مدح خلاف ذلك كلاما، وهو قليل.
وقيل لابنة الخسّ: أيّما أشدّ: الشتاء أم الصيف؟ قالت: ومن يجعل الأذى كالزمانة [1] ؟!.
وقال أعرابيّ: لا تسبّوا الشّمال فإنها تضع أنف الأفعى، وترفع أنف الرّفقة.
وقال خاقان بن صبيح، وذكر نبل الشتاء وفضله على نبل الصيف فقال:
«تغيب فيه الهوام، وتنجحر [2] فيه الحشرات، وتظهر الفرشة والبزّة [3] ، ويكثر فيه الدّجن [4] ؛ وتطيب فيه خمرة [5] البيت، ويموت فيه الذّبان والبعوض، ويبرد الماء، ويسخن الجوف، ويطيب فيه العناق» .
وإذا ذكرت العرب برد الماء وسخونة الجوف قالت [6] : «حرّة تحت قرّة» .
ويجود فيه الاستمراء؛ لطول الليل، ولتفصّي الحرّ [7] .
وقال بعضهم: لا تسرّنّ بكثرة الإخوان، ما لم يكونوا أخيارا؛ فإن الإخوان غير الخيار بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها بوار [8] .
__________
[1] الزّمانة: العاهة والآفة. والخبر في البيان 1/313، وفيه «من جعل بؤسا كأذى» ، وانظر أخبارها في بلاغات النساء 80- 86، والمزهر 2/540- 545.
[2] تنجحر: تدخل في الجحر.
[3] البزة: الهيئة والشارة واللبس.
[4] الدجن: ظل الغيم في اليوم المطير.
[5] الخمرة؛ مثلثة الراء: الرائحة الطيبة.
[6] مجمع الأمثال 1/197، وجمهرة الأمثال 1/341، 355، وهو مثل يضرب للذي يظهر خلاف ما يضمر.
[7] تفصي الحر: ذهابه وخروجه.
[8] البوار: الهلاك.
(5/58)

1314-[نار الزحفتين]
قال [1] : ومن النيران «نار الزّحفتين» ، وهي نار أبي سريع، وأبو سريع هو العرفج [2] .
وقال قتيبة بن مسلم، لعمر بن عبّاد بن حصين: والله للسّؤدد أسرع إليك من النار في يبيس العرفج [2] !.
وإنما قيل لنار العرفج: نار الزحفتين؛ لأن العرفج [2] إذا التهبت فيه النار أسرعت فيه وعظمت، وشاعت واستفاضت، في أسرع من كل شيء. فمن كان في قربها [3] يزحف عنها، ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها، في مثل تلك السرعة؛ فيحتاج الذي يزحف عنها أن يزحف إليها من ساعته؛ فلا تزال للمصطلي كذلك، ولا يزال المصطلي بها كذلك. فمن أجل ذلك قيل: «نار الزّحفتين» .
قال [4] : وقيل لبعض الأعراب: ما بال نسائكم رسحا [5] ؟ قال: أرسحهنّ عرفج الهلباء [6] .
1315-[شرط الراعي على المسترعي]
وهذا شرط الراعي فيما بينه وبين من استرعاه ماشيته في القارّ والحارّ [7] ، وذلك أن شرطهم عليه أن يقول المسترعي للراعي [8] : «إن عليك أن تردّ ضالّتها، وتهنأ جرباها [9] ، وتلوط [10] حوضها. ويدك مبسوطة في الرّسل [11] ما لم تنهك حلبا، أو تضرّ بنسل» .
__________
[1] الخبر في ثمار القلوب 197 (393- 394) ، 462 (831) ، وانظر مجالس ثعلب 146، والنبات لابن حنيفة، ومطلع الفوائد 42.
[2] العرفج: ضرب من النبت، واحدته عرفجة، وهو نبات طيب الريح أغبر إلى الخضرة، وله زهرة صفراء وليس له حب ولا شوك. وهو سريع الاشتعال بالنار، ولهبه شديد الحمرة. «اللسان: عرفج» .
[3] في ثمار القلوب «فمن كان قريبا منها» .
[4] مجالس ثعلب 146، والمخصص 11/37، واللسان (رسح) .
[5] الرسحاء: القليلة لحم العجز والفخذين.
[6] الهلباء: موضع بين اليمامة ومكة.
[7] القار والحار: أي البارد والساخن.
[8] انظر البيان 3/57، واللسان «ثمن» .
[9] يهنأ الجربى. يعالجها بالهناء، وهو ضرب من القطران، يطليها به.
[10] لاط الحوض بالطين: طيّنه.
[11] الرسل: اللبن.
(5/59)

قال: فيقول عند ذلك الراعي لرب الماشية، بعد هذا الشرط: «ليس لك أن تذكر أمّي بخير ولا شرّ ولك حذفة [1] بالعصا عند غضبك، أخطأت أو أصبت، ولي مقعدي من النار وموضع يدي من الحارّ [والقارّ] [2] »
1316-[شبه ما بين النار والإنسان]
قال: ووصف بعض الأوائل شبه ما بين النار والإنسان، فجعل ذلك قرابة ومشاكلة، قال: وليس بين الأرض وبين الإنسان، ولا بين الإنسان، والماء، ولا بين الهواء والإنسان، مثل قرابة ما بينه وبين النار؛ لأن الأرض إنما هي أمّ للنبات، [وليس للماء] [3] إلا أنه مركب. وهو لا يغذو؛ إلّا ما يعقده الطبخ وليس للهواء فيه إلا النسيم والمتقلّب. وهذه الأمور وإن كانت زائدة، وكانت النفوس تتلف مع فقد بعضها، فطريق المشاكلة والقرابة غير طريق إدخال المرفق وجرّ المنفعة، ودفع المضرّة.
قال: وإنما قضيت لها بالقرابة، لأني وجدت الإنسان يحيا ويعيش في حيث تحيا النار وتعيش، وتموت وتتلف حيث يموت الإنسان ويتلف.
وقد تدخل نار في بعض المطامير [4] والجباب [5] ، والمغارات، والمعادن [6] ، فتجدها متى ماتت هناك علمنا أن الإنسان متى صار في ذلك الموضع مات. ولذلك لا يدخلها أحد ما دامت النار إذا صارت فيها ماتت. ولذلك يعمد أصحاب المعادن والحفاير إذا هجموا على فتق في بطن الإرض أو مغارة في أعماقها أو أضعافها، قدّموا شمعة في طرفها أو في رأسها نار، فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب الجواهر من الذهب وغير ذلك. وإلا لم يتعرّضوا له. وإنما يكون دخولهم بحياة النار، وامتناعهم بموت النار.
وكذلك إذا وقعوا على رأس الجبّ الذي فيه الطعام، لم يجسروا على النزول
__________
[1] الحذفة: الرمية عن جانب.
[2] زيادة من البيان واللسان.
[3] زيادة يقتضيها المعنى.
[4] المطامير: حفر تحفر في الأرض، توسّع أسافلها، تخبأ فيها الحبوب.
[5] الجباب: جمع جب، وهو البئر البعيدة القعر، الكثيرة الماء.
[6] المعادن: جمع معدن، وهو موضع تستخرج منه جواهر الأرض.
(5/60)

فيه، حتى يرسلوا في ذلك الجبّ قنديلا فيه مصباح أو شيئا يقوم مقام القنديل، فإن مات لم يتعرّضوا له، وحرّكوا في جوفه أكسية [1] وغيرها من أجزاء الهواء.
قال: وممّا يشبّه النار فيه بالإنسان، أنك ترى للمصباح قبل انطفائه ونفاد دهنه، اضطراما وضياء ساطعا، وشعاعا طائرا، وحركة سريعة وتنقضا [2] شديدا، وصوتا متداركا. فعندها يخمد المصباح.
وكذلك الإنسان، له قبل حال الموت، ودوين انقضاء مدّته بأقرب الحالات، حال مطمعة تزيد في القوة على حاله قبل ذلك أضعافا، وهي التي يسمونها «راحة الموت» ، وليس له بعد تلك الحال لبث.
1317-[قول رئيس المتكلّمين في النفس]
وكان رئيس من المتكلمين، وأحد الجلّة المتقدمين، يقول في النفس قولا بليغا عجيبا، لولا شنعته لأظهرت اسمه، وكان يقول: الهواء اسم لكل فتق، وكذلك الحيّز [3] . والفتق لا يكون إلا بين الأجرام الغلاظ، وإلا فإنما هو الذي يسميه أصحاب الفلك «اللّجّ» . وإذا هم سألوهم عن خضرة الماء قالوا: هذا لجّ الهواء، وقالوا: لولا أنك في ذلك المكان لرأيت في اللّجّ الذي فوق ذلك مثل هذه الخضرة. وليس شيء إلا وهو أرق من كتيفه أو من الأجرام الحاصرة له. وهو اسم لكل متحرّك ومتقلّب لكل شيء فيه من الأجرام المركبة. ولا يستقيم أن يكون من جنس النسيم، حتى يكون محصورا، إما بحصر كتيفي كالسفينة لما فيها من الهواء الذي به حملت مثل وزن جرمها الأضعاف الكثيرة، وإما أن يكون محصورا في شيء كهيئة البيضة المشتملة على ما فيها، كالذي يقولون في الفلك الذي هو عندنا: سماء.
قال: وللنسيم الذي هو فيه معنى آخر، وهو الذي يجعله بعض الناس ترويحا عن النفس، يعطيها البرد والرّقّة والطّيب، ويدفع النّفس، ويخرج إليه البخار والغلظ، والحرارات الفاضلة [4] ، وكلّ ما لا تقوى النّفس على نفيه واطّراده.
__________
[1] أكسية: جمع كساء.
[2] التنقض: صوت الفتيلة إذا قاربت الانطفاء.
[3] الحيز: عند المتكلمين هو الفراغ المتوهّم الذي يشغله شيء ممتد كالجسم،؛ أو غير ممتد كالجوهر الفرد، انظر التعريفات للجرجاني 99.
[4] الفاضلة: الزائدة.
(5/61)

قال: وليس الأمر كذلك. بل أزعم أنّ النفس من جنس النسيم وهذه النفس القائمة في الهواء المحصور، عرض لهذه النفس المتفرّقة في أجرام جميع الحيوان، وهذه الأجزاء التي في هذه الأبدان، هي من النسيم في موضع الشعاع والأكثاف، والفروع التي تكون من الأصول.
قال: وضياء النفس كضياء دخل من كوّة [1] فلما سدّت الكوّة انقطع بالطّفرة إلى عنصره من قرص الشمس وشعاعها المشرق فيها، ولم يقم في البيت مع خلاف شكله من الجروم [2] . ومتى عمّ السّدّ لم تقم النفس في الجرم فوق لا.
وحكم النفس عند السّدّ- إذ كنا لا نجدها بعد ذلك- كحكم الضياء بعد السدّ، إذ كنا لا نجده بعد ذلك.
فالنفس من جنس النسيم، وبفساده تفسد الأبدان، وبصلاحه تصلح. وكان يعتمد على أن الهواء نفسه هو النفس والنسيم، وأن الحرّ واللدونة وغير ذلك من الخلاف، إنما هو من الفساد العارض.
قيل له: فقد يفسد الماء فتفسد الأجرام من الحيوان بفساده، ويصلح فتصلح بصلاحه، وتمنع الماء وهي تنازع إليه فلا تحلّ [3] بعد المنازعة إذا تمّ المنع، وتوصل بجرم الماء فتقيم في مكانها. فلعل النفس عند بطلانها في جسمها قد انقطعت إلى عنصر الماء بالطّفرة.
وبعد فما علّمك؟ لعلّ الخنق هيّج على النفس أضدادا لها كثيرة، غمرتها حتى غرقت فيها، وصارت مغمورة بها.
وكان هذا الرئيس يقول: لولا أن تحت كلّ شعرة وزغبة مجرى نفس لكان المخنوق يموت مع أوّل حالات الخنق، ولكن النفس قد كان لها اتصال بالنسيم من تلك المجاري على قدر [من] [4] الأقدار، فكان نوطها [5] جوف الإنسان. فالرّيح والبخار لمّا طلب المنفذ فلم يجده، دار وكثف وقوي؛ فامتدّ له الجلد فسدّ له
__________
[1] الكوة: خرق في الحائط.
[2] الجروم: جمع جرم، وهو الجسد والجسم.
[3] تحل: تقيم.
[4] زيادة يقتضيها المعنى.
[5] نوطها: متعلقها.
(5/62)

المجاري. فعند ذلك ينقطع النفس. ولولا اعتصامها بهذا السبب لقد كانت انقطعت إلى أصلها من القرص، مع أول حالات الخنق.
وكان يقول: إن لم تكن النفس غمرت بما هيّج عليها من الآفات، ولم تنقطع للطّفر إلى أصلها جاز أن يكون الضياء الساقط على أرض البيت عند سدّ الكوّة أن يكون لم ينقطع إلى أصله. ولكن السدّ هيّج عليه من الظلام القائم في الهواء ما غمره، وقطعه عن أصله. ولا فرق بين هذين.
وكان يعظّم شأن الهواء، ويخبر عن إحاطته بالأمور ودخوله فيها، وتفضّل قوّته عليها.
وكان يزعم أن الذي في الزّقّ [1] من الهواء، لو لم يكن له مجار ومنافس، ومنع من كل وجهة- لأقلّ الجمل الضخم.
وكان يقول: وما ظنّك بالرّطل من الحديد أو بالزّبرة [2] منه، أنه متى أرسل في الماء خرقه، كما يخرق الهواء! قال: والحديد يسرع إلى الأرض إذا أرسلته في الهواء، بطبعه وقوّته، ولطلبه الأرض المشاكلة له، ودفع الهواء له، وتبرّيه منه، ونفيه له بالمضادة، واطّراده له بالعداوة.
قال: ثمّ تأخذ تلك الزّبرة [2] فتبسطها بالمطارق، فتنزل نزولا دون ذلك؛ لأنها كلما اجتمعت فكان الذي يلاقيها من الماء أصغر جرما، كانت أقوى عليه.
ومتى ما أشخصت [3] هذه الزّبرة [2] المفطوحة المبسوطة المسطوحة، بنتق [4] الحيطان في مقدار غلظ الإصبع، حمل مثل زنته المرار الكثيرة وليس إلا لما حصرت تلك الإصبع من الهواء. وكلما كان نتوّ الحيطان أرفع كان للأثقال أحمل، وكان الهواء أشدّ انحصارا.
قال: ولولا أن ذلك الهواء المحصور متّصل بالهواء المحصور في جرم الحديد، وفي جرم الخشب والقار، فرفع بذلك الاتصال السفينة علوّا- لما كان يبلغ من حصر ارتفاع إصبع للهواء ما يحمله البغل.
__________
[1] الزق: وعاء من الجلد ينقل فيه الخمر.
[2] الزبرة: القطعة من الحديد.
[3] أشخصت: رفعت.
[4] النتق: الرفع.
(5/63)

ويدلّ على ذلك شأن السكّابة [1] ؛ فإنّك تضع رأس السكّابة الذي يلي الماء في الماء، ثم تمصه من الطرف الآخر، فلو كان الهواء المحصور في تلك الأنبوبة إنما هو مجاور لوجه الماء، ولم يكن متصلا بما لابس جرم الماء من الهواء، ثم مصصته بأضعاف ذلك الجذب إلى ما لا يتناهى لما ارتفع إليك من الماء شيء رأسا.
وكان يقول في السّبيكة التي تطيل عليها الإيقاد، كيف لا تتلوّى، فما هو إلا أن ينفخ عليها بالكير [2] حتى تدخل النيران في تلك المداخل، وتعاونها الأجزاء التي فيها من الهواء.
وبمثل ذلك قام الماء في جوف كوز المسقاة المنكس. ولعلمهم بصنيع الهواء إذا احتصر وإذا حصر، جعلوا سمك [3] الصّينية مثل طولها. أعني المركب الصّينيّ.
وكان يخبر عن صنيع الهواء بأعاجيب.
وكان يزعم [4] أنّ الرّجل إذا ضربت عنقه سقط على وجهه، فإذا انتفخ انتفخ غرموله وقام وعظم. فقلبه عند ذلك على القفا. فإذا جاءت الضّبع لتأكله فرأته على تلك الحال، ورأت غرموله على تلك الهيئة، استدخلته وقضت وطرها من تلك الجهة، ثم أكلت الرّجل، بعد أن يقوم ذلك عندها أكثر من سفاد الذّيخ.
والذّيخ: ذكر الضّباع العرقاء [5] .
وذكر بعض الأعراب أنه عاينها عند ذلك، وعند سفاد الضّبع لها، فوجد لها عند تلك الحال حركة وصياحا، لم يجده عندها في وقت سفاد الذّيخ لها.
ولذلك قال أبو إسحاق لإسماعيل بن غزوان: «أشهد بالله إنك لضبع» . لأن إسماعيل شدّ جارية له على سلّم وحلف ليضربنّها مائة سوط دون الإزار- ليلتزق جلد السّوط بجلدها، فيكون أوجع لها- فلما كشف عنها رطبة بضّة خدلة [6] ، وقع عليها، فلما قضى حاجته منها وفرغ، ضربها مائة سوط. فعند ذلك قال أبو إسحاق ما قال.
__________
[1] انظر الصفحة 49، حيث سماها هناك «الشرابة» .
[2] الكير: الزق الذي ينفخ فيه الحداد.
[3] السّمك: الارتفاع.
[4] هو اليقطري؛ كما سيأتي في 6/450.
[5] العرفاء: الكثيرة شعر الرقبة.
[6] الخدلة: الممتلئة الأعضاء لحما في رقة عظام.
(5/64)

1318-[أحوال الغرقى]
[1] وإذا غرقت المرأة رسبت. فإذا انتفخت وصارت في بطنها ريح وصارت في معنى الزقّ، طفا بدنها وارتفع، إلا أنها تكون منكبّة، ويكون الرّجل مستلقيا.
وإذا ضربت عنق الرّجل وألقي في الماء لم يرسب، وقام في جوف الماء وانتصب، ولم يغرق، ولم يلزم القعر، ولم يظهر. كذلك يكون إذا كان مضروب العنق، كان الماء جاريا أو كان ساكنا. حتى إذا خفّ وصار فيه الهواء، وصار كالزّقّ المنفوخ، انقلب وظهر بدنه كله، وصار مستلقيا، كان الماء جاريا أو كان قائما.
فوقوفه وهو مضروب العنق، شبيه بالذي عليه طباع العقرب التي فيها الحياة، إذا ألقيتها في ماء غمر [2] ، لم تطف ولم ترسب، وبقيت في وسط عمق الماء، لا يتحرّك منها شيء.
والعقرب من الحيوان الذي لا يسبح. فأما الحيّة فإنها تكون جيّدة السباحة، إذا كانت من اللواتي تنساب وتزحف. فأمّا أجناس الأفاعي التي تسير على جنب فليس عندها في السباحة طائل.
والسّباحة المنعوتة، إنما هي للإوزّة والبقرة والكلب. فأمّا السمكة فهي الأصل في السباحة، وهي المثل، وإليها جميع النسبة.
والمضروب العنق يكون في عمق الماء قائما. والعقرب يكون على خلاف ذلك.
[رجع إلى ذكر النار]
1319-[مناغاة الطفل للمصباح]
ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر النار.
قال: والنار من الخصال المحمودة أنّ الطفل لا يناغي شيئا كما يناغي المصباح. وتلك المناغاة نافعة له في تحريك النفس، وتهييج الهمة، والبعث على الخواطر، وفتق اللهاة، وتسديد [3] اللسان، وفي السرور الذي له في النفس أكرم أثر.
__________
[1] ورد الخبر في عيون الأخبار 2/63.
[2] الغمر: الماء الكثير.
[3] تسديد اللسان: تقويمه.
(5/65)

1320-[قول الأديان في النار]
قال: وكانت النار معظّمة عند بني إسرائيل، حيث جعلها الله تعالى تأكل القربان، وتدل على إخلاص المتقرّب، وفساد نية المدغل [1] ، وحيث قال الله لهم [2] : «لا تطفئوا النّار من بيوتي» . ولذلك لا تجد الكنائس والبيع أبدا إلا وفيها المصابيح تزهر [3] ، ليلا ونهارا، حتى نسخ الإسلام ذلك وأمرنا بإطفاء النيران، إلا بقدر الحاجة.
فذكر ابن جريح قال: أخبرني أبو الزّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول:
أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال [4] : «إذا رقدت فأغلق بابك، وخمّر [5] إناءك، وأوك سقاءك [6] ، وأطفئ مصباحك، فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يكشف إناء، ولا يحلّ وكاء. وإن الفأرة الفويسقة تحرق أهل البيت» .
وفطر بن خليفة عن أبي الزبير؛ عن جابر بن عبد الله، قال [7] : قال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أغلقوا أبوابكم، وأوكوا أسقيتكم وخمّروا آنيتكم، وأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحلّ وكاء، ولا يكشف غطاء. وإن
__________
[1] المدغل الذي يدخل في أمره ما يفسده.
[2] تقدم هذا القول في 4/498، س 14- 15.
[3] تزهر: تتلألأ.
[4] أخرج البخاري في بدء الخلق، حديث رقم 3106: (حدثنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء، عن جابر رضي الله عنه، عن النبى قال: إذا استجنح الليل، أو: كان جنح الليل، فكفّوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلّوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمّر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيئا) ، وانظر صحيح مسلم؛ في الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، رقم:
2012، وأخرج البخاري في بدء الخلق، حديث رقم 3138: (عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما رفعه قال: خمّروا الآنية، وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، واكفتوا صبيانكم عند العشاء، فإنّ للجنّ انتشارا وخطفة، وأطفؤوا المصابيح عند الرّقاد، فإنّ الفويسقة ربما اجترّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت) .
[5] خمّر: من التخمير؛ وهو التغطية.
[6] أوك: من الإيكاء وهو الشد، والوكاء اسم ما يشدّ به فم القربة ونحوها. والسقاء: ما يوضع فيه الماء أو اللبن ونحو ذلك.
[7] انظر صحيح البخاري في بدء الخلق، حديث رقم 3128، وفي الأشربة، حديث رقم 5300، 5301، وفي الاستئذان، حديث رقم 5937، 5938، ومسند أحمد 3/301، 388.
(5/66)

الفويسقة تضرّم البيت على أهله. وكفّوا مواشيكم وأهليكم حين تغرب الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء» .
قال: ويدل على أنه صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر بحفظها إلا بقدر الحاجة إليها، ويأمر بإطفائها إلا عند الاستغناء عنها- ما حدّث به عباد بن كثير قال: حدّثني الحسن بن ذكوان عن شهر بن حوشب قال [1] : «أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تحبسوا صبيانكم عند فحمة العشاء، وأن تطفئوا المصابيح، وأن توكئوا الأسقية، وأن تخمّروا الآنية، وأن تغلّقوا الأبواب» . قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله إنه لا بدّ لنا من المصابيح، للمرأة النّفساء، وللمريض، وللحاجة تكون. قال: فلا بأس إذا، فإن المصباح مطردة للشيطان، مذبّة للهوام [2] ، مدلّة [3] على اللصوص.
1321-[نار الغول]
قال: ونار أخرى، وهي التي تذكر الأعراب أن الغول توقدها بالليل، للعبث والتخليل، وإضلال السابلة.
قال أبو المطراب عبيد بن أيوب العنبريّ [4] : [من الطويل]
فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تبوخ وتزهر
1322-[جمرات العرب]
قال: وجمرات العرب: عبس، وضبّة، ونمير [5] . يقال لكلّ واحد منهم: جمرة [6] .
__________
[1] انظر الحاشية السابقة.
[2] الذّبّ: الطرد. الهوام: الحيات وكل ذي سم يقتل سمه. انظر اللسان: «همم» .
[3] مدلّة: يدلّ.
[4] تقدم البيتان في 4/500، وهما في اللسان والتاج (لحن) ، والتهذيب 4/63، والشعر والشعراء 493 (ليدن) .
[5] اختلف العلماء في تعيين جمرات العرب، ففي ثمار القلوب 126 (277) : «بنو ضبة، وبنو الحارث بن كعب، وبنو نمير بن عامر وبنو عبس بن بغيض، وبنو يربوع بن حنظلة» ، وفي النقائض 2/946، وزهر الآداب 55، «بنو ضبة وبنو الحارث وبنو نمير» ، وفي العمدة 2/197: «ضبة وعبس والحارث بن كعب» ، وانظر السمط 424، والمحبر 234، والأوائل للعسكري 2/190، واللسان (جمر) ، والشريشي 1/298، والعقد 2/233، والكامل 2/233، (أبو الفضل إبراهيم) .
1/377 (المعارف) . وقول الجاحظ نقله صاحب اللسان في مادة (جمر) 4/145.
[6] الجمرة: كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم، لا يحالفون أحدا، ولا ينضمون إلى أحد، تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لمقارعة القبائل كما صبرت عبس لقيس كلها. ثمار القلوب 126 (277) ، واللسان (جمر) . وانظر سبب التسمية في العمدة 2/197- 198.
(5/67)

وقد ذكر أبو حيّة النّميري قومه خاصّة فقال [1] : [من الطويل]
وهم جمرة لا يصطلي الناس نارهم ... توقّد لا تطفا لريب النّوائب
ويروى: الدوابر [2] .
ثم ذكر هذه القبائل فعمّهم بذلك، لأنها كلّها مضريّة، فقال [3] : [من الطويل]
لنا جمرات ليس للناس مثلها ... ثلاث فقد جرّبن كلّ التّجارب
نمير وعبس تتّقى صقراتها ... وضبّة قوم بأسهم غير كاذب
يعني شدّتها [4] .
إلى كلّ قوم قد دلفنا بجمرة ... لها عارض [5] جون قويّ المناكب
وعلى ذلك المعنى قيل: «قد سقطت الجمرة» ، إذا كان في استقبال زمان الدّفاء [6] . ويقولون: قد سقطت الجمرة الأولى، والثانية، والثالثة [7] .
1323-[استطراد لغوي]
والجمار: الحصى الذي يرمى به. والرّمي: التجمير، قال الشاعر [8] : [من الطويل]
ولم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحجّ أفتنّ ذا هوى
__________
[1] ديوان أبي حية النميري 119.
[2] هذه الرواية في تهذيب اللغة 11/75.
[3] البيتان الأول والثاني في ديوان أبي حية النميري 119، واللسان والتاج (جمر) ، والتهذيب 11/75، ولم يرد البيت الثالث في ديوانه.
[4] شدتها؛ تفسير لكلمة «صقراتها» في البيت السابق.
[5] العارض: السحاب المعترض في الأفق والجبل. الجون: الأسود والأبيض.
[6] الدفاء: مصدر دفئت من البرد.
[7] يكون سقوط الجمرات في شهر شباط ولسبع منه تسقط الجمرة الأولى وهي الجبهة، والأربع عشرة منه تسقط الجمرة الثانية، وهي الزّبرة، ولإحدى وعشرين منه تسقط الجمرة الثالثة وهي الصّرفة فينصرف البرد. انظر مروج الذهب 2/340- 341، الباب (56) ، في ذكر شهور السريانيين، والأزمنة والأمكنة 1/276، وعجائب المخلوقات 56 «فصل: في شهور الروم» .
[8] البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 459، والأغاني 2/270، 272، 277، والكامل 1/376 (المعارف) ، والموشح 203.
(5/68)

والتجمير أيضا: أن يرمى بالجند في ثغر [1] من الثّغور، ثم لا يؤذن لهم في الرجوع.
وقال حميد الأرقط: [من الرجز]
فاليوم لا ظلم ولا تتبير ... ولا لغاز إن غزا تجمير [2]
وقال بعض من جمّر من الشعراء في بعض الأجناد [3] : [من الطويل]
معاوي إمّا أن تجهّز أهلنا ... إلينا، وإما أن نؤوب معاويا
أجمّرتنا تجمير كسرى جنوده ... ومنّيتنا حتى مللنا الأمانيا
وقال الجعديّ [4] : [من الخفيف]
كالخلايا أنشأن من أهل سابا ... ط بجند مجمّر بأوال
ويقال قد أجمر الرجل: إذا أسرع أو أعجل مركبه.
وقال لبيد [5] : [من الرمل]
وإذا حرّكت غرزي أجمرت ... أو قرابي، عدو جون قد أبل [6]
وقال الراجز: [من الرجز]
أجمر إجمارا له تطميم
التّطميم: الارتفاع والعلوّ. ويقال: أجمر ثوبه، إذا دخّنه [7] .
والمجمرة والمجمر: الذي يكون فيه الدّخنة. وهو مأخوذ من الجمر.
__________
[1] الثغر: الموضع الذي يكون حدّا فاصلا بين المسلمين والكفار.
[2] التتبير: الإهلاك.
[3] البيتان لسهم بن حنظلة في أساس البلاغة (جمر) ، والبيت الثاني بلا نسبة في اللسان والتاج (جمر) ، والتهذيب 11/74.
[4] ديوان النابغة الجعدي 232.
[5] ديوان لبيد 176، واللسان والتاج (جمر، غرز، أبل) ، والعين 6/122، 8/342، والمقاييس 1/41، والتهذيب 8/46.
[6] في ديوانه: «أجمر الرجل والبعير: أسرع وعدا. والغرز للناقة مثل الركاب للفرس والبغل فهو ركاب الرحل. أبل: جزأ عن الماء بالرطب» .
[7] في اللسان: «أجمرت الثوب وجمّرته: إذا بخرته بالطيب» .
(5/69)

ويقال: قد جمّرت المرأة شعرها إذا ضفرته. والضّفر يقال له الجمير [1] . قال:
ويسمى الهلال قبل ليلة السّرار [2] بليلة: «ابن جمير» قال أبو حردبة [3] : [من الكامل]
فهل الإله يشيّعني بفوارس ... لبني أميّة في سرار جمير
وأنشدني الأصمعيّ: [من الرجز]
مضفورها يطوى على جميرها
ويقال: قد تجمّر القوم، إذا هم اجتمعوا حتى يصير لهم بأس، ويكونوا كالنار على أعدائهم فكأنهم جمرة، أو كأنهم جمير من شعر مضفور، أو حبل مرصّع القوى [4] .
وبه سمّيت تلك القبائل والبطون من تميم: الجمار [5] .
والمجمّر مشدّد الميم: حيث يقع حصى الجمار. وقال الهذلي [6] : [من الطويل]
لأدركهم شعث النّواصي كأنهم ... سوابق حجّاج توافي المجمّرا
ويقال خفّ مجمّر: إذا كان مجتمعا شديدا.
ويقال: عدّ فلان إبله أو خيله أو رجاله جمارا [7] : إذا كان ذلك جملة واحدة.
وقال الأعشى [8] : [من المتقارب]
فمن مبلغ وائلا قومنا ... وأعني بذلك بكرا جمارا
قال: ويقال في النار وما يسقط من الزّند: السّقط، والسّقط، والسّقط. ويقال:
هذا مسقط الرمل، أي منقطع الرمل، ويقال: أتانا مسقط النّجم، إذا جاء حين غاب.
__________
[1] الجمير: ما جمّر من الشعر، أي ضفر.
[2] ليلة السرار: آخر ليلة من الشهر، وفيها يختفي القمر.
[3] البيت لأبي حردبة في أشعار اللصوص 134.
[4] حبل مرصع: معقود عقدا مثلثا متداخلا. القوى: طاقات الحبل.
[5] انظر ما تقدم في الحاشية 5 صفحة 67.
[6] البيت لحذيفة بن أنس الهذلي في شرح أشعار الهذليين 557، واللسان والتاج (جمر) .
[7] جمارا: جماعة.
[8] ديوان الأعشى 99، واللسان والتاج (جمر) .
(5/70)

ويقال رفع الطائر سقطيه [1] . وقال الشاعر [2] : [من البسيط]
حتى إذا ما أضاء الصّبح وانبعثت ... عنه نعامة ذي سقطين معتكر [3]
أراد ناحيتي الليل.
ويقال: شبّت النار والحرب تشبّ شبّا، وشببتها أنا أشبّها شبّا، وهو رجل شبوب للحرب.
ويقال: حسب ثاقب، أي مضيء متوقد. وكذلك يقال في العلم. ويقال: هب لي ثقوبا، وهو ما أثقبت [4] به النار، من عطبة [5] أو من غيرها. ويقال: أثقب النار إذا فتح عينها لتشتعل. وهو الثّقوب، ويقال: ثقب الزند ثقوبا، إذا ظهرت ناره. وكذلك النار. والزند الثاقب الذي إذا قدح ظهرت النار منه.
ويقال: ذكت النار تذكو ذكوّا، إذا اشتعلت. ويقال ذكّها إذا أريد اشتعالها.
وذكاء اسم للشمس، مضموم الذال المعجمة، وابن ذكاء: الصبح، ممدود مضموم الذال. وقال العجّاج [6] : [من الرجز]
وابن ذكاء كامن في كفر
وقال ثعلبة بن صعير المازني [7] . وذكر ظليما ونعامة: [من الكامل]
__________
[1] السقطان: الجناحان.
[2] البيت للراعي النميري 129، واللسان والتاج وأساس البلاغة (سقط) ، والتهذيب 8/391، وبلا نسبة في المجمل 3/79.
[3] النعامة؛ هنا: سواد الليل. السقطين: أوله وآخره. المعتكر: الذي اشتد سواده واختلط.
[4] أثقبت النار: أشعلتها.
[5] العطبة: القطن؛ أو خرق تؤخذ بها النار.
[6] لم يرد الرجز في ديوان العجاج، وهو لحميد الأرقط في المرصع 179، ولحميد (؟) في اللسان (كفر) ، والتاج (كفر، ذكا) ، وبلا نسبة في اللسان (ذكا) ، والمقاييس 1/303، وديوان الأدب 1/111، والتهذيب 10/338، والمخصص 6/78، 9/19، 13/207، 16/36، وثمار القلوب 210 (418) ، وعمدة الحفاظ 2/45 (ذكو) .
[7] البيت لثعلبة بن صعير المازني في المفضليات 130، واللسان (رثد، كفر، ثقل، يمن، ذكا، يدي) ، والتاج (رثد، كفر، ثقل، يمن، ذكا) ، وأساس البلاغة (ثقل) ، والتهذيب 9/78، 10/197، 338، 14/89، والجمهرة 419، 787، 1064، 1322، والمخصص 6/78، 2/487، 5/191، والعين 5/400، وعمدة الحفاظ 2/45 (ذكو) .
(5/71)

فتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر [1]
وأما الذكاء مفتوح الذال ممدود فحدّة الفؤاد، وسرعة اللّقن [2] .
وقالوا: أضرمت النار حتى اضطرمت وألهبتها حتى التهبت، وهما واحد.
والضّرام من الحطب: ما ضعف منه ولان. والجزل: ما غلظ واشتدّ. فالرّمث [3] وما فوقه جزل [4] . والعرفج [5] وما دونه ضرام [6] . والقصب وكل شيء ليس له جمر فهو ضرام. وكل ماله جمر فهو جزل.
ويقال: ما فيها نافخ ضرمة، أي ما فيها أحد ينفخ نارا.
ويقال: صليت الشاة فأنا أصليها صليا إذا شويتها، فهي مصليّة. ويقال: صلي الرجل النار يصلاها، وأصلاه الله حرّ النار إصلاء. وتقول: هو صال حرّ النار، في قوم صالين وصلّى.
ويقال: همدت النار تهمد همودا، وطفئت تطفأ طفوءا، إذا ماتت. وخمدت تخمد خمودا، إذا سكن لهبها وبقي جمرا حارّا.
وشبّت النار تشبّ شبوبا إذا هاجت والتهبت، وشبّ الفرس بيديه فهو يشبّ شبابا، وشبّ الصبيّ يشبّ شبابا. ويقال: ليس لك عضّاض ولا شبّاب.
ويقال: عشا إلى النار فهو يعشو إليها عشوا وعشوّا، وذلك يكون من أول الليل، يرى نارا فيعشو إليها يستضيء بها. قال الحطيئة [7] : [من الطويل]
__________
[1] الثقل: المتاع؛ وكل شيء مصون، وأراد به بيضها. الرثيد: المنضود بعضه فوق بعض. الكافر:
الليل؛ لأنه يغطي بظلمته كل شيء.
[2] اللقن: الفهم، وغلام لقن: سريع الفهم.
[3] الرمث: شجر يشبه الغضى.
[4] الجزل: الحطب اليابس.
[5] العرفج: ضرب من النبات طيب الريح؛ أغبر إلى الخضرة، وله زهرة صفراء وليس له حب ولا شوك.
[6] الضّرام: ما دقّ من الحطب ولم يكن جزلا.
[7] البيت للحطيئة في ديوانه 81، وإصلاح المنطق 198، والخزانة 3/74، 7/156، 9/92، 94، والكتاب 3/86، وشرح أبيات سيبويه 2/65، ومجالس ثعلب 467، والمقاصد النحوية 4/639، واللسان (عشا) ، وبلا نسبة في الجمهرة 871، والخزانة 5/210، وشرح المفصل 2/66، 4/148، 7/45، 53، وشرح ابن عقيل، وشرح عمدة الحافظ 363، وعمدة الحفاظ 3/78 (عشو) ، 4/67 (متي) .
(5/72)

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
وقال الأعشى [1] : [من الطويل]
وبات على النار الندى والمحلق
ويقال: عشي الرجل يعشى عشاوة، وهو رجل أعشى، وهو الذي لا بيبصر بالليل. وعشي الرجل على صاحبه يعشى عشا شديدا.
1324-[نار الحرب]
ويذكرون نارا أخرى، وهي على طريق المثل [والاستعارة] [2] ، لا على طريق الحقيقة، كقولهم في نار الحرب. قال ابن ميّادة [3] : [من الطويل]
يداه: يد تنهلّ بالخير والنّدا ... وأخرى شديد بالأعادي ضريرها [4]
وناراه: نار نار كلّ مدّفع ... وأخرى يصيب المجرمين سعيرها [5]
وقال ابن كناسة: [من الخفيف]
خلفها عارض يمدّ على الآ ... فاق ستريين من حديد ونار [6]
نار حرب يشبّها الحدّ والج ... دّ وتعشي نوافذ الأبصار [7]
وقال الرّاعي: [من الطويل]
وغارتنا أودتم ببهراء، إنها ... تصيب الصّريح مرّة والمواليا [8]
وكانت لنا ناران: نار بجاسم ... ونار بدمخ يحرقان الأعاديا
__________
[1] صدر البيت: (تشبّ لمقرورين يصطليانها) ، وهو في ديوان الأعشى 275، وأساس البلاغة (رضع) ، والخزانة 7/144، 155، 157، وشرح شواهد المغني 1/303، واللسان (حلق) ، وبلا نسبة في الخزانة 9/119، وشرح شواهد المغني 1/416، ومغني اللبيب 1/101، 143.
[2] الزيادة من ثمار القلوب (825) .
[3] ديوان ابن ميادة 129.
[4] التضرير: الشدة.
[5] الكل: اليتيم. المدفّع: الفقير الذليل.
[6] العارض: أراد به الجيش.
[7] الحد: الحدة والبأس. تعشي البصر: تضعفه. النوافذ: النافذات النظر.
[8] بهراء: اسم قبيلة. الصريح: الخالص النسب.
(5/73)

جاسم: بالشام. ودمخ: جبل بالعالية [1] .
1325-[نار القرى]
ونار أخرى [2] ، وهي مذكورة على الحقيقة لا على المثل، وهي من أعظم مفاخر العرب، وهي النار التي ترفع للسّفر، ولمن يلتمس القرى. فكلما كان موضعها أرفع كان أفخر.
وقال أميّة بن أبي الصّلت [3] : [من الخفيف]
لا الغيابات منتواك ولكن ... في ذرى مشرف القصور ثواكا [4]
وقال الكناني [5] : [من المتقارب]
وبوّأت بيتك في معلم ... رفيع المباءة والمسرح [6]
كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح [7]
ترى دعس آثار تلك المط ... يّ أخاديد كاللّقم الأفيح [8]
ولو كنت في نفق رائغ ... لكنت على الشّرك الأوضح [9]
وأنشدني أبو الزّبرقان [10] : [من الوافر]
__________
[1] العالية: عالية نجد.
[2] الخبر في ثمار القلوب (824) ، والخزانة 7/147، والأوائل 43.
[3] ديوان أمية بن أبي الصلت 428.
[4] في ديوانه: «الغيابات: مفردها غيابة، وهي ما انخفض من الأرض. المنتوى: الموضع يقصده القوم حين تحولهم من مكان إلى مكان. الثواء: الإقامة» .
[5] الكناني: لعل الصواب «العماني» ، فقد أنشد الأصفهاني في الأغاني 18/316 بيتين على الوزن والروي نفسهما؛ وهما:
نمته العرانين من هاشم ... إلى النسب الأوضح الأصرح
إلى نبعة فرعها في السماء ... ومغرسها سرّة الأبطح
[6] المباءة: المنزل.
[7] العفاة: جمع عاف، وهو من يطلب المعروف. المستنبح: الذي يضل الطريق فينبح لترد عليه الكلاب بنباحها، فيستدل على أهل المنزل.
[8] اللقم: وسط الطريق. الأفيح: الواسع.
[9] الشرك: وسط الطريق.
[10] البيتان لأبي زياد الأعرابي في الحماسة المغربية 297، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1592، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 4/71، والخزانة 6/467، ومعاهد التنصيص 2/59، وشرح الشريشي 2/321، وبلا نسبة في ثمار القلوب (825) .
(5/74)

له نار تشبّ بكلّ ريع ... إذا الظلماء جلّلت البقاعا [1]
وما إن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا [2]
ويروى:
«ولم يك أكثر الفتيان مالا» .
وفي نار القرى يقول الآخر: [من الطويل]
على مثل همّام ولم أر مثله ... تبكّي البواكي أو لبشر بن عامر
غلامان كان استوردا كلّ مورد ... من المجد ثمّ استوسعا في المصادر
كأنّ سنا ناريهما كلّ شتوة ... سنا الفجر يبدو للعيون النّواظر
وفي ذلك يقول عوف بن الأحوص [3] : [من الطويل]
ومستنبح يخشى القواء ودونه ... من اللّيل بابا ظلمة وستورها [4]
رفعت له ناري فلمّا اهتدى بها ... زجرت كلابي أن يهرّ عقورها
فلا تسأليني واسألي عن خليقتي ... إذا ردّ عافي القدر من يستعيرها [5]
ترى أنّ قدري لا تزال كأنّها ... لذي الفروة المقرور أمّ يزورها [6]
مبرّزة لا يجعل السّتر دونها ... إذا أخمد النيران لاح بشيرها [7]
__________
[1] الريع: المكان المرتفع. جللت: غطت.
[2] السوام: الإبل الراعية.
[3] الأبيات لعوف بن الأحوص أو لمضرس بن ربعي أو شبيب بن البرصاء في الحماسة البصرية 2/242- 243، وأشعار العامريين 49، ولشبيب بن البرصاء في الأغاني 12، 275، والبيتان الثالث والخامس للأعشى في ديوانه 371، والثالث لمضرس الأسدي في اللسان والتاج (عفا) ، وللكميت في أساس البلاغة (عفو) وليس في ديوانه، وبلا نسبة في اللسان (فور) ، وأساس البلاغة (زبن) ، والمقاييس 4/57، والتهذيب 3/228، وعمدة الحفاظ (عفو) ، وللمزيد من المصادر انظر الحماسة البصرية؛ والمفضليات.
[4] في المفضليات: «المستنبح: الذي يضل الطريق فينبح لتجيبه الكلاب، فيستدل على الحي فيقصدهم. القواء: الخالي من الأرض، أي يخشى أن يهلك فيه» .
[5] في المفضليات: «عافي القدر: قال الأصمعي: كانوا في الجدب إذا استعار أحدهم قدرا ردّ فيها شيئا من طبيخ، فالعافي: ما يبقونه فيها» .
[6] في المفضليات: «ذو الفروة: السائل المستجدي، وفروته: جعبته التي يضع فيها ما يعطى.
المقرور: الذي اشتد به البرد» .
[7] في المفضليات: «مبرزة: يعني النار. بشيرها: ضوؤها، يبشر الناظر إليه ويستدل به على الخير» .
(5/75)

إذا الشّول راحت ثمّ لم تفد لحمها ... بألبانها ذاق السّنان عقيرها [1]
1326-[ما قيل من الشعر في الماء]
أما إن ذكرنا جملة من القول في الماء من طريق الكلام وما يدخل في الطب، فسنذكر من ذلك جملة في باب آخر:
قالوا [2] : مدّ الشعبي يده وهو على مائدة قتيبة بن مسلم يلتمس الشراب، فلم يدر صاحب الشراب اللبن، أم العسل، أم بعض الأشربة؟ فقال له: أي الأشربة أحبّ إليك؟ قال: أعزّها مفقودا، وأهونها موجودا! قال قتيبة: اسقه ماء.
وكان أبو العتاهية في جماعة من الشعراء عند بعض الملوك، إذ شرب رجل منهم ماء، ثمّ قال: «برد الماء وطاب» ! فقال أبو العتاهية: اجعله شعرا. ثمّ قال: من يجيز هذا البيت؟ فأطرق القوم مفكرين، فقال أبو العتاهية: سبحان الله! وما هذا الإطراق؟! ثمّ قال [3] : [من مجزوء الرمل]
برد الماء وطابا ... حبّذا الماء شرابا
وقال الله عزّ وجلّ: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
[4] ثمّ لم يذكره بأكثر من السلامة من التغيّر، إذ كان الماء متى كان خالصا سالما لم يحتج إلى أن يشرب بشيء غير ما في خلقته من الصّفاء والعذوبة، والبرد والطّيب، والحسن، والسّلس في الحلق. وقد قال عديّ بن زيد [5] : [من الرمل]
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري [6]
__________
[1] في المفضليات: «الشول: الإبل التي شولت ألبانها، أي ارتفعت. راحت: رجعت من المرعى.
يقول: إذا راحت ولم يكن بها لبن عقرتها» .
[2] الخبر باختصار في عيون الأخبار 2/200.
[3] الخبر مع البيت في ديوان أبي العتاهية 486، ومروج الذهب 4/175، وشذرات الذهب 2/25، والمثل السائر 1/176.
[4] 15/محمد: 47، والآسن: المتغير.
[5] ديوان عدي بن زيد 93، والبيان 3/359، والأغاني 2/114، ومعجم الشعراء 81، واللسان والتاج (عصر، غصص، شرق) ، وأساس البلاغة (عصر) ، وعمدة الحفاظ 2/265 (شرق) ، والخزانة 8/508، 11/15، 203، والعين 4/342، والجمهرة 731، والمقاييس 3/264، 4/383، والمقاصد النحوية 4/454، وبلا نسبة في الاشتقاق 269، والكتاب 3/121، ومغني اللبيب 1/268، وهمع الهوامع 2/66.
[6] في معجم الشعراء 81: «ينشد هذا البيت فيمن تستغيث به وتلجأ إليه» ، الاعتصار: أن يغص الإنسان بالطعام فيعتصر بالماء، وهو أن يشربه قليلا قليلا.
(5/76)

قال أبو المطراب عبيد بن أيّوب العنبريّ [1] : [من الطويل]
وأوّل خبث الماء خبث ترابه ... وأوّل خبث النّجل خبث الحلائل [2]
وأوصى رجل من العرب ابنته ليلة زفافها بوصايا، فكان مما قال لها [3] :
«احذري مواقع أنفه، واغتسلي بالماء القراح [4] ، حتى كأنك شنّ [5] ممطور!» وأوصت امرأة ابنتها بوصايا، فكان منها: «وليكن أطيب طيبك الماء» .
وزعموا أنها القائلة لبنتها: [من الرجز]
بنيّتي إن نام نامي قبله ... وأكرمي تابعه وأهله
ولا تكوني في الخصام مثله ... فتخصميه فتكوني بعله [6]
ومن الأمثال: [من الطويل]
فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد
وأخذ المسيح عليه السّلام في يده اليمنى ماء، وفي يده اليسرى خبزا فقال:
«هذا أبي، وهذا أمّي» ، فجعل الماء أبا، لأن الماء من الأرض يقوم مقام النطفة من المرأة.
وإذا طبخ الماء ثمّ برد لم تلقح عليه الأشجار، وكذلك قضبان الشجر.
والحبوب والبذور لو طبخت طبخة ثمّ بذرت لم تعلق.
وقالوا في النظر إلى الماء الدائم الجريان ما قالوا [7] .
وجاء في الأثر: من كان به برص قديم فليأخذ درهما حلالا، فليشتر به عسلا، ثمّ يشربه بماء سماء، فإنه يبرأ بإذن الله.
__________
[1] البيت في أشعار اللصوص 229.
[2] النجل: الولد. الحلائل: جمع حليلة، وهي الزوج.
[3] ورد القول للفرافصة بن الأحوص يوصي ابنته نائلة حين جهزها إلى عثمان بن عفان انظر الوصية في عيون الأخبار 4/76، والأغاني 16/323.
[4] القراح: الماء الخالص.
[5] الشن: القربة الخلق.
[6] خصمه: غلبه في الجدال.
[7] يقصد ما جاء في الأثر: «ثلاثة يذهبن الحزن: الماء، والخضرة، والوجه الحسن» .
(5/77)

والنزيف هو الماء عند العرب.
وما ظنّكم بشراب خبث وملح فصار ملحا زعاقا [1] ، وبحرا أجاجا [2] ، ولّد العنبر الورد [3] ، وأنسل الدّرّ النفيس، فهل سمعت بنجل أكرم ممن نجله، ومن نتاج أشرف ممن نسله.
وما أحسن ما قال أبو عبّاد كاتب ابن أبي خالد حيث يقول [4] : «ما جلس بين يديّ رجل قط، إلا تمثّل لي أنني سأجلس بين يديه. وما سرّني دهر قطّ، إلا شغلني عنه تذكر ما يليق بالدهور من الغير» .
قال الله عزّ وجلّ: يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
[5] . لأن الزجاج أكثر ما يمدح به أن يقال: كأنه الماء في الفيافي.
وقال الله عزّ وجلّ: هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ
[6] .
وقال القطاميّ [7] : [من البسيط]
وهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
وقال الله عزّ وجلّ: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[8] .
فيقال: إنه ليس شيء إلا وفيه ماء، أو قد أصابه ماء. أو خلق من ماء. والنّطفة ماء، والماء يسمى نطفة. وقال الله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[9] . قال ابن عباس: موج مكفوف.
وقال عزّ وجلّ: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً
[10] .
__________
[1] الزعاق: الشديد الملوحة.
[2] الأجاج: الشديد الملوحة.
[3] العنبر: ضرب من الطيب.
[4] الخبر في البيان 1/408.
[5] 44/النمل: 27، والخطاب موجه إلى بلقيس، وكان سليمان قد بنى لها قصرا من الزجاج، ثمّ أرسل الماء تحته؛ وألقى فيه السمك وغيره.
[6] 12/فاطر: 35.
[7] ديوان القطامي 81، واللسان (صدى) ، وأساس البلاغة (نبذ) .
[8] 45/النور: 24.
[9] 7/هود: 11.
[10] 9/ق: 50.
(5/78)

وحين اجتهدوا في تسمية امرأة بالجمال. والبركة، والحسن. والصّفاء، والبياض قالوا: ماء السماء [1] . وقالوا: المنذر بن ماء السماء.
ويقال: صبغ له ماء، ولون له ماء، وفلان ليس في وجهه ماء، وردّني فلان ووجهي بمائه. قال الشاعر: [من الطويل]
ماء الحياء يجول في وجناته
وقالت أمّ فروة [2] في صفة الماء: [من الطويل]
وما ماء مزن أيّ ماء تقوله ... تحدّر من غرّ طوال الذّوائب
بمنعرج أو بطن واد تحدّبت ... عليه رياح المزن من كلّ جانب
نفى نسم الرّيح القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب
بأطيب ممن يقصر الطّرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب
1327-[حب الحيوان لأنواع من الماء]
[3] والإبل لا تحبّ من الماء إلا الغليظ. والحوافر لا تحبّ العذوبة وتكره الماء الصافي، حتى ربّما ضرب الفرس بيده الشريعة ليثوّر الماء ثمّ يشربه.
والبقر تعاف الماء الكدر، ولا تشرب إلا الصافي.
والظباء تكرع في ماء البحر الأجاج، وتخضم الحنظل.
1328-[استطراد لغوي]
والأبيضان: الماء، واللبن. والأسودان: الماء، والتمر.
وسواد العراق: ماؤه الكثير. والماء إن كان له عمق اشتدّ سواده في العين.
1329-[شعر في صفة الماء]
وقال العكليّ في صفة الماء: [من الرجز]
__________
[1] به لقبت أم المنذر بن امرئ القيس، واسمها ماوية بنت عوف بن جشم، وسميت بماء السماء تشبيها به في الحسن والصفاء والطهارة. وانظر ثمار القلوب 446 (808) .
[2] الأبيات في الوحشيات 202، ومعجم الأدبيات الشواعر 312، وتقدمت الأبيات في 3/24، الفقرة (569) .
[3] وردت هذه الفقرة في ربيع الأبرار 5/395.
(5/79)

عاده من ذكر سلمى عوّده ... والليل داج مطلخمّ أسوده [1]
فبتّ ليلي ساهرا ما أرقده ... حتى إذا الليل تولى كبده
وانكبّ للغور انكبابا فرقده ... وحثّه حاد كميش يطرده [2]
أغرّ أجلى مغرب مجرّده ... أصبح بالقلب جوى ما يبرده [3]
ماء غمام في الرّصاف مقلده ... زلّ به عن رأس نيق صدده [4]
عن ظهر صفوان مزلّ مجسده ... حتى إذا السّيل تناهى مدده [5]
وشكّد الماء الذي يشكّده ... بين نعامى ودبور تلهده [6]
كلّ نسيم من صبا تستورده ... كأنما يشهده أو يفقده
فهو شفاء الصاد مما يعمده [7]
وقال آخر [8] في الماء: [من الكامل]
يا كأس ما ثغب برأس شظيّة ... نزل أصاب عراصها شؤبوب [9]
__________
[1] البيت مخروم، ويمكن إتمامه ب «قد عاده» ، أو «عاوده» . مطلخم: مظلم متراكب.
[2] الغور: الغروب. الفرقد؛ أراد: الفرقدين، وهما كوكبان قريبان من القطب. الكميش: السريع الجاد في السوق. الحادي؛ عنى به: الصبح.
[3] الأغر: الأبيض. الأجل: الحسن الوجه الذي انحسر الشعر عن جبهته. المغرب: الأبيض. المجرد:
ما جرد عنه الثياب من الجسد.
[4] الرّصافة: حجارة مرصوف بعضها إلى بعض في مسيل ماء. المقلد: المجمع. زلّ: سقط. النيق:
الحرف من حروف الجبل. الصدد: الناحية.
[5] الصفوان: الحجارة الصلدة الضخمة. المزل: موضع الزلل، أي السقوط. المجسد: أصله الثوب يلي الجسد.
[6] الشكد: العطاء، وأراد به: المدد الذي يتلقاه من السيل. النعامى: ريح الجنوب. الدبور: الريح الغربية. تلهد: تدفع دفعا شديدا.
[7] الصاد: الظمآن.
[8] الأبيات بلا نسبة؛ وهي موزعة في المصادر التالية، والأول في كتاب الجيم 1/243، والثاني في اللسان (عقب) ، ومعجم ما استعجم 155، والثالث في اللسان والتاج (لوب، دغش) ، والتهذيب 16/163.
[9] كأس: وفي كتاب الجيم «ليل» ؛ وهما اسم من يشبب بها. الثغب: ماء مستنقع في صخرة.
الشظية: رأس من رؤوس الجبل. النزل: السريع السيل. العراص: جمع عرصة، هي الأرض الواسعة.
الشؤبوب: الدفعة من المطر.
(5/80)

ضحيان شاهقة يرفّ بشامه ... نديان، يقصر دونه اليعقوب [1]
بألذّ منك مذاقة لمحلّا ... عطشان داغش ثم عاد يلوب [2]
وقال جرير [3] : [من الكامل]
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة ... تدع الحوائم لا يجدن غليلا [4]
بالعذب من رصف القلات مقيله ... قضّ الأباطح لا يزال ظليلا [5]
1330-[فضل الماء]
قال: وفي الماء أنّ أطيب شراب عمل وركّب، مثل السّكنجبين [6] ، والجلّاب [7] ، والبنفسج وغير ذلك مما يشرب من الأشربة، فإن لذّ وطاب، فإنّ تمام لذّته إن يجرع شاربه بعد شربه له جرعا من الماء، يغسل بها فمه، ويطيّب بها نفسه، وهو في هذا الموضع كالخلّة والحمض جميعا [8] وهو لتسويغ الطعام في المريء [9] ، والمركب والمعبر، والمتوصّل به إلى الأعضاء.
فالماء يشرب صرفا وممزوجا، والأشربة لا تشرب صرفا، ولا ينتفع بها إلا بممازجة الماء.
__________
[1] الضحيان: البارز للشمس. شاهقة: عالية. البشام: نبت طيب الريح والطعم. يرف: يهتز. نديان:
أصابه الندى.
[2] المحلا: الممنوع من الماء. داغش: من المداغشة، وهي أن يحوم حول الماء من العطش. يلوب:
يدور حول الماء.
[3] ديوان جرير 453 (الصاوي) ، وهما لجرير أو لبيد في اللسان والتاج (وجد) ، ولم يردا في ديوان لبيد، والأول لجرير في اللسان والتاج (نقع) ، والمقاصد النحوية 4/591، ومغني اللبيب 1/272، وشرح شواهد الشافية 53، وللبيد في شرح شافية ابن الحاجب 1/32، وبلا نسبة في المنصف 1/187، وهمع الهوامع 2/66، وشرح المفصل 10/60، وسر صناعة الإعراب 2/596.
[4] في ديوان جرير: «النقع: الري. الحائم: الطالب للحاجة، وهو من يحوم حول الماء» .
[5] في ديوان جرير: «القلات: جمع قلت؛ وهي البئر في الصخرة من ماء السماء ولا مادة لها من الأرض. القض: الموضع الخصب، وهو أعذب ماء وأصفى» .
[6] السكنجبين: معرب من الفارسية، وأصله فيها «سركنكبين» ، و «سركا» تعني الخل، و «أنكبين» تعني العسل. انظر السامي في الأسامي 201، 204.
[7] الجلاب: ماء الورد.
[8] الخلة: ما فيه حلاوة من النبت، والحمض: ما فيه حموضة أو ملوحة.
[9] المريء: مجرى الطعام والشراب.
(5/81)

وهو بعد طهور الأبدان، وغسول الأدران.
وقالوا: هو كالماء الذي يطهر كلّ شيء، ولا ينجّسه شيء.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم في بئر رومة [1] : «الماء لا ينجّسه شيء» .
ومنه ما يكون منه الملح، والبرد، والثّلج، فيجتمع الحسن في العين، والكرم في البياض والصفاء، وحسن الموقع في النفس.
وبالماء يكون القسم، كقول الشاعر: [من السريع]
غضبى ولا والله يا أهلها ... لا أشرب البارد أو ترضى
ويقولون: لو علم فلان أنّ شرب البارد يضع من مروءته لما ذاقه.
وسمّى الله عز وجل أصل الماء غيثا بعد أن قال: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[2] .
ومن الماء ماء زمزم، وهو لما شرب له [3] . ومنه [ما] [4] يكون دواء وشفاء بنفسه، كالماء للحمّى.
1331-[علّة ذكر النار في كتاب الحيوان]
قد ذكرنا جملة من القول في النار، وإن كان ذلك لا يدخل في باب القول في أصناف الحيوان، فقد يرجع إليها من وجوه كريمة نافعة الذكر، باعثة على الفكر، وقد يعرض من القول ما عسى أن يكون أنفع لقارئ هذا الكتاب من باب القول في الفيل، والزّندبيل [5] ، وفي القرد والخنزير، وفي الدّب والذئب، والضّبّ والضّبع، وفي السّمع والعسبار [6] .
وعلى أن الحكمة ربما كانت في الذّبابة مع لطافة شخصها، ونذالة قدرها،
__________
[1] رومة: أرض بالمدينة بين الجرف وزغابة نزلها المشركون عام الخندق؛ وفيها بئر رومة، اسم بئر ابتاعها عثمان بن عفان وتصدق بها. معجم البلدان 3/104. والحديث التالي ورد في مسند أحمد 1/337 برواية «إن الماء لا ينجس» .
[2] 7/هود: 11.
[3] أخرجه ابن ماجة في المناسك، باب رقم 78.
[4] زيادة يقتضيها المعنى.
[5] الزندبيل: كبير الفيلة. «حياة الحيوان 1/540» .
[6] السمع: ولد الذئب من الضبع. «حياة الحيوان 1/564» . العسبار: ولد الضبع من الذئب.
«حياة الحيوان 2/22» .
(5/82)

وخساسة حالها- أظهر منها في الفرس الرّائع، وإن كان الفرس أنفع في باب الجهاد، وفي الجاموس مع عظم شخصه، وفي دودة القزّ، وفي العنكبوت- أظهر منها في الليث الهصور، والعقاب الشّغواء [1] .
وربما كان ذكر العظيم الجثة الوثيق البدن، الذي يجمع حدّة الناب وصولة الخلق أكثر فائدة، وأظهر حكمة من الصّغير الحقير، ومن القليل القميّ [2] . كالبعير والصّؤابة، والجاموس والثعلب والقملة.
وشأن الأرضة أعجب من شأن الببر [3] مع مسالمة الأسد له، ومحاربته للنمر.
وشأن الكركيّ [4] أعجب من شأن العندليب، فإن الكركيّ من أعظم الطّير، والعندليب أصغر من ابن تمرة [5] .
ولذلك ذكر يونس بعض لاطة الرّواة فقال [6] : «يضرب ما بين الكركيّ إلى العندليب» . يقول: لا يدع رجلا ولا صبيّا إلّا عفجه.
ويشبه ذلك هجاء خلف الأحمر أبا عبيدة، حيث يقول: [من السريع]
ويضرب الكركي إلى القنبر ... لا عانسا يبقي ولا محتلم
والعانس من الرجال مثله من النساء.
فلسنا نطنب في ذكر العظيم الجثة لعظم جثّته، ولا نرغب عن ذكر الصّغير الجثة، لصغر جثّته، وإنما نلتمس ما كان أكثر أعجوبة، وأبلغ في الحكمة، وأدلّ عند العامة على حكمة الرّبّ. وعلى إنعام هذا السّيّد.
وربّ شيء الأعجوبة فيه إنما هي في صورته، وصنعته، وتركيب أعضائه، وتأليف أجزائه، كالطاووس في تعاريج ريشه، وتهاويل ألوانه، وكالزّرافة في عجيب
__________
[1] الشغواء: العقاب؛ سميت بذلك لفضل منقارها الأعلى على الأسفل. «حياة الحيوان 1/601» .
[2] القمي: مخفف القميء، وهو الصغير الجسم.
[3] الببر: ضرب من السباع، شبيه بابن آوى، ويقال إنه متولد من الزبرقان واللبوة. «حياة الحيوان 1/159» .
[4] الكركي: طائر كبير؛ أغبر؛ طويل الساقين. «حياة الحيوان 2/244» .
[5] ابن تمرة: أصغر ما يكون من الطير، يجرس الزهر والشجر، كما تجرس النحل والدبر. «المخصص 8/165» .
[6] في مجمع الأمثال 2/428: «يصيد ما بين الكركي إلى العندليب» . وانظر كنايات الثعالبي 27.
(5/83)

تركيبها، ومواضع أعضائها. والقول فيهما شبيه بالقول في التّدرج والنّعامة.
وقد يكون الحيوان عجيب صنعة البدن، ثم لا يذكر بعد حسن الخلق بخلق كريم، ولا حسّ ثاقب، ولا معرفة عجيبة، ولا صنعة لطيفة. ومنه ما يكون كالببغاء، والنحلة، والحمامة، والثعلب، والدّرّة [1] ، ولا تكون الأعجوبة في تصويره، وتركيب أعضائه، وتنضيد ألوان ريشه في وزن تلك الأشياء التي ذكرناها، أو يكون العجب فيما أعطى في حنجرته من الأغاني العجيبة، والأصوات الشجيّة المطربة، والمخارج الحسنة- مثل العجب فيما أعطي من الأخلاق الكريمة، أو في صنعة الكفّ اللطيفة، والهداية الغريبة، أو المرفق النافع، أو المضرّة التي تدعو إلى شدّة الاحتراس، ودقة الاحتيال، فيقدّم في الذكر لذلك.
1332-[العقعق]
وأيّ شيء أعجب من العقعق [2] وصدق حسّه، وشدّة حذره، وحسن معرفته، ثم ليس في الأرض طائر أشدّ تضييعا لبيضه وفراخه منه. والحبارى مع أنها أحمق الطير، تحوط بيضها أو فراخها أشدّ الحياطة [3] ، وبأغمض معرفة، حتى قال عثمان بن عفان، رضي الله عنه: «كلّ شيء يحب ولده حتى الحبارى» [4] . يضرب بها المثل في الموق [5] .
ثم العقعق مع حذقه بالاستلاب، وبسرعة الخطف، لا يستعمل ذلك إلا فيما لا ينتفع به، فكم من عقد ثمين خطير، ومن قرط شريف نفيس، قد اختطف من بين أيدي قوم، فإمّا رمى به بعد تحلّقه في الهواء، وإما أحرزه ولم يلتفت إليه أبدا.
وزعم الأصمعيّ أنّ عقعقا مرة استلب سخابا [6] كريما لقوم، فأخذ أهل السّخاب أعرابيّة كانت عندهم، فبينما هي تضرب، وتسحب وتسبّ إذ مرّ العقعق
__________
[1] الدّرّة: الببغاء. «حياة الحيوان 1/478» .
[2] العقعق: طائر على قدر الحمامة وعلى شكل الغراب. «حياة الحيوان 2/67» .
[3] وردت هذه الفقرة من قوله «وأي شيء أعجب» في ثمار القلوب (701) ، وربيع الأبرار 5/449.
[4] الحديث في النهاية 1/328، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/146، والمستقصى 2/227.
[5] الموق: حمق في غباوة.
[6] السخاب: القلادة، والخبر مع البيت التالي في ربيع الأبرار 5/449.
(5/84)

والسّخاب في منقاره، فصاحوا به فرمى به، فقالت الأعرابية وتذكَّرت السلامة بعد أن كانت قد ابتليت ببليّة أخرى فقالت [1] : [من الطويل]
ويوم السّخاب من تعاجيب ربّنا ... كما أنه من بلدة السّوء نجّاني
تعني الذين كانت نزلت بهم من أهل الحاضرة.
1333-[كلام في الاستطراد]
ولا بأس بذكر ما يعرض. ما لم يكن من الأبواب الطّوال. التي ليس فيها إلا المقاييس المجرّدة، والكلامية المحضة، فإن ذلك مما لا يخفّ سماعه ولا تهشّ النفوس لقراءته. وقد يحتمل ذلك صاحب الصناعة، وملتمس الثواب والحسبة [2] ، إذا كان حليف فكر، أليف عبر، فمتى وجدنا من ذلك بابا يحتمل أن يوشّح بالأشعار الظريفة البليغة. والأخبار الطريفة العجيبة، تكلّفنا ذلك، ورأيناه أجمع لما ينتفع به القارئ.
ولذلك استجزنا أن نقول في باب النار ما قلنا.
وأنا كاتب لك بعد هذا؛ إذ كنت قد أمللتك بالتطويل، وحملتك على أصعب المراكب، وأوعر الطّرق، إذ قد ذكرنا فيه جملة صالحة من كلام المتكلمين، ولا أرى أن أزيد في سآمتك، وأحمّلك استفراغ طاقتك، بأن أبتدئ القول في الإبل، والبقر، والغنم، والأسد، والذئاب، والحمير، والظباء، وأشباه ذلك، مما أنا كاتبه لك.
ولكني أبدأ بصغار الأبواب وقصارها، ومحقّراتها، وملاحها، لئلا تخرج من الباب الأول، إلا وأنت نشيط للباب الثاني، وكذلك الثالث والرابع إلى آخر ما أنا كاتبه لك، إن شاء الله.
1334-[سرد منهج سائر الكتاب]
ونبدأ بذكر ما في العصفور، ثم نأخذ في ذكر ما في الفأر والعقرب، والذي بينهما من العداوة، مع سائر خصالهما.
ثم القول في العقرب والخنفساء، وفي الصداقة بينهما، مع سائر خصالهما.
__________
[1] البيت بلا نسبة في اللسان (سخب، وشح) ، والتاج (سخب) ، والتهذيب 7/187.
[2] الحسبة: الأجر والثواب.
(5/85)

ثم القول في السّنّور، وبعض القول في العقرب.
ثم القول في البعوض والبراغيث، ثم القول في القمل والصّئبان. ثم القول في الورل والضّبّ. ثم القول في اليربوع والقنفذ. ثم القول في النسور والرّخم.
ثم القول في العقاب، وفي الأرنب. ثم القول في القردان والضفادع. ثم القول في الحبارى وما أشبه ذلك. وإن كنا قد استعملنا في هذا الكتاب جملا من أخبار ما سمينا بذلك.
وسنذكر قبل ذكرنا لهذا الباب أبوابا من الشعر طريفة، تصلح للمذاكرة، وتبعث على النشاط معه وتستخفّ معه قراءة ما طال من الكتب الطوال.
ولولا سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويذكر اصطناع الكتب في هذا الدهر- لما احتجت في مداراتهم واستمالتهم، وترقيق نفوسهم وتشجيع قلوبهم، مع كثرة فوائد هذا الكتاب- إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا الاعتذار، حتى كأنّ الذي أفيده إياهم أستفيده منهم، وحتى كأنّ رغبتي في صلاحهم، رغبة من يرغب في دنياهم، ويتضرّع إلى ما حوته أيديهم.
هذا. ولم أذكر لك من الأبواب الطوال شيئا، ولو قد صرت إلى ذكر فرق ما بين الجنّ والإنس، وفرق ما بين الملائكة والأنبياء، وفرق ما بين الأنثى والذكر، وفرق ما بينهما وبين ما ليس بأنثى ولا ذكر، حتى يمتدّ بنا القول في فضيلة الإنسان على جميع أصناف الحيوان، وفي ذكر الأمم والأعصار، وفي ذكر القسم والأعمار، وفي ذكر مقادير العقول والعلوم والصناعات. ثم القول في طباع الإنسان منذ كان نطفة إلى أن يفنيه الهرم، وكيف حقيقة ذلك الردّ إلى أرذل العمر، فإن مللت الكتاب واستثقلت القراءة، فأنت حينئذ أعذر، ولحظّ نفسك أبخس. وما عندي لك من الحيلة إلا أن أصوّره لك في أحسن صورة، وأقلّبك منه في الفنون المختلفة، فأجعلك لا تخرج من الاحتجاج بالقرآن الحكيم إلا إلى الحديث المأثور، ولا تخرج من الحديث إلا إلى الشّعر الصحيح، ولا تخرج من الشّعر الصحيح الظريف إلا إلى المثل السائر الواقع، ولا تخرج من المثل السائر الواقع إلا إلى القول في طرف الفلسفة، والغرائب التي صحّحتها التجربة، وأبرزها الامتحان، وكشف قناعها البرهان، والأعاجيب التي للنفوس بها كلف شديد وللعقول الصحيحة إليها النزاع القويّ.
ولذلك كتبته لك، وسقته إليك، واحتسبت الأجر فيك.
(5/86)

فانظر فيه نظر المنصف من الأكفاء والعلماء، أو نظر المسترشد من المتعلّمين والأتباع. فإن وجدت الكتاب الذي كتبته لك يخالف ما وصفت فانقصني من نشاطك له على قدر ما نقصتك مما ينشطك لقراءته، وإن أنت وجدتني- إذا صحّ عقلك وإنصافك- قد وفّيتك ما ضمنت لك فوجدت نشاطك بعد ذلك مدخولا، وحدّك مفلولا فاعلم أنا لم نؤت إلا من فسولتك [1] ، ومن فساد طبعك، ومن إيثارك لما هو أضرّ بك.
__________
[1] الفسولة: النذالة.
(5/87)

باب في مديح النصارى واليهود والمجوس والأنذال وصغار الناس
من ذلك ما هو مديح رغبة، ومنه ما هو إحماد [1] .
أنشدنا أبو صالح مسعود بن قند الفزاريّ، في ناس خالطهم من اليهود: [من الوافر]
وجدنا في اليهود رجال صدق ... على ما كان من دين يريب [2]
لعمرك إنّني وابني عريض ... لمثل الماء خالطه الحليب
خليلان اكتسبتهما وإني ... لخلّة ماجد أبدا كسوب
وقال أبو الطّمحان الأسديّ، وكان نديما لناس من بني الحدّاء وكانوا نصارى، فأحمد ندامهم فقال [3] : [من الطويل]
كأن لم يكن في القصر مقاتل ... وزورة ظلّ ناعم وصديق [4]
ولم أرد البطحاء أمزج ماءها ... بخمر من البرّوقتين عتيق [5]
معي كلّ فضفاض القميص كأنه ... إذا ما جرى فيه المدام فنيق [6]
بنو الصّلت والحدّاء كلّ سميدع ... له في العروق الصالحات عروق [7]
وإني وإن كانوا نصارى أحبّهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق
__________
[1] الإحماد: مصدر أحمده، أي وجده مستحقا للحمد.
[2] يريب: يحمل على الريب.
[3] الأبيات لطخيم بن أبي الطخماء الأسدي في الكامل للمبرد 1/26 (المعارف) ، و 57- 58 (الدالي) . ومعجم البلدان 3/157 (زورة) . والبيتان الأول والثاني في معجم البلدان 1/405 (البرووقتان) .
[4] زورة: هو زورة بن أبي أوفى: موضع بين الكوفة والشام، أو موضع بالكوفة. معجم البلدان 3/157.
[5] البطحاء: موضع بعينه قريب من ذي قار. معجم البلدان 1/446. البروقتان: موضع قرب الكوفة، معجم البلدان 1/405؛ وفيه «برووقتان» بواوين.
[6] في الكامل «قوله:
معي كل فضفاض القميص»
؛ يريد أن قميصه ذو فضول، وإنما يقصد إلى ما فيه من الخيلاء» . الفنيق: الفحل المكرم من الإبل.
[7] السميدع: السيد الكريم السخي الموطأ الأكناف.
(5/88)

وقال ابن عبدل، أو غيره، في مجوسيّ ساق عنه صداقا فقال [1] : [من المتقارب]
شهدت عليك بطيب المشا ... ش وأنّك بحر جواد خضم [2]
وإنك سيد أهل الجحيم ... إذا ما تردّيت فيمن ظلم
نظيرا لهامان في قعرها ... وفرعون والمكتني بالحكم [3]
كفاني المجوسيّ مهر الرّبا ... ب، فدى للمجوسيّ خالي وعم
فقال له المجوسيّ: جعلتني في النار؟ أما ترضى أن تكون مع من سمّيت؟ قال:
بلى. قال: فمن تعني بالحكم؟ قال: أبا جهل بن هشام.
وأنشدني أبو الرّديني العكليّ، لبعض العكليّين، وكان قين لهم أحدّ جلما [4] له، فقال يمدحه: [من الرجز]
يا سود يا أكرم قين في مضر ... لك المساعي كلّها والمفتخر
على قيون الناس، والوجه الأغر ... كان أبوك رجلا لا يقتسر [5]
ثبتا إذا ما هو بالكير ازبأر ... زادك نفخا تلتظي منه سقر [6]
حتى يطير حوله منها شرر ... قد عطف الكتيف حتى قد مهر [7]
بالشّعب إن شاء وإن شاء سمر ... ما زال مذ كان غلاما يشتبر [8]
له على العير إكاف وثفر ... والكلبتان والعلاة والوتر [9]
فانظر ثوابي، والثّواب ينتظر ... في جلميّ والأحاديث عبر [10]
__________
[1] الأبيات للأقيشر الأسدي في ديوانه 76، والأغاني 11/266، والخزانة 2/282، وبهجة المجالس 2/755، ونهاية الأرب 4/53، ومعاهد التنصيص 3/249، والبيتان (1- 2) بلا نسبة في عيون الأخبار 2/196.
[2] طيب المشاش: طيب النفس. خضم: السيد المعطاء.
[3] هامان: وزير فرعون. أبو الحكم: كنية أبي جهل.
[4] الجلم: المقراض يجزّ به.
[5] يقتسر: يقهر ويغلب.
[6] الكير: الزق الذي ينفخ فيه الحداد. ازبأر: انتفش وتهيأ للعمل.
[7] الكتيف: حديدة طويلة عريضة.
[8] الشعب: الجمع والإصلاح. سمر الحديد ونحوه: شده بالمسمار. الشبر: الأجر والعطاء.
[9] العير: الحمار. الإكاف: برذعة الحمار. الثفر: سير في مؤخر السرج. الكلبتان: آلة للحداد يأخذ بها الحديد المحمى. العلاة: سندان الحداد يضرب عليها الحديد.
[10] الجلم: المغراض يجزّ به.
(5/89)

باب من أراد أن يمدح فهجا
1335-[خطأ الأخطل]
قال سعيد بن سلم: لما قال الأخطل بالكوفة: أخطأ الفرزدق حين قال [1] : [من الكامل]
أبني غدانة إنني حرّرتكم ... فوهبتكم لعطيّة بن جعال [2]
لولا عطيّة لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم أعين وسبال [3]
- كيف يكون قد وهبهم له وهو يهجوهم بمثل هذا الهجاء؟! قال: فانبرى له فتى من بني تميم فقال له: وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف [4] : [من الطويل]
وما جذع سوء رقّق السّوس جوفه ... لما حمّلته وائل بمطيق
أردت هجاءه فزعمت أنّ وائلا تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك عندهم، فأعطيته الكثير ومنعته القليل [5] ! وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان الباهليّ، وأن تصغّر شأنه، وتضع منه، فقلت [6] : [من الوافر]
وسوّد حاتما أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النيران نار
فأعطيته السّودد من قيس ومنعته ما لا يضرّه [7] .
__________
[1] ديوان الفرزدق 726، والنقائض 275- 276.
[2] في النقائض: «قوله: حررتكم، يعني أعتقتكم وجعلتكم أحرارا. وعطية، كان خليلا للفرزدق، وهو من سادة بني غدانة» .
[3] اجتدعت: قطعت. السبال: جمع سبلة؛ وهي ما على الشارب من الشعر؛ أو ما على الذقن إلى طرف اللحية.
[4] ديوان الأخطل 666، والأغاني 8/312، وطبقات ابن سلام 469، والموشح 135.
[5] في ديوان الأخطل 666: «قال سويد: لم تحسن أن تهجوني، إنما أنا سيّد بني سدوس، فجعلتني سيد وائل كلها» ، وانظر الأغاني 8/312، وطبقات ابن سلام 471.
[6] ديوان الأخطل 475.
[7] في ديوانه: «هذا حاتم بن النعمان الباهلي، يقول: سوّده أنه ليس في قيس نار توقد لمكرمة ولا ضيفان، غير ناره» .
(5/90)

وأردت أن تمدح سماك بن زيد الأسدي فهجوته فقلت [1] : [من البسيط]
نعم المجير سماك من بني أسد ... بالطّفّ إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طيّر عن أثوابه الشرر
وقلت [2] في زفر بن الحارث: [من البسيط]
بني أميّة إني ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
مفترشا كافتراش الليث كلكله ... لوقعة كائن فيها لكم جزر
فأردت أن تغري به بني أميّة فوهّنت أمرهم، وتركتهم ضعفاء ممتهنين، وأعطيت زفر عليهم من القوة ما لم يكن في حسابه.
1336-[أبو العطاف وعمرو بن هداب]
قال [3] : ورجع أبو العطاف من عند عمرو بن هدّاب، في يومين كانا لعمرو، وأبو العطّاف يضحك. فسئل عن ذلك فقال: أما أحد اليومين فإنّه جلس للشعراء، فكان أول من أنشده المديح فيه طريف بن سوادة، فما زال ينشده أرجوزة له طويلة، حتى انتهى إلى قوله: [من الرجز]
أبرص فيّاض اليدين أكلف ... والبرص أندى باللهى وأعرف [4]
مجلوّذ في الزّحفات مزحف [5]
المجلوّذ: السريع.
وكان عمرو أبرص فصاح به ناس: ما لك؟ قطع الله لسانك!. قال عمرو: مه، البرص من مفاخر العرب. أما سمعتم ابن حبناء يقول [6] : [من البسيط]
__________
[1] ديوان الأخطل 673، 674، والأغاني 8/312، وطبقات ابن سلام 470، وبعد البيتين «يقال: إن سماكا قال للأخطل. ما تحسن أن تمدح، كان هذا كلاما يقال، فذهبت بمدحتي، فصيرتني قينا حقّا» .
[2] ديوان الأخطل 203.
[3] الخبر مع الرجز في البرصان 34- 35، ومحاضرات الأدباء 2/133.
[4] اللهى: العطايا.
[5] المزحف: الكثير الزحف إلى العدو.
[6] البيتان في عيون الأخبار 4/64، وأمالي القالي 2/233، والسمط 716، والمؤتلف 105، والبرصان 25، والأغاني 13/91.
(5/91)

إنّي امرؤ حنظليّ حين تنسبني ... لامل عتيك ولا أخوالي العوق
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصة ... إنّ اللهاميم في أقرابها بلق
أو ما سمعتم قول الآخر [1] : [من الرجز]
يا كأس لا تستنكري نحولي ... ووضحا أوفى على خصيلي [2]
فإنّ نعت الفرس الرّجيل ... يكمل بالغرّة والتّحجيل [3]
أو ما سمعتم بقول أبي مسهر [4] : [من الطويل]
يشتمني زيد بأن كنت أبرصا ... فكلّ كريم لا أبالك أبرص
ثم أقبل على الرّاجز فقال: ما تحفظ في هذا؟ قال: أحفظ والله قوله [5] : [من الرجز]
يا أخت سعد لا تعرّي بالرّوق ... ليس يضرّ الطّرف توليع البلق [6]
إذا جرى في حلبة الخيل سبق
ومحمد بن سلّام يزعم أنه لم ير سابقا قطّ أبلق ولا بلقاء [7] .
وقد سبق للمأمون فرس، إمّا أبلق وإما بلقاء.
وأنشدني أبو نواس لبعض بني نهشل [8] : [من الرمل]
نفرت سودة عنّي أن رأت ... صلع الرّأس وفي الجلد وضح [9]
__________
[1] الرجز لمعاوية بن حزن بن موءلة في البرصان 21، وفي هامش معجم الشعراء 316، وبلا نسبة في عيون الأخبار 4/65.
[2] أوفى: ارتفع. الخصيل: جمع خصلة، وهي الشعر المجتمع.
[3] الرجيل، من الإبل والدواب: الصبور على طول المشي الذي لا يعرق. الغرة: البياض في وجه الفرس.
التحجيل: البياض في قوائمه.
[4] البيت في عيون الأخبار 4/64، والبرصان 35.
[5] الرجز للحارث بن حلزة في البرصان 24، وبلا نسبة في عيون الأخبار 4/65.
[6] عرّه: سبّه. الرّوق: الجمال المعجب. الطرف: الجواد الكريم العتيق. التوليع: التلميع من البرص.
البلق: استطالة البياض وتفرقه. والمعنى: لا يأسرك الجمال المعجب فإن الفرس الكريم لا يضره ما به من وضح إذا أتى يوم الحلبة سابقا.
[7] ورد القول في البرصان 24.
[8] الأبيات لسويد بن أبي كاهل في البرصان 32، ولبعض بني نهشل في عيون الأخبار 4/65، وربيع الأبرار 5/115، وحماسة البحتري 2/11.
[9] الوضح: البرص.
(5/92)

قلت يا سودة، هذا والذي ... يفرج الكربة منّا والكلح
هو زين لي في الوجه كما ... زيّن الطّرف تحاسين القرح [1]
وزعم أبو نواس أنهم كانوا يتبركون به، وأن جذيمة الوضّاح كان يفخر بذلك.
وزعم أصحابنا أن بلعاء بن قيس، لمّا شاع في جلده البرص قال له قائل: ما هذا يا بلعاء؟ فقال: «هذا سيف الله جلاه!» . وكنانة تقول: «سيف الله حلّاه» [2] .
ثم رجع الحديث إلى أبي العطّاف وضحكه. قال [3] : وأما اليوم الآخر فإنّ عمرا لمّا ذهب بصره، ودخل عليه الناس يعزّونه، دخل عليه إبراهيم بن جامع، وهو أبو عتّاب من آل أبي مصاد، وكان كالجمل المحجوم، فقام بين يدي عمرو فقال: يا أبا أسيّد لا تجزعنّ من ذهاب عينيك وإن كانتا كريمتيك؛ فإنك لو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنيت أن يكون الله عزّ وجلّ قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ضلعك.
قال: فصاح به القوم وضحك بعضهم. فقال عمرو: معناه صحيح، ونيته حسنة، وإن كان قد أخطأ في اللفظ [4] .
1337-[بين الجاحظ وأبي عتاب]
وقلت لأبي عتّاب: بلغني أن عبد العزيز الغزّال قال: ليت أن الله لم يكن خلقني، وأني الساعة أعور. قال أبو عتّاب: بئس ما قال؛ وددت والله أن الله لم يكن خلقني وأنّي الساعة أعمى مقطوع اليدين والرّجلين.
وأتى بعض الشعراء أبا الواسع وبنوه حوله، فاستعفاه أبو الواسع من إنشاد مديحه، فلم يزل به حتى أذن له. فلما انتهى إلى قوله: [من البسيط]
فكيف تنفى وأنت اليوم رأسهم ... وحولك الغرّ من أبنائك الصّيد
قال أبو الواسع: ليتك تركتهم رأسا برأس!
__________
[1] الطرف: الجواد الكريم العتيق. القرح: بياض يسير في وجه الفرس.
[2] انظر هذا القول في البرصان 32، والأغاني 13/91 وعيون الأخبار 4/63، والمعارف 580، والكنايات للثعالبي 35، وربيع الأبرار 5/115.
[3] الخبر في البيان 2/317- 318، والبرصان 34، وعيون الأخبار 2/48، وربيع الأبرار 5/115.
[4] في البرصان 34: «فقال- عمرو- يرعى له حسن نيته ويلغى سوء لفظه» .
(5/93)

ومدح الممزّق أبو عباد بن الممزّق، بشر بن أبي عمرو- وليس هو بشر بن أبي عمرو بن العلاء فقال [1] : [من الكامل]
من كان يزعم أن بشرا ملصق ... فالله يجزيه وربّك أعلم [2]
تنبيك قامته وقلّة لحمه ... وتشادق فيه ولون أسحم [3]
إنّ الصّريح المحض فيه دلالة ... والعرق منكشف لمن يتوسّم [4]
أما لسانك واحتباؤك في الملا ... فزرارة العدسيّ عندك أعجم [5]
إني لأرجو أن يكون مقالهم ... زورا، وشانئك الحسود المرغم [6]
1338-[خطأ الكميت في المديح]
ومن المديح الخطإ الذي لم أر قطّ أعجب منه، قول الكميت بن زيد وهو يمدح النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلو كان مديحه لبني أميّة لجاز أن يعيبهم بذلك بعض بني هاشم، أو لو مدح به بعض بني هاشم لجاز أن يعترض عليه بعض بني أميّة، أو لو مدح أبا بلال الخارجيّ لجاز أن تعيبه العامّة، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلّب لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف.
فأما مديح النبي صلّى الله عليه وسلّم، فمن هذا الذي يسوؤه ذلك حيث قال [7] : [من المنسرح]
فاعتتب الشّوق من فؤادي والشع ... ر إلى من إليه معتتب [8]
إلى السّراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب [9]
__________
[1] الأبيات للمازني في البيان 2/151، وفيه قبل إنشاد الأبيات «ومما قالوا في التشديق وفي ذكر الأشداق» .
[2] الملصق: الدعي في القوم، وليس منهم بنسب.
[3] التشادق: من الشدق، وهو سعة الشدق.
[4] العرق: الأصل.
[5] الاحتباء: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليها.
[6] الشانئ: المبغض. المرغم: المقهور.
[7] الأبيات للكميت في شرح الهاشميات 51- 52، والبيان 2/239 والعمدة 2/143.
[8] اعتتب: انصرف.
[9] لا يعدلني: لا يحولني.
(5/94)

عنه إلى غيره، ولو رفع النا ... س إليّ العيون وارتقبوا [1]
وقيل: أفرطت بل قصدت ولو ... عنّفني القائلون أو ثلبوا [2]
إليك يا خير من تضمّنت الأرلجّ ... ض ولو عاب قولي العيب [3]
بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضّجاج واللّجب [4]
أنت المصفّى المحض المهذّب في ال ... نّسبة إن نصّ قومك النّسب
ولو كان لم يقل فيه عليه السّلام إلا مثل قوله [5] : [من الطويل]
وبورك قبر أنت فيه وبوركت ... به، وله أهل بذلك يثرب
لقد غيّبوا برّا وحزما ونائلا ... عشيّة واراك الصّفيح المنصّب [6]
فلو كان لم يمدحه عليه السّلام إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب لما كان ذلك بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا؟!
1339-[غلط بعض الشعراء في المديح والفخر]
ومن الأشعار الغائظة لقبيلة الشاعر- وهي الأشعار التي لو ظنّت الشعراء أن مضرّتها تعود بعشر ما عادت به، لكان الخرس أهون عليها من ذلك القول- فمن ذلك قول لبيد بن ربيعة [7] : [من الكامل]
أبني كلاب كيف تنفى جعفر ... وبنو ضبينة حاضرو الأجباب [8]
قتلوا ابن عروة ثمّ لطّوا دونه ... حتى تحاكمتم إلى جوّاب [9]
يرعون منخرق اللديد كأنهم ... في العزّ أسرة حاجب وشهاب [10]
__________
[1] رفع الناس إلي العيون: أوعدوني. ارتقبوا: أي ارتقبوا لي الشر.
[2] أفرطت: تغاليت. قصدت: أي اعتدلت في محبتهم. ثلبوا: عابوا.
[3] العيب: العيابون.
[4] لجّ: تمادى. الضجاج والضجيج واحد: الصياح عند المكروه. اللجب: الصياح.
[5] البيتان في شرح هاشميات الكميت 32- 33، والبيان 2/240.
[6] واراك: سترك. الصفيح: الحجارة العريضة، جمع صفيحة. المنصب: يعني جحارة القبر.
[7] ديوان لبيد 23- 24، والنقائض 300.
[8] في ديوانه: «ضبينة: قبيلة. جب وأجباب: آبار. قال الأصمعي: بنو ضبينة حي الذين قتلوا عروة، وقد كانوا قتلوا ابن أخ لجوّاب، فقال جوّاب: لا أديه لأنهم قتلوا ابن أخي؛ فيكون قتيل بقتيل» .
[9] في ديوانه: «لطوا: ستروا؛ هو يلط دون قدره أي يستر. جعلوا جوّاب حكما. عروة بن عتبة بن جعفر. جواب: رجل من بني أبي بكر بن كلاب» .
[10] في ديوانه: «منخرق اللديد: حيث انخرق فمضى. واللديد: جانبا الوادي جميعا وجمعها-
(5/95)

متظاهر حلق الحديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتّاب [1]
قوم لهم عرفت معدّ فضلها ... والحقّ يعرفه ذوو الألباب
ومن هذا الباب قول منظور بن زبّان بن سيّار بن عمرو بن جابر الفزاري، وهو أحد سادة غطفان: [من الطويل]
فجاؤوا بجمع محزئلّ كأنهم ... بنو دارم إذا كان في الناس دارم [2]
وذلك أن تميما لما طال افتخار قيس عليها بأن شعراء تميم كانت تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها، فغبرت تميم زمانا لا ترفع رؤوسها حتى أصابت هذين الشعرين من هذين الشّاعرين العظيمي القدر، فزال عنها الذّلّ وانتصفت، فلو علم هذان الشاعران الكريمان ماذا يصنعان بعشائرهما- لكان الخرس أحبّ إليهما.
قال أبو عبيدة: ومن ذلك قول الحارث بن حلّزة، وأنشدها الملك [3] وكان به وضح [4] وأنشده من وراء ستر فبلغ من استحسانه القصيدة إلى أن أمر برفع السّتر.
ولكراهتهم لدنوّ الأبرص منهم قال لبيد بن ربيعة [5] ، للنّعمان بن المنذر، في الربيع بن زياد: [من الرجز]
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه ... إنّ استه من برص ملمّعه [6]
وإنه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتى يواري أشجعه [7]
كأنما يطلب شيئا ضيّعه
__________
- ألدة. أسرة حاجب: قوم الرجل حاجب هذا الدارمي، وشهاب من بني يربوع فيهم العز فيقول كأنا مثلهم» .
[1] لم يرد البيت في متن الديوان، واستدركه المحقق من النقائض في حاشية الصفحة 24 من ديوانه.
حلق الحديد: ما تنسج منه الدروع. تظاهر: ركب بعضه بعضا وتضاعف.
[2] احزأل القوم: اجتمعوا. دارم: هم بنو دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة.
[3] الملك: هو عمرو بن هند، والقصيدة التي أنشدها هي معلقته. انظر البرصان 24.
[4] الوضح: البرص. وكان الحارث بن حلزة أبرص. انظر اللسان (برص) والبرصان 24.
[5] ديوان لبيد 343، والبرصان 57، وعيون الأخبار 4/65، ومجالس ثعلب 382، وشرح المفصل 2/98، ومجمع الأمثال 2/33، وأمالي المرتضى 2/36، والبيتان (3- 4) في اللسان والتاج (شجع) ، وبلا نسبة في المخصص 2/6.
[6] في دوان لبيد: «الملمع: الذي يكون في جسده بقع تخالف سائر لونه» .
[7] في ديوان لبيد: «الأشجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف» .
(5/96)

قال ابن الأعرابيّ: فلما أنشد الملك لبيد في الربيع بن زياد ما أنشد قال الربيع:
أبيت اللّعن، والله لقد نكت أمّه، قال: فقال لبيد: قد كانت لعمري يتيمة في حجرك، وأنت ربيتها، فهذا بذاك، وإلا تكن فعلت ما قلت فما أولاك بالكذب! وإن كانت هي الفاعلة فإنها من نسوة لذلك فعل. يعني بذلك أنّ نساء عبس فواجر، لأن أمه كانت عبسيّة.
والعربيّ يعاف الشيء ويهجو به غيره، فإن ابتلي بذلك فخر به. ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه. فافهم هذه؛ فإن الناس يغلطون على العرب ويزعمون أنهم قد يمدحون الشيء الذي قد يهجون به. وهذا باطل، فإنه ليس شيء إلا وله وجهان وطرفان وطريقان.
فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذمّوا ذكروا أقبح الوجهين.
والحارث بن حلّزة فخر ببكر بن وائل على تغلب، ثم عاتبهم عتابا دلّ على أنهم لا ينتصفون منهم، فقال [1] : [من الخفيف]
وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء وخطب نعنى به ونساء [2]
يخلطون البريء منا بذي الذّن ... ب ولا ينفع الخليّ الخلاء
زعموا أن كلّ من ضرب العي ... ر موال لنا وأنّا الولاء [3]
إنّ إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قولهم إحفاء [4]
ثم قال:
واتركوا الطّيخ والتّعاشي وإمّا ... تتعاشوا ففي التعاشي الدّاء [5]
واذكروا حلف ذي المجاز وما ق ... دّم فيه، العهود والكفلاء [6]
حذر الجور والتّعدّي وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء [7]
__________
[1] الأبيات من معلقته في شرح القصائد العشر 379، وشرح القصائد السبع 449.
[2] الأراقم: أحياء من بني تغلب وبكر بن وائل.
[3] العير: الوتد، أي كل من يضرب وتدا ألزمونا ذنبه.
[4] الغل: تجاوز الحد. الإحفاء: الاستقصاء، أو هو من أحفيت الدابة: إذا كلفتها ما لا تطيق حتى تحفى.
[5] الطيخ: الكبرة والعظمة. التعاشي: التعامي والتجاهل.
[6] ذو المجاز: موضع جمع فيه عمر بن هند بكرا وتغلب، وأصلح بينهما، وأخذ منهما الوثائق والرهون.
[7] المهارق: جمع مهرق؛ وهو الصحيفة.
(5/97)

واعلموا أننا وإياكم في ... ما اشترطنا يوم اختلفنا سواء
أم علينا جناح كندة أن يغ ... نم غازيهم ومنّا الجزاء [1]
أم علينا جرّا حنيفة أم ما ... جمّعت من محارب غبراء [2]
أم علينا جرّا قضاعة أم لي ... س علينا فيما جنوا أنداء [3]
ليس منّا المضرّبون، ولا قي ... س، ولا جندل، ولا الحدّاء [4]
أم جنايا بني عتيق فمن يغ ... در فإنا من غدرهم برآء
عننا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الرّبيض الظّباء [5]
ومن المديح الذي يقبح، قول أبي الحلال في مرثية يزيد بن معاوية، حيث يقول: [من الرجز]
يا أيّها الميت بحوّارينا ... إنّك خير الناس أجمعينا [6]
وقال الآخر: [من الرجز]
مدحت خير العالمين عنقشا ... يشبّ زهراء تقود الأعمشا [7]
وقال الآخر: [من الرجز]
إنّ الذي أمسى يسمّى كوزا ... اسما نبيها لم يكن تنبيزا [8]
لما ابتدرنا القصب المركوزا ... وجدتني ذا وثبة أبوزا [9]
__________
[1] الجناح: الإثم.
[2] الجرّا والجراء: الجناية. الغبراء: الصعاليك والفقراء.
[3] الأنداء: جمع ندى؛ وهو ما يصيب الإنسان.
[4] المضربون: قوم من بني تغلب ضربوا بالسيف. الحداء: قبيلة من ربيعة.
[5] العنن: الاعتراض. تعتر: تذبح. الحجرة: الموضع الذي يكون فيه الغنم. الربيض: جماعة الشاء.
وكان الرجل ينذر إن بلغ الله غنمه مائة ذبح منها واحدة للأصنام، ثم ربما ضنت نفسه بها فأخذ ظبيا وذبحه مكان الشاة الواجبة عليه.
[6] حوارين: حصن من ناحية حمص، وقيل هي التي تدعى القريتين، وهي من تدمر على مرحلتين، وبها مات يزيد بن معاوية. انظر معجم البلدان 2/316 (حوارين) ، 4/335 (القريتان) .
[7] عنقش: اسم من أسمائهم. الزهراء: المضيئة، أراد بها النار، أي إن هذه النار يهتدي بها الأعمش؛ فكيف بغير الأعمش.
[8] التنبيز: التلقيب.
[9] القصب: أراد به الرماح. المركوز: المغروز في الأرض ونحوها. الأبوز: الذي يأبز في عدوه، أي يقفز.
(5/98)

ودخل بعض أغثاث [1] شعراء البصريين على رجل من أشراف الوجوه يقال في نسبه [2] ، فقال: إني مدحتك بشعر لم تمدح قطّ بشعر هو أنفع لك منه. قال: ما أحوجني إلى المنفعة، ولا سيّما كلّ شيء منه يخلد على الأيام، فهات ما عندك فقال: [من السريع]
سألت عن أصلك فيما مضى ... أبناء تسعين وقد نيّفوا [3]
فكلّهم يخبرني أنه ... مهذّب جوهره يعرف
فقال له: قم في لعنة الله وسخطه! فلعنك الله ولعن من سألت ولعن من أجابك!!
[باب في السّخف والباطل]
(باب)
1340-[في السّخف والباطل]
وسنذكر لك بابا من السّخف، وما نتسخّف به لك، إذ كان الحق يثقل ولا يخفّ إلا ببعض الباطل.
أنشدنا أبو نواس في التدليك: [من الرجز]
إن تبخلي بالرّكب المحلوق ... فإنّ عندي راحتي وريقي
وهذا الشعر مما يقال إن أبا نواس ولّده.
ومما يظنّ أنه ولّده قوله: [من الرجز]
لم أر كاللّيلة في التوفيق ... حرا على قارعة الطريق
كأنّ فيه لهب الحريق
وأنشدني ابن الخاركي لبعض الأعرب في التدليك: [من الرجز]
لا بارك الإله في الأحراح ... فإن فيها عدم اللّقاح
لا خير في السفاح واللّقاح ... إلا مناجاة بطون الرّاح
__________
[1] أغثاث: جمع غث؛ وهو الرديء السيئ الخلق، والخبر مع الشعر في عيون الأخبار 2/53.
[2] أي يطعن في نسبه.
[3] في عيون الأخبار «أبناء سبعين» .
(5/99)

وأنشدني محمد بن عبّاد: [من الرجز]
تسألني ما عتدي وعن ددي ... فإنني يا بنت آل مرثد [1]
راحلتي رجلاي وامراتي يدي
وأنشدني بعض أصحابنا لبعض المدنيّين: [من المنسرح]
أصفي هوى النفس، غير متّئب ... حليلة لا تسومني نفقه [2]
تكون عوني على الزمان لل ... كسب، إذا ما أخفقت، مرتفقه [3]
وشعر في ذلك سمعناه على وجه الدهر، وهو قوله [4] : [من البسيط]
إذا نزلت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
وأنشدنا أبو خالد النّميريّ [5] : [من البسيط]
لو أنها رخصة قضّيت من وطري ... لكنّ جلدتها تربي على السّفن [6]
أشكو إلى الله نعظا قد بليت به ... وما ألاقي من الإملاق والحزن [7]
وقال الذّكوانيّ يردّ على الأول قوله: [من البسيط]
جلدي عميرة فيه العار والحوب ... والعجز مطّرح والفحش مسبوب [8]
وبالعراق نساء كالمها قطف ... بأرخص السّوم خدلات مناجيب [9]
وما عميرة من ثدياء حالية ... كالعاج صفّرها الأكنان والطّيب [10]
قال: مثل هذا الشعر كمثل رجل قيل له: أبوك ذاك الذي مات جوعا؟ قال:
فوجد شيئا فلم يأكله؟!
__________
[1] العتد: الفرس التام الخلق السريع الوثبة. الدد: اللهو واللعب.
[2] أتّأب الرجل: استحيا. الحلية: عنى بها كفه. تسومني: تكلفني.
[3] مرتفقة: منتفعة.
[4] البيت في محاضرات الأدباء 2/115 (3/256) .
[5] البيتان لأبي حية النميري في ديوانه 195، والسمط 670.
[6] في ديوانه: «رخصة: ناعمة؛ أي يده. السفن: قطعة خشناء من جلد ضب أو جلد سمكة يسحج بها القدح حتى تذهب عنه آثار المبراة» .
[7] الإملاق: الفقر والحاجة.
[8] الحوب: الهلاك. مسبوب: مقطوع.
[9] قطف جمع قطوف، وهي الضيقة المشي البطيئة. خدلات: ممتلئات الأعضاء. المناجيب: جمع منجاب، وهي التي تلد النجباء.
[10] الثدياء: العظيمة الثدي. حالية: عليها الحلي. الأكنان: جمع كن، وهو البيت.
(5/100)

وقال الحرامي: [من الوافر]
عيال عالة وكساد سوق ... وأير لا ينام ولا ينيم
باب مما قالوا في السرّ
قال ابن ميّادة [1] : [من الطويل]
أتظهر ما في الصّدر أم أنت كاتمه ... وكتمانه داء لمن هو كاتمه
وإضماره في الصدر داء وعلّة ... وإظهاره شنع لمن هو عالمه
وتقول العرب: «من ارتاد لسرّه [موضعا] [2] فقد أشاعه» .
وأرى الأول قد أذن في واحد [3] وهو قوله [4] : [من المتقارب]
وسرّك ما كان عند امرئ ... وسرّ الثلاثة غير الخفي
وقال الآخر [5] فيما يوافق فيه المثل الأول: [من المتقارب]
فلا تفش سرّك إلا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا
وقال مسكين الدّارميّ [6] : [من الطويل]
إذا ما خليلي خانني وائتمنته ... فذاك وداعيه وذاك وداعها
__________
[1] ديوان ابن ميادة 224.
[2] ورد القول في عيون الأخبار، وكلمة «موضعا» زيادة منه.
[3] في واحد: يعني إفشاء السر إلى واحد.
[4] البيت للصلتان العبدي في عيون الأخبار 1/39، وعجزه في محارضات الأدباء 1/59 (125) .
وتقدم في 3/230.
[5] البيت لأنس بن أسيد في أدب الدنيا والدين للماوردي 279، ويعزى إلى علي بن أبي طالب أو لغيره في الكامل 2/17 (المعارف) ، وعيون الأخبار 1/39، وبلا نسبة في محاضرات الأدباء 1/59 (1/125) ، ورسائل الجاحظ 1/146، 2/155.
[6] ديوان مسكين الدارمي 52، والحماسة البصرية 2/35، ورسائل الجاحظ 1/152، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 1116، وعيون الأخبار 1/39، وأمالي القالي 2/176، وأمالي المرتضى 2/62.
(5/101)

رددت عليه ودّه وتركتها ... مطلّقة لا يستطاع رجاعها
وإني امرؤ مني الحياء الذي ترى ... أعيش بأخلاق قليل خداعها
أواخي رجالا لست أطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها
يظلّون شتّى في البلاد، وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها
وقال أبو محجن الثّقفي [1] : [من البسيط]
وقد أجود وما مالي بذي فنع ... وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق [2]
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه [3] : «من كتم سرّه كان الخيار في يده» .
وقال بعض الحكماء: «لا تطلع واحدا من سرّك، إلا بقدر ما لا تجد فيه بدّا من معاونتك» .
وقال آخر [4] : «إنّ سرّك من دمك، فانظر أين تريقه!» .
وقال الشاعر [5] : [من البسيط]
ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر
لكنت أوّل من بنسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر
وقال الآخر: [من الرمل]
فإذا استودعت سرّا أحدا ... فقد استودعت بالسرّ دمك
وقال قيس بن الخطيم [6] : [من الطويل]
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
__________
[1] البيت لأبي محجن الثقفي في اللسان والتاج (فنأ، فجر، فنع) ، والمخصص 12/280، وهو في ديوانه 19، 21، والرواية فيه:
وأكشف المأزق المكروب غمّته ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
وقد أجود وما مالي بذي فنع ... وقد أكرّ وراء المجحر البرق.
[2] في ديوانه: «ذو فنع: ذو كثرة. وأصل الفنع: الحسن» .
[3] نسبه البيهقي للرسول صلّى الله عليه وسلّم في المحاسن والمساوئ 2/57 ضمن حديث طويل، وورد القول لعتبة ابن أبي سفيان في عيون الأخبار 1/41، والعقد الفريد 1/35، ولعنبسه بن أبي سفيان في الفاضل للمبرد 101، ونهاية الأرب 6/82.
[4] ورد القول منسوبا إلى المنصور في المحاسن والمساوئ 2/56، والعقد الفريد 1/35.
[5] البيتان بلا نسبة في لباب الآداب 241، وعيون الأخبار 1/39، وأدب الدنيا والدين للماوردي 281.
[6] ديوان قيس بن الخطيم 163، وأمالي القالي 2/77، والفاضل 102، والمقاصد النحوية 4/566.
(5/102)

وقيل لمزبّد: يا مزبّد، ما هذا الذي تحت حضنك؟ فقال: يا أحمق، فلم خبأته [1] ؟! وقال أبو الشّيص: [من الطويل]
ضع السرّ في صمّاء ليست بصخرة ... صلود كما عاينت من سائر الصّخر
ولكنها قلب امرئ ذي حفيظة ... يرى ضيعة الأسرار هترا من الهتر [2]
يموت وما ماتت كرائم فعله ... ويبلى وما يبلى نثاه على الدّهر [3]
وقال سحيم الفقعسيّ، في نشر ما يودع من السّرّ [4] : [من الطويل]
ولا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن قليل العقل من باب ليله ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال الفرّار السّلميّ- وهذا الشعر في طريق شعر سحيم، وإن لم يكن في معنى السرّ- وهو قوله [5] : [من الكامل]
وكتيبة لبّستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت بها يدي
وتركتهم تقص الرّماح ظهورهم ... من بين منجدل وآخر مسند [6]
ما كان ينفعني مقال نسائهم ... وقتلت دون رجالهم: لا تبعد
1341-[تخاذل أسلم بن زرعة]
وقيل لأسلم بن زرعة إنك إن انهزمت من أصحاب مرداس بن أديّة غضب عليك الأمير عبيد الله بن زياد قال: يغضب عليّ وأنا حيّ؛ أحبّ إليّ من أن يرضى عني وأنا ميّت.
__________
[1] ورد الخبر في عيون الأخبار 1/39.
[2] الهتر؛ بالفتح: مزق العرق، وبالضم: ذهاب العقل من بر أو مرض، وبالكسر: الباطل والخطأ في الكلام.
[3] النثا: ما أخبرت به الرجل من حسن أو سيئ.
[4] البيتان بلا نسبة في الحماسة المغربية 1292، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1850، وللتبريزي 4/167، وعيون الأخبار 1/41.
[5] الأبيات في الحماسة البصرية 1/28، ومحاضرات الأدباء (3/186) ، وعيون الأخبار 1/164.
[6] تقص: تكسر. المنجدل: المصروع الملقى على الجدالة، وهي الأرض. المسند: الذي أسند إلى ما يمسكه وبه رمق.
(5/103)

قال: وولي دستبى [1] فخرج إليها في أصحابه، فلما شارفها عرضت له الخوارج، وكان أكثر منهم عددا وعدّة، فقال: والله لأصافّنّهم، ولأعبّينّ أصحابي فلعلهم إذا رأوا كثرتهم انصرفوا، ولا أزال بذلك قويّا في عملي هذا. فلما رأت الخوارج كثرة القوم نزلوا عن خيولهم فعرقبوها [2] وقطّعوا أجفان سيوفهم، ونبذوا كل دقيق كان معهم، وصبّوا أسقيتهم. فلما رأى ذلك رأى الموت الأحمر. فأقبل عليهم فقال: عرقبتم دوابّكم وقطّعتم أجفان سيوفكم، ونبذتم دقيقكم؟ خار الله لنا ولكم! ثم ضرب وجوه أصحابه وانصرف عنهم.
1342-[ضيق صدر النظّام بحمل السرّ]
وكان أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام. أضيق الناس صدرا بحمل سرّ وكان شرّ ما يكون إذا يؤكّد عليه صاحب السر وكان إذا لم يؤكّد عليه ربما نسي القصّة، فيسلم صاحب السرّ.
وقال له مرة قاسم التمّار: سبحان الله ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، والله لأشكونّك للناس! فقال: يا هؤلاء، سلوه نممت عليه مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فلمن الذنب الآن؟
فلم يرض بأن يشاركه في الذّنب، حتى صيّر الذّنب كله لصاحب السرّ.
1343-[شعر في حفظ السرّ]
وقال بعض الشعراء [3] : [من المتقارب]
ختمت الفؤاد على سرّها ... كذاك الصحيفة بالخاتم
هوى بي إلى حبّها نظرة ... هويّ الفراشة للجاحم [4]
وقال البعيث [5] : [من الطويل]
فإن تك ليلى حمّلتني لبانة ... فلا وأبي ليلى إذا لا أخونها [6]
__________
[1] دستبى: كورة كبيرة كانت مقسومة بين الري وهمذان. معجم البلدان 2/454.
[2] عرقبوها: حزوا عراقيبها بالسيوف. وعرقوب الدابة في رجلها؛ بمنزلة الركبة في يدها.
[3] البيتان بلا نسبة في ثمار القلوب 399 (730) ، وتقدما في 3/188، 189.
[4] الجاحم: النار العظيمة في مهواة.
[5] البيت الأول لمجنون ليلى في ديوانه 268، وبلا نسبة في أمالي القالي 1/71.
[6] اللبانة: الحاجة.
(5/104)

حفظت لها السرّ الذي كان بيننا ... ولا يحفظ الأسرار إلا أمينها
وقال رجل من بني سعد [1] : [من الوافر]
إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسرّي عنده فأنا الظلوم
وإني حين أسأم حمل سرّي ... وقد ضمّنته صدري سؤوم
ولست محدّثا سرّي خليلا ... ولا عرسي، إذا خطرت هموم
وأطوي السرّ دون الناس، إني ... لما استودعت من سرّ كتوم
1344-[حال من يودع سره الصبيان]
قال: وقيل لشيخ: ويحك هاهنا ناس يسرق أحدهم خمسين سنة، ويزني خمسين سنة، ويصنع العظائم خمسين سنة، وهو في ذلك كله مستور جميل الأمر، وأنت إنما لطت منذ خمسة أشهر، وقد شهرت به في الآفاق! قال: بأبي أنت. ومن يكون سرّه عند الصّبيان أيّ شيء تكون حاله!
1345-[وصية العباس لابنه في حفظ السر]
أبو الحسن، عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: قال العباس بن عبد المطلب لعبد الله ابنه: «يا بنيّ أنت أعلم منّي، وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدنيك- يعني عمر بن الخطاب- فاحفظ عني ثلاثا: لا تفش له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا يطّلعنّ منك على كذبة» .
باب في ذكر المنى
قال [2] : سئل ابن أبي بكرة: أيّ شيء أدوم إمتاعا؟ قال: المنى.
قال [3] : وقال يزيد بن معاوية على منبره: ثلاث يخلقن العقل، وفيها دليل على الضّعف: سرعة الجواب، وطول التمنّي، والاستغراق في الضّحك!
__________
[1] الأبيات لرجل من بني عبد شمس بن سعد في لباب الآداب 243، بلا نسبة في عيون الأخبار 1/39.
[2] الخبر في عيون الأخبار 1/261، ومحاضرات الأدباء 1/216 (2/454) .
[3] الخبر في عيون الأخبار 1/260- 261.
(5/105)

وقال عباية الجعفي: ما سرّني بنصيبي من المنى حمر النّعم! وقال الأصمعي: قال ابن أبي الزّناد: المنى والحلم أخوان [1] .
وقال معمّر بن عبّاد: «الأماني للنّفس، مثل التّرّهات [2] للّسان» .
وقال الشاعر: [من البسيط]
الله أصدق والآمال كاذبة ... وجلّ هذي المنى في الصّدر وسواس
وقال الآخر [3] : [من البسيط]
إذا تمنّيت مالا بتّ مغتبطا ... إنّ المنى روس أموال المفاليس
لولا المنى متّ من همّ ومن حزن ... إذا تذكرت ما في داخل الكيس
وقال بعض الأعراب [4] : [من الطويل]
منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا به زمنا رغدا
أمانيّ من سلمى حسان كأنما ... سقتني بها سلمى على ظما بردا
وقال بشار [5] : [من الطويل]
كررنا أحاديث الزمان الذي مضى ... فلذّ لنا محمودها وذميمها
وروى الأصمعيّ عن بعضهم أنه قال: الاحتلام أطيب من الغشيان، وتمنّيك للشيء أوفر حظا في اللّذة من قدرتك عليه.
قال: كأنه ذهب إلى أنه إذا ملك وجبت عليه في ذلك الملك حقوق، وخاف الزوال واحتاج إلى الحفظ.
__________
[1] الخبر بلا نسبة في عيون الأخبار 1/261، ومحاضرات الأدباء 1/216 (2/454) .
[2] الترهات: الأباطيل.
[3] البيت الأول بلا نسبة في عيون الأخبار 1/261، وعجزه في محاضرات الأدباء 1/217، وهذا المعنى أخذه الخالدي فقال:
ولا تكن عبد المنى فالمنى ... رؤوس أموال المفاليس
وهذا البيت في تزيين الأسواق 456، ويتيمة الدهر 2/192.
[4] البيتان في ذيل الأمالي 102، وعيون الأخبار 1/261، ومحاضرات الأدباء 1/216 (2/454) ، وشرح عمدة الحفاظ 368.
[5] البيت في عيون الأخبار 1/261.
(5/106)

وقال: وفي الحديث المأثور: «ما عظمت نعمة الله على أحد إلّا عظمت مؤونة الناس عليه» .
قال: وقيل لمزبّد: أيسرّك أن عندك قنّينة شراب؟ قال: يا ابن أمّ، من يسرّه دخول النار بالمجاز؟! قال: وقدّموا إلى أبي الحارث جمّيز جام خبيص [1] وقالوا له: أهذا أطيب أم الفالوذج [2] ؟ قال: لا أقضي على غائب! قال: وقال مدينيّ لرجل: أيسرّك أن هذه الدار لك؟ قال: نعم. قال: وليس إلا نعم فقط؟ قال: فما أقول؟ قال: تقول: نعم، وأحمّ [3] سنة! قال: نعم، وأنا أعور.
قال [4] : وقيل لمزبّد: أيسرّك أن هذه الجبّة لك؟ قال: نعم، وأضرب عشرين سوطا. قال: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.
قال [5] : وقال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنّى طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب.
يقول: إنه لا يخلو من موت أخ، أو عمّ، أو ابن عمّ، أو صديق، أو حميم وقال المجنون [6] : [من الطويل]
أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوا ... بذي سلم لاجادكنّ ربيع [7]
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللّوى ... بلين بلى لم تبلهنّ ربوع
فقدتك من قلب شعاع، فطالما ... نهيتك عن هذا وأنت جميع [8]
فقرّبت لي غير القريب، وأشرفت ... مناك ثنايا ما لهنّ طلوع
__________
[1] الجام: إناء من فضة. الخبيص: حلوى تصنع من التمر والسمن.
[2] الفالوذج: حلوى تصنع من الدقيق والماء والعسل.
[3] أحمّ: أصابته الحمى.
[4] الخبر في عيون الأخبار 1/263، وهو برواية مختلفة في محاضرات الأدباء 1/218 (2/257) .
[5] الخبر في ربيع الأبرار 3/102.
[6] الأبيات لمجنون ليلى في ديوانه 190، 192، ولقيس بن ذريح في ديوانه 114- 115، ولجميل ابن معمر في ديوانه 122.
[7] الحرجات: جمع حرجة؛ وهي الشجرة بين الأشجار لا تصل إليها الآكلة. ذو سلم: اسم موضع.
[8] قلب شعاع: متفرق موزع.
(5/107)

1346-[أمانيّ الخوارج]
قال [1] : وقال عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: لولا أربع خصال ما أعطيت عربيّا طاعة: لو ماتت أمّ عمرو- يعني أمّه- ولو نسبت، ولو قرأت القرآن، ولو لم يكن رأسي صغيرا.
قال: وقدم عبد الملك، وكان يحبّ الشّعر فبعثت إلى الرواة، فما أتت عليّ سنة حتى رويت الشاهد والمثل، وفصولا بعد ذلك. وقدم مصعب وكان يحبّ النّسب، فدعوت النّسّابين فتعلّمته في سنة. ثم قدم الحجّاج، وكان يدني على القرآن، فحفظته في سنة.
قال: وقال يزيد بن المهلّب: لا أخرج حتى أحجّ، وأحفظ القرآن، وتموت أمّي. فخرج قبل ذلك كلّه.
وقال عبيد الله بن يحيى: كان من أصحابنا بمرو جماعة، فجلسنا ذات يوم نتمنّى، فتمنّيت أن أصير إلى العراق من أيامي سالما، وأن أقدم فأتزوّج سماع [2] ، وألي كسكر [3] .
قال: فقدمت سالما، وتزوجت سماع، ووليت كسكر.
1347-[أخبار وأشعار في نهري دجلة والفرات]
قال: ووقف هشام بن عبد الملك على الفرات، ومعه عبد الرحمن بن رستم، فقال هشام: ما في الأرض نهر خير من الفرات! فقال عبد الرحمن: ما في الأرض نهر شرّ من الفرات، أوّله للمشركين، وآخره للمنافقين.
وقال أبو الحسن: الفرات ودجلة رائدان [4] لأهل العراق لا يكذبان.
قال الأصمعيّ وأبو الحسن: فهما الرائدان، وهما الرّافدان.
__________
[1] الخبر في البيان 2/114.
[2] سماع: اسم امرأة، وهو مبني على الكسر لأنه على وزن فعال كقطام.
[3] ألي: أصير واليا عليها. كسكر: كورة واسعة بين الكوفة والبصرة، ينسب إليها الفراريج الكسكرية لأنها تكثر بها جدّا. معجم البلدان 4/461، وقد تحدث الجاحظ عن ذلك في 3/141، الفقرة (750) .
[4] الرائد: هو الذي يرسله قومه في طلب الكلأ. وفي مجمع الأمثال 2/223: «الرائد لا يكذب أهله» .
(5/108)

وقال الفرزدق [1] : [من الوافر]
أمير المؤمنين وأنت عفّ ... كريم، لست بالوالي الحريص [2]
بعثت إلى العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص [3]
ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص [4]
تفيهق بالعراق أبو المثنّى ... وعلّم قومه أكل الخبيص [5]
1348-[نهر أم عبد الله]
قال [6] : وبينا غيلان بن خرشة، يسير مع [عبد الله] [7] بن عامر، إذ وردا على نهر أمّ عبد الله [8] فقال ابن عامر: ما أنفع هذا النهر لأهل هذا المصر! قال غيلان:
أجل أيها الأمير، والله إنهم ليستعذبون [9] منه، وتفيض مياههم إليه، ويتعلم صبيانهم فيه العوم، وتأتيهم ميرتهم [10] فيه.
فلما أن كان بعد ذلك ساير ذات يوم زيادا- وكان زياد عدوّا لابن عامر- فقال زياد: ما أضرّ هذا النهر بأهل هذا المصر! فقال: أجل والله أيها الأمير! تنزّ منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويبعضون ويبرغثون [11] !
__________
[1] ديوان الفرزدق 1/389 (دار صادر) ، 487 (الصاوي) ، والكامل 2/73 (المعارف) ، والكنايات للجرجاني 74، وزهر الآداب 56، والفاضل 111.
[2] الحريص: ذو الحرص؛ والحرص: الجشع.
[3] علق ابن قتيبة في الشعر والشعراء 24 «ليدن» على هذا البيت بقوله: «يريد: أوليتها خفيف اليد، يعني في الخيانة، فاضطرته القافية إلى ذكر القميص. ورافداه: دجلة والفرات» .
[4] المخاض: الحوامل من النوق. القلوص: الشابة من الإبل. إفال: جمع أفيل؛ وهو الفصيل. وفي البيت إشارة إلى أن بني فزارة يرمون بإتيان الإبل. انظر زهر الآداب 56.
[5] تفيهق: من التفيهق في الكلام، وهو التوسع فيه والتنطع. الخبيص: حلوى تصنع من التمر والسمن.
[6] الخبر في البيان 1/394- 395، والعمدة 1/48، (باب البلاغة) .
[7] زيادة من البيان والعمدة.
[8] نهر أم عبد الله: بالبصرة؛ منسوب إلى أم عبد الله بن عامر بن كريز أمير البصرة في أيام عثمان.
معجم البلدان 5/317.
[9] يستعذبون: يستقون.
[10] الميرة: الطعام يمتاره الإنسان، أي يجتلبه.
[11] يبعضون: يؤذيهم البعوض. يبرغثون: يؤذيهم البرغوث.
(5/109)

[باب في العصافير]
(القول في العصافير وسنقول باسم الله وعونه في العصفور بجملة من القول.)
وعلى أنّا قد ذكرنا من شأنه أطرافا ومقطّعات من القول تفرّقن في تضاعيف تلك الأصناف. وإذا طال الكلام وكثرت فنونه، صار الباب القصير من القول في غماره مستهلكا، وفي حومته غرقا، فلا بأس أن تكون تلك الفقر مجموعات، وتلك المقطّعات موصولات، وتلك الأطراف مستقصيات مع الباقي من ذكرنا فيه؛ ليكون الباب مجتمعا في مكان واحد. فبالاجتماع تجتمع القوة، ومن الأبعاض يلتئم الكلّ، وبالنظام تظهر المحاسن.
1349-[دعوى الإحاطة بالعلم]
ولست أدّعي في شيء من هذه الأشكال الإحاطة به، والجمع لكل شيء فيه.
ومن عجز عن نظم الكثير، وعن وضعه في مواضعه- كان عن بلوغ آخره، وعن استخراج كل شيء فيه أعجز. والمتح [1] أهون من الاستنباط [2] ، والحصد أيسر من الحرث.
وهذا الباب لو ضمّنه على كتابه من هو أكثر مني رواية أضعافا، وأجود مني حفظا بعيدا، وكان أوسع مني علما وأتمّ عزما، وألطف نظرا وأصدق حسّا، وأغوص على البعيد الغامض، وأفهم للعويص الممتنع، وأكثر خاطرا وأصحّ قريحة، وأقلّ سآمة، وأتمّ عناية، وأحسن عادة مع إفراط الشهوة، وفراغ البال، وبعد الأمل، وقوة الطمع في تمامه، والانتفاع بثمرته، ثم مدّ له في العمر، ومكّنته المقدرة- لكان قد ادّعى معضلة، وضمن أمرا معجزا، وقال قولا مرغوبا عنه، متعجّبا منه؛ ولكان لغوا ساقطا، وحارضا بهرجا [3] ؛ ولكان ممن يفضل قوله على فعله، ووعده على مقدار إنجازه؛ لأن الإنسان، وإن أضيف إلى الكمال وعرف بالبراعة، وغمر [4] العلماء؛ فإنه
__________
[1] المتح: جذب الماء بالدلو من رأس البئر.
[2] الاستنباط: استخراج الماء بحفر الأرض وبحثها.
[3] الحارض: الفاسد الضعيف. البهرج: الرديء.
[4] غمر العلماء: علاهم شرفا.
(5/110)

لا يكمل أن يحيط علمه بكلّ ما في جناح بعوضة، أيام الدنيا، ولو استمد بقوة كلّ نظّار حكيم؛ واستعار حفظ كلّ بحّاث واع [1] ؛ وكلّ نقّاب في البلاد، ودرّاسة للكتب.
وما أشكّ أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعيّة من العلماء، وعند الخلفاء ما ليس عند الوزراء، وعند الأنبياء ما ليس عند الخلفاء، وعند الملائكة ما ليس عند الأنبياء، والذي عند الله أكثر، والخلق عن بلوغه أعجز، وإنما علّم الله كلّ طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم، ومقدار مصلحتهم.
1350-[القول في قوله تعالى: عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
]
فإن قلت: فقد علّم الله عزّ وجلّ آدم الأسماء كلّها [2]- ولا يجوز تعريف الأسماء بغير المعاني- وقلت: ولولا حاجة الناس إلى المعاني، وإلى التعاون والترافد، لما احتاجوا إلى الأسماء. وعلى أن المعاني تفضل [3] عن الأسماء، والحاجات تجوز مقادير السّمات، وتفوت ذرع العلامات [4] فممّا لا اسم له خاصّ الخاصّ. والخاصّيّات كلها ليست لها أسماء قائمة.
وكذلك تراكيب الألوان، والأراييح، والطعوم، ونتائجها.
وجوابي في ذلك: أن الله عزّ وجلّ لم يخبرنا أنه قد كان علّم آدم كلّ شيء يعلمه تعالى، كما لا يجوز أن يقدره على كلّ شيء يقدر عليه.
وإذا كان العبد المحدود الجسم، المحدود القوى، لا يبلغ صفة ربّه الذي اخترعه، ولا صفة خالقه الذي ابتدعه- فمعلوم أنه إنما عنى بقوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[5] علم مصلحته في دنياه وآخرته.
وقال الله عزّ وجلّ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[6] . وقال الله عزّ وجلّ:
__________
[1] واع: حافظ.
[2] انظر المزهر 1/28.
[3] تفضل: تزيد.
[4] الذرع: الطاقة. العلامات: السمات.
[5] 31/البقرة: 2.
[6] 76/يوسف: 12.
(5/111)

وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[1] . وقال الله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[2] . وقال تقدّست أسماؤه: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
[3] . وقال الله عزّ وجلّ: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
[4] .
وهذا الباب من المعلوم، غير باب علم ما يكون قبل أن يكون؛ لأن باب (كان) قد يعلم بعضه، وباب (يكون) لا سبيل إلى معرفة شيء منه. والمخاطبة وقعت على جميع المتعبّدين، واشتملت على جميع أصناف الممتحنين، ولم تقع على أهل عصر دون عصر، ولا على أهل بلد دون بلد، ولا على جنس دون جنس، ولا على تابع دون متبوع ولا على آخر دون أوّل.
أجناس الطير التي تألف دور الناس
العصافير، والخطاطيف، والزّرازير، والخفافيش. فبين هذه [وبين الناس] [5] مناسبة ومشاكلة، وإلف ومحبّة.
والخطاطيف تقطع [6] إليهم وتعزب [7] عنهم. والعصافير لا تفارقهم. وإن وجدت دارا مبنية لم تسكنها حتى يسكنها إنسان. ومتى سكنتها لم تقم فيها إذا خرج منها ذلك الإنسان. فبفراقه تفارق، وبسكناه تسكن، وهذه فضيلة لها على الخطاطيف.
والحمام لا يقيم معهم في دورهم إلا بعد أن يثبّتوه ويعلّموه، ويرتّبوا حاله ويدرّجوه. ومنها ما هو وحشيّ طورانيّ [8] ، وربما توحّش بعد الأنس والعصافير على خلاف ذلك، فلها بذلك فضيلة على الحمام، وعلى الخطّاف.
__________
[1] 27/لقمان: 31.
[2] 7/الروم: 30.
[3] 31/المدثر: 74.
[4] 8/النحل: 16.
[5] إضافة يقتضيها المعنى.
[6] تقطع: تنتقل من بلد إلى آخر.
[7] تعزب: تبعد.
[8] الطوراني: في معجم البلدان 4/24 (طرآن) : «قال أبو حاتم: حمام طرآني؛ من طرأ علينا فلان أي طلع، ولم نعرفه، قال: والعامة تقول طوراني وهو خطأ» وفيه أيضا: طرآن: جبل فيه حمام كثير؛ إليه ينسب الحمام الطرآني» .
(5/112)

وقد يدرّب العصفور ويثبّت فيستجيب من المكان البعيد، ويثبت ويدجن.
فهو مما يثبت ويعايش الناس، من تلقاء نفسه مرة، وبالتثبيت مرة. وليس كذلك شيء مما يأوي إلى الناس من الطير.
وقد بلغني أن بعض ما يستجيب منها قد درّب فرجع من ميل. فأما الهداية من تلقاء نفسه فمن الفراسخ الكثيرة.
1351-[انتقال العصافير إلى البساتين]
وحدّثني حمّويه الخريبيّ وأبو جراد الهزاردريّ قالا: إذا كان زمان البيادر لم يبق بالبصرة عصفور إلا صار إلى البساتين، إلا ما أقام على بيضه وفراخه. وكذلك العصافير إذا خرج أهل الدّار من الدّار، فإنه لا يقيم في تلك الدار عصفور إلا على بيض أو فراخ. فإذا لم يكن لها استوحشت، والتمست لأنفسها الأوكار في الدّور المعمورة. ولذلك قال أبو يعقوب إسحاق الخريمي [1] : [من المنسرح]
فتلك بغداد ما تبنّى من ال ... وحشة في دورها عصافرها
قالا [2] : فعلى قدر قرب القبائل من البساتين سبق العصافير إليها، فإذا جاءت العصافير التي تلي أقرب القبائل منها إلى أوائل البساتين فوجدت عصافير ما هو أقرب إليها منها قد سبقت إليها تعدّتها إلى البساتين التي تليها وكذلك صنيع ما بقي من عصافير القبائل الباقية حتى تصير عصافير آخر البصرة إلى آخر البساتين. وذلك شبيه بعشرين فرسخا. فإذا قضت حاجتها، وانقضى أمر البيادر أقبلت من هناك، على أمارات لها معروفة، وعلامات قائمة، حتى تصير إلى أو كارها.
1352-[ضروب الطير]
والطير كله على ثلاثة أضرب: فضرب من بهائم الطير، وضرب كسباع الطير، وضرب كالمشترك المركّب منها جميعا [3] .
فالبهيمة كالحمام وأشباه الحمام، مما يغتذي الحبوب والبزور والنبات، ولا يغتذي غير ذلك.
__________
[1] ديوان الخريمي 32.
[2] يقصد حمويه وأبا جراد اللذين ورد اسمهما في بداية الفقرة.
[3] انظر عيون الأخبار 2/89.
(5/113)

والسبع [1] : الذي لا يغتذي إلا اللحم.
وقد يأكل الأسد الملح [2] ، ليس على طريق التغذي، ولكن على طريق التّملّح والتحمّض.
1353-[ما يشارك فيه العصفور بهائم الطير]
فممّا يشارك فيه العصفور بهائم الطير، أنه ليس بذي مخلب ولا منسر [3] ، وهو مما إذا سقط على عود قدّم أصابعه الثلاث، وأخّر الدّابرة [4] . وسباع الطير تقدّم إصبعين، وتؤخّر إصبعين.
ومما شارك فيه السّبع [5] أنّ بهائم الطير تزقّ فراخها، والسّباع تلقم فراخها.
1354-[ضروب الفراخ]
والفراخ على ثلاثة أضرب: ففرخ كالفرّوج لا يزق ولا يلقم؛ وهو يظهر كاسبا [6] . وفرخ كفرخ الحمام وأشباه الحمام، فهو يزقّ ولا يلقم. وفرخ كفرخ العقاب والبازي، والزرّق، والشاهين والصقر، وأشباهها من السّباع فهو يلقم ولا يزقّ.
فأشبهها العصفور من هذا الوجه.
وفيه من أخلاق السّباع [7] : أنه يصيد الجرادة، والنمل الطيّار، ويأكل اللحم، ويلقم فراخه اللحم.
وليس في الأرض رأس أشبه برأس حيّة من رأس عصفور [8]
1355-[الأجناس التي تعايش الناس]
والأجناس التي تعايش الناس: الكلب، والسّنّور، والفرس، والبعير، والحمار، والبغل، والحمام، والخطّاف، والزّرزور، والخفّاش، والعصفور.
__________
[1] أي السبع من سباع الطير.
[2] انظر ما تقدم في 3/127، الفقرة (722) .
[3] المنسر: منقار الطير الجارح.
[4] الدابرة: الإصبع التي من وراء رجل الطائر، وانظر عيون الأخبار 2/89.
[5] أي السبع من سباع الطير.
[6] كاسبا: أي يكسب القوت لنفسه منذ يخرج من بيضته.
[7] عيون الأخبار 2/89.
[8] ربيع الأبرار 5/454.
(5/114)

1356-[أطول الحيوان عمرا وأقصره]
قالوا [1] : وليس في جميعها أطول عمرا من البغل، ولا أقصر عمرا من العصفور.
قالوا: ونظن ذلك إنما كان لقلّة سفاد البغل، وكثرة سفاد العصفور.
ويزعمون أن محمد بن سليمان أنزى البغال على البغلات، كما أنزى العتاق على الحجور، والبراذين [2] على الرّماك [3] ، والحمير على الأتن [4] ، فوجد تلك الفحولة من البغال بأعيانها، أقصر أعمارا من سائر الحافر، حين سوّى بينها في السّفاد، ووجد البغال تلقح إلقاحا فاسدا لا يتمّ ولا يعيش.
وذكروا أن قصر العمر لم يعرض لإناثها كما عرض لذكورتها.
وهذا شبيه بما ذكر صاحب المنطق [5] في العصافير، فإنه ذكر أن إناثها أطول أعمارا. وأن ذكورتها لا تعيش إلا سنة واحدة.
1357-[السمن يجعل الأنثى عاقرا]
والمرأة تنقطع عن الحبل قبل أن ينقطع الرجل عن الإحبال بدهر، وتفرط في السمن فتصير عاقرا، ويكون الرجل أسمن منها فلا يصير عاقرا.
وكذلك الحجر، والرّمكة، والأتان. وكذلك النخلة المطعمة. ويسمن لبّ الفحّال [6] فيكون أجود لإلقاحه. وهما يختلفان كما ترى.
1358-[الأجناس الفاضلة من الحيوان]
وللعصفور فضيلة أخرى. وذلك أنّ من فضل الجنس أن تتميز ذكورته في العين من إناثه، كالرجل والمرأة، والدّيك والدجاجة، والفحال والمطعمة، والتّيس والصفيّة [7] ، والطاوس، والتّدرج [8] ، والدّرّاج [9] وإناثها.
__________
[1] ربيع الأبرار 5/397.
[2] البرذون: هو من الخيل ما كان أبواه أعجميان. حياة الحيوان 1/168.
[3] الرمكة: أنثى البرذون. حياة الحيوان 1/528.
[4] الأتن: جمع أتان: الحمارة. حياة الحيوان 1/27.
[5] أي أرسطو.
[6] الفحال: ذكر النخل.
[7] الصفية: أنثى المعز
[8] التدرج: طائر كالدراج يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يكون بأرض خراسان وغيرها من بلاد فارس. حياة الحيوان 1/230.
[9] الدراج: طائر أسود باطن الجناحين وظاهرهما أغبر على خلقة القطا؛ إلا أنه ألطف. حياة الحيوان 1/477.
(5/115)

وليس ذلك كالحجر والفرس، والرّمكة والبرذون، والناقة والجمل، والعير والأتان، والأسد واللّبؤة، فإن هذه الأجناس تقبل نحوك فلا ينفصل في العين الأنثى من الذكر، حتى تتفقّد مواضع القنب [1] والأطباء [2] ، وموضع الضّرع والثّيل [3] ، وموضع ثفر الكلبة [4] من القضيب.
لأنّ للعصفور الذّكر لحية سوداء. وليس اللحية إلا للرجل والجمل، والتيس، والدّيك، وأشباه ذلك. فهذه أيضا فضيلة للعصفور. وذكر ابن الأعرابيّ أن للناقة عثنونا [5] كعثنون الجمل، وأنها متى كان عثنونها أطول كان فيها أحمد.
1359-[حب العصافير فراخها]
وليس في الأرض طائر، ولا سبع ولا بهيمة، أحنى على ولد، ولا أشدّ به شعفا، وعليه إشفاقا [6]- من العصافير. فإذا أصيبت بأولادها، أو خافت عليها العطب، فليس بين شيء من الأجناس من المساعدة، مثل الذي مع العصافير، لأن العصفور يرى الحيّة قد أقبلت نحو حجره وعشّه ووكره، لتأكل بيضه أو فراخه، فيصيح ويرنّق [7] فلا يسمع صوته عصفور إلا أقبل إليه وصنع مثل صنيعه، بتحرّق ولوعة، وقلق، واستغاثة وصراخ، وربما أفلت الفرخ وسقط إلى الأرض- وقد ذهبت الحيّة- فيجتمعن عليه، إذا كان قد نبت ريشه أدنى نبات، فلا يزلن يهيّجنه، ويطرن حوله، لعلمها أن ذلك يحدث للفرخ قوة على النّهوض فإذا نهض طرن حواليه ودونه، حتى يحتثثنه [8] بذلك العمل.
وكان الخريميّ ينشد [9] : [من الرجز]
واحتثّ كلّ بازل ذقون ... حتى رفعن سيرة اللّجون [10]
__________
[1] القنب: وعاء قضيب الدابة.
[2] الأطباء: حلمات الضرع التي من خفّ وظلف وحافر وسبع، وهي جمع طبي.
[3] الثيل: وعاء قضيب البعير وغيره.
[4] الثفر: كالحياء للناقة، وهو لكل ذات مخلب.
[5] العثنون: شعيرات طوال تحت حنك البعير.
[6] الشعف: أن يذهب الحب بفؤاده.
[7] رنق الطائر: خفق بجناحيه في الهواء وثبت ولم يطر.
[8] الحث: الاستعجال.
[9] ديوان الخريمي 80، وبلا نسبة في اللسان (خدر) ، والتهذيب 7/266.
[10] في ديوانه، احتث: أسرع في سيره. البازل من الإبل: ما كان في التاسعة. الذقون: التي تميل ذقنها إلى الأرض تستعين بذلك على السير. اللجون: الثقيل المشي من الإبل.
(5/116)

وينشد [1] : [من الرجز]
واحتثّ محتثّاتها الخدورا [2]
وتقول العرب [3] : «العاشية تهيج الآبية» [4] .
ولو أن إنسانا أخذ فرخي عصفور من وكره، ووضعهما بحيث يراهما أبواهما في منزله، لوجد العصفور يتقحّم في ذلك المنزل، حتى يدخل في ذلك القفص، فلا يزال في تعهّده بما يعيشه حتى يستغني عنه. ثم يحتملان في ذلك غاية التغرير والخطار؛ وذلك من فرط الرّقّة على أولادهما.
1360-[ضروب الحيوان التي لا تمشي]
وأجناس الحيوان التي لا تستطيع أن تسمح [5] بالمشي ضروب: منها الضبع، لأنها خلقت عرجاء، فهي أبدا تخمع. قال الشاعر [6] : [من الوافر]
وجاءت جيأل وأبو بنيها ... أحمّ المأقيين به خماع [7]
وقال مدرك بن حصن [8] : [من الطويل]
من الغثر ما تدري أرجل شمالها ... بها الظّلع إمّا هرولت أم يمينها [9]
__________
[1] الرجز للعجاج في ديوانه 1/533، وبلا نسبة في اللسان والتاج (خدر) .
[2] في اللسان: «الخدور: التي تخلفت عن الإبل، فلما نظرت إلى التي تسير سارت معها» .
[3] مجمع الأمثال 2/9، وجمهرة الأمثال 2/57، والمستقصى 1/331، وفصل المقال 516، والفاخر 160، وأمثال ابن سلام 394.
[4] العاشية: واحدة العواشي، وهي الإبل والغنم التي ترعى بالليل. الآبية: التي تأبى الرعي.
[5] أسمحت: انقادت.
[6] البيت لمشعث العامري في الأصمعيات 148، ومعجم الشعراء 447، والمعاني الكبير 215، والدرة الفاخرة 2/399، ومجمع الأمثال 2/355، واللسان (جأل) ، والتاج (خمع) ، وللمثقب العبدي في ملحق ديوانه 277، واللسان (خمع) ، وبلا نسبة في أساس البلاغة (مأق) ، والجمهرة 1170، والبرصان 162، والمذكر والمؤنث للأنباري 108.
[7] جيأل: علم جنس لأنثى الضبع؛ غير مصروف للعلمية والتأنيث، وصرف هنا للشعر. أحم: أسود.
المأق: طرف العين مما يلي الأنف. الخماع: العرج.
[8] البيت لمدرك بن محصن في اللسان والتاج (ظلع) ، والبرصان 164، وبلا نسبة في اللسان (عرن) .
[9] الغثراء: الغبراء أو قريب منها، واسم الضبع.
(5/117)

والذئب أقزل [1] شنج [2] النسا، وإن أحثّ إلى المشي فكأنه يتوجّى [3] .
وكذلك الظّبي، شنج النّسا، فهو لا يسمح بالمشي. قال الشاعر [4] : [من الهزج]
وقصرى شنج الأنسا ... ء نبّاح من الشّعب [5]
ظبي أشعب: إذا كان بعيد ما بين القرنين. ولا يسمع له نباح. وإذا أراد العدو، فإنما هو النّقز [6] والوثب، ورفع القوائم معا.
ومن ذلك الأسد فإنه يمشي كأنه رهيص [7] ، وإذا مشى تخلّع [8] .
قال أبو زبيد [9] : [من البسيط]
إذا تبهنس يمشي خلته وعثا ... وعت سواعد منه بعد تكسير [10]
ومن ذلك الفرس، لا يسمح بالمشي. وهو يوصف بشنج النسا.
وقال الشاعر [11] : [من الرمل]
شنج الأنساء من غير فحج [12]
__________
[1] الأقزل: الأعرج الدقيق الساقين.
[2] شنج النسا: متقبضه.
[3] يتوجى: يشتكي باطن خفه.
[4] البيت لأبي دؤاد الإيادي في ديوانه 288، واللسان والتاج (شعب، شنج، نبح، قصر) ، والمعاني الكبير 142، ولعقبة بن سابق في الأصمعيات 41، وبلا نسبة في همع الهوامع 2/120، والمقرب 1/228.
[5] القصرى: أسفل الأضلاع.
[6] النقز: الوثب.
[7] الرهيص: من الرهص، وهو الفخر، وأن يصيب حافر الدابة شيء يوهنه.
[8] تخلع: مشى مشية متفككة.
[9] ديوان أبي زبيد الطائي 623، والبرصان 141.
[10] في ديوانه: «تبهنس: تبختر. وعثا: يمشي في وعث، وهو ما كثر فيه الرمل. وعى الساعد: يقول كأنها قد انكسرت ثم جبرت بعد» .
[11] صدر البيت: (شنج المرسن مجبول القرى) ، وهو لعمرو بن العاص في البرصان 140.
[12] مجبول القرى: قوي الظهر. الفحج: تداني صدور القدمين وتباعد العقبين في المشي، وهو عيب في الفرس.
(5/118)

ومن ذلك الغراب، فإنه يحجل كأنه مقيّد. قال الشاعر [1] : [من الطويل]
كتارك يوما مشية من سجيّة ... لأخرى ففاتته فأصبح يحجل
وقال الطرّمّاح [2] : [من الكامل]
شنج النسا أدفى الجناح كأنه ... في الدّار بعد الظّاعنين مقيّد [3]
والسّنّور، والفهد، وأشباههما في طريق الأسد.
والحيّة تمشي. ومنها ما يثب، ومنها ما ينتصب ويقوم على ذنبه.
والأفعى إذا نهشت أو انباعت للنّهش [4] ، لم تستقلّ [5] ببدنها كلّه ولكنها تستقلّ [5] ببدنها الذي يلي الرأس، بحركة ونشط أسرع من اللّمح.
والجرادة تطير وتمشي وتطمر [6] . فإذا صرت إلى العصفور ذهب المشي البتّة.
وأكثر ما عند البرغوث الطّمور [6] والوثوب.
وقال الحسن بن هانئ [7] يصف رجلا يفلي القمل والبرغوث بأنامله:
أو طامريّ واثب ... لم ينجه منه وثابه
لأن البرغوث مشّاء وثّاب.
قال: وقول الناس [8] : «طامر بن طامر» [9] ، إنما يريدون البرغوث.
__________
[1] البيت لأبي عمران الأعمى كما تقدم في 4/418، الفقرة (1171) وهو في العققة والبررة 355 (نوادر المخطوطات) ، ونسب إلى أبي عمران الأعجم في البرصان 140.
[2] ديوان الطرماح 130 (109) ، واللسان والتاج (شنج، حرق، وقال) ، والعين 8/81، والتهذيب 10/451، والمعاني الكبير 151، والبرصان 23، 140.
[3] في ديوانه: «شنج النسا: أي قصير النسا متقبضه، وهو لا يسمح بالمشي، ولذلك يحجل الغراب.
النسا: عرق يستبطن الفخذ. أدفى الجناح: طويل الجناح. الظاعنون: الراحلون عن الديار. يريد:
أن هذا الغراب يألف الديار إذا رحل عنها أهلها، فكأه مقيد فيها» .
[4] النهش: العض. انباعت: بسطت نفسها.
[5] تستقل: من قولهم: استقل الطائر في سطيرانه: إذا نهض للطيران وارتفع.
[6] تطمر: تثب.
[7] البيت في نهاية الأرب 1/178، والبرصان 143.
[8] هذا القول من الأمثال في مجمع الأمثال 1/432، والمستقصى 2/398، والفاخر 58، وجمهرة الأمثال 1/42، وثمار القلوب 213 (422) .
[9] يقال المثل لمن لا يعرف أبوه ولا يدري من هو.
(5/119)

والعصفور ليس يعرف إلا أن يجمع رجليه ثم يثب، فيضعهما معا ويرفعهما معا. فليس عنده إلا النّقزان [1] . ولذلك سمّي العصفور نقّازا.
وهو العصفور والجمع عصافير، ونقّاز والجمع نقاقيز. وهو الصّعو. ويزعمون أن العرب تجعل الخرّق [2] والقنبر، والحمّر، وأشباه ذلك كله، من العصافير.
والعصفور طيرانه نقزان أيضا، فهو لا يسمح بالطيران كما لا يسمح بالمشي.
1361-[شدة وطء العصفور والكلب]
وليس لشيء جسمه مثل جسم العصفور مرارا كثيرة، من شدّة الوطء، وصلابة الوقع على الأرض، إذا مشى، أو على السطح- ما للعصفور، فإنك إذا كنت تحت السّطح الذي يمشي عليه العصفور حسبت وقعه عليه وقع حجر.
والكلب منعوت بشدة الوطء، وكذلك الخصيان من كل شيء. والعصفور يأخذ بنصيبه من ذلك أكثر من قسط جسمه من تلك الأجسام بالأضعاف الكثيرة.
1362-[ضروب الحيوان التي تمشي]
والذّباب من الطير الذي يجيد المشي. ويمشي مشيا سبطا حثيثا، وحسنا مستويا.
والقطاة مليحة المشية، مقاربة الخطو.
وقد توصف مشية المرأة بمشية القطاة. وقال الكميت [3] : [من الكامل]
يمشين مشي قطا البطاح تأوّدا ... قبّ البطون رواجح الأكفال [4]
وقال الشاعر [5] : [من مجزوء الرمل]
يتمشين كما تم ... شي قطا أو بقرات
لأن البقرة تتبختر في مشيتها.
__________
[1] النقزان: الوثبان.
[2] الخرّق: ضرب من العصافير.
[3] ديوان الكميت 2/53، ومعجم الشعراء 239، والبرصان 144، والحماسة البصرية 2/89، والأغاني 8/227، 16/151، ولباب الآداب 371.
[4] القبب: دقة الخصر وضمور البطن.
[5] البيت بلا نسبة في البرصان 144، واللسان (شجا) .
(5/120)

وقلت لابن دبوقاء [1] : أي شيء أول التّشاجي [2] ؟ قال: التباهر والقرمطة [3] في المشي. وقال [4] : [من مجزوء الكامل]
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
وكلّ حيوان من ذوات الرجلين والأربع، إذا انكسرت لها قائمة تحاملت بالصحيحة، إلا النعامة فإنها تسقط البتّة.
1363-[كثرة سفاد العصفور]
قال [5] : وكثرة عدد السّفاد، والمبالغة في الإبطاء، والدّوام في كثرة العدد لضروب من الحيوان- فالإنسان يغلب هذه الأجناس بأن ذلك دائم منه في جميع الأزمنة. فأما الإبطاء في حال السّفاد فللجمل والورل والذّبان والخنازير. فهذه فضيلة لذة لهذه الأجناس والأصناف. فأما كثرة العدد فللعصافير.
1364-[سفاد التيس]
وقد زعم أبو عبد الله العتبيّ الأبرص، وكان قاطع الشهادة عند أصحابنا البصريّين- أن الذي يقال له المشرطيّ قرع في يوم واحد نيفا وثمانين [6] قرعة.
إلا أن ذلك منه ومن مثله ينمحق؛ حتى يعود جافرا [7] في الأيام القليلة.
1365-[تيس بني حمّان]
وبنو حمّان يزعمون أن تيس بني حمّان قرع وألقح بعد أن ذبح [8] . وفخروا بذلك، فقال بعض من يهجوهم: [من الطويل]
وألهى بني حمّان عسب عتودهم ... عن المجد حتى أحرزته الأكارم [9]
__________
[1] هذا الخبر نقله ابن منظور عن الجاحظ في اللسان، مادة (شجا) ، 14/424.
[2] التشاجي: تمنّع المرأة وتحازنها.
[3] التباهر: إظهار البهر، وهو انقطاع النفس من الإعياء. القرمطة: مقاربة الخطو.
[4] البيت للمنخل اليشكري في الأغاني 21/3، والأصمعيات 60، وبلا نسبة في أساس البلاغة (شطو) .
[5] انظر رسائل الجاحظ 2/315- 316 (كتاب البغال) .
[6] سيأتي الخبر ص 253.
[7] أجفر الرجل: انقطع عن الجماع.
[8] ثمار القلوب (564) وفيه أن تيس بني حمان قفط سبعين عنزا بعد ما فريت أوداجه.
[9] العسب: ماء الفحل. العتود: الجدي قد بلغ السفاد، والبيت للفرزدق في ربيع الأبرار 5/409.
(5/121)

1366-[زعم لصاحب المنطق في سفاد الثور]
وزعم صاحب المنطق، في كتاب الحيوان، أن ثورا فيما سلف من الدهر سفد وألقح من ساعته بعد أن خصي.
فإذا أفرط المديح وخرج من المقدار، أو أفرط التعجيب وخرج من المقدار- احتاج صاحبه إلى أن يثبته بالعيان، أو بالخبر الذي لا يكذّب مثله، وإلا فقد تعرّض للتكذيب.
ولو جعلوا حركتهم خبرا وحكاية، وتبرؤوا عن عيبه- ما ضرّهم ذلك، وكان ذلك أصون لأقدارهم، وأتمّ لمروءات كتبهم.
1367-[القول في الجناح واليد والرجل]
وقالوا: وكلّ طائر جيّد الجناح، يكون ضعيف الرجلين، كالزّرزور والخطّاف؛ وجناحاهما أجود من جناح العصفور. ورجل العصفور قويّة.
والجناحان هما يدا الطائر؛ لأنهم يجعلون كلّ طائر وإنسان ذا أربع: فجناحا الطائر يداه، ويدا الإنسان جناحاه. ولذلك إن قطعت يد الإنسان لم يجد العدو.
وكذلك إن قطعت رجل الطائر لم يجد الطّيران.
والدابة قد تقوم على رجليها دون يديها، والإنسان قد يمشي على أربع. قالوا:
فهم في عدد الأيدي والأرجل سواء. وفي الآلات الأربع؛ إلا أن الآلة تكون في مكان ببعض الأعمال أليق، وهو عليها أسهل، فتجذبها طبائعها إلى ما فيها من ذلك، كمشي الدابة على يديها، وثقل ذلك على الإنسان.
والحمام يضرب بجناحه الحمام، ويقاتله به، ويدفع به عن نفسه. فقوادمه [1] هي أصابعه، وجناحه هو يده، ورجله كالقدم. وهي رجل وإن سمّوها كفّا، حين وجدوها تكفّ به، كما يصنع الإنسان بكفّه.
وكلّ مقطوع اليدين، وكل من لم يخلق له يدان فهو يصنع برجليه عامّة ما يصنعه الوافر الخلق بيديه.
وكل سبع يكون شديد اليدين فإنه يكون ضعيف الرجلين.
وكل شيء من ذوات الأربع، من البراثن والحوافر، فإن أيديها أكبر من أرجلها.
والناس أرجلهم أكبر من أيديهم، وأقدامهم أكبر من أكفّهم.
__________
[1] القوادم: أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح، الواحدة قادمة.
(5/122)

وجعلوا ركبهم في أرجلهم، وجعلوا ركب الدّواب في أيديها.
1368-[فائدة العصافير وضررها]
وللعصافير طباهجات [1] وقلايا [2] تدعى العصافيريّة، ولها حشاوي يطعمها العوامّ المفلوج. والعوامّ تأكلها للقوّة على الجماع. وعظام سوقها وأفخاذها أحدّ وأذرب من الإبر. وهي مخوفة على المعدة والأمعاء.
وهي تخرّب السّقف تخريبا فاحشا. وتجتلب الحيّات إلى منازل الناس؛ لحرص الحيات على ابتلاع العصافير وفراخها وبيضها.
1369-[عمر العصفور والذباب والبغل]
والذين زعموا أن ذكورتها لا تعيش إلا سنة، يحتاجون إلى أن يعرّفوا الناس ذلك. وكيف يستطيعون تعريفهم؟! وقد تكون القرى بقرب المزارع والبيادر مملوءة عصافير، ومملوءة من بيضها وفراخها، وهم مع ذلك لم يروا عصفورا قط ميتا.
والذين يزعمون أن الذباب لا يعيش أكثر من أربعين يوما، وكانوا لا يكادون يرون ذبابة ميتة- أعذر، لأنهم ذهبوا إلى الحديث [3] . وأصحاب الحديث لا يؤاخذون بما يؤاخذ به الفلاسفة.
والذين زعموا أن البغل إنما طال عمره لقلّة السّفاد، والعصفور إنما قصر عمره لكثرة السّفاد وغلمته [4]- لو قالوا بذلك على جهة الظنّ والتقريب، لم يلمهم أحد من العلماء. والأمور المقرّبة غير الأمور الموجبة، فينبغي أن يعرفوا فصل ما بين الموجب والمقرّب، وفصل ما بين الدليل وشبه الدليل ولعلّ طول عمر البغل يكون للذي قالوا، ولشيء آخر.
وليس ينبغي لنا أن نجزم على هذه العلّة فقط، إلا بعد أن يحيط علمنا بأن عمره لم يفضل على أعمار تلك الأجناس إلا لهذه العلّة.
__________
[1] طباهجات: جمع طباهجة، وهو ضرب من قلي اللحم، وهو ما يسمى «الكباب» . انظر المخصص 4/128، ومعجم البلدان (كباب) .
[2] قلايا: جمع قلية، وهي اللحم المقلي.
[3] ورد الحديث في 3/151، الفقرة (765) ، وهو «أن عمر الذباب أربعون يوما» .
[4] انظر ما تقدم في فقرة 1356 ص 115- 116.
(5/123)

1370-[بعض خصال العصفور]
والعصفور لا يستقرّ ما كان خارجا من وكره، حتى كأنه في دوام الحركة وصبيّ. له صوت حديد مؤذ.
وزعموا أن البلبل لا يستقر أبدا وهذا غلط، لأن البلبل إنما يقلق لأنه محصور في قفص. والذين عاينوا البلابل والعصافير في أو كارها، وغير محصورة في الأقفاص، يعلمون فضل العصفور على البلبل في الحركة.
فأما صدق الحسّ، وشدّة الحذر، والإزكان [1] الذي ليس عند خبيث الطير [2] ، ولا عند الغراب [3]- فإن عند العصفور منه ما ليس عند جميع ما ذكرنا، لو اجتمعت قواهم، وركّبوا في نصاب واحد.
من ذلك أنه يغمّ بحدّة صوته بعض من يقرب منه، فيصيح به ويهوي بيديه إلى الأرض كأنه يريد أن يرميه بحجر فلا يراه يحفل بذلك. فإن وقعت يده على حصاة طار من قبل أن يتمكّن من أخذها.
1371-[علة العداوة بين الحمار وعصفور الشوك]
وزعم صاحب المنطق أن بين الحمار وعصفور الشّوك عداوة. وقال: لأن الحمار يدخل الشجر والشّوك، فربما زاحم الموضع الذي فيه وكره فيبدّد عشّه.
وربما نهق الحمار فسقط فرخ العصفور أو بيضه من جوف وكره. قال: ولذلك إذا رآه العصفور رنّق [4] فوق رأسه، وعلى عينيه، وآذاه بطيرانه وصياحه.
وربّما كان العصفور أبلق [5] . ويصاب فيه الأصبغ [6] ، والجراديّ [7] ، والأسود، والفيقع [8] ، والأغبس [9] . فإذا أصابوه كذلك باعوه بالثّمن الكثير.
__________
[1] الإزكان: الفطنة والحدس الصادق.
[2] الخبيث: الخداع.
[3] من الأمثال قولهم: «أحذر من غراب» ، والمثل في مجمع الأمثال 1/226، وجمهرة الأمثال 1/343، 396، والمستقصى 1/62.
[4] رنّق الطائر: خفق بجناحيه ورفرف ولم يطر.
[5] البلق: سواد وبياض.
[6] الأصبغ: المبيض الذنب.
[7] الجرادي: الذي لونه لون الجراد.
[8] الفقيع: الأبيض.
[9] الأغبس: الذي لونه لون الرماد.
(5/124)

1372-[تأويل عبد الأعلى]
[1] وقال أبو بدر الأسيديّ: قيل لعبد الأعلى القاصّ: لم سمّي العصفور عصفورا؟
قال: لأنه عصى وفرّ. وقيل: ولم سمّي الطّفشيل [2] طفشيلا؟ قال: لأنه طفا وشال.
وقيل له: لم سمي الكلب القلطيّ قلطيّا؟ [3] قال: لأنه قلّ ولطئ. وقيل له: لم سمي الكلب السّلوقيّ سلوقيّا؟ قال: لأنه يستلّ ويلقى.
1373-[حديث في قتل العصفور]
قال [4] : وحدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب مولى ابن عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من إنسان يقتل عصفورا أو ما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها» . قيل: يا رسول الله: وما حقها؟
قال: «أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي بها» .
1374-[صياح العصافير ونحوها]
ويقال: قد صرّ العصفور يصرّ صريرا. قال: ويقال للعصافير والمكاكيّ [5] والقنابر، والخرّق [6] ، والحمّر: قد صفر يصفر صفيرا. وقال طرفة بن العبد [7] : [من الرجز]
يا لك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شيت أن تنقّري
ويقال: قد نطق العصفور. وقال كثيّر [8] : [من الطويل]
سوى ذكرة منها إذا الرّكب عرّسوا ... وهبّت عصافير الصّريم النواطق [9]
__________
[1] البخلاء: 106.
[2] الطفشيل: ضرب من اللحم يعالج بالبيض والجزر والعسل، وهو لفظ فارسي معرب. انظر معجم استينجاس 313.
[2] الكلب القلطي: ضرب من الكلاب القصيرة.
[3] الكلب القلطي: ضرب من الكلاب القصيرة.
[4] انظر الجامع الصغير 8025.
[5] المكاكي: جمع مكاء، وهو نوع من القنابر له صفير حسن. حياة الحيوان 2/322.
[6] الخرّق: نوع من العصافير. حياة الحيوان 1/413.
[7] تقدم تخريج الرجز في 3/30.
[8] ديوان كثير 417.
[9] الصريم: الصبح، أو الليل، وهي من الأضداد.
(5/125)

ولذكر العصفور موضع آخر: وذلك أنّ العصافير تصيح مع الصّبح. وقال كلثوم ابن عمرو [1] : [من البسيط]
يا ليلة لي بحوّارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير
وقال خلف الأحمر [2] : [من المتقارب]
فلما أصاتت عصافيره ... ولاحت تباشير أرواقه [3]
غدا يقتري أنفا عازبا ... ويلتسّ ناضر أوراقه [4]
وقال الوليد بن يزيد [5] : [من مجزوء الوافر]
فلما أن دنا الصبح ... بأصوات العصافير
1375-[أحلام العصافير]
ولها موضع آخر. وذلك أنهم يضربون المثل بأحلام العصافير لأحلام السّخفاء [6] . وقال دريد بن الصّمّة [7] : [من البسيط]
يا آل سفيان ما بالي وبالكم ... أنتم كثير وفي أحلام عصفور
وقال حسّان بن ثابت [8] : [من البسيط]
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
ومن هذا الباب في معنى التّصغير والتّحقير، قول لبيد [9] : [من الطويل]
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر
__________
[1] البيت في العمدة 1/267، والموشح 293، وبلا نسبة في معجم البلدان 2/315 (حوارين) ، وتقدم في 2/407.
[2] البيتان في مجمع الذاكرة 1/156.
[3] أصاتت: صوتت. الأرواق: جمع روق، وأرواق الليل أثناء ظلمته.
[4] يقتري: يتتبع. أنفا: لم يرعه أحد قبله. عازبا: بعيدا. يلتس: يأكل.
[5] البيت للوليد بن يزيد في الكامل 1/12 (المعارف) ، وليس في ديوانه، وهو ليزيد بن ضبة في الأغاني 7/94، 97.
[6] ثمار القلوب 388 (713) .
[7] ديوان دريد بن الصمة 74، وثمار القلوب 388 (713) .
[8] ديوان حسان بن ثابت 1/219 (دار صادر) ، وثمار القلوب 388 (713) ، والخزانة 4/72، وشرح شواهد المغني 1/210، والكتاب 2/73، والمقاصد النحوية 2/362، وشرح أبيات سيبويه 1/554.
[9] ديوان لبيد 56، واللسان (سحر) ، والتهذيب 4/292، وديوان الأدب 2/353، والبيان-
(5/126)

والمسحّر: المخدّع، على قوله [1] : [من الوافر]
ونسحر بالطعام وبالشّراب
وقال لبيد [2] : [من الوافر]
عصافير وذبّان ودود ... وأجرأ من مجلّحة الذّئاب [3]
فكأنه يخبر عن ضعف طباع الإنسان.
وقال قوم: المسحّر، يعني كلّ ذي سحر، يذهب إلى الرئة؛ لقوله: [من الوافر]
ونسحر بالطعام وبالشراب
1376-[قولهم: صرمت سحري منك]
ولذكر السّحر موضع آخر، يقول الرجل لصاحبه [4] : «صرمت سحري منك» ، أي لست منك. وقال خفاف بن ندبة [5] : [من الوافر]
ولولا ابنا تماضر أن يساؤوا ... وأنّي منك غير صريم سحر
فكأنه قال: لست كذلك منك.
وقال قيس بن الخطيم [6] : [من الوافر]
تقول ظعينتي لما استقلّت ... أتترك ما جمعت صريم سحر
أي قد تركته آيسا منه.
__________
- 1/189، وينسب البيت إلى أمية بن أبي الصلت، انظر ديوانه 550، وبلا نسبة في الجمهرة 511، والمقاييس 3/138، والمجمل 3/123، والعين 3/135، والمخصص 1/27.
[1] عجز البيت: (أرانا موضعين لأمر غيب) ، وهو لامرئ القيس في ديوانه 97، واللسان والتاج (سحر) ، والتنبيه والإيضاح 2/131، والعين 3/135، والجمهرة 511.
[2] البيت ليس للبيد؛ بل لامرئ القيس في ديوانه 97، واللسان (جلح، سحر) ؛ والتاج (جلح) ، والجمهرة 440، 511، والتهذيب 4/149.
[3] المجلحة: الجريئة.
[4] في مجمع الأمثال 1/175 (جاء صريم سحر) .
[5] ديوان خفاف بن ندبة 472، والأغاني 15/85، وديوان قيس بن الخطيم 181، وعجزه بلا نسبة في أساس البلاغة (صرم) .
[6] ديوان قيس بن الخطيم 181، وبلا نسبة في اللسان والتاج (سحر) ، وأساس البلاغة (صرم) .
(5/127)

وأنشد الآخر [1] : [من الوافر]
أيذهب ما جمعت صريم سحر ... ظليفا، إنّ ذا لهو العجيب [2]
كذبتم والّذي رفع المعالي ... ولمّا يخضب الأسل الخضيب [3]
1377-[العصفور والضب]
وإذا وصفوا شدّة الحرّ، وصفوا كيف يوفي [4] الحرباء على العود والجذل [5] ، وكيف تلجأ العصافير إلى جحرة الضّباب [6] من شدة الحرّ.
وقال أبو زبيد [7] : [من الخفيف]
أيّ ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصّابح الجوزاء [8]
واستكنّ العصفور كرها مع الضّ ... بّ وأوفى في عوده الحرباء
ونفى الجندب الحصى بكراعي ... هـ وأذكت نيرانها المعزاء [9]
من سموم كأنّها لفح نار ... صقرتها الهجيرة الغرّاء [10]
وأنشدوا [11] : [من الطويل]
تجاوزت والعصفور في الجحر لاجئ ... مع الضّبّ والشّقذان تسمو صدورها
قال: الشّقذان [12] : الحرابيّ. قوله: «تسمو» أي ترتفع على رأس العود. والواحد من الشّقذان شقذان، بتحريك القاف وفتح الشين.
__________
[1] البيت الأول بلا نسبة في اللسان والتاج (سحر، صرم) ، وأساس البلاغة (صرم) ، ومجمع الأمثال 1/175.
[2] ظليفا: إذا أخذه بغير ثمن.
[3] الأسل: الرماح. الخضيب: الذي خضب بالحمرة، ويقصد: الدم في القتال.
[4] يوفي: يشرف.
[5] الجذل: أصل الشجرة.
[6] الجحرة: جمع جحر. الضّباب: جمع ضب.
[7] ديوان أبي زبيد 579، والحماسة البصرية 2/357- 358، والخزانة 7/322، وستأتي الأبيات ص 295.
[8] في ديوانه: «الشّرب: النصيب من الماء. الصابح: من صبحت الإبل، إذا سقيتها في أول النهار» .
[9] في ديوانه: «الجندب: ذكر الجراد. كراعا الجندب: رجلاه» . المعزاء: الأرض الغليظة ذات الأحجار.
[10] السموم: الريح الحارة. صقرتها: شدة حرها. الهجيرة: نصف النهار عند اشتداد الحر.
[11] البيت لذي الرمة في ديوانه 238، واللسان (شقذ) ، والتهذيب 18/312.
[12] في اللسان (شقذ) : «أي تشخص في الشجر، وقيل الشّقذان: الحشرات كلها والهوام، واحدتها شقذة. والشقذان: الذئب والصقر والحرباء» .
(5/128)

1378-[عصافير النعمان]
وأكرم فحل كان للعرب من الإبل كان يسمى عصفورا، وتسمى أولاده عصافير النّعمان [1] .
وكانوا يقولون: صنع به الملك كذا وكذا، وحباه بكذا وكذا، ووهب له مائة من عصافيره.
وعصفور، وداعر، وشاغر، وذو الكبلين: فحولة إبل النعمان.
وعصافير الرّحل [2] واحدها عصفور.
1379-[عصفور القواس]
وعصفور القوّاس إليه تضاف القسيّ العصفورية [3] . وقد ذكره ابن يسير حين دعا على حمام له بالشّواهين، والصّقورة، والسّنانير والبنادق، فقال [4] : [من الكامل]
من كلّ أكلف بات يدجن ليله ... فغدا بغدوة ساغب ممطور [5]
ضرم يقلّب طرفه متأنّسا ... شيئا فكنّ له من التّقدير [6]
يأتي لهنّ ميامنا ومياسرا ... صكّا بكلّ مذلّق مطرور [7]
لا ينج منه شريدهنّ، فإن نجا ... شيء فصار بجانبات الدّور [8]
لمشمّرين عن السّواعد حسّر ... عنها بكلّ رشيقة التّوتير [9]
ليس الذي تشوي يداه رميّة ... فيهم بمعتذر ولا معذور [10]
يتبوّعون مع الشروق غديّة ... في كل معطية الجذاب نتور [11]
__________
[1] هو النعمان بن المنذر، انظر الأغاني 11/28، وانظر ما تقدم في 3/198.
[2] عصافير الرحل: خشبات تكون في الرحل يشد بها رؤوس الأحناء.
[3] انظر البيان 3/72، الحاشية الثانية.
[4] الأبيات لمحمد بن يسير الرياشي في ديوانه 79- 80، والأغاني 14/34- 39، وانظر البيان 3/73.
[5] في ديوانه: «الكلفة: لون بين السواد والحمرة. الدّجن: إلباس الغيم أقطار السماء. الساغب:
الجائع. الممطور: الذي أصابه المطر» .
[6] في ديوانه: «ضرم: اشتد جوعه. تأنّس البازي: نظر رافعا رأسه» .
[7] الصك: الضرب. المذلق: المحدد. المطرور: المحدد أيضا.
[8] الجانب: الغريب.
[9] مشمرين عن السواعد: يقصد الصيادين بالسهام. التوتير: شد الوتر.
[10] أشوى الرمية: لم يصب الصيد.
[11] يتبوع: يمد باعه. معطية الجذاب: عند المجاذبة، وأراد بها القوس. النتور: الشديدة الجذب.
(5/129)

عطف السّيات موانع في بذلها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور [1]
ينفثن عن جذب الأكفّ سواسيا ... متشابهات صغن بالتّدوير [2]
تجري لها مهجّ النّفوس وإنّها ... لنواصل سلب من التّحسير [3]
ما إن يني متباين متباعد ... في الجوّ يحسر طرف كلّ بصير [4]
عن سمتهنّ إذا قصدن لجمعه ... متقطّرا متضمّخا بعبير [5]
فيؤوب ناجيهنّ بين مجلهق ... دام، ومخلوب إلى منسور [6]
عاري الجناح من القوادم والقرا ... كاس عليه بصائر التامور [7]
1380-[شعر في العصفور]
وقال أبو السّريّ، وهو معدان الأعمى المديبريّ، وهو يذكر ظهور الإمام، وأشراط خروجه، فقال: [من الخفيف]
في زمان تبيض فيه الخفافي ... ش وتسقى سلافة الجريال [8]
ويقيم العصفور سلما مع الأي ... م وتحمي الذّئاب لحم السّخال [9]
يقول: إذا ظهر الإمام فآية ذلك أن تبيض الخفافيش- وهي اليوم تلد- وتحلّ لنا الخمر، وتسالم الحيّات العصافير، والذئاب السّخال.
1381-[طول سجود عيسى بن عقبة]
ورووا في طول سجود عيسى بن عقبة، أنه كان يطيل ذلك حتى يظنّ العصفور
__________
[1] سية القوس: ما عطف من طرفيها.
[2] النفث: النفخ. سواسيا: متشابهات.
[3] المهج: جمع مهجة، وهي الدم أو دم القلب. نواصل: جمع ناصل. السلب: جمع سليب، وأصلها الشجرة سلبت ورقها وأغصانها. التحسير: سقوط ريش الطائر.
[4] يني: يبطئ.
[5] السمت: القصد. متقطر: ساقط على قطره، أي جانبه. المتضمخ: المتطيب.
[6] الجلاهق: البندق، ومنه قوس الجلاهق، وأصله بالفارسية جله، وهي كبة غزل، الكثير جلها.
والجلاهق: الطين المدور المدملق. انظر اللسان (جلهق) . المخلوب: الذي أصابه مخلب الطير الجارح. المنسور: الذي أصابه منسر النسر، وهو منقاره.
[7] القوادم: أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح. القرا: الظهر. البصائر: جمع بصيرة، وهي الدم.
التامور: دم القلب.
[8] الجريال: صفوة الخمر.
[9] الأيم: الحية الأبيض اللطيف. السخال: جمع سخلة، وهي ولد الشاة.
(5/130)

أنه كالشيء الذي لا يخاف جانبه، وحتى يظنّ العصفور أنه سارية، فيسقط عليه.
وذكر عمر بن الفضل، عن الأعمش، عن يزيد بن حيّان قال [1] : كان عيسى بن عقبة إذا سجد وقعت العصافير على ظهره؛ من طول سجوده.
وكان محمد بن طلحة يسجد حتى إن العصافير ليسقطن على ظهره ما يحسبنه إلا حائطا.
1382-[الشيخ والعصفور]
وفي المثل: أنّ شيخا نصب للعصافير فخّا، فارتبن به وبالفخ، وضربه البرد، فكلما مشى إلى الفخّ وقد انضمّ على عصفور، فقبض عليه ودقّ جناحه، وألقاه في وعائه، دمعت عينه مما كان يصكّ وجهه من برد الشّمال. قال: فتوامرت [2] العصافير بأمره وقلن: لا بأس عليكنّ، فإنه شيخ صالح رحيم رقيق الدّمعة! قال: فقال عصفور منها: لا تنظروا إلى دموع عينيه، ولكن انظروا إلى عمل يديه!
1383-[استطراد]
ومن أمثال العامّة للشيء تتعرّفه بغير مؤونة: «الحجر مجّان [3] ، والعصفور مجّان!» .
قال: ويقال عصفور وعصفورة. وأنشد قوله [4] : [من الطويل]
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما [5]
1384-[شعر فيما يصوّره الفزع]
وقال في هذا المعنى جرير، وإن لم يكن ذكر العصفور، حيث يقول [6] : [من الكامل]
__________
[1] ورد الخبر في عيون الأخبار 2/365.
[2] توامرت: تآمرت.
[3] المجان: الكثير الكافي. وأخذه مجانا: أي بلا بدل.
[4] البيت لجرير في ديوانه 323، وشرح شواهد المغني 2/662، وله أو للبعيث في حماسة البحتري 261، وللعوام بن شوذب في العقد الفريد 5/195، واللسان (زنم) ، والمعاني الكبير 927، ومعجم الشعراء 163، والمقاصد النحوية 4/467، والوساطة 423، والوحشيات 230، والنقائض 585، ولابن حوشب في معجم البلدان 4/130 (العظالى) ، ولمغيرة بن طارق في أمالي اليزيدي 66، والمراثي لليزيدي 168، وبلا نسبة في تذكره النحاة 73، والجمهرة 828، والجنى الداني 182، ومغني اللبيب 1/270، والرسالة الموضحة 65، وديوان المعاني 1/195، وعيون الأخبار 1/166.
[5] المسوّمة: الخيل المعلمة بعلامة. عبيد: يعني عبيد بن ثعلبة. أزنم: يعني أزنم بن عبيد بن ثعلبة ابن يربوع.
[6] ديوان جرير 53، والرسالة الموضحة 64، والمختار من شعر بشار 9، والعقد الفريد 3/132.
(5/131)

ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تشدّ عليكم ورجالا
قال يونس: أخذ هذا المعنى من قول الله: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
[1] .
وقال الشاعر [2] : [من الطويل]
كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل [3]
يؤدّى إليه أنّ كلّ ثنيّة ... تيمّمها ترمي إليه بقاتل [4]
وقال بشّار في شبيه ذلك [5] : [من الوافر]
كأنّ فؤاده كرة تنزّى ... حذار البين لو نفع الحذار [6]
جفت عيني عن التّغميض حتى ... كأنّ جفونها عنه قصار
يروّعه السّرار بكلّ أمر ... مخافة أن يكون به السّرار [7]
وقال عبيد بن أيّوب [8] : [من الطويل]
لقد خفت حتى لو تطير حمامة ... لقلت عدوّ أو طليعة معشر
فإن قيل خير قلت هذا خديعة ... وإن قيل شرّ قلت حقّا فشمرّ
وخفت خليلي ذا الصّفاء ورابني ... وقلت: فلانا أو فلانة فاحذر
__________
[1] 4/المنافقون: 63.
[2] البيتان لعبد الله بن العجاج في الأغاني 13/162، وديوانه 311- 312، ولعبيد بن أيوب العنبري في أشعار اللصوص 130، والحماسة البصرية 1/29، ولباب الآداب 324- 325، وللطرماح في ملحق ديوانه (316) ، وله أو لعبيد بن أيوب في مجموعة المعاني 130، وبلا نسبة في الكامل 2/103 (المعارف) ، والبيت الأول بلا نسبة في اللسان والتاج (كفف) ، والتهذيب 4/139، وثمار القلوب 743، (898) ونسب سهوا إلى الأعشى في عمدة الحفاظ (عرض) .
[3] كفة الحابل: حبالة الصائد التي يأخذ بها الصيد.
[4] يؤدّى إليه: يخيل إليه. الثنية: الطريق في الجبل. تيممها: قصدها.
[5] الأبيات لبشار بن برد في ديوانه 1/249، والمختار من شعره 7، وأمالي القالي 2/61، والحماسة البصرية 2/116، والكامل 2/50 (المعارف) ، وطبقات ابن المعتز 29، ولنصيب في ديوانه 89، ولهما معا في اللسان (نزا) ، وانظر ما ورد في حاشية الحماسة البصرية 2/116.
[6] تنزى: أصلها تتنزى: تتوثب.
[7] السرار: المسارة.
[8] الأبيات في أشعار اللصوص 221، والحماسة البصرية 1/111، وحماسة البحتري 260، ومجموعة المعاني 77.
(5/132)

وقال أبان اللّاحقيّ [1] : [من الخفيف]
اخفض الصّوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام
1385-[من ملح أحاديث الأصمعي]
ومن ملح أحاديث الأصمعيّ، قال: حدّثني شيخ من أهل المدينة وكان عالي السّنّ قال: قال الغاضري: كانت هذه الأرض لقوم ابتدؤوها وشقّوها، وكانت الثمرة إذا أدركت قال قائلهم لقيّمه: اثلم الحائط، ليصيب المارّ مما فيه والمعتفي [2] . ثم يقول: أرسل إلى آل فلان بكذا وكذا، وإلى آل فلان بكذا وكذا. فإذا بيعت الثمرة قال: أرسل إلى فلان بكذا وكذا ودينار، وإلى فلان بكذا وكذا. فيضجّ [3] الوكيل.
فيقول: ما أنت وهذا؟! لا أمّ لك! فلما عمرت الأرضون وأغنّت [4] أقطعها [5] قوم سواهم، فإنّ أحدهم ليسدّ حائطه، ويصغّر بابه، ثم يدلج [6] فيمرّ فيقول: ما هذه الثّلمة [7] ؟! ويستطيف [8] من وراء الحائط، فهو أطول من معقل [9] أبي كريز.
وإذا دخل حائطه دخل معه بقذّافة، فإذا رأى العصفور على القنا [10] رماه، فيقع العصفور مشويّا على قرص [11] ، والقرص كالعصفور.
1386-[العصافير الهبيرية]
وبحمص العصافير الهبيريّة، وهي تطعم على رفوف. وتكون أسمن من السّمانى، وأطيب من كلّ طير. وهي تهدى إلى ملوكنا. وهي قليلة هناك.
__________
[1] البيت في أخبار الشعراء المحدثين 37، والأغاني 23/166، والخزانة 3/458 (بولاق) ، وبلا نسبة في البيان 1/269، وعيون الأخبار 1/41، ومحاضرات الأدباء 1/60 (126) .
[2] المعتفي: طالب المعروف.
[3] يضج: يصيح.
[4] أغنت: كثر عشبها.
[5] الإقطاع: أن يقطعه قطعة من الأرض.
[6] أدلج: سار من أول الليل.
[7] الثلمة: الفرجة.
[8] استطاف: دار حول الشيء.
[9] المعقل: الحصن.
[10] القنا: عذق النخلة بما فيه من الرطب.
[11] القرص: يعني قرص الخبز أي الرغيف.
(5/133)

1387-[شعر للراعي في نطق العصفور]
وقال الرّاعي [1] : [من البسيط]
ما زال يركب روقيه وكلكله ... حتى استثار سفاة دونها الثّأد [2]
حتى إذا نطق العصفور وانكشفت ... عماية الليل عنه وهو معتمد [3]
وقال الراعي [4] : [من البسيط]
وأصفر مجدول من القدّ مارن ... يلاث بعينيها فيلوى ويطلق [5]
لدى ساعدي مهريّة شدنية ... أنيخت قليلا والعصافير تنطق [6]
1388-[صيد العصافير]
قال [7] : وتصاد العصافير بأهون حيلة. وذلك أنهم يعملون لها مصيدة، ويجعلون لها سلّة في صورة المحبرة التي يقال لها: اليهودية، المنكوسة الأنبوبة؛ ثم ينزل في جوفها عصفور واحد، فتنقضّ عليه العصافير ويدخلن عليه، وما دخل منها فإنه لا يجد سبيلا إلى الخروج منها. فيصيد الرجل منها في اليوم الواحد المئين [8] وهو وادع، وهنّ أسرع إلى ذلك العصفور من الطير إلى البوم إذا جعلن في المصائد.
ومتى أخذ رجل فراخ العصافير من أوكارها، فوضعها في قفص بحيث تراها الآباء والأمّهات، فإنها تأتيها بالطّعم على الخطر الشديد، والخوف من الناس والسّنانير، مع شدة حذرها، ودقّة حسّها. ليس ذلك إلا لبرّها بأولادها، وشدة حبّها لها.
[باب في العقارب والفأر والسنانير]
1389-[القول في العقارب والفأر والسنانير]
نقول في العقارب والفأر والجرذان بما أمكن من القول. وإنما ذكرنا العقارب
__________
[1] ديوان الراعي النميري 56.
[2] الروق: القرن. الكلكل: الصدر. السفاة: التراب. الثأد: الثرى.
[3] عماية الليل: ظلمته. معتمد: أي يسري طول الليل.
[4] ديوان الراعي 180.
[5] الأصفر المجدول: عنى به زمام الناقة. السير يقد من جلد غير مدبوغ. المارن: اللين. اللوث:
الطي واللي.
[6] المهرية: الناقة المنسوبة إلى مهرة بن حيدان، وهو حي من أحياء العرب. الشدنية: الناقة المنسوبة إلى شدن، وهو موضع باليمن.
[7] الخبر في عيون الأخبار 2/95، والعقد الفريد 4/263.
[8] المئين: جمع مائة، وفي عيون الأخبار «مائتين» .
(5/134)

مع ذكرنا للفأر، للعداوة التي بين الفأر والعقارب. كما رأينا أن نذكر السّنانير في باب ذكر الفأر، للعداوة التي بينهما.
فإن قلت: قد عرفنا عداوة الفأر للعقرب، فكيف تعادي الفأرة السنّور، والفأرة لا تقاوم السنّور؟! قيل: لعمري إن جرذان أنطاكية لتساجل السنانير في الحرب التي بينهما، وما يقوم لها ولا يقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد. وهي بخراسان قويّة جدّا، وربما قطعت أذن النائم [1] .
وفي الفأر ما إذا عضّ قتل. أخبرني أبو يونس الشريطي أنه عاين ذلك.
وأنا رأيت سنّورا عندنا ساور جرذا في بيت الحطب، فأفلت الجرذ منه وقد فقأ عين السّنّور.
1390-[قتال الحيوان]
والقتال يكون بين الدّيكة، وبين الكباش والكلاب والسّمانى [2] والقبج [3] ، وضروب مما يقبل التّحريش، ويواثب عند الإغراء.
1391-[قتال الجرذان]
ويزعمون [4] أنهم لم يروا قتالا قطّ بين بهيمتين ولا سبعين أشدّ من قتال يكون بين جرذين. فإذا ربط أحدهما بطرف خيط، وشدّ رجل الآخر بالطّرف الآخر من الخيط، فلهما عند ذلك من الخلب والخمش [5] والعضّ، والتّنييب [6] والعفاس [7] ، ما لا يوجد بين شيئين من ذوات العقار والهراش. إلا أن ذلك ما داما في الرّباط، فإذا
__________
[1] ربيع الأبرار 5/472.
[2] السماني: على وزن الحبارى؛ اسم لطائر يلبد بالأرض ولا يكاد يطير إلا أن يطار، ويسمى قتيل الرعد، من أجل أنه إذا سمع الرعد مات، وهو من الطيور القواطع لا يدرى من أين يأتي. حياة الحيوان 1/563.
[3] القبج: واحده قبجة الحجل، والقبجة اسم جنس يقع على الذكر والأنثى. حياة الحيوان 2/195.
[4] ربيع الأبرار 5/472.
[5] الخلب والخمش: الخدش والجرح.
[6] التنييب: العض بالأنياب.
[7] اعتفس القوم: اصطرعوا.
(5/135)

انحلّ أو انقطع ولّى كلّ واحد منهما عن صاحبه، وهرب في الأرض، وأخذ في خلاف جهته الآخر.
1392-[قتال الجرذ والعقرب]
وإن جعلا في إناء من قوارير، أعني الجرذ والعقرب، وإنما ذكرت القوارير، لأنها لا تستر عن أعين الناس صنيعهما، ولا يستطيعان الخروج؛ لملاسة الحيطان- فالفأرة عند ذلك تختل العقرب، فإن قبضت على إبرتها قرضتها [1] ، وإن ضربها العقرب ضربا كثيرا فاستنفدت سمّها كان ذلك من أسباب حتفها.
ودخلت مرة أنا وحمدان بن الصباح على عبيد بن الشّونيزي فإذا عنده برنيّة [2] زجاج، فيها عشرون عقربا وعشرون فأرة، فإذا هي تقتتل، فخيّل لي أن تلك الفأر قد اعتراها ورم من شدة وقع اللسع. ورأيت العقارب قد كلّت عنها وتاركتها، ولم أر إلا هذا المقدار الذي وصفت.
وحدثنا عنها عبيد بأعاجيب. ولو كان عبيد إسنادا [3] لخبّرت عنه، ولكنّ موضع البياض من هذا الكتاب خير من جميع ما كان لعبيد.
1393-[أعاجيب في الجرذ]
وللجرذ تدبير في الشيء يأكله أو يحسوه، فإنه ليأتي القارورة الضّيّقة الرأس، فيحتال حتى يدخل طرف ذنبه في عنقها. فكلّما ابتلّ بالدّهن أخرجه فلطعه، ثم أعاده، حتى لا يدع في القارورة شيئا.
ورأيت من الجرذان أعجوبة، وذلك أن الصيادة لما سقطت على جرذ منها ضخم، اجتمعن لإخراجه وسلّ عنقه من الصيّادة، فلما أعجزهنّ ذلك قرضن الموضع المنضمّ عليه من جميع الجوانب، ليتسع الخرق فيجذبنه. فهجمت على نحاتة لو اعتمدت بسكين على ذلك الموضع لظننت أنه لم يكن يمكنني إلا شبيه بذلك.
1394-[علة دفن السنور خرأه]
وزعم [4] بعض الأطباء أن السنور إنما يدفن خرأه ثم يعود إلى موضعه فيشتمّه
__________
[1] قرضت: قطعت، والخبر في ربيع الأبرار 5/471، ومحاضرات الأدباء (4/668) .
[2] البرنية: شبه فخارة ضخمة خضراء، وربما كانت من القوارير الثخان الواسعة الأفواه.
[3] إسنادا: أي ممن يصح إسناد الخبر إليه.
[4] ربيع الأبرار 5/472.
(5/136)

فإن كان يجد من ريحه بعد شيئا زاد عليه من التراب، لأنّ الفأرة لطيفة الحسّ، جيّدة الشّمّ، فإذا وجدت تلك الرائحة عرفتها فأمعنت في الهرب، فلذلك يصنع السنّور ما يصنع.
1395-[فأرة العرم]
[1] ولا يشكّ الناس [في] [2] أن أرض سبإ وجنّتيها إنما خربتا حين دخلهما سيل العرم- والعرم: المسنّاة- وأن الذي فجّر المسنّاة، وسبّب لدخول الماء الفأرة.
والسّيل إذا دخل أخرب بقدر قوّته. وقوّته من ثلاثة أوجه: إمّا أن تدفعه ريح في مكان يفحش فيه الريح، وإما أن يكون وراءه وفوقه ماء كثير، وإما أن يصيب حدورا عميقا.
1396-[حديث ثمامة عن الفأر]
وأما حديث ثمامة فإنه قال: لم أر قطّ أعجب من قتال الفأر، كنت في الحبس وحدي، وكان في البيت الذي أنا فيه جحر فأر، يقابله جحر آخر، فكان الجرذ يخرج من أحد الجحرين فيرقص ويتوعّد، ويضرب بذنبه، ثم يرفع صدره ويهزّ رأسه. فلا يزال كذلك حتى يخرج الجرذ الذي يقابله، فيصنع كصنيعه. فبينما هما إذ عدا أحدهما فدخل جحره، ثم صنع الآخر مثل ذلك. فلم يزل ذلك دأبهما في الوعيد وفي الفرار، وفي التحاجز وفي ترك التّلاقي. إلا أني في كل مرة أظنّ للذي يظهر لي من جدهما واجتهادهما، وشدة توعّدهما، أنهما سيلتقيان بشيء أهونه العضّ والخمش، ولا والله إن التقيا قطّ؟ فعجبت من وعيد دائم لا إيقاع معه، ومن فرار دائم لا ثبات معه، ومن هرب لا يمنع من العودة، ومن إقدام لا يوجب الالتقاء. وكيف يتوعّد صاحبه ويتوعده الآخر؟ وبأيّ شيء يتوعده، وهما يعلمان أنهما لا يلتقيان أبدا؟ فإن كان قتالهما ليس هو إلا الصّخب والتّنييب [3] فلم يفرّ كلّ واحد منهما حتى يدخل جحره؟ وإن كان غير ذلك فأيّ شيء يمنعهما من الصّدمة؟ وهذا أعجب.
__________
[1] ثمار القلوب (609) .
[2] إضافة من ثمار القلوب، حيث نقل الخبر عن الجاحظ.
[3] التنييب: إنشاب الأنياب.
(5/137)

1397-[أطول الحيوان ذماء وأقصره]
وتقول العرب [1] : «الضبّ أطول شيء ذماء» [2] .
ولا أعلم في الأرض شيئا أقصر ذماء [2] ، ولا أضعف منّة [3] ولا أجدر أن يقتله اليسير من الفأر.
1398-[لعب السنور بالفأر]
وبلغ من تحرّزه واحتياطه، أنه يسكن السقوف، فربما فاجأه السّنّور وهو يريد أن يعبر إلى بيته والسّنّور في الأرض والفأرة في السّقف، ولو شاءت أن تدخل بيتها لم يكن للسّنّور عليها سبيل، فتتحيّر، فيقول السّنّور بيده كالمشير بيساره: ارجع. فإذا رجعت أشار بيمينه: أن عد فيعود. وإنما يطلب أن تعيا أو تزلق أو يدار بها [4] . ولا يفعل ذلك بها ثلاث مرّات، حتى تسقط إلى الأرض، فيثب عليها. فإذا وثب عليها لعب بها ساعة ثم أكلها. وربما خلّى سبيلها، وأظهر التغافل عنها فتمعن في الهرب، فإذا ظنّت أنها نجت وثب عليها وثبة فأخذها. فلا يزال كذلك كالذي يحبّ أن يسخر من صاحبه، وأن يخدعه، وأن يأخذه أقوى ما يكون طمعا في السّلامة، وأن يورثه الحسرة والأسف، وأن يلذّ بتنغيصه وتعذيبه.
وقد يفعل مثل ذلك العقاب بالأرنب، ويفعل مثل ذلك السّنّور بالعقرب.
1399-[أكل الجرذان واليرابيع والضباب والضفادع]
وقال أبو زيد [5] : دخلت على رؤبة هو يملّ [6] جرذانا، فإذا نضجت أخرجها من الجمر فأكلها، فقلت له: أتأكل الجرذان؟! قال: هي خير من اليرابيع والضّباب.
إنها عندكم تأكل التّمر والجبن والسويق والخبز، وتحسو الزّيت والسمن.
وقد كان ناس من أهل سيف البحر [7] من شقّ فارس يأكلون الفأر والضفادع،
__________
[1] مجمع الأمثال 1/437، والمستقصى 1/227، وجمهرة الأمثال 2/20، والدرة الفاخرة 1/284، 286، 2/438.
[2] الذماء: بقية الروح.
[3] المنة: القوة.
[4] يدار بها: يصيبها الدوار. وهو شبه الدوران يأخذ في الرأس.
[5] الخبر في الأغاني 20/350، وربيع الأبرار 5/472.
[6] يمل: يشوي في الملة، وهي الرماد الحار الجمر.
[7] سيف البحر: شاطئه.
(5/138)

ممقورة [1] ومملوحة، وكانوا يسمونها: جنك جنك [2] ووال وال [3] .
وقال أوس بن حجر [4] : [من الطويل]
لحينهم لحي العصا فطردنهم ... إلى سنة جرذانها لم تحلّم [5]
يقال: تحلّم الصّبيّ: إذا بدأ في السّمن؛ فإذا زاد على المقدار قيل قد ضبّب، أي سمن سمنا متناهيا.
1400-[مثل وشعر في الجرذ]
ويقال [6] : «أسرق من زبابة» . والزّبابة: الفأرة. ويقال [7] : «أسرق من جرذ» .
وقال أنس بن أبي إياس لحارثة بن بدر حين ولي أرض سرّق [8] : [من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما تهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحققوا
فلا تحقرن يا حار شيئا أصبته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق
فلما بلغت حارثة بن بدر قال: لا يعمى عليك الرّشد.
1401-[تمني كثرة الجرذان]
قال [9] : ووقفت عجوز على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلّة الجرذان.
__________
[1] المقر: إنقاع السمك المالح في الماء.
[2] جنك: كلمة فارسية تعني الجميل والمليح. انظر معجم استينجاس 1100.
[3] وال: كلمة فارسية تعني السمك الكبير. انظر معجم استينجاس 1453.
[4] ديوان أوس بن حجر 119، واللسان والتاج (حلم، لحى) ، والتهذيب 5/108، والجمهرة 566، 975، والمجمل 2/96، والمقاييس 2/93، 5/240، وديوان الأدب 2/461، وكتاب الجيم 1/204، وبلا نسبة في المخصص 1/32، 2/78.
[5] لحينهم لحي العصا: قشرنهم كما يقشر لحاء العصا.
[6] مجمع الأمثال 1/353، وجمهرة الأمثال 1/533، والمستقصى 1/167، والدرة الفاخرة 1/232.
[7] المستقصى 1/167، والدرة الفاخرة 1/218.
[8] سرق: إحدى كور الأهواز، والأبيات التالية تقدمت مع تخريجها وشرحها في 3/59.
[9] انظر الخبر في عيون الأخبار 3/129.
(5/139)

قال: ما ألطف ما سألت! لأملأنّ بيتك جرذانا. تذكر أنّ بيتها قفر من الأدم والمأدوم، فأكثر لها يا غلام من ذلك.
قال [1] : وسمعت قاصّا مدينيّا يقول في دعائه: اللهمّ أكثر جرذاننا وأقلّ صبياننا.
1402-[فزع الناس من الفأر]
وبين الفأر وبين طباع كثير من الناس منافرة، حتى إنّ بعضهم لو وطئ على ثعبان، أو رمي بثعبان- لكان الذي يدخله من المكروه والوحشة والفزع، أيسر مما يدخله من الفأرة لو رمي بها، أو وطئ عليها.
وخبرني رجال من آل زائدة بن مقسم، أن سليمان الأزرق دعي لحيّة شنعاء قد صارت في دارهم، فدخلت في جحر، وأنه اغتصبها نفسها حتى قبض على ما ألفى منها، ثم أدارها على رأسه كما يصنع بالمخراق [2] ، وأهوى بها إلى الأرض ليضربها بها، فابتدرت من حلقها فأرة كانت ازدردتها. فلما رأى الفأرة هرب وصرخ صرخة.
قالوا: فأخذ مشايخنا الغلمان بإخراج الفأرة وتلك الحيّة الشنعاء إلى مجلس الحيّ ليعجّبوهم من إنسان قتل هذه وفرّ من هذه.
1403-[علة نتن جلود الحيات]
وسألت بعض الحوّائين ممن يأكل الأفاعي فما دونها، فقلت: ما بال الحيات منتنة الجلود والجروم [3] ؟ قال: أمّا الأفاعي فإنّها ليست بمنتنة، لأنها لا تأكل الفأر، وأما الحيّات عامة فإنها تطلب الفأر طلبا شديدا. وربما رأيت الحيّة وما يكون غلظها إلا مثل غلظ إبهام الكبير، ثم أجدها قد ابتلعت الجرذ أغلظ من الذّراع. فأنكر نتن الحيّات إلا من هذا الوجه. ولم أر الذي قال قولا.
1404-[رجز في الجرذان]
ودخل أعرابيّ بعض الأمصار، فلقي من الجرذان جهدا، فرجز بها ودعا عليها، فقال [4] : [من الرجز]
__________
[1] انظر الخبر في عيون الأخبار 3/129، وربيع الأبرار 5/472.
[2] المخراق: منديل أو نحوه، يلف ويلوى ليضرب به أو يفزع به.
[3] الجروم: جمع جرم، وهو الجسد.
[4] الرجز في ربيع الأبرار 5/470، وديوان المعاني 2/151، ونهاية الأرب 10/168.
(5/140)

يعجّل الرحمن بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
حتى يعجّلن إلى الثياب ... كحل العين وقصّ الرقاب [1]
مستتبعات خلفة الأذناب ... مثل مداري الحصن السّلّاب [2]
ثم دعا عليهنّ بالسّنّور فقال:
أهوى لهنّ أنمر الإهاب ... منهرت الشّدق حديد النّاب [3]
كأنما برثن بالحراب
1405-[تشبيه عضلات الإنسان بالجرذان]
وتوصف عضل الحفّار والماتح [4] والذي يعمل في المعادن، فتشبّه بالجرذان، إذا تفلّق لحمه عن صلابة، وصار زيما [5] . قال الرّاجز [6] : [من الرجز]
أعددت للورد، إذا الورد حفز ... غربا جرورا وجلالا خزخز [7]
وماتحا لا ينثني إذا احتجز ... كأنّ جوف جلده إذا احتفز [8]
في كلّ عضو جرذين أو خزز
والخزز: ذكر الأرانب واليرابيع.
1406-[أنواع الفأر]
والزّباب، والخلد، واليرابيع، والجرذان، كله فأر. ويقال لولد اليرابيع درص وأدراص. والخلد أعمى، لا يزال كذلك. والزّباب أصمّ، لا يزال كذلك. وأنشد [9] :
[من مجزوء الكامل]
__________
[1] وقص: جمع وقصاء، وهي القصيرة العنق.
[2] المداري: جمع مدرى، وهو المشط. الحصن: جمع حصان، ووهي المرأة العفيفة.
[3] الإهاب: الجلد. منهرت: واسع. الحديد: الحاد.
[4] الماتح: الذي نيزع الماء من رأس البئر.
[5] أيما: متفرقا.
[6] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (خزز) ، والجمهرة 1167، والمنصف 1/27، والتهذيب 6/555، وسر صناعة الإعراب 2/477.
[7] الغرب: الدلو العظيمة. الجلال: الجليل العظيم، وأراد به البعير. الخزخز: القوي الشديد.
[8] الماتح: الذي ينزع الماء من رأس البئر. احتجز: شد إزاره على حجزته، والحجزة: معقد الإزار احتفز: اجتهد.
[9] تقدم البيت في الفقرة (2015) ، 4/458، وهو للحارث بن حمزة. في عيون الأخبار 2/96،-
(5/141)

وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا
هكذا أنشدونا.
1407-[شعر وخبر في الفأر]
وأنشد الأصمعي لمزرّد بن ضرار، في تشبيه الجرع في حلوق [1] الإبل بجثمان [2] الزّباب- وهو الشكل الذي وصفناه- فقال في وصف ضيف له سقاه، فوصف جرعه:
[من الطويل]
فقلت له اشرب لو وجدت بهازرا ... طوال الذّرى من مفرهات خناجر [3]
ولكنما صادفت ذودا منيحة ... لمثلك يأتي للقرى غير عاذر [4]
فأهوى له الكفّين وامتدّ حلقه ... بجرع كأثباج الزّباب الزّنابر [5]
وقال أعرابيّ وهو يطنز [6] بغريم له، ويذكر قرص الفأر الصّكاك، عند فراره منه:
«الزم الصّكّ لا يقرضه الفأر!» تهزّؤوا به [7] : [من البسيط]
أهون عليّ بسيّار وصفوته ... إذا جعلت ضرارا دون سيّار [8]
التّابعي ناشرا عندي صحيفته ... في السوق بين قطين غير أبرار [9]
جاؤوا إليّ غضابا يلغطون معا ... يشفي إراتهم أن غاب أنصاري [10]
لمّا أبوا جهرة إلا ملازمتي ... أجمعت مكرا بهم في غير إنكار
__________
- واللسان والتاج (بب) ، والخزانة 5/113، والتهذيب 13/171، والمعاني الكبير 656.
[1] الحلوق: جمع حلق.
[2] الجثمان: الجسم.
[3] البهازر: جمع بهزرة، وهي الناقة الجسمية الضخمة. الذرى أعالي أسنمة الإبل. المفرهات: التي تلد الفره، والفره: جمع فاره: وهو النشيط القوي. الخناجر: جمع خنجر وخنجرة، وهي الناقة الغزيرة.
[4] الذود: الجماعة من الإبل. المنيحة: منحة اللبن.
[5] أثباج: جمع ثبج، وهو معظم كل شيء. الزنابر: جمع زنبور.
[6] الطنز: السخرية.
[7] الأبيات لصخر بن الجعد في الأغاني 22/38، ومعجم البلدان 1/301 (بئر مطلب) ، وبلا نسبة في عيون الأخبار 1/254، والعقد الفريد 2/300، والوحشيات 296. ر
[8] الصفوة: خالص الأصدقاء.
[9] القطين: الأتباع.
[10] اللغط: الجلبة. الإرات: جمع إرة، وهي النار.
(5/142)

وقلت: إني سيأتيني غدا جلبي ... وإنّ موعدكم دار ابن هبّار
وما أواعدهم إلا لأربثهم ... عني فيخرجني نقضي وإمراري [1]
وما جلبت إليهم غير راحلة ... تخدي برحلي وسيف جفنه عاري [2]
إنّ القضاء سيأتي دونه زمن ... فاطو الصحيفة واحفظها من الفار
وصفقة لا يقال الرّبح تاجرها ... وقعت فيها وقوع الكلب في النار [3]
1408-[تشبيه فم الإنسان بفم الفأرة]
والعرب تعيب الإنسان إذا كان ضيّق الفم، أو كان دقيق الخطم، يشبّهون ذلك بفم الفأرة. وقال عبدة بن الطبيب [4] : [من البسيط]
ما مع أنك يوم الورد ذو لغط ... ضخم الجزارة بالسّلمين وكّار [5]
تكفي الوليدة في الباديّ مؤتزرا ... فاحلب فإنك حلّاب وصرّار [6]
ما كنت أول ضبّ صاب تلعته ... غيث فأمرع واسترخت به الدار [7]
أنت الذي لا نرجّي نيله أبدا ... جلد النّدى، وغداة الرّوع خوّار [8]
تدعو بنيّيك عبّادا وحذيمة ... فا فأرة شجّها في الجحر محفار [9]
1409-[شعر أبي الشمقمق في الفأر والسنور]
وقال أبو الشّمقمق [10] في الفأر والسّنّور: [من الخفيف]
ولقد قلت حين أقفر بيتي ... من جراب الدّقيق والفخّاره
ولقد كان آهلا غير قفر ... مخصبا خيره كثير العماره
فأرى الفأر قد تجنّبن بيتي ... عائذات منه بدار الإماره
__________
[1] ربثته: حبسته عن حاجته. النقض: نقض الفتل. الإمرار: إجادة فتل الحبل.
[2] تخدي: تسرع.
[3] يقال: يفسخ. أقلته البيع: فسخته.
[4] ديوان عبدة بن الطبيب 38، ونوادر أبي زيد 47.
[5] اللغط: الجلبة. الجزارة: القوائم، يعني بها يديه ورجليه. السلم: الدلو. الوكار: الممتلئ.
[6] الصرار: الذي يصر ضرع الناقة بالصرار لئلا يحتلبها حالب.
[7] التلعة: ما ارتفع من الأرض.
[8] الخوار: الضعيف.
[9] بنييك: مثنى بني، وهو تصغير ابن. شجّ: كسر. المحفار: ما يحتفر به.
[10] ديوان أبي الشمقمق 138- 139.
(5/143)

ودعا بالرّحيل ذبّان بيتي ... بين مقصوصة إلى طيّاره
وأقام السّنّور في البيت حولا ... ما يرى في جوانب البيت فاره
ينغض الرّأس منه من شدّة الجو ... ع وعيش فيه أذى ومراره [1]
قلت لمّا رأيته ناكس الرّأ ... س كئيبا، في الجوف منه حراره
ويك صبرا فأنت من خير سن ... ور رأته عيناي قطّ بحاره
قال: لا صبر لي، وكيف مقامي ... ببيوت قفر كجوف الحماره
قلت: سر راشدا إلى بيت جار ... مخصب رحله عظيم التّجاره
وإذا العنكبوت تغزل في دنّي ... وحبّي والكوز والقرقاره [2]
وأصاب الجحام كلبي فأضحى ... بين كلب وكلبة عيّاره [3]
وقال أيضا: [من الخفيف]
ولقد قلت حين أجحرني البر ... د كما تجحر الكلاب ثعاله [4]
في بييت من الغضارة قفر ... ليس فيه إلا النّوى والنّخاله [5]
عطّلته الجرذان من قلّة الخير ... وطار الذّباب نحو زباله [6]
هاربات منه إلى كلّ خصب ... جيدة لم يرتجين منه بلاله [7]
وأقام السّنّور فيه بشرّ ... يسأل الله ذا العلا والجلاله
أن يرى فأرة، فلم ير شيئا ... ناكسا رأسه لطول الملاله
قلت لمّا رأيته ناكس الرأ ... س كئيبا يمشي على شرّ حاله
قلت صبرا يا ناز رأس السّنا ... نير، وعلّلته بحسن مقاله [8]
قال: لا صبر لي، وكيف مقامي ... في قفار كمثل بيد تباله [9]
__________
[1] ينغض الرأس: يحركه إلى فوق وإلى أسفل.
[2] الدن: الراقود العظيم، وهو كهيئة الحب. والحب: الجرة الضخمة. القرقارة: الإناء.
[3] الجحام: داء يأخذ الكلب في رأسه.
[4] أجحره: جعله يدخل في جحره. ثعالة: علم للثعلب.
[5] بييت: تصغير بيت. الغضارة: الطين اللازب الأخضر.
[6] زبالة: موضع بعد القاع من الكوفة.
[7] البلالة: الندوة.
[8] ناز: كلمة فارسية تعني السنور. انظر معجم استينجاس 1372.
[9] بيد: جمع بيداء، وهي الفلاة. تبالة: بلد من أرض تهامة في طريق اليمن.
(5/144)

لا أرى فيه فأرة أنغض الرأ ... س ومشيي في البيت مشي خياله [1]
قلت: سر راشدا فخار لك الله ... ولا تعد كربج البقاله [2]
فإذا ما سمعت أنّا بخير ... في نعيم من عيشة ومناله
فائتنا راشدا ولا تعدونّا ... إن من جاز رحلنا في ضلاله
قال لي قولة، عليك سلام ... غير لعب منه ولا ببطاله [3]
ثمّ ولّى كأنه شيخ سوء ... أخرجوه من محبس بكفاله
وقال أيضا [4] : [من مجزوء الرمل]
نزل الفأر ببيتي ... رفقة من بعد رفقه
حلقا بعد قطار ... نزلوا بالبيت صفقه
ابن عرس رأس بيتي ... صاعدا في رأس نبقه
سيفه سيف حديد ... شقّه من ضلع سلقه [5]
جاءنا يطرق باللّيل ... فدقّ الباب دقّه
دخل البيت جهارا ... لم يدع في البيت فلقه [6]
وتترّس برغيف ... وصفق نازويه صفقه [7]
صفقة أبصرت منها ... في سواد العين زرقه
زرقة مثل ابن عرس ... أغبش تعلوه بلقه [8]
وقال أيضا: [من مجزوء الرمل]
أخذ الفأر برجلي ... جفلوا منها خفافي [9]
وسراويلات سوء ... وتبابين ضعاف [10]
__________
[1] أنغض الرأس: أحركه إلى فوق وإلى أسفل.
[2] كربج: حانوت البقال. انظر معجم استينجاس 1021.
[3] البطالة: اللهو والجهالة.
[4] الأبيات (1، 3، 8، 9) في حياة الحيوان 2/99 (ابن عرس) .
[5] السلقة: الأنثى من الذئاب.
[6] الفلقة: الكسرة من الخبز.
[7] تترس بالشيء: جعله كالترس. نازويه: كلمة فارسية تعني السنور. انظر معجم استينجاس 1372.
[8] الأغبس: ما لونه الغبسة، وهي لون الرماد. البلقة: سواد وبياض.
[9] جفلوا: نزعوا. خفاف: جمع خف.
[10] التبابين: جمع تبان، وهو سروال صغير مقدار شبر يستر العورة.
(5/145)

درجوا حولي بزفن ... وبضرب بالدّفاف [1]
قلت: ما هذا؟ فقالوا: ... أنت من أهل الزّفاف
ساعة ثمّت جازوا ... عن هواي في خلاف
نقروا استي وباتوا ... دون أهلي في لحافي
لعقوا استي وقالوا ... ريح مسك بسلاف [2]
صفعوا نازوية حتى ... استهلّت بالرّعاف [3]
1410-[أحاديث في الفأرة والهرة]
يروى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال [4] : «خمس يورثن النسيان: أكل التفاح، وسؤر الفأرة، والحجامة في النقرة، ونبذ القملة، والبول في الماء الراكد» .
وابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال [5] : «إذا رقدت فأغلق بابك، وخمّر إناءك، وأوك سقاءك، وأطفئ مصباحك؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يكشف إناء، ولا يحل وكاء، وإن الفأرة الفويسقة تحرّق على أهل البيت» .
قالوا: في قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في السنانير: «إنهنّ من الطّوّافات عليكم» [6] ، وفي تفريقه بين سؤر السّنّور وسؤر الكلب- دليل على حبّه لاتخاذهنّ. وليس لاتخاذهنّ وجه إلا إفناء الفأر وقتل الجرذان. فكأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما أحبّ استحياء السنانير، فقد أحبّ إهلاك الفأر.
وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال [7] : «عذبت امرأة في هرّة سجنتها- ويقال: ربطتها- فلم تطعمها ولم تسقها، ولم ترسلها تأكل من خشاش الأرض» .
__________
[1] الزفن: الرقص. الدفاف: جمع دف.
[2] السلاف: الخمر الخالصة.
[3] الرعاف: سيلان دم الأنف.
[4] انظر عيون الأخبار 3/272: وسيأتي الحديث ص 204.
[5] انظر الحاشية الرابعة للصفحة 65.
[6] أخرجه أبو داود في الطهارة 1/19، والترمذي في الطهارة 1/154، وأحمد في المسند 5/296.
[7] أخرجه البخاري في المساقاة برقم 2235، 2236، وفي بدء الخلق برقم 3140، وفي الأنبياء 3295.
(5/146)

وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال [1] : «دخلت امرأة ممن كان قبلكم النار في هرّة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تصيب من خشاش الأرض [2] ، حتى ماتت فأدخلت النار، كلما أقبلت نهشتها، وكلما أدبرت نهشتها» .
قال: وذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، صاحب المحجن يجرّ قصبه [3] في النار حتى قال [4] :
«وحتى رأيت فيها صاحبة الهرّة التي ربطتها، فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض» .
1411-[وصف السنور بصفة الأسد]
قال ابن يسير في صفة السّنّور- فوصفه بصفة الأسد، إلا ما وصفه به من التنمير، فإن السنور يوصف بصفة الأسد، إذا أرادوا به الصورة والأعضاء، والوثوب والتخلّع في المشي. ألا إن في السنانير السود والنّمر والبلق [5] ، والخلنجيّة [6] . وليس في ألوان الأسد من ذلك شيء، إلا كما ترون في النوادر: من الفأرة البيضاء، والفاختة البيضاء، والورشان الأبيض، والفرس الأبيض- فقال ابن يسير في دعائه على حمام ذلك الجار حين انتهى إلى ذكر السنور [7] : [من الكامل]
وخبعثن في مشيه متبهنس ... خطف المؤخّر كامل التصدير [8]
مما أعير مفرّ أغضف ضيغم ... عن كلّ أعصل كالسّنان هصور [9]
متسربل ثوب الدّجى أو غبشة ... شيبت على متنيه بالتّنمير [10]
__________
[1] أخرجه البخاري في المساقاة برقم 2235، 2236، وفي بدء الخلق برقم 3140، وفي الأنبياء 3295.
[2] خشاش الأرض: الحشرات والهوام وما أشبهها.
[3] المحجن: كل عصا معوجة. القصب: اسم للأمعاء.
[4] مسند أحمد 3/318.
[5] البلق: جمع أبلق، وهو الذي فيه بياض وسواد.
[6] الخلنجية: التي لها خطوط وطرائق مثل الخطوط والطرائق التي ترى في خشب الخلنج، والتي ترى في الجزع، وهو الخرز اليماني. انظر معجم استينجاس 472.
[7] ديوان محمد بن يسير الرياشي 80.
[8] الخبعثن: الأسد، وأراد به هنا السنور. المتبهنس: المتبختر. التصدير: حزام البعير، وأراد به هنا موضع الحزام.
[9] فرّ الدابة: كشف عن أسنانها ليعرف عمرها. الأغضف: الأسد المسترخي جفنه الأعلى على عينه.
الأعصل: المعوج. الهصر: الكسر.
[10] الغبشة: ظلمة آخر الليل.
(5/147)

يختصّ كلّ سليل سابق غاية ... محض النّجار مهذّب مخبور [1]
1412-[فزع الناقة من الهر]
وإذا وصفوا الناقة بأنها رواع [2] شديدة التفزّع، لفرط نشاطها ومرحها، وصفوها بأن هرّا قد نيّب [3] في دفّها. وأكثر ما يذكرون في ذلك الهرّ؛ لأنه يجمع العضّ بالناب، والخمش بالمخالب. وليس كل سبع كذلك.
وقال ضابئ بن الحارث [4] : [من الطويل]
بأدماء حرجوج ترى تحت غرزها ... تهاويل هرّ أو تهاويل أخيلا [5]
وقد أوس بن حجر [6] : [من البسيط]
كأن هرّا جنيبا تحت مغرضها ... والتفّ ديك برجليها وخنزير [7]
وقال عنترة [8] : [من الكامل]
وكأنّما ينأى بجانب دفّها ال ... وحشيّ من هزج العشيّ مؤوّم [9]
هرّ جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتّقاها باليدين وبالفم [10]
والفيل يفزع من السّنور فزعا شديدا.
1413-[شعر في هجاء السّنّور]
ومما يقع في باب الهجاء، للسنور، قول عبد الله بن عمرو بن الوليد، في أمّ سعيد بنت خالد: [من الوافر]
__________
[1] السليل: الولد. سابق غابة: يسبق إلى الغاية. مخبور: من خبره: إذا امتحنه.
[2] رواع: من الروع، وهو الفزع.
[3] نيّب: عض بالناب.
[4] البيت في الأصمعيات 181.
[5] أدماء: يريد ناقة بيضاء. الحرجوج: الجسيمة الطويلة على وجه الأرض. الغرز: للناقة مثل الحزام للفرس. التهاويل: ما يهول به. الأخيل: طائر صغير يتشاءمون به.
[6] ديوان أوس بن حجر 42، والموشح 86، وعيار الشعر 179.
[7] في ديوانه: «جنيب: مجنوب، جنب الدابة قادها إلى جنبه. الغرضة: حزام الرحل.
[8] البيتان من معلقة عنترة في ديوانه 21- 22، واللسان والتاج (هزج) ، والأول في اللسان (وحش، دفف، أوم) ، والتاج (أوم) ، وبلا نسبة في المخصص 1/61، والثاني في اللسان (غضب) .
[9] في ديوانه «الدف: الجنب. الجانب الوحشي: اليمين. الهزج: الصوت. المؤوم: القبيح الرأس العظيمة. قوله: من هزج العشي، أي: من خوف هزج العشي» .
[10] هر: بدل من هزج العشي. اتقاها: استقبلها.
(5/148)

وما السّنّور في نفسي بأهل ... لغزلان الخمائل والبراق [1]
فطلّقها فلست لها بأهل ... ولو أعطيت هندا في الصّداق [2]
1414-[الرجم بالسنانير والكلاب]
قال صاحب الكلب: قالوا: ولما مات القصبيّ- وكان من موالي بني ربيعة بن حنظلة، وهو عمرو القصبي، ومات بالبصرة- رجم بالسنانير الميّتة. قال: وقد صنعوا شبيها بذلك بخالد بن طليق، حين زعم أهله أن ذلك كان عن تدبير محمد بن سليمان.
وقالوا: ولم نر الناس رموا أحدا بالكلاب الميّتة. والكلاب أكثر من السنانير حيّة وميّتة. فليس ذلك إلا لأن السنانير أحقر عندهم وأنتن.
1415-[استطراد لغوي]
قال: ويقال للجرذان العضلان. وأولاد الفأر أدراص، والواحد درص. وكذلك أولاد اليرابيع. يقال: أدراص ودروص. وقال أوس بن حجر [3] : [من الطويل]
وودّ أبو ليلى طفيل بن مالك ... بمنعرج السّوبان لو يتقصّع [4]
قال: واليرابيع: ضرب من الفأر. قال: ويقال: نفّق اليربوع ينفّق تنفيقا: إذا عمل النافقاء، وهي إحدى مجاحره، ومحافره. وهي النافقاء والقاصعاء، والدّامّاء، والراهطاء. وقال الشاعر [5] : [من الوافر]
فما أمّ الرّدين وإن أدلّت ... بعالمة بأخلاق الكرام
إذا الشيطان قصّع في قفاها ... تنفّقناه بالحبل التّؤام [6]
__________
[1] البراق: جمع برقة؛ وهي أرض ذات حجارة مختلفة الألوان.
[2] الهند: اسم للمائة من الإبل. الصداق: المهر.
[3] ديوان أوس بن حجر 58، ومعجم ما استعجم 709 (السؤبان) ، والجمهرة 367، وبلا نسبة في المقاييس 5/92.
[4] في ديوانه: «يريد: تمنى لو يختفي. وأصله من تقصع اليربوع، وهو أن يدخل قاصعاءه.
والسؤبان: واد في ديار بني تميم؛ ويوم من أيام عامر وتميم؛ وفيه فرّ طفيل بن مالك» .
[5] البيتان بلا نسبة في اللسان والتاج (نفق) ، والتهذيب 9/193، والثاني في اللسان والتاج والأساس (قصع) .
[6] تنفقناه: استخرجناه. التؤام: المزدوجات.
(5/149)

فإذا طلب من إحدى هذه الحفائر نافق، أي فخرج النّافقاء، وإن طلب من النافقاء قصّع. ويقال: أنفقته إنفاقا: إذا صاح به حتى يخرج. ونفق هو: إذا خرج من النافقاء.
1416-[احتيال اليرابيع]
وفي احتيال اليرابيع بالنافقاء، والقاصعاء، والدّمّاء والرّاهطاء، وفي جمعها التراب على نفس باب الجحر، وفي تقدمها بالحيلة والحراسة، وفي تغليطها لمن أرادها، والتّورية بشيء عن شيء، وفي معرفتها بباب الخديعة، وكيف توهم عدوّها خلاف ما هي عليه، ثم في وطئها على زمعاتها [1] ، في السهولة وفي الأرض اللينة، كي لا يعرف أثرها الذي يقتصّه [2] ، وفي استعمالها واستعمال بعض ما يقاربها في الحيلة التوبير- والتوبير: الوطء على مآخير أكفّها- العجب العجيب.
1417-[أنفاق الزباء]
وزعم أبو عقيل بن درست، وشدّاد الحارثيّ، وحسين الزهريّ أن الزباء الروميّة إنما عملت تلك الأنفاق التي ذكرها الشاعر فقال [3] : [من الوافر]
أقام لها على الأنفاق عمرو ... ولم تشعر بأنّ لها كمينا
على تدبير اليرابيع في محافيرها هذه، ومخارجها التي أعدّتها ومداخلها، وعلى قدر ما يفجؤها من الأمر.
وأن أهل تبّت والرّوم، إنما استخرجوا الاحتيال بالأنفاق والمطامير والمخارق على تدبير اليرابيع.
1418-[اشتقاق المنافق]
وإنما سمّى الله عزّ وجلّ الكافر في باطنه المورّي بالإيمان، والمستتر بخلاف ما يسرّ- بالمنافق، على النافقاء والقاصعاء، وعلى تدبير اليربوع في التورية بشيء عن شيء. قال الشاعر [4] : [من الوافر]
إذا الشيطان قصّع في قفاها ... تنفقّناه بالحبل التّؤام
__________
[1] الزمعات: الشعرات المدلاة في مؤخر رجل الشاة والظبي.
[2] يقتصه: يتتبعه.
[3] ديوان عدي بن زيد 183.
[4] تقدم البيت في 149.
(5/150)

وهذا الاسم لم يكن في الجاهلية لمن عمل بهذا العمل. ولكن الله عزّ وجلّ اشتق لهم هذا الاسم من هذا الأصل.
1419-[كلمات إسلامية لم تكن في الجاهلية]
وقد علمنا أن قولهم لمن لم يحجّ: «صرورة» [1] ، ولمن أدرك الجاهلية والإسلام: «مخضرم» [2] ، قولهم وتسميتهم لكتاب الله: «قرآنا» «فرقانا» ، وتسميتهم للتمسّح بالتراب: «التيمّم» ، وتسميتهم للقاذف ب «فاسق» - أن ذلك لم يكن في الجاهلية.
وإذا كان للنابغة أن يبتدئ الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة، كقوله [3] :
[من البسيط]
والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد [4]
وحتى اجتمعت العرب على تصويبه، وعلى اتباع أثره، وعلى أنها لغة عربية- فالله الذي له أصل اللغة أحقّ بذلك.
1420-[شعر شمّاخ في الزّموع]
وذكر شمّاخ بن ضرار الزّموع [5] ، وكيف تطأ الأرنب على زمعاتها [5] لتغالط الكلاب وجميع ما يطالبها- فذكر بديئا شأن العير والعانة، فقال [6] : [من الوافر]
إذا ما استافهنّ ضربن منه ... مكان الرّمح من أنف القدوع [7]
__________
[1] في النهاية 3/22 «الصرورة: أصله من الصر: الحبس والمنع» .
[2] في النهاية 2/42 «قيل لكل من أدرك الجاهلية والإسلام مخضرم، لأنه أدرك الخضرمتين. وأصل الخضرمة: أن يجعل الشيء بين بين» .
[3] صدر البيت: (إلا الأواري لأيا ما أبيّنها) ، وهو في ديوان النابغة الذبياني 15، والأغاني 11/31، والخزانة 4/122، 11/36، واللسان (جلد، ظلم، بين) ، والكتاب 2/321، والدرر 3/159، 6/257، والمقاصد النحوية 4/315، 578.
[4] في ديوانه: «الأواري: محابس الخيل ومرابطها. النؤي: حاجز من تراب حول الخباء لئلا يدخله السيل. المظلومة: الأرض التي لم تمطر فجاءها السيل فملأها. الجلد: الأرض الصلبة» .
[5] الزمعات: الشعرات المدلاة في مؤخر رجل الأرنب.
[6] ديوان الشماخ 227- 232.
[7] في ديوانه: «استافهن: شمهن. القدوع: الفحل يريد الناقة الكريمة ولا يكون كريما، فلا يزال يضرب أنفه بالرمح أو غيره حتى يرجع.
(5/151)

وقد جعلت ضغائنهنّ تبدو ... بما قد كان نال بلا شفيع [1]
مدلّات، يردن النّأي منه ... وهنّ بعين مرتقب تبوع [2]
ثم أخذ في صفة العقاب، وصار إلى صفة الأرنب فقال:
كأنّ متونهنّ مولّيات ... عصيّ جناح طالبة لموع [3]
قليلا ما تريث إذا استفادت ... غريض اللّحم عن ضرم جزوع [4]
ثم قال:
فما تنفكّ بين عويرضات ... تجرّ برأس عكرشة زموع [5]
تطارد سيد صارات، ويوما ... على خزّان قارات الجموع [6]
تلوذ ثعالب الشّرفين منها ... كما لاذ الغريم من التّبيع [7]
نماها العزّ في قطن، نماها ... إلى فرخين في وكر رفيع [8]
ترى قطعا من الأحناش فيها ... جماجمهنّ كالخشل النّزيع
والزّموع: التي تمشي على زمعاتها: مآخير رجليها قال أبو المفضل: توبّر بيديها، وتمشي على زمعاتها على رجليها، وهي مواضع الثّنن [9] من الدوابّ، والزّمع المعلّق خلف الظّلف من الشاة والظبي والثور.
__________
[1] في ديوانه: «ضغائنهن: ما في قلوبهن من الحقد عليه. يريد: أنهن كنّ يمكنه منهن بلا حاجة إلى شفيع له في ذلك، فلما حملن أبدين ضغائنهن المخبوءة بما نال منهن من قبل» .
[2] في ديوانه: «مدلات: جمع مدلة، من أدلت المرأة: إذا أبدت غضبا وهي راضية. النأي: البعد» .
[3] في ديوانه: «متونهن: ظهورهن. موليات: مدبرات. عصي جناح: أصول الريش. طالبة: يريد عقابا طالبة للصيد. لموع: من لمع الطائر بجناحيه: حركهما في طيرانه وخفق بما» .
[4] في ديوانه «تريث: تبطئ. غريض اللحم: طريه. الضرم: الشديد الجوع» .
[5] في ديوانه: «عويرضات: اسم موضع كثير الآبار والحياض. العكرشة: الأرنبة الضخمة. زموع:
تمشي على زمعتها، وهي الشعرة المدلاة في مؤخر رجلها» .
[6] في ديوانه: «السيد: الذئب. صارات، جمع صارة، وصارة: اسم جبل في ديار بني أسد، وقيل: جبل قرب فيد، وقيل: جبل بين تيماء ووادي القرى. خزان: جمع خرز، وهو ذكر الأرانب. قارات:
جمع قارة: وهي الجبل الصغير؛ والأكمة العظيمة الجموع. الجماعات، يريد: جموع أحياء العرب» .
[7] في ديوانه: «تلوذ: تستتر وتفر. الغريم: الذي عليه الدين والذي له الدين جميعا، والمراد هنا الأول. التبيع: صاحب الدين. يعني: أن هذه الثعالب تجد في الهرب من العقاب، كما يجد المدين في الهرب من صاحب الدين» .
[8] في ديوانه: «قطن: جبل بنجد في بلاد بني أسد. الوكر: عش الطائر. رفيع: مرتفع» .
[9] الثنن: جمع ثنّة، وهي شعرات مدلاة في مؤخرة الحافر.
(5/152)

قال: وكل ذلك توبير. وهو أن تطأ على مآخير قوائمها، كي لا يعرف أثرها إنسان ولا كلب.
وذكر أنها تطارد ذئبا مرّة، وخززا مرة، وهو الذّكر من الأرانب؛ والعكرشة:
الأنثى، والخرنق: ولدها. فإذا قلت أرنب، أو عقاب فليس إلا التأنيث. هذه العقاب، وهذه الأرانب، إلا أن تقول: خزز.
وقطن: جبل معروف. والأحناش: الحيات. وأحناش الأرض: الضبّ، والقنفذ، واليربوع، وهي أيضا حشرات الأرض. فجعل الحية حنشا على قولهم: «قد آذتني دوابّ رأسي» : يعنون القمل؛ وعلى قوله تعالى: ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
[1] .
قال أبو المفضّل العنبري: ما أراد إلا الحيّات بأعيانها في هذا الموضع، فإن العقبان أسرع إلى أكل الحيّات، من الحيّات إلى أكل الفأر. ويدلّ على أنه إنما أراد رؤوس الحيّات بأعيانها، قوله [2] : [من الوافر]
ترى قطعا من الأحناش فيها ... جماجمهنّ كالخشل النزيع
لأن أرؤس الحيات سخيفة، قليلة اللّحم والعظام. فلذلك شبّهها بالخشل النزيع. والخشل: المقل السخيف اليابس الخفيف.
1421-[شعر فيه ذكر المقل والحتيّ]
قال خلف الأحمر [3] : [من الوافر]
سقى حجّاجنا نوء الثّريّا ... على ما كان من مطل وبخل
هم جمعوا النّعال فأحرزوها ... وسدّوا دونها بابا بقفل
إذا أهديت فاكهة وشاة ... وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراع ... وعشر من رديّ المقل خشل [4]
__________
[1] 14/سبأ: 34.
[2] انظر الكلام على هذا البيت في الصفحة السابقة.
[3] الأبيات لخلف الأحمر في البيان 3/111، وطبقات ابن المعتز 148، والشعر والشعراء 764 (شاكر) ، والبيتان الأخيران في الوحشيات 235، والأبيات بلا نسبة في عيون الأخبار 3/38.
[4] المقل: ثمر الدّوم. الخشل: المقل السخيف اليابس الخفيف.
(5/153)

فإن أهديت ذاك ليحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي [1]
أناس تائهون، لهم رواء [2] ... تغيم سماؤهم من غير وبل [3]
إذا انتسبوا ففرع من قريش ... ولكنّ الفعال فعال عكل [4]
والحتيّ، المقل على وجهه، وقال أبو ذؤيب [4] : [من البسيط]
لا درّ درّي إن أطعمت نازلهم ... قرف الحتيّ وعندي البرّ مكنوز [5]
باب آخر مما للسنور فيه فضيلة على جميع أصناف الحيوان ما خلا الإنسان
وإذا قال القائل: فلان وضع كتابا في أصناف الحيوان- فليس يدخل فيها الملائكة والجنّ. وعلى هذا كلام الناس.
وللحيوان موضع آخر، وهو قول الله عزّ وجلّ في كتابه: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
[6] .
قد علمنا أن العجم من السّباع والبهائم، كلما قربت من مشاكلة الناس كان أشرف لها والإنسان هو الفصيح وهو الناطق.
1422-[إطلاق الناطق على الحيوان]
وقد يشتقّون لسائر الحيوان الذي يصوّت ويصيح، اسم الناطق إذا قرنوه في
__________
[1] الدق: الكسر.
[2] تائهون: من التيه، وهو الكبر. الرواء: من الرؤية، وهو حسن المنظر في البهاء. الوبل: المطر الغزير.
[3] عكل: قبيلة فيهم غباوة وقلة فهم.
[4] البت لأبي ذؤيب الهذلي في البيان 1/17، وشرح شواهد الشافية 488، وللمتنخل الهذلي في الجمهرة 67، والسمط 157، وشرح أشعار الهذليين 1263، وديوان الهذليين 2/87، واللسان (برر، كنز) ، والتاج (حتي) ، والمعاني الكبير 384، وللهذلي في الكتاب 2/89، واللسان (حتا) ، وبلا نسبة في اللسان (درر) .
[5] لا در دره: أي لا كان له خير يدر على الناس، وفي ديوان الهذليين: «يقول: لا رزقت الدر، كأنه قال ذلك لنفسه كالهازئ. وقرف كل شيء ما قرف يعني ققشره. والحتي: المقل، وهو الدّوم» .
[6] 64/العنكبوت: 29، والحيوان في هذه الآية مصدر كالحياة.
(5/154)

الذكر إلى الصامت. ولهذا الفرق أعطوه هذه المشاكلة، وهذا الاشتقاق. فإذا تهيأ من لسان بعضها من الحروف مقدار يفضل به على مقادير الأصناف الباقية، كان أولى بهذا الاسم عندهم. فلما تهيأ للقطاة ثلاثة أحرف قاف. وطاء، وألف، وكان ذلك هو صوتها، سمّوها بصوتها. ثم زعموا أنها صادقة في تسميتها نفسها قطا. قال الكميت [1] : [من مجزوء الكامل]
كالناطقات الصادقا ... ت الواسقات من الذّخائر [2]
وقال الآخر وذكر القطاة [3] : [من الطويل]
وصادقة قد خبّرت، ما بعثتها ... طروقا، وباقي الليل في الأرض مسدف [4]
فجعلها مخبرة، وجعل خبرها صدقا، حين زعمت أنها قطا؛ وإنّ كانت القطاة لم ترم [5] ذلك.
والعرب تتوسع في كلامها. وبأي شيء تفاهم الناس فهو بيان، إلا أن بعضه أحسن من بعض.
والذي تهيأ للشاة قولها: ما، ولذلك قال ذو الرّمة [6] : [من البسيط]
لا يرفع الصّوت إلا ما تخوّنه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم [7]
وقال أبو عبّاد النميريّ لخربق العميريّ، وكان يتعشّقه ورآه قد اشترى أضحية، فقال: [من المجتث]
يا ذابح الماه ماه ... فعلت فعل الجفاه
أما رحمت من المو ... ت يا خريبق شاه
والصبيان هم الذين يسمون الشاة: ماه، كأنهم سموها بالذي سمعوه منها، حين جهلوا اسمها.
__________
[1] ديوان الكميت 1/236، وأساس البلاغة (أبي) ، والعمدة 2/27.
[2] الواسقات: الجامعات.
[3] البيت للفرزدق في اللسان والتاج (عشش) ، وليس في ديوانه.
[4] طروقا: ليلا. مسدف: مظلم.
[5] رام الشيء: أراده.
[6] ديوان ذي الرمة 390، والخزانة 4/344، والخصائص 3/29.
[7] الماء: حكاية صوت الشاة. بغمت الظبية: صاحت إلى ولدها بأرخم ما يكون من صوتها.
(5/155)

وقيل لصبي يلعب على بابهم [1] : من أبوك يا غلام؟ وكان اسم أبيه كلبا- فقال: وو وو.
وزعم صاحب المنطق، أن كل طائر عريض اللسان، والإفصاح بحروف الكلام منه أوجد.
ولابن آوى صياح يشبه صياح الصبيان. وكذلك الخنزير. وقد تهيأ للكلب مثل: عف عف، ووو وو، وأشباه ذلك. وتهيّأ للغراب القاف. وقد تهيّأ للهزاردستان- وهو العندليب- ألوان أخر، وقد تهيّأ للببغاء من الحروف أكثر. فإذا صرت إلى السنانير وجدتها قد تهيّأ لها من الحروف العدد الكثير، ومتى أحببت أن تعرف ذلك فتسمّع تجاوب السنانير، وتوعّد بعضها لبعض في جوف الليل، ثم أحص ما تسمعه وتتبّعه، وتوقّف عنده، فإنك ترى من عدد الحروف ما لو كان لها من الحاجات والعقول والاستطاعات؛ ثمّ ألّفتها لكانت لغة صالحة الموضع، متوسّطة الحال.
1423-[العلة في صعوبة بعض اللغات]
واللغات إنما تشتدّ وتعسر على المتكلم بها؛ على قدر جهله بأماكنها التي وضعت فيها، وعلى قدر كثرة العدد وقلّته، وعلى قدر مخارجها، وخفّتها وسلسها، وثقلها وتعقّدها في أنفسها، كفرق ما بين الزّنجي والخوزي فإن الرجل يتنخّس [2] في بيع الزّنج وابتياعهم شهرا واحدا فيتكلّم بعامّة كلامهم، ويبايع الخوز، ويجاورهم زمانا فلا يتعلّق منهم بطائل.
والجملة: أنّ من أعون الأسباب على تعلّم اللغة فرط الحاجة إلى ذلك. وعلى قدر الضرورة إليها في المعاملة يكون البلوغ فيها، والتقصير عنها.
1424-[مناسبة الهر للإنسان]
والسنور يناسب الإنسان في أمور [3] : منها أنه يعطس، ومنها أنه يتثاءب، ومنها أنه يتمطّى ويغسل وجهه وعينيه بلعابه، وتلطع الهرّة وبر جلد ولدها بعد الكبر، وفي الصغر، حتى يصير كأن الدّهان تجري في جلده.
__________
[1] الخبر في البيان 1/64.
[2] يتنخس: يحترف النّخاسة، وهي بيع الرقيق والعبيد.
[3] الخبر في ربيع الأبرار 5/427.
(5/156)

1425-[ما يتهيأ للغربان من الحروف]
ويتهيأ لبعض الغربان من الحروف والحكاية ما لا يعشره [1] الببغاء.
1426-[نفع خرء الفأر]
وزعمت الأطباء أن خرء الفأر يسقاه صاحب الأسر فيطلق عن بوله. والأسر هو حصر البول ولكن لا يسمّى بذلك. وهو الأسر بالألف، دون الياء.
ويصيب الصبيّ الحصر فيحتمل من خرء الفأر فيطلق عنه. فقد تهيأ في خرء الفأر دواءان لداءين قاتلين مجهزين. ولذلك قيل [2] لأعرابيّ قد اجتمعت فيه أوجاع شداد: أيّ شيء تشتكي؟ قال: أمّا الذي يعمدني [3] فحصر وأسر.
1427-[استطراد لغوي]
يقال: خثى الثور يخثي خثيا. وواحد الأخثاء خثي كما ترى.
ويقال: خزق الطائر، وذرق، ومزق، وزرق.
قال ابن الأعرابيّ: لا يكون النّجو جعرا حتى يكون يابسا.
ويقال: ونم الذّباب. واسم نجوه: الونيم. وقال الشاعر [4] : [من الوافر]
وقد ونم الذّباب عليه حتى ... كأنّ ونيمه نقط المداد
وهو ونيم الذّباب، وعرّة الطائر، وصوم النّعام، وروث الحمار، وبعر البعير والشاة والظبي، وخثي البقر.
وقال الزّبير: «من أهدى لنا مكتلا من عرّة أهدينا له مكتلا من تمر» [5] .
__________
[1] يعشره: يبلغ عشره.
[2] الخبر في البيان 1/410، واللسان 3/303 (عمد) .
[3] عمده: أضناه وأوجعه.
[4] البيت للفرزدق في ديوانه 215 (الصاوي) ، واللسان والتاج (ونم) ، والمجمل 4/556، والجمهرة 992، وبلا نسبة في ديوان الأدب 3/255، والمخصص 8/186، والتهذيب 15/535، 16/209، وتقدم البيت في 3/169.
[5] النهاية 3/205: (ومنه حديث سعد أنه كان يدمل أرضه بالعرة، أي يصلحها. وفي رواية: كان يحمل مكيال عرة إلى أرض له بمكة) .
(5/157)

قال: العرّة اسم لجميع ما يكون من جميع الحيوان. ولذا قال الزبير ما قال.
قال: ويقال: رمصت الدجاجة، وذرقت، وسلحت. فإذا صاروا إلى الإنسان والفأرة قالوا: خرء الإنسان وخرء الفأرة. ويقال خروءة الفأرة أدخلوا الهاء فيه، كما قالوا ذكورة للذّكران. وقد يستعار ذلك لغير الإنسان والفأرة. قالت دختنوس بنت لقيط بن زرارة، في يوم شعب جبلة [1] : [من مجزوء الكامل]
فرّت بنو أسد خرو ... ء الطّير عن أربابها [2]
فلذلك يقال لبني أسد: خروء الطير. وقيل لهم: عبيد العصا [3] ببيت قاله صاحبهم بشر بن أبي خازم [4] ، قالها لأوس بن حارثة: [من الطويل]
عبيد العصا لم يتّقوك بذمة ... سوى سيب سعدى إنّ سيبك واسع [5]
1428-[اتقاء ألسن الشعراء]
فيجب على العاقل بعد أن يعرف ميسم الشّعر مضرّته، أن يتّقي لسان أخسّ الشّعراء وأجهلهم شعرا بشطر ماله؛ بل بما أمكن من ذلك. فأما العربيّ أو المولى الرّاوية، فلو خرج إلى الشعراء من جميع ملكه لما عنّفته.
والذي لا يكثرث لوقع نبال الشعر، كما قال الباخرزيّ [6] : [من المنسرح]
ما لي أرى الناس يأخذون ويعطو ... ن ويستمتعون بالنّشب [7]
وأنت مثل الحمار أبهم لا ... تشكو جراحات ألسن العرب
__________
[1] يوم شعب جبل: كان لعامر وعبس على ذبيان وتميم، واجتمعت فيه أسد وغطفان إلى لقيط، ودارت الدائرة على ذبيان وتميم، وقتل لقيط، وأسر أخوه حاجب. انظر معجم البلدان 2/104، والأغاني 11/131، والنقائض 654، والعمدة 2/203.
[2] البيت في الأغاني 11/146، والنقائض 666، ومعجم الأدبيات 225، وبلاغات النساء 256، وشاعرات العرب 52، ومراثي شواعر العرب 53، والدر المنثور 191، والجمهرة 1096.
[3] عبيد العصا: مثل يضرب للذليل الذي يكون نفعه في ضره،؛ وعزه في إهانته. والمثل في مجمع الأمثال 2/19، والفاخر 192. والمستقصى 2/398، ثمار القلوب (895) .
[4] ديوان بشر بن أبي خازم 115 (142) ، والبيان 3/40، وثمار القلوب (895) .
[5] في ديوانه: «السيب: العطاء. سعدى: هي سعدى بنت حصن الطائي أم أوس بن حارثة، وبشر يمدح أوس بن حارثة في هذا البيت. ويهجو بني أسد، وبنو أسد قوم بشر، فهو يتقرب إليه بهجاء قومه» .
[6] البيتان بلا نسبة في عيون الأخبار 2/41.
[7] النشب: المال.
(5/158)

ولأمر مّا قال حذيفة لأخيه، والرماح شوارع في صدره: «إياك والكلام المأثور» [1] .
وهذا مذهب فرعت [2] فيه العرب جميع الأمم. وهو مذهب جامع لأسباب الخير.
1429-[استطراد لغوي]
قال: ويقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكنيف والحشّ، والمرحاض، والمرفق.
وكل ذلك كناية واشتقاق، وهذا أيضا يدلك على شدة هربهم من الدناءة والفسولة، والفحش والقذع.
قال: وعن اليزيديّ: رجع الرجل، من الرجيع وخبرني أبو العاص عن يونس، قال: ليس الرجيع إلا رجيع القول والسّفر والجرّة. قال الله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ
[3] وقال الهذليّ وهو المتنخّل [4] :
[من السريع]
أبيض كالرّجع رسوب إذا ... ما ثاخ في محتفل يختلي [5]
وفي الحديث [6] : «فلما قدمنا الشام وجدنا مرافقهم [7] قد استقبل بها القبلة، فكنّا ننحرف ونستغفر الله» .
__________
[1] قال حذيفة هذا القول في يوم الهباءة، وورد هذا القول في البيان 2/105، والعقد الفريد 3/316، وتقدم هذا القول في 60/3. ويقوم الهباءة: هو يوم الجفر، وكان لعبس على ذبيان، وفيه قتل حذيفة بن بدر وأخوه حم لسيدا بني فزارة. انظر العمدة 2/202، ومعجم البلدان 5/389 (هباءة) .
[2] فرع القوم: علاهم شرفا.
[3] 11/الطارق: 86، والرجع في هذه الآية هو المطر.
[4] البيت للمتنخل الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1260، واللسان (رسب، ثوخ، رجع، حفل) ، والتاج (حفل) ، والتهذيب 1/364، 5/77، والمخصص 6/21، 10/129، والتنبيه والإيضاح 1/283، وللهذلي في ديوان الأدب 1/116، وبلا نسبة في الجمهرة 460.
[5] في ديوان الهذليين 2/13: «الرجع: الغدير فيه ماء المطر. المحتفل: معظم الشيء، ومحتفل الوادي معظمه. ثاخ وساخ واحد، أي غاب. يختلي: يقطع. الرسوب: الذي إذا وقع غمض مكانه لسرعة قطعه» .
[6] الحديث لأبي أيوب في النهاية 2/247 (رفق) .
[7] مرافقهم: أراد الكنف والحشوش. «النهاية 2/247» .
(5/159)

1430-[شعر ابن عبدل في الفأرة والسنّور]
وقال ابن عبدل في الفأرة والسنّور: [من الخفيف]
يا أبا طلحة الجواد أغثني ... بسجال من سيبك المقسوم [1]
أحي نفسي فدتك نفسي فإني ... مفلس قد- علمت ذاك- عديم
أو تطوّع لنا بسلف دقيق ... أجره إن فعلت ذاك عظيم [2]
قد علمتم فلا تعامس عنّي ... ما قضى الله في طعام اليتيم [3]
أراد: لا تعامسوا. فاكتفى بالضمة من الواو. وأنشد [4] : [من الوافر]
فلو أنّ الأطبّا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأساة
ليس لي غير جرّة وأصيص ... وكتاب منمنم كالوشوم [5]
وكساء أبيعه برغيف ... قد رقعنا خروقه بأديم [6]
وإكاف أعارنيه نشيط ... هو لحاف لكلّ ضيف كريم [7]
ونبيذ مما يبيع صهيب ... يذر الشّيخ رمحه ما يقوم
ربّ حلّا فقد ذكرت أصيصي ... ولحافي حتى يغور النّجوم
كل بيت عليه نصف رعيف ... ذاك قسم عليهم معلوم
فرّ منه مولّيا فار بيتي ... ولقد كان ساكنا ما يريم
قلت: هذا صوم النصارى فحلّوا ... لا تليحوا شيوخكم في السّموم [8]
ضحك الفأر ثم قلن جميعا ... أهو الحقّ كلّ يوم تصوم
قلت: إن البراء قد قام في ال ... نّاس بإذن وأنت فينا ذميم [9]
حملوا زادهم على خنفسات ... وقراد مخيّس مزموم [10]
__________
[1] سجال: جمع سجل، وهو الدلو العظيمة. السيب: العطاء.
[2] السلف: الجراب الضخم.
[3] التعامس: التغافل.
[4] البيت بلا نسبة في مجالس ثعلب 88، والإنصاف 385، وشرح المفصل 7/5، 9/80، والمقاصد النحوية 4/551، والخزانة 5/229، 231، وهمع الهوامع 1/58، والدرر 1/178.
[5] الأصيص: إناء كهيئة الجرة له عروتان يحمل فيه الطين، أو هو الخابية تزرع فيه الرياحين.
[6] الأديم: الجلد.
[7] الإكاف: البرذعة. نشيط: اسم رجل.
[8] لا تليحوا: لا تهلكوا. السموم: الريح الحارة.
[9] البراء: الليلة الأولى أو الأخيرة، أو اليوم الأول أو الأخير من الشهر.
[10] خنفسات: جمع خنفسة. مخيس: مذلل. مزموم: وضع عليه الزمام.
(5/160)

وإذا ضفدع عليه إكاف ... علّموه بعد النّفار الرّسيم [1]
خطموا أنفه بقطعة حبل ... يا لقومي لأنفه المخطوم
نصبوا منجنيقهم حول بيتي ... يا لقومي لبيتي المهدوم [2]
وإذا في الغباء سمّ بريص ... قائم فوق بيتنا بقدوم [3]
قلت: بيت الجرين مجمع صدق ... كان قدما لجمعكم معلوم [4]
قلن: لولا سنّورتاه احتفرنا ... مسكنا تحت تمره المركوم [5]
إن تلاق سنّورتاه فضاء ... تذرانا وجمعنا كالهزيم
عشّش العنكبوت في قعر دنّي ... إنّ ذا من رزيّتي لعظيم
ليتني قد غمرت دنّي حتى ... أبصر العنكبوت فيه يعوم
غرقا لا يغيثه الدهر إلا ... زبد فوق رأسه مركوم
مخرجا كفّه ينادي ذبابا ... أن أغثني فإنني مظلوم
قال ذرني فلن أطيق دنوّا ... من نبيذ يشمّه المزكوم
وقال في الفأر والسنور: [من المنسرح]
قد قال سنّورنا وأعهده ... قد كان عضبا مفوّها لسنا [6]
الو أصبحت عندنا جنازتها ... لحنّطت واشترى لها كفنا [7]
ثم جمعنا صحابتي وغدوا ... فيهم كريب يبكي وقام لنا
كلّ عجوز حلو شمائلها ... كانت لجرذان بيتنا شجنا [8]
من كلّ حدباء ذات خشخشة ... أو جرذ ذي شوارب أرنا [9]
__________
[1] الرسيم: ضرب من السير.
[2] المنجنيق: آلة حربية ثقيلة تستخدم لقذف الأحجار والسهام وقوارير النفط أو أي مقذوفات أخرى باتجاه العدو. وكلمة «منجنيق» دخلت العربية من الفارسية تحريفا لعبارة «من جه نيك» وقيل إنها تعني «أنا ما أجودني» ، أو بكلمة «منجك» ومعناها «الارتفاع إلى فوق» . انظر الأنيق في المناجنيق 16.
[3] الغباء: الغبار. سم بريص: أراد سام أبرص.
[4] الجرين: موضع التمر الذي يجفف.
[5] سنورتاه: مثنى سنورة. المركوم: المجموع.
[6] العضب: الحديد في الكلام.
[7] حنطت: طيبت بالحنوط، وهو طيب يخلط للميت خاصة.
[8] عجوز: أي من السنانير.
[9] حدباء: أي من الجرذان. الخشخشة: صوت كل شيء يابس. وأراد ما تصدره من صوت حين تقضم الخبز اليابس ونحوه. الأرن: النشيط.
(5/161)

سقيا لسنّوة فجعت بها ... كانت لميثاء حقبة سكنا [1]
1431-[ضروب الفأر]
قال: والفأر ضروب: فمنها الجرذان والفأر المعروفان، وهما كالجواميس والبقر، وكالبخت والعراب. ومنها الزباب. ومنها الخلد. واليرابيع شكل من الفأر، واسم ولد اليربوع درص، مثل ولد الفأر.
ومن الفأر فأرة المسك [2] ، وهي دويبة تكون في ناحية تبّت، تصاد لنوافجها وسررها [3] ، فإذا اصطادها صائد عصب سرّتها بعصاب شديد، وسرّتها مدلاة، فيجتمع فيها دمها فإذا أحكم ذلك ذبحها.
وما أكثر من يأكلها- فإذا ماتت قوّر السرة التي كان عصبها له والفأرة حيّة، ثم دفنها في الشعير حتى يستحيل ذلك الدم المحتقن هناك، الجامد بعد موتها، مسكا ذكيا، بعد أن كان ذلك الدّم لا يرام نتنا.
قال: وفي البيوت أيضا قد يوجد فأر مما يقال له: فأر المسك، وهي جرذان سود ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة له.
قال: وفي الجرذان جنس لها عبث بالعقود والشّنوف [4] ، والدراهم والدنانير، على شبيه بالذي عليه خلق العقعق [5] ؛ إلا أن هذه الجرذان تفرح بالدنانير والدراهم، وبخشخاش الحلي. وذلك أنها تخرجها من جحورها في بعض الزمان، فتلعب عليها وحواليها، ثم تنقلها واحدا واحدا، حتى تعيدها عن آخرها إلى موضعها.
فزعم الشّرقيّ بن القطاميّ- وقد رووه عن شوكر أن رجلا [6] من أهل الشام اطّلع على جرذ يخرج من جحره دينارا دينارا، فلما رآه قد أخرج مالا صالحا استخفّه الحرص، فهمّ أن يأخذه، ثم أدركه الحزم، وفتح له الرزق المقسوم بابا من الفطنة،
__________
[1] ميثاء: اسم لامرأة. الحقبة: مدة من الدهر. سكنا: هو كل ما سكنت إليه واطمأننت به من أهل وغيره.
[2] هذا القول حتى قوله «لا يرام نتنا» نقله ابن منظور في اللسان 5/42- 43 (فأر) ، والنويري في نهاية الأرب 10/171.
[3] النوافج: جمع نافجة، وهي وعاء المسك. السرر: جمع سرة؛ وهي الوقبة في وسط البطن.
[4] الشنوف: جمع شنف، وهو القرط.
[5] العقعق: طائر مولع بالسرقة. انظر ما تقدم في ص 84- 85.
[6] الخبر في ربيع الأبرار 5/473.
(5/162)

فقال: الرأي أن أمسك عن أخذه ما دام يخرج، فإذا رأيته يدخل فعند أوّل دينار يغيّبه ويعيده إلى مكانه أثب عليه، فأجترف المال.
قال: ففعلت وعدت إلى موضعي الذي كنت أراه منه. فبينما هو يخرج إذ ترك الإخراج، ثم جعل يرقص ويثب إلى الهواء، ويذهب يمنة ويسرة ساعة، ثم أخذ دينارا فولّى به، فأدخله الجحر، فلما رأيت ذلك قمت إلى الدنانير فأخذتها، فلما عاد ليأخذ دينارا آخر فلم يجد الدنانير أقبل يثب في الهواء، ثم يضرب بنفسه الأرض، حتى مات.
وهذا الحديث من أحاديث النساء وأشباه النساء.
باب آخر يدّعونه للفأر
وهو الذي ينظر فيه أصحاب الفراسة في قرض الفأر، كما ينظر بعضهم في الخيلان [1] ، وفي الأكتاف، وفي أسرار الكفّ [2] .
ويزعمون [3] أنّ أبا جعفر المنصور نزل في بعض القرى، فقرض الفأر مسحا له كان يجلس عليه، فبعث به ليرفأ [4] ، فقال لهم الرفّاء: إنّ هنا أهل بيت يعرفون بقرض الفأر ما ينال صاحب المتاع من خير أو شر، فلا عليكم أن تعرضوه عليهم قبل أن تصلحوه. فبعث المنصور إلى شيخهم، فلما وقعت عينه على موضع القرض وثب وقام قائما ثم قال: من صاحب هذا المسح؟ فقال المنصور: أنا. فقام ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! والله لتلينّ الخلافة أو أكون جاهلا أو كذابا! ذكر هذا الحديث عمر بن مجمّع السّكوني الصّريمي وقد قضى على بعض البلدان.
__________
[1] الخيلان: جمع خال، وهو نكتة سوداء في البدن.
[2] أسرار الكف: خطوطها.
[3] الخبر في نهاية الأرب 10/168.
[4] رفأ الثوب: لأم خرقه.
(5/163)

1432-[فأرة المسك]
وسألت [1] بعض العطارين من أصحابنا المعتزلة عن فأرة المسك فقال: ليس بالفأرة، وهو بالخشف أشبه. ثم قصّ عليّ شأن المسك وكيف يصطنع. وقال، لولا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد تطيّب بالمسك لما تطيّبت به، فأمّا الزباد [2] فليس مما يقرب ثيابي منه شيء.
قلت له: وكيف يرتضع الجدي من لبن خنزيرة فلا يحرم لحمه؟ قال: لأنّ ذلك اللبن استحال لحما، وخرج من تلك الطبيعة، ومن تلك الصورة، ومن ذلك الاسم.
وكذلك لحوم الجلّالة [3] . فالمسك غير الدّم، والخلّ غير الخمر. والجوهر ليس يحرم بعينه، وإنما يحرم للأعراض والعلل. فلا تقزّز منه عند تذكرك الدّم الحقين؛ فإنه ليس به. وقد تتحوّل النار هواء، والهواء ماء، فيصير الشبه الذي بين الماء والنار بعيدا جدّا.
1433-[بيت الفأر]
والجرذان لا تحفر بيوتها على قارعة طريق، وتجتنب الخفض؛ لمكان المطر، وتجتنب الجوادّ [4] ؛ لأن الحوافر تهدم عليها بيوتها. فإذا أخرجها وقع حافر فرس، مع هذا الصّنيع، دلّ ذلك على شدة الجري والوقع. وقال امرؤ القيس [5] يصف فرسه:
[من الطويل]
فللسّوط ألهوب وللرّجل درّة ... وللزّجر منه وقع أهوج منعب [6]
__________
[1] هذا الخبر نقله ابن منظور في اللسان 5/42- 43 (فأر) ، وجعله متصلا مع الخبر الذي ورد في ص 162.
[2] الزباد: ضرب من الطب، وهو عرق حيوان يشبه السنور.
[3] الجلالة: التي تأكل العذرة وتتبع النجاسات.
[4] الجواد: جمع جادة، وهي معظم الطريق.
[5] ديوان امرئ القيس 51، والأول في اللسان والتاج (نعب) ، والجمهرة 1193، والتهذيب 6/315، وبلا نسبة في المخصص 6/166، وهو بقافية (مهذب) في اللسان والتاج (لهب، هذب) ، وبلا نسبة في المقاييس 5/214، والثاني في شرح شذور الذهب 202، والأساس (نوط) ، والثالث في اللسان (عكد، غبا) ، والتاج (عكد) ، والتهذيب 8/208، والرابع في اللسان والتاج (نفق، خفي) ، والمقاييس 2/202، والعين 4/314، والتهذيب 7/596، وبلا نسبة في التاج (جلب) .
[6] في ديوانه: «يقول: إذا حركه بساقه ألهب الجري، أي أتى بجري شديد كالتهاب النار، وإذا ضربه بالسوط درّ بالجري، وإذا زجره وقع منه موقعه من الأهوج الذي لا عقل معه؛ أي كأن هذا الفرس-
(5/164)

فأدرك، لم يعرق مناط عذاره ... يدرّ كخذروف الوليد المثقّب [1]
ترى الفأر في مستعكد الأرض لاجئا ... إلى جدد الصحراء من شدّ ملهب [2]
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب [3]
خفاهنّ: أظهرهنّ. وقرأ بعضهم: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها
[4] ، بفتح الألف [5] ؛ أي أظهرها. وقال امرؤ القيس [6] : [من المتقارب]
فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
وقال أعرابيّ [7] : إن بني عامر جعلتني على حنديرة [8] أعينها، تريد أن تختفي دمي [9] .
1434-[استطراد لغوي]
وقال أبو عبيدة: أربعة أحرف تهمزها عقيل من بين جميع العرب، تقول [10] :
فأرة، ومؤسى، وجؤنة، وحؤت [11] .
__________
مجنون أهوج لما يبدو من شدة حركته ونشاطه عند الزجر. والمنعب: الذي يستعين بعنقه. في الجري ويمده» .
[1] رواية صدر البيت في الديوان «فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه» . أي أدرك الفرس الوحش دون مشقة أو تعب. لم يثن شأوه: أي أدركها في طلق واحد دون أن تثنيه لسرعته، وشبهه لسرعته وخفته بالخذروف المثقب إذا أداره الوليد. والخذروف: عود أو قصبة مشقوقة، يفرض في وسطه، ثم يشد بخيط، فإذا أمر دار وسمعت له حفيفا. وهو لعبة للصبيان.
[2] رواية صدر البيت في الديوان «ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبا» ، المستعكد: الغليظ من الأرض. الجدد: ما استوى من الأرض وصلب. المهلب: لشديد العدو الملتهب في الجري.
[3] في ديوانه: «خفاهن: أي أظهرهن، أي استخرجهن. الأنفاق: الأسراب تحت الأرض. الودق:
المطر» .
[4] 15/طه: 20.
[5] هي قراء الحسن وعاصم وابن كثير وأبي الدرداء ومجاهد وسعيد بن الجبير وقتادة وحميد.
المحتسب 2/47، والبحر المحيط 6/232، وعمدة الحفاظ 1/518 (خفي) .
[6] البيت لامرئ القيس في ديوانه 186، واللسان (خفا) ، والتاج (خفي) ، ولعمرو بن أحمر في ملحق ديوانه 180، وبلا نسبة في التهذيب 7/595.
[7] ورد في اللسان 14/235 (خفي) : «ومنه قول الغنوي لأبي العالية: إن بني عامر أرادوا أن يختفوا دمي» .
[8] الحنديرة: حدقة العين.
[9] أي تريد أن تقتلني خفية دون أن يعلم بي.
[10] في اللسان 5/43 (فأر) : «وعقيل تهمز الفأرة والجؤنة والمؤسى «والحؤت» .
[11] المؤسى: موسى الحلاق، يذكر ويؤنث. الجؤنة: ظرف لطيب العطار. الحؤت: الحوت.
(5/165)

فأصناف ما يقع عليه اسم الفأرة: فأرة البيش، وفأرة البيت، وفأرة المسك، وفأرة الإبل. وفي فأرة المسك يقول حميد الأرقط: [من الرجز]
ممطورة خالط منها النّشر ... ذا أرج شقّق عنه الفأر
وفي فأرة الإبل قال الشاعر [1] : [من البسيط]
كأنّ فأرة مسك في مباءتها ... إذا بدا من ضياء الصّبح تبشير [2]
وهذا شبيه بالذي قال الراعي [3]- وليس به-: [من الطويل]
تبيت بنات القفر عند لبانه ... بأحقف من أنقاء توضح هائل [4]
كأن القطار حرّكت في مبيته ... جديّة مسك في معرّس قافل [5]
1435-[فأرة الإبل]
قال الأصمعيّ: قلت لأبي مهدية: كيف تقول: لا طيب إلا المسك؟ قال:
فأين أنت من العنبر؟! قال: فقلت: لا طيب إلا المسك والعنبر. قال: فأين البان؟! فقلت: لا طيب إلا المسك والعنبر والبان [6] . قال: فأين أنت عن أدهان بحجر [7] ؟! قال: فقلت: لا طيب إلا المسك، والعنبر. والبان، وأدهان بحجر. قال: فأين فأرة الإبل صادرة؟! قال الأصمعيّ: فأرة الإبل [8] .
__________
[1] البيت بلا نسبة في ثمار القلوب (612) .
[2] مباءة الإبل: مناخها ومعطنها.
[3] ديوان الراعي النميري 209.
[4] بنات القفر: بنات النقا، وبنت النقا تعرف باسم شحمة الأرض، وو هي دويبة صغيرة تغوص في الرمل وتسبح فيه سباحة السمك في الماء. «انظر ثمار القلوب (736) ، والمخصص 8/101» .
اللبان: الصدر. الأحقف: المائل من الرمل. الأنقاء: الكثبان. توضح: اسم موضع بعينه.
[5] القطار: جمع قطر؛ وهو المطر. الجدية: القطعة من المسك. المعرس: مبيت القوم من آخر الليل. القافل: الراجع من السفر.
[6] البان: شجر يسمو ويطول في استواء مثل بغات الأسل، وليس لخشبه صلابة، ينبت في الهضب، وثمرته تشبه قرون اللوبياء، ولها حب، ومن ذلك الحب يستخرج دهن البان.
[7] حجر: قصبة اليمامة.
[8] نبّه محقق ثمار القلوب (611) إلى وجود نقص هنا يمكن استدراكه من نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج 16/350، وذكر في الحاشية «وليس للإبل فأرة، وإنما هي رائحة طيبة تفوح منها إذا رعت العشب وزهره، ثم شربت فعرقت فاح منها رائحة طيبة، يقال لها: فأرة الإبل» ، وانظر اللسان 5/43 (فأر) .
(5/166)

1436-[فأرة البيش والسمندل]
وفأرة البيش دويبة تغتذي السّموم فلا تضرها. والبيش سمّ، وحكمه حكم الطائر الذي يقال له: سمندل؛ فإنه يسقط في النار فلا يحترق ريشه
2237-[الخشب الذي لا يحترق]
ونبّيت عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: لو أخذ الطّحلب فجفف في الظّلّ، ثم أسقط في النّيران لم يحترق.
ولولا ما عاينوا من شأن الطّلق والعود الذي يجاء به من كرمان [1] لاشتدّ إنكارهم.
وزعم [2] ابن أبي حرب أن قسّا راهن على أن الصليب الذي في عنقه من خشب، أنه لا يحترق؛ لأنه من العود الذي كان صلب عليه المسيح، وأنه كان يفتن بذلك ناسا من أهل النظر، حتى فطن له بعض المتكلمين، فأتاهم بقطعة عود يكون بكرمان [1] . فكان أبقى على النار من صليبه.
1438-[مساوي السنانير]
قال صاحب الكلب: والسنور لصّ لئيم، وشره خؤون. فمن ذلك أن صاحب المنزل يرمي إليه ببعض الطعم، فيحتمله احتمال المريب، واللصّ المغير، حتى يولج به خلف حبّ أو راقود، أو عدل [3] أو حطب، ثم لا يأكله إلا وهو يتلفَّت يمينا وشمالا، كالذي يخاف أن يسلب ما أعطي، أو يعثر على سرقته فيعاقب. ثم ليس في الأرض خبثة إلا وهو يأكلها، مثل الخنافس والجعلان، وبنات وردان، والأوزاغ، والحيّات، والعقارب، والفأر، وكلّ نتن وكل خبثة، وكلّ مستقذر.
وهذه الأنعام تدخل الغيض، فتجتنب مواضع السموم بطبائعها، وتتخطاها ولا تلتفت لفتها. وربما أشكل الشيء على البعير، فيمتحنه بالشّمة الواحدة. فلا تغلط الإبل إلا في البيش وحده. ولا تغلط الخيل إلا في الدّفلى [4] وحده.
__________
[1] كرمان: ولاية بين فارس ومران وسجستان وخراسان.
[2] انظر هذا الزعم في عيون الأخبار 2/107، وثمار القلوب (663) .
[3] الحب: الجرة الضخمة. الراقود: إناء من خزف مستطيل. العدل: نصف العدل على أحد جنبي البعير.
[4] انظر مثل هذه الفقرة في ربيع الأبرار 5/427.
(5/167)

والسنانير تموت عن أكل الأوزاغ والحيّات والعقارب، وما لا يحصى عدده من هذه الحشرات، فهذا يدلّ على جهل بمصلحة المعاش، وعلى حسّ غليظ وشره شديد.
1439-[هيج الحيوان]
قالوا: وكل أنثى من جميع الحيوان، ما خلا المرأة، فلا بدّ لها من هيج في زمان معلوم، ثم لا يعرف ذلك منها وفيها إلا بالدلائل والآثار، أو ببعض المعاينة.
وإناث السنانير، إذا هجن للسّفاد، آذين بصياحهنّ أهل القبائل ليلا ونهارا، بشيء ظاهر قاهر عليّ. لا يعتريهن فترة ولا ملالة ولا سآمة. فربّ رجل حرّ شديد الغيرة، وهو جالس مع نسائه وهنّ يتردّدن على مثل هذه الهيئة، ويصرخن في طلب السّفاد. فكم من حرة قد خجلت، وحرّ قد انتقضت طبيعته.
وليس لشيء من فحولتها [1] مثل ذلك. فكل جنس في العالم من الحيوان فذكورته أظهر هيجا، إلا السّنانير.
وليس لشيء من فحولة الأجناس مثل الذي للجمل من الإزباد، وهجران الرّعي، وترك الماء، حتى تنضمّ أياطله [2] ، ويتورّم رأسه، ويكون كذلك الأيام الكثيرة. وهو في ذلك الوقت لو حمّل على ظهره- مع امتناعه شهرا من الطعام- ثلاثة أضعاف حمله لحملها.
1440-[أمنية المكي وإسماعيل بن غزوان]
ونظر المكيّ إلى جمل قد أزبد وتلغّم، وطار على رأسه منه كشقق البرس [3] ، وقد زمّ بأنفه، وهو يهدر ويقبقب [4] ، لا يعقل شيئا إلا ما هو فيه، فقال لإسماعيل بن غزوان: والله لوددت أن أهل البصرة رأوني يوما واحدا إلى الليل على هذه الصفة، وأنّي خرجت من قليل مالي وكثيره! فقال له إسماعيل: وأي شيء لك في ذلك؟ قال:
كنت والله لا أصبح حتى يوافي داري جميع نساء أهل البصرة، وجواريك فيهنّ فلا
__________
[1] أي فحولة السنانير.
[2] الأياطل: جمع أيطل، وهو الخاصرة.
[3] الشقق: جمع شقة، وهي السبيبة المستطيلة من الثياب. البرس: القطن.
[4] يقبقب: يرجع في هديره.
(5/168)

أبدا إلا بهنّ! قال إسماعيل: إنك والله ما سبقتني إلا إلى القول، وأما النية والأمنيّة فأنا والله أتمنّى هذا منذ أنا صبيّ!.
1441-[حال بعض الحيوان عند معاينة الأنثى]
وللحمار والفرس عند معاينة الحجر والأتان هيج وصياح، وقلق وطلب.
والجمل يقيم على تلك الصّفة عاين أو لم يعاين، ثم يدنى من هذه الذّكورة إناثها فلا تسمح بالإمكان إلا بعد أن تسوّى وتدارى.
1442-[مقارنة بين السنور والكلب والحمام]
قالوا: والسنانير إذا انتقل أربابها من دار إلى دار، كان وطنها أحبّ إليها منهم، وإن أثبتت أعيانهم. فإن هم حوّلوها فأنكرت الدار لم تقم على معرفتهم، فربما هربت من دارهم الحادثة ولم تعرف دارهم الأولى، فتبقى متردّدة: إما وحشية، وإما مأخوذة، وإما مقتولة.
والكلب يخلّي الدار، ويذهب مع أهل الدار. والحمام في ذلك كالسنور.
1443-[اختلاف أثمان السنور]
قال صاحب الكلب: السنور يسوى في صغره درهما، فإذا كبر لم يسو شيئا [1] . وقال العمّيّ [2] : [من الطويل]
فإنّك فيما قد أتيت من الخنا ... سفاها، وما قد ردت فيه بإفراط
كسنّور عبد الله، بيع بدرهم ... صغيرا فلمّا شبّ بيع بقيراط
وصاحب هذا الشعر، لو غبر مع امرئ القيس بن حجر، والنابغة الذّبياني، وزهير ابن أبي سلمى، ثم مع جرير والفرزدق، والراعي والأخطل، ثم مع بشار وابن هرمة، وابن أبي عيينة، ويحيى بن نوفل وأبي يعقوب الأعور، ألف سنة- لما قال بيتا واحدا مرضيا أبدا.
وقد يضاف هذا الشعر إلى بشّار، وهو باطل.
__________
[1] ورد مثل هذا القول في ثمار القلوب (608) ، وربيع الأبرار 5/428.
[2] البيتان لبشار بن برد في ديوانه 4/111، ومجمع الأمثال 2/173، ووفيات الأعيان 6/190، وعقلاء المجانين 89، وانظر الحاشية السابقة.
(5/169)

1444-[حلاق الحيوان وبعض الأمم]
وزعم لي من لا أردّ خبره، أن الحلاق قد يعرض للسنانير، كما يعرض للخنازير والحمير.
وزعم لي بعض أهل النظر، أنّ الزّنج أشبهوا الحمير في كلّ شيء، حتى في الحلاق؛ فإنه ليس على ظهرها زنجيّ إلا وهو حلقيّ.
وقد غلط. ليس عليها زنجيّ عليه مؤونة من أن يناك. وليس هذا تأويل الحلاق. وتأويل الحلاق أن يكون هو الطالب.
والنبيذ يهتك ستر الحلقيّ، وينقض عزم المتجمّل [1] . وهم يشربون النبيذ أبدا. وسوء الاحتمال له، وسرعة السكر إليهم عامّ فيهم.
وعندنا منهم أمم. فلو كان هذا المعنى حقّا لكان علمه ظاهرا. فخبّرني صاحبنا هذا [2] أن في منزل أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي هرّين ذكرين عظيمين، يكوم أحدهما الآخر، وذلك كثيرا ما يكون. وأن المنكوح لا يمانع الناكح، ولا يلتمس منه مثل الذي يبذله له.
1445-[أكل الهرة أولادها]
قالوا: والهرة تأكل أولادها. فكفاك بهذه الخصلة لؤما وشرها، وعقوقا وغلظ قلب! وقال السيّد الحميريّ- وذكر مسير عائشة، رضي الله تعالى عنها، إلى البصرة مع طلحة والزّبير، حين شهدت ما لم يشهدا، وأقدمت على ما نكصا عنه [3]-: [من السريع]
جاءت مع الأشقين في هودج ... تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنّها في فعلها هرّة ... تريد أن تأكل أولادها
ولبئس ما قال في أمّ المؤمنين وبنت الصدّيق! وقد كان قادرا على أن يوفّر على عليّ- رضي الله عنه- فضله، من غير أن يشتم الحواريّين، وأمّهات المؤمنين، ولو
__________
[1] المتجمل: المتصبر الذي يظهر للناس خلاف ما يبطن من الألم.
[2] تقدم الخبر في 3/92- 93.
[3] ديوان السيد الحميري 173.
(5/170)

أراد الحقّ لسار فيها وفي ذكرها سيرة علي بن أبي طالب. فلا هو جعل عليّا قدوة، ولا هو رعى للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حرمة.
وذكورة سنانير الجيران تأكل أولاد الهرة، ما دمن صغارا أو فوق الصغار شيئا، وتقتلها وتطلبها أشدّ الطلب. والأمهات تحرسها منها وتقاتل دونها، مع عجزها عن الذكورة.
1446-[الألوان الأصلية في الحيوان]
قال أبو إسحاق: السنور الذي هو السنور، هو المنمّر، وهو الأنمر، وهو الذي يقال له: البقّاليّ، وذلك لكثرة اتخاذ البقالين لها، من بين سائر السنانير، لأنها أصيد للفأر.
قال: وجميع ألوان السنانير إنما هي كالشّيات الدّاخلة على اللون.
قال: وكذلك الحمار، إنما هو الأخضر، والألوان الأخر داخلة عليه.
قال: فأما الأسد فليست بذات شيات، ولا تعدو لونا واحدا، ويكون ذلك اللون متقاربا غير متفاوت.
1447-[أحوال إناث السنانير وذكورها]
قال: ومن فضيلة ما في السنانير، أنها تضع في السّنة مرتين وكذلك الماعزة في القرى، إلا ما داس الحبّ.
قال: ويحدث لإناث السنانير من القوة والشجاعة إذا كامها الفحل وهرب منها عند الفراغ فلو لحقته قطّعته.
ويحدث للذكر استخذاء، كما يحدث للذئب القويّ إذا ناله الخدش اليسير، ويحدث للضعيف من الجرأة عليه حتى يثب عليه فيأكله؛ فلا يمتنع منه. كما قال الشاعر [1] : [من الطويل]
وكنت كذئب السّوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم
ويحدث مثل ذلك للجرذ إذا خصي، من الحرد على سائر الجرذان، حتى يثب فيقطّعها، وتهرب منه ضعفا عنه.
__________
[1] البيت للفرزدق في ديوانه 2/187 (صادر) ، 749 (الصاوي) ، واللسان والتاج (سوأ، حول) ، والتنبيه والإيضاح 1/20، والتهذيب 5/246، وبلا نسبة في اللسان والتاج (دمي) .
(5/171)

وسائر الحيوان إنما يعتريه الضّعف عن أمثاله إذا خصي وترك أمثاله على حالها.
1448-[قول زرادشت في الفأر والسنور والردّ عليه]
ثم رجعنا إلى قول زرادشت في الفأر.
زعم زرادشت أن الفأرة من خلق الله. وأن السنّور من خلق الشيطان. فقيل للمجوس: ينبغي على أصل قولكم أن يكون الشيء الذي خلق الله خيرا كله ونفعا كلّه، ومرفقا [1] كله، ويكون ما خلق الشيطان على خلاف ذلك. ونحن نجد عيانا أن الذي قلتم به خطأ. رأينا الناس كلهم يرون أن الفأر بلاء ابتلوا به، فلم يجدوا بدّا من الاحتيال لصرف مضرّته، كالداء النازل الذي يلتمس له الشفاء. ثم وجدناهم قد أقاموا السنانير مقام التداوي والتعالج، وأقاموا الفأر مقام الداء الذي أنزله الله، وأمر بالتداوي منه، فاجتلبوا لذلك السنانير وبنات عرس، ثم نصبوا لها ألوان الصيّادات، وصنعوا لها ألوان السّموم والمعجونات التي إذا أكلت منها ماتت. واستفرهوا [2] السنانير واختاروا الصيّادات.
واجتبوا السّنّور دون ابن عرس، لأن ابن عرس يعمل في الفأر والطير كعمل الذّئب بالغنم، فأوّل ما يصنع بالفريسة أن يذبحها، ثم لا يأكلها إلا في الفرط.
والسّنّور يقتل ثم يأكل. فالفار من السنور أشدّ فزعا، وهو الذي قوبل به طباعها وطباعه.
وكما أن الذي يأكل الدجاج كثير، وأن الذي جعل بإزائه ابن آوى. وكما أن الذي يأكل الغنم كثير، والذي جعل بإزائها الذئب.
والأسد أقوى منه على النعجة، والنّعجة من الذّئب أشد فرقا [3] .
والحيّات تطالب الفأر والجرذان، وهي من السنور أشد فزعا.
وإن كان في الجرذان ما يساوي السنور فإنها منه أشد فزعا.
فإن كنتم إنما جعلتموه من خلق الشيطان لأكله صنفا واحدا من خلق الله- فالأصناف التي يأكلها من خلق الشيطان أكثر.
__________
[1] المرفق: ما استعين به.
[2] يستفره: يختار الفاره الجيد.
[3] الفرق: الخوف.
(5/172)

وزعم زرادشت أن السّنّور لو بال في البحر، لقتل عشرة آلاف سمكة.
فإن كان إنما استبصر في ذمّه في قتل السمك فالسمك أحقّ بأن يكون من خلق الشيطان؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، والذكر يتبع الأنثى في زمان طرح البيض، فكلما قذفت به التهمه. وإن غرق إنسان في الماء، بحرا كان أو واديا، أو بعض ذوات الأربع- فالسمك أسرع إلى أكله من الضّباع والسنور إلى الجيف.
وعلى أنّ اعتلاله على السنور، وقوله: لو بال في البحر قتل عشرة آلاف سمكة.
فما يقول فيمن زعم أن الجرذ لو بال في البحر قتل مائة ألف سمكة؟ وبأي شيء يبين منه؟ وهل ينبغي لمن كسر هذا القول الظاهر الكسر، المكشوف الموق [1] أن يفرح؟! وهل تقرّ الجماعة والأمم بأنّ في الفأر شيئا من المرافق؟! وهل يمازج مضرّتها شيء من الخير وإن قلّ؟! أو ليست الفأر والجرذان هي التي تأكل كتب الله تعالى، وكتب العلم، وكتب الحساب؛ وتقرض الثّياب الثمينة، وتطلب سرّ نوى [2] القطن، وتفسد بذلك اللّحف والدّواويج [3] والجباب، والأقبية والخفاتين [4] ، وتحسو الأدهان، فإن عجزت أفواهها أخرجتها بأذنابها؟! أو ليست التي تنقب السّلال وتقرض الأوكية [5] وتأكل الجرب حتى يعلّق المتاع في الهواء إذا أمكن تعليقه؟!.
وتجلب إلى البيوت الحيّات؛ للعداوة التي بينها وبين الحيّات، ولحرص الحيّات على أكلها، فتكون سببا في اجتماعها في منازلهم، وإذا كثرن قتلن النفوس.
وقال ابن أبي العجوز: لولا مكان الفأر لما أقامت الحيّات في بيوت الناس، إلا ما لا بال به من الإقامة.
وتقتل الفسيل [6] والنخل، وتهلك العلف والزرع، وربما أهلكن القراح [7] كله، وحملن شعير الكدس وبرّه.
__________
[1] الموق: الحمق.
[2] سر النوى: لبه.
[3] الدواويج: جمع دوّاج، وهو ضرب من الثياب.
[4] الخفاتين: جمع خفتان، وهو ثوب يلبس تحت السلاح، أي الدرع ونحوه. انظر معجم استينجاس 468.
[5] الأوكية: جمع وكاء، وهو رباط القربة.
[6] الفسيل: صغار النخل.
[7] القراح: الأرض المخلصة لزرع أو لغرس.
(5/173)

أو ليس معلوما من أخلاقها اجتذاب فتائل المصابيح رغبة في تلك الأدهان، حتى ربما جذبتها جهلا وفي أطرافها الأخر السّرج تستوقد فتحرق بذلك القبائل الكثيرة، بما فيها من الناس والأموال والحيوان؟!.
وهي بعد آكل للبيض وأصناف الفراخ من الحيّات لها.
فكيف لم تكن من هذه الجهة من خلق الشيطان؟!.
هذا، وبين طباعها وطباع الإنسان منافرة شديدة، ووحشة مفرطة. وهي لا تأنس بالناس وإن طالت معايشتها لهم والسّنّور آنس الخلق بهم.
وكيف تأنس بهم وهم لا يقلعون عن قتلها ما لم تقلع هي عن مساءتهم؟! فلو كنّ مما يؤكل لكان في ذلك بعض المرفق [1] . فكيف وإنها لتلقى في الطريق ميّتة، فما يعرض لها الكلب الجائع! فالأمم كلها على التفادي منها واتخاذ السنانير لها.
وزرادشت بهذا العقل دعا الناس إلى نكاح الأمهات، وإلى التوضؤ بالبول، وإلى التوكيل في نيك المغيبات، وإلى إقامة سور للسّنب [2] ، وصاحب الحائض والنفساء [3] .
1449-[سبب نجاح زرادشت]
ولولا أنّه صادف دهرا في غاية الفساد، وأمّة في غاية البعد من الحرية ومن الغيرة والألفة، ومن التقزّز والتنظف، لما تمّ له هذا الأمر.
وقد زعم ناس أن ذلك إنما كان وإنما تمّ لأنه بدأ بالملك [4] ؛ فدعاه على قدر ما عرف من طباعه وشهوته وخلقه. فكان الملك هو الذي حمل على ذلك رعيّته.
والذي قال هذا القول ليس يعرف من الأمور إلا بقدر ما باين [5] به العامّة؛ لأنه لا يجوز أن يكون الملك حمل العامّة على ذلك، إلا بعد أن يكون زرادشت ألفى
__________
[1] المرفق: المنفعة.
[2] سور للسنب: كلمتان فارسيتان معناهما عيد للخفض، ونساء المجوس يحتفلون يوم تطهير المرأة.
[3] من عادة المجوس تكريم صاحب الحائض في أول يوم يحدث الطمث فيه لابنته البالغ، لأنه أصبح أبا مستعدّا لزيادة البشر.
[4] الملك هو يستاسف بن لهراسف، أتاه زرادشت بدين المجوسية. انظر مروج الذهب 1/270 (باب ملوك الفرس الأولى) .
[5] باين: فارق.
(5/174)

على ذلك الفساد أجناد الملك. ولم يكن الملك ليقوى على العامة بأجناده، وبعشرة أضعاف أجناده، إلا أن يكون في العامة عالم من الناس، يكونون أعوانا للأجناد على سائر الرعية.
وعلى أن الملوك ليس لها في مثل هذه الأمور علّة تدعو إلى المخاطرة بملكها، وإنما غاية الملوك كل شيء لا بد للملوك منه، فأمّا ما فضل عن ذلك فإنها لا تخاطر بأصول الملك تطلب الفضول، إلا من كان ملكه في نصاب إمامة، وإمامته في نصاب نبوّة، فإنه يتّبع كلّ شيء توجبه الشريعة، وإن كان ذلك سبيل الرأي؛ لأن الذي شرع الشريعة أعلم بغيب تلك المصلحة.
وقد ينبغي أن يكون ذلك الزمان كان أفسد زمان، وأولئك الأهل كانوا شرّ أهل. ولذلك لم تر قطّ ذا دين تحوّل إلى المجوسيّة عن دينه. ولم يكن ذلك المذهب إلا في شقّهم وصقعهم [1] من فارس والجبال وخراسان. وهذه كلها فارسية.
1450-[أثر البيئة في العقيدة]
فإن تعجّبت من استسقاطي لعقل كسرى أبرويز وآبائه، وأحبائه وقرابينه وكتّابه وأطبائه، وحكمائه وأساورته- فإني أقول في ذلك قولا تعرف به أني ليس إلى العصبيّة ذهبت.
اعلم أني لم أعن بذلك القول الذين ولدوا بعد على هذه المقالة، ونشؤوا على هذه الدّيانة، وغذوا بهذه النّحلة، وربّوا جميعا على هذه الملة؛ فقد علمنا جميعا أن عقول اليونانية فوق الدّيانة بالدهرية والاستبصار في عبادة البروج والكواكب؛ وعقول الهند فوق الديانة بطاعة البدّ [2] ، وعبادة البددة [3] ، وعقول العرب فوق الدّيانة بعبادة الأصنام والخشب المنجور، والحجر المنصوب، والصخرة المنحوتة.
فداء المنشأ والتقليد، داء لا يحسن علاجه جالينوس ولا غيره من الأطباء.
وتعظيم الكبراء، وتقليد الأسلاف، وإلف دين الآباء، والأنس بما لا يعرفون غيره، يحتاج إلى علاج شديد. والكلام في هذا يطول.
فإن آثرت أن تتعجب، حتى دعاك التعجّب إلى ذكر أبرويز- فاذكر سادات قريش، فإنهم فوق كسرى وآل كسرى.
__________
[1] الشق والصقعة: الناحية.
[2] البددة: جمع بد، وهي كلمة فارسية معناها الصنم.
(5/175)

1451-[دفاع صاحب السنور]
وقال المحتجّ للسنانير: قد قالوا: «أبر من هرّة» [1] و «أعق من ضبّ» [2] ، وهذا قول الذين عاينوها تأكل أولادها. وزعموا أن ذلك من شدة الحبّ لها. وقال بعضهم: إنما يعتريها ذلك من جنون يعتريها عند الولادة، وجوع يذهب معه علمها بفرق ما بين جرائها وجراء غيرها من الأجناس، ولأنها متى أشبعت أو أطعمت شطر شبعها لم تعرض لأولادها. والرد على الأمم أمثالها عمل مسخوط. والعرب لا تتعصب للسنّور على الضبّ؛ فيتوهّم عليها في ذلك خلاف الحقّ، وإنما هذا منكم على جهة قولكم في السنور إذا نجث [3] لنجوه ثم ستره، ثم عاود ذلك المكان فشمّه فإذا وجد رائحة زاد عليه من التراب. فقلتم: ليس الكرم وستر القبيح أراد، وإنما أراد تأنيس الفأر. فنحن لا ندع ظاهر صنيعه الذي لا حكم له إلا الجميل لما يدّعي مدّع من تصاريف الضمير.
وعلى أن الذي قلتموه إن كان حقّا فالذي أعطيتموه من فضيلة التدبير أكثر مما سلبتموه من فضيلة الحياء.
1452-[العيون التي تسرج بالليل]
قال: والعيون التي تسرج بالليل: عيون الأسد، والأفاعي؛ والسنانير، والنّمور.
والأسد سجر [4] العيون. وعيون السنانير منها زرق، ومنها ذهبية، كعيون أحرار الطير وعتاقها. وعيون الأفاعي بين الزّرق والذهبية. وقال حسان بن ثابت [5] : [من الطويل]
ثريد كأنّ السّمن في حجراته ... نجوم الثّريّا أو عيون الضّياون
__________
[1] مجمع الأمثال 1/116، والدرة الفاخرة 1/75، 82، وجمهرة الأمثال 1/204، 243، والمستقصى 1/17.
[2] مجمع الأمثال 2/47، والدرة الفاخر 1/306، وجمهرة الأمثال 2/69، والمستقصى 1/250، وأمثال ابن سلام 369.
[3] بخيث البئر والحفرة: ما خرج من ترابهما.
[4] السجرة: حمرة في العين في بياضها، وبعضهم يقول: إذا خالطت الحمرة الزرقة فهي أيضا سجراء.
وقال بعضهم: هي الحمرة في سواد العين، وقيل: البياض الخفيف في سواد العين، وقيل: هي كدرة في بطن العين من ترك الكحل. اللسان 4/347 (سجر) .
[5] لم يرد البيت في ديوان حسان بن ثابت، وهو بلا نسبة في اللسان والتاج (ضون) .
(5/176)

الضيّون: السّنّور.
1453-[تحقيق في الألوان]
وإذا قال الناس: ثوب أزرق فإنهم يذهبون إلى لون واحد. وإذا وصفوا بذلك العين وقع على لونين؛ لأن البازي يسمى أزرق وكذلك العقاب، والزّرّق، وكل شيء ذهبي العين. فإذا قالوا: سنور أزرق لم يدر، أذهبوا إلى ألوان الثياب أم إلى ألوان عيون البزاة.
وقد قال صحار العبديّ حين قال له معاوية: يا أزرق! قال: البازي أزرق.
وأنشد [1] : [من الطويل]
ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطير شكل عيونها
والذهب قد يقال له أصفر، ويقال له أحمر.
وقال بعض بني مروان لبعض ولد متمّم بن نويرة: يا أحمر! قال: الذهب أحمر.
فلذلك زعم أن عتاق الطير شكل عيونها.
وقال الأخطل [2] : [من الطويل]
وما زالت القتلى تمور دماؤهم ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
فالشّكلة عندهم تقع على الصّفرة والحمرة إذا خالطا غيرهما.
1454-[الزرق العيون من العرب]
فمن الزرق من الناس صحار العبديّ، وعبد الرحمن ابنه، وداود بن متمّم بن نويرة، والعباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ومرون بن محمد بن مروان، وسعيد بن قيس الهمداني، وزرقاء اليمامة. وهي عنز، من بنات لقمان بن عاديا.
ومن الزّرق ممن كانوا يتشاءمون به: قيس بن زهير، وكان أزرق وكان بكرا وابن بكرين [3] .
__________
[1] البيت بلا نسبة في ثمار القلوب (654) وتقدم البيت والخبر قبله في 4/372.
[2] البيت ليس للأخطل؛ بل لجرير في ديوانه 143، والخزانة 9/477، 479، والأزهية 216، والجنى الداني 552، والدرر 4/32، وشرح شواهد المغني 1/377، وشرح المفصل 8/18، واللمع 163، ومغني اللبيب 1/128، والمقاصد النحوية 4/386، والتاج (شكل) ، وبلا نسبة في أسرار العربية 267، والدرر 4/112، وشرح الأشموني 3/562، واللسان (شكل) ، وهمع الهوامع 1/248، 2/24.
[3] البكر: أول ولد الرجل، والعرب تتشاءم به إذا كان ذكرا، فإذا كان كلّ من أبويه أيضا كذلك، قيل له-
(5/177)

وكانت البسوس زرقاء وبكرا بنت بكرين. ولها حديث لا أحقّه.
وكانت الزّبّاء زرقاء. والزرق العيون، من بني قيس بن ثعلبة، منهم المرقّشان، وغيرهما.
1455-[الحمر الحماليق من العرب]
والحمر الحماليق [1] ، من بني شيبان. وكان النعمان أزرق، أقشر، أحمر العينين، أحمر الحماليق. وفيه يقول أبو قردودة حين نهى ابن عمار عن منادمته [2] :
[من البسيط]
إني نهيت ابن عمّار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشّعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
1456-[شعر في الزرق]
وقال عبد الله بن همام السّلوليّ: [من البسيط]
ولا يكوننّ مال الله مأكلة ... لكلّ أزرق من همدان مكتحل
وقال آخر [3] : [من الطويل]
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كلّ ضبّيّ من اللؤم أزرق
وفي باب آخر يقول زهير [4] : [من الطويل]
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم [5]
__________
- بكر بكرين، وهو النهاية في الشؤم. ثمار القلوب 533 (942) وانظر عيون الأخبار 2/64، والحيوان 3/88، الفقرة (659) .
[1] الحملاق: باطن الجفن الأحمر الذي إذا قلب للكحل بدت حمرته، وقيل الحماليق من الأجفان ما يلي المقلة من لحمها.
[2] تقدمت الأبيات في 4/378.
[3] البيت لسويد بن أبي كاهل في الأغاني 21/396، وبلا نسبة في اللسان والتاج (زرق) ، والجمهرة 708، والمخصص 1/100، 10/83. ومجالس ثعلب 367، وخلق الإنسان 133.
[4] ديوان زهير 22، واللسان (ورد، زرق، جمم) ، والتاج (ورد، زرق) ، والأساس (خيم، زرق) ، والتهذيب 7/608، 8/629، وبلا نسبة في اللسان (خيم، عصا) ، والمخصص 12/62، والجمهرة 12/62.
[5] في ديوانه: «زرقا جمامه: إذا صفا الماء رأيته أزرق إلى الخضرة، والجمام: ما اجتمع من الماء.-
(5/178)

1457-[معارف في حمرة العين]
وقال يونس: لم أر قرشيّا قطّ أحمر عروق العينين إلا كان سيّدا شجاعا.
وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم، كان أشكل العينين ضليع الفم [1] .
1458-[الدعاء على الفأر بالسنانير]
قال: ونزل أبو الرّعل الجرميّ بعض قرى أنطاكية فلقي من جرذانها شرّا، فدعا عليها بالسنانير فقال: [من البسيط]
يا رب شعث برى الإسآد أو جههم ... ومنزل الحكم في طه وحاميم [2]
أتح لشيخ ثوى بالشّام مغتربا ... نائي النّصير بعيد الدّار مهموم
تكنّفته قريبات الخطى دكن ... وقص الرّقاب لطيفات الخراطيم [3]
حجن المخالب والأنياب شابكة ... غلب الرّقاب رحيبات الحيازيم [4]
ثاروا لهنّ فما تنفكّ من قنص ... لكلّ ذيّالة مقّاء علجوم [5]
حتى أبيت وزادي غير منعكم ... على النّزيل ولا كرزي بمعكوم [6]
وأنشدني ابن أبي كريمة، ليزيد بن ناجية السّعدي: سعد بن بكر، وكان لقي من الفأر جهدا، فدعا عليهنّ بالسنانير، فقال: [من الكامل]
أزهير ما لك لا يهمّك ما بي ... أخزى إله محمد أصحابي
كحل العيون، صغيرة آذانها ... جنح الحنادس يعتورن جرابي [7]
__________
- وضعن عصي: أي أقمن. والمتخيم: المقيم. والحاضر: الذين حضروا الماء، والحاضرة: أهل القرى» .
[1] أخرجه مسلم في كتاب الفضائل 4/1820، والترمذي في المناقب 5/603، وأحمد في المسند 5/86، 88، 97، 103.
[2] الشعث: جمع أشعث. وهو المتلبد الشعر. الإسآد: سير الليل كله. طه وحاميم: أراد بهما سور القرآن.
[3] الداكنة: لون يضرب إلى الغبرة بين الحمرة والسواد، أو هو لون يضرب إلى السواد. الوقص: جمع وقصاء، وهي القصيرة العنق.
[4] الأحجن: المعوج. الأغلب: الغليظ الرقبة. الحيزوم: الصدر.
[5] الذيالة: الطويلة الذيل. المقاء: الطويلة في دقة. العلجوم: الشديد السواد.
[6] الكرز: ضرب من الجوالق، أو هو الخرج. المعكوم: المشدود.
[7] الحندس: الظلمة. وأسود حندس: شديد السواد، كقولك: أسود حالك.
(5/179)

شمّ الأنوف لريح كلّ قفيّة ... يلحظن لحظ مروّع مرتاب [1]
دكن الجباب تدرّعت أبدانها ... صعل الرّؤوس طويلة الأذناب [2]
شخت المخالب والأنايب والشّوى ... ثجل الخصور رحيبة الأقراب [3]
أسقى الإله بلادهنّ سحائبا ... غرّ النّشاص بعيدة الأطناب [4]
ترمي بغبس كاللّيوث تسربلت ... منها الجلود مدارع السّنجاب [5]
غلب الرّقاب لطيفة أعجازها ... فطح الجباه رهيفة الأنياب [6]
متبهنسات للطّراد كأنها ... آساد بيشة أدمجت بخضاب [7]
ونحن نظنّ أنّ هذه القصيدة من توليد ابن أبي كريمة.
1459-[معارف في السنور والفأر]
والسّنور ثاقب البصر بالليل. وكذلك الفأرة سوداء العينين، وهي في ذلك ثاقبة البصر.
والسّنور ضعيف الهامة. وهامته من مقاتله. ولا يستطيع أن يذوق الطعام الحارّ والحامض.
1460-[مقارنة بين السّنور والكلب]
قال: وللسنور فضيلة أخرى: أنه كثير الأسماء القائمة بأنفسها، غير المشتقات.
ولا أنها تجمع الصفات والأعمال، بل هي أسماء قائمة. من ذلك: القطّ، والهرّ، والضيّون، والسنّور.
وليس للكلب اسم سوى الكلب، ولا للدّيك اسم إلا الديك.
__________
[1] القفية: المختار.
[2] الداكنة: لون يضرب إلى الغبرة بين الحمرة والسواد، أو هو لون يضرب إلى السواد. الجباب: جمع جبة، وهي موصل ما بين الساق والفخذ. الصعل: جمع أصعل وصعلاء، وهو الخفيف الرأس.
[3] الشخيت: الدقيق. الأنايب: أصلها الأناييب، وهي جمع ناب. الشوى: اليدان والرجلان، وقيل اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، وشوى الفرس: قوائمه.
[4] النشاص: السحاب المرتفع. الأطناب: جمع طنب، وهو حبل الخباء.
[5] الغبسة: لون الرماد. المدارع: الثياب.
[6] غلب: غلاظ. فطع: واسعات عريضات.
[7] التبهنس: التبختر. بيشة: اسم موضع تنسب إليه الآساد.
(5/180)

وليس للأسد اسم إلا الأسد واللّيث، وأمّا الضيغم، والخنابس، والرّئبال، وغيرها- فليست بمقطوعة، والباقي ليست بأسماء مقطوعة؛ ولا تصلح في كل مكان.
وكذلك الخمر. فإذا قالوا: قهوة، ومدامة، وسلاف، وخندريس وأشباه ذلك، فإنما تلك أسماء مشتركة. وكذلك السيف. وليس هذه الأسماء عند العامة كذلك.
قال: وعلى السّنور من المحبة، ولا سيما من محبّة النّساء، ومعه من الإلف والأنس والدنوّ، والمضاجعة والنوم في اللّحاف الواحد- ما ليس مع الكلب، ولا مع الحمام، ولا مع الدّجاج، ولا مع شيء مما يعايش الناس.
هذا، ومنها الوحشي والأهليّ فلولا قوّة حبّه للناس لما كان في هذا المعنى أكثر من الكلاب، والكلاب كلّها أهلية.
قالوا: وليس بعجيب أن يكون الكلب طيّب الفم؛ لكثرة ريقه، ولبعد قرابته ومشاكلته للأسد، وإنما العجب في طيب فم السنّور، وكأنه في الشّبه من أشبال الأسد.
ومن يقبّل أفواه السنانير وأجراءها من الخرائد [1] وربّات الحجال، والمخدّرات، والمطهّمات [2] ، والقينات [3] أكثر من أن يحصى لهنّ عدد، وكلهنّ يخبرن عن أفواهها [4] بالطّيب والسلامة مما عليه أفواه السباع، وأفواه ذوات الجرّة [5] من الأنعام.
وما رأينا وضيعة قطّ ولا رفيعة، قبّلت فم كلب أو ديك. وما كان ذلك من حارس قطّ، ولا من كلاب، ولا من مكلّب [6] ، ولا من مهارش.
والسنور يخضب، وتصاغ له الشنوف [7] والأقرطة، ويتحف [8] ويدلّل.
ومن رأى السنور كيف يختل العصفور، مع حذر العصفور، وسرعة طيرانه-
__________
[1] الخريدة: الكبر التي تمسس قط، وقيل هي الحيية الطويلة السكوت الخافضة الصوت الخضرة المتسترة.
[2] المطهم: الحسن التام كل شيء منه على حدته فهو بارع الجمال.
[3] القينات: جمع قينة، وهي الأمة.
[4] ربيع الأبرار 5/428.
[5] الجرّة: ما يخره البعير ونحوه من جوفه ثم يمضغه ويبلعه.
[6] الكلّاب: صاحب الكلاب. المكلب: الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد.
[7] الشنوف: الأقراط التي تعلق في الأذن.
[8] يتحف: تقدم إليه التحف.
(5/181)

على أن جهته في الصيد جهة الفهد والأسد. ومن رآه كيف يرتفع بوثبته إلى الجرادة في حال طيرانها- علم أنه أسرع من الجرادة.
وله إهاب فضفاض، وقميص من جلده واسع، يموج فيه بدنه. وهو مما يضبع [1] لسعة إبطيه، ولو شاء إنسان أن يعقد صلبه، ويثني أوّله على آخره، كما يثنى المخراق [2] ، وكما يثنى قضيب الخيزران لفعل.
ويوصف الفرس بأنه رهل اللّبان [3] ، رحيب الإهاب، واسع الآباط. وعيب الحمار للكزازة التي في يديه، وفي منكبيه، وانضمامهما إلى إبطيه، وضيق جلده، وإنما يعدو بعنقه.
1461-[التجارة في السنانير]
قالوا: وللسنور تجّار وباعة، ودلّالون، وناس يعرفون بذلك. ولها راضة [4] .
وقال السّنديّ بن شاهك [5] : ما أعياني أحد من أهل الأسواق: من التجّار، ومن الباعة والصنّاع، كما أعياني أصحاب السنانير، يأخذون السنّور الذي يأكل الفراخ والحمام، ويواثب أقفاص الفواخت والوراشين والدّباسي [6] والشّفانين [7] ، ويدخلونه في دنّ، ويشدّون رأسه، ثم يدحرجونه على الأرض حتى يشغله الدّوار، ثم يدخلونه في قفص فيه الفراخ والحمام، فإذا رآه المشتري رأى شيئا عجبا، وظنّ أنه قد ظفر بحاجته. فإذا مضى به إلى البيت مضى بشيطان، فيجمع عليه بليّتين إحداهما أكل طيوره وطيور الجيران، والثانية أنه إذا ضري عليها لم يطلب سواها.
ومررت يوما وأنا أريد منزل المكّي بالأساورة [8] وإذا امرأة قد تعلّقت برجل وهي تقول: بيني وبينك صاحب المسلحة [9] فإنك دللتني على سنّور، وزعمت أنه
__________
[1] يضبع: يمد ضبعيه في سيره، والضبع: وسط العضد بلحمه.
[2] المخراق: منديل أو نحوه، يلف ويلوى ليضرب به؛ أو يفزع به.
[3] الرهل: الاسترخاء. اللبان: الصدر.
[4] راضة: جمع رائض، وهو الذي يروض الدواب.
[5] الخبر في ربيع الأبرار 5/428.
[6] الدباسي: ضرب من الحمام الوحشي، منسوب إلى دبس الرطب.
[7] الشفنين: ضرب من الحمام حسن الصوت.
[8] الأساورة: قوم من العجم بالبصرة؛ نزلوها قديما؛ كالأحامرة بالكوفة. انظر اللسان 4/388 (سور) .
[9] المسلحة: قوم ذوو سلاح.
(5/182)

لا يقرب الفراخ، ولا يكشف القدور، ولا يدنو من الحيوان، وزعمت أنك أبصر الناس بسنور، فأعطيتك على بصرك ودلالتك دانقا [1] ؛ فلما مضيت به إلى البيت مضيت بشيطان قد والله أهلك الجيران بعد أن فرغ منا. ونحن منذ خمسة أيام نحتال في أخذه، وها هو ذا قد جئتك به فردّ عليّ دانقي [1] ، وخذ ثمنه من الذي باعني. ولا والله إن تبصر من السنانير قليلا ولا كثيرا! قال الدلّال: انظروا بأيّ شيء تستقيلني [2] ؟! ولا والله إن في ناحيتنا فتى هو أبصر بسنور منّي، وذلك من منّ سيّدي ومولاي! فقلت للدّلّال: ولا والله إن في هذه الناحية فتى هو أشكر لله منك.
1462-[أكل السنانير]
وناس يأكلون السنانير ويستطيبونها. وليس يأكل الكلب أحد إلا في الفرط والعامة تزعم [3] أن من أكل السّنّور الأسود لم يعمل فيه السحر. والكلب لا يؤكل.
1463-[أكل الديك]
والديك خبيث اللحم عضله، إلا أن يخصى. وتلك حيلة لأهل حمص وليست عندنا فيه حيلة. وقال جحشويه: [من الخفيف] كيف صبري عن مثل جمجمة الهرّ تثنّى بمسبطرّ متين [4]
ليس يخفى عليك حين تراها ... أنها عدّة لداء دفين
1464-[سكينة التابوت]
قالوا [5] : وزعم بعض أهل الكتاب، وبعض أصحاب التفسير، أن السّكينة التي كانت في تابوت موسى كانت رأس هرّ [6] .
__________
[1] الدانق: سدس الدينار والدرهم.
[2] استقاله: طلب إليه أن يقيله، أي أن يفسخ ما بينه وبينه.
[3] ورد هذا الزعم في ربيع الأبرار 5/428، وتقدم في 2/360، الفقرة (407) ، وس 13.
[4] المسبطر: كل شيء ممتد.
[5] الخبر في ربيع الأبرار 5/428.
[2] إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
248: البقرة.
(5/183)

1465-[استطراد لغوي]
قالوا: وقلتم في الاشتقاق من اسم الكلب: كليب، وكلاب، ومكلبة، ومكالب، وأصاب القوم كلبة الزمان، مثل هلبة، وهي الشدّة.
والكلاب واحدها كلب، وتجمع على كلاب وأكلب وكليب، كما يجمع البخت بخيتا وأبختا.
والكلّاب بتثقيل اللام: صاحب الكلاب. والمكلّب، بتثقيل اللام وضمّ الميم:
الذي يعلّم الكلاب الصّيد. وقال طفيل الغنويّ [1] : [من الطويل]
تباري مراخيها الزّجاج كأنها ... ضراء أحسّت نبأة من مكلّب [2]
وقال الآخر [3] : [من الكامل]
خوص تراح إلى الصّداح إذا غدت ... فعل الضّراء تراح للكلّاب [4]
والكلب: داء يقع في الإبل، فيقال كلبت الإبل تكلب كلبا، وأكلب القوم: إذا وقع في إبلهم الكلب. ويقال كلب الكلب واستكلب: إذا ضري وتعوّد أكل الناس، ويقال للرّجل إذا عضّه الكلب الكلب: قد كلب الرّجل.
ويقال: إن الرّجل الكلب يعضّ إنسانا آخر، فيأتون رجلا شريفا، فيقطر لهم من دم إصبعه، فيسقون ذلك الكلب فيبرأ [5] . وقال الكميت [6] : [من البسيط]
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفى بها الكلب
قالوا: فقد يقولون للسنور هرّ، وللأنثى هرّة. ويقال من ذلك هرّ الكلب يهرّ
__________
[1] ديوان طفيل الغنوي 24، واللسان والتاج (بوأ، كلب) ، والمخصص 16/30، والتهذيب 15/598، وكتاب الجيم 2/24، 3/170، والجمهرة 1053، والمجمل 1/300، والمقاييس 5/134، وبلا نسبة في الجمهرة 376، 1066.
[2] المراخي: جمع مرخاء؛ وهي السهلة العدو. الزجاج: الأسنة. الضراء: أشلاء الكلب على الصيد؛ مأخوذ من أضريته بمعنى عودته. النبأة: الصوت.
[3] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (روح) .
[4] الخوص: جمع خوصاء؛ وهي الغائرة العين من الإبل. تراح: تجد راحة. الصداح: الغناء.
[5] انظر بداية الجزء الثاني من كتاب الحيوان هذا.
[6] ديوان الكميت 1/81، واللسان والتاج (كلب) .
(5/184)

هريرا، وتسمّى المرأة بهرّة، ويكنى الرّجل أبا هرّ، وأبا هريرة. وقال الأعشى [1] : [من البسيط]
ودّع هريرة إنّ الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وقال امرؤ القيس [2] : [من الكامل]
دار لهرّ والرّباب وفرتنى ... ولميس قبل تفرّق الأيّام [3]
وقال ابن أحمر [4] : [من السريع]
إنّ امرأ القيس على عهده ... في إرث ما كان بناه حجر
بنّت عليه الملك أطنابها ... كأس رنوناة وطرف طمر [5]
يلهو بهند فوق أنماطها ... وفرتنى تسعى عليه وهر [6]
1466-[أطباء الهرة ومدة حملها]
قال: وللهرة ثمانية أطباء: أربعة تقابل أربعة، أوّلهنّ بين الإبط والصّدر، وآخرهنّ عند الرّفغ. وتحمل خمسين يوما، وتضع جراها عميا. وليس بين تفقيحها وتفقيح جراء الكلاب إلا اليسير.
1467-[إيثار الهرة والديك]
والهرّة من الخلق الذي يؤثر على نفسه، ولها فضيلة في ذلك على الدّيك الذي له الفضيلة في ذلك على جميع الحيوان، إلا أن الديك لا يفعل ذلك بالدجاج إلا مادام شابّا. ولا يفعل ذلك بأولاده، ولا يعرفهم؛ وإنما يفعل ذلك بالدجاج على غير الزّواج، وعلى غير القصد إلى واحدة يقصد إليها بالهوى.
والهرّة يلقى إليها الشيء الطيب وهي جائعة، فتدعو أولادها، وقد استغنين عن اللبن، وأطقن الأكل والتقمّم والتكسّب، نعم حتى ربما فعلت ذلك بهنّ وهنّ في
__________
[1] ديوان الأعشى 105، واللسان (جهنم) ، والتاج (ودع) ، والمقاييس 4/126.
[2] ديوان امرئ القيس 114.
[3] في ديوانه: «يقول: هذه الديار لهند وصواحبها، إذ نحن جيرة قبل أن تحدث الأيام الفراق» .
[4] ديوان عمرو بن أحمر 62- 63، واللسان (رنا) .
[5] الرنوناة: الدائمة على الشرب. الطرف: الخيل العتيق الكريم. الطمر: الوثاب.
[6] فقح الجرو: فتح عينيه وهو صغير.
(5/185)

العين شبيهات بها في العظم؛ فلا تزال ممسكة عن تلك الشحمة على جوعها، ومع شره السنانير، حتى يقبل ولدها فيأكله.
ورجل من أصحابنا ائتمنوه على مال، فشدّ عليه فأخذه، فلما لامه بعض نصحائه قال: يطرحون اللحم قدّام السّنّور فإذا أكله ضربوه! فضرب شره السنور مثلا لنفسه.
والهرّة ربما رموا إليها بقطعة اللحم، فتقصد نحوها حتى تقف عليها، فإذا أقبل ولدها تجافت عنها. وربما قبضت عليها بأسنانها فرمت بها إليه بعد شمّ الرائحة، وذوق الطعم.
1468-[نقل الهرة أولادها]
والهرّة تنقل أولادها في المواضع، من الخوف عليها. ولا سبيل لها في حملها إلا بفيها. وهي تعرف دقّة أطراف أنيابها، وذرب أسنانها. فلها بتلك الأنياب الحداد ضرب من القبض عليها، والعضّ لها، بمقدار تبلغ به الحاجة، ولا تؤثّر فيها ولا تؤذيها.
1469-[مخالب الهرة والأسد]
فأما كفّها والمخالب المعقّفة الحداد التي فيها، فإنها مصونة في أكمامها.
فمتى وقعت كفّها على وجه الأرض صارت في صون، ومتى أرادت استعمالها نشرتها وافرة، غير مكلومة ولا مثلومة، كما وصف أبو زبيد كفّ الأسد فقال [1] : [من الوافر]
بحجن كالمحاجن في قنوب ... يقيها قضّة الأرض الدّخيس
1470-[أنياب الأفاعي]
كذلك مخالبها ومخالب الأسد، وأنياب الأفاعي. وقد قال الرّاجز، وهو جاهليّ [2] : [من الرجز]
حتّى دنا من رأس نضناض أصمّ ... فخاضه بين الشّراك والقدم [3]
بمذرب أخرجه من جوف كم [4]
__________
[1] ديوان أبي زيد الطائي 632، والبرصان 233، والمعاني الكبير 675. وتقدم البيت في 4/400.
[2] تقدم الرجز في 4/399.
[3] النضناض: الحية تحرك لسانها. الشراك. سير النعل.
[4] المذرب: الحاد، وأراد به هنا الناب.
(5/186)

1471-[زعم بعض المفسرين والقصّاص في خلق السنانير والخنازير]
وزعم بعض المفسرين أن السنور خلق من عطسة الأسد، وأن الخنزير خلق من سلحة [1] الفيل؛ لأن أصحاب التفسير يزعمون أن أهل سفينة نوح لما تأذّوا بكثرة الفأر وشكوا إلى نوح ذلك سأل ربّه الفرج، فأمره أن يأمر الأسد فيعطس. فلما عطس خرج من منخريه زوج سنانير: ذكر وأنثى. خرج الذّكر من المنخر الأيمن، والأنثى من المنخر الأيسر. فكفياهم مؤونة الجرذان. ولما تأذّوا بريح نجوهما شكوا ذلك إلى نوح، وشكا ذلك إلى ربّه. فأمره أن يأمر الفيل فليسلح. فسلح زوج خنازير فكفياهم مؤونة رائحة النجو.
وهذا الحديث نافق عند العوامّ، وعند بعض القصّاص.
1472-[إنكار تخلّق الحيوان من غير الحيوان، والرد عليه]
وقد أنكر ناس أن يكون الفأر تخلّق في أرحام إناثها من أصلاب ذكورتها ومن أرحام بعض الأرضين [2] كطينة القاطول [3] ؛ فإن أهلها زعموا [4] أنهم ربما رأوا الفأرة لم يتمّ خلقها بعد، وإن عينيها لتبصّان [5] ، ثم لا يريمون حتى يتمّ خلقها وتشتدّ حركتها.
وقالوا: لا يجوز لشيء خلق من الحيوان أن يخلق من غير الحيوان. ولا يجوز أن يكون شيء له في العالم أصل أن يؤلّف الناس أشياء تستحيل إلى مثل هذا الأصل.
فأنكروا من هذا الوجه تحويل الشبه [6] ذهبا، والزّيبق فضة.
وقد علمنا أن للنّوشاذر في العالم أصلا موجودا. وقد يصعّدون [7] الشّعر ويدبّرونه حتى يستحيل كحجر النوشاذر، ولا يغادر منه شيئا في عمل ولا بدن.
__________
[1] السّلح: النجو.
[2] الأرضون: جمع أرض.
[3] القاطول: نهر كان في موضع سامرا قبل أن تعمّر، وكان الرشيد أول من حفر هذا النهر؛ وبنى على فوهته قصرا. معجم البلدان 4/297.
[4] ورد هذا الزعم في ربيع الأبرار 5/473.
[5] بص: لمع.
[6] الشّبه: النحاس الأصفر.
[7] التصعيد: شبيه بالتقطير.
(5/187)

وقد يدبّرون الرّماد والقلي [1] فيستحيل حجارة سودا إذا عمل منها أرحاء [2] كان لها في الرّيع [3] فضيلة.
قالوا [4] : وللمردارسنج [5] في العالم أصل قائم. والرصاص يدبّر فيستحيل مرداسنجا [5] . وللرّصاص في العالم أصل قائم، فيدبّرون المرداسنج [5] فيستحيل رصاصا.
وللتّوتياء [6] أصل قائم، فيدبرون أقليميا [7] النّحاس فتستحيل توتياء.
وكذلك المينا [8] ، له أصل قائم، وقد عمله الناس.
وكذلك الحجارة السّود للطحين وغير ذلك.
فأما قولهم: لا يجوز أن يكون شيء من الحيوان يخلق من ذكر وأنثى- فيجيء من غير ذكر وأنثى- فقد قلنا في جميع ذلك في صدر كتابنا هذا بما أمكننا.
1473-[معارف في الحيّات والأفاعي]
وقال: الحيّات كلها تعوم [9] ، إلا الأفاعي، فإنها لا يعوم منها إلا الجبليّات.
قال: والحيّة إن رأت حيّة ميتة لم تأكلها، ولا تأكل الفأر ولا الجرذان الميتة، ولا العصافير الميتة، مع حرص الحية عليها، ولا تأكل إلا لحم الشيء الحيّ، إلا أن يدخل الحوّاء في حلوقها اللحم إدخالا. فأما من تلقاء نفسها فإن وجدته، وهي جائعة لم تأكله.
فينبغي أن يكون صاحب المنطق إنما عنى بقوله: «أخبث ما تكون ذوات السموم إذا أكل بعضها بعضا» الابتلاع دون كل شيء. وهم لا يعرفون ذلك في
__________
[1] القلي: شيء يتخذ من حريق الحمض، وانظر عيون الأخبار 2/108.
[2] الأرحاء. جمع جمع رحى، وهي الحجر التي يطحن به الحب.
[3] الريع: فضل كل شيء.
[4] الخبر في عيون الأخبار 2/109.
[5] المردارسنج: ما يكون من سائر المعادن المطبوخة إلا الحديد. انظر معجم استينجاس 1212.
[6] التوتياء: حجر يكتحل به.
[7] أقليميا: زبد يعلو المعدن عند سبكه.
[8] المينا: جوهر الزجاج الذي يعمل منه الزجاج. انظر معجم استينجاس 1346.
[9] انظر الحديث عن الحيات المائية في 4/322، الفقرة (1035) .
(5/188)

الحيّات إلا للأسود، فإنه ربما كان مع الأفاعي في جونة، فيجوع فيبتلعها. وذلك إذا أخذها من قبل رؤوسها، وإن رام ذلك من جهة الرأس فعضته الأفعى قتلته.
وزعموا أن الحية لا تصّاعد في الحائط الأملس ولا في غير الأملس، فإنما يقول ذلك أصحاب المخاريق [1] والذين يستخرجون الحيات بزعمهم من السقوف، ويشمون أراييح أبدانها من أطراف القصب، إذا مسحوها في ترابيع البيوت.
قالوا: وقد تصعد الحيّات في الدّرج وأشباه الدّرج؛ لتطلب بيوت العصافير، والفأر، والخطاطيف، والزّرازير، والخفافيش، وتتحامى في السّقف.
[باب في العقرب]
(القول في العقرب) وسنذكر تمام القول في العقرب؛ إذ كنا قد ذكرنا من شأنها شيئا في باب القول في الفأر.
1474-[نفع العقرب]
ولمّا قيل ليحيى بن خالد، النازل في مربّعة الأحنف- وزعموا أنهم لم يروا رجلا لم يختلف إلى البيمارستانات [2] ولا رجلا مسلما ليس بنصرانيّ ولا رجلا لم ينصب نفسه للتكسب بالطب كان أطبّ منه- فلما قيل له: إن القينيّ قال [3] : «أنا مثل العقرب أضرّ ولا أنفع» قال: ما أقلّ علمه بالله عزّ وجلّ؛ لعمري إنها لتنفع إذا شقّ بطنها ثم شدّ على موضع اللّسعة، فإنها حينئذ تنفع منفعة بينة! والعقرب تجعل في جوف فخّار مشدود الرّأس مطيّن الجوانب، ثم يوضع الفخّار في تنّور، فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك الرّماد من به الحصاة مقدار نصف دانق [4] .
__________
[1] المراد بالمخاريق: ألاعيب المشعوذين.
[2] البيمارستان: كملة فارسية تعني دار المرضى. انظر معجم استينجاس 224، واللسان والتاج (مرس) .
[3] تقدم الخبر في 4/366 مع نسبته إلى الضبي، والخبر أيضا في ربيع الأبرار 5/476، وعيون الأخبار 2/103.
[4] انظر هذه الفقرة في ربيع الأبرار 5/476، وعيون الأخبار 2/103.
(5/189)

وقال حنين: وقد يسقى منه الدانق وأكثر، فيفتّت الحصاة من غير أن يضرّ بشيء من الأعضاء والأخلاط. وخير الدواء ما قصد إلى العضو السقيم، وسلمت عليه الأعضاء الصحيحة.
وقال يحيى: وقد تلسع أصحاب ضروب من الحميات العقارب فيفيقون، وتلسع الأفاعي فتموت، ومنها ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، فهي من هذا الوجه تكفي الناس مؤونة عظيمة.
وتلقى العقرب في الدّهن وتترك فيه، حتى يأخذ الدهن منها ويمتصّ ويجتذب قواها كلها بعد الموت، فيكون ذلك الدهن يفرّق الأورام الغلاط. وقد عرف ذلك حنين.
1475-[بعض أعاجيب العقرب]
ومن أعاجيبها أنها لا تسبح، ولا تتحرك إذا ألقيت في الماء كيف كان الماء:
ساكنا أو جاريا [1] .
والعقرب تطلب الإنسان وتقصد نحوه، فإذا قصد نحوها فرّت وهربت وتقصد أيضا نحو الإنسان، فإذا ضربته هربت، هرب من قد أساء، وتعلم أنها مطلوبة.
والزنابير تطالب من تعرّض لها وتقصد لعينه، ولا تكاد تعرض للكافّ عنها.
1476-[المودّة والمسالمة في الحيوان]
وبين العقارب وبين الخنافس مودة. والمودّة غير المسالمة.
والمسالمة: أن يكون كل واحد من الجنسين لا يعرض للآخر بخير ولا شر، بعد أن يكون كل واحد منهما مقرّبا لصاحبه.
والعداوة أن يعرض كل واحد منهما لصاحبه بالشرّ والأذى والقتل، ليس من جهة أن أحدهما طعام لصاحبه.
والأسد ليس يثب على الإنسان والحمار والبقرة والشاة من جهة العداوة، وإنما يثب عليه من طريق طلب المطعم. ولو مرّ به وهو غير جائع لم يعرض له الأسد.
__________
[1] محاضرات الراغب 2/305 (4/672) .
(5/190)

والنمر على غير ذلك. ولكن قد يقال: إن بين الببر [1] والأسد مسالمة.
والمودة: كما يكون بين العقارب والخنافس، فإنّ بعضها يتألف بعضا، وليست تلك بمسالمة، وكما بين الحيّات والوزغ، فإنها تساقى السّمّ وتزاقّ، وكما بين ضروب من العقارب وأسود سالخ [2] .
والأسود ربّما جاع في جونة الحوّاء فأكل الأفعى وربما عضّته الأفعى فقتلته.
1477-[علاقة الرائحة بالطعم]
وريح العقارب إذا شويت مثل ريح الجراد.
وما زلت أظنّ أن الطعم أبدا يتبع الرائحة، حتى حقّق ذلك عندي بعض من يأكلها مشوية ونيّة، أنه ليس بينها وبين الجراد الأعرابي السمين فرق.
1478-[معاينة الخرق الذي في إبرة العقرب]
وزعم لي بختيشوع بن جبريل، أنه عاين الخرق الذي في إبرة العقرب. وإن كان صادقا كما قال، فما في الأرض أحدّ بصرا منه. وإنه لبعيد، وما هو بمستنكر.
1479-[من أعاجيب العقرب]
وفي العقارب أعجوبة أخرى؛ لأنه يقال: إنها مائية الطّباع، وإنها من ذوات الذّرو [3] والإنسال وكثرة الولد، كما يعتري ذلك السّمك والضّبّ والخنزيرة، في كثرة الخنانيص [4] .
1480-[موت العقرب بعد الولادة]
قال [5] : ومع ذلك إن حتفها في أولادها، وإن أولادها إذا بلغن وحان وقت الولادة، أكلن جلد بطنها من داخل، حتى إذا خرقنه خرجن منه وماتت الأمّ.
__________
[1] الببر: ضرب من السباع، شبيه بابن آوى، ويقال إنه متولد من الزبرقان واللبوة. حياة الحيوان 1/159.
[2] أسود سالخ: ضرب من الحيات، وهو شر الحيات. حياة الحيوان 1/41.
[3] الذرو: الذرية.
[4] الخنانيص: جمع خنّوص، وهو ولد الخنزير.
[5] انظر ما تقدم في 4/342، ونهاية الأرب 10/147.
(5/191)

وقد يطأ الإنسان على العقرب وهي ميتة، فتغترز إبرتها في رجله، فيلقى الجهد الجاهد؛ وربما أمرضت، وربّما قتلت.
قال: وفي أشعار اللّغز قيل في أكل أولاد العقرب بطن الأمّ، وأنّ عطبها في أولادها [1] : [من الطويل]
وحاملة لا يكمل الدّهر حملها ... تموت ويبقى حملها حين تعطب
وليس هذا شيئا.
1481-[ولادة العقرب من فيها]
خبّرني من أثق بعقله، وأسكن إلى خبره، أنه أرى العقرب عيانا وأولادها يخرجن من فيها، وذكر عددا كثيرا، وأنها صغار بيض على ظهورها نقط سود، وأنها تحمل أولادها على ظهرها، وأنه عاين ذلك مرة أخرى. فقلت: إن كانت العقرب تلد من فيها فأخلق بها أن يكون تلاقحها من حيث تلد أولادها!.
1482-[العقارب القاتلة]
والعقارب القاتلة تكون في موضعين [2] : بشهرزور. وقرى الأهواز، إلا أن القواتل التي بالأهواز جرّارات [3] . ولم نذكر عقارب نصيبين، لأن أصلها- فيما لا يشكّون فيه- من شهرزور حين حوصر أهلها ورموا بالمجانيق [4] ، وبكيزان محشوّة من عقارب شهرزور، حتّى توالدت هناك، فأعطى القوم بأيديهم.
1483-[لغز في العقرب]
ومن اللّغز فيها في غير هذا الجنس: [من الطويل]
وما بكرة مضبورة مقمطرّة ... مسرّة كبر أن تنال فتمرضا [5]
بأشوس منها حين جاءت مدلّة ... لتقتل نفسا أو تصيب فتمرضا [6]
فلما دنا نادى أوابا بنعم غيرها ... ديرا إذا نال الغريفة أو قضا
__________
[1] البيت بلا نسبة في محاضرات الأدباء 2/305 (4/672) ، ونهاية الأرب 10/147.
[2] انظر الخبر في ثمار القلوب (632) .
[3] الجرارات ضرب من العقارب تجرر أذنابها. انظر ما تقدم في 4/328- 329، 366.
[4] المجانيق: جمع منجنيق. انظر ما تقدم في الحاشية الثانية ص 161.
[5] البكرة: الفتية من الإبل. المضبورة: المكتنزة اللحم. المقمطرة: الشديدة.
[6] الشوس: النظر بمؤخر العين.
(5/192)

1484-[استخراج العقارب بالجراد والكرّاث]
قال [1] : والعقارب تستخرج من بيوتها بالجراد: تشدّ الجرادة في طرف عود، ثم تدخل الجحر، فإذا عاينتها تعلقت بها، فإذا أخرج العود خرجت العقرب وهي متعلقة بالجرادة.
فأما إبراهيم بن هانىء فأخبرني أنه كان يدخل في جحرها خوط [2] كرّاث، فلا يبقى منها عقرب إلا تبعته.
1485-[ألسنة الحيات والأفاعي]
ألسنة الحيّات كلها سود. وألسنة الأفاعي حمر، إلا أنها مشقوقة.
1486-[جرّارات الأهواز]
وسنذكر عقارب الشتاء وعقيرب الحرّ. وكلّ شيء من هذا الباب، ولكنا نبدأ بذكر جرّارات الأهواز.
ذكروا أنّ أقتلها عقارب عسكر مكرم، وأنها متى ضربت رجلا فظنّ أن تلك العضة عضّة نملة، أو وخزة شوكة، فنال من اللحم تضاعف ما به.
وربما باتت مع الرجل في إزاره فلم تضربه.
وهي لا تدبّ على كل شيء له غفر [3] ، ولا تدبّ على المسوح [4] ، وما أكثر ما تأوي في أصول الآجرّ الذي قد أخرج من الأتاتين [5] ونضّد في الأنابير [6] .
وكان أهل العسكر يرون [7] أن من أصلح ما يعالج به موضع اللسعة أن يحجم، وكان الحجّام لا يرضى إلا بدنانير ودنانير، لأن ثناياه ربما نصلت، وجلد وجهه ربما
__________
[1] ورد الخبر في ربيع الأبرار 5/484.
[2] الخوط: القضيب من النبات.
[3] الغفر: زئبر الثوب وما شاكله، والزئبر: ما يعلو الثوب الجديد مثل ما يعلو الخز، أو هو ما يظهر من درز الثوب.
[4] المسوح: جمع مسح، وهو الكساء من الشعر.
[5] الأتاتين: جمع أتون، وهو الموقد.
[6] الأنابير: جمع أنبار، وهو أهراء الطعام، والهري: بيت كبير ضخم يجمع فيه طعام السلطان.
[7] انظر هذا الخبر في ربيع الأبرار 5/477.
(5/193)

تبطّط [1] من السمّ الذي يرتفع إلى فيه، بمصّته وجذبته من أذناب المحاجم [2] . حتى عمدوا بعد ذلك إلى شيء من قطن، فحشوا به تلك الأنبوبة، فإذا جذب بمصّته فارتفع إليه من بخار الدّم أجزاء من ذلك السم، تعلقت بالقطن، ولم تنفذ إلى فيه. والقطن ليس مما يدفع قوّة المص. ثم وقعوا بعد ذلك على حشيشة فوجدوا فيها الشفاء!
1487-[من أعاجيب العقرب]
ومن أعاجيب ما في العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول يموت بعضها عن لسع بعض، ثم لا يموت عن لسعها شيء غير العقارب [3] .
ونجد العقرب تلسع إنسانا فيموت الإنسان، وتسلع آخر فتموت هي. فدلّ ذلك على أنها كما تعطي تأخذ، وأن للناس أيضا سموما عجيبة. ولذلك صار بعضهم إذا عضّ قتل.
ومن أعاجيبها أنها تضرب الطست [4] أو القمقم [5] فتخرقه. وربما ضربته فتثبت فيه إبرتها ثم تنصل حتى تبين منها.
1488-[العنبر وأثره في الطيور والبال]
والعنبر يقذفه البحر إلى عبريه [6] ، فلا يأكل منه شيء إلا مات، ولا ينقره طائر بمنقار إلا نصل فيه منقاره. فإذا وضع رجليه نصلت [7] أظفاره. فإن كان قد أكل منه قتله ما أكل. وإن لم يكن أكل فإنه ميت لا محالة، لأنه إذا بقي بغير منقار، ولم يكن للطائر شيء يأكل به مات.
والبحريّون والعطّارون يخبروننا أنهم ربما وجدوا فيه المنقار والظفر. وإنّ البال [8] ليأكل منه اليسير فيموت.
__________
[1] تبطط: تشقق.
[2] المحاجم: جمع محجم، وهي الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة.
[3] ربيع الأبرار 5/476.
[4] الطست: إناء من آنية الصفر؛ أي النحاس.
[5] القمقم: إناء من نحاس وغيره، ويسخن فيه الماء، ويكون ضيق الرأس.
[6] عبر البحر: شاطئه.
[7] نصلت: خرجت.
[8] البال: الحوت العظيم. انظر تفصيل القول فيه في حياة الحيوان 1/159.
(5/194)

والبال: سمكة ربما كان طولها أكثر من خمسين ذراعا.
1489-[أعاجيب لسع العقرب]
ومن أعاجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى ولا تموت هي، وتلسع بعض الناس، فتموت هي، ولا ينال الملسوع منها من المكروه قليل ولا كثير. ويزعم العوامّ أن ذلك إنما يكون لمن لسعت أمّه عقرب وهو حمل في بطنها.
وقد لسعت عقرب رجلا مفلوجا، فذهب عنه الفالج [1] . وقصة هذا المفلوج معروفة، وقد عرفها صليبا وغيره من الأطباء.
ومن العقارب طيارات وجرارات، ومعقّفات، وخضر، وحمر.
1490-[اختلاف السموم، واختلاف علاجها]
وتختلف سموم العقارب بأسباب: منها اختلاف أجناسها، كالجرّارة وغيرها، ومنها اختلاف التّرب كفرق ما بين جرّارات عقارب شهرزور [2] وعسكر مكرم.
وتختلف مضرّة سمومها على قدر طباع الملسوع. ويختلف قدر سمومها على قدر مواضع اللسعة، وعلى قدر اختلاف ما بين النهار والليل، وعلى قدر ما صادفت عليه الملسوع من غذائه، ومن تفتح منافسه، وعلى قدر ما تصادف عليه العقرب من الحبل وغير الحبل وعلى قدر لسعتها في أوّل الليل عند خروجها من جحرها بعد أن أقامت فيه شتوتها. وأشدّ من ذلك أن تلسع أوّل ما تخرج من جحرها بعد أن أقامت فيه يومها.
قال ماسرجويه: فلذلك اختلفت وجوه العلاج، فصار ضرب من العلاج يفيق عنه إنسان ولا يصلح أمر الآخر.
1491-[لسعة الزنبور]
وخبرني ثمامة عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال [3] : قال لي بختيشوع بن جبريل وسلمويه، وابن ماسويه: «إن الذباب إذا دلك به موضع لسعة الزنبور سكن»
__________
[1] عيون الأخبار 2/103، وربيع الأبرار 5/477.
[2] تقدم الحديث عن عقارب شهرزور في 192.
[3] عيون الأخبار 2/103- 104، والعقد الفريد 4/263، وربيع الأبرار 5/460.
(5/195)

فلسعني زنبور فحككت على موضعه أكثر من عشرين ذبابة فما سكن إلا في قدر الزمان الذي كان يسكن فيه من غير علاج. فلم يبق في يدي منهم إلا أن يقولوا: كان هذا الزنبور حتفا قاضيا، ولولا هذا العلاج لقتلك.
1492-[حجج الأطبّاء]
وكذلك هم إذا سقوا دواء فضرّ، أو قطعوا عرقا فضرّ، قالوا: أنت مع هذا العلاج الصّواب تجد ما تجد! فلولا ذلك العلاج كنت الساعة في نار جهنم.
وقيل لي- وقرأت في كتاب الحيوان- إنّ ريح السّذاب [1] يشتد على الحيّات. فألقيت على وجوه الأفاعي جرز السّذاب فما كان عندها إلا كسائر البقل.
فلو قلت لهم في هذا شيئا لقالوا: الحيّات غير الأفاعي. وهذا باطل. الأفاعي نوع من الحيات. وكلهم قد عمّ ولم يخص.
1493-[ما يدّخر من الحيوان]
وجميع الحشرات والأحناش، وجميع العقارب وهذه الدّبابات [2] التي تعضّ وتلسع، التي تكمن في الشتاء لا تأكل شيئا في تلك الأشهر ولا تشرب، وكذا كل شيء من الهمج والحشرات مما لا يتحرّك في الشتاء إلا النمل والذّرّ والنحل، فإنها قد ادخرت ما يكفيها، وليست كغيرها مما تثبت حياته مع ترك الطعم.
1494-[حرص العقارب والحيات على أكل الجراد]
وللعقرب ثماني أرجل وهي حريصة على أكل الجراد. وكذلك الحيات. وما أكثر ما تلدغ وتنهش صاحب الجراد [3] .
1495-[أثر المرضع في الرضيع]
ومن عجيب سمّ الأفاعي ما خبرني به بعض من يخبر شأن الأفاعي قال [4] :
__________
[1] السذاب: نوع من النعناع. «السامي في الأسامي 395» ، وفي عيون الأخبار 2/9 «الحيات تكره ريح السذاب والشيح» .
[2] الدبابات: التي تدب من الحيوان، أي تمشي على هينة.
[3] صاحب الجراد: أي الذي يصطاد الجراد. وانظر ما تقدم في 193، وفي 4/376، الفقرة (1126) .
[4] ربيع الأبرار 5/476.
(5/196)

كنت بالبادية ورأيت ناقة ترتع، وفصيلها يرتضع من أخلافها، إذ نهشت الناقة على مشافرها أفعى، فبقيت واقفة سادرة، والفصيل يرتضع، فبينا هو يرتضع إذ خرّ ميّتا.
فكان موته قبل موت أمّه من العجب. وكان مرور السمّ في تلك الساعة القصيرة أعجب، وكان ما صار من فضول سمها في لبن الضّرع حتى قتل الفصيل قبل أمه عجبا آخر.
والمرأة المرضع تشرب النبيذ فيسكر عن لبنها الرضيع وتشرب دواء المشي فيعتري الرضيع الخلفة [1] . فلذلك يختار الحكماء لأولادهم الظئر البريئة من ألأدواء:
في عقلها، وفي بدنها.
وتوهّموا أن اللبن إنما نجع في الفصيل لقرابة ما بين اللبن والدّم، فصار ذلك السمّ أسرع إليه منه إلى أمه. ولعل ضعف الفصيل قد أعان أيضا على ذلك.
1496-[قصتان في من لسعته العقرب]
قال أبو عبيدة [2] : لسعت أعرابيّا عقرب بالبصرة، فخيف عليه فاشتدّ جزعه، فقال بعض الناس: ليس شيء خيرا له من أن تغسل له خصية زنجي عرق- وكانت ليلة غمقة [3]- فلما سقوه قطب [4] ، فقيل له: طعم ماذا تجد؟ قال: طعم قربة جديدة.
وخبرني محمد وعليّ ابنا بشير، أن ظئرا لسليمان بن رياش لسعتها عقرب فملأت الدنيا صراخا، فقال سليمان: اطلبوا لها هذه العقرب، فإن دواءها أن تلسعها لسعة أخرى في ذلك المكان، فقالت العجوز: قد برئت، وقد سكن وجعي، ولا حاجة لي إلى هذا العلاج. قال: فأتوه بعقرب لا والله إن يدرى: أهي تلك أم غيرها؟ فأمر بها فأمسكت فقالت: أنشدك بالله واللبن فأبى وأرسلها عليها. فلسعتها فغشي عليها ومرضت زمانا وتساقط شعر رأسها. فقيل لسليمان في ذلك فقال: يا مجانين! لا والله إن ردّ عليّ روحها إلا اللسعة الثانية. ولولا هي لقد كانت ماتت.
__________
[1] الخلفة: استطلاق البطن.
[2] عيون الأخبار 2/103، وربيع الأبرار 5/476.
[3] غمقة: ثقيلة الندى مع سكون الريح.
[4] قطب: زوى ما بين عينيه.
(5/197)

باب القول في القمل والصّؤاب
وسنقول في القمل والصّؤاب ما وجدنا تمكينا من القول، إن شاء الله تعالى.
1497-[ما زعمه إياس بن معاوية والرد عليه]
ذكروا عن إياس بن معاوية، أنه زعم أن الصّئبان ذكورة القمل والقمل إناثها، وأن القمل من الشّكل الذي تكون إناثه أعظم من ذكورته.
وذكروا عنه أنه قال: وكذلك الزّرارقة والبزاة. فجعل البزاة في الإناث.
وليس فيما قال شيء من الصواب والتّسديد. وقد خبّرناكم [1] عن حكايته في الشّبّوط، حين جعله كالبغل، وجعله مخلوقا من بين البنّيّ والزّجر.
والقمل يعتري من العرق والوسخ، إذا علاهما ثوب، أو ريش، أو شعر، حتى يكون لذلك المكان عفن وخموم.
1498-[أثر لون الشّعر في لون القملة]
[2] والقملة تكون في رأس الأسود سوداء، ورأس الأبيض الشعر بيضاء، وتكون خصيفة [3] اللون، وكالحبل الأبرق [4] إذا كانت في رأس الأشمط [5] . وإذا كانت في رأس الخاضب بالحمرة كانت حمراء، وإن كان الخاضب ناصل الخضاب كان في لونها شكلة [6] ، إلا أن يستولي على الشعر النّصول فتعود بيضاء.
وهذا شيء يعتري القمل، كما تعتري الخضرة دود البقل، وجراده وذبابه، وكلّ شيء يعيش فيه.
1499-[أثر البيئة في الحيوان]
وليس ذلك بأعجب من حرّة بن سليم، فإن من طباع تلك الحرة أن تسوّد كل
__________
[1] انظر ما تقدم في 1/98، الفقرة (112) .
[2] انظر ما تقدم في 4/295- 296، وربيع الأبرار 5/481.
[3] الخصيفة: ما فيها لونان من سواد وبياض.
[4] في اللسان: «الخصيف من الحبال ما كان أبرق، بقوة سوداء، وأخرى بيضاء» .
[5] الشمط: بياض في شعر الرأس يخالف سواده.
[6] الشكلة: بياض وحمرة قد اختلطا.
(5/198)

شيء يكون فيها [1] : من إنسان، أو فرس، أو حمار، أو شاة، أو بعير، أو طائر، أو حيّة.
ولم نسمع ببلدة أقوى في هذا المعنى من بلاد الترك، فإنها تصوّر إبلهم وخيلهم، وجميع ما يعيش فيها، على صورة التّرك.
1500-[تولد القمل]
والقمل يعرض لثياب كلّ الناس إذا عرض لها الوسخ والعرق، والخموم، إلا ثياب المجذّمين [2] فإنهم لا يقملون.
وإذا قمل إنسان وأفرط عليه ذلك، زأبق [3] رأسه إن كنّ في رأسه أو جسده، وإن كنّ في ثيابه، فموّتن.
وقال أبو قطيفة لأصحابه [4] : أتدرون ما يذرأ [5] القمل! قالوا: لا. قال: ذاك والله من قلة عنايتكم بما يصلح أبدانكم! يذرأ القمل الفساء.
فأما ثمامة فحدثني عن يحيى بن خالد البرمكي، أن شيئين يورثان القمل [6] :
أحدهما الإكثار من التّين اليابس، والآخر بخار اللّبان إذا ألقي على المجمرة.
1501-[الإنسان القمل الطباع]
وربما كان الإنسان قمل الطباع، وإن تنظّف وتعطّر وبدّل الثياب، كما عرض لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، استأذنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، في لباس الحرير فأذن لهما فيه [7] ؛ ولولا أنهما كانا في حدّ ضرورة لما أذن لهما فيه، مع ما قد جاء في ذلك من التشديد [8] .
__________
[1] انظر ما تقدم في 4/296، س 3- 4، وربيع الأبرار 5/481.
[2] الأجذم: المقطوع اليد، وقيل: هو الذي ذهبت أنامله. وفي ربيع الأبرار 5/480 (وثياب أكثر الناس تقمل، إلا ثياب المخدمين المترفين) .
[3] زأبق: طلى بالزئبق.
[4] انظر الخبر في البخلاء 114.
[5] يذرأ: يكثر.
[6] الخبر في ربيع الأبرار 5/480.
[7] أخرجه البخاري في اللباس، حديث رقم 5501 «عن أنس قال: رخّص النبي صلّى الله عليه وسلّم للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير، لحكة بهما» .
[8] انظر هذا الخبر في ربيع الأبرار 5/480.
(5/199)

فلما كان في خلافة عمر، رأى عمر على بعض بني المغيرة من أخواله، قميص حرير، فعلاه بالدّرّة [1] ، فقال المغيريّ: أو ليس عبد الرحمن بن عوف يلبس الحرير؟
قال: وأنت مثل عبد الرحمن؛ لا أمّ لك!
1502-[الاحتيال للبراغيث]
واحتاج أصحابنا إلى التسلّم من عضّ البراغيث، أيام كنّا بدمشق، ودخلنا أنطاكية، فاحتالوا لبراغيثها بالأسرّة فلم ينتفعوا بذلك؛ لأن براغيثهم تمشي.
وبراغيثهم نوعان: الأبجل والبقّ، إنما سمّوا ذلك الجنس على شبيه بما حكى لي ثمامة عن يحيى بن خالد البرمكيّ، فإنّ يحيى زعم أن البراغيث من الخلق الذي يعرض له الطيران فيستحيل بقّا، كما يعرض الطيران للنّمل، وكما يعرض الطيران للدّعاميص؛ فإن الدعاميص إذا انسلخت صارت فراشا.
فكان أصحابنا قد لقوا من تلك البراغيث جهدا. وكانت لها بليّة أخرى: وذلك أن الذي تسهره البراغيث لا يستريح إلا أن يقتلها بالعرك والقتل. وإلى أن يقبض عليها فيرمي بها إلى الأرض من فوق سريره فيرى أنهنّ إذا صرن عشرين كان أهون عليه من أن يكنّ إحدى وعشرين. فكان الرجل إذا رام ذلك من واحدة منها نتنت يده وكانوا ملوكا، ومثل هذا شديد على مثلهم، فما زالوا في جهد منها حتى لبسوا قمص الحرير الصّينيّ، وجعلوها طويلة الأردان والأبدان فناموا مستريحين [2] .
1503-[خروج القمل من جسم الإنسان]
وخبّرني كم شئت من أطبّاء الناس وأصحاب التجارب، منهم من يقشعر من الكذب، ويتقزز منه- أنهم رأوا القمل عيانا وهو يخرج من جلد الإنسان. فإذا كان الإنسان قملا كان قمله مستطيلا، في شبيه بخلقة الديدان الصغار البيض.
ويذكر أن مثل ذلك قد كان عرض لأيوب النبي، صلّى الله عليه وسلّم، حين كان امتحن بتلك الأوجاع حتى سمّي: «المبتلى» وخبّرني شيخ من بني ليث، أنه اعتراه جرب، وأنه تطلّى بالمرتك [3] والدّهن،
__________
[1] الدرة: درة السلطان التي يضرب بها.
[2] الخبر باختصار في ربيع الأبرار 5/479.
[3] المرتك: هو المردارسنج، ويكون من سائر المعادن المطبوخة إلا الحديد. انظر معجم استينجاس 1212.
(5/200)

ثم دخل الحمّام فرأى قملا كثيرا، يخرج من تلك الجلب [1] والقروح.
وخبّرني أبو موسى العباسيّ صديقنا أنه كان له غلام بمصر، وكان الغلام ربما أخذه إبرة ففتح بها فتحا في بعض جسده، في الجلد، فلا يلبث أن يطلع من تحت الجلد في القيح قملة.
1504-[قمل الحيوان]
والقمل يسرع إلى الدّجاج والحمام، إذا لم يغتسل ويكن نظيف البيت. وهو يعرض للقرد [2] ، ويتولّد من وسخ جلد الأسير وما في رأسه من الوسخ. ولذلك كانوا يضجّون ويقولون: أكلنا القدّ [3] والقمل!
1505-[تلبيد الشعر]
وكانوا يلبّدون شعورهم، وذلك العمل هو التلبيد، والحاجّ الملبّد هو هذا.
وقال الشاعر: [من الكامل]
يا ربّ، ربّ الراقصات عشيّة ... بالقوم بين منى وبين ثبير [4]
زحف الرّواح قد انقضت منّاتهم ... يحملن كلّ ملبّد مأجور [5]
وقال عبد الله بن العجلان النهديّ: [من المنسرح]
إني وما مار بالفريق وما ... قرقر بالجلهتين من سرب [6]
جماعة من القطا وغيره، واحدتها سربة وعبر بها ها هنا عن الحجّاج.
من شعر كالغليل يلبد بال ... قمل وما مار من دم سرب [7]
والعتر عتر النّسيك يخفر بال ... بدن لحلّ الإحرام والنّصب [8]
__________
[1] الجلب: جمع جلبة، وهي القشرة تعلو الجرح عند البرء.
[2] الخبر في ربيع الأبرار 5/480.
[3] القد: سير من جلد غير مدبوغ.
[4] الراقصات: الإبل تسرع في سيرها. ثبير: جبل من أعظم جبال مكة.
[5] زحف: جمع زحوف، وهي الناقة أعيت فجرّت فرسنها. المنّة: القوة.
[6] الفريق: تصغير فرق أو فرق، وهو اسم موضع بتهامة. «معجم البلدان 4/260» . القرقرة: عنى بها تلبية الحجيج.
[7] الغليل: القت والنوى والعجين تعلفه الإبل. السرب: السائل.
[8] العتر: ما عتر؛ أي ذبح. النسيك: الذبيح.
(5/201)

وقال أميّة بن أبي الصّلت [1] : [من البسيط]
شاحين آباطهم لم ينزعوا تفثا ... ولم يسلّوا لهم قملا وصئبانا [2]
ويروى: «لم يقربوا تفثا» قال الله عزّ وجلّ: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
[3] . وما أقل ما ذكروا التّفث في الأشعار.
والتلبيد: أن يأخذ شيئا من خطميّ وآس وسدر، وشيئا من صمغ فيجعله في أصول شعره وعلى رأسه، كي يتلبد شعره ولا يعرق ويدخله الغبار، ويخمّ فيقمل.
وكانوا يكرهون تسريح الشعر وقتل القمل. فكان ذلك العمل يقلّ معه القمل.
وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لكعب بن عجرة: هل آذاك هوامّ رأسك؟!» [4]
1506-[تعيير هوازن وأسد بأكل القرّة]
وقال ابن الكلبيّ [5] : عيّرت هوازن وأسد بأكل القرّة [6] . وهما بنو القملة.
وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رؤوسهم بمنى وضع كل رجل منه على رأسه قبضة من دقيق. فإذا حلقوا رؤوسهم سقط ذلك الشّعر مع ذلك الدقيق، ويجعلون الدقيق صدقة. فكان ناس من الضّركاء [7] وفيهم ناس من قيس وأسد، يأخذون ذلك الشعر بدقيقه، فيرمون بالشعر، وينتفعون بالدقيق.
وأنشد لمعاوية بن أبي معاوية الجرميّ، في هجائهم [8] : [من الطويل]
__________
[1] ديوان أمية بن أبي الصلت 518.
[2] في ديوانه: «شحا الرجل: باعد بين خطاه، وشحا الرجل فاه: فتحه. والآباط: مفردها: إبط، وأراد بذلك رفع الحجاج أيديهم بالدعاء. والسّلّ: انتزاع الشيء وإخراجه برفق كإخراج الشعرة من العجين. والتفث: نتف الشعر وقص الأظفار وكل ما يحل بعد الخروج من الإحرام» .
[3] 29/الحج: 22.
[4] أخرجه البخاري في الإحصار وجزاء الصيد، حديث رقم 1719، 1720، 1722، ومسلم في الحج، باب: جواز حلق للرأس للمحرم إن كان به أذى..، رقم 1201.
[5] الخبر مع البيتين التاليتين في كتاب الأصنام لابن الكلبي 48- 49، ومعجم البلدان 1/238 (الأقيصر) ، واللسان والتاج (قرر) .
[6] القرة: ناقة تؤخذ من المغنم قبل قسمة الغنائم فتنحر وتصلح ويأكلها الناس، يقال لها قرة العين.
[7] الضركاء: جمع ضريك، وهو الفقير الهالك سوء الحال.
[8] البيتان في البخلاء 217، وانظرهما في مصادر الحاشية قبل السابقة.
(5/202)

ألم تر جرما أنجدت وأبوكم ... مع الشعر في قصّ الملبّد شارع [1]
إذا قرَّة جاءت يقول أصب بها ... سوى القمل إني من هوازن ضارع
1507-[شعر في هجو القملين]
وقال بعض العقيليّين، ومرّ بأبي العلاء العقيليّ وهو يتفلّى، فقال [2] : [من الكامل]
وإذا مررت به مررت بقانص ... متصيّد في شرقة مقرور [3]
للقمل حول أبي العلاء مصارع ... من بين مقتول وبين عقير
وكأنهنّ لدى خبون قميصه ... فذّ وتوءم سمسم مقشور [4]
ضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنق على أخرى العدوّ مغير [5]
وقال الحسن بن هانىء [6] ، في أيوب، وقد ذهب عني نسبه، وطالما رأيته في المسجد: [من مجزوء الكامل]
من ينأ عنه مصاده ... فمصاد أيوب ثيابه
تكفيه فيها نظرة ... فتعلّ من علق حرابه [7]
يا ربّ محترس بخب ... ن الدّرز تكنفه صؤابه [8]
فاشي النّكاية غير معلو ... م إذا دبّ انسيابه
أو طامريّ واثب ... لم ينجه عنه وثابه
الطامريّ: البرغوث. ثم قال:
أهوى له بمذلّق الغربين إصبعه نصابه [9]
__________
[1] أنجدت: دخلت بلاد نجد.
[2] الأبيات لبعض العقيليين في نهاية الأرب 10/177، ولبعض الأسديين في الحماسة المغربية 1283، وبلا نسبة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1843، والتبريزي 4/164، والبيتان (2- 3) بلا نسبة في ديوان المعاني 2/150، ومحاضرات الأدباء 2/133 (3/294) .
[3] الشرقة: المكان الذي يتشرق فيه في الشتاء. المقرور: الذي أصابه القر؛ وهو البرد.
[4] الخبن: خياطة الثوب لتقليصه. الفذ: الفرد.
[5] الضرج: المصبوغ بالحمرة.
[6] لم ترد الأبيات في ديوان أبي نواس، وهي في نهاية الأرب 10/178.
[7] تعل: تشرب مرة بعد مرة. العلق: الدم.
[8] الخبن: خياطة الثوب لتقليصه.
[9] مذلق: حاد. الغربين: مثنى غرب؛ وهو حد السلاح.
(5/203)

لله درّك من أخي ... قنص أصابعه كلابه [1]
1508-[أحاديث وأخبار في القمل]
وفي الحديث أن أكل التفاح، وسؤر الفأرة، ونبذ القملة يورث النّسيان [2] .
وفي حديث آخر أنّ الذي ينبذ القملة لا يكفى الهمّ.
والعامة تزعم أن لبس النّعال السود يورث الغمّ والنسيان.
وتناول أعرابيّ قملة دبّت على عنقه، ففدغها ثم قتلها بين باطن إبهامه وسبّابته، فقيل له: ما تصنع ويلك بحضرة الأمير؟! فقال: بأبي أنت وأميّ: وهل بقي منها إلا خرشاؤها؟ يعني جلدتها وقشرتها وكل وعاء فهو خرشاء.
1509-[المأمون وسعيد بن جابر]
وحدثني إبراهيم بن هانىء، قال: حدّثني سعيد بن جابر، قال: لما كادت الأجناد تحيط ببغداد من جوانبها. قال لنا المخلوع [3] : لو خرجنا هكذا قطربّل [4] على دوابنا، ثم رجعنا من فورنا، كان لنا في ذلك نشرة [5] ، قال: فلما صرنا هناك هجمنا على موضع خمّارين، فرأى أناسا قد تطافروا [6] من بعض تلك الحانات، فسأل عنهم، فإذا هم أصحاب قمار ونرد ونبيذ، فبعث في آثارهم فردّوا وقال لنا: أشتهي أن أسمع حديثهم، وأرى مجلسهم وقمارهم. قال: فدخلنا إلى موضعهم، فإذا تخت النّرد قطعة لبد، وإذا فصوص النّرد من طين، بعضه مسوّد وبعضه متروك، وإذا الكعبان من عروة كوز محكّكة، وإذا بعضهم يتكئ على دنّ خال وتحتهم بوار قد تنسّرت [7] . قال: فبينا هو يضحك منهم إذ رأيت قملة تدب على ذيله، فتغفّلته وأخذتها فرآني وقد تناولت شيئا، فقال لي: أي شيء تناولت؟ فقلت: دويبّة دبت
__________
[1] القنص: الصيد.
[2] تقدم الحديث في 146.
[3] المخلوع: هو الخليفة محمد الأمين، وانظر الخبر في ربيع الأبرار 5/480- 481.
[4] قطربل: اسم قرية بين بغداد وعكبرا ينسب إليها الخمر وكانت متنزها للبطالين وحانة للخمارين.
معجم البلدان 4/371.
[5] النشرة: ضرب من الرقية والعلاج؛ يعالج به المجنون والمريض.
[6] الطفر: الوثوب.
[7] البواري: جمع بارية؛ وهي الحصير المعمول من القصب. تنسرت: انتشرت.
(5/204)

على ذيلك من ثياب هؤلاء. قال: وأيّ دابة هي؟ قلت: قملة. قال: أرنيها؛ فقد والله سمعت بها! قال: فتعجبت يومئذ من المقادير كيف ترفع رجالا في السماء، وتحطّ آخرين في الثّرى!
1510-[لذة قصع القمل على الأظفار]
قال: والقرد يتفلّى، فإذا أصاب قملة رمى بها إلى فيه.
ونساء العوامّ يعجبهنّ صوت قصع القمل على الأظفار.
ورأيت مرة أنا وجعفر بن سعيد، بقَّالا في العتيقة وإذا امرأته جالسة بين يديه، وزوجها يحدّثها وهي تفلّي جيبها وقد جمعت بين باطن إبهامها وسبّابتها عدّة قمل، فوضعتها على ظفر إبهامها الأيسر، ثم قلبت عليها ظفرها الأيمن فشدختها به، فسمعت لها فرقعة، فقلت لجعفر: فما منعها أن تضعها بين حجرين؟ قال: لها لذة في هذه الفرقعة، والمباشرة أبلغ عندها في اللذة. فقلت: فما تكره مكان زوجها؟
قال: لولا أن زوجها يعجب بذلك لنهاها!
1511-[شعر لابن ميادة]
وقال ابن ميّادة [1] : [من الطويل]
سقتني سقاة المجد من آل ظالم ... بأرشية أطرافها في الكواكب [2]
وإنّ بأعلى ذي النّخيل نسيّة ... يسيّرن أعيارا شداد المناكب [3]
يشلن بأستاه عليهنّ دسمة ... كما شال بالأذناب سمر العقارب [4]
__________
[1] ديوان ابن ميادة 83- 84، والبيت الأول في طبقات ابن المعتز 107، والشعر والشعراء 772 (شاكر) ، وعجزه منسوب لابن مناذر في الصناعتين 316.
[2] الأرشية: جمع رشاء، وهو حبل الدلو.
[3] ذو النخيل: موضع قرب مكة. نسية: مصغر نسوة. الأعيار: جمع عير، وهو الحمار.
[4] يشلن: يرفعن. الدسمة: أصله ما يشد به خرق السقاء.
(5/205)

[باب في البرغوث]
(باب)
1512-[القول في البرغوث]
[1] والبرغوث أسود أحدب نزّاء، من الخلق الذي لا يمشي صرفا.
وبما قال بعضهم: دبيبها من تحتي أشدّ عليّ من عضّها.
وليس ذلك بدبيب. وكيف يمكنه الدّبيب- وهو ملزق على النّطع بجلد جنب النائم؟! ولكنّ البرغوث خبيث، فمتى أراد الإنسان أن ينقلب من جنب إلى جنب، انقلب البرغوث واستلقى على ظهره، ورفع قوائمه فدغدغه بها، فيظنّ من لا علم عنده أنه إنما يمشي تحت جنبه.
وقد ذكرنا من شأنه في مواضع، ولو كان الباب يكبر حتى يكون لك مجموعا ولم تعرفه تكلفت لك جمعه.
1513-[شعر في البرغوث]
وقال بعض الأعراب [2] : [من البسيط]
ليل البراغيث عنّاني وأنصبني ... لا بارك الله في ليل البراغيث [3]
كأنهنّ وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوء أغاروا في المواريث
وقال محبوب بن أبي العشنّط النهشليّ [4] : [من البسيط]
لروضة من رياض الحزن أو طرف ... من القريّة جرد غير محروث [6]
للنّور فيه إذا مجّ النّدى أرج ... يشفي الصّداع ويشفي كلّ ممغوث [7]
__________
[1] وردت الفقرة في ربيع الأبرار 5/479.
[2] البيتان بلا نسبة في كتاب العين 4/467، وربيع الأبرار 5/479، ومحاضرات الأدباء 2/306 (4/673) .
[3] عناه: أنصبه وجشمه العناء.
[4] الأبيات في اللسان (توت) ، والخزانة 11/258، ومعجم البلدان 4/340 (القرية) ، والأول والثالث في التاج (توث) ، و (4، 5، 6) في ربيع الأبرار 5/479.
[5] الحزن: اسم موضع. الطرف: الناحية. القرية: من قرى اليمامة. الجرد: لا نبات فيه.
[6] النور: الزهر. الممغوث: المحموم.
(5/206)

أملا وأحلى لعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرّمّان والتّوث [1]
الليل نصفان: نصف للهموم فما ... أقضى الرّقاد، ونصف للبراغيث
أبيت حين تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحا بتغويث [2]
سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث [3]
وقد جعل «التوث» بالثاء. ووجه الكلام بالتاء. وتعجيمها نقطتان من فوقها.
وقال آخر [4] : [من الطويل]
وإنّ امرأ تؤذيّ البراغيث جلده ... ويخرجنه من بيته لذليل
ألا ربّ برغوث تركت مجدّلا ... بأبيض ماضي الشّفرتين صقيل [5]
وقال آخر: [من الطويل]
لقد علم البرغوث حين يعضّني ... ببغداد إني بالبلاد غريب
وقال آخر: [من الطويل]
لقيت من البرغوث جهدا ولا أرى ... أميرا على البرغوث يقضي ولا يعدي
يقلّبني فوق الفراش دبيبه ... وتصبح آثار تبيّن في جلدي
وقال آخر [6] : [من الطويل]
ألا يا عباد الله من لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
وقال يزيد بن نبيه الكلّابي: [من الطويل]
أصبحت سالمت البراغيث بعد ما ... مضت ليلة مني وقلّ رقودها
__________
[1] أملا: أملأ. الكرخ: موضع ببغداد.
[2] تساميني: تعاليني. أنزو: أثب. التغويث: الصياح بالقول «واغوثاه» .
[3] المداليج: جمع مدلاج، وهو من أدلج: إذا سافر ليلا. مشبوث: مأخوذ.
[4] البيت الثاني فيه إقواء، وهو بلا نسبة في محاضرات الأدباء 2/306 (3/674) .
[5] مجدلا: ملقيا على الجدالة؛ وهي الأرض. الأبيض: السيف، وأراد به هنا أظفاره.
[6] البيتان بلا نسبة في ديوان المعاني 2/149، وربيع الأبرار 5/479، ونهاية الأرب 10/173، وإذا كان الجاحظ قد جعل هذين البيتين في البراغيث فإنه في الصفحة 232 فيما سيأتي قال: «وفي القردان يقول الآخر، قال: وبعضهم يجعلها في البراغيث، وهذا باطل» .
(5/207)

فيا ليت شعري هل أزورنّ بلدة ... قليل بها أوباشها وسنيدها [1]
وهل أسمعنّ الدّهر أصوات ضمّر ... تطالع بالركبان صعرا خدودها [2]
وهل أرينّ الدهر نارا بأرضها ... بنفسي وأهلي أرضها ووفودها
تراطن حولي كلما ذرّ شارق ... ببغداد أنباط القرى وعبيدها
وقال آخر: [من البسيط]
لا بارك الله في البرغوث، إن له ... لذعا شديدا كلذع الكيّ بالنار
أقول والنجم قد غارت أوائله ... وغلّس المدلج الساري بأسحار [3]
لبرقة من براق الحزن أعمرها ... فيها الظّباء تراعي غبّ أمطار [4]
أشفى لدائي من درب به نبط ... ومنزل بين حجّام وجزّار
من ينحر الشّول لا يخطي قوائمها ... بمدية كشرار النار بتّار [5]
وقال آخر: [من الخفيف]
إنّ هذا المصلوب لا شك فيه ... هو من بعد صلبه مبعوث
حلّ من حيث ليس يأكله ال ... بقّ ولا يهتدي له البرغوث
بين حنوي مطيّة إن يسقها ... سائقاها فذاك سير مكيث [6]
فعليه الدبار والخزي لمّا ... قلت من ذا فقال لصّ خبيث [7]
وقال أبو الرماح الأسديّ [8] : [من الطويل]
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بحنو الغضا ليل عليّ يطول
يؤرّقني حدب صغار أذلة ... وإن الذي يؤذينه لذليل
إذا جلت بعض الليل منهن جولة ... تعلّقن بي أو جلن حيث أجول
__________
[1] الأوباش: الأخلاط من الناس. السنيد: الدعي.
[2] الضمّر: الإبل الضامرة. الأصعر: المائل.
[3] غلس: سار في الغلس وهو ظلمة آخر الليل. المدلج: الذي يسافر ليلا.
[4] البرقة: غلظ فيه حجارة ورمل وطين. أعمرها: أسكنها. تراعي: ترعى مع سواها. غب الشيء:
بعده.
[5] الشول: الإبل التي نقصت ألبانها. المدية: الشفرة. البتار: القطّاع.
[6] الحنو: كل شيء فيه اعوجاج. المكيث: البطيء.
[7] الدبار: الهلاك.
[8] الأبيات في ديوان المعاني 2/150، وربيع الأبرار 5/480، ونهاية الأرب 10/303.
(5/208)

إذا ما قتلناهنّ أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهنّ قتيل
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... وليس لبرغوث عليّ سبيل
وقال أبو الشّمقمق [1] : [من المنسرح]
يا طول يومي وطول ليلتيه ... إن البراغيث قد عبثن بيه
فيهنّ برغوثة مجوّعة ... قد عقدت بندها بفقحتيه [2]
وقال آخر [3] : [من الطويل]
هنيئا لأهل الرّي طيب بلادهم ... وأن أمير الرّيّ يحيى بن خالد
تطاول في بغداد ليلي ومن يكن ... ببغداد يلبث ليله غير راقد
بلاد إذا جنّ الظلام تقافزت ... براغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة سود الجلود كأنها ... بغال بريد أرسلت في مذاود [4]
وقال آخر [5] : [من الرجز]
أرّقني الأسيود الأسكّ ... ليلة حكّ ليس فيها شكّ
أحكّ حتى ماله محكّ ... أحكّ حتى مرفقي منفكّ
وقال آخر: [من الرجز]
يا أمّ مثواي عدمت وجهك ... أنقذني ربّ العلا من مصرك
ولذع برغوث أراه مهلكي ... أبيت ليلي دائم التحكّك
تحكّك الأجرب عند المبرك
وقال آخر: [من البسيط]
الحمد لله برغوث يؤرّقني ... أحيلك الجلد لا سمع ولا بصر [6]
__________
[1] ديوان أبي الشمقمق 153، ومحاضرات الأدباء 2/306 (4/672) .
[2] البند: العلم الكبير.
[3] الأبيات بلا نسبة في ديوان المعاني 2/149، وربيع الأبرار 5/480، ومعجم البلدان 1/466 (بغداد) .
[4] ديازجة: جمع ديزج، وهو الأخضر. المذاود: جمع مذود، وهو معلف الدابة.
[5] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (قذذ، حكك، سكك) ، والتهذيب 8/274، والجمهرة 101، والأساس (قذذ) .
[6] أحيلك: تصغير أحلك، والحلكة: شدة السواد.
(5/209)

وقال آخر: [من الرجز]
قبيلة في طولها وعرضها ... لم يطبقوا عينا لهم بغمضها
خوف البراغيث وخوف عضّها ... كأنّ في جلودها من مضّها [1]
عقاربا ترفضّ من مرفضّها ... إن دام هذا هربت من أرضها [2]
يا ربّ فاقتل بعضها ببعضها
1514-[معارف في البرغوث]
قال: والبرغوث في صورة الفيل. وزعموا أنها تبيض وتفرخ، وأنهم رأوا بيضها رؤية العين. والبراغيث تناكح وهي مستدبرة ومتعاظلة [3] . وهي من الجنس الذي تطول ساعة كومها.
1515-[شدة استقذار الناس للقمل]
وليس الناس لشيء مما يعضّهم ويؤذيهم، من الجرجس، والبقّ، والبراغيث والذّبان- أشد استقذارا منهم للقمل. ومن العجب أنّ قرابته أمسّ. فأما قملة النّسر، وهي التي يقال لها بالفارسية: «دده» ، وهي تكون بالجبل، فإنها إذا عضّت قتلت.
1516-[القول في البعوض ونتائج عضها]
حدّثني إبراهيم بن السّنديّ قال: لما كان أبي بالشام واليا، أحبّ أن يسوّي بين القحطانيّ والعدناني، وقال: لسنا نقدّمكم إلا على الطاعة لله عزّ وجلّ، وللخلفاء، وكلّكم إخوة، وليس للنّزاري عندي شيء ليس لليمانيّ مثله.
قال: وكان يتغدّى مع جملة من جلّة [4] الفريقين، ويسوّي بينهم في الإذن والمجلس. وكان شيخ اليمانية يدخل عليه معتمّا، وقد جذب كور عمامته حتى غطى بها حاجبه وكان لا ينزعها في حر ولا برد، فأراد فتى من قيس- وقد كان أبي يستخليه ويقرّبه- أن يسقطه من عين أبي ويوحشه منه، فقال له ذات يوم ووجد المجلس خاليا: إني أريد أن أقول شيئا ليس يخرجه مني إلا الشكر والحرية، وإلا
__________
[1] المض: الحرقة والألم.
[2] ترفض: تتفرق.
[3] تعاظلت: لزم بعضها بعضا في السفاد.
[4] الجلة: العظماء.
(5/210)

المودة والنصيحة، ولولا ما أعرف من تقزّزك وتنطّسك [1] ؛ وأنك متى انتبهت على ما أنا ملقيه إليك لم آمن أن تستغشّني [2] ، وإن لم تظهره لي. إن هذا اليمانيّ إنما يعتم أبدا، ويمدّ طرّة [3] العمامة حتى يغطّي بها حاجبيه؛ لأن به داء لو علمت به لم تؤاكله! قال: فقال أبي: فرماني والله بمعنى كاد ينقض عليّ جميع ما بيدي، وقلت:
والله لئن أكلت معه وبه الذي به إنّ هذا لهو البلاء، ولئن منعت الجميع مؤاكلتي لأوحشنهم جميعا بعد المباسطة والمباثّة [4] والملابسة والمؤاكلة، ولئن خصصته بالمنع أو أقعدته على غير مائدتي. ليغضبنّ، ولئن غضب ليغضبنّ معه كل قحطاني بالشام. فبت بليلة طويلة. فلما كان الغد وجلست، ودخلوا للسلام، جرى شيء من ذكر السموم وغرائب أعمالها، فأقبل عليّ ذلك الشيخ فقال: عندي من هذا بالمعاينة ما ليس عند أحد. خرجت مع ابن اخي هذا، ومع ابن عمّي هذا، ومع ابني هذا، أريد قريتي الفلانية، فإذا بقرب الجادّة بعير قد نهشته أفعى. وإذا هو وافر اللحم، وكل شيء حواليه من الطّير والسباع ميت، فقمنا منه على قاب أرماح نتعجب، وإذا عليه بعوض كثيرة.
فبينا أنا أقول لأصحابي: يا هؤلاء، إنكم لترون العجب: أول ذلك أن بعيرا مثل هذا يتفسّخ من عضة شيء لعله أن لا يكون في جسم عرق من عروقه، أو عصبة من عصبه، فما هذا الذي مجّه فيه، وقذفه إليه؟ ثم لم يرض بأن قتله حتى قتل كلّ طائر ذاق منه، وكلّ سبع عضّ عليه. وأعجب من هذا قتله لأكابر السّباع والطير، وتركه قتل البعوضة، مع ضعفها ومهانتها! فبينا نحن كذلك إذ هبّت ريح من تلقاء الجيفة، فطيّرت البعوض إلى شقّنا، وتسقط بعوضة على جبهتي، فما هو إلا أن عضتني إذ اسمأدّ [5] وجهي تورّم رأسي، فكنت لا أضرب بيدي إلى شيء أحكّه من رأسي وحاجبي، إلا انتثر في يدي.
فحملت إلى منزلي في محمل وعولجت بأنواع العلاج، فبرأت بعد دهر طويل. على أنه أبقى عليّ من الشّين أنه تركني أقرع الرأس. أمرط الحاجبين.
__________
[1] التقزز: التباعد من الدنس. التنطس: التقذر والتقزز.
[2] استغشه: ظن به الغش.
[3] طرة الشيء: طرفه.
[4] المباثة: من البث؛ وهو إظهار الحديث.
[5] اسمأد: ورم وانتفخ.
(5/211)

قال: والقوم يخوضون معه في ذلك الحديث، خوض قوم قد قتلوا [1] تلك القصة يقينا.
قال: فتبسمت، ونكس الفتى القيسيّ رأسه، فظن الشيخ أنه قد جرى بيننا في ذلك ذرء [2] من القول، فقال: إن هذا القيسيّ خبيث، ولعله أن يكون قد احتال لك بحيلة! قال إبراهيم: فلم أسمع في السموم بأعجب من هذا الحديث.
1517-[طلسمات البعوض والعقرب]
ويزعم أهل أنطاكية أنهم لا يبعضون لطلّسم هناك. ولو ادعى أهل عقر الدّير، المتوسطة لأجمة ما بين البصرة وكسكر لكان طلّسمهم أعجب.
ويزعم [3] أهل حمص أن فيها طلّسما من أجله لا تعيش فيها العقارب. وإن طرحت فيها عقرب غريبة ماتت من ساعتها.
ولعمري إنه ليجوز أن تكون بلدة تضادّ ضربا من الحيوان فلا يعيش فيها ذلك الجنس، فيدعي كذّابو أهلها أن ذلك برقية، أو دعوة، أو طلّسم.
1518-[ألم عضة البرغوث والقملة والبعوض]
والبرغوث إذا عض، وكذاك القملة، فليس هناك من الحرقة والألم ما له مدة قصيرة ولا طويلة.
وأما البعوض فأشهد أن بعوضة عضت ظهر قدمي، وأنا بقرب كاذة والعوجاء [4] ، وذلك بعد أن صلى الناس المغرب، فلم أزل منها في أكال وحرقة، وأنا أسير في السفينة، إلى أن سمعت أذان العشاء.
ولذلك يقال: إن البعوضة لو ألحقت بمقدار جرم الجرّارة [5]- فإنّها أصغر العقارب- ثم زيدت من تضاعيف ما معها من السّمّ على حسب ذلك لكانت شرّا من
__________
[1] قتله يقينا: أحاط به علما.
[2] ذرء من القول: طرف منه.
[3] ورد هذا الزعم في ربيع الأبرار 5/477.
[4] كاذة: قرية من قرى بغداد. العوجاء: اسم موضع.
[5] الجرارة: عقارب صغار تجرر أذنابها، انظر ما ما تقدم في 192، فقرة 1482.
(5/212)

الدّويبّة التي تسمى بالفارسية: «دده» وهي أكبر من القملة شيئا، وتكون بمهرجان قذق [1] . فإنها مع صغر جسمها تفسخ الإنسان في أسرع من الإشارة باليد، وهي تعضّ ولا تلسع، وهي من ذوات الأفواه، وهي التي بزعمهم يقال لها «قملة النّسر» . وذلك أن النّسر في بعض الزمان، إذا سقط بتلك الأرض سقطت منه قملة تستحيل هذه الدابة الخبيثة.
والبعوضة من ذوات الخراطيم.
وحدّثني محمد بن هاشم السّدريّ قال: كنت بالزّطّ [2] . فكنت والله أرى البعوضة تطير عن ظهر الثور فتسقط على الغصن من الأغصان، فتقلس [3] ما في بطنها، ثم تعود.
والبعوضة تغمس خرطومها في جلد الجاموس، كما يغمس الرجل أصابعه في الثريد.
ومن العجب أن بين البصرة وواسط شطرين. فالشّطر الذي يلي الطّف وباب طنج يبيت أهله في عافية، وليس عندهم من البعوض ما يذكر، والشطر الذي يلي زقاق الهفّة لا ينام أهله من البعوض. فلو كان هذا ببلاد الشام أو بلاد مصر لادّعوا الطّلّسم.
وحدّثني إبراهيم النّظام قال [4] : وردنا فم زقاق الهفة، في أجمة البصرة، فأردنا النفوذ فمنعنا صاحب المسلحة [5] ، فأردنا التأخّر إلى الهور [6] الذي خرجنا منه، فأبى علينا. ووردنا عليه وهو سكران وأصحابه سكارى، فغضب على ملّاح نبطيّ، فشدّه قماطا، ثم رمى به في الأجمة، على موضع أرض تتصل بموضع أكواخ صاحب المسلحة [7] . فصاح الملاح: اقتلني أيّ قتلة شئت وأرحني! فأبى وطرحه، فصاح،
__________
[1] مهرجان قذق: كورة حسنة واسعة ذات مدن وقرى الصيمرة من نواحي الجبال عن يمين القاصد من حلوان العراق إلى همذان. معجم البلدان 5/233.
[2] الزط: نهر قديم من أنهار البطيحة «معجم البلدان 3/140» . والبطيحة: أرض واسعة بين واسط والبصرة «معجم البلدان 1/450» .
[3] تقلس: تقيء.
[4] الخبر في ربيع الأبرار 5/462.
[5] المسلحة: القوم الذين يحرسون الثغور من العدو.
[6] الهور: يقال جرف هور: أي واسع بعيد.
[7] المسلحة: القوم الذين يحرسون الثغور من العدو.
(5/213)

ثم عاد صياحه إلى الأنين، ثم خفت وناموا في كللهم [1] وهم سكارى. فجئت إلى المقموط، وما جاوز وقت عتمة، فإذا هو ميت، وإذا هو أشد سوادا من الزنجي. وأشد انتفاخا من الزقّ المنفوخ، وذلك كله بقدر ما بين العشاء والمغرب. فقلت: إنها لمّا لسبته ولسعته من كلّ جانب لسعا على لسع إن اجتماع سمومها فيه أربت [2] على نهشة أفعى بعيدا. فهي ضرر ومحنة، ليس فيها شيء من المرافق.
1519-[نفع العقرب]
والعقارب بأكلها مشوية من بعينه ريح السّبل [3] ، فيجدها صالحة. ويرمى بها في الزيت، حتى إذا تفسّخت وامتصّ الزيت ما فيها من قواها فطلوا بذلك الدهن الخصى [4] التي فيها النفخ- فرّق تلك الريح حتّى تخمص [5] الجلدة، ويذهب الوجع.
فإذا سمعت بدهن العقارب فإنما يعنون هذا الدهن.
[باب في البعوض]
(باب)
1520-[أجناس البعوض]
في البقّ، والجرجس [6] والشّرّان [7] ، والفراش، والأذى.
وقال الله عزّ وجلّ: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[8] ، قال: يريد فما دونها.
وهو قول القائل للرجل يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم! فيقول: هو فوق ذلك! يضع قوله فوق، في موضع: هو شرّ من ذلك.
__________
[1] الكلّة: ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى به من البعوض.
[2] أربت: زادت.
[3] ريح السبل: داء يصيب في العين.
[4] الخصى: جمع خصية.
[5] تخمص الجلدة: يذهب ورمها.
[6] الجرجس: البعوض الصغار.
[7] الشران: جمع شرانة، وهي دويبة مثل البعوض.
[8] 26/البقرة: 2.
(5/214)

قال: وضروب من الطير لا تلتمس أرزاقها إلا بالليل، منها الخفّاش، والبومة، والصّدى [1] ، والضّوع [2] ، وغراب الليل.
والبعوض بالنهار تؤذي بعض الأذى، وإنما سلطانها بالليل. وكذلك البراغيث.
وأما القمل فأمره في الحالات مستو. وليس للذّبّان بالليل عمل. إلا أنّي متى بيت معي في القبة ما صار إليها، وسكن فيها من الذّبّان، ولم أطردها بالعشيّ وبعد العصر، فإني لا أجد فيها بعوضة واحدة.
1521-[شعر في البعوض]
وقال الرّاجز في خرطوم البعوضة [3] : [من الرجز]
مثل السّفاة دائم طنينها ... ركّب في خرطومها سكّينها [4]
وقال الهذليّ [5] : [من الوافر]
كأنّ وغى الخموش بجانبيه ... وغى ركب أميم ذوي هياط [6]
والخموش: أصناف البعوض. والوغى: أصوات الملتفة التي لا يبين واحدها عن معنى، وهو كما تسمع من الأصوات الجيشين إذا التقيا على الحرب، وكما تسمع من ضجّة السوق.
وقال الكميت وهو يذكر قانصا وصاحب قترة [7]- لأنه لا يبتني بيته إلّا عند
__________
[1] الصدى: ذكر البوم، وتقول العرب إنه يخلق من رأس المقتول، يصيح في هامة المقتول إذا لم يؤخذ بثأره يقول: اسقوني اسقوني؛ حتى يقتل قاتله. حياة الحيوان 1/610.
[2] الضوع: طائر من طير الليل من جنس الهوام، وقيل: هو ذكر البوم. حياة الحيوان 1/649.
[3] الرجز في ذيل الأمالي 129، وتقدم في 3/151، الفقرة (766) .
[4] السفاة: الشوك.
[5] البيت للمتنخل الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1272، واللسان (خمش، زيط، لغط، وعي، وغي) والتاج (خمش، زأط، زيط، لغط، وعي، وغي) ، والتنبيه والإيضاح 2/317، وللهذلي في الجمهرة 603، 1255، والمخصص 8/185، والأساس (وعي) ، وبلا نسبة في التهذيب 13/234، والمقاييس 2/219.
[6] في ديوان الهذليين 2/25: «الخموش: البعوض. والهياط: الصياح والمجادلة؛ ويقال: فعلته بعد الهياط والمياط، أي بعد الجلبة والصوت. والوغى والوعى واحد، وهو الصوت في الحرب» .
[7] القترة: البئر: يحتفرها الصائد يكمن فيها.
(5/215)

شريعة [1] ينتابها الوحش- فقال وهو يصف البعوض [2] : [من الطويل]
به حاضر من غير جنّ تروعه ... ولا أنس ذو أرنان وذو زجل [3]
والحاضر: الذي لا يبرحه البعوض، لأن البعوض من الماء يتخلّق فكيف يفارقه، والماء الراكد لا يزال يولده؟! فإن صار نطافا أو ضحضحا [4] استحال دعاميص، وانسلخت الدّعاميص فصارت فراشا وبعوضا. وقال ذو الرّمة [5] : [من الطويل]
وأيقنّ أنّ القنع صارت نطافه ... فراشا وأن البقل ذاو ويابس
وصف الصّيف. وقال أبو وجزة [6] ، وهو يصف القانص والشريعة والبعوض:
[من البسيط]
تبيت جارته الأفعى وسامره ... رمد به عاذر منهنّ كالجرب
رمد في لونها، يعني البعوض، وهي التي تسامر القانص وتسهره. والعاذر:
الأثر. يقول: في جلده عواذير وآثار كآثار الجرب من لسع البعوض، وهو مع ذلك وسط الأفاعي.
وقال الراجز يصف البعوض [7] : [من الرجز]
وليلة لم أدر ما كراها ... أمارس البعوض في دجاها [8]
كلّ زجول خفق حشاها ... ستّ لدى إيفائها شواها [9]
لا يطرب السامع من غناها ... حنّانة أعظمها أذاها
__________
[1] الشريعة: مورد الماء.
[2] ديوان الكميت 2/93، والمقاييس 2/463، والمجمل 2/439، والمعاني الكبير 607، وبلا نسبة في اللسان والتاج (رون) .
[3] الأرونان: الصوت. الزجل: الجلبة.
[4] النطاف: جمع نطفة، وهي القليل الماء. الضحضح: الماء القليل يكون في الغدير وغيره.
[5] ديوان ذي الرمة 1121، وتقدم في 3/165، 176.
[6] تقدم البيت في 4/365، الفقرة (1114) .
[7] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (بعض) ، ومحاضرات الأدباء 2/306 (4/673) .
[8] الكرى: النوم. المراس: شدة المعالجة.
[9] الزجول: الكثير الزجل، وهو الجبلة. الخفق: المضطرب. الشوى: اليدان والرجلان.
(5/216)

1522-[أرجل الجرادة والعقرب والنملة والسرطان]
وكذلك قوائم الجرادة، هي ستّ: يدان، ورجلان، والميشاران وبهما تعتمد إذا نزت [1] .
فأما العقرب فلها ثمان أرجل. وللنملة ست أرجل.
وللسّرطان ثمان أرجل، وهو في ذلك يستعين بأسنانه، فكأنه يمشي على عشر. وعيناه في ظهره. وما أكثر من يشويه ويأكله للشهوة، لا للحاجة ولا للعلاج.
1523-[شعر في البعوض]
وقال الرّاجز [2] ، ووصف حاله وحال البعوض: [من الرجز]
1- لم أر كاليوم ولا مذ قطّ ... أطول من ليلي بنهر بطّ
3- كأنما نجومه في ربط ... أبيت بين خطّتي مشتطّ
5- من البعوض ومن التغطّي ... إذا تغنّين غناء الزّطّ [3]
7- وهنّ منّي بمكان القرط ... فثق بوقع مثل وقع الشّرط
وقال أيضا [4] : [من الرجز]
إذا البعوض زجلت أصواتها ... وأخذ اللحن مغنّياتها
لم تطرب السامع خافضاتها [5] ... كلّ زجول تتّقى شذاتها [6]
صغيرة، عظيمة أذاتها ... تنقص عن بغيتها بغاتها
ولا تصيب أبدا رماتها ... رامحة، خرطومها قناتها [7]
وأنشدني جعفر بن سعيد: [من الرجز]
__________
[1] نزت: وثبت.
[2] الأبيات (1، 2، 4، 5) بلا نسبة في اللسان والتاج (بطط) . والأبيات (6، 7، 8) بلا نسبة في محاضرات الأدباء 2/306 (4/673) ، وربيع الأبرار 5/463.
[3] الزط: جيل من الهند.
[4] الرجز بلا نسبة في ديوان المعاني 2/148، ونهاية الأرب 10/302، ومجموعة المعاني 196.
[5] بعد هذا البيت في ديوان المعاني ونهاية الأرب: «وأرّق العينين رافعاتها» .
[6] الشذاة: الأذى.
[7] الرامحة: ذات الرمح. القناة: الرمح.
(5/217)

ظللت بالبصرة في تهواش ... وفي براغيث أذاها فاشي [1]
من نافر منها وذي اهتماش ... يرفع جنبيّ عن الفراش
فأنا في حكّ وفي تخراش ... تترك في جنبيّ كالخراش [2]
وزوجة دائمة الهراش ... تغلي كغلي المرجل النّشّاش [3]
تأكل ما جمّعت من تهباشي ... بل أمّ معروف خموش ناش [4]
وقال رجل من بني حمّان، وقع في جند الثغور: [من الطويل]
أأنصر أهل الشّام ممّن يكيدهم ... وأهلي بنجد ساء ذلك من نصر
براغيث ترذيني إذا الناس نوّموا ... وبقّ أقاسيه على ساحل البحر [5]
فإن يك فرض بعدها لا أعد له ... وإن بذلوا حمر الدنانير كالجمر [6]
باب في العنكبوت
قال الله عزّ وجلّ: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
[7] ، ثم قال على إثر ذلك: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[8] يريد ذكره بالوهن. وكذلك هو. ولم يرد إحكام الصنعة في الرّقّة والصّفاقة، واستواء الرقعة، وطول البقاء، إذا كان لا يعمل فيه تعاور الأيام، وسلم من جنايات الأيدي.
__________
[1] التهواش: الاختلاط. الفاشي: المنتشر.
[2] الخرش: الخدش والخمش.
[3] الهراش: القتال، وأصله هراش الكلاب. المرجل: القدر. النشاش: الذي ينش، أي يصوت عند الغليان.
[4] الهبش: الجمع والكسب. الخموش: البعوض.
[5] ترذيني: تهزلني وتضعفني.
[6] الفرض: العطية المرسومة.
[7] 41/العنكبوت: 29.
[8] 43/العنكبوت: 29.
(5/218)

1524-[شعر في العنكبوت]
وقال الحدّانيّ: [من الطويل]
يزهّدني في ودّ هارون أنه ... غذته بأطباء ملعّنة عكل
كأنّ قفا هارون إذ قام مدبرا ... قفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل
ألا ليت هارونا يسافر جائعا ... وليس على هارون خفّ ولا نعل
وقال مزرّد بن ضرار: [من الطويل]
ولو أنّ شيخا ذا بنين كأنما ... على رأسه من شامل الشّيب قونس [1]
ولم يبق من أضراسه غير واحد ... إذا مسّه يدمى مرارا ويضرس [2]
تبيّت فيه العنكبوت بناتها ... نواشئ حتى شبن أو هنّ عنّس
لظلّ إليها رانيا وكأنه ... إذا كشّ ثور من كريص منمّس [3]
1525-[أجناس العنكبوت ونسيجها]
قال: ومن أجناس العنكبوت جنس رديء التدبير، لأنه ينسج ستره على وجه الأرض، والصخور. ويجعله على ظهر الأرض خارجا، وتكون الأطراف داخلة. فإذا وقع عليه شيء مما يغتذيه من شكل الذّبّان وما أشبه ذلك أخذه.
وأما الدقيق الصّنعة فإنه يصعّد بيته ويمدّ الشّعرة ناحية القرون والأوتاد، ثم يسدّي من الوسط، ثم يهيّئ اللّحمة، ويهيّئ مصيدته في الوسط، فإذا وقع عليها ذباب تحرّك ما هناك ارتبط ونشبت به [4] ، فيتركه على حاله حتى إذا وثق بوهنه وضعفه، غلّه [5] وأدخله إلى خزانته. وإن كان جائعا مصّ من رطوبته ورمى به. فإذا فرغ رمّ ما تشعّث من نسجه.
وأكثر ما يقع على تلك المصيدة من الصّيد عند غيبوبة الشمس.
__________
[1] القونس: مقدم بيضة السلاح.
[2] الضرس: خور يصيب الضرس أو السن عند أكل شيء حامض.
[3] رانيا: من الرنو، وهو إدامة النظر. كشّ: صوّت. الثور: القطعة من الأقط، والأقط: لبن جامد مستحجر. «انظر النهاية 1/228» . الكريص: الأقط المجموع المدقوق. المنمس: الذي فسد وأنتن.
[4] نشبت به: علقت به المصيدة.
[5] غله: قيّده.
(5/219)

وإنما تنسج الأنثى. فأما الذكر فإنه ينقض ويفسد.
وولد العنكبوت أعجب من الفرّوج، الذي يظهر إلى الدنيا كاسبا [1] محتالا مكتفيا.
قال: وولد العنكبوت يقوم على النسج ساعة يولد.
قال: والذي ينسج به لا يخرج من جوفه، بل من خارج جسده.
وقال الحدّانيّ [2] : [من الطويل]
كأن قفا هارون إذ قام مدبرا ... قفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل
فالنحل، والعنكبوت، ودود القزّ، تختلف من جهات ما يقال إنه يخرج منها.
1526-[العنكبوت الذي يسمى الليث]
ومن العناكب جنس يصيد الذّباب صيد الفهود، وهو الذي يسمى: «الليث» وله ستّ عيون. وإذا رأى الذّباب لطئ بالأرض، وسكّن أطرافه. وإذا وثب لم يخطئ [3] . وهو من آفات الذّبّان، ولا يصيد إلا ذبّان الناس.
1527-[قتل الذبّان للأسد]
[4] وذبّان الأسد على حدة، وذبّان الكلاب على حدة، وليس يقوم لها شيء. وهي أشدّ من الزنابير، وأضرّ من العقارب الطيّارة. وفيها من الأعاجيب أنها تعضّ الأسد، كما يعضّ الكلب ذبّان الكلب.
وكذلك ذبّان الكلأ، لما يغشى الكلأ من بعير وغير ذلك. ولها عضّ منكر، ولا يبلغ مبلغ ذبّان الأسد.
فمن أعاجيبها سوى شدة عضّها وسمّها، وأنها مقصورة على الأسد، وأنها متى رأت بأسد دما من جراح أو رمي، ولو في مقدار الخديش الصغير فإنها تستجمع عليه، فلا تقلع عنه حتى تقتله.
__________
[1] كاسبا: يكسب قوته بنفسه.
[2] تقدم البيت في الصفحة السابقة 219.
[3] ورد القول في نهاية الأرب 10/291، وثمار القلوب (570) ، والجملة الأخيرة في الثمار: «فمتى سكن ووثب لم يخطئ» .
[4] الخبر في ربيع الأبرار 5/461.
(5/220)

1528-[قتل الذر للحية]
وهذا شبيه بما يروى ويخبر عن الذَّرّ، فإن الذَّرّ متى رأت بحيّة خدشا لم تقلع عنه حتى تقتله، وحتى تأكله.
1529-[شدة ولوع النمل بالأراك]
ولقد أردت أن أغرس في داري أراكة، فقالوا لي: إن الأراكة إنما تنبت من حبّ الأراك، وفي نباتها عسر، وذلك أن حبّ الأراك يغرس في جوف طين، وفي قواصر [1] ، ويسقى الماء أياما. فإذا نبت الحبّ وظهر نباته فوق الطين، وضعت القوصرة [1] كما هي في جوف الأرض، ولكنها إلى أن تصير في جوف الأرض، فإن الذرّ يطالبها مطالبة شديدة. وإن لم تحفظ منها بالليل والنهار أفسدتها.
فعمدت إلى منارات من صفر [2] من هذه المسارج [3] ، وهي في غاية الملاسة واللّين، فكنت أضع القوصرة على التّرس الذي فوق العمود الأملس، فأجد فيها الذرّ الكثير، فكنت أنقل المنارة من مكان إلى مكان، فما أفلح ذلك الحبّ.
1530-[ضروب العناكب]
قال: والعناكب ضروب: فمنها هذا الذي يقال له الليث، وهو الذي يصيد الذبّان صيد الفهد، وقد ذكرنا في صدر هذا الكلام [4] حذقه ورفقه، وتأتّيه وحيلته.
ومنها أجناس طوال الأرجل، والواحدة منها إذا مشت على جلد الإنسان تبثّر [5] . ويقال إن العنكبوت الطويلة الأرجل، إنما اتخذت بيتا وأعدّت فيه المصايد والحبائل، والخيوط التي تلتفّ على ما يدخل بيتها من أصناف الذّبان وصغار الزنابير- لأنها حين علمت أنها لا بدّ لها من قوت، وعرفت ضعف قوائمها، وأنها تعجز عما يقوى عليه الليث، احتالت بتلك الحيل.
فالعنكبوت، والفأر، والنحل، والذّرّ، والنمل، من الأجناس التي تتقدم في إحكام شأن المعيشة.
__________
[1] القوصرة: وعاء من قصب يرفع فيه التمر.
[2] الصفر: النحاس.
[3] المسرجة: التي فيها الفتيل.
[4] انظر ص 219- 220.
[5] تبثر: ظهرت فيه بثور.
(5/221)

ومنها جنس رديء، مشنوء [1] الصورة، غليظ الأرجل، كثيرا ما يكون في المكان التّرب من الصناديق والقماطر والأسفاط. وقد قيل: إنّ بينه وبين الحيّة، كما بين الخنفساء والعقرب.
وإناث العناكب هي العوامل: تغزل وتنسج. والذّكر أخرق ينقض ولا ينسج.
وإن كان ما قال صاحب المنطق حقّا فما أغرب الأعجوبة في ذلك، وذلك أنه زعم أن العنكبوت تقوى على النَّسج، وعلى التقدم في إحكام شأن المعاش حين تولد.
1531-[الكاسب من أولاد الحيوان]
وقالوا: وأشياء من أولاد الحيوان تكون عالمة بصناعتها، عارفة بما يعيشها ويصلحها، حتى تكون في ذلك كأمهاتها وآبائها، حين تخرج إلى الدنيا، كالفرّوج من ولد الدجاج، والحسل من ولد الضّباب، وفرخ العنكبوت.
وهذه الأجناس، مع الفأر والجرذان، هي التي من بين جميع الخلق تدّخر لنفسها ما تعيش به من الطّعم.
باب في النحل
زعم صاحب المنطق أن خليّة من خلايا النحل فيما سلف من الزمان، اعتلت ومرض ما كان فيها من النحل، وجاء نحل من خليّة أخرى يقاتل هذا النحل حتى أخرجت العسل، وأقبل القيّم على الخلايا يقتل بذلك النحل الذي جاء إلى خليته.
قال: فخرج النحل من الخليّة يقاتل النحل الغريب، والرجل بينها يطرد الغريب، فلم تلسعه نحل الخليّة التي هو حافظها، لدفعه المكروه عنها.
قال: وأجود العسل ما كان لونه لون الذهب.
1532-[تقسيم النحل للأعمال]
قال: والنحل تجتمع فتقسم الأعمال بينها، فبعضها يعمل الشّمع، وبعضها يعمل العسل، وبعضها يبني البيوت، وبعضها يستقي الماء ويصبّه في الثّقب، ويلطخه بالعسل.
__________
[1] المشنوء: المكروه.
(5/222)

ومنه ما يبكّر إلى العمل. ومن النحل ما يكفّه [1] ؛ حتى إذا نهضت واحدة طارت كلها. يقال: «بكر بكور اليعسوب» ، يريد أمير النحل لأنها تتبعه غدوة إلى عملها.
ومنها ما ينقل العسل من أطراف الشجر، ومنها ما ينقل الشّمع الذي تبني به، فلا تزال في عملها حتى إذا كان الليل آبت إلى مآبها.
1533-[استطراد لغوي]
قال: والأري: عمل العسل. يقال: أرت تأري أريا. والأري في غير هذا الموضع: القيء [2] . وقال أبو ذؤيب [3] : [من الطويل]
بأري التي تأري إلى كل مغرب ... إذا اصفرّ ليط الشمس حان انقلابها [4]
ومغارب: جمع مغرب. وكل شيء واراك من شيء فهو مغرب، كما جعله أبو ذؤيب. والأصل مغرب الشمس. وقال أبو ذؤيب [5] : [من الطويل]
فبات بجمع ثمّ تمّ إلى منى ... فأصبح رأدا يبتغي المزج بالسّحل [6]
المزج: العسل. والسّحل: النقد.
1534-[ما له رئيس من الحيوان]
ومن الحيوان ما يكون لكل جماعة منها رأس وأمير، ومنها ما لا يكون ذلك له.
فأما الحيوان الذي لا يجد بدّا ولا مصلحة لشأنه إلا في اتخاذ رئيس ورقيب فمثل ما يصنع الناس، ومثل ما تتخذ النحل والغرانيق، والكراكيّ [7] .
__________
[1] يكفه: يجمعه.
[2] أي ما تجمعه من العسل في أجوافها ثم تلفظه.
[3] البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 48، وديوان الهذليين 1/75، واللسان (ليط) ، والتاج (لوط) .
[4] في ديوان الهذليين: «قوله: إذا اصفر ليط الشمس، أراد لونها. قوله: حان انقلابها، أي في ذلك الوقت إلى موضعها» .
[5] البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 95، وديوان الهذليين 1/41، واللسان (رود، جمع، سحل، تمم) ، والتاج (سحل) ، وديوان الأدب 1/126، وللهذلي في التهذيب 4/307، وبلا نسبة في المخصص 2/115، 12/29.
[6] في ديوان الهذليين: «قوله: بجمع، يعني المزدلفة. وأصبح رأدا: يعني رائدا: طالبا» .
[7] الكراكي: جمع كركي: وهو طائر كبير، ذهب بعض الناس إلى أنه الغرنوق، وهو أغبر طويل الساقين، وهو من الحيوان الذي لا يصلح إلا برئيس. حياة الحيوان 2/244.
(5/223)

فأما الإبل والحمير والبقر، فإن الرياسة لفحل الهجمة [1] ، ولعير العانة [2] ، ولثور الرّبرب [3] . وذكورتها لا تتخذ الرّقباء من الذّكورة.
وقد زعم [4] ناس أن الكراكيّ لا ترى أبدا إلا فرادى فكأن الذي يجمعها الذكر، ولا يجمعها إلا أزواجا.
ولا أدري كيف هذا القول؟! والنحل أيضا تسير بسيرة الإبل والبقر والحمير، لأن الرئيس هو الذي يوردها ويصدرها، وتنهض بنهوضه، وتقع بوقوعه. واليعسوب هو فحلها. فترى كما ترى، سائر الحيوان الذي يتخذ رئيسا إنما هي إناث الأجناس، إلا الناس؛ فإنهم يعلمون أن صلاحهم في اتخاذ أمير وسيّد، ورئيس.
وزعم بعضهم أن رياسة اليعسوب، وفحل الهجمة، والثور، والعير، لأحد أمرين: أحدهما لاقتدار الذّكر على الإناث، والآخر لما في طباع الإناث من حبّ ذكورتها.
ولو لم تتأمّر عليها الفحول لكانت هي لحبّها الفحول تغدو بغدوّها، وتروح برواحها.
قالوا: وكذلك الغرانيق والكراكيّ [5] . فأما ما ذكروا من رؤساء الإبل والبقر والجواميس والحمير، فما أبعدهم في ذلك عن الصواب.
وأما إلحاقهم الغرانيق والكراكي [5] بهذه المنزلة فليس على ما قالوا.
وعلى أنّا لا نجد بدّا من أن يعلم أن ذكورتها أقوى على قسر الإناث وجمعها إليها من الإناث.
وعلى أنه لا بد من أن يكون بعض طاعة الإناث لها من جهة ما في طباعها من حبّ ذكورتها.
__________
[1] الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل، وقيل: هي ما بين الثلاثين والمائة، وقيل: الهجمة أولها الأربعون إلى ما زادت، وقيل: ما بين السبعين إلى المائة.
[2] العانة: جماعة حمر الوحش.
[3] الربرب: القطيع عن بقر الوحش.
[4] انظر هذا الزعم في ربيع الأبرار 5/453.
[5] انظر الحاشية الأخيرة في الصفحة السابقة.
(5/224)

ولو كان اتخاذ الغرانيق والكراكيّ الرؤساء والرّقباء إنما علته المعرفة- لم يكن للغرانيق والكراكيّ في المعرفة فضل على الذّر والنمل، وعلى الذّئب والفيل، وعلى الثعلب والحمام.
أما الغنم فهي أغثر وأموق [1] من أن تجري في باب هذا القول.
وقد تخضع الحيات للحية، والكلاب للكلب، والدّيوك للديك، حتى لا تروّمه [2] ولا تحاول مدافعته.
1535-[هيبة الكلاب]
ولقد خرجت في بعض الأسحار في طلب الحديث، فلما صرت في مرّبعة المحلّة، ثار إليّ عدّة من الكلاب، من ضخامها، ومما يختاره الحرّاس. فبينا أنا في الاحتيال لهنّ وقد غشينني إذ سكتن سكتة واحدة معا، ثم أخذ كل واحد في شقّ كالخائف المستخفي، وسمعت نغمة [3] إنسان، فانتهزت تلك الفرصة من إمساكهنّ عن النّباح، فقلت: إنّ ههنا لعلّة إذ أقبل رجلان ومعها كلب أزبّ [4] ضخم دوسر [5] ، وهو في ساجور [6] ، ولم أر كلبا قط أضخم منه، فقلت: إنهنّ إنما أمسكن عن النّباح وتسترن، من الهيبة له! وهي مع ذلك لا تتخذ رئيسا.
1536-[سادة الحيوان]
وروي عن عبّاد بن صهيب، عن عوف بن أبي جميلة، عن قسامة بن زهير قال:
قال أبو موسى [7] : «إن لكل شيء سادة حتى إن للنمل سادة» . فقال بعضهم: سادة النمل: المتقدّمات.
وهذا تخريج، ولا ندري ما معنى ما قال أبو موسى في هذا.
ولو كان اتخاذ الرئيس من النحل، والكراكيّ، والغرانيق [8] ، والإبل، والحمير،
__________
[1] الغثر والموق: الحمق.
[2] أي تكفيه مؤونة الطلب.
[3] النغمة: الكلام الخفي.
[4] الأزب: الكثير الشعر.
[5] الدوسر: الضخم الشديد.
[6] الساجور: القلادة التي توضع في عنق الكلب.
[7] هو أبو موسى الأشعري كما تقدم قوله في 4/269، الفقرة (953) .
[8] انظر الحاشية الأولى ص 223.
(5/225)

والثيران، لكثرة ما معها من المعرفة- لكانت القرود، والفيلة والذرّ، والثعالب، أولى بذلك. فلا بد من معرفة، ولا بد من طباع وصنعة.
والحمام يزجلن [1] من لؤلؤة [2] ، وهنّ بصريّات وبغداديّات، وهنّ جمّاع من هاهنا وهاهنا، فلا تتخذ رئيسا.
1537-[طعن ناس من الملحدين في آية النّحل]
وقد طعن ناس من الملحدين، وبعض من لا علم له بوجوه اللغة وتوسّع العرب في لغتها، وفهم بعضها عن بعض، بالإشارة والوحي- فقالوا: قد علمنا أن الشمع شيء تنقله النحل، مما يسقط على الشجر، فتبني بيوت العسل منه، ثم تنقل من الأشجار العسل الساقط عليها، كما يسقط التّرنجبين [3] ، والمنّ [4] ، وغير ذلك. إلا أن مواضع الشمع وأبدانه خفيّ. وكذلك العسل أخفى وأقلّ. فليس العسل بقيء ولا رجع [5] ، ولا دخل للنحلة في بطن قطّ.
1538-[رد الجاحظ على الملحدين]
وفي القرآن قول الله عزّ وجلّ: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[6] .
ولو كان إنما ذهب إلى أنه شيء يلتقط من الأشجار، كالصّموغ وما يتولد من طباع الأنداء والأجواء والأشجار إذا تمازجت- لما كان في ذلك عجب إلا بمقدار ما نجده في أمور كثيرة.
__________
[1] يزجلن: يرسلن على بعد.
[2] لؤلؤة: قلعة قرب طرسوس. ولؤلؤة: ماء بسماوة كلب. معجم البلدان 5/26.
[3] الترنجبين: مادة تتجمع فوق بعض النبات شبيهة بالعسل.
[4] المن: قيل هو الترنجبين، وقيل: هو صمغة حلوة تنزل على الشجر. انظر عمدة الحفاظ 4/115 (منن) .
[5] الرجع: النجو والروث.
[6] 68- 69/النحل: 16.
(5/226)

1539-[زعم الجهّال في نبوة النحل]
قلنا: قد زعم ابن حائط وناس من جهّال الصّوفيّة، أن في النحل أنبياء، لقوله عزّ وجلّ: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
. وزعموا أن الحواريّين كانوا أنبياء لقوله عز وجل: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ
[1] .
قلنا: وما خالف إلى أن يكون في النحل أنبياء؟! بل يجب أن تكون النحل كلها أنبياء، لقوله عزّ وجلّ على المخرج العامّ: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
، ولم يخصّ الأمهات والملوك واليعاسيب، بل أطلق القول إطلاقا.
وبعد فإن كنتم مسلمين فليس هذا قول أحد من المسلمين. وإلا تكونوا مسلمين فلم تجعلون الحجة على نبوة النحل كلاما هو عندكم باطل؟!
1540-[قول في المجاز]
وأما قوله عزّ وجلّ: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ
[2] فالعسل ليس بشراب، وإنما هو شيء يحوّل بالماء شرابا، أو بالماء نبيذا. فسماه كما ترى شرابا، إذ كان يجيء منه الشراب.
وقد جاء في كلام العرب أن يقولوا: جاءت السماء اليوم بأمر عظيم.
وقد قال الشاعر [3] : [من الوافر]
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
فزعموا أنهم يرعون السماء، وأنّ السماء تسقط.
ومتى خرج العسل من جهة بطونها وأجوافها فقد خرج في اللغة من بطونها وأجوافها.
ومن حمل اللغة على هذا المركب، لم يفهم عن العرب قليلا ولا كثيرا وهذا
__________
[1] 111/المائدة: 5.
[2] 69/النحل: 16.
[3] البيت لمعود الحكماء (معاوية بن مالك) في المفضليات 359، والأصمعيات 214، وأشعار العامريين 54، والسمط 448، ومعجم الشعراء 310، والحماسة البصرية 1/79، ونسب خطأ إلى جرير في العمدة 1/266، وإلى الفرزدق في التاج (سما) ، وبلا نسبة في المقاييس 3/98، والمخصص 7/195، 16/30، وديوان الأدب 4/47، والأمالي 1/181.
(5/227)

الباب هو مفخر العرب في لغتهم، وبه وبأشباهه اتسعت. وقد خاطب بهذا الكلام أهل تهامة، وهذيلا، وضواحي كنانة. وهؤلاء أصحاب العسل. والأعراب أعرف بكل صمغة سائلة، وعسلة ساقطة، فهل سمعتم بأحد أنكر هذا الباب أو طعن عليه من هذه الحجة؟!
1541-[أحاديث وأقوال في العسل]
حدّث عن سفيان الثَّوريّ، قال حدّثنا أبو طعمة عن بكر بن ماعز، عن ربيع بن خثيم قال: «ليس للمريض عندي دواء إلا العسل» .
وعن هشام بن حسان، عن الحسن أنه كان يعجبه إذا استمشى [1] الرجل أن يشرب اللبن والعسل.
إبراهيم بن أبي يحيى، قال: بلغني عن ابن عباس: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ الشراب أفضل؟ قال: الحلو البارد» [2] .
وسفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال:
«عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل» [3] .
شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: مضى رجل إلى ابن مسعود فقال: إن أخي يشتكي بطنه، وقد نعتت له الخمر. فقال: سبحان الله! ما كان الله ليجعل شفاءه في رجس، وإنما جعل الشفاء في اثنين: في القرآن والعسل.
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المتوكّل الناجيّ، عن أبي سعيد الخدريّ: «أن رجلا أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال إن أخي يشتكي بطنه، فقال عليه السّلام: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. قال: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الرابعة، فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك. اسقه عسلا! فسقاه فبرأ الرجل» [4] .
قال: والذي يدلّ على صحة تأويلنا لقول الله عزّ وجلّ:
__________
[1] استمشى: شرب المشى، وهو الدواء المسهل، وانظر عيون الأخبار 3/206.
[2] انظر عيون الأخبار 3/205.
[3] رواه ابن ماجة، والحاكم في المستدرك. انظر الجامع الصغير 5534.
[4] أخرجه البخاري في الطب برقم 5360، ومسلم في السلام برقم 2217.
(5/228)

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
[1] ، أن تكون المعجونات كلها إنما بالعسل، وكذلك الأنبجات [2] .
1542-[كيفية معرفة العسل الجيد]
وإذا ألقي في العسل اللحم الغريض [3] فاحتاج صاحبه إليه بعد شهر أخرجه طريّا لم يتغير.
وإذا قطرت منه قطرة على وجه الأرض، فإن استدار كما يستدير الزّئبق، ولم يتفشّ، ولم يختلط بالأرض والتراب فهو الصحيح. وأجوده الذهبيّ [4] .
1543-[لذة شراب العسل]
ويزعم أصحاب الشراب أنهم لم يروا شرابا قطّ ألذّ ولا أحسن ولا أجمع لما يريدون، من شراب العسل الذي ينتبذ بمصر. وليس في الأرض تجار شراب ولا غير ذلك أيسر منهم.
وفيه أعجوبة: وذلك أنهم لا يعملونه إلا بماء النّيل أكدر ما يكون. وكلما كان أكدر كان أصفى. وإن عملوه بالصافي فسد.
وقد يلقى العسل على الزّبيب، وعلى عصير الكرم فيجوّدهما.
1544-[التشبيه بالعسل]
وهو المثل في الأمور المرتفعة، فيقولون: ماء كأنه العسل. ويصفون كلّ شيء حلو، فيقولون [5] : كأنه العسل. ويقال: هو معسول اللسان [6] . وقال الشاعر [7] : [من الطويل]
__________
[1] 69/النحل: 16.
[2] «الأنبج: حمل شجر بالهند يربّب بالعسل على خلقة الخوخ محرف الرأس، يجلب إلى العراق في جوفه نواة كنواة الخوخ، فمن ذلك اشتقوا اسم الأنبجات التي تربب بالعسل من الأترج والإهليلج ونحوه، قال أبو حنيفة: شجر الأنبج كثير بأرض العرب، وهو لونان: أحدهما ثمرته في مثل هيئة اللوز لا يزال حلوا من أول نباته، وآخر في هيئة الإجاص يبدو حامضا ثم يحلو إذا أينع» . انظر اللسان (نبج) .
[3] الغريض: الطري. انظر عيون الأخبار 3/206.
[4] انظر عيون الأخبار 3/205.
[5] من الأمثال قولهم: «أحلى من العسل» ، والمثل في مجمع الأمثال 1/229، والمستقصى 1/72.
[6] من الأمثال قولهم: «كلام كالعسل وفعل كالأسل» والمثل في مجمع الأمثال 2/133.
[7] البيت بلا نسبة في البيان 1/195، واللسان والتاج (شحح) .
(5/229)

لسانك معسول ونفسك شحّة ... ودون الثّريّا من صديقك مالكا [1]
1545-[التنويه بالعسل في القرآن]
وقال الله عزّ وجلّ في كتابه، وذكر أنهار الجنة، فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[2] . فاستفتح الكلام بذكر الماء، وختمه بذكر العسل. وذكر الماء واللبن فلم يذكرهما في نعتهما ووصفهما إلا بالسلامة من الأسن والتغيّرو وذكر الخمر والعسل فقال: مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
ومِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
، فكان هذا ضربا من التفضيل، وذكرها [3] في مواضع أخر [4] فنفى عنها عيوب خمر الدنيا. فقال عزّ وجلّ اسمه: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[5] . فكان هذا القول الأول أظهر دليل على التفضيل.
[باب في القراد]
(باب)
1546-[القول في القراد]
يقال: «أسمع من قراد» [6] و «ألزق من قراد» [7] و «ما هو إلا قراد ثفر» [8] . وقال الشاعر [9] : [من الطويل]
__________
[1] الشح: البخل.
[2] 15/محمد: 47.
[3] أي الخمر.
[4] المواضع التي ذكرت فيها الخمر في القرآن هي الآية 47 من الصافات، والآية 23 من الطور، والآيتان 18- 19 من الواقعة، والآيات 5- 17 من الإنسان.
[5] 19/الواقعة: 56.
[6] يقال هذا المثل لأن القراد يسمع أصوات الإبل من مسيرة يوم، والمثل في مجمع الأمثال 1/349، وجمهرة الأمثال 1/531، والمستقصى 1/173، وفصل المقال 492، وأمثال ابن سلام 360.
[7] يقال هذا المثل لأن القراد يعرض لاست الجمل فيلزق بها كما يلزق النمل بالخصى، والمثل في مجمع الأمثال 2/249.
[8] الثفر: مؤخر السرج، وهو يشد تحت ذنب الدابة.
[9] البيت للحصين بن القعقاع في اللسان (سنت، قرد) ، والتاج (سنت، ألس) ، والمجمل 3/94، والتنبيه والإيضاح 1/165، 2/47، وللأعشى في الأساس (قرد) ، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في اللسان (بختر، ألس) ، والتاج (بختر) ، والجمهرة 636، 1214، والمقاييس 3/104، والمخصص 3/84، 8/122، وديوان الأدب 1/332، والتهذيب 12/385، 13/71.
(5/230)

هم السمن بالسنّوت لا ألس فيهم ... وهم يمنعون جارهم أن يقرّدا [1]
السنّوت، عند أهل مكة: العسل. وعند آخرين: الكمّون.
وقال الحطيئة [2] : [من الوافر]
لعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع
قال: وذلك أن الفحل يمنع أن يخطم [3] . فإذا نزعوا من قراداته شيئا لذّ لذلك، وسكن إليه، ولان لصاحبه، فعند ذلك يلقي الخطام في رأسه.
قال: وأخبرني فراس بن خندق، وأبو برزة قال: كان جحدر إذا نزلت رفقة قريبا منه، أخذ شنة [4] فجعل فيها قردانا، ثم نثرها بقرب الإبل فإذا وجدت الإبل مسّها نهضت، وشدّ الشّنّة في ذنب بعض الإبل، فإذا سمعت صوت الشّنّة، وعملت فيها القردان نفرت. ثم كان يثب في ذروة ما ندّ [5] منها، ويقول: ارحم الغارّة [6] الضّعاف! يعني القردان.
قال أبو برزة: ولم تكن همّته تجاوز بعيرا.
1547-[القراد في الهجاء]
قال رشيد بن رميض [7] : [من الوافر]
لنا عزّ ومأوانا قريب ... ومولى لا يدبّ مع القراد
وهجاهم الأعشى فقال [8] : [من الطويل]
__________
[1] الألس: الخيانة.
[2] ديوان الحطيئة 138، واللسان (قرد، ذلل) ، والتاج (ذلل) ، والمعاني الكبير 629، 1112، ومجمع الأمثال 1/27.
[3] يخطم: يوضع على أنفه الخطام.
[4] الشنة: القربة الخلق.
[5] ندّ: شرد.
[6] الغارة: الغافلة.
[7] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (دبب) ، والأمالي 2/126، ومجمع الأمثال 2/396.
[8] ديوان الأعشى 135، والأول في اللسان (طها) ، والجمهرة 929، والأساس 363، وبلا نسبة في الجمهرة 1079، والمقاييس 3/427، والمخصص 7/84، والتهذيب 6/376.
(5/231)

فلسنا لباغي المهملات بقرفة ... إذا ما طما بالليل منتشراتها [1]
أبا مسمع أقصر، فإن قصيدة ... متى تأتكم تلحق بها أخواتها [2]
وهجاهم حضين بن المنذر فقال: [من الوافر]
تنازعني ضبيعة أمر قومي ... وما كانت ضبيعة للأمور
وهل كانت ضبيعة غير عبد ... ضممناه إلى نسب شطير [3]
وأوصاني أبي، فحفظت عنه ... بفكّ الغلّ عن عنق الأسير
وأوصى جحدر فوقى بنيه ... بإرسال القراد على البعير
قال: وفي القردان يقول الآخر- قال: وبعضهم يجعلها في البراغيث؛ وهذا باطل [4] : [من الطويل]
ألا يا عباد الله من لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معدّ يضيرها
فمن أصناف القردان: الحمنان، والحلم، والقرشام، والعلّ، والطّلح.
1548-[شعر ومثل في القرد]
وقال الطّرمّاح [5] : [من الخفيف]
لمّا وردت الطّويّ والحوض كال ... صيّرة دفن الإزاء ملتبده [6]
سافت قليلا على نصائبه ... ثم استمرّت في طامس تخده [7]
__________
[1] المهملات: الإبل المرسلة بغير رعاء. القرفة: التهمة. طما: ارتفع.
[2] أبو سمع: جد المسامعة، وهو شيبان بن شهاب من بني قيس.
[3] الشطير: البعيد والغريب.
[4] تقدم البيتان في ص 207.
[5] ديوان الطرماح 209- 210 (145- 146) .
[6] في ديوانه: «الطوي: البئر المطوية بالحجارة، وطيها: بناؤها. الصيرة: حظيرة من حجارة تتخذ للغنم والبقر. ودفن الإزاء: أي مندفن الإزاء، وهو مصب الماء في الحوض، والملتبد: المتلبد، أي تلبد فيه التراب بعضه على بعض» .
[7] في ديوانه: «سافت: شمّت. ونصائبه: ما نصب حول الحوض من الحجارة، وجعل كالحائط له.
واستمرت: أي مرت في سيرها لم تشرب. والطامس: الطريق الذي انطمست آثاره. وتخذه: أي تخذ فيه، من الوخد، وهو ضرب من السير سريع» .
(5/232)

وقد لوى أنفه بمشفرها ... طلح قراشيم شاحب جسده [1]
علّ طويل الطّوى كبالية السّف ... ع متى يلق العلوّ يصطعده [2]
وفي لزوق القراد يقول الراعي [3] : [من الكامل]
نبتت مرافقهنّ فوق مزلّة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا
والعرب تقول: «ألزق من البرام!» [4] ، كما تقول: «ألزق من القراد!» [5] . وهما واحد.
1549-[شعر لأمية في الأرض والسماء]
وذكر أمية بن أبي الصّلت، خلق السماء، وإنه ذكر من ملاستها أن القراد لا يعلق بها، فقال [6] : [من الكامل]
والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها معاقلنا وفيها نولد
فيها تلاميذ على قذفاتها ... حبسوا قياما فالفرائص ترعد [7]
فبني الإله عليهم مخصوفة ... خلقاء لا تبلى ولا تتأوّد [8]
__________
[1] في ديوانه: «الطلح: القراد المهزول. والقراشيم: جمع قرشوم، وهو القراد العظيم، وقيل: هي شجرة تأوي إليها القردان» .
[2] في ديوانه: «العل: القراد الكبير المهزول. والطوى: الجوع. والسفع: السود، ويريد حب الحنظل هاهنا، وهو إذا بلي اسودّ. يصطعد: أي يصعد في بدن البعير.
[3] ديوان الراعي النميري 241، وشرح أبيات سيبويه 2/332، وشرح اختيارات المفضل 250، 983، والكتاب 4/89، واللسان حبس، زلل) ، والتاج (زلل) ، والمخصص 9/55، 16/122.
[4] مجمع الأمثال 2/249، والدرة الفاخرة 2/369، 370، وجمهرة الأمثال 2/180، 217، والمستقصى 1/323.
[5] مجمع الأمثال 2/249.
[6] ديوان أمية بن أبي الصلت 356- 357، والأول في المخصص 13/180، وبلا نسبة في المذكر والمؤنث 187، والثاني في كتاب العين 7/112، وبلا نسبة في المخصص 6/151، والثالث في المعاني الكبير 633.
[7] في ديوانه: «التلاميذ: الخدم والأتباع، ولعله أراد بهم النساك لأنهم يأوون إلى الجبال. والقذفات:
كل ما أشرف من رؤوس الجبال. الفرائص: مفردها فريصة، وهي اللحمة بين الجنب والكتف ترعد عند الفزع. وترعد: ترتجف» .
[8] في ديوانه: «المخصوفة: المؤلفة من عدة أطباق، وأراد: «سماء مخصوفة» فحذف الموصوف.
والخلقاء: الملساء. وتتأود: تتثنى وتتجعد» .
(5/233)

فلو أنّه تحدو البرام بمتنها ... زلّ البرام عن التي لا تقرّد [1]
1550-[استطراد لغوي]
قال: القراد أول ما يكون- وهو الذي لا يكاد يرى من صغر- قمقامة، ثم يصير حمنانة، ثم يصير قرادا، ثم يصير حلمة.
قال: ويقال للقراد: العلّ، والطّلح، والقتين، والبرام، والقرشام.
قال: والقمّل واحدتها قمّلة، وهي من جنس القردان، وهي أصغر منها.
1551-[تخلق القراد والقمل]
قال: والقردان يتخلّق من عرق البعير، ومن الوسخ والتلطّخ بالثّلوط [2] والأبوال، كما يتخلّق من جلد الكلب، وكما يتخلق القمل من عرق الإنسان ووسخه، إذا انطبق عليه ثوب أو شعر أو ريش.
والحلم يعرض لأذني الكلب أكثر ذلك.
1552-[أمثال وأشعار وأخبار في القراد]
قال: ويقال «أقطف من حلمة» [3] ، و «ألزق من برام» [4] ، و «أذلّ من قراد» [5] .
وقال الشاعر [6] : [من الطويل]
يكاد خليلي من تقارب شخصه ... يعضّ القراد باسته وهو قائم
وقال أبو حنش لقيس بن زهير: «والله لأنت بها أذلّ من قراد!» [5] ، فقدّمه وضرب عنقه.
__________
[1] في ديوانه: «تحدو: تسوق. شبه البرام بالإبل، والبرام: القراد، وهو للبعير كالقمل للإنسان. ومتن الشيء: ما ظهر منه، والمعنى أنها ملساء الأديم، فلو مشى عليها القراد لزلّ وسقط» .
[2] الثلوط: جمع ثلط، وهو الرقيق من الرجع والسلح.
[3] القطف: تقارب الخطو وبطؤه، والمثل في مجمع الأمثال 2/129، وجمهرة الأمثال 2/115، والمستقصى 1/285، والدرة الفاخرة 2/351.
[4] مجمع الأمثال 2/249.
[5] المستقصى 1/34، ومجمع الأمثال 1/283، وجمهرة الأمثال 1/468، 458، الدرة الفاخرة 1/203.
[6] البيت في الأغاني 9/11، و 15/333، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1622، ومحاضرات الأدباء 2/129 (3/285) .
(5/234)

وقال الراجز [1] : [من الرجز]
قردانه في العطن الحوليّ ... بيض كحبّ الحنظل المقليّ [2]
من الخلاء ومن الخويّ [3]
ويقال لحلمة الثّدي: القراد. وقال عديّ بن الرّقاع [4] : [من الطويل]
كأن قرادي صدره طبعتهما ... بطين من الجولان كتّاب أعجم
والقراد يعرض لاست الجمل، والنمل يعرض للخصى. وقال الشاعر [5] : [من المتقارب]
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل
وقال الممزّق [6] : [من الطويل]
تناخ طليحا ما تراع من الشّذا ... ولو ظلّ في أوصالها العلّ يرتقي [7]
ويروى: «فباتت ثلاثا لا تراع» . يصف شدة جزعها من القردان.
وقال بشار بن برد: [من الوافر]
أعادي الهمّ منفردا بشوق ... على كبدي كما لزق القراد
وكانوا إذا خافوا الجدب والأزمة تقدموا في عمل العلهز. والعلهز: قردان يعالج
__________
[1] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (صيص) .
[2] العطن: مبرك الإبل. الحولى: الذي أتى عليه الحول.
[3] الخوي: الخلاء.
[4] البيت لعدي بن الرقاع في ديوانه 98، والتنبيه والإيضاح 2/47، وله أو لملحة الجرمي في اللسان والتاج (قرد) ، ولابن ميادة في ديوانه 255، وأساس البلاغة (قرد) ، والجمهرة 566، ولهم جميعا في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1749، ولملحة الجرمي في اللسان (بندك، عجم) ، وبلا نسبة في المخصص 2/22، 148.
[5] لم يرد البيت في ديوان الأخطل، وهو له في الخزانة 1/460، والسمط 854، والعقد الفريد 3/360، ولكعب بن جعيل في الخزانة 1/460، ولعتبة بن الوعل في المؤتلف والمختلف 84، وبلا نسبة في الاشتقاق 336، والكتاب 1/417، وشرح أبيات سيبويه 1/378، والمقتضب 4/350.
[6] البيت للممزق العبدي في الأصمعيات 165، وبلا نسبة في الجمهرة 157.
[7] الطليح: المعيية الحسرة. الشذا: ذباب أزرق عظيم يقع على الدواب. الأوصال: المفاصل والأعضاء. العل: القراد الضخم أو المهزول.
(5/235)

بدم الفصد مع شيء من وبر. فيدّخرون ذلك كما يدّخر من خاف الحصار الأكارع [1] والجاورس [2] .
والشّعوبيّة تهجو العرب بأكل العلهز، والفثّ [3] ، والدّعاع [4] ، والهبيد [5] ، والمغافير [6] ، وأشباه ذلك. وقال حسان بن ثابت [7] : [من الخفيف]
لم يعلّلن بالمغافير والصّم ... غ ولا شري حنظل الخطبان
وقال الطّرمّاح [8] : [من الخفيف]
لم تأكل الفثّ والدعاع ولم ... تنقف هبيدا يجنيه مهتبده
وقال الأصمعيّ: قال رجل من أهل المدينة لرجل: أيسرّك أن تعيش حتى تجيء حلمة [9] من إفريقية مشيا؟ قال: فأنت يسرّك ذلك؟ قال: أخاف أن يقول إنسان: إنها بمخيض، فيغشى عليّ! ومخيض على رأس بريد من المدينة.
ويقولون: أمّ القراد، للواحدة الكبيرة منها. ويتسمّون بقراد، ويكتنون بأبي قراد. وقد ذكر ذلك أبو النجم فقال [10] : [من الرجز]
للأرض من أمّ القراد الأطحل [11]
وفي العرب بنو قراد.
__________
[1] الأكارع: مفردها كراع، وهو مستدق الساق.
[2] الجاورس: حب الدّخن، وهو الذرة الدقيقة.
[3] الفث: حب يشبه الجاورس، يطحن ويختبز منه.
[4] الدعاع: خبز أسود يأكله الفقراء في الجدب.
[5] الهبيد: حب الحنظل، كانوا ينقعونه لتذهب مرارته.
[6] المغافير: صمغ العرفط والرمث، حلو يؤكل.
[7] ديوان حسان بن ثابت 475، والأزمنة والأمكنة 2/303.
[8] ديوان الطرماح 206 (143) ، واللسان والتاج (فثث) ، والتهذيب 15/67، والأزمنة والأمكنة 2/303.
[9] حلمة: جمع الحلم، وهي القرادة الصغيرة.
[10] ديوان أبي النجم 201، والمقاييس 1/24، والطرائف الأدبية 67.
[11] الطحلة: لون بين الغبرة والبياض بسواد قليل كلون الرماد.
(5/236)

باب في الحبارى
ونقول في الحبارى بقول موجز، إن شاء الله تعالى.
قال ابن الأعرابي: قال أعرابيّ [1] «إنه ليقتل الحبارى هزلا ظلم الناس بعضهم لبعض!» . قال يقول: إذا كثرت الخطايا منع الله عزّ وجلّ درّ السّحاب. وإنما تصيب الطير من الحبّ ومن الثمر على قدر المطر.
وقال الشاعر [2] : [من الخفيف]
يسقط الطير حيث ينتثر الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
وهذا مثل قوله [3] : [من الرجز]
أما رأيت الألسن السّلاطا ... والأذرع الواسعة السّباطا [4]
إن الندى حيث ترى الضّغاطا [5]
1553-[شعر وأمثال في الحبارى]
وقالوا في المثل: «مات فلان كمد الحبارى» [6] : وقال أبو الأسود الدؤلي [7] :
[من الوافر]
وزيد ميّت كمد الحبارى ... إذا ظعنت هنيدة أو تلمّ
__________
[1] الخبر في البيان 3/161.
[2] البيت لبشار في عيون الأخبار 1/91، 3/26، والأغاني 3/194، وبلا نسبة في البيان 1/178، ومجالس ثعلب 48.
[3] الرجز للتميمي في البيان 1/177، وبلا نسبة في الجمهرة 902، والبيت الثالث لرؤبة في ديوانه 177، وعيون الأخبار 1/91، والتاج (ضغط) ، والبخلاء 241 وفي حاشيته أنه لرؤبة أو لأبي نخيلة في الكامل 1/118.
[4] السليط: الفصيح. السبط: الممتد السوي.
[5] الندى: الكرم. الضغاط: الزحام.
[6] مجمع الأمثال 2/271.
[7] ديوان أبي الأسود الدؤلي 188، واللسان والتاج (حبر) ، والتهذيب 5/36، وثمار القلوب (705) ، وبلا نسبة في الجمهرة 168، وصدر البيت بلا نسبة في محاضرات الأدباء 2/105 (4/662) .
(5/237)

ويروى: «ملمّ» وهو اسم امرأة.
وذلك أن الطير تتحسّر [1] وتتحسّر معها الحبارى. والحبارى إذا نتفت أو تحسّرت أبطأ نبات ريشها، فإذا طار صويحباتها ماتت كمدا [2] .
وأما قوله: «أو تلمّ» يقول: أو تقارب أن تظعن [3] .
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «كلّ شيء يحبّ ولده حتى الحبارى!» [4] . يضرب بها المثل في الموق [5] .
1554-[سلاح الحبارى في سلاحها]
قال [6] : وللحبارى خزانة بين دبره وأمعائه، له فيها أبدا سلح رقيق لزج، فمتى ألحّ عليها الصقر- وقد علمت أن سلاحها [7] من أجود سلاحها، وأنها إذا ذرقته بقي كالمكتوف، أو المدبّق [8] المقيّد فعند ذلك تجتمع الحباريات على الصقر فينتفن ريشه كلّه طاقة طاقة [9] وفي ذلك هلاك الصقر.
1555-[سلاح بعض الحيوان]
قال: وإنما الحبارى في سلاحها كالظّرابيّ في فسائها، وكالثعلب في سلاحه [7] ، وكالعقرب في إبرتها، والزنبور في شعرته، والثور في قرنه، والدّيك في صيصيته [10] ، والأفعى في نابها، والعقاب في كفّها، والتمساح في ذنبه.
وكلّ شيء معه سلاح فهو أعلم بمكانه. وإذا عدم السّلاح كان أبصر بوجوه
__________
[1] تتحسر: تخرج من الريش العتيق إلى الحديث.
[2] ورد هذا القول في ثمار القلوب (705) .
[3] تظعن: ترحل.
[4] ورد قول عثمان في النهاية 1/328، وهو من الأمثال في مجمع الأمثال 2/146، والمستقصى 2/227.
[5] الموق: الحمق.
[6] الخبر في نهاية الأرب 10/215، وانظر ربيع الأبرار 5/448، وما تقدم في 1/162.
[7] السّلاح: النجو.
[8] المدبق: الذي ألزق بالدبق، والدبق: حمل شجر في جوفه كالغراء يلزق بجناح الطائر فيصاد به.
[9] الطاقة: شعبة من ريحان، أو قوة من الخيط.
[10] الصيصة: الشوكة التي في رجل الديك.
(5/238)

الهرب؛ كالأرنب في إيثارها للصّعداء، لقصر يديها، وكاستعمال الأرانب للتوبير [1] والوطء على الزّمعات [2] ، واتخاذ اليرابيع. القاصعاء والنّافقاء، والدّامّاء، والراهطاء [3] .
1556-[شعر في الحبارى]
وقال الشاعر [4] : [من الوافر]
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا وأشرد من نعام
يريد: نعامة. وقال قيس بن زهير: [من الطويل]
متى تتحزّم بالمناطق ظالما ... لتجري إلى شأو بعيد وتسبح
تكن كالحبارى إن أصيبت فمثلها ... أصيب وإن تفلت من الصّقر تسلح
وقال ابن أبي فنن، يصف ناسا من الكتّاب، في قصيدة له ذكر فيها خيانتهم، فقال [5] : [من الوافر]
رأوا مال الإمام لهم حلالا ... وقالوا الدّين دين بني صهارى
ولو كانوا يحاسبهم أمين ... لقد سلحوا كما سلح الحبارى
1557-[الخرب والنهار]
والخرب: ذكر الحبارى. والنهار: فرخ الحبارى. وفرخها حارض [6] ساقط لا خير فيه. وقال متمّم بن نويرة [7] : [من الطويل]
وضيف إذا أرغى طروقا بعيره ... وعان ثوى في القدّ حتى تكنّعا [8]
__________
[1] التوبير: الوطء على مآخير كفها، وانظر ما تقدم في الفقرة 1416 ص 150.
[2] الزمعة: الشعرة المدلاة في مؤخر رجل الأرنب.
[3] انظر ما تقدم ص 149- 150.
[4] البيت لأوس بن غلفاء في الأصمعيات 233، والمفضليات 388، واللسان (لفف، لقم) ، والكامل 1/286 (المعارف) ، ولدجاجة بن عتر في الجمهرة 886، وبلا نسبة في التاج (حبر) .
[5] ديوان أحمد بن أبي فنن 163 «ضمن: شعراء عباسيون» .
[6] الحارض: الضعيف البنية.
[7] ديوان متمم بن نويرة 109- 110، وشرح اختيارات المفضل 1173- 1174، والأول في اللسان والتاج (كنع) ، والتهذيب 1/319، والكامل 1058 (الدالي) ، والثاني في اللسان والتاج (حثل) ، والمقاييس 2/137، وبلا نسبة في المخصص 1/29.
[8] طروقا: ليلا. العاني: الأسير. ثوى: أقام. القدم: السير من الجلد، وأراد به القيد. تكنع: تقبض.
(5/239)

وأرملة تمشي بأشعث محثل ... كفرخ الحبارى رأسه قد تصوّعا [1]
وقال أعرابيّ [2] : [من الرجز]
أحبّ أن أصطاد ضبّا سحبلا ... وخربا يرعى ربيعا، أرملا [3]
فجعل الخرب أرمل، لأن ريشه يكون أكثر. وقد ذكرنا ما في هذا الباب فيما قد سلف من كتابنا [4] .
1558-[خبر فيه ذكر الحبارى]
وقال أبو الحسن المدائنيّ: قال سعيد النّواء: قدمت المدينة فلقيت عليّ بن الحسين، فقلت: يا ابن رسول الله، متى يبعث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟
قال: إذا بعث الناس.
قال: ثم تذاكرنا أيام الجمل فقال: ليته كان ممنوعا قبل ذلك بعشرين سنة- أو كلمة غير هذه- قال: فأتيت حسن بن حسن. فذكرت له ما قال، فقال: لوددت والله أنه كان يقاتلهم إلى اليوم! قال: فخرجت من فوري ذلك إلى عليّ بن الحسين، فأخبرته بما قال، فقال: إنه لقليل الإبقاء على أبيه.
قال: وبلغ الخبر المختار فقال: أيضرّب [5] بين ابني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ لأقتلنّه! فتواريت ما شاء الله، ثم لم أشعر إلا وأنا بين يديه، فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك! قال فقلت: أنت استمكنت مني؟ أما والله لولا رؤيا رأيتها لما قدرت عليّ! قال: وما رأيت؟ فقلت: رأيت عثمان بن عفان. فقالت: أنت عثمان بن عفان؟ فقال: أنا حبارى، تركت أصحابي حيارى، لا يهود ولا نصارى! فقال: يا أهل الكوفة انظروا إلى ما أرى الله عدوّكم! ثم خلّى سبيلي. [وقد روي هذا الكلام عن شتير بن شكل، أنه رأى معاوية في النوم فقال الكلام الذي روي عن عثمان.
__________
[1] الأشعث: المتلبد الشعر، وأراد ولدها. المحثل: الذي أسيء غذاؤه. تصوع: تقبض وتشقق.
[2] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (رمل، سحبل) ، والتهذيب 15/205.
[3] السحبل: الضخم. أرمل: من الرّملة، وأصلها الخط الأسود في الثور، وعنى به هنا طرائق الريش.
[4] لعل الموضع الذي يشير إليه الجاحظ قد سقط من الكتاب، إذ لم أهتد إليه.
[5] يضرب: يحرض.
(5/240)

ووجه كلام عليّ بن الحسين الذي رواه عنه سعيد النواء، إن كان صادقا فإنه للذي كان يسمع من الغالية [1] ، من الإفراط والغلوّ والفحش.
فكأنه إنما أراد كسرهم، وأن يحطّهم عن الغلوّ إلى القصد [2] ؛ فإن دين الله عزّ وجلّ بين التقصير والغلوّ، وإلا فعليّ بن الحسين أفقه في الدين، وأعلم بمواضع الإمامة، من أن يخفى عليه فضل [3] ما بين عليّ وبين طلحة والزّبير.
1559-[شعر ومعرفة في الحبارى]
وقال الكميت [4] : [من الطويل]
وعيد الحبارى من بعيد تنفّشت ... لأزرق مغلول الأظافير بالخضب [5]
والحبارى طائر حسن. وقد يتّخذ في الدور.
وناس كثير من العرب وقريش يستطيبون محسيّ الحبارى جدّا.
قال: والحبارى من أشد الطير طيرانا، وأبعدها مسقطا وأطولها شوطا، وأقلّها عرجة [6] . وذلك أنها تصطاد بظهر البصرة عندنا، فيشقّق عن حواصلها. فيوجد فيه الحبّة الخضراء غضّة، لم تتغير ولم تفسد.
وأشجار البطم [7] وهي الحبّة الخضراء بعيدة المنابت منّا وهي علوية أو ثغريّة [8] ، أو جبليّة. فقال الشاعر [9] : [من المنسرح]
ترتعي الضّرو من براقش أو هيلا ... ن أو يانعا من العتم
__________
[1] الغالية: الذين يغالون ويبالغون في شأن علي بن أبي طالب.
[2] القصد: الاعتدال.
[3] الفضل: الزيادة.
[4] ديوان الكميت 1/127، والمقاييس 2/128.
[5] الأزرق: البازي أو العقاب. المغلول: غل شعره بالطيب أدخله فيه. الخضب: عنى به دماء ما يقتنص من الحيوان.
[6] العرجة: أن تعرج على المنزل وتحتبس.
[7] البطم: شجر في حجم الفستق والبلوط، سبط الأوراق والحطب، يكثر بالجبال، وحبه مفرطح في عناقيد كالفلفل، وعليه قشر أخضر داخله آخر خشبي يحوي اللب كالفستق.
[8] علوية: نسبة إلى عالية نجد، والثغرية نسبة إلى أحد ثغور الشام.
[9] البيت للنابغة الجعدي في ديوانه 151، واللسان والتاج (برقش، هيل، عتم، ضرا) ، والمجمل 4/461، والمقاييس 4/225، وكتاب الجيم 2/298، ومعجم البلدان (براقش، هيلان) ، والأمالي 1/173، والسمط 431.
(5/241)

شجر الزيتون. والضّر وشجر البطم، وهي الحبّة الخضراء بالجبال شجرتها.
وقال الكودن العجليّ، ويروى العكلي: «البطم لا يعرفه أهل الجلس» ، وبلاد نجد هي الجلس، وهو ما ارتفع. والغور هو ما انخفض.
وبراقش: واد باليمن، كان لقوم عاد. وبراقش: كلبة كانت تتشاءم بها العرب [1] . وقال حمزة بن بيض [2] : [من الخفيف]
بل جناها أخ عليّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجني
[باب في الضأن والمعز]
(القول في الضأن والمعز) قال صاحب الضّأن: قال الله تبارك وتعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
[3] ، فقدّم ذكر الضأن.
وقال عزّ وجلّ: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
[4] . وقد أجمعوا على أنه كبش. ولا شيء أعظم مما عظّم الله عزّ وجلّ، ومن شيء فدي به نبيّ.
وقال تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
[5] ولم يقل إنّ هذا أخي له تسع وتسعون عنزا ولي عنز واحدة؛ لأن الناس يقولون: كيف النعجة؟ يريدون الزوجة.
وتسمي المها من بقر الوحش نعاجا ولم تسمّ بعنوز. وجعله [6] الله عزّ وجلّ السّنّة في الأضاحي. والكبش للعقيقة [7] وهدية العرس وجعل الجذع [8] من
__________
[1] إشارة إلى المثل «على أهلها تجني براقش» ، والمثل في مجمع الأمثال 2/14، وهو برواية «دلت» في جمهرة الأمثال 2/52، والمستقصى 2/165، وفصل المقال 459، وأمثال ابن سلام 333.
[2] البيت لحمزة بن البيض في مجمع الأمثال 2/14، والمستقصى 2/165، والرسالة الموضحة 77، والبيان 1/269، وثمار القلوب (585) ، ورسائل الجاحظ 1/297، واللسان والتاج (برقش) ، والتنبيه والإيضاح 2/313.
[3] 143/الأنعام: 6.
[4] 107/الصافات: 37.
[5] 33/ص: 38.
[6] أي الضأن.
[7] العقيقة: ما يذبح يوم حلق الشعر الذي يولد به الطفل.
[8] الجذع: أصلها الصغير السن، والجذع يختلف في أسنان الإبل والخيل والبقر والشاء، وقال ابن الأعرابي: في الجذع من الضأن: إن كان ابن شابين أجذع لستة أشهر إلى سبعة أشهر، وإن كان-
(5/242)

الضأن كالثّنيّ [1] من المعز في الأضحية.
وهذا ما فضّل الله به الضأن في الكتاب والسّنّة.
1560-[فضل الضأن على المعز]
تولّد الضأن مرة في السّنة، وتفرد ولا تتئم. والماعزة قد تولّد مرتين، وقد تضع الثلاث وأكثر وأقلّ.
والبركة والنّماء والعدد في الضأن، والخنزيرة كثيرة الخنانيص. يقال إنها تلد عشرين خنّوصا. ولا نماء فيها [2] .
قال: وفضل الضأن على المعز أن الصوف أغلى وأثمن وأكثر قدرا من الشعر.
والمثل السائر: «إنما فلان كبش من الكباش» . وإذا هجوه قالوا: «إنما هو تيس من التيوس» إذا أرادوا النتن أيضا. فإذا أرادوا الغاية في الغباوة قالوا [3] : «ما هو إلا تيس في سفينة!» .
والحملان يلعب بها الصبيان، والجداء لا يلعب بها. ولبن الضأن أطيب وأخثر [4] وأدسم، وزبده أكثر. ورؤوس الضأن المشويّة هي الطيبة المفضلة، ورؤوس المعز ليس عندها طائل.
ويقال رؤوس الحملان، ولا يقال رؤوس العرضان [5] .
ويقال للّوطيّ الذي يلعب بالحدّر [6] من أولاد الناس: «هو يأكل رؤوس
__________
- ابن هرمين أجذع لثمانية أشهر إلى عشرة أشهر، وقيل الجذع من الضأن لثمانية أشهر أو تسعة «اللسان: جذع» .
[1] الثني من المعز: ما كان في السنة الثالثة «اللسا: جذع» .
[2] وردت الفقرة في ربيع الأبرار 5/410، والعقد الفريد 4/257، وعيون الأخبار 2/74.
[3] هذا المثل استخدمه أبو الشمقمق في هجائه بشار بن برد وهو قوله:
«هللينه هللينه ... طعن قثّاة سفينه»
«إنّ بشار بن برد ... تس أعمى في سفينه»
انظر البيتين في الأغاني 3/195، 247، ونكت الهميان 126.
[4] الخثورة: نقيض الرقة.
[5] العرضان: جمع العريض، وهو الجدي الذي أتى عليه نحو سنة.
[6] الحدّر: جمع حادر، وهو الغلام الجميل والسمين.
(5/243)

الحملان» ؛ لمكان ألية الحمل، ولأنه أخدل [1] وأرطب. ولم يقولوا في الكناية والتعريض: هو يأكل رؤوس العرضان.
والشّواء المنعوت شواء الضأن، وشحمه يصير كلّه إهالة [2] أوّله وآخره. والمعز يبقى شحمه على حاله، وكذلك لحمه. ولذلك صار الخبّازون الحذّاق قد تركوا الضأن؛ لأن المعز يبقى شحمه ولحمه، فيصلح لأن يسخّن مرات، فيكون أربح لأصحاب العرس.
والكباش للهدايا وللنطاح [3] . فتلك فضيلة في النجدة وفي الثقافة، ومن الملوك من يراهن عليها، ويضع السّبق عليها، كما يراهن على الخيل.
والكبش الكراز [4] يحمل الراعي وأداة الراعي. وهو له كالحمار في الوقير [5] .
ويعيش الكرّاز عشرين سنة.
وإذا شبق الراعي واغتلم اختار النعجة على العنز. وإذا نعتوا شكلا من أشكال مشي البراذين [6] الفرّه [7] قالوا: هو يمشي مشي النّعاج.
وقال الله عزّ وجلّ: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها
[8] فقدّم الصّوف.
والبخت [9] هي ضأن الإبل، منها الجمّازات [10] . والجواميس هي ضأن البقر.
يقال للجاموس الفارسية: «كاوماش» .
ولا يذكر الماعز بفضيلة إلا ارتفاع ثمن جلده، وغزارة لبنه. فإذا صرت إلى عدد كثرة النّعاج وجلود النعاج والضأن كلّها أربى ذلك على ما يفضل به الماعز الضأن في ثمن الجلد، والغزر في اللبن.
__________
[1] أخدل: ممتلئ.
[2] الإهالة: ما أذيب من الألية والشحم.
[3] إشارة إلى التقامر بنطاحها.
[4] الكرز: الخرج الكبير يضع فيه الراعي زاده، والكراز: الذي يضع عليه الراعي كرزه فيحمله.
[5] الوقير: الغنم بكلبها وحمارها وراعيها.
[6] البرذون: هو من الخيل ما كان من غير نتاج العراب.
[7] الفرّه: جمع فاره، وهو النشيط القوي.
[8] 80/النحل: 16.
[9] البخت: الإبل الخراسانية التي تنتج من عربية وفالج، والفالج البعير ذو السنامين.
[10] الجمز: السرعة في العدو.
(5/244)

1561-[قول ابنة الخس ودغفل في المعز]
وقيل لابنة الخسّ: ما تقولين في مائة من الماعز؟ قالت: قنى! قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غنى. قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: منى! [1] وسئل دغفل بن حنظلة عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام [2] .
1562-[بعض الأمثال في ذمّ العنز]
وتقول العرب: «لهو أصرد من عنز جرباء!» [3] وتقول العرب: «العنز تبهي ولا تبني» [4] لأن العنز تصعد على ظهور الأخبية فتقطعها بأظلافها، والنعجة لا تفعل ذلك.
هذا. وبيوت الأعراب إنما تعمل من الصوف والوبر، فليس للماعز فيها معونة، وهي تخرّقها. وقال الأول [5] : [من مجزوء البسيط]
لو نزل الغيث لأبنين امرأ ... كانت له قبّة، سحق بجاد [6]
أبناه: إذا جعل له بناء. وأبنية العرب: خيامهم؛ ولذلك يقولون: بنى فلان على امرأته البارحة.
1563-[ضرر لحم الماعز]
وقال لي شمؤون الطبيب: يا أبا عثمان، إياك ولحم الماعز؛ فإنه يورث الهمّ، ويحرّك السّوداء، ويورث النّسيان، ويفسد الدم وهو والله يخبّل الأولاد! [7] .
__________
[1] الخبر في ربيع الأبرار 5/408، وعيون الأخبار 2/73، والمزهر 2/545، والعقد الفريد 4/257.
[2] الخبر في البيان 1/121.
[3] مجمع الأمثال 1/413، وجمهرة الأمثال 1/585، والمستقصى 1/207، وأمثال ابن سلام 367.
[4] مجمع الأمثال 2/269، وجمهرة الأمثال 2/240، والمستقصى 1/348، وفصل المقال 192، وأمثال ابن سلام 129، والمثل يضرب لمن يفسد ولا يصلح.
[5] البيت لأبي مارد الشيباني في التاج (بني) ، وبلا نسبة في اللسان (خضض، بني) ، والمخصص 5/122، والتهذيب 15/493، والأساس (بني) ، والخصائص 1/36.
[6] القبة: البيت من الأدم. السحق: الخلق. البجاد: كساء مخطط.
[7] ورد هذا القول دون ذكر اسم الطبيب في عيون الأخبار 2/74.
(5/245)

وقال الكلابيّ: «العنوق بعد النّوق» [1] ، ولم يقل: الحمل بعد الجمل.
وقال عمرو بن العاص للشيخ الجهنيّ المعترض عليه في شأن الحكمين: وما أنت والكلام يا تيس جهينة؟! ولم يقل يا كبش جهينة؛ لأن الكبش مدح والتّيس ذمّ.
وأما قوله: «إن الظّلف لا يرى مع الخفّ» فالبقر والجواميس والضأن والمعز في ذلك سواء.
قال: وأتي عبد الملك بن مروان في دخوله الكوفة على موائد بالجداء، فقال:
فأين أنتم عن العماريس [2] ؟ فقيل له: عماريس الشّام أطيب!.
وفي المثل: «لهو أذلّ من النقد» [3] . النقد هو المعز. وقال الكذّاب الحرمازيّ [4] :
[من الرجز]
لو كنتم قولا لكنتم فندا ... أو كنتم ماء لكنتم زبدا
أو كنتم شاء لكنتم نقدا ... أو كنتم عودا لكنتم عقدا
1564-[اشتقاق الأسماء من الكبش]
قال: والمرأة تسمى كبشة، وكبيشة. والرجل يكنى أبا كبشة، وقال أبو قردودة [5] : [من المتقارب]
كبيشة إذ حاولت أن تب ... ين يستبق الدّمع مني استباقا
وقامت تريك غداة الفراق ... كشحا لطيفا وفخذا وساقا [6]
__________
[1] نسب هذا المثل إلى العلاء الكلابي في البيان 1/285، وفيه أنه ولي عملا خسيسا بعد أن كان على عمل جسيم، وانظر المثل في مجمع الأمثال 2/12. العنوق: جمع عناق؛ وهي الأنثى من ولد المعزى إذا أتت عليها سنة، والنوق: جمع ناقة.
[2] العماريس: جمع عمروس؛ وهو الخروف أو الجدي إذا بلغا العدو. وفي النهاية 3/299: «في حديث عبد الملك بن مروان: أين أنت من عمروس راضع» .
[3] مجمع الأمثال 1/284، والمستقصى 1/131، والدرة الفاخرة 2/446، وجمهرة الأمثال 1/458، 469، والأمثال لمجهول 9.
[4] الرجز بلا نسبة في مظان المثل، وهو للعين المنقري في الأزمنة والأمكنة 2/277، وتقدم في 3/233.
[5] الأبيات لأبي قردودة في قصائد جاهلية نادرة 169، والبيت الثالث بلا نسبة في اللسان والتاج (خلق) .
[6] الكشح: الخصر اللطيف.
(5/246)

ومنسدلا كمثاني الحبا ... ل توسعه زنبقا أو خلاقا [1]
وأول هذه القصيدة:
كبيشة عرسي تريد الطّلاقا ... وتسألني بعد وهن فراقا
1565-[قول القصاص في تفضيل الكبش على التيس]
وقال بعض القصّاص [2] : ومما فضل الله عزّ وجلّ به الكبش أن جعله مستور العورة من قبل ومن دبر، وممّا أهان الله تعالى به التيس أن جعله مهتوك الستر، مكشوف القبل والدّبر.
1566-[التيس في الهجاء]
وقال حسّان بن ثابت الأنصاريّ [3] : [من الطويل]
سألت قريشا كلها فشرارها ... بنو عامر شاهت وجوه الأعابد [4]
إذا جلسوا وسط النّديّ تجاوبوا ... تجاوب عتدان الربيع السّوافد [5]
وقال آخر [6] : [من الوافر]
أعثمان بن حيّان بن أدم ... عتود في مفارقه يبول
ولو أني أشاء قد ارفأنّت ... نعامته ويعلم ما أقول [7]
وقال الشاعر: [من الكامل]
سميّت زيدا كي تزيد فلم تزد ... فعاد لك المسمي فسمّاك بالقحر [8]
وما القحر إلا التّيس يعتك بوله ... عليه ويمذي في الّلبان وفي النّحر [9]
__________
[1] المنسدل: المسترسل، أي الشعر. المثاني: جمع مثناة، وهو الحبل. الزنبق: دهن الياسمين.
الخلاق: ضرب من الطيب.
[2] ورد القول في عيون الأخبار 2/76، وربيع الأبرار 5/409، والعقد الفريد 4/258.
[3] ديوان حسان بن ثابت 208.
[4] الأعابد: جمع عبد.
[5] الندي: النادي، وهو مجلس القوم. عتدان: جمع عتود، وهو الجدي إذا بلغ السفاد.
[6] البيتان للمرار بن سعيد الفقعسي في ديوانه 471، وأشعار اللصوص 369، والثاني في اللسان والتاج (نعم) .
[7] ارفأنت نعامته: سكن بعد غضبه.
[8] القحر: البعير المسن.
[9] يعتك عليه: يغلبه.
(5/247)

1567-[شدة نتن التّيوس]
فالتّيس كالكلب؛ لأنه يقزح [1] ببوله، فيريد به حاقّ [2] خيشومه. وبول التّيس من أخثر البول وأنتنه، وريح أبدان التّيوس إليها ينتهي المثل. ولو كان هذا العرض في الكبش لكان أعذر له؛ لأن الخموم واللخن، والعفن والنّتن، لو عرض لجلد ذي الصّوف المتراكم، الصّفيق الدقيق، والملتفّ المستكثف؛ لأن الرّيح لا تتخلّله، والنسيم لا يتخرّقه- لكان ذلك أشبه.
فقد علمنا الآن أن للتيس مع تخلخل شعره، وبروز جلده [3] وجفوف عرقه، وتقطع بخار بدنه- فضلا ليس لشيء سواه. والكلب يوصف بالنّتن إذا بلّه المطر.
والحيّات توصف بالنّتن. ولعل ذلك أن يجده من وضع أنفه على جلودها.
وبول التّيس يخالط خيشومه. وليس لشيء من الحيوان ما يشبه هذا، إلا ما ذكرنا من الكلب، على أن صاحب الكلب قد أنكر هذا.
وجلود التّيوس، وجلود آباط الزّنج، منتنة العرق، وسائر ذلك سليم. والتيس إبط كله [4] ، ونتنه في الشتاء كنتنه في الصيف. وإنا لندخل السكّة وفي أقصاها تيّاس [5] ، فنجد نتنها من أدناها، حتى لا يكاد أحدنا يقطع تلك السكة إلا وهو مخمّر الأنف. إلا ما كان مما طبع الله عزّ وجلّ عليه البلويّ وعليّا الأسواري؛ فإن بعضهما صادق بعضا على استطابة ريح التيوس. وكان ربما جلسا على باب التّيّاس؛ ليستنشقا تلك الرائحة، فإذا مرّ بهما من يعرفهما وأنكر مكانهما، ادّعيا أنهما ينتظران بعض من يخرج إليهما من بعض تلك الدّور.
1568-[المكّيّ وجاريته سندرة]
فأما المكي فإنه تعشّق جارية يقال لها سندرة، ثم تزوجها نهاريّة [6] وقد
__________
[1] قزح ببوله: أرسله دفعا.
[2] الحاق: وسط الشيء.
[3] بروز جلده: أي ظهوره لخفة الشعر الذي عليه.
[4] أي أنه منتن البدن كله.
[5] التياس: صاحب التيوس.
[6] الزواج النهاري: يفهم منه أن كلّا من الزوجين لا يلقى صاحبه إلا في النهار، وأورد الجاحظ في البخلاء 124: «قالت له امرأة: ويحك يا أبا القماقم إني قد تزوجت زوجا نهاريا، والساعة وقته، وليست عليّ هيئة، فاشتر لي بهذا الرغيف آسا، وبهذا الفلس دهنا، فإنك تؤجر. فعسى الله أنه يلقي محبتي في قلبه. فيرزقني على يدك شيئا أعيش به، فقد والله ساءت حالي، وبلغ المجهود مني» .
(5/248)

دعاني إلى منزلها غير مرّة، وخبّرني أنها كانت ذات صنان، وأنه كان معجبا بذلك منها، وأنها كانت تعالجه بالمرتك [1] ، وأنه نهاها مرارا حتى غضب عليها في ذلك.
قال: فلما عرفت شهوتي كانت إذا سألتني حاجة ولم أقضها قالت: والله لأتمرتكنّ، ثم والله لأتمرتكنّ، ثمّ والله لأتمرتكنّ! فلا أجد بدّا من أن أقضي حاجتها كائنا ما كان.
1569-[اشتهاء ريح الكرياس]
وحدّثني مويس بن عمران، وكان هو والكذب لا يأخذان في طريق، ولم يكن عليه في الصدق مؤونة، لإيثاره له حتى كان يستوي عنده ما يضرّ وما لا يضر- قال:
كان عندنا رجل يشتهي ريح الكرياس [2] لا يشفيه دونه شيء، فكان قد أعدّ مجوبا [3] أو سكة حديد في صورة المبرد، فيأتي الكراييس التي تكون في الأزقة القليلة المارة، فيخرق الكرياس ولا يبالي، أكان من خزف أو من خشب، ثم يضع منخريه عليه، حتى يقضي وطره.
قال: فلقي الناس من سيلان كراييسهم شرّا حتى عثروا عليه فما منعهم من حبسه إلا الرحمة له من تلك البليّة، مع الذي رأوا من حسن هيئته، فقال لهم: يا هؤلاء، لو مررتم بي إلى السلطان كان يبلغ من عقابي أكثر مما أبلغ من نفسي؟ قالوا:
لا والله! وتركوه.
1570-[نتن العنز]
قالوا: وهذا شأن التّيس، وهو أبو العنز. «ولا تلد الحيّة إلا حيّة» [4] ، ولا بد لذلك النّتن عن ميراث في ظاهر أو باطن. وأنشدوا لابن أحمر [5] : [من البسيط]
إني وجدت بني أعيا وجاملهم ... كالعنز تعطف روقيها فترتضع [6]
وهذا عيب لا يكون في النّعاج.
__________
[1] المرتك: هو المردارسنج، ويكون من سائر المعادن المطبوخة إلا الحديد. انظر معجم استينجاس 1212.
[2] الكرياس: هو الكنيف الذي يكون مشرفا على سطح بقناة إلى الأرض، وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تستقبل القبلة بغائط أو بول يعني الكنف. انظر اللسان «كرس» .
[3] الجوب: القطع.
[4] المستقصى 2/390، ومجمع الأمثال 2/259.
[5] ديوان عمرو بن أحمر 120، واللسان والتاج (رضع) ، والمعاني الكبير 689، وعيون الأخبار 2/75، وبلا نسبة في ديوان الأدب 2/410، والأساس (رضع) .
[6] أعيا: أبو بطن من أسد. الجامل: قطيع من الإبل معها رعيانها وأربابها. الروق: القرن.
(5/249)

والعنز هي التي ترتضع من خلفها وهي محفَّلة [1] ، حتى تأتي على أقصى لبنها، وهي التي تنزع الوتد وتقلب المعلف، وتنثر ما فيه.
وإذا ارتعت الضائنة [2] والماعزة في قصيل [3] ، نبت ما تأكله الضائنة [2] ، ولا ينبت ما تأكله الماعزة، لأن الضائنة تقرض بأسنانها وتقطع، والماعزة تقبض عليه فتثيره وتجذبه، وهي في ذلك تأكله. ويضرب بها المثل بالموق [4] في جلبها حتفها على نفسها. وقال الفرزدق [5] : [من الطويل]
فكانت كعنز السّوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التّراب تثيرها
1571-[تيس بني حمان]
وقال الشاعر [6] : [من الطويل]
لعمرك ما تدري فوارس منقر ... أفي الرأس أم في الإست تلقى الشّكائم [7]
وألهى بني حمّان عسب عتودهم ... عن المجد حتى أحرزته الأكارم
وذلك أن بني حمّان تزعم أن تيسهم قرع شاة بعد أن ذبح وأنه ألقحها [8] .
1572-[أعجوبة في الضأن]
قالوا: في الضأن أعجوبة؛ وذلك أن النعجة ربما عظمت أليتها حتى تسقط على الأرض، ويمنعها ذلك من المشي، فعند الكبش رفق في السّفاد، وحذق لم يسمع بأعجب منه، وذلك أنه يدنو منها ويقف منها موقفا يعرفه، ثم يصكّ [9] أحد جانبي الألية بصدره، بمقدار من الصكّ يعرفه، فيفرج عن حياها [10] المقدار الذي لا يعرفه غيره، ثم يسفدها في أسرع من اللّمح.
__________
[1] المحفلة: التي ترك حلبها أياما حتى يجتمع لبنها.
[2] الضائنة: الشاة من الغنم.
[3] القصيل: الذي تعلف به الدواب.
[4] الموق: الحمق.
[5] ديوان الفرزدق 249، والبيان 3/259، وسيأتي البيت في ص 253.
[6] البيتان للفرزدق في ربيع الأبرار 5/409، وتقدم البيت الثاني بلا نسبة في الصفحة 121.
[7] منقر: هو ابن عبيد بن الحارث بن عمرو التميمي. الشكيمة: الحديدة المعترضة في فم الفرس.
[8] ثمار القلوب (564) ، وفيه أن تيس بني حمان قفط سبعين عنزا بعد ما قطعت أوداجه.
[9] يصك: يضرب.
[10] الحيا: الفرج من ذوات الخف.
(5/250)

1573-[فضل الضأن على الماعز]
وقالوا: والضأن أحمل للبرد والجمد وللرّيح والمطر.
قالوا: ومن مفاخر الضأن على المعز أن التمثيل الذي كان عند كسرى والتّخيير [1] ، إنما كان بين النعجة والنخلة، ولم يكن هناك للعنز ذكر وعلى ذلك الناس إلى اليوم.
والموت إلى المعزى أسرع، وأمراضها أكثر. وإنما معادن [2] الغنم الكثير الذي عليه يعتمد الناس- الجبال، والمعز لا تعيش هناك. وأصواف الكباش أمنع للكباش من غلظ جلود المعز. ولولا أن أجواف الماعز أبرد وكذلك كلاها، لما احتشت من الشّحم كما تحتشي.
1574-[جمال ذكورة الحيوان وقبح التيوس]
[3] وذكورة كلّ جنس أتمّ حسنا من إناثها. وربما لم يكن للإناث شيء من الحسن، وتكون الذكورة في غاية الحسن؛ كالطواويس والتّدارج [4] . وإناثها لا تدانيها في الحسن، ولها من الحسن مقدار، وربما كنّ دون الذّكورة، ولهنّ من الحسن مقدار، كإناث الدّراريج والقبج [5] والدجاج والحمام، والوراشين، وأشباه ذلك.
وإذا قال الناس: تيّاس، عرف معناه واستقذرت صناعته. وإذا قالوا: كبّاش، فإنما يعنون بيع الكباش واتخاذها للنّطاح.
والتّيوس قبيحة جدّا. وزاد في قبحها حسن الصّفايا [6] .
1575-[التشبيه بالكباش والتفاؤل بها]
وإذا وصفوا أعذاق [7] النخل العظام قالوا: كأنّها كباش.
__________
[1] التخيير: التفضيل.
[2] المعادن: المواطن. عدن بالمكان: أقام.
[3] وردت هذه الفقرة في عيون الأخبار 2/75.
[4] التدارج: جمع تدرج، وهو طائر كالدراج يغرد في البساتين بأصوات طيبة، حياة الحيوان 1/230.
[5] الدراج: طائر أسود باطن الجناحين؛ وظاهرهما أغبر على خلقة القطا، إلا أنه ألطف. حياة الحيوان 1/477.
[6] الصفايا: جمع صفية، وهي أنثى المعز.
[7] عذق النخل: العرجون بما فيه من الشماريخ.
(5/251)

وقال الشاعر: [من الطويل]
كأنّ كباش السّاجسيّة علّقت ... دوين الخوافي أو غراير تاجر [1]
وصوّر عبيد الله بن زياد، في زقاق قصره، أسدا، وكلبا، وكبشا [2] فقرنه مع سبعين عظيمي الشأن: وحشيّ، وأهليّ؛ تفاؤلا به.
1576-[ذم العنز في الشعر]
ومما ذمّوا فيه العنز دون النعجة قول أبي الأسود الدّؤلي [3] : [من الطويل]
ولست بمعراض إذا ما لقيته ... يعبّس كالغضبان حين يقول
ولا بسبس كالعنز أطول رسلها ... ورئمانها يومان ثم يزول [4]
وقال أبو الأسود أيضا [5] : [من المتقارب]
ومن خير ما يتعاطى الرجال ... نصيحة ذي الرّأي للمجتبيها
فلا تك مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها
فقام إليها بها ذابح ... ومن تدع يوما شعوب يجيها [6]
فظلّت بأوصالها قدرها ... تحشّ الوليدة أو تشتويها [7]
وقال مسكين الدارميّ [8] : [من الطويل]
إذا صبّحتني من أناس ثعالب ... لترفع ما قالوا منحتهم حقرا [9]
فكانوا كعنز السّوء تثغو لحينها ... وتحفر بالأظلاف عن حتفها حفرا [10]
وقال الفرزدق [11] : [من الطويل]
__________
[1] الساجسية: الضأن الحمر. الخوافي: السعفات اللواتي يلين القلبة. الغراير: الجوالق.
[2] الخبر في عيون الأخبار 1/147.
[3] ديوان أبي الأسود الدؤلي 137.
[4] الرّسل: اللبن. الرئمان: العطف.
[5] ديوان أبي الأسود الدؤلي 143.
[6] الشعوب: المنية. يجيها: يجئها.
[7] الأوصال: الأعضاء. تحش: أي تحش النار.
[8] ديوان مسكين الدارمي 38، والبيت الثاني منسوب إلى الأعور الشني في حماسة البحتري 286.
[9] الحقر: الاحتقار.
[10] الثغاء: صوت المعز والشاء. الحين: الهلاك.
[11] ديوان الفرزدق 249، والبيان 3/259، وتقدم البيت الثاني في ص 250، وسيأتي الأول في ص 313.
(5/252)

وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وكان كعنز السّوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها
1577-[أمنية أبي شعيب القلال]
وقال رمضان لأبي شعيب القلّال- وأبو الهذيل حاضر-: أيّ شيء تشتهي؟
وذلك نصف النهار، وفي يوم من صيف البصرة. قال أبو شعيب: أشتهي أن أجيء إلى باب صاحب سقط [1] ، وله على باب حانوته ألية معلقة، من تلك المبزَّرة المشرّجة [2] ، وقد اصفرّت، وودكها يقطر من حاقّ السّمن [3] ، فآخذ بحضنها ثم أفتح لها فمي، فلا أزال كدما كدما، ونهشا نهشا، وودكها يسيل على شدقي، حتى أبلغ عجب الذّنب [4] ! قال أبو الهذيل: ويلك قتلتني قتلتني!! يعني من الشهوة.
باب في الماعز
قال صاحب الماعز: في أسماء الماعز وصفاتها، ومنافعها وأعمالها، دليل على فضلها. فمن ذلك أن الصفية [5] أحسن من النعجة. وفي اسمها دليل على تفضيلها.
ولبنها أكثر أضعافا، وأولادها أكثر أضعافا، وزبدها أكثر وأطيب.
وزعم [6] أبو عبد الله العتبيّ أن التيس المشراطيّ قرع في يوم واحد نيّفا وثمانين قرعة. وكان قاطع الشهادة. وقد بيع من نسل المشراطيّ وغيره الجدي بثمانين درهما. والشاة بنحو من ذلك.
وتحلب خمسة مكاكيك وأكثر. وربما بيع الجلد جلد الماعز فيشتريه الباضوركي [7] بثمانين درهما وأكثر.
__________
[1] السقط: ما لا خير فيه، وربما أراد به أحشاء الذبيحة.
[2] المبزرة: التي وضع فيها البزر. المشرجة: المشققة.
[3] حاق السمن: تمامه.
[4] عجب الذنب: أصله.
[5] الصفية: أنثى المعز.
[6] تقدم هذا الزعم ص 121.
[7] الباضوركي: لغة في البازر كان، وهي كلمة فارسية تعني المشتط في السوم والبيع.
(5/253)

والشاة إذا كانت كذلك فلها غلّة نافعة تقوم بأهل البيت.
والنعال البقريّة من السّبت [1] وغير السّبت مقسوم نفعها بين الماعز والبقر، لأن للشّرك [2] من جلودها خطرا. وكذلك القبال والشّسع [3] .
ووصف حميد بن ثور جلدا من جلودها، فقال [4] : [من الطويل]
تتابع أعوام علينا أطبنها ... وأقبل عام أصلح الناس واحد
وجاءت بذي أونين مازال شاته ... تعمّر حتى قيل هل مات خالد
وقال راشد بن سهاب [5] : [من الطويل]
ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعزى الحجاز أعوزتها الزّرائب
1578-[لحم الماعز والضأن]
ومن منافعها الانتفاع بشحم الثرب والكلية، وهما فوق شحم الألية. وإذا مدحوا اللحم قالوا: لحم الماعز الخصيّ الثّنيّ! وقال الشاعر [6] : [من الوافر]
كأن القوم عشّوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم
والممرورون الذين يصرعون، إذا أكلوا لحم الضأن اشتدّ ما بهم، حتى يصرعهم ذلك في غير أوان الصرع.
وأوان الصّرع الأهلّة وأنصاف الشهور. وهذان الوقتان هما وقت مدّ البحر وزيادة الماء. ولزيادة القمر إلى أن يصير بدرا أثر بين في زيادة الدّماء والأدمغة، وزيادة جميع الرطوبات [7] .
__________
[1] السبت: الجلد المدبوغ.
[2] الشرك: جمع شراك، وهو سير النعل.
[3] قبال النعل: زمام بين الإصبع الوسطى والتي تليها. الشسع: السير الذي يدخل في الثقب الكائن في صدر النعل.
[4] ديوان حميد بن ثور 67، وفيه «هزلنها» مكان «أطبنها» ، و «ينعش» مكان «أصلح» .
[5] وهم الجاحظ؛ فالبيت للأخنس بن شهاب في المفضليات 206، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 724، وللحماسي في الأساس (زرب) .
[6] البيت لذي الرمة في ملحق ديوانه 1097، وتقدم في 4/407، الفقرة (1161) .
[7] الفقرة من قوله: «والممرورون الذين يصرعون» في عيون الأخبار 2/74.
(5/254)

1579-[بعض الأمثال في المعز والضأن]
ويقال: «فلان ماعز من الرّجال» [1] ، و «فلان أمعز من فلان» . والعتاق معز الخيل، والبراذين ضأنها.
وإذا وصفوا الرّجل بالضعف والموق [2] قالوا: «ما هو إلا نعجة من النعاج» .
ويقولون في التقديم والتأخير: «ما له سبد ولا لبد» [3] .
وقال الشاعر [4] : [من الكامل]
نشبي وما جمّعت من صفد ... وحويت من سبد ومن لبد
همم تقاذفت الهموم بها ... فنزعن من بلد إلى بلد
يا روح من حسمت قناعته ... سبب المطامع من غد وغد [5]
من لم يكن لله متّهما ... لم يمس محتاجا إلى أحد
وهذا شعر رويته على وجه الدهر.
وزعم لي حسين بن الضّحّاك أنه له. وما كان ليدّعي ما ليس له.
وقال لي سعدان المكفوف: لا يكون: «فنزعن من بلد إلى بلد» بل كان ينبغي أن يقول: «فنازعن» [6] .
1580-[فضل الماعز]
وقال: والماعزة قد تولّد في السنة مرتين، إلا ما ألقي منها في الدّياس [7] . ولها في الدّياس نفع موقعه كبير. وربما باعوا عندنا بطن الماعز [8] بثمن شاة من الضأن.
__________
[1] رجل ماعز: إذا كان حازما مانعا ما وراءه شهما.
[2] الموق: الحمق.
[3] مجمع الأمثال 2/270، والمستقصى 2/331، والفاخر 21، وجمهرة الأمثال 2/267، وأمثال ابن سلام 388.
[4] الأبيات لحسين بن الضحاك في ديوانه 47- 48، والبيت الأخير لأبي نواس في ديوانه 161 «طبعة محمود فريد» .
[5] الرّوح: الاستراحة والفرح والسرور. حسمت: قطعت.
[6] نازعن: غالبن وجاذبن. نزعن: انتقلن.
[7] الدّياس: الدوس، وهو شدة وطء الشيء بالأقدام، وداس الناس الحب وأداسوه: درسوه.
[8] أراد ما في بطنها من الحمل، وهو منهي عنه.
(5/255)

قال: والأقط [1] للمعز. وقرونها هي المنتفع بها.
قال: والجدي أطيب من الحمل وأكرم. وربما قدموا على المائدة الحمل مقطوع الألية من أصل الذّنب؛ ليوهموا أنه جدي.
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه- وعقول الخلفاء فوق عقول الرّعية، وهم أبصر بالعيش، استعملوا ذلك أو تركوه- فقال [2] : أترون أني لا أعرف الطيبات؟
لباب البرّ بصغار المعزى! وملوكنا يحمل معهم في أسفارهم البعيدة الصفايا الحوامل، المعروفات أزمان الحمل والوضع، ليكون لهم في كل منزل جداء معدّة. وهم يقدرون على الحملان السّمان بلا مؤونة.
والعناق الحمراء والجداء، هي المثل في المعز والطّيب. ويقولون: جداء البصرة، وجداء كسكر.
وسلخ الماعز على القصّاب أهون. والنّجّار يذكر في خصال السّاج [3] سلسه [4] تحت القدوم والمثقب والميشار.
1581-[أمارات حمل الشاة]
وقيل لأعرابي [5] : بأي شيء تعرف حمل شاتك؟ قال: إذا تورّم حياها ودجت [6] شعرتها واستفاضت خاصرتها.
وللداجي يقال: قد كان ذلك وقد دجا ثوب الإسلام [7] ، وكان ذلك وثوب الإسلام داج.
__________
[1] الأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض.
[2] الخبر في البيان 1/18.
[3] الساج: شجر يعظم جدّا، ويذهب طولا وعرضا، وله ورق أمثال التراس الديلمية، يتغطى الرجل بورقة منه، فتكنه «أي تستره» من المطر، وله رائحة طيبة تشبه رائحة ورق الجوز «اللسان:
سوج» .
[4] السلس: اللين والسهولة.
[5] ورد قول الأعرابي في عيون الأخبار 2/75، وتقدم في، 3/122، الفقرة (712) .
[6] دجت شعرتها: طالت.
[7] دجا الإسلام: شاع وكثر، وانظر النهاية 2/102- 103، وما تقدم في 3/122، الفقرة (712) .
(5/256)

1582-[المرعزيّ وقرابة الماعزة من الناس]
قال: وللماعز المرعزيّ [1] ؛ وليس للضأن إلا الصوف.
والكساء كلها صوف ووبر وريش وشعر، وليس الصوف إلا للضأن.
وذوات الوبر كالإبل والثعالب، والخزز [2] والأرنب، وكلاب الماء، والسّمّور [3] ، والفنك [4] ، والقاقم [5] ، والسّنجاب، والدّباب [6] .
والتي لها شعر كالبقر والجواميس، والماعز، والظباء، والأسد، والنمور، والذئاب، والببور [7] ، والكلاب، والفهود، والضباع، والعتاق، والبراذين، والبغال، والحمير، وما أشبه ذلك.
والإنسان الذي جعله الله تعالى فوق جميع الحيوان في الجمال والاعتدال، وفي العقل والكرم، ذو شعر.
فالماعزة بقرابتها من الناس بهذا المعنى أفخر وأكرم.
1583-[الماعز التي لا ترد]
وزعم الأصمعيّ أن لبني عقيل ما عزا لا ترد [8] ؛ فأحسب واديهم أخصب واد وأرطبه. أليس هذا من أعجب العجب؟!.
1584-[جلود الماعز]
ومن جلودها تكون القرب، والزّقاق [9] ، وآلة المشاعل [10] ، وكلّ نحي [11]
__________
[1] المرعزي: شيء كالصوف يخلص من بين شعر العنز.
[2] الخزز: ذكر الأرانب.
[3] السمور: حيوان بري يشبه السنور، وزعم بعض الناس أنه النمس. حياة الحيوان 1/574.
[4] الفنك: دويبة يؤخذ منها الفرو. حياة الحيوان 2/175.
[5] القاقم: دويبة تشبه السنجاب، ويشبه جلده جلد الفنك. حياة الحيوان 2/195.
[6] الدباب: جمع دب.
[7] الببر: ضرب من السباع شبيه بابن آوى. حياة الحيوان 1/159.
[8] ترد: من ورود الماء.
[9] الزقاق: جمع زق، وهو كل وعاء اتخذ للشراب ونحوه.
[10] المشاعل: جمع مشعل: وهو شيء من جلود له أربع قوائم ينبذ فيه.
[11] النحي: الزق، وقيل: ما كان للسمن خاصة.
(5/257)

وسعن [1] ، ووطب [2] ، وشكيّة [3] وسقاء، ومزادة، مسطوحة كانت أو مثلوثة [4] .
ومنها ما يكون الخون [5] ، وعكم السّلف [6] ، والبطائن والجرب. ومن الماعزة تكون أنطاع [7] البسط، وجلال [8] الأثقال في الأسفار، وجلال قباب الملوك، وبقباب الأدم تتفاخر العرب. وللقباب الحمر قالوا: مضر الحمراء. وقال عبيد بن الأبرص [9] : [من البسيط]
فاذهب إليك فإني من بني أسد ... أهل القباب وأهل الجرد والنادي [10]
1585-[الفخر بالماعز]
وقالوا: وفخرتم بكبشة وكبيشة وأبي كبشة [11] ، فمنّا عنز اليمامة وعنز وائل، ومنا ماعز بن مالك، صاحب التوبة النّصوح.
وقال صاحب الماعز: وطعنتم على الماعزة بحفرها عن حتفها [12] ، فقد قيل ذلك للضأن. من ذلك قول البكري للعنبريّة، وهي «قيلة» وصار معها إلى النبيّ فسأله الدّهناء [13] ، فاعترضت عنه قيلة، فقال لها البكريّ: إني وإياك كما قال القائل [14] :
__________
[1] السعن: قربة تشبه دلو السقائين.
[2] الوطب: سقاء اللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه.
[3] الشكية: وعاء كالدلو أو كالقربة الصغيرة.
[4] المثلوثة: المزادة تكون من ثلاثة جلود.
[5] الخون: جمع خوان، وهي المائدة يوضع عليها الطعام.
[6] العكم: حبل يربط به. السلف: الجراب.
[7] النطع: بساط من الأديم.
[8] جلال كل شيء غطاؤه.
[9] ديوان عبيد بن الأبرص 49، والخزانة 11/257، وبلا نسبة في شرح المفصل 4/33.
[10] في ديوانه: «اذهب إليك: زجر، يريد: اذهب إلى قومك بدليل قوله: فإن من بني أسد أهل القباب، لأن السادة وحدهم الذين تضرب فوقهم القباب. الجرد: الخيل القليلة الشعر. أهل النادي: ذكره أيضا لأن السادة هم الذين يجتمعون فيه» .
[11] انظر ما تقدم في ص 246.
[12] انظر ما تقدم في 252- 253، فقرة 1576 «ذم العنز في الشعر» .
[13] الدهناء: واد في بلاد تميم ببادية البصرة.
[14] المثل برواية «حتفها تحمل ضأن بأظلافها» ، وهو في مجمع الأمثال 1/192، وفصل المقال 456، والمستقصى 2/59، وأمثال ابن سلام 329، وهو برواية «كالباحثة عن حتفها بظلفها» في الأمثال لمجهول 87.
(5/258)

«عن حتفها تبحث ضأن بأظلافها!» ، فقالت له العنبرية: مهلا، فإنك ما علمت:
جوادا بذي الرّجل [1] ، هاديا في الليلة الظلماء، عفيفا عن الرفيقة! فقال: لازلت مصاحبا بعد أن أثنيت عليّ بحضرة الرسول بهذا!.
1586-[ضرر الضأن ونفع الماعز]
وقالوا: والنعجة حرب [2] ، واتّخاذها خسران، إلا أن تكون في نعاج سائمة، لأنها لا ترفع رأسها من الأكل. والنعجة آكل من الكبش، والحجر آكل من الفحل، والرّمكة آكل من البرذون. والنعجة لا يقوم نفعها بمؤونتها. والعنز تمنع الحيّ الجلاء [3] ، فإن العرب تقول: إن العنوق [4] تمنع الحيّ الجلاء.
والصفيّة من العراب أغزر من بختية [5] بعيدا.
ويقال [6] : «أحمق من راعي ضأن ثمانين!» .
1587-[كرم الماعز]
وأصناف أجناس الأظلاف وكرامها بالمعز أشبه، لأن الظّباء والبقر من ذوات الأذناب والشعر، وليست من ذوات الألايا [7] والصوف.
والشّمل [8] ، والتعاويذ والقلائد، إنما تتّخذ للصفايا، ولا تتّخذ للنعاج، ولا يخاف على ضروعها العين والنفس.
والأشعار التي قيلت في الشاء إذا تأمّلتها وجدت أكثرها في المعز: في صفاياها وفي حوّها [9] ، وفي تيوسها وفي عنوقها وجدائها.
__________
[1] ذو الرجل: موضع في ديار كلب.
[2] الحرب: أن يسلب الرجل ما له.
[3] الجلاء: النزوح.
[4] العنوق: جمع عناق، وهي أنثى المعزى، إذا أتت عليها سنة.
[5] البختية: الخراسانية تنتج بين عربية وفالج.
[6] المثل في مجمع الأمثال 1/224، وأمثال ابن سلام 365، وجمهرة الأمثال 1/391، والمستقصى 1/79، والبرصان 213.
[7] الألايا: جمع ألية.
[8] الشمل: جمع شمال، وهو شبه مخلاة يغشى بها ضرع العنز إذا ثقل.
[9] الحو: جمع أحوى وحواء، والحوة: سواد إلى الخضرة.
(5/259)

وقال مخارق بن شهاب المازنيّ- وكان سيّدا كريما، وكان شاعرا- فقال يصف تيس غنمه [1] : [من الطويل]
وراحت أصيلانا كأنّ ضروعها ... دلاء وفيها واتد القرن لبلب [2]
له رعثات كالشّنوف وغرّة ... شديخ ولون كالوذيلة مذهب [3]
وعينا أحمّ المقلتين وعصمة ... ثنى وصلها دان من الظّلف مكثب [4]
إذا دوحة من مخلف الضّال أربلت ... عطاها كما يعطو ذرى الضّال قرهب [5]
تلاد رقيق الخدّ إن عدّ نجره ... فصردان نعم النّجر منه وأشعب [6]
أبو الغرّ والحوّ اللواتي كأنها ... من الحسن في الأعناق جزع مثقّب [7]
إذا طاف فيها الحالبان تقابلت ... عقائل في الأعناق منها تحلّب [8]
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتحوّب [9]
قال [10] : فوفد ابن قيس هذا، على النّعمان، فقال له: كيف المخارق فيكم؟
قال: سيّد شريف، من رجل يمدح تيسه، ويهجو ابن عمّه! وقال الراجز [11] : [من الرجز]
أنعت ضأنا أمجرت غثاثا [12]
__________
[1] الأبيات في عيون الأخبار 2/77، عدا البيتين (5، 7) ، والأبيات (1، 2، 3، 6، 8) في محاضرات الأدباء 2/293 (4/647) ، والأخير في العمدة 2/39، والبيان 4/43.
[2] الواتد: الثابت. اللبلب: ذو اللبلبة، أي الشفقة على المعزى.
[3] الرعثة: زنمة تحت الأذن. الشنف: القرط. غرة شديخ: غشت الوجه من الناصية إلى الأنف.
الوذيلة: المرآة، أو قطعة من الفضة مجلوة.
[4] العصمة: بياض في ذراعي الظبي أو الوعل. ثنى: اثنان.
[5] المخلف: من يخرج الخلفة، وهو الورق الذي يخرج بعد ورق. الضال: شجر. أربلت: كثر ربلها، والربل: ورق يتفطر في آخر القيظ ببرد الليل من غير مطر. القرهب: الثور الضخم.
[6] التلاد: الذي ولد عندك. البخر: الأصل والحسب. صردان وأشعب: آباء هذا التيس.
[7] الجزع: خرز فيه سواد وبياض.
[8] الأعناق الجماعات. التحلب: السيلان. وأراد غزارة لبنها.
[9] يتحوب: يتوجع.
[10] ورد هذا القول في عيون الأخبار 2/77، والعمدة 2/39- 40.
[11] الرجز بلا نسبة في تهذيب اللغة 2/337، وانظر الجمهرة 85، والتاج (رعل) .
[12] الغث: الهزيل.
(5/260)

والمجر: أن تشرب فلا تروى. وذلك من مثالبها.
وقال رجل لبعض ولد سليمان بن عبد الملك: ماتت أمّك بغرا، وأبوك بشما [1] .
وقال أعرابي [2] : [من الكامل]
مولى بن تيم، ألست مؤدّيا ... منيحتنا كما تؤدّى المنائح [3]
فإنّك لو أدّيت صعدة لم تزل ... بعلياء عندي، ما ابتغي الرّبح رابح [4]
لها شعر داج وجيد مقلّص ... وخلق زخاريّ وضرع مجالح [5]
ولو أشليت في ليلة رجبيّة ... لأرواقها هطل من الماء سافح [6]
لجاءت أمام الحالبين وضرعها ... أمام صفاقيها مبدّ مضارح [7]
وويل أمّها كانت نتيجة واحد ... ترامى بها بيد الإكام القراوح [8]
1588-[أصناف الظلف وأصناف الحافر]
ليس سبيل أصناف الظّلف في التشابه سبيل أصناف الحافر، والخفّ. واسم النّعم يشتمل على الإبل والبقر والغنم. وبعد بعض الظلف من بعض، كبعده من الحافر والخف؛ لأن الظلف للضأن والمعز والبقر والجواميس والظّباء والخنازير وبقر الوحش، وليس بين هذه الأجناس تسافد ولا تلاقح، لا الغنم في الغنم من الضأن والماعز، ولا الغنم في سائر الظلف ولا شيء من سائر تلك الأجناس تسافد غيرها أو تلاقحها. فهي تختلف في الصوف والشعر، وفي الأنس والوحشة، وفي عدم التلاقح والتسافد، وليس كذلك الحافر والخفّ.
__________
[1] البغر: المجر، وقد فسرها الجاحظ آنفا. البشم: التخمة عن الدسم.
[2] الأبيات لجبيهاء الأشجعي في المفضليات 167- 168، والأغاني 18/97.
[3] المنيحة: الناقة يمنحها الرجل صاحبه ليحتلبها ثم يردها. ثم كثر ذلك حتى قيل للهبة منيحة.
[4] صعدة: اسم العنز التي منحه إياها.
[5] مقلص: طويل. الزخاري: الكثير اللحم والشحم. الضرع المجالح: الذي يدر على الجوع والقر.
[6] أشليت: دعيت، أي للحلب. رجبية: ليلة من ليالي الشتاء. لأرواقها: لسحابها.
[7] الصفاقان: ما اكتنف الضرع من عن يمين وشمال إلى السرة. المبد: الذي يوسع ما بين رجليها لعظمه. مضارح: من الضرح، وهو التنحية والدفع.
[8] ويل أمها: تعجب منها، والعرب كانت تمدح الرجل بذلك. البيد: جمع بيداء. القرواح: جمع قرواح، وهو المنبسط من الأرض لا يستتر منه شيء.
(5/261)

1589-[رجز في العنز]
وقال الراجز [1] : [من الرجز]
لهفي على عنزين لا أنساهما ... كأنّ ظلّ حجر صغراهما
وصالغ معطرة كبراهما
قوله: صالغ، يريد انتهاء السنّ. والمعطرة: الحمراء؛ مأخوذة من العطر. وقوله:
«كأن ظلّ حجر صغراهما» يريد أنها كانت سوداء، لأن ظلّ الحجر يكون أسود، وكلما كان الساتر أشدّ اكتنازا كان الظلّ أشدّ سوادا.
1590-[أظل من حجر]
وتقول العرب: ليس شيء أظلّ من حجر [2] ، ولا أدفأ من شجر [3] ، وليس يكون ظلّ أبرد ولا أشدّ سوادا من ظلّ جبل. وكلما كان أرفع سمكا، وكان مسقط الشمس أبعد، وكان أكثر عرضا وأشدّ اكتنازا، كان أشدّ لسواد ظله.
ويزعم المنجّمون أن الليل ظلّ الأرض، وإنما اشتدّ جدّا لأنه ظلّ كرة الأرض.
وبقدر ما زاد بدنها في العظم ازداد سواد ظلّها.
وقال حميد بن ثور [4] : [من الطويل]
إلى شجر ألمى الظلال كأنها ... رواهب أحرمن الشراب عذوب
والشفّة الحمّاء يقال لها لمياء. يصفون بذلك اللّثة. فجعل ظلّ الأشجار الملتفّة ألمى.
__________
[1] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (عطر) ، والتهذيب 2/164. ومحاضرات الأدباء 2/293 (4/646) .
[2] في مجمع الأمثال 1/447 «أظل من حجر» ، وفي الدرة الفاخرة 2/438 «أكثف ظلّا من حجر» ؛ وذلك لكثافة ظله، وانظر ثمار القلوب (802) ، وعيون الأخبار 4/41، والأمالي 2/12، والتنبيه للبكري 90.
[3] في الدرة الفاخرة 1/198، وجمهرة الأمثال 1/443، 456: «أدفأ من شجرة» .
[4] ديوان حميد بن ثور 57، واللسان والتاج (حرم، لمى) ، وديوان الأدب 4/97، وكتاب الجيم 3/219، وبلا نسبة في الأساس (لمي) .
(5/262)

1591-[أقط الماعز]
وقال امرؤ القيس بن حجر [1] : [من الوافر]
لنا غنم نسوقّها غزار ... كأنّ قرون جلّتها العصيّ [2]
فدلّ بصفة القرون على أنها كانت ماعزة. ثم قال:
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ [3]
فدلّ على أن الأقط منها يكون.
1592-[استطراد لغوي]
وقال: ويقال لذوات الأظلاف: قد ولّدت الشاة والبقرة، مضمومة الواو مكسورة اللام مشدودة. يقال هذه شاة تحلب قفيزا، ولا يقال تحلب، والصواب ضم التاء وفتح اللام.
ويقال أيضا: وضعت، في موضع ولّدت. وهي شاة زبّى، من حين تضع إلى خمسة عشر يوما- وقال أبو زيد: إلى شهرين- من غنم رباب، مضمومة الرّاء على فعال، كما قالوا: رجل ورجال، وظئر وظؤار وهي ربّى بيّنة الرّباب والرّبّة بكسر الرّاء، ويقال هي في ربابها. وأنشد [4] : [من الرجز]
حنين أمّ البوّ في ربابها [5]
والرّباب مصدر، وفي الرّبى حديث عمر: «دع الرّبّى والماخض والأكولة» [6] .
وقال أبو زيد: ومثل الرّبّى من الضأن الرّغوث، قال طرفة [7] : [من الوافر]
__________
[1] ديوان امرئ القيس 136- 137، وعيون الأخبار 2/76، والبخلاء 123، ومحاضرات الأدباء 2/293 (4/647) ، والأول في اللسان والتاج (سوق) ، والأساس (جلل) ، والثاني في الأمالي 1/18، واللسان (وسع، سمن) ، والتاج (وسع، شبع، سمن) ، وديوان الأدب 1/132.
[2] الجلة: جمع جليل، وهو المسن من الغنم وغيرها.
[3] الأقط: شيء يصنع من اللبن المخيض على هيئة الجبن.
[4] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (ربب) ، والتهذيب 15/181، والمخصص 7/178.
[5] البو: ولد الناقة، أو جلده يحشى تبنا أو نحوه لتعطف عليه فتدر.
[6] الحديث في النهاية 2/180، 4/306.
[7] ديوان طرفة بن العبد 48، واللسان (رغث، خور) ، والتاج (رغث) ، والمقاييس 2/416، والتهذيب 8/90، والمخصص 7/49، 178، والمجمل 2/399، والأساس (رغث) .
(5/263)

فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تخور
وقالوا: إذا وضعت العنز ما في بطنها قيل سليل ومليط. وقال أبو زيد: هي ساعة تضعه من الضأن والمعز جميعا، ذكرا كان أو أنثى: سخلة، وجمعها سخل وسخال. فلا يزال ذلك اسمه ما رضع اللبن، ثم هي البهمة للذكر والأنثى، وجمعها بهم. وقال الشاعر [1] : [من البسيط]
وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجر
ويروى: «يزجر أحيانا» . وإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمهاتها، وأكلت من البقل واجترّت، فما كان من أولاد المعز فهو جفر، والأنثى جفرة، والجمع جفار.
ومنه حديث عمر رضي الله عنه، حين قضى في الأرنب يصيبها المحرم بجفر [2] .
فإذا رعى وقوي وأتى عليه حول فهو عريض، وجمعه عرضان. والعتود نحو منه، وجمعه أعتدة وعتدان. وقال يونس: جمعه أعتدة وعتد. وهو في ذلك كلّه جدي، والأنثى عناق. وقال الأخطل [3] : [من البسيط]
واذكر غدانة عتدانا مزنّمة ... من الحبلّق يبنى حولها الصّير [4]
ويقال له إذا تبع أمّه وفطم: تلو، والأنثى: تلوة؛ لأنه يتلو أمّه.
ويقال للجدي: إمّر والأنثى أمّرة. وقالوا: هلّع وهلّعة. والبدرة: العناق أيضا.
والعطعط: الجدي. فإذا أتى عليه الحول فالذكر تيس والأنثى عنز. ثم يكون جذعا في السّنة الثانية، والأنثى جذعة. ثم ثنيّا في الثالثة، والأنثى ثنيّة. ثم يكون رباعيا في الرابعة، والأنثى رباعية. ثم يكون سديسا، والأنثى سديس أيضا مثل الذكر بغير هاء.
ثم يكون صالغا والأنثى صالغة. والصالغ بمنزلة البازل من الإبل، والقارح من الخيل.
ويقال: قد صلغ يصلغ صلوغا، والجمع الصّلّغ. وقال رؤبة [5] : [من الرجز]
__________
[1] البيت بلا نسبة في ربيع الأبرار 5/311.
[2] في النهاية 1/278: «في الأرنب يصيبها المحرم جفرة» .
[3] ديوان الأخطل 209، واللسان (حبلق، غدن) ، والتاج (صير، حبلق، غدن) ، والمقاييس 4/217، والتهذيب 2/196، 5/303، 12/230، وديوان الأدب 2/88، وبلا نسبة في اللسان (عتد، صير) .
[4] في ديوانه: «غدانة: ابن يربوع. الحبلق: أولاد المعز الصغار الأجسام القصار. الصير: الحظائر» .
[5] ديوان رؤبة 98، واللسان (رزع، صلغ) ، والتاج (كبش، رزغ، صلغ) .
(5/264)

والحرب شهباء الكباش الصّلّغ
وليس بعد الصالغ شيء.
وقال الأصمعيّ: الحلّام والحلّان من أولاد المعز خاصة. وجاء في الحديث [1] :
«في الأرنب يصيبها المحرم حلّام» . قال ابن أحمر [2] : [من البسيط]
تهدي إليه ذراع البكر تكرمة ... إمّا ذكيّا وإمّا كان حلّانا
ويروى: «ذراع الجدي» ويروى: «ذبيحا» ، والذبيح هو الذي أدرك أن يضحّى به. وقال مهلهل بن ربيعة [3] : [من الرجز]
كلّ قتيل في كليب حلّام ... حتى ينال القتل آل همام [4]
وقالوا في الضأن كما قالوا في المعز، إلا في مواضع. قال الكسائي: هو خروف، في موضع العريض، والأنثى خروفة. ويقال له حمل، والأنثى من الحملان رخل والجمع رخال، كما يقال ظئر وظؤار وتوءم وتؤام. والبهمة: الضأن والمعز جميعا.
فلا يزال كذلك حتى يصيف. فإذا أكل واجترّ فهو فرير وفرارة وفرفور، وعمروس.
وهذا كله حين يسمن ويجتر. والجلام، بكسر الجيم وتعجيم نقطة من تحت الجيم. قال الأعشى [5] : [من المتقارب]
سواهم جذعانها كالجلام ... وأقرح منها القياد النسورا
يعني الحوافر.
واليعر: الجدي، بإسكان العين، وقال البريق الهذليّ [6] : [من الطويل]
__________
[1] الحديث لعمر بن الخطاب في النهاية 1/278، وانظر الحاشية الثانية، ص السابقة 264.
[2] ديوان عمرو بن أحمر 155، واللسان (حلن) ، والتنبيه والإيضاح 1/234، والتهذيب 3/439، والتاج (ذبح، حلل، حلن) ، والمخصص 7/187، 13/284، وديوان الأدب 1/337، والأمالي 2/90، والسمط 725، والمعاني الكبير 683، وبلا نسبة في الجمهرة 1232، واللسان (حلن) ، والعين 3/28، والمقاييس 1/21، والمجمل 2/22.
[3] الرجز للمهلهل في الأغاني 5/47، والأمالي 2/90، واللسان والتاج (حلم) ، وبلا نسبة في الجمهرة 566، 1232، والمجمل 2/97، والمخصص 6/96.
[4] في الأمالي 2/90: «يقول: كل قتيل صغير ليس هو بوفاء من كليب بمنزلة الحلّام الذي ليس بوفاء أن يذبح للنسك، حتى نال القتل آل همام فإنهم وفاء به» .
[5] ديوان الأعشى 149، واللسان (نسر، جلم) ، والتاج (جلم) ، والتهذيب 11/102، والمقاييس 1/467، والمجمل 1/446، وبلا نسبة في المخصص 6/145، 7/187.
[6] صدر البيت: (أسائل عنهم كلما جاء راكب) ، وهو للبريق الهذلي في شرح أشعار الهذليين-
(5/265)

مقيما بأملاح كما ربط اليعر
والبذج: من أولاد الضأن خاصة. وقال الراجز [1] : [من الرجز]
قد هلكت جارتنا من الهمج ... فإن تجع تأكل عتودا أو بذج [2]
والجمع بذجان.
1593-[أمنية أعرابي]
وقال أعرابيّ [3] : اللهم ميتة كميتة أبي خارجة! قالوا: وما ميتة أبي خارجة؟
قال: أكل بذجا، وشرب مشعلا، ونام في الشمس، فأتته المنيّة شبعان ريان [دفآن] [4] !.
1594-[تيس بني حمان]
وفي المثل [5] : «أغلم من تيس بني حمّان» . وبنو حمّان تزعم أنه قفط سبعين عنزا وقد فريت أوداجه.
فهذا من الكذب الذي يدخل في باب الخرافة.
1595-[زعم لصاحب المنطق]
وقد ذكر أرسطوطاليس في كتاب الحيوان، أنه قد ظهر ثور وثب بعد أن خصي، فنزا على بقرة فأحبلها.
ولم يحك هذا عن معاينة. والصدور تضيق بالردّ على أصحاب النظر وتضيق بتصديق هذا الشّكل.
__________
- 749، واللسان والتاج (يعر) ، والتنبيه والإيضاح 2/232، وديوان الأدب 3/209، وبلا نسبة في الجمهرة 778، والمقاييس 6/156، والتهذيب 3/181، والمخصص 7/187.
[1] الرجز لأبي محرز المحاربي في اللسان والتاج (بذج، همج) ، والتنبيه والإيضاح 1/193، 226، وبلا نسبة في التهذيب 6/71، 11/160، والمقاييس 1/217، 6/64، والمجمل 1/250، 4/87، وديوان الأدب 1/206.
[2] العتود: الجدي بلغ السفاد.
[3] الخبر في عيون الأخبار 2/276، وثمار القلوب (248) ، وقطب السرور 1/187.
[4] الزيادة من المصادر السابقة.
[5] انظر ما تقدم في 121 فقرة 1365، 250.
(5/266)

1596-[أحاديث وآثار في الغنم]
قال: وحدّثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت عليّا يقول:
«ما أهل بيت لهم شاة إلا يقدّسون [1] كلّ ليلة» .
وقال: حدثنا عنبسة القطّان، قال حدّثنا السكن بن عبد الله بن عبد الأعلى القرشيّ، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «امسحوا رعام الشّاء، ونقّوا مرابضها من الشّوك والحجارة، فإنها في الجنّة» .
وقال: «ما من مسلم له شاة إلا قدّس كلّ يوم مرّة. فإن كانت له شاتان قدّس في كلّ يوم مرّتين» .
قال: وحدثنا عنبسة القطان، بهذا الإسناد، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أوصيكم بالشّاء خيرا، فنقّوا مرابضها من الحجارة والشّوك فإنّها في الجنّة» .
وعن محمد بن عجلان، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء العامريّ من بني عامر بن لؤيّ، أن رجلا مرّ على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو بالعقيق، فقال: أين تريد؟ قال: أريد غنيمة لي. قال: امسح رعامها، وأطب مراحها، وصلّ في جانب مراحها؛ فإنها من دوابّ الجنة [2] .
وعن فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن رجل من أصحاب أبي الدرداء، أنه عمل طعاما اجتهد فيه، ثم دعاه فأكل، فلما أكل قال [3] : الحمد لله الذي أطعمنا الخمير، وألبسنا الحبير، بعد الأسودين: الماء والتمر. قال: وعند صاحبه ضائنة له، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. قال: أطب مراحها واغسل رعامها، فإنها من دوابّ الجنة، وهي صفوة الله من البهائم.
قال: وحدّثنا إبراهيم بن يحيى، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: «إن الله عزّ وجلّ خلق الجنة بيضاء، وخير الزّيّ البياض» . قال: وبعث إلى الرّعيان: «من كانت له غنم سود فليخلطها بعفر، فإنّ دم عفراء أزكى من دم سوداوين» .
وحدثنا أبو المقدام قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء، عن ابن
__________
[1] التقديس: التطهير والتبريك.
[2] ورد حديث أبي هريرة في النهاية 2/235.
[3] انظر الخبر في ربيع الأبرار 5/409.
(5/267)

عباس، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دعا بالرّعاة فجمعوا له، فقال: «من كان منكم يرعى غنما سودا فليخلط فيها بيضا» .
قال [1] : وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني اتخذت غنما رجوت نسلها ورسلها وإني لا أراها تنمو. قال: «فما ألوانها؟» قالت: سود. قال: «عفّري» . أي اخلطي فيها بيضا.
قال: وحدثنا طلحة بن عمرو الحضرميّ، عن عطاء، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «الغنم بركة موضوعة، والإبل جمال لأهلها، والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» [2] .
حنظلة بن أبي سفيان المكّي قال: سمعت طاووسا يقول: من ها هنا أطلع الشيطان قرنيه، من مطلع الشمس. والجفاء والكبر في أهل الخيل والإبل، في الفدّادين أهل الوبر [3] . والسكينة في أهل الغنم [4] .
قال وحدثنا بكر بن خنيس، عن يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال [5] : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «رأس الكفر قبل المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر. والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يمان والحكمة يمانية» .
وعن عوف بن أبي جميلة، عن الحسن، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال [6] : «الفخر في أهل الخيل، والجفاء في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم» .
وعن عثمان بن مقسم، عن نافع، أن ابن عمر حدثه أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول [6] : «السكينة في أهل الغنم» .
والفدّاد: الجافي الصوت والكلام. وأنشدنا أبو الرّدينيّ العكليّ: [من الرجز]
جاءت سليم ولها فديد
__________
[1] انظر الحديث في عيون الأخبار 2/76.
[2] «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» أخرجه البخاري في المناقب، حديث رقم 3443.
[3] الفدادون: المكثرون من الإبل، وقيل: هم الجمّالون والبقّارون والحمّارون والرعيان.
[4] انظر الحاشية التالية.
[5] أخرجه البخاري في بدء الخلق، حديث رقم 3125، 3126، ومسلم في الإيمان، حديث 51، 52.
[6] انظر الحاشية السابقة.
(5/268)

1597-[أخبار ونصوص في الغنم]
وكان من الأنبياء عليهم السلام من رعى الغنم [1] . ولم يرع أحد منهم الإبل.
وكان منهم شعيب، وداود، وموسى، ومحمد؛ عليهم السلام. قال الله عزّ وجلّ:
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى. قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
[2] .
وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يرعى غنيمات خديجة.
والمعزبون [3] بنزولهم البعد من الناس، في طباع الوحش.
وجاء في الحديث: «من بدا جفا» [4] .
ورعاء الغنم وأربابها أرقّ قلوبا، وأبعد من الفظاظة والغلظة.
وراعي الغنم إنما يرعاها بقرب الناس، ولا يعزب، ولا يبدو [5] ، ولا ينتجع [6] .
قالوا: والغنم في النوم غنم.
وقالوا في الغنم: إذا أقبلت أقبلت، وإذا أدبرت أقبلت [7] .
1598-[ما حرمته العرب على أنفسها]
وكان لأصحاب الإبل مما يحرمونه على أنفسه: الحامي [8] والسائبة [9] ،
__________
[1] أخرج البخاري في الإجارة، حديث رقم 2143 «عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» .
[2] 17- 18/طه: 20.
[3] المعزبون: الذين بعدوا بماشيتهم عن الناس في المرعى.
[4] أخرجه أحمد في المسند 2/371، 440، 4/297.
[5] يبدو: يخرج إلى البادية.
[6] ينتجع: يطلب الكلأ في موضعه.
[7] ورد هذا القول في عيون الأخبار 2/76 على أنه حديث، وتتمته فيه: «والإبل إذا أدبرت أدبرت، وإذا أقبلت أدبرت، ولا يأتي نفعها إلا من جانبها الأشأم» ، وانظر تتمة الحديث في النهاية 2/437 (شأم) .
[8] في اللسان: «الحامي: الفحل من الإبل يضرب الضّراب المعدود قيل عشرة أبطن، فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام، أي حمى ظهره فيترك؛ فلا ينتفع منه بشيء؛ ولا يمنع من ماء ولا مرعى» .
اللسان: حما.
[9] في اللسان: «كان الرجل في الجاهلية إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجّته دابة من مشقة أو حرب قال: ناقتي سائبة؛ أي تسيب فلا ينتفع بظهرها، ولا تحلأ عن ماء، ولا تمنع من كلإ، ولا تركب» اللسان: (سيب) .
(5/269)

ولأصحاب الشاء الوصيلة [1] .
والعتيرة أيضا من الشّاء. وكان أحدهم إذا نذر أن يذبح من العتائر والرجبية كذا وكذا شاة، فبلغ الذي كان يتمنّى في نذره، وشحّ على الشاء قال: والظّباء أيضا شاء، وهي تجزي إذا كانت شاء: فيجعل عتائره من صيد الظباء. وقال الحارث بن حلّزة [2] : [من الخفيف]
عنتا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الرّبيض الظّباء
وقال الطّرمّاح [3] : [من الطويل]
كلون الغريّ الفرد أجسد رأسه ... عتائر مظلوم الهديّ المذبّح [4]
ومنها الغدويّ [5] والغذويّ جميعا. وقال الفرزدق [6] : [من الكامل]
ومهور نسوتهم إذا ما أنكحوا ... غذويّ كلّ هبنقع تنبال [7]
1599-[ميل الحيوان على شقة الأيسر]
وقال أبو عتّاب: ليس في الأرض شاة ولا بعير ولا أسد ولا كلب يريد الرّبوض إلا مال على شقّه الأيسر، إبقاء على ناحية كبده.
__________
[1] في اللسان «الوصيلة التي كانت في الجاهلية هي الشاة تلد سبعة أبطن عناقين عناقين، فإن ولدت في الثامنة جديا وعناقا قالوا وصلت أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها، ولا يشرب لبنها النساء؛ وكان للرجال، وجرت مجرى السائبة، وثمة خلاف بين المفسرين في تحديد معاني الحامي والسائبة والوصيلة. انظر كتب التفسير للآية 103 من سورة المائدة: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ.
[2] البيت من معلقته في شرح القصائد السبع 484، وشرح القصائد العشر 399، واللسان (حجر، عتر، عنن) ، والتاج (عتر، عنن) ، والجمهرة 158، 392، وديوان الأدب 2/156، والتهذيب 1/109، 2/263، 4/134، 12/26، والخصائص 3/307، والمعاني الكبير 683، وبلا نسبة في اللسان (ربض) ، والمخصص 13/98.
[3] ديوان الطرماح 114 (101) .
[4] في ديوانه: «الغري: الصنم، كانوا يذبحون عنده، ويلطخونه بالدماء في الجاهلية. شبّه الذئب به في لونه. وأجسد رأسه: أي يبس الدم على رأسه وصبغه باللون الأحمر. والمظلوم من الذبائح: كل ما ذبح منها لغير علة. والهدي: ما كان يهدى للصنم من الذبائح» .
[5] الغدوي: كل ما في بطون الحوامل.
[6] ديوان الفرزدق 729، واللسان (هبقع، غدا، غذا) والتاج (هبقع، نبل، غدا، غذا) ، والتهذيب 3/465، 8/171، 175، ونسب وهما إلى جرير في ديوان الأدب 2/85، وكتاب الجيم 3/14،.
[7] نسوتهم: يعني نسوة بني كليب. الهبنقع: القصير الملزز الخلق. التنبال: القصير.
(5/270)

قال: ومتى تفقدتم الصفايا التي في البيوت، والنعاج، والجداء، والحملان وجدتموها كذلك.
1600-[معالجة العقاب الفريسة]
قال [1] : والعقاب تستعمل كفها اليمنى إذا أصعدت بالأرانب والثعالب في الهواء، وإذا ضربت بمخالبها في بطون الظّباء والذئاب. فإذا اشتكت كبدها أحسّت بذلك، فلا تزال إذا اصطادت شيئا تأكل من كبده، حتى تبرأ. وإن لم تعاين فريسة فربما جلّت [2] على الحمار الوحشيّ فتنقضّ عليه انقضاض الصخرة، فتقدّ بدابرتها [3] ما بين عجب [4] ذنبه إلى منسجه [5] . وقد ذكرنا من شأنها في باب القول فيها ما فيه كفاية.
1601-[أخذ الهارب على يساره حين الهرب]
قال [6] : وليس في الأرض هارب من حرب أو غيرها استعمل الحضر [7] إلا أخذ على يساره، إذا ترك عزمه وسوم [8] طبيعته. وأنشد: [من الطويل]
تخامص عن وحشيّة وهو ذاهل ... وفي الجوف نار ليس يخبو ضرامها [9]
وأنشد الأصمعي للأعشى [10] : [من الطويل]
ويسّر سهما ذا غرار يسوقه ... أمين القوى في ضالة المترنّم [11]
فمرّ نضيّ السّهم تحت لبانه ... وحال على وحشيّة لم يعتّم [12]
__________
[1] وردت هذه الفقرة باختصار في ربيع الأبرار 5/453.
[2] جلّى ببصره: أغمض عينيه ثم فتحهما ليكون أبصر له.
[3] الدابرة: الإصبع التي من وراء رجله، وبها يضرب الصيد.
[4] العجب: الذّنب.
[5] المنسج: ما شخص من فروع الكتفين إلى أصل العنق.
[6] الخبر في عيون الأخبار 2/68.
[7] الحضر: ارتفاع الفرس في عدوه.
[8] السوم: التكليف.
[9] تخامص: تجافى. وحشي كل شيء: شقه الأيسر، وإنسيه: شقه الأيمن، وقد قيل بخلاف ذلك.
[10] ديوان الأعشى 171، والبيت الثاني في اللسان (نضا) ، والأساس (نضو) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (عتم) .
[11] يسّر: هيّأ. الغرار: حد السيف والرمح والسهم. أمين القوى: الوتر. المترنم: القوس.
[12] النضي: نصل السهم. اللبان: الصدر. لم يعتم: لم يبطئ.
(5/271)

قال: ووضع: «على» موضع: «عن» .
1602-[ميل شقشقة الجمل ولسان الثور]
وفي باب آخر يقول أوس بن حجر [1] : [من البسيط]
أو سرّكم في جمادى أن نصالحكم ... إذ الشقاشق معدول بها الحنك [2]
وذلك أنه ليس في الأرض جمل هاج وأخرج شقشقته إلا عدل بها إلى أحد شقّي حنكه، والثور إذا عدا عدل بلسانه عن شقّ شماله إلى يمينه. وقال عبدة بن الطبيب [3] : [من البسيط]
مستقبل الريح يهفو وهو متبرك ... لسانه عن شمال الشّدق معدول [4]
1603-[حال الثور عند الكر والفر]
قال: وإذا كر الكلب أو الثور فهو يصنع خلاف صنيعه عند الفرّ. وقال الأعشى [5] : [من الطويل]
فلما أضاء الصّبح قام مبادرا ... وحان انطلاق الشاة من حيث يمما
فصبّحه عند الشروق غديّة ... كلاب الفتى البكريّ عوف بن أرقما
فأطلق عن مجنوبها فاتّبعنه ... كما هيّج السامي المعسّل خشرما [6]
فأنحى على شؤمى يديه فذادها ... بأظمأ من فرع الذّؤابة أسحما [7]
__________
[1] ديوان أوس بن حجر 80، والمعاني الكبير 868، 1145.
[2] في المعاني الكبير: «قال: كان هذا في جمادى، يقول: أسرّكم أنا سلم لكم في هذا الوقت. ذلك أن بني عامر لما قتلوا بني تميم يوم جبلة قالوا: لم يبق منهم إلا يسير فنغزوهم فنستأصلهم.
فغزوهم يوم ذي نجب فقتلتهم تميم. وقوله: إذ الشقاشق معدول بها الحنك، يريد: إذ تهدرون، والشقشقة أبدا تكون من جانب» .
[3] هو البيت (41) من قصيدته في المفضليات 140.
[4] مستقبل الريح: يستروح بها من حرارة التعب وجهد العدو. المبترك: المعتمد في سيره لا يترك جهدا. معدول: ممال.
[5] ديوان الأعشى 345، والبيت الأول في اللسان (خيم، شوه) ، والتاج (خيم) ، والمذكر والمؤنث 115، وبلا نسبة في المخصص 8/39، 43، 16/111. والبيت الرابع للقطامي في ديوانه 181، واللسان والتاج (شأم) ، والمخصص 2/3، 15/191.
[6] المعسل: الذي يجمع العسل من الخلية. الخشرم: جماعة النحل.
[7] أنحى: اعتمد. الشؤمى: نقيض اليمنى. الأظمأ: القرن الصلب.
(5/272)

ثم قال:
وأدبر كالشّعرى وضوحا ونقبة ... يواعس من حرّ الصّريمة معظما [1]
1604-[علة غزو العرب أعداءهم من شق اليمين]
قال: ولعلم العرب بأن طبع الإنسان داعية إلى الهرب من شقّ الشمال، يحبّون أن يأتوا أعداءهم من شقّ اليمين. قال: ولذلك قال شتيم بن خويلد: [من الطويل]
فجئناهم من أيمن الشّق غدوة ... ويأتي الشّقيّ الحين من حيث لا يدري
وأما رواية أصحابنا فهي: «فجئناهم من أيمن الشق عندهم» .
1605-[الأعسر من الناس واليسر]
وإذا كان أكثر عمل الرجل بيساره كان أعسر، فإذا استوى عملا بهما قيل «أعسر يسر» [2] ، فإذا كان أعسر مصمتا فليس بمستوى الخلق، وهو عندهم إذا كان كذلك فليس بميمون الخلق. ويشتقّون من اليد العسرى العسر والعسرة. فلما سمّوها الشّمال أجروها في الشؤم وفي المشؤوم على ذلك المعنى. وسموها اليد اليسار واليد اليسرى على نفي العسر والنكد، كما قالوا: سليم، ومفازة. ثم أفصحوا بها في موضع فقالوا اليد الشؤمى.
1606-[مما قيل من الشعر في الشمال]
ومما قالوا في الشمال قول أبي ذؤيب [3] : [من الطويل]
أبالصّرم من أسماء جدّ بك الذي ... جرى بيننا يوم استقلّت ركابها
زجرت لها طير الشّمال فإن يكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
وقال شتيم بن خويلد [4] : [من المتقارب]
وقلت لسيّدنا يا حليم ... إنّك لم تأس أسوا رفيقا
__________
[1] الشعرى: نجم. النقبة: اللون. المواعسة: ضرب من السير. الحرّ: وسط الشيء. صريمة الثور:
رملته التي هو فيها.
[2] في النهاية 5/297: «كان عمر أعسر يسرا» ، وهو الذي يعمل بيديه جميعا ويسمى الأضبط.
[3] شرح أشعار الهذليين 42، وديوان الهذليين 1/70، والبيت الثاني في اللسان (طير، شمل، هوا) ، وللهذلي في الجمهرة 272، وبلا نسبة في المقاييس 4/23.
[4] الأبيات في معجم الشعراء 311 في ترجمة معاوية بن حذيفة، والبرصان 351، والبيان 1/181- 182، واللسان (خفق) ، والخزانة 5/170، وتقدمت الأبيات في 3/39، الفقرة (581) .
(5/273)

زجرت بها ليلة كلها ... فجئت بها مؤيدا خنفقيقا
أعنت عديّا على شأوها ... تعادي فريقا وتبقي فريقا
أطعت عريّب إبط الشّمال ... تنحّي لحد المواسي الحلوقا
وقال آخر [1] : [من الطويل]
وهوّن وجدي أنني لم أكن لهم ... غراب شمال ينفض الرّيش حاتما [2]
وإذا مال شقّة قالوا: احولّ شقّه وقال الأشتر بن عمارة [3] : [من المتقارب] .
عشيّة يدعو معتر يال جعفر ... أخوكم أحول الشّقّ مائله
وقال آخر [4] : [من المنسرح]
أيّ أخ كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد
حتى إذا قارب الحوادث من ... خطوي وحلّ الزمان من عقدي
احولّ عنّي وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي
1607-[الوقت الجيد في الحمل على الشاء]
قال الأصمعيّ: الوقت الجيّد في الحمل على الشاء أن تخلّى سبعة أشهر بعد ولادها. ويكون حملها خمسة أشهر، فتولّد في كل سنة مرة. فإن حمل عليها في كل سنة مرتين فذلك الإمغال، يقال: أمغل بنو فلان فهم ممغلون، والشاة ممغل.
وإذا ولّدت الشاة ومضى لها أربعة أشهر فهي لجبة، والجميع اللّجاب واللّجبات. وذلك حين يأخذ لبنها في النقصان.
1608-[استطراد لغوي]
قال: والأير من البعير: المقلم، ومن الحافر الجردان، ومن الظلف كله:
القضيب. ومن الفرس العتيق: النّضيّ. زعم ذلك أبو عبيدة.
__________
[1] البيت للحارث بن حرجة الفزاري في أساس البلاغة (شمل) . وللحارث بن عمرو الفزاري في الوحشيات 62.
[2] الحاتم: الغراب الأسود.
[3] البيت في البرصان 272، والنقائض 930، والبيت قاله في يوم هراميت.
[4] الأبيات لمحمد بن حزم الباهلي في ديوانه 47، والعقد الفريد 2/347، ولأبي الشيص في البرصان 272، وبهجة المجالس 1/711، وبلا نسبة في عيون الأخبار 3/81.
(5/274)

وما أراد من الحافر الفحل فهو الوداق، وهو من الإبل الضّبعة، ومن الضأن الحنوّ. ويقال: حنت تحنو حنوّا، وهي نعجة حان كما ترى. وما كان من المعز فهو الحرمة. ويقال: عنز حرمى. وأنكر بعضهم قولهم: «شاة صارف» وزعم أنه مولد.
قال: وهو من السباع الإجعال، يقال: كلبة مجعل. فإذا عظم بطنها قيل أجحّت فهي مجحّ.
وما كان من الخف فهو مشفر، وما كان من الغنم فهو مرمّة، وما كان من الحافر فهو جحفلة.
1609-[استطراد لغوي آخر]
وإذا قلت لكلّ ذات حمل وضعت، جاز. فإذا ميزت قلت للخف: نتجت، وللظّلف: ولّدت. والبقرة تجري هذا المجرى. وقلت للحافر: نتجت.
ويقال للحافر من بين هذا كله إذا كان في بطنها ولد: نتوج. وإذا عظم بطن الحافر قيل قد أعقّت فهي عقوق، والجماع عقق، وبعضهم يقول: عقائق.
ويقال للبقرة الوحشية نعجة. والبقرة تجري مجرى الضائنة في حالها.
وما كان من الخف فصوته بغام. فإذا ضجّت فهو الرّغاء. فإذا طرّبت في إثر ولدها قيل حنّت. فإذا مدت الحنين قيل سجرت.
قال: والإلماع في السباع وفي الخيل، دون البهائم، وهو أن تشرق ضروعها.
قال: والخروف في الخيل والضأن، دون البهائم كلها.
قال: ويقال للطير: قد قمطها يقمطها. ويقال للتيس والكلب: قد سفد يسفد سفادا. ويقال في الخيل: كامها يكومها كوما، وكذلك في الحافر كلّه. وفي الحمار وحده: باكها يبوكها بوكا.
1610-[ما له سبد ولا لبد]
وتقول العرب [1] : «ما له عندي سبد ولا لبد» . فقدّموا السّبد، ففي هذا المعنى أنهم قدموا الشّعر على الصوف.
فإن قال قائل: فقد قدّموا في مواضع كثيرة ذكر ما هو أخسّ فقالوا: «ما له
__________
[1] انظر ما تقدم ص 255.
(5/275)

عندي قليل ولا كثير» ، و «العير والنّفير» [1] حتى قالوا: الخلّ والزيت، وقالوا: ربيعة ومضر، وسليم وعامر، والأوس والخزرج. وقال الله: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[2] .
والذي يدلّ على أن ذلك الذي قلنا كما قلنا قول الراعي [3] : [من البسيط]
حتى إذا هبط الغيطان وانقطعت ... عنه سلاسل رمل بينها عقد
لاقى أطيلس مشّاء بأكلبه ... إثر الأوابد ما ينمي له سبد [4]
فقدّم السّبد. ثم قال:
يشلي سلوقيّة زلّا جواعرها ... مثل اليعاسيب في أصلابها أود [5]
وقال الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد [6]
وهو لو قال: لم يترك له لبد، ولو قال: ما ينمي له لبد- لقام الوزن، ولكان له معنى. فدلّ ذلك على أنه إنما أراد تقديم المقدّم.
1611-[مفاخرة بين صاحب الضأن وصاحب الماعز]
قال صاحب الضأن: فخرتم على الضأن بأن الإنسان ذو شعر، وأنه بالماعز أشبه، فالإنسان ذو ألية، وليس بذي ذنب، فهو من هذا الوجه بالضأن أشبه.
قال صاحب الماعز: كما فخرتم [7] بقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ
[8] وقلتم: فقد قدّمها، فقال الله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[9] .
__________
[1] العير: ما كان من قريش مع أبي سفيان، والنفير: ما كان منهم مع عتبة بن ربيعة، يوم بدر.
[2] 49/الكهف: 17.
[3] ديوان الراعي النميري 69.
[4] أطيلس: تصغير أطلس، وهو من الرجال الدنس الثياب الوسخ، وأراد به هنا الصائد. الأوابد:
الوحش.
[5] الزل: جمع زلاء، وهي الخفيفة الوركين. الجاعرة: رأس أعلى الفخذ. الأود: العوج.
[6] وفق العيال: أي لها لبن يكفيهم.
[7] انظر ما تقدم ص 242.
[8] 143/الأنعام: 6.
[9] 130/الأنعام: 6.
(5/276)

فإن وجب لضأنك التقديم على الماعز بتقديم هذه الآية- وجب للجنّ التقديم بتلك الآية.
1612-[ذكر أجناس من الحيوان والهمج في القرآن]
علّمك الله علما نافعا، وجعل لك من نفسك سامعا، وأعاذك من العجب، وعرّفك لباس التقوى، وجعلك من الفائزين.
اعلم، رحمك الله تعالى، أن الله جل وعز قد أضاف ست سور من كتابه إلى أشكال من أجناس الحيوان الثلاثة، منها مما يسمونها باسم البهيمة وهي سورة البقرة، وسورة الأنعام، وسورة الفيل، وثلاثة منها مما يعدون اثنتين منها من الهمج [1] . وواحدة من الحشرات [2] .
فلو كان موقع ذكر هذه البهائم، وهذه الحشرات والهمج، من الحكمة والتدبير، موقعها من قلوب الذين لا يعتبرون ولا يفكرون، ولا يميزون، ولا يحصلون الأمور، ولا يفهمون الأقدار- لما أضاف هذه السور العظام الخطيرة، والشريفة الجليلة، إلى هذه الأمور المحقّرة المسخفة [3] ، والمغمورة المقهورة.
ولأمر ما وضعها في هذا المكان، ونوّه بأسمائها هذا التنويه. فافهم، فإن الأديب الفهم [4] ، لا يعوّد قلبه الاسترسال. وخذ نفسك بالفكرة، وقلبك بالعبرة.
[باب في الضفادع]
1613-[القول في الضفادع]
وأنا ذاكر من شأن الضفدع من القول ما يحضر مثلي. وهو قليل في جنب ما عند علمائنا. والذي عند علمائنا لا يحسّ في جنب ما عند غيرهم من العلماء.
والذي عند العلماء قليل في جنب ما عند الأنبياء، والذي عند الأنبياء قليل في جنب ما عند الله تبارك وتعالى.
من ذلك الضّفدع [5] ، لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل
__________
[1] إشارة إلى سورتي النحل والعنكبوت.
[2] إشارة إلى سورة النمل.
[3] أرض مسخفة: أي قليلة الكلأ.
[4] الفهم: السريع الفهم.
(5/277)

في الماء. فإذا صار في فمه بعض الماء صاح. ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا كنّ خارجات من الماء.
والضفادع من الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض في الشطّ، مثل الرّق [1] والسّلحفاة، وأشباه ذلك.
والضفادع تنقّ، فإذا أبصرت النار أمسكت [2] .
1614-[زعم في تخلّق الضفادع] [3]
والضفادع من الحيوان الذي يخلق في أرحام الحيوان، وفي أرحام الأرضين، إذا ألقحتها المياه، لأن اليخّ [4] يخراسان يكبس في الآزاج [5] ، ويحال بينه وبين الرّيح والهواء والشمس، بأحكم ما يقدرون عليه وأوثقه. ومتى انخرق في تلك الخزانة خرق في مقدار منخر الثور حتى تدخله الريح، استحال ذلك اليخّ كله ضفادع.
ولم نعرف حقّ هذا وصدقه من طريق حديث الرجل والرجلين، بل نجد الخبر عنه كالإطباق، وكالخبر المستفيض الذي لا معارض له.
1615-[أعجوبة في الضفادع]
وفيها أعجوبة أخرى [6] : وذلك أنا نجد، من كبارها وصغارها، الذي لا يحصى في غبّ المطر [7] ، إذا كان المطر ديمة، ثم نجدها في المواضع التي ليس بقربها بحر ولا نهر، ولا حوض، ولا غدير، ولا واد، ولا بير. ونجدها في الصّحاصح الأماليس [8] ، وفوق ظهور مساجد الجماعة. حتى زعم كثير من المتكلفين، ومن أهل الخسارة [9] وممن لا يحتفل بسوء الحال عند العلماء، ولا يكترث للشكّ- أنها كانت في السحاب.
__________
[5] انظر هذه الفقرة في ربيع الأبرار 5/440.
[1] الرق: السلحفاة المائية.
[2] انظر ما تقدم 4/501، الفقرة (1259) .
[3] وردت هذه الفقرة باختصار في ربيع الأبرار 5/440. وتقدمت في 3/176.
[4] اليخ: الجليد؛ والثلج. انظر السامي في الأسامي 343، ومعجم استينجاس 1528.
[5] الآزاج: جمع أزج، وهو بيت يبنى طولا.
[6] وردت الأعجوبة في ربيع الأبرار 5/440.
[7] غب المطر: بعده.
[8] الصحصح: الأرض الجرداء المستوية ذات حصى صغار. الإمليس: الأرض التي ليس بها شجر ولا يبيس ولا كلأ ولا نبات ولا يكون فيها وحش.
(5/278)

ولذلك طمع بعض الكذّابين ممن نكره اسمه، فذكر أن أهل أيذج مطروا مرة أكبر شبابيط في الأرض، وأسمنها وأعذبها وأعظمها، وأنهم اشتووا، وملّحوا، وقرّسوا [1] ، وتزوّد منه مسافرهم. وإنما تلك الضفادع شيء يخلق في تلك الحال بمزاوجة الزمان، وتلك المطرة، وتلك الأرض، وذلك الهواء.
1616-[معارف في الضفدع]
والضفادع من الخلق الذي لا عظام له [2] .
ويزعم أصحاب الغرائب أن العلاجيم [3] منها الذكورة السود.
ويقال: «أرسح من ضفدع» [4] .
وتزعم الأعراب أن الضفدع كان ذا ذنب، وأن الضّبّ سلبه إياه [5] وذلك في خرافة من خرافات الأعراب. ويقول آخرون: إن الضفدع إذا كان صغيرا كان ذا ذنب، فإذا خرجت له يدان أو رجلان سقط.
1617-[طائفة من الأمثال]
وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الأروى والنعام» [6] و «حتى يجمع بين الماء والنار» ، و «حتى يشيب الغراب» [7] ، و «حتى يبيضَّ القار» [8] ، و «حتى تقع السماء على الأرض» .
ومن حديث الأمثال: «حتى يجيء نشيط من مرو» [9] . وهو لأهل البصرة.
__________
[9] الخسارة: الضلال والهلاك.
[1] القريس من الطعام: مشتق من القرس الجامد، وسمي القريس قريسا لأنه يجمد فيصير ليس بالجامس ولا بالذائب.
[2] سترد هذه العبارة مرة أخرى في الصفحة الثانية 280، سطر 10.
[3] العلجوم: الضفدع، وقيل هو الذكر منها الشديد السواد.
[4] الرسح: خفة لحم العجز والفخذين، والمثل في مجمع الأمثال 1/315، والمستقصى 1/139، وجمهرة الأمثال 1/501، والدرة الفاخرة 1/211.
[5] انظر هذه الخرافة في مظان المثل.
[6] المثل برواية: «ما يجمع بين الأروى والنعام» في مجمع الأمثال 2/271، والمستقصى 2/335، وأمثال ابن سلام 279، وجمهرة الأمثال 2/169.
[7] فصل المقال 474، 482، والمستقصى 2/59، وجمهرة الأمثال 1/363، وثمار القلوب (675) .
[8] ثمار القلوب (675) .
[9] مجمع الأمثال 1/216، وجمهرة الأمثال 1/361، وثمار القلوب (100) .
(5/279)

و «حتى يجيء مصقلة من طبرستان» [1] ، وهو لأهل الكوفة.
وقال الله عزّ وجلّ: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
[2] .
وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الضب والنون» [3] ، و: «حتى يجمع بين الضفدع والضّبّ!» . وقال الكميت [4] : [من الوافر]
يؤلّف بين ضفدعة وضبّ ... ويعجب أن نبرّ بني أبينا
وقال في النون والضبّ [5] : [من الطويل]
ولو أنهم جاؤوا بشيء مقارب ... لشيء وبالشكل الموافق للشّكل
ولكنهم جاؤوا بحيتان لجّة ... قوامس، والمكنيّ فينا أبا الحسل [6]
1618-[معارف في الضفدع]
[7] وهو من الخلق الذي لا يصاب له عظم [8] . والضفدع أجحظ الخلق عينا.
والأسد تنتابها في الشرائع، وفي مناقع المياه، والآجام والغياض، فتأكلها أكلا شديدا.
وهي من الخلق المائيّ الذي يصبر عن الماء أياما صالحة. والضفادع تعظم ولا تسمن، كالدّرّاج والأرنب، فإنّ سمنهما أن يحتملا اللحم.
وفي سواحل فارس ناس يأكلونها.
1619-[زعم مسيلمة في الضفدع]
ولا أدري ما هيّج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها، حيث جعل بزعمه فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع كم تنقّين! نصفك في الماء ونصفك في الطين! لا الماء تكدّرين، ولا الشارب تمنعين [9] .
__________
[1] جمهرة الأمثال 1/362، والمعارف 403، ومعجم البلدان 4/15، وثمار القلوب (100) .
[2] 40/الأعراف: 7.
[3] المثل برواية: «حتى يؤلف بين الضب والنون» في مجمع الأمثال 1/213، والمستقصى 2/58.
[4] ديوان الكميت 2/113، والمعاني الكبير 640.
[5] ديوان الكميت 2/52.
[6] القوامس: جمع قامس، والقمس: الغوص. أبو الحسل: كنية الضب.
[7] انظر هذه الفقرة في ربيع الأبرار 5/440- 441.
[8] تقدمت هذه العبارة في الصفحة السابقة 279، سطر 11.
[9] انظر قول مسيلمة في اللسان والتاج (نفق) ، وثمار القلوب (261) ، وربيع الأبرار 5/541.
(5/280)

1620-[معيشة الضفادع مع السمك]
والضفادع من الخلق الذي يعيش مع السمك في الماء. وليس كل شيء يعيش في الماء فهو سمك. وقد قال الصّلتان العبديّ، في القضاء الذي قضى بين جرير والفرزدق. والفصل الذي بينهما [1] : [من الطويل]
فإن يك بحر الحنظليَّين زاخرا ... فما تستوي حيتانه والضفادع [2]
1621-[طلب الحيّات والضفادع وإعراضها عن بعض الحيوان]
والحيات تأني مناقع الماء، تطلب الضفادع. والفأر تكون بقرب المياه كثيرة، فلذلك تأتي الحيات تلك المواضع. ولأن صيدها من أسهل الصيد عليها، وهي تعرف صيدها. ألا تراها تحيد عن ابن عرس، وإن رأت جرذا أكبر منه لم تنهنهه دون أن تبتلعه؟! وترى الورل فتفرّ منه. وترى الوحرة [3] فتشدّ عليها، وترى القنفذ- وإن صغر- فلا تجترئ أن تمرّ به خاطفة، وترى الوبرة [4] ، وهي مثل ذلك القنفذ مرتين فتأكلها.
ولطلبها الضفادع بالليل في الشرائع يقول الأخطل [5] : [من الطويل]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
وقد سرق معناه بعض الشّعراء، فقال- وهو يذكر الضفدع، وأنه لا ينقّ حتى يدخل حنكه الماء [6] : [من الرجز]
يدخل في الأشداق ماء ينصفه ... كيما ينقّ والنّقيق يتلفه
__________
[1] البيت للصلتان العبدي في النقائض 1050، والأمالي 2/141، والشعر والشعراء 315 (ليدن) ، والمؤتلف 145، والخزانة 1/306 (بولاق) .
[2] أراد بالحنظليين جريرا والفرزدق، لأن نسب كلّ منهما ينتهي إلى حنظلة.
[3] الوحرة: دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعظاء لا تطأ طعاما أو شرابا إلا شمته، وهي على شكل سام أبرص. حياة الحيوان 2/411.
[4] الوبرة: دويبة أصغر من السنور، طحلاء اللون: تقيم في البيوت. حياة الحيوان 2/409- 410.
[5] تقدم البيت في 3/130، 4/377.
[6] تقدم البيت في 3/129- 130، الفقرة (728) ، وهو بلا نسبة في عيون الأخبار 5/532، وحياة الحيوان 1/646.
(5/281)

1622-[شعر في الضفادع]
وقال زهير [1] : [من البسيط]
وقابل يتغنَّى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائما دفقا [2]
يحيل في جدول تحبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا [3]
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا [4]
وقال أوس بن حجر [5] : [من الطويل]
فباكرن جونا للعلاجيم فوقه ... مجالس غرقى لا يحلا ناهله [6]
جون قال: يريد غديرا كثير الماء. قال: وإذا كثر الماء وكثر عمقه اسودّ في العين. والعلاجيم: الضفادع السود؛ وجعلها غرقى، يقول: هي فيما شاءت من الماء، كقولك: فلان في خير غامر من قبل فلان. وجعل لها مجالس حول الماء وفوقه، لأن هذه الأجناس- التي تعيش مع السمك في الماء وليست بسمك- أكثر حالاتهن إذ لم تكن سمكا خالصا أن تظهر على شطوط المياه، وفي المواضع التي تبيض فيها من الدّغل [7] . وذلك كالسّرطان والسّلحفاة، والرّق [8] ، والضفدع، وكلب الماء، وأشباه ذلك.
__________
[1] ديوان زهير 43- 44، والأول في اللسان والتاج (قبل) ، والجمهرة 372، وبلا نسبة في المقاييس 5/35، والثاني في اللسان والتاج (نطق) ، وبلا نسبة في اللسان (حول) ، والثالث في اللسان والتاج (شرب، طحل) ، والتهذيب 4/386، والجمهرة 1329، وديوان الأدب 1/234، والأساس (طحل) .
[2] في ديوانه: «القابل: الذي يقبل الدلو. والعراقي: الخشبتان كالصليب على الدلو. ودفق الماء:
صبه في الحوض. ويقال: قبل الدلو يقبلها قبالة، إذا تلقاها» .
[3] في ديوانه: «يحيل: يصب. وتحبو ضفادعه كما تحبو الصبيان. وإنما أراد أن الماء في جدول لا ييبس، فهو دائم الماء. ولولا ذلك لم تكن فيه ضفادع. والنطق: الطرائق، واحدها نطاق. وقال أبو عمرو: وهو أن يجتمع الغثاء على الماء فيصير كأنه نطاق حوله إذا يبس» .
[4] في ديوانه: «الشربات: واحدتها شربة، وهي حياض تحفر في أصول النخل من شق واحد؛ فتملأ ماء. طحل: كدر.
[5] البيت في ملحق ديوان أوس بن حجر 140، والمعاني الكبير 639، والعمدة 2/251، وهو لطفيل الغنوي في ديوانه 84، وبلا نسبة في كتاب الجيم 2/345.
[6] يحلّأ: يمنع من ورود الماء.
[7] الدغل: الشجر الكثيف الملتف.
[8] الرق: السلحفاة المائية.
(5/282)

1623-[استطراد لغوي]
ويقال: نقّ الضفدع ينقّ نقيقا، وأنقض ينقض إنقاضا.
وقال رؤبة [1] : [من الرجز]
إذا دنا منهن إنقاض النّقق ... في الماء والساحل خضخاض البثق [2]
1624-[سمع الضفدع]
وقد زعم ناس أن أبا الأخزر الحمّاني حيث قال: [من الرجز]
تسمّع القنقن صوت القنقن [3]
إنما أراد الضفدع. قالوا: وكذلك الطّرماح حيث يقول [4] : [من الطويل]
يخافتن بعض المضغ من خشية الرّدى ... وينصتن للصوت انتصات القناقن
قالوا: لأن الضفدع جيّد السمع إذا ترك النقيق وكان خارجا من الماء. وهو في ذلك الوقت أحذر من الغراب [5] والعصفور والعقعق [6] ، وأسمع من فرس [7] ، وأسمع من قراد [7] ، وأسمع من عقاب [8] . وبكل هذا جاء الشعر.
ذكر ما جاء في الضفادع في الآثار
إبراهيم بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي خالد بن فارض، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن قتل الضفدع» [9] .
__________
[1] ديوان رؤبة 103، واللسان (مصع، نقق) ، والتاج (بثق) .
[2] الخضخاض: الكثير الماء والشجر. البثق: أراد به الزرع نفسه.
[3] القنقن: الذي يسمع فيعرف مقدار الماء في البئر قريبا أو بعيدا.
[4] ديوان الطرماح 485 (268) ، واللسان والتاج (نصت، قنن) ، والأساس (قنن) ، والتهذيب 8/294، 12/155، وبلا نسبة في الجمهرة 1209، والعين 5/27.
[5] أحذر من غراب: من الأمثال في مجمع الأمثال 1/226، والمستقصى 1/62، وجمهرة الأمثال 1/396.
[6] أحذر من عقعق: من الأمثال في مجمع الأمثال 1/227، والمستقصى 1/61، وجمهرة الأمثال 1/396.
[7] مجمع الأمثال 2/349، وأمثال ابن سلام 360، والمستقصى 1/173، وفصل المقال 492.
[8] المستقصى 1/173، ومجمع الأمثال 1/355.
[9] ربيع الأبرار 5/441.
(5/283)

قال: وحدّثنا سعيد عن قتادة قال: سمعت زرارة يحدّث أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: «لا تسبّوا الضفادع فإنّ أصواتها تسبيح» [1] .
قال: وحدثنا هشام صاحب الدّستوائي، عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: «لا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقهنّ تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش، فإنه إذا خرب بيت المقدّس قال: يا ربّ سلّطني على البحر حتى أغرقهم» .
وعن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن زرارة، قال: قال عبد الله بن عمرو: «لا تقتلوا الخفاش، فإنه استأذن البحر أن يأخذ من مائه فيطفئ بيت المقدس حيث حرّق. ولا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح» .
وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وفي إسناد له: أن طبيبا ذكر الضّفدع عند النبي صلّى الله عليه وسلّم، ليجعل في دواء، فنهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن قتل الضفدع» .
1625-[ما يوصف بجودة الحراسة وشدة الحذر]
والعرب تصف هذه الأصناف التي ذكرناها بجودة الحراسة، وبشدة الحذر، وأعطوا الثعلب والذّئب أمورا لا يبلغها كثير من الناس.
1626-[قول عجيب لصاحب المنطق في الغرانيق]
وقال صاحب المنطق في الغرانيق [2] قولا عجيبا. فزعم أن الغرانيق من الطيور القواطع [3] ، وليست من الأوابد. وأنها إذا أحسّت بتغيّر الزمان اعتزمت على الرجوع إلى بلادها وأوكارها. وذكر أنها بعيدة سحيقة. قال: فعند ذلك تتخذ قائدا وحارسا، ثم تنهض معا، فإذا طارت ترفعت في الجواء جدّا، كي لا يعرض لها شيء من سباع الطير، أو يبلغها سهم أو بندق. وإن عاينت غيما أو مطرا، أو خافت مطرا، أو سقطت لطلب ما لا بدّ لها منه من طعم، أو هجم عليها الليل- أمسكت عن الصياح، وضمَّت إليها أجنحتها. فإذا أرادت النوم أدخل كل واحد منها رأسه تحت جناحه، لأنه يرى أن الجناح أحمل لما يرد عليه من رأسه، أو بعض ما في رأسه: من العين وغير ذلك،
__________
[1] ربيع الأبرار 5/441.
[2] الغرانيق: نوع من الكراكي، وهو طائر أبيض طويل العنق، من طير الماء. حياة الحيوان 2/113.
[3] القواطع: التي تقطع إلى الناس، أي ترحل إليهم.
(5/284)

ويعلم أنه ليس بعد ذهاب الرأس حياة. ثم ينام كل واحد منها وهو قائم على رجليه، لأنه يظن أنه إن مكّنهما نام إن كان لا يحب النوم. أو نام نوما ثقيلا إن كان يحب أن يكون نومه غرارا [1] . فأما قائدها وسائقها وحارسها، فإنه لا ينام إلا وهو مكشوف الرأس. وإن نام فإن نومه يكون أقلّ من الغشاش [2] . وينظر في جميع النواحي، فإن أحسّ شيئا صاح بأعلى صوته.
1627-[صيد طير الماء]
وسألت بعض من اصطاد في يوم واحد مائة طائر من طير الماء، فقلت له: كيف تصنعون؟ قال: إن هذا الذي تراه ليس من صيد يوم واحد، وإن كلّه صيد في ساعة واحدة. قلت له: وكيف ذاك؟ قال: وذلك أنا نأتي مناقع الماء ومواضع الطير، فنأخذ قرعة يابسة صحيحة. فنرمي بها في ذلك الماء، فإذا أبصرها الطير تدنو منه بدفع الرّيح لها في جهته، مرة أو مرتين فزع. فإذا كثر ذلك عليه أنس. وإنما ذلك الطير طير الماء والسّمك [3] ، فهي أبدا على وجه الماء. فلا تزال الرّيح تقرّبها وتباعدها، وتزداد هي بها أنسا، حتى ربما سقط الطائر عليها، والقرعة في ذلك إما واقفة في مكان، وإما ذاهبة وجائية. فإذا لم نرها تنفر منها أخذنا قرعة أخرى، أو أخذناها بعينها، وقطعنا موضع الإبريق [4] منها، وخرقنا فيها موضع عينين، ثم أخذها أحدنا فأدخل رأسه فيها، ثم دخل الماء ومشى فيه إليها مشيا رويدا، فكلما دنا من طائر قبض على رجليه ثم غمسه في الماء، ودقّ جناحه وخلّاه، فبقي طافيا فوق الماء يسبح برجليه، ولا يطيق الطيران، وسائر الطير لا ينكر انغماسه. ولا يزال كذلك حتى يأتي على آخر الطير. فإذا لم يبق منها شيء رمى بالقرعة عن رأسه، ثمّ نلقطها ونجمعها ونحملها.
1628-[نفع الضفدع]
قال: ومن جيّد ما يعالج به الملسوع، أن يشقّ بطن الضفدع، ثم يرفد [5] به موضع اللسعة. ولسنا نعني لدغة الحية، وإنما نعني لسعة العقرب.
__________
[1] غرارا: قليلا خفيفا.
[2] الغشاش: القليل.
[3] أي الطائر الذي يغتذي بالسمك.
[4] أراد طرفها الدقيق.
[5] الرفد: وضع الرفادة على الجرح، وهي الخرقة.
(5/285)

1629-[حيرة الضفدع والأسد عند رؤية النار]
والضفدع إذا رأى النار أمسك عن النقيق [1] ، وإذا رأى الفجر. والأسد إذا رأت النار أحجمت عن الإقدام. وإذا اشتد الأصوات.
1630-[استطراد لغويّ]
قال: ويقال للضفدع: نقّ ينقّ، وهدر يهدر. وقال الراعي: [من المتقارب]
فأوردهنّ قبيل الصباح ... عينا ضفادعها تهدر
1631-[قول صاحب المنطق في الضفادع والسمك]
وأما قول صاحب المنطق في أن الضفادع لا تنقّ حتى تدخل فكها الأسفل في الماء، لأن الصوت لا يجيئها حتى يكون في فكها ماء، فقد قال ذلك، وقد وافقه عليه ناس من العلماء، وادعوا في ذلك العيان [2] .
فأما زعمه أن السمكة لا تبتلع شيئا من الطعم إلا ببعض الماء، فأيّ عيان دلّ على هذا؟! وهذا عسر.
[باب في الجراد]
(القول في الجراد) أحضرني على اسم الله ذهنك، وفرّغ لما ألقيه إليك قلبك، فربّ حرف من حروف الحكم الشريفة، والأمثال الكريمة- قد عفا أثره، ودثر ذكره، ونبا الطَّرف عنه، ولم يشغل الذهن بالوقوف عليه. وربّ بيت هذا سبيله، وخطبة هذه حالها.
ومدار الأمر على فهم المعاني لا الألفاظ، والحقائق لا العبارات. فكم من دارس كتابا خرج غفلا كما دخل، وكم من متفهّم لم يفهم؟! ولن يستطيع الفهم إلا من فرَّع قلبه للتفهم، كما لا يستطيع الإفهام إلا من صحت نيته في التعليم.
1632-[فضل الإنسان على سائر الحيوان]
فأقول: إن الفرق الذي بين الإنسان والبهيمة، والإنسان والسّبع والحشرة، والذي صيّر الإنسان إلى استحاق قول الله عزّ وجلّ:
__________
[1] انظر ما تقدم ص 277- 278.
[2] انظر ما تقدم ص 277- 278، وربيع الأبرار 5/440.
(5/286)

وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[1] ليس هو الصورة، وأنه خلق من نطفة وأن أباه خلق من تراب، ولا أنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين.
والفرق الذي هو الفرق إنما هو الاستطاعة والتمكين. وفي وجود الاستطاعة وجود العقل والمعرفة. وليس يوجب وجودهما وجود الاستطاعة.
وقد شرّف الله تعالى الجانّ وفضّله على السّبع والبهيمة، بالذي أعطاه من الاستطاعة الدالة على وجود العقل والمعرفة.
وقد شرّف الله الملائكة وفضلهم على الجانّ، وقدمهم على الإنسان وألزمهم من التكليف على حسب ما خوّلهم من النعمة. وليست لهم صورة الإنسان ولم يخلقوا من النّطف، ولا خلق أبوهم من التراب. وإنما الشأن في العقل، والمعرفة، والاستطاعة.
أفتظنّ أن الله عز وجل يخصّ بهذه الخصال بعض خلقه دون بعض، ثم لا يطالبهم إلا كما يطالب بعض من أعدمه ذلك، وأعراه منه؟! فلم أعطاه العقل، إلا للاعتبار والتفكير؟! ولم أعطاه المعرفة، إلا ليؤثّر الحقّ على هواه؟! ولم أعطاه الاستطاعة، إلا لإلزام الحجة؟! فهل فكّرت قطّ في فصل [2] ما بينك وبين الخلق المسخّر لك، وبين الخلق الذي جعل لك والخلق المسلط عليك؟! وهل فكّرت قط في فصل ما بين ما جعله عليك عاديا؟! وبين ما جعله لك غاذيا؟! وهل فكرت قطّ في فصل ما بين الخلق الذي جعل لك عذابا، والخلق الذي جعل لك قاتلا، وبين ما آنسه بك وبين ما أوحشه منك، وبين ما صغّره في عينك وعظّمه في نفسك، وبين ما عظّمه في عينك وصغّره في نفسك؟!.
بل هل فكرت في النحلة والعنكبوت والنملة، أنت ترى الله تقدّس وعزّ كيف نوّه بذكرها ورفع من قدرها، وأضاف إليها السّور العظام، والآيات الجسام، وكيف جعل الإخبار عنها قرآنا وفرقانا، حيث يقول: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[3] . فقف
__________
[1] 13/الجاثية: 45.
[2] الفصل: الفرق.
[3] 1/النحل: 16.
(5/287)

على صغر النحلة وضعف أيدها [1] ، ثمّ ارم بعقلك إلى قول الله: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
[2] ، فإنك تجدها أكبر من الطّود، وأوسع من الفضاء. ثم انظر إلى قوله: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ
[3] . فما ترى في مقدار النملة في عقل الغبيّ، وغير الذّكيّ؟! فانظر كيف أضاف الوادي إليها، وخبر عن حذرها ونصحها لأصحابها، وخوفها ممن قد مكّن، فإنك تجدها عظيمة القدر، رفيعة الذكر، قد عظمها في عقلك، بعد أن صغرها في عينك.
1633-[عجز الإنسان وصغر قدره]
وخبّرني عن الله تعالى، أمّا كان قادرا أن يعذّب الكنعانيين، والجبابرة، والفراعنة، وأبناء العمالقة: من نسل عاد وثمود، وأهل العتوّ والعنود- بالشياطين ثم بالمردة، ثم بالعفاريت، ثم بالملائكة الذين وكّلهم الله تعالى بسوق السحاب، وبالمدّ والجزر، وبقبض أرواح الخلق. وبقلب الأرضين، وبالماء والريح، وبالكواكب والنيران، وبالأسد والنمور والببور [4] وبالفيلة والإبل والجواميس، وبالأفاعي والثعابين وبالعقارب والجرارات، وبالعقبان والنسور، وبالتماسيح، وباللّخم [5] والدّلفين.
فلم عذّبهم بالجراد والقمّل والضفادع؟! وهل يتلقّى عقلك قبل التفكير إلا أنه أراد أن يعرّفهم عجزهم، ويذكّرهم صغر أقدارهم، ويدلّهم على ذلك بأذلّ خلقه، ويعرفهم أن له في كل شيء جندا، وأن القويّ من قوّاه وأعانه، والضعيف من ضعّفه، والمنصور من نصره، والمخذول من خلّاه وخذله، وأنه متى شاء أن يقتل بالعسل الماذي والماء الزّلال كما يقتل بالسمّ الساري، والسيف الماضي قتل؟
ولم كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا رأى على جسده البثرة ابتهل في الدعاء وقال: «إن الله تعالى إذا أراد أن يعظم صغيرا عظمه» ؟! ولم قال لنا: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ
[6] ؟! فافهم عنه تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه قوله: «آيات» ثم قال:
__________
[1] الأيد: القوة.
[2] 69/النحل: 16.
[3] 88/النمل: 27.
[4] الببر: ضرب من السباع، قيل إنه متولد من الزبرقان واللبوة.
[5] اللخم: سمك بحري يقال له الكوسج. حياة الحيوان 2/305.
[6] 133/الأعراف: 7.
(5/288)

«مفصّلات» . فهل وقفت قطّ على هذه الآيات؟! وهل توهّمت تأويل قوله: هذا آية وغير آية؟! وهل وقفت على فصل ما بين الآية وغير الآية، وإذا كانت مفصّلات كان ماذا، وإذا لم تكن مفصلات كان ماذا.
فافهم قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ
. وما في الأرض أنقص معرفة وعلما، ولا أضعف قوة وبطشا، ولا أوهن ركنا وعظما من ضفدع. فقد قال- كما ترى:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ
. فقد جعله- كما ترى- أفضل آياته والعذاب الذي أرسله على أعدائه.
وقد قال جل وعز: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ
[1] فأظهر الماء جلّ ثناؤه من أبعد مواضع الماء من ظنونهم، وخبّرنا بذلك كي لا نخلي أنفسنا من الحذر والإشفاق، ولنكون علماء بالعلم الذي أعطانا، ولنكون راجين خائفين، ليصحّ الاختيار، ويحسن الاختبار: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[2] . ما أحسن ما قدَّر، وأتقن ما برأ!.
1634-[سيل العرم]
وكان السبب الذي سلطه الله تعالى على العرم، وهو مسنّاة جنّتي بلاد سبإ، جرذا، فهو الذي خرقه، وبدّل نعمتهم بؤسا، وملكهم يبابا وعزَّهم ذلّا، إلى أن عادوا فقراء [3] . فقال الله: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ
[4] . هذا بعد أن قال: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
[5] .
1635-[شعر في سد مأرب]
وقال الأعشى [6] : [من المتقارب]
__________
[1] 27/المؤمنون: 23.
[2] 14/المؤمنون: 32.
[3] انظر معجم البلدان (مأرب) .
[4] 16/سبأ: 34.
[5] 15- 16/سبأ: 34.
[6] ديوان الأعشى 93، ومعجم البلدان 5/37 (مأرب) ، ومروج الذهب 2/322. والأول بلا نسبة في اللسان (قفا) ، والتهذيب 9/327.
(5/289)

ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قفّى عليه العرم [1]
رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم
وأنشد أبو عمرو بن العلاء [2] : [من المنسرح]
من سبإ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
1636-[باب القول في الجراد]
ثم انظر إلى الجراد وهذا باب القول فيه.
قال: فأول ما يبدو الجراد إذا باض سرء، وسرؤه: بيضه.
يقال: سرأت تسرأ سرءا.
فانظر الآن، فكم ترى فيه من أعجوبة، ومن آية بليغة. فأوّل ذلك التماسها لبيضها الموضع الصّلد، والصخور الصّمّ الملس، ثقة بأنها إذا ضربت بأذنابها فيها انفرجت لها.
1637-[ذنب الجرادة وإبرة العقرب]
ومعلوم أن ذنب الجرادة ليس في خلقة المسمار، ولا طرف ذنبها كحد السّنان، ولا لها من قوة الأسر، ولذنبها من الصّلابة [3] ما إذا اعتمدت به على الكدية [4] والكذّانة [5] جرح فيهما. فكيف وهي تتعدى إلى ما هو أصلب من ذلك، وليس في طرف ذنبها كإبرة العقرب؟!.
وعلى أن العقرب ليس تخرق القمقم من جهة الأيد [6] وقوة البدن [7] ، بل إنما
__________
[1] قفى: عفى ودرس.
[2] البيت للنابغة الجعدي في ديوانه 134، والجمهرة 773، 1022 والسمط 18، وشرح أبيات سيبويه 2/241، واللسان (عرم) ، وله أو لأمية بن أبي الصلت في الخزانة 9/139، ولأمية بن أبي الصلت في ديوانه 490، وللأعشى في معجم ما استعجم 1170، وبلا نسبة في مروج الذهب 2/321، والاشتقاق 489، والإنصاف 2/502، والجمهرة 1107، والكتاب 3/253، واللسان (سبأ) .
[3] انظر 4/41، الفقرة (1166) .
[4] الكدية: الصفاة العظيمة الشديدة.
[5] الكذانة: حجارة كأنها المدر فيها رخاوة.
[6] الأيد: القوّة.
[7] انظر ما تقدم في 414- 415.
(5/290)

ينفرج بطبع مجعول هناك. وكذلك انفراج الصخور لأذناب الجراد.
ولو أن عقابا أرادت أن تخرق في جلد الجاموس لما انخرق لها إلا بالتكلّف الشديد، والعقاب هي التي تنكدر [1] على الذئب الأطلس فتقدّ بدابرتها [2] ما بين صلاه [3] إلى موضع الكاهل.
فإذا غرزت الجرادة وألقت بيضها، وانضمّت عليها تلك الأخاديد التي أحدثتها، وصارت كالأفاحيص لها، وصارت حافظة لها ومربّية. وصائنة وواقية، حتى إذا جاء وقت دبيب الرّوح فيها أحدث الله في أمرها عجبا آخر. فسبحان من استخزنها حكمته، وحشاها بالأدلة عليه، وأنطقها بأنها مدبرة، ومذلَّلة ميسرة، ليفكر مفكر، ويعتبر معتبر! ذلكم الله ربّ العالمين، وتبارك الله ربّ العالمين!
1638-[استطراد لغوي]
وقال الأصمعي [4] : يقال: قد سرأت الجرادة تسرأ سرءا. فإذا خرج من بيضه فهو دبا والواحدة دباة. ويخرج أصهب إلى البياض، فإذا اصفرّ وتلوّنت فيه خطوط واسودّ فهو برقان. يقال رأيت دبا برقانا، والواحدة برقانة، فإذا بدت فيه خطوط سود وبيض وصفر فهو المسيّح. فإذا بدا حجم جناحه فذلك الكتفان، لأنه حينئذ يكتف المشي، واحدة كتفانة. قال ابن كناسة: [من الخفيف]
يكتف المشي كالذي يتخطّى ... طنبا أو يشكّ كالمتمادي [5]
يصف فرسا. فإذا ظهرت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة فهو الغوغاء والواحدة غوغاءه، وذلك حين يستقلّ ويموج بعضه في بعضه ولا يتوجّه جهة. ولذلك قيل لرعاع الناس غوغاء.
فإذا بدت في لونه الحمرة والصفرة، وبقي بعض الحمرة، واختلف في ألوانه، فهو الخيفان، والواحدة خيفانة. ومن ثمّة قيل للفرس خيفانة.
__________
[1] تنكدر: تنقضّ.
[2] تقد: تقطع. الدابرة: الإصبع التي من وراء رجلها.
[3] الصلا: وسط الظهر.
[4] انظر قول الأصمعي في نهاية الأرب 10/293، وورد بعض من هذا القول في اللسان 2/493 (سيح) ، وانظر نظام الغريب 219 (الباب 82: في أسماء الجراد) .
[5] الطنب: حبل الخباء. المتمادي: اللجوج.
(5/291)

فإذا اصفرّت الذكورة واسودّت الإناث ذهبت عنه أسماء غير الجراد. فإذا باض قيل غرز الجراد، وقد رزّ.
فإذا كثر الجراد في السماء وكثف فذلك السّدّ. ويقال: رأيت سدّا من جراد، ورأيت رجلا من جراد، للكثير منه. وقال العجاج [1] : [من الرجز]
سير الجراد السّدّ يرتاد الخضر
1639-[مثل في الجراد]
ومما تقول العرب: «أصرد من جرادة» [2] . وإنما يصطاد الجراد بالسّحر. إذا وقع عليه الندى طلب مكانا أرفع من موضعه، فإن كان مع النّدى برد لبد في موضعه. ولذلك قال الشاعر [3] : [من الكامل]
وكتيبة لبّستها بكتيبة ... كالثائر الحيران أشرف للنّدى
الثائر: الجراد. أشرف: أتى على شرف. للندى: أي من أجل الندى.
1640-[استطراد لغوي]
ويقال: سخّت الجرادة تسخّ سخّا، ورزّت وأرزّت، وجرادة رزّاء ورازّ ومرزّ: إذا غمزت ذنبها في الأرض، وإذا ألقت بيضها قيل: سرأت تسرأ سرءا.
ويقال: قد بشر الجراد الأرض فهو يبشرها بشرا: إذا حلقها فأكل ما عليها.
ويقال: جرد الجراد: إذا وقع على شيء فجرده. وأنشدني ابن الأعرابي [4] : [من الطويل]
كما جرد الجارود بكر بن وائل
ولهذا البيت سمّي الجارود.
__________
[1] ديوان العجاج 1/81، والأساس (سدد) ، ونظام الغريب 219، وبلا نسبة في اللسان (سدد) ، والجمهرة 111، والتنبيه والإيضاح 2/27.
[2] مجمع الأمثال 1/413، وجمهرة الأمثال 1/585، والمستقصى 1/207، والدرة الفاخرة 1/267.
[3] البيت لأبي بكر في كتاب الجيم 2/243، وبلا نسبة في مجالس ثعلب 24.
[4] صدر البيت: «ودسناهم بالخيل من كلّ جانب» ، وهو في العين 6/76، واللسان (جرد) ، والتهذيب 10/639، والجمهرة 446، وكتاب الجيم 3/71، والاشتقاق 327، والمعارف 338.
(5/292)

وأنشدني آخر: [من الطويل]
يقول أمير: ها جراد وضبّة ... فقد جردت بيتي وبيت عياليا
وهذا من الاشتقاق.
ومنه قيل ثوب جرد، بإسكان الراء، إذا كان قد انجرد وأخلق. قالت سعدى بنت الشّمردل [1] : [من الكامل]
سبّاء عادية وهادي سربة ... ومقاتل بطل وليث مسلع [2]
أجعلت أسعد للرّماح دريئة ... هبلتك أمّك أيَّ جرد ترقع [3]
1641-[تطيّر النابغة]
ويدخل في هذا الباب ما حدّثنا به الأصمعيّ، قال [4] : تجهز النابغة الذبيانيّ مع زبَّان بن سيَّار الفزاريّ، للغزو. فلما أراد الرحيل نظر إلى جرادة قد سقطت عليه، فقال: «جرادة تجرد، وذات لونين. غيري من خرج في هذا الوجه» ولم يلتفت زبّان إلى طيرته وزجره، ونفذ لوجهه، فلما رجع إلى موضعه الذي كان النابغة فارقه فيه، وذكر ما نال من السلامة والغنيمة، أنشأ يذكر شأن النابغة فقال [5] : [من الوافر]
تخبّر طيره فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير
أقام كأنَّ لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير
تعلَّم أنه لا طير إلا ... على متطيّر وهو الثبور
بلى، شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا، وباطله كثير
__________
[1] البيتان في الأصمعيات 103، والحماسة الشجرية 1/306، ونوادر أبي زيد 7، ولسلمى الجهنية في اللسان والتاج (حضر) ، والبيت الأول لسعدى بنت الشمردل أو لسلمى الجهنية أو لتأبط شرّا أو لبعض الهذليين في شرح شواهد الإيضاح 390، ولتأبط شرّا في السمط 36، وبلا نسبة في اللسان والتاج والأساس (جرد) ، والثاني لسلمى الجهنية في اللسان والتاج (سلع) ، وللخنساء في العين 1/335، والتهذيب 2/99، وبلا نسبة في المخصص 12/36.
[2] سباء: من السبي؛ وهو الأسر. العادية: الخيل تعدو. السرية: السير بالليل. المسلع: الذي يشق الفلاة.
[3] الدريئة: الحلقة التي يتعلم الرامي الطعن والرمي عليها. الجرد: الثوب: الخلق.
[4] تقدم الخبر في 3/213، الفقرة (864) .
[5] الأبيات في البيان 3/304، والعمدة 2/262، وعيون الأخبار 1/146، وقد تقدمت الأبيات مع الخبر السابق في 3/213، الفقرة (864) .
(5/293)

واسم النابغة زياد بن عمرو، وكنيته أبو ثمامة. وأنشدني أبو عبيدة [1] : [من الطويل]
وقائلة: من أمّها واهتدى لها؟ ... زياد بن عمرو أمَّها واهتدى لها
1642-[استطراد لغوي]
قال: ويقال أبشرت الأرض إبشارا: إذا بذرت فخرج منها بذرها. فعند ذلك يقال: ما أحسن بشرة الأرض.
وقال الكميت- وكنية الجراد عندهم: أمّ عوف. وجناحاها: برداها- ولذا قال [2] : [من الطويل]
تنفّض بردي أمّ عوف ولم تطر ... لنا بارق، بخ للوعيد وللرّهب [3]
وأنشدنا أبو زيد [4] : [من البسيط]
كأن رجليه رجلا مقطف عجل ... إذا تجاوب من برديه ترنيم
يقول: كأنَّ رجلي الجندب، حين يضرب بهما الأرض من شدة الحرّ والرّمضاء، رجلا رجل مقطف. والمقطف: الذي تحته دابّة قطوف [5] ، فهو يهمزها [6] برجليه.
1643-[شعر في الجندب والجراد]
وقال أبو زبيد الطائيّ [7] ، يصف الحرّ وشدته، وعمل الجندب بكراعيه: [من الخفيف]
__________
[1] البيت للنابغة للذبياني في ديوانه 205، واللسان والتاج (قصد) ، والتهذيب 8/353.
[2] ديوان الكميت 1/128، واللسان (برد، عوف) ، والمخصص 8/174، والتهذيب 3/230، 14/108.
[3] بردا الجراد: جناحاه. بارق: قبيلة من الأزد. الرهب: الخوف.
[4] البيت لذي الرمة في ديوانه 419، واللسان والتاج (جدب، جوب، برد، قطف، رنم) ، والتهذيب 11/253، 14/108، والمقاييس 4/237، والمجمل 1/261، والعين 8/30، وديوان الأدب 2/316، وبلا نسبة في المخصص 10/145.
[5] القطوف: المتقارب الخطو البطيء.
[6] يهمزها: يضربها ويدفعها.
[7] ديوان أبي زبيد الطائي 579، والحماسة البصرية 2/358، والخزانة 7/322، وتقدمت الأبيات مع شرحها ص 128.
(5/294)

أيّ ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصابح الجوزاء
واستكنّ العصفور كرها مع الضَّبّ وأوفى في عوده الحرباء ونفى الجندب الحصى بكراعيه وأذكت نيرانها المعزاء وأنشد أبو زيد، لعوف بن ذروة [1] ، في صفة الجراد: [من الرجز]
1- قد خفت أن يحدرنا للمصرين ... ويترك الدّين علينا والدَّين [2]
3- زحف من الخيفان بعد الزّحفين ... من كلّ سفعاء القفا والخدّين [3]
5- ملعونة تسلخ لونا عن لون ... كأنها ملتفَّة في بردين
7- تنحي على الشمراخ مثل الفأسين ... أو مثل مئشار غليظ الحرفين [4]
9- أنصبه منصبه في قحفين [5]
وعلى معنى قوله:
تنحي على الشمراخ مثل الفأسين ... أو مثل مئشار غليظ الحرفين
قال حماد لأبي عطاء [6] : [من مجزوء الوافر]
فما صفراء تكنى أمَّ عوف ... كأنَّ رجيلتيها منجلان
1644-[تشبيه الفرس بالجرادة]
ويوصف الفرس فيشبه بالجرادة، ولذا قال الشاعر: [من الكامل]
فإذا أتيت أباك فاشتر مثلها ... إنّ الرّداف عن الأحبَّة يشغل
فإذا رفعت عنانها فجرادة ... وإذا وضعت عنانها لا تفشل
__________
[1] الرجز لعوف بن ذروة في محاضرات الأدباء 2/304 (4/669) ، ونوادر أبي زيد 48، والأول والثالث بلا نسبة في اللسان (زحف) ، والخامس والسادس في المعاني الكبير 613، وبلا نسبة في الجمهرة 1279، وتقدم الخامس في 4/369 بلا نسبة.
[2] المصران: البصرة والكوفة.
[3] الخيفان: جمع خيفانة، وانظر ص 291. السفعاء: السوداء.
[4] الشمراخ: العثكال الذي عليه البسر، وربما عنى به السنابل. المئشار: المنشار.
[5] أنصبه: جعله في نصاب، والنصاب: المقبض. القحف: الفلقة من القصعة إذا انثلمت.
[6] البيت لحماد الراوية في الأغاني 17/331، والشعر والشعراء 483 (ليدن) ، والخزانة 4/170 (بولاق) ، وله أو لأبي عطاء السندي في اللسان (عوف) ، ولحماد عجرد في التاج (عوف) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (صفر) ، ومحاضرات الأدباء 2/304 (4/669) .
(5/295)

ولم يرض بشر بن أبي خازم بأن يشبهه بالجرادة حتى جعله ذكرا، حيث يقول [1] : [من الوافر]
بكلّ قياد مسنفة عنود ... أضرَّ بها المسالح والعوار [2]
مهارشة العنان كأنّ فيها ... جرادة هبوة فيها اصفرار [3]
فوصفها بالصّفرة، لأنّ الصفرة هي الذكورة، وهي أخفّ أبدانا، وتكون لخفة الأبدان أشدّ طيرانا.
1645-[تشبيه قتير الدرع بحدق الجراد]
ويوصف قتير [4] الدّرع ومساميرها [فيشبّه] [5] بحدق الجراد [6] . وقال قيس بن الخطيم [7] : [من الطويل]
ولما رأيت الحرب حربا تجرّدت ... لبست مع البردين ثوب المحارب
مضاعفة يغشى الأنامل فضلها ... كأنّ قتيريها عيون الجنادب
وقال المقنّع الكنديّ [8] : [من الطويل]
ولي نثرة ما أبصرت عين ناظر ... كصنع لها صنعا ولا سردها سردا [9]
__________
[1] ديوان بشر بن أبي خازم 73- 74 (110- 111) ، والمفضليات 343، والأول في اللسان والتاج (سلح) ، والثاني في اللسان والتاج (عرر، هرش) ، والأساس (هرش) ، والمخصص 16/115.
[2] في ديوانه: «المسنفة: الفرس المتقدمة. العنود: الفرس التي لا تستقيم على حالة ولكنها تعارض في الطريق لمرحها. المسالح: موضع القتال حيث يستعمل السلاح، الواحد مسلحة، أو هي بمعنى الثغر والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو» المعاورة: المداولة. وفي ديوانه «الغوار» وهو الغارة، مصدر غاور.
[3] في ديوانه: «المهارشة: «التهارش: تقاتل الكلاب وتواثبها. الهبوة: الغبار. ووصف الجرادة بالصفرة لأن الذكور فيها صفر، وهي أخف أبدانا، والجرادة إنما تصفر حين تتم وينبت جناحاها وتبلغ مداها» .
[4] القتير: رؤوس مسامير الدرع.
[5] إضافة يقتضيها السياق، انظر س 15 من الصفحة السابقة.
[6] حدقة العين: سوادها الأعظم.
[7] ديوان قيس بن الخطيم 82، والأول في المعاني الكبير 969، وشروح سقط الزند 306، والمنتخب من كنايات الأدباء 109، والثاني في اللسان والتاج (ريع) ، والعين 2/243، وبلا نسبة في الأساس (ريع) ، والمخصص 6/72.
[8] ديوان المقنع الكندي 206.
[9] النثرة: الدرع الواسعة. السرد: نسج الدروع.
(5/296)

تلاحم منها سردها فكأنما ... عيون الدَّبا في الأرض تجردها جردا [1]
وقال عمرو بن معد يكرب [2] : [من الوافر]
تمناني ليلقاني أبيّ ... وددت وأين ما منّي ودادي
تمناني وسابغتي دلاص ... خروس الحسّ محكمة السّراد [3]
مضاعفة تخيَّرها سليم ... كأنّ سكاكها حدق الجراد [4]
1646-[تشبيه وسط الفرس بوسط الجرادة]
ويوصف وسط الفرس بوسط الجرادة. قال رجل من عبد القيس [5] يصف فرسا:
[من الكامل]
أمّا إذا ما استدبرت فنعامة ... تنفي سنابكها رضيض الجندل
1647-[تشبيه الحباب بحدق الجراد]
ويوصف حباب الشراب بحدق الجراد. قال المتلمّس [6] : [من الوافر]
كأني شارب يوم استبدّوا ... وحثّ بهم وراء البيد حادي
عقارا عتّقت في الدّنّ حتى ... كأنّ حبابها حدق الجراد
1648-[لعاب الجندب]
وإذا صفا الشّراب وراق شبّهوه بلعاب الجندب. ولذا قال الشاعر [7] : [من الكامل]
صفراء من حلب الكروم كأنّها ... ماء المفاصل أو لعاب الجندب [8]
__________
[1] تجردها: تأكل نبتها.
[2] ديوان عمرو بن معدي كرب 106- 107، 110.
[3] السابغة: الدرع الفضفاضة.
[4] سليم: أراد به سليمان بن داود، وأخطأ في نسبة الدرع إلى سليمان، لأن الدروع تنسب إلى داود.
انظر العمدة 2/268، باب الإحالة والتغيير.
[5] البيت لابن سنان العبدي، كما تقدم في 1/182، نهاية الفقرة (207) .
[6] ديوان المتلمس 165- 166، والخزانة 3/71 (بولاق) .
[7] البيت بلا نسبة في ثمار القلوب 446 (807) ، والمستقصى 1/210.
[8] ماء المفاصل: ماء بين السهل والجبل، وهو أصفى ما يكون وأرقه. انظر المثل «أصفى من ماء المفاصل» . في مجمع الأمثال 1/412، 2/49، وجمهرة الأمثال 1/584، والمستقصى 1/210.
(5/297)

ولعاب الجندب سمّ على الأشجار، لا يقع على شيء إلا أحرقه.
1649-[زعم في الدّبا]
ولا يزال بعض من يدَّعي العلم يزعم أن الدّبا يريد الخضرة، ودونها النهر الجاري، فيصير بعضه جسرا لبعض، وحتى يعبر إلى الخضرة، وأن تلك حيلة منها.
وليس ذلك كما قال: ولكنّ الزّحف الأول من الدبا يريد الخضرة، فلا يستطيعها إلا بالعبور إليها، فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت تلك لعمري أرضا للزحف الثاني الذي يريد الخضرة. فإن سمّوا ذلك جسرا استقام. فأما أن يكون الزحف الأول مهّد للثاني ومكّن له، وآثره بالكفاية- فهذا ما لا يعرف.
ولو أن الزحفين جميعا أشرفا على النهر، وأمسك أحدهما عن تكلّف العبور إلى أن يمهّد له الآخر- كان ذلك قولا.
1650-[استطراد لغوي]
ويقال في الجراد: خرقة من جراد، والجميع خرق. وقال الشاعر [1] : [من مجزوء الكامل]
وكأنها خرق الجراد ... يثور يوم غبار
ويقال للقطعة الكثيرة منها رجل جراد، ورجلة من جراد. والثَّول:
القطعة من النحل.
وتوصف كثرة النّبل، ومرورها، وسرعة ذلك بالجراد. وقال أبو النجم [2] : [من الرجز]
كأنما المعزاء من نضالها ... رجل جراد طار عن حدالها [3]
وإذا جاء منه ما يسدّ الأفق قالوا: رأينا سدّا من جراد. وقال المفضل النّكريّ [4] :
[من الوافر]
كأنّ النّبل بينهم جراد ... تهيّجه شآمية خريق [5]
__________
[1] البيت بلا نسبة في نظام الغريب 219.
[2] ديوان أبي النجم 163، واللسان والتاج (رجل) .
[3] المعزاء: الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة. الحدال: مصدر: حادلت الأتن العير أي راوغته.
[4] البيت للمفضل النكري في الأصمعيات 201.
[5] شآمية: ريح تهب من الشام. الخريق: الريح الباردة الشديدة الهبوب.
(5/298)

والمرتجل: الذي قد أصاب رجل جراد، فهو يشويه.
وقال بعض الرّجّاز، وهو يصف خيلا قد أقبلت إلى الحيّ: [من الرجز]
حتى رأينا كدخان المرتجل ... أو شبه الحفّان، في سفح الجبل
ولأن الحفان أتمّها أبدانا، قال ابن الزّبعرى [1] : [من الرمل]
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
حين ألقت بقباء بركها ... واستحرّ القتل في عبد الأشل [2]
ساعة ثم استخفوا رقصا ... رقص الحفّان في سفح الجبل [3]
وقتلنا الضّعف من ساداتهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل [4]
1651-[طيب الجراد الأعرابي]
والجراد الأعرابيّ لا يتقدمه في الطّيب شيء. وما أحصي كم سمعت من الأعراب من يقول: ما شبعت منه قطّ! وما أدعه إلا خوفا من عاقبته؛ أو لأني أعيا فأتركه!
1652-[أكل الجراد]
والجراد يطيب حارّا وباردا، ومشويّا ومطبوخا، ومنظوما في خيط، ومجعولا في الملّة [5] .
والبيض الذي يتقدّم في الطيب ثلاثة أجناس: بيض الأسبور [6] وبيض الدّجاج، وبيض الجراد فوق بيض الأسبور في الطيب. وبيض الأسبور فوق بيض الدّجاج.
وجاء في الأثر، أن الجراد ذكر عند عمر فقال [7] : «ليت لنا منه قفعة [8] أو قفعتين» .
__________
[1] ديوان عبد الله بن الزبعرى 42، والحماسة البصرية 1/100.
[2] قباء: قرية على ميلين أو ثلاثة أميال من المدينة على يسار القاصد إلى مكة. البرك: الإبل الكثيرة.
[3] الرقص: المشي السريع؛ وضرب من الخبب. الحفان: صغار النعام.
[4] الميل: الزيادة.
[5] الملة: الجمر، والرماد الحار.
[6] الأسبور: سمك بحري.
[7] الحديث في النهاية 4/91، وأساس البلاغة واللسان (قفع) .
[8] في النهاية: «القفعة: شيء كالقفة تتخذ واسعة الأسفل ضيقة الأعلى» .
(5/299)

وهو يؤكل يابسا وغير يابس، ويجعل أدما [1] ونقلا [2] .
والجراد المأكول ضروب، فمنه الأهوازيّ، ومنه المذنّب، وأطيبه الأعرابيّ، وأهل خراسان لا يأكلونه.
1653-[الولوع بأكل الجراد]
وحدّثني رتبيل بن عمرو بن رتبيل قال: والله إني لجالس على باب داري في بني صبير، إذ أقبلت امرأة لم أر قط أتم حسنا وملحا [3] وجسما منها، ورأيت في مشيها تأوّدا، ورأيتها تتلفّت. فلم ألبث أن طلعت أخرى لا أدري أيتهما أقدّم، إذ قالت التي رأيتها بديّا للأخرى: ما لك لا تلحقيني؟ قالت: أنا منذ أيام كثيرة أكثر أكل هذا الجراد، فقد أضعفني! فقالت: وإنك لتحبّينه حبّا تحتملين له مثل ما أرى بك من الضّعف؟ قالت: والله إنه لأحبّ إليّ من الحبل!.
1654-[طرفة في الجراد]
وقال الأصمعي: قال رجل من أهل المدينة لامرأته: لا جزاك الله خيرا، فإنك غير مرعية ولا مبقية! قالت: لأنا والله أرعى وأبقى من التي كانت قبلي! قال: فأنت طالق إن لم أكن كنت آتيها بجرادة فتطبخ منها أربعة ألوان، وتشوي جنبيها! فرفعته إلى القاضي فجعل القاضي يفكر ويطلب له المخرج. فقال للقاضي: أصلحك الله أأشكلت عليك المسألة؟ هي طالق عشرين!
1655-[تشبيه الجيش بالدبا]
ووصف الراجز حربا، فوصف دنوّ الرّجّالة من الرّجّالة، فقال: [من الرجز]
أو كالدّبا دبّ ضحى إلى الدّبا
1656-[قول أبي إسحاق في آية الضفادع]
وقرأ بعض أصحابنا بحضرة أبي إسحاق: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ
[4] فقال رجل لأبي إسحاق: انظر كيف قرن الضفادع مع ضعفها
__________
[1] الأدم: ما يؤكل بالخبز.
[2] النقل: ما يعبث به الشارب على شرابه، أو الذي يتنقّل به على الشراب. انظر اللسان «نقل» .
[3] الملح: الملاحة والطيب.
[4] 132- 133/الأعراف: 7.
(5/300)

إلى الطوفان، مع قوة الطوفان وغلبته. قال أبو إسحاق: الضفادع أعجب في هذا الموضع من الطوفان، وإذا أراد الله تعالى أن يصيّر الضفادع أضرّ من الطوفان فعل.
1657-[شعر في تشبيه بالجراد]
وقال أبو الهندي [1] : [من الكامل]
لمّا سمعت الدّيك صاح بسحرة ... وتوسّط النّسران بطن العقرب
وتتابعت عصب النّجوم كأنها ... عفر الظّباء على فروع المرقب
وبدا سهيل في السماء كأنه ... ثور وعارضه هجان الرّبرب [2]
نبّهت ندماني فقلت له: اصطبح ... يا ابن الكرام من الشّراب الأصهب
صفراء تنزو في الإناء كأنها ... عين الجرادة أو لعاب الجندب
نزو الدّبا من حرّ كلّ ظهيرة ... وقّادة، حرباؤها يتقلّب
وقال أبو الهنديّ [3] أيضا: [من السريع]
فإنّ هذا الوطب لي ضائر ... في ظاهر الأمر وفي الغامض [4]
إن كنت تسقيني فمن قهوة ... صفراء مثل المهرة الناهض
تنزو الفقاقيع إذا شعشعت ... نزو جراد البلد الرّامض [5]
وقال الأفوه [6] : [من الكامل]
بمناقب بيض، كأنّ وجوههم ... زهر قبيل ترجّل الشّمس
دبّوا كمنتشر الجراد هوت ... بالبطن، في درع وفي ترس [7]
وكأنها آجال عادية ... حطّت إلى إجل من الخنس [8]
__________
[1] الأبيات في ديوان أبي الهندي 15- 16، والحماسة البصرية 2/386، والأغاني 20/328.
[2] الهجان: البيض. الربرب: قطيع من بقر الوحش.
[3] ديوان أبي الهندي 42.
[4] الوطب: سقاء اللبن.
[5] تنزو: تثب وتقفز. شعشعت: مزجت بالماء. الرامض: الشديد الحر.
[6] ديوان الأفواه الأودي 16.
[7] بالبطن: أي بطن الوادي.
[8] الإجل: القطيع من بقر الوحش. العادية: التي تعدو. الخنس: جمع أخنس وخنساء وهو الذي قصرت قصبته وارتدت أرنبته إلى قصبته.
(5/301)

1658-[أقوال فيما يضر من الأشياء]
وروى الأصمعي، وأبو الحسن، عن بعض المشايخ. قال: ثلاثة أشياء ربما صرعت أهل البيت عن آخرهم: أكل الجراد، ولحوم الإبل، والفطر من الكمأة.
وقال غيرهما: شرب الماء في الليل يورث الخبل، والنظر إلى المختصر يورث ضعف القلب، والاطلاع في الآبار العاديّة [1] ينقض التركيب. ويسوّل مصارع السّوء.
فأما الفطر الذي يخلق في ظلّ شجر الزيتون فإنما هو حتف قاض، وسمّ ناقع.
وكل شيء يخلق تحت ظلال الشجر يكون رديئا، وأردؤه شجر الزيتون، وربما قتل، وإن كان مما اجتنبوه من أوساط الصحارى.
قالوا: ومما يقتل: الحمّام على الملأة، والجماع على البطنة، والإكثار من القديد [2] اليابس.
وقال الآخر [3] : شرب الماء البارد على الظمإ الشديد- إذا عجّل الكرع، وعظّم الجرع، ولم يقطع النفس- يقتل.
قالوا [4] : وثلاث تورث الهزال: شرب الماء على الرّيق، والنوم على غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت.
والجماع على الامتلاء من الطعام ودخوله. وربما خيف عليه أن يكون قاتل نفسه [5] .
وقالوا [6] : وأربعة أشياء تسرع إلى العقل بالإفساد: الإكثار من البصل، والباقلّى والجماع، والخمار.
وأما ما يذكرون في الباب من الهمّ والوحدة والفكرة، فجميع الناس يعرفون
__________
[1] العادية: القديمة.
[2] القديد: ما قطع من اللحم وبسط في الشمس.
[3] انظر عيون الأخبار 3/271، السطر قبل الأخير.
[4] عيون الأخبار 3/271.
[5] في عيون الأخبار 3/271: «ويقال: أربع خصال يهدمن العمر وربما قتلن: دخول الحمام على بطنة، والمجامعة على الامتلاء، وأكل القديد الجاف، وشرب الماء البارد على الريق، وقيل:
مجامعة العجوز» .
[6] عيون الأخبار 3/272.
(5/302)

ذلك. وأما الذي لا يعرفه إلا الخاصة فالكفاية التامة، والتعظيم الدائم، وإهمال الفكر، والأنف من التعلّم. هذا قول أبي إسحاق.
وقال أبو إسحاق [1] : ثلاثة أشياء تخلق العقل، وتفسد الذهن: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر إلى البحر.
وقال معمّر: قطعت في ثلاثة مجالس، ولم أجد لذلك علة؛ إلا أني أكثرت في أحد تلك الأيام من أكل الباذنجان، وفي اليوم الآخر من أكل الزيتون، وفي اليوم الثالث من الباقلّى.
وزعم أنه كلم رجلا من الملحدين في بعض العشايا، وأنه علاه علوّا ظاهرا قاهرا، وأنه بكر على بقية ما في مسألته من التخريج، فأجبل وأصفى [2] ، فقال له خصمه: ما أحدثت بعدي؟ قال: قلت: ما أتّهم إلا إكثاري البارحة من الباذنجان! فقال لي- وما خالف إلى التّهمة: ما أشكّ أنك لم تؤت إلا منه! وقال لي من أثق به: ما أخذت قط شيئا من البلاذر فنازعت أحدا إلا ظهرت عليه.
وقال أبو ناضرة: ما أعرف وجه انتفاع الناس بالبلاذر إلا أن يؤخذ للعصب.
قلت: فأي شيء بقي بعد صلاح العصب، وأنتم بأجمعكم تزعمون أن الحسّ للعصب خاصة؟
[باب في القطا]
1659-[القول في القطا]
تقول العرب: «أصدق من قطاة [3] » و «أهدى من قطاة» [4] .
وفي القطا أعجوبة، وذلك أنها لا تضع بيضها أبدا إلا أفرادا، ولا يكون بيضها أزواجا أبدا. وقال أبو وجزة [5] : [من البسيط]
وهنّ ينسبن وهنا كلّ صادقة ... باتت تباشر عرما غير أزواج
__________
[1] عيون الأخبار 3/272.
[2] أجبل: صعب عليه القول. أصفى الرجل من المال: خلا.
[3] مجمع الأمثال 1/412، والدرة الفاخرة 1/263، 265، وجمهرة الأمثال 1/584، والمستقصى 1/206، وأمثال ابن سلام 363.
[4] مجمع الأمثال 2/409، وجمهرة الأمثال 2/353.
[5] البيت لأبي وجزة في اللسان (زوج، هدج، عرم، قطا) ، والأساس (نسب) ، والتاج (عرم، قطا) ، والتهذيب 2/392، 9/241، وربيع الأبرار 5/449، وبلا نسبة في المخصص 4/46.
(5/303)

والعرم التي عنى: بيض القطا، لأنها منقّطة. وقال الأخطل [1] : [من الطويل]
شفى النّفس قتلى من سليم وعامر ... ولم يشفها قتلى غنيّ ولا جسر
ولا جشم شرّ القبائل إنهم ... كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
وقال معقل بن خويلد [2] : [من الطويل]
أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي ... رؤوس الأفاعي في مراصدها العرم
يريد: الأفاعي العرم في مراصدها. وهي منقّطة الظهور. وما أكثر ما تبيض العقاب ثلاث بيضات، إلا أنها لا تلحم ثلاثة [3] ، بل تخرج منهنّ واحدة. وربما باضت الحمامة ثلاث بيضات، إلا أن واحدة تفسد لا محالة. وقال الآخر [4] في صفة البيض: [من الطويل]
وبيضاء لا تنحاش منّا وأمّها ... إذا ما رأتنا زال منها زويلها
نتوج ولم تقرف لما يمتنى له ... إذا أنتجت ماتت وحيّ سليلها
يعني البيضة. نتوج، حامل: ولم تقرف: لم تدان. لما يمتنى: أي للضّراب.
والامتناء: انتظارك الناقة إذا ضربت ألاقح هي أم لا.
وقال ابن أحمر [5] : [من الطويل]
بتيهاء قفر والمطيّ كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها [6]
__________
[1] ديوان الأخطل 181.
[2] تقدم البيت مع تخريجه في الفقرة (1113) 4/363.
[3] ألحمه: أطعمه اللحم. والمقصود بالثلاثة: فراخها.
[4] البيت لذي الرمة في ديوانه 923، والبيت الأول في اللسان (حوش، زول، زيل، مني) ، والتاج (رجأ، حوش، زول، وصل) ، والعين 7/385، والتهذيب 5/142، 13/253، وبلا نسبة في الجمهرة 827، والمقاييس 2/119، 3/38، والمجمل 2/119، 11/183، 15/532، والتاج (رجأ، مني) ، وبلا نسبة في المجمل 2/471.
[5] ديوان عمرو بن أحمر 119، والخزانة 9/102، واللسان والتاج (عرض، كون) ، وله أو لابن كنزة في شرح شواهد الإيضاح 525، وبلا نسبة في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 68، وشرح المفصل 7/102، والمعاني الكبير 1/313، وأسرار العربية 137.
[6] التيهاء: الأرض التي لا يهتدى فيها. الحزن: الأرض الغليظة وفي المعاني الكبير: «أراد أنها شربت من الغدر في الربيع، فإذا فرخت ودخلت في الصيف احتاجت إلى طلب الماء على بعد، فيكون أسرع لطيرانها. وإنما تفرخ بيضها إذا جاء الحر» .
(5/304)

وذلك أنها قد كانت قبل ذلك الوقت تشرب من الغدر، فلما أفرخت صافت، فاحتاجت إلى طلب الماء من مكان بعيد، فذلك أسرع لها.
1660-[تشبيه مشي المرأة السمينة بمشي القطاة]
ويشبّه مشي المرأة إذا كانت سمينة غير خرّاجة طوّافة بمشي القطاة في القرمطة والدّلّ. وقال ابن ميّادة [1] : [من البسيط]
إذا الطّوال سدون المشي في خطل ... قامت تريك قواما غير ذي أود [2]
تمشي ككدريّة في الجوّ فاردة ... تهدي سروب قطا يشربن بالثّمد [3]
وقال جران العود [4] : [من الطويل]
فلمّا رأين الصّبح بادرن ضوءه ... رسيم قطا البطحاء، أو هنّ أقطف
وقال الكميت [5] : [من الكامل]
يمشين مشي قطا البطاح تأوّدا ... قبّ البطون رواجح الأكفال
1661-[شعر في التشبيه بالقطاة]
وقال الآخر [6] في غير هذا المعنى: [من الوافر]
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
وقال آخر [7] : [من الطويل]
وكنّا كزوج من قطا بمفازة ... لدى خفض عيش ونق مورق رغد
فخانهما ريب الزّمان فأفردا ... ولم تر عيني قطّ أقبح من فرد
__________
[1] ديوان ابن ميادة 119، والأشباه والنظائر للخالديين 1/208.
[2] السدو: اتساع الخطو. الخطل: السرعة في المشي. الأود: العوج.
[3] الكدري: ضرب من القطا قصار الأذناب. الثمد: القليل.
[4] ديوان جران العود 22، واللسان والتاج (حنف) .
[5] ديوان الكميت 2/53، وتقدم البيت ص 120.
[6] الأبيات لمجنون ليلى في ديوانه 90، وتزيين الأسواق 104، والأمالي 2/61، وله أو لتوبة بن الحمير في الكامل 2/44 (المعارف) ، ولنصيب في ديوانه 74، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1313، وله أو لقيس بن معاذ في الحماسة البصرية 2/115، ولقيس بن الذريح في ديوانه 73- 74، وانظر المزيد من المصادر في الدواوين الثلاثة المتقدمة.
[7] البيتان لأبي دلامة في الأغاني 10/255، ومعاهد التنصيص 2/221، وبلا نسبة في الأمالي 2/21، ومحاضرات الأدباء 1/263 (2/546) .
(5/305)

1662-[شعر في صدق القطاة]
وفي صدق القطاة يقول الشاعر [1] : [من الطويل]
وصادقة ما خبّرت قد بعثتها ... طروقا وباقي الليل في الأرض مسدف
ولو تركت نامت، ولكن أعشّها ... أذى من قلاص كالحنيّ المعطّف [2]
وتقول العرب: «لو ترك القطا لنام» [3] . ويقال: أعششت القوم إعشاشا: إذا نزلت بهم وهم كارهون لك فتحوّلوا عن منزلهم.
وقال الكميت [4] : [من البسيط]
لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت ... إذ كلّ ذي نسبة لابد ينتحل
وقال مزاحم العقيليّ [5] ، في تجاوب القطاة وفرخها: [من الطويل]
فنادت وناداها، وما اعوجّ صدرها ... بمثل الذي قالت له لم يبدّل.
والقطاة لم ترد اسم نفسها، ولكن الناس سموها بالحروف التي تخرج من فيها، وزاد في ذلك أنها على أبنية كلام العرب، فجعلوها صادقة ومخبرة، ومريدة وقاصدة.
1663-[استطراد لغوي]
ويقال سرب نساء، وسرب قطا، وسرب ظباء. كل ذلك بكسر السين وإسكان الراء. فإذا كان من الطريق والمذهب قالوا: خلّ سربه. و: فلان خليّ السّرب؛ بفتح السين وإسكان الراء. وهذا عن يونس بن حبيب. وقال الشاعر: [من البسيط]
أما القطاة فإنّي سوف أنعتها ... نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها
__________
[1] البيتان للفرزدق في اللسان والتاج (عشش) ، والثاني في التهذيب 1/71، والعين 1/70، ولم أقع عليهما في ديوانه، والثاني بلا نسبة في المقاييس 4/47، وديوان الأدب 3/159، وتقدم البيت الأول ص 155.
[2] القلاص: الإبل الفتية. الحي: جمع حنية، وهي القوس.
[3] الفاخر 145، ومجمع الأمثال 2/174، والمستقصى 2/196، وفصل المقال 384، وأمثال ابن سلام 271.
[4] البيت في حياة الحيوان 2/124، ولم يرد في ديوان الكميت.
[5] ديوان مزاحم العقيلي 14، وفي الأغاني 8/258: «الشعر مختلف في قائله، ينسب إلى أوس بن غلفاء الهجيمي وإلى مزاحم العقيلي وإلى العباس بن يزيد بن الأسود الكندي وإلى العجير السلولي وإلى عمرو بن عقيل بن الحجاج الهجيمي وهو أصح الأقوال» ، والبيتان بلا نسبة في اللسان (طرق) ، والعين 2/72- 73، والثاني في ديوان الأدب 2/245.
(5/306)

سكّاء مخطوفة في ريشها طرق ... سود قوادمها صهب خوافيها
ويقال في ريشها فتخ، وهو اللّين. ويقال في جناحه طرق: إذا غطى الرّيش الأعلى الأسفل. وقال ذو الرّمّة [1] : [من الطويل]
طراق الخوافي واقع فوق ريعة ... ندى ليلة في ريشه يترقرق [2]
ويقال: اطّرقت الأرض: إذا ركب التراب بعضه بعضا، ولزم بعضه بعضا، فصار كطراق [2] النّعال طبقا. وقال العجاج [3] : [من الرجز]
فاطّرقت إلا ثلاثا دخّسا [5]
والطّرق، بإسكان الراء: الضرب بالحصى، وهو من فعال الحزاة والعائفين [6] :
وقال [7] لبيد، أو البعيث: [من الطويل]
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
قال: ويقال طرّقت القطاة ببيضها: إذا حان خروجه وتعضلّت به شيئا. قال أبو عبيد ولا يقال ذلك في غير القطاة. وغرّه قول العبديّ [8] : [من الطويل]
وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [9]
وهذا الشاعر لم يقل إن التطريق لا يكون إلا للقطاة، بل يكون لكل بيّاضة، ولكلّ ذات ولد. وكيف يقول ذلك وهم يروون عن قابلة البادية أنها قالت لجارية
__________
[1] ديوان ذي الرمة 488، واللسان (ريع، طرق) ، والتاج (ريع، رقق) ، والجمهرة 756، 777، 1073.
[2] الريعة: المكان المرتفع.
[3] الطراق: النعل يطبق على النعل.
[4] ديوان العجاج 1/187، وبلا نسبة في العين 4/193.
[5] في ديوانه: «اطرقت: صار بعض ترابها على بعض. والدّخّس: الدواخل، يريد أن هذه الأثافي قد دخلت في الأرض» .
[6] الحزاة: جمع حاز، وهو الكاهن. العائف: الذي يزجر الطير.
[7] البيت للبيد في ديوانه 172، واللسان (طرق) ، والجمهرة 756، والعين 5/100، والتهذيب 16/224، وبلا نسبة في المقاييس 1/450، والمخصص 13/26.
[8] البيت للممزق العبدي في الأصمعيات 165، والأشباه والنظائر 1/260، وشرح شواهد الإيضاح 402، وشرح شواهد المغني 2/680، واللسان (فحص، نسف، طرق) ، والمقاصد النحوية 4/590، وللمثقب العبدي في اللسان (حدب) ، وبلا نسبة في الخصائص 2/287، والجمهرة 388، 541، 757، 848، 1192.
[9] الغرز: هو للجمل مثل الركاب للبغل. النسيف: أثر ركض الرجل «بجنبي البعير إذا انحص عنه الوبر» .
(5/307)

تسمى «سحابة» ، وقد ضربها المخاض وهي تطلق على يدها [1] : [من الرجز]
أيا سحاب طرّقي بخير ... وطرّقي بخصية وأير
ولا ترينا طرف البظير
1664-[ولادة البكر]
وقال أوس بن حجر [2] : [من المتقارب]
بكلّ مكان ترى شطبة ... مولّية، ربها مسبطر [3]
وأحمر جعدا عليه النسو ... روفي ضبنه ثعلب منكسر [4]
وفي صدره مثل جيب الفتا ... ة تشهق حينا وحينا تهر [5]
فإنا وإخوتنا عامرا ... على مثل ما بيننا نأتمر [6]
لنا صرخة ثم إسكاتة ... كما طرّقت بنفاس بكر
فهذا كما ترى يردّ عليه.
وإنما ذكر أوس بن حجر البكر دون غيرها، لأن الولاد على البكر أشدّ، وخروج الولد أعسر، والمخرج أكزّ وأضيق، ولولا أن البكر أكثر ما تلد أصغر جثة وألطف جسما، إلى أن تتسع الرحم بتمطّي الأولاد فيها لكان أعسر وأشقّ.
1665-[أجود قصيدة في القطا]
وقال المرّار، أو العكبّ التغلبي، وهي أجود قصيدة قيلت في القطا: [من الطويل]
بلاد مروراة يحار بها القطا ... ترى الفرخ في حافاتها يتحرّق [7]
__________
[1] البيت الأول بلا نسبة في اللسان والتاج (سحب) .
[2] ديوان أوس بن حجر 30.
[3] في ديوانه: «الشطبة: الفرس الطويلة الحسنة الخلقة. مسبطر: مضطجع» .
[4] في ديوانه: «أحمر: أي رجل أبيض. الجعد: المجتمع الخلق الشديد. عليه النسور: أي سقطت عليه لتنال منه. الضبن: الجنب أو الإبط وما يليه. الثعلب: ما دخل من القناة في جبة السنان» .
[5] في ديوانه: «الجيب: فتحة القميص أو الدرع عند الصدر» .
[6] في ديوانه: «قوله: على مثل ما بيننا نأتمر، أي نمتثل ما تأمرنا به أنفسنا من الإيقاع بهم والفتك فيهم على ما بيننا وبينهم من قرابة» .
[7] المروراة: الأرض التي لا يهتدي فيها إلا الخريت. يتحرق: أي يتضرم جوعا.
(5/308)

يظلّ بها فرخ القطاة كأنّه ... يتيم جفا عنه مواليه مطرق
بديمومة قد مات فيها وعينه ... على موته تغضي مرارا وترمق [1]
شبيه بلا شيء هنالك شخصه ... يواريه قيض حوله متفلّق [2]
له محجر ناب وعين مريض ... ة وشدق بمثل الزّعفران مخلّق
تعاجيه كحلاء المدامع حرّة ... لها ذنب وحف وجيد مطوّق [3]
سماكية كدريّة عرعريّة ... سكاكيّة غبراء سمراء عسلق [4]
إذا غادرته تبتغي ما يعيشه ... كفاها رذاياها النّجاء الهبنّق [5]
غدت تستقي من منهل ليس دونه، ... مسيرة شهر للقطا، متعلّق
لأزغب مطروح، بجوز تنوفة ... تلظّى سموما قيظه، فهو أورق [6]
تراه إذا أمسى وقد كاد جلد ... هـ من الحرّ عن أوصاله يتمزّق [7]
غدت فاستقلّت ثم ولّت مغيرة ... بها حين يزهاها الجناحان أولق [8]
تيمّم ضحضاحا من الماء قد بدت ... دعاميصه فالماء أطحل أورق [9]
فلما أتته مقذحرّا تغوّثت ... تغوّث مخنوق فيطفو ويغرق [10]
تحير وتلقي في سقاء كأنّه ... من الحنظل العاميّ جرو مفلّق [11]
فلما ارتوت من مائه لم يكن لها ... أناة وقد كادت من الرّيّ تبصق
طمت طموة صعدا ومدّت جرانها ... وطارت كما طار السّحاب المحلّق [12]
__________
[1] الديمومة: الفلاة البعيدة الأرجاء. الإغضاء: إدناء الجفون.
[2] القيض: قشرة البيضة العليا.
[3] المعاجاة: هي ألا يكون للأم لبن يروي صبيها فتعاجيه بشيء تعلله به ساعة. الوحف من الشعر:
الغزير والأسود.
[4] سماكية: نسبة إلى أحد السماكين: الأعزل والرامح، أراد أنها علوية. العرعرة: أعلى الجبل، وأعلى كل شيء. السكاك: الجو والهواء والأرض. العسلق: الخفيف.
[5] البيت لذي الرمة في ملحق ديوانه 1894، واللسان والتاج (هبنق) ، والتهذيب 6/504، والرذايا:
أراد فراخها الضعاف. النجاء: السرعة. الهبنق: الأحمق.
[6] جوز: وسط. التنوفة: الفلاة. السّموم: الريح الحارة. الأورق: ما لونه بين السواد والغبرة.
[7] الأوصال: المفاصل والأعضاء.
[8] استقلت: ارتفعت في الهواء. الأولق: شبه الجنون.
[9] تيمم: تقصد. الدعاميص: دويبات صغيرة تكون في مستنقع الماء. الأطحل: الرمادي اللون.
والأورق: الرمادي اللون.
[10] المقذحر: المتهيئ للشر، وشبه به الماء الثائر. تغوثت: صاحت.
[11] تحير: ترد وترجع. السقاء: عنى بها حوصلتها تملؤها ماء لإرواء صغارها. العامي: اليابس أتى عليه عام. الجرو: الصغير من كل شيء. والبيت للنمر بن تولب في ديوانه 361.
[12] طمت: ارتفعت. الجران: باطن العنق. المحلق: المرتفع.
(5/309)

1666-[شعر البعيث في القطا]
وقال البعيث: [من الطويل]
نجت بطوالات كأنّ نجاءها ... هويّ القطا تعرو المناهل جونها [1]
طوين سقاء الخمس ثمّت قلّصت ... لورد المياه واستتبّت قرونها [2]
إذا ما وردن الماء في غلس الضّحى ... بللن أداوى ليس خرز يشينها [3]
أداوى خفيفات المحامل أشنقت ... إلى ثغر اللّبّات منها حصينها [4]
جعلن حباب الماء حين حملنه ... إلى غصص قد ضاق عنها وتينها [5]
إذا شئن أن يسمعن والليل واضع ... هذا ليله والريح تجري فنونها [6]
تناوم سرب في أفاحيصه السّفا ... وميّتة الخرشاء حيّ جنينها [7]
يروّين زغبا بالفلاة كأنّها ... بقايا أفاني الصّيف، حمرا بطونها [8]
«يروّين» من قولك: روّيت: أي حملت في راوية.
إذا ملأت منها قطاة سقاءها ... فلا تعكم الأخرى ولا تستعينها [9]
ذكر نوادر وأحاديث وأشعار وكلام يتمّ بها هذا الجزء
قالوا [10] : خرف النّمر بن تولب، فكان هجّيراه [11] : اصبحوا الركب، اغبقوا الركب.
__________
[1] نجت: أسرعت. الطوالات: جمع طوالة، أي الطويلة. الهويّ: العدو الشديد.
[2] قلصت: ارتفعت. القرون: النفس.
[3] الغلس: أول الصبح. الأداوي: جمع إداوة، وهو إناء صغير من الجلد يتخذ للماء، وعنى بالأداوي:
حواصلهن.
[4] أشنقت: علقت. الثغر، جمع ثغرة: وهي نقرة النحر. اللبات: جمع لبة، وهي وسط الصدر والمنحر.
[5] الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه، أو هو عرق لاصق بالصّلب من باطنه أجمع، يسقي العروق كلها الدم ويسقي اللحم؛ وهو نهر الجسد.
[6] الهذاليل: جمع هذلول، وهو التل الصغير، وعنى بها التلال الصغيرة.
[7] الأفحوص: الموضع الذي تبيض فيه القطاة. السفا: شوك البهمى. الخرشاء: قشرة البيضة العليا اليابسة.
[8] الأفاني: جمع أفانية، وهو عنب الثعلب.
[9] تعكم: تنتظر.
[10] ورد هذا الخبر والذي يليه في الأغاني 22/280، ومحاضرات الأدباء 2/322 (4/705) .
[11] هجيراه: دأبه وكلامه.
(5/310)

وخرفت امرأة من العرب فكان هجّيراها: زوّجوني، زوّجوني! فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما لهج به أخو عكل خير مما لهجت به صاحبتكم! وحدثني عبد الله بن إبراهيم بن قدامة الجمحي قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى رجلا يضرب في كلامه قال: أشهد أن الذي خلقك وخلق عمرو بن العاص واحد! وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لصعصعة بن صوحان في المنذر بن الجارود: ما وجدنا عند صاحبك شيئا! قال [1] : إن قلت ذاك إنه لنظّار في عطفيه، تفّال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه! قال: وحدّثنا جرير بن حازم القطعيّ قال: قال الحسن: لو كان الرجل كلما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، لأوشك أن يجنّ من العجب.
عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا بلال في جنازة وهو يقول [2] : كلّ ميتة ظنون إلا ميتة الشّجّاء قالوا: وما ميتة الشّجّاء؟ قال: أخذها زياد فقطع يديها ورجليها، فقيل لها: كيف ترين يا شجّاء؟ فقالت: قد شغلني هول المطّلع عن برد حديدكم هذا [3] .
قال: وقيل لرابعة القيسيّة: لو أذنت لنا كلّمنا قومك فجمعوا لك ثمن خادم، وكان لك في ذلك مرفق وكفتك الخدمة وتفرّغت للعبادة. فقالت والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملك الدنيا، فكيف أسأل الدنيا من لا يملكها؟! والناسكات المتزهدات من النساء المذكورات في الزّهد والرياسة، من نساء الجماعة وأصحاب الأهواء. فمن نساء الجماعة [4] : أم الدرداء، ومعاذة العدوية، ورابعة القيسيّة.
ومن نساء الخوارج [5] : الشّجاء، وحمادة الصّفرية وغزالة الشّيبانية قتلن
__________
[1] ورد الخبر في البيان 1/99.
[2] في اللسان: «وقول أبي بلال بن مرداس وقد حضر جنازة، فلما دفنت جلس على مكان مرتفع ثم تنفس الصعداء وقال: كلّ منيّة ظنون إلا القتل في سبيل الله» اللسان 13/275 (ظنن) .
[3] البرد: الموت، وفي اللسان (طلع) ، والنهاية 3/132: «ومنه حديث عمر: لو أن لي ما في الأرض جميعا لافتديت به من هول المطلع» .
[4] البيان 1/365، 3/163.
[5] البيان 1/365.
(5/311)

جميعا، وصلبت الشجاء وحمادة، قتل خالد بن عتّاب غزالة. وكانت امرأة صالح بن مسرّح.
ومن نساء الغالية [1] : الميلاء، وحميدة، وليلى الناعظية.
محمد بن سلام عن ابن جعدبة قال: ما أبرم عمر بن الخطاب أمرا قط إلا تمثل ببيت شعر.
وعن أبان بن عثمان، قال عبد الملك: لقد كنت أمشي في الزّرع فأتّقي الجندب أن أقتله، وإن الحجاج ليكتب إليّ في قتل فئام [2] من الناس؛ فما أحفل بذلك.
وقيل له- وقد أمر بضرب أعناق الأسراء-: أقستك الخلافة يا أمير المؤمنين، وقد كنت رؤوفا! قال: كلا، ما أقستني، ولكن أقساني احتمال الضغن على الضغن قالوا [3] : ومات يونس النحويّ سنة اثنتين وثمانين ومائة هو ابن ثمان وثمانين سنة. وقال يونس: ما أكلت شيئا قطّ في الشتاء إلا وقد برد، ولا في الصيف إلا وقد سخن.
وحدثني محمد بن يسير قال [3] : قال أبو عمرو المدايني: لو كانت البلايا بالحصص ما نالني كل ما نالني: اختلفت جاريتي بالشاة إلى التّياس وبي إلى حملها حاجة، فرجعت جاريتي حاملا، والشاة حائلا.
محمد بن القاسم قال [4] : قال جرير: أنا لا أبتدي، ولكني أعتدي.
وقال القيني [5] : أنا مثل العقرب. أضر ولا أنفع.
وقال القينيّ [6] : أنا أصدق في صغار ما يضرّني، لأكذب في كبار ما ينفعني.
قال أبو إسحاق: استراح فلان من حيث تعب الكرام.
وقال الحجاج: أنا حديد حقود حسود [7] .
__________
[1] في البيان 1/365: «ومن نساء الغالية: ليلى الناعظية، والصدوف، وهند» .
[2] فئام: جماعات كثيرة.
[3] تقدم الخبر في 3/224.
[4] تقدم الخبر في 3/50، وهو في البيان 3/165.
[5] تقدم الخبر في ص 189، وفي 4/366.
[6] انظر الخبر في عيون الأخبار 2/28، والكامل 1/363 (المعارف) .
[7] تقدم الخبر في 3/225، وهو برواية مختلفة في البيان 3/255.
(5/312)

وحدثني نفيع قال [1] : قال لي القيني: أنا لا أصدق مادام كذبي يخفى.
قال: وذكر شبيب بن شيبة عند خالد بن صفوان فقال خالد: ليس له صديق في السر، ولا عدوّ في العلانية! وقال أبو نخيلة [2] في شبيب بن شيبة: [من الرجز]
إذا غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها
من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها
وقال يحيى بن أبي علي الكرخيّ: أنا إنسان لا أبالي ما استقبلت به الأحرار [3] .
وقال عمرو بن القاسم: إنما قويت على خصمي بأني لم أتستّر قطّ عن شيء من القبيح [4] ! فقال أبو إسحاق: نلت اللذّة، وهتكت المروءة، وغلبتك النفس الدّنية، فأرتك مكروه عملك محبوبا وسيّىء قولك حسنا. ومن كان على هذا السبيل لم يتلفت إلى خير يكون منه، ولم يكترث بشرّ يفعله.
وقال الفرزدق [5] : [من الطويل]
وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
ومن هذا الباب قول التّوتّ اليمانيّ [6] : [من الطويل]
على أيّ باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
ومن هذا الشكل قول عديّ بن زيد [7] : [من الرمل]
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
وقال زهير [8] : [من الطويل]
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم
__________
[1] ورد الخبر في البيان 1/47، 340، ورسائل الجاحظ 1/357.
[2] الرجز في الأغاني 20/391، 405، وثمار القلوب (83) وبلا نسبة في البيان 1/113.
[3] ورد الخبر في عيون الأخبار 2/28، منسوبا إلى القيني.
[4] ورد القول في عيون الأخبار 2/28 بلا نسبة.
[5] ديوان الفرزدق 249، والبيان 3/259، وتقدم في ص 253.
[6] البيت في البيان 2/360، 3/259، والوحشيات 77.
[7] تقدم تخريج البيت ص 76.
[8] تقدم تخريج البيت ص 178.
(5/313)

وكتب سويد بن منجوف [1] إلى مصعب بن الزبير: [من الوافر]
فأبلغ مصعبا عني رسولا ... وهل يلفى النصيح بكلّ واد
تعلّم أنّ أكثر من تواخى ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
وحدثني إبراهيم بن عبد الوهاب، قال [2] : كتب شيخ من أهل الريّ على باب داره: «جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيرا. فأمّا أصدقاؤنا الخاصة فلا جزاهم الله خيرا، فإنا لم نؤت قطّ إلا منهم!» وأنشدني النهشليّ لأعرابي يصف نخلا: [من البسيط]
ترى مخارفها ثنيي جوانبها ... كأنّ جاني بيض النّحل جانيها [3]
ووصف آخر نخلا فقال: [من الرجز]
إذا علا قمّتها الرّاقي أهل [4]
وقال الشاعر [5] : [من الوافر]
ومن تقلل حلوبته وينكل ... عن الأعداء يغبقه القراح
رأيت معاشرا يثنى عليهم ... إذا شبعوا وأوجههم قباح
يظلّ المصرمون لهم سجودا ... وإن لم يسق عندهم ضياح [6]
وقال الشاعر: [من البسيط]
البائتين قريبا من بيوتهم ... ولو يشاؤون آبوا الحيّ أو طرقوا
يقول: لرغبته في القرى، وفي طعام الناس، يبيت بهم، ويدع أهله. ولو شاء أن يبيت عندهم لفعل.
وقال آخر، يمدح ضدّ هؤلاء: [من البسيط]
تقري قدورهم سرّاء ليلهم ... ولا يبيتون دون الحيّ أضيافا [7]
__________
[1] البيتان في الوحشيات 98، وربيع الأبرار 3/573، وأمالي اليزيدي 81، والتعازي والمراثي 190.
[2] الخبر في البيان 3/280.
[3] المخارف: جمع مخرف، وهو الرّطب.
[4] الراقي: الذي يعتليها. أهل: رفع صوته.
[5] الأبيات لمالك بن الحارث في شرح أشعار الهذليين 238، والأول في اللسان والتاج (غبق) مع نسبته إلى أبي سهم الهذلي، والثالث في اللسان والتاج (ضيح) مع نسبته إلى خالد بن مالك الهذلي، والثاني والثالث للهذلي في عيون الأخبار 1/240- 241.
[6] المصرم: القليل الماء السيئ الحال. الضياح: اللبن الرقيق الكثير الماء.
[7] السراء: جمع سار، وهو الذي يسير ليلا.
(5/314)

وقال جرير [1] : [من الطويل]
وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... عليّ من الحق الذي لا يرى ليا
قال: أستحيي أن يكون له عندي يد ولا يرى لي عنده مثلها.
وقال امرؤ القيس [2] : [من الطويل]
وهل ينعمن إلا خليّ منعّم ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
قال: وهو كقوله [2] : «استراح من لا عقل له» . وأنشد مع هذا البيت قول عمر ابن أبي ربيعة. ويحكى أن المنصور كان يعجبه النصف الأخير من البيت الثاني جدّا، ويتمثل به كثيرا، حتى انتقده بعض من قضى به عليه أن المعنى قدّمه دهرا، وكان استحسانه عن فضل معرفته بإحقاقه فيه، وصواب قوله [3] : [من الطويل]
وأعجبها من عيشها ظلّ غرفة ... وريّان ملتفّ الحدائق أخضر
ووال كفاها كلّ شيء يهمّها ... فليست لشيء آخر الدهر تسهر
وأنشد [4] : [من الطويل]
إذا ابتدر الناس المعالي رأيتهم ... وقوفا، بأيديهم مسوك الأرانب [5]
هجاهم بأنهم إنما يعيشون من الصيد. وأنشد: [من الطويل]
إذا ابتدر الناس المكارم والعلا ... أقاموا رتوبا في النّهوج اللهاجم [6]
يخبر أنهم يسألون الناس. والنهج واللهجم: الطريق الواسع.
وقال الآخر [7] : [من الطويل]
لنا إبل يروين يوما عيالنا ... ثلاث وإن يكثرن يوما فأربع
نمدّهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما قلّ شيء يوسّع
__________
[1] تقدم البيت في 3/237، الفقرة (900) .
[2] ديوان امرئ القيس 27، وتقدم في 3/237، الفقرة (900) .
[3] ديوان عمر بن أبي ربيعة 95، والبيان 3/318، وتقدم البيتان في 3/237، الفقرة (900) .
[4] البيت بلا نسبة في ربيع الأبرار 5/427.
[5] المسوك: جمع مسك، وهو الجلد.
[6] الرتوب: الثبات والإقامة.
[7] البيتان لأبي الحسحاس الأسدي في السمط 892، وبلا نسبة في البخلاء 220، والثاني بلا نسبة في الفاضل 40، واللسان (مدد) .
(5/315)

وقال الآخر [1] : [من الطويل]
من المهديات الماء بالماء بعدما ... رمى بالمقادي كلّ قاد ومعتم [2]
وقال الآخر: [من الطويل]
وداع دعا والليل مرخ سدوله ... رجاء القرى يا مسلم بن حمار
دعا جعلا لا يهتدي لمبيته ... من اللوم حتى يهتدي ابن وبار
وقال الحسن بن هانئ [3] : [من الطويل]
أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التّمساح في النيل [4]
فمن رأى النّيل رأي العين من كثب ... فما أرى النّيل إلا في البواقيل [5]
وقال ابن ميّادة [6] : [من الطويل]
أتيت ابن قشراء العجان فلم أجد ... لدى بابه إذنا يسيرا ولا نزلا
فإن الذي ولّاك أمر جماعة ... لأنقص من يمشي على قدم عقلا
ومن هذا الباب قوله [7] : [من البسيط]
إني رأيت أبا العوراء مرتفقا ... بشطّ دجلة يشري التّمر والسّمكا
كشرّة الخيل تبقى عند مذودها ... والموت أعلم إذ قفّى بمن تركا
هذي مساعيك في آثار سادتنا ... ومن تكن أنت ساعيه فقد هلكا
ومن هذا الباب قوله [8] : [من الوافر]
ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصّنيعا
إذا المجد الرفيع تعاورته ... ولاة السّوء أوشك أن يضيعا
وقال جران العود [9] : [من الطويل]
__________
[1] البيت للعجير السلولي في البخلاء 220.
[2] القادي: القادم من السفر. المعتمي: القاصد.
[3] ديوان أبي نواس 561.
[4] مقلية: بغضا.
[5] البواقيل: جمع بوقال، وهو كوز بلا عروة.
[6] ديوان ابن ميادة 197، وتقدم البيتان في 3/39- 40.
[7] تقدمت الأبيات في 3/39.
[8] تقدمت الأبيات في 3/40.
[9] البيت لجران العود في ديوانه 53، وتقدم في 3/23.
(5/316)

أراقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا في دجية الليل يطرف
وقال: [من الطويل]
ولم أجد الموقوذ ترجى حياته ... إذا لم يرعه الماء ساعة ينضح [1]
وكان أبو عباد النّميريّ أتى باب بعض العمال، يسأله شيئا من عمل السلطان، فبعثه إلى أستقانا فسرقوا كل شيء في البيدر وهو لا يشعر، فعاتبه في ذلك، فكتب إليه أبو عبّاد [2] : [من مجزوء الرمل]
كنت بازا أضرب الكر ... كيّ والطير العظاما
فتقّنّصت بي الصّ ... عو فأوهنت القدامى [3]
وإذا ما أرسل البا ... زي على الصعو تعامى
أراد قول أبي النجم [4] في الراعي: [من الرجز]
يمرّ بين الغانيات الجهّل ... كالصقر يجفو عن طراد الدّخّل
وبات أبو عبّاد مع أبي بكر الغفاريّ، في ليالي شهر رمضان، في المسجد الأعظم، فدبّ إليه، وأنشأ يقول: [من السريع]
يا ليلة لي بتّ ألهو بها ... مع الغفاريّ أبي بكر
قمت إليه بعد ما قد مضى ... ثلث من الليل على قدر
في ليلة القدر، فيا من رأى ... أدبّ منّي ليلة القدر
ما قام حمدان أبو بكر ... إلا وقد أفزعه نخري [5]
وقال في قلبان صديقته: [من مجزوء الخفيف]
إنّ قلبان قد بغت ... لشقائي وقد طغت
وإذا لم تنك بأي ... ر عظيم القوى بكت
وقال مسكين الدّارمي [6] : [من الطويل]
__________
[1] الموقوذ: المضروب ضربا شديدا.
[2] الخبر السابق مع الأبيات في البرصان 216، ومحاضرات الأدباء 1/87 (1/179) .
[3] التقنص: الصيد. الصعو: طائر أصغر من العصفور.
[4] ديوان أبي النجم العجلي 206، والبرصان 216، والطرائف الأدبية 70، والثاني في المقاييس 1/465، وبلا نسبة في الجمهرة 580، والتاج (دخل) ، ومبادئ اللغة 166.
[5] النخر: صوت الأنف.
[6] ديوان مسكين الدارمي 32، والحماسة البصرية 1/179.
(5/317)

إليك أمير المؤمنين رحلتها ... تثير القطا ليلا وهنّ هجود
لدى كلّ قرموص كأنّ فراخه ... كلى غير أن كانت لهنّ جلود
وقال أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان [1] : [من الطويل]
أمنت على السّرّ امرأ غير كاتم ... ولكنه في النصح غير مريب
أذاع به في الناس حتّى كأنّه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب [2]
وكنت متى لم ترع سرّك تنتشر ... قوارعه من مخطئ ومصيب [3]
وما كل ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب [4]
وقال أيضا [5] : [من الطويل]
إذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا ... عن القوم حتّى تأخذ النصف واغضب
وإن كنت أنت الظّالم القوم فالطّرح ... مقالتهم وأشغب بهم كل مشغب
وقارب بذي جهل، وباعد بعالم ... جلوب عليك الحقّ من كلّ مجلب
فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا ... ليستمسكوا مما وراءك فاحدب [6]
ولا تذعنن للحقّ واصبر على التي ... بها كنت أقضي للبعيد على أبي
فإني امرؤ أخشى إلهي وأتّقي ... معادي وقد جرّبت ما لم تجرب
وقال مسلمة بن عبد الملك: [من الرجز]
إني إذا الأصوات في القوم علت ... في موطن يخشى به القوم العنت
موطّن نفسي على ما خيّلت ... بالصّبر حتّى تنجلي عمّا انجلت
وقال الكميت [7] : [من المتقارب]
وبيض رقاق خفاف المتون ... تسمع للبيض منها صريرا [8]
__________
[1] ديوان أبي الأسود الدؤلي 207.
[2] الثقوب: ما أثقبت به النار وأشعلتها.
[3] القوارع: الدواهي.
[4] استجمعا: أي اللب والنصح.
[5] ديوان أبي الأسود الدؤلي 209.
[6] القعس: خروج الصدر ودخول الظهر وهو نقيض الحدب.
[7] ديوان الكميت 1/191، والثاني في اللسان والتاج (قرح) ، والتهذيب 4/38، والبيان 1/255.
[8] البيض: السلاح، والبيض: السيوف.
(5/318)

تشبّه في الهام آثارها ... مشافر قرحى أكلن البريرا
وأنشدني أبو عبيدة: [من الرجز]
نصبحها قيسا بلا استبقائها ... صفائحا فيها فضول مائها
من كلّ غضب علّ من دمائها ... إذا علا البيضة في استوائها
رونقه أوقد في حربائها ... نارا وقد أمخض من ورائها
وأنشدني لرجل من طيئ: [من الرجز]
لم أر فتيان صباح أصبرا ... منهم إذا كان الرماح كسرا
سفع الحدود درّعا وحسّرا ... لا يشتهون الأجل المؤخّرا [1]
وقال ابن مفرّغ [2] : [من الرجز]
قبّ البطون والهوادي قود ... إن حادت الأبطال لا تحيد [3]
إذا رجعناهنّ قالت عودوا ... كأنما يعلمن ما نريد
ومن المجهولات: [من الطويل]
عليك سلام الله من منزل قفر ... فقد هجت لي شوقا قديما وما تدري
عهدتك من شهر جديدا ولم أخل ... صروف النّوى تبلي مغانيك في شهر
الخريميّ أبو يعقوب [4] : [من الطويل]
لعمرك ما أخلقت وجها بذلته ... إليك ولا عرّضته للمعاير
أي لا أعيّر لقصدك.
فتى وفرت أيدي المحامد عرضه ... عليه وخلّت ماله غير وافر
وقال مطيع بن إياس [5] : [من المنسرح]
قد كلفتني طويلة العنق ... وحبّ طول الأعناق من خلقي
__________
[1] الدّرّع: جمع دارع، وهو لابس الدرع. الحسّر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه.
[2] ديوان يزيد بن مفرغ 93.
[3] في ديوانه: «قبّ: جمع قباء، وهي الضامرة البطن مع دقة في الخصر. الهوادي: الأعناق. قود:
جمع أقود وهو الطويل، والأقود من الخيل: الطويل العنق العظيمة» .
[4] ديوان الخريمي 38.
[5] لم يرد البيتان في ديوانه، والأول في البرصان 318.
(5/319)

أقلق من بعدها فإن قربت ... فالقرب أيضا يزيد في قلقي
وقال سهل بن هارون [1] : [من البسيط]
إذا امرؤ ضاق عنّي لم يضق خلقي ... من أن يراني غنيّا عنه بالياس
ولا يراني إذا لم يرع آصرتي ... مستمريا دررا منه بإبساس [2]
لا أطلب المال كي أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس
وقال [3] ليحيى بن خالد: [من الطويل]
عدّو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما
فسيّان حالاه، له فضل منعه ... كما يستحقّ الفضل إن هو أنعما
مذلّل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتي من الحقّ مغنما
وقال أبو الأسود لزياد: [من الطويل]
لعمرك ما حشاك الله روحا ... به جشع ولا نفسا شريره
ولكنّ أنت لا شرس غليظ ... ولا هشّ تنازعه خؤوره
كأنا إذ أتيناه نزلنا ... بجانب روضة ريّا مطيره
تم الجزء الخامس من كتاب الحيوان ويليه الجزء السادس أوله باب.. من كتاب الحيوان.
__________
[1] الأبيات في البخلاء 182، والأول والثالث في زهر الآداب 617.
[2] الآصرة: ما عطفك على رجل من رحم أو قرابة أو صهر أو معروف، والآصرة: الرحم، لأنها تعطفك.
مستمريا: مستخرجا. الإبساس: صوت الراعي تسكن به الناقة عند الحلب، وهو قوله: بس بس.
[3] البيتان الأول والثالث لسهل بن هارون في البيان 3/352، وزهر الآداب 616، والأول في البخلاء 14، وقد تقدم في 3/222، والأبيات لكثير عزة في العقد الفريد 6/192.
(5/320)