Advertisement

الحيوان 006

الجزء السادس
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
[باب في الإطناب والإيجاز لبعض الأبواب السابقة]
(باب) بسم الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللهم جنّبنا فضول القول، والثقة بما عندنا، ولا تجعلنا من المتكلّفين.
1667-[مسرد الأجزاء السابقة]
قد قلنا في الخطوط [1] ومرافقها، وفي عموم منافعها، وكيف كانت الحاجة إلى استخراجها، وكيف اختلفت صورها على قدر اختلاف طبائع أهلها، وكيف كانت ضرورتهم إلى وضعها، وكيف كانت تكون الخلّة عند فقدها.
وقلنا في العقد ولم تكلّفوه، وفي الإشارة ولم اجتلبوها [2] ، ولم شبّهوا جميع ذلك ببيان اللّسان حتى سموه بالبيان، ولم قالوا: القلم أحد اللسانين، والعين أنمّ من اللّسان.
وقلنا في الحاجة إلى المنطق وعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه، وكيف صار أعمّ نفعا، ولجميع هذه الأشكال أصلا، وصار هو المشتقّ منه، والمحمول عليه، وكيف جعلنا دلالة الأجسام الصامتة نطقا والبرهان الذي في الأجرام الجامدة بيانا.
وذكرنا جملة القول في الكلب والدّيك في الجزأين الأوّلين، وذكرنا جملة القول في الحمام، وفي الذّبّان، وفي الغربان، وفي الخنافس، وفي الجعلان، إلّا ما بقي من فضل القول فيهما، فإنّا قد أخرنا ذلك، لدخوله في باب الحشرات، وصواب موقعهما في باب القول في الهمج- في الجزء الثالث.
وإذا سمعت ما أودعها الله تعالى من عظيم الصّنعة، وما فطرها الله تعالى عليه من غريب المعرفة، وما أجرى بأسبابها من المنافع الكثيرة، والمحن العظيمة، وما جعل فيها من الدّاء والدّواء- أجللتها أن تسميها همجا، وأكبرت الصنف الآخر أن تسمّيه حشرة، وعلمت أنّ أقدار الحيوان ليست على قدر الاستحسان، ولا على أقدار الأثمان.
__________
[1] تقدم الكلام على الخطوط في 1/45- 50، الفقرات (35- 39) .
[2] تقدم الكلام على العقد والإشارة في 1/29، الفقرة (15) .
(6/321)

وذكرنا جملة القول في الذّرّة والنّملة، وفي القرد والخنزير، وفي الحيّات والنّعام، وبعض القول في النّار في الجزء الرابع.
والنار- حفظك الله- وإن لم تكن من الحيوان، فقد كان جرى من السّبب المتّصل بذكرها، ومن القول المضمر بما فيها، ما أوجب ذكرها والإخبار عن جملة القول فيها.
وقد ذكرنا بقيّة القول في النّار، ثمّ جملة القول في العصافير، ثمّ جملة القول في الجرذان والسّنانير والعقارب. ولجمع هذه الأجناس في باب واحد سبب سيعرفه من قرأه، ويتبيّنه من رآه! ثمّ القول في القمل والبراغيث والبعوض، ثمّ القول في العنكبوت و؟؟؟
القول في الحبارى، ثمّ القول في الضّأن والمعز، ثمّ القول في الضفادع والجراد؟؟؟
القول في القطا.
1668-[الإطناب والإيجاز]
وقد بقيت- أبقاك الله تعالى- أبواب توجب الإطالة، وتحوج إلى الإطناب.
وليس بإطالة ما لم يجاوز مقدار الحاجة، ووقف عند منتهى البغية.
وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها. والمعاني المفردة، البائنة بصورها وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقلّ مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، والجهات الملتبسة.
ولو جهد جميع أهل البلاغة أن يخبروا من دونهم عن هذه المعاني، بكلام وجيز يغني عن التفسير باللّسان، والإشارة باليد والرأس- لما قدروا عليه.
وقد قال الأوّل [1] : «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون!» .
وليس ينبغي للعاقل أن يسوم [2] اللّغات ما ليس في طاقتها. ويسوم النّفوس ما ليس في جبلّتها [3] . ولذلك صار يحتاج صاحب كتاب المنطق إلى أن يفسّره لمن
__________
[1] هذا القول لأيوب بن أبي تميمة السختياني في صفة الصفوة 3/214، وورد بلا نسبة في البيان 1/210، وهو من الأمثال في المستقصى 1/127، وأمثال ابن سلام 237، وجمهرة الأمثال 1/305.
[2] سامه الأمر: كلّفه إيّاه.
[3] الجبلة: الخلقة والطبيعة.
(6/322)

طلب من قبله علم المنطق، وإن كان المتكلم رفيق اللّسان، حسن البيان، إلّا أنّي لا أشكّ على حال أنّ النفوس إذ كانت إلى الطّرائف أحنّ، وبالنّوادر أشغف، وإلى قصار الأحاديث أميل، وبها أصبّ- أنّها خليقة لاستثقال الكثير، وإن استحقّت تلك المعاني الكثيرة، وإن كان ذلك الطّويل أنفع، وذلك الكثير أردّ [1] .
1669-[سرد سائر أبواب الكتاب]
وسنبدأ بعون الله تعالى وتأييده، بالقول في الحشرات والهمج، وصغار السباع، والمجهولات الخاملة الذّكر من البهائم، ونجعل ذلك كله بابا واحدا، ونتّكل، بعد صنع الله تعالى، على أنّ ذلك الباب إذ كان أبوابا كثيرة، وأسماء مختلفة- أنّ القارئ لها لا يملّ بابا حتّى يخرجه الثّاني إلى خلافه، وكذلك يكون مقام الثّالث من الرّابع، والرّابع من الخامس، والخامس من السّادس.
1670-[مقياس قدر الحيوان]
وليس الذي يعتمد عليه من شأن الحيوان عظم الجثة، ولا كثرة العدد، ولا ثقل الوزن! والغاية التي يجرى إليها، والغرض الذي نرمي إليه غير ذلك، لأن خلق البعوضة وما فيها من عجيب التركيب، ومن غريب العمل، كخلق الذّرّة وما فيها من عجيب التركيب، ومن الأحساس الصّادقة، والتدابير الحسنة، ومن الرويّة والنظر في العاقبة، والاختيار لكلّ ما فيه صلاح المعيشة، ومع ما فيها من البرهانات النيرة، والحجج الظّاهرة [2] .
وكذلك خلق السّرفة [3] وعجيب تركيبها، وصنعة كفّها، ونظرها في عواقب أمرها.
وكذا خلق النّحلة مع ما فيها من غريب الحكم، وعجيب التّدبير، ومن التقدّم فيما يعيشها، والادخار ليوم العجز عن كسبها، وشمّها ما لا يشمّ، ورؤيتها لما لا يرى، وحسن هدايتها، والتّدبير في التأمير عليها، وطاعة ساداتها، وتقسيط أجناس الأعمال بينها، على أقدار معارفها وقوّة أبدانها [4] .
__________
[1] أردّ: أنفع.
[2] وردت الفقرة السابقة في ثمار القلوب (642) .
[3] السرفة: دودة القز.
[4] وردت الفقرة السابقة في ثمار القلوب (732) .
(6/323)

فهذه النّحلة، وإن كانت ذبابة، فانظر قبل كل شيء في ضروب انتفاع ضروب الناس فيها، فإنّك تجدها أكبر من الجبل الشامخ، والفضاء الواسع.
وكلّ شيء وإن كان فيه من العجب العاجب، ومن البرهان النّاصع، ما يوسّع فكر العاقل، ويملأ صدر المفكّر، فإنّ بعض الأمور أكثر أعجوبة، وأظهر علامة. وكما تختلف برهاناتها في الغموض والظّهور، فكذلك تختلف في طبقات الكثرة، وإن شملتها الكثرة، ووقع عليها اسم البرهان.
1671-[رجع إلى سرد سائر أبواب الكتاب]
ولعلّ هذا الجزء الذي نبتدئ فيه بذكر ما في الحشرات والهمج، أن يفضل من ورقه شيء، فنرفعه ونتمّه بجملة القول في الظّباء والذئاب، فإنّهما بابان يقصران عن الطوال، ويزيدان على القصار.
وقد بقي من الأبواب المتوسّطة والمقتصدة المعتدلة، التي قد أخذت من القصر لمن طلب القصر بحظّ، ومن الطّول لمن طلب الطّول بحظّ وهو القول في البقر، والقول في الحمير، والقول في كبار السّباع وأشرافها، ورؤسائها، وذوي النّباهة منها، كالأسد والنّمر، والببر وأشباه ذلك، مما يجمع قوّة أصل النّاب، والذّرب [1] ، وشحو [2] الفم، والسّبعيّة وحدّة البرثن، وتمكّنه في العصب، وشدّة القلب وصرامته عند الحاجة، ووثاقة خلق البدن، وقوّته على الوثب.
وسنذكر تسالم المتسالمة منها، وتعادي المتعادية منها، وما الذي أصلح بينها على السّبعيّة الصّرف، واستواء حالها في اقتيات اللّحمان، حتّى ربّما استوت فريستها في الجنس.
وقد شاهدنا غير هذه الأجناس يكون تعاديها من قبل هذه الأمور التي ذكرناها.
وليس فيما بين هذه السّباع بأعيانها تفاوت في الشّدّة، فتكون كالأسد الذي يطلب الفهد ليأكله، والفهد لا يطمع فيه ولا يأكله. فوجدنا التّكافؤ في القوّة والآلة من أسباب التّفاسد. وإنّ ذلك ليعمل في طباع عقلاء الإنس حتّى يخرجوا إلى تهارش السّباع، فما بالها لم تعمل هذا العمل في أنفس السّباع؟!
__________
[1] الذرب: الحدّة.
[2] الشحو: الاتساع.
(6/324)

وسنذكر علّة التسالم وعلّة التعادي، ولم طبعت رؤساء السّباع على الغفلة وبعض ما يدخل في باب الكرم، دون صغار السّباع وسفلتها، وحاشيتها وحشوها [1] ، وكذلك أوساطها، والمعتدلة الآلة والأسر [2] منها.
1672-[شواهد هذا الكتاب وملازمتها للغرائب والطرائف]
ولم نذكر، بحمد الله تعالى، شيئا من هذه الغرائب، وطريفة من هذه الطرائف إلا ومعها شاهد من كتاب منزل، أو حديث مأثور، أو خبر مستفيض، أو شعر معروف، أو مثل مضروب، أو يكون ذلك ممّا يشهد عليه الطبيب، ومن قد أكثر قراءة الكتب، أو بعض من قد مارس الأسفار، وركب البحار، وسكن الصّحاري واستذرى [3] بالهضاب، ودخل في الغياض [4] ، ومشى في بطون الأودية.
وقد رأينا أقواما يدّعون في كتبهم الغرائب الكثيرة، والأمور البديعة، ويخاطرون من أجل ذلك بمروءاتهم، ويعرّضون أقدارهم، ويسلّطون السّفهاء على أعراضهم، ويجترّون سوء الظّنّ إلى أخبارهم، ويحكّمون حسّاد النّعم في كتبهم، ويمكّنون لهم من مقالتهم. وبعضهم يتّكل على حسن الظّنّ بهم، أو على التسليم لهم، والتقليد لدعواهم. وأحسنهم حالا من يحبّ أن يتفضّل عليه ببسط العذر له، ويتكلّف الاحتجاج عنه، ولا يبالي أن يمنّ بذلك على عقبه، أو من دان بدينه، أو اقتبس ذلك العلم من قبل كتبه.
ونحن حفظك الله تعالى، إذا استنطقنا الشّاهد، وأحلنا على المثل، فالخصومة حينئذ إنّما هي بينهم وبينها، إذ كنّا نحن لم نستشهد إلّا بما ذكرنا. وفيما ذكرنا مقنع عند علمائنا، إلّا أن يكون شيء يثبت بالقياس، أو يبطل بالقياس، فواضع الكتاب ضامن لتخليصه وتلخيصه، ولتثبيته وإظهار حجّته.
فأمّا الأبواب الكبار فمثل القول في الإبل، والقول في فضيلة الإنسان على جميع الحيوان، كفضل الحيوان على جميع النامي، وفضل النّامي على جميع الجماد.
__________
[1] الحشو والحاشية: الصغار.
[2] الأسر: القوة.
[3] استذرى بالشجرة والحائط: اكتنّ وصار في كنف منها.
[4] الغياض: جمع غيضة، وهي مفيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر.
(6/325)

وليس يدخل في هذا الباب القول فيما قسم الله، عزّ وجلّ، لبعض البقاع من التّعظيم دون بعض، ولا فيما قسم من السّاعات والليالي، والأيّام والشّهور وأشباه ذلك، لأنّه معنى يرجع إلى المختبرين بذلك، من الملائكة والجنّ والآدميّين.
فمن أبواب الكبار القول في فصل ما بين الذّكورة والإناث، وفي فصل ما بين الرّجل والمرأة خاصّة.
وقد يدخل في القول في الإنسان ذكر اختلاف النّاس في الأعمار، وفي طول الأجسام، وفي مقادير العقول، وفي تفاضل الصّناعات، وكيف قال من قال في تقديم الأوّل، وكيف قال من قال في تقديم الآخر.
فأما الأبواب الأخر، كفضل الملك على الإنسان، وفضل الإنسان على الجانّ، وهي جملة القول في اختلاف جواهرهم، وفي أيّ موضع يتشاكلون، وفي أيّ موضع يختلفون؛ فإن هذه من الأبواب المعتدلة في القصر والطّول.
1673-[علة تداخل أبواب الكتاب]
وليس من الأبواب باب إلّا وقد يدخله نتف من أبواب أخر على قدر ما يتعلّق بها من الأسباب، ويعرض فيه من التضمين. ولعلك أن تكون بها أشدّ انتفاعا.
وعلى أني ربما وشّحت هذا الكتاب وفصّلت فيه بين الجزء والجزء بنوادر كلام، وطرف أخبار، وغرر أشعار، مع طرف مضاحيك. ولولا الذي نحاول من استعطاف على استتمام انتفاعكم لقد كنّا تسخّفنا [1] وسخّفنا شأن كتابنا هذا.
وإذا علم الله تعالى موقع النّيّة، وجهة القصد، أعان على السّلامة من كلّ مخوف
1674-[العلة في عدم إفراد باب للحيوانات المائية]
ولم نجعل لما يسكن الملح والعذوبة، والأنهار والأدوية، والمناقع والمياه الجارية، من السّمك وممّا يخالف السّمك، ممّا يعيش مع السمك- بابا مجرّدا، لأنّي لم أجد في أكثره شعرا يجمع الشّاهد ويوثق منه بحسن الوصف، وينشّط بما فيه من غير ذلك للقراءة. ولم يكن الشّاهد عليه إلّا أخبار البحريّين، وهم قوم لا
__________
[1] انظر ما تقدم في 3/17، السطر 18، 24، 27. وأراد بالتسخف: الذهاب مذهب السخف.
(6/326)

يعدّون القول في باب الفعل، وكلّما كان الخبر أغرب كانوا به أشدّ عجبا، مع عبارة غثّة، ومخارج سمجة.
وفيه عيب آخر: وهو أنّ معه من الطّول والكثرة ما لا تحتملونه، ولو غنّاكم بجميعه مخارق، وضرب عليه زلزل، وزمر به برصوما، فلذلك لم أتعرّض له.
وقد أكثر في هذا الباب أرسطاطاليس، ولم أجد في كتابه على ذلك من الشّاهد إلّا دعواه.
ولقد قلت لرجل من البحريّين: زعم أرسطاطاليس أنّ السّمكة لا تبتلع الطّعم أبدا إلّا ومعه شيء من ماء، مع سعة المدخل، وشرّ النفس. فكان من جوابه أن قال لي: ما يعلم هذا إلّا من كان سمكة مرّة، أو أخبرته به سمكة، أو حدّثه بذلك الحواريّون أصحاب عيسى، فإنهم كانوا صيّادين، وكانوا تلامذة المسيح.
وهذا البحريّ صاحب كلام، وهو يتكلّف معرفة العلل. وهذا كان جوابه.
ولكني لن أدع ذكر بعض ما وجدته في الأشعار والأخبار، أو كان مشهورا عند من ينزل الأسياف [1] وشطوط الأودية والأنهار، ويعرفه السّمّاكون، ويقرّ به الأطبّاء- بقدر ما أمكن من القول.
1675-[زعم إياس بن معاوية في الشبّوط]
وقد روى لنا غير واحد من أصحاب الأخبار، أنّ إياس بن معاوية زعم أنّ الشّبّوطة كالبغل، وأنّ أمّها بنيّة، وأباها زجر [2] ، وأنّ من الدّليل على ذلك أنّ الناس لم يجدوا في بطن شبّوطة قطّ بيضا.
وأنا أخبرك أنّي قد وجدته فيها مرارا، ولكنّي وجدته أصغر جثّة، وأبعد من الطّيب، ولم أجده عامّا كما أجده في بطون جميع السمك.
فهذا قول أبي واثلة إياس بن معاوية المزني الفقيه القاضي، وصاحب الإزكان [3] ، وأقوف [4] من كرز بن علقمة، داهية مضر في زمانه، ومفخر من مفاخر العرب.
__________
[1] الأسياف جمع سيف، وهو ساحل البحر.
[2] البنية والزجر: ضربان من السمك، انظر ما تقدم في 5/198.
[3] الإزكان: الفطنة والحدس الصادق، وانظر ما تقدم في 5/124، السطر 7.
[4] أقوف: أشد قيافة. والقيافة: هي عمل القائف: وهو الذي يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه.
(6/327)

1676-[الشك في أخبار البحريين والسّماكين والمترجمين]
فكيف أسكن بعد هذا إلى أخبار البحريّين، وأحاديث السمّاكين، وإلى ما في كتاب رجل لعلّه أن لو وجد هذا المترجم أن يقيمه على المصطبة، ويبرأ إلى النّاس من كذبه عليه، ومن إفساد معانيه بسوء ترجمته.
1677-[الأجناس التي ترجع إلى صورة الضب]
والذي حضرني من أسماء الحشرات، ممّا يرجع عمود صورها إلى قالب واحد، وإن اختلفت بعد ذلك في أمور. فأوّل ما نذكر من ذلك الضبّ.
والأجناس التي ترجع إلى صورة الضّبّ: الورل، والحرباء، والوحرة [1] ، والحلكة [2] ، وشحمة الأرض، وكذلك العظاء، والوزغ، والحرذون. وقال أبو زيد:
وذكر العظاية هو العضرفوط. ويقال في أمّ حبين حبينة وأشباهها مما يسكن الماء الرّقّ، والسّلحفا، والغيلم، والتّمساح، وما أشبه ذلك.
1678-[الحشرات]
وممّا نحن قائلون في شأنه من الحشرات: الظربان، والعثّ [3] والحفّاث [4] والعربد [5] ، والعضرفوط [6] ، والوبر [7] ، وأم حبين، والجعل، والقرنبى [8] والدّسّاس [9] ، والخنفساء، والحيّة، والعقرب، والشّبث [10] والرّتيلاء [11] ، والطّبّوع،
__________
[1] الوحرة: دويبة حمراء تلزق بالأرض شبيهة بسام أبرص. حياة الحيوان 2/411.
[2] الحلكة: دويبة شبيهة بالعظاية تغوص في الرمل. حياة الحيوان 1/337.
[3] العثّ: دويبة تأكل الصوف والجلود.
[4] الحفّاث: ضرب من الحيات تأكل الفأر وأشباه الفأر، انظر ما تقدم في 4/331، س 10- 13.
[5] العربد: حية أحمر أرقش، لا يظلم إلا إذا أوذي.
[6] العضرفوط: العظاءة الذكر. حياة الحيوان 2/31.
[7] الوبر: دويبة أصغر من السنور تقيم في البيوت. حياة الحيوان 2/409.
[8] القرنبى: دويبة طويلة الرجلين مثل الخنفساء؛ أو أعظم منها بيسير. حياة الحيوان 2/209.
[9] الدساس: ضرب من الحيات، أصم؛ يندس تحت التراب. حياة الحيوان 1/479.
[10] الشبث: العنكبوت، أو هي دويبة لها ست قوائم طوال صفراء الظهر؛ وظهور القوائم، سوداء الرأس؛ زرقاء العينين، وقيل: دويبة كثيرة الأرجل عظيمة الرأس واسعة الفم مرتفعة المؤخر، وهي التي تسمى شحمة الأرض. حياة الحيوان 1/595.
[11] الرتيلاء: نوع من العناكب تسمى عقرب الحيات، لأنها تقتل الحيات والأفاعي. حياة الحيوان 1/523.
(6/328)

والحرقوص [1] ، والدّلم [2] ، وقملة النّسر [3] ، والمثل، والنّبر، وهي دويبّة إذا دبّت على جلد البعير تورّم [4] ، ولذلك يقول الشاعر [5] ، وهو يصف إبله بالسّمن: [من الرجز]
كأنّها من بدن واستيقار ... دبّت عليها ذربات الأنبار [6]
وقال الآخر [7] : [من الكامل]
حمر تحقّنت النّجيل كأنما ... بجلودهن مدارج الأنبار
والضّمج [8] ، والقنفذ، والنّمل، والذّرّ، والدّساس [9] ، [ومنها ما] [10] تتشاكل في وجوه، وتختلف من وجوه: كالفأر والجرذان والزباب [11] ، والخلد واليربوع، وابن عرس، وابن مقرض [12] ومنها العنكبوت الذي يقال له منونة، وهي شرّ من الجرّارة والضّمج [8] .
1679-[الوحشي والأهلي من الحيوان]
وسنقول في الأجناس التي يكون في الجنس منها الوحشيّ والأهليّ، كالفيلة، والخنازير، والبقر، والحمير، والسّنانير.
__________
[1] الحرقوص: دويبة أكبر من البرغوث؛ وعضها أشد عضة، وهي مولعة بفروج النساء تولع النمل بالمذاكير. حياة الحيوان 1/331، وربيع الأبرار 5/478، وانظر ما سيأتي في ص 562- 563.
[2] الدلم: نوع من القراد. حياة الحيوان 1/483.
[3] انظر ما تقدم في 5/210، س 12، و 213، س 3.
[4] انظر ما تقدم في 3/148، الفقرة (758) .
[5] الرجز لشبيب بن البرصاء في اللسان (ذرب، نبر، عرم، بدن) ، والتاج (وقر، بدن) ، والتنبيه والإيضاح 2/209، وبلا نسبة في اللسان (وفر، وقر) ، والتاج (ذرب، نبر) ، ومعجم البلدان 1/257 (الأنبار) ، والجمهرة 330، والمقاييس 5/380، والمجمل 4/370، والتهذيب 15/214.
[6] البدن: البدانة. الاستيقار: مصدر استوقرت الإبل، أي سمنت وحملت الشحوم.
[7] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (حقن) ، والتهذيب 4/65، وتقدم مع شرحه في 3/148، الفقرة (758) .
[8] الضمج: حشرة تعرف باسم البق، والبعوض، والفسافس. انظر معجم الألفاظ الزراعية 544.
[9] الدساس: ضرب من الحيات أصم، يندس تحت التراب. حياة الحيوان 1/479.
[10] زيادة يقتضيها سياق الكلام.
[11] الزباب: الفأرة البرية، وقيل: هي فأرة عمياء صماء. حياة الحيوان 1/532، وسبق أن تحدث الجاحظ عنها في 4/461.
[12] ابن مقرض: دويبة كحلاء اللون طويلة الظهر ذات قوائم أربع أصغر من الفأر، تقتل الحمام وتقرض الثياب. حياة الحيوان 2/320.
(6/329)

والظّباء قد تدجن وتولّد على صعوبة فيها. وليس في أجناس الإبل جنس وحشيّ، إلّا في قول الأعراب.
وممّا يكون أهليّا ولا يكون وحشيّا وهو سبع- الكلاب وليس يتوحّش منها إلّا الكلب الكلب. فأمّا الضّباع والذّئاب، والأسد، والنمور، والببور، والثعالب، وبنات آوى، فوحشيّة كلها، وقد يقلّم الأسد وتنزع أنيابه، ويطول ثواؤه مع الناس حتى يهرم مع ذلك، ويحسّ بعجزه عن الصّيد، ثمّ هو في ذلك لا يؤتمن عرامه [1] ولا شروده، إذا انفرد عن سوّاسه [2] ، وأبصر غيضة قدّامها صحراء.
1680-[قصة الأعرابي والذئب]
وقد كان بعض الأعراب ربّى جرو ذئب صغيرا، حتّى شبّ، وظنّ أنه يكون أغنى غناء من الكلب، وأقوى على الذّبّ عن الماشية، فلمّا قوي شيئا وثب على شاة فذبحها- وكذلك يصنع الذّئب- ثمّ أكل منها فلمّا أبصر الرّجل أمره قال [3] :
[من الوافر]
أكلت شويهتي وربيت فينا ... فمن أنباك أنّ أباك ذيب
وقد أنكر ناس من أصحابنا هذا الحديث، وقالوا: لم يكن ليألفه ويقيم معه بعد أن اشتدّ عظمه! ولم لم يذهب مع الذّئاب والضّباع، ولم تكن البادية أحبّ إليه من الحاضرة، والقفار أحبّ إليه من المواضع المأنوسة.
1681-[كيف يصير الوحشيّ من الحيوان أهليا]
وليس يصير السبع من هذه الأجناس أو الوحشيّ من البهائم أهليّا بالمقام فيهم، وهو لا يقدر على الصّحاري. وإنما يصير أهليّا إذا ترك منازل الوحش وهي له معرضة.
1682-[ما يعتري الوحشي إذا صار إلى الناس]
وقد تتسافد وتتوالد في الدّور وهي بعد وحشيّة، وليس ذلك فيها بعامّ. ومن الوحش ما إذا صار إلى النّاس وفي دورهم ترك السّفاد، ومنها ما لا يطعم ولا يشرب
__________
[1] العرام: الشدة والحدة.
[2] السواس: جمع سائس، وهو من يسوس الدابة ويروضها.
[3] تقدم البيت مع الخبر السابق في 4/283- 284، الفقرة (979) .
(6/330)

البتّة بوجه من الوجوه، ومنها ما يكره على الطّعم ويدخل في حلقة كالحيّة، ومنها ما لا يسفد ولا يدجن، ولا يطعم ولا يشرب، ولا يصيح حتى يموت وهذا المعنى في وحشيّ الطّير أكثر.
1683-[حذق السّوداني بتدريب الجوارح]
[1] والذي يحكى عن السوداني القنّاص الجبليّ ليس بناقض لما قلنا، لأنّ الشّيء الغريب، والنادر الخارجيّ، لا يقاس عليه. وقد زعموا أنّه بلغ من حذقه بتدريب الجوارح وتضريتها أنّه ضرّى ذئبا حتّى اصطاد به الظّباء وما دونها، صيدا ذريعا، وأنه ألفه حتى رجع إليه من ثلاثين فرسخا، وقد كان بعض العمّال سرقه منه. وقد ذكروا أنّ هذا الذّئب قد صار إلى العسكر، وأن هذا السّودانيّ ضرّى أسدا حتى اصطاد له الحمير فما دونها صيدا ذريعا، وأنه ضرّى الزّنابير فاصطاد بها الذّبّان. وكلّ هذا عجب، وهو غريب نادر، بديع خارجيّ وذكروا أنّه من قيس عيلان، وأن حليمة ظئر النبي صلّى الله عليه وسلّم قد ولدته.
1684-[الحيوانات العجيبة]
وليس عندي في الحمار الهنديّ [2] شيء. وقد ذكره صاحب المنطق. فأما الدّباب، وفأرة المسك [3] ، والفنك [4] ، والقاقم [5] ، والسّنجاب، والسّمّور [6] ، وهذه الدوابّ ذوات الفراء [7] والوبر الكثيف النّاعم، والمرغوب فيه، والمنتفع به، فهي عجيبة.
وإنّما نذكر ما يعرفه أصحابنا وعلماؤنا، وأهل باديتنا. ألا ترى أنّي لم أذكر لك
__________
[1] وردت هذه الفقرة مختصرة في ربيع الأبرار 5/460.
[2] الحمار الهندي: يسمى الكركدن والحريش، وهو عدو الفيل، يقال إنه متولد من بين الفرس والفيل، وله قرن واحد عظيم في رأسه. حياة الحيوان 2/243، وانظر ما تقدم في 3/112، الفقرة (698) .
[3] تحدث الجاحظ عن فأرة المسك في 5/162.
[4] الفنك: دويبة يؤخذ منها الفرو. حياة الحيوان 1/574.
[5] القاقم: دويبة تشبه السنجاب، ويشبه جلده جلد الفنك. حياة الحيوان 2/195.
[6] السمور: حيوان بري يشبه السنور، وزعم ناس أنه النمس. حياة الحيوان 1/574.
[7] انظر ما تقدم في 5/257.
(6/331)

الحريش [1] ، والدّخس [2] ، ولا هذه السّباع المشتركة الخلق، المتولّدة فيما بين السّباع المختلفة الأعضاء، المتشابهة الأرحام، التي إذا صار بعضها في أيدي القرّادين والمتكسّبين والطوّافين، وضعوا لها أسماء، فقالوا: مقلاس، وكيلاس، وشلقطير، وخلقطير وأشباه ذلك، حين لم تكن من السّباع الأصلية والمشهورة النسب، والمعروفة بالنّفع والضّرر.
وقد ذكرنا منها ما كان مثل الضبع، والسّمع [3] ، والعسبار [4] ، إذ كانت معروفة عند الأعراب، مشهورة في الأخبار، منوّها بها في الأشعار.
1685-[الاعتماد على معارف الأعراب في الوحش]
وإنّما أعتمد في مثل هذا على ما عند الأعراب، وإن كانوا لم يعرفوا شكل ما احتيج إليه منها من جهة العناية والفلاية، ولا من جهة التذاكر والتكسّب. ولكن هذه الأجناس الكثيرة، ما كان منها سبعا أو بهيمة أو مشترك الخلق، فإنّما هي مبثوثة في بلاد الوحش: من صحراء، أو واد، أو غائط، أو غيضة، أو رملة، أو رأس جبل، وهي في منازلهم ومناشئهم [5] ، فقد نزلوا كما ترى بينها، وأقاموا معها. وهم أيضا من بين النّاس وحش، أو أشباه الوحش.
1686-[توارث المعرفة بالداء والدواء]
وربّما؛ بل كثيرا ما يبتلون بالناب والمخلب، وباللدغ واللّسع، والعضّ والأكل، فخرجت بهم الحاجة إلى تعرّف حال الجاني والجارح والقاتل، وحال المجنيّ عليه والمجروح والمقتول، وكيف الطّلب والهرب، وكيف الداء والدواء، لطول الحاجة، ولطول وقوع البصر، مع ما يتوارثون من المعرفة بالدّاء والدواء.
__________
[1] في حياة الحيوان 1/332: «الحريش نوع من الحيات أرقط، كذا قال الجوهري. وقال بعد هذا: الحريش: دابة لها مخالب كمخالب الأسد ولها قرن واحد في هامتها، ويسميها الناس الكركدن» .
[2] في حياة الحيوان 1/476: «قال الجوهري الدّخس: مثال الصّرد؛ دويبة في البحر تنجي الغريق، تمكنه من ظهرها ليستعين على السباحة، وتسمى الدلفين» .
[3] السمع: ولد الذئب من الضبع.
[4] العسبار: ولد الضبع من الذئب.
[5] مناشئهم: مكان نشوئهم.
(6/332)

1687-[معرفة العرب للآثار والأنواء والنجوم]
ومن هذه الجهة عرفوا الآثار في الأرض والرّمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء، لأنّ كلّ من كان بالصّحاصح الأماليس [1]- حيث لا أمارة ولا هادي، مع حاجته إلى بعد الشّقّة- مضطرّ إلى التماس ما ينجيه ويؤديه [2] .
ولحاجته إلى الغيث، وفراره من الجدب، وضنّه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرّف شأن الغيث.
ولأنه في كلّ حال يرى السّماء، وما يجري فيها من كوكب، ويرى التّعاقب بينها، والنّجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعا وما يسير منها فاردا [3] ، وما يكون منها راجعا ومستقيما.
وسئلت أعرابيّة فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله! أما أعرف أشباحا وقوفا عليّ كلّ ليلة! وقال اليقطريّ: وصف أعرابيّ لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات اللّيل والسّعود والنّحوس، فقال قائل لشيخ عباديّ كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابيّ يعرف من النّجوم ما لا نعرف! قال: ويل أمّك، من لا يعرف أجذاع [4] بيته؟
قال: وقلت لشيخ من الأعراب قد خرف، وكان من دهاتهم: إني لا أراك عارفا بالنّجوم! قال: أما إنّها لو كانت أكثر لكنت بشأنها أبصر، ولو كانت أقلّ لكنت لها أذكر.
وأكثر سبب ذلك كلّه- بعد فرط الحاجة، وطول المدارسة- دقّة الأذهان، وجودة الحفظ. ولذلك قال مجنون من الأعراب- لمّا قال له أبو الأصبغ بن ربعيّ: أما تعرف النجوم؟ قال: وما لي أعرف من لا يعرفني؟! فلو كان لهذا الأعرابيّ المجنون مثل عقول أصحابه، لعرف مثل ما عرفوا.
__________
[1] الصحاصح: جمع صحصح، وهي الأرض المستوية الواسعة. الأماليس: جمع إمليس، وهي الأرض الملساء لا شجر بها ولا ماء.
[2] آداه: قوّاه، أو أوصله.
[3] فاردا: منفردا.
[4] الجذع: ساق النخلة، والمراد بها هنا ما جعل منها سقفا للبيت.
(6/333)

1688-[ما يجب في التعليم]
ولو كان عندي في أبدان السّمّور، والفنك، والقاقم [1] ، ما عندي في أبدان الأرانب والثّعالب، دون فرائها، لذكرتها بما قلّ أو كثر، لكنّه لا ينبغي لمن قلّ علمه أن يدع تعليم من هو أقلّ منه علما.
1689-[الدساس وعلة اختصاصه بالذّكر]
ولو كانت الدّسّاس [2] من أصناف الحيّات لم نخصّها من بينها بالذّكر، ولكنها وإن كانت على قالب الحيّات وخرطها، وأفرغت كإفراغها وعلى عمود صورها، [فخصائصها] [3] دون خصائصها، كما يناسبها في ذلك الحفّاث [4] والعربد [5] .
وليسا من الحيّات، كما أن هذا ليس من الحيّات، لأنّ الدّسّاس ممسوحة الأذن، وهي مع ذلك ممّا يلد ولا يبيض. والمعروف في ذلك أنّ الولادة هي في الأشرف [6] ، والبيض في الممسوح [7] .
وقد زعم ناس أنّ الولادة لا تخرج الدّسّاس من اسم الحيّة، كما أن الولادة لا تخرج الخفّاش من اسم الطير.
وكلّ ولد يخرج من بيضه فهو فرخ، إلا ولد بيض الدّجاج فإنّه فرّوج.
والأصناف التي ذكرناها مع ذكر الضّبّ تبيض كلّها، ويسمى ولدها بالاسم الأعم فرخا.
وزعم لي ابن أبي العجوز، أنّ الدّسّاس تلد. وكذلك خبّرني به محمد بن أيوب ابن جعفر عن أبيه، وخبّرني به الفضل بن إسحاق بن سليمان فإن كان خبرهما عن إسحاق فقد كان إسحاق من معادن [8] العلم.
__________
[1] انظر ما تقدم ص 331.
[2] الدساس: ضرب من الحيات أصم، يندس تحت التراب. حياة الحيوان 1/479.
[3] زيادة يقتضيها سياق الكلام.
[4] انظر ما تقدم في الحاشية 4 ص 328.
[5] العربد: حية أحمر أرقش، لا يظلم إلا إذا أوذي.
[6] الأشرف: الظاهر الأذنين.
[7] الممسوح: ليس بظاهر الأذنين.
[8] معدن الشيء: موضعه ومكانه، عدن بالمكان: أقام وثبت.
(6/334)

وقد زعموا بهذا الإسناد أنّ الأرويّة [1] تضع مع كلّ ولد وضعته أفعى في مشيمة واحدة.
وقال الآخرون: الأرويّة [1] لا تعرف بهذا المعنى، ولكنه ليس في الأرض نمرة إلا وهي تضع ولدها وفي عنقه أفعى في مكان الطّوق. وذكروا أنّها تنهش وتعضّ، ولا تقتل.
ولم أكتب هذا لتقرّ به، ولكنها رواية أحببت أن تسمعها. ولا يعجبني الإقرار بهذا الخبر، وكذلك لا يعجبني الإنكار له. ولكن ليكن قلبك إلى إنكاره أميل.
1690-[مواضع الشك واليقين]
وبعد هذا فاعرف مواضع الشّكّ، وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلم الشّكّ في المشكوك فيه تعلّما. فلو لم يكن في ذلك إلّا تعرّف التوقّف ثمّ التثبّت، لقد كان ذلك ممّا يحتاج إليه.
ثمّ اعلم أنّ الشكّ في طبقات عند جميعهم. ولم يجمعوا على أن اليقين طبقات في القوّة والضعف.
1691-[أقوال لبعض المتكلمين في الشك]
ولمّا قال ابن الجهم للمكّيّ: أنا لا أكاد أشكّ! قال المكّيّ: وأنا لا أكاد أوقن! ففخر عليه المكيّ بالشكّ في مواضع الشّك، كما فخر عليه ابن الجهم باليقين في مواضع اليقين.
وقال أبو إسحاق: نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشّكّاك أبصر بجوهر الكلام من أصحاب الجحود.
وقال أبو إسحاق: الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شكّ، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتّى يكون بينهما حال شكّ.
وقال ابن الجهم: ما أطمعني في أوبة المتحيّر لأنّ كل من اقتطعته عن اليقين الحيرة فضالته التبيّن، ومن وجد ضالته فرح بها.
وقال عمرو بن عبيد: تقرير لسان الجاحد أشدّ من تعريف قلب الجاهل.
__________
[1] الأروية: الأنثى من الوعول. حياة الحيوان 1/35.
(6/335)

وقال أبو إسحاق: إذا أردت أن تعرف مقدار الرجل العالم، وفي أيّ طبقة هو، وأردت أن تدخله الكور [1] وتنفخ عليه، ليظهر لك فيه الصّحّة من الفساد، أو مقداره من الصّحّة والفساد، فكن عالما في صورة متعلّم، ثم اسأله سؤال من يطمع في بلوغ حاجته منه.
1692-[علة قلة الشكوك عند العوام]
والعوامّ أقلّ شكوكا من الخواص، لأنّهم لا يتوقّفون في التصديق والتكذيب ولا يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلّا الإقدام على التّصديق المجرّد، أو على التكذيب المجرد، وألغوا الحال الثالثة من حال الشّكّ التي تشتمل على طبقات الشك، وذلك على قدر سوء الظنّ وحسن الظّن بأسباب ذلك. وعلى مقادير الأغلب.
1693-[حرمة المتكلمين]
وسمع رجل، ممّن قد نظر بعض النظر، تصويب العلماء لبعض الشكّ، فأجرى ذلك في جميع الأمور، حتّى زعم أنّ الأمور كلها يعرف حقها وباطلها بالأغلب.
وقد مات ولم يخلّف عقبا، ولا واحدا يدين بدينه. فلو ذكرت اسمه مع هذه الحال لم أكن أسأت، ولكنّي على حال أكره التّنويه بذكر من قد تحرّم بحرمة الكلام، وشارك المتكلّمين في اسم الصّناعة، ولا سيّما إن كان ممّن ينتحل تقديم الاستطاعة.
1694-[الأوعال والثياتل والأيايل]
فأمّا القول في الأوعال، والثّياتل [2] ، والأيايل [3] وأشباه ذلك، فلم يحضرنا فيها ما إن نجعل لذكرها بابا مبوبا. ولكننا سنذكرها في مواضع ذكرها من تضاعيف هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
__________
[1] الكور: كور الحداد الذي فيه الجمر وتوقد فيه النار، وهو مبني من الطين، ويقال: هو الزق أيضا.
[2] الثيتل: الذكر المسن من الأوعال. حياة الحيوان 1/259.
[3] الأيل: ذكر الأوعال.
(6/336)

[باب في الضب]
(الضب)
1695-[ذم هذا الكتاب ومدحه]
وأنا مبتدئ على اسم الله تعالى في القول في الضّبّ. على أنّي أذمّ هذا الكتاب في الجملة، لأنّ الشواهد على كلّ شيء بعينه وقعت متفرّقة غير مجتمعة.
ولو قدرت على جمعها لكان ذلك أبلغ في تزكية الشّاهد، وأنور للبرهان، وأملأ للنفس، وأمتع لها، بحسن الرّصف [1] . وأحمده، لأنّ جملة الكتاب على حال مشتملة على جميع تلك الحجج، ومحيطة بجميع تلك البرهانات، وإن وقع بعضه في مكان بعض، تأخّر متقدّم، وتقدّم متأخر.
1696-[ما قيل من الشعر في جحر الضب]
وقالوا [2] : ومن كيس [3] الضّبّ أنّه لا يتخذ جحره إلّا في كدية وهو الموضع الصّلب- أو في ارتفاع عن المسيل والبسيط، ولذلك توجد براثنه ناقصة كليلة، لأنّه يحفر في الصّلابة، ويعمّق الحفر، ولذلك قال خالد بن الطّيفان [4] : [من الطويل]
ومولى كمولى الزّبرقان دملته ... كما دملت ساق تهاض، بها كسر [5]
إذا ما أحالت والجبائر فوقها ... مضى الحول لا برء مبين ولا جبر
تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وأذنيه إن مولاه ثاب له وفر
ترى الشّرّ قد أفنى دوائر وجهه ... كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر
__________
[1] الرصف: ضم الشيء بعضه إلى بعض.
[2] انظر هذا القول في ربيع الأبرار 5/467.
[3] الكيس: العقل.
[4] الأبيات لخالد بن علقمة في ديوان علقمة 109- 110، والمؤتلف 221، وللزبرقان بن بدر في المقاصد النحوية 4/171- 172، والأول لابن الطيفان الدارمي في اللسان (دمل) ، والثالث للزبرقان بن بدر في ديوانه 40، والدرر 6/81، وبلا نسبة في مجالس ثعلب 396، والخصائص 2/431، وهمع الهوامع 2/130، واللسان (جدع) ، والرابع للحصين بن القعقاع في ثمار القلوب (613) .
[5] في ديوان علقمة: «قوله: كمولى الزبرقان، كان الزبرقان بن بدر وصف مولى له في شعره فذمه، فشبّه هذا مولاه به؛ والمولى هنا ابن العم. والدمل: إصلاح ما فسد، وهو هاهنا الرفق والتلطف.
والهيض: كسر بعد جبر» .
(6/337)

وقال كثيّر [1] : [من المتقارب]
فإن شئت قلت له صادقا ... وجدتك بالقفّ ضبّا جحولا
من اللاء يحفرن تحت الكدى ... ولا يبتغين الدّماث السّهولا
وقال دريد بن الصّمّة [2] : [من الطويل]
وجدنا أبا الجبّار ضبّا مورّشا ... له في الصّفاة برثن ومعاول
له كدية أعيت على كلّ قانص ... ولو كان منهم حارشان وحابل
ظللت أراعي الشمس لولا ملالتي ... تزلّع جلدي عنده وهو قائل [3]
وأنشد لدريد بن الصمة [4] : [من الطويل]
وعوراء من قيل امرىء قد رددتها ... بسالمة العينين طالبة عذرا [5]
ولو أنني إذ قالها قلت مثلها ... وأكثر منها، أورثت بيننا غمرا
فأعرضت عنها وانتظرت به غدا ... لعلّ غدا يبدي لمنتظر أمرا
لأخرج ضبّا كان تحت ضلوعه ... وأقلم أظفارا أطال بها الحفرا
وقال أوس بن حجر، في أكل الصّخر للأظفار [6] : [من الطويل]
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكّلا
وقد أكلت أظفاره الصّخر، كلّما ... تعايا عليه طول مرقى توصّلا
فقد وصفوا الضّبّ كما ترى، بأنه لا يحفر إلّا في كدية، ويطيل الحفر حتّى تفنى براثنه، ويتوخّى به الارتفاع عن مجاري السّيل والمياه، وعن مدق الحوافر، لكيلا ينهار عليه بيته.
__________
[1] ديوان كثير 392، والمعاني الكبير 643، وثمار القلوب (613) .
[2] ديوان دريد بن الصمة 104، والأول في المعاني الكبير 648.
[3] القائل: النائم نومة نصف النهار.
[4] لم ترد الأبيات في ديوان دريد بن الصمة، وهي لمسكين الدارمي في ديوانه 48، وربيع الأبرار 2/290، ولحاتم الطائي في ديوانه 283- 284، وذيل الأمالي 62- 63، وللأعور الشني في حماسة البحتري 171، والأول والثالث له في الوساطة 392، والأبيات لأنس بن أبي أناس الكناني في المؤتلف 70، والأول والثاني بلا نسبة في لباب الآداب 322- 323، والمخصص 16/57، والأول في اللسان والتاج (عور) ، والأساس (سلم) ، والتهذيب 3/171.
[5] الغمر: الحقد.
[6] ديوان أوس بن حجر، وتقدم البيتان مع تخريج واف في 5/12.
(6/338)

1697-[هداية الضب إلى جحره]
ولمّا علم أنّه نسّاء سيّئ الهداية، لم يحفر وجاره إلّا عند أكمة، أو صخرة، أو شجرة، ليكون متى تباعد من جحره لطلب الطّعم، أو لبعض الخوف فالتفت ورآه؛ أحسن الهداية إلى جحره. ولأنّه إذا لم يقم علما [1] فلعلّه أن يلج على ظربان أو ورل، فلا يكون دون أكله له شيء.
1698-[بعض الأمثال في خداع الضب]
فقالت العرب: «خبّ ضبّ» [2] ؛ و: «أخبّ من ضبّ» [3] ؛ و «أخدع من ضبّ» [4] ؛ و: «كلّ ضبّ عند مرداته» [5] .
وإذا خدع في زوايا حفيرته فقد توثّق لنفسه عند نفسه.
1699-[حذر بعض الحيوان]
ولهذه العلّة اتخذ اليربوع القاصعاء، والنافقاء، والدّامّاء، والرّاهطاء، وهي أبواب قد اتخذها لحفيرته، فمتى أحسّ بشرّ خالف تلك الجهة إلى الباب.
ولهذا وشبهه من الحذر كان التوبير [6] من الأرانب وأشباهها. والتوبير: أن تطأ على زمعاتها [6] فلا يعرف الكلب والقائف من أصحاب القنص آثار قوائمها.
ولما أشبه هذا التّدبير صار الظبي لا يدخل كناسه إلّا وهو مستدبر، يستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه [7] .
__________
[1] أي إذا لم ينصب لنفسه علما يهتدي به.
[2] الإتباع والمزاوجة 46، وفيه «فالضب: البخيل الممسك، والخبّ: من الخبّ» ، ورجل خب «بالفتح والكسر» : خدّاع خبيث، وخب ضب: منكر مراوغ حرب. وانظر الدرة الفاخرة 1/192، وجمهرة الأمثال 1/415.
[3] مجمع الأمثال 1/260، وجمهرة الأمثال 1/439، والدرة الفاخرة 1/192، والمستقصى 1/92.
[4] مجمع الأمثال 1/260، وجمهرة الأمثال 1/440، والدرة الفاخرة 1/193، 330، والمستقصى 1/95، وأمثال ابن سلام 364.
[5] المرداة: الصخرة يرمى بها، ويضرب المثل للشيء العتيد ليس دونه شيء، والمثل في مجمع الأمثال 2/132، وجمهرة الأمثال 2/157، والمستقصى 2/227، وفصل المقال 163، وأمثال ابن سلام 335.
[6] انظر ما تقدم في 5/150، 239.
[7] الخشف: ولد الظبي أول ما يولد.
(6/339)

1700-[شعر في حزم الضب واليربوع]
وقد جمع يحيى بن منصور الذّهليّ أبوابا من حزم الضب، وخبثه وتدبيره. إلّا أنّه لم يرد تفضيل الضب في ذلك. ولكنه بعد أن قدّمه على حمقى الرّجال. قال:
فكيف لو فكّرتم في حزم اليربوع والضبّ.
وأنشدني فقال [1] : [من الوافر]
وبعض النّاس أنقص رأي حزم ... من اليربوع والضبّ المكون [2]
يرى مرداته من رأس ميل ... ويأمن سيل بارقة هتون [3]
ويحفر في الكدى خوف انهيار ... ويجعل مكوه رأس الوجين [4]
ويخدع إن أردت له احتيالا ... رواغ الفهد من أسد كمين
ويدخل عقربا تحت الذّنابى ... ويعمل كيد ذي خدع طبين [5]
فهذا الضبّ ليس بذي ... حريم مع اليربوع والذّئب اللّعين
وقد ذكر يحيى جميع ما ذكرنا، إلّا احتياله بإعداد العقرب لكفّ المحترش، فإنه لم يذكر هذه الحيلة من عمله. وسنذكر ذلك في موضعه. والشّعر الذي يثبت له ذلك كثير.
فهذا شأن الضّب في الحفر، وإحكام شأن منزله.
1701-[امتناع الورل عن اتخاذ بيت له]
ومن كلام العرب أنّ الورل إنّما يمنعه من اتّخاذ البيوت أنّ اتخاذها لا يكون إلّا بالحفر، والورل يبقي على براثنه، ويعلم أنّها سلاحه الذي به يقوى على ما هو أشدّ بدنا منه. وله ذنب يؤكل ويستطاب، كثير الشّحم.
1702-[قول الأعراب في مطايا الجن من الحيوان]
والأعراب لا يصيدون يربوعا، ولا قنفذا، ولا ورلا من أول الليل، وكذلك كل شيء يكون عندهم من مطايا الجنّ، كالنّعام والظّباء.
__________
[1] الأبيات في ربيع الأبرار 5/467.
[2] المكون: التي جمعت البيض في بطنها، وبيضها يسمى المكون.
[3] المرداة: الصخرة يرمى بها. البارقة: السحابة ذات البرق. الهتون: السحابة التي مطرها فوق الهطل.
[4] المكو: الجحر. الوجين: الأرض الصلبة.
[5] الطبين: وصف من الطبانة، وهي شدة الفطنة.
(6/340)

ولا تكون الأرنب والضّبع من مراكب الجن، لأن الأرنب تحيض ولا تغتسل من الحيض، والضبّاع تركب أيور القتلى والموتى إذا جيّفت [1] أبدانهم وانتفخوا وأنعظوا ثم لا تغتسل عندهم من الجنابة. ولا حنابة إلا ما كان للإنسان فيه شرك. ولا تمتطي القرود، لأن القرد زان، ولا يغتسل من جنابة.
فإن قتل أعرابيّ قنفذا أو ورلا، من أول الليل، أو بعض هذه المراكب، لم يأمن على فحل إبله، ومتى اعتراه شيء حكم بأنه عقوبة من قبلهم.
قالوا: ويسمعون الهاتف عند ذلك بالنّعى، وبضروب الوعيد.
1703-[قول الأعراب في قتل الجان من الحيات]
وكذلك يقولون في الجانّ من الحيّات. وقتل الجان عندهم عظيم. ولذلك رأى رجل منهم جانّا في قعر بئر، لا يستطيع الخروج منها، فنزل على خطر شديد حتّى أخرجها، ثم أرسلها من يده فانسابت، وغمّض عينيه لكيلا يرى مدخلها كأنّه يريد الإخلاص في التقرّب إلى الجن.
قال المازني: فأقبل عليه رجل فقال له: كيف يقدر على أذاك من لم ينقذه من الأذى غيرك؟!
1704-[ما لا يتم له التدبير إذا دخل الأنفاق]
وقال: ثلاثة أشياء لا يتمّ لها التّدبير إذا دخلت الأسراب، والأنفاق، والمكامن والتّوالج [2] حتّى يغص بها الخرق.
- فمن ذلك: أن الظربان إذا أراد أن يأكل حسلة الضب أو الضبّ نفسه؛ اقتحم جحر الضّب مستدبرا، ثم التمس أضيق موضع فيه، فإذا وجده قد غصّ به، وأيقن أنّه قد حال بينه وبين النسيم، فسا عليه، فليس يجاوز ثلاث فسوات حتى يغشى على الضب فيأكله كيف شاء.
- والآخر: أن الرجل إذا دخل وجار الضبع ومعه حبل، فإن لم يسدّ ببدنه وبثوبه جميع المخارق والمنافذ ثم وصل إلى الضبع من الضياء بمقدار سمّ الإبرة، وثبت عليه. فقطّعته، ولو كان أشدّ من الأسد.
__________
[1] جيّفت: أنتنت.
[2] التوالج: جمع تولج، وهو كناس الظبي.
(6/341)

- والثالث: أنّ الضب إذا أراد أن يأكل حسوله وقف لها من جحرها في أضيق موضع من منفذه إلى خارج، فإذا أحكم ذلك بدأ فأكل منها، فإذا امتلأ جوفه انحطّ عن ذلك المكان شيئا قليلا، فلا يفلت منه شيء من ولده إلا بعد أن يشبع ويزول عن موضعه، فيجد منفذا.
وقال بعض الأعراب: [من الرجز]
ينشب في المسلك عند سلّته ... تزاحم الضبّ عصى في كديته
1705-[شعر في أكل الضبّ ولده]
وقال: الدّليل على أنّ الضّبّ يأكل ولده قول عملّس بن عقيل بن علّفة لأبيه [1] : [من الوافر]
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل
فلو أنّ الأولى كانوا شهودا ... منعت فناء بيتك من بجيل
وأنشد لغيره [2] : [من الوافر]
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى ... تركت بنيك ليس لهم عديد
وقال عمرو بن مسافر: عتبت على أبي يوما في بعض الأمر، فقلت: [من البسيط]
كيف ألوم أبي طيشا ليرحمني ... وجدّه الضّبّ لم يترك له ولدا
وقال خداش بن زهير [3] : [من البسيط]
فإن سمعتم بجيش سالكا سرفا ... أو بطن قوّ فأخفوا الجرس واكتتموا
ثمّ ارجعوا فأكبّوا في بيوتكم ... كما أكبّ على ذي بطنه الهرم
جعله هرما لطول عمره. وذي بطنه: ولده.
__________
[1] البيتان للعملس بن عقيل أو لأرطأة بن سهية في نوادر المخطوطات 2/359 (العققة والبررة) ، ولأرطأة بن سهية في الأغاني 12/269، والأول للعملس بن عقيل في المعاني الكبير 642، وبلا نسبة في مغني اللبيب 2/366، وشرح شواهد المغني 2/366. وتقدم البيتان في 1/129، الفقرة (155) .
[2] البيت بلا نسبة في حياة الحيوان 1/637 (الضب) ، وانظر العقد الفريد 6/49، وتقدم البيت في 1/129؛ الفقرة (155) .
[3] البيتان لخداش بن زهير في أشعار العامريين 45، والمعاني الكبير 642، 1092، والأول في الأغاني 22/61، والتاج (سرف) .
(6/342)

وقال أبو بكر بن أبي قحافة لعائشة، رضي الله عنهما: إنّي كنت نحلتك سبعين وسقا [1] من مالي بالعالية، وإنّك لم تحوزيه، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك. قالت: ما أعرف لي أختا غير أسماء. قال: إنّه قد ألقى في روعي أن ذا بطن بنت خارجة جارية.
قال آخرون: لم يعن بذي بطنه ولده، ولكنّ الضّبّ يرمي ما أكل، أي يقيء؛ ثم يرجع فيأكله. فذلك هو ذو بطنه. فشبّهوه في ذلك بالكلب والسّنّور.
وقال عمرو بن مسافر: ما عنى إلا أولاده، فكأنّ خداشا قال: ارجعوا عن الحرب التي لا تستطيعونها، إلى أكل الذّريّة والعيال.
1706-[نفي الغنويّ أكل الضبّة أولادها]
قال: وقال أبو سليمان الغنويّ: أبرأ إلى الله تعالى من أن تكون الضّبّة تأكل أولادها! ولكنها تدفنهنّ وتطمّ عليهنّ التّراب، وتتعهدهنّ في كلّ يوم حتّى يخرّجن [2] ، وذلك في ثلاثة أسابيع. غير أنّ الثّعالب والظّربان والطّير، تحفر عنهنّ فتأكلهنّ. ولو أفلت منهنّ كلّ فراخ الضّباب لملأن الأرض جميعا.
ولو أنّ إنسانا نحل أمّ الدّرداء، أو معاذة العدويّة، أو رابعة القيسيّة، أنهنّ يأكلن أولادهنّ، لما كان عند أحد من النّاس من إنكار ذلك، ومن التكذيب عنهنّ، ومن استعظام هذا القول، أكثر مما قاله أبو سليمان في التّكذيب على الضّباب أن تكون تأكل أولادها.
قال أبو سليمان: ولكن الضبّ يأكل بعره، وهو طيّب عنده. وأنشد [3] : [من البسيط]
يعود في تيعه حدثان مولده ... فإن أسنّ تغدّى نجوه كلفا
قال: وقال أفّار بن لقيط: التّيع: القيء. ولكنّا رويناه هكذا. إنما قال: «يعود في رجعه» . وكذلك الضّبّ، يأكل رجعه [4] .
__________
[1] الوسق: الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته، والوسق أيضا: ضم الشيء إلى الشيء.
[2] التخريج: التعليم والتأديب.
[3] البيت بلا نسبة في اللسان (ثعع) ، والرواية فيه:
(يعود في ثعّه حدثان مولده ... وإن أسنّ تعدّى غيره كلفا)
[4] الرجع، الروث والعذرة.
(6/343)

وزعم أصحابنا أنّ أبا المنجوف السّدوسيّ روى عن أبي الوجيه العكليّ قوله [1] : [من الطويل]
وأفطن من ضبّ إذا خاف حارشا ... أعدّ له عند التلمّس عقربا
جملة القول في نصيب الضباب من الأعاجيب والغرائب
أوّل ذلك طول الذّماء، وهو بقيّة النّفس وشدّة انعقاد الحياة والرّوح بعد الذبح وهشم الرّأس، والطّعن الجائف النافذ، حتّى يكون في ذلك أعجب من الخنزير، ومن الكلب، ومن الخنفساء، وهذه الأشياء التي قد تفرّدت بطول الذّماء.
ثمّ شارك الضّبّ الوزغة والحيّة، فإن الحية تقطع من ثلث جسمها، فتعيش إن سلمت من الذّرّ. فجمع الضّبّ الخصلتين جميعا. إلا ما رأيت في دخّال الأذن من هذه الخصلة الواحدة، فإنّي كنت أقطعه بنصفين، فيمضي أحد نصفيه يمنة والآخر يسرة. إلا أنّي لا أعرف مقدار بقائهما بعد أن فاتا بصري.
ومن أعاجيبه طول العمر. وذلك مشهور في الأشعار والأخبار، ومضروب به المثل. فشارك الحيّات في هذه الفضيلة، وشارك الأفعى الرّمليّة والصّخرية في أنّها لا تموت حتف أنفها، وليس إلا أن تقتل أو تصطاد، فتبقى في جون الحوّائين، تذيلها [2] الأيدي، وتكره على الطّعم في غير أرضها وهوائها، حتى تموت، أو تحتملها السّيول في الشّتاء وزمان الزّمهرير، فما أسرع موتها حينئذ، لأنّها صردة. وتقول العرب: «أصرد من حيّة» ؛ كما تقول: «أعرى من حية» [3] . وقال القشيريّ: «والله لهي أصرد من عنز جرباء» [4] .
__________
[1] البيت بلا نسبة في التاج (خدع) ، والكامل 1/158 (المعارف) ، ومجمع الأمثال 1/260.
[2] تذيلها: تهينها.
[3] مجمع الأمثال 2/54، وجمهرة الأمثال 2/34، والمستقصى 1/241، والدرة الفاخرة 1/298.
[4] مجمع الأمثال 1/213، وجمهرة الأمثال 1/585، والمستقصى 1/207، والدرة الفاخرة 1/267، وأمثال ابن سلام 367.
(6/344)

1707-[حتوف الحيّات]
وحتوفها التي تسرع إليها ثلاثة أشياء:
أحدها مرور أقاطيع الإبل والشّاء، وهي منبسطة على وجه الأرض، إما للتشرّق نهارا في أوائل البرد، وإما للتبرّد ليلا في ليالي الصّيف، وإمّا لخروجها في طلب الطّعم.
والخصلة الثانية ما يسلّط عليها من القنافذ والأوعال والورل، فإنها تطالبها مطالبة شديدة، وتقوى عليها قوّة ظاهرة، والخنازير تأكلها وقد ذكرنا ذلك في باب القول في الحيّات [1] .
والخصلة الثالثة: تكسّب الحوّائين بصيدها. وهي تموت عندهم سريعا.
1708-[اكتفاء الحيات والضباب بالنسيم]
والضّبّ يشاركها في طول العمر، ثمّ الاكتفاء بالنسيم والتّعيش ببرد الهواء.
وذلك عند الهرم وفناء الرّطوبات، ونقص الحرارات [2] . وهذه كلها عجب.
1709-[رجع إلى أعاجيب الضب]
ثم اتخاذه الجحر في الصّلابة، وفي بعض الارتفاع. خوفا من الانهدام، ومسيل المياه. ثم لا يكون ذلك إلا عند علم يرجع إليه إن هو أضلّ جحره. ولو رأى بالقرب ترابا متراكبا بقدر تلك المرداة [3] والصّخرة، لم يحفل بذلك. فهذا كله كيس وحزم.
وقال الشّاعر [4] : [من الطويل]
سقى الله أرضا يعلم الضب أنّها ... عذيّة بطن القاع طيّبة البقل
يرود بها بيتا على رأس كدية ... وكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل
وقال البطين: [من البسيط]
وكلّ شيء مصيب في تعيّشه ... الضبّ كالنّون، والإنسان كالسّبع
__________
[1] انظر ما تقدم في 4/332، الفقرة (1058) ، و 4/339، الفقرة (1079) .
[2] انظر ما تقدم في 4/322، الفقرة (1034) .
[3] المرداة: الصخرة يرمى بها.
[4] البيتان في ربيع الأبرار 5/469، وتقدما في 3/40، الفقرة (582) .
(6/345)

ومن أعاجيبه [1] أنّ له أيرين، وللضبة حرين. وهذا شيء لا يعرف إلّا لهما.
فهذا قول الأعراب.
وأمّا قول كثير من العلماء، ومن نقّب في البلاد، وقرأ الكتب، فإنّهم يزعمون أنّ للسّقنقور أيرين، وهو الذي يتداوى به العاجز عن النكاح، ليورثه ذلك القوة.
قالوا: وإن للحرذون أيضا أيرين، وإنّهم عاينوا ذلك معاينة. وآخر من زعم لي ذلك موسى بن إبراهيم.
والحرذون دويبة تشبه الحرباء، تكون بناحية مصر وما والاها، وهي دويّبة مليحة موشّاة بألوان ونقط.
وقال جالينوس: الضبّ الذي له لسانان يصلح لحمه لكذا وكذا. فهذه أيضا أعجوبة أخرى في الضبّ: أن يكون بعضه ذا لسانين وذا أيرين.
ومن أعاجيب الضّبّة أنّها تأكل أولادها. وتجاوز في ذلك خلق الهرّة، حتّى قالت الأعراب: «أعقّ من ضبّ» [2] .
1710-[احتيال الضب بالعقرب]
وزعمت العرب أنّه يعدّ العقرب في جحره، فإذا سمع صوت الحرش استثفرها [3] ، فألصقها بأصل عجب الذّنب من تحت، وضمّ عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته العقرب.
وقال علماؤهم: بل يهيّئ العقارب في جحره، لتلسع المحترش إذا أدخل يده.
وقال أبو المنجد بن رويشد: رأيت الضب أخور [4] دابّة في الأرض على الحر، تراه أبدا في شهر ناجر [5] بباب جحره، متدخّلا يخاف أن يقبض قابض بذنبه، فربّما أتاه الجاهل ليستخرجه، وقد أتى بعقرب فوضعها تحت ذنبه بينه وبين الأرض، يحبسها بعجب الذنب، فإذا قبض الجاهل على أصل ذنبه لسعته، فشغل بنفسه.
__________
[1] تقدم ذكر هذه الأعجوبة في 4/338، الفقرة (1075) .
[2] مجمع الأمثال 2/47، وجمهرة الأمثال 2/69، والمستقصى 1/250، وأمثال ابن سلام 369.
[3] أصل الاستثفار في الكلب، وهو أن يدخل ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه.
[4] أخور: أضعف.
[5] شهر ناجر: رجب أو صفر. انظر الأزمنة والأمكنة 1/280، والأيام والليالي للفراء 17.
(6/346)

فأما ذو المعرفة فإنّ معه عويدا يحرّكه هناك، فإذا زالت العقرب قبض عليه.
وقال أبو الوجيه: كذب والله من زعم أنّ الضّبّة تستثفر [1] عقربا، ولكنّ العقارب مسالمة للضّباب، لأنها لا تعرض لبيضها وفراخها. والضبّ يأكل الجراد ولا يأكل العقارب. وأنشد قول التميميّ الذي كان ينزل به الأزديّ: إنّه ليس إلى الطعام يقصد، وليس به إلا أنه قد صار به إلفا وأنيسا، فقال: [من الوافر]
أتأنس بي ونجرك غير نجري ... كما بين العقارب والضّباب [2]
وأنشد: [من الطويل]
تجمّعن عند الضّبّ حتى كأنه ... على كلّ حال أسود الجلد خنفس
لأن العقارب تألف الخنافس. وأنشدوا للحكم بن عمرو البهراني [3] : [من السريع]
والوزغ الرّقط على ذلّها ... تطاعم الحيّات في الجحر
والخنفس الأسود من نجره ... مودّة العقرب في السّرّ
لأنك لا تراهما أبدا إلّا ظاهرتين، يطّاعمان أو يتسايران، ومتى رأيت مكنة [4] أو اطّلعت على جحر فرأيت إحداهما رأيت الأخرى.
قال: ومما يؤكّد القول الأوّل قوله: [من الطويل]
ومستثفر دون السّويّة عقربا ... لقد جئت بجريّا من الدّهر أعوجا
يقول: حين لم ترض من الدّهاء والنكر [5] إلّا بما تخالف عنده النّاس وتجوزهم.
1711-[شعر في إعجاب الضب والعقرب بالتمر]
وأنشدني ابن داحة لحذيفة بن دأب عمّ عيسى بن يزيد، الذي يقال له ابن
__________
[1] انظر الحاشية 3، في الصفحة السابقة.
[2] النجر: الطبع.
[3] سيكرر الجاحظ هذين البيتين ص 467، والثاني بلا نسبة في اللسان (خنفس) .
[4] المكنة: بيضة الضبة.
[5] النكر: الدهاء.
(6/347)

دأب في حديث طويل من أحاديث العشّاق: [من الطويل]
لئن خدعت حبّى بسبّ مزعفر ... فقد يخدع الضّبّ المخادع بالتّمر [1]
لأن الضب شديد العجب بالتّمر، فضرب الضب مثلا في الخبث والخديعة.
والذي يدلّ على أن الضب والعقرب يعجبان بالتّمر عجبا شديدا، ما جاء من الأشعار في ذلك.
وأنشدني ابن الأعرابيّ، لابن دغماء العجلي: [من الطويل]
سوى أنكم درّبتم فجريتم ... على دربة، والضّبّ يحبل بالتّمر
فجعل صيده بالتّمر كصيده بالحبالة. وأنشدني القشيريّ: [من الطويل]
وما كنت ضبّا يخرج التّمر ضغنه ... ولا أنا ممن يزدهيه وعيد
وقال بشر بن المعتمر، في قصيدته التي ذكر فيها آيات الله عز ذكره، في صنوف خلقه، مع ذكر الإباضيّة، والرافضة والحشوية والنابتة فقال فيها [2] : [من السريع]
وهقلة ترتاع من ظلّها ... لها عرار ولها زمر
تلتهم المرو على شهوة ... وحبّ شيء عندها الجمر
وضبّة تأكل أولادها ... وعترفان بطنه صفر
يؤثر بالطّعم، وتأذينه ... منجّم ليس له فكر
وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التمر
وقال أيضا بشر، في قصيدة له أخرى [3] : [من السريع]
أما ترى الهقل وأمعاءه ... يجمع بين الصّخر والجمر
وفأرة البيش على بيشها ... أحرص من ضبّ على تمر
وقال أبو دارة- وقد رأيته أنا، وكان صاحب قنص-: [من الطويل]
وما التمر إلّا آفة وبليّة ... على جلّ هذا الخلق من ساكن البحر
__________
[1] حبّى: اسم امرأة. السّبّ: العمامة.
[2] الأبيات (1، 2، 5) في اللسان (ألق) ، وستأتي القصيدة كاملة في ص 464- 467.
[3] البيتان هما (41- 42) من قصيدة سيوردها الجاحظ ص 467- 470.
(6/348)

وفي البرّ من ذئب وسمع وعقرب ... وثرملة تسعى وخنفسة تسري [1]
وقد قيل في الأمثال إن كنت واعيا ... عذيرك، إنّ الضّبّ يحبل بالتمر
وسنفسّر معاني هذه الأبيات إذا كتبنا القصيدتين على وجوههما [2] بما يشتملان عليه من ذكر الغرائب والحكم، والتّدبير والأعاجيب التي أودع الله تعالى أصناف هذا الخلق، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكر، فيصير بذلك عاقلا عالما، وموحّدا مخلصا.
1712-[طول ذماء الضب]
والدّليل على ما ذكرنا من تفسير قولهم: الضّبّ أطول شيء ذماء [3] ، قولهم:
«إنّه لأحيا من ضبّ» [4] ، لأنّ حارشه ربّما ذبحه فاستقصى فري الأوداج، ثم يدعه، فربما تحرك بعد ثلاثة أيام.
وقال أبو ذؤيب الهذلي [5] : [من الكامل]
ذكر الورود بها وشاقى أمره ... شؤما وأقبل حينه يتتبّع
فأبدّهنّ حتوفهنّ فهارب ... بذمائه أو ساقط متجعجع
وكان النّاس يروون: «فهارب بدمائه» يريدون من الدم. وكانوا يكسرون الدال، حتى قال الأصمعيّ: «بذمائه» معجمة الذال مفتوحة وقال كثير [6] : [من الكامل]
ولقد شهدت الخيل يحمل شكّتي ... متلمّظ خذم العنان بهيم [7]
باقي الذماء إذا ملكت مناقل ... وإذا جمعت به أجشّ هزيم [8]
__________
[1] الثرملة: الأنثى من الثعالب.
[2] انظر ما سيأتي ص 464- 470.
[3] تقدم هذا القول في 3/247، الفقرة (914) ، وورد هذا القول في رسائل الجاحظ 1/277.
[4] مجمع الأمثال 1/218، 226، وجمهرة الأمثال 1/343، وأمثال ابن سلام 369.
[5] البيتان لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 24، والمفضليات 423 و 425، والثاني في اللسان والتاج (بدد، جعع، ذمي) ، والمقاييس 1/176، 416، والعين 1/68، والأساس (ذمي) ، والتهذيب 1/69، 14/78، 15/26، وبلا نسبة في العين 8/203، والمخصص 3/23، 80.
[6] ديوان كثير 206، والمعاني الكبير 49.
[7] الشكة: السلاح. خذم العنان: سريع.
[8] المناقل: السريع نقل القوائم. الأجش: الغليظ الصهيل. الهزيم: الشديد الصوت.
(6/349)

1713-[خبث الضب ومكره]
والضّبّ إذا خدع في جحره وصف عند ذلك بالخبث والمكر، ولذلك قال الشاعر: [من البسيط]
إنّا منينا بضبّ من بني جمح ... يرى الخيانة مثل الماء بالعسل
وأنشد أبو عصام [1] : [من الطويل]
إنّ لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيّين لا يجدي علينا غناهما
كأنّهما ضبّان ضبّا مغارة ... كبيران غيداقان صفر كشاهما [2]
فإن يحبلا لا يوجدا في حبالة ... وإن يرصدا يوما يخب راصداهما
ولذلك شبّهوا الحقد الكامن في القلب، الذي يسري ضرره، وتدبّ عقاربه بالضّبّ، فسمّوا ذلك الحقد ضبّا. قال معن بن أوس: [من الطويل]
ألا من لمولى لا يزال كأنّه ... صفا فيه صدع لا يدانيه شاعب [3]
تدبّ ضباب الغشّ تحت ضلوعه ... لأهل النّدى من قومه بالعقارب
وقال أبو دهبل الجمحيّ [4] : [من البسيط]
فاعلم بأنّي لمن عاديت مضطغن ... ضبّا وإنّى عليك اليوم محسود
وأنشد ابن الأعرابيّ [5] : [من الرجز]
يا ربّ مولى حاسد مباغض ... عليّ ذي ضغن وضبّ فارض [6]
له قروء كقروء الحائض
__________
[1] الأبيات لأبي أسيدة الدبيري في تهذيب الألفاظ 135، والأول في اللسان والتاج (يسر) مع بيت لم يذكره الجاحظ، والثاني في اللسان (علد) ، وبلا نسبة في التهذيب 2/216، وكتاب الجيم 2/311، 3/157.
[2] الغيداق: الضب المسن العظيم. الكشى: جمع كشية، وهي شحمة صفراء تمتد من أصل ذنبه حتى تبلغ إلى أقصى حلقه.
[3] الصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء. الشاعب: المصلح.
[4] ديوان أبي دهبل 104، والأغاني 7/129.
[5] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (بغض، فرض) ، والأساس (فرض) ، والتهذيب 12/15، وديوان الأدب 1/353، ومجالس ثعلب 301، والأضداد 28، وعمدة الحفاظ (فرض) .
[6] الفارض: المسن.
(6/350)

كأنّه ذهب إلى أنّ حقده يخبو تارة ثمّ يستعر، ثم يخبو ثم يستعر.
وقال ابن ميّادة [1] ، وضرب المثل بنفخ الضب وتوثّبه: [من الطويل]
فإن لقيس من بغيض أقاصيا ... إذا أسد كشّت لفخر ضبابها
وقال الآخر: [من الطويل]
فلا يقطع الله اليمين التي كست ... حجاجي منيع بالقنا من دم سجلا [2]
ولو ضبّ أعلى ذي دميث حبلتما ... إذا ظلّ يمطو من حبالكم حبلا [3]
والضب يوصف بشدّة الكبر، ولا سيّما إذا أخصب وأمن وصار [4] ، كما قال عبدة بن الطّبيب، فإنّه ضرب الضبّ مثلا حيث يقول [5] ليحيى بن هزّال: [من البسيط]
لأعرفنّك يوم الورد ذا لغط ... ضخم الجزارة بالسّلمين وكّار
تكفي الوليدة والرّعيان مؤتزرا ... فاحلب فإنّك حلّاب وصرّار
ما كنت أول ضب صاب تلعته ... غيث فأمرع واسترخت به الدار
وقال ابن ميّادة [6] : [من الطويل]
ترى الضّبّ أن لم يرهب الضّبّ غيره ... يكشّ له مستكبرا ويطاوله
وقال دعلج عبد المنجاب: [من الطويل]
إذا كان بيت الضب وسط مضبّة ... تطاول للشخص الذي هو حابله
المضبّة: مكان ذو ضباب كثيرة، ولا تكثر إلّا وبقربها حيّة أو ورل، أو ظربان، ولا يكون ذلك إلّا في موضع بعيد من النّاس، فإذا أمن وخلا له جوّه، وأخصب، نفخ وكشّ نحو كل شيء يريده.
1714-[ما يوصف بالكبر من الحيوان]
ومما يوصف بالكبر الثّور في حال تشرّقه، وفي حال مشيته الخيلاء في الرّياض،
__________
[1] ديوان ابن ميادة 79، والمعاني الكبير 649.
[2] الحجاجان: العظمان اللذان ينبت عليهما الحاجب. القنا: الرماح. السجل: الدلو العظيمة.
[3] حبله: اصطاده بالحبالة.
[4] صار القوم يصيرون: حضروا الماء.
[5] الأبيات لعبدة بن الطبيب في ديوانه 38، ونوادر أبي زيد 47. وتقدمت في 5/143.
[6] ديوان ابن ميادة 193، والمعاني الكبير 649.
(6/351)

عند غبّ ديمة. ولذلك قال الكميت [1] : [من الخفيف]
كشبوب ذي كبرياء من الوح ... دة لا يبتغي عليها ظهيرا [2]
وهذا كثير، وسيقع في موضعه من القول في البقر.
وممّا يوصف بالكبر الجمل الفحل، إذا طافت [3] به نوق الهجمة [4] ، ومرّ نحو ماء أو كلأ فتبعنه. وقال الرّاجز: [من الرجز]
فإن تشرّدن حواليه وقف ... قالب حملاقيه في مثل الجرف [5]
لو رضّ لحد عينه لما طرف ... كبرا وإعجابا وعزّا وترف
والنّاقة يشتدّ كبرها إذا لقحت، وتزمّ بأنفها [6] وتنفرد عن صحاباتها، وأنشد الأصمعيّ: [من الرجز]
وهو إذا أراد منها عرسا ... دهماء مرباع اللّقاح جلسا [7]
عاينها بعد السّنان أنسا ... حتّى تلقّته مخاضا قعسا [8]
حتّى احتشت في كلّ نفس نفسا ... على الدّوام ضامزات خرسا [9]
خوصا مسرّات لقاحا ملسا [10]
وأمّا قول الشّمّاخ [11] : [من الطويل]
جماليّة لو يجعل السّيف غرضها ... على حدّه لاستكبرت أن تضوّرا [12]
__________
[1] ديوان الكميت 1/194.
[2] الشّبوب: الشاب من الثيران.
[3] طاف بالقوم وعليهم: استدار وجاء من نواحيه.
[4] الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل، وقيل: هي ما بين الثلاثين والمائة، وقيل: الهجمة أولها الأربعون إلى ما زادت. وقيل: هي ما بين السبعين إلى دوين المائة، وقيل: هي ما بين السبعين إلى المائة. وانظر أقوالا أخرى في اللسان (هجم) .
[5] الحملاق: بياض العين. الجرف: ما تجرفته السيول.
[6] تزم بأنفها: تشمخ به.
[7] الدهماء: السوداء. المرباع: التي عادتها أن تنتج في الربيع. الجلس: الناقة الجسيمة.
[8] سان البعير الناقة يسانها: طردها حتى ينوخها ليسفدها. القعس: جمع قعساء؛ وهي التي مال رأسها وعنقها نحو ظهرها.
[9] الضامزات: الساكتات لا تسمع لها رغاء.
[10] الخوص: جمع خوصاء، وهي الغائرة العينين.
[11] ديوان الشماخ 134، وأساس البلاغة (كبر) .
[12] في ديوانه: «ناقة جمالية: وثيقة، تشبه الجمل في خلقتها وشدتها وعظمها. والغرض: حزام الرحل. وقوله: أن تضورا، أصله: أن تتضورا، فحذف إحدى التاءين، والتضور: التلوي، والصياح، يصفها بالقوة والتحمل والرياضة» .
(6/352)

فليس من الأوّل في شيء.
1715-[المذكورون من الناس بالكبر]
والمذكورون من النّاس بالكبر، ثمّ من قريش: بنو محزوم، وبنو أميّة. ومن العرب: بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس خاصّة.
فأمّا الأكاسرة من الفرس فكانوا لا يعدّون النّاس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا.
ولسنا نخبر إلا عن دهماء النّاس وجمهورهم كيف كانوا، من ملوك وسوقة.
1716-[الكبر في الأجناس الذليلة]
والكبر في الأجناس الذّليلة من النّاس أرسخ وأعمّ. ولكنّ الذلة والقلّة مانعتان من ظهور كبرهم، فصار لا يعرف ذلك إلّا أهل المعرفة. كعبيدنا من السّند، وذمّتنا من اليهود.
والجملة أنّ كلّ من قدر من السّفلة والوضعاء والمحقرين أدنى قدرة، ظهر من كبره على من تحت قدرته، على مراتب القدرة، ما لا خفاء به. فإن كان ذمّيّا وحسن بما له في صدور النّاس، تزيّد في ذلك، واستظهرت طبيعته بما يظنّ أنّ فيه رقع ذلك الخرق، وحياص [1] ذلك الفتق، وسد تلك الثّلمة. فتفقد ما أقول لك، فإنك ستجده فاشيا.
وعلى هذا الحساب من هذه الجهة، صار المملوك أسوأ ملكة من الحرّ.
وشيء قد قتلته علما، وهو أنّي لم أر ذا كبر قطّ على من دونه إلا وهو يذلّ لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه.
1717-[كبر قبائل من العرب]
فأمّا بنو مخزوم. وبنو أميّة، وبنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس، فأبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة. ولو كان في قوى عقولهم وديانتهم فضل على قوى دواعي الحميّة فيهم، لكانوا كبنى هاشم في تواضعهم، وفي إنصافهم لمن دونهم.
__________
[1] حاص الثوب يحوصه: خاطه.
(6/353)

وقد قال في شبيه بهذا المعنى عبدة بن الطبيب، حيث يقول [1] : [من الطويل]
إن الذين ترونهم خلّانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم لا تنزع
1718-[من عجائب الضب]
فأمّا ما ذكروا [2] أنّ للضبّ أيرين، وللضّبّة حرين، فهذا من العجب العجيب.
ولم نجدهم يشكّون. وقد يختلفون ثمّ يرجعون إلى هذا العمود. وقال الفزاريّ [3] :
[من الطويل]
جبى المال عمّال الخراج وجبوتي ... محذّفة الأذناب صفر الشّواكل [4]
رعين الدّبا والبقل حتى كأنّما ... كساهنّ سلطان ثياب المراجل [5]
سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كلّ حاف في البلاد وناعل [6]
ترى كلّ ذيّال إذا الشمس عارضت ... سما بين عرسيه سموّ المخايل
واسم أيره النّزك، معجمة الزّاي والنون من فوق بواحدة، وساكنة الزاي. فهذا قول الفزاريّ. وأنشد الكسائي [7] : [من الطويل]
تفرّقتم لا زلتم قرن واحد ... تفرّق أير الضّبّ والأصل واحد
فهذا يؤكد ما رواه أبو خالد النميري، عن أبي حيّة النّميري. قال أبو خالد [8] :
سئل أبو حيّة عن ذلك، فزعم أنّ أير الضبّ كلسان الحيّة: الأصل واحد، والفرع اثنان.
__________
[1] البيتان في المفضليات 147.
[2] انظر ما تقدم ص 346.
[3] الأبيات لحمران ذي الغصة أو لأبي الحجاج في اللسان والتاج (نزك) ، والأول بلا نسبة في كتاب الجيم 2/194، وتقدم تخريج البيت الثالث في 4/338، الفقرة (1075) .
[4] الشواكل، جمع شاكلة، وهي الخاصرة.
[5] الدبا: الجراد. المراجل: ضرب من برود اليمن.
[6] السبحل: العظيم المسن من الضباب.
[7] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (نزك) ، والتهذيب 10/102.
[8] تقدم هذا القول في 4/338، الفقرة (1075) مع نسبته إلى أبي خلف النمري.
(6/354)

1719-[زعم بعض المفسّرين في عقاب الحية]
وبعض أهل التّفسير يزعم أنّ الله عزّ وجلّ عاقب الحيّة- حين أدخلت إبليس في جوفها حتّى كلّم آدم على لسانها- بعشر خصال، منها شقّ اللسان [1] .
قالوا [1] : فلذلك ترى الحيّة أبدا إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها، تلويه كما يصنع المسترحم من النّاس بإصبعه إذا ترحّم أو دعا، لتري الظالم عقوبة الله تعالى لها.
1720-[تناسل الضب]
قال أبو خالد: قال أبو حيّة: الأصل واحد، والفرع اثنان، وللأنثى مدخلان.
وأنشد لحبّى المدنيّة [2] : [من الوافر]
وددت بأنّه ضبّ وأني ... كضبّة كدية وجدت خلاء
قال: قالت هذا البيت لابنها، حين عذلها، لأنّها تزوّجت ابن أمّ كلاب، وهو فتى حدث، وكانت هي قد زادت على النّصف، فتمنّت أن يكون لها حران ولزوجها أيران.
وقال ابن الأعرابيّ: للأنثى سبيلان، ولرحمها قرنتان، وهما زاويتا الرّحم. فإذا امتلأت الزّاويتان أتأمت، وإذا لم تمتلئ أفردت.
وقال غيره من العلماء: هذا لا يكون لذوات البيض والفراخ، وإنما هذا من صفة أرحام اللواتي يحبلن بالأولاد، ويضعن خلقا كخلقهنّ ويرضعن. وكيف تفرد الضبّة وهي لم تتئم قط. وهي تبيض سبعين بيضة في كلّ بيضة حسل.
قال: ولهذه الحشرات أيور معروفة، إلّا أنّ بعضها أحقر من بعض. فأما الخصى فشيء ظاهر لمن شقّ عنها.
1721-[تناسل الذباب]
وجسر أبو خالد، فزعم أنه قد أبصر أير ذباب وهو يكوم ذبابة وزعم أن اسم أيره المتك. وأنشد لعبد الله بن همام السّلوليّ [3] : [من الكامل]
__________
[1] انظر ما تقدم في 4/339، 357.
[2] البيت في اللسان والتاج (نزك) لامرأة لامها ابنها في زوجها.
[3] ديوان عبد الله بن همام السلولي 37- 38، وثمار القلوب 398 (728) ، وتقدم البيتان بلا نسبة في 3/152، الفقرة (768) .
(6/355)

لما رأيت القصر غلّق بابه ... وتعلّقت همدان بالأسباب
أيقنت أنّ إمارة ابن مضارب ... لم يبق منها قيس أير ذباب
وهذا شعر لا يدلّ على ما قال.
وقال أصحابنا: إنّما المتك البظر. ولذلك يقال للعلج: يابن المتكاء كما يقال له: يابن البظراء.
القول فيمن استطاب لحم الضب ومن عافه
روى أنّه أتي به على خوان النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم يأكله، وقال [1] : «ليس من طعام قومي» .
وأكله خالد بن الوليد فلم ينكر عليه [1] .
ورووا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال [2] : «لا أحلّه ولا أحرّمه» . وأنكر ذلك ابن عباس وقال:
ما بعثه الله تعالى إلّا ليحلّ ويحرّم.
وحرّمه قوم، ورووا أنّ أمّتين مسختا، أخذت إحداهما في البر، فهي الضّباب، وأخذت الأخرى في طريق البحر، فهي الجرّيّ [3] .
ورووا عن بعض الفقهاء أنه رأى رجلا أكل لحم ضبّ، فقال: اعلم أنّك قد أكلت شيخا من مشيخة بني إسرائيل [4] .
وقال بعض من يعافه: الذي يدلّ على أنّه مسخ شبه كفّه بكفّ الإنسان.
وقال العدار الأبرص، نديم أيّوب بن جعفر، وكان أيوب لا يغبّ [5] أكل الضباب، في زمانها. ولها في المربد سوق تقوم في ظلّ دار جعفر. ولذلك قال أبو فرعون، في كلمة له طويلة: [من الرجز]
__________
[1] أخرجه البخاري في الأطعمة، حديث رقم 5076، وأعاده في الذبائح والصيد، حديث رقم 5217، ومسلم في الصيد والذبائح، باب إباحة الضب، حديث رقم 1945- 1946.
[2] أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، حديث رقم 5216، ومسلم في الصيد والذبائح برقم 1943.
[3] الجري: ضرب من السمك. انظر ما تقدم في 1/154، 196، 203.
[4] ورد الخبر في ربيع الأبرار 5/468.
[5] الغب: هو أن يرد يوما ويدع يوما.
(6/356)

سوق الضباب خير سوق في العرب
وكان أبو إسحاق إبراهيم النظام والعدار، إذا كان عند أيوب قاما عن خوانه [1] ، إذا وضع له عليه ضبّ. ومما قال فيه العدار قوله: [من الطويل]
له كفّ إنسان وخلق عظاية ... وكالقرد والخنزير في المسخ والغضب
1722-[القول في المسخ]
والعوامّ تقول ذلك. وناس يزعمون أن الحيّة مسخ، والضبّ مسخ، والكلب مسخ، والإربيان [2] ، مسخ، والفأر مسخ.
ولم أر أهل الكتاب يقرّون بأنّ الله تعالى مسخ إنسانا قط خنزيرا ولا قردا. إلّا أنهم قد أجمعوا أنّ الله تبارك وتعالى قد مسخ امرأة لوط حجرا [3] ، حين التفتت [4] .
وتزعم الأعراب: أنّ الله عزّ ذكره قد مسخ كلّ صاحب مكس وجابي خراج وإتاوة، إذا كان ظالما. وأنه مسخ ماكسين، أحدهما ذئبا والآخر ضبعا.
1723-[شعر الحكم بن عمرو في غرائب الخلق]
وأنشد محمّد بن السّكن المعلّم النحويّ، للحكم بن عمرو البهراني، في ذلك وفي غيره شعرا عجيبا، وقد ذكر فيه ضروبا كلّها طريف غريب، وكلها باطل، والأعراب تؤمن بها أجمع.
وكان الحكم هذا أتى بني العنبر بالبادية، على أنّ العنبر من بهراء، فنفوه من البادية إلى الحاضرة، وكان يتفقّه ويفتي فتيا الأعراب [5] ، وكان مكفوفا ودهريّا
__________
[1] الخوان: المائدة يوضع عليها الطعام.
[2] الإربيان: ضرب من السمك، وهو القريدس في الشام، والجمبري في مصر. معجم الألفاظ الزراعية 197.
[3] تقدم هذا القول في 3/313، الفقرة (1020) ، وانظر أيضا 3/309، الفقرة (1010) ، و 3/312، الفقرة (1017) .
[4] إشارة إلى قوله تعالى في الآية 81 من سورة هود: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ.
[5] فتيا الأعراب: ضرب من الألغاز يقوم على المقدرة اللغوية. ويتضح هذا الفن في المقامة (32) من مقامات الحريري، مثل قوله «أيستباح ماء الضرير؟ قال: نعم. ويجتنب ماء البصير» . الضرير هنا:
حرف الوادي، والبصير: الكلب. وانظر المزهر 1/622- 637 حيث أورد مقامة الحريري.
(6/357)

عد مليّا [1] ، وهو الذي يقول [2] : [من الخفيف]
1- إنّ ربّي لما يشاء قدير ... ما لشيء أراده من مفرّ
2- مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أمّ عمرو
3- بعث النّمل والجراد وقفّى ... بنجيع الرّعاف في حيّ بكر
4- خرقت فارة بأنف ضئيل ... عرما محكم الأساس بصخر [3]
5- فجّرته وكان جيلان عنه ... عاجزا لو يرومه بعد دهر [4]
6- مسخ الضّبّ في الجدالة قدما ... وسهيل السّماء عمدا بصغر [5]
7- والذي كان يكتني برغال ... جعل الله قبره شرّ قبر [6]
8- وكذا كلّ ذي سفين وخرج ... ومكوس وكلّ صاحب عشر [6]
9- منكب كافر وأشراط سوء ... وعريف جزاؤه حرّ جمر [7]
10- وتزوّجت في الشّبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زقّ خمر [8]
11- ثيّب إن هويت ذلك منها ... ومتى شئت لم أجد غير بكر [9]
12- بنت عمرو وخالها مسحل الخى ... ر وخالي هميم صاحب عمرو [9]
13- ولها خطّة بأرض وبار ... مسحوها فكان لي نصف شطر [10]
14- أرض حوش وجامل عكنان ... وعروج من المؤبّل دثر [11]
15- سادة الجنّ ليس فيها من الج ... نّ سوى تاجر وآخر مكر
16- ونفوا عن حريمها كلّ عفر ... يسرق السّمع كل ليلة بدر [11]
__________
[1] العدملي: الهرم المسن.
[2] ورد البيتان (4- 5) في ثمار القلوب (609- 610) ، والسابع في ثمار القلوب (245) .
[3] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 393.
[4] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 393- 394.
[5] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 395.
[6] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 395- 396.
[7] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 397.
[8] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 397- 398، 433.
[9] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 433.
[10] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 435.
[11] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 436.
(6/358)

17- في فتوّ من الشّنقناق غرّ ... ونساء من الزوابع زهر [1]
18- تأكل الفول ذا البساطة مسيا ... بعد روث الحمار في كلّ فجر
19- جعل الله ذلك الرّوث بيضا ... من أنوق ومن طروقة نسر
20- ضربت فردة فصارت هباء ... في محاق القمير آخر شهر [2]
21- تركت عبدلا ثمال اليتامى ... وأخوه مزاحم كان بكري [3]
22- وضعت تسعة وكانت نزورا ... من نساء في أهلها غير نزر [3]
23- غلبتني على النّجابة عرسي ... بعد ما طار في النّجابة ذكري [4]
24- وأرى فيهم شمائل إنس ... غير أنّ النّجار صورة عفر [5]
25- وبها كنت راكبا حشرات ... ملجما قنفذا ومسرج وبر [6]
26- كنت لا أركب الأرانب للحي ... ض ولا الضّبع أنّها ذات نكر
27- تركب المقعص المجيّف ذا النّع ... ظ وتدعو الضّباع من كلّ جحر [7]
28- جائبا للبحار أهدي لعرسي ... فلفلا مجتنى وهضمة عطر [8]
29- وأحلّي هرير من صدف البح ... ر وأسقي العيال من نيل مصر [9]
30- ويسنّي المعقود نفثي وحلّي ... ثمّ يخفى على السّواحر سحري
31- وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنّه كثير التّمرّي [10]
32- مولج دبره خواية مكو ... وهو باللّيل في العفاريت يسري [10]
33- يحسب النّاظرون أنّي ابن ماء ... ذاكر عشّه بضفّة نهر
34- ربّ يوم أكلت من كبد اللّي ... ث وأعقبت بين ذئب ونمر
__________
[1] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 436- 437.
[2] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 438.
[3] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 435.
[4] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 439.
[5] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 439.
[6] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 440.
[7] المقعص: الذي ضرب فقتل مكانه. النعظ: الانتشار.
[8] الهضمة: الطيب أو البخور.
[9] هرير: ترخيم هريرة، وهو اسم علم للمؤنث.
[10] انظر شرح الجاحظ لهذا البيت فيما سيأتي ص 440. الخواية: متسع داخل الكناس. الممكو:
الجحر.
(6/359)

35- ليس ذاكم كمن يبيت بطينا ... من شواء ومن قليّة جزر
36- ثم لاحظت خلتي في غدوّ ... بين عيني وعينها السّمّ يجري
37- ثم أصبحت بعد خفض ولهو ... مدنفا مفردا محالف عسر
38- أتراني مقتّ من ذبح الدّى ... ك وعاديت من أهاب بصقر
39- وسمعت النقيق في ظلم اللّي ... ل فجاوبته بسرّ وجهر
40- ثمّ يرمى بي الجحيم جهارا ... في خمير وفي دراهم قمر
41- فلعل الإله يرحم ضعفي ... ويرى كبرتي ويقبل عذري
1724-[القول في استحلال الضب واستطابته]
وسنقول في الذين استحلوه واستطابوه وقدّموه.
قالوا: الشيء لا يحرم إلّا من جهة كتاب، أو إجماع، أو حجة عقل، أو من جهة القياس على أصل في كتاب الله عزّ وجلّ، أو إجماع. ولم نجد في تحريمه شيئا من هذه الخصال، وإن كان إنّما يترك من قبل التقزز؛ فقد أكل الناس الدّجاج، والشبابيط؛ ولحوم الجلّالة، وأكلوا السراطين، والعقصير [1] ، وفراخ الزّنابير، والصحناء [2] والرّبيثا [3] فكان التقزّز مما يغتذي العذرة رطبة ويابسة، أولى وأحقّ من كلّ شيء يأكل الضروب التي قد ذكرناها وذكرها الرّاجز حيث يقول: [من الرجز]
يا ربّ ضبّ بين أكناف اللّوى ... رعى المرار والكباث والدّبا [4]
حتّى إذا ما ناصل البهمى ارتمى ... وأجفئت في الأرض أعراف السّفا
ظلّ يباري هبّصا وسط الملا ... وهو بعيني قانص بالمرتبا [5]
كان إذا أخفق من غير الرعا ... رازم بالأكباد منها والكشى [6]
فإن عفتموه لأكل الدّبا فلا تأكلوا الجراد، ولا تستطيبوا بيضه.
__________
[1] العقصير: دابة يتقزز من أكلها.
[2] الصحناة: إدام يتخذ من السمك الصغار والملح، وتقدم هذا الشرح في الحاشية الخامسة للصفحة 141، الفقرة (750) .
[3] الربيثا: إدام يتخذ من السمك الصغار والملح.
[4] الكباث: ثمر الأراك. الدبا: الجراد قبل أن يطير.
[5] هبص: جمع هابص، وهو الحريص على الصيد. الملا: المتسع من الأرض. المرتبأ: المرقب والموضع الذي يشرف عليه.
[6] الكشى: جمع كشية، وهي شحمة في ظهر الضب.
(6/360)

وقد قال أبو حجين المنقريّ: [من الطويل]
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بأسفل واد ليس فيه أذان
وهل آكلن ضبّا بأسفل تلعة ... وعرفج أكماع المديد خواني [1]
أقوم إلى وقت الصّلاة وريحه ... بكفّيّ لم أغسلهما بشنان [2]
وهل أشربن من ماء لينة شربة ... على عطش من سور أمّ أبان [3]
وقال آخر [4] : [من الطويل]
لعمري لضبّ بالعنيزة صائف ... تضحّى عرادا فهو ينفخ كالقرم [5]
أحبّ إلينا أن يجاور أرضنا ... من السّمك البنّيّ والسّلجم الوخم [6]
وقال آخر في تفضيل أكل الضّبّ [7] : [من الطويل]
أقول له يوما وقد راح صحبتي ... وبالله أبغي صيده وأخاتله
فلمّا التقت كفّي على فضل ذيله ... وشالت شمالي زايل الضّبّ باطله [8]
فأصبح محنوذا نضيجا وأصبحت ... تمشّى على القيزان حولا حلائله [9]
شديد اصفرار الكشيتين كأنّما ... تطلّى بورس بطنه وشواكله [10]
فذلك أشهى عندنا من بياحكم ... لحى الله شاريه وقبّح آكله [11]
__________
[1] العرفج: ضرب من النبات سهلي، وقيل: هو من شجر الصيف؛ وهو لين أغبر له ثمرة خشناء كالحسك. الأكماع: أماكن من الأرض ترتفع حروفها وتطمئن أوساطها. المديد: موقع قرب مكة. الخوان: المائدة يوضع عليها الطعام.
[2] الشنان: الماء البارد.
[3] لينة: موضع في بلاد نجد.
[4] البيتان بلا نسبة في ربيع الأبرار 5/467، ومعجم البلدان 4/163 (عنيزة) .
[5] عنيزة: موضع بين البصرة ومكة، وعنيزة: من أودية اليمامة قرب سواج، وقرى عنيزة بالبحرين.
تضحى: أكل في وقت الضحى. العراد: ضرب من النبات تألفه الضباب. القرم: الفحل المتروك للفحلة.
[6] السلجم: ضرب من البقول، وهو اللفت. الوخم: الثقيل الذي لا يستمرأ.
[7] الأبيات لبعض الأعراب في عيون الأخبار 3/212، والبيتان الأخيران في ربيع الأبرار 5/468، والرابع في محاضرات الأدباء 1/292 (2/611) .
[8] شالت: ارتفعت. زايل: فارق.
[9] المحنوذ: المشوي. القيزان: الرمال العالية. الحول: جمع حائل، وهي التي لم تحمل. الحلائل:
جمع حليلة، وهي الزوجة.
[10] الكشية: شحمة في ظهر الضب. الشواكل: جمع شاكلة، وهي الخاصرة.
[11] البياح: ضرب من السمك صغار.
(6/361)

وقال أبو الهنديّ، من ولد شبث بن ربعيّ [1] : [من المتقارب]
أكلت الضّباب فما عفتها ... وإنّي لأهوى قديد الغنم [2]
وركّبت زبدا على تمرة ... فنعم الطّعام ونعم الأدم [3]
وسمن السّلاء وكمء القصيص ... وزين السّديف كبود النّعم [4]
ولحم الخروف حنيذا وقد ... أتيت به فائرا في الشّبم [5]
فأمّا البهطّ وحيتانكم ... فما زلت منها كثير السّقم [6]
وقد نلت ذاك كما نلتم ... فلم أر فيها كضبّ هرم
وما في البيوض كبيض الدّجاج ... وبيض الجراد شفاء القرم
ومكن الضّباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم [7]
وإلى هذا المعنى ذهب جران العود، حين أطعم ضيفه ضبّا، فهجاه ابن عمّ له كان يغمز في نسبه، فلما قال في كلمة له [8] : [من الوافر]
وتطعم ضيفك الجوعان ضبّا ... وتأكل دونه تمرا بزبد
وقال في كلمة له أخرى [8] : [من الوافر]
وتطعم ضيفك الجوعان ضبّا ... كأنّ الضّبّ عندهم عريب
قال جران العود [8] : [من الوافر]
فلولا أنّ أصلك فارسيّ ... لما عبت الضّباب ومن قراها
قريت الضيف من حبّي كشاها ... وأيّ لويّة إلّا كشاها [9]
__________
[1] ديوان أبي الهندي 50، والمعاني الكبير 650، وعيون الأخبار 3/210، وربيع الأبرار 5/466، وفيه صحّف اسم أبي الهندي إلى أبي الهندام، واللسان 1/586 (عرب) .
[2] القديد: ما قطع من اللحم وشرر، واللحم المملوح المجفف في الشمس.
[3] الأدم: الإدام، وهو ما يؤكل به الخبز.
[4] سلأ الزبد: طبخه وعالجه ليخلص منه السمن. القصيص: جمع قصيصة، وهي شجرة تنبت في أصلها الكمأة. السديف: شحم السنام. الكبود: جمع كبد.
[5] الحنيذ: المشوي. الفائر: أراد به الحار. الشبم: البارد.
[6] البهط: الأرز يطبخ باللبن والسمن.
[7] المكن: جمع مكنة، وهو بيض الضب. العريب: تصغير العرب.
[8] البيت مع الخبر في ربيع الأبرار 5/466.
[9] الكشية: شحمة في ظهر الضب.
(6/362)

واللّويّة: الطّعيّم الطّيب، واللّطف [1] يرفع للشّيخ والصبي. وقد قال الأخطل [2] : [من الطويل]
ففلت لهم هاتوا لوية مالك ... وإن كان قد لاقى لبوسا ومطعما
1725-[بزماورد الزّنابير]
وقال مويس بن عمران: كان بشر بن المعتمر خاصّا بالفضل بن يحيى، فقدم عليه رجل من مواليه، وهو أحد بني هلال بن عامر، فمضى به يوما إلى الفضل؛ ليكرمه بذلك، وحضرت المائدة، فذكروا الضب ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمّه، وتابعه القوم بذلك ونظر الهلاليّ فلم ير على المائدة عربيّا غيره، وغاظه كلامهم، فلم يلبث الفضل أن أتي بصحفة ملآنة من فراخ الزّنابير، ليتّخذ له منها بزماورد [3]- والدّبر والنّحل عند العرب أجناس من الذّبان- فلم يشكّ الهلاليّ أنّ الذي رأى من ذبّان البيوت والحشوش [4] . وكان الفضل حين ولي خراسان استظرف بها بزماورد الزّنابير، فلمّا قدم العراق كان يتشّهاها فتطلب له من كلّ مكان. فشمت الهلاليّ به وبأصحابه، وخرج وهو يقول [5] : [من الطويل]
وعلج يعاف الضّبّ لؤما وبطنة ... وبعض إدام العلج هام ذباب [6]
ولو أن ملكا في الملا ناك أمّه ... لقالوا لقد أوتيت فصل خطاب [7]
1726-[شعر أبي الطروق في مهر امرأة]
لما قال أبو الطروق الضبي [8] : [من الطويل]
يقولون أصدقها جرادا وضبّة ... فقد جردت بيتي وبيت عياليا [9]
__________
[1] اللطف: التحفة والهدية.
[2] ديوان الأخطل 600.
[3] البزماورد: طعام من البيض واللحم، انظر اللسان «ورد» .
[4] الحشوش: جمع حش، وهو موضع قضاء الحاجة.
[5] البيتان مع الخبر السابق باختصار في ربيع الأبرار 5/466- 467.
[6] العلج: الرجل الشديد الغليظ.
[7] الملأ: الجماعة، أو وجوه القوم.
[8] البيتان (1- 2) في الحماسة البصرية 2/314، ورواية عجز البيت الثانى:
(وغابت فلا آبت سمير اللياليا)
[9] الصداق: المهر.
(6/363)

وأبقت ضبابا في الصّدور جواثما ... فيا لك من دعوى تصمّ المناديا
وعاديت أعمامي وهم شرّ جيرة ... يدبّون شطر اللّيل نحوي الأفاعيا
وقد كان في قعب وقوس وإن أشأ ... من الأقط ما بلّغن في المهر حاجيا [1]
فقال أبوها: [من الطويل]
فلو كان قعبا رضّ قعبك جندل ... ولو كان قوسا كان للنّبل أذكرا
فقال عمّها: دعوني والعبد.
1727-[شعر في الضبّ]
وأنشد للدّبيري: [من الطويل]
أعامر عبد الله إنّي وجدتكم ... كعرفجة الضّبّ الذي يتذلّل
قال: هي ليّنة، وعودها ليّن، فهو يعلوها إذا حضروا بالقيظ. ويتشوّف [2] عليها. ولست ترى الضّب إلا وهي سامية برأسها، تنظر وترقب. وأنشد: [من الطويل]
بلاد يكون الخيم أطلال أهلها ... إذا حضروا بالقيظ والضّبّ نونها
وقال عمرو بن خويلد: [من الطويل]
ركاب حسيل أشهر الصّيف بدّن ... وناقة عمرو ما يحلّ لها رحل [3]
إذا ما ابتنينا بيتنا لمعيشة ... يعود لما نبني فيهدمه حسل
ويزعم حسل أنّه فرع قومه ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل
ولدت بحادي النّجم تسعى بسعيه ... كما ولدت بالنّحس ديّانها عكل
1728-[استطراد لغوي]
وهم يسمّون بحسل وحسيل: وضبّ وضبّة. فمنهم ضبّة بن أدّ، وضبة بن محض، وزيد بن ضبّ. ويقال: حفرة ضب. وفي قريش بنو حسل. ومن ذلك ضبّة الباب. ويسمّى حلب الناقة بخمس أصابع ضبّا، يقال ضبّها يضبّها ضبّا: إذا حلبها كذلك. وضبّ الجرح وبضّ: إذا سال دما، مثل ما تقول: جذب وجبذ. و: «إنّه لخبّ
__________
[1] القعب: القدح الضخم. الأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض.
[2] يتشوف: يتطلع.
[3] الركاب: الإبل التي يسار عليها.
(6/364)

ضبّ» [1] ، و: «إنّه لأخدع من ضبّ» [2] . والضبّ: الحقد إذا تمكّن وسرت عقاربه.
وأخفى مكانه. والضّبّ: ورم في خفّ البعير. وقال الرّاجز [3] : [من الرجز]
ليس بذي عرك ولا ذي ضبّ [4]
ويقال ضبّ خدع، أي مراوغ. ولذلك سموا الخزانة المخدع. وقال راشد بن شهاب [5] : [من الطويل]
أرقت فلم تخدع بعينيّ نعسة ... وو الله ما دهري بعشق ولا سقم
وقال ذو الرّمّة [6] : [من الطويل]
مناسمها خثم صلاب كأنّها ... رؤوس الضّباب استخرجتها الظهائر [7]
1729-[شعر فيه ذكر الضبّ]
ويدلّ على كثرة تصريفهم لهذا الاسم ما أنشدناه أبو الرّدينيّ: [من الرجز]
لا يعقر التقبيل إلا زبّي ... ولا يداوي من صميم الحبّ
والضّبّ في صوّانه مجبّ [8]
وأنشدنا أبو الرّدينيّ العكليّ، لطارق وكنيته أبو السّمّال: [من الرجز]
يا أم سمّال ألمّا تدري ... أنّي على مياسري وعسري
يكفيك رفدي رجلا ذا وفر ... ضخم المثاليث صغير الأير
إذا تغدّى قال تمري تمري ... كأنّه بين الذّرى والكسر [9]
ضبّ تضحّى بمكان قفر [10]
__________
[1] انظر الحاشية رقم (2) ص 339.
[2] انظر الحاشية رقم (4) ص 339.
[3] الرجز بلا نسبة في اللسان (ضبب، عرك، أمم) ، والتاج (عرك، أمم) .
[4] العرك: أن يحز مرفق البعير جنبه حتى يخلص إلى اللحم ويقطع الجلد بحز الكركرة.
[5] البيت في شرح اختيارات المفضل 1318، والمفضليات 308، والأساس (خدع) ، وبلا نسبة في الدرر 4/215، وهمع الهوامع 2/33.
[6] ديوان ذي الرمة 1036.
[7] في ديوانه: «خثم: عراض. وقوله: كأنها رؤوس الضباب استخرجتها الظهائر، يقول: إذا اشتد الحر أخرجت الضباب رؤوسها من الحر، والظهيرة: عند زوال الشمس» .
[8] الصّوّان: الحجارة الصلبة. المجب: من التجبية، وهي الانكباب على الوجه.
[9] الذّرى: ما سترك من الريح الباردة؛ من حائط أو شجر. كسر البيت: جانبه.
[10] تضحى: أكل في وقت الضحى.
(6/365)

وقال أعرابيّ: [من الطويل]
قد اصطدت يا يقظان ضبّا ولم يكن ... ليصطاد ضبّ مثله بالحبائل
يظلّ رعاء الشّاء يرتمضونه ... حنيذا ويجنى بعضه للحلائل [1]
عظيم الكشى مثل الصّبي إذا عدا ... يفوت الضّباب حسله في السّحابل [2]
وقال العماني [3] : [من الرجز]
إنّي لأرجو من عطايا ربّي ... ومن وليّ العهد بعد الغبّ
روميّة أولج فيها ضبّي ... لها حر مستهدف كالقب [4]
مستحصف نعم قراب الزّبّ [5]
وقال الآخر: [من الوافر]
إذا اصطلحوا على أمر تولّوا ... وفي أجوافهم منه ضباب [6]
وقال الزّبرقان بن بدر [7] : [من الكامل]
ومن الموالي ضبّ جندلة ... زمر المروءة ناقص الشّبر [8]
فالأول جعل أيره ضبّا، والثاني جعل الحقد ضبّا.
وقال الخليل بن أحمد، في ظهر البصرة مما يلي قصر أنس [9] : [من البسيط]
زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة عن غير ميعاد
ترى به السّفن كالظّلمان واقفة ... والضبّ والنّون والملاح والحادي
__________
[1] الحنيذ: المشوي. الحلائل: جمع حليلة، وهي الزوجة.
[2] الكشية: شحمة في ظهر الضب. السحابل: جمع سحبل، وهو العريض البطن.
[3] الرجز للعماني في التشبيهات لابن أبي عون 234، وبلا نسبة في المختار من شعر بشار.
[4] المستهدف: العريض المرتفع. القعب: القدح الضخم.
[5] المستحصف: الضيق. القراب: غمد السيف.
[6] الضباب: جمع ضب، وهي هنا بمعنى الحقد.
[7] ديوان الزبرقان 42، والأضداد للأنباري 48.
[8] زمر المروءة: قليلها. الشّبر: العطاء.
[9] البيتان للخليل بن أحمد في ديوانه 365، وثمار القلوب (760) ، ورسائل الجاحظ 4/138، وعيون الأخبار 1/217، والأزمنة والأمكنة 2/303، وهما لابن أبي عيينة في ديوان المعاني 2/138، والأنوار ومحاسن الأشعار 2/81، والأغاني 20/91، ومعجم الشعراء 110، وانظر المزيد من المصادر في ديوان الخليل بن أحمد؛ وثمار القلوب.
(6/366)

وقال في مثل ذلك ابن أبي عيينة [1] : [من المنسرح]
يا جنّة فاتت الجنان فما ... يبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطنا ... إنّ فؤادي لأهلها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بها ... فهذه كنّة وذا ختن [2]
فانظر وفكّر فيما تطيف به ... إنّ الأريب المفكّر الفطن [3]
من سفن كالنّعام مقبلة ... ومن نعام كأنّها سفن
وقال عقبة بن مكدّم في صفة الفرس [4] : [من الخفيف]
ولها منخر إذا رفعته ... في المجاراة مثل وجر الضّباب [5]
وأنشد [6] : [من الرجز]
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضّبّ يسعى بالواد [7]
وقال أبو حيّة النّميري [8] : [من البسيط]
وقرّبوا كلّ قنعاس قراسية ... أبدّ ليس به ضبّ ولا سرر [9]
وقال كثير [10] : [من الطويل]
__________
[1] الأبيات لابن أبي عيينة في ديوان المعاني 2/137، وعيون الأخبار 1/217- 218، والأغاني 20/103، والأزمنة والأمكنة 2/303، والأنوار ومحاسن الأشعار 2/38، ومعجم البلدان 1/437- 438 (البصرة) ، وتنسب إلى الخليل بن أحمد في ديوانه 367- 368، وثمار القلوب (761) .
[2] الكنة: امرأة الابن أو الأخ. الختن: أبو امرأة الرجل؛ وأخو امرأته.
[3] تطيف به: تقاربه.
[4] البيت لعقبة بن مكدم في كتاب الخيل لأبي عبيدة ص 155.
[5] الوجر: الجحر.
[6] الرجز في ربيع الأبرار 5/466، وعيون الأخبار 3/211، والمخصص 15/178، 16/112، واللسان (كشى) ، والأساس (كشي) ، والجمهرة 879، والمقاييس 5/183، والمجمل 4/231.
[7] الكشى: جمع كشية، وهي شحمة صفراء في ظهر الضب.
[8] ديوان أبي حية النميري 149.
[9] في ديوانه: «القنعاس: الجمل الضخم. القراسية: الضخم الشديد من الإبل. الأبدّ: الذي في يديه فتل. الضب: ورم يكون في خف البعير أو صدره. السرر: قرح في مؤخرة كركرة البعير يكاد ينقب إلى جوفه» .
[10] ديوان كثير عزة 239، واللسان (خلا) ، والأساس (خلو) ، والتاج (حرش، خلا) ، وشرح شواهد الإيضاح 321، وبلا نسبة في اللسان (خدع) ، والمخصص 3/80، 8/97.
(6/367)

ومحترش ضبّ العداوة منهم ... بحلو الرّقى حرش الضّباب الخوادع
وقال كثيّر [1] أيضا: [من الوافر]
وما زالت رقاك تسلّ ضغني ... وتخرج من مضائبها ضبابي
1730-[شعر في ذم الضب]
فأما الذين ذمّوا الضب وأكله، وضربوا المثل به وبأعضائه وأخلاقه وأعماله، فكما قال التميمي [2] : [من الوافر]
لكسرى كان أعقل من تميم ... ليالي فرّ من أرض الضّباب
فأنزل أهله ببلاد ريف ... وأشجار وأنهار عذاب
وصار بنو بنيه بها ملوكا ... وصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدى تميم ... فقد أزرى بنا في كلّ باب
وقال أبو نواس [3] : [من الطويل]
إذا ما تميميّ آتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّبّ
تفاخر أبناء الملوك سفاهة ... وبولك يجري فوق ساقك والكعب
وقال الآخر: [من البسيط]
فحبّذا هم وروّى الله أرضهم ... من كلّ منهمر الأحشاء ذي برد
ولا سقى الله أياما غنيت بها ... ببطن فلج على الينسوع فالعقد [4]
مواطن من تميم غير معجبة ... أهل الجفاء وعيش البؤس والصّرد [5]
همّ الكرام كريم الأمر تفعله ... وهمّ سعد بما تلقي إلى المعد [6]
أصحاب ضبّ ويربوع وحنظلة ... وعيشة سكنوا منها على ضمد [7]
__________
[1] ديوان كثير 280، والسمط 62.
[2] الأبيات للفرزدق في رسائل الجاحظ 2/411؛ وليست في ديوانه، وتقدمت الأبيات في 1/167 منسوبة إلى أبي ذباب السعدي.
[3] ديوان أبي نواس 510.
[4] ورد هذا البيت في معجم البلدان 5/451 (الينسوع) . بطن فلج: طريق من البصرة إلى اليمامة.
الينسوع: موضع في طريق البصرة. العقد: موضع بين البصرة وضرية.
[5] الصرد: البرد.
[6] المعد: جمع معدة.
[7] حنظلة: إشارة إلى أنهم كانوا يأكلون الحنظل. الضمد: شدة الغيظ.
(6/368)

إن يأكلوا الضّبّ باتوا مخصبين به ... وزادها الجوع إن باتت ولم تصد
لو أنّ سعدا لها ريف لقد دفعت ... عنه كما دفعت عن صالح البلد
من ذا يقارع سعدا عن مفازتها ... ومن ينافسها في عيشها النّكد
وقال في مثل ذلك عمرو بن الأهتم [1] : [من الخفيف]
وتركنا عميرهم رهن ضبع ... مسلحبّا ورهن طلس الذّئاب [2]
نزلوا منزل الضّيافة منا ... فقرى القوم غلمة الأعراب [3]
ورددناهم إلى حرّتيهم ... حيث لا يأكلون غير الضّباب [4]
وقالت المرّيّة [5] : [من الكامل]
جاؤوا بحارشة الضّباب كأنّما ... جاؤوا ببنت الحارث بن عباد
وقائله هذا الشعر امرأة من بني مرّة بن عباد.
وقال الحارث الكندي [6] : [من الوافر]
لعمرك ما إلى حسن أنخنا ... ولا جئنا حسينا يابن أنس
ولكنّ ضبّ جندلة أتينا ... مضبّا في مضابئها يفسّي [7]
فلمّا أن أتيناه وقلنا ... بحاجتنا تلوّن لون ورس [8]
وآض بكفّه يحتكّ ضرسا ... يرينا أنّه وجع بضرس
فقلت لصاحبي أبه كزاز ... وقلت أسرّه أتراه يمسي [9]
وقمنا هاربين معا جميعا ... نحاذر أن نزنّ بقتل نفس [10]
وقالت عائشة ابنة عثمان، في أبان بن سعيد بن العاص، حين خطبها، وكان
__________
[1] ديوان عمرو بن الأهتم 81.
[2] مسلحب: منبطح؛ أو ممتد. الطلس من الذئاب: ما لونها الطلسة؛ وهي غبرة إلى سواد.
[3] الغلمة: جمع غلام.
[4] حرّتيهم: مثنى حرة، وهي أرض ذات حجارة سوداء نخرات كأنها أحرقت بالنار.
[5] البيت في ثمار القلوب 240 (465) ، وتقدم في 4/436.
[6] الأبيات عدا الأول والثاني في عيون الأخبار 3/154.
[7] الجندلة: الحجر. المضابئ: المخابئ.
[8] الورس: نبات أصفر ينبت باليمن.
[9] الكزاز: داء يأخذ من شدة البرد.
[10] نزنّ: نتّهم.
(6/369)

نزل أيلة وترك المدينة [1] : [من الطويل]
نزلت ببيت الضّبّ لا أنت ضائر ... عدوّا ولا مستنفعا أنت نافع
وقال جرير [2] : [من الوافر]
وجدنا بيت ضبّة في تميم ... كبيت الضّبّ ليس له سواري
وقال آخر- وهذا الشعر يقع أيضا في الضّباع كما يقع في الضّباب-: [من الرجز]
يا ضبع الأكهاف ذات الشّعب ... والوثب للعنز وغير الوثب
عيثي ولا تخشين إلّا سبّي ... فلست بالطّبّ ولا ابن الطّبّ [3]
إن لم أدع بيتك بيت الضّبّ ... يضيق عند ذي القرد المكبّ [4]
وقال الفرزدق [5] : [من الطويل]
لحى الله ماء حنبل خير أهله ... قفا ضبّة عند الصّفاة مكون [6]
فلو علم الحجّاج علمك لم تبع ... يمينك ماء مسلما بيمين [7]
وأنشد: [من الطويل]
زعمت بأنّ الضبّ أعمى ولم يفت ... بأعمى ولكن فات وهو بصير
بل الضبّ أعمى يوم يخنس باسته ... إليك بصحراء البياض غرير [8]
وقالت امرأة في ولدها وتهجو أباه: [من الرجز]
وهبته من ذي تفال خبّ ... يقلب يمينا مثل عين الضّبّ [9]
ليس بمعشوق ولا محبّ
__________
[1] البيت مع الخبر في البيان 3/300- 301.
[2] ديوان جرير 192 (طبعة الصاوي) .
[3] عاثت الضبع: أفسدت.
[4] القرد: ما تمعّط من الوبر والصوف.
[5] ديوان الفرزدق 881.
[6] المكون: التي جمعت مكنها في بطنها، والمكن: بيضها.
[7] اليمين: القدرة والقوة.
[8] خنس: تأخر. البياض: موضع قرب يبرين، وأرض بنجد.
[9] التفال: البصاق. الخبّ: الخبيث الخدّاع.
(6/370)

وقال رجل من فزارة: [من الطويل]
وجدناكم رأبا بين أمّ قرفة ... كأسنان حسل لا وفاء ولا غدر [1]
وأنشد [2] : [من الطويل]
ثلاثون رأبا أو تزيد ثلاثة ... يقاتلنا بالقرن ألف مقنّع [3]
والرأب: السواء، والمعنى الأول يشبه قوله [4] : [من الطويل]
سواس كأسنان الحمار فلا ترى ... لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا
وأنشد ابن الأعرابي [5] : [من الرجز]
قبّحت من سالفة ومن صدغ ... كأنّها كشية ضبّ في صقغ [6]
أراد صقع بالعين فقلب. وقال الآخر: [من الرجز]
أعقّ من ضبّ وأفسى من ظرب
وأنشد [7] : [من الطويل]
فجاءت تهاب الذّمّ ليست بضبّة ... ولا سلفع يلقى مراسا زميلها [8]
يقول: لا تخدع كما يخدع الضّبّ في جحره.
وأنشد ابن الأعرابي لحيّان بن عبيد الربعي جد أبي محضة: [من الرجز]
__________
[1] الرأب: السبعون من الإبل. الحسل: ولد الضب. وأسنان الحسل لا يسقط منها شيء حتى يموت، وسيعيد الجاحظ هذا البيت ص 376.
[2] البيت بلا نسبة في أساس البلاغة (رأب) .
[3] في أساس البلاغة: «في بني فلان ثلاثون رأبا؛ أي سادات يرأبون أمورهم» . القرن: الجبل الصغير.
المقنع: المتغطي بالسلاح.
[4] البيت لكثير عزة في ديوانه 384، واللسان (سوا) ، ومجمع الأمثال 1/329، والمستقصى 2/123، ولعمرو بن أحمر في ديوانه 132، وثمار القلوب (556) ، وبلا نسبة في البيان 2/19، وعيون الأخبار 2/2، وفصل المقال 196، والبرصان 236.
[5] الرجز لجواس بن هريم في الموشح 19، وبلا نسبة في العمدة 1/166، ورصف المباني 376، وأدب الكاتب 523، والجمهرة 879، وسر صناعة الإعراب 1/245، واللسان (صقع، سقغ، صدغ، صقغ) ، والتاج (سقغ، صدع، صقغ) .
[6] الكشية: شحمة صفراء في ظهر الضب. الصقغ: الصقع، وهو الناحية من الأرض.
[7] البيت بلا نسبة في أساس البلاغة (ضبب) .
[8] السلفع: السليطة اللسان الجريئة. المراس: شدة المعالجة.
(6/371)

يا سهل لو رأيته يوم الجفر ... إذ هو يسعى يستجير للسّور [1]
يرمي عن الصّفو ويرضى بالكدر ... لازددت منه قذرا على قذر
يضحك عن ثغر ذميم المكتشر ... ولثة كأنّها سير حور [2]
وعارض كعارض الضّبّ الذكر
وأنشد السّدري [3] : [من البسيط]
هو القرنبى ومشي الضب تعرفه ... وخصيتا صرصراني من الإبل [4]
والخال ذو قحم في الجري صادقة ... وعاتق يتعقّى مأبض الرجل [5]
واعلم، حفظك الله تعالى، أنّه قد أكتفي بالشّاهد، وتبقى في الشعر فضلة، ممّا يصلح لمذاكرة، ولبعض ما بك إلى معرفته حاجة، فأصله به، ولا أقطعه عنه.
وأنشد لابن لجأ [6] : [من الرجز]
وغنوي يرتمي بأسهم ... يلصق بالصّخر لصوق الأرقم [7]
لو سئم الضبّ بها لم يسأم
وقال أعرابيّ من بني تميم [8] : [من الرجز]
تسخر منّي أن رأتني أحترش ... ولو حرشت لكشفت عن حرش [9]
__________
[1] يوم الجفر: لعله يقصد يوم الجفار؛ وهذا اليوم كان للأحاليف في ضبة وإخوتها: الرباب وأسد وطيء على بني تميم. العمدة 2/219. السور: جمع سورة؛ وهي العرق من أعراق الحائط.
[2] الحور: الجلد المصبوغ بحمرة.
[3] البيت الأول بلا نسبة في البرصان 152.
[4] القرنبى: دويبة فوق الخنفساء؛ ودون الجعل. الصرصراني: هو من الإبل بين البخاتي والعراب.
[5] الخال: المنخوب الضعيف. قحم: جمع قحمة، وهي الانقحام في السير، أراد أنه فرّار يجبن عند اللقاء. العاتق: البكر. يتعقى: يكره. المأبض: كل ما يثبت عليه فخذك. الرجل: جمع أرجل، وهو من الخيل الذي في إحدى رجليه بياض.
[6] ديوان عمر بن لجأ 162.
[7] الأرقم: ضرب من الحيات فيه سواد وبياض.
[8] الرجز بلا نسبة في اللسان (حرش، كشش) ، والعين 1/91، 5/269، والجمهرة 42- 43، والخزانة 11/461، والتهذيب 4/182، 9/425، والتاج (أبش، كشش) ، وكتاب الجيم 1/188، والاشتقاق 257، وشرح شافية ابن الحاجب 3/199، وشرح شواهد الشافية 419.
[9] الاحتراش: صيد الضباب. حرش: أراد: حرك، وقلب الكاف شينا على الكشكشة، وهي لغة بني تميم، والحر: فرج المرأة.
(6/372)

يريد عن حرك.
قال: وقال أبو سعنة: [من الرجز]
قلهزمان جعدة لحاهما ... عاداهما الله وقد عاداهما [1]
ضبّا كدى قد غمّرت كشاهما [2]
وأنشد الأصمعي [3] : [من البسيط]
إنّي وجدتك يا جرثوم من نفر ... جرثومة اللّؤم لا جرثومة الكرم [4]
إنّا وجدنا بني جلان كلّهم ... كساعد الضّبّ لا طول ولا عظم
وقال ابن ميّادة [5] : [من الطويل]
فإنّ لقيس من بغيض لناصرا ... إذا أسد كشّت لفخر ضبابها [6]
وفي هذه القصيدة يقول: [من الطويل]
ولو أنّ قيسا قيس عيلان أقسمت ... على الشّمس لم يطلع عليك حجابها
وهذا من شكل قول بشّار [7] : [من الطويل]
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو مطرت دما
وأنشد لأبي الطّمحان: [من الكامل]
مهلا نمير فإنّكم أمسيتم ... منّا بثغر ثنيّة لم تستر [8]
__________
[1] القلهزم: القصير الغليظ. الجعد: الشعر القصير القطط.
[2] الكدى: جمع كدية، وهي الأرض الغليظة المرتفعة. غمّرت: طليت بالغمرة، وهي الزعفران أو الورس. الكشى: جمع كشية، وهي شحمة صفراء في ظهر الضب.
[3] ورد البيت الثاني بقافية (ولا قصر) ، بلا نسبة في اللسان (جلل) ، والخزانة 5/183.
[4] جرثومة كل شيء: أصله.
[5] ديوان ابن ميادة 78- 79.
[6] كشّت: صوّتت.
[7] البيت لبشار بن برد في ديوانه 4/163، والمختار من شعر بشار 163، والموشح 248، والأزمنة والأمكنة 2/35، والعمدة 2/144، وللغنوي في اللسان (حجب) ، والتهذيب 4/163، وأنشده الغنوي للقحيف بن عمير العقيلي في التاج (حجب) ، وهو للقحيف بن عمير في اللسان (غشم) ؛ وفيه أن بشار بن برد سرق هذا البيت، وهو في المؤتلف 93 للقحيف بن خمير؛ وفيه أيضا أن بشار بن برد أخذ هذا البيت فأدخله في قصيدته.
[8] نمير: هم بنو نمير بن عامر بن صعصعة. الثغر: موضع المخافة. الثنية: كل عقبة مسلوكة.
(6/373)

سودا كأنّكم ذئاب خطيطة ... مطر البلاد وحرمها لم يمطر [1]
يحبون بين أجا وبرقة عالج ... حبو الضّباب إلى أصول السّخبر [2]
وتركتم قصب الشّريف طواميا ... تهوي ثنيّته كعين الأعور [3]
1731-[مفاخرة العثّ للضبّ]
وقال العثّ، واسمه زيد بن معروف، للضب غلام رتبيل بن غلاق: وقد رأيت من سمّى عنزا وثورا، وكلبا، ويربوعا، فلم نر منهم أحدا أشبه العنز ولا الثّور، ولا الكلب، ولا اليربوع. وأنت قد تقيّلت [4] الضّبّ حتى لم تغادر منه شيئا. فاحتمل ذلك عنه، فلمّا قال: [من البسيط]
من كان يدعى باسم لا يناسبه ... فأنت والاسم شنّ فوقه طبق [5]
فقال ضبّ لعثّ: [من البسيط]
إن كنت ضبّا فإنّ الضّبّ محتبل ... والضبّ ذو ثمن في السّوق معلوم [6]
وليس للعثّ حبّال يراوغه ... ولست شيئا سوى قرض وتقليم [7]
1732-[ما يخرج الضب من جحره]
وما أكثر ما يجيء الأعرابي بقربة من ماء، حتى يفرغها في جحره، ليخرج فيصطاده. ولذلك قال الكميت في صفة المطر الشديد الذي يستخرج الضّباب من جحرتها، وإن كانت لا تتّخذها إلا في الارتفاع- فقال [8] : [من الخفيف]
وعلته بتركها تحفش الأك ... م ويكفي المضبّب التفجير [9]
والمضبّب هو الذي يصيد الضباب.
__________
[1] الخطيطة: الأرض التي لم تمطر بين أرض ممطورتين. الحرم: الحرام، وعنى به هنا حريمها.
[2] أجأ: جبل لطيئ. السخبر: شجر يشبه الثمام له عيدان كالكراث في الكثرة.
[3] الشريف: ماء لبني نمير. القصب: مجاري ماء البئر من العيون. طواميا: طما ماؤها وارتفع.
[4] تقيّل فلان أباه: إذا نزع إليه في الشبه.
[5] إشارة إلى المثل: «وافق شنّ طبقة» . انظر مجمع الأمثال 2/358، وجمهرة الأمثال 2/336، والمستقصى 2/371، وفصل المقال 262، 263، وأمثال ابن سلام 177.
[6] احتبله: صاده بالحبالة، وهي المصيدة.
[7] الحبّال: الذي يصطاد بالحبالة.
[8] ديوان الكميت 1/250.
[9] تحفش: تملأ.
(6/374)

القول في سن الضب وعمره
أنشد الأصمعيّ وغيره [1] : [من الرجز]
تعلّقت واتّصلت بعكل ... خطبي وهزّت رأسها تستبلي [2]
تسألني من السّنين كم لي ... فقلت لو عمّرت عمر الحسل
أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصّخر مبتلّ كطين الوحل [3]
صرت رهين هرم أو قتل
وهذا الشّعر يدلّ على طول عمر الحسل؛ لأنه لم يكن ليقول:
أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصّخر مبتلّ كطين الوحل
إلّا وعمر الحسل عنده من أطول الأعمار.
وروى ابن الأعرابي عن بعض الأعراب أنّ سنّ الضبّ واحدة أبدا، وعلى حال أبدا. قال فكأنه قال: لا أفعله ما دام سنها كذلك، لا ينقص ولا يزيد.
وقال زيد بن كثوة: سنّ الحسل ثلاثة أعوام. وزعم أن قوله ثمّة: «لا أفعله سنّ الحسل» غلط. ولكن الضبّ طويل العمر إذا لم يعرض له أمر.
وسنّ الحسل مثل سنّ القلوص [4] ، ثلاث سنين، حتى يلقح؛ ولو كانت سنّ الحسل على حال واحدة أبدا لم تعرف الأعراب الفتيّ من المذكّي [5] .
وقد يكون الضّبّ أعظم من الضّبّ وليس بأكبر منه سنّا.
قال: ولقد نظرت يوما إلى شيخ لنا يفرّ [6] ضبّا جحلا سبحلا [7] قد اصطاده.
فقلت له: لم تفعل ذلك؟ فقال: أرجو أن يكون هرما.
__________
[1] الرجز لرؤبة في ديوانه 128، والمخصص 10/171، واللسان (معر، فطحل) ، والتاج (فطحل) ، والتهذيب 4/101، وله أو للعجاج في اللسان والتاج (حكل) ، وبلا نسبة في أمالي القالي 1/234، والأزمنة والأمكنة 1/229.
[2] الاتصال: أن يعتزي الرجل إلى قبيلته. الخطب: المرأة المخطوبة. تستبلي: تنظر ما عندي.
[3] زمن الفطحل: زمن نوح، وسئل رؤبة عن قوله «زمن الفطحل» فقال: أيام كانت الحجارة فيها رطابا.
[4] القلوص: الفتية من الإبل.
[5] المذكي: المسن من كل شيء.
[6] يفرّ: يكشف عن أسنانه ليعرف عمره.
[7] الجحل: الضخم. السبحل: العظيم المسن.
(6/375)

1733-[بيض الضب]
قال [1] : وزعم عمرو بن مسافر أن الضّبّة تبيض ستّين بيضة، فإذا كان ذلك سدّت عليهن باب الجحر، ثم تدعهن أربعين يوما فيتفقّص البيض، ويظهر ما فيه، فتحفر عنهنّ عند ذلك، فإذا كشفت عنهن أحضرن وأحضرت في أثرهن تأكلهن، فيحفر المنفلت منها لنفسه جحرا ويرعى من البقل.
قال: وبيض الضبّ شبيه ببيض الحمام. قال: وفرخه حين يخرج يخرج كيّسا كاسيا، خبيثا، مطيقا للكسب، وكذلك ولد العقرب، وفراخ البطّ، وفراريج الدّجاج، وولد العناكب.
1734-[سنّ الضب]
وقال زيد بن كثوة، مرّة بعد ذلك: إنّ الضب ينبت سنّه معه وتكبر مع كبر بدنه، فلا يزال أبدا كذلك إلى أن ينتهي بدنه منتهاه قال: فلا يدعى حسلا إلا ثلاث ليال فقط.
وهذا القول يخالف القول الأوّل [2] . وأنشد: [من الرجز]
مهرتها بعد المطال ضبّين ... من الضباب سحبلين سبطين
نعم لعمر الله مهر العرسين [3]
أنشدني ابن فضّال: «أمهرتها» وزعم أنّه كذلك سمعها من أعرابيّ وقد يمكن أن يكون الحسل لا يثني ولا يربع، فتكون أسنانه أبدا على أمر واحد، ويكون قول رؤبة بن العجّاج في طول عمره حقّا.
ويدلّ على أنّ أسنانه على ما ذكروا قول الفزاريّ: [من الطويل]
وجدناكم رأبا بني أمّ قرفة ... كأسنان حسل لا وفاء ولا غدر [4]
يقول: لا زيادة ولا نقصان.
__________
[1] انظر ربيع الأبرار 5/468، وما سيأتي في الصفحة التالية.
[2] انظر ما تقدم في الصفحة السابقة والصفحة 372.
[3] انظر أرجوزته التي تقدمت في الصفحة السابقة.
[4] تقدم هذا البيت ص 371.
(6/376)

1735-[قصة في عمر الضب]
وقال زيد بن كثوة المزني: قال العنبريّ، وهو أبو يحيى: مكثت في عنفوان شبيبتي، وريعان من ذلك، أريغ ضبّا، وكان ببعض بلادنا في وشاز [1] من الأرض، وكان عظيما منها منكرا. ما رأيت مثله، فمكثت دهرا أريغه ما أقدر عليه. ثم إنّي هبطت إلى البصرة، فأقمت بها ثلاثين سنة، ثمّ إنّي والله كررت راجعا إلى بلادي، فمررت في طريقي بموضع الضّبّ، معتمدا [2] لذلك، فقلت: والله لأعلمنّ اليوم علمه، وما دهري [3] إلا أن أجعل من جلده عكّة [4] ؛ للّذي كان عليه من إفراط العظم، فوجّهت الرّواحل نحوه، فإذا أنا به والله محرنبئا [5] على تلعة؛ فلمّا سمع حسّ الرّواحل، ورأى سوادا مقبلا نحوه، مرّ مسرعا نحو جحره، وفاتني والله الذي لا إله إلا هو.
1736-[مكن الضّبة]
وقال ابن الأعرابيّ [6] : أخبرني ابن فارس بن ضبعان الكلبيّ، أنّ الضّبّة يكون بيضها في بطنها، وهو مكنها، ويكون بيضها متّسقا، فإذا أرادت أن تبيضه حفرت في الأرض أدحيّا مثل أدحيّ النعامة، ثم ترمي بمكنها [7] في ذلك الأدحيّ ثمانين مكنة، وتدفنه بالتّراب، وتدعه أربعين يوما، ثم تجيء بعد الأربعين فتبحث عن مكنها، فإذا حسلة [8] يتعادين منها، فتأكل ما قدرت عليه، ولو قدرت على جميعهن لأكلتهنّ. قال: ومكنها جلد ليّن، فإذا يبست فهي جلد. فإذا شويتها أو طبختها وجدت لها محّا كمحّ بيض الدّجاج.
1737-[عداوة الضّبة للحية]
قال [9] : والضّبّة تقاتل الحيّة وتضربها بذنبها، وهو أخشن من السّفن وهو
__________
[1] الوشاز: جمع وشز، وهو النشز المرتفع من الأرض.
[2] معتمدا: قاصدا.
[3] ما دهري: أي ما غايتي وهمي.
[4] العكّة: الزقيق، تصغير زق، وهو قربة تتخذ لحفظ السمن.
[5] احرنبى الرجل: تهيأ للغضب.
[6] انظر ما تقدم في الصفحة السابقة، وهو ما زعمه عمرو بن مسافر.
[7] المكن: بيض الضبة.
[8] الحسلة: جمع حسل، وهو ولد الضب.
[9] الخبر في ربيع الأبرار 5/468.
(6/377)

سلاحها، وقد أعطيت فيه من القوّة مثل ما أعطيت العقاب في أصابعها، فربما قطعتها بضربة، أو قتلتها، أو قدّتها [1] . وذلك إذا كان الضّبّ ذيّالا [2] مذنّبا وإذا كان مرائسا [3] قتلته الحية.
والتذنيب: أنّ الضبّ إذا أرادت الحيّة الدّخول عليه في جحره أخرج الضبّ ذنبه إلى فم جحره. ثم يضرب به كالمخراق [4] يمينا وشمالا، فإذا أصاب الحية قطعها، والحية عند ذلك تهرب منه.
والمراءسة: أن يخرج الرّأس ويدع الذّنب ويكون غمرا [5] فتعضّه الحيّة فتقتله.
1738-[استطراد لغوي]
قال: وتقول: أمكنت الضبّة والجرادة فهي تمكن إمكانا: إذا جمعت البيض في جوفها. واسم البيض المكن. والضّبة مكون، فإذا باضت الضبّة والجرادة قيل قد سرأت. والمكن والسّرء: البيض، كان في بطنها أو بعد أن تبيضه. وضبّة سروء.
وكذلك الجرادة تسرأ سرءا، حين تلقي بيضها. وهي حينئذ سلقة [6] .
وتقول: رزّت الجرادة ذنبها في الأرض فهي ترزّ رزّا، وضربت بذنبها الأرض ضربا، وذلك إذا أرادت أن تلقي بيضها.
1739-[المضافات من الحيوان]
ويقولون [7] : ذئب الخمر [8] ، وشيطان الحماطة [9] ، وأرنب الخلّة [10] ، وتيس الرّبل [11] ، وضبّ السّحا. والسّحا: بقلة تحسن حاله عنها.
__________
[1] قدّتها: قطعتها.
[2] الذيال: الطويل الذنب.
[3] المرائس: الذي يخرج من جحره برأسه.
[4] المخراق: منديل يلوى فيضرب به، أو يلف ليفزع به.
[5] الغمر: الجاهل الغر الذي لا تجربة له.
[6] السلقة: الجرادة إذا ألقت بيضها.
[7] انظر ثمار القلوب (577، 614) ، وما سيأتي ص 414.
[8] الخمر: ما واراك من شجر وغيره.
[9] الشيطان هنا: الحية. الحماطة: شجر التين الجبلي.
[10] الخلة: ما فيه حلاوة من المرعى.
[11] الربل: ضرب من الشجر إذا برد الزمان عليها وأدبر الصيف تفطرت بورق أخضر من غير مطر.
(6/378)

ويقال: هو قنفذ برقة [1] ، إذا أراد أن يصفه بالخبث.
1740-[ذكر الشعراء للضب في وصف الصيف]
وما أكثر ما يذكرون الضّبّ إذا ذكروا الصيف مثل قول الشاعر: [من البسيط]
سار أبو مسلم عنها بصرمته ... والضبّ في الجحر والعصفور مجتمع
وكما قال أبو زبيد [2] : [من الخفيف]
أيّ ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصّابح الجوزاء
واستكنّ العصفور كرها مع الض ... بّ وأوفى في عوده الحرباء
وأنشد الأصمعيّ [3] : [من الطويل]
تجاوزت والعصفور في الجحر لاجئ ... مع الضّبّ والشّقذان تسمو صدورها
قال: والشّقذان: الحرابيّ. قوله: «تسمو» : أي ترتفع في رؤوس العيدان.
الواحد من الشّقذان، بكسر الشين وإسكان القاف. شقذ بتحريك القاف.
1741-[أسطورة الضب والضفدع]
وتقول الأعراب: خاصم الضبّ الضفدع في الظّمأ أيّهما أصبر، وكان للضفدع ذنب، وكان الضبّ ممسوح الذنب [4] ، فلمّا غلبها الضبّ أخذ ذنبها فخرجا في الكلإ، فصبرت الضفدع يوما ويوما، فنادت: يا ضبّ، وردا وردا! فقال الضبّ [5] :
[من مجزوء الرجز]
أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا
إلّا عرادا عردا ... وصلّيانا بردا [6]
__________
[1] برقة: غلظ فيه حجارة ورمل وطين مختلفة.
[2] ديوان أبي زبيد الطائي 579، وتقدم البيتان في 5/295.
[3] البيت لذي الرمة في ديوانه 238، واللسان (شقذ) ، وتقدم في 5/128 بلا نسبة، وسيعيده الجاحظ ص 509.
[4] المسح: نقص وقصر في ذنب العقاب.
[5] الرجز في اللسان (جزأ، ضبب، عنكث، برد، صرد، عرد، لبد) ، والتاج (ضبب، عكث، زرد، صرد، عرد) ، والتهذيب 2/199، 3/308، 11/148، 12/139، والتنبيه والإيضاح 1/186، والجمهرة 426، 633، 1132، وديوان الأدب 2/23، والعين 6/193، 7/97، والمخصص 9/138، 13/258، وأساس البلاغة (صرد) .
[6] العراد: حشيش طيب الريح. العرد: الذي خرج واشتد. الصليان: شجر من الطريفة ينبت صعدا.
البرد: البارد.
(6/379)

فلما كان في اليوم الثالث نادت: يا ضبّ، وردا وردا! قال: فلمّا لم يجبها بادرت إلى الماء، وأتبعها الضبّ، فأخذ ذنبها. فقال: في تصداق ذلك ابن هرمة [1] :
[من الهزج]
ألم تأرق لضوء البر ... ق في أسحم لمّاح
كأعناق نساء الهن ... د قد شيبت بأوضاح [2]
تؤام الودق كالزّاح ... ف يزجى خلف أطلاح [3]
كأنّ العازف الجنّ ... يّ أو أصوات أنواح [4]
على أرجائها الغرّ ... تهدّيها بمصباح [5]
فقال الضبّ للضفد ... ع في بيداء قرواح [6]
تأمّل كيف تنجو اليو ... م من كرب وتطواح [7]
فإني سابح ناج ... وما أنت بسبّاح
فلمّا دق أنف المز ... ن أبدى خير إرواح [8]
وسحّ الماء من مستح ... لب بالماء سحّاح [9]
رأى الضبّ من الضفد ... ع عوما غير منجاح
وحطّ العصم يهويها ... ثجوج غير نشّاح [10]
ثقال المشي كالسّكرا ... ن يمشي خلفه الصّاحي
ثم قال في شأن الضفدع والضب، الكميت بن ثعلبة [11] : [من المتقارب]
__________
[1] ديوان ابن هرمة 94- 97.
[2] الأوضاح: جمع وضح، وهو البرص.
[3] الودق: المطر. الزاحف: البعير أعيا فجرّ فرسنه. يزجى: يساق. الأطلاح: جمع طلح، وهو البعير الذي لحقه الإعياء.
[4] عزيف الجن: أصواتها. الأنواح: جمع نوح، والنوح: النساء يجتمعن في مناحة.
[5] الغر: البيض. التهدي: الاهتداء.
[6] القرواح: الفضاء من الأرض.
[7] التطواح: الهلاك.
[8] أنف المزن: أوله. المزن: جمع مزنة، وهي السحابة البيضاء.
[9] المستحلب: المستدر.
[10] العصم: جمع أعصم، وهو الذي بإحدى يديه بياض، وأراد هنا الوعول. يهويها: يسقطها.
الثجوج: الماء الغزير. النشاح: الماء القليل.
[11] البيت في مجمع الأمثال 1/316، والمستقصى 1/140، والدرة الفاخرة 1/212، وشروح سقط الزند 1506.
(6/380)

على أخذها يوم غبّ الورود ... وعند الحكومة أذنابها [1]
وقال عبيد بن أيوب [2] : [من الطويل]
ظللت وناقتي نضوي فلاة ... كفرخ الضبّ لا يبغي ورودا [3]
وقال أبو زياد: قال الضبّ لصاحبه [4] : [من الرجز]
أهدموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنك لا أخا لكا
وأنا أمشي الحيكى حوالكا [5]
1742-[أورى من الضب]
وتقول العرب: «أروى من ضبّ» [6] ؛ لأن الضب عندهم لا يحتاج إلى شرب الماء، وإذا هرم اكتفى ببرد النّسيم، وعند ذلك تفنى رطوبته فلا يبقى فيه شيء من الدّم، ولا مما يشبه الدّم. وكذلك الحيّة. فإذا صارت كذلك لم تقتل بلعاب، ولا بمجاج، ولا بمخالطة ريق؛ وليس إلّا مخالطة عظم السّنّ لدماء الحيوان.
وأنشدوا [7] : [من الرجز]
لميمة من حنش أعمى أصم ... قد عاش حتّى هو لا يمشي بدم
فكلّما أقصد منه الجوع شم
وأما صاحب المنطق فإنه قال: باضطرار إنه لا يعيش حيوان إلّا وفيه دم أو شيء يشاكل الدم.
__________
[1] الغب: أن يرد يوما بعد يوم. الحكومة: الحكم.
[2] البيت في أشعار اللصوص 216.
[3] النضو: الهزيل العليل.
[4] الرجز في الدرر 1/119، 2/216، واللسان (بيت، حول، دأل) ، والتاج (دأل) ، والجمهرة 1309، والكتاب 1/351، والمعاني الكبير 650، وهمع الهوامع 1/41، 145، والمخصص 3/226، 233.
[5] الحيكى: مشية فيها تبختر.
[6] مجمع الأمثال 1/310، والدرة الفاخرة 1/209، والمستقصى 1/146، وجمهرة الأمثال 1/473، 498.
[7] الرجز لخلف الأحمر في مجمع الذاكرة 1/162، وتقدم في 4/318، 399، وسيعيده الجاحظ ص 529.
(6/381)

1743-[ما يخرج الضب من جحره]
والضبّ تذلقه [1] من جحره أمور، منها السّيل. وربّما صبّوا في جحره قربة من ماء فأذلقوه به. وأنشد أبو عبيدة: [من الخفيف]
يذلق الضبّ ويخفيه كما ... يذلق السّيل يرابيع النّفق
يخفيه مفتوحة الياء. وتذلقه وقع حوافر الخيل. ولذلك قال امرؤ القيس بن حجر [2] : [من الطويل]
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب
تقول: خفيته أخفيه خفيا: إذا أظهرته. وأخفيته إخفاء: إذا سترته. وقال ابن أحمر [3] : [من المتقارب]
فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
ولا بدّ من أن يكون وقع الحوافر هدم عليها. أو يكون أفزعها فخرجت. وأهل الحجاز يسمّون النّبّاش المختفي؛ لأنّه يستخرج الكفن من القبر ويظهره.
وحكوا عن بعض الأعراب أنّه قال [4] : «إنّ بني عامر قد جعلوني على حنديرة أعينها، تريد أن تختفي دمي» أي تظهره وتستخرجه. كأنّها إذا سفحته وأراقته فقد أظهرته.
1744-[تفضيل أبي عبيدة قصيدة لامرىء القيس]
وأنشد أبو عبيدة [5] : [من الرمل]
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدر [6]
__________
[1] أذلق الضب واستذلقه: صب على جحره الماء حتى يخرج.
[2] ديوان امرئ القيس 51، والقافية فيه (مجلب) .
[3] البيت لعمرو بن أحمر في ملحق ديوانه 180، ولامرئ القيس في ديوانه 186.
[4] تقدم هذا القول في 5/165.
[5] ديوان امرئ القيس 144- 145، والشرح التالي منه.
[6] «الديمة: المطر الدائم. الهطلاء: الكثيرة الهطل. الوطف: الدنو من الأرض. طبق الأرض: أي هذه السحابة تطبّق وتعمها كلها لسعتها وكثرة مطرها. تحرّى: تتعمد المكان وتثبت فيه. تدر: يكثر ماؤها.
(6/382)

تخرج الضبّ إذا ما أشجذت ... وتواريه إذا ما تعتكر [1]
وترى الضّبّ ذفيفا ماهرا ... ثانيا برثنه ما ينعفر [2]
وكان أبو عبيدة يقدّم هذه القصيدة في الغيث، على قصيدة عبيد بن الأبرص، أو أوس بن حجر، التي يقول فيها أحدهما [3] : [من البسيط]
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح [4]
فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح [5]
وأنا أتعجّب من هذا الحكم
1745-[قولهم: هذا أجلّ من الحرش]
ومما يضيفون إلى هذه الضّباب من الكلام، ما رواه الأصمعيّ في تفسير المثل، وهو قولهم [6] : «هذا أجلّ من الحرش» - أنّ الضّبّ قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ! قال: والحرش: تحريك اليد عند جحر الضب؛ ليخرج ويرى أنّه حيّة. قال: فسمع الحسل صوت الحفر، فقال للضّبّ: يا أبت! هذا الحرش؟
قال: يا بنيّ، هذا أجلّ من الحرش! فأرسلها مثلا.
1746-[الضب والضفدع والسمكة]
وقال الكميت [7] : [من الوافر]
يؤلّف بين ضفدعة وضبّ ... ويعجب أن نبرّ بني أبينا
__________
[1] «تخرج الود: يريد: الوتد. أشجذت: أقلعت وسكنت» . وقافية البيت في ديوانه «تشتكر» أي تحتفل ويكثر مطرها.
[2] «الذفيف: الخفيف» ، ورواية الديوان «خفيفا» مكان «ذفيفا» .
[3] البيتان لأوس بن حجر في ديوانه 15- 16، ولعبيد بن الأبرص في ديوانه 34، 36.
[4] في ديوان عبيد: «الداني: القريب. المسف: الدنو من الأرض. الهيدب: ما تدلى من السحاب على الأرض. الراح: الكف.
[5] في ديوان عبيد: (بمحفله) مكان (بعقوته) ، وفيه: «النجوة ما ارتفع من الأرض. المحفل:
مستقر الماء. المستكن: الذي في بيته. القرواح: الأرض المستوية الظاهرة» . العقوة: الساحة.
[6] الدرة الفاخرة 1/118، وجمهرة الأمثال 1/332، ومجمع الأمثال 1/186، وأمثال ابن سلام 342، والمستقصى 1/50، 384، وفصل المقال 471، والفاخر 242.
[7] ديوان الكميت 2/113، والمعاني الكبير 640، وتقدم في 5/280.
(6/383)

وقال في الضّبّ والنّون [1] : [من الطويل]
ولو أنّهم جاؤوا بشيء مقارب ... لشيء وبالشّكل المقارب للشّكل
ولكنّهم جاؤوا بحيتان لجّة ... قوامس والمكنيّ فينا أبا حسل
وقال الكميت [2] : [من الوافر]
وما خلت الضّباب معطّفات ... على الحيتان من شبه الحسول
وقال آخر: [والعرب تقول في الشّيء الممتنع: لا يكون ذلك حتى يرد الضبّ، وفي تبعيد ما بين الجنسين [3] :] حتّى يؤلّف بين الضّبّ والنّون
1747-[استطراد لغوي]
قال: ويقال أضبّت أرض بني فلان: إذا كثرت ضبابها. وهذه أرض مضبّة، وأرض بني فلان مضبّة، مثل فئرة من الفأر، وجرذة من الجرذان، ومحواة ومحياة من الحيّات. وجردة من الجراد، وسرفة من السّرفة، ومأسدة من الأسود، ومثعلة من الثّعالب؛ لأن الثّعلب يسمّى ثعالة، والذّئب ذؤالة.
ويقال أرض مذبّة من الذّباب. مذأبة من الذّئاب.
ويقال في الضّبّ: وقعنا في مضابّ منكرة، وهي قطع من الأرض تكثر ضبابها.
قال: ويقال أرض مربعة، كما يقال مضبّة. إذا كانت ذات يرابيع وضباب. واسم بيضها المكن، والواحدة مكنة.
1748-[ترتيب أسماء فرخ الضب]
ويقال لفرخه إذا خرج حسل، والجميع حسلة، وأحسال، وحسول. وهو حسل، ثم مطبّخ ثم غيداق، ثمّ جحل. والسّحبل: ما عظم منها. وهو في ذلك كلّه ضبّ.
وبعضهم يقول: يكون غيداقا، ثم يكون مطبّخا، ثمّ يكون جحلا، وهو
__________
[1] ديوان الكميت 2/52، وتقدم البيتان في 5/280.
[2] ديوان الكميت 2/52.
[3] الزيادة من ثمار القلوب 331 (615- 616) ، وانظر مجمع الأمثال 1/213، والمستقصى 2/58، وفي مجمع الأمثال 1/356: «سبحان الجامع بين الثلج والنار؛ وبين الضب والنون» .
(6/384)

العظيم. ثمّ هو خضرم، ثمّ يكون ضبّا. وهذا خطأ، وهو ضبّ قبل ذلك. وقال الرّاجز: [من الرجز]
ينفي الغياديق عن الطّريق ... قلّص عنه بيضه في نيق [1]
1748-[قولهم: أضل من ضب]
ويقال: «أضلّ من ضبّ» [2] .
والضلال وسوء الهداية يكون في الضبّ، والورل، والدّيك.
1749-[الضب وشدة الحر]
وإذا غيّر الحرّ لون جلد الضبّ فذلك أشدّ ما يكون من الحر. وقال الشّاعر:
[من الطويل]
وهاجرة تنجي عن الضّبّ جلده ... قطعت حشاها بالغريريّة الصّهب [3]
1750-[أمثال في الضب]
وفي المثل: «خلّ درج الضبّ» [4] ، وفي المثل: «تعلمني بضبّ أنا حرشته!» [5] ؛ و: «هذا أجلّ من الحرش» [6] ، و: «أضلّ من ضبّ» [2] و: «أخبّ من ضبّ» [7] ، و: «أروى من ضبّ» [8] ، و: «أعقّ من ضبّ» [9] ، و: «أحيا من ضبّ» [10] ،
__________
[1] قلّص: ارتفع. النيق: أعلى موضع في الجبل.
[2] الدرة الفاخرة 1/282، ومجمع الأمثال 1/426، وفصل المقال 163، والمستقصى 1/217.
[3] تنجي عنه جلده: تسلخه. الغريرية: إبل منسوبة إلى الغرير، وهو فحل معروف. الصهب: جمع أصهب، وهو الذي يخالط بياضه حمرة.
[4] درج الضب: طريقه. ويضرب المثل لمن شوهد منه أمارات الصرم. وهو في مجمع الأمثال 1/242، والمستقصى 2/76، وجمهرة الأمثال 1/415، وفصل المقال 163، وأمثال ابن سلام 111.
[5] يقال هذا المثل في مخاطبة العالم بالشيء من يريد تعليمه، وهو في مجمع الأمثال 1/125، وأمثال ابن سلام 202، والفاخر 246، والدرة الفاخرة 1/298.
[6] تقدم تخريج المثل في الحاشية 6 ص 383.
[7] مجمع الأمثال 1/260، والدرة الفاخرة 1/170، 192، وجمهرة الأمثال 1/412، 439.
[8] مجمع الأمثال 1/310، والمستقصى 1/146، وجمهرة الأمثال 1/473، 498.
[9] مجمع الأمثال 2/47، والمستقصى 1/250، وأمثال ابن سلام 369، وجمهرة الأمثال 2/69.
[10] مجمع الأمثال 1/218، 226، وجمهرة الأمثال 1/343، والمستقصى 1/90، وأمثال ابن سلام 369.
(6/385)

و: «أطول ذماء من ضبّ» [1] ، و: «كلّ ضبّ عند مرداته» [2] . ويقال: «أقصر من إبهام الضّبّ» [3] كما يقال: «أقصر من إبهام القطاة» [3] . وقال ابن الطّثريّة [4] : [من الطويل]
ويوم كإبهام القطاة....
ومن أمثالهم: «لا آتيك سنّ الحسل» [5] . وقال العجاج: [من الرجز]
ثمّت لا آتيه سنّ الحسل
كأنّه قال، حتّى يكون ما لا يكون؛ لأنّ الحسل لا يستبدل بأسنانه أسنانا.
1751-[أسنان الذئب]
وزعم [بعضهم] [6] أنّ أسنان الذّئب ممطولة [7] في فكيه. وأنشد: [من الرجز]
أنيابه ممطولة في فكّين
وليس في هذا الشعر دليل على ما قال؛ لأنّ الشاعر يشبع الصفة إذا مدح أو هجا، وقد يجوز أن يكون ما قال حقّا.
1752-[من لم يثغر]
فأما عبد الصّمد بن علي فإنه لم يثغر، ودخل القبر بأسنان الصّبا [8] .
1753-[استطراد لغوي]
وقد يقال للضّبّ والحيّة والورل، وما أشبه ذلك: فحّ يفحّ فحيحا. والفحيح:
__________
[1] مجمع الأمثال 1/437، وجمهرة الأمثال 2/20، والمستقصى 1/227، والدرة الفاخرة 2/438.
[2] تقدم تخريج المثل في الحاشية 5 ص 339.
[3] مجمع الأمثال 2/128، والمستقصى 1/283، وجمهرة الأمثال 2/115.
[4] تمام البيت:
(ويوما كإبهام القطاة مزينا ... لعيني ضحاه غالبا لي باطله)
وهو ليزيد بن الطثرية في ديوانه 94، والأغاني 8/162، وهو لجرير برواية مختلفة قليلا في عجز البيت، وهو في ديوان جرير 478، وثمار القلوب 382 (703) ، وبلا نسبة في العين 2/297.
[5] في جمهرة الأمثال 1/415: «لا آتيك ورد الحسل» . وبرواية: «لا أفعله سن الحسل» في فصل المقال 412، وجمهرة الأمثال 1/360.
[6] هذا الاستدراك مما تقدم في 4/53.
[7] المطل: السكّ والطبع.
[8] تقدم الخبر في 4/52، وهو في اللسان 4/104 (ثغر) ، وعيون الأخبار 2/63.
(6/386)

صوت الحية من جوفها، والكشيش والقشيش: صوت جلدها إذا حكّت بعضها ببعض.
وليس كما قال، ليس يسمع صوت احتكاك الجلد بالجلد إلّا للأفعى فقط.
وقال رؤبة [1] : [من الرجز]
فحّي فلا أفرق أن تفحّي ... وأن ترحّي كرحى المرحّي
وقال ابن ميادة [2] : [من الطويل]
ترى الضبّ إن لم يرهب الضبّ غيره ... يكشّ له مستكبرا ويطاوله
1754-[حديث أبي عمرة الأنصاري]
ويكتب في باب حبّ الضّب للتّمر حديث أبي عمرة الأنصاري رووه من كلّ وجه. أنّ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال لرجل من أهل الطائف: الحبلة [3] أفضل أم النخلة؟ قال: بل الحبلة، أتزببها وأشمّسها [4] ، وأستظل في ظلّها، وأصلح برمتي [5] منها. قال عمر: تأبى ذاك عليك الأنصار [6] .
ودخل أبو عمرة عبد الرحمن بن محصن النجّاري فقال له عمر: الحبلة أفضل أم النّخلة؟ قال: الزبيب إن آكله أضرس، وإن أتركه أغرث! ليس كالصّقر [7] في رؤوس الرّقل [8] ، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل [9] ، خرفة [10] الصائم وتحفة الكبير، وصمتة [11] الصغير وخرسة مريم [12] ، ويحترش به الضّباب من الصّلعاء يعني الصحراء [13] .
__________
[1] ديوان رؤبة 36- 37، واللسان (رحا) ، والتهذيب 5/215، وبلا نسبة في اللسان (فحح) ، والجمهرة 100.
[2] ديوان ابن ميادة 193، وتقدم ص 351.
[3] الحبلة: شجر العنب.
[4] أتزببها: أتخذ منها زبيبا. أشمسها: أجففها في الشمس.
[5] البرمة: قدر من حجارة.
[6] انظر هذا الخبر في التنبيه للبكري 95.
[7] الصقر: ما تحلّب من العنب والزبيب والتمر من غير أن يعصر.
[8] الرقل: إذا فاتت النخلة يد المتناول فهي جبارة، فإذا ارتفعت عن ذلك فهي الرقلة.
[9] المحل: الجدب والقحط.
[10] الخرفة: ما يجتنى من الفواكه.
[11] الصمتة: ما يصمت به الصبي من شيء طريف.
[12] الخرسة: ما تطعمه المرأة عند ولادها.
[13] انظر الخبر في الأمالي 2/58، والتنبيه للبكري 95.
(6/387)

1755-[دية الضب واليربوع]
قال: ويقال في الضّب حلّام [1] ، وفي اليربوع جفرة [2] . والجفرة: التي قد انتفخ جنباها وشدنت [3] . والحلّام فوق الجدي وقد صلح أن يذبح للنّسك. والحلّان، بالنون: الجدي الصغير الذي لا يصلح للنّسك.
وقال ابن أحمر [4] : [من البسيط]
تهدي إليه ذراع الجدي تكرمة ... إمّا ذبيحا وإمّا كان حلّانا
والحلّان والحلوان جميعا: رشوة الكاهن. وقد نهي عن زبد المشركين [5] ، وحلوان الكاهن [6] . وقال مهلهل [7] : [من الرجز]
كلّ قتيل في كليب حلّام ... حتّى ينال القتل آل همّام
1756-[أقوال لبعض الأعراب]
وقال الأصمعي [8] : قال أعرابيّ يهزأ بصاحبه: اشتر لي شاة قفعاء [9] ، كأنّها تضحك: مندلقة [10] خاصرتاها، كأنّها في محمل، لها ضرع أرقط. كأنّه ضبّ.
قال: فكيف العفل [11] ؟ قال: أو لهذه عفل؟!
__________
[1] انظر ما تقدم في 5/499 س 5.
[2] انظر ما تقدم في 5/497 س 9.
[3] شدنت: قويت وصلح جسمها.
[4] ديوان عمرو بن أحمر 155، وتقدم البيت في 5/265.
[5] الحديث «إني نهيت عن زبد المشركين» في سنن أبي داود، كتاب الإمارة 3/173، وأخرجه الترمذي في كتاب السير 4/140، وأحمد في المسند 4/162.
[6] أخرجه البخاري في البيوع، باب ثمن الكلب، حديث رقم 2122، وفي الإجارة، باب كسب البغي والإماء، حديث رقم 2162، وفي كتاب الطلاق، باب مهر البغي والنكاح الفاسد، حديث رقم 5031، وأخرجه مسلم في المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن، رقم 1567، وأحمد في المسند 1/235.
[7] الرجز للمهلهل في الأغاني 5/47، والأمالي 2/90، واللسان والتاج (حلم) ، وبلا نسبة في الجمهرة 566، 1232، والمجمل 2/97، والمخصص 6/96، وتقدم في 5/265.
[8] الخبر في عيون الأخبار 2/78.
[9] القفعاء: القصيرة الذنب.
[10] الاندلاق: البروز.
[11] العفل: مجس الشاة بين رجليها لينظر سمنها من هزالها، وبدل هذه الكلمة في عيون الأخبار 2/78 (العطل) ، وهو العنق.
(6/388)

قال [1] : وسأل مدنيّ أعرابيّا قال: أتأكلون الضّبّ؟ قال: نعم. قال: فاليربوع؟
قال: نعم. قال: فالورل؟ قال: نعم. قال: أفتأكلون أمّ حبين؟ قال: لا. قال: فليهن أمّ حبين العافية!.
1757-[شعر في الضب]
وقال فراس بن عبد الله الكلابي: [من الرجز]
لمّا خشيت الجوع والإرمالا ... ولم أجد بشولها بلالا [2]
أبصرت ضبّا دحنا مختالا ... أوفد فوق جحره وذالا [3]
فدبّ لي يختلني اختيالا ... حتّى رأيت دوني القذالا [4]
وميلة ما ملت حين مالا ... فدهشت كفّاي فاستطالا ضمني فلا نزع ولا إرسالا
فحاجزا وبرّأ الأوصالا [5] ... منّي ولم أرفع بذاك بالا
لمّا رأت عيني كشى خدالا [6] ... منه وثنّيت له الأكبالا
ورحت منه دحنا دأّلا [7]
__________
[1] تقدم مثل هذا الخبر في 3/256، الفقرة (932) .
[2] الإرمال: نفاذ الزاد. الشول: الإبل التي ارتفعت ألبانها. البلال: كل ما يبلّ به الحلق من ماء أو لبن.
[3] الدّحن: السمين المندلق البطن. المختال: المتكبر. أوفد: ارتفع وأشرف. ذال: شال بذنبه وتبختر.
[4] القذال: جماع مؤخر الرأس.
[5] الأوصال: المفاصل.
[6] الكشى: جمع كشية، وهي شحمة صفراء في ظهر الذنب. الخدال: جمع خدلة، وهي العظيمة.
[7] الأكبال: جمع كبل، وهو القيد. الدّحن: العظيم البطن. الدآل: وصف من الدألان، وهو مشي فيه مقاربة للخطو كأن صاحبه مثقل من حمل.
(6/389)

أسماء لعب الأعراب
البقّير، وعظيم وضّاح، والخطرة. والدّارة، والشّحمة والحلق، ولعبة الضّبّ.
فالبقير: أن يجمع يديه على التراب في الأرض إلى أسفله، ثم يقول لصاحبه:
اشته في نفسك. فيصيب ويخطئ.
وعظيم وضّاح: أن يأخذ بالليل عظما أبيض، ثم يرمي به واحد من الفريقين، فإن وجده واحد من الفريقين ركب أصحابه الفريق الآخر من الموضع الذي يجدونه فيه إلى الموضع الذي رموا به منه.
والخطرة: أن يعملوا مخراقا، ثم يرمي به واحد منهم من خلفه إلى الفريق الآخر، فإن عجزوا عن أخذه رموا به إليهم، فإن أخذوه ركبوهم.
والدّارة، هي التي يقال لها الخراج [1] .
والشّحمة: أن يمضي واحد من أحد الفريقين بغلام فيتنحّون ناحية ثم يقبلون، ويستقبلهم الآخرون؛ فإن منعوا الغلام حتّى يصيروا إلى الموضع الآخر فقد غلبوهم عليه، ويدفع الغلام إليهم، وإن هم لم يمنعوه ركبوهم. وهذا كله يكون في ليالي الصّيف، عن غبّ ربيع مخصب.
ولعبة الضّبّ: أن يصوّروا الضّبّ في الأرض، ثم يحوّل واحد من الفريقين وجهه، ثم يضع بعضهم يده على شيء من الضّبّ، فيقول الذي يحوّل وجهه: أنف الضّبّ، أو عين الضبّ، أو ذنب الضّب، أو كذا وكذا من الضّبّ، على الولاء [2] ، حتّى يفرغ؛ فإن أخطأ ما وضع عليه يده ركب وركب أصحابه، وإن أصحاب حوّل وجهه الذي كان وضع يده على الضّبّ، ثم يصير هو السائل.
1758-[التداوي بالحيوان]
ويقول: الأطبّاء [3] : إنّ خرء الضّب صالح للبياض الذي يصير في العين.
والأعراب ربّما تداووا به من وجع الظهر.
__________
[1] خراج: هو أن يمسك أحدهم شيئا بيده ويقول لسائرهم: أخرجوا ما في يدي.
[2] الولاء: مصدر والى بين الأمرين ولاء وموالاة؛ أي تابع.
[3] ورد القول في ربيع الأبرار 5/468.
(6/390)

وناس يزعمون أنّ أكل لحمان الحيوان المذكور بطول العمر، يزيد في العمر.
فصدّق بذلك ابن الخاركي وقال: هذا كما يزعمون أن أكل الكلية جيّد للكلية.
وكذلك الكبد، والطّحال، والرّئة، واللّحم ينبت اللّحم، والشّحم ينبت الشّحم.
فغبر [1] سنة وليس يأكل إلّا قديد لحوم الحمر الوحشية، وإلا الورشان والضّباب، وكلّ شيء قدر عليه مما يقضي له بطول العمر، فانتقض بدنه، وكاد يموت، فعاد بعد إلى غذائه الأوّل.
تفسير قصيدة البهراني [2]
نقول في تفسير قصيدة البهراني، فإذا فرغنا منها ذكرنا ما في الحشرات من المنافع والأعاجيب والروايات، ثم ذكرنا قصيدتي أبي سهل بشر بن المعتمر في ذلك، وفسرناهما وما فيهما من أعاجيب ما أودع الله تعالى هذا الخلق وركّبه فيهم.
إن شاء الله تعالى. وبالله تبارك وتعالى أستعين.
1759-[شعر في المكس والأتاوة]
أما قوله: [من الخفيف]
2- «مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أمّ عمرو»
فإن ملوك العرب كانت تأخذ من التّجّار في البرّ والبحر، وفي أسواقهم، المكس، وهو ضريبة كانت تؤخذ منهم، وكانوا يظلمونهم في ذلك. ولذلك قال التّغلبي، وهو يشكو ذاك في الجاهلية ويتوعد وهو قوله [3] : [من الطويل]
ألا تستحي منّا ملوك وتتّقي ... محارمنا لا يبوؤا الدّم بالدّم
وفي كلّ أسواق العراق إتاوة ... وفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم
والإتاوة والأربان والخرج كله شيء واحد. وقال الآخر [4] : [من الطويل]
ألا ابن المعلّى خلتنا أم حسبتنا ... صراري نعطي الماكسين مكوسا
وقال الأصمعيّ، في ذكر المكس والسّفن التي كان تعشر، في قصيدته التي
__________
[1] غبر: مكث.
[2] تقدمت القصيدة ص 358- 360.
[3] البيتان في المفضليات 211، وتقدما في الفقرة (241) .
[4] البيت ليزيد بن الخذاق في المفضليات 298، وتقدم في الفقرة (241) .
(6/391)

ذكر فيها من أهلك الله عز ذكره، من الملوك، وقصم من الجبابرة، وأباد من الأمم الخالية- فقال: [من الخفيف]
أعلقت تبّعا حبال المنون ... وانتحت بعده على ذي جدون [1]
وأصابت من بعدهم آل هرما ... س وعادت من بعد للسّاطرون [2]
ملك الحضر والفرات إلى دج ... لة شرقا فالطور من عبدين [3]
كل حمل يمرّ فوق بعير ... فله مكسه ومكس السّفين
والأعراب يزعمون أن الله تعالى عزّ وجلّ لم يدع ماكسا ظالما إلا أنزل به بلية، وأنّه مسخ منهم ضبعا وذئبا. فلهذه القرابة تسافدا وتناجلا، وإن اختلفا في سوى ذلك. فمن ولدهما السّمع والعسبار. وإنما اختلفا لأنّ الأمّ ربما كانت ضبعا والأب ذئبا، وربما كانت الأمّ ذئبة والأب ذيخا. والذّيخ: ذكر الضّباع.
1760-[ذكر الأمم التي أهلكها الله]
وأمّا قوله: [من الخفيف]
3- «بعث الذّرّ والجراد وقفّى ... بنجيع الرّعاف في حيّ بكر»
فإنّ الإعراب تزعم أن الله تعالى قد أهلك بالذرّ أمما. وقد قال أميّة بن أبي الصّلت [4] : [من الخفيف]
أرسل الذّرّ والجراد عليهم ... وسنينا فأهلكتهم ومورا
ذكر الذّرّ إنّه يفعل الشّ ... رّ وإنّ الجراد كان ثبورا
وأما قوله: «وقفّي بنجيع الرّعاف في حيّ بكر» فإنّه يريد بكر بن عبد مناة، لأنّ كنانة بنزولها مكّة كانوا لا يزالون يصيبهم من الرّعاف ما يصير شبيها بالموتان، ويجارف الطاعون. وكان آخر من مات بالرّعاف من سادة قريش هشام بن المغيرة.
وكان الرّعاف من منايا جرهم أيام جرهم، ولذلك قال شاعر في الجاهلية، من إياد [5] : [من المتقارب]
__________
[1] الإعلاق: وقوع الصيد في الحبل. ذو جدون: أراد ذو جدن، وهو من أذواء اليمن.
[2] الهرماس: نهر نصيبين. الساطرون: ملك من ملوك العجم قتله سابور ذو الأكتاف.
[3] ورد هذا البيت بلا نسبة في معجم البلدان 4/48 (طور عبدين) ، الحضر: مدينة بإزاء تكريت في البرية؛ بينها وبين الموصل والفرات، كان يمر بها نهر الثرثار. طور عبدين: بليدة من أعمال نصيبين في بطن الجبل المشرف عليها؛ المتصل بجبل الجودي، وهي قصبة كورة فيه.
[4] ديوان أمية بن أبي الصلت 404- 405، وتقدم البيتان في الفقرة (949) 4/14.
[5] البيتان لبشير بن الحجير الإيادي في مجمع الأمثال، وبلا نسبة في البيان 2/110.
(6/392)

ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجيه في سلّم
ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان الرّعاف على جرهم
ولهذا المناجي [1] الذي كان يناجي الله، عز وجل، في الجاهلية على سلّم- حديث [1] .
1761-[سيل العرم]
فأما قوله: [من الخفيف]
4- «خرقت فأرة بأنف ضئيل ... عرما محكم الأساس بصخر»
فقد قال الله عز وجل: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
[2] والعرم [3] : المسنّاة التي كانوا أحكموا عملها لتكون حجازا بين ضياعهم وبين السيل، ففجرته فارة، فكان ذلك أعجب وأظهر في الأعجوبة كما أفار الله تعالى عز وجل ماء الطوفان من جوف تنّور، ليكون ذلك أثبت في العبرة، وأعجب في الآية.
ولذلك قال [4] خالد بن صفوان لليمانيّ [5] الذي فخر عليه عند المهديّ وهو ساكت، فقال المهدي: وما لك لا تقول؟! قال: وما أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ جلد، وناسج برد، وسائس قرد، وراكب عرد، غرّقتهم فارة، وملكتهم امرأة، ودلّ عليهم هدهد [6] .
وأما قوله: [من الخفيف]
5- «فجّرته وكان جيلان عنه ... عاجزا لو يرومه بعد دهر»
__________
[1] المناجي: هو وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد، كان قد ولي أمر البيت بعد جرهم، فبنى صرحا وجعل فيه سلما، وكان يرقاه ويزعم أنه يناجي الله. انظر الخبر في مصادر الحاشية السابقة.
[2] 16/سبأ: 34.
[3] معجم البلدان 5/37، (مأرب) ، وثمار القلوب (609) ، ومروج الذهب 2/321.
[4] الخبر في عيون الأخبار 1/217، ومروج الذهب 4/321، وديوان المعاني 1/151، والبيان 1/339، ومعجم البلدان 5/37 (مأرب) ، 448 (يمن) ، ورسائل الجاحظ 2/273، وثمار القلوب (609) .
[5] اليماني: هو إبراهيم بن مخرمة، كما في معجم البلدان.
[6] بعد هذا في ديوان المعاني 1/151: «قال: وحدثني ابن المزرع قال: سمعت عمرو بن بحر الجاحظ وقد ذكر كلام خالد هذا يقول: والله لو نفكر في جمع معايبهم واختصار اللفظ في مثالبهم بعد ذلك المدح المهذب سنة لكان قليلا، فكيف على بديه لم يرض فكرا» .
(6/393)

فإنّ جيلان فعلة الملوك، وكانوا من أهل الجبل. وأنشد الأصمعي [1] : [من المنسرح]
أرسل جيلان ينحتون له ... ساتيدما بالحديد فانصدعا
وأنشد: [من الطويل]
وتبني له جيلان من نحتها الصّفا ... قصورا تعالى بالصّفيح وتكلس [2]
وأنشد لامرئ القيس [3] : [من الطويل]
أتيح له جيلان عند جذاذه ... وردّد فيه الطّرف حتّى تحيّرا [4]
يقول: فجّرته فارة، ولو أنّ جيلان أرادت ذلك لامتنع عليها، لأنّ الفارة إنما خرقته لما سخّر الله عز ذكره لها من ذلك العرم وأنشدوا [5] : [من المنسرح]
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
ومأرب: اسم لقصر ذلك الملك، ثم صار اسما لذلك البلد. ويدلّ على ذلك قول أبي الطّمحان القيني [6] : [من البسيط]
ألا ترى مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان
ظلّ العباديّ يسقى فوق قلّته ... ولم يهب ريب دهر حقّ خوّان
حتّى تناوله من بعد ما هجعوا ... يرقى إليه على أسباب كتّان [7]
وقال الأعشى [8] : [من المتقارب]
ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قفّى عليه العرم
__________
[1] البيت بلا نسبة في اللسان (جيل) ، والتهذيب 11/191.
[2] الصفيح: جمع صفيحة، وهي كل عريض من حجارة أو لوح. تكلس: تطلى بالكلس.
[3] ديوان امرئ القيس 58، والجمهرة 1044، والمقاييس 1/499، والمجمل 1/457، وبلا نسبة في اللسان والتاج (جيل) ، والمخصص 16/30، والتهذيب 11/191.
[4] الجذاذ: صرام النخل، وهو قطع تمره، ورواية صدر البيت في ديوانه:
«أطافت به جيلان عند قطاعه» .
[5] تقدم البيت في 5/290.
[6] الأبيات بلا نسبة في معجم البلدان 5/38 (مأرب) ، والأول في مروج الذهب 2/322.
[7] الأسباب: المراقي والحبال، جمع سبب.
[8] ديوان الأعشى 93، ومروج الذهب 2/322، وتقدم البيتان (1- 2) في 5/290.
(6/394)

رخام بنته له حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم
فأروى الحروث وأعنابها ... على ساعة ماؤهم إذ قسم
فطار الفيول وفيّالها ... بيهماء فيها سراب يطمّ [1]
فكانوا بذلكم حقبة ... فمال بهم جارف منهدم
فطاروا سراعا وما يقدرو ... ن منه لشرب صبيّ فطم
1762-[مسخ الضبّ وسهيل]
وأما قوله: [من الخفيف]
«مسخ الضّبّ في الجدالة قدما ... وسهيل السّماء عمدا بصغر [2] »
فإنهم يزعمون أنّ الضّبّ وسهيلا كانا ماكسين عشّارين، فمسخ الله عز وجل أحدهما في الأرض، والآخر في السماء. والجدالة: الأرض، ولذلك يقال: ضربه فجدّله أي ألزقه بالأرض، أي بالجدالة. وكذلك قول عنترة [3] : [من الكامل]
وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
وأنشد أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري [4] : [من الرجز]
قد أركب الحالة بعد الحاله ... وأترك العاجز بالجداله
1763-[قبر أبي رغال]
[5] وأما قوله: [من الخفيف]
7- «والذي كان يكتني برغال ... جعل الله قبره شرّ قبر
8- وكذا كلّ ذي سفين وخرج ... ومكوس وكلّ صاحب عشر»
فإنما ذكر أبا رغال، وهو الذي يرجم الناس قبره إذا أتوا مكة. وكان وجّهه
__________
[1] اليهماء: المفازة لا ماء فيها. يطم: يغمر.
[2] الصغر: الذل.
[3] ديوان عنترة 24، وتقدم في 3/148، الفقرة (759) . و 4/455.
[4] الرجز لأبي قردودة في التاج (أول، جدل) ، وبلا نسبة في اللسان (أول، جدل) ، والتهذيب 10/650، والأساس (جدل) ، والجمهرة 449، والمقاييس 1/434، والمجمل 1/412، وديوان الأدب 1/385، والمخصص 10/68، والأمالي 2/254، 269، وسفر السعادة 897- 898.
[5] انظر مروج الذهب 2/201، وثمار القلوب (244) .
(6/395)

صالح النبي صلّى الله عليه وسلّم، فيما يزعمون، على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السّيرة، فوثب عليه ثقيف، وهو قسيّ بن منبّه، فقتله قتلا شنيعا. وإنما ذلك لسوء سيرته في أهل الحرم فقال غيلان بن سلمة، وذكر قسوة أبيه على أبي رغال [1] : [من الرجز]
نحن قسيّ وقسا أبونا
وقال أميّة بن أبي الصّلت [2] : [من الوافر]
نفوا عن أرضهم عدنان طرّا ... وكانوا للقبائل قاهرينا
وهم قتلوا الرئيس أبا رغال ... بنخلة إذ يسوق بها الظعينا
وقال عمرو بن درّاك العبدي، وذكر فجور أبي رغال وخبثه، فقال [3] : [من الوافر]
وإني إن قطعت حبال قيس ... وحالفت المزون على تميم
لأعظم فجرة من أبي رغال ... وأجور في الحكومة من سدوم [4]
وقال مسكين الدارميّ [5] : [من الوافر]
وأرجم قبره في كلّ عام ... كرجم النّاس قبر أبي رغال
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، لغيلان بن سلمة، حين أعتق عبده، وجعل ماله في رتاج الكعبة: لئن لم ترجع في مالك ثمّ متّ لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال، وكلاما غير هذا قد كلّمه به [6] .
1764-[المنكب والعريف]
وأما قوله: [من الخفيف]
9- «منكب كافر وأشراط سوء ... وعريف جزاؤه حرّ جمر»
__________
[1] الرجز مع الخبر في المصدرين السابقين، واللسان والتاج (قسا) ، والمعارف 91.
[2] ديوان أمية بن أبي الصلت 508- 509، ومروج الذهب 2/201.
[3] البيتان في مروج الذهب 2/201، ومعجم الشعراء 29، واللسان والتاج (سدم) .
[4] من الأمثال: «أجور من قاضي سدوم» ، وكان من جوره أنه حكم على أنه إذا ارتكبوا الفاحشة من أحد أخذ منه أربعة دراهم. معجم البلدان 3/200 (سدوم) ، وانظر المثل في مجمع الأمثال 1/190، والمستقصى 1/56، وثمار القلوب (166) .
[5] ديوان مسكين الدارمي 57، ومروج الذهب 2/202، وثمار القلوب (245) .
[6] ورد الخبر في ثمار القلوب (245) ، والإصابة 5/194 (رقم 6918) .
(6/396)

فإنما ذهب إلى أحكام الإسلام. كأنه قد كان لقى من المنكب والعريف جهدا. وهم ثلاثة: منكب [1] ، ونقيب، وعريف. وقال جبيهاء الأشجعيّ: [من الوافر]
رعاع عاونت بكرا عليه ... كما جعل العريف على النّقيب
1765-[الغول والسعلاة]
وأما قوله: [الخفيف]
10- «وتزوّجت في الشّبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زقّ خمر»
فالغول اسم لكلّ شيء من الجن يعرض للسّفّار، ويتلوّن في ضروب الصّور والثّياب، ذكرا كان أو أنثى. إلّا أنّ أكثر كلامهم على أنّه أنثى [2] .
وقد قال أبو المطراب عبيد بن أيّوب العنبريّ [3] : [من الوافر]
وحالفت الوحوش وحالفتني ... بقرب عهودهنّ وبالبعاد
وأمسى الذّئب يرصدني مخشّا ... لخفّة ضربتي ولضعف آدي [4]
وغولا قفرة ذكر وأنثى ... كأنّ عليهما قطع البجاد [5]
فجعل في الغيلان الذّكر والأنثى. وقد قال الشّاعر في تلوّنها [6] : [من البسيط]
فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلوّن في أثوابها الغول
فالغول ما كان كذلك، والسّعلاة اسم الواحدة من نساء الجن إذا لم تتغوّل لتفتن السّفّار.
قالوا: وإنما هذا منها على العبث، أو لعلّها أن تفزّع إنسانا جميلا فتغيّر عقله، فتداخله عند ذلك، لأنّهم لم يسلّطوا على الصّحيح العقل، ولو كان ذلك إليهم
__________
[1] المنكب: عون العريف.
[2] انظر هذا القول في مروج الذهب 2/291.
[3] الأبيات في أشعار اللصوص 217، والثالث في مروج الذهب 2/291.
[4] المخش: الماضي الجريء على هول الليل. الآد: القوة.
[5] البجاد: كساء مخطط.
[6] البيت لكعب بن زهير في ديوانه 8، والمخصص 17/5، والمذكر والمؤنث للأنباري 411، وبلا نسبة في الجمهرة 961، 988، ومروج الذهب 2/291.
(6/397)

لبدؤوا بعليّ بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب وبأبي بكر وعمر في زمانهم وبغيلان والحسن في دهرهما وبواصل وعمرو في أيامهما.
وقد فرق بين الغول والسّعلاة عبيد بن أيّوب، حيث يقول [1] : [من الطويل]
وساخرة منّي ولو أنّ عينها ... رأت ما ألاقيه من الهول جنّت
أزلّ وسعلاة وغول بقفرة ... إذا اللّيل وارى الجنّ فيه أرنّت [2]
وهم إذا رأوا المرأة حديدة الطّرف والذّهن، سريعة الحركة، ممشوقة ممحّصة [3] قالوا: سعلاة وقال الأعشى [4] : [من الخفيف]
ورجال قتلى بجنبي أريك ... ونساء كأنهنّ السّعالي [5]
1766-[تزاوج الجن والإنس]
ويقولون: تزوّج عمرو بن يربوع السّعلاة. وقال الرّاجز [6] : [من الرجز]
يا قاتل الله بني السّعلاة ... عمرو بن يربوع شرار النّات
وفي تلوّن الغول يقول عبّاس بن مرداس السّلميّ [7] : [من البسيط]
أصابت العام رعلا غول قومهم ... وسط البيوت ولون الغول ألوان
وهم يتأوّلون قوله عز ذكره: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
[8] .
وقوله عز وجل: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ*
[9] . قالوا: فلو كان الجانّ لم يصب منهنّ قطّ، ولم يأتهنّ، ولا كان ذلك مما يجوز بين الجن وبين النساء الآدميات- لم يقل ذلك.
__________
[1] البيتان في أشعار اللصوص 214، ومروج الذهب 2/291.
[2] الأزل: الأرسح، أي الصغير العجز.
[3] الممحصة: الشديدة الخلق، البريئة من الترهل.
[4] ديوان الأعشى 63، واللسان (حرب، سعل) ، والتاج (حرب) ، والتهذيب 2/100، 5/23، وبلا نسبة في المخصص 13/121، والعين 3/214.
[5] رواية صدر البيت في الديوان: «وشيوخ حربى بشطّي أريك» . الأريك: اسم واد.
[6] تقدم الرجز مع تخريج واف في 1/120، وزد: أمالي القالي 2/68. وسفر السعادة 74- 75.
[7] ديوان العباس بن مرداس 154.
[8] 64/الإسراء: 17.
[9] 56، 74/الرحمن: 55.
(6/398)

وتأوّلوا قوله عزّ وجلّ: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ
[1] فجعل منهنّ النّساء، إذ قد جعل منهم الرّجال، وقوله تبارك وتعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
[2] .
وزعم ابن الأعرابيّ قال: دعا أعرابيّ ربه فقال: اللهمّ إني أعوذ بك من عفاريت الجن! اللهم لا تشركهم في ولدي، ولا جسدي، ولا دمي، ولا مالي، ولا تدخلهم في بيتي، ولا تجعلهم لي شركاء في شيء من أمر الدنيا والآخرة.
وقالوا: ودعا زهير بن هنيدة فقال: اللهمّ لا تسلطهم على نطفتي ولا جسدي.
قال أبو عبيدة: فقيل له: لم تدعو بهذا الدّعاء قال: وكيف لا أدعو به وأنا أسمع أيّوب النبي والله تعالى يخبر عنه ويقول: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
[3] حتى قيل له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
[4] . وكيف لا أستعيذ بالله منه وأنا أسمع الله يقول: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ
[5] ، وأسمعه يقول:
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
[6] ، فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه، كما قال الله عزّ ذكره: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
[7] ، وقد جاءهم في صورة الشّيخ النّجدي [8] . وكيف لا أستعيذ بالله منه، وأنا أسمع الله عز ذكره يقول: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ
[9] . وكيف لا أستعيذ بالله منه وأنا أسمع الله تعالى يقول:
__________
[1] 6/الجن: 72.
[2] 50/الكهف: 18.
[3] 41/ص: 38.
[4] 42/ص: 38.
[5] 275/البقرة: 2.
[6] 48/الأنفال: 8.
[7] 48/الأنفال: 8.
[8] انظر ما تقدم في 1/197، الفقرة (227) ، وفي ربيع الأبرار 1/388، «قالوا: الشيخ النجدي الذي ظهر إبليس على صورته، فأشار على قريش بأن يكونوا سيفا واحدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم كانت كنيته أبامرة؛ فكني به إبليس. وانظر ثمار القلوب (138) .
[9] 17- 18/الحجر: 15.
(6/399)

وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ
[1] ثم قال: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
[2] . وكيف لا أدعو بذلك وأنا أسمع الله تعالى يقول: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
[3] . وكيف لا أقول ذلك وأنا أسمع الله عزّ وجلّ يقول: بِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
َخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ. وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ.
آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
[4] .
والأعراب يتزيّدون في هذا الباب. وأشباه الأعراب يغلطون فيه. وبعض أصحاب التأويل يجوّز في هذا الباب ما لا يجوز فيه. وقد قلنا في ذلك في كتاب النّبوّات بما هو كاف إن شاء الله تعالى.
1767-[شعر العرب في الجن]
وسيقع هذا الباب والجواب فيه تامّا إذا صرنا إلى القول في الملائكة، وفي فرق ما بين الجن والإنس. وأما هذا الموضع فإنما مغزانا فيه الإخبار عن مذاهب الأعراب، وشعراء العرب. ولولا العلم بالكلام، وبما يجوز مما لا يجوز، لكان في دون إطباقهم على هذه الأحاديث ما يغلط فيه العاقل.
قال عبيد بن أيّوب، وقد كان جوّالا في مجهول الأرض، لمّا اشتد خوفه وطال تردّده، وأبعد في الهرب [5] : [من الطويل]
لقد خفت حتّى لو تمرّ حمامة ... لقلت عدوّ أو طليعة معشر
فإن قيل أمن قلت هذي خديعة ... وإن قيل خوف قلت حقّا فشمر
وخفت خليلي ذا الصّفاء ورابنى ... وقيل فلان أو فلانة فاحذر
فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتّر [6]
__________
[1] 12/سبأ: 34.
[2] 13/سبأ: 34.
[3] 39/النمل: 27.
[4] 35- 38/ص: 38.
[5] أشعار اللصوص 218، 221، والأبيات (1- 2- 3- 6) في الحماسة البصرية 1/111، وتقدمت الأبيات (1- 2- 3) في 5/132. والبيتان (4- 5) في 4/500.
[6] المتقتر: المتنحي عن الناس.
(6/400)

أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تلوح وتزهر
وأصبحت كالوحشيّ يتبع ما خلا ... ويترك مأبوس البلاد المدعثر [1]
وقال في هذا الباب في كلمة له، وهذا أولها [2] : [من الطويل]
أذقني طعم الأمن أو سل حقيقة ... عليّ فإن قامت ففصّل بنانيا
خلعت فؤادي فاستطير فأصبحت ... ترامى بي البيد القفار تراميا
كأني وآجال الظّباء بقفرة ... لنا نسب نرعاه أصبح دانيا [3]
رأين ضئيل الشّخص يظهر مرّة ... ويخفى مرارا ضامر الجسم عاريا
فأجفلن نفرا ثمّ قلن ابن بلدة ... قليل الأذى أمسى لكنّ مصافيا
ألا يا ظباء الوحش لا تشهرنّني ... وأخفينني إذ كنت فيكن خافيا
أكلت عروق الشّرى معكنّ والتوى ... بحلقي نور القفر حتّى ورانيا [4]
وقد لقيت مني السّباع بليّة ... وقد لاقت الغيلان منّي الدّواهيا
ومنهنّ قد لاقيت ذاك فلم أكن ... دجبانا إذا هول الجبان اعترانيا
أذقت المنايا بعضهنّ بأسهمي ... وقدّدن لحمي وامتشقن ردائيا [5]
أبيت ضجيع الأسود الجون في الهوى ... كثيرا وأثناء الحشاش وساديا [6]
إذا هجن بي في جحرهنّ اكتنفنني ... فليت سليمان بن وبر يرانيا [7]
فما زلت مذ كنت ابن عشرين حجة ... أخا الحرب مجنيّا عليّ وجانيا
ومما ذكر فيه الغيلان قوله [8] : [من الطويل]
نقول وقد ألممت بالإنس لمّة ... مخضّبة الأطراف خرس الخلاخل [9]
__________
[1] المأبوس: المذلل الممهد. المدعثر: الموطوء.
[2] الأبيات في أشعار اللصوص 234- 235، والعقد الفريد 2/162. والشعر والشعراء 758- 761.
[3] الآجال: جمع إجل، وهو القطيع من بقر الوحش.
[4] الشري: شجر الحنظل. النور: الزهر. وراه: من الوري، وهو شرق يقع في قصبة الرئتين فيقتله.
[5] التقديد: التقطيع. الامتشاق: الاقتطاع والاختلاس.
[6] الأسود: العظيم من الحيات. الهوى: جمع هوّة كقوة، وهي الوهدة الغامضة من الأرض. الحشاش:
ما يوضع فيه الحشيش.
[7] اكتنف: أحاط.
[8] الأبيات في أشعار اللصوص 228- 229، والحماسة البصرية 1/110، والشعر والشعراء 760، 761.
[9] خرس الخلاخل: كناية عن امتلاء الساق.
(6/401)

أهذا خليل الغول والذّئب والذي ... يهيم بربّات الحجال الكواهل [1]
رأت خلق الأدراس أشعث شاحبا ... على الجدب بسّاما كريم الشّمائل [2]
تعوّد من آبائه فتكاتهم ... وإطعامهم في كلّ غبراء شامل [3]
إذا صاد صيدا لفّه بضرامه ... وشيكا ولم ينظر لنصب المراجل [4]
ونهسا كنهس الصقر ثم مراسه ... بكفيّه رأس الشّيخة المتمايل [5]
فلم يسحب المنديل بين جماعة ... ولا فاردا مذ صاح بين القوابل
ومما قال في هذا المعنى [6] : [من الطويل]
علام ترى ليلى تعذّب بالمنى ... أخا قفرات كان بالذئب يأنس
وصار خليل الغول بعد عداوة ... صفيّا وربّته القفار البسابس
وقال في هذا المعنى [7] : [من الطويل]
فلولا رجال يا منيع رأيتهم ... لهم خلق عند الجوار حميد
لنالكم مني نكال وغارة ... لها ذنب لم تدركوه بعيد
أقلّ بنو الإنسان حتّى أغرتم ... على من يثير الجنّ وهي هجود
1768-[أخبار تتعلق بالجن]
وقال ابن الأعرابي: وعدت أعرابيّة أعرابيّا أن يأتيها، فكمن في عشرة [8] كانت بقربهم، فنظر الزّوج فرأى شبحا في العشرة، فقال لامرأته: يا هنتاه [9] إنّ إنسانا ليطالعنا من العشرة! قالت: مه يا شيخ، ذاك جانّ العشرة! إليك عنّي وعن ولدي!!
__________
[1] الحجال: جمع حجلة؛ وهي بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار. الكواهل: جمع كاهلة.
[2] الأدراس: جمع درس، وهو الثوب البالي.
[3] الغبراء: السنة المجدبة.
[4] لم ينظر: لم ينتظر. الضرام: ما اشتعل من الحطب.
[5] المراس: المسح والدلك. الشيخة: نبتة، سميت بذلك لبياضها.
[6] البيتان لعبيد بن أيوب في أشعار اللصوص 222، وحماسة البحتري 411.
[7] الأبيات لعبيد بن أيوب في أشعار اللصوص 215، والسمط 383- 384.
[8] العشرة: واحدة العشر، وهو من كبار الشجر له صمغ حلو، وورقه عريض، وله سكر يخرج من شعبه.
[9] يا هنتاه: كناية عن المنادى المؤنث الذي لا تريد إعلان اسمه، ويقال للمنادى المذكر «يا هناه» .
انظر همع الهوامع 1/178.
(6/402)

قال الشيخ: وعنّي يرحمك الله! قالت: وعن أبيهم إن هو غطّى رأسه ورقد. قال:
ونام الشّيخ، وجاء الأعرابي فسفع [1] برجليها ثمّ أعطاها حتى رضيت.
وروى عن محمّد بن الحسن، عن مجالد أو عن غيره وقال [2] : كنّا عند الشّعبي جلوسا، فمرّ حمّال على ظهره دنّ خلّ، فلما رأى الشّعبيّ وضع الدّنّ وقال للشعبي: ما كان اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك نكاح ما شهدناه! وأبو الحسن عن أبي إسحاق المالكي قال [3] : قال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص: أخبرني عبد الله بن هلال صديق إبليس، أنّك تشبه إبليس! قال: وما ينكر أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجنّ! وروى الهيثم عن داود بن أبي هند، قال [4] : سئل الشّعبي عن لحم الفيل، فتلا قوله عزّ ذكره: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
[5] إلى آخر الآية. وسئل عن لحم الشّيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. فقال له قائل [6] : ما تقول في الذّبّان؟ قال: إن اشتهيته فكله.
وأنشدوا قول أعرابي لامرأته: [من البسيط]
ألا تموتين إنا نبتغي بدلا ... إن اللواتي يموّتن الميامين
أم أنت لازلت في الدنيا معمّرة ... كما يعمّر إبليس الشّياطين
وقال أبو الحسن وغيره: كان سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد تصيبه موتة [7] نصف سنة، ونصف سنة يصح، فيحبو ويعطي، ويكسو ويحمل. فأراد أهله أن يعالجوه. فتكلّمت امرأة على لسانه فقالت. أنا رقيّة بنت ملحان سيّد الجنّ، والله أن لو علمت مكان رجل أشرف منه لعلقته! والله لئن عالجتموه لأقتلنّه! فتركوا علاجه.
__________
[1] سفع: جذب وقبض.
[2] الخبر في عيون الأخبار 1/316، ونثر الدر 2/145.
[3] الخبر في نثر الدر 2/161، وثمار القلوب (150) ، وربيع الأبرار 1/384- 385.
[4] انظر نثر الدر 2/145.
[5] 145/الأنعام: 6.
[6] الخبر في عيون الأخبار 1/316، ونثر الدر 2/146.
[7] الموته: ضرب من الجنون والصرع يصيب الإنسان.
(6/403)

وتقول العرب: شيطان الحماطة، وغول القفرة، وجانّ العشرة. وأنشد: [من الرجز]
فانصلتت لي مثل سعلاة العشر ... تروح بالويل وتغدو بالغير
وأنشد [1] : [من الرجز]
يا أيّها الضاغب بالغملول ... إنّك غول ولدتك غول
الغملول: الخمر من الأرض اختبأ فيه هذا الرجل، وضغب ضغبة [2] الأرنب، ليفزعه ويوهمه أنّه عامر لذلك الخمر.
__________
[1] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (ضغب، أمل) ، والتهذيب 8/18.
[2] ضغيب الأرنب صوتها.
(6/404)

باب من ادعى من الأعراب والشعراء أنهم يرون الغيلان ويسمعون عزيف الجان
وما يشبهون بالجن والشياطين، وبأعضائهم وبأخلاقهم وأعمالهم.
وأنشد: [من الرجز]
كأنّه لمّا تدانى مقربه ... وانقطعت أوذامه وكربه [1]
وجاءت الخيل جميعا تذنبه ... شيطان جنّ في هواء يرقبه [2]
أذنب فانقضّ عليه كوكبه
وأنشد: [من البسيط]
إنّ العقيليّ لا تلقى له شبها ... ولو صبرت لتلقاه على العيس
بينا تراه عليه الخزّ متّكئا ... إذ مرّ يهدج في خيش الكرابيس [3]
وقد تكنّفه غرّامه زمنا ... أشباه جنّ عكوف حول إبليس [4]
إذا المفاليس يوما حاربوا ملكا ... ترى العقيليّ منهم في كراديس [5]
وهو الذي يقول [6] : [من الكامل]
أصبحت ما لك غير جلدك تلبس ... قطر السّماء وأنت عار مفلس
وقال الخطفي [7] : [من الرجز]
__________
[1] المقرب: سير الليل. الأوذام: جمع وذم، وهو السير من الجلد يقدّ طولا، الكرب: الحبل يشد على عراقي الدلو؛ عنى به حبل الفرس.
[2] تذنبه: تتبعه، والبيت للكلابي في اللسان (ذنب) .
[3] الهدج: مشي رويد في ضعف. الكرابيس: جمع كرباس، وهو ثوب من القطن الأبيض.
[4] الغرّام: جمع غريم، وهو صاحب الدّين.
[5] الكراديس: جمع كردوس، وهي الكتيبة من الخيل.
[6] كذا، ولم يعين اسم شاعر فيما تقدم.
[7] الرجز للخطفى (واسمه حذيفة، وهو جد جرير) في اللسان (خطف، سدف، جنن) ، والتهذيب 5/190، والتاج (حيد، خطف، سدف، جنن) ، والجمهرة 609، 1173، والمخصص 15/196، وبلا نسبة في العين 4/221، والمخصص 7/109، 9/41، والمقاييس 2/196.
(6/405)

يرفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنّان وهاما رجّفا
وعنقا بعد الرسيم خيطفا [1]
وأنشد ابن الأعرابي: [من الطويل]
غناء كليبيا ترى الجنّ تبتغي ... صداه إذا ما آب للجشنّ آيب
وقال الحارث بن حلزة [2] : [من الخفيف]
ربّنا وابننا وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثّناء [3]
إرميّ بمثله جالت الج ... نّ فآبت لخصمها الأجلاء [4]
وقال الأعشى [5] : [من الطويل]
فإنّي وما كلّفتموني وربّكم ... ليعلم من أمسى أعقّ وأحوبا
لكالثّور والجنيّ يضرب ظهره ... وما ذنبه أن عافت الماء مشربا
وقال الزّفيان العوافيّ واسمه عطاء بن أسيد أحد بني عوافة بن سعد [6] : [من الرجز]
بين اللها منه إذا ما مدّا ... مثل عزيف الجن هدّت هدّا [7]
وقال ذو الرّمّة [8] : [من البسيط]
قد أعسف النّازح المجهول معسفه ... في ظلّ أغضف يدعو هامه البوم [9]
للجنّ باللّيل في حافاتها زجل ... كما تناوح يوم الريح عيشوم [10]
__________
[1] العنق: ضرب من السير المنبسط. الرسيم: ضرب من السير سريع. الخطيف: سرعة انجذاب السير كأنه يختطف في مشية عنقه.
[2] البيتان من معلقته في شرح القصائد العشر 390، وشرح القصائد السبع 473.
[3] الرب: الملك.
[4] إرمي: نسبة إلى إرم عاد. الأجلاء: جمع جلا، وهو الأمر المنكشف.
[5] ديوان الأعشى 165، والأول في اللسان والتاج (عقق) ، والثاني في اللسان والتاج (ثور) ، والتهذيب 15/111.
[6] الرجز للزفيان في ديوانه 93، واللسان والتاج (صمعد) .
[7] اللها: جمع لهاة؛ وهي اللحمة المشرفة على الحلق. الهد: الصوت الغليظ.
[8] ديوان ذي الرمة 401، 408، 410، والشرح التالي منه.
[9] «أعسف: آخذ في غير هدى. النازح: الخرق البعيد. المجهول: الذي لا يهتدى لطريقه. في ظل أغضف: أي تحت الليل دائما» .
[10] «زجل: صوت مختلط. تناوح: تجاوب بصوت الرياح. عيشوم: شجرة تنبسط على وجه الأرض؛ فإذا يبست فللريح بها زفير» .
(6/406)

داويّة ودجى ليل كأنّهما ... يمّ تراطن في حافاته الرّوم
وقال [1] : [من الطويل]
وكم عرّست بعد السّرى من معرّس ... به من كلام الجن أصوات سامر [2]
وقال [3] : [من البسيط]
كم جبت دونك من يهماء مظلمة ... تيه إذا ما مغنّي جنّة سمرا [4]
وقال [5] : [من الطويل]
ورمل عزيف الجنّ في عقداته ... هزيز كتضراب المغنّين بالطّبل [6]
وقال [7] : [من الطويل]
وتيه خبطنا غولها وارتمى بنا ... أبو البعد من أرجائها المتطاوح
فلاة لصوت الجنّ في منكراتها ... هزيز، وللأبوام فيها نوائح
وطول اغتماسي في الدّجى كلما دعت ... من اللّيل أصداء المتان الصوائح [8]
وقال ذو الرّمة [9] : [من الطويل]
بلادا يبيت البوم يدعو بناته ... بها ومن الأصداء والجنّ سامر
وقال ذو الرمة [10] : [من الطويل]
وللوحش والجنّان كلّ عشية ... بها خلفة من عازف وبغام [11]
__________
[1] ديوان ذي الرمة 1685.
[2] التعريس: النزول للنوم في آخر الليل. سامر: قوم يسمرون، أي يتحدثون.
[3] ديوان ذي الرمة 1162.
[4] جبت: قطعت. اليهماء: الفلاة. سمر: لم ينم.
[5] ديوان ذي الرمة 148.
[6] «العقدات: جمع عقدة؛ وهي الرملة الكثيرة الأنقاء والأحقاف، يتعقد بعضه ببعض. هزيز الشيء:
صوته الذي تسمعه من بعيد، مثل صوت الرحى والرعد» .
[7] ديوان ذي الرمة 878- 879، 885.
[8] الأصداء: جمع صدى، وهو طائر. المتان: جمع متن، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع. وقافية هذا البيت في ديوانه «الضوابح» مكان «الصوائح» .
[9] ديوان ذي الرمة 1039.
[10] ديوان ذي الرمة 1054.
[11] خلفة: اختلاف؛ أي: تجيء هذه وتذهب هذه. البغام: صوت الإبل.
(6/407)

وقال الراعي [1] : [من الطويل]
وداويّة غبراء أكثر أهلها ... عزيف وبوم آخر الليل صائح
أقرّ بها جأشي تأوّل آية ... وماضي الحسام غمده متصايح
1769-[لطيم الشيطان]
ويقال لمن به لقوة أو شتر، إذا سبّ: يا لطيم الشيطان [2] .
وكذلك قال عبيد الله بن زياد، لعمرو بن سعيد، حين أهوى بسيفه ليطعن في خاصرة عبد الله بن معاوية، وكان مستضعفا، وكان مع الضّحّاك فأسر، فلمّا أهوى له السيف وقد استردفه عبيد الله، واستغاث بعبيد الله، قال عبيد الله لعمرو: يدك يا لطيم الشيطان [3] !
1770-[قولهم: ظل النعامة، وظل الشيطان]
ويقال للرّجل المفرط الطّول: يا ظلّ النّعامة! وللمتكبّر الضخم: يا ظلّ الشيطان [4] ! كما قال الحجّاج لمحمد بن سعد بن أبي وقاص: بينا أنت، يا ظلّ الشّيطان، أشدّ النّاس كبرا إذ صرت مؤذّنا لفلان [5] ! وقال جرير في هجائه شبّة بن عقال، وكان مفرط الطّول [6] : [من الكامل]
فضح المنابر يوم يسلح قائما ... ظلّ النّعامة شبّة بن عقال
1771-[قولهم: ظل الرمح]
فأما قولهم [7] : «منينا بيوم كظلّ الرمح» فإنّهم ليس يريدون به الطول فقط، ولكنّهم يريدون أنّه مع الطول ضيق غير واسع.
__________
[1] ديوان الراعي النميري 49.
[2] القول في ثمار القلوب (154) ، والبرصان 275، والبيان 1/315، وربيع الأبرار 1/386. اللقوة:
داء في الوجه يعوج منه الشدق. الشتر: انقلاب جفن العين وتشنجه.
[3] الخبر في البيان 1/315، والبرصان 275.
[4] التمثيل والمحاضرة 326، وثمار القلوب (153) ، والمنتخب 326.
[5] ثمار القلوب (154) ، ولطائف المعارف 40، وتاريخ الطبري 6/376.
[6] ديوان جرير 962 (طبعة نعمان طه) ، 471 (طبعة الصاوي) ، وثمار القلوب (649) ، والبرصان 91، وأساس البلاغة (نعم) ؛ ونسبه في المنتخب 73، إلى جذيمة؟.
[7] ورد القول في ثمار القلوب (892) .
(6/408)

وقال ابن الطّثرية [1] : [من الطويل]
ويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله ... دم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر [2]
قال: وليس يوجد لظلّ الشخص نهاية مع طلوع الشّمس.
1772-[التشبيه بالجن]
قال: وكان عمر بن عبد العزيز أوّل من نهى النّاس عن حمل الصّبيان على ظهور الخيل يوم الحلبة [3] ، وقال: «تحملون الصّبيان على الجنّان؟» .
وأنشد في تشبيه الإنس بالجن لأبي الجويرية العبدي: [من البسيط]
إنس إذا أمنوا جنّ إذا فزعوا ... مرزّؤون بها ليل إذا حشدوا [4]
وأنشدوا: [من الرجز]
وقلت والله لنرحلنّا ... قلائصا تحسبهنّ جنا [5]
وقال ابن ذي الزوائد: [من المنسرح]
وحولي الشّول رزّحا شسبا ... بكية الدّرّ حين تمتصر [6]
ولاذ بي الكلب لا نباح له ... يهرّ محرنجما وينجحر [7]
بحور خفض لمن ألمّ بهم ... جنّ بأرماحهم إذا خطروا [8]
__________
[1] البيت ليزيد بن الطثرية في وثمار القلوب (892) ، وأساس البلاغة (رمح) ، وله أو لشبرمة بن الطفيل في اللسان (صفق) ، ولشبرمة بن الطفيل في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1269، وشرحها للتبريزي 3/133، وبلا نسبة في ديوان المعاني 1/311، والمستقصى 1/229، والمعاني الكبير 469.
[2] دم الزق: أراد به الخمر. المزاهر: جمع مزهر؛ وهو العود الذي يضرب به.
[3] الحلبة: الدفعة من الخيل في الرهان.
[4] فزعوا: أغاثوا غيرهم. مرزؤون: يرزؤهم الناس أي يصيبون من مالهم. البهاليل: جمع بهلول، وهو العزيز الجامع لكل خير.
[5] القلائص: جمع قلوص؛ وهي الفتية من الإبل. رحلها: شد عليها الرحال.
[6] الشول: الإبل ارتفعت ألبانها. رزحا: جمع رازح، وهو الذي سقط من الإعياء. الشسب: جمع شاسب؛ وهو النحيف اليابس. بكية: بكيئة، وهي التي قلّ لبنها. تمتصر: يحتلب ما بقي في ضرعها من لبن.
[7] الهرير: نباح الكلب. احرنجم: انقبض. انجحر: دخل جحره.
[8] الخفض: لين العيش وسعته.
(6/409)

وأنشدوا: [من الرجز]
إنّي امرؤ تابعني شيطانيه ... آخيته عمري وقد آخانيه
يشرب في قعبي وقد سقانيه ... فالحمد لله الذي أعطانيه [1]
قرما وخرقا في خدود واضيه ... تربّعت في عقد فالماوية [2]
بقلا نضيدا في تلاع حاليه ... حتّى إذا ما الشّمس مرّت ماضيه [3]
قام إليها فتية ثمانيه ... فثوّروا كلّ مريّ ساجيه [4]
أخلافها لذي الأكف ماليه [5]
1773-[موضع الجن]
وقال ابن الأعرابي: قال لي أعرابي مرّة من غنيّ وقد نزلت به، قال: وهو أخفّ ما نزلت به وأطيبه، فقلت: ما أطيب ماءكم هذا، وأعذى [6] منزلكم! قال: نعم وهو بعيد من الخير كله، بعيد من العراق واليمامة والحجاز، كثير الحيات، كثير الجنان! فقلت: أترون الجن؟ قال: نعم! مكانهم في هذا الجبل- وأشار بيده إلى جبل يقال له سواج [7] قال: ثمّ حدّثني بأشياء.
1774-[ذكر الجن في الشعر]
وقال عبيد بن أوس الطائي [8] في أخت عدي بن أوس: [من الكامل]
هل جاء أوسا ليلتي ونعيمها ... ومقام أوس في الخباء المشرج [9]
__________
[1] القعب: القدح.
[2] القرم: الفحل الذي يترك من الركوب والعمل ويودع للفحلة. الخرق: جمع خرقاء، وهي التي يقع منسمها بالأرض قبل خفها لنجابتها. الواضية: من الوضاءة، وهي الحسن والبهجة. عقد: موضع بين البصرة وضرية. الماوية: ماء على طريق البصرة من النباح.
[3] التلاع: جمع تلعة، وهي ما انهبط من الأرض أو ما ارتفع. حالية: حليت بالنبت.
[4] ثوّروها: بعثوها بعد بروكها. المري: الناقة التي تدر على من يمسح ضرعها. الساجية: الساكنة.
[5] الأخلاف: جمع خلف، وهو الضرع. لذي الأكف: أي لهذه الأكف.
[6] العذي: الأرض الطيبة التربة البعيدة من المياه.
[7] سواج: جبل من جبال غني.
[8] الأبيات لعبيد بن أوس الطائي في الحماسة البصرية 2/113- 114، ولجميل بن معمر في ديوانه 41- 42، ولعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 488، ولعروة بن أذينة في الكامل 1/171 (المعارف) ، وبلا نسبة في عيون الأخبار 4/93- 94.
[9] المشرج: الذي أدخل بعض عراه في بعض.
(6/410)

ما زلت أطوي الجنّ أسمع حسّهم ... حتّى دفعت إلى ربيبة هودج
فوضعت كفّي عند مقطع خصرها ... فتنفّست بهرا ولمّا تنهج [1]
فتناولت رأسي لتعرف مسّه ... بمخضّب الأطراف غير مشنّج [2]
قالت بعيش أخي وحرمة والدي ... لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قومها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تلجج [3]
فلثمت فاها قابضا بقرونها ... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج [4]
وأنشدني آخر [5] : [من الطويل]
ذهبتم فعذتم بالأمير وقلتم ... تركنا أحاديثا ولحما موضّعا [6]
فما زادني إلّا سناء ورفعة ... ولا زادكم في القوم إلّا تخشّعا
فما نفرت جنّي ولا فلّ مبردي ... وما أصبحت طيري من الخوف وقّعا [7]
وقال حسّان بن ثابت، في معنى قوله [8] : «ولله لأضربنّه حتّى أنزع من رأسه شيطانه» ، فقال [9] : [من المتقارب]
وداوية سبسب سملق ... من البيد تعزف جنّانها [10]
قطعت بعيرانة كالفني ... ق يمرح في الآل شيطانها [11]
فجمع في هذا البيت تثبيت عزيف الجن، وأنّ المراح والنشاط والخيلاء والغرب [12] هو شيطانها.
__________
[1] البهر: انقطاع النفس من الإعياء، تنهج: تواتر نفسها من شدة الحركة.
[2] المشنج: المتقبض.
[3] اللجج: التمادي والإصرار.
[4] القرون: الضفائر من الشعر. النزيف: الذي عطش حتى جف لسانه ويبست عروقه. الحشرج: الماء الجاري على الحجارة.
[5] الأبيات لموسى بن جابر الحنفي في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/140، والثالث في اللسان (جنن) ، والتاج (وقع) .
[6] الموضّع: المنضد بعضه على بعض، أي هم كاللحم المنضد يطمع فيه الناس.
[7] أراد بالجن: القلب، وبالمبرد: اللسان.
[8] هذا القول لعمر بن خطاب كما سيأتي ص 416.
[9] ديوان حسان بن ثابت 1/239 (دار صادر) ، ولم يرد البيتان في ديوان حسان (طبعة الصاوي) .
[10] الداوية: الفلاة الواسعة. السبسب: القفر البعيدة. السملق: المستوية الجرداء. عزيف الجن:
أصواتها.
[11] العيرانة: النشيطة من الإبل. الفنيق: الفحل المكرم من الإبل. الآل: السراب.
[12] الغرب: الحدة والنشاط.
(6/411)

وأبين من ذلك قول منظور بن رواحة [1] : [من الطويل]
أتاني وأهلي بالدّماخ فغمرة ... مسبّ عويف اللؤم حيّ بني بدر
فلمّا أتاني ما يقول ترقّصت ... شياطين رأسي وانتشين من الخمر
1775-[من المثل والتشبيه بالجن]
ومن المثل والتّشبيه قول أبي النّجم [2] : [من الرجز]
وقام جنّيّ السّنام الأميل ... وامتهد الغارب فعل الدّمّل [3]
وقال ابن أحمر [4] : [من الوافر]
بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به الحنينا
تكسّر فوقه القلع السّواري ... وجنّ الخازباز به جنونا
وقال الأعشى [5] : [من الخفيف]
وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجنّ التّلاع والآفاق
لم يزدهم سفاهة شرب الخم ... ر ولا اللهو بينهم والسّباق
وقال النابغة [6] : [من البسيط]
وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد [7]
1776-[إضافة البناء العجيب إلى الجن]
وأهل تدمر يزعمون أنّ ذلك البناء [بني] [8] قبل زمن سليمان، عليه السّلام،
__________
[1] البيتان في ثمار القلوب (149) ، ومعجم الشعراء 282، وتقدما في 1/199، الفقرة (228) .
[2] الرجز لأبي النجم العجلي في ديوانه 180، والطرائف الأدبية 59. والأول في اللسان (جنن) ، والتاج (طير، دمل، جنن) ، والأساس (جنن، طير) ، والثاني في اللسان (مهد) ، والتاج (مهد، دمل) ، والجمهرة 285، والمقاييس 2/303، 3/159، 5/280، وبلا نسبة في اللسان (دمل) ، والتهذيب 14/136، والجمهرة 1166، والعين 4/32، 8/48، وديوان الأدب 2/399.
[3] امتهد: انبسط وارتفع. الغارب: أعلى مقدم السنام. الدمل: واحد الدماميل وهي القروح.
[4] ديوان عمرو بن أحمر 159، وتقدم البيتان مع تخريج واف في 3/55، الفقرة (604) .
[5] ديوان الأعشى، وتقدم البيتان في 3/56، الفقرة (604) .
[6] ديوان النابغة الذبياني 21، واللسان والتاج (عمد، دمر) ، والعين 4/288، 8/40، والجمهرة 541، والتهذيب 2/252، وثمار القلوب (126) .
[7] في ديوانه: «قوله: وخيّس الجن؛ أي ذللهم. ومنه سمي السجن مخيّسا. الصفاح: حجارة كالصفائح عراض. تدمر: مدينة بالشام، فيها بناء لسليمان بن داود عليهما السلام. العمد:
أساطين الرخام؛ وهي السواري» .
[8] إضافة من ثمار القلوب (126) حيث ورد هذا الزعم.
(6/412)

بأكثر مما بيننا اليوم وبين سليمان بن داود عليهما السلام قالوا: ولكنّكم إذا رأيتم بنيانا عجيبا، وجهلتم موضع الحيلة فيه، أضفتموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر.
وقال العرجيّ [1] : [من البسيط]
سدّت مسامعها بفرج مراجل ... من نسج جنّ مثله لا ينسج [2]
وقال الأصمعيّ [3] : السيوف المأثورة هي التي يقال إنها من عمل الجن والشياطين لسليمان بن داود عليهما السلام. فأمّا القوارير والحمامات، فذلك ما لا شك فيه. وقال البعيث [4] : [من البسيط]
بنى زياد لذكر الله مصنعة ... من الحجارة لم تعمل من الطّين [5]
كأنّها، غير أنّ الإنس ترفعها ... مما بنت لسليمان الشياطين
وقال المقنّع الكنديّ [6] : [من البسيط]
وفي الظّعائن والأحداج أملح من ... حلّ العراق وحلّ الشام واليمنا [7]
جنّيّة من نساء الإنس أحسن من ... شمس النّهار وبدر اللّيل لو قرنا
مكتومة الذكر عندي ما حييت لها ... قد لعمري مللت الصّرم والحزنا
وقال أبو النّجم [8] : [من الرجز]
أدرك عقلا والرهان عمله ... كأنّ ترب القاع حين تسحله [9]
صيق شياطين زفته شمأله [10]
وقال الأعشى [11] في المعنى الأوّل، من بناء الشياطين لسليمان بن داود عليهما السلام: [من الطويل]
__________
[1] البيت في ثمار القلوب (126) ، وديوان العرجي 61.
[2] الفرج: الثوب شقّ من خلفه. المراجل: ثياب عليها صور الرجال.
[3] ورد هذا القول في اللسان 4/9 (ثفر) ، دون ذكر الأصمعي، وتقدم في 1/101، الفقرة (120) .
[4] البيتان في ثمار القلوب (126- 127) ، والأول في اللسان والتاج (صنع) . والبيت الثاني فيه إقواء.
[5] المصنعة: ما تصنعه الناس من الآبار والأبنية والقصور.
[6] ديوان المقنع الكندي 215، والشعر والشعراء 739- 740.
[7] الظعينة: الهودج تكون فيه المرأة. الأحداج: جمع حدج، وهو مركب نحو الهودج.
[8] ديوان أبي النجم 166، 171، وديوان المعاني 2/109.
[9] تسحله: تقشره وتنحته.
[10] الصيق: الغبار. زفته: طردته واستخفته. الشمأل: ريح الشمال.
[11] ديوان الأعشى 267، ومعجم البلدان 1/76 (الأبلق) ، وثمار القلوب (751) ، 2/67 (تيماء) ، والأول في اللسان والتاج (بلق) ، والمخصص 5/122، 16/74، والثاني في اللسان والتاج (أزج) .
(6/413)

أرى عاديا الم يمنع الموت ربّه ... وورد بتيماء اليهوديّ أبلق
بناه سليمان بن داود حقبة ... له جندل صمّ وطيّ موثّق
1777-[مواضع الجن]
وكما يقولون [1] : قنفذ برقة، وضبّ سحا، وأرنب الخلّة، وذئب خمر فيفرقون بينها وبين ما ليست كذلك إمّا في السّمن، وإمّا في الخبث، وإمّا في القوة- فكذلك أيضا يفرقون بين مواضع الجن. فإذا نسبوا الشّكل منها إلى موضع معروف، فقد خصّوه من الخبث والقوة والعرامة بما ليس لجملتهم وجمهورهم. قال لبيد [2] :
[من الكامل]
غلب تشذّر بالذّحول كأنّها ... جنّ البديّ رواسيا أقدامها [3]
وقال النّابغة [4] : [من الكامل]
سهكين من صدإ الحديد كأنّهم ... تحت السّنوّر جنّة البقّار [5]
وقال زهير [6] : [من الطويل]
عليهنّ فتيان كجنّة عبقر ... جديرون يوما أن ينيفوا فيستعلوا
وقال حاتم [7] : [من الطويل]
عليهنّ فتيان كجنّة عبقر ... يهزّون بالأيدي الوشيج المقوّما [8]
__________
[1] انظر ما تقدم ص 378.
[2] ديوان لبيد 317، والخزانة 9/515، 516، 919، واللسان (شذر) ، والعين 6/249، والمعاني الكبير 816، وسر صناعة الإعراب 13، والأزهية 287، وثمار القلوب (377) .
[3] في ديوانه: «غلب: غلاظ الأعناق. تشذر: تهدد وتتوعد. الذحول: الأحقاد. البدي: موضع؛ وهو واد لبني عامر» .
[4] ديوان النابغة الذبياني 56، وثمار القلوب (377) ، واللسان والتاج (سهك) ، والتهذيب 6/8، 12/396، والجمهرة 1189، 1322، والمقاييس 1/280، 3/110، والعين 3/373، والمجمل 1/283، والأساس (سنر) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (سنر) ، والمخصص 11/207.
[5] في ديوانه: «سهكين: أي عليهم سهكة الحديد، وهي الرائحة المتغيرة. السّنوّر: ما كان من حلق؛ وقيل: هو السلاح التام. البقّار: هو اسم رمل كثير الجن، وهو من أدنى بلاد طيئ إلى بني فزارة. وإنما شبههم بالجن لنفوذهم في الحرب» .
[6] ديوان زهير 87، وثمار القلوب (377) ، واللسان (جدر، عبقر) ، والتاج والأساس (جدر) ، والتهذيب 2/293، 10/635.
[7] البيت لحاتم الطائي في ثمار القلوب (377) ، وربيع الأبرار 1/383، ولم يرد في متن ديوانه، وأورده محقق الديوان في حاشية الصفحة 225، نقلا عن مختارات ابن الشجري.
[8] الوشيج: الرماح.
(6/414)

ولذلك قيل لكلّ شيء فائق، أو شديد: عبقري.
وفي الحديث، في صفة عمر رضي الله عنه «فلم أر عبقريّا يفري فريّه» [1] .
قال أعرابي: ظلمني والله ظلما عبقريّا [2] .
1778-[مراتب الجن]
ثمّ ينزلون الجن في مراتب. فإذا ذكروا الجنّيّ سالما قالوا: جني. فإذا أرادوا أنّه ممن سكن مع النّاس قالوا: عامر، والجميع عمّار. وإن كان ممن يعرض للصبيان فهم أرواح. فإن خبث أحدهم وتعرّم فهو شيطان، فإذا زاد على ذلك فهو مارد. قال الله عز ذكره: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
[3] فإن زاد على ذلك في القوّة فهو عفريت، والجميع عفاريت. قال الله تعالى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
[4] .
وهم في الجملة جنّ وخوافي. قال الشاعر [5] : [من البسيط]
ولا يحسّ سوى الخافي بها أثر
فإن طهر الجني ونظف ونقي وصار خيرا كلّه فهو ملك، في قول من تأول قوله عز ذكره: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
[6] على أنّ الجنّ في هذا الموضع الملائكة.
وقال آخرون: كان منهم على الإضافة إلى الدّار والدّيانة، لا على أنّه كان من جنسهم. وإنّما ذلك على قولهم سليمان بن يزيد العدوي، وسليمان بن طرخان التّيمي، وأبو علي الحرمازي، وعمرو بن فائد الأسواري، أضافوهم إلى المحالّ، وتركوا أنسابهم في الحقيقة.
__________
[1] أخرجه البخاري في فضائل الصحابة برقم 3434، وأحمد في المسند 2/28، ومسلم في فضائل الصحابة 2393، وانظر عمدة الحفاظ 3/25 (عبقر) ، 3/225 (فري) .
[2] ربيع الأبرار 1/383.
[3] 7/الصافات: 37.
[4] 39/النمل: 27.
[5] صدر البيت: (يمشي ببيداء لا يمشي بها أحد) ، والبيت لأعشى باهلة في اللسان (خفا) ، والتاج (خفي) ، وبلا نسبة في التهذيب 7/597، والجمهرة 1055.
[6] 50/الكهف: 18.
(6/415)

1779-[استطراد لغوي]
وقال آخرون: كلّ مستجنّ فهو جنّيّ، وجانّ، وجنين. وكذلك الولد قيل له جنين لكونه في البطن واستجنانه. وقالوا للميّت الذي في القبر جنين. وقال عمرو بن كلثوم [1] : [من الوافر]
ولا شمطاء لم تدع المنايا ... لها من تسعة إلّا جنينا
يخبر أنّها قد دفنتهم كلّهم.
1780-[طبقات الملائكة]
قالوا: وكذلك الملائكة، من الحفظة، والحملة، والكروبيّين [2] . فلا بدّ من طبقات. وربّما فرّق بينهم بالأعمال، واشتقّ لهم الاسم من السّبب كما قالوا لواحد من الأنبياء: خليل الله، وقالوا لآخر: كليم الله، وقالوا لآخر: روح الله.
1781-[مراتب الشجعان]
والعرب تنزل الشّجعاء في المراتب. والاسم العامّ شجاع، ثمّ بطل، ثم بهمة، ثم أليس. هذا قول أبي عبيدة.
فأمّا قولهم: شيطان الحماطة، فإنّهم يعنون الحيّة. وأنشد الأصمعي [3] : [من الطويل]
تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه ... تعمّج شيطان بذي خروع قفر
وقد يسمّون الكبر والطغيان، والخنزوانة، والغضب الشّديد شيطانا، على التّشبيه. قال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه [4] : «والله لأنزعنّ نعرته، ولأضربنّه حتى أنزع شيطانه من نخرته» .
__________
[1] ديوان عمرو بن كلثوم 81، وشرح القصائد العشر 330، وشرح القصائد السبع 384، والمخصص 16/16، ونسب إلى الأعشى في اللسان (جنن) ، وهو بلا نسبة في التاج (جنن) .
[2] الكروبية: سادة الملائكة، منهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وهو من الكرب بمعنى القرب، لأنهم أقرب الملائكة إلى حملة العرش. وفي ديوان أمية بن أبي الصلت 370:
(ملائكة لا يفترون عبادة ... كروبية منهم ركوع وسجّد)
[3] تقدم البيت في 4/324 منسوبا إلى طرفة، وليس في ديوانه. وتقدم بلا نسبة في 1/198، الفقرة (120) مع تخريج واف.
[4] تقدم حديث عمر بن الخطاب في 1/101، الفقرة (120) ، و 1/197، الفقرة (228) ، و 3/167، الفقرة (800) ، وفي هذا الجزء ص 411، الفقرة (1774) .
(6/416)

1782-[مراتب الجن]
والأعراب تجعل الخوافي والمستجنّات، من قبل أن ترتّب المراتب، جنسين، يقولون جنّ وحنّ، بالجيم والحاء. وأنشدوا [1] : [من الرجز]
أبيت أهوي في شياطين ترنّ ... مختلف نجواهم حنّ وجنّ [2]
ويجعلون الجنّ فوق الحنّ. وقال أعشى سليم: [من الطويل]
فما أنا من جنّ إذا كنت خافيا ... ولست من النّسناس في عنصر البشر
ذهب إلى قول من قال: البشر ناس ونسناس، والخوافي حنّ وجنّ. يقول: أنا من أكرم الجنسين حيثما كنت.
1783-[شيطان ضعفة النّسّاك]
وضعفة النسّاك وأغبياء العبّاد، يزعمون أنّ لهم خاصّة شيطانا قد وكّل بهم، ويقال له «المذهب» يسرج لهم النّيران، ويضيء لهم الظّلمة ليفتنهم وليريهم العجب إذا ظنّوا أنّ ذلك من قبل الله تعالى.
1784-[شيطان حفظة القرآن]
وفي الحديث أنّ الشّيطان الذي قد تفرّد بحفظة القرآن ينسيهم القرآن، يسمى خنزب [3] ، وهو صاحب عثمان بن أبي العاص.
1785-[شيطان الخبل]
قال: وأما الخابل والخبل، فإنما ذلك اسم للجنّ الذين يخبلون النّاس بأعيانهم، دون غيرهم. وقال الشّاعر [4] : [من الطويل]
تناوح جنّان بهنّ وخبّل
كأنّه أخرج الذين يخبلون ويتعرّضون، ممّن ليس عنده إلّا العزيف والنّوح.
وفصل أيضا لبيد بينهم فقال [5] : [من الطويل]
__________
[1] الرجز لمهاصر بن المحل في اللسان (حنن) ، وبلا نسبة في التاج (حنن) ، والجمهرة 102.
[2] الإرنان: التصويت.
[3] في النهاية 2/83: (في حديث الصلاة «ذاك شيطان يقال له خنزب» قال أبو عمرو: وهو لقب له.
والخنزب قطعة لحم منتنة، ويروى بالكسر والضم) .
[4] صدر البيت: (تبدّل حالا بعد حال عهدته) ، وهو لأوس بن حجر في ديوانه 94، والتاج (خبل) .
[5] البيت للبيد في البرصان 14، وانظر ملحق ديوانه 364- 365، وهو لعامر بن الطفيل في العقد الفريد 5/235، والنقائض 1/469، وقد قال البيت يوم فيف الريح.
(6/417)

أعاذل لو كان النّداد لقوتلوا ... ولكن أتانا كلّ جنّ وخابل
وقد زعم ناس أنّ الخبل والخابل ناس. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فكيف يقول أوس بن حجر [1] : [من الطويل]
ناوح جنّان بهن وخبّل
1786-[استطراد لغوي]
قالوا: وإذا تعرّضت الجنّيّة وتلوّنت وعبثت فهي شيطانة، ثم غول. والغول في كلام العرب الدّاهية. ويقال: لقد غالته غول. وقال الشاعر: [من البسيط]
تقول بيتي في عز وفي سعة ... فقد صدقت ولكن أنت مدخول
لا بأس بالبيت إلّا ما صنعت به ... تبني وتهدمه هدّا له غول
وقال الرّاجز: [من الرجز]
والحرب غول أو كشبه الغول ... تزفّ بالرّايات والطّبول
تقلب للأوتار والذّحول ... حملاق عين ليس بالمكحول [2]
1787-[زواج الجن بالأعراب]
ومن قول الأعراب أنهم يظهرون لهم، ويكلّمونهم، ويناكحونهم. ولذلك قال شمر بن الحارث الضبّي [3] : [من الوافر]
ونار قد حضأت بعيد هدء ... بدار لا أريد بها مقاما
سوى تحليل راحلة وعين ... أكالئها مخافة أنّ تناما
أتوا ناري فقلت منون قالوا ... سراة الجنّ قلت عموا ظلاما
فقلت إلى الطّعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطّعاما
وذكر أبو زيد عنهم أن رجلا منهم تزوج السّعلاة، وأنها كانت عنده زمانا، وولدت منه، حتّى رأت ذات ليلة برقا على بلاد السّعالي، فطارت إليهنّ، فقال [4] :
[من الوافر]
__________
[1] انظر الحاشية الرابعة في الصفحة السابقة.
[2] الأوتار: جمع وتر، وهو الثأر. الذحول: جمع ذحل، وهو الثأر. الحملاق: باطن جفن العين.
[3] تقدمت الأبيات في 4/500، مع نسبتها إلى سهم بن الحارث.
[4] تقدّم قول أبي زيد مع البيت في 1/121، الفقرة (146) ، وأضف إلى مصادر البيت: شرح شواهد الإيضاح 225، والخصائص 2/19، ورصف المباني 146، واللسان (أهل) .
(6/418)

رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال وما أغاما
فمن هذا النّتاج المشترك، وهذا الخلق المركّب عندهم، بنو السّعلاة، من بين عمرو بن يربوع، وبلقيس ملكة سبأ. وتأوّلوا قول الشاعر [1] : [من الرجز]
لا همّ إنّ جرهما عبادكا ... النّاس طرف وهم تلادكا
فزعموا أن أبا جرهم من الملائكة الذين كانوا إذا عصوا في السّماء أنزلوا إلى الأرض [2] ، كما قيل في هاروت وماروت. فجعلوا سهيلا عشّارا مسخ نجما، وجعلوا الزّهرة امرأة بغيّا مسخت نجما، وكان اسمها «أناهيد» .
وتقول الهند في الكوكب الذي يسمّى «عطارد» شبيها بهذا.
1788-[المخدومون]
ويقول الناس: «فلان مخدوم» يذهبون إلى أنّه إذا عزم على الشّياطين والأرواح والعمّار أجابوه وأطاعوه. منهم عبد الله بن هلال الحميريّ، الذي كان يقال له صديق إبليس [3] . ومنهم كرباش الهنديّ، وصالح المديبري.
1789-[شروط إجابة العامر للعزيمة]
وقد كان عبيد مجّ يقول: إن العامر حريص على إجابة العزيمة، ولكنّ البدن إذا لم يصلح أن يكون له هيكلا لم يستطع دخوله. والحيلة في ذلك أن يتبخّر باللبان الذّكر، ويراعي سير المشتري، ويغتسل بالماء القراح، ويدع الجماع وأكل الزّهومات [4] ، ويتوحّش في الفيافي، ويكثر دخول الخرابات، حتى يرقّ ويلطف ويصفو ويصير فيه مشابه من الجنّ، فإن عزم عند ذلك فلم يجب فلا يعودنّ لمثلها فإنه ممّن لا يصلح أن يكون بدنه هيكلا لها، ومتى عاد خبط فربما جنّ، وربما مات.
قال: فلو كنت ممّن يصلح أن يكون لهم هيكلا لكنت فوق عبد الله بن هلال.
__________
[1] تقدم الرجز في 1/123، الفقرة (147) ، وهو لعمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي في شرح القصائد السبع للأنباري 255.
[2] تقدم هذا الزعم في 1/122- 123، الفقرة (147) .
[3] انظر ما تقدم في ص 403.
[4] الزهومة: ريح اللحم السمين المنتن.
(6/419)

1790-[رؤية الجن وسماع همهمتهم]
قال الأعراب: وربما نزلنا بجمع كثير، ورأينا خياما وقبابا، وناسا، ثم فقدناهم من ساعتنا.
والعوامّ ترى أنّ ابن مسعود، رضي الله عنه، رأى رجالا من الزّطّ فقال: «هؤلاء أشبه من رأيت بالجنّ ليلة الجنّ» .
قال: وقد روي عنه خلاف ذلك.
وتأوّلوا قوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً
[1] . ولم يهلك الناس كالتأويل.
ومما يدلّ على ما قلنا قول أبي النّجم، حيث يقول [2] : [من الرجز]
بحيث تستنّ مع الجنّ الغول
فأخرج الغول من الجنّ، للذي بانت به من الجنّ.
وهكذا عادتهم: أن يخرجوا الشيء من الجملة بعد أن دخل ذلك الشيء في الجملة، فيظهر لأمر خاصّ.
وفي بعض الرّواية أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة، وأن خالد بن الوليد حين هدم العزّى رمته بالشّرر حتى احترق عامّة فخذه، حتى عاده النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وهذه فتنة لم يكن الله تعالى ليمتحن بها الأعراب وأشباه الأعراب من العوامّ.
وما أشك أنه قد كانت للسّدنة حيل وألطاف لمكان التكسّب.
ولو سمعت أو رأيت بعض ما قد أعدّ الهند من هذه المخاريق [3] في بيوت عباداتهم، لعلمت أنّ الله تعالى قد منّ على جملة الناس بالمتكلّمين، الذين قد نشؤوا فيهم.
1791-[افتتان بعض النصارى بمصابيح كنيسة قمامة]
وقد تعرف ما في عجايز النصارى وأغمارهم [4] ، من الافتنان بمصابيح كنيسة
__________
[1] 6/الجن: 72، وسيكرر الجاحظ الآية ص 428 مع عرض رأي أصحاب التفسير.
[2] ديوان أبي النجم العجلي 209.
[3] المراد بالمخاريق: ألاعيب المشعوذين.
[4] الأغمار: جمع غمر، وهو الذي لم يجرب الأمور.
(6/420)

قمامة. فأما علماؤهم وعقلاؤهم فليسوا بمتحاشين من الكذب الصّرف، والجراءة على البهتان البحت. وقد تعوّدوا المكابرة حتى دربوا بها الدّرب الذي لا يفطن له إلا ذو الفراسة الثّابتة، والمعرفة الثّاقبة.
1792-[إيمان الأعراب وأشباههم بالهواتف]
والأعراب وأشباه الأعراب لا يتحاشون من الإيمان بالهاتف، بل يتعجّبون ممن ردّ ذلك [1] . فمن ذلك حديث الأعشى بن نبّاش بن زرارة الأسدي، أنه سمع هاتفا يقول [2] : [من الطويل]
لقد هلك الفيّاض غيث بني فهر ... وذو الباع والمجد الرّفيع وذو الفخر
قال: فقلت مجيبا له: [من الطويل]
ألا أيّها الناعي أخا الجود والنّدى ... من المرء تنعاه لنا من بين فهر
فقال: [من الطويل]
نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا النّدى ... وذا الحسب القدموس والحسب القهر [3]
وهذا الباب كثير.
قالوا: ولنقل الجنّ الأخبار علم الناس بوفاة الملوك، والأمور المهمة، كما تسامعوا بموت المنصور بالبصرة في اليوم الذي توفي فيه بقرب مكة. وهذا الباب أيضا كثير.
1793-[من له رئيّ من الجن]
وكانوا يقولون: إذا ألف الجنّي إنسانا وتعطّف عليه، وخبّره ببعض الأخبار، وجد حسّه ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئيّ من الجن. وممن يقولون ذلك فيه عمرو بن لحيّ بن قمعة، والمأمور الحارثي، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، في ناس معروفين من ذوي الأقدار، من بين فارس رئيس، وسيّد مطاع.
__________
[1] انظر مروج الذهب 2/395، الباب الخمسون.
[2] الأبيات في آكام المرجان 140، والاشتقاق 142- 143.
[3] القدموس: القديم.
(6/421)

فأما الكهّان [1] : فمثل حارثة جهينة [2] ، وكاهنة باهلة، وعزّى سلمة، ومثل شقّ، وسطيح، وأشباههم.
وأما العرّاف، وهو دون الكاهن، فمثل الأبلق الأسدي، والأجلح الزهري، وعروة ابن زيد الأسدي، وعرّاف اليمامة رباح بن كحلة [3] ، وهو صاحب بنت المستنير البلتعي، وقد قال الشاعر [4] : [من الطويل]
فقلت لعراف اليمامة داوني ... فإنّك إنّ أبرأتني لطبيب
وقال جبيهاء الأشجعيّ: [من الوافر]
أقام هوى صفيّة في فؤادي ... وقد سيّرت كلّ هوى حبيب
لك الخيرات كيف منحت ودّي ... وما أنا من هواك بذي نصيب
أقول وعروة الأسديّ يرقي ... أتاك برقية الملق الكذوب
لعمرك ما التّثاؤب يا ابن زيد ... بشاف من رقاك ولا مجيب
لسير النّاعجات أظنّ أشفى ... لما بي من طبيب بني الذّهوب [5]
وليس الباب الذي يدّعيه هؤلاء من جنس العيافة والزّجر، والخطوط، والنّظر في أسرار الكفّ، وفي مواضع قرض الفار، وفي الخيلان في الجسد، وفي النظر في الأكتاف، والقضاء بالنجوم، والعلاج بالفكر.
وقد كان مسيلمة يدّعي أن معه رئيّا في أوّل زمانه، ولذلك قال الشّاعر، حين وصف مخاريقه وخدعه: [من الطويل]
ببيضة قارور وراية شادن ... وخلة جنّيّ وتوصيل طائر [6]
__________
[1] ثمار القلوب (202) ، ومروج الذهب 2/311، والبيان 1/289- 290، وربيع الأبرار 4/341- 342.
[2] في ثمار القلوب ومروج الذهب (حازية جهينة) ، وفي البيان (حازي جهينة) .
[3] في ثمار القلوب (رياح بن كحيلة) ، وفي مروج الذهب (رباح بن عجلة) .
[4] البيت لعروة بن حزام في ديوانه 94، والخزانة 3/214، واللسان والتاج (عرف) ، ومصارع العشاق 1/318، والأغاني 24/155، وبلا نسبة في المخصص 5/86، وثمار القلوب (200) ، ومروج الذهب 2/311.
[5] الناعجات: الإبل البيض، أو السريعة.
[6] تقدم مثل هذا البيت في 4/369، 374، وأوضح الجاحظ أمر البيضة في 4/370. وتحدث عن توصيل ريش الطائر في 4/371- 373.
(6/422)

ألا تراه ذكر خلّة الجني.
1794-[تعرض الشّقّ للمسافرين وإهلاكه لهم]
ويقولون [1] : ومن الجنّ جنس صورة الواحد منهم على نصف صورة الإنسان، واسمه شقّ، وإنّه كثيرا ما يعرض للرّجل المسافر إذا كان وحده، فرّبما أهلكه فزعا، وربما أهلكه ضربا وقتلا.
قالوا [2] : فمن ذلك حديث علقمة بن صفوان بن أميّة بن محرّث الكناني، جدّ مروان بن الحكم، خرج في الجاهلية، وهو يريد مالا له بمكة، وهو على حمار، وعليه إزار ورداء، ومعه مقرعة، في ليلة إضحيانة، حتى انتهى إلى موضع يقال له حائط حزمان، فإذا هو بشقّ له يد ورجل، وعين، ومعه سيف، وهو يقول: [من الرجز]
علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول
أضربهم بالهذلول ... ضرب غلام شملول [3]
رحب الذّراع بهلول
فقال علقمة:
يا شقّها مالي ولك ... اغمد عنّي منصلك [4]
تقتل من لا يقتلك
فقال شقّ:
عبيت لك عبيت لك ... كيما أتيح مقتلك
فاصبر لما قد حمّ لك
قال: فضرب كلّ واحد منهما صاحبه، فخرّا ميّتين، فممّن قتلت الجنّ علقمة ابن صفوان هذا، وحرب بن أميّة.
قالوا: وقالت الجنّ [5] : [من الرجز]
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر [6]
__________
[1] الخبر في مروج الذهب 2/296، وربيع الأبرار 1/379.
[2] الخبر مع الرجز التالي في مروج الذهب 2/296، والخبر وحده في ربيع الأبرار 1/379- 380.
[3] الهذلول: عنى به سيفه. الشملول: أراد به الخفيف السريع.
[4] اغمد: أراد اغمدن. المنصل: السيف.
[5] الرجز في مروج الذهب 2/297، وربيع الأبرار 1/380، والعمدة 1/261، والدر المصون 7/675، ومعاهد التنصيص 1/12، والبيان 1/65.
[6] يجوز في «قفر» الرفع على القطع، والجر على الصفة.
(6/423)

قالوا [1] : ومن الدّليل على ذلك، وعلى أنّ هذين البيتين من أشعار الجن أن أحدا لا يستطيع أن ينشدهما ثلاث مرات متصلة، لا يتتعتع فيها، وهو يستطيع أن ينشد أثقل شعر في الأرض وأشقّه عشر مرّات ولا يتعتع.
1795-[ذكر من قتلته الجنّ أو استهوته]
قال [2] : وقتلت مرداس بن أبي عامر، أبا عبّاس بن مرداس [3] ، وقتلت الغريض خنقا بعد أن غنّى بالغناء الذي كانوا نهوه عنه، وقتلت الجنّ سعد بن عبادة بن دليم، وسمعوا الهاتف يقول [4] : [من الهزج]
نحن قتلنا سيّد الخزر ... ج سعد بن عباده
رميناه بسهمين ... فلم نخط فؤاده
واستهووا سنان بن أبي حارثة ليستفحلوه، فمات فيهم. واستهووا طالب بن أبي طالب، فلم يوجد له أثر إلى يومنا هذا [5] .
واستهووا عمرو بن عديّ اللّخميّ الملك، الذي يقال فيه [6] : «شبّ عمرو عن الطّوق» ، ثمّ ردّوه على خاله جذيمة الأبرش، بعد سنين وسنين.
واستهووا عمارة بن الوليد بن المغيرة، ونفخوا في إحليله فصار مع الوحش [7] .
ويروون عن عبد الله بن فائد بإسناد له يرفعه، أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خرافة رجل من عذرة استهوته الشّياطين» ، وأنّه تحدّث يوما بحديث فقالت امرأة من نسائه: هذا من حديث خرافة! قال: «لا، وخرافة حقّ» [8] .
__________
[1] انظر المصادر في الحاشية السابقة.
[2] مروج الذهب 2/297.
[3] تقدم في 3/237، الفقرة (900) : «ويزعمون أن ثلاثة نفر هاموا على وجوههم فلم يوجدوا:
طالب بن أبي طالب، وسنان بن أبي حارثة، ومرداس بن أبي عامر» .
[4] البيتان في ربيع الأبرار 1/380. والمعارف 259، والعمدة 1/142، واللسان (خزم) ، والتاج (قتل، خزم) .
[5] تقدم الخبر في 3/237، الفقرة (900) ، ورسائل الجاحظ 2/373.
[6] المثل في مجمع الأمثال 2/137، والفاخر 73، والمستقصى 2/214، وأمثال ابن سلام 297، وجمهرة الأمثال 1/547، وانظر مروج الذهب 2/215- 217، ورسائل الجاحظ 2/372- 373.
[7] رسائل الجاحظ 2/373.
[8] تقدم الحديث في 1/199، الفقرة (229) ، وانظر كشف الخفا للعجلوني 1/377، وربيع الأبرار 1/382.
(6/424)

1796-[طعام الجن]
ورووا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنّه سأل المفقود الذي استهوته الجن: ما كان طعامهم؟ قال: الفول. قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجدف [1] .
ورووا أن طعامهم الرّمة وما لم يذكر اسم الله عليه.
ورووا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم- والحديث صحيح- أنه قال [2] : «خمّروا آنيتكم، وأوكئوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، واكففوا صبيانكم، فإن للشّياطين انتشارا وخطفة» .
1797-[ضرب المثل بقبح الشيطان]
وقد قال الناس في قوله تعالى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
[3] ، فزعم ناس أنّ رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن، لها منظر كريه.
والمتكلّمون لا يعرفون هذا التّفسير، وقالوا: ما عنى إلّا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم، من فسقة الجن ومردتهم. فقال أهل الطّعن والخلاف: كيف يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهّمه، ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق، أو خبر صادق. ومخرج الكلام يدلّ على التخويف بتلك الصّورة، والتفزيع منها.
وعلى أنّه لو كان شيء أبلغ في الزّجر من ذلك لذكره. فكيف يكون الشأن كذلك، والناس لا يفزعون إلّا من شيء هائل شنيع، قد عاينوه، أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان، بليغ في الوصف. ونحن لم نعاينها، ولا صوّرها لنا صادق. وعلى أنّ أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهّمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه. فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟! قلنا [4] : وإن كنّا نحن لم نر شيطانا قطّ ولا صوّر رؤوسها لنا صادق بيده، ففي
__________
[1] الحديث في النهاية 1/247، وتقدم في 1/199، الفقرة (229/2) . وفي النهاية: «الجدف:
نبات يكون باليمن لا يحتاج آكله معه إلى شرب ماء» .
[2] تقدم الحديث في 4/291، 5/121.
[3] 65/الصافات: 37.
[4] ورد قول الجاحظ في ثمار القلوب 57 (151) .
(6/425)

إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان، حتّى صاروا يضعون ذلك في مكانين:
أحدهما أن يقولوا: «لهو أقبح من الشيطان» ، والوجه الآخر أن يسمّى الجميل شيطانا، على جهة التطيّر له، كما تسمّى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء، وقرناء، وخنساء، وجرباء وأشباه ذلك، على جهة التطيّر له. ففي إجماع المسلمين والعرب وكلّ من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان، دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح.
والكتاب إنّما نزل على هؤلاء الذين قد ثبّت في طبائعهم بغاية التثبيت.
وكما يقولون: «لهو أقبح من السحر» ، فكذلك يقولون، كما قال عمر بن عبد العزيز لبعض من أحسن الكلام في طلب حاجته- « «هذا والله السّحر الحلال» .
وكذلك أيضا ربّما قالوا: «ما فلان إلا شيطان» على معنى الشّهامة والنّفاذ وأشباه ذلك [1] .
1798-[صفة الغول والشيطان]
والعامّة تزعم أنّ الغول تتصوّر في أحسن صورة إلا أنه لا بدّ أن تكون رجلها رجل حمار [2] .
وخبّروا عن الخليل بن أحمد، أنّ أعرابيّا أنشده [3] : [من البسيط]
وحافر العير في ساق خدلّجة ... وجفن عين خلاف الإنس في الطول [4]
وذكروا أنّ العامّة تزعم أنّ شقّ عين الشيطان بالطول. وما أظنّهم أخذوا هذين المعنين إلّا عن الأعراب.
1799-[ردّ على أهل الطعن في الكتاب]
وأما إخبارهم عن هذه الأمم، وعن جهلها بهذا الإجماع والاتّفاق والإطباق، فما القول في ذلك إلّا كالقول في الزّبانية وخزنة جهنّم، وصور الملائكة الذين
__________
[1] بعد هذا في ثمار القلوب (151) : «لذلك قالوا لأبي حنيفة: شيطان خرج من البحر» . وانظر التمثيل والمحاضرة 326.
[2] في مروج الذهب 1/289 «ويزعمون أن رجليها رجلا عير» .
[3] البيت بلا نسبة في مروج الذهب 2/291.
[4] الخدلجة: الضخمة الممتلئة.
(6/426)

يتصوّرون في أقبح الصّور إذا حضروا لقبض أرواح الكفار، وكذلك في صور منكر ونكير، تكون للمؤمن على مثال، وللكافر على مثال.
ونحن نعلم أنّ الكفار يزعمون أنهم لا يتوهّمون الكلام والمحاجّة من إنسان ألقي في جاحم أتّون فكيف بأن يلقى في نار جهنّم؟! فالحجّة على جميع هؤلاء، في جميع هذه الأبواب، من جهة واحدة. وهذا الجواب قريب. والحمد لله.
وشقّ فم العنكبوت بالطول. وله ثماني أرجل.
1800-[سكنى الجن أرض وبار]
وتزعم الأعراب أن الله عزّ ذكره حين أهلك الأمة التي كانت تسمّى وبار، كما أهلك طسما، وجديسا، وأميما، وجاسما، وعملاقا، وثمودا وعادا- أنّ الجنّ سكنت في منازلها وحمتها من كلّ من أرادها، وأنّها أخصب بلاد الله، وأكثرها شجرا، وأطيبها ثمرا، وأكثرها حبّا وعنبا، وأكثرها نخلا وموزا. فإن دنا اليوم إنسان من تلك البلاد، متعمّدا، أو غالطا، حثوا في وجهه التراب، فإن أبى الرّجوع خبلوه، وربّما قتلوه.
والموضع نفسه باطل. فإذا قيل لهم: دلّونا على جهته، ووقّفونا على حدّه وخلاكم ذمّ- زعموا أنّ من أراد ألقي على قلبه الصّرفة، حتّى كأنهم أصحاب موسى في التّيه. وقال الشاعر [1] : [من الطويل]
وداع دعا واللّيل مرخ سدوله ... رجاء القرى يا مسلم بن حمار
دعا جعلا لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتّى يهتدي لوبار
فهذا الشاعر الأعرابيّ جعل أرض وبار مثلا في الضلال. والأعراب يتحدّثون عنها كما يتحدّثون عمّا يجدونه بالدّوّ والصّمّان، والدهناء، ورمل يبرين. وما أكثر ما يذكرون أرض وبار في الشّعر، على معنى هذا الشاعر [2] .
قالوا: فليس اليوم في تلك البلاد إلّا الجنّ، والإبل الحوشيّة.
__________
[1] تقدم البيتان في 5/216.
[2] من ذلك قول أبي النجم:
(حذار من أرماحنا حذار ... أو تجعلوا دونكم وبار)
وقول الأعشى:
(وكرّ دهر على وبار ... فهمدت جمهرة وبار)
انظر ما بنته العرب على فعال 50- 51.
(6/427)

1801-[الحوشية من الإبل]
والحوش من الإبل عندهم هي التي ضربت فيها فحول إبل الجن. فالحوشيّة من نسل إبل الجن. والعيديّة، والمهرية، والعسجديّة، والعمانية، قد ضربت فيها الحوش.
وقال رؤبة [1] : [من الرجز]
جرّت رحانا من بلاد الحوش
وقال ابن هريم: [من الطويل]
كأنّي على حوشيّة أو نعامة ... لها نسب في الطّير وهو ظليم
وإنما سمّوا صاحبة يزيد بن الطّثرية «حوشيّة» على هذا المعنى.
1802-[التحصّن من الجنّ]
وقال بعض أصحاب التفسير في قوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً
[2] : إنّ جماعة من العرب كانوا إذا صاروا في تيه من الأرض، وتوسّطوا بلاد الحوش، خافوا عبث الجنّان والسّعالي والغيلان والشياطين، فيقوم أحدهم فيرفع صوته: إنا عائذون بسيّد هذا الوادي! فلا يؤذيهم أحد، وتصير لهم بذلك خفارة [3] .
1803-[الصرع والاستهواء]
[4] وهم يزعمون أن المجنون إذا صرعته الجنّيّة، وأنّ المجنونة إذا صرعها الجنيّ- أنّ ذلك إنما هو على طريق العشق والهوى، وشهوة النّكاح، وأن الشيطان يعشق المرأة منّا، وأنّ نظرته إليها من طريق العجب بها أشدّ عليها من حمّى أيام، وأنّ عين الجانّ أشدّ من عين الإنسان.
قال: وسمع عمرو بن عبيد، رضي الله عنه، ناسا من المتكلّمين ينكرون صرع الإنسان للإنسان، واستهواء الجنّ للإنس، فقال وما ينكرون من ذلك وقد سمعوا قول
__________
[1] ديوان رؤبة 78، واللسان والتاج والأساس (حوش) ، والتهذيب 5/142، والمجمل 2/122، والمقاييس 2/119، وتقدم في 1/103، نهاية الفقرة (122) .
[2] 6/الجن: 72.
[3] خفارة: ذمة.
[4] انظر هذه الفقرة في رسائل الجاحظ 2/372.
(6/428)

الله عزّ ذكره في أكلة الرّبا، وما يصيبهم يوم القيامة، حيث قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ
[1] . ولو كان الشّيطان لم يخبط أحدا لما ذكر الله تعالى به أكلة الرّبا.
فقيل له: ولعلّ ذلك كان مرّة فذهب. قال: ولعله قد كثر فازداد أضعافا. قال:
وما ينكرون من الاستهواء بعد قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ
[2] .
1804-[زعم العرب أن الطاعون طعن من الشيطان]
قال [3] : والعرب تزعم أن الطاعون طعن من الشيطان، ويسمّون الطّاعون رماح الجنّ. قال الأسديّ للحارث الملك الغسّاني [4] : [من الوافر]
لعمرك ما خشيت على أبيّ ... رماح بني مقيّدة الحمار
ولكني خشيت على أبيّ ... رماح الجنّ أو إياك حار
يقول: لم أكن أخاف على أبيّ مع منعته وصرامته، أن يقتله الأنذال، ومن يرتبط العير دون الفرس، ولكني إنما كنت أخافك عليه، فتكون أنت الذي تطعنه أو يطعنه طاعون الشّام.
وقال العمانيّ يذكر دولة بني العبّاس [5] : [من الرجز]
قد دفع الله رماح الجن ... وأذهب العذاب والتّجنّي [6]
وقال زيد بن جندب الإياديّ [7] : [من الطويل]
ولولا رماح الجنّ ما كان هزهم ... رماح الأعادي من فصيح وأعجم
__________
[1] 275/البقرة: 2.
[2] 71/الأنعام: 6.
[3] ورد القول في ربيع الأبرار 3/382، وثمار القلوب (141) ، وتقدم في 1/234.
[4] البيتان للأسدي في ربيع الأبرار 1/382- 383، ولفاختة بنت عدي في الأغاني 11/200، والحماسة البصرية 1/270، وشرح أبيات سيبويه 2/198، وبلا نسبة في مجالس ثعلب 574، والكتاب 2/357، والأساس (رمح) ، واللسان (رمح، قيد، حمر) ، والتاج (رمح، قيد) ، وثمار القلوب 53 (143) ، وتقدم البيتان في 1/234، الفقرة (252) .
[5] الرجز في ثمار القلوب 53 (142) .
[6] بعد الرجز في ثمار القلوب: «يريد أن ما كان بنو مروان يفعلونه من مطالبة الناس بالأموال، وتعذيب عمّال الخراج بالتعليق والتجريد والمسالّ قد ذهب» .
[7] البيت لزيد بن جندب الأيادي في أساس البلاغة (رمح) .
(6/429)

ذهب إلى قول أبي دؤاد [1] : [من الخفيف]
سلّط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام
يعني الطاعون الذي كان أصاب إيادا.
وجاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه ذكر الطّاعون فقال [2] : «هو وخز من عدوّكم» : وأنّ عمرو بن العاص قام في النّاس في طاعون عمواس فقال [3] : «إنّ هذا الطاعون قد ظهر، وإنما هو وخز من الشّيطان، ففرّوا منه في هذه الشّعاب» .
وبلغ معاذ بن جبل، فأنكر ذلك القول عليه.
1805-[تصور الجنّ والغيلان والملائكة والناس]
وتزعم العامّة أنّ الله تعالى قد ملّك الجن والشياطين والعمّار والغيلان أن يتحوّلوا في أيّ صورة شاؤوا، إلّا الغول، فإنّها تتحوّل في جميع صورة المرأة ولباسها، إلّا رجليها، فلا بدّ من أن تكون رجلي حمار [4] .
وإنما قاسوا تصوّر الجن على تصوّر جبريل عليه السلام في صورة دحية بن خليفة الكلبي [5] ، وعلى تصوّر الملائكة الذين أتوا مريم [6] ، وإبراهيم، ولوطا، وداود عليهم السلام في صورة الآدميّين، وعلى ما جاء في الأثر من تصوّر إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم [7] ، وعلى تصوّره في صورة الشيخ النجدي [8] . وقاسوه على تصوّر ملك الموت إذا حضر لقبض أرواح بني آدم، فإنه عند ذلك يتصوّر على قدر الأعمال الصالحة والطالحة.
قالوا [9] : وقد جاء في الخبر أنّ من الملائكة من هو في صورة الرّجال، ومنهم
__________
[1] ديوان أبي دؤاد 339، والأصمعيات 187، واللسان (منن، صدى) ، والتاج (منن) ، والتهذيب 3/302، وبلا نسبة في التاج (هيم) ، واللسان (هوم) .
[2] أخرجه الإمام أحمد في المسند 4/395، 413، من رواية أبي موسى الأشعري، وتقدم في 1/234.
[3] ورد حديث عمرو بن العاص في ثمار القلوب 43 (141) ، والنهاية 5/163.
[4] تقدم القول ص 426، وانظر مروج الذهب 2/289.
[5] جاء جبريل على صورته في غزوة بني قريظة. انظر ثمار القلوب (138) .
[6] إشارة إلى الآية 17 من سورة مريم فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا.
[7] ثمار القلوب (138) ، وطبقات ابن سعد 4/366، 5/90، والإصابة 3/69 (رقم 3109) .
[8] انظر ما تقدم ص 399.
[9] ورد هذا القول في ربيع الأبرار 1/372.
(6/430)

من هو في صورة الثّيران، ومنهم من هو في صورة النسور. ويدلّ على ذلك تصديق النبى صلّى الله عليه وسلّم لأميّة بن أبي الصّلت، حين أنشد [1] : [من الكامل]
رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنّسر للأخرى وليث مرصد
قالوا: فإذ قد استقام أن تختلف صورهم وأخلاط أبدانهم، وتتفق عقولهم وبيانهم واستطاعتهم، جاز أيضا أن يكون إبليس والشّيطان والغول أن يتبدلوا في الصّور من غير أن يتبدلوا في العقل والبيان والاستطاعة.
قالوا: وقد حوّل الله تعالى جعفر بن أبي طالب طائرا، حتى سماه المسلمون الطّيّار [2] ، ولم يخرجه ذلك من أن نراه غدا في الجنة، وله مثل عقل أخيه علي رضي الله عنهما، ومثل عقل عمه حمزة رضي الله تعالى عنه، مع المساواة بالبيان والخلق.
1806-[أحاديث في إثبات الشيطان]
قالوا: وقد جاء في الأثر النهي عن الصّلاة في أعطان الإبل، لأنّها خلقت من أعنان الشياطين [3] .
وجاء أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الصّلاة عند طلوع الشّمس حتى طلوعها، فإنّها بين قرني شيطان [4] .
وجاء أنّ الشياطين تغلّ في رمضان.
فكيف تنكر ذلك مع قوله تعالى في القرآن. وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ.
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
[5] .
ولشهرة ذلك في العرب، في بقايا ما ثبتوا عليه من دين إبراهيم عليه السّلام، قال النابغة الذبياني [6] : [من البسيط]
__________
[1] ديوان أمية بن أبي الصلت 365.
[2] انظر ما تقدم 1/26، س 14- 15، 3/112، الفقرة (699) .
[3] في النهاية 3/313: «لا تصلوا في أعطان الإبل؛ لأنها خلقت من أعنان الشياطين» . أي كأنها من نواحي الشياطين في أخلاقها وطبائعها. وفي حديث آخر في النهاية 3/258: «صلّوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل» . وتقدم الحديث في 1/101، الفقرة (119) .
[4] النهاية 2/475، وتقدم في 1/101، الفقرة (120) .
[5] 37- 38/ص: 38.
[6] ديوان النابغة الذبياني 20- 21، والأول في اللسان والتاج (حدد) ، والعين 8/49، والمقاييس-
(6/431)

إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البريّة فاحددها عن الفند [1]
وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفّاح والعمد [2]
فمن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظّلوم ولا تقعد على ضمد [3]
وجاء في قتل الأسود البهيم من الكلاب، وفي ذي النّكتتين، وفي الحية ذات الطّفيتين [4] ، وفي الجانّ [5] .
وجاء: «لا تشربوا من ثلمة الإناء، فإنّه كفل الشّيطان» [6] . وفي العاقد شعره في الصلاة: «إنّه كفل الشيطان» . وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «تراصّوا بينكم في الصلاة، لا تتخللكم الشّياطين كأنّها بنات حذف» [7] . وأنّه نهى عن ذبائح الجن [8] .
ورووا: «أن امرأة أتت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: إنّ ابني هذا، به جنون يصيبه عند الغداء والعشاء قال: فمسح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صدره، فثعّ ثعة فخرج من جوفه جرو أسود يسعى» .
__________
- 2/3، والمجمل 2/6، والتهذيب 3/420، وتقدم تخريج البيت الثاني ص 412. والثالث في اللسان والتاج والأساس (ضمد) ، والتنبيه والإيضاح 2/33، والمقاييس 3/370، وكتاب الجيم 2/203، والمجمل 3/289، والجمهرة 659، والمخصص 13/22، والتهذيب 12/6، والعين 1/180، 7/24.
[1] في ديوانه: «احددها: امنعها. والفند: الخطأ في القول والفعل وغير ذلك مما يفند عليه صاحبه ويلام. ومعنى قوله: قم في البرية؛ أي انظر في مصالحها واجتهد في إرشادها» .
[2] تقدم شرح البيت ص 412.
[3] في ديوانه: «الضمد: الذل والغيظ والحقد، وقيل: هو الظلم، وقيل: هو شدة الغضب والحقد، أي لا تنطوي على حقد وغضب إلا لمن هو مثلك في الناس، أو قريب منك» .
[4] تقدم في 2/405، الفقرة (469) : «اقتلوا من الحيات ذا الطفيتين، والكلب الأسود البهيم ذا الغرتين» .
[5] في النهاية 1/308 «نهى عن قتل الجنّان» ، وهي الحيات تكون في البيوت، واحدها جان، وهو الدقيق الخفيف. والجانّ: الشيطان أيضا.
[6] في النهاية 1/220، 4/192: (وحديث النخعي «أنه كره الشرب من ثلمة القدح، وقال: إنها كفل الشيطان» أراد أن الثلمة مركب الشيطان، لما يكون عليها من الأوساخ) .
[7] أخرجه الإمام أحمد في المسند 4/405، 408، وهو في النهاية 1/356. الحذف: هي الغنم الصغار الحجازية، واحدتها حذفة بالتحريك، وقيل: هي صغار جرد ليس لها آذان ولا أذناب، يجاء بها من جرش اليمن.
[8] أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/289، وهو في النهاية 2/153.
(6/432)

قالوا: وقد قضى ابن علاثة القاضي بين الجنّ، في دم كان بينهم بحكم أقنعهم.
1807-[رجع إلى تفسير قصيدة البهراني]
ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهّراني [1] :
أما قوله:
10- «وتزوّجت في الشبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زقّ خمر»
فزعم أنه جعل صداقها غزالا وزقّ خمر، فالخمر لطيب الرائحة، والغزال لتجعله مركبا، فإنّ الظّباء من مراكب الجنّ.
وأما قوله:
11- «ثيّب إن هويت ذلك منها ... ومتى شئت لم أجد غير بكر»
كأنه قال: هي تتصوّر في أيّ صورة شاءت.
1808-[شياطين الشعراء]
وأما قوله:
12- «بنت عمرو وخالها مسحل الخي ... ر وخالي هميم صاحب عمرو»
فإنهم يزعمون [2] أنّ مع كلّ فحل من الشعراء شيطانا يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر، فزعم البهراني أنّ هذه الجنّية بنت عمرو صاحب المخبّل، وأن خالها مسحل شيطان الأعشى. وذكر أن خاله هميم، وهو همّام. وهمّام هو الفرزدق. وكان غالب بن صعصعة إذا دعا الفرزدق قال: يا هميم.
وأما قوله: «صاحب عمرو» فكذلك أيضا يقال إن اسم شيطان الفرزدق عمرو.
وقد ذكر الأعشى مسحلا حين هجاه جهنّام فقال [3] : [من الطويل]
دعوت خليلي مسحلا ودعوا له ... جهنّام جدعا للهجين المذمّم
__________
[1] تقدمت القصيدة ص 358- 360.
[2] من هنا حتى نهاية ص 437 نقله الثعالبي بتصرف في ثمار القلوب (145- 150) .
[3] ديوان الأعشى 175، واللسان والتاج (سحل، جهنم) ، والتهذيب 4/308، وديوان الأدب 1/300، وثمار القلوب (146) .
(6/433)

وذكره الأعشى فقال [1] : [من الطويل]
حباني أخي الجنّيّ نفسي فداؤه ... بأفيح جيّاش العشيّات مرجم [2]
وقال أعشى سليم [3] : [من الطويل]
وما كان جنّيّ الفرزدق قدوة ... وما كان فيهم مثل فحل المخبّل
وما في الخوافي مثل عمرو وشيخه ... ولا بعد عمرو شاعر مثل مسحل
وقال الفرزدق [4] ، في مديح أسد بن عبد الله: [من البسيط]
ليبلغنّ أبا الأشبال مدحتنا ... من كان بالغور أو مروي خراسانا [5]
كأنّها الذّهب العقيان حبّرها ... لسان أشعر خلق الله شيطانا [6]
وقال: [من الطويل]
فلو كنت عندي يوم قوّ عذرتني ... بيوم دهتني جنّه وأخابله
فمن أجل هذا البيت، ومن أجل قول الآخر: [من الوافر]
إذا ما راع جارته فلاقى ... خبال الله من إنس وجنّ
زعموا أنّ الخابل النّاس.
ولما قال بشّار الأعمى [7] : [من الطويل]
دعاني شنقناق إلى خلف بكرة ... فقلت: اتركنّي فالتفرّد أحمد [8]
يقول: أحمد في الشعر أن لا يكون لي عليه معين- فقال أعشى سليم [9] يردّ عليه: [من الطويل]
__________
[1] ديوان الأعشى 175، وثمار القلوب (146) .
[2] الأفيح: الواسع. وأراد سعة خطوه. المرجم: الذي يرجم الأرض بشدة وقع حوافرة.
[3] البيتان في ثمار القلوب (148) .
[4] ديوان الفرزدق 875، وثمار القلوب (148) .
[5] مروا خراسان هما: مرو الشاهجان؛ وهي قصبة خراسان، ومرو الروذ؛ وهي قريبة من مرو الشاهجان، وهي صغيرة بالنسبة إلى الأولى (معجم البلدان 5/112) . الغور: جبال وولاية بين هراة وغزنة، وهي بلاد باردة واسعة موحشة (معجم البلدان 4/218) .
[6] العقيان: الخالص.
[7] ديوان بشار 4/53، وثمار القلوب (147) .
[8] في ثمار القلوب: «شيصبان وشنقناق: رئيسان عظيمان من الجن؛ بزعمهم» .
[9] البيت في ثمار القلوب (147) .
(6/434)

إذا ألف الجنّيّ قردا مشنّفا ... فقل لخنازير الجزيرة أبشري
فجزع بشّار من ذلك جزعا شديدا، لأنّه كان يعلم مع تغزّله أنّ وجهه وجه قرد.
وكان أوّل ما عرف من جزعه من ذكر القرد، الذي رأوا منه حين أنشدوه بيت حمّاد [1] : [من الهزج]
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد
وأما قوله:
13- «ولها خطّة بأرض وبار ... مسحوها فكان لي نصف شطر» [2]
فإنما ادّعى الرّبع من ميراثها، لأنه قال:
21- «تركت عبدلا ثمال اليتامى ... وأخوه مزاحم كان بكري»
22- «وضعت تسعة وكانت نزورا ... من نساء في أهلها غير نزر» [3]
وفي أنّ مع كلّ شاعر شيطانا يقول معه، قول أبي النجم [4] : [من الرجز]
إني وكلّ شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
وقال آخر [5] : [من الرجز]
إني وإن كنت صغير السّنّ ... وكان في العين نبوّ عنّي
فإنّ شيطاني كبير الجنّ
1809-[كلاب الجن]
وأما قول عمرو بن كلثوم [6] : [من الوافر]
__________
[1] البيت في طبقات ابن المعتز 25، 67، والأغاني 14/333، 329، والبيان 1/30، والمؤتلف 235، والشعر والشعراء 758، وتقدم في 4/294.
[2] انظر ما تقدم من القول عن أرض وبار ص 427.
[3] النزور: القليلة الولد.
[4] ديوان أبي النجم العجلي 104- 105، والأغاني 10/153، والحماسة البصرية 1/80، وثمار القلوب (148) ، والشعر والشعراء 603، وديوان المعاني 1/113، وتقدم الرجز في 1/198، الفقرة (228) .
[5] الرجز لأمية بن كعب في الوحشيات 119، وبلا نسبة في الخصائص 1/217، وثمار القلوب 56 (148) ، وتقدم في 1/198.
[6] البيت من معلقته في شرح القصائد السبع 390، والتاج (هقق) ، وثمار القلوب (144) ، وربيع الأبرار 1/383، وتقدم في 1/234.
(6/435)

وقد هرّت كلاب الجنّ منا ... وشذّبنا قتادة من يلينا
فإنهم يزعمون أنّ كلاب الجنّ هم الشعراء.
1810-[أرض الجن]
وأما قوله:
14- «أرض حوش وجامل عكنان ... وعروج من المؤبّل دثر»
فأرض الحوش هي أرض وبار، وقد فسّرنا تأويل الحوش [1] ، والعكنان: الكثير الذي لا يكون فوقه عدد. قوله: «عروج» جمع عرج. والعرج: ألف من الإبل نقص شيئا أو زاد شيئا. و «المؤبّل» من الإبل، يقال إبل مؤبّلة، ودراهم مدرهمة، وبدر مبدّرة، مثل قوله تعالى: وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ
[2] وأما قوله: «دثر» فإنهم يقولون:
مال دثر، ومال دبر، ومال حوم: إذا كان كثيرا.
1811-[استراق السمع]
وأما قوله:
16- «ونفوا عن حريمها كلّ عفر ... يسرق السّمع كلّ ليلة بدر»
فالعفر هو العفريت، وجعله لا يسرق السمع إلا جهارا في أضوإ ما يكون البدر، من شدّة معاندته، وفرط قوته.
1812-[الشنقناق والشيصبان]
وأما قوله:
17- في فتوّ من الشّنقناق غرّ ... ونساء من الزّوابع زهر»
الزوابع: بنو زوبعة الجنّيّ، وهم أصحاب الرّهج والقتام والتّثوير وقال راجزهم: [من الرجز]
إنّ الشياطين أتوني أربعه ... في غبش الليل وفيهم زوبعه
فأما شنقناق وشيصبان، فقد ذكرهما أبو النجم [3] : [من الرجز]
لابن شنقناق وشيصبان
__________
[1] انظر ما تقدم ص 427.
[2] 14/آل عمران: 3.
[3] ديوان أبي النجم 221.
(6/436)

فهذان رئيسان ومن آباء القبائل. وقد قال شاعرهم [1] : [من المتقارب]
إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فليس يقال له من هوه
إذا لم يسد قبل شدّ الإزار ... فذلك فينا الذي لا هوه
ولي صاحب من بني الشّيصبا ... ن فطورا أقول وطورا هوه
وهذا البيت أيضا يصلح أن يلحق في الدّليل على أنهم يقولون: إن مع كلّ شاعر شيطانا. ومن ذلك قول بشّار الأعمى [2] : [من الطويل]
دعاني شنقناق إلى خلف بكرة ... فقلت: اتركنّي فالتّفرّد أحمد
1813-[شياطين الشام والهند]
قال: وأصحاب الرّقى والأخذ والعزائم، والسّحر، والشّعبذة، يزعمون أنّ العدد والقوّة في الجنّ والشياطين لنازلة الشام والهند، وأنّ عظيم شياطين الهند يقال له:
تنكوير [3] ، وعظيم شياطين الشام يقال له: دركاذاب [3] .
وقد ذكرهما أبو إسحاق في هجائه محمد بن يسير، حين ادّعى هذه الصناعة فقال: [من الخفيف]
قد لعمري جمعت مل آصفيّا ... ت ومن سفر آدم والجراب [4]
وتفرّدت بالطوالق والهي ... كل والرّهنبات من كلّ باب
وعلمت الأسماء كيما تلاقي ... زحلا والمرّيخ فوق السّحاب
واستثرت الأرواح بالبحر يأتي ... ن لصرع الصّحيح بعد المصاب
جامعا من لطائف الدّنهشيّا ... ت كبوسا نمّقتها في كتاب [5]
ثم أحكمت متقن الكرويّا ... ت وفعل الناريس والنجاب
ثمّ لم تعيك الشعابيذ والخد ... مة والإحتفاء بالطلاب [6]
بالخواتيم والمناديل والسّع ... ي بتنكوير ودركاذاب
__________
[1] الأبيات لحسان بن ثابت في ديوانه 483- 484، وثمار القلوب 55 (146) ، واللسان (شصب) ، ورسائل الجاحظ 1/299، والجمهرة 235، والمزهر 2/492.
[2] تقدم البيت ص 434.
[3] ذكرهما الجاحظ في 1/203، الفقرة (233) ، وانظر آخر الشعر التالي.
[4] الآصفيات: نسبة إلى آصف كاتب سليمان عليه السّلام.
[5] الدنهشيات: نسبة إلى دنهش، أحد آباء الجن. انظر الفهرست 341.
[6] لم تعيك: لم تعجزك.
(6/437)

1814-[قتل الغول بضربة واحدة]
وأما قوله:
20- «ضربت فردة فصارت هباء ... في محاق القمير آخر شهر»
فإنّ الأعراب والعامّة تزعم أن الغول إذا ضربت ضربة ماتت، إلّا أن يعيد عليها الضّارب قبل أن تقضي ضربة أخرى، فإنّه إن فعل ذلك لم تمت. وقال شاعرهم: [من الكامل]
فثنّيت والمقدار يحرس أهله ... فليت يميني قبل ذلك شلّت
وأنشد لأبي البلاد الطّهويّ [1] : [من الوافر]
لهان على جهينة ما ألاقي ... من الرّوعات يوم رحى بطان [2]
لقيت الغول تسري في ظلام ... بسهب كالعباية صحصحان [3]
فقلت لها كلانا نقض أرض ... أخو سفر فصدّي عن مكاني [4]
فصدّت وانتحيت لها بعضب ... حسام غير مؤتشب يماني [5]
فقدّ سراتها والبرك منها ... فخرّت لليدين وللجران [6]
فقالت زد فقلت رويد إنّي ... على أمثالها ثبت الجنان [7]
شددت عقالها وحططت عنها ... لأنظر غدوة ماذا دهاني
إذا عينان في وجه قبيح ... كوجه الهرّ مشقوق اللسان
ورجلا مخدج ولسان كلب ... وجلد من فراء أو شنان [8]
وأبو البلاد هذا الطهوي كان من شياطين الأعراب، وهو كما ترى يكذب وهو يعلم، ويطيل الكذب ويحبّره. وقد قال كما ترى: [من الوافر]
__________
[1] الأبيات لأبي البلاد الطهوي في الحماسة البصرية 2/397، وينسب بعضها إلى تأبط شرا في نهاية الأرب 1/405، وانظر الأغاني 21/134، ومعجم البلدان (رحى بطان) .
[2] رحى بطان: موضع في بلاد هذيل.
[3] السهب: ما بعد من الأرض واستوى. العباية: العباءة. الصحصحان: ما استوى من الأرض.
[4] النقض: المهزول.
[5] المؤتشب: المخلوط، وأراد أنه خالص النسب.
[6] السراة: الظهر. البرك: الصدر. الجران: باطن العنق.
[7] الثبت: الثابت. الجنان: القلب.
[8] المخدج: الناقص الخلق. الفراء: جمع فرو. الشنان: جمع شن، وهو القربة الخلق.
(6/438)

فقالت زد فقلت رويد إنّي ... على أمثالها ثبت الجنان
لأنّهم هكذا يقولون، يزعمون أنّ الغول تستزيد بعد الضّربة الأولى لأنّها تموت من ضربة، وتعيش من ألف ضربة [1] .
1815-[مناكحة الجنّ ومحالفتهم]
وأمّا قوله:
23- «غلبتني على النّجابة عرسي ... بعد أن طال في النجابة ذكري
24- وأرى فيهم شمائل إنس ... غير أنّ النّجار صورة عفر»
فإنّه يقول: لما تركّب الولد منّي ومنها كان شبهها فيه أكثر.
وقال عبيد بن أيّوب [2] : [من الطويل]
أخو قفرات حالف الجنّ وانتفى ... من الإنس حتّى قد تقضّت وسائله
له نسب الإنسيّ يعرف نجله ... وللجنّ منه خلقه وشمائله
وقال [3] : [من الطويل]
وصار خليل الغول بعد عداوة ... صفيّا وربّته القفار البسابس
فليس بجنّيّ فيعرف نجله ... ولا أنسيّ تحتويه المجالس
يظلّ ولا يبدو لشيء نهاره ... ولكنّه ينباع واللّيل دامس [4]
قال: وقال القعقاع بن معبد بن زرارة، في ابنه عوف بن القعقاع: والله لما أرى من شمائل الجنّ في عوف أكثر ممّا أرى فيه من شمائل الإنس!.
وقال مسلمة بن محارب: حدّثني رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفر ومعنا رجل، فانتهينا إلى واد، فدعونا بالغداء، فمدّ رجل يده إلى الطعام، فلم يقدر عليه- وهو قبل ذلك يأكل معنا في كلّ منزل- فاشتدّ اغتمامنا لذلك، فخرجنا نسأل عن حاله، فتلقّانا أعرابيّ فقال: ما لكم؟ فأخبرناه خبر الرّجل، فقال: ما اسم
__________
[1] ورد هذا القول في الحماسة البصرية 2/398.
[2] البيتان في أشعار اللصوص 225- 226، والحماسة البصرية 1/36، والكامل 1/200 (المعارف) ، والوحشيات 30، وديوان المعاني 1/113.
[3] الأبيات في أشعار اللصوص 222، وحماسة البحتري 411.
[4] ينباع: ينطلق.
(6/439)

صاحبكم؟ قلنا: أسد قال: هذا واد قد أخذت سباعه فارحلوا، فلو قد جاوزتم الوادي استمرى الرّجل وأكل.
1816-[مراكب الجن]
وأمّا قوله [1] :
25- «وبها كنت راكبا حشرات ... ملجما قنفذا ومسرج وبر
31- وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنّه كثير التمرّي
32- مولج دبره خواية مكو ... وهو باللّيل في العفاريت يسري»
فقد أخبرنا في صدر هذا الكتاب [2] بقول الأعراب في مطايا الجن من الحشرات والوحش.
وأنشد ابن الأعرابي لبعض الأعراب [3] : [من الطويل]
كلّ المطايا قد ركبنا فلم نجد ... ألذّ وأشهى من مذاكي الثّعالب [4]
ومن عنظوان صعبة شمّرية ... تخبّ برجليها أمام الرّكائب
ومن جرذ سرح اليدين مفرّج ... يعوم برحلى بين أيدي المراكب
__________
[5]
ومن فارة تزداد عتقا وحدّة ... تبرّح بالخوص العتاق النّجائب [6]
ومن كلّ فتلاء الذّراعين حرّة ... مدرّبة من عافيات الأرانب [7]
ومن ورل يغتال فضل زمامه ... أضرّ به طول السّرى في السّباسب
قال ابن الأعرابي: فقلت له: أترى الجن كانت تركبها، فقال: أحلف بالله لقد كنت أجد بالظّباء التّوقيع في ظهورها؟ والسّمة في الآذان. وأنشد [8] : [من الطويل]
كلّ المطايا قد ركبنا فلم نجد ... ألذّ وأشهى من ركوب الجنادب
[1] يقصد قصيدة البهراني التي تقدمت ص 359.
[2] انظر ص 340- 341.
[3] البيتان (1- 2) في التاج (عضرفط) ، والعين 2/346، والأول في اللسان والتاج (سرب) .
[4] المذاكي: جمع مذكّي؛ وهو المسن.
[5] السرح: المنسرح السهل. يعوم: يسرع في سيره.
[6] العتق: السبق. الحدة: النشاط والسرعة. تبرح بها: تجهدها. الخوص: الإبل قد غارت عيونها.
[7] الفتلاء: التي بان ذراعها عن جنبها. العافيات: الطويلات الشعر.
[8] البيتان (1- 2) في الحماسة البصرية 2/399، والتاج (عضرفط، سرب) ، واللسان (سرب) ، والعين 2/346.
(6/440)

ومن عضرفوط حطّ بي فأقمته ... يبادر وردا من عظاء قوارب [1]
وشرّ مطايا الجنّ أرنب خلّة ... وذئب الغضا أوق على كلّ صاحب [2]
ولم أر فيها مثل قنفذ برقة ... يقود قطارا من عظام العناكب
وقد فسّرنا قولهم في الأرانب، لم لا تركب، وفي أرنب الخلّة، وقنفذ البرقة.
وحدثني أبو نواس قال: بكرت إلى المربد، ومعي ألواحي أطلب أعرابيّا فصيحا، فإذا في ظلّ دار جعفر أعرابيّ لم أسمع بشيطان أقبح منه وجها، ولا بإنسان أحسن منه عقلا. وذلك في يوم لم أر كبرده بردا، فقلت له: هلّا قعدت في الشمس! فقال: الخلوة أحبّ إليّ! فقلت له مازحا: أرأيت القنفذ إذا امتطاه الجنيّ وعلا به في الهواء، هل القنفذ يحمل الجنّيّ أم الجنّيّ يحمل القنفذ؟ قال: هذا من أكاذيب الأعراب، وقد قلت في ذلك شعرا. قلت فأنشدنيه. فأنشدني بعد أن كان قال لي:
قلت هذا الشعر وقد رأيت ليلة قنفذا ويربوعا يلتمسان بعض الرّزق: [من الطويل]
فما يعجب الجنّان منك عدمتهم ... وفي الأسد أفراس لهم ونجائب
أتسرج يربوع وتلجم قنفذا ... لقد أعوزتهم ما علمت المراكب
فإن كانت الجنّان جنّت فبالحرى ... ولا ذنب للأقدار والله غالب
وما الناس إلا خادع ومخدّع ... وصاحب إسهاب وآخر كاذب
قال: فقلت له: قد كان ينبغي أن يكون البيت الثالث والرابع بيت آخر. قال:
كانت والله أربعين بيتا، ولكنّ الحطمة [3] والله حطمتها. قال: فقلت: فهل قلت في هذا الباب غير هذا؟ قال: نعم، شيء قلته لزوجتي، وهو والله عندها أصدق شيء قلته لها: [من الطويل]
أراه سميعا للسّرار كقنفذ ... لقد ضاع سرّ الله يا أمّ معبد [4]
قال: فلم أصبر أن ضحكت. فغضب وذهب.
__________
[1] العضرفوط: ضرب من العظاء، والعظاء جمع عظاية؛ وهي دويبة على خلق سام أبرص. الورد: ما ورد من جماعة الطير والإبل. القوارب: جمع قارب، وهو طالب الماء ليلا.
[2] الخلة: ما فيه حلاوة من المرعى. الأوق: الثقل والشؤم.
[3] الحطمة: السنة الجدب.
[4] السرار: المسارة بالحديث.
(6/441)

1817-[شعر فيه ذكر الغول]
ويكتب مع شعر أبي البلاد الطّهوي: [من الطويل]
فمن لا مني فيها فواجه مثلها ... على غرّة ألقت عطافا ومئزرا [1]
لها ساعدا غول، ورجلا نعامة ... ورأس كمسحاة اليهوديّ أزعرا [2]
وبطن كأثناء المزادة رفّعت ... جوانبه أعكانه وتكسّرا [3]
وثديان كالخرجين نيطت عراهما ... إلى جؤجؤ جاني الترائب أزورا [4]
قال: كان أبو شيطان، واسمه إسحاق بن رزين، أحد بني السّمط سمط جعدة ابن كعب، فأتاهم أمير فجعل ينكب [5] عليهم جورا، وجعل آخر من أهل بلده ينقب [6] عليهم: أي يكون عليهم نقيبا، فجعل يقول: [من الرجز]
يا ذا الذي نكبنا ونقبا ... زوّجه الرّحمن غولا عقربا
جمّع فيها ماله ولبلبا ... لبالب التّيس إذا تهبهبا [7]
حتّى إذا ما استطربت واستطربا ... عاين أشنا خلق ربّي زرنبا [8]
ذات نواتين وسلع أسقبا [9]
يعني فرجها ونواتها. يقول. لم تختن.
1818-[جنون الجن وصرعهم]
وأما قوله [10] :
فإن كانت الجنّان جنّت فبالحرى
__________
[1] العطاف: الرداء.
[2] المسحاة: المجرفة من الحديد.
[3] أثناء المزادة: ما تعوج منها. الأعكان: جمع عكنة، وهي طي البطن.
[4] الجؤجؤ: الصدر. الجاني: من الجنأ، ورجل أجنأ: أقعس، وهو الذي خرج صدره ودخل ظهره.
الترائب: أطراف أضلاع الصدر. الزّور: ميل في وسط الصدر.
[5] نكب عليهم: صار منكبا. والمنكب: العريف.
[6] نقب عليهم: صار نقيبا. والنقيب: كالعريف على القوم الذي ينقب عن أحوالهم؛ أي يفتش.
[7] لبالب الغنم: صوتها وجلبتها.
[8] أشنأ: أقبح منظرا. الزرنب: فرج المرأة، أو لحم ظاهره.
[9] السلع: الشق يكون في الجلد، وأراد به الفرج. أسقبا: قرّب.
[10] انظر ما تقدم في الصفحة السابقة.
(6/442)

فإنهم قد يقولون في مثل هذا، وقد قال دعلج بن الحكم [1] : [من الطويل]
وكيف يفيق الدهر كعب بن ناشب ... وشيطانه عند الأهلّة يصرع
1819-[شعر فيه ذكر الجنون]
وأنشدني عبد الرحمن بن منصور الأسيديّ قبل أن يجنّ: [من الطويل]
جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون [2]
وأنشدني يومئذ [3] : [من الطويل]
أتوني بمجنون يسيل لعابه ... وما صاحبي إلا الصّحيح المسلّم
وفيما يشبه الأول يقول ابن ميّادة [4] : [من الطويل]
فلما أتاني ما تقول محارب ... تغنّت شياطيني وجنّ جنونها
وحاكت لها ممّا أقول قصائدا ... ترامت بها صهب المهاري وجونها
وقال في التّمثيل [5] : [من الخفيف]
إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
وقال الآخر [6] : [من البسيط]
قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إنّ الشّباب جنون برؤه الكبر
وما أحسن ما قال الشّاعر حيث يقول [7] : [من الطويل]
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
وما أحسن ما قال الآخر [8] : [من الكامل]
__________
[1] البيت في الشعر والشعراء 438 (ليدن) ، والخزانة 3/446 (بولاق) . وانظر للصرع عند الأهلة 5/479.
[2] تقدم البيت في 3/56، الفقرة (605) .
[3] تقدم البيت في 3/56، الفقرة (604) ، مسبوقا بقوله: «مما أنشدنيه أبو الأصبغ بن ربعي» .
[4] ديوان ابن ميادة 231، وتقدم البيت الأول في 1/198.
[5] البيت لحسان بن ثابت في ديوانه 473، وتقدم مع تخريج واف في 3/55، الفقرة (604) .
[6] البيت لابن أبي فنن في ديوانه 161، وعيون الأخبار 2/320، والعقد الفريد 3/57، وللعتبي في الحماسة الشجرية 184، 245، وبلا نسبة في البيان 1/324، وعيون الأخبار 2/320.
[7] البيت للشنفرى كما تقدم في 3/55، الفقرة (604) .
[8] الأبيات لجميل بثينة في ديوانه 198، والبرصان 349، ولابن الطثرية في ديوانه 106، ولعبيد بن أيوب في أشعار اللصوص 232- 233، والثالث له في الرسالة الموضحة 38، وأخبار أبي تمام 33، والأبيات بلا نسبة في الوحشيات 268، وتقدمت بلا نسبة في 3/55، الفقرة (604) .
(6/443)

حمراء تامكة السّنام كأنّها ... جمل بهودج أهله مظعون
جادت بها عند الغداة يمينه ... كلتا يدي عمرو الغداة يمين
ما إن يجود بمثلها في مثلها ... إلّا كريم الخيم أو مجنون
وقال الجميح [1] : [من البسيط]
لو أنّني لم أنل منكم معاقبة ... إلّا السّنان لذاق الموت مظعون
أو لا ختطبت فإني قد هممت به ... بالسّيف إنّ خطيب السّيف مجنون
وأنشد [2] : [من الوافر]
هم أحموا حمى الوقبى بضرب ... يؤلّف بين أشتات المنون
فنكّب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون
وأنشدني جعفر بن سعيد: [من البسيط]
إنّ الجنون سهام بين أربعة ... الرّيح والبحر والإنسان والجمل
وأنشدني أيضا: [من البسيط]
احذر مغايظ أقوام ذوي حسب ... إنّ المغيظ جهول السّيف مجنون
وأنشدني أبو تمام الطائي [3] : [من البسيط]
من كلّ أصلع قد مالت عمامته ... كأنّه من حذار الضّيم مجنون
وقال القطاميّ [4] : [من البسيط]
يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل
وقال في المعني الأوّل الزّفيان العوافيّ [5] : [من الرجز]
أنا العوافيّ فمن عاداني ... أذقته بوادر الهوان
حتّى تراه مطرق الشّيطان
__________
[1] تقدمت الأبيات في 3/54، الفقرة (604) ، مع نسبتها إلى ابن الطثرية.
[2] البيتان لأبي الغول الطهوي في الأمالي 1/260، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 40، والسمط 580، والخزانة 6/433، 8/314، والشعر والشعراء 257 (ليدن) ، والأول في معجم البلدان 5/380 (الوقبى) ، وتقدما في 3/54، الفقرة (604) .
[3] البيت للأشهب بن رميلة في ديوانه 244، وتقدم في 3/54، الفقرة (604) .
[4] ديوان القطامي 27، وتقدم في 3/55، الفقرة (604) .
[5] الرجز في ثمار القلوب 56 (149) .
(6/444)

وقال مروان بن محمد: [من الكامل]
وإذا تجنّن شاعر أو مفحم ... أسعطته بمرارة الشيطان
وقال ابن مقبل [1] : [من الطويل]
وعندي الدّهيم لو أحلّ عقالها ... فتصعد لم تعدم من الجنّ حاديا
وقد صغّر «الدّهيم» ليس على التحقير، ولكن هذا مثل قولهم: «دبّت إليهم دويهية الدهر» .
1820-[أحاديث الفلاة]
وقال أبو إسحاق: وأما قول ذي الرّمّة [2] : [من الطويل]
إذا حثّهنّ الرّكب في مدلهمّة ... أحاديثها مثل اصطخاب الضّرائر
قال أبو إسحاق: يكون في النّهار ساعات ترى الشّخص الصّغير في تلك المهامه عظيما، ويوجد الصّوت الخافض رفيعا، ويسمع الصّوت الذي ليس بالرّفيع مع انبساط الشّمس غدوة من المكان البعيد؛ ويوجد لأوساط الفيافي والقفار والرّمال والحرار، في أنصاف النّهار، مثل الدّويّ من طبع ذلك الوقت وذلك المكان. عند ما يعرض له. ولذلك قال ذو الرّمّة [3] : [من الطويل]
إذا قال حادينا لتشبيه نبأة ... صه لم يكن إلا دويّ المسامع [4]
قالوا: وبالدّويّ سميّت دوّيّة وداوية، وبه سمّي الدوّ دوّا
1821-[عزيف الجنان وتغوّل الغيلان]
وكان أبو إسحاق يقول في الذي تذكر الأعراب من عزيف الجنان، وتغوّل الغيلان: أصل هذا الأمر وابتداؤه، أنّ القوم لما نزلوا بلاد الوحش، عملت فيهم
__________
[1] ديوان ابن مقبل 412 (288) ، والعمدة 2/168، ومجمع الأمثال 1/156، 379، وبلا نسبة في الرسالة الموضحة 60.
[2] ديوان ذي الرمة 1696.
[3] ديوان ذي الرمة 791، والتهذيب 5/349، والجمهرة 145، وبلا نسبة في اللسان والتاج (صهصه) .
[4] في ديوانه: «أي إذا سمع نبأة فشبهت عليه. والنبأة: الصوت الخفي. قوله: لم تكن إلا دوي المسامع؛ أي لم يكن إلا أن يسمع في المسامع دويّا» .
(6/445)

الوحشة [1] . ومن انفرد وطال مقامه في البلاد [2] والخلاء، والبعد من الإنس- استوحش. ولا سيّما مع قلة الأشغال والمذاكرين.
والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمنى أو بالتفكير. والفكر ربما كان من أسباب الوسوسة. وقد ابتلى بذلك غير حاسب، كأبي يس ومثنّى ولد القنافر [3] .
وخبّرني الأعمش أنه فكّر في مسألة، فأنكر أهله عقله، حتّى حموه وداووه.
وقد عرض ذلك لكثير من الهند.
وإذا استوحش الإنسان تمثّل له الشّيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب، وتفرّق ذهنه، وانتفضت أخلاطه، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع، وتوهم على الشيء اليسير الحقير، أنه عظيم جليل.
ثمّ جعلوا ما تصوّر لهم من ذلك شعرا تناشدوه، وأحاديث توارثوها فازدادوا بذلك إيمانا. ونشأ عليه الناشئ، وربّي به الطّفل، فصار أحدهم حين يتوسّط الفيافي، وتشتمل عليه الغيظان في اللّيالي الحنادس- فعند أوّل وحشة وفزعة، وعند صياح بوم ومجاوبة صدى، وقد رأى كلّ باطل، وتوهّم كلّ زور، وربما كان في أصل الخلق والطبيعة كذّابا نفّاجا [4] ، وصاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من الشّعر على حسب هذه الصّفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان! وكلّمت السّعلاة! ثمّ يتجاوز ذلك إلى أن يقول قتلتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: رافقتها ثمّ يتجاوز ذلك إلى أن يقول: تزوّجتها!! قال عبيد بن أيّوب [5] : [من الطويل]
فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتّر
وقال [6] : [من الطويل]
أهذا خليل الغول والذئب والذي ... يهيم بربّات الحجال الهراكل
__________
[1] الوحشة: الخوف من الخلوة والهم.
[2] البلد من الأرض: ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء.
[3] القنافر: القصير.
[4] النفّاج: الذي يفخر بما ليس عنده.
[5] البيت في أشعار اللصوص 218، وتقدم ص 400.
[6] البيت في أشعار اللصوص 228، وتقدم ص 402.
(6/446)

وقال [1] : [من الطويل]
أخو قفرات حالف الجنّ وانتفى ... من الإنس حتّى قد تقضّت وسائله
له نسب الإنسيّ يعرف نجله ... وللجنّ منه خلقه وشمائله
وممّا زادهم في هذا الباب، وأغراهم به، ومدّ لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابيّا مثلهم، وإلا عامّيّا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يستوجب التّكذيب والتّصديق، أو الشّكّ، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبّت في هذه الأجناس قطّ. وإمّا أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر، فالرّاوية كلّما كان الأعرابيّ أكذب في شعره كان أطرف عنده، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر فلذلك صار بعضهم يدّعي رؤية الغول، أو قتلها، أو مرافقتها، أو تزويجها؛ وآخر يزعم أنّه رافق في مفازة نمرا. فكان يطاعمه ويؤاكله، فمن هؤلاء خاصّة القتّال الكلابي؛ فإنّه الذي يقول [2] : [من الطويل]
أيرسل مروان الأمير رسالة ... لآتيه إني إذا لمصلّل [3]
وما بي عصيان ولا بعد منزل ... ولكنّني من خوف مروان أوجل
وفي باحة العنقاء أو في عماية ... أو الأدمى من رهبة الموت موئل [4]
ولي صاحب في الغار هدّك صاحبا ... هو الجون إلّا أنه لا يعلّل
إذا ما التقينا كان جلّ حديثنا ... صمات وطرف كالمعابل أطحل [5]
تضمّنت الأروى لنا بطعامنا ... كلانا له منها نصيب ومأكل [6]
فأغلبه في صنعة الزّاد إنّني ... أميط الأذى عنه ولا يتأمّل
وكانت لنا قلت بأرض مضلّة ... شريعتنا لأيّنا جاء أوّل [7]
كلانا عدوّ لو يرى في عدوّه ... محزّا وكلّ في العداوة مجمل [8]
__________
[1] البيتان في أشعار اللصوص 225- 226، وتقدما ص 439.
[2] ديوان القتال الكلابي 77، وأشعار اللصوص 525- 526.
[3] مروان هو الخليفة مروان بن الحكم.
[4] الباحة: الساحة. العنقاء وعماية والأدمى: مواضع. موئل: منجى.
[5] الصمات: الصمت. المعابل: جمع معبلة؛ وهي النصل الطويل العريض. الأطحل: ما لونه الطلحة، وهو لون بين الغبرة والبياض.
[6] الأروى: الأنثى من الوعول.
[7] القلت: النقرة في الجبل تمسك الماء.
[8] المجمل: المتئد المعتدل لا يفرط.
(6/447)

وأنشد الأصمعيّ [1] : [من الطويل]
ظللنا معا جارين نحترس الثّأى ... يسائرني من نطفة وأسائره
ذكر سبعا ورجلا، قد ترافقا، فصار كلّ واحد منهما يدع فضلا من سؤره ليشرب صاحبه. الثّأى: الفساد. وخبّر أنّ كلّ واحد منهما يحترس من صاحبه.
وقد يستقيم أن يكون شعر النابغة في الحية، وفي القتيل صاحب القبر، وفي أخيه المصالح للحية أن يكون إنما جعل ذلك مثلا، وقد أثبتناه في باب الحيات [2] ، فلذلك كرهنا إعادته في هذا الموضع.
فأما جميع ما ذكرناه عنهم فإنما يخبرون عنه من جهة المعاينة والتّحقيق، وإنما المثل في هذا مثل قوله: [من الرجز]
قد كان شيطانك من خطّابها ... وكان شيطاني من طلّابها
حينا فلمّا اعتركا ألوى بها
1822-[توهم سماع الأصوات]
والإنسان يجوع فيسمع في أذنه مثل الدويّ. وقال الشاعر: [من الطويل]
دويّ الفيافي رابه فكأنّه ... أميم وساري اللّيل للضّرّ معور [3]
معور: أي مصحر [4] .
وربما قال الغلام لمولاه: أدعوتني؟ فيقول له: لا. وإنما اعترى مسامعه ذلك لعرض، لا أنّه سمع صوتا.
ومن هذا الباب قول تأبّط شرّا، أو قول قائل فيه في كلمة له [5] : [من الطويل]
يظلّ بموماة ويمسي بقفرة ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك [6]
__________
[1] البيت للغنوي في الأمالي 1/236.
[2] انظر ما تقدم في 4/203- 205.
[3] الأميم: الذي أصيب في أم رأسه.
[4] مصحر: منكشف، من قولهم: أصحر الرجل؛ إذا خرج إلى الصحراء.
[5] الأبيات لتأبط شرا في الأمالي 2/138، وزهر الآداب 358، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 92، والخزانة 1/200.
[6] الجحيش: المتنحي عن الناس. يعروري: يركب.
(6/448)

ويسبق وقد الرّيح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدّه المتدارك [1]
إذا خاط عينيه كرى النّوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك [2]
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حدّ أخضر باتك [3]
إذا هزّه في عظم قرن تهلّلت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك [4]
يرى الإنس وحشيّ الفلاة ويهتدي ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك [5]
1823-[نزول العرب بلاد الوحش والحشرات والسباع]
ويدلّ على ما قال أبو إسحاق، من نزولهم في بلاد الوحش وبين الحشرات والسّباع، ما رواه لنا أبو مسهر، عن أعرابيّ من بني تميم نزل ناحية الشّام، فكان لا يعدمه في كلّ ليلة أن يعضّه أو يعضّ ولده أو بعض حاشيته سبع من السباع، أو دابّة من دوابّ الأرض فقال: [من الطويل]
تعاورني دين وذلّ وغربة ... ومزّق جلدي ناب سبع ومخلب
وفي الأرض أحناش وسبع وحارب ... ونحن أسارى وسطها نتقلب [6]
رتيلا وطبّوع وشبثان ظلمة ... وأرقط حرقوص وضمج وعقرب [7]
ونمل كأشخاص الخنافس قطّب ... وأرسال جعلان وهزلى تسرّب
وعثّ وحفّاث وضبّ وعربد ... وذرّ ودحّاس وفار وعقرب [7]
وهرّ وظربان وسمع ودوبل ... وثرملة تجري وسيد وثعلب
ونمر وفهد ثم ضبع وجيأل ... وليث يجوس الألف لا يتهيّب
ولم أر آوى حيث أسمع ذكره ... ولا الدّبّ إنّ الدّبّ لا يتنسّب
فأما الرّتيلا والطّبّوع، والشّبث، والحرقوص، والضّمج والعنكبوت، والخنفساء، والجعل، والعثّ، والحفّاث، والدّحّاس والظّربان، والذّئب، والثّعلب، والنمر، والفهد، والضّبع، والأسد- فسنقول في ذلك إذا صرنا إلى ذكر هذه الأبواب،
__________
[1] وفد الريح: أولها. ينتحي: يعتمد. المنخرق: السريع الواسع. المتدارك: المتلاحق.
[2] الكالئ: الحافظ. الشيحان: الحازم.
[3] الربيئة: الرقيب. السلة: المرة من سلّ السيف.
[4] القرن: الكفؤ والنظير.
[5] أم النجوم: المجرة، لأنها مجتمع النجوم.
[6] الحارب: الذي يقطع الطريق ويعري الناس ثيابهم.
[7] انظر ما تقدم ص 328- 329.
(6/449)

وقبل ذلك عند ذكر الحشرات. فأما الضّبّ والورل، والعقرب، والجعل، والخنفساء، والسّمع فقد ذكرنا ذلك في أوّل الكتاب. وأما قوله: «وهزلى تسرب فالهزلى هي الحيات، كما قال جرير [1] : [من الطويل]
مزاحف هزلى بينها متباعد
وكما قال الآخر [2] : [من الوافر]
كأنّ مزاحف الهزلى عليها ... خدود رصائع جدلت تؤاما
وأما قوله: [من الطويل]
ولم أر آوى حيث أسمع ذكره
فإنّ ابن آوى لا ينزل القفار، وإنّما يكون حيث يكون الريف.
وينبغي أن يكون حيث قال هذا الشّعر توهّم أنّه ببياض نجد.
وأمّا قوله: [من الطويل]
ولا الدبّ إنّ الدبّ لا يتنسّب
فإنّ الدبّ عندهم عجميّ، والعجميّ لا يقيم نسبه.
1824-[ملح ونوادر]
ورووا في الملح أنّ فتى قال لجارية له، أو لصديقة له: ليس في الأرض أحسن منّي: ولا أملح منّي. فصار عندها كذلك. فبينا هو عندها على هذه الصّفة إذ قرع عليها الباب إنسان يريده، فاطّلعت عليه من خرق الباب، فرأت فتى أحسن النّاس وأملحهم، وأنبلهم وأتمّهم، فلمّا عاد صاحبها إلى المنزل قالت له: أو ما أخبرتني أنّك أملح الخلق وأحسنهم؟ قال: بلى! وكذلك أنا! فقالت: فقد أرادك اليوم فلان، ورأيته من خرق الباب، فرأيته أحسن منك وأملح! قال: لعمري إنّه لحسن مليح، ولكنّ له جنّيّة تصرعه في كلّ شهر مرّتين- وهو يريد بذلك أن يسقطه من عينها- قالت: أو ما تصرعه في الشّهر إلّا مرتين؟ أما والله لو أنّي جنّيّة لصرعته في اليوم ألفين!
__________
[1] تقدم البيت في 4/344، وهو للّعين المنقري في الوحشيات 267، وبلا نسبة في اللسان (صوى) .
[2] البيت لثمامة الكلبي كما تقدم في 344.
(6/450)

وهذا يدلّ على أنّ صرع الشّيطان للإنسان ليس هو عند العوامّ إلّا على جهة ما يعرفون من الجماع.
ومن هذا الضّرب من الحديث ما حدّثنا به المازنيّ، قال: ابتاع فتى صلف بذّاخ [1] جارية حسناء بديعة ظريفة، فلمّا وقع عليها قال لها مرارا ويلك. ما أوسع حرك! فلمّا أكثر عليها قالت: أنت الفداء لمن كان يملؤه.
فقد سمع هذا كما ترى من المكروه مثل ما سمع الأوّل.
وزعموا أنّ رجلا نظر إلى امرأة حسناء ظريفة، فالحّ عليها، فقالت: ما تنظر؟
قرّة عينك، وشيء غيرك! وزعم أبو الحسن المدائني أن رجلا تبع جارية لقوم. فراوغته فلم ينقطع عنها، فحثّت في المشي فلم ينقطع عنها، فلمّا جازت بمجلس قوم قالت: يا هؤلاء، لي طريق ولهذا طريق، ومولاي ينيكني؛ فسلوا هذا ما يريد مني؟
وزعم أيضا أن سيارا البرقيّ قال: مرّت بنا جارية، فرأينا فيها الكبر والتجبّر، فقال بعضنا: ينبغي أن يكون مولى هذه الجارية ينيكها! قالت: كما يكون! فلم أسمع بكلمة عامّية أشنع ولا أدلّ على ما أرادت، ولا أقصر من كلمتها هذه.
وقد قال جحشويه في شعر شبيها بهذا القول، حيث يقول: [من الوافر]
تواعدني لتنكحني ثلاثا ... ولكن يا مشوم بأيّ أير
فلو خطبت في صفة أير خطبة أطول من خطبة قيس بن خارجة بن سنان في شأن الحمالة- لما بلغ مبلغ قول جحشويه: «ولكن يا مشوم بأيّ أير» ، وقول الخادم:
«كما يكون» .
وزعموا [2] أن فتى جلس إلى أعرابيّة، وعلمت أنّه إنما جلس لينظر إلى محاسن ابنتها، فضربت بيدها على جنبها، ثم قالت: [من الوافر]
علنداة يئطّ الأير فيها ... أطيط الغرز في الرّحل الجديد [3]
ثم أقبلت على الفتى فقالت: [من الطويل]
وما لك من غير أنّك ناكح ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع
__________
[1] الصّلف: الغلو في الظرف والتكبر. البذاخ: المتكبر الفخور.
[2] الخبر مع الشعر في عيون الأخبار 4/101، وأخبار النساء 162، وربيع الأبرار 3/162.
[3] علنداة: عظيمة طويلة. يئط: يصوت. الغرز: هو للناقة مثل الحزام للفرس.
(6/451)

ودخل قاسم منزل الخوارزمي النخّاس، فرأى عنده جارية كأنها جانّ، وكأنها خوط بان، وكأنّها جدل عنان، وكأنه الياسمين؛ نعمة وبياضا؛ فقال لها: أشتريك يا جارية؟ فقالت: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ودخلت الجارية منزل النخّاس، فاشتراها وهي لا تعلم ومضى إلى المنزل ودفعها الخوارزميّ إلى غلامه، فلم تشعر الجارية إلا وهي معه في جوف بيت، فلما نظرت إليه وعرفت ما وقعت فيه قالت له: ويلك! إنك والله لن تصل إليّ إلا بعد أن أموت! فإن كنت تجسر على نيك من قد أدرجوه في الأكفان فدونك! والله إن زلت منذ رأيتك، ودخلت إلى الجواري، أصف لهنّ قبحك وبليّة امرأتك بك! فأقبل عليها يكلّمها بكلام المتكلمين، فلم تقبل منه، فقال: فلم قلت لي: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ؟ وقد فتحت كيسي فدعيني أسرّ نفسي! وهو يكلّمها وعين الجارية إلى الباب، ونفسها في توهّم الطّريق إلى منزل النخّاس. فلم يشعر قاسم حتّى وثبت وثبة إلى الباب كأنّها غزال، ولم يشعر الخوارزمي إلّا والجارية بين يديه مغشيّ عليها. فكرّ قاسم إليه راجعا وقال: ادفعها إليّ أشفي نفسي منها.
فطلبوا إليه فصفح عنها، واشتراها في ذلك المجلس غلام أملح منها، فقامت إليه فقبّلت فاه، وقاسم ينظر، والقوم يتعجّبون ممّا تهيأ له وتهيّأ لها.
وأما عيسى بن مروان كاتب أبي مروان عبد الملك بن أبي حمزة فإنّه كان شديد التغزّل والتّصندل [1] ، حتّى شرب لذلك النبيذ وتظرّف [2] بتقطيع ثيابه [3] وتغنّى أصواتا، وحفظ أحاديث من أحاديث العشّاق ومن الأحاديث التي تشتهيها النساء وتفهم معانيها. وكان أقبح خلق الله تعالى أنفا، حتّى كان أقبح من الأخنس، ومن الأفطس، والأجدع، فإمّا أن يكون صادق ظريفة، وإما أن يكون تزوّجها فلما خلا معها في بيت وأرادها على ما يريد الرّجل من المرأة، امتنعت، فوهب لها، ومنّاها، وأظهر تعشقها، وأراغها بكلّ حيلة. فلما لم تجب قال لها: خبّريني، ما الذي يمنعك؟ قالت: قبح أنفك وهو يستقبل عيني وقت الحاجة، فلو كان أنفك في قفاك لكان أهون عليّ! قال لها: جعلت فداك؟ الذي بأنفي ليس هو خلقة وإنّما هو ضربة ضربتها في سبيل الله تعالى. فقالت واستغربت ضحكا: أنا ما أبالي. في سبيل الله كانت أو في سبيل الشّيطان. إنّما بي قبحه. فخذ ثوابك على هذه الضّربة من الله أمّا أنا فلا.
__________
[1] تصندل: تغزل مع النساء.
[2] تظرف: تكلف الظرف.
[3] تقطيع الثياب: تقصيرها.
(6/452)

باب الجدّ من أمر الجنّ
ليس هذا، حفظك الله تعالى، من الباب الذي كنّا فيه، ولكنّه كان مستراحا وجماما. وسنقول في باب من ذكر الجنّ، لتنتفع في دينك أشد الانتفاع. وهو جدّ كلّه.
والكلام الأوّل وما يتلوه من ذكر الحشرات، ليس فيه جدّ إلّا وفيه خلط من هزل، وليس فيه كلام صحيح إلا وإلى جنبه خرافة، لأن هذا الباب هكذا يقع.
وقد طعن قوم في استراق الشّياطين السمع بوجوه من الطّعن. فإذ قد جرى لها من الذّكر في باب الهزل ما قد جرى، فالواجب علينا أن نقول في باب الجدّ، وفيما يرد على أهل الدّين بجملة، وإن كان هذا الكتاب لم يقصد به إلى هذا الباب حيث ابتدئ. وإن نحن استقصيناه كنّا قد خرجنا من حدّ القول في الحيوان. ولكنا نقول بجملة كافية. والله تعالى المعين على ذلك.
1825-[رد على المحتجّين لإنكار استراق السمع بالقرآن]
قال قوم: قد علمنا أن الشياطين ألطف لطافة، وأقلّ آفة، وأحدّ أذهانا، وأقلّ فضولا، وأخفّ أبدانا، وأكثر معرفة وأدقّ فطنة منّا. والدّليل على ذلك إجماعهم على أنّه ليس في الأرض بدعة بديعة، دقيقة ولا جليلة، ولا في الأرض معصية من طريق الهوى والشّهوة، خفيّة كانت أو ظاهرة، إلّا والشّيطان هو الدّاعي لها، والمزيّن لها، والذي يفتح باب كلّ بلاء، وينصب كلّ حبالة وخدعة. ولم تكن لتعرف أصناف جميع الشرور والمعاصي حتى تعرف جميع أصناف الخير والطّاعات.
ونحن قد نجد الرّجل إذا كان معه عقل، ثمّ علم أنّه إذا نقب حائطا قطعت يده، أو أسمع إنسانا كلاما قطع لسانه، أو يكون متى رام ذلك حيل دونه ودون ما رام منه- أنّه لا يتكلّف ذلك ولا يرومه، ولا يحاول أمرا قد أيقن أنّه لا يبلغه.
وأنتم تزعمون أنّ الشّياطين الذين هم على هذه الصّفة كلّما صعد منهم شيطان ليسترق السّمع قذف بشهاب نار، وليس له خواطئ، فإمّا أن يكون يصيبه،
(6/453)

وإمّا أن يكون نذيرا صادقا أو وعيدا إن يقدم عليه رمى به. وهذه الرّجوم لا تكون إلا لهذه الأمور. ومتى كانت فقد ظهر للشّيطان إحراق المستمع والمسترق، والموانع دون الوصول ثمّ لا نرى الأوّل ينهي الثّاني، ولا الثّاني ينهي الثّالث، ولا الثّالث ينهي الرّابع عجب. وإن كان الذي يعود غيره فكيف خفي عليه شأنهم، وهو ظاهر مكشوف؟! وعلى أنّهم لم يكونوا أعلم منّا حتّى ميّزوا جميع المعاصي من جميع الطاعات. ولولا ذلك لدعوا إلى الطّاعة بحساب المعصية، وزيّنوا لها الصّلاح وهم يريدون الفساد. فإذا كانوا ليسوا كذلك فأدنى حالاتهم أن يكونوا قد عرفوا أخبار القرآن وصدقوها، وأنّ الله تعالى محقّق ما أوعد كما ينجز ما وعد. وقد قال الله عزّ وجل: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[1] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
[2] وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
[3] وقال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
[4] مع قول الجنّ: أَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
[5] وقولهم: أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
[6] .
فكيف يسترق السّمع الذين شاهدوا الحالتين جميعا، وأظهروا اليقين بصحّة الخير بأنّ للمستمع بعد ذلك القذف بالشّهب، والإحراق بالنار، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
[7] وقوله تعالى: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
[8] في آي غير
__________
[1] 5/الملك: 67.
[2] 16- 17/الحجر: 15.
[3] 6- 8/الصافات: 37.
[4] 221- 223/الشعراء: 26.
[5] 10/الجن: 72.
[6] 8- 9/الجن: 72.
[7] 212/الشعراء: 26.
[8] 7- 9/الصافات: 37.
(6/454)

هذا كثير. فكيف يعودون إلى استراق السّمع، مع تيقنهم بأنّه قد حصّن بالشهب.
ولو لم يكونوا موقنين من جهة حقائق الكتاب، ولا من جهة أنّهم بعد قعودهم مقاعد السّمع لمسوا السّماء فوجدوا الأمر قد تغيّر- لكان في طول التّجربة والعيان الظّاهر، وفي إخبار بعضهم لبعض، ما يكون حائلا دون الطّمع وقاطعا دون التماس الصّعود.
وبعد فأي عاقل يسرّ بأن يسمع خبرا وتقطع يده فضلا عن أن تحرقه النّار؟! وبعد فأيّ خبر في ذلك اليوم؟! وهل يصلون إلى النّاس حتّى يجعلوا ذلك الخبر سببا إلى صرف الدّعوى؟ قيل لهم: فإنّا نقول بالصّرفة في عامّة هذه الأصول. وفي هذه الأبواب، كنحو ما ألقي على قلوب بني إسرائيل وهم يجولون في التّيه، وهم في العدد وفي كثرة الأدلّاء والتجّار وأصحاب الأسفار، والحمّارين والمكارين، من الكثرة على ما قد سمعتم به وعرفتموه؛ وهم مع هذا يمشون حتّى يصبحوا، مع شدّة الاجتهاد في الدّهر الطويل، ومع قرب ما بين طرفي التّيه. وقد كان طريقا مسلوكا. وإنّما سمّوه التّيه حين تاهوا فيه، لأنّ الله تعالى حين أراد أن يمتحنهم ويبتليهم صرف أوهامهم.
ومثل ذلك صنيعه في أوهام الأمة التي كان سليمان ملكها ونبيّها، مع تسخير الريح والأعاجيب التي أعطيها. وليس بينهم وبين ملكهم ومملكتهم وبين ملك سبأ ومملكة بلقيس ملكتهم بحار لا تركب، وجبال لا ترام. ولم يتسامع أهل المملكتين ولا كان في ذكرهم مكان هذه الملكة.
وقد قلنا في باب القول في الهدهد ما قلنا [1] ، حين ذكرنا الصّرفة، وذكرنا حال يعقوب ويوسف وحال سليمان وهو معتمد على عصاه، وهو ميّت والجنّ مطيفة به وهم لا يشعرون بموته، وذكرنا من صرف أوهام العرب عن محاولة معارضة القرآن، ولم يأتوا به مضطربا ولا ملفّقا ولا مستكرها؛ إذا كان في ذلك لأهل الشّغب متعلّق، مع غير ذلك، ممّا يخالف فيه طريق الدّهريّة، لأنّ الدّهريّ لا يقر إلّا بالمحسوسات والعادات على خلاف هذا المذهب.
ولعمري ما يستطيع الدّهريّ أن يقول بهذا القول ويحتجّ بهذه الحجّة، ما دام لا يقول بالتّوحيد، وما دام لا يعرف إلا الفلك وعمله، ومادام يرى أن إرسال الرسل يستحيل، وأن الأمر والنّهي، والثواب والعقاب على غير ما نقول، وأنّ الله تعالى لا يجوز أن يأمر من جهة الاختبار إلا من جهة الحزم.
__________
[1] انظر ما تقدم في 3/249 (باب القول في الهدهد) ، 4/77.
(6/455)

وكذلك نقول ونزعم أن أوهام هذه العفاريت تصرف عن الذكر لتقع المحنة، وكذلك نقول في النبي صلّى الله عليه وسلّم أن لو كان في جميع تلك الهزاهز [1] من يذكر قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[2] لسقط عنه من المحنة أغلظها.
وإذا سقطت المحنة لم تكن الطاعة والمعصية. وكذلك عظيم الطاعة مقرون بعظيم الثّواب.
وما يصنع الدهري وغير الدّهري بهذه المسألة وبهذا التسطير [3] ؟! ونحن نقول: لو كان إبليس يذكر في كلّ حال قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
[4] وعلم في كلّ حال أنّه لا يسلم لوجب أن المحنة كانت تسقط عنه، لأن من علم يقينا أنّه لا يمضي غدا إلى السوق ولا يقبض دراهمه من فلان، لم يطمع فيه. ومن لم يطمع في الشيء انقطعت عنه أسباب الدواعي إليه. ومن كان كذلك فمحال أن يأتي السّوق.
فنقول في إبليس: إنه ينسى ليكون مختبرا ممتحنا فليعلموا أن قولنا في مسترقي السمع كقولنا في إبليس، وفي جميع هذه الأمور التي أوجب علينا الدّين أن نقول فيها بهذا القول.
وليس له أن يدفع هذا القول على أصل ديننا، فإن أحبّ أن يسأل عن الدين الذي أوجب هذا القول علينا فيلفعل، والله تعالى المعين والموفّق.
وأما قولهم: «من يخاطر بذهاب نفسه لخبر يستفيده» فقد علمنا أن أصحاب الرّياسات وإن كان متبيّنا كيف كان اعتراضهم على أنّ أيسر ما يحتملون في جنب تلك الرّياسات القتل.
ولعلّ بعض الشّياطين أن يكون معه من النّفخ [5] وحب الرّياسة ما يهوّن عليه أن يبلغ دوين المواضع التي إن دنا منها أصابه الرّجم، والرّجم إنما ضمن أنه مانع من الوصول، ويعلم أنه إذا كان شهابا أنه يحرقه ولم يضمن أنه يتلف عنه، فما أكثر من تخترقه الرّماح في الحرب ثم يعاود ذلك المكان ورزقه ثمانون دينارا ولا يأخذ إلا
__________
[1] الهزاهز: الفتن يهتز فيها الناس.
[2] 67/المائدة: 5.
[3] التسطير: أن يأتي بأساطير وأحاديث تشبه الباطل.
[4] 35/الحجر: 15.
[5] النفخ: الكبر.
(6/456)

نصفه، ولا يأخذه إلا قمحا. فلولا أن مع قدم هذا الجنديّ ضروبا مما يهزّه وينجّده [1] ويدعو إليه ويغريه- ما كان يعود إلى موضع قد قطعت فيه إحدى يديه، أو فقئت إحدى عينيه.
ولم وقع عليه إذا اسم شيطان، ومارد، وعفريت، وأشباه ذلك؟! ولم صار الإنسان يسمّى بهذه الأسماء، ويوصف بهذه الصفات إذا كان فيه الجزء الواحد من كلّ ما هم عليه؟!.
وقالوا في باب آخر من الطّعن غير هذا، قالوا في قوله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
[2] فقالوا: قد دلّ هذا الكلام على أن الأخبار هناك كانت مضيّعة حتّى حصّنت بعد. فقد وصفتم الله تعالى بالتّضييع والاستدراك!.
قلنا: ليس في هذا الكلام دليل على أنهم سمعوا سرّا قط أو هجموا على خبر إن أشاعوه فسد به شيء من الدّين. وللملائكة في السّماء تسبيح وتهليل، وتكبير وتلاوة، فكان لا يبلغ الموضع الذي يسمع ذلك منه إلا عفاريتهم.
وقد يستقيم أن يكون العفريت يكذب ويقول: سمعت ما لم يسمع ومتى لم يكن على قوله برهان يدلّ على صدقه فإنما هو في كذبه من جنس كلّ متنبئ وكاهن.
فإن صدقه مصدق بلا حجّة فليس ذلك بحجّة على الله وعلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
1826-[المحتجون بالشعر لرجم الشياطين قبل الإسلام]
وذهب بعضهم في الطّعن إلى غير هذه الحجّة، قالوا: زعمتم أن الله تعالى جعل هذه الرّجوم للخوافي حجّة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فكيف يكون ذلك رجما، وقد كان قبل الإسلام ظاهرا مرئيّا، وذلك موجود في الأشعار. وقد قال بشر بن أبي خازم في ذلك [3] : [من الطويل]
فجأجأها من أول الرّيّ غدوة ... ولمّا يسكّنه من الأرض مرتع [4]
بأكلبة زرق ضوار كأنّها ... خطاطيف من طول الطريدة تلمع [5]
__________
[1] ينجده: يجعله ذا نجدة، والنجدة: الشجاعة.
[2] 9/الجن: 72.
[3] ديوان بشر بن أبي خازم 121 (146) .
[4] جأجأها: دعاها إلى الشرب. المرتع: المرعى الخصيب.
[5] زرق: زرق العيون، الضواري: الكلاب التي اعتادت الصيد. الخطاطيف: جمع خطاف- بضم الخاء- وهي الحديدة الحجناء، شبه بها الكلاب لدقتها وضمورها.
(6/457)

فجال على نفر تعرّض كوكب ... وقد حال دون النّقع والنّقع يسطع [1]
فوصف شوط الثّور هاربا من الكلاب بانقضاض الكوكب في سرعته، وحسنه، وبريق جلده. ولذلك قال الطّرمّاح [2] : [من الكامل]
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وأنشد أيضا قول بشر بن أبي خازم [3] : [من الكامل]
وتشجّ بالعير الفلاة كأنّها ... فتخاء كاسرة هوت من مرقب [4]
والعير يرهقها الخبار وجحشها ... ينقضّ خلفهما انقضاض الكوكب [5]
قالوا: وقال الضّبّي: [من السريع]
ينالها مهتك أشجارها ... بذي غروب فيه تحريب [6]
كأنّه حين نحا كوكب ... أو قبس بالكفّ مشبوب [7]
وقال أوس بن حجر [8] : [من الكامل]
فانقضّ كالدّريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا [9]
يخفى وأحيانا يلوح كما ... رفع المشير بكفّه لهبا
__________
[1] جال: جرى، يعني الثور. النفر: الشرود. النقع: الغبار الذي تثيره أظلاف الثور. يسطع: ينتشر ويتفرق.
[2] ديوان الطرماح 146 (117) ، وأساس البلاغة (ضمر) ، وديوان المعاني 2/131، والأغاني 6/95، والعمدة 1/260، وتقدم في 3/222، الفقرة (881) .
[3] ديوان بشر بن أبي خازم 36- 37 (81) .
[4] في ديوانه: «تشج الفلاة: تشقها وتسير بها سيرا شديدا. والعير: حمار الوحش. فتخاء: أي عقاب فتخاء، وهي اللينة الجناح، لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها، وهذا لا يكون إلا من اللين.
والمرقب: الموضع المشرف من علم أو رابية يرتفع عليه الرقيب للمراقبة» .
[5] في ديوانه: «الخبار: أرض لينة رخوة تسوخ فيها القوائم. شبه الجحش بالكوكب المنقض في سرعته وبياضه.
[6] الأشجار: جمع شجر، وهو ما انفتح من مطبق الفم. غروب الأسنان: مناقع ريقها. التحريب:
التحديد.
[7] نحا: قصد.
[8] ديوان أوس بن حجر 3- 4، والأول في اللسان والتاج (درأ) ، والتهذيب 14/158.
[9] الدريء: الكوكب المنقض يدرأ على الشيطان. النقع: الغبار الساطع. تخاله طنبا: يريد: تخاله فسطاطا مضروبا.
(6/458)

ورووا قوله [1] : [من الكامل]
فانقضّ كالدّرّي من متحدّر ... لمع العقيقة جنح ليل مظلم [2]
وقال عوف بن الخرع: [من الطويل]
يردّ علينا العير من دون أنفه ... أو الثّور كالدّرّي يتبعه الدّم
وقال الأفوه الأودي [3] : [من الرمل]
كشهاب القذف يرميكم به ... فارس في كفّه للحرب نار
وقال أميّة بن أبي الصّلت [4] : [من الكامل]
وترى شياطينا تروغ مضافة ... ورواغها شتّى إذا ما تطرد [5]
يلقى عليها في السّماء مذلّة ... وكواكب ترمى بها فتعرّد [6]
قلنا لهؤلاء القوم: إن قدرتم على شعر جاهليّ لم يدرك مبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا مولده فهو بعض ما يتعلّق به مثلكم، وإن كان الجواب في ذلك سيأتيكم إن شاء الله تعالى. فأما أشعار المخضرمين والإسلاميّين فليس لكم في ذلك حجّة. والجاهليّ ما لم يكن أدرك المولد، فإنّ ذلك ممّا ليس ينبغي لكم أن تتعلّقوا به. وبشر بن أبي خازم فقد أدرك الفجار، والنبي صلّى الله عليه وسلّم شهد الفجار، وقال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي وأنا غلام» [7] .
والأعلام ضروب، فمنها ما يكون كالبشارات في الكتب، لكون الصّفة إذا واقفت الصّفة التي لا يقع مثلها اتفاقا وعرضا لزمت فيه الحجة، وضروب أخر كالإرهاص للأمر، والتأسيس له، وكالتعبيد والترشيح [8] ، فإنّه قلّ نبيّ إلّا وقد حدثت عند مولده، أو قبيل مولده، أو بعد مولده أشياء لم يكن يحدث مثلها. وعند ذلك
__________
[1] سيذكر الجاحظ هذا البيت ص 460.
[2] العقيقة: البرق إذا رأيته وسط السحاب كأنه سيف مسلول.
[3] ديوان الأفوه الأودي 12، والحماسة البصرية 1/49.
[4] ديوان أمية بن أبي الصلت 361.
[5] تروغ: تميل. المضاف: الخائف.
[6] التعريد: الإحجام والفرار. التقديد: التقطيع.
[7] النهاية 3/414، 5/10، وعمدة الحفاظ 2/204 (فجر) . وانظر لحرب الفجار: الأغاني 22/54- 74، وأيام العرب في الجاهلية 322- 341.
[8] التعبيد: التمهيد والتذليل. الترشيح: التهيئة للشيء.
(6/459)

يقول الناس: إنّ هذا لأمر، وإنّ هذا ليراد به أمر وقع، أو سيكون لهذا نبأ. كما تراهم يقولون عند الذوائب التي تحدث لبعض الكواكب في بعض الزمان. فمن التّرشيح والتّأسيس والتّفخيم شأن عبد المطلب عند القرعة، وحين خروج الماء من تحت ركبة جملة، وما كان من شأن الفيل والطير الأبابيل وغير ذلك، مما إذا تقدم للرّجل زاد في نبله وفي فخامة أمره. والمتوقّع أبدا معظّم فإن كانت هذه الشهب في هذه الأيام أبدا مرئيّة فإنما كانت من التأسيس والإرهاص، إلا أن ينشدونا مثل شعر الشعراء الذين لم يدركوا المولد ولا بعد ذلك، فإنّ عددهم كثير، وشعرهم معروف.
وقد قيل الشّعر قبل الإسلام في مقدار من الدهر أطول ممّا بيننا اليوم وبين أوّل الإسلام، وأولئكم عندكم أشعر ممن كان بعدهم.
وكان أحدهم لا يدع عظما منبوذا باليا، ولا حجرا مطروحا، ولا خنفساء، ولا جعلا، ولا دودة، ولا حية، إلا قال فيها، فكيف لم يتهيأ من واحد منهم أن يذكر الكواكب المنقضّة مع حسنها وسرعتها والأعجوبة فيها. وكيف أمسكوا بأجمعهم عن ذكرها إلى الزّمان الذي يحتجّ فيه خصومكم.
وقد علمنا أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم حين ذكر له يوم ذي قار قال: «هذا أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا» .
ولم يكن قال لهم قبل ذلك إنّ وقعة ستكون، من صفتها كذا، ومن شأنها كذا، وتنصرون على العجم، وبي تنصرون فإن كان بشر بن أبي خازم وهؤلاء الذين ذكرتم قد عاينوا انقضاض الكواكب فليس بمستنكر أن تكون كانت إرهاصا لمن لم يخبر عنها ويحتجّ بها لنفسه. فكيف وبشر بن أبي خازم حيّ في أيّام الفجار، التي شهدها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه، وأنّ كنانة وقريشا به نصروا.
وسنقول في هذه الأشعار التي أنشدتموها، ونخبر عن مقاديرها وطبقاتها. فأما قوله [1] : [من الكامل]
فانقضّ كالدّرّي من متحدّر ... لمع العقيقة جنح ليل مظلم
__________
[1] تقدم البيت ص 459.
(6/460)

فخبّرني أبو إسحاق أن هذا البيت في أبيات أخر كان أسامة صاحب روح بن أبي همّام، هو الذي كان ولّدها. فإن اتّهمت خبر أبي إسحاق فسمّ الشّاعر، وهات القصيدة، فإنّه لا يقبل في مثل هذا إلّا بيت صحيح صحيح الجوهر، من قصيدة، صحيحة لشاعر معروف. وإلّا فإن كلّ من يقول الشّعر يستطيع أن يقول خمسين بيتا كل بيت منها أجود من هذا البيت.
وأسامة هذا هو الذي قال له روح: [من مجزوء الخفيف]
اسقني يا أسامه ... من رحيق مدامه
اسقنيها فإنّي ... كافر بالقيامه
وهذا الشعر هو الذي قتله. وأمّا ما أنشدتم من قول أوس بن حجر [1] : [من الكامل]
فانقضّ كالدريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
وهذا الشّعر ليس يرويه لأوس إلّا من لا يفصل بين شعر أوس بن حجر، وشريح ابن أوس. وقد طعنت الرّواة في هذا الشّعر الذي أضفتموه إلى بشر بن أبي خازم، من قوله [2] : [من الكامل]
والعير يرهقها الخبار وجحشها ... ينقضّ خلفهما انقضاض الكوكب
فزعموا أنه ليس من عادتهم أن يصفوا عدو الحمار بانقضاض الكوكب، ولا بدن الحمار ببدن الكوكب. وقالوا: في شعر بشر مصنوع كثير، مما قد احتملته كثير من الرّواة على أنّه من صحيح شعره. فمن ذلك قصيدته التي يقول فيها [3] : [من الوافر]
فرجّي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزيّ آبا [4]
__________
[1] ديوان أوس بن حجر 3، وتقدم ص 458.
[2] تقدم البيت ص 458.
[3] ديوان بشر بن أبي خازم 26 (74) .
[4] في ديوانه: «القارظ: الذي يجني القرظ؛ وهو شجر يدبغ بورقه وثمره. والقارظ العنزي: رجل من عنزة خرج يطلب القرظ فمات ولم يرجع إلى أهله. فضربته العرب مثلا للمفقود الذي يفوت فلا يرجع، وهما قارظان، ولهما حديث، انظره في مجمع الأمثال 1/75، والسمط 99- 100، واللسان (فرظ) .
(6/461)

وأما ما ذكرتم من شعر هذا الضّبّي، فإنّ الضّبّي مخضرم.
وزعمتم أنّكم وجدتم ذكر الشّهب في كتب القدماء من الفلاسفة، وأنّه في الآثار العلوية لأرسطاطاليس، حين ذكر القول في الشّهب، مع القول في الكواكب ذوات الذوائب، ومع القول في القوس، والطّوق الذي يكون حول القمر بالليل. فإن كنتم بمثل هذا تستعينون، وإليه تفزعون، فإنّا نوجدكم من كذب التّراجمة وزيادتهم، ومن فساد الكتاب، من جهة تأويل الكلام، ومن جهة جهل المترجم بنقل لغة إلى لغة، ومن جهة فساد النّسخ، ومن أنه قد تقادم فاعترضت دونه الدّهور والأحقاب، فصار لا يؤمن عليه ضروب التّبديل والفساد. وهذا الكلام معروف صحيح.
وأما ما رويتم من شعر الأفوه الأوديّ فلعمري إنّه لجاهليّ، وما وجدنا أحدا من الرّواة يشكّ في أن القصيدة مصنوعة. وبعد فمن أين علم الأفوه أنّ الشهب التي يراها إنما هي قذف ورجم، وهو جاهليّ، ولم يدّع هذا أحد قطّ إلا المسلمون؟ فهذا دليل آخر على أن القصيدة مصنوعة.
1827-[رجع القول إلى تفسير قصيدة البهراني]
ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهرانيّ [1] :
وأما قوله: [من الخفيف]
28- «جائبا للبحار أهدي لعرسي ... فلفلا مجتنى وهضمة عطر
29- وأحلّي هرير من صدف البح ... ر وأسقي العيال من نيل مصر»
فإن الناس يقولون: إن السّاحر لا يكون ماهرا حتّى يأتى بالفلفل الرّطب من سرنديب. وهريرة: اسم امرأته الجنّيّة.
وذكر الظّبي الذي جعله مركبه إلى بلاد الهند، فقال:
30- «وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنّه كثير التّمرّي
32- مولج دبره خواية مكو ... وهو باللّيل في العفاريت يسري»
يقول: هذا الظّبي الذي من جبنه وحذره، من بين جميع الوحش، لا يدخل حراه [2] إلا مستدبرا، لتكون عيناه تلقاء ما يخاف أن يغشاه هو الذي يسري مع العفاريت باللّيل ضاحكا بي هازئا إذا كان تحتي.
__________
[1] تقدمت القصيدة ص 358- 360.
[2] الحرا: مأوى الظبي.
(6/462)

وأما قوله:
33- «يحسب النّاظرون أني ابن ماء ... ذاكر عشّه بضفّة نهر»
فإن الجنّيّ إذا طار به في جوّ السماء ظنّ كلّ من رآه أنّه طائر ماء.
1828-[قولهم: أروى من ضبّ]
وأما قولهم في المثل: «أروى من ضبّ» فإني لا أعرفه، لأنّ كلّ شيء بالدوّ والدّهناء والصّمّان، وأوساط هذه المهامه والصحاصح فإن جميع ما يسكنها من الحشرات والسّباع لا يرد الماء ولا يريده، لأنه ليس في أوساط هذه الفيافي في الصّيف كله وفي القيظ جميعا منقع ماء، ولا غدير، ولا شريعة، ولا وشل [1] . فإذا استقام أن يمرّ بظبائها وأرانبها وثعالبها وغير ذلك منها الصّيفة كلّها، والقيظ كله، ولم تذق فيها قطرة ماء، فهي له في الشتاء أترك، لأنّ من اقتات اليبس إذا لم يشرب الماء فهو إذا اقتات الرّطب أترك.
وليس العجب في هذا، ولكنّ العجب في إبل لا ترد الماء.
وزعم الأصمعيّ أنّ لبني عقيل ماعزا لم يرد الماء قطّ [2] . فينبغي على ذاك أن يكون واديهم لا يزال يكون فيه من البقل والورق ما يعيشها بتلك الرّطوبة التي فيها.
ولو كانت ثعالب الدّهناء وظباؤها وأرانبها ووحشها تحتاج إلى الماء لطلبته أشدّ الطلب، فإن الحيوان كلّه يهتدي إلى ما يعيشه، وذلك في طبعه وإنما سلب هذه المعارف الذين أعطوا العقل والاستطاعة فوكلوا إليهما.
فأمّا من سلب الآلة التي بها تكون الرّويّة والأداة التي يكون بها التصرّف، وتخرج أفعاله من حد الإيجاب إلى حد الإمكان، وعوّض التمكين، فإن سبيله غير سبيل من منح ذلك، فقسم الله تعالى لتلك الكفاية، وقسم لهؤلاء الابتلاء والاختيار.
1829-[قصيدتا بشر بن المعتمر]
أوّل ما نبدأ قبل ذكر الحشرات وأصناف الحيوان والوحش بشعري بشر بن المعتمر، فإن له في هذا الباب قصيدتين، قد جمع فيهما كثيرا من هذه الغرائب
__________
[1] الوشل: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة.
[2] تقدم القول في 5/485.
(6/463)

والفرائد، ونبّه بهذا على وجوه كثيرة من الحكمة العجيبة، والموعظة البليغة. وقد كان يمكننا أن نذكر من شأن هذه السّباع والحشرات بقدر ما تتسع له الرواية، من غير أن نكتبهما في هذا الكتاب، ولكنهما يجمعان أمورا كثيرة.
أمّا أوّل ذلك فإنّ حفظ الشّعر أهون على النّفس، وإذا حفظ كان أعلق وأثبت، وكان شاهدا. وإن احتيج إلى ضرب المثل كان مثلا.
وإذا قسمنا ما عندنا في هذه الأصناف، على بيوت هذين الشّعرين، وقع ذكرهما مصنّفا فيصير حينئذ آنق في الأسماع، وأشدّ في الحفظ.
1830-[القصيدة الأولى]
قال بشر بن المعتمر [1] : [من السريع]
1- الناس دأبا في طلاب الغنى ... وكلهم من شأنه الختر [2]
2- كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر
3- تراهم فوضى وأيدي سبا ... كلّ له في نفثه سحر [3]
4- تبارك الله وسبحانه ... بين يديه النّفع والضّرّ
5- من خلقه في رزقه كلّهم ... الذّيخ والثّيتل والغفر [4]
6- وساكن الجوّ إذا ما علا ... فيه، ومن مسكنه القفر
7- والصّدع الأعصم في شاهق ... وجأبة مسكنها الوعر
8- والحيّة الصّماء في جحرها ... والتّتفل الرائغ والذّرّ [5]
9- وإلقة ترغث ربّاحها ... والسّهل والنّوفل والنضر [6]
10- وهقلة ترتاع من ظلّها ... لها عرار ولها زمر [7]
__________
[1] الأبيات (1- 9) في اللسان (ربح) والتنبيه والإيضاح 1/236، والأبيات (4- 11، 20) في اللسان (ألق) ، والبيت التاسع في التاج (ربح، ألق) ، وتقدم بلا نسبة في 2/402، والفقرة (462) . وتقدمت الأبيات (10- 13، 20) ص 348، والبيت (28) في اللسان والتاج (شرف) ، والبيت (60) في البيان 4/22.
[2] الختر: الغدر.
[3] النفث: شبيه بالنفخ.
[4] الذيخ: الذكر من الضباع. الثيتل: الوعل المسن، وجنس من بقر الوحش. الغفر: ولد الأروية.
[5] التتفل: الثعلب.
[6] الإلقة: القردة. الرباح: القرد. ترغثه: ترضعه. السهل: الغراب. النوفل: البحر. النضر: الذهب.
[7] الهقلة: الفتية من النعام. العرار: الصياح.
(6/464)

11- تلتهم المرو على شهوة ... أحبّ شيء عندها الجمر [1]
12- وضبة تأكل أولادها ... وعترفان بطنه صفر [2]
13- يؤثر بالطّعم، وتأذينه، ... منجّم ليس له فكر
14- وكيف لا أعجب من عالم ... حشوته التأبيس والدّغر [3]
15- وحكمة يبصرها عاقل ... ليس له من دونها ستر
16- جرادة تخرق متن الصّفا ... وأبغث يصطاده صقر
17- سلاحه رمح فما عذره ... وقد عراه دونه الذّعر
18- والدّبّ والقرد إذا علّما ... والفيل والكلبة واليعر [4]
19- يحجم عن فرط أعاجيبها ... وعن مدى غاياتها السّحر
20- وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التّمر
21- وخنفس يسعى بجعلانه ... يقوتها الأرواث والبعر
22- يقتلها الورد وتحيا إذا ... ضمّ إليها الرّوث والجعر
23- وفأرة البيش إمام لها ... والخلد فيه عجب هتر [5]
24- وقنفذ يسري إلى حيّة ... وحيّة يخلى له الجحر
25- وعضرفوط ماله قبلة ... وهدهد يكفره بكر
26- وفرّة العقرب من لسعها ... تخبر أن ليس لها عذر
27- والببر فيه عجب عاجب ... إذا تلاقى اللّيث والببر
28- وطائر أشرف ذو جردة ... وطائر ليس له وكر [6]
29- وثرمل تأوي إلى دوبل ... وعسكر يتبعه النّسر [7]
30- يسالم الضّبع بذي مرّة ... أبرمها في الرّحم العمر
31- وتمسح خلّله طائر ... وسابح ليس له سحر [8]
__________
[1] المرو: حجر أبيض براق.
[2] العترفان: الديك.
[3] التأبيس: الإغاظة والترويع. الدغر: توثب المختلس.
[4] اليعر: صغار الغنم.
[5] الهتر: العجب.
[6] الجردة: التجرد، أي التجرد من الزغب والريش.
[7] الثرمل: أورد الجاحظ في تفسيره للبيت فيما سيأتي «الثرملة» : أنثى الثعالب، وهي مسالمة للدوبل» . الدوبل: الذئب العرم.
[8] التمسح: التمساح. السحر: الرئة.
(6/465)

32- والعثّ والحفّاث ذو فحفح ... وخرنق يسفده وبر [1]
33- وغائص في الرمل ذو حدّة ... ليس له ناب ولا ظفر [2]
34- حرباؤها في قيظها شامس ... حتّى يوافي وقته العصر [3]
35- يميل بالشّقّ إليها كما ... يميل في روضته الزّهر [3]
36- والظّربان الورد قد شفّه ... حبّ الكشى، والوحر الحمر [4]
37- يلوذ منه الضّبّ مذلوليا ... ولو نجا أهلكه الذّعر [4]
38- وليس ينجيه إذا ما فسا ... شيء ولو أحرزه قصر [4]
39- وهيشة تأكلها سرفة ... وسمع ذئب همّه الحضر [5]
40- لا ترد الماء أفاعي النّقا ... لكنما يعجبها الخمر [6]
41- وفي ذرى الحرمل ظلّ لها ... إذا غلا واحتدم الهجر [6]
42- فبعضها طعم لبعض كما ... أعطى سهام الميسر القمر [6]
43- وتمسح النّيل عقاب الهوا ... والّليث رأس وله الأسر [7]
44- ثلاثة ليس لها غالب ... إلّا بما ينتقض الدّهر [7]
45- إنّي وإن كنت ضعيف القوى ... فالله يقضي وله الأمر
46- لست إباضيّا غبيّا ولا ... كرافضيّ غرّه الجفر
47- كما يغرّ الآل في سبسب ... سفرا فأودى عنده السّفر [8]
48- كلاهما وسّع في جهل ما ... فعاله عندهما كفر
49- لسنا من الحشو الجفاة الأولى ... عابوا الذي عابوا ولم يدروا
50- أن غبت لم يسلمك من تهمة ... وإن رنا فلحظه شزر [9]
51- يعرض إن سالمته مدبرا ... كأنما يلسبه الدّبر [10]
52- أبله خبّ ضغن قلبه ... له احتيال وله مكر
__________
[1] انظر ما سيأتي من الشرح ص 496.
[2] انظر ما سيأتي من الشرح ص 505.
[3] انظر ما سيأتي من الشرح ص 507.
[4] انظر ما سيأتي من الشرح ص 511.
[5] انظر ما سيأتي من الشرح ص 519.
[6] انظر ما سيأتي من الشرح ص 527- 528.
[7] انظر ما سيأتي من الشرح ص 531.
[8] الآل: السراب. السفر: جماعة المسافرين.
[9] الرنو: إدامة النظر.
[10] لسبه: لسعه. الدبر: النحل والزنابير.
(6/466)

53- وانتحلوا جماعة باسمها ... وفارقوها فهم اليعر [1]
54- وأهوج أعوج ذو لوثة ... ليس له رأي ولا قدر [2]
55- قد غرّه في نفسه مثله ... وغرّهم أيضا كما غرّوا
56- لا تنجع الحكمة فيهم كما ... ينبو عن الجرولة القطر [3]
57- قلوبهم شتّى فما منهم ... ثلاثة يجمعهم أمر
58- إلّا الأذي أو بهت أهل التّقى ... وأنّهم أعينهم خزر [4]
59- أولئك الدّاء العضال الذي ... أعيا لديه الصّاب والمقر [5]
60- حيلة من ليست له حيلة ... حسن عزاء النّفس والصبر
1831-[القصيدة الثانية]
قال: وأنشدني أيضا [6] : [من السريع]
1- ما ترى العالم ذا حشوة ... يقصر عنها عدد القطر
2- أوابد الوحش وأحناشها ... وكلّ سبع وافر الظّفر
3- وبعضه ذو همج هامج ... فيه اعتبار لذوي الفكر
4- والوزغ الرّقط على ذلّها ... تطاعم الحيّات في الجحر
5- والخنفس الأسود في طبعه ... مودّة العقرب في السّرّ
6- والحشرات الغبر منبثّة ... بين الورى والبلد القفر
7- وكلها شرّ وفي شرّها ... خير كثير عند من يدري
8- لو فكّر العاقل في نفسه ... مدّة هذا الخلق في العمر
9- لم ير إلّا عجبا شاملا ... أو حجّة تنقش في الصّخر
10- فكم ترى في الخلق من آية ... خفيّة الجسمان في قعر
11- أبرزها الفكر على فكرة ... يحار فيها وضح الفجر
12- لله درّ العقل من رائد ... وصاحب في العسر واليسر
13- وحاكم يقضي على غائب ... قضيّة الشّاهد للأمر
__________
[1] اليعر: صغار الغنم.
[2] اللوثة: الحمق.
[3] الجرولة: الحجارة.
[4] الخزر: جمع خزراء وأخزر، وهو الذي ينظر بمؤخر عينه.
[5] الصاب والمقر: نبتان مران.
[6] تقدم البيتان (4- 5) ص 347.
(6/467)

14- وإنّ شيئا بعض أفعاله ... أن يفصل الخير من الشّرّ
15- بذي قوى، قد خصّه ربّه ... بخالص التّقديس والطّهر
16- بل أنت كالعين وإنسانها ... ومخرج الخيشوم والنّحر
17- فشرّهم أكثرهم حيلة ... كالذّئب والثّعلب والذّرّ
18- واللّيث قد جلّده علمه ... بما حوى من شدّة الأسر [1]
19- فتارة يحطمه خابطا ... وتارة يثنيه بالهصر
20- والضعف قد عرّف أربابه ... مواضع الفرّ من الكرّ
21- تعرف بالإحساس أقدارها ... في الأسر والإلحاج والصّبر [2]
22- والبخت مقرون فلا تجهلنّ ... بصاحب الحاجة والفقر
23- وذو الكفايات إلى سكرة ... أهون منها سكرة الخمر
24- والضّبع الغثراء مع ذيخها ... شرّ من اللبوة والنّمر [3]
25- لو خلّي اللّيث ببطن الورى ... والنّمر أو قد جيء بالببر
26- كان لها أرجى ولو قضقضت ... ما بين قرنيه إلى الصّدر [4]
27- والذئب إن أفلت من شره ... فبعد أن أبلغ في العذر
28- وكلّ جنس فله قالب ... وعنصر أعراقه تسري
29- وتصنع السّرفة فيهم على ... مثل صنيع الأرض والبذر
30- والأضعف الأصغر أحرى بأن ... يحتال للأكبر بالفكر
31- متى يرى عدوّه قاهرا ... أحوجه ذاك إلى المكر
32- كما ترى الذئب إذا لم يطق ... صاح فجاءت رسلا تجري [5]
33- وكلّ شيء فعلى قدره ... يحجم أو يقدم أو يجري
34- والكيس في المكسب شمل لهم ... والعندليب الفرخ كالنّسر
35- والخلد كالذّئب على خبثه ... والفيل والأعلم كالوبر [6]
36- والعبد كالحرّ وإن ساءه ... والأبغث الأغثر كالصّقر [7]
__________
[1] الجلد: الشديد القوي.
[2] الأسر: القوة.
[3] الغثراء: التي لونها الغثرة، وهي لونان من سواد وصفرة. الذيخ: الذكر من الضباع.
[4] القضقضة: أن يحطم عظام الفريسة. القرن: واحد قرون الرأس، وهي نواحيها.
[5] الرسل: القطيع من كل شيء.
[6] الأعلم: البعير، سمي بذلك لأنه مشقوق الشفة العليا. الوبر: دويبة أصغر من السنور، تقيم في البيوت. حياة الحيوان 2/409.
[7] الأبغث: من طير الماء طويل العنق، لونه كلون الرماد. الأغثر: ما لونه الغثرة، وهي لونان من سواد وصفرة.
(6/468)

37- لكنّهم في الدّين أيدي سبا ... تفاوتوا في الرّأي والقدر
38- قد غمر التّقليد أحلامهم ... فناصبوا القيّاس ذا السّبر [1]
39- فافهم كلامي واصطبر ساعة ... فإنّما النّجح مع الصّبر
40- وانظر إلى الدّنيا بعين امرئ ... يكره أن يجري ولا يدري
41- أما ترى الهقل وأمعاءه ... يجمع بين الصّخر والجمر
42- وفارة البيش على بيشها ... طيّبة فائقة العطر
43- وطائر يسبح في جاحم ... كماهر يسبح في غمر
44- ولطعة الذئب على حسوه ... وصنعة السّرفة والدّبر
45- ومسمع القردان في منهل ... أعجب ممّا قيل في الحجر [2]
46- وظبية تدخل في تولج ... مؤخرها من شدّة الذّعر [3]
47- تأخذ بالحزم على قانص ... يريغها من قبل الدّبر [4]
48- والمقرم المعلم ما إنّ له ... مرارة تسمع في الذّكر [5]
49- وخصية تنصل من جوفه ... عند حدوث الموت والنّحر [6]
50- ولا يرى من بعدها جازر ... شقشقة مائلة الهدر
51- وليس للطّرف طحال وقد ... أشاعه العالم بالأمر
52- وفي فؤاد الثور عظم وقد ... يعرفه الجازر ذو الخبر
53- وأكثر الحيتان أعجوبة ... ما كان منها عاش في البحر
54- إذ لا لسان سقي ملحه ... ولا دماغ السّمك النّهري
55- يدخل في العذب إلى جمّه ... كفعل ذي النّقلة في البرّ [7]
56- تدير أوقاتا بأعيانها ... على مثال الفلك المجري
57- وكلّ جنس فله مدّة ... تعاقب الأنواء في الشّهر
58- وأكبد تظهر في ليلها ... ثمّ توارى آخر الدّهر [8]
__________
[1] السبر: مصدر سبر الجرح، أي نظر مقداره وقاسه ليعرف غوره.
[2] الحجر: الأنثى من الخيل، وانظر لقوة شم الفرس ما تقدم في 2/326، الفقرة (350) .
[3] التولج: كناس الظبي.
[4] أراغ الصائد القنص: طلبه.
[5] المقرم: البعير يترك للفحلة والضراب. المعلم: الذي جعلت له سمة وعلامة.
[6] تنصل: تزول وتختفي.
[7] العذب: الماء العذب. جمّ الشيء: معظمه. ذو النقلة: أراد قواطع الطير التي تقطع إلى الناس في أزمان معينة من السنة.
[8] انظر ما سيأتي ص 555، فثمة شرح للأبيات (58- 59- 60) .
(6/469)

59- ولا يسيغ الطّعم ما لم يكن ... مزاجه ماء على قدر
60- ليس له شيء لإزلاقه ... سوى جراب واسع الشّجر [1]
61- والتتفل الرائغ إمّا نضا ... فشطر أنبوب على شطر [2]
62- متى رأى اللّيث أخا حافر ... تجده ذا فشّ وذا جزر [3]
63- وإن رأى النّمر طعاما له ... أطعمه ذلك في النّمر
64- وإن رأى مخلبه وافيا ... ونابه يجرح في الصّخر
65- منهرت الشّدق إلى غلصم ... فالنّمر مأكول إلى الحشر [4]
66- وما يعادي النّمر في ضيغم ... زئيره أصبر من نمر
67- لولا الذي في أصل تركيبه ... من شدّة الأضلاع والظّهر
68- يبلغ بالجسر على طبعه ... ما يسحر المختال ذا الكبر [5]
69- سبحان ربّ الخلق والأمر ... ومنشر الميت من القبر
70- فاصبر على التّفكير فيما ترى ... ما أقرب الأجر من الوزر
1832-[تفسير القصيدة الأولى]
نقول بعون الله تعالى وقوته في تفسير قصيدة أبي سهل بشر بن المعتمر، ونبدأ بالأولى المرفوعة، التي ذكر في آخرها الإباضية، والرافضة، والنابتة. فإذا قلنا في ذلك بما حضرنا قلنا في قصيدته الثانية إن شاء الله تعالى.
1833-[ما قيل في الذئب]
أمّا قوله:
2- «كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر»
فإنّها قد تتهارش على الفريسة، ولا تبلغ القتل، فإذا أدمى بعضها بعضا وثبت عليه فمزّقته وأكلته. وقال الرّاجز [7] : [من الرجز]
__________
[1] الشجر: مفرج الفم.
[2] التتفل: الثعلب، نضا: أدلى فأخرج جردانه، وسيعاد هذا البيت ص 474.
[3] أخا الحافر: أي ما له حافر من الحيوان. الفش: الأكل.
[4] المنهرت: الواسع.
[5] الجسر: الشجاع.
[6] الرجز لرؤبة في ديوانه 142، واللسان والتاج (ورق، دمي) ، وثمار القلوب (579) ، وبلا نسبة في التهذيب 9/290.
(6/470)

فلا تكوني يا ابنة الأشمّ ... ورقاء دمّى ذئبها المدمّي
وقال الفرزدق [1] : [من الطويل]
وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدّم
نعم حتّى ربما أقبلا على الإنسان إقبالا واحدا، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله، فإذا أدمي أحدهما وثب على صاحبه المدمى فمزّقه وأكله، وترك الإنسان وإن كان أحدهما قد أدماه [2] .
ولا أعلم في الأرض خلقا ألأم من هذا الخلق، ولا شرّا منه، ويحدث عند رؤيته الدّم له في صاحبه الطمع، ويحدث له في ذلك الطمع فضل قوة، ويحدث للمدمّى جبن وخوف، ويحدث عنهما ضعف واستخذاء [3] ، فإذا تهيأ ذلك منهما لم يكن دون أكله شيء. والله أعلم حيث لم يعط الذئب قوة الأسد، ولم يعط الأسد جبن الذئب الهارب بما يرى في أثر الدم من الضعف. مثل ما يعتري الهر والهرة بعد الفراغ من السّفاد، فإن الهر قبل أن يفرغ من سفاد الهرة أقوى منها كثيرا، فإذا سفدها ولّى عنها هاربا واتبعته طالبة له، فإنها في تلك الحال إن لحقته كانت أقوى منه كثيرا.
فلذلك يقطع الأرض في الهرب، وربّما رمى بنفسه من حالق. وهذا شيء لا يعدمانه في تلك الحال.
ولم أرهم يقفون على حدّ العلة في ذلك. وهذا باب سيقع في موضعه من القول في الذئب تامّا، بما فيه من الرّواية وغير ذلك.
1834-[الذيخ والثيتل والغفر]
وأمّا قوله:
5- «من خلقه في رزقه كلّهم ... الذّيخ والثّيتل والغفر
الذّيخ: ذكر الضّبع. والثّيتل شبيه بالوعل، وهو ممّا يسكن في رؤوس الجبال، ولا يكون في القرى. وكذلك الأوعال. وليس لها حضر [4] ولا عمل محمود على البسيط، وكذلك ليس للظباء حضر ولا عمل محمود في رؤوس الجبال.
__________
[1] ديوان الفرزدق 2/187 (صادر) ، 749 (الصاوي) وتقدم في 5/171.
[2] ورد مثل هذا القول في ربيع الأبرار 5/417.
[3] الاستخذاء: الخضوع.
[4] الحضر الارتفاع في العدو.
(6/471)

وقال الشاعر [1] : [من المتقارب]
وخيل تكردس بالدارعين ... كمشي الوعول على الظاهره
وقال أيضا:
[من الكامل]
والظّبي في رأس اليفاع تخاله ... عند الهضاب مقيّدا مشكولا [2]
والغفر: ولد الأروية: واحد الأروى، والأروى: جماعة من إناث الأوعال.
1835-[الصّدع والجأب]
وأما قوله:
7- «والصّدع الأعصم في شاهق ... وجأبة مسكنها الوعر»
فالصّدع: الشّاب من الأوعال. والأعصم: الذي في عصمته بياض، وفي المعصم منه سواد ولون يخالف لون جسده، والأنثى عصماء. والجأب: الحمار الغليظ الشّديد. والجأبة: الأتان الغليظة. والجأب أيضا، مهموز: المغرة [3] . وقال عنترة [4] : [من الكامل]
فنجا أمام رماحهنّ كأنّه ... فوت الأسنة حافر الجأب
شبّهه بما عليه من لطوخ الدّماء برجل يحفر في معدن المغرة. والمغرة أيضا المكر. ولذلك قال أبو زبيد [5] في صفة الأسد المخمر بالدماء: [من الطويل]
يعاجيهم للشّرّ ثاني عطفه ... عنايته كأنّما بات يمكر
1836-[الحية والثعلب والذر]
وأما قوله:
8- «والحية الصماء في جحرها ... والتّتفل الرائغ والذّرّ»
__________
[1] تقدم البيت مع تخريجه في 4/431.
[2] اليفاع: المشرف من الأرض. المشكول: الذي قيّد بالشكال، وهي حبل تشد به قوائم الدابة.
[3] المغرة: طين أحمر يصبغ به.
[4] البيت لعنترة في معجم ما استعجم 326 (توضح) ، وبلا نسبة في اللسان (جأب) ، والتهذيب 11/223.
[5] ديوان أبي زبيد الطائي 610.
(6/472)

فالتتفل هو الثّعلب، وهو موصوف بالرّوغان والخبث، ويضرب به المثل في النّذالة والدناءة، كما يضرب به المثل في الخبث والرّوغان.
وقال طرفة [1] : [من السريع]
وصاحب قد كنت صاحبته ... لا ترك الله له واضحه [2]
كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه اللّيلة بالبارحه
وقال دريد بن الصمّة [3] : [من الطويل]
ومرّة قد أدركتهم فتركتهم ... يروغون بالغرّاء روغ الثّعالب
وقال أيضا [4] : [من الوافر]
ولست بثعلب، إن كان كون ... يدسّ برأسه في كلّ جحر [4]
ولمّا قال أبو محجن الثّقفي لأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، من حائط الطائف ما قال: قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما أنت ثعلب في جحر، فابرز من الحصن إن كنت رجلا» !.
ومما قيل في ذلة الثعلب، قال بعض السّلف [5] ، حين وجد الثّعلبان بال على رأس صنمه: [من الطويل]
إله يبول الثّعلّبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
فأرسلها مثلا. وقال دريد في مثل ذلك [6] : [من الطويل]
__________
[1] ديوان طرفة بن العبد 15، ومجمع الأمثال 1/317، والتاج (روغ) ، وبلا نسبة في التهذيب 5/157، واللسان (وضح) ، والأول في ديوان الأدب 3/231، وبلا نسبة في المقاييس 6/119، والثاني في جمهرة الأمثال 2/247، والجمهرة 275، والفاخر 316، وفصل المقال 227، وبلا نسبة في مجمع الأمثال 2/275.
[2] الواضحة: الأسنان التي تبدو عند الضحك.
[3] ديوان دريد بن الصمة 28، والتاج (صلع) ، ومعجم البلدان 3/422 (صلعاء) ، والأصمعيات 112.
[4] ديوان دريد بن الصمة 67.
[5] البيت للعباس بن مرداس في ديوانه 167، وللعباس أو لغاوي بن ظالم السلمي أو لأبي ذر الغفاري في اللسان (ثعلب) ، ولراشد بن عبد ربه في الدرر 4/104، وشرح شواهد المغني 317، وبلا نسبة في الجمهرة 1181، ومغني اللبيب 105، وهمع الهوامع 2/22.
[6] ديوان دريد بن الصمة 30، والأول في المقاييس 4/108، والثاني في اللسان والتاج (كنب) ، والتهذيب 10/283، وبلا نسبة في اللسان والتاج (عكس) ، والجمهرة 337، وكتاب الجيم 2/318، 3/159.
(6/473)

تمنّيتني قيس بن سعد سفاهة ... وأنت امرؤ لا تحتويك المقانب [1]
وأنت امرؤ جعد القفا متعكّس ... من الأقط الحوليّ شبعان كانب [2]
إذا انتسبوا لم يعرفوا غير ثعلب ... إليهم، ومن شرّ السّباع الثعالب
وأنشدوا في مثل ذلك [3] : [من المنسرح]
ما أعجب الدّهر في تصرّفه ... والدّهر لا تنقضي عجائبه
يبسط آمالنا فنبسطها ... ودون آمالنا نوائبه
وكم رأينا في الدّهر من أسد ... بالت على رأسه ثعالبه
ففي الثّعلب جلده، وهو كريم الوبر، وليس في الوبر أغلى من الثعلب الأسود.
وهو ضروب، ومنه الأبيض الذي لا يفصل بينه وبين الفنك، [4] ومنه الخلنجيّ [5] ، وهو الأعمّ.
ومن أعاجيبه أن نضيّه، وهو قضيبه في خلقة الأنبوبة، أحد شطريه عظم في صورة المثقب، والآخر عصب ولحم، ولذلك قال بشر بن المعتمر [6] : [من السريع]
والتّتفل الرائغ إمّا نضا ... فشطر أنبوب على شطر
وهو سبع جبان جدّا، ولكنّه لفرط الخبث والحيلة يجري مع كبار السّباع.
وزعم أعرابيّ ممن يسمع منه، أنّه طارده مرّة بكلاب له، فراوغه حتّى صار في خمر [7] ، ومرّ بمكانه فرأى ثعلبا ميّتا، وإذا هو قد زكر [8] بطنه ونفخه، فوهّمه أنّه قد مات من يوم أو يومين. قال: فتعدّيته وشمّ رائحة الكلاب فوثب وثبة فصار في صحراء.
وفي حديث العامّة أنّه لما كثرت البراغيث في فروته، تناول بفيه إمّا صوفة وإمّا ليقة، ثم أدخل رجليه في الماء، فترفّعت عن ذلك الموضع، فما زال يغمس بدنه أوّلا
__________
[1] المقانب: جمع مقنب، وهو من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين.
[2] الجعد: القصير. المتعكس: المتثني غضون القفا. الأقط: لبن مجفف يابس. الكانب: الغليظ.
[3] البيت الثالث في ربيع الأبرار 2/463.
[4] الفنك: دويبة يؤخذ منها الفرو. حياة الحيوان 2/175.
[5] الخلنجي: الذي له خطوط وطرائق مثل الطرائق التي ترى في الخرز اليماني.
[6] تقدم البيت ص 470.
[7] الخمر: ما واراك من الشجر والجبال.
[8] زكر بطنه: ملأه بالهواء.
(6/474)

فأوّلا حتّى اجتمعن في خطمه، فلمّا غمس خطمه أوّلا فأوّلا اجتمعن في الصّوفة، فإذا علم أنّ الصّوفة قد اشتملت عليهنّ تركها في الماء ووثب، فإذا هو خارج عن جميعها.
فإن كان هذا الحديث حقّا فما أعجبه. وإن كان باطلا فإنّهم لم يجعلوه له إلّا للفضيلة التي فيه، من الخبث والكيس.
وإذا مشى الفرس مشيا شبيها بمشي الثعلب قالوا: مشى الثّعلبيّة قال الراعي [1] :
[من الطويل]
وغملى نصيّ بالمتان كأنّها ... ثعالب موتى جلدها قد تسلّعا [2]
وقال الأصمعيّ: سرق هذا المعنى من طفيل الغنويّ ولم يجد السّرق [3] .
وفي تشبيه بعض مشيته قال المرّار بن منقذ [4] : [من الرمل]
صفة الثّعلب أدنى جريه ... وإذا يركض يعفور أشر [5]
وقال امرؤ القيس [6] : [من الطويل]
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
والبيت الذي ذكره الأصمعيّ لطفيل الغنوي، أنّ الرّاعي سرق معناه هو قوله [7] :
[من الطويل]
وغملى نصيّ بالمتان كأنّها ... ثعالب موتى جلدها لم ينزع
وأنشدوا في جبنه قول زهير بن أبي سلمى [8] : [من المنسرح]
__________
[1] ديوان الراعي النميري 165، واللسان والتاج (زلع، غمل) ، والتهذيب 8/144، والجمهرة 1170، والأمالي 1/115، 2/185، والسمط 345، 803، وبلا نسبة في الجمهرة 815، 960، والمخصص 11/177.
[2] غملى: جمع غميل، وهو من النصي ما ركب بعضه بعضا، والنصي: بنت سبط أبيض ناعم.
المتان: جمع متان، وهو ما ارتفع من الأرض واستوى. تسلع: تشقق.
[3] انظر ما سيأتي بعد 6 أسطر في هذه الصفحة.
[4] البيت في شرح اختيارات المفضل 410، والجمهرة 1330، وبلا نسبة في التهذيب 4/10.
[5] اليعفور: الظبي. الأشر: النشيط.
[6] ديوان امرئ القيس 21، وتقدم في 3/24، الفقرة (568) .
[7] ديوان طفيل الغنوي 104، ووسمط اللآلي 345، وانظر لشرح البيت ما تقدم في شرح بيت الراعي.
[8] ديوان زهير 191.
(6/475)

وبلدة لا ترام خائفة ... زوراء مغبّرة جوانبها [1]
تسمع للجنّ عازفين بها ... تصيح من رهبة ثعالبها [2]
كلّفتها عرمسا عذافرة ... ذات هباب فعما مناكبها [3]
تراقب المحصد الممرّ إذا ... هاجرة لم تقل جنادبها [4]
والذي عندي أنّ زهيرا قد وصف الثّعلب بشدّة القلب، لأنهم إذا هوّلوا بذكر الظّلمة الوحشيّة والغيلان، لم يذكروا إلّا فزع من لا يكاد يفزع، لأنّ الشاعر قد وصف نفسه بالجراءة على قطع هذه الأرض في هذه الحال.
وفي استنذاله وجبنه قالت أمّ سالم لابنها معمر: [من الطويل]
أرى معمرا لا زيّن الله معمرا ... ولا زانه من زائر يتقرّب
أعاديتنا عاداك عزّ وذلّة ... كأنك في السّربال إذ جئت ثعلب
فلم تر عيني زائرا مثل معمر ... أحقّ بأن يجنى عليه ويضرب
وقال عقيل بن علفة: [من الطويل]
تأمّل لما قد نال أمّك هجرس ... فإنّك عبد يا زميل ذليل
وإني متى أضربك بالسّيف ضربة ... أصبّح بني عمرو وأنت قتيل
الهجرس: ولد الثّعلب. قال: وكيف يصطاد وهو على هذه الصّفة؟
فأنشد شعر ابن ميّادة [5] : [من الطويل]
ألم تر أنّ الوحش يخدع مرّة ... ويخدع أحيانا فيصطاد نورها
بلى، وضواري الصّيد تخفق مرّة ... وإن فرهت عقبانها ونسورها [6]
__________
[1] في ديوانه: «لا ترام: لا يقدر عليها. خائفة: ذات خوف، كقولك: عيشة راضية: ذات رضا.
زروراء: ليس طريقها بمستقيم، ولا هي على القصد. مغبرة: من الجدب. جوانبها: نواحيها» .
[2] في ديوانه: «أي: تسمع لهم مثل العزف، أي: صوت المزمار والطبل من بعيد» .
[3] في ديوانه: «عذافرة: ضخمة شديدة الخلق. عرمسا: ناقة شديدة. ذات هباب: أي ذات نشاط.
فعما: ممتلئا. يريد ضخمة المناكب» .
[4] في ديوانه: «تراقب: ترقب السوط بشق عينها، من الخوف أن تضرب به. المحصد: الشديد الفتل، يعني السوط. الممر: المفتول. لم تقل: من القائلة، يريد من شدة الحر، والجندب هو راجل الجراد الذي ليس له جناحان يطير بهما» .
[5] ديوان ابن ميادة 129.
[6] النور: جمع نوار، وهي النّفر من الظباء والوحوش وغيرها.
(6/476)

قال: وسألت عنه بعض الفقهاء فقال [1] : قيل لابن عبّاس: كيف تزعمون أنّ سليمان بن داود عليهما السلام كان إذا صار في البراري، حيث لا ماء ولا شجر، فاحتاج إلى الماء، دلّه على مكانه الهدهد، ونحن نغطّي له الفخّ بالتراب الرّقيق، ونبرز له الطّعم، فيقع فيه جهلا بما تحت ذلك التراب، وهو يدلّ على الماء في قعر الأرض الذي لا يوصل إليه إلّا بأن يحفر عليه القيّم الكيّس؟
قال: فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: «إذا جاء القدر لم ينفع الحذر» [2] .
وأنشدوا: [من الكامل]
خير الصديق هو الصّدوق مقالة ... وكذاك شرّهم الميون الأكذب [3]
فإذا غدوت له تريد نجازه ... بالوعد راغ كما يروغ الثّعلب
وقال حسّان بن ثابت رضي الله عنه [4] : [من الطويل]
بني عابد شاهت وجوه الأعابد ... بطاء عن المعروف يوم التّزايد
فما كان صيفيّ يفي بأمانة ... قفا ثعلب أعيا ببعض المراصد
وأنشد [5] : [من الطويل]
ويشربه مذقا ويسقي عياله ... سجاجا كأقراب الثّعالب أورقا [6]
وقال مالك بن مرداس: [من الرجز]
يا أيّها ذا الموعدي بالضرّ ... لا تلعبنّ لعبة المغترّ
أخاف أن تكون مثل هرّ ... أو ثعلب أضيع بعد حرّ
هاجت به مخيلة الأظفر ... عسراء في يوم شمال قرّ [1]
__________
[1] الخبر في ثمار القلوب 384 (706) ، وتقدم في 3/250، الفقرة (917) ، وفيه أن الذي سأل ابن عباس هو نجدت الحروري؛ أو نافع بن الأزرق.
[2] في ثمار القلوب: «إذا جاء القدر عمي البصر، وفي رواية أخرى: إذا جاء الحين غطى العين» .
[3] رجل ميون: كذاب.
[4] ديوان حسان بن ثابت 208.
[5] البيت بلا نسبة في اللسان (سجج، مذق، ورق) ، والتاج (سجج، ورق) ، والتهذيب 9/77، 10/449، والمخصص 5/46، ونظام الغريب 98.
[7] المذق: اللبن الممزوج بالماء. السجاج: اللبن الذي يجعل فيه الماء، أرق ما يكون. الأقراب:
جمع قرب، وهو الخاصرة. الأورق: اللبن الذي ثلثاه ماء وثلثه لبن.
[8] العسراء: العقاب التي في جناحها قوادم بيض. يوم شمال: أي يوم تهب فيه ريح الشمال. القر:
اليوم البارد.
(6/477)

يجول منها لثق الذعر ... بصرد ليس بذي محجر [1]
تنفض أعلى فروه المغبرّ ... تنفضّ منها نابها بشزر
نفضا كلون الشره المخمر
المخيلة: العقاب الذّكر الأشبث. صرد: مكان مطمئن.
وقال اليقطري: كان اسم أبي الضّريس دينارا فقال له مولاه: يا دنينير! فقال:
أتصغّرني وأنت من بني مخيلة، والعقاب الذّكر بدرهم، والأنثى بنصف درهم، وأنا ثمني عشرة دراهم
1837-[سلاح الثعلب]
ومن أشدّ سلاح الثّعلب عندكم الرّوغان والتّماوت، وسلاحه أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى.
وقالت العرب: «أدهى [من ثعلب] [2] ، وأنتن من سلاح الثّعلب» .
وله عجيبة في طلب مقتل القنقذ، وذلك إذا لقيه فأمكنه من ظهره بال عليه.
فإذا فعل ذلك به ينبسط فعند ذلك يقبض على مراقّ بطنه.
1838-[أرزاق الحيوان]
ومن العجب في قسمة الأرزاق أنّ الذّئب يصيد الثّعلب فيأكله، ويصيد الثّعلب القنقذ فيأكله، ويريغ القنفذ الأفعى فيأكلها. وكذلك صنيعه في الحيّات ما لم تعظم الحيّة. والحيّة تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يلتمس فراخ الزّنابير وكلّ شيء يكون أفحوصه على المستوي، والزّنبور يصيد النّحلة فيأكلها، والنّحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها.
1839-[الإلقة والسهل والنوفل والنضر]
وأمّا قوله [3] :
9- «وإلقة ترغث ربّاحها ... والسّهل والنّوفل والنضر»
__________
[1] الصرد: المكان المرتفع من الجبال.
[2] زيادة يقتضيها السياق.
[3] من القصيدة التي تقدمت ص 464.
(6/478)

فالإلقة ها هنا القردة. ترغث: ترضع. والرّبّاح: ولد القردة. والسّهل: الغراب.
والنّوفل: [البحر] [1] . والنّضر: [الذهب] [1] . وكلّ جريّة [2] من النّساء وغير ذلك فهي إلقة. وأنشدني بشر بن المعتمر لرؤبة [3] : [من الرجز]
جدّ وجدّت إلقة من الإلق
وقد ذكرنا الهقل وشأنه في الجمر والصّخر [4] ، وأكل الضّبّ أولاده [5] ، في موضعه من هذا الكتاب وكذلك قوله في العترفان [6] ، وهو الديك الذي يؤثر الدّجاج بالحبّ، وكأنّه منجّم أو صاحب أسطرلاب [7] . وذكرنا أيضا ما في الجراد في موضعه [8] . ولسنا نعيد ذكر ذلك، وإن كان مذكورا في شعر بشر [9] .
1840-[الأبغث]
وأمّا قوله:
16- « [جرادة تخرق متن الصفا] [10] ... وأبغث يصطاده صقر»
ثم قال:
17- «سلاحه رمح فما عذره ... وقد عراه دونه الذعر»
يقول: بدن الأبغث أعظم من بدن الصقر، وهو أشدّ منه شدّة، ومنقاره كسنان الرّمح في الطول والذّرب. وربّما تجلّى له الصّقر والشّاهين فعلق الشّجر والعرار [11] ، وهتك كلّ شيء. يقول: فقد اجتمعت فيه خصال في الظّاهر معينة له عليه. ولولا أنّه على حال يعلم أنّ الصّقر إنما يأتيه [قبلا] [12] ودبرا، واعتراضا، ومن عل، وأنه قد
__________
[1] زيادة يقتضيها السياق.
[2] الجرية: الجريئة.
[3] ديوان رؤبة 107، وبلا نسبة في المقاييس 1/132، والمخصص 10/187. وتقدم في 2/401، الفقرة (462) .
[4] انظر ما تقدم في 1/97، الفقرة (110) ، س 17- 18.
[5] انظر ما تقدم في 1/129، الفقرة (155) .
[6] انظر ما تقدم في 2/329- 331، الفقرة (354) .
[7] انظر ما تقدم في 2/378، س 2- 3.
[8] انظر ما تقدم في 5/.
[9] بهذه الإشارات استغنى الجاحظ عن إعادة إنشاد الأبيات 10- 15 من هذه القصيدة.
[10] صدر البيت من ص 465.
[11] العرار: شجر عظيم جبلي تسميه الفرس: السرو.
[12] زيادة يقتضيها المعنى.
(6/479)

أعطى في سلاحه وكفّه فضل [1] قوّة لما استخذى [2] له، ولما أطمعه بهربه، حتّى صارت جرأته عليه بأضعاف ما كانت.
قال بعض بني مروان [3] في قتل عبد الملك عمرو بن سعيد: [من الطويل]
كأنّ بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطّير اجتمعن على صقر
1841-[ما يقبل التعليم من الحيوان]
وأمّا قوله:
18- «والدّبّ والقرد إذا علّما ... والفيل والكلبة واليعر»
فإن الحيوان الذي يلقن ويحكي ويكيس ويعلّم فيزداد بالتّعليم في هذه التي ذكرنا، وهي الدّبّ والقرد، والفيل، والكلب.
وقوله: اليعر، يعني صغار الغنم. ولعمري أنّ في المكّيّة والحبشيّة لعبا.
1842-[حب الظبي للحنظل، والعقرب للتمر]
وأمّا قوله:
20- «وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التّمر»
ففي الظّبي أعاجيب من هذا الضرب، وذلك أنّه ربّما رعى الحنظل، فتراه يقبض ويعضّ على نصف حنظلة فيقدّها قد الخسفة [4] فيمضغ ذلك النصف وماؤه يسيل من شدقيه، وأنت ترى فيه الاستلذاذ له، والاستحلاء لطعمه.
وخبرني أبو محجن العنزيّ، خال أبي العميثل الرّاجز، قال: كنت أرى بأنطاكية الظّبي يرد البحر، ويشرب المالح الأجاج [5] .
والعقرب ترمي بنفسها في التّمر. وإنّما تطلب النّوى المنقع في قعر الإناء.
فأيّ شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر، ويستحلي مرارة الحنظل.
__________
[1] فضل: زيادة.
[2] استخذى: خضع.
[3] البيت بلا نسبة في ثمار القلوب (237) ، وسيأتي في 7/37 منسوبا إلى بشر بن مروان.
[4] الخسفة: واحدة الخسف، وهو الجوز الذي يؤكل.
[5] الأجاج: الشديد الملوحة.
(6/480)

وسنذكر خصال الظّبي في الباب الذي يقع فيه ذكره إن شاء الله تعالى. ولسنا نذكر شأن الضبّ والنّمل، والجعل والرّوث والورد لأنّا قد ذكرناه مرّة.
1843-[فأرة البيش]
وأمّا قوله:
23- «وفأرة البيش إمام لها ... والخلد فيه عجب هتر»
فإن فأرة البيش دويبة تشبة الفأرة، وليست بفأرة، ولكن هكذا تسمّى. وهي تكون في العياض والرّياض ومنابت الأهضام [1] . وفيها سموم كثيرة، كقرون السّنبل، وما في القسط [2] . فهي تتخلّل تلك الأهضام، وتطلب السّموم وتغتذيها. والبيش:
اسم لبعض السّموم. وهذا ممّا يعجب منه.
وقد ذكرنا شأن القنقذ والحيّة في باب القول في الحيّات [3] .
1844-[العضرفوط والهدهد]
وأمّا قوله:
25-
«وعضرفوط ما له قبلة»
فهو أيضا عندهم من مطايا الجنّ. وقد ذكره أيمن بن خريم فقال [4] : [من المتقارب]
وخيل غزالة تنتابهم ... تجوب العراق وتجبي النّبيطا [5]
تكرّ وتجحر فرسانهم ... كما أجحر الحيّة العضرفوطا [6]
لأن العضرفوط دويبّة صفيرة ضعيفة، والحيّات تأكلها وتغصبها أنفسها.
وأنشدوا على ألسنة الجنّ [7] : [من الطويل]
__________
[1] الأهضام: جمع هضم، وهو المطمئن من الأرض، أو أسفل الوادي.
[2] القسط: عود يتبخر به.
[3] انظر ما تقدم في 4/169.
[4] ديوان أيمن بن خريم 141، والأغاني 20/314، والثاني في اللسان والتاج (عضرفط) .
[5] تنتابهم: تأتيهم مرة بعد مرة. تجوب: تقطع. النبيط: جيل كانوا ينزلون سواد العراق. تجبي:
تأخذ منهم الجباية.
[6] تجحر: تدخلهم في الحجر، أي تحملهم على الهرب.
[7] تقدم البيت مع تخريجه ص 441.
(6/481)

ومن عضرفوط حطّ بي فأقمته ... يبادر وردا من عظاء قوارب
وأمّا قوله:
25-
«وهدهد يكفره بكر»
فإنّما ذلك لأنّه كان حاجّ بكر ابن أخت عبد الواحد [صاحب] [1] البكريّة، فقال له [2] : أتخبر عن حال الهدهد بخبر؟ إنه كان يعرف طاعة الله عزّ وجل من معصيته، وقد ترك موضعه وسار إلى بلاد سبأ، وهو وإن أطرف سليمان بذلك الخبر وقبله منه فإنّ ذنبه في ترك موضعه الذي وكلّ به، وجولانه في البلدان على حاله. ولا يكون ذلك مما يجعل ذنبه السابق إحسانا. والمعصية لا تنقلب طاعة، فلم لا تشهد عليه بالنّفاق؟ قال: فإني أفعل! قال: فحكى ذلك عنه فقال: أمّا هو فقد كان سلم على سليمان وقد كان قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
[3] ، فلمّا أتاه بذلك الخبر، رأى أنّه قد أدلى بحجّة، فلم يعذّبه، ولم يذبحه.
فإن كان ذنبه على حاله، فكيف يكون ما هجم عليه ممّا لم يرسل فيه ولم يقصد له حجّة؟ وكيف يبقي هذا عليه.
وبكر يزعم أن الأطفال والبهائم لا تأثم، ولا يجوز أن يؤثم الله تعالى إلّا المسيئين. فقال بشر لبكر: بأيّ شيء تستدلّ على أنّ المسيء يعلم أنه مسيء؟
قال: بخجله، واعتذاره بتوبته. قال: فإنّ العقرب متى لسعت فرّت من خوف القتل، وهذا يدلّ على أنّها جانية، وأنت تزعم أنّ كلّ شيء عاص كافر، فينبغي للعقرب أن تكون كافرة، إذا لم يكن لها عذر في الإساءة.
1845-[الببر والنمر]
وأمّا قوله:
27- «والببر فيه عجب عاجب ... إذا تلاقى الليث والنّمر»
لأنّ الببر مسالم للأسد، والنّمر يطالبه، فإذا التقيا أعان الببر الأسد.
__________
[1] إضافة يقتضيها الكلام.
[2] أي قال له بشر.
[3] 21/النمل: 27.
(6/482)

1846-[الخفاش والطائر الذي ليس له وكر]
وأمّا قوله:
28- «وطائر أشرف ذو جردة ... وطائر ليس له وكر» [1]
فإنّ الأشرف من الطّير الخفّاش، لأنّ لآذانها حجما ظاهرا. وهو متجرّد من الزّغب والرّيش، وهو يلد.
والطّائر الذي ليس له وكر، هو طائر يخبر عنه البحريّون أنّه لا يسقط إلّا ريثما يجعل لبيضه أدحيّا من تراب، ويغطّي عليه، ويطير في الهواء أبدا حتّى يموت. وإن لقى ذكر أنثى تسافدا في الهواء. وبيضه يتفقص من نفسه عند انتهاء مدّته، فإذا أطاق فرخه الطّيران كان كأبويه في عاداتهما.
1847-[الثعالب والنسور والضباع]
وأمّا قوله:
29- «وثرمل تأوي إلى دوبل ... وعسكر يتبعه النسر
30- يسالم الضّبع بذي مرة ... أبرمها في الرحم العمر»
فالثرملة: أنثى الثّعالب، وهي مسالمة للدّوبل [2] . وأمّا قوله:
وعسكر يتبعه النّسر
فإن النسور تتبع العساكر، وتتبع الرّفاق ذوات الإبل، وقد تفعل ذلك العقبان، وتفعله الرّخم. وقد قال النّابغة [3] : [من الطويل]
وثقت له بالنّصر إذ قيل له قد غدت ... كتائب من غسّان غير أشائب [4]
__________
[1] الجردة: التجرد.
[2] الدوبل: الذئب العرم، والثعلب.
[3] ديوان النابغة الذبياني 42- 43، والأول في اللسان والتاج والأساس (أشب) ، والتنبيه والإيضاح 1/41، والعين 6/292، والتهذيب 11/432، وبلا نسبة في المقاييس 1/108، والمجمل 1/193. والثاني في اللسان والتاج (أشب) ، والثالث في الخزانة 4/289، واللسان والتاج (عصب، حلق) ، والمقاييس 2/99، وبلا نسبة في شرح المفصل 1/68، وشرح التصريح 2/227، والرابع في أساس البلاغة (جنح) ، والمقاييس 2/99، والخامس في الجمهرة 329، والمعاني الكبير 283، 477، 913، وبلا نسبة في المخصص 16/108.
[4] الأشائب: الأخلاط من الناس.
(6/483)

بنو عمّه دنيا، وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب [1]
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب [2]
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب [3]
تراهنّ خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشّيوخ في مسوك الأرانب [4]
والأصمعي يروي: «جلوس الشيوخ في ثياب المرانب» .
وسباع الطير كذلك في اتباع العساكر. وأنا أرى ذلك من الطمع في القتلى، وفي الرّذايا والحسرى، أو في الجهيض وما يجرح.
وقد قال النّابغة [5] : [من الطويل]
سماما تباري الرّيح خصوما عيونها ... لهنّ رذايا بالطّريق ودائع [6]
وقال الشاعر [7] : [من الطويل]
يشقّ سماحيق السّلا عن جنينها ... أخو قفرة بادي السّغابة أطحل [8]
وقال حميد بن ثور في صفة ذئب [9] : [من الطويل]
إذا ما بدا يوما رأيت غياية ... من الطير ينظرن الذي هو صانع [10]
لأنّه لا محالة حين يسعى وهو جائع، سوف يقع على سبع أضعف منه أو على بهيمة ليس دونها مانع.
__________
[1] دنيا: أراد الأدنين في النسب.
[2] العصائب: الجماعات.
[3] جوانح: مائلات للوقوع على القتلى في المعركة.
[4] خزرا عيونها: أي تنظر بمآخير أعينها. المسوك: جمع مسك، وهو الجلد.
[5] ديوان النابغة الذبياني 36، والتاج (سمم) ، والعين 7/207.
[6] السمام: طيور تشبه السمانى، شديدة الطيران، شبه الإبل بها في سرعتها. تباري الريح: تعارضها لسرعتها. خوصا عيونها: أي غائرة العيون من الجهد والعناء. الرذايا: الساقطة المعيية التي لا تنبعث، فأخذت رحالها عنها وتركت. ودائع: قد استودعت الطريق، أي تركت فيه لإعيائها.
[7] البيت للأخطل في ديوانه 14.
[8] السمحاق: ما خرج على وجه الوليد من السلا. السلا: غشاوة رقيقة. أخو قفرة: الذئب. السغابة:
الجوع. الأطحل: الأكدر اللون كلون الطحال.
[9] البيت لحميد بن ثور في ديوانه 106، والحماسة البصرية 2/338، وبلا نسبة في أساس البلاغة (ظلل) .
[10] غياية تكون من الطير الذي يغيي على رأسك أي يرفرف.
(6/484)

وقد أكثر الشّعراء في هذا الباب حتّى أطنب بعض المحدثين وهو مسلم بن الوليد بن يزيد فقال [1] : [من البسيط]
يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل
ولا نعلم أحدا منهم أسرف في هذا القول وقال قولا يرغب عنه إلا النابغة، فإنّه قال [2] : [من الطويل]
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
وهذا لا نثبته.
وليس عند الطّير والسّباع في اتّباع الجموع إلّا ما يسقط من ركابهم ودوابّهم وتوقّع القتل، إذ كانوا قد رأوا من تلك الجموع مرّة أو مرارا. فأمّا أن تقصد بالأمل واليقين إلى أحد الجمعين، فهذا ما لم يقله أحد.
1848-[نسر لقمان]
وقد أكثر الشّعراء في ذكر النسور، وأكثر ذلك قالوا في لبد [3] .
قال النّابغة [3] : [من البسيط]
أضحت خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخني على لبد [4]
فضربه مثلا في طول السّلامة. وقال لبيد [5] : [من الكامل]
لما رأى صبح سواد خليله ... من بين قائم سيفه والمحمل [6]
__________
[1] ديوان مسلم بن الوليد 11- 12، وديوان المعاني 1/116، وحماسة القرشي 338.
[2] تقدم البيت ص 484.
[3] لبد: هو نسر لقمان، انظر حديثه في ثمار القلوب 376، (694) ، والمعمرون 4، والفاخر 84، والاختيارين 75، والتيجان 79، وفصل المقال 462، والمعارف 626، والسمط 845، والخزانة 11/143، والمستقصى 1/36، ومجمع الأمثال 1/429.
[4] ديوان النابغة الذبياني 16، والجمهرة 1057، والخزانة 4/5، والدرر 2/57، واللسان (لبد، خنا) ، وعمدة الحفاظ 4/7 (لبد) ، 4/94 (مسي) ، وبلا نسبة في شرح قطر الندى 134، وهمع الهوامع 1/114، وعجزه في ثمار القلوب (694) .
[5] ديوان لبيد 274، وثمار القلوب (694) .
[6] في ديوانه: «صبح: هو العادي يقال إنه من ملوك الحبشة. وعنى بخليله سواد كبده؛ لأنه يروى الأسد بقر بطنه وهو حي، فنظر إلى سواد كبده، وقيل: خليل الرجل قلبه» .
(6/485)

صبّحن صبحا يوم حقّ حذاره ... فأصاب صبحا قائما لم يعقل
فالتفّ منقصفا وأضحى نجمه ... بين التراب وبين حنو الكلكل [1]
ولقد جرى لبد فأدرك جريه ... ريب الزّمان وكان غير مثقّل
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل [2]
من تحته لقمان يرجو نفعه ... ولقد رأى لقمان أن لم يأتل [3]
وإن أحسنت الأوائل في ذلك فقد أحسن بعض المحدثين وهو الخزرجي في ذكر النّسر وضرب المثل به وبلبد وصحّة بدن الغراب، حيث ذكر طول عمر معاذ بن مسلم بن رجاء، مولى القعقاع بن شور [وكان من المعمرين، طعن في السن مائة وعشرين سنة] [4] . وهو قوله [5] : [من المنسرح]
إنّ معاذ بن مسلم رجل ... قد ضجّ من طول عمره الأبد
قد شاب رأس الزّمان واختضب ال ... دّهر وأثواب عمره جدد
يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تلبس ثوب الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنّك الوتد
تسأل عربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصّداع والرّمد
1849-[شعر وخبر فيما يشبه بالنسور]
وما تعلق بالسّحاب من الغيم يشبّه بالنّعام، وما تراكب عليه يشبّه بالنسور. قال الشاعر [6] : [من الطويل]
خليليّ لا تستسلما وادعوا الذي ... له كلّ أمر أن يصوب ربيع
حيا لبلاد أنفذ المحل عودها ... وجبر لعظم في شظاه صدوع
بمستنضر غرّ النّشاص كأنّها ... جبال عليهنّ النسور وقوع [7]
عسى أن يحلّ الحيّ جزعا وإنها ... وعلّ النوى بالظّاعنين تريع
__________
[1] انقصف: انكسر. حنو كل شيء: اعوجاجه؛ أو كل شيء فيه اعوجاج كاللحى والضلع. والكلكل:
الصدر.
[2] الفقير: الذي كسرت فقراته. الأعزل: المائل الذنب، توصف به الخيل.
[3] يأتلي: يقصر ويبطئ.
[4] ما بين قوسين مستدرك من ثمار القلوب (695) حيث نقل عن الجاحظ.
[5] الأبيات في ربيع الأبرار 3/90، وتقدمت الأبيات مع تخريج واف في 3/201، الفقرة (844) .
[6] الأبيات في ربيع الأبرار 1/139، وتقدمت في 4/430 عدا البيت الثالث.
[7] المستنضد: أراد به السحاب، وهو المتراكم منه. النشاص: السحاب المرتفع بعضه فوق بعض.
(6/486)

وشبّه العجير السّلوليّ شيوخا على باب بعض الملوك بالنسور، فقال [1] : [من الطويل]
فمنهن إسآدي على ضوء كوكب ... له من عمانيّ النّجوم نظير [2]
ومنهن قرعي كلّ باب كأنّما ... به القوم يرجون الأذين نسور [3]
إلى فطن يستخرج القلب طرفه ... له فوق أعواد السّرير زئير [4]
وذكرت امرأة من هذيل قتيلا فقالت [5] : [من البسيط]
تمشى النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهنّ الجلابيب
تقول: هي آمنة أن تذعر ومدح بعض الشّعراء عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ فقال [6] : [من الطويل]
وعند الكلابيّ الذي حلّ بيته ... بجوّ شخاب ماضر وصبوح [7]
ومكسورة حمر كأنّ متونها ... نسور إلى جنب الخوان جنوح [8]
مكسورة: يعني وسائد مثنيّة. وقال ابن ميّادة [9] : [من الكامل]
ورجعت من بعد الشّباب وعصره ... شيخا أزبّ كأنّه نسر [10]
وقال طرفة: [من مجزوء الكامل]
فلأمنعنّ منابت الضّ ... مران إذ منع النسور [11]
__________
[1] البيتان (1، 2) في الأغاني 13/68، و (1، 3) في مجالس ثعلب 524 والثاني في البيان والتبيين 1/123، والبيت الثالث في اللسان والتاج (نفض) ، وبلا نسبة في الأساس (قطم) .
[2] الإسآد: سير الليل كله.
[3] الأذين: الزعيم والكفيل.
[4] الفطن: الفهم الذكي.
[5] البيت لجنوب أخت عمرو ذي الكلب في شرح أشعار الهذليين 580، واللسان والتاج (جلب) ، والتنبيه، والإيضاح 1/52، ولريطة أخت عمرو في الأغاني 22/353، ونوادر المخطوطات 2/243، وبلا نسبة في المقاييس 1/470.
[6] البيتان في محاضرات الأدباء 2/161.
[7] جو: اسم موضع. الشخاب: اللبن. الماضر: اللبن الحامض. الصبوح: ما حلب من اللبن بالغداة.
[8] جنوح: مائلات.
[9] ديوان ابن ميادة 128.
[10] الأزب: الكثير شعر الذراعين والحاجبين.
[11] لم يرد البيت في ديوانه طبعة صادر، وهو في ديوانه 155 طبعة مجمع اللغة، الضمران: ضرب من الشجر.
(6/487)

وفي كتاب كليلة ودمنة [1] : «وكن كالنّسر حوله الجيف، ولا تكن كالجيف حولها النسور» . فاعترض على ترجمة ابن المقفّع بعض المتكلّفين من فتيان الكتّاب فقال: إنما كان ينبغي أن يقول: «كن كالضّرس حفّ بالتّحف، ولا تكن كالهبرة تطيف بها الأكلة» : وأطنّه أراد الضّروس فقال الضّرس. وهذا من الاعتراض عجب.
ويوصف النسر بشدّة الارتفاع، حتّى ألحقوه بالأنوق، وهي الرّخمة.
وقال عديّ بن زيد [2] : [من الخفيف]
فوق علياء لا ينال ذراها ... يلغب النّسر دونها والأنوق [3]
وأنشدوا في ذلك: [من الكامل]
أهل الدّناءة في مجالسهم ... الطّيش والعوراء والهذر
يدنون ما سألوا وإن سئلوا ... فهم مع العيّوق والنّسر
وقال زيد بن بشر التّغلبي، في قتل عمير بن الحباب: [من الخفيف]
لا يجوزنّ أرضنا مضريّ ... بخفير ولا بغير خفير
طحنت تغلب هوازن طحنا ... وألحّت على بني منصور [4]
يوم تردى الكماة حول عمير ... حجلان النسور حول جزور
وقال جميل [5] : [من الطويل]
وما صائب من نابل قذفت به ... يد وممرّ العقدتين وثيق [6]
له من خوافي النّسر حمّ نظائر ... ونصل كنصل الزّاعبيّ رقيق [7]
على نبعة زوراء أمّا خطامها ... فمتن وأمّا عودها فعتيق [8]
__________
[1] انظر كليلة ودمنة، باب الأسد والثور، ص 137.
[2] ديوان عدي بن زيد 79.
[3] اللغوب: التعب والإعياء.
[4] ديوان جميل 151- 152.
[5] ديوان جميل 151- 152 والكامل 1/42 (المعارف) ، 96 (الدالي) ، والحماسة الشجرية 1/512، والأبيات (1- 4) في السمط 29، والأول في أمالي القالي 1/7، واللسان (همن) ، والتهذيب 6/334، والخامس في اللسان (صدق) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1347.
[6] النابل: صاحب النبل، وهي السهام. ممر العقدتين: يريد وتر الفرس.
[7] الخوافي: ريشات من الجناح إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. حمّ: سود. نظائر: متماثلة. الزاعبي من الرماح: الذي إذا هز تدافع كله كأن آخره يجري في مقدمه.
[8] النبعة: الشجرة من النبع، وهو من أشجار الجبال تتخذ منه أكرم القسي. الزوراء: المعوجة. خطام القوس: وترها. المتن: الظهر. عتيق: قديم كريم.
(6/488)

بأوشك قتلا منك يوم رميتني ... نوافذ لم تظهر لهن خروق [1]
فلم أر حربا يا بثين كحربنا ... تكشّف غمّاها وأنت صديق [2]
1850-[مسالمة النسر للضبع]
وأما قوله:
30- «يسالم الضّبع بذي مرّة ... أبرمها في الرّحم العمر»
لأنّ النّسر طير ثقيل، عظيم شره رغيب نهم. فإذا سقط على الجيفة وتملأ لم يستطع الطّيران حتى يثب وثبات، ثمّ يدور حول مسقطه مرارا، ويسقط في ذلك، فلا يزال يرفع نفسه طبقة طبقة في الهواء حتى يدخل تحته الرّيح. فكلّ من صادفه وقد بطن وتملأ، ضربه إن شاء بعصا، وإن شاء بحجر، حتّى ربما اصطاده الضّعيف من الناس.
وهو مع ذلك يشارك الضّبع في فريسة الضبع، ولا يثب عليه، مع معرفته بعجزه عن الطّيران.
وزعم أنّ ثقته بطول العمر هو الذي جرّأه على ذلك.
1851-[استطراد لغوي]
ويقال: هوت العقاب تهوي هويّا: إذا انقضّت على صيد أو غيره ما لم ترغه، فإذا أراغته قيل أهوت له إهواء. والإهواء أيضا التّناول باليد. والإراغة أن يذهب بالصيد هكذا وهكذا.
ويقال دوّم الطائر في جوّ السّماء، وهو يدوّم تدويما: إذا دار في السماء ولا يحرك جناحيه.
ويقال نسره بالمنسر [3] . وقال العجّاج [4] : [من الرجز]
شاكي الكلاليب إذا أهوى ظفر ... كعابر الرؤوس منها أو نسر [5]
__________
[1] بأوشك: بأسرع. نوافذ: طعنات نافذة.
[2] غمى الحرب: شدتها.
[3] المنسر: هو لسباع الطير بمنزلة المنقار لغيرها.
[4] ديوان العجاج 1/44، والثاني في اللسان والتاج (كعبر) .
[5] الكلاليب: المخالب. الشاكي: الحاد، الكعابر: رؤوس العظام.
(6/489)

والنسر ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار كأظفار الدّجاج.
وليس له سلاح، إنّما يقوى بقوّة بدنه وعظمه. وهو سبع لئيم عديم السّلاح، وليس من أحرار الطير وعتاقها.
(ولوع عتاق الطير بالحمرة)
ويقال إنّ عتاق الطير تنقضّ على عمود الرّحل وعلى الطّنفسة والنمرق [1] فتحسبه لحمرته لحما. وهم مع ذلك يصفونها بحدّة البصر ولا أدري كيف ذلك.
وقال غيلان بن سلمة [2] : [من الكامل]
في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع كأنّ متونه السّحل [3]
عقلا ورقما ثمّ أردفه ... كلل على ألوانها الخمل [4]
كدم الرّعاف على مآزرها ... وكأنّهنّ ضوامرا إجل [5]
وهذا الشّعر عندنا للمسيّب بن علس.
وقال علقمة بن عبدة [6] : [من البسيط]
ردّ الإماء جمال الحيّ فاحتملوا ... وكلّها بالتّزيديات معكوم [7]
عقلا ورقما يظلّ الطّير يتبعه ... كأنّه من دم الأجواف مدموم [8]
__________
[1] الطنفسة: النمرقة فوق الرحل، والنمرق: الوسادة الصغيرة.
[2] الأبيات للمسيب بن علس في ديوانه 625، وانظر ما تقدم في 1/251، س 11- 15.
[3] الربع: الطريق المنفرج عن الجبل. متونه: ظهوره. السحل: الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب اليمن.
[4] العقل: ثوب أحمر يجلل به الهودج. الرقم: ضرب من البرود. الكلل: جمع كلة، وهي من الستور ما خيط فصار كالبيت. الخمل: الطنفسة، وهي الوسادة.
[5] الإجل: القطيع من بقر الوحش.
[6] ديوان علقمة 51، والأول في اللسان والتاج (زيد) ، والثاني في اللسان (عقل، دمم، عقم) ، والتاج (عقل، عقم) ، والتهذيب 14/81، وبلا نسبة في العين 1/160، 8/15.
[7] في ديوانه: «رد الإماء، يقول: رددن الإبل من مراعيها لما أرادوا الرحيل. والتزيديات: ثياب منسوبة إلى تزيد بن حيدان بن عمران من قضاعة، وقال الأصمعي: التزيدات: هوادج. المعكوم:
من العكم، وهو العدل.
[8] في ديوانه: «العقل: ضرب من البرود. الرقم: ما نقش بالدارات، وهو ضرب من البرود أيضا.
مدموم: مطلي بالدم» .
(6/490)

1852-[شعر في العقاب]
وقال الهذليّ [1] : [من الكامل]
ولقد غدوت وصاحبي وحشيّة ... تحت الرّداء بصيرة بالمشرف
حتّى أتيت إلى فراش عزيزة ... سوداء، روثة أنفها كالمخصف [2]
يعني عقابا. وقوله: «بصيرة بالمشرف» يريد الرّيح من أشرف لها أصابته.
وقال الآخر في شبيه بهذا: [من الكامل]
فإذا أتتكم هذه فتلبّسوا ... إنّ الرّماح بصيرة بالحاسر [3]
وقال آخر [4] : [من الكامل]
كأنّي إذ عدوا ضمّنت بزّي ... من العقبان خائتة طلوبا [5]
جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا [6]
وقال طفيل الغنويّ [7] : [من الطويل]
تبيت كعقبان الشّريف رجاله ... إذا ما نووا إحداث أمر معطّب [8]
__________
[1] البيتان لأبي كبير الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1089، والأول في اللسان (وحش) ، والتاج (عزز، وحش) ، والتهذيب 5/145، وللهذلي في المخصص 8/147، والثاني في اللسان والتاج (روث، عزز، فرش، خصف) ، والتهذيب 7/147، 15/125، وخلق الإنسان 146، ونظام الغريب 26، وللهذلي في المقاييس 2/186، والمخصص 1/29، 4/113، 8/147، والأساس (خصف) ، والتهذيب 11/347.
[2] روثة الأنف، عنى به المنقار، المخصف: المثقب.
[3] تلبسوا: البسوا السلاح. الحاسر: الذي لا سلاح عليه.
[4] البيتان لأبي كبير الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1205، واللسان والتاج (صلب) ، والأول في اللسان (بزز) بلا نسبة، والثاني في اللسان والتاج (جرم) ، والمخصص 8/147، والمجمل 1/425، والتهذيب 11/67، 12/196، والتنبيه والإيضاح 1/103، وبلا نسبة في الجمهرة 465، والمقاييس 1/446. والمخصص 13/117، وديوان الأدب 1/399.
[5] البز: السلاح. الخائتة: التي تنقض على الصيد لتأخذه؛ فتسمع لجناحيها صوتا.
[6] الجريمة: الكاسبة. الناهض: الفرخ. النيق: أرفع موضع من الجبل. الصليب: الودك، أو ودك العظام.
[7] ديوان طفيل الغنوي 20، والمعاني الكبير 250، 971، ومعجم البلدان 3/341 (الشريف) .
[8] الشريف: تصغير شرف، وهو الموضع العالي، وهو ماء لبني نمير، وله تنسب العقبان. معطب: ذو عطب، وهو الهلاك.
(6/491)

أي أمهلوا. وقال دريد [1] : [من الطويل]
تعلّلت بالشّطّاء إذ بان صاحبي ... وكلّ امرئ قد بان إذ بان صاحبه [2]
كأني وبزّي فوق فتخاء لقوة ... لها ناهض في وكرها لا تجانبه [3]
فباتت عليه ينفض الطّلّ ريشها ... تراقب ليلا ما تغور كواكبه
فلما تجلّى اللّيل عنها وأسفرت ... تنفّض حسرى عن أحصّ مناكبه [4]
رأت ثعلبا من حرّة فهوت له ... إلى حرّة والموت عجلان كاربه [5]
فخرّ قتيلا واستمرّ بسحره ... وبالقلب يدمى أنفه وترائبه [6]
1853-[جفاء العقاب]
زعم صاحب المنطق أنّه ليس شيء في الطّير أجفى لفراخه من العقاب وأنّه لا بدّ من أن يخرج واحدا، وربما طردهنّ جميعا حتّى يجيء طائر يسمّى «كاسر العظام» فيتكفّل به.
ودريد بن الصّمّة يقول: [من الطويل]
كأني وبزّي فوق فتخاء لقوة ... لها ناهض في وكرها لا تجانبه
1854-[ما يعتري العقاب عند الشبع]
وقد يعتري العقاب، عند شبعها من لحم الصّيد، شبيه بالذي ذكرنا في النسر.
وأنشد أبو صالح مسعود بن قند، لبعض القيسيّين: [من الطويل]
قرى الطّير بعد اليأس زيد فأصبحت ... بوحفاء قفر ما يدبّ عقابها [7]
وما يتخطّى الفحل زيد بسيفه ... ولا العرمس الوجناء قد شقّ نابها [8]
__________
[1] ديوان دريد بن الصمة 38، والأول في التاج (شمط) .
[2] الشطّاء: قال محقق ديوانه: (قد تكون السّماء، وهي فرس صخر أخي الخنساء «المخصص 5/23» ، والمعروف أن دريدا كان صديقا لإخوتها؛ وقد رثى أخاها معاوية بقصيدة رائية) .
[3] البز: السلاح: الفتخاء: العقاب، وأصل الفتخ: اللين. اللقوة: العقاب السريعة الاختطاف.
الناهض: الفرخ.
[4] أسفرت: أصبحت. الأحص: الأجرد؛ أو القليل الشعر.
[5] كاربه: دان منه.
[6] السحر: الرئة. الترائب: جمع تريبة، وهي عظام الصدر.
[7] الوحفاء: الأرض السوداء.
[8] ما يتخطى: أي ينحرهما لا يعبأ بكرمهما، ويهين لضيفه كرائم المال. العرمس: الناقة الصلبة الشديدة. والوجناء: الضخمة. شق الناب: طلع.
(6/492)

وإن قيل مهلا إنّه شدنيّة ... يقطّع أقران الجبال جذابها [1]
خبّر أنّه يعتري العقاب من الثّقل عند الطيران. من البطنة، ما يعتري النسر.
1855-[شعر في العقاب]
وقال امرؤ القيس- إن كان قاله [2]-: [من البسيط]
1- كأنّها حين فاض الماء واحتملت ... فتخاء لاح لها بالقفرة الذّيب [3]
2- فأبصرت شخصه من فوق مرقبة ... ودون موقعها منه شناخيب [4]
3- فأقبلت نحوه في الجوّ كاسرة ... يحثّها من هويّ اللّوح تصويب [5]
4- صبّت عليه ولم تنصبّ من أمم ... إنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب [6]
5- كالدّلو بتّت عراها وهي مثقلة ... إذ خانها وذم منها وتكريب [7]
6- لا كالتي في هواء الجوّ طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب [8]
7- كالبرق والريح مرآتاهما عجب ... ما في اجتهاد على الإصرار تغبيب [9]
8- فأدركته فنالته مخالبها ... فانسلّ من تحتها والدّفّ مثقوب [10]
__________
[1] الشدنية: إبل منسوبة إلى شدن، وهو فحل باليمن. الأقران: جمع قرن، وهو الحبل يقرن به البعيران.
[2] الأبيات لامرئ القيس أو لإبراهيم بن بشير الأنصاري في ديوان امرئ القيس 226- 229، والأول لامرئ القيس في الأساس (حفل) ، وللراعي النميري في ملحق ديوانه 299، واللسان والتاج (صرح) ، والعين 3/115، وبلا نسبة في اللسان والتاج (صقع) ، والتهذيب 4/239، والثاني بلا نسبة في العين 4/326، والخامس لامرئ القيس في اللسان والتاج (كرب) ، والسادس لامرئ القيس في الخزانة 4/90، 91، 92، وشرح المفصل 2/114، والكتاب 2/294، وسر صناعة الإعراب 235، وبلا نسبة في الجمهرة 998، ورصف المباني 43، واللسان (ويا) .
[3] فاض الماء: يريد العرق. الفتخاء: العقاب، وأصل الفتخ: اللين.
[4] المرقبة: الموضع العالي يرقب منه العدو. الشناخيب: رؤوس في أعالي الجبال لا يعلو عليها إلا ما طار.
[5] كاسرة: تضم جناحيها للسقوط. الهوي: هبوب الريح. اللوح: الهواء بين السماء والأرض.
التصويب: الخفض.
[6] الأمم: القرب.
[7] قوله: «كالدلو» أراد أن انقضاض هذه العقاب إلى هذا الذئب كالدلو. وقوله «بتت» أي قطعت.
الوذم: سير يعلق بعرا الدلو. التكريب: أن يشد خيط من قنب مع الدلو إلى الرشاء- وهو الحبل.
ليكون عونا واستظهارا متى انقطعت عروة أو انحلت عقدة أمسكها فلا تقع في البئر.
[8] الطالبة: العقاب. وقوله: «كهذا» يريد الذئب.
[9] تغبيب: ليست فيهما بقية من السرعة والعدو.
[10] الدف: الجنب.
(6/493)

9- يلوذ بالصّخر منها بعد ما فترت ... منها ومنه الصّخر الشآبيب [1]
10- ثمّ استغاثت بمتن الأرض تعفره ... وباللسان وبالشّدقين تتريب [2]
11- ما أخطأته المنايا قيس أنملة ... ولا تحرّز إلّا وهو مكثوب [3]
12- يظلّ منجحرا منها يراقبها ... ويرقب اللّيل إنّ اللّيل محبوب [4]
وقال زهير [5] : [من البسيط]
تنبذ أفلاذها في كلّ منزلة ... تنتخ أعينها العقبان والرّخم [6]
تنتخ: أي تنزع وتستخرج. والعرب تسمّي المنقاش المنتاخ.
ويقال: نقّت الرّخم تنقّ نقيقا. وأنشد أبو الجرّاح: [من الوافر]
حديثا من سماع الدّلّ وعر ... كأنّ نقيقهنّ نقيق رخم
والنقيق مشترك. يقال: نقّ الضفدع ينقّ نقيقا.
ويقال: «أعزّ من الأبلق العقوق» [7] ، و: «أبعد من بيض الأنوق» [8] .
فأمّا بيض الأنوق فربما رئي. وذلك أنّ الرّخم تختار أعالي الجبال، وصدوع الصّخر، والمواضع الوحشيّة. وأمّا الأبلق فلا يكون عقوقا. وأما العقوق البلقاء فهو مثل. وقال: [من الطويل]
ذكرناك أن مرّت أمام ركابنا ... من الأدم مخماص العشيّ سلوب [9]
تدلّت عليها تنفض الرّيش تحتها ... براثنها وراحهنّ خضيب [10]
__________
[1] يلوذ: يلجأ. فترت: ضعفت. الشآبيب: جمع شؤبوب أي الدفعة من المطر، وجعلها للعدو والطيران.
[2] متن الأرض: ظهرها. تعفره: تضرب به التراب؛ وهو العفر.
[3] مكثوب: أي كثبته العقاب: قاربته أو تلته.
[4] منجحرا: داخلا في الجحر.
[5] ديوان زهير 120، واللسان (فلا) ، والتاج والأساس (نتخ) ، والجمهرة 390، والمقاييس 2/98، 5/386، والمجمل 4/374، وبلا نسبة في اللسان (نتخ) ، والتهذيب 3/304.
[6] تنبذ: تلقي. أفلاذها: أولادها.
[7] مجمع الأمثال 2/43، والدرة الفاخرة 1/299، وجمهرة الأمثال 2/64، والمستقصى 1/242، وفصل المقال 493، وأمثال ابن سلام 362.
[8] مجمع الأمثال 1/115، والدرة الفاخرة 1/76، والمستقصى 1/24.
[9] الركاب الأدم: الإبل يخالط بياضها سواد. المخماص: وصف من الخمص؛ وهو الجوع.
[10] البراثن: هي للسباع كالأصابع من الإنسان. الراح جمع راحة؛ وهي الكف.
(6/494)

خداريّة صقعاء دون فراخها ... من الطّود فأوبينها ولهوب [1]
إذا القانص المحروم آب ولم يصب ... فمطعمه جنح الظّلام نصيب
فأصبحت بعد الطير ما دون فارة ... كما قام فوق المنصتين خطيب
وقال بشر بن أبي خازم [2] : [من الوافر]
فما صدع بخيّة أو بشرق ... على زلق زمالق ذي كهاف [3]
تزلّ اللّقوة الشّغواء عنها ... مخالبها كأطراف الأشافي [4]
وقال بشر أيضا [5] : [من الطويل]
تدارك لحمي بعد ما حلّقت به ... مع النّسر فتخاء الجناح قبوض [6]
فإن تجعل النّعماء منك تمامة ... ونعماك نعمى لا تزال تفيض
تكن لك في قومي يد يشكرونها ... وأيدي النّدى في الصالحين قروض [7]
وعلى شبيه بهذا البيت الآخر. قال الحطيئة [8] : [من البسيط]
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
وقال عقيل بن العرندس: [من الطويل]
حبيب لقرطاس يؤدّي رسالة ... فيالك نفسا كيف حان ذهولها
وكنت كفرخ النسر مهّد وكره ... بملتفّة الأفنان حيل مقيلها [9]
__________
[1] الخدارية: السوداء. الصقعاء: التي في رأسها بياض. الفأو: مهواة بين جبلين.
[2] ديوان بشر بن أبي خازم 148- 149 (166) ، وعيار الشعر 177.
[3] الصدع: وعل بين الوعلين، وهو الذي ليس بالعظيم ولا الصغير. حية: جبل من جبال طيئ. شرق:
موضع في جبل طيئ. الزلق: المكان الذي لا تثبت عليه القدم. الزمالق: أصله الغلام الخفيف في عدوه. الكهاف: جمع كهف.
[4] اللقوة: العقاب السريعة الاختطاف. الشغواء: العقاب. الأشافي: جمع الإشفى، وهو المثقب.
[5] ديوان بشر بن أبي خازم 107 (135) .
[6] الفتخاء: اللينة الجناح تكسره كيف شاءت. القبوض: تقبض جناحيها، أي تجمعهما.
[7] الندى: السخاء والكرم. قروض: جمع قرض، وهو ما يتجازى به الناس بينهم؛ ويتقاضونه من إحسان ومن إساءة.
[8] ديوان الحطيئة 51، والخصائص 2/489، والأغاني 2/174، وشرح الأشموني 3/587، والتاج (الفاء) ، ومجمع الأمثال 2/162.
[9] الحيل: الماء المستنقع في بطن الوادي.
(6/495)

1856-[التمساح والسمك]
وأمّا قوله:
31- «وتمسح خلّله طائر ... وسابح ليس له سحر»
فالتمساح مختلف الأسنان، فينشب فيه اللحم، فيغمّه فينتن عليه، وقد جعل في طبعه أن يخرج عند ذلك إلى الشط، ويشحا [1] فاه لطائر يعرفه بعينه، يقال إنه طائر صغير أرقط مليح. فيجيء من بين الطير حتى يسقط بين لحييه ثم ينقره بمنقاره حتّى يستخرج جميع ذلك اللحم، فيكون غذاء له ومعاشا، ويكون تخفيفا عن التّمساح وترفيها [2] . فالطائر الصغير يأتي ما هنالك يلتمس ذلك الطّعم، والتمساح يتعرّض له، لمعرفته بذلك منه.
وأمّا قوله:
«وسابح ليس له سحر» .
فإن السمك كلّه لا رئة له. قالوا: وإنما تكون الرّئة لمن يتنفس. هذا، وهم يرون منخري السّمك، والخرق النّافذ في مكان الأنف منه، ويجعلون ما يرون من نفسه إذا أخرجوه من الماء أن ذلك ليس بنفس يخرج من المنخرين، ولكنه تنفس جميع البدن.
1857-[العث والحفاث]
وأمّا قوله:
32- «والعث والحفّاث ذو نفخة ... وخرنق يسفده وبر»
فإنّ الحفّاث دابّة تشبه الحيّة وليست بحيّة، وله وعيد شديد، ونفخ وتوثّب، ومن لم يعرفه كان له أشدّ هيبة منه للأفاعي والثّعابين. وهو لا يضرّ بقليل ولا كثير، والحيّات تقتله. وأنشد [3] : [من الكامل]
أيفايشون وقد رأوا حفّاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأسود [4]
__________
[1] يشحا: يفتح.
[2] انظر ما تقدم في 4/228، س 5- 6.
[3] ثمة بيت بقافية «الأشجع» لجرير في ديوانه 913، واللسان والتاج (حفث، فيش) .
[4] يفايشون: يفاخرون. الأسود: أخبث الحيات.
(6/496)

والعثّ: دويبة تقرض كلّ شيء، وليس له خطر ولا قوّة ولا بدن.
قال الرّاجز [1] : [من الرجز]
يحثّني وردان أيّ حثّ ... وما يحثّ من كبير عثّ
إهابه مثل إهاب العثّ
وأنشد: [من الوافر]
وعثّ قد وكلت إليه أهلي ... فطاح الأهل واجتيح الحريم
وما لاهى به طرف فيوحي ... ولا صكّ إذا ذكر القضيم [2]
وأنشد آخر [3] : [من المتقارب]
فإن تشتمونا على لؤمكم ... فقد يقرض العثّ ملس الأديم
وقالوا في الحفّاث، هجا الكروبي أخاه فقال: [من الوافر]
حبارى في اللّقاء إذا التقينا ... وحفّاث إذا اجتمع الفريق
وقال أعرابي: [من الطويل]
ولست بحفّاث يطاول شخصه ... وينفخ نفخ الكير وهو لئيم
وقع بين رجل من العرب ورجل من الموالي كلام، فأربى عليه المولى، وكان المولى فيه مشابه من العرب والأعراب، فلم يشكّ ذلك العربيّ أن ذلك المولى عربيّ، وأنّه وسط عشيرته، فانخزل [4] عنه فلم يكلمه، فلما فارقه وصار إلى منزله علم أنه مولى، فبكر عليه غدوة، فلما رأى خذلان جلسائه له ذلّ واعتذر، فعند ذلك قال العربيّ في كلمة له: [من الطويل]
ولم أدر ما الحفاث حتّى بلوته ... ولا نفض للأشخاص حتّى تكشّفا [5]
وقد أدركت هذه القضية وكانت في البحرين، عند مسحر بن السكن عندنا بالبصرة. فهو قوله: «والعثّ والحفّاث ذو نفخة» لأن الحفاث له نفخ وتوثّب، وهو ضخم شنيع المنظر، فهو يهول من لا يعرفه.
__________
[1] ورد البيت الثالث بلا نسبة في البرصان 193.
[2] القضيم: الرق الأبيض الذي يكتب فيه.
[3] البيت للمخبل في مجمع الأمثال 1/434، وبلا نسبة في حياة الحيوان 2/15 (العثة) .
[4] انخزل: انقطع وانفرد.
[5] النفض: أن ينظر جميع ما في الشيء حتى يعرفه.
(6/497)

وكان أبو ديجونة مولى سليمان، يدّعي غاية الإقدام والشّجاعة والصّرامة، فرأى حفّاثا وهو في طريق مكة، فوجده وقد قتله أعرابيّ، ورآه أبو ديجونة كيف ينفخ ويتوعّد، فلم يشك إلا أنه أخبت من الأفعى ومن الثعبان، وأنه إذا أتى به أباه وادعى أنه قتله سيقضي له بقتل الأسد والببر والنمر في نقاب، فحمله وجاء به إلى أبيه وهو مع أصحابه، وقال: ما أنا اليوم إلا ذيخ [1] وما ينبغي لمن أحسّ بنفسه مثل الذي أحس أن يرمى في المهالك والمعاطب، وينبغي أن يستبقيها لجهاد أو دفع عن حرمة وحريم يذبّ عنه! وذلك أني هجمت على هذه الحيّة، وقد منعت الرّفاق من السّلوك، وهربت منها الإبل، وأمعن في الهرب عنه كلّ جمّال ضخم الجزارة [2] ، فهزتني إليه طبيعة الأبطال، فراوغتها حتى وهب الله الظّفر. وكان من البلاء أنها كانت بأرض ملساء ما فيها حصاة، وبصرت بفهر على قاب غلوة، فسعيت إليه- وأنا أسوار كما تعلمون- فو الله ما أخطات حاقّ لهزمته [3] حتى رزق الله عليه الظّفر. وأبوه والقوم ينظرون في وجهه، وهم أعلم النّاس بضعف الحفّاث، وأنّه لم يؤذ أحدا قط، فقال له أبوه: ارم بهذا من يدك، لعنك الله ولعنه معك، ولعن تصديقي لك ما كنت تدّعيه من الشّجاعة والجراءة! فكبّروا عليه وسمّوه قاتل الأسد.
ومما هجوا به حين يشبّهون الرّجل بالعث، في لؤمه وصغر قدره قول مخارق الطائي، حيث يقول [4] : [من الوافر]
وإني قد علمت مكان عثّ ... له إبل معبّسة تسوم [5]
عن الأضياف والجيران عزّت ... فأودت والفتى دنس لئيم [6]
وإني قد علمت مكان طرف ... أغرّ كأنّه فرس كريم [7]
له نعم لعام المحل فيها ... ويروى الضّيف، والزّقّ العظيم [8]
__________
[1] الذيخ: الذكر من الضباع.
[2] الجزارة: اليدان والرجلان.
[3] اللهزمة: أصول الحنك.
[4] الأبيات لعارق الطائي في الوحشيات 250.
[5] معبسة: عبست الإبل: علاها العبس، وهو ما يبس على هلب الذنب والفخذ من البول والبعر، وذلك زمن المرعى، فتسمن ويكون عليها الشحم.
[6] عزت: منعت عن الأضياف والجيران لعزتها على صاحبها.
[7] الطرف: الكريم من الرجال.
[8] الزق: زق الخمر، أي يسقي ضيفه اللبن والخمر.
(6/498)

1858-[الوبر والخرنق]
وأمّا قوله:
32-
«وخرنق يسفده وبر»
فإنّ الأعراب يزعمون أنّ الوبر يشتهي سفاد العكرشة- وهي أنثى الأرانب- ولكنّه يعجز عنها، فإذا قدر على ولدها وثب عليه. والأنثى تسمى العكرشة، والذّكر هو الخزر، والخرنق ولدهما. قال الشاعر: [من الكامل]
قبح الإله عصابة نادمتهم ... في جحجحان إلى أسافل نقنق
أخذوا العتاق وعرّضوا أحسابهم ... لمحرّب ذكر الحديد معرّق
ولقد قرعت صفاتكم فوجدتكم ... متشبّثين بزاحف متعلّق
ولقد غمزت قناتكم فوجدتها ... خرعاء مكسرها كعود محرق
ولقد قبضت بقلب سلمة قبضة ... قبض العقاب على فؤاد الخرنق
ثمّ اقتحمت للحمه فأكلته ... في وكر مرتفع الجناب معلّق
قالوا: إنه قالها أبو حبيب بعد أن قال جشم ما قال، وقد قدّم إليه طعامه.
1859-[ما يشبه الخزز]
ووصف أعرابيّ خلق أعرابيّ فقال: كأن في عضلته خززا، وكأنّ في عضده جرذا.
وأنشدوا لماتح ووصف ماتحا، ورآه يستقي على بئره، فقال [1] : [من الرجز]
أعددت للورد إذ الورد حفز ... دلوا جرورا وجلالا خزخز
وماتحا لا ينثني إذا احتجز ... كأنّ تحت جلده إذا احتفز
في كلّ عضو جرذين أو خزز
وسنقول في الأرنب بما يحضرنا إن شاء الله تعالى.
__________
[1] تقدم تخريج الرجز في 5/141.
(6/499)

[باب في الأرانب]
(القول في الأرانب)
1860-[قصر كراع الأرنب]
قال الشاعر [1] : [من الكامل]
زعمت غدانة أن فيها سيّدا ... ضخما يوازنه جناح الجندب
يرويه ما يروي الذّباب فينتشي ... سكرا ويشبعه كراع الأرنب
وإنما ذكر كراع الأرنب من بين جميع الكراعات لأنّ الأرنب هي الموصوفة بقصر الذّراع وقصر اليد. ولم يرد الكراع فقط، وإنما أراد اليد بأسرها. وإنما جعل ذلك لها بسبب نحن ذاكروه إن شاء الله تعالى.
والفرس يوصف بقصر الذّراع فقط.
1861-[التوبير]
والتّوبير لكلّ محتال من صغار السّباع، إذا طمع في الصيد أو خاف أن يصاد، كالثّعلب، وعناق الأرض هي التي يقال لها التّفة، وهي دابّة نحو الكلب الصّغير، تصيد صيدا حسنا، وربّما واثب الإنسان فعقره، وهو أحسن صيدا من الكلب.
وفي أمثالهم: «لأنت أغنى من التفة عن الرّفة» [2] ، وهو التّبن الذي تأكله الدوابّ والماشية من جميع البهائم. والتّفة سبع خالص لا يأكل إلا اللحم.
والتّوبير: أن تضمّ براثنها فلا تطأ على الأرض إلا ببطن الكفّ، حتى لا يرى لها أثر براثن وأصابع. وبعضها يطأ على زمعاته، [3] وبعضها لا يفعل ذلك. وذلك كله في السهل. فإذا أخذت في الحزونة والصّلابة، وارتفعت عن السّهل حيث لا ترى لها آثار- قالوا: ظلفت الأثر تظلفه ظلفا. وقال النّميري: أظلفت الأثر إظلافا.
1862-[بعض ما قيل في الأرنب]
وعن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر: «ما الدّنيا في الآخرة إلّا كنفجة أرنب» [4] .
__________
[1] البيتان للأبيرد بن المعذر الرياحي أو لزياد الأعجم، انظر ما تقدم في 3/189، الفقرة (827) ، الحاشية الثانية.
[2] مجمع الأمثال 2/63، والدرة الفاخرة 1/321، وجمهرة الأمثال 2/84، والمستقصى 1/264.
[3] الزمعات: هنات شبه أظفار الغنم، في كل قائمة زمعتان كأنما خلقت من قطع القرون.
[4] القول في النهاية 5/88.
(6/500)

ويقال حذفته بالعصا كما تحذف الأرنب.
وقال أبو الوجيه العكلي [1] : «لو كانت والله الضبّة دجاجة لكانت الأرنب درّاجة» . ذهب إلى أنّ الأرانب والدّرّاج لا تستحيل لحومها ولا تنقلب شحوما، وإنّما سمنها بكثرة اللّحم. وذهب إلى ما يقول المعجبون منهم بلحم الضّبّ؛ فإنّهم يزعمون أنّ الطعمين متشابهان. وأنشد [2] : [من الرجز]
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضّبّ يسعى بالواد
قال: والضبّ يعرض لبيض الظّليم؛ ولذلك قال الحجّاج لأهل الشّام [3] : «إنّما أنا لكم كالظّليم الرّامح عن فراخه، ينفي عنها المدر [4] ، ويباعد عنها الحجر، ويكنّها من المطر، ويحميها من الضّباب، ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشّام أنتم الجنّة والرّداء، وأنتم العدّة والحذاء» .
1863-[ما يشبه بالأرنب]
ثم رجع بنا القول إلى الأرانب. فممّا في الخيل مما يشبه الأرنب قول الأعشى [5] : [من الكامل]
أمّا إذا استقبلته فكأنّه ... جذع سما فوق النّخيل مشذّب
وإذا تصفّحه الفوارس معرضا ... فتقول سرحان الغضا المتنصّب
أمّا إذا استدبرته فتسوقه ... ساق يقمّصها وظيف أحدب
منه، وجاعرة كأنّ حماتها ... كشطت مكان الجلّ عنها أرنب
وقال عبد الرّحمن بن حسّان: [من المتقارب]
كأنّ حماتيهما أرنبا ... ن غيضتا خيفة الأجدل [6]
1864-[طول عمر الأغضف والأرنب]
وأنشد الأثرم: [من الرجز]
__________
[1] القول في ربيع الأبرار 5/468.
[2] تقدم الرجز مع تخريج واف في ص 367.
[3] ورد قول الحجاج في البيان 2/140.
[4] المدر: قطع الطين اليابس.
[5] تقدمت الأبيات في 1/181، الفقرة (207) منسوبة إلى الأعشى، وهي للمرار العدوي في كتاب الخيل لأبي عبيدة 99- 100، و، البيت الأول لأنيف بن جبلة في اللسان (أول) .
[6] قافية البيت في الأصل «الأذؤب» ، والتصويب مما تقدم في 1/181، الفقرة (207) ، والمعاني الكبير 1/164، والأنوار 1/297.
(6/501)

بأغضف الأذن الطّويل العمر ... وأرنب الخلّة تلو الدّهر [1]
قد سمعت من يذكر أنّ كبر أذن الإنسان دليل على طول عمره، حتّى زعموا أنّ شيخا من الزّنادقة، لعنهم الله تعالى، قدّموه لتضرب عنقه فعدا إليه غلام سعديّ كان له، فقال: أليس قد زعمت يا مولاي أنّ من طالت أذنه طال عمره؟ قال: بلى! قال:
فهاهم يقتلونك! قال: إنما قلت: إن تركوه! وأنا لا أعرف ما قال الأثرم، ولا سمعت شعرا حديثا ولا قديما يخبر عن طول عمر الأرنب. قال الشّاعر: [من الرجز]
معبلة في قدح نبع حادر ... تسقى دم الجوف لظفر قاصر [2]
إذ لا تزال أرنب أو فادر ... أو كروان أو حبارى حاسر [3]
إلى حمار أو أتان عاقر
1865-[لبن الأرنب]
قال: ويزعمون أنه ليس شيء من الوحش، في مثل جسم الأرنب أقلّ لبنا ودرورا على ولد منها. ولذلك يضرب بدرّها المثل، فممّن قال في ذلك عمرو بن قميئة، حيث يقول [4] : [من الخفيف]
ليس بالمطعم الأرانب إذ قلّ ... ص درّ اللّقاح في الصّنّبر
ورأيت الإماء كالجعثن البا ... لي عكوفا على قرارة قدر
ورأيت الدّخان كالودع الأه ... جن ينباع من وراء السّتر
حاضر شرّكم وخيركم د ... رّ خريس من الأرانب بكر
1866-[قصر يدي الأرنب]
والأرنب قصير اليدين، فلذلك يخفّ عليه الصّعداء [5] والتوقّل في الجبال.
وعرف أنّ ذلك سهل عليه. فصرف بعض حيله إلى ذلك، عند إرهاق الكلاب إيّاه.
ولذلك يعجبون بكلّ كلب قصير اليدين، لأنه إذا كان كذلك كان أجدر أن يلحقها.
__________
[1] الأغضف الأذن: المسترخيها. تلو الدهر: ولده.
[2] المعبلة: النصل الطويل العريض. الحادر: الغليظ.
[3] الفادر: المسن من الأوعال. الحاسرك الذي لا ريش عليه.
[4] ديوان عمرو بن قميئة 77- 78، وتقدمت الأبيات في 5/40، الفقرة (1297) .
[5] أي الأرض الصعداء، وهي التي يشتد صعودها على الراقي.
(6/502)

1867-[من أعاجيب الأرنب]
وفي الأرانب من العجب أنها تحيض، وأنها لا تسمن، وأن قضيب الخزز ربّما كان من عظم، على صورة قضيب الثّعلب [1] .
ومن أعاجيبها أنّها تنام مفتوحة العين، فربّما جاء الأعرابيّ حتّى يأخذها من تلقاء وجهها، ثقة منه بأنّها لا تبصر.
وتقول العرب: هذه أرنب، كما يقولون: هذه عقاب ولا يذكّرون. وفيها التّوبير الذي ليس لشيء من الدوابّ التي تحتال بذلك، صائدة كانت أو مصيدة، وهو الوطء على مؤخر القوائم، كي لا تعرف الكلاب آثارها، وليس يعرف ذلك من الكلاب إلّا الماهر، وإنّما تفعل ذلك في الأرض اللّيّنة. وإذا فعلت ذلك لم تسرع في الهرب. وإن خافت أن تدرك انحرفت إلى الحزونة والصّلابة. وإنما تستعمل التّوبير قبل دنو الكلاب.
وليس لشيء من الوحش، ممّا يوصف بقصر اليدين ما للأرنب من السرعة.
والفرس يوصف بقصر الكراع فقط
1868-[زعم في كعب الأرنب]
وكانت العرب في الجاهليّة تقول [2] : من علّق عليه كعب أرنب لم تصبه عين ولا نفس ولا سحر، وكانت عليه واقية؛ لأنّ الجنّ تهرب منها، وليست من مطاياها لمكان الحيض.
وقد قال في ذلك امرؤ القيس [3] : [من المتقارب]
يا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا [4]
__________
[1] انظر ما تقدم في هذا الجزء ص 474.
[2] انظر عيار الشعر 64، ونهاية الأرب 3/123، وما تقدم في هذا الجزء ص 341.
[3] ديوان امرئ القيس 128، ومجالس ثعلب 82، واللسان والتاج (رسع) ، والتهذيب 2/92، بالأسود في اللسان والتاج (حسب، عقق، بوه) ، والعين 1/62، والجمهرة 277، والمقاييس 4/4، وديوان الأدب 3/321، والمجمل 1/305، والتهذيب 4/334، 6/462، وكتاب الجيم 1/210، والتنبيه والإيضاح 1/64، وبلا نسبة في العين 3/150، 4/98، والمقاييس 1/324، 2/61، والمخصص 8/161، بالأسود في اللسان والتاج (لسع، عسم) ، وإنباه الرواة 4/174، وشرح ابن عقيل 115، والمعاني الكبير 211، ونسب إلى امرئ القيس بن مالك الحميري في المؤتلف والمختلف 12، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب 73، وشرح المفصل 1/36، بالأسود بلا نسبة في العين 1/336.
[4] البوهة: طائر يشبه البومة. عقيقته: شعره الذي ولد به. الأحسب: من الحسبة، وهي صهبة تضرب إلى الحمرة، وهي مذمومة عند العرب.
(6/503)

مرسّعة بين أرساغه ... به عسم يبتغي أرنبا [1]
ليجعل في يده كعبها ... حذار المنيّة أن يعطبا [2]
وفي الحديث [3] : «بكى حتّى رسعت عينه» مشدّدة وغير مشدّدة، أي قد تغيّرت. ورجل مرسّع وامرأة مرسّعة.
1869-[تعشير الخائف]
وكانوا إذا دخل أحدهم قرية من جنّ أهلها، ومن وباء الحاضرة، أشدّ الخوف، إلّا أن يقف على باب القرية فيعشّر كما يعشّر الحمار [4] في نهيقه، ويعلّق عليه كعب أرنب. ولذلك قال قائلهم [5] : [من الطويل]
ولا ينفع التّعشير في جنب جرمة ... ولا دعدع يغني ولا كعب أرنب
الجرمة: القطعة من النّخل. وقوله: «دعدع» كلمة كانوا يقولونها عند العثار.
وقد قال الحادرة [6] : [من الكامل]
ومطيّة كلّفت رحل مطيّة ... حرج تنمّ من العثار بدعدع [7]
وقالت امرأة من اليهود [8] : [من المتقارب]
وليس لوالدة نفثها ... ولا قولها لابنها دعدع
تداري غراء أحواله ... وربّك أعلم بالمصرع
__________
[1] المرسعة: مثل المعاذة؛ وكان الرجل من جهلة العرب يعقد سيرا مرسّعا معاذة، مخافة أن يموت أو يصيبه بلاء. ويقال: مرسّعة ومرصّعة. العسم: يبس في الرسغ واعوجاج. انظر ديوانه 128.
[2] يريد أنه يتداوى ويتعوّذ بكعب الأرنب حذر الموت والعطب، وكانوا يشدون في أوساطهم عظام الضبع والذئب. يتعوذون بها. انظر ديوانه 128.
[3] هو من حديث ابن عمرو بن العاص في النهاية 2/221، 227، والمعنى أنها تغيرت وفسدت والتصقت أجفانها.
[4] عشّر الحمار: تابع النهيق عشر نهقات.
[5] البيت بلا نسبة في عيار الشعر 64، والمعاني الكبير 268، ونهاية الأرب 3/123.
[6] ديوان الحادرة 52، واللسان والتاج (جرر، أمن) ، والتنبيه والإيضاح 2/98، والتهذيب 10/476، 15/200، 511، وشرح اختيارات المفضل 221، وبلا نسبة في المقاييس 1/134، 412، 2/280، والمجمل 1/389، والمخصص 6/89.
[7] الحرج: الناقة الجسيمة الطويلة. النم: الإغراء.
[8] البيتان للشنفرى في ديوانه 37 «ضمن الطرائف الأدبية» ، والأغاني 21/184.
(6/504)

وقد قال عورة بن الورد، في التّعشير، حين دخل المدينة فقيل له: إن لم تعشّر هلكت! فقال [1] : [من الطويل]
لعمري لئن عشّرت من خيفة الرّدى ... نهاق الحمير إنّني لجزوع
1870-[نفع الأرنب]
وللأرنب جلد ووبر ينتفع به، ولحمه طيّب؛ ولا سيّما إن جعل محشيا [2] ؛ لأنّه يجمع حسن المنظر، واستفادة العلم مما يرون من تدبيرها وتدبير الكلاب، والانتفاع بالجلد وبأكل اللّحم. وما أقلّ ما تجتمع هذه الأمور في شيء من الطّير.
وأما قوله [3] : [من الطويل]
إذا ابتدر النّاس المعالي رأيتهم ... قياما بأيديهم مسوك الأرانب
فإنّه هجاهم بأنّهم لا كسب لهم إلّا صيد الأرانب وبيع جلودها.
1871-[الحلكاء]
وأمّا قوله:
33- «وغائص في الرمل ذو حدّة ... ليس له ناب ولا ظفر»
فهذا الغائص هو الحلكاء. والحلكاء: دويبّة تغوص في الرمل. كما يصنع الطّائر الذي يسمّى الغمّاس في الماء. وقال ابن سحيم في قصيدته التي قصد فيها للغرائب: [من البسيط]
والحلكاء التي تبعج في الرمل [4]
1872-[شحمة الأرض]
وممّا يغوص في الرّمل، ويسبح فيه سباحة السّمكة في الماء، شحمة الرّمل، وهي شحمة الأرض، بيضاء حسنة يشبّه بها كفّ المرأة [5] ، وقال ذو الرّمّة في تشبيه البنان بها [6] : [من الطويل]
__________
[1] ديوان عروة بن الورد 465، واللسان والتاج (عشر) ، وبلا نسبة في المقاييس 4/325، والمخصص 8/49، والعين 1/247، وانظر الخبر مع البيت في معجم البلدان (روضة الأجداد) .
[2] المحش: الاشتواء.
[3] البيت بلا نسبة في ربيع الأبرار 5/427، وتقدم في 5/315.
[4] البعج: الشق.
[5] ثمار القلوب (736) .
[6] ديان ذي الرمة 622، واللسان (دسس، بنى، نقا) ، والتاج (نقا) ، والتهذيب 9/319، 15/507، والمخصص 15/131، وثمار القلوب (736) .
(6/505)

خراعيب أمثال كأنّ بنانها ... بنات النقا تخفى مرارا وتظهر [1]
وقال أبو سليمان الغنوي: هي أعرض من العظاءة بيضاء حسنة منقطة بحمرة وصفرة، [وهي] [2] أحسن دوابّ الأرض.
1873-[تشبيه أطراف البنان بالعنم]
وتشبّه أيضا أطراف البنان بالأساريع وبالعنم، إذا كانت مطرّفة، وقال مرقّش [3] :
[من السريع]
النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم
وصاحب البلاغة من العامّة يقول: «كأنّ بنانها البيّاح [4] والدّواج [5] ، ولها ذراع كأنها شبّوطة [6] » .
ويشبه أيضا بالدّمقس.
1874-[خرافات أشعار العرب]
ومن خرافات أشعار الأعراب، يقول شاعرهم: [من الرجز]
أشكو إلى الله العليّ الأمجد ... عشائرا مثل فراخ السرهد
عشائرا قد نبّفوا بفدفد ... قد ساقهم خبث الزمان الأنكد
وكلّ حرباء وكل جدجد ... وكلّ رام في الرّمال يهتدي
وكلّ نفّاض القفا ملهّد ... ينصب رجليه حذار المعتدي [7]
وشحمة الأرض وفرخ الهدهد ... والفار واليربوع ما لم يسفد
فنارهم ثاقبة لم تخمد ... شواء أحناش ولم تفرّد
من الحبين والعظاء الأجرد ... يبيت يسري ما دنا بفدفد
وكلّ مقطوع العرا معلكد ... حتّى ينالوه بعود أو يد [8]
__________
[1] الخراعيب: الطويلات. بنات النقا: دويبات في الرمل.
[2] الزيادة من ثمار القلوب (736) .
[3] ديوان المرقش 586، والمفضليات 238، واللسان والتاج والأساس (نشر) .
[4] البيّاح: ضرب من السمك صغار.
[5] الدواج: لحاف يلبس.
[6] الشبوط: نوع من السمك، دقيق الذنب عريض الوسط.
[7] الملهد: المستضعف الذليل.
[8] المعلكد: الغليظ.
(6/506)

منها وأبصار سعال جهّد ... يغدون بالجهد وبالتشرّد
زحفا وحبوا مثل حبو المقعد
1875-[الحرباء]
وأمّا قوله:
34- «حرباؤها في قيظها شامس ... حتّى يوافي وقته العصر
35- يميل بالشّقّ إليها كما ... يميل في روضته الزّهر»
قال: والحرباء دويبّة أعظم من العظاءة أغبر ما كان فرخا، ثم يصفرّ، وإنّما حياته الحر. فتراه أبدا إذا بدت جونة يعني الشّمس، قد لجأ بظهره إلى جذيل [1] ، فإن رمضت الأرض ارتفع. ثم هو يقلّب بوجهه أبدا مع الشّمس حيث دارت، حتّى تغرب، إلا أن يخاف شيئا. ثم تراه شابحا بيديه [2] ، كما رأيت من المصلوب. وكلما حميت عليه الشّمس رأيت جلده قد يخضرّ، وقد ذكره ذو الرّمّة بذلك فقال [3] : [من الطويل]
يظلّ بها الحرباء للشّمس ماثلا ... على الجذل إلّا أنّه لا يكبّر
إذا حوّل الظّلّ العشيّ رأيته ... حنيفا وفي قرن الضّحى يتنصّر
غدا أصفر الأعلى وراح كأنّه ... من الضّحّ واستقباله الشّمس أخضر [4]
1876-[خضوع بعض الأحياء للشمس]
وكذا الجمل أيضا يستقبل بهامته الشّمس، إلّا أنه لا يدور معها كيف دارت كما يفعل الحرباء.
وشقائق النّعمان والخيريّ يصنع ذلك، ويتفتّح بالنهار. وينضمّ بالليل، والنّيلوفر الذي ينبت في الماء يغيب الليل كلّه ويظهر بالنهار، والسّمك الذي يقال له
__________
[1] الجذيل: مصغر جذل وهو من العيدان ما كان على مثال شماريخ النخل، وما عظم من أصول الشجر المقطع.
[2] شبح يديه: مدهما.
[3] ديوان ذي الرمة 631، والأول له في اللسان (حول) ، وديوان المعاني 2/147، وينسب إلى زهير ابن أبي سلمى في اللسان والتاج (مثل) ، وليس في ديوانه. والثاني في اللسان (حول، ولى) ، والتاج (حول) ، والتهذيب 15/452، وديوان الأدب 2/381، والثالث في اللسان والتاج (ضحح) ، وديوان الأدب 3/30.
[4] الضح: ضوء الشمس على الأرض.
(6/507)

الكوسج. في جوفه شحمة طيّبة، وهم يسمّونها الكبد، فإن اصطادوا هذه السّمكة ليلا وجدوا هذه الشّحمة فيها وافرة، وإن اصطادوها نهارا لم توجد. وقد ذكر الحطيئة دوران النّبات مع الشمس حيث يقول [1] : [من الطويل]
بمستأسد القريان حوّ تلاعه ... فنوّاره ميل إلى الشّمس زاهره
وقال ذو الرّمة [2] : [من الطويل]
إذا جعل الحرباء يغبّر لونه ... ويخضرّ من لفح الهجير غباغبه
ويشبح بالكفّين شبحا كأنّه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه
وقال ذو الرّمّة أيضا [3] : [من الطويل]
وهاجرة من دون ميّة لم يقل ... قلوصي بها والجندب الجون يرمح
إذا جعل الحرباء ممّا أصابه ... من الحرّ يلوي رأسه ويرنّح
وقال آخر [4] : [من الطويل]
كأنّ يدي حربائها متشمّسا ... يدا مجرم يستغفر الله تائب
وقال آخر: [من الطويل]
لظى يلفح الحرباء حتّى كأنّه ... أخو حربات بزّ ثوبيه، شابح [5]
وأنشدوا: [من الرجز]
قد لاحها يوم شموس ملهاب ... أبلج ما لشمسه من جلباب [6]
يرمي الإكام من حصاة طبطاب ... شال الحرابيّ له بالأذناب [7]
__________
[1] ديوان الحطيئة 20، والأغاني 2/155، وبلا نسبة في المخصص 10/19، وتقدم في 5/57 منسوبا إلى قطران العبسي.
[2] ديوان ذي الرمة 845- 846، وديوان المعاني 2/147، والأول بلا نسبة في اللسان والتاج (غبب) ، والمخصص 8/35.
[3] ديوان ذي الرمة 1212، 1214، والأول في اللسان والتاج (رمح) ، والتهذيب 5/53، وبلا نسبة في المخصص 8/177، والعين 3/226.
[4] البيت لذي الرمة في ديوانه 203، وديوان المعاني 2/147 واللسان والأساس (شمس) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 7/25.
[5] الحربات: جمع حربة، وحربه: سلبه ماله. بزّ: سلب. شبح: مده يديه للدعاء.
[6] أبلج: مشرق مضيء.
[7] شالت: رفعت. الحرابي: جمع حرباء.
(6/508)

وقال العباس بن مرداس [1] : [من الطويل]
على قلص يعلو بها كلّ سبسب ... تخال به الحرباء أنشط جالسا
وقال الشّاعر [2] : [من الطويل]
تجاوزت والعصفور في الحجر لاجئ ... مع الصّبّ والشّقذان تسمو صدورها
وقال أبو زبيد [3] : [من الخفيف]
واستكنّ العصفور كرها مع الضّ ... بّ وأوفى في عوده الحرباء
والشّقذان [4] : الحرابي. وقوله: «تسمو» أي ترتفع في الشجرة وعلى رأس العود. والواحد من الشّقذان بإسكان القاف وكسر الشّين شقذ بتحريك القاف.
وأنشد: [من الطويل]
ففيها إذا الحرباء مدّ بكفّه ... قام مثيل الرّاهب المتعبّد
وذلك أنّ الحرباء إذا انتصف النّهار فعلا في رأس شجرة صار كأنّه راهب في صومعته.
وقال آخر [5] : [من البسيط]
أنّى أتيح لكم حرباء تنضبة ... لا يترك السّاق إلّا ممسكا ساقا [6]
1877-[التشبّه بالعرب]
قال: وكان مولى لأبي بكر الشّيباني، فادّعى إلى العرب من ليلته فأصبح إلى
__________
[1] ديوان العباس بن مرداس 92، والأصمعيات 205.
[2] البيت لذي الرمة في ديوانه 238، وتقدم في 5/128، وفي هذا الجزء ص 379.
[3] ديوان أبي زبيد 579، وتقدم في 5/128، 295.
[4] انظر ما تقدم في 5/128.
[5] البيت لقيس بن الحدادية في ديوانه 30، والاختيارين 216، ولأبي دؤاد الإيادي في ديوانه 326، وجمهرة الأمثال 1/408، واللسان (حرب) ، والتاج (سوق) ، والتنبيه والإيضاح 1/60، وديوان المعاني 2/146، وللحارث بن دوسر في المستقصى 2/269، ونسب خطأ إلى كعب بن زهير في فصل المقال 350، وبلا نسبة في عيون الأخبار 3/192، وديوان المعاني 1/138، والبخلاء 171، واللسان (نضب، سوق، علق) ، والتاج (نضب، علق) ، والمخصص 4/25، 8/103، ومجمع الأمثال 2/217، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1859، والتمثيل والمحاضرة 321، ونهاية الأرب 3/59، والنهاية 2/432، والمعاني الكبير 662.
[6] تنضبة: شجرة تألفها الحرباء، قال ابن قتيبة «والحرباء إذا لجأ إلى شجرة، فزالت الشمس عنها، تحول إلى أخرى أعدها لنفسه. وهذا مثل للملحف؛ أي أنه لا يدع حاجة إلّا سأل أخرى» .
(6/509)

الجلوس في الشمس، قال: قال لي محمد بن منصور: مررت به فإذا هو في ضاحية [1] ، وإذا هو يحكّ جلده بأظفاره خمشا وهو يقول: إنما نحن إبل! وقد كان قيل له مرّة: إنّك تتشبّه بالعرب، فقال: ألي يقال هذا؟ أنا والله حرباء تنضبة، يشهد لي سواد لوني، وشعاثتي، وغور عينيّ وحبي للشّمس.
1878-[نفخ الحرباء والورل]
قال [2] : والحرباء ربّما رأى الإنسان فتوعّده، ونفخ وتطاول له حتّى ربّما فزع منه من لم يعرفه. وليس عنده شرّ ولا خير.
وأمّا الذي سمعناه من أصحابنا فإنّ الورل السّامد [3] هو الذي يفعل ذلك. ولم أسمع بهذا في الحرباء إلا من هذا الرجل.
قال: والحرباء أيضا: المسمار الذي يكون في حلقة الدّرع؛ وجمعه حرابي.
1879-[استدراك لما فات من ذكر الوبر]
وقد كنا غفلنا أن نذكر الوبر في البيت الأول [4] . قال رجل من بني تغلب:
[من الرجز]
إذا رجونا ولدا من ظهر ... جاءت به أسود مثل الوبر [5]
من بارد الأدنى بعيد القعر
وقال مخارق بن شهاب: [من الطويل]
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... بني فالج حيث استقرّ قرارها
هلمّوا إلينا لا تكونوا كأنّكم ... بلاقع أرض طار عنه وبارها
وأرض التي أنتم لقيتم بجوّها ... كثير بها أوعالها ومدارها
فهجا هؤلاء بكثرة الوبار في أرضهم، ومدح هؤلاء بكثرة الوعول في جبلهم.
وقال آخر [6] : [من الكامل]
__________
[1] الضاحية: الأرض البارزة للشمس.
[2] ربيع الأبرار 5/476.
[3] السامد: الرافع رأسه.
[4] يشير بالبيت الأول إلى اليت رقم 32 الذي تقدم في ص 496.
[5] يقال: فلان من ولد الظهر: أي ليس منا.
[6] الأبيات لجواس بن القعطل كما تقدم في 3/247، الفقرة (915) .
(6/510)

هل يشتمنّي لا أبا لكم ... دنس الثّياب كطابخ القدر
جعل تمطّى في غيابته ... زمر المروءة ناقص الشّبر [1]
لزبابة سوداء حنظلة ... والعاجز التّدبير كالوبر
ويضرب المثل بنتن الوبر؛ ولذلك يقول الشاعر [2] : [من الوافر]
تطلّى وهي سيّئة المعرّى ... بوضر الوبر تحسبه ملابا [3]
ونتن الوبر هو بوله.
1880-[مما يتمازح به الأعراب]
ومما تتمازح به الأعراب، فمن ذلك قول الشاعر: [من الرجز]
قد هدم الضّفدع بيت الفاره ... فجاء الرّبية والوباره [4]
وحلم يشدّ بالحجاره [5]
وهذا مثل قولهم: [من الرجز]
اختلط النّقد على الجعلان ... وقد بقي دريهم وثلثان
1881-[الظربان]
وأمّا قوله:
36- «والظّربان الورد قد شفّه ... حبّ الكشي والوحر الحمر [6]
37-[يلوذ منه الضبّ مذلوليا ... ولو نجا أهلكه الذّعر] [7]
38- وليس ينجيه إذا ما فسا ... شيء ولو أحرزه قصر»
__________
[1] الغيابة: المنهبط من الأرض، ومكان هذه الكلمة في 3/247 (عمايته) . زمر المروءة: قليلها.
الشبر: العطاء.
[2] البيت لجرير في ديوانه 820، واللسان والتاج (لوب، صنن) ، والمقاييس 3/279، والتهذيب 12/116.
[3] البيت في هجاء بني نمير، تطلى: تتطلى. المعرى: المجرد. الوضر: الدرن؛ وما يشمه الإنسان من ريح يجده من طعام فاسد. الملاب: الزعفران أو الطيب.
[4] الربية: دويبة بين الفأرة وأم حبين.
[5] الحلم: ضرب من القردان. يشد: يسرع في عدوه.
[6] الكشى: جمع كشية؛ وهي شحمة صفراء في ظهر الضب. الوحر: جمع وحرة، وهي دويبة صغيرة حمراء لها ذنب دقيق تمصع به إذا عدت.
[7] لم يرد البيت في الأصل، واستدراكه لازم لالتئام الكلام.
(6/511)

قال أبو سليمان الغنويّ: الظّربان أخبث دابّة في الأرض وأهلكه لفراخ الضّبّة.
قال: فسألت زيد بن كثوة عن ذلك فقال: إي والله وللضّبّ الكبير! والظّربان دابّة فسّاءه لا يقوم لشرّ فسوها شيء، قلت: فكيف يأخذها؟ قال:
يأتي جحر الضّبّ، وهو ببابه يستروح، فإذا وجد الضّبّ ريح فسوه دخل هاربا في جحره، ومرّ هو معه من فوق الجحر مستمعا حرشه، وقد أصغى بإحدى أذنيه من فوق الأرض نحو صوته- وهو أسمع دابّة في الأرض- فإذا بلغ الضبّ منتهاه، وصار إلى أقصى جحره وكفّ حرشه استدبر جحره، ثم يفسو عليه من ذلك الموضع- وهو متى شمّه غشي عليه- فيأخذه.
قال: والظّربان واحد، والظّربان: الجميع، مثل الكروان للواحد والكروان للجميع. وأنشد قول ذي الرّمّة [1] : [من الطويل]
من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنّهم الكروان أبصرن بازيا
والعامّة لا تشكّ [في] [2] أنّ الكروان ابن الحبارى؛ لقول الشاعر [3] : [من الطويل]
ألم تر أنّ الزّبد بالتّمر طيّب ... وأنّ الحباري خالة الكروان
وقال غيره: الظّربان يكون على خلقة هذا الكلب الصّينيّ، وهو منتن جدّا، يدخل في جحر الضبّ فيفسو عليه، فينتن عليه بيته، حتى يذلق الضبّ من بيته، فيصيده.
والضّباب الدلالي أيضا، التي يدخل عليها السّيل فيخرجها. وأنشد [4] : [من الرجز]
1- يا ظربانا يتعشّى ضبّا ... رأى العقاب فوقه فخبّا
__________
[1] ديوان ذي الرمة 1313، والخزانة 2/377، والخصائص 2/222، 3/118.
[2] إضافة تقتضيها اللغة.
[3] البيت بلا نسبة في البيان 1/230، ومجمع الأمثال 1/362، والتاج (حبر) ، ومحاضرات الأدباء 2/299.
[4] الرجز لهند بن أبي سفيان في الحماسة البصرية 2/403، والثاني والثالث بلا نسبة في اللسان والتاج (خصى) .
(6/512)

3- كأنّ خصييه إذا أكبّا ... فرّوجتان تطلبان حبّا
5- أو ثعلبان يحفزان ضبّا [1]
وأنشد الفرزدق [2] : [من الطويل]
أبوك سليم قد عرفنا مكانه ... وأنت بجيريّ قصير قوائمه
ومن يجعل الظّربى القصار ظهورها ... كمن رفعته في السّماء دعائمه
1882-[سلاح بعض الحيوان]
قال: والظّربان يعلم أنّ سلاحه في فسائه، ليس شيء عنده سواه، والحبارى تعلم أنّ سلاحها في سلحها ليس لها شيء سواه، قال: ولها في جوفها خزانة لها فيها أبدا رجع [3] معدّ فإذا احتاجت إليه وأمكنها الاستعمال استعملته، وهي تعلم أنّ ذلك وقاية لها، وتعرف مع ذلك شدّة لزجه، وخبث نتنه، وتعلم أنها تساور بذلك الزّرّق [4] ، وأنها تثقله فلا يصيد.
ويعلم الدّيك أنّ سلاحه في صيصيته [5] ، ويعلم أنّ له سلاحا، ويعلم أنّه تلك الشوكة، ويدري لأيّ مكان يعتلج، وأيّ موضع يطعن به.
والقنافذ تعلم أنّ فروتها جنّة [6] وأنّ شوك جلدها وقاية. فما كان منها مثل الدّلدل ذوات المداري [7] فإنها ترمي فلا تخطئ، حتى يمرّ مرور السهم المسدّد. وإن كانت من صغارها قبضت على الأفعى وهي واثقة بأنّه ليس في طاقة الأفعى لها من المكروه شيء. ومتى قبضت على رأس الأفعى فالخطب فيها يسير. وإن قبضت على الذنب أدخلت رأسها فقرضتها وأكلتها أكلا، وأمكنتها من جسمها، تصنع ما شاءت؛ ثقة منها بأنّه لا يصل إليها بوجه من الوجوه.
والأجناس التي تأكل الحيّات: القنافذ، والخنازير، والعقبان، والسّنانير،
__________
[1] حفزه: دفعه من خلفه.
[2] ديوان الفرزدق 815.
[3] الرجع: النجو والروث.
[4] الزرق: طائر بين البازي والباشق يصاد به.
[5] الصيصية: الشوكة التي في رجل الديك.
[6] الجنة: الوقاية.
[7] المداري: جمع مدرى، وهو شيء يعمل من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المشط، وأراد به الشوك الطويل.
(6/513)

والشاهمرك [1] . على أن النّسور والشاهمرك لا يتعرّضان للكبار.
ويعلم الزّنبور أن سلاحه في شعرته فقط، كما تعلم العقرب أن سلاحها في إبرتها فقط. وتعلم الذّبان والبعوض والقملة، أن سلاحها في خراطيمها. وتعلم جوارح الطّير أن سلاحها في مخالبها. ويعلم الذّئب والكلب أنّ سلاحهما في أشداقهما فقط. ويعلم الخنزير والأفعى أنّ سلاحهما في أنيابهما فقط.
ويعلم الثّور أنّ سلاحه قرنه، لا سلاح له غيره. فإن لم يجد الثّور والكبش والتّيس قرونا، وكانت جمّا [2] ، استعملت باضطرار مواضع القرون.
والبرذون يستعمل فمه وحافر رجله.
ويعلم التّمساح أنّ أحدّ أسلحته وأعونها ذنبه، ولذلك لا يعرض إلّا لمن وجده على الشريعة؛ فإنّه يضربه ويجمعه إليه حتى يلقيه في الماء.
وذنب الضبّ أنفع من براثنه [3] .
1883-[لجوء بعض الحيوان إلى الخبث والحيلة والفرار]
وإنما تفزع هذه الأجناس إلى الخبث، وإلى ما في طبعها من شدّة الحضر [4] إذا عدمت السّلاح؛ فعند ذلك تستعمل الحيلة: مثل القنفذ في إمكان عدوّه من فروته، ومثل الظّبي واستعمال الحضر في المستوي، ومثل الأرنب واستعماله الحضر في الصّعداء [5] .
وإذا كان ممن لا يرجع إلى سلاحه ولا إلى خبثه كان إمّا أن يكون أشدّ حضرا ساعة الهرب من غيره، وإمّا أن يكون ممّن لا يمكنه الحضر ويقطعه الجبن، فلا يبرح حتّى يؤخذ.
1884-[ما يقطعه الجبن من الحيوان]
وإنما تتقرّب الشّاة بالمتابعة والانقياد للسّبع، تظنّ أن ذلك ممّا ينفعها؛ فإن
__________
[1] الشاهمرك: معرب الشاه مرغ، ومعناه ملك الطير. وهو الفتي من الدجاج. حياة الحيوان 1/594، وانظر ما تقدم في 1/25، الفقرة (13) .
[2] الجم: جمع أجم وجماء، وهو الذي لا قرن له.
[3] ربيع الأبرار 5/468، وانظر ما تقدم ص 378.
[4] الحضر: الارتفاع في العدو.
[5] انظر ما تقدم ص 502، الحاشية رقم (5) .
(6/514)

الأسد إذا أخذ الشّاة ولم تتابعه، ولم تعنه على نفسها، فربما اضطرّ الأسد إلى أن يجرّها إلى عرينه. وإذا أخذها الذئب عدت معه حتّى لا يكون عليه فيها مؤونة، وهو إنما يريد أن ينحّيها [1] عن الراعي والكلب، وإن لم يكن في ذلك الوقت هناك كلب ولا راع، فيرى أن يجري على عادته.
وكذلك الدّجاج إذا كنّ وقّعا على أغصان الشّجر، أو على الرّفوف، فلو مرّ تحتها كلّ كلب. وكلّ سنّور، وكلّ ثعلب، وكلّ شيء يطالبها، فإذا مرّ ابن آوى بقربها لم يبق منها واحدة إلّا رمت بنفسها إليه [2] . لأنّ الذّئب هو المقصود به إلى طباع الشاة، وكذلك شأن ابن آوى والدّجاج، يخيّل إليها أن ذلك مما ينفع عنده.
وللجبن تفعل كلّ هذا.
ولمثل هذه العلّة نزل المنهزم عن فرسه الجواد؛ ليحضر ببدنه، يظنّ اجتهاده أنجى له، وأنّه إذا كان على ظهر الفرس أقلّ كدّا، وأنّ ذلك أقرب له إلى الهلاك.
ولمثل هذه العلّة يتشبّت الغريق بمن أراد إنقاذه حتّى يغرقه نفسه، وهما قبل ذلك قد سمعا بحال الغريق والمنهزم، وأنّهما إنّما هما في ذلك كالرجل المعافى الذي يتعجّب ممن يشرب الدّواء من يد أعلم النّاس به، فإن أصابته شقيقة، أو لسعة عقرب، أو اشتكى خاصرته، أو أصابه حصر أو أسر [3] شرب الدّواء من يد أجهل الخليقة، أو جمع بين دواءين متضادّين.
فالأشياء التي تعلم أنّ سلاحها في أذنابها ومآخرها الزّنبور والثّعلب والعقرب والحبارى، والظّربان، وسيقع هذا الباب في موضعه إن شاء الله تعالى.
وليس شيء من صنف الحيوان أردأ حيلة عند معاينة العدوّ من الغنم؛ لأنها في الأصل موصولة بكفايات النّاس، فأسندت إليهم في كل أمر يصيبها، ولولا ذلك لخرّجت لها الحاجة ضروبا من الأبواب التي تعينها. فإذا لم يكن لها سلاح ولا حيلة، ولم تكن ممن يستطيع الانسياب إلى جحره أو صدع صخرة، أو في ذروة جبل.
كانت مثل الدّجاجة، فإنّ أكثر ما عندها من الحيلة إذا كانت على الأرض أن ترتفع إلى رفّ. وربّما كانت في الأرض، فإذا دنا المغرب فزعت إلى ذلك.
__________
[1] ينحيها: يبعدها.
[2] انظر ما تقدم في 2/282، س 17- 20.
[3] الحصر: احتباس الغائط، الأسر: احتباس البول.
(6/515)

1885-[ما له ضروب من السلاح]
وربّما كان عند الجنس من الآلات ضروب، كنحو زبرة [1] الأسد ولبدته، فإنّه حمول للسّلاح إلّا في مراقّ بطنه فإنّه [2] من هناك ضعيف جدّا، وقال التغلبي [3] :
[من الطويل]
ترى النّاس منّا جلد أسود سالخ ... وزبرة ضرغام من الأسد ضيغم [4]
وله مع ذلك بعد الوثبة واللّزوق بالأرض. وله الحبس باليد. وله الطّعن بالمخلب، حتى ربّما حبس العير بيمينه وطعن بمخلب يساره لبّته [5] وقد ألقاه على مؤخره، فيتلقّى دمه شاحيا [6] فاه وكأنه ينصبّ من فوّارة، حتى إذا شربه واستفرغه صار إلى شقّ بطنه. وله العضّ بأنياب صلاب حداد، وفكّ شديد، ومنخر واسع. وله مع البرثن والشكّ بأظفاره دقّ الأعناق، وحطم الأصلاب. وله أنه أسرع حضرا من كلّ شيء أعمل الحضر في الهرب منه. وله من الصّبر على الجوع ومن قلّة الحاجة إلى الماء مع غيره، وربّما سار في طلب الملح [7] ثمانين فرسخا في يوم وليلة. ولو لم يكن له سلاح إلّا زئيره وتوقّد عينيه، وما في صدور النّاس له لكفاه.
وربما كان كالبعير الذي يعلم أنّ سلاحه في نابيه وفي كركرته [8] .
والإنسان يستعمل في القتال كفّيه في ضروب، ومرفقيه ورجليه ومنكبيه وفمه ورأسه وصدره، كلّ ذلك له سلاح ويعلم مكانه، يستوي في ذلك العاقل والمجنون، كما يستويان في الهداية في الطّعام والشراب إلى الفم.
1886-[سلاح المرأة]
والمرأة إذا ضعفت عن كلّ شيء فزعت إلى الصّراخ والولولة؛ التماسا للرّحمة، واستجلابا للغياث من حماتها وكفاتها، أو من أهل الحسبة في أمرها.
__________
[1] الزّبرة: ما بين كتفي الأسد من الوبر، هي اللبدة أيضا.
[2] مراق البطن: ما رقّ منها في أسفلها.
[3] البيت لجابر بن حني التغلبي في المفضليات 212.
[4] الأسود: العظيم من الحيات، وقيل له «سالخ» لأنه يسلخ جلده في كل عام. الضرغام والضيغم:
من أسماء الأسد.
[5] اللّبة: وسط الصدر والمنحر.
[6] شحا: فتح.
[7] انظر لشهوة الأسد الملح ما تقدم في 3/127، الفقرة (722) ، 5/114، الفقرة (1352) ، ولقلة رغبته في الماء ما تقدم في 2/283، الفقرة (287) ، 3/153، الفقرة (769) .
[8] الكركرة: رحى زور البعير أو الناقة.
(6/516)

[باب في أسماء أولاد الحيوان]
(باب)
1887-[أسماء أولاد الحيوان]
قال: ويقال لولد السّبع الهجرس والجمع هجارس، ولولد الضبع الفرعل والجمع فراعل. قال ابن حبناء: [من الطويل]
سلاحين منها بالرّكوب وغيرها ... إذا ما رآها فرعل الضّبع كفّرا
قال: والدّيسم ولد الذّئب من الكلبة.
وسألت عن ذلك أبا الفتح صاحب قطرب فأنكر ذلك وزعم أنّ الدّيسمة الذّرة، واسم أبي الفتح هذا ديسم.
ويقال إنّه دويبّة غير ما قالوا.
ويقال لولد اليربوع والفأر درص، والجمع أدراص. ويقال لولد الأرنب خرنق، والجمع خرانق، قال طرفة [1] : [من الطويل]
إذا جلسوا خيّلت تحت ثيابهم ... خرانق توفي بالضّغيب لها نذرا
أشعار فيها أخلاط من السباع والوحش والحشرات
قال مسعود بن كبير الجرمي، من طيئ، يقولها في حمار اشتراه فوجده على خلاف ما وصفه به النخّاس: [من الرجز]
إنّ أبا الخرشن شيء هنب ... معجّب ما يحتويه العجب [2]
قد قلت لما أن أجدّ الرّكب ... واعتر القوم صحار رحب
يا أجنح الأذن ألا تخبّ ... أهانك الله فبئس النّجب [3]
ما كان لي إذ أشتريك قلب ... بلى ولكن ضاع ثمّ اللّبّ
إن الذي باعك خبّ ضبّ ... أخبرني أنّك عير ندب [4]
__________
[1] ديوان طرفة بن العبد 60.
[2] الهنب: الفائق الحمق. معجب: يحمل على العجب.
[3] الجنح: الميل. الخبب: ضرب من السير سريع.
[4] العير: السيد والملك. الندب: النجيب.
(6/517)

وشرّ ما قال الرّجال الكذب ... صبّ عليه ضبع وذئب
سرحانة وجيأل قرشبّ ... ذيخ عدته رملة وهضب [1]
كأنه تحت الظّلام سقب ... يأخذ منه من رآه الرّعب [2]
أبو جراء مسّهنّ السّغب ... حتّى يقال حيث أفضى السحب [3]
وأنت نفّاق هناك ضبّ ... وصبّح الراعي مجرّا وغب [4]
ورخات بينهنّ كعب ... وأكرع العير وفرث رطب [5]
تقول: أدنوني إلى شرائه، ويقال ثرية لقيك لغة طائيّة.
وقال قرواش بن حوط [6] : [من الكامل]
نبّئت أن عقالا بن خويلد ... بنعاف ذي عدم وأنّ الأعلما [7]
ضبعا مجاهرة وليثا هدنة ... وثعيلبا خمر إذا ماء أظلما [8]
لا تسأماني من رسيس عداوة ... أبدا فلست بسائم إن تسأما [9]
غضّا الوعيد فما أكون لموعدي ... فيئا ولا أكلا له متخضّما [10]
فمتى ألاقكما البراز تلاقيا ... عركا يفلّ الحدّ شاكا معلما [11]
__________
[1] السرحانة: أنثى الذئب. جيأل: الضبع. القرشب: الأكول والمسن. الذيخ: ذكر الضباع الكثير الشعر. عدته: صرفته عنها.
[2] السقب: ولد الناقة.
[3] السغب: الجوع.
[4] نفق: دخل في نافقائه. مجرا: مجرأ، وهو الجريء. الوغب: اللئيم.
[5] الرخم: مما يقع على الجيف. الكعب: العظم لكل ذي أربع. العير: الحمار. الفرث: ما في الكرش من السرجين.
[6] الأبيات لقرواش بن حوط بن أنس في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1460، والأبيات (2- 3- 4) في معجم الشعراء 224، والبيت الثاني في عيون الأخبار 1/166.
[7] النعاف: جمع نعف، وهو أنف الجبل. ذو عدم: واد باليمن، وموضع بنواحي المدينة.
[8] في شرح ديوان الحماسة والضبع يوصف بضعف القلب. والخمر ما واراك من الشجر. وصغّر الثعلب لأنه كلما كان أصغر كان على الروغان أقدر. إذا أظلما: أي دخلا في الظلمة خبثا، لأن الثعلب حاله كذا.
[9] «رسيس عداوة: مثل رسيس الحمى والهوى؛ ورسهما لما يبدأ منهما.
[10] غضا: كفّا، وأصل الغض: الكسر. الفيء: الغنيمة. الأكل: ما يؤكل. متخضما: مأكولا بسهولة، والخضم: أكل شيء يلين على الضرس. يقول: لا ألين لمن أراد أكلي.
[11] البراز: أي متبارزين. العرك: البطش في الحرب. الشاك: الشائك السلاح، وهو ذو الشوكة والحد في سلاحه.
(6/518)

1888-[الوحر]
قال: وقال العدبّس الكنانيّ: والوحرة دويبّة كالعظاءة حمراء إذا اجتمعت تلصق بالأرض، وجمع وحرة وحر، مفتوحة الحاء، ومنه قيل وحر الصّدر، كما قيل للحقد ضبّ؛ ذهبوا إلى لزوقه بالصّدر كالتزاق الوحرة بالأرض، وأنشد [1] : [من الرمل]
بئس عمر الله، قوم طرقوا ... فقروا أضيافهم لحما وحر [2]
وسقوهم في إناء مقرف ... لبنا من درّ مخراط فئر [3]
يقال لحم وحر: إذا دبّت عليه الوحرة، مقرف: موبئ [4] . ويقال فئر: إذا وقعت فيه فارة. وقال الحكميّ [5] : [من مجزوء الوافر]
بأرض باعد الرّحم ... ن عنها الطّلح والعشرا [6]
ولم يجعل مصايدها ... يرابيعا ولا وحرا
1889-[الهيشة]
وأمّا قوله:
29- «وهيشة تأكلها سرفة ... وسمع ذئب همّه الحضر»
فالهيشة أم حبين، وأنشد [7] : [من البسيط]
أشكو إليك زمانا قد تعرّقنا ... كما تعرّق رأس الهيشة الذّيب
وأمّ جبين وأمّ حبينة سواء، وقد ذكرنا شأنها في صدر هذا الكتاب. ويقال إنّها لا تقيم بمكان تكون فيه هذه الدّودة التي يقال لها السّرفة، وإليها ينتهي المثل في الصّنعة، ويقال: «أصنع من سرفة» [8] . ويقال إنّها تقوم من أمّ حبين مقام القراد من
__________
[1] البيتان بلا نسبة في المخصص 16/132، والأول في الدرر 5/206، 217، وهمع الهوامع 2/85، والمقاصد النحوية 4/19، وشرح الأشموني 2/372، والثاني في اللسان والتاج (خرط) .
[2] طرقوا: زارهم الضيف ليلا. قروا: أضافوا.
[3] المخراط: الناقة يخرج لبنها متعقدا كقطع الأوتار ومعه ماء أصفر.
[4] موبئ: من الوباء.
[5] البيتان لأبي نواس في ديوانه 557.
[6] الطلح والعشر: من نباتات البادية.
[7] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (هيش) ، والتهذيب 6/357.
[8] مجمع الأمثال 1/411، والدرة الفاخرة 1/264، وجمهرة الأمثال 1/583، والمستقصى 1/213، وأمثال ابن سلام 363.
(6/519)

البعير، إذا كانت أمّ حبين في الأرض التي تكون فيها هذه الدّودة.
1890-[ذكر من يأكل بعض أصناف الحيوان]
قال [1] : وقال مدنيّ لأعرابي: أتأكلون الضّبّ؟ قال: نعم. قال: فاليربوع؟ قال:
نعم. قال: فالوحرة؟ قال: نعم. حتّى عدّ أجناسا كثيرة من هذه الحشرات. قال أفتأكلون أمّ حبين؟ قال: لا. قال: «فلتهن أمّ حبين العافية» .
قال ابن أبي كريمة [2] : سأل عمرو بن كريمة أعرابيّا- وأنا عنده- فقال:
أتأكلون القرنبى؟ قال: طال والله ما سال ماؤه على شدقي!.
وزعم أبو زيد النحويّ سعيد بن أوس الأنصاريّ، قال [3] : دخلت على رؤبة وإذا قدّامه كانون، وهو يملّ على جمره جرذا من جرذان البيت، يخرج الواحد بعد الواحد فيأكله، ويقول: هذا أطيب من اليربوع! يأكل التّمر والجبن، ويحسو الزّيت والسّمن.
وأنشد [4] : [من الوافر]
ترى التّيميّ يزحف كالقرنبى ... إلى تيميّة كقفا القدّوم
وقال آخر [5] : [من الكامل]
يدبّ على أحشائها كلّ ليلة ... دبيب القرنبى بات يعلو نقا سهلا
1891-[اليربوع]
قال: واليربوع دابّة كالجرذ، منكبّ على صدره؛ لقصر يديه طويل الرّجلين، له ذنب كذنب الجرذ يرفعه في الصعداء [6] إذا هرول. وإذا رأيته كذلك رأيت فيه اضطرابا وعجبا. والأعراب تأكله في الجهد وفي الخصب.
__________
[1] تقدم الخبر في 3/256، الفقرة (932) ، وتقدم هنا ص 389.
[2] تقدم الخبر في 3/256، الفقرة (932) ، وهو في ربيع الأبرار 5/473.
[3] الخبر في الأغاني 20/350، وربع الأبرار 5/472، وتقدم في 4/284، 5/.
[4] البيت برواية «كعصا المليل» منسوبا إلى جرير في ديوانه 438 (الصاوي) ، وعيون الأخبار 4/42 مع بيتين آخرين، واللسان والتاج (قرنب) ، والعين 5/264، وبلا نسبة في اللسان والتاج (ملل) ، والتهذيب 9/417، 5/352، والمخصص 16/17.
[5] البيت للأخطل في حياة الحيوان 2/209 (القرنبى) ، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في الكامل 1/282 (طبعة المعارف) ، 595 (الدالي) ، واللسان والتاج (قرنب) ، وتقدم بلا نسبة في 3/255، الفقرة (930) .
[6] أرض صعداء: يشتد صعودها على الراقي.
(6/520)

1892-[أخبث الحيوان]
قال: وكلّ دابّة حشاها الله تعالى خبثا فهو قصير اليدين، فإذا خافت شيئا لاذت بالصّعداء فلا يكاد يلحقها شيء [1] .
1893-[أكل المسيب بن شريك لليربوع]
قال: وأخبرني ابن أبي نجيح وكان حجّ مع المسيّب بن شريك عام حجّ المهديّ [مع] [2] سلسبيل، قال: زاملت المسيّب في حجّته تلك، فبينا نحن نسير إذ نظرنا إلى يربوع يتخلل فراسن [3] الإبل، فصاح بغلمانه: دونكم اليربوع! فأحضروا في إثره فأخذوه. فلمّا حططنا قال: اذبحوه. ثمّ قال: اسلخوه واشووه وائتوني به في غدائي. قال: فأتي به في آخر الغداء، على رغيف قد رعّبوه فهو أشدّ حمرة من الزّهوة [4] ،- يريد البسرة- فعطف عليه فثنى الرّغيف ثم غمزه بين راحتيه ثم فرج [5] الرغيف، فإذا هو قد أخذ من دسمه، فوضعه بين يديه، ثمّ تناول اليربوع فنزع فخذا منه، فتناولها ثم قال: كل يا أبا محمد! فقلت: ما لي به حاجة! فضحك ثم جعل يأتي عليه عضوا عضوا.
1894-[أم حبين]
قال: وأمّا أمّ حبين فهي الهيشة، وهي أم الحبين، وهي دويبة تأكلها الأعراب مثل الحرباء، إلّا أنّها أصغر منها، وهي كدراء لسواد بيضاء البطن. وهو خلاف قول الأعرابيّ للمدني.
1895-[وصية أعرابي لسهل بن هارون]
وقال أعرابيّ لسهل بن هارون، في تواري سهل من غرمائه وطلبهم له طلبا شديدا؛ فأوصاه الأعرابيّ بالحزم وتدبير اليربوع، فقال [6] : [من الطويل]
انزل أبا عمرو على حدّ قرية ... تزيغ إلى سهل كثير السّلائق [7]
__________
[1] انظر ما تقدم ص 502، س 20- 22.
[2] في الأصل «في» .
[3] الفرسن: هو من البعير بمنزلة الحافر من الدابة.
[4] الترعيب: التقطيع. الزهوة: واحدة الزهو، وهو البسر إذا ظهرت فيه الحمرة.
[5] فرج الشيء: فتحه وباعد بين شقيه.
[6] الأبيات مع الخبر في عيون الأخبار 1/255.
[7] تزيغ: تميل. السلائق: أثر الأقدام والحوافر في الطريق.
(6/521)

وخذ نفق اليربوع واسلك سبيله ... ودع عنك إني ناطق وابن ناطق
وكن كأبي قطن على كلّ زائغ ... له منزل في ضيق العرض شاهق
وإنّما قال ذلك لاحتيال اليربوع بأبوابه التي يخرج من بعضها، إذا ارتاب بالبعض الآخر. وكذا كانت دار أبي قطنة الخناق بالكوفة في كندة، ويزعمون أنّه كان مولى لهم. وأنشد أبو عبيدة قال: أنشدني سفيان بن عيينة [1] : [من الهزج]
إذ ما سرّك العيش ... فلا تمرر على كنده
وقد قتل أبو قطنة وصلب.
1896-[الخناقون]
وممّن كان يخنق النّاس بالمدينة عديّة المدنيّة الصّفراء، وبالبصرة، رادويه.
والمرميّون بالخنق من القبائل وأصحاب النّحل والتأويلات هم الذين ذكرهم أعشى همدان في قوله [2] : [من الطويل]
إذا سرت في عجل فسر في صحابة ... وكندة فاحذرها حذارك للخسف
وفي شيعة الأعمى خناق وغيلة ... وقشب وإعمال لجندلة القذف
وكلّهم شرّ، على أنّ رأسهم ... حميدة والميلاء حاضنة الكسف
متى كنت في حيّي بجيلة فاستمع ... فإنّ لها قصفا يدلّ على حتف
إذا اعتزموا يوما على قتل زائر ... تداعوا عليه بالنّباح وبالعزف
وذلك أن الخناقين لا يسيرون إلّا معا، ولا يقيمون في الأمصار إلّا كذلك. فإذا عزم أهل دار على خنق إنسان كانت العلامة بينهم الضرب على دفّ أو طبل، على ما يكون في دور الناس، وعندهم كلاب مرتبطة فإذا تجاوبوا بالعزف ليختفي الصّوت ضربوا تلك الكلاب فنبحت. وربّما كان منهم معلّم يؤدّب في الدّرب، فإذا سمع تلك الأصوات أمر الصّبيان برفع الهجاء والقراءة والحساب.
1897-[المغيرية والغالية والمنصورية]
وأما الأعمى فهو المغيرة بن سعيد صاحب المغيرية، مولى بجيلة والخارج على
__________
[1] البيت في عيون الأخبار 2/147، وتقدم في 2/391، الفقرة (454) .
[2] الأبيات لأعشى همدان في عيون الأخبار 2/146- 147، وتقدمت منسوبة إلى حماد الراوية في 2/391، الفقرة (454) .
(6/522)

خالد بن عبد الله القسري. ومن أجل خروجه عليه قال: «أطعموني ماء» حتى نعى عليه ذلك يحيى بن نوفل، فقال [1] : [من الوافر]
تقول من النّواكة أطعموني ... شرابا ثمّ بلت على السّرير
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كليل الحدّ ذي بصر ضرير
وأمّا حميدة، فكانت من أصحاب ليلى الناعظية، ولها رياسة في الغالية.
والميلاء حاضنة أبي منصور صاحب المنصوريّة، وهو الكسف، قالت الغالية: إيّاه عنى الله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ
وإيّاه عنى معدان الأعمى حيث يقول [2] : [من الخفيف]
إنّ ذا الكسف صدّ آل كميل ... وكميل رذل من الأرذال
تركا بالعراق داء دويّا ... ضلّ فيه تلطّف المحتال
1898-[تفسير بيت]
وأمّا قوله [3] : [من الطويل]
انزل أبا عمرو على حدّ قرية ... تزيغ إلى سهل كثير السّلائق
فأراد الهرب؛ لأنه متى كان في ظهر فظّ [4] كثير الجوادّ والطرائق [5] . كان أمكر وأخفى. وما أحسن ما قال النابغة في صفة الطّريق إذا كان يتشعّب، حيث يقول [6] :
[من الطويل]
وناجية عدّيت في ظهر لاحب ... كسحل اليماني، قاصدا للمناهل [7]
له خلج تهوي فرادى وترعوي ... إلى كلّ ذي نيرين بادي الشّواكل [8]
__________
[1] تقدم البيتان في 2/392، الفقرة (454) ، وهما في البيان 2/267، 3/205.
[2] تقدم البيتان في 2/392، الفقرة (454) ، وانظر الحاشية رقم (3) هناك.
[3] تقدم البيت ص 521.
[4] الظهر: ما غلظ من الأرض وارتفع.
[5] الجواد: جمع جادة. الطرائق: جمع طريق؛ وهي الخطوط.
[6] ديوان النابغة الذبياني 142.
[7] الناجية: الناقة السريعة، اللاحب: الطريق الواضح. السحل: الثوب الأبيض، وشبه الطريق به.
المناهل: المشارب، واحدها منهل.
[8] الخلج: الطّرق الصغار، واحدها خلوج، سمي بذلك لأنه يختلج الناس عن الطريق الأعظم، فيذهب به. وأراد بالنيرين: لونين وضربين. الشواكل: النواحي، واحدتها شاكلة.
(6/523)

وهذا موضع اليربوع في تدبيره ومكره.
1899-[أرجوزة في اليربوع وأكل الحشرات والحيات]
وقال الآخر في صفة اليربوع، وفي حيلته، وفي خلقه، وفي أكل الحشرات والحيات: [من الرجز]
يا ربّ يربوع قصير الظّهر ... وشاخص العجب ذليل الصّدر
ومحكم البيت جميع الأمر ... يرعى أصول سلم وسدر ضحتّى تراه كمداد العكر
باكرته قبل طلوع الفجر ... بكلّ فيّاض اليدين غمر
وكلّ قنّاص قليل الوفر ... مرتفع النّجم كريم النّجر
فعاذ منّي ببعيد القعر [1] ... مختلف البطن عجيب الظهر
وتدمريّ قاصع في جحر [2] ... في العسر إن كان وبعد العسر
أطيب عندي من جنيّ التّمر ... وشحمة الأرض طعام المثري
وكلّ جبار بعيد الذّكر ... وهيشة أرفعها لفطري
ليوم حفل وليوم فخر [3] ... وكلّ شيء في الظلام يسري
من عقرب، أو قنفذ، أو وبر ... أو حيّة أملّها في الجمر
فتلك همّي وإليها أجري [4] ... في كلّ حال من غنى وفقر
وكلّ شيء لقضاء يجري ... وكلّ طير جاثم في وكر
وكلّ يعسوب وكلّ دبر ... والذّيخ والسّمع وذئب القفر
والكلب والتّتفل بعد الهرّ [5] ... والضّبّ والحوت وطير البحر
والأعور النّاطق يوم الزّجر [6] ... آكله غير الحرابي الخضر
أو جعل صلّى، صلاة العصر [7] ... يشكر إن نال قرى من جعر
يا ويله من شاكر ذي كفر ... أفسد والله عليّ شكري
__________
[1] النجر: الأصل. عاذ به: التجأ إليه.
[2] التدمري: الماعز من اليرابيع، ولا أظفار في ساقيه، وفيه قصر وصغر.
[3] الهيشة: تقدم القول فيها في ص 519.
[4] ملّ الشيء: أدخله في الملة، وهي الجمر.
[5] التتفل: الثعلب.
[6] الأعور: أراد به الغراب.
[7] انظر لخضرة الحرباء ما تقدم في ص 507. س 11.
(6/524)

فزعم أنّه يستطيب كلّ شيء إلّا الحرباء الذي قد اخضرّ من حرّ الشّمس وإلّا الجعل الذي يصلّي العصر. وزعم أنّه إنما جعل ذلك شكرا على ما أطعم من العذرة، وأنّ ذلك الشّكر هو اللّؤم والكفر.
ولا أعرف معنى صلاة الجعل. وقد روى ابن الأعرابي عن زاهر قال: «يا بنيّ لا تصلّ فإنّما يصلّي الجعل، ولا تصم فإنما يصوم الحمار [1] » . وما فهمته بعد.
وأراه قد قدّم الهيشة، وهي أمّ حبين، وهذا خلاف مارووا عن الأعرابي والمدني [2] .
1900-[اليرابيع]
وأمّا قوله:
وتدمريّ قاصع في جحر
فقد قال الشاعر [3] : [من الطويل]
وإنّي لأصطاد اليرابيع كلّها ... شفاريّها والتّدمريّ المقصّعا [4]
واليرابيع ضربان: الشّفاريّ والتّدمري، مثل الفتّي والمذكّي [5] .
وقال جرير حين شبّه أشياء من المرأة بأشياء من الحشرات وغيرها وذكر فيها الجعل فقال [6] : [من الوافر]
ترى التّيميّ يزحف كالقرنبى ... إلى تيمية كعصا المليل
تشين الزّعفران عروس تيم ... وتمشي مشية الجعل الدّحول [7]
يقول المجتلون عروس تيم ... شوى أمّ الحبين ورأس فيل [8]
__________
[1] صلاة الجعل: من قولهم: صلى الفرس، إذا أتى مصليا ورأسه على صلا السابق، والجعل يصلي أي يتبع كل ذاهب لقضاء حاجته كما يتبع المصلي من الخيل خلف السابق. وصوم الحمار: وقوفه على أربعة.
[2] انظر ما تقدم في ص 520، 521.
[3] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (دمر، شفر، شرف) ، والمخصص 1/86، 8/91.
[4] المقصع: الذي سدّ باب حجره.
[5] الفتي: الشاب. المذكي: المسن من كل شيء.
[6] ديوان جرير 438 (الصاوي) ، وانظر ما تقدم في الحاشية رقم (4) ، ص 520.
[7] الدحول: من قولهم: ناقة دحول تعارض الإبل متنحية عنها.
[8] اجتلى العروس: نظر إليها. الشوى: الأطراف.
(6/525)

1901-[شعر فيه ذكر اليربوع]
وقال عبيد بن أيّوب العنبري [1] ، في ذكر اليربوع: [من الطويل]
حملت عليها ما لو انّ حمامة ... تحمّله طارت به في الخفاخف [2]
نطوعا وأنساعا وأشلاء مدنف ... برى جسمه طول السّرى في المخاوف [3]
فرحنا كما راحت قطاة تنوّرت ... لأزغب ملقى بين غبر صفاصف [4]
ترى الطّير واليربوع يبحثن وطأها ... وينقرن وطء المنسم المتقاذف [5]
وقال ابن الأعرابيّ، وهو الذي أنشدنيه: «ترى الطير واليربوع» يعني أنّهما يبحثان في أثر خفّها ملجأ يلجآن إليه، إمّا لشدّة الحر، وإما لغير ذلك. وأنشد أصحابنا عن بعض الأعراب وشعرائهم أنّه قال في أمّه [6] : [من الوافر]
فما أمّ الرّدين وإن أدلّت ... بعالمة بأخلاق الكرام
إذا الشّيطان قصّع في قفاها ... تنفّقناه بالحبل التؤام
يقول: إذا دخل الشّيطان في قاصعاء قفاها تنفقناه، أي أخرجناه من النافقاء، بالحبل المثنّى، وقد مثّل وقد أحسن في نعت الشّعر وإن لم يكن أحسن في العقوق.
وأنشد في قوس [7] : [من الرجز]
لا كّزة السّهم ولا قلوع ... يدرج تحت عجسها اليربوع [8]
القلوع من القسي: التي إذا نزع فيها انقلبت على كفّ النازع. وأما قوله:
وأما قوله [9] : [من الطويل]
__________
[1] الأبيات في أشعار اللصوص 223، والمعاني الكبير 654، والشعر والشعراء 351، 495 (ليدن) .
[2] الخفاخف: جمع خفخفة؛ وهي الصوت.
[3] النطوع: جمع نطع، وهو بساط من الأديم. الأنساع: جمع نسع، وهو سير ينسج عريضا تشد به الرحال. الأشلاء: الأعضاء.
[4] التنور: التبصر؛ والنظر من بعيد. الأزغب: ذو الزغب؛ وهو الريش القصير. الغبر: جمع أغبر وغبراء. الصفاصف: الأماليس المستوية.
[5] المنسم: خف البعير.
[6] البيتان بلا نسبة في اللسان والتاج (نفق) ، والتهذيب 9/193، والثاني في اللسان والتاج والأساس (قصع) . وتقدم البيتان في 5/149.
[7] الرجز بلا نسبة في اللسان والتاج (كزز، قلع) ، والأساس (كزز) ، وفي الأساس قبل إنشاد الرجز:
«قال الجاحظ: قوس كزّة: إذا نزع فيها لم تستغرق السهم» .
[8] عجس القوس: مقبضها الذي يقبضه الرامي منها.
[9] كذا ورد البيت مقحما في كلام ناقص.
(6/526)

تخال به السّمع الأزلّ كأنّه ... إذا ما عدا.....
(البيت)
1902-[قيام الذئب بشأن جراء الضبع]
ويقولون: إن الضبع إذا هلكت قام بشأن جرائها الذّئب وقال الكميت [1] : [من الطويل]
كما خامرت في حضنها أمّ عامر ... لذي الحبل حتّى عال أوس عيالها [2]
وأنشد أبو عبيدة في ذلك شعرا فسّر به المعنى، وهو قوله [3] : [من البسيط]
والذّئب يغذو بنات الذّيخ نافلة ... بل يحسب الذّئب أنّ النّجل للذّيب
يقول: لكثرة ما بين الذئاب والضباع من التّسافد يظن الذّئب أنّ أولاد الضبع أولاده.
1903-[أكل الأعراب للسباع والحشرات]
والأمر في الأعراب عجب في أكل السّباع والحشرات، فمنهم من يظهر استطابتها، ومنهم من يفخر بأكلها، كالّذي يقول [4] : [من الطويل]
أيا أمّ عمرو ومن يكن عقر داره ... جوار عديّ يأكل الحشرات
1904-[ما تحبه الأفاعي وما تبغضه]
وأمّا قوله:
40- «لا ترد الماء أفاعي النّقا ... لكنّها يعجبها الخمر
41- وفي ذرى الحرمل ظلّ ... إذا علا واحتدم الهجر»
فإن من العجب أنّ الأفعى لا ترد الماء ولا تريده، وهي مع هذا إذا وجدت الخمر شربت حتّى تسكر حتّى ربّما كان ذلك سبب حتفها [5]
__________
[1] ديوان الكميت 2/80، واللسان (وجر، جهز، عول، حضن) ، والتاج (جهز، عول، حضن) ، والتنبيه والإيضاح 2/240، والتهذيب 3/196، 6/35، 13/137، والمعاني الكبير 212، والمستقصى 1/77، وعيون الأخبار 2/79، والبرصان 165، وثمار القلوب (583) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (أوس) ، وتقدم في 1/130، الفقرة (157) .
[2] خامرت: استترت. ذو الحبل: الصائد.
[3] البيت بلا نسبة في اللسان (عول) ، والتهذيب 3/196.
[4] البيت النابغة الذبياني أو لأوس بن حجر في التهذيب 11/229، وليس في ديوان أي منهما، وبلا نسبة في اللسان والتاج (حشر) ، وانظر شبيها لهذا البيت في اللسان والتاج (ربا) ، والتهذيب 15/275.
[5] ربيع الأبرار 5/475.
(6/527)

والأفاعي تكره ريح السّذاب والشّيح، وتستريح إلى نبات الحرمل. وأمّا أنا فإنّي ألقيت على رأسها وأنفها من السّذاب ما غمرها فلم أر على ما قالوا دليلا.
1905-[أكل بعض الحيوان لبعض]
وأمّا قوله:
42- «وبعضها طعم لبعض كما ... أعطى سهام الميسر القمر»
فإن الجرذ يخرج يلتمس الطّعم، فهو يحتال لطعمه، وهو يأكل ما دونه في القوّة، كنحو صغار الدّوابّ والطّير، وبيضها وفراخها، ومما لا يسكن في جحر، أو تكون أفاحيصه على وجه الأرض، فهو يحتال لذلك، ويحتال لمنع نفسه من الحيّات ومن سباع الطّير.
والحيّة تريغ الجرذ لتأكله، وتحتال أيضا للامتناع من الورل والقنفذ، وهما عليه أقوى منه عليهما. والورل إنما يحتال للحية، ويحتال للثّعلب، والثعلب يحتال لما دونه.
قال: وتخرج البعوضة لطلب الطّعم، والبعوضة تعرف بطبعها أنّ الذي يعيشها الدم، ومتى أبصرت الفيل والجاموس وما دونهما، علمت أنّما خلقت جلودهما لها غذاء، فتسقط عليهما وتطعن بخرطومها، ثقة منها بنفوذ سلاحها، وبهجومها على الدّم.
وتخرج الذّبابة ولها ضروب من المطعم، والبعوض من أكبرها صيدها وأحبّ غذائها إليها. ولولا الذّبان لكان ضرر البعوض نهارا أكثر.
وتخرج الوزغة والعنكبوت الذي يقال له الليث فيصيدان الذّباب بألطف حيلة، وأجود تدبير، ثم تذهب تلك أيضا كشأن غيرهما.
كأنه يقول: هذا مذهب في أكل الطّيبات بعضها لبعض. وليس لجميعها بدّ من الطّعم، ولا بدّ للصائد أن يصطاد، وكلّ ضعيف فهو يأكل أضعف منه، وكلّ قويّ فلا بدّ أن يأكله من هو أقوى منه، والنّاس بعضهم على بعض شبيه بذلك، وإن قصروا عن درك المقدار، فجعل الله عزّ وجلّ بعضها حياة لبعض، وبعضها موتا لبعض.
1906-[شعر للمنهال في أكل بعض الحيوان لبعض]
وقال المنهال: [من السريع]
ووثبة من خزز أعفر ... وخرنق يلعب فوق التّراب
(6/528)

وعضرفوط قد تقوّى على ... محلولك البقة مثل الحباب
وظالم يعدو على ظالم ... قد ضجّ منه حشرات الشّعاب
وهذان الظّالمان اللذان عنى: الأسود، والأفعى، فإنّ الأسود إذا جاع ابتلع الأفعى.
1907-[أكل الأسود للأفاعي]
وشكا إليّ حوّاء مرة فقال: أفقرني هذا الأسود، ومنعني الكسب، وذلك أنّ امرأتي جهلت فرمت به في جونة فيها أفاعي ثلاث أو أربع، فابتلعهنّ كلّهن، وأراني حيّة منكرة. ولا يبعد ما قال.
والعرب تقول للمسيء: «أظلم من حيّة» . وقد ذكرنا ذلك في موضعه من هذا الكتاب [1] .
ولا يستطيع أن يروم ذلك من الأفعى إلّا بأن يغتالها، فيقبض على رأسها وقفاها، فإنّ الأفعى تنفذ في الأسود، لكثرة دمه.
1908-[وصف سم الحية]
وإذا وصفوا سمّ الحيّة بالشدّة والإجهاز خبّروا عنها أنّه لم يبق في بدنها دم ولا بلّة [2] ، ولذلك قال الشاعر: [من البسيط]
لو حزّ ما أخرجت منه يد بللا ... ولو تكنّفه الراقون ما سمعا
وقال آخر [3] : [من الرجز]
لميمة من حنش أعمى أصمّ ... قد عاش حتّى هو ما يمشي بدم
1909-[سلاح الحيوان]
والشأن في السّلاح [أنّه] [4] كلما كان أقلّ كان أبلغ، وكلما كان أكثر عددا وأشدّ ضررا كان أشجع وآخذ لكلّ من عرف أنه دونه. وأنشد أبو عبيدة [5] : [من البسيط]
مشي السّبنتى إلى هيجاء مفظعة ... له سلاحان أنياب وأظفار [6]
__________
[1] انظر ما تقدم في 5/189، 191.
[2] البلة: البلل.
[3] تقدم الرجز في 5/186، 6/381.
[4] إضافة يقتضيها المعنى.
[5] البيت الخنساء في ديوانها 381، والأغاني 15/80.
[6] السبنتى: النمر؛ والأسد. المفظعة: الشديدة الشنيعة.
(6/529)

كالأسد له فم الذّئب- وحسبك بفم الذّئب- وله فضل قوة المخالب.
وللنّسر منسر وقوّة بدن بهما فوق العقاب. ولذلك قال ابن مناذر: [من الطويل]
أتجعل ليثا ذا عرين ترى له ... نيوبا وأظفارا وعرسا وأشبلا
كآخر ذا ناب حديد ومخلب ... ولم يتّخذ عرسا ولم يحم معقلا
وذلك أن فتيين تواجأا بالخناجر، أحدهما صبيريّ والآخر كلبيّ، فحملا إلى الأمير، فضرب الصّبيريّ مائة سوط، فلم يحمدوا صبره، وشغل عن الكلبي فضربه يوم العرض خمسمائة سوط، فصبر صبرا حمدوه، ففخر الكلبيّ بذلك على الصّبيري.
وابن مناذر مولى سليمان بن عبيد بن علّان بن شمّاس الصّبيري. فقال هذا الشعر. ومعناه أنّ شجاعا لو لقي الأسد وهو مسلّح، بأرض هو بها غريب وليس هو بقرب غيضته وأشباله، لما كان معه، مما يتخذه، مثل الذي يكون معه في الحال الأخرى. يقول: وإنما صبر صاحبكم لأنّه إنما ضرب بحضرة الأكفاء والأصدقاء والأعداء، فكان هذا مما أعانه على الصّبر. وضرب صاحبنا في الخلاء، وقد وكل إلى مقدار جودة نفسه، وقطعت المادة بحضور البطالة.
1910-[حمدان وغلامه]
وسمعت حمدان أبا العقب، وهو يقول لغلام له، وكيف لا تستطيل عليّ وقد ضربوك بين النّاس خمسين سوطا فلم تنطق؟! فقلت: إذا ضربه السّجّان مائة قناة في مكان ليس فيه أحد فصبر فهو أصبر النّاس.
1911-[تفسير بيت الخنساء]
وأمّا قوله [1] : «مشي السّبنتى» ، فإن السّبنتى هو النمر، ثمّ صار اسما لكلّ سبع جريء، ثم صاروا يسمّون الناقة القوية سبنتاة. قال الشّاعر [2] : [من الرجز]
مشي السّبتى وجد السّبنتى
1912-[ورؤساء الحيوان]
وأمّا قوله:
__________
[1] يقصد البيت الذي تقدم في الصفحة السابقة.
[2] الرجز بلا نسبة في البرصان 155.
(6/530)

43- «وتمسح النّيل عقاب الهوا ... والليث رأس وله الأسر
44- ثلاثة ليس لهم غالب ... إلّا بما ينتقض الدّهر»
فإنّهم يزعمون أنّ الهواء للعقاب، والأرض للأسد، والماء للتّمساح. وليس للنّار حظّ في شيء من أجناس الحيوان: فكأنّه سلّم الرياسة على جميع الدّنيا للعقاب والأسد والتمساح؛ ولم يمد الهواء، وقصر الممدود أحسن من مدّ المقصور.
1913-[رواية المعتزلة للشعر]
وروت المعتزلة المذكورون كلّهم رواية عامّة الأشعار، وكان بشر أرواهم للشّعر خاصّة.
1914-[الهوائي والمائي والأرضي من الحيوان]
وقولهم: الطائر هوائيّ، والسمك مائيّ، مجاز كلام، وكلّ حيوان في الأرض فهو أرضيّ قبل أن يكون مائيّا أو هوائيا؛ لأنّ الطّائر وإن طار في الهواء فإنّ طيرانه فيه كسباحة الإنسان في الماء، وإنّما ذلك على التكلف والحيلة. ومتى صار في الأرض ودلّى نفسه لم يجد بدّا من الأرض.
1915-[بقية قصيدة بشر الأولى]
وأمّا بقيّة القصيدة التي فيها ذكر الرّافضة والإباضيّة والنّابتة فليس هذا موضع تفسيره.
1916-[تفسير القصيدة الثانية]
[1] وسنقول في قصيدته الأخرى، بما أمكننا من القول إن شاء الله تعالى.
انقضت قصيدة بشر بن المعتمر الأولى.
1917-[الأوابد والأحناش]
وأمّا قوله:
2-
«أوابد الوحش وأحناشها»
فإن الأوابد المقيمة [2] ، والأحناش الحيّات، ثم صار بعد الضبّ والورل والحرباء والوحرة وأشباه ذلك- من الأحناش.
__________
[1] تقدمت القصيدة ص 467.
[2] أي المقيمة بالقفر.
(6/531)

1918-[شر الحيوانات]
وأما قوله:
7- «وكلّها شرّ وفي شرّها ... خير كثير عند من يدري»
يقول: هي وإن كانت مؤذية وفيها قواتل فإن فيها دواء، وفيها عبرة لمن فكّر، وأذاها محنة واختبار. فبالاختبار يطيع النّاس، وبالطاعة يدخلون الجنّة.
وسئل علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، غير مرّة في علل نالته فقيل له:
كيف أصبحت؟ فقال: بشرّ. ذهب إلى قوله عزّ وجلّ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
[1] .
وأمّا قوله:
17- «فشرّهم أكثرهم حيلة ... كالذّئب والثّعلب والذّرّ»
فقد فسره لك في قوله:
18- «والليث قد بلّده علمه ... بما حوى من شدّة الأسر»
وهكذا كلّ من وثق بنفسه، وقلّت حاجته.
1919-[زعم في العقاب]
ويزعم أصحاب القنص أنّ العقاب لا تكاد تراوغ الصّيد ولا تعاني ذلك، وأنّها لا تزال تكون على المرقب العالي، فإذا اصطاد بعض سباع الطير شيئا انقضّت عليه فإذا أبصرها ذلك الطائر لم يكن همه إلا الهرب وترك صيده في يدها، ولكنها إذا جاعت فلم تجد كافيا لم يمتنع عليها الذّئب فما دونه. وقد قال الشّاعر: [من البسيط]
مهبّل ذئبها يوما إذا قلبت ... إليه من مستكفّ الجوّ حملاقا [2]
وقال آخر [3] : [من البسيط]
كأنّها حين فاض الماء واحتملت ... صقعاء لاح لها بالقفرة الذّيب
صبّت عليه ولم تنصبّ من أمم ... إنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب
__________
[1] 1- 2/الفلق: 113.
[2] المهبل: المكتسب المغتنم. المستكف: موضع الاستكفاف؛ وهو الاستيضاح.
[3] تقدم تخريج البيتين ص 6/519.
(6/532)

1920-[معرفة الحيوان مدى قوته]
وأمّا قوله:
21- «تعرف بالإحساس أقدارها ... في الأسر والإلحاح والصّبر»
يقول: لا يخفى على كلّ سبع ضعفه وتجلده وقوته، وكذلك البهيمة الوحشيّة لا يخفى عليها مقدار قوة بدنها وسلاحها، ولا مقدار عدوها في الكرّ والفر. وعلى أقدار هذه الطّبقات تظهر أعمالها.
1921-[تعرض الحيوان للإنسان]
وأمّا قوله:
24- «والضّبع الغثراء مع ذيخها ... شرّ من اللّبوة والنّمر
32- كما ترى الذّئب إذا لم يطق ... صاح فجاءت رسلا تجري
33- وكلّ شيء فعلى قدره ... يحجم أو يقدم، أو يجري»
فإنّ هذه السّباع القويّة الشّريفة ذوات الرّياسة: الأسد والنّمور والببور- لا تعرض للنّاس إلّا بعد أن تهرم فتعجز عن صيد الوحش. وإن لم يكن بها جوع شديد فمرّ بها إنسان لم تعرض له، وليس الذّئب كذلك، لأن الذّئب أشدّ مطالبة، فإن خاف العجز عوى عواء استغاثة فتسامعت الذّئاب وأقبلت، فليس دون أكل ذلك الإنسان شيء.
وقسّم الأشياء فقال: إنّما هو نكوص وتأخّر، وفرار، وإحجام وليس بفرار ولا إقدام. وكذلك هو.
1922-[العندليل والنسر]
وأمّا قوله:
34- «والكيس في المكسب شمل لهم ... والعندليل الفرخ كالنّسر»
فالعندليل طائر أصغر من ابن تمرة، وابن تمرة هو الذي يضرب به المثل في صغر الجسم. والنّسر أعظم سباع الطّير وأقواها بدنا.
وقال يونس النحويّ وذكر خلفا الأحمر فقال [1] : «يضرب ما بين العندليل إلى الكركيّ» . وقد قال فيه الشّاعر: [من السريع]
__________
[1] تقدم هذا القول والبيت الذي يليه في 5/83.
(6/533)

ويضرب الكركي إلى القنبر ... لا عانسا يبقى ولا محتلم
وقال: [من الكامل]
وبما أقول لصاحبي خلف ... إيها إليك تحذّرن خلف
فلو أنّ بيتك في ذرى علم ... من دون قلّة رأسه شعف
لخشيت قدرك أن يبيتها ... إن لم يكن لي عنه منصرف
وفي المثل: «كلّ طائر يصيد على قدره» [1] .
1923-[غدر الذّئب وخبثه وكسبه]
وأمّا قوله:
35- «والخلد كالذّئب على كسبه ... والفيل والأعلم كالوبر»
فإنّه يقال: «أغدر من ذئب» [2] ، و: «أخبث من ذئب» [3] ، و: «أكسب من ذئب» [4] ، على قول الآخر: [من الرجز]
أكسب للخير من الذّئب الأزلّ
والخير عنده في هذا الموضع ما يعيش ويقوت، والخير في مكان آخر: المال بعينه على قوله عزّ وجلّ: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
[5] ، وعلى قوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
[6] ، أي إنّه من أجل حبّ المال لبخيل عليه، ضنين به، متشدّد فيه.
والخير في موضع آخر: الخصب وكثرة المأكول والمشروب، تقول: ما أكثر خير بيت فلان. والخير المحض: الطّاعة وسلامة الصدر.
__________
[1] المثل في المستقصى 2/228.
[2] مجمع الأمثال 2/67، والدرة الفاخرة 1/321، وجمهرة الأمثال 1/167، 2/79، والمستقصى 1/258.
[3] المثل برواية: «أخبث من ذئب الخمر» في مجمع الأمثال 1/259، والدرة الفاخرة 1/190، والمستقصى 1/92، وجمهرة الأمثال 1/412، 438، 462. وبرواية «أخبث من ذئب الغضى» في المصادر نفسها.
[4] مجمع الأمثال 2/168، والمستقصى 1/194، وجمهرة الأمثال 2/137، 175، والدرة الفاخرة 2/361، 366.
[5] 180/البقرة: 2.
[6] 8/العاديات: 100.
(6/534)

وأمّا قولهم [1] : «أخبث من ذئب خمر» فعلى قول الرّاجز [2] : [من الرجز]
أما أتاك عنّي الحديث ... إذ أنا بالغائط أستغيث
والذّئب وسط أعنزي يعيث ... وصحت بالغائط يا خبيث
وقالوا في المثل: «مستودع الذئب أظلم» [3] .
1924-[الخلد]
والخلد دويبة عمياء صماء، لا تعرف ما يدنو منها إلا بالشّمّ، تخرج من جحرها، وهي تعلم أن لا سمع ولا بصر لها، وإنما تشحا فاها [4] ، وتقف على باب جحرها فيجيء الذّباب فيسقط على شدقها ويمرّ بين لحييها فتسدّ فمها عليها وتستدخلها بجذبة النّفس، وتعلم أن ذلك هو رزقها وقسمها. فهي تعرض لها نهارا دون اللّيل، وفي السّاعات من النهار التي يكون فيها الذباب أكثر، لا تفرّط في الطّلب، ولا تقصّر في الطّلب، ولا تخطئ الوقت، ولا تغلط في المقدار.
وللخلد أيضا تراب حوالي جحره، هو الذي أخرجه من الجحر، يزعمون أنّه يصلح لصاحب النّقرس [5] إذا بلّ بالماء وطلي به ذلك المكان.
1925-[الأعلم]
وأمّا قوله:
35-
«والفيل والأعلم كالوبر»
فالفيل معروف، والأعلم: البعير، وبذلك يسمّى، لأنّه أبدا مشقوق الشّفة العليا، ويسمّى الإنسان إذا كان كذلك به.
ويدلّ على أن الأعلم والبعير سواء قول الراجز [6] : [من الرجز]
إني لمن أنكر أو توسّما ... أخو خناثير أقود الأعلما
__________
[1] المثل في الصفحة السابقة رقم 3.
[2] تقدم الرجز في 1/202، الفقرة (232) .
[3] مجمع الأمثال 1/446، والدرة الفاخرة 1/192، 294، 454.
[4] تشحا فاها: تفتحه، وانظر هذه الفقرة في ربيع الأبرار 5/473.
[5] النقرس: ورم ووجع في مفاصل الكعبين وأصابع الرجلين.
[6] تقدم الرجز في 4/454، الفقرة (1206) .
(6/535)

وقال عنترة [1] : [من الكامل]
وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
يريد شدق البعير في السعة. وقال الآخر [2] : [من الكامل]
كم ضربة لك تحكي فاقراسية ... من المصاعب في أشداقه علم
1926-[ما قيل من الشعر في صفة الضرب والطعن]
وقال الكميت [3] : [من المتقارب]
مشافر قرحى أكلن البريرا
وقال آخر: [من الوافر]
بضرب يلقح الضّبعان منه ... طروقته ويأتنف السّفادا
وقال الشاعر الباهليّ [4] : [من الطويل]
بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها
كأنّه ضربه بالسّيف، فعلق عليه من اللحم كأمثال آذان الحمير.
وقال بعض المحدثين، وهو ذو اليمينين [5] : [من السريع]
ومقعص تشخب أوداجه ... قد بان عن منكبه الكاهل
فصار ما بينهما هوّة ... يمشي بها الرّامح والنّابل
وفي صفات الطّعنة والضّربة أنشدني ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
تمنّى أبو اليقظان عندي هجمة ... فسهّل مأوى ليلها بالكلاكل
ولا عقل عندي غير طعن نوافذ ... وضرب كأشداق الفصال الهوازل [6]
__________
[1] تقدم البيت في 3/148، 4/455، 6/395.
[2] تقدم مثل هذا البيت في 3/148، الفقرة (759) بقافية (شنع) .
[3] صدر البيت (تشبّه في إلهام آثارها) ، وهو في ديوان الكميت 1/191، والبيان 1/55، واللسان والتاج (قرح) ، والتهذيب 4/38، وتقدم في 3/149، الفقرة 759.
[4] البيت لمالك بن زغبة الباهلي في اللسان والتاج (فرأ، بور، وزغ) وتقدم مع تخريج واف في 2/385، الفقرة (447) .
[5] البيتان لذي اليمينين طاهر بن الحسين في الموشح 79، 245.
[6] الفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة.
(6/536)

وسبّ يود المرء لو مات دونه ... كوقع الهضاب صدّعت بالمعاول
وقل الآخر [1] : [من الطويل]
جمعت بها كفّي فأنهرت فتقها ... ترى قائما من خلفها ما وراءها [2]
وقال البعيث [3] : [من الطويل]
أئن أمرعت معزى عطيّة وارتعت ... تلاعا من المرّوت أحوى جميمها [4]
تعرّضت لي حتّى ضربتك ضربة ... على الرّأس، يكبو لليدين أميمها [5]
إذا قاسها الآسي النّطاسيّ أرعشت ... أنامل آسيها وجاشت هزومها [6]
وقال الآخر: [من المتقارب]
ونائحة رافع صوتها ... تنوح وقد وقع المهذم [7]
تنوح وتسبر قلّاسة ... وقد غابت الكفّ والمعصم [8]
وقال آخر [9] : [من المتقارب]
ومستنّة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود [10]
دفوع الأصابع ضرح الشّمو ... س نجلاء مؤيسة العوّد [11]
__________
[1] البيت لقيس بن الخطيم في ديوانه 46، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 184، وشرحه للتبريزي 1/95، وديوان المعاني 1/25، وعيار الشعر 78، والمعاني الكبير 978، 983، 1062، 1080، وديوان الأدب 2/301، والتهذيب 6/277، 10/271، ولباب الآداب 184، واللسان والتاج (نهر، ملك) ، وبلا نسبة في المخصص 3/133، 4/19، 6/89، 10/30، 17/157.
[2] أنهر الطعنة: وسعها.
[3] البيت الأول في اللسان والتاج (مرت) ، والثالث في اللسان والتاج (نطس) ، وهو بلا نسبة في اللسان (قيس) ، والجمهرة 838، والتهذيب 9/225.
[4] عطية: هو والد جرير بن عطية الخطفي. المروت: اسم موضع لباهلة أو كليب.
[5] الأميم: الذي أصيب في أم رأسه.
[6] الآسي: الطبيب. الهزوم: الصدوع والشقوق.
[7] أراد بالنائحة: الطعنة تصيح بشدة خروج الدم منها. المهذم: السيف القاطع.
[8] قلاسة: قذافة.
[9] البيتان لرجل من بني الحارث بن كعب في اللسان والتاج (حزف) ، وبلا نسبة في المخصص 6/137، 9/142، والأول في التهذيب 7/350، ورصف المباني 145، وسر صناعة الإعراب 1/134، وشرح المفصل 8/23، واللسان (بنت) ، والمحتسب 2/88.
[10] المستنة: الطعنة. الخروف: ولد الفرس إذا بلغ ستة أشهر. المرود: حديدة توتد في الأرض يشد فيها حبل الدابة.
[11] نجلاء: واسعة. العوّد: جمع عائد المريض.
(6/537)

وقال محمد بن يسير [1] : [من المتقارب]
وطعن خليس كفرغ النّضيح ... أفرغ من ثعب الحاجر [2]
تهال العوائد من فتقها ... تردّ السّبار على السّابر [3]
وأنشدوا لرجل من أزد شنوءة [4] : [من الطويل]
وطعن خليس قد طعنت مرشّة ... يقطّع أحشاء الجبان شهيقها
إذا باشروها بالسّبار تقطّعت ... تقطع أم السكر شيب عقوقها
وروي للفند الزّمّاني [5] ولا أظنّه له: [من الهزج]
كففنا عن بني هند ... وقلنا: القوم إخوان
عسى الأيّام ترجعهم ... جميعا كالذي كانوا
فلمّا صرّح الشّرّ ... وأضحى وهو عريان
شددنا شدّة اللّيث ... عدا والليث غضبان
بضرب فيه تفجيع ... وتوهين وإرنان [6]
وطعن كفم الزّقّ ... وهي والزّقّ ملآن [7]
وأنشد السّدّيّ لرجل من بلحارث: [من المتقارب]
أتيت المحرم في رحله ... فشمّر رحلي بعنس خبوب [8]
__________
[1] ديوان محمد بن يسير 141، وهما لخداش بن زهير في ديوانه 82، وأشعار العامريين الجاهليين 34، وديوان المعاني 2/73، والأول في المعاني الكبير 1/149، 2/982، والثاني في تهذيب الألفاظ 542، وعجز البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (سبر) ، والمخصص 5/93، 12/327.
[2] طعنة خليس: إذا اختلسها الطاعن بحذقه. النضيح: الحوض. الثعب: الماء السائل. الحاجر: ما يحبس ماء الحوض.
[3] تهال: تفزع. السابر: الطبيب أو الجراح المعالج.
[4] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (قبض) وروايته:
(تركت ابن ذي الجدّين فيه مرشّة ... يقبّض أحشاء الجبان شهيقها) .
[5] الأبيات للفند الزماني في ديوانه 363 (ديوان بني بكر) ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 37، والخزانة 3/431، وأمالي القالي 1/260، والسمط 578، 940، وحماسة البحتري 56، والمقاصد النحوية 3/122.
[6] التوهين: تفعيل من الوهن، وهو الضعف. الإرنان: التصويت.
[7] وهي: ضعف.
[8] شمّر إبله: أعجلها. العنس: الناقة الصلبة. الخبوب: وصف من الخبب؛ وهو ضرب من العدو.
(6/538)

تذكّر منّي خطوبا مضت ... ويوم الأباء ويوم الكثيب
ويوم خزاز وقد ألجموا ... وأشرطت نفسي بأن لا أثوب [1]
ففرّجت عنهم بنفّاحة ... لها عاند مثل ماء الشعيب [2]
إذا سبروها عوى كلبها ... وجاشت إليهم بآن صبيب [3]
وقال آخر: [من الخفيف]
طعنة ما طعنت في جمح الذّ ... مّ هلال وأين منّي هلال
طعنة الثائر المصمّم حتى ... نجم الرّمح خلفه كالخلال [4]
وقال الحارث بن حلّزة [5] : [من الخفيف]
لا يقيم العزيز بالبلد السّهل ... ولا ينفع الذّليل النّجاء
حول قيس مستلئمين بكبش ... قرظيّ كأنّه عبلاء [6]
فرددناهم بضرب كما يخ ... رج من خربة المزاد الماء [7]
وفعلنا بهم كما علم الله ... وما إن للحائنين دماء [8]
وقال ابن هرمة [9] : [من الكامل]
بالمشرفيّة والمظاهر نسجها ... يوم اللّقاء وكلّ ورد صاهل [10]
وبكلّ أروع كالحريق مطاعن ... فمسايف فمعانق فمنازل [11]
ويروى: «فمعاذل» .
__________
[1] يوم خزاز: أعظم يوم التقته العرب في الجاهلية. معجم البلدان 2/366. ألجموا: أي ألجموا الخيل.
[2] النفاحة: الشديدة الدفع، أي الطعنة. العاند: الدم يسيل في جانب. الشعيب: المزادة المشعوبة.
[3] الآني: الذي انتهى واشتد في حرارته.
[4] نجم: ظهر. الخلال: العود يخلّ به الشيء.
[5] الأبيات من معلقته في شرح القصائد السبع 494، والأغاني 11/47- 48.
[6] المستلئم: لابس اللأمة، وهي الدرع. الكبش: رئيس القوم. قرظي: نسبة إلى اليمن لأن القرظ ينبت فيها. العبلاء: هضبة بيضاء.
[7] الخربة: غرلاء المزادة، وهو مسيل الماء منها.
[8] الحائن: الهالك.
[9] ديوان ابن هرمة 173- 174.
[10] المشرفية: السيوف. المظاهر: الدروع التي طرقت. الورد: الفرس.
[11] المسايف: المقاتل بالسيف.
(6/539)

1927-[الإسراف في صفة الضرب والطعن]
وإذ قد ذكرنا شيئا من الشّعر في صفة الضرب والطعن فقد ينبغي أن نذكر بعض ما يشاكل هذا الباب من إسراف من أسرف، واقتصاد من اقتصد. فأما من أفرط فقول مهلهل [1] : [من الوافر]
فلولا الرّيح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور
وقال الهذلي [2] : [من البسيط]
والطعن شغشغة والضّرب هيقعة ... ضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا
وللقسيّ أزاميل وغمغمة ... حسّ الجنوب سوق الماء والقردا [3]
ومن ذلك قول عنترة: [من الكامل]
برحيبة الفرغين يهدي جرسها ... باللّيل معتسّ السّباع الضّرّم [4]
وقال أبو قيس بن الأسلت [5] : [من السريع]
قد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
وقال دريد بن الصّمّة [6] : [من الوافر]
أعاذل إنّما أفنى شبابي ... ركوبي في الصّريخ إلى المنادي
مع الفتيان حتّى خلّ جسمي ... وأقرح عاتقي حمل النّجاد [7]
__________
[1] البيت للمهلهل في الأصمعيات 155، والبيان 1/124، والموشح 74، والأمالي 2/129، ومعجم البلدان 3/8 (ذنائب) .
[2] البيتان لعبد مناف بن ربع الهذلي في شرح أشعار الهذليين 674، وديوان المعاني 2/55، وتقدم تخريج البيت الأول في 4/458، والثاني في اللسان والتاج (حسس، غمم) ، وبلا نسبة في اللسان والتاج (زمل) ، والمخصص (2/145) .
[3] في ديوان الهذليين 2/41: «الأزامل: الصوت المختلط. الغمغمة: صوت مختلف لا تفهمه.
حسّ الجنوب: صوتها» .
[4] الفرغ: مفرغ الدلو. الجرس: الصوت. اعتس الذئب: طلب الصيد. الضرّم: الجياع.
[5] ديوان أبي قيس بن الأسلت 78، وشرح اختيارات المفضل 1236، واللسان والتاج (حصص، هجع) ، والتهذيب 3/400، والجمهرة 98، والمجمل 2/14، وديوان الأدب 3/126، وبلا نسبة في العين 3/14، والمقاييس 2/13، والمخصص 1/70، وأساس البلاغة (هجع) .
[6] ديوان دريد بن الصمة 60، وحماسة القرشي 129، والأول لعمرو بن معدي كرب في ديوانه 97، وعيون الأخبار 1/193. والحماسة البصرية 1/35.
[7] خلّ: وهن وفسد.
(6/540)

وممّا يدخل في هذا الباب قول عنترة [1] : [من الكامل]
رعناهم والخيل تردي بالقنا ... وبكلّ أبيض صارم قصّال [2]
وأنا المنيّة في المواطن كلّها ... والطّعن منّي سابق الآجال
وأمّا قوله [3] : [من الكامل]
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت ... مثلي، إذا نزلوا بضنك المنزل
وقال نهشل بن حرّيّ [4] : [من الطويل]
وما زال ركني يرتقي من ورائه ... وفارس هيجا ينفض الصدر واقف [5]
فوصف [نفسه] [6] بأنّه مجتمع القلب، مرير [7] لا يبرح.
وقد كان حميد بن عبد الحميد يوصف بذلك، لأنّه كان لا يرمي بسهم، ولا يطعن برمح، ولا يضرب بسيف، ولكن التصبير والتّحريض والثّبات، إذا انهزم، كلّ شجاع.
__________
[1] ديوان عنترة 191- 192.
[2] رعناهم: من الروع؛ وهو الخوف. القنا: الرماح. الأبيض: السيف. القصّال: القطّاع.
[3] البيت لعنترة في ديوانه 58.
[4] ديوان نهشل بن حري 114.
[5] ركن كل شيء: جوانبه.
[6] إضافة يقتضيها السياف.
[7] المرير: القوي الشديد القلب.
(6/541)

باب من نذر في حميّة المقتول نذرا فبلغ في طلب ثأره الشفاء
قال العبسيّ: [من الوافر]
دعوت الله إذ قدنا إليهم ... لنلقى منقرا أو عبد عمرو
وكانت حلفة حلفت لوتر ... وشاء الله أن أدركت وتري
وإنّي قد سقمت فكان برئي ... بقرواش بن حارثة بن صخر
والأعراب تعدّ القتل سقما وداء لا يبرئه أخذ ثأره دون أخ أو ابن عمّ، فذلك الثّأر المنيم.
وممّن قال في ذلك صبار بن التوءم اليشكري، في طلب الطّائلة وأنّ ذلك داء ليس له برء، وكانوا قتلوا أخاه إساف بن عباد، فلما أدرك ثأره قال: [من الطويل]
ألم يأتها أنّي صحوت وأنّني ... شفاني من الدّاء المخامر شاف
فأصبحت ظبيا مطلقا من حبالة ... صحيح الأديم بعد داء إساف
وكنت مغطّى في قناعي حقبة ... كشفت قناعي واعتطفت عطافي [1]
وفي شبيه بهذا المذهب من ذكر الدّاء والبرء قال الآخر [2] : [من البسيط]
قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إن الشّباب جنون برؤه الكبر
وفي شبيه بالأوّل قول الشّيخ الباهليّ، حين خرج إلى المبارزة على فرس أعجف، فقالوا: «بال على بال!» . فقال الشّيخ: [من الوافر]
رآني الأشعريّ فقال بال ... على بال ولم يعرف بلائي
ومثلك قد كسرت الرّمح فيه ... فآب بدائه وشفيت دائي
وقالت بنت المنذر بن ماء السّماء [3] : [من الوافر]
بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم
__________
[1] العطاف: الرداء.
[2] البيت للعتبي أو لابن أبي فنن، وتقدم تخريجه ص 344.
[3] الأبيات لزينب بنت فروة بن مسعود الشيباني في معجم الأدبيات 251، ومعجم البلدان 1/68 (أباغ) . وانظر العقد الفريد 3/373.
(6/542)

وقالوا فارس الهيجاء قلنا ... كذاك الرّمح يكلف بالكريم
وقال الأسدي [1] : [من المتقارب]
رفعنا طريفا بأرماحنا ... وبالرّاح منّا فلم يدفعونا
فطاح الوشيظ ومال الجموح ... ولا تأكل الحرب إلا السّمينا [2]
وقال الخريمي [3] : [من الطويل]
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع
وقال السموءل بن عاديا [4] : [من الطويل]
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
لأنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
وقال أبو العيزار [5] : [من الكامل]
يدنو وترفعه الرّماح كأنّه ... شلو تنشّب في مخالب ضاري
فتوى صريعا والرّماح تنوشه ... إنّ الشّراة قصيرة الأعمار
وقال آخر وهو يوصي بلبس السّلاح [6] : [من الكامل]
فإذا أتتكم هذه فتلبّسوا ... إنّ الرّماح بصيرة بالحاسر
وقال الآخر: [من البسيط]
يا فارس الناس في الهيجا إذا شغلت ... كلتا اليدين كرورا غير وقّاف
قوله «شعلت» يريد بالسّيف والتّرس. وأنشد أبو اليقظان [7] : [من الطويل]
وكان ضروبا باليدين وباليد
__________
[1] البيتان لعبادة بن أنف الكلب الصيداوي الأسدي في الوحشيات 68، والأشباه والنظائر للخالديين 1/88،
[2] الوشيظ: الدخلاء في القوم ليسوا من صميمهم، ورواية صدر البيت في المصدرين السابقين:
(وطاح الرئيس وهادي اللواء) .
[3] ديوان الخريمي 43، والبيان 1/406، والكامل 2/303 (المعارف) ، ونهاية الأرب 3/87، وتقدم في 3/76، الفقرة (635) .
[4] ديوان السموءل، والثاني بلا نسبة في اللسان والتاج (سلل) ، والمخصص 17/41.
[5] البيتان في البيان 1/406، وشعر الخوارج 92، وبهجة المجالس 1/476، والكامل 2/301 (المعارف) ، وحماسة القرشي 184.
[6] تقدم البيت في ص 491.
[7] صدر البيت: (أعيني ألا فابكي عبيد بن معمر) ، وهو في الميسر والقداح 140.
(6/543)

أمّا قوله: «ضروبا باليدين» ، فإنّه يريد القداح، وأمّا قوله: «باليد» فإنّه يريد السّيف.
وأمّا قول حسّان لقائده حين قرّبوا الطّعام لبعض الملوك: «أطعام يدين أم يد؟» [1] فإنه قال هذا الكلام يومئذ وهو مكفوف.
وإن كان الطعام حيسا أو ثريدا أو حريرة فهو طعام يد، وإن كان شواء فهو طعام يدين.
1928-[من أشعار المقتصدين في الشعر]
ومن أشعار المقتصدين في الشّعر أنشدني قطرب [2] : [من المتقارب]
تركت الرّكاب لأربابها فأجه ... دت نفسي على ابن الصّعق
جعلت يديّ وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق
وممن صدق على نفسه عمرو بن الإطنابة، حيث يقول [3] : [من الوافر]
وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح [4]
وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانك تجمدي أو تستريحي
وقل آخر: [من الطويل]
وقلت لنفسي إنّما هو عامر ... فلا ترهبيه وانظري كيف يركب
وقال عمرو بن معد يكرب [5] : [من الطويل]
__________
[1] الخبر في عيون الأخبار 1/321، والبرصان 344- 345، والموفقيات 250، وثمار القلوب (869) ، والكامل 1/391 (المعارف) .
[2] البيتان لقيس بن زهير في الحماسة البصرية 1/18، وبلا نسبة في البيان 3/246.
[3] البيتان لعمرو بن الإطنابة في الحماسة البصرية 1/3، والحماسة المغربية 606، وحماسة القرشي 148- 149، ومجالس ثعلب 67، وأمالي القالي 1/260، وحماسة البحتري 9، وديوان المعاني 1/114، وسمط اللآلي 574، وعيون الأخبار 1/126، ومعجم الشعراء 9، ولباب الآداب 223- 224، والخزانة 2/428، وإنباه الرواة 3/281، والمقاصد النحوية 4/415، وشرح شواهد المغني 546، وبلا نسبة في الخصائص 3/35، وشرح شذور الذهب 447، وشرح قطر الندي 117، وشرح المفصل 4/74، وهمع الهوامع 2/13، واللسان (جشأ، شيح) ، والتاج (شيح) ، والتهذيب 5/ر 147.....
[4] المشيح: المجد. والمشيح: المقبل إليك؛ أو المانع لما وراء ظهره.
[5] البيتان لعمرو بن معدي كرب في ديوانه 71، والأصمعيات 122، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 157، وشرح شواهد المغني 418، والأول بلا نسبة في العين 7/338، والثاني في ديوان المعاني 1/112.
(6/544)

ولّما رأيت الخيل زورا كأنّها ... جداول زرع أرسلت فاسبطرّت [1]
فجاشت إليّ النّفس أوّل مرّة ... فردّت على مكروهها فاستقرّت [2]
وقال الطّائيّ: [من الرمل]
ودنونا ودنوا حتّى إذا ... أمكن الضّرب فمن شاء ضرب
ركضت فينا وفيهم ساعة ... لهذميّات وبيض كالشّهب [3]
تروا القاع لنا إذ كرهوا ... غمرات الموت واختاروا الهرب
وقال النّمر بن تولب [4] : [من المتقارب]
سمونا ليشكر يوم النّهاب ... نهزّ قنا سمهريّا طوالا [5]
فلمّا التقينا وكان الجلاد ... أحبّوا الحياة فولّوا شلالا [6]
وكما قال الآخر: [من الطويل]
هم المقدمون الخيل تدمى نحورها ... إذا ابيضّ من هول الطّعان المسالح [7]
وقال عنترة [8] : [من الكامل]
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي [9]
وقال قطريّ بن الفجاءة [10] : [من الوافر]
وقولي كلّما جشأت، لنفسي ... من الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت حياة يوم ... سوى الأجل الذي لك لم تطاعي
وقالت الخنساء [11] : [من المتقارب]
__________
[1] الزور: جمع أزور وزوراء؛ وهو المعوج العنق. اسبطرت: امتدت.
[2] جاشت: اضطربت من الفزع.
[3] اللهذم: السنان القاطع، وأراد باللهذميات هنا: الرماح. البيض: السيوف.
[4] البيتان للنمر بن تولب في ديوانه 374، ونسب البيت الثاني إلى سويد في أساس البلاغة (كون) .
[5] القنا: الرماح. السمهرية: الرماح المنسوبة إلى امرأة تسمى سمهر.
[6] الشلال: المتفرقون.
[7] المسالح: جمع مسلحة، وهم القوم ذوو السلاح.
[8] البيت من معلقته في ديوانه 29.
[9] خام يخيم: نكص وجبن. مقدمي: موضع الإقدام.
[10] البيتان لقطري بن الفجاءة في شعر الخوارج 108، وعيون الأخبار 1/126، والعقد الفريد 1/105، وبهجة المجالس 1/470، وحماسة البحتري 10، والسمط 575.
[11] ديوان الخنساء 105، والأغاني 15/92، واللسان (هون) ، والتهذيب 6/442، ونهاية الأرب 3/72.
(6/545)

يهين النّفوس وهون النفوس ... غداة الكريهة أبقى لها
وقال عامر بن الطّفيل [1] : [من الطويل]
أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلّي المراح إنّني غير مقصر [2]
وقال جرير [3] : [من البسيط]
إن طاردوا الخيل لم يشووا فوارسها ... أو نازلوا عانقوا الأبطال فاهتصروا [4]
وقال ابن مقروم الضّبيّ [5] : [من الكامل]
وإذا تعلّل بالسّياط جيادها ... أعطاك ثائبة ولم يتعلّل [6]
فدعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
وقال كعب الأشقري [7] : [من الطويل]
إليهم وفيهم منتهى الحزم والنّدى ... وللكرب فيهم والخصاصة فاسح
ترى علقا تغشى النفوس رشاشه ... إذا انفرجت من بعدهنّ الجوانح
كأنّ القنا الخطّيّ فينا وفيهم ... شواطن بئر هيّجتها المواتح [8]
هناك قذفنا بالرّماح فيما يرى ... هنالك في جمع الفريقين رامح
ودرنا كما دارت على قطبها ... ودارت على هام الرّجال الصّفائح
ودرنا كما دارت على قطبها ... ودارت على هام الرّجال الصّفائح
وقال مهلهل [9] : [من الخفيف]
ودلفنا بجمعنا لبني شي ... بان إن الخليل يبغي الخليلا
__________
[1] البيت لعامر بن الطفيل في المفضليات 362، والأصمعيات 215، والسمط 144.
[2] المراح: المرح، وهو شدة الفرح.
[3] ديوان جرير 295 (الصاوي) .
[4] يشووا: من الإشواء، وذلك إذا رمى فأصاب الأطراف ولم يصب المقتل. الاهتصار: الجذب والإمالة.
[5] ديوان ربيعة بن مقروم 269، والثاني في عيون الأخبار 1/126، والبرصان 172.
[6] التعليل: من العل؛ وهو متابعة الضرب.
[7] الأبيات (3- 4- 5) في الحماسة البصرية 1/371، والخامس بلا نسبة في اللسان (رحا) ، والتهذيب 5/215.
[8] الشواطن: جمع شطن؛ وهو الحبل.
[9] البيتان في الأغاني 5/57، والعقد الفريد 5/217.
(6/546)

لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النزولا
وقال عبدة، وهو رجل من عبد شمس: [من الطويل]
ولما زجرنا الخيل خاضت بنا القنا ... كما خاضت البزل النّهاء الطّواميا [1]
رمونا برشق ثمّ إنّ سيوفنا ... وردن فأنكرن القبيل المراميا
ولم يك يثني النّبل وقع سيوفنا ... إذا ما عقدنا للجلاد النّواصيا
__________
[1] النهاء جمع نهى؛ وهو كل موضع يجتمع فيه الماء.
(6/547)

باب في ذكر الجبن ووهل الجبان
قال الله عزّ وجلّ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
[1] . ويقال إن جريرا من هذا أخذ قوله [2] : [من الكامل]
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليكم ورجالا
وإلى هذا ذهب الأوّل [3] : [من الطويل]
ولو أنّها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما
وقال جران العود [4] : [من البسيط]
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... والقلب مستوهل للبين مشغول [5]
ثمّ اغترزت على نضوى ليحملني ... إثر الحمول الغوادي وهو معقول [6]
وهذا صفة وهل الجبان. وليس هذا من قوله [7] : [من المتقارب]
كملقي الأعنّة من كفّه ... وقاد الجياد بأذنابها
وقال الذّكواني أو زمرة الأهوازيّ، ففسر ذلك حيث يقول: [من الخفيف]
يجعل الخيل كالسّفين ويرقى ... عاديا فوق طرفه المشكول [8]
__________
[1] 4/المنافقون: 63.
[2] ديوان جرير 53، والرسالة الموضحة 64، والمختار من شعر بشار 9، والعقد الفريد 3/132، وتقدم في 5/132.
[3] البيت لجرير، وللبعيث؛ وللعوام بن شوذب؛ ولمغيرة بن طارق اليربوعي؛ ولابن حوشب، وقد تقدم البيت مع تخريج واف في 5/131.
[4] البيتان لجران العود في الأشباه والنظائر للخالديين 1/58، وعيون الأخبار 1/165، وديوان جران العود 55، وهما لابن مقبل في ديوانه (265) ، وفي ديوان جران العود: «وتروى لابن مقبل، ولقحيف العقيلي، وقال خالد: هي لحكم الخضري» .
[5] المستوهل: الفزع.
[6] اغترزت: وضعت رجلي في الغرز، وهو الركاب. النصو: البعير أنضاه المسير. المعقول: مشدود بالعقال.
[7] البيت بلا نسبة في عيون الأخبار 1/165.
[8] الطرف: الفرس الكريم الطرفين. المشكول: المشدود بالشكال، وهو العقال تشد به قوائم الدابة.
(6/548)

لأنّهم ربّما تنادوا في العسكر: قد جاؤوا، ولا بأس! فيسرج الفارس فرسه وهو مشكول ثم يركبه ويحثّه بالسّوط، ويضربه بالرّجل، فإذا رآه لا يعطيه ما يريد نزل فأحضر على رجليه، ومن وهل الجبان أن يذهل عن موضع الشّكال في قوائم فرسه.
وربما مضى باللّجام إلى عجب ذنبه [1] . وهو قوله: «يجعل الخيل كالسّفين» لأنّ لجام السفينة الذي يغمزها به والشّكال [2] هو في الذّنب.
وقال سهل بن هارون الكاتب في المنهزمة من أصحاب ابن نهيك بالنّهروان من خيل هرثمة بن أعين: [من الطويل]
يخيّل للمهزوم إفراط روعه ... بأنّ ظهور الخيل أدنى من العطب
لأنّ الجبن يريه أنّ عدوه على رجليه أنجى له، كأنّه يرى أنّ النّجاة إنّما تكون على قدر الحمل للبدن.
وقال آخر [3] حين اعتلّ عليه قومه في القتال بالورع: [من البسيط]
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع النّاس إنسانا
وقال آخر [4] : [من الطويل]
كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل
وقال الشّاعر [5] : [من الوافر]
يروّعه السّرار بكلّ أرض ... مخافة أن يكون به السّرار
وأنشدني ابن رحيم القراطيسي الشاعر ورمى شاطرا بالجبن، فقال [6] : [من م.
الوافر]
رأى في النّوم إنسانا ... فوارى نفسه أشهر
__________
[1] عجب الذنب: أصله.
[2] أي ما هو للسفينة بمنزلة اللجام والشكال.
[3] البيت لقريط بن أنيف في الخزانة 7/441، وشرح شواهد المغني 2/643، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 27، وشرحه للتبريزي 1/5، وبلا نسبة في مجالس ثعلب 406.
[4] البيت لعبد الله بن الحجاج؛ أو لعبيد بن أيوب العنبري؛ أو للطرماح، وتقدم البيت مع تخريج واف في 5/132.
[5] البيت لبشار بن برد في ديوانه 1/249، ولنصيب في ديوانه 89، وتقدم البيت في 5/133.
[6] البيت بلا نسبة في عيون الأخبار 1/166.
(6/549)

ويقولون في صفة الحديد إذا أرادوا أنّه خالص. فمن ذلك قول هميان: [من الكامل]
يمشون في ماء الحديد تنكّبا [1]
وقال ابن لجإ [2] : [من الرجز]
أخضر من ماء الحديد جمجم
وقال الأعشى في غير هذا [3] : [من الخفيف]
وإذا ما الأكسّ شبه بالأر ... وق عند الهيجا وقلّ البصاق [4]
وقال الأعشى [5] : [من م. الكامل]
إذ لا نقاتل بالعصيّ ... ولا نرامي بالحجاره
وقال الأخطل [6] : [من الطويل]
وما تركت أسيافنا حين جرّدت ... لأعدائنا قيس بن عيلان من عذر
وأنشد الأصمعيّ للجعديّ [7] : [من م. الكامل]
وبنو فزارة إنّها ... لا تلبث الحلب الحلائب
يقول: لا تلبث الحلائب حلبا حتى تهزمهم
1929-[السّندل]
وأمّا قوله:
43- «وطائر يسبح في جاحم ... كماهر يسبح في غمر»
فهذا طائر يسمّى سندل، وهو هنديّ، يدخل في أتون النّار ويخرج ولا يحترق له ريشة [8] .
__________
[1] التنكب: المشي في شق على انحراف.
[2] ديوان عمر بن لجإ 162.
[3] ديوان الأعشى 265.
[4] الأكس: القصير الأسنان، يقابله الأروق.
[5] ديوان الأعشى 209، واللسان (جزر، بده) ، والتاج (جزر) ، والجمهرة 1171.
[6] ديوان الأخطل 182، والقافية فيه (من وتر) .
[7] ديوان النابغة الجعدي 214، واللسان والتاج (حلب) ، والتهذيب 5/86.
[8] انظر ثمار القلوب (662) .
(6/550)

1930-[ذكر ما لا يحترق]
وزعم ثمامة أن المأمون قال [1] : لو أخذ إنسان هذا الطّحلب الذي يكون على وجّه الماء، في مناقع المياه، فجفّفه في الظلّ وألقاه في النّار لما كان يحترق وزعموا [2] أنّ الفلفل لا يضرّه الحرق، ولا الغرق، والطّلق لا يصير جمرا أبدا.
قال: وكذلك المغرة.
فكأنّ هذا الطّائر في طباعه وفي طباع ريشه مزاج من طلاء النّفاطين [3] . وأظنّ هذا من طلق وخطميّ ومغرة [4] .
وقد رأيت عودا يؤتى به من ناحية كرمان لا يحترق. وكان عندنا نصرانيّ في عنقه صليب منه، وكان يقول لضعفاء الناس: هذا العود من الخشبة التي صلب عليها المسيح، والنّار لا تعمل فيها. فكان يكتسب بذلك، حتّى فطن له وعورض بهذا العود [5] .
1931-[الماهر]
وأمّا قوله:
43-
«كماهر يسبح في غمر»
فالماهر هو السّابح الماهر وقال الأعشى [6] : [من السريع]
مثل الفراتيّ إذا ما طما ... يقذف بالبوصيّ والماهر [7]
وقال الربيع بن قعنب: [من الرمل]
وترى الماهر في غمرته ... مثل كلب الماء في يوم مطر
__________
[1] الخبر في ثمار القلوب (663) ، وعيون الأخبار 2/107، وتقدم في 5/310.
[2] عيون الأخبار 2/107.
[3] النفاطون: الرماة بالنفط؛ وهو القطران.
[4] ورد هذا القول في ثمار القلوب (662) . الطلق: دواء إذا طلي به منع من الحرق. الخطمي: نبات يداوى به حرق النار. المغرة: طين أحمر يصبغ به.
[5] الخبر في ثمار القلوب (663) ، وعيون الأخبار 2/107، وتقدم في 5/310.
[6] ديوان الأعشى 191، واللسان (جدد، مهر، بوص، ظنن) ، والتاج (جدد، بوص، ظنن) ، والتنبيه والإيضاح 2/208، والتهذيب 6/299، والجمهرة 87، وديوان الأدب 3/72، 322، والعين 4/51.
[7] الفراتي: أراد ماء الفرات. البوصي: ضرب من السفن.
(6/551)

1932-[لطعة الذئب]
وأمّا قوله:
44-
«ولطعة الذّئب على حسوه ... وصنعة السّرفة والدّبر»
قال [1] : فإنّ الذّئب يأتي الجمل الميّت فيفضي بغمغمته، فيعتمد على حجاج عينه [2] فيلحس عينه بلسانه حسيا، فكأنّما قوّرت عينه تقويرا، لما أعطي من قوّة الرّدّة [3] . وردّه لسانه أشدّ مرّا في اللّحم والعصب من لسان البقر في الخلى [4] .
فأمّا عضّته ومصّته فليس يقع على شيء عظما كان أو غيره إلّا كان له بالغا بلا معاناة، من شدّة فكيه.
ويقال [5] : إنّه ليس في الأرض سبع يعضّ على عظم إلّا ولكسرته صوت بين لحييه، إلّا الذئب، فإنّ أسنانه توصف بأنّها تبري العظم بري السّيف المنعوت بأنّ ضربته من شدّة مرورها في العظم، ومن قلّة ثبات العظم له، لا يكون له صوت. قال الزّبير بن عبد المطّلب [6] : [من الوافر]
وينبي نخوة المحتال عنّي ... غموض الصوت ضربته صموت
ولذلك قالوا في المثل [7] : «ضربه ضربة فكأنّما أخطأه» ، لسرعة المرّ، لأنّه لم يكن له صوت.
وقال الرّاجز في صفة الذّئب [8] : [من الرجز]
أطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره
وسنأتي على صفة الذئب، في غير هذا الباب من أمره في موضعه إن شاء الله تعالى.
__________
[1] ورد القول في ربيع الأبرار 5/416.
[2] الحجاج: العظم المستدير حول العين.
[3] في ربيع الأبرار «قوة النفس» .
[4] الخلى: واحدته خلاة، وهو الرطب من النبات.
[5] ربيع الأبرار 5/416- 417.
[6] البيت في ربيع الأبرار 5/417، وحماسة القرشي 92، واللسان والتاج (صمت) ، وتقدم في 4/393.
[7] ربيع الأبرار 5/417.
[8] الرجز في ديوان المعاني 2/134، وذيل الأمالي 129، والبيان 1/150، والعمدة 1/252، وتقدم في 1/97، الفقرة (110) .
(6/552)

1933-[صنعة السرفة والدّبر]
وأمّا ذكر صنعة السّرفة والدّبر، فإنّه يعني حكمتها في صنعة بيوتها، فإنّ فيها صنعة عجيبة.
1934-[سمع القراد والحجر]
وأمّا قوله:
44- «ومسمع القردان في منهل ... أعجب ممّا قيل في الحجر»
فإنهم يقولون: «أسمع من فرس» [1] ، ويجعلون الحجر فرسا بلا هاء، وإنّما يعنون بذلك الحجر، لأنّها أسمع.
قال: والحجر وإن ضرب بها المثل، فالقراد أعجب منها، لأنها تكون في المنهل فتموج ليلة الورد، في وقت يكون بينها وبين الإبل التي تريد الورود أميال.
فتزعم الأعراب أنها تسمع رغاءها وأصوات أخفافها، قبل أن يسمعها شيء والعرب تقول: «أسمع من قراد» [2] . وقال الرّاجز [3] : [من الرجز]
أسمع من فرخ العقاب الأسحم
1935-[ما في الجمل من الأعاجيب]
وأمّا قوله:
48- «والمقرم المعلم ما إن له ... مرارة تسمع في الذّكر
49- وحصية تنصل من جوفه ... عند حدوث الموت والنّحر
50- ولا يرى بعدهما جازر ... شقشقة مائلة الهدر»
فهذا باب قد غلط فيه من هو أعنى بتعرّف أعاجيب ما في العالم من بشر.
ولقد تنازع بالبصرة ناس، وفيهم رجل ليس عندنا بالبصرة أطيب منه، فأطبقوا جميعا على أنّ الجمل إذا نحر ومات فالتمست خصيته وشقشقته أنهما لا توجدان.
فقال ذلك الطّيب: فلعلّ مرارة الجمل أيضا كذلك، ولعلّه أن تكون له مرارة ما دام
__________
[1] مجمع الأمثال 2/349، وأمثال ابن سلام 349، والدرة الفاخرة 1/218، وهو برواية «أسمع من فرس بيهماء غلس» في المستقصى 1/173، وفصل المقال 492، ومجمع الأمثال 1/349.
[2] مجمع الأمثال 1/349، وفصل المقال 492، والمستقصى 1/173، وجمهرة الأمثال 1/531.
[3] انظر مجمع الأمثال 1/355.
(6/553)

حيّا، ثمّ تبطل عند الموت والنّحر. وإنّما صرنا نقول: لا مرارة له، لأنّا لا نصل إلى رؤية المرارة إلّا بعد أن تفارقه الحياة. فلم أجد ذلك عمل في قلبي، مع إجماعهم على ذلك، فبعثت إلى شيخ من جزّاري باب المغيرة فسألته عن ذلك، فقال: بلى لعمري إنهما لتوجدان إن أرادهما مريد. وإنّما سمعت العامّة كلمة، وربّما مزحنا بها، فيقول أحدنا: خصية الجمل لا توجد عند منحره! أجل والله ما توجد عند منحره، وإنما توجد في موضعها. وربّما كان الجمل خيارا جيّدا فتلحق خصيتاه بكليتيه، فلا توجدان لهذه العلّة. فبعثت إليه رسولا: إنّه ليس يشفيني إلّا المعاينة. فبعث إليّ بعد ذلك بيوم أو يومين مع خادمي نفيس، بشقشقة وخصية.
ومثل هذا كثير قد يغلط فيه من يشتدّ حرصه على حكاية الغرائب.
1936-[ما في الفرس والثور من الأعاجيب]
وأمّا قوله:
51- «وليس للطّرف طحال وقد ... أشاعه العالم بالأمر
52- وفي فؤاد الثّور عظم وقد ... يعرفه الجازر ذو الخبر»
وليس عندي في الفرس أنّه لا طحال له، إلّا ما أرى في كتاب الخيل لأبي عبيدة والنّوادر لأبي الحسن، وفي الشّعر لبشر. فإن كان جوف الفرس كجوف البرذون، فأهل خراسان من أهل هذا العسكر، يذبحون في كلّ أسبوع عدّة براذين.
وأمّا العظم الذي يوجد في قلب الثّور فقد سمعنا بعضهم يقول ذلك، ورأيته في كتاب الحيوان لصاحب المنطق.
1937-[أعجوبة السمك]
وأمّا قوله:
53- «وأكثر الحيتان أعجوبة ... ما كان منها عاش في البحر
54-[إذ لا لسان سقي ملحه ... ولا دماغ السمك النهري] [1] »
فهو كما قال: لأنّ سمك البحر كلّه ليس له لسان ولا دماغ [2] .
__________
[1] إضافة يقتضيها السياق.
[2] ربيع الأبرار 5/439.
(6/554)

1938-[قواطع السمك]
[1] وأصناف من حيتان البحر تجيء في كلّ عام، في أوقات معلومة حتّى تدخل دجلة، ثم تجوز إلى البطاح. فمنها الأسبور، ومنها البرستوك ووقته ومنها الجواف ووقته. وإنما عرفت هذه الأصناف بأعيانها وأزمانها لأنها أطيب ذلك السّمك. وما أشكّ أنّ معها أصنافا أخر يعلم منها أهل الأبلّة مثل الذي أعلم أنا من هذه الأصناف الثّلاثة.
1939-[كبد الكوسج]
وأمّا قوله:
58- «وأكبد تظهر في ليلها ... ثمّ توارى آخر الدّهر
59- ولا يسيغ الطّعم ما لم يكن ... مزاجه ماء على قدر
60- ليس له شيء لإزلاقه ... سوى جراب واسع الشّجر» [2]
فإنّ سمكا يقال له الكوسج غليظ الجلد، أجرد، يشبه الجرّيّ، وليس بالجرّي، في جوفها شحمة طيّبة، فإن اصطادوها ليلا وجدوها وإن اصطادوها نهارا لم يجدوها [3] .
وهذا الخبر شائع في الأبلة، وعند جميع البحريّين، وهم يسمّون تلك الشّحمة الكبد.
وأما قولهم: السّمكة لا تسيغ طعمها إلّا مع الماء، فما عند بشر ولا عندي إلّا ما ذكر صاحب المنطق. وقد عجب بشر من امتناعها من بلع الطّعم، وهي مستنقعة في الماء، مع سعة جراب فيها.
والعرب تسمّي جوف البئر من أعلاه إلى قعره جراب البئر.
وأمّا ما سوى هذه القصيدة فليس فيها إلّا ما يعرف، وقد ذكرناه في موضع غير هذا من هذا الجزء خاصّة.
وسنقول في باب الضّبع والقنفذ والحرقوص والورل وأشباه ذلك ما أمكن إن شاء الله تعالى.
__________
[1] انظر ما تقدم في 3/127، الفقرة (723) .
[2] الشجر: مفرج الفم.
[3] ربيع الأبرار 5/439.
(6/555)

1940-[مساجلة شعرية بين أعرابي وضبع]
قال أبو زياد الكلابيّ: أكلت الضّبع شاة رجل من الأعراب، فجعل يخاطبها ويقول: [من الرجز]
ما أنا يا جعار من خطّابك ... عليّ دقّ العصل من أنيابك [1]
على حذا جحرك لا أهابك
جعار: اسم الضبع، ولذلك قال الراجز [2] : [من الكامل]
يا أيّها الجفر السّمين وقومه ... هزلى تجرّهم ضباع جعار [3]
ثم قال الأعرابيّ: [من الرجز]
ما صنعت شاتي التي أكلت ... ملأت منها البطن ثمّ جلت
وخنتني وبئس ما فعلت ... قالت له: لا زلت تلقى الهمّا
وأرسل الله عليك الحمّى ... لقد رأيت رجلا معتمّا
قال لها: كذبت يا خباث ... قد طال ما أمسيت في اكتراث
أكلت شاة صبية غراث ... قالت له والقول ذو شجون:
أسهبت في قولك كالمجنون ... أما وربّ المرسل الأمين
لأفجعن بعيرك السّمين ... وأمّه وجحشه القرين
حتّى تكون عقلة العيون ... قال لها ويحك حذّريني
واجتهدي الجهد وواعديني ... وبالأمانيّ فعلّليني
لأقطعنّ ملتقى الوتين ... منك وأشفى الهمّ من دفيني
فصدّقيني أو فكذّبيني ... أو اتركي حقّي وما يليني
إذا فشلّت عندها يميني ... تعرّفي ذلك باليقين
قالت: أبالقتل لنا تهدّد ... وأنت شيخ مهتر مفنّد [4]
__________
[1] العصل: جمع أعصل وعصلاء، وهي الملتوية.
[2] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (عفج) ، وفيهما: «يا أيها العفج السمين..» .
[3] الجفر: العظيم الجفرة، وهي ما يجمع البطن والجنبين.
[4] المهتر: الذي فقد عقله وصار خرفا من الكبر.
(6/556)

قولك بالجبن عليك يشهد ... منك وأنت كالذي قد أعهد
قال لها: فأبشري وأبشري ... إذا تجردت لشأني فاصبري
أنت زعمت قد أمنت منكري ... أحلف بالله العليّ الأكبر
يمين ذي ثرية لم يكفر ... لأخضبنّ منك جنب المنحر
برمية من نازع مذكّر ... أو تتركين أحمري وبقري
فأقبلت للقدر المقدّر ... فأصبحت في الشّرك المزعفر
مكبوبة لوجهها والمنخر ... والشّيخ قد مال بغرب مجزر [1]
ثمّ اشتوى من أحمر وأصفر ... منها ومقدور وما لم يقدر
1941-[جلد الضبع]
وقال الآخر [2] : [من الرجز]
يا ليت لي نعلين من جلد الضّبع ... وشركا من استها لا ينقطع
كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
وهذا يدلّ على أنّ جلدها جلد سوء.
وإذا كانت السّنة جدبة تأكل المال، سمّتها العرب الضّبع. قال الشّاعر [3] : [من البسيط]
أبا خراشة أمّا كنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
1942-[تسمية السنة الجدبة بالضبع]
وقال عمير بن الحباب [4] : [من الرجز]
__________
[1] الغرب: الحد. المجزر: آلة الجزر.
[2] الرجز لجساس بن قطيب (أبي مقدام) في اللسان والتاج (وقع) ، وبلا نسبة في البيان 3/109، والبخلاء 188، والبرصان 192، وأمالي القالي 1/115، ومجمع الأمثال 2/136، واللسان والتاج (حذا) ، والتهذيب 3/36، وديوان الأدب 3/260، وكتاب الجيم 3/294، والمخصص 4/112، والعين 2/178، والجمهرة 944، والعقد الفريد 3/270.
[3] البيت لخفاف بن ندبة في ديوانه 533، وللعباس بن مرداس في ديوانه 106، وتقدم البيت مع تخريج واف في 5/12.
[4] الرجز لعمير بن الحباب في الأغاني 24/29.
(6/557)

فبشّري القين بطعن شرج ... يشبع أولاد الضباع العرج [1]
ما زال إسدائي لهم ونسجي ... حتّى اتّقوني بظهور ثبج [2]
أريننا يوما كيوم المرج
1943-[مما قيل من الشعر في الضباع]
وقال رجل من بني ضبّة [3] : [من البسيط]
يا ضبعا أكلت آيار أحمرة ... ففي البطون وقد راحت قراقير
ما منكم غير جعلان بممدرة ... دسم المرافق أنذال عواوير [4]
وغير همز ولمز للصّديق ولا ... تنكي عدوّكم منكم أظافير
وإنّكم ما بطنتم لم يزل أبدا ... منكم على الأقرب الأدنى زنابير [5]
وأنشد [6] : [من الرجز]
القوم أمثال السّباع فانشمر ... فمنهم الذّئب ومنهم النّمر
والضّبع العرجاء واللّيث الهصر
وقال العلاجم: [من الرجز]
معاور حلباته الشخص أعم ... كالدّيخ أفنى سنّه طول الهرم [7]
وأنشد: [من الرجز]
فجاوز الحرض ولا تشمّمه ... لسابغ المشفر رحب بلعمه [8]
سالت ذفاريه وشاب غلصمه ... كالذّيخ في يوم مرشّ رهمه [9]
__________
[1] القين: أراد به الفرزدق.
[2] الثبج: جمع أثبج؛ وهو الأحدب.
[3] الأبيات لجرير الضبي في اللسان والتاج (أير) ، والأول لرجل من بني ضبة في شرح شواهد الإيضاح 477، وهو بلا نسبة في سر صناعة الإعراب 2/608، والكتاب 3/589، ونوادر أبي زيد 76، والمقتضب 1/132، والأول والثالث بلا نسبة في اللسان والتاج (ضبع) .
[4] الممدرة: موضع فيه طين حر. العواوير: جمع عوار؛ وهو الجبان.
[5] بطن: شبع؛ وامتلأ من الطعام.
[6] الرجز في ربيع الأبرار 3/573.
[7] البيت الأول فيه تحريف.
[8] الحرض: شجر الأشنان؛ وهو من الحمض. السابغ: الطويل.
[9] الذفارى: جمع ذفرى، وهو الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن، وسالت الذفرى: عرقت.
الغلصم: جمع غلصمة؛ وهي اللحم الذي بين الرأس والعنق. الذيخ: ذكر الضباع. الرهم: جمع رهمة؛ وهي المطر الضعيف.
(6/558)

يقول: وبر لحييها كثير كأنّه شعر [ذيخ] [1] قد بلّه المطر. وأنشد: [من الرجز]
لما رأين ماتحا بالغرب ... تخلّجت أشداقها للشّرب [2]
تخليج أشداق الضّباع الغلب [3]
يعني من الحرص والشّره. وتمثّل ابن الزّبير [4] : [من الطويل]
خذيني فجرّيني جعار وأبشري ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره [5]
وإنّما خصّ الضّباع، لأنّها تنبش القبور، وذلك من فرط طلبها للحوم النّاس إذا لم تجدها ظاهرة. وقال تأبّط شرّا [6] : [من الطويل]
فلا تقبروني إنّ قبري محرّم ... عليكم ولكن خامري أمّ عامر
إذا ضربوا رأسي وفي الرّأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري
هنالك لا أبغي حياة تسرّني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر
1944-[إعجاب الضّباع بالقتلى]
قال اليقطري [7] : وإذا بقي القتيل بالعراء انتفخ أيره، لأنّه إذا ضربت عنقه يكون منبطحا على وجهه، فإذا انتفخ انقلب، فعند ذلك تجيء الضّبع فتركبه فتقضي حاجتها ثمّ تأكله.
وكانت مع عبد الملك جارية شهدت معه حرب مصعب، فنظرت إلى مصعب وقد انقلب وانتفخ أيره وورم وغلظ، فقالت: يا أمير المؤمنين، ما أغلظ أيور المنافقين!
__________
[1] إضافة يقتضيها السياق.
[2] الماتح الذي يستقي من أعلى البئر. الغرب: الدلو العظيمة. التخلج: التحرك والاضطراب.
[3] الغلب: جمع أغلب وغلباء؛ وهو الغليظ الرقبة.
[4] البيت للنابغة الجعدي في ديوانه 220، والكتاب 3/273، وبلا نسبة في اللسان (جرر، جعر) ، والمقتضب 3/375.
[5] جعار: اسم للضبع.
[6] الأبيات للشنفرى أو لتأبط شرا في الطرائف الأدبية 36، وللشنفرى في الحماسة البصرية 1/94، والأغاني 21/182، وأسماء المغتالين 232، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 2/65، وللمرزوقي 490، وانظر البرصان 166، وعيون الأخبار 3/200، والعقد الفريد 1/101، والأزمنة والأمكنة 1/293.
[7] تقدم الخبر في 5/.
(6/559)

فلطمها عبد الملك
1945-[حديث امرأة وزوجها]
ابن الأعرابي: قالت امرأة لزوجها، وكانت صغيرة الرّكب، وكان زوجها صغير الأير: ما للرّجل في عظم الرّكب منفعة، وإنّما الشّأن في ضيق المدخل، وفي المصّ والحرارة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما ليس من هذا في شيء. وكذلك الأير، إنّما ينبغي أن تنظر المرأة إلى حرّ جلدته، وطيب عسيلته، ولا تلتفت إلى كبره وصغره.
وأنعظ الرجل على حديثها إنعاظا شديدا، فطمع أن ترى أيره في تلك الحال عظيما، فأراها إيّاه، وفي البيت سراج، فجعل الرّجل يشير إلى أيره، وعينها طامحة إلى ظلّ أيره في أصل الحائط، فقال: يا كذابة، لشدّة شهوتك في عظم ظلّ الأير لم تفهمي عنّي شيئا، قالت: أما إنّك لو كنت جاهلا كان أنعم لبالك يا مائق، لو كان منفعة عظم الأير كمنفعة عظم الرّكب لما طمحت عيني إليه. قال الرجل: فإنّ للرّكب العظيم حظّا في العين، وعلى ذلك تتحرّك له الشّهوة. قالت: وما تصنع بالحركة، وشكّ يؤدّي إلى شكّ؟ الأير إن عظم فقد ناك جميع الحر، ودخل في تلك الزّوايا التي لم تزل تنتظم من بعيد. وغيرها المنتظم دونها، وإذا صغر ينيك ثلث الحر ونصفه وثلثيه.
فمن يسرّه أن يأكل بثلث بطنه، أو يشرب بثلث بطنه؟
قال اليقطري: أمكنها والله من القول ما لم يمكنه.
1946-[الجارية التي أدركت بثأرها من معاوية]
وقال [1] : وخلا معاوية بجارية له خراسانيّة، فما همّ بها نظر إلى وصيفة في الدّار، فترك الخراسانيّة وخلا بالوصيفة ثمّ خرج فقال للخراسانيّة: ما اسم الأسد بالفارسيّة؟ قال: كفتار. فخرج وهو يقول: ما الكفتار؟ فقيل له: الكفتار الضّبع.
فقال: ما لها قاتلها الله، أدركت بثأرها! والفرس إذا استقبحت وجه الإنسان قالت:
روي كفتار، أي وجه الضبع.
1947-[كتاب عمر بن يزيد إلى قتيبة بن مسلم]
قال: وكتب عمر بن يزيد بن عمير الأسدي إلى قتيبة بن مسلم، حين عزل وكيع بن سود عن رياسة بني تميم، وولّاها ضرار بن حسين الضّبي: «عزلت السّباع وولّيت الضّباع» .
__________
[1] ورد الخبر في ربيع الأبرار 5/418.
(6/560)

1948-[شعر فيه ذكر الضبع]
وأنشد لعبّاس بن مرداس السّلميّ [1] : [من الطويل]
فلو مات منهم من جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الأراك عرائسا [2]
وقال جريبة بن أشيم [3] : [من الطويل]
فمن مبلغ عنّي يسارا ورافعا ... وأسلم أنّ الأوهنين الأقارب
فلا تدفننّي في ضرا وادفننّني ... بديمومة تنزو عليّ الجنادب [4]
وإن أنت لم تعقر عليّ مطيّتي ... فلا قام في مال لك الدّهر حالب [5]
فلا يأكلنّي الذّئب فيما دفنتني ... ولا فرعل مثل الصّريمة حارب [6]
أزلّ هليب لا يزال مآبطا ... إذا ذربت أنيابه والمخالب [7]
وأنشد: [من الرمل]
تركوا جارهم تأكله ... ضبع الوادي وترميه الشّجر
يقول: خذلوه حتّى أكله ألأم السّباع، وأضعفها. وقوله: «وترميه الشّجر» ، يقول: حتّى صار يرميه من لا يرمي أحدا.
1949-[بقية الكلام في الضبع]
وقد بقي من القول في الضّبع ما سنكتبه في باب القول في الذئب [8] .
__________
[1] ديوان العباس بن مرداس 94، والحماسة البصرية 1/54، والبرصان 165، والأغاني 14/315، والأصمعيات 206، والمعاني الكبير 213، 927.
[2] عرائس: جمع عروس، وفي البيت إشارة إلى ما يكون من الضباع من شغفها بركوب القتلى.
[3] الأبيات لجريبة بن أشيم في البرصان 163- 164.
[4] الضرا: مقصور الضراء، وهو الشجر الملتف في الوادي، وفي البرصان «صوى» ؛ وهي جمع صوة، وهي ما غلظ وارتفع من الأرض. الديمومة: الفلاة.
[5] كان أهل الجاهلية يؤمنون بالبعث، ولهذا فقد كانوا يعقرون عند القرب مطية؛ ويسمون تلك العقيرة «بلية» ، ليركبها الميت عند بعثه، ومن لم تكن له بلية حشر ماشيا. انظر اللسان 14/85- 86. (بلا) ، والمحبر 323.
[6] الفرعل: الضبع. الصريمة: السوداء مثل الليل. الحارب: السالب.
[7] الأزل: الأرسح الصغير العجز. الهليب: من الهلب، وهو كثرة الشعر. ورواية صدر البيت في البرصان: (أزبّ هلبّ لا يزال مطابقا) .
[8] لم يف الجاحظ بوعده هذا، إذ لم يفرد بابا للذئب.
(6/561)

1950-[الحرقوص]
وأمّا الحرقوص فزعموا أنّه دويبّة أكبر من البرغوث، وأكثر ما ينبت له جناحان بعد حين، وذلك له خير.
وهذا المعنى يعتري النّمل- وعند ذلك يكون هلاكه- ويعتري الدّعاميص إذا صارت فراشا، ويعتري الجعلان.
والحرقوص دويبّة عضّها أشدّ من عضّ البراغيث. وما أكثر ما يعضّ أحراح النساء والخصى [1] . وقد سميّ بحرقوص من مازن أبو كابية بن حرقوص، قال الشّاعر:
[من الرجز]
أنتم بني كابية بن حرقوص ... كلّهم هامته كالأفحوص [2]
وقال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج، حين ذكر فضل عليّ على الخوارج، وهو قوله: [من الرجز]
ما كان في أسلافهم أبو الحسن ... ولا ابن عبّاس ولا أهل السّنن
غرّ مصابيح الدّجى مناجب ... أولئك الأعلام لا الأعارب
كمثل حرقوص ومن حرقوص ... فقعة قاع حولها قصيص
ليس من الحنظل يشتار العسل ... ولا من البحور يصطاد الورل
هيهات ما سافلة كعاليه ... ما معدن الحكمة أهل البادية
قال [3] : والحرقوص يسمى بالنّهيك. وعضّ النّهيك ذلك الموضع من امرأة أعرابيّ فقال [4] : [من الطويل]
وما أنا للحرقوص إن عضّ عضة ... لها بين رجليها بجدّ عقور
تطيب بنفسي بعد ما تستفزّني ... مقالتها إنّ النّهيك صغير
والذين ذهبوا إلى أنّه البرغوث نفسه قالوا: الدّليل على ذلك قول الطّرمّاح [5] :
[من الطويل]
__________
[1] ربيع الأبرار 5/478.
[2] أفحوص القطا: مبيضها. وهو مثل في الصغير.
[3] ربيع الأبرار 5/478.
[4] البيتان في ربيع الأبرار 5/478، واللسان والتاج (نهك) ، والثاني في المقاييس 4/243.
[5] ديوان الطرماح 63، وربيع الأبرار 5/478، والمعاني الكبير 680.
(6/562)

ولو أنّ حرقوصا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّي تميم لولّت
قالوا: ولو كان له جناحان لما أركبه ظهر القملة. وليس في قول الطّرمّاح دليل على ما قال.
وقال بعض الأعراب، وعض الحرقوص خصيته [1] : [من الوافر]
لقد منع الحراقيص القرارا ... فلا ليلا نقرّ ولا نهارا
يغالبن الرّجال على خصاهم ... وفي الأحراح دسّا وانجحارا
وقالت امرأة تعني زوجها [2] : [من الطويل]
[يغار من الحرقوص أن عضّ عضة ... بفخذي منها ما يجذّ، غيور] [3]
لقد وقع الحرقوص منّي موقعا ... أرى لذّة الدّنيا إليه تصير
وأنشدوا لآخر: [من الرجز]
برّح بي ذو النّقطتين الأملس ... يقرض أحيانا وحينا ينهس
فقد وصفه هذا كما ترى. وهذا يصدّق قول الآخر، ويردّ على من جعل الحراقيص من البراغيث. قال الآخر: [من البسيط]
يبيت باللّيل جوّابا على دمث ... ماذا هنالك من عضّ الحراقيص
1951-[الورل]
وسنقول في الورل بما أمكن من القول إن شاء الله تعالى. وعلى أنّا قد فرّقنا القول فيه على أبواب قد كتبناها قبل هذا.
قالوا [4] : الورل يقتل الضّبّ، وهو أشدّ منه، وأجود سلاحا وألطف بدنا. قالوا:
والسّافد منها يكون مهزولا، وهو الذي يزيف إلى الإنسان وينفخ ويتوعّد.
قال [5] : واصطدت منها واحدا فكسرت حجرا، وأخذت مروة فذبحته بها، حتّى قلت قد نخعته [6] . فاسبطرّ [7] لحينه فأردت أن أصغي إليه وأشرت بإبهامي في
__________
[1] البيتان في نهاية الأرب 10/305.
[2] البيتان في نهاية الأرب 10/305، والبيت الأول مستدرك من نهاية الأرب.
[3] الدمث: اللين السهل، ويعني به الخصى والأحراح.
[4] ربيع الأبرار 5/469.
[5] ثمة نقص في الكلام، وانظر هذا القول في ربيع الأبرار 5/469.
[6] نخعته: أصبت نخاعة.
[7] اسبطر: امتد.
(6/563)

فيه، فعضّ عليها عضة اختلعت أنيابه، فلم يخلّها حتى عضضت على رأسه.
قال: فأتيت أهلي فشققت بطنه، فإذا فيها حيّتان عظيمتان إلّا الرّأس.
قال: وهو يشدخ رأس الحيّة ثمّ يبتلعها فلا يضرّه سمّها. وهذا عنده أعجب ما فيه. فكيف لو رأى الحوّائين عندنا، وأحدهم يعطى الشيء اليسير، فإن شاء أكل الأفعى نيّا، وإن شاء شواء، وإن شاء قديدا فلا يضرّه ذلك بقليل ولا كثير.
وفي الورل أنه ليس شيء من الحيوان أقوى على أكل الحيّات وقتلها منه، ولا أكثر سفادا، حتى لقد طمّ في ذلك على التّيس، وعلى الجمل، وعلى العصفور، وعلى الخنزير، وعلى الذّبّان في العدد، وفي طول المكث. وفيه أنّه لا يحتفر لنفسه بيتا، ويغتصب كلّ شيء بيته؛ لأنها أيّ جحر دخلته هرب منه صاحبه. فالورل يغتصب الحيّة بيتها كما تغتصب الحيّة بيوت سائر الأحناش والطّير والضّب.
وهو أيضا من المراكب. وهو أيضا مما يستطاب، وله شحمة، ويستطيبون لحم ذنبه. والورل دابّة خفيف الحركة ذاهبا وجائيا، ويمينا وشمالا. وليس شيء بعد العظاءة أكثر تلفّتا منه وتوقفا.
1952-[زعم المجوس في العظاءة]
وتزعم المجوس أنّ أهرمن، وهو إبليس، لمّا جلس في مجلسه في أوّل الدهر ليقسّم الشّرّ والسّموم- فيكون ذلك عدّة على مناهضة صاحب الخير إذا انقضى الأجل بينهما، ولأنّ من طباعه أيضا فعل الشر على كلّ حال- كانت العظاءة آخر من حضر، فحضرت وقد قسم السمّ كلّه، فتداخلها الحسرة والأسف. فتراها إذا اشتدّت وقفت وقفة تذكّر لما فاتها من نصيبها من السّم، ولتفريطها في الإبطاء حتى صارت لا تسكن إلّا في الخرابات والحشوش [1] ؛ لأنها حين لم يكن فيها من السّم شيء لم تطلب مواضع الناس كالوزغة التي تسكن معهم البيوت، وتكرع في آنيتهم الماء وتمجّه، وتزاقّ الحيّات وتهيّجها عليهم. ولذلك نفرت طباع النّاس من الوزغة، فقتلوها تحت كلّ حجر، وسلمت منهم العظاءة تسليما منهم.
ولم أر قولا أشدّ تناقضا، ولا أموق من قولهم هذا؛ لأنّ العظاءة لم يكن ليعتريها من الأسف على فوت السمّ على ما ذكروا أوّلا إلّا وفي طبعها من الشّرارة الغريزيّة أكثر ممّا في طبع الأفعى.
__________
[1] الحشوش: جمع حش، وهو بيت الخلاء.
(6/564)

1953-[ذكر الورل في الشعر]
قال الرّاجز في معنى الأوّل: [من الرجز]
يا ورلا رقرق في سراب ... أكان هذا أول الثّواب
قال: ورقرقته: سرعته ذاهبا وجائيا ويمينا وشمالا.
قال أبو دؤاد الإيادي [1] ، في صفة لسان فرسه: [من الخفيف]
عن لسان كجثّة الورل الأح ... مر مجّ الثّرى عليه العرار
وقال خالد بن عجرة [2] : [من الوافر]
[كأنّ لسانه ورل عليه، ... بدار مضنّة، مجّ العرار]
ووصف الأصمعيّ حمرته في بعض أراجيزه، فقال: [من الرجز]
في مغر ذي أضرس وصكّ ... يعرج منه بعد ضيق ضنك [3]
1954-[فروة القنفذ]
قد قلنا في القنفذ، وصنيعه في الحيّات وفي الأفاعي خاصّة، وفي أنّه من المراكب، وفي غير ذلك من أمره، فيما تقدم هذا المكان من هذا الكتاب [4] .
ويقول من نزع فروته بأنها مملوءة شحيمة. والأعراب تستطيب أكله، وهو طيّب للأرواح [5] .
1955-[ذكر القنفذ في الشعر]
والقنفذ لا يظهر إلا بالليل، كالمستخفي، فلذلك شبه به، قال أيمن بن خريم [6] : [من البسيط]
كقنفذ الرّمل لا تخفى مدارجه ... خبّ إذا نام عنه النّاس لم ينم
__________
[1] البيت لأبي دؤاد في ديوانه 318، ولعدي بن الرقاع في ديوانه 74، واللسان (ورل) ، وتقدم في 1/179، الفقرة (207) .
[2] لم يرد البيت في الأصل، واستدركته مما تقدم في 1/179، الفقرة (207) .
[3] المغر: المصبوغ بالمغرة؛ وهو صبغ أحمر.
[4] انظر ما تقدم في ص 341.
[5] ربيع الأبرار 5/473.
[6] البيت لأيمن بن خريم في ديوان المعاني 2/144، وتقدم في 4/340، منسوبا إلى الأودي، وانظر ديوان الأفوه الأودي 24.
(6/565)

وقال عبدة بن الطبيب [1] : [من الكامل]
قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنّميمة تمزع
وقال [2] : [من المتقارب]
شريت الأمور وغاليتها ... فأولى لكم يا بني الأعرج
تدبّون حول ركيّاتكم ... دبيب القنافذ في العرفج
وقال الآخر [3] في غير هذا الباب: [من الرجز]
كأنّ قيرا أو كحيلا ينعصر ... ينحطّ من قنفذ ذفراه الذّفر
وقال عبّاس بن مرداس السّلميّ [4] ، يضرب المثل به وبأذنيه في القلّة والصّغر:
[من المتقارب]
فإنّك لم تك كابن الشّريد ... ولكن أبوك أبو سالم
حملت المئين وأثقالها ... على أذني قنفذ رازم
وأشبهت جدّك شرّ الجدود ... والعرق يسري إلى النّائم
وأنشدني الدّلهم بن شهاب، أحد بني عوف بن كنانة، من عكل، قال:
أنشدنيه نفيع بن طارق في تشبيه ركب المرأة إذا جمّم بجلد القنفذ [5] : [من الرجز]
1- علّق من عنائه وشقوته ... وقد رأيت هدجا في مشيته [6]
3- وقد جلا الشّيب عذار لحيته ... بنت ثماني عشرة من حجّته [7]
5- يظنّها ظنّا بغير رؤيته ... تمشي بجهم ضيقه من همّته [8]
__________
[1] البيت في المفضليات 147، وتقدم في الفقرة (167) .
[2] نسب البيت الثاني إلى جرير في ديوان المعاني 2/144، ولم يرد البيتان في ديوانه.
[3] الرجز لجندل بن المثنى في التاج (صلف) ، ولم يرد فيه البيت الأول، بل ورد الثاني مع بيت آخر.
[4] ديوان العباس بن مرداس 152، وعيون الأخبار 2/7.
[5] الرجز في الخزانة 6/430، والمقاصد النحوية 4/488، والمخصص 14/92، 17/102، والإنصاف 1/309، وأوضح المسالك 4/259، وشرح الأشموني 3/627، وهمع الهوامع 2/149، وشرح التصريح 2/275، واللسان (شقا) ، وتهذيب اللغة 9/209، وانظر ربيع الأبرار 5/474.
[6] الهدج: مشية الشيخ.
[7] جلاه: جعله واضحا أبيض.
[8] ضيقه من همته: أي إن حرها ضيق كضيق همته.
(6/566)

7- لم يخزه الله برحب سعته ... جمّم بعد حلقه ونورته [1]
9- كقنفذ القفّ اختفى في فروته ... لا يبلغ الأير بنزع رهوته [2]
11- ولا يكرّ راجعا بكرّته ... كأنّ فيه وهجا من ملّته [3]
1956-[من تسمى بقنفذ]
ويتسمّون بالقنافذ. وذو البرة الذي ذكره عمرو بن كلثوم هو الذي يقال له: برة القنفذ، وهو كعب بن زهير، وهو قوله [4] : [من الوافر]
وذو البرة الذي حدّثت عنه ... به نحمى ونشفي الملجئينا
1957-[كبار القنافذ]
[5] ومن القنافذ جنس وهو أعظم من هذه القنافذ؛ وذلك أنّ لها شوكا كصياصي [6] الحاكة، وإنّما هي مدارى قد سخّرت لها وذلّلت تلك المغارز والمنابت، ويكون متى شاء أن ينصل منها رمى به الشخص الذي يخافه، فعلا حتّى كأنّه السهم الذي يخرجه الوتر.
ولم أر أشبه به في الحذف من شجر الخروع؛ فإنّ الحبّ إذا جفّ في أكمامه، وتصدّع عنه بعض الصّدع، حذف به بعض الغصون، فربّما وقع على قاب الرّمح الطويل وأكثر من ذلك.
1958-[تحريك الحيوان بعض أعضائه دون بعض]
والبرذون يسقط على جلده ذبابة فيحرّك ذلك الموضع. فهذا عامّ في الخيل.
فأمّا النّاس فإن المخنّث ربما حرّك شيئا من جسده، وأيّ موضع شاء من بدنه [7] .
__________
[1] النورة: مسحوق يستخدم لإزالة الشعر.
[2] القف: ما غلظ من الأرض وارتفع. الرهوة: مستنقع الماء. النزع: مأخوذ من نزع الماتح بالدلو من البئر.
[3] الملة: الرماد الحار والجمر.
[4] البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته في شرح القصائد السبع 407، وشرح القصائد العشر 350، والمقاييس 1/234.
[5] وردت هذه الفقرة محرفة في ربيع الأبرار 5/473- 474.
[6] الصياصي: جمع صيصية: وهو الشوكة التي يستعملها الحائك.
[7] ربيع الأبرار 5/474.
(6/567)

والكاعاني، وهو اسم الذي يتجنّن أو يتفالج فالج الرّعدة والارتعاش، فإنّه يحكي من صرع الشّيطان، ومن الإزباد، ومن النّفضة، ما ليس [يصدر] [1] عنهما.
وربّما جمعهما في نقاب واحد، فأراك الله تعالى [منه] [1] مجنونا مفلوجا يجمع الحركتين جميعا بما لا يجيء من طباع المجنون.
1959-[حكاية الإنسان للأصوات وغيرها]
والإنسان العاقل وإن كان لا يحسن يبني كهيئة وكر الزّنبور، ونسج العنكبوت، فإنه إذا صار إلى حكاية أصوات البهائم وجميع الدوابّ وحكاية العميان والعرجان؛ والفأفأء، وإلى أن يصوّر أصناف الحيوان بيده، بلغ من حكايته الصّورة والصوت والحركة ما لا يبلغه المحكيّ.
1960-[الحركات العجيبة للإنسان]
[2] وفي النّاس من يحرّك أذنيه من بين سائر جسده، وربّما حرّك إحداهما قبل الأخرى.
ومنهم من يحرّك شعر رأسه، كما أنّ منهم من يبكي إذا شاء، ويضحك إذا شاء.
وخبّرني بعضهم أنّه رأى من يبكي بإحدى عينيه، وبالتي يقترحها عليه الغير.
وحكى المكّي عن جوار باليمن. لهنّ قرون مضفورة من شعر رؤوسهن، وأنّ إحداهنّ تلعب وترقص على إيقاع موزون، ثمّ تشخص قرنا من تلك القرون، ثمّ تلعب وترقص، ثمّ تشخص من تلك الضّفائر المرصّعة واحدة بعد أخرى، حتّى تنتصب كأنها قرون أوابد في رأسها. فقلت له: فلعلّ التّضفير والترصيع أن يكون شديد الفتل ببعض الغسل [3] والتّلبيد، فإذا أخرجته بالحركة التي تثبتها في أصل تلك الضفيرة شخصت. فلم أره ذهب إلى ذلك، ورأيته يحقّقه ويستشهد بأخيه.
1961-[حذر الذئب عند نومه]
وتزعم الأعراب أنّ الذّئب ينام بإحدى عينيه، ويزعمون أنّ ذلك من حاقّ الحذر [4] . وينشد شعر حميد بن ثور الهلاليّ، وهو قوله [5] : [من الطويل]
__________
[1] إضافة يقتضيها السياق.
[2] وردت هذه الفقرة باختصار في ربيع الأبرار 5/474.
[3] الغسل: ما يغسل به الرأس.
[4] حاق الحذر: شدته.
[5] ديوان حميد بن ثور 105، وثمار القلوب (508) ، وديوان المعاني 2/134، والخزانة 4/292، والمقاصد النحوية 1/562، وربيع الأبرار 5/418.
(6/568)

ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ال ... منايا بأخرى فهو يقظان هاجع
وأنا أظنّ هذا الحديث في معنى ما مدح به تأبّط شرّا [1] : [من الطويل]
إذا خاط عينيه كرى النّوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حدّ أخضر باتك
1962-[قولهم: أسمع من قنفذ ومن دلدل]
ويقال: «أسمع من قنفذ» [2] ، وقد ينبغي أن يكون قولهم: «أسمع من الدّلدل» من الأمثال المولّدة.
1963-[المتقاربات من الحيوان]
وفرق ما بين القنفذ والدّلدل، كفرق ما بين الفأر والجرذان، والبقر والجواميس، والبخاتيّ والعراب، والضّأن والمعز، والذّر والنّمل، والجواف والأسبور [3] ، وأجناس من الحيّات، وغير ذلك؛ فإنّ هذه الأجناس منها ما يتسافد ويتلاقح، ومنها ما لا يكون ذلك فيها.
1964-[أمثال في الخنفساء]
ويقال [4] : «إنّه لأفحش من فاسية» وهي الخنفساء؛ لأنّها تفسو في يد من مسّها. وقال بعضهم: إنّه عنى الظّربان؛ لأنّ الظّربان يفسو في وسط الهجمة [5] ، فتتفرّق الإبل فلا تجتمع إلا بالجهد الشّديد.
ويقال: «ألجّ من الخنفساء» [6] . وقال خلف الأحمر وهو يهجو رجلا [7] : [من المتقارب]
ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
__________
[1] تقدم البيتان ص 449.
[2] مجمع الأمثال 1/355، والمستقصى 1/174، والدرة الفاخرة 1/218.
[3] الجواف والأسبور: ضرب من السمك. انظر ما تقدم في 3/127، الفقرة (721) .
[4] تقدمت هذه الفقرة في 3/243، الفقرة (907) .
[5] الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل، قيل هي من الأربعين إلى ما دوين المائة، وقيل غير ذلك. انظر اللسان «هجم» .
[6] جمهرة الأمثال 2/180، والمستقصى 1/308، ويروى (ألح من الخنفساء) في مجمع الأمثال 2/250، والدرة الفاخرة 2/369.
[7] تقدم البيت في 3/243. الفقرة (702) .
(6/569)

1965-[رجز في الضبع]
وأنشد أبو الرّديني، عن عبد الله بن كراع، أخي سويد بن كراع، في الضّبع:
[من الرجز]
من يجن أولاد طريف رهطا ... مردا أوله شمطا [1]
رأى عضاريط طوالا ثطّا ... كأضبع مرط هبطن هبطا [2]
ثم يفسّين هزيلا مرطا ... إنّ لكم عندي هناء لعطا [3]
خطما على آنفكم وعلطا [4]
1966-[تأويل رؤيا أبي مجيب]
وحكى أبو مجيب، ما أصابه من أهله، ثمّ قال: وقد رأيت رؤيا عبّرتها: رأيت كأني طردت أرنبا فانجحرت، فحفرت عنها حتّى استخرجتها، فرجوت أن يكون ذلك ولدا أرزقه، وإنه كانت لي ابنة عمّ هاهنا، فأردت أن أتزوّجها؛ فما ترى؟ قلت:
تزوّجها على بركة الله تعالى. ففعل؛ ثمّ استأذنني أن يقيم عندنا أيّاما؛ فأقام ثم أتاني فقلت: لا تخبرني بشيء حتى أنشدك. ثمّ أنشدته هذه الأبيات [5] : [من الرجز]
يا ليت شعري عن أبي مجيب ... إذ بات في مجاسد وطيب [6]
معانقا للرّشأ الرّبيب ... أأقحم الحفار في القليب
أم كان رخوا يابس القضيب
قال: بلى كان والله رخوا يابس القضيب، والله لكأنّك كنت معنا ومشاهدنا!
1967-[خصال الفهد]
فأمّا الفهد؛ فالذي يحضرنا من خصاله أنّه يقال إن عظام السّباع تشتهي ريحه [7] ، وتستدلّ برائحته على مكانه وتعجب بلحمه أشدّ العجب.
وقد يصاد بضروب، منها الصّوت الحسن؛ فإنّه يصغي إليه إصغاء حسنا. وإذا
__________
[1] مردا: جمع أمرد، شمطا، جمع أشمط: وهو الذي اختلط سواد شعره في بياضه.
[2] العضاريط: الخدم والتباع. الثط: جمع أثط؛ وهو القليل شعر اللحية. أضبع: جمع ضبع. مرط:
جمع أمرط؛ وهو الخفيف شعر الجسد والحاجبين. هبطن: هزلن.
[3] يهجوهم بضعف الفساء. الهناء: ضرب من القطران تطلى به الإبل. اللعط: الكي بالنار.
[4] خطمه بالسيف: ضربه وسط أنفه.
[5] الرجز الأغاني 5/349.
[6] المجاسد: جمع مجسد؛ وهو الثوب المصبوغ بالجساد أي الزعفران.
[7] تقدم في 4/الفقرة (228) : «والسباع تشتهي رائحة الفهود، والفهد يتغيب عنها..» .
(6/570)

اصطادوا المسنّ كان أنفع لأهله في الصّيد من الجرو الذي يربّونه؛ لأنّ الجرو يخرج خبّا، ويخرج المسنّ على التأديب صيودا غير خبّ ولا مواكل [1] في صيده. وهو أنفع من صيد كلّ صائد، وأحسن في العين. وله فيه تدبير عجيب.
وليس شيء في مثل جسم الفهد إلّا والفهد أثقل منه، وأحطم لظهر الدابَّة التي يرقى على مؤخّرها [2] .
والفهد أنوم الخلق، [وليس نومه كنوم الكلب؛ لأن الكلب نومه نعاس واختلاس] [3] ، والفهد نومه مصمت [4] : قال أبو حيّة النّميري [5] : [من البسيط]
بعذاريها أناسا نام حلمهم ... عنّا وعنك وعنها نومة الفهد
وقال حميد بن ثور الهلاليّ [6] : [من الطويل]
ونمت كنوم الفهد عن ذي حفيظة ... أكلت طعاما دونه وهو جائع
1968-[أرجوزة في صفة الفهد]
وقال الرقاشيّ في صفة الفهد [7] : [من الرجز]
قد أغتدي واللّيل أحوى السّدّ ... والصّبح في الظّلماء ذو تهدّي [8]
مثل اهتزاز العضب ذي الفرند ... بأهرت الشّدقين ملتئد [9]
أزبر مضبور القرا علّكد ... طاوي الحشا في طيّ جسم معد [10]
كزّ البراجيم هصور الجدّ ... برامز ذي نكت مسودّا [11]
__________
[1] الخب: الخدّاع والخبيث.
[2] المواكل: الثقيل ذو البطء والبلادة.
[3] ثمار القلوب: (694) .
[4] التكملة من ثمار القلوب (694) ، ومجمع الأمثال 2/355، في المثل «أنوم من فهد» ، وانظر ربيع الأبرار 5/419.
[5] ديوان أبي حية النميري 472.
[6] ديوان حميد بن ثور 105، وثمار القلوب (595) .
[7] الأرجوزة لأبي نواس في ديوانه 622- 663، والأنوار 2/158- 159.
[8] الأحوى: الأسود، السد: السحاب الأسود؛ والوادي فيه حجارة وصخور يبقى الماء فيه زمنا.
[9] العضب: السيف. الأهرت: الواسع.
[10] الأزبر: القوي. المضبور: المكتنز لحما. القرا: الظهر. العلكد: الضخم. المعد: الغليظ الضخم.
[11] رواية الديوان:
(كره الرّوا، جمّ غضون الخدّ ... دلامز ذي نكف مسودّ) .
وفي الأنوار:
(كرّ الرّواجمّ غضون الجلد ... دلامز ذي نكب مسود) .
الكز: الصلب الشديد اليابس. البراجيم: جمع برجمة؛ وهي مفاصل الأصابع. ورواية الديوان «الروا» أي الماء الكثير المروي. الهصور: من الهصر؛ وهو الافتراس والكسر. ورواية الديوان والأنوار «غضون» وهي التجاعيد. «دلامز» : قوي ماض. «النكف» : غدد صغار في أصل اللحى.
(6/571)

وشجر لحيين ونحر ورد ... شرنبث أغلب مصمعدّ [1]
كالليث إلّا نمرة في الجلد ... للشبح الحائل مستعدّ [2]
حتّى إذا عاين بعد الجهد ... على قطاة الرّدف ردف العبد [3]
سربين عنا بجبين صلد ... وانقضّ يأدو غير مجرهدّ [4]
في ملهب منه وختل إدّ ... مثل انسياب الحيّة العربدّ [5]
وقوله: «مثل انسياب الحيّة العربدّ» ، هذه الحيّة عين الدابّة التي يقال لها العربد. وقد ذكرها مالك بن حريم في [قوله] [6] لعمرو بن معد يكرب: [من م.
الكامل]
يا عمرو لو أبصرتني ... لرفوتني في الخيل رفوا [7]
والييض تلمع بينهم ... تعصو بها الفرسان عصوا [8]
فلقيت مني عربدا ... يقطو أمام الخيل قطوا [9]
لا رأيت نساءهم ... يدخلن تحت البيت حبوا
وسمعت زجر الخيل في ... جوف الظّلام هبي وهبوا [10]
في فيلق ملمومة ... تسطو على الخبرات سطوا [11]
وقال الرّقاشي أيضا في الفهد: [من الرجز]
لما غدا للصّيد آل جعفر ... رهط رسول الله أهل المفخر
__________
[1] الشرنبث: الغليظ الكتفين والرجلين. المصمعد: المنطلق انطلاقا سريعا؛ والأسد.
[2] النمرة: النكتة من أي لون كانت.
[3] القطاة: مقعد الردف من الدابة خلف الفارس.
[4] عنّا: ظهرا،. الصلد: القوي. يأدو: يختل. المجرهد: المسرع المستمر في السير.
[5] المهلب: العدو السريع الذي يثير الغبار. الختل: الخداع. الإد: العجيب. العربد: الشديد من كل شيء.
[6] إضافة يقتضيها السياق، والأبيات التالية في لباب الآداب 203.
[7] رفاه: سكنه من الرعب.
[8] البيض: السيوف. عصاه بالسيف: ضربه به.
[9] قطا يقطو: تقارب مشيه من النشاط.
[10] هبي: زجر للخيل، أي توسعي وباعدي.
[11] الفيلق: الكتيبة العظيمة. الملمومة: المجتمعة. تسطو: تسرع الخطو. الخبرات: جمع خبرة، وهي الأرض كثر خبارها، والخبار: ما استرخى من الأرض وتخفى.
(6/572)

بفهدة ذات قرا مضبّر ... وكاهل باد وعنق أزهر [1]
ومقلة سال سواد المحجر ... منها إلى شدق رحاب المفغر [2]
وذنب طال وجلد أنمر ... وأيطل مستأسد غضنفر [3]
وأذن مكسورة لم تجبر ... فطساء فيها رحب في المنخر [4]
مثل وجار التتفل المقوّر ... أرثها إسحاق في التعذر [5]
منها على الخدّين والمعذّر [6]
1969-[نعت ابن أبي كريمة للفهد]
وقال ابن أبي كريمة في صفة الفهد [7] : [من الطويل]
كأنّ بنات القفر حين تشعّبت ... غدوت عليها بالمنايا الشواعب
بذلك نبغي الصيد طورا وتارة ... بمخطفة الأحشاء رحب التّرائب
موقّفة الأذناب، نمر ظهورها ... مخطّطة الآماق غلب الغوارب
مولّعة فطح الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خطّ كاتب
فوارس ما لم تلق حربا ورجلة ... إذا آنست بالبيد شهب الكتائب
تضاءل حتّى ما تكاد تبينها ... عيون لدى الصّرّات غير كواذب
توسّد أجياد الفرائس أذرعا ... مرمّلة تحكي عناق الحبائب
1970-[ما يضاف إلى اليهود من الحيوان]
قال [8] : والصبيان يصيحون بالفهد إذا رأوه: يا يهوديّ! وقد عرفنا مقالهم في الجرّيّ [9] .
__________
[1] القر: الظهر، المضبر: المكتنز لحما. الباد: الكثير اللحم. الأزهر: الأبيض.
[2] المفغر: المفتح. فغرفاه: فتحه.
[3] الأيطل: الخاصرة.
[4] الفطس: انخفاض قصبة الأنف.
[5] التتفل: الثعلب. المقور: الموسع.
[6] المعذر: المقذ، وهو أصل الأذن.
[7] تقدمت الأبيات في 2/446، وهي في الحماسة البصرية 2/345، ونهاية الأرب 9/266.
[8] ربيع الأبرار 5/420.
[9] الجرّي ضرب من السمك، وانظر ما تقدم في 1/154؛ س 7، 196، 203، 6/356.
(6/573)

والعامّة تزعم أن الفأرة كانت يهوديّة سحّارة [1] ، والأرضة يهودية أيضا عندهم؛ ولذلك يلطّخون الأجذاع بشحم الجزور [2] .
والضبّ يهوديّ؛ ولذلك قال بعض القصّاص لرجل أكل ضبّا: اعلم أنّك أكلت شيخا من بني إسرائيل [3] .
ولا أراهم يضيفون إلى النّصرانية شيئا من السّباع والحشرات.
1971-[ذئب يوسف]
[4] ولذلك قال أبو علقمة: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف رجحون [5] . فقيل له: فإنّ يوسف لم يأكله الذّئب، وإنما كذبوا على الذّئب؛ ولذلك قال الله عزّ وجلّ:
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
[6] . قال: فهذا اسم للذئب الذي لم يأكل يوسف.
فينبغي أن يكون ذلك الاسم لجميع الذّئاب، لأنّ الذئاب كلها لم تأكله.
1972-[زعم المجوس في لبس أعوان بشوتن]
وتزعم المجوس أنّ بشوتن الذي ينتظرون خروجه، ويزعمون أنّ الملك يصير إليه، يخرج على بقرة ذات قرون. ومعه سبعون رجلا عليهم جلود الفهود، لا يعرف هرّا ولا برّا [7] حتى يأخذ جميع الدنيا.
1973-[الهرّ والبرّ]
وكذلك إلغازهم في الهرّ والبرّ. وابن الكلبي يزعم عن الشّرقي بن القطاميّ، أن الهرّ السنّور، والبرّ الفارة [8] .
__________
[1] تقدم في 1/196 أنها كانت طحانة. وأخرج البخاري في بدء الخلق، حديث رقم 3129: (عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر» .
[2] ربيع الأبرار 5/471.
[3] ربيع الأبرار 5/468، وتقدم في ص 356.
[4] ثمار القلوب (108) ، والعقد الفريد 6/156.
[5] في ثمار القلوب «رغمون» ، وفي العقد «هملاج» .
[6] 18/يوسف: 12.
[7] هذا القول من الأمثال في مجمع الأمثال 2/269، والمستقصى 2/337، وفصل المقال 515، وجمهرة الأمثال 2/376. وفي هذا المثل خمسة أقوال: أحدها أن الهر: السنور، والبر: الفأرة، والثاني: أن الهر: الهرهرة؛ وهو صوت الضأن، والبرّ: البربرة؛ وهو صوت المعزى. والثالث أنّ البرّ:
دعاء الغنم، والهرّ: سوقها، والرابع أن البرّ: اللطف، والهرّ: العقوق، والخامس أن البرّ: الإكرام، والهرّ: الخصومة.
[8] انظر الحاشية السابقة.
(6/574)

1974-[جوارح الملوك]
والباز والفهد من جوارح الملوك. والشاهين، والصّقر، والزّرّق، واليؤيؤ [1] .
وليس ترى شريفا يستحسن حمل البازي- لأنّ ذلك من عمل البازيار [2]- ويستهجن حمل الصّقور والشواهين وغيرها من الجوارح، وما أدري علّة ذلك إلا أنّ الباز عندهم أعجميّ، والصّقر عربيّ.
1975-[العقعق]
ومن الحيوان الذي يدرّب فيستجيب ويكيس وينصح العقعق، فإنّه يستجيب من حيث تستجيب الصّقور. ويزجر فيعرف ما يراد منه ويخبأ الحلي فيسأل عنه ويصاح به فيمضي حتى يقف بصاحبه على المكان الذي خبّأه فيه، ولكن لا يلزم البحث عنه [3] .
وهو مع ذلك كثيرا ما يضيع بيضه وفراخه.
1976-[الحيوانات التي تخبئ الدراهم والحلي]
وثلاثة أشياء تخبّي الدّراهم والحلي، وتفرح بذلك من غير انتفاع به، منها [4] :
العقعق؛ ومنها ابن مقرض: دويبة آلق من ابن عرس؛ وهو صعب وحشيّ، يحبّ الدّراهم، ويفرح بأخذها، ويخبيها، وهو مع ذلك يصيد العصافير صيدا كثيرا، وذلك أنّه يؤخذ فيربط بخيط شديد الفتل، ويقابل به بيت العصفور، فيدخل عليه فيأخذه وفراخه، ولا يقتلها حتى يقتلها الرّجل، فلا يزال كذلك ولو طاف به على ألف جحر. فإذا حلّ خيطه ذهب ولم يقم.
وضرب من الفار يسرق الدّراهم والدنانير والحلي ويفرح به ويظهره ويغيّبه في الجحر وينظر إليه ويتقلّب عليه.
1977-[ذنب الوزغة]
قال [5] : وخطب الأشعث فقال: «أيّها الناس إنه ما بقي من عدوّكم إلا كما بقي
__________
[1] اليؤيؤ: طائر شبيه بالباشق، من جوارح الطير.
[2] البازيار: القائم بأمر البازي.
[3] ربيع الأبرار 5/458.
[4] ربيع الأبرار 5/457.
[5] ربيع الأبرار 5/470.
(6/575)

من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا ثم لا تلبث أن تموت» فمر به رجل من قشير فسمع كلامه فقال: قبّح الله تعالى هذا ورأيه، يأمر أصحابه بقلّة الاحتراس، وترك الاستعداد! وقد يقطع ذنب الوزغة من ثلثها الأسفل، فتعيش إن أفلتت من الذّرّ.
1978-[أشد الحيوان احتمالا للطعن والبتر]
وقد تحتمل الخنافس والكلاب من الطّعن الجائف، والسّهم النّافذ؛ ما لا يحتمل مثله شيء. والخنفساء أعجب من ذلك وكفاك بالضّبّ! والجمل يكون سنامه كالهدف، فيكشف عنه جلده في المجهدة [1] ؛ ثمّ يجتث من أصله بالشّفار، ثمّ تعاد عليه الجلدة ويداوى فيبرأ، ويحتمل ذلك، وهو أعجب في ذلك من الكبش في قطع أليته من أصل عجب ذنبه، وهي كالتّرس، وربما فعل ذلك به وهو لا يستطيع أن يقلّ أليته [2] إلّا بأداة تتّخذ. ولكنّ الألية على كلّ حال طرف زائد، والسّنام قد طبّق على جميع ما في الجوف.
1979-[زكن إياس]
[3] ونظر إياس بن معاوية في الرّحبة بواسط إلى آجرّة، فقال: تحت هذه الآجرّة دابّة: فنزعوا الآجرّة فإذا تحتها حيّة متطوّقة. فسئل عن ذلك، فقال لأنّي رأيت ما بين الآجرّتين نديّا من جميع تلك الرّحبة، فعلمت أن تحتها شيئا يتنفّس.
1980-[هداية الكلاب في الثلوج]
وإذا سقط الثّلج في الصحارى صار كلّه طبقا واحدا، إلّا ما كان مقابلا لأفواه جحرة الوحش والحشرات؛ فإنّ الثّلج في ذلك المكان ينحسر ويرقّ لأنفسها من أفواهها ومناخرها ووهج أبدانها [4] ، فالكلاب في تلك الحال يعتادها الاسترواح حتى تقف بالكلّابين على رؤوس المواضع التي تنبت الإجردّ والقصيص [5] ، وهي التربة التي تنبت الكمأة وتربّيها.
__________
[1] المجهدة: الإعسار، والحال الشاقة.
[2] يقل: يرفع.
[3] الخبر في ثمار القلوب (183) ، وأخبار الأذكياء 69، وبهجة المجالس 1/422، والوافي بالوفيات 9/466.
[4] تقدم مثل هذا الكلام في 2/315، س 4.
[5] الإجرد: نبت يدل على الكمأة. والقميص: شجر تنبت في أصله الكمأة.
(6/576)

1981-[تعرّف مواضع الكمأة]
وربما كانت الواحدة كالرّمانة الفخمة، ثم تتخلّق من [غير] [1] بزر، وليس لها عرق تمصّ به من قوى تلك الأرض، ولكنها قوى اجتمعت من طريق الاستحالات، كما ينطبخ في أعماق الأرض، من جميع الجواهر وليس لها بدّ من تربة ذلك من جوهرها، ولا بدّ لها من وسميّ [2] . فإذا صار جانيها إلى تلك المواضع- ولا سيما إن كان اليوم يوما لشمسه وقع [3]- فإنه إذا أبصر الإجردّ والقصيص استدلّ على مواضعها بانتفاخ الأرض وانصداعها.
وإذا نظر الأعرابيّ إلى موضع الانتفاخ يتصدّع في مكانه فكان تفتّحه في الحالات مستويا، علم أنّه كمأة؛ وإن خلط في الحركة والتصدّع علم أنّه دابّة، فاتّقى مكانّها.
__________
[1] إضافة يقتضيها السياق.
[2] الوسمي: مطر أول الربيع، وهو أوان الكمأة.
[3] الوقع: الشدة.
(6/577)

باب نوادر وأشعار وأحاديث
قال الشّاعر [1] : [من م. الكامل]
وعصيت أمر ذوي النّهى ... وأطعت رأي ذوي الجهاله
فاحتلت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا المحاله
[والعبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه المقاله] [2]
وقال بشّار [3] : [من الرجز]
وصاحب كالدّمّل الممدّ ... حملته في رقعة من جلدي
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرّدّ
وقال خليفة الأقطع [4] : [من م. الكامل]
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه
__________
[1] الأبيات لأبي دؤاد في ديوانه 332، وانظر اللسان 11/187 (حول) ، والبيان 3/37.
[2] إضافة من ديوانه والبيان.
[3] الرجز لبشار في طبقات ابن المعتز 26، والثالث والرابع في البيان 3/37، والمختار من شعر بشار 223.
[4] البيت ليزيد بن مفرغ في ديوانه 215، والأغاني 18/261، وأمالي الزجاجي 29، والبيان 3/37، والوساطة 196، والمختار من شعر بشار 223، واللسان والتاج (عصا) .
(6/578)

باب من القول في العرجان
قال رجل من بني عجل [1] : [من الطويل]
وشى بي واش عند ليلى سفاهة ... فقالت له ليلى مقالة ذي عقل
وخبّرها أنّي عرجت فم تكن ... كورهاء تجترّ الملامة للبعل [2]
وما بي من عيب الفتى غير أنّني ... جعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي
وقال أبو حيّة في مثل ذلك [3] : [من البسيط]
وقد جعلت إذ ما قمت، يوجعني ... ظهري فقمت قيام الشّارب السّكر
وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر
وقال أعرابيّ من بني تميم [4] : [من الطويل]
وما بي من عيب الفتى غير أنّني ... ألفت قناتي حين أوجعني ظهري
وكان بنو الحدّاء عرجانا كلّهم، فهجاهم بعض الشّعراء فقال [5] : [من البسيط]
لله درّ بني الحدّاء من نفر ... وكلّ جار على جيرانه كلب
إذا غدوا وعصيّ الطّلح أرجلهم ... كما تنصّب وسط البيعة الصّلب
وإنّما شبه أرجلهم بعصيّ الطّلح؛ لأنّ أغصان الطلح تنبت معوجّة. لذلك قال معدان الأعمى [6] : [من الخفيف]
والذي طفّف الجدار من الذّع ... ر وقد بات قاسم الأنفال [7]
فغدا خامعا بأيدي هشيم ... وبساق كعود طلح بال [8]
__________
[1] الأبيات في البيان 3/76، والبرصان 249- 250،. والثالث في عيون الأخبار 4/67.
[2] الورهاء: الحمقاء. تجتر: تجتلب.
[3] ديوان أبي حية النميري 186، والأمالي 2/163، والبيان 3/76، والبرصان. 133، 249،
والخصائص 1/207، وعيون الأخبار 4/68.
[4] البيت في البيان 3/76، وعيون الأخبار 67.
[5] البيتان لبشر بن أبي خازم في البيان 3/75، والبرصان 229، وديوانه 227، وتقدما في 1/208 بلا نسبة.
[6] البيتان لمعدان الأعمى أبي السري الشميطي في البرصان 231، والبيان 3/75، وانظر ما تقدم في 2/392- 393، الفقرة (454) ، والحاشية الثالثة في 2/392.
[7] طفف الجدار: رفعه. الأنفال: الغنائم.
[8] الخامع: الأعرج. الهشيم: الشجر اليابس.
(6/579)

وله حديث.
1982-[عصا الحكم بن عبدل]
وكان الحكم بن عبدل أعرج، وكان بعد هجائه لمحمد بن حسّان بن سعد لا يبعث إلى أحد بعصاه التي يتوكأ عليها وكتب عليها حاجته إلّا قضاها كيف كانت، فدخل على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو أمير الكوفة، وكان أعرج، وكان صاحب شرطته أعرج- فقال ابن عبدل [1] : [من الكامل]
ألق العصا ودع التّعارج والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان
فأميرنا وأمير شرطتنا معا ... يا قومنا لكليهما رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيره ... وأنا فإنّ الرّابع الشيطان
وقال آخر ووصف ضعفه وكبر سنّه [2] : [من الكامل]
آتي النديّ فلا يقرّب مجلسي ... وأقود للشرف الرفيع حماريا
1983-[عرجان الشعراء]
وكان من العرجان والشعراء أبو ثعلب، وهو كليب بن أبي الغول. ومنهم أبو مالك الأعرج. وفي أحدهما يقول اليزيدي [3] : [من الطويل]
أبو ثعلب للناطفيّ مؤازر ... على خبثه والناطفيّ غيور
وبالبغلة الشهباء رقّة حافر ... وصاحبنا ماضي الجنان جسور
ولا غرو أن كان الأعيرج آرها ... وما الناس إلا آير ومئير
1984-[البدء والثّنيان]
وقال الشاعر [4] : [من البسيط]
__________
[1] الأبيات مع الخبر السابق في الأغاني 2/406، والبيان 3/76، والبرصان 210، وعيون الأخبار 4/67.
[2] البيت في البيان 3/263، والبرصان 133، واللسان والتاج (شرف) ، والقافية في الأخيرين (حماري) .
[3] الأبيات في اللسان والتاج (أرر، أير) ، والتنبيه والإيضاح 2/81، والثالث في البرصان 220.
[4] البيت لأوس بن مغراء في اللسان والتاج (بدأ، ثنى) ، والتنبيه والإيضاح 1/6، والتهذيب 14/205، 15/136، والمخصص 2/159، 15/138، والمجمل 1/248، 4/369، والأمالي 2/176، والعمدة 1/118، وبلا نسبة في العين 8/244، والمقاييس 1/213، 391.
(6/580)

تلقى ثنانا إذا ما جاء بدأهم ... وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا
فالبدء أضخم السّادات؛ يقال ثنى وثنيان، وهو اسم واحد. وهو تأويل قول الشّاعر [1] : [من الوافر]
يصدّ الشّاعر الثّنيان عنّي ... صدود البكر عن قرم هجان [2]
لم يمدح نفسه بأن لا يغلب الفحل وإنّما يغلب الثّنيان. وإنما أراد أن يصغّر بالذي هجاه، بأنه ثنيان، وإن كان عند نفسه فحلا وأمّا قول الشّاعر [3] : [من الوافر]
ومن يفخر بمثل أبي وجدّي ... يجئ قبل السّوابق وهو ثان
فالمعنى ثان عنانه.
أحاديث من أعاجيب المماليك
- أتيت باب السّعداني، فإذا غلام له مليح بالباب كان يتبع دابّته، فقلت له:
قل لمولاك، إن شئت بكرت إليّ، وإن شئت بكرت إليك. قال: أنا ليس أكلّم مولاي- ومعي أبو القنافذ- فقال أبو القنافذ: ما نحتاج مع هذا الخبر إلى معاينة.
- وقال أبو البصير المنجّم، وهو عند قثم بن جعفر، لغلام له مليح صغير السّنّ: ما حبسك يا حلقيّ؟ والحلقيّ: المخنث- ثمّ قال: أما والله لئن قمت إليك يا حلقيّ لتعلمنّ! فلمّا أكثر عليه من هذا الكلام بكى وقال: أدعو الله على من جعلني حلقيّا.
- حدّثني الحسن بن المرزبان قال: كنت مع أصحاب لنا، إذ أتينا بغلام سنديّ يباع، فقلت له: أشتريك يا غلام؟ فقال: حتّى أسأل عنك! - قال المكّي: وأتي المثنّى بن بشر بسنديّ ليشتريه على أنّه طبّاخ، فقال له المثنى: كم تحسن يا غلام من لون؟ فلم يجبه؛ فأعاد عليه، وقال: يا غلام كم تحسن من لون؟ فكلّم غيره وتركه؛ فقال المثنّى في الثالثة: ما له لا يتكلم؟ يا غلام، كم تحسن من لون؟ فقال السندي: كم تحسن من لون! كم تحسن من لون! وأنت
__________
[1] ديوان النابغة الذبياني 112، والعمدة 1/118، 2/188.
[2] البكر: الفتي من الإبل. القرم: الفحل من الإبل. الهجان: الأبيض.
[3] البيت بلا نسبة في اللسان والتاج (ثني) ، والتهذيب 14/232، والعمدة 1/189.
(6/581)

لا تحسن ما يكفيك أنت؟ قال: حسبك الآن: ثم قال المثنّى للدّلّال: امض بهذا، عليه لعنة الله!.
- وحدّثني ثمامة قال: جاءنا رجل بغلام سنديّ يزعم أنّه طباخ حاذق، فاشتريته منه، فلمّا أمرت له بالمال قال الرّجل: إنه قد غاب عنا غيبة، فإن اشتريته على هذا الشّرط، وإلّا فاتركه. فقلت للسندي: أكنت أبقت قطّ! قال: والله ما أبقت قطّ! فقلت: أنت الآن قد جمعت مع الإباق [1] الكذب! قال: كيف ذلك؟ قلت: لأنّ هذا الموضع لا يجوز أن يكذب فيه البائع. قال: جعلني الله تعالى فداءك! أنا والله أخبرك عن قصّتي: كنت أذنبت ذنبا كما يذنب هذا وهذا، جميع غلمان النّاس فحلف بكلّ يمين ليضربنّي أربعمائة سوط، فكنت ترى لي أن أقيم؟ قلت: لا والله! قال: فهذا الآن إباق؟ قلت لا. قال: فاشتريته فإذا هو أحسن النّاس خبزا وأطيبهم طبخا.
وخبّرني رجل قال: قال رجل لغلام له ذات يوم: يا فاجر! قال: جعلني الله فداك، مولى القوم منهم! وزعم روح بن الطائفية- وكان روح عبدا لأخت أنس بن أبي شيخ، وكانت قد فوّضت إليه كلّ شيء من أمرها- قال: دخلت السّوق أريد شراء غلام طبّاخ، فبينا أنا واقف إذ جيء بغلام يعرض بعشرة دنانير، ويساوي على حسن وجهه وجودة قدّه، وحداثة سنّه، دون صناعته- مائة دينار. فلمّا رأيته لم أتمالك أن دنوت منه فقلت:
ويحك أقلّ ثمنك على وجهك مائة دينار، والله ما يبيعك مولاك بعشرة دنانير إلّا وأنت شرّ الناس! فقال: أمّا لهم فأنا شرّ الناس، وأمّا لغيرهم فأنا أساوي مائة ومائة.
قال: فقلت: التزيّن بجمال هذا وطيب طبخه يوما واحدا عند أصحابي خير من عشرة دنانير. فابتعته ومضيت به إلى المنزل، فرأيت من حذقه وخدمته، وقلّة تزيّده ما إن بعثته إلى الصّيرفي ليأتيني من قبله بعشرين دينارا، فأخذها ومضى على وجهه فو الله ما شعرت إلّا والنّاشد [2] قد جاءني وهو يطلب جعله، فقلت: لهذا وشبهه باعك القوم بعشرة دنانير! قال: لولا أنّي أعلم أنّك لا تصدّق يميني وكيف طرّت الدّنانير من ثوبي. ولكنّي أقول لك واحدة: احتبسني واحترس منّي، واستمتع بخدمتي، واحتسب أنّك كنت اشتريتني بثلاثين دينارا، قال: فاحتبسته لهواي فيه، وقلت لعلّه
__________
[1] الإباق: هرب العبد من سيده.
[2] الناشد: أراد به الجاحظ: المعرّف.
(6/582)

أن يكون صادقا. ثمّ رأيت والله من صلاحه وإنابته وحسن خدمته ما دعاني إلى نسيان جميع قصّته، حتى دفعت إليه يوما ثلاثين دينارا ليوصلها إلى أهلي، فلمّا صارت إلى يده ذهب على وجهه، فلم ألبث إلّا أيّاما حتى ردّه النّاشد، فقلت له:
زعمت أنّ الدّنانير الأولى طرّت منك، فما قولك في هذه الثانية؟ قال: أنا، والله أعلم أنّك لا تقبل لي عذرا، فدعني خارج الدار، ولا تجاوز بي خدمة المطبخ؛ ولو كان الضّرب يردّ عليك شيئا من مالك لأشرت عليك به، ولكن قد ذهب مالك، والضّرب ينقص من أجرك؛ ولعلّي أيضا أموت تحت الضّرب فتندم وتأثم وتفتضح ويطلبك السلطان. ولكن اقتصر بي على المطبخ فإنّي سأسرّك فيه، وأوفره عليك. وأستجيد ما أشتريه وأستصلحه لك. وعدّ أنك اشتريتني بستّين دينارا! فقلت له: أنت لا تفلح بعد هذا! اذهب فأنت حرّ لوجه الله تعالى! فقال لي: أنت عبد فكيف يجوز عتقك.
قلت فأبيعك بما عزّ أو هان! فقال: لا تبعني حتّى تعدّ طبّاخا، فإنّك إن بعتني لم تتغذّ غذاء إلّا بخبز وباقلاء. قال: فتركته ومرّت بعد ذلك أيام فبينا أنا جالس يوما إذ مرّت عليّ شاة لبون كريمة، غزيرة الدّرّ كنا فرّقنا بينها وبين عناقها فأكثرت في الثّغاء، فقلت كما يقول النّاس، وكما يقول الضّجر: اللهمّ العن هذه الشاة! ليت أنّ الله بعث إنسانا ذبحها أو سرقها، حتى نستريح من صياحها! قال: فلم ألبث إلّا بقدر ما غاب عن عيني، ثمّ عاد فإذا في يده سكّين وساطور وعليه قميص العمل، ثمّ أقبل عليّ فقال: هذا اللّحم ما نصنع به وأيّ شيء تأمرني به؟ فقلت: وأيّ لحم؟ قال: لحم هذه الشاة. قلت: وأيّما شاة؟ قال: التي أمرت بذبحها. قلت: وأي شاة أمرت بذبحها؟
قال: سبحان الله! أليس قد قلت السّاعة: ليت أن الله تعالى قد بعث إليها من يذبحها أو يسرقها، فلما أعطاك الله تعالى سؤلك صرت تتجاهل! قال روح: فبقيت والله لا أقدر على حبسه ولا على بيعه ولا على عتقه.
1985-[أشعار حسان]
وقال مسكين الدّارميّ [1] : [من الطويل]
إنّ أبانا بكر آدم، فاعلموا ... وحواء قرم ذو عثانين شارف [2]
كأنّ على خرطومه متهافتا ... من القطن هاجته الأكفّ النوادف [3]
__________
[1] ديوان مسكين الدارمي 53.
[2] القرم: الفحل. العثانين: جمع عثنون، وهي شعيرات طوال تحت حنك البعير. الشارف: المسن من الإبل.
[3] المتهافت: المتطاير المتساقط.
(6/583)

وللصّدأ المسودّ أطيب عندنا ... من المسك دافته الأكفّ الدوائف [1]
ويصبح عرفان الدّروع جلودنا ... إذا جاء يوم مظلم اللّون كاسف
تعلق في مثل السّواري سيوفنا ... وما بينها والكعب منّا تنائف [2]
وكلّ ردينيّ كأنّ كعوبه ... قطا سابق مستورد الماء صائف [3]
كأنّ هلالا لاح فوق قناته ... جلا الغيم عنه والقتام الحراجف [4]
له مثل حلقوم النّعامة حلة ... ومثل القدامى ساقها متناصف [5]
وقال أيضا مسكين الدّارميّ [6] : [من الرمل]
وإذا الفاحش لاقى فاحشا ... فهناكم وافق الشّنّ الطبق [7]
إنّما الفحش ومن يعتاده ... كغراب البين ما شاء نعق
أو حمار السّوء إن أشبعته ... رمح النّاس وإن جاع نهق
أو غلام السّوء إن جوّعته ... سرق الجار وإن يشبع فسق
وقال ابن قيس الرقيات [8] : [من الخفيف]
معقل القوم من قريش إذا ما ... فاز بالجهل معشر آخرونا
لا يؤمّون في العشيرة بالسّو ... ء ولا يفسدون ما يصنعونا [9]
وقال ابن قيس أيضا، واسمه عبد الله [10] : [من المنسرح]
لو كان حولي بنو أميّة لم ... ينطق رجال إذا هم نطقوا
إن جلسوا لم تضق مجالسهم ... أو ركبوا ضاق عنهم الأفق
كم فيهم من فتى أخي ثقة ... عن منكبيه القميص منخرق
تحبّهم عوّذ النّساء إذا ... ما احمرّ تحت القوانس الحدق [11]
__________
[1] داف الطيب: خلطه.
[2] التنائف: جمع تنوفة، وهي المفازة.
[3] الرديني: الرمح المنسوب إلى ردينة.
[4] القتام: الغبار. الحراجف: جمع حرجف، وهي الريح الباردة.
[5] المتناصف: المتساوي المحاسن.
[6] ديوان مسكين الدارمي 56.
[7] إشارة إلى المثل «وافق شن طبقة» ، وانظر ما تقدم في ص 374.
[8] ديوان ابن قيس الرقيات 197.
[9] يؤمون: يقصدون.
[10] ديوان ابن قيس الرقيات 72- 73.
[11] العوذ: جمع عائذة؛ وهي التي تلجأ إلى غيرها تعتصم به. القوانس: جمع قونس، وهو أعلى بيضة الحديد. الحدق: العيون.
(6/584)

وأنكر الكلب أهله ورأى الشّرّ ... وطاح المروّع الفرق [1]
وقال النابغة [2] : [من الكامل]
سهكين من صدإ الحديد كأنّهم ... تحت السّنوّر جنّة البقّار
وقال بشار بن برد: [من الطويل]
يطيّب ريح الخيزرانة بينهم ... على أنّها ريح الدّماء تضوع
[باب آخر في الشهب وفي استراق السمع]
(سنقول في الشهب وفي استراق السمع [3] ) وإنّما تركنا جمعه في مكان واحد، لأنّ ذلك كان يطول على القارئ. ولو قد قرأ فضل الإنسان على الجانّ، والحجّة على من أنكر الجانّ- لم يستثقله، لأنّه حينئذ يقصد إليه على أنّه مقصور على هذا الباب، فإذا أدخلناه في باب القول في صغار الوحش، والسّباع، والهمج، والحشرات، فإذا ابتدأ القراءة على ذلك استطال كلّ قصير إذا كان من غير هذا المعنى.
قالوا: زعمتم أنّ الله تعالى قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[4] ، وقال تعالى: وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
، [5] وقال تعالى: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[4] ونحن لم نجد قطّ كوكبا خلا مكانه، فما ينبغي أن يكون واحد من جميع هذا الخلق، من سكّان الصحارى، والبحار. ومن يراعي النّجوم للاهتداء، أو يفكّر في خلق السموات أن يكون يرى كوكبا واحدا زائلا، مع قوله: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[4] .
قيل لهم: قد يحرّك الإنسان يده أو حاجبه أو إصبعه، فتضاف تلك الحركة إلى كلّه، فلا يشكّون أنّ الكلّ هو العامل لتلك الحركة، ومتى فصل شهاب من كوكب، فأحرق وأضاء في جميع البلاد. فقد حكم كلّ إنسان بإضافة ذلك الإحراق إلى الكوكب. وهذا جواب قريب سهل. والحمد لله.
ولم يقل أحد: إنّه يجب في قوله: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[4] أنّه يعني
__________
[1] الفرق: الخائف.
[2] ديوان النابغة الذبياني 56، وتقدم البيت مع الشرح والتخريج في ص 414.
[3] انظر ما تقدم من القول في الشهب واستراق السمع ص 453- 462.
[4] 15/الملك: 67.
[5] 17/الحجر: 15.
(6/585)

الجميع. فإذا كان قد صحّ أنّه إنّما عنى البعض فقد عنى نجوم المجرّة، والنجوم التي تظهر في ليالي الحنادس؛ لأنّه محال أن تقع عين على ذلك الكوكب بعينه في وقت زواله حتّى يكون الله عزّ وجلّ لو أفنى ذلك الكوكب من بين جميع الكواكب الملتفّة، لعرف هذا المتأمّل مكانه، ولوجد مسّ فقده. ومن ظنّ بجهله أنّه يستطيع الإحاطة بعدد النّجوم فإنه متى تأمّلها في الحنادس، وتأمّل المجرّة وما حولها، لم يضرب المثل في كثرة العدد إلّا بها، دون الرّمل والتّراب وقطر السّحاب.
وقال بعضهم: يدنو الشّهاب قريبا، ونراه يجيء عرضا لا منقضّا ولو كان الكوكب هو الذي ينقضّ لم ير كالخيط الدّقيق، ولأضاء جميع الدّنيا، ولأحرق كلّ شيء مما على وجه الأرض. قيل له: قد تكون الكواكب أفقيّة ولا تكون علوية؛ فإذا كانت كذلك فصل الشّهاب منها عرضا. وكذلك قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
[1] وقال الله عزّ وجلّ: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ
[2] فليس لكم أن تقضوا بأنّ المباشر لبدن الشيطان هو الكوكب حتى لا يكون غير ذلك، وأنتم تسمعون الله تعالى يقول: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
[1] والشّهاب معروف في اللغة، وإذا لم يوجب عليها ظاهر لفظ القرآن لم ينكر أن يكون الشّهاب كالخطّ أو كالسهم لا يضيء إلّا بمقدار، ولا يقوى على إحراق هذا العالم. وهذا قريب والحمد لله.
وطعن بعضهم من جهة أخرى فقال: زعمتم أنّ الله تبارك وتعالى قال:
وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
[3] وقال على سنن الكلام: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
[4] قال: فكيف تكون الخطفة من المكان الممنوع؟
قيل له: ليس بممنوع من الخطفة، إذ كان لا محالة مرميّا بالشّهاب، ومقتولا، على أنّه لو كان سلم بالخطفة لما كان استفاد شيئا للتكاذيب والرّياسة. وليس كلّ من كذب على الله وادّعى النبوّة كان على الله تعالى أن يظهر تكذيبه، بأن يخسف به الأرض، أو ينطق بتكذيبه في تلك السّاعة. وإذا وجبت في العقول السّليمة ألّا يصدق في الأخبار لم يكن معه برهان. فكفى بذلك.
__________
[1] 10/الصافات: 37.
[2] 7/النمل: 27.
[3] 7- 9/الصافات: 37.
[4] 10/الصافات: 37.
(6/586)

ولو كان ذلك لكان جائزا، ولكنّه ليس بالواجب. وعلى أنّ ناسا من النحويّين لم يدخلوا قوله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ
، [1] في الاستثناء، وقال: إنّما هو كقوله [2] : [من الكامل]
إلّا كخارجة المكلّف نفسه ... وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا [3]
وقوله أيضا [4] : [من الكامل]
إلّا كناشرة الذي كلّفتم ... كالغصن في غلوائه المتنبّت
وقال الشاعر في باب آخر ممّا يكون موعظة له من الفكر والاعتبار. فمن ذلك قوله [5] : [من الطويل]
مهما يكن ريب المنون فإنني ... أرى قمر اللّيل المعذّر كالفتى
يكون صغيرا ثمّ يعظم دائبا ... ويرجع حتّى قيل قد مات وانقضى
كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى
وقال آخر [6] : [من الطويل]
ومستنبت لا باللّيالي نباته ... وما إن تلاقي ما به الشّفتان
وآخر في خمس وتسع تمامه ... ويجهد في سبع معا وثمان
الأوّل الطّريق والثاني القمر.
1986-[ما قيل من الشعر في إنقاص الصحة والحياة]
وقال أبو العتاهية [7] : [من الرجز]
__________
[1] 10/الصافات: 37.
[2] البيت للأعشى في ديوانه 281، واللسان (قدد) ، وبلا نسبة في رصف المباني 203، وسر صناعة الإعراب 1/303، والمقتضب 4/418.
[3] خارجة: رجل من بني شيبان.
[4] البيت لعنز بن دجاجة في الكتاب 2/328، وله أو لمعاوية بن كاسر في شرح أبيات سيبويه 2/172، ولشهاب المازني في الأزهية 176، ولكابية بن حرقوص بن مازن في الخزانة 6/362، وبلا نسبة في رصف المباني 203، وسر صناعة 302، وشرح اختيارات المفضل 537، والمقتضب 4/416.
[5] الأبيات لحسان السعدي في نوادر أبي زيد 111- 112، ولحنظلة بن أبي عفراء الطائي في معجم البلدان 2/506 (دير حنظلة) ، ولبعض شعراء طيئ في أمالي المرتضى 2/76، وتقدمت الأبيات في 3/230.
[6] البيتان بلا نسبة في المخصص 9/28، وتهذيب الألفاظ 401.
[7] ديوان أبي العتاهية 636، وعيون الأخبار 2/322، والسمط 104، والرسالة الموضحة 109، والبيان 1/154، والأشباه والنظائر للخالديين 1/39، والعقد الفريد 3/58، وتقدم في 3/231.
(6/587)

أسرع في نقض امرئ تمامه
وقال عبد هند: [1] [من الطويل]
فإنّ السّنان يركب المرء حدّه ... من العار أو يعدو على الأسد الورد
وإنّ الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحيّ في طرّة البرد
يعلّل والأيّام تنقص عمره ... كما تنقص النّيران من طرف الزّند
وفي أمثال العرب [2] : «كلّ ما أقام شخص، وكلّ ما ازداد نقص؛ ولو كان يميت النّاس الدّاء، لأعاشهم الدّواء» .
وقال حميد بن ثور [3] : [من الطويل]
أرى بصري قد رابني بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال النّمر بن تولب [4] : [من الطويل]
يحبّ الفتى طول السّلامة والبقا ... فكيف ترى طول السّلامة يفعل
1987-[أخبار في المرض والموت]
وقيل للموبذ: متى أبنك يعني أبنك قال: يوم ولد.
وقال الشّاعر: [من الطويل]
تصرّفت أطوارا أرى كلّ عبرة ... وكان الصّبا منّي جديدا فأخلقا
وما زاد شيء قطّ إلا لنقصه ... وما اجتمع الإلفان إلّا تفرّقا
وقيل لأعرابي في مرضه الذي مات فيه: أيّ شيء تشتكي؟ قال: تمام العدّة وانقضاء المدّة [5] !.
__________
[1] الأبيات لعمرو بن عبد هند في البيان 3/34، ولعبد هند بن زيد التغلبي في الوحشيات 19، وتقدم الثانى والثالث في 3/230- 231.
[2] البيان 1/154.
[3] ديوان حميد بن ثور 7، والبيان 1/154، وعيون الأخبار 4/144، والوحشيات 288، والسمط 532.
[4] ديوان النمر بن تولب 369، والبيان 1/154، والرسالة الموضحة 110، والوحشيات 288، وديوان المعاني 2/183.
[5] الخبر في عيون الأخبار 3/49.
(6/588)

وقيل لأعرابي، في شكاته التي مات فيها: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد [1] !.
وقيل لعمرو بن العاص في مرضته التي مات فيها: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب [2] .
وقال معمر: قلت لرجل كان معي في الحبس، وكان مات بالبطن: كيف تجدك؟ قال: أجد روحي قد خرجت من نصفي الأسفل، وأجد السّماء، مطبقة عليّ، ولو شئت أن ألمسها بيدي لفعلت، ومهما شككت فيه فلا أشكّ أنّ الموت برد ويبس، وأنّ الحياة حرارة ورطوبة.
1988-[شعر في الرثاء]
وقال يعقوب بن الرّبيع في مرثية جارية كانت له [3] : [من الكامل]
حتى إذا فتر اللّسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النّرجس
رجع اليقين مطامعي يأسا كما ... رجع اليقين مطامع المتلمّس
وقال يعقوب بن الربيع [4] : [من المتقارب]
لئن كان قربك لي نافعا ... لبعدك قد كان لي أنفعا
لأني أمنت رزايا الدّهور ... وإن جلّ خطب فلن أجزعا
وقال أبو العتاهية [5] : [من الوافر]
وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وقال التيميّ: [من الوافر]
لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
ومن عجب قصدن له المنايا ... على عمد وهنّ له جنود
وقال صالح بن عبد القدّوس [6] : [من الخفيف]
__________
[1] الخبر في البيان 1/210، وعيون الأخبار 3/49، وتقدم في 3/68، الفقرة (621) .
[2] الخبر في عيون الأخبار 3/49، وتتمة الخبر: «وأجد نجوي أكثر من رزئي، فما بقاء الشيخ على هذا» .
[3] البيتان من قصيدة في الكامل 2/370 (المعارف) .
[4] البيتان في تاريخ بغداد 14/268.
[5] ديوان أبي العتاهية 679، وتقدم البيت في 3/44، الفقرة (593) .
[6] البيت في البخلاء 189، ونهاية الأرب 3/83.
(6/589)

إن يكن ما أصبت فيه جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجلّ
ونظر بعض الحكماء إلى جنازة الإسكندر، فقال [1] : «إنّ الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس» .
وقال غسان [2] : [من الكامل]
ابيضّ منّي الرّأس بعد سواده ... ودعا المشيب حليلتي لبعاد
واستنفد القرن الذي أنا منهم ... وكفى بذلك علامة لحصادي
وقال أعرابي [3] : [من الرجز]
إذا الرّجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها
وقال ضرار بن عمرو [4] : «من سرّه بنوه ساءته نفسه» .
وقال عبد الرحمن بن أبي بكرة [5] . «من أحبّ طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب» .
وقال أخو ذي الرّمّة [6] : [من الطويل]
ولم ينسني أوفى الملمّات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
1989-[بعض المجون]
وقال بعض المجّان [7] : [من الطويل]
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
__________
[1] ورد القول في الصناعتين 24، والبيان 1/81، والكامل 1/239 (المعارف) .
[2] البيتان في البيان 3/195 لغسان خال الغدّار.
[3] تقدم الرجز في 3/43، الفقرة (590) .
[4] ورد القول في عيون الأخبار 2/320.
[5] تقدم القول في 5/.
[6] البيت لمسعود أخي ذي الرمة في الأغاني 18/4، والشعر والشعراء 337 (ليدن) ، ولهشام أخي ذي الرمة في الكامل 1/153 (المعارف) وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/328، وبلا نسبة في أساس البلاغة (نكأ) ، والجمهرة 1105، والبيتان والتبيين 2/193.
[7] البيت لإبراهيم بن أدهم العجلي في عيون الأخبار 2/330، والبيان 1/260، والعقد 2/115، ولعبد الله بن مبارك في التاج (رقع) ، وبلا نسبة في الأساس (رقع) .
(6/590)

وسئل بعض المجّان: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرّقه بالمعاصي، وأرقّعه بالاستغفار.
1990-[شعر في معنى الموت]
وأنشدوا لعروة بن أذينة [1] : [من الوافر]
نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات
كروعة ثلّة لمغاز سبع ... فلما غاب عادت راتعات [2]
وقال أبو العتاهية [3] : [من الطويل]
إذا ما رأيتم ميّتين جزعتم ... وإن لم تروا ملتم إلى صبواتها
وقالت الخنساء [4] : [من البسيط]
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار
وكان الحسن لا يتمثّل إلا بهذين البيتين، وهما: [من الطويل]
يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقى ... إذا عرف الدّاء الذي هو قاتله
والبيت الآخر [5] : [من الخفيف]
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء
وكان صالح المرّيّ يتمثّل في قصصه بقوله [6] : [من المتقارب]
فبات يروّي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل
__________
[1] البيتان لعروة بن أذينة في البيان 3/201، وبلا نسبة في عيون الأخبار 3/62.
[2] الثلة: جماعة الغنم.
[3] ديوان أبي العتاهية 512، وأمالي المرتضى 2/75.
[4] ديوان الخنساء 383، والخزانة 1/431، 2/34، وشرح أبيات سيبويه 1/282، والكتاب 1/337، واللسان (رهط، قبل، سوا) ، والمقتضب 4/305، والمنصف 1/197، والبيان 3/201، والبرصان 130، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/387، 4/68، وشرح الأشموني 1/213، وشرح المفصل 1/115، والمحتسب 2/43.
[5] البيت لعدي بن الرعلاء في معجم الشعراء 86، والأصمعيات 152، وشرح المفصل 10/69، والحماسة الشجرية 1/195، والخزانة 9/583، والسمط 8/603، واللسان والتاج (موت) ، ولصالح بن عبد القدوس في حماسة البحتري 214، وبلا نسبة في شرح قطر الندى 234، وشرح شواهد المغني 2/936، ومغني اللبيب 461، والتهذيب 14/343، والتاج (حيي) ، والتنبيه والإيضاح 1/173، والبيان 1/119.
[6] البيت في البيان 1/119، 3/178، وعيون الأخبار 2/306.
(6/591)

وكان أبو عبد الحميد المكفوف، يتمثّل في قصصه بقوله [1] : [من البسيط]
يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله ... إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
ونظر بكر بن عبد الله المزنيّ إلى مورّق العجليّ، فقال [2] : [من الرجز]
عند الصّباح يحمد القوم السّرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى
وقال أبو النجم [3] : [من الرجز]
كلنا يأمل مدّا في الأجل ... والمنايا هي آفات الأمل
فأمّا أبو النجم فإنّه ذهب في الموت مذهب زهير حيث يقول [4] : [من الرجز]
إنّ الفتى يصبح للأسقام ... كالغرض المنصوب للسّهام
أخطاه رام وأصاب رام
وقال زهير [5] : [من الطويل]
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
1991-[مقطعات شتى]
وقال الآخر [6] : [من الكامل]
وإذا صنعت صنيعة أتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدّر
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
وقال الشاعر: [من الطويل]
__________
[1] البيت بلا نسبة في البيان 3/202، وذكر محقق البيان في الحاشية «والبيت لأبي العتاهية في ديوانه 120، وقد نسب مع قرين له في تفسير القرطبي إلى ابن الرومي» .
[2] الرجز لخالد بن الوليد في اللسان (سوا) ، ومعجم البلدان 3/271 (سوا) ، 4/318 (قراقر) .
وبلا نسبة في اللسان والتاج (غبب) .
[3] ديوان أبي النجم 147، وبلا نسبة في البيان 3/194.
[4] الرجز لأبي النجم في ديوانه 218، ومعجم الشعراء 180، وربيع الأبرار 5/111.
[5] ديوان زهير 34، وتقدم البيت مع تخريج واف في 2/305، الفقرة (315) .
[6] البيتان لابن المولى المدني (محمد بن عبد الله بن مسلم) في معجم الشعراء 342، والحماسة البصرية 1/184، والحماسة المغربية 319- 320، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1761، وشرحه للتبريزي 4/135، والمقاصد النحوية 3/125، والدرر 3/92، وبلا نسبة في الأغاني 10/138، وهمع الهوامع 1/202، وشرح الأشموني 1/235.
(6/592)

قصير يد السّربال يمشي معرّدا ... وشرّ قريش في قريش مركّبا [1]
وقال الآخر [2] : [من الوافر]
بعثت إلى العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص
تفيهق بالعراق أبو المثنّى ... وعلّم قومه أكل الخبيص
وقال الآخر: [من الخفيف]
حبّذا رجعها إلىّ يديها ... بيدي درعها تحلّ الإزارا
وأنشد: [من الطويل]
طوته المنايا، وهو عنهنّ غافل ... بمنخرق السّربال عاري المناكب
جريء على الأهوال يعدل درءها ... بأبيض سقّاط وراء الضّرائب [3]
وقال جرير [4] : [من الطويل]
تركت لكم بالشّام حبل جماعة ... متين القوى مستحصد الفتل باقيا [5]
وجدت رقى الشّيطان لا تستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا [6]
وقال الأسديّ: [من المتقارب]
كثير المناقب والمكرمات ... يجود مجدا وأصلا أثيلا
ترى بيديه وراء الكميّ ... تباله بعد نصال نصولا
تمنى السفاه ورأى الخنا ... وضلّ وقد كان قدما ضلولا
فإن أنت تنزع عن ودّنا ... فما إن وجدت لقلبي محيلا
«تم الجزء السادس من كتاب الحيوان ويليه الجزء السابع، وأوله القول في أحساس أجناس الحيوان» .
__________
[1] السربال: القميص. المعرد: من التعريد؛ وهو الإحجام. المركب: الأصل والمنبت.
[2] البيتان للفرزدق، وتقدما في 5/109.
[3] الدرء: العوج والميل. الأبيض: السيف. السقاط: السيف يسقط من وراء الضريبة يقدها حتى يصل إلى الأرض بعد أن يقطع.
[4] البيتان في الأغاني 8/48.
[5] المستحصد: المحكم الشديد الفتل.
[6] رقى الشيطان: أراد بها بديع الشعر.
(6/593)

فهرس الجزءين الخامس والسادس من كتاب الحيوان
(6/595)

فهرس أبواب المصحف الخامس
القول في نيران العرب والأعاجم 3
باب آخر، وهو قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
12
جملة القول في الضد والخلاف والوفاق 31
باب آخر أن الصفرة متى اشتدت صارت حمرة 32
جملة من القول في الماء 49
رجع إلى القول في النار 65
باب في مديح النصارى واليهود والمجوس والأنذال وصغار الناس 88
باب من أراد أن يمدح فهجا 90
باب مما قالوا في السر 101
باب في ذكر المنى 105
أجناس الطير التي تألف دور الناس 112
القول في العقارب والفأر والجرذان 134
باب آخر للسنور، فيه فضله على جميع أصناف الحيوان ما خلا الإنسان 154
باب آخر يدّعونه للفأر 163
القول في العقرب 189
باب القول في القمل والصّؤاب 198
باب والبرغوث أسود 206
باب في البق والجرجس والشّرّان والفراش والأذى 214
باب في العنكبوت 218
(6/597)

باب في النحل 222
باب القول في القراد 230
باب القول في الحبارى 237
باب القول في الضأن والمعز 242
القول في الماعز 253
القول في الضفادع 277
ذكر ما جاء في الضفادع من الآثار 283
القول في الجراد 286
القول في القطا 303
ذكر نوادر من أشعار وأحاديث 310
(6/598)

فهرس أبواب المصحف السادس
باب قد قلنا في الخطوط ومرافقها 321
الكلام على الضبّ 337
جملة القول في نصيب الضباب من الأعاجيب والغرائب 344
القول فيمن استطاب لحم الضب ومن عافه 356
القول في سنّ الضب وعمره 375
أسماء لعب الأعراب 390
القول في تفسير قصيدة البهراني 391
باب من ادّعى من الأعراب والشعراء أنهم يرون الغيلان ويسمعون
عزيف الجانّ 405
باب الجدّ من أمر الجن 453
القول في الأرانب 500
باب قال ويقال لولد السبع الهجرس 517
أشعار فيها أخلاط من السباع والوحش والحشرات 517
باب من نذر في حمية المقتول نذرا فبلغ في طلب ثأره الشفاء 542
في باب ذكر الجبن ووهل الجبان 548
في باب الضبع والقنفذ واليربوع والورل وأشباه ذلك 555
باب نوادر وأشعار وأحاديث 578
باب من القول في العرجان 579
أحاديث في أعاجيب المماليك 581
قول في الشّهب واستراق السّمع 585
(6/599)