Advertisement

الدر الفريد وبيت القصيد 001




الكتاب: الدر الفريد وبيت القصيد
المؤلف: محمد بن أيدمر المستعصمي (639 ه - 710 ه)
المحقق: الدكتور كامل سلمان الجبوري
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1436 ه - 2015 م
عدد الأجزاء: 13 (آخر جزئين فهارس)

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الدر الفريد وبيت القصيد

تأليف
محمد بن أيدمر المستعصمي (639 ه - 710 ه)

تحقيق
الدكتور كامل سلمان الجبوري

تقديم
أ. د نوري حمودي القيسي

دار الكتب العلمية
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1/2)

الدُّرُّ الفَرِيدُ وَبَيتُ القَصِيد
[1]
(1/3)

الْكتاب: الدُّرُّ الفَرِيدُ وَبَيتُ القَصِيد
التصنيف: موسوعة شعرية
الْمُؤلف: مُحَمَّد بن أيدمر المستعصمي (الْمُتَوفَّى سنة 710 ه)
الْمُحَقق: الدكتور كَامِل سلمَان الجبوري
الناشر: دَار الْكتب العلمية، بيروت
عدد الصفحات: 6512 (13 مجلدًا)
قِيَاس الصفحات: 17 × 24 سم
سنة الطباعة: 1436 ه - 2015 م
بلد الطباعة: لبنان
الطبعة: الأولى

جَمِيع حُقُوق الملكية الأدبية والفنية مَحْفُوظَة لدار الْكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أَو تَصْوِير أَو تَرْجَمَة أَو إِعَادَة تنضيد الْكتاب كَامِلا أَو مجزأ أَو تسجيله على أشرطة كاسيت أَو إِدْخَاله على الكمبيوتر أَو برمجته على أسطوانات ضوئية إِلَّا بموافقة الناشر خطيًا.
(1/4)

مقدمة التحقيق
(1/5)

الدر الفريد وبيت القصيد (1)
الأستاذ الدكتور نوري حمودي القيسي
عضو المجمع العلمي العراقي سابقًا

الشعر ديوان علم العرب، ومنتهى حكمهم، وإليه يصيرون، فهو علم قوم لم يكن لهم أصح منه، وجدوا فيه حياتهم فعبروا عنها، واستذكروا أيامهم فرجعوا إليه، وضاقت بهم الحياة فسربوا همومها في أبيات وسعت مجالات المعرفة فسجلوا ملاحظاتهم وتجربتهم، ودونوا معارفهم وعلومهم، وحين جاء الإسلام تشاغل العرب عن الشعر بالجهاد، ولما اطمأنوا بالأمصار راجعوا رواية الشعراء، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب فحفظوا أقل وذهب عليهم منه كثير، حتى قيل ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير، ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه قلة ما يبقى بأيدي الرواة المصححين.
وبقيت هذه الحالة ملازمة في كل عصر حتى أصبحنا نفقد في كل مرحلة عددًا من دواوين الشعر أو أقدارًا من الشعر الذي تناثرت أجزاؤه، وتبددت أغراضه، وتاهت بعض مقطوعاته، لأنها لم تقع في إطار استشهاد نافع أو استدلال بلاغي أو استذكار قاعدة. وظلت دواوين الشعراء تخضع لأذواق أصحاب الاختيار الذين تميل بهم إلى التقاط ما يجدونه مناسبًا. وجمع ما يوافق أغراضهم في التأليف واقتطاع ما يرونه منسجمًا مع الحالة التي يريدون الوقوف عليها فجاءت اختيارات المفضل وهي على قلتها تدل على المجاميع الكبيرة التي انتقى منها اختياراته وتؤكد تحكم ذوقه الذي
__________
(1) عن: المستدرك على صناع الدواوين، ط عالم الكتب - بيروت 1419 ه / 1998 م 1/ 265 - 272.
(1/7)

حمله على هذا الاختيار فجاءت موزعة على سبعة وستين شاعرًا، منهم ستة شعراء إسلاميون وأربعة عشر مخضرمون والباقون جاهليون لم يدركوا الإسلام وعلى الرغم من اختلاف عددها الذي وصل إلينا وهو يتراوح بين مائة وست وعشرين قصيدة وما أضيف إليها وهو أربع قصائد وجدت في بعض النسخ فان ثمانين قصيدة منها هي أصل الكتاب ولا بد أن تظل قصائد الشعراء الذين اختيرت لهم هذه القصائد بعيدة عن الاستشهاد، وإذا عمدنا إلى النص الذي رواه صاحب الأمالي بشأن طريقة الاختيار لأدركنا أنها كانت من أشعار المقلين وأنها اختيرت لتأديب الفتيان وأنها تمثل أجود ما عند الشاعر في ذوق المفضل، وقد روعيت فيها خصال الأدب وطبائع الكرم ومآثر الشجاعة ومناقب الآباء وبهذا خسرنا مجاميع من الشعراء لم نظفر فيها إلا بما أورده المفضل وما يقال عن المفضليات يقال عن الأصمعيات والحماسات والنوادر والأمالي والجمهرة والاختيارين ويأتي صاحب منتهى الطلب لينص على ذلك فيقول: ولم أخل بذكر أحد من شعراء الجاهلية والإسلاميين الذين يستشهد بشعرهم إلا من لم أقف على مجموع شعره ولم أره في خزانة وقف ولا غيرها وإنما كتبت لكل واحد ممن ذكرت أفصح ما قال وأجوده حتى لو سبر ذلك على منتقد بعلم عرف صدق ما قلت واخترت هذه القصائد، وقد جاوزت ستين سنة بعد أن كنت قد نشأت ويفعت مبتلى بهذا الفن. وقد أكدت دواوين الشعراء التي صدرت كمية الشعر التي أغنى بها هذا السفر الخالد الشعر العربي وما أضافت تلك القصائد إلى الأغراض الشعرية وما يمكن أن تقدمه إلى دراسة الأدب وتاريخه وما ترفد به حركة النقد وتضيفه إلى الخصائص الفنية.
وفي كل مرحلة من هذه المراحل تختزل مجاميع من الشعراء وتفقد أعداد من قصائدهم ليضيع في ثناياها جهد عقلي وحس وجداني وعاطفة إنسانية وتعبير إبداعي تمخض عن معاناة صعبة استخلص من تجربة قاسية. وقد أجود العلماء الأوائل عقولهم في استنباط العلوم وحفلت المكتبة العربية بتلك الجهود التي ظلت موضع عناية ومنار هداية دهرًا طويلًا يستمد منها الباحثون علومهم وينهلون من مواردها العذبة ما يروي ظمأهم ويغني معرفتهم، ولا تزال أنوار تلك العقول تشع على العالم
(1/8)

وتملأ زواياه بما أفاضت به على الحضارات عطاء خيرًا وعلومًا نافعة أنارت دروب البشرية وأنقذتها من مهاوي الضلال وكرمت الإنسان بما أنعم اللَّه عليه من نِعَم الوفاء وفضيلة التسامح وعزة النفس ولما اتصفت به من تواضع وتميزت به من دقة وعرفت به من أمانة.
وبقيت بعض هذه الكنوز حبيسة المكتبات ورهينة النسيان الذي طوى أفكارها وأخفى علومها ففقدت الأمة من وسائل المعرفة أكداسًا ضخمة وتوزعت أعدادًا كبيرة من هذه الأسفار في أماكن بعيدة فعانت التآليف من غربة المكان واغتراب الصُّحبة وما أوشك أن يطفئ نورها ويضعف قوتها ويفقدها رونقها الذي ظل زاهيًا على امتداد العصور والأزمان. وإذا كانت هناك أعمال جليلة يضطلع بها الرجال المؤمنون بتراث الأمة فإن معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية يقف على رأس المؤسسات الكبيرة التي تقدم في كل يوم مجموعة من النوادر الفريدة والمصادر التراثية المحمودة وبجهود مديره (الدكتور فؤاد سزكين) والعاملين الذين يواصلون العلم ليل نهار من أجل تصوير تلك المخطوطات في سلسلة عيون التراث ليضعوا بين يدي القارئ تلك الفرائد. . ويمثل كتاب (الدر الفريد وبيت القصيد) لمحمد بن أيدمر واحدًا من تلك الكتب التي نهجت نهجًا جديدًا في التأليف وسلكت مسلكًا في الاختيار إذ قال مؤلفه: لم أجهل قول القائل لا يزال الرجل في أمان من عقله وسلامة في عرضه حتى يقول شعرًا أو يؤلف كتابًا فحينئذ عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وما عدوت أن ألفت فاستهدفت وها أنا أعتذر إلى المطلع فيما جمعته والواقف على ما استحسنته فسطرته، من خلل فيه إن وجده أو زلل لم أقصد تعمده.
ثم يقول: ومما لا ريب فيه أن جماعة من الفضلاء وأعيان الكتاب والأدباء سبقوا إلى ترصيع ما وضعوه وتزيين ما ألفوه وجمعوه بلمع من جواهر الأبيات الأفراد المتداولة في التمثيل والاستشهاد إلَّا أنهم لما رأوا مرامها بعيدًا وتحصيلها صعبًا شديدًا أحجموا عن الإيغال في الإكثار من إثبات أبياتها وقصرت عزائمهم عن الانتهاء إلى غاياتها لأنها قليلة جدًا معدودة عدًا ولا تكاد تضاد إلَّا في النادر من ألفاظ الرجال أجاد الأمثال فأما أنا فإنني أنفقت على ابتغائها بضعة من أعوام العمر وأنفذت في
(1/9)

إحصائها ومن جرّائها معظم الصبر، ورجوت بذلك جزيل الأجر وجميل الذكر واستخرت اللَّه جلّ اسمه وألفت هذا الكتاب ووسمته بكتاب "الدر الفريد وبيت القصيد" وأرسلت فيه عشرين ألف بيت فرد قائم في ذاته شرود فذّ محكم محرّر مضبوط منقح محكّك محتو على شروط فصيح اللفظ صحيح المعنى وافر التشبيه جيد الكتابة مستول على أساليب الحسن والجمال مشتمل على أوصاف التمام والكمال منتخب معد لمبتغيه قابل لكل معنى يصاغ فيه وقفيته على حروف المعجم اقتداء بمن سبق من المؤلفين وتقدم في كتب اللغة والأحاديث والطب والتواريخ وهو أن نراعي حروف أول الكلمة من البيت المفرد فنورده في بابه على ترتيب حروف أب ت ث في أوائلها ليسهل طريق الطلب على متناولها ثم نراعي ما يترتب من حروف بعد ذلك حرفًا حرفًا فيقدّم ما هو مقدّم ما أمكن حذرًا من التكرار وليؤمن حتى نأتي على الأبواب الثمانية والعشرين على هذا النسق المبين. لأن البيت قلما يقع إلينا أبدًا إلا عازبًا شرودًا مفردًا ولا بد من إثباته من ضابط يمنع من التكرير فرتبناه على هذا النظام والتقرير سوى ثلاثة أحرف هن من باب الألف أحدها ما أوله الحمد للَّه فإنا نبدأ به في صدور الأبيات ونستفتح به أوائل كتاب الأفراد السائرات وذلك لما وقع الإجماع عليه من تقديم الحمد في النطق وكما ندب إليه. وثانيهما ما أوله اللَّه جلّ جلاله فإنه قد جاء تلوه إذا كان الحمد والشكر كله له وثالثهما ما أوله أستغفر اللَّه فإنا سنورده في آخر الأبواب وسنأتي به خاتمًا لأبيات هذا الكتاب إن شاء اللَّه.
وفي خاتمة كل حرف ينتهي منه يقول مثلًا. . . كملت عدة أبيات حرف الخاء المعجمة من فوق نقطة واحدة مائتان وثمانون بيتًا في كراسين وأربع قوائم ووجهة هي هذه.
أو تكملت عدة أبيات حرف الحاء المهملة مائتان وستة وستون بيتًا عدا الحاشية وذلك في كراس واحد ووجهة هي هذه والحمد للَّه والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه أجمعين.
ويمكن اعتبار هذا النوع من التأليف متميزًا في بابه لأن كتب الاختيار الأولى
(1/10)

كانت لها مناهج أوضحتها في صدر تأليفها. . فالمفضل له منهجه والأصمعي سار على طريقته وصاحب الاختيارين سايرهما في الجمع. والحماسة لها أسلوبها الذي أوضحه أبو تمام ومن جاء بعده وتبقى ظاهرة جمع أشعار الشعراء أفرادًا وقبائل نهجًا آخر. أما جمع الأبيات المفردة التي اعتمدت أبياتًا للاستشهاد اللغوي فقد أخذت طريقًا آخر لأنها جاءت لتأكيد قاعدة، وقد امتد هذا التأليف إلى عصور متأخرة أعقبتها شروح تجاوزت أبيات الشواهد إلى بيان سابق الشاهد ولاحقه إن وجد أو إيراد القصيدة التي منها الشاهد وتفسير المفردات والكشف عن معنى الأبيات اعتمادًا على من سبق من العلماء ناقلين عنهم بدقة وأمانة ناسبين الفضل إلى أهله. وقد قدمت هذه الكتب مادة أدبية وبلاغية ونقدية غزيرة وتراجم ثرة فكانت أقرب إلى كتب الموسوعات منها إلى كتب الشواهد وفي شرح شواهد المغني للسيوطي وشرح أبيات مغني اللبيب والخزانة للبغدادي صورة لهذا التوسع في المعرفة والاستيفاء لما قدمته من معلومات لم ترد إلا فيها وقد اعتمدت هذه الكتب على مكتبات ضخمة نادرة قلما توفرت لغيرهم من العلماء. . .
وكتاب (الدر الفريد وبيت القصيد) يمثل تقدمًا على تلك الكتب لأن صاحبه اختار الأبيات المختارة والمنقحة التي تحتوي على فصيح اللفظ وصحيح المعنى والمستولي على أساليب الحسن والجمال والمشتمل على أوصاف التمام والكمال. .
يقدم المؤلف لكتابه بمقدمة تصل إلى مائة وأربع وثمانين صفحة من الكتاب يتحدث عن البيان وفصاحة لسان العرب والحكم التي بأطراف ألسنتهم معقودة وأشار إلى أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سمع الشعر وأنشد في مسجده واستشهد به، ثم انتقل إلى الحديث عن طبقات الشعراء وتقسيم الشعر إلى أربعة أضرب، ووقف عند أسباب الشعر حتى إذا خلا من واحد منها كان كالحيوان الذي عابه نقص في خلقته وشَانَه فقد شيء من أعضاء صورته أولها فصاحة اللفظ وإبداع المعنى ويستطرد في ذكر النماذج للتدليل على فصاحة اللفظ. أما إبداع المعنى فهو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لم يسبق إليه قد اخترعته فطنته وابتدعته قريحته ثم يذكر أصناف البديع كصدق التشبيه ومشاكلة التجنيس ومباينة التطبيق ووقوع التضمين ونصوع الترصين وصحة التقسيم
(1/11)

وموافقة التوجيه وحلاوة الاستعارة ولطف المخلص ونظافة الحشو والترديد والتصدير وتأكيد الاستثناء وكمال التتميم والإغراق في الغلو وموازاة المقابلة ووقوع الحافر على الحافر وسهولة التسهيم ودلالة التتبيع والوحي والإشارة وتكريرها وبراعة الابتداء وتمكين القوافي والملاءمة بين صدر البيت وعجزه ثم يباشر بشرح الأصناف مستدلًا عليها بنماذج شعرية، وقد حفلت الهوامش بفوائد جليلة وشواهد مضافة وتعليلات غنية وتفسيرات متممة تغني المتن بمنافعها وترفد المصطلحات باستشهادات لشعراء من عصور مختلفة وآراء جديدة حديثة عن هذه المصطلحات وهو يذكر كتبًا وينقل عن علماء ويستشهد بآراء المبرد وصاحب كتاب محك الفهم ومعيار النظم وأبي العيناء والحاتمي والأصمعي وثعلب وقدامة بن جعفر أما أدوات الشاعر فيفرد لها جانبًا من المقدمة لاعتقاده بأن الشاعر لا غنى له عنها ومتى أعوزه شيء منها نقض شعره انحط قدره. وطبقات الشعراء متفاوتة بحسب مراتبهم من الأدوات والآلات. ويعقب عليها بأقسام الأدب ليكون النحو أولها لأنه قوام اللسان وميزان البيان ورونق الإشارة وزينة النطق والعبارة ولغة العرب التي لا يستقيم الشعر إلّا بها فهي مادة الشاعر والعروض ليعرف به موزون الشعر من مخرومه وخارجه من مطبوعه ثم الإكثار من حفظ الأشعار ليكون حجة ويقف عند صحة الانتقاد لأنّها صناعة غير صنعة نظم الشعر وهي أصعب منه فقد قيل إن نقد الشعر أشدّ من قوله وعمله، وقد يستسهله جاهل بعلمه مغرور بمطاوعة طبعه في نظمه.
وقد أجمع العلماء البلغاء والفضلاء والأدباء على استصعابه حتى لقد كان الفحول من الشعراء ينظم أحدهم القصيدة في سنة كاملة ويفتخر بذلك ويمُنُّ به على الممدوح فيقول جئتك ببنت حولها وهذه من الحوليّ المنقح وصنعة نقد الشعر غير صنعة نظمه. . . ويأتي على نماذج من انتقد عليه الشعر. . . وفي كل باب من هذه الأبواب يحاول المؤلف اختتامها بعبارات توحي بأنه اختصر مخافة الإطالة والإسهاب ويؤكد أن الشرط في هذه المقدمة الاختصار ويفصل بين المدح والشكر فالمدح وصف الخلال والشكر وصف الفعال ثم يستشهد بنماذج شعرية للمدح والشكر ثم يفصل بين المختلق ثم يذكر الفروق بين الولع والهمز والترجيح بين اللّوم والعتب والفرق بين
(1/12)

الهز والاستزادة والتصارف بين الفصل والاعتذار والحدّ بين التقاضي والإذكار ثم يذكر السرقات والتفاوت بين أنواعها ويعلل ذلك بأن كلام العرب ملتبس بعضه ببعض وآخذ أواخره من أوائله والمبتدع منه والمخترع قليل يقسمها إلى ثلاثة ضروب. ضرب أجمع الأدباء من علماء الشعر ونُقّاد الكلام على استحسانه وتسويغه وتجويزه ومسامحة الشاعر فيه ويفصل في هذا وضرب قد استعملته العرب مجازًا وتوسعًا وعزفت عنه أنفس الشعراء الفضلاء والمفلقين الأدباء فلا يوجد في أشعارهم إلا نادرًا ولا يستحسن منهم الإتيان بمثله.
وضرب يستحق معتمده عليه الضرب بل القطع لافتضاحه بشنعة السرق وقبيح الأخذ والإفساد فيه. . .
ويعدد فضائل الشعر لأنه أولى ما تحلّى به الكريم وأحلى ما تمثل به العليم يدل على غزارة المروءة ويزيد في الوداد والأخوة والبسطة والقوة وصناعة بارعة من أدوات الفتوة كما قال عبد الملك بن مروان للحجاج بن يوسف في أول مقدمه إلى العراق أجز الشعراء فإنهم يحيُّون مكارم الأخلاق ويحضون على البرّ والسخاء.
ويغني المؤلف بعض حواشي الكتاب بفوائد جليلة لغوية وأدبية وتاريخية. فيذكر أخبارًا عن أبي منصور موهوب بن الخضر الجواليقي اللغوي البغدادي عن تسمية الشهر والهلال وأسماء المشهور وتسميتها وإذا استهواه بيت من شعر أورد ذكر القصيدة كاملة كما صنع في قصيدة ابن الفارض (1).
شربنا على ذكر الحبيب مدامةً ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
وفي قصيدة أبي الحسن علي بن محمد التهامي التي يرثي بها ولده (2).
وينقل أقوال الحكماء إذا وجد فيها توضيحًا لمفردة أو شرحًا لمعنى أو تفصيلًا في
__________
(1) مخطوط الدر الفريد 4/ 30.
(2) مخطوط الدر الفريد 4/ 46.
(1/13)

شرح بيت (1) وإذا استشهد ببيت هُدْبة بن الخشرم:
عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه ... يكونُ وراءهُ فرجٌ قريبُ
قال: قال أبو بكر الأنباري: قرأت على أبي لهُدْبة بن الخشرم قالها وهو في سجن وفي هامش آخر يقول شبه عسى بكاد يريد كاد الكرب الذي. . .
ويأتي على ذكر القصص والأخبار والأيام ليفسر بعض ما ورد في الأبيات من معاني. ويستطرد في ذكر الأخبار التاريخية. .
وإذا جاء على بيت من قصيدة من المفضليات ذكر أخبارًا عن صاحبها ومناسبة ذكر القصيدة ورواية خبرها ثم يذكر القصيدة وهو يقدم لها بقوله: وهي اختيار المفضل (2).
وإذا ورد بيت لحاتم الطائي ذكر حاشية وقال: قصيدة حاتم إنشاد هشام بن محمد بن السائب الكلبي ذكرها كاملة وفي نهايتها يذكر تمت القصيدة وعدتها سبعة وثلاثون بيتًا (3).
وحين يذكر بيتًا لعبد اللَّه بن الدمينة يذكر القصيدة وفي آخرها يذكر عدة الأبيات وهي ثلاثة وأربعون بيتًا (4).
ويكثر المؤلف من الحديث عن الأمثال الواردة مع شروحها وما يذكر من قصص. والكتاب يتكون من ثلاثة أجزاء يضم الجزء الأول القسم الأول والثاني ويقع في أربعين كراسًا، وقد نجز الجزء الأول في غرة ربيع الأول من سنة ثلاث وتسعين وستمائة. . . أما الأجزاء الأخرى فقد تمت بعد ذلك.
__________
(1) الدر الفريد 4/ 48.
(2) الدر الفريد 4/ 246.
(3) الدر الفريد 4/ 247.
(4) الدر الفريد 4/ 269.
(1/14)

إن هذا السفر الخالد يقدم لنا مجموعة شعرية تغني عددًا من الدواوين وتستدرك عليها بما لم يتوفر في المصادر التي اعتمد جامعوها عليها. . .
وهي إضافة تترك الباب مفتوحًا أمام المحققين الذين يأخذون أنفسهم بهذا العلم ويرصدون المصادر ليجدوا فيها ما يكمل بعض ما وقفوا عليه. . . واللَّه نسأل الرحمة والمغفرة.
* * *
(1/15)

فَرادةُ الدر الفريد (1)
الأستاذ الدكتور محمد حسين الأعرجي

واسم الكتاب كاملًا هو: "الدرّ الفريد، وبيتُ القصيد" وهو من تأليف محمّد بن أيْدَمر.
وهو كتابٌ فريدٌ في التمثّل الشعريّ، ولكن لا أستطيع أن أقول: إنّه كتاب مختاراتٍ، على الرغم من أنَّه ضمَّ طائفةً من عيون الشعر العربيّ.
وقلتُ: إنّني لا أستطيع أن أصنّفه ضمن كتب المختارات؛ لأنَّ مؤلّفه سلك منهجًا في الاختيار لم يُسبَق إليه. ذلك أنَّه صنّف كتابه على حروف الهجاء، فألزم نفسَه أن يذكر البيت على وفق الحرف الذي يبدأ به، من الألف إلى الياء خاتمًا كتابه بالأبيات التي تبدأ ب "أستغفر اللَّه. . . " وكأنّه يستغفر لما تقدَّم من ذنبه أن أضاع شيئًا من عمره في تأليف مثل هذا الكتاب، وليس في العبادة.
وإذا كانت فكرةُ أبيات الاستشهاد غير جديدة: إذ أنّنا نعرف من قبلِه كتاب "أبيات الاستشهاد" لأحمد بن فارس الذي حقّقه المرحوم الأستاذ الدكتور عبد السلام محمد هارون ضمن ما حقَّق من "نوادر المخطوطات" فإن منهج ابن أيدمر يختلف عن منهج ابن فارس صاحب "المجمل في اللغة" من وجوه مما يجعله منهجًا جديدًا هي:
أنَّه كان يهم ابن فارس أن يُدوّن ما رآه في عصره مما يستشهد به الناسُ من شعرٍ، فاكتفى بتدوين رسالةٍ صغيرةٍ ربّما يستعينُ بها محقُقو كتب الأمثال على ما يرد في تلك الكتب من شعرٍ يتمثّل به الناس.
__________
(1) عن: في الأدب وما إليه، ط دار المدى - دمشق 2003 م، ص 273 - 289.
(1/16)

ورسالةُ ابن فارس بهذا المعنى لا تعدو أن تكون فصلًا صغيرًا جدًا من فصول كتب الأمثال من مثل: كتاب "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" لحمزة بن الحسن الأصفهاني، و"الأمثال المولّدة" لأبي بكر الخوارزمي، و"جمهرة الأمثال" لأبي هلال العسكري، و"مجمع الأمثال" للميداني، وسواها من الكتب التي تأخّرت عنها.
أمَّا كتابُ ابن أيدمر فهو يكاد يكون موسوعةً شعريّة في بابه. مما سأفيض في الحديث عنه.
وإذا كان أقصى همُ ابن فارس أن يُثبت البيت كما روي دون أن يهمه تقصّي نسبته، فإنَّ ابن أيدمر على خلاف هذا تُهمّه نسبة البيت فإن ذُكر أنه يُنسب لأكثر من واحد ذكر ذلك، وفصله.
ووجهٌ آخر هو أنّ ابن فارس كان يذكر البيت مُفردًا، أمَّا ابن أيدمر فقد كان يهمّه أن يُثبت -حيثما تسنّى له ذلك- أكبر عددٍ من أبيات القصيدة التي ورد فيها البيت المستَشهد به.
وبجملة واحدة فإن كتاب "الدر الفريد" لا يشبِه لا "أبيات الاستشهاد" لابن فارس، ولا "أعجاز الأبيات" للمبرِّد.
وأجيء الآن إلى الكتاب فأقول:
إنّه يقع في خمسة أجزاء ما تزال مخطوطة كتبت بخطِّ المؤِّلف نفسه. وهو خطٌّ نسخيٌّ على درجة عالية من الجمال والضبط، وتستغرق هذه الأجزاء الخمسة أكثر من ألف ورقةٍ قليلًا، أي أكثر من ألفي صفحة. وقد أصدره -كما هو- الأستاذ العلّامة الدكتور فؤاد سزكين سنة: 1988 عن "معهد تاريخ العلوم العربية والإِسلامية في إطار جامعة فرانكفورت" بألمانيا.
وعقد المؤلِّف أغلب الجزء الأول من كتابه على مصطلحات البلاغة العربية من حيث هي مصطلحاتٌ جوفاء ميتة كما آلت إليه عند المتأخِّرين من أمثال السكّاكي، والتفتازاني، وعلي بن حمزة العلويّ، وسواهم، وليس كما كانت عند الجاحظ،
(1/17)

وابن المعتز، وعبد القاهر الجرجاني، وسواهم.
وإذًا فهذا الجانب البلاغي في الكتاب ليست له قيمةٌ إلَّا بمقدار ما يُمثِّل ما صارت إليه الثقافة النقدية من حال في القرن السابع الهجري.
وإذ انتهى من هذا الجانب البلاغيِّ العقيم شرعَ في سرد موسوعته الشعرية التي امتدّت من العصر الجاهليّ حتى القرن السابع الهجري، فكانت طريقتُه أن يسرد أبيات الشعر على الحروف الهجائية معتمدًا بدايات هذه الأبيات، وليس نهاياتها مراعيًا في سرد حرف الهجاء الذي يبدأ فيه ما يليه من حروف كأن يسرد حرف الألف فيبدأ ب: أأ، أب، أت، أث، أج، . . . ولكنّه خرج عن طريقته هذه في حرف الألف فبدأ بالأبيات التي أولها:
"الحمد للَّه"، ثم الأبيات التي تبدأ ب: "اللَّه"، وكأنَّه لا يريد أن يُقدِّم على اسم الجلالة وما يتّصل به من المعاني الدينية شيئًا آخر.
ولم يكن المؤلِّف غافلًا عن هذا، أو مبتدعًا له، وإنّما كان يتّبع ما درج عليه المؤلّفون في عصره، وقبله، وبعدَه من بدئهم -إذا ألّفوا في التراجم مثلًا على حروف الهجاء- بمن اسمُه محمَّد خروجًا على الترتيب الهجائي تيمَّنًا باسم الرسول الأعظم، وإكرامًا له أن يتقدَّم على اسمه اسمٌ آخر لا لشيء؛ إلَّا لأنّه يبدأ بالألف، وقد سار على هذا النهج الحُميدي في "جذوة المقتبس"، والصفدي في "الوافي بالوفيات" وعشراتٌ غيرهما إن لم يكن مئات.
وإذًا فقد كنّا ننتظر من المؤلّف أن يبدأ في حرف الألف -على سبيل المثال- بقول الشاعر الذي ذكره هو (1) بيتًا ثانيًا من الأبيات التي اختارها:
أآخر شيءٍ أنتِ في كلِّ هجعةٍ ... وأوِّلُ شيءٍ أنتِ عندَ هبوبي؟
فلم يفعل إلَّا بعد أن انتهى من الأبيات التي زانها اسمُ الجلالة كما سبق أن ذكرت. ثم تدرج في ذكر الأبيات على حروف المعجم جميعها إلى أن انتهى منها،
__________
(1) الدر الفريد - المخطوط 1/ 195.
(1/18)

فرجع إلى الألف يختم تأليفه بقول القائلين -كما أسلفت- "أستغفر اللَّه. . . ".
وعلى أن الكتاب قائمٌ على سرد الأبيات التي تبدأ بهذا الحرف أو ذاك، وهو يكتفي بأن يسرد في المتن عادةً بيتًا واحدًا للشاعر لا أكثر، إلا أن قيمته لا تتأتّى من هذا السرد وحده في المتن، وإنّما من حواشي هذه المتون؛ فقد اعتاد المؤلِّف أن يذكر البيت في المتن ثم يضع إلى جنب قافيته كلمة "حاشية" فيتفنَّنن في رسمها بحيث يُحيلك إلى موضع الحاشية من كتابه وتكون مكتوبة عادة بخطٍّ رقيق، دقيق ليضيف في الحاشية بقيَّة أبيات القصيدة، فإن لم يفعل أضاف إليه أبياتًا؛ فإن لم يعرف كتب في نهاية قافية البيت كلمة: "بعدَه" ليضيف الأبيات التي بعدَه، أو كلمة "قبلَه" ليضيف إليه الأبيات التي قبلَه، وقد يُضيف في أحيانٍ بيتًا واحدًا.
ولئلا يلتبس الأمر على القارئ الكريم أجدني مطالبًا أن أضرب له مثلًا على ذلك فأقول:
قال المؤلف ابنُ أيْدَمر (1): "خُليد مولى العباس بن محمد:
أطعتِ الآمريكِ بصرمِ حبلي ... مُرِيهمْ في أحبَّتهمْ بذاك"
ثم قال: حاشية، أبيات خليد أولها:
أما والراقصات بذات عِرقٍ ... ومن صلَّى بنعمان الأراكِ
لقد أضمرتُ حبَّكِ في فؤادي ... وما أضمرتُ من حبٍّ سواكِ
أطعت الآمريك: البيت، وبعدَه:
فإنْ همْ طاوعوكِ فطاوعيهمْ ... وإن عاصوكِ فاعصيْ من عصاكِ
عرضتُ بحاجتي فَنَبَوْتِ عنها ... وما أَنْبُو لحاجتكم كذاكِ"
وبهذه الطريقة أورد المؤلِّف في المتن وحدَه ما يقرب من عشرين ألف بيتٍ كانت في طائفةٍ منها من نفائس الشعر العربيِّ.
فإذا قدَّرتَ أنَّ ما أورده في حواشيه مُعدَّلُه عشرون بيتًا -هو تقديرٌ اعتباطيٌّ-
__________
(1) الدر الفريد - المخطوط 2/ 156.
(1/19)

استقام لك أن تقول: إنَّ الكتاب احتوى على أربعمائة ألف بيت، وتهيَّأ لك أن تدرك مقدار الثروةِ التي ضمَّها هذا الكتاب.
وبهذا كان من شأن قارئ الكتاب أن يستدرك على كثيرٍ من صُنّاع الدواوين ما فاتهم من أشعار أولئك الشعراء الذين صنعوا دواوينهم، من مثل: ديك الجنّ، وأبي عليَّ البصير، وأبي هفّان، وابن أبي طاهر، ويحيى بن عليّ المنجم، وعلي بن محمد الحمّاني، وسابق البربري، وأبي دُلف العجليّ، ومحمد بن بشير الخارجي، ومحمد بن حازم الباهلي، وابن لنكك البصري، وعشرات غيرهم (1):
على أن قيمة الكتاب لا تتأتّى من هذه الثروة وحدها ففي كتب الاختيارات ابتداءً بحماسة أبي تمام وانتهاءً بجمهرة الجواهريّ ما هو من نفائس الشعر العربى، ومن عيونِه، وإنّما تأتي قيمتُه من أنَّ كلَّ كتب الاختيارات لا تُغني عنه. بل إنّه إذ يعتمد "الحماسة" لأبي تمام يدلك في اعتماده أنّ الذي بين أيدينا منها ليس هو ما تركه أبو تمام تمامًا: فقد كان بين يدي المؤلّف من كتاب أبي تمام شيءٌ أوفى مما هو بين أيدينا اليوم.
وإذا شئت أن أضرب لك مثلًا على ذلك أحلتُك تمثيلًا لا حصرًا على ما أورده أبو تمام في "الحماسة": برواية الجواليقي، طبعة وزارة الإعلام العراقية (2)، وعلى قول كتابنا (3)، لتجد أن الذي نقله مؤلفنا عن "الحماسة" يزيد على ما في المطبوع.
قال أبو تمام في حماسته: "وقال آخر:
وأَعرضُ عن مطاعمَ قد أراها ... فأترُكُها وفي بطني انطواءُ
فلا وأبيك ما في العيشِ خيرٌ ... ولا الدُّنيا إذا ذهبَ الحياءُ
__________
(1) ينظر لكاتب هذه السطور مقالته "مما أُخلَّت به الدواوين" في مجلة "العرب" ج 3، 4 س: 34. كانون الثاني شباط: 1999، وما بعده.
(2) حماسة أبي تمام 339.
(3) الدر الفريد - المخطوط 5/ 231.
(1/20)

يعيشُ المرءُ -ما استحيا- بخيرٍ ... ويبقى العودُ ما بقيَ اللحاءُ"
فزاد ابنُ أيدمر على ما قال بيتين هما:
"إذا لم تخشَ عاقبةَ الليالي ... ولم تَستَحي فافعلْ ما تشاءُ
وكُلُّ شديدة نزلت بقَومٍ ... سيأتي بعدَ شدّتِها رخاءُ"
ويمكنني أن أحيلك على الصفحة: 31 من "الحماسة" وعلى الصفحة: 342 من الجزء الخامس من كتابنا لتجد أن المطبوع من "الحماسة" قد نسب مقطعة الرثاء الرائية الرائعة التي مطلعها:
أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لكِ الويلُ، ما هذا التجلّدُ والصبرُ؟ !
والحقُ أنَّ نسبة الأبيات الرائية إلى يحيى بن زياد ليست بغريبة؛ فقد روى أبو تمام نفسُه على الصفحة: 24 - 241 مُقطعة عينيَّة لا تقل عن أختها الرائية روعةً ليحيى في رثاء أخيه عمرو؛ ورواها أيضًا ابن الأعرابيِّ معاصر أبي تَمام على الصفحة: 53 من كتابه: "مقطعات مراث" له.
وليس من همِّي أن أُفاضل بين النِّسبتين، وإنَّما أردتُ أن أنبِّه.
وكما نقل عن "الحماسة" نقل عن كتب أخرى لا نعرف منها اليوم شيئًا، ولم تعرفها المصادر التي سبقته من مثل: "شُعلة القابس" لابن دُريد (1)، و"الرسالة الباهرة" لأبي عليّ الحاتمي (2)، ومن مثل: "زهرة الرياض وأُنس القلوب المراض" للوشّاء (3)، و"ديوان الإمام علي بن أبي طالب" برواية محمد بن عمران
__________
(1) الدر 3/ 365، وتنظر مؤلفات ابن دريد في مقدّمة كتابه جمهرة اللغة 1/ 908، الطبعة الهندية، وفي مقدمة كتابه الاشتقاق: 15 - 21.
(2) تنظر مؤلفات الحاتمي في حلية المحاضرة 1/ 77 - 78، بتحقيق الدكتور جعفر الكتاني، وينظر ذكر الكتاب في الدر 5/ 105.
(3) تنظر مؤلفاته في معجم الأدباء 17/ 133 طبعة دار المأمون، وقد ذكر ابن أيدمر الكتاب في السابق 2/ 207. =
(1/21)

المرزباني؛ إذ لم يذكر أحدٌ هذا الديوان في مؤلِّفات المرزباني (1) ونقل أيضًا عن كتب قريبة من عهده لا أظنُّ أنّنا نعرف عنها شيئًا من مثل: "تحفة الكبراء في تراجم الشعراء" (2) لابن الشعّار الموصلي. وقد يكون نقل عن كتب أخرى لم أتنبَّه إليها أثناء القراءة.
وكما كان ينقل من هذه الكتب كان ينقل من خطوط علماء معروفين مشهورين من مثل العالم اللغوي صاحب كتاب "إصلاح المنطق" ابن السكّيت، والمترسِّل الكبير أبي إسحاق الصابي، والخطيب الأجلّ الإمام علي بن أبي طالب، وابن شمس الخلافة صاحب كتاب "الآداب" المطبوع، وكتاب "الشعر" الذي ما يزال مخطوطًا، والمرزباني صاحب "الموشح" و"معجم الشعراء" و"المقتبس"، ونقل عن خطوط غير أولئك العلماء.
وتأتي قيمة الكتاب أيضًا من أنَّه عرَّفنا بشعراء ما كنتُ أنا -ولا أزعم أن الآخرين مثلي- لأعرفهم من مثل: شمس الدين الواعظ الكوفي، وخيار بن نجاح، والظفري البغدادي -وهو حمّال أميٌّ- وأبي الجاه البطائحي، وابن الفُريْريجة، والصراف اليزدي، وابن لقمان النسفي، وابن البياضي، ومحمد بن شبل، وهو شاعرٌ بغداديٌّ تلفت شاعريته النظر، والبيذق الشيباني، والكادوشي، واليعقوبي وهو من أحفاد الوزير يعقوب بن داود، والصارم، وناصر بن منصور الغزالي، وسواهم.
__________
(1) تنظر جريدة مؤلفاته في معجم الأدباء 18/ 272؛ وفي مقدمة الأستاذ فرّاج محقق كتابه معجم الشعراء: ب. د.
(2) ينظر الدر 5/ 535، ومن مؤلفات ابن الشعار التي وصلت إلينا مخطوطة كتابه: "عقود الجمان في شعراء هذا الزمان". وقد وصل إلينا مفقودًا منه جزآن هما، الثاني والثامن. ينظر الشعر العربي في العراق من سقوط السلاجقة حتى سقوط بغداد: 9، عبد الكريم توفيق العبّود. وزارة الإعلام، بغداد 1976 [قام بتحقيقه مؤخرًا كامل سلمان الجبوري وصدر عن دار الكتب العلمية في 2005 م/ 1426 ه].
(1/22)

ومن فوائد هذا الكتاب أن يروي لك من المعلومات ما هو مختلفٌ عمّا تتداوله المصادر، وسأكتفي بمثلين اثنين منها، أوّلهما ما قاله السيوطي في "بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة" (1) عمّن أسماه: "مكي بن ريان بن شبَّة. . . الماكسينيّ الضرير. . . أبو الحرم" إذ هو في كتابنا: "أبو الحزم مكي بن زبّان بن شَبَهٍ الماكسُ الضرير" وشتّان بين من مهنتُه المكسُ (أي: استيفاء الضرائب) وبين من هو من قرية بني تغلب: "ماكسين".
وبعيدٌ جدًا -لولا التصحيف- الذي بين "الحرم" و"الحزم". فالمظنون في أبٍ يُكنّي ابنَه، وفي رجلٍ يُكنّي نفسه أن يكون أبا الحزم، لا أبا الحرم؛ لأنَّه إن كُنِّي بأبي الحرم -بفتح الحاء والراء- استكبر المسلمون ذلك واستنكروه؛ لأنَّ الحرم هو الكعبة المشرَّفة، وإن كنّاها بأبي الحُرم -بضمِّ الحاء وفتح الراء- كان أوَّل من يتمنّى في العرب أن تكون ذريته من النساء، وذلك مما لم يقل به أحدٌ من العرب من يوم وأد البنات إلى يومنا هذا. هذا وليس في التكنّي بالحرم مهما قلبتَ من حركات الحاء والراء منها -لولا أشياء غريبة يسيرة- من يرضى أن يتكنّى بها من العرب.
وإذ جعل السيوطي وفاته سنة: 603 جعلها صاحبنا سنة: 563. ولا أعرف حتى هذا اليوم الذي أكتب فيه إن كان السيوطيّ قد قال ما قال أم أنَّ المحقِّق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم قد قوَّله.
أقول هذا لأنَّ السيوطي نقل عن ابن المستوفي الأربلي في تأريخ أربل (وتسمّى: أربيل اليوم)، وابنُ المستوفي ثقةٌ من الثقات، فهل صحّف؟ هذا وقد حقَّق تأريخه السيد سامي الصفّار، وطبع في بغداد.
أما المثل الثاني فهو أنه تكاد تُجمع المصادر على تلقيب أبي بكر الخوارزمي بالطَّبَرْخَزي نحتًا من طبرستان التي تزعم المصادر أنّ أصله منها، ومن خوارزم التي نشأ فيها (2)، ونجد في هذا الكتاب أنَّه الطَّبَرْخَزْمي، وليس الطبرخزي،
__________
(1) بغية الوعاة 2/ 299.
(2) ينظر ما قدمتَ به تحقيقي لكتابه: "الأمثال" ط 1، الجزائر: د.
(1/23)

والطبرخزمي أقرب إلى قواعد النحت في العربية من سواه.
على أنّ كلَّ هذه الفوائد لم تعصم المؤلِّف أن يقع في تصحيفات وتحريفات يعجب المرءُ معها أن كيف يقعُ مؤلِّفٌ بمثلِ مكانته فيها؟ حتى لكأنّه يريد أن يُقنع من لا يريد أن يقتنع بأنّ النقص من طبيعة البشر. وإذا كان لا بد من أمثلةٍ فهي من قبيل أن يُسمي أبا دلف العجلي: القاسم بن عدي (1)، ويعرف الناس جميعًا أنَّه القاسم بن عيسى، ومن مثل أن يُسمّي المثقب العبدي في 3/ 225، وكرر ذلك في: 4: 225 "المنقب"، ومن مثل أن يتحرف على قلمه العلويّ الحِمّاني في 3: 50 على الجُهني، والحكم بن قنبر في 4/ 285 على الحكيم، ويزيد بن خذاق في 5/ 371، و 386 من الجزء نفسه على: يزيد بن حذاق، وهكذا مما قد يكون فات عليَّ.
والكتاب بعد كلِّ هذا ليس كتاب شعر وحده ففيه من الفوائد التأريخية، واللغوية، والعروضية، شيءٌ كثيرٌ، وفيه من أمثال البغداديّين، ولغتهم المولّدة أشياء نافعةٌ طريفة.
وقلتُ: إنَّ في الكتاب فوائد تأريخية، وآن لي أن أخصَّ فائدةً من هذه الفوائد بحيث فأقول:
دأبَ كثيرٌ من الباحثين على اتّهام الوزير مؤيِّد الدين بن العلقمي بالتواطؤ مع المغول على سقوط بغداد بأيديهم سنة: 656 ه حتّى أدى ذلك إلى مطارحات دارت على صفحات مجلة "العربي" الكويتية -في أواخر الخمسينيات إذا صدقت الذاكرة- بين العلّامتين الجليلين الراحلين: الدكتور مصطفى جواد، والشيخ محمد رضا الشبيبي، وحتّى ألّف الشيخ محمد الشيخ حسين الساعدي كتابه: "مؤيِّد الدين بن العلقمي".
وإذًا فمسألة ابنُ العلقمي مسألةٌ شائكةٌ، وقد تكون أسطورية إلى الدرجة التي يُراد فيها منّا أن نصدِّق بأنّه حلق رأس غلامٍ له وكتب عليه رسالةً، ثم انتظر أن يطول
__________
(1) ينظر: الدر الفريد 3/ 263.
(1/24)

شَعرُ رأسه ليبعث بالغلام إلى هولاكو، فيحلق رأسه ليقرأ الرسالة التي تدل على فجوات بغداد التي يسهل عليه أن يحتلها من خلالها (1).
ومع كلِّ هذه الأساطير التي يكفي أن يُكذِّبها إن لم يكن يضحك منها شيءٌ واحدٌ هو أنَّه لم يزعم أحدٌ حتّى اليوم أن هولاكو كان يعرف العربية، تجد أنّ كثيرًا من المؤرخين العرب، وأشباههم يقرِّرون خيانة ابن العلقمي على أنّها شيءٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وأقول: إنّه لم يكن يعرف العربية وأترك لك تقدير نوع الحبر العبقري الذي كتب به ابنُ العلقمي رسالته بحيث لم تؤثِّر فيه الموسى التي حلق بها الحلّاق البارع هولاكو، أو أحدُ أعوانه من الحلّاقين الماهرين رأس هذا الغلام المسكين، فاستطاع أن يقرأ الرسالة! ! ! وأترك لك أشياء أخرى من قبيل ما يستوعبه قحف الرأس من رسالة مكتوبة بخطٍّ واضحٍ مقروء، ومن قبيل أمثاله.
ومع كلٍّ هذا فالمؤرخون مُصدِّقون بحسِّهم التأريخي أو بحسٍّ آخر أنَّ بغداد سقطت بخيانة ابن العلقمي لخليفته المستعصم باللَّه، ولكنّنا نجد عند صاحبنا ابن أيْدَمر ما يُناقض هذا التصديق.
* * *

محمَّد بن أيدمر (2):
هو فلك الدين، أبو نصر، محمد بن سيف الدين أيدمر بن عبد اللَّه المستعصي.
الأمير، الكاتب، الأديب من أبناء الأمراء، الأعيان العظماء (3).
__________
(1) ينظر مؤيد الدين بن العلقمي: 104 طبعة النجف الأشرف.
(2) من هنا إضافة من قبل محقق الدر الفريد.
(3) ذكره ابن القطقطي في عرض حكاية نقلها عنه يذكر فيها أنه كان في جيش مجاهد الدين إيبك الدويدار الصغير في وقعة نهر بشير من دجيل سنة "656 ه" ص 57 وكتابه الذي سيأتي ذكره -أعني الجوهر الفريد وبيت القصيد- جمع فيه على حروف =
(1/25)

قال مترجمًا نفسه:
"مَوْلدِي بِبَغْدادَ بِالمَحَلَّةِ الَّتِي تُسَمَّى دَرْبَ حَبِيْبٍ في سُخرَةِ صبْيَحَةِ يَوْمِ الجُّمْعَةِ رابِعَةَ شَهْرِ اللَّهِ الأَصَمِّ رَجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّمِائَةَ لِتارِيْخِ الهجْرَةِ الشَّرِيْفَةِ، وَبِبَغْدادَ نَشَأَتُ وَأُخْرِجْتُ مِنْها ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْها بَعْدَ سِنِيْنَ.
وَوالِدِي أَحَدُ خَواصِّ الإِمَامِ الشَّهِيْدِ أَبي أحمَد عَبْدِ اللَّهِ المُسْتَعْصمِ بِاللَّهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وَهُوَ أَبُو مَنْصُوْر أَيْدَمِرَ بنُ سَّكِزَبِرُ كَوَنْجَكَ أَحَدُ أُمَراءِ طَوائِفَ القُبْجاقَ، وَكانُوا ذَوِي ثَراءٍ وَأَنْعامٍ كَتيْرَةٍ وَمُلُوْكًا، لا يَدِيْنُوْنَ بِطاعَةٍ لأَحَدٍ وبلادهم. . . باب الأَبْوابِ الَّذِي صنَعَهُ كِسْرَى حَتَّى ظَهَرَ جَنْكِيْزُ خانُ وَسَباهُمْ لَمّا لَمْ
__________
= المعجم البيوت الشعرية المشهورة الجارية مجرى الأمثال السائرة، منه مجلد كبير في خزانة كتب الإمام علي الرضا بطوس وقد سقط شيء من أوله في قطع من الورق كبير جدًا وخط فائق، وعدة أوراقه "267" ورقة على شكل سفينة رآه محسن الأمين العاملي وذكره في كشكوله الموسوم بأعيان الشيعة ووصفه ولم يعرف اسمه ولا مؤلفه فتأمل ذلك، ومما نقل عنه: "قال كاتبه -عفا اللَّه عنه-: كان لي على المرحوم علاء الدين عطا ملك بن محمد الجويني إطلاق فاشتغل عنه فكتب إليه والشعر لي:
ما لي ظمئت وبحر جودك مُترع ... وعلام أطوي والقِرى مبذول؟
في كل عام لي ببابك منهل ... عذب وأنت القصد والمأمول
فأنعم باطلاق ما سألته وزاد تغمده اللَّه".
وظنّ العاملي لبعض الشبه أن اسمه سعيد ثم قال: "ولكن في بعض الحواشي (قال كاتبه محمد بن أيدمر) وقال في موضع آخر: إقبال الشرابي النبوي المستنصري هو الذي رباني صغيرًا وجعلني في جملة من يدخل عليه كل يوم وكان ذلك ممنوعًا ممن عن غيرنا". ومع أنّ العاملي ذكر في مراجع كتابه هذا الكتاب أعني مجمع الألقاب وادّعى الاطلاع عليه لم يستطع معرفة مألفه لما أومأنا إليه.
"أعيان الشيعة ج 2 ص 410 من الطبعة الثانية سنة 1944 ه".
(1/26)

يَطِيْعُوْهُ فاتَّفَقَ مَجِيْءُ والِدِي مِنْ بِلَادِهِ صِحْبَةَ التُّجَّارِ صَغِيْرًا يَرْضَعُ اللَّبَنَ إِلَى مِصْرَ، وَأَهْدَاهُ عَزِيْزُ مِصرَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي جَعْفَر المُسْتَنْصِرِ باللَّهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ والِدِ المُسْتَعْصِمِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ" (1).
وحول وفاة والده يقول:
"وَلَمَّا وَصَلَ هُوْلَاكُو خان مَجْمُوعُ التَّتَارُ وَغَيْرهُمْ إِلَى بَغْدادَ اسْتَشْهَدَ والِدِي رَحَمَهُ اللَّهُ بِبزوْغَي في صَبِيْحَةِ يَوْمِ الخَمِيْسِ وَهُوَ عاشِرُ المُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّمائَةَ هِجْرِيَّةَ بَيْنَ الصَّفْينِ. حَكَى لِي مَنْ شاهَدَهُ أَنَّهُ لَمَّا انْكَسَرَ عَسْكَرُ بَغْدادَ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَلَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُمْ حَتَّى قُتِلَ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ما أَحِسَنَ قَوْلُ أَبِي تَمَّامِ:
فَتًى مَاتَ بَيْنَ الضَّرْبِ والطَّعْنِ مِيْتَةً ... تَقُوْمُ مَقامَ النَّصْرِ إِذْ فاتَهُ النَّصْرُ
وَقَدْ كَانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلًا فَرَدَّهُ ... إِلَيْهِ الحِفَاظُ المرُّ والخلقُ الوَعْرُ
فأَثْبَتَ فِي مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَهُ ... وَقَالَ لَهَا مِنْ تَحْتِ أَخْمَصَكِ الحَشْرُ
تَرَدَّى ثِيابَ المَوْتِ حُمْرًا فَمَا أتَى ... لَهَا اللَّيْلُ إِلَّا وَهِيَ مِنْ سُنْدِسٍ خُضْرُ" (2)
وقال عن ولد له أسماه عليًا توفي في بداية صباه:
"وُلِدَ في الثُّلْثِ الأَوَّلِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ صَفَرَ سَنَة ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وسميته الهِلَالِيّةَ وُلَد سَمَّيْتهُ عَلِيًّا وكان في الخَلقِ والخُلقِ كامِلًا مَرْضِيًّا فَعَاشَ حَتَّى بَرَعَ وَحَدَقَ في كِتابَةِ الدُّسْتُوْرِ وَروايَةِ الأَشْعَارِ وَحُسْنِ الأَدَبِ فَلَمَّا بَلَغَتْ سنّهُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَةً وَسِتَّةَ شُهُوْرٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ يَوْمًا تَوَفَّى لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ في الثُّلْثِ الأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ مِثْلِ وَقْتِ وِلَادَتِهِ سَوَاءً فَكَانَ في حَالِ حَياتِهِ لا يُجَرِّبُ قَلَمًا لَمَّا يبْرِيْهِ إِلَّا وَيَكْتُبُ:
إِنَّ الزَّمانَ الَّذِي مَا زالَ يُضْحِكُنَا ... أُنسًا بقربكُم قَدْ عَادَ يُبكينَا
وَلا أَمكنَ أَنْ يُنْشِدَ بَيْتًا عَلَى سَبِيْلِ التَّرْنِيْمِ إِلَّا أَنْشَدَهُ وَلا بَدَأَ بِكَلَامٍ إِلَّا بِهِ حَتَّى اعْتُبطَ
__________
(1) الدر الفريد 1/ 9 (خ).
(2) م. ن، ديوان أبي تمام 80 - 81.
(1/27)

رضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَدَفْنتهُ في مَقَابِرِ الشُوْنيزِيّةِ إِلَى جانِبِ أُخْوَتهِ رَحَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى" (1):
ولكي نعرف قيمة شهادة ابن أيدمر ينبغي لنا أن نعرف من هو؛ فقد حان أن نعرفه، وأن نعرف قيمة شهادته، فأقول:
هو -كما وردت ترجمتُه في "تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب" (2) الذي حقَّقه العلّامة المرحوم الدكتور مصطفى جواد: والذي بُديء بطبعه في دمشق سنة: 1962 - أقول هو كما يقول [كمال الدين، أبو الفضل، عبد الرزاق بن أحمد المعروف بابن] الفوطي [الشيباني المتوفى عام 723 ه] في كتابه المذكور:
"فلك الدين، أبو نصر محمد بن سيف الدين أيدمر بن عبد اللَّه المستعصمي الأمير الكاتب، . . . الأديب.
من أبناء الأمراء، الأعيان العظماء، ذكر لي أنَّه ولد ببغداد في رابع رجب سنة تسعٍ وثلاثين وستمائة، ولما ترعرع اشتغل بالخطّ، ثم بالفروسية، وكان من أحسن الناس شكلًا، وألطفهم أخلاقًا، ولمّا أخذت بغداد حصل مع ملك الكرج، واتصل بحضرة السلطان هولاكو، وقرَّبه، وجعله شحنةً على الحكماء الذين يلوذون بحضرته لعمل الكيمياء.
ولما تُوفي السلطانُ رجع إلى بغداد، ورُتِّب خازنًا في الديوان، واشتغل في عمل كتاب (الجوهر الفريد وبيت القصيد)، وهو كتابٌ نفيسٌ لم يُؤلف مثله، واهتمَّ في ترتيبه وعمله، ثمَّ ترك العمل، وحلق رأسه، وتزهّد، وخلع القباء ولبس الفرجية، واشتغل بتنقيح كتابه إلى أن تمَّ، ونقله إلى البياض.
وكان قد علاه دَيْنٌ فخدم خزانة الوزير بالكتاب، وقضى ديْنَه واستراح خاطرُه، فجاءه ما لم يكن في حسابه، وتُوفِّي في رجب سنة عشرٍ وسبعمائة، وله شعر
__________
(1) الدر الفريد 2/ 329، وإلى هنا تنتهي إضافة محقق الكتاب ويعود الحديث للدكتور الأعرجي.
(2) مجمع الآداب 3/ 281 - 282.
(1/28)

حسن، ورسائل وأخبار، ذكرت في التأريخ أكثرها، وكان بيني وبينه معرفةُ وصداقة واتحادٌ منذ سنة خمسين، ولمّا قدمتُ بغداد كنتُ أتردّد إلى خدمتِه، ويُشرّفني أيضًا بحضوره، ورثيته بأبيات أولها:
رَبع المعالي أضحى دارس الدِّمن ... والفضل بعدك أمسى ذاوي الغصنِ
منها:
يا أيُّها الفلك الدوار جرت ولم ... تعدل على فلك الدين الفتى الفطن
الفاضل الكامل المحمود سيرته ... العالم العامل المشكور ذي المنن" (1)
والنصُّ الذي نقلتُه -على طوله- فيه أشياء مُهمةً عن مؤلّفنا منها أنَّه لم يلتحق بخدمة هولاكو على نية الخيانة، ولكن على نية العلم كما التحق بهولاكو الفلكيُّ الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي، ولو كان التحق به على نية الخيانة لاستوفى ثمنها منه، ولم يلحقه دَينٌ بعدَ وفاةِ هولاكو.
ومنها أنّ الرجل تزهّد بعد مفارقة هولاكو، وزهدُه ينسجم مع شيئين هما أن يُضطر إلى خدمة هولاكو طلبًا للرزق، وكتابُه ينضحُ بالوفاء للخليفة المستعصم، وأن يفقد ولديه الإثنين على غير انتظار (2)، ولعلَّ هذا هو الذي أشار إليه صديقه ابنُ الفوطيّ في قوله: "فجاءه ما لم يكن في حسابه".
هذا ولم يكن ابنُ أيدمر ليخدم هولاكو بعد استيلائه على بغداد إلَّا على مضضٍ إن لم يكن يُشبه الموت فهو -دونما شكٍّ- من صنفِه، وإلّا فكيف يخدم رجلٌ قاتلَ أبيه؟
يقول المؤلف: "قال كاتبه محمد بن أيدمر عفا اللَّه عنهما: خدمتُ المستعصم رحمه اللَّه، واستُشهد والدي رحمه اللَّه بين الصفَّين بِبَزوغُى وهو الموضعُ الذي قامت
__________
(1) 4. ق 3: 512 - 514، نقلا عن الدر 5، 6.
(2) ينظر الدر الفريد 5: 272، وفيه: ". . . كنتُ بجامع القصر ببغداد يوم الجمعة، وإلى جانبي ولدين (كذا) لي رحمهما اللَّه: فاتفق أن صلّى إلى جنبنا شيخٌ غريبٌ فلما سلم من الصلاة نظر في وجوهنا مليًا ثم قال: وجوهُ عليها للقبول علامةُ. . . .
(1/29)

الحربُ فيه، وشهدتُ ذلك اليومَ وهو عاشر المحرم من سنة ستٍّ وخمسين وستمئة هلالية" (1).
وإذًا فلم يكن مؤلّفنا من أنصار المغول، وإنّما التقى بهولاكو من بابين: الباب الأول منهما هو اهتمام هولاكو بجمع العلماء العراقيين من حوله، والباب الثاني هو ما يمكن أن خطر على ذهن ابن أيدمر وهو يلتقي به من أمر المثل العربيّ القائل: "أضرعتني إليك الحُمّى".
ومن هنا كان من شأن شهادة رجلٍ بمثل حاله على حال ابن العلقميّ أن تكون صادقةً مُصدَّقةً، فإذا آمنا بهذا وجدناه يقول: إن الوزير ابن العلقمي كان يُحرِّض المدافعين عن بغداد -والخائن لا يُحرِّض- أن يستميتوا في الدفاع عنها: فقد روى من متن كتابه (2) قول الصَّليحي قائم اليمن:
"إنَّ العُلى لا يُستطاعُ خطابُها ... حتّى تُطلَّق دونها الأعمارُ"
ثم عقَّب على ذلك بقوله كعادته: "حاشية: حكى لي من حضر أنَّه لمّا ركب فتح الدين بن كُرّ رحمه اللَّه في واقعة بغداد حضر بين يدي الوزير مؤيد الدين بن محمَّد العلقمي فقال له مُحرِّضًا:
إنَّ العلى لا يُستطاعُ خطابُها (البيت)
أمَّا كيف رضي هولاكو عن ابن العلقمي فسلّمه بغداد فيقول ابنُ أيدَمر على الصفحة: 183 من الجزء الخامس "لما أخذ المغول بغداد وقتلوا الخليفة أبا أحمد عبد اللَّه المستعصم باللَّه رحمة اللَّه عليه كان وزيرَه مؤيدُ الدين أبو طالب محمد بن العلقمي، وتوصَّل بحسن تدبيره، وصائب رأيه حتى سلم من القتل هو وأتباعه، فلما رحل المغول من بغداد سُلِّمت الأعمال وبغداد إليه، ثم مات عن قربٍ. واتَّفق أن ولده عز الدين كتب إلى والده الوزير يقول: ما أحسن قول القائل:
__________
(1) الدر: 3/ 22 صد: مُرنزا، وهو الصواب.
(2) الدر الفريد - المخطوط 5/ 335.
(1/30)

شبتُ أنا والتحى حبيبي ... فبِنتُ عنه وبان عنّي
واسودَّ ذاك البياضُ منه ... وابيضَّ ذاك السوادُ منّي
فكتب إليه والدُه الوزير في الجواب: أحسن منه قولُ الآخر: وأشبَهُ بحالي وحال الخليفة رحمة اللَّه عليه:
نَمَّ في خدِّه العذار ولاح الشَّ ... يبُ في مفرقي بغيرِ أوانِ
كسدتْ سوقُنا جميعًا على الحُ ... بِّ وولَّى زمانُهُ وزماني"
ورجلٌ يحزن مثل هذا الحزن على مخدومه الخليفة المستعصم -حتّى بعد قتله وزوال مُلكه- لا يمكن أن يخونه.
ويزيد من قيمة شهادة صاحبنا أنَّه نشأ في حجر إقبال الشرابي كما يقول هو في 5/ 499، ممَّا يجعله عليمًا بما يدور في قصر الخلافة، وممّا يُبعدهُ أن يشعر بشيءٍ لابن العلقميِّ في عنقه يقتضيه أن يُجامله. فإذا علمنا أنَّه ألّف الكتاب بعد وفاته أدركنا قيمة شهادته.
ولستُ من المدافعين عن ابن العلقمي، وإنّما أريد من كلِّ ما ذكرتُ أن أنبِّه المؤرخين العرب، وأشباههم من المتطفلين على التأريخ والتأرخة أن يتنبَّهوا إلى هذا الكتاب المعاصر له.
صحيحٌ أن ابن شاكر الكتبي ألف جزءًا من كتابه "عيون التواريخ" عن سقوط بغداد حقَّقه الراحل الكبير الدكتور فيصل السامر، وشريكة له، ولكن صحيحٌ أيضًا أن ابن شاكر قد توفِّي سنة: 764، أي بعد مُضي ما هو أكثر من قرن على سقوطها.
وعتبٌ يسيرٌ على العلّامة الجليل الدكتور فؤاد سزكين مدير "معهد تاريخ العلوم العربية والإِسلامية في إطار جامعة فرانكفورت" أن لم يتنبَّه لا إلى مثل هذه الأشياء فحسب، وإنمّا لم يتنبَّه حتّى إلى ترجمة المؤلّف لولا أن نبَّهه زميلُه الدكتور رودلف زلهايم.
(1/31)

ولهذا العتب أوجهٌ كثيرةٌ منها أنَّه كان على سزكين، وقد دلَّه زلهايم على موضع ترجمته، أن يستقريء -كما هي أصول البحث العلمي- "الدر الفريد" استقراءً مُتمعِّنًا فيزيد على الترجمة ما ذكره المؤلف نفسه عن حياته.
ولو كان فعل لكان عرف أنه -على سبيل المثال- من تلاميذ الصغاني صاحب معجم "العباب" الذي حقّقه الشيخ محمد حسن آل ياسين، ولعرف أنَّه من أصدقاء ياقوت الحموي، وشمس الدين الكوفي، وسواهم. ولعرف أنَّه فقد ولديْه وقد بلغا مبلغ الرجال، وأنّه تربّى -كما سلف- في كنف إقبال الشرابي وهكذا.
ويبقى من همي أن أُنبِّه إلى ضرورة تحقيق هذا الكتاب الجليل؛ لأنّه من دون أدنى شكٍّ يضيفُ إلى ثقافتنا الشعرية أشياء ثمينة، ولأنّ العلامة سزكين لم يطبع منه إلا مئتي نسخة خطية جمعها من مكتبات تركيا وإيران، فكان من حُسن حظي أن اقتنيتُ واحدة منها على الرغم من غلاء ثمنها غلاءً لا يكاد يحتمله من هو مثلي.
هذا ولو كنتُ إلى جوار مكتبتي التي تركتها في العراق بحيث أستطيع أن أخرِّج أقواله من مصادرها لما تركتُ أحدًا يسبقني إلى تحقيقه، وتعميم فائدته، ولكن:
ما كلُّ ما يتمنَى المرءُ يدركُه ... تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُّفنُ
بوزنان - بولندة في: 20/ 5/ 2001

ثقافته وأدبه:
صحب جماعة من علماء زمانه، وقد أشار بين ثنايا كتابه إلى ذلك، فهو يقول عن الشيخ العلامة الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني رحمه اللَّه: "أدركت زمانه، ورويت عنه، وكان فريد عصره، وأوحد وقته، من كبار العلماء، ونبلاء الفضلاء، بحر زاخر، ونور ساطع باهر" 3/ 195 - خ.

شاعريته وشعره:
بين ثنايا أجزاء هذا السفر أبيات ومقطوعات شعرية نسبها المؤلف إلى نفسه،
(1/32)

تمكنت من تتبعها واستخراجها، وهناك أبيات ومقطوعات أوردها المؤلف دون عزوها إلى صاحبها، ولست أدري هل هي له أم لغيره؟
وقد أشرت إلى موقعها في الكتاب المخطوط:

الأشعار:
- 1 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الكامل]
جُودٌ بِلا جِدَةٍ وَنفسٌ هَمُّهَا ... فَوقَ السِّماكِ وَحَظُّها تَحتَ الثَرَى
(3/ 207)

- 2 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الطويل]
عَرَفتُ سَجايا الدَّهرِ لَمَّا صَحِبْتُهُ ... وَمَن يَصحَبِ الأَيّامَ يَقنِ التَّجارِبا
(4/ 74)

- 3 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الوافر]
فَخيرُ القَولِ ما يتلُوهُ صِدقٌ ... وَشَرُّ القَولِ ما يتلُو الكِذابا
(4/ 184)

- 4 -
قَالَ كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه):
صَاحِبُ المَالِ في القُلُوْبِ مَهِيْبٌ ... حَسَنُ السَّمْتِ مِنْ ذَوِي الأَلْبابِ
(1/33)

وَأَخُو الفَقْرِ لَوْ أَتَى بِصُنُوْفِ العِل ... م طُرًّا مُسَفَّهٌ في الخِطَابِ
ما يَفِيْدُ الفَتَى إِلّا إِذَا كَانَ فَ ... قيْرًا بَراعَةٌ في الكِتَابِ
إِنَّمَا الشأن في. . . ... في كثْرَةِ المأثراتِ والآدابِ
كُلَّما كانَ ذا. . . . ... . . . . . . . . . . . . .
(2/ 361)

- 5 -
كَاتِبُهُ (عَفا اللَّهُ عَنهُ): [من الخفيف]
ثِق بِمَن يَغفِرُ الذُنوبَ جَميعًا ... وَيُجيبُ الدُعاءَ في كُلِّ كَربِ
(3/ 183)
ثِقَتِي خَالقِي إلهي وَرَبّي ... وَمُعيني وَناصري وَهُوَ حَسبِي
(3/ 183)

- 6 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الطويل]
ثِقُوا واطمَئِنُّوا واستَريحُوا إِلى الوَفَا ... فَإِنّي عَلَى ما تَعهَدُونَ منَ الحُبِّ
وَأَنْتُمْ عَلَى بُعْدِ المَسَافَةِ حُضَّر ... خَيالكُمُ عِنْدِي وَعِنْدَكُمُ قَلْبِي
(3/ 183)

- 7 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الوافر]
قَصَدْتُكَ لا أُعَوِّلُ فِي رَجائِي ... عَلَى أَجْرٍ سِواكَ وَأَنْتَ حَسْبِي
تَرْوِي غُلَّتِي وترمّ حالِي ... وَتُؤْمِنُ رَوْعَتِي وتزيلُ كَرْبِي
(4/ 324)
(1/34)

- 8 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه):
وإِنّ امرءًا يَرجُو مِنَ الكَلْبِ لُقْمَةً ... وَهَيْهات ما يَرْجُو أَخَسّ من الكَلْب
(5/ 253)

- 9 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه):
مالٌ يُخلِّفُهُ للِضدِّ صَاحِبُهُ ... خَيرٌ لَهُ مِنْ سُؤالِ النَّاسِ والطَلَبِ
(5/ 81)

- 10 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الخفيف]
يا صَدَيْقِي وَصاحِبِي وَنَسِيْبِي ... لِمْ تَمَنَّيتَ لِي الرَّدَى بالمَغِيْبِ
خُنْتَنِي إِذْ تَبَدَّلْتَ بِي وَضَيَّع ... تَ مِثْلِي وَتَلَقَّيْتَنِي بِوَجْهٍ قَطُوْبِ
مَا ظَنَنْتُ الصَّدِيْقَ يَفْعَلُ هَذَا ... بِمُحِبٍّ صَدِيْقُهُ كَالحَبِيْبِ
كُنْتُ ألْحَا الوُشَاةَ وَأسْتَ ... بْعِدُ هَذا وَكَيْفَ لِي بِالمُرِيْبِ
فَبعَيني رَأَيتُ مَا كُنتُ منهُ ... في شُكُوكِ التَّصدِيقِ والتكذيبِ
لا وَعِزِّ الوَفاءِ لَا غَرَّنِي بَعْ ... دَكَ وُدٌّ مِنْ صَاحِبٍ أَوْ نَسِيْبِ
(4/ 168)

-11 -
كَاتبهُما (عفا اللَّه عنه): [من السريع]
أيُّ يَدٍ عندي لمن زارَني ... تفَضُلًا مِنهُ وَلَم آتِهِ
(1/35)

وَكيفَ أقضِي حَقّ مَنْ خَصَّني ... مُبتَدئًا بالودّ من ذاتِهِ
(3/ 56)

-12 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه):
رُبَّ يَومٍ ما بَعدَهُ مِن مَساءٍ ... وَمَساءٍ ما بَعدَهُ مِن صَباحِ
(3/ 313)

-13 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه): [من الطويل]
شَهِدْتُ بأَنَّ اللَّه لا شَيءَ غَيرُهُ ... وَأَنَّ رَسوُل اللَّهِ حَقًّا مُحَمَّدُ
عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ في كُلِّ شَارِقِ ... وَكُلِّ صَبَاحِ لِلْوَرَى يَتَجَدَّدُ
(4/ 15)

-14 -
كَاتِبه أيْضًا (عفا اللَّه عنه):
ألا يا قَلْبُ ما هَذا الصُّدُوْدُ ... وَمَا هَذَا التَّلَدُّدُ والشُّرُوْدُ
تُصَابُ وَلا تَلِيْنُ فَلَيْتَ شِعْرِي ... قَسَوْتَ أَأَنْتَ صَخْرٌ أَمْ حَدِيْدُ
وَكَيْفَ الصَّبْرُ مِنْكَ عَلَى أُمُوْرٍ ... تَكَادُ الرّاسِيَاتُ لَهَا تَمِيْدُ
مَضَى الأَحْبَابُ وانْقَرَضُوا وَبانُوا ... وَضَمَّهُمُ الصفائِحُ والصَّعِيْدُ
وَضاعَ العُمْرُ فالمَاضِي تَوَلَّى ... وَباقِيْهِ فَمَأْمُوْلٌ بَعِيْدُ
وَلَمْ تَظْفَرْ يَداكَ إِذًا بَشَيْءٍ ... سِوَى مَا أَنْتَ فِيْهِ يَا سَعِيْدُ
وَجَاءَ الشَّيْبُ يُنْذِرُ بِالمَنَايَا ... وَهَذَا كُلُّهُ صَعْبٌ شَدِيْدُ
وَمَا جَزَعٌ بِمُغْنٍ عَنْكَ شَيْئًا ... إِذَا مَا مَاتَ مَيْتٌ هَلْ يَعُوْدُ
(1/36)

تَصَبَّرْ إِنَّ هَذَا المَوْتَ حَتْمٌ ... فَمَا يُرْجَى البَقاءُ وَلَا الخُلُوْدُ
أَمَا قَدْ آنَ لِلْقَلْبِ المُعَنَّى ... خُشُوْعٌ أَوْ نُزُوْع أَوْ وُرُوْدُ
وَإِصْغَاءٌ إِلَى الدَّاعِي بِوَعْظٍ ... بَلِيْغٍ تَقْشَعرُّ لَهُ الجُّلُوْدُ
قال كَاتِبُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مَا كُنْتُ سَمِعْتُ بِقَوْل مُحَمَّد بن عِيْسَى بن طَلْحَةَ بن عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ يَقُوْل:
وَما جَزْعٍ بِمُغْنٍ عَنْكَ شَيْئًا ... وَلَا مَا فَاتَ ترْجِعُهُ الهُمُوْمُ
فَعَلِمْتُ أَنْ الخَواطِرَ تَتَقَارَبُ فِي اسْتِعْمالِ الأَلْفَاظِ والمَعَانِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بَلْ يَقَعُ الحَافِرُ عَلَى الحَافِرِ إِتْقانًا.
(5/ 112، 324)

-15 -
وله: [من الخفيف]
ثَرْوَةُ البَاخِلِينَ عَارٌ عَلَيْهِمْ ... وَبِفَقْرِ الأَجْوادِ فَخْرُ الجَوادِ
(3/ 182)

-16 -
كَاتِبُهُ مُحَمَّدُ بن أَيدَمِرَ: [من الكامل]
إِنَّ المَشِيْبَ لَزِيْنَةٌ وَلَهَيْبَةٌ ... وَجَلالَة وَسَكِيْنَة وَوَقارُ
فِيْهِ كَمَالُ العَقْلِ إِنْ عَقَلَ الفَتَى ... وَتَجارِبٌ أَثْمانُها الأَعْمَارُ
فَاسْتَدْرِكِ المَاضِي مِنَ العُمْرِ الَّذِي ... قَدْ كَانَ فِيْهِ الإِثْمُ والأَوْزارُ
وانْهَضْ إِلَى الخَيْراتِ وابْتَدِرِ التُّقَى ... إِنَّ الزَّمَانَ بِأَهْلِهِ غَدّارُ
هَذَا المَشِيْبُ وَبَعْدَهُ المَوْتُ الَّذِي ... عُقْباهُ إِمَّا جَنَّةٌ أَوْ نَارُ
(2/ 345)
(1/37)

-17 -
كاتبهُ (عفا اللَّه عنه):
هَابَكَ أَبطَالُ الرَّجالِ خُشّعًا ... وَذلَّ من صولَتكَ الجَبابِرُ
(5/ 355)

-18 -
كاتبهُ (عفا اللَّه عنه):
يَمْشِي الكَّريْمَ عَلَى أرْضٍ معُطَلَّةٍ ... فَتُصْبحُ الأَرْضُ فِيْها الماءُ والخَضِرُ
مثل الربيع إذا ما حل في بلد ... كساه أخضر قد حلّى به الزهرُ
إن البخيل وهذا عندهم مثل ... لو بال في شوكة خضراء تستعرُ
كأنه شجر يأتيه قاصدهُ ... لِيستظلَّ فلا ظلُّ ولا ثمرُ
(5/ 524)

-19 -
كَاتِبُه: [من البسيط]
أَشْكَو إِلَيْكَ وَلا أَشْكو إِلَى أَحَدٍ ... مَا حَلَّ بِي مِنْ أُمُوْرٍ لَسْتُ أَذْكرُها
(2/ 140)

-20 -
كاتبهُ (عفا اللَّه عنه):
يَروقُكَ مِن بَنِي الدُنيا جُسومٌ ... وتَقبحُ حِينَ تَقتُلُها اختِبَارا
وَتَحِسبُ أنَّ وُدَّهُمُ صَحيحٌ ... وَنَارُ البغضِ تَستَعرُ استِعارا
(5/ 487)
(1/38)

-21 -
كَاتِبُهُ: [من الطويل]
إِذَا مَا شَكَوْتُ الحُبَّ لَمْ أَرَ مُسْعِدًا ... فَأَوْلى مِنَ الشَّكْوَى سُكُوتِي معَ الصَّبْرِ
(2/ 72)

-22 -
وله: [من السريع]
الحمدُ للَّهِ وشكرًا لَهُ ... هَذا أَوانُ الحمدِ والشُّكْرِ
كَمْ فَرَّجَ الرحمنُ مِنْ كربةٍ ... وفَكَّ فك العُسْرِ بِاليُسْرِ
(1/ 189)

-23 -
وله: [من السريع]
الحمدُ للَّهِ وَشكرًا لَهُ ... واللَّهُ أهلُ الحَمدِ والشُكرِ
ألطافُهُ مَخفيّة دائمًا ... كامِنَةٌ في العُسْرِ واليُسْرِ
(1/ 188)

-24 -
كاتبه: [من الوافر]
أَراكَ وَإِنْ نَأَيْتَ بِعَيْنِ قَلْبِي ... كَأَنَّكَ حاضِرٌ وَسْطَ الضَّمِيْر
وَأَسْأَلُ عَنْ إِيابِكَ كُلّ يَوْمٍ ... وَمَنْ لِي أَنْ أُبَشَّرَ بِالبَشِيْرِ
(2/ 101)
(1/39)

-25 -
وله:
تَخَيَّرْتُ مِنْ نَوع العُلُوْمِ لَطِيْفَهُ ... وَيُعْرَفُ مِقْدارُ الفَتَى بِاخْتِيارِهِ
وَأَهْدَيْتُ ما يَبْقَى عَلَى الدَّهْرِ ذِكْرهُ ... وَكُلُّ امْرِئٍ يُهْدِي بِحَسْبِ اقْتِدارِهِ
(1/ 176)

-26 -
وله: [من الكامل]
اللَّهُ أكبرُ قد بلغتُ بساعةٍ ... ما ليسَ يبلغهُ أمرؤٌ في دَهرِهِ
ما دار في خلدي الذي قد نلتهُ ... أبدًا ولا نطق اللسان (بِذِكْرِه)
هذا عطاء لا يُقامُ بحمده ... حقّ القيام ولا يُقامُ (بشكره)
لكنما وُسْعُ المقلِّ بحمده ... في حمدِه والشكر (في شكره)
فليشكرنَّكَ في الحياة فإن يمت ... فلتشكرنّك أعظم ( ... )
(1/ 190)

-27 -
قال كاتبه (عفا اللَّه عنه) متبعًا لقول ابن جهوة (1):
سَأبْكِي عَلَى نَفْسِي بِعَيْنٍ قَرِيْحَةٍ ... عَسَى عاذِرٌ لِي إِنْ بَكِيْتُ عَلَى نَفْسِي
سَلَامٌ عَلَى الدُّنْيا سَلامُ مُوَدِّع ... يَمُرُّ عَدُوًّا أو رَواحًا إلَى رَمْسِ
(3/ 271)
__________
(1) قول داوود بن جهوة:
سَلامٌ عَلَى الدُنيَا وَلذَّةِ عَيشِها ... سَلَامَ غُدوٍّ أو رَواحٍ إلَى رَمسِ
(1/40)

-28 -
كَاتِبهُ عَفا اللَّهُ عنهُ: [من الخفيف]
ضاعَ واللَّهِ في الشَبيبَةِ عُمرِي ... وَكَذا الشَيبُ إن غَفلتُ يَضِيعُ
إِنَّ ما قَدْ بَقِي عَزِيْزٌ فَبَادِرْ ... واغْتَنِمْ وَقْتَهُ بِما تَسْتَطِيْعُ
(4/ 37)

-29 -
كَاتبهُ (عفا اللَّه عنه):
ما لِي أرَى حادِثَاتِ الدَّهْرِ قَدْ جَمَعَتْ ... عَلَيَّ عِبْئَيِن سُوءَ الكَيْلِ والحشَفا
ألِي تُرَوِّعُ قَدْ جَاءَتْ بِمُعْظَمِها ... كَمْ حادِثٍ جَلَّ لَمَّا حَلَّ وانْصَرَفا
كَأنَّنِي ما حَلَبْتُ الدَّهْرَ أشْطُرَهُ ... وَلا وَقَفْتُ عَلَى آثارِ مَنْ سَلَفا
عِنْدِي لِرَيْبِ زَمانِي خَمْسَةٌ عَجَبٌ ... فَلا أخَافُ إِذا ما حَافَ أو جَنَفا
حَزمٌ وَعَزمٌ وَصَبرٌ ثُمَّ تَجرِبَةٌ ... وَهِمَّةٌ تَعشَقُ العَليَاءَ والشَرَفَا
حَاشَايَ أشْكُو إلَى خَلْقٍ فَأُشْمِتُهُ ... ما في الأنَامِ صَدِيْقٌ إنْ وَفَيْتَ وَفَى
خُلقُ الصَّدِيْقِ لِخُلْقِ الدَّهْرِ مُتَّبعٌ ... إِذا صَفا لَكَ صَافَى أَو جَفَاكَ جَفَا
هَلْ هَذِهِ الدَّارُ إلَّا مِثْلُ ما وُصِفَتْ ... هَشِيْمُ نَبْتٍ ذَرَاهُ عَاصِفٌ عَصَفا
أو كَالغَمامِ يُرَجِّي النَّاسُ رِيقهُ ... لَمَّا تَمَكَّنَ أَجْلا الغَيْمُ وانْكَشَفا
حَسْبُ الفَتَى ذكرُهُ للمَوتِ مَوْعِظَة ... إِذا أرَادَ اعْتِبارًا حَسْبُهُ وَكَفَى
(3/ 221)

-30 -
قِيلَ: لَمَّا أَرَادَ إِبْراهِيْمُ بنُ المُدَبِّرِ الإصْعَادَ إِلَى بَغْدادَ وَقَفَ بِهِ بَعْضُ عُقَلَاءِ المَجانِينِ فَقالَ لَهُ: أَيُّها الرَّئِيْسُ قَدْ حَضَرَني شَيْءٌ مِنَ الشِّعْرِ. فَقالَ: هاتِ. فَأَنْشَأَ يَقُوْلُ:
(1/41)

يَا أَبَا إِسْحَاقَ سِرْ في دَعَةٍ ... وَأمْضِ مَحْمُوْدًا فَمَا مِنْكَ خَلَفْ
لَيْتَ شِعْرِي أَيُّ أَرْضٍ أَجْدَبَتْ ... فأُغِيثَتْ بِكَ من بَعْدِ العَجَفْ
نَظَرَ الرَّحمَنُ بالوُدِّ لَها ... وَحَرَمْناكَ بِذَنْبٍ قَدْ سَلَفْ
فَقال إبراهيمُ يا غُلامُ ما مَعَك: فقال خَمسَمائةِ دينارٍ. قال: ادفَعْها إليهِ فَفَعَلَ.
قال كاتبه (عفا اللَّه عنه): كتبت بهذه الأبيات في سنة ست وسبع مائة إلى مولانا الإمام العالم الكامل المحقق نور الحق والملة والدين عبد الرحمن الحكيم أدام اللَّه سعادته وتوفيقه لما توجه من بغداد إلى تبريز وغيرت بعض لفظها وأجزتها بأربعة أبيات في آخرها فقلت:
يا فريد العصر في دعة. البيت وبعده البيتان وبعدهما:
نَسْأَلُ اللَّه وَنَرجُو عَطْفَهُ ... فَهُوَ بِالخَيْرِ إِذَا شَاءَ عَطَف
رَدَّكَ اللَّهُ عَلَيْنا سالِمًا ... غانِمًا بِالنُّجْحِ أَنْواعَ اللّطَفْ
تُوْسِعُ الخَلْقَ جَمِيْلًا شامِلًا ... وَتُوافِيْهِمْ بِأَصْنَافِ التُّحَفْ
مِثْل عَادَاتِكَ فِيْهِم هَكَذا ... دَأبُ أَرْبابِ المَعَالِي والشَّرَفْ
(5/ 14)

-31 -
لِكَاتِبِهِ (عفا اللَّه عنه):
إِنْ كُنْتُ قَدْ قَصَّرْتُ عَنْ واجِبٍ ... أَو عاقَنِي عَنْ قَصْدِكُمْ عَاِئقُ
. . . . . . . . . . . . . . . ... يقومُ عذْرِي عِنْدَكُمْ واثِقُ
(2/ 320)

- 32 -
لِكاتِبِهِ (عفا اللَّه عنه):
يَقُوْلُوْنَ لا تَحْزَنْ وَقَدْ أَحْرَقَ النَّوَى ... فُؤَادِي وَلَكِنْ ما يُفِيْدُ التَّحَرُّقُ
(1/42)

إِذَا كَانَ حُزْنُ المَرْءِ لَيْسَ بِنافِعٍ ... عَلَى حالَةٍ فالصَّبْرُ أَوْلَى وَأَوْفَقُ
(2/ 27، 5/ 517)

- 33 -
كَاتبُه (عفا اللَّه عنه):
يُعاتَبُ المَرُءُ فيُما جَاءَ مُعْتمِدًا ... وَلا يُعاتَبُ إِنْ أخطَأ وَإِن زَهَقا
(5/ 503)

-34 -
كَاتبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الطويل]
صَحَوتُ وَلَم أَسْلُ الحَبيْبَ وَإِنَّما ... أُوَدّعُ أَحبابْي وَداعَ المُفارِقِ
وَأيُّ بَقاءٍ يُرْتَجَى أوْ مَسَرَّةٍ ... يَنالُ الفَتَى مِنْ بَعْدِ شَيْبِ المَفارِقِ
(4/ 26)

-35 -
كَاتِبُه (عفا اللَّه عنه): [من السريع]
قَدْ شَابَ مُذْ فَارَقْتكُمْ مَفْرقِي ... وابْيَضَّ فُوْدِي فَمَتَى نَلْتَقِي
مَضَى زَمَانِي بالمُنَى والرَّجَا ... وَمَا حَظَى بالوَصْلِ قَلَبي الشَّقِي
فَلَيْتَنِي إِذْ لَمْ أَكُنْ دَانِيًا ... مِنْ قُرْبِكِ المَأْمُوْلِ لَمْ أُخْلَقِ
أَكْثَرُ عُمْرِي قَدْ مَضَى بِالجَفَا ... فَاسْمَحْ بِوَصْلٍ مِنْك فِيْما بَقِي
واللَّهِ لَوْ أُعْطِيْتُ مُلْكَ الوَرَى ... مِنْ مَغْرِب الشَّمْسِ إلى المَشرقِ
بِسَاعَةٍ مِنْكَ لَمَا اخْتَرتهُ ... فَارحَم وَصِلْ وَاستَوْصِ بِي وارْفقِ
(2/ 197)
(1/43)

-36 -
كَاتِبُه (عفا اللَّه عنه):
مَضَى زَمانِي بالمُنى والرَّجا ... وَما حَظِي بالوَصلِ قَلبِي الشَقِي
قَدْ كُتِبَ بِبابِ: (مَضى شَبابِي وَمَضى رَوْنَقي)
مَضَى شَبابِي وَمَضى رَوْنَقِي ... وابْيَضَّ نُوْرُ الشَّيْبِ فِي مَفْرِقِي
وَضَاعَ عُمْرِي بِالهَوَى والمُنَى ... وَمَا حَظِي بالحَظِّ قَلْبي الشَّقِي
وَضَاقَ وَقْتِي عَنْ بُلُوْغِ المُنَى ... فَلَسْتُ أَرْجُو مِنْهُ أَنْ نَلْتَقِي
وَآنَ أَنْ يَخْشَعَ قَلْبِي لِمَا ... فَرَّطْتُ في نَفْسِي وَأَنْ أَتَّقِي
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِمَا قَدْ مَضَى ... وَأَسْألُ العِصْمَةَ فِيْما بَقِي
(5/ 112، 536)

- 37 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه): [من الكامل]
شَرَهُ النُفُوسِ عَلَى النُفُوسِ بَليّةٌ ... والِحرْصُ شُؤْمٌ واللَّجاجُ وَبَالُ
ما العَقْلُ إِلّا نِعْمَةٌ مَوْفُوْرَةٌ ... يَأتِي بِها التَّوْفِيْقُ والإقْبَالُ
مَنْ كَانَ ذَا مَالٍ فَذَلِكَ عَاقِلٌ ... المَالُ تَتْبَعُ إثْرَهُ الآمَالُ
والفَقْرُ صَاحِبُهُ ذَلِيْلٌ جَاهِلٌ ... عَسِرُ الحُوَائِجِ مُتْعَبٌ مُحْتَالُ
لَو كَانَ شَيْءٌ فَوْقَ مَا زَانَ الفَتَى ... مِنْ دِيْنِهِ كَانَ الغِنَى والمَالُ
أَوْ كَانَ شَيْءٌ فَوْقَ كُفْرٍ شائِنٍ ... كَانَ افْتِقارُ المرْءِ والإقْلَالُ
(4/ 9)

-38 -
وَقالَ كَاتِبُهُ مُحَمَّدُ بن أَيْدمَرَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمَا:
مَا كُلُّ مَنْ طَلَب المَعالِي نَالَهَا ... كَلَّا وَلَا كُلُّ الرِّجالِ رِجالُ
(1/44)

أَلْفٌ يَسُرُّكَ في مَقالٍ فارِغٍ ... لا فِعْلَ فِيْهِ وَواحِدٌ فَعّالُ
(5/ 74)

-39 -
قَالَ كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه):
قَالُوا مِنَ الأَمْثالِ بَيْتٌ سائِرٌ ... قَد أَحْكَمَتْهُ تَجارِبٌ وَعُقُوْلُ
مَن عَفَّ خَفَّ عَن الأَنامِ لِقاؤُهُ ... وَأَخُو الحَوائجِ وَجْهُهُ مَمْلَولُ
فَأَجبْتُهُمْ واللَّهِ مَا مِنْ لِذَّةٍ ... مِثلُ العَطَاءِ وَإنَّني لأَقُولُ
هَذَا إِذَا كَانَ الكريمُ مُقَطِّبًا ... فَإِذا تَهَلَّلَ فالمَلَالُ يَزُوْلُ
وَجْهُ النَّوالِ وَوَجْهُ طُلَّابِ النّدَى ... ما مِنْهُما إِلّا أغَرُّ جَمِيلُ
لَكِنْ جَوادٌ لَيْسَ يَمْلِكُ دِرْهَمًا ... فَرْدًا وَآخَرُ مُكْثِرٌ وَبَخِيْلُ
فَلِذَاكَ قَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ وَقَلَّمَا ... يُجْدِي لأَنَّ الواجِدِيْنَ قَلِيْلُ
(5/ 137)

-40 -
كَاتِبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الخفيف]
أطْنَبَ النَّاسُ في الإِخَاءِ وَقَالُوا ... فِي شُرُوْطِ الإِخَاءِ قَولًا يَطُولُ
فالأقاوِيلُ في الإِخاءِ كَثيرٌ ... وَإِخاءُ الصَّفاءِ منها قَلِيلُ
(4/ 165)

-41 -
قَالَ كَاتِبُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ كَانَ عَلَى المَرْحُوْمِ عَلَاءِ الدِّيْنِ عَطا مِلكُ مُحَمَّدِ الجُوَيني إِطْلَاقٌ فاشْتَغَلَ عَنْهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ والشِّعْرُ لِي:
مَا لِي ظَمئتُ وبَحرُ جُودِكَ مُترَعٌ ... وَعَلَامَ أَطوِي والقِرَى مبَذُولُ
(1/45)

وَأَحُوْمُ حَوْلَ الوَرْدِ أَطْلُبُ خَلْوَةً ... حَاشَاكَ يَخْلُو رَبْعُكَ المَأهوْلُ
فِي كُلِّ عامٍ لي بِبابِكَ مَنْهَلٌ ... عَذبٌ وَأَنْتَ القَصْدُ والمَأْمُوْلُ
والعَامُ جَدُبٌ والعَطَاءُ مُيَسَّرٌ ... والإِذْنُ في إِطْلَاقِهِ مَسْؤُوْلُ
فَأَنْعَمَ بِإِطْلَاقِ ما سَأَلْتهُ وَزادَ فَوْقَ ما كُنْتُ طَلَبْتهُ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحمَتِهِ.
(5/ 82)

-42 -
وله:
ثَراءٌ وَلا جُودٌ وَكِبْرٌ وَلا عُلًا ... وَضرٌّ وَلا نَفْعٌ وَجَهْلٌ وَلا عَقْلُ
(3/ 182)

-43 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه):
يَرَى فاتِناتِ الرَّأي والرَّأيُ مُقبِلُ ... كَأنَّ وُجوهَ الرَّأي فِيه تُقابِلُه
(5/ 489)

-44 -
يقول كاتبه: أجزت بيت لبيد بهذين البيتين (1): [من البسيط]
الحمدُ للَّهِ آبَ الحظُّ وانْفَرَجَتْ ... مَفاتِحُ النُّجْحِ بالخيراتِ إِقْبالا
الحمدُ للَّه آتاني الهدايةَ وال ... إيمانَ والدينَ إحْسانا وإِجمالَا
(1/ 185)
__________
(1) بيت لبيد:
الحمد للَّه إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإِسلام سربالا
(1/46)

-45 -
كاتبُهُ (عفا اللَّه عنه):
رَجَعَ اليَقينُ مِنَ الرَّجاءِ تَظن ... نًا فاليَأسُ أَقرَبُ مِن نَجاحِ الآمِلِ
(3/ 314)

-46 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه): [من الكامل]
كالبَدْرِ يَحْسَبُها المحِبُّ قَرِيْبَةً ... وَمَنَالُهَا في البُعْدِ مِثْلُ مَنالِهِ
(4/ 349)

-47 -
كاتبهُ (عفا اللَّه عنه): [من السريع]
صَدَّ عَن الحَقِّ اتّباعُ الهَوىَ ... وَزَيّنَ الباطِلَ طُولُ الأَمَلْ
كَأنَ ما كَانَ إِذَا ما انْقَضَى ... حُلْمٌ وَمَا حَلَّ كَأنْ لَمْ يزَلْ
بادِرْ فقد أصْبَحْتَ في مُهْلَةٍ ... بِالعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ الأجَلْ
وَكُنْ عَلَى عِلْمٍ بِأنَّ الفَتَى .... يُجْزَى بِما قَدَّمَهُ مِنْ عَمَلْ
(4/ 27)

-48 -
كَاتبُهُ (عفا اللَّه عنه): [من الكامل]
سَيَكُونُ ما هُوَ كائِنٌ في وَقتِهِ ... قُضِي القَضَاءُ وَجَفَّتِ الأَقلَامُ
وَإِذَا القَضَاءُ أَتَى بِأَمْرٍ لازِمٍ ... أعْشَى العُيُونَ وَطاشَتِ الأحْلامُ
(3/ 375)
(1/47)

-49 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه): [من الوافر]
كَبِيْرُ الشَّرِّ أوَّلُهُ صَغِيْرٌ ... كذاكَ الحَرْبُ يَقْدُمُها الكَلَامُ
(4/ 373)

-50 -
وله: [من الوافر]
أآباء الكرام فَنُوا فَقَلُّوا ... أمِ الأبناءُ كُلُّهُمُ لِئامُ
(1/ 195)

-51 -
وله: [من الطويل]
جِيادٌ مَلأْنَ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ... عَلَيْها رجالٌ يَطْلُبُونَ الغَنائِمَا
(3/ 210)

-52 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه): [من الوافر]
عَطَاياهُ الرَّغَائِبُ والصَفَايَا ... فَدَع عَنكَ الأَنَامَ وَسَل كَرِيما
(4/ 81)

-53 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه):
يُعَانِدُ الدَّهرُ الكَرِيَمَ ... وَيرُفَعُ النَذْل اللَّئِيما
(5/ 503)
(1/48)

-54 -
[يقول كاتبه]:
كُنْتُ قَدْ تَوَجَّهْتُ إِلَى بَلْدَةِ النِّيْلِ في أَوَاخِرِ شَعْبانَ مِنْ شُهُوْرِ سَنَةِ سِتٍّ وَثَمانِيْنَ وَسِتِّمِائَةٍ صُحبَةُ قاضِيْها جَمال الدِّيْنِ يُوْسُفِ بن أبِي الجَّيْشِ فَأَرادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قاضِي القُضَاةِ عزّ الدِّيْنِ ابن الرّكابِيّ كِتابًا يُهَنِّيْهِ بِشَهْرِ الصِّيامِ وسألني أَبْياتًا يَكْتبُها في صَدْرِ الكِتابِ فَقُلْتُ مُرْتَجِلًا:
أَعاد اللَّهُ أَيَّامَ الصِّيامِ عَلَى ... قُطْبِ الشَّرِيْعَةِ أَلْفَ عامِ
عَلَى قاضِي القُضاةِ وَمَنْ عَلَاهُ ... يَحِلُّ عَنِ الضَّرِيْبِ أَو المسَامِي
وَأَنْفَذَ حكْمَهُ شَرْقًا وَغَرْبًا ... وَبَلَّغَهُ بِها كُلَّ المَرامِ
أَمَالِكنا وَسَيِّدنَا جَمِيْعًا ... وَمَوْلَانا الإِمَامُ ابنُ الإِمَامِ
وَمَنْ دَانَت بِطاعَتِهِ البرَايَا ... فَبَثَّ العَدْلَ في كُلِّ الأَنَامِ
وَأَوْضَحَ نَهْج هَذَا الحَقِّ رُشْدًا ... وَعَلَّمَنا الحَلَالَ مِنَ الحَرَامِ
تَهَنَّى بِصَوْمِكَ المَيْمُوْنِ واسْلَمْ ... لأَهْلِ العِلْمِ وابْقَ عَلَى الدَّوامِ
(2/ 160)

-55 -
كاتبهُ (عفا اللَّه عنه):
أستغفِرُ اللَّه آخر الكَلِم ... مِن عَثَراتِ اللِّسانِ والقَلمِ
وفاحشات كتبتها بيدي ... وخطوات زللن بالقدم
ومن زمان أضعته سفهمًا ... في ترهات القريض والحكم
وموبقات ركبت أخطرها ... أما بقلبي وهاجرات فمي
أتوب مما جنيتُ معتذرًا ... بفيض الدموع والندم
يا رب عفوًا فأنتَ مع ال ... قدرة ذو رحمةٍ وذو كرم
(1/49)

هب لي ذنوبي وعافني أبدًا ... من البلايا وسائر النقم
أسألك اللطف والسلامة وال ... رضوان عني وخير مختتم
(5/ 535)

-56 -
كاتبه (عفا اللَّه عنه): [من الطويل]
فَتًى يُنصِفُ المظلومَ مِنْ ذاتِ نَفسِهِ ... حياءً لوَجهِ اللَّهِ لا خَوفَ حاكِمِ
(4/ 180)

-57 -
كَاتبهُ (عفا اللَّه عنه):
وَقدْ تُوقَدُ النيرانُ للكَيّ لا القرَىْ ... وَتبْسمُ لا لِلبِشْرِ بيْضُ الصوارم
(5/ 293)

-58 -
كاتبهما (عفا اللَّه عنه): [من الكامل]
إنَّ الوِلَايَةَ لا تَدُوْمُ وَإِنما ... يَبْقَى فعالُ الخَيْرِ والإِحسانُ
فاصنع جميلًا وانتهزها فرصةً ... من قبل أن يتعذَّرَ الإمكانُ
(2/ 349)

-59 -
كَاتَبُه (عفا اللَّه عنه):
لَهُ وَجْهٌ كَأنَّ الشَّمْسَ فِيْهِ ... فَمَا تَسْطيعُ تنظرُهُ العُيونُ
تَحَجَّبَ بِالمَهابَةِ وَهُوَ طَلْقٌ ... لِرَاجِيْهِ وَوَقَّرَهُ السُّكُوْنُ
(5/ 10)
(1/50)

-60 -
وله: [من المتقارب]
جيادٌ مسوَّمَةٌ عندنا ... لحربِ العدوِّ وفرسانُها
(3/ 210)

-61 -
كَاتبهُ (عفا اللَّه عنه): [من البسيط]
تَرَى اللِّئامَ يَعافُوني وَأَهجُرُهُم ... كَما الكِرامُ أَخِلَّائِي وَإِخوانِي
(3/ 128)

-62 -
كَاتبهُ (عفا اللَّه عنه):
رَأَيتُ العِزَّ أَجمَلُ مَا تَرَدَّى ... بِهِ حُرٌّ وَأَقبِح بِالهَوانِ
فَأَقْدِمْ إِنْ أَرَدْتَ عَلَى المَعَالِي ... وَإِلَّا فَاطَّرِحْ عَنْكَ الأَمَانِي
وَعِشْ فَرْدًا وَطِبْ بِالفَقْرِ نَفْسًا ... وَلَا تَخفَلْ بِأبْنَاءِ الزَّمَانِ
(3/ 299)

-63 -
وله أيضًا:
رَأَيتُ العِزَّ في ضَربٍ وَطَعْنٍ ... وَتَلْتَصِقُ المَذَلَّةُ بِالجبَانِ
(3/ 299)
(1/51)

-64 -
كاتبه: [من البسيط]
اسْتَرْزِقِ اللَّهَ وَاطْلُب مِنْ خَزَائِنِهِ ... فَفَرْجَهُ اللَّه بَيْنَ الكافِ والنُّوْنِ
(2/ 128)

-65 -
وله: [من الوافر]
صديقك من عدِّوك ليس يخفى ... وعنوان الدعاوى في العيونِ
تخبِّرُك العيونُ بما أَجَنَّتْ ... ضمائِرُهَا من السِّرِّ المصونِ
(4/ 29)

-66 -
كَاتِبهِ أَيْضًا (عفا اللَّه عنه):
إِذَا مَا المَرْءُ شَابَ وَلَمْ تَعِظْهُ ... تَجَارِبُهُ فَلَيْسَ لَهُ انْتِبَاهُ
يَسُرُّ المَرْءَ طُوْلُ العمْرِ جَهْلًا ... وَطُوْلُ العُمْرِ يَفْعَلُ مَا تَرَاهُ
وَمَنْ عرفَ الزَّمَانَ أَطَاعَ قَسْرًا ... أَوَامِرَ وَتَابَعَ مَا قَضَاهُ
فَطِبْ نَفْسًا بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ... وَدَافِعْ مَا أستَطَعْتَ بِمَا سِوَاهُ
(5/ 112، 494)

-67 -
[يقول كاتبه: ]
كُنْ مِنْكَ لِمَا لا تَرجُو أَرجَا مِنْكَ لِمَا تَرجُو، فَإِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ ذَهَبَ لِيُقْبِسَ نَارًا فَكَلَّمَهُ اللَّهُ كَلِيْمًا تكليمًا.
(1/52)

قَالَ المُؤَلِّفُ لِهَذَا الكِتَابِ وكَاتِبهُ (عفا اللَّه عنه): قَدْ نَظَمْتُ هَذَا المَعْنَى فِي بَيْتَيْنِ وَزِدتُ عَلَى المَعْنَى ذِكْرَ التَّوَكُّلِ فَقُلْتُ: [من الخفيف]
لَا تُطِيْلُو لَدَيَّ التَّوَكُّلَ قَوْلَا ... وَاسْمَعُوْهُ فِيْمَا أَقُوْلُ وَعُوهُ
كُلُّ ما لَسْتُ أَرتَجِيْهِ فَأوْلَى ... بِرَجَاءٍ مِنْ كُلِّ مَا أرجُوهُ
فَجَاءَ كَمَا تَرَاه وَأَنَا اسْتَحْسَنتُهُ وَهَذا مِنْ بَابِ نَظْمِ المشهور وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي التَّرْجَمَة.
(1/ 119، 3/ 250)

-68 -
كَاتبهُما رحمَهُ اللَّهُ: [من الوافر]
أَلَا يَا مُوقدًا للحربِ نَارًا ... يُؤجّجُهَما هَلُمَّ لِنَصطلِيهَا
أَتُنشِبُهَا وَتهربُ من لَظاهَا ... رُويدًا سَوفَ تَصلَى مَا يَليهَا
(3/ 40)

-69 -
وله: [من الوافر]
أَلا يا نفسُ أَنْ تَرْضَيْ بقوتٍ ... فَأَنْتِ عَزِيزَةٌ أبدًا غَنِيَّهْ
دَعِي عَنْكِ المَطَامِعَ والأَمَانِي ... فَكَمْ أمنيَّةٍ جَلَبَتْ مَنِيَّهْ
(3/ 40)

مؤلفاته:
- الدر الفريد وبيت القصيد: وهو هذا الكتاب.
وقد حصلنا على صورته المطبوعة من قبل الدكتور فؤاد سزكين (معهد تأريخ العلوم العربية والإسلامية) في إطار جامعة فرانكفورت، وقد طبع عن مخطوطة مجموعة فاتح، مكتبة السليمانية - استانبول، المرقمة 3761.
(1/53)

- مختارات من مقالات شيخه محي الدين، محمد بن أحمد بن أبي الكرم البقلي: وهي بخط ابن ايدمر نفسه، وتأريخ نسخها 669 ه، وهي محفوظة في مكتبة ملا جلبي - فرع من مكتبة السليمانية في استانبول برقم 33، وتقع في 215 ورقة (1).

مصادر ترجمته:
- مجمع الآداب في معجم الألقاب: لكمال الدين، عبد الرزاق بن أحمد المعروف بابن الفوطي الشيباني المتوفى عام 723 ه، تحقيق: محمد الكاظم، 3/ 282 - 281.
- معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة 9/ 82.
- أعيان الشيعة: للسيد محسن الأمين العاملي (الطبعة الكبيرة) 13/ 368.

النسخة المعتمدة في التحقيق:
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب وإخراجه بهذا الشكل على النسخة المصورة من قبل الدكتور فؤاد سزكين وقد أشرت إليها عند ذكر مؤلفات ابن أيدمر.
* * *
__________
(1) مقدمة ناشر مخطوطة الدر الفريد 1/ 6.
(1/54)

صفحة العنوان من المخطوطة
(1/55)

الصفحة الأولى من المخطوطة (المقدمة)
(1/56)

الصفحة الأخيرة (184) من المقدمة
(1/57)

الصفحة الأخيرة لحرف الياء
(1/58)

الصفحة الأخيرة لكامل المخطوطة
(1/59)

منهجي في التحقيق:
- اتبعت في تحقيق "الدر الفريد" الذي أنشره اليوم، المنهج نفسه الذي اتبعته فيما نشرت من نصوص قبل ذلك، وهو تقديم نصّ سليم للكتاب مع ضبطه والتعليق عليه وشرح مصطلحاته، ومقابلة نصوصه على مصادرها أو على ما نقله عنه المتأخرون، مع الإحالة إلى الأعمال العلمية الحديثة قدر الإمكان.
ولا بد لي من الإشارة إلى أن مقدمة الكتاب الواسعة التي أوردها المؤلف يظهر منها أنه أفاد كثيرًا من كتاب البديم لعلي بن أفلح، وقد نشرت مؤخرًا بتحقيق الأستاذ إبراهيم صالح في دمشق.
- في النسخة سقط كثير بعضه من الأصل والآخر من التصوير وقد عالجت بعضه من المصادر المتوفرة، وما لم أتمكن من معالجته وضعت نقاطًا بمحله.
- صححت الأخطاء التي وقفت عليها مهما كان منشؤها، وأشرت إلى ذلك في الهامش.
- لغرض إيضاح أبيات الشعر "أبيات القصيد" وتمييزها جعلتها بحرف أسود كبير، ووضعت أمامها ارقامًا متسلسلة تبدأ من أول بيت في أول حرف إلى آخر بيت في آخر حرف.
- لما كانت حواشي المؤلف التي وضعها في يمين المخطوطة ويسارها أكبر حجمًا وأكثر مادة من أصل الكتاب، متممة للأبيات، فقد جعلت كل حاشية تحت بيت القصيد، وقد ميّزتها بحرف أصغر من البيت المرقم الممّيز بالأسود.
- قمت بتخريج الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة، والأمثال، وأشرت إلى مصادرها وأماكن وجودها.
- أما الهوامش التي تعود لي وهي مصادر الأشعار التي أوردها المؤلف، كالدواوين والمجاميع الشعرية والكتب الأخرى وبعض التعليقات فقد جعلتها في نهاية كل صفحة.
(1/60)

- قمت في بداية العمل بتفسير كل لفظة يفتقر إلى معرفتها المبتدئون، ثم عدلت عن ذلك واقتصرت على تفسير الألفاظ التي ربما وقف عندها الكثير من القرّاء.
- كما أني اطلعت على المقدمة التي حققها الأستاذ الدكتور وليد محمود خالص وصدرت عن المجمع الثقافي في أبي ظبي.
ثم اطلعت بعدها على المقدمة التي حققها الدكتور مصطفى حسين عناية والصادرة عن عالم الكتب الحديث في اربد - الأردن.
- ترجمت في بداية الأمر كل علم من أعلام الكتاب، خصوصًا أصحاب الأشعار التي أوردها المؤلف ولم يترجمها أو لم يترجمها بصورة كاملة، ولما رأيت ذلك قد أثقل الهوامش وطغى عليها بحيث أفقدته مزيّته، فقد جعلت ما استطعت من توفيره في مجلد خاص بنهاية الموسوعة.
- جعلت في نهاية الموسوعة فهرسًا فنيًا عامًا بمواضيعها، الآيات الكريمة، الأحاديث النبوية الشريفة، الشعر وقائليه، الأعلام، فهرس القوافي، الأماكن والبلدان وقد أوردت أرقام حسب صفحات المخطوط وليس حسب صفحات المطبوع.
- أرجو أن أكون قد قمت بما يتوجب عليَّ في إخراج هذا السفر.

شكر وتقدير:
لا يسعني إلّا أن أسجل شكري وامتناني لجميع من ساهم وأعان على تصحيح أصل الكتاب وتصوير مخطوطته، وتقديم مراجع تحقيقه، ومقابلة تجاربه الطباعية، وأخصّ منهم بالذكر:
- العلامة الفاضل المغفور له الأستاذ علي محي الدين.
- الأستاذ المحقق أحمد زكي الأنباري.
- المحقق الثبت الدكتور عباس هاني الجراخ.
(1/61)

- العلامة المحقق المغفور له الأستاذ هلال ناجي لتفضله بإعارتي عددًا كبيرًا من المصادر والدواوين.
وأخيرًا، جزيل شكري وامتناني للحاج محمد علي بيضون صاحب دار الكتب العلمية ببيروت الذي وفّر كافة المستلزمات وذلل المصاعب من أجل ظهور هذه الموسوعة بشكل محقق علميًا وعلى هذه الصورة الرائعة.
جزاه اللَّه ولكل العاملين في هذه المؤسسة خير جزاء المخلصين.
وإلى الجميع خالص شكري وامتناني.
جمهورية العراق - الكوفة
1 محرم الحرام 1434 ه
د. كامل سلمان الجبوري
(1/62)

الدر الفريد وبيت القصيد

تأليف
محمد بن أيدمر المستعصمي (639 ه - 710 ه)

تحقيق
الدكتور كامل سلمان الجبوري

تقديم
أ. د نوري حمودي القيسي

[المجلد الأول]

القسم الأول من الجزء الأول
مقدمة المؤلف
(1/63)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
الحَمْدُ للَّهِ وَالصَّلَاة وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُوْلِ اللَّهِ وَآلِهِ خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ.
وَبعْدُ فَهَذَا كِتَابُ الدُّرِّ الفَرِيْدِ وَبَيْتِ القَصِيْدِ بِخطِّ مُؤلِّفِهِ العَالِمِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدُ بنُ أيْدَمِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قَالَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ خُطْبَةٍ بَلِيْغَةٍ وَتَرْجَمَةٍ لَطِيْفَةٍ بَدِيْعَةٍ وَمُقَدِّمَةٍ مُتَضَمِّنَةٍ شَطْرًا مِنَ البَيَانِ:
(1/65)

[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والحمد للَّه رب العالمين
الحَمْدُ للَّهِ الفَرْدِ الأحَدِ الوِتْرِ الصَّمَدِ المُبَرَّأَ مِنَ الثَّنِيَةِ وَالعَدَدِ، المُنَزَّهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالوَلَدِ، المُبَجَّلِ عَنِ الكُفْوِ وَالعَضُدِ (1)، المُمَجَّدِ عَلَى الدَّوَامِ وَالأبَدِ، المُسَبَّحِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، المُقَدَّسِ الأَسْمَاءِ وَالصفَاتِ، المَعْبُودِ في كُلِّ الأوْقَاتِ (2) بِجَمِيعِ
__________
(1) قولكُ: ظنَنْتُ زَيْدًا. . .، وَإذَا ثُنِّيَ ابن أَوْ جُمِعَ. . . آخِرِهِ أوْ كَانَ ابْتِدَاءً لَيْسَ قَبْلَهُ اسْمٌ. . . فِي الاتِّصَال مِنْ أَوَّلِهِ بِابْنَكَ وَلابْنَكَ. . . ابنُهُ وَابْنِي وَأبْنَنَا، وَالتَّثْنِيَةُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو. . . وَالأَصْلِ أَنْ تُثَيَّتَ الأَلِفَ في ابْنٍ علي كُلِّ حَالٍ ولكن .... اصْطَلَحُوا عَلَى مَا أَخْبَرْتَكَ. وَتُكْتَبُ هَذِهِ هِنْدُ ابْنَةُ زَيْدٍ بإثبات الأَلِفِ، وَالهِنْدَانِ ابْنَتَا عَمْرٍو، وَكَذَلِكَ اثنتَانِ بِإِثبَاتِ الأَلِفِ وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ. وَلُغَةٌ أُخْرَى يَطْرَحُونَ مِن ابْنَةَ الأَلِفَ مِنْ ابْنَتَيْنِ فَيَقُوْلُوْنَ هِنْدٌ بِنْتُ زَيْدٍ، لَهُ جَارِيَتَانِ ثِنتانِ. يُقَاسُ عَلَى هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أبُو سَعِيْدٍ الرُّسْتُمِيُّ فِي إسْقَاطِ الأَلِفِ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ (1):
أفِي الحَقِّ أَنْ يُعْطَى ثَلَاثُوْنَ شَاعِرًا ... وَيُحْرَمُ مَا دُوْنَ الرَّضيّ شَاعِرٌ مِثْلِي
وأَلْحَقْتُ وَاوٌ بِعَمْرُو زِيَادَةً ... وضُويقَ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَلِفِ الوَصْلِ
(2) فِي رَكَعَ ---- للَّهِ
وَإِذَا رَجُل يَضْرِبُ عَلَى -- فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْر --
مِنْهَا. قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ --
لِسَانَهُ وَقَلْبَهُ دَخَلَ مِنْ أَيٍّ مِنْ أَبْوَابِ الجَّنَّةِ الثَّمَانِيَةَ شَاءَ. --
_______
(1) البيتان في خاص الخاص ص 67، 174. =
(1/66)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أَنَّهُ لَقَيَ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ مَا لِي أَرَاكَ وَاجِمًا؟ قال: كلمة. . .
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوْجِبَةً لَمْ أَسْأَلْهُ عَنْهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا أَعْلَمُ مَا هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
الحَمِيْدِيُّ فِي (الجَّمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ) فِي مَسْنَدِ أَبِي ذَرٍّ فِي الحَدِيْثِ الثَّالِثِ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ غدهِ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَانِي جِبْرِيْلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يَشْرِكُ بِاللَّهِ، دَخَل الجَّنَّةَ. وَفِي رُوَايَةٍ: لَمْ يَدْخلِ النَّارَ.
وَرَوَى الحَمِيْدِيُّ فِي الجَّمْعِ بَيْنَ الصَّحِيْحَيْنِ أَيْضًا فِي مَسْنِدِ غَسَّان بن مَالِكٍ حَدِيْثًا وَاحِدًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ النار على مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَهُ.
وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا احتضر الميت فَلَقِّنُوْهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فإنه ما مِنْ عَبْدٍ غيم لَهُ بِهَا عِنْدَ مَوْتهِ إِلَّا كَانَتْ زَادَهِ إِلَى الجَّنَّةِ.
وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: كَلُّ أُمَمِ الاحياء بَعْضهُمْ فِي النَّارِ وَبَعْضهُمْ فِي الجَّنَّةِ إِلَّا أُمَّتِي لَا أَسْتَقِرُّ حَتَّى يدخل كُلُّهَمْ الجَّنَّةَ.
رَوَى العَلَاءُ بن زَيْدَ. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابنِ سِيْرِيْنَ وَعِنْدَهُ شهر بن حَوْشَبَ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ قُلْتُ لِشهْرٍ: زَوِّدْنِي زَوَّدَكَ اللَّهُ زَوِّدْنِي يَرْحَمْكَ اللَّهُ. قَالَ: نَعَمْ. أَخْبَرَتْنِي عَمَّتِي أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جِبْرِيْلَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: يَقُوْلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي إِمَا عَبَدْتَنِي وَرَجَوْتَنِي وَلَمْ تشْرك بي شَيْئًا، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا فِيْكَ وَلَوْ اسْتَقْبَلتنِي بِمِلء الأَرْضِ خَطَايَا وَذُنُوْبًا، اسْتَقْبَلْتكَ ملْؤُهَا رَحْمَةً فَأَغْفِرُ لَكَ ولا أُبَالِي.
وَحَدَّثَ محمد بنِ القَاسَمِ قَالَ حَدَّثنَا إِسْمَاعِيْلُ بن إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثنَا ابنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثنَا مَالِكٌ عَنِ العَلَاءِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَن عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيْهِ =
(1/67)

العِبَادَاتِ، المَقْصُوْدِ مِنْ كُلِّ الجِّهَاتِ بِأنْوَاعِ الإِشَارَاتِ وَصُنُوفِ العِبَارَاتِ، الَّذِي أقَرَّتْ شَاهِدَةً بِثُبُوْتِ رُبُوبِيَّتِهِ الضَّمَائِرُ وَالأَفْوَاهُ، وَخَرَّتْ سَاجِدَةً لِجَلَالِ هَيْبَتِهِ الأَذْقَانُ وَالجِبَاهُ، وَقَرَّتْ مُشَاهِدَةً لِهَوْلِ قُدْرَتِهِ العُيُوْنُ بِمَا تَرَاهُ، وَاسْتَقَرَّتْ جَاهِدَةً في الدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَأنْ لَا إلَهَ سِوَاهُ دَقَائِقُ لَطَائِفِ حِكْمَتِهِ، وَبَدَائِعُ طَرَائِفِ صنْعَتِهِ فِيْمَا خَلَقَهُ وَسَوَّاهُ، وَذَرَاهُ وَبَرَاهُ، وَأَعَادَهُ ثُمَّ أبْدَاهُ، فَتَبَارَكَ الَّذِي هُوَ في كُلِّ شَيْءٍ (1) مَوْجُوْدٌ وَبِكُلِّ مَعْنًى إلَهٌ.
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].
أَحْمَدُهُ وَالحَمْدُ غَايَةُ مَنْ شَكَرَ، وَأَذْكُرُهُ ذِكْرًا كَثِيرًا كَمَا أمَرَ، وَأسْتَغْفِرُهُ وَهُوَ أوْلَى مَنْ غَفَرَ، وَأُؤمِنُ بِهِ إرْغَامًا لِمَنْ جَحَدَ وَكَفَرَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ فَلَا شَرِيْكَ لَهُ، شَهَادَةً مُوَطَّدًا بِالإِيْمَانِ أرْكَانُهَا (2)، مُشَيَّدًا بِالإِيْقَانِ
__________
= غَيْرِي فَهُوَ لَهُ كُلَّهُ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيْءٌ وَأَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشّرْكِ.
(1) شَيْءٌ جَمْعُهُ أَشْيَاءَ قَالَ الخليل بن أَحْمَدَ وَزْنُ أَشْيَاءَ لَفْعَاءَ مُتَقَدِّمَةً اللَّام عَلَى الفَاءِ. وَقَالَ غَيْرُهُ جَمْعُهَا أَفْعَالُ فَكَأَنَّ الهَمْزُ فِي شَيْءٍ مَذْهَبُ الخَلِيْلِ نُقِلَتْ إِلَى أول. . . بقيَ آخِرَهَا.
ألف التأنيث، فهي لا. . .
أَلِفًا كَحَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ. . .
لأَنَّهَا جَمْعٌ تَعَدَّى. .
(2) يُرْوَى أنَّ المُنْذِرَ بنِ الجاوْرِد العَبْدِيُّ سَأَلَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السلام وَهُوَ يَخْطِبُ يَوْمَ فتحِ البَصرَةَ فَقَالَ لَهُ: يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ مَا الجَّمَاعَةُ وَمَا الفَرْقَةُ وَمَا السُّنَّةُ وَمَا البِدْعَةُ؟ قَالَ: أمَّا الجَّمَاعَةُ فَأَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَإنْ قَلُّوا، وَأمَّا الفَرْقَةُ فَالمُخَالِفُوْنَ لِي وَلِمَنْ اتَّبَعَنِي وَإنْ كَثُرُوا، وَأمَّا السُّنَّةُ فَمَا سَنَّهُ اللَّهُ وَرَسُوْلُهُ، وَأمَّا البِدْعَةُ فَكُلَّمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُوْلهِ.
قَالَ المُنْذِرُ: يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ فَصِفْ لنَا أَحْوَالَ الإيْمَانِ. فَقَالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ شَرَعَ =
(1/68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الإِسْلَامَ لِخَلْقِهِ وَاصْطفَاهَا لِنَفْسِهِ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ عَلَى مَنْ وَرَدَهُ، وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ عَانَدَهُ، جَعَلَهُ سُلَّمًا لِمَنْ دَخَلَهُ، وَدِيْنًا لِمَنْ انتحَلَهُ، وَشَرَفًا لِمَنْ عَرِفَهُ، وَعِزًا لِمَنْ وَصَفَهُ، وَبُرْهَانًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَحُجَّةً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وَعِلْمًا لِمَنْ عَمِلَ بِهِ، وَحِكْمَةً لِمَنْ نَطَقَ بِهِ، وَحَبْلًا وثيْقًا لِمَن اعْتَصَمَ بِهِ، وَنَجَاةً لِمَنْ آمَنَ بِهِ. فَالإيْمَانُ مَنْهَجُ الحَقِّ، وَالحَقُّ سَبِيْلُ الهَدَى، وَالهُدَى سَبْقَةُ الحَلْبَةِ، فَهُوَ أَبْلَجُ مِنْهَاجٍ وَأَنْوَرُ سِرَاجٍ وَأَرْفَعُ غَايَةٍ وَاضِحُ البَيَانِ عَظِيْمُ البُرْهَانِ الأَمْنُ وَالصَّالحِاتُ مِنْهَا وَبِالأَمِنْ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وبِالصَّالِحَاتِ يَعمّ الفقْهُ وَبَالفقْهِ يُرْهبُ المَوْتُ وَبِالمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وَبِالدَّنْيَا تُحَازُ الآخِرَةُ وَفِي الآخِرَةِ حَسْرَةُ أَهْلِ النَّارِ وَذِكْرُ النَّارِ مَوْعِظَةِ أَهْلِ التَّقْوَى.
الإيْمَانُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى الصَّبْرِ وَاليَقِيْنِ وَالعَدْلِ وَالحَقِيْقَةِ فَالصَّبْرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الشَّوْقِ وَالإِشْفَاقِ إِلَى الجَّنَةِ سَلَا عَنْ الشَّهَوَاتِ وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ ارْتَدَعَ عَنِ المُحَرَّمَاتِ وَمَنْ زَهِدَ هَانَتْ عَلَيْهِ المُصِيْبَاتُ وَمَنْ ارْتَقَبَ المَوْتَ أَسَرَعَ فِي دَفْعِ الخَيْرَاتِ.
وَاليَقِيْنُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى تَبْصِرَةِ الفَطِيْنَةِ وَتأَوُّلِ الحِكْمَةِ وَمَوْعِظَةِ العِبْرَةِ وَمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ أَبْصَرَ الفِطْنَةَ تَأَوَّلَ الحِكْمَةَ وَمَنْ تأَوَّلَ الحِكْمَةَ عَرفَ العِبْرَةَ وَمَنْ عَرفَ العِبْرَةَ أَدْرَكَ السُّنَّةَ وَمَنْ أَدْرَكَ السُّنَّةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الهُدَاةِ الأَوَّلِيْنَ.
وَالعَدْلُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى غَائِصِ الفَهْمِ وَرَوْضةِ العِلْمِ وَشَرَائِعِ الحِكْمِ وَزَهْرَةِ الحِلْمِ مَنْ فَهِمَ فَسَّرَ جُمَلَ العِلْمِ وَمَنْ فَسَّرَ جُمَلَ العِلْمِ شَرَعَ الحُكْمَ وَمَنْ شَرَعَ الحُكْمَ عَرِفَ الحِلْمَ وَمَنْ حَلِمَ لَمْ يَفرطْ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيْدًا.
وَالجهَادُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى الأمْرِ بِالمَعْرُوْفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ وَالصِّدْقِ فِي المَوَاطِنِ وَشَنآنِ الفَاسِقِيْنَ وَمِنْ أَمَرَ بالمَعْرُوْفِ شَدَّ ظُهُوْرَ المُؤْمِنِيْنَ وَمَنْ نَهَى عَنِ المُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوْفُ المُنَافِقِيْنَ وَمَنْ أَرْغَمَ أُنُوْفُ المُنَافِقِيْنَ صَدَقَ فِي المَوَاطِنِ وَمَنْ صَدَقَ فِي المَوَاطِنِ شَنِئَ الفَاسِقِيْنَ وَمَنْ شَنِئَ الفَاسِقِيْنَ غَضَبَ للَّهِ فَغَضِبَ اللَّهُ لَهُ.
فَقَامَ إِلَيْهِ عَمَّارُ بنُ يَاسِرَ وَقَالَ يا أمِيرُ المُؤْمِنِيْنَ وَصَفْتَ أَحْوَالُ الإِيْمَانِ فَصِفْ لنَا أَحْوَالَ الكُفْرِ. =
(1/69)

بُنْيَانُهَا (1)، مُهذَبًا مَذْهَبُهَا، صَافِيًا مَشْرَبُهَا، مُوَافِقَةً لِلإِخْلَاصِ مُطَهَّرَةً مِنَ النِّفَاقِ، مُدَّخَرَةً لِيَوْمِ التَّلَاقِ (2).
__________
= قَالَ: نَعَمْ يا أبَا اليَقْظَانِ بُنِيَّ الرَّدُّ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى الجَّفَاءِ وَالعَمَى وَالغَفْلَةِ وَالشَّكِّ. فَمَنْ جَفَا الحَقَّ جَهَرَ بِالبَاطِلِ وَمضنْ جَهَرَ بِالبَاطِلِ مَقَتَ العُلَمَاءَ وَمَنْ مَقَتَ العُلَمَاءَ عَمِيَ عَنْ الذِّكْرِ وَمَنْ عَمِيَ عَنْ الذِّكْرِ غَفِلَ عَنْ الرُّشْدِ وَمَنْ غَفِلَ عَنْ الرُّشْدِ شَكَّ فِي اليَقِيْنِ وَمَنْ شَكَّ فِي اليَقِيْنِ حَادَ عَنِ السَّبِيْلِ وَمَنْ حَادَ عَنِ السَّبيْلِ كَفَرَ بِرَبِّهِ فاحتقّتِ الحَسْرَةَ وَالنَّدَامَةَ يَوْم القِيَامَةِ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَال: يا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ أَخْبِرْنَا عَنْ. قَالَ: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ بَعَث النَّبيِّيْنَ مبشرين ومنذرين، فصدّقهم مُصَدَّقُوْنَ وَكَذَّبَهُمْ مُكَذِّبُوْنَ كَذَّبَهُمْ مِنْ صدَقَهُمْ فَأَظْهَرَهُمُ اللَّهُ. فَمِنْهُمْ المُنْكِرُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ بِذَلِكَ خِصَالٌ لَهُمْ وَمِنْهُمْ المُنْكِرُ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ تَارِكٌ له بِيَدِهِ فقال خِصَالُ الخَيْرِ المُنْكِرُ فَمُنْكِر قَلْبهُ تَارِكٌ له بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ خِصَالَ الخَيْرِ وَمِنْهُمْ له لِسَانِهِ.
(1) رَوَى أَبو الصَّلْتِ الهَرَوِيُّ قَالَ: حَدَّثنَا عَلِيُّ بن مُوْسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيْهِ عن مُحَمَّد بن عَلِيّ عَنْ أَبيْهِ عَلِيُّ بن الحُسَيْن عَنْ أَبِيْهِ مُحَمَّد بن عَلِيّ بن الحُسَيْن بن عَلِيّ عَنْ أَبِيْهِ عَلِيّ بن أَبي طَالِبٍ عَنْ رَسُوْلِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: الإِيْمَانُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَقْلٌ بِالقَلْب وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ. فَأَوَّلُ دَرَجَاتِ الإِيْمَانِ دَرَجَةُ الإِسْلَامِ الَّتِي هِيَ إِظْهَارُ الشَّهَادَتَيْنِ بِاللًّسَانِ وَيتبَعُهُا التَّصْدِيْقُ وَهُوَ عَقْدٌ بالقَلْبِ وعمل بالجَّوَارِحِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ وَرَسَمَهُ رَسُوْلُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمّتهِ.
الشقشقة: ما يخرج مِنْ فَمِ البَعِيْرِ.
وسئل أبو عبد اللَّه جَعْفَرُ بن مُحَمَّدِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الإِيْمَانِ أَهُوَ قَوْلٌ وَعَمَل قَوْلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ يُقَالُ الإِيْمَانُ كُلُّهُ عَمَلٌ مِنَ تَضْمُنُ ذَلِكَ العَمَلِ.
وَلَا يُقَال القَلْبُ فِيْمَا يَعْتَوِرُهُ مِنَ التَّصْدِيْقِ دُوْنَ العَمَلِ بِالجَّوَارِحِ كَمَا لَا يُغْنِي العَمَلُ بِالجَّوَارِحِ دُوْنَ العَقْدِ بِالقَلْبِ ذلك بِجِمْلَتِهِ هُوَ الإِيْمَانُ الَّذِي بِمَعْرِفَتِهِ. . . نكون أبناء.
(2) عَلِيُّ بنُ الفَضْلِ الكَاتِبِ المَعْرُوف بِابِنِ صُرَّدُرَّ (1):
_______
(1) ديوان صردر ص 88. =
(1/70)

وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَبِيُّهُ وَأمِيْنُهُ، وَوَلِيُّهُ وَنَجِيّهُ، وَحَبيْبُهُ وَصَفِيُّهُ، المُؤَيَّد بِاللَّسَنِ وَالبَرَاعَةِ، المُدَّخَرُ فِي المَعَادِ لِشَرَفِ الشَّفَاعَةِ، أرْسَلَهُ وَشَقَاشِقُ الفُجُوْرِ هَادِرَةٌ، وَصَوَاعِقُ الشُّرُوْرِ هَامِرَةٌ، وَحَنَادِسُ الضَّلَالِ دَاجِرَةٌ، وَدَوَائَرُ الشَّقاءِ دائَرَةٌ، وَبِحَارُ الإِفْكِ زَاخِرَةٌ، وَأعْوَانُ الشِّرْكِ مُتَظَاهِرَةٌ، حِيْنَ اشْمَخَرَّ مِنَ الكُفْرِ طُغْيَانُهُ، وَاسْتَمَرَّ عُدْوَانُهُ، وَأَجْلَبَ شَيْطَانُهُ، وَالتَهَبَتْ فِي الخَافِقَيْنِ نِيْرَانُهُ، وَسَتَرَ شَمْسَ اليَقِيْنِ دُخَانُهُ، وَعُبدَتْ مِنْ دُوْنِ الحَقَ المُبِيْنِ أوْثَانُهُ، فَاقْتَحَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَيْرَانَهُ، وَدَحَرَ شَيْطَانَهُ وَأخْرَسَ شَقَاشِقَهُ، وَأخْنَسَ مُنَافِقَهُ، وَلَمْ يَزَلْ يُطْفِئُ بِالإِيْمَانِ ضرَامَهُ، وَيُبْرِيءُ بِالقُرْآنِ سَقَامَهُ وَيَجْلُو بِالإِيمانِ قَتَامَهُ وَيَعْلُو بِحَوْلِ ذِي الجَّلَالِ وَالإكْرَامِ أصْنَامَهُ، مُشَمِّرًا فِي ذَاتِ اللَّهِ بِالقَوْلِ وَالفَعَالِ، مُدِيلًا بِسَيْفِهِ لِلحَقِّ المُذَالِ (1)، سَاطِعًا فِي البِلَادِ نُوْرُهُ، قَاطِعًا لِلْعِنَادِ ظُهُوْرُهُ، مُبَشِّرَةً بِالفَلَاحِ أسَارِيْرُهُ،
__________
= لَكَ المَثَلُ الأعْلَى بِكُلِّ فَضِيْلَةٍ ... إِذَا مَلأَ الرَّاوِي بِهَا الغَوْرَ أَتْهَمَا
لآلِئُ مِنْ بَحْرِ الفَضَائِلِ إِنْ بَدَتْ ... لِغَائِصهَا صلَّى عَلَيْهَا وَسَلَّمَا
(1) يتِيْهُ رِمْحٌ أَبَادَ المُعْتَدِيْنَ بِهِ طَعْنًا ... وَيَفْخَرُ صَمْصَامٌ بِهِ ضَرَّا
بَكْرُ بنُ النَّطَّاحُ (1):
لَهُ قَلْبَانِ فِي بَدَنٍ فَمَنْ ذَا لَهُ ... قَلْبَانِ فِي بَدَنٍ وصيد. . . . .
فَقَلْبٌ مِنْ حَرِيْرِ حِيْنَ يَرْضَى ... وَقَلْبٌ حِيْنَ يَغْضبُ
قَالَ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّ ابن أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: كُنَّا إِذَا اشتدَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرِسُوْلِ اللَّهِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ -- أَقْرَبُ إِلَى العَمَلِ منه.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا -- مِنَ العَدُوِّ وَاشْتَدَّ عضاضُ الحَرْبِ فَزِعَ المُسْلِمُوْنَ إلى -صلى اللَّه عليه وسلم- بِنَفْسِهِ فَسَأَلَ اللَّهُ النَّصْرَ عَلَيْهُمُ -- يَخَافُوْنَهُ بِمَكَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَوَاحِدُهُمْ كَالأَلْفِ بَأَسًا وَنَجْدَةً ... وَأَلْفُهُمُ لِلعَربِ
المَوْسَوِيُّ (2):
_______
(1) لم يردا في مجموع شعره.
(2) انظر: ديوان الشريف الرضي (صادر) 1/ 329 - 331. =
(1/71)

مُيَسَّرَةً بِهِ مِنْ فَلَقِ الصِّدْقِ تَبَاشِيْرُهُ حَتَّى أخْمَدَ لَهَبَ البُهْتَانِ المُضْطَرِمِ، وَشَفَى الأَسْمَاعَ مِنَ الصَّمَمِ، وَنَفَى بِأنْوَارِهِ حَنَادِسَ الظُّلَمِ، وَوَفَى بِالعُهُوْدِ وَالذِّمَمِ، فَرَفَلَ الَّدِيْنُ فِي أذْيَالِهِ، وَتَسَرْبَلَ اليَقِيْنُ أجْمَلَ سِرْبَالِهِ، وَاعْتَدَلَ فِي جَمِيع أحْوَالِهِ، وَأقْبَلَ، عِنْدَ نَظمِهِ وَنَثْرِهِ (1).
[من الطويل]
لقُسّ عُكَاظٍ أَوْ لَقِيْطِ بْن مَعْبَدٍ ... وَعُذْرَةَ وَالمِنْطِيْقِ زَيْدِ بن جُنْدُبِ
وَأذْرَبُ مِنْ حَدِّ السِّنَانِ لِسَانُهُ ... وَأمْضَى مِنَ السَّيْفِ الحُسَامِ المُشَطَّبِ (2)
__________
= يُشَقُّ الرَّوع عَنْ ضَاحِي بُدورٍ ... بَرَزْنَ مِنَ العَجَاجَةِ فِي دآدِ
تريهم فيه مرآة المنايا ... بصدق يقينهم، وجه المعادِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَسُمِّيَتْ - لِطُلُوْع -- وَالذّرَع الأَسْوَد -- وَمَأْخُوْذٌ مِنَ ---- وَالمُحَاق لأن السهر بحق -- أَوْ لأَنَّ مَاضي القَمَر --- مِنَ البَانَةَ وَالسَّرْدِ -- لأَنَّ --.
(1) أبو داود بن جرير الأيادي (1).
(2) سُوَيْدُ بن أَبِي كَاهِلٍ (2):
وَلِسَانًا صَرْفِيًّا صَارِمًا كَحُسَامِ ... لِحُسَامِ السَّيْفِ مَا مَسَّ قَطْعُ
البُحْتُرِيُّ (3):
وإذَا تَأَلَّقَ فِي النَّدِيَّ كَلَامُهُ المَ ... صْقُوْلُ خِلْتَ لِسَانُهُ مِنْ عَضبِهِ
_______
(1) كذا ورد في هامش الأصل، والصواب: أبو دؤاد بن حريز الإيادي، والبجتان لشاعر من إياد في رثاء أبي دؤاد. انظر: البيان والتبيين 1/ 42 - 43.
(2) ديوانه 44، المفضليات رقم 40.
(3) ديوانه 1/ 164. =
(1/72)

وَجَمْهُورُ الأدَب (1) مَأخُوْذٌ مِنْ لُغَةِ العَرَبِ، وَمَا تَنَاقَلتهُ مِنَ الأَمْثَالِ وَالنُّخَبِ فِي أشْعَارِهَا وَالخُطَبِ، وَذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ [اختار من عباده] صيَّرَهَا عَرَبًا عَارِبَةً، وَسَيَّرَهَا في صَحَاصحِ (2) [البادية] وَأسْكَنَهَا حُزُوْنَ الجِّبَالِ وَسُهُولَ الفَلَوَاتِ شَارِقَةً
__________
= المُتَنَبِّيّ (1):
كَأَنَّ أَلْسِنُهُمْ فِي النُّطْقِ قَدْ جُعِلَتْ ... عَلَى رِمَاحِهِمِ فِي الطَّعْنِ خِرْصَانَا
هَارُوْنُ الرَّازِيُّ:
لِسَانًا إذَا أَدْلَى إِلَى الفِكْرِ دَلْوَهُ ... جَرَى مِنْهُ فَيْضُ العِلْمِ وَهُوَ مَعِيْنُ
وَتَنْطِقُ عَنْهُ صَامِتَاتٌ بِحِكْمَةٍ ... ظهور قَرَاطِيْسٍ لَهَا وَبُطُوْنُ
أبُو نُوَّاسٍ (2):
لِسَانَا إذَا امْتَاحَ الضَّمِيْرُ جَرَتْ لَهُ ... مِنَ الحِكَمِ الثَّرِّ الغِرَارِ مَنَابِعُ
النَّابِغَةِ الجَّعْدِيُّ (3):
جَدِيْدُ السِّنَانِ سَلِيْطُ اللِّسَانِ ... غَيْرُ عَيٍّ وَلَا مُسْهِبِ
جَرِيْءٌ عَلَى مَا غَيْرِ المُنْكَرَاتِ ... عَلَى المُرُوْءَةِ وَالمَنْصبِ
(1) جَمْهُرةُ الشَّيْءِ وَجُمْهُورُهُ أَكْثَرَهُ وَغَالِبُهُ.
(2) الصَّحَاصِحُ جَمْعُ صحْصَاعٍ وَهُوَ الطَّرِيْقُ الوَاسِعُ وَأنْشَدَ:
وَقَدْ أَجُوْبُ البَلَدُ القَرَاحَا
المرمريسَ الصَّفْصَفَ الصِّحْصَاحَا
بِالقَوْمِ لَا مَرْضَى وَلَا صِحَاحَا
وَقَدْ وَرَدَ شَارِقَةٌ وَغَارِبَةٌ. قَالَ ابنُ نُبَاتَةَ السَّعْدِيّ يَمْدَحُ الإِمَامُ القَادِرِ بِاللَّهِ (4):
_______
(1) ديوانه 4/ 228.
(2) لم يرد في ديوانه.
(3) لسان العرب (سهب).
(4) ديوانه ص 284.
(1/73)

غَارِبَةً، وَخَصَّهُم بِطيْب الأَعْرَاقِ، وَكَرَمِ الأَخْلَاقِ، وَالعِلَمِ وَالحِلْمِ، وَالعَزْمِ وَالحَزْمِ، وَالدَّهَاءِ وَالنًّجَبَةِ، وَالنَّجْدَةِ وَالسَّخَاءِ، وَالهِمَّةِ وَالذَمَّةِ وَالوَفَاءِ، فَهُمُ الأنْجَادُ الأمْجَادُ، المَطَاعِيْنُ المَطَاعِيْمُ الأجْوَادُ، يَرْعَوْنَ الجَّارَ، وَيَحْمُوْنَ الذِّمَارَ، وَيُدْرِكُوْنَ الثَّارَ ولا يَدَّرِعُوْنَ العَارَ، مُلْكهُمُ لَقَاحٌ، وَنَيْلُهُمُ مُبَاحٌ، وَجِدُّهُمُ صُرَاحٌ، وَحُصُونُهُمُ أسِنَّةٌ وصِفَاحٌ.
هُمْ أصْدَقُ الأنَامِ أنْسَابًا، وَأعْرَقُهُمْ أحْسَابًا. مَا مِنْهُمْ إلَّا مَنْ يُسَمِّي أبَاهُ أبًا فَأَبًا عَلَى مُروْرِ الأيَّامِ، وَكُرُوْرِ الأعْوَامِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ نَسَبُهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَفَضَائِلُ العَرَبِ أكْثَرُ [من] أَنْ تُحْصَى، وَمَآثِرُهُم لَا تُسْتَقْصَى. فَأمَّا قُرَيْشٌ (1)،
__________
= خُوْدٌ إذَا أَخْفُوا مَحَاسِنَهَا ... نَمَّتْ بِهَا الأَسْتَارُ وَالكِلَلُ
كَالشَّمْسِ شَارِقَةً وَغَارِبَةً ... لَا الشَّمْسُ تَكْتِمُها وَلَا الطَّفَلُ
وَقَالَ الآخَرُ:
وَرُبَّ وَادٍ سَقَاهُ كَوْكَبٌ أَمِرٌ فِيْهِ ... الأَوَابدُ وَالأُدْمُ اليَعَافِيْر
هَبَطْتُهُ غَادِيًا وَالشَّمْسُ شَارِقَةٌ ... كَأَنَّ حَوْذَانُهُ فِيْهِ الدَّنَانِيْرُ
(1) قِيْلَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا (1) لأَنَّهَا تَقَرَّشَتْ أَيْ اجْتَمَعَتْ. يُقَالُ قَرَشْتُ المَالَ إذَا جَمَعْتُهُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ قَرَيْشٌ لِلتِّجَارَةِ وَجَمْعِ المَالِ وَكَانُوا مُتَبَدِّدِيْنَ فِي الأَرْضِ حَتَّى جَمَعَهُمْ قُصَيٌّ فَسُمِّيَ مُجَمِّعًا.
وَقَالَ مَعْرُوْفُ بن خُرَّبُوذَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشًا لأَنَّهُمْ كَانُوا يُفتِّشُوْنَ الحَاجَّ عَنْ خَلَّتِهِمْ فَيُطْعِمُوْنَ الجَّائِعَ وَيَكْسُوْنَ العَارِيَ وَيَحْمِلُوْنَ المُنْقَطِعَ. وَالتَّقْرِيْشُ: التَّفْتِيْشُ. ثُمَّ أنْشَدَ قَوْلَ الحَارِثِ بنِ حِلْزَةَ (2):
أَيُّهَا الشَّامِتُ المُقَرِّشُ عَنَّا ... عِنْدَ عَمْرٍ وفَهَلْ لَهُ إِبْقَاءُ؟
وَرَوَى إبْرَاهِيْمُ بن المُنْذِرِ أنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عَبْدُ مَنَافٍ عِزُّ
_______
(1) انظر: خزانة الأدب للبغدادي 2/ 203.
(2) ديوانه ص 24.
(1/74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قُرَيْشٍ، وَأَسَدُ بن عَبْدِ العُزَّى عَضَدُهَا، وَعَبْدُ الدَّارِ رَكْنَهَا وَزَهْرَةُ الكَبدِ، وَتَيْمٌ وَعَدِيٌّ زَيْنَهَا، وَمَخْزُوْمٌ فِيْهَا كَالأَرَاكِبَةِ فِي نَصْرَتهَا، وَجُمْحٌ وَسَهْمٌ جَنَاحَاهَا، وَعَامِرٌ ليُؤْثِهَا وَفُرْسَانِهَا، وَكُلُّ تَبْعٌ لِوَلَدِ قُصَيٍّ وَالنَّاسُ تَبْعٌ لِقُرَيْشٍ.
وَأمَّا قَبِائِلُ قُرَيْشٍ فَمِنْهَا: بَنُو هَاشِمٍ بن عَبْدِ مَنَافٍ بن قَصَيِّ وَمِنْهُمْ رَسُوْلُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهُمْ عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَمِنْهَا بَنُو أُمَيَّةَ بنُ عَبْدِ شَمْسٍ بنُ عَبْدُ مَنَافٍ بن قُصَيِّ، وَمِنْهُمْ عُثْمَانَ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمُعَاوِيَةَ بنُ أَبِي سُفْيَانَ.
وَمِنْهَا بَنُو عَبْدِ الدَّارِ بن قُصَيِّ وهم الَّذِينَ دَخَلُوا الشِّعْبَ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ حِيْنَ حُصِرُوا فِيْهِ.
وَمِنْهَا بَنُو عَبْدِ العُزِّىّ بن قُصَيِّ مِنْهُمْ خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهُمْ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامُ.
وَمِنْهَا بَنُو زَهْرَةَ بن كِلَابٍ أَخِي قُصَيّ بن كِلَابٍ، وَمِنْهُمْ آمِنَةَ أُمُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ وَسَعِيْدُ بن أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَمِنْهَا بَنُو تَيْمٍ بن مُرَّةَ بنُ كَعْبٍ بن لُؤَّي بن غَالِبٍ مِنْهُمْ أبُو بَكْر الصِّدِّيِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَطَلْحَةُ بن عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْهَا بَنُو عَلِيِّ بن كَعْب.
وَمِنْهُمْ عُمَرُ بن الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَعْدُ بن زَيْدٍ.
وَمِنْهَا بَنُو يَقْظَةَ بن مَرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبٍ مِنْهُمْ خَالِدُ بنُ الوَليْدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ اللَّعِيْنُ أبُو جَهْلٍ، وَمِنْهَا بَنُو سَهْمٍ وَبَنُو - عَمْرُو بن العَاصِ.
وَمِنْهَا بَنُو أَسَدِبن عَامِرِ بن غَالِب مِنْهُمْ سَهْلُ بن عَمْرُو، وَمِنْهُمْ بَنُو ضبَّةَ بن الحَارِثِ بن -،
وَمِنْهَا بَنُو. . . . .
. . . . أَنْ يَطِيْعَهُ وَخَافَتْ أَنْ. . . . =
(1/75)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَصنَعَ الثَّرِيْدَ وَأَوْسَعَ الحَجِيْجَ طَعَامًا وَسَقيًا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَطْعَمَ الحَاجُّ وَسَقَاهُمْ. وَمِنْ قُرَيْشٍ أيْضًا قُرَيْشُ الظَّوَاهِرُ، وَهَؤْلَاءِ قُرَيْشُ الظَّوَهِرَ وَكَلَّهُمْ مَكَّةَ فهرِ بنِ مَالِكٍ سِوَى بني هِلَالِ بن أَهِيْب بن الحِارَثِ الذينَ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ دَخَلُوا البَطْحَاءَ.
* * *

وَمِنْ قُرَيْشٍ قَبَائِلَ لَيْسُوا بِأَبِطَحِيَّةٍ وَلَا ظَاهِرِيَّةٍ. فَمِنْهُم بَنُو سَامَةَ بن لُؤَيّ بن غَالِبٍ لَحقُوا بِعَمَانَ. وَمِنْهُمْ بَنُو خُزَيْمَةَ بن لُؤَيّ بن غَالِبٍ لَحقُوأ بِبَنِي شَيْبَانَ. وَمِنْهُمْ بَنُو سَعِيْدٍ بن لُؤَيّ بن غَالِبٍ لَحقُوا بِشَيْبَانَ أيْضًا. وَمِنْهُمْ بَنُو عَوْفٍ بن غَالِبٍ لَحقُوا بِغَطْفَانَ. وَأمَّا المَطَيبُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَهُمْ بَنُو عَبْدِ مُنَافٍ وَبَنُو أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّيُّ وَبَنُو تَيْمِ وَبَنُو زَهْرَةَ بنِ كِلَابٍ وَبَنُو عَبْدِ قُصَيّ وَبَنُو الحَرِثَ بنِ فَهْرٍ. وَكَاَنَتْ البَيْضَاءَ أُمُّ الحَكَمِ قَدْ جَعَلَتْ لَهُمْ خلُوْقًا فِي جَفْنَةٍ فَلَمَّا تَحَالَفُوا جَعَلُوا يَدَيْهِمْ فِيْهِ. وَأمَّا الفُضُوْلُ فَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ وَبَنُو أَسَدٍ بن عَبْدِ العَزّيّ وَبَنُو زَهْرَةَ وَبَنُو تَيْمٍ كَانُوا تَحَالَفُوا عَلَى نَصْرِ المَظْلُوْمِ بِمَكَّةَ وَشَهَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حِلْفَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُوْحَى إِلَيْهِ. وَأمَّا لَعْقَةُ الدَّمِ فَهُمْ بَنِي مَخْزُوْمٍ وَبَنُو عُدَيٍّ وَبَنُو سَهْمٍ وَبَنُو جَمْحَ وَبَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَكَانُوا نَحَرُوا جَزُوْزًا وَأخَذُوا دَمَهَا فِي جَفْنَةٍ فَلَمَّا تَحَالَفُوا وَضعُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ وَلَعَقُوا مِنْهُ. وَسُمِّيَ حِلْفُ الفُضُوْلِ لأَنَّ مِنَ الَّذِينَ قَامُوا بِهِ الفَضْلُ بن الحَرِثِ وَالفَضْلُ بن وَدَاعَةَ وَالفَضِيْلُ ابنُ فَضالَةَ وَكَانَ تَحَالُفُهُم كَتَحَالُفِ المُطِيِّبيْنَ.
وَسُمِّيَتِ الحمِيْسُ لالْتِزَامَهَا أَحْكَامًا شَدِيْدَةً يَعْبُدُوْنَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِهَا لِظَنِّهِمْ أنَّهَا تُزْلفهُمْ لَدَيْهِ. وَالحَّمَاسَةُ الشِدَّةُ.
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ لَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا.
* * *

وَلَهُمْ جذْمَانِ عَدْنَانُ وَقَحْطَانُ فَعَدْنَانُ مِنْ وُلدِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُمْ يُدْعَوْنَ بَنِي عِرْقِ الثَّرَى وَعِرْقُ الثَّرَى، إِسْمَاعِيْلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ وَفِي بَنِي تَارِحَ بنِ نَاحُوْرَا الصَّرَاحَةُ مِنْ وُلدِ فَالِغَ بن عَابرَ بن شَالِخَ بن أَرْفَخْشَدَ بنِ =
(1/76)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= سَامِ بن نُوْحٍ وَهُوَ صَرِيْحُ وَلَدِ نُوْحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالمَدْعُوُّ قَاسِمَ الأَرْضِ.
وَأَمَّا قَحْطَانُ فَهُوَ ابنُ عَابِرَ بن شَالِخَ، واسْمُهُ يَقْطُنُ وَحَكَى أَحْمَدُ بنُ الحَبَاب الحِمْيَرِيّ عَنْ ابن أَبِي أُوَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ اسْمُ قَحْطَانَ مُهَرَّمٌ.
وَقَالَ مُحَمَّد بن السَّائبِ الكَلْبِيّ لَمْ يَزَل أَهْلُ اليَمَنِ وَأَهْلُ العِلْمِ بِالنَّسَبِ يُنْسِبُونَ قَحْطَانَ إِلَى إِسْمَاعِيْلَ بن إبْرَاهِيْمَ عَلَيْهُمَا السَّلَامُ فَيَقُوْلُوْنَ قَحْطَانُ بن الهُمَيْسَع بن تَيْمَن بن بِنْتِ إِسْمَاعِيْلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى كَانَ آخِرُ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ فَنَسَبَهُ قَوْمٌ مِنَ اليَمَنِ إِلَى غَيْرِ إِسْمَاعِيْلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالُوا هُوَ قَحْطَان بن عَابِرَ.
وَسُئِلَ وَهَبُ بنُ مُنَبِّهِ بنِ كَامِلٍ اليَمَانِيّ عَنْ هُوْد بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رِيَاحِ بن الخلُوْدِ بن عَادِ بن عَوَص بن أَرَمَ بن سَامِ بن نُوْحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَهُوُ كَانَ أَبَا اليَمَنِ الَّذِي وَلَدَهُمْ؟ قَالَ لَا وَلَكِنَّهُ أخو اليَمَنِ - التَّوْرِاةِ يُنْسَبُ إِلَى نُوْع عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمَّا كَانَتِ العَصَبيِيَّةُ بَيْنَ العَرَبِ وَفَخَرَتْ مُضَرُ بِأَبِيْهَا إسْمَاعِيْلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ادَّعَتِ اليَمَنُ هُوْدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبًا لِيَكُوْنَ لَهُمْ وَالِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ -.
وَقَالَ أَبُو عَلِيّ بن رَسْتَةَ فِي أَعْلَاقِهِ النَّفْسِيَّةِ: كَانَ يَعْرَبُ بنُ قَحْطَانَ صَارَ إِلَى اليَمَنِ فِي ولدِهِ فَأَقَامَ بِهَا ويقال أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِالعَرَبِيَّةِ وَأَوَّلُ مَنْ حَيَّاهُ وُلدهُ تَحِيَّةَ المُلُوْكِ أَبَيْتَ اللَّعْنَ وَأَنْعم صَبَاحًا وَاليَمَنُ كُلّهَا مِنْ وُلدِهِ وَوُلِدَ لِيَعْرُبٍ يَشْجَبُ بن يَعْرُبَ وَوُلِدَ لِيَشْجُبَ سَبَأ بن يَشْجُبَ وَكَانَتِ المُلُوْكُ مِنْ وَلدِهِ ويقال أَنَّهُ سُمِّيَ سَبَأً لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَبَا السَّبْيَ مِنْ وُلْدِ قَحْطَانَ فَأَوَلُ المُلُوْكِ مِنْ وُلْدِهِ حُمْيَرُ بن سَبَأَ مَلِكَ حَتَّى مَاتَ هَرَمًا وَلَمْ يَزَلْ المُلْكُ فِي وَلَدِ حِمْيَرَ لَا يَعْدُو وَملْكُهُمُ اليَمَنَ، ولا يَغْزُو أَحَدٌ مِنْهُمُ حَتَّى مَضَتْ قُرُوْنٍ وَصَار الملكُ إِلَى الحَارَثِ الرَّائشُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ رَائِشًا لأَنَّهُ أدْخلَ إِلَى اليَمَنِ الغَنَائِمَ وَالأمْوَالَ وَالسَّبْيَ فَرَاغَى النَّاسَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مِنْ مُلُوْكِ اليَمَنِ وَفَتَحَ وَسَبَى وَغَنِمَ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الحَارَثُ الرَّائشُ نَبيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِعْرٍ لهُ وّذَكَر فِيْهِ مَنْ يَمْلِكُ مِنْهُمْ وَمِنْ غِيْرِهِمْ فَقَالَ (1):
_______
(1) البيتان للرائش في المعارف لابن قتيبة ص 627. =
(1/77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَيَمْلِكُ بَعْدَهُمْ رَجُلٌ عَظِيْمٌ ... نَبِيٌّ لا يُرَخِّصُ فِي الحَرَامِ
يُسَمَّى أحْمَدًا يَا لَيْتَ أَنِّي ... أُعَمِّرُ بَعْدَ مَخْرَجِهِ بِعَامِ
وَكَانَ مُلْكُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابنُ رسْتَةَ فِي كِتَابِهِ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ مِائَةَ سَنَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِيْنَ سَنَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *

الفَخْرُ: المُبَاهَاةُ فِي الأَشْيَاءِ الخَارِجَةِ عَنِ الإِنْسَانِ كَالمَالِ وَالجَّاهِ. يُقَالُ رَجُلٌ فَاخِرٌ وَفَخُوْرٌ وَأَفْخِيْرُ وَيُقَالُ فَخَرْنُ فُلَانًا عَلَى صَاحِبهِ أَفْخَرُهُ فَخْرًا أَيْ حَكَمْتُ لَهُ بِفَضلِهِ عَلَيْهِ. وَيُعَبَّرُ عَنْ كُلِّ نَفِيْسٍ بِالفَاخِرِ، يُقَالُ ثَوْبٌ فَاخِرٌ.
* * *

وَلَمَّا وَصَلَ هُوْلَاكُو خَان مَجْمُوْعُ التَّتَارُ وَغَيْرهُمْ إِلَى بَغْدَادَ اسْتَشْهَدَ وَالِدِي رَحَمَهُ اللَّهُ ببزوْغَي في صَبِيْحَةِ يَوْمٍ الخَمِيْسِ وَهُوَ عَاشِرُ المُحَرَّمِ سَنَةَ لسِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّمَائَةَ هِجْرِيَّةَ بَيْنَ الصفيْن. حَكَى لِي مَنْ شَاهَدَهُ أَنَّهُ لَمَّا انْكَسَرَ عَسْكَرُ بَغْدَادَ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى قُتِلَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. مَا أَحِسَنَ قَوْلُ أبِي تَمَّامٍ (1):
فَتًى مَاتَ بَيْنَ الضَّرْبِ وَالطَّعْنِ مِيْتَةً ... تَقُوْمُ مَقَامَ النَّصْرِ إِذْ فَاتَهُ النَّصْرُ
وَقَدْ كَانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلًا فَرَدَّهُ ... إِلَيْهِ الحِفَاظ المرّ وَالخلقُ الوَعْرُ
فَأَثْبَتَ فِي مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلُهُ ... وَقَالَ لَهَا مِنْ تَحْتِ أَخْمَصِكِ الحَشْرُ
تَرَدِّي ثِيَابَ المَوْتِ حُمْرًا فَمَا أَتَى ... لَهَا اللَّيْلُ إِلَّا وَهِيَ مِنْ سُنْدِسٍ خُضرُ
* * *

- كَانَتْ قُرَيْشٌ تُكْرِمُ مَوَالِيْهَا وَإنَّ رَسُوْلِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلَّى الجَّيْشَ يَوْمَ مُؤْتَةَ زَيْدًا مَوْلَاهُ وَقَالَ إِنْ قُتِلَ فَأَمِيْرُكُمْ جَعْفَرٌ وَأَمَرَ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ---- طعنوا في إمارتهِ وَكَانَ أَمْرَهُ عَلَى جَيْشٍ جُلَّهُ المُهَاجِرُوْنَ وَالأَنْصَارُ فَقَالَ عَلَيْهِ
_______
(1) ديوانه 4/ 80 - 81.
(1/78)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= السَّلَامُ إِنْ طَعَنِتُمْ فِي إِمَارَتهِ لَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيْهِ قَبْلَهُ وَلَقَدْ كَانَ لَهَا أَهْلًا وَإِنْ -----
وقالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَوْ كَانَ زَيْدٌ حَيًّا مَا اسْتَخْلَفَ رَسُوْلِ اللَّهِ غَيْرَهُ.
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ لأَبِيْهِ لِمَ فَضَّلْتَ أُسَامَةَ عَلَيَّ وَأَنَا وَهُوَ -- فقال عمر: -- كَانَ أَبُوْهُ أَحَبَّ إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ مِنْ أَبِيْكَ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ مِنْكَ.
وَأَوْمَى رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ لتمِيْطَ ----- فَكَأَنَّهَا تَكَرَّهَتْهُ فَتَوَلَّى ذَلِكَ - بِيَدِهِ، وَقَالَ لَهُ يَوْمًا أُسَامَةُ منْ أَحَبّ النَّاسِ إِلَيّ.
* * *

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُم غَبَيّةَ الجاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ.
وَيُرْوَى أنَّ المَأْمُوْنَ قَالَ يَوْمًا لِيَحْيَى بن أَكْثَم: يَا يَحْيَى مَا أَجَلَّ فَضِيْلَتنَا وَأَعْظَمَ شَرَفَنَا بِنَسَبِنَا إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ! فَقَالَ: يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ تَدَع لِلشَّرَفِ مَوْضِعًا: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}.
قَالَ العَبْدُ الفَقِيْرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّد بن أَيَدمرَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمَا: إنَّمَا جُعِلَتْ هَذِهِ الحَاشِيَةُ لِيحْصَلُ مِنْهَا بِبَسْطِ الشَّرْحِ فَائِدَة مَا وَأَنَا أُحِبُّ هَاهُنَا أَنْ أُبَيِّنَ مَوْلدِي وَنَسَبِي وَبِدَايَةِ إسْلَامِ وَالِدِي رَحَمَهُ اللَّهُ وَكِيْفَ اسْتَشْهَدَ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ فَأَقُوْلُ: مَوْلدِي بِبَغْدَادَ بِالمَحَلَّةِ الَّتِي تُسَمَّى دَرْبَ حَبِيْبٍ فِي شحْرَةِ صبِيْحَةِ يَوْمِ الجُّمْعَةَ رَابِعَةَ شَهْرِ اللَّهِ الأَصَمِّ رَجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ وَسِتِّمِائَةَ لِتَارِيْخِ الهجْرَةِ الشَّرِيْفَةِ وَبِبَغْدَادَ نَشَأْتُ وَأُخْرِجْتُ مِنْهَا ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهَا بَعْدَ سِنِيْنَ وَوَالِدِي أحَدُ خَوَاصِّ الإِمَامِ الشَّهِيْدِ أَبِي أَحْمَد عَبْدِ اللَّهِ المُسْتَعْصِمِ بِاللَّهِ أمِيرُ المُؤْمِنِيْنَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ أَبُو مَنْصُوْر أَيْدَمِرَ بنُ سَّكِزَبِرُ كَونْجَكَ أَحَدُ أُمَرَاءِ طَوَائِفَ القُبْجَاقَ وَكَانُوا ذَوِي ثَرَاءٍ وَأَنْعَامٍ كَثِيْرَةٍ وَمُلُوْكًا لَا يَدِيْنُوْنَ بِطَاعَةٍ لأَحَدٍ وبلادهم. . . باب الأَبْوَابِ الَّذِي صَنَعَهُ كِسْرَى حَتَّى ظَهَرَ جَنْكِيْزُ خَانُ =
(1/79)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَسَبَاهُمْ لَمَّا لَمْ يَطِيْعُوْهُ فَاتَّفَقَ مَجِيْءُ وَالِدِي مِنْ بِلَادِهِ صِحْبَةَ التُّجَّارِ صغِيْرًا يَرْضَعُ اللَّبَنَ إِلَى مِصْرَ وَأَهْدَاهُ عَزِيْزُ مِصْرَ إِلَى الإمَامِ أَبي جَعْفَر المُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ وَالِدِ المُسْمعْصِمِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ.
* * *

وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَّى عَلَى --------------- رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةَ فَوَضعَهَا فِي فِيْهِ فَانتزَعَهَا رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ يَا أَبَا عَبْد اللَّهِ إِنَّمَا يَحِلُّ لَكَ مِنْ هَذَا مَا يَحِلُ لنَا. وَفِي الحَدِيْثِ أنَّ المُعَتَّقَ مِنْ فَضلِ طِيْنَةِ المُعَتِّقِ - وَقِيْلَ الرَّجُلُ لأَبَوَيْهِ وَالمَوَلَى مِنْ مَوَالِيْهِ وَطُوْبَى لِمَنْ كَانَ مِنْ طِيْنَةِ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْلَى مِنْ مَوَالِيْهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هذه الجُّمْلَةَ لِيَعْلَمَ أَنَّنِي لا أَنْفَكُّ عَنْ قُرَيْشٍ وَإِنَّ لِي ما لَهُمْ وَعَلَيَّ مَا عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفيْقِ.
* * *

يُرْوَى أَنَّ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ مَوْلَى رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاوَلَ عَمْرُو بن عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَمْرِ ضيْعَةٍ يَدَّعِيْهَا كُلُّ وَاحِدٍ، فَلَجَّتْ بِهُمَا الخُصُوْمَةُ. فَقَالَ عَمْرُو: يَا أُسَامَةَ أتَأنَفَ أَنْ تَكُوْنَ مَوْلَايَ؟ فَقَالَ أُسَامَةَ: وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي بِوَلَائِي مِنْ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَبُكَ ثُمَّ ارْتَفَعَا إِلَى مُعَاوِيَهَ فَلَجَّا بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الخُصوْمَةِ فَتَقَدَّمَ سَعِيْدٌ بنُ العَاصِيّ إِلَى جَانِبِ عَمْرٍو فَجَعَلَ يُلَقِّنُهُ الحُجَّةَ فَتَقَدَّمَ إِلَى جَانِبِ أُسَامَةَ يُلَقَنُهُ فَوَثَبَ عُتْبَةُ فَصَارَ مَعَ عَمْرٍو فَقَامَ وَوَثَبَ الحُسَيْنُ فَصَارَ مَعَ أُسَامَةَ فَقَامَ الوَليْدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ أُمِّ الحَكِمِ فَجَلَسَ مَعَ عَمْرٍو فَقَام عَبْدُ اللَّهِ بن العَبَّاسِ فَجَلَسَ معَ أُسَامَةَ فَقَامَ الوَليْدُ بنُ عَقْبَةَ فَجَلَسَ مَعَ عَمْرٍو فَقَام عَبْدُ اللَّهِ بن جَعْفَر فَجَلَسَ معَ أُسَامَةَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةَ: الجَّلِيَّةُ عِنْدِي حَضَرْتُ رَسُوْلَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَقْطَعَ هَذِهِ الضَّيْعَةَ أُسَامَةَ فَانْصَرَفَ الهَاشِمِيُّوْنَ وَقَدْ قَضَى لَهُمْ فَقَالَ الأُمَوِيُّوْنَ لِمُعَاوِيَةَ: هَلَّا إذَا كَاَنَتْ هَذِهِ القَضيَّةُ عِنْدَكَ بَدَأْتَ بِهَا قَبْلَ التَّحَزُّبَ وَأَخَّرْتَهَا عَنْ هَذَا المَجْلِسِ فَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ يَدْفَعُهُ بِعْضُ النَّاسِ. وَكَانَ الغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الحِكَايَةِ أنَّ المَوْلَى مِنْ مَوَالِيْهِ =
(1/80)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَأَنَّهُمْ لَا يَنْفَكُّوْنَ عَنْهُ إِذَا جَدَّتْ بِهُم الحَقَائِقَ.
* * *

وقيل: سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قَرِيْبًا لِتَجَمُّعِهِمْ وَذَلِكَ أنَّهَا شُبِّهَتْ بِسَمَكَةٍ فِي البَحْرِ. . . . الجّنَاحِ عَظِيْمَةُ الشَّأْنِ تَبْلَعُ الدَّوَابَ فِي البَحْرِ فَشُبِّهَتْ قُرَيْشٌ بِهَا مَكَانَهَا وَغَلَبَتْهَا سَائِرُ الناسِ. وَقِيْلَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ لاكْتِسَابِهَا الأَمْوَالَ وَالتِّجَارَةَ القَرْشِ فِي كَلَامِ العَرَبِ وَقَرشَ الرَّجُلُ يَقْرُشُ قَرْشًا إِذَا أَتْجَرَ وَأَخَذَ وَأَعْطَى. وَيُقَالُ أَنَّهُمْ تَقَارَشُوا بِالرِّمَاحِ فَسُمِّيَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ وَالإِقْرَاشُ هو وُقُوْعُ الرِّمَاحِ بَعْضَهَا على بَعْضٍ. وَأَنْشَدَ القَطَامِيُّ:
قَوَارِشُ بِالرِّمَاحِ كَانَ فِيْهَا ... شَوَاطِنَ يَنْتَزِعْنَ بِهَا انْتِزَاعَا
وَأنْشَدَ لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ:
وَلَمَّا دَنَا الرَّايَاتُ وَاقْتَرَشَ القَنَا ... وَطَارَتْ مِنَ القَوْمِ القُلُوْبُ الرَّوَاجِفُ
وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ: اسْتَأْذَنَ عَبْدُ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَذِنَ لَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ أبُو سُرَاقَةَ فَقَالَ: يَا بن عَبَّاسٍ لِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشُ قُرَيْشًا؟ فَقَالَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ بِحُوْتٍ فِي البَحْرِ تَسَمَّى قُرَيْشًا تَأْكُلُ الحِيْتَانَ وَلَا تُؤْكَلُ وَتَعْلُو وَلَا تُعْلَا. قَالَ: فَهَلْ تَرْوِي فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ فَأَنْشَدَهُ شِعْرُ الجمْحِيِّ حَيْثُ يَقُوْلُ (1):
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تسْكِنُ البَحْ ... رَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشُ قُرَيْشَا
سُلِّطَتْ بِالعُلُوِّ فِي لُجَجِ البَ ... حْرِ عَلَى سَاكِنِ البِحَارِ جيُوْشَا
تَأكلُ الغثّ وَالسَّمِيْنَ وَلَا تتْ ... ركُ فِيْهِ لِذِي جِنَاحَيْنِ رِيْشَا
هَكَذَى فِي البِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ... يَأْكلُوْنَ البِلَادَ أَكْلًا قَشِيْشَا
وَلَهُم آخِرَ الزَّمَانِ بَنِيٌّ ... يَكْثرَ القَتْلِ فِيْهِم وَالخُمُوْشَا
يَمْلأُوْنَ البَلَادَ خَيْلًا وَرِجْلًا ... يَحْشُرُوْنَ البِلَادَ حَشْرًا كَمِيْشَا
* * *
_______
(1) لم ترد في ديوان أبي دهبل الجمحي.
(1/81)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قَالَ الحَسَنُ بن وَاقِدٍ قَالَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالَكَ يَا رَسُوْلِ اللَّهِ أَفْصَحَنَا وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ لِسَانَ العَرَبِ كَانَ قَدْ دَرَسَ وَإِنَّ جِبْرَاِئِيْلَ يَجِيْئَنِي بِهِ طَرِيًّا كَمَا شُقَّ عَنْهُ لِسَانَ إسْمَاعِيْلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَكَانَ عَبْدُ المُطَّلِبُ بن هَاشِمٍ: إِذَا سَمِعَ كَلَامُ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صبِيٌّ مُلِئَ سُرُوْرًا. وَقَالَ فَصَاحَةُ سَعْد بن بَكْرٍ وَجَلَالَهُ قُرَيْشٍ وَحَلَاوَةُ يَثْرِبَ.
* * *

وَمِمَّا رُوِيَ فِي مُوَالَاةِ قُرَيْشٍ وَأَنَّهُمْ أَهْلُ اللَّهِ. رَوَاهُ عطاءُ بنُ أَبِي رِيَاحٍ عَنْ ابن - قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمَا آنَ لِأمَّتِي مِنَ الاخْتِلَافِ فِي المُوَالَاةِ لِقُرَيْشٍ قُرَيْشٌ أهْلُ اللَّهِ قُرَيْشٌ أهْلُ اللَّهِ قُرَيْشٌ أهْلُ اللَّهِ ثَلَاثًا فَإِذَا خَالَفَتْهَا قَبِيْلَةٌ مِنَ العَرَب صَارُوا حِزْبُ إبْلِيْسَ. وَرَوَى أَنسُ بن مَالِكِ قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبُّ قُرَيْشٍ إِيْمَانٌ وَبُغْضُهُمْ كفْرٌ (1).
وَرَوَى سَهْلُ بن سَعْد أَنْ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَحِبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (2).
وَرَوَى سَعِيْدُ بن الحَسِيْبِ قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْرِمُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَمَلَاحِمُ الحُرُوْبِ وَسَدَادُ الثُّغُوْرِ وَجَاهُ الدِّيْنِ وَأَئِمَّةُ المُسْلِمِيْنَ وَشَرْطُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَخَيْرُ عِبَادِ اللَّهِ.
وَرَوَى أَنَسُ بن مَالِكٍ أَنْ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَذَلَّهُ اللَّهُ قَبْلَ مَوْتهِ (3).
_______
(1) الجامع الصغير 1/ 567.
(2) الجامع الصغير 1/ 40.
(3) الجامع الصغير 2/ 584.
(1/82)

فَهُمْ أفْصَحُ العَرَبِ، وَأصْبَحُهُم وَأنْجَبُهُم [وأنفسهم وأنصحهم] وَأسْجَحُهُمْ، لهَمُ المَدَرُ وَالوَبَرُ، وَالأَسْوَدُ وَالأَحْمَرُ، وَالقُبَّةُ وَالمَفْخَرُ، وَالمَرْوَةُ وَالمَنْحَرُ، وَالصَّفَا وَالمَشْعَرُ، وَالسَّرِيْرُ وَالمِنْبَرُ، وَالحَوْضُ وَالكَوْثَرُ، هُمُ الأَصْلُ وَالهَامُ، وَالذِّرْوَةُ
__________
= وَرَوَى عُمَرُ عَنِ المُطَّلِبِ بن عَبْدِ اللَّهِ بن حَنْطَبٍ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ خَطَبَنَا رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ جُمْعَةٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلا تَقْدِمُوْهَا وَتَعَلَّمُوا مِنْهَا وَلَا تُعَلِّمُوْهَا (1)، قُوَّةُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَغدِلُ قُوَّة رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ (2) وَأَمَانَة رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَعْدِلُ أَمَانَةَ رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَرَوَى جُبَيْرُ بن مُطْعِم أَنْ رَسُوْلِ اللَّهِ قَالَ لَا تَتَقَدَّمُوا قُرَيْشًا فَتَهْلَكُوا وَلَا تَتَخَلَّفُوا عَنْهَا فَتَضِلُّوا وَلَا تُعَلِّمُوْهَا وَتَعَلَّمُوا مِنْهَا فَإِنَّهَا أَعْلَمُ مِنْكُمْ لَوْلَا أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٍ لأَخْبَرْتُهَا بِمَاذَا لِهَا عِنْدَ اللَّهِ (3).
وَرَوَى عبد اللَّه بن السائب قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسُ فِي الأمْرِ تَبع لِقُرَيْشٍ خَيَارُهُمْ تَبْعُ لِخيَارِهِمِ وَشْرَارُهُمْ تِبْعًا لِشرَارِهِمْ (4).
وَرَوَى عُثْمَانُ بن الضَّحَّاكِ قَالَ قَالَ عبد اللَّه عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ نُوْرًا بَيْنَ يَدَي اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلَقَ أَدَمَ.
وَكَانَ ذَلِكَ النُّوْرُ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُقَدِّسُهُ وتسبّح له بِتَسْبِيْحِهِ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّوْرَ -.
وَرَوَى إسْمَاعِيْلَ بن مُسْلِمٍ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ أَهْدِ قُرَيْشًا فَإِنْ عِلْمُ العَالِمِ مِنْهُمْ بِسَبْعِ طَبَاقِ الأَرْضِ -- وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَسَبُّوا قُرَيْشًا [فإن علم عالمها] ويَمْلأُ الأرْضَ عِلْمًا، اللَّهُمَّ --- نكَالًا --.
_______
(1) الجامع الصغير 2/ 253.
(2) مجمع الزوائد 10/ 26.
(3) الجامع الصغير 2/ 253.
(4) الجامع الصغير 2/ 255.
(1/83)

وَالسَّنَامُ، وَالقَمَاقِمُ الحُكَّامُ، وَالمُلُوْكُ الكِرَامُ. هُمْ الشِّهَابُ اللَّامِعُ، وَالنُّوْرُ السَّاطِعُ، وَالسَّيْفُ القَاطِعُ، وَالخَيْرُ النَّافِعُ. هُمْ الصَّمِيْمُ، وَلَهُمْ التَّقْدِيْمُ وَالتَّعْظِيْمُ، وَفِيْهِم النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ، وَعَليْهِم المَهَابَةُ وَالجَّلَالَةُ، وَإلَيْهِم الرِّئَاسَةُ وَالإِيَالَةُ، وَالشَّهَامَةُ وَالبَسَالَةُ، وَالفُتُوَّةُ وَالإمَامَةُ (1)، وَالنَّخْوَةُ وَالزَّعَامَةُ، وَالقُوَّةُ وَالبَأْسُ، وَالنَّاسُ الذَّنَبُ وَهُمْ الرَّأسُ. تَقْصُرُ بِسِيُوْفِهِم الأعْمَارُ، وَتَطُوْلُ ألْسِنَتُهُم حِيْنَ يُبْتَدرُ الفخَارُ، كَمَا قَالَ المَرَّارُ (2): [من البسيط]
هُمْ العَرَانِيْنُ وَالأّذْنَابُ غَيْرهُمُ ... فَكُلُّ قَوْمٍ لِقَوْمِي تَابِعٌ خَوَلُ
لنَا المَسَاجِدُ نَبْنِيْهَا وَنَعْمُرُهَا ... وَفِي المنَا [برِ قعدانٌ لنا ذللُ] (3)
لَمَّا تَخَيَّرَ رَبِّي فَاصْطَفَى رَجُلًا ... مِنْ خَلْقِهِ [كان منّا ذلك الرَّجلُ]
ثم الخَلَائِفُ مِنَّا لَسْتَ وِاجِدَهَا ... في غَيْرِنَا [معشرٍ ماحنّت الإبلُ]
وَلِوَلْدِ إبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرَفٌ لَا يُبْلَغُ بُعْدُ غَايَاتِهِ. وَاللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ. وَحَسْبُ العرَب وَقَارًا، وَشَرَفًا وَفِخَارًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَبِيٌّ، وَأَنَّ القُرْآنَ عَرَبِيٌّ (4).
وَأَنْ كَلَامَ أهْلِ الجَّنَّةِ عَرَبِيٌّ. وَأوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ بَعْدَ الطُّوْفَانِ العَرَبُ العَارِبَةُ مِنْ بَنِي إرِمِ بن سَامِ بن نُوْحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ (5) حِيْنَ تَبَلبَلَتِ الأَلْسُنُ بِبَابِلَ.
__________
(1) على البيت الأخير:
أصل الإمام: خيط البناء ثم أطلق بعد ذلك على كل من اقدتى به.
(2) هُوَ أَبُو مُحَلِمٍ المرَارُ بن سَعْيد الفَقْعسِيّ.
(3) انظر: شعراء امويون 2/ 474.
(4) رَوَاهُ جَابِرُ بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صِفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِةِ قُرَيْشٍ".
(5) قَالَ الشَّاعِرُ:
للَّهِ فِيْمَا قَدْ بَرَا صَفْوَةٌ ... وَصَفْوَةُ الخَلْقِ بَنُو هَاشمِ
وَصفْوَةُ الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... مُحَمَّدُ الطُّهْرُ أَبُو القَاسِمِ =
(1/84)

وَقَالَ ابنُ الكَلْبِيِّ: أوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا وَبِالسُّرْيَانِيَّةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَأوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالعِبْرَانِيَّةِ إبْرَاهِيْمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ فُتِقَ لِسَانُ إسْمَاعِيْلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعَرَبِيَّةِ المُبيْنَةِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا القُرآنَ، وَسَفَحَ هَذِهِ اللُّغَةَ العَذْبَةَ عَلَى لِسَانِ بَنِي عَدْنَانَ (1).
وَالعَرَبُ أشَدُّ --- القريض وَتَسْيِيْرِ المَثَلِ الشَّارِدِ المُسْتَفِيْضِ، وَلَهُمْ فَضِيْلَةُ الَبَيَانِ، وَفَصاحَةُ اللِّسَانِ. وَالحِكَمُ بأطْرَافِ ألسِنَتِهِمْ مَعْقُوْدَةٌ، وَمِرَرُ مَعَالِيْهِم بِقَوَافِيْهِمْ مَشْدُوْدَةٌ: [من المتقارب]
بِسَاتِيْنُ فِيْهَا ثِمَارُ العُقُولِ ... وَرَيْحَانُ أهْلِ النُّهَى وَالأَدَبْ
إِذَا مَا تَقَضَّى زَمَانُ الرَّبِيْعِ ... فَأنْوَارُهُا نَاضِرَاتٌ قُشبْ
وَقَدْ سَمِعَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّعْرَ وَأُنْشِدَ فِي مَسْجِدِهِ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ (2).
لَهُ مُسْعِفَةً، وَالقدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ فيه عَاضِدَةً، وَالطَّبْعُ الَّذِي هُوَ دِعَامَةُ النُّطْقِ بِهِ مُتَدَفِّقًا، وَالأُصُوْلُ مَحْفُوْظَةً، وَالفُضوْلُ مَحْذُوْفَةً، وَالفُصُوْلُ مُنْقَسِمَةً، وَالوُصُوْلُ مُلتحِمَةً، وَمَوَارِدُ الكَلَامِ عَذبَةً، وَمَصادِرُهُ رَحْبَةً رَطْبَةً. وَكُنْتَ بِأوَائِلِهِ مُسْتَغْنِيًا، وَبِآخِرِهِ مْسْتَكْفيًا، كَمَا قَالَ حَبِيْبُ بنِ أَوْسٍ الطَّائِيُّ (3): [من الطويل]
__________
= صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثيْرًا.
(1) قَالَ مُقَاتِلُ بنُ حَيَّانَ: كَلَامُ أَهْلِ السَّمَاءِ العَرَبِيَّةُ ثُمَّ قَرَأَ {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 1 - 4].
(2) ------ لَكْنَةَ أَعْجَمِيَّةً -- إِلَى مَقْصَدِ قَوْم --- المُهَلَّبَ بن أَبِي صُفْرَة فِي مَدْحِهِ إِيَّاهُ ------ الحَارِثَة ------ كَأنَّهَا --.
(3) نَسَبُهُ وَمَوَلدُهُ وَوَفَاتُهُ:
هُوَ أَبُو تَمَّامٍ حَبِيْبُ بن أَوْس بن الحَارَثِ بن قَيْس بن فاقِرَ بن مُرّ بن سَعْد ابن =
(1/85)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= عَمْرو بن عَدِيّ بن عَمْرو بن الغَوْثِ بن طَيْءٍ.
مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَي وَتِسْعِيْنَ وَمِائَةَ وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَمِائَتَيْنِ وَتَعَلَّمَ الشِّعْرَ بِمِصْرَ ثُمَّ طَرَا إِلَى المُوْصِلِ وَقَدِمَ العِرَاقَ فَأَقَامَ بِهَا مُقَامًا طَوِيْلًا ثُمَّ رَحَلَ إِلَى خُرَاسَانَ وَكَانَ رَجُلًا طُوَالًا خَلْوَ الكَلَامِ فَصيْحًا وَكَانَ تَمْتَامًا إِذَا تَكَلَّمَ فَإِنْ أَنْشَدَ اسْتَوَى لِسَانَهُ وَكَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الأَعْرَابِ.
قَالَ المُبَرَّدُ: التَّمْتَمَةُ التَّرْدِيْدُ فِي التَّاءِ.
وَالفَأْفَأَةُ: التَّرْدِيْدُ فِي الفَاءِ.
وَالعقلَةُ: الْتِوَاءُ اللِّسَانِ عِنْدَ إِدَارَةِ الكَلَامِ.
وَالحَبْسَةُ: تَعَذُّرُ الكَلَامِ عِنْدَ إِرَادَتِهِ.
وَاللَّفَفُ: إِدْخَالُ حَرْفٍ فِي حَرْفٍ.
وَالرتَّةُ: كَالرِّيْحِ تَمْنَعُ أَوَّلُ الكَلَامِ فَإِذَا جَاءَ مِنْهُ شَيْءٌ اتَّصَلَ.
وَالغَمْغَمَةُ: أَنْ تَسْمَعَ الصَّوْتَ وَلَا يَتَبَيَّن لَكَ تَقْطِيعُ الحُرُوْفِ.
قَالَ: وَالطَّمْطَمَةُ أَنْ يَكُوْنَ الكَلَامُ مُشَبَّهًا بِكَلَامِ العَجَمِ.
وَاللَّكْنَةُ: أَنْ تَعْتَرِضَ الكَلَامِ اللُّغَةِ الأَعْجَمِيَّةُ.
وَاللُّثْعَةُ: أَنْ يُعْدَلَ محرَفٍ بِحَرْفٍ.
وَالغِنَّةُ: أَنْ تُشرِبَ الحَرْفَ صَوتَ الخَيْشُوْمِ.
وَالخِنَّةُ: أَشَدُّ منها.
وَالتَّرْخِيْمُ: حَذْفُ الكِلَامِ.
قال الأَصْمَعِيُّ: حَدَّثنَي شعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ يومًا: مَنْ أَفْصَحُ النَّاسِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ السِّمَاطِ فَقَالَ: - تباعدوا عَنْ فراتيَّة العراق، وَتَيَامَنُوا عَنْ كَشْكَشَةِ تَمِيْمٍ، وَتَيَاسَرُوا كسكسة بَكْر لَيْسَ فيهم غمغمة قضاعَةَ، ولا طَمْطَمَانِيَّةُ حِمْيَرَ.
فقال مُعَاوِيَةَ: مَنْ أولئك، قال قَوْمكَ يَا أمير المؤمنين.
(1/86)

وَسَيَّارَةٍ فِي الأرْضِ لَيْسَ بنَازحٍ ... عَلَى وَخْدِهَا حَزْنٌ سَحِيْقٌ وَلَا سَهْبُ
تَذُرُّ ذرُوْرَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ ... وَتَمْضِي جُمُوْحًا مَا يُرَادُ لها غَرْبُ
إِذَا أُنْشِدَتْ فِي القَوْمِ مَرَّتْ كَأنَّهَا ... مُسِرَّةُ كِبْرٍ أَوْ تَدَاخَلَهَا عُجْبُ
مُفَصَّلَةٌ باللُّؤْلُؤِ المُنْتَقَى لَهَا ... مِنَ الشِّعْرِ إلَّا أنَّهُ لُؤْلُؤٌ رَطْبُ (1)
وَهَذَا الشِّعْرُ المُشَارُ إِلَيْهِ فَهُوَ ضَالَّتِي الَّتِي أنْشَدْتُهَا وَحِكْمَتِي الَّتِي أَحْفَظُهَا وَأُنْشِدُهَا، لأنَّنِي أَتْبِعُ المَثَلَ المَشْهُوْرَ السَّائِرَ، وَأَطْلُبُ اللَّفْظَ الظَّاهِرَ الجَزَالَةِ، الفَاخِرِ الَّذِي قَدْ هَذَّبَهُ العَقْلُ، وَصَقَلَهُ العِلْمُ وَالفَضلُ، فَجَمَعَ بَيْنَ فَصَاحَةِ العَرَبِ وَمَتَانَةِ الأَدَبِ. قَدْ أُحْكِمَتْ مَبَانِيْهِ، وَتَكَافَأَتْ ألْفَاظُهُ وَمَعَانِيْهِ. إِذَا سُمِعَ طُمِعَ فِيْهِ، وَإذَا طُلِبَ صَعُبَ عَلَى مُبْتَغِيْهِ: [من المنسرح]
كَأنَّهُ مُزْنَةٌ - ... تُسِفُّ بِالقَطْرِ ثُمَّ تَرْتَفِعُ (2)
__________
= فقال له مُعَاوِيَةَ: مَنْ أَنْتَ؟ قال: رَجُلٌ مِنْ جرم. قال الأصمعي: وجرم من فضحاء الناس.
قَوْلُهُ: كَشْكَشَةُ تَمِيْمٍ فان بني عَمْرو بن تَمِيْمٍ إِذَا ذَكَرْتَ كَافَ المُؤَنَّثِ فَوَقَفْتَ عليها أَبْدَلْتُ شَيْئًا لِقُرْبِ الشِّيْن مِنَ الكَافِ فِي المَخْرَج، وَأَنَّهَا مَهْمُوْسَةٌ مِثْلُهَا فأرادوا البيتان فِي الوَقْفِ لأنَّ في الشِّيْنِ تَفَشِيًّا فَيَقُوْلُوْنَ لِلْمَرأَةِ: جَعَلَ اللَّهُ البَرَكَةَ فِي دَارِش فَالتي يدرجونها يُقْتِرُوْنَهَا كَافًا وَالَّتِي يَقِفُوْنَ عَلَيْهَا يُبْدِلُوْنَهَا شِيْنًا.
وَأَمَّا بكر فتخلفت في الكَسْكَسَةِ وَقَوْمٌ مِنْهُمْ يُبْدِلُوْنَ مِنَ الكَافِ شِيْنًا كما فَعَل التَّمِيْمِيُّوْنَ في البَيْتَيْنِ وَهُمْ أَقَلَّهُمْ، وقوم يبينون حَرَكَةً كاف لِمُؤَنَّثِ في الوقف بالسين فيزيدون بَعْدَهَا فَيَقُوْلُوْنَ أَعْطَيُتِكسْ.
(1) ديوانه 1/ 177.
* * *

عبد اللَّه بن المعتز، يصف شعره (1):
وَسَارت مَسيرَ الشمسِ لم تَلقَ بلدةً ... من الأرض إلى نحو أخرى يُرِيدُها
(2) المَزْنَةُ: السَّحَابَةُ البَيْضاءُ خَاصَّةً، وَجَمْعُهَا مُزَنٌ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (أنْتُمْ).
_______
(1) ديوانه ص 196 - 197.
(1/87)

فأمّا --- النَّظْمِ، وَلَا مُلْتَحِمِ السَّبْكِ، ولا مُتَلَائِمِ الأَوْصَافِ، ولا مُتَنَاسِبِ الأَطْرَافِ، ولا مَقْبُوْلِ العبَارَةِ، ولا وَاضِحِ الإِشَارَةِ (1)، كما قال فيه بَعْضُ
__________
(1) ابنُ الأَعْرَابِيُّ:
وبات يدرسُ شِعْرًا لا قِرَان لَهُ ... قَدْ كَانَ ثَقْفَةُ حَوْلًا فَمَا زَادَا
. . . . . القَوْلَ كُلُّهُ إِذَا ... قَالَ أَقْوَى مَا يَقُوْلُ وَأَسْنَدَا
فِي مِثْلِهِ:
قد حاول الشعر حتى شاب حاجبه ... فَلَمْ تُصبْ وَسَطًا مِنْهُ وَلَا طَرَفَا. . .
. . . . . . . . . الذِّهْن ... يَجْفو عَلَى القَرِيْضِ وَيَقِسُو
. . . . . فيه أنشأ ... بِغِنَاءٍ مِنَ الجَّهَالَةِ يَفْسُو
* * *

قيل (1):
إنّ الوَضِيْعَ قَدْ قَالَ شِعْرًا ... يَجْمَعُ الجَهْلُ شَمْلَهُ وَيَعُمُّه
فَهُوَ كَالهِرِّ يخرا ... في زوايا البُيُوْتِ ثُمَّ يَطُمُّه
عِنْدَهُ وَهُوَ يَرْوِيْه ... فَأْفسُو فِي رَاحَتِي وَأَشِمُّه
عَلِيّ بن الجَّهْمِ (2):
اللَّه أكبر والنبي محمد ... وَالحَقُّ أَبْلَجُ وَالخَلِيْفَةُ جَعْفَرُ
مَرْوَانُ بنُ أَبي الجَنوب:
أراد أبن جهم أن يقول قَصِيْدَةً ... بِمَدْحِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ فَأَذَّنَا
فَلَسْتُ عَلَى طُهْرٍ ... ، فقال: وَلَا أنَا
* * *
_______
(1) لابن الحجاج في يتيمة الدهر 3/ 43.
(2) ديوانه ص 137.
(1/88)

الأَعْرَابِ، هو أَبُو الوَليْدُ الرُّبَاعِيُّ (1): [من الطويل]
وَشِعْرٍ كَبَعْرِ الكَبْشِ فَرَّقَ بَيْنَهُ ... لِسَانُ دَعِيٍّ فِي القَرِيْضِ دَخِيْلِ (2)
__________
= فيا ضيعة الأشعار إذ يقرضونها ... وَأَضِيْعُ مِنْهُا مَنْ يرى أنها شِعْرُ
إذا لم يكن للمرء عقل يكفّهُ ... عَنِ الجَهْلِ لَمْ فَانْكَشَفَ السِّتْرُ (1)
(1) الموشح 552، العمدة 1/ 257، البيان والتبيين 1/ 66 وفيه: لأبي البيداء الرياحي.
(2) يَرِيْدُ ببَعْرَ الكَبْشِ أنّه شَعْر مُتَفَرِّقٌ مُتَبَايِن بَعْضُهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِبَعْضٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ بِنْت الحُطَيْئَةِ لأَبِيْهَا حِيْنَ نَزَلَ فِي بَنِي كُلَيْبٍ بن يَرْبُوْعٍ: تَرَكْتَ الثروة وَالعَدَدَ وَنَزَلْتَ فِي بَنِي كُلَيْبٍ بَعْرِ الكَبْشِ، تَعْنِي بذلك تَبَايُنَهُمْ وَتَفَرُّقَهُمْ لِلخلفِ بَيْنَهُمْ.
قَالَ الوَائِلِيُّ (2):
وَحَاطِبِ لَيْلٍ فِي القَرِيْضِ زَجَرْتهُ ... وَقُلْتُ لَهُ قَوْلُ - المَجَاسِلِ
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَقْدر عَلَى دَرّ جلةٍ ... فَدَعْهُ وَلَا تَعْرِضْ لِحَصْنَاءِ سَاحِلِ
فَإِنِّي رَأَيْتُ الشِّعْرَ يَصْبِحُ خَامِلًا ... إِذَا لَمْ يَفِقْ فِي الحُسْنِ زَهْرَ الخَمَائِلِ
وَقَالَ آخَر (3):
لَا تَعْرِضَنَّ لِلشِّعْرِ مَا لَمْ يَكُنْ ... عِلْمُكَ فِي أَبْحُرِهِ بَحْرَا
فَلَنْ يَزَالَ المَرْءُ فِي فُسْحَةٍ ... مِنْ عَقْلِهِ مَا لَمْ يَقُلْ شِعْرَا
وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ بنُ مَعْمَرٍ:
أَيُّهَا الشَّاعِرُ المُبَرَّزُ فِيْنَا ... أَبِنَظْمٍ خَاطَبْتَنِي أَم بِنَثْرِ
أنْ يَكُنْ مَا تَقُوْلُ شِعْرًا فَإِنِّي ... قَائِل منه أَلْفَ جهلٍ وَزَفرِ
--- قُلْتهُ فَقَرَأْنَا بَعْدَ شَوْقٍ إِلَيْهِ أَسْخَف شعر
_______
(1) لإسحاق الموصلي في الموشح ص 571.
(2) محاضرات الأدباء 1/ 84.
(3) محاضرات الأدباء 1/ 84. =
(1/89)

وَقَالَ الآخَرُ، هُوَ -: [من الطويل]
وَبَعْضُ قَرِيْضِ القَوْمِ أوْلَادُ عَلَّةٍ ... يَكُدُّ لِسَانَ النَّاطِقِ المُتَحَفِّظِ (1)
وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصانِ فِيهُمَا ظَاهِرًا سَافِرًا. وَقَدْ يَتَّفِقُ فِي الفَذِّ النَّادِرِ الَّذِي لَا يَقَعُ بِمِثْلِهِ حُكْمٌ التَّبْلِيغٌ فِي صيَاغَةِ النَّثْرِ، بِمَعْنًى انتظَمَهُ الشِّعْرُ، فَيَكُونُ لِمَنْثُوْرِهِ لَوْطَةٌ بِالقَلْبِ، وَتَعَلُّقٌ بِالنَّفْسِ لَيْسَ لِمَنْظُوْمِهِ مِثْلُهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِيْنَ (2): [من الكامل]
كَادَ الغَزَالُ يَكُوْنُهَا ... لَوْلَا الشَّوَى وَنشوزُ قَرْنهِ
وَنَثَرَ هَذَا بَعْضُ البُلَغَاءِ فَقَالَ: كَادَ الغَزَالُ [يكونها لولا حاتم منها ونقص منه]، وَلَعَمْرِي إنَّ الإِحسَانَ فِي هَذَا مُتَكَافِئُ لَكِنْ [القضية تقع على ما يوجبه] الأَكْثَرُ؛ لأنَّ العَرَبَ سَبَقَتْ بِالمَنْظُوْم إلَى وَصفِ الطُّلُولِ وَالآثَارِ، وَالبُكَاءِ فِي مَعَالِمِ الدِّيَارِ، كَقَوْلِ أبِي صَخْرٍ (3) الهُذَلِيِّ (4): [من الطويل]
__________
= ---- وَقُبْحُ لَفْظٍ - وَخُرُوْجٌ عَنْ - وَزْنٍ وَبَحْرِ
----
----
نظم القصيدة.
(1) السَّرِيُّ الرَّفَاء (1):
وَشَرُّ الشِّعْرِ مَا أَدَّاهُ فِكْرٌ ... تَعَثَّرَ بَيْنَ كَدٍّ وَاعْتِسَافِ
(2) حلية المحاضرة 1/ 26.
(3) شعراء أمويون 3/ 93.
(4) وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بن سَلَمَةَ.
_______
(1) ديوانه 2/ 230.
(1/90)

لِلَيْلَى بِذَاتِ الحَيْشِ دَارٌ عَرَفْتُها ... وَأُخْرَى بِذَاتِ البَينِ آيَاتُهَا سَطْرُ (1)
كَأنَّهُمَا مِل آنَ لَمْ يَتَغَيَّرَا ... وَقَدْ مَرَّ لِلدَّارَيْنِ مِنْ بَعْدِنَا عَصْرُ (2)
__________
(1) هَذَا مِثْلُ قَوْلِ عُمَرُ بن أَبِي رَبِيْعَةَ:
فَمَا أَنْسَ مِل أَشْيَاءِ لَا أَنْسَ مَوْقِفِي ... وَمَوْقِفُهَا وَهْنًا بِقَارِعَة النَّخْلِ
فَلَمَّا تَوَاقَفْنَا عَرِفْتُ الَّذِي بِهَا ... كَمِثْلِ الَّذِي بِي حَذْوَكَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ
يُرِيْدُ فَمَا أنْسَ مِنَ الأَشْيَاءِ وَلَكِنْ حَذَفَ النُّوْنُ لِقُرْبِ مَخْرَجِهَا مِنَ اللَّامِ فَكَانَتَا كَالحَرْفَيْنِ يَلتقِيَانِ عَلَى لَفْظٍ فَيُحْذَفُ أحَدُهُمَا.
وَمِنْ كَلَامِ العَرَبِ أَنْ تَحْذِفَ النُّوْنُ يُرِيْدُ فَمَا إِذَا لَقِيَتْ لَامَ المَعْرِفَةِ ظَاهِرَةً فَيَقُوْلُوْنَ فِي بَنِي الحَارِثِ وَبَنِي العَنْبَرِ وَمَا أَشْبَهَ.
ذَلِكَ بِلحَرِثِ وَبِلعَنْبَرَ كَمَا يَقُوْلُوْنَ عَلْمَاءِ بَنُو فُلَانَ أَيْ عَلَى المَاء فَيَحْذِفُوْنَ.
(2) وهذه القصيدة من محاسن الشعر، ولا يكاد يخلو من بعضها ما يستحسنه الأدباء وفي جمعهم فأحببت إيرادها كلها تمامًا وهي (1):
لِلَيْلى بذِاتِ الْجَيْشِ دارٌ عَرَفْتُها ... وَأُخرى بِذاتِ الْبَيْنِ آياتَها سَطْسرُ
كأَنَهما م الآنَ لَمْ يَتَغَيَّرا ... وَقَدْ مَرَّ لِلدّارَيْنِ مِنْ بَعْدِنَا عَصْرُ
وَقَفْتُ بِرَسْيَهْا فَلَمّا تَنَكَّرَتْ ... صدَفْتُ وَعَيْنِي دَمْعُها سَرِبٌ هَمْرُ
وَيُروْىَ: وَقَفْتُ بِرَبْعَيْها.
أَلَا أيُّها الرَكْبُ المخبون هَلْ لَكُمْ ... بساكِنِ أَجْزاعِ الحِمَى بَعْدَنَا خُبْرُ
فَقَالُوا طَوَيْنا ذَاكَ لَيلًا فإن يكنْ بهِ ... بَعْضُ مَنْ تَهْوَى فَمَا شَعَر السَّفْرُ
وَفِي الدَّمْعِ إِنْ كَذَّبْتُ بِالْحُب شاهِدٌ ... يُبَيّنُ ما أُخْفِي كَمَا بَيَّنَ الْبَدْرُ
صَبَرْتَ فَلَمَا عَالَ نَفْسِي وَشَفَّها ... عَجارِيفُ وَمَا تَأْتِي بهِ غُلِبَ الصَّبْرُ
إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَبيبَيْنِ رِدَّة ... سِوى ذِكْرِ شِيْءٍ قَدْ مَضَى دَرَسَ الذِّكْرُ
إِذَا قُلْتُ هذا حِينَ أَسْلُو يُهيجُنِي ... نَسيُم الصَّبا مِنْ حَيْثُ يَطَّلعُ الْفَجْرُ
_______
(1) بعضها في أشعار الهذليين 2/ 956.
(1/91)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= إِذَا ذُكِرتْ يرتاحُ قَلْبِي لِذِكْرِهَا ... كمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ الْقَطْرُ
خَلِيلَيَّ: هَلْ يُسْتَخْبَرُ الرِّمْثُ وَالغَضا ... وَطَلْحُ الكُدى مِنْ بَطْنِ مُرّان والسِّدْرُ
أَمَا والّذِي أَبْكَى وَأَضْحكَ والّذي ... أَمَاتَ وَأَحْيَا والّذي أَمْرُهُ الأَمْرُ
لَقَدْ كُنْتُ آتيها وَفِي النَّفْسِ هَجْرُهَا ... بَتاتًا لِأُخْرَى الدَّهْرِ مَالألأَ العُصرُ
وَإِنّي لآتِيهَا لِكَيْما تُثيبنُي ... أَو أردفها بِالصّوْمِ مَا طَلعَ القَمْرُ
فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَراهَا بِخَلْوَةٍ ... فَأُبْهَتُ لا عُرْفٌ لَدَيَّ وَلَا نُكْرُ
وَأَنْسَ الَّذي قَدْ كُنْتُ فِيهِ هَجَرْتُها ... كَمَا تَتَناسى لُبَّ شَارِبها الْخَمْرُ
وَلَا أَتلافَى عَثْرَتِي بِعزيمَةٍ ... مِنَ الأَمرِ حَتَى تَحْضرَ الأَعْينُ الخُزْرُ
فَأَرْجِعُ مثِلي حينَ كُنْتُ مُفكّرًا ... أَقولُ مَتى يَوْمٌ يَكُونُ لَهُ يُسْرُ
فَلا خَيْرَ فِي وَصْلِ الظّنونِ إِذَا وَنَى ... ولا لَذّةٍ يالَيْل يُنْزِلُهَا الْقَسْرُ
أَذُّم لكِ الأَيَامَ فِيَما وَلَتْ لنا ... وَمَا لِلّيالِي فِي الّذي بَيْنَنا عُذْرُ
وَمَا تَرَكَتْ لِي مِنْ شَذَى أَهْتدي بِهِ ... وَلا ضِلْعَ إلا وفِي عَظْمِها وَقْرُ
لَقد تَرَكَتْنِي أَغْيِظُ الوْحشَ أَنْ أَرى ... أَليفينِ مِنْها لا يَرُوعُهما نَفْرُ
هَجرتكِ حَتّى قِيلَ لَا يَعْرِف الْهَوى ... وَزُرْتَكِ حَتَى قِيلَ لَيْسَ لَهُ صَبْرُ
صَدَقْتِ أَنَا الصَّبُّ المُصَابُ الّذي بهِ ... تَباريحُ حُبٍّ خامرَ القَلْبَ أَوْ سِحْرُ
فيَا حَبَّذَا الأَحْياءُ مَا دُمْتِ حَيّةً ... ويا حَبّذا الأُمْواتُ مَا ضَمَّكِ القَبْرُ
ويَمنَعُني مِنْ بَعْدُ إِنْكارُ ظُلْمِها ... إذا ظَلَمَتْ يَومًا وإنْ كَانَ لِي عُذْرُ
مَخَافَةَ أَنّي قَدْ عَلِمْتُ لئِنْ بَدا ... لِيَ الهَجْرُ مِنْها مَا عَلى هَجْرِها صَبْرُ
وَأنّيَ لَا أَدْرِى إِذَا النَّفْسُ أَشْرَفَتْ ... عَلى هَجْرِهَا مَا يَبْلُغُنَّ بِيَ الْهَجْرُ
أَبَى الْقَلْبُ إِلّا حُبّها عامِرِيّة ... لَهَا كُنيَةُ عَمْروٍ وَلَيْسَ لَها عَمْرُو
تَكادُ يَدِي تَنْدَى إِذَا مَا لَمَسْتُها ... وَتَنْبُتُ فِي أَطْرِافِها الوَرَقُ الخُضرُ
تَمَنَّيتُ مِنْ حُبِّي عُلَيَّةَ أَننا ... عَلَى رَمَثٍ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ لَنَا وَفْرُ
عَلَى دَائمٍ لَا يَعْبُرُ الفُلْكُ مَوْجَهُ ... وَمِنْ دُوننا الأَهَوالُ وَاللُّجَجُ الخُضْرُ
لِنَقْضِيَ هَمّ النّفْسِ مِنْ غيرِ رِقْبَةٍ ... وَيَعْدُوَ مَنْ نَخْشَى نَمِيَمتُهُ الْبَحْرُ =
(1/92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= عَجِبْتُ لِسَعْي الدَّهْرِ بَيْنِي وَبَيْنَها ... فَلَمّا انْقضى مَا بَيْنَنا سَكَنَ الدَّهْرُ
مُقيمًا أَنْ لَمْ يُحْدِثِ الْيَوْمَ صَرْفُهُ ... لنَا خُطّة عَوْصَاءَ مِرَّتُهَا شَزْرُ
عَلى رِسْلِه لَمْ يَكْتَرِثْ أَنْ تُصِيبَنا ... نَوائِبُ يَرْمِينا بِهَا مَعَهُ الْقَدْرُ
(هَلِ الْوَجْدُ إِلّا أَنَّ قَلْبِيَ لَوْدَنَا ... مِنَ الْجَمْر قِيدَ الرُّمْحِ لاْحتَرَقَ الْجَمْرُ)
وَيَا حُبَّها زِدْنِي جَوًى كُلَّ لَيْلَةٍ ... وَيَا سَلْوَةَ الأيّامِ مَوْعِدُكِ الْحشْرُ
أَلَيْسَ عَشِيّاتُ الِحْمَى بِرَوَاجِعٍ ... لنَا أبدًا ما أَوْرَقَ السَّلَمُ النَّضرُ
وَلَا عائِذٍ ذَاكَ الزّمانُ الّذي مَضَى ... تَبَارَكْتَ مَا تَقْدِرْ يَقَعْ وَلَكَ الشُّكْرُ
* * *

يُرْوَى أنَّ هِشَامَ بن عَبْدِ المَلِكِ حَجَّ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ فَلَمَّا دَخَلَ فِي الطَّوَافِ وَأَرَادَ اسْتِلَامَ الحَجَرَ الأَسْوَدَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ لازْدِحَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَنُصبَ لَهُ مَنْبَرٌ حِيَالَ الكَعْبَةِ وَجَلَسَ مُنتظِرًا تَصَرُّمَ النَّاسِ إذْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ زَيْنُ العَابِدِيْنَ عَلَيْهُمَا السَّلَامُ فِي ثَوْبَيْنِ مِصرِيَّيْنِ وَفِي رِجْلِهِ نَعْل فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ الحِجَازِ تَنَحُّوا عَنْهُ حَتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ.
فَقَالَ هِشَامٌ: مَنْ هَذَا الَّذِي قَدْ هَابَهُ النَّاسُ هَذِهِ الهَيْبَةَ؟
فَقَالَ الفَرَزْدَقُ وَكَانَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ: أنَا أَعْرِفُهُ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ.
فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟
فَقَالَ:
هَذَا الّذي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ والْحَرَمُ
هَذَا ابْنَ خَيْرِ عِبادِ اللَّه كلّهِمُ ... هذا التَّقِيُّ النَّقيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمة إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ ... بِجَدِّهِ أَنْبياءُ اللَّهِ قَدْ خُتْمُوا
إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ... إلى مَكَارِمِ هَذَا يَنتهِي الْكَرَمُ
يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانُ رَاحَتِهِ ... رُكْنُ الْحَطيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
أي القَبائِل لَيْسَتْ في رِقَابِهُمُ ... لأوليّةِ هذا أَوْلَهُ نِعَم
يَنْمِي إلى ذِرْوَةِ العِزِّ الّتي قَصَرَتْ ... عَن نَيْلِهَا عَرَبُ الإِسْلامِ والْعَجَمُ =
(1/93)

إلَى مَا تَصَرَّفَتْ فِيْهِ مِنْ مَثَلٍ سَائِرٍ، وَتَشْبِيْهٍ رَائِعٍ، وَاسْتِعَارَةٍ رَائِقَةٍ، وَتَضْمِينٍ وَاقِعٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِمَّا قِيْلَ: الأَشْيَاءُ كُلُّهَا ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ: جَيِّد وَوَسَطٌ وَرَدِيْءٌ، فَالوَسَطُ مِنْ كُلِّ
__________
= فِي كَفِّهِ خَيْزران. . . البيتان.
واللَّيْثُ أَهْوَنُ مِنْهُ حينَ يُغْضبُهُ ... وَالمَوْتُ أَيْسَرُ مِنْهُ حِينَ يَبْتَسِمُ
مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَبْعَتُهُ ... طَابَتْ عَناصِرُها والخِيمُ والشِّيَمُ
سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَا تُخْشَى بَوَادِرُهُ ... يزِيُنهُ اثنتانِ حُسْنُ الحِلْمِ والْكَرَمُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يُخْلِفُ الْوَعْدَ مَيْمُونٌ نَقِيبَتُهُ ... رَحْبُ الفناءِ أريبٌ حينَ يَعْتَزِمُ
إِنْ عُدَّ أَهْلُ التَّقى كَانُوا أَئمَّتَهُمْ ... أو قيلَ: من خيرُ أهلِ الأرضِ؟ قيل: هُمُ
لَا ينقصُ العدمُ بَسْطًا من أكفّهم ... سيّانَ ذلكَ إِنْ أَثْرَوْا وإن عدمُوا
عمَّ البريةَ بالإحسانِ فانْقشَعَتْ ... عَنْها الغوايةُ والإملاقُ والظُّلَمُ
مِنْ معشرٍ حُبهم دِينٌ وبُغْضهُمُ ... كُفْرٌ وقربهُمُ مَنْجًى ومعتصمُ
لَا يَسْتَطيعُ جوادٌ بَعْدَ غايَتِهمْ ... وَلا يدانيهمُ قَوْمٌ وإن كَرمُوا
مَنْ يعرفِ اللَّهِ يعرفْ أوَّليةَ ذا ... فالدّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الأُمَمُ
حَمّالُ أَثقْالٍ قَوْمِ إِذَا فُدِحُوا ... حُلْوُ الشمّائل تَحْلُو عِنْدَه نَعَمُ
مُكَرَّمٌ بَعْد ذِكْرِ اللَّهِ ذكرُهُم ... فِي كُلِّ حُكْمٍ وَمَخْتُومٌ بِهِ الْكَلِمُ
هُمُ الْغُيُوثُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ ... والأُسْدُ أُسْدُ الشَّرَى والْيَأْسُ مُحْتَدمُ
وإذا ابتْدَا أَوِ اجْتَبَى بالسَّيْفِ ... . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قالَ: فَانتهى ذَلِكَ إلى عَلِيَ بْنِ الحُسَيْنِ -رَضيَ اللَّهُ عَنْهمُا- فَوَصل الفَرْزدقَ بِعَشَرةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وَشَكَرَ لَهَ مَقامُهُ (1).
_______
(1) أمالي المرتضى 1/ 67.
(1/94)

شَيْءٍ عِنْدَ النَّاسِ أجْوَدُ مِنَ الرَّدِيْءِ إلَّا الشِّعْرَ؛ فَإنَّ وَسَطَهُ كَرَدِيْئِهِ وَمَتَى قِيْلَ: شِعْرٌ وَسَط، فَعِبَارَةٌ عَنِ الرَّدِيْءِ.
وَقِيْلَ:

ضرُوْبِ الشِّعْرِ
أرْبَعَةٌ: ضرْبٌ حَسُنَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ، وَإذَا نُثِرَ لَمْ يُفْقَد حُسْنُهُ، كَمَا قَالَ الفَرَزْدَقُ (1): [من البسيط]
فِي كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيْحُهُ عَبِقٌ ... بِكَفِّ أرْوَعَ فِي عَرْنِيْنِهِ شَمَمُ (2)
__________
(1) نَسَبَهُ:
هو الفَرَزْدَقُ بن غَالِبِ بن صَعْصَعَةَ بن نَاجِيَةَ بن عقَالِ بن مُحَمَّد بن سُفْيَانَ بن مُجَاشِع بن دارم، وَاسْمُ دَارِمَ بَحْرِ بن مَالِك بن عَوْف بن حَنْظَلَةَ بن تَمِيْمٍ. وَكَانَ أَبُوْهُ شَرِيْفًا شُرَفَاءُ إِلَى حَيْثُ انتهُوا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِصَة شَرِيْفَةٌ يَطُوْلُ الكِتَابُ بِذِكْرِهِ.
ويروى: فِي كَفِّهِ جنْهِيُّ رِيْحُهُ عَبَقُ. وَالجنَّةُ الخَيْزَرَانُ وَكَاتِبُ المُلُوْكِ مِنَ العَرَبِ يَتَّخِذُوْنَ مِنْهُ المَخَاصِر قَالَ مَرْوَانُ:
فَطوْرًا يَهُزُّوْنَ الصوَارِمَ وَالقَنَا ... وَطوْرًا بِأَيْدِهِمْ تُهَزُّ المَخَاصِرُ
(2) قَوْلُ الفَرَزْدَقُ: فِي كَفِّهِ خَيْزَرَان رِيْحُهُ عَبِقُ.
قَالَ أَبُو العَبَّاس، يمَال: يَدِىِ مِنَ اللَّحْمِ غَمِزَةُ، وَمِنَ السَّمَكِ صمرةٌ وَصَنِرَةٌ بالنُّوْنِ، وَمِنَ البَيض زَفِرَةٌ ومدرةٌ، وَمِنَ اللبَنِ وَالزُّبْدِ وَضِرَّةٌ وَقِثْمَةٌ وَمِنَ العَسَلِ وَمَا أَشْبَهَهُ سفرة، وَمن لحم الطَّيْر زَهْمَةٌ، وَمِنَ القَدِيْدِ زَرنخَةٌ، وَمِنَ الزَّيْتِ وَسَائِرِ الأَدْهَانِ نَمِسَة وَتهمةٌ، وَمِنَ السَّمْنِ سِنْحُةٌ وَمِنَ الزَّعْفَرَانِ عَتِكَةٌ وَعَطِرَةٌ.
وَمَنْ أَرَادَ اللَّوْنَ قَالَ عاتِة، وَمِنَ الحَدِيْدِ سَهِكَةٌ، وَكَذَلِكَ مِنَ الصُّفْرِ، ومِنَ الشَّهْدِ شَبِرَةٌ ويقال شَهدَةٌ، ومن الحَناءِ قَنِيْئَةٌ، وَمِنْهُ قَنَأتْ أناحله، وَمِنَ القَنْدِ قَنِدَةٌ، وَمِنَ المَاءِ بَلَلَهُ، ويقال لمخة، لَممةٌ وَمِنَ الطِّيْنِ لَثِقَةٌ، وَمِنَ الدَّسَمِ عطلة، وَمِنَ البَزرِ وَالنِّفْطِ نَسِلَةٌ، وَمِنَ القذرِ وَحِرَةٌ وَمِنَ النَّجْوِ قَذِرَةٌ، وَمِنَ المَدْرِ وَسِخَةٌ، وَمِنَ الدَّمِ سَلِطَةٌ، وَمِنَ الخَبِيْصِ دَرِكَةٌ، بِالدَّالِ غَيْرُ المُعْجَمَةِ وَمنَ الفَاكِهَةِ خَنِثَةٌ، وَمِنَ الوَرْدِ =
(1/95)

يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضى مِنْ مَهَابَتِهِ ... وَلَا يُكَلَّمُ إلَّا حِيْنَ يَبْتَسِمُ (1)
وَضَرْبٌ حَسُنَ لَفْظُهُ، وَخَلَا مَعْنَاهُ، كَقَوْلِ الآخَرِ (2): [من الطويل]
وَلَمَّا قَضيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَّحَ بِالأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
أخَذنَا بِأطْرَافِ الأحَادِيْثِ بَيْنَنَا ... وَسَألَتْ بِأعْنَاقِ المَطِيِّ الأبَاطِحُ
وَضَرْبٌ جَادَ مَعْنَاهُ، وَقَصُرَ لَفْظُهُ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ (3): [من الطويل]
خَطَاطِيْفُ حُجْنٍ فِي حِبَالٍ مَتِيْنَةٍ ... تَمُدُّ بِهَا أيْدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ (4)
وَضَرْبٌ قَصُرَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ، كَقَوْلِ الأعْشَى (أعْشَى بَكْرٍ) (5): [من المنسرح]
إنَّ مَحَلًّا وَإنَّ مُرْتَحَلًا ... وَإنَّ لِلسَّفرِ مَا [مضى مهلا] (6)
__________
= وَأَشْبَاهِهِ خمرَةٌ، وَمِنَ الطّيبِ رَدِعَةٌ، وَمِنَ المِسْكِ ذفرة، وَمِنَ سَائِرِ الطِّيْبِ عَبِقَةٌ قَالَ: يُقَالُ --- زَهِمَتْ إِلَّا مِنَ القَذَرِ والطيب.
وَقَالَ يُوْنُسُ النَّحَوِيُّ لَا يَقُوْلُ العَرَبُ اختضب الرَّجُل الا لِلحَنَاءِ، فَأَمَّا -- فَيَقُوْلُوْنَ ----.
(1) ديوانه 2/ 179.
(2) تعليق على البيت قبل الأخير.
- هو ابن الدمينة ورأيته في ديوان كعب.
(3) ديوانه ص 38.
(4) إنَ لنَا مَحَلًا، والمحل: الآخرة، والمرتَحل: الدُّنيا.
وإنَّ في السّفر مَقْدَمًا: مِنْ قَدم شَيْئًا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالحِ أَصَابَهُ كَمَا تَقُولُ: خُذْ لِهذَا الأمرِ مُهْلَةُ، ومَهُلْتَهُ: تَقَدّم فيهِ.
ومما لا معنى فيه، ولا فائدة قول القائل:
الليل ليل والنهار نهار ... والأرض فيها الماء والأشجار
(5) ديوانه 283.
(6) بياض في الأصل وأكملناه من ديوانه.
(1/96)

وَالشِّعْرُ لَهُ أسْبَابٌ:
مَتَى خَلَا مِنْ وَاحِدٍ منها كان كَالحَيَوَانِ الَّذِي عَابَهُ نَقْصٌ فِي خِلْقَتِهِ، وَشَانَهُ فَقْدُ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ صُوْرتهِ. أوَّلُهَا فَصَاحَةُ اللَّفْظِ، وَإِبْدَاعُ المَعْنَى؛ لأنَّ الشِّعْرَ لَفْظٌ وَمَعْنًى، فَاللَّفْظُ جِسْمُ الحَيَوَانِ، وَالمَعْنَى رُوْحُهُ وَنَفْسُهُ، وَفَصَاحَةُ اللَّفظِ نُعُوْمَةُ ذَلِكَ الجِسْمِ، وَحُسْنُ بَشَرَتِهِ، وَصفَاءُ لَؤْبهِ.
وَإِبْدَاعُ المَعْنَى شَرَفُ تِلْكَ النَّفْسُ، وَكَمَالُهُا وَزَهْوُهَا. وَكَمَا أنَّ الجِسْمَ بِغَيْرِ رُوْحٍ لَا يُوْجَدُ بِهِ حَرَكَة وَلَا عَقْلٌ، وَالرُّوْحَ بِغَيْرِ جِسْمٍ لَا يُدْرَكُ لَهَا مَلَكَةُ وَلَا فِعْلٌ، فَكذَلِكَ الشِّعْرُ، لَا يَصحُّ إلَّا بِاجْتِمَاع اللَّفْظِ وَالمَعْنَى فِيْهِ مِنْ غَيْرِ انْفِرَادِ أحَدهُمَا عَنِ الآخَرِ. وَإذَا كَانَتْ الفَصاحَةُ مُسَلَّمَةً إلَى العَرَبِ ---- مِنْ إبْدَاعِ المَعْنَى، وَجَزَالَةِ اللَفْظِ، وَالحِذْقِ بِصنَاعَةِ الشِّعْرِ -- حَقُّهُمْ، وَلَا يُنْكَرُ سَبْقُهُمْ. وَأنَا لَا أُسَلِّمُ إلَى المُتَقَدِّمِ إِذَا جَاءَ بِالرَّدِيْءِ مِن شِعْرِهِ لِتَقَدُّمِهِ، وَلَا أبْخَسُ المُتَأخِّرَ حَقَّ الفَضِيْلَةِ لِتَأخُّرِهِ اقْتِدَاءً بِالمئَلِ السَّائِرِ، المُنْجِدِ الغَائِرِ، المُحْكَمِ الأَوْصَافِ، الكَامِلِ العَدْلِ وَالإنْصَافِ، وَهُوَ قَوْلُ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّ بن أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا تَنْظُرْ إلَى مَنْ قَالَ، وَانْظُرْ ما قال.
فَالفَصَاحَةُ فِي اللَّفْظِ كَالأَبْيَاتِ الَّتِي يَرْوِيْهَا النَّاسُ لِلفَرَزْدَقِ (1): [من الطويل]
__________
(1) قَدْ قِيْلَ: إنَّ هَذِهِ الأَبْيَاتَ لِلأَخْطَلِ بنِ غَالِبٍ المُجَاشِعِيُّ أَخِي الفَرَزْدَقَ وَهُوَ الأَصَحُّ لأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ وَكَانَ الأخْطَلُ هَذَا شَاعِرًا فَحْلًا طَوِيْلَ اللِّسَانِ كثيْرَ المَحَاسِنِ فَكَسَفَهُ الفَرَزْدَقُ فَانْطَوَى فَضْلهُ:
وَمِنْ فَصِيْحِ الشِّعْرِ مِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ الصَّمَّةِ بن عَبْدُ اللَّهِ بن طُفَيْلٍ القُشَيْرِيُّ (1):
وَبِالأَجْرَعِ الأَقْصَى الَّذِي أَنْبَتَ الغَضَا ... جَاءَ ذِرُّ أَعِيَا صَيْدُهَا كُلُّ صَائِدِ
وَمَرْعًى أَنِيْقٌ غَيْر دَانٍ مرَادُهُ ... وَمَاءٌ نَمِيْرٌ غَيْرُ سَهْلِ المَوَارِدِ
ألا بِأَبِي العَيْشُ الَّذِي كَانَ لِي ... زَمَانَ الصِّبَى لَكِنَّهُ غَيْرُ عَايِدِ
_______
(1) لم ترد في ديوانه. =
(1/97)

وَرَكْبٍ كَأنَّ الرِّيْحَ تَطْلُبُ عِنْدَهُمْ ... لَهَا تِرَةً مِنْ جذْبِهَا بِالعَصَايِبِ (1)
سَرَوا يَخْبِطُوْنَ اللَّيْلَ وَهْيَ تَلُفُّهُمْ ... إلَى شُعَبِ الأكْوَارِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ (2)
__________
= مَلَاعِبُ أَخْدَانَ الصِّبَى وَلِدَاتِهِ ... نَعِمْنَا بِهَا دَهْرًا وَمَلْهَى لَوْ لَايِدِ
لَيَالِيَ أُمْسِي وَالغَوَانِي ضَجَائِعِي ... وَأَعْضَادُهُنَّ النَّاعِمَاتُ وَسَائِدِي
وَمَا لِي مِنْ رَيَّا إِذَا مَا ذَكَرْتَهَا ... سِوَى نَفْسٍ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ صَاعِدِ
وَدَمْعٌ تَكَادُ العَيْنُ مِنْ حَرِّ مَائِهِ ... تَذُوْبُ فَيَخْبُو نُوْرُهَا غَيْرِ بَارِدِ
وَكَقَوْلِ أَبِي عُبَادَةَ البُحْتُرِيّ (1):
أَطَاعَ الهَوَى وَاسْتَعْبَدَتْهُ المَطَامِعُ ... وَمَالَتْ بِهِ نَحْوَ الحَبِيْبِ النَّوَازعُ
وَكَانَ تَمَادِي البُعْدِ أنْسَاهُ وَجْدَهُ ... فَهَيَّجَ ذِكْرَاهُ الحَمَامُ السَّوَاجِعُ
نَوَائِح يُبْكِي شَجْوهَا كُلَّ سَامِعٍ ... لَهُنَّ وَإنْ لَمْ تَجْرِ مِنْهَا المَدَامِعُ
كَتَمْتُ الهَوَى مَا اسْطَعْت فَازْدَادَ كثرةً ... عَلَيَّ وَحَتَّى مَ تَسَعْهُ الأَطَالِعُ
فَوَاكَبِدَى مَالِي أَحِنُّ إِلَى الصِّبَى وَ ... هَيْهَاتَ مَا عَهِدَ الصِّبَى لِي رَاجِعُ
وَإنْ أَكُ نَاهَزَ سَبْعِيْنَ حِجَّةٍ ... فَقَلْبِي فِي طَبْعِ الصبَابَةِ يَافِعُ
يُطَيِّرُ مَرَّ الدَّهْرِ أَجْسَام أَهْلِهِ ... وَتَبْقَى عَلَى حَالَاتِهِنَّ الطَّبَائِعُ
وَمِنْ مَحَاسِنِ شِعْرِ أَبِي الطَّيِّبِ فِي النَّسَبِ بِالأَعْرَابِيَّاتِ قَوْلهُ مِنْ قَصِيْدَةٍ (2):
دِيَارُ اللَّوَاتِي دَارهنَّ عَزِيْزَةً ... بِطُوْلِ القَنَا يَحْفَظْنَ بِالتَّمَائِمِ
حِسَانُ يَنْقِشُ الوشَى مِثْلهُ ... إِذَا مَسَّ فِي أَجْسَادِهِنَّ النَّوَاعِمِ
وَيَنْسِمْنَ عَنْ دُرٍّ تَقَلَّدْنَ مِثْلَهُ ... كَأنَ التَّرَاقِي وُشِحَتْ بِالمَبَاسِمِ
(1) أَلَمَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بن المُعْتَزِّ فَقَالَ:
وَالرِّيْحُ تَجْذِبُ أطراف الرداءِ كَمَا ... أَفْضى الشَّفِيْقُ إِلَى تَنْبِيْهِ وَسْنَانِ
(2) وَيُرْوَى: سَرَوا وَسَرَتْ نَكْبَاءُ وَهِيَ تَلُفُّهُمْ.
_______
(1) لم ترد في ديوانه.
(2) ديوانه 4/ 11.
(1/98)

إِذَا مَا اسْتَدَارُوا وِجْهَةَ الرِّيْحِ أعْصَفَتْ ... تَصُكُّ وُجُوْهَ القَوْمِ بَيْنَ الرَّكَائِبِ
إِذَا أنِسُوا نَارًا يَقُوْلُوْنَ لَيْتَهَا ... وَقَدْ خَصرَتْ أيْدِيْهِمْ [نار غالب] (1)
رَأُوا ضَوْءَ نَارٍ في يَفَاعٍ تَألَّفَتْ ... يُؤَدِّي إِلَيْهَا لَيْلُهَا كُلَّ سَاغِبِ (2)
تُشَبُّ لِمَقْرُوْرِيْنَ طَالَ سُرَاهُمُ ... إِلَيْهَا وَقَدْ أصغَتْ تَوَالِي الكَوَاكِبِ
تَرَى نَسَبًا مِنْ صَادِرِيْنَ وَوُرَّدٍ ... إِذَا رَاكِبٌ وَلَّى أنَاخَتْ بِرَاكِبِ
إلَى نَارِ ضَرَّابِ العَرَاقِيْبِ لَا يَنِي ... لَهُ مِنْ غِرَارَي سَيْفِهِ خَيْرُ طَالِبِ (3)
تُدَرُّ لَهُ الأنْسَاءُ فِي لَيْلَةِ الصَّبَا ... وَتُمْرَى بِهِ اللَّبَّاتُ عِنْدَ التَّرَائِبِ
وَكَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ (4): [من الطويل]
__________
(1) يُرْوَى: إِذَا أُوْقِدَتْ نَارٌ يَقُوْلُوْنَ، ما بين المعقوفين بياض في الأصل وأكملناه من الديوان.
* * *

الخَصِرُ الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ وَقَوْلُهُ: خَصِرَت أَيْدِيْهِمْ أي مَسَّهَا البَرْدُ. وَالخَرِصُ الَّذِي يجدُ البَرْدَ وَالجُوْعَ مَعًا.
(2) وَيُرْوَى: تَألَّقَتْ بِالقَافِ.
(3) يُرْوَى: لَمْ يَزَلْ لهُ مِنْ غِرَارَي.
(4) وَاسْمُهُ غَيْلَانُ بن عُقْبَةَ بن نَهِيْش بن مَسْعُوْد بن حَارِثةَ بن عُمَرَ بن رَبِيْعَةَ بن سَاعِدَةَ بن كَعْب بن عَوْف بن ثَعْلَبَةَ بن رَبِيْعَةَ بن مَلْكَانَ بن عُدَيِّ بن عَبْدِ مُنَاةَ بن أَدّ بن طَابِخَةَ بن الْيَاسِ بن مُضَرَ بن نزار بن مَعْدِ بن عَدْنَانَ.
وَإنَّمَا سُمِيَّ بِذَلِكَ لَقَوْلهِ فِي أُرْجُوْزَةٍ لَهُ يَصِفُ وَتَدًا:
أبعَثْتَ فِي رُمَّةِ التَّقْلِيْدِ نَعَمْ ... فَأَنْتَ اليَوْمَ كَالمَعْمُوْدِ
وَقِيْلَ إنَّمَا سُمِّيَ بِذِي الرِّمَّةِ لأنَّهُ كَانَ خُشِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ غُلَامَ المَسَّ فَأَتَى بِهِ رَجُلٌ مِنَ الحَيِّ فَكَتَبَ لَهُ مُعَاذِةً فَشُدَّتِ بِخَيْطٍ وَعُلِّقَتْ عَلَيْهِ. يَقُوْلُ فِي أُرْجُوْزَتهِ (1):
_______
(1) ديوانه 1/ 357 - 358. =
(1/99)

ألم تعلمي ياميّ أنا وبيننا ... فيافٍ لطرف العين فيهن مطرحُ
ذَكَرْتُكِ إذْ مَرَّتْ بِنَا أُمُّ شَادِنٍ ... أمَامَ المَطَايَا تَشْرَئِبُّ وَتَسْنَحُ
مِنَ المُؤْلفَاتِ الرَّمْلِ أدْمَاءُ حُرَّةٌ ... شُعَاعُ الضُّحَى فِي مَتْنِهَا يَتَوَضَّحُ
. . . . . . . . . . . . صَحْبُهَا ... لنَا وَسَوَادُ اللَّيْلِ قَدْ كَادَ يَجْنَحُ
. . . . . . . . . . . . . . . . ... ندَى الطَّلِّ إلَّا أنَّهُ أَمْلَحُ
كأنَّ خُزَامى عَالجٍ في ثيابها ... بُعَيْدَ الكَرَى أَوْ فَارَ مِسْكٍ تُذْبَّحُ
أبيْتُ على مِثْلِ الأَثَافِي وَبَعْلَهَا ... يَبِيْتُ على مِثْلِ النَّقَا يَتَبَطَّحُ (1)
__________
= وَالدَّهْرُ يُبْلِي جِدَّةَ الحَدِيْدِ
غَيْرَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثٍ سُوْدِ
وَغَيْرَ بَاقي مَلْعَبِ الوَليْدِ
وَغَيْرَ مَرْضُوْخِ القَفَا مَوْتُوْدِ
أَشْعَثَ بَاقِي رُمَّةَ التَّقْلِيْدِ
الرُّمَّةَ: مَا بَقِيَ مِنَ الوَتَدِ مِنْ حَبْلٍ أَوْ خَيْطٍ.
قَالَ أبُو عَمْرُو: وَإنَّمَا سُمِّيَ ذَو الرُمَّةِ لأنَّهُ أَصابَهُ شري فَقِيْلَ لَهُ: لَوْ عَلَّقْتَ عَلَى نَفسِكَ قِطَعَ الحِبَالِ وَالعِظَامِ ذَهَبَ عَنْكَ هَذَا الدَّاءُ فَفَعَلَ فَسُمِّيَ بهِ. وَقَدْ كَرَّرَ ذُو الرَّمَّةَ ذِى الرُّمَّةِ في شِعْرِهِ فَقَالَ (1):
لمِيَّةَ أَطْلَالٌ بِذِي الرِّزْقِ أَصْبَحَت ... خَوَالِي مَا فِيْهَا سِوَى الوَحْشِ مِنْ أَهْلِ
وَقَفْتُ بِهَا صحْبِي فَلأَيًا عَرَفْتُهَا ... بِأَشْعَثَ بالٍ فوق رمة الجبل
عَهِدْتُ بِهَا ميًّا مُذِ العَامِ حَوْلَهَا ... نَوَاشِئُ مِنْ جَارَاتِهَا كَمَهْيُ الرَّمْلِ
تُرَى أَنَّها اسْتَحْلَتْ بِعَادِي أَوْ وَشَا ... إِلَيْهَا بِيَ الوَاشُوْنَ أَمْ كَرِهَتْ وَصْلِي
أَيَا مَيَّ عَدْلكِ أَنْ تَبِيْتِي خليَّةً ... وَأُمْسِي حَلِيْفَ الهَمِّ أَمْ لَيْسَ بالعَدْلِ
(1) وَكَقَوْلِ كُثَيِّر بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخُزَاعِيّ (2):
_______
(1) انظر: ديوانه 1/ 137.
(2) ديوانه ص 43. =
(1/100)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= رَمَتْنِي عَلَى عَمْدٍ بُثينَةُ بَعْدَما ... تَوَلَّى شَبَابِي وأَرْجَحنَّ شَبَابَهَا
بعَيْنَيْنِ نَجْلَاوَيْنِ لَوْ رَقْرَقَتْهُمَا ... لنوءِ الثُّرَيّا لاسْتَهَلَّ سَحَابُهَا
وَلَكنَّمَا تَرْمِينَ نَفْسًا شَجِيَةً ... لِعَزَّةَ مِنْهَا صَفْوُهَا وَلُبابُهَا
وَكَقَوْلِ بَعْضُ الأَعْرَابِ:
أَلَا لَا تَعْدُ إِلَى لَيْلَة مِثْلُ لَيْلَتِي ... تخيْفُ مِنًى إِذْ نَامَ أَهْلُ المَنَازِلِ
طَرِيْحًا بِبَابِ الشعبِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ... تُسَاقُ عَلَى خَدَّيْهِ أَيْدِي الرَّوَاحِلِ
يَقُوْلُوْنَ مَنْ هَذَا القَتِيلُ الَّذِي نَرَى ... وَيَنْظرْنَ شَزْرًا مِنْ سُجُوْفِ المَحَامِلِ
وَلَوْ عَلِمُوا مَاجَنَّ فِي بَاطِنِ الحَشَا ... لَعَايَنَ مَقْتُوْلًا يَهِيْمُ بِقَاتِلِ
كَقَوْلِ مُسْلِمُ بن الوَليْدِ (1):
وَزَائِرَةٍ رُعْتُ الكَرَى بِلِقَائِهَا ... وَنَادَمْتُ فيها كَوْكَبَ الصُّبْحِ وَالفَجْرَا
فَبِتُّ أُسِرُّ النَّجْمِ طَوْرًا حَدِيْثهَا ... وَطَوْرًا أُنَاجِي البَدْرَ أُحْسِبُهَا البَدْرَا
إِلَى أَنْ رَأَيْتُ اللَّيْلَ مُنْفَصِمَ العُرَى ... يُوزعُ فِي ظَلْمَائِهِ الأنْجُمَ الزُّهْرَا
إِذَا مَا مَشَتْ خَافَتْ تَمِيْمَةَ حَلْيهَا ... تُدَارِي عَلَى المَشْي الخَلَاخِلَ وَالعِطْرَا
وَكَقَوْلِ أَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيّ (2):
وَخَبَّرَكِ الوَاشُوْنَ أَنْ لَا أُحِبّكُمْ ... بَلَى وَسُتُوْرِ اللَّهِ ذَاتِ المَحَارِمِ
أَصُدُّ وَمَا الصَّدُّ الَّذِي تَعْلَمِيْنَهُ ... عِزَاءٌ بِكُمْ إِلَّا ابْتِلَاعُ العَلَاقِمِ
وَإِنَّ دَمًا لَوْ تَعْلَمِيْنَ حَنيتِهِ ... عَلَى الحَيِّ جَانِي مِثْلِهِ غَيْرُ سَالِمُ
أَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرُكِ أَرْقَلَتْ ... إِلَيْهِ القَنَا بِالرَّاعِفَاتِ اللهاذِمُ
وَلَكِنَّهُ وَاللَّهِ مَا ظَلَّ مُسَلِّمًا ... كَغِرِّ الثَّنَايَا وَاضِحَاتِ المَلَاغِمِ
إِذَا هُنَّ سَاقَطْنَ الأَحَادِيْثَ لِلفَتَى ... سِقَاطَ حَصَى المَرْجَانِ مِنْ سلكِ نَاظِمِ
_______
(1) ديوانه ص 45.
(2) مجموع شعره ص 84.
(1/101)

وَهَذَا النَّمَطُ كَثِيْرٌ في أشْعَارِ الفُصحَاءِ المُجَوِّدِيْنَ مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ وَالمُتَأخِّرِيْنَ، فَلْنَرْجِع الآنَ إلَى مَا كُنَّا اشْتَرَطْنَاهُ مِنَ الاختِصَارِ، وَاجْتِنَابِ الإسْهَابِ وَالإكْثَارِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَإِبْدَاعُ المَعْنَى، هُوَ أَنْ يَأْتِي الشَّاعِرُ بِمَعْنًى غَرِيْبٍ لَمْ يُسْبَق إِلَيْهِ، قَدِ اخْتَرَعَتْهُ فِطْنَتُهُ وَابْتَدَعَتْهُ قَرِيْحَتُهُ، يَدْهَشُ لإِنْشَادِهِ السَّامِعُ، وَتَطْرَبُ مِنْ اسْتِطْرَافِهِ المَسَامِعُ، فَيَشْتَرِكُ القَلْبُ وَالسَّمْعُ حِيْنَئِذٍ فِي الالْتِهَاجِ بِهِ. وَأكْثَرُ مَا يُوْجَدُ ذَلِكَ فِي أشْعَارِ المُوَلَّدِيْنَ وَالمُتَأخِّرِيْنَ، لأنَّ أشْعَارَ العَرَبِ المُتَقَدِّمِيْنَ تَعَلَّقَتْ بِالفَصاحَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَلَا تَصَنُّعٍ فِي أُسْلُوْبٍ - وَصْفِ المَنَازَلِ وَالرِّيَاحِ، وَالسَّحَابِ وَالنِّيْرَانِ، وَالخَيْلِ وَالافْتِخَارِ، وَمَا نَاسَبَ ذَلِكَ. فَقَلَّ أَنْ يُوْجَدَ فِيْهَا المَعْنَى البَدِيْعُ إلَّا فِي
__________
= رَمَيْنَ فَأَضْمَيْنَ القُلُوْبَ فَلَنْ تَرَى ... دَمًا مَائِرًا إِلَّا جَوًى فِي الحَيَازِمِ
وكَقَوْلِ جَمِيْل بن مُعَمَّرٍ (1):
بُثَيْنَةُ إِنْ أَهْجُر هَجَرْتُ وَلَا قِلَى ... لَكُمْ أَوْ أَزُرْكُمْ زُرْتُ غَيْرَ مُرِيْبِ
وَلَكِنْ عَذَابِي عَنْ زِيارَتِكِ العِدَى ... وَخَوْفُ حَسُوْدٍ كَاشِحٍ وَرَقِيْبِ
فَلا تَسْتَمْلِكُ العَاذِلَاتُ بُثَيْنَةٌ ... وَلَا تَسْمَعِي فِيْنَا مَقَالَ كَذُوبِ
وَقَدْ زَعَمَتْ أَنِّي تَدَاوَيْتُ بِالنَّوَى ... وَهَلْ مِنْ دَوَاءٍ غَيْرَهَا وَطَبِيْبِ
وَكَيْفَ يُدَاوَى القَلْبُ مِنْهَا وَإِنَّهَا ... مِنَ الدَّهْرِ حَظِّي كُلّهُ وَنَصِيْبي
سَأَرْعَى عَلَى بُعْدٍ لَهَا عَهْدَ مَجْلِسٍ ... نَعِمْنَاهُ فِي لَهْوٍ هُنَاكَ وَطِيبِ
وَمَا الْتَذَّ لِي عَيْشٌ مُذِ النَّأْي بَعْدَهَا ... وَلا سَرَّنِي يَوْمًا وِصَالُ حَبِيْبِ
وَكَقَوْلِ قَيْسُ بن ذَرِيْحٍ (2):
حَلفْتُ لَهَا بِالمَشْعَرَيْنِ وَزَمْزَمٍ ... وَذُو العَرْشِ فَوْقَ المقسمِيْنَ رَقِيْبُ
لَئِنْ كَانَ بَرْدُ المَاءِ حَرَّانَ صَادِيًا ... إِلَيَّ حَبِيْبًا إِنَّهَا لحبِيْبُ
_______
(1) لم ترد في ديوانه (صادر).
(2) مجموع شعره ص 61 - 62.
(1/102)

النَّادِرِ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ (1): [من الطويل]
لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ مَا أخْطَأَ الفَتَى ... لَكالطِّوَلِ (2) المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ (3)
فَهَذَا مِنَ التَّشْبيْهِ البَدِيْعِ الوَاقِعِ، وَاللَّفْظِ الرَّائِقِ الرَّائِعِ الَّذِي لَا يُدْرِكُ شَأْوَهُ شَاعِرٌ، وَلَمْ يَتَقَدَّمَهُ مَثَلٌ سَائِرٌ.
وَطَرَفَةُ أوَّلُ مَنْ ابْتَكَرَهُ، وَتَبِعَهُ الرَّاعِي، فَقَصَّرَ عَنْهُ، حيثُ قال (4): [من الطويل]
لَعَمْرُكِ إنَّ المَوْتَ يا أُمَّ سَالِمٍ ... قَرِيْنٌ مُحِيْطٌ حَبْلُهُ مِنْ وَرَائِيَا
وَالمُوَلَّدُوْنَ مِنَ الشُّعَرَاءِ غَاصُوا عَلَى المَعَانِي البَدِيْعَةِ الدَّقِيْقَةِ، فَزَيَّنُوْهَا أَلْفَاظهمُ السَّهْلَةَ الرَّقِيْقَةَ. فَمِنْهَا مَا قَامَ البَيْتُ الفَرْدُ بِمَعْنَاهُ البَدِيْع كَقَوْلِ سَعِيْدٍ بن هَاشِمٍ الخَالِدِيِّ يَمْدَحُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ بن حمدان وَيَذْكُرُ كَثْرَةَ فَتْكِهِ بَأَعْدَائِهِ وَقَطْعَ رُؤُوْسِ --- الأَسِنَّةِ (5): [من الطويل]
سَقَيْتَ القَنَا مَاءَ الكلَى سَقْيَ غَارِسٍ ... فقد أَثْمَرَتْ هَام العِدَا في العَوَامِلِ
وَكَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ أحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ المُتَنَبِّيّ (6): [من الطويل]
__________
(1) شرح ديوانه ص 109.
(2) تَفْسِيْرٌ:
يَقْوْلُ أنَّ الإِنْسَانَ فِي قَبْضَةِ المَوْتِ لَكَالفَرَسِ يَكُوْنُ فِي المطَوِّلِ وَهُوَ الحَبْلُ فَيَرْخِي لَهُ صَاحِبُهُ فَيَرْعَى فَإِذَا أَرَادَ جَدَبَهُ إِلَيْهِ. وَيُرْوَى الطِيْلُ وَهُوَ الأَصَحُّ.
(3) قَرِيْبٌ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ مَأْخُوْذًا مِنْهُ قَوْلُ السَّيِّدُ الرَّضِيّ رَحَمَهُ اللَّهُ (1):
يَغرُّ الفَتَى مَا طَالَ مِنْ حَبلِ عُمْرِهِ ... وَتُرْخَى المَنَايَا بُرْهَةً ثُمَّ تَجْذِبُ
(4) للراعي النميري في مجموع شعره ص 115.
(5) لم يرد في ديوان الخالديين.
(6) ديوانه 1/ 159.
_______
(1) ديوانه 1/ 81.
(1/103)

أَزَالَتْ بِكَ الأَيَّامُ عَتْبِي كَأنَّمَا ... بَنُوْهَا لَهَا ذَنْبٌ وَأنتَ لَهَا عُذْرُ
وَمِنهُ مَا جَاءَ بِالمَعْنَى البَدِيْعِ البَيْتُ وَأخُوْهُ كَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ (1): [من الكامل]
وَإذَا أرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضيْلَةٍ ... طُوِيَتْ أتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُوْدِ
لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيْمَا جَاوَرَتْ ... مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيْبُ عَرْفِ العُوْدِ (2)
__________
(1) ديوانه 1/ 397.
(2) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أبُو العَتَاهِيَةِ (1):
يَبْقَى الثَّرَاءُ لَوْ أُرْثِيْكَ وَمَا خَلَّفْت ... مِنْ أُكْرُوْمَةِ فَلَكَا
وَكَقَوْلِ ابنُ الرُّوْمِيّ (2):
يَا دَهْرُ صَاحَبْتَ اللِّئَامَ مُصَافِيًا ... لَهُمُ وَجَانَبْتَ الكِرَامَ مُعَانِدَا
فَغَدَوْتَ كَالمِيْزَانِ تَرْفَعُ نَاقِصًا ... أبَدًا وَتَخْفِضُ لَا مَحَالَةَ زَائِدَا
وَمِثْلهُ قَوْلُ الآخَرِ:
دَهْرٌ عَلَا قَدرُ الوَضِيْعِ بِهِ ... وَغَدَا الشَّرِيْفُ يُحِطُّهُ شَرَفُه
كَالبَحْرِ يَرْسُبُ فِيْهِ لُؤْلُؤُهُ ... سُفْلًا وَيَعْلُو فَوْقَهُ جِيَفُه
وَمِنْ بَدِيْعِ المَعْنَى قَوْلُ أَبِي الفَضْلِ المِيْكَالِيِّ (3): [من الخفيف]
وَغَزَالٍ مَنَحْتُهُ خَالِصَ الوُدِّ ... فَجَازَني بِالصَّدِّ وَالاجتِنَابِ
لَمْ أَلُمْهُ إِذَا اتَّقَى بِحِجَابٍ ... وُدّ وَالِهَ الفُؤَادِ لِمَا بِي
هُوَ رُوْحِي وَلَيْسَ يُنْكَرُ لِلرُّوْحِ ... تَوَارٍ عَنِ الوَرَى بِحِجَابِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ مَنْقُولٌ مِنْ خَطِّهِ رَحَمَهُ اللَّهُ:
هِيَ شِدَّةٌ يَأتِي الرَّخَاءُ عَقِيْبَهَا ... يُبَشِّرُ بِالسُّرُوْرِ العَاجِلِ
_______
(1) لم يرد في ديوانه.
(2) لم يرد في ديوانه.
(3) ديوانه (العطية) 40.
(1/104)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَإذَا نَظَرْتَ فَإنَّ بُؤْسَاَ زَائِلًا ... لِلْمَرْءِ خَيْرٌ بَلْ نَعِيْمٌ زَائِلِ
هَذَا المَعْنَى مَأْخُوْذٌ مِنْ قَوْلِ فِيْثَاغُوُرْسِ الحَكِيْمِ وَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَى فَصِّ خَاتَمَهِ وَهُوَ شَرٌّ لَا يَدُوْمُ خَيْرٌ مِنْ خَيْرٍ لَا يَدُوْمُ.
وَقَرِيْب مِنْ هَذَا المَعْنَى قَوْلُ الآخَرِ:
فَإنَّ المَرَّ حِيْنَ يَسُرُّ حُلْوٌ ... وَإنَّ الحُلْوَ حِيْنَ يَضُرُّ مُرُّ
فَخُذْ مُرًّا تُعَوِّضُ عَنْهُ حُلْوًا ... وَلَا تَعْدِل إِلَى حُلْوٍ يَضُرُّ
قَالَ الأُوْزَاعِيُّ:
مَكْحُوْلًا فَقَالَ لنَا اللُّحُوْقِ بِمَنْ يُرْجَا خَيْرُهُ خيرٌ مِنَ البَقَاءِ مَعْ مَنْ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ.
* * *

هَذَا البَيْتُ مِنْ قَصِيْدَةٍ يَمْدَحُ بِهَا عَلِيّ بن أَحْمَدَ بن عَامِرٍ أَوَّلُهَا (1):
أُطَاعِنُ خَيْلًا مِنْ فَوَارِسِهَا الدَّهْرُ ... وَحِيْدًا وَمَا قَوْلِي كَذَا وَمَعِي الصَّبْرُ
وَأَشْجَعُ مِنِّي كُلَّ يَوْمٍ سَلَامَتِي ... وَمَا ثَبَتُّ إلَّا وَفِي نَفْسِهَا أَمْرُ
تَمَرَّسْتُ بِالآفَاقِ حَتَّى تَرَكْتُهَا تقول ... أَمَاتَ المَوْتُ أَم ذُعِرَ الذُّعْرُ
وَأَقْدَمْتُ إِقْدَامَ الآتِيَّ كَأَنَّ لِي ... سِوَى مُهْجَتِي أَوْ كَان لِي عِنْدَهَا وتْرُ
ذَرِ النَّفْسَ تَأْخذُ وُسْعَهَا قَبْلَ بَيْنِهَا ... فَمُفْتَرِقٌ جَارَانِي دَارُهُمَا عُمْرُ
وَلَا تَحْسِبَنَّ المَجْدَ زِقًّا وَقِيْنَةً ... فَمَا المَجْدُ إلَّا السَّيْفُ وَالفتْكَةُ البِكْرُ
إِذَا الفَضْلُ لَمْ يَرْفَعْكَ عَنْ شُكْرِ نَاقِصٍ ... عَلَى هِبَةٍ فَالفَضْلُ فِيْمَنْ لَهُ الشُّكْرُ
وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ ... مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الفَقْرُ
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ جُبْتُ تَشْهَدُ أَنَّنِي ... الجَّبَانُ وَبَحْرٍ شَاهِدٍ أَنَّنِي البَحْرُ
يَقُوْلُ مِنْهَا فِي المَدْحِ:
وَمَا زِلْتُ حَتَّى قَادَنِي الشَّوْقُ نَحْوَهُ ... يُسَايِرُني فِي كُلِّ رَكْبٍ لَهُ ذِكْرُ
_______
(1) للمتنبي في ديوانه 1/ 148.
(1/105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَأَسْتَكْبِرُ الأَخْبَارَ قَبْلَ لِقَائِهِ ... فَلَمَّا الْتقَيْنَا صَغَّرَ الخَبَرُ الخُبْرُ
دَعَانِي إِلَيْكَ الحِلْمُ وَالعِلْمُ وَالحِجَى ... وَهَذَا الكَلَامُ النَّظْمُ وَالنَّائِلُ الدَّثْرُ
وَمَا قُلْتُ مِنْ شِعْرٍ تَكَادُ بُيُوْتهُ ... إِذَا كُتِبَتْ بِبِيْضٍ مِنْ نُوْرِهَا الحبرُ
كَذَا المَعَانِي فِي فَصَاحَةِ لَفْظهَا ... نُجُوْمُ الثُّرَيَّا أَوْ خَلَائِقَكَ الزُّهْرُ
أَزَالَتْ بِكَ الأيَّامُ عَتْبِي. البَيْتُ.
إِذَا عَبَسَ الزَّمَانُ فَمِلْ إِلَيْهِ تَجِدْهُ.
* * *

وَكَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ (1):
وَأَحِسَنُ مِنْ رَوْضٍ تُفتِّحُهُ الصّبَا ... بَيَاضُ العَطَايَا فِي سَوَادِ المَطَالِبِ
وَكَقَوْلهِ أَيْضًا مِنْ مَرْثِيَةٍ (2):
بَنِي مَالِكٍ قَدْ نَبَّهَتْ خَامِلَ الثَّرَى ... قُبُوْرٌ لَكُمْ مُسْتَشْرِقَاتُ المَعَالِمِ
غَوَامِضُ قَيْدَ الكَفِّ مِنْ مُتَنَاوِلٍ ... وَفِيْهَا عُلَالًا لَا يُرْتَقَى بِالسَّلَالِمِ
وَكَقَوْلهِ أَيْضًا يَمْدَحُ أَبَا المُغِيْثِ (3):
لَمْ أُبْقِ حَلْبَةَ مَنْطِقٍ إِلَّا وَقَدْ ... سَبَقَتْ سَوَابِقَهَا إِلَيْكَ جِيَادِي
أَبْقَيْنَ فِي أَعْمَاقِ جُوْدكَ جَوْهَرًا ... أَبْقَى مِنَ الأَطْوَاقِ فِي الأَجْيَادِ
وَمِنَ العَجَائِبِ شَاعِرٌ قَعَدَتْ بِهِ ... هِمَّاتُهُ أوضَاعَ عِنْدَ جَوَادِ
وَكَقَوْلهِ أَبِي نَصْر بن نُبَاتَةَ السَّعْدِيّ (4):
وَإِذَا عَجِزْتَ عَنِ العَدُوِّ فَدَارِهِ ... وَامْزَحْ لَهُ إنَّ المِزَاحَ وِفَاقُ
_______
(1) ديوانه 1/ 212.
(2) ديوانه 4/ 134.
(3) ديوانه 2/ 131.
(4) ديوانه ص 272.
(1/106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَالنَّارُ بِالمَاءِ الَّذِى هُوَ ضِدُّهَا ... تُعْطِي النَّضَاجَ وَطَبْعُهَا احْرَاقُ
وَكَقَوْلِ بَشَّارُ بن بُرْدٍ يَصِفُ الرِّمَاحَ (1):
إِذَا اعْتَقَلُوْهَا لِلطِّعَانِ وَأَرْقَلُوا ... وَمَالَتْ عَلَيْهِمْ كَالقُدُوْدِ المَوَائِسِ
جَرَى مِنْ أَعَالِيْهَا دَمًا ضِعْفَ مَا جَرَى ... مِنَ المَاءِ فِي أَعْقَابِهَا بِالمَغَارِسِ
وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيّ فِي المَدْحِ (2):
تَوَاضَعَ فِي مَجْدٍ فَإِنْ هُوَ لَمْ يَكُنْ ... لَهُ الكِبْرُ فِي أَكْفَائِهِ فَلَهُ الكُبْرُ
الكِبْرُ: بِالكَسْرِ التَّعْظِيْمُ فِي المَحَلِّ والكُبْرُ بِالضَّمِّ العِظَمُ فِي المَجْدِ.
وَكَقَوْلِ ابن أَبِي زَرْعَةَ:
وَأَرَانِي فِي خَلْوَتِى لَا أُسَمِّيْكَ ... كَأَنِّي مِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَا
وَكَقَوْلِ الأَدِيْبِ الغَزِيّ فِي الهِجَاءِ:
تَحَلَّى بِأَسْمَاءِ الشُّهُوْرِ فَكَفُّهُ ... جُمَادَى وَمَا ضمَّتْ عَلَيْهِ المُحَرَّمُ
وَكَقَوْلِ الحِصْنِيّ فِي الغَزَلِ:
تُحْيِي النُّفُوْسَ بِرِيْحِهَا فَكَأَنَّهَا ... قَبْلَ الوِصالِ يَنَالُهَا المَهْجُوْرُ
وَكَقَوْلِ بَشَّارُ بن بُرْدٍ فِي الغَزَلِ أَيْضًا (3):
تَلْقَى بِتَسْبِيْحَةٍ مِنْ حُسْنِ مَا خُلِقَتْ ... وَتَسْتَفِزُّ حَشَى الرَّائِي بِإِرْعَادِ
كَأَنَّمَا أُفْرِغَتْ مِنْ قشرِ لُؤْلُؤَةٍ ... فَكُلّ أَكْنَافِهَا وَجْهٌ بِمِرْصَادِ
وَكَقَوْلِ ابنُ الرُّوْمِيّ فِي الذَّمِّ (4):
_______
(1) لم يرد في ديوانه.
(2) ديوانه 2/ 845.
(3) ديوانه 2/ 223.
(4) لم يردا في ديوانه.
(1/107)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أَعْتَقَنِي سُوْءُ مَا صَنَعْتَ مِنَ الرِّ ... قِّ فَيَا بَرْدَهَا عَلَى كَبِدِي
فَصِرْتُ حُرًّا لِلسُّوْءِ مِنْكَ وَمَا ... أَحْسَنَ سُوْءُ قَبْلِي إِلَىَ أَحَدِ
وَيُرْوَيَانِ لِلْخَارِكيّ وَهُوَ الأَصَحُّ.
* * *

وَمِثْلُهُ قَوْلُ الآخَر:
لَا تَصْحَبِ النَّاسَ لَا كرْهًا وَلَا مَلَقًا ... وَابْسِمْ لَهُمْ بَيْنَ أَحْلَاءٍ وَإِمْرَارِ
وَاجْمَعْ فَفِي جَمْعِكَ الضِّدَّيْنِ فَائِدَةٌ ... فَالنُّضْجُ يُوْجَدُ بَيْنَ المَاءِ وَالنَّارِ
مِنْ هَاهُنَا أَخَذَ البُحْتُرِيُّ قَوْلَهُ (1):
إِذَا كَشَفْنَ شُفُوْفَ الرَّيْطِ آوِنَةً ... كَشَطْنَ عَنْ لُؤْلُؤِ البَحْرَيْنِ أَصْدَافَا
وَكَأَنَّ قَوْلُ أَبِي نُوَّاسٍ مَأْخُوْذٌ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ بَشَّارٍ حيث قال:
ظَبْيٌ كَأَنَّ اللَّهَ أَلْبَسَهُ ... قشُوْرَ الدُّرِّ جِلْدَا
----- جَنَاتِهِ فِي ... أَيِّ حِيْنٍ شِئْتَ ---
وَأَخَذَ هَذَا المَعْنَى وَاللَّفْظَ ابنُ الرُّوْمِيّ وَزَادَ نَادِرَةً لَطيْفَةً
تَوَاضَعَ الدّرّ إِذْ لَبِسْنَ فَاخِرهُ ... فَكُنَّ دُرًّا وَكَانَ الدُّرُّ أَصْدَافَا
* * *

هَذَا البَيْتَانِ يُنْظَرَانِ إِلَى قَوْلِ ابن حَازِمٍ يَصِفُ شِعْرهُ وَهُمَا (2):
فَأَبْعَثُهُنَّ أَرْبَعَةً وَخَمْسًا ... بِأَلْفَاظٍ مُثَقَّفَةٍ عِذَابِ
وَكُنَّ إِذَا وَسَمْتَ بِهِنَّ قَوْمًا ... كَأَطْوَاقِ الحَمَائِمِ فِي الرِّقَابِ
* * *
_______
(1) ديوانه 3/ 1376.
(2) انظر: الرسالة الموضحة ص 125، والأشباه والنظائر ص 227.
(1/108)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ أبي تَمَّامٍ هَذَا قَوْلُ بَعْضَهَمُ:
رَوَّى جَنَابي نَدًى وَالأَرْضُ مُجْدِبَةٌ ... وَجَادَ لِي حِيْنَ لَا جُود لِمَوْجُوْدِ
وَاسْتَأْنَفَ الدَّهْرُ لِي عَزًّا بِخِدْمَتِهِ ... فلا أَقُوْلُ لأيّامٍ مَضَتْ عُوْدِي
وَلا أَنْسَى الَّذِي فَعَلَتْ ... أَيَّامُهُ البِيْضُ فِي أَيَامِيَ السُّوْدِ
* * *

وَمِثْلُهُ قَوْلُ أَبِي الفَتْح البُسْتِيّ:
لَمَّا أتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ مُبْتَسِمٌ ... عَنْ كُلِّ حُسْنٍ وَفَضْلٍ غَيْرُ مَحْدُوْدِ
حَكَتْ مَعَانِيْهِ فِي أَثناءِ أسْطُرِهِ ... آثَارَكَ البِيْضَ فِي أَحْوَالِيَ السُّوْدِ
* * *

قَدْ أَجْمَعَ الفُضَلَاءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ هَذَا المَعْنَى وَقَالُوا إِنَّهُ مِنَ المَعَانِي العقمِ الَّتِي لَمْ تَفْتَرِعَ قَبْلَهُ وَلَا تَوَلَّدَت لأَحَدٍ بَعْدَهُ.
وَمِنْ هَذَا أَخَذَ البُحْتُرِيُّ حَيْثُ قَالَ (1):
وَلَمْ يَسْتَبِيْنَ الدَّهْرُ مَوْضِعَ نِعْمَةٍ ... إِذَا أَنْتَ لَمْ تَدْلُلْ عَلَيْنَا بِحَاسِدِ
عَلَى أنَّ بَشَّارٌ بن بُرْدٍ قَدْ قَالَ (2):
كَحَاوِي المِسْكِ دَلَّ عَلَيْهِ نَفْحُ
وَقَرِيْبٌ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي الفَتْحِ البُسْتِي (3):
ذُو الفَضْلِ فِي دُنْيَاهُ مَحْسُوْدُ ... وَكُلُّ مَنْ يُحْسدُ مَقْصُوْدُ
وَالعُوْدُ لَا يَعْبَقُ مِنْ طِيْبِهِ ... إِلَّا إِذَا مَا أُحْرِقَ العُوْدُ
_______
(1) ديوانه 1/ 625.
(2) لم يرد في ديوانه.
(3) ديوانه ص 243.
(1/109)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَوْلُ أَبِي القَاسَمِ الفَضْلِ بن مُحَمَّدِ بن عَلِيِّ بن الفَضْلِ القَصَبَانِيّ النَّحَوِيّ البَصْرِيّ:
فِي النَّاسِ مَنْ لَا يُرْتَجَى نَفْعُهُ ... إِلَّا إِذَا مُسَّ بِضْرَارِ
كَالعُوْدُ لَا يُطْمَعُ فِي رِيْحِهِ ... إِلَّا إِذَا أُحْرِقَ بِالنَّارِ
وَقَوْلُ السّرِيّ الرَّفَاء فِي سَيْفِ الدَّوْلَةِ (1):
فَضْلُ الفَتَى يُغْرِي الحَسُوْدَ بِسَبِّهِ ... وَالعُوْدُ لَوْلَا طِيْبُهِ مَا أُحْرِقَا
* * *

أَسْمَاءُ العُوْدِ هُوَ: العُوْدُ وَالقَطرُ وَالمَنْدَلِيُّ وَالشَّذَا وَالأَلُوَّةُ وَالألَنْجُوْجُ وَاليَلَنْجُوْجُ وَالكِبَاءُ وَالمجْمَرُ وَالبخُوْرُ وَالغَارُ وَالهَضْمِيَّةُ وَالوَقْصُ.
قَالَ حَسَّانُ بن ثَابِتٍ رَحَمَهُ اللَّه (2):
هَلَّا دَفَنْتُمْ رَسُوْلَ اللَّهِ فِي سَفَطٍ ... مِنَ الأَلُوَّةِ وَالكَافُوْرِ منضودِ
المَنْدَلِيُّ مَنْسُوْبٌ إِلَى مَنْدَلِ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الهِنْدِ. وَيُرْوَى أنَّ أَعْرَابِيًّا مَرَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُدْفَنُ فَقَالَ:
أَلَا دَفَنتُمْ رَسُوْلَ اللَّهِ فِي سَفَطٍ ... مِنَ الأَلُوَّةِ أحوى ملبسًا ذَهَبا
خَيرُ البَرِيَةِ أَتْقَاهَا وَأَفْضَلُهَا ... عِنْدَ الإِلهِ إِذَا مَا يَنْسِبُوْنَ. . .
فَيُقَالُ أَنَّهُ رُؤِيَ فِي المَنَامِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لِلأَعْرَابِيِّ بشِعْرهِ هَذَا.
الأَلُوَّةُ العُوْدُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ فَارِسِيٌّ مُعْرَبٌ
_______
(1) ديوانه 2/ 465.
(2) ديوانه ص 380.
(1/110)

وَيَتْلُوْهُمَا أصْنَافُ البَدِيْعِ:
كَصِدْقِ التَّشْبِيْهِ (1).
__________
= وأصدى: كَانَ لَوْنهُ إِلَى السَّوَادِ وَهُوَ أَجْوَدُ لَهُ وَرَجُلٌ أَصْدَى شَدِيْدُ الأَدْمَةِ.
(1) قَالَ أَبُو العَبَّاس المُبَرَّدِ (1):
العَرَبُ تُشَبِّهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ فَتَشْبِيْهٌ مُفْرِطٌ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَهُ هِمَمٌ لَا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا ... وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَى مِنَ الدَّهْرِ
وَلَهُ رَاحَةٌ لَوْ أنَّ مِعْشَارَ جُوْدِهَا ... عَلَى البَرِّ صَارَ البَرُّ أَنْدَى مِنَ البَحْرِ
وَتَشْبِيْهٌ مُصِيْبٌ كَقَوْلِ أَبِي العَتَاهِيَةِ لِلرَّشِيْدِ (2):
أَمِينَ اللَّهِ أَمْنُكَ خَيْرُ أَمْنٍ ... عَلَيْكَ مِنَ التُّقَى فِيْهِ لِبَاسُ
تُقَاسُ مِنَ السَّمَاءِ بِكُلِّ بِرٍّ ... فَأَنْتَ بِهِ تَسُوْسُ كَمَا تُسَاسُ
كَأَنَّ الخَلْقَ رُكِّب فِيْهِ رَوْحٌ ... لَهُ جَسَدٌ وَأَنْتَ عَلَيْهِ رَاسُ
وَتَشْبِيْهٌ مُتَقَارِبٌ كَقَوْلِ أَبُو نُوَّاسٍ يَصِفُ سَفِيْنَةً:
فَكَأَنَّهَا وَالمَاءُ يَنْطَحُ صَدْرَهَا ... وَالخَيْزُرَانَةُ فِي يَدِ المَلَّاحِ
جَوْنٌ مِنَ العِقْبَانِ مُبْتَدِرُ الدُّجَى ... يَهْوِي بِصَوْتٍ وَاصْطِفَاقِ جَنَاحِ
أخَذَ هَذَا عَلِيّ بن جَبَلَةَ فَقَالَ فِي حَمِيْدِ بن عَبْدِ الحَمِيْدِ (3):
يَرْتُقُ مَا يَفْتِقُ أَعْدَاؤُهُ ... وَلَيْسَ يَأْسُو فَتْقَهُ آسِي
فَالنَّاسُ جِسْمٌ وَإِمَامُ الهُدَى ... رَاسٌ وَأَنْتَ العَيْنِ فِي الرَّاسِ
_______
(1) الكامل 1/ 113.
(2) ديوانه.
(3) ديوانه ص 74.
(1/111)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَالتَشْبِيْهُ البَعِيْدُ الَّذِي لَا يَقُوْمُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِ:
بَلْ لَوْ رَأَتْنِي أُخْتُ جِيْرَانِنَا ... إِذْ أَنَا فِي البَيْتِ كَأَنِّي حِمَارُ
* * *

يُرِيْدُ الصِّحَةَ كَمَا تَقُوْلُ العَامَّةُ كَأَنَّهُ العِجْلُ تَرِيْدُ بِهِ الصحَّةَ وَهَذَا بَعِيْدٌ لأَنَّ السَّامِعَ لَهُ إِنَّمَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ.
* * *

قَالَ أبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ النَّامِيّ فِي المَدْحِ يَصِفُ الحَرْبَ وَالنَّقْعَ وَإنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيْهِ بَلْ عَلَى سَبيْلِ المُبَالَغَةِ وَإنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ هَاهُنَا لِتَقَارُب مَعْنَاهُ مِنْ تَشْبيْهِ الشَّيْئَيْنِ بِمَا أَشْبَهَهُمَا (1):
يَا مُطْمِئَ الخَيْلِ أَوْ تَرْوِي ذَوَائِلَهُ ... وَالخَيْلُ تَشْرَبُ مِنْ أَشْدَاقِهَا اللُّجُمُ
لَا يَكْتُمُ النَّصْرُ يَوْمًا أَنْتَ شَاهِدُهُ ... وَاليَوْمُ فِي نَقْعِهِ قَدْ كَادَ يَنْكَتِمُ
قَالَ النَّهَارُ لَهُ الشَّمْسُ مُغْمِدَةً ... وَلِلْمَنَايَا سُيُوْفٌ غِمْدُهَا القِمَمُ
هَذَا عَجَاجٌ فَأَيْنَ الأُفْقُ وَهُوَ قَنًا ... وَتِلْكَ خَيْلٌ فَأَيْنَ الأَرْضُ وَهِيَ دَمُ
البَيْتُ
* * *

وَكَقَوْلِ المُرَقِّشِ فِي وَصْفِ الثُّرَيَّا:
فِي الشَّرْقِ كَأْسٌ وَعِنْدَ الغَرْبِ تَحِسَبُهَا ... عَنْقُوْدَ كَرْمٍ وَفِي وَسْطِ السَّمَاءِ قَدَم
قَالَ أبُو عَمْرُو بنُ العَلَاءِ وَالأَصْمَعِيّ وَغَيْرهُمَا مِنْ عُلَمَاءِ الشِّعْرِ: إنَّ أَحْسَنَ التَّشْبِيْهِ مَا يُقَابلُ فِيْهِ تَشْبِيْهَانِ بِمُشَبَّهَيْنِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أنَّ أحَدًا لَمْ يَقُلْ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ امْرِئِ
_______
(1) ديوان النامي ص 73. =
(1/112)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= القَيْسِ هَذَا لأنَّهُ شَبَّهَ قُلُوْبَ الطَّيْرِ رَطبةً بِالعُنَّابِ وَيَابِسَةً بِالحشَفِ وَإِنَّمَا خَصَّ قُلُوْبَهَا لأَنَّهَا أَطْيَبُهَا فَإِذَا صَادَتْ الطَّيْرُ جَاءَتْ بِقلُوْبِهَا إِلَى فِرَاخِهَا.
قَالَ الأَصمَعِيُّ: إِذَا كَانَتْ مُطْعِمَةً مَرْزُوْقَةً فَهُوَ أَسْرَعُ لِطَيَرَانِهَا. قَالَ بَشَّارُ: مَا زِلْتُ مُذْ سَمِعْتُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَانَ قُلُوْبُ الطَّيْرِ. البَيْتُ. أُزَاوِلُ أَنْ أُقَابِلَ مُشَبَّهَيْنِ بِتَشْبِيْهَيْنِ فَلَا أَسْتَطِعُ إِلَى أَنْ قُلْتُ:
كَأنَّ مَثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوْسِهِمْ ... وَأَسْيَافُنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه
فَشَبَّهْتُ النَّقْعَ بِاللَّيْلِ وَالسُّيُوْفَ بِالكَوَاكِبِ. قَالَ بَشَّارٌ وَلَا بَأْسَ قُلْتُ فِي هَذَا المَعْنَى أيْضًا فَأَوْرَدْتُهُ فِي أَقْرَبِ لَفْظٍ وَهُوَ:
مِنْ كُلِّ مُشْتَهِرٍ فِي كَفِّ مُشْتَهِرٍ ... كَأنَّ غُرَّتُهُ وَالسَّيْفُ نَجْمَانِ
قَالَ: فَشَبَّهْتُ غُرَّةَ البَطَلِ وَالسَّيْفِ بِنَجْمَيْنِ.
وَقَالَ مُسْلِمُ بنُ الوَليْدِ قَرِيْبٌ مِنْهُ (1):
فِي جَحْفَلِ الأَرْضِ والفَضَاءُ بِهِ ... كَاللَّيْلِ أَنْجُمُهُ القِضْبَانُ وَالأَسَلُ
فَأَخَذَهُ مَنْصُوْرُ النُّمَرِيُّ فَقَالَ (2):
لَيْلٌ مِنَ النَّقْعِ لَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرُ ... إلَّا جَبِيْنُكَ وَالمَذْرُوْبَة الشُّرُعُ
فَقَالَ العَتَابِيُّ وَهُوَ أبُو كُلْثُوْمُ عَمْرُو (3):
تَبْنِي سَنَابِكُهَا مِنْ فَوْقِ أَرْؤُسِهُمْ ... سَقْفًا كَوَاكِبُهُ البِيْضُ المَبَاتِيْرُ
* * *
_______
(1) ديوانه ص 251.
(2) ديوانه ص 101.
(3) الشعر والشعراء ص 479.
(1/113)

وَمُشَاكَلَةِ التَّجْنِيْسِ.
ومباينة التطبيق.
ووقوع التضمين.
وَنُصُوْعِ التَّرْصِيعِ واتزان التَّسْمِيْطِ.
وصِحَّةِ التَّقِسِيْمِ.
وَمُوَافَقَةِ التَّوْجِيْهِ.
وحدة الاستطراد.
وَحَلَاوَةِ الاسْتِعَارَةِ.
وَلُطْفِ المَخْلَصَ.
وَنَظَافَةِ الحَشْوِ.
وَالتَّرْدِيْدِ وَالتَّصْدِيْرِ.
وَتَأكِيْدِ الاسْتِثْنَاءِ.
وَكَمَالِ التَّتْمِيْمِ.
والإيغال في التبليغ.
وَالإغْرَاقِ فِي الغُلُوِّ.
وَمُوَازَاةِ المُقَابَلَةِ.
وَوَقُوعِ الحَافِرِ عَلَى الحَافِرِ (1).
__________
(1) ويقال لَهُ الإِشْتِرَاكُ وَالمُوَارَدَةُ أَيْضًا.
أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَصحَابِنَا:
إِذَا خُصَّ البَلِيْدُ بِطِيْبِ وَصْلٍ ... وَخُصَّ أَخُو النَّبَاهَةِ بِالصُّدُوْدِ =
(1/114)

وَسُهُوْلَةِ التَّسْهِيْمِ.
وَدَلَالَةِ التَّتْبِيع.
وَالوَحْي وَالإِشَارَةِ وَتَكْرِيْرِهَا.
وَبَرَاعَةِ الابْتِدَاءِ.
وَتَمْكِيْنِ القَوَافِي.
وَالمُلاءَمَةِ بينَ صدْرِ البَيْتِ وَعَجُزِهِ.
وَإِرْدَافِ البَيْتِ بِأخِيْهِ.
وَإشْبَاعِ المَعْنَى بِأوْجَزِ لَفْظٍ.
وَخُلُوْصِ السَّبْكِ (1).
__________
= فَعُوْدُ الأَيْكِ تَلثُمُهُ ثُغُوْرٌ ... وَعُوْدُ الهند يُحْرَقُ بِالوُقُوْدِ
(1) قَالَ أَبُو العَبَّاس المُبَرَّدِ:
العَرَبُ تُشَبِّهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ فَتَشْبِيْهٌ مُفْرِطٌ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَهُ هِمَمٌ لَا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا ... وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَى مِنَ الدَّهْرِ
وَلَهُ رَاحَةٌ لَوْ أنَّ مِعْشَارَ جُوْدِهَا ... عَلَى البَرِّ صَارَ البَرُّ أَنْدَى مِنَ البَحْرِ
وَتَشْبِيْهٌ مُصيْبٌ كَقَوْلِ أَبِي العَتَاهِيَةِ لِلرَّشِيْدِ (1):
أَمِينَ اللَّهِ أَمْنُكَ خَيْرُ أَمْنٍ ... عَلَيْكَ مِنَ التُّقَى فِيْهِ لِبَاسُ
تُقَاسُ مِنَ السَّمَاءِ بِكُلِّ بِرٍّ ... فَأَنْتَ بِهِ تَسُوْسُ كَمَا تُسَاسُ
كَأَنَّ الخَلْقَ رُكِّب فِيْهِ رَوْحٌ ... لَهُ جَسَدٌ وَأَنْتَ عَلَيْهِ رَاسُ =
_______
(1) ديوانه.
(1/115)

وَذَلِكَ مِمَّا تَنْقَطِعُ دُوْنَ إدْرَاكِهِ الأنْفَاسُ، وَتَبْطُلُ قَبْلَ بُلُوْغِ نِهَايَتِهِ الحَوَاسُّ.

أَمَّا صِدْقُ التَّشبِيْهِ،
فَإنَّهُ نِهَايَةُ حِذْقِ الشَّاعِرِ، وَالعَقَبَةُ الَّتِي إِنْ جَاَزَهَا، لَحِقَ بِالمُجِيْدِيْنَ، وَإِنْ قَصَّرَ عَنْهَا، تَخَلَّفَ بِالكَثيْرِ مِنَ المُقَصِّرِيْنَ؛ لأنَّ كَافَ التَّشْبِيْهِ يَسْهُلُ اسْتِلَابُهَا فِي اللَّفْظِ عَلَى الشَّاعِرِ. فَإذَا طُوْلبَ بِرَدِّ الجَّوَابِ عَنْهَا، اسْتَصعَبَ ما اسْتَسْهَلَ وَهُنَالِكَ يُنْصَرُ أَوْ يُخْذلُ.
وَالتَّشْبِيْهُ عَلَى ضُرُوْبٍ:
فَمِنْهُ تَشْبِيْهُ العِيَانِ وَالتَّأمُّلِ (1)، وَهُوَ أَن يُشَبَّهَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ، فَيَكُوْنَ كَأنَّهُ هُوَ.
__________
= وَتَشْبِيْهٌ مُتَقَارِبٌ كَقَوْلِ أَبُو نُوَّاسٍ يَصِفُ سَفِيْنَةً:
فَكَأَنَّهَا وَالمَاءُ يَنْطَحُ صَدْرَهَا ... وَالخَيْزُرَانَةُ فِي يَدِ المَلَّاحِ
جَوْنٌ مِنَ العِقْبَانِ مُبْتَدِرُ الدُّجَى ... يَهْوِي بِصَوْتٍ وَاصْطِفَاقِ جَنَاحِ
أخَذَ هَذَا عَلِيّ بن جَبَلَةَ فَقَالَ فِي حَمِيدِ بن عَبْدِ الحَمِيْدِ:
يَرْتُقُ مَا يَفْتِقُ أَعْدَاؤُهُ ... وَلَيْسَ يَأْسُو فتقَهُ آسِي
فَالنَّاسُ جِسْمٌ وَإِمَامُ الهُدَى ... رَاسٌ وَأَنْتَ العَيْنِ فِي الرَّاسِ
وَالتَّشْبِيْهُ البَعِيْدُ الَّذِي لَا يَقُوْمُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِ:
بَلْ لَوْ رَأَتْنِي أُخْتُ جِيْرَانِنَا ... إِذْ أَنَا فِي البَيْتِ كَأَنِّي حِمَارُ
* * *

يُرِيْدُ الصِّحَةَ كَمَا تَقُوْلُ العَامَّةُ كَأَنَّهُ العِجْلُ تَرِيْدُ بِهِ الصِّحَّةَ وَهَذَا بَعِيْدٌ لأنَّ السَّامِعَ لَهُ إِنَّمَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ.
(1) وَمِنْ تَشْبِيْهِ العِيَانِ وَالتَّأَمُّلِ مَا أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ الإِمَامُ العَالِمُ الفَاضِلُ الكَامِلُ جَمَالُ الدِّيْنِ يَاقُوْت الَكَاتِبُ لِنَفْسِهِ أَدَامَ اللَّهُ تَوْفِيْقهُ وَمَجْدهُ وَأَسْعَدَ فِي الدَّارَيْنِ جَدِّهِ: =
(1/116)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= بَدَا بِوَجْهٍ مُخْجِلٍ شَمْسَ النَّهَارِ المُشْرِقَه
فِي أُذْنِهِ لُؤْلُؤَةٌ كَأَنَّهَا وَالحَلَقَه
قَدَّاحَةٌ فِي وَرْدَةٍ بِاليَاسَمِيْنِ مُلْحَقَه
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي عُمَرُ أَحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ الأَزْدِيّ البَصْرِي المَعْرُوْفِ باز سرك بِوَاسِط.
كَأَنَّ الرِّيَاضَ وَقَدْ جلَّلَتْ ... ثِيَابَ الشَّقِيْقِ بِأَفْوَافِهَا
وَقَدْ هَزَّتِ الرِّيْحُ أَغْصَانَهَا ... دُيُوْكٌ تَمِيْلُ بِأَعْرَافِهَا
* * *

وَكَقَوْلِ جَنُوْبَ أُخْتِ عَمْروٍ ذِي الكَلْبَ (1):
تَمْشِي النُّسُوْرُ إِلَيْهِ وَهِيَ لَاهِيَةٌ ... مَشْيَ العَذَارَى عَلَيْهِن الجَّلَابِيْبُ
وَكَقَوْلِ الآخَر (2):
كَأَنَّ أَبَارِيْقَ المَدَامِ لَدَيْهُمُ ... أوَزّ بِأَعْلَى الطَّفِّ عُوْجُ الحَنَاجِرِ
وَكَقَوْلِ عَنْتَرَةَ يَصِفُ ذبَابَ الرَّوْضِ (3):
وَخلَا الذُّبَابُ بِهَا فَلَيْسَ بِبَارِحٍ ... غَرِدًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ المترنمِ
هَزِجًا يُحَكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ ... قَدْحَ المَكَبِّ عَلَى الزّنَادِ الأَجْذَمِ
يَقْوْلُ كَأَنَّهُ قَادِحٌ أَجْذَمُ مُكَبٌّ يَقْدَحُ الزّنَادَ.
وَكَقَوْلِ التَّنُوْخِيّ (4): =
_______
(1) ديوان الهذلين 3/ 125.
(2) لشبرمة الضبي، انظر: لسان العرب (برق).
(3) ديوانه ص 19.
(4) انظر: نهاية الأرب 7/ 42.
(1/117)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= كَأَنَّمَا المَرِّيْخُ وَالمُشْتَرِي ... قدَّامَهُ فِي شَامِخِ الرِّفْعَه
مُنْصرِفٌ بِاللَّيْلِ عَنْ دَعْوَةٍ ... قَدْ سَرَجُوا قُدَّامَهُ شَمْعَة
وَكَقَوْلِ التَّنُوْخِيّ أَيْضًا (1):
وَلَيْلَةُ مُشْتَاقٍ كَأَنَّ نُجُوْمُهَا ... قَدِ اغْتَصَبَتْ عَيْني الكَرَى فَهيَ نُوَّمُ
كَأَنَّ عُيُوْنَ السَّاهِرِيْنَ لِطُوْلهَا ... إِذَا شَخَصتْ لِلأَنْجُمِ الزهر أَنْجُمُ
كَأَنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ وَالصُّبْحُ ضاحِكٌ ... يَلُوْحُ وَيَخْفَى أَسْوَدٌ يَتَبَسَّمُ
وَكَقَوْلِ ابن المُعْتَزِّ (2):
وَقَدْ رَفَعَ الفَجْرُ الظَّلَامَ كَأَنَّهُ ... ظَلِيْمٌ عَلَى بِيْضٍ تَكَشَّفَ جَانِبُه
وَكقَوْلِهِ أَيْضًا (3):
فِي لَيْلَةٍ أَكَلَ المحاقُ هِلَالهَا ... حَتَّى تَبَدَّى مِثْلَ وَقْفِ العَاجِ
وَالصُّبْحُ يتلو المشْتَرِي فَكَأَنَّهُ ... عُرْيَانُ يَمْشِي فِي الدجى بسراجِ
* * *

عَبْدُ اللَّهِ بن المُعْتَزِّ يَقُوْلُ ذِي الرُّمَّةِ فقال (4):
وَمَا نَزَعَنَا إِلَّا الصَّبَاح كَأَنَّهُ ... جِلَال نباطيّ عَلَى فَرَسٍ وَرْدِ
وَأشقر الجوّ قَدْ لَاحَتْ كَوَاكِبُهُ ... فِيْهِ كَدُرٍّ عَلَى اليَاقُوتِ مَنْثُوْرِ =
_______
(1) يتيمة الدهر 2/ 395 - 396.
(2) لم يرد في ديوانه.
(3) ديوانه 2/ 492.
(4) لم يردا في ديوانه.
(1/118)

وَتَشْبِيْهُ الحِسِّ وَالتَّخَيُّلِ (1)، وَهُوَ تَشْبِيهُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ، فَيَكُوْنُ مَحْسُوْسًا شَبِيْهَهُ
__________
= وَالصَّرِيْحُ فِي هَذَا قَوْلُ الصُّوْلِيّ:
وَنُجُوْمُ اللَّيْلِ تَحْكِي ... ذَهَبًا فِي لازَوْرَدِ
وَلِمَنْصوْر بن كَيْغَلْغَ:
كَأَنَّهَا وَالقُرْطُ فِي أُذْنِهَا ... بَدْرُ الدُّجَى قُرِّطَ بِالمُشْتَرِي
قَدْ كتَبَ الحُسْنُ عَلَى وَجْهِهَا ... يَا أَعْيُنَ النَّاسِ قَفِي فَانْظُرِي
وَلِبَشَّارِ بن بُرْدٍ (1):
كَانَ تَحْتَ لِسَانِهَا ... هاروت يَنْفِثُ فِيْهِ سِحْرَا
وَتَخَالُ مَا ضَمَّتْ عَلَيْهِ ... ثِيَابَهَا ذَهَبًا وَعِطْرَا
* * *

قَوْلُ البُحْتُرِيِّ:
كَأنَّ الرِّيْحَ وَالمَطَرَ المُنَاجِي ... خَوَاطِرَهَا عِتَابٌ وَاعْتِذَارُ
* * *

مِنْ قَصِيْدَةٍ أَوَّلُهَا:
لَعَمْرُ أَبِيْكَ ابنَةَ العَامِرِيّ ... لَا يَدَّعِي القَوْمَ أَنِّي أفِر
(1) مِنْ تَشْبِيْهِ الحِسِّ وَالتخِيُّلُ قَوْلُ أَوْسُ بنُ حَجَرٍ وَهِيَ تُخْلَطُ بِشِعْرِ عَبِيْدٍ وَبَنُو تَمِيْمٍ يَقُوْلُوْنَ هِيَ لأَوْسٍ وَبَنُو أَسَدٍ يَقُوْلُوْنَ هِيَ لِعَبِيْدٍ وَقَدْ قَالَ أَوْسٌ هَذِهِ وَقَالَ عَبِيْدٌ تِلْكَ وَيَخْلِطُوْنَ هَذِهِ بِتِلْكَ: =
_______
(1) ديوانه 4/ 56.
(1/119)

بِالمَعْنَى، وَتَشْبِيْهُ التَّكْثيْرِ (1). . . .
__________
= يَا هَلْ تَرَى البَرْقَ لَمَّا نُمْتُ أَرْقُبُهُ ... كَمَا اسْتَضاءَ يَهُوْدِىٌّ بِمِصبَاحِ
إنِّي أَرِقْتُ وَلَمْ يَأْرَقْ مَعِي صاحِي ... بِمُسْتَكِفِّ بُعَيْدَ النَّوْمِ لَوَّاحِ
يَهْدِي الجنُوْبَ بِأُوْلَاهُ وَنَاءَ بِهِ ... إِعْجَازُ مُزْنٍ يَسُحُّ المَاءَ دَلَّاحِ
كَأنَّ ربقَهُ لَمَّا عَلَا شَطْبًا ... أَقْرَابُ أَبْلَقِ يَنْفِي الخَبْلُ رَمَّاحِ
دَانٍ مُسِفٌّ فُوَيْقَ الأَرْضِ هَيْدَبِهِ ... يَكَادُ يَدْفَعُهُ مَنْ قَامَ بِالرَّاحِ
يَنْفِي الحَصَى عَنْ جَدِيْدِ الأَرْضِ مُبْتَرِكًا ... كَأنَّهُ فَاحِصٌ أَوْ لَاعِبٌ دَاحِي
كَأنَّ فِيْهِ إِذَا مَا الرَّعْدُ فَجَّرَهُ ... دُهْمًا مَكَافِيْلَ قَدْ هَمَّتْ بِإِرْشَاحِ
جشًا حَنَاجِرُهَا هُدْلًا مَشَافِرُهَا ... يَسْتَنُّ أَوْلَادَهَا فِي صَحْصَحٍ ضَاحِي
فَمَنْ بِمِحْفَلِهِ كَمَنْ بِنَجْوَتهِ ... وَالمُسْتَكِنُّ يَمْشِي بِقِرْوَاحِ
القِرْوَاحُ: الأَرْضُ البَارِزَةُ لَا يَنْبِتُ. وَالمُحْفِلُ: السَّيْلُ حَيْثُ يَحْتَفِلُ أَيْ يَعْظمُ.
* * *

مُبْتَرِكٌ: مُلِحٌّ وَفَاحِصٌ. أَيْ هَذَا المَطَرُ فِي الأَرْضِ مِثْلَ الأَفَاحِيْصِ.
* * *

يَهْدِيْهِ: أَيْ يَقُوْدُهُ. وَنَاءَ بِهِ: أَيْ صارَ كَأنَّهُ لَا يَبْرَحُ. يُقَالُ نَاءَتْ بِهَا عَجيْزَتَهَا أَيْ ثَقُلَتْ.
* * *

يَقُوْلُ يَنكَشِفُ البَرْقُ كَمَا يَرْمَحُ الأَبْلَقُ فَيَبْدُو بلقه، وشَطِبٌ جَبَلٌ فِي بِلَادِ بَنِي أَسَدٍ.
(1) وَمِنْ تَشْبِيْهِ التَّكْثِيْرِ أَيْضًا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ شِدَّةَ سَوَادِ اللَّيْلِ (1): =
_______
(1) ديوان امرئ القيس ص 18.
(1/120)

وَالتَّعْظِيْمِ (1)، وَهُوَ أَنْ يُشَبَّهَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ فَيَكُوْنَ شَبِيْهَهُ فِي الكَثْرَةِ وَالعِظَمِ،
__________
= وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ ... عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْتَلِي
شَبَّهَ سَوَادُ اللَّيْلِ بِالبَحْرِ تَكْثِيْرًا لِكَثَافَتِهِ وَتَرَاكُمِهِ لَا لأَنَّهُ شَبَّهَهُ فِي الحَقِيْقَةِ. وَكَقَوْلِ الآخَر وَهُوَ أَبُو القَاسَمِ الزَّاهِي (من شعراء سيف الدولة الحمداني وصَّاف محسن كثير المُلح والطُّرف والغواد - في شعرِهِ):
وَمُلتفِتَاتٍ بِاللِّحَاظِ كَأَنَّمَا ... سَلَلْنَ سُيُوْفًا وَانْتَضَيْنَ خَنَاجِرَا
سَفَرْنَ بُدُوْرًا وَانتَقَبْنَ أَهِلَّةً ... وَمِسْنَ غُصُوْنًا وَالتفَتْنَ جَآذِرَا
وَأَطْلَعْنَ فِي الأَجْيَادِ بِالدّرِّ أَنْجُمًا ... جُعِلْنَ لِحَبَّاتِ الثُّغُوْرِ ضَرَائِرَا
وَمِثْلُ قَوْله: "سَفَرْنَ بدُوْرًا" قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ:
بَدَتْ قَمَرًا وَمَالَتْ خُوْطَ بِانٍ ... وَفَاحَتْ عَنْبَرًا وَرَنَتْ غَزَالَا
(1) (بيت أبي تمام) يُرِيْدَ أنَّ هَذَا المَمْدُوْحَ خَيْرُهُ يَشْتَمِلُ عَلَى القَاصِي عَنْهُ وَالدَّانِي مِنْهُ كَالغَيْثِ يَعُمُّ حَيَاةُ المُقِيْمُ وَالرَّاحِلُ تَكْثيْرًا لِفَضلِهِ وَإِحْفَالًا بِكَرَمِهِ.
وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا قَوْلُ البُحْتُرِيّ فِي المَدْحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ التَّشْبِيْهِ (1):
قَدْ قُلْتُ لِلْغَيْمِ الزّكَامِ ولج فِي ... إبْرَاقِهِ وَالِج فِي إِرْعَادِهِ
لَا تَعرِضَنَّ لِجَعْفَرٍ مُتَشَبِّهًا ... بِنَدَى يَدَيْهِ فَلَسْتَ مِنْ أَنْدَادِهِ
أَمَرَ العَطَاء فَفَاضَ مِنْ جمَّاتِهِ ... وَنَهَى الصَّفِيْح فَقَرَّ فِي إِغْمَادِهِ
وَهَذَا كَلَامٌ عُلوِيٌّ لَا تَرْتَقِي إِلَيْهِ كُلّ فكْرَةٍ وَتُقَصِّرُ عَنِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ كُلُّ قَرِيْحَةٍ وَقَوْلُهُ أَيْضًا (2):
تَبَسَّمَ وَقُطُوْبٌ فِي نَدًى وَوَغًى ... كَالبَرْقِ وَالرَّعْدِ وَسْطَ العَارِضِ البَرِدِ
أَعْطَيْتَ حَتَّى تَرَكْتَ الرِّيْحَ جَاسِرَةً ... وَجُدْتَ حَتَّى كَأَنَّ الغَيْثَ لَمْ يَجُدِ =
_______
(1) ديوانه 2/ 703.
(2) ديوانه 1/ 575.
(1/121)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَنَرْجِعُ إِلَى مَا نَحْنُ آخِذُوْنَ فِيْهِ مِنْ تَشْبِيْهِ التَّكْثِيْرِ وَالتَّعْظِيْمِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ السَّيِّدِ أَبي عَبْدِ اللَّهِ بن عِمَادٍ العَلَوِيّ:
وَالمَاءُ مِنْ عَصْفِ الرِّيَاحِ كَأَنَّهُ ... أَرْضٌ بِعَقْوَتِهَا رُبًى وَوِهَادِ
وَمَنْ نَسَجَ عَلَى هَذَا المِنْوَالِ أَبُو عَامِرٍ إسْمَاعِيْلَ بن أَحْمَدَ الشَّاشِيّ حَيْثُ قَالَ مِنْ قَصيْدَةٍ (1):
رَأَيْتُ عَلَى أَكْوَارِنَا كُلّ مَاجِدٍ ... يرَى كُلَّمَا أَبْقَى مِنَ المَالِ مغرمَا
تَدُوْمُ أَسْيَافُنَا وَتَعْلُو قَوَاضِبًا ... وَتَنْقَضُّ عِقْبَانًا وَتَطْلَعُ أَنْجُمَا
وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ الجوْهَرِيّ فِي الخَمْرِ عَلَى أَنَّهُ ثَلَّثَ التَّشْبِيْهَ (2):
يَقُوْلُوْنَ بَغْدَادَ الَّذِي اشْتَقْتَ نِزْهَةٌ ... دَسَاكرَهَا وَالعَكْبَرِيَّ المُقِيْرَا
إِذَا فُضَّ عَنْهُ الخَتْمُ فَاحَ بَنَفْسَجًا ... وَأَشْرَقَ مِصْبَاحًا وَنَوَّرَ عُصْفُرَا
وَلِبَعْضهِمْ فِي غُلَامٍ مُغَنٍّ (3):
فدَيْتكَ يَا أتَمَّ النَّاسِ ظُرْفًا ... وَأَصْلَحُهُمْ لِمُتَّخِذٍ حَبِيْبَا
فَوَجْهُكَ نُزْهَةُ الأَبْصَارِ حُسْنًا ... وَصَوْتُكَ مُتْعَةُ الإِسْمَاعِ طِيْبَا
وَسَائِلَةٍ تُسَائِلُ عَنْكَ قُلْنَا لَهَا ... فِي وَصفِكَ العَجَبُ العَجِيْبَا
رَنا ظَبْيًا وَغَنَّى عَنْدَلِيْبًا ... وَلَاحَ شَقَائِقًا وَمَشَى قَضِيْبَا
* * *

يُقَالُ أَفرَخَ رَوْعُكَ (4): أَيْ ذَهَبَ عَنْكَ مَا تَخَافَهُ وَأَوَّلُ مَنْ قَالَهُ رَسُوْلُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ =
_______
(1) يتيمة الدهر 1/ 290.
(2) يتيمة الدهر 1/ 290.
(3) يتيمة الدهر 1/ 290.
(4) انظر: لسان العرب (فرخ).
(1/122)

فَتَشْبِيْهُ العيَانِ وَالتَّأَمُّلِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (1): [من الطويل]
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا ... لَدَى وَكْرهَا العُنَّابُ وَالحَشَفُ البَالِي (2)
وَكَقَوْلِهِ أيْضًا (3): [من الطويل]
كَأنَّ عُيُوْنَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا ... وَأرْجُلَنَا الجَزعُ الَّذِي لَمْ يُثَقَّبِ
وَكَقَوْلِ القَاضِي الأرَّجَانِيِّ (4): [من الكامل]
وَإذَا بَكَى أبْصَرْتَ جَامِدَ دَمْعِهِ ... في الهدبِ منه كلؤلؤٍ في مِثْقَبِ
وَتَشْبِيْهُ الحسِّ وَالتَّخَيُّلِ، كَقَوْلِ مُحَمَّد بن يَزيْدَ بن مَسلمةَ بن عَبْدِ المَلِكِ بن مَرْوَان: [من الكامل]
وَالجَدْيُ كالفَرَسِ الحِصانِ شَدَدْتَهُ ... بِالسَّرْجِ إلا أنَّهُ لا يَصْهِلُ
__________
= عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْوَةَ بنُ مُضَرِّسٍ حِيْنَ انْتَهَى إِلَيْهِ بِجَمْعٍ قَبْلَ أَنْ يُصلِّي الغَدَاةَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ طَوَيتُ الجَّبَلِيْنِ وَلَقَيْتُ شِدَّةً. فَقَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفرَخَ رَوْعُكُ مَنْ أَدْرَكَ إِفَاضَتِنَا هَذِهِ فَقَدْ أَدْرَك (1).
(1) ديوانه ص 38.
(2) قَبْلَ هَذَا البَيْتِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ (2):
كَأَنِّي بِفَتْحَاءِ الجَنَاحَيْنِ لِقُوَّةٍ ... عَلَى عَجَلٍ مِنِّي أُطَأْطِئُ شِمْلَالِي
تَخَطَّفَ خزَّانَ الأُنَيْعِمِ بِالضُّحَى ... وَقَدْ عَجِزَتْ مِنْهَا ثَعَالِبُ أورَالِ
كَأَنَّ قُلُوْبَ الطَّيْرِ. البَيْتُ.
(3) ديوانه ص 53.
(4) ديوانه 1/ 206.
_______
(1) انظر: مسند أحمد 4/ 5، 261.
(2) ديوانه ص 38.
(1/123)

وَكَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ يَصفُ طُلُوعَ الفَجْرِ (1): [من الطويل]
وَقَدْ لَاحَ لِلسَّارِي الَّذِي كَمَنَ السُّرَى ... عَلَى أُخْرَيَاتِ اللَّيْلِ فَتْقٌ مُشَهَّرُ
كَمِثْلِ الحِصَانِ الأنْبَطِ البَطْنِ قَائِمًا ... تَمَايَلَ عَنْهُ الجُّلُّ وَاللَّوْنُ أشْقَرُ
وَتَشْبِيْهُ التَّكْثِيْرِ، كَقَوْلِ امْرِيءِ القَيْسِ يَصِفُ فَرَسًا (2): [من المتقارب]
لَهَا مَنْخِرٌ كَوِجَارِ الضِّبَاعِ ... فَمِنْهُ تُرِيْحُ إِذَا تَنْبَهِرْ
لَهَا عُنُقٌ مِثْلُ جِذْعِ السَّحُوْقِ ... جَاءَ بِهِ عَايِصٌ مُعْتَمِرْ
لَهَا حَافِرٌ مثل قعب الوَلِيْدِ ... رُكِّبَ فِيْهِ وَظِيْفٌ عَجِرْ
وَكَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ (3): [من البسيط]
كَالغَيْثِ إِنْ جِئْتهُ وَافَاكَ رَيِّقُهُ ... وَإِنْ تَرَحَّلْتَ عَنْهُ كَانَ فِي الطَّلَبِ
وَقَدْ اسْتَكْثَرَتِ الشُّعَرَاءُ مِنَ التَّشْبِيْهِ، وَتَفَنَّنَتْ بِأَلْفَاظِهَا وَقَرَائِحَهَا فِيْهِ، وَلَمْ يَخْلُ شِعْرٌ قَدِيْمٌ، وَلَا حَدِيْثٌ مِنْهُ، وَهَأنَا ذَاكِرٌ لُمعًا مِنْ مَحَاسِنِهِ الَّتِي وَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى أنَّهَا أبْدَعُ مَا قِيْلَ فِيْهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الأصْمَعِيُّ: اسْتَدْعَانِي الرَّشِيْدُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَقدْ انْصرَمَتْ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَرَاعَتْنِي رُسُلُهُ، وَلَمْ أفتأ أَنْ مَثَلْتُ بِحَضرَتِهِ، وَإذَا فِي المَجْلِسِ يَحْيَى بن خَالِدٍ، وَجَعْفَرٌ وَالفَضْلُ. فَلَمَّا لَحَظَنِي الرَّشِيْدُ، اسْتَدْنَانِي، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، وَتَبَيَّنَ مَا لَبسَنِي مِنَ الوَجَلِ فَقَالَ: لِيُفْرِخْ رَوْعُكَ، فما أرَدْثُكَ إلَّا لِمَا يُرَادُ لَهُ مِثْلِكَ. فَمَكَثْتُ هُنَيْهَةً إلَى أَنْ ثَابَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بَعْدَ أَنْ كَادَتْ تَطِيْرُ شَعَاعًا فَقَالَ: إنِّي نَازَعْتُ هَؤُلَاءِ، وَأوْمَأَ إلَى يَحْيَى وَجَعْفَرٍ وَالفَضلُ - قالت العَرَبُ فِي التَّشْبِيْهِ، وَلَمْ يَقَعْ إجْمَاعُنَا عَلَى بَيْتٍ يَكُونُ -- غَيْره، فَأرَدْنَاكَ لِفَصلِ هَذِهِ القَضيَّةِ وَاجْتِنَاءِ ثَمَرَة الخِطَارِ فِيْهَا. فَقُلْتُ: يا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، إنَّ التَّعْيِيْنَ عَلَى بَيْتٍ وَاحِدٍ فِي نَوْعٍ قَدْ تَوَسَّعَتْ فِيْهِ
__________
(1) ديوانه 2/ 626.
(2) ديوانه ص 163 - 165.
(3) ديوانه 1/ 113.
(1/124)

العَرَبُ الشُّعَرَاءُ وَنَصبَتْهُ مَعْلَمًا لأَفْكَارِهَا، وَمَسْرَحًا لِخَوَاطِرِهَا لَبَعِيْدٌ أَنْ يَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ أحْسَنُ النَّاسِ تَشْبِيْهًا امْرُؤُ القَيْسِ قال: فِيْمَ قُلْتُ في قَوْلِهِ (1):
كَأنَّ عُيُوْنَ الوَحْشِ حول خبائنا. . . . البَيْتُ
وَقَوْلِهِ (2): [من الطويل]
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا
وَقَوْلِهِ (3): [من الطويل]
سَمَوْتُ لَهَا مِنْ بَعْدِ مَا نَامَ أهْلُهَا ... سُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالًا عَلَى حَالِ
قَالَ: فَالْتَفَتَ إلَى يَحْيَى، فَقَالَ هَذِهِ وَاحِدَةٌ، قَدْ نَصَّ عَلَى أنَّ امْرَئ القَيْسِ أبْرَعُ النَّاسِ تَشْبيْهًا. فَقَالَ يَحْيَى: هِيَ لَكَ يا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ. ثُمَّ قَالَ لِي الرَّشِيْدُ: فَمَا أبْرَعُ تَشْبِيْهَاتِهِ عِنْدَكَ؟ ، قُلتُ: قَوْلهُ يَصفُ فَرَسًا (4): [من المتقارب]
كَأَنَّ تَشَوُّفَهُ بِالضُحَى ... تَشَوُّفُ أزْرَقَ ذِي مخْلَبِ
إِذَا بُزَّ عَنْهُ جِلَالٌ لَهُ ... تَقُوْلُ سَلِيْبٌ وَلَمْ يُسْلَبِ
فَقَالَ الرَّشِيْدُ: هَذَا حَسَنٌ وَأحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُهُ (5): [من الطويل]
فَرُحْنَا بِكَآبِنِ المَاءِ يُجنَبُ وَسْطَنَا ... تَصَعَّدُ فِيْهِ العَيْنُ طُوْرًا وَتَرْتَقِي (6)
__________
(1) ديوانه ص 53.
(2) ديوان امرئ القيس ص 38.
(3) ديوان امرئ القيس ص 31.
(4) لم ترد في ديوان امرئ القيس.
(5) لامرئ القيس في ديوانه ص 176.
(6) هَذَا البَيْتُ مِنْ قَصِيْدَةٍ أَوَّلُهَا (1):
آلَا أَنْعِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الرَّبعُ وَانْطِقْ ... وَحَدِّثْ حَدِيْثِيَ الحَيّ أنْ شِئْتَ وَاصْدقِ =
_______
(1) ديوان امرئ القيس ص 168.
(1/125)

فَقَالَ جَعْفَرٌ: يَا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، مَا هَذَا هُوَ التَّحْكِيْمُ. فَقَالَ الرَّشِيْدُ فَكَيْفَ؟ قَالَ: يَذْكُرُ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ مَا كَانَ اخْتِيَارُهُ وَقَعَ عَلَيْهِ وَنَذْكُرُ مَا اخْتَرْنَاهُ وَيَكُوْنُ الحُكْمُ وَاقِعًا مِنْ بَعْدُ. فَقَالَ الرَّشِيْدُ: أمرَضتَ؟ قَالَ الأصمَعِيُّ: فَاسْتَحْسَنتهَا. فَقَالَ الرَّشِيْدُ: بَلْ يَبْدَأُ يَحْيَى. فَقَالَ يَحْيَى: أشْعَرُ النَّاسِ تَشْبِيْهًا النَّابِغَةُ فِي قَوْلهِ (1): [من الكامل]
نَظَرَتْ إِلَيْكَ بِحَاجَةٍ لَمْ تَقْضهَا ... نَظَرَ المَرِيْضِ إلَى وُجُوْهِ العُوَّدِ
وَفِي قَوْلهِ (2): [من الطويل]
فَإنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإِنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ واسِعُ
__________
= يَقْوْلُ مِنْهَا (1):
بَعَثْنَا رَبِيْعًا قَبْلَ ذَلِكَ مخملًا ... كَذِئْبِ الغَضَا يَمْشِي الضَّرَّاءَ وَيَتَّقِي
الرَّبِئُ هُوَ الَّذِي يَنْظرُ لِلقَوْمِ يقال رَبَأْتَ القَوْمَ أرْبَاؤُهُمْ ربأ والرَّئِيَّة الطَّلِيْعَةَ وَالضَّرَّاءُ مُخَفَفًا كُلُّ مَا اسْتَتَرْتَ بِهِ وَمُخْمَلٌ يَخْفِي شَخْصَهُ.
وَقَوْلُهُ وَرُحْنَا بِكَائِنِ المَاءِ يضعْنِي الفَرَسَ يَقُوْلُ كَأَنَّهُ طَيرُ المَاءِ وَابن المَاءِ طَائِرٌ قَالَ ذُو الرُمَةِ (2):
وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا ... عَلَى قمَّةِ الرِّأْسِ ابن مَاءٍ مُحَلَّقِ
كَمَا قَالُوا لِلمُسَافِرِ ابنُ السَّبِيْلِ وَلِلظَّاهِرِ البَارِزِ المُنْكَشِفٍ ابنُ حَلَا وابنُ سَمِيْر لِلَّيْلِ وَالنهار وابن النَّعَامَةِ الخَطِّ أَسْفَلِ القَدَمِ وابن النّمِيْر لِلَّيْلَةِ القَمْرَاءِ وابن حمير لِلَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ السَّوْدَاءَ فِي أَشْيَاءٍ من قِبَلِ هَذَا.
(1) ديوان النابغة الذبياني.
(2) ديوان النابغة ص 38.
_______
(1) ديوان امرئ القيس ص 172.
(2) ديوانه 1/ 490.
(1/126)

وَفِي قَوْلِهِ (1): [من البسيط]
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٌّ أَكَارِعُهُ ... طَاوِي المَصيْرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَردِ
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: فَقُلْتُ: أمَّا تَشْبيْهُهُ مَرَضَ الطَرْفِ، فَحَسَنٌ إلَّا أنَّهُ قَدْ هَجَّنَهُ بِذِكْرِ العِلَّةِ، وَتَشْبِيْهِ المَرْأةِ بِالعَلْيِلِ، وَأحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُ عَدِّيِ بن الرّقَاعِ (2): [من الكامل]
وَكَأنَّهَا بَيْنَ النِّسَاءِ أعَارَهَا ... عَيْنَيْهِ أحْوَرُ مِنْ جَآذِرِ جَاسِمِ
وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ (3) ... فِي عَيْنهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ
وَأمَّا تَشْبيْهُ الإِدْرَاكِ بِاللَّيْلِ، فَقَدْ تَسَاوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فِيْمَا يُدْرِكَانِهِ. وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ سَبيْلِهِ أَن يَأتِي بِمَا لَيْسَ لَهُ قَسِيْمٌ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَعْنى يَنْفَرِدُ بِهِ وَلَو شَاءَ قائل أن يقول: إن قولَ النميري فِي هَذَا المَعْنَى أحْسَنُ لَوَجَدَ مَسَاغًا إلَى ذَلِكَ حَيْثُ يقول (4):
فَلَوْ كنتُ بالعَنْقَاء أو بِيَسُومِها ... لَخِلْتُكَ إلَّا أنَّ تَصُدَّ تَرَانِي (5)
__________
(1) ديوان النابغة ص 17.
(2) ديوانه ص 122.
(3) مَعْنَى رَنَقَتْ تَهَيَّأَتْ. يقال رَنَقَ الطَّائِرُ إِذَا تَهَيَّاَ لِلنُّزُوْلِ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
عَلَى حَدِّ قَوْسَيْنَا كَمَا رَنَقَ النَّسْرُ.
وَالسِّنَةُ أَوَّلُ النُّعَاسِ.
(4) لمحمد بن عبد اللَّه بن نمير الثقفي في شعراء أمويون 3/ 134.
(5) العَنْقَاءُ هَضبَةُ بِعَيْنهَا وَأَسْؤُمُ جَبَلٌ بِعَيْنِهِ.
قالت لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ (1):
لَا تَقْرَبَنَّ الدَّهْرَ آلَ مُطَرَّفٍ ... لَا ظَالِمًا أَبَدًا وَلَا مَظْلُوْمَا
أنْ سَالَمُوْكَ فَدَعْهُمُ مِنْ بَعْدِهِ ... وَارْقد كَفَا لَكَ بَالرّقَادِ نَعِيْمَا
لَنْ تَسْتَطِيْعَ بِأَنْ تُحَوِّلَ عِزَّهُمْ ... حَتَّى تَحُوْلُ ذَا الهِضَابِ يَسُوْمَا
* * *
_______
(1) ديوانها.
(1/127)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= هَذَا البَيْتُ لِمُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بن نُمَيْرِ الثَّقفِيّ وَكَانَ يُشَبِّبُ بِزَيْنَبَ بِنْتُ يُوْسُفَ أُخْت الحَجَّاجِ قَالَ أَبُو العَبَّاسِ المُبَرَّدِ: إنَّ الحَجَّاجَ رَأَى مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بن نُمَيْرٍ الثَّقفِيّ فَارْتَاعَ مِنْ نَظَرِ الحَجَّاجِ إِلَيْهِ فَدَعَا بِهِ فَلَمَّا عَرَفَهُ قَالَ:
هَاكَ يَدِي ضَاقَتْ بِيَ الأَرْضُ رَحْبُهَا ... وَإِنْ كُنْتُ قَدْ طَوَّفْتُ كُلّ مَكَانِ
وَلَوْ كُنْتُ بِالعَنْقَاءِ أَوْ بِيَسُوْمِهَا. البَيْتُ
ثُمَّ قَالَ والله أيها الأمير ما قلتُ إلّا. . . قلت:
يَحْبِبْنَ بِأَطْرَافِ البَنَانِ مِنَ التُّقَى ... وَيَخْرُجْنَ شَطْرَ اللَّيْلِ مُعْتَجرَاتِ
فَعَفَا عنه.
وَمِنْ شِعْرِ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بن نُمَيْرِ قَوْلهُ يُشَبِّبُ بِزَيْنَبَ مِنْ أَبْيَاتٍ:
تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نُعْمَانَ أنْ مَشَتْ ... بِهِ زَيْنَبُ فِي نِسْوَةٍ خَفِرَاتِ
وَلَمَّا رَأَتْ ركبَ النُّمَيْرِيّ أَعْرَضَتْ ... وَكُنَّ مِنْ أَنْ تَلَقَّيْنَهُ حَذِرَاتِ
وَيُرْوَى: عَطَاءَاتِ.
دَعَتْ نِسْوَةً شُمَّ العَرَابِيْن بُدَّنًا ... نَوَاعِمَ لَا شُعْثًا وَلَا غَبرَاتِ
فَأَذْنَيْنَ لَمَّا قُمْنَ يَحْجُبْنَ دُوْنهَا ... حِجَابَا مِنَ القَسِيِّ وَالحَبِرَاتِ
أَجَلّ الذي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ عَرْشُهُ ... أَوَانِسَ بِالبَطْحَاءِ مُعْتَمِرَاتِ
يُخْبِئْنَ أَطْرَافَ الأَكُفِّ مِنَ التُّقَى ... وَيَخْرُجْنَ جِنْحَ اللَّيْلِ مُعْتَجِرَاتِ (1)
وَيُرْوَى: شَطْرَ اللَّيْلِ
فَسَأَلَهُ الحَجَّاجُ بن يُوْسُف فَقَالَ لَهُ: فِي كم كُنْتَ؟ قَالَ وَاللَّهِ أنْ كُنْتُ إِلَّا عَلَى حِمَارٍ هَزِيْلٍ وَمَعِي رَفِيْقِي عَلَى أتَانٍ مِثْلهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ لَيْلَى لأَبيْهَا: أَرَأَيْتَ قَوْلُ أَبيْكَ: =
_______
(1) شعراء أمويون 3/ 143.
(1/128)

وَأمَا قَوْلِهِ:
طَاوِي المَصِيْرِ كَسَيْفِ الصَّقَيْلِ الفَردِ
فَالطِّرِمَاحُ أحَقُّ بِهَذَا المَعْنَى، لأنَّهُ أخَذَهُ فَجَوَّدَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ النَّابِغَةُ افْتَرَعَهُ وَهُوَ (1): [من الكامل]
يَبْدُو وَتُضمِرُهُ البِلَادُ كَأنَّهُ ... سَيْفٌ عَلَى شَرَفٍ يُسَلُّ وَيُغْمَدُ (2)
__________
= بِجَيْشٍ يَضِلُّ البُلقُ فِي حُجُرَاتِهِ ... بِيَثْرِبَ أُخْرَاهُ وَبِالشَّامِ قَادِمُهُ
كم كُنتم؟ فَقَالَ: حَضَرْتهَا وَكُنْتُ أنا وَأَبِي وَمَعَنَا أتان.
هِيَ - بِنْتُ -- بن --.
وَمِمَّا يُنَاسِبُ هَذَا فَإِنْ الحَدِيْثَ يَسْتَدْعِي بَعْضهُ بَعْضًا قَالَ رَجُلٌ لِرُؤْبَةَ أَنْ حَدَّثتَنِي بِحَدِيْثٍ لَمْ أُصَدِّقكَ عَلَيْهِ فَلَكَ عِنْدِي جَارِيَةٌ فَقَالَ أَبْقَ لِي غلَامٌ فَاشْتَرَيْتُ بَطِّيْخّةً فَلَمَّا قَطَعْتُهَا وَجَدْتهُ فيها فَقَالَ نَعَمْ قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ فَقَالَ دَبِّر لِي فَرَسٌ فَعَالَجْتهُ بِقُشُوْرِ الرُّمَّانِ فَنصبَتَ عَلَى ظَهْرِهِ شَجَرَةُ رُمَّانٍ تَثْمرُ كُلّ سَنَةٍ فَقَالَ صَدَقْتَ فَقَالَ لَمَّا مَاتَ أَبُوْكَ كَانَ لِي عَلَيْهِ عَشَرَةُ آلَافِ دِيْنَارٍ فَقَالَ هَاتِ الجَّارِيَةَ فَأَخَذَهَا منه بِغَلْبِهِ وَانْصَرَفَ.
(1) للطرماح في ديوانه ص 146.
(2) بَيْتُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ هَذَا مِنْ قَصِيْدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا (1):
أَمِنْ آلِ أُمَيَّةَ رَايِحٌ أَوْ مُغْتَدٍ ... عَجْلَانَ ذَا زَادٍ وَغَيْرَ مَزَوَّدِ
زَعَمَ البَوَارِحُ أنَّ رِحْلتنَا غَدًا ... وَبِذَاكَ تنعَى بِالغُرَابِ الأَسْوَدِ
لَا مَرْحَبًا بِغَدٍ وَلَا أَهْلًا بِهِ ... إِنْ كَانَ تَفْرِيْقُ الأَحِبَّةِ فِي غَدِ
يَقُوْلُ مِنْهَا:
تَسَعُ البِلَادُ إِذَا آلَيْتُكَ زَائِرًا ... وَإِذَا هَجَرْتُكَ ضَاقَ عَنِّي مَقْعَدِي
يَقُوْلُ مِنْهَا فِي التَّشْبِيْبِ: =
_______
(1) ديوانه ص 93.
(1/129)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فِي إِثْرِ غَانِيَةٍ رَمَتْكَ بِسَهْمِهَا ... فَأَصَابَ قَلْبَكَ غَيْرَ إِنْ لَمْ يُقْصدِ
بِالدُّرِّ وَاليَاقُوْتِ زُيِّنَ نَحْرُهَا ... مِنْ لُؤلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ
لَوْ أَنَّهَا عَرَضَتْ لَا شمْطَ رَاهِبٍ ... عَبَدَ الإِلَهَ صرُوْرَةٍ مُتَعَبِّدِ
لِصبَا بَهْجَتهَا وَحُسْنِ حَدِيْثهَا ... ولخَالهُ رَشِدًا وَإِنْ لَمْ يَرْشَدِ
قَامَتْ ترَائِي بَيْنَ سِجْفَي قِبَّةٍ ... كَالشَّمْسِ يَوْمَ طُلُوْعِهَا بِالأَسْعَدِ
سَقَطَ النَّصِيْفُ وَلمْ تُرِدْ إِسْقَاطِهِ ... فَتَنَاولتْهُ بِاليَدِ
بِمُخَصَّبِ رَخِصٍ كَأنَّ بَنَانَهُ ... عَنَمٌ عَلَى أَغْصَانِهِ لَمْ يُعْقَدِ
وَبِفَاحِمٍ رَجِلٍ أَثِيْثٍ نَبتهُ ... كَالْكَرْمِ مَالَ عَلَى الدِّعَامِ المُسْتَدِ
نَظَرَتْ إِلَيْكَ بِحَاجَةٍ لَمْ تَقْضهَا. البَيْتُ.
فَبَدَتْ ترائِبُ شَادِنٍ مُترَتِّبٍ ... أَحْوَى أَحَمَّ المُقْلتَيْنِ مُقَلَّدِ
أخَذَ العَذَارَى عِقْدَهَا فَنَظَمْنَهُ ... مِنْ لُؤْلُؤٍ مُتَتَابِعٍ مُتَشَرِّدِ
تَجْلُو بِقَادِمَتِي حَمَامَةُ أَيْكَةٍ ... بَرْدًا لِتَأْتِهِ بِالأِثْمِدِ
كَالأُقْحَوَانِ غَدَاةَ غَبِّ سَمَائِهِ ... جَفَّتْ أَعَالِيْهِ وَأًسْفَلُهُ نَدِ
زَعَمَ الهُمَامُ بِأَنَّ فَاهَا بَارِدٌ ... عَذبٌ إِذَا مَا ذقْتهُ قُلْتُ ازْدَدِ
زَعَمَ الهُمَامُ وَلَمْ أَذُقْهُ بِأَنَّهُ ... يُشْفَى بِرِيْقِ العَطَشِ الصَّدِي
وَالبَطْنُ ذُو عُكْنٍ لَطِيْفٍ طَيْبُهُ ... وَالنحرُ بِثَدْيٍ مُقْعَدِ
وَتَخَالَهَا فِي البَيْتِ إذْ فَاجَأْتَهَا ... قَدْ كَانَ مَحْجُوْبًا سِرَاجُ المَوْقِدِ
صَفْرَاءُ كَالسِّيْرَا خَلْقُهَا ... كَالغُصْنِ فِي قَنَوَاتِهِ المُتَأَوِّدِ
مَحْظُوْظَةُ المُتْنَيْنِ غَيْرُ مُفَاضَةٍ ... رَيَّا الرَّوَادِفِ بَضهُ المُتَجَرِّدِ
وَإذَا لَمَسْتَ لَمَسْتَ أَخْثَمَ جَاثِمًا ... مُتَحَيِّرًا بِمَكَانِهِ مِلْءَ اليَدِ
وَإذَا نَظَرْتَ رَأَيْتَ أقْمَرَ مُشْرِقًا ... وَمُزَكَّنَا ذَا زَرْنَبٍ كَالجَلْمَدِ
وَإذَا طَعَنْتَ طَعَنْتَ فِي مُسْتَهْدَفٍ ... رَابي المَجَسَّةَ بِالعَبِيْرِ مُقَرْمَدِ
وَإذَا نَزَعْتَ نَزَعْتَ في مُسْتَحْصَفٍ ... نَزَعَ الحَزَوَّرِ بِالرَّشَاءِ المُحْصدِ
وَيَكَادُ يَنْزَعُ جِلْدَهُ مِنْ مَلَّةٍ ... فِيْهَا لَوَافِحُ كَالحَرِيْقِ المُوْقَدِ =
(1/130)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= لَا وَارِدٌ مِنْهَا يَحُوْزُ إِذَا اسْتَقَى ... صَدْرًا وَلَا صَدْرٌ يَحُوْزُ لِمُوْرِدِ
الأَخْثَمُ: العَرِيْضُ المُمْتَلِئُ. وَمُتَحَيِّرًا: أي تَحَيَّرَ في مَوْضِعِهِ كَتَحَيُّرِ المَاءِ لا يَجِدُ سَعْدًا. وَمُسْتَهَدف.
لَعَمْرِي وَإِنْ كَانَ النَّابِغَةِ قَدْ أَسَاءَ الأَدَبَ فِي وَصْفِ حرَم المُلُوْكِ بِهَذَا التَّصرِيْحِ الشَّنِيْع الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ أَدْنَى السُّوْقَةِ فَإِنَّ لِسَمَاعِ شِعْرِهِ هَذَا يَحْدُثُ فِي البَدَنِ نَشَاطٌ وَفِي النَّفْسِ انْبِسَاطٌ وَقَدْ تَبِعَهُ الشُّعَرَاءُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ:
وَلَهَا هَنٌ مِلْءَ اليَدَيْنِ كَأَنَّهُ ... خُزَرٌ غَفَا أَوْ جَلْسَةُ المُتَرَبِّعِ
الخُزَزُ: ذَكَرُ الأَرْنَب وَجَمْعُهُ خِزَانٌ.
فَإِذَا طَعَنتْ يَعَضُ عَضَّةَ مُشْفِقٍ ... وَإِذَا نَزَعْتَ يَمصُّ مَصَّ المُرْضِعِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَلَهَا هَنٌّ رَابٍ مَجَسَّتهُ ... ضِنْكٌ مَسَالِكُهُ بِهِ وَقْدُ
فَإذَا طَعَنْتَ طَعَنْتَ فِي لِبدٍ ... وَإِذَا نَزَعْتَ يَكَادُ يَنْسَدُّ
وَقَالَ ابنُ الرُّوْمِيّ (1):
وَقُمْتُ إِذَا لَمَسَت كَفَيَّ أُوَاقِعُهَا ... ثَقَبْتُهَا مِثْلَ ثُقْبِ الدُّرِّ بِالمَاسِ
فَكَانَ أَلْيَنَ مِن خُلُقِي وَأَضيَقَ مِنْ ... رِزْقِي وَأَسْخَنَ مِنْ عَيْنِي وَأَنْفَاسِي
وَقَالَ ابنُ الرُّوْمِيّ فِي مِثْلِهِ (2):
لَهَا حَرٌّ يَسْتَعِيْرُ وَقْدَتَهُ ... مِنْ قَلْبِ صَبٍّ وَصدْرِ ذِي حَنَقِ
كَأَنَّمَا حَرُّهُ لِخَابِرِهِ ... مَا أَلْهَبَتْ فِي حشَاهُ بِالحرَقِ
يَقُوْلُ مَنْ حدثَ الضَّمِيْرَ بِهِ ... طُوْبَى لِمُفْتَاحِ ذَلِكَ الغَلَقِ =
_______
(1) لم ترد في ديوانه.
(2) ديوانه 4/ 1656 - 1657.
(1/131)

فَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا البَيْتِ اسْتِعَارَةً لَطِيْفَةً بِقَوْلهِ: وَتُضمِرُهُ، وَتَشْبيْهَ اثنيْنِ بِاثنيْنِ يَبْدُو وَيَخْفَى، وَيُسَلُّ وَيُغْمَدُ، وَجَمَعَ حُسْنَ التَّقْسِيْمِ، وَصحَّةَ المُقَابلَةِ.
قَالَ الأَصمَعِيُّ: فَاسْتَبْشَرَ الرَّشِيْدُ، وَبَرَقَتْ أسَارِيْرُ وَجْهِهِ حَتَّى خِلْتُ بَرْقًا يُوْمِضُ مِنْهَا، وَقَالَ لِيَحْيَى: نَضَلْتُكَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، وَامْتُقعَ لَوْنُهُ فَكَأَنَّ الرَّمَادَ ذُرَّ عَلَى
__________
= لَهُ إِذَا مَا الغُمْدُ خَالَطَهُ ... أزْمٌ كَأَزْمِ الخِنَاقِ بِالعُنُقِ
يَزْدَادُ ضيْقًا عَلَى المِرَاسِ كَمَا ... تَزْدَادُ ضيْقًا أُنْشُوْطَةُ الوَهِقِ
* * *

يقال أَمْرَضَ الرَّجُلُ إِذَا قَارَبَ الصَّوَابُ. وَمِنْهُ أَنَّهُ لِيُمْرِضُ فِي القَوْلِ إِذَا قَارَبَ وَلَمْ يُصَرِّحْ.
وَأَنْشَدُوا (1):
رَأَيْتُ أَبَا الوَليْدِ غَدَاةَ جَمْعٍ ... بِهِ شِيْتٌ وَمَا فَقَدَ الشَّبَابَا
وَلَكِنْ تَحْتَ ذَاكَ الشَّيْبِ حزمٌ ... إِذَا مَا قَالَ أَمْرَضَ أَوْ أَصَابَا
* * *

قَالَ أَبُو عَلِيّ عسل بن ذكْوَانَ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الرِّيَاحِيّ - الأَصْمَعِيّ يَقُوْلُ الفَرُدُ بِضَمِّ الرَّاءِ يَقُوْلُ هُوَ الأَبْيَضُ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ أكَارِعِهِ وَوَجْهِهِ كَأَنَّ فِيْهِ خُطُوْطًا مِنْ بَيَاضٍ وَسَوادٍ.
* * *

المَصيْرُ وَاحِدُ مِصْرَانُ وَتَقْدِيْرُهُ قَضيْبٌ وَقُضْبَانٌ وَكثِيْبٌ وَكُثْبَانٌ وَالعَامَّةُ يَكْسِرُوْنَ المِيْم وَيَجْعَلُوْنَهُ مُفْرَدًا وَجَمْعُ الجَّمْعِ مَصَارِيْن. يقال فَرْدٌ وَفَرَدٌ وَفَارِدٌ وَفَرِدٌ لِلَّذِي لَا نَظِيْرَ لَهُ.
* * *
_______
(1) انظر: لسان العرب (مرض).
(1/132)

وَجْهِهِ، فَقَالَ الفَضْلُ: لَا تَعْجَلَ يا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ حَتَّى أُمِرَّ مَا قُلْتُهُ بَسَمْعِهِ، فَقَالَ: قُلْ. فَقَالَ الفَضْلُ: أَحْسَنُ النَّاسِ عِنْدِي تَشْبِيْهًا طَرَفَةُ فِي قَوْلِهِ (1): [من الطويل]
يَشُقُّ حَبَابَ المَاءِ حَيزُوْمُهَا بِهَا ... كَمَا قَسَمَ التُّربَ المُفَايِلُ بِاليَدِ (2)
__________
(1) ديوانه ص 90.
(2) يُرْوَى المَفَائِلِ بِالهَمْزِ أَيْضًا، فَالمَفَايِلِ بِغَيْرِ الهَمْزِ مِنْ قَوْلهمْ فُلَانٌ فِيْلُ الرَّأيء أي ضَعِيْفهُ وَبِالهَمْزِ مِنَ الفَأْلِ.
* * *

وَأَوَّلُ هَذِهِ القَصِيْدَةِ (1):
لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبَرْقَةِ ثَهْمَدِ ... تَلُوْحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ
وُقُوفًا بِهَا صَحْبي عَلَى مَطِيِّهِمْ ... يَقُولُوْنَ لَا تُهْلِكْ أَسًى وَتَجَلَّدِ
كَأَنَّ خُدُوْجَ المَالِكِيَّةِ غِدْوَةً ... خَلايَا سَفِيْنٍ بَالنَّوَاصفِ مِنْ دَدِ
عَدُوَلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِيَنِ ابْنُ يَامِنٍ ... يَجُوْرُ بِهَا المِلاحُ طُوْرًا وَيَهْتَدِي
يَشقُّ حُبَابَ المَاءِ. البَيْتُ.
وَرَوَى أَبو عُبَيْدَةَ:
يَشِقُّ حُبَابَ المَاءِ حَيْزُوْمُ صَدْرِهَا
وَحُبَابُ المَاءِ هَاهُنَا أَمْوَاجُهُ وَزَخَرَاتِهِ وَمَا طَمَا وَارْتَفَعَ مِنْهُ وَأَصْلُ الحبَابٍ النَّفَاخَاتُ وَمَا عَلَا مِنَ المَاءِ عِنْدَ مَرِّ الرِّيْحِ عَلَيْهِ وَحَيْزُوْمُهَا يَعْنِي حَيْزُوْمُ العَدَولِيَّةِ، وَالعَدَولِيَّةُ نَعْتٌ للسَّفِيْنِ نَسَبَهَا قَوْمٌ كَانُوا يَنْزَالُوْنَ هَجَرَ وَيَامِنُ وَنَيْتَلُ قَوْمٌ كَانُوا يَصْنَعُوْنَ السُّفُنَ مِنْ أَهْلِ هَجَرَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَدُوْلِ قَدِيْمٌ وَيُرْوَى مِنْ سَفِيْن بن نَيْتَلٍ. وَقَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيُّ نَسَبَهَا إِلَى ضَخْمٍ أَوْ قِدَمٍ قَالَ وَالمُفَايِلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالفِيَالِ وَهِيَ تُرَابٌ مُكَوَّمٌ يُخَبِّئُوْنَ فِيْهِ حَصَاةً أَوْ شَيْئًا ثُمَّ يُغْمَدُ إِلَى ذَلِكَ التُّرَاب فَيُخْلَطُ خَلْطًا شَدِيدًا أَوْ يُكَوَّمُ كَوْمَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُشَقُّ بِنِصفَيْنِ شِقَّيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ وَالَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ هُوَ المُفَايِلُ ثُمَّ يَقُوْلُ لِصاحِبِهِ فِي أَيِّ =
_______
(1) ديوان طرفة ص 88.
(1/133)

وَفِي قَوْلِهِ (1):
وَوَجْهٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ حَلَّتْ ردَاءهَا ... عَلَيْهِ نَقِيِّ اللَّوْنِ لَمْ يَتَخَدَّدِ (2)
وَفِي قَوْلِهِ (3):
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أخطَأَ الفَتَى ... لَكالطُّوَلِ المُرخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ
قَالَ الأَصمَعِيُّ: فَقُلْتُ هَذَا كُلُّهُ حَسَنٌ، وَغَيْرُهُ أحْسَنُ مِنْهُ، وَقَدْ شَرِكهُ فِي هَذَا المَعْنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ. وَبَعْدُ فَطَرَفهُ صَاحِبُ وَاحِدَةٍ لَا يُقْطَعُ بِقَوْلِهِ عَلَى التَّجَوُّزِ، وَإِنَّمَا يُعَدُّ مِنْ أَصْحَابِ الوَاحِدَةِ. قَالَ: وَمَنْ أَصْحَابُ الوَاحِدَةِ؟
قُلْتُ: الحَارَثُ بن حِلِّزَةَ فِي قَوْلِهِ (4): [من الخفيف]
آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسْمَاءُ ... ربّ ثاوٍ يملُّ منه الثواءُ
وَالأسْعَرُ الجُعْفِيُّ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّتِي أوَّلُهَا (5): [من الكامل]
__________
= الجَّنْبَيْنِ خَبَّأْتُ فَإنْ أَصَابَ الخَبِيْئَةَ ظَفَرَ وَقَمَرَ (1).
(1) ديوان طرفة ص 92.
(2) وَقَوْلُهُ: وَوَجْهٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ أَلْقَتْ رِدَاءَهَا. البَيْتُ. وَيُرْوَى قِنَاعَهَا وَهُوَ وَاحِدٌ مِثْلَ الرِّدَاءِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بَهْجَتَهَا وَضِيَاءَهَا. يَقُوْلُ: كَأَنَّ الشَّمْسَ أَلْقَتْ عَلَى هَذَا الوَجْهِ بَهْجَتَهَا لَمْ يَتَخَدَّدْ لَمْ يَتَشَنَّج فَيَصِيْرُ فِيْهِ كَالأَخَادِيْدِ وَهُوَ اضْطِرَابُ اللَّحْمِ وَاسْتِرْخَاءِ الجِّلْدِ مِنْ كِبَرٍ أَوْ مِهْنَةٍ.
وَالرَّفْعُ فِي وَجْهٍ عَلَى الابْتِدَاءِ وَانْخَفَضَ عَلَى قَوْلِهِ قَبْل هَذَا البَيْتِ وَجْهٍ على وَهُوَ مَخْفُوْضُ.
(3) ديوان طرفة 109.
(4) ديوان طرفة ص 9.
(5) حلية المحاضرة 1/ 70.
_______
(1) انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني ص 39.
(1/134)

هَلْ بَانَ قَلْبُكَ مِنْ سُلَيْمَى فَاشْتَفَى ... وَلَقَدْ غَنِيْتَ بِحُبِّهَا فِيْمَا مَضَى
وَالأفْوَهُ الأوْدِيُ فِي قَوْلِهِ (1): [من الرمل]
إِنْ تَرَى رَأسِي فِيْهِ قَرَعٌ ... وَشَوَاتِي خَلَّةٌ فِيْهَا دَوَارُ
وَعَلْقَمَةُ بن عَبَدَةَ فِي قَوْلِهِ (2): [من الطويل]
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوْبُ ... بُعَيد الشباب عصر حان مَشيبُ (3)
وَسُوَيْدُ بنُ أبِي كَاهِلٍ فِي قَوْلِهِ (4): [من الرمل]
بَسَطَتْ رَابِعَةُ الحَبْلَ لنَا ... فَوَصَلْنَا الحَبْلَ مِنْهَا فَاتَّسَعْ
وَعَمْرُو بن كُلْثُومٍ فِي قَوْلِهِ (5):
ألَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَا ... ولا تبقي خمور الأندرينَا
وَعَمْرُ بنُ مَعْدِيْكَرِبَ فِي قَوْلِهِ (6): [من الوافر]
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيْعِ ... يُؤَرِّقُنِي وَأصْحَابِي هُجُوْعُ
قَالَ: فَاستَحَقَّتْ الرَّشِيْدَ الأرْيَحِيَّةُ، وَقَالَ: ادْنُهُ، فَإنَّكَ جَحِيْشُ وَحْدِكَ.
قَالَ: فَزَادَ فِي عَيْنِي نُبْلًا. قَالَ جَعْفَرُ مُتَمَثِّلًا (7): [من الرجز]
لَبِّثْ قَلِيْلًا يَلْحَقِ الهَيْجَا حَمَل
__________
(1) ديوانه ص 11.
(2) هَذَا عَلْقَمَةُ بنُ عَبَدَةَ بِتَحْرِيْكِ البَاءِ وَالدَّالِ وَذَاكَ عَبْدَةَ ابْنُ الطَّبيِّبِ بِتَسْكِيْنِ البَاءِ، وَهُمَا شَاعِرَانِ مَجِيْدَانِ.
(3) ديوانه ص 33.
(4) ديوانه ص 23.
(5) ديوانه ص 64.
(6) ديوانه ص 140.
(7) جمهرة الأمثال للعسكري 2/ 206.
(1/135)

يُعَرِّضُ بِأنَّهُ قَدْ يَجُوْزُ أَنْ يُدْرِكَ هُوَ مَا يُحَاوِلُهُ.
قَالَ الرَّشِيْدُ: فَاتَتْكَ وَاللَّهِ السَّوَابِقُ وَجِيْبَ كيْتًا ذَا رَوَايِلَ أرْبَعِ (1).
__________
(1) أَسْمَاءُ خَيْلُ الحَلْبَةِ عَشْرَةٌ، لأنَّهُمْ كَانُوا يُرْسِلُوْنَهَا عَشْرَةً عَشْرَةً فَسُمِىَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِاسْمٍ:
فالأَوَّلُ: مِنْهَا السَّابِقُ وَهُوَ المُجَلِيُّ لأنَّهُ كَانَ يُجَلِّي عَنْ صَاحِبِهِ.
والثَّانِي: المُصَلِّي لأَنَّهُ يَدَعُ جَحْفَلَتَهُ على صِلَا السَّابِقِ.
وَالثَّالِثُ: المَسْلِيِّ لأنَّهُ يُسَلِّيْهِ.
وَالرَابِعُ: التَّالِي.
وَالخَامِسُ: المُرْتَاحُ.
وَالسَّادِسُ: الحَظِيُّ.
وَالسَّابِعُ: العَاطِفُ.
وَالثَّامِنُ: المُؤَمَّلُ.
وَالتَّاسِعُ: اللَّطِيْمُ لأنَّهُ يَلْطِمُ عَنِ الحجْرَةِ.
وَالعَاشِرُ: السُّكَّيْتُ لأنَّهُ يَعْلُوْهُ تَخَشُّعٌ وَسُكُوْتٌ، وَيُقَالُ سِكِّيْتُ مُشَدَّدَ الكَافِ.
وَالفسْكِلُ الَّذِي يَجيْءُ آخر الخَيْلِ فِي الحَلَبَةِ.
وَيُقَالُ لِلْخَيْلِ الَّتِي تجعَلُ فِي صُدُوْرِ الخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ المِقْبَضُ وَالمِقوسُ.
وَقِيْلَ فِي أَسْمَاءِ خَيْلِ الحَلَبَةِ إِنَّ:
أَوَّلَهَا المُجْلِي
ثُمَّ المُصلِّي
ثُمَّ المُسَلِّي
ثُمَّ العَاطِفُ
ثُمَّ المُرتَاحُ =
(1/136)

قَالَ: وَرَأَيْتُ الحَمِيَّةَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَ جَعْفَرٌ عَلَى - حِلْمِكَ يا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ. قَالَ: أَفَتَرَاهُ يَسَعُ غَيْرَكَ ويَضِيقُ عَنْكَ؟ قَالَ: جَعْفَرُ: لَمسْتُ أنُصُّ عَلَى شَاعِرٍ وَاحِدٍ أنَّهُ أحْسَنُ بَيْتًا وَاحِدًا تَشْبِيْهًا، وَلَكِنْ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ (1): [من الطويل]
كَأَنَّ غُلَامِي إذ عَلَا حَالَ مَتْنِهِ ... عَلَى ظَهْرِ بَازٍ فِي السَّمَاءِ مُحَلِّقِ
__________
= ثُمَّ الحَظِيُّ ثُمَّ المُؤَمَّلُ، فَهَذِهِ السَّبْعَةُ لَهَا حُظُوْظٌ ثُمَّ اللَّوَاتِي لَا حظُوْظَ لَهَا:
اللَّطِيْمُ
ثُمَّ الوَغْدُ
ثُمَّ السُّكَّيْتُ.
وَقِيْلَ:
الأَوَّلُ: السَّابِقُ المُجَلِيُّ
وَالثَّانِي: المُصَلِّيُّ
وَالثَّالِثُ: التَالِي
وَالرَّابِعُ: المُرْتَاحُ
وَالخَامِسُ: العَاطِفُ
وَالسَّادِسُ: الحَظِيُّ
وَالسَّابِعُ: المُؤَمَّلُ
ثُمَّ يُقَالُ: الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ وَالعَاشِرُ
وَبَعْضُ العَرَبِ يُسَمُّوا الفَاشِرَ وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ يُسَمَّى أحدُ الثَّلاثَةِ مِنَ الثَّامِنِ وَالتَاسِعِ وَالعَاشِرِ سُكِّيْتًا (1).
(1) ديوانه ص 173.
_______
(1) انظر: كتاب الخيل لعبد اللَّه بن محمد بن جزي الكلبي الغرناطي ص 149.
(1/137)

وَقَوْلُ عَدِيِّ بن الرِّقَاعِ (1): [من الكامل]
يَتَعَاوَرَانِ مِنَ الغُبَارِ مُلَاءةً ... غَبْرَاءَ مُلْحِمَةً هُمَا نَسَجَاهَا
تُطْوَى إِذَا وَرَدَا مَكَانًا جَاسِيًا ... فَإِذَا السَّنَابِكُ أسْهَلَتْ نَشَرَاهَا
وَقَوْلُ النَّابِغَةِ (2): [من الطويل]
فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالمُلُوكُ كَوَاكِبٌ ... إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
قَالَ الأَصمَعِيُّ: فَقُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ حَسَنٌ بَارِعٌ، وَغَيْرُهُ أبْرَعُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقَعَ التَّعْيِيْنُ عَلَى مَا افْتَرَعَهُ قائِلُهُ، فلم يَتَعَرَّضَ لَهُ أَوْ تَعَرَّضَ لهُ شَاعِرٌ بَعْدَهُ فوقع دونه، فَأمَّا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ (3): [من الطويل]
عَلَى ظَهْرِ بَازٍ فِي السَّماءِ مُحَلِّقِ
فَمِنْ قَوْلِ أبِي دُوَادٍ (4): [من المتقارب]
إِذَا شَاءَ رَاكِبُهُ ضمَّهُ ... كَمَا ضمَّ بَازٌ إِلَيْهِ الجَنَاحَا
وَأمَّا قَوْلُ عَدِيِّ (5):
يَتَعَاوَرَانِ مِنَ الغُبَارِ مُلَاءةً
فَمِنْ قَوْلِ الخَنْسَاءِ (6): [من الطويل]
جَارَى أبَاهُ فَأقْبَلَا وَهُمَا ... يَتَعَاوَرَانِ مُلَاءةَ الحُضْرِ
__________
(1) ديوانه ص 85.
(2) ديوانه ص 74.
(3) ديوانه.
(4) ديوانه، ضمن كتاب دراسات في الأدب العربي ص 302.
(5) ديوانه.
(6) ديوانه ص 61.
(1/138)

وَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَذَا المَعْنَى شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ قَدِيْمٌ عُقَيْلِيٌّ فَقَالَ (1): [من الطويل]
ألَا يَا دِيَارَ الحَيِّ بِالبَرَدَانِ ... عَفَتْ حِجَجُ بَعْدِي لَهُنَّ ثَمَانِ
فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ نُؤْيٍ مُهَدَّمٍ ... وَغَيْرُ أثَافٍ كَالرَّكِيِّ دِفَانِ
وَآثَارُ هَابٍ أوْرَقَ اللَّوْنِ سَافَرَتْ ... بِهِ الرِّيْحُ وَالأَمْطَارُ كُلَّ مَكَانِ
قِفَارٍ مَرُوْرَاتٍ يَحَارُ بِهَا القَطَا ... وَيُضْحِي بِهَا الجَاآنِ يعتركانِ
يُثِيْرَانِ مِنْ نَسجِ العَجَاجِ عَلَيْهِمَا ... قَمِيْصَيْنِ أَسْمَالًا ويرتديانِ (2)
__________
(1) لعميرة بن جعل التغلبي، انظر: المفضليات 3/ 933.
(2) فِي وَصْفِ العَجَاجِ وَمَا أَثَارَتْهُ حَوَافِرِ الخَيْلِ مِنَ القَسْطَلِ فِي الحَرْبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ سَلَمِ الخَاسِرِ (1):
بِمَجْرٍ يَضِلُّ اللَّيْلَ فِي حَجَرَاتِهِ ... سُرَادِقُهُ مِمَّا تُثِيْرُ الحَوَافِرُ
نَشَرْنَ عَجَاجَ الأَرْضِ ثُمَّ طَوَيْتَهُ ... فَمَا هُنَّ إلَّا طَاوِيَاتٌ نَوَاشِرُ
أَبُو الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي (2):
عَجَاجٌ تَعَثرُ العُقْبَانُ فِيْهِ ... كَأَنَّ الجَّوَّ وَعْثٌ أَوْ خَبَارُ
عُمَرُو بنُ لجأ (3):
وَلَبِسْنَ مِنْ قَتَمِ العَجَا ... جِ سَرَابِلًا مَعَهَا سَرَابِلُ
كَدُخَانِ مُصْرَدَةٍ يُشَبُّ ... وُقُوْدُهَا وَالنَّارُ شَامِلُ
أَبُو نُواسٍ (4):
وَالخَيْلُ قَدْ نَسَجَتْ فِي الجَّوِّ أَرْجُلُهَا ... مِنْ هَلْهَلِ النَّقْعِ مَمْدُوْدًا جَلَابِيْبَا
_______
(1) لم ترد في ديوانه، وهما في شعراء عباسيون.
(2) ديوانه 2/ 103.
(3) لم ترد في ديوانه.
(4) لم ترد في ديوانه.
(1/139)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أَبُو الطَّيِّبِ (1):
خَافِيَاتِ الأَلْوَانِ قَدْ نَسَجَ النَّقْ ... عُ عَلَيْهَا بَرَاقِعًا وَجلَالَا
الرَّفَاء (2):
وَجُزْنُ عَلَى المُرُوْجِ مُبَرْقِعَاتٍ ... بَرَاقِعُهُنَّ مَا نَسَجَ الصَّعِيْدُ
المَوْسَوِيُّ (3):
سَتَرْنَ الجَّوَّ بِالقَسْطَالِ حَتَّى ... كَأَنَّ البَدْرَ أَضْمَرَهُ السِّرَارُ
وَلَهُ (4):
أَثَرْنَا فِي قَنَابِلِهَا عجَاجًا ... تَرَكْنَا مِنْهُ أَثرًا فِي الهِلَالِ
المَانِيُّ:
وَيَوْمٍ يُمِيْتُ الشَّمْسَ لَيْلُ عَجَاجِهِ ... وَيَقْبِرُهَا فِي جَوِّهِ مِنْهُ غَيْهَبُ
تَرَى أُفقُهُ يُكْسِي حَدَادًا وَأَرْضَهُ ... تُعَصْفِرُهَا أَسْيَافُهُ حِيْنَ تَضْرِبُ
أَبُو الطَّيِّبِ (5):
وَالبَاعِثُ الجيْشُ وَقَدْ غَالَتْ عَجَاجَتُهُ ... ضَوْءَ النَّهَارِ فَصارَ الظُّهْرُ كَالطَّفَلِ
الجَّوُّ أَضْيَقُ مَا لَاقَاهُ سَاطِعُهَا ... وَمُقْلَةُ الشَّمْسِ فِيْهَا أَحِيَرُ المُقَلِ
البَبَّغَاءُ (6):
رَدَّ الضِّيَاءَ عَلَى الضُّحَى وَاسْتَرْجَعَ ... الإِظْلَامَ مِنْ لَيْلِ العَجَاجِ الأَرْبَدِ =
_______
(1) ديوانه.
(2) ديوان السري الرفاء 2/ 111.
(3) ديوان الشريف الرضي 1/ 473.
(4) ديوان الشريف الرضى 2/ 243.
(5) ديوانه 3/ 38.
(6) ديوانه ص 77.
(1/140)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَكَأنَّ طَرْفَ الشَّمْسِ مَطْرُوْفٌ فَقَدْ ... جَعَلَ الغُبَارَ لَهُ مَكَانَ الإِثْمَدِ
الرَّفَاء (1):
حُجِبَتْ لَهُ شَمْسُ النَّهَارِ وَأَشْرَقَتْ ... شَمْسُ الجَدِيْدِ بِجَانِبَيْهِ شُرُوْقَا
فَتَضَرَّجَتْ تِلْكَ البِطَاحُ بِهِ دَمًا وَ ... تَضَرَّمَتْ تِلْكَ الفِجَاجُ حَرِيْقَا
وَالدَّهْرُ مُبْتَسِمٌ يَرُوْقُ كَأنَّمَا ... أَبْدَى بِطَلْعَتِهِ الثَّنَايَا الرُّوقَا
البُحْتُرِيُّ (2):
فِي نَهَارٍ مِنَ السُّيُوْفِ مُضِيْءٌ ... تَحْتَ لَيْلٍ مِنْ مُسْتَثَارِ الصَّعِيْدِ
وَلَهُ (3):
وَالشَّمْسُ مَاتِعَةٌ تَوَقَّدُ فِي الضُّحَى ... طَوْرًا وَيُطْفِئُهَا العَجَاجُ الأَكْدَرُ
متع النهار: إذا ارتفع وعلا.
عَلِيَ بن الجهْمِ (4):
نَسَجَتْ سَنَابِكُهَا سَمَاءً فَوْقَهَا ... جَعَلَتْ أَسِنَّتهَا نُجُوْمَ سَمَاءِ
المُوْسَوِيُ (5):
وَيَوْمٍ تَخَرَّقت فِيْهِ السُّيُوْفَ ... وَخُضتُ إِلَيْهِ الدِّمَاءَ العَذَارَا
أَثَرْتُ العَجَاجَ عَلَيْهِ دُخَانًا ... وَأَصْرَمَتْ مِنْ مَآتِمِ الطَّعْنِ مَنَارَا
وَعَانَقْتُ مِنْ بِيْضِهِ فِي النَّجِيْعِ ... شَقِيْقًا وَمِنْ سُمْرَهِ جُلَّنَارَا =
_______
(1) ديوان السري الرفاء 2/ 483.
(2) ديوانه 2/ 770.
(3) ديوانه 2/ 1072.
(4) لم ترد في ديوانه.
(5) ديوان الشريف الرضي 1/ 439.
(1/141)

وَقَدْ شَارَكَ عَدِيًّا أَبُو النَّجْمِ، وَأوْرَدَهُ فِي أخْصَرِ لَفْظِ، فَقَالَ يَصِفُ عَيْرًا أَوْ أتَانًا، وَمَا أثَارَاهُ مِنْ عَدْوِهِمَا (1): [من الرجز]
أَلْقَى بِجَنْبِ القَاعِ مِنْ حِيَالِهَا ... سِرْبَالَهُ وَانْشَامَ فِي سِرْبَالِهَا
وَأمَّا قَوْلُ النَّابِغَةِ:
فَإِنَّكَ شَمْسٌ. . .
فَقَدْ تَقَدَّمَهُ شَاعِرٌ قَدِيمٌ مِنْ شُعَرَاءِ كِنْدَةَ يَمْدَحُ عَمْرَو بنَ هِنْدٍ، وَهُوَ أحَقُّ بِهِ مِنَ النَّابِغَةِ؛ إِذْ كَانَ أَبَا عُذْرِهِ وَهُوَ (2): [من الطويل]
تَكَادُ تَمِيْدُ الأَرْضُ بِالنَّاسِ أنْ رَأوا ... لَعَمْرِو بن هِنْدٍ غَضْبَةً وَهُوَ عَاتِبُ
هُوَ الشَّمْسُ وَافَتْ يومَ سَعْدٍ فَأَفْضَلَتْ ... عَلَى كُلِّ ضَوْءٍ والمُلُوْكُ كَوَاكِبُ
قَالَ الأَصمَعِيُّ: فَكَأنَيّ وَاللَّهِ أَلقَمْتُ جَعْفَرًا حَجَرًا، وَاهْتَزَّ الرَّشِيْدُ مِنْ فَوْقِ سَرِيْرِهِ أشَرًا، وَكادَ يَطِيْرُ عُجْبًا وَطَرَبًا، وَقَالَ: للَّهِ دَرُّكَ يا أصمَعِيُّ اسْمَعِ الآنَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اختياري. قُلْتُ: لِيَقُلْ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ أحْسَنُ اللَّهُ تَوْفِيْقَهُ.
فَقَالَ: عَيَّنْتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أشْعَارٍ، أُقْسِم بِاللَّهِ إنَّنِي أمْلِكُ قَصَبَ السَّبْقِ بِأحَدِهَا.
__________
= وَلَهُ (1):
مَحْرِكٍ سَحَبَ العَجَاجُ ذَوَائِبًا ... سُوْدًا بِهِ فَوْقَ النَّجِيْعِ الأَحْمَرِ
فَكَسَّفْتَ ضَاحِيَةً بِنَقْعٍ مُظْلِمٍ ... وَكَشَفْتَ دَاجِيَةً بِوَجْهٍ مُقْمِرِ
عِمْرَانُ بنُ نَاجِيَةَ:
لِشَمْسِ الضُّحَى سِتْرَانِ ... سِتْرُ سُيُوْفِهُمْ وَسِتْرٌ لَهَا مِمَّا في الحَوَافِر
(1) حلية المحاضرة 1/ 175، ولم يرد في ديوانه.
(2) أخبار أبي تمام ص 132.
_______
(1) ديوان الشريف الرضي 1/ 471.
(1/142)

فَقَالَ يَحْيَى: خَفِّضْ عَلَى هِمَّتِكَ يا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، فَأبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ السَّبْقُ إلَّا لَكَ. قَالَ الرَّشِيْدُ: أتَعْرِفُ يا أصمَعِيُّ تَشْبيْهًا أفْخَمَ وَأعْظَمَ فِي أحْقَرَ مُشَبَّهٍ وَأصْغَرَ بَرَزَ فِي أحْسَنِ معْرَضٍ مِنْ قَوْلِ عَنْترَةَ (1) الَّذِي لَمْ يَسْبِقهُ إِلَيْهِ سَابِقٌ، وَلَا نَازَعَهُ بَعْدَهُ مُنَازعٌ، وَلَا طَمعَ فِي مُجَارَاتِهِ فِيْهِ طَامِع، شَبَّهَ ذُبَابَ الرَّوْضِ العَازِبَ فِي قَولِهِ (2): [من الكامل]
وَخَلَا الذُّبَابُ بِهَا فَلَيْسَ بِبَارِحٍ ... غَرِدًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرَنِّمِ
هَزِجًا يَحُكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ ... قَدْحَ المُكِبِّ عَلَى الزِّنَادِ الأجْذَمِ (3)
__________
(1) نَسَبُهُ:
هُوَ عَنترَةُ بن شَدَّادٍ يُقَالُ إِنَّهُ ابن عَمْرو بن مُعَاوِيَةَ بن قُرَادِ بنِ عَوْفِ بن غَالِبِ بن قَطِيْعَةِ بن عَبْسِ بن بَغِيْضِ بن رَيْثِ بنِ غَطْفَان بن سَعْدِ بنِ قَيْسِ بن عَيْلَانِ بن مُضرَ بنِ نِزَارَ بن مَعْدِّ بنِ عَدْنَانَ. وَكَانَتْ أُمُّهُ حَبَشِيَّةً وَاسْمُهَا زُبَيْنَةُ وَكَانَ لَهُ أُخْوَةٌ مِنْ أمِّهِ وَكَانُوا عَبيْدًا وَكَانَ شَدِيْدَ البَأْسِ جَوَادًا بِمَا مَلَكَتْ يَدَاهُ وَكَانَ لَا يَقُوْلُ الشِّعْرَ إِلَّا البَيْتَ وَالبَيْتَيْنِ فِيَ الحَرْبِ فَشَاتَمَهُ رَجُلٌ يَوْمًا وَقَالَ لَهُ أَنَا أَشْعَرُ مِنْكَ قَالَ سَتَعْلَمُ ذَلِكَ فَقَالَ هَذِهِ القَصيْدَة الَّتِي أَوَّلُهَا:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ
وَيُرْوَى مِنْ مُتَلَوَّمِ، وَيُرْوَى مِنْ مُتَرَمِّمِ مِنْ دمَمْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَصْلَحْتَهُ. يُقَالُ إِذَا عَطَفْتَ عَلَيْهِ وَثَوْبٌ مَرْدُوْمٌ إِذَا سُدَّ مَا فِيْهِ مِن الرِّقَاعِ وَالمُتَرَدَّمُ مَصدَرٌ.
(2) ديوان عنترة ص 19.
(3) هَذِهِ قَصِيْدَةٌ قَالَهَا عَنْتَرَةُ وَكَانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيْهَا المذهَبَةَ وَأَوَّلُهَا (1):
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ ... أَمْ هَلْ عَرِفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
يَعْنِي هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ شَيْءٍ ينظرُ فِيْهِ لَمْ يَنْظِرُوا فيه.
يَقُوْلُ مِنْهَا: =
_______
(1) ديوان عنترة ص 182.
(1/143)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أَثْنِي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنِّنِي ... سَهْلٌ مُخَالَقَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَمِ
فَإِذَا ظُلِمْتُ فَإِنَّ ظُلْمِي بِاسِلٌ ... مُرٌّ مَذَاقَتهُ كَطَعْمِ العَلْقَمِ
وَلَقْدَ شَرِبْتُ مِنَ المَدَامَةِ بَعْدَمَا ... رَكَدَ الهَوَاجِر بِالمَشُوْفِ المُعْلَمِ
أَيْ الدِّيْنَارُ وَالدِّرْهَمُ وَالمَشُوْفُ مِنَ الدَّنَانِيْرِ المَجْلُوِّ شَافَ درعهُ إِذَا جَلَاهَا وَالمُعْلَمُ الَّذِي فِيْهِ كِتَابٌ يَعْنِي نَقْشَهُ.
وَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ ... مَالِي وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلمِ
وَإِذَا صحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى ... وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي
يَقُوْلُ مِنْهَا:
هَلَّا سَأَلْتِ الخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ ... إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيْعَةَ أَنَّنِي ... أَغْشَى الوَغَى وَأَعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ
وَمُدَحجٍ كِرْهَ الكمَاةِ نَزَالهُ ... لَا مُمْعِنٍ هَرَبًا وَلَا مُسْتَسْلِمِ
الأَفْصَحُ مُدَجَّجٌ وَهُوَ مَأْخُوْذٌ مِنَ الدُّجَّةِ وَهِيَ الظِّلْمَةِ.
لَمَّا رَآنِي قَدْ نَزلْتُ أُرِيْدُهُ ... أَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ
فَشَكَكْتُ بِالرِّمْحِ الطَّوِيْلِ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الكَرِيْمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ
نُبِّئْتَ عَمْرًا غَيْرَ شَاكِرَ نِعْمَتِي ... وَالكُفْرُ مَخْبْثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ
* * *

إِنَّمَا خَلَا الذُّبَابُ بِهَذَا المَكَانِ لِخُلُوِّهِ مِمَّنْ يَفْزَعُ مِنْهُ فَهُوَ يُصوِّتُ فِي رَيَاضِهِ وَالذُّبَابُ وَاحِدُ الأَذِبَّةِ. وَالمَتَرَنّمُ المُطْرِبُ وَإِذَا اكْتَمَلَتْ الرَّوْضَةُ كَثرَ الذُّبَابُ بِهَا وَهَذَا كَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ الرَّاجِزِ:
يَقُلْنَ للرائدِ أعشبتَ انزلِ ... قَوْلًا كَتَغْرِيْدِ النشاوَى المِيَّلِ
وَقَوْلهُ: يَحكُّ ذِرَاعُهُ شَبَّهَ الذُّبَابَ فِي حَالَتِهِ تِلْكَ بِرَجلٍ أَجذَمَ وَهُوَ المَقْطُوْعُ اليَدَيْنِ يَقْدَحُ نَارًا بِذِرَاعَيْهِ.
(1/144)

ثُمَّ قَالَ: يا أصْمَعِيُّ هَذَا مِنَ التَّشْبِيْهَاتِ العُقْمِ (1) الَّتِي لَا تُنْتَهَج.
قُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ يا أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ. وَبِمَجْدِكَ آلَيْتُ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا وَصَفَ شِعْرًا أحْسَنَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَا استَطَاعَ بُلُوْغَ هَذِهِ الغَايَةِ.
قَالَ: مَهْلًا لَا تَعْجَل أتَعْرِفُ أحْسَنَ مِنْ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ يَصِفُ لُغَامَ نَاقَتِهِ، أَوْ تَعْلَمُ أحَدًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ شَبَّهَ تَشْبِيْهَهُ حَيْثُ يَقُوْلُ (2): [من الطويل]
تَرَى بَيْنَ لَحْيَيْهَا إِذَا مَا تَزَغَّمَتْ ... لُغَامًا كَبَيْتِ العَنْكَبُوْتِ المُمَدَّدِ (3)
فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أحَدًا تَقَدَّمَهُ، أَوْ أَشَارَ إلَى هَذَا التَّشْبِيْهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ.
قَالَ: أتَعْرفُ أبْدَعَ أَوْ أوْقَعَ مِنْ تَشْبِيْهِ الشَّمَّاخِ لِنَعَامَةٍ سَقَطَ رِيْشُهَا، وَبَقِيَ أثَرَهُ فِي قَوْلِهِ (4): [من البسيط]
كَأَنَّمَا مُنْثَنَى أقْمَاعِ ما مَرَطَتْ ... مِنَ العِفَاءِ بِلِيتَيْهَا ثَآلِيلُ (5)
__________
(1) تَفْسِيْرٌ:
قَوْلهُ مِنَ المَعَانِي العُقْمِ شُبِّهَتْ بِالرِّيْحِ العَقِيْمِ الَّتِي لَا تُنتِجُ ثَمَرَةً وَلَا تُلْقِحُ شَجَرَةً أي لَمْ يَسْبَق إِلَى افْتِرَاعَهَا سَابِقٌ وَلَا يُمْكِنْ أَنْ يُوْلِّدَهَا فِيْمَا بَعْدُ سَارِقٌ وَلَا يَطْرقُ مَعْنَاهَا طَارِقٌ وَلَا يَبْلَغُ مَدَاهَا لَاحِقٌ.
(2) ديوان الحطيئة ص 155.
(3) قَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيُّ: سُمِّيَ الزَّبَدُ الَّذِي يَخْرجُ مِنْ فَمِ النَّاقَةِ اللُّغَامُ لأنَّهُ يَصِيْرُ عَلَى المَلَاغِمِ وَهِيَ مَا حَوْلَ الفَمِ. وَأَنْشَدَنِي السَّيِّدِ النَّقِيْبُ الطَّاهِرُ جَلَالُ الدِّيْنِ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ المُصْطَفَى بنِ السَّيِّدِ النَّقِيْبِ الطَّاهِرِ السَّعِيْدِ رَضيِّ الدِّيْنِ أَبِي القَاسَمِ عَلِيّ بن مُوْسَى جَعْفَرُ ابن مُحَمَّدٍ الطَّاوُوْسِ الحَسَنِي أيَّدَهُ اللَّهُ بِتَوْفِيْقِهِ لِلسَّيِّدِ الرَّضِيّ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ:
بكُلِّ مُقَلِّدَةٍ بِالنُّسُوعِ ... كَأَنَّ اللُّغَامَ لَهَا بُرْقَعُ
(4) ديوان الشماخ ص 278.
(5) وَيُرْوَى: الثَّآلِيْلُ.
(1/145)

فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ.
فَالْتَفَتَ إلَى يَحْيَى فَقَالَ: أوجِب.
قَالَ: وَجَبَ.
قَالَ: أَفَأَزِيْدُكَ؟
قَالَ: وَأَيُّ خَيْرٍ لَمْ يَزِدْنِي مِنْهُ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ: قَوْلُ النَّابِغَةِ (1): [من الطويل]
رَمَى ضَرْعَ نَابُ واسْتَقَلَّتْ بِطَعْنَةٍ ... كَحَاشِيَةِ البُرْدِ اليَمَانِي المُسَهَّمِ
تُمَّ التفَتَ إلَى الفَضْلِ، فقال: أوجِب؟
قَالَ: وَجَبَ.
قَالَ: أَفَأَزِيْدُكَ؟
قَالَ: ذَاكَ إلَى أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ.
قَالَ: وقالَ الأَعْرَابِيُّ (2): [من الطويل]
بِهَا ضرْبُ أنْدَابِ العَطَايَا كَأنَّهَا ... مَلَاعِبُ وِلْدَانٍ تُحَطُّ وَتُمْصَعُ
ثُمَّ التفَتَ إلَى جَعْفَرٍ قَالَ: أوْجِبْ.
قَالَ: وَجَبَ:
قَالَ: أَفَأَزِيْدُكَ؟
قَالَ: لأمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُلُوُّ الرَّأي.
قَالَ: قَوْلُ عَدِيِّ بن الرِّقَاعِ (3): [من الكامل]
__________
(1) ديوان النابغة الجعدي ص 143.
(2) حلية المحاضرة 1/ 76.
(3) ديوانه ص 51.
(1/146)

تُزْجِي أغَنَّ كَأَنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ ... قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا (1)
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: يا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ هَذَا بَيْتٌ حَسَدَ عَدِيًّا عَلَيْهِ جَرِيْرٌ. قال: وَكِيْفَ ذَاكَ؟ ، قَالَ: زَعَمَ أَبُو عَمْرٍو أنَّ جَرِيْرًا قَالَ لَمَّا ابْتَدَأَ عَدِيُّ بن الرِّقَاعِ يُنشِد: [من الكامل]
عَرَفَ الدِّيَارَ تَوَهُّمًا فَاعْتَادَهَا
قُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ رَكِبَ مَرْكَبًا صَعْبًا سَيُبْدِعُ فِيْهِ، فَمَا زَالَ يَتَخَلَّصُ مِنْ حَسَنٍ إلَى حَسَنٍ حَتَّى قَالَ:
تُزْجِي أغَنَّ كَأنَ إبْرَةَ رَوْقِهِ.
قَالَ: فَرَحِمْتُهُ، وَظنَنْتُ أنَّ مَادَّتَهُ سَتَقْصُرُ بِهِ فَلَمَّا قَالَ: [من الكامل]
قَلَمٌ أصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادَهَا
حَالَتْ الرَّحْمَةُ حَسَدًا (2).
فَقَالَ الرَّشِيْدُ: للَّهِ دَرُّكَ يا أصمَعِيُّ (3)، ثُمَّ أطْرَقَ، وَرَفَعَ رَأسَهُ وَقَالَ: أتُرَاكَ
__________
(1) لَا يُعْرَفُ لأَحَدٍ مِثْلَ هَذَا التَّشْبِيْهِ إِلَّا قَوْلِ ابنِ المُعْتَزِّ وَمِنْهُ أَخَذُوا عَلَى قَالِبِهِ ضربَ حَيْثُ قَالَ (1):
قَدْ أَطْلَعَتْ إبرَ القرُوْنِ كَأَنَّهَا ... أَخْذُ المُرَاوِدِ مِنْ سَحِيْقِ الإِثْمَدِ
(2) الكامل للمبرد 3/ 141.
(3) قَوْلُهَمْ: للَّهِ دَرُّ فُلَانٍ دُعَاءً لَهُ وَقِيْلَ مَعْنَاهُ: جَعَلَ اللَّهُ أعْمَالَهُ فِي الأَعْمَالِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَرْضَاهَا اللَّهُ. وَمَعْنَاهَا التَّعَجُّبُ. رَوىَ ابْنُ جنِّيٍ عَنِ أَبِي عَلِيٍّ أَنْ مَعْنَى قَوْلهُمْ: للَّهِ درُّكَ: للَّهِ مَا ظَهَرَ مِنْ فِعْلِكَ. =
_______
(1) ديوانه 1/ 251.
(1/147)

تَغْبنُنِي عَقْلِي بِانْحِطَاطِكَ فِي هَوَايَ؟ فَقُلْتُ: كَلَّا يا أمِيرَ المُؤْمِنِيْنَ إنَّكَ لتَجِلُّ عَنِ الحَرشِ (1). قَالَ: انْظُرْ حَسَنًا. قُلْتُ: قَدْ نَظَرْتُ. قَالَ: السَّبْقُ لِمَنْ؟ قُلْتُ: لأمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ. قَالَ: أسْهَمْتُ لَكَ فِيْهِ العُشْرَ وَالعُشْرُ كَثِيْرٌ، ثُمَّ رَمَى بِطَرْفِهِ إلَى
__________
= قَالَ أَبُو القَاسَمِ بن الصَّيْرَفِي قَدْ قِيْلَ أنَّ عَدِيًّا أَنْشَدَ: تُزْجَي أغَنّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ وَكَانَ جَرِيْرٌ حَاضِرًا قِيْلَ لَهُ مَا تَرَاهُ يَقُوْلُ فَقَالَ قَلَمٌ أَصَابَ مِنَ الدَّوَاةِ مِدَادهَا.
فَقَالَ عَدِيٌّ كَذَلِكَ وَهَذَا مَنْ بَوَادِرِ الخَوَاطِرِ. وَمِثْلهُ مَا يُرْوَى عَنِ الفَرَزْدَقِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهْتُ إِلَى هِشَامِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ جَعَلْتُ نَاقَتِي تَلتفِتُ يَمِيْنًا وَشِمَالًا فَقُلْتُ:
عَلَامَ تَلفتين وَأَنْتِ تَحْتِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ كُلَّهُمُ أَمَامِي
مَتَى تَرِدِي الرَّصَافَةَ تَسْتَرِيْحِي ... مِنَ الإِنْضَاءِ والدبر الدوامي
ثُمَّ قُلْتُ كَأَنِّي بِابْنِ المرَاغَةِ يَعْنِي جَرِيْرًا إِذَا سَمِعَ هذين البَيْتينِ قَالَ:
تَلَفَّتْ إِنَّهَا تَحْتَ ابنِ قَيْسٍ ... حليف الكِيْرِ وَالفَأْسِ الكهَامِ
مَتَى تَرِدِ الرَّصَافَةَ تحزّ فيها ... كَحزّكَ فِي المَوَاسِمِ كُلّ عَامِ
وَاجْتَمَعَ مَعَ جَرِيْرٍ عَلَى بَابِ هِشَامٍ فَأَنْشَدَهُ البَيْتَيْنِ الأَوَّلَيْنِ فَقَالَ جَرِيْرٌ:
تَلَفَّتْ إِنَّهَا تَحْتَ ابنِ قَيْسٍ، حَتَّى أَتَى عَلَى البَيْتَيْنِ لَمْ يغادر مِنْهُمَا شَيْئًا، فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: كذا قُلْتُ إِنَّكَ تَقُوْلُ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أنَّ شَيْطَانِنَا وَاحِدٌ. وَهَذِهِ الحِكَايَةِ ثبُّتتْ فِي الأَصْلِ فِي بَابِ وُقُوْعِ الحَافِرِ عَلَى الحَافِرِ وَذُكِرَتْ هَاهُنَا لِتَغَايُرِ بَعْضِ الأَلْفَاظِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ المَعْنَى وَاحِدًا.
(1) عَنِ ابنِ دُرَيْدٍ قَالَ قَالَ الضَّبُّ لابنِهِ: اتَّقِ الحِرْشَ. فَقَالَ: وَمَا الحِرْشُ؟ قَالَ: إِذَا سَمِعْتَ حَرَكَةً بِبَابِ النّقبِ فَلَا تَخْرُجْ. فَسِمِعَ يَوْمًا وَقع مِحْفَارِ حَافِرٍ لِيَصْطَادهُمَا فَقَالَ: - يَا أَبَتِ هَذَا الحِرْشُ. فَقَالَ: هَذَا الرَّجُلُ مِنَ الحِرْشِ. فَسَارَ مَثَلًا يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ يَسْمَعُ الشَّيْءَ وَهُوَ أَشَدُّ مِمَّا كَانَ يَتَّوقّعهُ.
وَأَصْلُ المَثَلِ التَّحْرِيْضُ مِنْ قَوْلهِمْ حَرَّشْتُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالحِرْشُ فِي صَيْدِ الضَّبِّ أَنْ يُجَاءَ بِجَيْئَةٍ إِلَى بَابِ جُحْرِ الضبِّ فَيَتَحَرَّك فَإِذَا سَمِعَ حَرَكَتَهَا خَرَجَ لِيُقَاتِلَهَا فَاصْطِيْدَ.
(1/148)

يَحْيَى، وَقَالَ: المَالَ السَّاعَةَ، وَأَوْلَى لَكَ (1). قَالَ: فَمَا كَانَ إِلَّا هُنَيْهَةً حَتَّى نُضِّدَتْ البُدُوْرُ (2) بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى أَنْ كَادَتْ تَحُوْلَ بَيْني وَبَيْنَهُ، وَرَأَيْتُ ضَوْءَ الصبْحِ قَدْ
__________
(1) أَوْلَى لَكَ تَهَدُّدٌ وَوَعِيْدٌ مَعْنَاهُ: قَارَبَكَ مَا تَكْرَهُ. يَقُوْلُ الرَّجُلُ إِذَا حاول شَيْئًا فَأفْلتهُ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَصِيْبُهُ أَوْلَى لَهُ فَإِذَا أَفْلَتَ هُوَ مِنْ عَظيْمٍ قَالَ أَوْلَى لِي. وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو عَلِيّ الفَارسِي بَأَنَّ أَوْلَى عَلمُ لِلْوَعِيْدِ.
(2) قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن دَرَسْتَوَيْهِ قَالَ البُحْتُرِيّ وَقَدْ اجْتَمَعْنَا عَلَى خَلْوَةٍ عِنْدَ المُبَرَّدِ وَسَلَكْنَا مَسْلَكًا مِنَ المُذَاكَرَةِ شَعَرْتُ أنني سَبَقْتُ النَّاسَ كُلّهُمُ إِلَى قَوْلي:
شَقَائِقُ يَحْمِلْنَ النّدَى فَكَأَنَّهُ ... دُمُوْعُ التَّصَابِي فِي خُدُوْدِ الخَرَائِدِ
كَأَنَّ يَدَ الفَتْحِ بنِ خَاقَانَ أَقْبَلَتْ ... تَلِيْهَا بِتِلْكَ البَارِقَاتِ الرَّوَاعِدِ
قَالَ فَاسْتَحْسَنَ المُبَرَّدُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا أَسْرَفَ فِيْهِ وَقَالَ مَا سَمِعْتُ مِثْلَ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الرَّطبَةِ وَالعِبَارَةِ العَذبَةِ لأَحَدٍ تَقَدَّمَكَ وَلَا تَأَخَّرَ عَنْكَ فَاعْتَرَتْهُ أَرْيَحِيَّةٌ جَرَّ بِهَا رِدَاءَ العَجَبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَنِي مَا يُعْجِبُ النَّاسَ مِنْ مُرَاجَعَةِ القَوْلِ. فَقُلْتُ يَا أَبَا عُبَادَةَ لَمْ تُسْبَقْ إِلَى هَذَا بَلْ سَبَقَكَ سَعِيْدُ بنُ حَمِيْدٍ الكَاتِبُ إِلَى هَذَا البَيتِ الأَوَّلِ بِقَوْلِهِ:
عَذُبَ الفِرَاقُ لنَا غَدَاةَ وَدَاعِنَا ... ثُمَّ اجتذ حنَاهُ كَسُمٍّ نَاقِعِ
وَكَأَنَّمَا أَثَرُ الدُّمُوْعِ بِخَدِّهَا ... طَلٌّ سَقِيْطٌ فَوْقَ وَرْدٍ يَانِعِ
وَشَرِيْكُكَ فِيْهِ صَدِيْقُنَا أَبُو العَبَّاسِ النَّاشِئِ بِمَا أَنْشَدْنِيْهِ آنِفًا وَهُوَ:
بَكَتْ لِلفِرَاقِ فَقَدْ رَاعَنِي ... بُكَاءُ الحَبيْب لِفَقْدِ الدِّيَارِ
كَأَنَّ الدُّمُوْعَ عَلَى خَدِّهَا ... بَقِيَّةُ طِلٍّ عَلَى جُلَّنَارِ
وَمَا أَسَاءَ عَلَيَّ بن جُرَيْجٍ الرُّوْمِيّ بِقَوْلِهِ:
لَوْ كُنْتَ يَوْمَ الوَدَاعِ حَاضِرَنَا ... وَهُنَّ يُطْفِيْنَ غُلَّةَ الوَجْدِ
لَمْ تَرَ إِلَّا دُمُوْعَ شَاكِيَةٍ ... تَسْفَحُ مِنْ مُقْلَةٍ عَلَى خَدِّ
كَأَنَّ تِلْكَ الدُّمُوْعِ قَطْرُ نَدًى ... يَقْطُرُ مِنْ نَرْجِسٍ عَلَى وَرْدِ
وَسَبَقَكَ أَبُو تَمَّامٍ إِلَى مَعْنَى البَيْتَيْنِ مَعًا بِقَوْلِهِ: =
(1/149)

غَلَبَ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْعِ، فَأَشَارَ إِلَى خَادِمٍ عَلَى رَأسِهِ أَنْ مَكِّنْهُ، وَقَالَ: هِيَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ألْفِ دِرْهَمٍ، فَدُوْنَكَ فَاحْتَمِلْ ثَلَاثِيْنَ - وَانْصَرِفْ بِهَا إِلَى مَنْزِلِكَ، وَنَهَضَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَأمَرَ الخَدَمِ بِمُعَاوِنَتِي عَلَى - حَمْلِهِ فَاحْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَدْرَةً لَا يَكَادُ يُقِلُّهَا، فَكَانَتْ أَسْعَدَ ليْلَةٍ ابْتَسَمَ الصَّبَاحُ فِيْهَا عَنْ نَاجِذِ الغِنَى.
أخْبَرَ أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ أبِي نَصرٍ عَنِ الأَصْمَعِيِّ. قَالَ: أجْمَعَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ وَخَلَفٌ الأحْمَرُ وَيُوْنسٌ، وَهَؤُلَاءِ أهْلُ العِلْمِ بِالشِّعْرِ، عَلَى أنَّ التَّشْبِيْهَاتِ العُقْمَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا أصحَابُهَا، وَلَمْ يَشرِكهُم أحْدٌ فِيْهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَلَا مِمَّنْ تأخَّرَ أَبْيَاتٌ مَعْدُوْدَةٌ أحَدُهَا قَوْلُ عَنْتَرَةَ فِي تَشْبِيْهِ حَنَكِ الغُرَابِ (1): [من الكامل]
ظَعَنَ الَّذِينَ فرَاقَهُمْ أتَوَقَّعُ (2) ... وَجَرَى بِبَيْنِهمُ (3) الغُرَابُ الأَبْقَعُ
خَرِقُ (4) الجَنَاحِ كَأَنَّ لَحْيَيْ رَأسِهِ ... جَلْمَانُ بِالأَخْبَارِ هَشٌّ مُوْلَعُ
__________
= مِنْ كُلِّ زَاهِرَةٍ تَرَقْرَقَ بِالنَّدَى ... فَكَأَنَّهَا عَيْنٌ عَلَيْهِ تَحَدَّرُ
تَبْدُو وَيَحْجِبُهَا الحَمِيْمُ كَأَنَّهَا ... عَذْرَاءُ تَبْدُو تَارَةً وَتَخْفَرُ
خَلْقٌ أَطَلَّ مِنَ الرَّبِيْعِ كَأَنَّهُ ... خَلْقُ الإِمَامِ وَهَدِيُهُ المُسْتَبْشَرُ
فِي الأَرْضِ مِنْ عَدْلِ الإِمَامِ وَجُوْدِهِ ... وَمِنَ الرَّبِيْعِ الغَضِّ سُرْجٌ تَزْهَرُ
يَنْسَى الرَّبِيعُ وَمَا يَرُوْضُ وُجُوْدُهُ ... أَبَدًا عَلَى مَرِّ اللَّيَالِي يُذْكَرُ
قَالَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَحَلَّ حُبْوَتَهُ فَكَانَ آخِرُ عَهْدِي بِمُؤَانَسَتِهِ وَغَلُظَ ذَلِكَ عَلَى المُبَرَّدِ وَقَدَحَ فِي حَالِي عِنْدَهُ.
(1) شرح ديوانه ص 103.
(2) وَيُروَى: ذَهَبَ الذّيْنُ.
(3) البَيْنُ: الفِرَاقُ يقال بَانَ بَيْنَ بَيْنًا وَبَيْنُوْنَةً وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ بِعِيْدٌ وَلَا يقال بَيْنٌ.
يَقْوْلُ: هُوَ مُحِبٌّ لأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَنَا وَبَعْدَهُ:
إِنَّ الَّذِيْنَ نَعَيْتَ لى بِفِرَاقِهِمْ ... هُمْ أَسْهَدُوا لَيْلِي التَّمَامَ فَأَوْجَعُوا
(4) الخَرْقُ الَّذِي قَدْ تَقَطَّعَ رِيْشهُ وَتَكَسَّرَ وَهُوَ أَشَدُّ لِضرْبِهِ فِي طَيَرَانِهِ وَهُوَ أَصَحّ مَا يَكُوْنُ.
(1/150)

وَقَوْلُ عَدِيّ بن الرِّقَاعِ فِي تَشْبِيْهِ قَرْنِ الظَّبْي (1): [من الكامل]
تُزْجِي أغَنَّ كَأَنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ
وَقَوْلُ الرَّاعِي (2) يَصِفُ قَانِصًا جَعْدَ الرَّأسِ، وَسِخَ الثِّيَابِ (3): [من الكامل]
وَكَأنَّ فَرْوَةَ رَأسِهِ مِنْ شَعْرِهِ ... زُرِعَتْ فَأَنْبَتَ جَانِبَاهَا فُلْفُلَا
وَقَوْلُ بِشْرِ بن أبِي خَازِمٍ يُشَبِّهُ عُرُوْقَ الأَرْطَى إِذَا حَفَرَ أصْلَهُ الثَّوْرُ بِأظْلَافِهِ (4): [من الطويل]
يُثِيْرُ وَيُبْدِي عَنْ عُرُوقٍ كَأنَّهَا ... أعِنَّةُ خَرَّازٍ تُخَطُّ وَتُبْشَرُ
وَقَوْلُ الطِّرِمَّاحُ فِي وَصْفِ النَّعَامِ (5): [من الكامل]
مُجْتَابُ شَمْلَةِ بُرْجُدٍ لِسَرَاتِهِ ... قَدَرًا وَأَسْلَمَ مَا سِوَاهُ البُرْجُدُ
وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ فِي تَشْبِيْهِ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَقلْ أحَدٌ فِي هَذَا المَعْنَى قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلُهُ؛ لأنَّهُمْ قَدْ شَبَّهُوا اللَّيْلَ بِالطَّيْلَسَانِ فِي خُضْرَتهِ، وَأمْوَاجِ البَحْرِ وَغَيْرَ ذَلِكَ (6): [من الطويل]
وَلَيْلٍ كَجِلْبَابِ العَرُوْسِ ادَّرَعْتُهُ ... بِأرْبَعَةٍ وَالشَّخْصُ فِي العَيْنِ وَاحِدِ
__________
(1) ديوانه ص 51.
(2) قَالَ أَبُو عَلِيّ: إنَّمَا سُمِّيَ الرَّاعِي الشَّاعِرُ رَاعِيًا بِقَوْلهِ:
لَهَا أَمْرُهَا إِذَا مَا تَبَوَّأَتْ ... لأَخْفَافِهَا مَرْعًى تَبَوَّأَ مضْجَعَا
فَقِيلَ: رَعَى الرَّجُلُ.
(3) ديوان الراعي النميري ص 117.
(4) ديوانه ص 70.
(5) ديوانه ص 141.
(6) ديوان ذي الرمة 2/ 1108 - 1109.
(1/151)

أجَمُّ عِلَافِيٌّ وَأبْيَضُ صَارِمٌ ... وَأعْيَسُ مَهْرِيٌّ وَأرْوَعُ مَاجِدُ (1)
وَقَوْلُ مُضَرِّسِ بن رِبْعِيٍّ فِي صِفَةِ النَّعَامَةِ أيْضًا (2): [من الكامل]
صَفراءُ عارَيةُ الأَكَارِعِ رَأسُهَا ... مِثْلُ المُدَقِّ وَرَأسُهُ كَالمِسْرَدِ
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: وَمِنَ التَّشْبِيْهَاتِ الَّتِي سَبَقَ بِهَا قَائِلُوْهَا وَقَصَّرَ عَنْهَا طَالِبُوْهَا وَلَمْ يَتَعَرَّض لَهَا أحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ قَوْلُ النَّابِغَةِ يَصِفُ العِقْبَانَ (3): [من الطويل]
تَرَاهُنَّ خَلْفَ القَوْمِ زُوْرًا عُيُونُهَا ... جُلُوْسَ الشُّيُوْخِ فِي مُسُوْكِ الأرَانِبِ (4)
__________
(1) حَدَّثَ أَبُو الصَّلْتِ أنَّ ابنَ شَرَفَ القَيْرَوَانِيَّ كَانَ أَعْوَرَ وَشَرَفُ اسْمُ أُمِّهِ وَأَنَّهُ عَمِلَ يِهْجُو نَفْسَهُ وَمَنْزِلَهُ فِي الصَّيْفِ فَقَالَ:
وَمَنْزِلٍ لَا كَانَ مِنْ مَنْزِلٍ ... النَّتْنُ وَالظُّلْمَةُ وَالضِّيْقُ
كَأَنَّنِي فِي وَسْطِهِ فِيْشَةٌ ... أَلُوْطُهُ وَالعَرَقُ الرِّيْقُ
وَهَذَا مِنْ غَرَائِب التَّشْبِيْهِ وَاتَّفَقَ أنَّ الشَّيْخَ أَبَا الصَّلْتِ كَانَ أَعْوَرٌ وَأَنْشَدَ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ لابن رَشِيْقٍ فَقَالَ لَهُ (1):
وَأَنْتَ أَيْضًا أَعْوَرٌ أَصْلَعُ ... فَوَافَقَ التَّشْبِيْهُ تَحْقِيْقُ
قُول قَرِيْبٌ مِنْ مَعْنَى البَيْتِ الأَوَّلِ قَوْلُ ابن مِكْنَسَةَ:
تَشَابَهَا سرمُهُ وفُوهُ فِي النَّتْنِ ... وَالوَسَعِ وَالبُرُوْدَة
وَقَرِيْبٌ مِنْ هَذَا قَوْلُ الآخَر:
وَجْهُ يَحْيَى بن بُخِتْيَارَ إِذَا ... فَكَّرْتَ فِيْهِ مِنْ سَائِرِ الأنْحَاءِ
مِثْلُ حَمَامَةِ المَشُوْمِ عَلَيْهِ ... مُظْلِمٌ بَارِدٌ قَلِيْلُ المَاءِ
(2) العمدة 1/ 298.
(3) ديوانه ص 43.
(4) تَفْسِيْرٌ: المَسْكُ الجَّلِدُ أيْ جُلُوْسٌ فِي جُلُوْدِ الأَرَانِبِ.
_______
(1) أنظر: الغيث المسجم 2/ 388، ديوان ابن شرف ص 80.
(1/152)

وَقَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بن الزّبَيْرِ (1) الأَسَدِيِّ فِي تَشْبِيْهِ رَأسِ القَطَاةِ بِالجَوْزَةِ (2): [من الطويل]
تُقَلِّبُ لِلإِصْغَاءِ رَأسًا كَأنَّهُ ... يَتِيْمَةُ جَوْزٍ أعْبَرَتْهَا المَكَاسِرُ (3)
وَمِنَ التَّشْبِيْهِ المُسْتَحْسَنِ (4) قَوْلُ. . . . . .
__________
(1) تَفْسِيْرٌ: الزّبِيرُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ البِئْرُ المَطْوِيَّةُ بِالحِجَارَةِ وَالدَّاهِيَةُ وَالكِتَابُ المَكْتُوْبُ أَخَذَ مِنَ المِزْبَرِ وَهُوَ القَلَمُ وَالزَّبِيْرُ أَيْضًا الحمْئَةُ.
(2) ديوانه ص 84.
(3) أي أَفْلَتَتْ مِنْهَا. وَقَوْلهُ أَيْضًا:
تَرَى أَثَرَ الحَيَاةِ فيها كَأَنَّهُ ... مَمَاصِعُ وِلْدَانٍ بِقِضْبَانِ إِسحِلِ
قَرَّتْ نُطْفَةً بَيْنَ التَّرَاقِي كَأَنَّهَا ... لَدَى سَقْطٍ بَيْنَ الجَّوَانِحِ مُقْفَلِ
لأَصْهَبَ صَيْفِيّ يُشَبَّهُ خَطْمُهُ ... إِذَا قَطَرَتْ تُسْقِيْهِ حَبَّةَ فلْفُلِ
تُقَلِّبُ رَأْسًا كَالنَّوَاءَةِ وَاثِقًا ... بِوَرْدِ قَطَاةٍ غَلَسَتْ وِرْدَ مَنْهَلِ
وَتُرْوَى كَالنُّوَاةِ مُرَاقِبًا لِوَرْدِ قَطَاةٍ.
(4) قَالَ أَبُو العَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ المُعْتَزِّ وَأَحْسَنَ مَا سَمِعْتُهُ فِي التَّشْبِيْهِ قَوْلُ ذي الرُّمَّةِ وَقَدْ شَبَّهَ الرَّمْلُ بِأَوْرَاكِ النِّسَاءِ العَذَارَى وَهَذَا مِنْ احْتِيَالِ الشُّعَرَاءِ:
وَرَمْلٍ كَأَوْرَاكِ العَذَارَى قَطَعتهُ ... إِذَا لَبِسَتهُ المُظْلِمَاتِ الحَنَادِسُ
وَقَوْلُ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ يُشَبِّهُ بَغْيَ جُلٍ قَدْ ذَكَرَهُ:
وَبَغْيُكَ يَا بنَ جَزْءٍ فِي تَمَادٍ ... كَسَيْلِ الأُكْمِ يَبْتَدِرُ الوِهَادَا
وَمِنَ التَّشْبِيْهِ الوَاقِعِ قَوْلُ حُمَيْدِ بنُ ثَوْرٍ الهِلَالِيّ (1):
أَرِقْتَ لِبَرْقٍ آخِرِ اللَّيْلِ يَلْمَعُ ... سَرَى دَائِبًا مِمَّا يَهِبُّ وَتَهْجَعُ
دَجَا اللَّيْلُ وَاسْتَنَّ اسْتِنَانًا رَقِيْقَةً ... كَمَا اسْتَنَّ فِي الغَابِ الحَرِيْقُ المُشَيَّعُّ
سَرَى كَاقْتِدَاءِ الطَّيْرِ وَاللَّيْلُ ضَارِبٌ ... بِأَوْرَاقِهِ وَالصُّبْحُ قَدْ كَادَ يَسْطَعُ =
_______
(1) ديوانه ص 107.
(1/153)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ (1):
جَمَعْتَ رُدَيْنِيًّا كَأَنَّ سِنَانَهُ ... سَنَا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِدُخَانِ
وَمِنْ تَشْبِيْهَاتِ المُتَنَبِّيّ المُسْتَحْسَنَةِ وَتَقَارُبُ المَعَانِي بَعِضِهَا مِنْ بَعْضٍ قَوْلهُ (2):
وَإنَّ نَهَارِي لَيْلَةٌ مُدْلَهِمَّةٌ ... عَلَى مُقْلَةٍ مِنْ فَقْدِكُمْ فِي غَيَاهِبِ
بَعِيْدَةٌ مَا بَيْنَ الجّفُوْنِ كَأنَّمَا ... عَقَدْتُمْ أَعَالِي كُلِّ جَفْنٍ بِحَاجِبِ
قَالَ ابْنُ جِنِّيّ هَذَا مِثْلُ قَوْلُ بَشَّارٍ (3):
جَفتْ عَيْنِي عَنِ التَّغْمِيْضِ حَتَّى ... كَأَنَّ جُفُونَهَا عَنْهَا قِصَار
وَقَالَ المُتَنَبِّيّ فِي المُطَابَقَةِ وَالتَّشْبِيْهِ (4):
كَأَنَّ رَقِيْبًا مِنْكَ سَدَّ مَسَامِعِي ... عَنِ العَذْلِ حَتَّى لَيْسَ يَدْخِلُهَا عَذْلُ
كَأَنَّ سُهَادَ العَيْنِ يَعْشَقُ مُقْلَتِي ... فَبَيْنَهُمَا فِي كُلِّ هَجْرٍ لنَا وَصْلُ
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي التَّشْبِيْهِ (5):
نَتَاجُ رَأْيِكَ فِي وَقْتٍ عَلَى عَجَلٍ ... كَلَفْظِ حَرْفٍ وَعَاهُ سَامِعٌ فَهِمِ
وَقَالَ فِي التَّشْبِيْهِ المُوَجَّهِ (6):
يُخَيَّلُ لِي أنَّ البِلَادَ مَسَامِعِي ... وَأَنَّي فِيْهَا مَا يَقُوْلُ العَوَاذِلُ
وَقَالَ يَمْدَحُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ (7):
_______
(1) البيت متنازع عليه، انظر: العمدة 2/ 64، المفضليات 3/ 933.
(2) ديوانه 3/ 183.
(3) ديوانه 3/ 225.
(4) ديوانه 3/ 183.
(5) ديوانه 4/ 23.
(6) ديوانه 3/ 177.
(7) ديوانه 3/ 394.
(1/154)

الشَّمَاخِ (1): [من الوافر]
__________
= إِلَى كَمْ تَرُدَّ عَمَّا أَتُوْبهُ ... كَأَنَّهُمْ فِيْمَا وَهَبْتَ ملَامِ
وَقَالَ فِي المَدْحِ (1):
تُشْرِقُ أَعْرَاضُهَمْ وَأَوْجُهُهُمْ ... كَأنَّهَا فِي نُفُوْسِهِمْ شِيَمُ
وَقَالَ فِي المَدْحِ المُوَجَّهِ (2):
عُمْرُ العَدُوِّ إِذَا لَاقَاهُ فِي رَهَجٍ ... أَقَلُّ مِنْ عُمْرِ مَا يَحْوِي إِذَا وَهَبَا
مَالٌ كَأنَّهُ غُرَابَ البَيْنِ فَكُلَّمَ ... ا قِيْلَ هَذَا مُجْتَدٍ نَعَبَا
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي المَدْحِ المُوَجَّهِ وَالتَّشْبِيْهِ (3):
كَأَنَّ أَلْسُنَهُمْ فِي النُّطْقِ قَدْ جُعِلَتْ ... عَلَى رِمَاحِهِمْ فِي الطَّعْنِ خُرْصَانَا
وَمِنْ بَدِيْعِ مَعَانِيْهِ فِي المَدْحِ أيْضًا (4):
شُجَاعٌ كَأَنَّ الحَرْبَ عَاشِقِيَّةٌ ... لَهُ إِذَا زَارَهَا فَدَّتْهُ بِالخَبْلِ وَالرَّجُلِ
وَقَوْلُهُ (5):
أَعْلَى المَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيْهِنَّ كَالقُبَلِ
وَهَذَا مِمَّا اسْتَعْمَلَ فِيْهِ أَلْفَاظُ الغَزَلِ وَالتَّشْبِيْهِ فِي أَوْصَافِ الجِّدِّ وَالحُرُوْبِ وَذَلِكَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ وَلَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَظَهَرَ فِيْهِ الحِذْقُ وَجَوْدَةُ التَّنَقُّلِ وَحُسْنِ التَّصَرُّفِ مِنْهُ فِي التَّلَعُّبِ بِالكَلَامِ.
(1) نَسَبُهُ: هُوَ الشَّمَّاخُ بنُ ضَرَارٍ بنِ صَيْفِيّ بن حَرْمَلَةَ ابن الْيَاسِ بن عَبْدِ غنمٍ بن =
_______
(1) ديوانه 4/ 66.
(2) ديوانه 1/ 114.
(3) ديوانه 4/ 228.
(4) ديوانه 3/ 298.
(5) ديوانه 3/ 34.
(1/155)

رَأَيْتُ وَقَدْ أَتَى نَجْرَانُ دُوْنِي ... وَلَيْلَى دُوْنَ مَنْزِلهَا السَّدِيْرُ (1)
لِلَيْلَى بِالعُنَيْزَةِ ضوْءَ نَارٍ ... تَلُوْحُ كَأنَّهَا الشِّعْرَى العَبُوْرُ (2)
إِذَا مَا قُلْتُ أخَمَدَهَا زَهَاهَا ... سَوَادُ اللَّيْلِ وَالرِّيْحُ الدَّبُورُ (3)
وَأَنَا أَقُوْلُ: أحْسَنُ مَا سَمِعْتُهُ فِي التَّشْبِيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو عُمَرَ بنُ سَعْدٍ الكَاتِبُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ السِّدْرِيِّ عَنِ ابنِ عَائِشَةَ لِلسَّيِّدِ الحِمْيَرِيِّ. وَلَا أعْلَمُ أحَدًا شَبَّهَ رَجُلًا بِريْحِ عَادٍ إلَّا هُوَ؛ فَإنَّهُ ابْتَدَعَ مِنْ هَذَا المَعْنَى مَا لَمْ يَتَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ شَاعِرٌ وَلَا يِقُوْمُ بَعْدَهُ آخِذٌ، فَقَالَ يَمْدَحُ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّ بنِ أَبي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ (4): [من البسيط]
لَكِنْ أَبُو حَسَنٍ وَاللَّهُ أيَّدَهُ ... قَدْ كَانَ عِنْدَ اللِّقَا لِلطَّعْنِ مُعْتَادَا
إِذَا رَأَى مَعْشَرًا حَربًا أنَامَهُمُ ... إنَامَةَ الرِّيْحِ فِي إتْيَانِهَا عَادَا (5)
__________
= جِحَاشٍ بن بُجَالَةَ بنِ مَازِنِ بن ثَعْلَبَةَ بن سعد بن دُبْيَانَ وَهُوَ الأَجْرَبُ بنِ بَغِيْضٍ بن المُرَيَّثِ بن عَطْفَانَ بنِ سَعْدٍ بنِ قَيْسِ عَيْلَانَ.
(1) السَّدِيْرُ: اسْمُ مَوَضِعٌ.
(2) وَيُرْوَى - وَكِلَاهُمَا مَوْضِعٌ.
(3) ديوانه ص 151.
(4) ديوان الحميري ص 161.
(5) وَأنْشَدَ أَبُو سَعْدٍ نَصْرُ بن يَعْقُوْبَ فِي كِتَابِ (رَوَائِعِ التَّشْبِيْهَاتِ) لِلزَّاهِيّ (1):
الرِّيْحُ تَعْصِفُ وَالأَغْصَانُ تَعْتَنِقُ ... وَالمُزْنُ بِاكِيَةٌ وَالزَّهْرُ مَعْتَبِقُ
كَأَنَّمَا اللَّيْلُ جَفْنٌ وَالبُرُوْقُ لَهُ ... عَيْنٌ مِنَ الشَّمْسِ تَبْدُو ثُمَّ تَنْطَبِقُ
وَلأَبِي القَاسَمِ الزَّاهِي أيْضًا (2):
أرَى اللَّيْلَ مَضى وَالنُّجُوْمَ كَأَنَّهَا ... عُيُوْنُ النَّدَامَى حِيْنَ مَالَتْ إِلَى الغَمْضِ
وَقَدْ لَاحَ فَجْرٌ يَغْمرُ الحَقَّ نُوْرُهُ ... كَمَا انْفَجَرَتْ بِالمَاءِ عَيْنٌ عَلَى الأَرْضِ
_______
(1) يتيمة الدهر 1/ 290،
(2) يتيمة الدهر 1/ 290.
(1/156)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ التَّشْبِيْهِ فِي طُلُوْعِ الشَّمْسِ مِنْ خِلَالِ الأَوْرَاقِ لِلمُعَوَّجِ الرّقِيّ (1):
كَأَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ غُدْوَةٍ ... عَلَى وَرَقِ الأَشْجَارِ أَوَّلَ طَالِعِ
دَنَانِيْرُ فِي كَفِّ الأَشَلِّ يَضمُّهَا ... لِقَبْضٍ وَتَهْوِي مِنْ فُرُوْجِ الأَصَابِعِ
وَقَالَ المُتَنَبِّيّ فِي مَعْنَاهُ (2):
فَسِرْتُ وَقَدْ حَجَبْنَ الشَّمْسَ عَنِّي ... وَجِئْنَ مِنَ الضَّيَاءِ بِمَا كَفَانِي
وَأَلْقَى الشَّرْقُ مِنْهُ فِي ثِيَابِي ... دَنَانِيْرًا تَفِرُّ مِنَ البَنَانِ
وَقَالَ النَّامِيُّ (3):
سَمَاءُ غُصُوْنٍ تَحْجِبُ الشَّمْسَ أَنْ تُرَى ... عَلَى الأَرْضِ إلَّا مِثْلَ نَثْرِ الدَّرَاهِمِ
وَمِنْ تَشْبِيْهَاتِ ابنِ المُعْتَزِّ قَوْلِهِ (4):
فُرْسَانُ قَطْرٍ عَلَى خَيْلٍ مِنَ الشَّجَرِ ... تَحِثَّهُنَّ سِيَاطُ الرِّيْحِ فِي السَّحَرِ
مَا شِئْتَ مِنْ حَرَكَاتٍ وَهِيَ وَاقِعَةٌ ... تَخَالُهَا سَائِرَاتٍ وَهِيَ لَمْ تَسِرِ
وَقَالَ أَيْضًا (5):
إِذَا الرِّيَاحُ مَسَحْنَ وَجْهَ غَدِيْرَةٍ ... صَفَّيْنَهُ وَنَفَيْنَ كُلَّ قَذَاتِ
مَا إِنْ يَزَالُ عَلَيْهِ ظَبْيٌ كَارِعٌ ... كَتَطَلُّعِ الحَسْنَاءِ فِي المِرْآةِ
وَمِنْ غَرِيْبَاتِ التَّشْبِيْهِ لِلنَّامِيِّ فِي جَرْيِ المَاءِ خِلَالِ النُّوَّارِ (6):
كَأَنَّمَا المَاءُ يَغْشَى النُّوْرَ مُنْتَشِرًا ... وَالرِّيْحُ تَتْرُكُهُ كَالسَّيْفِ ذِي الشَّطَبِ
بَرَاقِعٌ مِنْ قَبَاطِيٍّ مُقَطَّعَةٌ ... وَتَحْتَهَا حَدَقٌ زُرْقٌ بِلَا هُدُبِ
_______
(1) الغيث المسجم 2/ 259.
(2) ديوانه 4/ 253.
(3) ديوانه ص 67.
(4) ديوانه 2/ 178.
(5) ديوانه 2/ 228.
(6) لم ترد في ديوانه.
(1/157)

وَمُشَاكَلَةُ التَّجْنِيْسِ (1):
__________
(1) وَمِنَ الجِنَاسِ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ فِي الهِجَاءِ:
ذُو مَلَقٍ فِي البَلَاءِ مُلْقٍ ... فَمَا يَفِي بِشَرَّهِ بِشَرِّه
وَلِجَعْفَرِ أَيْضًا فِي المُجَانَسَةِ يَقُوْلُ:
لَئِنْ لَجَّ هَذَا الدَّهْرُ فِيْمَا يَرِيْبُنَا ... وَوَلَّتْ عَلَيْنَا المُعْضِلَاتُ كَوَارِثُه
فَمَا صرَفَتْ عَنَّا إبَاءً صُرُوْفُهُ ... وَلَا أَحْدَثَتْ فِيْنَا خُضُوْعًا حَوَادِثُه
وَمِنَ المُجَانَسَةِ قَوْلُ الطَّاهِرِ البَصْرِيُّ فِي غُلَامٍ (1):
قُلْتُ لِلْقَلْبِ مَا دَهَاكَ أَجِبْنِي ... قَالَ لِي بَائِعُ الفَرَانِي فَرَانِي
نَاظِرَاهُ فِيْمَا جَنَا نَاظِرَاهُ ... أَوْدَعَانِي أَمُتْ بِمَا أَوْدَعَانِي
وَمِنَ الجَنَاسِ بِغَيْرِ قَصْدٍ لأَعْرَابِيٍّ:
وَتَارِيْخِ قَاعٍ صَيّبِ النَّدَى ... وَرَوْضٍ مِنَ الكَافُوْرِ طَلَّتْ سَحَائِبُه
فَجَاءَتْ سَحِيْرًا بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... كَمَا جَرَّ مِنْ ذَيْلِ الغِلَالَةِ سَاحِبُه
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الأَشْهَبِ بنُ رُمَيْلَةَ (2):
أُسُوْدٌ شَرًى لَاقَتْ أُسُوْدَ خَفِيَّةٍ ... تَسَاقُوا عَلَى جُرْدٍ دِمَاءَ الأَسَاوِدِ
وَمِنْهُ قَوْلُ آخَرِ:
فَلَمَّا الْتقَيْنَا بيَّنَ السَّيْفُ ... بَيْنَنَا لِسَائِلَةٍ عَنَّا حَفِيٌّ سُؤَالُهَا
* * *

وَمِنَ التَّجْنِيْسِ قَوْلُ جَرِيْرٍ (3):
حَلأتِ ذَا سَقْمٍ يَرَى لِشِفَائِهِ ... وردًا وَيُمْنَعُ إِنْ أَرَادَ وُرُوْدَا =
_______
(1) انظر: من غاب عنه المطرب ص 153.
(2) مجموع شعره ص 231.
(3) ديوانه ص 338.
(1/158)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَوْلُ أبِي تَمَّامٍ (1):
وَإِنْ يَبْنِ حِيْطَانًا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا ... أُوْلَئِكَ عُقَّالَاتهُ لا مَعَاقِلُهُ
وَقَوْلُ الآخَر:
يَمُرُّ عَلَى الوَادِي فَيَثْنِي رِمَالهُ ... عَلَيْهِ وَبِالنَّادِي فَيُثْنِي أَرَامِلُه
وَقَوْلُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ يَهْجُو (2):
وَذَلِكُمْ أنَّ ذُلَّ الجَّارِ حَالَفَكُمْ ... وَإِنَّ أَنْفَكُمْ لَا يَعْرِفُ الأَنَفَا
وَأَحْسَنُ مَا وَرَدَ لمحدث فِي التَّجْنِيْسِ قَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بن طَاهِرٍ (3):
وَإِنِّيِ لِلثَّغْرِ المَخُوْفِ لَكَالِئٌ ... وَلِلثَّغْرِ يَجْرِي ظلمُهُ لَرَشُوْفُ
مِثْلهُ:
قَسَمْتُ الدَّهْرَ شَطْرَيْنٍ ... فَلِلثُّغْرِ شطرٌ. . . . . . . .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرِ بنِ العَبَّاسِ بن الحُسَيْنِ الوَزِيْرِ مِنْ قَصِيْدَتِهِ المَعْرُوْفَةِ السَّائِرَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا:
لَئِنْ أَصْبَحْتُ مَنْبُوْذًا بِأَطْرَافِ خُرَاسَانِ. مِنْهَا:
سَأَسْتَرْفِدُ صَبْرِي أَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أَعْوَانِي ... وَأَنْجُو - أنْ قَضَاءُ اللَّهِ نَجَّانِي
إِلَى أَرْضِي الَّتِي أَرْضَى وَترْضِيْنِي وَتَرْضَانِي ... إِلَى أَرْضِ جَنَاهَا مِنْ جَنَى جَنَّةِ رِضْوَانِ
هَوَاءُ مِنْ هَوَى النَّفْسِ تَصَافَاهُ صَفِيَّانِ ... رُخَاءٌ كَرَخَاءِ شَرَّدَ الشِدَّة عَنْ عَانِ
وَمَاءٌ مِثْلَ قَلْبِ الصَّبِّ قَدْ رِيْعَ بِهْجْرَانِ ... رَقِيْقٌ آلَ كَالآلِ وَفِيْهِ أَمْنُ إِيْمَانِ
وَتُرْبٌ هُوَ وَالمِسْكُ لَدَى النسبَةِ تِرْبَان ... فَإِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ وَبِالصُّنع تَوَلّانِي =
_______
(1) ديوانه 3/ 28.
(2) انظر: نقد الشعر ص 164.
(3) حلية المحاضرة 1/ 44.
(1/159)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَأَوْطَاني أَوْطَاني وَأَعْطَاني أَعْطَانِي وَأَخْلَا ذَرْعِيَ الدَّهْرُ وَخَلَّانِي وَخَلَّانِي
فَإِنِّي لَا أُجدّ العَوْد مَا دَامَ الجدِيْدَانِ ... إِلَى الغربة حَتَّى تغْرِبَ الشَّمْسُ بِشرْوَانِ
فَإِنْ عُدْنُ لَهَا يَوْمًا فَسَجَّانِيّ سَجَّانِي ... وَلِلْمَوْتِ الوَحْي الأحْمَرِ القَانِي أَلْقَانِي
وَكَقَوْلِ الصَّاحِبِ بن عَبَّادٍ:
أَنَاخَ الشَّيْبُ ضيْفًا لَمْ أُرِدْهُ ... وَلَكِنْ لَا أَطِيْقُ لَهُ مَرَدَّا
رِدَاءٌ للرَّدَى فِيْهِ دَلِيْلٌ ... تَرَدَّى مَنْ بِهِ يَوْمًا تَرَدَّى
وَكَقَوْلِ آخر فِي المَدْحِ:
وَقُمْتُ فِي كَفِّ كَفذِ الخَطْبِ حِيْنَ سَطَا ... وَنُبْتُ فِي صُرُوُفِ الدَّهْرِ حِيْنَ عَدَا
وَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مَكْتُوْبًا عَلَى القَلْزَمِ
وَهُوَ اسْمُ سَيفِ عَمْرُو بن مَعْدِ يْكَرِبَ (1):
ذِكْرٌ عَلَى ذِكْرٍ يَصُوْلُ بِصَارِمٍ ... عَضبٍ يَمَانٍ فِي يَمِيْنِ يَمَانِ
وَكَقَوْلِ الآخَرِ:
هَبَّتْ لَكَ الرِّيْحُ يَابن وَهْبٍ ... فَخُذْ لَهَا أهْبَةَ الرُّكُوْدِ
وَكَقَوْلِ أَبِي فِرَاسٍ بن حَمْدانَ (2):
فَإِنْ تَرْغَبُوا فِي الصِّلْحِ فَالصُّلْحِ صَالِحٌ وَإِنْ تَجْنَحُوا لِلسِّلْمِ فَالسِّلْمِ أَسْلَمُ وَكَقَوْلِه أَيْضًا (3):
وَخَيْلٍ يَلُوْحُ الخَيْرُ بَيْنَ عُيُوْنِهَا ... وَنَصْلٍ مَتَى مَا شِمْتُهُ نزلَ النَّصْرُ
وَمِنَ الجنَاسِ قَوْلُ الطبرخزميّ في أبي سعيد الشهيني الوزير: =
_______
(1) ديوانه ص 212.
(2) ديوانه ص 282.
(3) ديوانه ص 132.
(1/160)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَأَصْبَحَ فِي الصَّعِيْدِ أَبُو سِعِيْدٍ ... أَلَا إِنَّ الصَّعِيْدَ هُوَ السَّعِيْدُ
وَمِنَ التَّجْنِيْسِ قَوْلُ أَبِىِ فِرَاسٍ بن حَمْدانَ (1):
سَكَرْتُ مِنْ لَحْظِهِ لَا مِنْ تَمَايُلُهُ ... وَمَالَ بِالنَّوْمِ مِنْ عَيْنِي تَمَايُلُهُ
فَمَا السُّلَافُ دَهَتنِي بَلْ سَوَالِفُهُ ... وَلَا الشَّمُوْلُ دَهَتْنِي بَلْ شَمَائِلُهُ
وَمِنْ ذلِكَ قَوْلُ المُعْوَجِّ الرّقيّ:
طَابَ هَذَا الهَوَاءُ وَازْدَادَ حَتَّى ... لَيْسَ يَزْدَادُ طِيْبُ هَذَا الهَوَاءِ
ذَهَبَ حَيْثُمَا ذَهَبْنَا وَدُرٌّ ... حَيْثُ دُرُّنَا وَفِضَّةٌ فِي الفَضَاءِ
* * *

وَقَالَ السَّرِي أَيْضًا يَمْدَحُ أَبَا أَحْمَدَ عَبْد اللَّهِ بنُ مُحَمَّد بن الفَيَّاضِ الكَاتِبُ بِحَلَبَ (2):
مَحَتْ رَسْمُ الكَرَى مِن مُقْلتَيْهِ ... رَوَاسِمُ لَا تَمَلُّ مِنَ الرَّسْيمِ
تَرُوْمُ وَقَد فَرَعْنَ بِنَا فُرُوْعًا ... مِنَ الفَيَّاضِ طَيِّبَةِ الأَرُوْمِ
لَكَ القَلَمُ الَّذِي يُضْحِي وَيُمْسِي ... بِهِ الإِقْلِيْمُ مَحْمِيَّ الحَرِيْمِ
هُوَ الصِّلُّ الَّذِي لَوْ عَضَّ صِلًّا ... لأَسْلَمَهُ إِلَى لَيْلِ السَّلِيْمِ
دَعَا الأَطْرَافَ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ ... كَمَا اجْتَمَعَ السَّوَامُ إِلَى المُسِيْمِ
أَخُو حِكَمٍ إِذَا بَدَأَتْ وَعَادَتْ ... حَكَمْنَ بِعَجْزِ لُقْمَانَ الحَكِيْمِ
مَلَكْتَ خِطَامَهَا فَعَلَوْتَ قسًّا ... بِرَوْنَقِهَا وَقَيْسُ بنُ الخَطِيْمِ
نُجُوْمٌ لَا تَعُوْرُ فَمِنْ دَرَارِي ... يُسَارُ بِضَؤْئِهِنَّ وَمِنْ رُجُوْمِ
كَحَلي الخُوْدِ مُؤْتَلِفِ النَّوَاحِي ... وَشِيُّ الرَّوْضِ مُخْتَلِفِ الرُّقُوْمِ =
_______
(1) ديوانه ص 225.
(2) ديوانه 2/ 660.
(1/161)

التَّجْنِيْسِ هُوَ أَنْ يَأتِي الشَّاعِرُ فِي البَيْتِ بِكَلَامٍ مُتَجَانِسَةٍ ألْفَاظُهُ، وَبَعْضُهَا مُشْتَقٌّ مِنْ بَعْضٍ، وَهُوَ اتِّفَاقُ اللَّفْظِ وَاخْتِلَافِ المَعْنَى، وَقَلَّمَا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ فِي أشْعَارِهَا صَنْعَةً، إلَّا أَنْ يَقَعَ اتِّفَاقًا من غَيْرِ قَصْدٍ (1)، فَمَا يَنْدُرُ لَهُمْ مِنْهُ يأْتِي بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ كَقَوْلِ جَرِيْرٍ (2): [من الوافر]
كَأنَّكَ - بِبِلَادِ نَجْدٍ ... وَلَمْ تَنْظُرْ بِنَاظِره الخِيَامَا
__________
= وَمِنَ الجّنَاسِ قَوْلُ السَّرِيِّ أَيْضًا يَمْدَحُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ مِنْ قَصِيْدَةٍ أَوَّلُهَا (1):
أَعَزمتْكَ الشِّهَابُ أَمْ النَّهَارُ ... أَرَاحَتْكَ السَّحَابُ أَمِ البِحَارُ
خُلِقْتَ مَنِيَّةَ وَمُنًى فَأَضْحَتْ ... تَمُوْرُ بِكَ البَسِيْطَةُ أَوْ ثُمَارُ
تُحَلِّي الدِّيْنُ أَوْ تَحْمِي حُمَاهُ ... فَأَنَتَ عَلَيْهِ سُوْرٌ أَوْ سِوَارُ
سُيُوْفُكَ مِنْ شُكَاةِ الثَّغْرِ بُوْءٌ ... وَلَكِنْ لِلْعِدَى فِيْهَا بَوَارُ
يَحُفُّ الوَفْدُ مِنْكَ بِأَرْيَحِيٍّ ... تَحِفُّ بِهِ السَّكِيْنَةُ وَالوَقَارُ
وَسَيْفٍ مِنْ سُيُوْفِ اللَّهِ مُغْرًى ... بِسَفْكِ دَمِ العِدَى مِنْهُ الفَرَارُ
حَضِرْنَا وَالمُلُوْكُ لَهُ قِيَامٌ ... تَغُصُّ نَوَاظِرًا فِيْهَا انْكِسَارُ
وزُرْنَا مِنْهُ لَيْثَ الغَابِ طَلْعًا ... وَلَمْ نَرَ قَبْلَهُ لَيْثًا يُزَارُ
فَكَانَ لِجَوْهَرِ المَجْدِ انْتِظَامٌ ... وَكَانَ لِجَوْهَرِ المَالِ انْتِشَارُ
وَقَالَ أَيْضًا (2):
كَمْ مَعْرَكٍ عَرَكَ القَنَا أَبْطَالَهُ ... فَسَقَاهُمُ فِي النَّقْعِ سَمًّا نَاقِعَا
هَبَّتْ ريَاحُكَ فِي ذَرَاهُ سَمَائِمًا ... وَغَدَتْ سَمَاؤُكَ تَسْتَهِلُّ فَجَائِعَا
فَتَرَكْتَ مِنْ حَرِّ الحَدِيْدِ مَصَايِفًا ... فِيْهِ وَمِنْ فَيْضِ الدِّمَاءِ مَرَابِعَا
(1) انظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 87.
(2) ديوانه ص 222.
_______
(1) ديوانه 2/ 221.
(2) ديوانه 2/ 362.
(1/162)

وَكَقَوْلهِ أَيْضًا (1): [من الطويل]
وَمَا زَالَ مَعْقُوْلًا عِقَالٌ عَنِ النَّدَى ... وَمَا زَالَ مَحْبُوْسًا عَنِ الخَيْرِ حَابِسُ
وَكقَوْلِ الحُطَيْئَةِ (2): [من الطويل]
مَنِ النَّفَرِ العَالِيْنَ فِي السِّلْمِ وَالوَغَى ... وَأهْلِ المَعَالِي وَالعَوَالِي وَآلِهَا
إِذَا نَزَلُوا اخْضَرَّ الثَّرَى مِنْ نُزُوْلِهِمْ ... وَإِنْ نَازَلُوا احْمَرَّ الثَّرَى مِنْ نِزَالِهَا
وَإِنَّمَا المُحْدَثُونَ ابْتَدَعُوا المُجَانَسَةِ حِذْقًا مِنْهُمْ، وَقُوَّةً فِي صِنَاعَةِ الشِّعْرِ، حَتَّى صَارَ لِبَعْضِهِمْ طَبْعًا، كَالطَّائِيَّيْنَ أبِي تَمَّامٍ وَالبُحْتُرِيِّ، وَتَلَقَّفَهُ الشَّامِيُّوْنَ وَنَاشِئَتُهِمْ، فَمَا تَكَادُ أَشْعَارُهُمْ تَخْلُو مِنْهُ، كقَوْلِ بَعْضِ المِصْرِيِّيْنَ يَرْثِي وَلَدَيْنِ لِرَجُلٍ اسْمُهُ سَعِيْدُ بن قُرَّةَ مِنْ بَنِي هِلَالِ بن عَامِرٍ. وَلَمْ أسْمَع مِثْلَهُ وَلَا أعْتَقِدُ أنَّهُ يَتَّفِقُ لأَحَدٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ أحْسَنَ مِنْهُ وَهُوَ: أظُنَّهُ البُحْترِيُّ (3): [من الطويل]
سَعِيْدَا سَعِيْدٍ قُرَّتَا عَيْنِ قُرَّةٍ ... هِلَالًا هِلَالٍ عَامِرَا بَيْتِ عَامِرِ

وَمُبَايَنَة التَّطْبِيْقِ (4):
__________
(1) ديوان جرير ص 184.
(2) لأبي سعيد الرستمي في يتيمة الدهر 3/ 370، ولم يردا في ديوان الحطيئة.
(3) لم يردا في ديوان البحتري.
(4) وَمِنَ التَّطْبِيْقِ وَهُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَضِدّهُ قَوْلُ مَرْوَان بن أَبِي حَفْصَةَ (1):
إِلَى مَنْ يَسُدّ الثَّغْرَ بَعْدَ انْفِرَاجِهِ ... وَيَفْتَحُ أبْوَابَ النَّدَى حِيْنَ تغلَقُ
وَقَوْلُ السّرِّيّ الرَّفَاء (2):
وَالسُّمْرُ يُنْظَمُ فِي عَوَامِلِهَا العِدَا ... وَالبِيْضِ يُنْثَرُ عَنْ ظبَاهَا الهَامُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضُ المَغَارِبَةِ: =
_______
(1) لم ترد في ديوانه.
(2) ديوانه 3/ 690.
(1/163)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= لَكَ آتِيَانِ مُسَالِمًا وَمُحَاربًا ... بِالعَدْلِ مِنْكَ وَسَيْفكَ المَخْضُوْبِ
وَفَرَّقْتُ مَا بَيْنَ الذَّوَائِبِ وَالطُّلَى ... وَجَمَعْتَ مَا بَيْنَ الطَّلَى وَالذِّيْبِ
وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ آخَر:
تُذَلِّلُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ بَآسِهِ ... وَأَعْنَاقِ طُلَّابِ النَّدَى بِالفَوَاضِلِ
فَمَا انْقَبَضَتْ كَفَّاهُ إِلَّا لِصَارِمٍ ... وَلَا انْبَسَطَتْ كَفَّاهُ إِلَّا لسَائِلِ
وَكَقَوْلِ الكَمِيْتِ بن مَعْرُوْفٍ (1):
بِطَاءٌ عَنِ الفَحْشَاءِ لَا يَحْضرُوْنَهَا ... سِرَاعٌ إِلَى دَاعِي الصَّبَاحِ المُثَوَّبِ
* * *

وَمِنَ التَّطْبِيْقِ قَوْلُ أَبِي الفَتْحِ البُسْتِيِّ فِي المَشِيْبِ (2):
دَعْ دُمُوْعِي يَسِلْنَ سَيْلًا بدَارَا ... وَضلُوْعِي يَصْلَيْنَ بِالوَجْدِ نَارَا
قَدْ أَعَادَ الأسَى نَهَارِيَ لَيْلًا ... مُذْ أَعَادَ المَشِيْبُ لَيْلِي نَهَارَا
* * *

وَمِنَ الطِّبَاقِ المُسْتَحْسَنِ قَوْلُ أَبِي السَّمْطِ فِي طَاهِرِ بن الحُسَيْنِ:
غَدَا فَرَاحَتْ يُمْنَاهُ وَبَيْنَهُمَا ... تَاجَانِ لِلْمُلْكِ مَعْقُوْدٌ وَمُسْتَلَبُ
أَزَالُوا أَوْتَادَ مُلْكٍ فِيْهِ ثَانِيَةً ... قَسْرًا وَثَبَّتَ أُخْرَى وَهِيَ تَضْطَرِبُ
وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنُ زَيْدُوْنَ وَتُرْوَى للسَّالِمِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ جَمَعَ فِيْهِ بَيْنَ حُسْنِ الجِّنَاسِ وَحُسْنِ الطِّبَاقِ (3):
لَيْلِي وَلَيْلى نَفَى نَوْمِي اخْتِلَافهُمَا ... بِالطُّوْلِ وَالطُّوْلِ يَا طُوْبَى لَوْ اعْتَدَلَا
_______
(1) مجموع شعره ص 157.
(2) ديوانه (العاشور) ص 51.
(3) لم يردا في ديوان ابن زيدون.
(1/164)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= يَجُوْدُ بِالطُّوْلِ لَيْلِي كُلَّمَا بَخِلَتْ ... بِالطُّوْل لَيْلَى وَإِنْ جَادَتْ بِهِ بَخِلَا
وَمِنَ الطِّبَاقِ قَوْلُ الخُزَاعِيِّ وَهُوَ دِعْبَلٌ يَهْجُو رَجُلَا (1):
رَأَيْتُ أَبَا عِمْرَانَ يَبْذلُ عُرْضَهُ ... وَخُبْزُ أَبِي عِمْرَانَ فِي أَحْرَزِ الحِرَزِ
يَحِنُّ إِلَى جَارَاتِهِ بَعْدَ شِبْعِهِ ... وَجَارَاتهُ غَرْثَى تَحِنُّ إِلَى الخُبْزِ
وَقَال دِعْبَلٌ أَيْضًا (2):
فَضيْفُ عَمْرٍو وَعَمْرٌو يَسْهَرَانِ مَعًا ... عَمْرٌو لِبَطْنَتِهِ وَالضَّيْفُ لِلجُّوْعِ
وَكَقَوْلِ آخَر (3):
وِشَاحُهَا يَحْسُدُ خَلْخَالَهَا ... كَجَائِعٍ يَحْسُدُ شَبْعَانَا
وَمِنَ الطِّبَاقِ قَوْلُ أَبِي الحَسَنِ عَلِيّ بن عَبْدِ العَزِيْزِ الحصرِيّ مِنْ شُعَرَاءِ الأنْدَلُسِ (4):
يَا نَاثِرًا دُرَّ عَيْنِي بَلْ عَمِيْقَ دَمِي ... مَا بَالُ طَرْفكَ دُوْنِي صَحَّ بِالسِّقَمِ
وَمَا لِتفَّاحَتَيّ خَدَّيْكَ أَيْنَعَتَا ... فَأَفْطَرَتْ مِنْهُمَا عَيْنِي وَصَامَ فَمِي
وَقَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بنِ هِنْدٍ مِنْ شُعَرَاءِ الأنْدَلُسِ أَيْضًا:
لَمَّا رَأَيْتُ سِهَامَ لَحْظِكَ أَقْصدَتْ ... قَلْبِي وَلَحْظِي سَدّ بَابَ رِضَاكَ
لَمْ أَدْرِ أَيُّ مُعَذَّبِيْكِ يُمِيْتنِي ... أَسَقِيْمُ جَفْنِكِ أَمْ صَحِيْحُ جَفَاكِ
وَقَوْلُ أَبِي جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ وَهُوَ مِنَ الابْتِدَاءَاتِ البَارِعَةِ:
صِحَّةُ العَيْشِ فِي النَّسِيْمِ العَلِيْلِ ... وَحَيَاةُ النُّفُوْسِ مَوْتُ العُقُوْلِ
_______
(1) ديوانه ص 93.
(2) ديوانه ص 182.
(3) لأبي الحسن الربعي في المختار من شعر بشار ص 148.
(4) المطرب من أشعار المغرب ص 74.
(1/165)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= المِصْرَاعُ الأَخِيْرُ مِنْ قَوْلِ بِعْضِهِمْ وَقَدْ قِيْلَ لَهُ: مَتَى يِفْرَحُ العَاقِلُ؟ فَقَالَ: إِذَا زَالَ عَقْلُهُ.
وَلابنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ مُعَارِضًا لِقَوْلِ الشَّاعِرِ
لَيْلِي وَلَيْلى نَفَى نَوْمِي اخْتِلَافهُمَا. البَيْتَانِ:
لِيْلِي بِلَيْلَى مُعِيْنٌ لِي عَلَى سَهَرِي ... أَشْتَاقُهَا وَهُوَ مَشْتَاقٌ إِلَى السَّحَرِ
يَا لَيْلُ أيْنَ رُقَادِي ذَاكَ مِنْ سَهَرِي ... هَذَا وَطُوْلُكَ ذَا مِنْ ذَلِكَ القِصَرِ
كُلٌّ تَبَدَّلَ مِنَّا غَيْرَ حَالَتْهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَفْوَ العَيْشِ بِالكَدَرِ
مَنْ لِي بِلَيْلَى أَوْقَاتٍ بِهَا قُطِعَتْ ... كَالأَخْذِ بِاليَدِ بَلْ كَاللَّمْحِ بِالبَصَرِ
مَا أَطْيَبَ العَيْشَ لَوْلَا أنَّ وَارِدَهُ ... يراع قبل شفائها المصدورُ بالصدرِ
أَبْكَى المُحْسِنِيْنَ بِهَا ... نَاءٍ عَنِ الوَطَنِ المَأَلُوْفِ وَالوَطَرِ
كَطَائِرٍ قَذَفَتْ أَيْدِي الخُطُوْبِ بِهِ ... فِي لُجِّ بَحْرٍ فَلَمْ يَسْبَحْ وَلَمْ يَطِرِ
أَرْضٌ بِهَا كِدْتُ أَنْسَى الجُوْدَ مِنْ عَدَمٍ ... وَالبشرَ مِنْ كَمَدٍ وَالحِلْمَ مِنْ ضَجَرِ
اشتاق المَقَامُ بِهِمْ ... لَوْ سَاعَدَتْنِي أَسْبَابٌ مِنَ القَدَرِ
إِذَا يَمَّمْتُ يَوْمًا رُؤْيَةً لَهُمُ ... رَأَيْتُهُمْ بِعُيُوْنِ الوَهْمِ وَالفِكَرِ
مَوْلَايَ عِطْفًا عَلَى عَبْدٍ دَعَاكَ وَقَدْ ... أَضْحَى مِنَ الدَّهْرِ بَيْنَ النَّابِ وَالظفرِ
اللَّيَالِي غَيْرَ مُسِنَّةٍ ... بِأَقْبَحِ الفِعْلِ فَانْظُرْ أَحْسَنَ النَّظَرِ
أَدْرِكْهُ مِنْ قَبْلِ إِدْرَاكِ الحِمَامِ لَهُ ... فَقَدْ نَوَى رَمْيَهُ وَالسَّهْمِ فِي الوَتَرِ
أَوْدَتْ بَقِيَّةَ صَبْرٍ كُنْتُ أَذْخُرُهَا ... فَمَا لَهَا اليَوْمَ مِنْ عَيْنٍ وَلَا أَثَرِ
وَبَحْرُكَ الغَمْرُ لَا غَاضَتْ مَوَارِدُهُ ... فَلَيْسَ يَنْقِصُهُ وِرْدِي وَلَا صَدَرِي
أَرْسَلْتُ نَحْوَكَ آمَالًا وَثِقْتُ لَهَا ... بِالنُّجْحِ وَاليُمْنِ وَالتَّأَيِيْدِ وَالظَّفَرِ
فَاسْمَعْ دُعَائِي وَصُنْ وَجْهِي وَخُذْ بِيَدِي ... وفُكَّ أَسْرِي وَبَلِّغْنِي إِلَى أمْرِي
هَذِهِ الأَبْيَاتُ جَمِيْعُهَا فِيْهَا تَطْبِيْقٌ مَصْنُوْعَةُ المَعَانِي مُحَرَّرَةُ الأَلْفَاظِ. =
* * *
(1/166)

الطِّبَاقُ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيْهِ، هُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ، يَجْمَعُهُمَا اللَّفْظُ بِهُمَا لَا المَعْنَى، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اقْتِدَارِ الشَّاعِرِ فِي صَنْعَتِهِ. وَالعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ التَّطْبِيْقُ فِي أشْعَارِهَا طَبْعًا أكْثَرَ مِنَ التَّجْنِيْسِ، كَقَوْلِ طُفَيْلٍ الغَنَوِيِّ يَصِفُ فَرَسًا (1): [من البسيط]
بِسَاهِمِ الوَجْهِ (2) لَمْ تُقْطَعْ أَبَاجِلُهُ ... يُصَانُ وَهُوَ لِيَوْمِ الرَّوْعِ مَبْذُوْلُ
__________
= وَمِنَ الطِّبَاقِ قَوْلُ زُهَيْرٍ (1):
لَيْثٌ بِعَثُّرَ يَصْطَادُ الرِّجَالَ إِذَا ... مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أَعْدَائِهِ صَدَقَا
عَثُّرُ: مَأْسَدَةٌ ضَامَةُ السِّبَاعِ.
وَكَقَوْلِ كُثَيِّرٍ (2):
وَمِنْ نَجْلَاءَ تَدْمَعُ فِي بَيَاضٍ ... إِذَا دَمَعَتْ وَتَنْظُرُ فِي سَوَادِ
(1) شعره ص 335.
(2) تَفْسِيْرٌ: سَاهِمُ أي مُتَغَيِّرٌ قَلِيْلُ لَحْمِ الوَجْهِ. أَبَاجِلُهُ عُرُوْقٌ فِي الرِّجْلَيْنِ أي لَمْ تُصِبْهُ عِلَّةٌ. وَهَذَا البَيْتُ مِنْ قَصِيْدَةٍ يَقُوْلُ فِيْهَا:
وَغَارَةٍ كَحَرِيْقِ النَّارِ زَعْزَعَهَا ... مِخْرَاقُ حَرْبٍ كَصَدْرِ السَّيْفِ بُهْلُوْلُ
شَهِدت ثَمَّةَ لَمْ أَحْوِ الرِّكَابَ إِذَا ... سُوْقِطْنَ ذُو قَتَبٍ مِنْهَا وَمَرحُوْلُ
بِسَاهِمِ الوَجْهِ. البَيْتُ
وَمِنَ الطِّبَاقِ قَوْلُ البُحْتُرِيّ (3):
وَهَجْرُ القُرْبِ مِنْهَا كَانَ أَشْهَى ... إِلَى المُشْتَاقِ مِنْ وَصْلِ البعَادِ
وَقَوْلُ السَّيِّدِ الرّضِيّ (4): =
_______
(1) ديوانه ص 67.
(2) ديوانه ص 90.
(3) ديوانه 2/ 725.
(4) ديوانه 2/ 225.
(1/167)

وكَقَوْلِ أبِي الشِّيْصِ (1): [من الطويل]
فَأوْرِدُهَا بِيْضًا ظِمَاءً صُدُوْرُهَا ... وَأُصْدِرُهَا بِالرِّيِّ ألْوَانُهَا حُمْرُ
فَطَابَقَ بَيْنَ الإِيْرَادِ وَالصَّدَرِ وَالبَيَاضِ وَالحُمْرَةِ (2)، وَالظَّمَاءِ وَالرِّيِّ. وَإِنَّمَا أَخَذَهُ أَبُو الشِّيْصِ مِنْ قَوْلُ عَمْرو بن كُلْثُوْمٍ (3): [من الوافر]
بِأَنَّا نُوْرِدُ الرَّايَاتِ بِيْضًا ... وَنُصْدِرُهُنَّ حُمْرًا قَدْ رُوِيْنَا (4)
وَكَقَوْلِ الآخَر: [من الكامل]
__________
= أحبُّكِ بِالطَّبع الخَلِيِّ مِنَ الحِجَى ... وَأَقْلَاكِ بِالعَقْلِ السَّلِيْمِ مِنَ الخَبْلِ
فَأَنْتِ صَدِيْقِي إِنْ رَجِعْتُ إِلَى الهَوَى ... وَأَنْتَ عَدُوِّي إِنْ رَجِعْتُ إِلَى العَقْلِ
كَقَوْلِ الآخَر:
إِنَّ السَّمَاءَ إِذَا لَمْ تَبْكِ مُقْلَتُهَا ... لَمْ تَضحَك الأَرْضُ عَن شَيْءٍ. . . .
. . . . الرَّوْضُ لَا تُجْلَى أَبْصَارُهُ أَبَدًا ... إِلَّا إِذَا. . . . . .
مِنْ كُثْرَةِ. . . . . . . .. . ... . . . . . . . . . . . . . .
(1) ديوانه ص 6.
(2) قال قيس بن علّان الكناني (1):
لقد علمت لكل بصفين أننا ... إذا التقتِ الخيلانِ يظعنها شزرا
ونحمل رايات الحقوق لحقِّها ... فنوردها بِيضًا ونصدرها حمرا
(3) ديوانه ص 71.
(4) لَوْ اتُّفِقَ لَهُ أَنْ يُقَابِلَ الرِيَّ بِالظَّمَاءِ كَمَا اتَّفَقَ لأَبي الشِّيْصِ لَكَانَ أَبْدَعَ بَيْتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ فِي الطِّبَاقِ.
وَقَالَ مُهَلْهلُ بنُ رَبِيْعَةَ (2):
تُرْوَى الرِّمَاحَ بِأَيْدِيْنَا وَنُوْرِدُهَا ... بِيْضًا وَنُصدِرُهَا حُمْرًا أَعَالِيْهَا
_______
(1) وقعة صفين ص 314.
(2) ديوانه ص 90.
(1/168)

إِنَّ المُقَوِّمَ فِي العِدَا عُوْجُ القَنَا ... قَلِقُ اليَدَيْنِ بِهنَّ ثَبْتُ الجَأشِ
أتَى بِالتَّقْوِيْمِ وَالعَوَجِ، وَالقَلَقِ وَالثَّبَاتِ، وَهُوَ الطِّبَاقُ. وَكَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ (1): [من الكامل]
يَسْتَيْقِظُوْنَ إِلَى نُهَاقِ حَمِيْرِهِمْ ... وَتَنَامُ أعْيُنُهُمْ عَنِ الأَوْتَارِ (2)
__________
(1) ديوانه 1/ 360.
(2) قَبْلُهُ (1):
لَعَنَ الإِلَهُ بَنِي كُلَيْبٍ إِنَّهُمْ ... لَا يغدرُوْنَ وَلَا يَفُوْنَ لِجَارِ
يَسْتَيِقِظُوْنَ. البَيْتُ
وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ثُمَامَةَ بنُ المُجِيْرِ الذُّهْلِيّ وَهُوَ (2):
قَوْمٌ تَنَامُ عَنِ الأَوْتَارِ أَعْيُنِهُمْ ... وَلَا تُنَوَّمُ نَوْكَاهُمْ عَنِ السَّرَقِ
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: لَا أَعْرِفُ طِبَاقًا أَحْسَنَ مِنْ بَيْتَي الفَرَزْدَقُ هَذَيْنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ السِرِّيّ الرَّفَاء فِي سَيْفِ الدَّوْلَةِ (3):
مَحَلُّكَ مِثْلُ الغَابِ لَيْسَ يُرَامُ ... وَجَارُكَ مِثْلُ النَّجْمِ لَيْسَ يُضَامُ
وَغَيْمُكَ ذُو بَرْقَيْنِ يَنْهَلُّ عَنْهُمَا ... دَمٌ لَيْسَ يَرْقَى صَوْبُهُ وَغَمَامُ
بِكَ انْتَظَمَ المَجْدُ الشَّتِيْتُ ... وإنّما مساعيك للمجد الشتيتِ نظامُ
فطورًا لكم في العيس رَحْبُ مَنَازِلٍ ... وَطَوْرًا لَكُمْ بَيْنَ السُّيُوْفِ زِحَامُ
وَأَنْتُمْ عَلَى أَكْبَادِ قَوْمٍ حَرَارَةٌ ... وَبَرْدٌ عَلَى أَكْبَادِنَا وَسَلَامُ
وَكَقَوْلِ ابنِ حَيُّوْسٍ (4):
سَكَنَتْ لِصَوْلَتِكَ الرِّيَاحُ مَهَابَةً ... وَتَزَعْزَعَتْ مِنْ خَوْفِكَ الأَطْوَارُ =
_______
(1) ديوان الفرزدق 1/ 360.
(2) حلية المحاضرة 1/ 43.
(3) ديوانه 1/ 651.
(4) لم يرد في ديوانه (صادر).
(1/169)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَسَرَتْ هُمُوْمَكَ فَالإِقَامَةُ رِحْلَةٌ ... وَالسِّلْمُ حَربٌ وَالرُّقَادِ سُهَادُ
وَكَقَوْلِ ابن السَّاعَاتِيّ (1):
جَوَادٌ إِذَا الأَنْوَاءُ ضَنَّتْ أَكُفّهَا ... وَقُوْرٌ إِذَا الأطْوَادُ خَفَّتْ حلُوْمُهَا
تَوَجَّدَ فَالدُّنِيَا بهِ وَبِسَيْفِهِ ... تُشَدُّ أَوَاخِيْهَا وَيُحْمَى حَزِيْمُهَا
إِذَا النَّقْعُ سُحْبٌ وَالبُرُوْقُ سُيُوْفُهَا ... وَالأَسْمَاءُ وَالعَوَالِىِ نُجُوْمُهَا
فَتًى بَأْسُهُ وَالصَّفْحُ فِي يَوْمِ سُخْطِهِ ... وَيَوْمِ الرّضَى بُؤْسَى العِدَى وَنَعِيْمهَا
وَكَقَوْلِهِ أَيْضًا:
إِذَا شِيْمَ قَبْلَ الرِّفْدِ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ... تَأَلَّقَ بَرْقٌ وَاسْتَهَلَّ غَمَامُ
. . . . الأَعَادِي وَالنّضَارِ تَشَتُّتٌ ... وَلِلْوَفْدِ وَالمَجْدِ الأَثِيْلِ نِظَامُ
إِذَا سِيْلَ فِي السَّرَاءِ فَهْوَ سَحَابَةٌ ... وَإِنْ سُلَّ فِي الضَّرَّاءِ فَهُوَ حُسَامُ
إِذَا شَبَّ مِنْ دُوْنِ العُلَى نَارَ عَزْمِهِ ... فَلِلْملكِ بَرْدٌ عِنْدَهَا وَسَلَامُ
وَجَدْتُ أَيَادِيْهِ عَلَى القُرْبِ وَالنَّوَى ... سَوَاءٌ عَلَيْهَا وَحلَّةٌ وَمَقَامُ
* * *

وَكَقَوْلِ الآخَر:
نَأَوا فَتَدانَوْا لنَا بِالوِصَالِ ... فَلَمَّا دَنُوا بَعُدُوا بِالصُّدُوْدِ
وَقَالَ ابْنُ الرُّوْمِيّ فِي تقويم القَنَا وَاعْوِجَاجِهِ (2):
هُمَامٌ إِذَا اعْوَجَّتْ صدُوْرُ قَنَاتِهِ ... غَدَتْ بَيْنَ أَخنَاءِ الضُّلُوْعِ تُقَوَّمُ
وَقَالَ المُتَنَبِّيّ (3):
وَلَرُبَّمَا أَطْرَى القَنَاةَ بِفَارِسٍ ... وَثنَى فَقَوَّمَهَا بِآخَرَ مِنْهُمُ
_______
(1) ديوانه ص 189.
(2) ديوانه 4/ 2101.
(3) ديوانه 4/ 132.
(1/170)

وَكَقَوْلِ أبِي الحَسَنِ بن القَاسَمِ الحِجَازِيِّ: [من الكامل]
أُخْفِي هَوَاكِ وَإنَّهُ لَيَبِيْنُ ... وَأَصُدُّ عَنْكِ وَلِي إِلَيْكِ حَنِيْنُ
وَأُرِي عَدُوِّي أنَّنِي مُتَصبِّرٌ ... عَنْكُمْ وَقَلْبِي وَالِهٌ مَحْزُوْنُ
فَإلَى مَتَى أدْنُو وَأبْعُدُ مِنْكُمُ ... وَأعِزُّ فِي حُكْمِ الهَوَى وَأهُوْنُ
وَاهًا لِقَلْبِي كَيْفَ أبْذُلُهُ لِمَنْ ... هُوَ بِالْقَلِيْلِ مِنَ الوِصَالِ ضَنِيْنُ
تَبْدُو سَرِيْرَاتُ النُّفُوْسِ وَحُبُّكُمْ ... يا عَلْوَ بَيْنَ سَرَائِرِي مَكْنُوْنُ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بن الحَسَنِ الحَاتِمِيُّ (1): أخْبَرَنَا عَلِيُّ بن الحُسَيْنِ القُرَشِيُّ قَالَ: قُلْتُ لأبِي الحَسَنِ عَلِيّ بن سُلَيْمَانَ الأخْفَشِ، وَكَانَ أعْلَمُ مَنْ شَاهَدْتُهُ بِالشِّعْرِ: أَجِدُ قَوْمًا يُخَالِفُوْنَ فِي الطِّبَاقِ فَطَائِفَةٌ تَزْعَمُ، وَهُمُ الأكْثَرُ أَنَّهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ فَجَمَعَهُمَا اللَّفْظُ بِهُمَا دُوْنَ المَعْنَى، وَطَائِفَةٌ تُخَالِفُ ذَلِكَ، فَتَقُوْلُ هُوَ اشْتِرَاكُ المَعْنَيَيْنِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ (2) كَقَوْلِ زِيَادٍ. . . . . .
__________
(1) هُوَ أَبُو عَلِيّ مُحَمَّد بن الحَسَنِ بن المُظَفَّرُ الحَاتِمِيُّ اللُّغَوِيُّ الكَاتِبُ.
(2) وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ الشَّاعِرِ وَهُوَ التَّجْنِيْسُ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّاهُ بَعْضُهُم طِبَاقًا:
رُبَّ بِيْضٍ سَلَلْنَ بِاللَّحْظِ بِيْضًا ... مُرْهَفَاتٍ جُفُوْنُهُنَّ الجفُوْنُ
وَخُدُوْدٍ لِلدَّمْعِ فِيْهَا خُدُوْدٌ ... وَعُيُوْنٍ قَدْ سَالَ مِنْهَا عُيُوْنُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي إسْحَاقَ الصَّابِئُ يَفْتَخِرُ (1):
لَقَدْ عَلِمَتْ خَيْلُ هَذِي الخِيَام ... وَنِسْوَانِهَا القَاصِرَاتُ الغَوَانِي
بأَنِّي شَفَاءُ صُدُوْرِ الجَمِيْعِ ... وَأَكْرَمُ مِنْ ضَمَّةِ الخَافِقَانِ
أَسُرُّ القَرِيْنَةَ لَيْلَ العِنَاقِ ... وَأَفْتِكُ بِالقَرْم يَوْمَ الطِّعَانِ
فَبَطْنُ الحِصانِ وَظَهْرُ الحِصَانِ ... عَلَيّ بِمَا قُلْتُهُ يَشْهَدَانِ
الجّنَاسُ فِي قَوْلِهِ فَبَطْنُ الحِصَانِ وَظَهْرُ الحِصَانِ. =
_______
(1) يتيمة الدهر 2/ 321.
(1/171)

الأَعْجَمِ (1): [من الطويل]
وَنُبِّئْتُهُمْ يَسْتَنْصِرُوْنَ بِكَاهِلٍ ... وَلِلُّؤْمِ فِيْهِمْ كَاهِلٌ وَسَنَامُ
فَقَوْلُهُ كَاهِلٌ لِلْقَبِيْلَةِ. وَكَاهِلٌ لِلْعِضْوِ عِنْدَهُمْ هِيَ المُطَابَقَةِ. فَقَالَ الأخْفَشُ: مَنْ يَقُوْلُ هَذَا؟ قُلْتُ: قُدَامَةُ، وَغَيْرُهُ، فَأمَّا قُدَامَةُ فَأنْشَدَنِي لِلأَفْوَهِ الأَوْدِيِّ (2): [من السريع]
وَأَقْطَعُ الهَوْجَلَ (3) مُسْتَأْنِسًا ... بِهَوْجَلٍ غَيْرَانَةٍ عَيْطَمُوْس
قَالَ: يا بُنَيَّ، هَذَا هُوَ التَّجْنِيْسُ. وَمَنْ زَعَمَ أنَّهُ طِبَاقٌ، فَقَدْ ادَّعَى خِلَافًا عَلَى الخَلِيْلِ وَالأَصْمَعِيِّ.
قُلْتُ: أفَكَانَا يَعْرِفَانِ هَذَا؟ فَقَالَ: يا سُبْحَانَ اللَّهَ وَهَلْ غَيْرُهُمَا فِي عِلْمِ الشِّعْرِ، وَتَمْيِيْزِ خَبيْثِهِ مِنْ طَيِّبهِ؟ قُلْتُ: فَأنْشدْنِي أحْسَنَ طِبَاقٍ لِلْعَرَبِ. فَقَالَ: قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بن الزّبَيْرِ الَأسَدِيِّ (4): [من الوافر]
رَمَى الحَدَثَانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ ... بِمِقْدَارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُوْدَا (5)
فَرَدَّ شُعُوْرَهُنَّ السُّوْدَ بِيْضًا ... وَرَدَّ وَجُوْهَهُنَّ البِيْضَ سُوْدَا (6)
__________
= وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي المُعَلِّى البَربَائِيّ أَحَدِ شُعَرَاءِ الأَنْدَلُسِ مِنْ قَصِيْدَةٍ يَرْثِي بِهَا الحَجَّاجُ بن أُوْرِيَا:
أَمُعْتَقَلِ الصَّعِيْدِ وَكَانَ يَغْدُو ... عَلَيْهِ وَهُوَ مُعْتَقِلُ الصِّعَادِ
أَرَى لِبْسَ الحِدَادِ عَلَيْكَ مِمَّا ... يَشُقُّ عَلَى المُهَنَّدَةِ الحِدَادِ
(1) ديوانه ص 96.
(2) ديوانه ص 16.
(3) هَوْجِلُ وَاسِعَةُ السَّيْرِ: وَالهَوْجَلُ المُتَّسَعِ مِنَ الأَرْضِ.
(4) ديوانه - القسم المنسوب إليه وإلى غيره ص 143.
(5) السَّامِدُ السَّاهِي الغَافِلُ وَقِيْلَ العَائِمُ فِي تَحَيُّرٍ وَهَذَا أَرَادَ هَاهُنا.
(6) وَلابنِ شَمْسِ الخِلَافَةِ مِنْ أَبْيَاتٍ: =
(1/172)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَكَانَ حَظِّي فِي القُلُوْبِ أَبْيَضًا ... إِذْ كَانَ شِعْرِي فِي العُيُوْنِ أَسْوَدَا
وَشَرَّدَ الصُّبْحُ عَنَّا اللَّيْلَ فَاتَّضَحَتْ ... سُطُوْرُهُ البِيْضُ فِي رَايَاتِهِ السُّوْدِ
* * *

وَمِنَ الطِّبَاقِ فِي الشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا مُحْسِنًا وَاللَّيَالِي قَدْ أَسَأْنَ بِنَا ... وَمُنْصِفًا وَنِبَالُ الجوْدُ تَرْمِيْنَا
وَبَاذِلًا وَوُجُوْهُ المُزْنِ كَالِحَةٌ ... وَفْرًا يُرَدِّدُ أَنْفَاسَ الغِنَى فَيْنَا
وَمَنْ إِذَا شَمَلَ الخَوْفُ البِلَادَ سَرَتْ ... نَوَاسِمُ الأَمْنِ عَنْهُ فِي نَوَاحِيْنَا
عَجِزْتُ عَنْ حَمْلِ أَنْعَامِ يُرَاوِحُنَا ... وَعَنْ مُكَافَاةِ إِكْرَامٍ يُغَادِيْنَا
وَمِنَ الطِّبَاقِ فِي ذِكْرِ السّوَادِ وَالبيَاضِ قَوْلُ الآخَرِ:
إِذَا كُنْتَ أَنْتَ بيَاضَ البِيَاضِ ... يُشَارُ إِلَيْكَ بِأَيْدِي الأَيَادِي
وَخَيَّبْتَ آمَالَ مَنْ يَرْتَجِيْكَ ... فَمَا أَنْتَ إلَّا سَوَادُ السَّوَادِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أبِي العَبَّاسِ أَحْمَد بن مُحَمَّد النَّامِيّ (1):
فَتًى قَسَمَ الأَيَّامَ بَيْنَ سُيُوْفهِ ... وَبَيْنَ طِرِيْفَاتِ المَكَارِمِ وَالتُّلدِ
فَسَوْدَ يَوْمًا بِالعَجَاجِ وَبِالرَّدَى ... وَبِيْضَ يَوْمًا بِالفَضَائِلِ وَالمَجْدِ
وَقَالَ آخَرُ:
جَرَّبْتُ دَهْرِي وَصَدْرُ العُمْرِ مُقْتَبَلٌ ... واَلغُصْنُ غَضٌّ وَظِلُّ العَيْشِ مَمْدُوْدُ
فَمَا صَفَى كَدَرٌ إلَّا أَتَى قَدَرٌ ... وَلَا حَلَا ثَمَرٌ إلَّا ذَوَى العُوْدُ
مَا ابْيَضَّ مِنْ شَعَرَاتِ الرَّأْسِ أَسْوَدُهَا ... إلَّا وَبِيْضُ أَحَادِيْثِ المُنَى سُوْدُ
* * *

وَقَالَ الآخَرُ وَهُوَ:
شَيْخ كَبِيْرٌ لَهُ ذُنُوْبٌ ... تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهَا المَطَايَا =
_______
(1) ديوانه ص 50.
(1/173)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قَدْ بَيَّضتْ شَعْرَهُ اللَّيَالِي ... وَسَوَّدَتْ وَجْهَهُ الخَطَايَا
وَقَالَ الآخَرُ:
إنِّي عَجِبْتُ مِنَ اللَّيَالِي ... وَالَّذِي فَعَلَتْهُ بِي وَبِمِثْلِهِ يُتَعَجَّبُ
كَتَبَتْ بِأَبْيَضَ فِي السَّوَادِ وَإِنَّمَا ... عَهْدِي بِأَسْوَدَ فِي بِيَاضٍ يُكْتَبُ
وَقَالَ المُتَنَبِّيّ يُخَاطِبُ الشَّيْبَ (1):
إِبْعَدْ بَعِدْتَ بَيَاضًا لَا بَيَاضَ لَهُ ... لأَنْتَ أَسْوَدَ فِي عَيْنِي مِنَ الظُّلَمِ
يُرِيْدُ لأَنْتَ أسْوَدُ وَتَمَّ الكَلَامُ ثُمَّ قَالَ مِنَ الظُّلَمِ كَمَا يَقُوْلُ هُوَ مُقْعَدٌ مِنْ زَمَنٍ.
وَقَالَ آخَرُوْنَ: لأَنْتَ أسْوَدُ فِي عَيْنِي مُظْلِمًا، وَقَالَ الفَرَّاءُ: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذَا فِي البَيَاضِ وَالسَّوَادِ خَاصَّةً فَيَقُوْلُوْنَ مَا أبْيَض ثَوْبَهُ وَمَا أسْوَد شَعْرَهُ وَأنْشَدَ:
جَارِيَةٌ فِي درْعِهَا الفَضْفَاضِ ... أَبْيَضَ مِنْ أُخْتِ بَنِي إِبَاضِ
(إبَاضُ: قَبِيْلَةٌ)
أَبُو فِرَاسٍ (2):
إِذَا مَا نَقَل الدِّهْقَانِ ... غَلَّاتِ الرَّسَاتِيْقِ
فكم مِنْ نِعْمَةٍ بَيْضَاءَ ... فِي سُوْدِ الجوَالِيْقِ
وَابْيِضَاضُ السَّوَادِ مِنْ نُذُرِ المَوْتِ ... وَمَا بَعْدَهُ لَحَيٍّ نَذِيْرِ
وَقَالَ البُحْتُرِيُّ (3):
لَهُمْ خَلَلٌ حَسَنٌ فَهنَّ بِيْضُ ... وَأَفْعَالٌ قَبِحْنَ فَهُنَّ سُوْدُ
لأَبي إِسْحَاقَ إبْرَاهِيْمُ بنُ خَفَاجَةَ أَحَدُ شُعَرَاءِ الأَنْدَلُسِ (4): =
_______
(1) ديوانه 4/ 35.
(2) ديوانه ص 65.
(3) ديوانه 1/ 581.
(4) لم ترد في ديوانه.
(1/174)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= تَفْدِيْكَ نَفْسِي مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... لَهُ بِيْضُ الأَيَادِي فِي الخُطُوْبِ السُّوْدِ
جَادَ الزَّمَانُ عَلَى ضَنانَتِهِ بهِ ... وَلَرُبَّ مَاءٍ فَاضَ مِنْ جُلْمُوْدِ
* * *

وَلابْنِ الرُّوْمِيّ فِي احْتِجَاجِه للخضاب (1):
يا بَيَاضَ المَشِيْبِ سَوَّدْتَ وَجْهِي ... عِنْدَ بِيْضِ الوُجُوْهِ سُوْدِ القرُوْنِ
فَلَعَمْرِي لأَحْجِبَنَّكَ جَهْدِي ... عَنِ عيَانِي وَعَنْ عيَانِ العُيُوْنِ
بِخِضَابٍ فِيْهِ لِوَجْهِيَ زَيْنٌ ... وَسَوَادٌ لِوَجْهِكَ المَلعُوْنِ
* * *

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الآخَر:
شبْتُ أَنَا وَالْتَحَى جَبِيْنِي ... فَبِتُّ عَنْهُ وَبَانَ عَنِّي
وَاسْوَدَّ ذَاكَ البيَاضُ مِنْهُ ... وَابْيَضَّ ذَاكَ السَّوَادُ مِنِّي
وَقَرِيْبٌ مِنْ هَذَا فِي ذِكْرِ البَيَاضِ وَالسَّوَادِ قَوْلُ بَعْضِهمْ وَهُوَ القَاضِي الأَرْجَانِي:
قَبْلَ الشَّبَابِ شَبِيْبَةٌ مَحْمُوْدَةٌ ... وَالالْتِحَاءِ هُوَ المَشِيْبُ الأَوَّلُ
يَأْتِي السَّوَادُ عَلَى البَيَاضِ وَبَعْدَهُ ... يَأْتِي البيَاضُ عَلَى السَّوَادِ فَيَرْحَلُ
وَمِنْ ذِكْرِ الشَّبَابِ وَالمَشِيْبِ قَوْلُ الآخر (2):
وَكَانَ الشَّبَابُ الغَضُّ لِي فِيْهِ لذَّةٌ ... فَوَقَّرَنِي عَنْهُ المَشِيْبُ وَأَنْحَبَا
فَسُقْيًا وَرُعْيًا لِلشَّبَابِ الَّذِي مَضَى ... وَأَهْلًا وَسَهْلًا بِالمَشِيْبِ وَمَرْحَبَا
وَمِنْ ذِكْرِ السَّوَادِ وَالبيَاضِ قَوْلُ ابن زَيْدُوْنَ المَغْرِبِيّ فِي الطِّبَاقِ (3): =
_______
(1) ديوانه 6/ 2483.
(2) أمالي المرتضى 1/ 62.
(3) ديوانه ص 166.
(1/175)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= حَالَتْ لِبُعْدكُمُ أَيَّامُنَا فَغَدَتْ ... سُوْدًا وَكَانَتْ بِكُمْ بيْضًا لَيَالِيْنَا
بُنْتُمْ وَبِنَّا فَمَا ابْتَلَّتْ جَوَانِحُنَا ... شَوْقًا إِلَيْكُمْ وَلَا جَفَّتْ مَآقِيْنَا
إِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي مَا زَالَ يُضْحِكُنَا ... أنْسًا بِقُرْبِكُمُ قَدْ عَادَ يُبْكِيْنَا
* * *

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ:
أَزُوْرُهُمُ وَسَوَادُ اللَّيْلِ يَشْفَعُ لِي ... وَأَنْثَنِي وَبيَاضُ الصُّبْحِ يُرِي بِي
أَخَذَهُ مِنْ مِصْرَاعٍ لابْنِ المُعْتَزِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَالشَّمْسُ نَمَّامَةٌ وَاللَّيْلُ قَوَّادُ.
وَكَأَنَّ أَبُو الطَّيِّبِ كَثِيْرَ الأَخْذِ مِنْ شِعْرِ ابنِ المُعْتَزِّ مَعْ تَرْكِهِ الإِقْرَارَ بِالأَخْذِ مِنْ أَشْعَارِ المُحْدِثِيْنَ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا جَمَعِ أَبُو الطَّيِّبِ فِي هَذَا البَيْتِ أَرْبَعَ مُطَابَقَاتٍ وَمَا أَرَاهُ سُبِقَ إِلَى مِثْلِهَا وَمَا زَالَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُوْن مِنْ جَمْعِ البُحْتُرِيّ ثَلَاثُ مُطَابَقَاتٍ فِي قَوْلِهِ (1):
وَأُمَّةٍ كَانَ قُبْحُ الجُوْرِ يَسخِطهَا ... دَهْرًا فَأَصْبَحَ حُسْن العَدْلِ يُرْضيْهَا
* * *

وَلِبَعْضِ المُحْدِثِيْنَ بَيْتٌ يَجْمَعُ خَمْسَ مُطَابَقَاتٍ وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ إِلَّا بِالبَيْتَيْنِ قَبْلَهُ وَهُوَ (2):
عَذِيْرِي مِنَ الأَيَّامِ مَدَّتْ صرُوْفهَا ... إِلَى وَجْهِ مَنْ أَهْوَى يَدَ النَّسْخِ وَالمَحْوِ
وَأَيَّدَتْ بِوَجْهِي طَالِعَاتٍ أَرَى بِهَا ... سِهَامَ أَبي يَحْيَى مُسَدَّدَةً نَحْوِي
فَذَاكَ سَوَادُ الخَطِّ يَنْهَى عَنِ الهَوَى ... وَهَذَا بيَاضُ الوَخْطِ يَأْمرُ بِالصَّحْوِ
وَمَا أَلْطَفُ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ فِي الطِّبَاقِ وذِكْرُ السَّوَادِ وَالبيَاضِ (3):
_______
(1) ديوان البحتري 4/ 2421.
(2) المنزع البديع ص 380، شرح مقامات الحريري 2/ 245.
(3) ديوانه 4/ 155.
(1/176)

وَوُقُوْعُ التَّضْمِيْنِ (1):
__________
= تَسَوِّدُ الشَّمْسُ مِنَّا بِيْضَ أَوْجُهِنَا ... وَلا تُسَوِّدُ بِيْضَ العُذْرِ وَاللمَمِ
وَكَأَنَّ حَالِمُهَا فِي الحكمِ وَاحِدَةً ... لَوْ احْتَكَمْنَا مِنَ الدُّنْيَا إِلَى حَكَمِ
(1) وَمِنَ التَّضْمِيْنِ دوْلُ عِيْسَى القَاشِي يُخَاطِبُ الحَسَن بنُ مُخْلِدٍ الكَاتِبَ وَيُعَاتِبُهُ:
أَقِيْكَ بِنَفْسِي سُوْءَ عَاقِبَةِ الدَّهْرِ ... أَلَسْتَ تَرَى صَرْفَ الزَّمَانِ وَمَا يَجْرِي
يُصَابُ الفَتَى بِالأَمْرِ يَأَمَنُ نَحْسَهُ ... وَتُسْعِدُهُ الأَيَّامُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي
وَقَدْ كُنْتُ أَشْكُو مِنْ تَحَامُلِ صاعِدٍ ... وَأَشْكُو أُمُوْرًا مِنْهُ ضاقَ بِهَا صَدْرِي
فَلَمَّا انْقَضَتْ أَيَّامُهُ وَتَبَدَّلَتْ ... بِأَيَّامِ مَيْمُوْنِ التَّقِيَّةِ وَالذِّكْرِ
سَرَى أَسْهُمٌ مِنْهُ إلَيَّ أَمِنْتُهَا ... وَلَوْ خِفْتُهَا دَاوَيْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَسْرِي
خَبَّأْتُ لِدَهْرِي إِنْ أَرَى بِهِ ابْنُ مَخْلدٍ ... فَأَلْفَيْتُهُ عَوْنًا عَلَيَّ مَعَ الدَّهْرِ
فَذَكَّرَنِي بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ سَائِرًا ... وَقَدْ تُضْرَبُ الأَمْثَالُ فِي مُحْكَمِ الشِّعْرِ
(عَتَبْتُ عَلَى عَمْرٍو فَلَمَّا فَقَدْتهُ ... وَجَرَّبْتُ أَقْوَامًا بَكِيْتُ عَلَى عَمْرُوِ)
هَذَا البَيْتُ الأَخِيْرُ تَضْمِيْنٌ وَهُوَ لِنَهَارِ بن تَوْسِعَةَ.
* * *

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ العَتْبِيِّ فِي كُتْمَانِ السِّرِّ (1):
ولي صاحِبٌ سِرِّي المُكَتَّمُ عِنْدَهُ ... مَخَارِيْق نِيرَانٍ بِلَيْلٍ تَخَرَّقُ
عَطَفْتُ عَلَى أَسْرَارِهِ فَكسَوْتُهَا ... بَابًا مِنَ الكِتْمَانِ مَا تَتحَرَّقُ
فَمَنْ يَكُنِ الأَسْرَارُ تَطْفُو بِصدْرِهِ ... فَأَسْرَارُ صَدْرِي بِالأَحَادِيْثِ تَغْرَقُ
فَلَا تُؤَدِّ عَنِ الدَّهْرِ سِرَّكَ أَحْمَقًا ... فَإِنَّكَ إِنْ أَوْدَعْتَهُ مِنْهُ أَحْمَقُ
وَحَسْبُكَ فِي سِتْرِ الأَحَادِيْثِ وَاعِظًا ... مِنَ القَوْلِ مَا قَالَ الأَرِيْبُ المُوَفَّقُ
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ سِرِّ نَفْسِهِ ... فَصدْرُ الَّذِي يَسْتَوْدِعُ السِّرَّ أَضْيَقُ
* * *
_______
(1) المحاسن والمساوي للبيهقي ص 378.
(1/177)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= هَذَا البَيْتُ الأَخِيْرُ تَضْمِيْنٌ.
قَالَ عَمْرُو بن العَاصِ: إِذَا أَفَشَيْتُ سِرِّي إِلَى صدِيِقِي فَأَذَاعَهُ فَهُوَ فِي حِلٍّ. فَقِيْلَ لَهُ: كِيْفَ؟ قَالَ: أنَا كُنتُ أَحَقُّ بِصِيَانَتِهِ مِنْهُ.
وَنَعُوْدُ إِلَى البَابِ فَمِنَ التَّضمِيْنِ قَوْلُ جَحْظَةَ (1):
قَوْمٌ أُحَاوِلُ نَيْلَهُمْ فَكَأَنَّنِي ... حَاوَلْتُ نَتْفَ الشَّعْرِ مِنْ آنَافِهِم
قُمْ فَاسْقِنِيْهَا بِالكَبِيْرِ وَغَنِّنِي ... (ذَهَبَ الَّذِيْنَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِم)
* * *

وَمِنْهُ قَوْلُ الخبز أرْزيّ فِي طَبِيْبٍ اسْمُهُ نُعْمَانَ (2):
أَقُوْلُ لِنُعْمَانٍ وَقَدْ سَاقَ طُبُّهُ ... نُفُوْسًا نَفِيْسَاتٍ إِلَى سَاكِنِي الأَرْضِ
(أبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا ... حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ) (3)
* * *

هَذَا البَيْت لإِيَاسِ بنِ القَائِفِ وَفِيْهِ مَثَلَانِ سَائِرَانِ صدْرُهُ وَعَجْزُهُ وَمِثْلُ هَذَا كَثيْرٌ قَدْ ضَمَّنَهُ الشُّعَرَاءُ أَشْعَارَهُمْ.
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ أَبي نُوَّاسٍ (4):
أَحْبَبْتُ مِنْ شِعْرِ بَشَّارٍ لِحِبّكُمُ ... بَيْتًا لَهَجْتُ بِهِ مِنْ شِعْرِ بَشَّارِ
(يا رَحْمَةَ اللَّهِ حَلَّي فِي مَنَازِلِنَا ... وَجَاوِرِيْنَا فَدَتْكِ النَّفْسُ مِنْ جَارِ) (5) =
_______
(1) ديوانه ص 310.
(2) ديوانه ص 398 تحقيق: د. مصطفى عناية.
(3) البيت لطرفة في ديوانه ص 66.
(4) ديوانه ص 323.
(5) ديوان بشار 3/ 146.
(1/178)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الحَسَنِ اللَّحَّامِ الحَرَّانِيّ (1):
يا سَائِلِي عن جعفرٍ عِلْمِي بِهِ ... رَطبَ العَجَانِ وَكَفّهُ كَالجلْمَدِ
كَالأقْحُوَانِ غَدَاةَ غبّ سَمَائِهِ ... وَجَفَّتْ أَعَالِيْهِ وَأَسْفَلهُ نَدِي
هَذَا البَيْتُ تَضْمِيْنٌ وَهُوَ لِلنَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الآخَر:
وَأَصْبَحْتَ لَا أَدْرِي مِنَ الشِّعْرِ مَا الَّذِي ... أَقُوْلُ وَبَابُ الشِّعْرِ لِلنَّاسِ وَاسِعُ
سِوَى قَوْلُ غَيْلَانَ بن عقبَةَ مُعْلِنًا ... هَلِ الأَزْمُنِ اللَّاتِي مَضَيْنَ رَوَاجِعُ
وَقَوْلُ أَبِي فِرَاسِ بن حَمْدَانَ (2):
أَيُّهَا المُلْزِمِي جَرَائِرَ قَوْمِي ... بَعْدَ مَا قَدْ مَضتْ عَلَيْهِا اللَّيَالِي
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّهُ ... وَأَنِّي بِحَرِّهَا اليَوْمَ صالِ
هَذَا البَيْتُ لِلْحَارَثِ بنِ عُبَّادٍ وَكَانَ مِنْ حُكَّامِ رَبِيْعَةَ وَفُرْسَانِهَا وَكَانَ قَدْ اعْتَزَلَ حَرْبَ ابْنَي وَائِلٍ وَتَنَحَّى بِأَهْلِهِ وَوَلدِهِ وَحَلَّ وَتَرَ قَوْسِهِ وَنَزَعَ سِنَانَ رُمْحِهِ وَقَالَ لَا نَاقَةٌ لِي فِي هَذَا وَلَا جَمَلٌ.
فَذَهَبَتْ مَثَلًا وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ حُرُوْبِهِمْ خَرَجَ بُجَيْرُ بن عَمْرُو بن عبَّادٍ فِي إِثْرِ إِبْلٍ لَهُ نَدَّتْ يَطْلِبُهَا فَعَرَضَ لَهُ مُهَلْهَلُ بنُ رَبِيْعَةَ بنُ مُرَّةَ فِي مُقْنَبٍ مِنْ مَقَانِبَ بَنِي ثَعْلَبَ يَطْلِبُوْنَ غِرَّةَ بَكْرِ بنِ وَائِلِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَعْجَبَهُ الغُلَامُ وَمَا رَأَى مِنْ جَمَالِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ:
مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟
قَالَ: أَنَا بُجَيْرُ بن عَمْرو بن عُبَّادٍ.
قَالَ: فَمَنْ خَالُكَ؟
قَالَ: أُمِّي أُخِيذَةٌ. =
_______
(1) يتيمة الدهر 4/ 119.
(2) ديوانه ص 229.
(1/179)

التَّضْمِيْنُ (1) مَصْدَرٌ سُمِيِّ بِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أحَدُهُمَا: أَنْ يَنْظِمَ الشَّاعِرُ بَيْتًا، وَيَأتِي بِبَيْتٍ آخَرَ لِغَيْرِهِ يِلْتَحِمُ مَعَهُ، وَيَقْتَضِي
__________
= فَبَوَّأَ لَهُ الرُّمْحَ لِيَطْعَنَهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ امْرُؤُ القَيْسِ بن أَبَانَ وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ تَغْلِبَ وَكَانَ عَلَى مُقَدّمَتِهِمْ زَمَانًا طَوِيْلًا لَا تَفْعَلَ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتَهُ لَيَقْتُلَنَّ بِهِ مِنْكُمْ كَبْشٌ لَا يُسْأَلُ عَنْ خَالِهِ مَنْ هُوَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَحْتَقِرَ البَغْيَ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُمَا وَبِيْئَة وَقَدْ اعتزله عَمُّهُ وَأَبُوْهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ فَحَلّ عَنْهُ وَأَطِعْنِي فَأَبَى عَلَى امْرِئِ القَيْسِ المُهَلْهَلُ إِلَّا قَتْلَهُ فَطَعَنَهُ بِرِمْحِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ وَقَالَ: بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ.
فَبَلَغَ كَلَامُهُ عَمَّ الغلَامِ الحَارثَ بن عُبَّادٍ وكانَ مِنْ أَحْلَمِ أَهْلِ زمانه، وَأَشَدِّهمْ بَأْسًا وَكَانَ أَحَد حُكَّامِ وَائِلٍ وَامْرُؤُ القَيْسِ بن أَبَانَ الآخَرُ.
فَقَالَ الحَارَثُ: نِعْمُ القَتِيْلُ قتيل أَصلَحَ بَيْنَ ابْنَي وَائِلٍ فَكَفَّ سُفَهَائَهُمْ وَحَقَنَ دِمَاءَهُمْ، فَقِيْلَ لَهُ: أنَّ المُهَلْهِلَ إِنَّمَا قَتَلَهُ بِشَسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ، فَلَمْ يَقْبَل ذَلِكَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى امْرِىِ القَيْسِ:
أنْ كُنْتُمْ قَدْ قَتَلْتُمْ بُجَيْرًا بِكُلَيْبٍ وَانْقَطَعَتِ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أخْوَانِكُمْ فَإِنِّي رَاضٍ بِذَلِكَ لِيَهْدَأَ هَذَا الأَمْرُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ المُهَلْهِلُ:
إِنَّمَا قَتَلْتُهُ بِشَسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ.
فَقَالَ الحَارثُ بنُ عُبَّادٍ لأَمَةٍ لَهُ: رُدِّي أَجْمَالِكِ ألْحَقَكِ الشِّتمُّ بِأَهْلِكِ فَمِنْ أُنّاسٍ مَا أَنْتِ فَذَهَبَتْ مَثَلًا وَدَعَا بِفَرَسِهِ النَّعَامَةِ فَجَزَّ نَاصِيَتِهَا وَهَلَبَ ذَنْبَهَا وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ فَعَل ذَلِكَ بالخيل، عَلَى مَا أَزْعَمُوا فَقَالَ بَعْضُ العَرَبِ رُدَّهَا جَذْعَةً.
وَقَالَ الحَارثُ:
لَا بُجَيْرٌ أَغْنَى ولا رَه ... طُ كُلَيْبٍ وَأَبْحَرُوا عَنْ بِلَالِ
قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي ... لقحتْ حَرْبُ وَائِلٍ عَنْ حَيَالِ
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّهُ ... وَأَنِّي بِحَرِّهَا اليَوْمَ بِصالِ
قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي ... إِنْ قْتَلَ الغلامِ بالشُسعِ غَالِ
(1) أنظر: البدج لابن أفلح العبسي ص 78 وما بعدها.
(1/180)

المَعْنَى أَنْ يَكُوْنَ تَالِيًا لَهُ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ، فَيُسَمَّى الثَّانِي مُضَمِّنًا لِلأَوَّلِ.
وَالآخَرُ: أَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ بَيْتِهِ مَعْنًى، يَقْتَضي أَنْ يَكُوْنَ عَجْزُهُ نِصْفَ بَيْتٍ لِشَاعِرٍ آخَرَ، فَيُضَمِّنُهُ إيَّاهُ.
وَإِذَا وَقَعَ التَّضْمِيْنُ حَادًا فِي مَوْقِعِهِ كَانَ أحْسَنَ عِنْدِي مِنْ كَوْنِهِمَا لِشَاعِرٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِ أبِي سَعِدٍ بن خَلَفٍ (1): [من الطويل]
وَقَائِلَةٍ لَوْ كَانَ وُدُّكَ صَادِقًا ... لِبَغْدَادَ لَمْ تَرْحَل فَكَانَ جَوَابِيَا:
(يُقِيْمُ الرِّجَالُ الأَغْنِيَاءُ بِأرْضِهِمْ ... وَتَرْمِي النَّوَى بِالمُقْتِرِيْنَ المَرَامِيَا) (2)
فَالبَيْتِ الثَّانِي تَضْمِيْنٌ وَقَامَ بِالمَعْنَى.
وَالنَّوْعُ الآخَرُ نَحْوَ (3): [من الطويل]
خُلِقْتُ عَلَى بَابِ الأمِيْرِ كَأنَّنِي ... قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ
إِذَا جِئْتُ أشْكُو طُوْلَ ضرٍّ وَفَاقَةٍ ... يَقُولُوْنَ: لَا تَهْلِك أَسًى وَتَجَمَّلِ
لَقَدْ طَالَ تَرْدَادِي وَقَصْدِي إلَيْهُمُ ... فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
وَكَقَوْلِ القَاضِي أبِي بَكْرٍ الأَرَّجَانِيِّ (4): [من الوافر]
ألَا يا صَاحِ أسْعِدْنِي فَإنِّي ... (نَزَعْتُ عَنِ الصِّبَا إلَّا بَقَايَا)
النِّصْفُ الأَخِيْرُ لأَبِي فِرَاس (5)، وَعَجْزُهُ:
يُخَفِّرُهَا عَنِ الشَّيْبِ الوَقَارُ
وَوَافَقَ مَذْهَبِي أبَدًا فَإنِّي ... (أنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاع الثَّنَايَا)
__________
(1) الوافي بالوفيات 21/ 455 - 456، فوات الوفيات 3/ 75 - 76.
(2) لإياس بن القائف في الحماسة بشرح المرزوقي 3/ 1133، مجموعة المعاني 334.
(3) للصولي في العمدة 2/ 7، والبديع لأسامة ص 250، ولم ترد في ديوانه.
(4) ديوانه 3/ 1557.
(5) ديوانه (ط التونجي) ص 132.
(1/181)

لِسُحَيْمِ بن وَثيْلٍ الرِّيَاحِي وَعَجْزُهُ (1): [من الوافر]
مَتَى أضَعُ العِمَامَةَ تَعْرِفُوْنِي
وَخَالَفَ فِي التَّنسُّكِ رَأيَ قَوْمٍ ... (أتُوْكَ بِأكْبُدِ الإبل الأَبَايَا)
لِلمُتَنَبِّي وَعَجْزُهُ (2):
فَسقْتَهُمُ وَحَدُّ السَّيْفِ حَادي
وَقُمْ نَأخُذْ من الدُّنيا بِحَظٍّ ... (فَإِنَّا سَوْف تُدْرِكُنَا المَنَايَا)
لِعَمْرِو بن كُلْثُومٍ وَعَجْزُهُ (3):
مُقَدَّرَةٌ لنَا وَمُقَدَّرِيْنَا
وَسَاعِدْ زُمْرَةً رَكَضُوا إِلَيْهِ ... فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا
لابن كُلْثُومٍ أَيْضًا وَعَجْزِهُ (4):
وَأُبْنَا بِالمُلُوكِ مُصفَّدِيْنَا
وَكُنْ مَوْلًى أثِيْرَ المُلْكِ نَجْعَلْ ... لَكَ المِرْبَاعَ مِنْهَا وَالصَّفَايَا
لابنِ عَنَمَةَ الضَّبيِّ. وَعَجُزِهُ (5):
وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيْطَةُ وَالفُضُوْلُ
وَهَذِهِ طِرِيْقٌ مَهْيَعٌ قَدْ سَلَكهَا الشُّعَرَاءُ كثيْرًا وَتَدَاوَلَهَا البُلَغَاءُ.
__________
(1) الأصمعيات ص 17.
(2) ديوانه 1/ 362.
(3) ديوانه ص 66.
(4) ديوانه ص 83.
(5) لعبد اللَّه بن عنمة الضبي في حماسة أبي تمام 1/ 503.
(1/182)

وَنُصُوْعُ التَّرْصِيْعِ (1):
__________
(1) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ العَيْنِ زُرْبِيّ (1):
وَلَمَّا تَنَادَوا لِلفِرَاقِ وَأَزْمَعَ ... الفَرِيْقُ وَأَشْجَتْنِي طُوَارٍ طَوَارِقُ
أَغِرْبَانَ وَشْكِ البَيْنِ يَنْعَبْنَ غَدْوَةً ... أَأَنْتُمْ نَوَاعِي أَنْفُسٍ أَمْ نَوَاعِقُ
وَقَدْ صَارَ هَذَا الحُبُّ فِي النَّاسِ آيَةً ... فَلَا عَجَبٌ إِلَّا إِذَا عَاشَ عَاشِقُ
وَقَوْلُ أبِي تَمَّامٍ (2):
إِنْ أُوْقِدَتْ نَارُ حَرْبٍ يَوْمَ مَعْرَكَةٍ ... صلِيْتهَا بِالمَطَاعِيْمِ المَطَاعِيْنِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ بنُ الخَازِنِ فِي الصَّاحِبِ ابن عَبَّادٍ:
عَزْمٌ يُصبِّحُ كُلَّ غَادٍ بِرَدَىً ... وَيُخْمِدُ كُلَّ صَالٍ صَالِبِ
وَيَفُلُّ كُلَّ أَحَمَّ وَافٍ وَافِرٍ ... وَيَهُدُّ كُلَّ أَشَمَّ رَأْسٍ رَاسِبِ
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ الخَطِيْبِ مُعِيْنِ الدِّيْنِ يَحْيَى بن سَلَامَةَ الحَصْكَفِيّ (3):
أَطِعِ الحِجَى فَالعَقْلُ حَانٍ حَازِمُ ... وَالجَهْلُ يُغْزِي فَهُوَ هَازٍ هَازِمُ
وَاعْمَلْ فَحَرْفُ الشَّرْطِ فِعْلَكَ وَالرَّدَى ... عَنْهُ جَوَابٌ فَهُوَ جَازٍ جَازِمِ
وَإِذَا عَلَوْتَ فَرَاضِ بِالعِلْمِ العُلَى ... تَكْمُلْ فَخَيْرُ النَّاسِ عَالٍ عَالِمِ
وَابْسِطِ يَدَيْكَ فَإِنَّ قَابِضَ كَفِّهِ ... فِي بسْطَةِ الإِثْرَاءِ عَادٍ عَادِمِ
وَاكْتُمْ نَوَالَكَ فَالكَرِيْمُ نَوَالَهُ ... غَيْثٌ وَجِنْحُ اللَّيْلِ سَاجٍ سَاجِمِ
وَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى امْرِىٍ وَشَكَمْتَهُ ... كره النّدَى لَا كَانَ شَاكٍ شَاكِمِ
وَاسْلُ الدَّنَايَا تَسْلَم العُقْبَى غَدًا ... فِي مَنْزِلَيْكَ فَكُلّ سَالٍ سَالِمِ
يا سَاخِطَ الأَقْسَامِ يَأْمُلُ رِقَّةً ... يَرْضَى بِلَهْوِ الدَّهْرِ قَاسٍ قَاسِمِ =
_______
(1) البديع لأسامة بن منقذ ص 27.
(2) لم ترد في ديوانه.
(3) ديوانه.
(1/183)

التَّرْصِيْعُ (1) عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الكَلِمَتَانِ اللَّتَانِ فِي آخِرِ البَيْتِ مُتَّفِقَتَي الحُرُوْفِ مَا عَدَا حَرْفَ الرَّوِي وَحْدَهُ. وربما اتَّفَقَ أَنْ تَقَعَ حُرُوْفُ الرَّوِي زِيَادَةً فِي الكَلِمَةِ الثَّانِيَةِ. وَالآخَرُ أَنْ يَقَعَ الاتِّفَاقَ بَيْنَ حُرُوْفِ كَلِمَتَيْنِ فِي البَيْتِ غَيْرَ مُتَوَالِيَاتٍ. يَقَعُ اتِّفَاقُ الكَلِمَةِ فِي صَدْرِ البَيْتِ، وَالأُخْرَى فِي عَجُزِهِ، أَوْ تَقَعَ كَلِمَةٌ فِي وَسَطِ البَيْتِ، وَأُخْرَى فِي القَافِيَةِ، وَيَخْتَلِفُ بَيْنَ حُرُوْفِ الكَلِمَتَيْنِ حَرْفٌ وَاحِدٌ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ فِي صنَاعَةِ الشِّعِرِ التَّرْصِيْعِ، كَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ (2): [من الطويل]
يَمُدُّوْنَ مِنْ أيْدٍ عَوَاصٍ عَوَاصِمٍ ... تَصُوْلُ بِأسْيَافٍ قَوَاضٍ قَوَاضِبِ
__________
= إِقْنَعْ بِجِيْدٍ عَاطِلٍ وَانْظُمْ لَهُ ... عِقْدَ الصَّلَاحِ فَكُلّ حَالٍ حَالِمِ
كم مِنْ فَتًى جَعَلَ القَنَاعَةَ جُنَّةً ... دُوْنَ المَطَامِعِ فَهُوَ غَانٍ غَانِمِ
وَارْفَعْ مَنَارَ المُهْتَدِي بِكَ لَا كَمَنْ ... يُوْلي وِيُوْلَى فَهُوَ هَادٍ هَادِمٍ
وَالهجْوُ لَا تَهْجِمْ عَلَى عرضٍ بِهِ ... سَفهًا فَشَرّ النَّاسِ هَاجٍ هَاجِمِ
تَرْجُو وَتَرْجِمُ غَيْر غَافِرِ زِلَّةً ... بِئْسَ الفَتَى يَا صَاحِ رَاجٍ رَاجِمِ
حَسبُ الظَّلُوْمِ عَلَى ذَمِيْمٍ مَآلِهِ ... بِاللّومِ فَهُوَ بِكُلِّ نَادٍ نَادِمِ
وَإِذَا المَفِيْضُ دَعَى القِدَاحَ فَإِنَّمَا ... سَهْمُ المُسَالِمِ وَهُوَ نَاجٍ نَاجِمِ
وَإِذَا وَقَيْتَ أَخَاكَ لَمْ تَرَ سُبَّةً ... وَقُم العِدَا وَالسَّهْمِ وَاقٍ واقِمِ
كُنْ كَالحُسَام عَلَى الرَّفِيْقِ وَجَدُّهُ ... لِلضِّدِّ كَلِمٌ فَهُوَ كَالٍ كَالِمِ
نُحْظَى الحُظُوْظَ ذَوِي النُّهَى وَيَنَالُهَا ... فَدمٌ مِنَ الخَيْرَاتِ عَارٍ عَارِمِ
وَالدَّهْرُ يَحْكِي ثُمَّ يَحْكمُ بَعْدَمَا ... يَلْقَى المَعَالِي فَهُوَ حَاكٍ حَاكِمِ
وَنَهَى إِلَيْكَ العَيْشُ نَفْسَكَ خَادِعًا ... لَكَ بِالنُّعُوْمَةِ فَهُوَ نَاعٍ نَاعِمِ
فَالعَقْلُ عِنْدَ الخَوْفِ مُعْفٍ مُغْفِلٌ ... وَالجَلْدُ عِنْدَ الأَمْنِ حَازٍ حَازِمِ
هَذِهِ الأَبْيَاتُ كُلّهَا مَقْصُوْدٌ بِهَا التَّرْصِيْعُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ.
(1) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 104 وما بعدها.
(2) ديوانه 1/ 206.
(1/184)

وكقول أبي عَبْد اللَّهِ بن عَمَّارٍ العَلَوِيِّ (1): [من الكامل]
فِي جَحْفَلٍ مُتَعَاضِدٍ مَتَعَاقِدٍ ... فِي قَسْطَلٍ مُتَرَاكِبٍ مُتَرَاكِمِ
وَرَأى العُلا بِلِحَاظِ عَاشٍ عَاشِقٍ ... وَرَمَى العِدَى بِشُوَاظِ غَاشٍ غَاشِمِ

وَاتِّزَانُ التَّسْمِيْطِ (2):
التَّسْمِيْطُ هُوَ أَنْ يَقْطَعَ الشَّاعِرُ جَمِيْعَ البَيْتِ أَوْ نِصفَهُ مَوْزُوْنًا مُقَفًّى عَلَى رَوِيٍّ وَاحِدٍ، حَتَّى يَنْتَهِي فِي آخِرِهِ، إِلَى رَوِيِّ القَصِيْدَةِ، أيَّ وَزْنٍ كَانَ، فَيَجْعَلَ التَّسْمِيْطَ الأَخِيْرَ مِنَ البَيْتِ عَلَى ذَلِكَ الرَّوِيِّ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (3): [من الطويل]
سَلِيْمُ الشَّظَى (4) عبلُ الشَّوَى شَنِجُ النَّسَا ... لَهُ حَجَبَاتٌ مُشْرِفَاتٌ عَلَى الفَالِ
__________
(1) خريدة القصر - قسم العراق 4/ 1/ 236.
(2) انظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 106 وما بعدها.
(3) ديوانه ص 36.
(4) الشَّظَا عُظَيْمٌ لَاصِقٌ بِالذِّرَاعِ فَإِذَا زَالَ شَظِيَتِ الدَّابَّةُ وَالشَّظَا انْشِقَاقُ العَصَبِ يقال شَظَى يَشْظِي شَظًّا وَقَدْ شَظَى القَوْمُ إِذَا تَفَرَّقُوا.
وَالشَّوَى أَخْطَاءُ المَقْتَلِ يقال رَمَاهُ فَأَشْوَاهُ إِذَا أَخْطَأَ مَقْتَلَهُ وَالشَّوَى أَيْضًا اليَدَانِ وَالرِّجْلَانِ يقال فَرَسٌ غَلِيْظَ الشَّوَى أي غَلِيْظُ القَوَائِمِ وَيَّاهُ أَرَادَ امْرُؤُ القَيْسِ بِقَوْلِهِ هَذَا وَالشَّوَى جَمْعُ شَوَاةٍ وَهِيَ جلْدَةُ الرَّأْسِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} [المعارج: 16] وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ (1):
إِذَا هِيَ قَامَتْ تَقْشَعِرُّ شَوَاتُهَا ... وَيُشْرِقُ بَيْنَ اللَّيْتِ مِنْهَا لِيَ الصُّقْمَلِ
وَالشَّوَى رُذَالُ المَالِ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَكَلْنَا الشَّوَى حَتَّى إِذَا لَمْ نَدَعْ شوَىً ... أَشِرْنَا إِلَى خَيْرَاتِهَا بِالأَصَابِعِ
وَيُقَالُ شَوًى ما سَلِمَ لَهُ دِيْنُهُ أي هَتنٌ لَيْسَ بِالشَّدِيْدِ قَالَ الشَّاعِرُ: =
_______
(1) أشعار الهذليين 1/ 90.
(1/185)

وَكَقَوْلِ أبِي تَمَّامٍ (1):
جِبَالٌ فَوَارِعٌ غُيُوْثٌ هَوَاسِعٌ ... نُجُوْمٌ طَوَالِعٌ سُيُوْلٌ دَوَافِعُ
وَكَقَوْلِ بَعْضِ المُحْدَثِيْنَ: [من الطويل]
بَعِيْدُ الخنَا وَارِي السَّنَى يَانِعُ الجَنَى ... طَوِيْلُ القَنَا أضحَى عَلَى المُلْكِ قَيِّمَا
وَثْيِقُ العُرَى سَامِي الذُّرَى دَائِمًا تَرَى ... ذَخَائِرُهُ العُظْمَى حُسَامًا وَلَهْذَمَا
فَسِيْحُ المَدَى جَمُّ النَّدَى بَاسِطٌ يَدَا ... قَلِيْلُ العِدَى إِنْ صالَ حَسَّ وَأيْتَمَا
شَدِيْدُ القِرَاعِ وَاسِعُ البَاعِ صادِقُ ال ... مِصَاعِ إِذَا مَا هَمَّ أمْضَى وَتَمَّمَا (2)
__________
= وَكُنْتَ إِذَا الأَيَّامُ أَحْدَثْنَ هَالِكًا ... قَوْلُ شَوًى مَا لَمْ يُصبْنَ صمِيْمِي
وَالنَّسَى العرْقُ وَيُثَنَّى بِاليَاءِ فَيُقَالُ نَسَيَانِ وَكِتَابَتُهُ بِاليَاءِ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ لَا تَقُوْلُ العَرَبُ عِرْقُ النسَى وَإِنَّمَا هُوَ النسَى كَمَا لَا يَقُوْلُوْنَ عِرْقَ الأَكْحَل وَلَا عِرْقَ كَذَا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ امْرِئ القَيْسِ (1):
فَأَنْشبَ أَظْفَارَهُ فِي النسَى ... فَقُلْتُ هُبِلْتَ أَلَّا تَنْتَصِر
(1) ديوانه (صادر) ص 111.
(2) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ:
مَا عَنْ هَوَى الرَّشَاءِ العُذْرِيِّ أَعْذَارُ ... لَمْ يَبْقَ لِي مُذْ أَقَرَّ الدَّمْعُ إِنْكَارُ
لِي فِي القُدُوْدِ وَفِي لَثْمِ الخُدُوْدِ وَفِي ... ضَمِّ النُّهُوْدِ لِبَانَاتٌ وَأَوْطَارُ
هَذَا اخْتِيَارِي فَوَافِقْ إِنْ رَضِيْتَ بِهِ ... أَوْ لَا فَدَعْنِي وَمَا أَهْوَى وَأَخْتَارُ
* * *

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ:
عَظِيْمُ القَنَا قَانِي القَنَا مُشْرِقُ ... السَّنَا جَمِيْلُ الثَّنَا وَاسِعُ الصَّدْرِ
بَعِيْدُ المَدَى دَانِي الجَدَى خِضلُ النَّدَى ... ذَلِيْلُ العِدِى بَادِي الهُدَى مَاجِدُ النَّجْرِ =
_______
(1) ديوانه ص 161.
(1/186)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَوْلُ زُرْعَةَ بن نَبْهَانَ العَقِيْلِيّ:
مَآثِرُهُ غُرٌّ وَأَيَّامُهُ زُهْرٌ ... وَطَلْعَتُهُ بَدْرٌ وَرَاحَتُهُ بَحْرُ
وَقَوْلُ ابن طَبَاطَبَا:
كَالبَدْرِ إِذْ يَجرِي وَكَاللَّيْلِ إِذْ ... يَسْري وَكَالصَّارِمِ إِذْ يَفْرِي
وَقَوْلُ أَبِي طَالِبٍ المَأْمُوْنِيّ:
جِبَالُ الحِجَى أُسُدُ الوَغَا غَصَصُ العِدَى ... شُمُوْسُ العُلَى سُحُبُ النَّدَى أَنْجُمُ الحَفَلِ
وَقَوْلُ المُتَنَبِّيّ (1):
طَوِيْلُ النِّجَادِ رَفِيْعُ العَمَادِ ... طَوْيِلُ القَنَاةِ طَوِيْلُ اللِّسَانِ
حَدِيْدُ اللِّحَاظِ حَدِيْدُ الحِفَاظِ ... حَدِيْدُ الحُسَامِ حَدِيْدُ السِّنَانِ
وَقَوْلُ الخَوَارِزْمِيّ (2):
سَرِيْعُ اللِّسَانِ سَرِيْعُ السَّنَانِ ... سَرِيْعُ البَنَانِ سَرِيْعُ القَلَم
وَقَوْلُ مُسْلِمُ بن الوَليْدِ فِي جَعْفَرِ بنِ يَحْيَى بن خَالِدِ فِي كَلِمَةٍ طَوِيْلَةٍ (3):
كَأَنَّهُ قَمَرٌ وَضيْغَمٌ هِصْرُ ... وَحَيَّةُ ذَكَرٌ وَعَارِضٌ عَطِرِ
* * *

وَمِنَ التَّسْمِيْطِ قَوْلُ زُهَيْرُ بنُ أَبِي سُلْمَى فِي هَرمِ بنُ سِنَانٍ (4):
مُنِيْلُ المُنَى ضَخْمُ القِرَى أَسَدُ الشَّرَى ... كَرِيم الجَنَى عَالِي الذّرَى مُنْتَهَى الرّكبِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي عَلِيّ مُحَمَّد بن شِبْلٍ:
_______
(1) ديوانه 4/ 190.
(2) يتيمة الدهر 4/ 259.
(3) لم ترد في ديوانه.
(4) لم ترد في ديوانه.
(1/187)

وَصِحَّةُ التَّقسِيْمِ (1):
__________
= يا لِلكِفَاحِ وَلِلشَّرِّ الصُّرَاحِ وَلِل ... صُمِّ الرِّمَاحِ وَلِلصَّمْصَامةِ الذَّرِبِ
فِي خَصْبِ أَوْدِيَةٍ أَوْ رَحْبِ أَنْدِيَةٍ ... أَوْ طِيْبِ أَرْدِيَةٍ أَوْ لِيْنِ أَكْنَافِ
وَكَقَوْلِ مَرْوَانَ بن أبي حَفْصَةَ (1):
هُمُ القَوْمُ أنْ قَالُوا أَصابُوا وَإِنْ دعُوا ... أجَابُوا وَإِنْ أَعْطُوا أَطَابُوا وَأَجْزَلُوا
وَكَقَوْلِ السّرِّيّ الرَّفَاء المُوْصَلِّيّ فِي المَدْحِ (2):
كَالغَيْثِ يُجْنَى أنْ هَمَا وَالسَّيْلِ يُرْدِي ... أنْ طَمَا وَالدَّهْرُ يُصْمِي أنْ رَمَى
شَتَّى الخِلَالِ يَرُوْحُ إمَّا سَالِبًا ... نعَمَ العِدَى قسرًا وَإِمَّا مُنْعِمَا
مِثْلَ الشَّهَابِ أَصَابَ فَجًا مُعْشِبًا ... بِحَرِيْقِهِ وَأَضَاءَ فَجًّا مُظْلِمَا
أَوْ كَالغَمَامِ الجودِ أنْ بَعَثَ الحَيَا ... أَحْيَا وَإِنْ بَعَثَ الصَّوَاعِقَ أَضْرَمَا
أَوْ كَالحُسَامِ إِذَا تَبَسَّمَ مَتْنُهُ ... عَبَسَ الرَّدَى فِي حَدِّهِ فَتَجَهَّمَا
كَلِفتُ بِدُرِّ الحَمْدُ يبرِم سِلْكَهُ ... حَتَّى تَرَى عِقْدًا عَلَيْهِ مُنَظّمَا
وَيَلمّ مِنْ شَعْثِ العُلَى بِشَمَائِلٍ ... أَحْلَى مِنَ الحِصْنِ المُمَنَّعِ وَأَظْلَمَا
* * *

وَفِي الأكِلَّةِ من تحت الأَجِلَّةِ أَمْ ... ثَالُ الأَهِلَّةِ بَيْنَ السُّجْفِ وَالكَلَلِ
أدم أوانِسِ كَالأَدم الكَوَانِسِ ... أَوْ ذِي الكَنَائِسِ لكن لَسْنَ بِالعُطُلِ (3)
(1) وَمِنْ بَابِ التَّقْسِيْمِ قَوْلُ العَبَّاسِ بنِ الأَحْنَفِ (4):
وِصالُكُمْ هَجْرٌ وَحُبُّكُمْ قِلًى ... وَعَطْفُكُمُ سُخْطٌ وَسِلْمُكُمُ حَرْبُ
وَأَنْتُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ فِيْكُمْ فَظَاظَةً ... وَكُلّ ذَلُوْلٍ مِنْ مَرَاكِبِكُمْ صَعْبُ
_______
(1) لم ترد في ديوانه (صادر).
(2) ديوانه 2/ 657 - 658.
(3) ديوان البحتري 3/ 1906.
(4) ديوانه ص 36.
(1/188)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَإِنْ شِئْتُمُ صُدُّوا وَإِنْ شِئْتُمُ صِلُوا ... فَلَا قَاطِعٌ بعدٌ وَلَا وَصْل قُرْبُ
إِسَاءَتُكُمْ حُسْنَى وَسُخْطُكُمُ رِضًى ... وَجَوْرُكُمُ عَدْلٌ وَتَعْذِيْبُكُمْ عَذْبُ
وَلأَبِي الوَليْدِ أَحْمَد بن عَبْدِ اللَّهِ بن زَيْدُوْنَ فِي المَدْحِ عَلَى هذا المَذْهَبِ يَقْوْلُ (1):
بَنِي جَمْهُوْرٍ أَنْتُمْ سَمَاءُ رِئَاسَةٍ ... مَنَاقِبُكُمْ فِي أُفقِهَا أنجمٌ زهرُ
طَرِيْقُكُم مثلي وَهَدْيِكُمْ رِضًى ... وَمَذْهَبُكُم قَصْدٌ - عمرُ
عَطَاءٌ وَلَا مَنٌّ وَحُكْمٌ وَلَا هَوًى ... وَحِلْمٌ وَلَا عَجْزٌ وَعِزٌّ وَلَا كِبْرُ
وَمِمَّا يَجْرِي هَذَا المَجْرَى قَوْلُ ابن الفارض (2):
يَقُوْلُوْنَ لِي صِفْهَا فَأَنْتَ بِوَصْفِهَا ... عَلِيْمٌ أجَلْ عِنْدِي بِأَوْصَافِهَا عِلْمُ
صَفَاءٌ وَلَا مَاءٌ وَلُطْفٌ وَلَا هَوًى ... وَنُوْرٌ وَلَا نَارٌ وَرُوْحٌ وَلَا جِسْمُ
وَمِنَ التَّقْسِيْمِ قَوْلُ يُوْسُف فِي طَاهِرِ بن الحُسَيْنِ (3):
لِمُخْتَلِفِي الحَاجَاتِ جَمْعٌ بِبَابِهِ ... فَهَذَا لَهُ فَنٌّ وَهَذَا لَهُ قَنُّ
فَلِلْخَامِلِ العَلْيَا وَلِلْمُعْدَمِ الغنَى ... وَلِلْمُذْنِبِ العُتْي وَلِلْخَائِفِ الأَمْنُ
وَمِنْهُ قَوْلُ بِعض شُعَرَاءِ الأَنْدَلُسِ يَصِفُ حَمَّامًا:
وَحَمَّامٍ يُشَابِهُ حَرَّ قَلْبِي عَشِيَّةَ ... قِيْلَ قَدْ أَزَفَّ الفُرَاقُ
فَجَرَى المَاء فِيْهِ كَمَجْرَى دَمْعِي ... فَسَكْبٌ وانْهِمَالٌ وانْدِفَاقُ
كَأَنَّ هَوَاءَهُ أَنْفَاسُ صَدْرِي ... فَحَرٌّ والتِهَابٌ واحْتِرَاقُ
رَأَيْتُ بِهِ هِلَالَ التَّمِّ يَسْعَى ... وَلَكِنْ لَيْسَ يُدْرِكُهُ المِحَاقُ
عَهِدْتِ البَدْرَ يَسْرِي فَوْقَ قطْبٍ ... فهذا قطْبُهُ قَدَمٌ وَسَاقُ
وَكَقَوْلِ جَعْفَر بن شَمْسِ الخِلَافَةِ مِنْ أَبْيَاتٍ:
_______
(1) ديوانه (صادر) ص 175 - 181.
(2) ديوانه ص 142.
(3) معاهد التنصيص 2/ 310.
(1/189)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= سَالِمْ وَحَارِبْ وَارْضَ وَاسْخَطْ وَلِنْ ... وَاخْشَ وَجُدْ وَامْنَعْ وَصِلْ وَاهْجِرِ
وَكَقَوْلِ ابنِ عْنَيْنِ (1):
إِذَا لَقِيْتَ الأَعَادِي يَوْمَ مَعْرَكَةٍ ... فَإِنَّ جَمْعَهُمُ المَغْرُوْرُ مُنْتَهَبُ
لَكَ النُّفُوْسُ وَلِلطَّيْرِ اللُّحُوْمُ وَلِل ... وَحْشِ العِظَامُ وَلِلخَيَّالَةِ السَلَبُ
وَمِثْلُ قَوْلِ ابن زَيْدُوْنَ: عَطَاءٌ وَلَا مَنٌّ. البَيْتُ، قَوْلُ أَبِي مَنْصُوْرٍ عَبْد المَلِكِ بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْلَ الثَّعَالِبِيّ فِي وَصفِ الرَّبِيع وَزَهْرِهِ:
فَدَمْعٌ بلا عَيْنٍ وَضحْكٌ بلا فَمٍ ... وَحَلْيٍ بلا صَوْغٍ وَنَسْجٌ بلا كَفِّ
* * *

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الأَدَبِ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الشِّعْر: هَذِهِ التَّقْسِيْمَاتُ وَاللَّهُ أَحْسَنُ مِنْ تَقْسِيْمَاتِ إِقْلِيْدِسَ.
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ بَعْضِ الأَعْرَابِ وَهُوَ الحُسَيْنُ بن زِيَادٍ الرَّصافِيُّ (2):
شَكَوْتُ فَقَالَتْ كُلُّ هَذَا تَبَرُّمًا ... بِحُبِّي أَرَاحَ اللَّهُ قَلْبَكَ مِنْ حُبِّي
فَلَمَّا كَتَمْتُ الحُبَّ قَالَتْ لَشَدَّ مَا ... صبَرْتَ وَمَا هَذَا بِفِعْلِ شَجَى القَلْبِ
وَأَدْنُو فَتُقْصِيْنِي فَأَبْعُدُ طَالِبًا ... رضَاهَا فَتَعْتَدُّ التَّبَاعُدَ مِنْ ذَنْبِي
وَشَكْوَايَ وَصَبْرِي يَسُوْءُهَا ... وَتَغْضَبُ مِنْ بُعْدِي وَتَنْفِرُ مِنْ قُرْبِي
فَيَا قَوْم هَلْ مِنْ حِيْلَةٍ تَعْرِفُوْنَهَا ... أَشِيْرُوا بِهَا وَاسْتَوْجِبُوا الأَجْرَ فِي الصَّبِّ
وَرُوِيَ: وَاسْتَوْجِبُوا الشُّكْرَ مِنْ رَبِّي
قَالَ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ لَمَّا سَمِعَ هَذَا: لَوْ حَمَلْتَ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ أَوْ الفضَّةِ البَيْضَاءَ مَا كَانَ مِنْ هَذَا كُلُّهُ شَيْئًا.
_______
(1) ديوانه ص 93.
(2) الزهرة 1/ 95، ديوان المعاني 1/ 265 - 266.
(1/190)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قَوْلُهُ: كُلَّ هَذَا تَبَرُّمًا مَرْدُوْدٌ عَلَى كَلَامِهِ كَأَنَّهَا تَقُوْلُ لَهُ أَتَشْكُوْنَنِي كُلَّ هَذَا تَبَرُّمًا وَلَوْ رَفَعَ كُلًّا كَانَ جَيِّدًا يَكُوْنُ كُلُّ هَذَا ابْتِدَاءٌ وَتَبَرُّمٌ خَبَرُهُ. وَشَجٍ مُخَفَّفُ اليَاءِ وَمِنْ شَدَّدَ فَقَدْ أَخْطَأَ وَالمَثَلُ وَيْلُ الشَّجِيُ مِنَ الخَلِيِّ اليَاء فِي للشَّجِيِّ مُخَفَّفَةٌ وَفِي الخَلِيِّ مَثقَلَةٌ لَا غَيْرَ.
وَقَدْ أنْشَدُوا بَيْتًا بِتَشْدِيْدِ يَاءِ الشَّجِيُ عَلَى ضَعْفِ هَذِهِ اللُّغَةِ وَهُوَ:
نَامَ الخَلِيُّوْنَ عَنْ لَيْلِ الشَّجِيْنَا ... لَيْلُ السُّلَاةِ سِوَى لَيْلِ المُحِبِّيْنَا
وَقَوْلُ الآخَر:
كَثِيْرُ التَّجَنِّي مَا يَمَلُّ مِنَ الصَّدِّ ... سَرِيْعٌ إِلَى هَجْرِي بَطِيْءٌ عَنِ الوُدِّ
يَشُوْبُ الرِّضَا بِالسُّخْطِ وَالوَصْلِ ... بِالجَفَا وَيَمْنَعُ لِي مِنْهُ القُرْبُ بِالبُعْدِ
فَلَا فِعْلُهُ يُسْلِي وَلَا الوُدُّ نَافِعِي ... وَلَا المَوْتُ يُنْجِيْنِي مِنَ الشَّوْقِ وَالوَجْدِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي فِي المَدْحِ (1):
يَجِلُّ عَنِ التَّشْبِيْهِ لَا الكَفُّ لَجَّةٌ ... وَلَا هُوَ ضِرْغَامٌ وَلَا الرَّأْيُ مِخْذَمِ
وَلَا جُرْحُهُ يُؤْسِي وَلَا غَوْرُهُ ... يُرَى وَلَا حَدُّهُ يَنْبُو وَلَا يَتَثَلَّمُ
مَحَلَّكَ مَقْصُوْدٌ وَشَانِيْكَ مُفْحَمٌ ... وَمِثْلَكَ مَفْقُوْدٌ وَنِيْلكَ خِضْرِمُ
وَقَوْلُهُ فِي الذَّمِّ (2):
أَذُمَّ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ أُهَيْلَهُ ... فَأَعلَمُهُمْ فَدْمٌ وَأَحْزَمُهُمْ وَغْدُ
وَأَكْرَمُهُمْ كَلْبٌ وَأَبْصرُهُمْ عَمٍ ... وَأَسْهُدُهُمْ فَهْدٌ وَأَشْجَعُهُمْ قِرْدُ
وَمِثْلُ قَوْلِ الخَارِكِيِّ:
فَلَا كَمَدِي يَفْنَى وَلَا لَكَ رقَةٌ
_______
(1) ديوانه 4/ 84 - 85.
(2) ديوانه 1/ 374.
(1/191)

سُئِلَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ هَارُوْنَ المُنَجِّمِ عَنِ التَّقِسِيْمِ، فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَسْتَقْصِيَ الشَّاعِرُ مَا ابْتَدَأَ بِهِ، وَيَسْتَوْفِيْهِ فَلَا يُغَادِرَ قِسْمًا يَقْتَضِيْهِ المَعْنَى إِلَّا أوْرَدَهُ كَقَوْلِ بَشَّارِ بن بُرْدٍ (1): [من الطويل]
بِضرْبٍ يَذُوْقُ المَوْتَ مَنْ ذَاقَ طَعْمَهُ ... وَتُدْرِكُ مَنْ نَجَّى الفِرَار مَثَالِبُه
فَرَاحُوا فَرِيْقٌ فِي الإِسَارِ وَمِثْلُهُ ... قَتِيْلٌ وَمِثْلٌ لَاذَ بِالبَحْرِ هَارِبُه
__________
= قَوْلُ بَعْضِهُم:
وَثَلَاثَةٌ كَلِفُوا بِحُبِّ ثَلَاثَةٍ ... فَاعْجَبْ لِذَلِكَ مَا أَعَزَّ وَأَشْرَفَا
كَلَفِي بِحُبِّكَ إِذْ كَلِفْتَ بِشَقْوَتِي ... وَعَذُوْلُنَا أَلِفَ المَلَامَ وَأَسْرَفَا
لَا عَاذِلِي يَذَرُ المَلَامَ وَلَا أنَا ... أَدَعُ الغَرَامَ وَأَنْتَ لَا تَذَرُ الجَفَا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلِ ابْنُ الرُّوْمِيِّ فِي وَصْفِ النَّرْجِسِ (1):
عُيُوْنٌ إِذَا عَايَنْتَهَا فَكَأَنَّمَا ... وُقُوعُ النَّدَى مِنْ فَوْقِ أَجْفَانِهَا دُرُّ
مَحَاجِرُهَا بِيْضٌ وَأَحْدَاقُهَا صُفْرٌ ... وَأَجْسَادُهَا خُضْرٌ وَأَنْفَاسُهَا عِطْرُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ السَّحَابَ وَالرَّوْضَ (2):
خَلِيْلَيَّ هَلْ لِلْمَزْنِ أَحْشَاءُ عَاشِقٍ ... أَمْ النَّارُ فِي أَحْشَائِهَا وَهِيَ لَا تَدْرِي؟
أَشَارَتْ إِلَى أَرْضِ العِرَاقِ فَأَقْبَلَتْ ... وَكَالُّؤْلُؤِ المَنْثوْرِ عَبْرَاتُهَا تَجْرِي
سَحَابٌ حَكَتْ ثَكْلَى أُصِيْبَتْ بِوَاحِدٍ ... فَعَاجَتْ لَهُ نَحْوَ الرِّيَاضِ عَلَى قَبْرِ
تُرَقْرِقُ دَمْعًا فِي خُزُوْزِ تَطَرَّزَتْ ... مَطَارِفُهَا بِالبَرْقِ طُرْزًا مِنَ التِّبْرِ
فَوَشَى بِلَا رَقْمٍ وَنَسْجٌ بِلَا يَدٍ ... وَدَمْعٌ بِلَا عَيْنٍ وَضِحْكٌ بِلَا ثَغْرِ
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ ابن الفَارِضِ:
صفَاءٌ وَلَا مَاءٌ وَلِطْفٌ وَلَا هَوَى. البَيْتُ المُتَقَدِّمُ.
(1) ديوانه 1/ 235.
_______
(1) لم ترد في ديوانه.
(2) معاهد التنصيص 2/ 310.
(1/192)

قَالَ: وَلَيْسَ فِي وَصْفِ حَالِ مَنْ وَقَعَ الظَّفَرُ بِهِ، وَدَارَتْ رَحَى الحَرْبِ عَلَيْهِ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ بَشَّارٌ (1).
قَالَ أَبُو الحَسَنِ: قَالَ أبِي هَارُوْنُ: أحْسَنُ مَا قِيْلَ فِي التَّقِسِيْمِ قَوْلُ زُهَيْرِ بنِ أبِي سُلْمَى (2): [من البسيط]
يَطْعَنُهُمْ (3) مَا ارْتَمُوا حَتَّى إِذَا اطَّعَنُوا ... ضَارَبَ حَتَّى إِذَا مَا ضَارَبُوا عَتَقَا
__________
(1) يَقْربُ مِنْ هَذَا قَوْلُ عَوْفِ بن عَطِيَّةَ:
وَنُكِرُّ أُوْلَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمُ ... كَرَّ المُحَلَّأ عَنْ حِيَاضِ المَصْدَرِ
فَهُمُ ثَلَاثَةُ أَفْرِقَاءَ فَسَابِحٌ فِي ... الرُّمْحٍ يَعْثِرُ فِي النَّجِيْعِ الأَحْمَرِ
وَمُكَبَّلٌ يَفْدِي بِوَافِرِ مَالِهِ ... إِنْ كَانَ صَاحِبُ هَجْمَةٍ أَوْ أَنْضَرِ
أَوْ بَيْنَ مَمْنُوْنٍ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ ... إِنْ كَانَ شَاكِرَهَا وَإِنْ لَمْ يَشْكُرِ
(2) ديوانه ص 68.
(3) يُقَالُ: طَعَنِ بِالرُّمْحِ يُطْعَنُ بِالضَّمِّ طَعْنًا وَطَعَنْتُ فِي الرَّجُلِ أَطْعَنُ بِالفَتْحِ طَعَنَانًا قَالَ الشَّاعِرُ (1):
وَأَبِي ظَاهِرُ الشَّنَاءَةِ إِلَّا ... طَعْنَانًا وَقَوْلَ مَا لَا يُقَالُ
وَمِنْ التَّقِسِيْمِ مَا قَالَ إسْحَاقِ (2):
ظَلَلْتُ بِذِي دَانٍ أَنْشُدُ نَاقَتِي ... وَمَا لِي عَلَيْهَا مِنَ قَلُوْصٍ وَلَا بَكْرِ
وَمَا أَنْشُدُ الرُّعْيَانَ إِلَّا تَعِلَّةً ... بِوَاضِحَةِ الأَنِيَابِ طَيِّبَةَ النَّشْرِ
فَقَالَ فَرِيْقٌ لَا وَقَالَ فَرِيْقُهُمْ ... نَعَمْ وَفَرِيْقٌ قَالَ وَيْحَكَ مَا نَدْرِي
فَهَلْ يُؤْثِمنِّي اللَّهُ فِي أَنْ ذَكَرْتُهَا ... وَعَلَّلْتُ أَصْحَابِي بِهَا لَيْلَةَ النَّفْرِ
وَطَيَّرْتُ مَا بِي مِنْ لَغُوْبٍ وَمِنْ كَرًى ... وَمَا بِالمَطَايَا مِنْ كلَالٍ وَمِنْ فَتْرِ
قَوْلُهُ: فَقَالَ فَرِيْقٌ لَا، البَيْتُ هُوَ التَّقْسِيْمُ. =
_______
(1) لأبي زبيد في لسان العرب (طعن).
(2) لنصيب بن رباح في ديوانه ص 94.
(1/193)

قَالَ أَبُو الحَسَنِ: وَأنَا أقُوْلُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ (1): [من الكامل]
إِنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وَإِنْ يَسْتَلْحِمُوا ... أشْدُدْ وَإِنْ يُلْفَوا بِضَنْكٍ أنْزِلِ (2)
__________
= وَمِنْهُ قَوْلُ أَبي الطَّيِّبِ (1):
الدَّهْرُ مُعْتَذِرٌ وَالسَّيْفُ مُنْتَظِرٌ ... وَأَرْضُهُمْ لك مُصْطَافٌ وَمَرْتبَعُ
لِلسّم مَا نَكَحُوا وَالقَتْلِ مَا وَلَدُوا ... وَالنَّهْبِ مَا جَمَعُوا وَالنَارِ مَا زَرَعُوا
(1) ديوانه ص 57.
(2) لَمَّا غَزَتْ بَنُو عَبْسٍ تَمِيْمًا وَكَانَ عَلَى تَمِيْمٍ قَيْسُ بنُ زُهَيْرٍ، وَكَانَ سَيِّدُهُم فَانْهَزَمَتْ بَنُو عَبْسٍ، وَطَلَبَتْهُمْ تِمِيْمٍ فَوَقَفَ عَنْتَرَةُ وَلَحِقَتْهُ كَبْكَبَةٌ مِنْ خَيْلٍ فَحَامَى عَنِ النَّاسِ فَلَمْ يَصِبُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَسَاءَ قَيْسَ بن زُهَيْرٍ مَا تَصَنَّعَ عَنْتَرَةُ يَوْمَئِذٍ حَتَّى قَالَ حِيْنَ رَجَعَ مَنْ حَامَى عَنِ النَّاسِ؟ فَقِيْلَ: وَاللَّهِ مَا حَمَى النَّاسَ إِلَّا ابْنُ الحَبَشَيةِ فَبَلَغَ عَنْتَرَةُ مَا قَالَ قَيْسٌ فَقَالَ، وَزَعَمَ الأَصْمَعِيُّ أنَّهَا مَصْنُوْعَةٌ (2).
إنِّي امْرُؤٌ مِنْ خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِبًا ... بِشَطْرِي وَأَحْمِي سَائِرِي بِالمَنْصَلِ
المَنْصِبُ المُركَّبُ الأَصْلُ وَشَطْري أي تَصْفِي، وَإِنَّمَا غَنَّى أَبَاهُ دُوْنَ أُمِّهِ، وَالمَنْصَلُ السَّيْفُ.
يَقُوْلُ بِهَا - أُكَرِّر البَيْتَ. يُرْوَى
إِنْ يَطْرِدُوا أعطِفْ وَإِنْ يَسْتَقْبِلُوا أَجْمِلَ ... وَإِنْ. . بِدَهْمٍ أُنْزِلَ
وَالِدَهُم: العَدَدُ الكَثِيْرُ.
يَقُوْلُ مِنْهَا:
لَقَدْ أَبيْتُ عَلَى الطّوَى وَأَظَلّهُ ... حَتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيْمَ المَأْكَلِ
الطَّوَى: الجُّوْعُ. يَقُوْلُ أَبِيْتُ جَائِعًا وَأَظِلهُ أَيْ أَظُلَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَنَالَ بِهِ المَأْكَلَ الكَرِيْمَ وَذَلِكَ مِمَّا لَا أُسَبَّ بِهِ.
_______
(1) ديوانه 2/ 224، 233.
(2) ديوان عنترة ص 56 - 58.
(1/194)

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الحَاتِمِيُّ: وَأَنَا أَقُوْلُ: إنِّي لَا أعْرِفُ تَقْسِيْمًا أصَحَّ مِنْ قَوْلُ الأَسْعَرِ الجُعْفِيِّ فِي صِفَةِ فَرَسٍ (1): [من الكامل]
أَمَّا إِذَا اسْتَقْبَلْتَهُ فَكَأنَّهُ ... بَازٌ يُكَفْكِفُ أَنْ يَطيْرَ وَقَدْ رَأَى
أَمَّا إِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ فَتَسُوْقُهُ ... سَاقٌ قَمُوْصُ الوَقْعِ عَارِيَةُ النَّسَا
أَمَّا إِذَا اسْتَعْرَضْتَهُ مُتَمَطِّرًا ... فَتَقُوْل: هَذَا مِثْلُ سِرْحَانِ الغَضَا (2)
وَعَنْ أَبِي العَيْنَاءِ قَالَ: أجْمَعَ عُلَمَاءُ الشِّعْرِ عَلَى أنَّ أحْسَنَ تَقْسِيْمٍ أتَى بِهِ شَاعِرٌ مُتَقَدِّمٌ قَوْلُ عُمَرَ بن أَبِي رَبِيْعَةَ المَخْزُوْمِيِّ (3) وَهُوَ: [من الطويل]
__________
= بَكَرَتْ تُخَوِّفُنِي الحتُوْفَ كَأَنَّنِي ... أَصْبَحْتُ عَنْ عرضِ الحُتُوْفِ بِمِعْزَلِ
فَأَجَبْتُها أنَّ المَنِيَّةَ مَنْهَلٌ ... لَا بُدَّ أَنْ أُسْقَى بِذَاكَ المَنْهَلِ
فَأقْنِي بِحَيَاءَكِ لَا أَبَالَكِ وَاعْلَمِي ... أنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوْتُ إِنْ لَمْ أُقْتَلِ
وَمِنَ التَّقْسِيْمِ قَوْلُ الخَلِيْعِ يَصِفُ عِتْقَ الخَمْرِ وَقِدَمَ عَهْدِهَا مِنْ أَبْيَاتٍ مِنْهَا:
وَقَدْ أَلِفَتْ حِجْرَ الدِّنَانِ وَلِيْدَةً ... كَمَا أَلِفَ الوِلْدَانُ حِجْرَ الحَوَاضِنِ
فَقَدْ أَخَذَتْ مِنْ رِيْحِهَا وَصفَائِهَا ... وَقُوَّتِهَا وَالطَّعْمُ كُلُّ المَحَاسِنِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنُ طَبَاطَبَا فَأَنَّهُ جَمَعَ خَمْسَ تَشْبِيْهَاتٍ وَتَقْسِيْمَاتٍ فِي قَوْلِهِ (1):
فِي خَمْسَةٍ مِنِّي حَلَتْ مِنْكَ خَمْسَةٌ ... فَرِيْقُكَ مِنْهَا فِي فَمِي الطَّيِّبِ الرَّشْفِ
وَوَجْهُكَ فِي عَيْنِي وَلَمْسُكَ فِي يَدِي ... وَصَوْتُكَ فِي أُذْنِي وَعُرفَكَ فِي أُنْفِي
(1) الأصمعيات ص 140.
(2) السِّرْحَانُ: الذِّئْبُ وَأَخْبَثُ الذِّئَابِ ذِئْبُ الغَضَا.
(3) نَسَبُهُ: هُوَ عُمَرُ بنُ عَبْدُ اللَّهِ بنِ أَبِي رَبِيْعَةَ بنِ المُغِيْرَةَ بنِ عَبْدُ اللَّهِ بنِ عَمْرُو بنِ مَخْزُوْمٍ بن يَقْظَةَ بنِ مُرَّةَ بن كَعْبِ بنِ لُؤَيّ بنِ غَالِبِ بنِ فَهْرِ بنِ مَالِكِ بنِ النَّصْرِ بنِ كَنَانَةَ. وَأُمُّ عُمَرَ مُوَلَّدَةٌ مِنْ مُوَلَّدَاتِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهَا مَجْد وَكَانَ يُقَالُ لأَبِي رَبِيْعَةَ ذُو =
_______
(1) خاص الخاص ص 133.
(1/195)

تَهِيْمُ إِلَى نُعْمٍ فَلَا الشَّمْلُ جَامِعٌ ... وَلَا الحَبْلُ مَوْصَوْلٌ وَلَا القَلْبُ مُقْصِرُ
وَلَا قُرْبُ نُعْمٍ إِنْ دَنَتْ لَكَ نَافِعٌ ... وَلَا نأيُهَا يُسْلِي وَلَا أنْتَ تَصْبِرُ (1)
وَمَا عَلِمْتُ أحَدًا بَعْدَهُ سَرَقَ هَذَا التَّقِسِيْمِ مِنْهُ إِلَّا الخَارِكِيَّ حَيْثُ يَقُوْلُ (2):
وَكَذَّبْتُ طَرْفِي عَنْكِ وَالطَّرْفُ صَادِقٌ ... وَأسْمَعْتُ أُذْنِي فِيْكِ مَا لَيْسَ تَسْمَعُ
ولم أسْكُنِ الأرْضَ الَّتِي تَسْكُنِيْنَهَا ... لِئَلَّا يَقُوْلُوا صَابِرٌ لَيْسَ يَجْزَعُ
فَلَا كَمَدِي يَفْنَى وَلَا لَكِ رِقَّةٌ ... وَلَا عَنْكِ إقْصارٌ وَلَا فِيْكِ مَطْمَعُ
لَقِيْتُ أُمُوْرًا فِيْكِ لَمْ ألْقَ مِثْلَهَا ... وَأعْظَمُ مِنْهَا مِنْكِ مَا أَتَوَقَّعُ
وَقَالَ المُبَرَّدُ: لمْ أَسْمَع أحْسَنَ مِنْ تَقْسِيْمِ قَيْسِ بن ذَرِيْحٍ فِي قَوْلِهِ (3): [من الطويل]
فَإنْ تَكُنِ الدُّنْيَا بِلُبْنَى تَقَلَّبَتْ ... فَلِلدَّهْرِ وَالدُّنْيَا بُطُوْن وَأظْهُرُ
لَقَدْ كَانَ فِيْهَا لِلأَمَانَةِ مَوْضِعٌ ... وَلِلْكَفِّ مُرْتَادٌ وَلِلْعَيْنِ مَنْظَرُ
مَوْضَعٌ بَالفَتْحِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيْفَةٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ كِتَاب مِحَكِّ الفَهْمِ وَمِعْيَارِ النَّظْمِ: التَّقِسِيْمُ فِي صِنَاعَةِ الشِّعْرِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُمَا أَنْ تَتَّزِنَ أَلْفَاظُ البَيْتِ مِنْ أوَّلِهُ إِلَى آخِرِهِ قِسْمَةً، فَتَكُوْنُ أَلْفَاظُ صَدْرِهِ لَا تَرِيْدُ عَلَى ألْفَاظِ عَجْزِهِ مَعَ تَكَافُؤٍ فِيْهَا.
وَالآخَرُ هُوَ أَنْ يُشَبِّهَ الشَّاعِرُ الشَّيْءَ بِشَيْئَيْنِ ثُمَّ يُعَلِّلَ تَشْبِيْهَهُ بِتَقْسِيْمٍ يَتَسَاوَى فِيْهِ اللَّفْظُ وَيُتَّمَّمُ بِهِ المَعْنَى فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَأَنَا لَا يَسَعُنِي إَلَّا مُوَافَقَةُ المُتَقَدِّمِ، وَالوَطْءُ عَلَى عَقْبهِ، وَالتَّسْلِيْمُ لَهُ. وَأسْتَعِيْذُ مِنْ رَدٍّ عَلَى فَاضِلٍ إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَقَعُ لِي بِغَيْرِ هَوًى أَنَّ حَقِيْقَةَ التَّقسِيْمِ هُوَ مَا ذَكَرْتُهُ، وَالحِسُّ يَسْبِقُ إِلَيْهِ، وَالتَّصَوُّرُ يَتَشَبَّثُ بِهِ،
__________
= الرُّمْحَيْنِ وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بنِ الحَسَنِ أَنَّ أَبَا رَبِيْعَةَ كَانَ يَكْسُو الكَعْبَةَ سَنَةً وَقُرَيْشٍ سَنَةً.
(1) ديوانه ص 122.
(2) حلية المحاضرة 1/ 49.
(3) مجموع شعره ص 86.
(1/196)

وَالسَّمَعُ يَصَمُّ عَنْ سِوَاهُ. فَالضَّرْبُ الأوَّلُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (1): [من الطويل]
فَيَا يَوْمَهَا كَمْ مِنْ مُنَافٍ مُنَافِقٍ ... وَيَالَيْلَهَا كَمْ مِنْ مُوَافٍ مُوَافِقِ
فَهَلْ يَسْمَعُ ذُو حِسٍّ هَذَا الكَلَامَ المُتَكَافِيءَ الأَلْفَاظِ، المُتَّزِنَ الصَّدْرِ وَالعَجُزِ، الصَّحِيْحَ القِسْمَةِ، فَيَقُوْلُ: إِنَّ التَّقِسِيْمَ سِوَى ذَلِكَ يَوْمٌ مُطَابِقٌ لِلَيْلٍ، وَمُنَافٍ مُطَابِقٌ لِمُوَافٍ، وَمُنَافِقٌ مُطَابِقٌ لِمُوَافِقٍ. وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ (2): [من الهزج]
فَمَا أرْهَبُ إِنْ عَزُّوا ... وَلَا أبْهَجُ إِنْ هَانُوا
لَهُ فِي مَالِهِ هَدْمٌ ... وَفِي عُلْيَاهُ بنْيَانُ
لَوْ وُضِعَ هَذَانِ البَيْتَانِ فِي كَفّتَي مِيْزَانٍ لَخَرَجَا سَوَاءً (3).
وَالضَّرْبُ الثَّانِي فِي التَّشْبِيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِ الشَّامِيِّيْنَ: [من الكامل]
مِثْل الهِلَالِ أَوِ الغَزَالِ فَذَاكَ مِنْ ... نُظَّارِهِ نَاءٍ وَهَذَا نَافِرُ
وَكَقَوْلِ بَعْضِ المُحْدَثِيْنَ: [من الكامل]
كَالبَدْرِ أَوْ كَالمِسْكِ ذَاكَ لِبُعْدِهِ ... عَنْ نَاظِرَيْهِ وَذَا لِطِيْبِ ذَكَائِهِ
__________
(1) لليوسفي في أنوار الربيع 1/ 136، 6/ 163، وبلا عزو في خزانة الأدب للحموي 2/ 409.
(2) ديوانه 4/ 2245.
(3) وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ السّرِّيّ الرَّفَاء المُوْصَلِّيّ فِي التَّشْبِيْهِ (1):
أَمَا تَرَى الغَيْمَ يَا مَنْ قَلْبهُ قَاسِي ... كَأَنَّهُ أَنَا مِقْيَاسًا بِمِقْيَاسِ
قَطْرٌ كَدَمْعِي وَبَرْقٌ مِثْلُ نَارِ هَوًى ... فِي القَلْبِ مِنِّي وَرِيْحٌ مِثْلُ أَنْفَاسِي
وَمِثْلُ قَوْلِهِ فَذَاكَ مِنْ نَظَّارَةِ نَاءٍ وَهَذَا مِنْ قَوْلِ العَطَوِيّ (2):
يا قَمَرًا وَافَقَ التَّمَامَا ... إِقْرَأ عَلَى شِبْهَكَ السَّلَامَا
نَأَيْتَ عَنِّي وَبَانَ مِنِّي ... كلاكُمَا عَزَّ أَنْ يُرَامَا
_______
(1) لم ترد ديوانه.
(2) ديوانه.
(1/197)

وَمُوَافَقَةُ التَّوْجِيْهِ (1):
التَّوْجِيْهُ (2): أَنْ يَأتِيَ الشَّاعِرَ فِي البَيْتِ بِلَفْظٍ يُشِيْرُ فِيْهِ إِلَى المَعْنَى الَّذِي هُوَ آخِذٌ فِيْهِ، وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إِلَى مَعْنًى آخَرَ، وَكِلْتَا الإشَارَتَيْنِ تَقَعَانِ فِي البَيْتِ مَوْقِعَهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِ بَعْضِ المُحْدَثِيْنَ: [من الكامل]
أهْدَيْتَ نَرْجِسَكَ المُحَدِّقَ فَاغْتَنِمْ ... شُكْرِي المُضَاعَفَ يا فَتَى الفِتْيَانِ
فَالمُضَاعَفُ هَهُنَا ظَاهِرُهُ المُكَرَّرُ المَرْدُوْدُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ المُضَاعَفُ تَطْبِيْقًا فِي لَفْظِهِ حَيْثُ ذَكَرَ المُحَدِّقَ، وَهُوَ ضِدُّهُ؛ لأَنَّهُمَا نَوْعَانِ للنَّرْجِسِ وَكَقَوْلِ الآخَرِ: [من المتقارب]
إِذَا كَانَ مَوْتِي بِقَتْلِ الجُفُوْنِ ... فَقَتْلُ السُّيُوفِ إذًا أرْوَحُ
الإِشَارَةُ هَاهُنَا إِلَى جُفُوْنِ الحَدَقِ. وَالتَّوْجِيْهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُوْنَ الإِشَارَةُ إِلَى جُفُوْنِ السُّيُوْفِ أَيْضًا حِيْنَ ذَكَرَ السُّيُوْفَ وَالقَتْلَ بِهَا أرْوَحُ مِنَ التَّعْذِيْبِ.

وَحِدَّةُ الاسْتِطْرَادُ:
الاسْتِطْرَادُ (3) هُوَ أَنْ يَكُوْنَ الشَّاعِرُ آخِذًا في ذِكْرِ شَيْءٍ، وَهُوَ يُرِيْدُ ذِكْرَ شَئٍ آخَرَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْقَطِعَ الكَلَامُ بَفَاصِلٍ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا بَابٌ أُعْجِبَ بِهِ المُحْدِثُوْنَ، وَتَخَيَّلُوا أَنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا بَلْ قَدْ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ قَدِيْمًا فِي أشْعَارِهَا.
__________
(1) وَمِنَ التَّوْجِيْهِ قَوْلُ عَبْدِ المُحْسِنِ فِي الشُّكْرِ وَهُوَ مِنْ مُسْتَحْسَنِ الطِّبَاقِ (1):
جَاءَتْ عَطِيَّاتِكَ مَطْوِيَّةً ... فَلَمْ يَكُنْ عِندِي سِوَى النَّشْرِ
مَقْرُوْنَةً بِالعُذْرِ إِنِّي لَفِي ... التَّقْصِيْرِ أوْلَى مِنْهُ بِالعُذْرِ
(2) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 93.
(3) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 96 وما بعدها.
_______
(1) لعبد المحسن بن محمد الصوري في يتيمة الدهر 1/ 374، وهما في ديوانه 1/ 190.
(1/198)

وَمَتَى جَاءَ الاسْتِطْرَادُ حَادًّا، فَهُوَ دَلِيْلٌ عَلَى تَمَكُّنِ الشَّاعِرِ فِي صَنْعَتِهِ، وَإِنْ جَاءَ مُقْلَقًا تَعْرُوْهُ رِكَّةٌ، دَلَّ عَلَى تَقْصِيْرِهِ. فَالأُوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَضَايِقِ الشِّعْرِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيْهَا إِلَّا الفُحُوْلُ مِنْ كُمِاتِهِ، وَيُرِيْحَ نَفْسِهِ مِنْ تَعَاطِي مَا لَا يَكَادُ يَنْهَضُ بِهِ، وَلَا يَتَأتَّى لَهُ فِي أبْيَاتِهِ؛ لِئَلَّا يَفْتَضِحَ، وَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ نَصَحَ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَى ذَلِكَ مُضْطَرًّا، وَألْفَيْتَهُ بِإجَابَةِ طَبْعِهِ مُغْتَرًّا. والاسْتِطْرَادُ لهُ مَوْضِعَانِ أكْثَرُ مَا يُوْجَدُ فيهِمِا، وَيَلِيْقُ بِهِمَا. أحَدُهُمَا فِي التَّشْبِيْهِ، وَالآخَرُ فِي المَخْلَصِ، إمَّا إِلَى مَدْحٍ أَوْ إِلَى ذَمٍّ.
وَقَدْ تَعَاوَرَ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا. وَأَوَّلُ مَنِ ابْتَكَرَهُ السَّمَوْألُ بنُ عَادِيَاءَ. وَكُلُّ أحَدٍ تَابِعٌ له فَقَالَ (1): [من الطويل]
وَإِنَّا لَقَوْمٌ مَا نَرَى القَتْلَ سُبَّةً ... إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوْتِ آجَالنَا لنَا ... وَتَكْرَهُهُ آجَالُهُمْ فَتَطُوْلُ
وَكَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ (2): [من الطويل]
كَأَنَّ فِقَاحَ الأَزْدِ حَوْلَ ابنِ مِسْمَعٍ ... إِذَا جَلَسُوا أفْوَاهُ بَكْرِ بنِ وَائِلِ
وَأَتَى جَرِيْرٌ بِذَلِكَ، فَغَبَّرَ فِي وَجْهِ السَّابِقِ إِلَى هَذَا المَعْنَى، فَضْلًا عَمَّنْ تَلَاهُ، فَإِنَّهُ اسْتَطْرَدَ بِاثِنَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ هَجَا فِيْهِ الفَرَزْدَقَ فَقَالَ (3): [من الكامل]
لَمَّا وَضعْتُ عَلَى الفَرَزْدَقِ مَيْسَمِي ... وَضَغَا البَعِيْثُ جَدَعْتُ أنْفَ الأَخْطَلِ (4)
__________
(1) حلية المحاضرة 1/ 62 - 63.
(2) لم ترد في ديوانه، وهي له في حلية المحاضرة 1/ 62 والعمدة 2/ 39.
(3) ديوان جرير ص 940.
(4) وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ ابن الزَّمْكدَمِ (1):
وَلَيْلٍ كَوَجْهِ البَرقَعِيْدِيّ ... ظُلْمَةً وَبَرْدِ أَغَانِيْهِ وَطُوْلِ قُرُوْنِهِ
_______
(1) المثل السائر 3/ 106، الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ص 404.
(1/199)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= سَرِيْتُ وَنَوْمِي فِيْهِ نَوْمٌ مُشَرَّدٌ ... كَعَقْلِ ابن هَارُوْنٍ وَرِقَّةِ دِيْنِهِ
عَلَى أَوْلَقٍ فِيْهِ الْتِفَاتٌ كَأَنَّهُ ... أَبُو جَابِرٍ فِي خَبْطِهِ وَجُنُوْنِهِ
إِلَى أَنْ بَدَا وَجْهُ الصَّبَاحِ كَأَنَّهُ ... سَنَا وَجْهِ وَاشٍ وَضوْءُ جَبِيْنِهِ
* * *

أَخْبَرَ يَحْيَى بن مُحَمَّد الصَّوْلِيّ عَنْ عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ الأَنْبَارِيّ قَالَ: سَمِعْتُ البُحْتُرِيّ يَقُوْلُ أَنْشَدَنِي أَبُو تَمَّامٍ لِنَفْسِهِ يَهْجُو عُثْمَانَ بن إِدْرِيْسَ الشَّامِيّ وَيَصِفُ فَرَسًا:
وَسَاخٍ هَطِلَ التَّعْدَاءِ هَتَّانِ ... عَلَى الجَرَّاءِ أَمِيْنٍ غَيْر خَوَّانِ
أَظْمَى الفُصُوْصَ وَمَا تَظْمَى قَوَائِمُهُ ... فَخَلِّ عَيْنَيْكَ فِي ظَمْآنَ رَيَّانِ
فلو تَرَاهُ مُشِيْحًا وَالحَصى زِيَمٌ ... تَحْتَ السَّنَابِكِ مِنْ مَثْنًى وَوُجْدَانِ
أَيْقَنْتَ أنْ لَمْ يُثبّتُ أَنَّ حَافِرَهُ ... مِنْ صخْرِ تَدْمُرَ أَوْ مِنْ وَجْهِ عُثْمَانِ
أَخَذَ فِي وَصْفِ فَرَسٍ وَشَوْقُهُ إِلَى هِجَاءِ عُثْمَانَ. ثُمَّ قَالَ لِي مَا هَذَا مِنَ الشِّعْرِ؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي فَقَالَ هَذَا المُسْتَطْرِدُ أَوْ قَالَ الاسْتِطْرَادُ.
قَالَ مُحَمَّد بن يَحْيَى فَاحْتَذَى هَذَا البُحْتُرِيُّ فَقَالَ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّتِي يَمْدَحُ بِهَا مُحَمَّد بن عَلِيٍّ القُمِّيّ يَصفُ فِيْهَا فَرَسًا أَيْضًا:
وَأَغَرَّ فِي الزَّمَنِ البَهِيْمِ مُحَجَّلٌ ... قَدْ رُحْتَ مِنْهُ عَلَى أَغَرَّ مُحَجَّلِ
كَالهَيْكَلِ المَبْنِيِّ إِلَّا أَنَّهُ ... فِي الحُسْنِ جَاءَ كَصُوْرَةٍ فِي هَيْكَلِ
مَلَكَ العُيُوْنَ فَإِنْ بَدَا أَعْطَيْنَهُ ... نَظَرَ المُحِبُّ إِلَى الحَبِيْبِ المُقْبِلِ
مَا إِنْ يَعَافُ قَذًى وَلَوْ أَوْرَدْتَهُ ... يَوْمًا خَلَائِقَ حَمْدَوِيهِ الأَحْوَلِ
قَالَ وَحَمْدَوِيهِ هَذَا كَانَ عَدُوًّا لِلْمَمْدُوْحِ فَاسْتَطْرَدَ بِهِ وَحَكِيَ أَنَّ أَصْحَابَ البُحْتُرِيِّ قَالُوا لَهُ: سَتُعَابُ بِهَذَا البَيْتِ. قَالَ: وَلِمْ؟ قَالوا: لأَنَّكَ سَرَقْتَهُ مِنْ أَبِي تَمَّامٍ. فَقَالَ: أُعَابُ بِأَخْذِي مِنْ أَبِي تَمَّامٍ وَوَاللَّهِ مَا قُلْتُ شِعْرًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ أخطر شِعْرَهُ بِفِكْرِي. قَالَ: وَأَسْقَطَ البَيْتَ مِنْ بَعْدُ فَمَا يَكَادُ يُوْجَدُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ. قَالَ: وَإِنَّمَا أَخَذَ أَبُو تَمَّامٍ هَذَا الاسْتِطْرَادُ مِنَ الفَرَزْدَقِ فِي قَوْلِهِ: كَانَ فِقَاحَ الأَزْدِ حَوْلَ ابنِ مَسْمَعٍ. البَيْتُ.
(1/200)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ بَدِيْعِ هَذَا البَابِ قَوْلُ بَشَّارٍ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ قَزْعَةَ (1):
خَلِيْلَيَّ مِنْ كَعْبٍ أَعِيْنَا أَخَاكُمَا ... عَلَى دَهْرِهِ إِنَّ الكَرِيْمَ مُعِيْنُ
وَلَا تَبْخَلَا بخلَ ابنِ قَزْعَةَ إِنَّهُ ... مَخَافَةَ أَنْ يُرْجَى نَدَاهُ حَزِيْنُ
إِذَا جِئْتَهُ فِي حَاجَةٍ سَدَّ بَابَهُ ... فَلَمْ تَلْقَهُ إِلَّا وَأَنْتَ كَمِيْنُ
وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ لَمْ يلقَ مَاجِدًا ... وَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ المَكْرُمَاتُ تَكُوْنُ
قُلْ لأَبِي يَحْيَى متى تملك العُلَى ... وَفِي كُلِّ مَعْرُوْفٍ عَلَيْكَ يَمِيْنُ
إِذَا جِئْتَهُ. البيتُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَحْظَةَ البَرْمَكِيِّ (2):
وَلَيْلٍ فِي كَوَاكِبهِ حِرَانٌ ... فَلَيْسَ لِطُوْلِ مُدَّتِهِ انْقِضَاءُ
عَدِمْتُ مَحَاسِنَ الَإِصْبَاحِ فِيْهِ ... كَأَنَّ الصُّبْحَ جُوْدٌ أَوْ وَفَاءُ
* * *

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الخَلِيع فِي كَلِمَةٍ يَمْدَحُ بِهَا عَاصمًا الغَسَّانِيّ (3):
أَقُوْلُ وَنَفْسِي بَيْنَ شَوْقٍ وَحَسْرَةٍ ... قَدْ شَخَصتْ عَيْنِي وَدَمْعِي عَلَى خَدِّي
أَرِيْحِي بِقَتْلٍ مَنْ تَرَكْتِ فُؤَادَهُ ... بِلَحْظَتِهِ بَيْنَ التَّأَسُّفِ وَالوَجْدِ
فَقَالَتْ عَذَابٌ بِالهَوَى قَبْلَ مِيْتَةٍ ... وَمَوْتٌ إِذَا أَقْرَحْتَ قَلْبَكَ مِنْ بَعْدِي
لَقَدْ فَطَنَتْ لِلجُّوْدِ فِطْنَةَ عَاصِمٍ ... لِصُنْعِ الأَيَادِي الغُرِّ فِي طَلَبِ الحَمْدِ
سَأَشْكُوْكِ فِي الأَشْعَارِ غَيْرَ مُقَصِّرٍ ... إِلَى عَاصِمٍ ذِي المَكْرُمَاتِ وَذِي المَجْدِ
عَلَى أَنَّ قَوْلهُ فَطَنَتْ لِلجُوْدِ فِطْنَةَ عَاصِمٍ هُوَ إِلَى بَابِ حُسْنِ المخلَصِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى هَذَا البَابِ وَإِنَّمَا الاسْتِطْرَادُ المَحْضُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن
_______
(1) ديوانه 4/ 63.
(2) شعره ص 221.
(3) الكامل للمبرد 2/ 202.
(1/201)

وَقَالَ الحُسَيْنُ بن عَلِيٍّ القُمِّيُّ (1):
جَاوزْتُ أجْبَالًا كَأَنَّ صُخُوْرَهَا ... وَجَنَاتُ نَجْمٍ ذِي الحَيَاءِ الجامِدِ
في حِنْدِسٍ يحكي سوادَ أَديمهِ ... وَهَوًى كَمَنْطِقِهِ الخبيث الباردِ
وَالشَّوْكُ يَعْمَلُ فِي ثِيَابِي مِثْلَمَا ... عَمِلَ الهِجَاءُ بِعِرْضِ عَبْدِ الوَاحِدِ
أَخَذَ فِي ذِكْرِ صُعُوْبَةِ الجِبَالِ، وَاشْتِيَاكِهِ بِشِيَاكِهَا، وَقَطْعِهِ إيَّاهَا فِي ظَلَامِ لَيْلِ الشِّتَاءِ، وَهُوَ يُرِيْدُ هِجَاءَ نَجْمٍ وَعَبْدِ الوَاحِدِ. وَرُبَّمَا يَأتِي مِنْ هَذَا البَابِ اسْتِطْرَادٌ يَخْرُجُ مِنْ ذَمٍّ إِلَى مَدْحٍ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ (2):
إِنَّ البَخِيْلَ مَلُوْمٌ حَيْثُ كَانَ ... وَلَكِنَّ الجَوَادَ عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمُ
__________
= عَائِشَةَ فِي نَفْسِهِ (1).
مَنْ يَكُنْ إِبْطُهُ كَإِبَاطِ ذَا الخَلْ ... قِ فَإِبطَايَ فِي عِدَادِ الفِقَاحِ
إِلَى إِبْطَانِ يَرْمِيَانِ جَلِيْسِي ... وَنَدَامَايَ مِنْهُمَا بِسِلَاحِ
فَكَأَنَي مِنْ هَذَا وَهَذَا جَالِسٌ ... بَيْنَ مُصْعَبٍ وَصبَاحِ
مُصْعَبُ بن عَبْدُ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ وَصَبَاحُ بنُ خَاقَانَ المِنْقَرِيُّ فَكَانَا جَليْسَيْنِ لَا يَكَادَانِ يَفْتَرِقَانِ وَكَانَا أَبْخَرَيْنِ.
وَكَقَوْلِ إِسْحَاقَ بن إبْرَاهِيْمِ المُوْصَليِّ (2):
وَصافِيَةٍ تُغْشِي العُيُوْنَ رَقِيْقَةٍ ... رَهِيْنَةِ عَامٍ فِي الدِّنَانِ وَعَامِ
أَدَرْنَا بِهَا الكَأْسَ الرَّوِيَّةَ مَوْهِنًا ... مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى انْجَابَ كُلُّ ظَلَامِ
فَمَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى كَأَنَّنَا ... مِنَ العَيِّ نَحْكِي أَحْمَدَ بنَ هِشَامِ
(1) معاهد التنصيص 1/ 386، خزانة الأدب للحموي ص 56.
(2) ديوانه ص 129.
_______
(1) الكامل للمبرد 2/ 33.
(2) الكامل للمبرد 2/ 54، الأغاني 17/ 113.
(1/202)

أَوْ يَسْتَطْرِدُ مِنْ مَدْحٍ إِلَى ذَمٍّ، كَمَا قَالَ بَكْرُ بنُ النَّطَاحِ يَمْدَحُ مَالِكَ بن طَوْقٍ التَّغْلِبِيَّ (1): [من الطويل]
عَرَضْتُ عليها مَا أَرَادَتْ مِنَ المُنَى ... لِتَرْضى فَقَالَتْ قُمْ فَجِئْنِي بِكَوْكَبِ
فَقُلْتُ لَهَا هَذَا التَّعَنُّتُ كُلُّهُ ... كَمَنْ يَتَشَهَّى لَحْمَ عَنْقَاءَ مُغْرِبِ
سَلِي كُلَّ أمْرٍ يَسْتَقِيْمُ طِلَابُهُ ... وَلَا تَذْهَبِي يا دُرُّ بِي كُلَّ مَذْهَبِ
فَأُقْسِمُ لَوْ أصْبَحْتُ فِي عِزِّ مَالِكٍ ... وَقُدْرتهِ أعْيَا بِمَا رُمْتِ مَطْلَبِي
فتى شَقِيَتْ أمْوَالُهُ بِأكُفِّهِ ... كَمَا شَقِيَتْ قَيْسٌ بِأرْمَاحِ تَغْلِبِ

وَحَلَاوَةُ الاسْتِعَارَةِ (2):
__________
(1) حلية المحاضرة 1/ 64.
(2) وَقَالَ أَرِسْطَالِيْسُ: مِنَ البَلَاغَةِ حُسْنُ الاسْتِعَارَةِ. وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ فِي المَعْنَى أَيْضًا وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ التَّشْبِيْهِ (1):
وَنَشْوَانَ مِنْ طُوْلِ النُّعَاسِ كَأَنَّهُ ... بِحَبْلَيْنِ فِي مَشْطُوْنَةٍ يَتَرَجَّحُ
إِذَا مَاتَ فَوْقَ الرَّحْلِ أُحْيَتْ رُوْحُهُ ... بِذِكْرَاكِ وَالعِيْسُ المرَاسِلُ جُنَّحُ
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ فِي الاسْتِعَارَةِ (2):
أَقَامَتْ بِهِ حَتَّى ذَوَى العُوْدُ فِي الثَّرَى ... وَسَاقَ الثُرَيَّا فِي مَلَاءَتِهِ الفَجْرُ
فَتَصيِيْرُهُ فِي مَلَاءَتِهِ الفَجْرُ وَلَا مِلَاءَةَ لَهُ اسْتِعَارَةٌ عَجِيْبَةٌ.
قَالَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ: كَانَتْ يَدِي فِي يَدِ الفَرَزْدَقِ فَأَنْشَدْتهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
أَقَامَتْ بِهِ حَتَّى ذَوَى العُوْدُ فِي الثَّرَى
فَقَالَ لِي: أُرْشِدُكَ أَمْ أَدَعْكَ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ارْشُدْنِي. فَقَالَ: إِنَّ العُوْدَ لَا يَذْوِي أَوْ يَجِفَّ الثَّرَى وَإِنَّمَا الشِّعْرُ: حَتَّى ذَوَى العُوْدُ وَالثَّرَى.
_______
(1) البيتان لذي الرمة في ديوانه 2/ 1214 - 1215.
(2) ديوانه 1/ 561.
(1/203)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قَالَ أَبُو عَمْرُو: وَلَا أَعْلَمُ اسْتِعَارَةً أَحسَنَ مِنْ قَوْلِهِ:
وَسَاقَ الثُّرَيَّا فِي مَلَاءَتِهِ الفَجْرُ (1).
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ:
وَكُنْتُ صبَغْتُ الهَمَّ بِالصَّبْرِ بُرْهَةً ... وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الهَمَّ كَالشَّيْبِ يَنْصُلُ
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ أَبُو نُوَّاسٍ (2):
شَرِبْتُ فقَاعَ القَلَى بَعْدَكُمْ ... لِعَارِضٍ مِنْ - الحُبِّ
حَتَّى تَجَشَّأتُ جَمِيْعَ الَّذِي ... قَدْ كَانَ مِنْ حُبِّك فِي قَلْبِي
وَقَوْلُ زُبَيْثَا الدَّسْعَنِيّ:
تجَارَتِي المَدِيْحُ وَلَيْسَ رِبْحِي ... سِوَى مَنْعِ النَّوَالِ عَلَى المَدِيْحِ
وَلَكِنْ لَيْسَ لِي فِي الكِيْسِ مِنْهُ ... سِوَى نَقْدٍ مِنَ العَدَمِ الصَّحِيْحِ
وَلَسْتُ بِوَاجِدٍ فِي البَيْتِ قُوْتًا ... أرُدُّ بِهِ إِذَا مَا جِعْتُ رُوْحِي
سِوَى طَبْخِ المُنَى فِي قِدْرِ وَعْدٍ ... بِنَارِ الفِكْرِ فِي القَلْبِ القَرِيْحِ
إِذَا حَضرَ الغَدَاءُ غَرَفْتُ مِنْهَا ... ثَرِيْدَةَ بَاطِل فِي صاعِ رِيْحِ
وَلَسْتُ بِدَايِرِ الأَضْرَاسِ إِلَّا ... عَلَى الأَشْعَارِ وَالكلِمِ الفَصِيْحِ
وَقَالَ آخَرُ يَصِفُ بَخِيْلًا (3):
أَبُو نُوْحٍ دَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا ... فَغَدَّانِي بِرَائِحَةِ الطَّعَامِ
وَجَاءَ بِلَحْمِ لَا شَيْءَ سَمْنٍ ... فَقَرَّبَهُ عَلَى طَبَقِ الكَلَامِ
فَلَمَّا مَدَدْتُ يَدِي بِوَهْمٍ ... رَأَيْتُ الطِّسْتَ فِي كَفِّ الغُلَامِ
_______
(1) حلية المحاضرة 1/ 33، المنصف ص 52.
(2) لم ترد في ديوانه.
(3) العقد الفريد 6/ 187 - 188.
(1/204)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَلَمَّا أَنْ رَفَعْتُ يَدِي سَقَانِي ... مُدَامًا بَعْدَ ذَاكَ بلا مُدَامِ
فَكَانَ كَمَنْ سَقَى الظَّمْآنَ آلًا ... وَكُنْتُ كَمَنْ تَغَدَّى فِي المَنَامِ
وَهَذِهِ الأَبْيَاتُ بِبَابِ المُبَالَغَةِ وَإِنْ كَانَ فِي البَيْتِ الثَّانِي مِنْهَا نَوْعٌ مِنَ الاسْتِعَارَةِ فِي قَوْلِهِ: عَلَى طَبَقِ الكَلَامِ.
* * *

جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ:
تَكَادُ تَشْرَبُ مَاءَ الحُسْنِ إِنْ سَفَرَتْ ... مِنْ وَجِهِهَا مُهَجُ العُشَّاقِ بِالمُقَلِ
وَمِنْ الاسْتِعَارَةِ قَوْلُ أَبِي الفَضْلِ مُحَمَّد بن عَبْدُ الوَاحِدِ بن عَبْدُ العَزِيْزِ بن الحارثِ بن أسَد بن اللَّيْث بن سُلَيْمَانَ بن الأسْوَدِ التَّمِيْمِيّ مِنْ قَصِيْدَةٍ أَوَّلُهَا:
بَعْدَ ارْتحَالِ الحَيِّ مِنْ جَوِّ بَارِقِ ... تُؤَمَّلُ أَنْ يَسْلُو الهَوَى قَلْبُ عَاشِقِ
يَقُوْلُ فِيْهَا:
إِذَا طَمْأنَتْنِي الحَادِثَاتُ وَلَمْ أَجِدْ ... سِوَى اثنَيْنِ مِنْ مَائِهَا مُتَمَاذِقِ
شَرِبْتُ سُلَافَ السَّيْرِ تَقْطِبُ كَأْسُهُ ... بِفَقْدِ خَلِيْلٍ أَوْ حَبِيْبٍ مُفَارِقِ
أنَا ابْنُ السَّرَى لَا بَلْ أَبُوْهَا كَأَنَّمَا ... رِكَابِي عَلَى قَلْبٍ مِنَ الدَّهْرِ خَافِقِ
صَفَا تَحْتَ صَفِّ البَيْنِ إِنْ ظَلَّ غَامِرِي ... وَصَابًا ذُعَافًا إِنْ غَدَا البَيْنُ ذَائِقِي
أَلِفْتُ الفَيَافِي فَهِيَ تَحْسِبُ أَنَّنِي ... صُوَاهَا وَعِيْسِي مِنْ رِئَالِ النَّقَانِقِ
وَعَلَّقْتُ اَمَالِي بِأَبْيَضِ صَارِمٍ ... وَاسْمَرَّ حَظِّي وَأَجْرَدَ سَابِقِ
فَقَرَّبْنَ مِنْ بَعْدِ المُنَى كُلَّ شَاسِعٍ ... وَأَدْنَيْنَ مِنْ نَيْلِ العُلَى كُلَّ سَابِقِ
فَلَا تَعْذُلْنِي فِي تَسَرُّعِ مُهْجَتِي ... إِلَى حَتْفِهَا بَيْنَ القَنَا وَالفَيَالِقِ
فَلَسْتُ مُرِيْحًا مِنْ قِنَى الخَطِّ رَاحَتِي ... وَلَا مُعْتِقًا عَنْ مَحْمَلِ السَّيْفِ عَاتِقِي
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ كَثيْرٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ الفُحُوْلِ المَجِيْدِيْنَ أَشْيَاءَ مِنَ الاسْتِعَارَةِ إِذْ كَانَ =
(1/205)

الاسْتِعَارَةُ: أَنْ يَجْعَلَ الشَّاعِرُ لِلشَّيْءِ مَا لَيْسَ فِيْهِ، فَتَتَّسِعَ عَلَيْهِ العِبَارَةُ، وَيَزْدَانُ بِذَلِكَ اللَّفْظُ، وَيَرُوْقُ بِهِ المَعْنَى، فَقَدْ قِيْلَ فِي المَثَلِ: مِنْ بَرَاعَةِ العِبَارَةِ حُسْنُ
__________
= مَخْرِجُهَا التَّشْبِيْهِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ امْرِىِ القَيْسِ يَصِفُ طُوْلَ اللَّيْلِ (1):
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصلْبِهِ ... وَأَرْدَفَ إعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلكَلِ
فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُشَبِّهَ اللّيْلَ لِطُوْلهِ بِالَّذِي يَتَمَطَّى بِصُلْبهِ لَا أَنَّ لَهُ صُلْبًا حَقِيْقِيًّا فَهَذَا مَخْرَجُ لَفْظِهِ إِذَا تُؤَمِّلَ وَمِثْلَهُ فِي الاسْتِعَارَةِ لِزُهَيْرٍ (2):
صَحَا القَلْبُ عَنْ سَلْمَى وَأَقْصَرَ بِاطِلُه ... وَعُرِّيَ أَفْرَاسُ الصِّبَا وَرَوَاحِلُه
أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا كَاَنَتِ الأَفْرَاسُ لِلْحَرْبِ إِنَّمَا تَعَرَّى عِنْدَ تَرْكِهَا وَوَضْعُ الحَرْبِ أَوْزَارَهَا فَلِذَلِكَ عُرِّيَ أَفْرَاسُ الصِّبَى لَمَّا تَخَلَّى عَنِ البَاطِلِ قَلْبهُ فَاسْتَعَارَ لِلصِّبَى أَفْرَاسًا وَلَا أَفْرَاسَ لَهُ.
وَكَقَوْلِ ابنِ المُعْتَزِّ فِي طُوْلِ اللَّيْلِ (3):
مَا لِي أَرَى اللَّيْلَ مُسْبِلًا شَعْرًا ... عَنْ غُرَّةِ الصِّبْحِ غَيْرَ مَفْرُوْقِ
وَكَقَوْلِ المُوْسَوِيّ (4):
يُشَقُّ الرَّوعُ عَنْ دَاجِي بُدُوْرٍ ... بَرَزْنَ مِنَ العَجَاجَهِ فِي دَآدِي
يَرِيْهُمْ فِيْهِ مِرْآةَ المَنَايَا ... بَصدْقِ يَقِيْنِهِمْ وَجْهِ المَعَادِ
وَقَوْلُ مَرْوَانَ بن أَبِي حَفْصَة (5):
فَكَمْ لُجَّةٍ قَدْ خُضْتَهَا بَعْدَ لُجَّةٍ ... مِنَ المَوْتِ لن تُعْقَدْ عَلَيْهَا جُسُوْرُهَا
_______
(1) ديوانه ص 18.
(2) شرح ديوانه ص 113.
(3) ديوانه/ 284.
(4) ديوان الشريف الرضي 1/ 330.
(5) لم ترد في ديوانه.
(1/206)

الاسْتِعَارَةِ. وَلِذِي الرُّمَّةِ فِيْهِ التَّقْدِيْمُ بِقَوْلِهِ (1): [من الطويل]
وَأشْعَثَ مِثْلِ السَّيْفِ قَدْ لَاحَ جِسْمَهُ ... وِجِيْفُ المَهَارَى وَالهُمُوْمُ الأبَاعِدُ
سَقَاهُ السُّرَى كَأْسَ النُّعَاسِ فَرَأْسُهُ ... لِدِيْنِ الكَرَى مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ سَاجِدُ
جَعَلَ للنُّعَاس كَأْسًا، وَلِلكَرَى دِيْنًا مِنْ غَيْرِ حَقِيْقَةٍ، تَزْيِينًا لِلْعِبَارَةِ. وَكَقَوْلِ بَعْضِ المُحْدَثِيْنَ (2):
يا طِيْبَ مَرْعَى مُقْلَةٍ لَمْ يُخَفْ ... بِرَوْضَتَيْهِ زَجْرُ حُرَّاسِ
رَعَتْ بِخَدٍّ لَمْ يَفِضْ ماؤهُ ... وَلَمْ تُحِطْهُ أَعْيُنُ النَّاسِ

وَلُطْفُ المَخْلَصِ:
وَهُوَ حُسْنُ خُرُوْجِ الشَّاعِرِ مِنَ التَّشْبيْبِ بِالنَّسِيْبِ إِلَى مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ، وَهُوَ الشَّاهِدُ لِلشَّاعِرِ بِالحِذْقِ وَالبَرَاعَةِ، وَعِنْدَهُ يَتَرَصَّدُ السَّامِعُ عَثَرَاتِهِ، وَمَتى وُفِّقَ الشَّاعِرُ لِحُسْنِ مَخْلَصهِ، غَفَرَتْ الأَسْمَاعُ لَهُ مَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ، أَوْ تَقْصيْرٍ فِي إبْدَاعِ مَعْنًى، أَوْ جُوْدَةِ لَفْظٍ؛ لأنَّ القَصِيْدَةَ مَثَلُهَا مَثَلُ خَلْقِ الإِنْسَانِ فِي اتِّصالِ بَعْضِ أَعْضائِهِ بِبَعْضٍ، فَمَتَى انْفَصلَ وَاحِدٌ مِنَ الأَجْزَاءِ، أَوْ بَايَنَهُ فِي صِحَّةِ التَّرْكِيْبِ، غَادَرَ بِالجِسْمِ عَاهَةً تَتخَوَّنُ مَحَاسِنَهُ، وَتُعَفِّي جَمَالَهُ. وَمَا زَالَ حُذَّاقُ الشُّعَرَاءِ، وأرْبَابُ الصَّنْعَةِ مِنَ المُحْدَثِيْنَ يَحْتَرِسُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ احْتِرَاسًا، يَحْمِيْهِمْ مِنْ مَعَايِبِ النُّقْصَانِ، وَيَهْدِيْهِمْ إِلَى مَحَجَّةِ الإِحْسَانِ، لِيَحْصُلَ الاتِّصالُ، وَيُؤَمَّنَ الانْفِصَالُ، وَتَأتِي القَصيْدَةُ فِي تَنَاسُبِ صدُوْرِهَا وَأعْجَازِهَا، وَانْتِظَامٍ نَسِيْبِهَا بِمَدِيْحِهَا كَالرِّسَالَةِ البَلِيْغَةِ وَالخُطْبَةِ الوَجِيْزَةِ، لَا يَنْفَصِلُ جِزْءٌ مِنْهَا عَنْ جُزْءٍ كَقوْلِ مُسْلِمِ بنِ الوَلِيْدِ (3): [من الطويل]
أجِدَّكِ هَلْ تَدْرِيْنَ (4) أَنْ رُبَّ لَيْلَةٍ ... كَأَنَّ دُجَاهَا مِنْ قُرُونكِ تُنْشَرُ
__________
(1) ديوانه 1/ 1111.
(2) لأبي نواس في العمدة 1/ 276.
(3) ديوانه/ الذيل ص 316.
(4) دَرِيْتُ الشَّيْءَ إِذَا عَلِمْتُهُ بَعْدَ التَّطَلُّبِ، فَلِهَذَا لَا يُقَالُ للَّهِ دَارِي بِمَعْنَى عَالِمٍ وَالدَّارِي =
(1/207)

نَصبْتُ لَهَا حَتَّى تَجَلَّتْ بِغُرَّةٍ ... كَغُرَّةِ يَحْيَى حِيْنَ يُذْكَرُ جَعْفَرُ
وَهَذَا مَذْهَبٌ اخْتَصَّ بِهِ المُتَأَخِّرُوْنَ؛ لِتَوَقُّدِ خَواطرهمْ وَلُطْفِ أفْكَارِهِمْ، وَاعْتِمَادِهِمْ البَدِيْعَ، وَتَفَنُّنِهِمْ فِي أشْعَارِهِمْ. وَأظُنَّهُ مَسْلَكًا سَهَّلُوا حُزُوْنَهُ، وَنَهْجُوا رَسْمَهُ، فَأمَّا الفُحُوْلُ وَالأوَائِلُ، وَمَنْ تَبعَهُمْ مِنَ المُخَضرَمِيْنَ الإسْلَامِيِّيْنَ، فَمَذْهَبُهُمْ المُتَعَارَفُ فِيْهِ قَوْلُ أحَدِهِمْ: دَعْ ذَا، وَاَذْكُرْ كَذَا، وَعَدِّ عَمَّا تَرَى، وَتَجَاوَز عَنْ كَذَا إِلَى كَذَا.
وَقُصَارُ كُلِّ مِنْهُمْ وَصْفُ نَاقَتِهِ بِالكَرَمِ وَالعِتْقِ، وَالنَّجَابَةِ وَالنَّجَاءِ، وَأَنَّهُ خَاضَ اللَّيْلَ بِهَا، وَقَطَعَ مَفَازَةً عَلَيْهَا إِلَى المَقْصوْدِ المَمْدُوْحِ. وَهَذِهِ الطَّرِيْقُ المَهْيَعُ، وَالمَحَجَّةُ اللِّهْجِمِ وَرُبَّمَا اتَّفَقَ لِأحَدِهُم تَخَلُّصٌ لَطِيْفٌ إِلَى غَرَضِهِ مِنْ تَعَمُّدٍ، إِلَّا أَنَّ طَبْعَهُ السَّلِيْمَ وَصرَاطَهُ المُسْتَقِيْمَ، نَصَبَا لَهُ مَنَارَهُ وَأوْقَدَا باليَفَاعِ نَارَهُ، كَتَخَلُّصِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ إِلَى غَرَضِهِ بِقَوْلهِ (1): [من الطويل]
فَأسْبَلَ مِنِّي عَبْرَةً فَرَدَدْتُهَا ... عَلَى النَّحْرِ مِنْهَا مُسْتَهِلٌّ وَدَامِعُ
عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ المَشِيْبَ عَلَى الصِّبَا ... وَقُلْتُ: ألَمَّا أصحُّ وَالشَّيْبُ وَازعُ
وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُوْنَ ذَلِكَ دَاخِلٌ ... مَكَانَ الشَّغَافِ تَحْتَوِيْهِ الأَضَالِعُ
__________
= بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ فَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ: يَا رَبِّ لَا أَدْرِي وَأَنْتَ الدَّارِي. فَهَذَا مِنْ غَلَطِ العَرَبِ.
قَالَ أَعْرَابِيٌ:
فَإِنْ كُنْتُ لَا أَدْرِي الظِّبَاءَ فَإِنَّنِي ... أَدُسُّ لَهَا تَحْتَ الترَابِ الدَّوَاهِيَا
وَإِنَّمَا ضُرِبَ هَذَا مَثَلًا، وَقَالَ آخَرُ (1):
أتوا لَا يُبَالُوْنَ الحَشَا وَتَرَوَّحُوا ... خَلِيَّيْنِ وَالرَّامِي يُصِيْبُ وَلَا يَدْرِي
يَقْوْلُ: يُصِيْبُ الرَّامِي وَلَا يَقْصِدُ الرَّمِيَّةَ.
(1) ديوانه ص 30.
_______
(1) لسان العرب (درى).
(1/208)

وَعِيْدُ أَبِي قَابُوْسَ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ ... أَتَانِي وَدُوْنِي رَاكِسٌ فَالضَّوَاجِعُ (1)
فَهَذَا كَلَامٌ مُتَنَاسِجٌ، مُتَلَاحِمٌ مُتَنَاسِبٌ، مُتَلَائِمٌ يَقْتَضِي أوَائِلُهُ أوَاخِرَهُ. لَا يَتَمَيَّزُ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ اعْتَرَضَ دُوْنَ ذَلِكَ فِي وَصفِ حَالِهِ عِنْدَ عِلْمِهِ بِوَعِيْدِهِ، وَتَشْبِيْهِ
__________
(1) أَوَّلُهَا (1):
عَفَا ذُو حَسًا مِنْ فرتَنَا فَالفَوَارِعُ ... فخبتا أَرِيْكٍ فَالتِّلَاعُ الدَّوَافِعُ
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامِ سَابِعُ
رَمَادٌ كَكِحْلِ العَيْنِ لَا يَأتِيَنَّهُ ... وَنَؤيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ
فَأَسْبَلَ. الأَبْيَاتُ إِلَى قَوْلِهِ: مَخَافَةَ إِنْ قَدْ قُلْتَ. البَيْتُ
أَتُوْعِدُ عَبْدًا لَمْ يَخُنْكَ أَمَانَةً ... تتْرُكُ عَبْدًا ظَالِمًا وَهُوَ ظَالِعُ
حَمَلْتَ عَلَيْهِ ذَنْبَهُ وَتَرَكْتَهُ كذي ... العُرّ يَكُوْى غَيْرُهُ وَهُوَ رَاتِعُ
يَقْوْلُ مِنْهَا:
لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنِ ... لَقَدْ نَطَقَتْ بَطَلًا عَلَيَّ الأَقَارِعُ
أُقَارِعُ عَوْفًا لَا أُجَادِلُ غَيْرَهَا ... وُجُوْهُ كِلَابٍ تَبْتَغِي مَنْ تُخَادِعُ
أَتَاكَ امْرُؤٌ مُسْتَعْلِنٌ لَكَ بُغْضُهُ ... لَهُ مِنْ عَدُوٍّ مِثْلُ ذَلِكَ شَافِعُ
فَإِنْ كُنْتَ الضَّغْنَ عَنِّي مُنْكِلًا ... وَلَا حَلِفِىِ عَلَى البَرَاءَة نَافِعُ
وَلَا أَنَا مَأْمُوْنٌ بِشَيْءٍ أَقُوْلُهُ ... وَأَنْتَ بأَمْرٍ لَا مَحَالَةَ وَاقِعُ
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبَةً ... وَهَلْ يَأثِمَنْ ذو أُمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ
فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ
خَطَاطِيْفُ حجنٍ فِي حِبَالٍ مَتِيْنَةٍ ... تَمُدُّ بِهَا أيْدٍ إِلَيْكَ نَوَازعُ
سَيَبْلغُ عُذْرًا أَوْ نَجَاحًا مِنْ امْرِئٍ ... إِلَى رَبِّهِ رب البَرِيَّةِ رَاكِعُ
وَأَنْتَ رَبِيْعٌ يُنْعشُ النَّاسَ سَيْبُهُ ... وَسَيْفٌ أعِيْرَتهُ المَنِيَّةِ قَاطِعُ
أَبَا اللَّهُ إِلَّا عَدْلَهُ وَوَفَاءَهُ ... فَلَا النّكْرُ مَعْرُوْفٌ وَلَا العُرْفُ ضَائِعُ
_______
(1) الأبيات للنابغة الذبياني في ديوانه ص 30.
(1/209)

نَفْسِهِ بِالسَّلِيْمِ مِنْ ذِكْرِ الحَيَّةِ، وَوَصْفِهَا بسُوْءِ سُمِّهَا، وَتَناَذُر الرَّاقِيْنَ إيَّاهَا بِمَا أَحْسَنَ فِيْهِ كلَّ الإِحْسَانِ، فَقَالَ (1): [من الطويل]
فَبِتُّ كَأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِيَلَةٌ ... مِنَ الرُّقشِ في أنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعُ
تَنَاذَرَهاَ الرَّاقُونَ مِنْ سُوْءِ سُمِّهَا ... تُطَلِّقُهُ طَوْرًا وَطَوْرًا تُرَاجِعُ
يُسَهَّدُ مِنْ نَوْمِ العِشَاءِ سَلِيْمُهَا ... لِحَلْي النِّسَاءِ فِي يَدَيْهِ قَعَاقِعُ
ثُمَّ عَادَ عَاطِفًا كَلَامَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخَلُّصِهِ فَقَالَ: [من الطويل]
وَأُخْبِرْتُ خَيْرَ النَّاسِ أَنَّكَ لُمْتَنِي ... وَتِلْكَ الَّتِي تَسْتَكُّ مِنْهَا المَسَامِعُ
مَخَافَةَ أَنْ قَدْ قُلْتَ سَوْفَ أنَالُهُ ... وَذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ مِثْلِكَ رَائِعُ
فَلَوْ تَوَصَّلَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ صُنَّاعِ المُحْدَثِيْنَ الحُذَّاقِ الَّذِينَ وَاصلُوا تَفْتِيْشَ المَعَانِي، وَفَتَحُوا أَبْوَابَ البَدِيعِ، وَاجْتَنُوا ثَمَرَةَ الآدَابِ، وَزَهْرَةَ الكَلَامِ، لَكَانَ مُعْجِزًا عَجِيْبًا. فَكَيْفَ بِجَاهِلِيٍّ بَدَوِيٍّ إِنَّمَا يَغْتَرِفُ مِنْ قَلِيْب قَلْبهِ، وَيَسْتَمِدُّ مِنْ هِدَايَةِ هَاجِسِهِ؟
وَمِنْ مَلِيْحِ المَخْلَصِ وأَحْسَنِهِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ الطَّائِيِّ فِي عَبْدِ اللَّهِ بن طَاهِرٍ (2): [من البسيط]
يَقُوْلُ فِي قُوْمِسٍ صَحْبِي وَقَدْ أخَذَتْ ... مِنَّا السُّرَى وَذُرَى المَهْرِيَّةِ القُوْدِ
أَمَطْلَعَ الشَّمْسِ تَبْغِي أَنْ تَؤُمَّ بِنَا ... فَقُلْتُ كَلَّا وَلَكِنْ مَطْلَعَ الجُوْدِ
وَقَرِيْبٌ مِنْهُ قَوْلُ عَلِيّ بن الجَّهْمِ (3): [من البسيط]
وَلَيْلَةٍ كُحِّلَتْ بِالنَّقْسِ مُقْلَتُهَا ... ألْقَتْ قِنَاعَ الدُّجَى فِي كُلِّ أُخْدُوْدِ
قَدْ كَادَ تُغْرِقُنِي أَمْوَاجُ ظُلْمَتِهِ ... لَوْلَا اقْتِبَاسِي سَنًى مِنْ وَجْهِ دَاوُدِ
__________
(1) ديوانه ص 33.
(2) ديوان أبي تمام 2/ 132.
(3) ديوانه ص 128.
(1/210)

وَمِنْ بَدِيْعِ المَخْلَصِ قَوْلُ أَبِي الشَّمَقْمَقِ (1): [من المتقارب]
وَأَحْبَبْتُ مِنْ حُبِّهَا البَاخِلِيْنَ ... حَتَّى وَمقْتُ ابنَ سَلْمٍ سَعِيْدَا
إِذَا سِيْلَ عُرْفًا كَسَا وَجْهَهُ ... ثِيَابًا مِنَ اللُّؤْمِ صُفْرًا وَسُوْدَا
وَمِنْ لَطِيْفِ المَخْلَصِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصد شَاعِرُهُ مَدْحًا، وَلَا ذَمًّا، قَوْلُ البُحْتُرِيِّ (2): [من الكامل]
بَيْنَ الشَّقِيْقَةِ فَاللِّوَى فَالأَجْرَعِ ... دِمَنٌ حُبسْنَ عَلَى الرِّيَاحِ الأرْبَعِ
فَكَأَنَّمَا ضَمَنَتْ مَعَالِمُهَا الَّذِي ... ضمِنَتْهُ أَحْشَاءُ المُحِبِّ المُوْجَعِ (3)
__________
(1) شعراء عباسيون ص 154.
(2) ديوانه 2/ 1286.
(3) وَمِنْ التَّخَلصِ البَدِيْعِ المُسْتَحْسَنِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ بن وَهِيْبٍ وَهُوَ تَخَلُّصهُ مِنَ الغَزَلِ إِلَى المَدْحِ (1):
مَا زَالَ يُنْهِلُنِي مَرَاشِفَهُ ... وَيُعِلَّنِي الإِبْرِيْقُ وَالقَدَحُ
حَتَّى اسْتَرَدَّ اللَّيْلُ خلْعَتَهُ ... وَبَدَا خِلَالَ سَوَادِهِ وَضَحُ
وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ... وَجْهُ الخَلِيْفَةِ حِيْنَ يُمْتَدَحُ
وَمِنْ المُخلصِ المُنْقَطِعِ عَنْهُ كُلُّ أَحَدٍ قَوْلُ أَبُو تَمَّامٍ (2):
إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الخَلَائِقِ قَاتَهَا ... أَقْوَاتَهَا لِتَصَرُّفِ الأَحْرَاسِ
فَالأَرْضُ مَعْرُوْفُ السَّمَاءِ قِرًى لَهَا ... وَبَنُو الرَّجَاءِ لَهُمْ بَنُو العَبَّاسِ
وَالقَوْمُ ظِلُّ اللَّهِ أَسْكَنَ دِيْنَهُ ... فِيْهِمْ وَهُمْ جَبَلُ المُلُوْكِ الرَّاسِي
وَمِنْ أَحِسَنِ التَّخَلُّصِ إِلَى المَدْحِ قَوْلُ جَرِيْرٍ (3):
دَعَوْنَ الهَوَى ثُمَّ ارتَمَيْنَ قلُوْبنَا ... بِأَسْهُمِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صدِيْقُ
_______
(1) شعراء عباسيون 1/ 68.
(2) ديوانه 2/ 246.
(3) ديوانه ص 372.
(1/211)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَلَا وَصْلَ وَالحَجَّاجُ بَيْنِي ... وَبَيْنَكُمْ وَأَزْوَرُ مغْبَرُّ النَّجَاحِ عَمِيْقُ
وَمِنْ يَأْمَنِ الحَجَّاجَ أَمَّا عِقَابُهُ ... فَمُرٌّ وَأَمَّا عَقْدُهُ فَوثِيْقُ
وَقَالَ البُحْتُرِيُّ فِي المَدْحِ (1):
كَأَنَّ سَنَاهَا بِالعَشِيِّ لِصَحْبِهَا ... تَبَلَّجَ عِيْسَى حِيْنَ يَلْفِظُ بِالوَعْدِ
وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلُ دِعْبَلَ (2):
وَمَيْثَاءَ خَضرَاءَ رَزِيْنَةٍ بِهَا ... النُّوْرُ يَلْمَعُ مِنْ كُلِّ فَنِّ
ضَحُوْكًا إِذَا لَاعَبَتْهُ الرِّيَاحُ ... تَأَوَّدَ كَالشَّارِبِ المُرْجِحَنّ
يُشْبِهُ صَحْبِي نُوَّارَهَا ... بِدِيْبَاجِ كِسْرَى وَعَصبِ اليَمنِ
فَقُلْتُ بَعُدْتُمْ وَلَكِنَّنِي ... أُشَبِّهُهُ بِجَنَابِ الحَسَن
فَتًى لَا يَرَى المَالَ إِلَّا العَطَاءَ ... وَلَا الكَنْزَ إِلَّا اعْتِقَالَ المِنَنِ
وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ (3):
لَمْ يَجْتَمِعْ قَطُّ فِي مِصْرَ ... مُحَمَّدُ بن أَبِي مَرْوَانَ وَالنُّوَبُ
وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ أَيْضًا (4):
عَامِي وِعَامُ العِيْسِ بَيْنَ وَدِيْقَةٍ ... مَسْحُوْرَةِ وَتَنُوْفَةٍ صَيْخُوْدِ
حَتَّى أُغَادِرَ كُلَّ يَوْمٍ بِالفَلَا ... لِلطَّيْرِ عِيْدٌ مِنْ بَنَاتِ العِيْدِ
هَيْهَاتَ مِنْهَا رَوْضَةٌ مَحْمُوْدَةٌ ... حَتَّى تُنَاخَ بِأَحْمَدَ المَحْمُوْدِ
بِمُعَرَّسِ العَرَبِ الَّذِي وجَدَتْ بِهِ ... أَمْنَ المَرُوعِ وَنَجْدَةَ المَنْجُوْدِ
وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ أَيْضًا (5): =
_______
(1) ديوانه 2/ 759.
(2) ديوانه ص 147.
(3) ديوانه 1/ 243.
(4) ديوانه 1/ 390 - 391.
(5) ديوانه 3/ 310.
(1/212)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= إِسَاءَةَ الحَادِثَاتِ اسْتَنْبِطِي نَفَقًا ... فَقَدْ أَظَلَّكِ إِحْسَانُ ابن حَسَّانِ
وَمِنْ حَسَنِ المخلصِ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ يَمْدَحُ المَلِكَ العَزِيْزَ:
قُلْتُ لِلدَّهْرِ حِيْنَ جَاءَكَ رَغمي ... فَرَمَانِي بِكُلِّ خَطْبٍ جَلِيْلِ
لا تَمدَّنَ لِي يَدًا بِاهْتِضَامِ ... ابن جَارِ العَزِيْزِ غَيْرَ ذَلِيْلِ
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ (1):
يَقْوْلُ أُنَاسٌ فِي حَبِيْنَاءَ عَايَنُوا ... عمَارَةَ رَحْلِي مِنْ طَرِيْفٍ وَتَالِدِ
وَيُرْوَى:
فِي حَبِيْنَا وَقَدْ رَأُوا غُضَارَةَ رَحلِي. حَبِيْنَاءُ: مَوْضِعٌ كَانَ بِهِ المَمْدُوْحُ.
أَصَادَفْتَ كنْزًا أَمْ صَبَحْتَ بِغَارَةٍ ... ذَوِيْ غِمْرَةٍ حَامِيْهُمُ غَيْرُ شَاهِدِ
فَقُلْتُ لَهُمْ لا ذَا وَلَا ذَاكَ دَيْدَنِي ... وَلَكِنَّني أَقْبَلْتُ مِنْ عِنْدِ خَالِدِ
وَمِنْهُ قَوْلُ آخَر:
مَنْ كَانَ أَحْجَمَ أَوْ نَامَتْ حَقِيْقَتُهُ ... عَنِ الحِفَاظِ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى القُحَمِ
فَعُقْبَةُ بنُ زُهَيْرٍ يَوْمَ نَازَلَهُ جَمْعٌ ... مِنَ التُّرْكِ لَمْ يُحْجِمْ وَلَمْ يَحِمِ
مُشَمِّرٌ لِلْمَنَايَا عَنْ شَوَاهُ إِذَا مَا ... الوَغْدُ أَسْبَلَ ثَوْبَيْهِ عَلَى القَدَمِ
خَاضَ الرّدَى فِي العِدَى قُدْمًا بِمَنْصلِهِ ... وَالخَيْلُ تَعْلِكُ المَوْتَ بِاللّجَمِ
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ وَحَسَنِ المخلص إِلَى المَدْحِ وَوَصْفِ الحَبِيْبِ قَوْلُ أَعْشَى بَكْرٍ (2):
مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحزنِ مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ
_______
(1) ديوانه 2/ 5.
(2) ديوانه ص 61.
(1/213)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= يُضَاحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّر بِعَمِيْمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ
يَوْمًا بِأَطِيَبَ مِنْهَا نَشْرَ رَائِحَةٍ ... وَلَا بِأَحِسَنِ مِنْهَا إِذْ دَنَا الأَصْلُ
وَأَنْشَدَ ابْنُ الحَارِثِيّ لِنَفْسِهِ (1):
مَا رَوْضةٌ عُلْوِيَّةٌ أَسَدِيَّةٌ ... مُنَمْنَمَةٌ زَهْرَاءُ ذَاتُ ثَرًى جَعْدِ
سَقَاهَا النَّدَى في عَقْبِ جِنْحٍ مِنَ الدُّجَى ... فَنوَّارُهَا يَهْتَزُّ بِالكَوْكَبِ السَعَدِ
بَأَحَسَنَ مِنْ حُرٍّ تَضَمَّنَ حَاجَةً ... لِحُرٍّ فَأَوْفَى بِالنَّجَاحِ مَعَ الوَعْدِ
وَقَالَ ابن عَبْدِ رَبّهِ (2):
وَمَا رَوْضَةٌ بِالحزنِ حَاكَ لَهَا النَّدَى ... بُرُوْدًا مِنَ المُوَشَّى حُمْرُ الشَّقَائِقِ
يُقِيْمُ الدُّجَى أَعْنَاقهَا وَيُمِيْلهَا ... شُعَاعُ الضُّحَى المُشْتَقِّ فِي كُلِّ شَارِقِ
إِذَا ضَاحَكَتْهَا الشَّمْسُ تَبْكِي بِأَعْيُنٍ ... مُكَلَّلَةِ الأَجْفَانِ حُمْرِ الحَدَائِقِ
حَكَتْ أَرْضُهَا لَوْنَ السَّمَاءِ وَزَانَهَا ... نُجُوْمٌ كَأَمْثَالِ النُّجُوْمِ الخَوَافِقِ
بِأَطْيَبَ نَسْرًا مِنْ خَلَائِقِهِ الَّتِي لَهَا ... خَضعَتْ فِي الحُسْنِ زَهْرُ الخَلَائِقِ
وَقَالَ بَكْرُ بن النَّطَّاحِ فِي المخلِصِ إِلَى المَدْحِ (3):
وَذَوِيَّةٍ خُلِقَتْ لِلسَّرَابِ ... فَأَمْوَاجُهُ بَيْنَهَا تَزخَرُ
تَرَى جِنَّهَا بَيْنَ أَضْعَافِهَا ... حلُوْلًا كَأَنَّهُمُ البَرْبَرُ
كَأَنَّ جَفْنَيْهِ تَحْمِيْهُمُ ... فَأَلْيَنُهُمْ خَشِنٌ أَزْوَرُ
وَقَالَ القَاضي أَبُو القَاسَمِ التَّنُوخِي (4):
_______
(1) شرح المقامات للشريشي 1/ 72، بهجة المجالس 1/ 324، أنظر: عبد الملك الحارثي حياته وشعره ص 58 - 59.
(2) ديوانه ص 184.
(3) شعره ص 243.
(4) يتيمة الدهر 2/ 402.
(1/214)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أَسِيْرُ وَفِي قَلْبِي هَوَاكَ أَسِيْرُ ... وَحَادِي رِكَابِي لَوْعَةٌ وَزَفِيْرُ
ولي أَدْمُعٌ غُزْرٌ تَفِيْضُ كَأَنَّهَا نَدًى ... فَاضَ فِي العَافِيْنَ مِنْكَ غَزِيْرُ
وَقَالَ أَبُو فِرَاسٍ بن حَمْدَانَ (1):
كَأَنَّمَا دَمْعِي مِنْ بَعْدِهِ ... صَوبُ عَطَايَا كَفِّهِ الهَاطِلِ
* * *

قَوْلُ عَلِيّ بن الجّهَمِ: كُحِلَتْ بِالنَّفْسِ مُقْلَتِهَا مَأْخُوْذٌ مِنْ قَوْلِ أَعْرَابِيٍّ:
وَاللَّيْلُ قَدْ صَبَغَ الحصَى بِمِدَادِ
أخَذَهُ أَبُو نُوَّاسٍ فَقَالَ (2):
وَنَجْمُ اللَّيْلِ مُكْتَحِلٌ بِقَارِ
وَأَخَذَهُ أَبُو تَمَّامٍ فَقَالَ (3):
إِلَيْكَ قَطَعْنَا جُنْحِ لَيْلٍ كَأَنَّهُ ... قَدِ اكْتَحَلَتْ مِنْهُ العُيُوْنُ بَإِثمِدِ
وَأَخَذَ أَبُو نُوَّاسٍ أَيْضًا قَوْلُ الأَعْرَابِيُّ المُتَقَدِّمِ فَقَالَ يَرْتَجِزُ (4):
قَدْ أَغْتَدَى اللَّيْلُ كَالمِدَادِ
وَالصُّبْحُ يَنْفِيْهِ عَنِ البِلادِ
طَرْدَ المَشِيْبِ حَالِكِ السَّوَادِ
وَقَالَ الأَعْشَى فِي المُخْلِصِ يَمْدَحُ الأَسْوَدَ مُخَاطِبًا لِنَاقَتِهِ (5):
لَا تَشْكِي إلَيَّ وَانْجَعِي الأَسْوَدَ ... أَهْلَ النَّدَى وَأَهْلَ الفَعَالِ
_______
(1) ديوانه ص 207.
(2) ديوانه ص 77.
(3) ديوانه 2/ 30.
(4) لم ترد في ديوانه.
(5) ديوانه (صادر) ص 166.
(1/215)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَمْدَحُ هِلَالَا بنَ أَحْوَزَ المَازِنِيّ (1):
جِئْتُ إِلَى نَعَمِ الدَّهْنَاءِ فَقُلْتُ لَهَا ... أُمِّي هِلَالًا عَلَى التَّوْفِيِقِ وَالرَّشَدِ
وَمِثْلُهُ قَوْلُ وَهَبٍ الهَمْدَانِيِّ (2):
وَاطْلُبَا الرِّيْفَ يَا نَدِيْمَيَّ ... فَالرِّيْفُ مِنَ الأَرْضِ حَيْثُ إِسْمَاعِيْلُ
وَقَالَ الآخَرُ فِي المخلص إِلَى المَدْحِ:
أَيَّامُ غُصنِ الشَّبَابِ يَهْتَزُّ ... كَالأَسْمَرِ فِي رَاحَةِ ابنِ حَمَّادِ
وَقَالَ الأَعْشَى (3):
وَإلَى ابنِ سَلْمَى حَارِثٍ قَطَعَتْ ... عَرْضَ النِّجَادِ مَطِيَّتِي تَضعُ
وَرِثَ السِّيَادَةَ مِنْ أَوَائِلِهِ ... وَأَتَمَّ أَحْسَنَ مَا هُمُ صنَعُوا
وَقَالَ النَّامِيُّ فِي سَيْفِ الدَّوْلَةِ (4):
تَقَسَّمَتِ الأَهْوَاءُ قَلْبِي كَمَا غَدَا ... نَوَالٌ عَلَيَّ فِي العُلَى مُتَقَسِّمَا
* * *

سلم الخَاسِرُ (5):
تَبَدَّتْ فَقُلْتُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوْعِهَا ... بِوَجْهٍ غَنِيِّ اللَّوْنِ عَنْ إِرْتِ الوَرْسِ
فَقُلْتُ لأَصْحَابِي وَبِي مِثْلُ مَا بِهِمْ ... عَلَى مِرْيَةٍ مَا هَاهُنَا مَطْلَعُ الشَّمْسِ
* * *
_______
(1) ديوانه ص 175.
(2) عيار الشعر ص 193.
(3) لم يرد في ديوانه.
(4) ديوانه ص 68.
(5) شعراء عباسيون، الحماسة البصرية 2/ 111.
(1/216)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ لَطِيْفِ المَخْلِصِ وَأَحْسَنَهُ قَوْلُ عَلِيّ بن الجَّهمِ يَرِيْدُ انْصرَافَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ خَاقَانَ عَنِ الجعْفَرِيِّ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى عِنْدَ قَتْلِ المُتَوَكِّلِ وَهُوَ يَصِفُ سَحَابَةً (1):
وَسَارِيَةٍ تَرْتَادُ أَرْضًا تَجُوْدُهَا ... شَغَلَتْ بِهَا عَيْنًا طَوِيْلا هُجُوْدُهَا
أتَتْنَا بِهَا رِيْحُ الصِّبَا فَكَأَنَّهَا ... فَتَاةٌ تُزَجِّيْهَا عَجُوْزٌ تَقُوْدُهَا
فَمَا بَرِحَتْ بَغْدَادُ حَتَّى تَفَجَّرَتْ ... بِأَوْدِيَةٍ مَا يَسْتَفِيْقُ مُدُوْدهَا
فَلَمَّا قَضَتْ حَقَّ العِرَاقِ وَأَهْلِهِ ... أَتَاهَا مِنَ الرِّيْحِ الشّمَالِ بَرِيْدُهَا
فَمَرَّتْ تَفُوْتُ الطَّرْفَ سَعْيًا كَأَنَّهَا ... جُنُوْدُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَّتْ بُنُوْدُهَا
قَدْ أَخَذَ عَلِيُّ بن الجَّهمِ هَذَا المَعْنَى مَعْكُوْسًا مِنْ أَبِي العَتَاهِيَةِ حِيْنَ قَالَ (2):
وَرَايَاتٍ يحلُّ النَّصْرُ فِيْهَا ... تَمُرُّ كَأَنَّهَا قِطَعُ السَّحَابِ
وَذَلِكَ مِنْ حِذْقِ الشَّاعِرِ وَقُوَّة صنْعَتِهِ وَحُسْنِ تَلَطّفِهِ.
وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ البُحْتُرِيّ (3):
سُقِيَتْ رَيَّاكِ بِكُلِّ نَوْءٍ عَاجِلٍ ... مِنْ وَبْلِهِ حَقًّا لَهَا مَعْلُوْمَا
لَوْ أَنَّنِي أُعْطِيْتُ فِيْهِنَّ المُنَى ... لَسَقَيْتَهُنَّ بِكَفِّ إِبْرَاهِيْمَا
وَقَوْلُهُ أَيْضًا (4):
آلَيْتُ لَا أَجْعَلُ الإِعْدَامَ حَادِثَةً ... تُخْشَى وَعِيْسَى بنُ إبْرَاهِيْم لِي سَنَدُ
وَقَوْلُهُ أَيْضًا (5):
تَنَصَّبَ البَرْقُ مُخْتَالًا فَقُلْتُ لَهُ ... لَوْجُدْتَ جُوْدَ بَنِي يَزْوَانَ لَمْ تَزِدِ
_______
(1) ديوانه ص 56.
(2) ديوانه ص 65.
(3) ديوانه 3/ 1965.
(4) ديوانه 1/ 496.
(5) ديوانه 2/ 659.
(1/217)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَوْلُ حَاتِمُ الطَّائِيّ مُخَاطِبًا لامْرَأَتِهِ (1):
إِنْ كُنْتِ كَارِهَةً مَعِيْشَتنَا ... هَاتَا فَحُلِّي فِي بَنِي بَدْرِ
جَاوَرتهم زَمَنَ الفَسَادِ فَنِعْمَ ... الحَيُّ فِي العَوْصَاءِ وَاليُسْرِ
فَسُقِيْتِ بِالمَاءِ النَّمِيْرِ وَلَمْ ... أنزل أَوَاطمُ حَمْأة الخفر
وَرُعِيْتُ فِي أُوْلَى النّدِيّ وَلَمْ ... يُنْظَر إِلَيَّ بِأَعْيُنٍ خُزْرِ
الضَّارِبِيْنَ لَدَى أَعِنَّتِهِمْ ... وَالطَّاعِنِيْنَ وَخَيْلُهُمْ تَجْرِي
وَالخَالِطِيْنَ نَحِيْبهُمْ بِنِضَارِهِمْ ... وَذَوِي الغِنَى مِنْهُمْ بِذِي الفقْرِ
قَالَ أَبُو صَالحٍ:
النَّحْتُ مَا نُحِتَ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ والنَّحْتُ الَّذِي لَيْسَ بِنضَارٍ، مِثْلَ الغربِ وَنَحْوهِ مِنَ العِيْدَانِ وَالأثْلُ وَالنَّبْعُ وَيُقَالُ نَضَارٌ وَنِضارٌ قَالَ أَبُو عَمْرو والنضار الأثْلُ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْهُ الأَقْدَاحُ قَالَ الأَصْمَعِيُّ النحيت الدون مِنْهُمْ وَالنضارُ الأَشْرَافُ يَقُوْلُ يخلطُوْنَ مِنْ كيس منهم بِأنْفُسِهِمْ.
وَمِنْ بَدِيْمِ المَخرَجِ وَمَلِيْحِ المخلص قَوْلُ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ (2):
إِنْ كُنْتِ كَاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ... فَنَجَوْتِ مَنْجَى الحارثِ بن هِشَامِ
تَركَ الأَحِبَّهَ أَنْ يُقَاتِلَ دُوْنَهُمْ ... وَنَجَا بِرَأسِ طِمِرَّةٍ وَلِجَامِ
وَيُرْوَى تركَ الأَحِبَّةَ وَالرِّمَاحُ تنوشهُم. فَهَذَا التَّخْلِيْصُ فِي الهِجَاءِ لَطِيْفٌ. وَمِنْ عَجِيْبِ المخلَصِ إِلَى المَدْحِ قَوْلُ أَبي تَمَّامٍ وَهُوَ مِنْ أَبْرَعِ الابْتِدَاءَاتِ أَيْضًا (3):
أَسْقَى طُلُوْلَهُمُ أَجَشُّ هَزِيْم ... وَغَدَتْ عَلَيْهِمْ نَظْرَةٌ وَنَعِيْمُ
جدَّتْ مَعَاهِدَهَا عِهَادُ سَحَابَةٍ ... مَا عَهْدُهَا عِنْدَ الدِّيَارِ ذَمِيْمُ
_______
(1) ديوانه ص 215.
(2) ديوانه ص 108.
(3) ديوانه 3/ 289 - 290.
(1/218)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ثُمَّ تَخَلَّصَ إِلَى المَدْحِ أَحْسَنَ تَخْلُّصٍ فَقَالَ:
لَا وَالَّذِي هُوَ عَالِمٌ أَنَّ الهَوَى أجَلٌ ... وَأَنَّ أَبَا الحُسَيْنِ كَرِيْمُ
مَا زِلْتُ عَنْ سِنَنِ الوِدَادِ وَلَا غَدَتْ ... نَفْسِي عَلَى ألفٍ سِوَاكَ تَحُوْمُ
ثُمَّ عَادَ إِلَى المَدْحِ فَقَالَ:
لِمُحَمَّدِ بنِ الهَيْثَمِ بن شَبَابَةٍ مَجْدٌ ... إِلَى جَنْبِ السَّمَاكِ مُقِيْمُ
مَلِكٌ إِذَا نُسِبَ النّدَى فِي مُلْتَقَى ... طَرْفَيْهِ فَهُوَ أَخٌ لَهُ وَحَمِيْمُ
* * *

وَإِنَّمَا أَخَذَ البُحْتُرِيُّ: هَذَا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدِ بن وَهِيْبٍ فَإِنَّهُ أَحْسَنَ فِي تَخْلِيْصِهِ مِنْ وَصْفِ الدِّيَارِ إِلَى وَصْفِ شَوْقِهِ (1):
طَلَلَانِ طَالَ عَلَيْهُمَا الأَمَدُ ... دَشَرًا فَلَا عَلَمٌ وَلَا نَضِدُ
لَبِسَا البَلَى فَكَأَنَّمَا وَجَدَا ... بَعْدَ الأَحِبَّةِ مِثْلَمَا أَجِدُ
وَقَالَ دِيْكُ الجِّنِّ (2):
وَغَرِيْرٍ يَقْضِي بِحُكْمَيْنِ في الرَّاحِ ... بِعَدْلٍ وَفِي الهَوَى بِمُحَالِ
لِلْنَّقَا رِدْفُهُ وَلِلْخَوْظِ مَا ... حملَ لِينًا وَجِيْدُهُ لِلْغَزَالِ
فَعَلَتْ مُقْلتَاهُ بِالصَّبِّ مَا تَفْعَلُ ... جَدْوَى يَدَيْكَ بِالأَمْوَالِ
وَقَالَ النَّابِغَةُ وَتَخَلّصَ مِنْ تَشَكُّكٍ إِلَى وَصْفِ الحَبِيْبِ (3):
أَقُوْلُ وَالنَّجْمُ قَدْ مَالَتْ مَيَاسِرُهُ ... إِلَى الغُرُوْبِ تَأْمَّلَ نَظْرَةً حَارِ
مِن سَنَا بَرْقٍ رَأَى بَصَرِي ... أَمْ وَجْهُ نُعمٍ بَدَا لِي أَمْ سَنَا نَارِ
وَجْهُ نُعمٍ بَدَا وَاللَّيْلُ مُعْتَكِرٌ ... فَلَاحَ مِنْ بَيْنِ حُجَّابٍ وَأَسْتَارِ
_______
(1) لم ترد في مجموع شعره.
(2) ديوانه ص 124.
(3) ديوان النابعة الذبياني ص 202.
(1/219)

وَنَظَافَةُ الحَشْوِ:
هَذَا بَابٌ لَطِيْفٌ جِدًا، لَا يَتَيَقَّظُ لَهُ إِلَّا مَنْ شَفَّ جَوْهَرُهُ، وَتَوَقَّدَتْ قَرِيْحَتُهُ، وَغَزُرَتْ مَادَّتُهُ، وَكَانَ طَبًّا بِمَجَارِي الكَلَامِ، عَارِفًا بِأسْرَارِ الشِّعْرِ، مُتَصَرِّفًا فِي أَفَانِيْنِهِ، عَالِمًا بِقَوَانِيْنِهِ.
فَالحَشْوُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُمَا: يُسَمَّى الالْتِفَاتُ، وَيُسَمِّيْهِ قَوْمٌ الاعْتِرَاضِ، وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ الشَّاعِرُ آخِذًا فِي مَعْنًى، فَيَعْدِل عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ قَبْلَ إتْمَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ يَعُوْدَ إِلَيْهِ فَيُتَمِّمَهُ، فَيَكُوْنِ مَا عَدَلَ إِلَيْهِ مُبَالَغَةً فِي المَعْنَى الأوَّلِ، وَزِيَادَةً فِي حُسْنِهِ حَتَّى رُبَّمَا نَقَصَ رَوْنَقُ الكَلَامِ وَالمَعْنَى بِفَقْدِهِ، وَهُوَ دُوْنَ دَرَجَةِ التَّتْمِيْمِ الآتِي ذِكْرُهُ فِيْمَا بَعْدُ.
وَقَرِيْبٌ مِنْهُ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ (1): [من الوافر]
ألَا زَعِمَتْ بَنُو عَبْسٍ بِأنِّي ... ألَا كَذَبُوا كَبِيْرُ السِّنِّ فَانِي
فَقَوْلُهُ: ألَا كَذَبُوا اعْتِرَاضٌ بَيْنَ أوَّلِ الكَلَامِ وَآخِرِهِ، وَفِيْهِ زِيَادَةُ مُبَالَغَةٍ لَمَا أرَادَهُ.
__________
= وَأَوَلُ هَذِهِ الأَبْيَاتِ:
عُوْجُوا فَحَيُّوا لنعمٍ دُمْنَةَ الدَّارِ ... مَاذَا تُحَيُّوْنَ مِنْ نُؤْيِ وَأَحْجَارِ
يَقُوْلُ مِنْهَا:
فَمَا وَجَدْتُ بِهَا شَيْئًا أَعِجُّ بِهِ ... إِلَّا الثَّمَامَ وَإِلَّا مَوْقِدَ النَّارِ
وَقَدْ أَرَانِي وَنعْمًا لَاهِبيْنَ بِهِ فِي الدَّهْرِ ... وَالعَيْشِ لَمْ يَهْمم بِإِمْرَارِ
أَيَّامَ تُعْجِبُنِي نعمٌ وَأُخْبرُهَا مَا ... أَكْتَمَ النَّاسُ مِنْ حَاجِي وَأَسْرَارِي
لَوْلَا حَبَائِلَ مِنْ نعمٍ عَلِقْتُ بِهَا ... لأَقْصَرَ القَلْبُ مِنِّي أَيُّ إِقْصَارِ
أُنْبِئْتُ نُعْمًا عَلَى الهِجْرَانِ عَاتِبَةً ... سَقْيًا وَرَعْيًا لِذَاكَ العَاتِبِ الزَّارِي
إِذَا تَغَنَّى الحَمَامُ الوُرْقُ ذَكَّرَنِي ... وَلَوْ تَغَرَّبَتْ عَنْهَا أُمُّ عَمَّارِ
(1) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه ص 126 وليس للذبياني، وهذا وهم من المؤلف.
(1/220)

وَيَجْرِي هَذَا المَجْرَى قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ المَتَنَبِّيُّ (1): [من الطويل]
__________
(1) أَبُو الطَّيِّبُ المُتَنَبِّيّ مَوْلدُهُ بِالكُوْفَةِ فِي كِنْدَةَ سَنَة ثَلَاثِ وَثَلَاثِمِائَةَ، ثُمَّ سَافَرَ أَبُوْهُ إِلَى الشَّامِ وَلَمْ يَزَلْ يَنْقُلُهُ مِنْ بَادِيَتِهَا إِلَى حَضرِهَا وَيُرَدِّدُهُ بَيْنَ مَوَاطِنِ الأَدَبِ وَقَبَائِلِ العَرَبِ حَتَّى تَوَفَّى أَبُوْهُ وَقَدْ تَرَعْرَعَ أَبُو الطَّيِّبِ وَشعرَ وَبَرَعَ وَكَاَنَتْ لَهُ هِمَّةٌ فَبَلَغَ مِنْ عُلُوِّ هِمَّتِهِ أَنْ دَعَا قَوْمًا بَيْعَتِهِ مِنْ عَلَى حَدَاثَةِ سِنَّهِ وَحِيْنَ كَادَ يَتِمُّ لَهُ أَمْرُهُ وَصَلَ الخَبَرُ إِلَى البَلَدِ وِعَرَفَ مَا هُمْ بِهِ مِنَ الخُرُوْجِ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ وَتَقْيِيْدِهِ فَاسْتَعْطَفَهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَقَالَ فِيْهِ أَشْعَارًا فَخَلَّى سَبِيْلَهُ.
وَيُقَالُ أَنَّهُ تَنَبَّأَ فِي صِبَاهُ وَفَتَن شرْذِمَةٌ مِنَ النَّاسِ بِقُوَّةِ أَدَبِهِ وَحُسْنِ كَلَامِهِ وَقَالَ أَبُو الفَتْحِ عُثْمَان بن جِنِّي: سَمِعْتُ أَبَا الطَّيِّبِ يَقُوْلُ إِنَّمَا لُقِبْتُ بِالمُتَنَبِّيّ لِقَوْلي (1):
أَنَا تِرْبُ النَّدَى وَرَبُّ القَوَافِي ... وَسِمَامُ العِدَى وَغَيْظُ الحَسُوْدِ
أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللَّهُ ... غَرِيْبٌ كَصَالِحٍ فِي ثَمُوْدِ
مَا مَقَامِي بَأَرْضِ نَحْلَةَ إِلَّا ... كَمَقَامِ المَسِيْحِ بَيْنَ اليَهُوْدِ
فَهُوَ كُوْفِيُّ المَوْلدِ شَامِيُّ المَنْشَأِ وبِهَا تَخَرَّجَ وَهُوَ شَاعِرُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بنش حَمْدَانَ وَالمَنْسُوْبِ إِلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي رَفَعَ مِنْ قَدْرِهِ وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ وَأَلْقَى عَلَيْهِ شُعَاعَ سَعَادَتِهِ وَضمَّهُ إِلَى سُؤْدَدِ سَيَادَتِهِ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ اتِّصالِهِ بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ يَمْدَحُ القَرِيْبَ وَالغَرِيْبَ وَيَصْطَادُ الكَرْكِيَّ وَالعَنْدَلِيْبَ.
قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَغْدَادَ تَرَفَّعَ عَنْ مَدْحِ الوَزِيْرِ المُهَلَّبِيّ ذهَابًا بِنَفْسِهِ عَنْ مَدْحِ غَيْرِ المُلُوْكِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُهَلَّبِيّ فَأَغْرَى بِهِ شُعَرَاءَ بَغْدَادَ حَتَّى نَالُوا مِنْ عِرْضِهِ وَتَبَارُوا فِي هِجَائِهِ مِنْهُمْ ابْنُ الحَجَّاجِ وابنُ سُكَّرَةَ وَالحَاتِمِيّ وَأَسْمَعُوْهُ غَلِيْظ مَا يَكْرَهُ وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا الحَسَنِ ابنَ لَنْكَكَ البَصْرِيَّ وَكَانَ حَاسِدًا لِلْمُتَنَبِّيِّ مُهَاجِيًا لَهُ زَاعِمًا أَنَّ أَبَاهُ كَان سَقَّاءً بِالكُوْفَةِ فَشَمَتَ بِهِ ثُمَّ إِنَّ المُتَنَبِّيّ فَارَقَ بَغْدَادَ تَحْتَ اللَّيْلِ مُتَوَجَّهًا إِلَى أَبِي الفَضْلِ بنِ العَمِيْدِ فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ - مَوْرِدَهُ وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى أَصْبَهَانَ طَمِعَ الصَّاحِبُ بنُ عَبَّادِ فِي زِيَارَةِ المُتَنَبِّيّ إيَّاهُ وَإِجْرَائِهِ لَهُ مَجْرَى مَقْصُوْدٍ بِهِ مِنْ رُؤَسَاءِ
_______
(1) ديوانه 1/ 319 - 323 - 324.
(1/221)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الزَّمَانِ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ شَابٌ وَلَمْ يَكُنْ اسْتُوْزِرَ بَعْدُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُلَاطِفُهُ فِي اسْتِدْعَائِهِ وَيَضْمَنُ لَهُ مُشَاطَرَتَهُ جِمِيع مَالِهِ فَلَمْ يَلتفِتْ المُتَنَبِّيّ إِلَيْهِ وَلَا أَجَابَهُ عَنْ كِتَابِهِ فَاتَّخَذَهُ الصَّاحِبُ غَرَضًا يَرْشُقُهُ بِسِهَامِ الوَقِيْعَةِ وَيَتْبَعُ سَقَطَاتِهِ فِي شِعْرِهِ وَهَفَوَاتِهِ فِي نَظْمِهِ وَنَثْرِهِ وَقَصَدَ المُتَنَبِّيّ حَضْرَةَ عَضدُ الدَّوْلَةِ شِيْرَازَ فَلَمَّا أَنْجَحَتْ سَفْرَتَهُ وَرَبِحَتْ تِجَارَتَهُ بِحَضرَةِ عَضدُ الدَّوْلَةِ وَوَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ صِلَاتِهِ أَكْثَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ اسْتَأْذَنَهُ فِي المَسِيْرِ عَنْهَا لِيَقْضي حَوَائِجَهُ ثُمَّ يَعُوْدُ إِلَيْهَا فَأَذِنَ لَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُخْلَعَ عَلَيْهِ وَتُعَادُ إِلَيْهِ الجِّمَالُ الخَاصَّةُ وَتُعَادُ صَلَتَهُ بالمَالِ الكَثيْرِ فَامْتُثِلَ لِذَلِكَ.
وَأَنْشَدَهُ أَبُو الطَّيِّبِ الكَافِيَّةِ الَّتِي هِيَ آخِرُ مَا قَالَ وَفِي غُضوْنهَا مَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَأَنَّهُ يِنْعِي فِيْهِ نَفْسَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِد ذَلِكَ فَمِنْهَا قَوْلهُ (1):
فَلَو أَنَّ اسْتَطَعْتُ خَفَضْتُ طَرفِي ... فَلَمْ أُبْصرْ بِهِ حَتَّى أَرَاكَا
وَهَذِهِ لَفْظَةٌ يَتَطَيَّرُ بِهَا.
إِذَا التَّوْدِيْعُ أَعْرَضَ قَالَ قَلْبِي ... عَلَيْكَ الصَّمْتُ لا صَاحَبْت فَاكَا
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ:
قَدْ اسْتَشْفَيْتَ مِنْ دَاءٍ بِدَاءٍ ... وَأَقْتَلُ مَا أَعَلَّكَ مَا شَفَاكَا
يقول له قُدُوْمِي ذا بِذَاكَا.
الثويِّة مِنَ الكُوْفَةِ وَقَالَ قدُوْمِي وَلَمْ يَقُل إِنْشَاءَ اللَّهُ وَقَالَ:
إِذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوْعٌ فِي خُدُوْدٍ ... تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
وَهَذَا مِنْ ذَاكَ أَيْضًا وَفِي آخِرِ القَصيْدَةِ قَوْلَهُ:
وَأَيًّا شِئْتِ يَا طُرُقِي فَكُوْنِي ... أَذَاةً أَوْ نَجَاةً أَوْ هَلَاكَا
جَعَل قَافِيَةَ البَيْتِ
_______
(1) ديوانه 2/ 385.
(1/222)

وَتَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ ... يَرَى كُلَّ مَا فِيْهَا وَحَاشَاكَ فَانِيَا (1)
__________
= ومهلكه عَضدُ الدَّوْلَةِ خَرَجَ عَلَيْهِ سَرِيَّةٌ بَيْنَ الأَعْرَابِ فَحَارَبَهُمْ فَقُتِلَ هو وَابْنهُ وَنَفَرٌ مِنْ غُلْمَانِهِ وَفَازَ الأَعْرَابُ بِأَمْوَالِهِ.
(1) يَقَوْلُ المُتَنَبِّيّ: (تَرَى كُلَّ مَا فِيْهَا وَحَاشَاكَ فَانِيَا) حَشْوٌ حَسَنٌ وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ المُعْجَبِيْنَ بِشِعْرِ أَبِي الطَّيِّبِ إِذَا مَرَّ بِهِمْ هَذَا البَيْتُ قي مُذَاكَرَتِهِمْ يَقُوْلُوْنَ هَذَا حَشْوُ القَطَائِف.
وَأَمَّا قَوْلُ الحِصْنِي: (حَللتَ مِنَ القُلُوْبِ وَأَنْتَ أَهْلٌ) فَقَوْلهُ: (وَأَنْتَ أَهْلٌ) حَشْوٌ لِطِيْفٌ جِدًّا، وَحَشْوُ القَطَائِفِ حَقًا.
وَمِنَ الاعْتِرَاضِ وَالالْتِفَاتِ قَوْلُ الآخَر (1):
فَإِنِّي إِنْ أَفُتْكَ يَفُتْكَ مِنِّي ... فَلَا تُسْبَق بِهِ عِلْقٌ نَفِيْسُ
فَقَوْلَهُ لَا تَسْبَق بِهِ اعْتِرَاضٌ حَسَنٌ فِي مَوْضِعِهِ وِمِنَ الحَشْوِ المُسْتَطَابِ. قَوْلُ الآخَر وَهُوَ عَوْفُ بن مُحْلمَ - يُخَاطِبُ عَبْدُ اللَّهِ بنِ طَاهِرٍ:
إِنَّ الثَّمَانِيْنَ وَبُلغْتُهَا ... قَدْ أَحْوَجَتْ سَمعِي إِلَى تَرْجمَانِ
فَقَوْلهُ: وَبُلِّغْتَهَا مِنْ أَلْطَفِ الحَشْوِ وَأَحْسَنِهِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَوْفًا دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَلَمْ يَسْمَع فَأُعْلِمَ بِذَلِكَ فَزَعَمُوا أَنَّهُ ارْتَجَل هَذِهِ الأَبْيَاتِ فَأَنْشَدَه (2):
يَا ابْنَ الَّذِي دَانَ لَهُ المَشْرِقَانِ ... وأنبسَ العَدْلُ بِهِ المَغْرِبَانِ
إِنَّ الثَّمَانِيْنَ وَبُلِّغتُهَا ... قَدْ أَحْوَجَتْ سَمعِي إِلَى تَرْجمَانِ
وَبَدَّلَتْنِي بِالشِّظَاطِ الجَنَا ... وَكُنْتُ كَالصُّعْدَةِ تَحْتَ السِّنَانِ
الشِّظَاطُ: اعْتِدَالُ القَامَةِ وَانْتِصابِهَا، والجَّنَاءُ: الحَدبُ.
وَبَدَّلَتْنِي مِنْ زِمَاعِ القَنَى ... وهمتي هَمَّ الجَبَانِ الهِدَانِ
_______
(1) البيت لعبد الرحيم بن عبد الملك في معيار النظار ص 107.
(2) الأمالي 1/ 50 معاهد التنصيص 1/ 369.
(1/223)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَارَبَتْ مِنِّي خطَى لَمْ تَكُنْ ... مُقَارِبَاتٌ وثبت مِنْ عِنَانِ
وَأَنشأت بيني وَبَيْنَ الوَرَى ... عنانةً مِنْ غَيْرِ نَسْجِ العَنَانِ
وَلَمْ تَدَعْ فِيّ لِمُسْتَمِعٍ ... إِلَّا لِسَانِي وَبِحَسبِي لِسَانِي
أَدْعُو بِهِ اللَّهَ وَأثْنِي عَلَى ... الأَمِيْرِ المصعبيِّ الهِجَانِ
فقر بَأَنِّي بِأَبِي أَنْتُمَا ... مِنْ وَطَنِي قَبْلَ اصْفِرَارِ البَنَانِ
وَقَبْل منعايَ إِلَى نُسْوَةٍ أَوْطَانُهَا حَرَّانُ وَالرَّقَّتَانِ.
سَتَبْقَى قُصُوْرُ الشاذياخ الحيا الحَيَا ... بَعْدَ انْصِرَافِي وَقُصوْرَ المَبَانِي
فَكَمْ وَكَمْ لِي فِيْكَ دَعْوَةٌ ... إِنْ تَتَخَطَّاكَ صُرُوْفُ الزَّمَانِ
وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ (1):
لَوْ أَنَّ البَاخِلِيْنَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ... رَأَوْكَ تَعَلَّمُوا مِنْكَ المطَالَا
فَقَوْلهُ وَأَنْتَ مِنْهُمْ اعْتِرَاضٌ فِي كَلَامِهِ وَزِيَادَةٌ حَسَنَةٌ فِيْهِ قَبْلَ إِتْمَامِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ المُوْصلِّيّ (2) قَالَ لِي الأَصْمَعِيُّ أتَعْرِفُ الْتِفَاتَاتِ جَرِيْرٍ فَقُلْتُ لَا فَأَنْشَدَنِي قَوْلَهُ (3):
أَتَنْسَى إِنْ تُوَدِّعُنَا سُلَيْمَى ... بِفَرْعِ بَشَامَةٍ سَقِيَ البَشَامِ
ثُمَّ قَالَ أَمَا تَرَاهُ مُقْبِلًا عَلَى شِعْرِهِ كَيْفَ الْتَفَتَ إِلَى البَشَامِ فَدَعَا لَهُ.
وَمِنَ الحَشْوِ المُسْتَطَابِ قَوْلُ المُتَنَبِّيّ (4):
صَلَّى الإِلَهُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍ ... وَسَقى ثَرَى أَبَوَيْكَ صَوْبُ غَمَامِ
_______
(1) حلية المحاضرة 1/ 157 الصناعتين ص 5/ 410.
(2) حلية المحاضرة 1/ 157 وفيه: إسحاق بن إبراهيم الموصلي.
(3) ديوان جرير ص 279.
(4) ديوانه 4/ 14.
(1/224)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= غَيْرُ مُوَدَّعٍ حَشْوٌ وَلَكِنَّهُ حَشْوٌ حَسَنٌ وَقَوْلهُ أَيْضًا (1):
إِذَا خَلَتْ مِنْكَ حِمْصٌ لَا خَلَتْ أَبَدًا ... فَلَا سَقَاهَا مِنَ الوَسْمِيِّ بَاكِرهُ
يَقْوْلُ لَا خَلَتْ أَبَدًا حَشْوٌ.
* * *

وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ مِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ أَبِي العَبّاسِ عَبْدِ اللَّهِ ابن المُعْتَزِّ عَلَى تَأَخُّرِهِ (2):
وَخَيْلٍ طَوَاهَا القَوْدُ حَتَّى كَأَنَّهَا ... أَنابِيْبُ صُمٌّ مِنْ قَنَا الخَطِّ دُبَّلُ
صَبَبْنَا عَلَيْهَا ظَالِمِيْنَ سِيَاطَنَا ... فَطَارَتْ بِهَا أَيْدٍ سِرَاعٌ وَأَرْجُلُ
فَانْظُر إِلَى قَوْلِهِ: ظَالِمِيْنَ مَا أَعْجَبَهَا وَأَعْذَبَ مَوْقِعِهَا وَأَجْمَعَهَا مِنْ غَيْرِ إِحْوَاجٍ إِلَيْهِ وَأَحْسَبُ أَبَا العَبَّاسِ نَظَرَ فِي هَذَا إِلَى قَوْلُ أَعْرَابِيٍّ قَدِيْمٍ (3):
وَعُوْدٌ قَلِيْلُ الذَّنْبِ عَاوَدْتُ ضَرْبَهُ ... إِذَا هَاجَ شَوْقِي مِنْ مَعَاهِدَهَا ذِكْرُ
وَقُلْتُ لَهُ ذَلْفَاءُ وَيْحَكَ سَبَّبَتْ لَكَ ... الضَّرْبَ فَاصْبِرْ إِنَّ عَادَتَكَ الصَّبْرُ
وَمِمَّا جَاءَ بِهِ الشَّاعِرُ حَشْوًا لِيَتِمَّ وَزْنُ الشِّعْرِ فَقَط قَوْلُ البُحْتُرِيِّ (4):
إِذَا نَضَوْنَ شُفُوْفَ الرَّيْطِ آوِنَةً ... قَشَرْنَ عَنْ لُؤْلُؤِ البَحْرَيْنِ أَصْدَافَا
شَبَّهَ أَجْسَادَهُنَّ إِذَا خَلَعْنَ ثِيَابَهُنَّ بِلُؤْلُؤٍ قُشِّرَ عَنْهُ الصدَفَ فَتَمَّ مَعْنَى البَيْتِ وَلَمْ يَتِمَّ وَزْنُهُ فَجَاءَ بِذِكْرِ البَحْرَبْتِ حَشْوًا لَوْ تَرَكَهُ لاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ دِيْكِ الجِّنِّ يَصِفُ الخَمْرَةَ (5):
فَتنَفَّسَتْ فِي البَيْتِ إِذْ مُزِجَتْ ... بِالمَاءِ وَاسْتَلَّتْ سَنَا اللَّهَبِ
_______
(1) ديوانه 2/ 119.
(2) ديوانه 1/ 282.
(3) حلية المحاضرة 1/ 85، المنصف ص 75، شرح مقامات الحريري 3/ 145.
(4) ديوانه 3/ 1380.
(5) ديوانه ص 209.
(1/225)

فَقَوْلُهُ (وَحَاشَاكَ) الْتِفَاتٌ وَحَشْوٌ حَسَنٌ وكَقَوْلِ الحِصْنِيِّ: [من الوافر]
حَلَلْتَ مِنَ القُلُوْبِ وَأَنْتَ أَهْلٌ ... لِذَاكَ مَحَلَّ حَبَّاتِ القُلُوبِ
وَالضَّرْبُ الآخَرُ هُوَ أَنْ يَأتِي الشَّاعِرُ فِي البَيْتِ بِمَعْنًى يَكْمُلُ فِي بَعْضِ لَفْظِهِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى إتْمَامِ نَظْمِ البَيْتِ بِلَفْظَةٍ، أَوْ لَفْظَتَيْنِ حَتَّى يَصحَّ وَزْنُهُ، وَيَلْحَقَ بِعَرُوْضهِ، فَيُسَمَّى مَا يُتَمَّمُ بِهِ البَيْتُ حَشْوًا؛ لأَنَّ المَعْنَى قَدِ اسْتَكْفَى مِنَ اللَّفْظِ وَصَارَ مَا فَضَلَ عَنْهُ زِيَادَةً وَحَشْوًا، فَمِنْهُ مَا يُفِيْدُ مَعْنَى التَّأكِيْدِ، فَيَسُوْغُ وَيَحْسُنُ، كَقَوْلِ الأخْطَلِ (1): [من البسيط]
فَأَقْسَمَ المَجْدُ حَقًّا لَا يُجَاوِرُهُمْ ... حَتَّى يُحَالِفَ بَطْنَ الرَّاحِةِ الشَّعَرُ
وكَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ (2): [من البسيط]
لَوْ لَمْ يَقُدْ جَحْفَلًا يَوْمَ الوَغَى لَغَدَا ... مِنْ نَفْسِهِ وَحْدَهَا فِي جَحْفَلٍ لَجِبِ
فَقَوْلُ الأخْطَلُ حَقًّا، وَقَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ وَحْدَهَا وَاقعٌ مَوْقِعَهُ مِنَ التَّأكِيْدِ وَهُوَ حَشْوٌ،
__________
= كَتَنَفُّسِ الرَّيْحَانِ خَالَطَهُ ... مِنْ وَرْدِ جُوْرٍ نَاضِرُ الشُّعَبِ
فَقَوْلُهُ بِالمَاء مع ذِكْرِ مُزْجَتْ لَا فَائِدَةَ فِيْهِ لأنَّهُ مُسْتَغْنٍ بِقَوْلهِ عَنْ ذِكْرِ المَاءِ وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ فِيْهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي نُواسٍ (1):
سَلُوا قِنَاعَ الطِّيْنِ عَنْ رَمَقٍ ... حَيَّ الحَيَاةَ مُشَارِفِ الحَتْفِ
فَتَنَفَّسَتْ فِي البَيْتِ إِذْ مُزِجَتْ ... كَتَنَفُّسِ الرَّيْحَانِ فِي الأنِفِ
وَقَالَ سَلَامَةَ بن جَنْدَلٍ فِي وَصفِ فَرَسٍ (2):
حَاضِرُ الجوْنِ مُخْضَرًّا جَحَافِلَهَا ... وَيَسْبِقُ الأَلْفَ عَفْوًا غَيْرَ مَضرُوْبِ
(1) ديوانه 1/ 211.
(2) ديوانه.
_______
(1) ديوانه ص 66.
(2) ديوانه ص 16.
(1/226)

لَوْ لَمْ يُذْكَرُ، لَمَا نَقصَ مِنَ المَعْنَى شَيْءٌ. وَمِمَّا لَا فَائِدَةَ فِي إيْرَادِهِ حَشْوًا إِلَّا تتمِيْمُ وَزْنِ الشِّعْرِ فَقَط قَوْلُ أَوْسِ بن حَجَرٍ (1): [من الطويل]
وَهُمْ لَمُقِلِّ المَالِ (2) أوْلَادُ عَلَّةٍ ... وَإِنْ كَانَ مَحْضًا فِي العُمُوْمَةِ مُخْوِلَا
__________
(1) ديوانه ص 91.
(2) لَا يُقَالُ مُقِلُّ المَالِ وَقَدْ أُخِذَ عَلَى أَوْسٍ هَذَا وَاعْتَذَرُوا عَنْهُ بِأَنَّهُمْ قَالُوا مَعْنَاهُ الَّذِي أَقَلَّ مَالَهُ بِإِنْفَاقِهِ وَإِتْلَافِهِ فَلَمْ يُكْثِرْهُ وَلَمْ يُثمِرْهُ. نَسَبُهُ:
* * *

هُوَ أَوْس بن حجر بن عَتَاب بن عَبْد اللَّهِ بن عَديّ بن خَلَف بن نمير بن أَسِيْد بن عمْرُو بن تَمِيْمٍ. وَقَوْلهُ أوْلَادُ عَلة أي لأُمَّهَاتٍ شَتَّى (بَنُو العِلَّاتِ الَّذِيْنَ أَبُوْهُمُ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتهمْ شَتَّى وَبَنُو الأَعْيَانِ الَّذِيْنَ أَبُوْهُمْ وَاحِدٌ وَأُمُّهُمْ وَاحِدَةٌ وَبَنُو الأَخْيَافِ الَّذِيْنَ أُمهُمْ وَآبَائِهِمْ شَتَّى) يَقُوْلُ إِنْ كَانَ مُكْثِرًا عَظمُوْهُ لِمَالِهِ وَإِنْ كَانَ مُقِلًّا عَدُّوْهُ بَعِيْدَ النَّسَبِ وَهَذَا البَيْتُ مِنْ قَصيْدَتِهِ الَّتِي أَوَّلُهَا (1):
صَحَا قَلْبُهُ عَنْ سَكْرَةٍ فَتَأَمَّلَا ... وَكَانَ بِذِكْرَى أُمِّ عَمْرُو مُوَكَّلَا
يَقْوْلُ مِنْهَا:
لَا أَعْتَبُ ابنَ العَمِّ إِنْ كَانَ ظَالِمًا ... وَأَغْفِرُ عَنْهُ الذَّنْبَ إِنْ كَانَ أَجْهَلَا
وَإِنْ قَالَ لِي مَاذَا تَرَى يَسْتَشِيْرنِي ... يَجِدْنِي ابنَ عَمٍّ مخلطَ الأمْرِ مزِيْلَا
أي أُخَالِطُ فِي مَوْضِعِ المُخَالَطَةِ وَأُزَايِلُ فِي مَوْضِعِ المُزَايَلَةِ أي هُوَ عَالِمٌ بِإِصْدَارِ الأُمُوْرِ وَإِيْرَادِهَا.
أُقِيْمُ بِدَارِ الحَزْمِ مَا كَانَ حَزْمُهَا ... وَأحر إِذْ حَالَتْ بِأَنْ أتَحَوَّلَا
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: إِذَا حَالَتْ عَنِ الحرّة فَصَارَتْ دَار معجزة.
المَأْفُوْنُ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ ولا -. =
_______
(1) ديوانه ص 82.
(1/227)

فَذِكْرُهُ لِلْمَالِ مَعَ مُقِلٍ حَشْوٌ، لَوْ ألْقَاهُ لَاسْتَغْنَى عَنْهُ. وَقَدْ عِيْبَ عَلَى أَبِي العِيَالِ الهُذَلِيِّ قَوْلُهُ (1): [من مجزوء الوافر]
ذَكَرْتُ أخِي فَعَاوَدَنِي ... صدَاعُ الرَّأْسِ وَالوَصَبُ
لأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الرَّأْسِ حَيْثُ ذَكَرَ الصُّدَاعَ، لَاسْتَغْنَى عَنْ إيْرَادِهِ.

وَالتَّرْدِيْدِ وَالتَّصْدِيْرِ:
فَالتَّرْدِيْدُ هُوَ أَنْ يُعَلِّقَ الشَّاعِرُ لَفْظَةً فِي البَيْتِ بِمَعْنًى، ثُمَّ يَرُدَّهَا فِيْهِ بِعَيْنِهَا، وَيُعَلِّقُهَا بِمَعْنًى آخَرَ، كَقَوْلِ أَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيّ (2): [من الطويل]
أَلَا حَيِّ مِنْ أَجْلِ الحَبيْبِ المَغَانِيَا ... لَبِسْنَ البِلَى مِمَّا لَبِسْنَ اللَّيَالِيَا
إِذَا مَا تَقَاضَى المَرْءُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ... تَقَاضَاهُ شَيْءٌ لَا يَمَلُّ التَّقَاضِيَا (3)
__________
= يَقْوْلُ مِنْهَا:
فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ إِلَّا أَقَلّهُمْ ... خِفَافَ العُهُوْدِ يُكْثِرُوْنَ التَّنَقُّلَا
أَم ذِي المَالِ الكَثيْرِ يَرُوْنَهُ ... وَإِنْ كَانَ عَبْدًا سَيِّدَ الأَمْرِ جَحْفَلَا
- لِمُقِلِّي المَالِ. البَيْتُ وَبَعْدَهُ:
أَخُوْكَ الدَّائِمُ العَهْدِ بِالَّذِي ... يَذمُّكَ إِنْ وَلَّى وَيُرْضِيْكَ مُقْبلَا
أكنْ أَخُوْكَ النَّائِي مَا دُمْتَ آمِنًا ... - الأَدْنَى إِذَا الأَمْرُ أَعْضَلَا
(1) أشعار الهذليين 1/ 424.
(2) شعره ص 100.
(3) وَيَقُوْلُ مِنْهَا (1):
جَنَتْنِي اللَّيَالِي بَعْدَ مَا كُنْتُ مَرَّة ... قَوِيْمَ العَصَا لَوْ كُنَّ يُبْقِيْنَ بَاقِيَا
إِذَا مَا تَقَاضى المَرْءُ يَوْمُ وَلَيْلَةٌ. البَيْتُ
يَقُوْلُ مِنْهَا: =
_______
(1) ديوانه ص 100 - 101.
(1/228)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَذَلِكَ يَنْهَانِي عَنِ الجَهْلِ ... إنَّنِي أَرَى وَاضِحًا مِنْ لَمَّتِي كَانَ دَاجِيَا
وَطُوْلُ تَجَارِيْبِ الأُمُوْرِ وَلَا تَرَى ... لِذِي نُهْيَةٍ مِثْلَ التَّجَارِبِ نَاهِيَا
وَهَمٌّ طَرَى مِنْ بَعْدِ لَيْلٍ وَلَا تَرَى ... لِهَمٍّ طَرَى مِثْلَ الصَّرِيْمَةِ قَاضِيَا
يَقُوْلُ مِنْهَا:
وَكُنَّا إِذَا قِيْلَ اظْعُنُوا قَدْ أتَيْتُمُ ... أَقَمْنَا وَلَمْ يُصْبِحْ بِنَا الظَّعْنُ غَادِيَا
بِحَيٍّ حَلَالٍ يَرْكُزُوْنَ رِمَاحَهُمْ ... عَلَى الظُّلْمِ حَتَّى يُصْبِحَ الأمْنُ دَاجِيَا
يَقُوْلُ مِنْهَا:
إِذَا النَّاسُ مَاجُوا أَوْ وَزَنْتَ حُلُوْمَهُمْ ... بِأَحْلَامِنَا كُنَّا الجِبَالَ الرَّوَاسِيَا
* * *

وَيُرْوَى: إِذَا مَا تَعَاصَى المَرْءُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
وَالرِّوَايَةُ الأُوْلَى أَصَحُّ.
* * *

وَمِنْ التَّصْدِيْرِ وَالتَّرْدِيْدِ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ مِنْ قَصِيْدَةٍ وَفِي أَبْيَاتِهِ هَذِهِ مُطَابَقَةٌ وَجِنَاسٌ أَيْضًا:
ظَبْيٌ مِنَ التُّرْكِ ظُبَى لَحْظِهِ ... مُذْ جُرِّدَتْ لَمْ يُقْضَ أَنْ تُغْمَدَا
إِذَا ضَلَلْنَا فِي دُجَى شِعْرِهِ ... أَهْدَى مُحَيَّاهُ إلَيْنَا الهُدَى
أُفْرِدَ بِالحُسْنِ فمن أَجْلِ ذَا ... صِرْتُ عَلَيْهِ بِالأَسَى مُفْرَدَا
(البَيْتُ مَصْدَرٌ)
بَدْرٌ وَلَكِنْ ضلَّ حلمِي بِهِ ... وَالبَدْرُ مُذْ كَانَ بِهِ يُهْتَدَا
صَدَّ فَهَلْ تُرْجَى لَهُ عَطْفَةٌ تَجْلُو ... صَدَى قَلْبِي وَتَشْفِي الصَّدَا
يَا لَيْتَهُ يُسْعِدُ أَوْ لَيْتَنِي ... ألْقَى عَلَى حُبِّي لَهُ مُسْعِدَا
(البَيْتُ مَصْدَرٌ) =
(1/229)

ابْتَدَأ المِصْرَاعَ الأوَّلَ، فَأَحْسَنَ الابْتِدَاءَ، وَرَدَّ فِي المِصْرَاعِ الثَّانِي، فَأَحْسَنَ التَّرْدِيْدَ، ثُمَّ ابْتَدَعَ فِي البَيْتِ الثَّانِي مَا لَيْسَ مِثْلُهُ لأحَدٍ. وَكَقَوْلِ الخَلِيْعِ البَاهِلِيِّ (1): [من الطويل]
لَقَدْ مَلأَتْ عَيْنِي بِغُرِّ مَحَاسِنٍ ... مَلأْنَ فُؤَادِي لَوْعَةً وَهُمُوْمَا
وَالتَّصْدِيْرُ هُوَ أَنْ يَأتِي الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ البَيْتِ بِكَلِمَةٍ، ثُمَّ يُعِيْدَهَا فِي عَجُزِهِ، أَوْ
__________
= يَقُوْلُ مِنْهَا فِي المَدْحِ وَالاجْتِدَاءِ:
غَدَا وَرَاحَ النَّاسُ فِي إِثْرِهِ ... أَيَلْحَقُ الرَّائِحُ مَنْ قَدْ غَدَا؟
(البَيْتُ مَصْدَرٌ)
عَبْدُكَ يَا مَوْلَايَ مُسْتَنْجِزٌ ... وَعْدَكَ يَا أَكْرَمَ مَنْ يُجْتَدَى
بَلِّغْهُ مِنْ سَيْبكَ أَقْصى المُنَى ... وَاجْعَلْ ذَوِي الوُدِّ لَهُ جُسَّدَا
وَبَادِرِ الفُرْصَةَ مَا أمْكَنَتْ ... فَمَا قَضَاءُ الفَرْضِ مِثْلَ الأَدَا
حَاشَاكَ أَنْ تَحُوْجَ وَجْهِي ... إِلَى غَيْرِكَ أَوْ غَيْرِ الَّذِي عُوِّدَا
فَرُبَّ وَجْهٍ أَبْيَضٍ وَاضحٍ ... ذِيْلَ بِبَذْلٍ فَانْثَنَى أَسْوَدَا
إِذَا غَرِيْمِي جَدَّ فِي عَسْفِهِ ... جَعَلْتُ جَدْوَاكَ لَهُ مَوْعِدَا
وَقَائِلٍ مَهْلًا عَلَى مَا لَهُ ... فَقُلْتُ مَهْلًا هَكَذَا عَوَّدَا
لَسْتُ كَمَا أَوْلَيْتَنِي جَاحِدًا ... وَمِثْلُ مَا أَوْلَيْتَ لَنْ يُجْحَدَا
(البَيْتُ مَصْدَرٌ)
فاتَّقِ سَعِيْدَ الجَدِّ فِي نِعْمَةٍ ... جَدِيْدَةِ السَّعْدِ وَعِشْ سَرْمَدَا
وَقَدْ ذَكَرَ التَّصدِيْرُ بَعْضُ شُعَرَاءِ الأَنْدَلُسِ وَهُوَ أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّد بن عَبْدٍ فِي المَدْحِ فَقَالَ:
أَنْتَ الَّذِي قَادَ العُلَى بِخِطَامِهَا ... بِعَزَائِمٍ مَا ضُمِّنَتْ تَقْصيْرَا
وَبَدَأْتَ بِالحُسْنَى وَعُدْتَ بِمِثْلِهَا ... كَمُصَرِّفٍ فِي شِعْرِهِ التَّصْدِيْرَا
(1) للحسين بن الضحاك الملقب بالخليع الباهلي في ديوانه ص 107.
(1/230)

النِّصْفِ مِنْهُ، ثُمَّ يَرُدَّهَا فِي النِّصْفِ الأَخِيْرِ وَإِذَا نُظِمَ الشِّعْرُ عَلَى هَذِهِ الصيْغَةِ تَيَسَّرَ اسْتِخْرَاجُ قَوَافِيهِ قَبْلَ أَنْ يَطْرُقَ أسْمَاعَ مُسْتَمِعِيْهِ.
وَرُبَّمَا أَتَى الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ بَيْتِهِ بِلَفْظٍ فِي مَعْنًى لَا يَتِمُّ ذَلِكَ المَعْنَى وَلَا يَكْمُلُ حَتَّى يَعُوْدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي عَجُزِهِ وَآخِرِهِ وَيُسَمَّى رَدَّ العَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ (1)
__________
(1) وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ زُهَيْرٍ ابن سُلْمَى يَمْدَحُ هَرِمًا (1):
مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمًا ... يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقَا
وَقَوْلُ أَبِي فِرَاسٍ بن حَمْدَانَ (2):
وَكُنَّ إِذَا أَغَرْنَ عَلَى دِيَارٍ ... رَجَعْنَ وَمِنْ طَرَائِدِهَا الدِّيَارُ
وَقَوْلُ أَبِي عَبْد اللَّهِ مُطَرِّف بن شَخِيْصٍ:
وَمُعْتَلَّةِ الأَجْفَانِ مَازِلْتُ مُشْفِقًا ... عَلَيْهَا وَلَكِنِّي ألذُّ اعْتِلَالَهَا
جُفُوْنٌ أَجَالَ الحُسْنِ فِيْهِنَّ فتْرَةً ... فَحَلَّ عُرَى الآجَالِ منْذُ أَجَالَهَا
فَهَلْ مِنْ شَفِيْعٍ عِنْدَ لَيْلَى إِلَى الكَرَى ... لَعَلِّي إِذَا مَا نِمْتُ أَلْقَى خَيَالَهَا
يَقُوْلُوْنَ لِي صبْرًا عَلَى مَطلِ وَعْدِهَا ... وَمَا وَعَدَتْ لَيْلَى فَأَشْكُو مَطَالهَا
وَمَا كَانَ ذَنْبِي غَيْر حِفْظِي عُهُوْدهَا ... وَطَيّ هَوَاهَا واحْتِمَالِي دَلَالهَا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابن سَرَاج القَارِّي:
يَا سَاكِنِي الدَّارَ حُلُوْلَا بِهَا ... تُطْرِبهُمْ فِيْهَا النَّوَاقِيْسُ
قِيْسُوا لنَا القُرْبَ وَكَمْ بَيْنَهُ ... وَبَيْنَ أَيَّامِ النَّوَى قِيْسُو
وَكَقَوْلِ الآخَر:
رَأَيْتُ يَحْيَى أَتَمَّ اللَّهُ نِعْمَتَهُ ... يَأَتِي الَّذِي لَمْ يَأَتِهِ أَحَدُ
يَنْسَى الَّذِي كَانَ مِنْ مَعْرُوْفِهِ أَبَدًا ... إِلَى الرِّجَالِ وَلَا يَنْسَى الَّذِي بَعدُ
_______
(1) ديوانه ص 67.
(2) ديوانه ص 126.
(1/231)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَكَقَوْلِ عُرْوَة بن أُذَيْنَةَ يَرْثِي أَخَاهُ بَكْرًا (1):
سَرَى هَمِّي وَهَمُّ المَرْءِ يَسْرِي ... وَغَارَ النَّجْمُ إِلَّا قَيْدَ شِبْرِ
أُرَاقِبُ فِي المَجَرَّةِ كُلّ نجْمٍ ... تَعَرَّضَ أَوْ عَلَى المَجْرَاةِ يَجْرِي
لِهَمٍّ مَا أَزَالُ بِهِ قَرِيْبًا ... كَأَنَّ القَلْبَ أَوْطَنَ حَرَّ جَمْرِ
عَلَى بَكْرٍ أَخِي فَارَقْتُ بَكْرًا ... وَأَيُّ العَيْشِ يَصْلحُ بَعْدَ بَكْرِ
وَكَقَوْلِ أَبِي الفَتْحِ البُسْتِيّ (2):
سَحْبَانُ مِنْ غَيْر مَالٍ بَاقِلٌ ... حَصرٌ وَبَاقِلُ فِي ثَرَاءِ سَحْبَانُ
وَكَقَوْلِ أَبِي نُوَّاسٍ (3):
صَفْرَاءُ لَا تنزلُ الأَحْزَانُ سَاحَتَهَا ... لَوْ مَسَّهَا حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ
وَكَقَوْلِ ابن سِنَانَ الخَفَاجِيّ:
مَا عَلَى الوَاشِيْنَ مِنْ حَرَجٍ ... مِثْلُ مَابِي لَيْسَ يَنْكَتِمُ
زَعَمُوا أَنِّي أُحِبُّكُمُ ... وَغَرَامِي فَوْقَ مَا زَعمُوا
وَكَقَوْلِ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ:
تمِيْدُ الأَرْضُ مِنْ خَوْفٍ ... إِذَا مَا - عَلَى مَنَاكِبهَا تَمِيْدُ
وَلَهُ أَيْضًا:
فَتَى شَهِدَ الزَّمَانُ لَهُ بِفَضْلٍ ... جَمِيْع العَالَمِيْنَ بِهِ شُهُوْدُ
وَلَوْ جَحَدُوا عُلَاهُ وَقَدْ ... أَقَرَّتْ بِهِ الأعْدَاءُ. . . .
يُبِيْدُ بِجُوْدِهِ الحَاجَاتِ مِنَّا ... وَذَاكَ الجُّوْدُ مِنْهُ لَا يَبِيْدُ
_______
(1) الأغاني 8/ 333 - 334.
(2) ديوانه ص 315.
(3) ديوانه ص 6.
(1/232)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= يَجُوْدُ وَلَا يَمِنُّ عَلَى المُرَجِّي ... وَفِيْهِمْ مِنْ يَمِنُّ ودُّ
* * *

وَمِنْ التَّصْدِيْرِ وَرَدَّ العَجْزُ عَلَى الصَّدْرِ قَوْلُ جَرِيْرٍ (1):
سَقَى الرَّمْلَ جَوْنٌ مُسْتَهِلٌّ رَبَابُهُ ... وَمَا ذَاكَ إِلَّا حبُّ مَنْ حَلَّ بِالرَّمْلِ
وَقَوْلُ عَامِرِ بن الطُّفَيْلِ (2):
وَكُنْتُ سَنَامًا تَامِكًا فِي فَزَارَةٍ ... وَفِي كُلِّ حَيٍّ ذِرْوَةٌ وَسَنَامُ
التَّامِكُ: الصَّلْبُ الشَّدِيْدُ.
وَقَوْلُ ابن أَحْمَرَ (3):
تَغَمَّرْتُ مِنْهَا بَعْدَ مَا نَفَدَ الصِّبَى ... وَلَمْ يَرْوَ مِنْ ذِي حَاجَةٍ مَنْ تَغَمَّرَا
وَقَوْلُ عَلِيّ بن جَبَلَةَ يَصِفُ فَرَسًا وَأَحْسَنَ (4):
مُضطَرِبٌ يَرْتَجُّ مِنْ أَقْطَارِهِ ... كَالمَاءِ جَالَتْ فِيْهِ رِيْحٌ فَاضْطَرَبْ
إِذَا تَظِنَّيْنَا بِهِ صَدَّقنَا ... وَإِنْ تَظُنِّي فَوْتَهُ العِيْرُ كَذَب
لَا يَبْلغُ الجهْدَ بِهِ رَاكِبُهْ ... وَتَبْلُغُ العَيْنُ بِهِ حَيْثُ أَحَبْ
وَقَوْلُ الفَرَزْدَقِ (5):
تَصَرَّمَ عَنِّي وُدُّ بَكْر بنِ وَائِلٍ ... وَمَا خِلْتُ بَاقِي وُدِّهَا يَتَصرَّمُ
قَوَايِصُ تَأْتِيْنِي وَيَحْتَقِرُوْنَهَا ... وَقَدْ يَمْلأُ القَطْرُ الإِنَاءَ فَيَفْعَمِ
_______
(1) ديوانه ص 948.
(2) ديوانه ص 126.
(3) ديوانه ص 79.
(4) ديوانه ص 33.
(5) ديوانه 2/ 195.
(1/233)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَوْلُ دِيْكِ الجِّنِّ (1):
أَنَا أُحْصِي فِيْكَ النُّجُوْمَ وَلَكِنْ ... لِذُنُوْبِ الزَّمَانِ لَسْتُ بِمُحْصِ
أَخَذَهُ أَبُو القَاسَمِ الزَّاهِي فَقَالَ (2):
أُحْصِي عَلَى دَهْرِي الذُّنُوْبَ بِمُقْلَةٍ ... لِدُمُوْعِهَا لَا أَمْلِكُ الإِحْصَاءَ
وَقَوْلُ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ (3):
تَحَلَّم عَنِ الأُذْنَيْنِ وَاسْتَبْقِ وِدّهُمْ ... وَلَنْ تَسْتَطِيْعَ الحِلْمَ حَتَّى تَحَلَّمَا
وَقَوْلُ الآخَرِ:
وَقَالُوا يَعِيْشُ المَرْءُ بَعْدَ حَبِيْبِهِ ... يَعِيْشُ وَلَكِنْ سَلْهُ كِيْفَ يَعِيْشُ
وَقَوْلُ زُهَيْرٍ (4):
لَوْ كَانَ يَقْعُدُ فَوْقَ الشَّمْسِ مِنْ كَرَمٍ ... قَوْمٌ بِأَوَّلِهِمْ أَوْ مَجْدِهِمْ قَعَدُوا
قَوْمٌ سِنَانٌ أَبُوْهُمْ حِيْنَ يَنْسِبُهُم ... طَابُوا وَطَابَ مِنَ الأَوْلَادِ مَا وَلِدُوا
مُحَسَّدُوْنُ عَلَى مَا كان مِنْ نِعَمٍ ... لَا يَنْزَعُ اللَّهُ مِنْهُمْ مَا لَهُ حُسَدُ
وَقَوْلُ سَلمِ الخَاسِرِ يَصِفُ جَيْشًا (5):
بِمُجْرٍ يَضِلُّ اللَّيْلُ فِي ... حَجَرَاتِهِ سُرَادِقُهُ مِمَّا يَثيْرُ
نَشَرْنَ عَجَاجَ الأَرْضِ ثُمَّ طَوَيْنَهُ ... فَمَا هُنَّ إِلَّا طَاوِيَاتٍ
قِيْلَ: سُئِلَ أَعْرَابِيٌّ عَنْ حِرْفَتِهِ فَقَالَ: إِذَا صفْتُ نَصَفْتُ وَإِذَا شَتَوْتُ فَتَوْتُ فَأَنَا
_______
(1) يتيمة الدهر 1/ 391.
(2) يتيمة الدهر 1/ 291.
(3) ديوانه ص 237.
(4) ديوانه ص 205.
(5) لم ترد في ديوانه.
(1/234)

كَقَوْلِ أَبِي الفَرَجِ القَاسِمِ بنِ حَنْبَلٍ المُرِيِّ (1): [من الوافر]
وَلَوْ أَنَّ السَّمَاءَ دَنَتْ لِمَجْدٍ ... وَمَكْرُمَةٍ دَنَتْ لَهُمُ السَّمَاءُ (2)
وَكَقَوْلِ آخَرَ: [من الطويل]
__________
= نَاصِفٌ قَاتِي فِي جِمِيْعِ أَوْقَاتِي. نَصَفَ وَقَتَا إِذَا خَدَمَ.
* * *

وَكَقَوْلِ ابْنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ:
كَمَلتَ كَمَالَ مَنْ لَا عَيْبَ فِيْهِ ... كَفَاكَ اللَّهُ مِنْ عَيْنِ الكَمَالِ
وَكَقَوْلِ أَبِي نَصرِ بن نُبَاتَةَ (1):
--- أَهْلُهُ وَكُنْتَ جَدِيْرًا ... أَنْ تُعِيْدَ كما تُبْدِي
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ مُحَمَّد بن العَبَّاسِ الطَّبَّرِيّ:
كَأَنَّ ظِبَاهُمُ اخْتَصَرَتْ طِرِيْقًا ... إِلَى الأَرْوَاحِ وَهُوَ مَدًى بَعِيْدُ
غَدَا عُدَاوِهِم وَلَهُمْ بُنُوْدٌ ... وَرَاحُوا فِي الرِّمَاحِ وَهُمْ بُنُوْدُ
وَقَوْلُ السّرِّيّ الكِنْدِي (2):
وَأَزْهَرَ كَاليَمَانِي العَضْبِ يَسْطُو ... فَيَنْقَعُ غُلَّةَ العَضبِ اليَمَانِي
يُجَرِّدُهُ كَبَرْقِ الثَّغْرِ صَافٍ ... وَيَغْمِدُهُ كَوَرْدِ الخَدِّ قَانِي
كَأَنَّ الضَّرْبَ عَوَّضَ شَفْرَتَيْهِ ... بِمضاءِ الطَّبْعِ مَاءَ الأُرْجُوَانِ
غَمَدْتُ وَأَغْمَدْتُ وَاغْتَمَدْتُ السَّيْفَ وَالكُلِّ فَصِيْحٌ.
(1) فِي زَفَرِ بنِ هَاشِمٍ بن مَسْعُود بن سَنَانٍ.
(2) زهر الآداب 1/ 509.
_______
(1) ديوانه ص 82.
(2) ديوانه 2/ 713.
(1/235)

إِذَا اخْتَلَجَتْ عَيْنِي رَأَتْ مَنْ تُحِبُّهُ ... فَدَامَ لِعَيْنِي مَا حَيِيْتُ اخْتِلَاجُهَا
ألَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِي آخِرَي البَيْتَيْنِ لَفْظَتِي السَّمَاءِ وَالاخْتِلَاجِ كَمَا ذُكِرَا فِي صَدْرَيْهِمَا لَمَا تَمَّ المَعْنَى فِيْهِمَا. وَمِثَالُ الأوَّلِ وَهُوَ التَّصْدِيْرُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [من الطويل]
شَفِيْعِي إِلَيْهَا قَلْبُهَا إِنْ تَغَضَّبَتْ ... وَقَلْبِي لَهَا فِيْمَا تُرِيْدُ شَفِيْعُ
وَكَقَوْلِ الآخَرِ (1): [من الطويل]
سَرِيعٌ إِلَى ابنِ العَمِّ يَشْتِمُ عِرْضَهُ ... وَلَيْسَ إِلَى دَاعِي النَّدَى بِسَرِيْعِ
وكَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ (2): [من الطويل]
وَإنِّي جَدِيْرٌ إِنْ بَلَغْتُكَ بِالغِنَى ... وَأَنْتَ لِمَا أمَّلْتُ مِنْكَ جَدِيْرُ

وَتَأكِيْدُ الاسْتِثْنَاءِ (3):
هُوَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ أوْصافُ المَمْدُوْحِ، أَوْ المَذْمُوْمٍ، ثُمَّ يَسْتَثْنِي فِي كَلَامِهِ بَإِلَّا، أَوْ مَا يَقُوْمُ مَقَامَهَا عَلَى سَبيْلِ التَّأْكِيْدِ. وَأَوَّلُ مَنْ ابْتَدَأَ بذلِكَ النَّابغَةُ الذُّبْيَانِيُّ. وَأحْسَنَ كُلَّ الإِحْسَانِ فِي قَوْلِهِ (4): [من الطويل]
وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ (5)
__________
(1) للأقيشر الأسدي في مجموع شعره ص 73.
(2) ديوانه ص 483.
(3) وَيُسَمِّيْهِ أَهْلُ العَرِبِيَّةِ الاسْتِثْنَاءُ المُنْقَطِعُ.
(4) للنابغة الذبياني في ديوانه ص 44.
(5) وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ الحَارِثِيِّ (1):
وَأَسْيَافُنَا فِي كُلِّ شَرْقٍ وَمَغْرِبٍ ... بِهَا مِنْ قُرَاعِ الدَّارِعَيْنَ فُلُوْلِ
* * *
_______
(1) البيت متنازع عليه بين السموأل والحارثي، أنظر: ديوان السموأل ص 166.
(1/236)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ الاسْتِثْنَاءِ بِالمَدْحِ قَوْلُ المُتَنَبِّيِّ (1):
لَيْسَ لَهُ عَيْبٌ سِوَى أَنَّهُ ... لَا تَقَعُ العَيْنُ عَلَى شِبْهِهِ
* * *

وَكَقَوْلِ ابن الرُّوْمِيّ (2):
نَوَاهِدُ لَا يُعَدُّ لَهُنَّ عَيْبٌ ... سِوَى مَنْعِ المُجِيْبِ مِنَ العِنَاقِ
* * *

وَمِنْ مَحَاسِنِ هَذَا البَابِ وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّرْدِيْدِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ:
فَنيْتُ وَلَا يَفْنَى وَفَانٍ قَوْلُ الرَّبِيْعِ بنِ ضَبُعٍ (3):
فَنيْتُ وَلَا يَفْنَى صَنِيْعِي وَمَنْطِقِي ... وَكُلُّ امْرِىٍ إِلَّا أَحَادِيْثَهُ فَانِ
وَقَوْلُ الآخَر (4):
فَلَا تَبْعِدْنَ إِلَّا مِنَ السُّوْءِ إِنَّنِي ... وَإِنْ شَطَّتْ بِكَ الدَّارُ نَازِع
وَأَنَا أَسْتَحْسِنُ قَوْلُ أَبِي هِفَّانَ (5):
إِنْ تَسْأَلِي عَنَّا فَإِنَّا خلى العُلَى ... بَنِي عَامِرٍ وَالأَرْضُ ذلت المَنَاكِبِ
وَلَا عَيْبَ فِيْنَا غَيْرَ أَنَّ سَمَاحَنَا ... أَضرَّ بِنَا وَالبَأْسُ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
وَأَفْنَى الرَّدَى أَعْمَارَنَا غَيْرَ ظَالِمٍ ... وَأَفْنَى النَّدَى أَمْوَالِنَا غَيْرَ عَائِبِ
أَبُوْنَا أَبٌ لَوْ كَانَ لِلنَّاسِ كُلَّهُمُ ... أَبًا وَاحِدًا أَغْنَاهُمُ بِالمَنَاقِبِ
_______
(1) لم يرد في ديوانه.
(2) ديوانه 4/ 1652.
(3) العمدة 2/ 50، حلية المحاضرة 1/ 59، البديع لأسامة ص 123.
(4) الصناعتين ص 424، حلية المحاضرة 1/ 59، البديع لأسامة ص 122.
(5) ديوانه.
(1/237)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَالَ أَعْرَابِيّ:
خَرْقَاءُ إِلَّا أنها صنَاعُ.
وَقَالَ الآخَرُ يَصِفُ مُرُوْقَ السَّهْمِ:
حَتَّى نَجَا مِنْ جَوْفِهِ وَمَا نَجَا
وَقَالَ الآخَرُ فِي مَعْنَاهُ:
غَادَرَ دَاءً وَنَجَا صحِيْحَا.
وَكَقَوْلِ أَبي تَمَّامٍ يَصِفُ شِعْرهُ (1):
مُفَصَّلَةً بِاللُّؤْلُؤِ المُنْتَقَى ... لَهَا مِنَ الشِّعْرِ إِلَّا أَنَّهُ لُؤْلُؤٌ رَطبُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ يَصِفُ فَرَسَهُ (2):
لَقَدْ لَحِقَتْ بِأُوْلَى الخَيْلِ تَحْمِلُنِي ... كَبَدَاءُ لَا شَبْخٌ فِيْهَا وَلَا طَنَبُ
لَا عَيْبَ فِيْهَا إِذَا مَا اعْتَنَّ فَارِسُهَا ... شَاءَ وَالفَجَاءَةِ إِلَّا أنها تَثِبُ
حَذَّاءُ مُدْبِرَةً سَكَّاءُ مُقْبِلَةً ... للمَاءِ فِي النَّحْرِ مِنْهَا نَوْطَةٌ عَجَبُ
تَدْعُو القَطَا وَبِهِ تُدْعَا إِذَا انتسَبَتْ ... يَا صِدْقهَا حِيْنَ تَلْقَاهَا فَتَنْتَسِبُ
تأَكِيْدُ الاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا أنها تَثِبُ
وَلِبَعْضِ شُعَرَاءِ الأَنْدَلُسِ وَهُوَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بنُ خَلَصَةَ المَكْفُوْفُ النَّحَوِيّ:
مَلِيْكٌ إِذَا أَلْهَى المُلُوْكَ عَنِ اللُّهَى ... حِمَارٌ وَحمْرٌ هَاجَرَ الدَّلَّ وَالدَّنَا
وَلَمْ تُنْسِهِ الأَوْتَارَ أَوْتَارُ قِيْنَةِ ... إِذَا مَا دَعَاهُ السَّيْفُ لَمْ يَثْنِهِ المثْنَى
فلو جَادَ بِالدُّنِيَا وَعَادَ بِضِعْفهَا ... لَظَنَّ مِنْ اسْتِصغَارِهِ أَنَّهُ ضَنَّا
وَلَا عَيْبَ فِي إِنْعَامِهِ غَيْرَ أَنَّهُ ... إِذَا مَنَّ لَمْ يَتْبَع مَوَاهِبَهُ المنَّا
وَلَا طَعْنَ فِي إِقْدَامِهِ غَيْرَ أَنَّهُ ... لَبُوْسٌ إِلَى حَاجَاتِهِ الضَّرْبَ وَالطَّعْنَا
_______
(1) ديوانه 1/ 197.
(2) ديوانه ص 176.
(1/238)

فَهَذَا تأكِيْدٌ لِلْمَدْحِ بمَا يُشْبهُ الذَّمَّ. وَأحْسَنُ مَا قِيْلَ فِي الاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ هَذَا البَيْتِ قَوْلُ النَّابِغَةِ الجعْدِيِّ (1): [من الطويل]
فَتَّى كَمَلَتْ أخْلَاقُهُ غَيْرَ أَنَّهُ ... جَوَادٌ فَمَا يُبْقَي مِنَ المَالِ بَاقِيَا
فَتَّى تَمَّ فِيْهِ مَا يَسُرُّ صَدِيْقَهُ ... عَلَى أَنَّ فِيْهِ مَا يَسُوْءُ الأعَادِيَا (2)
فَقَوْلُهُ فِي البَيْتِ الأوَّلِ غَيْرَ أَنَّهُ جَوَادٌ، وَفِي البَيْتِ الثَّانِي: عَلَى أَنَّ فِيْهِ مَا يَسُوْءُ الأعَادِيَا، مِن أبْرَعِ الاسْتِثْنَاءِ وَألْطَفِهِ.

وَكَمَالُ التَّتْمِيْمِ:
هُوَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّاعِرُ مَعْنًى، فَلَا يُغَادِرُ شَيْئًا يَتِمُّ بِهِ ذَلِكَ المَعْنَى، وَيَتَكَامَلُ مَعَهُ الإِحْسَانُ فِيْهِ إِلَّا أَتَى، كَقَوْلِ نَافِعِ بنِ خَلِيْفَةَ الغَنَوِيِّ (3): [من الكامل]
رِجَالٌ إِذَا لَمْ يُقْبَلِ الحَقُّ مِنْهُم ... وَيُعْطَوُهُ عَاذُوا بِالسُّيُوْفِ القَوَاضِبِ
فَإنَّ المَعْنَى تَمَّ بِقَوْلهِ: يُعْطَوْهُ، وَإلَّا فَإِنَّهُ كَانَ نَاقِصًا لَا مَحَالَةَ.
وَكَقَوْلِ طَرفَةَ (4): [من الكامل]
فَسَقَى دِيَارَكِ غَيْرَ مُفْسِدِهَا (5) ... صَوْبُ الرَّبِيْعِ وَدِيْمَةٌ تَهْمِي
__________
= الاسْتِثْنَاءُ فِي البَيْتَيْنِ الأَخِيْرَيْنِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا عَيْبَ فِي إِنْعَامِهِ غَيْرَ أَنَّهُ، وَفِي البَيْتِ الآخَرَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا طَعْنَ فِي إِقْدَامِهِ غَيْرَ أَنَّهُ.
(1) ديوانه 173 - 174.
(2) زَعَمَ هَارُوْن بن يَحْيَى أَنَّ هَذَا البَيْتَ أَحْسَنُ مَا قِيْلَ فِي المُقَابَلَةِ فِي صِنَاعَةِ الشِّعْرِ.
(3) نقد الشعر ص 49.
(4) ديوانه ص 221.
(5) قَوْلُ طرفةَ: غَيْرُ مُفْسِدِهَا احْتِرَاسٌ مِنْ مَأْخَذٍ وَقَعَ فِي قَرِيْبٍ مِنْهُ ذُو الرُّمَّةِ حَيْثُ أَخَذَ عَليْهِ قَوْلهُ (1):
أَلَا يَا اسْلِمِي يَا دَارَ مَيّ عَلَى البَلَى ... وَلَا زَالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكَ القَطْرُ =
_______
(1) ديوان ذي الرمة 1/ 559.
(1/239)

فَقَدْ تَمَّ الإِحْسَانُ فِي المَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ بِقَوْلهِ: غَيْرَ مُفْسِدِهَا
ومِنَ التَّتْمِيْمِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ (1): [من الطويل]
وَقَدْ خِفْتُ حَتَّى لَوْ أَرَى المَوْتَ مُقْبِلًا ... لِيَأخُذَنِي وَالمَوْتُ يُكْرَهُ زَائِرُه
لَكَانَ مِنَ الحَجَّاجِ أهْوَنَ رَوْعَةً ... إِذَا هُوَ أغْفَى (2)، وَهُوَ سَامٍ نَوَاظِرُه
__________
= فَقَالُوا إِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ طَمسَ مَعَالِمِهَا وَعَفَّى مَحَاسِنَهَا بِمُدَاوَمَةِ انْهِلَالِ الغَيْثِ وَانْسِكَاب القَطْرِ عَلَيْهَا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَسْقِي لَهَا فَدَعَا عَلَيْهَا وَلَعَمْرِي إِنَّ فِي ذَلِكَ بَعْضَ التَّعَلُّقِ إِلَّا أَنَّهُ البَأسَ قدِ احْتَرَسَ مِنْ هَذَا الاعْتِرَاضِ احْتِرَسًا قَدَّمَهُ فِي صَدْرِ البَيْتِ بِقَوْلهِ:
أَلَا يَا أَسْلِمِي يَا دَارَ مَيّ عَلَى البَلَى فَدَعَا لَهَا بِالسَّلَامَةِ عَلَى تَعَاقُبِ الأَحْوَالِ وَتَصرُّفِهَا الَّتِي تُوْجِبُ بَلَى الدَّارِ وَانْدِرَاسِ الآثَار ثُمَّ اسْتَسْقَى لَهَا بِأَنْ قَالَ وَلَا زَالَ مُنْهِلًا بجَرْعَائِكَ القَطْرُ فَتَعَلَّقَ المَعْنَى الثَّانِي بِالأَوَّلِ وَدَخَلَ تَحْتَ الدُّعَاءِ لَهَا بِالسَّلَامَةِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ لَهَا بِقَوْلهِ وَلَا زَال مُنْهَلًا بِجَرْعَائِكَ القَطْرُ إِلَى قَوْلِ القَائِلِ مَا زِلْتُ آتِيْكَ يُرِيْدُ أَكْثَرُ إِتْيَانَكَ لَا إِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ إِتْيَانَهُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ أَصْلًا وَلَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ تَعَاقُبٌ فِيْهِ أَلا تَرَى إِلَى قَوْلِ كُثَيِّرٍ فِي عَبْدِ المَلِكِ وَقِيْلَ عَبْدُ العَزِيْزِ (1):
وَمَا زَالَتْ رُقَاكَ تَسُلُّ ضَغْنِي ... وَتَخْرِجُ مِنْ مَكَامِنِهَا ضَبَابِي
وَيَحْوِيْنِي لَكَ الحَاوُوْنَ حَتَّى ... أَجَابَتْ حَيَّةٌ خَلِفَ الحِجَابِ
فَقَوْلُهُ وَمَا زَالَتْ رُقَاكَ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى أَنَّهَا دَائِمَةُ الاتِّصالِ غَيْرُ مُنْقَطِعَةِ الانْفِصَالِ وَإِنَّمَا يَذْهَبُ بمِثْلِ هَذَا المَوْضِعِ وَأَضْرَابِهِ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أولًا دُوْنَ غَيْرِهِ مِنَ المُلَازَمَةِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا.
(1) ديوانه 1/ 251.
(2) انْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ إِذَا هُوَ أَغْفَى لِيَكُوْنَ أَشَدَّ مُبَالِغَةٍ فِي الوَصْفِ إِذْ شَبَّهَهُ عِنْدَ إِغْفَايةِ بِأَنَّ رَوْعَتَهُ أَعْظَمُ مِنَ المَوْتِ فَمَا ظَنَّكَ بهِ نَاظِرًا أَوْ مُتَأَمِّلًا ثُمَّ نَزَّهَهُ عَنش الإِغْفَاءِ فَقَالَ وَهُوَ سَامٍ نَوَاظِرُهُ. =
_______
(1) ديوانه ص 52.
(1/240)

وَالإِيْغَالُ فِي التَّبْلِيْغِ: وَهُوَ أَنْ يَأتِي الشَّاعِرُ بِالمَعْنَى فِي البَيْتِ تَامًّا قَبْلَ انْتِهَائِهِ إِلَى القَافِيَةِ، ثُمَّ يَأتِيَ بِهَا؛ لِيَكُونَ شِعْرًا، فَيَزِيْدَ البَيْتُ بِهَا نَصَاعَةً، وَالمَعْنَى بُلُوْغًا إِلَى الغَايَةِ القُصْوَى فِي الجَّوْدَةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ يَصفُ فَرَسًا: [من الطويل]
إِذَا مَا جَرَى شَأويْن وَابْتَلَّ عِطْفُهُ ... تَقُوْلُ هَزيْرُ الرِّيْحِ مَرَّتْ بِأثَّابِ (1)
__________
= وَهَذِهِ مَوَاضِعُ لَطِيْفَةٌ لَا يُطَالِعُهَا إِلَّا مَنْ صحَّ نَقْدُهُ وَصَفَا وِرْدُهُ.
وَمِنَ التَّمِيْمِ البَارِعِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ (1):
لَوْ أَنَّ عَزَّةَ خَاصَمَتْ شَمْسَ الضُّحَى ... فِي الحُسْنِ عِنْدَ مُوَفّقٍ لَقَضَى لَهَا
فَقَوْلهُ عِنْدَ مُوَفّقٍ حَسَنٌ جِدًّا.
وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ جَرْمٍ يَرْثِي مُقْتَبِسَ بن أَبِي عَامْرٍ الرِّئَابِيِّ:
إِذَا ضَمَّ بُرْدَيْهِ حَمَائِلَ سَيْفِهِ ... أَبَى الضَّيْمُ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ وَجَانِيَا
وَأَوَّلُهَا:
أَرَى النَّاسَ رَدُّوا لِلْبُدُوْرِ وَلَا أَرَى ... أَبَا عَرُوْشٍ فِيْمَنْ بَدَا اليَوْمَ بَادِيَا
وَكَانَ الفَتَى لَا يَنْتَجِي القَوْمُ دُوْنَهُ ... إِذَا الخَوْفُ أَدْنَى لِلجَمِيْعِ القَوَاضِيَا
إِذَا ضَمَّ بُرْدَيْهِ. البَيْتُ وَبَعْدَهُ:
ألَا لَا أَرَى الإِخْوَانَ إِلَّا صَحَابَةً ... تَكُوْنُ وَلَا الأهْلِيْنَ إِلَّا مَثَاوِيَا
وَلَا المَالَ وَالأوْلَادَ إِلَّا تَعِلَّةً ... عَوَارِيَّ يُعْطَاهَا الرِّجَالُ لَيَالِيَا
وَقَرِيْبٌ مِنْهُ قَوْلُ عَبْدُ يَغُوْثٍ (2):
وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةُ ... أَنَّنِي أَنَا اللَّيْثُ مَعْدُوًّا عَلَّ وَعَادِيَا
(1) قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ (3):
هَزِيْزُ الرِّيْحِ مَرَّتْ بِأَثْأَبِ قَدْ تَمَّ الوَصْفُ وَالتَّشْبِيْهُ قَبْلَ القَافِيَةِ فَلَمَّا أَتى بِهَا زَادَتِ
_______
(1) ديوانه ص 153.
(2) المفضليات 2/ 607.
(3) ديوانه ص 53.
(1/241)

فَقَدْ تَمَّ الوَصْفُ وَالتَّشْبِيْهُ قَبْلَ القَافِيَةِ فَلَمَّا أَتَى بِهَا زَادَتْ نَصَاعَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الأثَأبَ شَجَرٌ يَكُوْنُ لِلرِّيْحِ فِيْ أضْغَاَثِ أغْصَانِهِ حَفِيْفٌ شَدِيْدٌ، وكقولِ ذِي الرُّمَّةِ (1): [من الطويل]
__________
= المَعْنَى نَصَاعَةً وَذَلِكَ أَنْ الأَثَابَ شَجَرٌ يَكُوْنُ لِلرِّيْحِ فِي أَضْغَاثِ أَغْصَانِهِ حَفِيْفٌ شَدِيْدٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلِهِ أَيْضًا:
كَأَنَّ عُيُوْنِ الوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا ... وَأرحُلِنَا الجزْعُ الَّذِي لَمْ يُثْقبِ
فَقَدْ أَتَى عَلَى التَّشْبِيْهِ قَبْلَ القَافِيَةِ وَذَلِكَ إِنَّ عُيُوْنَ الوَحْشِ إِذَا مَاتَتْ وَتَغَيَّرَتْ هَيَّأْتُهَا أَشْبَهَتْ الجِزْعَ ثُمَّ لَمَّاَ جَاءَ بِالقَافِيَةِ بَلَغَ بِالمَعْنَى الأَمَدَ البَعِيْدَ فِي التَّأْكِيْدِ لأَنَّ عُيُوْنُ الوَحْشِ بِالجَّزَعِ الَّذِي لَمْ يثقب أَصْفَى وَأَحْسَنَ. وَقِيْلَ لِلأَصْمَعِيّ مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ قَالَ مَنْ يَأْتِي إِلَى المَعْنَى الخَسِيْسِ الحَقِيْرِ فَيَجْعَلَهُ بِلَفْظِهِ حَقِيْرًا أَوْ يَنْقَضي كَلَامُهُ قَبْلَ القَافِيَةِ فَإِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا أَفَادَ بِهَا مَعْنًى قِيْلَ نَحْوَ مَنْ قَالَ نَحْوَ الأَعْشَى إِذْ يَقُوْلُ:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُفْلِقَهَا ... فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قرنه الوَعِلُ
فَقَدْ تَمَّ المَثَلُ فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى القافِيَةِ قَالَ الوَعِلُ فَزَادَ مَعْنًى وَقِيْلَ وَلِمْ صَارَ الوَعِلُ مُفَضلًا عَلَيَّ كُلَّمَا يَنْطَحُ فَالَ لأَنَّهُ يَنْحَطُّ مِنْ قُلَّةِ الجبَلِ عَلَى قُرْنَيْهِ وَلَا يَضُرّهُ. وَأَمَّا قَوْلُ ذي الرُّمَّةِ: (كَالرِّدَاءِ المُسَلْسَلِ) فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالمُسَلْسَلِ المُسَلَّلِ فِي الأَصْلِ قَالَ الأَصْمَعِيُّ يقال مَاءٌ سَلْسَلٌ أي سَهْلُ المَمَرِّ فِي اللَّه وَاتِ وَتَسَلْسَلَ بِالمَاءِ جَرَى فِي صَبَبٍ وَكَانَ أَصْلُ سَلْسَلَ فِي التَّقْدِيْرِ سَلَّلَ فَأُبْدِلَ مِنْ إِحْدَى اللَّامَاتِ سِيْنًا - بَيْنَ فَعْلَلٍ وَفَعَّلَ إِنَّمَا بُدِّلَ سِيْنًا دُوْنَ سَائِرِ الحُرُوْفِ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيْهِ إِلَّا سِيْنٌ وَلَامٌ مُضَعَّفَةٌ فَجَعَلُوا السِّيْنَ سِيْنَيْنِ فَاعْتَدَلَ الحَرْفُ بِسِنَيْنِ وَلَامَيْنِ. وَهَذَا الحكْمُ فِي الأَسْمَاءِ وَالأفْعَالِ وَاحِدٌ. وَكَذَلِكَ تَمَلْمَلَ أَصلُهُ تَمَلَّلَ فَجَعَلُوا بَيْنَ اللَّامَيْنِ مِيْمًا تَعْدِيْلًا وَتَخْفِيْفًا وَمِثْلهُ فِي الأَسْمَاءِ سَبْسَبٌ وَكَلْكَلٌ وَكَبْكَبٌ وَعَرْعَرٌ وَهُوَ كَثِيْرٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ السَّلْسَلَ رَمْلٌ يَنْعَقِدُ بَعْضهُ - جَمَاعَةٌ مِنَ النَّحَوِيِّيْنَ الكُوْفِيِّيْنَ وَأَمَّا الحذَّاق مِنَ البَصرِيِّيْنَ فَلَا يَجْعَلُوْنَ أَحَدَ التَّرْكِيْبَيْنِ أَصْلًا للفظ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلٌ قَائِمٌ برأسهِ فَقَوْلُهُمْ سَلَّ أَصْلٌ وَهُوَ ثُلَاثِيٌّ وَسَلْسَلَ أَصْلٌ وَهُوَ رُبَاعِيٌّ وَزْنُهُ فَعْلَلَ.
(1) ديوانه 3/ 1451.
(1/242)

قِفِ العِيْسَ (1) فِي أَطْلَالِ مَيَّةَ فَاسْأَلِ ... رُسُوْمًا كَأَخْلَاقِ الرِّدَاءِ المُسَلْسَلِ
فَتَمَّ كَلَامُهُ ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى القَافِيَةِ، فَقَالَ المُسَلْسَلِ، فَزَادَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ أَيْضًا (2):
أَظُنُّ الَّذِي يُجْدِي عليك سُؤَالُهَا ... دُمُوْعًا كَتَبْذِيْرِ الجُمَانِ المُفَصَّلِ
فَتَمَّ الكَلَامُ، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى القَافِيَةِ، فَقَالَ المُفَصَّلِ، فَزَادَ شَيْئًا حَسَنًا.

وَالإِغْرَاقُ فِي الغُلُوِّ:
هُوَ المُبَالَغَةُ فِي وَصْفِ الشَّاعِرِ الشَّيْءَ، أَوِ المَمْدُوْحَ، أوِ المَذْمُوْمَ بِأبْعَدِ غَايَاتِ صِفَاتِهِ. وَالغُلُوُّ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنْ نُعطِيَهُ مِنَ الصِّفَةِ مَا تَعْجِزُ طَبِيْعَتُهُ عَنْهُ، وَلَا تَنْتَهِي قُوَاهُ إِلَيْهِ، فَيَكُوْنُ ذَلِكَ غُلُوًّا فِي المُبَالَغَةِ. قَالُوا وَإِذَا أَتَى الشَّاعِرُ مِنَ الغُلُوِّ بِمَا يَخْرُجُ عَنِ المَوْجُوْدِ وَيَلْحَقُ بِالمَعْدُوْمِ، فَإنَّمَا يُرِيْدُ المَثَلَ وَبُلُوْغَ النِّهَايَةِ فِي النَّعْتِ. وَقَدْ طَعَنَ قَوْمٌ عَلَى هَذَا المَذْهَبِ؛ لِمُنَافَاتِهِ الحَقِيْقَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ التَّأَمُّلِ وَالفِكْرَةِ، وَلَيْسَ بِمَوْضِعِ طَعْنٍ. وَسُئِلَ النَّابِغَةُ مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: مَنْ أسْتُجِيْدُ كَذِبُهُ، وَأضْحَكَ رَدِيْئُهُ. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ قَيْسِ بنِ الخَطِيْمِ يَصِفُ طَعْنَةً (3): [من الطويل]
طَعَنْتُ ابنَ عَبْدِ القَيْسِ طَعْنَةَ ثَائِرٍ ... لَهَا نَفَذٌ لَوْلَا الشُّعَاعُ أضَاءهَا
مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُوْنهَا مَا وَرَاءهَا
أنْهَرْتُ: أوْسَعْتُ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّمِرِ بنِ تَوْلَبٍ يَصِفُ سَيْفًا: [من البسيط]
أَبْقَى الحَوَادِثُ وَالأَيَّامُ مِنْ نَمِرٍ ... أسْبَادَ سَيْفٍ قَدِيْمٍ أثرُهُ بَادِي
تَكَادُ تَحْفِرُ عَنْهُ إِنْ ضرَبْتَ بِهِ ... بَعْدَ الذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالهَادِي
وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُعَلَّلُ بِلَوْ، وَلَوْلَا، وَيَكَادُ، وَمَا نَاسَبَهُ؛ لِيَخْرُجَ عَنِ المُسْتَحِيْلِ؛
__________
(1) يُقَالُ وَقْفْتُ وَلَا يُقَالُ أَوْقَفْتُ إِلَّا فِي مَوْضعَيْنِ: أَوْقَفْتُ الجَّارِيَةَ إِذَا جَعَلْتَ لَهَا وَقْفًا وَهُوَ سِوَارٌ مِنْ عَاجٍ يَتَّخِذَهُ الأَعْرَاب، وَتَكَلَّمْتُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ أَوْقَفْتُ عَنْهُ أَيْ أَمْسَكْتُ. وَلَا يَجُوْزُ فِي غَيْرِ هَذَينِ الحَرْفَيْنِ أَوْقَفْتُ بِوَجْهٍ وَلَا سَبَبٍ.
(2) ديوانه 3/ 1451.
(3) ديوانه ص 46.
(1/243)

وَلِيَسْلَمَ مِنَ الاعْتِرَاضِ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، كَقَوْلِ ابنِ المُعْتَزِّ (1): [من السريع]
وَذُبْتُ حَتَّى صِرْتُ لَوْ زُجَّ بِي ... فِي نَاظِرِ الوَسْنَانِ لَمْ يَنْتَبِه
وَكَقَوْلِ المُتَنَبِّيّ يَصِفُ رَامِيًا بِالسِّهَامِ مُعَلَّقًا بِلَوْلَا (2): [من الوافر]
يُصِيْبُ بِبَعْضِهَا أفْوَاقَ بِعْضٍ ... فَلَوْلَا الكَسْرُ لاتَّصَلَتْ قَضِيْبَا
وَكَقَوْلِ أَبِي صَخْرٍ بِدُخُوْلِ يَكَادُ فِيْهِ (3): [من الطويل]
تَكَادُ يَدِي تَنْدَى إِذَا مَا لَمَسْتُهَا ... وَيَنْبُتُ فِي أطْرَافِهَا الوَرَقُ الخُضْرُ
وَمِثْلُهُ قَوْلُ مُعَاوِيَةَ بنِ مرْدَاسٍ يَصِفُ فَرَسًا (4): [من البسيط]
يَكَادُ فِي شَأوِهِ لَوْلَا أُسَكِّنُهُ ... لَوْ طَارَ ذُو حَافِرٍ مِنْ سُرْعَةٍ طَارَا
وَمِنَ الغُلُوِّ فِي المُبَالَغَةِ وَالإِغْرَاقِ فِيْهِ قَوْلُ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ (5): [من الطويل]
أَلَا عَلِّلَانِي فَالتَّعَلُّلُ أرْوَحُ ... وَيَنْطِقُ مَا شَاءَ اللِّسَانُ المُسَرَّحُ
بِإِجَّانَةٍ لَوْ أنَّهَا جُزَّ بِازِلٌ ... مِنَ البَخْتِ فِيْهَا ظَلَّ لِلجنْبِ يَسْبَحُ
__________
(1) لم ترد في ديوانه، وهي في ديوان المعاني 1/ 272، العمدة 2/ 64.
قَبْلَهُ:
وَقَالُوا ذَاكَ أَرْمَى مَنْ رَأَيْنَا ... فَقُلْتُ رَأَيْتُمُ الغَرَضَ القَرِيْبَا
وَهَلْ يُحْظَى بِأَسْهُمِهِ الرَّمَايَا ... وَمَا يَحْظَى بمَا ظَنَّ الغويَّا
إِذَا انكبَّتْ كِنَايَتُهُ اسْتَبَنَّا ... بِأَنْصُلِهَا لأَنْصُلِهَا نُدُوْبَا
يُصيْبُ بِبَعْضِهَا. البَيْتُ
يُرِيْكَ النَّزْعُ بَيْنَ القَوْسِ مِنْهُ ... وَبَيْنَ رَمِيَّةِ الهَدَفِ اللهِيْبَا
(2) ديوانه 1/ 143.
(3) شعراء أمويون ص 95.
(4) المعاني الكبير 1/ 69.
(5) حلية المحاضرة 1/ 59، عيار الشعر ص 97.
(1/244)

وَكَقَوْلِ أَبِي الطَّمْحَانِ القَيْنِيِّ (1): [من الطويل]
أَضَاءتْ لَهُمْ أحْسَابُهُمْ وَوَجُوْهُهُمْ ... دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى نَظَّمَ الجزْعَ ثَاقِبُه
وَكَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ (2): [من الكامل]
وَأَخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حَتَّى إنَّهُ ... لتَخَافُكَ النُّطَفُ الَّتِي لَمْ تُخْلَقِ
وَكَقَوْلِ ابنِ الرُّوْمِيِّ (3): [من الطويل]
دَعَا النَّاسَ حَتَّى أَسْمَعَ الصُّمَّ صوْتُهُ ... وَأَنْطَقَ حَتَّى قَالَ فِيْهِ الأَخَارِسُ
وَكَقَوْلِ الآخَرِ، وَهُوَ مُهَلْهِلُ بنُ رَبِيْعَةَ أخُو كُلَيْبٍ (4): [من الخفيف]
وَقَتَلْنَا بَكْرًا فَبَادُوا جَمِيْعًا ... وَنَفَخْنَا فِيْمَنْ سِوَاهُمْ فَطَارُوا (5)
__________
(1) حلية المحاضرة 1/ 95، الصناعتين ص 372.
(2) ديوانه ص 401.
(3) ديوانه 3/ 1224.
(4) لم ترد في ديوانه.
(5) وَمِنْ الإِفْرَاطِ فِي المُبَالَغَةِ وَالخُرُوْجِ فِيْهِ عَنِ الحَدِّ إِلَى المُسْتَحِيْلِ قَوْلُ أَبُو الطَّيِّبُ فِي المَدْحِ (1):
وَنَالُوْهَا اشْتَهُوا بِالحَزْمِ هَوْنًا ... وَصَادَ الوَحْشُ نَمْلَهُمُ دَبِيْبَا
وَقَوْلُهُ أَيْضًا (2):
وَضَاقَتِ الأَرْضُ حَتَّى كَانَ هَارِبُهُمْ ... إِذَا رَأَى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلَا
وَقَولُهُ (3):
فَبَعْدُ وَإلَى ذَا اليَوْمِ لَوْ رَكِضَتْ ... بِالخَيْلِ فِي لَهَوَاتِ الطِّفْلِ مَا سَعَلَا
_______
(1) ديوانه 1/ 144.
(2) ديوانه 3/ 168.
(3) ديوانه 3/ 168.
(1/245)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَكَقَوْلِ الآخَرِ:
وَبِتْنَا عَلَى رَغْمِ الحَسُوْدِ وَبَيْنَنَا ... حَدِيْثٌ كَرِيْحِ المِسْكِ شِيْبَ بِهِ الخَمْرُ
حَدِيْثٌ لَوْ أَنَّ المَيْتَ نُوْدِي بِبَعْضِهِ ... لأَصْبَحَ حَيًّا بَعْدَ مَا ضَمَّهُ القَبْرُ
تَوَسَّدَتْهُ كَفِّي وَبِتُّ ضَجِيْعَهُ ... وَقُلْتُ لِلَيْلِي طُلْ فَقَدْ رَقَدَ البَدْرُ
فَلَمَّا أَضاءَ الصُّبْحُ فَرَّقَ بَيْنَنَا ... وَأيُّ نَعِيْمٍ لَا يُكَدِّرُهُ الدَّهْرُ
وَكَقَوْلِ خَالِدِ بن يَزِيْدِ (1):
يَا مَنْظَرًا مَلأَتْ عَيْنِي بِبَهْجَتِهِ ... عَنْ شَمْسِ حُسْنٍ عَلَى غُصْنٍ مِنَ الآسِ
يُدْمِي تَوَهُّمُ لَحْظ العَيْنِ وَجْنَتُهُ ... وَلَا يَرِقُّ لِشَيْءٍ قَلْبُهُ القَاسِي
وَكَقَوْلِ الوَاوَاء الدِّمَشْقِيّ (2):
أَتَانِي زَائِرًا مَنْ كَانَ يُبْدِي ... لِي الهَجْرَ الطَوِيْلَ وَلَا يَزُوْرُ
فَقَالَ النَّاسُ لَمَّا أَبْصَرُوْهُ ... لِيَهْنِكَ زَارَكَ القَمَرُ المَنِيْرُ
قلت لَهُمْ وَدَمْعُ العَيْنِ ... يَجْرِي عَلَى خَدِّي لَهُ دُرٌّ نَثِيْرُ
مَتَى أَرْعَى بِرَوْضِ الحُسْنِ مِنْهُ ... وَعَيْنِي قَدْ تَضَمَّنَهَا غَدِيْرُ
وَلَوْ نُصبَتْ رَحًى بِإزَاءِ دَمِعِي ... لَكَانَتْ مِنْ تَحَدُّرِهِ تَدُوْرُ
المُبَالَغَةُ فِي هَذَا البَيْتِ الأخَيْرِ.
وَكَانَ أَبَا الفَرَجِ الوَاوَاء ألَمَّ فِي البَيْتِ الرَّابِعِ بِقَوْلِ ابنِ المُعْتَزِّ (3):
وَإِنْ تَكُ فِي خَدَّيْكِ لِلْحُسْنِ رَوْضةٌ ... فَإنَّ عَلَى خَدِّي غَدِيْرًا مِنَ الدَّمْعِ
وَمِنْ المُبَالَغَةِ قَوْلُ السَّرِيِّ الكِنْدِيِّ وَعَلَّلَهُ بِقَوْلهِ (4):
_______
(1) لم يرد في ديوانه.
(2) ديوانه ص 110.
(3) يتيمة الدهر 1/ 335.
(4) ديوانه 1/ 395.
(1/246)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= حَسَبْنَاهُ وَخَرْقٍ طَالَ فِيْهِ ... السَّيْرُ حَتَّى حَسَبْنَاهُ يَسِيْرُ مَعَ الرِّكَابِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ يَمْدَحُ:
سَيْفُ عَزْمٍ لَوْ ... أَشَارَ بِهِ لَلرَّاسِيَاتِ بَرَى
وَسِمِعَ أَبُو الهَذِيْلِ قَوْلُ النِّظَامِ وَكِلَاهُمَا مُتَكَلِّمٌ (1):
رَقَّ فَلَوْ بُزَّتْ سَرَابِيْلُهُ ... عَلْقَةُ الجَوِّ مِنَ اللُّطْفِ
يَجْرَحُهُ اللَّحْظِ بِتِكْرَارِهِ ... وَيَشْتَكِي الإِيْمَاءَ بِالطَّرَفِ
فَقَالَ: هَلَّا يُنَاكُ بِأَيْرٍ مِنْ خَاطِرٍ.
وَقَالَ ابْنُ الرُّوْمِيّ (2):
رَقَّ فَلَوْ مَرَّتْ بِهِ نَمْلَةٌ ... أَرْجُلُهَا مُنْعَلَةٌ بِالحَرِيْرِ
لأَثَّرَتْ بِهِ كَمَا أَثَّرَتْ ... مَدَامَةُ فِي عَارِضٍ مُسْتَدِيْرِ
وَقَالَ آخَرُ وَبَالَغَ أَيْضًا:
أُضْمِرُ أَنْ أَضْمِرَ عَتْبًا ... فَيَشْتَكِي إِضْمَارَ إضْمَارِي
رَقَّ فَلَوْ مَرَّتْ بِهِ نَمْلَةٌ ... لَخَضَبَتْهُ بِدَمٍ جَارِ
* * *

وَمِنَ الإِفْرَاطِ فِي الوَصْفِ قَوْلُ بَعْضُ الأَعْرَابِ يَصفُ بُكَاءَهُ وَغَزَارَةَ دُمُوْعِهِ:
رَعَا اللَّهُ عَيْنًا مِنْ بُكَاهَا عَلَى الحِمَى ... تَجِفُّ ضُرُوْعُ المُزْنِ وَهِيَ حَلُوْبُ
بَكَتْ وَغَدِيْرُ الحَيّ طَامٍ فَأَصْبَحَتْ ... عَلَيْهِ الجِمَالُ الجَائِمَاتُ تَلُوْبُ
وَمَا كُنْتُ أَدْرِي أَنَّ عَيْنًا زَكِيَّةٌ ... وَلَا أَنَّ مَاءَ المُقْلتيْنِ شَرُوْبُ
* * *
_______
(1) طبقات ابن المعتز 272، المنصف ص 337.
(2) لم ترد في ديوانه.
(1/247)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَكَقَوْلِ أَبي مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بن مُحَمَّد بن مُغِيْثٍ:
أبُو حِسْبَةٍ إِنْ قِيْلَ حَدَّ نُحُوْلَهِ ... فَلَمْ يَبْقَ مِنْ لَحْمٍ عَلَيْهِ وَلَا عَظْمِ
فَعَادَ قَمِيْصًا فِي فَرَاشِ فَلَمْ يَرَوا ... وَلَا لَمِسُوا شَيْئًا يَدلُّ عَلَى جِسْمِ
طَوَاهُ الهَوَى فِي ثَوْبِ سَقْمٍ مِنَ الضَّنَا ... فَلَيْسَ بِمَحْسُوْسٍ بِعَيْنٍ وَلَا وَهْمِ
* * *

وَكَقَوْلِ أَبي أَحْمَد المُنْفَتِلُ:
وَلَوْ حَاوَلْتَ مِنْ سَقْمِي ذِهَابًا ... جَرَيْتُ مَعَ التَّنَفُّسِ حَيْثُ يَجْرِي
وَلَوْ أُسْكِنْتَ بَاطِنْ جَفْنِ عَيْنٍ ... بِمُقْلَةِ سَاهِرٍ مَا كَانَ يَدْرِي
* * *

وَكَقَوْلِ أَبِي حبِيْبٍ:
وَلَوْ قَلَمٌ أُلْقِيَتْ فِي شَقِّ رَأْسِهِ ... مَا غَيَّرَتْ مِنْ خَطِّ الكَاتِبِ
* * *

وَمِنَ المُبَالَغَةِ فِي وَصفِ رَامٍ قَوْلُ المُتَنَبِّيّ:
يَكَادُ يصِيْبُ الشَّيْءَ قَبْلَ رَمْيِهِ ... وَيُمْكِنُهُ فِي سَهْمِهِ المُرْسَلِ الرَّدُّ
وَيُنْفِذُهُ فِي العَقْدِ وَهُوَ مُضيَّقٌ ... مِنَ الشّعْرَةِ السّوَدِاء -- أسْوَدِ
-- تصيْغُهُ هَوًى أَوْ أَنَّهَا فِي غَيْرِ أنمله زُهدِ
يَكَادُ يصِيْبُ الشَّيْءَ. البَيْتُ
وَلَيْسَ رَدُّ السَّهْمِ مِنْ وَصفِ الرُّمَاةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ المُبَالَغَةِ الَّتِي تُوْدِي إِلَى المُحَالِ.
* * *

وَقَالَ آخَرُ يَصفُ ضَرْبَةً وَأَسْرَفَ (1): =
_______
(1) حلية المحاضرة 1/ 88، الموشح ص 88.
(1/248)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ضَرَبْتهُ فِي المُلْتَقَى ضَرْبَةً ... فَخَرَّ مِنْ مَنْكِبِهِ الكَاهِلُ
فَصَارَ مَا بَيْنَهُمَا فَجْوَةٌ ... يَمْشِي بِهَا الرَّامِحُ وَالنَّابِلُ
النَّبَالُ: الَّذِي يَعْمَلُ النّبلَ والنَّابِلُ الَّذِي يَحْمِلُ النّبلَ وَكَذَلِكَ سَيَّافٌ وَسَايِفٌ وَرَمَّاحٌ وَرَامحٌ وَنَحْوَهُ.
وَقَالَ النَّابِغَةُ فِي صِفَةِ السُّيُوْفِ (1):
تَقُدُّ السَّلْوُقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَيُوْقِدْنَ بِالصِّفَاحِ نَارَ الحَبَاحِبِ
زَعَمَ أَنَّ هَذَا السَّيْفَ يقُدُّ الدّرْعَ المُضَاعَفَةَ وَالفَارِسَ وَالفَرَسَ ثُمَّ يَقَعُ فِي الأَرْضِ فَيقْدَحُ النَارَ مِنَ الحِجَارَةِ.
وَهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ (2):
وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنْ سُيُوْفَهمْ ... بِهُنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ
وَقَالَ أَيْضًا يَصِفُ حَوْمَ الطَّيْرِ حَوْلَ العَسْكَرِ (3):
جَوَانِحُ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ قَبِيْلَةَ ... إِذَا مَا الْتَقَى الجمْعَانِ أَوَّلُ غَالِبِ
فَجَعَلَ الطَّيْرَ الَّذِي يَتْبَعُهُمْ تُوْقِنَ أَنَّ قَبْيْلَةَ غَالِبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَهُ الأَفْوَهُ الأودِيُّ إِلَى هَذَا المَعْنَى بِقَوْلهِ (4):
وَتَرَى الطَّيْرَ عَلَى آثَارِنَا ... رَأْيَ عَيْنٍ ثِقَةً أَنْ سَتُمَارُ
وَلَكِنْ مِنَ أَيْنَ لِلأَفْوَهِ ابْتِدَاءُ النَّابِغَةِ بِمَا يَنْقَادُ إِلَيْهِ القَوْلُ قَبْلَ اسْتِتْمَامِهِ وَهُوَ (5):
إِذَا مَا غَزَا بِالجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهُمْ ... عَصَائِبَ طَيْرٍ تَهْتَدِي بِعَصَايِبِ
_______
(1) ديوانه ص 46.
(2) ديوانه ص 46.
(3) ديوانه ص 46.
(4) ديوانه ص 13.
(5) ديوان النابغة الذبياني ص 36.
(1/249)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَقَدَّمَ فِي هَذَا البَيْتِ مَعْنَى مَا يُحَلِّقُ الطَّيْرُ مِنْ أَجْلِهِ ثُمَّ أَوْضَحَهُ بِقَوْلهِ (1):
يُصَاحِبْنَهُمْ حَتَّى يَعِرْنَ مُغَارهِمْ ... مِنَ الضَّارِيَاتِ بِالدِّمَاءِ الزَّوَارِبِ
تَرَاهُنَّ خَلْفَ القَوْمِ حُزْرًا عُيُوْنهَا ... حُلُوْسَ الشّيُوْخِ فِي مُسُوْكِ الأَرَانِبِ
لَهُنَّ عَلَيْهِمْ عَادَةٌ قَدْ عَرَفْنَهَا ... إِذَا وَضعُوا الخَطِيَّ فَوْقَ الكَوَاثِبِ
فَتَبِعَهُ حَمِيْدُ بنُ ثَوْرٍ الهِلَالِيّ فَقَالَ يَصِفُ ذِئْبًا (2):
إِذَا مَا غَدَا يَوْمًا رَأَيْتَ غَيَايَةً ... مِنَ الطَّيْرِ يَنْظرْنَ الَّذِي هُوَ صَانِعُ
فَهَمَّ بِأَمْرٍ ثُمَّ أَزْمَعَ غَيْرَهُ ... وَإِنْ ضاقَ رِزْقٌ مَرَّةً فَهْوَ وَاسِعُ
وَتَلَاهُمَا أَبُو نُوَّاسٍ فَقَالَ (3):
تَتَأَيَّا الطَّيْرُ غَدْوَتَهُ ... ثِقَةً بِالشّبْعِ مِنْ جَزْرِهِ
تَتَأَيَّا: تَنْتَظِرُ
قَالَ عَمْرُو الوَرَّقُ: رَأَيْتُ أَبَا نُوُّاسٍ ينْشِدُ (4):
وَإِذَا مَجَّ القَنَا عَلَقًا ... وَتَرَاءَى المَوْتُ فِي صوَرِه
رَاحَ فِي ثَنْيِ مَفَاضَتهِ ... أَسَدٌ يَدْمَى شَبَا ظُفْرِهِ
تَتَأَيَّا الطَّيْرُ غَدْوَتَهُ ... ثِقَةً بِالشّبْعِ مِنْ جَزْرِهِ
فَقُلْتُ مَا تَرَكْتَ لِلنَّابِغَةِ شَيْئًا قَالَ اسْكُتْ فَلَئِنْ كَانَ سَبَقَ إِلَيْهِمَا لَمَا أَسَاءَتِ الاتبَاع لَهُ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا نَسْجَا وَأسْلَمُ تَرْكِيْبًا قَوْلُ أَبي تَمَّامٍ عَلَى تَأَخذُرِ زَمَانِهِ (5):
تَسَرْبَلَ سِرْبَالًا مِنَ الصَّبْرِ وَارْتَدَى ... عَلَيْهِ بِعَضْبٍ فِي الكَرِيْهَةِ فَاضلِ
_______
(1) ديوان النابغة الذبياني ص 46.
(2) ديوانه ص 106.
(3) ديوانه ص 431.
(4) ديوانه ص 431.
(5) ديوانه 3/ 82.
(1/250)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَدْ ظُلِّلَتْ عُقْبَانُ أَعْلَامِهِ ضُحًى ... بِعقْبَانِ طَيْرٍ في السّماءِ نَوَاهلِ
أَقَامَتْ مَعَ الرَّايَاتِ حَتَّى كَأَنَّهَا ... مِنَ الجيْشِ إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تُقَاتِلِ
* * *

يَقُوْلُ لَوْ جَمَعْتَ عُنُقَ البَعِيْرِ وَذِرَاعَيْهِ وَسَاقَيْهِ ثُمَّ ضَرَبْتَهَا وَهِيَ مُجْتَمِعَةٌ لِعَمَل فِيْهَا حَتَّى يَرْسُبَ فِي الأَرْضِ فَيُحْتَقرُ عَلَيْهِ لَخَرجَ.
وَكَقَوْلِ ابْنُ الرُّوْمِيّ (1):
بِوَجْهٍ شَفَّ مَاءُ الحُسْنِ فِيْهِ ... فلو لُثِمَتْ صَحِيْفَتُهُ لَسَالَا
وَيُؤْثرُ فِيْهِ لَحْظ العَيْنِ حَتَّى ... تَخَالَ سَوَادَهَا فِي الخَدِّ خَالَا
* * *

وَكَقَوْلِ هَفَّانَ:
لَوْ أَنَّهُ طَارَ بَعِيْرُ طَارَا
وَهَذَا كَقَوْلِ أُبَيّ بن سُلَمِيُّ بن رَبِيْعَةَ بن زَبَّانَ (2):
وَخَيْلٍ تَلَافَيْتُ رَيْعَانَهَا ... بِعَجْلَزَةٍ جَمَزَى المُدَّخَرِ
جَمُوْمِ الجرَاءِ إِذَا عُوْقِبَتْ ... وَإِنْ نُوْزِقَتْ بَرَزَتْ بِالحضَرِ
سَبُوْحِ إِذَا اعْتَزَمَتْ فِي العِنَانِ ... مَرُوْحِ مُلَمْلَمَةٍ كَالحَجَرِ
فلو طَارَ ذُو حَافِرٍ قَبْلَهَا ... لَطَارَتْ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِرِ
وَنَحْوَهُ قَوْلُ سُلَيمَانَ بن عَوْفٍ يَصِفُ فَرَسَ عَامِرٍ بن الطُّفَيْلِ (3):
وَلَوْ أنَّهَا تَجْرِي عَلَى الأَرْضِ أُدْرِكَتْ ... وَلَكِنَّمَا يَطْلُبْنَ تِمْثَالِ طَائِرِ
_______
(1) لم ترد في ديوانه.
(2) حماسة أبي تمام 1/ 287.
(3) حلية المحاضرة 1/ 91.
(1/251)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ بَعِيْدِ الإغْرَاق قَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ نَاقَةً:
وَيَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تَطيْرَ زِمَامُهَا
وَمِمَّا هُوَ مُعَلَّل بِلَو قَوْلُ الأَعْشَى وَقِيْلَ هَذَا أَكْذَبُ بَيْتٍ قَالَتْهُ العَرَبُ (1):
لَوْ أَسْنَدْتَ مَيْتًا إِلَى نَحْرِهَا ... عَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَى قَابِرِ
حَتَّى يَقُوْلَ النَّاسُ مِمَّا رَأُوا ... يَا عجبًا للميِّتِ النَّاشِرِ
وَكضأَنَّ تَوْبَةَ بنَ الحُمَيّرِ نَظَرَ إِلَى هَذَا المَعْنَى فَقَالَ (2):
فلو أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَدُوْني جَنْدَل وَصِفَاحِ
لَسَلَّمْتُ تَسْلِيْمَ البَشَاشَةِ أَوْ زَقَا إِلَيْهَا ... صَدًى مِنْ جَانِبِ القَبْرِ صَائِحِ
وَصَرَّحَ أَبُو النَّجْمِ بِسَرِقَهِ مِنَ الأَعْشَى فَقَالَ (3):
وَلَوْ أَسْنَدْتَ مَيْتًا إِلَيْهَا لَنُشِر
أَوْ مَسَحْنَ عَنْ عَمنِ أَعْمَى لَنَظَر
أَخْبَرَ ابْنُ دَرَسْتَوِيْهِ عَنِ المُبَرَّدِ عَنِ الرَّيَاشِي قَالَ: وَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى حَلَقَةٍ فِي المَسْجِدِ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُبَدِّلُوا أَطْمَارًا عَلَيْهِ. فَقَالُوا: مَا كُنْيَتُكَ؟ قَالَ: أَبُو وَائِلٍ. قَالُوا: اجْلِس يَا أَبَا وَائِلٍ أتقْرِضُ مِنَ الشِّعْرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إنِّي لأَقُوْلُ كَرِيْمَةُ؟ قَالُوا: أَنْشِدْنَا. قَالَ: أُنْشِدُكُمْ فِي صغَرٍ ثُمَّ قَالَ (4):
لَوْ أَنَّ زُبْدَةَ كَلَّمَتْنِي بَعْدَ مَا نَسَبَتْ ... نَوَايِحِيَ البُكَاءَ وَأُقْبَرُ
لَظَنِنْتُ مَيِّتَ أَعْظُمِي سَيُحْيِيْهَا ... أَوْ أَنَّ بَالِيْهَا الرَّمِيْمِ سَيُنْشَرُ
فَقَالُوا: يَا أَبَا وَائِلٍ هَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ رِيْبَةٌ؟ قَالَ: كَانَ أَقْرَبَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِمَّا حَرَّمَ
_______
(1) ديوانه ص 189.
(2) ديوانه ص 48.
(3) لم ترد في ديوانه، وهي لأبي النجم العجلي في حلية المحاضرة 1/ 94.
(4) لأبي وائل في العقد الفريد 6/ 166. =
(1/252)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الإِشَارَة إِلَى غَيْرِ مَسَاسٍ وَاللَّحْظُ مِنْ غَيْرِ بَاسٍ وَبِاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَذْكُرُهَا وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا عَقْبَةُ الطَّائِرِ فَأَحْيَا بِذِكْرِهَا وَتَضْرِبُنِي سَوَافِعُ المِسْكِ ولئن لَمْ يَكُنْ العِشْقُ جُنُوْنًا فَإِنَّهُ لَعُصَارَةٌ مِنَ السُّحْرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِي (1):
حَدِيْثَا إِذَا لَمْ تَخْشَ عَيْنًا كَأَنَّهُ ... إِذَا سَاقَطَتْهُ الشَّهْدُ بَلْ هُوَ أَطْيَبُ
لَوْ أَنَّكَ تَسْتَشْفِي بِهِ بَعْدَ سَكْرَةٍ ... مِنَ المَوْتِ كَادَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ تَذْهَبُ
* * *

وَمِنْ الإِغْرَاقِ قَوْلُ عَلِيّ بن فَضْلِ الكَاتِبِ (2):
لَوْ زَارَنِي طَيْفُهُم مَا دَرَى ... مِنَ الضَّنَا أنِّي فِي مَضْجَعِي
كُلُّ سَحَاب أَمْطَرَتْ أَرْضَكُمْ ... حَامِلَةٌ لِلمَاءِ مِنْ أَدْمُعِي
كُلُّ رِيْحٍ فَإِنَّهَا أَضلُعِي
* * *

وَمِنَ الإغْرَاقِ وَالمُبَالَغَةِ قَوْلُ أَبِي الفَرَجِ الوَاوَاء الدِّمَشْقِيّ ويُرْوَيَانِ لِلْمَاهِرِ (3):
وَمَا أَبْقَى الهَوَى وَالشَّوْقُ مِنِّي ... سِوَى رُوْحِ تُرَدَّدُ فِي خَيَالِ
أَبَيْتُ عَلَى النَّوَائِبِ أَنْ تَرَانِي ... كَأَنَّ الرُّوْحَ مِنِّي فِي مُحَالِ
وَيُرْوَى: خَفِيْتُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الفَتْحِ كَشَاجِمَ (4):
_______
(1) مجموع شعره ص 112 - 113.
(2) ديوان صردر ص 63.
(3) ديوانه ص 189.
(4) ديوانه ص 296.
(1/253)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمَا زَالَ يَبْرِي جمْلَةَ الجِّسْمِ حُبُّهَا ... وَيُنْقِصهَا حَتَّى لطفتُ عَنِ النَّقْصِ
وَقَدْ ذبْتُ حَتَّى صِرْتُ إِنْ أَنَا زِرْتُهَا ... أَمِنْتُ عَلَيْهَا أَنْ يَرَى أَهْلُهَا شَخْصِي
وَقَالَ السَّرِيُّ الرَّفَاء متبعًا لَهُ (1):
أَنَا أَخْفَى مِنْ أَنْ يُحِسَّ بِجِسْمِي ... أَحَدٌ حَيْثُ كُنْتُ لَوْلَا الأَنِيْنُ
فَكَأَنِّي الهِلَالُ فِي لَيْلَةِ الشَّكَ ... نحُوْلًا فَمَا تَرَانِي العيُوْنُ
* * *

وَقِيْلَ أَنَّهُمَا لأَبِي الهِنْدِيّ.
وَتُرْوَى:
أَلَا عَلِّلَانِي فَالمُعَلِّلُ أَرْوَحُ ... وَلَا تَعِدَانِي الشَّرَّ وَالخَيْرُ أَفْسَحُ
بِإِجَابة لَوْ أَنَّهُ جُرَّ بَازِلٌ عَلَيْهَا ... لأَضحَى وَهُوَ لِلجَّنْبِ فُسَّحُ
* * *

حَدَّثَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيْمٍ قَالَ: كَانَ أَبُو الهِنْدِيّ يَشْرَبُ مَعَنَا بِمَرْوَ وَكَانَ إِذَا سَكِرَ تَقَلَّبَ تَقَلُّبًا قَبِيْحًا وَكُنَّا عَلَى سطْحٍ فَخفْنَا أَنْ يَسْقُطَ مِنْهُ لِغَلْبَةِ السُّكْرِ عَلَيْهِ فَشَدَدْنَا رجْلَهُ وَلَمْ نُقَصِّرْ فَتَدَحْرَجَ حَتَّى سَقَطَ وَبَقِيَ مُعَلَّقًا بِرِجْلِهِ فَاخْتَنَقَ بشرَابهِ فَأَصبَحْنَا فَوَجَدْنَاهُ مَيتًا (2).
* * *

وَكَقَوْلِ الآخَر فِي ملاحة وَجْه الكَرِيْمِ عِنْدَ السُّؤَالِ لَهُ
كَأَنَّ تَلأَلُؤِ المعرُوْفِ فِيْهِ ... شعَاعَ الشَّمْسِ فِي السَّيْفِ الصَّقِيْلِ
وَمِنَ المُبَالَغَةِ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
أَحَارِثُ إِنَّا لَوْ تُسَاط دِمَاؤُنَا ... تَزَايَلْنَ حَتَّى لَا يَمَسَّ دَمٌ دَمَا
_______
(1) لم ترد في ديوانه.
(2) طبقات ابن المعتز ص 138، الأغاني 2/ 332.
(1/254)

وَمُوَازَاةُ المُقَابَلَة:
قَالَ عَلِيُّ بن الحُسَيْنِ القُرَشِيُّ: سَأَلْتُ قُدَامَةَ الكَاتِبَ عَنِ المُقَابِلَةِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَضَعَ الشَّاعِرُ مَعَانِي يَعْتَمِدُ المُوَافَقَةَ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ وَالمُخَالَفَةَ، فَيَأتِي فِي المُوَافِقِ بما يُوافقُ، وَفِي المُخَالِفِ بِمَا يُخَالِفُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَشْرِطَ شُرُوْطًا، وَيُعَدِّدُ أَحْوَالًا فِي أحَدِ المَعْنَيَيْنِ. فَيَجِبُ أَنْ يَأتِيَ فِيْمَا يُوَافِقُهُ بِمِثْلِ مَا شَرَطَهُ، وَفِيْمَا يُخَالِفُهُ بِأَضْدَّادِ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: أنْشِدْنِي مَا قِيْلَ فِيْهِ. فَقَالَ: لَا أعْرِفُ أحْسَنَ مِنْ قَوْلُ الشَّاعِرِ (1): [من الطويل]
أَيَا عَجَبًا كِيْفَ اتَّفَقْنَا فَنَاصِحٌ ... وَفِيٌّ وَمَطْوِيٌّ عَلَى الغِلِّ غَادِرِ
فَجَعَلَ بِإِزَاءِ نَاصِحٍ مَطْوِيًّا عَلَى الغِلِّ، وَبِإزَاءِ وَفِيٍّ غَادِرًا.
وَقَوْلِ الطِّرِمَّاحِ بنِ حَكِيْمٍ الطَّائِيِّ (2): [من الوافر]
أسَرْنَاهُمْ وَأنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ ... وَأسْقَيْنَا دِمَاءَهُمُ التُّرَابَا
فَمَا صَبَرُوا لِبَأْسٍ عِنْدَ حَرْبٍ ... وَلَا أدَّوا لِحُسْنِ يِدٍ ثوَابَا
فَجَعَلَ بِإِزَاءِ أَنْ سَقُوا دِمَاءهُمُ التُّرَابَ أنَّهُمْ لَمْ يَصْبِرُوا لِبَأْسٍ عِنْدَ حَرْبٍ، وَبِإِزَاءِ أَنْ أسَرُوْهُم وَأنْعَمُوا عَلَيْهِم أنَّهُمْ لَمْ يَثِيْبُوا لِحُسْنِ يَدٍ جَزَاءً، فَهَذِهِ المُقَابَلَةُ. وَأَمَّا تَقَابُلُ النَّظَرِ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ، فَهُوَ غَيْرُ هَذَا. قَالَ عَلِيُّ بن هَارُوْنَ بن يَحْيَى، وَكَانَ هَارُوْنُ أَبِي يَزْعَمُ أَنَّ أحْسَنَ مَا قِيْلَ فِي المُقَابَلَةِ قَوْلُ عَمْرِو بنِ كُلْثُومٍ (3): [من الوافر]
وَرِثْنَا المَجْدَ عَنْ آبَاءِ صِدْقٍ ... وَنُوْرِثُهُ إِذَا مُتْنَا بَنِيْنَا (4)
__________
= فَقِيْلَ هَذَا مِنَ الكَذِبِ وَالمُحَالِ.
(1) للمتلمس في الشعر والشعراء ص 105.
(2) للطرماح بن حكيم في ذيل ديوانه ص 564.
(3) ديوانه ص 86.
(4) وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ النَّابِغَةِ (1):
_______
(1) ديوانه ص 174.
(1/255)

وَسُهُوْلَةُ التَّسْهِيْمِ:
سُئِلَ عَلِيُّ بن هَارُوْنَ عَنِ التَّسْهِيْمِ فَقَال: هَذَا لَقْب نَحْنُ اخْتَرَعْنَاهُ. قِيْلَ: فَمَا كَيْفِيَّتُهُ؟ فَأَجَابَ بِجَوَابٍ لَمْ يُبْرِزْهُ فِي عِبَارَةٍ فَصِيْحَةٍ لَكِنْ مَفْهُوْمُهُ أَنَّ صِفَةَ الشِّعْرِ المسَهَّمِ أَنْ يَسْبقَ السَّامِعُ إِلَى قَوَافِيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِي إِلَيْهَا رَاوِيْهِ حَتَّى لَوْ سَمِعَ السَّامِعُ الشَّطْرَ الأوَّلَ، لَاستَخْرَجَ الشَّطْرَ الأَخِيْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْمَعَهُ. وَإنَّ أحْسَنَ مَا قِيْلَ فِي ذَلِكَ قَوْل جَنُوْبَ أُخْتِ عَمْرِو ذِي الكَلْبِ (1): [من المتقارب]
__________
= فَتًى تَمَّ فِيْهِ مَا يُسِرُّ صَدِيْقَهُ ... عَلَى أَنَّ فِيْهِ مَا يَسُوْءُ الأَعَادِيَا
وَأَحِسَبُ أَنَّ المَذْهَبَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ صاحِبُ كِتَابِ (مَحَكِّ الفَهْمِ وَمِعْيَارِ النَّظْمِ) فِي التَّقْسِيْمِ هُوَ هَذَا أَوْ قَرِيْب مِنْهُ فَيَعْتَبرُ وَيُحَقِّقُ لِكَي يَضَافُ كُلّ نَوْعٍ إِلَى بَابهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
* * *

وَمِنْ المُقَابِلَةِ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ مَنْقُوْل مِنْ خَطِّهِ:
فِي يَدَيْهِ وَوَجْهِهِ وَلِطِيْبِ ... الذِّكْرِ مِنْهُ يَسرُّ وَبِشْرٌ وَنَشْرُ
وَقَدْ جَمَعَ هَذَا البَيْتَ المُقَابَلَةَ وَالتَّجْنِيْسَ. يَقُوْلُ مِنْهَا:
مَاجِدٌ جَارُهُ عَزِيْزٌ وَمَغْنَاهُ ... حَرِيْرٌ وَبَحْر جَدْوَاهُ غَمْرُ
وَلَدَيْهِ جُوْد وَبَأْس لَدَى السُّخ ... ط وَعِنْدَ الرِّضَا وَنَفْعٌ وَضَرُّ
كَامِلِ الوَصْفِ هَامِي الكَفِّ سَامِي ... الطَّرْفِ لِلْمَجْدِ رَابِط الجأْشِ ذِمْرُ
لَمْ يُغيِّرُهُ عَنْ نَوَالٍ وَعُرْفٍ ... غِيَرٌ لِلزَّمَانِ وَالحرُّ حُرُّ
سَبَقَ النَّاسَ لِلْعُلَى فَحَوَاهَا ... وَكَبَا دُوْنَ ذَاكَ زَيْدٌ وَعَمْرُو
وَالبَيْتُ المُسْتَشْهَدُ بِهِ فِي المُعَامَلَةِ هُوَ قَوْلُهُ:
وَلَدَيْهِ جُوْدٌ وَبَأْسٌ لَدَى السُّخْطِ ... وَعِنْدَ الرِّضَا وَنَفْعٌ وَضَرُّ
البَيْتُ.
(1) ديوان الهذليين 3/ 120.
(1/256)

فَأَقْسَمْتُ يا عَمْرُو لَوْ نَبَّهَاكَ ... إِذًا نَبَّهَا مِنْكَ دَاءً عُضَالَا
إِذًا نَبَّهَا لَيْثَ عِرِّيْسَةٍ ... مُفِيْتًا مُفِيْدًا نُفُوْسًا وَمَالَا
وَخَرْقٍ تَجَاوَزْتَ مَجْهُوْلَهُ ... بِوَجْنَاءَ لَا تَتَشَكَّى الكَلَالَا
فَكُنْتَ النَّهَارَ بِهَا شَمْسَهُ ... وَكُنْتَ دُجَى اللَّيْلِ فِيْهَا الهِلَالَا (1)
فَانْظُرْ إِلَى دِيْبَاجَةِ هَذَا الكَلَام مَا أَصْفَاهَا، وَإلَى تَقَاسِيْمِهِ مَا أَوْفَاهَا، وَانْظُرْ قَوْلَهَا مُفِيْتًا مُفِيْدًا، وَوَصْفهَا إيَّاهُ بِالشّمْسِ بِالنَّهَارِ، وِبِالهِلَالِ فِي اللَّيْلِ، تَجِدِ المُطْمِعَ المُمْتَنِعَ، القَرِيْبَ البَعِيْدَ (2).

وَوُقُوْعُ الحَافِرِ عَلَى الحَافِرِ:
وَيُسَمَّى المُوَارَدَةَ وَالاشْتِرَاكَ فِي اللَّفظِ وَالمَعْنَى أَوْ كِلَيْهِمَا. قَالَ الأَصمَعِيُّ (3): قُلْتُ لأَبِي عَمْرِو بنِ العَلَاءِ: أَرَأَيْتَ الشَّاعِرَيْنِ يَتَّفِقَانِ فِي المَعْنَى، وَيَتَوَارَدَانِ فِي اللَّفْظِ، لَمْ يَلْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَلَا سَمِعَ شِعْرَهُ؟ فَقَالَ: تِلْكَ عُقُوْلُ رِجَالٍ تَوَافَتْ عَلَى ألْسِنَتِهَا. وَقَدِ اعْتَدَّ قَوْم ذَلِكَ سَرَقًا، وَلَيْسَ بِسَرَقٍ وَإِنَّمَا هِيَ ألْفَاظٌ مُشْتَرَكَة مَحْصُوْرَةٌ يَضطَرُّ الشَّاعِرُ إِذَا اعْتَمَدَ النَّظْمَ فِي مَعْنَاهَا إِلَى المُوَارَدَةِ فِيْهَا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَذَلِكَ لاتِّسَاعِ الكَلَامِ، وَتَقَارُبِ طِبَاعِ الشُّعَرَاءِ بَعْضهَا مِنْ بَعْضٍ في
__________
(1) وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَى هَذَا الشِّعْر وَصْفُ الوَرْدِ الأَحْمَرِ وَالأَبْيَضِ (1):
قَرَاحُ وَرْدٍ مُوْيقٌ نَبْتُهُ بِالحُ ... سْنِ وَالبَهْجَةِ مَنْعُوْتُ
مُبْيَضَّةٌ فِيْهِ وَمُحْمَرَّةٌ ... كَأَنَّهُ دُرٌّ وَيَاقُوْتُ
(2) وَذَلِكَ كَمَا قَالَ أَبُو نَصْر بن نُبَاتَةَ يَصِفُ شِعْرَهُ (2):
خُذْهَا إِذَا أَنْشَدْتَ فِي القَوْمِ مِنْ طَرَبٍ ... صُدُوْرُهَا عُلِمَتْ مِنْهَا قَوَافِيْهَا
يَنْسَى لَهَا الرَّاكِبُ العَجْلَانُ حَاجَتَهُ ... وَيُصْبِحُ الحَاسِدُ الغَضْبَانُ مطرِيْهَا
(3) العقد الفريد 5/ 340.
_______
(1) للوزير المهلبي في حدائق الأنوار ومحاسن الأشعار ص 208.
(2) ديوانه 1/ 475.
(1/257)

التَّصَرُّفِ بالعِبَارَةِ عَنِ الأَمُورِ وَالوَقَائِعِ المُتَقارِبَةِ المعَانِي بَعْضُها بَعْضًا فَتَشَابَهَ بِالسَّرقَةِ حَتَّى لَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَا اجْتِلَابَ، وَلَا اسْتِعَارَةَ، وَلَا أخْذَ، وَإنَّ الكَلَامَ كُلَّهُ مُشْتَرَكٌ مُتَدَاوَلٌ، وَالأَلْفَاظَ كُلُّهَا مُبَاحَةٌ. وَلَيْسَ كَمَا قالُوا أَيْضًا، وَإِنَّمَا لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ حَدٌّ وَمِقْدَار يُعْرَفُ بِهِ. فَمِنَ المُوَارَدَةِ وَالاشْتِرَاكِ في اللَّفِظْ، ووقُوع الحافِرِ على الحافِرِ، مِمَّا لَيْسَ بِسَرَقٍ قَوْلُ عَنْتَرَةَ العَبْسِيِّ (1): [من الوافر]
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... عَلَيْهَا الأُسْدُ تَهْتَصرُ اهْتِصارَا
فَقَالَ عَمْرُو بن مَعدِ يكَرِبٍ (2): [من الوافر]
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتَ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِم ضرْبٌ وَجِيْعُ
فَقَالَتْ الخَنْسَاءُ بِنْتُ عَمْرٍو (3): [من الوافر]
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتَ لَهَا بِخَيْلٍ ... فَدَارَتْ بَيْنَ كَبْشَيْهَا رَحَاهَا
وَقَالَ أعْرَابِيٌّ (4): [من الوافر]
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَرَى فُرَسَانهَا مِثْلَ الأُسوْدِ
فَلَو اجْتَهَدَ هَؤُلَاءِ عِنْدَ قَصْدِهِمْ الإِخْبَارَ بما أخبَرُوا بِهِ مِنْ هَذَا الوَصْفِ أَنْ يُوردُوهُ بِغَيْرِ هَذِهِ العِبَارَةِ فِي هَذَا العُرُوْضِ، لَمَا اسْتَطَاعُوا؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَضْطَرُّهُمْ، وَاعْتِمَادَ العِبَارَةِ الشَّرِيْفَةِ يَقُوْدُ أعِنَّتَهُم إِلَى ذَلِكَ. فَرُبَّ مَعَانٍ تَخْتَصُّ بِألْفَاظٍ شَرِيْفَةٍ، لَا يُمْكِنُ تَعَدِّيْهَا إِلَى مَا هُوَ أشْرَفُ مِنْهَا فَهَذَا مِنَ الاشْتِرَاكِ فِي اللَّفْظِ. وَأَمَّا الإشْرَاكُ فِي المَعْنَى مِمَّا يُشْبِهُ المَأْخُوْذُ، وَلَيْسَ بِمَأخُوْذٍ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (5): [من السريع]
إنَّا وَإيَّاهُم وَمَا بَيْنَنَا ... كَمَوْضِعِ الزَّوْرِ مِنَ الكَاهِلِ
__________
(1) ديوانه ص 239.
(2) ديوانه ص 149.
(3) ديوانها ص 150.
(4) العمدة 2/ 292.
(5) لم يرد في ديوانه.
(1/258)

فَقَالَ الحَارِثُ بنُ حِلْزَةَ (1): [من المتقارب]
وَبَيْتُ شُرَاحِيْلَ فِي وَائِلٍ ... مَكَانَ الثُّرَيَّا مِنَ الأنْجُمِ
وَقَالَ سُحَيْم بن وَثيْلٍ (2): [من الوافر]
ألَمْ تَرَ أنَّنِي مِنْ حِمْيَرِيٍّ ... مَكَانَ اللَّيْثِ مِنْ وَسطِ العَرِيْنِ
وَلِمَعْقِلِ بن مُجَمَّعٍ الأسَدِيِّ (3): [من الوافر]
وَلَوْ أنِّي أشَاءُ لَكُنْتُ مِنْهُمْ ... مَكَانَ الفَرْقَدَيْنِ مِنَ النُّجُوْمِ
وَقَالَ الطِّرِمَّاح (4): [من الوافر]
نَزَلْنَا فِي التَّعَزُّزِ مِنْ مَعَدٍّ ... مَكَانَ القِدْرِ مِنْ وَسْطِ الأَثَافِي
وَقَالَ الفَرَزْدَقُ (5): [من الطويل]
وَنَحْنُ إِذَا عَدَّتْ مَعَدٌّ قَدِيْمهَا ... مَكَانَ النَّوَاصِي مِنْ وُجُوْهِ السَّوَابِقِ
وَقَالَ المُنَخَّلُ السَّعْدِيِّ (6): [من الطويل]
وَإنَّا لَنُعْطِي النِّصْفَ مَنْ لَوْ نَضِيْمُهُ ... أقرَّ وَنَأبَى نَخْوَةُ المُتَظَلِّمِ
وَقَالَ الفَرَزْدَقُ (7): [من الطويل]
تَرَى كُلَّ مَظْلُوْمٍ إلَيْنَا فِرَارُهُ ... وَيَهْرُبُ مِنَّا جُهْدَهُ كُلُّ ظَالِمِ
__________
(1) ديوانه ص 58.
(2) الأصمعيات 1/ 18.
(3) معجم الشعراء ص 371.
(4) ديوانه ص 328.
(5) ديوانه 2/ 55.
(6) حلية المحاضرة 2/ 96.
(7) ديوانه 2/ 314.
(1/259)

وَمِنَ التَّشْبِيْهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَأْخُوْذٍ قَوْلُ نَهْشَلِ بنِ حَرِّيٍّ (1): [من الطويل]
أقُوْلُ وَقَدْ سَافَتْ لَبُوْنِي بِلَادَهَا ... كَمَا سَافَ أعْجَازَ التِّلَادَ الطَّرَائِفُ
وَقَوْلُ عَلِيّ بن الغَدِيْرِ الغَنَوِيِّ (2): [من الطويل]
أُدَافِعُ عَنْ مَجْدٍ تَلِيْدٍ وِرَاثَةً ... وَقَدْ تَرْفِدُ المَجْدَ التَّلِيْد الطَّرَائِفُ
فَهَذَا وَأَمْثَالِهِ اتِّسَاعٌ وَاشْترَاكٌ، وَلَيْسَ هُوَ اسْشِرَاقٌ وَلَا اجْتِلَابٌ.
وَمِنَ المُوَارَدَةِ مَا أخْبَرَ بهِ الطَّاهِرِيُّ عَنْ ابن المُعْتَزِّ. قَالَ: سَألنَا أبَا سَعِيْدٍ هُبَيْرَةَ النَّحْوِي الأسَدِيَّ عَنْ هَذِهِ الأَبْيَاتِ وَهِيَ لامْرِئِ القَيْسِ (3): [من مخلَّع البسيط]
عَينَاكَ دَمعهُمَا سِجَالُ ... كَأَنَّ شَأنَيْهِمَا أوْشَالُ (4)
أَوْ جَدْوَل فِي ظِلَالِ نَخْلٍ ... لِلمَاءِ مِنْ تَحْتِهِ مَجَالُ
وَقَوْلِ عَبِيْدٍ (5): [من مخلع البسيط]
عَينَاكَ دَمعهمَا سَرُوْبُ ... كَأَنَّ شَأنَيْهِمَا شَعِيْبُ
أَوْ جَدْوَلٌ فِي ظِلَالِ نَخْلٍ ... لِلمَاءِ مِنْ تَحْتِهِ قَسِيبُ
وَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (6): [من البسيط]
وَكُلِّ ذِي إبْلٍ مُودٍ فَتَارِكُهَا ... وَكُلِّ ذِي سَلَبٍ لَا بُدَّ مَسْلُوْبُ
وَقَوْلِ عَبِيْدٍ: [من مخلّع البسيط]
وَكُلُّ ذِي إبْلٍ مَوْرُوْثها ... وَكُلُّ ذِي سلَبٍ مَسْلُوْبُ
__________
(1) حلية المحاضرة 2/ 96.
(2) حلية المحاضرة 2/ 96.
(3) ديوانه ص 189.
(4) أوْشَال: جَمْعُ وَشَلٍ وَهُوَ القَطْرُ.
(5) ديوان عبيد بن الأبرص ص 20 - 21.
(6) لم يرد في ديوانه.
(1/260)

فَقَالَ: لَا أجِدُ نَفْسِي سَرِيْعَةً إِلَى التَّصْدِيْقِ بِأنَّ العُقُوْلَ في مِثْلِ هَذَا تَتَوَافَى وَعَبِيْدٌ وَامْرُؤُ القَيْسِ كانا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ.
وَأخْبَرَ مُحَمَّدُ بن عِمْرَانَ عَنْ ابن دُرَيْدٍ عَنِ عَمِّهِ عَنِ أبِيْهِ عَنِ ابنِ الكَلْبِيِّ عَنِ رَجُلٍ مِنْ أهْلِ خُرَاسَانَ. قَالَ: لَمَّا أُصِيْبَتْ عَيْنُ ثَابِتِ قُطْنَةَ العَتَكِيِّ يَوْمَ سَمَرْقَنْدَ، قَالَ بَيْتًا يَهْجُو فيْهِ نَفسَهُ، وَهُوَ (1): [من البسيط]
مَا يَعْرِفُ النَّاسُ مِنْهُ غَيْرَ قُطْنَتِهِ ... وَمَا سِوَاهَا مِنَ الأَنْسَابِ مَجْهُوْلُ
ثُمَّ اسْتَوْدع هَذَا البَيْتَ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ، وَقَالَ: عَسَى أَنْ يَرْمِيَني بِهِ شَاعِرٌ، فأكُونَ قَدْ سَبَقْتُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ جَاوَرَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَنِيْفَةَ يُقَالُ لَهُ: حَاجِبُ الفِيْلِ، فَرَكِبَ الرَّجُلُ مُهْرًا لَهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ، فَتَشَاغَلَ أهْلُهُ بِهِ عَنْ ثَابِتِ قُطْنَةَ، وَأبْطَأَ عَلَيْهِ عَشَاؤُهُ، فَقَالَ: [من البسيط]
أتَارِكُوُنَ عَشَائِي لَا أبَالَكُمُ ... أَنْ خَرَّ عَنْ ظَهْرِ مُهْرٍ حَاجِبُ الفِيْلِ
خَطْب يَسِيْر عَلَيْنَا فَلْقُ حَاجِبِهِ ... وَشَجَّة سَبَرُوْهَا بِالمَلَا مِيْلِ
فَلَمَّا أصْبَحَ حَاجِبُ الفِيْلِ، أَنْشَدُوْهُ هَذَيْنِ البَيْتِيْنِ، فَقَالَ:
مَا يَعْرِفُ النَّاسُ مِنْة غَيْرَ قُطْنَتِهِ ... وَمَا سِوَاهَا مِنَ الأنْسَابِ مَجْهُوْلُ
فَقَالَ ثَابِتٌ: [من البسيط]
هَيْهَاتَ ذَلِكَ شَيْء قَدْ سُبِقْتَ بِهِ ... فَاطْلُبْ لَهُ ثَانِيًا يا حَاجِبَ الفِيْلِ
وَمِمَّا يَبْعُدُ فِي نَفْسِي صِحَّةُ مِثْلِهِ، وَالاتِّفَاقُ فِيْهِ حَتَّى لَا يَقَعَ فيهِ تَبَاينٌ، وَلَا تَغَايرٌ مَا رَوَاهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. قَالَ: خَرَجَ جَرِيْرٌ والفَرَزْدَقُ مُرْتَدِفِيْنَ عَلَى نَاقَةٍ إِلَى هِشَامِ بن عَبْدِ المَلِكِ، فَنَزَلَ جَرِيْرٌ يَبُوْلُ، فَجَعَلتِ النَّاقَةُ تَتَلَفَّتُ، فَضَرَبَهَا الفَرَزْدَقُ وَقَالَ (2): [من الوافر]
__________
(1) ديوانه، الأغاني 14/ 266.
(2) ديوانه (صادر) 2/ 292.
(1/261)

إِلَامَ تَلَفَّتِيْنَ وَأَنْتِ تَحْتِي ... وَخَيْرُ النَّاسِ كلُّهم أمَامِي
مَتَى تَرِدِي الرُّصَافَةَ تَسْتَرِيْحِي ... مِنَ التَّهْجِيْرِ وَالدَّبَرِ الدَّوَامِي
ثُمَّ قَالَ الآنَ يَجِيْءُ جَرِيْرٌ، فَأُنْشِدُهُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ، فَيُرِدُّ عَلَيَّ، وَيَقُوْلُ (1): [من الوافر]
تَلَفَّتُ أَنَّهَا تَحْتَ ابنِ قَيْنٍ ... إِلَى الكِيْرَيْنِ وَالفَاسِ الكَهَامِ
مَتَى تَرِدِ الرُّصَافَةَ تَخْزَ فِيْهَا ... كَخَزْيِكَ فِي المَوَاسِمِ كُلَّ عَامِ
وَقَالَ: فَجَاءَ جَرِيْرٌ وَالفَرَزْدَقُ يَضْحَكُ. فَقَالَ: مَا يُضْحِكُكَ يا أبَا فِرَاسٍ؟ فَأنْشَدَهُ البَيْتَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فَقَالَ جَرِيْرٌ: [من الوافر]
تَلَفَّتُ أَنَّهَا تَحْتَ ابنِ قَيْنٍ
وَأَنْشَدَهُ البَيْتَيْنِ بِعَينهِمَا، كَمَا قَالَ الفَرَزْدَقُ سَوَاءً.
فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: وَاللَّهِ لَقَدْ قُلْتُ هَذَا أمَا عَلِمْتَ أَنْ شَيْطَانَنَا وَاحِدٌ؟
وَكَذَلِكَ مَا أخْبَرَ بِهِ أَبُو عُمَرَ أَيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ ابنِ الأَعْرَابِيِّ عَنِ المُفَضَّلِ. قَالَ: مَرَّ رَاكِبٌ بِالبَصْرَة، فَرَآهُ الفَرَزْدَقُ، فَقَالَ: مِنْ أيْنَ وَجْهُكَ؟ قَالَ: مِنَ اليَمَامَةِ. قَالَ: فَهَلْ لَكَ عَهْدٌ بِابْنِ المَرَاغَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ أَحْدَثَ شِعْرًا عَلِقْتَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَأَنْشَدَهُ: [من الكامل]
هَاجَ الهَوَى بِفُؤَادِكَ المُهْتَاجِ
فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: [من الكامل]
فَانْظُرْ بِتُوْضِحَ بَاكِرَ الأَحْدَاجِ
قال فقال: [من الكامل]
هَذَا هَوًى شَعفَ الفُؤَادَ مُبَرِّحٌ
فقال الفرزْدَقَ: [من الكامل]
وَنَوى تَقَاذَفُ غَيْرُ ذَاتِ خِلَاجِ
__________
(1) ديوان جرير ص 502.
(1/262)

فَقَال: [من الكامل]
لَيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ لِلنَّوَى
فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: [من الكامل]
كَانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ
فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَقُوْلُ صَدْرًا، وَالفَرَزْدَق عَجُزًا حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَالَ القَصِيْدَةَ، وَسَرَقَهَا جَرِيْرٌ مِنْهُ، ثُمَّ قَال: وَيْحَكَ. دَعْنَا مِنْ هَذَا أَذَكَرَ الحَجَّاجَ فِيْهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَالَ: إيَّاهُ أرَادَ (1).
__________
(1) أَخْبَرَ أَبُو مُحَمَّد بن دَرَستَوِيْهِ عَنْ أَبِي دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الأَصْمَعِيّ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَمْرُو أَخْبِرْنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الشُّعَرَاءِ يَسْرِقُ بَعْضهُمْ بَعْضًا قَالَ: مِثْلُ ماذا؟ قُلْتُ: مِثْلُ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (1):
لَهُ أُذُنَانِ تَعْرِفُ العِتْقَ فِيْهِمَا ... كَسَامِعَتَي مَذْعُوْرَةٍ أُمِّ رَبْرَبِ
وَيُرْوَى:
كَسَامِعِتَي مَذْعُوْرَةٍ وَسْطَ رَبْرَبِ
مَذْعُوْرَةٌ: بَقَرَةٌ ذُعِرَتْ فَنَصَبَتْ أُذُنَيْهَا. وَالرَّبْرَبُ: قَطِيع مِنَ البَقَرِ وَالظِّبَاءِ وَالقَطَا وَالنِّسَاء.
وَقَوْلُ طَرْفَةَ (2):
لَهُ أُذُنَانِ تَعْرِفُ العِتْقَ فِيْهِمَا ... كَسَامِعَتَي مَذْعُوْرَةٍ أُمِّ فَرْقَدِ
وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ أَيْضًا (3):
وَعَنْسٍ كَأَلْوَاحِ الأَرَانِ نَسَأْتُهَا ... عَلَى لَاحِبٍ كَالبُرْدِ ذِي الحَبَرَاتِ
_______
(1) ديوانه ص 48.
(2) شرح ديوانه ص 99.
(3) ديوانه ص 81.
(1/263)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَوْلُ طَرْفَةَ (1):
وَعَنْسٍ كَأَلْوَاحِ الأَرَانِ نَسَأْتُهَا ... عَلَى لَاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجِدِ
فَقَالَ لِي: لَا تِلْكَ عُقُوْلُ رِجَالٍ تَوَافَتْ.
وَيُرْوَى هَذَا البَيْتُ:
أمُوْنٍ كَأَلْوَاحٍ الأَرَانِ
وَقَالَ: وَالأَمُوْنُ المُؤْبقَةُ الخَلْقِ الَّتِي يُؤْمَنُ ظَهْرَهَا وَسَقْطتهَا وَعِثَارُهَا. قَوْلهُ: كَأَلْوَاح الأَرَانِ. الأَرَانِ شَيْءٌ كَانَتْ العَرَبُ فِي الأَمْصَارِ يَجْعَلُوْنَ مَوْتَاهُمْ فِيْهِ وَأَلْوَاحُهُ خَشِنَةٌ. يَقُوْلُ: أَطْبَاقُهَا وَأَظْلَاعُهُا كَأَنَّهَا أَلْوَاحُ سَاجٍ فِي صَلَابَتِهَا وَعَرْضِهَا. وَيُرْوَى نَضَاءَتُهَا وَهُوَ بِمَعْنَى نَسَأْتُهَا أَيْ زَجَرْتُهَا وَنَسَاءِتُهَا ضرَبْتُهَا بِالمَنْسَأَةِ وَهِيَ العَصَا. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: تأْكِلُ مَنْسَأَتَهُ. وَاللَّاحِبُ طَرِيْقٌ بَيِّنٌ قَدْ أَثَّرَتْ فِيْهِ السَّفَارُ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجَدُ فِي وُضُوْحِهِ وَبَيَانِهِ. وَالبُرْجُدُ كِسَاءٌ مِنْ أَكْسِيَةِ الأَعْرَابِ مُخَطَّطٌ.
* * *

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرو بنُ كُلْثوْمٍ (2):
تَرَكْنَا الخَيْلَ عَاكِفَةً عَلَيْهِ ... مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَاصُفُوْنَا
فَقَالَ عَنْتَرَةُ (3):
تَرَكْنَا الخَيْلَ عَاكِفَةً عَلَيْهِ ... كَمَا عَكَفَ النّسَاءُ عَلَى دَوَارِ
[دوار] اسْمُ صَنَمٍ.
فَقَالَ العَدِيْلُ بن الفَرخِ:
تَرَكْنَا الطَّيْرَ عَاكِفَةً عَلَيْهِ ... وَلِلْغِرْبَانِ مِنْ شَبَعٍ نَعِيْقُ
_______
(1) شرح ديوانه ص 93.
(2) ديوانه ص 72.
(3) لم يرد في ديوانه.
(1/264)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَكَقَوْلِ المنَخَّلِ بنُ سُبَيْعٍ العَنبرِيّ:
أَلَا قَدْ أَرَى وَاللَّهِ إِنْ لَسْتُ مِنْكُمْ ... وَإِنْ لَسْتُمُ مِنِّي وَإِنْ كُنْتُمُ أَهْلِي
فَقَالَ الآخرُ:
أَلَا قَدْ أَرَى وَاللَّهِ أَنَي مَيِّتٌ ... وَنَخْلٌ مُقِيْم سِدْرهَا وَسَيَالِهَا
وَكَقَوْلِ عَنْتَرَةَ (1):
أَلا قَاتَلَ اللَّهُ الطُلُوْلَ البَوَالِيَا ... وَقَاتَلَ ذِكْرَاكَ السِّنِيْنَ الخَوَالِيَا
فَقَالَ جَمِيْلٌ (2):
أَلا قَاتَلَ اللَّهُ النَّوَى كيْفَ أَصْبَحَتْ ... أَلَحَّ عَلَيْنَا يَا بُثَيْنُ ضَرِيْرُهَا
* * *

كَقَوْلِ مُهَلهلٍ بن رَبِيْعَةَ (3):
تَرَكْنَا الخَيْلَ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ ... كَأَنَّ الخَيْلَ تَدْحَضُ فِي غَدِيْرِ
عَاكِفَةً مُقِيْمَةً وَتَدْحَضُ تَزْلقُ.
* * *

وَمِنَ الاشْتِرَاكِ فِي المَعْنَى مِمَّا يشبهُ المَأْخُوُذَ وَلَيْسَ بِمَأْخُوْذٍ قَوْلُ أَبِي كَنُوْدٍ الخزَاعِيّ وَهُوَ جَاهِلِيٌّ قَدِيْمٌ (4):
أَرَادُوا أَنْ نَزُوْلَ لَهُمْ فَكُنَّا ... مَكَانَ يَدِ النَّدِيْمِ مِنَ النَّدِيْمِ
_______
(1) ديوانه ص 224.
(2) لم يرد في ديوانه.
(3) ديوانه ص 42.
(4) حلية المحاضرة 2/ 95.
(1/265)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَقَالَ عتبَةُ بن الوَعْلِ التَّغْلِبِيُّ فِي كَعْبِ بنِ جُعَيْلٍ (1):
وَسُمِّيْتَ كَعْبًا بِشَرِّ العِظَامِ ... وَكَانَ أَبُوْكَ يُسمَّى الجعَل
وَإِنَّ مَكَانَكَ مِنْ وَائِلٍ ... مَكَانَ القرَادِ مِن أَسْتِ الجمَل
وَقَالَ بَعْضُ بَنِي عِجلٍ (2):
فَأُقسم أنّهُ قد حلَّ مِنهَا ... مَحَلّ السَّيفِ من قَعْرِ القِرابِ
وَقَالَ أَلَا سَلْعُ بنُ قَصَّافٍ الطُّهَوِيُّ (3):
تَكُوْنُ إِذَا دَارَتْ عَلَيْهِمْ عَظِيْمَةً ... وَفِي أَيِّ يَوْمٍ لَا تنُوْبُ العَظَائِمُ
مَكَانَ القدَامَى فِي الجّنَاحِ وَإِنَّمَا ... تَطِيْرُ بِظُهْرَانِ الجّنَاحِ القَوَادِمُ
وَكَقَوْلِ أَبي صَمْعَاءَ مُسَاوِر بن هِنْدٍ (4):
إِنِّي أَنَا اللَّيْثُ يَحْمِي عَنْ فَرِيْسَتِهِ ... وَقَدْ يحكّ بِقَرْنَيْهِ أُسْتَهُ الوَعْلُ
وَقَالَ الأَعْشَى (5):
كَنَاطِحٍ صخْرَةً يَوْمًا لِيَفْلِقهَا ... فَلَمْ يَضِرهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ
* * *

أَخْبَرَ عَلِيّ بن غَسَّانَ عَنِ الفَضْلِ ابْنُ الحَبَابِ عَنْ ابنِ سَلَامٍ عَنْ حَاجِبِ بن يَزِيْدَ بن شَيْبَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بن زَرَارَةَ قَالَ: قَالَ جَرِيْرٌ بِالكُوْفَةِ:
لَقَدْ قَادَنِي مِنْ حُبِّ مَاوِيَةَ الهَوَى ... وَمَا كُنْتُ أَلْقَى لِلْحَبِيْبَةِ أَقْوَدَا
_______
(1) المؤتلف والمختلف ص 84.
(2) حلية المحاضرة 2/ 95.
(3) حلية المحاضرة 2/ 96.
(4) حلية المحاضرة 2/ 96.
(5) ديوانه ص 286.
(1/266)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أُحِبُّ ثَرَى نَجْدٍ وِبِالغَوْرِ حَاجَ ... فَغَارَ الهَوَى يَا عَبْدَ قَيْسٍ وَأَنْجَدَا
أَقُوْلُ لَهَا يَا عَبْدَ قَيْسٍ صَبَابَةً ... بِأَيٍّ تَرَى مُسْتَوْقَدَ النَّارِ أُوْقِدَا
فَقَالَ أَرَاهَا أُوْرِثتْ وَوَقُودُهَا ... بِحَيْثُ اسْتَفَاضَ القِنْعُ شِيْحًا وَغَرْقَدَا
فَأعْجَبَتِ النَّاسَ وَتَنَاشَدُوْهَا.
قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: فَحَدَّثَنِي جَابِرُ بنَ جَنْدَلٍ قَالَ: فَقَالَ جَرِيْرٌ: أَعْجَبَتْكُم هَذِهِ الأَبْيَاتُ؟ قَالُوا: نَعَمُ. قَالَ: كَأَنَّكُمْ بِالقَيْنِ قَدْ قَالَ (1):
أَعِدْ نَظَرًا يَا عَبْدَ قَيْسٍ لَعَلَّما ... أَضاءَتْ لَكَ النَّارُ الحِمَارَ المُقَيَّدَا
قَالَ: فَلَمْ يَلْبِثُوا أَنْ جَاءَهُمُ الفَرَزْدَقُ بِهَذَا البَيْتِ وَبَعْدَهُ:
كُلَيبِيَّةٌ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ وَجْهَهَا ... كَرِيْمًا وَلَمْ تَزْجُر لَهَا الطَّيْرُ أَسْعُدَا
فَتَنَاشَدَتْهَا النَّاسُ فَقَالَ الفَرَزْدَقُ: كَأَنَّكُمْ بِابْنِ المَرَاغَةِ قَدْ قَالَ:
وَمَا عِبْثَ مِنْ نَارٍ أَضاءَ وَقُوْدُهَا ... فِرَاسًا وَبِسْطَامَ بنِ قَيْسٍ مُقْتَدَا
فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ لِجَرِيْرٍ وَهَذَا البَيْتُ مَعَهُ (2):
وَأَوْقَدْتَ بِالسّنْدَانِ نَارًا ذَلِيْلَةً ... فَأَشْهَدْتَ مِنْ سَوءَاتِ جِعْثِنَ مَشْهَدَا
جِعْثِنُ: أُخْتُ الفَرَزْدَقِ.
حَدَّثَ سَعِيْدُ بن هَمَامِ اليَمَانِيِّ قَالَ: نَزَلَ الفَرَزْدَقُ مَنْزِلًا بِاليَمَامَةِ وَهُوَ يُرِيْدُ العِرَاقَ فَقَالَ لِصَاحِب لَهُ: إِنَّ الغَلَمَةَ قَدْ أَذَتْنِي فَاطْلُبْ لِي بَغِيًا. قَالَ: مِنْ أَيْنَ أُصِيْبُ هَاهُنَا بَغِيًا؟ قَالَ: فلا بُدَّ لَكَ أَنْ تَحْتَالَ فِي ذَلِكَ. فَمَضى الرَّجُلَ إِلَى القَرْيَةِ وَالفَرَزْدَقُ نَازِلًا نَاحِيَةً مِنَ القَرْيَةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَا مِنْ امْرَأَةٍ تَقْبَلُ فَإنَّ مَعِي امْرَأَتِي وَقَدْ أَخَذَها الطلِيْقُ وَالمُخَاضُ فَبَعَثُوا مَعَهُ امْرَأَةً تَقْبَلُ فَأَدْخَلَهَا عَلَى الفَرَزْدَقُ وَقَدْ غَطَّاهُ بِثِيَابٍ فَلَمَّا دَنَتْ مِنْهُ
_______
(1) ديوان الفرزدق 1/ 180.
(2) ديوان جرير ص 158.
(1/267)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَأبث ثُمَّ ارْتَحَل وَمَضَى مُبَادِرًا وَقَالَ لِصَاحِبِهِ كَأَنِّي بِالخَبِيْثِ يَعْنِي جَرِيْرًا إِذَا بَلَغَهُ هَذَا قَالَ:
وَكُنْتُ إِذَا نَزَلْتُ بِدَارِ قَوْمٍ ... رَحَلْتُ بِخِزْيَةٍ وَتَرَكْتُ عَارَا
قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ جَرِيْرًا قَالَ هَذَا البَيْتَ يَهْجُو الفَرَزْدَقَ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهُ فَعَرِفَ جَرِيْرٌ مَا قَالَ الفَرَزْدَقُ فَقَالَ إِنَّ جِنِّيَةَ ابن الخَبِيْثَةِ وَجِنِّيَتِي وَاحِا وَوَاللَّهِ أَنَّهُ لَيَعْرِفُ مَا يَجُوْلُ فِي صَدْرِي وَأَعْرِف مَا يُضْمِرُهُ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِأَنْ قَالَ (1):
أَجِدَّكَ مَا تَقُوْلُ بَنُو نُمَيْرٍ ... إِذَا مَا الأَيْرُ فِي أَسْتِ أَبِيْكَ غَارَا
* * *

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ: كَانَ امْرُؤُ القَيْسِ مَعَنَا ضِلِّيْلًا يُنَازعُ مَنْ قِيْلَ أَنَّهُ يَقُوْلُ الشَعْرَ فَنَازَعَ التُّؤَامَ جَدَّ قَتَادَةَ بن الحارثِ بن التُّؤَامِ اليَشْكُرِيَّ فَقَالَ لَهُ إِنْ كُنْتَ شَاعِرًا فَمَلِّطِ أَنْصافَ مَا أَقُوْلُ فَأَجزْهَا قَالَ نَعَمْ (يقال فَرَسٌ مُلَطٌّ إِذَا رَمَتْ وَلَدَهَا) فَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
أَصَاحِ تَرَى بَرِيْقًا هَبَّ دَهنًا
فَأَجَابَهُ التّؤَامُ:
كَنَارِ مَجُوْسٍ يَسْتَعِرُ اسْتِعَارَا
فَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
أَرَقْتُ لَهُ وَنَامَ أَبُو شُرَيْحٍ
فَأَجَابَهُ التُّؤَامُ:
إِذَا مَا قُلْت قَدْ هَدَأَ اسْتَطَارَا
فَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ: =
_______
(1) ديوان جرير ص 787.
(1/268)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= كَأَنَّ هِزَبْرَهُ بورَاءِ عَيْبٍ
هِزَبْرَهُ صَوْتهُ - غَيْب أي مِنْ حَيْثُ لَا أَرَاهُ.
فَقَالَ التُّؤَامُ:
عِشَارٌ - لَاقَتْ عِشَارَا
فَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
فَلَمَّا إِنْ عَلَا لقفاءَ ضَاحٍ
فَأَجَابَهُ التُّؤَامُ:
وَهَتْ أَعْجَازُ رِيَّقِهِ فَحَارَا
فَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
فَلَمْ يَتْرِكْ بِذَاتِ السِّرِّ ظَبْيًا
فَأَجَابَهُ التُّؤَامُ:
وَلَمْ يَتْرِكْ بِجَلّتِهَا حِمَارَا
قَالَ فَلَمَّا رَأَى امْرُؤُ القَيْسِ أَنَّهُ قَدْ مَا تنه وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ -الحرس شَاعِرٌ- إِلَى أَنَّهُ لَا ينازع الشِّعْرَ أَحَدًا بَعْدَهُ حيري الدهر.
الحَرسُ الدَّهْرُ يماتِنُهُ يُقَاوِمُهُ وَقَوْلهُ لَقْفَاءُ ضَاع مَوْضِع وَقَوْلُ التُّؤَامِ وَهَتْ أَعْجَازُ رِيَّقِهِ فَحَارَا أي تَحَيَّرَ. قَالَ الأَصْمَعِيُّ رَيَّقهُ نَاحِيَتهُ يَقُوْلُ وَهَتْ أعْجَازُ نَاحِيَتِهِ فَهُوَ مُتَحَيِّرٌ لَا يبزخ. قَالَ حَكَى البَرق ثُمَّ أَضْمَر الرعد لأَنَّهُمَا يَصْطَحِبَانِ كَثيرًا إِعْجَازُ رِيقه أَوّله يَقُوْلُ أشْرَخَت إعْجَازِهُ فَسَالَ سَيْلًا.
كَمَا يَسِيْلُ مَاءُ القِرْبَةِ إِذَا وَهَتْ وَانْشَقَّتْ.
* * *

يَقُوْلُ مِنْهَا:
قُلْ للجبَانِ إِذَا تَأَخَّرَ سَرْحهُ ... هَلْ أَنْتَ مِنْ شَرْكِ المَنِيَّةِ نَاجِ
(1/269)

وَدِلَالَةُ التَّتْبِيْعِ (1): (وَهُوَ الإرْدَافُ):
التَّتْبِيْعُ: هُوَ أَنْ يُرِيْدَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَلَا يَتَأتَّى لَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، بَلْ بِلَفْظٍ تَابِعٍ لَهُ، فَإِذَا دَلَّ التَّابِعُ، أَبَانَ عَنِ المَتْبُوْعِ، وَأَوْضَحَهُ. وَأَحْسَنُ مَا قِيْلَ وَأَبْدَعَهُ قَوْلُ عُمَرَ بنِ أَبِي رَبِيْعَةَ المَخْزُوْمِيِّ (2): [من الطويل]
بَعِيْدَةُ مَهْوَى القُرْطِ إمَّا لِنَهْشَلٍ أبُوْهَا ... وَإمَّا عَبْدُ شَمْسٍ وَهَاشِمُ (3)
وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى وَصْفِ طُوْلِ الجِّيْدِ فلم يَذْكُرهُ بِلَفْظِهِ الخَاصِّ بِهِ، بلْ أَتَى بِمَعْنًى
__________
= فَتَعلقن بِبَنَاتِ نَعْشٍ هَارِبًا ... أَوْ بِالبُحُوْرِ وَشدَّةِ الأَمْوَاجِ
مَنْ سَدَّ مُطَّلِعَ النّفَاقِ عَلَيْهُمُ ... أَمْ مَنْ يَصوْلُ كَصوْلَةِ الحَجَّاجِ
أَم مَنْ يَغَارُ عَلَى النِّسَاءِ حَفِيْظَةً ... إِذْ لَا - بِغَيْرِهِ الأزْوَاجِ
إِنَّ ابنَ يُوْسُفَ فَاعْلَمُوا وَتَيَقَّنُوا ... مَاضِي البَصيْرَةِ وَاضحُ المِنْهَاجِ
إِنَّي لِمُرْتَقِبٌ لَمَّا خَوَّلْتَنِي ... وَلِفَضْلِ سَيْبك يَابن يُوْسُفَ رَاجِ
* * *

يُقَالُ: إنَّه لَمَّا نُعِيَ الفَرَزْدَقُ إِلى جَريرٍ قالَ (1):
اعَمْرِي لَئِنْ كَانَ المخبرُ صادِقًا ... لقدْ عَظُمَتْ بَلوى تميمٍ وَجَلَّتِ
فَلَا حَمَلَتْ بعدَ الفرزدقِ حُرة ... ولا ذَاتُ بَعْلٍ مِنْ نفاسٍ تَعَلَّتِ
هُوَ الْواحِدُ الْمَخبوء وَالرَاقعُ الّذي ... إِذَا النَّعْلُ يَوْمًا بِالعَشِيَرةِ زَلَّتِ
(1) الدِّلَالَةُ بِالكَسْرِ الصِّنَاعَةُ وَالدِّلَالَةُ بِالفَتْحِ هِيَ نَفْسُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ.
(2) ديوانه ص 314.
(3) وَهَذَا البَيْتُ مِنْ جُمْلَةِ أَبْيَاتٍ لِعُمَرَ فَصيْحَةِ الأَلْفَاظِ يَقُوْلُ مِنْهَا (2):
نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِالمُحَصَّبِ مِنْ مُنًى ... ولي نَظَرٌ لَوْلَا التَّحَرُّجِ عَارِمُ
فَقُلْتُ أَشَمْسٌ أَمْ مَصَابِيْحُ رَبِيْعَةٍ ... بَدَتْ لَك تَحْتَ الحجْبِ أَمْ أَنْتَ حَالِمُ
_______
(1) ديوان جرير 636.
(2) لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص 314.
(1/270)

هُوَ تَابِعٌ لِطُوْلِ الجيْدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:
بَعِيْدَةُ مَهْوَى القُرْطِ (1)
__________
(1) بَعِيْدَةُ مَهْوَى القَرْطِ. البَيْتُ
يَقُوْلُ مِنْهَا:
وَمَدَّ عَلَيْهَا السَّجْفَ يَوْمَ لَقَيْتُهَا ... عَلَى عَجَلٍ أَتْبَاعُهَا وَالخَوَادِمُ
وَلَمْ نَسْتَطِعْهَا غَيْرَ أَنْ قَدْ بَدَا أَنَّنَا ... عَشِيَّةَ رَاحَتْ وَجْهُهَا وَالمَعَاصِمُ
مَعَاصِمُ لَمْ تَضرِبْ عَلَى البَهْمِ بِالضحَى ... عَصَاهَا وَوَجْهٌ لَمْ تَلُحْهُ السَّمَائِمُ
نَضْيِرٌ تَرَى فِيْهِ أَسَارِيْعُ مَائِهِ ... صَحِيْحٌ تُغَادِيْهِ الأكُفُّ النَّوَاعِمُ
إِذَا مَا دَعَتْ أَتْرَابَهَا فَاكْتَنَفْنَهَا ... تَمَايَلْنَ أَوْ مَالَتْ بِهِنَّ المَآكِمُ
طَلَبْنَ الصِّبَى حَتَّى إِذَا مَا أَصَبْنَهُ ... نَزَعْنَ وَهُنَّ المُسَلِّمَاتُ الظَّوَالِمُ
* * *

قَوْلُهُ: بَعِيْدَةُ مَهْوَى القُرْطِ وَتَبِعَهُ سَعْدُوْن بن عُمَرَ البَرِيُّ مِنْ شُعَرَاءِ الأَنْدَلُسِ فَقَالَ مِنْ قَصِيْدَةٍ فِي سَعِيْدِ بنِ المُنْذِرِ:
مُنَعَّمَةٌ يَصْبُو إِلَيْهَا أَخُو النُّهَى ... وَمِنْ حُسْنِ أَذْوَى مَا يُحَنُّ وَمَا يُصْبِي
تَرَى البَدْرَ مِنْهَا طَالِعًا فَكَأَنَّمَا ... يَحوْلُ وِشَاحًا عَلَى لُؤْلُؤٍ رَطِبِ
بَعِيْدَةُ مَهْوَى القُرْطِ مُخْطِفَةُ ... الحَشَا وَمُفْعِمَةُ الخَلْخَالِ مُفْعِمَةِ القَلْبِ
مِنَ اللَّائِي لَمْ يَرْحَلْنَ فَوْقَ رَوَاحِلٍ ... وَلَا قمْنَ قُرْبًا مِنِّي رِكَابَا وَلَا رَكْبِ
وَلَا أَبْرَزَتْهُنَّ المَدَامُ لِنَشْوَةٍ وَشَدْوٍ ... كَمَا يَشْدُو القِيَانُ عَلَى الشَّرْبِ
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الشُّعَرَاءُ هَذَا كَثِيْرًا.
قَالَ الصَّدْرُ العَالِمُ الكَامِلُ بَهَاءُ الدِّيْنِ عَلِيِّ بن فَخْرِ الدِّيْنِ عَيْسَى الأرْطَيّ كَاتِب الإِنْشاءِ بِبَغْدَادَ أَدَامَ اللَّهُ تَوْفِيْقَهُ وَسَعْدَهُ وكبتَ ضِدَّهُ مِنْ قَصيْدَةٍ لَهُ فِي الصَّاحِبِ المَرْحُوْمِ شَمْسِ الدِّيْنِ مُحَمَّد الجُّوَلْنِي صَاحِبِ دِيْوَانِ المَمَالِكِ رَحَمَهُ اللَّهُ:
كَلِفْتُ بِهَا هَيْفَاءَ نَاعِمَةَ الصِّبَى ... بَعِيْدَةَ مَهْوَى القُرْطِ كَالبَدْرِ تَجْتَلِى
هَذَا البَيْتُ لَهُ أَدَامَ اللَّهُ مَجْدَهُ وَأسْعَدَ جَدَّهُ مِنْ قَصِيْدَةٍ سَهْلَةِ الكَلَامِ رَقِيْقَةِ حَوَاشِي النِّظَامِ أَوَّلُهَا: =
(1/271)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أَقِيْلِي مِنَ الصَّدِّ المُبَرِّحِ وَالقِلَى ... وَلَا تَقْبَلِي فِي الحُبِّ مِمَّنْ تَقَوَّلَا
وَرَقِّي لِمَنْ أَطْلَقْتِ بِالهَجْرِ دَمْعَهُ ... وَأَقْصيْتِ عَنْهُ صبْرَهُ فَتَرَحَّلَا
أَيَا ظَبْيَةَ الوَادِي أتقْضِي العُمْرُ بِالجفَا ... وَأَشْمَتِّ لُوَّامًا عَلَيْكِ وَعُذَّلَا
وَقَالُوا سَلَا حُوْشِيْتِ أَنْ تَسْمَعِي لَهُمْ ... فَمِثْلكِ مَا يُسْلَى وَمِثْلِي مَا سَلَا
أُرِيْدُ بَقَاءً مَا أَرَدْتِ تَوَاصُلًا ... فَأَمَّا وَقَدْ عَوَّلْتِ أَنْ تَهْجُرِي فَلَا
كَلِفْتُ بِهَا هَيْفَاءَ. البَيْتُ.
أَمَّا قوْلُهُ أَدَامَ اللَّهُ أَيَّامُهُ:
وَقَالُوا سَلَا حُوْشِيْتِ أَنْ تَسْمَعِي لَهُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى قَوْلِ مِهْيَارَ (1):
أمَا وَهَوَاهَا عذْرَةً وَتَنَصُّلًا ... لَقَدْ نَقَلَ الوَاشِي إِلَيْهَا فَأَمْحَلَا
سَعَى جُهْدَهُ لَكِنْ تَجَاوَزَ حَدَّهُ ... وَأَكْثَرَ فَارْتَابَتْ وَلَوْ شَاءَ قَلَّلَا
وَقَالَ وَلَمْ يُقْبَلْ وَلَكِنْ أَلُوْمُهُ ... عَلَى أَنَّهُ مَا قَالَ إِلَّا لِيُقْبَلَا
وَطَارَحَهَا أنِّي ممَلَوْتُ فَهَلْ رَأَى ... لَهُ الذَّمُ مِثْلِي عَنْ هَوَى مِثْلَهَا سَلَا
وَقَوْلُهُ:
(أُرِيْدُ بَقَاءً مَا أَرَدْتِ تَوَاصُلًا) فَيُنْظَرُ إِلَى قَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ (2):
بِمَا بِجَفْنَيْكَ مِنْ سُقْمٍ مِثْلِي دَنِفَا ... يَهْوَى الهَوَى وَأَمَّا إِنْ صَدَدْتِ فَلَا
* * *

وَمِنْ ذلكَ قَوْلُ أمرئِ القيسِ (3):
ويُضْحِي فتيتُ المِسْكِ فَوْقَ فراشِها ... نَؤومُ الضُّحى لم تنتِطقْ عَنْ تَفَضُّلِ
وإِنَّما أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ تَرَفُّهَ هَذِه الْمَرْأَة، وَأَنَّ لَهَا مَنْ يَكْفِيها فَأَتَى باللَّفْظِ التّابعِ
_______
(1) ديوانه 3/ 194.
(2) ديوانه 3/ 163.
(3) ديوانه ص 17.
(1/272)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= لِذلِكَ، ولَعَمْري إن هذا البابَ غامِضٌ دقيقَ يحَتْاجُ إلى فَهْمٍ صحيحٍ، وَهُوَ قريبٌ مِنَ الْوَحْي وَإِنْ كَانَ لَيْسَ هُوَ، وَإِنَّمَا يُسَمّى الإرْداف.
وَمِنْ مَلِيحِ التّتبيعِ قوْلُ عَبْدِ الصمَدِ بْنِ المعذّل (1):
فَضَحِكْنَ فِي وَجْهِ الدُّجَى ... وَبَكَيْنَ فِي وَجْهِ الصّباحْ
أَرادَ أَنْ يَقُولَ: أَحْبَبْنَ الَّليْلَ وَآثَرْن طولَهُ لِيَسْتَمْتِعْنَ بالحديثِ وَكَرِهْنَ الصّبْحَ لِئَلا يَفْضَحهنَ: فَلَمْ يَقُلْ ذلكَ، وَأَتى بما هُوَ تابعٌ لَهُ يَدْلّ التاجُ عَلَي الْمَتبْوَعِ.
وَمِنْ ذلكَ قَوْلُ مُسْلِم (2):
فَرْعَاءُ فِي فَرْعهِا لَيْلٌ عَلَى قَمَرٍ ... عَلَى قَضيبٍ عَلَى حِقْفِ النَّقَا الدَّهِسِ
كأَنّ قَلْبِي وِشَاحَاهَا إِذَا خَطَرَتْ ... وَقَلْبهَا قُلْبُها فِي الصَّمْتِ والْخَرَسِ
تَجرِي مَحَبَّتهُا فِي قَلْبِ عاشقِها ... مجَرْى السلامةِ في أعضاءِ مُنْتَكِسِ
ذَهَب إلى أَنَّ قَلْبهُ مِثْلُ وِشاهي مَحْوبهِ قَلَقًا وَحَرَكَةَ.
وفي قوله: "إِذَا خَطَرتْ" زيادةٌ لطيفةٌ، فإنّه أَشْبَع المعنى وأكدّه: لأنَّها إِذَا خَطَرتْ كَانَّ أَشَدَّ لِلْحَركةِ. وَقَوْلُه "قُلْبُها" القُلْبُ: السّوارُ. وَفِي قَوْلِهِ هَذَا دلالةَ عَلى أَنَّها عَبْلَةُ المِعْصَمِ ممتلئةُ المسوّرِ، ومِنْ شأنِهم يَصِفُون المرأةَ بضِيقِ السِّوارِ والْخَلْخَالِ، وَصْمِتهِمَا، وَشَبَعِهِمَا، لِيَنْفَوا عَنْها الْحَمْشَ، كَمَا يَصِفُونَ وِشَاحَها بالجوعِ والظمأ، والْقَلَقِ، دَلالةً عَلَى رقَّةِ خَصْرِهَا، فَذِكْرُ مُسْلِم صَمْتَ سِوَارٍ هذهِ الموصوفةِ وَخَرَسِه دَلِيلٌ عَلى امتلاءِ مِعْصَمِها؛ لأَنَّهُ تَابعٌ لَهُ.
* * *

وقال عُمَرُ بْنُ أَبي رَبيعةَ أَيْضًا (3):
_______
(1) الأشباه والنظائر 1/ 57.
(2) ديوان مسلم بن الوليد ص 325.
(3) ديوانه ص 266.
(1/273)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَبَانَتْ تَمُجُ المِسْكَ في فيِّ غَادةٌ ... بعيدةٌ مهَوى القُرْطِ صامِتَةُ الْحَجْلِ
وَقَالَ ذُو الرُّمة (1):
بَعِيدَاتُ مهَوْى كُلّ قُرْطٍ عَقَدْنَهَ ... لِطَافُ الخصُورِ مُشْرِفاتُ الرّوادفِ
وَقَدْ كرَّرَ ذلِكَ ذوُ الرُّمة قالَ (2):
بَعِيدَاتُ مهَوْى كلّ قُرْطٍ عَقَدْنَهُ ... لِطَافُ الحشَا تَحْتَ الثُّدِيِّ الفَوالِكِ
إِذَا غَابَ عَنْهُنَّ القصورُ تَهَلَّلَتْ ... لنَا الأرضُ باليومِ القصيرِ المباركِ
* * *

وَمِنْ ذلك قوْلِ مُحَمَّد بن صَالح الطُّوْسِيّ:
رَقِيْقَةُ مَجْرَى الدَّمْعِ أَمَّا شَبَابُها ... فَغَضُّ وَأَمَّا الرَّأْيُ مِنْهَا فَكامِلُ
رُدَينيَّةُ الأعْلَى هجانٌ عقِلَةٌ ... بِأَعْطَافِهَا الجادِيُّ وَالمِسْكُ شَامِلُ
* * *

وَمِنَ الإِرْدَافِ وَالتَّتْبِيْعِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ فَرَسَهُ (3):
وَقَدِ اغْتَدَى الطَّيْرُ فِي وَكَنَاتِهَا ... بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلِ
أَرَادَ أَنْ يَصِفَ الفَرَسَ بِالسُّرْعَةِ وَأَنَّهُ جَوَادٌ فَلَمْ يَتَكَلَّم بِاللَّفْظِ بعَيْنِهِ وَلَكِنْ بِأَرْدَافِهِ وَلَوَاحِقِهِ التَّابِعَةِ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّ سُرْعَةَ إِحْضارِ الفَرَسِ يَتْبَعُهَا أَنْ تَكُوْنَ الأوَابِدُ وَهِيَ الوُحُوْشُ كَالمُقَيدَةِ لَهُ إِذَا جَرَى فِي طَلَبِهَا وَالنَّاسُ يَسْتَجِيْدُوْنَ لامْرِئِ القَيْسِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَيَقُوْلُوْنَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَيَّدَ الأَوَابِدَ وَإِنَّمَا عَنَا بِهَا الدَّلَالَةَ عَلَى جَوْدَةِ عَدْوِ الفَرَسِ وَسُرْعِةِ حُضْرِهِ فلو قَال ذَلِكَ بِلَفْظِهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الاسْتِجَادَةِ كَقَوْله هَذَا وَأَبْيَاتِهِ بِالرِّدْفِ لَهُ.
_______
(1) ديوانه 3/ 1626.
(2) ديوانه 3/ 1720 - 1722.
(3) ديوانه ص 19.
(1/274)

وَالوَحْيُ وَالإِشَارَةُ وَتَكرِيْرُهَا:
الإِشَارَةُ (1) عَلَى نَوْعَيْنِ: أحَدُهُمَا أَنْ يَقْصِدَ الشَّاعِرُ مَعْنًى فَيَأتِي بِهِ فِي لَفْظٍ يَقْصُرُ عَنِ استِكْمَالِهِ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ الوَحْيَ وَالإِشَارَةَ عَلَى مَذْهَبِ إسْحَاقَ بن إبْرَاهِيْمِ المُوْصِلِّي؛ فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ اخْتَرَعْتُ فِي صَنْعَةِ البَدِيْعِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيْهِ مِنْ قَبْلِ. فَقِيْلَ: مَا هُوَ؟ ، قال: الوَحِيُ وَالإِشَارَةُ، قِيْلَ: مَا مِثَالُهُ فَقَالَ (2): [من الوافر]
جَعَلْتُ السَّيْفَ بَيْنَ الجِيْدِ مِنْهُ ... وَبَيْنَ سَوَادِ لَحْيَيْهِ عِذَارَا (3)
__________
(1) انظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 113 وما بعدها.
(2) حلية المحاضرة 1/ 38.
(3) هَذَا البَيْتُ لِشَمْعَلَةَ بن الأَخْضَرَ الضَّبِّيّ قَالَهُ يَوْمَ غُوْلٍ: وَكَانَ مِنْ حَدِيْثِهِ أَنَّ شَتِيْرَ بنَ خَالدِ بن نَفِيْس بن عَمْرو بنِ كِلَابٍ خَرَجَ غَازِيًا فَلَقِيَ حُصَيْنَ بن ضِرَارِ بن عَمْرو الضّبِّيّ فِي إِبْلٍ لَهُ، فَأَرَادُوْهُ عَلَى أَنْ يَسْتأْسرَ فَأَبَى فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَتَلهُ وَأَخَذُوا إِبلَهُ فَبَلَغَ أَبَاهُ ضِرَارَ بنَ عَمْرو فَرَكِبَ فِيْمَنْ تَبِعَهُ مِنْ ضبَّةَ حَتَّى لَقيَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ فِي أَدْنَى أَرْضِهِمْ فَسَأَلَهُ عَنْ بَنِي عَمْرو بن كِلَابٍ فَقَالَ تَرَكْتهُمْ بِغُوْلٍ وَغُوْلٌ أَرْضُ بَنِي عَامِرٍ فَسَارَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَهَزَمَهُمْ وَأَسَرَ يَوْمَئِذٍ شَتِيْرِ بْنَ خَالِدٍ فَقَالَ ضِرَارٌ لِشَتيرِ اخْتَر إِحْدَى ثَلَاثٍ قَالَ وَمَاذَا قَالَ أو تَعْطِيْنِي ابْنكَ عتبَةَ فَهْوَ كَفَاؤُهُ عِنْدِي قَالَ شَتِيْر وَمَاذَا قَالَ أَضْرُبُ عُنْقَكَ قَالَ شَتِيْرٌ مَا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَيَار وَأَمَّا قَوْلُكَ تَأْتِيْنِي بِابْنِي مِثْلَهُ يَوْمَ غَدَا مِنْ عِنْدِي فَوَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ أَنْ أَنْشُرَ المَوْتَى وَأَمَّا قَوْلكَ تعْطِيْني ابْنكَ عُتْبَةَ بن شَتِيْرٍ فَإِنَّ بَنِي عَامِرٍ لَنْ يُعْطُوْكَ فَارِسُهُمْ شَابًّا مُقْبِلًا بِشَيْخٍ أَعْوَرَ وَأَمَّا الأُخْرَى فهي بِيَدِكِ فَقَدّمَهُ ضِرَارٌ وَأَمَرَ عَبْدَ الحرثِ بنِ ضِرَارٍ وَكَانَ أَخَا الحُصَيْن لأَبِيْهِ فَقَتَلَهُ فَقَالَ شَمْعَلَةُ بن الأَخْضَرِ الضَّبِيّ فِي ذَلِكَ:
وَخَيَّرَنَا شَتِيْرًا مِنْ ثَلَاثٍ ... وَمَا كَانَ الثَّلَاثُ لَهُ خَيَارَا
جَعَلْنَا السَّيْف بَيْنَ الجَيْدِ مِنْهُ ... وَبَيْنَ سَوَادِ لِحْيَيْهِ عِذَارَا (1)
_______
(1) العقد الفريد 5/ 181.
(1/275)

جَعَلَ العِذَارَ إشَارَةً فِي شَحْذِ عُنُقِهِ بالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ إفْصَاحٍ. وَأَخْبَرَ عَلِيُّ بنُ هَارُوْنَ عَنْ حَمَّادِ بنِ إسْحَقَ قَالَ: قُلْتُ لَأَبِي: أسْمَعُكَ تُكَرِّرُ ذِكْرَ الإِشَارَةِ فِي الشِّعْرَ وَتَقُوْلُ: إِنَّهَا مِنْ مَحَاسِنِهِ. فَمَا هِيَ؟ قَالَ: كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (1): [من البسيط]
أَوْرَدْتُهُ وَصُدُوْرُ العِيْسِ مُسْنَفَةٌ ... وَاللَّيْلُ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ مَنْحُوْرُ
ثُمَّ قَالَ: ألَا تَرَاهُ فِي قَوْلِهِ: وَصُدُوْرُ العِيْسِ مُسْنَفَة قَدْ أَشَارَ إِلَى الفَجْرِ إشَارَةً لَطِيْفَةً بِغَيْرِ لَفْظِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: هَذَا الوَحْيُ. وَمِثْلُهُ قَوْلِ عُمَرَ بنِ نَضْلَةَ جَاهِلِيٌّ (2): [من المتقارب]
جَعَلْتُ يَدَيَّ وِشَاحًا لَهُ ... وَبَعْضُ الفَوَارِسِ لَا يَعْتَنِقُ (3)
__________
(1) لعبد الرحمن بن علي بن علقمة في نقد الشعر ص 161.
(2) نقد الشعر ص 161.
(3) وَيُرْوَى لِعِيْسَى بن زُهَيْرٍ العَبْسِيّ وَقَبْلَهُ (1):
تَرَكْتُ النِّهَابَ لأَهْلِ النِّهَابِ ... وَأَكْرَهْتُ نَفْسِي عَلَى ابنِ الصَّعِقِ
جَعَلْتُ يَدِي. البَيْتُ
* * *

قَالَ عِيْسَى بن عَبْدِ العَزِيْزِ الطَّاهِرِيّ: جَمَعَنِي وَقُدَامَةَ الكَاتِب مَجْلِسٌ فَلَمْ أَرَ أَعْرَفَ مِنْهُ بِالشِّعْرِ فَسَأَلتهُ عَنِ الإِشَارَةِ فَقَالَ هِيَ اشْتِمَالُ اللَّفْظِ القَلِيْلِ عَلَى المَعْنَى الكَبيْرِ بِاللمْحَةِ الدَّالَّةِ فَقُلْتُ مَا مِثَالهُ، قَالَ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ زُهَيْرٍ فِي قَوْله (2):
فَإِنِّي لَوْ لَقِيْتُكَ وَاتَّجَهْنَا ... لَكَانَ لِكُلِّ مُنْكَرَةٍ كِفَاءُ
وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ فَرَسًا:
عَلَى هَيْكَلٍ يُعْطِيْكَ قَبْلَ سُؤَالِهِ ... أَفَانِيْنَ جَرْيٍ غَيْرَ كَزٍّ وَلَا وَانِ
_______
(1) الحيوان 6/ 425، البيان والتبيين 3/ 246.
(2) ديوان زهير بن أبي سلمى ص 87.
(1/276)

فَقَوْلُهُ: جَعَلْتُ يَدَيَّ وِشَاحًا لَهُ إشَارَةً بَدِيْعَةً بِغَيْرِ لَفْظِ الاعْتِنَاق، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. وَالنَّوْعُ الآخَرُ أَنَّ الإِشَارَةَ هِيَ الإيْمَاءُ إِلَى الشَّخْصِ المُخَاطَبِ المُعَايَنِ، وَهِيَ مُسْتَحْلَاةٌ وَإِذَا تَكَرَّرَتْ فِي الشِّعْرِ بِالإِشَارَةِ إِلَى المَمْدُوْح أَوْ المَذْمُوْمِ، وَكَانَتْ مَعَ تَكْرَارِهَا حَادَّةً لَا يَعْتَرِيْهَا فُتُوْرٌ، وَلَا رِكَّةٌ، دَلَّتْ عَلَى تَمَكُّنِ الشَّاعِرِ، وَقُدْرَتهِ عَلَى الكَلَامِ، وَحِذْقِهُ وَبَرَاعَتِهِ فِي صَنْعَتِهِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ (1): [من البسيط]
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ ... بِجَدِّهِ أنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا

وَبَرَاعَةُ الابْتِدَاءِ:
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: لامْرِئِ القَيْسِ بَيْتٌ لَمْ يَسْبِقَهُ إِلَيْهِ أحَد، وَلَا ابْتَدَأَ بِمِثْلِهِ شَاعِرٌ.
__________
= ثُمَّ قَالَ (1): تَأَمَّل مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ لَفْظَةُ أَفَانِيْنَ مِمَّا لَوْ عَدّهُ لَكَانَ كَثِيْرًا وَمَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنْ جَمِيع أَصْنَافِ الجُّوْدَةِ طَوْعًا مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَلَا مَسْأَلَةٍ ثمَّ نَفَى عَنْهُ الكَزَازَةَ وَالوَنَا وَهُمَا أَكْبَرُ مَعَايِبِ الخَيْلِ الَّتِي يَرْتَبِطُهَا الفُرْسَانُ لِلْمُنَازَلَةِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ إِشْبَاعِ المَعْنَى بأَوْجَزِ لَفْظٍ وَإِبْرَازِهِ فِي أَكْمَلِ صِيْغَةٍ مِنَ البَيَانِ وَقَدْ ذُكرَ فِي بَابِهِمَا عَلَى الانْفِرَادِ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِذِكرِ هَذِهِ الحِكَايَةِ هَاهُنَا لِنُبيِّنَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قُدَامَةَ الكَاتِب.
* * *

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابن الدُّمَيْنَةَ (2):
وَأَنْتِ الَّتِي كَلَّفَتْنِي دَلْجَ السَّرَى ... وَجُوْنُ القَطَا بِالجلْتَمَيْنِ جُثُوْمُ
وَأَنْتِ الَّتِي أَحْفَظتِ قَوْمِي فَكُلُّهُمْ ... بَعِيْدُ الرِّضَا دَانِي الصُّدُوْدِ مُلِيْمُ
وَأَنْتِ الَّتِي قَطَعْتِ قَلْبِي جَزَازَةً ... وَفَرَّقْتِ قَرْحَ الطِّيْبِ فَهُوَ كَلِيْمُ
(1) ديوانه ص 511.
_______
(1) حلية المحاضرة 1/ 39، شرح مقامات الحريري 2/ 229.
(2) ديوانه ص 42.
(1/277)

وَقَفَ فِيْهِ، وَاسْتَوْقَفَ، وَبَكَى، وَاسْتَبْكَى، وَذَكَرَ الأحِبَّةِ وَالدِّمَنَ، وَالمَنَازَلَ فِي المِصْرَاعِ الأوَّلِ، فَقَالَ (1): [من الطويل]
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ
وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: لَمْ يَبْتَدِئْ أحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ بأحْسَنَ مِمَّا ابْتَدَأَ بهِ أوْسُ بن حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ (2): [من المنسرح]
أيَّتُهَا النَّفْسُ اجْمِلِي جَزَعًا ... إِنَّ الَّذِي تَحْذَرِيْنَ قَدْ وَقَعَا
لأَنَّهُ افْتَتَحَ المَرْثِيَّةَ بِلَفْظٍ نَطَقَ بِهِ عَلَى المَذْهَبِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْهَا فَأَشْعَرَنَا مُرَادَهُ فِي أوَّلِ بَيْتٍ، وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي وَصْفِ الشِّعْرِ وَالشَّاعِرِ. وَقَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبِ لأَنَّهُ ابْتَدَأَ كَلَامَهُ بِمَا دَلَّ فِي أوَّلِهِ عَلَى آخِرِ غَرَضِهِ، فَقَالَ (3): [من الكامل]
أَمِنَ المَنُوْنِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ ... وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
قَالَ: وَإِنِّي لأعْجَبُ كِيْفَ لَمْ يَقُلِ النَّاسُ: إِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ قَالتهُ العَرَبُ قَوْلَهُ أَيْضًا (4): [من الكامل]
وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا ... وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيْلٍ تَقْنَعُ
وَمِنْ بَدِيْع ابْتِدَاآتِ المُحْدِثينَ قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ (5): [من الطويل]
لَمِنْ دِمنٌ تَزْدَادُ حُسْنَ رُسُوْمِ ... عَلَى طُوْلِ مَا أَقْوَتْ وَطِيْبَ نَسِيْمِ
تَجَافَى البِلَى عَنْهُنَّ حَتَّى كَأَنَّمَا ... لَبِسْنَ عَلَى الإِقْوَاءِ ثَوْبَ نَعِيْمِ
وَأكْثَرُ ابْتِدَاآتِهِ وَأَتْبَاعُهَا مَنْصُوْرَةٌ (6).
__________
(1) ديوان امرئ القيس ص 8.
(2) ديوانه ص 54.
(3) لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1/ 4.
(4) شرح أشعار الهذليين 1/ 11.
(5) ديوانه ص 447.
(6) للحاتمي في حلية المحاضرة 1/ 99.
(1/278)

وَمِمَّنْ تَنَاصَرَ إحْسَانُهُ فِي ابْتِدَاآتِهِ أَبُو تَمَّامٍ حَيْثُ يَقُوْلُ (1): [من البسيط]
السَّيْفُ أصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ
وَكَقَوْلِهِ أَيْضًا (2): [من الكامل]
الحَقُّ أبْلَجُ وَالسُّيُوْفُ عَوَارِي ... فَحَذَارِ مِنْ أسْدِ العَرِيْنِ حَذَارِ
وَمِمَّا أحْسَنَ فِيْهِ أَبُو تَمَّامٍ كُلَّ الإِحْسَانِ (3) حَتَّى لَقَدْ جَرَى هُوَ وَأَوْسٌ فِي
__________
(1) ديوانه 1/ 40.
(2) ديوانه 1/ 198.
(3) مَا عَلِمْتُ أحَدًا مِنَ المُحْدَثِيْنَ تَتَابَعَ إِحْسَانُهُ فِي ابْتِدَائِهِ كَأَبِي تَمَّامٍ حَيْثُ يَقُوْلُ (1):
دَمِنٌ أَلَمَّ بِهَا فَقَالَ سَلَامُكُمْ ... حَلَّ عِقْدَةَ صَبْرِهِ الإِلْمَامُ
وَكَقوْلِهِ (2):
مَا فِي وُقُوْفِكَ سَاعَةً مِنْ بَاسِ ... نَقْضِي ذِمَامَ الأَرْبَعِ الأَدْرَاسِ
وَكَقَوْلِهِ (3):
أَرَأَيْتَ أَيُّ سَوَالِفٍ وَخُدُوْدِ
وَكَقَوْلِهِ (4):
أَيُّهَا البَرْقُ بتْ بِأَعْلَى البراقِ ... وَاغْدُ فِيْهَا بِوَابِلٍ غَيْدَاقِ
وَتَعَلَّمْ بِأَنَّهُ مَا لأنوَاَيِكَ ... مَا لَمْ تَرَوْهَا مِنْ خَلاقِ
دمنٌ طَالَمَا التَقَتْ أَدْمُعُ المُزْنِ ... عَلَيْهَا وَأَدْمُعُ العشَّاقِ
وَهَذَا البَيْتُ فِيْهِ أَحْسَنُ مَا وَرَدَ فِي الاسْتِعَارَةِ بِقَوْلهِ أَدْمُعُ المُزْنِ لأَنَّهَا اسْتِعَارَ لَطِيْفَةٌ
_______
(1) ديوانه 3/ 150.
(2) ديوانه ص 2/ 242.
(3) ديوانه ص 1/ 388، وعجزه: عنت لنا بين اللوى وزرود.
(4) ديوانه ص 2/ 447.
(1/279)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= بِارِعَةٌ جِدًّا وَمِنْ مَلِيْحِ ابْتِدَائِهِ قَوْلُهُ (1):
سَعِدَتْ غِرْبَةُ النَّوَى بِسُعَادِ ... فَهِيَ طَوْعُ الإِتهَامِ وَالإِنْجَادِ
وَكَقَوْلِهِ (2):
أَسْقَى طُلُوْلَهُمُ أَجَشُّ هَزِيْمُ
وَكَقَوْلِهِ (3):
لَا أَنْتَ أَنْتَ وَلَا الدِّيَارُ ديَارُ ... خَفَّ الهَوَى وَتَقَضَّتِ الأَوْطَارُ
كَانَتْ مُجَاوِرَة الطُّلُوْلِ وَأَهْلهَا ... زَمَنًا عِذَابَ الوِرْدِ فَهِيَ بِحَارُ
وَمِنْ ابْتِدَاءَات البُحْتُرِيُّ: الَّتِي وُفِّقَ فِيْهَا قَوْلُهُ (4):
عَارَضْنَنَا أَصْلًا فَقُلْنَا الرَّبْرَبُ ... حَتَّى اسْتَبَانَ الأُقْحوَانُ الأَشْنَبُ
وَقَوْمٌ يَزْعُمُوْنَ أَنَّ أَحْسَنَ ابْتِدَاءَاتِهِ قَوْلُهُ (5):
ضَمَانٌ عَلَى عَيْنَيْكِ إنِّي لَا أَسْلُو
أَخْبَرَ أَبُو عُمَرُ عَنْ أَحْمَدَ بن يَحْيَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيْمِيّ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ الأَعْرَابِيّ غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُوْلُ: مَا ظَنَنْتُ أحَدًا فِي زَمَانِنَا يُحْسِنُ أَنْ يَبْتَدِى فَيَقُوْلَ كَمَا قَالَ إبْرَاهِيْمُ بن إِسْحَاقِ المُوْصَلّيُّ (6):
هَلْ إِلَى أَنْ تَنَامَ عَيْنِي سَبِيْلُ ... إِنَّ عَهْدِي بِالنَّوْمِ عَهْدٌ طَوِيْلُ
_______
(1) ديوانه ص 1/ 356.
(2) ديوانه ص 3/ 289.
(3) ديوانه ص 2/ 166.
(4) ديوانه ص 1/ 71.
(5) ديوان البحتري 3/ 1615، وعجزه:
وأن فؤادي من جوى بك لا يخلو.
(6) الأغاني 5/ 379 وفيه لإسحاق بن إبراهيم الموصلي.
(1/280)

مِضْمَارٍ وَاحِدٍ بِقَوْلهِ مُبْتَدِئًا فِي مَرْثِيَّةٍ (1): [من الطويل]
أَصَمَّ بِكَ الدَّاعِي وَإِنْ كَانَ أَسْمَعَا
وَلَا أعْلَمُ أحَدًا قَالَ نَظِيْرًا لِقَوْلِ أوْسٍ (2): أيَّتُهَا النَّفْسُ أَجْمِلِي جَزَعَا.
إِلَّا أَبُو تَمَّامٍ بِقَوْلهِ هَذَا.
وَمِنْ إحْسَانِ البُحْتُرِيِّ فِي ابْتِدَائِهِ قَوْلُهُ (3): [من الوافر]
أَنَاةً أيُّهَا الفَلَكُ المُدَارُ ... أَنَهْبٌ مَا تُقَسِّمَ أمْ جُبَارُ (4)
__________
= أَمَّا بَيْتُ إبْرَاهِيْمَ فَعَذْبُ المَشْرَبِ مُتَوَقِّدُ الكَوْكَبُ إِلَّا أَنَّ قَوْلَ أَبِي نُوَّاسٍ كَدَّرَ صَفْوَهُ وَكَذَّبَ نَوْءَهُ وَهُوَ قَوْلهُ (1):
رَسْمُ الكَرَى بَيْنَ الجُفُوْنِ مُحِيْلُ ... عَفِّي عَلَيْهِ أَسًى عَلَيْكِ طَوِيْلُ
يَا نَاظِرًا مَا أَقْلَعَتْ لَحَظَاتهُ ... إِلَّا تَشَحَّطَ بَيْنَهُنَّ قَتِيْلُ
أَحْلَلْتِ قَلْبِي مِنْ هَوَاكِ مَحَلَّةً ... مَا حَلَّهَا المَشْرُوْبُ وَالمَأْكُوْلَ
(1) لأبي تمام في ديوانه 4/ 99.
(2) ديوان أوس بن حجر ص 54.
(3) ديوانه 2/ 959.
(4) يَقُوْلُ مِنْهَا (2):
وَمَا أَهْلُ المَنَازِلِ غَيْرُ رَكْبٍ ... مَطَايَاهُمْ رَوَاحٌ وَابْتِكَارُ
لنَا فِي الدَّهْرِ آمَالٌ طِوَالٌ ... نُرَجِّيْهَما وَأَعْمَارٌ قِصَارُ
أَصَابَ الدَّهْرُ دَوْلَةَ آلِ وَهْبٍ ... وَنَالَ اللَّيْلُ مِنْهَا وَالنَّهَارُ
أَعَارَهُمُ ردَاءَ العِزِّ حَتَّى ... تَقَاضَاهُمْ فَرَدُّوا مَا استَعَارُوا
وَمَا كَانُوا فَأَوْجُهُمْ بُدُوْرٌ ... لِمُخْتَبِطٍ وأَيْدِيْهِمْ بِحَارُ
* * *
_______
(1) ديوانه ص 255.
(2) ديوان البحتري 2/ 960 - 961.
(1/281)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= أَخْبَرَ أَبُو مُحَمَّدِ بنِ دَرَسْتَوَيْهِ عَنْ أَبي دُرَيْدٍ عَنْ أَبي العَالِيَةِ عَنْ الأَصْمَعِيّ عَنْ أَبي عَمْرُو بنِ العَلَاءِ قَالَ: الابْتِدَاءَاتُ البَارِعَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ أَصْحَابُهَا خَمْسَةٌ، قَوْلُ النَّابِغَةِ:
كِلِيْنِي لَهُمٍ يَا أميْمَةَ نَاصِبٍ ... وَلَيْلٍ أُقَاسيْهِ بَطِيْءِ الكَوَاكِب
وَقَوْلُهُ أَيْضًا (1):
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ ... أَقْوَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَبدِ
وَقَوْلُ عَلْقَمَةَ بن عَبَدَةَ (2):
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوْبُ ... بُعَيْدَ الشَّبَابِ حِيْنَ حَانَ مَشِيْبُ
وَقَوْلُهُ أَيْضًا (3):
هَلْ مَا عَلِمْتَ وَمَا اسْتَوْدَعْتَ مَكْتُوْمُ ... أَمْ حَبْلهَا إِذْ نَأَتْكَ اليَوْمَ مَصْرُوْمُ
وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ (4):
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
وَقَالَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ: هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الابْتِدَاءَاتِ وَأَبْرَعِهَا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْضًا:
ألَا أَنْعِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ البَالِي
وَبَعْدَهُ فِي الإِسْلَامِ قَوْلُ القُطَامِيّ (5):
إنَا مُحَيُّوْكَ فَاسْلَمْ أَيُّهَا الطَّلَلُ ... وَإِنْ بَلِيْتَ وَإِنْ طَالَتْ بِكَ الطِّيَلُ
_______
(1) للنابغة الذبياني في ديوانه ص 14.
(2) ديوانه ص 23.
(3) ديوانه ص 33.
(4) ديوانه ص 8.
(5) ديوانه ص 23.
(1/282)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ المُحْدَثِيْنَ بَشَّارٌ فِي قَوْلِهِ (1):
أَبَى طَلَلٌ بِالجزْعِ أَنْ يَتَكَلَّمَا
وَمِنْ الابْتَدَاءَاتِ السَّهْلَةِ المَطْلَعِ قَوْلُ البُحْتُرِيِّ (2):
أَمِنْكَ تَأَوُّبُ الطَّيْفِ الطَّرُوْبِ ... حَبِيْب جَاءَ يُهْدَى مِنْ حَبِيْبِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلهُ أَيْضًا (3):
هَذَا الحَبِيْبُ فَمَرْحَبًا بِخَيَالِهِ ... أَنَّى اهْتَدَى وَاللَّيْلُ فِي سِرْبَالِهِ
وَقَوْلُهُ أَيْضًا (4):
هَذِي المَعَاهِدُ مِنْ سُعَادَ فَسَلِّمِ ... وَاسْأَل وَإِنْ رَحَمَتْ فَلَمْ تَتَكَلَّمِ
* * *

وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهمْ أَجْمَعِيْنَ مَا هَذَا لَفْظه أَوْ أَكْثَرُ لَفظِهِ مِنَ الشُّعَرَاءِ مَنْ وَقَفَ وَاسْتَوْقَفَ وَبَكَى وَأَبْكَى وَذَكَر الحَبِيْبَ وَالمَنْزِلَ فِي نِصْفِ بَيْتٍ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ. فَقَالُوا فَدَيْنَاكَ أَنْتَ فِي هَذَا النَّقْدِ أَشْعَرُ مِنْهُ.
* * *

عَنِ الحَكِيْمِيِّ عَنِ الأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَحْبَّتِ النَّاسِ أوَائِلِ شِعْرِ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيّ وَالفَرَزْدَقُ وَأَطْيَبُهُمْ أَوَائِلُ شِعْرِ قَيْس بن الخَطِيمِ وَجَرِيْرٌ وَأَنْشَدَ لِقَيْسٍ (5):
أَتَعْرِفُ رَسْمًا كَاطِّرَادِ المَذَاهِبِ ... لِعَمْرَةَ وَحْشًا غَيرَ مَوْقِفِ رَاكِبِ
_______
(1) ديوانه 4/ 183.
(2) ديوانه 1/ 98.
(3) ديوانه 3/ 1788.
(4) ديوان البحتري 4/ 2080.
(5) ديوان قيس بن الخطيم ص 67.
(1/283)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قَالَ وَقَوْلهُ: وَلَا أَعْرِفُ فِي الطَّيْفِ مِثْلهُ (1).
إِنِّي سَرَيْتُ وَكُنْتُ غَيْرَ سَرُوْبِ ... وَتَقَرُّبِ الأحْلَامُ غَيْرَ قَرِيْبِ
مَا تَمْنَعِي يَقْضِي فَقَدْ تُؤْتِينَهُ ... فِي النَّوْمِ غَيْرَ مُصرَّدٍ مَحْسُوْبِ
قَوْلُه: مَا تَمْنَعِي يَقْضي فَقَدْ تُؤْتينَهُ مِثْلُ قَوْلِ الأَعْشَى (2):
يَجْحَدْنَ دَيْنِي بِالنَّهَارِ وَأَقْتَضِي ... دَيْنِي إِذَا وَقَصَ النُّعَاسُ الرُّقَّدَا
وَالأَعْشَى اعْتَمَدَ فِيْهِ عَلَى قَوْلِ عَمْرُو بن قمِيْئَةَ (3):
نَأَتْكَ أَمَامَهُ إِلَّا سُؤَالَا ... وَإِلَّا خَيَالًا يُبَارِي خَيَالَا
يُوَافِي مَعَ اللَّيْلِ مِيْعَادهَا ... وَيَأْتِي مَعَ الصُّبْحِ الأَزْيئَالَا
وَمِنْ أَحْسَنِ الابْتِدَاءَاتِ قَوْلُ أَبِي نُوَّاسٍ (4):
أَلَا لَا تَرَى مِثْلِي أمتَرَى اليَوْمَ فِي ... رَسْمٍ توُهِمُهُ عَيْني وَيَلْفِظُهُ فَمِي
أَنْتَ صُوْرَةُ الأَشْيَاءِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ... فَظَنِّي كَلا ظنِّي وَعِلْمِي كَلا عِلْمِي
فَالسَّابِقُ إِلَى هَذَا امْرُؤُ القَيْسِ بِقَوْله (5):
لِمَنْ طَلَلٌ دَاثِرٌ آيُهُ ... أضَرَّ بِهِ سَالِفُ الأَحْرُسِ
تَنْكرهُ العَيْنُ مِنْ حَادِثٍ ... وِيَعْرفهُ شَعفُ الأَنْفُسِ
وَقَدْ اتَّبَعَ أَبَا نُوَاسٍ طَرِيْحُ ابن إسْمَاعِيْلَ الثَّقْفِي فَقَالَ (6):
تَسْتَخْبِرُ الدِّمْنَ القِفَارَ وَلَمْ تَكُنْ ... لترُدَّ مُخْبِرَةً عَلَى مُسْتَخْبِرِ
_______
(1) ديوان قيس بن الخطيم ص 55.
(3) ديوانه ص 277.
(3) الأغاني 18/ 138.
(4) ديوانه ص 87.
(5) ديوانه ص 339.
(6) مجموع شعره ص 303، زهر الآداب 1/ 240.
(1/284)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَظلَلْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ قَلْبٍ عَارِفٍ ... مَعْنَى أَحبَّتِهِ وَطَرْفٍ منكِرِ
ومِنْ إِحْسَانِ أَبِي نُوَّاس فِي ابْتِدَائِهِ حَيْثُ يَقُوْلُ (1):
صِفَةُ الطُّلُوْلِ بَلَاغَةُ الفَدْمِ ... فَاجْعَلْ صِفَاتِكَ لابْنَةِ الكَرْمِ
وَإِذَا نَعَتَّ الشَّيْءَ مُتَّبِعًا ... لَمْ تَخْلُ مِنْ زَلَلٍ وَمِنْ وَهْمِ
لَا تُخْدَ عَنْ عَنِ الَّتِي جُعِلَتْ ... سَقَمَ الصَّحِيْحِ وَصِحَّةِ السَّقمِ
أَمَّا أَبْيَاتُ أَبِي نُوَّاسٍ هَذِهِ فَمَا يَسْتَطِيْعُ أَحَدٌ يُمَاثِلُهَا فِي مَعْنَاهَا بِشَيْءٍ مِنْ أَشْعَارِ المُتَقَدِّمِيْنَ وَلَا المُتَأَخِّرِيْنَ إِبْدَاعًا لِلْمَعْنَى وَإِفْصَاحًا لِلصَّنْعَةِ وَدِقَّة فِي النَّسْجِ.
* * *

وَمِنْ مَحَاسِنِ ابْتِدَاءَاتِ المُتَنَبِّيّ قَوْلُهُ (2):
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثَّانِي
وَقَوْلهُ (3):
أَعْلَى المَمَالِكِ مَا يُبْنَى عَلَى الأَسَلِ ... وَالطَّعْنُ عِنْدَ مُحِبِّيْهِنَّ كَالقُبَلِ
وَقَوْلهُ (4):
أفاضِل النَّاسِ أَغْرَاضٌ لِذَا الزَّمَنِ ... يَخْلُو مِن الهَمِّ أَخْلَاهُمْ مِنَ الفِطَنِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلهُ (5):
المَجْدُ عُوْفِي إِذَا عُوْفِيْتَ وَالكَرَمُ ... وَزَالَ عَنْكَ إِلَى أَعْدَائِكَ الأَلَمُ
وَمَا أخصّكَ فِي برٍّ بِتَهْنِئَةٍ ... إِذَا سَلِمتَ فَكُلُّ النَّاسِ قَدْ سَلِمُوا
_______
(1) ديوانه ص 57.
(2) ديوانه 4/ 174.
(3) ديوان المتنبي 3/ 34.
(4) ديوان المتنبي 4/ 209.
(5) ديوان المتنبي 3/ 375.
(1/285)

وَأَمَّا تَمْكِيْنُ القَوَافِي:
فَيَنْبَغِي لِلشَّاعِرِ المُجِيْدِ إِذَا اعْتَمَدَ بِنَاءَ قَصِيْدَةٍ أَنْ يِتَخَيَّرَ لَهَا مِنَ القَوَافِي أسْهَلَهَا لَفْظًا، وَأوْضَحَهَا مَعْنًى، وَيَنْفِيَ الجافِي عَنْهَا، وَيُمَيِّزَ القَلِقَ مِنْهَا، وَيَسُوْقَ البَيْتَ إِلَى القَافِيَةِ سَوْقًا مُوَافِقًا حَتَّى يَكُوْنَ رِدْفَهُ وَطِبْقَهُ، فَإِذَا أَتَى بِذَلِكَ وَقَعَتِ القَافِيَةِ مُسْتَقِرَّةً غَيْرَ قَلِقةٍ، وَلَا نَافِرَةٍ حَتَّى لَوْ أرَادَ مُرِيْدو تَبْدِيْلَهَا بِغَيْرِهَا لَمْ يَسْتَطِع ذَلِكَ. فَمِنْ أحْسَنِ القَوَافِي المُسْتَقِرَّةِ قَوْلُ زُهَيْرٍ (1): [من الطويل]
وَأعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِي (2)
فَقَوْلُهُ: عَمٍ وَاقِعٌ مَوْقِعًا لَطِيْفًا.
وَقَالَ المُبَرَّدُ: لَا أَعْرِفُ قَافِيَةً وَقَعَتْ أحْسَنَ مَوْقِعًا مِنْ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ (3): [من الوافر]
هُمُ القَوْمُ الَّذِيْنَ إِذَا أَلَمَّتْ ... مِنَ الأَيَّامِ مُظْلِمَةٌ أضَاءُوا
فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: أضَاءُوا، وَمِن مُظْلِمَةٍ مَوْقِعٌ حَسَنٌ.
وَقَوْلُ الصِّمَّةِ القُشَيْرِيِّ (4):
ألَا يَا غُرَابَي بَيْنِهَا لَا تَصدَّعَا ... وَطِيْرَا جَمِيْعًا بِالهَوَى وَقَعَا مَعَا (5)
__________
(1) زهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 49.
(2) (عَمٍ وَهُوَ الأَصَحُّ).
(3) ديوانه ص 102.
(4) ديوانه ص 94.
(5) مِثْلُ قَوْلهُ (وَقَعَا مَعًا) لِلْمَجْنُوْنِ وَهُوَ قَيْسُ بنِ مَعَاذٍ العَقِيْلِيّ مِنْ أَبْيَاتٍ أَوَّلُهَا:
مَا بَالُ قَلْبِكَ يَا مَجْنُوْنُ قَدْ هَلَعَا ... مِنْ حُبِّ مَنْ لَا تَرَى فِي نيلِهِ طَمَعَا
يَقُوْلُ مِنْهَا:
الحُبُّ وَالعِشْقُ سِيْطَا مِنْ دَمِي ... لَهُمُ فَأَصْبَحَا فِي فُؤَادِي ثَابِتَيْنِ مَعَا
طُوْبَى لِمَنْ أَنْتِ فِي الدُّنْيَا ضَجِيْعَتهِ ... لَقَدْ نَفَى اللَّهُ عَنْهُ الهَمَّ وَالوَجَعَا =
(1/286)

فَقَوْلُهُ: وَقَعَا مَعَا حَسَنٌ جِدًّا، وَلَمْ يَتَّفِق مِثْلُهُ إِلَّا لِمُتَمِّمِ بن نُوَيْرَةَ حَيْثُ يَقُوْل (1): [من الطويل]
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأنِّي وَمَالِكًا ... لِطُوْلِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّابِغَةِ (2): [من الكامل]
كَالأُقْحُوَانِ غَدَاةَ غِبِّ سَمَائِهِ ... جَفَّتْ أَعَالِيْهِ وَأَسْفَلُهُ نَدِي
زَعَمَ الهُمَامُ وَلَمْ أَذُقْهُ بِأنَّهُ ... يُرْوَى بِطِيْبِ لِثَاتِهَا العَطِشُ الصَّدِي
قَوْلُهُ: نَدِي، وَالعَطِشُ الصَّدِي وَاقِعَتَانِ أحْسَنَ مَوْقعٍ وَأعْجَبَهُ (3).
__________
(1) زهر الآداب 2/ 741.
(2) ديوانه ص 95.
(3) أَخْبَرَ ابن دَرِسْتَوَيهِ عَنِ المُبَرَّدِ عَنِ المَازِنِيّ عن الأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرو ابن العَلَاءِ قَالَ: القَوَافِي المُتَمَكِّنَةِ الَّتِي وُفِّقَ فِيْهَا أَصْحَابِهَا خَمْسٌ قَوْلُ الأَعْشَى (1):
وَإِذَا تَكُوْنُ كِتيْبَةٌ مَلْمُوْمَةٌ ... خَرْسَاءُ يُخْشَى الذَّايِدُوْنَ نهَالَهَا
كُنْتَ المُقَدَّمَ عَيْرَ لَابِسِ جُنَّةٍ ... بِالسَّيْف تَضرِبُ معلِمًا أَبْطَالَهَا
وَعَلِمْتَ أَنَّ النَّفْسَ تَلْقَى حَتْفَهَا ... مَا كَانَ خَالِقَهَا المَلِيْكِ قَضَى لَهَا
فَقَوْلهُ: قَضَى لَهَا حَسُنَ المَوْقعِ وَإِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيع نَقْلَهَا إِلَى غَيْرِهَا.
وَالثَّانِيَهُ قَيْسُ بن الخَطِيْمِ (2):
خَلِيْلَيَّ لَا وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ الَّذِي ... قَضَى اللَّهُ مِنْ لَيْلَى وَلَا مَا قَضَى لِيَا
قَالَ المُبَرَّدُ: مِثْلُ قَوْلِهِ قَضَى لِيَا فِي هَذَا المَوْضِعِ وَحسنَهَا قَوْلُ الآخَرُ:
وَلَوْ كَانَ وَاشٍ بِاليَمَامَةِ دَارُهُ ... وَدَارِي بِأَعْلَى حَضرَمَوْتَ اهْتَدَى لِيَا
وَقَالَ عَبْدُ يَغُوْثٍ (3): =
_______
(1) ديوانه ص 83.
(2) لم ترد في ديوانه.
(3) شرح المفضليات 3/ 607 وفيه البيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي.
(1/287)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ألَا لَا تَلُوْمَانِي كَفَى اللَّوْمَ مَا بِيَا ... فَمَا لَكُمَا فِي اللَّوْمِ خَيْرٌ وَلَا لِيَا
قَالَ أَبُو عَمْرُو وَالقَافِيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُ الفَرَزْدَقُ (1):
وَإِنْ تُهْجِ آلَ الزَّيْرَقَانِ فَإِنَّمَا هَجَوْتَ ... الطِّوَالَ الشّمَّ مِنْ هَضبِ يَذبَلِ
وَقَدْ يَنْبَحُ الكَلْبُ النُّجُوْمَ وَدُوْنَهُ ... فَرَاسِخُ تُنْضِي الطَّرْفَ لِلْمُتَأَمِّلِ
أَرَى اللَّيْلَ يَجْلُوْهُ النَّهَارُ وَلَا أَرَى ... عِظَامَ المَخَازِي عن عَطِيَّةَ تَنْجَلِي
فَقَوْلُهُ: تَنْجَلِي مُتَمَكِّنَةٌ.
وَالقَافِيَةُ الخَامِسَةُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ (2):
أَرَاحَ فَرِيْقُ حِيْرَتِكَ الجمَالَا ... كَأَنَّهُمُ يُرِيْدُوْنَ احْتِمَالَا
فَكِدْتُ أَمُوْتُ مِنْ حزْنٍ عَلَيْهِمْ ... وَلَمْ أَرَ ثَاوِيَ الأَضْعَانِ بَالِى
قَوْلُهُ: بَالِي مُتَمَكِّنَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ امْرِىِ القَيْسِ (3):
بَعَثْنَا رَبِيْئًا قَبْلَ ذَلِكَ مُحملًا ... كَذِئْبِ الغَضَا يَمْشِي الضَّرَاءَ وَيَتَّقِى
فَقَوْلُهُ: يَتَّقِي مُتَمَكِّنَةٌ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّابِغَةِ (4):
كَالأَقْحَوَانِ غَدَاةَ غَبَّ سَمَائِهِ ... جَفَّتْ أَعَالِيْهِ وَأَسفَلهُ نَدِي
زَعَمَ الهُمَامُ وَلَمْ أذقْهُ بِأَنَّهُ ... يَرْوِي بِطِيْبِ لِثَاتِهَا العَطَشُ الصَّدِي
قَوْلُهُ: نَدِي وَالعَطَشُ الصَّدِي مُتَمَكِّنَتَانِ وَقَدْ وَرَدَا فِي الأَصلِ. وَكَقَوْلِ زُهَيْرٍ (5):
مَخُوْف كَأَنَّ الطَّيرَ فِي مَنْزِلَاتِهِ ... عَلَى حَيفِ القَلَى مَجَالِسُهُ تَنْتَحِي
_______
(1) ديوانه 2/ 177.
(2) ديوانه 3/ 1506 - 1508.
(3) ديوانه ص 172.
(4) ديوانه ص 95.
(5) لم ترد في ديوانه.
(1/288)

وَالمُلَائَمَةُ بَيْنَ صَدْرِ البَيْتِ وَعَجُزِهِ (1):
وَهُوَ أَنْ يَأتِي الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ بَيْتِهِ بِكِنَايَةٍ عَنْ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ عَجُزُهُ بِتَمَامِهَا. وَلَا عَيْبَ أفْحَشَ مِنْ تَخَاذُلِ أَعْجَازِ الأَبْيَاتِ وَصُدُوْرِهَا. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الشِّعْرُ نَظْمًا لانْتِظَامِ الأَلْفَاظِ فِيْهِ كَنِظَامِ الَّلآلِيءِ، وَائْتِلَافِ الأبْيَاتِ مِنْهُ كَائْتِلَافِ رَصْفِ الحلِي بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ، لأنَّ الرَّائِقَ مِنَ الشِّعْرِ مَا دَلَّ صَدْرُهُ عَلَى قَافِيَتِهِ لاتِّسَاقِ نَظْمِهِ، وَاتِّضَاحِ مَعْنَاهُ، كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ (2): [من البسيط]
السَّيْفُ أصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ ... فِي حَدِّهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِدِّ وَاللَّعِبِ
بِيْضُ الصَّفَائِحِ لَاسُوْدُ الصَّحَائِفِ فِي ... مُتُونِهِنَّ جَلَاءُ الشَّكِّ وَالرِّيَبِ
فَهَذِهِ المُلَاءمَةُ بَيْنَ صَدْرَيَ البَيْتَيْنِ وَعَجُزَيْهِمَا فِي غَايَةِ الحُسْنِ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الابْتِدَاآتِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ المِصْرَاعَ الأوَّلَ مِن قَوْلُ الشَّاعِرِ (3): [من الطويل]
مَحَا السَّيْفُ مَا قَالَ ابْنُ دَارَةَ أجْمَعَا
وَكَقَوْلِ مِهْيَارَ (4): [من الكامل]
وَيَئِسْتُ حَتَّى لَوْ بَصُرْتُ بِنَارِهِمْ ... لِقِرًى شَكَكْتُ وَقُلْتُ نَارُ حَرِيْقِ
__________
= فَقَوْلُهُ تَنتحِي وَاقِعٌ أَشْرَفَ مَوْقِعٍ وَأَبْرَعَهُ. وَكَقَوْلِ الحُطَيْئَةَ (1):
وَاقعد فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي
فَقَوْلُهُ: الكَاسِي مُتَمَكِّنَةٌ.
(1) انظر: البديع لابن ألإلح العبسي ص 136 وما بعدها.
(2) ديوانه 1/ 40.
(3) عجز بيت للكميت بن ثعلبة في الموازنة 2/ 59 وصدره:
"فلا تكثروا فيها الضجاج فإنه".
(4) ديوانه 2/ 298.
_______
(1) عجز بيت للحطيئة في ديوانه ص 284 وصدره: "دع المكارم لا ترحل لبغيتها".
(1/289)

لَا يُضْحِكُ الأَيَّامَ كِذْبُ مَطَامِعِي ... إِلَّا إِذَا طَالَبْتُهَا بِصَدِيْقِ (1)

وَإِرْدَافُ البَيْتِ بِأَخِيْهِ (2):
وَهُوَ لَبَاقَةٌ مِنَ الشَّاعِرِ فِيْمَا يَنْظِمُهُ وَيُؤَلِّفُهُ. وَكَأنِّي بِالقَائِلِ الجَّاهِلِ لِذَلِكَ يَقُوْلُ: أَيُّ كَبِيْرٍ مِنَ الصَّنْعَةِ فِي هَذَا حَتَّى يُجْعَلَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ صَنْعَةِ الشِّعْرِ.
وَمَا يَعْلَمُ أَنَّ كَثِيْرًا مِنْ فُرْسَانِ الشُّعَرَاءِ قَصَّرُوا عَنْهُ، وَجَاءوا بِالبَيْتِ وَابْنِ عَمِّهِ، بلْ بِالبَيْتِ وَنَزِيْلِهِ حَتَّى انْتَقِدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَعِيْبوا به.
وَإِنَّمَا يَرُوْقُ النَّظْمُ إِذَا حَسُنَ سَبْكُهُ، وَالْتَحَمَتْ أَلْفَاظُهُ، وَأَضَاءتْ مَعَانِيْهِ، وَتَوَالَت أَبْيَاتهُ، كَقَوْلِ المَجْنُونِ (3): [من الطويل]
وَلَمْ يُنْسِنِي لَيْلَى وَلَا حُسْنَ دَلِّهَا ... نِسَاءٌ عَلَيْهَا حَلْيُهَا وَبُرُوْدُهَا
فَأَحْسَنُ مِنْ حَلْيٍ لَهُنَّ وَلُؤْلُؤٍ ... تَرَائِبُ لَيْلَى الوَاضِحَاتَ وَجِيْدُهَا
عَشِيَّةَ قَامَتْ وَاتَّقَتْنَا بِكَفِّهَا ... فَيَا حُسْنَهَا مِنْ نَظْرَةٍ لَوْ تُعِيْدُهَا
__________
(1) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلِ المُتَنَبِّيّ (1):
وإذَا خَفِيْتُ عَنِ العَدُوِّ فَعَاذِرٌ ... ألَّا تَرَانِي مُقْلَةٌ عَميَاءُ
كَقَوْلِ الآخَرِ:
يَبِيْعُ وَيَشْتَرِي لَهُمُ سِوَاهُم ... وَلَكِنْ بِالسِّيُوْفِ هُمُ التِّجَارُ
وَكَقَوْلِ أَبِي صَخْرٍ الهَذَلِيّ وَقَدْ وَرَدَ هَذَا البَيْتُ فِي بَابِ المُبَالَغَةِ فِي الغُلُو، وَهُوَ هَاهُنَا مِنْ هَذَا البَابِ (2):
تَكَادُ يَدِي تبْدِي إِذَا مَا لَمَسْتُهَا ... وَيَنْبُتُ فِي أَطْرَافِهَا الوَرَقُ الخُضْرُ
(2) انظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 132 وما بعدها.
(3) لم ترد في ديوانه.
_______
(1) ديوانه 1/ 15.
(2) شعراء أمويون 4/ 95.
(1/290)

وَكَقَوْلِ الآخَرِ (1): [من الطويل]
وَإنِّي رَأَيْتُ الدَّهْرَ يَلْعَبُ بِالفَتَى ... تُقَلِّبُهُ حَالَانِ مُخْتَلِفَانِ
فَأَمَّا الَّذِي يَمْضِي فَأَحْلَامُ نَائِمٍ ... وَأَمَّا الَّذِي يَبْقَى لَهُ فَأَمَانِي (2)
__________
(1) لديك الجن الحمصي في ديوانه 130.
(2) وَقَرِيْبٌ مِنْهُ هَذَا قَوْلُ الآخَر:
إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ غُرُوْرٌ ... فَالسَّقِيُّ الغَبيُّ مَنْ يَصْطَفِيْهَا
مَا مَضَى فَاتَ وَالمُؤَمَّلُ غَيْبٌ ... وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيْهَا
قَدْ قِيْلَ دُنْيَاكَ كُلّهَا الوَقْتُ الَّذِي أَنْتَ فِيْهِ فَإِنَّمَا عُمْرُكَ أَنْفَاسُكَ وَعَلَيْهَا رَقِيْبٌ يُحْصِيْهَا. وَمِمَّا قِيْلَ فِي المَثَلِ: مَضَى أَمْسَكَ وَعَسَى غَدٌ لِغَيْرِكَ ربَّ عَجْزٍ يَوْمٍ مُبَايِنٍ لِصدْرِهِ وَرُبَّ هَالِكٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ يَوْمِهِ وَآمِن ليْلٍ غَادِرٍ بِأَهْلِهِ.
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ يَمْدَحُ وَفِيْهِ جنَاسٌ وَطِبَاق:
جَوَادٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الدَّهْرِ خَالِدٌ ... بِهِ أجمل الفَضْلِ بن يَحْيَى بن خَالِدِ
أَخُو كَرَمٍ مَا زَالَ يَقْتَنِصُ العُلَى ... بِمَا يَحْتَوِيْهِ مِنْ طَرِيْفٍ وَتَالِدِ
جَمِيْلُ المُحَيَّا بَاسِمُ الثَّغْرِ بَاسِلٌ ... شَدِيْدُ القِوَى نَدْبٌ شَدِيْدُ المَقَاصدِ
لَهُ مَنْزِلٌ لَمْ يَرْتَحِل عَنْهُ وَافِدٌ ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا حَلَّهُ أَلْفُ وَافِدِ
فَكَمْ خَارِجٍ مِنْ بَابِهِ دَلَّ دَاخِلًا ... وَكَمْ صَادرٍ عَنْهُ أَتَاهَ بِوَارِدِ
* * *

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرُ:
وَلَمَّا أُثِيْرَتْ لِلرَّحِيْلِ جِمَالهُمْ ... وَغَرَّدَ بِالمَطِيِّ المُخَرَّمِ
وَقَفْنَا وَرَاءَ الحَيِّ سِرًّا وَبَيْنَنَا حَدِيْث ... كَنَشْرِ المِسْكِ غَيْرِ مُجَمْجَمِ
تَرَشَّفْتُ مِنْ فِيْهَا رُضابًا كَأَنَّهُ ... سُلَافَةُ خَمْرٍ فِي إِنَاءٍ مُفَدَّمِ
مُبَرْقَعَةً كَالشَّمْسِ تَحْتَ سَحَابَةٍ ... أَوْ البَدْرِ فِي جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمِ =
(1/291)

وَإشْبَاعُ المَعْنَى بِأَوْجَزِ لَفْظٍ، وَإبْرَازهُ فِي أحْسَنِ صِيْغَةٍ مِنَ البيانِ:
فَأَمَّا إشْبَاعُ المَعْنَى بِلَفْظٍ مُخْتَصرٍ، فَكَقَوْلِ كَعْبِ بنِ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى فِي رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1): [من البسيط]
تَحْمِلُهُ النَّاقَةُ الأَدْمَاءُ مُعْتَجِرًا ... بِالبُرْدِ كَالبَدْرِ حَلَّى لَيْلَةَ الظُّلَمِ
وَفِي عِطَافَيْهِ أَوْ أَثناءِ رِبْطَتِهِ ... مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ دِيْنٍ وَمِنْ كَرَمِ (2)
__________
= غَدَتْ مُقْلَتِي فِي جَنَّةٍ مِنْ جَمَالِهَا ... وَقَلْبِي غَدَا مِنْ حُبِّهَا فِي جَهَنَّمِ
وَكَقَوْلِ الآخَرِ:
سُرِرْتُ بِالطَّيْفِ الَّذِي زَرَانِي ... مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ كَانَ لِي صَارِمَا
فَقُلْتُ أَهْلًا قَالَ لِي مُعْرِضًا ... يَا كَاذِبًا فِيْمَا ادَّعَى آثِمَا
تَنَامُ عَيْنَاكَ وَتَشْكُو الهَوَى ... لَوْ كُنْتَ صَبًّا لَمْ تَكُنْ نَائِمَا
وَكَقَوْلِ كُثَيِّرٍ (1):
يَلُوْمُكَ فِي لَيْلَى وَعَقْلكَ عِنْدَهَا ... رِجَالٌ وَلَمْ تَذْهَبْ لَهُمْ بِعُقُوْلِ
لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُوْنَ مَا بُحْتُ كعنْدَهُمْ ... بِسِرٍ وَلَا رَاسَلْتُهُمْ بِرَسُوْلِ
وَلَا تَعْجَلِي يَا لَيْلُ أَنْ تَتَفَهَّمِي ... بِنُصْحٍ أَتَى الوَاشَوْنَ أَمْ بِخُبُوْلِ
(1) لم يردا في ديوانه.
(2) وَقَدْ نَسَبَ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ قَوْمٌ إِلَى أَبِي دَهْبلٍ وَلَيْسَتَا لَهُ.
* * *

فَمِنْ أَبْيَاتِ أَبِي دَهْبَلٍ قَوْلُهُ فِي الأَزْرَقِ المَخْزُوْمِيّ (2):
مَاذَا رُزِئنَا غَدَاةَ الخَيْلِ مِنْ زَمْعٍ ... عِنْدَ التَّفَرُّقِ مِنْ خَيْرٍ وَمِنْ كَرَمِ
ظَلَّ لنَا وَاقِفًا يُعْطِي فَأَكْثَر ... مَا سَمَّى وَقَالَ لنَا فِي قَوْلِهِ نَعَمِ
إِقْوَاءٌ =
_______
(1) ديوانه ص 177.
(2) ديوانه 101 - 103.
(1/292)

فَقَوْلُهُ: مَا يَعْلَمُ اللَّهُ، لو أَرَادَ وَاصِفٌ شَرْحَهُ، لاحْتَوَى عَلَى كَثِيْرٍ مِنَ اللَّفْظِ، تَعْجَزُ عَنْهُ العِبَارَةُ.
وَكَقَوْلِ ابنِ الرُّوْمِيِّ فِي الهَجْوِ (1): [من مجزوء الكامل]
مَا شِئْتَ مِنْ مَالٍ حِمًى ... يَأْوِي إِلَى عِرْضٍ مُبَاحِ (2)
__________
= ثُمَّ انْتَحَى غَيْرُ مَذْمُوْمٍ وَأَعْيُنُنَا ... لَمَّا توَلَّى بِدَمْعٍ وَاكِفٍ سَجِمِ
تَحْمِلُهُ الناقَةُ الأدْمَاءُ مُعْتَجِرًا ... كَالبَدْرِ جَلَّى لَيْلَةَ الظُّلمِ
وَكَيْفَ أَنْسَاكَ لَا نَعْمَاكَ وَاحِدَةٌ ... عِنْدِي وَلَا بِالَّذِي أَسْدَيْتَ مِنْ قدمِ
حَتَّى لَقِيْنَا بُجَيْرًا عِنْدَ مَقْدِمَنَا ... فِي مَوْكِبٍ كَضبَاعِ الحزْنِ مُزْدَحِمِ
فلو رَأَيْتَ مَقَامِي عِنْدَ بَابِهِمْ ... أَحْبَبْتَ أنِّي بِذَاكَ البَابِ لَمْ أَقُمِ
يُحتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ أَحَدُهُمَا قَدْ انتحَلَ قَوْلُ الآخَرَ وَهُوَ (تَحْمِلُهُ النَّاقَةُ الأَدْمَاءُ). البَيْتُ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الشُّعَرَاءِ.
(1) ديوانه 2/ 515.
(2) وَكَقَوْلِ سَلَمِ الخَاسِرِ (1):
مَنْ رَاقَبَ النَّاسُ مَاتَ غَمًّا ... وَفَازَ بِاللذَّةِ الجَسُوْرُ
وَكَقَوْلِ الآخَر:
أَنْتَ لِلمَالِ إِذَا أَمْسَكْته ... وَإِذَا أَنْفَقْتَهُ فَالمَالُ لَك
وَكَقَوْلِ أَبِي العَتَاهِيَةِ (2):
فلو كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا ... لأَعْطَاهَا وَمَا بَالَى
فَهَذِهِ المَعَانِي لَوْ أَرَادَ الإِنْسَانُ الفَصِيْحُ الفَاضِلُ تَفْسِيْرَ كُلِّ مَعْنًى مِنْهَا نثرًا لَمَا أَدَّتْهُ عِبَارَتهُ إِلَّا بِأَضعَافِ لَفْظِهِ نَظْمًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَعْفَرُ بنُ شَمْسِ الخِلَافَةِ فِي الغَزَلِ:
غَادَةٌ كُلُّهَا جَمَالٌ وَكُلِّي ... أَسَف بَاطِنٌ وَسَقْمٌ بَادِ
_______
(1) شعراء عباسيون ص 104.
(2) لم ترد في ديوانه.
(1/293)

وَقَدْ ذَهَبَ قُدَامَةُ الكَاتِبُ إِلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الوَحْيُ وَالإِشَارَةُ.

وَأَمَّا إِبْرَازُ المَعْنَى فِي أَبْهَى حُلَّةٍ مِنَ البَيَانِ، فَكَقَوْلِ ابنِ الخَيْشِيِّ الحَلَبِيِّ: [من الكامل]
عِقْبَانُ رَوْعٍ وَالسُّرُوْجُ وَكُوْرُهَا ... وَلُيُوْثُ حَرْبٍ وَالقَنَا آجَامُ
وَبُذوْرُ تَمٍّ وَالتَّرَائِكُ فِي الوَغَى ... هَالَاتُهَا وَالسَّابِرِيُّ (1) غَمَامُ
جَادُوا بِمَمْنُوعِ التِّلَادِ وَجَوَّدُوا ... ضَرْبًا يُجَذُّ بِهِ الطُّلَى وَالهَامُ
وَتَجَاوَدَتْ أسْيَافُهُمْ وَجِيَادُهُمْ ... فَالأَرْضُ تُمْطِرُ وَالسَّمَاءُ تُغَامُ (2)
وَكَقَوْلِ ابنِ المُعْتَزِّ (3): [من السريع]
مُوَسْوَمَة بِالحُسْنِ مَعْشُوْقَةٌ ... تُمِيْتُ مَنْ شاءتْ وَتُحْيِيْهِ
بَاتَ يُرِيْنِيْهَا هِلَالُ الدُّجَى ... حَتَّى إِذَا غَابَ أَرَتْنِيِهِ
وَكَقَوْلِ الآخَرِ: [من الكامل]
مَا لِي وَفِكْرِي فِي العَوَاقِبِ بَعْدَ مَا ... أيْقَنْتُ أَنَّ عَلَى المَنِيَّةِ مَقْدَمِي
وَإِذَا الأنَامُ تَوَارَدُوا حَوْضَ الرَّدَى ... فَالمُقْدِمُ الهَجَّامُ مِثْلُ المُحْجِمِ
عَجَبِي لِمُنْطَلِقِ اليَدَيْنِ مُمَكَّنٍ ... مِنْ سَيْفِهِ وَيُرَى بِعَيْنِ المُعْدِمِ

وَخَلُوْصُ السَّبْكِ:
هُوَ أَنْ يَكُوْنَ المَعْنَى فِي البَيْتِ مُحْتَاجًا إِلَى جَمِيع لَفْظِهِ، غَيْر مُسْتَغْنٍ عَنْ كَلِمَةِ مِنْهُ تَأْتِي حَشْوًا، أَوْ يُتَمِّمَ بها الشاعِرُ نَظْمِ بَيْتٍ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَيْهَا إِذَا اعْتُبِرَ بِالنَّقْدِ، وَتَكُوْنَ ألْفَاظُهُ رَائِقَةً مُهَذّبَةً، إِمَّا سَهْلَةً مُمْتَنِعَةً، أَوْ جَزِلَةً طَبِيْعِيَّةً، لَا تَعْرُوْهَا رِكَّةٌ،
__________
(1) السَّابِرِيُّ: الرَّقِيْقُ مِنَ الثِّيَابِ وَالدّرُوْعُ.
(2) وَكَقَوْلِ الآخَر:
وَالمَجْدُ عِلْقُ مَضِنَّةٍ مُتَفَاوِتٌ ... مَا بَيْنَ بَيِّعهِ إِلَى مُبْتَاعِهِ
وَالمَجْدُ المَتْبُوْعُ يَأْنَفُ أَنْ يَرَى ... مُتَتَبِّعًا مَا فِي يَدَي أَتْبَاعِهِ
(3) لم ترد في ديوانه.
(1/294)

وَلَا تَعْلُوْهَا فَضَاضَةٌ (1).
__________
(1) قِيْلَ لأَبِي الشِّيْصِ: ابْنُ أَنْتَ مَنْ؟ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ (1):
وَقَفَ الهَوَى بِي حَيْثُ أَبُتْ ... فَلَيْسَ لِي مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدِّمُ
أَجِدُ المَلَامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيْذَةً ... حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
أَشْبَهْتِ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ ... إِذْ صارَ حَظِّي مِنْكِ حَظِّي مِنْهُمُ
وَأَهَنْتِنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي عَامِدًا ... مَا مَنْ يَهُوْنُ عَلَيْكِ إِلَّا مِمَّنْ أُكْرِمُ
وَمِنْ خُلُوْصِ السَّبْكِ قَوْلُ الآخَرِ (2):
أَمَا وَالرَّاقِصَاتِ بِذَاتِ عِرْقٍ ... وَمَنْ لَبَّى بِنُعْمَانَ الأرَاكِ
لَقَدْ أَضْمَرْتُ حُبَّكِ فِي فُؤَادِي ... وَمَا أَضْمَرْتُ مِنْ حُبٍّ سِوَاكِي
أَطَعْتِ الآمِرِيْكِ بَصَرْمِ حَبْلِي ... مُرِيْهُمْ فِي أَحِبَّتِهِمْ بِذَاكِ
فَإِنْ هُمُ طَاوَعُوْكِ فَطَاوِعِيْهِمْ ... وَإِنْ عَاصُوْكِ فَاعْصِ مَنْ عَصَاكِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الصِّمَّةَ بن عَبْدِ اللَّهِ القُشَيْرِيّ (3):
أمِنْ نَوْحِ الحَمَامَةِ أَنْتَ بَاكِي ... غَدَاةَ تَرَنَّمَتْ فَوْقَ الأَرَاكِ
تَرَنُّمُهَا وَلَيْس لَهَا شَكَاةٌ ... يَهِيْجُ هَوًى صبَابَةَ كُلِّ شَاكِي
إِلَى رَيَّا حَنَنْتَ وَدُوْنَ رَيَّا ... مَنَاضِي العَسْجَدِيَّهِ وَالمَذَاكِي
سَقَى الطَّلَحَاتِ مِنْ شَرْقِيِّ ... نَجْدٍ وَرَوَّى تُرْبَهَا نَوْءُ السِّمَاكِ
بِهَا أَسْرَتْ فُؤَادِي يَوْمَ أَبْدَتْ ... مَعَاصِمَهَا وَضنَّتْ بِالفِكَاكِ
حَشَتْ يَوْمَ الفِرَاقِ حَشَاكَ مِنْهَا ... لَظَى جَمْرٍ مِنَ الزَّفَرَاتِ ذَاكِي
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى فِي هَرِمٍ (4):
يَا مَنْ شَكَا الجدْبَ وَخَافَ العَدَمَا ... إيْتِ بَنِي مُرٍّ وَنَادِ هَرِمَا
_______
(1) ديوانه ص 101.
(2) انظر: لسان العرب (نعم).
(3) لم ترد في ديوانه.
(4) لم ترد في ديوانه.
(1/295)

وَذَلِكَ كَقَوْلِ قَيْسِ بن المُلَوَّحِ (1): [من الطويل]
فَإنْ تَمْنَعُوا لَيْلَى وَحُسْنَ حَدِيْثِهَا ... فَلَنْ تَمْنَعُوا مِنِّي البُكَا وَالقَوَافِيَا
فَهَلَّا مَنَعْتُمْ إِذْ مَنَعْتُمْ حَدِيْثَهَا ... خَيَالًا يُوَافِيْنِي عَلَى النَّأْي هَادِيَا
رَمَانِي وَلَيْلَى العَامِرِيَّةَ قَوْمُهَا ... بِأَشْيَاءَ لَمْ لُخْلَق وَلَمْ أدْرِ مَا هِيَا
فَلَيْتَ الَّذِي تَلْقَى وَيُحْزِنُ نَفْسَهَا ... وَيُلْقُوْنَهُ بَيْني وَبَيْنَ ثِيَابِيَا (2)
__________
= يُجِبْكَ مِنْهُ مَاجِدٌ ذُو نَائِلٍ ... فَاق الغيُوْثَ الهَاطِلَاتِ كَرَمَا
إِذَا الحِمَى أَسْلَمَهُ حُمَاتُهِ ... أَلْفَيْتَهُ مِنَ المَخُوْفِ حَرَمَا
يَمُدُّ لِلجوْدِ يَدًا مَا بَرِحَتْ ... تُخْجِلُ بِالمَعْرُوْفِ مِنْهُ الدِّيَمَا
يَا هِرِمُ أَنْتَ الفَتَى كُلُّ الفَتَى ... إِنْ وَقْعَةٌ شَبَّتْ وَخطْبٌ أَظْلَمَا
سَبَقْتَ كُلَّ قَارِحٍ وَبَازِلٍ ... إِلَى العُلَى وَمَا بَلَغْتَ الحُلُمَا
يَرْغَبُ عَنْ حُوْرِ الدُّمَى ... إِذَا اقْتَضتْ رِمَاحَهُ أَكُفهُ سَفْكَ الدَّمَا
فَمَا يُبَالِي ابْنُ أَبِي سُلْمَى ... إِذَا مَا هَرِمٌ عَاشَ لَهُ وَسَلَّمَا
(1) ديوان مجنون ليلى ص 300.
(2) قَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ بِالشِّعْرِ وَأَرْبَابِ الكَلَامِ عَلَى أَنَّ أَوْجَزَ شِعْرٍ اقتصَّتْ فِيْهِ قِصَّةٌ فَوَرَدَ مُتَسَاوِي القِسْمَةِ سَهْلِ الكَلَامِ مَنْسُوْقَ المَعَانِي كُلّ كَلِمَةٍ مِنْهُ وَاقِعَة فِي مَوْقِعِهَا الَّذِي أُرِيْدَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَشْوٍ مُجْتَلَبٍ وَلَا خَلَلٍ شَائِنٍ قَوْلُ الأَعْشَى فِيْمَا اقْتَصَّهُ مِنْ خَبَرِ السَّمَوْءَلِ وَالأدرع الَّتِي أَودَعَهُ إِيَّاهَا امْرُؤُ القَيْسِ عِنْدَ قَصْدِهِ قَيْصَرَ وَوَفَاءِ السَّمَوْءَلِ بِهَا حَتَّى سَلمَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى أَهْلِهِ وَبَذَل دُوْنهَا تَعِسَ وَلَدِهِ حَتَّى قُتِلَ صَبْرًا بِحَضرَتِهِ وَهِيَ:
كُنْ كَالسَّمَوْءَلِ إِذْ طَافَ الهُمَامُ بِهِ ... فِي جحْفَلٍ كَسَوَادِ اللَّيْلِ جَرَّارِ
بِالأَبْلَقِ الفَرْدِ مِنْ تَيْمَاءَ مَنْزلُهُ ... حصنٌ حَصِيْنٌ وَجَارٌ غَيْرُ غَدَّارِ
إِذَا سَامَهُ خطَّتَي خَسَفٍ فَقَالَ لَهُ ... مهما تَقُلْهُ فَإِنِّي لسَامِعٌ حَارِ
فَقَالَ غَدْرٌ وَثَكْلٌ أَنْتَ بَيْنَهُمَا ... فَاخْتَرْ وَمَا فِيْهُمَا خَطٌّ لِمُخْتَارِ
فَشَكَّ غَيْرَ طَوِيْلٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ ... اقْتُلْ أَسِيْرَكَ إِنِّي مَانِعٌ جَارِي
إِنَّ لَهُ خَلَفًا إِنْ كُنْتَ قَاتِلَهُ ... وَإِنْ قَتَلْتَ كَرِيْمًا غَيْرَ عُوَّارِ
مَالًا كَثيْرًا وَعِرْضًا غَيْرَ ذِي دَنَسٍ ... وَإِخْوَةً مِثْلَهُ لَيْسُوا بِأَشْرَارِ =
(1/296)

وَكَقَوْلِ عُمَر بن أَبِي رَبِيْعَةَ المَخْزُوْمِيِّ (1): [من الطويل]
وَلَمَّا تَفَاوَضْنَا الحَدِيْثَ وَأَسْفَرَتْ ... وُجُوْهٌ زَهَاهَا الحُسْنُ أَنْ تَتَبَرْقَعَا
تَبَالَهْنَ بِالعِرْفَانِ لَمَّا رَأَيْنَنِي ... وَقُلْنَ امْرُؤٌ بَاغٍ أكَلَّ وَأوْضَعَا
وَقَرَّبْنَ أَسْبَابَ الهَوَى لِمُتَيَّمٍ ... يَقِيْسُ ذِرَاعًا كُلَّمَا قِسْنَ إصْبَعَا (2)
فَقُلْتُ لِمُطْرِيْهِنَّ: وَيْحَكَ إِنَّمَا ... ضَرَرْتَ فَهَل تَسْطِيْعُ نَفْعًا فَتَنْفَعَا؟
وَكَثيْرٌ مِنْ هَذَا البَابِ. وَإِنَّمَا نُوْرِدُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى نَوْعِهِ. وَهَذَا المِقْدَارُ كَافِ
__________
= جَرُوا عَلَى أَدَبٍ مِنِّي بِلَا نَزَقٍ ... وَلَا إِذَا شَمَّرَت حَرْبٌ بِأَغْمَارِ
وَسَوْفَ تُخْلِفُهُ إِنْ كُنْتَ قَاتِلَهُ ... رَبٌّ كَرِيْمٌ وَبِيْضٌ ذَاتَ إِظْهَارِ
لَا سِرُّهُنَّ لَدَيْنَا ضَائِعٌ مَذِقٌ ... وَكَاتِمَاتٌ إِذَا استُوْدِعْنَ أَسْرَارِي
فَقَالَ تَقْدِمَةً إِذْ قَامَ يَقْتلهُ ... أَشْرِفْ سَمَوْءَلَ فَانْظُر لِلدّمِ الجَّارِي
أَأَقْتُلُ ابْنكَ صبْرًا أَوْ يَجِيْءُ بِهَا ... طَوْعًا فَأنْكرُ هَذَا أَيُّ إِنْكَارِ
فَشَلَّ أَوْدَاجَهُ وَالصَّدْرُ فِي مَضَضٍ ... عَلَيْهِ مُنْطَوِيًا كَاللِّذْعِ بِنذَارِ
وَاخْتَارَ أَدْرَاعَهُ أَنْ لَا يُسَبَّ بِهَا ... وَلَكم يَكُنْ عَهْدُهُ فِيْهَا بِخَتَّارِ
وقاتل لَا يَشْتَرِي عَارًا بِمَكْرُمَةٍ ... وَاخْتَارَ مَكْرُمَةَ الدُّنْيَا عَلَى العَارِ
وَالصَّبْرُ مِنْهُ قَدِيْمًا شِيمة خُلُقٌ ... وَزنْدُهُ فِي الوَفَاءِ الثَّاقِبُ الوَارِي (1)
فَانْظُر إِلَى قَوْلِهِ أَأَقْتلُ ابْنَكَ صَبْرًا أَوْ تَجِيْءُ بِهَا فَأَضْمَر الادْرَاعَ الَّتِي أَوْدَعَهُ امْرُؤُ القَيْسِ ثُمَّ أَظْهَرَهَا فِي قَوْلِهِ وَاخْتَارَ أَدْرَاعُهُ أَلَّا يُسَبُّ بِهَا فَتَلَاقَى فِي ذَلِكَ الخَلَلَ بِهَذَا الشَّرْحِ فَاسْتَغْنَى سَامِعُ الأَبْيَاتِ عَنِ اسْتِمَاعِ القِصَّةِ لاشْتِمَالِهَا عَلَى الخَبَرِ كُلِّهِ بِأَوجَزِ لَفْظٍ وَأَحْسَنِ عِبَارَةٍ وَسِيَاقَةٍ.
(1) ديوانه ص 209 - 210.
(2) إِصْبَعٌ فِيْهَا لُغَاتٌ أَحدُهَا بِكَسْرِ الأَلِفِ وَفتحِ البَاءِ وَأُخْرَى بِضمِّ الأَلِفِ وَالبَاءِ وَأُخْرَى أُصْبُوعٌ بِالضَّمِّ عَلَى وَزْنِ فَعْلُوْلٍ وَإِنْ وَرَدَ غَيْرُ ذَلِكَ فَاللُّغَاتِ كَثِيْرَةٌ (2).
_______
(1) ديوان الأعشى ص 174.
(2) لسان العرب (صبع).
(1/297)

شَافٍ فِيْمَا أَرَدْنَا إيْرَادَهُ مِنْ أسْبَابِ الشِّعْرِ وَفُنُوْيهِ، وَيَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ الآنَ مَا يَخْتَصُّ بِالشَّاعِرِ، فَنَقُوْلُ:

وَلِلشَّاعِرِ أدَوَات لَا غِنَى لَهُ عَنْهَا (1).
وَمَتَى أَعْوَزَهُ شَيْء مِنْهَا، نَقَصَ شِعْرُهُ، وَانْحَطَّ قَدْرُهُ، وَكَانَ بَيْنَ الشُّعَرَاءِ كَمُبَارِزِ الأَبْطَالِ بِغَيْرِ سِلَاحِ، وَالغَادِي عَلَى الحَرْبِ بِلَا رِجَالٍ، وَلَا رِمَاحٍ.
قَالَ البَدِيْهِيُّ (2): [من الكامل]
وَأَرَى القَوَافِي لَا تُقَادُ مُطِيْعَةً ... إِلَّا إِلَى المُثْرِيْنَ مِنْ أدَوَاتِهَا
وَالطَّبْعُ لَيْسَ بِمُقْنِعٍ إِلَّا إِذَا ... حَصَلَتْ إضَافَتُهُ إِلَى آلَاتِهَا
وَطَبَقَاتُ الشُّعَرَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ مَرَاتِبهِم مِنَ الأدَوَاتِ وَالآلَاتِ. قَالَ الجَّاحِظُ: يُقَالُ لِلمُجيْدِ مِنَ الشُّعَرَاءِ: فَحْلٌ، وَلِمَن دُوْنَهُ مُفْلِقٌ، ثُمَّ شَاعِرٌ، ثُمَّ شُوَيْعِرٌ، ثُمَّ شُعْرُوْرٌ (3).
__________
(1) انظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 118 وما بعدها.
(2) محاضرات الأدباء 1/ 87.
(3) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الشُّعَرَاءِ أَرْبَعَة: شَاعِرٌ، وَشُوَيْعِرٌ، وَشَعْرُوْرٌ، وابن شعْرَه، وَأنْشَدَ (1):
الشُّعَرَاءُ فَاعْلَمَنَّ أَرْبَعَةٌ ... فَشَاعِرٌ يَجْرِي وَلَا يُجْرَى مَعَه
وَشَاعِرٌ يُشْعِرُ وَسْط المَجْمَعَه ... وَشَاعِرٌ يَقُوْلُ خَمِّرْ فِي دَعَه
وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تَصْفَعَه ... صَفْعًا حَثِيْثًا أَوْ تعُطُّ أَخْدَعَه
وَيُرْوَى: وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تَسْمَعَه.
وَيُقَالُ هُوَ رَابع الشُّعَرَاءِ. قَالَ (2):
يَا رَابِعَ الشُّعَرَاءِ فِيْمَ هَجَوْتَنِي ... أَحَسِبْتَ أنِّي مُفْحَمٌ لَا أَنْطِقُ
_______
(1) الموشح ص 550، العمدة 1/ 114، المزهر 2/ 490.
(2) الموشح ص 551، العمدة 1/ 115، المزهر 2/ 490.
(1/298)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قِيْلَ: جَاءَ شَعْرُوْرٌ إِلَى زُبَيْدَةَ فَمَدَحَهَا فَقَالَ (1):
أَزُبَيْدَةُ ابْنَةَ جَعْفَرٍ ... طُوْبَى لِزَائِرِكِ المُثَابِ
تَعْطِيْنَ مِنْ رِجْلَيْكِ مَا تعْطِي ... الأَكُفَّ مِنَ الرَّعَابِ
فَوَثَبَ إِلَيْهِ الخَدَمُ وَهَمُّوا بِضَرْبِهِ فَمَنَعَتْهُمُ وَقَالَتْ: إنَّهُ قَصَدَ مَدْحًا وَأَرَادَ مَا يَقُوْلُ النَّاسُ شَمَالِكِ أَجْوَدُ مِنْ يَمِيْنهِ وَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ الرَّجُلَ كَانَ أَبْلَغُ وَقَدْ حَمِدْنَا مَا نَوَاهُ وَإِنْ كَانَ أَسَاءَ فِيمَا أتاهُ.
وَمَدَحَ آخَرُ أَمِيْرًا فَقَالَ:
أَنْتَ الهُمَامُ الأَرْيَحِيُّ ... الوَاسِعُ بنُ الوَاسِعَة
فَقَالَ لَهُ الأَمِيْرُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتُهَا؟ فَقَالَ: قَدْ جَرَّبْتُهَا. فَقَالَ: أَسْوَأُ مِنْ شِعْرَكَ مَا أتيْتَ بِهِ مِنْ عِذْرِكَ (2).
وَوَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى أَمِيْرٍ يَمْدَحَهُ فَقَالَ:
لِمَنِ الدِّيَارُ كَأَنَّهَا قَفْرُ ... قَدْ لَاحَ فِي حِيْطَانِهَا البَعْرُ
إِنَّ الأَمِيْرَ يَكَادُ مِنْ كَرَمٍ ... أَنْ لَا يَكُوْنَ لأُمِّهِ بَضْرُ
فَقَالَ الأَمِيْرُ: يُعْطَى أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَقِيْلَ: إنَّهُ لَمْ يَجِدِ الشِّعْرَ. قَالَ: هَذَا مَدْحُهُ فَكَيْفَ هِجَاؤُهُ وإنَّ عِرضًا يُشْتَرَى مِنْهُ هَذَا المِقْدَارُ فَلَيْس بغَالٍ (3).
وَمِنَ المَدْحِ الَّذِي هُوَ بِالذَّمِّ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالمَدْحِ قَوْلُ أَبِي نُوَّاسٍ (4):
جَادَ بِالأَمْوَالِ حَتَّى ... حَسَبُوْهُ النَّاسُ حَمَقَا
_______
(1) الموشح ص 538، 567، المزهر 2/ 490.
(2) محاضرات الأدباء 1/ 92.
(3) الموشح ص 564.
(4) ديوانه ص 492.
(1/299)

فَأَوَّلُ مَا يَضْطَرُّ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ: الطَّبع وَالأدَبُ. فَالطَّبع: هُوَ رَأْسُ البضَاعَةِ، وَأَسَاسُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، وَهُوَ فِي الأَدِيْبِ كَالنَّجْدَةِ لِذِي السِّلَاحِ، فَفِقْدَانَ الأَدِيْبِ الطَّبع كَفِقْدَانِ ذِي السِّلَاحِ الشَّجَاعَةَ وَالنَّجْدَةَ، وَفِقْدَانُ صَاحِبِ الطَّبع الأَدَبَ كَفِقْدَانِ ذِي النَّجْدَةِ السِّلَاحَ وَالعُدَّةَ. وَلَا مَحْصُوْلَ لأَحَدِهِمَا دُوْنَ الآخَرِ، وَمَتَى أَحَاطَ الأَدِيْبُ بِطَرَفٍ مِنَ الأدَبِ، وَقَعَدَ بِهِ الطَّبع عَنْ إظْهَارِهِ، كَانَ وَالعَارِي مِنَ الأَدَبِ وَالعُطْلَ مِنَ المَعْرِفَةِ فِي نَظْمِ القَوَافِي سَوَاءً (1).
__________
= وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (1):
جَادَ بِالأَمْوَالِ حَتَّى ... قِيْلَ مَا هَذَا صحِيْحُ
فَذَكَرَ أَنَّهُ مَجْنُونٌ فِي حَالٍ وَأَحْمَقُ فِي حَالٍ أُخْرَى. وَتَبعَهُ أَبُو تَمَّام عَلَى حِذْقِهِ وَتَقَدُّمِهِ فَقَالَ (2):
مَا زَالَ يَهْذِي بِالمَكَارِمِ وَالعُلَى ... حَتَّى ظَننَّا أَنَّهُ مَحْمُوْمُ
فَهَذَا جَعَلَهُ مَحْموْمًا يَهْذِي وَكُلّ هَذَا مُسْتَقْبَح مُسْتَهْجَن قَرِيْبٌ مِنَ الذَّمِّ بِعِيْدٌ مِنَ المَدْحِ لَا يَحْسُنَ مِنْ مِثْلِ أَبُو نُوَّاسٍ وَأبِي تَمَّامٍ الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ.
(1) وَقالَ البَدِيْهِيُّ أَيْضًا فِي هَذَا المَعْنَى:
وَلِلنَّظْمِ آلَات مَتَى مَا تَجَمَّعَتْ ... لِمَنْ رَامَ قَوْلَ الشِّعْرِ كَانَ مُجِيْدَا
وَيُنْظَرُ إِلَيْهِ نَظَرًا خَفِيًّا قَوْلُ ابن حَاجِبٍ:
وَمَا الشِّعْرُ إِلَّا مُرَكَّب جَدُّ جَامِحٍ ... إِذَا لَمْ يَرُوْضهُ بِالتَّفَكُّرِ رَاكِبُهُ
البَدِيْهِيُّ أَيْضًا:
وَمُدَّعٍ رُتْبَةً فِي الشِّعْرِ قُلْتُ لَهُ ... عِنْدَ المِرَاسِ وَقَدْ زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ
حَاوَلْتَ نَزْحَ المَعَانِي مِنْ مَنَابِعِهَا ... وَمَا وَجَدْتُكَ بِالآلآتِ تَعْتَصِمُ
_______
(1) ديوانه ص 434.
(2) ديوانه 3/ 291.
(1/300)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= تَخْشَى الطِّعَانَ بِلَا رمْحٍ تَصوْلُ بِهِ ... فَكَيْفَ يَطعنُ مَنْ أَزْرَى بِهِ الجمَمُ
وَتَدَّعِي أَسْهُمًا بِالقَمْرِ فَائِزَةً ... وَأَنْتَ وَإِنْ كَانَ يَوْمًا مَيْسِرٌ بَرَمُ
شَانَ القَرِيْضَ أُنَاسٌ مَا يُسَاعِدُهُمْ ... فِي مَوْقِفٍ أَدَوَاتُ النَّظْمِ إِنْ نَظَمُوا
* * *

أَنْشَدَنِي السَّيِّدُ النَّقِيْبُ الطَّاهِرُ جَلَالَ الدِّيْنِ أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد المُصْطَفَى بن النَّقِيْبِ الطَّاهِرِ السَّعِيْدِ رَضِيّ الدِّيْنِ أَبِي القَسَمِ عَلِيّ بن مُوْسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد الطَّاوُوْسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الحمال الظَفْرِي مَنْسُوْبٌ إِلَى مَحَلّةِ الظّفْرِيَّةِ مِنْ بَغْدَادَ وَكَانَ أَمْيَالًا يعرفُ مِنَ الأَدَبِ شَيْئًا وَلَكِنْ كَانَتْ لَهُ قَرِيْحَةٌ جِيِّدَ وَطَبع حَسَنٌ فِي نَظمِ الشِّعْرِ وَسَبْكِهِ هُوَ مِنْ مَحَاسِنِ مَا سَمِعْتهُ فِي مَعْنَاهُ حَيْثُ يَقُوْلُ:
وَلَسْتُ بِعَارِفٍ خَطًّا وَنَحْوًا ... وَلَا لِي فِي العُرُوْضِ يَدٌ تُفِيْدُ
وَلَكِنِّي إِذَا مَا قُلْتُ شِعْرًا ... تَعَجَّبَ مِنْ فَصاحَتِهِ لَبِيْدُ
وَمِنْ مَحَاسِنِ تَشْبِيْهَاتِهِ قَوْلهُ يَصِفُ كَرَزَتهُ وَهُوَ مَا يُوْطِئُهُ الجَّمَّالُوْنَ عَلَى قَفْيِهِمْ لِلْحَمْلِ:
ولي كَرَزْنٌ مِنْ خَفِيْفِ المتَاعِ ... أَعْدَدْتهُ مِنْ أَذَى الجمَلِ جُنَّهْ
لَطِيْفٌ حَكَى الغَانِيَاتِ إِذَا ... مَا المَوَاشِطِ زَيّنهنَه
الحَدِيْثُ ذِي شُجُوْنٍ ذكرت بِقَوْلِ هَذَا الشَّيْخِ أَحْمَدَ أَبْيَاتًا لِلأَمِيْرِ تَمِيْمُ بن مَعْدُّ بن المَعَزّ لِدِيْنِ اللَّهِ يَمْدَحُ العَزِيْز عَلَى هَذِهِ القَافِيَةِ وَهَذَا العُرُوْضِ وَالرّوْيِ وَهِيَ قَصِيْدَةٌ حَسَنَةٌ أَوَّلُهَا (1):
أسرب مَهًا عَنَّ أُمْ سِرْبُ جَنَّةٍ ... حَكَمِتِنَّهُنَّ وَلَستنَّ هُنَّه
أَأَنْتُنَّ نَجْمُ ذَا الجوَ ... أمُ بُرُوْجِ النُّجُوْمُ جَلَا بَيْنَكنَّه
إِذَا رُمْنَ وَصْلًا فَسُلْطَانُهُنَّ ... عَلَيْنَا مُلَاحِظ أَجْفَانَهُنَّه =
_______
(1) ديوانه ص 441.
(1/301)

وَيَتْلُوهُمَا.
__________
= قَيَا مَا أُعَيْذَبُ ألْفَاظَهُنَّ ... ويا أُمَيْلَحُ أَلْحَاظَهُنَّه
بَرَزَتْ لنَا عَطِرَاتِ الجيُوْبِ ... بِسَفحِ العِرَاقِ وَوَادِي يونَّه
فَعَطَّرْنَ مِنْ رِيْحَهِنَّ ... وَأَبْدَيْنَ منْ لَوْعَتِي المُسْتَكِنَّه
نَوَاعِمُ لَا يَسْتَطِعْنَ النُهُوْضَ ... إِذَا قُمْنَ مِنُ ثَقْلِ أَرْدَافِهِنَّه
حَسُنَّ كَحُسْنِ لَيَالِي العَزِيْزِ ... وَجِئْنَ بِبَهْجَةِ أَيَامِهِنَّه
إِمَامٌ يَصنَّ عَلَى عِرضِهِ ... وَلَا يَعْتَرِيْهِ عَلَى المَالِ ضِنَّه
فَسَل - قَطّ أَرْمَاحهُ بِدَمِ ... العِدَى غَيْرُ حِمْرِ الأَسِنَّه
وَسَلْ هَلْ ثَوَتْ قَطُّ أَمْوَالهُ ... وَأَمْسَيْنَ فِي جُوْدِهِ مُطْمَئِنَّه
كِلَى رَاحَتَيْهِ نَدًى أَوْ رَدًى ... كَأَنَّكَ لِلنَّاسِ نَارٌ وَجَنَّه
حَمَيْتَ الخِلَافَةَ مَنْعَ الأُسُوْدِ ... إِذَا مَا غَضبْنَ لأَشْبَالِهِنَّه
وَأَمْضَيْتَ عَزْمكَ حَتَّى أَخَذْتَ ... بِهِ فِي بُطُوْنِ النِّسَاءِ الأَجِنَّه
وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ تجل المُعِزّ ... لِعَبْدِكَ بِالحَقِّ لَا بِالمَظِنَّه
رَأَى الخَيْرَ مَنْ أَضْمَرَ الخَيْرَ فِيْكَ ... وَعُوْقِبَ بِالشَّرِّ مَنْ قَدْ أكنَّه
* * *

أَنْشَدَ أَبُو علي للرستمي (1):
قَوَافٍ إِذَا مَا قَرَاهَا المَشُوْقُ ... فَهَزَّتْ لَهَا الغَانِيَاتُ القُدُوْدَا
كَسَوْنَ عَبِيْدًا لِبَاسَ العَبِيْدِ ... وَأَضحَى لَبِيْدُ لَدَيْهَا بَلِيْدَا
وَلأَبِي العَبَّاسِ أَحْمَد بن مُحَمَّد التامي يَصِفُ شِعْرهُ (2):
وَشِعْرٍ لَوْ عَبِيْدُ الشِّعْرِ أَصْغَى ... إِلَيْهِ لَظَلَّ عَبْد أَبِي عَبِيْدُ
كَأَنَّ لِفِكْرِهِ نشرَ ابن حَجْرٍ ... وَنودي مِنْ حَفِيْرَتِهِ لَبِيْدُ
_______
(1) يتيمة الدهر 3/ 319.
(2) ديوانه ص 56.
(1/302)

أَقْسَامُ الأَدَبِ
فَمِنْ ذَلِكَ:
النَّحْوُ الَّذِي هُوَ قَوَامُ اللِّسَانِ، وَمِيْزَانُ البَيَانِ وَرَوْنَقُ الإِشَارَةِ، وَزِيْنَةُ النُّطْقِ وَالعِبَارَةِ، وَالفَاصِلُ بَيْنَ الوَصْلِ وَالقَطْعِ، وَالفَارِقُ بَيْنَ التَّسْكِيْنِ وَالنَّصْبِ وَالخَفْضِ والرَّفْعِ، وَمُمَيِّزُ المَبْنِيِّ مِنَ المُنْصَرِفِ، وَذَوَات اليَاءِ مِنْ ذَوَاتِ الأَلِفِ، وَمُهَذِّبُ اللَّفْظِ بِالإِعْرَابِ، وَمُسَدِّدُ القَوْلِ بِالصَّوَاب.
وَلُغَةُ العَرَبِ الَّتِي لَا يَسْتَقِيْمُ الشِّعْرُ إِلَّا بِهَا، فَهِيَ مَادَّةُ الشَّاعِرِ، وَإِلَيْهَا مَآلُهُ، وبِهَا يَتَّسِعُ مَجَالُهُ وَيَتَّصِلُ مَقَالُهُ.
وَالتَّصْرِيْفُ الَّذِي هُوَ تَفْصيْلُ الجُمْلَةِ، وَحَلُّ الشُّكْلَةِ.
وَالعَرُوْضُ، لِيَعْرِفَ بِهِ مَوْزُوْنَ الشِّعْرِ مِنْ مَخْرُوْمِهِ، وَخَارِجُهُ مِنْ مَطْبُوْعِهِ.
ثُمَّ الإكْثَارُ مِنْ حَفْظِ الأشْعَارِ؛ لِيَكُوْن لَهُ حُجَّةً عِنْدَ الجدَالِ، وَشَاهِدًا فِي سَائِرِ الأحْوَالِ.
وَالأُنْسُ بِالسِّيَرِ وَالأَمْثَالِ.
وَمَعْرِفَةُ أقرارِ الرِّجَال.
وَصِحَّةُ الانْتِقَادِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ البَصيْرَةِ كَالمِصْبَاحِ الوَقَّادِ، والجذْوَةِ مِنَ الزِّنَادِ.
وَالتَّمْيِيْزُ بَيْنَ المَدْحِ وَالشُّكْرِ.
وَالفَصْلُ بَيْنَ الهَجْوِ وَالذَّمِّ.
وَالتَّرْجِيْحُ بَيْنَ اللَّوْمِ وَالعَتَبِ.
وَالبَوْنُ بَيْنَ الوَلَعِ وَالهَمْزِ.
وَالفَرْقُ بَيْنَ الهَزِّ وَالاسْتِزَادَةِ.
وَالتَّقَارُبُ بَيْنَ التَّنَصُّلِ وَالاعْتِذَارِ
وَالتَّصَارُفُ بَيْنَ التَّقَاضِي وَالإِذْكَارِ.
(1/303)

وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ أَنْوَاعِ السَّرِقَاتِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ شَتَّى مُخْتَلِفَات عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ ضُرُوْبٍ. وَسَيَأتِي ذِكْرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا مُفَصَّلًا إِنْ شَاء اللَّهُ. وَبَاقِي المَجَازَاتِ، وَهِيَ أَيْضًا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عِدَّةِ صُنُوفٍ.

فَأَمَّا صِحَّةُ الانْتِقَادِ:
فَإِنَّهَا صِنَاعَةٌ وغَيْرُ نَظْمِ صَنْعَةِ الشِّعْرِ، وَهِيَ أصْعَبُ مِنْهُ، فَقَدْ قِيْلَ: إِنَّ نَقْدَ الشِّعْرِ أَشَدُّ مِنْ قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ، وَقَدْ يَسْتَسْهِلُهُ جَاهِلٌ بِعَمِلِهِ، وَمَغْرُوْرٌ بِمُطَاوَعَةِ طَبْعِهِ فِي نَظْمِهِ، مُعْتَقِدًا أَنَّ كُلَّ نَظْمٍ شعْرٌ، أَوْ كُلَّ نَاظِمٍ شَاعِرٌ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ الشِّعْرَ مَا دَخَلَ الأُذْنَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَأَنَّ الشَّاعِرَ مَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الفَضَائِلُ إِلَى أشْيَاءَ مِمَّا يُنَاسِبُهَا (1)، كَمَا يَسْتَسْهِلُ نَظْمَ الشِّعْرِ الَّذِي قَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ وَالبُلَغَاءُ، وَالفُضَلَاءُ
__________
(1) أَبُو أَحْمَدَ المُنَجِّمُ (1):
رُبَّ شِعْرٍ نَقَدْتُهُ مِثْلُ مَا ... يُنْقِذُ رَأْسِ الصَّيَارِفِ الدِّيْنَارَا
ثُمَّ أَرْسَلْتُهُ فَكَانَتْ مَعَانِ ... يْهِ وَأَلْفَاظُهُ مَعًا أَبْكَارَا
لَوْ تَأَتَّى لِقَالَةِ الشِّعْرِ مَا ... أَسْقَطَ مِنْهُ حَلُّوا بِهِ الأَشْعَارَا
إِنَّ خَيْرَ الكَلَامِ مَا يَسْتَعِيْرُ النَّ ... اسُ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعَارَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الأَهْوَازِيّ (2):
يَعِيْبُ الأَحْمَقُ المَغْرُوْرُ شِعْرِي ... وَهَجْوِي فِي بَلَادَتِهِ يَسِيْرُ
وَيَزْعُمُ أَنَّهُ نُقَّادُ شِعْرٍ ... هُوَ الحَادِي وَلَيْسَ لَهُ بَعِيْرُ
آخَرُ (3):
قَدْ عَرَفْنَاكَ بِاخْتِيَارِكَ إِذْ كَانَ ... دَلِيْلًا عَلَى اللَّبِيْبِ اخْتِيَارُه
_______
(1) الكشف عن مساوئ المتنبي ضمن كتاب الإبانة عن سرقات المتنبي ص 245، محاضرات الأدباء 1/ 93، العمدة 2/ 105.
(2) الكشف عن مساوئ المتنبي ص 245.
(3) محاضرات الأدباء 1/ 93.
(1/304)

وَالأُدَبَاءُ عَلَى اسْتِصْعَابِهِ، حَتَّى لَقَدْ كَانَ الفُحُوْلُ مِنَ الشُّعَرَاءِ يَنْظِمُ أحَدُهُمُ القَصِيْدَةَ فِي سَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَيَفْتَخِرُ بِذَلِكَ، وَيَمُنُّ بِهِ عَلَى المَمْدُوْحِ، فَيَقُوْلُ: جئْتُكَ بِبِنْتِ حَوْلهَا، وَهَذِهِ مِنَ الحَوْليِّ المُنَقَّحِ. وَلِذَلِكَ قِيْلَ: حَوْليَّاتُ زُهَيْرٍ؛ لأَنَّ كُلَّ قَصِيْدَةٍ نَظَمَهَا فِي حَوْلٍ كَامِلٍ. فَمَثَلُ الشَّاعِرِ كَحَائِكِ الثَّوْبِ، يَعْلَمُ مِقْدَارَ مَا دَخَلَهُ مِنَ المَغْزُوْلِ، وَمِقْدَارَ الغَرَامَةِ عَلَيْهِ، وَيَعْرِفُ طُوْلَهُ وَعَرْضَهُ، وَمُدَّة عَمَلِهِ (1). وَنَاقِدُ
__________
= آخَرُ:
وإذَا حَكَمْتَ عَلَى القَرِيْضِ وَأَهْلِهِ ... نَفَذَ القَضَاءُ وَسَلَّمَ الحُكَّامُ
قَالَ أَبُو عَمْرُو بن العَلَاءِ: انْتِقَادُ الشِّعْرِ أَشَدُّ مِنْ نَظْمِهِ وَاخْتِيَارُ الرَّجُلِ الشِّعْرَ قِطْعَةٌ مِنْ عَقْلِهِ.
(1) أَخْبَرَ رُوَاةُ الشّعرِ عَنْ أَبِي دِهبَلٍ الجُمْحِيّ، قَالَ: قُلْتُ:
وَإنَّ شُكْركَ عِنْدِي لَا انْقِضَاءَ لَهُ
ثُمَّ أُرْتِجَ عَلَى النِّصْفِ الأَخِيْرِ فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ حَوْلَيْنِ ثُمَّ سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ يَذْكِرُ لُبْنَانَ. قُلْتُ: وَمَا لُبْنَانَ؟ فَقَالَ: جَبَلٌ بِالشَّامِ فَفُتِحَ عَلَيَّ فَقُلْتُ:
وَإنَّ شُكْرَكَ عِنْدِي لَا انْقِضَاءَ لَهُ ... مَا دَامَ بِالجزْعِ مِنْ لُبْنَانَ جَلْمُوْدِ (1)
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي تَمَّامٍ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: وأَحْسَنُ مِنْ رَوْضٍ يُفتّحُهُ الصِّبَا ثُمَّ وَقَفَ خَاطِرُهُ فَلَمْ يَخْطِرُ وَأَخْلَفَتْ أَخْلَافُ فِكْرِهِ فَلَمْ تُمْطِرُ حَتَّى سَمِعَ قَائِلًا يَقُوْلُ نَوِّرُوا بِبِيْضِ عَطَايَاكُم سَوَادِ مَطَالِبِنَا فَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ (2):
وَأَحْسَنُ مِنْ رَوْضٍ يُفتِّحُهُ الصِّبَا ... بِيَاضُ العَطَايَا فِي سَوَادِ المَطَالِبِ
وَأَخْبَرَ الحَاتِمِيُّ عَنْ عَلِيّ بن هَارُوْنِ المُنَجِّمِ يَرْفَعَهُ إِلَى إِسْمَاعِيْل بن جَعْفَر مَوْلَى خُزَاعَةَ الفَقِيْهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ مَرَرْتُ بِابْنِ هَرمَةَ جَالِسًا عَلَى دُكَّانٍ لِبَني زُرَيْقٍ فَقُلْتُ: مَا أَقْعَدَكَ هَاهُنَا يَا أَبَا إسْحَقَ؟ فَقَالَ قُلْتُ:
_______
(1) ديوان أبي دهبل ص 104.
(2) ديوانه (شاهين) ص 42.
(1/305)

الشِّعْرِ كَالبَزَّازِ الَّذِي يَبِيع الثَّوْبَ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فَهُوَ لِكَثرَةِ مُلَابَسَتِهِ للثِّيَابِ، وَمُدَاوَمَةِ بَيْعِهِ لَهَا وَمقَايَسَةِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ يَعْرِفُ مِنْهَا الرَّفِيع مِنَ الغَلِيْظِ، وَالرَّسْمِيَّ مِنَ الاسْتِعْمَالِ، وِالَّذِي لَهُ بَقَاءٌ عَلَى الكَدَّ مِنَ الَّذِي لَا بَقَاءَ لَهُ. فَصنَاعَةُ البَزَّازِ غَيْرُ صِنَاعَةِ الحَائِكِ، وَكَذَلِكَ صَنْعَةُ نَقْدِ الشِّعرِ غَيْرُ صَنْعَةِ نَظْمِهِ.
وَمَا زَالَ الشُّعَرَاءُ مِنَ الجَّاهِلِيَّةِ وَالمُخَضْرَمِيْنَ وَالإْسْلَامِيِّيْنَ يَنْتَقِدُ عَلَيْهِمْ الفُضَلَاءُ أَشْعَارَهُمْ الَّتِي اسْتَرَقُّوا أَلْفَاظَهَا، وَاسْتَعْذَبُوا شَرْبَهَا، وَابْتَدَعُوا مَعَانِيْهَا، فَيُظْهِرُوْنَ فِيْهَا مِنْ قُصُوْرِ اللَّفْظِ عَنِ المَعْنَى ونُقْصان المعنى عَنِ الكَمَالِ مَا لَوْ سَمِعَهُ الشَّاعِرُ لَخَفَّ وَزْنُهُ عِنْدَ نَفْسِهِ بَعْدَ الإِيْفَاءِ، وَخَجِلَ لِمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ
__________
= فَإِنَّكَ وَاطِّرَاحَكَ وَصلُ سُعْدَى ... لأُخْرَى فِي مَوَدَّتِهَا نُكُوْبُ
ثُمَّ قُطِعَ بِي فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَجُوْزَهُ فَمَرَّتْ بِي وَصِيْفَةٌ لِلحَيِّ قَدْ ثَقَبَتْ أُذْنَيْهَا وَفِيْهُمَا خُيُوْطُ عَهْنٍ وَقَدْ فَاحَتَا فَذرَّتْ عَلِيْهُمَا آسًا فَقُلْتُ لَهَا: مَالَكِ وَيْحَكِ يَا فُلَانَةُ؟ فَقَالَتْ: ثَقَبْتُ أُذْنيَّ لِعُرْسِ بَنِي فُلَانٍ. فَقُلْتُ: أَلَكِ شُنُوْفٌ؟ فَقَالَتْ: لَا وَلَكِنِّي اسْتَعَرْتُهَا. قَالَ فَقُلْتُ:
كَثَاقِبَةٍ لِحَلْيٍ مُسْتَعَارٍ ... لأُذْنَيْهَا فَشَانَهُمَا الثُّقُوْبُ
فَأَدَّتْ حَلْي جَارَتِهَا إِلَيْهَا ... وَقَدْ بَقِيَتْ لأُذْنَيْهَا نُدُوْبُ (1)
وَحَكَى أَبُو يُوْسُفَ عَنْ أَبي نَصْرٍ أَنَّ ذَا الرُّمَّةِ لَمَّا عَمِلَ بَيْتَهُ فَقَالَ:
(كَحْلَاءَ فِي بَرَجٍ صفْرَاءَ فِي نَعَجٍ) أَرْتَجَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ نَعَجٍ مدَّةَ سَنَةٍ حَتَّى مَرَّ عَلَى صَائِغٍ يُشْرِبُ فِضَّةً بِذهَبٍ فَقَالَ:
كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ (2).
ثُمَّ أَتَمَّ القَصِيْدَةَ بَعْدَ ذَلِكَ.
النَّعَجُ: البَيَاضُ، وَالدَّعَجُ: السَّوَادُ.
_______
(1) البيتان لابن هرمة في ديوانه ص 69.
(2) ديوان ذي الرمة 1/ 34.
(1/306)

الخُيَلَاءِ (1). وَأوَّلُ مَنِ انْتُقِدَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ، وَرُدَّ عَلَيْهِ امْرُؤُ القَيْسِ بن حُجْرٍ فِي
__________
(1) قِيْلَ: أَنْشَدَ الكَمِيْتُ بن زَيْدٍ نَصِيْبًا فَاسْتَمَعَ لَهُ فَكَانَ فِيْمَا أَنْشَدَهُ (1):
وَقَدْ رَأَيْنَا بِهَا حُوْرًا مُنَعّمَةً ... بِيْضًا تَكَامَلَ فِيْهَا الدّلُّ وَالشَّنَبُ
فَثَنَى نَصيْبُ خُنْصرَهُ فَقَالَ الكَمِيْتُ: مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: أحْصِي خَطَأَكَ إِنَّكَ تَبَاعَدْتَ فِي قَوْلكَ تَكَامَلَ فِيْهَا الدّلُّ وَالشَّنَبُ هَلَّا قُلْتَ كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ (2):
لَميَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لِعَسٌ ... وَفِي اللّثَاثِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ
ثُمَّ أَنْشَدَهُ فِي أُخْرَى (3):
كَأَنَّ الغُطَامِطُ مِنْ جَرْيِهَا ... أَرَاجِيْزُ أَسْلَمَ تَهْجُو غِفَارَا
فَقَالَ لَهُ نَصِيْبٌ: مَا هَجَتْ أَسْلَمُ فَاسْتَحِيَا الكَمِيْتُ فَسَكَتَ وَالَّذِي عَابَهُ نَصِيْبٌ قَوْلهُ:
تَكَامَلَ فِيْهَا الدّلّ وَالشَّنَبُ.
قَبِيْح جِدًّا وَذَلِكَ إِنَّ الكَلَامَ لَمْ يَجِئ عَلَى نَظْمٍ وَلَا وَقَعَ إِلَى جَانِبِ الكَلِمَةِ مَا يُشَاكِلهَا (4).
وَمِمَّا قَدْ وَقَعَ فِيْهِ كَثيْرٌ مِنْ فُضَلَاءِ الشُّعَرَاءِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الهَاءَ فِي صِلَةٌ فِي القَافِيَةِ كَالهَاءِ الَّتِي هِيَ مِنْ نَفْسِ الكَلِمَةِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ العُلَمَاءِ سَامَحَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَكَثِيْرًا مَا يَسْقِطُ الشُّعَرَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّوْعِ.
قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ (5):
أَنَا بِالوشَاةِ إِذَا ذَكَرْتُكِ أَشبَهُ ... يَأَتِي النّدَى وَيُذَاعُ عَنْكِ فتكَرَهُ
_______
(1) ديوان الكميت 1/ 93.
(2) ديوانه 1/ 32، أنظر: أمالي المرتضى 2/ 254 - 255.
(3) ديوان الكميت 1/ 195.
(4) أنظر: الموشح ص 204، أمالي المرتضى 2/ 254.
(5) ديوانه 2/ 91.
(1/307)

قَوْلِهِ (1): [من الطويل]
كَأنِّي لَمْ أَرْكَب جَوَادًا لِلَذَّةٍ ... وَلَمْ أتَبَطَّن كَاعِبًا ذَاتَ خِلْخَالِ
وَلَمْ أَسْبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ ... أَقُلْ لِخَيْلِيَ: كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفَالِ
__________
= فَغَلطَ فِي التَّصْرِيْعِ وَسَمَحَ بِهَاءِ تَكْرَهُ فَصَيَّرَهَا صلَةً وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَفْسِ الكَلِمَةِ. وَقَدْ وَقَعَ ابن المُعْتَزِّ فِي مِثْلِ حالِ أَبُو الطَّيِّبِ فَقَالَ (1):
أَفْنَى العدَاةَ إِمَامٌ شَبَةٌ ... وَلَا يُرَى مِثْلهُ يَوْمًا وَلَا يَرَهُ
ضَارِ إِذَا انْقَضَّ لَمْ يَحْرِمْ مُخَايَلَةً ... مُسْتَوْفِر لأَتْبَاعِ الحَزْمِ مُنتبهِ
مَا يَحسنُ القَطْرُ أَنْ يَنْهَلَّ عَارِضُهُ ... كَمَا تَتَابَعَ أَيَّام الفتُوْحِ لهُ
وَوَقَعَ بَشَّارٌ عَلَى تَقَدّمهِ فِي مِثْلِ عِلَّتِهِمَا فَقَالَ (2):
اللَّهُ صَوَّرَهَا وَصَيَّرَهَا ... لَاقِيْكَ أَوْ لَمْ تَلْقهَا نُزَهَا
نَصْبًا لِعَيْنِكَ لَا تَرَى ... حُسْنًا إِلَّا ذَكَرْتَ بِهِ شَبَهَا
وَقَدْ رُوِيَ بَيْتُ بَشَّارٍ "نُزَهَا" بَالنُّوْنِ وَالزَّاءِ جَمْعُ نُزْهَةٍ وَلَا عَيْبَ فِيْهِ عَلَى هَذَا. وَمَعْنَى بَيْتُ أَبِي الطَّيِّبِ فِي قَوْلِهِ أَنَا بِالوشَاةِ إِذَا ذَكَرْتُكِ أَشْبَهُ.
يَقُوْلُ أَنَا أَنْشِرُ ذِكْرَ سَخَائِكَ وَأَنْتَ تُرِيْدُ طَيَّهُ فَكَأَنِّي مَضَادٌ لَكَ كَالوشَاةِ بِكَ.
قِيْلَ لَمَّا مَدَحَ مَرْوَانُ بن أَبي الجنوب المَأْمُوْن بِقَصِيْدَتِهِ الَّتِي يَقُوْلُ فِيْهَا:
تَشَاغَلَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَزِبْرجهَا ... وَأَنْتَ بِالدِّيْنِ عَنْ دُنِيَاكَ مُشْتَغِلُ
قَالَ لَهُ المَأْمُوْنُ: وَيْحَكَ مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ جَعَلْتَنِي عَجُوْزًا فِي مِحْرَابِهَا بِيَدِهَا سُبحْتَهَا هَلَّا قُلْتَ كَمَا قَالَ جَرِيْرٌ فِي عَبْدِ العَزِيْزِ بن مَرْوَان (3):
ولا هُوَ فِي الدُّنْيَا مُضِيْعٌ نَصيْبَهُ ... وَلَا عَرضُ الدُّنْيَا عَنِ الدِّيْنِ شَاغِلُه
(1) ديوانه ص 35.
_______
(1) ديوان ابن المعتز 1/ 524.
(2) ديوانه 4/ 428.
(3) لجرير في ديوانه ص 435.
(1/308)

فَقِيْلَ إِنَّ امْرَئَ القَيْسِ لَمْ يُلَائِمْ بَيْنَ صُدُوْرِ شِعْرِهِ وَأعْجَازِهِ، وَقَدْ أَخْطَأَ مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَ. وَإِنَّمَا المُلَاءمَةُ لَوْ قَالَ:
كَأنِّي لَمْ أَرْكَب جَوَادًا وَلَمْ أَقُلْ ... لِخَيْلِيَ: كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفَالِ
وَلَمْ أَسْبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ لِلَذَّةٍ ... وَلَمْ أتَبَطَّن كَاعِبًا ذَاتَ خِلْخَالِ (1)
وَهَذَا نَقْدٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَقَوْلٌ لَا يَمَجُّهُ سَمَعُ سَامِعِهِ (2).
__________
(1) وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا أدْرَكَ عَلَى امْرِئِ القَيْسِ قَوْلهُ (1):
أَغَرَّكِ مِنِّي أَنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي ... وَأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ
فَقَالُوا إِذَا لَمْ يَعُزَّ مِثْلُ هَذَا فَمَا الَّذِي يَغِرُّ وَمَعْنَاهُ فِي هَذَا البَيْتِ يُنَاقِضُ مَعْنَى البَيْتِ قَبْلَهُ حَيْثُ يَقُوْلُ:
وَإِنْ كُنْتِ قَدْ سَاءَتْكِ مِنَي خَلِيْقَةٌ ... فَسَلِي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسَلِي
لأَنَّهُ ادَّعَى فِي هَذَا البَيْتِ أَنَّ فِيْهِ فَضْلًا لِلتَّجَلُّدِ وَقُوَّةً عَلَى الصَّبْرِ بِقَوْلهِ: فَسَلِي ثيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسَلِي وَزَعَمَ فِي البَيْتِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا مَحْمَلَ فِيْهِ لِلضَبْرِ وَلَا قُوَّة لَهُ عَلَى المَلَالِ وَالهَجْرِ بِقَوْلهِ: وَأَنَّكِ مَهْمَا تاْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ فَخَالَفَ بَيْنَ البَيْتَيْنِ فِي مَعْنَاهُمَا.
(2) وَمِمَّا انتقِدَ عَلَى المُتَلَمِّسِ قَوْلُهُ مِنْ قَصِيْدَتِهِ:
وَقَدْ أَتَنَاسَى الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ ... بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّةِ مُكْدِمِ
وَالصَّيْعَرِيَّةُ سِمَة لِلنُّوْقِ فَجَعَلَهَا لِلبَعِيْرِ، وَسَمِعَهُ طُرْفَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ يَنْشِدُ هَذَا البَيْتِ فَقَالَ: اسْتَنْوَقَ الجَّمَلُ، فَضَحِكَ النَّاسُ، وَسَارَتْ مَثَلًا.
وَمِمَّا انتقِدَ عَلَى لَبِيْدٍ قَوْلُهُ (2):
وَمَقَامٍ ضَيِّقٍ فَرَّجْتُهُ ... بِمَقَامِي وَلِسَانِي وَجَدل
لَوْ يَقُوْمُ الفِيْلُ أَوْ فِيَّالُهُ ... زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَامِي وَرَحَل
_______
(1) لم ترد في ديوانه (صادر).
(2) ديوانه ص 131.
(1/309)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَظَنَّ أَنَّ الفِيَّالَ أَقْوَى النَّاسِ، كَمَا أَنَّ الفِيْلَ أَقْوَى البَهَائِمِ.
قِيْلَ وَسَمِعَ بَشَّارٌ قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ (1):
ألَا إِنَّمَا لَيْلِي عَصَى خَيْزُرَانَةٍ ... إِذَا غَمَزُوْهَا بِالأَكُفِّ تَلِيْنُ
فَقَالَ بَشَّارٌ: جَعَلَهَا عَصَى خَيْزُرَانَةٍ فَوَاللَّهِ لَوْ جَعَلَهَا عَصَى زُبْدٍ لَهَجَّنَهَا بذكْرِهِ لِلْعَصَى ألَا قَالَ كَمَا قُلْتُ (2):
وَبَيَضَاءَ المَحَاجِرِ مِنْ مَعَدٍّ ... كَأَنَّ حَدِيْثَهَا قِطْعُ الجمَانِ
إِذَا قَامَتْ لِسَبْحَتِهَا تَثَنَّتْ ... كَأَنَّ عِظَامَهَا مِنْ خَيْزَرَانِ
وَدَخَل الرَّاجِزُ عَلَى الرَّشِيْدِ فَأَنْشَدَهُ فِي وَصفِ الفَرَسِ (3):
كَأَنَّ أُذْنَيْهِ إِذَا تَشَوَّفَا ... قَادِمَةً أَوْ قَلَمًا مُحَرَّفَا
فَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ لحنٌ وَلَمْ يِهْتَدِ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى إِصْلَاحِهِ إِلَّا الرَّشِيْدُ فَإِنَّهُ قَالَ: قُلْ أَحْسَبُ أُذْنَيْهِ إِذَا تَشَوَّفَا. البَيْتُ والرَّاجَزُ وَإِنْ كَانَ قَدْ لحَنَ فَإِنَّهُ أَصَابَ التَّشْبِيْهَ.
قِيْلَ وَدَخَلَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ عَلَى سَكِيْنَةَ بِنْت الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَتْ لَهُ: يَا ابنَ أَبِي جَعْدَةَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ فِي عَزَّةَ (4):
وَمَا رَوْضَةٌ بِالخَزْنِ طَيِّبَةُ الثَّرَى ... يَمجُّ النَّدَى وَعَرَارُهَا
بِأَطْيَبَ مِنْ أَرْدَانِ عَزَّةَ مَوْهِنًا ... وَقَدْ وَقِدَتْ بِالمنْدَلِ الرَّطْبِ نَارُهَا
وَيْلَكَ وَهَلْ عَلَى الأَرْضِ ذَنْجِيَّةٌ مُنْتِنَةُ الإِبْطَيْنِ تُوْقِدُ بِالمَنْدَلِ الرَّطْب نَارَهَا إِلَّا طَابَ رِيْحُهَا ألَا قُلْتَ كَمَا قَالَ عَمّكَ امْرُؤُ القَيْسِ (5):
_______
(1) لم يرد في ديوانه.
(2) ديوان بشار 4/ 22.
(3) للعماني الراجز في ديوان المعاني 1/ 36 - 37.
(4) ديوانه ص 109 - 110.
(5) ديوانه ص 41.
(1/310)

وَذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ الأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابِ الأَغَانِي الكَبيْرِ (1): أَنَّهُ أُنْشَدَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ الزَّيَّاتِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ (2): [من الطويل]
فَإِنَّكَ إِنْ تَهْجُو تَمِيْمًا وَتَرْتَشِي ... سَرَابِيْلَ قَيْسٍ أَوْ سَحُوْقَ العَمَائِمِ
كَمُهْرِيْقِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ وَغَرَّهُ ... سَرَابٌ أَثَارَتْهُ رِيَاحُ السَّمَائِمِ
فَقَالَ مُحَمَّدُ بنِ عَبْدِ المَلِكِ بَيْتَا الفَرَزْدَقِ هَذَانِ، وَبَيْتَا ابنِ هَرمَةَ احْتَاجَا إِلَى تَبْدِيْلِ
__________
= أَلَمْ تَر أنِّي كُلَّمَا جِئْتُ زَائِرًا ... وَجَدْتُ بِهَا طِيْبًا وَإِنْ لَمْ تَطَيَّبِ
* * *

وَأَقُوْلُ: رُبَّمَا غُلِطَ عَلَى الشُّعَرَاءِ فِي الأَخْذِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسُوا فِي شَيْءٍ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا أدْرِكَ عَلَى الشُّعَرَاءِ اسْتِعْمَالُ مَجَازٍ أَوْ تَوْجِيْهٍ وَلَكِنَّ أَصْحَابَ اللُّغَةِ رُبَّمَا غَلِطُوا عَلَيْهِمْ وَتَأَوَّلُوا غَيْرَ مَعَانِيْهِمْ الَّتِي ذَهَبُوا إِلَيْهَا فَمِنْ ذَلِكَ:
قَوْلُ سَيَبَويهِ وَاسْتَشْهَدَ بِبَيْتٍ فِي كِتَابِهِ فِي إِعْرَابِ الشَّيْءِ عَلَى المَعْنَى لَا عَلَى اللَّفْظِ وَأَخْطَأَ فِيْهِ وَهُوَ:
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأسْجِح ... فَلَسْنَا بِالجبَالِ وَلَا الحَدِيْدَا
هَكّذَا رَوَاهُ سَيَبَويهِ عَلَى النَّصْبِ وَزَعَمَ أَنَّ إِعْرَابَهُ عَلَى مَعْنَى الضَّمِيْرِ الَّذِي فِي لَيْسَ وَإِنَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ عَلَى الخَفْضِ وَالشِّعْرُ كُلّهُ مَخْفُوْضٌ فَأَيُّ ضرُوْرَةِ دَعَتْهُ إِلَى أَنْ يَنْصِبَ آخِرَ البَيْتِ وَيَحْتَالُ فِي إِعْرَابِهِ بِهَذِهِ الحِيْلَةِ السَّخِيْفَةِ وَالحِجَّةِ الضَّعِيْفَةِ وَإِنَّمَا الشِّعْرُ:
مُعَاوِيَ إِنّنَا بَشَرٌ فَاسْجِح ... فَلَسْنَا بِالجبَالِ وَلَا الحَدِيْدِ
أَكَلْتُمْ أَرْضنَا فَحَرَثْتُمُوْهَا ... فَهَلْ مِنْ قَائِمٍ أَوْ مِنْ حَصِيْدِ
أَتَطْمَعُ بِالخُلُوْدِ إِذَا هَلَكْنَا ... وَلَيْسَ لنَا وَلَا لَكَ مِنْ خُلُوْدِ (1)
(1) الأغاني 9/ 43 - 44.
(2) ديوانه 2/ 313.
_______
(1) انظر: كتاب سيبويه 1/ 34، شرح شواهد المغني للسيوطي ص 294.
(1/311)

بَعْضِهِمَا مِنْ بَعْضٍ؛ لَيَصِحَّ مَعْنَاهُمَا. قِيْلَ لَهُ: وَكِيْفَ؟ قَالَ: لأنَّ ابنَ هَرمَةَ يَقُوْلُ: [من المتقارب]
وَإنِّي وَتَرْكِي نَدَى الأَكْرَمِيْنَ ... وَقَدْحِي بِكَفِّي زِنَادًا شِحَاحَا
كَتَارِكَةٍ بَيْضَهَا بِالعَرَاءِ ... وَمُلْحِفَةٍ بَيْضَ أُخْرَى جَنَاحَا
فَلَو جَعَلَ بَيْتُ ابنِ هَرمَةَ الثَّانِي ثَانِي بَيْتِ الفَرَزْدَفِ، لَصَحَّ مَعْنَاهُمَا، وَرَاقَ نَظْمُهُمَا.
وَكَانَ الفَرَزْدَقُ يَقُوْلُ: [من الطويل]
فَإِنَّكَ إِنْ تَهْجُو تَمِيْمًا وَتَرْتَشِي ... سَرَابِيْلَ قَيْسٍ أَوْ سَحُوْفَ العَمَائِمِ
[في المتقارب]
كَتَارِكَةٍ بَيْضَهَا بِالعَرَاءِ ... وَمُلْحِفَةٍ بَيْضَ أُخْرَى جَنَاحَا (1)
وَكَانَ ابْنُ هَرمَةَ يَقُوْلُ (2):
وَإِنِّي وَتَرْكِي نَدَى الأَكْرَمِيْنَ ... وَقَدْحِي بِكَفِّي زِنَادًا شِحَاحَا
كَمُهْرِيْقِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ وَغَرَّهُ ... سَرَابٌ أَثَارَتْهُ رِيَاحُ السَّمَائِمِ
وَانْتَقِدَ عَلَى البُحْتُرِيِّ قَوْلُهُ فِي المَدْحِ (3): [من البسيط]
لِلشَّيْءِ وَقْتٌ وَإِبَّانٌ وَلَسْتَ تَرَى ... يَوْمًا لِنَائِلِهِ وَقْتًا وَإبَّانَا
وَقِيْلَ: هَذَا مَدْحٌ يَخْرُجُ فِي مَعْرِضِ الهِجَاءِ؛ لِنُقْصانِ لَفْظِ البَيْتِ عَنِ المَعْنَى المَطْلُوْبِ (4)؛ فَإنَّ البُحْتُرِيَّ قَصَدَ بِهَذَا القَوْلِ أَنَّ هَذَا المَمْدُوْحَ كُلُّ زَمَانِهِ مَقْصُوْرٌ عَلَى
__________
(1) هَذَا مِثْلُ قَوْلِ الآخَرِ:
كَانُوا كَتَارِكَةٍ بَنِيْهَا جَانِبًا سَفهًا ... وَغَيْرَهُمُ تَصُوْنُ وَتُرْضِعُ
(2) الأغاني 9/ 43 - 44.
(3) ديوانه 4/ 215.
(4) كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَأبُو عُثْمَانَ الخَالِدِيَّانِ مِنْ خَوَاصِّ شُعَرَاءِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ فَبَعَثَ إِلَيْهِمَا مَرَّةً =
(1/312)

النَّيْلِ وَالعَطَاءِ (1)، فَمَا لَهُ وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِالكَرَمِ فِيْهِ دُوْنَ وَقْتٍ، فَنَقَصَ لَفْظُ
__________
= وَصِيْفًا وَوَصِيْفَةً وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدْرَةٌ وَتَخْتٍ مِنْ ثِيَابِ مِصْرَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ قَصِيْدَةٍ طَوِيْلَةٍ:
لَمْ يَغْدُ شكْركَ فِي الخَلَائِقِ مُطْلَقًا ... إِلَّا وَمَالَكَ فِي النَّوَالِ حَبِيْسُ
خَوَّلْتنَا شَمْسًا وَبَدْرًا أَشْرَقَتْ ... بِهِمَا لَدَيْنَا الظِلْمَةُ الحنْدِيْسُ
رَشَاءٌ أَتَانَا وَهُوَ حُسْنًا يُوْسُفٌ ... وَغَزَالَةٌ هِيَ بَهجَةً بَلْقِيْسِ
هَذَا وَلَمْ تَقْنَعْ بِذَاكَ وَهَذِهِ ... حَتَّى بَعَثْتَ المَالَ وَهُوَ نَفِيْسُ
أَتَتِ الوَصِيْفَةُ وَهِيَ تَحْمِلُ بَدْرَةً ... وَأَتَى عَلَى ظَهْرِ الوَصِيْفِ الكِيسُ
وَبَرَّرَتَا مِمَّا أَجَادَتْ حَوْكَهُ ... مِصْرٌ وَزَادَتْ حُسْنَهُ تَنِّيْسُ
فَغَدَا لنَا مِنْ جُوْدِكَ المَأْكُوْلُ ... وَالمَشْرُوْبُ وَالمَنْكُوْحُ وَالمَلْبُوْسُ (1)
فَقَالَ لَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ: أَحْسَنْتَ إِلَّا فِي لَفْظَةِ "المَنْكُوْحُ" فَلَيْسَتْ مِمَّا يُخَاطَبُ بِهِ المُلُوْكُ وَهَذَا مِنْ عَجِيْبِ نَقْدِهِ.
(1) قِيْلَ: قَدُمَ عُمَرَ بن أَبِي رَبِيْعَةَ المَدِيْنَةَ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الأَحْوَصُ وَنَصيْبُ فَجَلِسُوا يَتَحَدَّثُوْنَ ثُمَّ سَأَلَهُمَا عَنْ كُثَيِّرٍ عزَّةَ فَقَالَا: هُوَ هَاهُنَا قَرِيْبًا. قَالَ: فَلَمَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ فَإلَّا هُوَ أَشَدُّ إِبَاءً مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَاذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ فَقَامُوا نَحْوَهُ فَأَلْفُوْهُ جَالِسًا فِي خَيْمَةٍ لَهُ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ لِلقُرْشِيّ وَلَا وَسَّعَ لَهُ فَجَلَسُوا إِلَيْهِ فَيَتَحَدَّثُوا سَاعَةً فَالْتفَتَ إِلَى عُمَرَ بن أَبِي رَبِيْعَةَ فَقَالَ: إِنَّكَ لَشَاعِرٌ لَوْلَا أَنَّكَ تُشَبِّبُ بِالمَرْأَةِ ثُمَّ تَدَعُهَا وَتُشَبِّبُ بِنَفْسِكَ. أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ (2):
ثُمَّ اسْبَطَرَتْ تَشْتّدُّ فِي إِثْرِي ... تَسْأَلُ أَهْلُ الطَّوَافِ عَنْ عُمَرِ
وَاللَّهِ لَوْ وَصَفْتَ بِهَذَا هِرَّةً لَكَانَ كَثِيْرًا ألَا قُلْتَ كَمَا قَالَ هَذَا يَعْنِي الأَحْوَصُ (3):
أَزُوْرُ وَلَوْلَا أَنْ أَرَى أُمَّ جَعْفَرٍ ... بِأَبْيَاتِكُمْ مَا زِرْتُ حَيْثُ أَزُوْرُ
_______
(1) ديوان الخالديين ص 162.
(2) ديوان عمر بن أبي ربيعة ص 198.
(3) ديوان الأحوص الأنصاري ص 125.
(1/313)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمَا كُنْتُ زَوَّارًا وَلَكِنْ ذَا الهَوَى ... إِذَا لَمْ يُزَرْ لَا بُدَّ أَنْ سَيَزُوْرُ
قَالَ: فَانْكَسَرَ عُمَرُ بنُ أَبي رَبِيْعَةَ وَدَخَلَتِ الأَحْوَصُ الأُبَّهَةُ قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتُّ إِلَى الأَحْوَصِ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ (1):
فَإنْ تَصلِي أَصِلْكِ وَإِنْ تَبِيْنِي ... بِهَجْرِكِ قَبْلَ وَصْلِكِ لَا أُبَالِى
أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ حُرًّا لَبَالَيْتَ أَلَا قُلْتَ كنا قَالَ هَذَا الأَسْوَدُ وَأَشَارَ إِلَى تَصَبُّبٍ:
بِزَيْنَب ألْمِمْ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ الرَّكْبُ ... وَقُلْ أَنْ طيْنَا فَمَا مَلَّكِ القَلْبُ
قَالَ: فَانْكَسَر الأَحْوَصُ وَدَخَلَتْ نَصِيْبًا الأَنْفَةُ ثم الْتفَتَ إِلَى نَصيْبٍ فَقَالَ أَخْبرْنِي عَنْ قَوْلِكَ:
أهِيْمُ بِدَعْدٍ مَا حَيِيْتُ وَإِنْ أَمُتْ ... فَوَاكَبِدِي مِمَّنْ يَهِيْمُ بِهَا بَعْدِي
أَهَمَّكَ وَيْحَكَ مَنْ يَفْعَلُ بهَا بَعْدَكَ فَقَالُوا اللَّه أَكْبَرُ قَدْ اسْتَوَتِ القِرْقَةُ قُوْمُوا بنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا (2).
الفُرْقَةُ هِيَ لِعْبَةٌ لَهُمْ عَلَى خُطُوْطٍ وَاسْتِوَاؤُهَا انْقِضاؤُهَا. قَالَ الطِّبْنُ السِّدَرُ فَإِذَا زِيْدَ فِي خُطُوْطِهِ سَمَّتْهُ العَرَبُ القِرْقَةُ وَالسِّدَرُ تُسَمِّيْهِ العَامَّةُ.
وَسَمَرَ عَبْدُ الَملِكِ ابْنُ مَرْوَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَعِنْدَهُ كُثَيِّرِ عزَّة فَقَالَ لَهُ: انْشُدْنِي بَعْض مَا قُلْتَ فِي عزَّةَ فَأَنْشَدَهُ حَتَّى أَتَى عَلَى هَذَا البَيْتِ (3):
هَمَمْتُ وَهَمَّتْ ثُمَّ هَابَتْ وَهِبْتُهَا ... حَيَاءً وَمِثْلِي بِالحَيَاءِ حَقِيْقُ
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ المَلِكِ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا بَيْتٌ أَنْشَدْتِنِيْهِ قَبْلَ هَذَا لَحَرَمْتُكَ جَائِزَتَكَ. قَالَ: وَلِمَ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ: لأَنَّكَ شَرَكْتهَا مَعَكَ فِي الهَيْبَةِ ثُمَّ أسْتَأْثَرْتَ بِالحَيَاءِ
_______
(1) ديوان الأحوص ص 186.
(2) العقد الفريد 5/ 372، الموشح ص 163.
(3) ديوان كثير (إحسان عباس) ص 505.
(1/314)

البَيْتِ عَنْ إتْمَامِ هَذَا المَعْنَى، وَصَارَ لَفْظًا تَامًّا فِي الهَجْوِ، كَوْنَهُ جَحَدَ أَنْ يَرَى لِنَائِلِهِ وَقْتًا فِي يَوْمٍ مِنَ الدَّهْرِ، كَمَا تُرَى الأَشْيَاءُ فِي أوْقَاتِهَا. وَأَخَذَ أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا المَعْنَى، وَجَاءَ بِهِ تَمَامًا فِي لَفْظٍ تَامٍ فَقَالَ (1): [من البسيط]
وَوَاهِبًا كُلَّ وَقْتٍ وَقْتَ نَائِلِهِ ... وَرُبَّمَا يَهَبُ الوَهَّابُ أَحْيَانَا (2)
__________
= دُوْنَهَا. قَالَ: فَأَيُّ بَيْتٍ عَفَوْتَ عَنِّي بِهِ يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ قَوْلُكُ (1):
دَعْوُنِي لَا أرِيْدُ بِهَا سِوَاهَا ... دَعْوُنِي هَائِمًا فِيْمَنْ تَهِيْمُ
(1) ديوان المتنبي 4/ 235.
(2) هَذَا البَيْتُ مِنْ جمْلَةِ أَبْيَاتٍ لأَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّيّ يَمْدَحُ بِهَا أَبَا سَهْلٍ سَعِيْدُ بن عَبْد اللَّهِ الأنْطَاكِيّ أَخَا القَاضِي مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ الخَصيْبِيّ قَاضِي أَنْطَاكِيَةَ وَكَانَ بَيْنَ أَبِي الطَّيِّبِ وَبَيْنَهُمَا مَوَدَّةً فَمِنْ مُسْتَحْسَنِهَا قَوْلهُ (2):
قَدْ كُنْتُ أَشْفِقُ مِنْ دَمْعِي عَلَى بَصَرِي ... فَاليَوْمَ كُلُّ عَزِيْزٍ بَعْدَكُمْ هَانَا
أَبْدُو فَيَسْجُدُ مَنْ بِالسُّوْءِ يَذْكرُنِي ... وَلَا أُعَاتِبُهُ صَفْحًا وَأَهْوَانَا
وَهَكَذَا كُنْتُ فِي أَهْلِي وَفِي وَطَنِي ... إِنَّ الشَّرِيْفَ عَزِيْزٌ حَيْثُمَا كَانَا
يَقُوْلُ فِي المَدْحِ مِنْهَا:
قَدْ شَرَّفَ اللَّهُ أَرْضًا أَنْتَ سَاكِنُهَا ... وَسَرَّفَ النَّاسَ إِذْ سَوَّاكَ إِنْسَانَا
إِنْ كُوْتِبُوا وَلقُوا وَحُوْرِبُوا وُجِدُوا ... وَفِي الخَطِّ وَاللَّفْظِ وَالهَيْجَاءِ فُرْسَانَا
وَوَاهِبًا كُلَّ وَقْتٍ. البَيْتُ
وَقَدْ أُخِذَ عَلَى أَبِي الطَّيِّبِ اسْتِفْتَاحَهُ قَصِيْدَةٍ فِي مَدْحِ مَلِكٍ يُرِيْدُ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا أَوَّلَ لِقْيَةٍ (3):
كَفَى بِكَ دَاءً أَنْ تَرَى المَوْتَ شَافِيًا ... وَحَسْبُ المَنَايَا أَنْ يُكنَّ أمَانيَا
_______
(1) العقد الفريد 5/ 374.
(2) ديوانه 4/ 222 - 223، 227، 231.
(3) ديوانه 4/ 281.
(1/315)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَفِي الابْتِدَاءِ يَذْكرُ الدَّاءَ وَالمَوْتَ وَالمَنَايَا مَا فِيْهِ مِنَ الطَّيْرَةِ الَّتِي يَنْفرُ مِنْهَا السُّوْقَةُ فَضْلًا عَنِ المُلُوْكِ. وَذَلِكَ كَمَا أَنْشَدَ أَبُو مُقَاتِلِ الدَّاعِيَّ وَمَدَحَهُ بِقَوْلهِ فِي يَوْمِ المَهْرَجَانِ (1):
لَا تَقُل بُشْرَى وَلَكِنْ بُشْرَيَانِ ... غُرَّةُ الدَّاعِي وَيَوْمُ المَهْرَجَانِ
فَإِنَّهُ نفرَ مِنْ قَوْلِهِ لَا تَقُلْ بُشْرَى أَشَدُّ نَفَارٍ.
وَمِمَّا أُخِذَ عَلَى المُتَنَبِّيّ قَوْلهُ لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ فِي التَّسْلِيَةِ عَنِ المُصِيْبَةِ (2):
لَا يُحْزِنُ اللَّهُ الأَمِيْرَ فَإِنَّنِي ... لآخِذٌ مِنْ حَالَاتِهِ بِنَصِيْبِ
قَالَ الصَّاحِبُ بن عبَّادٍ: لَا أَدْرِي لِمَ لَا يَحْزَن سَيْفُ الدَّوْلَةِ إِذْ أَخَذَ المُتَنَبِّيّ بنَصِيْبهِ مِنَ القَلَقِ (3)
وَمِمَّا أُخِذَ عَلَى المُتَنَبِّيّ أَيْضًا لَهُ (4):
لَوْ اسْتَطَعْتُ رَكِبْتُ النَّاسَ كُلّهُمُ ... إِلَى سَعِيْدِ بن عَبْد اللَّهِ بُعْرَانَا
قَالَ الصاحِبُ: وَمِنَ النَّاسِ أُمّهُ فَهَلْ يَنْشطُ لِرِكُوْبهَا المَمْدُوحُ لَعَلَّ لَهُ عُصْبَةً لَا يرِيْدُ أَنْ يَرْكبُوا إِلَيْهِ هَلْ فِي الأَرْضِ أَفْحَشُ مِنْ هَذَا التَّسَحُّبِ وَأَوْضَعُ مِنْ هَذَا التَّبَسُّطِ (5)؟
* * *

وَقَدْ أُخِذَ عَلَى أَبِي الطَّيِّبِ قَوْلهُ (6):
شَدِيْدُ البُعْدِ مِنْ شربِ الشمُوْلِ ... تَرَنْجِ الهِنْدُ أَوْ طَلْعُ البَخِيْلِ
_______
(1) الكشف عن مساوئ المتنجي ص 249 - 250.
(2) ديوان المتنجي 1/ 49.
(3) الكشف عن مساوئ المتنجي ص 255.
(4) ديوان المتنبي 4/ 224.
(5) الكشف عن مساوئ المتنجي ص 269.
(6) ديوانه 3/ 90.
(1/316)

فَالبُحْتُرِيُّ أَرَادَ هَذَا المَعْنَى فِي البَيْتِ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، وَلَمْ يَتَأَتَّ لَهُ، وَقَصَّرَ عَنْهُ، وَالمُتَنَبِّيّ جَاءَ بِهِ فِي نِصْفِ بَيْتٍ، وَاسْتَوْفَى المَعْنَى تَمَامًا، وَجَعَلُ نِصْفَهُ الآخَرَ مَثَلًا سَائِرًا، لِيُحْكِمَ بِهِ المَعْنَى (1).
__________
= الترنجُ: مِمَّا تَغْلِظُ فِيْهِ العامَّةُ وَإِنَّمَا المَعرُوْفُ عِنْدَ العَرَبِ الأترج.
قَالَ الصَّاحِبُ: لَا أَدْرِي الاسْتِهْلَالُ أَحْسَن أَم المَعْنَى أَبْدَعُ أَم قَوْلُ ترنج أَفْصَحُ (1).
(1) وَمِمَّا أُخِذَ عَلَى أَبُو الطيِّبِ المُتَنَبِّيّ تَكْرِيْرهُ اللَّفْظِ فِي البَيْتِ الوَاحِدِ من غير تَجْنِيْسٍ فِي قَوْلِهِ (2):
وَمِنَ جَاهِلٍ بي وَهُوَ يَجْهَلُ جَهْلَهُ ... وَيَجْهَلُ عِلْمِي أَنَّهُ بِي جَاهِلُ
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ القَصِيْدَةِ أَيْضًا (3):
فَقَلْقَلْتَ بِالهَمِّ الَّذِي قَلْقَلَ الحَشَا ... قَلَاقِلَ عَيْشٍ كُلُّهُنَّ قَلَاقِلُ
وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ فِي مَرْثِيَّةٍ (4):
وَأَفْجَعُ مِنْ فَقدَنَا مَنْ وَجَدْنَا ... قَبِيْلَ الفَقْدِ مَفْقُوْدَ المِثَالِ
قَالَ الصَّاحِبُ بن عَبَّادٍ: إِنِّي لأَظنُّ المصِيْبَةَ فِي الرَّاثِي أَعْظَمُ مِنْهَا فِي المَرْثِيَّ لَا سِيِّمَا وَقَدْ اتَّخَذَ هَذِهِ الطَّرِيْقَةِ فِي شِعْرِهِ دَيْدَناص، فَقَالَ -يَعْنِي- أَبَا الطَّيِّبِ (5):
عَظُمْتَ فَلَمَّا لَمْ تُكَلّمْ مَهَابَةً تَوَاضَعْتَ ... وَهُوَ العُظْمُ عُظْمًا عَنِ العُظْمِ
وَقَالَ أَبُو الطِّيِّبِ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ (6):
_______
(1) أنظر: الكشف عن مساوئ المتنبي ص 257.
(2) ديوانه 3/ 174 - 175.
(3) ديوانه 3/ 174 - 175.
(4) ديوانه 3/ 18.
(5) ديوان المتنبي 4/ 58.
(6) ديوانه 2/ 290.
(1/317)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَلَا الضِّعْفُ حَتَّى يَبْلُغَ الضِّعْفَ ضِعْفُهُ ... وَلَا ضِعْفُ ضِعْفِ الضِّعْفِ بَلْ مِثْلُهُ أَلْفُ
وَقَالَ (1):
وَكُلُّكُمْ أَتَى مَا أَتَى أِبيْهِ ... فَكُلُّ فعَالِ كُلّكُمْ عِجَابُ
وَقَالَ (2):
وَنَهْبُ نُفُوْسِ النَّهْبِ أَوْلَى ... بِأَهْلِ النَّهْبِ مِنْ نَهْبِ القمَاشِ
مَعَ أَنَّ قَوْلهُ: مِنْ نَهْبِ القمَاشِ كَلَامٌ رَكِيْكٌ يَشْبِهُ كَلَامَ السُّوْقَةِ.
وَقَالَ (3):
وَلَمْ أَرَ مِثْلَ جِيْرَانِي وَمِثْلِي ... لِمِثْلِي عِنْدَ مثْلَهُمُ مُقَامُ
وَقَالَ (4):
مَلُوْلَةٌ مَا يَدُوْمُ لَيْسَ ... لَهَا مِنْ مَلَلٍ دَائِمٍ بِهَا مَلَلُ
وَقَالَ (5):
أَرَاهُ صَغِيْرًا قَدْرَهَا عِظْمُ قَدْرِهِ ... فَمَا لِعظْمٍ قَدْرُهُ عِنْدَهُ قَدْرُ
وَقَالَ (6):
جَوَابُ مُسَائِلِي مَا لَهُ نَظِيْرٌ ... وَلَا لَكَ فِي سُؤَالِكِ لَا إِلَّا
قَالَ الصَّاحِبُ: مَا قَدّرْتُ إِنَّ مِثْلَ هَذَا البيتِ يلحُ مُسْتمعًا وَلَقَدْ سَمِعْتُ بِالفَافَاءِ وَلَمْ
_______
(1) ديوانه 1/ 85.
(2) ديوانه 2/ 210.
(3) ديوانه 4/ 73.
(4) ديوانه 3/ 309.
(5) ديوانه 2/ 15.
(6) ديوانه 3/ 229.
(1/318)

وَلَوْلَا مَخَافَةُ الإِطَالَةِ وَالإِسْهَابِ، لأَوْرَدْنَا مِنْ هَذَا البَابِ مَا قَدْ جَرَى فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَلْفَاظِ الوُزَرَاءِ وَالأُمَرَاءِ فِي مُذَاكَرَاتِهِم وَمُحَاضَرَاتِهِم مِنْهُ كَثيْرًا، وَلَكِنَ الشَّرْطَ فِي هَذِهِ المُقَدَّمَةِ الاخْتِصَارُ (1).
__________
= أَسْمَعُهُ يَقُوْلُ لَا إِلَّا لَا حَتَّى رَأَيْتُ هَذَا المُتَكَلِّفَ المُتَعَسِّفَ يَقُوْلُ مِثْل هَذَا (1).
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الأَصْمَعِيُّ لِلَّذِي أَنْشَدَهُ قَوْلُ القَائِلُ:
فَمَا لِلنَّوَى جَدّ النَّوَى قُطعَ النَّوَى ... كَذَاكَ النَّوَى قطَّاعَةٌ لِوِصَالِ
لَوْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَى هَذَا البَيْتِ شَاةً لأكَلَتِ النَّوَى كُلَّهُ (2).
وَقَدْ يَرِدُ مِنْ هَذَا البَابِ مَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الاسْتِحْسَانِ كَقَوْلِ أَبِي العَشَائِرِ:
هِيَ الخَمْرُ فِي حُسْنٍ وَكَالخَمْرِ رِيْقُهَا ... وَرِقَّةُ ذَاكَ اللَّوْنِ فِي رِقَّهِ الخَمْرِ
فَقَدْ جُمِعَتْ فِيْهَا خُمُورٌ ثَلَاثَةٌ وَفِي وَاحِدٍ سُكْرُ يَزِيْدُ عَلَى السُّكْرِ.
فَأَمَّا قَوْلُ المُتَنَبِّيّ (3):
العَارِضُ الهتْنُ بنِ العَارِضِ الهْتنِ ... بنِ العَارِضِ الهتْنِ
وَالعَارِضُ فَلَيْسَ بِمَوْضِعِ مَا حدٍ تَكْرِيْرهُ لذلك أَرْبَع مَرَّاتٍ وَغَرَضَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ المَمْدُوْحَ مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن أَحْمَد بن - الَّذِي - لأَنَّ هَذَا المَمْدُوْحَ سَيِّدُ بنِ سَيِّدِ بنِ سَيِّدِ بنِ سَيِّدِ وَأَنَّ جَدُّهُ إِنْ كَانَ فَاتِحَةَ سُؤْدَدٍ فَإِنَّ ----- عَهْدِهَا القَاضِي الممدوح لَمْ يُقَصِّر هو ولا أَبُوْهُ ولا جَدُّهُ عَنْ سُؤْدَدِ الخَصِيْبِ.
(1) وَأَقُوْلُ: كَمْ مِنْ قَارِضٍ لِلشِّعْرِ حَاذِق فِي نَظْمِهِ وَيَأْتِي فِيْهِ بِالدرّةِ وَالبَعْرَةِ لَا يَسْتَطِيْعُ التَّمْيِيْز بَيْنَهُمَا لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِالنَّقْدِ وَصُعُوْبَتِهِ عَلَيْهِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ القَائِلُ:
يَا أَبَا جَعْفَر أَتَحْكِمُ فِي الشِّ ... عْرِ وَمَا فِيْكَ إلهُ الحُكَّامِ
إِنَّ نَقدَ الدِّيْنَارِ إِلَّا عَلَى الصَّيْرَفِ ... صعْبٌ فَكيْفَ نَقْدُ الكَلَامِ
_______
(1) الكشف عن مساوئ المتنبي ص 260.
(2) نفس المصدر ص 256.
(3) ديوانه 4/ 216.
(1/319)

وَأَمَّا التَّمْيِيْزُ بَيْنَ المَدْحِ وَالشُّكْرِ (1):
فَهُوَ أَنَّ المَدْحَ وَصْفُ الخِلَالِ.
وَالشُّكْرِ وَصْفُ الفَعَالِ.
وَهَذَا أَبْلَغُ مَا مُيِّزَ بِهِ بَيْنَهُمَا بِالإِيْجَازِ.
فَالمَدْحُ كَقَوْلِ الحُطَيْئَةِ (2): [من الطويل]
__________
= قَدْ رَأَيْنَاكَ لَيْسَ تُفَرِّقُ فِي الأَشْ ... عَارِ بَيْنَ الأَرْوَاحِ وَالأَجْسَامِ
وَقَالَ مَرْوَانُ بن سُلَيْمَان بن يَحْيَى بن أَبِي حَفْصةَ يَهْجُو قَوْمًا مِنْ رُوَاةِ الشِّعْرِ بأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُوْنَ مَا هُوَ عَلَى كِثْرَةِ رِوَايَتِهِمْ لَهُ:
زَوَامِلُ الأَشْعَار لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ ... بِجَيِّدِهَا إِلَّا كَعِلْمِ الأَبَاعِرِ
لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي البَعِيْرُ إِذَا غَدَا ... بَأَوْسَامِهِ أَوْ راحَ مَا فِي الغَرَائِرِ
وَهَذَا المَعْنَى مُجْتَذَبٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمِثْلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطَالَ العِبَارَةَ عَنْ هَذَا المَعْنَى وَأَتَى بِهِ فِي بَيْتَيْنِ وَجَعَلَ البَعِيْرَ مَكَانَ الحِمَارِ.
* * *

قِيْلَ لِلْخَلِيْلِ بن أَحْمَد: لِمَ لَا تَقُوْلُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ: يَأْبَانِي جَيِّدُهُ وَآبِي رَدِيْئَهُ.
وَقِيْلَ لِلْمُفَضلِ بن سَلمةَ: لِمَ لَا تَقُوْلُ الشِّعْرَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ؟ قَالَ: عِلْمِي بهِ يَمْنَعُنِي مِنْهُ.
وَوَجَاهَةُ الحُطَيْئَةِ فِي الشِّعْرِ تمَكنّهُ مِنْهُ وَطُوْلُ بَاعِهِ فِيْهِ أَشْهَرُ أَنْ يُخْفَى وَقَدْ قَالَ:
الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيْلٌ سُلَّمُه
إِذَا ارْتَقَى فِيْهِ مَنْ لَا يَعْلَمُه
زلَّتْ بِهِ إِلَى الحَضيِضِ قَدَمُه
يُرِيْدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيعجِمُه
(1) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 152 وما بعدها.
(2) ديوانه ص 140.
(1/320)

يَسُوْسُوْنَ أحْلَامًا بَعِيْدًا أنَاتُهَا ... وَإِنْ غَضِبُوا جَاءَ الحَفِيْظَةُ وَالحِقْدُ
أُوْلَئِكَ قَوْمٌ إِنْ بَنُوا أَحْسَنُوا البِنَا ... وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفوا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا
وَإِنْ كَانَتِ النّعْمَاءُ فِيْهِمْ جَزَوا بِهَا ... وَإِنْ أنْعَمُوا لا كَدَّرُوْهَا وَلَا كَدُّوا
وَإِنْ مَالَ مَوْلَاهُمْ عَلَى جُلِّ حَادِثٍ ... مِنَ الأمْرِ رُدُّوا فَضْلَ أحْلَامِكُمْ رَدُّوا
مَطَاعِيْمُ فِي الجُلَّى مَطَاعِيْنَ فِي الوَغَى ... بَنَى لَهُمُ آبَاؤُهُمْ وَبَنَى الجَدُّ (1)
__________
(1) وَمِنْ جَيِّدِ المَدْحِ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ (1):
تزُوْرُ امْرَأ يُعْطِي عَلَى الحَمْدِ مَالَهُ ... وَمَنَ يُعْطِ أَثْمَانَ المَكَارِمِ يُحْمَدِ
يَرَى البخْلَ لَا يُبْقِي عَلَى المَرْءِ مَالَهُ ... وَيَعْلَمُ أَنَّ المَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ
كَسُوْبٌ وَمِتْلَافٌ إِذَا مَا سَأَلتهُ ... تَهَلَّلَ وَاهْتَزَّ اهْتِزَازَ المُهَنَّدِ
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ ... خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرَ مَوْقِدِ
وَسَمِعَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا البَيْتَ فَقَالَ: ذَلِكَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنَ المَدْحِ المُوَجَّهِ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ فِي سَيْفِ الدَّوْلَةِ (2):
نَهَبْتَ مِنَ الأَعْمَارِ مَا لَوْ حَوَيْتَهُ ... لَهَنِئَتِ الدُّنْيَا بِأَنَّكَ خَالِدُ
قَالَ ابْنُ جَنِيُّ: لَوْ لَمْ يَمْدَح أَبُو الطَّيِّبِ سَيْفَ الدَّوْلَةِ إِلَّا بِهَذَا البَيْتِ وَحْدَهُ لَكَانَ قَدْ بَقَّى فِيْهِ مَا لَا يُخْلِقُهُ الزَّمَانُ وَهَذَا هُوَ المَدْحُ المُوَجَّهُ لأَنَّهُ بَنَى البَيْتَ عَلَى ذِكْرِ كِثْرَةِ مَا اسْتَبَاحَهُ مِنْ أَعْمَارِ أَعْدَائِهِ ثُمَّ تَلَقَّاهُ مِنْ اَخِرِ البَيْتِ بِذِكْرِ سُرُوْرِ الدُّنْيَا بِبَقَائِهِ وَاتِّصَالِ أَيَّامِهِ (3).
وَمِنْ إِبْدَاعِ المُتَنَبِّيّ غي سَائِرِ المَدْحِ قَوْلُهُ (4):
_______
(1) ديوانه ص 161.
(2) ديوانه 1/ 277.
(3) يتيمة الدهر 1/ 229.
(4) ديوانه 4/ 64.
(1/321)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قَوْمٌ بُلُوْغُ الغُلَامَ عِنْدَهُمْ ... طَعْنُ نُحُوْرُ الكُمَاةِ لَا الحُلُمُ
كَأَنَّمَا يُوْلَدُ النَّدَى مَعَهُمُ ... لَا صِغَرٌ عَاذِرٌ وَلَا هَرَمُ
إِذَا تَوَلُّوا عَدَاةً كَشَفُوا ... وَإِنْ تَوَلُّوا صنِيْعَةً كَتَمُوا
تَظِنُّ مِنْ فَقْدِكَ أَعْدَادَهُم ... أَنَّهُمْ أَنْعَمُوا وَمَا عَلِمُوا
وَإِنْ بَرَقُوا فَالحُتُوْفُ حَاضِرَةٌ ... أَوْ نَطَقُوا فَالصَّوَابُ وَالحِكَمُ
أَوْ شَهِدُوا الحَرْبَ لَافِحًا أَخَذُوا ... مِنْ مُهَجَ الدَّارِ عَيْنَ مَا احْتَكَمُوا
أَوْ رَكِبُوا الخَيْلَ غَيْرُ مُسْرَجَةٍ ... فَإنَّ أَفْخَاذَهُمْ لَهَا حُزُمُ
تُشْرِقُ أَعْرَاضُهُمْ وَأَوْجُهَهُمْ ... كَأَنَّهَا فِي نُفُوْسِهِمْ شِيَمُ
أُعِيْذُكُمُ مِنْ صُرُوْفِ دَهْرِكُمُ ... فَإِنَّهُ فِي الكِرَامِ مُتَّهَمُ
وِمِنْ مُسْتَحْسَنُ المَدْحِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بن أَيُّوْبَ التَّيْمِيّ فِي المَأْمُوْنِ (1):
تَرَى ظَاهِرَ المَأْمُوْن أَحْسَنَ ظَاهِرٍ ... وَأَحْسَنَ مِنْهُ مَا أَسَرَّ وَأَضْمَرَا
يُنَاجِي لَهُ نَفْسًا تَزِيْغُ بِهِمَّهٍ ... إِلَى كُلِّ مَعْرُوْفٍ وَقَلْبًا مُطَهَّرَا
وَيَخْشَعُ إِكْبَارًا لَهُ كُلُّ نَاظِرٍ ... وَيَأْبَى لِخَوْفِ اللَّهِ أَنْ يَتَكَبَّرَا
طَوِيْلُ نَجَادِ السَّيْفِ مُضْطَمِرَ الحَشَا ... طَوَاهُ اطِّرَادُ الخَيْلِ حَتَّى تَحَسَّرَا
ترفَّل إِذَا مَا السِّلْمُ رَفَّلَ ذَيْلَهُ ... وَإِنْ ثَمَّرَتْ يَوْمًا
* * *

وَمِنْ بَابِ المَدْحِ قَوْلُ زُهَيْر بن أَبِي سُلْمَى فِي هَرِمٍ (2):
أَغَرُّ أَبْيَضُ فَيَّاضٌ يُفَكّكُ عَنْ ... أَيْدِي العُتَاةِ وَعَنْ أَعْنَاقِهَا الرَّبَقَا
قَدْ جَعَلَ المُبْتَغُوْنَ الخَيْرَ فِي هَرَمٍ ... وَالسَّائِلُوْنَ إِلَى أَبْوَابِهِ طُرُقَا
إِنْ تَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمًا ... تَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقَا
_______
(1) ديوان المعاني 1/ 60 - 61.
(2) ديوانه ص 64.
(1/322)

وَالشُّكْرُ كَقَوْلِ نَهْشَلٍ (1): [من الطويل]
جَزَى اللَّهَ خَيْرًا وَالجَزَاءُ بِكَفِّهِ ... بَنِي السّمْطِ إخْوَانَ السَّمَاحَةِ وَالمَجْدِ
هُمْ ذَكَرُوْنِي وَالمَهَامِهُ بَيْنَنَا ... كَمَا ارْفَضَّ غَيْثٌ مِنْ تِهَامَةَ فِي نَجْدِ
فَمَا يَتَغَيَّر مِنْ زَمَانٍ وَأَهْلِهِ ... فَمَا غَيَّرَ الأَيَّامُ مَجْدَهُمُ بَعْدِي (2)
__________
= لَيْثٌ بِعَثَّر يَصْطَادُ اللّيُوْثَ إِذَا ... مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أَقْرَانِهِ صَدَقَا
وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الجُّوَيْرِيَّةِ (1):
يَمُدُّ نِجَادَ السَّيْفِ حَتَّى كَأَنَّهُ ... بِأَعْلَا سَنَامَي فَالِجٍ يَتَطَوَّحُ
وَيُدْلِجُ فِي حَاجَاتِ مَنْ هُوَ نَائِمٌ ... وَيُوْرِي كَرِيْمَاتِ العُلَى حِيْنَ يَقْدَحُ
إِذَا اعْتَمَّ بِالعَصَبِ اليَمَانِيّ خِلْتَهُ ... هِلَالًا بَدَا مِنْ جَانِبِ الأُفْقِ يَلْمَحُ
يَزِيدُ عَلَى فَضلِ الرِّجَالِ بِفَضْلِهِ ... وَيَقْصُرُ عَنْهُ مَدْحُ مَنْ يَتَمَدَّحُ
وَكَمَا قَالَ المُتَنَبِّيّ (2):
هُمَامٌ إِذَا مَا فَارَقَ الغِمْدَ سَيْفُهُ ... وَعَايَنْتَهُ لَمْ تَدْرِ أَيُهُمَا النَّصْلُ
رَأَيْتَ ابنَ أُمِّ المَوْتَ لَوْ أَنَّ بَأْسَهُ ... فَشَى بَيْنَ أَهْلِ الأَرْضِ لَا يَقْطَعُ النَّسْلُ
وَكَمْ عين قِرْنٍ حَدَّقَتْ لِنِزَالِهِ ... فَلَمْ يُغْضِ إِلَّا وَالسِّنَانُ لَهَا كحْلُ
إِذَا قِيْلَ رِفْقًا قَالَ لِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ ... وَحِلْم الفَتَى فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ
(1) لنهشل بن حري في مجموع شعره ص 93
(2) وَمِنَ الشُّكْرِ قَوْلُ زِيَادٍ الأَعْجَمَ فِي عَبْد اللَّهِ بن جَعْفَر بن أَبِي طَالِبٍ (3):
مِرَارًا ما دَنَوْتُ إِلَيْهِ إِلَّا ... تَبَسَّمَ ضاحِكًا وَثَنَى الوِسَادَا
سَأَلْنَاهُ الجزِيْلَ فَمَا تَأَنَّى ... وَأَعْطَى فَوْقَ مُنْيَتِنَا وَزَادَا
وَأَحْسَنَ ثُمَّ أَحْسَنَ ثُمَّ عُدْنَا ... فَأَحْسَنَ ثُمَّ عُدْتُ لَهُ فَعَادَا
_______
(1) الأشباه والنظائر 2/ 235.
(2) ديوانه 3/ 186.
(3) ديوانه ص 66.
(1/323)

وَالفَصْلُ بَيْنَ الهَجْوِ وَالذَّمِّ (1):
هُوَ أَنَّ الهَجْوَ قَذْفُ الشِّيْمَةِ، وَالخُلُقِ.
وَالذَّمُّ: قَرْفُ الفِعْلِ المُخْتَلَقِ.
فَالهَجْوُ كَقَوْلِ جِرِيْرٍ (2): [من الوافر]
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا
وَلَوْ وَضعَتْ فِقَاحُ بَنِي نُمَيْرٍ ... عَلَى خَبَثِ الحَدِيْدِ إذًا لَذَابَا
__________
= وَقَوْلُ البُحْتُرِيّ (1):
سَأَشْكُرُ لَا أَنِّي أُجَازِيْكَ نِعْمَةً ... بِأُخْرَى وَلَكِنْ كَيْ يُقَالُ لَهُ شُكْرُ
تُلاقِيْنِي فِي ظَمَأَةٍ فَدَفَعتنِي ... إِلَى نَائِلٍ فِيْهِ المَخَاضَةُ وَالعُمْرُ
وَأَذْكُرُ أَيَّامِي لَدَيْكَ وَحُسْنَهَا ... وَآخَرُ مَا تَبْقَّى مِنَ الذَّاكِرِ الذّكْرِ
وَقَوْلُ أَبِي نُوَّاسٍ (2):
قَدْ قُلْتُ لِلْعبَّاسِ مُعْتَذِرًا ... مِنْ ضعْفِ شُكْرِيْهِ وَمُعْتَرِفَا
أَنْتَ الَّذِي أَوْلَيْتَنِي نِعَمًا ... أَوْهَتْ قُوى شكْرِي فَقَدْ ضَعُفَا
فَإِلَيْكَ بَعْدَ اليَوْمَ تَقْدِمَةً ... لَاقَتْكَ بِالتَّصْرِيْحِ منْكَشِفَا
لَا تُسْدِيَنَّ إِلَيَّ عَارِفَةً ... حَتَّى أَقُوْمُ بِشُكْرِ مَا سلفا
. . . دخل زياد الاعجم على عبد اللَّه بن. . . في عَشْر دِيَّاتِ. يَقُوْلُ: سَأَلْنَاهُ الجَّمِيْلَ، فِي الأَبْيَات.
(1) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 161 وما بعدها.
(2) ديوانه 1/ 820 - 821.
_______
(1) ديوانه 1/ 895.
(2) ديوانه ص 433.
(1/324)

وَكَقَوْلِ الخَثْعَمِيّ (1): [من المتقارب]
خَنَازِيْرُ نَامُوا عَنِ المَكْرُمَاتِ ... فَنَبَّهَهُم حَادِثٌ لَمْ يَنَمْ
فَيَا قُبْحَهُمْ فِي الَّذِي خُوِّلُوا ... وَيَا حُسْنَهُمْ فِي زَوَالِ النِّعَمْ
وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ (2):
إِذَا أَرَدْنَا بِلِيْنِ القَوْلِ غِرَّتُهُ ... ظَلْنَا نُعَالِجُ قُفْلًا لَيْسَ يَنْفَتِحُ
أعْيَى عَليَّ فَلَا هَيَّابَةٌ فَرِقٌ ... يَخْشَى الهِجَاءَ وَلَا هَشٌّ فَيُمْتَدَحُ (3)
__________
(1) لمحمود الوراق في ديوانه ص 125.
(2) ديوانه 1/ 439.
(3) وَكَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ وَقِيْلَ بَلْ لَمُسْلِمُ بن الوَليْدِ فِي دِعْبَلٍ (1):
أَمُوَيْسُ قُلْ لِي فِيْمَ أَنْتَ مِنَ الوَرَى ... لَا أَنْتَ مَعْلُوْمٌ وَلَا مَجْهُوْلُ
أما الهِجَاءُ فَدَقَّ عِرْضَكَ دُوْنَهُ ... وَالمَدْحُ عَنْكَ كَمَا عِلِمْتَ جَلِيْلُ
فَاذْهَبْ فَأَنْتَ طَلِيْقُ عِرْضكَ إِنَّهُ ... عِرْضٌ عَزَزْتَ بِهِ وَأَنْتَ ذَلِيْلُ
الرِّوَايَةُ: مَيَّاسِ قُلْ لِي أَيْنَ دِعْبَلَ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الوَرَى. وَذَلِكَ إِنَّ دِعْبَلَ خَرَجَ إِلَى خُرَاسَانَ لَمَّا بَلَغَهُ حُظْوَةُ مُسْلِم بن الوَليْدِ عِنْدَ الحَسَنِ بن سَهْلٍ وَعَادَ إِلَى مَرْوَ وَكَتَبَ إِلَى الفَضْلِ بن سَهْلٍ يقول (2):
لَا تَعْبَأنْ بِابْنِ الوَليْدِ فَإِنَّهُ ... يَرْمِيْكَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ بِمَلَالِ
إِنَّ المُلُوْلَ وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... كَانَتْ مُوَدَّتُهُ كَفَيْءِ ظِلَالِ
فَدَفَعَ الفَضْلُ الرُّقْعَةَ إِلَى مُسلِم بن الوَليْدِ وَقَالَ انْظُر إِلَى رُقْعَةِ دِعْبَلَ فِيْكَ فَلَمَّا قَرَأَهَا قَالَ هَلْ تَعْلَمُ لقَبُ دِعْبَل وَهُوَ غُلَامُ أَمْرَدُ يُفْسَقُ بِهِ قَالَ لَا قَالَ لقَبُهُ مَيَّاسُ ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ مَيَّاس الأَبْيَاتُ.
_______
(1) لم ترد في ديوان أبي تمام، وقد وردت في ديوان مسلم بن الوليد ص 334.
(2) ديوان دعبل ص 135.
(1/325)

وَالذَّمُّ كَقَوْلِ مُحَمَّدِ بنِ وَهِيْبٍ (1): [من الطويل]
كَأَنِّي وَنضْوِي عِنْدَ بَابِ ابنِ عَامِرٍ ... مِنَ الضُّرِّ ذِئْبَا قَفْرَهٍ هَلِعَانِ
أبيتُ وَصِنَّبْرُ الشِّتَاءِ يَلُفُّنِي ... وَقَدْ مَسَّ بَرْدٌ سَاعِدي وَبَنَانِي
__________
= وَكَانَ مُسْلِمُ بن الوَليْدِ مِنْ مَوَالِي الأَنْصَارِ وَهُوَ شَاعِرٌ مُتَقَدِّمٌ مِنْ شُعَرَاءِ الدَّوْلَةِ العبَّاسِيَّةِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ الشِّعْرَ المَعْرُوْفِ بِالبَدِيْعِ.
* * *

وَمِنَ الهَجْوِ قَوْلُ الآخَر:
الشَّتْمُ لَمَّا أَنْ شَتَمتُكَ قَالَ لِي ... يَا مَنْ يُشَاتِمُنِي بِمَنْ هُوَ دُوني
وَالهَجْوُ لَمَّا أَنْ هَجَوْتكَ قَالَ لِي ... لَمْ تَهْجُهُ بي بَلْ بِهِ تَهْجُوْنِي
وَقَوْلُ الآخَر (1):
سَابُوْرُ وَيْحَكَ مَا أَخَسَّكَ ... مَا أَخَصَّكَ بِالعُيُوْبِ
وَجْهٌ قَبِيْحٌ فِي التَّبَسُّمِ ... كَيْفَ يحسنُ فِي القُطوبِ
وَمِنْ أَحِسَنَ مَا قِيْلَ فِي هِجَاءِ الدعي قَوْلُ الصَّاحِبُ بن عَبَّادٍ (2):
رَأَيْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ فَضْلًا إِذَا انْتَمَى ... يُقَصِّرُ عَنْهُ فَضْلُ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمِ
عَزُوْهُ إِلَى تِسْعٍ وتسْعِيْنَ وَالدٍ ... وَلَيْسَ لِعِيْسَى وَالِدٌ حِيْنَ يَنْتَمِي
وَمِنَ الهِجَاءِ قَوْلُ أَبىِ نُوَّاسٍ (3):
بِمَا أَهْجُوْكَ لَا أَدْرِي ... لِسَانِي فِيْكَ لَا يَجْرِي
إِذَا فَكَّرْتُ فِي عرضك ... أَشْفَقْتُ عَلَى شِعْرِي
(1) لم ترد في مجموع شعره.
_______
(1) البيتان للنامي الخوارزمي في يتيمة الدهر 3/ 143.
(2) ديوان الصاحب ص 385.
(3) ديوانه ص 568.
(1/326)

فَمَا أَوْقَدُوا نَارًا وَلَا عَرَضُوا قِرًى ... وَلَا اعْتَذَرُوا مِنْ عُسْرَةٍ بِلِسَانِ (1)

وَالبَوْنُ بَيْنَ الولَعِ وَالهَمْزِ (2):
الوَلَعُ: التَّصرِيْحُ بِشَرْحِ الحَالِ تَبَرُّمًا.
وَالهَمْزُ: هُوَ التَّلْوِيْحُ وَالتَّهَدُّدُ تَذَمُّمًا.
فَالوَلَعُ كَقَوْلِ السُّكَّرِيِّ حِيْنَ دَعَاهُ المِلْيَحِيُّ، فَتَأَخَّرَ عَنْهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ (3): [من الخفيف]
يا صَدِيْق أَفَادَنِيْهُ زَمَانٌ ... فِيْهِ ضِنٌّ بِالأَصْدِقَاءِ وَشُحُّ
إِنَّمَا أَكَّدَ التَّبَاعُدَ مِنَّا ... أنَّنِي سُكَّرٌ وَأنَّكَ مِلْحُ (4)
__________
(1) وَمِنَ الذَّمِّ قَوْلُ الأَعْشَى يُخَاطِبُ عَلْقَمَةَ بنَ عُلَاثَةَ (1):
أَعَلْقَمَ قَدْ حَكَّمْتَنِي فَوَجَدْتَنِي ... بِكُمْ عَالِمًا عِنْدَ الحَلُوْمَةِ عَائِصَا
كِلَا أَبَوَيْكُمْ كَانَ فِرْعًا دَعَامَةٍ ... وَلَكِنَّهُمْ زَادُوا وَأَصْبَحْتَ نَاقِصَا
هُمُ الطَّرْفُ المُنَاكِي العَدُوَّ ... وَأَنْتُمُ بِقصْوَى ثَلَاثٍ يَأْكلُوْنَ الوَقَائِصَا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ البُحْتُرِيّ (2):
النَّاسُ حَوْلكَ رَوْضة مَا تَرْتَعِي ... رَيَّا النَّبَاتِ وَمَنْهَلٌ لَا يُوْرَدُ
جِدَةٌ وَلَا جُوْد وَطَالِبُ بِغْيَةٍ ... فِي البَاخِلِيْنَ وبِغْيَةٌ لَا تُوْجَدُ
تَرَكُوا العُلَى وَهُمُ يَرَوْنَ مَكَانهَا ... وَدَعَا اللجَيْنَ قُلُوْبَهُمْ وَالعَسْجَدُ
وَتَمَاحَلُوا فِي البُخْلِ حَتَّى خِلْتَهُ ... دِيْنًا يُدَانُ بِهِ وَإِلَهٌ يُعْبَدُ
أُرْضِيْهُمُ فِعْلًا وَلَا يُرْضُوْنَنِي ... قَوْلًا وَتلْكَ قَضِيَّةٌ لَا تُقْصَدُ
فَأَذُمُّ مِنهُم مَا يُذَمُّ وَرُبَّمَا ... سامَحْتُهم فَحَمَدْتُ مَا لَا يُحْمَدُ
(2) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 168 وما بعدها.
(3) لابن سكرة في يتيمة الدهر 3/ 140، ووفيات الأعيان 4/ 41.
(4) وَمِنَ الوَلَعِ قَوْلُ الأَحْنَفُ العُكْبَرِيّ:
_______
(1) ديوانه ص 190.
(2) ديوانه 1/ 630 - 631.
(1/327)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= لنَا فِي عُكْبرًا أُخْوَانُ صِدْقٍ ... يُوَافُوْنَا بِأَنْوَاعِ التَّوَافِي
فَأَيَّامُ الكسَاحِ يُوَاصِلُوْنَا ... وَيَقْطِفوْنَ أَيَّامَ القِطَافِ
وَقَوْلُ ابن الرُّوْمِيّ (1):
أَيُّهَا البَيْهَقِيُّ أَحْسَنْتَ فِي شِعْرِ ... كَ إْحْسَانَ ذِي طِبَاعٍ وِحِذْقِ
قَرَّطَ اللَّهُ بَظْرَ أُمّكَ بِالدُّرِّ ... فَقَدْ أَنْجَبَتْ بِشَاعِرِ صِدْقِ
وَكَقَوْلِ الآخَر:
إِنَّ التَّوَاضعَ فِي الوِلَايَةِ ... رَافِعٌ قَدرَ المُوَلَّى
فَتَوَاضعُوا عِنْدَ الوِلَايَةِ ... تُحْمَدُوا فِيْهَا وَإِلَّا
وَقَالَ آخَر:
قَصَدْتُ بَابَ الرَّئِيْسِ مُنْتَجِعًا ... جَدْوَاهُ مَعْ عِدَّةٍ مِن أَصْحَابِي
وَالنَّاسُ كَالأَيْرِ كُلَّهُمُ دَخَلُوا ... وَنَحْنُ كَالخُصْيَتِيْنِ بِالبَابِ
* * *

وَقَرِيْبٌ مِنْ هَذَا قَوْلُ أَبِي الفَتْحِ كَشَاجِم (2):
الحَمْدُ للَّهِ نَالَ النَّاسُ حَظَّهُمُ ... وَأَخْطَأتْنِي عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا الرُّتَبُ
وَمَا التَّعْجُّبُ لَوْ أنِّي ظَفَرْتُ ... بِهَا فِي تَنَكُّبهَا هُوَ العَجَبُ
وَلِلْمَرَاتِبِ أَسْبَابٌ مُبَلَّغَةٌ ... كَمَا لَمَّا عَنَّ عن إِدْرَاكِهَا سَبَبُ
فَإنَّ يَكُنْ أَدَبٌ مِنْ رُتْبَةٍ عِوَضًا ... فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ العِلْمُ وَالأدَبُ
* * *

أَبُو مُسْلِمٍ المَرُوْزيُّ صاحِبُ الدَّوْلَة العَبَّاسِيَّةِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ مُسْلِمٍ بن
_______
(1) ديوانه 4/ 1669.
(2) ديوانه ص 43.
(1/328)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= سَيْقِيْرُوْن بن أَسْفَنْدِيَار وَكَانَ شُجَاعًا ذَا عَقْلٍ وَحَزْمٍ وَرَأْيٍ وَتَدْبِيْرٍ. كَتَبَ إِلَى المَنْصُوْرِ حِيْنَ اسْتَوْحَشَ مِنْهُ:
إمَّا بَعْدُ: فَقَدْ كَنْتُ مَا اتَّخَذْتُ أَخَاكَ إِمَامًا وَجَعَلتهُ عَلَى الدِّيْنِ دَلِيْلًا لِقَرَابَتِهِ وَلِلَوَصِيَّةِ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا صَارَتْ إِلَيْهِ فَأَوْطَأَنِي عَشْوَاءَ الضَّلَالَةِ وَأَوْهَقَنِي فِي رِبْقَةِ الفِتْنَةِ وَأَمَرَنِي فِي أَنْ آخُذَ بِالظِّنَّةِ وَأَقْتُلَ عَلَى التُّهْمَةِ وَلَا أَقْبَلَ المَعْذِرَةَ فَهَتَكْتُ بِأَمْرِهِ حُرُمَاتٍ حَتَّمَ اللَّهُ صَوْنَهَا وَسفَكْتُ دِمَاءً فَرَضَ اللَّهُ حَقْنَهَا وَزَوَيْتُ الأَمْرَ عَنْ أَهْلِهِ وَوَضَعْتُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ فَإِنْ يَعْفُ اللَّهُ عَنِّي فَبِفَضْلٍ مِنْهُ وَإِنْ يُعَاقِبُنِي فِيْمَا كَسَبَتْ يَدَايَ وَمَا اللَّهُ بِظَلَّام لِلْعَبِيْدِ. ثُمَّ أَنْسَاهُ اللَّهُ هَذَا القَوْلِ حَتَّى جَاءَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ.
وَخَطَبَ المَنْصوْرُ النَّاسَ بَعْدَ قتلِ أَبِي مسْلِمٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَنْفُرُوا أَطْرَافَ النِّعَمِ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ فَتَحِلّ بِكُمْ وَلَا تُسِرُّوا عِشَّ شَيْئًا وَلِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ رَحْمِهِ وَطَوَالِعِ نَظَرِهِ وَإِنَّا لَنْ نَجْهَلَ حُقُوْقَكُمْ مَا عَرِفتمْ حَقَّنَا وَلَا نَنْسَى الإِحْسَانَ إِلَيْكُمْ مَا ذَكَرْتُمْ فَضْلَنَا وَمَنْ نَازَعَنَا هَذَا القَمِيْصَ أَوْطَأْنَا أُمَّ رَأْسِهِ جَنِيْنَ هَذَا الغِمْدِ وَإنَّ أَبَا مُسْلِمٍ بَايَعَ لنَا عَلَى أَنَّهُ مَنْ نَكَثَ بَيْعَتَنَا وَأَضْمَرَ غِشًّا لَنَا فَقَدْ أَبَاحَنَا دَمَهُ ثُمَّ نَكَثَ وَغَدَرَ وَفَجَرَ وَكَفَرَ فَحَكَمْنَا عَلَيْهِ لأَنْفُسِنَا حُكْمَهُ عَلَى غَيْرِهِ لنَا وَالسَّلَامَ.
وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَخْرِجُوا مِنْ أُنْسِ الطَّاعَةِ إِلَى وَحِشَةِ المُعْصيَةِ وَلَا تَمْشُوا فِي ظُلْمَةِ البَاطِلِ بَعْدَ سَعْيِكُمْ فِي ضِيَاءِ الحَقِّ إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ أَحْسَنَ مُبْتَدِئًا وَأَسَاءَ مُعْقَبًا فَأَخَذَ مِنَ النَّاسِ بِنَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَانَا وَرَجَحَ قَبِيْحُ بَاطِنِهِ عَلَى حُسْنِ ظَاهِرِهِ وَعَلِمْنَا مِنْ خُبْثِ نِيَّتِهِ وَفَسَادِ سَرِيْرَتهِ مَا لَوْ عَلِمَهُ اللَّائِمُ لنَا فِيْهِ لَعَذَرَنَا فِي قتلِهِ وَعَنَّفَنَا فِي إمْهَالِهِ وَمَا زَالَ يَنْقُضُ بَيْعَةً وَيَخْفِرُ ذِمَّةً حَتَّى أَحَلَّ لنَا عُقُوْبَتِهِ وَأَبَاحَنَا دَمِهِ فَحَكَمْنَا فِيْهِ حُكْمَهُ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَمْنَعَنَا الحَقُّ لَهُ مِنْ إِمْضَاءِ الحَقِّ فِيْهِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيّ:
فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانْفَعْهُ بِطَاعَتِهِ ... كَمَا أَطَاعَكَ وَاد للَّهِ عَلَى الرَّشَدِ
وَمَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً ... تَنْهَى الظَّلُوْمَ وَلَا تَقْعِدْ عَلَى ضَمَدِ
ثُمَّ نَزَلَ.
(1/329)

وَالهَمْزُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [من الطويل]
لَكَ الحَمْدُ أَمَّا مَنْ نُحِبُّ فَنَازحٌ ... وَتُدْنِي النَّوَى مَنْ لَا نُحِبُّ لَكَ الحَمْدُ
وَكَقَوْلِ ابنِ الحَجَّاجِ: [من الخفيف]
أنْتَ عَيْنِي اليُمْنَى وَلَا غَرْوَ أنْ ... تَلْتَاثَ يَوْمًا عَلَيَّ عَيْنِي اليَمِيْنُ
إِنَّمَا بَيْنَنَا السُّكُوْتُ وَإلَّا ... إِنْ تَحَدَّثْتُ فَالحَدِيْثُ شُجُونُ (1)
__________
(1) وَمِنَ الهَمْزِ قَوْلُ أَبِي يَعْلَى بنُ الهَبَّارِيَّةِ الهَاشِمِيّ:
أَبَا الفَتْحِ أَبَا الفَتْحِ ... تَعَلَّمْتَ مِنَ القَوْمِ
وَأَعْرَضْتَ فَعَرَّضْتَ ... حِمَى عِرْضكَ لِلَّوْمِ
منَ اليَوْمِ تَغَيَّرْتَ ... عَلَيْنَا وَمِنَ اليَوْمِ
وَكَقَوْلِ مِهْيَارٍ (1):
وَفِي فِيَّ مَاءٌ مِنْ بَقَايَا صَنِيْعِكُمْ ... كَثِيْرًا بِهِ مِن مَاءِ وَجْهِي أرقْتُمُ
أَضُمُّ فَمِي شَجًّا عَلَيْهِ وَبيْنَهُ ... وَبَيْنَ انْسِكَابٍ رَيْثمَا أَتَكَلَّمُ
وَكَقَوْلِ ابْنُ الرُّوْمِيّ وَقَدْ مَطَلَهُ بَعضهمْ بِشِرَابٍ وَعَدَهُ إِيَّاهُ (2):
أَبَا الفَضْلِ مَا أَنْتَ بِالمُنْصِفِ ... وَمثْلَكَ إِنْ قَالَ قَوْلًا يَفِي
فَإِمَّا بَعثَ لنَا بِالمدَامِ ... وإِلَّا أُخِذَتْ وَأُدْخِلَتْ فِي
وَفِي فِيَّ مَاءُ. البَيْتَانِ
وَمِنْ قَصِيْدَةٍ أَوَّلُهَا:
أَجِيْرَاننَا بِالغَوْرِ وَالرَّكْبِ مُتَّهَمُ يَقُوْلُ مِنْهَا (3):
إِذَا صَوَّرَ اشْفَاقُ لِي كَيْفَ أَنْتُمْ ... وَكَيْفَ إِذَا مَا عَنَّ ذكْرَى صرْتُمُ
_______
(1) ديوانه 3/ 346.
(2) ديوانه.
(3) ديوان مهيار 3/ 346.
(1/330)

وَالتَّرْجِيْحُ بَيْنَ اللَّوْمِ وَالعَتَبِ (1):
هُوَ أَنَّ اللَّوْمَ عَلَى التَّقْصِيْرِ، وَالخَطَأِ فِي الرَّأْي.
وَالعَتَبَ عَلَى التَّغْيِيْرِ وَالكَدَرِ بَعْدَ الصَّفَاءِ.
فَاللَّوْمُ كَقَوْلِ دُرَيْدِ بن الصَّمَّةِ (2): [من الطويل]
أمَرْتُهُمُ أمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... فلم يَسْتَبِيْنُوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحَى الغَدِ
فَلَمَّا عَصَوْنِي كُنْتُ مِنْهُمُ وَقَدْ أرَى ... غِوَايَتَهمْ أوَ أنَّنِي غَيْرُ مُهْتَدِي
وَكَقَوْلِ أَبِي الحَسَنِ البَصْرَوِيِّ: [من الكامل]
قَدْ كَانَ وَجْهُ الرَّأْي لَمَّا أَنْ هَوَى ... عَرْشُ ابنِ بُوَيْهَ أَنْ يُرَى فِي الدَّارِ
الرَّأْيُ بِالرَّيِ الغَذَاةَ تَرَكْتَهُ ... وَأتَيْتَ تَطْلُبُهُ مِنَ الأنْبَارِ
فَرَّطْتَ ثُمَّ أَتَيْتَ تَبْغِي دَوْلَةً ... هَذَا لَعَمْرِيْ غَايَةُ الإِدْبَارِ
وَالعَتْبُ كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ (3): [من الكامل]
قُلْ لِلأَمِيْرِ فَإِنَّهُ القَمَرُ الَّذِي ... ضَحِكَتْ لَهُ الأَيَّامُ وَهِيَ عَوَابِسُ
قَدَّمْتَ قُدَّامِي رِجَالًا كُلُّهُمْ ... مُتَخَلِّفٌ عَنْ غَايَتَي مُتَقَاعِسُ
وَأذَلْتَنِي حَتَّى لَقَدْ أَشْمَتَّ بِي ... مَنْ كَانَ يَحْسُدُ مِنْهُمُ وَيُنَافِسُ
وَأَنَا الَّذِي أوْضَحْتُ غَيْرَ مُدَافَعٍ ... نَهْجَ القَوَافِي وَهُوَ رَسْمٌ دَارِسُ
وَشُهِرْتُ فِي شَرْقِ البِلَادِ وَغَرْبِهَا ... فَكَأنَّنِي فِي كُلِّ نَادٍ جَالِسُ
هَذِي القَصَائِدُ قَدْ زَفَفْتُ صبَاحَهَا ... تَسْعَى إِلَيْكَ كَأنَّهُنَّ عَرَائِسُ
__________
= تَنَفَّسْتُ عَنْ عَتَبٍ فُؤَادِي مُفْصِحٌ بِهِ ... وَلِسَانِي بِالحِفَاظِ يُجَمْجِمُ
(1) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 171 وما بعدها.
(2) ديوانه ص 47.
(3) ديوانه 2/ 1133.
(1/331)

وَلَكَ السَّلَامَةُ وَالسَّلَامُ فَإنَّنِي غَادٍ ... وَهُنَّ عَلَى عُلَاكَ حَبَائِسُ (1)

وَالفَرْقُ بَيْنَ الهَزِّ وَالاسْتِزَادَةِ (2):
وَذَلِكَ أَنَّ الهَزَّ رهَافُ الحِمْيَةِ، وَتَنْخِيَةُ الهِمَّةِ العَلِيَّةِ.
وَالاسْتِزَادَةُ: المُوَافَقَةُ عَلَى هَدْرِ الحُقُوقِ المَرْعِيَّةِ، وَالمُوَاخَذَةِ بِأصغَرِ خَطِأَةٍ.
فَالهَزُّ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (3): [من الطويل]
هَزَزْتُكَ لَا أنِّي رَأيْتُكَ نَاسِيًا ... لِوَعْدِي وَلَا أنِّي أُحِبُّ التَّقَاضيَا
وَلَكِنْ رَأيْتُ السَّيْفَ مِنْ بَعْدِ سَلِّهِ ... إِلَى الهَزِّ مُحْتَاجًا وَإِنْ كَانَ مَاضِيَا (4)
__________
(1) كَقَوْلِ البُحْتُرِيّ أَيْضًا (1):
أَمُتَّخِذٌ عِنْدِي الإسَاءَةَ مُحْسِنٌ ... وَمُنْتَقِمٌ مِنِّي امْرُؤُ كَانَ مُنْعِمَا
وَمُكْتَسِبٌ فِي المَلَامَةِ مَاجِدٌ ... يَرَى الحَمْدَ غِنْمًا وَالمَلَامَةَ مَغْرمَا
يُخَوِّفُنِي مِنْ سُوْءِ رَأْيِكَ مَعْشَرٌ ... وَلَا خَوْفَ إِلَّا أَنْ تَجُوْرَ وَتَظْلمَا
أُعِيْذُكَ أَنْ أَخْشَاكَ مِنْ غَيْرِ حَادِثٍ ... تَبَيَّنَ أَوْ جُرْمٍ إِلَيْكَ تَقَدَّمَا
أَلَسْتُ المُوَالِي فِيْكَ نَظْمَ قَلَائِدٍ ... هِيَ الأَنْجُمُ اقتادَتْ مَعَ اللَّيْلِ أَنْجُمَا
وَكَقَوْلِ آخَر:
قَدْ كُنْتَ عُدَّتِي الَّتِي أَسْطُو بِهَا ... وَيَدِي إِذَا اشْتَدَّ الزَّمَانُ وَسَاعِدِي
فَرُمِيْتُ مِنْكَ بِغَيْرِ مَا أَمَّلتُهُ ... وَالمَرْءُ يَشْرقُ بِالزُّلَالِ البَارِدِ
(2) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 172 وما بعدها.
(3) ديوان المعاني 1/ 22.
(4) وَكَقَوْلِ الآخَر وَهُوَ مُحَمَّدُ بن أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ (2):
لَا مَلُوْمٌ مُسْتَقْصرٌ أَنْتَ فِي الوُدِّ ... وَلَكِنْ مُسْتَعْتَبٌ مُسْتَزَادُ
قَدْ يُهَزّ الهِنْدِيُّ وَهُوَ حُسَامٌ ... وَيُحثّ الجوَادُ وَهُوَ جَوَادُ
_______
(1) ديوانه 3/ 1983 - 1984.
(2) خاص الخاص ص 117.
(1/332)

وَالاسْتِزَادَهُ كَقَوْلِ أَبِي سَعِيْدٍ بنِ المُطَّلِبِ (1): [من البسيط]
هَبْنِي كَمَا زَعَمَ الوَاشُوْنَ لَا زَعَمُوا ... أَخْطَأْتُ حَاشَايَ أَوْ زَلَّتْ بِيَ القَدَمُ
وَهَبْكَ ضَاقَ عَلَيْكَ العُذْرُ عَنْ جُرُمٍ ... لَمْ أجْنِهِ أَيَضِيْقُ العَفْوُ وَالكَرَمُ؟
مَا أَنْصَفَتْنَي فِي حُكْمِ الهَوَى أُذْنٌ ... تُصْغِي لِوَاشٍ وَعَنْ عُذْرِي بِهَا صَمَمُ (2)
وَكَقَوْلِ آخَرَ (3): [من الطويل]
وَأَشْمَتَّ أعْدَائِي وَأَوْهَنْتَ جَانِبِي ... وَهِضْتَ جَنَاحًا رَيَّشَتْهُ يَدُ الفَخْرِ
وَمَا أنْتَ عِنْدِي بِالمَلُوْمِ وَلَا الَّذِي ... لَهُ الذَّنْبُ، هَذَا سُوْءُ حَظِّي مِنَ الدَّهْرِ

وَالتَّصَارفُ بَيْنَ التَّنَصُّلِ وَالاعْتِذَارِ (4):
هُوَ أَنْ التَّنَصُّلَ يَكُوْنُ مِنَ الوِشَايَةِ وَالكَذِبِ.
وَالإِعْتِذَارِ يَكُونُ مِنَ الجنَايَةِ وَالذَّنْبِ.
فَالتَّنَصُّلُ كَقَوْلِ السَّيِّدِ الرَّضِيّ المُوْسَوِيّ (5): [من الطويل]
هُمْ اسْتَلْدَغُوا رُقْشَ الأَفَاعِي وَنَبَّهُوا ... عَقَارِبَ كَيْدٍ نَائِمَاتٍ حُمَاتُهَا
__________
(1) فوات الوفيات 3/ 435.
(2) كَقَوْلِ بَعْضِ المُحَدِّثِيْنَ:
عَجِبْتُ لِعَهْدٍ خُفتهُ وَحَفظتُهُ ... ثَلَاثِيْنَ عَامًا بِالرِّعَايَةِ وَالرِّفْقِ
فَلَمَّا زَكَا فِيْهِ الوَفَاءُ وَأَحْكَمَتْ ... قُوَاهُ أجَلتَ البرَّ فِيْهِ عَلَى العِتْقِ
عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الحَشْرِ نَافِعًا ... صدِيْقًا أَوْ أَخًا لأَخِي صِدْقِ
صَبَرْتُ إِلَى ذَاكَ المَقَامِ وَلَمْ يَطِر ... عِتَابُكَ فِي الدُّنْيَا بِوَهْمِي وَلَا نُطقِي
وَلَا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ يَطُؤلُ نَهَارهُ ... بِعَتْبِ العُلَى فِيْهِ لِمَجْدِكَ فِي حَقِّي
فَإِنْ أُبْقِ فِي عَتْبِي عَلَيْكَ تَمَسُّكًا ... بِوُدِّكَ يَوْمًا فَالمَعَالِي لَا تُبْقِي
(3) للأمير أبي الحسن علي بن المستظهر باللَّه في خريدة القصر (قسم العراق) 1/ 35.
(4) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 174 وما بعدها.
(5) للشريف الرضي في ديوانه 1/ 212.
(1/333)

وَهُمْ نَقَلُوا عَنِّي الَّذِي لَمْ أَفُهْ بِهِ ... وَمَا آفَةُ الأَخْبَارِ إِلَّا رُوَاتُهَا (1)
وَالاعْتِذَارُ كَقَوْلِ الشَّاعِرُ (2): [من الوافر]
وَهَبْنِي يَا هُمَامُ أسَأْتُ فِعْلًا ... وِبِالكُفْرَانِ فِيْكَ لَقَدْ بَدَأْتُ
فَأَيْنَ الفَضْلُ مِنْكَ فَدَتْكَ نَفْسِي ... عَلَيَّ إِذَا أَسَأْتَ كَمَا أَسَأْتُ؟
وكقَوْل ابنِ الجَهْمِ (3): [من المنسوخ]
__________
(1) وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيّ (1):
حَيَاءٌ فَلَمْ يَذْهَبْ بِيَ الغَيُّ مَذْهَبًا ... بَعِيْدًا وَلَمْ أَرْكَب مِنَ الأَمْرِ مُعْظَمَا
وَلَمْ أَعْرِفِ الذَّنْبِ الَّذِي سُؤْتَنِي ... بِهِ فَأَقْتُلُ نَفْسِي حَسْرَةً وَتَنَدَّمَا
وَلَوْ كَانَ مَا خُبِّرْتَهُ وَظَنَنْتَهُ ... لَمَّا كَانَ غَرْوًا أَنْ أَلُوْمَ وَتَكْرُمَا
أُذَكِّرُكَ العَهْدَ الَّذِي لَيْسَ سُؤْدَدًا ... تَنَاسِيْهِ وَالوُدَّ الصَّحِيْحَ المُسَلّمَا
أُقِرُّ بِمَا لَمْ أَجْنِهِ مُتَنَصِلًا ... إِلَيْكَ عَلَى أَنِّي أَخَالَكَ أَلْوَمَا
لِيَ الذَّنْبُ مَعْرُوْفًا وَإِنْ كُنْتُ جَاهِلًا ... بِهِ وَلَكَ العُتْبَى عَلَيَّ وَأَنْعَمَا
وَمِثْلُكَ إِنْ أَبْدَى الجَّمِيْلَ أَعَادَهُ ... وَإِنْ صنَعَ المَعْرُوْفَ زَادَ وَتَمَّمَا
وَمِنَ التَّنَصُّلِ أَيْضًا قَوْلُ الآخَر:
وَمَا لِي إِلَى الفَضلِ بن يَحْيَى بن خَالِدٍ ... مِنَ الجرْمِ مَا يُخْشَى عَلَيَّ بِهِ الحِقْدُ
فَجُدْ بِالرِّضَا اَبْتَغِي مِنْكَ غَيْرَهُ ... وَرَأْيُكَ فِيْمَا كُنْتَ عَوَّدْتَنِي بَعْدُ
وَقَالَ الآخَر:
هَلْ لِي إِلَيْكَ إِنْ اعْتَذَرْتُ قَبُوْلُ ... أَوْ لَا فَأَرْبَحُ أَنْ أُرِيْدَ أَقُوْلُ
إِسْمَعْ فَإِنِّي حَالِفٌ بِحَلَالِ مَنْ ... فِي ظِلِّ رَحْمَتِهِ العِبَادُ نُزُوْلُ
مَا كَانَ مَا زَعَمَ الرَّسُوْلُ فَتَدَّعِي ... ذَنْبًا عَلَيَّ بِمَا يَقُوْلُ رَسُوْلُ
(2) لعبد اللَّه بن محمد بن أبي عيينة في الكامل للمبرد 1/ 254.
(3) ديوانه ص 169.
_______
(1) ديوانه 3/ 1985 - 1986.
(1/334)

إِنْ تَعْفُ عَنْ عَبْدِكَ المُسِيء فَفِي ... فَضْلِكَ مَأْوًى لِلصِّفْحِ وَالمِنَنِ
أتَيْتُ مَا أسْتَحِقُّ مِنْ خَطَأٍ ... فَعُدْ بِمَا تَسْتَحِقُّ مِنْ حَسَنِ (1)
__________
(1) وَمِنَ الاعْتِذَارِ قَوْلُ الرَّاضِيّ بن المُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ صَاحِبُ المَغْرِبِ يُخَاطِبُ أَبَاه المُعْتَمِدِ (1):
حَنَانَكَ إِنْ يَكُنْ جُرْمِي قَبيْحًا ... فَإنَّ الصفْحَ عَنْ جُرْمِي جَمِيْلُ
فَإنْ عَثَرتْ بِنَا قَدَمٌ سفَاهًا ... فَإِنِّي مِنْ عِثَارِي مُسْتَقِيْلُ
وَأَحسَنُ مَا سَمِعْتَ بِهِ عَزِيْزٌ ... يُنَادِيْهِ فَيَرْحُمَهُ ذَلِيْلُ
وَهَا أَنَا ذَا أُنَادِيْكُمْ فَهَلْ لِي ... إِلَى قُرْبٍ مِنَ الرُّحْمَى سَبيْلُ
وَأَنْتَ المَلِكُ تَعْفُو عَنْ كَثِيْرٍ ... فَمَا لَكَ ظِلْتَ يُغْضِبُكَ القَلِيْلُ
أَلَسْتُ بِفَرْعِكَ الزَّاكِي وماذا ... يُرَجَّى الفَرْعُ خَانتهُ الأُصُوْلُ
أُعِيْذكَ أنْ يَكُوْنَ بِنَا خُمُوْلُ ... وَيَطْلَعُ غَيْرُنَا وَبِنَا أُفُوْلُ
* * *

وَمِنَ الاعْتِذَارِ قَوْلُ الآخَر:
مُعَوِّدَتِي الغُفْرَانَ فِي السُّخْطِ وَالرِّضَا ... أَسَاءَتْ فَقُوْلي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ الذَّنْبَا
فَمَا العَيْنُ مِنَي مُذْ سَخِطْتِ قَرِيْرَةٌ ... وَلَا الأَرْضُ أَوْ تَرْضيْنَ تَقبلُ لِي جَنْبَا
وَمَا كَانَ مَا بَلَغْتِ إِلَّا تَكَذُّبًا ... وَلَكِنَّ إِقْرَارِي بِهِ يَعْطِفُ القَلْبَا
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدِ بن حُمَيْدِ الكُوْفِيّ:
أن سُمْتَنِي ذُلًّا فَعِفْتُ حِيَاضَهُ ... سَخِطَتْ وَمَنْ يَأْبَى المَذَلَّةَ يُعْذَرِ
فَهَا أَنَا مُسْتَرْضِيْكَ لَا مِنْ جِنَايَةٍ ... جَنَيْتُ وَلَكِنْ مِنْ تَجَنِّيْكَ فَاغْفِرِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي زُهَيْرٍ (2):
وَزَعَمْتَ أَنِّي ظَالِمٌ فَهَجَرْتَنِي ... وَرَمَيْتُ فِي قَلْبِي بِسَهْمِ نافذ
_______
(1) فوات الوفيات 4/ 326، نفح الطيب 4/ 249.
(2) لأبي زهير، مهلهل بن نصر بن حمدان في يتيمة الدهر 1/ 117.
(1/335)

وَالحَدُّ بَيْنَ التَّقَاضِي وَالإِذْكَارِ (1):
التَّقَاضِي مِنْ طُوْلِ التَّسْوِيْفِ وَالمَطَلِ.
وَالإِذْكَارِ مِنْ النِّسْيَانِ؛ لَكَثْرَةِ الشُّغْلِ.
فَالتَّقَاضي كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ (2): [من الطويل]
تَرَى النَّاسَ فَوْضى فِي السَّمَاحِ وَلَنْ تَرَى ... فَتَى القَوْمِ إِلَّا الوَاهِبَ المُتَقَاضِيَا
وَلَا مَجْدَ إِلَّا حِيْنَ تُحْسِنُ عَائِدًا ... وَكُلُّ فتى فِي النَّاسِ يُحْسِنُ بَادِيَا
وَمَا لَكَ عُذْرٌ فِي تَأَخُّرِ حَاجَتِي ... إِلَيْكَ وَقَدْ أَرْسَلْتُ فِيْكَ القَوَافِيَا
فَلَا تُفْسِدَنْ بِالمَطْلِ مَنًّا تَمُنُّهُ ... فَخَيْرُ السَّحَابِ مَا يَكُوْنُ غَوَادِيَا
وَكَقَوْلِ الآخَرِ (3): [من المنسوخ]
يَحْتَاجُ مَنْ يَرْتَجِي نَوَالَكُمُ ... إِلَى ثَلَاثٍ بِغَيْرِ تَكْذِيْبِ
كُنُوْزِ قَارُوْنَ أَنْ تَكُوْنُ لَهُ ... وَعُمْرِ نُوْحٍ وَصَبْرِ أيُّوْبِ (4)
__________
= هبْنِي ظَلَمْتُكَ فَاغْتَفِرْ لِي زِلَّتِي ... هَذَا مَقَامُ المُسْتَجِيْرُ العائِذ
(1) أنظر: البديع لابن أفلح العبسي ص 177 وما بعدها.
(2) ديوانه 4/ 2455 - 2466.
(3) نظم النثر وحل العقد ص 67.
(4) وَكَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ أَيْضًا (1):
لِي أَملٌ دَائِمُ الوُقُوْفِ عَلَى ... مُنْتَظِرٍ مِنْ نَدَاكَ مَرْقُوْبُ
وَهِمَّةٌ مَا تَزَالُ حَائِمَةً ... عَلَى رَوَاقٍ عَلَيْكَ مَضرُوْبُ
فَكَيْفَ أَلْجَأْتَنِي إِلَى الأَمَلِ ... الأَبْعَدِ مِنْ يُوْسُفَ بنِ يَعْقُوْبِ
المَانِعِي اليَأْسَ مِنْ بَخَالَتِهِ ... وَالمُوْسِعِي مِنْ عِدَاتِ عُرْقُوْبِ
إِمَا نَوَالٌ يُدْنِيْكَ مِنْ مِدَحِي ... أَوْ اعْتِذَارٌ يَكْفِيْكَ تَأَتِيْنِي
_______
(1) ديوانه 1/ 267.
(1/336)

وَالإِذْكَارِ كَقَوْلِ الشَّاعِرُ (1): [من الكامل]
لَا تَعْتَذِرْ بِالشُّغْلِ عَنَّا إِنَّمَا ... تُرْجَى لأَنَّكَ دَائِبًا مِشْغُوْلُ
وَإِذَا فَرَغْتَ وَلَا فَرَغْتَ فَغَيرُكَ ال ... مَرْجُوُّ لِلْحَاجَاتِ وَالمَأْمُوْلُ
وَكَقَوْلِ الآخَرِ: [من المنسوخ]
حَاشَاهُ أَنْ يُقْتَضَى بِمَكْرُمَةٍ ... وَإِنَّمَا عَبْدُهُ يُذَكِّرُهُ (2)
__________
= وَكَقَوْلِ الآخَرِ:
مَا أَرَى حَاجَتِي تَيَسَّرُ حَتَّى ... يَنْهَضَ الذَّرُّ فِي السَّمَاءِ بِفِيْلِ
وَاصِطِبَارِي عَلَى عِدَائِك ... تَحْتَاجُ إِلَى عِلَّةٍ وَعُمْرٍ طَوِيْلِ
* * *

وَكَقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ جَكَيْنا البَغْدَادِيّ وَهُوَ مِنَ التَّقَاضِي الخَفِيْفُ الرُّوْحِ:
نَفَّذْتُ بِابْنِي فَاعْرِفُوا ... وَجْهَهُ لِيَأْخُذَ النَّائِلَ مِنْ بَعْدِي
فَلَيْسَ فِي التَّقْدِيْرِ إنِّي لِي ... قَبْلَ مَماتِي سَاعَةَ الرِّفْدِ
وكقول أبي تمّام (1):
الفِطْرُ وَالضحَى قَدِ انْسَلخَا ... ولي أَمَلٌ بِبَابِكَ صَائِمٌ لَمْ يُفْطِرِ
عَامٌ وَلَمْ تُنْتِجْ بِذَاكَ وَإِنَّمَا ... تُتَوَقَّعُ الحُبْلَى لِتِسْعَةِ أَشْهُرِ
(1) لعلي بن هارون الشيباني في يتيمة الدهر 4/ 128.
(2) وَكَقَوْلِ أَبِي مُحَمَّد بن جَكِيْنَا وَهُوَ أَلْطَفُ مَا سُمِعَ فِي الأذْكَارِ (2):
مَا فِيْكُمُ خِلٌّ وَلَا بِي غِنًى ... عَنْكُم وَنُجح القَوْلِ فِي الصِّدْقِ
وَلَسْتُ أَستَبْطِئ وَلَكِنَّنِي ... يَنْقَطِعُ الغَيْثُ فَأَسْتَسْقِي
_______
(1) ديوانه 4/ 454.
(2) خريدة القصر - قسم العراق 2/ 237، التذكرة الحمدونية 5/ 57.
(1/337)

وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ أنْوَاع السَّرِقَاتٍ:
السِّرْقَةُ: إِتْيَانُ الشَّاعِرِ بِلَفْظٍ، أَوْ مَعْنًى أَوْ كِلَيْهِمَا، قَدْ سَبَقَهُ بِهِ المُتَقَدِّمُ قَبْلَهُ. وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ وأَنْوَاعًا قَدْ سَمَّاهَا الفُضَلَاءُ وَأَهْلُ العِلْمِ وَالأَدَبِ أَسْمَاءً تَمَيَّزَتْ بِهَا، وَوَقَعَ الاصْطِلَاحُ بَيْنَهُم عَلَيْهَا تَغَاضيًا للشَّاعِرِ فِيْهَا لِيُغَيّرَوا هُجْنَة اسمِ السَّرِقَةِ عَنْهَا، وَيَعْرِفُوْهَا بِاسْمٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهَا؛ وَذَلِكَ لأَنَّ "كَلَامَ العَرَبِ مُلْتبسٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَآخِذٌ أَوَاخِرُهُ مِنْ أَوَائِلِهِ. وَالمُبْتَدَعُ مِنْهُ وَالمُخْتَرَعُ قَلِيْل إِذَا تَصفَّحْتَهُ وَامْتَحَنْتَهُ وَاخْتَبَرْتَهُ، وَالمُحْتَرسُ المُتَحَفِّظُ المَطْبُوْعُ بَلَاغَةً وَشِعْرًا مِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ وَالمُتَأَخِّرِيْنَ لَا يَسْلَمُ أَنْ يَكُوْنَ كَلَامُهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فِي الاحْتِرَاسِ، وَتَخَلَّلَ طُرُقَ الكَلَامِ، وَبَاعَدَ فِي المَعْنَى، وَقَارَبَ فِي اللَّفْظِ، وَأفْلَتَ مِنْ شِبَاكِ التَّدَاخُلِ. ألَا تَرَى إِلَى الأَعْرَابِيِّ البَادِيءِ لَا يَكْتبُ، وَلَا يَقْرَأُ، وَلَا يَرْوِي، وَلَا يَحْفَظُ، وَلَا يَتَمَثَّلُ، وَلَا يَحْذو، لَا يَكَادُ كَلَامُهُ يُخْرِجُ عَنْ كَلَامِ مَنْ كَانَ قَبلَهُ، وَلَا يَسْلُكُ إِلَّا طَرِيْقَةً قَدْ ذُلِّلَتْ لَهُ. فَكَيْفَ لَا يَكُوْنُ ذَلِكَ مَعَ المُتَكَلِّفِ المُتَصَنِّع، وَالمُتَعَمِّدِ القَاصِدِ؟ وَمَنْ ظَن أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَلْتَبسُ بِكَلَامِ غيْرِهِ، فَقَدْ كَذَبَهُ ظَنُّهُ، وَفَضَحَهَ امْتِحَانُهُ وَلَوْ نَظَرَ نَاظِر في مَعَانِي الشِّعْرِ وَأَلْفَاظِ البَلَاغَةِ حَتَّى يُخَلِّصَ لِكُلِّ شَاعِرٍ أَوْ بَلِيغٍ مَا بَرَعَ فِيْهِ مِنْ لَفْظٍ، وَتَفَرَّدَ بِهِ مِنْ مَعْنًى لَمْ يَشْرَكْهُ فِيْهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ،
__________
= وَكَقَوْلِ آخَر (1):
لَا أقْتَضِيْكَ عَلَى السَّمَاحِ لأَنَّهُ ... لَكَ عَادَةً لَكِنَّنِي أَنَا مُذْكِرُ
وَكَذَى السَّحَابُ إِذَا تَمَسَّكَ ... بِالخيَارِ غِبُوا إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ فَيَمْطُرُ
وَكَقَوْلِ الآخَر:
جِئْتُكَ لِلإِذْكَارِ مُسْتَحْرِصَا ... لَا لِتَقَاضِيْكَ وَحُوْشِيَتا
فَلَسْتَ بِالمُهْمِلِ لَكِنَّمَا ... لِكِثْرَةِ الأَشْغَالِ أُنْسِيْتَا
_______
(1) لسالم بن علي بن سلمان، ابن العودي في الوافي بالوفيات 15/ 88.
(1/338)

لَكَانَ ذَلِكَ قَلِيْلًا مَعْدُوْدًا، وَنَزْرًا مَحْدُوْدًا" (1).
وَيَعُمُّ جَمِيْعَ الأَسْمَاءِ المُصْطَلَحَ عَلَيْهَا عِنْدَ الفُضَلَاءِ كُلِّهَا اسْمُ السَّرِقَةِ فِي الحَقِيْقَةِ؛ لأَنَّهَا جِنْسٌ لَهَا. وَهَذَا البّابُ يَحْتَاجُ إِلَى تَمْيِيْزِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَنْوَاعِ بِحَدٍّ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ مُفَصَّلًا، بِحَيْثُ يَتَّضِحُ الفَرْقُ بَيْنَ كُلِّ نَوْعٍ، وَيَزُوْلُ الإِشْكَالُ الَّذِي عَرَضَ فِي اشْتِمَالِ اسمٍ وَاحِدٍ عَلَى الكُلِّ. وَأَنَا أُبيِّنُهُ فِيْمَا أذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَالسَّرِقَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ ضُرُوبٍ:
ضَرْبٌ قَدْ أجْمَعَ الأُدَبَاءُ مِنْ عُلَمَاءِ الشِّعْرِ وَنُقَّادِ الكَلَامِ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ وَتَسْوِيْغِهِ، وَتَجْوِيْزِهِ وَمُسَامَحَةِ الشَّاعِرِ فِيْهِ، وَهُوَ:
نَظْمُ المَنْثُوْرِ، وَإحْسَانُ الآخِذِ على المَأخُوْذِ مِنْهُ، وَالشِّعْرُ المَحْدُوْدُ وَالمَجْدُوْدُ، وَتَكَافُؤُ إحْسَانِ المُتَّبَعِ والمُبْتَدِعِ، وَنَقْلُ المَعْنَى إِلَى غَيْرِهِ، وَتَقَابُلُ النَّظَرِ فِي المَعْنَى إِلَى مِثْلِهِ، وَالسَّلْبُ، وَالاهْتِدامُ، وَهُوَ السَّلْخُ، وَالالْتِقَاطُ، وَالتَّلْفِيْقُ.

فَنَظْم المَنْثُوْرِ (2):
هُوَ أَنْ يُخْفِي الشَّاعِرُ المَطْبُوْعُ السَّرَقَ، وَيُلْبسُهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَنْثُوْرِ الكَلَامِ دُوْنَ مَنْظُوْمِهِ اسْتِرَاقًا لِلأَلْفَاظِ الرَّائِقَةِ، وَالمَوَاعِظَ الرَّائِعَةِ، وَالفِقَرِ الوَاقِعَةِ، وَالخُطَبِ البَارِعَةِ (3).
__________
(1) حلية المحاضرة 2/ 29 وفيه أن الكلام لأحمد بن أبي طاهر.
(2) أنظر: حلية المحاضرة 2/ 93.
(3) قَالَ العَبْدُ الفَقِيْرُ إِلَى اللَّهِ تَعالَى مُحَمَّد بن أَيْدِمَرَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمَا: سَمِعْتُ قَوْلَ القَائِلِ وَهُوَ ابن عَائِشَةَ:
"كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَا مِنْكَ لِمَا تَرْجُو، فَإنَّ مُوْسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَهَبَ لِيَقْبِسَ نَارًا فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَكْلِيْمًا" فَنَظِمْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ:
لَا تُطِيْلُوا لِمَدَى التَّوْكِيْلِ قَوْلًا ... وَاسْمَعُوْهُ فِيْمَا أَقُوْلُ وَعُوْهُ =
(1/339)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= كُلَّ مَا لَسْتُ أَرْتَجِيْهِ فَأَوْلَى ... بِرَجَاءٍ مِنْ كُلِّ مَا أَرْجُوْهُ
وَقَرِيْبٌ مِنْهُ قَوْلُ الآخَرِ نثرًا: إِذَا أَصْبَحْتُ فَمَا يَأْتِيْنِي مِمَّا لَا أَحْتَسِبُ أَكْثَرُ مِمَّا يَأْتِيْنِي مَا أَحْتَسِبُ.
وَقَالَ آخَرُ:
وَكُنْ لِمَا لَسْتَ لَهُ رَاجِيًا ... أَرْجَا لِمَا تَرْجُوْهُ مِنْ غُنَمِ
إِنَّ ابنَ عِمْرَانَ مَضَى ... قَابِسًا عَاذِبِيًّا مِنْ أُوْلى الغُرمِ
وَأخَذَ أَبُو تَمَّامٍ قَوْلَ ابن عَائِشَةَ هَذَا فَقَالَ (1):
اصْبِرِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ ... فَإنَّ الصَّبَّ أَحْجَى
رُبَّمَا خَابَ رَجَاءٌ ... وَأَتَى مَا لَيْسَ يُرْجَى
وَمِنْ أَظْرَفِ مَا قِيْلَ فِي المُتَكَبِّرِ البَخِيْلِ بِكَلَامِهِ قَوْلُ ابن بَسَّامٍ لِعَلِيِّ بن عِيْسَى (2):
لَسْتَ رُوْحَ اللَّهِ عَيْسَى ... إِنَّمَا أَنْتَ ابن عِيْسَى
كَلِّمِ النَّاسِ فَإنَّ اللَّهَ ... قَدْ كَلَّمَ مُوْسَى
* * *

أَخْبَرَ مُحَمَّد بن يَحْيَى عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمَّامٍ يَقُوْلُ البَلَاغَةُ نَقْصُ المَنْظُوْمِ وَنَظْمُ المَنْثُوْرِ وَلِذَلِكَ قِيْلَ الشِّعْرُ رَسِائِلُ مَعْقُوْدَةٌ وَالرَّسَائِلُ أَشْعَارٌ مَجْلُوْلَةٌ.
وَقِيْلَ لِلعَتَابِيّ: بِمَ قَدرتَ عَلَى البَلَاغَةِ فَقَالَ بِحَلِّ مَعْقُوْدِ البَلَاغَةِ.
وَأَخْبَرَ ابن أَبِي خَلادٍ البَصْرِيُّ قَالَ قَالَ أَبُو تَمَّامٍ لابنِ عبَادَةَ أَبِي دُؤَادٍ لَمَّا غَضِبَ عَلَيْهِ: أَنْتَ النَّاسُ كُلَّهُمُ وَلَا طَاقَةَ لِي مغضبَ جَمِيعْ النَّاسِ فَقَالَ ابن أَبِي دُوَادٍ مَا أَحْسَنَ
_______
(1) ديوان أبي تمام 4/ 504.
(2) شعراء عباسيون 2/ 450.
(1/340)

وَمَحْمُوْدٌ الوَرَّاقُ، وَأبُو العَتَاهِيَةِ، وَصَالِحُ بنُ عَبْدِ القُدُّوْسِ، وَسَابِقٌ البَرْبَرِيُّ يَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ كَثيْرًا فِي أَشْعَارِهِمْ إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُكْثِرُوا إِكْثَارَ أَبِي العَتَاهِيَةِ وَمَحْمُوْدٍ. ومِنَ المُتَقَدِّمِيْنَ مَنْ نَظَمَ ذَلِكَ (1)، وَهُوَ الأَخْطَلُ. عَمَدَ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ
__________
= هَذَا الكَلَامَ فَمِنْ أَيْنَ أَخَذْتَهُ قَالَ مِنْ قَوْلِ أَبِي نُواسٍ (1):
وَلَيْسَ للَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ (2)
وَأَبُو نوَاسٍ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ جَرِيْرٍ (3):
إِذَا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُو تَمِيْم ... رَأَيْتَ النَّاسَ كُلَّهُمْ غِضَابَا
(1) وَقَالَ نَادِبُ الإِسْكَنْدَرِ عِنْدَ وَفَاتِهِ وَقَدْ بَكَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ حَرَّكَنَا بِسُكُوْتِهِ، فَنَظَمَ هَذَا أَبُو العَتَاهِيَةِ فَقَالَ (4):
قَدْ لَعَمْرِي حَكِيْتَ لِي غُصَصَ المَوْ ... تِ وَحَرَّكَتْنِي لَهَا وَسَكَنتَا
وَيُقَالُ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الإِسْكَنْدَرُ نَدَبَهُ أَرْسْطَالِيْسُ الحَكِيْمُ فَقَالَ: طَالَمَا كَانَ هَذَا الشَّخْصُ وَاعِظًا بَلِيْغًا وَمَا وَعَظَ بِكَلَامِهِ مَوْعِظَةً قَطْ أَبْلَغَ مِنْ مَوْعِظَتِهِ بِسُكُوْتِهِ فَنَظَمَ هَذَا المَعْنَى صَالِحُ بن عَبْدِ القُدُّوْسِ فَقَالَ وَأَحْسَنَ (5):
وَيُنَادُوْنَهُ وَقَدْ صَمَّ عَنْهُمُ ... ثُمَّ قَالُوا وَلِلنِّسَاءِ نَحِيْبُ
مَا الَّذِي عَاقَ أنْ تَرُدَّ جَوَابًا ... أَيُّهَا المِقْوِلُ الأَلَدُّ اللَّبِيْبُ
إِنْ تَكُنْ لَا تُطِيْقُ رَجْعَ جَوَابٍ ... فِيْمَا قَدْ تُرَى وَأَنْتَ خَطِيْبُ
ذُو عِظَاتٍ وَمَا وَعَظْتَ بِشَيْءٍ ... مِثْلَ وَعْظِ السُّكُوْتِ إِذْ لَا تُجِيْبُ
وَأَحْسَبُهُ نَظَرَ فِي قَولهِ: إِنْ تَكُنْ لَا تَطِيْقُ رَجْعَ جَوَابٍ إِلَى مُخَاطَبَةِ المُؤَبَّذ لِقُبَّاذَ بَعْدَ
_______
(1) ديوانه ص 454.
(2) الصناعيتن ص 221 - 222، وفيات الأعيان 1/ 81.
(3) ديوانه 823.
(4) ديوانه ص 105.
(5) مجموع شعره ص 133.
(1/341)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= مَوْتهِ: كَانَ المَلِكُ أَمْسِ أَنْطَقَ مِنْهُ اليَوْمَ وَهَذَا اليَوْمَ أَوْعَظَ مِنْهُ أَمْسِ.
وَفِي خُطْبَةٍ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلَيُّ بن أَبِي طَالِب عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَظَ النَّاسَ بِهَا حِيْنَ ضرَبَهُ ابْنُ مَلْجِمَ فَقَالَ: وَلْيَعِظَكُمْ هُدُوْئِي وَخُفُوْتُ أَطْرَافِي فَإِنَّهُ أَوْعَظَ لَكُمْ مِنَ النُّطْقِ البَلِيغِ.
فَنَظَم أَبُو العَتَاهِيَةِ لَفْظَ المُوبِذِ فَقَالَ وَعَضَدَ المَعْنَى مَا يَهِيْجُ اللَّوْعَةَ وَيَقْدَحُ زَنَادَ الوَجْدِ وَالكَآبَةِ (1):
طَوَتْكَ خُطُوْبُ دَهْرِكَ بَعْدَ نشرٍ ... كَذَاكَ خُطُوْبُهُ نشرًا وَطَيَّا
فلو نَشَرَتْ قُوَاكَ لنَا المَنَايَا ... شَكَوْتُ إِلَيْكَ مَا صَنَعَتْ إِلَيَّا
كَفَى حَزْنًا بِدَفْنِكَ ثُمَّ أنِّي ... نَفَضْتُ تُرَابَ قَبْرِكَ مِنْ يَدَيَّا
بَكَيْتُكَ يَا أَخِي بِدُمُوْعِ عَيْنٍ ... فَلَمْ يُغْنِ البُكَاءُ عَلَيْكَ شَيَّا
وَكَانَتْ فِي حَيَاتِكَ لِي عِظَاتٌ ... فَأَنْتَ اليَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا
فَاحْتَذَى هَذَا المَعِنى ابْنُ طَبَاطَبَا العَلَوِيُّ فَقَالَ (2):
وَعَظَ الوَرَى بِسُكُوْتِهِ فَأَتَاهُمُ ... بِبِيَانِ قسٍّ حِيْنَ قِيْلَ لَهُ اخْطُبِ
وَقَالَ أَرِسْطَالِيْسُ: قَدْ تَكَلَّمْتُ بِكَلَامٍ لَوْ مَدَجْتُ بِهِ الدَّهْرَ لَمَا جَارَتْ عَلَيَّ صُرُوْفُهُ فَنَظَمَهُ أَبُو عُثْمَانَ النَّاجِمُ وَأَحْسَنَ فَقَالَ:
وَلِي فِي حَامِدٍ أَمَلٌ قَدِيْمٌ ... وَمَدْحٌ قَدْ مَدَحْتُ بِهِ طَرِيْفُ
مَدِيْحٌ لَوْ مَدَحْتُ بِهِ اللَّيَالِي ... لَمَا جَارَتْ عَلَيَّ لَهَا صُرُوْفُ
وَقَالَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلَيُّ بن أَبِي طَالِبٍ لابْنِهِ الحَسَنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامَ: يَا بُنَيَّ الغَرِيْبُ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَبِيْبٌ. فَنَظَمَهُ العَبَّاسِ بن الأَحْنَفِ فَقَالَ (3):
_______
(1) ديوان أبي العتاهية ص 491.
(2) حلية المحاضرة 2/ 94.
(3) حلية المحاضرة 2/ 95.
(1/342)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمُسْتَوحشٍ لَمْ يُمْسِ فِي دَارِ غُرْبَةٍ ... وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ يُحِبُّ غَرِيْبُ
قَالَ أَبُو حَمْدُوْنَ: كَانَ الفَتْحُ بنُ خَاقَانَ يَأْنسُ بِي وَيُطْلُعنِي عَلَى الخَاصِّ مِنْ سِرِّهِ فَقَالَ لِي مَرَّةً شَعَرْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي انْصرَفْتُ البَارِحَةُ مِنْ مَجْلِسِ أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ فَلَمَّا دَخَلْتُ مَنْزِلي اسْتَقْبَلتنِي فُلَانَةُ يَعْنِي جَارِيَةً لَهُ فَلَمْ أَتَمَالَكَ أنْ قَبَّلْتُهَا فَوَجَدْتَ فِيْمَا بيت شَفَتَيْهَا هَوَاءٌ لَوْ رَقَدَ المَخْمُوْرُ فِيْهِ لَصَحَا. فَكَانَ هَذَا مِمَّا يُسْتَحْسَنُ وَيُسْتَظْرَفُ مِنْ كَلَامِ الفَتْحِ فَسَمِعَ أَبُو الفَرَجِ الوَأوَاء الدِّمَشْقِيُ ذَلِكَ فَنَظمَهُ فَقَالَ (1):
سَقَى اللَّهُ لَيْلًا طَابَ إِذْ زَارَ طَيْفُهُ ... فَأَفَيْتُهُ حَتَّى الصَّبَاحِ عِنَاقَا
بِطِيْبِ نَسِيْمٍ مِنْهُ يَسْتَجْلِبُ الكَرَى ... وَلَوْ رَقَدَ المَخمُوْرُ فِيْهِ أَفَاقَا
* * *

سُئِلَ سُقْرَاطُ عَنِ العَشُقِ فَقَالَ حَرَكَةُ قَلْبٍ فَارِغٍ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ حَرَكَةُ نَفْسٍ فَارِغَةٍ.
وَلَمَّا نَظَم هَذَا الكَلَامُ زَادَ فِيْهِ شَيْئًا وَهُوَ ذِكْرُ القَتْلِ.
وَقَالَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا حَضِرَتْهُ الوَفَاةُ: لَا تُعمْقُوا قَبْرِي فَإِنْ خَيْرَ الأَرْضِ أَدِيْمُهَا الأعَلَى.
فَنَظَم هَذَا المَعْنَى عَبْدُ الرَّحِيْمِ الحَارِثِيّ فَقَالَ:
وَخُطَّا عَلَى عَلْيَاءَ قَبْرِي فَإِنَّنِي ... أُحِبُّ مِنَ الأَخْلَاقِ مَا كَانَ عَالِيَا
وَسَمِعَ بِعْضُ الكُتَّابِ قَوْلُ نَصِيْبٍ (2):
وَلَوْ سَكَتُوا أَثْنَتْ عَلَيْكَ الحَقَائِبُ.
فَكَتَبَ فِي فَصْلٍ وَلَوْ أَمْسَكَ لِسَانِي عَنْ شُكْركَ لَنَطَقَ بِهِ أَثَرَكَ عَلَيَّ وَلَوْ جَحَدْتُّكَ
_______
(1) ديوانه ص 164، يتيمة الدهر 1/ 335، المحمدون ص 54، خاص الخاص ص 51.
(2) ديوانه ص 59.
(1/343)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= إِحْسَانَكَ لأَكْذَبَتْنِي آثَارُهُ وَنَمَّتْ عَلَيَّ شَوَاهِدُهُ.
وَقَالَ أَحْمَد بن عِيْسَى بن زَيْدٍ العَلَوِيُّ فِي كَلَامٍ لَهُ: لِسَانُ الحَالِ أَنْطَقُ مِنْ لِسَانِ الشَّكْوَى فَنَظَمَ هَذَا المَعْنَى ابْنُ الرُّوْمِيّ فَقَالَ (1):
وَسَائِلِيْنَ بِحَالِي كيْفَ صُوْرَتُهَا ... فَقُلْتُ قَدْ نَطَقَتْ حَالِي لِمَنْ عَقِلا
وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ (2):
وَإِنْ تَجِد عِلَّةً نِحْمَ بِهَا ... حَتَّى كَأَنَّا نُعَادُ مِنْ مَرَضهِ
فَنَثَرَهُ بَعْضُ الكُتَّابِ فَقَالَ: مَنْ نَزَلَ مَنْزلَتِي مِنْ طَاعَتِكَ وَمُشَارَكَتِكَ كَانَ حَقِيْقِيًّا أَنْ يُهَنَّأَ بِالنِّعْمَةِ تُحْدثُ لَكَ وَيُعَزَّى عَلَى النَّائِبَةِ تُلِمُّ بِكَ فَنَقَلَ بَابَ العِيَادَةِ إِلَى بَاب التَّهْنِئَةِ وَالتَّعْزِيَةِ وَغَيَّرَ الأَلْفَاظَ.
وَحَدَّثَ مُحَمَّد بن يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ذَكْوَانَ قَالَ: دَخَلَ الحَسَنِ بنَ سَهْلٍ عَلَى العَلَاءِ بن أَيُّوْبِ قَالَ: مَا تَرَى مَا يُعَامِلُنَا بِهِ إبْرَاهِيْمُ بن العَبَّاسِ، كَانَ يَجْعَلُ خُطَب أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَسَائِلَ فَنُزَاحِمُهُ فِيْهَا فَصَارَ يَجْعَلُ النَّظْمَ نثرًّا، عَمدَ إِلَى قَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ (3):
وَإِنْ بين حِيْطَانًا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا ... أُوْلَئِكَ عقَالَاتهُ لَا مَعَاقِلُهُ
وَإِلَى قَوْلِ مُسْلِمِ بنِ الوَلِيْدِ (4):
مُوفٍ عَلَى مُهَجٍ فِي يَوْمِ ذِي رَهَجٍ ... كَأَنَهُ أَجَلٌ يَسْعَى إِلَى آمِلِ
وَإِلَى قَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ (5):
_______
(1) ديوانه 5/ 1923.
(2) ديوانه 2/ 318.
(3) ديوانه 2/ 28.
(4) ديوانه ص 9.
(5) ديوانه 2/ 203.
(1/344)

اليُوْنَانِيِّيْنَ: العِشْقُ شُغْلُ قَلْبٍ فَارِغٍ فَقَالَ: [من الطويل]
وَكَمْ قَتَلَتْ أَرْوَى بلا دِيَةٍ لَهَا ... وَأَرْوَى لِفُرَّاغِ الرِّجَالِ قَتُوْلُ
وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: اليَدُ العُلَيْا خَيْر مِنَ السُّفْلَى (1). فَنَظَمَ هَذَا المَعْنَى أَبُو العتَاهِيَةِ، وَأَخَلَّ بِبَعْضِهِ مُقَصِّرًا فَقَالَ (2): [من السريع]
افْرَحْ بِمَا تَأْتِيْهِ مِنْ طِيْبٍ ... إِنَّ يَدَ المُعْطِي هِيَ العُلْيَا
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِكْرَامُ الشَّاعِرِ مِنْ برِّ الوَالِدَيْنِ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي أيُّوْبَ المَكِّيِّ شَاعِرٌ مِنْ وَاسِطَ، فَمَدَحَهُ، وَنَظَمَ هَذَا الكَلَامَ فَقَالَ: [من الخفيف]
إِنَّ مِنْ بِرِّ وَالِدَيْكَ جَمِيْعًا ... أَنْ تَوَخَّى مَسَرَّةَ الشُّعَرَاءِ
وَقَالَ القَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ: أَبُوْنَا آدَمُ أُخْرِجَ مِنَ الجَّنَةِ بِذَنْبٍ وَاحِدٍ، فَنَظَمَ ذَلِكَ مَحْمُوْد الوَرَّاقُ فَقَالَ (3): [من الكامل]
تَصلُ الذُّنُوْبَ إِلِى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرَكَ الجِنَانِ بِهَا وَفَوْزَ العَابِدِ
وَنَسِيْتَ أَنَّ اللَّهَ أخْرَجَ آدَمًا ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبِ وَاحِدِ
وَنَظَمُ مَحْمُوْد أَيْضًا قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُوْدٍ: إِنَّ الرَّجُلَ لِيَظْلِمُنِي، فَأَرْحَمُهُ. حَيْثُ قَالَ (4): [من الكامل]
إنِّي شَكَرْتُ لِظَالِمِي ظُلْمِي ... وَغَفَرْتُ ذَاكَ لَهُ عَلَى عِلْمِ
__________
= صَلَّى لَهَا حَيًّا وَكَانَ وَقُوْدَهَا ... مَيْتًا وَيَدْخلهَا مَعَ الكفَّارِ
فنتر ذَلِكَ فِي فتحِ إسْمَاعِيْلَ ابن التَّقْلِيِسِيّ فَقَالَ: وَأَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ مَعْقِلٍ إِلَى عِقَالٍ وَأَبْدَلَهُ مِنْ آمَالٍ بِآجَالٍ وَقَسَّمَ الخائن ثَلَاثةَ أَقْسَامٍ: فَرُوْحٌ مُعَجَّلَةٌ إِلَى عَذَابٍ، وَهَامَةٌ مَنْقُوْلَةٌ إِلَى خَزَائِنَ خَلِيْفَةِ اللَّهِ، وَبَدَنٌ مَنْصُوْبٌ عِظةً لأَوْلِيَاءِ اللَّهِ. . . .
(1) مسند أحمد بن حنبل 2/ 243.
(2) حلية المحاضرة 2/ 92، ولم يرد في ديوانه.
(3) حلية المحاضرة 2/ 93، الكامل 1/ 235.
(4) ديوانه 157، حلية المحاضرة 2/ 93، الكامل 1/ 234.
(1/345)

مَا زَالَ طلُمُنِي وَأَرْحَمُهُ ... حَتَّى رَثِيْتُ لَهُ مِنَ الظُّلْمِ

وَإحْسَانُ الآخِذِ عَلَى المَأْخُوْذِ مِنْهُ، وَزِيَادَتُهُ عَلَيْهِ:
وَهُوَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الشَّاعِرُ بِمَعْنًى قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، فَيَزِيْدَهُ إحْكَامًا وَإفْصَاحًا، وَكَشْفًا وَإيْضَاحًا، وَيَكْسُوْهُ أحْسَنَ لَفْظٍ، وَأَجْمَلَ عِبَارَةٍ، وَيُبْرِزُهُ فِي أبْهَى حُلَّةٍ، وَأَلْطَفُ إشَارَةٍ، وَيَخْتَارُ لَهُ الوَزْنَ الرَّشِيْقَ (1)، وَالمَعْنَى الدَّقِيْقَ؛ لِيَصِيْرَ عَلَى
__________
(1) وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ (1):
مِنْ كُلِّ زَاهِرَةٍ تَرَقْرَفَ بِالنَّدَى ... وَكَأَنَّهَا عَيْنٌ عَلَيْهِ تَحَدَّرُ
أَخَذَهُ البُحْتُرِيُّ فَزَادَ عَلَيْهِ فَصارَ أَحَقُّ بِالمَعْنَى فَقَالَ (2):
شَقَائِقُ يَحْمِلْنَ النّدَى فَكَأَنَّهُ ... دُمُوْعُ التَّصَابِي فِي خُدُوْدِ الخَرَائِدِ
فَأَتَى بِدُمُوْعِ التَّصَابِي وَخُدُوْدِ الخَرَائِدِ وَكِلَا هَذَيْنِ زِيَادَةٌ مَلَكَ خصلَ الإحْسَان بِهُمَا. وَقَالَ جَرَّانُ العُوْدِ (3):
أَبيْتُ كَاَنَّ العَيْنَ أَفْنَانُ سِدْرَةٍ ... عَلَيْهَا سَقِيْطٌ مِنْ نَدَى اللَّيْلِ يَنْطفُ
أَخَذَهُ الآخَرُ فَقَالَ:
لَعَيْنَاكَ يَوْمَ البَيْنِ أَسرَعُ وَاكِفًا ... مَنَ الفَنَنِ المَطْمُوْرِ وَهُوَ مُرَوَّحُ
لَمْ يَرْضَ هَذَا الآخِذُ أَنْ يَكُوْنَ دَمْعهُ مُتَسَاقِطًا تَسَاقطَ القَطْرِ مِنْ وَرَفِ الغُصْنِ المَمْطُوْرِ حَتَّى جَعَلَهُ مُرَوّحًا ذهَابًا إِلَى أَنَّ الرِّيْحَ تُحَرِّكُهُ فَهُوَ لَا يَهْدَأُ مِنَ القطْرِ السَّرِيْع التَّتَابُعِ وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي وَصْفِ كُثْرَةِ تَحَدُّرِ الدُّمُوْعِ وَتَسَاقُطِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ قَيْسُ بن زُهَيْرٍ (4):
تَرَكْتُ النّهَابَ لأَهْلِ النّهَابِ ... وَأَكْرَهْتُ نَفْسِي عَلَى ابنِ الحَمِق
_______
(1) ديوانه 2/ 195.
(2) ديوانه 1/ 623.
(3) ديوانه ص 52.
(4) ديوانه.
(1/346)

الأَنْفُسِ أشَدَّ عَلَقًا، وَفِي الآذَانِ أنْفَذَ مَسْلَكًا، فَيَكُوْنَ عَلَى رَأْيِي مُسْتَحِقًّا لَهُ، وَعَلَى رَأْي المُتَقَدِّمِيْنَ أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ ابْتَدَعَهُ، لَا سِيَّمَا إِذَا أخْفَى مَخَايلَهُ، وَأسَرَّ تَنَاوُلَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ زِيَادَةً مُسْتَحْسَنَةً، أَوْ اتَّفَقَ لَهُ نَقْلُهُ مِنْ طَرِيْقٍ سَلَكَ بِهِ شَاعِرُهُ إِلَى مَعْنًى غَيْرِهِ، أَوْ عَكَسَهُ، إِنْ كَانَ تَشْبِيْهًا، أَوْ تَمَّمَهُ إِنْ كَانَ نَاقِصًا. فَحِيْنَئِذٍ تَظْهَرُ قُدْرَةُ الصِّنَاعَةِ،
__________
= فَأَخَذَ هَذَا عَنْتَرَةُ وَأَحْسَنَ فَقَالَ (1):
يُنْبِيْكَ مِنْ شَهْدِ الوَقِيْعَةِ إِنَّنِي ... أَغْشَى الوَغَا وَأَعُفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ
وَهَذَا البَيْتُ أَكْرَمُ لَفْظًا وَأَعْذَبُ مَوْرِدًا وَإِنْ كَانَ قَيْسُ بن زُهَيْرٍ إِلَى المَعْنَى مُرْشِدًا وَقَدْ حَاوَلَ أَبُو تَمَّامٍ أَخْذُ هَذَا المَعْنَى فَلَمْ يَصِفْ لَفْظُهُ بِقَوْلِهِ (2):
إِنَّ الأُسُوْدَ أُسُوْدَ الغَابِ هِمّتُهَا ... يَوْمَ الكَرِيْهَةِ فِي المَسْلُوْبِ لَا السَّلَبِ
عَلَى أَنَّ عَمْرو بن كُلْثُوْم قَدْ قَالَ (3):
فَآبُوا بِالنّهَابِ وَبِالسَّبَايَا ... وَأُبْنَا بِالمُلُوْكِ مُصَفَّدِيْنَا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابن أُخْتِ تَأَبَّطَ شَرًّا وَقَتَلَتهُ هَذِيْلٌ (4):
شَامِسٌ فِي القرِّ حَتَّى إِذَا مَا ... أَذْكَتِ الشعْرَى فَبَرْدٌ وَظِلُّ
طَاعِنٌ فِي الحَزْمِ حَمًّى إِذَا مَا ... حَلَّ حَلَّ الحَزْمُ حَيْثُ يَحلُّ
أَخَذَ مَعْنَى البَيْتِ الأَوَّلِ أَعْرَابِيٌّ فَخَلَّاهُ فِي أَحْسَنِ صنْعَةٍ وَأَسْهَلِ دِيْبَاجَةٍ فَقَالَ:
إِذَا نَزلَ الشِّتَاءُ فَأَنْتَ شَمْسٌ ... وَإِنْ نَزلَ المَصِيْفُ فَأَنْتَ ظِلُّ
وَأَخَذَ مَعْنَى البَيْتِ الثَّانِي أَبُو نُوَّاسٍ فَقَالَ فِي الخَصِيْبِ (5):
فَمَا جَازَهُ جُوْدٌ وَلَا حَلَّ دُوْنَهُ ... وَلَكِنْ نَصِيْرُ الجوْدِ حَيْثُ يَصِيْرُ
_______
(1) ديوانه ص 25.
(2) ديوانه 1/ 66.
(3) ديوانه ص 83.
(4) حماسة أبي تمام 1/ 400.
(5) ديوانه ص 481.
(1/347)

وَيَنْطِقُ بِالتَّفْضِيْلِ لِسَانُ البَلَاغَةِ، وَيُحْكَمُ لِلشَّاعِرِ بِالحِذْقِ وَالبَرَاعَةِ. عَلَى أَنَّ لِلسَّابِقِ إِلَى المَعَانِي، وَالمُفْتَرِعِ أَبْكَارَ أَلْفَاظِهَا فَضيْلَتُهُ الَّتِي لَا يُدَافَعُ عَنْهَا، وَمَزِيَّتُهُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنَ الاعْتِرَافِ لَهُ بِهَا، كَقوْلِ الأَعْشَى يَصِفُ نَاقَةً (1): [من المتقارب]
كَتُوْمُ الرُّغَاءِ إِذَا هَجَّرَتْ ... وَكَانَتْ بَقِيَّةَ ذَوْدٍ كُتُم
فَأَخَذَهُ الكَمِيْتُ، وَزَادَ عَلَيْهِ أَحْسَنَ زِيَادَةٍ فَقَالَ (2): [من الطويل]
كَتُوْمٌ إِذَا ضجَّ المَطِيُّ كَأَنَّهَا ... تَكَرَّمُ عَنْ أخْلَاقِهِنَّ وَتَرْغَبُ
وَكَقَوْلِ زُهَيْرٍ يَصِفُ فَرَسًا (3): [من الطويل]
بِذِي مَيْعَةٍ لَا مَوْضِعُ الرُّمْحِ مُسْلَمٌ ... لِبُطْءٍ وَلَا مَا خَلْفَ ذَلِكَ خَاذِلُه
أخَذَهُ القُطَامِيُّ، فَنَقَلَهُ إِلَى وَصفِ الإِبلِ، وَتَقَدَّمَهُ فِي الإحْسَانِ فَقَالَ (4): [من البسيط]
يَمْشِيْنَ رَهْوًا فَلَا الأَعْجَازُ خَاذِلَةٌ ... وَلَا الصُّدُوْرُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِلُ
وَكَقَوْلِ الأَعْرَابِيِّ (5): [من الرمل]
لَا تَكُنْ مُحْتَقِرًا شَأنَ امْرِيءٍ ... رُبَّمَا كَانَ مِنَ الشَّأْنِ شُؤُوْنُ
رُبَّمَا قَرَّتْ عُيُوْنٌ بِشَجًى ... مُمْرِضٍ قَدْ سَخُنَتْ مِنْهُ عُيُونُ
أخَذَهُ أَبُو تَمَّامٍ، فَكَسَاهُ لَفْظًا أرْشَقَ مِنْ لَفْظِهِ الأَوَّلِ، فَقَالَ (6): [من البسيط]
وَحُسْنُ مُنْقَلَبٍ تَبْقَى عَوَاقِبُهُ ... جَاءَتْ بَشَاشتُهُ مِنْ سُوْءِ مُنْقَلَبِ
__________
(1) ديوانه ص 87.
(2) حلية المحاضرة 2/ 72، شرح هاشميات الكميت ص 92.
(3) لزهير بن أبي سلمة في ديوانه 121.
(4) زهر الآداب 2/ 592.
(5) لعمرو بن حلزة (أخي الحارث) في الموشح ص 8.
(6) ديوانه 1/ 63.
(1/348)

فَأخَذَهُ الآخَرُ فَجَاءَ بهِ أَبْيَنَ مِمَّا جَاءَ بهِ أَبُو تَمَّامٍ فِي لَفْظٍ أسْهَلَ وَأَقْرَبَ إِلَى الفَهْمِ فَقَالَ (1): [من مجزوء الرمل]
رُبَّ أمْرٍ تتَقِيْهِ ... جَرَّ أمْرٍ تَرْتَجِيْهِ
خَفِيَ المَحْبُوْبُ مِنْهُ ... وَبَدَا المَكْرُوْهُ فِيْهِ (2)
__________
(1) لعبد اللَّه بن المعتز في ديوانه ص 749.
(2) وَمِنْ بَابِ نَثْرِ المَنْظُوْمِ وَهُوَ ضِدُّ نَظْمِ المَنْثُوْرِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا لِلْمُقَارَبَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ قَالَ سَعِيْدُ بن حِمِيْدٍ (1):
أَرَى أَلْسُنَ الشَّكْوَى إِلَيْكَ كَلِيْلَةً ... وَفِيْهِنَّ عَنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ فُتُوْرُ
مُقِيْمًا عَلَى العَتْبِ الَّذِي ليسَ نَافِعًا ... فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا إِلَيْكَ مَصِيْرُ
وَمَا أَنْتَ إِلَّا كَالزَّمَانِ تَلَوَّنَتْ ... نَوَائِبُ مِنْ أَحْدَاثِهِ وَأُمُوْرُ
وَإِنْ قَلَّ إنْصَافُ الزَّمَانِ وَعَدْلِهِ ... فَمَنْ ذَا الَّذِي مِمَّا جَنَاهُ يُجيْرُ
فَنَثَرَ مَنْظُوْمَ هَذَا بَعْضُ الكُتَّابِ فَقَالَ: قَدْ كَلَّتِ أَلْسُنُ الشَّكْوَى إِلَيْكَ وَفَتَرَتْ عَنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْكَ لإِقَامَتِكَ عَلَى العَتَبِ الَّذِي لَيْسَ بِنَافِعٍ مَعَ عِلْمِكَ بِأنَّهُ لَا مُعْدِلَ لنَا عَنْكَ وَلَا مُنْتَصِفَ لنَا مِنْكَ فَمَا أَنْتَ إِلَّا كَالزَّمَانِ يَقِلَّ إنْصَافُهُ وَتَتَلَوَّنُ نَوَائِبُهُ وَأَحْدَاثَهُ وَمَا مِنْهُ مُغِيْثٌ وَلَا مِمَّا جَنَاهُ مُجِيْرٌ.
فَقَوْلُ سَعِيْدٍ وَمَا أَنْتَ إِلَّا كَالزَّمَانِ مِنْ قَوْلِ مُسْلِمٍ (2):
وَمَا أَنَا إِلَّا كَالزَّمَانِ إِذَا صَحَا ... صَحَوْتُ وَإِنْ مَاقَ الزَّمَانُ أَمُوْقُ
وَحَكَى أَبُو عَلَيّ مُحَمَّد بنُ الحَسَنِ الحَاتِمِيُّ قَالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الوَزِيْرِ ابن أَبِي المُهَلَّبي عَلَى رَسْمِ مُنَادَمَتِهِ وَكِتَابَتِهِ وَكَان مَا عَلِمْتَهُ فَكِهَا حُلْوًا عَذْبَ المُذَاكَرَةِ حَاضِرَ النَّادِرَةِ أَرْيَحِيَّ الهِمَّةِ كَرِيْمَ الشِّيْمَةِ يَخْضرُّ عُوْدُهُ إِذَا ذَوَى عُوْدُ الكَرَمِ وَتَسْمَحُ يَدَاهُ إِذَا بَخِلَتْ أَيْدِي الدِّيَمِ وَيَطُوْلُ إِلَى المَعَالِي إِذَا تَقَاصَرَتِ الهِمَمُ، وَحَضرَ أَبُو إسْحَقَ
_______
(1) شعراء عباسيون 3/ 232.
(2) لم يرد في ديوانه، ولبشار بن برد في ديوانه 4/ 123.
(1/349)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= الصَّابِئُ، وَكُنْتُ حِيْنَئِذٍ حَدَثَ السِّنِّ غَضَّ الغُصْنِ لَابِسًا ثَوْبِي حَيَاءً وَغَرَارَةٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحَمَهُ اللَّهُ: أَجِدُكَ تُصَرِّفُ فِي الكِتَابَةِ تَصَرُّفًا حَسَنًا وَتَتَعَاطَى قَوْلَ الشَعْرِ وَلَيْسَتْ بِضَاعَتُكَ فِيْهِ مِزْجَاةً فَمَا بَالَكَ لَا تَتَعَاطَى نَظْمَ المَنْثُوْرِ وَنَثْرَ المَنْظُوْمِ؟ فَقَالَ أَبُو إِسْحَق: لأنَّهُمَا طَرِيْقَان وَعْرَانِ كُلَّ مَنْ سَلَكَهُمَا إِلَّا ضَلَّ. فَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ بن عَبْدُ العَزِيْزَ بن إبْرَاهِيْمِ رَحَمَهُ اللَّهُ وَكَانَ مِصْبَاحًا مِنْ مَصَابِيْحِ الفَضْلِ يُسْتَضَاءُ بِنُوْرِهِ إِذَا أَظْلَمَ الخَطْبُ: هَمَا لَعَمْرِ طَرِيْقَانِ وَغرَانِ عَلَى كُلِّ أحَدٍ يَضلُّ فِيْهِمَا كُلّ سَالِكٍ إِلَّا هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيَّ فَإِنَّهُ فِي مَسْلِكِهُمَا هَادٍ وَزنَادهُ فِيْهِمَا أَوْرَى زَنَادٍ فَاسْتَشْرَفَ المُهَلَّبِيُّ مَا عِنْدِي فِي ذَلِكَ وَكُنْتُ قَرِيْبَ العَهْدِ بِخِدْمَتِهِ وَمُبَاسَطَتْهِ وَمُؤَانِسِتِهِ فَقَبَضَنِي عَنِ الجَّوَابِ الحَصْرُ ثُمَّ حَرَّكَنِي مُحَرِّكٌ مِنَ الاقْبَالِ فَقُلْتُ الَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فكان أَبَا إِسْحَاقَ وَجِمَ مِنْ ذَلِكَ وُجُوْمًا ظَهَرَتْ إِمَارَتهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا كَمَا ذَكَرْتَ فَانْثر قَوْلُ البُحْتُرِيِّ (1):
أَرَى بَيْنَ مُلتفِّ الأرَاكَ مَنَازِلًا ... مَوَاثِلَ لَوْ كَانَتْ مَهَاهَا مَوَاثِلَا
وَنَحْنُ نَقْتَصِرُ عَلَيْهِ دُوْنَ غَيْرِهِ فَمَدَتُ يَدِي إِلَى الدَّوَاةِ وَكَتَبْتُ:
أَرَى بَيْنَ مُلتفِّ الأرَاكَ وَحَيْثُ أَنْتَ ثُمَّ السِّمَاكِ مَنَازِلَ لَمْ يُنَازِلُهَا الزَّمَانُ وَلَا عَادَتْ رُسُوْمَهَا الحَدَثَانُ وَمَعَالِمٍ لِلْبَلَى وَطُلُوْلًا مَوَاثِلَ لَوْ كَانَتْ مَهَاهَا مثُولًا. فَتَطَلَعِّ المُهَلَّبِيُّ رَحَمَهُ اللَّهُ فِي الدَّرْجِ ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ وَزُدْتَ عَلَى الإِحْسَانِ. قَالَ أَبُو عَلَيٍّ: فَغَيَّرتُ هَذَا الفَصْلَ فِي الحَالِ أَرَى بَيْنَ مُلتفِّ الأرَاكِ وَحَيْثُ السَّمَاكِ وَبَاتَ الثَّرَى وَهُوَ ضَاحِكٌ بَاكِ مَنَزِلَ وَطُلُوْلًا يَظَلُّ بِهَا الوَجْدُ مَطْلُوْلًا وَمَعَالِمَ عَلَّمَتِ العَيْنَ هُمُوْلًا مَوَاثِلَ لَوْ كَانَتْ مَهَاهَا مُثُوْلًا. فَأُعْجِبَ المُهَلَّبِيُّ إِعْجَابًا بِمَا أَسْرَفَ فِيْهِ فَازْدَادَ الصَّابِئُ غَيْظًا وَحَسَدًا وَقَالَ: مَا بَعْدَ هَذَا. فَقَالَ المُهَلَّبيُّ: مَا أَقْتَرِحُهُ أَنَا ثُمَّ لَا بَعْدُ وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: انْثر قَوْلَهُ (2):
أُنَاسٌ يُعِدُّوْنَ الرِّمَاحَ مَخَاصِرًا ... إِذَا زَعْزَعُوْهَا وَالذُرُوْعَ غَلَائِلَا
_______
(1) ديوانه 3/ 1693.
(2) ديوان البحتري 3/ 1606.
(1/350)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَوَكِّدِ المَعْنَى وَأَشْبِعْهُ. فَكَتَبْتُ فِي الحَالِ: أُنَاسٌ يُعِدُّوْنَ الخَطِيَّ أَشْطَانًا وَالبيْضَ غُدْرَانًا وَأَجْفَانَ السُّيُوْفِ أَجْفَانًا وَالأسِنَّةَ شُنُوْفًا وَالدُّرُوْعَ شُفُوْفًا وَالنَّجَيْعَ رُضَابًا وَالنُّحُوْرَ مَنَاهِلَ عِذَابًا وَالفَنَاءَ بَقَاءً وَالعَجَاجِ مُلَاءً وَصَلِيْلِ الهِنْدِيَّةِ غِنَاءً وَأَكْتَادَ الجِّيَادِ مهُوْدًا وَالكُمَاةَ عَذَارَى غِيْدًا. فَلَمَّا انتهَيْتُ إِلَى هَذَا وَأبُو مُحَمَّدٍ مُشَارِفٌ مَا أَكْتُبُهُ قَالَ: حَسْبُكَ انْتَهِ إِلَى هَذَا قَدْ أَتَيْتَ بِالبَيْتِ وَزِدْتَ عَلَيْهِ زِيَادَاتٍ لَا تُنْتِجُها فِطْنَةٌ وَلَا تُوْلِدُها قَرِيْحَةٌ.
* * *

يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَمَرَّ بِمَقْبَرَةٍ فَقَالَ: قِفُوا حَتَّى آتِي الأَحِبَّةَ فَأَسْأَلَهُمْ وَأُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا تَوَسَّطهَا وَقَفَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابِهِ لَمَّا عَادَ إِلَيْهِمْ: إِلَّا تَسْأَلُوْنَ مَاذَا قُلْتُ وَمَاذَا قِيْلَ لِي؟ فَقَالُوا: تُعَرِّفُنَا يَا أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ: لَمَّا وَقَفْتُ فَسَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدُّوا وَدَعَوْتُ فَلَمْ يُجِيْبُوا نُوْدِيْتُ يَا عُمَرُ أَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا الَّذِي غَيَّرْتُ مَحَاسِنَ وُجُوهِهِمْ وَمَزَّقْتُ الأَكْفَانَ عَنْ جُلُوْدِهِمْ وَفَرَّقْتُ المَفَاصِلَ وَالأَقْدَامَ وَمَنَعْتُهُمْ الأَنْفَاسَ وَالكَلَامَ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
أَخَذَ هَذَا المَعْنَى أَبُو العَتَاهِيَةِ فَقَالَ (1):
إِنِّي سَأَلْتُ التُّرْبَ مَا فَعَلَتْ ... بَعْدِي وُجُوْهٌ فِيْكَ مُنْعَفِرَه
فَأَجَابَنِي صَيَّرْتُ رِيْحهُمُ ... تُؤْذِيْكَ بَعْدَ رَوَائِحٍ عَطِرَه
وَأَكَلْتُ أَجْسَادًا مُنَعَّمَةً ... كَانَ النَّعِيْمُ يَصُوْنهَا نَضِرَه
لَمْ تَبْقَ غَيْرُ جَمَاجِمٍ بَلِيَتْ ... بِيْضٍ تَلُوْحُ وَأَعْظُمٌ نَخِرَه
وَمِنْ نَظْمِ المَنْثُوْرِ:
قِيْلَ لأَعْرَابِيٍّ: قَدْ خَلَا بِمَنْ أَحَبَّ مَاذَا رَأَيْتَ؟ فَقَالَ: مَا زَالَ القَمَرُ يُرِيْنِيْهَا فَلَمَّا غَابَ أَرَتْنِيْهِ.
_______
(1) ديوانه ص 204.
(1/351)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَنَظَمَ هَذَا الحَسَنُ بن سَهْلٍ فَقَال (1):
أَرَانِي البَدْرَ سُنَّتِهَا عَشَاءً ... فَلَمَّا أَزْمَعَ البَدْرُ الأفُوْلَا
أَرَتْنِيْهِ بِسُنَّتِهَا فَكَانَت ... مِنَ البَدْرِ المُنَوَّرِ لِي بَدِيْلَا
فَنَظَرَ إِلَى هَذَا البُحْتُرِيّ فَقَالَ (2):
أَضَرَّتْ بِضوْءِ البَدْرِ وَالبَدْرُ طَالِعٌ ... وَقَامَتْ مَقَامَ البَدْرِ لَمَّا تَغَيَّبَا
وَلَوْ قَالَ الحَسَنُ بن سَهْلٍ:
أَرَانِي البَدْرَ سُنَّتَهُ عَشَاءً ... وَغَابَ فَكَانَ لِي مِنْهُ بَدِيْلَا
لَجَمَعَ المَعْنَى فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَكَانَ أَوْجَزَ. وَقَالَ ابن حَازِمٍ:
بَانَ عَنِ الأَشْكَالِ فِي حُسْنِهِ ... فَلَمْ تَقَعْ عَيْنٌ عَلَى شَبْهِهِ
يُغْنِيْكَ عَنْ بَدْرِ الدُّجَى وَجْهُهُ ... وَالبَدْرُ لَا يُغْنِيْكَ عَنْ وَجْهِهِ
كَمْ قَدْ تَلَهَّى بِهَوَى غَيْرِهِ قَلْبِي ... فَأَغْرَاهُ وَلَمْ يُلْهِهِ
وَفِي وَجْهِ الحَبِيْبِ وَالقَمَرِ يَقُوْلُ آخَرُ:
رَأَيْتُ الهِلَالَ عَلَى وَجْهِهِ ... فَلَمْ أَرَ أيّهُمَا أَنْوَرُ
سِوَى أَنَّ هَذَا قَرِيْبُ المَزَارِ ... وَذَاكَ بَعِيْدٌ لِمَنْ يَنْظرُ
وَذَاكَ يَغِيْبُ وَذَا حَاضِرٌ ... وَمَا مَنْ يَغِيْبُ كَمَنْ يَحْضَرُ
وَنَفْعُ الهِلَالِ كَثِيْرُ لنَا ... وَنَفْعُ الحَبِيْبِ لنَا أَكْثَرُ
* * *

وَمِنْ باب إِحْسَانِ الآخِذِ عَلَى المَأْخُوْذِ مِنْهُ وَزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ قَوْلُ المَسِيْبِ بن عَلَسٍ يَصِفُ سَيْرُوْرَةَ شِعْرِهِ (3):
_______
(1) حلية المحاضرة 2/ 94، الصناعتين ص 3238.
(2) ديوانه 1/ 197.
(3) ديوان بني بكر ص 608 وفيه أنه للمسيب بن علس.
(1/352)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= بِهَا تُنْفَضُ الأَحْلَاسُ وَالدِّيْكُ نَائِمٌ ... إِلَى مَشْنَفَاتٍ آخِرَ اللَّيْلِ ضُمَّرِ
أخَذَهُ الأَعْشَى فَأَحْسَنَ لَمَّا قَالَ (1):
بِهَا تُنْفَضُ الأَحْلَاسُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... وَتُعْقَدُ أَطْرَافُ الجِّبَالِ وَتُطْلَقُ
وَكَقَوْلِ أَبِي دُؤَادٍ يَصِفُ فَرَسًا (2):
زَينُ البَيْتِ مَرْبُوْطًا ... وَيَشْفِي قَرمَ الرَّكْبِ
فَأَخَذَهُ عُدَيُّ بن زَيْدٍ وَزَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ (3):
مُسْتَخِفِّيْنَ بِلَا أَزْوَادِهِمْ ثِقَةً ... بِالمُهْرِ مِنْ غَيْرِ عَدَم
فَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ عَدَم زَيَادَةٌ لَطِيْفَةٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ رُثَيْمَةَ بن عُثْمَانَ النَّصْرِيُّ (4):
يُبَصْبِصُ الأَضْيَافَ كَلْبِي تَأَلُّفًا ... وَإِنْ رَامَ نَبْحًا لَمْ يَعِشْ فِي بَنِي نَضْرِ
أخَذَهُ حَسَّانُ فَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ (5):
يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ ... لَا يَسْأَلُوْنَ عَنِ السَّوَادِ المُقْبِلِ
وَقَالَ الأَعْشَى يَصِفُ نَاقَةً (6):
تُرَاقِبُ مِنْ أَيْمَنِ الجَّانِبَيْنِ ... بِالكَفِّ مِنْ مُحْصَدٍ قَدْ مَرَن
أخَذَهُ بَعْضُ المُتَقَدِّمِيْنَ فَقَالَ (7):
_______
(1) ديوانه ص 373.
(2) ديوانه ص 290.
(3) ديوانه ص 74.
(4) حلية المحاضرة 2/ 70 وفيه أنه لوثيمة بن موسى المضري.
(5) ديوانه ص 180.
(6) ديوانه ص 69.
(7) حلية المحاضرة 2/ 71.
(1/353)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَتَقْسِمُ طَرْفَ العَيْنِ شَطْرًا أَمَامَهَا ... وَشَطْرًا تَرَاهُ خِيْفَةَ السَّوْطِ أَزْوَرَا
وَقَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيّ (1):
سَقَطَ النَّصِيْفُ وَلَمْ تَزِدْ إسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِاليَدِ
وَهُوَ أَوَّلُ مَن افْتَرَعَ هَذَا المَعْنَى فَأَخَذَهُ أَبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ فَأَحِسَنَ فِي قَوْلِهِ (2):
فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُوْنَهُ الشَّمْسُ وَاتَّقَتْ ... بِأَحْسَنَ مَوْصُوْلَيْنِ كَفٍّ وَمِعْصَمِ
وَكَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ (3):
نَمُشُّ بِأَعْرَافِ الجيَادِ أَكُفَّنَا ... إِذَا نَحْنُ قُمْنَا عَنْ شَوَاءٍ مُهَضَّبِ
نمش: أي نمسح، والمشوشُ: المنديل.
فكشف هذا المعنى عبدة بن الطبيب، فقال (4):
ثَمَّتَ قُمْنَا إِلَى جُرْدٍ مسوَّمَةٍ ... أَعْرَافُهُنَّ لأَيْدِيْنَا مَنَادِيْلُ
وَكَقَوْلِ هُدْبَةَ بنِ خَشْرَم (5):
ألا لَيْتَ الرِّيَاحَ مُسَخَّرَاتٍ ... لِحَاجَتِنَا تُبَاكِرُ أَوْ تَؤُوْبُ
أَخَذَ جَمِيْلٌ فَقَالَ (6):
فَيَا لَيْتَ أَنَّ الرِّيَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ... بِبَعْضِ الَّذِي أَهْوَى إِلَيْكِ بَرِيْدُ
* * *
_______
(1) ديوانه ص 93.
(2) مجموع شعره ص 76.
(3) ديوانه ص 54.
(4) المفضليات 1/ 491.
(5) مجموع شعره ص 59.
(6) لم يرد في ديوانه.
(1/354)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= وَمِنْ بَابِ الأَخْذِ وَهُوَ كَثِيْرٌ جِدًّا قَوْلُ أَبِي نُوَّاسٍ (1):
وَكَأْسٍ كَمِصْبَاحِ السَّمَاءِ شَرِبْتُهَا ... عَلَى قُبْلَةٍ أوْ مَوْعِدٍ بِلِقَاءِ
أَتَتْ دُوْنَهَا الأَيَّامُ حَتَّى كَأَنَّهَا ... تَسَاقُطَ نُوْرٍ مِنْ فُتُوْقِ سَمَاءِ
أخَذَهُ مِنْ قَوْلِ جَرِيْرٍ (2):
تُجْرِي السِّوَاكَ عَلَى أَغَرَّ كَأَنَّهُ ... بَرَدٌ تَحَدَّرَ مِنْ مُتُوْنِ غَمَامِ
وَقَوْلُ ابن المُعْتَزِّ (3):
مَنْ لَامَنِي فِي المَدَامِ فَهُوَ كَمَنْ ... يَكْتِبُ بِالمَاءِ عَلَى القَرَاطِيْسِ
أخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الأَعْرَابِيِّ:
فَأَصْبَحْتُ مِنْ لَيْلَى الغَدَاةَ وَذِكْرِهَا ... كَقَابِضِ مَاءٍ تَسُفُّهُ أَنَامِلُه
* * *

وَمِنْ هَذَا البَابِ أَيْضًا قَوْلُ ابن أَبِي خَازِمٍ يَمْدَحُ أَوْسًا (4):
إِذَا مَا المَكْرُمَاتِ رُفِعْنَ يَوْمًا ... وَقَصَّرَ مُبْتَغُوْهَا عَنْ مَدَاهَا
وَضاقَتْ أَذْرُعُ المُثْرِيْنَ عَنْهَا ... سَمَا أَوْسٌ إِلَيْهَا فَاحْتَوَاهَا
فَأَتَى بِالمَعْنَى فِي بَيْتَيْنِ فَأَخَذَهُ الشَّمَاخُ وَأَتَى بِهِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ بِأَخْصَر عبَارَةٍ وَأَرْطَب لَفْظٍ فَقَالَ (5):
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِاليَمِيْنِ
_______
(1) لم يردا في ديوانه.
(2) ديوانه ص 551.
(3) ديوانه 2/ 272.
(4) ديوان بشر بن أبي خازم ص 150.
(5) ديوان الشماخ ص 336.
(1/355)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= قِيْلَ: وَلَوْلَا هَذَا البَيْتُ لَمْ يَشْتَهِر لعَرَابَةَ هَذَا اسْمٌ وَلَا عُرِفَ لَهُ رَسْمٌ.
وَمِنْ بَابِ كَشْفِ المَعْنَى وَإِبْرَازِهِ بِزِيَادَةٍ تَكْسُوْهُ نَصَاعَةً وَبَرَاعَةً قَوْلُ امْرُؤ القَيْسِ (1):
كَبَكْرِ المقَانَاةِ البيَاضِ بِصُفْرَةٍ ... غَذَاهَا نَمِيْرُ المَاءِ غَيْرُ مُحَلَّلِ
أَخَذَهُ ذُو الرُّمَّةِ فَكَشَفَهُ وَأَبْرَزَهُ بِزِيَادَةٍ لَطِيْفَةٍ أَوْضَحَتْ مَعْنَاهُ فَقَالَ (2):
حَوْرَاءُ فِي دَعَجٍ صَفْرَاءُ فِي نَعَجٍ ... كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ
وَكَقَوْلِ أَبِي دُؤَادٍ (3):
إِنَّهَا حَربٌ عَوَانٌ لقِحَتْ عَنْ ... حِيَالٍ فَهِيَ تَقْتَاتُ الإِبِل
جَعَلَهَا تَقْتَاتُ الإِبِل أي تُؤَدِّي الإِبِلُ فِي الدِّيَّاتِ عَنِ القَتْلَى بِهَا فَأَخَذَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِيْنَ هَذِهِ الاسْتِعَارَةَ وَقَالَ (4):
فَوَضَعْتُ رجِلِي فَوْقَ نَاجِيَةٍ ... يَقْتَاتُ شَحْمَ سَنَامِهَا الرّحلُ
فَأَخَذَهُ أَبُو تَمَّامٍ وَزَادَهُ زِيَادَةً حَسَنَةً فَقَالَ (5):
فَقَدْ أَكَلُوا مِنْهَا الغَوَارِبَ بِالسَّرَى ... وَصارَتْ لَهَا أَشْخَاصُهَا كَالغَوَارِبِ
وَكَقَوْلِ العَبَّاسِ بنِ الأَحْنَف (6):
زَعَمُوا لِي أَنَّهَا بَاتَتْ تحمُّ ... ابْتَلَى اللَّهُ بِهَذَا مَنْ زَعَمْ
اشْتَكَتْ أَكْمَلَ مَا كَانَتْ كَمَا ... يَشْتَكِي البَدْرُ إِذَا مَا قِيْلَ تَم
_______
(1) ديوانه ص 16.
(2) ديوانه 1/ 33.
(3) ديوانه ص 329.
(4) حلية المحاضرة 2/ 90.
(5) ديوانه 1/ 209.
(6) ديوانه ص 284.
(1/356)

وَالشِّعْرُ المَحْدُوْدُ وَالمَجْدُوْدُ:
وَهُوَ اشْتِهَارُ الآخِذِ بِالمَعْنَى دُوْنَ المَأْخُوْذِ مِنْهُ وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ يُسَمَّى الشِّعْرَ المَجْدُوْدَ؛ لاشْتِهَارِ الفَرْعِ دُوْنَ الأَصْلِ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ (1): [من الكامل]
لَا تَحْسَبَنَّ بَنِي المُرَّارِ وَمَلكَهُمْ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ عَلَى القَنَا بِحَرَامِ
أخَذَهُ عَنْتَرَةُ فَأَحْسَنَ، وَاشْتَهَرَ بَيْتُهُ لِبَرَاعَتِهِ لَمَّا قَالَ (2): [من الكامل]
فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيْلِ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الكَرِيْمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ
وَكَقَوْلِ جُمَاهِرِ بنِ الحَكَمِ الكَلْبِيِّ (3): [من الطويل]
قَضى كُلُّ ذِي دَيْنٍ وَفَاءَ غَرِيْمِهِ ... وَدَيْنُكَ عِنْدَ الزَّاهِرِيَّةِ مَا يُقْضَى
فَأخَذَ هَذَا كُثَيِّرٌ فَاشْتَهَرَ بِهِ فَقَالَ (4): [من الطويل]
قَضى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيْمَهُ ... وَغَرَّهُ مَمْطُوْلٌ مُعَنًّى غَرِيْمُهَا (5)
__________
= أَخَذَهُ عَبْد اللَّهِ بن المُعْتَزِّ فَجَاءَ بِهِ فِي أَوْضَحِ لَفْظٍ وَأَسْهَلِ عَبَارَةٍ فَقَالَ (1):
طَوَى عَارِضُ الحُمَّى سَنَاهُ فَحَالَا ... وَأَلْبسَهُ ثَوْبَ السَّقَامِ هُزَالَا
كَذَى البَدرُ مَحْتُوْمٌ عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَى ... إِلَى غَايَةٍ فِي الحُسْنِ صَارَ هِلَالَا
(1) حلية المحاضرة 2/ 67.
(2) ديوانه ص 210.
(3) حلية المحاضرة 2/ 67.
(4) ديوانه ص 207.
(5) وَمِمَّا اشْتَهَرَ الآخِذُ بِالمَعْنَى دُوْنَ المَأْخُوْذِ مِنْهُ قَوْلُ أَمْرِئِ القَيْسِ (2):
وَشَمَائِلِي مَا قَدْ عَلِمْتِ ... وَمَا نَبَحَتْ كِلَابُكِ طَارِقًا مِثْلِي
_______
(1) لم يرد في ديوانه.
(2) شرح ديوانه ص 356.
(1/357)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَأَخَذَهُ عَنْتَرَةُ وَاشْتَهَرَ بَيْتُهُ إِذْ قَالَ (1):
وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى ... وَكَمَا عَرفْتِ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ شِبِيْبُ بن البَرْصَاءِ (2):
تَجْرِي أَحَادِيْث تُلْهِيْنَا وَتُعْجِبُنَا ... يُشْفَى بِهَا حَيْثُ تُلْفِي غِلَّهُ الصَّادِي
أخَذَهُ القُطَامِي وَأَحْسَنَ فَقَالَ وَسَارَ مَا قَالَهُ مَسِيْرَ الشَّمْسِ (3):
فَهُنَّ يَنْبِذْنَ مِنْ قَوْلٍ يَصِبْنَ بِهِ ... مَوَاقِعَ المَاءِ مِنْ ذِي الغِلَّةِ الصَّادِي
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُ أَوْسُ بن حَجَرٍ (4):
مَعَازِيْلُ حَلّالُوْنَ بِالغَيْبِ وَحْدَهُمُ ... بعَميَاءَ حَتَّى يَسْأَلُوا الغَدَ مَا الأَمْرُ
فَأَخَذَهُ الأخْطَلُ فَلَمْ يَدَعْ لأَحَدٍ فِيْهِ شَيْئًا فَقَالَ (5):
مُخَلَّفُوْنَ وَيَقْضِي النَّاسُ أَمْرَهُمُ ... وهم بِغَيْبٍ وَفِي عَمْيَاءَ مَا شَعِرُوا
وَقَوْلُ يَزِيْدُ بن عَبْدِ المدَانِ (6):
وَإنَّ أَبَاكُمْ نِيْطَ فِي آلِ عَامِرٍ ... كَمَا نِيْطَ بِالرَّجُلِ السِّقَاءِ المُوْكَرُ
فَقَالَ حَسَّانُ وَاشْتَهَرَ بِهِ لإِحْسَانِهِ (7):
وَأَنْتَ زَنِيْمٌ نِيْطُ فِي آلِ هَاشِمٍ ... كَمَا نِيْطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ
_______
(1) ديوانه ص 207.
(2) لم يرد في مجموع شعره.
(3) ديوانه ص 8.
(4) ديوانه ص 38.
(5) ديوانه 1/ 208.
(6) حلية المحاضرة 2/ 67.
(7) ديوانه ص 89.
(1/358)

وَتَكَافُؤُ إحْسَانِ المُتَّبِع وَالمُبْتَدِعِ:
وَهُوَ قَرِيْبٌ مِنْ هَذَا البَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَذَا المَعْنَى (1): [من الطويل]
فلو أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوْتُ احْتَسَبْتُهَا ... وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أنْفُسَا
وَقَالَ عَبْدَةُ ابن الطَّبيِّبِ (2): [من الطويل]
__________
= وَقَوْلُ هُبَيْرَةَ بن أَبِي وَهَبٍ المَخْزُوْمِيّ زَوْجُ أُمِّ هَانِئ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ وَاسْمَهَا هِنْدٌ:
وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالغَرْثِ جَازِرُهَا ... يَخْتَصُّ بِالنَفَرَى المُثْرِيْنَ دَاعِيْهَا
لَا يَنْبَحُ الكَلْبُ فِيْهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ ... ذَاتَ العَشَاءِ وَلَا تَسْرِي أَفَاعِيْهَا
فَأخَذَهُ مُرَّةُ بن مَحَكَانَ السَّعْدِيُّ فَقَالَ (1):
فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمْادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ ... لَا يُبْصِرُ الكَلْبُ مِنْ ظَلْمَائِهَا الطُّنَبَا
لَا يَنْبَحُ الكَلْبُ فِيْهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ ... حَتَّى يَلُّفّ عَلَى خَيْشُوْمِهِ الذَّنَبَا
وَمِنْ أَبْيَاتٍ أَوَّلُهَا (2):
مَا بَال هَمٍّ عَمِيْدٍ بَاتَ يَطْرِقُنِي ... بِالطَّيْفِ مِنْ هِنْدَ إِذْ تَغْدُو غَوَادِيْهَا
نَحْنُ الفَوَارِسُ يَوْمَ الحَرِّ مِنْ أَحَدٍ ... هَابَتْ مَعَدٌّ وَكُنَّا نَحْنُ نَأْتِيْهَا
قَدْ نَبْذل المَالَ سَحَّا لَا سَحَابَ لَهُ ... وتُطْعَنُ الخَيْلُ شَزْرًا فِي مَآقِيْهَا
يَقُوْلُ مِنْهَا:
وَلَيْلَةٍ. البَيْتَانِ وَبَعْدَهُمَا:
أَوْقَدْتُ فِيْهَا لِذِي الصَّرَاءِ جاحمَةً ... كَالبَرْقِ ذَاكِيَةِ الأَرْكَانِ أَحْمِيْهَا
(1) ديوانه ص 107.
(2) حماسة أبي تمام 1/ 387.
_______
(1) معجم الشعراء ص 383.
(2) السيرة النبوية لابن هشام 3/ 129 وفيه: لهبيرة بن أبي وهب المخزومي.
(1/359)

فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ ... وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
فَأبْرَزَ المَعْنَى فِي عِبَارَةٍ مُرْهَفَةٍ، فَتَكَافَأَ إحْسَانُهُمَا، وَقَالَ الأَعْشَى (1): [من الطويل]
إِذَا حَاجَةٌ وَلَّتْكَ لَا تَسْتَطِيْعُهَا ... فَخُذْ طَرَفًا مِنْ غَيْرِهَا حِيْنَ تُسْبَقُ
وَقَالَ عَمْرُو بن مَعْدِ يْكَرِبَ (2): [من الوافر]
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيْعُ
فَتَكَافَأَ إحْسَانُ المُتَّبِعِ وَالمُبْتَدِعِ تَكَافُؤًا لَا يَخِيْلُ عَلَى مَنْ يَعْرِفُ أَسْرَارَ الكَلَامِ فِي هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ. وَكَقَوْلِ النَّابِغَةِ (3): [من البسيط]
يَوْمًا بِأَجْوَدَ مِنْهُ سَيْبَ نَافِلَةٍ ... وَلَا يَحُوْلُ عَطَاءُ اليَوْمِ دُوْنَ غَدِ
أخَذَهُ الحُطَيْئَةُ فَأَحْكَمَهُ لَمَّا قَالَ (4): [من الطويل]
تَزُوْرُ امْرَأً إِنْ يُعْطِكَ اليَوْمَ نَائِلًا ... بِكَفَّيْهِ لَا يَمْنَعْكَ مِنْ نَائِلِ الغَدِ

وَنَقْلُ المَعْنَى إِلَى غَيْرِهِ:
كَالتَّرْكِيْبِ وَالعَكْسِ وَمَا نَاسَبَهُمَا، وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَ الشَّاعِرُ المَعْنَى مِنْ وَجْهِهِ الَّذِي وُجِّهَ لَهُ، وَيَنْقُلَ اللَّفْظَ عَنْ طِرِيْقِهِ الَّذِي سُلِكَ بِهِ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَطَرِيْقٍ آخَرَ صَنْعَةً مِنْ رَاضَةِ الكَلَامِ، وَصاغَةِ المَعَانِي، وَحُذَّاقِ السُّرَاقِ إخْفَاءً لِلسَّوَقِ، وَالاحْتِذَاءِ، وَتَوْرِيَةً عَنْ الاتِّبَاعِ وَالاقْتِفَاءِ. وَأكْثَرُ مَا يَأتِي بِهِ المُحْدَثُوْنَ؛ لأنَّهُمْ هُمُ الَّذِيْنَ فَتَّحُوا مِنْ أَبْوَابِ الكَلَامِ مَا كَانَ هَامِدًا وَأَيْقَظُوا مِنْ عُيُونهِ مَا كَانَ رَاقِدًا، وَاقْتَدَحُوا مِنْ زَنْدِهِ مَا كَانَ خَامِدًا، وَأَجْرَوا مِنْ مَعِيْنِهِ مَا كَانَ راكِدًا. فَأَمَّا المُتَقَدِّمُوْنَ، فَكَقَوْلِ
__________
(1) ديوانه ص 271.
(2) ديوانه ص 148.
(3) ديوان النابغة الذبياني ص 27.
(4) ديوانه ص 284.
(1/360)

امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ فَرَسًا (1): [من الطويل]
طَوِيْلٌ عَظِيْمٌ مُطْمَئِنٌّ كَأَنَّهُ ... بِأَسْفَلِ ذِي مَاوَانَ سَرْحَةُ مَرْقَبِ
أخَذَتْهُ الخَنْسَاءُ، فَنَقَلَتْهُ إِلَى المَدْحِ، وَزَادَتْ فِيْهِ زِيَادَةً لَطِيْفَةً، فَقَالَتْ (2): [من البسيط]
وَإنَّ صَخْرًا لتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
وَنَقَلَهُ أَبُو نُوَاسٍ إِلَى وَصْفِ الخَمْرِ فَقَالَ (3): [من المديد]
فَاهْتَدَى سَارِي الظَّلَامِ بِهَا ... كَاهْتِدَاءِ السَّفْرِ بِالعَلَمِ (4)
__________
(1) ديوانه ص 46.
(2) ديوانها ص 45.
(3) ديوانه ص 41.
(4) وَمِمَّا تَكَافَأ فِيْهِ إِحْسَانُ المُتَّبِعِ وَالمُبْتَدِعِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ (1):
إِذَا وَعَدَ انْهَلَّتْ يَدَاهُ فَأَهْدَتَا ... لَكَ النُّجْحَ مَحْمُوْلًا عَلَى كَاهِلِ الوَعْدِ
سَفُوْحَان تَعْتَزُّ المَكَارِمُ عَنْهُمَا ... كَمَا الغَيْثُ مُفتَرُّ عَنِ البَرْقِ وَالرَّعْدِ
فَتَبَعَهُ البُحْتُرِيّ وَأَحْسَنَ فَقَالَ (2):
يُوْليْكَ صَدْرَ اليَوْمِ قَاصِيَةَ الغِنَى ... بِمَوَاهِبٍ قَدْ كُنَّ أَمْسِ مَوَاعِدَا
سَوْمَ السَّحَائِبِ مَا يُدِلْنَ بَوَارِقًا ... فِي عَارِضٍ إِلَّا ابْتَنَيْنَ رَوَاعِدَا
فَتَأَمَّل قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ وَقَوْلُ البُحْتُرِيّ فَإِنَّكَ تَجِدْهُمَا يَتَجَاوَبَانِ فِي عُلُوِّ اللَّفْظِ وَفَصَاحَتِهِ وَيَجْرِيَانِ إِلَى غَايَةٍ وَاحِدَةٍ يَتَسَاوَيَانِ فِيْهَا إِحْسَانًا وَبَلَاغَةً وَبَيَانًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ أَيْضًا مُخْتَرِعًا مَعْنَاهُ (3):
وَإِذَا سَرَجْتَ الطَّرْفَ حَوْلَ فِنَائِهِ ... لَمْ تَلْقَ إِلَّا نِعْمَةً وَحَسُوْدَا
_______
(1) ديوانه 2/ 113 - 114.
(2) ديوانه 2/ 823.
(3) ديوانه 1/ 424.
(1/361)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= فَأَخَذَهُ البُحْتُرِيّ وَأَحْسَن عَلَى أَنَّ لَفْظَ أَبِي تَمَّامٍ أَجْلَى فَقَالَ (1):
مُحَسَّدٌ بِخَلَالٍ فِيْهِ فَاضِلَةٍ ... وَلَيْسَ تَفْتَرِقُ النّعْمَاءُ وَالحَسَدُ
* * *

وَمِنْ تَكَافُؤِ احْسَانِ قَوْلُ زَيْدُ الخَيْلِ (2):
أَعَلْقَمُ لَا تَكفر جَوَادَكَ بَعْدَ مَا ... نَجَا بِكَ مِنْ بَيْنَ المَنَايَا الحَوَاضِرِ
وَنَجَّاكَ يَوْمَ الرَّوْعِ إِذْ حَضَرَ الوَغَى ... مَسْحٌ كَفَتْحَاءِ الجِنَاحَيْنِ كَاسِرِ
فَأخَذَهُ النَّجَاشِيُّ فَقَالَ (3):
وَنَجَا ابنَ حَرْبٍ سَابِحٌ ذُو عُلَالَةٍ ... أَجَشٌّ هَزِيْمٌ وَالرِّمَاحُ دَوَانِ
قَبْلَهُ: حَسِبْتُمْ قِتَالَ الأَشْعَرِيّ وَمَذْحُجٍ وَكِنْدَةَ أكل الزُّبْدِ بِالصَّرَفَانِ. الصَّرَفَانِ: جِنْسٌ مِنَ التَّمْرِ وَمَا أُهْدِيَ إِلَى الزَّبَّاءِ أحَبَّ مِنْهُ إِلَيْهَا وَإِيَّاهُ أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا: أَمْ صَرَفَانًا بَارِدًا شَدِيْدًا. وَلَمْ تُرِدْ بِالصَّرَفَانِ الرَّصَاصَ.
إِذَا قِلْتُ أَطْرَافُ الرِّمَاحِ يَنَلْنَهُ ... مَرْتهُ بِهِ السَّاقَانِ وَالقَدَمَانِ
وَيُرْوَى: إِذَا قِلْتُ أَطْرَافُ الرِّمَاحِ يَنَشْنَهُ تَمَطَّتْ بِهِ. البَيْتُ
وَكَقَوْلِ عَدِيّ بن زَيْدٍ (4):
بِفَلَاةٍ كَأَنَّمَا الضَّبُّ فِيْهَا ... حِ