Advertisement

الذخائر والعبقريات 001



الكتاب: الذخائر والعبقريات - معجم ثقافي جامع
المؤلف: عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن سيد بن أحمد البرقوقي الأديب المصري (المتوفى: 1363هـ)
الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، مصر
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
وسلام على عباده الذين اصطفى
أما بعد فهذا مُعْجَمٌ ثقافيٌّ جامعٌ لِشَتَّى ألْوانِ المعاني التي يَتداولُها الناسُ ويتعاورونها بينهم، في شتى أغراضِهم ومَناحيهم، ومُثاقفاتِهم ومحاوراتهم، وسائر أسبابهم؛
ولقد ألقِيَ في روعي أن أقومَ بوضْع هذا المُعجم وتحقيقِه، فكان بعد عونِ الله وتمام توفيقه؛
ولقد أسميته الذخائر والعبقريات
ولهذا المُعْجم وتأليفِه قصةٌ: ذلك أنَّ وِزارةَ المعارف المصريةَ كانت قد أعلنت رغبتها مذ سُنيَّاتٍ، في أن يختارَ من يَرْتغب من الأدباء، أيُّما أحبُّ إليه من تلك الطائفةِ من مُؤلفاتِ القُدامى التي وقع عليها اختيارُ القائمينَ بالأمر في الوزارة، كي يهذِّبوها ويجلوها على التلاميذ وأشباه التلاميذ من النَّشْءِ
(مقدمة/5)

الشادين جِلْوةً حسنةً تحلو لي بها في أعيُنِهم، وتَطَّبي أهواءَهم، وينتفي بها عنهم ما عسى أن تنبوَ به طباعُهم، وتتجافى أذواقُهم؛ وكان من بين هذه التواليفِ التي اختارَتها الوزارةُ كتابُ (مُحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء لأبي القاسم حسين بن محمدٍ المشهور بالراغب الأصبهاني) ولما كان هذا الكتابُ من الكتب القيمة بحقٍ في بابه حُبِّب إليَّ باديَ الرأي أن أضرب بسهمٍ، في هذا العمل
(مقدمة/6)

الضَّخم، فأعْمِدَ عَمْدَ عيْنٍ إليه، وأحقِّق بذلك ما ترامَت وزارةُ المعارفِ إليه، بيدَ أنّي لما أنعمتُ النظرَ في ذلك الكتاب واستقريتُه رأيتُ من الخيرِ أن يبقى على ما هو عليه، اللهم إلا أنْ يتداركَه أديبٌ ضليع درَّاك، بالضَّبط والشرح والتحرير مما استبدَّ به وطغى عليه وتخوَّنه، من التحريف والتصحيف والأخطاء التي ألوت بمحاسنِه.
ولقد تلامحَ لي، بل بدا لَمْحاً باصراً: أن الراغب إنّما وضع هذه المحاضراتِ للمُنتهين، لا للشادين، لأن مختاراتِه تكاد تكون خِداجاً مقتضبةً مبتورةً كأنّها مذكراتٌ، أو رؤوس مسائل أملاها الراغبُ لتكون منبهةً للأديب إذا هو استذكرَ بها ما قد اقْتَرأ، فتداعت الأشباهُ وتجاوبتِ النظائرُ، فطاع له المرادُ فحاور وحاضر وناقل وثاقف، فبذَّ الأقران، فاشرأبَّت إليه الأعناق، وثُنيت به - كما يقال - الخناصرُ؛ ومن هنا لا يكاد ينتفع بمُحاضرات الراغبِ غيرُ أولئك الذين اضطلعوا قبلاً بما فيها كاملاً غير منقوصٍ في مظانِّها
(مقدمة/7)

من القرآن الكريم والحديث الشريف، وسائر كتب الأدب واللغة والتاريخ وموسوعات الثقافة العربية في شتّى ألوانها.
هذا شيءٌ، وشيءٌ آخر، هو أنّ أبوابَ المحاضراتِ، أو حدودَه، لم ترَقْني، أما تلك العناوينُ الصغيرةُ التي طواها الراغبُ تحت كلِّ بابٍ أو كل حدٍّ فقد راقتني كلَّ الرَّوق، وإن لم ترُق جلالَ الدين السيوطي. . .
لهذا كلِّه رغبتُ عن معالجةِ المحاضرات على النحو الذي اقترحته وزارةُ المعارف، وانصرفت نفسي عن ذلك إلى وضع مُعجم حاشدٍ حافلٍ مستقل، يهجم فيه الطالب على طَلِبَتِه، في أي معنى من المعاني موضوعةً على طرف الثُمام وحبلِ الذِّراع، من غير أن يحتاجَ في التنقير عنها إلى الإيجاف والإيضاع.
على أنني جعلتُ محاضراتِ الراغبِ مُعوَّلي الأوّلَ في هذا المِشوار،
(مقدمة/8)

الكثيرِ العثارِ، ومنهلي العذبَ الذي إليه الإيراد ومنه الإصدار، وعُمدتي في لمِّ شمل الأشباه والنظائر، وكل ما كان من المعاني قد وَشَّجَته القراباتُ والأواصر ولقد تخيرت من المحاضرات سُويداواتِ القلوب وأناسِيَّ العيون، وضممتُ إليها أولاتِ الأرحام مما أغفله الراغب وأثبتَه الآخرون، مثل ابن قتيبة في عيون الأخبار، وابن عبد ربّه في العقد الفريد، وأبي هلال العسكري في ديوان المعاني والنويري في نهاية الأرب، وفلان، وفلان، ولم أجتزئ بذلك، بل زدتُ خيرَ ما أترسّمه مما قرأت وادَّارست طوالَ هذا الدَّهر، فترى خير ما في الكامل للمبرِّد، والأماليّ لأبي عليٍّ القاليّ، وما لا يكاد يُحصى من الدّواوين والأسفار، وما خلّفه لنا الأوائلُ والأواخرُ من عبقريِّ الآثار.
وبعد فليسمح لي القارئُ في أن أزيدَه علماً بكُنْه هذا المُعْجمِ وحقيقةِ الطريقةِ التي اتّبعتها، والجهودِ الجاهدةِ التي بذلْتُها، والملاحظاتِ التي يصحُّ أن تلاحظَ عليه، والنقدِ الذي ربّما يوجّه إليه؛ فإنّي بما أعتملُ جدّ بصير. . .
وأوّل ذلك وأوْلاهُ بالإشادة والتنويه: أنّي أودعتُ هذا المعجمَ، كما أسلفت؛ خير ما في محاضراتِ الأدباء للراغب، حتى لَيَصحُّ أن يطلق عليه
(مقدمة/9)

مُختارات المحاضرات وإن كان في هذا الإطلاق بعضُ الظلم للذخائر والعبقريات لأنّها في الواقع مختار المحاضرات وغير المحاضرات، وإيّاك والظنَّ أن هذا العمل وحده هَيْنٌ لَيْنٌ، فقد علمت أنّ المحاضراتِ لقد طغى عليها التحريف والتصحيف إلى حدّ أنَّ كل حرف، فضلاً عن كل كلمة، من آيةٍ كريمة، أو حديثٍ شريف، أو بيتٍ من الشعر، أو كلمةٍ مأثورة، لا بدَّ أن أحقِّقَه بالرجوع إلى
مصادره المختلفة حتى يستقيمَ ويقرّ به القرار، وإذ ذاك أُلقي عصا التسيارِ، إذ تقرُّ عيني كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر. . .
يَجيء بعد ذلك أنّي كلّما رأيتُ الراغبَ يورد في أيّ باب من الأبواب أثراً من آثارهم، أكان من المنظوم أم من المنثور، فزعت إلى مظانِّه، فأكملتُ ما لا بدَّ من إكماله، وزدت ما استحسن زيادته، من كل ما قد يعلق بالذاكرة، أو أتَعثَّر عليه في أثناء مُطالعاتي ومُراجعاتي.
أمّا أبوابُ هذا المعجم فقد عَدَلْتُ بها وانحرفت لا عن أبواب المحاضرات فحسب، بل عنها وعن سائر ما كان على غرارِ المحاضراتِ من سائر الموسوعات، وأنتَ إذا تصفَّحت الذخائر والعبقريات بدا لك أنّي ابتكرت طريقة مُثلى في تبويبها، فقد جهدت جَهْدي أن تكون الأبواب متجانسةً متجاوبةً، ومن ثمَّ كسرْتُ هذا المعجم عل كتب وطويت الكتب على أبوابٍ وأدرجت في كل باب سائرَ المعاني المتشابكة الأرحام. . .
أمّا عناوينُ المعاني فقد انتفعت بعناوين الراغب كلَّ الانتفاع، فحذوتُ على حَذْوها بعدَ شيءٍ من التصرُّف والتحويرِ والزيادةِ في أكثر العناوين.
(مقدمة/10)

يأتي بعد كل أولئك أنّي امتزت عن الراغب وغير الراغب بعملين عظيمين، فأمّا أوّلُهما فهو شرح كل ما يجمل شرحه من العبقريات، وقد يلاحظ أني تبسطت في الشرح - في كثير من المواضع - إلى الحدِّ الذي قد ينكره الخاصة، ولكن يجمل أن يلاحظ كذلك أنّي وضعت هذا المعجمَ للخاصةِ وغير الخاصة، أي لكلّ قارئ، على أنّ هذه الشروح هي الأخرى لونٌ من ألون الأدب والثقافة، وقلّما تخلو من الفوائد والعوائد. . . وعلى أن هناك من العبقريات - كبعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والحكم والمواعظ، وبعض الألفاظ المتداولة - ما حرَّفه السوادُ الأعظمُ عن مواضعه وجهلوا مغزاه الذي يَغزوه قائلوه، فكان لا مندوحةَ عن تبيانِ معناه، وفي هذا علاوةً على ذلك امتثالٌ لقول سيدنا رسول الله: (يحمل هذا العلم من كل خلف عُدوله، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين). . . وأما العمل الآخر فهو تصدير كل باب بكلمة أكشف بها المراد بما عقد له هذا الباب، وذلك كقولنا على البر والتقوى، وعلى الصبر، وعلى الشكر، وهكذا وهكذا. . . وهذا عملٌ له قيمته التي ما منها بُدٌّ.
ومما امتاز به هذا المُعجم أنّي لم أقتصر على إيراد العبقريات من الأقوال
(مقدمة/11)

وإنّما عرضت فيما عرضتُ لترجمةِ بعضِ العبقريين الذين نَبغوا في معنًى من المعاني، مثل القاضي أحمد بن أبي داود، تلك الشخصية الضَّخمة التي خُلّدت آثارُها في اصطناعِ المعروف والإحسان إلى الناس، وإن كنتُ أوجزتُ القولَ في ذلك كلَّ الإيجاز، وكذلك عرضتُ للتعريفِ بالشُّعراء والعلماء والزُّهّاد والحكماء الذين أوردتُ في هذا المُعجمِ عبقريّاتِهم، وإن كان ذلك في أجزأ قولٍ، وقد يُلاحظ أني أغفلت التعريفَ بكثيرٍ من القائلين، كما أغفلتُ في بعض المواضع شرحَ كثيرٍ من أقوالهم، وذلك إمّا لأنّي عرّفت من يجب أن يُعرّف وشرحت ما يجملُ أن يشرحَ في مواضعَ أخرى، وإمّا حدث ذلك سهواً وغفلة، وقد يحدث - وذلك في الندرة - أن يكون الإغفال - ولاسيّما إغفالُ التعريف بالرجال - لأني لم أوَفَّق إلى التعرّف عليهم. . .
هذا وكانت النيّة أن أتوسعَ في إيراد عبقرياتِ المعاصرين، ولكنّي اقتصدتُ في ذلك كلَّ الاقتصاد، لأنَّ هذا المعجم من ناحيةٍ ليس كتابَ مختاراتٍ بالمعنى المعروف وإنّما هو معجمُ معانٍ، وإن كنتُ قد عملتُ ما وجدت إلى ذلك السبيل على أن يكونَ كتابَ مطالعةٍ بجانب أنه كتابُ مراجعة، ومن ناحيةٍ خشيت أن أُتّهمَ بما أنا براءٌ منه في الواقع إذا أنا أوردتُ المختارَ من عبقريّات بعض المعاصرين دون بعض، على أن آثار المعاصرين كثيرةُ التّداول بين قُرَّاء هذا الجيل، ومن هنا أوردتُ فيه بعضَ عبقريات المعاصرين ممن استأثر اللهُ بهم، وأوردتُ أيضاً ما استحسنت إيرادَه مما نقل إلى العربية من اللّغات الأجنبية، وبخاصة ما نُشر قديماً في مجلة البيان التي كنت أقوم
(مقدمة/12)

بإخراجها من سنة 1911 إلى نهاية سنة 1921 ميلادية؛ وكذلك وقع اختياري على البارع كل البراعة من الكلمات الطويلة بعض الطول لبعض العبقريين من الغابرين، وإن كان ذلك في النادر الذي لا يؤبَه له، لنُدرته، وإن كنت كذلك حذفتُ مما اخترت من هذا الضرب كثيراً من الفضول.
أما تسميةُ هذا المُعجم الذخائر والعبقريات فلهذه التسمية مغزًى أغزوه، أمّا العبقرياتُ فإني أريد بها - كما هو واضحٌ - كلماتِهم القصيرةَ المأثورةَ المتفوقةَ في معناها، على أنّي لم آلُ جهداً في تخيُّر العبقريّ في معناه ومبناه معاً؛ وأمّا الذخائرُ فإني لم أقتصر في هذا المعجم على اختيار نوابغ الكَلِم، وإنّما قد تُلْجِئُ الحال إلى أن أشعشعَه كما تشعشع الراحُ، بالماءِ
القراحِ فأورد بعضَ المباحث اللغوية والعلمية، على شريطة أن تكونَ بجانب مكانتها الرفيعة في بابها جميلةً مستطرفةً مُحذفةً قصيرةً متجردةً من الأذناب والفضول، كبعض كلمات بارعة لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ تراها مبعثرةً ههنا وههنا في كتابه الحيوان، مثل كلامه على الخصاء والخصيان، وكلامه على العين وأفعالها في المَعين، وكبعض كلماتٍ كذلك لغيره. . . وأمثالٍ لهذا كثيرة، على أنّ كلا الحرفين - الذخائر والعبقريات - مما يصح أن يوضعَ موضعَ الآخر، فيطلق على كلِّ ما يؤثر ويُذخر لنفاسته، سواءٌ أكانَ من الكلمات أم من الموضوعات، فكلُّ عبقريّ من القول هو ذخيرةٌ من الذخائر، وكلّ موضوع قيّم هو عبقريٌّ من العبقريات.
(مقدمة/13)

وهذا المعجم يقع في زهاءِ عشرةِ أجزاء، كل جزء منها يستوعب ما يُربي على العشرين والثلاثمائة صفحة من هذا القطع، من هذا الورق الذي ترى. . .
وبعد فإنّي على هذا الجهد الجاهد لا أُبرِّئُ هذا الكتابَ، من العاب، وهل يصحُّ في الأفهام أن رجلاً يجرّ وراءه نيّفاً وستين سنة، موقرة بكل ما يضعف المُنّة ويوهن القوى، ويعصف بالحيويّة عصفاً، لا تتكاثر هفواتُه وعثراتُه، وتتوافر سقطاتُه وزلاتُه، في عمل مثل هذا يحاوله، وتأليفٍ تتشعب موضوعاتُه ومسائله، وإذا كانت الموسوعات التي منها تخيّرت حساباً فهذا المعجم فذالِكْ، وإذا كانت عبقرياتهم ههنا نظاماً فهي نِثارٌ مبدّدةٌ هنالك، وإذا كان المؤلفون يستظهرون على إخراج مؤلفاتهم في العادة بالوراقين والمصححين فلقد قمتُ وحدي بهذا العمل دونَ الاستعانة بأحد من أولئك. . . على أنّ النقصان، عالقٌ بالإنسان، كان من كان، وإنما الكمال، للحي الذي لا يموت ذي الجلال. . .
اللهم إنّي أبرأ إليك من الحول والقوة، اللهم عالم الغيب والشهادة فاطرَ السموات والأرض، يا من لا ينفع ذا الجدِّ منك الجدّ، يا من وعدت الذين هم محسنون بحسن الجزاء وحاش لله أن يخلف
(مقدمة/14)

الوعد، سبحانك تبارك اسمك وتعالى جدُّك، أسألك يا من تجيب دعوة الداعي إذا دعاك، أن تهب هذا الكتاب من توفيقك ما يتصل معه برضاك، ويعم الانتفاع به والإفادة منه ما اختلف الملوان، وكرَّ الجديدان. . .
ديسمبر سنة 1941
ذو القعدة سنة 1360
عبد الرحمن البرقوقي
(مقدمة/15)

الكتاب الأول
في الفضائل وصالح الأخلاق والمثل العليا التي يجمل بكل من ينشد السعادةَ في الدّارين أن يجهد جُهْدَه في التحلّي بها وهذا الكتاب مكسور على خمسة عشر باباً بينها جميعاً لحمة نسبٍ وقرابة
(1/1)

الباب الأول في البرِّ والتقوى
البرُّ وألوانه
قال علماؤنا ما خلاصتُه: إنّ أصل معنى البر: السَّعة، ومنه البَرُّ - بفتح الباء - مقابل البحر، ثم اشتُقّ منه البِرّ بمعنى التوسُّع في فعل الخير، وكلّ فعل مرضيٍّ. . . وهكذا أطلقوه على التوسّع في الإحسان إلى الناس، وهو لُبابُ البرّ؛ وعلى صلة الرحم، وهي عنوان البِرّ؛ وعلى التقوى، وهي جِماع البر، قال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى}، وقال لبيد:
وما البِرُّ إلا مُضمراتٌ من التّقى
وورد البرُّ في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف وفي شعر العرب مقابلاً للإثم - والإثم: الشرُّ وكل فعل غير مرضيٍ مما يؤثم - قال عزّ وجلّ: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. واقترانه بالتقوى يدلّ على أن البرّ بسبيلٍ من التقوى، ورُوي أنّ سائلاً سأل المصطفى صلوات الله عليه عن البِرّ والإثم، فقال: (البرُّ ما سكنت إليه نفسُك واطمأنّ به قلبك، والإثمُ ما حاكَ في نفسك وتردَّد في صدرك، وإن أفتاك الناس)، أو كما قال. حاك في نفسك: أي أثر فيها ورسخ وحزَّ
(1/2)

وقدح، وقوله: وإن أفتاك الناس: أي وإن جعلوا لك فيه رخصة وجوازاً
وقال زهير بن أبي سُلمى:
والإثمُ مِن شرِّ ما يُصالُ به ... والبِرُّ كالغَيْثِ نَبْتُهُ أَمِرُ
ما يُصال به: ما يُفتخر به، وأمِرُ: كثير مبارك ومن أسماء الله البَرُّ - بفتح الباء - ومعناه الواسع الخير، وقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}، فمعناه: لن تنالوا برَّ الله، أي لن تنالوا خيري الدنيا والآخرة حتى تنفقوا مما تحبون، أما خيرُ الدنيا فهو ما ييسره الله للعبد من الهدى والنعمة، وأما خيرُ الآخرة فهو الفوز بالنعيم الدائم في الجنة، أو تقول:
لن تنالوا حقيقة البرِّ - أي الخير - حتى تنفقوا مما تحبون. . . والأبرار: الأخيار، جمع بَرّ، وقد قوبلت كلمةُ الأبرار بالفُجّار في قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}. وإن الفُجّار لفي جحيم - والفجار: الذين ينبعثون في الشرور والآثام - وحج مبرور: مقبولٌ يُجازى بالبر، أي الثواب، أي خير الآخرة؛ وبَرّ في يمينه أي صدق، أي كان خيّراً فيه بهذا الصدق.
وبعد فكل ما أوردوه من معاني البر فإلى الخير مردُّه. . .
ولهم في البر مطلقاً، أي الخير غير مقيد بلون من ألوانه، عبقريات وذخائر، فمن ذلك قول الحطيئة:
مَنْ يَفْعَلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جوازِيَهُ ... لا يَذْهَبُ العُرفُ بين اللهِ والناسِ
جوازيه: جمع جازية اسمُ مصدرٍ للجزاء، كالعافية، أي لا يعدم جزاءً عليه قال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل العرب بيتاً قطُّ أصدق من بيت الحطيئة هذا، فقيل له: فقول طرفة بن العبد:
سَتُبْدِي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
(1/3)

فقال: مَن يأتيك بها ممن زودت أكثر، وليس بيت مما قالته الشعراء إلا وفيه مطعن، إلا قول الحطيئة هذا. ويُروى أن كعباً الحِبْرَ - المشهور بكعب الأحبار - لما سمع هذا البيت قال: والذي نفسي بيده: إنّ هذا البيت لمكتوبٌ في التوراة. . . وقال عبيد بن الأبرص:
والخيْرُ يَبْقَى وإنْ طالَ الزمانُ به ... والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ
يقال: أوعيتَ الزادَ والمتاعَ: إذا جعلته في الوعاء.
وقال أبو العتاهية:
لَيَعْلَمَنَّ الناسُ أنَّ التُّقَى ... والبِرَّ كانا خيرَ ما يُذخَرُ
وقبله قال الأخطل - ورواه المبرّد في الكامل للخليل بن أحمد واضع علم العروض -:
وإذا افتَقَرْتَ إلى الذّخائرِ لَم تَجِدْ ... ذُخْراً يكون كصالحِ الأعمالِ
روى صاحب الأغاني: أن هشام بن عبد الملك لما سمع الأخطل وهو يقول هذا البيت قال: هنيئاً لك أبا مالك هذا الإسلام! فقال الأخطل: يا أمير المؤمنين، ما زلت مسلماً في ديني؛ وقبل هذا البيت في ديوان الأخطل:
والناسُ هَمُّهُمُ الحياةُ وما أرَى ... طُولَ الحياةِ يَزيدُ غيرَ خَبالِ
الخبال: الفساد، أو هو لون من الجنون. . .
وقال أحمد شوقي في نهج البردة: - وهذه الأبياتُ يصحُّ أن تذكر في باب التقوى وفي باب الدّنيا وفي الزهد، كما يصحُّ أن تذكر في هذا الموضع -:
يا نفسُ دُنياكِ تُخْفِي كُلَّ مُبْكِيةٍ ... وإنْ بَدَا لكِ منها حُسنُ مُبْتَسمِ
فُضِّي بتَقواكِ فاها كلّما ضَحِكَتْ ... كما يُفَضُّ أذَى الرَّقْشاءِ بالثَّرَمِ
لا تَحْفِلِي بجنَاها أو جِنايتِها ... الموتُ بالزَّهْرِ مِثلُ الموتِ بالفَحَمِ
(1/4)

صلاحُ أمْرِكَ للأخلاقِ مَرْجِعُهُ ... فقَوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تَسْتَقِمِ
والنفْسُ مِن خيْرِها في خيرِ عافيةٍ ... والنفسُ من شرِّها في مَرْتَعٍ وَخِمِ
المبتسم: يريد الابتسام، أو موضع الابتسام، وهو الثغر. والرقشاء من الحيّات: المنقطة بالسواد والبياض. وأذى الرقشاء: سُمُّها. والثرم: كسر السن من أصلها. والجنى: ما يُجنى من الشجرة ويقطف من ثمرها، يقول في هذا البيت: إن سعادة الدنيا وشقاءها بمنزلة سواء، وكلاهما ألم غير أن أحد الألمين ينزل بساحة النفس سافراً غير متنكر - وهو جنايتها أي آلامها - والآخر - وهو جناها أي لذاتها - يتسرب إليها من أبواب غفلتها فيتجمل ويخلب حتى ينال منها، إذ أن من ورائه السمّ ناقعاً، فمثلهما في ذلك مثل الموت بالفحم والموت بالزهر، كلاهما موت، وإن كان هذا من أثر الاختناق بأرج الزهر، وذاك من دخن الفحم. والمرتع: من رتعت الماشية: أكلت ما شاءت، والمرتع: مكان الرتوع، والوخم: الرديء الوبيء.
وقال المعري:
وَلْتَفْعِلِ النَّفسُ الجميلَ لأنَّهُ ... خيْرٌ وَأَحْسَنُ لا لأجْلِ ثَوابِها
يقول المعري: إن فعل كل ما هو جميل خير وأحسن من فعل ما ليس بجميل، ولو لم يجن المرء من وراء الجميل وفعله إلا أنه خير وأحسن وأسمى وأرفع؛ لكان في ذلك الغناء كله، أما فعل الجميل ونصب عين فاعله ذلك الثواب الذي سيجازى به، فإن هذا إسفاف بالإنسانية إلى الحضيض الأوهد، ويعد من الأعمال التي يرفعها الله إلى أسفل، وجملة القول: إنه غير لائق بالكمال والمثل الأعلى، أليس من كان هذا شأنهم إنما يتاجرون الله
الذي يعلم السر وأخفى، والذي هو جميل يحب الجمال! وسترى في باب التقوى
(1/5)

كثيراً من عبقرياتهم في هذا المعنى - معنى فعل الخير حُباً في الخير، وولوعاً بالحق والجمال والمثالية الكامنة فيه.
ومما رُوي لنا من أحاديث سيدنا رسول الله في هذا الباب قوله صلوات الله عليه: (رأيت الجنة والنار فلم أرَ مثل الخير والشر). . . قال ابن الأثير في النهاية: أي لم أر مثلهما لا يميز بينهما فيبالغ في طلب الجنة والهرب من النار. . . أقول: ولعل الأظهر أن يكون المعنى: لم أر شيئاً يكون وصلة إلى دخول الجنة مثل الخير، ولم أر شيئاً يكون سبباً في دخول النار مثل الشر. . . هذا، وإن أبى الملحدون وأشباه الملحدين إلا أن يؤولوا الجنة بأنها الهناءة وغبطة الروح التي يشعر بها الأخيار البررة ويراحون لها في هذه الحياة، والنار بأنها الشقاوة التي يعانيها الأشرار الفجرة، ويتسعر لهيبها في أحناء ضلوعهم، فهم وما يختارون ويحلولي لهم، إذ أن هذا - أي سعادة الخيّر في الدنيا وشقاوة الشرير فيها - حق وصحيح في ذاته، وإن لم يك مراداً لأنبياء الله ورسلِه بالجنة والنار، حين يريدون الجنة والنار بمعناهما المعروف، على أن الإسلام على ذلك يعتد بالسّعادة والشّقاوة في الدنيا كما أنّه يعتد بهما فيما بعد الموت. . . وفي الحديث أيضاً: (خيركم من يُرْجى خيره ويؤمن شرّه، وشرُّكم من لا يُرجى خيرُه ولا يؤمن شرُّه). . . وقال صلوات الله عليه:
(1/6)

(خير الناس خيرُهم لنفسه) ومعناه: إذا جامل الناس جاملوه وإذا أحسن إليهم كافؤوه بمثله وأما الحديث: (خيركم خيركم لأهله)، فهو حث على صلة الرحم، وسيأتي. . . ومما يؤثر من أحاديث سيدنا رسول الله في هذا الباب قوله صلوات الله عليه: (شرُّ الناس من خافه الناس اتقاء شره) ومثل هذا القول تبكيت للشرير، وأنه وإن ظفر بما يظفر به من أغراض هذه الدنيا فهو خاسر دامر وكان من دعاء سيدنا رسول الله: إن الخيرَ بيديكَ والشَّرّ ليس إليك يريد: أنَ الشر لا يُتقرب به إليك ولا يُبتغى به وجهك، أو أن الشر لا يَصعد إليك وإنما يصعد إليك الطيِّب من القول والعمل، كما قال سبحانه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}. وفي هذا الدعاء إرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله والدعاء، وأن تضاف إليه محاسن الأشياء دون مساويها. . . ومن كلمة لعلي بن أبي طالب: إن للخير والشر أهلاً، فمهما تركتموه منهما كفاكُموه أهلُه يقول رضي الله عنه: إنْ عنَّ لك باب من أبواب
الخير وتركته فسوف يكفيكَه بعض الناس ممن جعله الله أهلاً للخير، وإن عنَّ لك باب من أبواب الشر فتركتَه فسوف يكفيكَه بعض الناس ممن جعلهم الله أهلاً للشر وأذى الناس، فاختر لنفسك أيما أحبّ إليك: أن تحظى بالمحمدة والثواب وتفعل ما إن تركته فعله غيرُك وحظي بحمده وثوابه، أو أن تتركه، وأيما أحب إليك؛ أن تشقى بالذم عاجلاً والعقاب آجلاً وتفعل ما إن تركته كفاكه غيرك وبلغت غرضك منه على يد غيرك، أو أن تفعله؛ وإذن فجدير بالعاقل أن يؤثر فعل الخير وترك الشر ما وجد إلى ذلك سبيلا.
ومن قولهم في أوصاف البَرَرة الأخيار: فلان نقيُّ الساحة من المآثم، بريء الذمة من الجرائم؛ إذا رضي لم يقل غير الصدق، وإذا سخط لم يتجاوز
(1/7)

جانب الحق، يرجع إلى نفس أمارة بالخير، بعيدة عن الشر، مدلولة على سبيل البر. . . ووصف أعرابيٌّ رجلاً بلونٍ من ألوان البِرّ وبالألمعية والذكاء والحصافة والأناة قال: كان - والله - الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين، لم أرَ أحداً كان أرتقَ لخلل رأيٍ منه، ولا أبعد مسافة رويةٍ ومراد طرفٍ، إنما يرمي بهمته حيث أشار إليه الكرم، وما زال - والله - يتحسى مرارة أخلاق الإخوان ويسقيهم عذوبة أخلاقه. . .
كان الفهم منه ذا أذنين: يريد أنه كان يعي ويتفطن لما يرى ويسمع فطنة أوفت على الغاية، إذ أنها فطنة مضاعفة، فكأن له أذنين. أما قوله: والجواب ذا لسانين: فإنما يريد قوة العارضة واللسن، وهذا غير قولهم: فلان ذو وجهين وذو لسانين، يريدون: النفاق والذبذبة. ورتق الفتق: أصلحه، والمراد: المكان من راد يرود: إذا جاء وذهب، ويتحسى: يقال حسا الماء: شربه، وتحساه: إذا شرب في مهلة، وهو هنا مجاز.
ومن كلمة لابن المقفع يصف الرجل يتلاقى البِرُّ في برديه بألوانٍ شتى من المثل العليا وأخلاق السادة، في أسلوب بديع - وقد وردت هذه الكلمة في نهج البلاغة منسوبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه -: كان لي أخٌ في الله، كان أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً من سلطان بطنه؛ فلا يتشهى ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجاً من سلطان فرجه؛ فلا يدعو إليه مؤنة، ولا يستخف إليه رأياً ولا بدناً، وكان لا يتأثر عند نعمة، ولا يستكين عند مصيبة، وكان خارجاً من سلطان لسانه؛ فلا يتكلم بما لا يعلم ولا يماري فيما علم. وكان خارجاً من سلطان الجهالة؛
فلا يقدم أبداً إلا على ثقة بنفسه، وكان
(1/8)

أكثر دهره صامتاً، فإذا قال بزَّ القائلين، وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جد الجدُّ فهو الليث عادياًً، وكان لا يدخل في دعوى، ولا يشارك في مراءٍ، ولا يدلي بحجة، حتى يرى قاضياً فهماً وشهوداً عدولاً، وكان لا يلوم أحداً فيما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما عذره، وكان لا يشكو وجعه إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير صاحباً إلا أن يرجو منه النصيحة وكان لا يتبرم ولا يتسخط، ولا يتشكى ولا يتشهى، ولا ينتقم من العدو ولا يغفل عن الولي، ولا يخص نفسه بشيء دون إخوانه، من اهتمامه وحيلته وقوته. . . فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع. . . قوله كان لي أخ إلخ. فليس يعني أخاً بعينه ولكن هذا كلام خارج مخرج المثل، وعادة العرب جارية بذلك مثل قولهم في الشعر: فقلت لصاحبي، ويا صاحبيّ: وقوله: فلا يتشهى ما لا يجد، فإن ذلك لعمري من سقوط المروءة. قال الأحنف بن قيس: جنِّبوا مجالسنا ذكر تشهِّي الأطعمة وحديث النكاح، ومن طرف الجاحظ ما رواه عن نفسه: جلسنا في دار فجعلنا نتشهى الأطعمة، فقال واحد: أنا أشتهي سكباجة كثيرة الزعفران، وقال آخر: وأنا أشتهي هريسة كثيرة الدارصيني. . . وإلى جانبنا امرأة بيننا وبينها بئر الدار، فضربت الحائط وقالت: أنا حامل، فأعطوني ملء هذه الغضارة - الصحفة - من طبيخكم، فقال ثمامة بن الأشرس: جارتنا هذه تشم رائحة الأماني! وقوله: وكان ضعيفاً مستضعفاً: يريد: لَيِّن الجانب. موطَّأ الأكناف. . . وقرع رجل باب بعض الخيرين من السلف، في ليل، فقال لجاريته: أبصري من القارع، فأتت الباب فقالت: من ذا؟ قال أنا صديق مولاك، فقال الرجل: قولي له: والله إنك لصديق؟ فقالت له ذلك، فقال:
(1/9)

والله إني لصديق، فنهض الرجل وبيده سيف وكيس يسوق جارية، وفتح الباب وقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا بك ما ساءك، فإني قد قسمت أمرك بين صديق: فهذا المال، وبين عدو: فهذا السيف، أو مشوق: فهذه الجارية. فقال الرجل: لله بلادك، ما رأيت مثلك. . . أقول: هذه لعمري هي أخلاق السادة النبلاء ذوي البر والمروءة والوفاء والحزم والظرف، وكون - وجود - أمثال هؤلاء من ذوي الإنسانية العالية هو الذي يحسن ظننا بالحياة ويجمّلها في أعيننا، ويجعلها محتملة مطاقة، لا كما نرى اليوم. . وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت يصف رجلاً قليل الخير أي لا خير فيه:
أبى لك فِعْلَ الخيْرِ رَأْيٌ مُقَصِّرٌ ... ونَفْسٌ أضَاقَ اللهُ بالخير باعَها
إذا ما أرادته على الخيرِ مَرَّةً ... عصاها وإن هَمَّتْ بِشَرٍّ أطاعها
ومن قولهم في قليل الخير:
هُوَ فِي الخيْرِ قَطُوفٌ ... وَهْوَ في الشَّرِّ وَسَاعُ
القطوف من الإنسان والحيوان: البطيء المتقارب الخطو، ووساع: واسع الخطو سريع السير ومن قولهم في المتساويين في الخير والشر. هما كفرسي رهان، وهذا في الخير، وأما في الشر فيقال: هما كحماري العبادي. والعبادي: رجل من العباد، وهم قوم من قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية فأنفوا أن يتسموا بالعبيد وقالوا: نحن العباد، وقد نزلوا بالحيرة ومنهم عدي بن زيد العبادي الشاعر المشهور. أما هذا العبادي فيروى أنه قيل له - أي حماريك شرٌّ؟ فقال: هذا، ثم هذا!.
(1/10)

وقال الأشعر الرقبان - وهو شاعر جاهلي من بني أسد - يخاطب ابن عمٍ له يسمى رضوان، يصفه بالشر واللؤم والنذالة والفسولة:
بِحَسْبِكَ في القومِ أنْ يَعلَموا ... بأنَّكَ فِيهم غَنيٌّ مُضِرْ
وقَدْ عَلِمَ المَعْشَرُ الطارِقُوكَ ... بأنَّكَ للضَّيْفِ جُوعٌ وَقُرْ
إذا ما انْتَدى القَوْمُ لمْ تأتِهِم ... كأنَّكَ قَدْ وَلَدَتْكَ الحُمُرْ
مَسِيخٌ مَليخٌ كَلَحْمِ الحُوَار ... فَلا أَنْتَ حُلْوٌ ولا أَنْتَ مُرْ
قوله: غنيٌّ مُضر، فالمُضِرّ: الذي له ضَرّة من المال، وهي القطعة من المال والإبل والغنم، أو المال الكثير، كما هنا، وانتدى القوم: اجتمعوا في ناديهم، والمسيخ: الذي لا طعم له، والمليخ مثله، وخص به بعض اللغويين الحوار الذي ينحر حين يقع من بطن أمه فلا يوجد له طعم، وقال ابن الأعرابي: المليخ من الرجال: الذي لا تشتهي أن تراه عينك فلا تجالسه ولا تسمع أذنك حديثه، والحوار: ولد الناقة ساعة تضعه. . . ومما يحسن إيراده في هذا الباب للبسته واشتباهه قول عمر رضي الله عنه - وقد قيل له: فلان لا يعرف الشر - فقال: ذاك أوقع له فيه، إذ أن معناه: أن لا يكون الإنسان مغفلاً وإنما الواجب الفطنة والحذر وسوء الظن بالناس، لما جبل عليه سوادهم من الشر واللؤم والخداع، وفي معناه يقول حكيم لابنه: استعذ بالله من شرار الناس وكن من خيارهم على حذر. . . وقد كان
الفاروق رضي الله عنه لا يقعقع له بالشنان وكان سيئ الظن بالناس، يدل على ذلك شدته وصرامته
(1/11)

وحذره وسياسته الحازمة الرشيدة. . .
وبعد فإنك ترى في باب طبائع الإنسان كثيراً من عبقرياتهم في الشر ووصف الأشرار وحكمة امتزاج الخير بالشر في العالم، كما أنه سيمرّ بك قريباً كثير من عبقرياتهم في التقوى وحسن الخلق. . .
ومن أروع وأجمع ما قيل في البِرّ على سائر ألوانه قوله جلّ شأنه: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}. . .
نزلت هذه الآية الكريمة بعد أن أكثر أهل الكتاب من يهود ونصارى، الخوض في أمر القبلة حين حول رسول الله إلى الكعبة، وزعم كل من الفريقين أن البِرَّ هو التوجه إلى قبلته، ففند الله سبحانه هذا الزعم وبهرجه وقال: ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر هو أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمّة إليه هو بِرّ من آمن وقام بهذه الأعمال. . . هذا، وقوله. ليس البر أن تولوا فالبرَّ بالنصب خبر ليس مقدم. وأن تولوا مؤول بمصدر اسم ليس مؤخر، وقوله: ولكن البر من آمن: إما مثل قول الخنساء:
(1/12)

فإنّما هي إقبال وإدبار
أو تقول؛ ولكن البر: أي ذا البر أو تقول، إنه على حذف مضاف، أي بر من آمن. وقوله سبحانه: والكتاب، يعني جنس كتب الله، أو القرآن. وقوله: على حبه، أي مع حب المال والشح به، وقدم ذوي القربى لأن الإحسان إليهم أفضل، كما ورد في الأثر: صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي رحمك اثنتان، صدقة وصلة، وابن السبيل: المسافر المنقطع، وقيل الضيف: لأن السبيل يرعف به - أي يتقدم به ويبرزه للمقيمين كما يرعف الأنف بدم الرعاف - وقوله: وفي الرقاب: أي وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم وقيل: في شراء الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك الأسارى. وقوله: والموفون بعهدهم: عطف على من
آمن وقوله: والصابرين، فهو منصوب على المدح، ولم يعطف، لفضل الصبر على سائر الأعمال، والبأساء، أي في الأموال كالفقر، والضراء، أي في الأنفس كالمرض. وحين البأس: أي وقت مجاهدة العدو. . . أليست هذه الآية الكريمة - كما قال الإمام البيضاوي، وكما ترى - جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، دالة عليها صريحاً أو ضمناً، فإنها على تشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس. وقد أشير إلى الأول بقوله: من آمن
(1/13)

بالله. إلى: والنبيين، وإلى الثاني بقوله: وآتى المال. . إلى: والرقاب، وإلى الثالث بقوله: وأقام الصلاة. . . إلى آخرها. ولذلك وُصِفَ المستجمعُ لها بالصدق، نظراً إلى إيمانه واعتقاده، وبالتقوى اعتباراً بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق سبحانه، ولذلك قال عليه السلام: (من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان).

برُّ الوالدين وصلة الرحم
وعبقرياتهم في الآباء والأبناء والأقارب من بابات شتى
وإليك شدواً من عبقرياتهم في لون من ألوان البِرّ لقد نراه باديَ الرأي قليل الخطر، وهو عند الله الحق، ولدى إلقاء البال إليه، وإنعام النظر فيه، عظيمٌ كلّ العظم، خطيرٌ كل الخطر، ذلك هو صلةُ الرحم بعامة، وبِرُّ الوالدين بخاصة، ولقد قرن الله بر الوالدين بالتوحيد، وأكثر في كتابه المنزل من الحض على هذا البرِّ بأسلوب يخيل إلى السامع إليه أن برَّ الوالدين ركن من أركان الدين، وأساس من أسس الأخلاق لا يؤبه لسائرها بدونه، وإنه لكذلك، وفي الحق إن هذه الإشادةَ البالغةَ من الإسلام ببرِّ الوالدين وصلة الرحم لممّا يعدُّ من فضائل هذا الدين الحنيف وخصائصه التي يماز بها. فليلقِ أبناء اليوم بالَهم إلى ذلك، وليجعلوه دائماً نصب أعينهم، إن كانوا يريدون الخيرَ لأنفسهم، وإلا فلا يبعد الله إلا من ظلم. . . هذا وستسمع بادئ ذي بدءٍ خيرَ
(1/14)

ما قالوا في هذا اللون من البر، ثم نعقبه بخيرِ ما قالوا في الآباء والأبناء والأقارب، مما يتأشّب إلى هذا المعنى، وينشعب به القول، ولا يخلو بعضه من طرافة، حتى نستوعب المنتقى من كلامهم في كل باب، وحتى يكون فيما يستطرف منه استراحةٌ للقارئ وانتقالٌ ينفي ملل الجِدِّ عنه. . . فمن ذلك ما يقول الله عز وجل - ونتجزأ بهذه الآية الكريمة الجامعة عن سائر الآيات التي يزخَرُ بها كتاب الله في باب البِرّ بالوالدين -: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً، رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً، وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}. . . الآيات.
قوله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ}: أي أمر أمراً مقطوعاً به. . . وإنها لكلمة مروِّعة ترجّ النفس رجاً وتزلزل أرجاءها زلزالاً شديداً. ولا جرم أنه كتاب الله الذي أحكمت آياته. أما قوله سبحانه: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}: أي قضى ربك بأن لا تعبدوا إلا إياه؛ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام. وقوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، أي وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، وقوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا}، فإما: هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيداً لها، فكأنه قال: إن يبلغن، وأحدهما فاعل يبلغن، و {أُفٍّ}: صوت يدل على التضجر، وعندك: قال الزمخشري: معناه: أن يكبرا ويعجزا ويصيرا كَلاًّ على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشد احتمالاً وصبراً، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب
(1/15)

والاحتمال، حتى لا يقول لهما - إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما -: أُفٍّ، فضلاً عما يزيد على أفٍّ. . . قال: ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما كما ترى، حيث افتتح الآية بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما - التوحيد والإحسان إلى الوالدين - في سلك القضاء - الأمر - بهما معاً، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر، مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة. . . وقوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}: أي لا تنههما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك، {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}: أي جميلاً، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة. وقوله سبحانه: {، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ}، قال الإمام الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}، فأضافه إلى الذُّلِّ أو الذِّلِّ كما أضيف حاتم إلى الجود، على معنى واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول، والثاني: أن تجعل لذُلِّه أو لِذِلِّه لهما جناحاً خفيضاً كما جعل لبيد - الشاعر المخضرم - للشمال يداً وللقرة زماماً مبالغة في التذلل والتواضع لهما، وقوله سبحانه: {مِنَ الرَّحْمَةِ}: أي من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما
وافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس،
(1/16)

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما)، ورُوِيَ: يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة: وقال رجل لرسول الله صلوات الله عليه: إن أبويَّ بلغا من الكبر أن ألِيَ منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما حقَّهما؟ قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما: وعن حذيفة: أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال: دعه يليه غيرك. وسئل الفضيل بن عياض عن برّ الوالدين، فقال: أن لا تقوم إلى خدمتيهما عن كسل، وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شزراً إليهما، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أودائهما من بعدهما، فعن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أبرّ البرّ أن يصل الرجلُ أهلَ ودِّ أبيه). . . أما قوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}، فهذا توصية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما، يقول سبحانه: آتوهم حقهم، وحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة إن كانوا مياسير، وتعهدهم بالمال إن كانوا عاجزين عن الكسب انظر التفصيلات في كتب الفقه وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني أريد الغزو، فقال عليه الصلاة والسلام: أحيٌّ أبواك؟ قال: نعم، قال: فَفيهما فَجاهِدْ. وسئل الحسنُ البَصْرِيُّ رضي الله عنه عن برِّ الوالدين، فقال: أنْ تَبْذُلَ لهما ما ملكت، وتطيعَهما فيما أمَراك، ما لم يكن معصيةً، وآية ذلك قوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ
(1/17)

لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً}. . .
ومما يؤثر من أخبار البَرَرة: ما يقول المأمون بن الرشيد: لم أرَ أحداً أبرَّ من الفضل بن يحيى - البرمكي - بأبيه، بلغ من برِّه به أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بماء مُسخّن وهما في السجن، فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل - حين أخذ يحيى مضجعه - إلى قمقمٍ كان يسخن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من المصباح، فلم يزل قائماً وهو في يده حتى أصبح. . . وقيل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: إنك من أبرّ الناس بأمك ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحفة، قال: إني أخاف أن تسبقها
يدي إلى شيء سبقت عينها إليه فأكونَ قد عققتها. وقيل لعمر بن ذرٍّ - وقد مات ابنه -: كيف كان برُّ ابنك بك؟ قال: ما ماشيته قط نهاراً إلا مشى خلفي، ولا ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحاً وأنا تحته.
ومما يروى في باب العقوق وأحوال العققة: والعقوق ضد البِرِّ،
(1/18)

وأصله من العقِّ وهو الشقّ والقطع، يقال عقَّ الولد والده يَعُقُّه عَقاً وعُقوقاً ومَعَقّةً: إذا شقّ عصا طاعته، وعقَّ والديه: قطعهما ولم يصل رحمَه منهما وقد يُعَمُّ بلفظ العقوق جميعُ الرحم، والولد عاق، والجمع عَققةٌ، مثل كفرة.
فمن قولهم في العقوق: العقوق ثُكلُ من لا يَثْكَلُ. . . . . . . . . الثكل الموت والهلاك، وأكثر ما يستعمل في فقدان الرجل والمرأة ولدهما، يعنون أن من ابتلي بولدٍ عاقٍّ فكأنه ثكله وقال بعضهم لابن له عاقٍّ: أنت كالإصبع الزائدة، إن تُركت شانت وإن قُطعت آذت. . . وقيل لأعرابي كيف ابنك؟ - وكان عاقاً - فقال: عذابٌ رَعِفَ به الدهرُ، فليتني قد أودعته القبر، فإنه بلاءٌ لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر قوله رَعِفَ به الدهرُ: يريد تقدم به الدهر وعجل.
وأورد أبو العباس المبرّد في الكامل هذه الأبيات لامرأة يقال لها أمُّ ثواب الهزّانية، في ابنها - وكان لها عاقاً - وقد اختارها أبو تمام في حماسته:
رَبَّيْتُهُ وهُوَ مِثْلُ الفَرْخِ أَعْظَمُهُ ... أُمُّ الطَّعَامِ تَرَى في ريشِه زَغَبَا
حَتَّى إذا آضَ كالفُحّالِ شَذَّبَهُ ... أبَّارُهُ ونَفَى عَنْ مَتْنِهِ الكَرَبا
أَنْشَا يُخَرِّقُ أثْوابي ويَضْربُني ... أبَعْدَ سِتِّينَ عِنْدِي يَبْتغي الأدبا
إنِّي لأُبْصِرُ في تَرْجِيلِ لِمَّتِهِ ... وخَطِّ لِحْيَتِهِ في وَجْهِهِ عَجَبَا
قالَتْ لهُ عِرْسُهُ يَوْماً لِتُسْمِعَني ... رِفْقاً فإنَّ لنا في أُمِّنا أرَبا
ولوْ رَأتْنيَ في نارٍ مُسَعَّرَةٍ ... مِنَ الجحِيم لزَادَتْ فَوْقَهَا حَطَبَا
هذه أبيات من شعر الفطرة، تصف في دِقّةٍ حالَ الابن العاقّ يكون ضَلْعُه وهَواه مع زَوْجه على أمِّه، وكذلك تصف ذلك العداء القديمَ بين الكَنَّةِ
(1/19)

وحَماتِها، وقولها: أعْظَمُه أمُّ الطَّعام، وصف للفرخ، ومعناه: أكبرُ أعضائه أمُّ الطعام: أي معدته، وكذلك قولها: ترى في ريشه زغبا: وصف آخر للفرخ، والزَّغب: أول ما يبدو من ريش الفرخ، تصف ضعف نشأة
ابنها، وآض: صارَ، والفُحّال: فحال النخل، أي الذَكرُ منه، وأبّارُه: الذي يصلحه يقال: أبَّرْت النخل: إذا لقَّحتَه، وشذَّبَه: قطع ما عليه من الكرانيف وهي أصول السّعَف الغلاظ التي إذا يَبِسَت صارت أمثال الأكتافِ، ومتنُه: فمتن كل شيء ما ظهر منه، والكرب: ما يبقى من أصول السّعف في النخل تريد: حتى إذا بلغ أشده واستوى طوله، وأنشا: أصله أنشأ، تريد: ابتدأ وأقبل، وقولها: أبعد ستين عندي يبتغي الأدبا، تريد: أن ضربه إياها يريد تأديبها بعد أن بلغت الستين حمقٌ منه وعبث، إذ من العناءِ رياضة الهَرِم، وقولها: إني لأبصر. . . البيت، فاللمة: الشعر الذي يلم بالمنكب، والترجيل: تسريح الشعر تصفه بالحسن والجمال، وعرسه: زوجُه، وأمنا. . . أضافتها إلى نفسها خديعة، وأربا: حاجة، تريد: لا ينبغي لك أن تهينها. . .
وقيل لرجل أبطأ في التزوج: لِمَ أبطأت؟ فقال: أريد أن أسبق أولادي في اليُتْم قبل أن يسبقوني في العقوق. . .
وأورد المبرِّد أيضاً عن رجل يسمى أبا المِخَشّ حديثاً طريفاً قال: قال أبو المِخَشّ: كانت لِيَ ابنة تجلس معي على المائدة فتُبرز كفَّاً كأنها طَلْعَة، في ذراعٍ كأنَّها جُمّارة، فلا تقعُ عينُها على أُكْلَةٍ نفيسةٍ إلا خصّتني بها
(1/20)

فزوَّجْتُها. . . وصار يجلسُ معي على المائدة ابنٌ لي، فيُبرز كفَّاً كأنها كِرْنافة، في ذِراعٍ كأنه كَرَبة، فواللهِ إن تَسْبَق عيني إلى لُقْمةٍ طيِّبةٍ إلا سبقت يدُه إليها. . . الطلعة في كلام أبي المخشّ هذا جمعها طَلْع، وهو نَورُ النخلة ما دام في الكافور، وهو وعاؤه الذي ينشقّ عنه، والجُمارة: شحمة النخلة التي إذا قطعت قمةُ رأسها ظهرت كأنها قطعة سنام، والكرنافة: طرف الكَرْبَة العريض الذي يتصل بالنخلة كأنه كتف، وقوله: إن تسبق عيني فإن نافية بمعنى ما.
وأورد أبو تمام في باب الهجاء من حماسته لأحد الشعراء أبياتاً لها قصة فيها اعتبار لمن أراد أن يعتبر من عَققةِ الأبناء، وإليك هذه القصة والأبيات:
كان في زمن عبد الملك بن مروان رجل يسمى مُنازلَ بنَ فرعان، وكان لمُنازلٍ هذا ابنٌ يقال له خليجٌ - وهو من رهط الأحنف بن قيس - فعقَّ خليجٌ أباه مُنازلاً، فقدّمه إلى إبراهيم بن عربيٍّ، والي اليمامة، مستعدياً عليه - وقال:
تَظلَّمني حَقِّي خَليجٌ وعَقَّني ... على حِينَِ كانت كالحَنيِّ عِظامي
لَعَمْري لقد رَبَّيْتُه فرِحاً به ... فلا يفْرحَنْ بَعْدي امْرُؤٌ بغُلامِ
وكيْفَ أُرَجِّي النفعَ منْهُ وأمُّهُ ... حَرَامِيَّةٌ؟ ما غَرَّني بحَرامِ
ورَجَّيْتُ منهُ الخيْرَ حينَ استَزَدْتُه ... وما بعضُ ما يزْدادُ غيْرَ غَرامِ
(1/21)

فأراد إبراهيم بن عربيّ ضربه، فقال: أصلح الله الأمير، لا تعجل عليَّ أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا مُنازل بن فُرعان، الذي عقَّ أباه، وفيه يقول أبوه:
جَزَتْ رَحِمٌ بَيْني وبَيْنَ مُنازلٍ ... جَزاءً كما يَسْتَنْزِلُ الدَّيْنَ طالِبُهْ
لَرَبَّيْتُهُ حتّى إذا آضَ شَيْظَماً ... يَكادُ يُساوي غارِبَ الفَحْلِ غارِبُهْ
فلمَّا رَآني أُبْصِرُ الشَّخْصَ أَشْخُصاً ... قَريباً وذا الشَّخْصِ البَعيدِ أُقارِبُهْ
تَغَمَّدَ حَقِّي ظالِماً ولَوَى يَدِي ... لَوَى يَدَهُ اللهُ الذي هُو غالِبُهْ
وكانَ له عِنْدي إذا جاعَ أوْ بَكى ... مِنَ الزَّادِ أحْلَى زادِنا وأطايبُهْ
ورَبَّيْتُه حتى إذا ما ترَكْتُه ... أخا القَوْمِ واسْتَغْنَى عن المَسْحِ شارِبُهْ
وجَمَّعْتُها دُهْماً جِلاداً كأنها ... أَشَاءُ نخيلٍ لمْ تُقَطَّعْ جَوانِبُهْ
(1/22)

فأخْرَجني منها سَليباً كأنَّني ... حُسَامُ يَمانٍ فارَقَتْهُ مَضارِبُهْ
أَإنْ أُرْعِشَتْ كَفَّا أبيكَ وأصْبَحَتْ ... يَدَاكَ يَدَيْ لَيْثٍ فإنَّكَ ضارِبُهْ
فقال الوالي: يا هذا، عققت فعُققت، فما لك مثلاً إلا قول خالد لأبي ذؤيب:
فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرْتَها ... فأوَّلُ رَاضِي سِيرَةٍ مَنْ يَسِيرُها
قال الإمام التبريزي: وذلك أن أبا ذؤيب هذا كان غلاماً، وكان لرجل صديقةٌ، فكان الرجل يبعث أبا ذؤيب إلى صديقته بالرسائل، فلما ترعرع أبو ذؤيب كسرها على الصديق - يريد أفسدها وأمالها عنه إليه -، ولما ترجل أبو ذؤيب - يريد صار رجلاً - مُنع منها وحجبت عنه وحجب عنها، فكان يبعث خالداً إليها بالرسائل، وخالد يومئذ غلام، فلما ترعرع خالد كسرها على أبي ذؤيب، فقال أبو ذؤيب يعنف المرأة:
تُريِدينَ كيْما تجْمَعيني وخالداً ... وهل يُجمَعُ السَّيْفانِ وَيْحَكِ في غِمْدِ
وجعل يؤنب خالداً، فقال خالد:
(1/23)

فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرتها
. . . البيت
ولأمية بن أبي الصلت الشاعر الجاهلي أبياتٌ حسانٌ يشكو فيها هو الآخر ابنه الذي عقّه وأساء إليه: وقد اختارها أبو تمام في حماسته قال:
غَذَوْتُكَ مَوْلوداً وعُلْتُكَ يافعاً ... تُعَلُّ بمَا أُدْنِي إليْكَ وتُنْهَلُ
إذا ليْلةٌ نابَتْكَ بالشَّكوِ لمْ أَبِتْ ... لِشَكْواكَ إلاَّ ساهِراً أتَمَلْمَلُ
كأني أنا المَطروقُ دونَكَ بالذي ... طُرقْتَ به دُوني وعَيْنِيَ تَهْمُلُ
فلمَّا بلغتَ السِّنَّ والغايةَ الَّتي ... إليْها مَدَى ما كنتُ فِيكَ أؤمِّلُ
جَعَلْتَ جزائي مِنْكَ جَبْهاً وغِلْظةً ... كأنكَ أنْتَ المُنعِمُ المُتفَضِّلُ
(1/24)

فليْتَكَ إذْ لمْ تَرْعَ حَقَّ أبُوَّتي ... فعَلْتَ كما الجارُ المجاوِرُ يَفْعَلُ
وسَمَّيْتَني باسْمِ المُفَنَّدِ رَأُيُهُ ... وفي رَأْيِكَ التَّفْنيدُ لو كُنتَ تَعْقِلُ
تَراهُ مُعِدَّاً للخلافِ كأنَّهُ ... برَدٍّ على أهْل الصوابِ مُوَكَّلُ
ومن المستطرف من أقوالهم في الأولاد المتخلفين: ما يروى أن رجلاً بعث ابنه ليشتري حبلاً، فقال له: اجعله عشرين ذراعاً، فقال الولد: في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك. . . وكان لأبي العباس المبرّد صاحب الكامل ابنٌ متخلف، فقيل له يوماً: غطِّ سوءَتك، فوضع يده على رأس ابنه. . . وقيل لصبي: لم لا تتعلم الأدب؟ فقال: إني أخاف أن أُكذِّبَ والدي، لأنه قال لي: إنك لا تفلح أبداً. . .
هذا وكما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حقٌّ: ومما ورد في ذلك ما جاء في الحديث: (من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه، وأن يُعِفَّه إذا بلغ). أن يحسن أدبه: أن يعنى بتربيته وتهذيبه وتعليمه، وأن يعفه: أي يعمل على أن يكون عفاً عن الحرام فيزوجه. . . وقال حكيم من أدَّب ولده صغيراً، سُرّ به كبيراً، وقالوا: من أدَّب ولده، أرغم حاسده.
ومن آداب الإسلام: إذا بلغ أولادكم سبع سنين فمُروهم بالطهارة والصلاة وإذا بلغوا عشراً فاضربوهم عليها، وإذا بلغوا ثلاثة عشر ففرقوا بينهم في المضاجع، ومن كلامهم: لاعِب ابنك سبعاً وعلِّمه سبعاً وجالس به إخوانك
(1/25)

سبعاً يتبين لك أخَلَفٌ هو بعدك أم خَلْفٌ الخَلَف - بفتح اللام: الولد الصالح، والخلْف - بسكونها: الطالح، تقول: أعطاك الله خلَفاً مما ذهب لك ولا تقل خَلْفاً، وتقول أنت خَلْفُ سوء من أبيك، هذا هو الأعرف عند أهل اللغة وقال رجل لأبيه: يا أبتِ، إن عظيم حَقّك عليّ لا يُذهب صغيرَ حقّي عليك، وإن الذي تمُتُّ به
إليّ أمُتُّ بمثله إليك، ولست أزعم أنَّا على سواء، ولكن لا يحلُّ الاعتداء. . .
وقالوا: إنّ الولدَ البارَّ أبرُّ من الوالد، لأنَّ بِرَّ الوالدين طبيعة، وبِرَّ الولدِ واجبٌ، والواجب أبداً ثقيل، ولعل المتنبي ينظر إلى هذا المعنى إذ يقول:
إنَّما أنتَ والِدٌ والأبُ القا ... طعُ أحْنَى من واصِلِ الأولادِ
ومما يُستطرف في هذا الباب ما يُروى من احتجاج بعض العَققةِ لعقوقهم: فقد قيل لبعض الفلاسفة: لمَ تعقُّ والديك؟ قال: لأنّهما أخرجاني إلى الكونِ والفساد. . . وضرب رجل أباه، فقيل له: أما عرفت حقَّه؟ قال: لا، لأنّه لم يعرف حقّي، قيل: فما حق الولد على الوالد؟ قال: أن يتخيَّر أمَّه، ويحسن اسمَه، ويختنَه، ويعلمَه القرآنَ، ثم كشف عن عورته فإذا هو أقلف - لم يُختن - وقال: اسمي برغوث. . . ولا أعلم حرفاً من القرآن، وقد استولدني من زنجية. . . فقيل للوالد: احتمله، فإنك تستأهل. . .
(1/26)

وعيَّر رجلٌ ابنَه بأمِّه، فقال الابن: هي والله خيرٌ لي منك، لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حرٍّ، وأنتَ أسأت الاختيارَ فولدتني من أمةٍ. . .
وقال رجل لابنه: ما أطيب الثُّكْلَ يا بنيَّ! فقال الابن: اليُتمُ أطيب منه يا أبت! وقيل لبعضهم: أيُّ ولدك أحبُّ إليك؟ قال: صغيرُهم حتى يَكبرَ، ومريضُهم حتى يبرأ، وغائبُهم حتّى يقدَم. . .
أقولُ: وإنّما قال صغيرهم حتى يكبر، لأنّ كبيرَ الأولادِ في العادة قلّما يَظفرُ من حبّ أبيه بمثل ما يظفر به الصغير، وقد قالوا في ذلك ما يُبين عن السبب، وهو ما روي أن رجلاً من العرب رأى بنيه يَثِبون على الخيل وقد تنادَوا بالغارةِ، فذهب يرومُ ذلك مرةً وثانية فلَمْ يَقْدِرْ، فقال: من سرَّه بنوه ساءته نفسُه. . . وفي ضِدِّ هذا المعنى يقول أكثمُ بنُ صَيفيٍّ حكيمُ العرب:
إنَّ بَنِيَّ صِبْيةٌ صَيْفِيُّونْ ... أفْلَحَ مَن كان له رِبْعِيُّونْ
يقال أصافَ الرجلُ يُصيف إصافةً: إذا لم يُولَدْ له حتّى يُسِنَّ ويَكبر وأولادُه صَيْفيّون، والواحدُ صَيْفيٌّ، والرِّبعِيّون: الذين وُلِدوا في حَداثتِه وأوَّل شبابه، ولمّا حَضرتْ سليمانَ بنَ عبد الملك الوفاةُ تمثّل بهذا البيت لأنّه لم يكنْ في أبنائِه مَنْ يقلِّده العَهْدَ بعده، ومعنى ذلك عندهم: أنّ الأولاد الكبار أفضلُ من الصغارِ لدى الوالدِ، ولاسيّما إذا كَبِر. . . وهذا على
نقيض قولِ القائل: من سرَّه بَنوهُ ساءته نفسُه، وإن كان لكلٍّ وِجهةٌ هو مولّيها.
وناول عمر بن الخطاب رجلاً شيئاً فقال له: خَدمَك بنوك، فقال عمر: بل أغنانا اللهُ عنهم.
(1/27)

وكان يقال: ابنُك ريحانُك سبعاً، وخادمُك سبعاً ثم عدوٌّ أو صديق. . . وفي الأثرِ: ريحُ الولدِ من ريحِ الجنَّة. . .
وكان رسول الله يُقبِّل الحسنَ بن علي رضي الله عنه - وهو حفيد المصطفى - يوماً، فقال الأقرعُ بن حابس: إن لي عشرةً من الأولاد ما قبّلت واحداً منهم، فقال رسول الله: فما أصنع إن كان اللهُ نزعَ الرحمةَ من قلبك!
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ماتَ الرجلُ انقطع عمله، إلا من ثلاث، صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له).
وقالوا: خيرُ ما أعطي الرجلُ بعد الصِّحَّة والأمن والعقل ولدٌ موافقٌ من زوجةٍ موافقةٍ، ومتعةُ العيشِ بينَ الأهلِ والولدِ
وكانتِ العربُ تُسمّي من لا ولدَ له صُنبوراً، والصُّنبور في اللغة: الأبترُ لا عقبَ له ولا أخٌ، فإذا مات انقطع ذكرُه وكان كفار قريشٍ يطلقون على رسول الله: صُنبوراً، فأنزل الله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} شانئك: مُبغضك، والأبتر الذي لا عقب له.
وقال حكيمٌ في ميّت: إن كان له ولدٌ فهو حيٌّ وإن لم يكن له ولدٌ فهو ميِّتٌ.
ومن أمثال العرب: ابنُك ابنُ بُوحك أي ابنُ نفسِك لا من تَبَنَّيْتَه، ومثله: ولدُكِ من دَمَّى عَقِبَيْكِ يعنون: الذي نَفِسْتِ به فأدمى النفاسُ عقبيكِ، أي: ابنك من ولدتِه لا من تبنيته وقيل لحكيم: ما السَّعادة؟ قال: أن يكون للرجل ابنٌ واحدٌ، فقيل له: الواحد يُخشى عليه الموتُ! قال: لَمْ تسألوني عن الشقاوة. . .
(1/28)

وهناك فريقٌ من الناس يذهبون إلى ذمِّ الولدِ وقلَّة جَدْاوه: ومما يُروى في هذا الباب أنه قيلَ لبعض الزهَّاد: هلاَّ تزوَّجْت؟ فربما يكون لك خَلَفٌ؟ فقال: كفى بالتَّزهيد فيه قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}، وقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}. . وقالوا: قلة العيال أحدُ اليَسارينِ، وقال المتنبي:
وما الدَّهْرُ أَهْلٌ أن يُؤَمَّلَ عنْدَه ... حَيَاةٌ وأن يُشْتاقَ فيه إلى النَّسْلِ
هَلِ الوَلدُ المحْبُوبُ إلاَّ تَعِلَّةٌ ... وهلْ خَلْوَةُ الحَسْناءِ إلا أذَى البَعْلِ
وقد ذُقْتُ حَلْوَاَء البنينَ على الصِّبَا ... فلا تحْسَبَنِّي قلتُ ما قلت عن جَهْلِ
وقال المعرِّي - وهو إمام الساخطين، أو المتشائمين كما يقولون اليوم -:
أرَى وُلْدَ الفتى عِبْئاً عليه ... لقدْ سَعِدَ الذي أضْحى عَقيمَا
فإمَّا أَنْ يُرَبِّيَهُ عدُوَّاً ... وإمّا أَنْ يُخلِّفَهُ يَتيمَا
وإمَّا أنْ يُصادِفَهُ حِمَامٌ ... فيبقى حُزْنُه أبداً مُقيما
وبُشِّر الحسن البصريُّ بابنٍ فقال: لا مرحباً بمَن إن كنت غنياً أذهَلَني، وإن كنتُ فقيراً أتْعبني، لا أرضى كدِّي له كدّاً، ولا سَعْيي له في الحياة سعياً، أهتمُّ بفقره بعد وفاتي، حين لا ينالني به سرور، ولا يُهمّه لي حُزْن.
وأصحر الحسن يوماً - أي ذهب إلى الصحراء - فرأى صيّاداً فقال: ما أكثرُ
(1/29)

ما يقع في شبكتِك؟ قال: كلُّ طيرٍ زاقٍ أي يَزُقُّ أفراخه أي يطعمها بفيه فقال الحسن: هلك المُعيلون أي الذين لهم عيال كُثْر.
وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم لأحد ابنَيْ بنتِه: (إنّكم لتُجَبِّنون وإنكم لتُبَخّلون وإنكم لمِنْ ريحانِ الله)، وفي الحديث أيضاً: (الولدُ مَجْبنةٌ مَجْهلةٌ مَبْخلة). . . يقول عليه السلام: إن الولدَ يحمل أباه على الجُبن، فلا يُجاهد ولا يَشجع، لأنه يحبُّ البقاءَ لأجله، وعلى الجهلِ، بمُلاعبته إيّاه ونُزوله إلى مُستواه، وتركه العقلَ ومقتضاه، أو باشتغاله به عن طلب العلم، وعلى البُخل، لأنّه يُبقي على المال لأجلِه ويبخل به ويَشِحّ.
ومن أحسن ما قيل في الإشفاق على الأولاد: قول حِطَّانَ بنِ المُعلَّى - وهو شاعر إسلامي، وأبياته هذه في الحماسة -:
أنْزَلني الدَّهْرُ على حُكْمِهِ ... مِنَ شامِخٍ عالٍ إلى خَفْضِ
وغالَني الدَّهْرُ بِوَفْرِ الغِنى ... فليْسَ لي مالٌ سِوَى عِرْضِي
أبْكانيَ الدَّهْرُ ويا رُبَّما ... أضْحَكَني الدَّهْرُ بما يُرْضِي
لولا بُنَيَّاتٌ كزُغْبِ القَطَا ... رُدِدْنَ من بَعْضٍ إلى بعضِ
لَكانَ لي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ ... في الأرْضِ ذاتِ الطُّولِ والعَرضِ
وإنّما أوْلادُنا بَيْنَنا ... أَكْبادُنا تَمْشي على الأرْضِ
لو هَبَّتِ الرِّيحُ على بَعْضِهمْ ... لامْتنعت عَيْني من الغُمْضِ
أنزلني الدهر على حكمه: أنزله من العزةِ إلى الذلَّة يحكم فيه بما شاء، ومن شامخ: من جبل شاهق طويل في السماء، وإلى خفض: إلى مطمئن من الأرض، وهذا تمثيل. وغالني الدهر: أخذه غيلة من حيث لم يدر، وبوفر
(1/30)

الغنى: يريد: في كثرة ماله، وقوله: فليس لي مال سوى عرضي يريد: لم يبقِ له الدهر شيئاً إلا أتى عليه سوى عرضه فلم ينتقصه. والعرض: قال ابن الأثير: موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن يُنتقص ويُثلب، وقال أبو العباس ثعلب: إذا ذكر عرض فلان فمعناه أموره التي يرتفع أو يسقط من جهتها بحمد أو بذم، فيجوز أن تكون أموراً يوصف هو بها دون أسلافه ويجوز أن تذكر أسلافه لتلحقه النقيصة بعيبهم وقول الشاعر:
وأُدْرِكُ مَيسورَ الغِنَى ومعِي عِرضي
أي أفعالي الجميلة
وقوله: بما يرضي: أي أضحكني أحياناً بما يرضيني. وقوله: كزغب القطا: واحدتها زغباء والذكر أزغب والمصدر الزغب، وهو أوّل ما يبدو من ريش الفرخ، وكذا من شعر الصبي، وقوله: رُدِدن من بعض إلى بعض: تصوير لهيئة تداخل الأفراخ وانضمام بعضهن إلى بعض أول نشأتهن، يصف بناتِه بأنهن ضعاف لا يستطعن القيام بشؤونهن. ومضطرب: أي اضطراب، أي تحرك. وأكبادنا: تمثيل لمعنى الشفقة عليهن، وقد بينها بقوله: لو هبت الريح. . . البيت. . . والغمض بضم الغين: النوم.
ويقول إسحاق بن خلف - من شعراء الدولة العباسية - في بنت أخت له
(1/31)

تسمى أميمة كان حدِباً عليها كلِفاً بها، وهي من أبيات الحماسة:
لولا أمَيْمَةُ لم أجْزَعْ من العَدَمِ ... ولم أَقاسِ الدُّجى في حِنْدِسِ الظُّلَمِ
وزادَني رَغْبَةً في العَيْشِ مَعْرِفتي ... ذُلَّ اليتيمةِ يجفُوها ذَوُو الرَّحِمِ
أُحاذِرُ الفَقْرَ يوْماً أنْ يُلِمَّ بها ... فيَهْتِكَ السِّتْرَ عن لَحْمٍ على وَضَمِ
تَهْوَى حَياتي وأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقاً ... والمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ على الحُرَمِ
أخْشَى فَظَاظَةَ عَمٍّ أوْ جَفَاَء أَخ ... وَكُنْتُ أُبْقِي عَلَيْهَا مِنْ أَذَى الكَلِمِ
العدم: الفقر، وقوله: فيهتك الستر، فالهتك: جذبك السِّتر تقطعه من موضعه أو تشق منه
جزءاً فيبدو ما وراءَه، وإسناده إلى الفقر مجاز، وقوله عن لحم على وضم، فالوضم: ما وضع عليه اللحم من خشب ونحوه، وكانت العرب في باديتها إذا نُحر بعير لِلحيِّ يقتسمونه، تقلع شجراً وتضع عليه اللحم مقطّعاً يأخذ منه كل شريك قَسْمَه ولم يَعْرِض له أحد، وكانت تضرب المثل في
(1/32)

ضعف النساء وقلة امتناعهن على طُلابهنَّ إلا أن يُذاد عنهنَّ، بذلك اللحم ما دام مع الوضم.
وقوله: شفقاً، أي خيفة، وقد شَفق يَشفَق - بالفتح - وأشفق عليه يُشفِق: خاف، وقوله: والموت أكرم نزّالٍ على الحُرم، فالحرم، جمع حُرمة، وهي عيال الرجل ونساؤه، يريد: أن الموت أكرم ضيف ينزل عليهن، وفي هذا المعنى قولهم. . . دفنُ البنات، من المَكْرمات، وسيمر عليك كلامهم في هذا المعنى في باب النساء، وقوله: وكنت أبقي عليها: من أبقيت عليه: إذا أرعيتَ عليه ورحمته. . . وقال عِمرانُ بنُ حِطّان - وقد كان رأسَ القَعَدِ من الصُّفْريةِ طائفة من الخوارج وكان خطيبهم وشاعرَهم، وهو من التابعين -:
لقدْ زاد الحياةَ إليَّ حُبَّا ... بَنَاتِي أَنَّهُنَّ من الضِّعَافِ
مَخَافَةَ أنْ يَرَيْنَ البُؤْسَ بَعْدِي ... وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِ
وأنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسيَ الجَوَارِي ... فَتَنْبُو العَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجَافِ
ولولا ذاك قد سَوّمْتُ مُهري ... وفي الرحمن لِلضُّعَفَاءِ كافِ
أبانا مَنْ لنا إنْ غِبْتَ عَنَّا ... وصارَ الحَيُّ بعدك في اختلافِ
الرنق: الماء الكدر، وكرم: قال ابن سيده وغيره: رجل كرَمٌ: أي كريم، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث تقول: امرأة كَرمٌ ونسوة كَرمٌ لأنه وصف بالمصدر، وعجاف: جمع عجفاء على غير قياس، والعجف: الهُزال وسوّمت مهري: فالخيل المسوّمة: المرسلة وعليها ركبانها، وفي التنزيل العزيز: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ}، من قولك سوَّمت فلاناً إذا خلّيته وسَوْمَه، أي: وما يريد، وقيل الخيل المسوّمة، هي التي عليها السمة والسومة وهي العلامة.
وقال شاعر جاهلي يمتدح ابنه لبره به، وهي من أبيات الحماسة:
رأيتُ رِبَاطاً حينَ تَمَّ شَبَابُهُ ... وولّى شبابي ليسَ في بِرِّه عَتْبُ
إذا كان أولادُ الرجالِ حَزَازَةً ... فأنتَ الحلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العذْبُ
(1/33)

لنا جانِبٌ منه دَمِيثٌ وجانبٌ ... إذا رَامَهُ الأعداءُ مُمْتَنِعٌ صَعْبُ
وتأخُذُهُ عند المكارم هِزّةٌ ... كما اهْتَزَّ تحْتَ البارِحِ الغُصُنُ الرَّطْبُ
قوله ليسَ في بِرِّه عَتْبُ: يريد ليس في بره لَومٌ ولا سخط، وقوله: إذا كان أولاد الرجال حزازة، فالحزازة: وجع في القلب من غيظٍ ونحوه والجمع حزازات، وتروى: إذا كان أولاد الرجال مرارةً، وهي الأنسبُ بقوله فأنت الحلال الحُلو، يكنى به عن الرجل الذي لا ريبة فيه، على المَثَل بالحُلو الحلال مما يُذاق، يصف طيب أخلاقه، وقوله: دميث: أي سهل ليّن، والبارح: الريح تهب من الشمال في الصيف خاصة.
وقال عمرو بن شأس - وهو شاعر فارس شهد مع سيدنا رسول الله الحديبيةَ وكانت امرأته تُؤذي ابنَه عِراراً - وكان من أمة سوداءَ - تعيِّره بالسواد وتشتمُه، فلما أعيَتْ أباه عمراً أنشأ كلمة عدتها عشرون بيتاً اختار منها أبو تمام هذه الأبيات:
أرادَتْ عِرَاراً بالهَوَانِ ومَنْ يُرِدْ ... عِرَاراً لَعَمْري بالهَوانِ فقد ظَلَمْ
فإنْ كنتِ منِّي أو تُريدينَ صُحْبتي ... فكوني له كالسَّمْنِ رُبَّ له الأدَمْ
وإنْ كُنْتِ تَهْوينَ الفِرَاقَ ظَعِينتي ... فكوني له كالذِّئْبِ ضاعَت له الغَنَمْ
وإلاَّ فَسِيري مِثلَ ما سار راكبٌ ... تجشَّمَ خِمْساً ليس في سَيْرِهِ يَتَمْ
وإنَّ عِراراً إن يكُنْ ذا شَكِيمَةٍ ... تُقاسِينَها مِنه فما أمْلِكُ الشِّيَمْ
وإنَّ عِراراً إنْ يكنْ غيرَ واضحٍ ... فإني أحِبُّ الجوْنَ ذا المَنْكِبِ العَمَمْ
قوله: فإن كنت مني: نقل الكلام من الإخبار إلى الخطاب ومعنى فإن كنت مني: فإن كنت توافقينني، من قولهم فلان منّا. أي: يوافقنا. وقال المرصفي: معناه: فإن كنت مثل نفسي سيدة، وقوله أو تريدين صحبتي: أي أو تكونين مثل غيرك في المعيشة لا حظَّ
(1/34)

لها في السيادة، وقوله: فكوني له كالسمن: أي كوني له كالسمن الذي لا يتغير، والرب: خلاصة التمر بعد طبخه وعصره، والأدم: اسم جمع للأديم وهو الجلد المدبوغ، يريد الأسقية التي يجعل فيها الرب. وكانت العرب تدهن وعاء السمن بالرب لتمنع فساده ويزيد في طيب ريحه، فقوله: رُبَّ له الأدم: أي جُعل فيه الرب لئلا يفسد، وقوله وإن كنت تهوين الخ يقول: وإن كنت تؤثرين مفارقتي مصممة على ذلك فكوني له ذئباً أهملت له الغنم يعيث فيها، ويقال لزوج الرجل: ظعينة، وهي مقيمة، والأصل في الظعينة المرأة في هودجها وهي سائرة، وقوله: وإلا فسيري إلخ، فالخِمْسُ: فلاة بعد ماؤها حتى إن الإبل لترده في
اليوم الرابع سوى اليوم الذي شربت فيه وصدرت، واليَتم: الفتور والتقصير والإبطاء، يقول: وإلا فارقيني وسيري سير راكب تكلف ورود الماء للخمس، وقوله: وإن عراراً. . . البيت، فالشكيمة: شدة النفس وإباؤها، والشيمة: الخليقة، وكان عرار هذا حديد القلب ذرب اللسان، يقول: لا اقدر على تغيير خلقه، فإما أن تلائميه على ما تقاسينه من حدته، وإما أن تفارقيني فإنه أحب إليّ منك، وقوله غير واضح: أي غير أبيض: مستعار من وضح الصبح وهو بياضه، والجون هنا: الأسود المشرب حمرة، والمنكب: مجتمع عظم العضد والكتف، يصفه بالقوة والشدة، والعمم: التام قالوا: كان عرار هذا أحد فصحاء العقلاء، توجه عن المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج رسولاً في بعض فتوحه، فلما مثل بين يدي الحجّاج لم يعرفه وازدراه، فلما استنطقه أبان وأعرب ما شاء وبلغ الغاية والمراد في كل ما سأل، فأنشد الحجاج متمثلاً:
أرادت عِراراً بالهَوانِ ومن يُرِدْ ... عِراراَ لَعَمْري بالهوانِ فقدْ ظَلَمْ
(1/35)

فقال عرار: أنا - أيد الله الأمير - عِرار، فأعجب به وبذلك الاتفاق.
صلة الرحم: وبعد فلنورد بعض ما قالوا في صلة الرحم، والرحم في الأصل: موضع تكوين الولد، ثم سميت القرابة رَحماً، فالرحم: خلاف الأجنبي، وقال ابن الأثير: ذوو الرحم: هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب - قرابة - ويطلق في الفرائض - علم المواريث - على الأقارب من جهة النساء. ويقال: رَحِم ورَحْم ورِحْم، وهي مؤنثة، قال زهير ابن أبي سُلمى:
خُذُوا حَظَّكُمْ يا آل عِكْرِمَ واذكرُوا ... أواصِرَنا والرَّحْمُ بالغَيْبِ تُذْكَرُ
ومما ورد في صلة الرحم: قوله جل شأنه: {وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفي قراءة: والأرحام بالخفض، وإذن يكون المعنى: تساءلون به وبالأرحام، وهو قولهم: نشدتك بالله وبالرحم. . .، وقال صلى الله عليه وسلم: (الرَّحم شُجْنَةٌ من الله - وفي رواية: من الرحمن - معلقة بالعرش تقول اللهمَّ صِلْ من وصلني واقطع من قطعني). . . قال الجوهري: الشُّجنة بالضم والفتح والكسر: عروق الشجر المشتبكة، و: بيني وبينه شُجنةُ رَحم: أي قرابة مشتبكة، ومن ذا قولهم: الحديثُ ذو شجون: أي ذو شعبٍ وامتساكٍ بعضه ببعض، وعبارة أبي عبيدة في تفسير هذا الحديث: شجنة من
الله: أي قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق، شبهه بذلك مجازاً واتساعاً، وأصل الشجنة. شعبة من غصن
(1/36)

من غصون الشجر ثم استعمل اتساعاً في الرحم المشتبكة وقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لا يجالسنا قاطع رحم، فقام شاب، فأتى خالةً له، - وكان بينه وبينها شيء - فأخبرها بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فاستغفرت له واستغفر لها، ثم رجع والنبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه فأخبره، فقال النبي: إن الرحمة لا تنزل على قاطع رحم. وفي الحديث: (من أحب أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أجله، فليصل رحمه) ينسأ: يؤخر ومنه الحديث. (صلة الرحم مثراة في المال منسأة في الأثر). منسأة: مفعلة من النسء أي مظِنَّة له وموضع، والأثر: الأجل، وفي الحديث: لا تستنسؤوا الشيطان أي إذا أردتم عملاً صالحاً فلا تؤخروه إلى غد ولا تستمهلوا الشيطان، يريد: أن ذلك مهلة مسوّلة من الشيطان. ولعل المراد من تبسيط الرزق ومد العمر: البركة والخير والسعادة ورفاغة العيش، وللعلماء في ذلك كلام كثير راجعه في المطولات. . .
وكان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم: مَن كان منهم يؤثر أقرباءه بالولايات والعِمالات وإسناد أمور الدولة إليهم، فإنما كان ذلك - بعد كفاية الأقرباء واستحقاقهم - للبر صِرْفاً، أي امتثالاً لأمر الله في وجوب صلة الرحم، ومن كان منهم يؤثر الأجانب ويُقصي الأقارب ويحرمهم أعمالَ الدولة. فإنما كان ذلك للبر أيضاً، إذ كان ذلك إمعاناً في التورع والتأثم وتَركاً لما يريب إلى ما لا يريب. . . وفي ذلك يقول الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه: كان عمر يمنع أقرباءه ابتغاء وجهِ الله، وأنا أعطي قراباتي لوجه الله، ولن يُرى مثلُ عمر. . . فتأمل قوله: ولن يُرى مثل عُمر. . . أي لن يبلغ إنسان مبلغه في
(1/37)

الحزم والسياسة الرشيدة وضبطِ النفس أن تسترسل مع ما يُشبه الهوى. . . يعني أن عمرَ أفضلُ مني، رضي الله عن الجميع. . .
ومما يروى في معنى حث الأقارب على التعاون: أن أكثمَ بنَ صيفيٍّ حكيمَ العرب دعا أولاده عند موته، فاستدعى بضِمامةٍ من السهام أي حزمة منها، لغة في الإضمامة وتقدم إلى كل واحد أن يكسرها، فلم يقدر واحد على كسرها، ثم بددها وتقدم إليهم أن يكسروها، فاستسهلوا كسرها، فقال: كونوا مجتمعين، ليعجز من ناوأكم أي عاداكم عن كسركم، لعجزكم. . . وقال الشاعر في هذا المعنى:
إنَّ القِدَاحَ إذا اجتمعْنَ فرَامَها ... بالكْسرِ ذو حَرْدٍ وبَطْشٍ أَيِّد
عَزَّتْ فلَمْ تُكْسَرْ، وإن هِيَ بُدِّدَتْ ... فالوَهْنُ والتكْسِيرُ لِلمُتَبَدِّدِ
وقال آخر في هذا المعنى:
إذا ما أرادَ اللهُ ذُلَّ قبيلةٍ ... رَمَاها بتشتيتِ الهوى والتَّخاذلِ
وهذا كما يقال في الأقارب يقال في كل جماعة بينهم لحمة تجمعهم، من وطن وغير وطن ومما يروى: أن رجلاً من العرب قتل ابن أخيه، فدفع إلى أخيه ليقتاد منه فلما أهوى بالسيف أرعدت يداه، فألقى السيف من يده وعفا عنه، وقال: - والبيتان في الحماسة -:
(1/38)

أقولُ لِلنفْسِ تَأسَاءً وتَعْزِيةً ... إحْدى يَدَيَّ أصابَتْني ولم تُردِ
كِلاهُما خَلَفٌ مِن فَقْدِ صاحبه ... هذا أخي حينَ أَدْعُوهُ وذا وَلَدِي
وفي مثل هذا المعنى يقول الحارث بن وعلة الذهلي - وهي من أبيات الحماسة -:
قَوْمِي هُمُ قتَلوا، أُمَيْمَ، أخي ... فإذا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهمِي
فلِئنْ عَفَوْتُ لأعْفُوَنْ جَلَلاً ... ولئنْ سَطْوتُ لأُوهِنَنْ عَظْمي
لا تأْمَنَنْ قوْماً ظَلَمْتَهُمُ ... وبَدأْتَهُمْ بالشَّتْمِ والرَّغْمِ
أَنْ يأبِرُوا نخْلاً لِغَيْرِهِمُ ... والشيءُ تَحْقِرُه وقدْ يَنْمي
وزَعَمتُمُ أَنْ لا حُلومَ لنا ... إنّ العصَا قُرِعَتْ لذِي الحِلْمِ
ووَطِئْتَنا وطْأً على حَنَقٍ ... وَطْأ المُقَيَّدِ نابِتَ الهَرْمِ
وترَكْتَنا لَحْماً على وَضَمٍ ... لو كنتَ تَسْتَبْقي من اللّحْمِ
يقول في البيت الأول: قومي - يا أميمة - هم الذين فجعوني بأخي ووتروني فيه، فإذا حاولت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عز الرجل بعشيرته. وهذا الكلام تحزّن وتفجّع وليس بإخبار. وقوله: فلئن عفوت. . . البيت. يقول: إن تركت طلب الانتقام منهم صفحت عن أمر عظيم، وإن انتقمت منهم أوهنت عظمي: أي أضعفته، ويقال:
(1/39)

عفوت عن الذنب: إذا صفحت عنه، والسطو: الأخذ بعنف، والجلل: من الأضداد: يكون الصغير ويكون العظيم، وهو المراد ههنا. وقوله: لا تأمنن قوماً. . البيتين، حوّل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب متوعداً، والرغم: مصدر رغمت فلاناً: إذا فعلت به ما يرغم أنفه ويذلَّه، وقوله: أن يأبروا: في موضع نصب على البدل من قوماً في البيت الذي قبله، كأنه قال: لا
تأمن أبر قومٍ ظلمتهم نخلاً لغيرهم، يقال: أبَرْتُ النخل وأبَّرْتُه: إذا لقّحته. يقول: إذا ظلمت قوماً فلا تأمنهم أن ينتقموا منك فتشتفي أعداؤك منك. فتكون كمن أصلح أمر غيره، وقال بعضهم: المعنى: إن ظلمتمونا تحولنا عنكم، فلا يكون لكم بعدنا مقام - إقامة - فتتحولون أو يملككم العدو، فيكون ما أبرنا نحن وأنتم، لهم دوننا ودونكم، وقال أبو العلاء المعري: قد اختلف في معنى هذا البيت، فقيل: أراد أنه يفارقهم ويهبط هو وقومه أرضاً ذات نخل كان لغيرهم فيدفعونهم عنه ويأبرونه، كأنه يتهددهم بترحله عنهم، لأن ذلك يؤديهم إلى الذل، واستدلوا على هذا الوجه بقوله في القصيدة:
قوِّضْ خِيامَكَ والْتَمِسْ بلَداً ... يَنْأى عن الغَاشِيكَ بالظُّلْمِ
وقيل: بل يريد أنه يحاربهم فيصلحهم لغيره فيجعلهم كالنخل التي قد أبرت، إذ كان عدوهم ينال غرضه منهم إذا أعانه عليهم، وقيل: بل عنى أنه يسبي نساءهم فتوطأ فيكون ذلك كالإبار الذي هو تلقيح النخل. قال التبريزي: وهذا الوجه أشبه بمذهب العرب مما تقدم، لأنهم يكنون عن النخلة بالمرأة. وقوله: وزعمتم أن لا حلوم لنا: فأكثر ما يستعمل الزعم فيما كان باطلاً أو فيه ارتياب، والحلوم: العقول، وقرع العصا: كناية عن التنبيه،
(1/40)

واختلف في أول من قرعت له العصا، فقيل عمرو بن الظرب العدواني وقيل عمرو بن حممة الدوسي، وخبرهما: أن كل واحد منهما كان حكماً للعرب يتحاكمون إليه في كل معضلة، قالوا: إن العرب أتوا عمرو بن حممة يتحاكمون إليه، فغلط في حكومته - وكان قد أسنَّ - فقالت له ابنته: إنك قد صرت تَهِمُ في حكومتك - أي تغلط - فقال: إذا رأيتِ ذلك منّي فاقرعي العصا، فكان إذا قرعت له العَصا فطن. يقول: زعمتم أنه لا عقول لنا وأننا سفهاء، فإن كان الأمر على ما زعمتم فنبهونا أنتم، وهذا تهكم من الشاعر بهم، وقوله: ووطئتنا. . البيت، فالحنق: الغيظ، والهرم: شجر، أو البقلة الحمقاء - هي التي تسمى الرجلة -، أو ضرب من الحِمْض فيه ملوحة وهو أذلّه وأشدُّه انبساطاً على الأرض واستبطاحاً. . . وفي المثل: أذل من الهرمة، يقول: وأثرت فينا تأثير الحنق الغضبان كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذا النبت الضعيف، وخص المقيد لأن وطأته أثقل، لأنه لا يتمكن من وضع قوائمه على حسب إرادته. كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. ومن قول العرب: أعوذ بالله من وطأة الدليل، أي من أن يطأني، لأن وطأته أشد لسوء ملكته، كما قال امرؤ القيس:
فإنّك لم يَفْخَرْ عليكَ كفاخرٍ ... ضعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ
وخص النابت وأراد: الحديث النبات، وهو أغض له وأرق، ويروى: يابس الهرم، وقوله وتركتنا لحماً على وضم: فالوضم: الخشبة التي يضع الجزار اللحم عليها يوقى بها اللحم من الأرض، أو تقول: خوان الجزار، وقد تقدم يقول. تركتنا لا دفاع بنا كاللحم على الوضم يتناوله من شاء، ثم قال: لو كنت تستبقي من اللحم، أي لو كنت تترك بقية، قال التبريزي: جعل ذلك مثلاً
(1/41)

لاستفساده لهم وسماحته بهم.
والعرب تقول في العطف على القريب والحمية له وإن لم يكن وادّاً: أنفكَ منكَ وإنْ ذَنَّ وعيصك منك وإن كان أشِباً وقال قائلهم - وهو حريث بن جابر -:
إذا ظُلِمَ المولَى فَزَعتُ لِظُلْمِه ... فحرَّك أحشائِي وهَرَّتْ كِلابِيا
وقيل لأعرابيٍّ: ما تقول في ابن العم؟ فقال عدوّك وعدوّ عدوّك، ولما مات عبادة بن الصامت بكى عليه أخوه أوس بن الصامت، فقيل له: أتبكي عليه وقد كان يريد قتلك؟ فقال: حركني للبكاء عليه ارتكاضنا في بطنٍ، وارتضاعنا من ثديٍ. . . ودخل رجل من أشراف العرب على بعض الملوك، فسأله عن أخيه، فأوقع به يعيبه ويشتمه، وفي المجلس رجل يشنؤه - يبغضه - فشرع معه في القول، فقال له: مهلاً! إني لآكلُ لحمي ولا أدعه لآكلٍ. . . وقال الشاعر - قيل هو زرارة بن سبيع، وقيل نضلة بن خالد، وقيل دودان بن سعد، وكلهم من بني أسد، شعراء جاهليون، والأبيات من الحماسة:
لَعَمْرِي لَرَهْطُ المرءِ خيرُ بَقيَّةٍ ... عليهِ وإنْ عالَوْا به كُلَّ مَرْكَبِ
مِنَ الجانبِ الأقْصى وإن كان ذا غِنىً ... جزيلٍ ولم يُخْبِرْكَ مِثْلُ مُجَرِّبِ
(1/42)

إذا كُنتَ في قومٍ عِدًى لستَ مِنْهُمُ ... فكلْ ما عُلِفْتَ مِنْ خَبيثٍ وطَيِّبِ
عالوا به يريد: علوا به، كل مركب: صعب أو ذلول، يريد: وإن حمّلوه ما لا يستطيع، ومن الجانب الأقصى، يريد: من الحيِّ الأبعد، وقوله: ولم تك منهم، يروى:
إذا كنت في قوم عِديً لستَ منهم
وعِدًى بالكسر: غرباء، فأما قوم عدى فقد ورد فيها الضم والكسر وقوله: فكل ما علفت: فهذا مثل، يريد به: المسالمة والمداراة، ويروى للشاعر بعد هذا البيت:
فإنْ حَدَّثتك النفسُ أنّك قادِرٌ ... على ما حَوَتْ أَيْدِي الرجالِ فكَذِّبِ
وقديماً أكثروا من شكوى الأقارب: من جهة أنهم بحكم تجاورهم وقرابتهم أدنى إلى الحسد والعداوة، فقالوا: الأقارب عقارب وأمتُّهم بك رَحِماً أشدُّهم بك لَدْغا، وقال بعض حكماء العجم: ثلاث لا يستصلح فسادهم بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في الملوك. . . ولذلك شكوا من أن عداوة الأقارب أشد على النفس من عداوة الأباعد فقالوا: - والقائل طرفة بن العبد -:
وَظُلمُ ذَوِي القربى أشَدُّ مَضاضةً ... على المرءِ مِنْ وَقْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
وقال الشريف الرّضيّ:
ولِلذُّلِّ بين الأقربينَ مَضاضةٌ ... والذُّلُّ ما بينَ الأباعدِ أرْوَحُ
وإذا أتَتْكَ مِن الرجالِ قَوَارِصٌ ... فسِهامُ ذِي القُربى القريبةِ أجْرَحُ
فمنهم من يحلم ويبقى على مقتضيات القرابة، ويتجافى عن ذنوب
(1/43)

أقربائه على الرغم من عدائهم، فيقولون - والقائل محمد بن عبد الله الأزدي - صحابي جليل - وهذه الأبيات في الحماسة -:
ولا أدْفَعُ ابنَ العَمِّ يَمْشي على شَفاً ... وإن بَلَغَتْني مِن أذَاهُ الجنَادِعُ
ولكن أُواسِيهِ وأنسَى ذُنُوبَه ... لِتَرْجِعَهُ يوماً إليَّ الرَّواجِعُ
وحَسْبُك مِن ذُلٍّ وسوءِ صنيعةٍ ... مناواةُ ذي القُربى وإن قيل قاطِعُ
الشفا: حرف الشيء وحدُّه، مثل الشفير، وقد أشفى على الهلاك: أشرف والجنادع في الأصل - كما قال أبو حنيفة الدينوري -: الجنادب الصغيرة، وجنادب الضب: دواب أصغر من القردان تكون عند جُحره، فإذا بدت هي عُلِم أن الضبَّ خارجٌ فيقال حينئذ: بدت جنادِعُه، ثم قيل لأوائل الشر: بدت جنادِعُه، يقول الشاعر: لا أدفعه يمشي على حد الهلاك وإن بالغ في الإساءة، والمناواة: المعاداة، وأصله الهمز يقال: ناوأه مناوأة: أي عاداه، وقوله: وإن قيل قاطع: يريد: وإن قيل في ذي القربى إنه قاطع لرحمه فلا يحملنك ذلك على مناوأته، وقال الفضل بن العباس ابن عتبة بن أبي لهب:
مَهْلاً بَنْي عمِّنا مهْلاً موَالينا ... لا تنْبِشُوا بَيْنَنَا ما كان مَدْفونا
لا تَطْمَعُوا أَنْ تُهِينُونا ونُكْرِمَكُمْ ... وَأَنْ نَكُفَّ الأذى عنكم وتُؤْذُونا
مهْلاً بني عمِّنا مِنْ نَحْتِ أَثْلَتِنا ... سِيرُوا رُوَيْداً كما كُنْتُمْ تسيرونا
اللهُ يعْلَمُ أَنَّا لا نُحِبُّكُمُ ... ولا نَلومُكُمُ إنْ لم تُحبّونا
كلٌّ له نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحبِه ... بنعمةِ اللهِ نَقْليكمْ وتَقْلونا
مهلاً: يريد: رفقاً وسكوناً لا تعجلوا، ويريد ببني عمه: بني أمية، وقد كان في صدورهم أحقاد، وقوله لا تنبشوا: يريد لا تستخرجوا ما كان بيننا
(1/44)

من العداوة مدفوناً في الصدور، وقوله: من نحت أثلتنا، فالأثلة: واحد الأثل وهو من العضاه شجر طوال مستقيم الخشب ومنه تصنع الأقداح والجفان ونحتها: قشرها أو نشرها، يريد: مهلاً بني عمنا في إظهار المثالب والمعايب التي تلصقونها بنا، وقوله: كل له نية الخ يريد: إنا وإياكم لعلى طرفي نقيض نحن نبغضكم لاغتصابكم الملك واستيلائكم على أموال المسلمين وأنتم تبغضوننا على قرابتنا من النبي صلوات الله عليه، وقلاه يقليه قلى: أبغضه، وقد حذف نون الرفع من تقلونا ضرورة.
وقال ذو الأصبع العدواني:
لولا أواصرُ قُرْبى لَسْتَ تَحْفَظُهَا ... ورَهْبَةُ اللهِ في موْلىً يُعَاديني
إذَنْ بَرَيْتُكَ بَرْياً لا انْجِبَارَ لهُ ... إنِّي رَأَيْتُكَ لا تَنْفَكُّ تَبْرِيني
ومنهم من اضطُرّ إلى الانتقام من أقاربه: أو ممّن تربطه بهم آصرةٌ ما ثم تأسّف، فقال قيس بن زهير في ذلك:
شَفَيْتُ النَّفْسَ من حَمَلِ بن بَدرٍ ... وسَيْفي مِنْ حُذَيْفَةَ قَدْ شفَانِي
قتَلتُ بإخْوَتي ساداتِ قَوْمي ... وقد كانوا لنا حَلْيَ الزَّمانِ
فإنْ أَكُ قَدْ برَدْتُ بهم غَليلي ... فلم أقطَع بِهِمْ إلاَّ بَنَانِي
وقال النّميريّ:
فإنَّكَ حِينَ تَبْلُغُهُمْ أَذاةٌ ... وإن ظَلَمُوا لَمُحْترِقُ الضّميرِ
(1/45)

وقال المتنبي في ذلك:
وكيف يَتِمُّ بأسُكَ في أُناسٍ ... تُصِيبُهمُ فَيُؤْلِمُكَ المُصَابُ
وقال البحتريّ من قصيدةٍ له يمدح بها المتوكل على الله العباسي ويذكر صلحَ بني تغلب -:
وفِرسانِ هَيْجاءٍ تَجِيشُ صدُورُها ... بأحقادها حتى تضيقَ دُرُوعُها
تُقتِّلُ من وِتْرٍ أعَزَّ نُفوسِها ... عليها بأيْدٍ ما تكادُ تُطيعها
إذا احْترَبتْ يوْماً ففاضَتْ دِماؤُها ... تَذكَّرَتِ القُرْبى ففاضتْ دموعُها
وقال سيدنا علي كرم الله وجهه - حين تصفح القتلى يوم الجمل: شفيت نفسي، وجدعت أنفي - وسيمر بك هذا الكلام بتمامه في موضع آخر من هذا الكتاب. . . ومنهم من يركب رأسه ويُخِبُّ في عداء أقاربه خبّاً ولا يُبالي - وقد قال قائلهم - أوس بنُ حَبْناء التّميمي -:
إذا المَرْءُ أولاك الهَوانَ فأَوْلِه ... هَواناً وإنْ كانَتْ قريباً أواصِرُ
ويبلغ الحمق بهذا الصنف من الناس أن يظاهر الأجنبي على القريب وقد شبه العرب هذا الصنف بذئب السوء قال الفرزدق:
وكُنتَ كذِئبِ السُّوءِ لمَّا رَأى دَماً ... بصاحبِه يَوماً أحالَ على الدَّمِ
وهو معلوم أن الذئب إذا رأى بصاحبِه دماً أقبل عليه ليأكله وإنه لبديهي أن هذا التمالؤ للأجنبي على القريب لا يثمر إلا الضررَ الموبقَ، وقد قال قائلهم في ذلك - وهو أبو يعقوب الخريمي -:
كانوا بني أمٍّ ففَرَّقَ شَمْلَهُم ... عَدمُ العُقولِ وخِفَّةُ الأحْلامِ
(1/46)

وقد ورد في علاج العداء الذي يحدث بين الأقارب: وهو علاج مسكن. . . ولكنه لا علاج غيره - قول أكثم بن صيفي حكيم العرب: تباعدوا في الديار تقاربوا في المودة. . وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: مُرْ ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا. . .
وقال في هذا المعنى وزاد شاعر جاهلي من بني أسد - وكان له ابن عم يترصد له مواقع السوء -:
داوِ ابْنَ عمِّ السُّوءِ بالنَّأيِ والغِنى ... كفَى بالغِنى والنَّأيِ عنهُ مُداوِيا
يَسُلُّ الغِنى والنَّأيُ أدْواَء صَدرِه ... ويُبْدي التَّداني غِلْظَةً وتَقاليا
أعانَ عليَّ الدَّهْرَ إذْ حَكَّ بَرْكهُ ... كفَى الدهْرُ لو وَكَّلْتَهُ بيَ كافِيا
النأي: البعد، والغنى: مصدر غني عن الشيء يغنى: استغنى عنه واطرحه فلم يلتفت إليه، ويسلُّ: ينتزع برفق، وأدواء صدره: أضغانه وأحقاده، والتداني: يريد إظهار التقارب منه، وتقاليا: تباغضا، وحك بركه: فالحك، إمرار جرم على جرْم، والبرك في الأصل: كلكل البعير، وهو صدره الذي يدكُّ به ما تحته، استعاره للدهر، وقوله. كفى الدهر إلخ: يريد:
كفى حدثان الدهر وحده في الإساءة فلا تكونُ إعانته وحادث الدهر معاً عليه.
ومن كلامهم في الإخوة: ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حقُّ كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده. . . ويُروى أن إخوةً حضروا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلم أصغرهم، فقال عليه السلام: الكُبْرَ الكُبْرَ. . . الكبر: جمع الأكبر، كأحمر وحُمر: أي ليبدأ الأكبر بالكلام، أو قدموا الأكبر، إرشاداً إلى الأدب في تقديم الأسنّ وقيل لحكيم معه أخ أكبر منه، أهذا أخوك؟ فقال بل أنا أخوه. . .
وكان بين الحسن والحسين رضي الله عنهما كلام، فقيل للحسين: ادخُلْ
(1/47)

على أخيك فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدِّي صلى الله عليه وسلم يقول: أيّما اثنين جرى بينهما كلام، فطلب أحدهما رضا الآخر، كان سابقَه إلى الجنة، وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر، فبلغ قوله أخاه، فأتاه عاجلاً وأرضاه. . .
ومما يتصل بالإخوة وينشعب به القول في هذا الباب: ما يُروى في الأخوين يختلفان في النجابة والتخلف والحسن والدمامة، فهذا كيِّسٌ رفيع، وهذا أحمق وضيع؛ وهذا جميل، وهذا دميم، قال الأصمعي: لم يقل أحد في تفضيل أخ على أخ وهما لأبٍ وأمٍ مثل قول ابن المعتز لأخيه صخر:
أبوك أَبي وأنت أخي ولكن ... تفَاضَلَتِ المَناكِبُ والرُّؤُوسُ
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
تفرَّدَ بالعلياء عن أهْل بيتِه ... وكُلٌّ يُهَدِّيه إلى المَجْدِ والدُ
وتختلفُ الأثمارُ في شَجَراتِهَا ... إذا شَرِقَتْ بالماءِ والماءُ واحِدُ
وقال رجل لأخيه: لأهجونك، فقال: كيف تهجوني وأنا أخوك لأبيك وأمك؟ فقال:
غُلامٌ أَتاهُ اللُّؤْمُ مِنْ شَطْرِ نفْسِهِ ... ولم يَأتِه مِنْ شَطْرِ أُمٍّ ولا أبِ
وقال رجل لآخر، وكان هذا الآخر قبيحاً ومعه أخ صبيح: ما أمّك إلا شجرةُ البلوط، تحمل سنة بلوطاً وسنة عَفصاً وفي هذا المعنى يقول آخر:
(1/48)

أمَا رَأيْتَ بَنِي بَدْرٍ وَقدْ خُلِقُوا ... كَأنَّهُم خُبْزُ بَقَّالٍ وَكُتَّابِ

قطيعة الإخوة
ومما جاء في قطيعة الإخوة وتبريرها - والقطيعةُ الهجران، ضِد الصِّلة -: ما روي أنه
قيل لأعرابي: لِمَ تقطع أخاك شقيقَك؟ فقال: أنا أقطع الفاسِدَ من جسدي الذي هو أقرب إليّ منه، فكيف لا أقطعه إذا فسد! وكتب الفضلُ بن سهلٍ الوزير إلى المأمون - الخليفة العباسي -: أما بعد، فإن المخلوع - يريد الأمين أخا المأمون - وإن كان قسيمَ أمير المؤمنين في النسب واللُّحمة، فقد فرَقَ كتابُ الله بينهما فيما اقتصَّ علينا من نبأ نوحٍ، فقال: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}، فلا صِلةَ لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله، والسلام. . . وقيل لبُزُرْجُمهر: أخوك أحبُّ إليك أم صديقك؟ فقال: إنما أحِبُّ أخي إذا كان صديقاً. ويقال: القرابة محتاجة إلى المودَّة، والمودَّة أقرب الأنساب، والبيت المشهور في هذا:
فإذَا القَرابةُ لا تُقَرِّبُ قاطِعاً ... وإذا المَودَّةُ أَقرَبُ الأنْسابِ

الناس تجاه البنات
وقد كان الأوائلُ تُجاه البنات - وكذلك الناس إلى يومنا هذا - فريقين -: فأمَّا فريقٌ فقد كانوا يُفضِّلونهنَّ ويحنون عليهن، ومن قولهم في ذلك ما يُروى أن مَعْنَ بنَ أوْسٍ المُزَني - شاعر إسلاميٌّ من الفحول -
(1/49)

كان مِئناثاً - وكان له ثمانُ بناتٍ، وكان يحسن صحبتَهنَّ وتربيتَهنَّ، فوُلِدَ لبعض عشيرته بنتٌ، فكرهَها وأظهرَ جَزعاً من ذلك، فقال معن:
رَأَيْتُ رِجَالاً يَكْرَهُونَ بَناتِهِمْ ... وفِيهِنَّ - لا تُكْذَبْ - نِسَاءٌ صَوَالِحُ
وفِيهِنَّ - والأيَّامُ يَعْثُرْنَ بالفتَى - ... عَوائِدُ لا يَمْلَلْنَهُ ونَوَائِحُ
ودخل عمرو بن العاص على معاويةَ وعنده ابنتُه عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه تفاحةُ القلب، فقال: انبُذْها عنك، قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّهنَّ يِلِدْنَ الأعداء، ويقرِّبنَ البُعداء، ويؤرِّثن الضغائِنَ، فقال: لا تقل ذاك يا عمرو، فوالله ما مَرَّض المرضى ولا نَدب الموتى ولا أعان على الأحزان مثلُهن، وإنك لواجدٌ خالاً قد نفعَه بنو أخته؛ فقال له عمرو: ما أعلمك إلا حبَّبتهنَّ إليَّ. . .
وقال بعضهم: البنات حسناتٌ. والبنون نعمٌ، والحسناتُ مُثابٌ عليها، والنعم مسؤول عنها. . .
وأما الفريق الآخر فيكره البنات: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} - كما قال سبحانه وتعالى - وقديماً قالوا: نِعْم الخَتَنُ القبرُ. . . ودفنُ البنات من المَكْرُمات. .
وما خَتَنٌ فينا أعَفُّ مِنَ القَبْرِ
ونظر أعرابيٌّ إلى بنتٍ تدفن، فقال: نِعم الصهرُ صاهرتم. . . وقال
(1/50)

الحسين بن علي رضي الله عنه: والد البنت مُتعب، ووالد بنتين مُثقلٌ، ووالد ثلاث فعلى الناس أن يعينوه. . . وقال الزُّهريُّ: كانوا لا يرون على صاحب ثلاث بنات صدقة ولا جهاداً. . . وكانت العرب لا تأكل طعام صاحب البنات وقد قال قائلهم:
إذا ما المَرْءُ شبَّ له بَنَاتٌ ... عَصَبْنَ برأسِه عَنَتاً وَعَارا
وأد البنات: وناهيك في هذا الباب شُنعةً وسوءَ صنيعةٍ بما كان العرب يفعلون في الجاهلية من وأد البنات. . وما فتئوا إلى أن أرسِل سيِّدُ البشر صلوات الله عليه، فنهى عن ذلك، وأنزل الله عز وتقدس: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}؟ وكثيراً من الآيات في هذا المعنى المفظِع. . . ودخل قيس بن عاصم المِنْقَريُّ - وهو سيِّد أهل الوبر - على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني وأدت اثنتي عشرة بنتاً، فما أصنع؟ فقال رسول الله: أعتق عن كل موءودة نسمةً، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: فما الذي حملك على ذلك وأنت أكثر العرب مالاً؟ فقال: مخافة أن يَنْكِحَهنَّ مثلك، فتبسم رسول الله وقال: هذا سيّد أهل الوبر. . . قال قيس: ما وُلدت لي ابنةٌ إلا وأدتها سوى بنيّةٍ ولدتها أمُّها وأنا في سفر، فلما عدت ذكرت أنّها ولدت ابنة ميّتة. . فأودعتها أخوالها حتى كبرت، فأدخلتها منزلي متزيِّنة،
(1/51)

فاستحسنتها، فقلت: من هذه؟ فقالت: هذه ابنتك، وهي التي أخبرتك أنني ولدتها ميّتةً، فأخذتها ودفنتها حيّةً وهي تصيح وتقول: أتتركني هكذا؟ فلم أعرِّج عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: من لا يرحم لا يُرحم. .

الخال والخؤولة
بقي بعد ذلك أن نورد شيئاً مما قالوا في الخؤولة والخال: والقول في ذلك ينشعب أيضاً، فقد قالوا في مدح الخال وذمّه، وقالوا في معنى نزاع الولد إلى خاله، فلننتقِ شيئاً مما قالوا في هذه المعاني، فأما قولهم في اعتبار الخؤولة وكونها كالأبوة، فمن ذلك ما يُروى أن الأسود بن وهب خال رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن عليه، فبسط صلى الله عليه وسلم له رداءه، فقال الأسود: حسبي أن أجلس على ما أنت عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: اجلس
فإن الخال والدٌ. . . ومن طريف هذا الباب ما يُروى أن الحجاج قال لابن معمر: إنك تزعم أن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: والله لأقتلنك، فقال ابن معمر: أليس الله يقول: ومن ذريته داوود وسليمان، إلى قوله: وزكريا ويحيى وعيسى، وإنما عيسى بن مريم: ابن بنت، فقال نجوت. . . وأما من عدّ الخؤولة ليست من النسب والقرابة، فمن قولهم في ذلك - والقائل ضَمْرَة بن ضمرة بن جابر بن قَطَن - شاعر جاهلي - وقيل غيره -:
إذا كنْتَ في سَعْدٍ وأُمُّكَ مِنْهُمُ ... غريباً فلا يَغْرُرْكَ خالُك منْ سَعْدِ
(1/52)

فإنَّ ابنَ أُخْتِ القومِ مُصْغًى إناؤُه ... إذا لم يُزاحِمْ خالَه بأبٍ جَلْدِ
وتقدَّم شاب إلى عبد الله بن الحسين رضي الله عنه فقال: إن جدي أوصى بثلث ماله لولد ولده، وأنا من ولد بنته، والوصي ليس يعطيني منه، فقال: لا حق لك فيه، أما سمعت قول الشاعر:
بنُونَا بنُو أبْنَائِنَا وبَنَاتُنا ... بَنُوهُنَّ أبْنَاءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
يقول: إن بني أبنائنا مثلُ بنينا، أما بنو بناتِنا فليسوا مِنّا وإنما هم أبناء الأجانب، فبنونا خبر مقدم وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخر، وهذا البيت لا يعرف قائله على شهرته. قال الإمام العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون - علماء المواريث - على دخول أبناء الأبناء في الميراث وأن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه، ولم أر أحداً منهم عزاه إلى قائله.
وقالوا في نزاع الولد إلى خاله:
عليكَ الخالَ إنَّ الخالَ يَسْرِي ... إلى ابْنِ الأُخْتِ بالشَّبَهِ المُبِينِ
وقالوا:
لِكلِّ امْرِئٍ شَكْلٌ يَقَرُّ بعَيْنِه ... وقُرَّةُ عَيْنِ الفَسْلِ أنْ يَصْحَبَ الفَسْلا
وتَعْرِفُ في مَجْدِ امْرِئٍ مَجْدَ خالِهِ ... ويَنْذُلُ أنْ تَلْقَى أَخا أُمِّهِ نَذْلا
(1/53)

الفسل: النذل الذي لا مروءة له ولا جلد وقال رافع بن هريم: - شاعر مخضرم أدرك الإسلام وأسلم، يخاطب بني أخوته -:
فَهَلاَّ عيْرَ عَمِّكُمُ ظَلَمْتُمْ ... إذا ما كنتُمُ مُتَظلِّمِينا
عفاريتاً عليَّ وأكْلِ مَالي ... وَجُبْناً عَنْ رجالٍ آخرينا
ولو كنتُمْ لِمُكْيِسَةٍ أكاسَتْ ... وكَيْسُ الأُمِّ كَيْسٌ للبنينا
ولكن أمُّكُمْ حَمُقَتْ فجئتم ... غِثاثاً ما نرى فيكم سَمِينا
وموضع هذه الأبيات باب إنجاب الأمهات في كتاب النساء وترى نظائر له هناك.
قوله متظلمينا، تقول: تظلمني مالي: أي ظلمني مالي، وما في: إذا ما كنتم: زائدة، والمكيسة: المرأة التي تلد أولاداً أكياساً، وأكاست المرأة: ولدت ولداً كيساً، والكيس: خلاف الحمق، ورجل كيّس: أريب ظريف، وقوله: ولكن أمكم حمقت: أي صارت حمقاء، والغِثاث: جمع غثيث بمعنى مهزول.

مُدَّعُو القرابة البعيدة
ومما يستطرف من محاسنهم في مدّعي القرابة البعيدة: قول رجل لآخر: لست ترعى حقي وبيننا قرابة! فقال: من أين؟ قال: إن أباك كان قد خطب أمي، فلو تمّ الأمر لكُنْتُ أنا أنت. . . فقال: هذه والله رحمٌ ماسة. . . وتعرض رجل لهشام بن عبد الملك وادّعى أنه أخوه، فسأله: من أين ذلك؟ قال: من آدم! فأمر بأن يُعطى درهماً، فقال: لا يعطي مثلك درهماً، فقال هشام: لو قسمت ما في بيت المال على القرابة التي ادّعيتها لم ينلك إلا دون ذلك. . . وفي هذا المعنى - معنى ادعاء القرابة وانتفائها - يقول حسان بن ثابت:
(1/54)

لَعَمْرُكَ إنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ ... كإلِّ السَّقْبِ من رَألِ النعامِ

محاسنهم في الآباء والأبناء والأقارب من بابات شتى
ولنعطف على سائر محاسنهم في الآباء والأبناء والقرابات من بابات شتى: فمن ذلك تفاخرهم بالحسب وكرم المَحْتد، قال عدي بن أرطاة لإياس: دُلّني على قوم من القرّاء أوَلّيهم، فقال: القرّاء ضربان: ضربٌ يعملون للدنيا، فما ظنُّك بهم: وضرب يعملون للآخرة فلا يعملون لك، ولكن عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم. . . وقال زهير بن أبي سلمى:
وما يَكُ مِن خَيْرٍ أَتَوْهُ فإنّما ... توارَثَهُ آباءُ آبائِهم قبلُ
وقال:
وهل يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلاّ وَشِيجُهُ ... وتُغْرَسُ إلا في مَنابتها النخلُ
الخطِّي: الرمح، قال أبو حنيفة الدينوري العالم النباتي الأشهر: الخطِّي: الرماح، وهو نسبة قد جرى مجرى الاسم العلم ونسبته إلى الخطّ، خط البحرين، وإليها ترفأ السفن إذا جاءت من أرض الهند، وليس الخَطّي - الذي هو الرماح - من نبات أرض العرب. وزاد الجوهري: وإنما نسبت إلى الخط لأنها تحمل من بلاد الهند فتقوّم به. ووشيجه: فالوشيج شجر الرماح. . .
ودخل بعض أولاد عبد الله بن الزبير على سليمان بن محمد، فجلس على نُمْرُقةٍ
(1/55)

الوسادة يتكأ عليها فاغتاظ من ذلك وقال: مَن أجلسك ههنا؟ قال: صَفيَّة بنت عبد المطلب: فسكن غضبه. وقال أبو تمام:
نَسَبٌ كأنَّ عليه من شَمْس الضُّحى ... نُوراً وَمِن فلَقِ الصَّباحِ عَمودا
وقالوا فيمن يشبه أباه في علاء ابتناه: شِنْشِنةٌ أعرِفها من أخزم و:
وإنَّ امْرَءاً في الفَضْلِ أشْبَهَ جَدَّهُ ... ووالِدَهُ الأدْنى لَغَيْرُ ظلومِ
وقال أبو تمام فيمن مكارمُه تدلُّ على كرمِ أسلافه:
فُروعٌ لا تَرِفُّ عليْكَ إلا ... شَهِدتَ بها على طِيبِ الأُرومِ
وفي الشَّرَفِ الحديث دليلُ صِدْقٍ ... لِمُخْتَبِرٍ على الشَّرَفِ القديمِ
وقال عامر بن الطفيل في المستغني بنفسه عن حسبه:
إني وإن كنْتُ ابْنَ فارِسِ عامرٍ ... وفي السِّرِّ منها والصَّميمِ المهذَّبِ
فما سوَّدَتْني عامِرٌ عن وِرَاثةٍ ... أبَى اللهُ أنْ أَسْمُو بأُمٍّ ولا أبِ
ولكِنَّني أحْمِي حِماها وأتَّقي ... أذاها وأَرْمِي مَنْ رَماها بمقْنَبِ
(1/56)

وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
لَسْنا وإنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنا ... يوْماً على الأحْسابِ نتَّكِلُ
نَبْني كما كانت أَوَائِلُنا ... تَبْني ونَفْعَل مثْلَ ما فعلوا
وقال المتنبي:
خُذْ ما تراهُ ودَعْ شيْئاً سَمِعْتَ به ... في طَلْعَةِ الشَّمْسِ ما يُغنيكَ عن زُحَلِ
وقال:
لا بِقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفوا بي ... وبِنَفسي فَخَرْتُ لا بِجُدودي
وما فُضِّل الولد على الوالد بأحسنَ من قول المتنبي:
وإنْ تكن تَغلِبُ الغَلْباءُ عُنْصُرَها ... فإنَّ في الخمرِ مَعْنًى ليس بالعِنَبِ
وقوله أيضاً:
فإنك ماءُ الورْدِ إنْ ذَهَب الوَرْدُ
وقال ابن الرومي فيمن ازداد شرفُ آبائه به:
وَكمْ أَبٍ قدْ عَلاَ بابْنٍ ذُرَا شَرَفٍ ... كما عَلَتْ بِرَسولِ الله عَدنانُ
يَسْمُو الرجالُ بآباءٍ وَآوِنةً ... تَسْمُو الرجالُ بأبناءٍ وتَزْدانُ
وقالوا في أنه لا اعتدادَ بمن شَرُفَ أصله إذا لم يَشْرُفْ بنفسه:
والقائل المعلم الأول أرسطوطاليس -: إذا كان الإنسان خسيس الأبوين شريف النفس، كانت خسة أبويه زائدةً في شرفه، وإذا كان شريف الأبوين خسيس النفس، كان شرف أبويه زائداً في خسته. وقال ابن الرومي:
وما الحَسَبُ الموروثُ لا دَرَّ دَرُّهُ ... بمُحْتَسَبٍ إلا بآخَرَ مُكتَسبْ
إذا العُودُ لم يُثْمِرْ وإن كان شُعْبَةً ... منَ المُثْمِراتِ اعْتَدَّه الناسُ في الحَطَبْ
(1/57)

لا درّ درّه: لا زكا عمله، دعاء عليه أن لا يجعله الله نافعاً.
وقال سقراط - في الاعتذار عمن شرفت نفسه ولم يشرف أصله - وقد عيّره رجل بحسبه: حَسبي مني ابتدأ، وحسبك إليك انتهى. . . وقال قائل في هذا المعنى: لأن يكون الرجل شريف النفس دنيء الأصل، أفضل من أن يكون دنيء النفس شريف الأصل، ألا ترى أن رأس الكلب خير من ذنب الأسد!
ومما يستظرف من اعتذار المتخلفين الأنذال، عن تخلفهم عن آبائهم الأشراف ما روي: أنه قيل لأعرابي: ما أشبهت أباك! فقال: لو أشبه كلُّ رجلٍ أباه كنا كآدم. . . وخطب رجل قصّر عن أبيه إلى رجل رفيع القدر، ابنته، فقال له العظيم: لو كنت مثل أبيك! فقال: لو كنت مثل أبي لم أخطب إليك. . .
ومن محاسنهم في ذمّ من قصّر عن آبائه: قول بعضهم:
لَئِنْ فَخَرْتَ بآبَاءٍ لهم شرَفٌ ... لقد صَدَقْتَ ولكن بِئْسَما وَلَدُوا
وقول أبي تمام:
يا أكرمَ الناسِ آباءً ومُفْتَخَراً ... وألأَمَ الناسِ مَبْلُوّاً ومُخْتَبَرَا
ونظر رجل إلى ابنٍ نذلٍ من أب كريم فقال: سبحان الله من قائل: يخرج الخبيث من الطيب.
وقال شاعر في لئيم النفس كريم الأبوين:
فلا يَعجَبَنَّ الناسُ مِنك ومنهما ... فما خَبَثٌ مِنْ فِضَّةٍ بِعَجِيبِ
الخبث من الحديد والفضة ونحوهما: ما نفاه الكير ولا خير فيه.
(1/58)

وقالوا فيمن يَخْزى من ذكر آبائه: فمن ذلك أن رجلاً سئل عن نسبه، فقال: أنا ابن أخت فلان، فقال أعرابي: الناس ينتسبون طولاً وأنت تنتسب عرضاً.
ومن محاسنهم فيمن لا يعتدُّ بأبيه: قول الأخطل:
وإذا وَضَعْتَ أباكَ في ميزانِهم ... رَجَحوا وشَالَ أبوكَ في الميزانِ
شال الميزان: ارتفعت إحدى كفتيه، ويقال: شال أبوك في الميزان، وهو مثل في المفاخرة يقال: فاخرته فشال ميزانه: أي فخرته بآبائي وغلبته وقال بعض شعراء أصفهان:
تَبَجّحَ بالكتابةِ كُلُّ وَغْدٍ ... فقُبْحاً للكتابةِ والعِمَالَهْ
أرَى الآباَء نِسْبَتُهم جميعاً ... إلى الأبناءِ من فرطِ النذالَهْ
وقالوا في الابن يجاري أباه: العصا من العُصَيّة و: هل تلد الحيّة إلى حُيَيّة. وقال شاعر:
وإنَّ أحَقَّ الناسِ أنْ لا تلومَهُ ... على الشَّرِّ مَنْ لم يفْعَلِ الخيْرَ والِدُهْ
إذا المَرْءُ ألفَى والِدَيهْ كِليْهِما ... على اللُّؤْمِ فَاعْذِرْهُ إذا خابَ رَائِدُهْ
وقالت الخنساء - وقيل لها: ما مدحتِ أخاكِ حتّى هجوتِ أباكِ! فقالت:
جارَى أباه فأقبلا وَهُما ... يتَعاوَرانِ مُلاَءةَ الحُضْرِ
حتّى إذا نَزَتِ القُلوبُ وقد ... لُزَّتْ هُناكَ العُذْرُ بالعُذْرِ
وعَلا هُتافُ النَّاس أيُّهما ... قالَ المُجيب هناك: لا أدري
(1/59)

بَرَزَتْ صحيفةُ وجْهِ والده ... ومَضى على غُلَوائِه يجري
أولى فأولى أن يساويَه ... لولا جَلالُ السِّنِّ والكِبْرِ
وهُما وقد بَرزَا كأنّهما ... صَقْرانِ قد حَطَّا إلى وَكْرِ
قولها: مُلاءة الحضر: فالحضر: العَدْو والجري، وإنما تريد بملاءة الحضر: الغبار وكأن
عَديَّ ابن الرِّقاع نظر إلى هذا في قوله يصف حماراً وأتاناً:
يتعاورانِ في الغُبارِ مُلاءةً ... بيضاَء مُحدَثَةً هُما نَسَجَاها
ونزت القلوب: يريد طمحت واشرأبت لتعرف من السابق، ولُزَّت: قرنت والعذر: جمع عِذار وهو ما سال من اللجام على خد الفرس، ويروى القَدر بالقَدر، والقدر: المنزلة، والكِبر: أظنها بضم الكاف بمعنى الأكبرِ أي ولولا جلال الأكبر، ولك أن تقرأها الكبر بكسر الكاف أي الكِبرَ ولكنها أسكنت الباء ضرورة.
أما الإسلام فقد عد الشرف والحسب إنما هو بالتقى فقال سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، قال بعضهم: ما أبقى الله بهذه الآية لأحد شرفَ أبوّة. . . ورأى عمر بن الخطاب رجلاً يقول أنا ابن بطحاءِ مكة، فوقف عليه وقال: إن كان لك دينٌ فلك شرف، وإن كان لك عقلٌ فلك مروءة وإن كان لك علم فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء، وقالوا: كان الشرف في الجاهلية بالبيان والشجاعة والسماحة، وفي الإسلام بالدين والتقى. . .
وقالوا في الدِّعْوة: أي ادّعاء الولد الدَّعِيِّ غيرَ أبيه، أي انتسابَه إلى غير أبيه، وقد كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فنهى الإسلام عنه، وكان سيدنا رسول الله قد تبنّى زيد بن حارثة عتيق الرسول، فكانوا يقولون له: ابن
(1/60)

محمد، فأمر الله عز وجل أن ينسب الناس إلى آبائهم وأن لا ينسبوا إلى من تبنّاهم فقال: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} أي لا حقيقة له في الواقع والله يقول الحق أي ما له حقيقة عينية وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله هو: أي دعوتهم لآبائهم، وأقسط: أعدل، ومعناه البالغ في الصدق {فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. . .
والأحاديث في ذلك متوافرة، فمنها قوله صلوات الله عليه: (الولد للفراش وللعاهر الحَجرُ). . . يعني أن الولد لصاحب الفراش، من السيد أو الزوج، وللزاني الخيبة والحرمان، وهذا كما تقول: مالك عندي شيء غير التراب، وما بيدك غير الحَجر، وذهب قوم إلى أنه كنّي بالحَجر عن الرجم، قال ابن الأثير: وليس كذلك لأنه ليس كلُّ زانٍ يُرجم. . . وقالوا في التعريض بالنسب - والقائل أبو نواس:
إذا ذَكَرْتَ عَدِيَّاً في بني ثُعَلٍ ... فقدِّم الدَّالَ قبلَ العينِ في النَّسَبِ
ودخل ابن مُكرّم على أبي العيناء - صاحب النوادر والمجون وكان ضريراً - ليهنيه بابنٍ وُلد له، فوضع عنده حَجراً، فلما خرج أُخبر أبو العيناء، فقال: لعن اللهُ هذا، أما تعلمون ماذا عَنَى؟ إنما أراد قول رسول الله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر). . .
ولقي رجلٌ رجلاً فقال له: ممن أنت؟ قال: قُرشي والحمد لله، فقال: الحمد لله في هذا الموضع ريبة. . وقال زياد بن أبيه - وهو ابن أبي سفيان لرببة - لرجل: يا دَعيّ، فقال: الدِّعْوة قد تشرّف بها المُدَّعي عليّ، فكيف عيّرَ بها!
(1/61)

وفي قولهم فيمن لا يشبه والديه وذويه خِلْقةً:
ألوانُهُم إليك عن ... أنسابِهم مُعْتَذِرَهْ
وكان بأصبهان رجلٌ مجنون يعرف بابن المستهام، فقيل لأحمد بن عبد العزيز: إنه مليح ذو نوادر، فاستحضره، فلما تأمّله قال - أي المجنون -:
في اختلافِ الوجُوه من آلِ عِجْلٍ ... لَدَلِيلٌ على فسادِ النساءِ
فأراد أحمد أن يبطش به، ثم كفَّ عنه مخافة أن يتحدّث الناس بذلك. . .
ومن طريف ما قالوا أيضاً في التّعريضِ بالرجل أنّ ابنه من زنية، ما يُروى أنه قيل لرجل: إن امرأة فلان ولدت بعد الزفاف بخمسة أشهر فقال: إنه بنى جدارَه على أُسّ غيره. . .
وخاصم ذو الرمة رجلاً من ولد زياد بن أبيه فقال له الزيادي: يا دعيّ، فأنشد ذو الرمة:
بُثَيْنَةُ قالت يا جميلُ أرَبْتنا ... فقلتُ كِلانا يا بثينُ مريبُ
ومما يصحّ أن يذكر في هذا الباب: كما يصح أن يذكر في كتاب النساء قولهم في أن الولد الذي يَنْسُلُ من الأقارب يخرج ضاوِياً ضعيفاً، فمن ذلك قوله صلوات الله عليه: (اغتربوا لا تضووا) أي تزوّجوا الغرائب دون القرائب فإن ولد الغريبة أنجب وأقوى من ولد القريبة، وقد أضوت المرأة إذا ولدت ولداً ضعيفاً، فمعنى لا تضووا: لا تأتوا بأولادٍ ضاوين، أي ضعفاء نحفاء، الواحد: ضاوٍ وكذلك قال صلوات الله عليه: (لا تنكِحوا القرابة القريبة
(1/62)

فإن الولد يُخلق ضاوياً). . . ونظر عمر رضي الله عنه إلى قوم من قريش صغار الأجسام فقال: ما لكم صَغُرتم؟ قالوا: قُرْب أمّهاتنا من آبائنا، قال: صدقتم، اغتربوا لا تضووا. . . وقال العتبيّ: تزوّج أهل بيت، بعضهم في بعض، فلما بلغوا البطن الرابع بلغ بهم الضعف
إلى أن كانوا يَحْبون حبواً لا يستطيعون القيام ضعفاً. . .

الرضاعة
وكذلك نورد هنا قولهم في الرَّضاعة: قال رسول الله: (يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النسب) انظر كتب الفقه ونهى رسول الله عن رضاع الحمقاء وقال: (لا تسترضعوا الحمقاء فإن الولد ينزع إلى اللبن). . . وقال رجلٌ في وصف آخر نسبه إلى الرعونة: كيف لا يكون أرعنَ وقد أرضعته فلانة! ووالله إنها كانت تَزُقّ الفرخ - أي بفيها - فأرى الرعونة في طيرانه. . ورووا أنّ الحسن البصري رحمة الله عليه كانت أمّه تغشى أمّ سلمة زوج سيدنا رسول الله، فدرت عليه من لبنها، فورث منه علمه وفصاحته وورعَه.

الإحسان
وعبقرياتهم في الجود واصطناع المعروف
وقِرى الأضياف وذم البخل والسؤال
وهذا لون ثانٍ من ألوان البِرِّ هو في الواقع ينتظم لونين، فأما أولهما فهو هذا الذي نحن بصدده الآن، وهو الجود واصطناع المعروف، وسائر ما يمتّ إلى ذلك بسببٍ واصلٍ من قرى الأضياف وذمّ البخل، وأما الآخر فهو حسن الخلق، وسنفرد له وَصلاً تراه عقيب هذا.
(1/63)

تحفي الإسلام بالإحسان: وكما أن صلة الرحم بعامة، وبرَّ الوالدين بخاصة، مما تحفّى به الإسلام كل التحفّي، حتى قرنه بالتوحيد وبالتقوى، ترى هذا الدين الحنيف، لقد تحفّى كذلك كل التحفّي بالإحسان إلى مستحقيه، وذمَّ الشُّحَّ ونَعاه، على أهليه، وامتدح الجود ونوّه به كل التنويه، حتى قرن ذكره بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح اسم جامع لسعادة الدارين، فقال سبحانه وتقدس: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. .
وقال في وصف الأنصار: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. . . الخصاصة: الفقر، ويوقى: يُصان وقال عز وجل: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ
وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، إلى أن قال سبحانه: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ}. . . الآيات. . . قوله سبحانه: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ}. . . الآية، فإن ذلك تمثيلٌ لا يقتضى وقوعه، والجنة: البستان، والربوة: الموضع المرتفع، وشجره في العادة يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً، والوابل: المطر العظيم وقال: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}، {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. والبر ههنا: فهو برُّ الله، أي خير الدنيا والآخرة، أي السعادة والفلاح والفوز، أو تقول: لن تنالوا البر: أي لن تنالوا حقيقة البر حتى تنفقوا مما تحبون.
(1/64)

قال الراغب في الذريعة: وحُقَّ للجود أن يُقرن بالإيمان، فلا شيء أخصُّ به، وأشدُّ مجانسة، منه، إذ من صفة المؤمن انشراحُ الصدر: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}. . . وهذا من صفات الجواد والبخيل، لأن الجواد يوصف بسعة الصدر للإنفاق، والبخيل يوصف بضيق الصدر للإمساك. . .

الناس مجبولون على البخل
وأما بعد فإن أكثر هذا الناس لقد جبلوا على البخل، فالبخل هو الأصل، وإنما الجود في سائر ألوانه، تكلُّفٌ وتعمُّلٌ وحَمْلٌ للنفس على مكروهها وعلى غير ما جُبلت عليه، وقد قيل لحاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الجود: كيف تجد الجود في قلبك؟ فقال: إني لأجده كما يجده الناس، ولكني أحمل نفسي على خُططِ الكرام، وقال بعض الأجواد: إنّا لنجد كما يجد البخلاء ولكنّا نصبر ولا يصبرون. . . وفي هذا المعنى يقول البحتري:
وَأشَقُّ الأفْعالِ أَنْ تَهَبَ الأن ... فُسُ ما أُغْلِقتْ عليهِ الأكُفُّ
ويقول أبو يعقوب الخُريميّ:
ودُونَ النَّدى في كُلِّ قَلْبٍ ثنِيَّةٌ ... بهَا مَصْعَدٌ حَزْنٌ ومُنْحدَرٌ سَهْلُ
ويقول أبو العتاهية:
اِطْرَحْ بطَرْفِكَ حيْثُ شِئْ ... تَ فلن تَرَى إلاَّ بخيلا
ويقول ابن نُباتة السّعدي:
(1/65)

كيف السبيلُ إلى الغِنى ... والبُخْلُ في الناسِ فِطْنَهْ
وأكثر من يتسخّى ويجود فإنما يجود رغباً أو رهباً - رغباً في عاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيد به لا لينفعه
ومَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُوداً ... ويَنْصِبُ تحْتَ ما نَثَرَ الشِّباكا
ورهباً من عابٍ يلتصق به أو مكروهٍ يصيبه:
مِثْلُ الحِمارِ المُوَقَّعِ الظّهْر لا ... يُعطيك شيئاً إلا إذا رَهِبا
وهناك صِنفٌ من الناس يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماًً، وإنما يكون ذلك تهوراً واندفاعاً منه مع نزوة من نزوات النفوس، كما قال الأديب أبو بكر الخوارزمي في الوزير الصاحب بن عباد:
لا تَحْمَدنَّ ابنَ عبَّادٍ وإنْ هَطَلتْ ... يداهُ بالجُودِ حتَّى أخْجلَ الدِّيَمَا
فإنّها خَطَراتٌ مِن وَساوِسِه ... يُعْطِي ويمنعُ لا بُخْلاً ولا كَرما
وقل من الناس من يجود استجابةً لفطرته، ولداعي الضّمير، كما يقولون: فليُلْحظ هذا، وليُلْحظ كذلك أنّ البخل رذيلةٌ تستتبع رذائل، وناهيك بالجبن رذيلةً، هي ألزم الرذائل للبخل: كما أن الجود فضيلةٌ تستتبع فضائلَ، وحسبك بالشجاعة فضيلةً هي أخص الفضائل بالجود:
(1/66)

ذَرِيني فإنَّ الشًُّحَّ يا أُمَّ هَيْتمٍ ... لِصالحِ أخلاقِ الرِّجالِ سَروقُ
وإذا اختبرْتَ عَلِمْتَ غيرَ مُدافَعٍ ... أنَّ السّماحَ سَجِيَّةُ الأبطالِ
وقال أبو تمام في ذلك - من أبيات يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني:
وإذا رأيتَ أبا يزيدٍ في نَدًى ... وَوَغًى ومُبدِيَ غارةٍ ومُعِيدا
يَقْرِي مُرَجِّيه مُشاشَةَ مالِه ... وشَبَا الأسِنَّةِ ثُغْرةً ووَريدَا
أيقنتَ أنَّ مِن السّماحِ شجاعةً ... تُدْمِي وأنَّ مِن الشَّجاعةِ جودا
وقال المتنبي:
هو الشجاع يَعُدُّ البُخْلَ مِن جُبُنٍ ... وهْوَ الجوادُ يَعُدُّ الجُبْنَ مِنْ بُخُلِ
وقد عدوا الشجاعة لوناً من الجود فقال مسلم بن الوليد:
يجُودُ بالنَّفسِ إذْ ضَنَّ البخيلُ بها ... والجودُ بالنَّفْسِ أقْصَى غايةِ الجودِ
(1/67)

ولأجل هذين الملحظين، تظاهرت الآيات والأحاديث وما أثر عن الأوائل من العلماء والحكماء والشعراء والربانيين، على ذمِّ البخل وامتداح الجود والإحسان، وأكثروا وافتنوا وأبدعوا، الأمر الذي يدلّ على أنهم قدروا أثر الجود والبخل في الخُلق حقَّ قدره، وأنهم لذلك شنُّوا هذه الغارة الشعواء على الإنسان الأناني الكزِّ الشَّحيح الكامن في نفس كل إنسان. . .

عبقرياتهم في مدح الجود وذمّ البخل
ولنأخذ الآن في عبقرياتهم في ذمّ البخل ومدح الجود والإحسان واصطناع المعروف، والكلام في هذه المعاني يدخل بعضُه في بعض. . . كتب رجلٌ من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يخوّفه الفقر، فأجابه: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً}. . . وإني أكره أن أترك أمراً قد وقع لأمرٍ لعلّه لا يقع. يقول سبحانه: إن الشيطان يعد الناس الفقر في الإنفاق، أي يقول لهم: إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا - والوعد كما يستعمل في الخير يستعمل في الشر - ويأمركم بالفحشاء، أي يغريكم بالبخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور، فالفحشاء هنا: البخل، والفاحش عند العرب: البخيل، قال طرفة بن العبد في معلّقته:
أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفي ... عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
ثم قال سبحانه: والله يعدكم في الإنفاق مغفرة لذنوبكم وكفارةً لها، وأن
(1/68)

يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم وقيل لإبليس: مَن أحبُّ الناس إليك؟ فقال: عابدٌ بخيل. . قيل: فمن أبغض الناس إليك؟ قال: فاسِقٌ سخي، فإن سخاءه يُنجيه. . . أفرأيت! أليس هذا الكلام تمثيلاً جميلاً لحالَيْ البخيل والجواد! حتى إنهم فضلوا الفاسق السخي على العابد البخيل، وأحسن منهما جميعاً لعمري: العابد الكريم، وإنما كان العابد البخيل مفضولاً، لأن العبادة الحق لا تجتمع والبخلَ. . . وقال بعضهم لآخر: إنك متلافٌ، فقال: مَنْعُ الجودِ سوءُ ظنٍّ بالمَعْبود، قال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. ومن هذا قول بعض الحكماء: عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن ظن بالله، ولو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضرِّ بخلهم، ومذمَّةِ الناس لهم، وإطباق القلوب على بُغضهم، إلا سوءُ ظنّهم بربهم في الخَلَف - أي العَوض - لكان عظيماً، وفي هذا المعنى يقول محمود الوراق:
مَنْ ظَنَّ باللهِ خيراً جاد مُبْتَدِئاً ... والبُخْلُ مِنْ سُوءِ ظَنِّ المَرْءِ باللهِ
وورد في الحديث: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل والكبر) وقال بعضهم في هذا المعنى:
أُناسٌ تائهُونَ لَهم رُوَاءٌ ... تَغِيمُ سَماؤُهمْ مِنْ غَيْرِ وَبْلِ
ومن أمثالهم في ذلك: رُبّ صَلْفٍ تحتَ الراعدة. . . الراعدة: السحابة ذات الرعد، والصلف قلة الخير، وهذا المثل يضرب للبخيل مع الوجد والسّعة، ولأئمة اللغة كلام كثير في هذا المثل راجعه في مادة صلف بلسان
(1/69)

العرب. . . ومن قولهم في البخيل لا يُرْجى خيرُه ولا يَبِضُّ حَجَرُه:
يُعالِجُ نفساً بيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ... إذا هَمَّ بالمعروفِ قالتْ لهُ مَهْلا
ومن المستطرف من كناياتهم في هذا المعنى ما يُروى: أنّ امرأةً قالت لزوجها: واللهِ ما يقيم الفأرُ في دارك إلا لحبِّ الوطن. . . وقال رجلٌ: إني أقصد فلاناً راجياً نداه، فقال له صاحبه:
تَرْجُو النَّدَى من إناءٍ قَلَّمَا ارْتَشَحَا ... كالمُستَذيبِ لِشَحْمِ الكلبِ مِنْ ذَنَبِهْ
وقال ابن الرومي - وهو من مقذعاته المضحكة -:
يُقَتِّرُ عِيسى على نفْسِه ... وليس بباقٍ ولا خالِدِ
ولَوْ يَسْتَطيعُ لِتَقْتِيرِه ... تَنفَّس مِنْ مَنْخَرِ واحِدِ
المنخر: ثقب الأنف وقال آخر:
يُحِبُّ المديحَ أبو خالدٍ ... ويَفْزَعُ من صِلَةِ المادِحِ
كبِكْرٍ تَوَدُّ لَذيذَ النّكاحِ ... وتَهْلَعُ من صَوْلةِ النّاكحِ
وقال البحتري - وهو معنى بديع -:
جِدَةٌ يذُودُ البُخْلُ عن أطْرافِها ... كالبَحْرِ يدْفَعُ مِلحُهُ عن مائِه
وقال بشار:
إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُ ... فلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ
إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُ ... مخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ
(1/70)

وقال ابن الرومي. وهو كذلك من هجائه المضحك:
تجنَّبْ سليمانَ قُفْلَ النَّدى ... فقد يَئسَ الناسُ من فَتْحِه
ولَوْ كانَ يملكُ أمْرَ استِهِ ... لما طَمِعَ الحُشُّ في سَلْحِه
الحُشُّ: المُستراح - موضع قضاء الحاجة - والسّلح: النجو - الغائط -.
وقال ابن الرومي أيضاً - وهو معنى بديع - وإن كان من بابةٍ غير هذه البابة:
وإذا امْرُؤٌ مَدَحَ امْرءاً لِنوالهِ ... وأطال فيه فقد أرادَ هِجاَءهُ
لو لم يُقَدِّرْ فيه بُعْدَ المُسْتَقَى ... عندَ الورودِ لما أطالَ رِشاَءهُ
الرشاء: حبل الدلو وقالوا: من لم يأت الخير صغيراً لم يأته كبيراً، وفي ذلك يقول المعلوط السعدي - وهو شاعر إسلامي -:
إذا المَرْءُ أعيَتْه المُروَءةُ ناشِئاً ... فمَطْلَبُها كهْلاً عليه شديدُ
وقالوا في البخيل كلما ازداد ثراءً ازداد بخلاً وكزازةً، والقائل ابن الرومي - والبيتان من أوابده وتوليداته البديعة:
إذا غَمرَ المالُ البَخيلَ وَجَدْتَهُ ... يَزيدُ به يُبْساً وإنْ ظُنَّ يَرْطُبُ
وليسَ عجيباً ذاكَ منه فإنَّهُ ... إذا غَمرَ الماءُ الحِجارَةَ تصْلُبُ
وقال:
ألم تَرَ أنَّ المالَ يُهلِكُ أهْلَهُ ... إذا جَمّ آتِيهِ وسُدَّ طريقُهُ
(1/71)

ومَنْ جاورَ الماَء الغزِيرَ مَجَمُّهُ ... وسُدَّ سبيلُ الماءِ فهْوَ غَريقُهُ
وقال:
المالُ يُكْسِبُ رَبَّهُ - ما لم يَفِضْ ... في الراغبينَ إليه - سُوَء ثناءِ
كالماءِ تأسُنُ بئْرُهُ إلا إذا ... خَبَطَ السُّقاةُ جِمامَه بدلاءِ
تأسن: تتغير، وخبطه: ضربه، والجمام: بتثليث الجيم: معظم الشيء.

عبقرياتهم في الجود واصطناع المعروف
ولنَدَعِ البخلَ والبخلاءَ لحظةً وننتقل إلى عبقرياتهم في الجود والإحسان واصطناع المعروف: جاء في كليلة ودمنة: إن أحسن الناس عيشاً من حَسُنَ عيشُ الناس في عيشه، وإنّ من ألذِّ اللذَّة الإفضالَ على الإخوان، وفي الحديث: (ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فهو ملك الوارث)، وقال
شاعرهم:
أنتَ للمالِ إذا أمْسَكْتَهُ ... فإذا أنفقْتَه فالمالُ لَكْ
وقال سعيد بن العاص من خُطبة له: من رزقه الله رزقاً حسناً فلينفق منه سراً وجهراً حتى يكون أسعد الناس به، فإنّه إنما يترك لأحد رجلين: إما مُصلِح، فلا يقلُّ عليه شيء، وإما مفسد فلا يبقى له شيء. . . فقال معاوية: جمع أبو عثمان طرفي الكلام. . .
وقال الأحنف بن قيس: ما شاتمت رجلاً مذ كنت رجلاً، ولا زَحَمت ركبتايَ ركبتيه، وإذا لم أصِلْ مُجْتَدِيَّ حتى يَنْتِحَ جبينُه عرقاً كما يَنْتِحُ الحَميتُ، فواللهِ ما وصلتُه. . . قوله: مُجتديَّ: يريد. الذي يأتيه يطلب مالَه يقال: اجتداه يجتديه واعتفاه يعتفيه واعتراه يعتريه واعترَّه يعترُّه وعراه
(1/72)

يعروه: إذا قصده يتعرّض لنائله. ويَنْتح كيَضْرِب: يرشح، والحَميت: وعاء السمن. يقول الأحنف: إنه لا يُحْوِجُ سائله إلى أن يترشح جبينُه عرقاً لمبادرته بإعطائه وقال معاوية بن أبي سفيان لوِردان مولى عمرو بن العاص: ما بقي من الدنيا تلذُّه؟ قال: العريضُ الطويلُ، قال: وما هو؟ قال: أن ألقى أخاً قد نَكَبه الدهرُ فأجبره، قال: نحن أحقُّ بهذا منك. . . قال: إن أحقّ بهذا منك مَنْ سبقك إليه. . . وقال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل اغْبرّت قدماه في المشي إليّ إرادةَ التسليم عليّ؟ فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجل، قيل: ومن هو؟ قال: رجلٌ نزل به أمرٌ فبات ليلتَه يفكِّر بمن يُنْزِلُه، ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي. وقال ابن عباس أيضاً: لا يزهدنّك في المعروف كفرُ مَنْ كَفَره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه: كفر من كفره: يريد: كفر النعمة، أي عدم شكرها، وقوله: من لم تصطنعه إليه يريد الله عز وجل.
وأنشد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أحدُ الأجواد في الإسلام قولَ الشاعر:
إنَّ الصَّنيعةَ لا تكونُ صنيعةً ... حتَّى يُصابَ بها طريقُ المَصْنَعِ
فقال: هذا رجلٌ يريد أنْ يُبخِّلَ الناسَ، امْطُر المعروفَ مَطْراً فإن صادف موضعاً فهو الذي قصَدْتَ له، وإلا كنت أحقَّ به.
وبعد فهناك في هذا المعنى كما ترى مذهبان، فمذهب يرى إعطاء
(1/73)

المستحقّ وغير المستحقّ، الكريم واللئيم، الشاكر، والكافر: ويقول هذا المذهب - والقائل الشاعر محمود
الوراق:
فإمَّا كريمٌ صُنْتُ بالجودِ عِرْضَهُ ... وإمّا لئيمٌ صُنْتُ عن لُؤْمِه عِرْضي
وقال بعضهم: لأن أُخْطِئ باذلاً، أحبُّ إليّ من أن أصيبَ مانعاً باذلاً ومانعاً: حالان من فاعل أخطئ وأصيب.
ومذهب آخر يرى حرمانَ اللئام ومن يُستَضَرُّ بإعطائه، قال قائلهم: اتقوا صولةَ الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع. وقالوا: اللئيم يزداد بالعُرْفِ خَبالاً، كما يزداد المريضُ من كثرة الطعام وبالاً، خبالاً: فساداً.
وقال شاعر:
ليس في مَنعِ غَيْرِ ذي الحَقِّ بُخْلُ
وقال الآخر:
ومَنْ يَصْنَعِ المعروفَ معْ غيرِ أهلِهِ ... يُلاقي كما لاقى مُجِيرُ امِّ عامرِ
(1/74)

وأخيراً قالوا - والقائل أبو العتاهية -:
إذا المالُ لم يُوجِبْ عليكَ عطاَءه ... صنيعةُ تقوى أو خليلٌ تُخالِفُهْ
منَعْتَ وبعضُ المَنْعِ حزمٌ وقوّةٌ ... ولم يبْتَذِلْكَ المالَ إلا حقائِقُهْ
وقال الحسن والحسين رضوان الله عليهما لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال! قال: بأبي أنتما، إن الله عوّدني أن يفضِّل عليَّ، وعوّدته أن أفضِّلَ على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عنِّي. . .
ومرّ يزيدُ بن المُهلّب بأعرابيّةٍ، في خروجه من سجن عمرَ بنِ عبد العزيز، يريد البصرة، فقَرَتْه عنزاً فقَبِلها، وقال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟ فقال: ثمانمائة دينار، قال فادفعها إليها، فقال له ابنه: إنك تريد الرجالَ، ولا يكون الرجالُ إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير، وهي بعدُ لا تعرفك، فقال له: إن كانت ترضى باليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي، ادْفَعْها إليها. . .
وأورد المبرّد في الكامل ما يأتي: وأشرف عُمرُ بن هبيرة الفَزاري - والي العراقين ليزيد بن عبد الملك - من قصره بالكوفة يوماً، فإذا هو بأعرابيٍّ
(1/75)

يرقِّصُ جَمَلَه الآلُ فقال لحاجبه: إن أرادني هذا فأوْصِلْه إليّ، فلما دنا الأعرابي سأله، فقال: قصدت الأمير، فأدخله إليه، فلما
مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك؟ فقال الأعرابي:
أصْلَحَكَ اللهُ قلَّ ما بيَدي ... فما أُطيقُ العِيالَ إذْ كَثُرُوا
أَلحَّ دَهْرٌ أنحَى بكَلْكلِه ... فأرْسَلُوني إليك وانتَظَرُوا
رَجَوْكَ لِلدَّهْرِ أنْ تكونَ لهم ... غَيْثَ سحابٍ إن خانَهُم مَطَرُ
فأخذت عمرَ الأريحيةُ، فجعل يهتزُّ في مجلسه، ثم قال: أرسلوك إليَّ وانتظروا! إذن والله لا تجلس حتى ترجع إليهم غانِماً. وأمر له بألف دينار، وردّه على بعيره. . قال المبرّد: وحُدِّثتُ أن الخبر لمعن بن زائدة. أقول: وقد أورده ابن خلكان منسوباً لمعن.
وهذا معن بن زائدة هو الآخر له في المكارم غُررٌ وأوضاحٌ، وهو أشهر في باب الأريحية والجود والإقدام والحلم من أن ينوّه به، وهو معن بن زائدة الشيباني، كان في أيام بني أمية متنقلاً في الولايات، ومنقطعاً إلى يزيد بن عمرَ بن هبيرة والي العراقين، فلما أدال من بني أمية بنو العباس، وجرى بين أبي جعفر المنصور وبين يزيد بن عمر المذكور ما جرى، أبلى يومئذ معنٌ مع يزيدَ بلاءً حسناً، فلما قتل يزيد خاف معن من أبي جعفر المنصور، فاستتر عنه مدة وجرى له مدة استتاره غرائبُ، وهنا يحدثنا شاعره الفحل مروان بن حفصة بحديث طريف من هذه الغرائب. قال:
(1/76)

أخبرني معنٌ وهو يومئذ متولّي بلادَ اليمن: أن المنصور جدّ في طلبي، وجعل لمن يحملني إليه مالاً، قال معن: فاضطررت لإلحاحه في الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوّحت وجهي، ولبست جُبّةَ صوفٍ، وركبت جملاً وخرجت متوجهاً إلى البادية لأقيم بها، فلما خرجت من باب حربٍ - أحد أبواب بغداد - تبعني أسودُ متقلِّدٌ سيفاً حتى إذا غبت عن الحرس، قبض على خِطام الجَمل، فأناخه، وقبض على يدي، فقلت له: ما بك؟ قال: أنت طلبة أمير المؤمنين، قلت: ومن أنا حتى أُطلَب! قال: أنت معن بن زائدة، فقلت له: يا هذا، اتقِ اللهَ عزَّ وجلَّ، وأين أنا من معنٍ! فقال: دعْ هذا، فإني - والله - لأعرفُ بك منك، فلما رأيت منه الجِدَّ قلت له: هذا عقدُ جوهرٍ قد حملته معي بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي، فخذه ولا تكن سبباً لسفكِ دمي، قال: هاته، فأخرجته إليه، فنظر فيه ساعةً، وقال صدقت في قيمته، ولست قابلَه حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، قلت: قل، قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني: هل وهبت مالك كلّه قطّ؟ قلت: لا، قال فنصفَه، قلت: لا، قال: فثلثَه، قلت: لا،
حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظن أني قد فعلت هذا، قال: ما ذاك بعظيم، أنا والله راجلٌ - يريد من المشاة - ورزقي من أبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير، وقد وهبته لك ووهبتك لنفسِك ولجودِك المأثورِ بين الناس ولتعلم أنّ في هذه الدُّنيا من هو أجود منك، فلا تعجبك نفسُك، ولتحقر بعد هذا كلَّ جودٍ فعلته ولا تتوقف عن مَكْرمة، ثم رمى العقد في حِجْري، وترك خِطامَ الجملِ، وولّى منصرفاً، فقلت: يا هذا، والله لقد فضحتني،
(1/77)

ولسفكُ دمي عليَّ أهونُ مما فعلت، فخذ ما دفعته لك فإني غنيٌّ عنه، فضحك وقال: أردت أن تكذّبني في مقالي هذا! والله لا أخذته ولا آخذ لمعروف ثمناً أبداً، ومضى لسبيله، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت، وبذلت لمن يجيء به ما شاء فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته. . ألا ترى معي أن ما فعله هذا الجُنديّ الفقير إن لم يفق به معن بن زائدة وأشباه معن بن زائدة، في باب المروءة والفتوة والنجدة والكرم وعبقرية الروح فإنه لا يقل عنهم!
جُهْدُ المُقِلِّ إذا أعطاكَ نائلَهُ ... ومُكْثرٌ من غِنًى سِيَّانِ في الجُودِ
فهو كما قال الشاعر:
ولَمْ يكُ أكْثرَ الفِتيانِ مالاً ... ولكن كانَ أرْحَبَهمْ ذِراعا
ومن هنا حثوا على الجود والمروءة والتسخي حتى في حالة العسر والضيق فمن ذلك ما قرأناه منسوباً لبُزُرْ جِمِهْرَ أو ليحيى بن خالد البرمكي أو لامرأة من العرب توصي به ابنها، وهو: إذا أقبلت عليك الدُّنيا فأنفق، فإنَّها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنَّها لا تبقى. أخذه بعض الشعراء فقال:
وأنْفِقْ إذا أنفقتَ إنْ كنْتَ مُوسِراً ... وأَنفِقْ على ما خيَّلَت حينَ تُعْسِرُ
فلا الجودُ يُفْني المالَ والجَدُّ مقْبلٌ ... ولا البخلُ يُبقي المالَ والجَدُّ مُدْبرُ
وقال الآخر في معناه:
لا تَبْخَلنَّ بدُنْيا وهي مُقْبِلةٌ ... فليس يَنْقُصُها التَّبْذيرُ والسَّرَفُ
(1/78)

فإنْ توَلَّتْ فأحْرَى أنْ تَجُودَ بها ... والشُّكْرُ منها إذا مَا أَدْبرَتْ خلَفُ
ولاتنس أن مرادهم بالإنفاق والجود هنا: الإنفاق في سبيل الله والبِرّ لا في سبيل الشيطان والإثم، والجود على ذوي الحقوق ومن هم في حاجة إليك حتّى مع إدبار الدنيا عنك،
وبالحريِّ مرادهم بالسرف: السرف في الشرف، وما يكسب المرءَ مَحْمِدةً ومِقةً. ويؤثر عن معاوية أو المأمون - وقد قيل لأحدهما: لا خير في السرف - فقال: لا سرفَ في الشرف. . .
وقال سلم بن قتيبة: أحدكم يحقر الشيءَ فيأتي ما هو شرٌّ منه، يعني المنع، يريد الحث على إعطاء القليل إن لم يستطع إعطاءَ الكثير، وقال حماد عجرد في ذلك من أبيات:
بُثَّ النَّوَالَ ولا تمنَعكَ قِلَّتُهُ ... فكلُّ ما سَدَّ فقْراً فَهْوَ مَحْمودُ
يقول فيها:
إنَّ الكَريمَ ليُخْفِي عَنْكَ عُسْرَتَهُ ... حَتَّى تراهُ غَنيِّاً وهوَ مَجْهُودُ
إذا تكرَّمْتَ أَنْ تُعْطي القليلَ ولمْ ... تَقْدِرْ على سَعةٍ لمْ يَظْهرِ الجُودُ
ولِلْبَخيلِ على أمْوالِه عِلَلٌ ... زُرْقُ العُيونِ علَيْها أَوْجُهٌ سُودُ
أَوْرِقْ بخَيْرٍ تُرَجَّى لِلنَّوالِ فَما ... تُرْجى الثِّمارُ إذا لم يُورِقِِ العودُ
والعرب تقول: من حقَرَ حرَمَ. . حقر الشيء: عدّه حقيراً، أي من حقر يسيراً يقدر عليه ولم يقدر على الكثير ضاعت لديه الحقوق وفي الحديث: (لا تردّوا السائل ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ الظلف من كل ما يجترُّ من
(1/79)

الحيوانات كالبقرة والظبي بمنزلة الحافر من الفرس، ويقال: أحرق الشيء بالنار وحرّقه شدّد لكثرة وقال المعري:
إذا طرقَ المِسْكينُ بابَكَ فاحْبُهُ ... قليلاً ولو مِقْدَارَ حبَّةِ خَرْدَلِ
ولا تحتَقِرْ شيئاً تُساعِفُه به ... فكمْ من حَصاةٍ أَيَّدَتْ ظَهْرَ مِجْدَلِ
المجدل: القصر المشرف وكان ابن عباس يقول: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متّكأً. وهذا من قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المعروف يقي مصارع السوء). . . وكان ابن عباس يقول أيضاً: ما رأيت رجلاً أوليته معروفاً إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلاً أوليته سوءاً إلا أظلم ما بيني وبينه، ومما يروى في هذا المعنى أن رجلاً كان في مجلس خالد بن عبد الله القسري، فقام من المجلس، فقال خالد: إني لأبغِضُ هذا الرجل وما له إليّ ذنبٌ، فقال رجلٌ من القوم: أولِه أيّها الأميرُ معروفاً ففعل، فما لبث أن خفَّ على قلبه وصار أحدَ جلسائه. وفي هذا المعنى يقول سيّد موسيقي الإسلام أبو إسحاق الموصلي:
أرى الناسَ خُلاَّنَ الجَوادِ ولا أرى ... بَخيلاً له في العالمينَ خليلُ
ومِنْ خَيرِ حالاتِ الفتى لو عَلِمْتِه ... إذا نالَ شيئاً أن يكونَ يُنِيلُ
فإنّي رأيتُ البخلَ يُزْري بأهلِه ... فأكرَمْتُ نفسي أنْ يُقالَ بَخيلُ
ويقول المتنبي:
وأحسَنُ وَجْهٍ في الورَى وجْهُ مُحْسِنٍ ... وأيمَنُ كفٍّ في الورى كَفُّ مُنْعِمِ
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اتّصلت نِعَمُ اللهِ عليه، كثرت حوائجُ الناسِ إليه، فمن لم يحتمل تلك المُؤن عُرِّض لزوالِ تلك النعم)، وقال خالد بن عبد الله القسري أيضاً: حوائج الناس إليكم نعمٌ من اللهِ عليكم،
(1/80)

فلا تملّوا النعمَ فتتحوّل نِقماً، قال الشاعر:
بَدَا - حينَ أثْرَى - بإخْوانِه ... فَفلَّلَ عنهمْ شَباةَ العَدَمْ
وذكَّرَه الحزمُ غِبَّ الأُمورِ ... فبادرَ قبْلَ انْتِقالِ النِّعَمْ
وعن سيدنا رسول الله: (تنزل المعونة على قدر المؤونة) ومعناه: أنه كلما تكاثر على المرء من يحقُّ عليه أن يعولَهم ويقومَ بمؤونتهم، ففعل، أو كلّما أنفق المرء في سبيل البِرّ، أعطاه الله بمقدار ذلك، وجاء في الحديث المرفوع: (من وسّع وُسِّعَ عليه)، و: (كلما كثُرَ العيال كثر الرزق). . .
وقالوا في معنى النجدة وإقالة العثرات وواجبات ذوي الجاه: بذل الجاه زكاة الشرف. وفي الحديث: (إن الله يسأل العبدَ عن جاهه كما يسأله عن ماله وعمره، فيقول: جعلت لك جاهاً فهل نصرت به مظلوماً أو قوّمت به ظالماً أو أغثت به مكروباً!) وفي الحديث أيضاً: (أفضل الصدقة أن تعين من لا جاه له). . . وقال أبو تمام:
وإذا امْرُؤٌ أٍَسْدى إليَّ صنِيعَةً ... مِنْ جاهِهِ فكأنّها من مالِه
وكان زياد بن أبيه يقول لأصحابه: اشفعوا لمن وراءكم فليس كل من أراد السلطان - يريد: كل من بيده الأمر - وصل إليه، ولا كل من وصل استطاع أن يكلّمه. . . والأصل في هذا قوله سبحانه: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً}. قال المفسرون: الشفاعة الحسنة: هي التي رُوعي بها حقُّ مسلمٍ ودفع بها عنه شرٌّ أو جُلب إليه خيرٌ وابتغي وجهُ الله ولم
(1/81)

تؤخذ عليها رشوةٌ، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقوله سبحانه: يكن له نصيب منها: فذلك
النصيب: هو ثواب الشفاعة وجزاؤها عند الله، وقوله يكن له كفل منها: أي نصيب من وزرها مساوٍ لها في القدر، وقوله عز وجل: وكان الله على كل شيء مقيتاً، فالمقيت: المقتدر من أقات على الشيء إذا قدر، قال الزبير بن عبد المطلب وقيل لأبي قيس بن رفاعة -:
وذي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وكنتُ على مَسَاَءتِهِ مُقيتَا
وفُسِّر المقيتُ بالحافظ واشتقاقه من القُوت، فإنه يقوّي البدن ويحفظه.
ومن أجمل ما قيل في الجود قول حاتم طيء:
أماوِيَّ ما يُغْني الثَّرَاءُ عن الفَتَى ... إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدْرُ
(1/82)

أماوِيَّ إنْ يُصْبِحْ صَدَايَ بِقَفْرَةٍ ... مِنَ الأرْضِ لا ماءٌ لَدَيَّ ولا خَمْرُ
تَرَيْ أَنَّ ما أَبْقَيْتُ لمْ أَكُ رَبَّهُ ... وأنَّ يَدِي ممَّا بَخِلْتُ بِهِ صِفْرُ
أماوِيَّ إنَّ المَالَ غادٍ ورَائِحٌ ... ويَبْقَى مِنَ المَالِ الأحاديثُ والذِّكرُ
غنِينَا زَماناً بالتَّصَعْلُكِ والغِنى ... وكُلاًّ سَقاناهُ بكأسَيْهمَا الدَّهْرُ
فما زادنا بَأْواً على ذي قَرابةٍ ... غِنانا ولا أزْرَى بأحسابنا الفقْرُ
ألست معي في أن على هذه الأبيات مسحةً من الجمال وأثراً بيّناً من الصدق وأن لها لوطةً من ثمّ بالقلب! أليس حاتمٌ يقول: الحق أقول: إنه لا ينبغي لك يا ماوية أن تلوميني على إنفاق مالي في سبيل البرِّ والإلطاف، والتخرق في النوال وقرى الأضياف، أما تعلمين أنّ مال المرء لا يغني عنه شيئاً إذا ما الموت رماه بسهامه وغادر هذه الحياة، أما تعلمين أنَّ المرء متى نُبِذ جسدُه بالعراء وأودع حفرةً موحشةً مقفرةً ليس معه شيء مما كان يحتازه في هذه الدنيا من مال، بدا لك أنّ المال الذي تركته وبخلت به على مستحقيه أصبح
(1/83)

مُلكاً لغيري وأصبحت أنا خالي الوِفاضِ بادي الإنفاض لا أملك من هذا المال شَرْوى نقير! أليس الأخلق بي لذلك أن أنفقه وأتسخّى به على أهليه، فأنتفع بعد موتي - إذا أنا فعلت - بالذكر في الناس والحديث الحسن! وأيّةُ قيمةٍ للمال يا ماويّة، ذلك الذي يجيء ويذهب، ويغدو ويروح! أليس الأخلق بالعاقل الثاقب النظر أن يفيد منه ما هو أبقى على الزمن الباقي من الزمن - أن يفيد منه الذكرَ من طريق إنفاقه، والجود به في وجوه استحقاقه! لقد عشنا يا زوجتي حيناً من الدهر أغنياء كما عشنا حيناً فقراء، وكلاً سقاناه الدهر بكأسيهما،
فما أزرى الدهر بأحسابنا، ولا أصغى إناءَ أعراضنا، ولا أسف بأخلاقنا، كما هو شأنه مع ضعفاء النفوس، وكذلك إذ كنا أغنياء، ما أبطرنا الغنى، وما أطغانا، على ذوي قُربانا، لأنّا نعلم علماً ليس بالظن أن المال عرض زائل، أما الجوهر، أما الذكر، أمّا الشرف، أما الخُلق، فكل أولئك هو الذي عليه المعوَّل، وإنه لذخيرة لا تنفد، وهي حسب العاقل الذي راضَ نفسَه على السكون إلى الحقائق، ولم يخلد إلى أمِّ دَفْرٍ باطلِ الأباطيل. . .
أما بعد فلقد أذكرتنا هذه العبقرياتُ الكريمة من القول، عبقريةَ رجلٍ من رجالات السلف لقد بلغ المبالغ في الإحسان واصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وإنه لحقٌّ علينا أن نعرض شيئاً لهذه العبقريّة من الفعال، إذ أنّ كتابنا هذا ليس بمقصور على العبقريّ من القول وإنما نعرض كذلك للعبقريّ من الأناسيّ في أي معنًى من المعاني على شريطة أن يكون ذلك لِماماً، فلا
(1/84)

نُغْفِل الإغفالَ كلَّه ما يعنينا من سير العبقريين، ويمتُّ منها بسببٍ واصلٍ إلى أيّ باب من أبواب هذا الكتاب، ولا نتبسَّط التبسُّط الذي يلحقنا بأصحاب السِّيرِ والمُترجمين؛ وشخصيتنا التي حبب الله إلينا أن نلمَّ بعبقريّتها في باب البرّ والإحسان هو رجلٌ من رجال أسلافنا كما قلنا - هو قاضي القضاة أحمد بن أبي دواد. . .
أحمد بن أبي دواد
كان هذا أحمد بن أبي دُوادٍ شخصيةً ضخمةً ذاتَ أثرٍ فعّالٍ خالدٍ في تاريخ الإسلام، إذ أنّه كان من أشياع المعتزلة، وكان في طليعة القائلين بخلق القرآنِ، العاملين على ترويج هذه البِدعة، مستظهِراً على ذلك بجاهه ونفوذِه لدى المأمون والمعتصم والواثق. وليس فيه من مَغْمزٍ - في نظر رجال الحديث وأهل السُّنّة والجماعة - إلا هذه. . . قال محمد بن يحيى الصُّولي: لولا ما وضع به نفسَه من محبَّة المِحْنة - مِحْنة القولِ بخلقِ القرآن، وحمل الناس عليه - لاجتمعت الألسن عليه، ولم يُضف إلى كرمِه كرمُ أحدٍ. . . ومن أحبَّ الوقوف على موقف ابن أبي دوادٍ من هذه المسألة فليرجع إلى مظانّها. . . ومن قولهم في مكانته من العلم والأدب، ومنزلته من الجاه والسلطان، ورسوخِ قدمِه في الفضلِ والنُّبلِ ومكارمِ
(1/85)

الأخلاق، وأفاعيلِه المخلَّدة في هذه المعاني - والكلام يدخلُ بعضُه في بعض -: قال أبو العيناء ما رأيت رئيساً قطّ أفصحَ ولا أنطقَ من ابن أبي دُواد، وقال: كان ابن أبي دُوادٍ شاعراً مُجيداً، فَصيحاً بليغاً: وقد ذكره دِعْبِل بن عليّ الخزاعي - الشاعر العبقري -
في كتابه الذي جمع فيه أسماءَ الشعراءِ وروى له أبياتاً حِساناً. وقال أبو بكر الجرجاني: سمعت أبا العيناء الضّرير يقول: ما رأيت في الدُّنيا أقومَ على أدبٍ من ابن أبي دُواد - يريد أبو العيناء بالأدب هنا: أدب النفس - ما خرجت من عندِه يوماً قطُّ فقال: يا غلام خُذْ بيده، بل قال: يا غُلام اخرُجْ معه، فكنت أنتقد هذه الكلمة عليه، فلا يخلُّ بها ولا أسمعها من غيره. . . قالوا: وهو أول من افتتح الكلامَ مع الخلفاء، وكانوا لا يبدؤهم أحدٌ حتى يبدؤوه. وقال إبراهيم بنُ الحسن: كنّا عند المأمون، فذكروا من بايعَ من الأنصار ليلةَ العقبة، فاختلفوا في ذلك، ودخل ابن أبي دُواد، فعدَّهم واحداً واحداً بأسمائهم وكُناهم وأنسابهم، فقال المأمونُ: إذا استجلس الناس فاضلاً فمثلَ أحمد، فقال أحمد: بل إذا جالس العالِمُ خليفةً فمثلَ أمير المؤمنين، الذي يفهم عنه، ويكون أعلم بما يقوله منه. وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي: ابن أبي دُواد رُوحٌ كلُّه من قرنِه إلى قدمِه. وقال لازونُ بن إسماعيل: ما رأيت أحداً قطّ أطوعَ لأحد، من المعتصم لابن أبي دُواد، كان - المعتصم - يُسأل الشيءَ اليسيرَ فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دُواد فيكلِّمه في أهله
(1/86)

وفي أهل الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كلِّ ما يريد، ولقد كلّمه يوماً في مقدار ألف ألف درهم ليُحفرَ بها نهرٌ في أقاصي خراسان، فقال له: وما عليَّ من هذا النهر: فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يسألك عن النظر في أمر أقصى رعيتك، كما يسألك عن النظر في أمرِ أدْناها، ولم يزل يَرْفُق به حتى أطلقها. قالوا: وكان ابتداءُ اتصال ابن أبي دُواد بالمأمون ما حدّث به ابن أبي دُواد نفسُه، قال: كنت أحضر مجلسَ القاضي يحيى بن أكثم، مع الفقهاء، فإنّي عنده يوماً إذ جاءه رسولُ المأمون، فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: انْتقِلْ إلينا أنت وجميعُ من معك من أصحابك، فلم يحبَّ أن أحضرَ معه، ولم يستطع أن يؤخِّرَني، فحضرت مع القوم، وتكلّمنا بحضرة المأمون، فأقبل المأمون ينظرُ إليَّ إذا شرعت في الكلام، ويتفهَّم ما أقول، ويستحسنه، ثم قال لي: من تكون؟ فانتسبْتُ له، فقال: ما أخَّرك عنّا؟ فكرهت أن أحيلَ على يحيى، فقلت: حَبْسةُ القدر، وبلوغ الكتاب أجلَه، فقال: لا أعلَمَن ما كان لنا من مجلس إلا حضرتَه، فقلت: نعم، يا أمير المؤمنين، ثم اتصل الأمرُ، وقيل: قدم يحيى بن أكثم قاضياً على البصرة من خراسان، من قبل المأمون، في آخر سنة 202 وهو حَدَثٌ، سِنُّه نيفٌ وعشرون سنة، فاستصحب جماعةً من أهل العلم والمروءات،
منهم ابن أبي دُواد، فلمّا قدم المأمون بغداد في سنة 204 قال ليحيى: اختر لي من أصحابِك جماعةً يجالسونني ويكثرون الدخولَ إليّ، فاختار منهم عشرين، فيهم ابن أبي دُواد، فكثروا على المأمون، فقال: اختر منهم، فاختار عشرة فيهم ابن أبي دُواد، ثم قال: اختر منهم، فاختار خمسةً، فيهم ابن أبي دُواد، واتصل أمرُه. . . وكان من وصية المأمون إلى أخيه المعتصم عند الموت:
(1/87)

وأبو عبد الله أحمد بن أبي دُواد لا يفارقك الشِّرْكة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضعُ ذلك، ولا تتّخذنَّ وزيراً، فلما ولي المعتصم، جعل ابن أبي دُواد قاضيَ القضاة مكان يحيى بن أكثم، وكان لا يفعل فِعلاً باطِناً ولا ظاهراً إلا برأيه. . . ولما مات المعتصم وتولى بعده ولده الواثق بالله حسنت حال ابن أبي دُواد، وما زال إلى أن ولِيَ أخوه المتوكل، فأصيب ابن أبي دُواد بالفالج فكانت مدة عظمة ابن أبي دُواد ونفوذه وجاهه نحواً من ثمانٍ وعشرين سنة. . . قال ابن خِلّكان - الذي نعتمد عليه في هذا الباب -: وكان ابن أبي دُواد كثيراً ما يُنشد - ولم يذكر أنهما له أو لغيره -:
ما أنْتَ بالسَّببِ الضَّعيفِ وإنّما ... نُجْحُ الأمورِ بقُوَّةِ الأسْبابِ
فاليومَ حاجَتُنا إليكَ وإنّما ... يُدْعَى الطَّبيبُ لِشِدَّةِ الأوْصابِ
ومن كلامه: ثلاثةٌ ينبغي أن يُبجَّلوا وتُعرفَ أقدارُهم: العلماءُ، وولاةُ العدل، والإخوانُ، فمن استخفَّ بالعلماء أهلكَ دينَه، ومن استخفَّ بالولاةِ أهلكَ دُنياه، ومن استخفَّ بالإخوانِ أهلك مروءتَه، ومن كلامه أيضاً: ليس بكاملٍ مَنْ لم يحمل وليَّه على منبرٍ ولو أنّه حارسٌ، وعدوَّه على جِذْعٍ ولو أنّه وزير
(1/88)

وكان بين ابن أبي دُواد وبين الوزير الجبّار محمد بن عبد الملك الزيات، الذي تؤثر عنه هذه الكلمة: الرَّحْمة خَوَرٌ في الطّبيعة - منافساتٌ وشحناء، حتى إن شخصاً كان يصحب ابن أبي دُواد ويختصُّ بقضاء حوائجه، منعَه الوزير المذكورُ من التردّد إليه، فبلغ ذلك ابن أبي دُوادٍ، فجاء إلى الوزير وقال: والله، ما أجيئك متكثّراً بِك من قلّة، ولا متعزّزاً بك من ذِلّة، ولكن أمير المؤمنين رتَّبك مرتبةً أوجبت لقاءَك، فإن لقيناك فلَه، وإن تأخّرنا عنك فلك. . . ثم نهض من عنده. . . قال ابن خلكان: وكان فيه - في ابن أبي دُواد - من المكارم والمحامد ما يستغرق الوصفَ. . . وكان يقال: أكرم من كان في دولةِ بني العباس البرامكةُ ثم ابن أبي دُواد. . . حدث الجاحظ قال: غضب المعتصم على رجلٍ من أهل الجزيرة الفراتية، وأُحضِر السيفُ والنطعُ فقال له المعتصم:
فعلْتَ وصنَعْتَ، وأمر بضربِ عنُقه: فقال له ابن أبي دُواد: يا أميرَ المؤمنين، سبقَ السيفُ العَذَلَ، فتأنَّ في أمره فإنّه مظلوم، قال: فسكن المعتصم
(1/89)

قليلاً: قال ابن أبي دُواد: وغمرني البولُ فلم أقدِرْ على حَبْسِه، وعلمت أنّي إن قمتُ قُتِلَ الرجلُ، فجمعت ثيابي تحتي وبُلْتُ فيها، حتى خلّصتُ الرجل قال: فلمّا قمت نظر المعتصمُ إلى ثيابي رطبةً فقال: يا أبا عبد الله، أكان تحتكَ ماءٌ؟ فقلت: لا، يا أمير المؤمنين، ولكنّه كان كذا وكذا! فضحك المعتصم، ودعا لي وقال، أحسنت، باركَ اللهُ عليك، وخلَعَ عليه وأمر له بمائة ألف درهم. . . وقال أبو العيناء: كان الأفشينُ - التركي وكن من أجلِّ قوادِ المعتصم، وأبلى في أمر بابكٍ الخُرَّميِّ بلاءً حَمِدَه له - يحسد أبا دُلَفَ القاسمَ بن عيسى العجلي - وهو كذلك أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده، وكان تحت إمرة الأفشين في حرب بابك - للعربية والشجاعة
(1/90)

فاحتال عليه حتى شهد عليه بجنايةِ قتلٍ، فأخذه ببعض أسبابه، فجلس له وأحضره، وأحضر السيّافَ ليقتلَه، وبلغ ابنَ أبي دُؤاد الخبرُ، فركب من وقته مع من حضر من عُدوله، فدخل على الأفشين، وقد جيء بأبي دُلَفٍ ليُقتل، فوقف، ثم قال: إنّي رسولُ أمير المؤمنين إليك، وقد أمرك أن لا تُحْدِثَ في القاسم بن عيسى حَدثاً حتى تسلِّمَه إليَّ، ثم التفت إلى العُدول وقال: اشهدوا أني أدَّيتُ الرسالةَ إليه عن أمير المؤمنين والقاسم حيٌّ معافًى، فقالوا: قد شهدنا، وخرج، فلم يقدر الأفشين عليه، وسار ابن أبي دُواد إلى المعتصم من وقته، وقال: يا أمير المؤمنين، قد أدَّيت عنك رسالةً لم تقُلْها لي، ما أعتدُّ بعملِ خيرٍ خيراً منها، وإني أرجو لك الجنّة بها، ثم أخبره الخبر، فصوَّب رأيَه، ووجَّه من أحضر القاسم، فأطلقه ووهب له: وعنّف الأفشين فيما عزم عليه. . . ومن مُروءاته: أن المعتصم كان قد اشتدّ غيظُه على محمد بن الجهم البرمكي، فأمر بضرب عُنقِه، فلما رأى ابن أبي دُواد ذلك وأنْ لا حيلةَ له فيه وقد شُدَّ برأسِه وأقيمَ في النّطع وهُزَّ السيفُ قال ابن أبي دُوادٍ للمعتصم: وكيف تأخذ مالَه إذا قتلتَه؟ قال المعتصم: ومن يحول بيني وبينَه؟ قال: يأبى اللهُ تعالى ذلك، ويأباه رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم ويأباه عدلُ أميرِ المؤمنين، فإنَّ المالَ للوارثِ إذا قتلتَه حتى تقيمَ البيِّنةَ على ما فعلَه، وأمرُه باستخراجِ ما اختانَه أقربُ عليكَ وهو حيٌّ، فقال: احبِسوه حتّى يُناظرَ، فتأخَّر أمرُه على مالٍ حَمله أي كفله وخلَصَ محمد. . . وقال أبو العيناء: غضب المعتصم على خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، وأشخصه من
ولايته، لعجزٍ لحِقَه في مالٍ طُلِبَ منه، وأسبابٍ غيرِ ذلك، فجلس المعتصم لعقوبتِه، وكان قد طرح نفسه على ابن أبي دُواد، فتكلّم فيه فلَمْ يُجبْه المعتصمُ،
(1/91)

فلما جلس لعقوبته حضر ابن أبي دُواد، فجلس دون مجلسه، فقال له المعتصم: يا أبا عبد الله، جلست في غير مجلسِك! فقال له: ما ينبغي أن أجلسَ إلا دونَ مجلسي هذا. . . فقال له: وكيف؟ قال: لأنّ الناس يزعُمون أنّه ليس موضعي موضعَ مَنْ يَشفع في رجل فلا يُشفَّع، قال: فارجع إلى مجلسك، قال: مُشَفّعاً أو غيرَ مُشَفّعٍ؟ فقال: بل مُشَفّعاً، فارتفع إلى مجلسه، ثمّ قال: إن الناس لا يعلمون رضا أمير المؤمنين عنه إن لم يَخلع عليه - فأمر بالخلع عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد استحقّ هذا وأصحابُه رزقَ ستةِ أشهرٍ لا بدَّ أن يقبضوها، وإن أمرت لهم بها في هذا الوقت قامت مقامَ الصِّلة، قال: قد أمرت لهم بها، فخرج خالد وعليه الخِلع، والمالُ بين يديه، وإن الناس ينتظرون في الطرق الإيقاعَ به، وصاح رجلٌ: الحمد لله على خلاصك يا سيِّد العرب، فقال خالد: اسكت، سيد العرب والله أحمد بن أبي دُواد. . . وقال الواثق يوماً لابن أبي دُواد - تضجُّراً بكثرة حوائجه: قد اختلّت بيوتُ المالِ بطلباتك لِلائذين بك والمتوسّلين إليك! فقال: يا أمير المؤمنين، هي نتائجُ شكرُها متّصلٌ بك، وذخائرُ أجرُها مكتوبٌ لك. وما لي من ذلك إلا أن أخلّدَ المدحَ فيك، فقال: أحسنت.
وبعد فلْنتجزأ بهذا المقدار من مساعي ابن أبي دُواد سيّد العرب وعبقريِّها في النجدة والمروءة والكرم والأريحية والشجاعة الأدبيّة
(1/92)

وما لَفّ لِفّ هذه المعاني الكريمة مما انبعثت له قرائح فحول شعراء الإسلام، أمثال أبي تمام، فأنطقتهم بالمأثورِ من الشعر الفخم، وامتدحوا به هذا الرجل العظيم، فقال أبو تمام:
لقد أنْسَتْ مَساوِيَ كلِّ دَهرٍ ... محاسِنُ أحمدَ بْنِ أَبي دُوادِ
وما سافَرْتُ في الآفاقِ إلا ... ومِن جَدْواكَ رَاحِلَتي وزادي
قال علي الرازي: رأيت أبا تمّام عند ابن أبي دُواد ومعه رجلٌ يُنشد عنه قصيدةً منها هذان البيتان، فلما أنشدهما قال ابن أبي دُواد لأبي تمام: هذا المعنى تفرّدت به أم أخذْتَه؟ فقال: هو لي، وقد ألممت فيه بقول أبي نواس:
وإنْ جَرَتِ الألفاظُ مِنَّا بِمِدْحَةٍ ... لغيركَ إنْساناً فأنْتَ الذي نَعْنِي
ومدحه أبو تمام أيضاً بقصيدته التي أوّلها:
أَرَأَيْتَ أَيَّ سوالِفٍ وخُدُودِ ... عَنَّتْ لنا بين اللِّوى وزَرُودِ
وفيها الأبيات الثلاثة البديعة في الحسد:
وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فضِيلَةٍ ... طُوِيَتْ أتاحَ لها لسانَ حَسودِ
لولا اشْتعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ ... ما كانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ
لولا التَّخَوُّفُ لِلعواقِبِ لم تزلْ ... للحاسِدِ النُّعمَى على المحْسُودِ
ودخل أبو تمام عليه يوماً، وقد طالت أيامُه في الوقوف ببابه ولا يصل إليه، ولما وصل قال له ابن أبي دُواد، أحسبك عاتباً يا أبا تمام، فقال أبو تمام: إنّما يُعْتَبُ على واحدٍ وأنت الناسُ جميعاً، فكيف يُعتب عليه! فقال له: من أين لكَ هذا يا أبا تمّام؟ فقال من قول الحاذق - يعني أبا نواس - في الفضل بن الربيع:
(1/93)

وليس على اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يجمعَ العالَمَ في واحدِ
ولمّا وُلِّي ابنُ أبي دُواد المظالمَ قال أبو تمام قصيدةً يتظلَّم إليه، من جملتها قوله:
إذا أنْتَ ضَيَّعْتَ القَريضَ وأَهْلَهُ ... فلا عجَبٌ إنْ ضَيَّعَتْهُ الأعاجِمُ
فقدْ هَزَّ عِطْفَيْه القريضُ توَقُّعاً ... لِعَدْلِك مُذْ صارتْ إليك المَظالِمُ
ولولا خِلاَلٌ سَنَّهَا الشعرُ ما دَرَى ... بُغاةٌ العُلى مِنْ أين تؤْتَى المَكارِمُ
ومدائح أبي تمام وغير أبي تمام فيه كثيرةٌ متوافرة. . . وقال أبو بكر بنُ دريد: كان ابن أبي دُواد مؤالفاً لأهل الأدب من أيّ بلدٍ كانوا، وكان قد ضمّ منهم جماعةً يعولهم ويموِّنُهم، فلما مات حضر ببابه جماعةٌ منهم وقالوا يُدفن من كان ساقةَ الكرمِ وتاريخَ الأدبِ ولا نتكلم فيه! إنّ هذا وهنٌ وتقصير، فلما طلع سريرُه قام إليه ثلاثةٌ منهم، فقال أحدهم:
اليومَ ماتَ نِظامُ المُلْكِ واللَّسَنِ ... وماتَ من كان يُسْتَعْدَى على الزَّمَنِ
(1/94)

وأظْلمَتْ سُبُلُ الآدابِ إذْ حُجِبَتْ ... شمْسُ المكارِمِ في غَيْمٍ مِنَ الكَفَنِ
وتقدم الثاني فقال:
تَرَكَ المنابِرَ والسَّريرَ تَواضُعاً ... وله مَنَابرُ لَوْ يَشا وسَريرُ
ولغيره يُجْبَى الخراجُ وإنّما ... تُجْبَى إليْهِ مَحَامِدٌ وأُجُورُ
وتقدم الثالث فقال:
وليس فَتِيقُ المسْكِ رِيحَ خُيُوطِهِ ... ولكنَّهُ ذاك الثناءُ المُخَلَّفُ
وليس صَريرُ النَّعْشِ ما تَسْمَعُونَهُ ... ولكنه أصْلابُ قوْم تَقَصَّفُ

رسالة للجاحظ ينضح فيها عن الجود
وبعد فلنعطف على كلامهم في الجود وذمِّ البخل: أورد الجاحظ في كتابه البخلاء رسالةً جميلةً جداً نسبها إلى أبي العاصي بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - أرسلها إلى رجلٍ من عشيرته، وقد سمع بأنه يجلس إلى قوم من البخلاء، أمثال سهل بن هارون والأصمعي، وقد تأثّر بمذهبهم في البُخل وامتداحهم إيّاه، فكتب إليه هذه الرسالةَ ينعى فيها على البخلاء مذهبَهم، ويذمُّ البخل وينوِّه بالجود - ونحن فإنّا نقتطف من هذه الرسالة نُتفاً ونترك سائرها لمن يحبّ أن يراجعها في كتاب البخلاء - قال:
(1/95)

وهل تزيد حالُ من أنفق جميعَ ماله، ورأى المكروهَ في عيالِه، وظهر فقرُه، وشَمَِت به عدوُّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بُغض عيالِه، وعلى خُشونة الملبس، وجُشوبة المأكل؟ وهذا كلُّه، مجتمع في مَسك البخيل، ومصبوبٌ على هامةِ الشّحيح، ومعجَّلٌ للئيم وملازمٌ للممنوع؛ ألا إن المنفقَ قد ربح المحمدة، وتمتّع بالنعمة، ولم يعطّل المقدرة ووفّى كلَّ خصلة من هذه حقّها، ووفَّر عليها نصيبَها، والممسكُ معذَّب، بحصر نفسه، وبالكدِّ لغيره؛ مع لزوم الحجة، وسقوط الهمّة والتعرُّض للذمِّ والإهانة، ومع تحكيم المِرّة السوداء في نفسه وتسليطها على عرضِه، وتمكينها من عيشِه، وسرورِ قلبه.
إن الله جوادٌ لا يبخل، وصدوقٌ لا يكذب، ووفيٌ لا يغدر، وحكيمٌ لا يعجل، وعدلٌ لا يظلم. وقد أمرنا بالجود، ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق، ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم، ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل، ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء، ونهانا عن الغدر.
(1/96)

فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسِه، ولم يزجُرْنا إلا عمّا لم يرضَه لنفسه: وقد قالوا بأجمعهم: إنَّ الله أجودُ الأجودين، وأمجد الأمجدين؛ كما قالوا: أرحم الراحمين، وأحسن الخالقين. وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليمِ لأجوادِهم: لا تُجاوِدوا اللهَ فإنَّ الله - جلَّ ذكرُه - أجودُ وأمجدُ. وذكر نفسه جلَّ جلالُه، وتقدّست أسماؤه - فقال: {ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} و {ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} وقال: {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
وذكروا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لم يضع درهماً على درهمٍ، ولا لبنةً على لبنةٍ. وملك جزيرةَ العرب، فقبضَ الصدقاتِ، وجُبيت له الأموال، ما بين غُدرانِ العراق إلى
شَحْرِ عُمان إلى أقصى مَخاليفِ اليمن ثم تُوفّيَ وعليه دينٌ، ودِرْعُه مرهونةٌ. ولم يُسأل حاجةً قطّ فقال: لا. وكان إذا سُئل أعطى، وإذا وَعد أو أطمع، كان وعدُه كالعِيان، وإطماعُه كالإنجاز. ومدحته الشعراء بالجود. وذكرته الخطباءُ بالسَّماح. ولقد كان يهب للرجل الواحد الضَّاجعةَ من الشاءِ والعَرْجَ من الإبل - وكان أكثر ما يهب الملِكُ من العرب مائةَ بعير، فيقال: وَهب هُنيدةً. وإنما
(1/97)

يقال ذلك، إذا أريد بالقول غايةُ المدح، ولقد وهب لرجلٍ ألفَ بعير. فلمّا رآها تزدحم في الهوادي قال: أشهد أنّك نبيٌّ. وما هذا مما تجودُ به الأنفُسُ.
وأجْمعتِ الأممُ كلُّها بخيلُها وسخيُّها وممزوجُها على ذمِّ البخل، وحَمْدِ الجود، كما أجمعوا على ذمِّ الكذب وحَمْدِ الصدق.
فمن أراد أن يخالف ما وصف الله - جلَّ ذكرُه - به نفسَه، وما منح من ذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وما فَطرَ على تفضيله العربَ قاطبةً، والأممَ كافةً، لم يكن عندنا فيه إلا إكفارُهُ واستسقاطُه.
ولَمْ نرَ الأمةَ أبغضت جواداً قطّ ولا حقَرَتْه، بل أحبّته وأعظمته، بل أحبّت عَقِبَه وأعظمت من أجله رَهْطَه. ولا وجدناهم أبغضوا جواداً، لمجاوزته حدَّ الجود إلى السَّرف، ولا حقَرَتْه، بل وجدناهم يتعلمون مناقبَه، ويتدارسون محاسنَه، وحتى أضافوا إليه من نوادِرِ الجميل ما لم يفعله ونَحَلوه من غرائب الكرم ما لم يكن ليبلغَه، ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يُضاعف كما تُضاعف الحسنات في الآخرة. نعم، وحتى أضافوا إليه
(1/98)

كلَّ مديح شارد، وكلَّ معروفٍ مجهولِ الصاحب. ثمَّ وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدِّ هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب: وجدناهم يُبغضونه مرَّة، ويُحقِّرونه مرَّة، ويُبغضون بفضل بغضه ولدَه، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رَهْطَه، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلُغْه، ومن غرائب البُخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء.
وعلى أنَّا لا نجد الجوائحَ إلى أموال الأسخياء، أسرعَ منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عددَ من افتقر من البخلاء أقلَّ.
والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحقّ عندهم اسمَ البخيل ويستوجب الذمَّ، من لا يدع لنفسه هَوىً إلا ركبَه، ولا حاجةً إلا قَضاها، ولا شهوةً إلا ركبها
وبلغ فيها غايتَه. وإنّما يقع عليه اسمُ البخيل، إذا كان زاهداً في كل ما أوجب الشكرَ، ونوّه بالذكر، وادّخر الأجر.
وقد يُعَلِّق البخيلُ على نفسِه من المُؤن، ويُلْزِمها من الكُلَف، ويتخذ من الجواري والخدم، ومن الدوابِّ والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البِزَّة الفاخرة. والشّارة الحسنة، ما يُربي على نفقة السخيِّ المثري ويَضْعف على جودِ الجوادِ الكريمِ فيذهب مالُه وهو مذمومٌ، ويتغيَّر
(1/99)

حالُه وهو ملومٌ. وربّما غلب عليه حبُّ القِيان واستُهْتِرَ بالخصيان. وربما أفرط في حبِّ الصيد، واستولى عليه حبُّ المراكب، وربّما كان إتلافُه في العُرْس والخُرْس والوليمة، وإسرافُه في الإعذار وفي العقيقةِ والوكيرة، وربّما ذهبت أموالُه في الوَضائع والوَدائع. وربَّما كان شديدَ البخل، شديدَ الحبِّ للذِّكر ويكون بخلُه أوشجَ ولؤمُه أقبحَ، فينفق أمواله ويتلفُ خزائنَه، ولم يخرج كَفافاً ولم ينجُ سَليماً.
كأنك لم ترَ بخيلاً مخدوعاً، وبَخيلاً مضعوفاً، وبَخيلاً مِضياعاً، وبَخيلاً
(1/100)

نفّاجاً، وبخيلاً ذهب مالُه في البناء، وبخيلاً ذهب مالُه في الكيمياء، وبخيلاً أنفق مالَه في طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفي طلب الولايات، والدُّخول في القبالات، وكانت فتنته بما يؤمل من الإمْرة، فوق فتنتِه بما قد حواه من الذهب والفضة، وقد رأيناه ينفق على مائدتِه وفاكهتِه ألفَ درهم في كل يوم، وعنده في كل يوم عُرْس، ولأنْ يطعنَ طاعنٌ في الإسلام، أهونُ عليه من أن يطعن طاعنٌ في الرغيف الثاني، ولشقُّ عصا الدين، أهون عليه من شقِّ رغيف، لا يعد الثُّلْمَةَ في عِرْضِه ثلمة، ويعدّها في ثريدتِه من أعظم الثُّلم.
وإنّما صارت الآفاتُ إلى أموالِِ البخلاء أسرعَ والجوائحُ عليهم أكلبَ،
(1/101)

لأنّهم أقلُّ توكّلاً، وأسوأ بالله ظنّاً. والجوادُ إمّا أن يكونَ متوكّلاً، وإما أن يكون أحْسنَ بالله ظنّاً، وهو على كل حال بالمتوكّل أشبهُ، وإلى ما أشبهه أنزعُ، وكيفما دار أمرُه، فليس ممن يتّكل على حزمِه، ويلجأ إلى كَيْسِه ويرجع إلى جودة احتياطه وشدّة احتراسه.
واعتلال البخيل بالحدثانِ، وسوء الظنّ بتقلّبِ الزمانِ، إنّما هو كنايةٌ عن سوء الظنّ بخالق الحَدثانِ، وبالذي يحدث الأزمانَ وأهلَ الزمانِ. ولا تجري الأحداثُ إلا على تقديرِ المُحْدِث لها؟ وهل تختلف الأزمنة إلا على تصريفِ من دبّرها؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابَها فقد أيقنّا بأنها تجري إلى غاياتها؟
والدليلُ على أنّه ليس بهم خوفُ الفقر، وأنّ الجمع والمنعَ إمّا أن يكون عادةً منهم، أو طبيعةً فيهم، أنك قد تجد المَلِكَ بخيلاً، ومملكتُه أوسع، وخرجُه أدرُّ، وعدوُّه أسكنُ وقد علمنا أن الزنج أقصرُ الناس مِرّةً ورويّةً وأذهلُهم عن معرفة العاقبة: فلو كان سخاؤهم إنّما هو لكَلالِ حدّهم،
(1/102)

ونقصِ عقولهم، وقلّةِ معرفتهم، لكان ينبغي لفارسَ أن تكونَ أبخلَ من الرّوم وتكونَ الرومُ أبخلَ من الصّقالبة، وكان ينبغي في الرجال، في الجملة، أن يكونوا أبخلَ من النساء، في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغي أن يكونَ أقلُّ البخلاء عقلاً، أعقلَ من أشدِّ الأجوادِ عقلاً؛ وكان ينبغي للكلب - وهو المضروب به المثل في اللؤم - أن يكونَ أعرفَ بالأمور من الديك، المضروب به المثلُ في الجود.
ونحن لا نجد الجوادَ يَفِرُّ من اسم السّرفِ إلى الجودِ، كما نجد البخيلَ يَفِرُّ من اسم البخلِ إلى الاقتصاد. وتجد الشجاعَ يَفرّ من اسم المنهزم، والمستحي يفرّ من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجَنان: وقاحٌ لجزع - فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضيلة - إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدرَه، ويظهر فضلَه.
ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدّون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيراً ممّا يطلبون، ولتركوا محاسبتَهم في كثيرٍ ممّا يشتهون.
(1/103)

وهذا بعض ما بغَّض بعضَ المورثين إلى الوراثين، وزهّد الأخلاف في طول عمر الأسلاف. . .
ولو كانوا لأولادهم يُمهِّدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخِصيانُ الأموال، ولَما كنزَ الرهبانُ الكنوزَ، ولاستراح العاقِرُ من ذلِّ الرغبة ولسلِمَ العقيمُ من كدِّ الحرص. وكيف؟ ونحن نجده بعد أن يموتَ ابنُه الذي كان يعتلُّ به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصِّر في الطلب والحُكْرة، والبخلاء لم يَحدّوا شيئاً من جهدهم ولا أعفوا بعدُ قدرتَهم، ولا قصّروا في شيء من الحرص والحَصْر، لأنهم في دار قُلْعَةٍ، بعرض نُقلَةٍ. حتى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول.
(1/104)

فالبخيل مجتهدٌ، والعاميُّ غير مقصِّرٍ. فمن لم يستعِنْ على ما وصفنا بطبيعةٍ قوية، وبشهوةٍ شديدة، وبنظرٍ شافٍ، كان إما عاميّاً، وإما بَخيلاً شقيّاً - ففيمَ اعتلالُهم بأولادهم، واحتجاجُهم
بخوف التلوُّن من أزمنتهم؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوافدٍ كذب عنده كَذْبةً، وكان جواداً: (لولا خَصْلةٌ وَمِقك اللهُ عليها، لشرَّدْتُ بك مِنْ وافدِ قومٍ). . . وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك في بيضِ النساء وأُدْمِ الإبل؟ قال: ومن هم؟ قال: بنو مُدْلج. قال: يمنعني من ذاك قِراهم الضيفَ، وصلتهم الرّحمَ. وقال لهم أيضاً: إذا نَحروا ثجّوا، وإذا لبَّوا عجّوا.
وقال للأنصار: من سيّدكم؟ قالوا: الحُرُّ بن قيس، على أنه يُزَنُّ فينا ببخل، فقال: وأيُّ داء أدْوأ من البخل؟ جعلَه من أدوإ الداء.
(1/105)

وقال للأنصار: (أنا والله، ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع)، وقال: (كفى بالمرء حرصاً ركوبه البحر) -. وقال: (لو أنّ لابن آدمَ واديين من مال لابتغى ثالثاً، ولا يُشبع ابنَ آدمَ إلا الترابُ ويتوب الله على من تاب). وقال: (السّخاءُ من الحياء، والحياءُ من الإيمان) وقال: (إن الله جوادٌ يحبُّ الجود). وقال: (أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً).
هذا ما رأينا اختياره من هذه الرسالة الجاحظيّة البارعة الجامعة. ونعود إلى سائر عبقرياتهم في الجود والإحسان.

كلمة عُلْويّة لسيدنا رسول الله
عن أبي سعيد الخُدْريّ رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: إنّي أخاف عليكم بعدي ما يُفتح عليكم من زهرةِ الدنيا وزينتِها. . . قال: فقال رجل: أوَيأتي الخيرُ بالشرِّ يا رسولَ الله؟ قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأينا أنّه يُنْزَلُ عليه، فأفاقَ يسمح عنه الرُّحَضاءَ وقال: أين هذا السائل - وكأنّه حَمِدَه - فقال: إنّه لا يأتي
(1/106)

الخيرُ بالشّرِّ، وإنّ مما ينبت الربيعُ ما يقتلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ، إلا آكلةَ الخَضِر، فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عينَ الشمسِ فثلَطَت وبالَتْ ثمَّ رَتَعتْ. وإنّ هذا المال خَضِرَةٌ حلوة، ونعم صاحبُ المسلمِ هو، إنْ أعطى المسكينَ واليتيمَ وابْنَ السبيل. أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام اللغوي أبو منصور الأزهري: في هذا الحديث مَثلان، ضُرِبَ أحدُهما للمُفْرِطِ في جمع الدنيا مع مَنْعِ ما جمع من حقه، والآخرُ ضربه للمقتصد في جمع المال وبذلِه في حقّه،
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: وإنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حَبطاً، فهو مثلُ الحريصِ المفرطِ في الجمع والمنع، وذلك أنّ الربيعَ ينبت أحرار العشب التي تحلوليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا ويحرص عليها ويشحُّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحقّ حقَّه منها، يهلك في الآخرة بدخول النار واستيجاب العذاب - أقول: ويهلك في الدنيا كذلك، وهل لا يعدُّ هلاكاً لمن هذه حالُه ما يلاقيه من إزراءِ الناسِ به وازوِرارِهم عنه وانطوائِهم له على البغضِ والحقدِ والحسدِ وصنوفِ الأذى وعدّهم إيّاه خنزيراً من خنازيرِ البشر أو مجنوناً من صرعى الأثرة والأنانية وحبِّ الذات، وبالحريّ لا خير فيه لأحد ولا لنفسه وإنما هو لا يعدو
(1/107)

أن يكون صيرفاً أو حارسَ مالٍ ليس غير:
يَجْني الغِنى لِلِّئامِ لو عقَلوا ... ما ليسَ يَجْني عليهمُ العَدمُ
هُمْ لأمْوالِهم ولَسْنَ لَهمْ ... والعارُ يَبْقَى والجُرْحُ يَلْتَئِمُ
أنْتَ للمالِ إذا أمْسَكْتَهُ ... فإذا أنفَقْتَه فالمالُ لَكْ
هذا إذا أضاف الشُّحَّ على نفسه إلى الشحِّ على ذوي الحقوق.
أما إذا آثرَ نفسَه بالتمتّع بلذّات الدّنيا فأيُّ هلاك بعد الذي يصيبُه من الأسقام والأوجاع وسائر أدواء التّرف والسّرف واجتواء المحرومين إيّاه وحنقهم عليه وما عساه يتولد من ذلك كله من الغوائل الاجتماعية التي نرى أفاعيلها اليوم - قال الأزهري: وأما مثل المقتصد المحمود فقوله صلى الله عليه وسلم: إلا آكلةُ الخَضِرِ فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت، وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها الماشية فتهلكها أكلاً ولكنه من الجَنْبَة التي ترعاها بعد هَيْج العشب ويُبْسِه، والماشية ترتع منها شيئاً شيئاً ولا تستكثر منها فلا تحبط بطونها عنه. فضرب النبي صلى الله عليه وسلم آكلة الخضر مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يسرف في الحرص عليها وأنه ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: فإنها إذا أصابت من الخضر استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت، وإذا ثلطت فقد ذهب
(1/108)

حبطها، وإنما تحبط الماشية إذا لم تثلط ولم تبل، ثم حث صلوات الله عليه على إعطاء المسكين واليتيم من هذا المال، مع حلاوته ورغبةِ الناس فيه، ليقيَه اللهُ تبارك وتعالى وبالَ نعمتها في دنياه وآخرته.

هيهات أن أبيت مبطاناً وحولي بطون غَرْثى
ومن كلمة لسيّدنا علي رضي الله عنه في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عاملِه على البصرة: ولو شئتُ لاهتديتُ الطريقَ إلى مصفّى هذا العسل، ولُبابِ هذا القمح، ونسائجِ هذا القزِّ، ولكن هيهات أن يغلبَني هواي، ويقودَني جشعي إلى تخيُّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القُرص، ولا عهد له بالشّبَع! أوَأبيتُ مِبطاناً وحولي بطونٌ غرثى، وأكبادٌ حرَّى، أو أكون كما قال القائل:
وحَسْبُكَ عاراً أنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ ... وحَوْلَكَ أَكْبادٌ تحِنُّ إلى القِدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جُشوبة العيش! فما خلقت ليشغلَني أكلُ الطيّبات، كالبهيمة المربوطة همُّها علفُها، أو المرسلة شغلُها تقمُّمها، تكترش من أعلافِها، وتلهو عمّا يرادُ بها. . .
(1/109)

وكان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم - وكان من قبلهم مؤدِّبُهم سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - يَرَوْن - ونعِمّا رأوا - أن السياسة الرشيدة وأن الطريق إلى الإحسان - ولا طريق غيرُها - إنّما تتحقق بالرغبة عن شهوات الحياة الدنيا، وتنكُّبِ السّرفِ والتّرف، وكانوا يريدون عمالهم على هذه السياسة التي لا سياسةَ غيرها.

كان الخلفاء الراشدون مُثُلاً عليا
في الرغبة عن شهوات الحياة الدنيا
قال الربيع بن زياد الحارثي: كنت عاملاً لأبي موسى الأشعري على البحرين، فكتب إليه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يأمره بالقدوم عليه هو وعماله، وأن يستخلفوا جميعاً. قال: فلما قدمنا أتيت يَرْفأ مولى عُمر فقلت: يا يرفأ مُسْتَرْشِدٌ وابنُ سبيل. . . أيُّ الهيئات أحبُّ إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عمّاله، فأومأ إليّ بالخُشونة. فاتّخذت خُفَّيْن مُطارقين ولبست جُبّة صوف ولُثْتُ عمامتي على رأسي. فدخلنا على عمر، فصفّنا بين يديه، فصعد فينا وصوّب فلم تأخذ عينُه أحداً غيري، فدعاني فقال: من أنْت؟ قلت: الربيع بنُ زياد الحارثي، قال: وما تتولى من أعمالنا؟ قلت: البحرين، قال: كم ترتزق؟ قلت: ألفاً، قال: كثيرٌ. . . فما تصنع به؟ قلت: أتقوّت منه شيئاً وأعودُ به على أقاربَ لي، فما فَضُل عنهم فعلى فقراءِ المسلمين، قال: فلا بأسَ، ارجع إلى موضعك، فرجعت إلى موضعي من
الصّفّ، فصعد فينا وصوّب فلم تقع
(1/110)

عينه إلا عليّ فدعاني فقال: كم سِنّك؟ قلت: خمس وأربعون سنةً، قال: الآن حين استحكمت. ثم دعا بالطعام وأصحابي حديثٌ عهدُهم بلين العيش، وقد تجوّعت له، فأتِي بخبزٍ وأكسارِ بعير فجعل أصحابي يعافون ذلك وجعلت آكلُ فأجيد، فجعلت أنظر إليه يلحظُني من بينهم، ثم سبقت مني كلمة تمنيت أنّي سُخْتُ في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الناس يحتاجون إلى صلاحك، فلو عمدت إلى طعامٍ ألينَ من هذا! فزجرني، ثم قال: كيف قلت! فقلت: أقول - يا أمير المؤمنين -: أن تنظر إلى قوتك من الطّحين فيخبز لك قبل إرادتِك إيّاه بيوم ويطبخ لك اللحم كذلك، فتؤتى بالخبز ليناً واللحم غريضاً. . فسَكَّن من غَرْبِه وقال: أهَهُنا غُرْتَ؟ قلت: نعم، قال: يا ربيع، إنّا لو نشاء ملأنا هذه الرحابَ من صلائقَ وسبائكَ وصِنابٍ، ولكني رأيت الله عزّ وجلَّ نعى على قومه شهواتِهم
(1/111)

فقال: أذهبتم طيّباتِكم في حياتِكم الدُّنيا. . ثمَّ أمر أبا موسى بإقراري وأن يستبدل بأصحابي. . . وهذا من الفاروق هو - فضلاً عن أنّه الأليقُ بكلِّ من وُلِّي أمرَ الناس - غايةٌ في السداد والسياسة الرشيدة الحازمة كما قلنا.

عظمة الفاروق في زهده وتقواه
هذا والله المُلْكُ الهنيء
ومما يصح إيراده هنا ما يأتي: لما أتِيَ بالهُرْمُزان صاحبِ تُسْتَر، إلى عمر بن الخطاب - وكان هذا الهُرمزان من أعظم قوّاد الفُرس، وكان على مَيْمنة جيش رُسْتم وزير ملك فارس يَزْدَجِرْدَ ابن شهريار بن ابرويز في حرب القادسية سنة 14 من الهجرة، فلما قتل رستم وانتصر المسلمون فرّ الهُرمزان بمن بقي من جنده، وما زال المسلمون يتابعونه الغارةَ بعد الغارةِ حتى لجأ إلى مدينة تُستر، وتحصَّنَ بها، فحاصروه أشدَّ حصار، ثم أنزلوه على حكم الفاروق، فأسلمه قائد جيش المسلمين أبو سَبْرَةَ بن أبي رُهْمٍ إلى وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، فأتوا به إلى الفاروق - وكان الفاروق يلتفُّ في كسائه وينام في ناحية المسجد، فجعلوا يسألون عنه! فيقال: مرّ ههنا آنفاً! فيصغر في قلب الهُرمزان، إذْ رآه كبعض السّوق. . . حتى انتهوا به إلى عُمرَ وهو نائم في ناحية المسجد. . فقال الهُرمزان: هذا والله المُلْكُ الهَنيء. . . فلما جلس عمر امتلأ قلبُ العِلْجِ منه هيبةً، لما رأى عنده
(1/112)

من الجدّ والاجتهاد، وأُلبِسَ من هيبة التّقوى. . . ثم نظر عمرُ إليه وقال: آلهُرْمزان! قال: نعم،
فقال عمر: الحمد لله الذي أذلَّ بالإسلامِ هذا وأشباهَه، وأمر بنزع ما عليه من الدّيباج المُذهّب، والتاج المكلَّل بالياقوت، وأمر له بثوب صفيقٍ، وهم بقتله، فطلب الهُرمزان ماءً، وقال: أخاف أن أقتلَ وأنا أشرب! فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربَ، فأراقه: فقال عمر: واللهِ لا أنْخَدِعُ حتى تُسلم، فأسلم، وفَرضَ له في العطاء ألفين، وأقام بالمدينة.
نعود إلى عبقرياتهم في الجود من بابات شتى. . . ولقد أسلفنا أن الأوائل لم يتركوا معنًى إلا طرقوه. و:
هل غادر الشعراء من متردَّم
وهو معلوم أن الخمرَ تحدث في شاربها إذا انتشى هِزّةً وطرباً وأريحيّة وقد تحيل البخيلَ كريماً، فماذا قالوا في ذلك؟ قالوا: - والقائل البحتري -:
تكرَّمْتَ مِنْ قَبلِ الكُؤُوسِ عليهِمِ ... فما اسْطَعْنَ أنْ يُحْدِثْنَ فيكَ تكرُّمَا
وقال أبو نواس:
فتًى لا تُذِيبُ الخمرُ شَحْمةَ مالِه ... ولكِنْ أيادٍ عُوَّدٌ وبَوَادِي
وقال المتنبي:
(1/113)

لا تجِدُ الخمرُ في مَكارِمِه ... إذا انْتَشَى - خَلَّةً تلافاهَا
والأصل في هذا قولُ عنترة في معلقته:
وإذا صَحَوْتُ فما أُقصِّرُ عنْ نَدًى ... وكما عَلِمْتِ شمائِلِي وتَكرُّمي
وقال زهير:
أخو ثِقةٍ لا تُهلِكُ الخمرُ مالَهُ ... ولكِنَّهُ قد يُهلِكُ المَالَ نائِلُهْ
وقد غَضّوا من قول عمرو بن كلثوم:
إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينَا
ومعنى ذلك كلّه أنهم لا يعدّون جودَ السكرانِ جوداً، وإنّما الجود عندهم ما كان من كرمٍ فطريٍّ لا تبعثه خمرٌ وما يشبه الخمرَ. وإذا هم وصفوا الخمرَ بأنها تورث شاربَها شيئاً يشبه الكرم، فذاك من باب استقصائهم لمعاني الخمرِ وما تحدثه في شاربِها، كما قد سيمرُّ بك في بابه. . .
ولقد سَمَت مكارمُ الأخلاق بكثير من ذوي الأريحيّة إلى أنّهم لا يقطعون نوالَهم عمّن
يغضبون عليهم ويَيْبس الثرى بينهم، وقد رُوي في ذلك أن
(1/114)

بعض النبلاء كان يُجري على رجل شيئاً، ثم غضب عليه، وحدث أن كتب ابنُه إطلاقاتٍ، ورفعت إليه الإطلاقاتُ، وترك اسم المغضوب عليه، فقال له أبوه: فأين ذكرُ رزقِ فلان؟ فقال: إنك قد كنت غضبْتَ عليه، فقال: يا بنيَّ، غضبي لا يُسقط هبتي. . . إن أباك لا يغضب في النّوال. . .
وحتّى المحتاجين المغضوب عليهم كانت أنفسُهم كريمةً أبيّة، فقد رُوي أن بعضَهم كان يُجري على رجل شيئاً، فغضب عليه، فقطعه، ثم رضيَ عنه فردَّه، فأبى الرجلُ أن يقبلَه وقال: إني كنت أظنُّ أنّ عطاءه مَكْرُمةً، فأما وقد صار غضبُه يقطعه، فلا حاجةَ لي فيه. . وكذلك بلغت بهم مكارمُ الأخلاق أن يعطوا المُعتفين، أكانوا فقراءَ أم أغنياء، فلا يخصّون، وقد رُوي في الخبر: أعطوا السائلَ ولو جاء على فرسٍ، ورُوي أيضاً: كلُّ معروفٍ صدقةٌ، لغنيٍّ أو فقير، ويشبّهون من هذا حاله بالغيث، قال ابن المعتز:
ويُصيب بالجودِ الفقيرَ وذا الغِنَى ... كالغيثِ يَسْقي مُجْدِبا ومَريعا
وقال المتنبي:
ويَدٌ لَها كرَمُ الغَمامِ لأنَّه ... يَسْقِي العِمارَةَ والمكانَ البَلْقَعا
وكذلك تساموا وبلغوا من عبقريّة الروحِ أنْ صاروا يعدّون الانخداع عن المالِ والتَّبالُهَ في ابتذالِه كرماً، وقالوا: إن الكريم إذا ما خادَعْته انْخدعا. . . وفي ذلك يقول البحتري:
وإذا خادَعْتَه عن مالِه ... عَرَفَ المَسْلَكَ فيه فانْخَدَعْ
ويقول:
(1/115)

وقدْ يَتَغابَى المَرْءُ عَنْ عُظْمِ مالِه ... ومِنْ تَحتِ بُرْدَيْه المُغيرَةُ أو عَمْرُو
المغيرة: هو المغيرة بن شعبة، وعمرو: هو عمرو بن العاص وكانا من الدهاة. . . وقيل لبعضهم: ما الشّرف؟ فقال: الانخداع عن المالِ، ولا تجد أحداً يتغافل عن مالِه إلا وجدْتَ له في قلبه فضيلةً لا تقدر على دفعها، وقد أدّبنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم بقوله: (رحم الله سهلَ البيعِ سهلَ الشراء)، وهذا خلاف قول الناس: المَغبون غيرُ محمودٍ ولا مأجور، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلّكم على شيء يحبّه اللهُ ورسوله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: التَّغابُنُ للضعيف). . . ومما يُروى في هذا الباب ما أورده ابن خِلكان في ترجمة الوزير الخطير أبي الحسن علي بن الفرات وزير المقتدر بالله ابن المعتضد بالله العباسي -
وكانت وفاته سنة 327هـ وهو: أنّ رجلاً اتصلت عطلته، وانقطعت مادّتُه، فزوّر كتاباً من أبي الحسن بن الفرات إلى أبي زُنْبور المارِداني عامل مصر، يتضمّن الوَصاةَ به والتأكيدَ في الإقبال عليه والإحسان إليه، وخرج إلى مصر، فلقيَه به، فارتاب أبو زُنبور في أمره لتغيّر الخطاب على ما جرت به العادة، وكون الدعاء أكثرَ مما يقتضيه محلّه فراعاه مراعاةً قريبةً ووصلَه بصلةٍ قليلةٍ، واحتبسه عنده على وعدٍ وعده به وكتب إلى أبي الحسن بن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه، وأنفذه بعينه إليه، واستثبته فيه، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزوّر، فوجد فيه ذكرَ الرجل وأنّه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه، وعرضَه على كُتّابه وعرّفهم الصورة فيه وعَجِبَ إليهم منها وممّا أقدم عليه الرجل، وقال لهم: ما الرأيُ في أمر هذا الرجل عندكم؟! فقال بعضهم: تأديبه أو حبسُه، وقال آخر: قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا، ولئلا يقتدي به غيرُه فيما هو
(1/116)

أكثرُ من هذا، وقال أجملهم محضراً: يُكشف لأبي زُنْبور قصتُه، ويرسم له طردُه وحِرمانُه، فقال ابن الفرات: ما أبعدَكم من الحرية والخيريّة، وأنفر طباعكم عنها! رجلٌ توسّل بنا وتحمّل المشقّة إلى مصر في تأميلِ الصّلاح بجاهنا، واستمدادِ صنعِ الله عزّ وجلّ بالانتساب إلينا، ويكون أحسنُ أحواله عند أحسنكم محضراً تكذيبَ ظنّه وتخييبَ سعيِه! والله لا كان هذا أبداً، ثم إنه أخذ القلم من دواتِه ووقّع على الكتاب المزوّر: هذا كتابي، ولست أعلم لم أنكرتَ أمرَه واعترضَتْك شبهةٌ فيه! وليس كل من خدمنا وأوجب حقاً علينا تعرفه! وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي، وما أعتقده في قضاء حقّه أكثر ممّا كلّفتك في أمره من القيام به، فأحسِنْ تفقُّدَه ووفّر رِفدَه وصَرِّفْه فيما يعود عليه نفعُه. . . وردّه إلى أبي زُنبور من يومه، فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل على أبي الحسن بن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة وبِزّةٍ جميلة، وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبّل الأرض، فقال له ابن الفرات: من أنت بارك اللهُ فيك! - وكانت هذه كلمته - فقال: صاحب الكتاب المزوّر إلى أبي زُنبور، الذي صحّحه كرمُ الوزير وتفضُّله، فعل الله به وصنع، فضحك ابن الفرات، وقال: كم وصل إليك منه؟ قال: وصل إليّ من ماله ومما قسّطه على عُمّاله وعملٍ صرّفني فيه، عشرون ألف دينار، فقال ابن الفرات: الحمدُ لله، الْزَمنا، فإنا نعرِّضك لما يزداد به صلاحُ حالك، ثم اختبره فوجده كاتباً مبيناً، فاستخدمه وأكسبه مالاً جزيلاً. . .
(1/117)

قرى الأضياف
وهناك لون من ألوان الجود، لقد أكثروا فيه القول وافتنّوا، وأطالوا في التفاخر به والإشادة بمحاسنه، وجعلوه عنوان الكرم والنجدة والمروءة ووضعوا له آداباً ودساتير. ذلك هو قرى الأضياف، ونحن فإنا نختار ذَرْواً من عبقرياتهم في هذا المعنى. وفيما يتأشّب إليه وينشعب منه والله المستعان. . .
معنى قرى الضيف: قال علماء اللغة: يقال: قَرى الضيفَ قِرًى وقَراءً: أضافه وأحسن إليه، واستقراني واقتراني وأقراني: طلب مني القِرى، وإنه لقَرِيٌّ للضيف، والأنثى قريّةٌ، وكذلك: إنه لمقرًى للضيف ومِقراء، والأنثى مِقراةٌ ومِقراء. . .
وأما بعد فقد قلنا في البخل إنه جِبِلّةٌ وإنّه الأصل وإنّ الناس لقد خُلقوا بُخلاء، إلى آخر ما قلنا صدرَ هذا الباب، وهذا الذي قلنا يقال في قِرى الأضياف، وأنَّ الأصل هو البخلُ بالقِرى، فلنورد عليك شيئاً مما قالوا في البُخل بالقِرى ثم نُردفه بالقول على الجود بالقِرى وحثِّهم عليه، والكلام يدخل بعضُه في بعض.
طرف من مُلَحِهم في ذلك: قال بعضُ البخلاء لغُلامه: هاتِ الطعامَ، وأغلق البابَ، فقال الغلام: يا مولاي، ليس هذا بِحَزْمٍ! وإنما أغلق البابَ، وأقدّم الطعامَ، فقال له: أنت حُرٌّ لوجه الله. . . وطبخَ بعضُ البخلاءِ قِدراً، وجلس يأكل مع زوجته فقال: ما أطيبَ هذا الطعامَ لولا كثرة الزِّحام! فقالت: وأيُّ زِحام وما ثمَّ إلا أنا وأنت! قال: أحبُّ أن
(1/118)

أكون أنا والقِدْر. . . وعزم بعض إخوان أشعبَ عليه ليأكلَ عنده، فقال: إنّي أخاف من ثقيلٍ يأكل معنا فينغِّص لذّتنا، فقال: ليس عندي إلا ما تحبُّ، فمضى معه، فبينما هما يأكلان، إذا بالباب قد طُرق، فقال أشعبُ: ما أرانا إلا قد صِرْنا لما نكره، فقال صاحب المنزل: إنّه صديقٌ لي: وفيه عشرُ خصالٍ إن كرهت منها واحدة لم آذن له، قال أشعب: هاتِ، قال: أوّلها أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التِّسعُ لك ودَعْه يدخل، فقد أمِنَّا منه ما نخافه. . .
وأكل رجل مع بعض البخلاء، وكان على مائدته أرغفةٌ هُنا وهناك، فلما فرغ من رغيفه قال: يا غلام، فَرسي، فقال الداعي البخيل: وما تصنع به؟ قال: أركبه إلى ذلك الرغيف. . وحدث أبو نواس قال: قلت لرجلٍ من أهل خراسان: لمَ تأكلُ وحدك؟ قال: ليس عليّ في هذا الموضع سؤال، إنما السؤال على من أكل معَ الجماعة، لأن ذاك تكلُّف، وأكلي وحدي
هو الأكلُ الأصلي. . . وأضاف رجلٌ أعرابياً، فلم يأتِه بشيء يأكله حتى غُشِيَ عليه من الجوع، فأخذ يقرأ عليه القرآن، فقال:
لَخُبْزٌ يَا أُخَيَّ علَيْهِ لَحْمٌ ... أحَبُّ إليَّ مِنْ حَسَنِ القُرَانِ
تَظلُّ تُدَهْدِهُ القرآنَ حَوْلي ... كأنِّي مِنْ عَفاريتِ الزَّمانِ
وقيل للجمّاز: من يَحضُر مائدةَ فلان؟ فقال: أكرمُ خلقِ الله: الكرامُ الكاتِبون. . . واصطحب رجلان فقال أحدهما للآخر: تعالَ حتّى نأكلَ معاً، فقال: معي خبزٌ ومعك خبزٌ، فلولا أنك تريد الشرّ لأكلتَ وحدك. . . وقيل لآخر: ألا تأكلُ معنا؟ فقال: الجماعة مَجاعة. . . ودَخل على ابنٍ لرجلٍ من الأشراف داخِلٌ وبين يديه فراريجُ، فغطّى الطبقَ بمِنْديلِه وأدخل رأسَه في جَيْبِه وقال للداخل عليه: كُنْ في الحُجْرة الأخرى حتى
(1/119)

أفرغَ مِنْ بَخوري. . . ودخل رجلٌ على رجلٍ يوماً والمائدة موضوعةٌ والقوم يأكلون وقد رفع بعضُهم يدَه، فمدَّ يدَه ليأكلَ، فقال: أجْهِزْ على الجَرْحى، ولا تتعرّض للأصحّاء. . . يريد: كُل ما كُسِرَ ونيلَ منه ولا تَعْرِضْ إلى الصحيح ورأى رجلٌ الحطيئةَ - الشاعرَ المخضرمَ العبقريَّ اللئيمَ - وبيده عَصاً فقال: ما هذه؟ قال: عَجْراء من سَلَم، قال: إني ضيف، قال: للضّيفانِ أعددتُها. . . ووصف أعرابيٌّ قوماً فقال: ألغَوْا من الصلاة الأذان، مخافة أن تسمعَه الآذان، فيَهُلَّ عليه الضّيفان. . . وفي هذا المعنى يقول شاعرٌ:
تَرَاهُمْ خَشْيَةَ الأضْيافِ خُرْساً ... يقيمونَ الصلاةَ بلا أذانِ
وكانوا يعدّون أن يبيت الرجلُ شبعانَ وجارُه جَوْعانُ، عاراً وشَناراً ولؤماً ونذالة، ويتهاجون بذلك، وأحسن ما قيل في هذا قول الأعشى - ميمون بن قيس - في علقمة بن عُلاثة:
تبيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكم ... وجاراتكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا
وقول بشار بن برد:
وضَيْفُ عَمْرٍو وعَمْرٌو يَسْهَرانِ مَعاً ... عَمْروٌ لِبِطْنتِه والضَّيْفُ لِلْجُوعِ
وقال شاعرٌ:
وَجِيرَةٍ لا تَرَى في الناسِ مِثْلَهُمُ ... إذا يكونُ لهم عِيدٌ وإفْطارُ
إنْ يُوقِدُوا يُوسِعونا مِن دُخانِهمِ ... وليس يَبْلُغُنا ما تُنْضِجُ النَّارُ
ومن مُلَحِهم فيمن لا يُظْفَرُ بِخُبزه قولُ أبي نواس:
(1/120)

وما خُبْزُهُ إلاَّ كعَنْقاءِ مُغْرِبٍ ... تُصَوَّرُ في بُسْطِ المُلوكِ وفي المَثَلْ
وقال الآخر:
قد فَرَّ مِنْ مَنْزِلِهِ فأرُهُ ... وعاذَ بالجيرانِ مُرْتَزِقا
وهذا من قول امرأةٍ لزوجها: واللهِ ما يقيمُ الفأرُ في دارِك إلا لحبّ الوطن، وقد تقدم آنفاً. . . وقيل لبخيل: إنّك تُكرِم خبزَك وتهينُ لإكرامه نفسَك! فقال: كيف لا أفعل ذلك والخبزُ هو الذي أخرج آدمَ وحوّاء وإبليسَ والطاووس من الجنة. . . وتغدّى الجمّاز عند هاشميٍّ، فمرَّ الغلامُ بصَحْفةٍ فقطر منها قطرةً على ثوبِ الجَمّاز، فقال الهاشميُّ: ائته بطِسْتٍ يغسِلُها، فقال الجمّاز: دَعْه، فمرقتكم لا تغيّر الثّيابَ. . . يريد: لا دَسَمَ فيها.
تفاخرهم بالإحسان إلى الضيف والجار: ولأنّهم يعدّون شِبَعَ المرءِ وجارُه جائعٌ، عاراً - كما تقدم - تراهم يتفاخرون بإكرام الضيف والجار، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول عروة بن الورد:
وإني امْرؤٌ عافِي إنائيَ شِرْكةٌ ... وأنْتَ امرؤٌ عافي إنائِكَ واحِدُ
(1/121)

أُقَسِّمُ جِسْمي في جُسوُمٍ كثيرةٍ ... وأَحْسُو قَراحَ الماءِ والماءُ بارِدُ
العافي: طالب المعروف، يريد بالبيت الأول: أنه ليس من شِرار الناس يأكل وحده، وقوله: والماء بارد: كنى بذلك عن تحمّله ضررَ نفسِه وعبارة بعض الشراح: يقول عروة: إن قوته الذي هو قوامُ رَمَقِه ومُقيم جِسمِه، يطعمُه ويؤثرُ به على نفسه، وأنّه عند الجَهْدِ وشدَّة الزمان يحسو الماء ويسقي اللبن، فإنّما رغبةُ الجواد في المال ليَهبَه، وطلبُه له ليُنْهِبَه.
وفي هذا المعنى يقول مسكين الدارمي - وهو شاعر شجاعٌ من أهل العراق كان في زمن معاوية بن أبي سفيان -:
إنْ أُدْعَ مِسْكيناً فما قَصَرَتْ ... قِدْرِي بيُوتُ الحَيِّ والجُدْرُ
ما مَسَّ رَحْلي العَنْكبوتُ ولا ... جَدَياتُه مِنْ وَضْعِه غُبْرُ
لا آخُذُ الصِّبْيانَ أَلْثَمُهُمْ ... والأمرُ قد يُغْزَى به الأمْرُ
ولَرُبَّ أمْرٍ قد تَرَكتُ وما ... بيني وبين لِقائِه سِتْرُ
لا يَرْهبُ الجيرانُ غَدْرَتَنا ... حتّى يُوارِيَ ذِكْرَنا القبْرُ
(1/122)

لَسْنا كأقوامٍ إذا كَلَحَتْ ... إحْدى السِّنينَ فجارُهُمْ تَمْرُ
مولاهُمُ لَحْمٌ على وَضَمٍ ... تنْتابهُ العِقْبانُ والنَّسْرُ
نارِي ونارُ الجارِ واحدةٌ ... وإليه قَبْلي تُنْزَلُ القِدْرُ
ما ضَرّ جارِيَ إذْ أُجاوِرُهُ ... أنْ لا يكونَ لبَيْتِه سِتْرُ
أَعْشَى إذا ما جارَتي خَرَجتْ ... حتى يُوارِيَ جارَتي الخِدْرُ
ويَصَمُّ عمَّا كانَ بينَهما ... سَمْعي وما بي غيْرَهُ وَقْر
(1/123)

ُ

وصيّة بخيلٍ لابنه
وهاك وصيّةَ بخيلٍ لابنه أراد بها أن ينصحَ ابنه بالتقليلِ من الطعام، شُحّاً وكزازةً، ولكنه أودعها على الرغم منه نصائحَ قيِّمةً يجمل أن تتخذ دُستوراً في الطعام لمن أراد أن يَصِحَّ ويُعافى، فهي حق أريد بها باطلٌ، ومن ثم اخترناها، وهي وصيّة جاحظيّة أوردها الجاحظ في كتابه البخلاء ونسبها إلى رجلٍ يسمّى أبا عبد الرحمن الثوري كان يحب الرؤوس - رؤوس الضأن وغير الضأن - قال الثوري لابنه -:
إيّاك ونَهَمَ الصّبيان، وشَرَهَ الزُّرّاع، وأخلاقَ النّوائح، ودَعْ عنك خَبْطَ المَلاحين والفَعلة ونَهْشَ الأعراب والمَهَنة. وكل ما بينَ يديك؛ فإنّما هو حقّك الذي وقع لك، وصار أقربَ إليك؛ واعلم أنّه إذا كان في الطعام شيءٌ ظريفٌ، ولقمة كريمة، ومُضغةٌ شهيّة، فإنّما ذلك للشيخ المُعظّم، والصّبيِّ المدلّل. ولست واحداً منهما. فأنت قد تأتي الدعواتِ
(1/124)

والولائمَ، وتدخلُ منازلَ الإخوان، وعهدُك باللحم قريب. وإخوانك أشدُّ قَرَماً إليه منك، وإنّما هو رأس واحد، فلا عليك أن تتجافى عن بعضٍ وتصيبَ بعضاً. وأنا - بعدُ - أكره لك الموالاةَ بينَ اللحم، فإن الله يبغض أهلَ البيت اللّحِمين، وكان يقول: إيّاكم وهذه المجازرَ فإنّ لها ضراوةً كضراوة الخَمْر، وكان يقول: مدمن اللّحم كمُدمن الخمر. وقال الشيخ - ورأى رجلاً يأكل اللحم، فقال: لحم يأكل لحماً. . . أفٍّ لهذا عملاً!
وقال الأول: أهلك الرجالَ الأحمران: اللحم والخمر، وأهلك النِّساء الأحمران! الذهب والزّعفران. . . أي بُنيَّ، عوِّد نفسَك الأثرةَ، ومجاهدةَ الهوى والشَّهوة. ولا تَنْهَشْ نهشَ الأفاعي، ولا تَخْضَم خَضْمَ البَراذين، ولا تُدِمِ الأكلَ إدامةَ النِّعاج، ولا تَلْقَمْ لَقْمَ الجِمال، إنّ
(1/125)

الله قد فضّلك، فجعلك إنساناً، فلا تجعل نفسك بهيمةً ولا سبعاً، واحْذَرْ سُرْعةَ الكِظَّة، وسَرَفَ البِطْنة، وقد قال بعضُ الحكماء: إذا كنت بَطيناً فَعَُّد نفسَك في الزَّمْنَى. وقال
الأعشى:
والبِطنةُ ممَّا تُسَفِّهُ الأحلامَا
واعلم أن الشِّبَعَ داعيةُ البَشم، وأنَّ البَشمَ داعيةُ السّقم، وأنَّ السَّقمَ داعيةُ الموت. ومن مات هذه الميتةَ فقد مات ميتةً لئيمةً. وهو قاتل نفسِه، وقاتل نفسِه ألومُ من قاتلِ غيرِه أي بُنيّ، إنّ القاتل والمقتولَ في النار ولو سألت حُذّاقَ الأطبّاء لأخبروك أنّ عامّةَ أهلِ القبور إنّما ماتوا بالتُّخم واعرف خطأ من قال: أُكْلَةٌ ومَوْتةٌ! وخُذْ بقول من قال: رُبَّ أُكْلةٍ تمنعُ أكْلات. وقد قال الحسن - البَصري -: يا ابن آدم كُلْ في ثلثِ بطنِك، واشْرَبْ في ثلثِ بطنِك، ودَعِ الثلثَ للتفكُّر والتنفُّس. وقال بكر بن عبد الله المُزَنيّ: ما وجدتُ طعمَ العيشِ حتّى استبدلت الخُمْصَ بالكِظّة، وحتّى لم ألبس من
(1/126)

ثيابي ما يستخدِمني، وحتّى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه! يا بنيَّ، والله ما أدّى حقَّ الركوع، ولا وظيفةَ السّجود، ذو كِظّة، ولا خَشَعَ للهِ ذو بِطْنة، والصَّوْمُ مَصَحّة، والوَجباتُ عيشُ الصّالحين، ثم قال: لأمرٍ ما طالت أعمارُ الهند، وصحّت أبدانُ الأعراب. لله درّ الحارث بن كَلَدَة، حين زعم أنّ الدواءَ هو الأزمُّ، وأنّ الداءَ هو إدخالُ الطعامِ في أثرِ الطّعام!
أي بُنيَّ لِمَ صفت أذهانُ العَربِ؟ ولِمَ صدقت أحساسُ الأعراب ولِمَ صحّت أبدانُ الرُّهبان، مع طول الإقامة في الصّوامع؟ وحتَى لم تَعرف النِّقْرسَ، ولا وجعَ المفاصلِ، ولا الأورام؛ إلا لقلّة الرُّزْء من الطعام، وخِفّة الزّاد، والتبلُّغ باليسير.
أي بنيَّ، إن نسيمَ الدّنيا ورَوْحَ الحياةِ أفضلُ من أن تبيت كظيظاً،
(1/127)

وأن تكونَ لقصر العمر حليفاً. وكيف لا ترغب في تدبيرٍ يَجْمع لك صحّة البدن، وذكاءَ الذهن، وصلاحَ المِعَى، وكثرة المال، والقربَ من عيش الملائكة؟ أي بُنيَّ، لِمَ صار الضّبُّ أطولَ شيءٍ عُمراً؛ إلا لأنه إنّما يعيش بالنسيم، ولِمَ قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنّ الصوم وِجاءٌ، إلا ليجعل الجوعَ حِجازاً دون الشهوات. أي بُنيّ. قدْ بَلغت تسعين عاماً ما نَغَضَ لي سنٌّ، ولا تحرّك لي عظمٌ، ولا انتشر بي عصبٌ، ولا عَرفت ذنينَ أنْفٍ، ولا سيلانَ عينٍ، ولا سلسَ بولٍ، ما لذلك عِلّةٌ إلا التخفيف من الزاد، فإن كُنْتُ تحبُّ الحياةَ! فهذه سبيلُ الحياة، وإنْ كنتَ تُحِبُّ الموتَ، فلا يُبعدُ اللهُ إلا من ظلم.

بخيل يبيع القرى
ونزل جريرٌ - الشاعر الإسلامي الأشهر - بقومٍ من بني العنبر بن عمرو بن تميم فلم يَقْروه، حتى اشترى منهم القِرى، فانصرف وهو يقول:
(1/128)

يا مالِكُ ابنَ طَريفٍ إنَّ بَيْعَكُمُ ... رِفْدَ القِرَى مُفْسِدٌ لِلدِّينِ وَالحَسَبِ
قالوا نَبيعُكَهُ بَيْعاً فقلتُ لهُم ... بيعُوا المَوالِيَ واسْتَحْيُوا مِنَ العَرَبِ
لولا كِرامُ طَريفٍ ما غَفَرْتُ لَكمْ ... بَيْعي قِرَايَ ولا أنسأْتُكُمْ غَضبي
هلْ أنتمُ غَيرُ أَوْشابٍِ زَعانِفةٍ ... رِيشِ الذُّنابَى وليس الرأْسُ كالذَّنَبِ
قوله: بيعوا الموالي واستحيوا من العرب، قال المبرّد: تزعم الرواة: أنَّ جِلّةَ الموالي - عظماءَهم - أنِفوا من هذا البيت، لأنّه حطَّهم ووَضَعهم ورأى أنّ الإساءة إليهم غيرُ محسوبةٍ عيباً. . . وقوله: ولا أنسأتكم غَضبي، يقول: لم أؤخِّره عنكم، وقوله: هل أنتم غير أوشاب زعانفة، فالأشابةُ الجماعةُ تدخل في قومٍ وليست منهم وقد تطلق الأوشاب على أخلاطِ الناس تجتمع من كل أوْبٍ، مأخوذٌ من أشَبَ الشيءُ كضَرب. خلَطه، وأما الزّعانف فأصلها أجنحة السمك، سُمّي بذلك الأدعياءُ لأنّهم التصقوا بالصّميم كما التصقت تلك الأجنحةُ بعِظام السمك.

عبقرياتهم في قرى الأضياف
قال الله جلّ شأنه في مدح قوم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}. . . وقال سيدنا رسول الله: (أيُّما رجلٍ ضافَ قوماً فأصبح الضيفُ مَحْروماً، فإنَّ نصرَه حقٌّ على كل مسلم حتّى يأخذَ بقِرى ليلته من زَرْعِه ومالِه). . .
(1/129)

وفي الحديث أيضاً: (الخيرُ أسرعُ إلى مُطعِم الطّعامِ مِنَ الشَّفْرةِ في سَنامِ البعير) الشفرة: السكين العظيمة العريضة وقال صلوات الله عليه: (ليس منّا من باتَ شبعانَ وضيفُه بطنُه طاوٍ). وقال تعالى في مدح القائم بخدمة ضيفه: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ}؟ قيل وصفهم بذلك لأنه قام بخدمتهم بنفسه. . . ونزل ضيفٌ على جعفر بن أبي طالب، فتَخفَّفَ هو وغِلمانه عند نزولِه وعاوَنوه في حلوله، فلما أراد الارتحالَ عنهم لم يُعِنْه غِلمانُه، فشكاهم فقال: إن غِلمانَنا لا يعينون على الارتحال. . . وقالوا: أمدحُ بيتٍ قالته العرب قولُ حسان بن ثابت:
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ ... لا يَسألونَ عن السَّوَادِ المُقْبلِ
يقول: قد أنِسَتْ كلابُهم بالزّوار فهي لا تَنْبَحُهم، وهم من شجاعتهم لا يسألون عن جيش يقبل نحوهم لقلّة اكتراثهم ولثقتهم ببسالةِ أنفسِهم وشدَّتهم على أعدائهم، ومثل هذا قول أبي تمام:
إذا اسْتُنْجِدُوا لم يسألوا مَنْ دَعاهُمُ ... لأيّةِ حربٍ أوْ لأيِّ مكانِ
أو تقول: لا يسألون عن السوادِ المقبل، أي أنّهم في سَعةٍ لا يَهولهم الجَمْعُ الكثير، لسَعَتِهم وسخائهم.
وقال إبراهيم بن هَرْمة من أبياتٍ في ابتهاجِ الكلبِ بالضّيف:
يَكادُ إذا ما أبْصَرَ الضّيفَ مُقْبِلاً ... يُكلِّمهُ مِنْ حُبِّه وهو أعجمُ
وقال حاتم الطائي وهو سيّد الأجواد بالطعام:
أُضاحِكُ ضَيْفي قبلَ إنْزالِ رَحْلِه ... ويُخْصِبُ عندي والمَحَلُّ جَديبُ
وما الخِصْبُ لِلأضيافِ أنْ يَكْثُرَ القِرَى ... ولكنّما وَجْهُ الكريمِ خَصِيبُ
(1/130)

ومن قولهم في الحثِّ على ترك التكلّف وتعجيل الحاضر: سُئل أقْرى أهلِ اليمامة للضيف: كيف ضبطتم القِرى؟ قال: بأن لا نتكلّفَ ما ليس عندنا. . . وقال بعضهم: الضيفُ إلى القليل العاجل أحوجُ منه إلى الكثير الآجل، أما سمعت قول الله تعالى: {فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}. وقال تعالى: {إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}. . . أي غير منتظرين نُضْجَه وإدراكَه وبلوغه، يقال: أني يأنى: إذا نضج.
ومن قولهم فيمن آثر على نفسه: قولُ صوفيٍّ لآخرَ: كيف يعمل فقراؤكم؟ قال: إذا وجدوا أكلوا، وإذا عَدِموا صبروا، فقال: هذا فِعْلُ الكلاب، إنّ الفقير منّا إذا عَدِمَ صبر، وإذا وجَد طعاماً آثر به غيره. . .
وقالوا في وصف الرجل الكريم يَسوء خلقه مع أهله خوف التقصير: والقائل زينب بنت الطّثَرِيَّة ترثي أخاها يزيد:
إذا نزَلَ الأضيافُ كان عَذَوَّراً ... على الأهلِ حتّى تسْتَقِلَّ مراجلُهْ
يُعِينُكَ مَظْلوماً ويُنجِيكَ ظالِماً ... وكُلُّ الذي حُمِّلْتَهُ فهو حامِلُهْ
العذوَّر: السيّئ الخُلق القليل الصبر فيما يريده ويهمُّ به، وإنما جعلته عذوَّراً لشدّة تهمُّمه بأمرِ الأضياف وحِرْصِه على تعجيل قِراهم حتى تستقل المراجل على الأثافيّ، والمراجل:
القدور واحدها مِرْجل، وقوله: وينجيك ظالماً، أي إنْ ظَلَمْت فطُولبت بظُلْمك حَماك ومَنع منك.
(1/131)

هذا؛ ومن السُّنة - كما ورد في الحديث - أنْ يمشيَ الرجلُ مع ضيفه إلى بابِ الدار.
وقد كان الأضيافُ يُعطون النُّدُلَ ويَرضخون لهم بالمال فقد رَوى بعضهم قال: رأيت ابنَ عباس في وليمةٍ فأكلَ وألْقى للخَبّازِ درهماً.

محادثة الضيف
وكانوا تُجاه محادثةِ الضيف على الطّعام فريقين، ففريقٌ يستحبُّه ويستحْسِنه، ومِن صاحب الدعوةِ أحسنُ، وقالوا في ذلك: مُحادثةُ الإخوان - تزيدُ في لذَّة الطعام. وقال شاعرهم:
وأكثرُ ما أَلذُّ بهِ وأَلْهُو ... محادثةُ الضُّيوفِ على الطّعامِ
وأما الفريقُ الآخر فيكره الحديثَ على المائدةِ وقالوا في ذلك: مَنْ أكثرَ الكلامَ على طعامِه غشَّ بطنَه وثقُلَ على إخوانه. وقال الجاحظ في كتابه التاج: ولِشَيءٍ ما كانت ملوكُ آل ساسانَ - إذا قُدِّمت موائدُهم - زَمْزَموا عليها، فلم يَنْطِقْ ناطقٌ بحرفٍ حتى تُرفع، فإن اضطرّوا إلى كلام، كان مكانَه إشارةٌ أو إيماءٌ يدلّ على الغرض الذي أرادوا والمعنى الذي قصدوا. وكانوا يقولون إن هذه الأطعمة بها حياةُ هذا العالم، فينبغي للإنسان أن يجعلَ ذهنَه في مَطْعمِه ويشغلَ روحَه وجوارحَه فيه، حتى تأخذَ كلُّ جارحةٍ بقِسْطِها من الطّعام، فيغتذي بها البدنُ والروحُ الحيوانية التي في القلب والطبيعة التي في الكبد، اغتذاءً تاماً، وتقبله الطبيعة قبولاً جامِعاً. قال الجاحظ: وفي ترك الكلام على الطعامِ فضائلُ كثيرةٌ هي في آيينِهم. . .
(1/132)

وقال المسعوديُّ في مروج الذهب: ذكروا أن كيومرث هو أوّلُ مَنْ أمرَ بالسّكوت عند الطعام، لتأخذ الطبيعةُ بقسطِها، فيصلحَ البدنُ بما يردُ إليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فتدبّر لكل عضو من الأعضاء تدبيراً يؤدي إلى ما فيه صلاحُ الجسم من أخذ صفو الطعام، فيكون الذي يرد إلى الكبد وغيره من الأعضاء القابلة للغذاء ما يناسبها وما فيه صلاحها، وإنّ الإنسان متى شُغل عن طعامه بضرب من الضروب، انصرف قسطٌ من التدبير وجزءٌ من التغذّي إلى حيث انصبابِ الهمّة ووقوع الاشتراك، فأضرّ ذلك بالنفس الحيوانية والقُوى الإنسانية، وإذا كان ذلك دائماً أدّى ذلك إلى مفارقة النفس الناطقة المميزة الفكرية لهذا الجسدِ المرئي، وفي ذلك تركٌ للحكمة وخروج عن الصواب. . . أقول: وقد
أيدتِ التّجاريبُ الحديثة هذا المذهب، إذْ تحقّقت أنّ الكلام على الطعام مدرجةٌ لسوءِ الهضم. . . وإنّي بحمد الله لعلى هذا المذهب مُذْ نشأتي، أي أنّي بفطرتي لا أتحدث على الطعام، حتّى عدَّ ذلك أهلي ومن يُخالطونني مغمزاً فيّ يشفّ عما وراءه، مما يشبه النّهم وليس به يعلم الله وإنّما هي الفطرة التي فطرني اللهُ عليها، ومن خُلقي أنّي أعدُّ الكلام على الطعام ضرباً من التكلُّف الذي لا أستسيغه. . . على أن الأكلَ مهمّةٌ حيوانيّة سخيفة يجمل أن لا يُحتفلَ بها هذا الاحتفالَ الكِسرويَّ الذي نراه هذه الأيام، ورحم الله جمالَ الدين الأفغاني إذ يقول: وددت لو أنّي خُلِقْتُ مصمتاً! وقبله قال الخليل بن أحمد: أثقل ساعاتي الساعةُ التي آكلُ فيها، أو كما قال:
أمّا محادثةُ الأضيافِ على غير الطعام: فمن المُجمع على استحسانه، وفي
(1/133)

ذلك يقول مسكين الدّارمي أو عتبة بن بجير:
لِحَافِي لِحَافُ الضَّيْفِ والبيتُ بيتُهُ ... ولمْ يُلْهِني عنه الغَزالُ المُقنّعُ
أُحَدِّثهُ إنَّ الحديثَ مِنَ القِرَى ... وتَعْلَمُ نفسي أنّه سوف يَهْجَعُ
الغزال المقنّع: زوجته، ويهجع: ينام، يريد أنه يحدّثه ويقريه بهذا الحديث حتّى ينام.
وكانوا لكرمهم يفضلون الاجتماع على الأكلِ ويستقبحون التفرّد: شكا رجلٌ إلى سيّدنا رسول الله قلّةَ البركة في طعامهم، فقال: لعلكم تتفرّقون على طعامكم! قال: نعم، قال: اجتمعوا عليه واذكروا اسمَ اللهِ لديه. . . وفي الحديث أيضاً: (ألا أخبركم بشِرارِكم؟: مَنْ أكل وحده، وضرب عبدَه، ومنع رِفْدَه الرِّفد: العطاء. . . وقال قيس بن عاصم المِنْقَري:
إذا ما صَنَعْتِ الزَّادَ فالْتَمِسِي له ... أَكِيلاً فإنّي لَسْتُ آكِلَهُ وَحْدي
(1/134)

وقال عبد الله بن المعتز في اجتماع الأيدي على الطعام:
كأنَّ أَكُفَّ القوْمِ في جَفَناتِه ... قَطاً لمْ يُنَفِّرْهُ عن الماءِ صارِخُ
وكانت العرب تعدُّ التفرَّدَ بالأكل احتقابَ وِزْرٍ حتى أنزل الله عز وتقدّس: (ليس عليكم جناحٌ أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً). . .

السؤال وعبقريّاتهم فيه
من جميع نواحيه
ذمُّ السؤال: لما احْتُضِر قيس بن عاصم المِنْقري سيّد أهلِ الوبر، قال
(1/135)

لبنيه: يا بَنيَّ، احفظوا
عني ثلاثاً، فلا أحد أنصحُ لكم مني، إذا أنا مِتُّ فسوِّدوا كبارَكم ولا تسوِّدوا صغارَكم، فيحقِّرَ الناسُ كبارَكم وتهونوا عليهم، وعليكم بحِفظ المال، فإنّه مَنْبهةٌ للكريم ويُستغنى به عن اللئيم، وإيّاكم والمسألةَ فإنها أخرُ كَسْبِ الرّجل. . . سوِّدوا كباركم: فالسيّد هنا الرئيس أي أسندوا رياستكم إلى كباركم، ومنبهة الكريم: أي مُشْعرٌ بقدره ومُعْلٍ له، وقوله: فإنها أخر كسبِ الرجل فأخر بقصر الهمزة: أي أدنى وأرذل، وإذا مُدّ فمعناه: أن السؤال آخر ما يكتسب به المرء عند العجز عن الكسب، وقد جاء في الحديث (إيّاكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل)، فلعل قيساً أخذها من سيّدنا رسول الله، لأن قيساً ممن أسلم ونزل البصرة وفي الحديث أيضاً: (من سأل وهو غنيٌّ جاءت مسألته يومَ القيامة خُدوشاً أو خُموشاً أو كُدوحاً في وجهه) الكدوح: الخُدوش، وكل أثرٍ من خدش أو عَضٍّ فهو كدح وقال صلوات الله عليه: (إن أحدكم يخرج بمسألته من عندي متأبِّطاً، وما هي إلا النار)، فقال عمر رضي الله عنه: ولِمَ تعطيه وهي نارٌ؟ فقال: (يأبون إلا أن يسألوا ويأبى اللهُ لي البخلَ). . وقالوا: إيّاك وطلبَ ما في أيدي الناس فإنّه فقرٌ حاضر، وقال ابن المقفّع: السّخاء سخاءان: سخاؤك بما في يدك، وسخاؤك بما في أيدي الناس، وهو أمْحضُ في
(1/136)

الكرم، وأبعدُ من الدّنس، ومن جمعهما فقد استكمل الفضل. . . وقال شاعر:
لا تَحْسَبَنَّ المَوْتَ مَوْتَ البِلَى ... وإنّما الموتُ سُؤالُ الرِّجالِ
كِلاهُما موتٌ ولكنَّ ذا ... أشدُّ من ذاكَ على كلِّ حالِ
وقد كانوا يتحمّلون المكارِهَ تفادِياً من السؤال: روى الأصمعي قال: مررت بكنّاس بالبصرة يكنس كَنيفاً ويغنّي:
أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا ... لِيَومِ كَريهةٍ وسِدادِ ثَغْرِ
فقلت له: أمّا سِدادُ الكنيف فأنت مليءٌ به، فلا علمَ لي بك كيف أنت فيه! وكنتُ حديثَ السنِّ فأردت العبثَ به - فأعرض عنّي مليّاً ثم أقبل عليَّ وأنشد متمثِّلاً:
وأُكْرِمُ نفْسي إنّني إن أهَنْتُها ... وحَقِّكَ لم تَكْرُمْ على أحدٍ بعْدِي
قال الأصمعي: فقلت له: والله، ما يكون من الهوان شيءٌ أكثر مما بذلْتَها له، فبأي شيء أكرمتها؟ فقال: بلى، والله، إن من الهوان لشَرّاً مما أنا فيه، فقلت: وما هو؟ فقال: الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس، فانصرفت عنه أخزى الناس. . . ومثله ما رُوي أن أبا عمرو
بن العلاء قال: اجتزت بكنّاس ينشد:
إذا أنْتَ لم تَعْرِفْ لنفسِك قَدْرَها ... هَواناً لها كانَتْ على الناسِ أهونا
فقلت: سبحانَ الله، أتنشد مثلَ هذا وتتعاطى مثلَ هذا الفعل؟ فقال: إنَّ إنشادي لمثله أصارني إلى هذا، فَراراً من ذلِّ السؤال. . .
(1/137)

ذم الإلحاح والحث على الإجمال في الطلب
في الحديث: (إنّ اللهَ يُبغض من عباده السائلَ المُلْحِفَ)، وقال حكيم: لا يكثرن الرجل على أخيه المسألةَ، فإنَّ العجل إذا أفرط في مصِّ أمِّه نَطحته ونحَّته، وقال بشار بن برد:
ولَيْسَ لِلْمُلْحِفِ مثلُ الرّدِّ
ووقع بعض الكبار في قِصَّةِ مُلحٍّ مُكثرٍ للسؤال: دَعْ هذا الضَّرْعَ يَدِرَّ لغيرك كما دَرَّ لك. وقالوا: اطلبوا الحاجاتِ بعزّة النفس فإنَّ بيد اللهِ قضاءَها. . . وقال ابن الرومي في الإحسان يتوصّل إليه بهوان:
إذا أنا نالَتْني فواضِلُ مُفْضِلٍ ... فأهْلاً بها ما لَمْ تَكُنْ بِهَوانِ
فأمَّا إذا كان الهَوانُ قَرينَها ... فبُعْداً لها ما ينْقَضِي لأوانِ
ومَنْ ذا الذي يَلْتَذُّ شَهْداً بعَلْقَمٍ ... أبَتْ لَهَواتي ذاكَ والشَّفتانِ
أريدُ مَكاناً مِنْ كريمٍ يَصُونُنِي ... وإلا فلِي رِزْقٌ بِكُلِّ مكانِ
دِقَّةُ موقف السائل: ومن عبقريّاتهم في صعوبةِ موقف من يسأل لنفسه شيئاً ولاسيّما إذا كان ممّن يكرّمون أنفسهم:
قال سعيد بن العاص: موطنانِ لا أعتذر من العِيِّ فيهما: إذا سألت حاجةً لنفسي، وإذا كلّمت جاهلاً. . . وسار الفضل بن الربيع - الوزير كان - إلى أبي عبّاد في نَكبته يسأله حاجةً، فأُرْتِجَ عليه، فقال له أبو عباد: بهذا اللسان خدمت خليفتين! فقال الفضل: إنَّا تعوّدنا أن نُسألَ لا أن نَسأل. . . وكلّم أعرابيٌ خالدَ بنَ عبد الله، وتلجلج في كلامِه، فقال: لا تلُمْني على الاختلاط، فإن معي ذلَّ الحاجة ومعك عزُّ الاستغناء. . .
(1/138)

عبقرياتهم في آداب السؤال واستنجاح الحوائج
ولهم في السؤال وآدابه واستنجاح الحوائج ودستوره، مَحاسنُ رأينا أن نُلِمَّ بها، إتماماً لهذا الباب، فمن ذلك حثُّهم على سُؤال الشبان دونَ الشيوخ، والصِّباح دون القِباح، والكريمِ
الفقير دون الغنيِّ اللئيم. وهذا لَعْمري من حِذق الأوائل وتفطنهم إلى طبائع النفوس. . .
قال حكيم: طلبُ الحوائج عند الشبان أسهلُ منها عند الشّيوخ، ألا ترى أن يعقوبَ عليه السلام لمّا سأله بَنوه أن يستغفرَ لهم قال: سوف أستغفر لكم ربّي، وقال يوسف عليه السلام: لا تثريبَ عليكم اليوم. . . وفي الأثر: اطلبوا الحوائجَ إلى حِسان الوجوه. . . وسُئل ابنُ عائشة عن هذا الحديث فقال: معناه: اطلبوها من الوجوهِ التي يَحسُن بالمرء أن يطلبها منها. . .
وقال البحتري:
مَنْ حَسّنَ اللهُ وَجْهَهُ وسَجَا ... يَاهُ وأَعْطاهُ كُلِّفَ الكُلَفَا
وقال السريّ الرفّاء:
صَرَفْتُ عن الكثيرِ الوفْرِ طَرْفي ... وها أنا للقليلِ الوفْرِ راجِ
وكم من نُطْفَةٍ عَذُبَتْ وكانَتْ ... أَحَبَّ إليَّ مِنْ بحرٍ أُجَاجِ
وقالت امرأةٌ من ولد حسان بن ثابت:
(1/139)

سَلِ الخَيْرَ أهْلَ الخَيْرِ قِدْماً ولا تَسَلْ ... فتًى ذَاقَ طَعْمَ العَيْشِ مُنْذُ قريبِ
وقال مسلم بن قتيبة: لا تطلبن حاجتك إلى كذّاب، فإنه يقرّبها وهي بعيدٌ، ويبعدها وهي قريبٌ، ولا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعَك فيضرَّك، ولا إلى رجلٍ له عند من تسأله الحاجةَ حاجةٌ، فإنه لا يؤثرك على نفسه وقال شاعر:
لا تَطْلُبَنّ إلى لَئيمٍ حاجَةً ... واقْعُدْ فإنَّكَ قائِماً كالقاعِدِ
يا خادعَ البُخلاءِ عَنْ أَمْوَالِهمْ ... هَيْهَاتَ تَضْرِبُ في حَديدٍ باردِ
وقال بعض الأدباء: عليك بذي الحصَرِ البَكيِّ، وبذي الخِيمِ الرضِيِّ، فإنّ مثقالاً من شدّة الحياء والعِيِّ، أنفعُ في الحاجةِ من قنطارٍ من لسانٍ سليمٍ وعقلٍ ذكيٍّ، وعليك بالشهم النَّدْبِ الذي إن عَجِزَ أيأسَك، وإن قدرَ أطعمَك. . وقال الفاروق رضي الله عنه: لا تستعن على حاجتك إلا بمن يحبُّ نجاحَها لك. . وقال ابن عبّاس: لا تسألنْ حاجةً بالليل، ولا تسألنْ أعمى، فإنّ الحياء في العينين.
ومن آداب السؤال عندهم أن لا يُتجاوزَ الحدُّ فيه: قالوا: من سأل
(1/140)

فوق قدره، فقد استَوْجبَ الرّدّ، ومن لم يَرْجُ إلا ما هو مُسْتحِقٌّ له، فإلى الرّفْد. . . وقال الشاعر:
إنّكَ إنْ كلَّفْتَني ما لم أُطِقْ ... ساءكَ ما سَرَّكَ مِنِّي من خُلُق
وكانوا لا يرون بأساً بسؤال الملوك وسؤال الابن أباه: فقالوا: مسألةُ الرجلِ السلطانَ، ومسألةُ الابنِ أباه، لا تَنْقُصه ولا تَشينُه:
وإذا ابْتُليتَ ببَذْلِ وَجْهِكَ سائلاً ... فابْذُلْه لِلمُتَكَرِّمِ المِفْضالِ
وقال أبو جعفر المنصور لرجل أحْمَدَ منه أمراً: سَلْ حاجتك فقال: يُبقيك الله يا أمير المؤمنين، قال: سل، فليس يمكنك ذلك في كل وقتٍ، فقال: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ فوالله، لا أستقصر عمرَك ولا أرهَبُ بخلَك ولا أغتنم مالك، وإن سؤالك لَزَيْن وإن عطاءَكَ لشرفٌ، وما على أحد بَذَلَ وجهَه إليك نقصٌ ولا شينٌ، فأمر حتى مُلِئَ فوه دُرّاً. . . وقال العتّابيُّ: إن طلبت حاجةً إلى ذي سلطانٍ، فأجْمِل في الطلب إليه، وإيّاك والإلحاحَ عليه، فإن إلحاحَك يَكْلُمُ عرضَك، ويريق ماءَ وجهِك، فلا تأخُذْ منه عِوَضاً لما يأخذ منك، ولَعلَّ الإلحاحَ يجمع عليك إخلاقَ ماءِ الوجه وحرمانَ النجاحِ فإنه ربّما ملَّ المطلوبُ إليه حتى يَسْتَخفَّ بالطالب.
ومن قولهم في الحثِّ على الحِذق واللّطافة في المسألة: قال رجل لآخر: لو أنا متُّ ما كنتَ تفعل؟ قال: كنت أكفِّنك وأدْفِنك، قال: فاكسُني الساعةَ بما تكفِّنني به، وإذا متُّ فادفِنّي عُرياناً. . . وقال شاعر:
أحْلُبْ لَبونَكَ إبْساساً وتَمْرِيَةً ... لا يَقطَعُ الدَّرَّ إلا عُنْفُ مُحْتَلِبِهْ
اللبون: الناقة أو الشاة ذات اللبن، والإبساس: أن يَمسحَ ضَرع الناقةِ ويسكِّنَها لتَدِرَّ، ومثله التّمرية، والدرُّ: اللبن،. . . وسأل أعرابيٌّ عبد الملك بن مروان -
(1/141)

وكان بخيلاً وكانوا يطلقون عليه: رَشح الحجر - فقال له: سلِ الله، فقال: سألْتُه فأحالَني عليك، فضَحِك منه وأعطاه. . وأتى رجلٌ بعضَ الولاة، وكان صديقَه، فتشاغل عنه، فتراءى له يوماً، فقال: اعذرني فإنّي مشغول، فقال لولا الشغلُ ما أتيتُك، لا بلّغني اللهُ يومَ فَراغِك. وفي هذا المعنى يقول أبو عليّ البصير:
لا تُصَيّرْ شُغْلَكَ اليو ... مَ اعْتِذاراً لِمِطالِكْ
إنّما يُحْمَدُ أن تَفْ ... رُغَ في وقْتِ اشتغالِكْ
لو تَفَرَّغْتَ مِن الشُّغ ... ل اسْتَوَيْنا في المَسالِكْ
وقال بعض الأدباءِ للصّاحب بنِ عباد: إنَّ جِرذانَ داري يَمشين بالعصا هِزالاً: فقال:
بَشِّرهنَّ بمَجيء الحِنْطة. . . وقسَم بعضُهم مالاً بين بنيه فقال له عبدٌ صغير: فأعْطِني أوّلاً، فقال له: ولِمَهْ؟ قال: لأنّ الله تعالى يقول: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، فبدأ بالمال، وأنا مالك، فأعطاه وقدَّمه. . . ودخل محمد بن واسع على قتيبةَ بنِ مسلم، فقال له: إنّي أتيتك في حاجة، فإن شئتَ قضيتَها وكنّا جميعاً كريمين، وإن شئتَ منعتَها وكنا جميعاً لئيمين. قال ابن عبدِ ربّه صاحب العقد: أراد: إن قضيتَها كنتَ أنت كريماً بقضائِها، وكنتُ أنا كريماً بسؤالك إيّاها لأني وضعتُ طِلبتي في موضعها، فإن لم تقضِها كنتَ أنت لئيماً بمنعِك، وكنت أنا لئيماً بسوءِ اختياري لك، وسرق حبيب - أبو تمام - هذا المعنى فقال:
عيَّاشُ إنك لَلَّئيمُ وإنّني ... مُذْ صِرتَ مَوْضِعَ مَطْلَبي لَلَئيمُ
ومن مُلَحِ المُكْدين ووصاياهم: قيل لرجل مُكْدٍ: متى تعلمت الكُدْية والسّؤال؟ قال: يوم وُلدتُ، منعتُ الثَّدْيَ فصحْتُ، وبكيتُ فأعطيتُ
(1/142)

الثديَ، فسكتُّ. . . وقال رجل لآخر: قد وضع منك سؤالُك؟ فقال: لقد سأل موسى والخَضِرُ عليهما السلام أهلَ قرية، فأبوا أن يضيفوهما، فواللهِ ما وضعَ هذا من نبيِّ الله وعالِمه، فكيف يَضعُ مني! وقال بعض المُكْدين: مكتوبٌ على باب الجنة: من صَبَرَ عَبر. . . وقال آخر: كلبٌ طائِفٌ، خيرٌ من أسدٍ رابضٍ، وقالوا: الهيبةُ خيبةٌ، وقال سَلْمٌ الخاسر:
من راقَبَ الناسَ مات غَمّاً ... وفازَ باللَّذَّةِ الجَسورُ
وقال أشجع السُّلَمي:
ليسَ للحاجاتِ إلا ... مَنْ لهُ وَجْهٌ وَقَاحُ
وقال أبو تمام:
وَخُذْهُمْ بالرُّقى إنَّ المَهَارَى ... يُهَيِّجُها على السَّيْرِ الحُدَاءُ
وقال ابنُ الرومي:
وإنَّ الأُمَّ لَمْ تُرْضِعْ صَبيّاً ... مَعَ الإشْفاقِ لَوْ سَكَتَ الغُلامُ
ومن قولهم في الحثِّ على مُعاودةِ السُّؤال: قول عمر رضي الله عنه: إذا سألتمونا حاجةً فعاوِدونا فيها، فإنّما سُمِّيت القلوبُ قلوباً لتقلُّبِها. . . وقال عبد الملك بن مروان في خطبة له: لا يَمْنَعَنْ رجلاً سأل اليوم شيئاً فمَنَعْتُه، أن يسألَ غداً؛ فإنّ الأمورَ بيدِ الله لا بيدي. وقال شاعر:
لا يُؤْيِِسَنّكَ مِنْ كَرِيمٍ نَبْوَةٌ ... ينْبُو الفَتَى وهْوَ الجَوَادُ الخِضْرِمُ
فإذا نَبَا فاسْتَبْقِهِ وتأَنَّهُ ... حتَّى يَجِيَء بهَا الطِّبَاعُ الأكْرَم
(1/143)

ُ
وقالوا: إذا سألت كريماً حاجةً فدَعْه وسَوْمَ نفسِه فإنّه لا يفكّر إلا في خير، وإذا سألتَ لئيماً حاجةً فعاقِصْه ولا تدَعْه يتفكّر فيتغيَّر، وقال بعضهم في ضدِّ ذلك: إذا سألت لئيماً حاجةً فأجِّله حتى يروِّضَ نفسه. . . أي يعالج نفسَه الكزَّة اللئيمة.
ولهم في الاعتذار عن سؤالِ اللئيم وأخذهم منه: قال أبو تمام:
خُذْ ما أتاك من اللِّئا ... مِ إذا نأَى أهْلُ الكرَمْ
فالأُسْدُ تَفْتَرِسُ الكِلا ... بَ إذا تَعَذَّرَتِ الغَنَمْ
وقال المتنبي:
غَيرَ اختيارٍ قَبِلْتُ بِرَّك بي ... والجوعُ يُرْضِي الأُسُودَ بالجِيَفِ
وقال المهلّبي الوزير:
ما كنْتَ إلا كَلَحْمِ مَيْتٍ ... دعا إلى أَكْلِهِ اضْطِرارُ
ولأبي عليٍّ البصير:
لعَمْرُ أبيكَ ما نُسِبَ المُعَلَّى ... إلى كرَمٍ وفي الدُّنيا كريمُ
ولكنَّ البلادَ إذا اقْشَعَرَّتْ ... وصَوّحَ نبتُها رُعِيَ الهشيمُ
اقشعرت: قال الأزهري: يقال: اقشعرّت الأرض من المحل - الجدب - وفي الحديث: (إن الأرض إذا لم ينزل عليها المطرُ ارْبَدَّت واقشعرّت): أي تقبّضت وتجمّعت، وصوّح نبتُها: يبس.
ومن قولهم في التعريض بالسؤال: قال أميّةُ بن أبي الصلت:
أأذْكرُ حاجَتي أمْ قدْ كَفاني ... حَياؤُكَ إنّ شِيمَتَك الحَياءُ
(1/144)

إذا أثنى عليكَ المرءُ يَوْماً ... كَفَاهُ مِنْ تَعرُّضِه الثّناءُ
وقال ابن الرومي:
يا مَن إذا التعريضُ صَافَحَ نَفْسَهُ ... أغْنَى العُفَاةَ بهِ عَنِ التَّصريحِ
وقال المتنبّي:
أُقِلّ سلامِي حُبَّ ما خَفَّ عنكُمُ ... وأَسْكُتُ كيما لا يكونَ جوابُ
وفي النَّفسِ حاجاتٌ وفيكَ فَطانةٌ ... سُكوتي بيانٌ عندها وخِطابُ
وقال أبو بكر الخوارزمي:
وإذا طلبتَ إلى كريمٍ حاجةً ... فلِقاؤُهُ يَكْفيكَ والتّسليمُ
فإذا رآكَ مُسَلِّماً عَرَف الذي ... حَمَّلْتَهُ فكأنَّه مَلزومُ

المسؤول تُجاهَ السائل
قال شُرَيحٌ: من سأل حاجةً فقد عرَض نفسَه على الرِّقِّ، فإن قضاها
(1/145)

المسؤول استَعْبَده بها، وإن ردَّه، رَجَع حُرّاً، وهما ذليلان، هذا بِذُلِّ اللؤم وهذا بذلِّ السؤال. وقال أبو تمام:
ما ماءُ كفِّكَ - إن جادَتْ وإنْ بَخِلَتْ ... من ماءِ وَجْهي إذا أَفنَيتُه - عِوَضُ
وقالوا: العَجَبُ لمَنْ يشتري العبيدَ بالأموالِ ولا يشتري الأحرارَ بالنّوال. . . وسُئل خالد بن يزيد: ما الجودُ؟ قال: أن تعطي مَنْ سألك، فقال ابنه: يا أبتِ، هذا هو الكَدُّ، إنّما الجودُ أن تعطي من سألَك ومَنْ لَمْ يسألْك. . وقالوا: أهنأُ المعروف أعجلُه. وقال بعض الناس: إذا أوليتني نعمةً فعجّلها، فإنَّ النفسَ مولعةٌ بحبِّ العاجل، وإنّ الله تعالى قد أخبر عمّا في نفوسنا فقال: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ}. . ولزم بعض الحكماء بابَ بعضِ ملوكِ العجم دَهْراً فلم يَصِلْ إليه، فتلطّف للحاجبِ في إيصال رُقْعةٍ، ففعل، وكان فيها أربعةُ أسطر:
السطر الأول: الأملُ والضرورةُ أقدماني عليك.
والسطر الثاني: هو العدمُ لا يكون معه صَبْرٌ على المطالبة.
والسطر الثالث: الانصرافُ بلا فائدةٍ شماتةٌ للأعداءِ.
والسطر الرابع: فإمّا نَعَمْ مثمرةٌ، وإمّا لا مريحةٌ.
فلما قرأها وقّع في كل سطرٍ: زِهْ، فأعطي ستةَ عشرَ ألفَ مثقالِ فِضّة. زِهْ في لغة الفرسِ معناها: أحسنت. . . ووقفت عجوزٌ على قيسِ بنِ سعد فقالت:
(1/146)

أشكو إليكَ قِلّةَ الجِرذان، قال: ما أحسنَ هذه الكناية؟ املؤوا بيتَها خُبزاً ولحماً وسَمْناً وتمراً. وقد تقدم مثلها.

الاعتذار عن المسؤول إنْ لَمْ يُعْطَ
قال أبو نواس:
فإن تُولِني مِنكَ الجميلَ فأهلُه ... وإلا فإنّي عاذِرٌ وشَكورُ
وقال ابن الرومي:
وإنْ عاقَ الفضاءُ نَداكَ عنّي ... فلَسْتُ أراك في مَنْعي مُليما
وما غَيْثٌ إذا يجتازُ أرْضاً ... إلى أُخْرى بمُعْتَدٍّ لَئيما
وكتب أبو العيناء إلى ابن أبي دُواد: مسّنا وأهلَنا الضُّرُّ، وبضاعتنا المودّة والشكر، فإن تعطِنا فأنت أهلٌ لذاك، وإن لم تعطنا فلسنا ممن يلْمِزُك في الصّدقات، فإنْ أعطوا منها رَضوا وإن لم يُعطَوْا مِنْها إذ هم يسخطون وهناك من لا يعذر، رووا أنّ الحجّاج لما دخل مكةَ قال لأهلها: أتيناكم وقد غاضَ الماءُ لكثرةِ النّوائبِ، فاعْذِرونا، فقال رجلٌ: لا عذَرَ اللهُ من عَذَرَك، وأنت أمير المِصْرَين وابنُ عظيمِ القريتين فقال: صدقْتُ. واستقرض مالاً من التُّجّار ففرّقه فيهم، وقال أبو تمام:
فلو حارَدَتْ شَوْلٌ عذَرْتُ لِقاحَها ... ولكن حُرِمْتُ الدَّرَّ والضَّرْعُ حافِل
(1/147)

ُ

طلب الكثير والرضا بالقليل
قال أعرابيٌّ لخالد بن عبد الله من أبيات:
أخالِدُ بينَ الحمدِ والأجرِ حاجَتي ... فأيُّهما تأتي فأنْتَ عمادُ
فقال له خالد: سَلْ ما بدا لك، فقال: مائةُ ألف درهم، قال: أسرفت، قال: ألفُ درهم، قال خالد: ما أدري أمِنْ إسْرافك أتعجب أمْ مِنْ حَطِّك، فقال: إنّي سألتك على قدرك، فلمّا أبيتَ سألتُ على قدري، فقال: إذن واللهِ لا تَغلِبَني على معروفي. . .

من يسأل حاجة يزعمها صغيرة
قال رجل لعمارةَ بن حمزة: أتيتك في حُوَيْجة، فقال: اطلب لها رُجَيْلاً. . . وقال آخر مثل هذا فقال: دَعْها حتّى تَكْبَر. . . وقال رجل لعبد الله بن عباس رضي الله عنه: أتيتك في حاجةٍ صغيرة، فقال: هاتِها، فالحُرُّ لا يصغُرُ عن كبيرِ أخيه ولا يكْبُرُ عن صغيره.

الحث على الصبر والأناة في طلب الحاجات
قال الشاعر:
إنّ الأمورَ إذا انسَدَّتْ مَسالِكُها ... فالصَّبرُ يفْتَحُ منها كلَّ ما ارْتُتِجا
أخْلِقْ بذِي الصَّبْرِ أنْ يَحْظى بحاجتِه ... ومُدْمِنِ القَرْعِ للأبوابِ أنْ يَلجِا
لا تأيَسَنَّ وإنْ طالتْ مُطالبَةٌ ... إذا استَعَنْتَ بصَبْرٍ أَنْ ترى فَرَجَا
وقال أبو نواس:
(1/148)

ولا يُدْرِك الحاجاتِ مِنْ حيثُ تُبْتَغَى ... من الناسِ إلاّ المُصْبِحون على رِجْلِ
تَأَنَّ مواعيدَ الكرامِ فرُبَّما ... أَصَبْتَ من الإلحاحِ سَمْحاً على بُخْلِ
وقال القطاميُّ:
قدْ يُدْرِكُ المُتأنِّي بَعْدُ حاجتَهُ ... وقد يكونُ مع المُستَعْجِلِ الزَّلَلُ
والعرب تقول: ربَّ عجلةٍ تَهَبُ رَيثاً، يريدون أن الرجلَ قد يَخْرَقُ ويَحْمُقُ فيَعْجَلُ في حاجته فتتأخَّر أو تبطل بذلك.

العطية لا تجدي في غير وقتها
قال البحتري:
واعْلَمْ بأنَّ الغيثَ ليس بنافِعٍ ... للمرْءِ ما لَمْ يأتِ في إبَّانِهِ
وقال:
يُرْجَى الطبيبُ لِساعةِ الأوْصابِ

المسؤول أهلٌ لأن يُسأل
قال عَلْقَمةُ بن عَبَدَةَ الفَحْل من قصيدةٍ يخاطب الحارث بن أبي شمر الغساني - وكان أسر أخاه شأساً فرحل إليه يطلبه منه -:
وفي كُلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بِنِعْمةٍ ... فحُقَّ لِشأسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ
وقال أحمد بن أبي طاهر:
أتيتُكَ لَمْ أطمَعْ إلى غيْرِ مَطْمَعٍ ... كريمٍ وَلمْ أفزَعْ إلى غير مَفْزَعِ
(1/149)

التأسف على الحرمان
قال البحتري من أبياتٍ يمدح بها الفتحَ بنَ خاقان ويعاتبه:
سَحابٌ خَطَانِي جَوْدُه وَهْوَ مُسْبِلٌ ... وبَحْرٌ عَدَاني فَيْضُه وَهْوَ مُفْعَمُ
وبَدْرٌ أضاَء الأرْضَ شَرْقاً ومَغْرِباً ... وموضِعُ رَحْلِي منه أَسْوَدُ مُظْلِمُ
أأشْكو نَدَاهُ بَعْدَ أنْ وَسِعَ الوَرَى ... وما إنْ يَذُمُّ الغيْثَ إلاّ مُذَمَّمُ

تعريضهم بمن خيبهم
وَقَفَ أعرابيٌّ على دارٍ سائلاً: فقال له صبيٌّ من الدار: بورك فيك، فقال له: قبَّحَ اللهُ هذا الفم، فقد تعلَّمَ الشرَّ صغيراً. . . ووقف سائلٌ على قومٍ فقال أحدُهم: صناعتُنا واحدة، فقال
السائل: فأنا قوّادٌ فهل أنتم قوّادون؟

يَرَون الهدايا والرُّشَى مَدْرَجةً للنجاح
كانت العربُ تقول: مَنْ صانَعَ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنْ طَلَبِ الحاجةِ صانع: هادى. . . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نِعم الشيءُ: الهديةُ أمامَ الحاجة. . . وكانَ سفيانُ الثوريُّ يقول: إذا أردت أن تتزوّج فاهْدِ إلى الأمّ. . ومن أمثالهم: من يخطبِ الحسناءَ يُعْطِ مهراً. . . يريدون من طلب حاجة مهمّةً بذلَ فيها وقال شاعرهم:
(1/150)

ما مِنْ صديقٍ وإنْ تمَّتْ صَداقتُهُ ... يوْماً بأبجَحَ في الحاجاتِ مِن طَبَقِ
إذا تقنَّعَ بالمِنْديلِ مُنْطلِقاً ... لمْ يَخْشَ نَبْوةَ بَوّابٍ ولا غَلَقِ
لا تُكْذَبَنَّ فإنَّ الناسَ مُذْ خُلِقُوا ... لِرَغْبةٍ يُكْرِمُون الناسَ أو فَرَقِ
نبوة: جفوة، وفرق: خوف وقال رؤبة بن العجاج:
لمّا رأيتُ الشُّفَعاَء بَلَّدُوا ... وسألوا أميرَهم فأنْكَدُوا
نامَسْتُهُمْ بِرُشْوةٍ فأقْرَدُوا ... وسَهَّلَ اللهُ بها ما شَدَّدوا
بلّدوا: يقال: بَلدَ الرجلُ: إذا لم يتَّجه لشيء، وبلَّد: إذا نكس في العملِ وضَعُفَ حتّى في الجري. وقوله: فأنكدوا: أي وجدوه عَسِراً مقلِّلاً إذ لم يجدوا عنده إلا نزراً قليلاً، وقوله: نامستُهُمْ برُشوة: يقول: أفهمتهم أن يلجؤوا إلى رشوة الأمير ويحتالوا بذلك، قال في اللسان: نامس الرجل صاحبَه: سارَّه، ومنه الناموس، وهو صاحب سرِّ الرجل - ويقال له اليوم السكرتير الخاص - وقوله: فأقردوا: أي خَضعوا، وفي الحديث: (إيّاكم والإقرادَ، قالوا: يا رسول الله، وما الإقراد؟ قال: الرجل يكون منكم أميراً أو عاملاً فيأتيه المسكينُ والأرملةُ فيقول لهم: مكانَكم، ويأتيه الشريف والغني فيُدْنيه ويقول: عجّلوا قضاءَ حاجته ويُترك الآخرون مُقردين) أي ساكتين ذلاً.

قطع العادة
ومن أحسنِ ما قيل في قطعِ العادة قول أعرابيٍّ - وقد سأل قوماً، فرقّ له رجلٌ منهم فضمّه إليه وأجرى له رزقاً أيّاماً ثم قطع عنه - فقال الأعرابيُّ:
(1/151)

تَسَرَّى فلمّا حاسبَ المرْءُ نفْسَه ... رَأى أنّه لا يسْتقيمُ له السَّرْوُ
تسرّى: أي تكلّف السَّرْوَ، والسَّرْوُ: السخاء وقال شاعر - قيل هو أبو الأسود الدؤلي، وقيل
أنس ابن أبي أنس الليثي:
ليْتَ شِعْري عن أمِيري ما الذي ... غالَهُ في الوُدِّ حتَّى وَدَّعَهْ
لا تُهِنِّي بعْدَ إذْ أَكْرمْتَني ... وشديدٌ عادةٌ مُنْتَزَعهْ
لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقاً خُلَّباً ... إنّ خيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ معَهْ
البرق الخلّب: الذي لا مطر معه وفي الحديث: (الخير عادةٌ والشرُّ لجاجةٌ) يقال: لجَّ في الأمر يَلُجُّ ويَلِجُّ لَجاجة ولَجاجاً ولَجَجاً: إذا تمادى عليه وأبى أن ينصرف عنه وهو يعلم أنّه شرٌّ وأن غيره خيرٌ منه وتقول العرب فيمن اصطنع معروفاً ثم أفسده بالمنِّ أو قطعه حين كاد يتمُّ: شوى أخوك حتّى إذا أنضجَ رَمّد رمّد: ألقى الشيء في الرماد.

شكوى العافين
من تفضيل بعضهم على بعض في العطاء
قدم على سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدٌ من العرب، فأعطاهم وفضّل رجلاً منهم، فقيل له في ذلك، فقال: كلُّ القوم عِيالٌ عليه.
وأعطى سيدنا رسول الله يوم حُنين المؤلّفةَ قلوبُهم، وكانوا أشرافاً، يتألّفهم ويتألّف بهم قومُهم، فأعطى فيمن أعطى، عيينةَ بن حصن الفزاري، والأقرعَ بن حابس التميمي، أعطى كلاً منهما مائةَ بعير، وأعطى عباسَ بنَ مرداسٍ أباعرَ، وكان كذلك من المؤلفة قلوبُهم، وكان شاعراً، فسَخِطها وقال يعاتب سيدنا رسولَ الله:
(1/152)

أتَجْعَلُ نَهْبي ونَهْبَ العُبَيْ ... دِ بينَ عُيَيْنَةَ والأقرعِ
وما كان حَصْنٌ ولا حابِسٌ ... يفوقانِ مِرْداسَ في مَجْمعِ
وما كنتُ دونَ امْرئٍ مِنْهما ... ومَن تَضَعِ اليومَ لا يُرْفَعِ
وقد كنتُ في الحربِ ذا تُدْرَأٍ ... فلَمْ أُعْطَ شيئاً ولم أُمْنَعِ
إلاّ أفائِلَ أُعطِيتُها ... عديدَ قوائمِه الأربعِ
فلما أنشدها بين يديّ رسول الله قال لعلي بن أبي طالب: يا عليُّ، اقطع عنّي لسانَه، فقبض على يده وخرج به فقال: أقاطعٌ أنت لساني يا أبا الحسن؟ فقال: إني لَمُمْضٍ فيك ما أُمِرْت، ثمَّ مضى به إلى إبلِ الصدقة فقال خذ ما أحْبَبْت. . .

بلاغة المكدين
سأل أعرابيٌّ فقال في مسألته: لقد جُعْتُ حتى أكلتُ النَّوى المُحْرَق، ولقد مَشَيْتُ حتى انْتَعَلْتُ الدَّمَ، وحتّى سقط من رجلي بخَصُ لحمٍ، وحتى تمنّيت أن وجهي حِذاءٌ لقدمي، فهل من أخٍ يرحمنا! البخص: لحمٌ يخالطه بياضٌ من فسادٍ يَحُلّ به. . . ووقف أعرابيٌّ على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله امرءاً أعطى من سَعةٍ وواسى من كفافٍ وآثرَ من قوتٍ. فقال الحسن:
(1/153)

ما ترك أحداً منكم حتّى سأله. . وقال المازنيّ: وقف علينا أعرابيٌّ فقال: رحم الله امرءاً لم تَمْجُجْ أذناه كلامي، وقدّم لنفسِه مَعاذاً مِنْ سوء مقامي، فإنّ البلاد مُجْدبة والحال مُصْعبةٌ والحياء زاجرٌ يمنع من كلامكم، والعُدْم عاذرٌ يدعو إلى إخباركم، والدُّعاء أحد الصدقتين، فرحم الله امرءاً أمر بميرٍ ودعا بخير. فقال له رجل من القوم: ممّن الرجل؟ فقال: اللهم غَفْراً ممن لا تضرّك جهالته، ولا تنفعك معرفته، ذلُّ الاكتساب، يمنع من عزّ الانتساب.

حسن الخلق
وعبقرياتهم فيه وفيما يتأشّب إليه
وهذا هو أحد لوني الإحسان إلى الناس، وإن شئت قلت هو اللون الثالث من ألوان البِرّ، أعني حُسنَ الخلق.

تحضيضهم على حسن الخلق
قال الله عز وجل: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. وقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. {خُذِ الْعَفْوَ}: فالعفو: السهل الميسّر، يقول سبحانه: احتمل أخلاق الناس واقبل ما سَهُل منها وتيسّر، ولا تستقصِ عليهم فيستقصي الله عليك، مع ما فيه من العداوة والبغضاء قال شُرَيْح:
خُذِي العفْوَ مِنِّي تستديمي مودّتي ... ولا تَنطِقي في سَوْرَتي حين أغْضَبُ
(1/154)

فإني رأيتُ الحُبَّ في الصَّدْرِ والأذى ... إذا اجْتَمَعا لم يَلْبَثِ الحبُّ يَذْهَبُ
وقوله سبحانه وتعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}: فالجهل هنا ما قابل العقل والجاهلون: الحمقى الأشرار السيّئو الأخلاق، أمر الله نبيه بأن لا يماري الجاهلين ولا يكافئهم بمثل أفعالهم.
وقال سيدنا رسول الله: (إنكم لن تَسعوا الناسَ بأموالِكم فسَعوهم بأخلاقكم). ومن ذا قولُ حكيم وقد قيل له: هل من جودٍ يُتناول به الخَلْقُ؟ فقال: نعم، أن تحسن الخُلُقَ وتنوي الخيرَ لكل أحد. . . وقال صلوات الله عليه: (ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم مني مجالسَ يوم القيامة!: أحاسنكم أخلاقاً الموطَّؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجالسَ يوم القيامة! الثّرثارون المتفيهقون). . . قوله: أحاسنكم أخلاقاً يريد: الأحاسنَ منكم على إرادة التفضيل لا الوصف، وذلك أن العرب تقول في الوصف: رجلٌ حَسنٌ ولم تقل رجلٌ أحسن، مع قولهم امرأة حسناء. ونظيره في عكسه: غلامٌ أمردُ ولم يقولوا جارية مرداء. وقوله: الموطؤون أكنافاً: يريد دماثة الخُلق ولينَ الجانبِ وأن ناحيته يتمكّن فيها صاحبه غير مؤذًى ولا نابٍ به موضعُه. وأصل التوطئة: التذليل والتمهيد يقال: فراشٌ وطيءٌ إذا كان وثيراً - أي ليّناً - والثرثارون: الذين يكثرون الكلامَ تكلّفاً وتجاوُزاً وخروجاً عن الحق، وأصل هذه اللفظة من العينِ الواسعة من عيون الماء يقال: عينٌ ثَرْثارة وثَرّارة: إذا كانت كثيرةَ الماء. . . والمتفيهقون: بسبيل من الثرثارون وهو تأسيس له، واشتقاقه من قولهم: فَهِقَ الغَديرُ يَفْهَقُ: إذا امتلأ ماءً فلم يكن فيه موضعٌ مزبدٌ: يصفهم
(1/155)

بأنهم يوسعون أشداقَهم ويملؤونها بالكلام. قال أبو العبّاس المبرّد بعد ما أورد ما أوردناه من تفسير هذا الحديث: وتصديقُ ما فسّرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يريد الصدقَ في المنطق والقصدَ وتركَ ما لا يُحتاج إليه: قوله لجرير بن عبد الله البَجَلي: يا جرير: إذا قلتَ فأوْجِزْ وإذا بلغتَ حاجتَك فلا تتكلّف. وقال الله جل شأنه في الحث على لين الكلام: وقولوا للناس حسناً. وقال: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}، وقال: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}. وقال: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً}. . . وقالوا: من لانت كلمته وجبت محبتُه. وقالت جدة سفيان بنِ عُيينة له:
بُنَيَّ إنَّ البِرَّ شيءٌ هَيْنُ ... المَفْرَشُ اللّيِّنُ والطُّعَيْمُ
ومَنْطِقٌ إذا نَطقْتَ لَيْنُ
قولها هَيْنٌ: فالعرب تقول: رجلٌ هَيْنٌ لَيْنٌ وهَيّنٌ لَيّنٌ وفي الحديث: (المؤمنون هيّنون ليّنون كالجملِ الأنِفِ إن قُدْتَه انقادَ وإن أنَخْتَه على صخرة اسْتَناخ) جمل أنفٌ: أي مأنوف، أي يشتكي أنفُه من خِشاشٍ أو بُرَةٍ أو خِزامة في أنفه فلا يمتنع على قائده في شيء للوجع، فهو
ذلول منقادٌ، ومعنى المؤمنون كالجمل الأنف: أنهم لا يَريمون التشكّي، أي يُديمون التشكي مما بهم إلى الله وحده لا إلى سواه. أقول: وأحسن من هذا التفسير قول بعضهم: الجمل الأنف: الذليل المُؤاتي الذي يأنَف من الزّجْر ومن الضرب ويُعطي ما عنده من السير عفواً سهلاً، كذلك المؤمن، لا يحتاج إلى زجر ولا
(1/156)

عتاب، وما لزمه من حقٍّ صَبرَ عليه وقام به، وهذا تفسير جميل، وهو أليق بكلام سيدنا رسول الله. وسُئلت عائشةُ رضي الله عنها عن خُلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أوما تقرؤون القرآن: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. . . وقالوا: صفاءُ الأخلاق من نَقاء الأعراق. الأعراق جمع عِرق وهو الأصل يقال رجل مُعْرِقٌ في الحسب والكرم قالت قُتيلة بنت النضر بن الحارث أو أخته:
أمُحمَّدٌ ولأَنتَ ضِنْءُ نجيبةٍ ... في قومها والفحلُ فحلٌ مُعْرِقُ
أي عريق النسب أصيل، ويستعمل في اللؤم أيضاً تقول: إنّ فلاناً لمُعْرقٌ في الكرم، ومعرق في اللؤم. والضنء: الولد والأصل والمعدن وقال البحتري:
سلامٌ على تلك الخلائق إنها ... مُسَلَّمةٌ من كلِّ عارٍ ومأْثَمِ
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أحسنُها أخلاقاً وأصبحُها وجوهاً وأشدُّها حياءً، إن حدثوك لم يكذِّبوك، وإن حدَّثتهم بحق أو باطل لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عُبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم. . .
وفي الأثر أيضاً: أن حُسنَ الخُلق وحُسن الجوارِ يُعمِّرانِ الديارَ ويزيدانِ في الأعمار. وفي كتاب الهند: من تزوّد خمساً بلّغته وآنَسَتْه: كفُّ الأذى، وحسنُ الخلق، ومُجانبةُ الرِّيَبِ، والنبلُ في العمل، وحسنُ الأدب.

نَهْيُهم عن سوء الخلق
وقالوا: سوء الخُلق يفسد العمل كما يفسد الصَّبِرُ العسلَ الصَّبِرُ هو هذا الدواء المُرّ ولا يسكَّن إلا في ضرورة الشعر وفي الحديث: من ساء خُلقه عذَّب نفسَه، وقال العتّابيّ:
(1/157)

وكُنتَ امرأً لو شئتَ أنْ تبْلُغَ المُنى ... بلغْتَ بأدْنى غايةٍ تسْتديمُها
ولكن فِطامُ النَّفْسِ أثقَلُ مَحْمِلاً ... من الصَّخرةِ الصَّمَّاءِ حينَ ترُومُها
وقال عِقال بن شَبَّةَ: كنتُ رديفَ أبي، فلقيَه جريرٌ على بغل، فحيّاه أبي وألطفه، فلما مضى قلت: أبعد ما قال لنا ما قال! قال: يا بنيَّ، أفَأُوَسِّع جرحي!. وقال ابن الحنفية: قد يُدْفَع
باحتمال مكروهٍ ما هو أعظم منه. . . وقال أبو الدرداء: إنا لنَكْشِرُ في وجوه قومٍ وإنَّ قلوبَنا لتقليهم.
وقالوا: لا مُداراةَ للخُلق السيّئ القبيح، كالشجرة المُرّة لو طُليَتْ بالعسلِ لَمْ تثمر إلا مُرّاً، وكذَنَبِ الكلبِ لو أدخلْتَه القالبَ سنينَ لعادَ إلى اعْوِجاجه. ومن طُرَفهم في هذا المعنى قولُ بعضِهم لأحمدَ بنِ أبي خالد: لقد أُعطيتَ ما لَمْ يُعْطَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لَئِنْ لَمْ تَخْرُجْ من ذلك لأضربنّك، فقال الرجل: إنّ اللهَ تعالى قال لنبيِّه: {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}، وأنت فظٌّ ونحنُ لا ننفضُّ من حولك. وقال بعضهم: خَطبْتُ امرأةً، فأجابتني فقلت: إنّي سيّئ الخُلق؛ فقالت: أسوأ خلقاً منك من يُلْجِئك إلى سوءِ الخُلق. . . وقال بعضهم لرجل سيّئ الخلق: إن استطعت أن تغيّر خُلقَك وإلا فليَسَعْك من أخلاقنا ما ضاق به ذَرْعُك. . .

صعوبة تغيير الطّباع والمتخلّق يرجع إلى شيمته
قالوا في ذلك: تأبى الطّباع على الناقل؛ و: العادة طبيعةٌ ثانية، و:
ظَلَمْتَ امْرَءاً كلَّفْتَه غيْرَ خُلْقِه ... وهل كانتِ الأخْلاقُ إلا غَرائِزا
و: كل إناءٍ بما فيه يرشح.
(1/158)

و:
إنّ التَخَّلُّقَ يأتي دونَهُ الخُلُقُ
وقال ذو الإصبع العدواني:
ومَنْ يَبْتدِعْ ما ليسَ مِن خِيمِ نفْسِه ... يدَعْهُ ويَغْلِبْهُ على النَّفْسِ خِيمُها
الخيم: السّجيّة والطبيعة والأصل وقال زهير بن أبي سُلمى:
ومَهْما يَكنْ عند امرئٍ من خَليقةٍ ... وإنْ خالَها تَخْفَى على الناسِ تُعْلَمِ
وقال أبو تمام:
والسّيفُ ما لمْ يُلْفَ فيه صَيْقَلٌ ... من سِنْخِه لَمْ يَنتفِعْ بِصقالِ
السِّنخ: الأصل، والصِّقال: الجِلاء وقال المتنبي:
وكُلٌّ يَرى طُرُقَ الشَّجاعةِ والنَّدى ... ولكنَّ طبْعَ النَّفْسِ لِلنّفْسِ قائِدُ
وقال:
ولِلنّفْسِ أخلاقٌ تدُلُّ على الفتَى ... أكانَ سَخاءً ما أتى أمْ تَساخِيَا

مداراة الناس
قال النظّام: ما يسرّني تركُ المداراة ولي حُمْرُ النّعَم، فقيل له: ولِمَ؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخَصْتَ له أرْداك، وإذا طأطأت له تخطّاك. . . وقال شاعر:
وأَنْزَلَني طُولُ النَّوى دارَ غُرْبةٍ ... إذا شِئْتُ لاقَيْتُ امْرَءاً لا أُشاكِلُهْ
فحامَقْتُه حتى يقالَ سَجِيَّةٌ ... ولو كانَ ذا عَقْلٍ لكنْتُ أعاقِلُهْ
وقال بشار بن برد:
وما أَنا إلا كالزَّمانِ إذا صَحَا ... صَحْوتُ وإنْ ماقَ الزمانُ أَمُوقُ
ماق يَموقُ مَوْقاً ومُوقاً ومُؤوقاً واستماق، كل أولئك: حَمُقَ في
(1/159)

غباوة، ويقال: فلان أحمق مائق: والعرب تقول: أنت تئق وأنا مئق، أي أنت ممتلئٌ غضباً وأنا سيّئ الخلق، فلا نتفق وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: لو كان بيني وبين الناس شعرةٌ ما انقطعت، لأنّهم إذا جذبوها أرسلتها، وإذا أرسلوها جذبتُها، وهكذا كان معاوية نبيّ الحِلم والأناة والكياسة والرياسة والسياسة.

من حسن خَلْقه وخُلُقه ومن اختلف خَلقه وخُلقه
قال ابن الرومي:
كلُّ الخِلالِ التي فيكم محاسِنُكم ... تشابَهَتْ فيكم الأخلاقُ والخِلَقُ
كأنّكم شجرُ الأُتْرُجِّ طاب معاً ... حَمْلاً ونَوْراً وطاب العودُ والورَقُ
الأترُجّ والتُّرُنج: ثمر من فصيلة الليمون ويسميه أهل الشام الكبّاد، والحمل بفتح الحاء - والكسر لغة - ثمر الشجرة؛ ومن دقائق هذه اللغة الكريمة أنّها تفرق بين الحِمْل الذي يحمل على ظهر أو رأس، وبين الحَمل الذي يحمل في البطن من الأولاد في جميع الحيوانات، فالأول يكسرون حاءه، والآخر يفتحون حاءه، قائلين: ما كان لازماً للشيء فهو حَمل وما كان بائناً فهو حِمل وأما حَِمل الشجرة فلما كان شبيهاً بحمل المرأة لاتصاله فتحوا حاءَه ولما كان يشبه حِمل الشيء على الرأس لبروزه من جهة ولأنه ليس مستبطناً كحَمل المرأة من جهة أخرى كسروا حاءه، والنَّور بفتح النون: الزهر وفي الأثر: ما أحسنَ اللهُ خَلقَ أحدٍ وخُلُقَه فأطعمه النارَ. . . ووصف بعضهم رجلاً فقال: يَقْري العينَ جمالاً والأذُنَ بياناً. . .
وقال قتادة: ما بعث الله نبياً إلا حَسَن
(1/160)

َ الخُلُق حَسنَ الوجه. . . وقال الفلاسفة: قلّ صورةٌ حسنةٌ تَتْبَعها نَفس رديئة. وقال جالينوس: ينبغي للرجل أن ينظرَ إلى وَجْهِه في المرآة، فإن كان حسنَ الوجهِ جعل عنايتَه أن يضمَّ إلى جَمالِ وجهه كمالَ خُلُقه وكمالَ نَفْسِه، وإن رأى صورةً سَمِجَةً تحرَّز من أن يكونَ دميمَ الخَلق ذَميم الخُلُق. . . ونظر فيلسوفٌ إلى غلامٍ حسن الوجه يتعلّم العلمَ فقال: أحسنتَ، إذْ قرنتَ بحسن خَلْقك حسنَ خُلقك. . . ونظر فيلسوفٌ إلى رجلٍ حسن الوجه خبيثِ النفس فقال: بيتٌ حسنٌ وفيه ساكِن نذلٌ. . . ورأى آخرُ شاباً جميلاً فقال: سلبَتْ محاسنُ وجْهِك فضائلَ نَفْسِك. . . وقالوا:
فلا تجعل الحُسنَ الدَّليلَ على الفتى ... فما كلُّ مصْقُولِ الحديدِ يمانِ
و:
ألمْ ترَ أنّ الماَء يخلُفُ طعمُه ... وإن كان لَونُ الماءِ في العين صافِيا
واستَعْرضَ المأمونُ الجُندَ فمرّ به رجلٌ دميمٌ، فاستنطقه، فرآه ألْكَنَ، فأمر بإسقاطه وقال: إن الروحَ إذا كانت ظاهرةً كانت وَسامةً، وإذا كانت باطِنةً كانت فَصاحةً، وأراه لا ظاهرَ له ولا باطن. . .
وبعد فسيمرُّ بك كثيرٌ من عبقرياتهم فيما يتصل بهذه المعاني ويمتّ إليها بسبب واصل، في باب الطبائع. . . وباب الصداقة والصديق. . . وباب عبقرياتهم في معانٍ شتى. . .

التقوى
وهاك اللونَ الأخيرَ من ألوان البِرِّ، ولقد أسمعناك فيما أسلفنا أن التقوى
(1/161)

هي عمادُ البِرِّ وقَوامُه، على جميع ألوانه، أي أنه ما دام هناك تقوى بمعناها الصحيح كان هناك صلة الرحم، وكان هناك الإحسانُ، وكان هناك مكارمُ الأخلاق، وكان هناك الخيرُ كله والبِرَّ في جميع ما يشتمل عليه وينتظمه، ولنورد عليك بادئ ذي بدء قولَهم في التقوى والمراد بها، ثم نردف ذلك بعبقرياتهم في التقوى وما يتأشّب إليها. . . ويجري منها على عِرْق. . .

معنى التقوى
التقوى في اللغة من الاتّقاء، بمعنى اتّخاذ الوقاية، وفي اصطلاحهم: صيانةُ النفسِ عمّا تستحق به العقوبةَ من فعل أو ترك، وقال أبو البقاء في كلياته: التقوى - على ما قاله عليٌّ رضي الله عنه - تركُ المعصية وتركُ الاغترار بالطاعة، وهي التي يحصل بها الوقايةُ
من النار والفوزُ بدار القرار، وغايةُ التقيّ البراءةُ من كل شيء سوى الله، ومبدؤها اتّقاء الشرك، وأوسطها اتّقاء الحرام، وغايتُها مُنتهى الطاعات، قال: وقد تُسمى التقوى خَوْفاً وخِشية. . . أقول:
فإنْ لا يَكُنْها أو تَكُنْه فإنّه ... أخوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بلِبانِها
وقد عقد الإمام أبو حامد الغزالي للخوفِ كتاباً في كتابه الإحياء جاءَ فيه: إن التقوى والورع أسامٍ اشتُقّت من معانٍ شرطُها الخوف، فإن خَلَتْ من الخوفِ لم تُسَمَّ بهذه الأسامي. . . أقول: ومن أروع ما قيل في الخوف قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}. . . أقول: وإذن يكون: كلّما ازدادَ المرءُ علماً بالله سبحانه ازدادَ منه خوفاً، كما جاء في الأثر: أعلمُكم بالله أشدُّكم له
(1/162)

خشيةً. . . ومن كان من العلماء لا يخشى الله ولا يراقبُه في سائر أحواله، فليس من العلم بالله في كثيرٍ ولا قليل. . . وما أجمل ما يقول عبد الله بن همّام السَّلولي في وصف هذا الصنف من العلماء:
إذا نَصَبوا لِلقول قالوا فأحْسَنُوا ... ولكنَّ حُسْنَ القوْلِ خالَفَه الفِعْلُ
وذَمُّوا لَنا الدُّنيا وهم يَرْضِعُونَها ... أفاوِيقَ حتّى ما يَدِرُّ لها ثُعْلُ
قوله: إذا نصبوا الخ يريد: إذا نصبوا أنفسَهم للقول وأعدّوها له، والأصل في النصب: أن يقومَ رافعاً رأسَه؛ ورَضَع يَرضِع كضَرَبَ يضْرِب في لغة قيس، وكسَمِعَ يَسْمَعُ في لغة أهل الحجاز، فقوله: يَرْضِعونها: تقرأ
(1/163)

بكسر الضاد وبفتحها، وأفاويق جمع أفواق جمع فِيقه بكسر الفاء، وهو اسمٌ للبن الذي يجتمع بين الحلبتين، يريد: أنّهم يَرْضعونها ثم يتركونَها مقدارَ ما يجتمع اللبن فيرضعونها، وهكذا، والثُّعل بضم الثاء وفتحها: خِلْف زائد صغير من أخلاف الناقة وضرع الشاة لا يَدِرُّ من اللبن شيئاً، يصفهم بأنّهم أحرصُ الناس على طلب المال يستنزفونه من خزائنه حتّى لم يبقَ منه شيءٌ، وإنّما ذكر الثعلَ للمبالغةِ في الارْتضاع، والثّعْلُ لا يَدِرُّ، وهي مبالغة حسنةٌ في معنى الاستئصال والنفاد.
ومما جاء في الخوف أيضاً قوله سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، وقوله جل شأنه: {وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، وقوله: {هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}، وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، وقال عز وتقدس: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}. . قال سفيان بن عُيينة: لو لم ينزّل الله تعالى علينا إلا هذه الآية لكان قد أعذَرَ أعذر: بلغَ أقصى الغاية في العذر، أي صار معذوراً عندك إذ حذّرك أن لا تحذره وهو يعلم ما في أنفسنا، ومن هذا المثل: مَنْ أنْذرَ فقد أعْذرَ.
ومما يؤثر في باب الخوف قوله صلى الله عليه وسلم: (رأسُ الحكمة مخافة الله).
(1/164)

الحكمة
وهذا الحديث الشريف - على وضوحه وجماله وإشراقه وإنارته، وعلى أنه ممّا كنّا نستظهره إبّان الحداثة، إذ يلقّنوننا إيّاه أوائل التعليم في المكاتب لا بدَّ من التبسّط في القول عليه. قال صاحب القاموس: الحكمة تأتي بمعنى العدل والعلم والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل ووضع الشيء في موضعه وصواب الأمر وسداده، وقال أبو البقاء في كلياته - بعد أن أورد ما قال صاحب القاموس -: والحكمة في عرف العلماء: استكمالُ النفس الإنسانية، باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدرَ طاقتها، قال: وقال بعضهم: الحكمة هي: معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبَّر عنه بمعرفة ما لها وما عليها، المشار إليه بقوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}. وإفراطُها الجَرْبزة وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي كمخالفة
(1/165)

الشرائع، وتفريطها: الغباوة التي هي: تعطيل القوة الفكرية والوقوف عن اكتساب العلم. . . انتهى.
وبعد فإن المستقصي لكل ما أوردوه من معاني هذه الكلمة - الحكمة - يرجع إلى إحكام الشيء، أي إتقانه، كيلا يتسرّب إليه خللٌٌ أو فسادٌ، وكي يبلغَ ذروةَ الكمال جُهْدَ الاستطاعة، حتى قيل لكل من يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، ومن ثم يقال للعالم العامل بعلمه: حكيم، وللرجل العاقل المهذب الموفق: حكيم، وللقاضي العادل في أحكامه: حكيم، وللرجل المجرَّب الذي حنّكته التجاريبُ ووثّقته حتّى لا يصدرَ عنه إلا كلُّ ما هو سداد: حكيم، ويقال للمواعظ والأمثال التي ينتفع الناس بها: حكمة، ولكل كلامٍ نافعٍ يمنع من الجهل والسَّفه: حكمة، ومن ذا تسمية القرآن والإنجيل وسائر الكتب المنزلة، وكل ما يحذو على
حذوها، مما يتضمّن مواعظَ وآداباً وأخلاقاً فاضلة: حكمة، إذ كلُّ أولئك يرتدّ إلى معنى الإتقان والتوثيق والإصابة والسداد. . . وإذن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: رأس الحكمة مخافةُ الله: أسُّ الحكمة وقوامها: الخوف منه سبحانه، لأن الحكمة من شأنها أن تمنع النفس عن كل ما نهينا عنه، ولا يحدو المرءَ على العمل بها إلا الخوفُ منه، عزّ وتقدّس، ومتى كان هذا الخوف شعارَه حاسب نفسه على كل خطرة ونظرة ولذّة؛ وبذلك تكون مخافة الله آكدَ أسبابِ النجاة ولا تتم الحكمة إلا بها. . .
(1/166)

هذا، ويعجبني من الشعر في باب الخوف من اللهِ قولُ محمود الوراق:
يا ناظِراً يَرنْو بعيْنَيْ رافِدٍ ... ومُشاهِداً للأمْرِ غيرَ مُشاهِدِ
مَنَّيْتَ نفْسَكَ ضَلّةً وأَبَحْتَها ... طُرُقَ الرَّجاءِ وهُنَّ غيرُ قواصِدِ
تَصِلُ الذُّنوبَ إلى الذُّنوبِ وتَرْتَجي ... دَرَكَ الجِنانِ بها وفوْزَ العابِدِ
ونَسِيتَ أنَّ اللهَ أخْرجَ آدَماً ... منها إلى الدُّنيا بذَنْبٍ واحدِ
وقال الحسن البصري: إنّ خوفَك حتّى تلقى الأمن، خيرٌ من أمْنِك حتّى تلقى الخوف. . . وقال: ينبغي أن يكون الخوفُ أغلبَ على الرجاء، فإنَّ الرجاءَ إذا غلبَ الخوفَ فَسَدَ القلبُ. . . وقال بعضهم: قلت لسفيان: بلغني في قول الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أنه الذي يلقى ربّه وليس فيه أحدٌ غيرُه، فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير. . . وقالوا: من خاف اللهَ أخاف اللهُ منه كلَّ شيء، ومن لم يَخَفِ اللهَ أخافه اللهُ من كلِّ شيء. . . وقال الفضيلُ بن عياض: إني لأستحي من الله أن أقولَ توكلت على الله، ولو توكّلت عليه حقَّ التوكُّل، ما خفتُ ولا رَجَوْتُ غيرَه.
وأما بعد فهو معلومٌ من الدين بالضرورة أنّ الله سبحانه خلق الإنسان وهو يعلم ما توسوس به نفسُه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد، وإنّ عليكم لحافظين كراماً كاتبين
(1/167)

يعلمون ما تفعلون:
إنَّ مَنْ يَِركَبُ الفواحِشَ سِرَّاً ... حينَ يِخلو بِسرِّه غيرُ خالِ
كيفَ يَخلو وعندَه كاتِباه ... شاهِداهُ، وربُّه ذو الجلالِ
وكذلك هو معلومٌ أنّ الناسَ قواري اللهِ في أرضِه أي أنّ الناس ولا سيّما الصالحون منهم - شهودُ الله في أرضه - لأنّهم يتتبع بعضُهم أحوالَ بعضٍ، فإذا شهدوا لإنسانٍ بخيرٍ أو بِشَرٍّ
فقد أوجب. . . وبعبارة أخرى: إنَّ على كلِّ إنسان رقباءَ هم له بالمرصاد، يُزَنِّؤون عليه، ويجعلون بالَهم إليه، ولا تكاد تخفى عليهم خليقةٌ لديه:
ومَهْما يكُنْ عندَ امْرِئٍ من خليقةٍ ... وإنْ خالَها تَخفى على الناسِ، تُعْلَمِ
أليس في نفس كلِّ إنسان قَبَسٌ من نور الله الذي هو نورُ السموات والأرض؟ الناسُ بهذا النور - ولاسيّما الصالحون منهم، أولئك الذين يبدو فيهم هذا النورُ خالصاً غيرَ مشوبٍ برَيْنٍ وطَبَعٍ وغيمٍ - يرون بعضهم من بعض ما قد يتوهّم الجاهلون أنّه لا يُرى، فكأنَّ الناسَ لذلك شهودُ الله في
(1/168)

الأرض، فإذا شهدوا لإنسانٍ بخيرٍ أو بِشَرٍّ، فلكل نفسٍ ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وكلٌّ مجزيٌّ بعمله، إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشَرٌّ، وهذا كله حقٌّ لا سبيلَ إلى الإلحاد فيه. . . وشيء آخر، وهو أن من كان شعارُه خوفَ الله في السرِّ والعلن وحسنت سريرتُه، رشد وحسنت سيرتُه، ومن عرّاه اللهُ من هذا الشعار وساءت سريرتُه، غيَّ وساءت سيرتُه. وجملةُ القولِ: أن خوف الله وما يستتبعه من قلَّة الاكتراثِ لما سواه من الخَلق في سبيل الحقّ، مما يورّث صاحبه ما يطلقون عليه اليوم الشجاعة الأدبيّة فضلاً عن الجُرأة والإقدام وسائر الخلال الكريمة النبيلة. فخوف الله كما ترى أسٌّ من أسس الأخلاق، وهذا مصداق الحديث الشريف، رأس الحكمة مخافةُ الله،. . .
هذا، وقد يظنُّ ظانٌّ أنّ مخافةَ اللهِ مغزاها الخوفُ من عقابه والطمعُ في ثوابه، فمن عمل صالحاً فكي يُثابَ ويُجزى الجَزاء الأوفى، ومن أقلع فلكي ينجو من عذاب النار، وهذا لعمري، وإن عدَّ خوفاً بيدَ أنّه أدنى درجات الخوف، وهو خوف العامة وأشباه العامة. قال بعض الحكماء: إني لأستحي من ربي أن أعبدَه رجاءَ الجنّة فأكونَ كالأجير، أو خوفَ النارِ فأكونَ كعبدِ السّوء، إن خاف عمل، وإن لم يخف لم يعمل، لكن يستخرج منّي حبُّ ربي ما لا يستخرجه غيرُه. . . وقال بعضهم: من عبد اللهَ بعِوضٍ فهو لئيم. وقال بعض الصوفيّة: لو لم يكن للله ثوابٌ يُرجى ولا عقابٌ يُخشى لكانَ أهلاً أن لا يُعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبٍ في ثوابٍ ولا رهبٍ من عقابٍ، لكن لحبه، وهو أعلى الدرجات، أما تسمع قول موسى عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}، أقول: إذن فأفضل الأعمال ما كان
(1/169)

للحق والخير والجمال والمثل الأعلى في ذات الله العليّ الأقدس الذي له الأسماء الحسنى.
وَلْتَفْعَلِ النَّفسُ الجميلَ لأنَّه ... خيرٌ وأحسنُ لا لأجْلِ ثوابِها
أما الثواب والعقابُ فاللهُ سبحانه وما يعدُّ لعبدِه من ذلك، وحقيقٌ بالعبدِ أن يُحسنَ ظنَّه بربِّه ويرجو لديه رحمتَه التي وسعت كلَّ شيء، وليكن كما قال محمد بن وهيب:
وإني لأرْجُو اللهَ حتّى كأنّني ... أرى بجميلِ الظَّنِّ ما اللهُ صانِعُ
وسيمرّ عليك قريباً طرفٌ من قولهم في الرجاء.

عبقرياتهم في التقوى
ولنأخذ الآن في عبقرياتِهم في التقوى: قال الله سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} قال الإمام البيضاوي في تفسيره: فإنّ التقوى بها تكملُ النفوسُ وتتفاضلُ الأشخاصُ، فمن أراد شرفاً فليلتمِسْه فيها، كما قال عليه الصلاة والسلام: من سرّه أن يكونَ أكرمَ الناسِ فليتَّقِ اللهَ، ومن سرَّه أن يكونَ أقواهم فليتوكَّل على اللهِ، ومن سرَّه أن يكونَ أغنى الناس فليَكُنْ بما في يدِ الله أوثقَ منه بما في يديه. . . أقول: هذا كلامٌ عُلْويٌّ مُعْرَق له في الصدق والحق والكمال والمثل الأعلى.
(1/170)

كُليمة في التوكل
وبعد فلمناسبةِ ذكرِ التوكُّل واقترانِه بالتّقوى فيما أوردنا عليك من الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفة، وإشادة الإسلام به، والحثِّ على أن يكونَ شعارَ المؤمن في كلّ أسبابه، رأينا أن نلمَّ به وبحقيقته إلماماً. فنقول: التوكُّل: كلمةٌ يراد بها أمران، لا يعدُّ التوكل توكُّلاً على الحقيقة إلا إذا تحقّقا معاً. فأما أول الأمرين فهو: الاعتقاد بأنّ الله عزَّ وتقدّس هو وحده الذي بيده كل شيء، وأنّه لا سواه الذي له مقاليد السموات والأرض، وأن جميع الخلق فقراء كلَّ الفقر إلى عونه سبحانه، وأنه:
إذا لَمْ يكُنْ عَونٌ من اللهِ للفَتى ... فأوَّلُ ما يَجني عليه اجْتِهادُهُ
وكل هذا ممّا لا خفاءَ بأنّه ممّا تقتضيه عقيدةُ التّوحيد التي قام عليها الإسلام؛ وأما الأمر الآخر فهو: أن لا يكونَ المرءُ وَكَلةً، فلا يعتمد بعد اللهِ إلا على نفسِه، وهذا الأمر الثاني يكاد يكون ضربَ قولهم اليوم الاعتماد على النفس أو قول الطّغرائيّ:
وإنّما رَجُلُ الدُّنيا وواحِدُها ... مَن لا يُعوِّلُ في الدُّنْيا على رَجُلِ
والشطر الأول، يقتضي الاعتقادَ بالقدر خيرِه وشرِّه، والشطر الآخر يقتضي السَّعيَ والاحتياطَ لأمره، ولا تَنافرَ بينهما البتّة، وإنّما هما، لدى إنعام النظرِ، شيءٌ واحدٌ يُعبَّر عنه
بالتوكل. . .
جاء رجلٌ إلى سيدنا رسول الله فقال له: إنّي أرسل ناقتي وأتوكّل: فقال صلوات الله عليه: (بل اعْقِلْها وتوكَّل). . . ومرّ الشّعبيُّ بإبلٍ قد فشا فيها الجَرَب: فقال لصاحبها: أما تداوي إبلَك؟ فقال: إنّ لنا عجوزاً نتّكل على دُعائِها! فقال: اجْعل مع دعائِها
(1/171)

شيئاً من القَطِران. . . وقال أبو عبيدةَ بن الجراح لعمرَ رضي الله عنه حين كره طواعين الشام ورجع إلى المدينة: أتفرُّ من قدرِ الله؟ قال: نعم، إلى قدرِ الله. . . فقال له أينفع الحذرُ من القدر؟ فقال: لسنا ممّا هناك في شيءٍ تأمل إنّ الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عما لا يضرُّ ألقِِ بالَك وقد قال تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وقال تعالى: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ}. . . وفي كتاب كليلة: لا يمنع العاقلَ يقينُه بالقدرِ مِن توقّي المخوفِ، بل ليجمعَ تصديقاً بالقدرِ وأخذاً بالحزمِ، وقال شاعر:
والمَرْءُ تَلْقاهُ مِضْياعاً لفُرْصَتِه ... حتّى إذا فاتَ أمْرٌ عاتَبَ القَدَرَا
وقال آخر:
إذا عُيِّروا قالوا مَقاديرُ قُدِّرَتْ ... وما العارُ إلا ما تَجُرُّ المَقادِرُ
وقال آخر:
وأوَّلُ عَجْزِ القومِ عمَّا ينوبُهُم ... تَدَافُعُهُمْ عنه وطُولُ التَّواكُلِ
وقالوا في المثل: من العجز الإحالةُ على المقادير. . .
وإليك ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على صحيح البخاري، المسمّى فتح الباري تأييداً لهذا الذي قلنا في التوكّل: والمراد بالتوكّل اعتقادُ ما دلّت عليه الآية: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا}، وليس المراد به تركَ التسبّب، والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين، لأنّ ذلك قد يجرّ إلى ضدِّ ما يراد من التوكّل، وقد سُئل أحمد - بن حنبل - عن رجلٍ جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجلٌ جهل العلمَ تأمل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ جعل رزقي تحت ظلِّ رمحي)،
(1/172)

وقال: (لو توكّلتم على الله حقَّ توكُّله لزرقكم كما تُرزق الطّير تغدو خِماصاً وتروح بِطاناً)، فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق؛ قال: وكان الصحابة يَتَّجرون ويعملون في نخيلهم، والقدوةُ بهم. . . انتهى.
وبعد فإنّ التوكُّلَ كما ترى وعلى ضوء هذا الذي قلنا: أسٌّ من أسس الأخلاق، إذ أنه يكسب صاحبَه الجرأةَ والإقدامَ والشجاعة الأدبية وأن لا يخشى في الحقِّ لومةَ لائمٍ، وينفي عنه الجبنَ والتخاذلَ والخوفَ من الموت والجزعَ لدى نزول المصائب وما يجري هذا المجرى؛ ويكسب صاحبَه كذلك خُلُقَ الاعتماد على النفس وأن لا يتَّكل بعد اللهِ إلا على نفسه. ومصداق هذا كلِّه قوله صلى الله عليه وسلم: (من سرّه أن يكون أعزَّ الناس فليكن بما في يدِ الله أوثقَ منه بما في يده، ومن سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكَّل على الله).

عودٌ إلى عبقرياتهم في التقوى
وقال سبحانه: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} مخرجاً: مَخلصاً من مضايق الدهر، وقوله سبحانه: من حيث لا يحتسب، أي من وجه لا يخطر بباله ولا يقع في حسابه، وبالغ أمره: يبلغ ما يريد ولا يفوته مرادٌ ولا يعجزه مطلوب، وجعل لكل شيء قدراً: أي تقديراً وتوقيتاً، وهذا بيانٌ لوجوب التوكّل على الله وتفويضِ الأمر إليه، لأنه إذا عُلم أنَّ كلَّ شيءٍ من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبقَ إلا التسليمُ للقدر والتوكّل، ولا معنى للسخط وعدم الرضا وعنه صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم
(1/173)

آيةً لو أخذَ الناسُ بها لكفتهم: ومن يتق الله. . . الآية. وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}. حقّ تقاته أي حقّ تقواه، وهو استفراغُ الوُسْعِ في القيام بما أمر الله به واجتنابِ ما نهى الله عنه، ومثله: فاتقوا الله ما استطعتم، يريد: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع شيئاً، وعن عبد الله بن مسعود: هو أن يطاعَ فلا يُعصى ويُشكر فلا يُكفر ويُذكر فلا يُنسى، وقيل: هو أن تُنزَّه الطاعاتُ عن الالتفاتِ إليها، وعن توقّع المجازاة عليها، وقيل: هو أن لا تأخذَه في اللهِ لومةُ لائمٍ وأن يقومَ بالقِسْط - العدل - ولو على نفسِه أو ابنِه أو أبيه وقال سبحانه: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} محسنون: أي في أعمالِهم، من أحسنَ الشيء: أتقنَه. . . وقال بُزَرْجُمُهْر: مَنْ قَوِيَ فلْيَقْوَ على طاعةِ الله، ومن ضعف فليضعف عن معصيةِ الله. . . قال ابن المقفّع: ليَحْرِصِ البلغاءُ أن يزيدوا على هذه الكلمة - كلمة بزرجمهر - حرفاً، يريد: أنّها كلمةٌ جامعة وقال عبد الملك بن مروان لبنيه في مرضه: أوصيكم بتقوى الله، فإنّها أزينُ حُلَّةٍ
وأحْصَنُ كَهْفٍ، فقال مسلمة بن عبد الملك - وكان حاضراً - وأقربُ إلى الصواب، وأنفع في المآب: فقال عبد الملك: هاتان لا الأُوْليان. . . الحُلّة: كل ثوب جديد، ولا يقال له حلةٌ إلا إذا اجتمع معه ثوب آخر وعمامة، والكهف: الملجأ، وأصله كالبيت المنقور في الجبل وقال الحطيئة:
ولَسْتُ أرَى السَّعادةَ جَمْعَ مالٍ ... ولكن التَّقِيَّ هو السعيدُ
وتقوى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْراً ... وعندَ اللهِ للأتقَى مَزيدُ
وما لا بُدَّ أن يأتي: قريبٌ ... ولكنَّ الذي يَمضي بَعيدُ
(1/174)

وقال الأعشى في أبياته التي مدح بها سيّدَنا رسولَ الله:
أَجِدَّكَ لم تَسمَعْ وَصاةَ مُحَمَّدٍ ... نبيِّ الإلهِ حيثُ أوْصَى وأشْهدَا
إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزادٍ من التُّقى ... ولاقَيْتَ بعدَ الموتِ مَنْ قد تَزَوَّدا
نَدِمْتَ على أنْ لا تكونَ مكانَه ... فَتُرْصِدَ للموتِ الذي كانَ أرْصَدا
قوله: أجِدَّك قال سيبويه: هو مصدرٌ كأنّه قال. أجِدّاً منك، ولكنّه لا يُستعمل إلا مضافاً، وقال الأصمعي: أجِدّك، معناه: أبجدٍّ هذا منك ونصبها بطرح الباء، وقال الليث: من قال: أجِدَّك بكسر الجيم فإنّه يستحلفه بجِدِّه وحقيقته، وإذا فتح الجيم استحلفه بجَدِّه، وهو بختُه تقول: أجِدَّك لا تفعل كذا، وأجَدَّك لا نفعل كذا. وأرصد: أعدّ وقال لبيد:
إنَّ تَقْوَى رَبِّنا خَيرُ نفَلْ ... وبإذْنِ اللهِ رَيْثي وعَجَلْ
أحْمَدُ اللهَ فلا نِدَّ له ... بيدَيْهِ الخيرُ ما شَاَء فعَلْ
مَن هَداهُ سُبُلَ الخيرِ اهتدى ... ناعِمَ البالِ ومَن شاَء أضَلْ
النفل: الغنيمة والجمع أنفال، ثم قال لبيد: وبإذن الله وتسهيله ريثي، أي بُطئي، وعجل: أي سرعتي، فحذف ياء الإضافة للوزن: يقول، إنّ الحركة والسكون بيد الله، ولا ندَّ له: لا مثل له، وبيده الخير: أي بقدرته التي هي كالآلة في أفعالِه تعالى، كاليدين في أفعالنا، وتثنية اليدِ للمبالغة في التشبيه، وما شاء فعل: أي ما أراده فعله وبيّن ذلك بالبيت الثالث. . . وقال أبو نواس:
أخِي ما بالُ قلبِكَ ليسَ يَنْقَى ... كأنّكَ لا تَظُنُّ المَوتَ حَقَّا
ألا يا ابْنَ الذين فَنوا وبادُوا ... أمَا واللهِ ما ذَهبوا لتَبْقى
وما أحدٌ بزادِك منك أحْظى ... وما أحدٌ بزادِك منك أشْقى
ولا لك غيرَ تَقْوى اللهِ زادٌ ... إذا جعلَتْ إلى اللهَواتِ تَرْقى
(1/175)

جعلت: يريد النفسَ أو الروحَ وإن لم يتقدم لذلك ذكر، واللهوات جمع لَهاة وهي: لحمة حمراء في الحنك معلَّقة على عَكدَة اللسان، وقال أبو العتاهية:
أطِعِ اللهَ بجُهْدِكْ ... عامِداً أو دُونَ جُهْدِكْ
أعْطِ مَولاكَ كما تَطْ ... لبُ مِنْ طاعَةِ عَبْدِكْ
وقال بعض المتصوّفة: من كان مع اللهِ فقَدْ هلك، وإنّما نَجا من كان اللهُ مَعَه، وقال رجلٌ للشّبلي: متى يقرُبُ العبدُ من ربّه؟ فزعق ثم أنشد:
مَنْ لم يكُنْ للوصالِ أهْلاً ... فكلُّ إحسانِه ذنوبُ
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله في غيبةٍ غابها: أما بعد، فإنّه من اتقى اللهَ وقاه، ومن توكَّل عليه كفاه، ومن شكَرَه زادَه، ومن أقرضَه جزاه، فاجعلِ التقوى جلاءَ بصرك، وعمادَ ظهرك، فإنّه لا عملَ لمن لا نِيّةَ له، ولا أجرَ لمن لا حسنة له، ولا جديدَ لمن لا خَلَقَ له. . .
قوله: ومن شكره زاده: فسيمرّ عليك قريباً معنى الشكر، وقوله: ومن أقرضه جزاه، فالقرض في الأصل: ما يعطيه الرجلُ أو يفعله ليُجازى عليه، ولما كان الله سبحانه لا يستقرض مِنْ عوزٍ فقد قالوا في مثل قوله تعالى: {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}، و: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}: إنّ القرض معناه الفعلُ الحسن من إتباع أمر الله وطاعته، والعرب تقول لكل من فعل إليه خيراً: قد أحسنت قرضي وقد أقرضتني قرضاً حسناً، وفي الحديث: (أقرِضْ من عِرضِك ليوم فقرك). . . يقول صلوات الله عليه: (إذا نال عرضَك رجلٌ فلا تُجازِه، ولكن استَبْقِ أجرَه مُوفَّراً لك قرضاً في ذمّته لتأخذَه منه يومَ حاجتك إليه). . . وقال عمر بن عبد العزيز: ليست التقوى قيامَ الليل ولا صيامَ النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى تركُ
(1/176)

ما حرّم اللهُ وأداءُ ما افترض اللهُ، فمن رزق خيراً بعد ذلك فهو خيرٌ. . . وقال رجل لحكيم: أوصِني. فقال: إن استطعت أن لا تُسيءَ إلى من تحبُّ فافعل، فقال: وهل يسيءُ المرءُ إلى من يحبُّ؟ قال: نعم، نفسُك إنْ عصيتَ الله.

التقوى مع الجهل
قال الحسن البصري: أدركتُ قوماً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من عملَ بغيرِ علمٍ كان ما يفسدُه أكثرَ ممّا يصلحُه. . . وقال أيضاً: قصَمَ ظهري عالمٌ لا زُهْدَ معه، وزاهِدٌ لا عِلْمَ مَعَه، هذا يدعو إلى جَهْلِه بِزُهدِه، وهذا يُنَفِّر عن عِلمِه بِحِرْصِه. وقيل لأنوشروان: أيُّ الناس أولاهم بالسعادة؟ فقال: أقلُّهم ذنوباً، قيل: ومن أقلُّهم ذنوباً؟ قال: أكملُهم عَقلاً. . . وسيّد الكلام في هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}، وقد تقدّم آنفاً. وفي الأثر: يكون في آخرِ الزَّمان قرّاءٌ فَسقةٌ وعُبّادٌ جَهَلة، وركعةٌ من عالِمٍ أفضلُ من سبعين ركعةً من عابدٍ لا عِلْمَ معه.

التماوت والإفراط في الخشوع
والأصلُ في هذا المعنى قولُه صلى الله عليه وسلم لرجلٍ جدَّ في العبادة حتّى غارت عيناه: (إن هذا الدينَ متينٌ، فأوْغل فيه برِفق، ولا تُبغِّض إلى نفسك عبادةَ ربّك، فإنّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قطعَ ولا ظهراً أبقى، ولن يُشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلا غلبه). . . متين: أي شديد، من متن متانة: اشتد وقوي، قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}، وقوله: فأوغل فيه برفق: أي ادخل، وأصل الإيغال: الإمعان في السير والإبعاد فيه يقول: سرْ في الدين برفق ولا تحْمِل
(1/177)

ْ على نفسك فتكلّفها ما لا تطيق فتعجِزَ وتتركَ العمل، والمنبتُّ: الذي أتعب دابَّتَه حتى عَطِبَ ظهرُه فبقي منقطعاً به، من الانبتات وهو الانقطاع. . .
ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً مطأطئاً رأسَه، فقال له: ارْفَعْ رأسَك، فإن الإسلام ليس بمريض. . . ونظر يوماً إلى رجل مُظهرِ النسكِ متماوتٍ فخَفقَه بالدرَّة وقال: لا تُمِتْ علينا دينَنا أماتك الله. . ونظرت السيدة عائشة رضي الله عنها إلى رجلٍ كاد يموتُ تَخافُتاً فقالت: ما لهذا؟ فقالوا: أحدُ القرّاء، فقالت: قد كان عمرُ بن الخطاب سيِّدَ القرّاء، فكان إذا قال أسمعَ، وإذا مشى أسرعَ، وإذا ضربَ أوْجعَ. . . وقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله بعثني بالحنيفية السَّمحة ولم يبعثني بالرَّهبانية، فمن رغب عن سنَّتي فليس مني). . .

قلة اليقين في الناس
قال الشَّعبي: لم يَقْسِم اللهُ بين الناس أقلَّ من اليقين. . . وقال ابن الرومي من همزيّته
البارعة التي يعاتب فيها أبا القاسم الشَّطرنجي - ونذكر من أبياتها المختارة ما يصحُّ أن يُذكر هنا، كما يصح أن يذكر في باب القناعة قال:
مَرْحباً بالكَفافِ يأتي هَنيئاً ... وعلى المُتْعِباتِ ذَيلُ العَفاءِ
ضَلّةً لامْرِئٍ يُشَمِّرُ في الجَمْ ... عِ لِعيشٍ مُشمِّرٍ للفَناءِ
(1/178)

دائِباً يَكْنُزُ القَناطيرَ لِلوا ... رِثِ والعُمْرُ دائبٌ في انقِضاءِ
حَبّذا كَثْرَةُ القناطيرِ لو كا ... نَتْ لِرَبِّ الكُنوزِ كَنْزَ بَقاءِ
إلى أن قال:
حَسْبُ ذِي إرْبةٍ ورأيٍ جَليٍّ ... نَظرَتْ عيْنُهُ بلا غُلَواءِ
صِحَّةُ الدّينِ والجَوارِحِ والعِرْ ... ضِ وإحْرازُ مُسْكةِ الحَوباءِ
تِلْكَ خيرٌ لعارفِ الخيرِ مِمَّا ... يجْمَعُ الناسُ مِنْ فُضولِ الثَّراءِ
ولَها من ذَوي الأصالةِ عُشّا ... قٌ وليْسُوا بِتابِعي الأهْواءِ
ليسَ للمُكْثِرِ المُنَغَّصِ عَيْشٌ ... إنّما عَيْشُ عائِشٍ بالهَناءِ
إلى أن قال:
ظُلِمَتْ حاجَتي فلاذَتْ بِحَقْوَيْ ... كَ فأسْلَمْتَها لكَفِّ القَضاءِ
وقضاءُ الإلهِ أحْوَطُ للنّا ... سِ من الأمَّهاتِ والآباءِ
غيرَ أنَّ اليقينَ أضْحَى مَريضاً ... مَرَضاً باطِناً شديدَ الخَفاءِ
ما وَجَدْتُ امْرَءاً يُرَى أنَّه يُو ... قِنُ إلا وفيهِ شَوْبُ امْتراءِ
لو يَصحُّ اليقينُ ما رَغِبَ الرَّا ... غِبُ إلا إلى مَليكِ السَّماءِ
وعسيرٌ بُلوغُ هاتِيكَ جدّاً ... تلكَ عُلْيا مراتِبِ الأنبِياءِ
(1/179)

وقال حكيم: من الدّلالة على قلة اليقين، أنك تخيَّر يوماً عن خير الدنيا بالنَّسيئة: طمعاً في الربح، طفيفَ رِبْحٍ مع ما فيه من الخطر، وتأبى أن تقرضَ اللهَ درهماً بثمانمائة، مع زَعْمك وقولك إنَّ مستقرضَه مليءٌ وفي هكذا وردت هذه الكلمةُ في محاضراتِ الأدباء، ويظهر أنّها إمّا محرّفة وإما أنّها مُعاظلة وهي على الرغم من ذلك تكاد تكون مفهومةً، فالظّاهر أنّ قائلَها يريد أن يقول: إنَّ ممَّا يدلُّ على قلّة اليقين أنّك لو خُيّرت بين ربحٍ كثيرٍ آجلٍ نسيئةً عند الله، بأنْ تقرضَه مثلاً درهماً بثمانمائة، وبينَ ربحٍ طفيفٍ عاجلٍ في الدُّنيا وقد حُفّ بالخطر،
لاخترت الثاني على الأول، مع زعمك بأن من تقرضُه - وهو اللهُ عزّ وجلّ - مضطلع بمُضاعفةِ القرضِ وتوفيتِك حقَّك وإعطائك إيّاه وافياً. . .

إصلاح الضمير
دخل حُمَيْد الطويل على سليمانَ بنِ علي والي البصرة فقال له: عِظني، فقال حُميد: لئن كنت حينَ عصيتَ ربّك ظننتَ أنّه يراك فقد اجترأت على الله، ولئن كنتَ ظننتَ أنّه لا يراك فقد كَفَرْتَ. . . وقالوا: إذا فسدت النيّة وقعت البَليّة، وقال رجلٌ لسيِّدنا رسول الله: لقد سمعناك يا رسولَ اللهِ تقول: شيّبتني هود، فما الذي شيّبك منها؟ قال: قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}. . . ورَوَوْا أن السيدَ المسيحَ صلواتُ الله عليه قال: يا ربِّ، من أشرفُ الناس؟ قال: من إذا خلا علمَ أنّي ثانيه فأجلَّ قدري عن أنْ يُظهرَني على معاصيه. . . ومرَّ
(1/180)

عمرُ رضي الله عنه بمملوكٍ يرعى غنماً، فقال: أتبيعني مِنها شاةً؟ قال: ليست لي، قال: فأين العِلَلُ؟ قال: فأين الله: فاشتراه عمرُ وأعتقَه، فقال المملوكُ: اللَّهمَّ قد رزقتني العِتقَ الأصْغرَ فارزقني العِتقَ الأكبرَ، أعوذُ بك من قلبٍ غائبٍ عنك. . . وقال السّريُّ السّقطي: بتصحيحِ الضَّمائر تُغتفرُ الكبائرُ؛ وفي الأثر: تعرّف إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّة أي تعرَّف إليه في الرخاءِ بالشُّكر وذكرِ الآلاءِ يَعْرِفْك في الشِّدَّة بالعِصْمة. . وقال بعض المتصوّفة: إنّ اللهَ لا يشغلُه عنك شيءٌ فإن استطعت أن لا يشغلَك عنه شيءٌ فافْعَلْ. . .

احتمال المكاره في العاجل رجاء المسارّ في الآجل
ومن جوامع الكَلِمِ في ذلك قول سيّدنا رسول الله: (حُفَّت الجنةُ بالمكارهِ وحُفّت النارُ بالشهوات) حفّت: أحيطت، والمكاره جمع مَكْرُهة وهي: ما يكرهه المرءُ ويشقُّ عليه، والشهوات: كل ما يوافق النفسَ وتصبو إليه. قال الإمام القرطبي: أصل الحَفّ: الدائرُ بالشيء المحيطُ به الذي لا يُتوصَّل إليه إلا بعد أن يُتَخطّى، فمثّل المصطفى المكارهَ والشهواتِ بذلك، فالجنّة لا تُنالُ إلا بقطع مفاوزِ المكارهِ والصبرِ عليها، والنارُ لا يُنْجى منها إلا بفطمِ النفسِ عن مطلوباتها، وقال ابن حجر: هذا من جوامعِ كلمِ المصطفى وبديعِ بلاغتِه في ذمِّ الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحثّ على الطاعات وإن كرهتها وشقَّت عليها ولما تاب بعضُ الصوفيّة كان لا يَتَهنّأ بطعامٍ ولا شرابٍ فقالت له أمُّه: ارْفِقْ بنفسِك، فقال: الرِّفْقَ أطلبُ لها. . . وهذا كقول الربيع بن خُثَيم وقد صلى طولَ ليلته حتى أصبحَ
وقال له رجل: أتْعَبْتَ نفسَك فقال: راحتَها أطلب. . .
(1/181)

ومثل هذا - وإن كان من بابةٍ أخرى - قول العباس بن الأحنف:
سأطلُبُ بُعْدَ الدّارِ عَنْكم لتَقْرُبوا ... وتَسْكُبُ عيْنايَ الدُّموعَ لتَجْمُدَا
وقول الآخر:
تقولُ سُلَيْمَى لو أَقَمْتَ بأرْضِنا ... ولم تَدْرِ أنّي للمُقامِ أُطَوِّفُ

مراعاة الدّين والدّنيا معاً
قال تعالى: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}. . . وقال سيدنا رسول الله: (ليس بخيرِكم من تركَ دنياه لآخرته، ولا آخرتَه لدُنياه، حتى يصيبَ منهما جميعاً، فإنّ الدُّنيا بلاغٌ إلى الآخرة، ولا تكونوا كَلاً على الناس). . . كَلاًّ: عِيالاً وثِقلاً وكان محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يقول: اللهمّ أعنّي على الدُّنيا بالغِنى، وعلى الآخرةِ بالتّقوى. وقال مروان بن أبي حفصة لعمارة بن حمزة: أنشدت المأمونَ قولي:
أضْحَى إمامُ الهُدى المأمونُ مُشْتَغِلاً ... بالدِّينِ والناسُ بالدُّنيا مَشاغيلُ
فلم يهتمّ لذلك! فقال عِمارة: ما زِدْتَ على أن صيَّرتَه عَجوزاً مُعتكِفةً في محرابها،
(1/182)

فمَنْ لأمورِ المسلمين! هلا قلت كما قال جرير:
فلا هُوَ في الدُّنيا مُضِيعٌ نصِيبَه ... ولا غَرَضُ الدُّنيا عَنِ الدِّينِ شاغِلُه!
والمشهورُ في هذا المعنى قولُ الفاروق رضي الله عنه: اعمل لدُنياك كأنّك تعيشُ أبداً واعمل لآخرتِك كأنّك تموتُ غداً. . . وقال الشاعر:
ولله مِنِّي جانِبٌ لا أُضيعُهُ ... ولِلَّهْوِ مِنّي والخَلاعةِ جانِبُ
وسيمرُّ بكَ كثيرٌ من عبقرياتهم في هذا المعنى، في مواضعَ أخرى من هذا الكتاب.

الرجاء والجمع بينه وبين الخوف من الله
قال تعالى: في صفة المؤمنين: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}، وقال حكيم: ارْجُ إذا خِفت وخَفْ إذا رجوت، وكُنْ كالمرأة الحامل ليس رجاؤُها أن تلدَ ولداً ذكراً بأكثرَ مِنْ خوفِها أن تلدَ أنثى. وقريب من هذا قولُ رجلٍ لابنه: خَفِ اللهَ خوفاً لا يمنعك من الرجاء، وارْجُه رجاءً لا يمنعك من الخوف، فالمؤمن له قلبان: يرجوه أحدُهما ويخافُه الآخرُ وقال:
أنا بينَ الرجاءِ والخوفِ منه ... واقِفٌ بين وَعْدِه والوَعيدِ
وقال أبو نواس:
لا تَحْظُرِ العَفْوَ إنْ كنتَ امْرَءاً حَرِجاً ... فإنَّ حَظْرَكَهُ بالدِّينِ إزْراءُ
وقال أيضاً:
يا كثيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللهِ مِنْ ذَنْبِكَ أكْثَرْ
وقال:
(1/183)

تَبَسَّطْنا على الآثامِ لمَّا ... رأيْنا العفوَ من ثَمَرِ الذُّنوبِ
وقال:
تَكثَّرْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا ... فإنَّك بالِغٌ رَبَّاً غَفورا
سَتُبْصِرُ إنْ وَرَدْتَ عليهِ عَفْواً ... وتَلْقَى سيِّداً مَلِكاً كَبيرا
تَعَضُّ نَدامةً كفّيْك ممّا ... تركتَ مخافةَ النّارِ السُّرُورا
وفي الأثر: ما أُحِبُّ أنَّ ليَ الدُّنيا وما فيها بهذه الآية: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. . . وقال ابن عباس لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أيُّ آيةٍ أرجى؟ قال: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}، فقال: إنَّ هذه لمَرْجوّةٌ، وأرجى منها قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ}. . وقال أعرابي لابن عباس: من يحاسب الخلقَ يوم القيامة؟ قال: يحاسبهم الله تعالى قال: نجونا وربِّ الكعبة، فقال: كيف! قال: إنَّ الكريمَ إذا قدر غَفَر. . . وسمع أعرابي عبد الله بن عباس يقرأ قولَ اللهِ تعالى: {وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}، فقال: والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها! فقال ابن عباس: خُذوه من غَيْرِ فقيهٍ. . .

العبادة لا طلباً للثواب ولا خوفاً من العقاب
وقد تقدّم لنا آنفاً في ذلك ونزيد فنوردُ طرفاً من عبقريّاتهم في هذا المعنى: قال الشّبلي: من عبَدَه رجاءَ الجنَّة فهو عبدُها، أو خوفَ النار، فهو عبدُها، لأنَّ من خاف شيئاً أو رجاه فهو معبودُه، وقال بعضهم: من عبدَ
(1/184)

الله بعوضٍ فهو لئيم، وقال آخر: اللَّهمَّ إن كنتَ تعلم أني أعبدُك خوفاً من نارِك فأحرقني، أو طمعاً في جنّتك فاحرمنيها، وإن كنتَ تعلمُ أنّي أعبدك حبّاً لك وشوقاً إلى لقائِك فأبِحْنيه. . وقيل لرابعةَ العدوية: ما لكِ لا تسألينَ اللهَ الجنَّة في
دعائِك؟ فقالت: الجارُ ثمَّ الدار. . . تعني بالجار: ذا الجلالِ والإكرام وقد أوردنا بيتَ المعرّي:
ولْتَفْعَلِ النَّفْسُ الجميلَ لأنّه ... خيرٌ وأحسنُ لا لأجلِ ثوابِها
غير مرَّةٍ فيما أسلفنا، وقال بعضهم في قوله صلى الله عليه وسلم: (أكثر أهل الجنّة البُلْهُ)، قال: لأنهم في شغلٍ فاكهون، شغلهم النَّعيمُ عن المُنْعم، ومن رضيَ بالجنّة عنِ اللهِ فهو أبْلَهُ. أقول: حديث: أكثر أهل الجنة البُلْهُ: حديث ضعيف انظر شرح الجامع الصغير للمناوي وعلى أنّه ضعيفٌ فقد أوّلوه تأويلاً حسناً: فقال الأزهري: الأبله: الذي طُبِعَ على الخير، فهو غافلٌ عن الشرِّ لا يعرفه - أقول: أو يعرفه ولكن يتجنَّبه - وقال النَّضْرُ بن شُمَيل: الأبله: الميّت الداء، أي أن شرَّه ميّتٌ لا ينبه له. والمرأة بَلْهاء، قال الشاعر:
ولقدْ لَهوْتُ بِطِفْلةٍ مَيَّالَةٍ ... بَلْهاَء تُطْلِعُني على أسرارِها
أراد: أنّها غِرٌّ لا دهاءَ لها فهي تخبرني بأسرارِها ولا تفطنُ لما في ذلك عليها. وقال الزِّبْرقان ابن بدر: خيرُ أولادِنا الأبْلَه العَقول، يعني: أنّه لشدَّة حيائِه كالأبله وهو عقول مبالغةٌ من العقل وقال الزمخشري في صفة الصلحاء: هيّنون ليّنون، غير أن لا هوادةَ في الحقِّ ولا دهانةَ، بُلْهٌ، غوصهم على الحقائقِ يعمرُ الألبابَ والأذهانَ، وذلك لأنّهم أغفلوا أمرَ دنياهم فجهلوا حِذْقَ التصرّف فيها فأقبلوا على آخرتِهم فشُغلوا بها فاستحقّوا أن يكونوا أكثرَ أهلِها.
(1/185)

الرياء
الرياء: ترك الإخلاصِ في العملِ بملاحظةِ غيرِ اللهِ فيه؛ ومن عبقريّاتهم فيه: قال سيدنا رسول الله: (إنّ أخوفَ ما أخافُ على أمّتي الرياءُ الظاهرُ والشهوةُ الخفيّة). وقالوا: أعظمُ الرياءِ حبُّ المَحْمَدة. وقالوا إذا عمل الرجلُ العملَ وكتمَه وأحبَّ إعلامَ الناسِ أنّه كتمَه، فذلك أقبحُ الرّياء، وقال أبو نواس:
وإذا نَزَعْتَ عَنِ الغَوايةِ فليَكُنْ ... للهِ ذاكَ النَّزْعُ لا للنّاسِ
وقال لقمانُ لابنه: اتقِ اللهَ ولا تُرِ الناسَ أنّك تخشاه ليُكْرِموك. . . وقال بعضهم: كان الناس يراؤون بما يفعلون فصاروا يراؤون بما لا يفعلون. وقالوا: ما الدُّخان بأدلَّ على النارِ من ظاهرِ أمرِ الرجلِ على باطنِه. . . وقالوا في وصف المُرائي: له سَمْتُ أبي ذرٍّ على قلب
أبي جهل، وقال صلى الله عليه وسلم فيمن تنسّك طمعاً في عرَضِ الدنيا: (أكثرُ منافقي هذه الأمّة قُرّاؤها) قال ابن الأثير: أي أنّهم يحفظون القرآنَ نفياً للتُّهمة عن أنفسِهم وهم معتقدون تضييعَه، وكان المنافقون في عصر النبي بهذه الصّفة. وقال
(1/186)

الزّمخشريُّ: أراد بالنفاقِ الرياءَ، لأنَّ كلاً منهما إرادةُ ما في الظاهر خلافَ ما في الباطنِ. وقال الغزاليُّ: احذر من خِصال القرّاءِ الأربعة: الأمل والعجلة والكِبر والحسد، قال: وهي عِلَلٌ تعتري سائرَ الناس عموماً والقرّاءَ خصوصاً، ترى القارئ يطوِّلُ الأملَ فيوقعُه في الكسل، وتراه يستعجل الخيرَ فيُقْطعُ عنه، وتراه يحسد نظراءَه على ما آتاهم اللهُ من فضلِه فربَّما يبلغ به مبلغاً يحملُه على فضائحَ وقبائحَ لا يقدم عليها فاسقٌ ولا فاجر. وقال الفضيل بن عياض لابنه: اشتروا داراً بعيدةً عن القُرّاء، ما لي والقوم! إن ظهرت منّي زلّةٌ قتلوني، وإن ظهرت عليَّ حسنةٌ حَسدوني، ولذلك ترى الواحدَ منهم يتكبّر على الناس ويستخفُّ بهم مُعْبِساً وجهَه كأنّما يمنُّ على الناسِ بما يصلي زيادةَ ركعتين، أو كأنما جاءَه من اللهِ منشورٌ بالجنة والبراءةِ من النار، أو كأنّه استيقن السعادةَ لنفسِه والشقاوةَ لسائر الناس، ثم هو مع ذلك يلبَسُ لباسَ المُتواضعين ويتماوت، وهذا لا يليقُ بالتكبُّر والترفُّع ولا يلائِمُه لكنَّ الأعمى لا يبصر. . . أقول: كل ما قالوه في القُرّاء ممّا يصح أن يقال في علماء الدين وفي المتنسِّكين، لأنه يقال تقرّأ فلانٌ أي تفقّه، ويقال: تقرّأ: أي تنسّك، قال زيد بن تركي الزُّبيديُّ: وقال الفراء: أنشدني أبو صَدْفة الدبَيْري:
ولقد عَجِبْتُ لكاعِبٍ مَودُونةٍ ... أطرافُها بالحَلْيِ والحِنَّاءِ
بيضاَء تصْطادُ القَويَّ وتَسْتَبي ... بالحُسْنِ قلْبَ المُسْلِمِ القُرَّاءِ
مودونة: مليّنة وأطرافها نائب فاعل مودونة، ورووا أن بلال بن أبي بردة وفد على عمر بن عبد العزيز فجعل يديم الصلاةَ فقال عمر: ذلك التصنُّع، فقال له العلاءُ: أنا آتيك بخبرِه، فجاءه وهو يصلّي فقال له: ما لي عندك إنْ بعثْتُ أميرَ المؤمنين على توليتِك العراقَ؟ قال عُمالتي سنةً أي وظيفتي ومُرتّبي - وكان مبلغُه عشرين
(1/187)

ألف درهم، فقال: اكتب به خطَّك، فكتب إليه، فجاء العلاءُ إلى عمر فأخبرَه، فقال: أراد أن يغرَّنا بالله. . . ودخل على أبي جعفر المنصور رجلٌ بين عينيه كرُكْبةِ البعير - وذلك يكون من أثرِ السُّجود - يريد القضاءَ، فقال المنصور: إن كنت أبْرَرْتَ اللهَ بهذا فما ينبغي أن نشغلَك عنه، وإن كنت
أردْتَ خِداعَنا فما ينبغي أن ننْخَدِعَ لك. وقال شاعر:
لا تَصْحَبَنَّ صحابةً ... حلَقوا الشوارِبَ لِلطَّمَعْ
يَبكي وجُلُّ بُكائِه ... ما لِلْفَريسةِ لا تَقَعْ
وقال آخر:
عَمَّرُوا مَوْضِعَ التَّصَنُّعِ منهُمْ ... ومكانُ الصلاحِ منهُمْ خَرابُ
ويروى هذا البيت على وجه آخر. . . .
ورووا أن بعض الناس كان يبيع زكاتَه من الفقيرِ ويسترجعُها منه بدرهم أو درهمين. ويروى أغربُ من ذلك وأقعدُ في باب الحيل الشرعية المحرّمة، وذلك أنّ أحدَ مشيختنا الذين تولّوا مشيخةَ الإسلام والإفتاء في الجيل الغابر بمصر - وكان غنيّاً مثرياً - كان يحتال في زكاة المال بأنْ يضعَ قيمةَ ما يجبُ عليه أن يزكيه عن ماله في العِياب الزكائب المملوءة قمحاً ثم يُفهمُ الفقراءَ أنَّ هذه هي زكاتُهم ثمَّ يشتريها منهم بثمن مُغْرٍ، وبذلك يظن أنّه قد قام بفريضة الزكاة {يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}.

التوبة
التوبة: الرجوعُ عن الذنب، يقال: تابَ إلى اللهِ يتوبُ تَوْبةً وتَوْباً ومَتاباً: أناب ورجع عن المعصيةِ إلى الطاعة، وتاب اللهُ عليه: وفَّقه إلى التوبة أو
(1/188)

عادَ عليه بالمغفرة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: التوبةُ على أربعةِ دعائم: استغفار باللسان ونيّة بالقلب وترك بالجوارح وإضمار أنْ لا يعود. وفي الحديث: (من تابَ قبل موتِه بفُواقِ ناقةٍ حرَّم اللهُ وجهَه على النار) الفواق: أن تُحلبَ الناقةُ ثم تترك لحظةً يَرْضِعُها الفصيلُ لتدرَّ ثُمّ تُحلب.
وقال عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} التوبة النصوح: الخالصةُ التي لا يُعاوَد بعدها الذنبُ وقال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ}، يقول سبحانه: إنّما قبولُ التوبة كالمحتوم على الله لمن أذنب بجهالةٍ وسفَهٍ - فإنَّ ارتكابَ الذَّنْبِ سَفَهٌ وتجاهلٌ، ومن ثم قيل: من عصى اللهَ فهو جاهلٌ حتى ينزِعَ عن جَهالته - ثم يتوبون قبل الموتِ قال عليه السلام: (إنّ اللهَ يقبل توبةَ عبده ما لم يُغَرْغِر)، قال المفسرون: وسمّاه قريباً لأن أمدَ الحياة
قريبٌ، أو قبل أن يُشْرَبَ في قلوبهم حبُّه فيتعذرَ عليهم الرجوعُ.

المبادرة إلى التوبة
وقد حثّوا مع ذلك على المبادرةِ بالتّوبةِ والإقلاعِ عن المعاصي فرَووا أنّه قيلَ لرجلٍ: أوْصِ، فقال: أحَذِّركم سوف وقال شاعر:
والمَرْءُ مُرْتَهَنٌ بسَوْفَ ولَيْتَني ... وهلاكُهُ في سَوْفِهِ واللَّيْتِ
وقال آخر:
أُسَوِّفُ تَوْبَتي خَمْسينَ عاماً ... وظَنِّي أنَّ مِثْليَ لا يَتوبُ
(1/189)

ُوقال بعضهم: نحن لا نريدُ أن نموتَ حتّى نتوبَ ولا نتوبُ حتّى نموتَ. . . وقال بعضهم لرجل: عظني، فقال: قد قطعْتَ عامّةَ سَفَرِك، فإن استطعت ألا تضلَّ في آخرِه فافعل. . . وقال مصعب ابن الزبير: ادْفع سطوةَ اللهِ بسُرعةِ النزوعِ، وحسنِ الرُّجوع، فيوشكُ أنَّ المنايا تسبق الوصايا، وقالوا في قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}: يكثرُ الذنوبَ ويؤخرُ التوبة أو يُسوِّف بالتوبة ويقدِّم الأعمال السيئة، وقال مؤرِّج السّدوسي: فَجَر: إذا ركب رأسَه فمضى غيرَ مكترث، وقوله: ليفجر أمامه: ليمضِ أمامه راكِباً رأسَه. . . وقال سيدنا رسول الله لرجلٍ وهو يعظه: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتَك قبل موتك، وصحَّتَك قبل سَقَمك، وفراغَك قبل شغلك، وشبابَك قبل هرمك، وغناك قبْلَ فَقْرك). اغتنم حياتك قبل موتك: اغتنم ما تلقى نفعه وثوابه بعد موتك. وصحتك قبل سقمك: اغتنم العملَ حالَ الصحة فقد يمنع مانعٌ كالمرض فتُقْدِم بغير زاد. وفراغك قبل شغلك: اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال ما بعد الموت، أي اغتنم فرصةَ الإمكان لعلّك تسلم من الهوان. وشبابك قبل هرمك: اغتنم الطاعةَ وفعلَ الخير حالَ قدرتك قبلَ هجوم عجز الكبر عليك فتندمَ على ما فرّطت في جنب الله. وغناك قبل فقرك: اغتنم الإحسانَ والتصدُّقَ بفضول مالك قبل أن تنزل جائحةٌ تفقرك. ولك أن تقول: إن هذه الوصية الكريمة مغزاها عامٌ شامل يُراد بها المبادرةُ إلى العمل وانتهازُ الفرص قبل فواتها وقال الشاعر:
إذا أنْتَ لم تَزْرَعْ وأبْصرتَ حاصِداً ... نَدِمْتَ على التَّفْريطِ في زَمَنِ البَذْرِ
وقال أبو العتاهية:
فوا عجباً كيف يُعْصى المَليكُ أَمْ كيفَ يَجْحَدُه الجاحِدُ
(1/190)

وللهِ في كلِّ تحْرِيكةٍ ... وتَسكينةٍ في الوَرَى شاهِدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدُلُّ على أنّه واحِدُ
وقال الآخر:
تَرجو النَّجاةَ ولَمْ تسلُكْ مَسالِكَها ... إن السَّفينةَ لا تَجْري على اليَبَسِ
وجاء حبيب بن الحارث إلى سيّدنا رسول الله فقال: إني مقارفٌ للذنوب، فقال: تُبْ، فقال: إني أتوبُ ثم أعود، فقال: كلّما أذْنَبْتَ ذنباً فتُبْ، فعفوُ اللهِ أكبرُ من ذنوبك. وفي الحديث: (إنّ الرجل ليذنبُ الذنبَ فيدخل به الجنة، فقيل: وكيف يا رسول الله؟ قال: يكونُ نصبَ عينِه خائِفاً منه حتى يدخلَ الجنة). . . واجتمع ثلاثة من الحكماء عند كسرى فتذاكروا في شرِّ الأشياء فقال أحدهم: الهمُّ يقترن بالعُدْم - الفقر - وقال الثاني: سُقْمُ البدن ودوامُ الحزْنِ، وقال الثالث: دُنوُّ أجلٍ وسوءُ عملٍ. . . فحَكَمَ لهذا. . . ودعا بعضُ الصالحين فقال: أعوذ بالله من وقوعِ المنيّةِ ولمّا أبلغِ الأمنية. . . وقال حكيم: الأيام صحائفُ آجالِكم فأوْدِعوها أجملَ أفعالكم. . . وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما: عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمَضرَّته ولا يحتمي عن الذَّنب لمعرَّته! وقال بعضهم حضرت مجلس الشّبلي فقام إليه رجل من أصحابه وقال له: أوصِني، فقال له: لقد أوصاك الشاعر بقوله:
قالوا توَقَّ دِيارَ الحيِّ إنَّ لَهُمْ ... عيْناً عليكَ إذا ما نِمْتَ لم تنَمِ
(1/191)

وقال يحيى بن معاذ: اجتنابُ السيئاتِ أشدُّ من اكتسابِ الحسنات. . وسمع الحسن البصري رجلاً يقول: اللَّهمَّ اجلعنا منك على حذرٍ، فقال: إنّه فعل ذلك، أليس قد سترَ عنك أجلَك، فلست من حياةِ ساعةٍ على يقين!

الاستغفار
قال علي بن أبي طالب: العجبُ لِمَنْ يَقْنَطُ ومعه النجاة: الاستغفار. . . وقالوا لا صغيرةَ مع الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار. وقال حكيم: أيّها السلاطين، لا بدَّ لكم من المعاصي الكبار فافعلوا بإزائِها طاعاتٍ عظيمةً، أيّها الأوساطُ، يمكنكم الطاعات العظيمة، كالمصالح التي لا يقدر عليها إلا السلطان، فلا تركبوا المعاصي الكبيرة. . . وقال بعضهم: سمعني راهبٌ أقول: أستغفر اللهَ، فقال: يا فتى، سرعةُ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذّابين. . ويدلُّ على ما قاله قوله صلى الله عليه وسلم: (المستغفرُ باللسانِ المصرُّ على الذنبِ كالمُسْتهزئ
بربّه). وقال الربيع بن خثيم: لا يقولنَّ أحدكم: أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه فيكون ذَنْباً جديداً إذا لم يفعل، ولكن ليقل: اللَّهُمّ، تُبْ عليّ واغفر لي، فقيل: ولِمَ؟ فقال: انْتِه عمّا ينهاك عنه فإنه يُغْفرُ لك. . . وقال عمر رضي الله عنه: لم أرَ أشدَّ طلباً وأسرعَ دَرَكاً من حسنةٍ حديثةٍ لذنبٍ قديم. دَرْكاً بسكون الراء وفتحها: لحاقاً وإدراكاً. . . وسئل بعضُ المجّان: كيف أنتَ في دينك؟ قال: أُخْرِّقه بالمعاصي وأرقِّعه بالاستغفار. . .
وأما بعد فلو يؤاخذ اللهُ الناسَ بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى فإذا جاء أجلهم فإنّ الله كان بعباده بصيراً.
(1/192)

يا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَناحَها ... في ظُلْمةِ الليلِ البهيمِ الألْيلِ
ويَرى عُروقَ نِياطِها في نَحْرِها ... والمُخَّ في تِلْكَ العِظامِ النُّحَّلِ
اغْفِرْ لِعبْدٍ تابَ من فَرَطاتِه ... ما كان مِنهُ في الزَّمانِ الأوَّلِ

عبقريات شتى في الخوف والتقوى
ورد في الحديث الصحيح: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولَمَا ساغ لكم الطعامُ ولا الشرابُ) لضحكتم قليلاً: أي لم تضحكوا البتّة إذ القليل ههنا بمعنى العدم. . . وجاء في خطبة لسيدنا رسول الله: (أيها الناس، إن لكم معالمَ فانتهوا إلى معالِمِكم، وإنّ لكم نهايةً فانتهوا إلى نهايتِكم، فإنَّ العبد بين مخافتين: أجلٌ قد مضى لا يدري ما اللهُ فاعلٌ فيه، وأجلٌ باقٍ لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذِ العبدُ من نفسِه لنفسِه، ومن دنياه لآخرتِه، ومن الشبيبةِ قبلَ الكِبَر ومن الحياة قبل المَمات، فوالذي نفسُ محمدٍ بيدِه، ما بعدَ الموت من مُسْتَعْتَبٍ، وما بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنةُ والنارُ). . . معالمُ جمعُ مَعْلم، وهو ما جُعِلَ علامةً للطرق والحدود، ضربه مثلاً لأحكام الله وحدوده.
(1/193)

{وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ومستعتب: مصدر ميميٌّ معناه طلبُ الرّضا، تقول: استعتب فلاناً: إذا طلبتُ منه العُتبى، وهي الرضا: يريد: ليس بعد الموت من استرضاءٍ، لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانُها، وما بعد الموت دارُ جزاءٍ لا دارُ عملٍ.
وقال أبو العتاهية:
يا عَجباً للناسِ لو فكَّروا ... وحاسَبُوا أَنفُسَهم أبْصَروا
وعَبَرُوا الدُّنيا إلى غيرِها ... فإنّما الدُّنيا لهم مَعْبَرُ
الخيْرُ ممّا ليسَ يَخْفَى هو ال ... مَعروفُ والشَّرُّ هو المُنْكَرُ
والمَوْعِدُ المَوتُ وما بعدَه ال ... حَشْرُ فذاكَ المَوْعِدُ الأكْبَرُ
لا فَخْرَ إلا فخرُ أهْلِ التُّقَى ... غَداً إذا ضَمَّهُمُ المَحْشَرُ
لَيَعْلَمَنَّ الناسُ أنَّ التُّقى ... والبِرَّ كانا خيْرَ ما يُذْخَرُ
عجِبْتُ للإنسانِ في فَخْره ... وهْو غدا في قَبْرِه يُقْبَرُ
ما بالُ من أوَّلُهُ نُطْفةٌ ... وجيفةٌ آخِرُه يَفْخَرُ
أصْبَحَ لا يَمْلِك تقديمَ ما ... يَرْجو ولا تأخيرَ ما يَحْذَرُ
وأصْبحَ الأمْرُ إلى غيرِه ... في كلِّ ما يُقْضَى وما يُقْدَرُ
أما قوله: يا عجباً للناس لو فكّروا. . البيت، فمأخوذٌ من قولهم: الفِكرة مرآةٌ تريك حَسنَك من قبيحك؛ ومن قول لقمانَ لابنه: يا بنيَّ، لا ينبغي لعاقلٍ أن يُخليَ نفسَه من أربعة أوقاتٍ، فوقتٌ منها يناجي فيه ربَّه، ووقتٌ يحاسب فيه نفسَه، ووقت يكسب فيه لمعاشِه، ووقت يُخلي فيه بين نفسِه وبين لذَّتها ليستعينَ بذلك على سائر الأوقات. وقوله: وعبروا الدنيا إلى غيرها. . . البيت مأخوذٌ من قول الحسن البصري: اجعل الدنيا كالقنطرةِ تجوز عليها ولا تَعْمُرُها،
(1/194)

وقوله: الخير مما ليس يخفى. . . البيت، مأخوذ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبدَ الله، كيف بك إذا بقيت في حُثالةٍ من الناس مَرِجَتْ عهودُهم وأماناتُهم وصار الناسُ هكذا، وشبّك بين أصابعه؟ فقلت: مُرْني، يا رسول الله، فقال: خُذْ ما عرفت ودَعْ ما أنكرتَ وعليك بخُوَيْصةِ نفسِك وإيّاك وعوامَّها). . . وقوله: ليعلمن الناس. . . البيت، مأخوذ من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا حُشر الناسُ في صعيدٍ واحدٍ نادى مُنادٍ من قبل العرش: ليعلمن أهلُ الموقفِ من أهلُ الكرم اليوم؟ ليقم المتّقون، ثم تلا رسول الله: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وقد تقدّم صدرَ بابِ البِرِّ أنّ الأخطل سبق أبا العتاهيةِ في هذا بقوله:
وإذا افْتَقَرْتَ إلى الذَّخائرِ لَمْ تَجِدْ ... ذُخْراً يكونُ كصالحِ الأعمالِ
وقوله: ما بال من أوله نطفة. . . البيت، مأخوذ من قول علي رضي الله عنه: وما ابن آدم والفخر وإنّما أوله نطفةٌ وآخِرُه جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفَه وكان عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه يقول: أيّها النّاس إنّما خلقتم للأبد، ولكنّكم تنقلون من دارٍ إلى دار. .
وقال مالك ابن دينار:
(1/195)

جاهدوا أهواءَكم كما تُجاهدون أعداءَكم. . . وقال علي رضي الله عنه: من سرّه الغنى بلا مالٍ، والعزُّ بلا سلطان، والكثرةُ بلا عشيرة، فليَخْرُجْ من ذلِّ معصيةِ الله إلى عزِّ طاعته، فإنه واجدٌ ذلك كله. . . وقال يزيد بن الصَّقيلِ العَقيلي - وكان يسرق الإبلَ في عهد بني أميّة ثم تاب وقُتل في سبيل الله -:
أَلاَ قُلْ لأرْبابِ المَخائِضِ أهْمِلوا ... فقد تابَ مِمَّا تعْلمونَ يَزيدُ
وإنَّ امْرَءاً يَنْجُو من النارِ بَعْدَمَا ... تزَوَّدَ من أَعْمالِها لَسَعيدُ
المَخائض جمع مَخاض - ومخاض واحده خَلِفَة - الناقة استبانَ حملُها - فمَخائض جمع الجمع، ومَخاض: جمع على غير واحد، كما تقول: امرأةٌ ونساء، وقوله: أهملوا: أي اسرحوا إبلَكم - وفي هذا الشعر:
إذا ما المَنايَا أخْطَأَتْكَ وصادَفَتْ ... حَميمَكَ فاعْلَمْ أنّها ستعودُ
وفي معنى هذا البيت ما يروى عن محمد بن الحنفية - ابن الإمام علي - أنّه كان يقول - إذا مات له جارٌ أو حميم -: أولى لي، كدت واللهِ أكونُ السوادَ المُخْتَرم. . . أولى لي، مثله: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}، وهي كلمة تهديدٍ ووعيد، معناها: قاربك ما تكره، أو الشرُّ أقرب إليك، والسواد: شخصُ الإنسانِ وكلُّ شيء من متاع وغيره، وفي الحديث: (إذا رأى أحدكم سواداً بليلٍ فلا يكن أجبنَ السَّوادَيْن، فإنّه يخافُك كما تخافُه)، والمُخْتَرم - من اخترمتْه المنيّة: أخذته من بين أصحابه. . .
وقال أبو نواس:
ولقد نَهَزْتُ مع الغُواةِ بدَلْوِهِمْ ... وأَسَمْتُ سَرْحَ اللَّهوِ حيث أساموا
وبلَغْتُ ما بلغَ امْرُؤٌ بشَبابِه ... فإذا عُصارَةُ كلِّ ذاكَ أَثَامُ
(1/196)

أثام كسلام: عقابُ الإثم وجزاؤه، ونهزت بدلوهم يقال: نهزت بالدّلو في البئر: إذا حرّكتها لتمتلئ. . . وهو هنا على المثل. . . يقول أبو نواس: لقد غويت زماناً مع الغُواة ولهوت كما لهوا وخلعت عِذاري كما خلعوا عِذارَهم وبلّغت شبابي المبالغَ، من اللهو والبغي والفساد، وأنلته أقصى ما يشتهي من شهواتِ الحياة الدنيا، فوجدت كل ذلك ضلالاً في ضلال وعبثاً في عبث وظلماتٍ بعضها فوق بعض، وما جنيت من ورائِه إلا المرَّ والحنظل، من الأدواء والأسقام والبعد عن ملكوت الله وقدسيته، وكل ما تورثه المعاصي
من الدنس والطَّبَعِ والرَّيْنِ، وإنَّ في ذلك لعبرةً لمن اعتبر.
وقال هشام بن عبد الملك - وهو من الأبيات المنفردة القائمة بنفسها -:
إذا أنْتَ لم تَعْصِ الهوَى قادَكَ الهوى ... إلى بَعْضِ ما فيهِ عليكَ مَقالُ
وهذا بكلام الملوكِ أشبه، ومن كلمة للسيدة عائشة رضي الله عنها: من أرضى اللهَ بإسخاطِ الناس، كفاه اللهُ ما بينه وبين الناس، ومن أرضى الناسَ بإسخاطِ الله وكَلَه اللهُ إلى الناس، ومن أصلح سريرتَه، أصلح اللهُ علانيَّته. وفي حديث الدعاء: لا تكلني إلى نفسي طَرْفةَ عينٍ فأهلك. . . تولانا اللهُ برعايته الصّمدانيّة إنّه سميعُ الدعاء. . .
(1/197)

الباب الثاني في الشكر والحمد والثناء
وهذا بابُ الشكر بابٌ له مكانتُه فيما خلّفوه لنا من آدابٍ وذخائرَ، وإنَّ بينه وبين البر على جميع ألوانه لَرَحِماً ماسةً وقرابةً قريبةً، ومن ثمَّ جعلناه رِدْفاً له، وأفردنا له هذا الباب.

معنى الشكر
والشكر: مقابلةُ النعمةِ بالقولِ والفعلِ والنيةِ، فيثني المُنْعَم عليه على المُنْعِم بلِسانه، ويذيبُ نفسَه في طاعته، ويعتقد أنّه موليها؛ وهو من شَكَرَت الإبل تَشْكُرُ: إذا أصابت مرعىً فسَمِنَتْ عليه. وإذن يكون معنى شُكْرِ العبدِ لربّه: أن يجهدَ العبدُ جُهْدَه في طاعةِ الله، ويؤدّي ما وظّف اللهُ عليه من عبادته، ويعتقد أنّه هو وحده وليُّ نعمته، وأن يكثرَ من الثناءِ عليه عزَّ وتقدَّس. . . وقد جاء الشكور وصفاً للهِ عزّ وجل، ومعناه أنه يزكو عندَه القليلُ من أعمالِ العبادِ فيُضاعفُ لهم الجزاءَ، وقد يكون معناه: المغفرة. . . هذا؛ وإنَّ فرقاً بين الشكرِ والحَمْدِ، فالشكرُ لا يكونُ إلا عن يدٍ، والحمدُ عن يدٍ وعن غيرِ يدٍ وأنشدوا لأبي نُخَيْلةَ:
(1/198)

شكَرْتُكَ إنَّ الشُّكْرَ حبْلٌ من التُّقَى ... وما كلُّ مَنْ أَوْليْتَه نِعمَةً يَقْضِي
فنبَّهْتَ من ذِكرِي وما كان خامِلاً ... ولكنَّ بعضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ من بَعْضِ
قال ابن سيده: وهذا يدلُّ على أنَّ الشكرَ لا يكون إلا عن يدٍ، ألا تراه يقول: وما كلُّ من أوليته نعمةً يقضي؟ أي ليس كلُّ من أوليته نعمة يشكرك عليها. . . ويقال: شكرَه وشكرَ له، وباللام أفصح، وتقول: شكرت نعمة الله، ولنعمته: وتشكر له بلاءَه، كشكره، وتشكر له مثل شكر له، هذا خلاصة ما قاله علماء اللغة. وقال أبو البقاء فيما قال، إذ أطال: الشكر: عرفانُ الإحسان، ومن الله المجازاة، وأصل الشكر: تصوُّر النعمةِ وإظهارُها وحقيقتُه: العجزُ عن الشكر، إلى أن قال: والشكر العُرْفيُّ: صَرْفُ العبد جميعَ ما أنعم الله به عليه من السمع والبصر والكلام وغيرها، إلى ما خُلِقَ له وأُعطاه لأجله، كصرف النظر إلى مصنوعاته، والسمعِ إلى تلقي إنذاراته، والذهن إلى فهم معانيها، وعلى هذا القياس، وقليلٌ ما هم، إلى أن قال: وتوفية شكرِ الله صعبٌ، ولذلك لم يُثْنِ بالشكر من أوليائه إلا على إبراهيمَ صلوات الله عليه، إذ قال سبحانه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}؛ وعلى
(1/199)

نوح عليه السلام إذ قال: إنه كان عبداً شكوراً. . . ونزيد هذا توكيداً وتبييناً بإيراد كلمة الراغب في الذّريعة، قال
الراغب - مع شيءٍ من التصرف -: الشكر تصوُّر المُنْعَمِ عليه النِّعمةَ، وإظهارُها، ويضادُّه الكفرُ، وهو - أي الكفر - من كفر الشيء: غطّاه، ودابةٌ شكور: أي مظهرةٌ بسِمَنِها إسْداءَ صاحبِها إليها؛ وقيل: أصله من عينٌ شكرى: أي ممتلئة، فالشكر هو: الامتلاء من ذكرِ المُنْعَم عليه المُنعِمَ، ومن هذا الوجه قيل: هو أبلغ من الحمدِ، لأن الحمد ذكر الشيء بصفاته، والشكر: ذكرُ الشيء بصفاته وبنعمه، فالشكر على ثلاثة أضرب: شكرٌ بالقلب، وهو تصوّر النعمة، وشكر باللسان، وهو الثناء على المُنْعِم، وشكر بسائر الجوارح، وهو مكافأتُه بقدر استحقاقِه، وهو أيضاً باعتبارِ الشاكرِ والمشكور: ثلاثة أضرب: شكر الإنسان لمن هو فوقَه، وذلك يكون بالخدمة والثناء والدعاء، وشكرٌ لنظيره، وهو بالمكافأة، وشكرٌ لمن هو دونه، وهو بالثواب والإفضال. وشكر العبد لله سبحانه هو: معرفةُ نعمته وحفظ جوارحه بمنعها من استعمال ما لا ينبغي. ثم قال: وشكر المنعم في الجملة واجبٌ بالعقل، كما هو بالشرع، - وهذه مسألةٌ كلامية انظرها في كليات أبي البقاء، - وأوجبُها شكرُ الباري تعالى، ثم شكر من جعلَه سبباً لوصول خيرٍ إليك على يدِه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لا يشكرُ اللهَ من لم يشكرِ الناس)، قال: وقال بعضهم: كلُّ نعمةٍ يمكن شكرُها إلا نعمةَ الله، فإن شكرَ نعمته نعمةٌ منه، فيحتاج العبدُ أن يشكرَ نعمةَ الشكر، كما شكر أصل النعمة، وهكذا حتى يؤدّي ذلك إلى ما لا يتناهى، ومن هذا أخذ الشاعرُ الذي يقول:
إذا كان شُكري نعمةَ اللهِ نِعمةً ... عليَّ له في مِثْلِها يَجِبُ الشُكرُ
فكيف بُلوغُ الشّكرِ إلا بفَضْلِه ... وإن طالَتِ الأيّامُ واتّصَلَ العُمْرُ
(1/200)

ولهذا قيل: غايةُ شكرِ اللهِ تعالى الاعترافُ بالعجز عنه، بل قد قال الله تعالى: وإنْ تعدّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها، وأيضاً فكل ما يفعل اللهُ بعبده فهو نِعْمةٌ منه، وإن كان بعضُ ذلك يعدُّ بليةً، ولهذا قال بعض الصالحين: يا من منعُه عطاءٌ وبلاؤُه نعماءُ. . . ولأجلِ صعوبةِ شكر الله قال عز وجل: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}. . .

عبقرياتهم في الشكر
حثهم على الشكر
قال حكيم: إذا قَصُرَت يدُك عن المكافأةِ فليَطُلْ لسانُك بالشكر؛ وقالوا: النِّعم إذا شُكرت قرَّت وإذا كُفِرت فرَّت. والأصل في هذا قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن
كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. . . وقالوا: النعم وحشيّةٌ فاشْكُلوها بالشكر يقال: شَكَلَ الدابة يَشْكُلها: شدَّ قوائِمَها بحبل، واسم ذلك الحبل: الشِّكال وقال ابن المقفع: استوثقوا عُرى النِّعم بالشُّكر. العُرى جمع عُروة، والعُروة في الأصل تقال لعُرْوةِ الدّلو والكوز ونحوه، أي مقبضه. ولعُروة المزادة أي أذنها. ولعُروة القميص: مدخل زره، ولعروة النبات: ما بقي له خضرةٌ في الشتاء ترعاها الإبل إذا أجدب الناس، ومن
(1/201)

هذا استعاروا العُروة لكل ما يُلجأ إليه ويُعوّل عليه ويوثق به ويُتمسك؛ فيقال لقادة الجيش: العُرى، والصحابة رضوان الله عليهم: عُرى الإسلام، وقوله تعالى: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا}؛ شُبِّه ما يُعتصم به من الدين بالعروة التي يُتمسّك بها ويُلجأ إليها، والوُثقى: المُحْكمة، فقول ابن المقفع: استوثقوا: أي أحكموها وقال البحتري:
يَزيدُ تَفضُّلاً وأزيدُ شُكْراً ... وذلك دأبُهُ أبداً ودأبي
وقال عمرو بن مَسْعَدة: لا تصحب من يكون استمتاعُه بمالِك وجاهِك أكثرَ من إمتاعِه لك بشكرِ لسانِه وفوائدِ عمله. وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون فأتيَ برجلٍ تُرْعَد فرائصُه، فلما مثل بين يديه قال المأمون: كفرتَ نعمتي ولم تشكُرْ معروفي! فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شُكْري في جنبِ ما أنعم اللهُ بك عليَّ! قال يحيى: فنظر إليّ المأمون وقال متمثلاً:
ولو كان يَسْتغْني عن الشُّكْرِ ماجِدٌ ... لِرفعةِ قَدْرٍ أَوْ عُلوِّ مكانِ
لَمَا أمَرَ اللهُ العبادَ بشُكْرِه ... فقال: اشْكروا لي أيُّها الثَقَلانِ
ثم التفت إلى الرجلِ وقال: هلاَّ قلت كما قال أصرمُ بن حُمَيْد:
مُلِّكْتَ حَمْدِيَ حتَى إنِّني رَجلٌ ... كُلِّي بكلِّ ثَناءٍ فيكَ مُشْتَغِلُ
خُوّلْتَ شُكري لِمَا خَوَّلْتَ من نِعَمٍ ... فُحُرُّ شُكْري لمَا خَوَّلْتَني خَدَمُ
وقريبٌ من هذا قول أبي الفتح البُسْتي:
لئِنْ عَجِزَتْ عن شُكْرِ بِرِّك قُوَّتي ... وأقْوى الوَرَى عن شكر بِرِّكِ عاجِزُ
فإنّ ثَنائي واعتِقادي وطاقَتي ... لأفلاكِ ما أوْلَيْتَنيها مراكزُ
ومن أبرع ما قيل في الشكر قول البحتري:
فلَوْ كان للشُّكْرِ شَخْصٌ يَبينُ ... إذا ما تأَمَّلهُ الناظِرُ
(1/202)

لبَيَّنْتُه لك حتّى تَراهُ ... فتعْلَمَ أنِّي امْرُؤٌ شاكِرُ
ولكنّه ساكنٌ في الضَّميرِ ... يُحَرِّكهُ الكَلِمُ السَّائِرُ
وقال عبدُ الله بن الزبير الأسديُّ في عمرِو بن عثمان بن عفان - لما زاره فنظر عمرو فرأى تحت ثيابِه ثوباً رثّاً، فدعا وكيلَه وقال: اقترض لنا مالاً، فقال: هيهات ما يعطينا التُّجّار شيئاً، قال: فأربحهم ما شاؤوا: فاقترض له عشرةَ آلاف فوجّه بها إليه مع تَخْتِ ثياب التَّخْت: وعاء تصان فيه الثياب -:
سأشْكرُ عَمْراً ما تَراخَتْ مَنِيَّتي ... أَيادِيَ لم تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ
فتًى غيرُ مَحْجُوبِ الغِنى عن صديقِه ... ولا مُظْهِرِ الشَّكْوَى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ
رأى خَلَّتي من حيثُ يَخْفَى مَكانُها ... فكانَتْ قَذى عَيْنيه حتى تجَلَّتِ
قوله: سأشكر: فالعرب تستعمل السين إذا أرادت تكرارَ الفعل وتأكيدَه ولا تريد التنفّس فيه. ولم تمنن: لم يَتْبعها مَنّ، وإذا النعل زلت: يريد: إذا زلت قدمُه في مزالقِ الدّهر فلا يجد مركباً يقيه مصرعَ السوء ولا متّكأً يعتمد عليه في نهضتِه، والخَلّة: الحاجة، وقوله من حيث يخفى مكانها: أي من حيث لا يدرِكُها لحاظُ غيره، وفكانت قذى عينيه: أبرع كلمة في معنى الاهتمام بالحاجة. . .
وقال ابنُ عنقاءَ الفزاريُّ في عُمَيْلة الفزاريِّ - وكان قد وصله بنصف ماله لَمّا رأى من رثاثةِ حالِه، وكان عُمَيْلةُ غلاماً جميلاً -:
رآني على ما بي عُمَيلةُ فاشْتَكى ... إلى مالِه حالِي أَسَرَّ كما جَهَرْ
دَعاني فآساني ولو ضَنَّ لم أَلُمْ ... على حينَ لا بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ
غُلامٌ رَماهُ اللهُ بالخيْرِ يافِعاً ... له سِيمَياءُ لا تَشُقُّ على البَصَرْ
كأنّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في جَبينِه ... وفي خَدِّه الشِّعْرَى وفي وَجْهِه القَمَرْ
(1/203)

إذا قِيلَتِ العَوْراءُ أَغْضَى كأنَّه ... ذَليلٌ بِلا ذُلٍّ ولَوْ شاَء لاَنْتَصَرْ
ولمّا رأى المَجْدَ استُعِيرَتْ ثِيابُه ... تَرَدَّى رِداءً واسِعَ الذِّيلِ وائْتَزَرْ
فقلتُ له خَيراً وأَثنَيْتُ فِعْلَه ... وأَوْفاكَ ما أَسْدَيْتَ مَن ذَمَّ أوْ شَكَرْ
السيما والسيميا والسيماء والسيمياء: العلامةُ يُعرف بها الخير والشر، وقوله: لا تَشُقُّ على البصر يريد: لا تؤذيه بل يُسرُّ بها، والثُّرَيّا: من الكواكب كثيرةُ الأنْجم مع صغر مرآتها،
والشِّعْرى يريد بها الشعرى العَبور، وهو كوكب نيِّر خلفَ الجوزاءِ يطلع في صميمِ الحرّ. والعوراء: الكلمةُ القبيحةُ، وأغضى: أطبق أجفانَه حياءً ونُبْلاً، واستعيرت ثيابه: كنى بذلك عن قلة الأمجاد.

العجز عن الشكر
قال بعضهم:
أَيادِيَ لا أسْطيعُ كُنْهَ صِفاتِها ... ولوْ أنَّ أعضائي جميعاً تَكلَّمُ
وقال آخر:
ولوْ أنّ لي في كلِّ مَنْبِتِ شَعْرةٍ ... لِساناً يَبُثُّ الشُّكْرَ فيكَ لقَصَّرا
وقال بعضهم: شكري لا يقعُ من نِعَمه الظاهرة: موقعَ النُّقْطةِ من الدائرة. وقال أبو نُواس:
قد قلتُ للعبّاسِ مُعْتذِراً ... عن ضَعْفِ شُكْرِيِه ومُعْتَرِفا
أنْتَ امْرُؤٌ جَلّلْتَني نِعَماً ... أوْهَتْ قُوَى شُكرِي فقد ضَعُفا
فإليِكَ مِنِّي اليومَ تقْدِمَةً ... تَلْقاكَ بالتَّصْريحِ مُنْكَشِفا
لا تُسْدِيَنَّ إليَّ عارِفةً ... حتّى أقومَ بشكرِ ما سَلَفا
(1/204)

شكريه: شكري إيّاه وقال المتنبي:
ولم نَمْلَلْ تفَقُّدَكَ المَوالِي ... ولم نَذْمُمْ أياديَكَ الجِساما
ولَكِنَّ الغُيُوثَ إذا تَوالَتْ ... بأرْضِ مُسافرٍ كرِهَ المُقاما
المَوالي جمع مولى: العبد، وتروى المُوالي: أي الذي يلي بعضُه بعضاً، والأيادي النعم، والجسام: العظام، وقوله ولكن الغيوث. . . البيت، فالغيوث جمع غيث: المطر، وتوالت: تتابعت، والمقام: الإقامة؛ يقول: إن المسافر إذا كثر عليه المطرُ مَلّ إقامتَه واحتباسَه، لأجل المطر، كذلك نحن، عطاياك تتوالى علينا وأنت قيّدتنا بإحسانِك وأنا مسافرٌ أريد الارتحال ولولا هذا لم أمَلَّ نعمتك، والمطر يسأله كلُّ أحدٍ إلا المسافر. . . وقال البحتري وأبدع:
أَخْجَلْتَني بنَدى يَدَيكَ فسَوَّدَتْ ... ما بيْنَنا تلْكَ اليَدُ البَيْضاءُ
وقَطعْتَني بالجُودِ حتّى إنَّني ... مُتَخَوِّفٌ أنْ لا يكونَ لِقاءُ
صِلَةٌ غَدَتْ في الناسِ وَهْيَ قطِيعةٌ ... عَجَبٌ، وبِرٌّ راحَ وهْوَ جَفاءُ
وقال أيضاً:
إيهاً أبا الفَضْلِ شُكْري منكَ في نَصَبِ ... أقْصِرُ فماليَ في جَدْواكَ من أرَبِ
لا أقْبَلُ الدَّهْرَ نَيْلاً لا يقومُ به ... شُكْري ولو كان مُسْدِيِه إليَّ أبي
ومن ألفاظهم في ذلك: شُكْرُه شأوٌ بعيدٌ لا تبلغه أشواطي، ولا أتلافى التفريطَ فيه بإفراطي الأشواط جمع شَوْط: الجَرْيُ مَرَّةً إلى غايةٍ تقول: عدا - جرى - شوطاً، أي طَلَقاً وعندي له مَبارٌّ أعجَزني شكرُها، كما أعوزني حصرُها مبارٌّ جمع مبرّة وقال بعض الشعراء في الصاحب بن عباد:
وَفَدْنا لنَشْكُرَ كافي الكُفاةِ ... ونَسْأَلَهُ الكَفَّ عن بِرِّنا
فقال بعض الحاضرين: قد كُفيت، فإنّ الصاحبَ صار لا يُعطي شيئاً. . .
(1/205)

من لا تخفى أياديه
قال نُصَيْبٌ:
فَعاجُوا فأثنَوْا بالذي أنْتَ أهْلُه ... ولو سكَتُوا أَثنتْ عليك الحَقائِبُ
وقال بعضهم:
وكيف بِكُفْراني صَنائِعَهُ التي ... إذا جُحِدتْ يَوماً أقرَّ بها جِلْدِي
ومثله:
وإذا سَكَتُّ فإنَّ أنَطقَ مِن فَمي ... عنِّي يدُ المعروفِ والإحسانِ
وقالوا في أمثالهم: لسانُ الحالِ أفصحُ من لسانِ الشكر. . . ومن كلمة للجاحظ: نحن نزخرف باللّسان، والناسُ يقضون بالعِيان، وفي أمرنا أثرٌ ينطق عنّا، ويتكلّم إذا سَكَتْنا. . .

الشكر بقدر الاستحقاق
وعتبهم من شكروه ولمّا يستوجب
قال علي بن أبي طالب: الثناء من غير الاستحقاق مَلَقٌ، والتقصير عن
(1/206)

الاستحقاق عِيٌّ وحسدٌ، وقال رجل لابن الأعرابي: إن نُصَيْباً - الشاعر الذي تقدم ذكره - يقول: إنّما تُمدح الرجالُ على قَدر ثوابِها، فقال: إن العرب تقول: على قدر ريحِكم تُمْطَرون. . . وقال الصاحب بن عباد:
وإذا الصّديقُ أدامَ شُكْري لِلَّتي ... لمْ آتِها إلا على التّقْديرِ
أَيْقَنْتُ أنَّ العَتْبَ باطِنُ أمْرِه ... فسَكَتُّ مُحْتشِماً على التَّقْصيرِ

من لم يردعه خوفه عن الشكر
بعث أبو جعفر المنصور إلى شيخٍ من بطانةِ هشام بن عبد الملك، فاستحضره وسأله عن تدبير هشام وأحواله، فأقبل الشيخ يقول: فعل رحمه الله، وقال يوم كذا رحمه الله، فقال المنصور: قم لعنَك الله، أتطأ بساطي وتترحّم على عدوّي! فقال الشيخ: إنَّ نعمةَ عدوك لقلادةٌ في عنقي لا ينزِعُها إلا غاسِلي، فقال المنصور: ارجع إلى حديثك، فإنّي أشهد أنّك غرسٌ شريفٌ وابنُ حرّة. . . ولما قتل مسلمة بن عبد الملك يزيدَ بنَ المهلّب أمر بأن يحضرَ الشعراءُ ليقولوا في ذلك، فلم يألوا أن ذكروه بأقبحِ ما قَدروا عليه، ما خلا رجلاً من بني دارمٍ فإنه قال: لا أذمُّ رجلاً لا أملك رَيْعاً ولا مالاً ولا أثاثاً إلا منه ولو قُطّعت إرباً إرباً، ولقد رثيتُه بأحسنِ ما يُرثى به رجلٌ - وأنشد أبياتاً رائعةً - فجزاه مَسلمةُ خيراً وقال: إذا اصْطُنِع فلْيُصْطَنَعْ مثلُ هذا. . . أقول: لا أدري: أبموقف هؤلاءِ البررةِ الأوفياءِ الشجعانِ الصُّرحاءِ يعجب المرءُ، أم بأولئك الملوك الذي يقدّرون هذا الوفاء ويطربون له ولو كان في جانب أعدائِهم! فلله درُّ أولئك الناس الذين شرّفوا الإنسانيةَ بهذه الخلائقِ الكريمةِ النبيلة، بينما غيرُهم من أهل النفاق والجبن والنذالة قد كَلَموا الإنسانيةَ
(1/207)

وهَوَوْا بها إلى الحضيضِ الأوْهَدِ. . .

شكر مَنْ همَّ بإحسان ولم يفعل
وقالوا: مَنْ لَمْ يَشْكُرْ على حُسْنِ النيّة، لم يَشْكُرْ على إسْداءِ العطيّة.
وقال شاعر:
لأشكرَنَّكَ مَعْروفاً هَمَمْتَ به ... إنَّ اهْتِمامَكَ بالمَعْروفِ مَعروفُ
ولا أَذُمُّكَ إنْ لَمْ يُمْضِهِ قَدَرٌ ... فالشَّيءُ بالقَدَرِ المَحْتومِ مَصْروفُ

ثِقَلُ الشكر والحمد
وقال أبو تمام في ثِقَلِ الشكر والحمد من أبياتٍ له في الحسن بن وهب:
والحَمْدُ شَهْدٌ لا تَرَى مُشْتارَه ... يَجْنِيهِ إلاَّ مِن نَقيعِ الحَنظَلِ
غُلٌّ لِحاملِه ويَحْسِبَهُ الذي ... لم يُوْهِ عاتِقَهُ خفيفَ المَحْمِلِ
وقيل لبعض الصالحين: مالك لا تطلب الدُّنيا؟ فقال: من خاف السؤالَ عن الشُّكرِ طابَتْ نفسُه عن المال. . .
وقال أبو العتاهية:
ما فاتني خيْرُ امْرِئٍ وَضَعَتْ ... عنِّي يَداهُ مَؤُونةَ الشُّكْرِ

ترغيبهم في الثناء ووصفهم إيّاه بالبقاء
وتفضيلهم إياه على المال والعطاء
قال عمر بن الخطاب لابنةِ هَرمِ بنِ سنان ممدوح زهير بن أبي سُلمى:
(1/208)

ما وهب أبوك لزُهير؟ فقالت: أموالاً فَنِيَت وأثواباً بَلِيَت وأشياءَ انْتُسِيَت، فقال الفاروق: لكن ما أعطاكموه زهيرٌ لا يفنى ولا يُنسى. . . وكتب أرسطو إلى الإسكندر المقدوني: إنّ كلّ عقيلةٍ يأتي عليها الدَّهرُ، فيُخلق أثرَها ويُميت ذكرَها، إلا ما رسخ في القلوب، من الذكرِ الحسنِ يتوارثه الأعقابُ. وقالوا: في الثناء الباقي على الدهر، خَلَفٌ من نفاد العمر.
قال الشاعر:
وإني أُحبُّ الخُلْدَ لوْ أَسْتطيعُه ... وكالخُلْدِ عندي أن أَبِيتَ ولم أُلَمْ
وقيل لبُزَرْجُمُهْر حين كان يقتل: تكلّم بكلامٍ نذكرُه، فقال: الكلامُ كثيرٌ، ولكن إن أمكنك أن تكونَ حديثاً حسناً فافعل.
ولما وُضع الوزيرُ محمدُ بن عبد الملك الزيات في التَّنّور قال له خادمُه: يا سيّدي، قد صرت إلى ما صِرْتَ وليس لك حامدٌ! قال: وما نفعُ البرامكةِ مِنْ صنيعهم، قال: ذكرُك لهم السّاعة، فقال: صدقت. . . وقال شاعر:
لَئِنْ طِبْتَ نفْساً عن ثَنائي فإنَّني ... لأطيَبُ نفْساً عن نَداكَ على عُسْري
فلَسْتُ إلى جَدْوَاكَ أعظمَ حاجةً ... على شِدَّةِ الإعسارِ مِنكَ إلى شُكْرِي
وقال أبو تمام:
ومُحَجَّبٍ حاولتُه فوجدتُه ... نَجْماً عنِ الرَّكْبِ العُفاةِ شَسوعا
أعدمْتُه - لمَّا عَدِمتُ نَوالَه - ... شُكْرِي فرُحْنا مُعْدِمَيْنِ جَميعا
وقال عوفُ بن محلم الشيباني:
فتًى يَتَّقي أنْ يَخْدِشَ الذَّمُّ عِرضَه ... ولا يتّقي حَدَّ السُّيوفِ البَواتِرِ
(1/209)

وقال حكيم: من أحبَّ الثناء، فليَصْبرْ على بذلِ العطاء، وليوطِّن نفسَه على الحقوق المُرّة، وعلى احتمالِ المؤنة. . . وقال الشاعر في هذا المعنى:
ما أعْلمَ الناسَ أنَّ الجودَ مَكْسَبةٌ ... للحَمْدِ لَكِنَّه يأتي على النَّشَبِ

تسهيلُ القولِ على الشاكرين
بتوافر ما يُشكر عليهِ وعكسُ ذلك
قيل للفرزدق: أحسن الكُمَيْتُ في الهاشميات، فقال: وجد آجُرّاً وجِصّاً فبنى. . . وقال شاعر:
ما لَقِينا من جُودِ فضْلِ بنِ يَحْيى ... ترَكَ الناسَ كلَّهُمْ شُعراَءا
وقال ابن الرومي:
كرُمْتُمْ فَجاشَ المُفْحَمون لِمَدْحِكُمْ ... إذا رَجَزُوا فيكم أبيْتُمْ فقَصَّدوا
كَما أزْهرتْ جنّاتُ عدْنٍ وأثْمَرتْ ... فأضْحتْ وعُجْمُ الطيْرِ فيها تُغرِّدُ
وممّا كتبه بعضهم: فتحَتْ شِيَمُه على المُدّاح مُسْتَغْلَقاتِ الكلامِ. .
وقال أبو تمام:
ملِكٌ إذا ما الشِّعْرُ حارَ ببَلْدةٍ ... كانَ الطريقَ لِطَرْفِه المُتحيِّرِ
وقال المتنبي:
يا أيُّها المحْسِنُ المشكورُ مِنْ جِهتي ... والشُّكْرُ من قِبَلِ الإحسانِ لا قِبَلي
وقال ابنُ طَباطبا فيمن يُستفاد منه ما يُمدح به:
(1/210)

لا تُنْكِرَنْ إهْداَءنا لَكَ مَنْطِقاً ... مِنْكَ اسْتَفَدْنا حُسْنَهُ ونِظامَه
فاللهُ عزَّ وجلَّ يشْكُرُ فِعْلَ مَنْ ... يَتلو عليهِ وَحْيَه وكلامَه
وقال القاضي علي بن عبد العزيز الجُرْجاني فيمن يليقُ به مدحُه:
وأرَى المَديحَ إذا عَداك نَقيصَةً ... فأعافُه ولَوَ انَّهُ في حاتمِ
فإذا امتدحْتُ سِواك قالَ الشِّعْرُ لي ... لَمْ تَرْعَ حقِّيَ إذْ أبَحْتَ مَحارمي
ووصف أعرابيٌّ رجلاً مُجمعاً على مدحه: كأنّ الألسنَ والقلوب ريضَت له، فما تُعقد إلا على ودِّه، ولا تنطق إلا بِحَمْده. وقال البحتريّ:
وأرَى الخَلْقَ مُجْمِعينَ على فَضْ ... لِكَ من بيْنِ سيِّدٍ ومَسودِ
عرَف الجاهلون فضلَكَ بِالعِ ... لْمِ وقال الجُهَّالُ بالتّقليدِ
وقال ابن الرومي:
يا مَن إذا قلتُ فيه صالِحةً ... عِندَ عَدوٍّ أقرَّ واعْترفا
وقال البحتريُّ في المستغني عن المدح لكثرةِ فَضْله:
جَلَّ عَنْ مَذْهَبِ المَديحِ فقدْ كا ... دَ يكونُ المَديحُ فيه هِجاَء
وقال المتنبي:
تجاوَزَ قدْرَ المَدْحِ حتّى كأنَّه ... بأكْثرِ ما يُثْنَى عَليهِ يُعابُ

حبُّ المنعم أن يُرى أثر إنعامه
قال سيِّدُنا رسولُ الله صلوات الله عليه: إنّ اللهَ يحبُّ أن يُرى أثرُ
(1/211)

نِعْمَتِه على عبده. . قال الإمام المناوي في شرحه على الجامع الصغير: قيل معنى يُرى: مزيد الشكرِ لله تعالى، بالعمل الصالح والثناء والذكرِ له بما هو أهلُه، والعطفُ والترحُّم، والإنفاقُ من فضل ما عنده وأحسن كما أحسنَ اللهُ إليك، والخلق كلُّهم عِيالُ الله، وأحبُّهم إليه أنفعُهم لِعيالِه، فيُرى أثرُ الجِدَّةِ عليه زيّاً وإنفاقاً وشُكراً إلى آخر ما قال وهكذا يحبُّ الناسُ أن يُرى أثرُ أنعامهم على من يُنعمون عليهم، روى أبو هلال العسكري عن العُتْبيِّ ما يلي: أراد جعفرُ بن يحيى حاجةً كان طريقُه إليها على باب الأصمعيّ فدفعَ إلى خادمٍ له كيساً فيه ألفُ دينار وقال: إنّي سأعَرِّج في رجعتي على الأصمعيّ، ثم سيحدثني ويضحكني، فإذا ضَحِكْتُ فَضَعِ الكيسَ بين يديه، فلمّا رجع ودخلَ إليه رأى حُبّاً مكسورَ الرأسِ وجَرّةً مكسورةَ العُنق، وقَصْعةً مُشَعّبة، وجفنةً أعشاراً، ورآه على مصلًى بالٍ وعليه بَرْنكان أجردُ، فغمز غلامَه أنْ لا يضعَ الكيسَ بين يديه، فلم يدعِ الأصمعيُّ شيئاً مما يضحكُ الثّكلان والغَضْبان إلا أوردَه عليه، فلَمْ يتبسّم، ثمّ خرجَ فقال لرجلٍ يسايرُه: مَن استرعى الذئبَ ظلَم، ومن زرعَ السّبْخةَ حصدَ الفقرَ، إنّي واللهِ لمّا علمت أنَّ هذا يكتم المَعْروفَ بالفعلِ ما حَفِلْتُ بِنَشْره له باللسان، وأين يقعُ مديحُ اللسانِ من آثارِ العِيان! إنّ اللسانَ قد يكذب، والحالُ لا تكذب، ولله درُّ نُصَيْبٍ حيث يقول:
فَعاجُوا فأثْنَوْا بالذي أنْتَ أهلُهُ ... ولو سَكَتوا أثْنَتْ عليكَ الحقائِبُ
ثم قال: أعَلِمْتَ أنّ ناووسَ أبْريزَ أمدحُ لأبْرويزَ من زهيرٍ لآلِ سنانٍ!
(1/212)

وقالت الحكماء: لسانُ الحالِ أصدقُ مِنْ لِسانِ الشُّكر: وقد أجاد ابن الرومي في هذا المعنى فقال:
حالي تبُوحُ بما أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ ... فكُلُّ ما تَدَّعِيه غَيْرُ مَردُودِ
كلِّي هِجَاءٌ وقَتْلي لا يَحِلُّ لكُمْ ... فيما يُداوِيكُمُ منِّي سِوَى الجودِ
وقالوا: شهاداتُ الأحوالِ أعدلُ من شهاداتِ الرِّجال.

لا يَمدحون إلا إذا أُعطوا
واعتذارهم عن ذلك
قالت بنو تميم لسلامَةَ بن جندل: مَجِّدْنا بِشِعْرِك، فقال: افْعَلوا حتّى أُثني، ونحوُه قولُ عَمْرو بن معد يكرب:
فلَوْ أنّ قومي أنْطَقَتْني رِماحُهُمْ ... نَطقْتُ ولَكِنّ الرِّماحَ أجَرَّتِ
أجرَّت: قطعت، يقول: لو قاتل قومي أو أبلَوْا لذكرت ذلك وفخرت به، ولكن رماحَهم أجرَّتني: أي قطعت لساني عن الكلام بفِرارهم، أراد أنهم لم يقاتلوا.
وقال بعضُ الأكابر لأبي هفّان: مالك لا تمدحني؟ فقال:
لِسَانُ الشُّكْرِ تُنْطِقُهُ العَطَايا ... ويَخْرَسُ عند مُنْقَطَعِ النّوالِ
وعاتب يوماً محمد بن عبد الملك الزيات الوزير أبا تمّام على مدحه سواه فاعتذر إليه بأبياتٍ يقول فيها:
أمّا القوافي فقَدْ حَصَّلْتَ عُذْرَتَهَا ... فما يُصابُ دمٌ منها ولا سَلَبُ
(1/213)

مَنَعْتَ إلا مِنَ الأكْفَاءِ ناكِحَها ... وكان منْكَ علَيْهَا العَطْفُ والحدَبُ
ولو عَضَلْتَ عن الأكْفَاءِ أيِّمَهَا ... ولَمْ يكُنْ لك في أطْهارِها أرَبُ
كانَتْ بناتِ نُصَيْبٍ حينَ ضَنَّ بها ... على المَوالي ولم تَحْفِلْ بها العَرَبُ
العُذْرة: البَكارة، والحَدَب: الإشفاق، وعضل الأيِّم: فالأيِّم: التي لا زوجَ لها بكراً كانت أو ثيّباً والجمع: أيامى وأيايم، وعضل الرجل أيِّمَه يَعْضُلها ويَعْضِلُها عَضْلاً: منَعَها الزَّواجَ ظُلماً قال تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}، نزلت في مَعْقلِ بنِ يسار المُزَني - وكان زوَّج أختَه رجلاً فطلّقها، فلما انقضت عدَّتُها خطبَها، فآلى أن لا يزوِّجَه إيّاها ورغبت فيه أختُه فنزلت الآية. . . وكان نُصيْبُ الشاعر الأسودُ له بناتٌ وكان يرغب عن أن يزوِّجَهن من الموالي، والعرب لا ترغب فيهن، فبقين بلا زواج، قيل له يوماً: ما حال بناتِك؟ فقال: صببت عليهِنَّ من جِلْدي فكَسَدْنَ عليَّ. . . وكتب هذا الوزير الزيات إلى أبي تمام يوماً يحتجُّ عليه بأنّه يمدح غيره وأنّه لو اقتصر عليه لأغناه وأنَّ كثرةَ مدحِه الناسَ
زهَّدته فيه:
رَأيْتُكَ سَمْحَ البَيْعِ سَهلاً وإنّما ... يُغالي إذا ما ضَنَّ بالشَّيْءِ بائِعُهْ
هُوَ الماءُ إنْ أجْمَمْتَه طابَ وِرْدُه ... ويَفْسُدُ منه ما تُباحُ شَرائِعُهْ
فكتب إليه أبو تمام:
أبا جَعْفرٍ إنْ كنتُ أصْبَحْتُ شاعِراً ... أُساهِلُ في بَيْعي له مَنْ أُبايِِعُهْ
فَقَدْ كُنْتَ قبْلي شاعِراً ذا رَوِيَّةٍ ... تُساهِلُ مَنْ هانَتْ عليه بَضائِعُهْ
وصِرْتَ وزيراً والوِزَارةُ مَشْرَبٌ ... يَغَصُّ به بعدَ اللَّذاذةِ كارِعُهْ
وكَمْ مِنْ وزيرٍ قد رأيْنَا مُسلَّطاً ... رأيْناه قد سُدَّتْ عليه مَطالِعُهْ
وللهِ قوْسٌ لا تَطِيشُ سِهامُها ... وللهِ سَيْفٌ لا تُفَلُّ مَقاطِعُهْ
(1/214)

يقول: إنّ سهامَ اللهِ مصيبةٌ لا تُخطئ وسيفَه لا يثلم البتّة، فهو الذي جعلك وزيراً ولو شاء لأنزلك عن دستك.

حثهم على الشكر ولو لِمَنْ ليس على دينهم
قال رجلٌ لسعيد بن جبير: المجوسيُّ يُوليني خيراً فأشكرُه، ويسلِّمُ عليَّ فأردُّ عليه؟ فقال سعيد: سألت ابنَ عبّاسٍ عن نحو هذا، فقال لي: لو قال لي فرعونُ خيراً لردَدْتُ عليه. . . وسلّم نصرانيٌّ على الشَّعبيِّ، فقال الشَّعبيُّ: وعليك السلامُ ورحمةُ الله، فقال له رجلٌ: سبحانَ الله، تقول لهذا النصرانيِّ ورحمةُ الله! فقال الشَّعبيُّ: أليس في رحمةِ اللهِ يعيش؟ قال: بلى، قال: فما وجهُ الإنكارِ عليّ عافاك اللهُ ورَحِمَنا وإيّاك برحمته؟

استحياؤهم من المديح
ولاسيَّما إذا كان مُتكلَّفاً أو مُبالغاً فيه
سمع سيدُنا رسولُ الله رجلاً يثني على آخرَ، فقال: (قَطَعْت مَطاه، لو سَمِعَ ما أفلحَ) المطا: الظهر وقالوا: استحياءُ الكريم من المدحِ أكثرُ من استحياءِ اللئيمِ من الذَّمِّ. . . وأثنى رجلٌ على هشام بن عبد الملك، فقال: إنّا نكره المدحَ، فقال: لست أمدَحُك ولكنّي أحمدُ اللهَ فيك. . . وكان أبو بكر الصديق رضوان الله عليه يقول إذا مُدِح: اللَّهمَّ، أنت أعلمُ منّي بنفسي منهم، اللهمّ، اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون. . . وكان رجلٌ يكثر الثناء على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعَلِمَ من قلبِه خلافَ
قوله، فقال له: أنا دونَ ما تقول، وفوقَ ما في نفسك؛ وقال الجاحظ: شرُّ الشُّكْرِ، ثناءُ المُواجِه لك المُسْرِف في مدحك،
(1/215)

وخيرُه، ثناءُ الغائبِ عنك، المقتصدِ في وصفك. وقالوا: كن ممّن أفرطَ في تزكيتك أحذرَ ممّن أفرطَ في الزِّرايةِ بك. وقالوا: من مدحَ الرجلَ بما ليس فيه فقد بالغَ في ذمِّه. وقال أبو فراس الحمداني:
ولا تَقبَلَنَّ القولَ مِنْ كلِّ قائلٍ ... سأُرْضِيكَ مَرأىً لَسْتُ أرْضيكَ مَسْمَعا
وقال الفضيلُ بن عياض: لو شممتم رائحةَ الذُّنوبِ منّي ما قَرِبْتموني. . . وأُثنِيَ على زاهدٍ، فقال: لو عَرَفْتَ مني ما عرفتُ من نفسي لأبْغَضْتَني. وقال المتنبّي:
يُحَدَّثُ عَنْ فَضْلِه مُكْرَهَاً ... كأنَّ له مِنه قلباً حَسُودا

من يمدح نفسه
خطب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه خطبةً حسنةً، فقال: هل من خللٍ؟ فقال رجلٌ من عُرْضِ الناس: خَلَلٌ كَخَلَلِ المُنْخُلِ، فاستدعاه وقال: ما ذاك الخلل؟ قال: إعجابُك به ومدحُك له. . . وقيل لحكيم: ما الذي لا يَحْسُنُ وإن كان حقاً؟ قال: مدحُ الرجلِ نفسَه. . . وقال معاوية لرجلٍ: من سيِّد قومك؟ فقال: أنا، فقال له: لو كنتَ كذلك لم تَقُلْه. . . ومن طرفهم في ذلك ما رُوي عن بعض الشعراء أنه سُئل: كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحتُ والله أظرفَ الناس وأشعرَ الناس وآدبَ الناس، فقال السائل: اسكت حتّى يقولَ الناسُ ذلك، فقال: أنا منذُ ثلاثين سنة أنتظر أن يقولَ الناس وليْسوا يقولون. . . ومدح أعرابيٌّ نفسَه فعُوتِبَ في ذلك، فقال: أأكِلُه إليكم! إذن واللهِ لا تقولوا أبداً. . .
(1/216)

عذر من يُضطرّ إلى مدح نفسه
قال ابنُ الروميِّ في ذلك:
وعَزيزٌ عليَّ مَدْحي لِنَفْسي ... غيرَ أنِّي جُشِّمْتُه لِلدَّلالَهْ
وهْوَ عَيْبٌ يكادُ يسْقُطُ فيه ... كلُّ حُرٍّ يُريدُ يُظْهِرُ حالَهْ
ووُصِفَ لأبي جعفر المنصور بعضُ الأفاضل، فأمر بإشْخاصِه إليه؛ فلمّا دخل قال له: أعالِمٌ أنت؟ فقال: أكره أن أقولَ: نعم، وفيه ما فيه، أو أقول: لا، فأكون جاهلاً. فأعجب المنصور بجوابه وألزمه المهديّ.

نهيُهم عن المدح قبل الاختبار
قالوا: لا تَهْرِف قبل أن تَعْرِف أي لا تمدح قبلَ التجربة، وأصل الهَرْفِ: الهذيان قال الأزهري: الهَرْفُ: شبه الهذيان من الإعجابِ بالشَّيء يقال: هو يَهْرَف بفلانٍ نهارَه كُلَّه هَرْفاً وقالوا: لا تَحْمَدَنَّ أمةً عام شرائِها، ولا حُرّةً قبل بِنائِها قبل الدخولِ بها. . . وقال رجلٌ لعمرَ رضي الله عنه: إنّ فلاناً رجلُ صِدْقٍ، فقال: هل سافرْتَ معه، أو ائْتَمَنْته؟ قال: لا، فقال: إذن لا تمدحْه، فلا علمَ لك به، لعلّك رأيتَه يَرْفَعُ رأسَه ويخفضُه في المسجد!

ختام الباب
عبقريات شتّى في الشكر
قال أبو ذرٍّ: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجلُ يعملُ العملَ ويحبُّه الناسُ؟ قال: تلك عاجِلُ بُشْرى المُؤْمن. . . وقال صلواتُ الله عليه: إذا أردْتم أن تعلموا ما للعبدِ عند الله فانْظُروا ماذا يتبعُه من الثناء. . .
(1/217)

وقال شاعرٌ:
عُثْمانُ يَعْلمُ أنّ الحمدَ ذُو ثَمنٍ ... لكنّه يَشْتَهي حَمْداً بمَجّانِ
والناسُ أكْيَسُ مِنْ أنْ يَحْمَدوا رَجُلاً ... حتّى يَرَوا قَبْلَه آثارَ إحْسانِ
وقال معاوية بن أبي سفيان يعاتب قريشاً:
إذا أنا أعْطَيْتُ القليلَ شَكوْتُمُ ... وإنْ أنا أعْطيتُ الكثيرَ فلا شُكْرُ
وما لُمْتُ نفسي في قضاءِ حُقوقِكم ... وقدْ كانَ لي فيما اعْتذَرْتُ به عُذْرُ
وأمْنَحُكمْ مالي وتُكْفَرُ نِعْمَتي ... وتَشْتِمُ عِرْضِي في مَجالِسِها فِهْرُ
إذا العُذْرُ لم يُقْبَلْ ولم يَنْفَعِ الأَسَى ... وضاقَتْ قلوبٌ مِنهُمُ حَشْوُها الغِمْرُ
فكيفَ أُداوي داَءكم ودَواؤُكم ... يَزيدُكم غَيّاً! فقَدْ عَظُمَ الأمْرُ
سَأَحْرِمُكمْ حتّى يَذِلَّ صِعابُكُمْ ... وأبْلَغُ شَيْءٍ في صلاحِكُمُ الفَقْرُ
وقال ابنُ الرومي:
كَمْ مِنْ يَدٍ بَيْضَاَء قدْ أَسْدَيْتَها ... تَثْني إليْكَ عِنانَ كُلِّ وِدَادِ
شَكَرَ الإلهُ صَنَائِعاً أوْلَيْتَها ... سَلَكَتْ مع الأرْواحِ في الأجسادِ
وقال الشّريف الرضيُّ:
أَلْبَسْتَني نِعَماً على نِعَمِ ... وَرَفَعْتَ لي عَلَماً على عَلَمِ
وعَلَوْتَ بي حتَّى مَشَيْتُ على ... بُسُطٍ مِنَ الأعْنَاقِ والقِمَمِ
فلأشْكُرَنَّ يَدَيْكَ ما شَكَرَتْ ... خُضْرُ الرِّياضِ مَصَانِعَ الدِّيَمِ
(1/218)

فالحمدُ يُبْقِي ذِكْرَ كُلِّ فتًى ... ويُبينُ قدْرَ مَوَاقِعِ الكَرَمِ
والشُّكْرُ مَهْرٌ لِلصَّنيعَةِ إنْ ... طُلِبَتْ مُهُورُ عَقائِلِ النِّعَمِ
القمم جمع قِمّة: أعلى الرأس وأعلى كل شيء، والديم جمع ديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق يدوم ثلث نهار أو ثلث ليل فأكثر، والصنيعة: ما أسديت من معروف، والعقائل: كرائم الأموال وقال رجل لبعض ذوي السلطان: المواجهةُ بالشكر ضَرْبٌ من المَلَقِ، منسوبٌ من عُرف به إلى التَّخَلُّقِ، وأنْتَ تمنعني من ذلك، وترفع الحال بيننا عنه، ولذلك تَرَكْتُ لِقاءَك به، غيرَ أنّي مِن الاعترافِ بِمَعْروفِك، ونَشْرِ ما تطوي منه، والإشادة بذكره عند إخوانك، والانتساب إلى التقصير مع الإطناب في وصفه، على ما أرجو أن أكون قد بلغتُ به حالَ المُحْتمل للصَّنيعة النّاهض بحقِّ النِّعْمَةِ. وقال أبو يعقوب الخُرَيميُّ:
زادَ مَعْروفَك عِندِي عِظَماً ... أنَّهُ عِنْدَكَ مَحْقُورٌ صَغِيرُ
تتناساهُ كأنْ لمْ تأتِهِ ... وهْوَ عند الناسِ مَشهورٌ كبيرُ
وقال بعضُهم: لا تَثِقْ بِشُكْرِ مَنْ تُعطيه حتّى تمنعَه، فإن الصابر هو الشاكرُ، والجازعَ هو الكافرُ. . . وقال الشاعر:
إذا أنا لم أشْكُرْ على الخَيْرِ أهْلَهُ ... ولمْ أذْمُمِ الجِبْسَ اللَّئيمَ المُذَمَّمَا
ففِيمَ عَرفْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ باسْمِهِ ... وشَقَّ ليَ اللهُ المَسامِعَ والْفَمَا
وقال ابنُ التَّوْءَم: كلُّ مَنْ كان، جودُه يرجع إليه، ولولا رجوعُه إليه لَما جاد عليك، ولو تهيّأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك، فليس يجب له عليك شكرٌ، وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على
(1/219)

النفع في حُجّة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جودُه بشيءٍ من النفع على جهةٍ من الجهات، وهو اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فإن شكرنا الناسَ على بعض ما جرى لنا على أيديهم، فلأمرين: أحدُهما التعبّد، وقد أمر الله تعالى بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين، وتعظيمِ من هو أسنُّ منّا وإن كنّا أفضلَ منه. والآخر: لأن النفسَ ما لا تُحصِّلُ الأمور وتميّز المعاني، فالسابق إليها حبُّ مَنْ جرى لها على يديه الخير وإن كان لم يُردْها ولم يقصد إليها. ألا ترى أنّ عطيةَ الرجلِ صاحبَه لا
تخلو أن تكونَ لله أو لغير لله، فإن كانت لله فثوابُه على الله، وكيف يجب في حُجّة العقل شكرُه وهو لو صادف ابن سبيلٍ غيري لما أعطاني، وإمّا أن يكونَ إعطاؤه إيّاي للذكر، فإن كان كذلك فإنّما جعلني سُلّماً إلى حاجته وسبباً إلى بُغيته، أو يكون إعطاؤه إيّاي طلباً للمكافأة فإنما ذلك تجارةٌ، أو يكون إعطاؤه لخوفِ يدي أو لساني أو اجترار معونتي ونُصرتي، وسبيلُ هذا معروف، أو يكون إعطاؤه للرحمة والرقَّة ولما يجد في فؤادِه من العَصْرِ والألم، فإنّما داوى بتلك العطية من دائِه، ورفَّه من خِناقه. . . وقال بشار بن برد:
أُثْني عليكَ ولي حالٌ تُكَذِّبُني ... فيما أقولُ فأسْتَحْيي من الناسِ
قد قلتُ إنّ أبا حَفْصٍ لأكرمُ مَنْ ... يَمْشي فخاصَمني في ذاكَ إفلاسي
وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها كثيراً ما تتمثل بقول الشاعر:
يَجْزِيكَ أو يُثْني عليكَ وإنّ مَنْ ... أَثْنى عليك بما فعلْتَ كَمَنْ جَزى
وقالوا: خمسةُ أشياءَ ضائعةٌ: سراجٌ يوقد في شمسٍ، ومطرٌ جَوْدٌ في سَبْخةٍ، وحَسناءُ تزفُّ إلى عِنّينٍ، وطعامٌ استُجيد وقُدِّم إلى سكران، ومعروفٌ صُنِعَ إلى من لا شُكْرَ له. . .
(1/220)

الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه
وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات
ماذا يُرادُ بالصَّبْرِ في هذا الباب
قال علماءُ اللغة: الصَّبْرُ، نقيضُ الجَزع، أو حَبْسُ النفسِ عندَ الجَزع، يقال: صَبَرَ فلانٌ عند المصيبةِ يَصْبِر صَبْراً، وصبَّرْته أنا: حَبَسْتُه، والتصبُّر: تكلّف الصبر، قال عمر رضي الله عنه: أفضل الصبر: التصبُّر. . . وقال الراغب الأصفهاني في الذريعة: الصَّبر ضربان: جسميٌّ ونفسيٌّ، فالجِسْميُّ: هو تحمُّل المشاقِّ بقدر القوّة البدنيّة، وأكثرُها لذوي الجسومِ الخَشِنة، وليس ذلك لفضيلةٍ تامة، وذلك في الفعل كالمشي ورفع الحَجَر، وفي الانفعال كالصَّبرِ على المرض، والنفسيّ - وبه تُعلَّق الفضيلةُ - ضربان: صبرٌ عن تناولِ مُشتهًى، ويقال له: العِفّة؛ وصبرٌ على تحمُّل مكروهٍ أو محبوب، وهذا تختلف أسماؤه بحسب اختلاف مواقعه، فإذا كان في نزول مصيبة فإنه مما استبدَّ به اسم الصبر، وضدُّه الجزع والهلع والحزن، وإن كان في احتمال غنى فقد سُمّي ضبطَ النفس ويضادُّه الدَّقْعُ والبَطَر، وإن كان في محاربةٍ سُمّي شجاعةً ويضادُّه: الجبن، وإن كان في إمساكِ النّفس عن قضاءِ وَطَرِ الغضبِ سُمّي حِلماً، ويضادُّه: التذمُّر، وإن كان في نائبةٍ مُضْجِرةٍ سُمّي سَعَةَ الصدر؛ ويضادُّه ضيقُ الصدر والضَّجر والتبرُّم، وإن كان في إمساك كلامٍ
(1/221)

في الضمير سُمّي كتمانَ سِرٍّ، ويضادُّه: الإفشاء، وإن كان في الإمساك عن فضولاتِ العيش سُمّي قناعةً وزُهْداً، وهذا يضادُّه: الحرصُ والشَّرَه. . .
وبعد فها أنت ذا ترى ممّا أوردنا عليك من كلام الراغب: أنّ الصبرَ ألوانٌ، ومن أخصِّ ألوانه: الصبرُ على المصائب، ذلك الذي يضادُّه الجزع وهذا اللون هو الذي سوف نتصدّى له في هذا الباب، أما سائرُ الألوان فإنّ لكل منها باباً لقد عقدناه فيما يلي هذا الباب من الأبواب.

عبقريّاتهم في الصبر
قال الراغب في فصل عنوانه مُداواةُ الغمِّ وإزالةُ الخوف مع شيءٍ من التصرف: خليقٌ بالإنسانِ أن يعلمَ أنّ الدنيا جمَّةُ المصائِبِ رَنْقةُ المشارِبِ تُثمر للبَرِيّةِ أضعافَ البليّة، فيها مع كل لقمةٍ غُصّة، ومع كل جُرْعةٍ شَرْقةٌ، فهي عَدوَّةٌ ومَحْبوبةٌ كما قال أبو نواس:
إذا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشّفَتْ ... لَهُ عن عَدُوٍّ في ثِيَابِ صَديقٍ
وكما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: ما مثلُنا مع الدُّنيا إلا كما قال كثيّر:
أَسيِئي بِنَا أوْ أحْسِنِي لا مُلومَةٌ ... لَدَيْنا وَلا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
(1/222)

فما أحدٌ فيها إلا وهو في كلِّ حالاته غرضٌ لسِهامِها:
تُناضِلُهُ الآفاتُ مِنْ كلِّ جانبٍ ... فتُخْطِئُهُ يوماً ويوماً تُصِيبُهُ
وقال بعضُ الحكماء: أسبابُ الحزن فقدُ محبوبٍ أو فوتُ مطلوبٍ، ولا يسلم مِنْهما إنسانٌ، لأن الثّباتَ والدّوامَ معدومان في عالم الكون والفساد فمن أحبَّ أن يعيشَ هو وأهلُه وأحبابُه سالمين فهو غيرُ عاقلٍ، لأنّه يريدُ أن يملكَ ما لا يُملكُ، ويُوجِدَ له ما لا يُوجَدُ، فحقيقٌ بالمرءِ أن لا يُخلي قلبَه من الاعتبارِ بما يرى، من ارْتجاعٍ لودائِعِها من أربابِها، وحلولٍ لنوائبِها بأصْحابها.
ثمَّ من حقّه أن يقلّل من اقتناءِ ما يورثُه الحزنَ، فقد قيل لحكيم: لم لا تغتمُّ؟ فقال: لأنّي لم أقتنِ ما يغمُّني فقدُه، أخذه الشاعرُ فقال:
فمَنْ سَرَّهُ أن لا يَرى ما يسوؤُه ... فلا يَتَّخِذْ شَيْئاً يَخاف له فَقْدا
وقيل لحكيم: هل للإنسان أن يعيشَ آمِناًً؟ قال: نعم، إذا احترسَ من الخطيئةِ، وقَنِعَ بحلاله، ولم يحزن لما هو واقعٌ به لا محالة. واعلم أنّ الجزع على ما فات لا يَلُمُّ ما تشعَّث ولا يُبْرمُ ما انْتكَث؛ فأمّا غمُّه على المُستقبل فلا يخلو من ثلاثةِ أوْجهٍ: إمّا في شيءٍ ممتنعٍ كونُه، أو واجبٍ كونُه، أو ممكنٍ، فإن كان على ما هو ممتنعٌ كونُه فليس ذلك من شأنِ العقلاء، وكذلك إذا كان من قبيلِ الواجبِ كونُه، كالموتِ الذي هو حَتْمٌ في رقابِ العباد، وإن كان ممكناً كونُه فإن كان من الممكن الذي لا سبيلَ إلى دفعِه كإمكانِ الموتِ قبل الهرمِ فالحزنُ له جهل، واستجلابُ غَمٍّ، وإن كان من الممكن الذي يصحُّ دفعُه فالوجهُ أن يحتالَ إلى دفعِه بفعلٍ غير مشوبٍ بحزن، فإن دَفَعَه وإلا
(1/223)

تلقّاه بصبر، وليتحقّق قولُه عزّ وجلّ: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ}، فمَنْ علم أن ما جرى في حكمِه وسبقَ في علمِه لا سبيلَ إلى أن لا يكونَ، هانت عليه النُّوَبُ، واعلم أن الذي يَغرُّ الناسَ هو حسنُ ظنِّهم باغترار الآفات، واغترارُهم حالةً بعد حالة بصفاء الأوقات، ولو تأمّلوها لتحقّقوا أنّها كما قال علي رضي الله تعالى عنه: ما قال الناسُ لقومٍ طوبى لكم إلا وقد خبّأ الدهرُ لهم يومَ
سوءٍ:
إنَّ الليالِيَ لَمْ تُحسِنْ إلى أحدٍ ... إلا أساَءتْ إليهِ بَعْدَ إحسانِ
انتهى كلامُ الراغبِ، ومن أبدعِ ما قيل في الصَّبْرِ والجَزَعِ قولُ ابنِ الرّومي:
أرَى الصبرَ مَحْموداً وعنه مذاهِبٌ ... فكيفَ إذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْه مَذْهَبُ
هُناك يَحِقُّ الصَّبْرُ والصبرُ وَاجبٌ ... وما كان منه كالضَّرورةِ أوْجَبُ
فشَدَّ امْرُؤٌ بالصَّبرِ كَفَّاً فإنّه ... له عِصْمةٌ أسبابُها لا تَقَضَّبُ
هُوَ المَهْرَبُ المُنْجِي لِمَنْ أَحْدقَتْ بهِ ... مَكارِهُ دهْرٍ ليسَ مِنْهُنَّ مَهْرَبُ
أعُدُّ خِلالاً فيه ليسَ لِعاقِلٍ ... من الناسِ - إنْ أُنصِفْنَ - عَنْهُنَّ مَرْغَبُ
لَبُوسُ جَمالٍ، جُنَّةٌ مِنْ شَماتَةٍ ... شِفاءُ أسًى يُثْنَى به ويُثَوّبُ
(1/224)

فيا عَجَباً للشّيءِ هذي خِلالُه ... وتاركُ ما فيهِ من الحَظِّ أعْجَبُ
وقَدْ يَتَظَنَّى الناسُ أنَّ أساهُمُ ... وصَبْرَهُمُ فيهِمْ طِباعٌ مُركَّبُ
وأنّهُما ليسا كشَيْءٍ مُصرَّفٍ ... يُصرِّفُه ذو نَكْبَةٍ حين يُنكَبُ
فإنْ شاَء أن يأْسَى أطاعَ له الأَسَى ... وإنْ شاَء صبراً جاَءه الصَّبرُ يُجْلَبُ
ولكِنْ ضَروريّانِ كالشَّيْءِ يُبتَلى ... بهِ المرءُ مَغْلوباً وكالشَّيْءِ يذْهَبُ
ولَيْسا كَما ظَنُّوهُمَا، بل كِلاهُما ... لكُلِّ لَبِيبٍ مُسْتَطاعٌ مُسبَّبُ
يُصَرِّفهُ المُختارُ مِنَّا، فَتارةً ... يُرادُ فيأتي أوْ يُذادُ فيَذْهَبُ
(1/225)

إذا احْتَجَّ مُحْتجٌّ على النَّفْسِ لم تَكَدْ ... على قَدَرٍ يُمْنَى لها تَتَعَتَّبُ
وساعَدَها الصَّبْرُ الجميلُ فأَقبَلَتْ ... إليها له طَوْعاً جَنائِبُ تُجْنَبُ
وإنْ هو مَنَّاها الأباطيلَ لم تَزَلْ ... تُقاتِلُ بالعَتْبِ القضاَء وتُغْلَبُ
فتُضْحِي جَزوعاً إنْ أصابَتْ مُصيبةٌ ... وتُمْسِي هَلوعاً إنْ تَعذَّرَ مَطْلَبُ
فلا يَعذِرَنَّ التارِكُ الصَّبْرَ نفسَه ... بأنْ قيلَ: إنَّ الصَّبْرَ لا يُتَكَسَّبُ
وقال الأصمعيُّ: أحسنُ ما قيل في الصَّبر مع الشرح قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذلي:
وتَجَلُّدِي للشّامِتينَ أُرِيهُمُ ... أنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أتَضَعْضَعُ
حتّى كأنّي للحَوادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا المُشَقَّرِ كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
لا أتضعضع: لا أذلُّ ولا أخضع، وريْبُ الدّهر: صرفُه، والمروة واحدة المَرْوِ وهي:
حجارةٌ بيضٌ بَرّاقة يُقدحُ منها النار: ومروة المَسْعى التي تذكر مع الصفا في الحج - وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعيُ إليهما - سُمّيت بذلك، وبصفا
(1/226)

المشقَّر يُروى: بصفا المشرَّق، أمّا المُشقَّر فهو: موضع أو حصن بالبحرين قديم بناه كسرى، والمشرَّق فهو: جبلٌ بسوق الطائف، والصفا: جمعُ صَفاة: صخرةٌ ملساء وبه سُمّي أحدُ جبلَيْ المَسْعى، وهذانِ البيتانِ من قصيدة أبي ذؤيب التي يرثي بها بنيه الخمسة وقد ماتوا في عامٍ واحد، وأوّلها:
أمِنَ المَنُونِ ورَيبِها تتوجَّعُ ... والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
قالَتْ أُمامَةُ: ما لِجِسْمِكَ شاحِباً ... مُنْذُ ابْتُليتَ ومِثلُ مالِكَ ينْفَعُ
أمْ ما لِجِسْمِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعَاً ... إلا أقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ
يروى أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه استأذن على معاويةَ في مرضِ موتِه ليعودَه، فادَّهَنَ واكتحلَ - أي معاوية - وأمرَ أن يُقْعَدَ ويُسْندَ وقال: ائذنوا له، وليُسلِّم قائماً ولْيَنْصرِفْ، فلمّا سلّم عليه وولّى، أنشد معاويةُ قولَ أبي ذؤيب: وتجلُّدي للشّامتين. . . البيت، فأجابه ابنُ عبّاس على الفور:
وإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفارَها ... ألْفَيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ
ثم ما خرجَ مِنْ دارِه حتى سمع نعيَه. . . وقال ضابئ بنُ الحارث البُرْجُميُّ من أبياتٍ قالها في سجن عثمانَ بنِ عفّان رضي الله عنه:
ورُبَّ أُمورٍ لا تَضِيرُكَ ضَيْرَةً ... ولِلْقَلْبِ مِنْ مَخْشاتِهِنَّ وَجِيبُ
ولا خَيْرَ في مَنْ لا يُوَطِّنُ نفسَه ... على نائِباتِ الدَّهْرِ حينَ تَنُوبُ
(1/227)

قوله: لا تضيرك ضيرةً، فالعرب تقول: ضارَه يَضيرُه ضَيْراً وضَيْرةً - المَرّةُ من الضّيْرِ - ولا ضَيْرَ عليك، وضَرَّه يَضُرُّه ولا ضَرَرَ عليه، والمَخْشاةُ مَصْدَرُ خَشِيَه يَخْشاه خَشْيةً ومَخْشاةً ومَخْشِيةً: خافَه، وفي معنى هذا البيت يقول أبو العتاهية:
وقد يَهْلِكُ الإنسانُ من بابِ أمْنِه ... ويَنْجو بإذْنِ اللهِ من حيثُ يَحْذَرُ
والأصلُ في هذا قولُه عزَّ وجلَّ: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}، وقوله: ولا خيرَ فيمن لا يوطّن نفسَه. . . البيت: نظيرُه قولُ كثيّر عزّة:
أقولُ لَها: يا عَزُّ، كلُّ مُصيبةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يَوْماً لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ
قال عبد الملك: لو قال كثيّر هذا البيتَ في صفة الحرب لكان أشعرَ النّاس، وفي الأثر:
للمِحَنِ أوقاتٌ ولها غاياتٌ، واجتهادُ العبدِ في مِحْنَتِه قبل إزالةِ اللهِ لها، زيادةٌ فيها قال تعالى: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ}. . . وقالوا: المُمْتَحَنُ كالمُخْتَنِقِ كلّما ازدادَ اضْطراباً ازدادَ اخْتِناقاً. . . وحُكي عن بعضِ الصالحين: أنّ ابناً له مات فلم يُرَ به جزعٌ، فقيل له في ذلك فقال: هذا أمرٌ كنا نتوقَّعُه، فلمّا وقع لَمْ نُنْكره. . . وقالوا: من أراد طولَ البقاءِ فليوطِّن نفسَه على المصائب؛ وقالوا: المُصيبةُ للصّابرِ واحدةٌ وللجازعِ اثنتان، وقال أكثم بن صيفيٍّ: حيلةُ مَنْ لا حيلةَ له: الصبرُ. وسيّد الكلام في الصبر قولُ المصطفى صلوات الله عليه: (لو كان الصَّبْرُ رجلاً لكان رَجُلاً كريماً) الكريم ضِدُّ اللئيم.
(1/228)

عودٌ إلى أسباب الحزن
وقال الفيلسوف أبو يعقوبَ الكِنْديُّ: أسبابُ الحزن: فقدُ محبوبٍ، أو فوتُ مطلوبٍ، ولا يَسلَمُ منهما إنسانٌ، لأنَّ الثباتَ والدوامَ معدومان في عالم الكون والفساد؛ وقال الحسن البصري: الدُّنيا دارُ غُمومٍ، فمن عُوجِلَ فُجِعَ بنفسِه، ومن أُجّلَ فُجِعَ بأحبابه؛ وقال بعض الفلاسفة: من أراد أن لا يصابَ بمصيبةٍ، فقد أراد ما لا يكون، لأن المصائب في عالم الكون والفساد طبع بالطبع؛ فينبغي أن يكونَ منّا على بال: أنّ جميعَ الأشياء التي تصل إلينا كانت قبلنا لغيرِنا، فانتقلت إلينا على شريطةِ ما كان لِمَنْ قبلَنا. . . وقيل لسقراط: ما لك لا تجزع؟ قال: لأنّي لا أقتني ما يُحْزِنُني فقدُه. . . وقال ابن الرومي في هذا المعنى:
ومَنْ سَرَّه أنْ لا يَرى ما يَسُوؤُه ... فلا يَتَّخِذْ شيئاً يَخافُ له فَقْدَا
أقول: يريدون بذلك: أنّه لا بدَّ في هذه الدنيا من المصائبِ ما دام، هناك قِنْيةٌ من مالٍ وولدٍ وما إليهما من كلّ ما هو مستهدفٌ لِسهامِ الأيّام، ومن أراد أن لا يصابَ فلا يقتني ما يسوؤه فقدُه - والقِنيةُ لا بدَّ منها في هذه الحياةِ الدنيا، وإذن لا بدَّ من توطين النفس وإعدادِها لتلقي المصائب. . . وإذا كان هناك مَنْ يترامى بمثل هذا الكلام إلى الحثِّ على الزهد، فهذا مرمًى آخرُ، منهم من يفزع إليه لمثل هذا الغرض - توقّي المصائب ما أمكن - ولأغراضٍ أخرى تراها بعد. . . وقالوا: الجزعُ مَنْقصةٌ للحياة، ومن أعانَ على نقصانِ حياته، فقد عظُمَتْ خطيئتُه. . . وقالوا: التأسُّف على الفائِتِ تضييعُ وقتٍ ثانٍ، إن كنت جازعاً لِما أفلتَ منك فاجْزَعْ على ما لَمْ يصل إليك؛ وقال
(1/229)

علي كرَّم اللهُ وجهَه: الصَّبْرُ مَطيَّةٌ لا تكبو،
والقناعةُ سيفٌ لا ينبو. وقال عمرُ رضي الله عنه: لو كان الصبرُ والشكرُ بعيرين ما باليتُ أيَّهما ركبت؛ وقيل: الصبرُ يُناضِلُ الحدَثان، والجزعُ من أعوانِ الزمان، وما في الشكوى إلا أن تُحْزِنَ صديقَك وتُشْمِتَ عدوَّك؛ وقيل: اجعل صبرَك على النّوائب كِفاءَ شُكْرك على المواهب، الصبرُ عندَ النِّقم، والشكر عند النِّعم، وقال حكيم: جميعُ مكاره الدُّنيا تنقسم قسمين، ضربٌ فيه حيلةٌ، فالاضطراب دواؤه، وضربٌ لا حيلةَ فيه، فالصبر شفاؤه، وقالت الفرس: كلمتان يقولُهما العاقلُ عند نائبته: إحداهما: هذه الحال خيرٌ ممّا هو شرٌّ منها، والأخرى: لعلَّ اللهَ أن يجعلَ في هذا المكروه خيراً! وكلمتان يقولُهما الجاهل: لعلّ ما أصابني يدعو إلى شَرٍّ منه! والأخرى: لو كان بَدلَ كذا كذا من المصيبة! وقالوا: الصبرُ على مرارةِ العاجل، يُفضي إلى حلاوةِ الآجل، إنّك لا تنال قليلَ ما تحبُّ إلا بالصبرِ على كثيرِ ما تَكْره، وقالوا: لكلِّ شيءٍ ثمرةٌ، وثمرةُ الصبر الظفرُ، والصبرُ كاسْمِه، وعاقبتُه العسل، والصبر على المصيبة مصيبةٌ على الشّامت. وقال عليٌّ: إن صبرتَ فأنتَ مأجورٌ، وإن جَزِعْتَ جرى عليك المَقْدور.

حثُّهم على تصوّر المصائب
والاستعداد لها كي تَخِفَّ وطأتُها
وقالوا في ذلك: مَنْ كان متوقِّعاً، لم يُلْفَ مُتوجِّعاً، وقال بعضهم -
(1/230)

قيل لابن الرومي، ولَمْ أرَها في ديوانه، وإن كانت أشبهَ بمذهب ابنِ الرّومي -:
أَلَمْ تَرَ رُزَْء الدَّهْرِ مِنْ قبلِ كَوْنِه ... كِفاحاً إذا فكَّرْتَ في الخَلَواتِ
فَما لَكَ كالمَرْمِيِّ في مَأمَنٍ لهُ ... بِنَبْلٍ أَتَتْهُ غيرَ مُرْتَقَباتِ
فإنْ قُلْتَ مَكْرُوهٌ أتاني فُجَاَءةً ... فمَا فُوجِئَتْ نَفْسٌ مَع الخَطَرَاتِ
ولا عُوقِبَتْ نَفْسٌ بِبَلْوى وقد رأتْ ... عِظاتٍ من الأيّام بَعدَ عِظَاتِ
إذا بُعِثَتْ أشياءُ قد كان مِثْلُها ... قديماً فلا تَعْتَدَّها بَغَتاتِ
وهذه الأبياتُ من الوضوح والإنارةِ بحيث لا يعوزُها شرح، وقالوا: ما أمتعَ الدَّهرُ إلا ليَمْنعَ، ولا أعطى إلا ليَسْتردَّ، ولولا اغترارُ الجاهلِ بعوائِدِه، لخلت النفوسُ من الحسرةِ على نوائبِه، وقالوا: لا تُخْلِ فكرَك من عوارضِ الفكرِ وخواطرِ الذكرِ فيما تعروكَ به الأيّام، من ارتجاعِ ودائِعِها، وحلول وقائعِها، - وهذا ما قاله ابن الروميِّ آنفاً -.

الغَمُّ يُورِثُ السَّقَمَ والهَرَم
قال المتنبّي:
والْهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسيمَ نَحافَةً ... ويُشيبُ ناصِيَةَ الصَّبيِّ ويُهْرِمِ
يخترم: يستأصل ويقتطع، والجسيم: العظيم الجسم، والنحافة: الهزال، والناصية: شعر مقدَّم الرأس، يقول: إنّ الحزن إذا استولى على المرء أذهبَ جسمَ العظيمِ الجسدِ وهَزَله حتى يأتي عليه من الهزال، ويُشيب الصبيَّ قبل الأوان حتى يصيرَ كالهرم من الضعف والعجز. . . وسُئل عبد الله بن عباس عن الحزن والغضب فقال: أصلاهُما واحدٌ، وذلك وقوعُ الأمر
(1/231)

على خلاف المحبّة، فأمّا فرعاهُما فمُخْتلفان، فالمكروهُ ممّن فوقك يُنْتج حُزْناً وممَّن دونَك ينتج غَضباً:
فَحُزْنُ كلِّ أخِي حُزْنٍ أخو الغَضَبِ

الحزن يبلى بتقادم العهد
وقالوا في الحزن يبلى بعد انقضاءِ مدّة: الحزن ينضو عن ابن آدم كما ينضو الصبغ عن الثوب ولو بقي لقتَلَه.
وقال المتنبّي:
إذا اسْتَقْبَلَتْ نَفْسُ الكَرِيمِ مُصابَها ... بِخُبْثٍ ثَنَتْ فاسْتَدْبَرَتْهُ بِطيبِ
وللواجِدِ المكروبِ من زَفَراتِه ... سُكونُ عَزاءٍ أو سُكونُ لُغُوبِ
قوله: إذا استقبلت. . . البيت، فالمصاب مصدرٌ بمعنى الإصابة، والخبث هنا: الجزع، والطيب هنا: الصبر وترك الجزع، وثنَتْ: صرفته - أي الجزع - النفس، يقول: إذا جزع الكريم - ضدُّ اللئيم - في أول نزول المصيبة، وراجع أمرَه، عاد إلى الصَّبْر والتسليم، ومن لم يوطّن نفسَه على المصيبة في أوّل الأمر صَعُبَ عليه عند وقوعها. وقوله: وللواجد المكروب. . البيت
(1/232)

يقول: لا بدُّ للمحزونِ من سكون، إمّا أن يَسْكنَ عزاءً، أو يَسْكنَ إعياءً، وإذن فحقيقٌ بالعاقل أن يسكنَ تعزّياً، كما قال محمود الوراق:
إذا أنْتَ لمْ تَسْلُ اصْطِباراً وحِسْبَةً ... سَلَوْتَ على الأيّامِ مِثْلَ البَهائِمِ
وكما قال أبو تمام:
أتصْبِرُ لِلْبَلْوَى عَزَاءً وحِسْبَةً ... فتُؤْجَرَ أمْ تَسْلو سُلُوَّ البَهائِمِ
الحِسْبة: طلب الأجر والثواب.
ومن أحسن ما قيل من الشعر القديم، في أنَّ الحزن يبلى إذا تقادم عهدُه قول أبي خراش الهُذلي - شاعر مخضرم أسلم وهو شيخٌ كبير، يوم حنين -:
على أنّها تَعْفُو الكُلومُ، وإنّما ... نُوَكَّلُ بالأدْنى وإنْ جَلَّ ما يَمْضِي
وقبل هذا البيت:
حَمِدْتُ إلَهي بَعدَ عُرْوَةَ إذْ نَجا ... خِرَاشٌ، وبعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعضِ
فواللهِ: ما أنْسَى قَتِيلاً رُزِئْتُهُ ... بِجَانِبِ قُوسَى ما مَشَيْتُ على الأرْضِ
على أنّها تعفو الكُلومُ. . . البيت
ولَمْ أدْرِ مَنْ ألْقَى عليه رِداَءهُ ... على أنّه قَدْ سُلَّ عن ماجِدٍ مَحْضِ
وكان من حديث هذا الشعرِ، أنَّ عروةَ بنَ مُرّة أخا أبي خِراش، وخِراشَ بن أبي خِراش، اصطحبا في متصرَّف لَهما؛ فأسرهما بطنانِ من ثُمالة: بنو رازم وبنو بلال - وكانا موتورين - فاختلفوا في الإبقاءِ عليهما وقتلهما، فمال بنو بلال إلى قتلهما، وتفاقم الأمرُ بينهما في ذلك، إلى أن صار يؤدي إلى المقاتلة، فتفرّد أولئك بعروةَ فقتلوه، وتفرّد هؤلاء بخِراشٍ فخلا به واحدٌ منهم، منتهزاً للفرصة في الإسداء، فقال له: كيف دليلاكَ؟ فقال: قَطاةٌ، فألقى عليه رداءَه، وقال: انْجُهْ، فمَرَّ لِطِيَّتِه، فلمّا انحرفوا للنظرِ
(1/233)

في أمره قال لهم ممسكُه! إنّه أفلت، فطردوه - أي تبعوا خِراشاً - فأعياهم، فلما وصل خِراش إلى أبيه وخبّره بما جرى على عروةَ وبما اتفق من صاحبه في بابه، اقتصَّ قصَّته في هذه الأبيات. . . وقُوسى اسمُ مكان، وقوله: على أنّها تعفو الكلوم. . . البيت فإنَّ هذا يجري مَجْرى الاعتذارِ منه والاستدراك على نفسه فيما أطلقه من قوله: لا أنسى قتيلاً رُزِئْته ما مشيت على الأرض أي مدّة حياتي؛ والضمير في أنها: للقصة، وخبر أن: الجملة بعدها؛ والعَفاء: الدّروس والذهاب؛ والكلوم جمع كَلم، ويعني به: الحَزَّ عند ابتداء الفجيعة، وجلّ: عظم؛ يقول: لا أنساه ولو طال عهدُه وعفَت آثاره؛ وإنما قال هذا لأن الإنسان يوكَّل بالجزع للمصيبة القريبة العهد؛ فأمّا المتقادمُ من الأرزاءِ فإن مضيَّ الزمن يُعْفيه. وقوله: ولم أدرِ. . . البيت؛ قال الأصمعيُّ وأبو عبيدةَ لا نعرف من مدحَ مَنْ لا يعرفه غيرَ أبي خراش.

التأسّي بِمَنْ مصابُه كمُصاب المُصاب أو يُربي عليه
وقولهم في عكس ذلك
أمّا قولُهم في عكس ذلك فأحسنُ ما قيل فيه قولُ ابنِ الرّومي:
لَيْسَ تأْسُو كُلُومُ غيري كُلُومي ... ما بِهِ ما بِهِ وما بِيَ ما بي
تأسو: تداوي، والكُلوم: الجروح وقبل هذا البيت - وهي أبيات يندب بها الشبابَ -:
يا شَبابي! وأينَ مِنِّي شَبابي؟ ... آذَنَتْني حِبالُه بانْقِضابِ
لهْفَ نَفْسي على نَعيمي ولَهْوي ... تَحْتَ أفْنانِه اللِّدانِ الرِّطابِ
ومُعَزٍّ عَنِ الشّبابِ مُؤَسٍّ ... بمَشيبِ اللِّدَاتِ والأتْرابِ
(1/234)

قلتُ - لمّا انْتَحى يَعُدُّ أُساهُ ... مِنْ مُصابٍ شبابُه فمُصابِ:
ليس تأسُو كلومُ غيري كُلومي ... . . . . . . . . . . . . . . البيت
وأما قولهم في التأسّي بِمَنْ مصيبتُه كمُصابِ المُصابِ أو تُربي عليه فمن ذلك قولُ أفلاطون لرجلٍ رآه مَغْموماً: لو أحضَرْتَ قلبَك ما فيه الناسُ من المصائب، لقلَّ همُّك. . . انظر مقالة الكاتب أديسون آخر هذا الباب. . .
وقالت الخنساء:
ولولا كثرةُ الباكِينَ حَولي ... على إخوانِهم لقَتَلْتُ نفسي
وما يَبْكُون مثلَ أخي ولَكِنْ ... أُسَلِّي النَّفسَ عنهُ بالتأسِّي
وقال حُرَيْث بْنُ سَلمةَ بنِ مُرارة بن مُحَفِّص، أحد بني خزاعيّ بن مازن - شاعر جاهلي -:
ولولا الأُسَى ما عِشْتُ في النّاس بعدَه ... ولكن إذا ما شِئتُ جاوَبَني مِثْلِي

عروة بن الزبير
مثل أعلى للصبر والتأسي
كان عُروةُ بن الزُّبَير، أحدُ الفقهاء السبعة بالمدينة، وابنُ الزبير بن العوّام - أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وابنِ صفيَّةَ عمَّةِ سيدنا رسول الله - وشقيقُ عبد الله بن الزبير - الذي وَلِيَ الخلافة في الحجاز حيناً من الدهر أزمانَ بني أميَّة والذي تولّى قتله الحجّاج - وأمُّ عروةَ أسماءُ بنت أبي بكر الصديق - وهي ذاتُ النِّطاقَين، وخالتُه عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها، وكان عالماً صالحاً،
(1/235)

أقول: كان عروةُ هذا من قوّة الإيمان والتسليم
والرَّضا بالقدر خيرِه وشرِّه ورجَحان العقلِ، بحيث يعدُّ مثلاً أعلى للصَّبر والتسلّي، وذلك أنّه وَفَدَ من المدينة على الوليد بن عبد الملك بدمشق - عاصمة الأمويين - وكان معه ابنُه محمّد - وكان من أجمل الناس، فيقال: إن الوليدَ عانَه - أصابَه بعينِه - فدخل محمد دارَ الدّواب، فضربتْه دابّةٌ فخَرَّ ميِّتاً، ووقعت في رجلِ عُروةَ الأكِلَة - داءٌ في العضو يأتَكِلُ منه - ولم يَدَعْ وِرْدَه تلك الليلة، فقال له الوليد: اقْطَعْها وإلا أفْسَدَت عليك جسدَك، فلما دُعِيَ الجزّارُ ليقطعَها قال له: نسقيك الخمرَ حتّى لا تجدَ لذلك ألَماً، فقال: لا أستعينُ بحرامِ اللهِ على ما أرْجو من عافيتِه، قالوا: نسقيك المُرْقِدَ دواءٌ يرقد شاربَه كالأفيون قال: ما أحبُّ أن أسلَبَ عُضواً من أعضائي وأنا لا أجدُ ألمَ ذلك فأحتسبه أحتسبه: أطلبُ به الأجرَ. ودخل عليه قومٌ أنكرهم فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يُمسكونَك فإنَّ الألمَ ربّما يَعْزُبُ معه الصبر يعزب: يبعد قال: أرجو أن أكفيَكم ذلك من نفسي، فقُطِعَتْ كعبُه بالسكّين، حتّى إذا بلغ العظمَ وُضِعَ عليها المنشارُ، فقُطِعَتْ وهو يهلِّل ويكبّر يهلل: يقول: لا إله إلا الله، ويكبّر: يقول: الله أكبر ثمّ إنّه أغليَ له الزيتُ في مَغارفِ الحديد، فحُسِمَ به، فغشِيَ عليه، فأفاقَ وهو يمسح العرقَ عن وجْهِه، ولمّا رأى القدمَ بأيديهم دعا بها فقلَّبها
(1/236)

في يده، ثم قال: أما والذي حَملَني عليك، إنّه ليعلم أنّي ما مشيتُ بك إلى حرامٍ، ولمّا دخل ابنه إصطبلَ الوليد بن عبد الملك وقتلتْه الدَّابّة كما تقدَّم لَمْ يُسْمَعْ في ذلك منه شيءٌ إلا قوله {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً} ولمّا قُطِعت رجلُه قال: اللهمَّ، إنّه كان لي أطرافٌ أربعةٌ فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثةً، فلك الحمد، وأيْمُ اللهِ، لئن أخذْتَ لقد أبقيتَ، ولئن ابتليتَ لقد عافيتَ. . . ولمّا مات ابنُه وقطعت رجلُه، وفد في هذه الأيام على الوليد قومٌ من بني عبس فيهم رجلٌ ضرير، فسأله الوليد عن عينيه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، بتُّ ليلةً في بطن وادٍ ولا أعلم عَبْسيّاً يزيدُ مالُه على مالي، فطرقنا سيلٌ فذهبَ بما كان لي من أهلٍ وولدٍ ومالٍ، غيرَ بعيرٍ وصبيٍّ مولود، وكان البعير صَعْباً، فنَدَّ، فوضعت الصبيَّ واتَّبعتُ البعيرَ فلم أجاوِزْ إلا قليلاً حتّى سمعتُ صيحةَ ابني ورأسُه في فَمِ الذئبِ وهو يأكلُه، فلَحِقْتُ البعيرَ لأحبسَه فنفَحني برجلِه ضربَه بحدِّ خُفّيه على وجهي، فحطَّمه وذهب بعينيّ؛ فأصبحتُ لا مالٌ لي ولا أهلٌ ولا ولدٌ ولا بصرٌ؛ فقال الوليد: انطلقوا به إلى عُروةَ ليعلمَ أنّ في الناسِ من هو أعظمُ منه بلاءً. . .
وممّن عزّى عروة: إبراهيمُ بن محمد بنِ طلحة قال له: والله ما بك حاجةٌ إلى المشيِ ولا
أربٌ في السَّعْيِ؛ وقد تقدّمك عضوٌ من أعضائك وابنٌ من أبنائك؛ إلى الجنّة؛ والكل تَبَعٌ للبعض، إنْ شاء الله تعالى؛ وقد أبقى اللهُ لنا منك ما كنّا إليه فقراءَ، وعنه غيرَ أغنياء؛ من علمِك ورأيِك؛ نفعك اللهُ وإيّانا به واللهُ وليُّ ثوابِك؛ والضمينُ بحسابِك. . .
(1/237)

مطرح الهموم
وهذه كلمة طريفةٌ في معنى ما نحن بصدَدِه، كتبها الكاتبُ أديسون ونقلها المرحومُ محمد السباعي إلى مجلّة البيان التي كان يقوم بإخراجها مؤلِّفُ هذا الكتاب، قال أديسون:
مما يؤثر عن الحكيم سُقراط أنه قال: إذا جُمعت مصائبُ البشر كلُّها في وعاءٍ، ثمّ قُسمت على جميعِ الناس بالسَّواء لأصبحَ من كان يحسِبُ نفسَه أشقى الناس وأخسرَهم يُفضِّل أولى الحالتين على الثانية، وجاء بعد سقراط الشاعر الروماني هوراس فعدّل هذا المعنى فقال: إنّ ما يكابد أحدنا من المصائب أخفُّ عليه من مصائب أيّ إنسانٍ آخرَ إذا وقع بين الرّجلين تبادلٌ. . . فبينا أنا ذات يوم متّكئٌ في خلوتي أفكّر في هاتين الحكمتين وقد أخذتني سِنةٌ من النوم إذ خُيّل إليّ أنّه بأمر إله الآلهة قد نُودي في الناس: أن يحملَ كلُّ امرئٍ مصائبَه فيأتوا بها جميعاً فيطرحوها بعضَها فوق بعض، في سهل فسيح، فوقفت وسطَ ذلك السهل، وسرَّني أن أرى الناس طُرّاً يأتون واحداً بعد واحدٍ يلقون أثقالَهم العديدة، حتى ارتفع من مجموعها جبلٌ طالت ذؤابتُه السحابَ.
وكان هنالك امرأةٌ نحيلةٌ خفيفةٌ قد شمّرت عن ساعد الجد وسط هذه
(1/238)

الخلائق، تحمل في إحدى يديها مِجهراً، وعليها ثوبٌ فضفاضٌ هَفْهافٌ سابغُ الذيل موشَّى بعدد عديد من تصاوير الجان والعفاريت، كلّما ضربت الريحُ الجلبابَ تلوّنت وتشكّلت تلك التهاويلُ أشكالاً وألواناً؛ وكان في عينها وَلَهٌ وتلهُّفٌ وحيرةٌ، وكان اسمها الوهم وهي التي كانت تسوق كلّ فردٍ من البشر إلى المكان المعيّن بعد إعانتِها إيّاه على ربط حُزمته وحَبْكِها وإلقائِها على عاتقه، فأذاب قلبي رؤيةُ إخوتي وأبناء أمي وأبي ينوؤون بأحمالهم. ويئنّون تحت أثقالهم؛ وفتّت كبدي أن أبصرَ ذلك الجبلَ الباذخَ الذي من أحزانهم تكوّن، ومن آلامهم تألّف، على أنه ألهاني عند ذلك، وسلاني هنالك: عدةٌ من القوم، لغريبِ أحوالهم وعجيبِ هيئاتهم؛ فمن بين هؤلاء رجلٌ في حُلّة مطرزةٍ أقبل يسعى حتى جاء المكان، فأخرج من تحت حلّته الموشّاة المُزركشة حملاً، فألقاه فحَدَجْتُ ببصري أتبيّنه، فإذا هو: الفقر؛ وأقبل آخرُ يرزح
تحت ثقلِه، وبعد كثير من التنفّس والزفير ألقى حملَه، فنظرت؛ فإذا هو؛ زوجته؛ ورأيت عدداً عديداً من العشّاق على كواهلِهم أثقالٌ عجيبةٌ من سهامٍ وشُعل؛ ولكن أعجبُ من ذلك أنّه برغم ما رأيته يكادُ يمزِّق قلوبَهم من غُلَواء الوجد وبُرَحاء الكمد؛ وبرغم زفرةٍ لهم ترقى؛ وعَبرة لا ترقا كانوا لا يستطيعون مطاوعةَ عقولهم على إلقاء تلك الأثقال عند ما بلغوا الكثيب؛ ولكنهم بعد قليلٍ من المحاولة - محاولة المتثاقل المتكرِّه - هزّوا رؤوسهم ورجعوا بأثقالهم أشدَّ ثقلاً وأفدحَ حملاً، وأبصرت كثيراً من العجائِزِ يُلقينَ تغاضِينَ وجوهِهنّ
(1/239)

وكثيراً من الفتيات يلقين سُمْرَ جلودِهن. ورأيت كُوماً من أنوفٍ حمراء وأسنانٍ قلحاء وشفاهٍ فلحاء. والعجب العُجاب أنّي رأيت معظمَ الجبلِ مؤلّفاً من عاهاتٍ بدنية. وآفاتٍ جسدية، ثم لمحْتُ من بعيد رجلاً على ظهره حملٌ لم أرَ في سائر الأحمالِ ما يُدانيه عظماً، فأنعمتُ النظرَ فإذا هي حَدْبةٌ، فألقاها - فرحاً بذلك - بين سائرِ البلايا الآدمية. ورأيت كذلك عِللاً وأمْراضاً من كل ضربٍ وصنفٍ، غيرَ أنّي رأيت الوهميَّ من ذلك أكثرَ من الحقيقي وشاهدت بين هذه نوعاً قد ألِّف من جميع الأمراض والعللِ يحمله في الأكفِّ عددٌ عظيم من ذوي النعمة والرفاهية، واسمُ هذا الداء: المللُ، وأعظم عجبي وحيرتي أنّي لم أرَ أحداً قطُّ ألقى بين هذه الآفاتِ والمصائبِ شيئاً مما ابتليت به نفوسُ البشر من الرذائلِ والحماقاتِ والأضاليلِ والنقائصِ والسخافاتِ والأباطيل، فأدهشني ذلك أيَّما دَهَش، إذ كنت قد ظننت أنّها فرصةٌ لا يدعها أحدٌ حتى يطهِّرَ نفسَه من أدرانِ الأهواءِ والشهوات. ويخلصَ طبعَه من أكدارِ العيوب والعورات. ورأيت في الجماعة رجلاً فاسقاً لم أشكَّ في أنّه جاء مُثقلاً بأوزاره وآثامه: فلما أقبلتُ على ما رَماه أفتِّشه ألفيتُ أنّه لم يرمِ شيئاً من تلك الذُّنوب والآثام وإنّما رمى ذاكرته، وتبعه رجلٌ ساقطٌ جاهل، فنظرته فإذا هو قد نبذَ حياءَه لا جهلَه. . . ولمّا فرغَ الناسُ من طرح أثقالهم وفرغت الجِنّيَّةُ النحيلةُ الخفيفةُ من عملها وكانت قد رأت منّي رجلاً ينظر
(1/240)

ولا يعمل، دنت منّي، فلم يَرُعْني إلا رفعُها المجهرَ إزاءَ عيني، وكنت أعرف في وجهي القِصَرَ، فإذا هو قد تناهى قِصَراً حتّى عاد أبشعَ شيءٍ، فساءني منظرُه، فألقيتُه كما يُلقى القناع. وكنت قبل ذلك ببرهةٍ أبصرتُ رجلاً رمى بوجهه لِفرْطِ طوله، وكان أطولَ وجهٍ حتى لذقنُه وحدَها تطول وجهي بأكملِه، فاستراح من مصيبتِه واسترحت، واستراحَ الخلقُ طرّاً؛ وأطلِق لكلّ امرئٍ أن يستبدلَ ببلواهُ مِحنةَ غيره.
على أنه لم يبقَ في الجمع إلا متعجبٌ من هذه المِحن كيف عدّها أهلُها محناً وكيف كان قد غُرّ بها وخُدع فيها، فحسِبَها نِعماً وفوائدَ! وبينا نحن نتأمّل خليطَ المصائب، ومزيجَ النّوائب، صدر أمرُ الإله الأكبر أن يستبدلَ كلُّ امرئ بمصابه ويرجِعَ إلى مثواه بحَظّه الجديد، عند ذلك تحرّكت الوهمُ وقسَمت الكثيبَ في أخفِّ نشاطٍ وأكملِ سرعة، فأعطت كُلاً نصيبَه، - وكأنّي باليراع يعجز أن ينعتَ ما حدث إذْ ذاك من هرجٍ ومرجٍ، ثم كانت أمورٌ كثيرة أذكر الآن بعضها:
رمَى شيخٌ كبيرٌ على كثيبِ المصائبِ علَّةً كانت في بطنِه، وكان عاقِراً، يتمنّى ولداً يكون عمادَ شيخوخته ووارثَ ثروتِه، فمدَّ يدَه ليعتاضَ من دائه الذي طرحه فاختطفَ ولداً فاجِراً عاقّاً، كان آفةَ أبٍ له، وكان ذلك الأبُ قد نبذَه في النّبائذِ يريدُ به بديلاً، وقد أخذَ بدلَه مرضَ البطنِ الذي رمى به الرجلُ الأول. فلم تمضِ إلا برهةٌ حتى رأيتُ ذلك الغلامَ قد ثار بالشيخِ الكبيرِ فأخذ بلحيتِه وناصيتِه، وهمَّ أن يفلِقَ رأسَه. فما هو إلا أن أبصرَ الأبَ
(1/241)

الأصليَّ، وكان يسعى نحوه مُمسكاً بحشاه من وَجَعِ المعدة حتى صاح به: يرحمك الله وإيّانا، خذ ولدَك بارك اللهُ فيه وأعطِني علّتي، ولكن قُضي الأمرُ، وكان ما لا يكون تبديلُه، ولا يستطاع تحويلُه. . .
يا ابْنَ بُورَانَ لا مَفرَّ مِنَ الل ... هِ ولا مِنْ قَضائِه المَحْتومِ
ورأيتُ أسيراً مقيّداً خُلع قيدُه، وقُلِعَ صفدُه، فاعتاض منه النِّقرسَ ولكن أبدى من التأوُّه والتأفُّف والتلوّي والتنزّي ما دلّ على أنه لم يكن في تجارتِه تلك بالرابحِ الصفقة.
ولقد كان من الممتع اللاذِّ أن تبصرَ ما وقع إذ ذاك من المبادلاتِ والمقايضاتِ، من عِلّةٍ بِخَلَّة وجوعٍ بفقدان شهوة، وهمٍّ وتسهيدٍ، بأسرٍ وتقييد. أما النساء فكُنَّ من تبادل الأعضاء - أعضاء الوجه والجسم - في شغلٍ شاغلٍ، فواحدةٌ تستعيض لِمّةً شمطاءَ، من جلدةٍ سمراء، وثانيةٌ تأخذ عنقاً قصيراً، وتعطي أنفاً كبيراً، وثالثةٌ ترمي عِرْضاً مفضوحاً، وتلتقط وجهاً مقبوحاً، وما منهنَّ إلا من تُدرك في الحال أنّها اعتاضت من سيّئ أسوأ، ومن رديءٍ أرْدأ، وكذلك حالُ سائر الجمع في كل بليّة وآفةٍ، لعلّه لأن ما أصابنا به اللهُ مناسبٌ لمقدار صبرنا واحتمالنا، أو لأنّ كلّ مصيبةٍ تذلِّلها العادة. . .
فقلتُ لها: يا عَزُّ، كلُّ مُصيبةٍ ... إذا وُطِّنَتْ يوماً لها النَّفْسُ ذلَّتِ
ولقد رحمت من صميمِ مهجتي ذلك الأحدبَ الآنفَ الذّكر، إذ راح معتدلَ القامةِ وافيَ الشَّطاط، لكن بداءٍ في كلاه، وعلّةٍ في حشاه، كما رحمت معاقدَه ومبايعَه الذي راح محدودبَ الظهر يَظلَع وسط سربٍ من الفتيات كنَّ قبلُ به مولعاتٍ
(1/242)

وفيه هائمات. ولست ناسياً ذكر شأني وشأن ذي الوجهِ الطويل، فإنّ ذلك الرفيق ما كاد يأخذ وجهي القصير حتى أضحى فيه أعجوبةَ الأعاجيب، فاستلقيت ضاحكاً من وجهي حتى أخجلتُ وجهي، وأدرك الرجلُ المسكين خطيئتَه وعرف غلطتَه، فخجل وأستحيى، غير أني ما لبثت أن فِئْتُ إلى نفسي فعلمت أنه ليس لي أن أُزهى وأختال وأسخر من الغيرِ وأنا سُخْرةٌ، وأضحك منهم وأنا ضُحْكة، وإن لي في غرابة هيئتي لشغلاً عن اللهو بهيئاتِ الناس ومندوحةً، وذلك، أيّها القارئ، أنّي رفعت يديَّ أريد جبهتي فلم تقع لطول وجهي إلا على الشفةِ العليا، وكذلك بينا أنا أجيلُ يدي في وجهي أريد إحدى عيني صكّت يدي أنفي، لبروزه وضخامته، مراراً.
ثم نظرت ناحيةً منّي فأبصرت رَجلين في مثلِ حالنا من السُّخرية قد أحدثا تبادلاً في زوجين من الأرجل، زوج غليظ أعوج قصير، وزوج طويل نحيل، فكان صاحب الرجلين النحيلتين كأنّما قد رُفع في الهواء على عَمودي بيت، فهامتُه تدور مع الريح حيثما دارت، وأما صاحبُ الرجلين العوجاوين القصيرتين فكلّما حاول السيرَ دار في مكانه لا يبرحه. ولما رأيتُ على محيّاه سيما الحِلم والظُّرْف والفكاهة أقبلت عليه أمازحه فقلت له: سأجعل لك كذا وكذا إن استطعت أن تبلغَ هذا، ورسمت له خطاً على مسافة ذراعين من مُرسى قدميه، في مدّة نصف ساعة.
وأخيراً تم توزيعُ كثيبِ المِحَنِ والآفاتِ على أهلها، من ذكرٍ وأنثى.
(1/243)

وأقبلوا جميعاً تحتَ أثقالها الجديدة رُزَّحاً حَسْرى، وُلَّهاً حَيْرى وقد ملؤوا السهلَ والحَزْنَ ضجّةً وأنينا. ورنةً وحنينا. ثم أدركتهم رحمةُ الله، فأمرهم بطرحِ أثقالِهم كَرّةً أخرى، فألقَوْها فرحين بإلقائِها مسرورين. وأمر الوهمَ تلك الشيطانة التي غرّرت بهم وضلّلتهم، أن تنصرفَ، فانصرفت، وأرسل الإلهُ بدلَها ملكاً كريماً، جِدَّ مخالفٍ لها هيئةً وشكلاً. مبايناً لها خَلقاً وخُلقاً، رزينَ الحركة ثابتَ الجنان، قد جمع في هيئتِه بين الطّلاقة والجِدِّ والوقار والبِشر، لا ينفكُّ من حينٍ إلى آخر يرفع نحو السماء طرفَه، ويسمو إلى عرش الله بأملِه، واسم هذا الملك. الصبر. وأعجب ما رأيت أنّ هذا الملك ما قام بجانبِ جبلِ الآلام إلا وأخذ الجبلُ يهبط
ويَضْؤُل حتّى لم يبقَ منه أكثرُ من رُبْعه، ثمَّ أعاد ملكُ الصبرِ إلى كلٍّ حظَّه الأوّل، وألهمه الصبرَ الجميلَ، وأشعر قلبَه قوةَ الجَلَدِ ونورَ اليقين، فراح مُغتبِطاً سعيداً يَحْمد اللهَ على كلِّ ما أعطاه، تائباً ممّا اقترفَه من الجهلِ وجناه.
فممّا أفدتُ من هذه العِظاتِ والعبر أنّي لستُ حقيقاً أن أتبرَّمَ بشيءٍ ممّا يصيبني به اللهُ أو أنفِسَ على امرئٍ هبةً أو نعمةً، إذ كان مستحيلاً على امرئٍ أن يعلمَ حقيقةَ جاره ويعرف سرَّ صاحبه ويقف على مبالغ أحزانه وأشجانِه وكربِه، ونُوَبِه، وبلاياه، ورزاياه، فكلٌّ لكلٍّ سرٌّ غامضٌ وخزانةٌ مقفلةٌ وسِفرٌ مطبقٌ. ولكني آليت على نفسي أن آخذَ نفسي بثلاث: كِتمان العلة، وكتمان الفاقة، وكتمان المصيبة، مع الصبر عليها جميعاً، وأنْ لا أحْسُدَ امرأً على شيءٍ، وأن أكون أبداً حاضرَ الصَّفح للناس، واسعَ العفو، إذ كان أعقلُ الناس أعذرَهم للناس. . .
(1/244)

عبقريّاتهم في الدُّنيا وأنّها دارُ مِحَنٍ وأكدار
ولأنَّ الدُّنيا التي أسماها سيَّدُنا رسولُ الله: أمَّ دَفْر - والدَّفْرُ، النَّتَن، دَفْراً دافِراً لهذه الدنيا - أقول: لما كانت هذه الدنيا دارَ مصائبَ ومحنٍ وأكدار، وحسبُك بهادِمِ اللذّات - الموت - الذي فضحَ هذه الدُّنيا وبنيها أيَّما فضيحةٍ والذي هو نهاية كل حي، من مصيبة أيّ مصيبة - لأجل هذا قال الأوائل والأواخر في هذه الدنيا وأبدعوا وافتنّوا كلَّ الافتنان، ونحن فسوف نورد عليك أطيبَ ما قالوا في ذلك، لما بينه وبين الصبر من واشِجةِ الرحم، ولأنه كلامٌ خالد، لأنه حق وصدق، لا يليق بعاقل أن لا يكترثَ له، وإنّما الواجب أن يجعلَه دائماً نصب عينيه، وأن ينظر إليه نظرةَ رجلٍ ثاقبِ الرأي بعيد أفق الفكر. لا نظرةَ رجلٍ أحمقَ مُمْتَلَخِ العقل أعمته أباطيلُ هذه الحياة وألهاهُ التكاثرُ وبَهْرَجَها عن كُنْهِها فارْتَطمَ في أوْحالها وصار يَمْلَخ في لذاذاتها مَلْخاً، لاهياً عن المنهاة المؤسفة التي تنتظرنا جميعاً، جالباً بنفسه على نفسه ما يضاعف آلامَها، لا ما يخفِّف أحزانها ويهوّن ما أمكن شدائدَها وأكدارَها. ونحن إذْ نورد في هذا الكتاب ما قالوا في الدُّنيا فإنا لا ندعو إلى الزُّهد فيها وفي تعميرها - كما سيمرُّ عليك في هذا الفصل - ولكن ما دام كتابُنا في عبقريات الأوائل والأواخر، في كلِّ شيء، كان واجباً علينا أن نوردَ عبقرياتِهم في الدُّنيا، وفي الموت، كما نورد عبقرياتهم في سائر المعاني التي يعالجها الناس ويتداولونها فيما بينهم، على أنّهم إذ ذمّوا الدنيا إنّما
يترامَوْن بذلك أوّلاً إلى أن يصدعوا بالحقيقة وهي أن الدُّنيا في الواقع دارُ أحزانٍ وأكدار، وثانياً إلى حثِّ الناس على الإجمال في الإقبال عليها، والتعقُّل في
(1/245)

التّهافتِ على شهواتها، والاعتبار بعبرها، والتزوّد فيها لما بعدها، ومن ينكر أن ذلك جميلٌ ونافعٌ! ذمَّ رجلٌ الدُّنيا بحضرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال عليٌّ: اسكت، فإنّ الدنيا دارُ صدقٍ لمن صدَقَها، ودارُ غِنًى لمن تزوَّد منها، ودارُ عافيةٍ لمن فَهِمَ عنها، ودار موعظةٍ لمن اتّعظ بها، مَهْبِطُ وحي الله، ومَتْجَرُ أوليائه. . . إلى آخر ما قال. ومن كلامه أيضاً رضوان الله عليه: الناسُ أبناءُ الدُّنيا ولا يُلامُ المرءُ على حُبِّ أمّه. . . وسيمرّ عليك كثيرٌ من أمثال هذا. . .

أسماء الدنيا
الدُّنيا: اسْمٌ لهذه الحياة وتُكْنى الدُّنيا: أمُّ دَفْرٍ، أسماها بذلك - كما أسلفنا - سيّدُنا رسول الله، والدَّفْرُ: النَّتَن، وتُكنى كذلك: أمَّ شَمْلَةَ، أنشد ابن الأعرابي:
مِنْ أُمِّ شَمْلَةَ تَرمِينا بذائفِها ... غَرَّارةً زِينَتْ منها التَّهاويلُ
وكذلك تُكنى الخمر: أمَّ شملة، قال أبو عمرو بن العلاء: إنّما سُمّيت الدُّنيا والخمرُ بذلك لأنّهما يشتملان على عقل الإنسان فيُغيّبانِه. . . أقول: ومن ينكر أنّ أبناءَ الدنيا، من شدّة تعلُّقهم بها وتكالُبهم عليها، وضراوتِهم بشهواتِها، وافتتانهم بزينتِها وخوضِهم غمراتِها، بحيث يُعدُّون كأنّهم مُنْزفون مُسْتلبو العقول حتى إذا رماهم هاذمُ اللذّاتِ بِسهامِه صَحَوا وأفاقوا. . . وصدق سيدُنا رسولُ الله إذ يقول صلواتُ الله عليه: (الناسُ نِيامٌ فإذا ماتوا انْتَبهوا). . . أمّا الدهر - وهو اسمٌ لزمانٍ متصل، والزّمانُ اسمٌ لدهرٍ منفصل - فقد سمَّوه أبا العجب قال:
وما الدَّهْرُ في فِعْلهِ إلا أبو العَجَبِ
والنسبة إلى الدنيا: دنياوي، ويقال: دُنْيويّ ودُنْييٌّ - وجمعُها دُنًى، وإنّما
(1/246)

سُمِّيت دُنيا: لدنوِّها، لأنّها دنت وقرُبت، وتأخَّرت الآخرة، أما الدُّهر فالنسبةُ إليه دُهْرِيٌّ بضمِّ الدّال تقول: رجلٌ دُهْرِيٌّ: أي قديمٌ مسن، أما رجلٌ دَهْريٌّ بفتح الدّال فمعناه: مُلْحِدٌ لا يؤمن بالآخرة يقول ببقاء الدّهر، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبّوا الدَّهْرَ فإنّ اللهَ هو الدّهر)، فمعناه: أنّ العربَ كان من شأنها أن تذمَّ الدهرَ وتسبَّه عند الحوادث والنوازلِ تنزل بهم من موتٍ أو هَرمٍ فيقولون: أصابتهم قوارِعُ الدَّهر وحوادثُه وأبادهم الدَّهرُ، فيجعلون
الدهرَ الذي يفعل ذلك فيذمّونه، وقد أخبر اللهُ بذلك في كتابه العزيز ثم كذّبهم فقال: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}، ثم قال الله: {وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}، وجمعُ الدَّهرِ أدْهُرٌ ودُهور، أما الدَّهارير فهي تصاريفُ الدَّهر، وقيل جمعٌ للدهرِ على غير قياس، قال الشاعر القديم:
فاسْتَقْدِرِ اللهَ خيراً وارْضَيَنَّ به ... فبَيْنما العُسْرُ إذْ دارَتْ مَياسيرُ
وبينما المَرْءُ في الأحْياءِ مُغْتَبِطٌ ... إذا هو الرَّمْسُ تَعْفوهُ الأعاصيرُ
يَبْكي عليه غَريبٌ ليسَ يَعرفهُ ... وذو قرابتِه في الحيِّ مَسْرورُ
حتّى كأنْ لم يكنْ إلا تَذَكُّرُهُ ... والدَّهرُ أيَّتَما حِينٍ دَهاريرُ
قوله: فاستقدر اللهَ خيراً: أي اطلب منه أن يقدِّرَ لك خيراً، وقوله: فبينما العسر؛ فالعسر مبتدأ خبره محذوف تقديره فبينما العسر كائن أو حاضر، إذ دارت مياسير: أي حدثت وحلت، والمياسير جمع ميسور، ومغتبط أي في غبطة: أي مسرّة وحسن حال، والرّمس: القبر، وتعفوه: تدرسه وتمحو أثرَه،
(1/247)

والأعاصير جمع إعصار وهي: الريحُ تهبُّ بشدة، وقوله؛ كأن لم يكن إلا تذكُّره فيكن تامةٌ وإلا تذكُّره فاعل بها واسم كأنْ مضمرٌ تقديره كأنّه لم يكن إلا تذكُّره والهاء في تذكُّره عائدة على الهاء المقدرة، والدهر مبتدأ ودهارير خبرُه وأيَّتما حال ظرف زمان والعامل فيه ما في دهارير من معنى الشدّة، والدّهارير قال الزمخشري: تصاريفُ الدهر ونوائبُه، مشتقٌّ من لفظ الدّهر ليس له واحدٌ من لفظه كعَبابيد.

قلّة لبث الإنسان في الدنيا
قال المصطفى صلواتُ الله عليه: (فيمَ أنا من الدُّنيا؟ وما لي ولَها! وإنَّما مَثلي ومَثلُها كراكبٍ سارَ في يومٍ صائفٍ، فرُفِعت له شجرةٌ فقالَ تحتها ساعةً من نَهارٍ، ثمَّ راحَ وتركَها) قالَ: من القيلولة وهي الاستراحة نصفَ النهار وإن لم يكن معها نومٌ، يقال: قالَ يَقيلُ قيلولةً فهو قائِل.
وقال عليُّ بن أبي طالب: الدُّنيا دارُ مَمَرٍّ لا دارُ مقرٍّ والناسُ فيها رجلانِ رجلٌ باعَ نفسَه فأوبقَها ورجلٌ ابتاعَ نفسَه فأعتقَها أوبقَها: أهلكَها بسبب تهافتِه على الدنيا وإعراضِه عن الآخرة، وابتاع: اشترى، وأعتقَها أي من النار، بتجنُّبِه المعاصي وشهواتِ الدنيا وقيل لنوحٍ عليه السلامُ - وهو الذي عاشَ ألفَ سنة إلا خمسين عاماً -: كيف وجدتَ الدُّنيا؟ قال:
كدارٍ لها بابان دخلت من أحدِهما وخرجْتُ من الآخر.

قلّة متاع الدنيا
قال الله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى} قليل: سريعُ التقضّي وقال سبحانه: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ
(1/248)

السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ}.
قوله سبحانه: إنّما مثل الحياة الدنيا، أي في سرعة تقضِّيها وذهابِ نَعيمِها بعد إقبالِها واغترارِ الناسِ بها، وزخرفها: حسنُها وبهجتُها، وقادرون عليها: أي متمكّنون من حَصْدِها، وأتاها أمرنا، أي نزل بزرعِها ما يجتاحُه فجعلَها اللهُ كأنها حُصدت من أصلها فصار زرعُها كأنه لم يكن وقال أبو جعفر المنصور حين حضرتْه الوفاة: بِعْنا الآخرةَ بنَوْمةٍ. . . وقال شاعر:
أراها وإنْ كانت تُحَبُّ فإنَّها ... سَحابَةُ صَيْفٍ عن قَليلٍ تَقَشَّعُ
وقال أعرابي: ما كانت الدنيا على بني فلان إلا طيفاً لما انتبهوا ولّى عنهم، وقال آخر:
مَرَرْتُ بِدُورِ بَني مُصْعَبِ ... بِدُورِ السُّرورِ ودُورِ الفَرَحْ
فَشَبّهتُ سُرعةَ أيّامِهِمْ ... بسُرْعَةِ قَوسٍ يُسَمَّى قُزَحْ
تَلَوّنَ مُعْتَرِضاً في السّماء ... فلمّا تَمَكَّنَ مِنْهَا نَزَحْ

الماضي والحاضر والمستقبل
قال الحسن البصري: أمْس أجل، واليوم عمل، وغداً أمل. . .، وقال حكيم: بيني وبين الملوك يومٌ واحد؛ أما أمس فلا يجدون لذَّتَه ولا أجد شدَّتَه وأما غدٌ فإنّي وإيّاهم منه على خطر، وما هو إلا اليوم، فما عسى أن يكون!

تحذيرهم من تضييع الأيام
قال حكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعْمَل فيهما.
(1/249)

وقال الحسن البصري: ما وعظني شيءٌ مثل ما وعظني كلامُ الحجّاج في خطبته: إن امرأً أتت عليه ساعةٌ من عمره لم يذكر فيها ربَّه أو يستغفر من ذنبِه أو يفكّر في معاده، لجديرٌ أن تطولَ حسرتُه يوم القيامة. . . وكان الحجاج بليغاً ومن مَصاقَعِ الخطباء، ومن كلماته
التي تُشبه كلمات الحسن البصري، وهي ممّا قاله على ذؤابة المنبر: أيّها الناس؛ اقْدَعوا هذه الأنفسَ، فإنّها أسأل شيءٍ إذا أعطِيت، وأمنعُ شيءٍ إذا سُئلت، فرحم اللهُ امرأً جعل لنفسِه خِطاماً وزِماماً، فقادها بخِطامها في الله، وعَطفها بزِمامها عن معصيةِ الله، فإنّي رأيت الصبرَ عن محارمِ الله أيسرَ من الصبرِ على عذابِه. . . اقْدَعوا: أي امنعوا، والخِطام: حبلٌ من ليف أو شعر أو كتان يُثنى طرفُه على مِخْطم البعير ليقادَ به، والزِّمام: حبلٌ دقيقٌ يُجعل في أنفه.

الأيام تهدم الحياة
قال حكيم: من كان الليلُ والنهارُ مطيَّته، سارا به وإن لَمْ يَسِرْ، أخذه الشاعر فقال:
رأيْتُ أخَا الدُّنيا وإنْ كان خافِضاً ... أخا سَفَرٍ يُسْرَى به وهْوَ لا يَدْرِي
خافِضاً: يريدُ مُقيماً في خَفْضٍ ودَعَةٍ.
وقالوا: أنفاسُ المرءِ خطاهُ إلى أجلِه، وأملُه خادِعُه عن عملِه؛ وقال الشاعر:
ما ارْتَدَّ طَرْفُ امْرِئٍ بِلَحْظتِه ... إلا وشَيْءٌ يَموتُ من جَسَدِهْ
وقال أبو العتاهية:
تَظَلُّ تَفْرَحُ بالأيّامِ تَقْطَعُها ... وكُلُّ يومٍ مَضى يُدْنِي من الأجَلِ
(1/250)

وقال عمرو بن قُميئة - شاعرٌ قديمٌ في الجاهلية -:
كأنّي وقدْ جاوَزْتُ تِسعينَ حِجَّةً ... خَلَعْتُ بِها عنّي عِذارَ لِجامِي
على الرّاحتيْنِ مَرَّةً وعلى العَصا ... أنُوءُ ثَلاثاً بَعْدَهُنَّ قِيامي
رَمَتْني بناتُ الدَّهْرِ من حيثُ لا أرَى ... فكيفَ بِمَنْ يُرْمَى وليس برَامِ
فلَوْ أنّها نَبْلٌ إذَنْ لاتَّقيْتُها ... ولكنّني أُرْمَى بغيْرِ سِهامِ
قوله: خلعت بها عني عِذار لِجامي: فالعرب تقول: خلَع فلانٌ العِذارَ يريد: خَلَعَ الحَياء، مثل للشاب المُنْهمك في غَيِّه كما يخلع الفرسُ العِذارَ فيجمحُ ويطمحُ لأنّ اللِّجامَ يُمسكه، والعِذار: الذي يَضُمُّ حبلَ الخِطام إلى رأسِ البعير والناقةِ وعلى ذلك يكون معنى قوله: أنّه أسام سرح اللهو حيث أسام الغواة في هذا العمر المديد، ولعله يريد بذلك عدم التماسك كما بينه في البيت الثاني، وقوله: أنوءُ ثلاثاً يعني: أنه ينهض ثلاثَ مرات بانحناء ثم يستقيم، وبنات الدهر: نُوَبه.

البقاء في الدنيا سبب الفناء
قال سيّدُنا رسولُ الله: (لو لم يكسبِ ابنُ آدم إلا الصحةَ والسلامةَ لكفى بهما داءً) لأن السَّلامةَ تُسلمه إلى الهَرمِ وما يستتبعُه من الهَمِّ والسَّقم.
وقيل لأعرابي: كيف حالُك؟ فقال: ما حالُ مَنْ يَفْنى ببقائِه، ويَسْقمُ بسلامتِه، ويُؤْتى من مأمنِه! وقال حُمَيْدُ بن ثَوْرٍ الهلالي - وهو شاعرٌ إسلامي ترجم له أبو الفرج في الجزء الرابع من أغانيه -:
أرَى بَصَري قَدْ رابَني بَعدَ صِحَّةٍ ... وحَسْبُكَ داءً أنْ تَصِحَّ وتَسْلَما
ولا يَلبَثُ العَصْران: يومٌ وليلةٌ ... إذا طَلبَا أنْ يُدْرِكا ما تيَمَّما
(1/251)

وقال أبو حيّة النّميري - من شعراء الدّولتين -:
ألا حَيِّ مِنْ أجلِ الحبيبِ المغَانِيا ... لَبِسْنَ البِلَى مِمّا لَبِسْن اللّيالِيا
إذا ما تَقاضَى المَرَْء يومٌ وليلةٌ ... تَقاضاهُ شَيءٌ لا يَمَلُّ التَّقاضِيا
وقال بعضُ شعراءِ الجاهلية - وقيل: القائل عبد الرحمن بن سُويدٍ المُرِّي -:
كانَتْ قَناتِي لا تَلينُ لِغامِزٍ ... فأَلانَها الإصْباحُ والإمْساءُ
ودَعَوْتُ رَبِّي في السَّلامَةِ جاهِداً ... لِيُصِحَّني فإذا السَّلامةُ داءُ
كانت قناتي لا تلينُ لغامزٍ: من الغَمْز، وهو العَصْرُ باليد وهو مثلٌ يريد: أنه كان صُلْبَ العودِ شديدَ القوَّة على من يشتدّ ويجترئ عليه وقال النَّمِرُ بن تَوْلَب - شاعر جاهلي إسلامي، وفد على سيّدنا رسول الله وحَسُنَ إسلامُه، ومن قولِه: صُوْمُ شهرِ الصَّبْرِ، وصومُ ثلاثةِ أيّامٍ يُذهبن كثيراً من وَحَرِ الصَّدر - قال:
تَدارَكُ ما قَبْلَ الشّبابِ وبَعْدَه ... حَوادِثُ أيّامٍ تَمُرُّ وأغْفُلُ
يَسُرُّ الفتى طُولُ السّلامةِ والبَقَا ... فكيف يَرى طولَ السّلامةِ يَفْعَلُ
يَرُدُّ الفتى بَعدَ اعْتِدالٍ وصِحَّةٍ ... ينُوءُ إذا رامَ القيامَ ويُحْمَلُ
والبقاءُ مقصورٌ لضرورةِ الشعر وتروى: والغِنى. . . وقال الصَّلتانُ العَبْديُّ - شاعر إسلامي كان في زمن جرير والفرزدق -:
إذا لَيْلةٌ هَرَّمَتْ يَومَها ... أتَى بعدَ ذلك يَوْمٌ فَتي
وهذا البيت من أبياتٍ جميلةٍ للصَّلتان اختارها أبو تمام في حماسته يقول فيها:
أشابَ الصَّغيرَ وأفنَى الكَب ... يرَ كَرُّ الغَداةِ ومَرُّ العَشِي
إذا ليلة. . . البيت
(1/252)

نرُوحُ ونَغْدو لحاجاتِنا ... وحاجةُ مَنْ عاشَ لا تَنقَضِي
تَموتُ مَعَ المَرْءِ حاجاتُهُ ... وتَبقَى لهُ حاجَةٌ ما بَقِي

فرحُ الدُّنيا مشوبٌ بالتّرح
مُعَقَّب بالهموم
نظر كسرى أنو شروان إلى مُلكه يوماً فأعجبه فقال: هذا مُلكٌ إلا أنه هُلْكٌ، ونعيمٌ إلا أنه عديم، وغَناء لولا أنّه عناء، وسرور لولا أنه شُرور، ويوم لو كان يوثق له بغد. . . وقال المغيرةُ بن حَبْناء - هو وأخواه صخرٌ ويزيدُ كانوا شعراء، وكان المغيرة من رجال المهلّب بن أبي صفرة توفي سنة 91هـ:
وكَذاكَ الدَّهْرُ مأْتَمُهُ ... أقْرَبُ الأشْياءِ مِنْ عُرُسِهْ

الدنيا هموم وغموم
سمع حكيم رجلاً يقول لآخر: لا أراك اللهُ مكروهاً، فقال: دعوتَ عليه بالمَوْت، من عاشَ لا بدَّ له من مكروه، وقيل للنظّام - إبراهيم بنُ سيّار المُعْتزلي - وفي يده قدحُ دواء -: كيف حالك؟ فقال:
أصْبَحْتُ في دارِ بَليّاتِ ... أدْفَعُ آفاتٍ بآفاتِ
وقال أبو الحسن عليُّ بن محمّد التّهامي المتوفى سنة 416هـ يصفُ الدنيا -:
طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنْتَ تُريدُها ... صَفْواً مِنَ الأقْذاءِ والأكْدارِ
ومُكَلّفُ الأيّامِ ضِدَّ طِباعِها ... مُتطَلّبٌ في الماءِ جُذْوةَ نارِ
وإذا رَجَوْتَ المُسْتحيلَ فإنّما ... تَبْنِي الرَّجاَء على شَفِيرٍ هارِ
(1/253)

الجُذْوة: الجَمْرة، والشَّفير: ناحيةُ الوادي من أعلاه، وهارٍ: يقال: هار الجرف والبناء: انهار وانهدم.
وقال شاعر:
أَمَرَّ الزَّمانُ لنا طَعْمَهُ ... فَما إنْ تَرى ساعَةً عَذْبَهُ
وقال آخر:
أُفٍّ مِنَ الدُّنيا وأسْبابِها ... فإنّها للحُزْنِ مَخْلوقَهْ
هُمُومُها ما تَنقَضي ساعَةً ... عَنْ مَلِكٍ فيها ولا سُوقَهْ
وقال آخر:
تأتي المَكارِهُ حين تأتي جُمْلةً ... وتَرى السُّرورَ يُجيءُ في الفَلتَاتِ
وقال ابن نُباتة السّعدي:
وما خَيْرُ عَيْشٍ نِصْفُهُ سِنَةُ الكَرَى ... ونِصْفٌ به نَعْتلُّ أو نَتوَجّعُ
مَعَ الوَقْتِ يَمْضِي بُؤْسُه ونَعِيمُه ... كأَنْ لَمْ يكُنْ والوَقْتُ عُمرُك أَجْمَعُ
وقال الشريف الرضي:
يا آمِنَ الأقْدارِ بادِرْ صَرْفَها ... واعْلَمْ بأنَّ الطَّالِبِينَ حِثَاثُ
خُذْ مِن ثَرائِكَ ما اسْتَطَعْتَ فإنّما ... شُرَكاؤُكَ الأيَّامُ والوُرَّاثُ
لمْ يَقْضِ حَقَّ المالِ إلا مَعْشَرٌ ... وَجَدوا الزّمانَ يَعيثُ فيه فَعَاثوا
تحْثُو على عَيْبِ الغَنيِّ يدُ الغِنى ... والفقرُ عَنْ عَيْبِ الفَتى بَحَّاثُ
المالُ مالُ المَرْءِ ما بلَغَتْ به الشَّ ... هواتُ أو دَفَعَتْ به الأحْداثُ
ما كانَ منه فاضِلاً عَنْ قُوتِه ... فلْيَعْلَمَنَّ بأنَّه ميراثُ
ما لي إلى الدُّنيا الغَرورَةِ حاجةٌ ... فليَخْزَ ساحِرُ كَيْدِها النَّفَّاثُ
سَكَناتُها مَحْذورَةٌ وعُهودُها ... مَنْقوضَةٌ وحِبالُها أنكاثُ
(1/254)

أُمُّ المَصائبِ لا يَزالُ يَرُوعُنا ... منها ذُكورُ نَوائِبٍ وإناثُ
إنِّي لأعْجَبُ مِن رِجالٍ أمْسَكوا ... بِحَبَائلِ الدُّنيا وهُنَّ رِثاثُ
كنَزُوا الكُنوزَ وأغفَلوا شَهواتِهم ... فالأرْضُ تَشْبَعُ والبُطونُ غِراثُ
صرفُها: حدَثانُها ونوائبها، وحِثاث: سِراعٌ، وحثا التراب: صبّه، يقول في هذا البيت: إن الغِنى يغطّي عيوبَ الأغنياء أمّا الفقرُ فإنّه يحمل الناسَ على أن يُفتّشوا عن عيوبِ الفقراء ويُلصقوا بهم العيوبَ إلصاقاً. ونكث الحبل: نقضَه، ورِثاث جمع رِث: بالٍ، وغِراث: جائعات. . .

النقصان بعد التمام
قالوا: مَنْ بلَغَ غايةَ ما يُحبُّ فلْيَتَوَقَّعْ غايةَ ما يَكْرَه. . . وقال الأصمعيُّ: وجدتُ لبعضِ
العربِ بيتين كأنّهما أخِذا من قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً}، وهما:
أحْسَنْتَ ظَنّكَ بالأيّامِ إذْ حَسُنَتْ ... ولَمْ تَخَفْ غِبَّ ما يأتي به القَدَرُ
وسالَمَتْكَ اللّيالي فاغْتَرَرْتَ بِها ... وعندَ صَفْوِ اللّيالي يَحْدُثُ الكَدَرُ
ومِنْ دُعاءِ بَعْضِهم: صَرفَ اللهُ عنك آفاتِ التَّمام. . .
والبيت المشهور في هذا المعنى:
إذا تَمَّ أمْرٌ بَدَا نَقْصُه ... توقَّعْ زَوالاً إذا قِيلَ تَم
وقال عبد الله بن مسعود: عَرَضُ الدَّنيا عاريَّة، ومَن فيها ضيفٌ، والعاريّة مؤدّاةٌ، والضيف مُرْتَحل العاريَّة: ما تستعيرُه من قريبك أو صديقك أو جارك لتنتفِعَ به حيناً ثم تردُّه إلى صاحبه، وعرضُ الدُّنيا. ما نيلَ منها مِنْ متاعِها وحُطامها.
(1/255)

وقال حكيم: الدُّنيا تُطعم أولادَها، وتأكل أولادَها. وقال الشاعر:
وما المالُ والأهْلونَ إلا وَدائِعٌ ... ولا بُدَّ يَوْماً أَنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ
وقال المتنبي:
أبداً تَسْتَرِدُّ ما تَهَبُ الدُّن ... يا فَيا ليْتَ جُودَها كانَ بُخْلا
فكَفَتْ كَوْنَ فَرْحَةٍ تُورِثُ الغَمّ ... وخِلٍّ يُغادِرُ الوَجْدَ خِلاَّ
يقول المتنبّي: شيمةُ الدُّنيا أن تستردَّ ما تهبُ وتُعطي، فليتها بخلت وما جادت إذ لو بخلت ولم تُعْطِ لكفتنا الفرحَ بوجود شيءٍ يُعقب لفقده الغمَّ، والفرحَ بوجودِ خليلٍ يُؤنس بقربِه ثم تخترمُه المنيةُ فيغادر الهمَّ خليلاً للحازن عليه وفي هذه القصيدة يقول المتنبّي:
ولَذيذُ الحَياةِ أنْفَسُ في النَّفْ ... سِ وأشْهَى مِنْ أنْ يُمَلَّ وأحْلَى
وإذا الشَّيْخُ قالَ أُفٍّ فما مَلَّ ... حَياةً وإنّما الضَّعْفَ مَلاّ
آلةُ العَيْشِ صِحَّةٌ وشَبابٌ ... فإذا وَلَّيا عَنِ المَرْءِ وَلّى

الدنيا لا يدوم فيها فرح ولا ترح
قال شاعر:
هَلِ الدَّهْرُ إلا ساعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضي ... بما كانَ فيها مِن بَلاءٍ ومِنْ خَفْضِ
فَهوْنَكَ لا تَحْفِلْ إساَءةَ عارِضٍ ... ولا فَرْحةً تأتي فكِلْتاهُما تَمْضي
الخَفْضُ: الدَّعة ولينُ العيش وسعتُه، والهَوْنُ مصدر الهَيْن في معنى السكينة والتثبُّت
والوقار والرّفق قال:
فَهَوْنَكُما لا يَرُدُّ الدَّهْرُ ما فاتا ... لا تَهْلِكا أسَفاً في إثْرِ مَن ماتا
وقال آخر:
(1/256)

وما اكتأَبَتْ نَفْسٌ فَدامَ اكْتِئابُهَا ... ولا ابْتَهَجَتْ نَفْسٌ فدامَ ابْتِهاجُها
ودخل أعرابيٌّ عُمِّرَ مائة وعشرين سنة على معاوية رضي الله عنه، فقال له: صِفْ لنا الدُّنيا، فقال: سُنيّاتُ بلاء وسُنيّات رخاء، يُولدُ مولودٌ ويَهلِكُ هالكٌ ولولا المولودُ بادَ الخلقُ، ولولا الهالِكُ ضاقت الأرض.

الدنيا غرّارة
قال بعضهم: هذه الدُّنيا قَحْبَةٌ يوماً عند عطّار، ويوماً عند بيطار. . .
وقال المتنبي:
فَذي الدّارُ أَخْونُ مِن مُوْمِسٍ ... وأخْدَعُ من كفَّةِ الحابِلِ
تَفَانى الرِّجالُ على حُبِّها ... وما يَحْصُلونَ على طائِلِ
الحابل: الصائد ذو الحِبالة، وهي الشَّرك، والطائل: ما كان له قدر. يقول المتنبي: إن هذه الدنيا فاجرةٌ خوّانة لبنيها كالمومس تخلف من وَثِقَ بها، وهي كذلك أخدعُ من حِبالة الصائد تصرع من اطمأنَّ إليها، ثم قال في البيت الثاني: تفانى الناس على حبِّها ومع ذلك لم يحصلوا من أمرها على طائلٍ لأنها تستردُّ ما تعطيه وتهدم ما تبنيه، وتَمَرُّ بعد حلاوتها وتَعْوجُّ بعد استقامتها.
وقالوا: مثلُ الدُّنيا مثلُ الحيّة ليِّنٌ مسّها وفي جوفها السُّمُّ النّاقع، يهوي إليها الصبيُّ الجاهل، ويحذرها الحازمُ العاقل. يهوي إليها: يسرع وذلك كما تقول رأيتُ فلاناً يَهْوي نحوك، معناه: يريدك، قال تعالى: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}: أي تريدهم وتسرع وقال أبو عمرو بن العلاء: كنت أدورُ في ضيعتي في شدّة الحرِّ فسمعت هاتِفاً يقول:
وإنَّ امْرَأً دُنْياهُ أكْبَرُ هَمّهِ ... لَمُسْتَمْسِكٌ منها بِحَبْلِ غُرورِ
(1/257)

فنقشت ذلك على خاتمي. وقال الشاعر:
ومَنْ عَرَفَ الأيّامَ لَمْ يَرَ خَفْضَها ... نَعِيماً ولَمْ يَعْدُدْ تَصَرُّفَها بَلْوَى

حب الدنيا على الرغم من عيوبها
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه - وقد ذُكر له قومٌ يحبّون الدُّنيا -: هُمْ أبناؤها، أفَيُلامُ الرجلُ على حبِّ والِدَيْه! وقال الشَّعبيُّ: ما أعلمُ لنا وللدنيا كقولِ كثيّر عزّة:
أسِيئي بِنا أوْ أحْسِني لا مَلومَةٌ ... لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
وقد تقدّم وقال شاعر:
يَذُمُّون دُنيا لا يُريحونَ دَرَّها ... ولَمْ أرَ كالدُّنيا يُذَمُّ ويُحْلَبُ
لا يريحون درَّها فالدرُّ: اللبن يقول: إنّهم مع ذمِّهم إيّاها يُلحّون في الإقبال عليها ويَكلَبون ويَشْرَهون حتّى ما يتركونَ درَّها يستريح، وهذا على المثل. . .
وقال أبو العتاهية:
كُلُّنا يُكْثِرُ المَذمَّةَ للدُّنْ ... يا وكلٌّ بِحُبِّها مَفْتونُ

الدنيا تضرُّ مُحبّيها
قالوا في ذلك: الدُّنيا تضرُُّ محبّيها، وما كَرُمَت على أحدٍ نفسُه إلا هانت عليه الدُّنيا، وقالوا: أوحى اللهُ إلى الدُّنيا: أن اخْدُمي مَنْ جفاكِ واستخدمي مَنْ يهواك وهذا تمثيلٌ جميلٌ وحقٌّ وقال عمر بن عبد العزيز: الدُّنيا لا تضرُّ إلا مَنْ أمِنها ولا تنفع إلا مَنْ حَذِرها. وقال الفاروق رضي اللهُ عنه: ما كانت الدُّنيا همَّ امْرئٍ إلا لَزِمَ قلبَه خصالٌ أربع: فقرٌ لا يُدْرك
(1/258)

غِناه، وهمٌّ لا ينقضي مَداه، وشُغلٌ لا يَنْفد أُوْلاه، وأملٌ لا يُدرك مُنْتهاه.
وقال الشاعر:
أرَى الدُّنيا لِمَنْ هيَ في يَدَيْهِ ... عَذاباً كلَّما كَثُرَتْ لَدَيْهِ
تُهينُ المُكْرِمين لَها بِصُغْرٍ ... وتُكْرِمُ كلَّ مَنْ هانَتْ علَيْهِ
الصُّغر: الصَّغار، أي الذلُّ والضَّيم.
وقال المتنبي:
ومَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنيا قَديماً؟ ... ولكنْ لا سبيلَ إلى الوِصالِ
من: استفهامية، يقول المتنبي: من ذا الذي لم يعشقِ الدُّنيا من قديمِ الدَّهر؟ كلُّ أحدٍ يهوى الدُّنيا ولكن لا سبيلَ إلى دوام وِصالِها، أي أنَّ كثيراً من عشّاقها واصَلَها وواصَلَتْه ولكن لا سبيلَ إلى دَوامِ الوِصالِ فإنَّ وصالَها يعقبه الهَجْرُ وسرورَها يعقبه الحزنُ وأيامها تنتهي بالموت.

بنو الدُّنيا أغراضٌ لضروب المحن
قيل للحسن البصري: كيف أصبحت؟ فقال: كيف يصبحُ مَنْ هو غَرَضٌ لثلاثةِ أسْهُمٍ: سهمُ رزيّةٍ، وسهمُ بليّةٍ، وسهمُ منيَّةٍ. وقالوا: مَنْ أخطأه سَهْمُ المنيّة لم يُخْطِئْه سَهْمُ الرزيّة، وقال ابن المعتز:
الدَّهْرُ يَطرِفُ بالعَنا ... والنّاسُ بين جُفونِهِ
يقال: طَرَفَ بَصَرَه يَطْرِفُه طَرْفاً: إذا أطبقَ أحدَ جَفْنَيْه على الآخر؛ والعَنا هو العناء أي النَّصَب وقال أبو العتاهية:
أُفٍّ لدُنْيا تَلاعَبَتْ بي ... تَلاعُبَ المَوجِ بالغَريقِِ
(1/259)

الأيّام تمضي في تَراذلها
سمع زيادُ بن أبيه امرأةً تقولك اللَّهمَّ اعزِلْ عنّا زياداً، فقال: زيدي في دعائِك: وأبْدِلنا خيراً منه، فإنَّ الأخيرَ أبداً شرٌّ. . . وقال أبو الدّرداء: معروفُ زمانِنا مُنْكَرُ زمانٍ قد فات، ومنكرُه معروفُ زمانٍ لَمْ يأتِ.

حمدُهم ماضي الزمان وذمُّهم حاضره
كانت السيدة عائشةُ رضي الله عنها كثيراً ما تنشد قولَ لبيد:
ذَهَبَ الذينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ... وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجلْدِ الأجْرَبِ
وتقول: رحم اللهُ لبيدا، كيف لو عاش إلى زمانِنا! وكان عبد الله بن الزبير ينشد هذا البيت ويقول: رحمَ اللهُ عائشة، كيف لو عاشت إلى زمانِنا! ومن كلام الحسن البصري: كان الناس وَرَقاً بلا شوكٍ فصاروا شوكاً بلا وَرَقٍ. . . وقالوا:
رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتُ فيه فَلمَّا ... صِرْتُ في غيرِه بَكَيْتُ عَلَيْهِ
وهناك من يذهب إلى أنّ ماضي الزمانِ كحاضرِه، لا يَفْضُل قديمُ الزمانِ حديثَه، وإنّما الأيّام كلُّها، أو الناسُ جميعاً، قُداماهم ومُحْدثوهم وأوّلُهم وآخرُهم سواسيةٌ في أنّهم خَلْفٌ كجلد الأجربِ، ومن أحسن ما قيل في ذلك تلك الكلمةُ التي كتبها بديع الزمان الهَمذاني في رسالةٍ له إلى أستاذه أبي الحسين بن فارس صاحب المُجمل في اللغة، جواباً على رسالةٍ كتبها ابن فارس إلى البديع
(1/260)

في ذمِّ الزمان، قال البديع: نَعَمْ أطالَ اللهُ بقاءَ الشيخِ الإمام، إنّه الحَمَأ المَسْنون، وإنْ ظُنَّت الظُّنون، والنَّاسُ لآدَمَ، وإنْ كان العهدُ قد تقادَمَ، وارتبكَتِ الأضدادُ،
واختلط الميلادُ؛ والشيخ يقول: فَسُدَ الزمانُ، أفلا يقول: متى كان صالِحاً؟ أفي الدَّولة العباسية وقد رأيْنا آخِرَها وسمعنا أوَّلَها؛ أم المدَّةِ المَروانيّة وفي أخبارِها لا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بأغبارِها. . . أم السِّنين الحربيّة:
والسَّيْفُ يُعْمَلُ في الطُّلَى ... والرُّمْحُ يُرْكَزُ في الكُلَى
(1/261)

ومَبيتُ حُجْرٍ في الفَلاَ ... والحَرَّتانِ وكَرْبَلاَ
أم البَيعة الهاشميّة وعليٌّ يقول: ليتَ العشرةَ منكم بِراس، مِن بني فراس؛ أم الأيّام الأُمويّة والنفيرُ إلى الحِجاز، والعيونُ إلى الأعْجاز؛ أم الإمارةِ العدويّةِ وصاحبُها يقول: وهَلْ بعدَ البُزولِ إلا النزول، أم الخلافةُ التيميّة وهو يقول: طوبى لِمَنْ ماتَ في نأنأةِ الإسلام أم على عهد الرسالة ويومَ الفتح قيل: اسكُتي يا فلانة، فقد ذَهَبتِ الأمانةُ، أم في الجاهليّة ولبيدٌ يقول:
ذهَبَ الذين يُعاشُ في أكْنافِهِمْ ... وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
(1/262)

أم قبلَ ذلك وأخو عادٍ يقول:
بِلادٌ بِها كُنّا وكُنّا نُحِبُّها ... إذِ النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ
أم قبلَ ذلك ويروى لآدمَ عليه السلام:
تَغيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عَلَيْها ... فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ
أم قبلَ ذلك والملائكةُ تقول لبارئِها {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء}؛ ما فَسَدَ الناس، ولكن اطَّرد القياس؛ ولا أظلمتِ الأيّام، وإنّما امتدَّ الإظلام؛ وهل يَفْسُدُ الشَّيءُ إلا عن صلاح، ويُمسي المرءُ إلا عَنْ صَباح!

إنكار ذمِّ الدَّهر
رَوَوْا لنا عن سيدِنا رسولِ اللهِ (لا تسبّوا الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هو الله)، وفي روايةٍ: (فإنَّ اللهَ هو الدَّهر) يقول صلوات الله عليه: إنّ ما أصابك من الدَّهرِ فاللهُ فاعلُه ليس الدَّهر، فإذا شتمت الدَّهرَ فكأنّك أردت به اللهَ: وكان من شأنِ العربِ أن تَذُمَّ الدَّهرَ وتسبّه عند الحوادثِ والنّوازلِ تنزل بهم من موتٍ أو هَرَمٍ ويقولون: أبادَهم الدهرُ وأصابتهم قوارِعُ الدّهرِ وحوادثُه، فيجعلون الدَّهْرَ الذي يفعل ذلك فيَذُمّونه، وقد ذكروا ذلك في أشعارِهم وأخبرَ اللهُ تعالى عنهم بذلك في كتابه العزيز ثم كذَّبهم فقال: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ
وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}، قال الله عز وجل: {وَمَا لَهُم
(1/263)

بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}، والدَّهر: الزمانُ الطويل ومُدَّةُ الحياةِ الدنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبّوا الدهرَ، على تأويل: لا تسبّوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء فإنكم إذا سببتم فاعلَها فإنّما يقع السبُّ على الله تعالى لأنّه الفاعلُ لها لا الدهر. . . وقد تقدم ذلك.
وقال أبو بكر الخوارزمي قريباً من هذا المعنى الذي نُعالجه:
وكم نَكْنِي وكَمْ نَهْجُو اللَّيالي ... وليسَ بِخَصْمِنا إلا القَضاءُ
وقال رجلٌ للأصمعيّ: فَسَدَ الزمانُ، فقال:
إنّ الجَديدَينِ في طُولِ اخْتِلافِهِما ... لا يَفْسُدَانِ ولَكِنْ يَفْسُدُ الناسُ
والبيت المشهور في هذا هو قول بعضهم:
نَعيبُ زَمانَنا والعيبُ فينا ... ولو نَطَقَ الزَّمانُ بِنا هَجانا
وقال المتنبّي:
ألا لا أُرِي الأحْداثَ حَمْداً ولا ذَمّا ... فما بَطْشُها جَهْلاً ولا كفُّها حِلْما
وقال بعض الصالحين لأبي العتاهية: أيُّ خلقِ اللهِ أصغرُ عندَه؟ قال: الدُّنيا، لا تساوي عندَ اللهِ جناحَ بعوضة، قال: أصغر منها مُحِبُّها. . .

المسرّة من حيث تُخشى المضرّة
قال أبو عمرو بن العلاء: طلب الحجّاجُ بن يوسف الثقفيّ أبي، فخرج
(1/264)

منه هارِباً إلى اليمن، فإنّا لَنسيرُ بصحراءِ اليمن إذْ لَحِقَنا لاحقٌ ينشد:
رُبَّما تَكْرَهُ النُّفوسُ مِنَ الأمْ ... رِ له فَرْجةٌ كحَلِّ العِقالِ
فقال أبي: ما الخبرُ؟ قال: ماتَ الحجّاج، قال أبو عمرو: فأنا بقوله: له فَرْجةٌ أشدُّ سُروراً مني بموتِ الحجّاج، قال: فقال أبي: اصرِفْ رِكابَنا إلى البصرة، قال: وكنت يومئذٍ قد خَنَّقْتُ بِضْعاً وعشرين سنة. . . ربّما تَكره النفوسُ. . . البيت هو لأميّةَ بنِ أبي الصَّلت وقبله:
لا تَضِيقَنَّ في الأمورِ فَقَدْ تُكْ ... شَفُ غَمَّاؤُها بغيرِ احْتيالِ
ومن بديعِ هذه اللُّغةِ العربية الكريمة أنّها تفرِّق بين فَرْجة بفتح الفاء وبينها بالضّم، فالأولى: التفصّي من الهَمِّ، والأخرى، أي الفُرْجة بالضّم: كلّ منفرجٍ بين جبلين ونحوِهما. والغمّاء:
الكرب وقالوا: خَفِ المَضارَّ مِنْ خَلَلِ المَسار، وارْجُ النَّفعَ مِن مَوضعِ المَنْع، فأكثرُ ما يأتي الأمنُ مِنْ مَحَلِّ الفَزَع، وقالوا: أعناقُ الأمورِ تتشابه، فرُبَّ مَحبوبٍ في مكروهٍ ومكروهٍ في محبوبٍ ومغبوط بنعمةٍ هي داؤُه ومرحومٍ مِنْ داءٍ فيه شفاؤُه. . . وقالوا: ربَّ سلامةٍ تكونُ للتَّلفِ سبباً، ومكروهٍ يكون للنجاةِ مُفْتاحاً:
وقد يَأسَفُ المَرْءُ مِن فَوتِ ما ... لَعلَّ السَّلامةَ في فَوْتِهِ
وقال حكيم: لله مصالحُ في مكارِه عبادِه، وقالوا: العاقلُ لا يجزعُ لأوَّلِ نكبةٍ ولا يفرحُ بأوَّلِ نعمةٍ فربّما أقلعَ المحبوبُ عمّا يَضُرُّ وأسفرَ المكروهُ عمّا يَسُرُّ. . . وقال سيّدُنا رسولُ الله (اشْتدّي أزمةُ تَنْفَرجي) الأزمة: الشِّدّةُ والقَحْط ويُقال في ذلك: إنَّ الشدَّةَ إذا تتابَعَتْ انفرجَتْ وإذا توالَتْ تولّت. . والأصلُ في هذا المعنى قولُ اللهِ جلَّ شأنُه {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}.
(1/265)

الفرج بعد الشدّة
أتِيَ يزيدُ بخارجيٍّ، فهَمَّ بقتلِه فقال الخارجيُّ:
عَسَى فَرَجٌ يأتي به اللهُ إنَّهُ ... لهُ كلَّ يَوْمٍ في خَليقَتِه أمْرُ
فقال يزيد: واللهِ، لأضْرِبَنَّ عُنقَك، اقتُلوه، فدَخَلَ الهيثمُ بنُ الأسودِ النَّخَعيّ، فقال: أمسكوه قليلاً، فدَنا منه فقال: يا أميرَ المؤمنين، هَبْ مُجْرِمَ قومٍ لوافِدِهم، فقال: هو لك، فخرج الخارجيُّ وهو يقول: تأبّى على اللهِ فأبى إلا أنْ يُكذِّبَه وغالبَه فأبى إلا أنْ يَغلِبَه. . . وأحْضِرَ رجلٌ أمام بعض الملوك، فدعا بطعامٍ فأخذ يأكل ويَضحكُ، فقيل له: تَضحكُ وأنت مقتولٌ؟ فقال: من الساعة إلى الساعة فرجٌ، فسُمِعَتْ صيحةٌ فقيل: ماتَ الملكُ، فخلّوا الرجلَ. . . وشدَّ بعضُ العمّال - الولاة - رجلاً إلى أسطوانةٍ - عمود - يريد ضربَه، فقال حُلَّني من هذه إلى هذه، فحلَّه، فما حلَّه إلا وقد عُزِلَ وشُدَّ إلى الأسطوانَةِ بعَيْنِها. . .

من زال كربُه فنسيَ صنعَ الله
قالوا: ما صاحبُ البلاءِ الذي طال بلاؤُه بأحقَّ بالدُّعاءِ من المُعافى. وقيل: من سبحَ في النّهرِ الذي فيه التمساحُ عرَّض نفسَه للهَلَكة. وشكا يوسفُ عليه السلام طولَ الحبس، فأوحى الله تعالى إليه: أنتَ حَبَسْتَ نفسك حيث قلت: {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ}. وقال الله عزَّ وتقدّس {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ
كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. . . وقال سبحانه: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا
(1/266)

مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}.

لا تُعرف النعمةُ إلا عند فقدِها
قالوا: كم من نعمةٍ عُرفت ببليّةٍ نزلت، ونقمةٍ جُهلت بسلامةٍ لبثت. وقالوا: شيئان لا يَعرف فضلَهما إلا مَنْ فقدهما: الغِنى والعافية. . وقال الشاعر:
فالوَجْهُ مِثْلُ الصُّبْحِ مُبْيضٌّ ... والشَّعْرُ مِثْلُ اللَّيْلِ مُسْوَدُّ
ضِدّانِ لمّا اسْتَجْمَعا حَسُنا ... والضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُ
وقال المتنبّي:
وبِضدِّها تَتَبيَّنُ الأشْياءُ
وقال أبو تمام:
وليسَ يَعْرِفُ طيبَ الوَصْلِ صاحبُهُ ... حتَّى يُصابَ بِنَأيٍ أو بِهِجْرانِ
وقال المتنبّي:
ولولا أيادي الدَّهْرِ في الجَمْعِ بَيْنَنا ... غَفَلْنا فلَمْ نَشْعُرْ لهُ بِذُنوبِ
يقول المتنبي: إنّ الدَّهرَ تارةً يُحسنُ وتارةً يُسيءُ فلو لَمْ يُحسن إلينا بالجَمْعِ بيننا لَما شعرْنا بذُنوبِه في تفريقنا، فبِإحْسانِه عَرَفْنا إساءتَه.

فضل العافية وسلامة الدين
قال سيدُنا رسولُ الله (مَنْ أصبحَ آمناً في سِرْبِه مُعافًى في بَدَنِه عندَه قوتُ يومِه فكأنّما حيزَتْ له الدُّنيا بِحَذافيرِها).
قال ابن بري: قال جماعةٌ من أهل اللّغة: السِّرْبُ: النَّفْس قال: وأنكر
(1/267)

ابنُ دَرَسْتَوَيْه قولَ مَنْ قالَ في نفسِه قال: وإنّما المعنى: آمنٌ في أهلِه ومالِه وولدِه، ولو أمِنَ على نفسِه وحدَها دونَ أهلِه ومالِه وولدِه لم يُقَلْ هو آمنٌ في سِرْبِه، وإنّما السِّربُ ههُنا: ما للرجلِ من أهلٍ ومالٍ، ولذلك سُمِّيَ قطيعُ البقرِ والظّباء والقَطا والنّساء سِرْباً، وكان الأصلُ في ذلك أن يكونَ الراعي آمِناً في سِرْبه والفحلُ آمناً في سربِه، ثم استُعمل في غيرِ الرُّعاةِ استعارةً فيما شبِّه به. وحيزت: جُمعت وضُمَّتْ، وبِحَذافيرِها: بأسْرِها.
وقال ابن الرومي:
إذا ما كَساكَ اللهُ سِرْبالَ صِحَّةٍ ... ولم تَخْلُ من قُوتٍ يَحِلُّ ويَعْذُبُ
فلا تَغْبِطَنّ المُتْرَفينَ فإنّهُمْ ... على حَسْبِ ما يُعْطِيهِمُ الدَّهْرُ يَسْلُبُ
السِّرْبال: القميصُ، وحلَّ: من الحلال مقابل الحرام، والغبطةُ: أن تتمنّى مثلَ حالِ المغبوط - الحسنِ الحال - من غيرِ أن تريدَ زوالَها، وعلى حسب: على قَدر وعدد وقالوا: من أوتِيَ العافيةَ فظنَّ أنَّ أحداً أوتِيَ أكثرَ منه فقد قلَّلَ كثيراً وكثَّر قليلاً كثّر قليلاً، لأنّ ما عدا العافية فهو قليلٌ بالإضافةِ إليها. . .

عبقريّاتٌ شتى في الدنيا
قال أبو حازم: وما الدُّنيا! أمّا ما مضى فَحُلمٌ وأمّا ما بقيَ فأمانيُّ، وقال بكر بنُ عبد الله: المُسْتغني عن الدُّنيا بالدُّنيا كالمُطْفئ النّارَ بالتِّبْنِ. وقال ابنُ مسعود: الدُّنيا كلُّها غُموم، فما كان فيها من سرورٍ فهو رِبْح.
وقال بعضُ الحُكماء: مثلُ الدُّنيا والآخرةِ مثلُ رجلٍ له ضرّتان إنْ أرْضى إحداهُما أسخطَ الأخرى. . . وقال سُفيانُ الثّوريُّ: تَركَ الملوكُ لكم الحكمةَ فاتركوا لَهُم الدُّنيا. وقال يحيى بن خالد البرمكيّ: دخلنا في الدُّنيا دُخولاً
(1/268)

أخْرَجَنا منها. وكان الحسن البصريُّ كثيراً ما يتمثل كلّما جرى ذِكْرُ الدُّنيا -:
اليومَ عِندَكَ دَلُّها وحَديثُها ... وغداً لغيرِك كَفُّها والمِعْصَمُ
وهذا البيت كذلك يُقال في غدرِ المَرْأةِ وقلَّةِ وفائِها. وكان إبراهيمُ بنُ أدْهَمَ العِجليُّ يقول:
نُرَقِّعُ دُنْيانا بتَمْزيقِ دينِنا ... فلا دِينُنا يَبْقى ولا ما نُرَقِّعُ
وقال السيد المسيح: أنا الذي كَفَأتُ الدُّنيا على وجهِها، فليست لي زوجةٌ تَموتُ ولا بيتٌ يَخْربُ. وقيل لمحمد بنِ واسع: إنّك لتَرْضى بالدُّون فقال: إنّما رَضِيَ بالدُّون من رَضِيَ بالدُّنيا. . . وقالت امرأةٌ لزوجِها ورأتْه مَهْموماً: مِمَّ هَمُّك؟ أبالدُّنيا فَقَدْ فَرَغ اللهُ منها أم بالآخرةِ فزادَك اللهُ همَّاً؟ وقال السيد المسيح: حبُّ الدُّنيا أصلُ كلِّ خطيئةٍ والمالُ فيها داءٌ كثير، قيل: ما داؤه؟ قال: لا يسلمُ صاحبُه من الفخرِ والكِبْر، قيل: وإن سَلِمَ؟ قال: يَشْغلُه إصلاحُه عن ذكرِ الله. وقال سيدنا رسولُ الله: (مَنْ أصبحتِ الدُّنيا همَّه وسَدَمَه نَزعَ اللهُ الغِنى من قلبِه، وصيَّرَ الفقرَ بينَ عَيْنَيْه ولَمْ يأتِه من الدُّنيا إلا ما كُتِبَ له؛ ومَنْ أصْبَحتِ
الآخرةُ همَّه وسَدَمَه نَزَعَ اللهُ الفقرَ من قلبِه وصيَّرَ الغِنى بين عَيْنَيْه وأتَتْه الدُّنيا وهي راغِمة). . . وقال سيدنا رسولُ اللهِ للضَّحاك بنِ سُفيان: (ما طعامُك؟ قال: اللَّحْمُ واللَّبنُ قال: ثمَّ يَصيرُ إلى ماذا؟ قال: ثمَّ يصيرُ إلى ما قد عَلِمْتَ، قال: فإن اللهَ ضربَ ما يَخْرجُ من ابْنِ آدمَ مثلاً للدنيا). . وكان بِشْرُ بنُ كعبٍ يقول لأصحابِه إذا فرغ من حديثِه: انطلقوا حتّى أريكُمُ الدُّنيا، فيَجيءُ فيقفُ بهم على السُّوق، وهي يَوْمَئذٍ مَزْبلةٌ، فيقول: انْظُروا إلى عَسَلِهم وسَمْنِهم وإلى دجاجِهم وبَطِّهم
(1/269)

صارَ إلى ما تَرَوْن.
وقال محمدُ بن وهيب:
نُراعُ لِذِكْرِ الموتِ ساعةَ ذِكْرِه ... وتَعْترِضُ الدُّنيا فنَلْهو ونَلْعَبُ
ونَحْنُ بَنُو الدُّنيا خُلِقْنا لِغَيْرها ... وما كنْتَ مِنْه فَهْوَ شَيْءٌ مُحَبَّبُ
يَقينٌ كأنَّ الشَّكَّ غالِبُ أمْرِه ... عليهِ وعِرفانٌ إلى الجَهْلِ يُنْسَبُ
أقول: لعلّه ينظرُ إلى قول جرير:
تُرَوِّعُنا الجَنائِزُ مُقْبِلاتٍ ... فنَلْهُو حينَ تَذْهَبُ مُدْبِرَاتِ
كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لمُغارِ ذِئْبٍ ... فلَمّا غابَ عادَتْ راتِعاتِ
قال أبو عمرو بن العلاء: جلستُ إلى جَريرٍ وهو يُمْلي:
وَدّعْ أُمامةَ حانَ مِنك رَحِيلُ
ثمَّ طلَعَتْ جِنازةٌ فأمْسَكَ وقال: شَيَّبَتْني هذه الجَنائِزُ، قلت: فلِمَ تُسابُّ النّاس! قال: يَبْدؤونَني ثَمَّ لا أعْفو وأعْتَدي ولا أبْتَدي، ثمَّ قال هذين البيتين. . . وقول محمد بن وهيب: يقينٌ كأنَّ الشكَّ غالِبُ أمْرِه. . . البيت فمَأخوذٌ من قولِ الحسنِ البصريّ: ما رأيْتُ يقيناً لا شكَّ فيه أشْبَهَ بِشَكٍّ لا يقينَ فيه، إلا الموت. . .
(1/270)

وقال أحدُ الظُّرفاء: إنَّ الدُّنيا قد اسْتَودَقَتْ وأنْعَظَ الناس: اسْتَوْدَقَتْ يقال: وَدَقَت الفرسُ تَدِقُ وَدْقاً واسْتَوْدَقَتْ: إذا طلَبَتِ الفَحْلَ وقال حكيم: مَنْ أرادَ الدُّنيا فلْيَتَهيَّأ للذلّ. ومن كلمةٍ لعليِّ بن أبي طالب: أهلُ الدُّنيا كَرَكْبٍ يُسارُ بِهِمْ وهم نِيام. ومن كلامِه رضِيَ اللهُ عنه - وقد قال له رجلٌ وهو في خُطبة: يا أميرَ المؤمنين، صِفْ لنا الدُّنيا فقال: ما أصِفُ من دارٍ أوَّلُها عَناءٌ وآخِرُها فناءٌ، في حَلالِها حسابٌ وفي حرامِها عِقابٌ، مَنْ صحَّ فيها ما أمِنَ، ومَنْ مَرِضَ نَدِمَ ومن اسْتَغْنى فُتِنَ، ومَنِ افتقرَ فيها حَزِنَ! وقال أيضاً: إنَّما المرءُ في الدنيا
غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فيه المَنايا، ونهبٌ للمَصائبِ، ومع كلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وفي كلِّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ، ولا ينال العبدُ فيها نعمةً إلا بفِراق أخرى، ولا يستقبل يوماً من عُمْرِه إلا بهَدْمِ آخرَ مِنْ أجَلِه، فنحنُ أعوانُ الحُتوفِ، وأنفسُنا تسوقُنا إلى الفَناء، فمن أين نَرْجو البَقاء! وهذا الليلُ والنهارُ لم يَرْفعا من شيءٍ شَرَفاً إلا أسرعا الكرَّةَ في هَدْمِ ما بَنَيا، وتفريقِ ما جَمَعا، فاطلبوا الخيرَ وأهلَه، واعْلَموا أنَّ خيراً من الخيرِ مُعْطيه، وشَرّاً من الشَّرِّ فاعِلُه. . . الغرض: الهدف، والنّهب: المالُ المنهوبُ غنيمةً والجمعُ نِهابٌ وقد تقدّم شرحُ الجرعة والشرق والغصص، وقولُه: فنحنُ أعوانُ الحتوفِ فالحتف: الموت، ومعنى أنّنا أعوانُ الموتِ: أنّا نأكلُ ونشربُ ونُجامع ونركب الخيل والسفن والطائرات ونحوها ونتصرّف في أسبابِنا وحاجِنا ومآربِنا، والموتُ إنّما يكونُ بأحدِ هذه الأمور إمّا من أخلاطٍ تُحدثها المآكل والمشارب، أو مِنْ سقطةٍ يسقط الإنسانُ من دابّةٍ هو راكبُها أو من ضعفٍ يلحَقُه من الجِماعِ المُفرط أو مُصادمات واصطكاكات تصيبُه عند تصرُّفه في مآربِه وحَرَكتِه وسَعْيِه ونحو ذلك،
(1/271)

فكأنّا نحنُ أعنّا الموتَ على أنفُسِنا.
وقال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: مالكَ من عَيْشِك إلا لَذَّةٌ تَزْدَلِفُ بك إلى حِمامِك وتقرِّبُك من يومِك، فأيَّةُ أكلةٍ ليس معها غصصٌ أو شَرْبةٍ ليس معها شَرَق! فتأمّل أمْرَك فكأنّك قد صِرْتَ الحبيبَ المفقودَ والخيالَ المُخْتَرمَ، أهلُ الدُّنيا أهلُ سَفَرٍ لا يَحُلّون عقدَ رِحالِهم إلا في غيرِها قوله: تَزْدَلِفُ بك إلى حِمامك: أي تقرِّبك إلى موتِك، والمُخْتَرم المُسْتأصَل والمُقْتَطَع.
وقال حكيم: مَنْ ذا الذي يَبْني على موجِ البَحْرِ داراً! تِلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخِذوها قَراراً. . . وقيل لبعض الرُّهبان: كيف ترى الدَّهرَ؟ قال: يُخْلِقُ الأبدانَ، ويجدِّد الآمالَ، ويقرِّب المنيّة، ويباعدُ الأمنيّة، قيل: فما حالُ أهلِه؟ قال: مَنْ ظَفِرَ به تَعِب، ومن فاتَه اكْتأبَ، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
ومَنْ يَحْمَدِ الدُّنيا لِعَيْشٍ يَسُرُّهُ ... فسَوْف لعَمْري عن قليلٍ يَلومُها
إذا أدْبَرَتْ كانَتْ على المَرْءِ حَسْرَةً ... وإنْ أقبلَتْ كانَتْ كثيراً همومُها
قال حكيم: مِن عَيب الدُّنيا أنها لا تعطي أحداً ما يستحقّ، إمّا أن تَزيدَ له وإمّا أنْ تَنقص. . . وقال أبو العتاهية:
تَعالى اللهُ يا سَلْمُ بنَ عمْروٍ ... أذَلَّ الحِرْصُ أعناقَ الرِّجالِ
هَبِ الدُّنْيا تُسَاقُ إليْكَ عَفْواً ... ألَيْسَ مَصيرُ ذاكَ إلى الزَّوالِ
وما دُنْيَاكَ إلا مِثْلُ فَيْءٍ ... أظَلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بِانْتِقالِ
ولنجتزئ بهذا المقدار فعبقرياتهم في الدُّنيا لا يكاد يبلغُها الإحصاء.
(1/272)

عبقريّاتُهم في الموتِ
أسماءُ الموتِ ووَصْفُه
الموت: ضدُّ الحياة، ويقال: مات يَموتُ ويَماتُ - لغةٌ طائيّة - وقالوا: مِتَّ تَموتُ؛ قال ابنُ سيدة: ولا نَظيرَ لَها من المُعْتلّ، ورجلٌ مَيِّت ومَيْت، وقيل: المَيْت: الذي مات، والمَيِّت والمائِت: الذي لَمْ يَمُتْ بَعد، يقال: هو مَيّتٌ غداً ومائِت ولا يُقال: مَيْتٌ، قالوا: وهذا خَطأٌ، وإنّما مَيِّت يصلح لما قد ماتَ ولِما سيَموت، وقد جمعَ بين اللُّغتين عَدِيُّ بنُ الرَّعْلاء الغَسّاني - والرَّعلاءُ أمُّه - فقال:
ليسَ مَنْ مات فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ... إنّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
إنَّما المَيْتُ مَنْ يَعيشُ كَئيباً ... كاسِفاً بالُه قليلَ الرّجاءِ
فأُناسٌ يُمصَّصُونَ ثِمَاداً ... وأُناسٌ حُلوقُهُمْ في الماءِ
فجَعلَ المَيْتَ كالمَيّت. . ويقال للموت: الهِمْيَعُ، وقيل: الهِمْيَعُ: الموتُ المُعَجّل: أقول: ولعلّه سُمّي كذلك لأنّ الروحَ تَهْمَعُ: أي تسيل، من هَمَعَ الدَّمعُ والماءُ: سال. ومن أسماء الموتِ أيضاً: النَّيْطُ، رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لَوَدَّ معاويةُ أنّه ما بقيَ من بني هاشمٍ نافِخُ ضَرَمَةٍ إلا طُعِنَ في نَيْطِه، معناه: إلا ماتَ، قال ابنُ الأثير: والقياس: النَّوْطُ، لأنّه من ناطَ يَنوطُ: إذا عُلِّق، وقيل: النَّيْطُ، نِياطُ القلْبِ، وهو: العِرْق الذي يتعلَّق به القلبُ. . . ومن أسماءِ الموت: الرَّمْدُ قال أبو وَجْرة السَّعديُّ:
صَبَبْتُ علَيْكُمْ حاصِبي فَتركْتُكُمْ ... كأصْرامِ عادٍ حين جَلّلَها الرَّمْدُ
الحاصِب: العذاب يكون بالرّيح الشديدةِ تحملُ الحَصْباء، والأصْرامُ: الجماعاتُ
(1/273)

من الناس والرَّمادة: الهَلاك؛ ومنه قيل: عامُ الرّمادة؛ لأنّ الناسَ والأموالَ هلكَت فيه كثيراً ومن أسمائِه: أمُّ قَشْعَم، قال أبو عبيد: أمُّ قَشْعَم: المنيّة، ويقال للشيخ الكبير والمسنِّ من النُّسور والرَّخَم: قَشْعَم، لطولِ عُمْره. وأمُّ قَشْعَم في قول زهير في معلَّقته:
فَشَدَّ ولَمْ يُفْزِعْ بُيوتاً كثيرةً ... لَدَى حَيْثُ ألقَتْ رَحْلَها أُمُّ قَشْعَمِ
قيل: الحرب، وقيل: المنية، وقيل: الضَّبُعُ، وقيل: العنكبوت، وقيل: الذِّلّة. . . ومن أسمائِه: أمُّ اللَّهَيْم. قال الخليل بن أحمد: أمُّ اللَّهَيْم: المنيّة، لأنّها تَلْتَهِمُ كلَّ شيء. ومن أسمائِه: شَعوبُ، قال ابنُ السِّكِّيت: شَعوبُ: اسمُ المنيّة، مؤنّثة مُعرّفة لا تَنْصرفُ وأنشد:
ومَنْ تَدْعُ يَوْماً شَعُوبُ يُجِبْها
قال: وإنّما سُمّيت المنيّة شعوبَ لأنّها تَشْعَبُ - أي تُفرّق - يقال: شَعَبَ وأشْعَبَ وانْشَعَبَ: هلك. . ومن أسمائِه: الفَوْدُ، فادَ يَفودُ فَوداً: مات، قال لبيدُ بنُ ربيعةَ يذكرُ الحارثَ بن أبي شِمر الغسّانيَّ، وكان كلُّ ملكٍ منهم كلّما مضَتْ عليه سنةٌ زاد في تاجِه خَرَزةٌ، يُراد بذلك أنْ يُعْلَمَ عددُ السنين التي ملَكَها، فأراد أنّه عُمِّرَ حتّى صار في تاجِه خَرزاتٌ كثيرة:
رَعَى خَرَزاتِ المُلْكِ سِتِّينَ حِجَّةً ... وعِشْرينَ حَتَّى فادَ والشَّيْبُ شَامِلُ
ومن أسمائِه: الحِمامُ. يقال نزلَ به حِمامُه: أي موتُه وقدرُه، مِن حُمَّ كذا أيْ قُدِّرَ أنشد ابن بَرّي لِخَبّابِ بن غُزَيّ:
(1/274)

وأرْمِي بِنَفْسي في فُروجٍ كَثيرةٍ ... ولَيْسَ لأمْرٍ حَمَّهُ اللهُ صارِفُ
ومن أسمائِه: المَنون، قيل: المَنون تكونُ واحِداً وجَمْعاً، قال أبو ذؤيب الهذليُّ. . .
أمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِه تَتَوجَّعُ
ومِنْ جَمْعِه قولُ عَديِّ بن زيدٍ العبادي:
مَنْ رأيْتَ المَنونَ خَلَّدْنَ أمْ مَنْ ... ذا عليه مِنْ أنْ يُضَامَ خَفِيرُ
وقال الأصمعيُّ: المنونُ واحدٌ لا جمعَ له، فأمّا قولُ عديِّ بن زيد فَعلى معنى العُموم والكَثرة في الموت، إذ كان أدْهى الدَّواهي، وقال ابن جنّيّ: من أنّث المنونَ ذهبَ إلى مَعْنى المَنيّةِ ومن ذَكَّرَ أراد الدَّهر، وسُمّي الدهرُ مَنوناً لأنّه يذهبُ بِمُنَّةِ الإنسان: أي قوَّته. . . ومن أسمائِه: المُوتان والمَوْتانُ، قال صاحب اللسان: المُوتان والمَوْتان والمُوات كلُّه: الموت؛ وفي الحديث: يكونُ في الناس مُوتانٌ كَقُعاصِ الغَنم، فالموتان: الموتُ الكثيرُ الوقوع.
ومن صفات الموت: موتٌ زؤام: أي كريه، وقيل: عاجلٌ، وقيل: سريعٌ مُجْهِزٌ، والمعنى الأول هو الأصحّ؛ ومن أوصافِه أيضاً: موتٌ زُعافٌ وذُعافٌ وزُؤافٌ وجُحافٌ جُحاف: شديد يذهب بكلِّ شيء يقال: سيلٌ جُحاف وجُراف: يذهب بكلِّ شيء، وزُعاف وذُؤاف
وذُعاف: سريع وحِيّ، وقيل: شديد، ومنها: مات قَعْصاً: أي موتاً وحِيّاً، ويقال لمن مات فُجاءَةً: فَقَسَ يَفْقِسُ فُقوساً، وفَطَسَ يَفْطِسُ فُطوساً، ويقال لَعِقَ إصْبَعَه وطَنَّ وتَنَبَّلَ: أي مات، ويقال أطلى الرَّجلُ: أي مالت عنُقُه عند الموتِ، ويقال: جَرِضَ بريقِه، وأصلُ الجَرَضِ: الغُصّةُ، والمُراد: عانى غَصصَ الموت
(1/275)

ومن ذا المثل: حالَ الجَريضُ دون القَريض، قال عَبيد بن الأبرص للمنذرِ حين أراد قتلَه وقال له: أنشدني من قولك، فقال عند ذلك: حال الجريضُ دون القريض، الجريض: الغصصُ واختلافُ الفكَّين عند الموت، والقريضُ: الجِرّة - لأنه إذا غُصَّ لم يقدر على قرضِ جِرّته، والقريضُ أيضاً: الشِّعْر، ويقال استاثرَ اللهُ به، وانْحلَّ تركيبُه، ومضى لِما خُلِقَ له، وأتاه ما كان يحذرُ، وأكلَ الدَّهرُ عليهم وشَرِبَ، وهذا مقلوب، وإنّما هو: أكلوا على الدَّهرِ وشَربوا؛ وصَفِرَ وِطابُه، ومعناه: أنَّ جسمَه خلا من روحِه؛ وأجود وصف للموت قولُ سيّدنا رسول الله: (أكثروا من ذكر هاذِمِ اللّذّات). . ولنجتزئ بهذا المقدار.

تعظيم أمر الموت
قال الحسنُ البصريُّ: إنَّ الموتَ قد فَضَحَ الدُّنيا. . .
وكان كثيراً ما يقول: عندَ الموتِ يأتيك الخَبَرُ. . . وقال له رجلٌ يوماً إنْ عِشْتَ ترَ ما لَمْ تَرَه، فقال: إنْ مِتَّ تَرَ ما لَمْ تَره. . وفي الأثر: ما رأيْتُ مَنْظراً فظيعاً إلا والموتُ أعظمُ منه. .
(1/276)

حثُّهم على تصوُّر الموت
كان الحسنُ البصريُّ إذا خوَّف من الموتِ يقول للشيوخ: الزَّرْعُ إذا بلَغَ ما يُصْنَعُ به؟ قالوا: يُحْصد، ويقول: للشبّان: يا معشرَ الشُّبّان كَمْ مِنْ زَرْعٍ لم يبلغ أدركَتْه الآفةُ!
وقال بعضُ الخُلفاء لابنِ السّماك: عِظْني وأوْجِزْ، فقال: اعْلَمْ أنّك أوَّلُ خليفةٍ تموت؛ وهذا كما سألَ أرْدَشيرُ بعضَ الحكماءِ عن دارٍ بناها وقال: هل ترى فيها عيباً؟ قال الحكيم: نعم، عَيْباً لا يُمكِنُك إصلاحُه، فقال وما هو؟ قال: لكَ مِنها خرجةٌ لا عودَ بعدَها أو دَخْلةٌ لا خُروجَ بعدها. . . وقالوا: من ضاقَ به أمرٌ فليتذكَّرِ الموتَ فإنّه يَتَّسِعُ عليه. . . ونحوه: من أحسَّ بأنّه يموتُ فليس ينبغي أن يغتَمَّ لأمرٍ صعبٍ ينزل به.
وشكا رجلٌ إلى سيِّدنا رسولِ الله قساوةَ قلبِه فقال صلواتُ الله عليه: (أكثِرْ من ذِكرِ هاذِمِ
اللَّذّات، فإنّه ما ذكَرَه أحدٌ في ضيقٍ إلا وَسَّعه عليه ولا في سَعَةٍ إلا ضيَّقَها عليه). . وقال بعضُ الصالحين: نِعْم نصيحةُ القلبِ ذكرُ الموت، يطرد فضولَ الأمل، ويكفكِفُ غَرْبَ المُنى ويهوِّن المصائبَ، ويحول بين القلب وبين الطُّغيان. . وقال الحسن البصريُّ - وقد قعد عند رأسِ مَيِّتٍ: إنَّ أمراً هذا آخِرُه لأهلٌ أن يُزْهَدَ فيما قبلَه، وإن أمراً هذا أوَّلُه لأهلٌ أن يُحذرَ ما بعدَه، ونظر الحسنُ إلى صبيَّة بينَ جِنازةِ أبيها تقول: يا أبتِ مِثلَ يومِك لَمْ أرَه، فَضَمَّها الحسنُ وقال: أيْ بُنَيّةُ، وأبوك مثلَ هذا اليومِ لَمْ يَرَه؛ فبكى الناسُ. . . ومرَّ عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه بمقابرِ
(1/277)

الكوفةِ فقال: السّلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ المُوْحِشة، والمَحالِّ المُقْفرة، أنتم لنا سلفٌ ونحن لكم تَبَعٌ، أمّا الأزواجُ فقد نُكِحَتْ، وأمّا الدِّيارُ فقد سُكِنَتْ، وأمّا الأموالُ فقد قُسِمَت، هذا خبرُ ما عِندنا، فما خبرُ ما عِندَكم؟ ثُمَّ التفت إلى أصحابِه فقال: أما إنّهم لَو تكلَّموا لقالوا: إنّا وجَدْنا خيرَ الزاد التقوى.

استدلال الإنسان على موتِه بمن مات من أهله
قال أبو نواس من أبياتٍ قد أورَدْناها عليك في باب التقوى:
ألا يا ابْنَ الذين فَنُوا وماتوا ... أمَا واللهِ ما ماتوا لتَبْقَى
وقال بعضُ الصّالحين: إنّ امْرأً ما بينه وبين آدمَ أبٌ إلا مَيِّتٌ لَمُعْرِقٌ في الموت. . . وقال لبيد:
فإنْ أنتَ لم تَصْدُقْكَ نفْسُكَ فانْتَسِبْ ... لعلّكَ تَهْديكَ القُرونُ الأوائِلُ
فإنْ لم تَجِدْ مِن دونِ عَدْنانَ باقِياً ... ودُون مَعَدٍّ فلْتَزَعْكَ العَواذِلُ
وهذانِ البيتان من قصيدةٍ يَرْثي بها النُّعمانَ بن المنذر ملكَ الحيرة وأولُها:
ألا تَسْألانِ المَرَْء ماذا يُحاوِلُ ... أنَحْبٌ فيُقْضَى أَمْ ضَلالٌ وباطِلُ
وفيها يقول:
ألا كلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائِلُ
وكُلُّ أُناسٍ سوف تَدْخُلُ بينَهم ... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ
وقوله: فإن أنت لم تصدقك. . البيت يقول: إنْ لََمْ تَصْدُقك نفسُك عن هذه الأخبار، بل كذَبَتْك، فانْتَسِبْ: أي قُلْ: أين فلانُ بن فلان، فإنّك لا ترى أحداً بقِي، ولعلك تهديك القرونُ وترشدُك، وقوله: فإن لم تجد. . . البيت
(1/278)

فزَعْك: تكفُّك، والعواذل هناك: حوادثُ الدَّهرِ
وزواجرُه، وقال بعضُ الشرّاح: العواذلُ: النساء، يقول: لم يبق لك أبٌ حيٌّ إلى عدنان فكفَّ عن الطمع في الحياة، ومعنى البيتين: إنَّ غاية كل حيٍّ الموتُ، فينبغي للإنسانِ أن يتَّعظ: بأن ينسبَ نفسَه إلى عدنان، فإن لم يجد مَنْ بينه وبينه من الآباءِ باقِياً فليعلَمْ أنّه يَصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزعَ عمّا هو عليه ومثله قول امرئ القيس:
فبَعْضَ اللَّوْمِ عاذِلَتي فإنِّي ... سيَكْفيني التَّجارِبُ وانْتِسابي
إلى عِرْقِ الثَّرى وشَجَتْ عُروقي ... وهذا المَوْتُ يَسْلُبُني شَبابي
وشَجَت: اشتبكت وقال أبو تمام في قصيدةٍ له يمدح مالكَ بنَ طوقٍ ويعزِّيه عن أخيه القاسم:
تأَمَّلْ رُوَيْداً هَلْ تَعُدَّنَّ سالماً ... إلى آدَمٍ أمْ هلْ تَعُدُّ ابنَ سالِمِ
متى تُرْعِ هذا الموتَ عيْناً بَصيرَةً ... تجِدْ عادِلاً منه شَبيهاً بِظالِمِ
قوله: متى ترعِ البيت يقول: متى أنعمتَ النظرَ وأفكرتَ في أمْرِ الموت وجدتَ منه عادلاً أشبهَ بظالم، وذلك أنه قد يَخترمُ من يكون اخترامُه أصلحَ له لدى العزيز الحكيم الذي يعلمُ مصالحَ خلقِه وقد يَخفى عليك وجهُ الحكمة فتظنُّ العدلَ جَوْراً.
وقال البحتري:
وما أهْلُ المَنازلِ غَيْرُ رَكْبٍ ... مَناياهُمْ رَوَاحٌ وابْتِكارُ
لَنا في الدَّهْرِ آمالٌ طِوالٌ ... نُرَجِّيها وأعْمارٌ قِصارُ
والبيت الثاني مثله قولُ ابنِ هانئٍ الأندلسي من أبياتٍ يرثي بها والدةَ يحيى وجعفر ابنَيْ علي صاحب المَسيلة بالمغرب، وهذه هي الأبيات:
(1/279)

صَدَقَ الفَناءُ وكُذِّبَ العُمُرُ ... وجَلاَ العِظاتِ وبالَغَ النُّذُرُ
إنَّا، وَفي آمالِ أنفُسِنا ... طُولٌ وفي أعْمارِنا قِصَرُ
لنَرَى بأعْيُنِنا مَصارِعَنا ... لو كانتِ الألبابُ تَعتَبِرُ
ممَّا دَهانا أنَّ حاضِرَنا ... أجْفانُنا، والغائِبُ الفكَرُ
وإذا تدَبَّرْنا جوارِحَنا ... فأَكَلُّهُنَّ العَيْنُ والنَّظَرُ
لو كانَ للألبابِ مُمْتَحنٌ ... ما عُدَّ منها السَّمْعُ والبَصَرُ
أيُّ الحَياةِ أَلَذُّ عِيشَتَها ... مِن بَعدِ عِلْمِي أنّني بَشَرُ
خَرِسَت لَعمرُ اللهِ ألْسُنُنا ... لمّا تكلّمَ فوقَنا القَدَرُ

الاعتبار بمن مات من الكبار
قال عدِيُّ بنُ زيد العِباديُّ:
أيُّها الشَّامِتُ المُعيِّرُ بالدَّهْ ... ر أأنتَ المُبَرَّأُ الموْفورُ
أمْ لَدَيْكَ العهدُ الوَثيقُ من الأيَّا ... مِ بلْ أنْتَ جاهِلٌ مَغْرُورُ
مَنْ رَأيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ أمْ مَنْ ... ذا عليه مِن أن يُضامَ خَفيرُ
أينَ كِسْرى كِسْرَى الملوكِ أنُوشَرْ ... وانَ أمْ أيْنَ قَبْلَهُ سابورُ
وبنُو الأصْفرِ الكرامُ ملوكُ الرُّ ... ومِ لَمْ يَبْقَ مِنهمُ مَذكورُ
(1/280)

وأخو الحَضْرِ إذْ بَناهُ وإذْ دِجْ ... لَةُ تُجْبى إليه والخابورُ
شادَهُ مَرْمَراً وجَلّله كِلْ ... ساً فلِلطَّيْرِ في ذُرَاهُ وُكورُ
لمْ يَهبْهُ رَيْبُ المَنونِ فبادَ الْ ... مُلكُ عَنه فبابُه مَهْجورُ
وتَذَكَّرْ رَبَّ الخَوَرْنَقِ إذْ أَصْ ... بَحَ يَوْماً ولِلْهُدَى تفْكِيرُ
سَرّهُ حَالُهُ وكَثْرةُ ما يَمْ ... لِكُ والبَحْرُ مُعْرِضاً والسَّديرُ
فارْعَوَى قلبُه فقال: وما غِبْ ... طَةُ حَيٍّ إلى المماتِ يَصيرُ
ثُمَّ بعدَ الفَلاحِ والمُلكِ وَالنِّعْ ... مَةِ وَارَتْهُمُ هُناكَ القُبورُ
ثُمَّ صاروا كأنّهم وَرَقٌ جَفَّ ... فَألْوَتْ بهِ الصَّبَا والدَّبورُ
وممّا كان يصحُّ أن يذكرَ في هذا الباب مرثية الوزير الشاعر الأندلسي عبد المجيد بن عبدون التي يرثي بها بني الأفطس - من ملوك الطوائف بالأندلس - وذكر فيها عدّة من مشاهير الملوك والخلفاء والأكابر ممّن أبادهم الدهرُ بحوادثه ونكباته، ووثب عليهم الزمن فما وجدوا جُنَّةً تقيهم من وثباته، ودبَّت عليهم الأيامُ بصروفها، وسقتهم
(1/281)

المنية بكأس حتوفها، ومطلعها:
الدَّهْرُ يَفْجَعُ بَعْدَ العَينِ بالأثَرِ ... فما البُكاءُ على الأشباحِ والصُّوَرِ
بيدَ أنّا لطولِها رأينا أن نضربَ عن إيرادِها هنا صَفْحاً، وتراها في المجلد الخامس من نهاية الأرب للنويري الذي قامت بطبعه دارُ الكتب المصرية. . . وقد شرحها ابنُ بدرون، ومن أبياتها:
فلا تَغُرَّنْكَ مِنْ دُنياك نُوْمَتُها ... فما صِناعَةُ عَيْنَيْها سِوَى السَّهَرِ
ما لِلَّيالي - أقالَ اللهُ عَثْرَتَنا ... مِن اللَّيالي وخانَتْها يدُ الغِيَرِ
في كُلِّ حِينٍ لها في كلِّ جارِحَةٍ ... منّا جِراحٌ وإنْ زاغَتْ عَنِ البَصَرِ
تَسُرُّ بالشَّيْءِ لكِنْ كيْ تَغُرَّ به ... كالأيْمِ ثارَ إلى الجاني مِن الثَّمَرِ
وقال المتنبّي:
أبَني أبينا نَحْنُ أهْلُ مَنازِلٍ ... أبَداً غُرابُ البَيْنِ فيها يَنْعِقُ
نَبْكي على الدُّنيا وما مِنْ مَعْشَرٍ ... جَمَعَتْهُمُ الدُّنيا فلَمْ يَتَفَرّقُوا
أيْنَ الأكاسِرَةُ الجَبابِرةُ الأُلَى ... كَنَزُوا الكُنوزَ فَما بَقينَ ولا بَقُوا
مِنْ كلِّ مَنْ ضاقَ الفَضاءُ بِجَيْشِه ... حتّى ثَوَى فَحَوَاهُ لَحْدٌ ضَيِّقُ
خُرْسٌ إذا نُودُوا كأنْ لمْ يَعْلَموا ... أنَّ الكلامَ لَهُمْ حَلالٌ مُطْلَقُ
والمَوْتُ آتٍ وَالنُّفوسُ نَفائِسٌ ... والمُسْتَغِرُّ بِما لَدَيْهِ الأحْمقَ
والمَرْءُ يَأمُلُ، والحَياةُ شَهِيّةٌ ... والشَّيْبُ أوْقَرُ، والشَّبيبةُ أنْزَقُ
أبني أبينا: يا إخوتَنا، يا بني آدم، وأراد بغُرابِ البين: داعي المَوْت يقول: نحن نازلون في منازل يتفرّق عنها أهلُها بالموت، فقوله: نبكي على
(1/282)

الدنيا. . . البيت مثله قول جرير يرثي امرأته:
لا يَلْبَثُ القُرَناءُ أنْ يَتَفرَّقوا ... لَيْلٌ يَكُرُّ عليهِمُ ونَهارُ
وثوى - بالمثلّثة: أقامَ في القبر؛ وبالمثنّاة: هلك، وهذا البيتُ من قول أشْجَع:
وأصْبَحَ في لَحْدٍ مِن الأرْضِ ضَيِّقٍ ... وكانَتْ به حَيَّاً تَضِيقُ الصَّحاصِحُ
الصَّحاصِحُ جمع صَحْصَح: وأصله ما استوى من الأرضِ وكان أجردَ والمُسْتِغرُّ: المغرور، يقول في هذا البيت: النفوس يأتي عليها الموت وإن كانت عزيزة نفيسة لا يمنعه ذلك من أخذها، والأحمق هو المغرور بالدنيا وبما يجمعه فيها، أمّا العاقل فإنه لا يغتر بما جمعه لعلمه أنه لا يبقى هو ولا ما جمعه، وقوله: والمرء يأمل. . البيت يقول: المَرْءُ يرجو الحياةَ لطيبِها لديه، والشَّيبُ أكثرُ له وقاراً من الشّباب، يعني: أنَّ المرءَ يكره الشَّيبَ ويحبُّ الشبابَ والشيب خيرٌ له، لأنّه يكسبه الحِلمَ والأناةَ والوقارَ، والشبابُ شرٌّ له، لأنّه يحملُه على الطيشِ والنَّزقِ والحُمْق وقال الشاعر:
رُبَّ قَوْمٍ عَبَرُوا مِنْ عَيْشِهِمْ ... في نَعيمٍ وسُرورٍ وغَدَقْ
سَكَتَ الدَّهْرُ زماناً عَنْهُمُ ... ثُمَّ أبكاهُمْ دَماً حين نَطَقْ
الغدق المراد به الخصب والسعة وقال مالك بن دينار:
أتيتُ القُبورَ فنادَيْتُهنَّ ... أينَ المُعَظَّمُ والمُحْتَقَرْ
وأيْن المُدِلُّ بِسُلْطانِه ... وأيْنَ المُزَكَّى إذا ما افْتَخَرْ
قال: فنوديتُ مِن بينِها ولا أرى أحداً:
تَفانَوْا جَميعاً فَما مُخْبِرٌ ... وماتوا جَميعاً وماتَ الخَبَرْ
تَرُوحُ وتَغْدُو بَناتُ الثَّرى ... وتَمْحُو مَحاسِنَ تلكَ الصُّوَرْ
فيا سائِلي عن أُناسٍ مَضَوْا ... أما لَكَ فيما تَرى مُعْتَبَرْ!
(1/283)

بناتُ الثرى: الدّود. . .
ونزل النعمانُ بنُ المنذر ومعه عَدِيُّ بنُ زَيدٍ العِبادِيُّ في ظل شجرةٍ عظيمةٍ ليلْهُوا: فقال له عديّ: أتَدْري ما تقولُ هذه الشجرةُ؟ قال: لا، قال: تقول:
رُبَّ رَكْبٍ قدْ أناخُوا حَوْلَنا ... يَمزُجُونَ الخَمْرَ بالماءِ الزُّلالِ
ثُمَّ أضْحَوْا عَصَفَ الدَّهْرُ بِهِمْ ... وكَذاكَ الدَّهْرُ حالاً بَعْدَ حالِ
ونظرت امرأةٌ إلى جعفر بنِ يحيى البَرْمكيِّ وزيرِ الرشيد، وهو مصلوبٌ فقالت: لئِن كنتَ في الحياة غايةً فلقد صِرْت في المَمات آيةً. . . ولما مات الإسكندرُ المقدونيُّ وقف عليه أرسطو الفيلسوف فقال: طالما كان هذا الشخصُ واعِظاً بليغاً، وما وَعَظَ بموعظةٍ في حياتِه أبلغَ من عِظَتِه في مَماتِه، أخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال:
وكانَتْ في حَياتِكَ لي عِظَاتٌ ... وأنْتَ اليومَ أوْعَظُ مِنكَ حيَّا

من مات فَقَدْ تناهى في البعد
قال النّابِغةُ الذُّبيانيُّ:
حَسْبُ الخَليلَيْنِ نَأيُ الأرْضِ بينَهما ... هذا علَيْها وهذا تَحْتَها بالِي
وقال أبو حَيّةَ النُّميريُّ:
فلا غائِبٌ مَنْ كان يُرْجَى إيابُه ... ولكِنَّه مَنْ ضُمِّنَ اللَّحْدَ غائِبُ
(1/284)

غفلة الناس عن الموت
قال أبو العتاهية:
النّاسُ في غَفلاتِهِمْ ... ورَحَى المَنيَّةِ تَطْحَنُ
وقال الحسن البصريُّ: ما رأيتُ يَقيناً لا شكَّ فيه أشبهَ بشكٍّ لا يقينَ فيه مثلَ الموتِ وقد تقدم وقال عمر بن عبد العزيز في خُطبة له: ما هذا التغافلُ عمّا أمِرْتُمْ به، والتَّسَرُّعُ إلى ما نُهيتُم عنه! إنْ كُنْتُمْ على يقينٍ فأنتُمْ حَمْقى، وإنْ كُنتم على شكٍّ فأنتُمْ هَلْكى. . .
وقال شاعر:
ونأمُلُ مِن وعْدِ المُنَى غَيرَ صادِقٍ ... ونأمَنُ مِن وَعْدِ المَنَى غَيْرَ كاذِبِ
نُراعُ إذا ما شِيكَ إخْمَصُ بَعْضِنا ... وأقْدامُنا ما بينَ شَوْكِ العَقارِبِ
المُنى: جمعُ المُنْية وهو ما يتمنّاه المرءُ، والمَنى: الموت، وأصلُه القدر تقول: مَنى اللهُ لك ما يسرُّك: أي قدَّر اللهُ لك ما يسرُّك ويسمّى الموتُ بالمَنى لأنّه قُدِّر علينا وقيل: من لم يَرْتدِعْ بالموتِ وبالقُرآنِ ثم تناطَحَتِ الجبالُ بينَ يديْه لم يرتَدِعْ.

لا ينجو من الموت أحد
قيل: من لَمْ يمُتْ عاجلاً مات آجلاً؛ وقال أميّةُ بن أبي الصَّلت:
مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطةً يَمُتْ هَرَماً ... للمَوْتِ كأسٌ والمَرْءُ ذائِقُها
ما لَذّةُ النَّفْسِ في الحَياةِ وإنْ ... عاشَتْ قليلاً فالمَوْتُ لاحِقُها
يَقودُها قائِدٌ إليهِ ويَحْ ... دُوها حَثيثاً إليهِ سائِقُها
(1/285)

يقال: ماتَ فلانٌ عبطةً: أي شاباً، وقيل: شاباً صحيحاً، وأصلُ العَبيطِ من اللحم: ما كان سليماً من الآفاتِ ويقالُ: عَبَطَ الشاةَ والناقةَ وكلَّ دابةٍ: نَحَرَها أو ذبَحَها من غيرِ داءٍ وهي فتيَّةٌ.
وقيل لابن المقفَّع: قد كُنتَ نُعيتَ لنا! فقال: ما بَعُدَ كائِن ولا قَرُبَ بائن. . . وقال ابن المعتز:
أَلا إنّما جِسْمِي لِرُوحي مَطِيَّةٌ ... ولا بُدَّ يَوْماً أن يُعَرَّى مِنَ الرَّحْلِ
الرَّحْل: المنزل، والسرج يُوضع على ظهر الدابة، وعُرِيَ منه نُزِعَ عنه وهذا على المثل وقال محمود الورّاق:
وما صاحِبُ السَّبْعينَ والعَشْرِ بَعْدَها ... بأقْرَبَ مِمَّنْ حَنَّكَتْهُ القَوابِلُ
ولكِنَّ آمالاً يُؤَمِّلُها الفتَى ... وفيهِنَّ للرّاجِينَ حَقٌّ وباطِلُ
القوابل جمع قابلة: المرأةُ تتلقّى الولدَ لدى الولادة المُولِّدة وحنّكته فالتَّحْنيكُ: أن تَمْضَعَ التّمر ثم تَدْلُكُه بحَنَكِ الصَّبيِّ داخلَ فمِه. . .
وقال المتنبي:
وأوْفَى حَياةِ الغابِرينَ لِصَاحِبٍ ... حَياةُ امْرِئٍ خانَتْهُ بعدَ مَشِيبِ
يريد المتنبّي: أنَّ الحياةَ وإن طالت فهي إلى انقضاء، يقول: أوفى عُمر أن يبقى حتّى المَشيب ثم يخونُه عُمْرُهُ بعد ذلك، وقصاراه الموت، أو تقول: إذا عاش المرءُ إلى بلوغِ المَشيب ثم خانته حياتُه يومئذٍ فقد تَناهَتْ في الوفاء.
ومرَّ شيخٌ من العرب بغلامٍ فقال له الغُلام: أحْصَدْتَ يا عمّاه، فقال: يا بنيَّ، وتُخْتَضَرونَ أحْصَدْتَ: آن لك أن تُحْصدَ، وتُخْتَضَرونَ: تموتون خُضراً في شبابكم.
(1/286)

الموت لا يُتحرّز منه بشيء ولو كان الطِّبَّ
قال المتنبي:
يموتُ راعي الضأنِ في جَهْلِهِ ... مَوْتَةَ جالينُوسَ في طِبِّهِ
ورُبَّما زَادَ على عُمْرِه ... وزادَ في الأمْنِ على سِرْبِهِ
وقبل هذين البيتين:
لا بُدَّ للإنسانِ مِن ضَجْعةٍ ... لا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنْبِهِ
يَنْسَى بها ما كان مِنْ عُجْبِهِ ... وما أذاقَ الموْتُ مِن كَرْبِهِ
نَحْنُ بنو الموْتى فما بالُنا ... نَعافُ ما لا بُدَّ مِنْ شُرْبِهِ
تَبْخَلُ أيدينا بأرْواحِنا ... على زمانٍ هيَ من كَسْبِهِ
فهذِه الأرْوَاحُ مِنْ جَوِّه ... وهذِه الأجسامُ من تُرْبِهِ
(1/287)

لَوْ فَكَّرَ العاشقُ في مُنْتَهَى ... حُسْنِ الذي يَسْبِيِهِ لمْ يَسْبِهِ
لمْ يُرَ قَرْنُ الشمْسِ في شَرْقِه ... فشَكَّتِ الأنفُس في غَرْبِهِ
إلى أن قال بعد البيتين المذكورين آنِفاً:
وغايةُ المُفْرِطِ في سِلْمِه ... كغايةِ المُفْرِطِ في حَرْبِهِ
فلا قَضَى حاجتَه طالبٌ ... فؤادُه يَخْفِقُ مِن رُعْبِهِ
وقيل للربيع بن خُثَيم في مَرَضِه: ألا ندعو لكَ طبيباً؟ قال: أنْظِرُوني، ثم فكَّر فقال: {وَعَاداً
وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً}، لقد كان فيهم أطِبّاءُ، فما أرى المُداوِي بَقِيَ ولا المُداوَى صَلُح. . .
ودخل الفرزدقُ على مريضٍ يَعودُه فسمِعَه يطلب طَبيباً فقال:
يا طالِبَ الطِّبِّ مِن داءٍ تَخَوَّنَهُ ... إنَّ الطَّبيبَ الّذي أبْلاكَ بالدّاءِ
هُوَ الطَّبيبُ الذي يُرْجَى لِعافيَةٍ ... لا مَنْ يَدُوفُ لكَ التِّرْياقَ بِالماءِ
الذي أبلى المريضَ بالدّاءِ والذي يُرجى لعافيةٍ: هو اللهُ عزَّ وجلَّ، ويَدوفُ: يخلُطُ. وتخوّنه: غيّر حالَه إلى أسوأَ منها، ويروى: تخونه والتِّرياق: الدّواء هنا، وأبلاه: صنع به ما يمتحن به ويختبر.
(1/288)

وقال ابن الرومي:
غَلِطَ الطَّبيبُ عليَّ غَلْطَةَ مُورِدٍ ... عَجِزَتْ مَوارِدُه عَنِ الإصْدارِ
وَالناسُ يَلْحَوْنَ الطَّبيبَ وإنّما ... غَلَطُ الطبيبِ إصابَةُ المِقدارِ
وقال أبو ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ:
وإذا المَنِيَّةُ أنْشبَتْ أظفارَها ... ألفيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ
وقال عليُّ بن الجَهم:
كَمْ مِنْ عَليلٍ قد تَخَطَّاهُ الرَّدى ... فنَجا ومَاتَ طبيبُه والعُوّدُ
وقد أخذَ هذا من قولِ عديِّ بنِ زيد:
أيْنَ أهْلُ الدِّيارِ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ... ثُمَّ عادٌ مِن بَعْدِهِمْ وثَمُودُ
بَيْنَمَا هُمْ على الأسِرَّةِ وَالأنْ ... ماطِ أفْضَتْ إلى التُّرابِ الخُدودُ
ثُمَّ لمْ يَنْقَضِ الحَديثُ وَلكِنْ ... بَعْدَ ذَا الوَعْدُ كُلُّهُ وَالوَعِيدُ
وَأَطِبّاءُ بَعدَهُمْ لحِقُوهُمْ ... ضَلَّ عَنْهمُ سَعُوطُهُمْ واللَّدُودُ
وَصَحيحٌ أضْحَى يَعودُ مَريضاً ... وهو أدْنى لِلموَتِ مِمَّن يَعودُ
السَّعوط: الدّواء الذي يُؤخذُ من الأنف، واللَّدودُ: ما يُؤخذ من الدّواء بالمِسْعَطِ ويُصبُّ في أحد شِقَّيْ الفم ويُروى: أنَّ عبد الملك بنَ مروانَ هربَ من الطاعون، فركِبَ ليلاً وأخرجَ غُلاماً معه؛ وكان ينام على دابَّته، فقال للغُلام: حدِّثني، فقال ومَنْ أنا حتّى أحدِّثَك! فقال: على كلِّ حالٍ حَدِّث حَديثاً سَمِعْتَه، فقال: بلَغَني: أنَّ ثعلباً يَخْدُمُ أسَداً ليَحْميَه ويمنعَه مِمَّن
يريدُه فكان يحميه، فرأى الثعلبُ عُقاباً، فلجأ إلى الأسدِ، فأقْعده على ظهرِه، فانقضُّ العُقاب واخْتَلَسَه، فصاحَ الثعلبُ: يا أبا الحارث، أغِثْني واذْكُرْ عهدَك لي
(1/289)

فقال الأسد: إنّما أقدِرُ على منعك من أهلِ الأرض، وأمّا أهلُ السماءِ فلا سبيلَ لي إليهم، فقال عبد الملك: وعَظْتَني وأحْسَنْت، انْصرِفْ ورَضِيَ بالقَضاء. . .
ولمناسبة الهربِ من الطاعونِ نُوردُ هنا ما أورَدْنا نظيرَه في قولنا على التوكُّل، وهو أنَّ عمر ابنَ الخطّاب رضوانُ الله عليه لما بلَغَه أنَّ الطاعونَ وقعَ بالشَّام فانصرفَ بالناس: قال له أبو عبيدةَ بنُ الجراح: أفِراراً من قَدَرِ اللهِ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال عمرُ: لو غيرُك قالَها يا أبا عبيدة! نَعَمْ نَفِرُّ من قَدَرِ اللهِ إلى قدرِ الله، أرأيْتَ لو أنَّ لك إبِلاً هَبَطْتَ بها وادِياً له جِهتان إحداهُما خصيبةٌ والأخرى جديبة، أليسَ لو رعَيْتَ في الخصيبة رعيتَها بقدرِ اللهِ، ولو رعَيْتَ الجديبةَ رعيتَها بقدرِ الله؟ وكان عبد الرحمن بن عوف غائِباً فأقبل، فقال: عندي في هذا عِلْمٌ سمعتُه من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا سَمِعْتُم به - بالطاعون - في أرْضٍ فلا تَقْدَموا عليها، وإذا وَقَع في أرضٍ وأنتم بها فلا تَخرُجوا فِراراً منه)، فحَمِدَ اللهَ عمرُ ثُمَّ انصرفَ بالناس. . .
وقال المتنبّي:
نُعِدُّ المَشْرَفِيَّةَ والعَوَالي ... وتَقْتُلُنا المَنونُ بِلا قِتالِ
ونَرْتَبِطُ السَّوابِقَ مُقْرَباتٍ ... وَمَا يُنْجينَ من خَبَبِ اللّيالي
وَمَنْ لَمْ يَعْشَقِ الدُّنيا قَديماً؟ ... ولكِنْ لا سبيلَ إلى الوِصالِ
المَشْرفيّة: السيوف - والعوالي: الرّماح، والمَنون: الموت، والسَّوابق جمعُ سابقٍ وسابِقةٍ، والمُقْربات من الخيل هي الكِرامُ التي تُرْتَبط لكرامتِها على أصحابها أو لِفَرْطِ الحاجةِ إليها والخبب: عَدْوٌ لا يَسْتَفرغُ الجَهْدَ، يقول المتنبي: نحن نُعِدُّ السيوفَ والرماحَ لمنازلة الأعداء ومُدافعة الأقران؛ والموت يخترمُ نفوسَنا
(1/290)

دون قتالٍ أو نزال، لا يمكننا حِذارُه ولا يتهيّأ لنا دفاعُه، ثم قال في البيت الثاني: ونَرْتَبِط الخيولَ الكريمةَ ومع هذا لا تُنجينا من طلبِ الدَّهْرِ إيّانا وخَبَبِ لياليه في آثارنا:
كأنّنا في حُروبٍ مِن حَوادثِه ... فَنَحْنُ مِن بينِ مَجْروحٍ ومَطْعونِ
وقد تقدَّم معنى البيت الثالث.

موتُ الفُجاءةِ والصَّحيحُ يموت
قيل لأعرابيٍّ: مات فلانٌ أصحَّ ما كان! فقال: أوَصحيحٌ مَنِ الموتُ في عُنقِه! وكان الحسن البصريُّ يقول في دعائِه: اللَّهُمَّ أجِرني من أن أكونَ مُخْتلساً أي يختلسه الموتُ على غَفْلة وفي الحديثِ: (بادِروا بالأعمال مَرَضاً حابِساً أو مَوْتاً خالِساً) وقيل لأعرابيٍّ: كيف مات أبوك؟ قال: مات سِرّاً أي فَجْأة وقال الشاعر:
ورُبَّما غُوفِصَ ذو غِرَّةٍ ... أَصَحَّ ما كانَ وَلَمْ يَسْلَمِ
يقال: غافَصَ الرَّجلَ مغافَصَةً وغِفاصاً. أخذه على غِرَّةٍ فرَكِبَه بمَساءةٍ وقيل لرجل: ما كان سببُ موتِ فلان؟ قال: كونه أي وجودُه والبيتُ المشهورُ في هذا:
مَنْ لَمْ يَمُتْ بالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِه ... تَنَوَّعِتِ الأسْبابُ والموتُ واحِدُ

كل إنسان مُعرّض لموته أو موتِ أحِبّته
قال حكيم: من طالَ عُمُرُه رأى المصائِبَ في إخوانِه وجيرانِه، ومن قَصُرَ عُمُره كانت مصيبتُه في نفسِه؛ وقال الشاعر:
(1/291)

فمُؤَجَّلٌ يَلقَى الرَّدَى في أهْلِه ... ومُعَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى في نَفْسِه
وقال يزيدُ بن الحَكَمِ الثّقَفيُّ:
كلُّ امْرئٍ سَتئِيمُ مِنْ ... هُ العِرْسُ أو مِنْها يَئيمُ
العِرْس: الزَّوجة، وآمَتِ المرأةُ من زوجِها تَئيمُ وتأيَّمَتْ ماتَ عنها زوجُها أو قُتلَ وأقامت لا تتزوَّجُ، وكذلك الرّجل. . .

جهل الإنسان بوقت موته
قال اللهُ جلّ شأنه: {تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}. . . . وقيل لجعفر بن محمد بن علي رضي الله عنهم: كيفَ يأتي الموتُ من وُجوهٍ شتّى، على أحوالٍ شتّى؟ فقال: إنَّ اللهَ أرادَ أن لا يُؤمنَ في حالٍ. . . وقالوا: أمرٌ لا تدري متى يَغشاك ألا تستَعِدُّ له قبلَ أنْ يَفْجَأكَ! وقال ديكُ الجنّ:
والنّاسُ قَدْ عَلِموا أنْ لا بَقَاَء لَهُمْ ... لَوْ أنَّهم عَمِلوا مِقدارَ ما عَلِموا

الموت يسوّي بين الأفاضل والأراذِلِ
قال المتنبّي في رثائِه أبا شجاع فاتكاً:
(1/292)

وَصَلتْ إليْكَ يَدٌ سَواءٌ عِندَها ... ألبازُ الاشْهَبُ والغُرابُ الأبْقَعُ
البازُ الأشهب: الذي غلبَ عليه البياضُ، والأبقعُ: الذي في صدره بياضٌ يقول المتنبي: وصلت إليك يدٌ - يريد المنية - الشريفُ والوضيعُ لديها سواء، فِعلُها مع الباز الأشهبِ مع كرمِه كفعلِها بالغرابِ الأبْقَعِ مع قبحِه ودمامتِه، وهذا على المثل. . . ويُروى أنّ الإسكندر المقدونيَّ مرَّ بمدينةٍ قد ملَكَها غيرُه من الملوكِ؛ فقال: انظُروا هل بقيَ بها أحدٌ من نَسْلِ مُلوكِها؟ فقالوا: رجلٌ يسكنُ المقابِرَ، فأحضرَه وسألَه عن إقامتِه هذه؛ فقال: أرَدْتُ أنْ أميِّزَ عظامَ الملوكِ من عظامِ عبيدِهم فوجدتُها سواءً، فقال: هل تتَّبِعُني فأحْيي لك شرفَك إن كان لك همَّةٌ؟ فقال: هِمَّتي عظيمةٌ إن أنَلْتَنيها، فقال: ما هي؟ قال: حياةٌ لا موتَ معها، وشبابٌ لا هرمَ معه، وغِنًى لا فقرَ معه، وسرورٌ لا مكروهَ فيه، فقال: ليس عندي هذا، فقال دَعْني ألْتَمِسْه مِمَّن هو عندَه، فقال: ما رأيتُ مثلَه حكيماً؛. . . وقال مالك بن دينار: قدِمَ علينا بِشرُ بنُ مروان أخو الخليفة - عبد الملك بن مروان - فطُعن - أصابه الطاعون - فماتَ فأخْرَجْناه إلى القبر، فلما صِرْنا إلى الجبّان - الجبّانة - إذا نحنُ بِسودانٍ يَحمِلون صاحِباً لهم إلى القبر، فدَفَنّاه ودَفَنوا صاحبَهم، فعُدْتُ قبل الأسبوعِ فلَمْ أعرف قبرَ الأسودِ من قبرِه؛ وفي هذا يقول الشاعر:
ولَقَدْ مَرَرْتُ على القُبورِ فما ... مَيّزْتُ بينَ العَبْدِ والمَوْلى
وقال صالحُ بنُ عبد القدّوس:
فيا مَنْزِلاً سَوَّى البِلَى بينَ أهْلِه ... فلَمْ يَسْتَبِنْ فيه الملوكُ مِنَ السُّوَقْ
(1/293)

انقضاء ناسٍ بعد ناس
ورجوعهم إلى الموت
قال عليٌّ كرَّم اللهُ وجهَه: إنَّ للهِ في كلِّ يَوْمٍ ثلاثَ عَساكِرَ: عسكرٌ يَنْزِلُ من الأصْلابِ إلى الأرْحام، وعَسْكرٌ ينزل من الأرْحامِ إلى الأرضِ، وعسكرٌ ينتقلون من الدُّنيا إلى الآخرة، وقال الشاعر:
وما نَحْنُ إلا رُفْقةٌ غيرَ أنّنا ... أقَمْنا قليلاً بَعْدَهم ونَرُوحُ
وقال آخر:
إذا زُرْتُ أرْضاً بعدَ طُولِ اجْتِنابِها ... فقَدْتُ صديقاً والبِلادُ كَما هِيَا
وقال:
أرَى الأرْضَ تَبْقَى والإخِلاّءُ تَذْهَبُ
وقيل للبَهلول - وقد أقبلَ من الجبّان -: من أين؟ فقال:
مِنْ عَسْكرِ المَوْتى، فقيل ما قلت وما قالوا؟ فقال: سألتُهم: مَتى يَرْحلون؟ فقالوا: ننتظرُ قدومَكم ثُمَّ نَرْتحل. . . ورَوَوْا: أنَّ راهبين دَخلا البصرةَ من ناحيةِ الشَّامِ فنظرا إلى الحسنِ البصري، فقال أحدُهما: مِلْ بِنا إلى هذا الذي كأنَّ سَمْتَه سَمْتُ المسيح، فعَدلا إليه، فألْفَياه مُفْتَرِشاً بذَقْنِه ظاهرَ كفِّه وهو يقول: يا عَجباً لقومٍ قد أمِروا بالزَّاد وأُذِنوا بالرَّحيل، وأقام
(1/294)

أوَّلُهم على آخرِهم، فليتَ شِعْري ماذا يَنْتَظرون! وفي روايةٍ أخرى هذه الزيادةُ بعد قوله: وأقام أولهم على آخرهم: وآخرهم قعودٌ يلعبون قوله: أمِروا بالزّاد يعني زادَ الآخرة، وهو العملُ الصالح، وقوله: وأذنوا بالرحيل: أذِنوا: أُعْلِموا، والرحيل يريد به الموتَ، وقوله: وأقام أوّلُهم على آخرِهم: لعلّه يريد: أنّ أوّلَهم يرضى فعلَ آخرِهم فلَمْ يُنْكِرْ عليه، ولعلّه يريد أن موتَ أوّلهم كان يجب أن يكون عبرةً لآخرِهم ومن المشهور في هذا أبياتُ قُسِّ بنِ ساعدةَ الأيادي:
في الذَّاهِبينَ الأوَّلِي ... نَ مِنَ القُرونِ لنا بَصائِرْ
لمّا رأيْتُ مَوارِداً ... للمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصادِرْ
ورَأيْتُ قَوْمي نَحْوَها ... يَمْضي الأصاغِرُ والأكابِرْ
لا يَرْجِعُ الماضي إليَّ ... ولا مِنَ الباقِينَ غابِرْ
أيْقَنْتُ أنّي لا مَحا ... لةَ حَيْثُ صارَ القومُ صائِرْ
في الذاهبين: متعلّق ببصائِر في آخر البيت، وبصائر: عِبَر، والقُرونُ جمع قَرْنٍ والقَرْنُ من الناس: أهلُ كلّ زمان، قال:
إذا ذَهَبَ القَرْنُ الذي أنْتَ فيهمُ ... وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأنْتَ غَريبُ
ولعلّه مأخوذٌ من الاقترانِ، فكأنّه المِقدارُ الذي يقترن فيه أهلُ ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، ومن هنا اختلفوا في تحديدِ القَرن من الزمان فقيل: أربعونَ سنةً، وقيل: ثمانون، وقيل مائة سنة، والموارِد جمع مورد وهو:
(1/295)

محلُّ الوُرود، أي الإتيان، والمصادر جمع مَصدر، وهو: موضع الصُّدور، أي الانصراف والرُّجوع، وغابر اسم فاعل من غَبَرَ
بمعنى: مَكَثَ وبَقِي، وبمعنى: مضى أيضاً، فهو من الأضداد.

مَنْ يَخافُ الموت ولا يستعدُّ له
وحثُّهم على تعاطي ما يهوّن أمرَ الموت
جاءَ رجلٌ إلى سيّدنا رسولِ الله فقال: (يا نبيَّ الله، ما لي لا أحبُّ الموتَ؟ فقال له: هل لك مالٌ؟ قال: نَعَم؛ قال: قدِّمْه بين يَديك؛ قال: لا أطيقُ ذلك، فقال سيدُنا رسولُ الله: إنَّ المرءَ مع مالِه إنْ قدَّمه أحبَّ أنْ يلحقَ به وإنْ أخَّرَه أحَبَّ أن يتخلَّفَ معه). . . وقال الحسنُ البصريُّ لشيخٍ في جنازة: أتُرى هذا الميّت لو رجعَ إلى الدُّنيا أكان يعمل صالحاً؟ قال: نعم، قال: إن لم يكن ذاك فكُنْ أنتَ ذاك. . . وقال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجُرجانيّ:
إذا قُلْتُ لَمْ يَبْلُغْ بيَ السِّنُّ مَبلغاً ... وُعِظْتُ بِطفْلٍ صارَ قَبلي إلى التُّرْبِ
وقال عليٌّ رضي الله عنه لرجلٍ: كيف أنتم؟ قال: نرجو ونَخاف، قال: من رجا شيئاً طلبَه ومن خاف شيئاً هرَبَ منه. . . وقال أبو الدَّرداء: العجبُ
(1/296)

لِمَنْ يكره الموتَ لإساءتِه ولا يكره الإساءةَ في حياتِه!. . . وقال رجل لأبي الدّرداء: ما بالُنا نكره الموتَ! قال: لأنّكم أخْرَبْتم آخرتَكم وعَمَرْتم دُنياكم فكرِهْتُم أن تُنقلوا من العُمرانِ إلى الخرابِ. . . وقال أبو حازم: كلُّ عملٍ تكره الموتَ لأجلِه فدَعْه كيلا تخافَ منه متى أتاك. . .

من أمر ذويه بالبكاء عليه
رُوي عن سيِّدنا رسول الله: (إنَّ الميِّتَ ليُعَذَّب ببُكاءِ أهلِه عليه). . . قال العلماء: أراد صلواتُ الله عليه إذا وَصَّى الميتُ بذلك وأمرَ به على نحو ما كان يفعلُ أهلُ الجاهلية، كقولِ طرفةَ بن العبد:
إذا مِتُّ فانْعَيْني بما أنا أهْلُه ... وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبَدِ
وقول الفرزدق:
إذا مِتُّ فانْعَيْني بِما أنا أهلُه ... فَكلُّ جَميلٍ قُلْتِ فيَّ مُصَدَّقُ
وقول ابن المعتز:
إذا مِتُّ فانْعَيْني بما أنا أهلُه ... ولا تَذْخَرِي دَمْعاً إذا قامَ نائِحُ
وَقُولِي: تَوَى طَودُ المَكارِمِ والعُلَى ... وعُطِّلَ ميزانٌ مِن الحِلْمِ راجِحُ
توى: هلَك، وتُقرأ: ثوى والطّود: الجبل العظيم، والحِلم: الأناةُ والعقل وقال بعض العلماء: الأَوْلى: أنْ يقالَ في تأويل الحديث: سماعُ صوتِ البكاء هو نفسُ العَذاب، كما أنّا نُعذَّب ببكاء الأطفالِ، فالحَديث على ظاهره.
(1/297)

من أظهر الندم عند الموت على ما فرط منه
لما احتُضِرَ عمرو بنُ العاص جعلَ يدَه في موضع الغُلِّ القيد من عُنُقِه ثم قال: اللَّهمَّ إنك أمَرْتَنا ففرّطنا، ونَهَيْتَنا فرَكِبْنا، اللَّهمَّ إنّه لا يَسَعُنا إلا رحمتُك، فلَمْ يزَلْ ذلك هِجِّيراه حتّى قُبِضَ. . . وقيل لبعض الملوك حين احتُضِرَ: ما حالك؟ فقال: ما حالُ مَنْ يريدُ سفراً بعيداً بلا زادٍ، وينزل حفرةً من الأرض موحشةً بلا مُؤنس، ويَقْدَمُ على ملكٍ جبّار قد قدَّم إليه العُذْرَ بلا حُجّة! وقال عبد الملك بن مروان عند موتِه: وَدِدْتُ أنّي كنتُ غَسّالاً آكلُ كلَّ يومٍ كسبَ يومي لا يفضُلُ عنّي. . . فقيل ذلك لأبي حازم فقال: الحمدُ لله الذي جعلَنا بحيث يتمنّى الملوكُ حالَنا عند الموتِ ولا نتمنّى حالَهم. . . ولمّا أدْنَفَ المأمونُ بن الرشيد أمرَ أن يُفرشَ له جِلٌّ - بساط - فجَعلَ يتمرَّغ فيه ويقول:
كلُّ عَيْشٍ وإنْ تَطاوَلَ دَهْراً ... صائِرٌ مَرَّةً إلى أنْ يَزولا
ليْتَني كنْتُ قبْلَ ما قدْ بَدَا لي ... في رُؤوس الجِبالِ أرْعَى الوُعولا
وأغمِيَ عليه ثُمَّ أفاقَ وهو يقول:
لبَّيْكُما لبَّيْكُما ... ها أنا ذا لَدَيْكُما
اللَّهمَّ لا بَرِيءٌ فأعْتَذِرُ ولا قوِيٌّ فأنْتَصِر
ثُمّ أغمِيَ عليه فلمّا أفاقَ قال:
إنْ تَغْفِرِ اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وأيُّ عَبْدٍ لكَ لا ألمَّا
(1/298)

وقال أبو جعفر المنصور عند موتِه: اللَّهمَّ إنْ كنتَ تعلمُ أنّي قد ارتكبتُ الأمورَ العظامَ جُرأةً منّي عليك؛ فإنّك تعلمُ أنّي قد أطعْتُك في أحبِّ الأشياءِ إليك: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا أنْتَ، مَنّاً منك لا مَنّاً عليك. . . وكان سببُ إحرامِه من الخَضْراءِ أنّه كان يوماً نائماً فأتاه آتٍ في منامِه فقال:
كأنّي بِهذا القَصْرِ قَدْ بادَ أهلُهُ ... وعُرِّيَ مِنْهُ أهلُهُ ومَنازِلُهْ
وصَارَ عَميدُ القَومِ مِنْ بَعْدِ نِعْمَةٍ ... إلى جَدَثٍ تُثْنَى عَليه جَنَادِلُهْ
فَلَمْ يَبْقَ إلا رَسْمُه وَحَدِيثُهُ ... تُبَكِّي عليه مُعْوِلاتٍ حَلائِلُهْ
فاستيقظَ مَرْعوباً ثُمّ نامَ فأتاه الآتي فقال:
أبا جَعْفرٍ حانَتْ وفاتُكَ وانقْضَتْ ... سِنُوكَ وأمْرُ اللهِ لابُدَّ واقِعُ
فهَلْ كاهِنٌ أعْدَدْتَهُ أو مُنَجِّمٌ ... أبا جَعْفرٍ عنكَ المَنيَّةَ دافِعُ
فقال: يا ربيعُ ائْتِني بِطَهوري، فقام واغتسلَ وصلَّى ولبَّى وتجهَّز للحَجِّ، فلمّا صار في الثلثِ الأوَّل اشتدَّت عِلَّتُه، فجعل يقول: يا ربيعُ ألقِني في حَرَمِ اللهِ، فماتَ ببِئْرِ مَيْمون. . . وقالوا: لَقِّنْ ميِّتَك - أي لا إله إلا الله - فإذا قالَها فدَعْه يتكلَّمْ بغيرِها من أمرِ الدُّنيا ولا تُضجِّرْه.

من امتنع من التوبة عند موته
اعتلّ أعرابيٌّ، فقيل له: لو تُبْتَ، فقال: لَسْتَ ممَّن يُعطي على الذُّلِّ،
(1/299)

إن عافاني اللهُ تُبْتُ وإلا مِتُّ هكذا. . . وقيل للحجّاج: ألا تتوب؟ فقال إنْ كنتُ مُسيئاً فليَسَتْ هذه ساعةَ التوبة، وإن كنت مُحسناً فليست ساعةَ الفَزَع الفزع: الاسْتِغاثة والاسْتِصْراخ، ولعلّه يريد: أنَّ وقتَ الموتِ ليسَ وقت الحسابِ والمجازاةِ وإنّما ذلك يوم الفزعِ الأكبرِ - يوم البعث - ولعلَّ المعنى: ما دُمْت مُحْسناً فليسَ ثَمَّتَ داعٍ للخوف.

من يحبّون الموت
قال عبد الله بن مسعود: ما مِنْ نَفْسٍ حيَّةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها، إن كان برّاً فإنّ الله تعالى يقول: {وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}، وإن كان فاجراً فإن الله تعالى يقول: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}، وحضر أحدَ الصالحين الموتُ، ففَرِحَ فقيل له: تستبشرُ بالموت؟ فقال: أتَجْعلون قُدومي على خالقٍ أرجوه كمَقامي على مَخْلوقٍ أخافُه! وسُئِل حكيمٌ عن الموت، فقال: هو فزعُ الأغنياء وشَهْوةُ الفقراء. . . وقال بعضهم: لا يكونُ الحكيمُ حكيماً حتّى يعلمَ أن الحياةَ تسترقُّه والموتُ يُعتقُه. . . وقال المتنبي:
تَغُرُّ حَلاواتُ النُفُوسِ قلوبَنَا ... فتَخْتَارُ بَعضَ العَيْشِ وَهْوَ حِمامُ
يقول المتنبِّي: حبُّ الحياةِ يَغُرُّ القلبَ حتى يختارَ عيشاً فيه ذلٌّ:
(1/300)

وشَرُّ الحِمامين الزُّؤَامَيْنِ عِيشَةٌ ... يَذِلُّ الذي يَختارُها ويُضَامُ
وقال أيضاً:
وما الدَّهْرُ أهْلٌ أن تُؤَمَّلَ عِندهُ ... حَياةٌ وأنْ يُشْتاقَ فيهِ إلى النَّسْلِ
وقد تقدم وفي هذه القصيدة يقول المتنبي:
نُبَكِّي لِمَوْتانا على غَيْرِ رَغْبةٍ ... تفُوتُ مِنَ الدُّنيا ولا مَوْهِبٍ جَزْلِ
إذا ما تَأمَّلْتَ الزَّمانَ وصَرْفَهُ ... تيَقّنْتَ أنَّ الموتَ ضَرْبٌ من القَتْلِ
يقول: نحن نَبْكي على موتانا ونحزن لهم ونأسَف لفراقِهم ونحن على يقين من أنهم لا يفوتهم من الدنيا ما يُرغَبُ في مِثلِه ولا يمتعون منها بما يصحُّ أن يتنافس في نيله، ثم قال في البيت التالي: وأنت إذا ما تأمَّلت وأنعمتَ النظرَ في تصاريف الدهر وخطوبه تيقَّنْتَ أنّ الموت المحتوم على المرء كالذي يتوقّعُه من القتل وإذن لا داعيَ للجُبن والذعر ولا مُوْجِبَ لحبِّ الحياة والتهافت عليها قال عنترة:
فأجَبْتُها: إنّ المَنِيّةَ مَنْهَلٌ ... لا بُدَّ أنْ أُسْقَى بذاكَ المَنْهَلِ
فاقْنَيْ حَياَءكَ لا أبا لَكِ واعْلَمِي ... أنِّي امْرؤٌ سأموتُ إنْ لَمْ أُقْتَلِ
فاقْنَيْ حَياءَكَ: فالْزَميه واحفظيه واتخذيه قُنيَةً وقال الإمام الجنيد: مَن كان حياتُه بنفسِه يكون مماتُه بذهابِ روحِه، فتَصْعُبُ عليه، ومن كان حياتُه برَبِّه فإنّه يَنْتَقِلُ من حياة الطبع إلى حياة الأصل، وهي الحياة الحقيقيَّةُ.

تمنّي الموت
قال أعرابيٌّ: خيرٌ من الحياةِ ما إذا فقَدْتَه أبغَضْتَ لفقدِه الحياةَ، وشرٌّ
(1/301)

مِن المَوْتِ ما إذا نَزَلَ بك أحْبَبْتَ لنزولِه الموتَ. . . وقال المتنبّي:
كَفَى بِكَ داءً أن تَرى الموتَ شافِيا ... وحَسْبُ المَنَايا أنْ يكُنَّ أمانِيا
تَمَنَّيْتَها لمّا تمنّيت أنْ ترى ... صَديقاً فأعيا أو عدُوَّاً مُداجِيا
وقال المُهَلَّبي الوزير:
ألا مَوْتٌ يُباعُ فأشتريه ... فهذا العيشُ ما لا خيرَ فيهِ
ألا موتٌ لذيذُ الطَّعمِ يأتي ... يُخلِّصُني من العيشِ الكريهِ
إذا أبْصَرْتُ قبراً من بعيدٍ ... وددْت لو انَّني ممّا يليِهِ
ألا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ ... تَصَدَّقَ بالوَفاةِ على أخيهِ
واعْتَلَّ الشبْلِيُّ ثم بَرَأ، فقال له بعضُ أصحابه كيف أنت: فقال:
كلما قُلتُ: قد دنا حَلُّ قَيدِي ... قَدَّمُوني وأوْثَقوا المِسمارَا

الحياة لا تمل
قال حكيم: الحياةُ وإنْ طالَتْ لا تُملُّ، وإنّما يَمَلُّ المَرْءُ تكاليفَ الحياة،
(1/302)

ولهذا فُضِّلَ قولُ زهير بن أبي سُلمى:
سَئِمْتُ تَكاليفَ الحَياةِ ومَنْ يَعِشْ ... ثمانينَ حَوْلاً لا أبَا لكَ يَسْأَمِ
على قول لبيد:
ولَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَياةِ وطولِها ... وسُؤالِ هذا النّاسِ: كيفَ لَبيدُ
تكاليف الحياة: مشاقُّها وشدائِدُها، أمّا لبيدُ فإنه يكادُ يكون مَعذوراً إذا هو ملَّ الحياةَ نفسَها ولِمَ لا وقد عُمِّر حتّى بلغَ الثلاثين ومائةَ سنة؟ وقال المتنبّي:
ولَذيذُ الحَياةِ أنْفَسُ في النَّفْ ... سِ وَأَشْهَى مِنْ أنْ يُمَلَّ وأحْلَى
وإذا الشَّيْخُ قالَ أُفٍّ فما مَ ... لَّ حَياةً وإنّما الضُّعْفَ مَلاَّ
آلَةُ العَيْشِ صِحّةٌ وشَبابٌ ... فإذا وَلَّيا عَنِ المَرْءِ وَلَّى
وقد تقدّمت ودخل سليمان بنُ عبد الملك مسجدَ دمشقَ، فرأى شيخاً، فقال: يا شيخُ، أيسرُّك أن تموتَ؟ فقال: لا واللهِ، قال: ولِمَ وقد بَلَغْتَ من السِّنِّ ما أرى! قال: مَضى الشبابُ وشرُّه، وبَقِيَ الشّيْبُ وخيرُه، فأنا إذا قعَدْتُ ذكرْتُ اللهَ، وإذا قُمْتُ حَمِدْتُ اللهَ، فأحِبُّ أنْ تدومَ لي هاتان الحالتان. . .

تسلّي الناس عمّن مات
قالوا: إذا أردْتَ أن تنظرَ الناسَ مِنْ بعدِك فانْظُرْ إليهم بعدَ مَنْ ماتَ قبلك. . . وقال أبو العتاهية:
سَيُعْرَضُ عن ذِكْري وتُنْسَى مَودَّتي ... ويَحْدُثُ بَعْدِي للخَليلِ خَليلُ
وقال منصور الفقيه:
(1/303)

كلُّ مَذْكورٍ مِنَ النَّا ... سِ إذا ما فَقَدوهُ
صارَ في حُكْمِ حَديثٍ ... حَفِظوهُ فنَسُوهُ
وقال آخر:
هالُوا علَيْه التُّرْبَ ثُمَّ انْثَنَوْا ... عَنْهُ وخَلَّوْهُ وأعْمالَهُ
لمْ يَنْقَضِ النَّوْحُ مِن دارِه ... علَيْهِ حتّى اقْتَسَموا مالَهُ

سهم المنايا بالذخائر مولع
قال أبو تمام:
عليكَ سلامُ اللهِ وَقْفاً فإنَّني ... رأيْتُ الكريمَ الحُرَّ ليس له عُمْرُ
وقال من أبياتٍ يرثي بني حميد أيضاً:
إنْ يَنْتَحِلْ حَدثانُ المَوْتِ أنفُسَكم ... ويَسْلَمِ النّاسُ بينَ الحَوْضِ والعَطَنِ
فالماءُ ليسَ عَجيباً أنَّ أعْذَبَه ... يَفْنَى ويَمْتَدُّ عُمْرُ الآجِنِ الأسِنِ
وقال ابنُ النّبيه المصريّ من أبياتٍ مختارةٍ نُورِدُها عليك:
النَّاسُ للمَوْتِ كَخَيْلِ الطِّرَادْ ... فالسّابقُ السّابِقُ مِنْها الجَوادْ
(1/304)

واللهُ لا يَدْعُو إلى دارِه ... إلاّ مَنِ اسْتَصْلَحَ مِن ذِي العِبادْ
والمَوْتُ نَقَّادٌ على كَفِّه ... جَواهِرٌ يَختارُ مِنْها الجِيادْ
والمَرْءُ كالظِّلِّ، ولا بُدَّ أنْ ... يَزولَ ذاكَ الظِّلُّ بَعْدَ امْتِدادْ
لا تَصْلُحُ الأرْواحُ إلاّ إذا ... سَرَى إلى الأجْسادِ هذا الفَسادْ
أرْغَمْتَ يا مَوْتُ أُنوفَ القَنَا ... وَدُسْتَ أعْناقَ السُّيوفِ الحِدادْ
وقال شاعر:
فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ مَوْتِه وهْو ناشِئٌ ... ولا يُنْكِرَنْ هذا مَنْ جَرَّبَ الدَّهْرَا
فكلُّ طَويلِ المَجْدِ يَقْصُرُ عُمْرُه ... كذاكَ سِباعُ الطَّيْرِ أقْصَرُها عُمْرَا

إنكارهم الشماتة في الموت
قال عدي بن زيد العِبادي:
أيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهْ ... رِ أَأَنْتَ المُبَرَّأُ المَوْفورُ
أمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوَثيقُ مِن الأيّ ... امِ بلْ أنْتَ جاهِلٌ مَغرورُ
وقد تقدَّمت هذه الأبيات. . . وقال شاعر:
تَمنَّى رِجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أمُتْ ... فتِلْكَ سَبيلٌ لَسْتُ فيها بأَوْحَدِ
ولمّا مات الحسنُ بن عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله عنهما دخل عبدُ الله بنُ عبّاس على
معاويةَ، فقال له معاويةُ: يا ابنَ عباس، مات الحسنُ بنُ علي؟ قال: نَعَمْ، وقد بلغني سُجودُك، أما واللهِ: ما سَدَّ جُثمانُه حُفْرَتَك، ولا زادَ
(1/305)

انقِضاءُ أجلِه في عُمُرِك، قال: أحْسَبُه تركَ صِبْيةً صِغاراً ولَمْ يَتْرُكْ عليهم كثيرَ مَعاش؟ فقال: إنّ الذي وَكَلَهم إليه غيرُك،. . . وقال الفرزدق:
فقُلْ لِلشَّامِتينَ بِنا أفيقُوا ... سيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَما لَقينا
وحكى المبرّد عن بعضهم: أنّه شَهِدَ رجلاً على قبرٍ وهو يُكثر البُكاءَ، فقلتُ: أعلى قريبٍ أو على صديقٍ؟ فقال: أخصُّ مِنهما، قد كان لي عَدُوّاً، فخرج إلى الصيد، فرأى ظَبْياً فتَبِعَه، فَعَثَرَ بالسَّهم، فخَرَّ هو والظّبْيُ ميِّتين، فدُفِنَ، فانْتَهَيْتُ إلى قبرِه شامِتاً به، فإذا عليه مكتوب:
وما نَحْنُ إلا مِثلُهمْ غَيْرَ أنَّنا ... أقَمْنا قليلاً بَعْدَهُمْ وتَرَحَّلوا
فها أنا ذا واقِفٌ أبكي على نَفْسي. . . ولمّا ماتَ الفَرزدقُ بكى عليه جريرٌ ورثاه، فقيل له: أبعدَ تلكَ العَداوة! فقال: لَمْ أرَ اثنينِ بلَغَا الغايةَ ومات أحَدُهما إلا ولَحِقَه الآخرُ عن كثَبٍ، فكان كذلك. . . وقال سيِّدُنا رسولُ الله: (لا تُظْهِرِ الشَّماتةَ لأخيك فيعافيه اللهُ ويَبْتليك) - أقول: يبدو أن الشَّماتةَ - وهي أنْ تَفْرحَ بالبليَّةِ تَنْزلُ بِمَنْ يُعاديك - من الغَرائِزِ الإنسانية اللّئيمة، ومِنْ ثَمَّ لم ينْهَ سيدُنا رسولُ الله عن كونِها - وجودِها - وإنّما نَهى عَنْ إظْهارها، لأنَّ ذلك هو الذي في استطاعةِ المَرْء، مِثْلها مثلُ الحَسدِ والظنِّ والطِّيرة، ولذلك ورد في الأثر أيضاً: (إذا ظنَنْتُمْ فلا تَحَقَّّقوا، وإذا حَسَدْتُمْ فلا تَبْغوا، وإذا تطيَّرْتُمْ فامْضوا، وعلى اللهِ فتَوكّلوا). . . يقول صلواتُ اللهِ عليه: إذا حَسَدْتم: أي تمنَّيْتُمْ زوالَ نعمةِ اللهِ على مَنْ أنْعَمَ عليه فلا تَتََعدّوا وتَفْعلوا ما يَقتضيه هذا الخلقُ الذَّميم، وإذا ظنَنْتُم سوءاً بِمَنْ ليس مَحَلاً لسوءِ الظنِّ به فلا تَتَحقّقوا ذلك باتِّباعِ مَوارِدِه والعملِ على مُقْتضاه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} والظنُّ أكْذَبُ الحَديثِ، ومَنْ أساءَ الظنَّ في غيرِ موضِعِه دلَّ على عدمِ
(1/306)

استقامتِه في نفسِه كما قال المتنبّي:
إذا ساَء فِعْلُ المَرْءِ ساَءتْ ظُنونُه ... وصَدَّقَ ما يَعْتادُه مِنْ تَوَهُّمِ
أمّا مَنْ كان مَظِنَّةً للظنِّ، بأن كان رجلاً شرّيراً فالحَزْمُ سوءُ الظنّ والاحتراس والحذر، ثم قال صلواتُ الله عليه: وإذا تَشاءَمْتُمْ بشَيْءٍ فامْضوا لِطيّتِكم ولا يلتفت خاطِرُكم لذلك. . . وسيمرُّ عليك كلُّ هؤلاء في كتاب الطبائع المذمومة. . . ومما يتصل بما نحن فيه من
الشماتة بالميت ما يُروى: أنه لمّا أتى عبدَ الله بنَ الزُّبَيْر خبرُ قتلِ مُصْعَبٍ أخيه احْتَجَبَ أيّاماً، فخُبِّرَ بِمَجيءِ قومٍ للتّعزيةِ، فقال: أكْرَهُ وُجوهاً تُعزّي ألسِنتُها وتَشْمَتُ قلوبُها.

لا عار بالموت
قالت ليلى الأخيلية:
لَعَمْرُكَ ما بِالموتِ عارٌ على امْرِئٍ ... إذا لَمْ تُصِبْه في الحَياةِ المَعَايِرُ
المعايرُ: المَعايبُ والمَسابّ يقال: عارَه: إذا عابَه، وتعاير القوم: عيّر بعضُهم بعضاً.

الموت نهاية كلِّ حيٍّ
قال أبو بكر العَنْبري: كُنْتُ قاعِداً في الجامع فمَرَّ بي مَعْتوهٌ فأقْبَلَ عليَّ وقال:
فهَبْكَ مَلكْتَ هذا النّاسَ طُرّاً ... ودانَ لكَ العِبادُ فكانَ ماذا
ألَسْتَ تَصيرُ في لَحْدٍ ويَحْوِي ... تُراثَكَ عَنكَ هذا ثُمَّ هذا
وقال الشّاعر:
هَبْكَ قدْ نِلْتَ كُلَّ ما تَحْمِلُ الأرْ ... ضُ فَهَلْ بَعْدَ ذاكَ إلا المَنِيّهْ
(1/307)

وقال القائل:
لِدُوا للمَوْتِ وابْنُوا لِلخَرابِ ... فكلُّكُمُ يَصيرُ إلى ذَهابِ

وصيّة الميّت
قالوا: كُنْ وَصِيَّ نفسِك ولا تَجْعلِ الرِّجالَ أوْصِياءَك، واعلَمْ صِدْقَ
(1/308)

الذي يقول:
ولا يَغْرُرْكَ مَنْ تُوصِي إليه ... فقَصْرُ وصِيَّةِ المَرْءِ الضَّياعُ
قَصْرُه وقُصاراه أنْ يفعلَ كذا: أي آخِرُ أمْرِه وغايةُ جُهْده هو أنْ يفعلَ كذا. . . وقال مالك بن ضَيْغَمٍ: لما احتُضِرَ أبي قُلْنا له: ألا تُوصي؟ قال: بَلى، أوْصيكُم بما أوْصى به إبراهيمُ بَنيهِ ويعقوبُ: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، وأوصيكم بِصِلَةِ الرَّحم وحسنِ الجِوار وفعلِ ما استطعْتُمْ من المعروف، وادْفِنوني مع المَساكين. .
وقيل لهَرِم بنِ حِبّان: أوْصِ، فقال: قد صَدَقَتْني نفسي في الحياةِ، ما لي شيءٌ أوصي فيه، ولكن أوصيكم بخَواتيمِ سورةِ النَّحْل. . .

إنكارهم وصيّة الميّت بما ليس له
عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال: (جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَعودُني وأنا
بمكةَ، وهو يكرَهُ أن يموتَ بالأرضِ التي هاجرَ منها، قال: يرحم اللهُ ابنَ عَفْراء، قلتُ: يا رسولَ الله: أُوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا، قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: لا، قلتُ: الثلثُ؟ قال: فالثُّلثُ، والثُّلثُ كثير، إنّك أنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ من أنْ تدعَهم عالةً يتكفَّفون في أيديهم، وإنّك مَهْما أنْفَقْتَ مِنْ نَفقةٍ فإنّها صَدقةٌ، حتّى اللقمةَ تَرْفَعُها إلى فيِّ امْرأتِك، وعسى اللهُ أنْ يَرْفعَك فيَنْتَفِعَ بك ناسٌ ويُضَرَّ بِكَ آخرون،
(1/309)

ولَمْ يكُنْ له يومئذٍ إلا ابنةٌ). . . رواه البخاريّ ومسلم وأصحاب السُّنن وغيرهم.
وإليك شرح هذا الحديث الشريف: لما كان سيدُنا رسول الله بمكّة في حجّة الوَداع ذهب إلى سعد بن أبي وقاص - وهو الصّحابيُّ الجليل الذي هاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر إليها الرسول صلوات الله عليه، وقد شهد بدراً والمشاهِدَ كلَّها، وبَشّره الرسولُ بالجنة، وهو أحد رجال الشّورى السّتّة الذين رشَّحهم الفاروقُ للخلافة: وهو قائد جيوش عُمرَ في فتح العراق، ثمَّ مات بقصره في العقيق على مقربةٍ من المدينة سنة 55 هـ بعد أن كُفّ بصرُه رضي الله عنه - أقول: لمّا كان الرسول بمكّةَ ذهبَ إلى سعد يعوده لمرضٍ اشتدَّ به حتى أشفى على الموت، وكان سعد يكره أن يموتَ بالأرض التي هاجر منها - مكّة - كما مات سعدُ بنُ خولة فلما سمع الرسولُ اسمَ سعد بنِ خولةَ من ابن أبي وقّاص ترحَّم عليه، وكان لسعد بن أبي وقاص إذ ذاك ابنةٌ واحدة ثم قال سعد لسيدنا رسول الله - كما جاء في بعض الرّوايات - إنه قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال، ولي ابنةٌ واحدةٌ، أفأوصي بمالي كلّه؟ قال الرسول: لا، قال: أفأوصي بالنّصف؟ قال: لا، قال: أفأوصي بالثلث؟ قال: فالثلثُ توصي به، والثلث كثير، ثم قال الرسول: - مُبيِّناً عن الحكمة في تركِ الوصيّة بالكثير إلى الوصيّة بالقليل: إنَّ تركَ ورثتِك أغنياءَ خيرٌ من تركِهم فقراءَ يمدّون أكفَّهم إلى الناس مُسْتَجْدين. . .
(1/310)

ثم بيَّن الرسولُ أن كل ما ينفقه على زوجِه أو ولدِه أو أقاربِه أو خدمِه صدقةٌ ولو كان قليلاً، حتى اللقمةَ يرفعُها إلى فمِ امرأته، يريد صلوات الله عليه: أنَّ المرءَ إن استقلَّ أمرَ الوصيّةِ بالثلثِ أو ما دونه فلْيَسْتَكْثِرْه بالإنفاق، والأقربون أولى بالمَعْروف، فإن امتدَّت به الحياةُ فليَسْلُك هذا الطريق، ثمَّ رجا له الرسولُ أن يبرأَ وتطولَ حياتُه ويرتفعَ شأنُه حتى ينتفع به أناسٌ ويَسْتَضِرَّ به آخرون، وقد تحقّق هذا كلُّه حتّى عزّ به الإسلامُ. هذا والوصيّةُ بالثلث فأقلّ قد استقرَّ عليه الإجماعُ إذا كان هناك ورثةٌ واختلفوا فيمَنْ ليس له
وارثٌ راجع كتبَ الفقه. . . وعن أبي هريرة: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسولَ الله، أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: أنْ تصدَّقَ وأنت صحيحٌ حريصٌ تأمَلُ الغِنى وتَخْشى الفقرَ ولا تُمْهِل حتى إذا بلغتِ الحُلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا). . . وفي الأثر أيضاً: (مثلُ الذي يُعتق ويَتَصدَّق عند موته، مثلُ الذي يُهدي إذا شبع). . . وقال بعض الصالحين عن بعض المُتْرَفين: يَعْصون اللهَ في أموالِهم مرَّتين، يَبْخلون بها وهي في أيديهم - يَعني في الحياة - ويُسرفونَ فيها إذا خَرَجَتْ من أيديهم - يَعني بعدَ الموت.

من أوصى بشرٍّ وكان قاسِياً
لمّا حضرتِ الحُطيئةَ الوفاةُ اجتمعَ إليه قومُه فقالوا: يا أبا مُلَيْكة: أوْصِ، فقال: وَيْلٌ للشِّعْرِ من راوِيةِ السُّوء؛ قالوا: أوْصِ رَحِمَك اللهُ يا حُطَيْءُ قال: مَن الّذي يقول:
إذا أَنْبَضَ الرّامونَ عَنْها تَرَنَّمَتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْها الجَنائِزُ؟
(1/311)

قالوا: الشَّمّاخ؛ قال: أبْلِغوا غَطفانَ أنّه أشعرُ العَرب؛ قالوا: وَيْحك! أهذه وَصِيّةٌ! أوْصِ بما يَنْفَعك! قال: أبْلِغوا أهلَ ضابِئٍ أنّه شاعرٌ حيث يقول:
لِكُلِّ جَديدٍ لَذَّةٌ غَيْرَ أنّني ... رأيْتُ جَديدَ المَوْتِ غَيْرَ لَذيذِ
قالوا: أوْصِ وَيْحك بما يَنْفعُك! قال: أبلِغوا أهلَ امْرئِ القيسِ أنّه أشعرُ العربِ حيثُ يقول:
فيا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأنَّ نُجومَهُ ... بِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بيَذْبُلِ
قالوا: اتَّقِ اللهَ ودَعْ عنكَ هذا؛ قال: أبلِغوا الأنصارَ أنَّ صاحِبَهم أشعرُ العربِ حيث يقول:
يُغْشَوْنَ حتّى ما تَهِرُّ كِلابُهم ... لا يَسْألونَ عَنِ السَّوادِ المُقْبِلِ
قالوا: هذا لا يغني عنك شيئاً، فقُلْ غيرَ ما أنتَ فيه، فقال:
الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ ... إذا ارْتَقَى فيه الّذي لا يَعْلَمُهْ
زَلَّتْ بهِ إلى الحَضِيضِ قَدَمُهْ ... يُريدُ أنْ يُعْرِبَه فيُعْجِمُهْ
قالوا: هذا مثلُ الذي كنتَ فيه، فقال:
قَدْ كُنْتُ أحياناً شديدَ المُعْتمَدْ ... وكنتُ ذا غَرْبٍ على الخَصْمِ ألَدّ
(1/312)

فَوَرَدَتْ نَفسي وما كادَتْ تَرِدْ
قالوا: يا أبا مُلَيْكة، ألكَ حاجةٌ؟ قال: لا واللهِ، ولكِنْ أجْزَعُ على المديحِ الجيِّد يُمدَحُ به مَنْ ليس له أهلاً. قالوا: فمَنْ أشعرُ الناس؟ فأوْمَأ بيدِه إلى فيه وقال: هذا الجُحَيْرُ إذا طَمِعَ في خير يعني فمَه واسْتَعْبَرَ باكِياً؛ فقالوا له: قل لا إلهَ إلا الله، فقال:
قالَتْ وفيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكمُ وحُجْرُ
فقالوا له: ما تقولُ في عبيدِك وإمائِك؟ فقال: هُمْ عَبيدٌ قِنٌّ ما عاقبَ الليلُ النَّهارَ؛ قالوا: فأوْصِ للفقراءِ بشَيْءٍ، قال: أوصيهم بالإلحاحِ في المَسْألةِ فإنّها تجارةٌ لا تَبور، واسْتُ المَسؤول أضيقُ. قالوا: فما تقولُ في مالِك؟ قال: للأنثى مِنْ وَلدي مِثْلُ حظِّ الذكر. قالوا ليس هكذا قضى اللهُ جلَّ وعزَّ لَهُنَّ، قال: لكنّي هكذا قضيْتُ. قالوا فما توصي لليتامى؟ قال: كُلوا أموالَهم وانْكِحوا أمَّهاتِهم؛ قالوا: فهل شيءٌ تَعْهَدُ فيه غيرَ هذا؟ قال: نَعَم، تَحْمِلونَني على أتانٍ وتتركونَني راكِبَها حتى أموتَ، فإنَّ الكريمَ لا يموتُ على فراشِه، والأتانُ مَرْكَبٌ لم يَمُتْ عليه كريمٌ قطُّ، فحَمَلوه على أتانٍ وجَعلوا يذهبون به ويَجيئون عليها حتّى مات وهو يقول:
(1/313)

لا أحَدٌ ألأَمُ مِنْ حُطَيّهْ ... هَجا بَنِيهِ وهَجا المُرَيّهْ
مِنْ لُؤمِه ماتَ على فُرَيّهْ
المُرَيّة: تَصغير مَرَة - امرأة - يريد: زوجتَه، والفريّة يريد الفرا أي الحِمار.

نهيهم عن الإفراط في البكاء وإظهار الجزع
دخلَتْ أعْرابيّةٌ الحَضَرَ فسمعت بكاءً من دارٍ فقالت: ما هذا! أراهُمْ من ربِّهم يَسْتغيثون، ومن اسْتِرْجاعِه يَتَضَجّرون، ومِنْ جَزيلِ ثوابِه يَتَبَرّمون. . وقال أبو سعيدٍ البَلْخِيُّ: مَنْ أصابتْه مصيبةٌ فأكثرَ الغمَّ جعلَ اللهُ عقوبتَه غَمّاً مثلَه، قال الله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ}. . . الآية. . .
وعن عبد الله بنِ مسعود رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ليس منّا من لَطَمَ الخُدودَ، وشَقَّ الجُيوبَ، ودَعا بِدَعْوى الجاهلية). . . ودعا بدعوى الجاهلية: أي مِنْ نحوِ قولهم: واأبَتاه، واأمّاه، واوَلَداه، وامُصيبتاه، ونحو ذلك من ضروبِ النّياحة والنُّدْبة. . . أمّا البكاءُ والجزعُ دون إفراطٍ فَمُرَخَّصٌ فيه، حدَّث أنسُ بن مالك قال: (دَخَلْنا على أبي سيف القين - وكان ظِئْراً لإبراهيمَ عليهِ السلامُ، فأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إبراهيمَ، فقبَّله وشَمَّه، ثُمَّ دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيمُ يجودُ بنفسِه، فجعلت عينا رسولِ الله تَذْرفانِ فقال له عبد الرحمن ابنُ عوفٍ
(1/314)

رضي الله عنه: وأنت يا رسولَ الله! فقال: يا ابنَ
عوفٍ، إنّها رحمةٌ، ثمَّ أتبعها بأخرى - أي أتبعَ الدمعةَ الأولى بأخرى - وقال صلواتُ اللهِ عليه: إنّ العينَ تدمعُ، والقلبَ يحزنُ، ولا نقول إلا ما يُرضي الله، وإنّا بفِراقِك يا إبراهيمُ لمَحْزونون). . قوله صلوات الله عليه: ولا نقول إلا ما يُرضي اللهَ وفي رواية: ولا نقول ما يُسخِطُ الرّب: أي من النّياحة والصُّراخ وما إلى ذلك ممّا يُوجب سُخْطَ الله عز وجل وقيل لأعرابيٍّ: اصبر فالصَّبرُ أجرٌ، فقال: أعلى اللهِ أتَجَلَّد! واللهِ: لَلْجَزَعُ أحبُّ إليه، لأنَّ الجزعَ استكانةٌ والصبرَ قَساوة. . . وقيل لفيلسوف: أخرجِ الحُزنَ من قلبك فقال: لم يَدْخُلْه بإذْني فأخْرِجُه بإذني. . . وأفرطت امرأةٌ في الجزعِ على ابنها، فعُوتبت في ذلك، فقالت: إذا وقعَ حكمُ الضَّروريّات لم يَقَعْ عليها حكمُ المُكْتَسبات، فأمّا جَزعي فليسَ في الطَّاقةِ صرفُه، ولا في القُدْرَةِ مَنْعُه، ولي عُذْرٌ للضّرورة، فإنّ اللهَ تعالى يقول: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}. . .

في البكاء تخفيف من الحزن
قال ابن عبّاسٍ رضي اللهُ عنه: كنتُ إذا أصابتني مُصيبةٌ وأنا شابٌّ لا أبكي، وكان يُؤذيني ذلك، حتّى سَمِعْت أعرابيّاً ينشد:
لَعَلَّ انْحِدارَ الدَّمْعِ يُعْقِبُ رَاحَةً ... مِنَ الوَجْدِ أوْ يَشْفِي شَجيَّ البَلابِلِ
فسألتُه لِمَنِ الشِّعرُ؟ فقال: لِذي الرُّمَّة، فكنتُ إذا أصِبْتُ بَكَيْتُ، فاسْتَرَحْتُ. . .

ضعف بنية الإنسان
سُئِلَ جالينوس عن الإنسان فقال: سِراجٌ ضعيفٌ، وكيفَ يدوم ضَوْؤه
(1/315)

بينَ أربعِ رياحٍ! يعني بالسِّراج: روحَه، وبالرّياح الأرْبَعِ: طبائِعَه.
وقال الشاعر لبيد:
وما المَرْءُ إلا كالشِّهابِ وضَوْئِه ... يَحورُ رَمَاداً بَعْدَ إذْ هوَ ساطِعُ
كلُّ شَيْءٍ تغيَّر من حالٍ إلى حالٍ فقد حارَ يَحورُ حوراً وقال أفلاطون: إذا كانتِ الطّينةُ فاسدةً والبِنْيةُ ضعيفةً، والطَّبائِعُ مُتَنافيةً، والعُمْرُ يَسيراً، والمَنِيَّةُ صادِقَةً، فالثِّقَةُ باطِلةٌ. . .

استنكافهم من أن يموتَ المرءُ حَتْفَ أنْفِه
قال خالد بنُ الوليد: لقد لقيتُ كذا وكذا زَحْفاً، وما في جَسدي موضِعُ شِبْرٍ إلا وفيهِ طَعْنةٌ أو ضَرْبةٌ أو رَمْيةٌ ثُمَّ ها أنا ذا أموتُ على فِراشي حَتْفَ أنفي، فلا نامت أعْيُنُ الجُبَناء. وقال
الشَّنْفرى:
(1/316)

ولا تَقْبِرُوني إنّ قَبْري مُحَرَّمٌ ... علَيْكُمْ ولكِنْ أبْشِرِي أمَّ عامِرِ
وقال السَّمَوْءلُ أو غيرُه:
وما ماتَ مِنّا سَيّدٌ حَتْفَ أنْفِه ... ولا طُلَّ مِنّا - حيثُ كانَ - قَتيلُ
تَسيلُ على حَدِّ السُّيوفِ نُفوسُنا ... ولَيْسَ على غَيْرِ السُّيوفِ تَسيلُ
طُلَّ: أهْدِرَ دمُه، وقيل: أنْ لا يُثْأرَ به وتُقْبَل ديتُه، وقال أبو تمّام:
لَوْ لَمْ يَمُتْ تَحْتَ أسْيافِ العِدَا كَرَماً ... لمَاتَ - إذْ لَمْ يَمُتْ - مِنْ شِدَّةِ الحَزَنِ
وقال آخر:
إنّ مَوْتَ الفِراشِ ذُلٌّ وعارٌ ... وهْوَ تَحْتَ السُّيوفِ فَضْلٌ شَريفُ
وقال:
وأتْعَبُ مَيْتٍ مَنْ يَمُوتُ بِداءِ
وسَيَمرُّ عليكَ كثيرٌ من عبقريّاتِهم في هذا المَعنى، في باب الشجاعة
تَمَّ الجُزْءُ الأوّل من الذخائر والعبقريات
(1/317)