Advertisement

الذخائر والعبقريات 002

الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق
فهو المسدِّد إلى سواء الطريق
وبعدُ فإنَّا نَفْتَتِحُ هذا الجزء الثانيَ من الذخائر والعبقريات بصَدْرٍ من عبقرياتهم في أكثر المعاني التي أوردنا ما أوردنا من عبقرياتهم فيها، في أبواب الجزء الأول، وكان المتوقَّعُ أن نَفْتَتِح هذا الجُزْءَ بسائر عبقرياتهم في التعازي، وفي المرض، بَيْدَ أنّا قد استحسنَّا أن نصدِّر هذا الجزءَ الثانيَ بطائفة من عبقرياتهم في معانٍ شتَّى تَنْدَرِجُ في الأبواب السابقة، وذاك لأمرين: أما أولهما فلأن في هذا الصَّنيعِ مُبادَرَةً باسْتِدْراكِ ما قدْ كانَ يَصحُّ إيرادُه هناك، وأما الآخر: فذلك لأنا لم نَسْتَحْسِنْ أن نَفْجَأَ المتصفح لهذا الجزء بما عسى أن يُفْزِعَه ويَنْفِرَ منه، وتَنْقَبِضَ نفسُه عنه، على أن هذه العبقرياتِ وإن جاءت في البَيْنِ وفَصَلَت بين عبقريات الباب الثالث غير أنها جاءت كالدُّرَّةِ الفريدة تَفْصِل بين ذهب القلادة؛ إلى ما في ذلك من استراحة للقارئ وتنقُّل به من معانٍ قد تكثَّرنا منها إلى معانٍ أُخرى قد يستريح إلى جِدَّتها؛ وبعد أن نَفْرُغَ من هذه العبقريات نَعْطِف على عبقرياتهم في التعازي، وفي المرض، وقانا الله جميعاً مِحْنَته، وخَفَّف - إذا هو قُدِّر علينا - وطْأَتَه.
(2/3)

عبقريات شتَّى تندرج في الأبواب السابقة
سموّ أخلاق الخلفاء الراشدين
ومما يُؤثَر في باب الخلق ما حدَّث به العُتبيُّ في إسناد ذكره قال: دعا طلحة بن عبيد الله أبا بكر وعمر وعثمانَ رَحْمةُ اللهِ عليهم، فأبطأَ الغلامُ - الخادم - عنه بشيءٍ أراده، فقال طلحةُ: يا غلام: فقال الغلام: لَبَّيك، فقال طلحةُ: لا لبَّيك؛ فقال أبو بكر: ما يسرُّني أنّي قُلتُها وأنّ ليَ الدُّنيا وما فيها، وقال عمر: ما يسرني أني قلتها وأنّ لي نِصفَ الدُّنيا، وقال عثمان: ما يسرّني أنّي قلتها وأن لي حُمْرَ النَّعَم؛ قال العُتبيُّ: وصمت أبو محمد - هو طلحة - فلما خرجوا من عنده باع ضيعةً بخمسةَ عشَرَ ألفَ دِرْهم، فتصدَّق بثمنها. . . فَهَل رأيْتَ أو سَمِعْتَ بمثل هذا الأدب العُلْوي الرَّبانيِّ! وأنت إذا نظرْتَ إلى هذا الحديث من أيّ أقطاره رأيتَ أدباً باسقاً وخُلقاً سامياً! فهذا الصِّدِّيق رضي الله عنه يُنكر في كِياسَةٍ وأدبٍ قَوْلةَ
(2/4)

أبي محمدٍ لغُلامه: لا لبَّيك، ثم يجيء بعده عمر فينكر هو الآخرُ إنكاراً لاحظَ فيه التأدَّب مع الخليفة أبي بكر، وكذلك فعل عثمان مع عُمرَ، وأخيراً يكفِّر أبو محمد عن هذه البادرة بخمسةَ عشرَ ألفَ دِرْهم. . . لا جرم لقد أدَّبهم المُصطفى صلوات الله عليه، الذي أدَّبه ربُّه فأحْسنَ تأديبَه.

طلحة بن عبيد الله
وهذا طلحةُ بن عبيد الله هو الصحابي الجليل أحدُ العشرة المبشَّرين بالجنة وأحدُ الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحدُ الخمسةِ الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد السِّتةِ أصحاب الشورى، وأحدُ أغنياء الصحابة، وأحدُ أجواد قريش، بل كان نبيَّ الجود، إن كان للجود نَبيٌّ. . . وقد كان يقال له: طلحةُ الفيّاض، وطلحة الجود، وطلحة الخير، ويقال إنه فرق في يوم سبعمائة ألف، باع أرضاً له من عثمان بن عفان بسبعمائة فحملها إليه، فبات ورُسُلُه تختلف بها في سكك المدينة حتى أسْحرَ وما عنده منها دِرهم! ويُروى أنّه وصل أعرابيّاً من أقاربه بثمانمائة ألف درهم؛ وكان لا يدعُ أحداً من بني تَيْمٍ عائِلاً إلا كفاه مؤنته ومؤنة عياله وزوَّج أياماهُمْ وأخْدمَ عائِلَهم وقضى دينَ غارمهم! وكان يرسل إلى السيدة عائشة إذا جاءت غَلّته كلَّ
(2/5)

سنةٍ بعشرة آلاف. . . إلى آخرِ أنباء جوده وكرمه؛ ولما انقضى يومُ الجَملِ خَرج عليُّ بن أبي طالب في ليلة ذلك اليوم ومعه قَنْبَر، وفي يده مَشعَلةٌ من نار يَتَصفَّح القتلى،
حتى وقف على طلحة فقال: أعْزِزْ عليَّ أبا محمد أن أراك مُعَفَّراً تحت نجوم السماء وفي بطون الأودية: شَفَيتُ نفسي وقَتلتُ معشري! إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري ثم تمثّل
فتىً كانَ يُدنيه الغِنى من صَديقِه ... إذا ما هُوَ اسْتغنَى ويُبعِدُه الفَقْرُ
فتىً لا يَعدُّ المال رَبّاً ولا تُرى ... به جَفوةٌ إن نالَ مالاً ولا كِبْرُ
فتىً كان يُعطي السيفَ في الرّوعِ حقَّه ... إذا ثوَّبَ الدّاعي وتشقى بهِ الجُزْرُ
وهَوَّنَ وَجْدي أنَّني سَوفَ أغْتدِي ... على إثْرهِ يوماً وإن نَفَّس العُمْرُ
قوله فتى كان يدينه الغنى من صديقه. . . ألبيت: هو معنى جميل مطروق وفيه يقول إبراهيم بن العباس الصُّوليّ في محمد بن عبد الملك الزيّات:
(2/6)

أسدٌ ضارٍ إذا مانَعْتَهُ ... وأبٌ بَرٌّ إذا ما قَدَرا
يَعْرف الأبْعدَ إن أثْرى ولا ... يَعْرِف الأدْنى إذا ما افْتقَرا
ويقول الأديب أبو بكر الخوارزمي:
رأيْتُكَ إنْ أيْسَرْتَ خَيَّمْتَ عِندنا ... لِزاماً وإنْ أعْسَرْتَ زُرْتَ لِماماً
فَما أنْتَ إلا البدْرُ إن قَلَّ ضوؤُهُ ... أغبَّ وإنْ زاد الضِّياءُ أقاما
وقد تقدمت أبيات لعبد الله بن الزُّبير الأسدي في هذا المعنى؛ وما أبْرعَ أبياتاً لابن المعتزّ يقول فيها:
إذا ما أرادَ الحاسِدونَ انْهِدامَه ... بَناهُ إلهٌ غالِبُ العِزِّ قاهِرُهْ
وماذا يُريدُ الحاسِدونَ مِنِ امْرِئٍ ... تَزينُهُمُ أخْلاقُه ومآثِرُهْ
إذا ما هُوَ اسْتَغْنى اهْتدى لافْتِقارِهمْ ... ولا تَهْتدي يَوْماً إليهمْ مَفاقِرُهْ
وكانوا كَرامٍ كَوْكَباً بِبُصاقِه ... فَرُدَّ عليهمْ وبْلُه ومَواطِرُهْ

حادث تلاقى فيه الكرم بالشجاعة والمروءة والحياء والنُّبل
تحدَّث رجلٌ من الأعراب قال: نزلت برجلٍ من طيّءٍ، فنحر لي ناقة
(2/7)

فأكلت منها، فلما كان الغدُ نَحرَ أخرى فقلت: إنّ عندك من اللحم ما يُغني ويكفي! فقال: إني والله لا أطعم ضيفي إلا لحماً عبيطاً! قال: وفعل ذلك في اليوم الثالث، وفي كلِّ ذلك آكل شيئاً ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم نؤتى باللبن فأشرب شيئاً ويشرب عامّةَ الوَطْبِ! فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته، فاضطجع، فلما امتلأ نوماً استقت قطيعاً من إبله، فأقبلته الفجّ، فانتبه،
واختصر عليّ الطريق حتى وقف لي في مضيقٍ منه، فألقم وَتَره فوق سَهْمه، ثم نادى بي: لِتَطِبْ نفسُك عنها، قلتُ: أرني آيةً، فقال: انظر إلى ذلك الضَّبِّ، فإني واضعٌ سهمي في مَغْرِزِ ذنبه، فرماه، فأنْدر ذنَبَه، فقلت: زِدْني، فقال، انظر إلى أعلى فَقاره، فرماه، فأثبت سهمه في المَوْضع، ثم قال لي: الثالثةُ والله في كَبِدك! فقلت: شأنَك بإبلك! فقال: كلا، حتى تسوقَها إلى حيث كانت! قال: فلما انتهيت بها قال: فكَّرْت فيك فلم أجدْ لي عندك تِرَةً تطالبني بها، وما أحْسِب الذي حملك على أخْذ إبلي إلا الحاجة! قال: قلت: هو والله ذاك، قال: فاعْمد إلى عشرين من خِيارِها فخذها! فقلت: إذن والله لا أفعل حتى تسمعَ مدْحَك، والله ما رأيت رجلاً أكرم ضيافةً ولا أهدى لسبيلٍ ولا أرمى كفاً ولا أوسعَ صدراً ولا أرْغبَ جَوْفاً ولا أكْرمَ عفواً، منك! قال: فاستحيا فصرف وجهه عنِّي، ثم قال: انصرف بالقطيع مبارَكاً لك فيه. . . قوله: عبيطاً يقال: عَبَط فلانٌ ناقَتَه: إذا نحرها من غير داءٍ ولا كسرٍ وهي شابَّةٌ سمينةٌ، والعبيط أيضاً: اللحم الطريّ غير النضيج، والوَطْبُ: سِقاءُ اللبن خاصة من جلد، والفجُّ: الطريق الواسع بينَ جَبلين، والجمع: فِجاج؛ واختصر الطريق: سلكَ أقربَه، وفوق السهم: مَشَقُّ رأسِه حيث
(2/8)

يقعُ الوتر، وقوله: فأندر ذنبه: أي أسقطه، وقد ندر الشيء يندُرُ نُدوراً: سقط أو سقط من جوف شيءٍ أو من بين أشياء فظهر، ومنه نوادر الكلام وهي ما شذَّت وخرجت عن جمهوره فظهرت. وقوله: ولا أرغبَ جوفاً: من الرُّغب وهو: سعة البطن وكثرة الأكل

حلم وأدب وسمو خلق
روى المبرِّد: أنَّ رجلاً من أهل الشام قال: دخلت المدينة، فرأيت رجلاً راكباً على بغلةٍ لم أرَ أحسنَ وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابةً، منه! فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل لي: هذا الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، فامتلأ قلبي له بُغْضاً وحَسَدْتُ علياً أن يكون له ابن مثلُه! فصرت إليه، فقلت له: أَأَنْتَ ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه، فقلت فبِك وبأبيك أسبُّهما، فلما انقضى كلامي قال لي: أحْسِبك غريباً! قلت: أجل قال: فَمِلْ بنا فإن احتجت إلى منزلٍ أنزلناكَ، أو إلى مال آسيناك، أو إلى حاجةٍ عاوَنّاك، قال: فانصرفت عنه ووالله ما على الأرض أحدٌ أحبُّ إليَّ منه. . . وقال رجل لرجلٍ من قريش: إني مررت بقوم من قريش يشتمونك شتماً رَحِمْتك منه! قال القُرشي: أفسمعتني أقول إلا خيراً؟ قال: لا، قال: إياهم
فارْحَمْ. . . وقال ابن مسعود: إن الرجل ليظلمني فأرْحمه! وقال رجل للشَّعبيِّ كلاماً أقذعَ له فيه، فقال له الشَّعبيُّ: إن كنْتَ صادِقاً فغفر اللهُ لي، وإن كنت كاذِباً فغفرَ اللهُ لك. . . ويُرْوى أنه أتى مَسْجداً، فصادفَ فيه قوماً يغتابُونَه، فأخذ بِعَضادَتي البابِ ثم تمثل بقول كثير عزِّة:
(2/9)

هَنيئاً مَرِيئاً غَيْرَ داءٍ مُخامِرٍ ... لِعَزَّةَ مِنْ أعْراضِنا ما اسْتَحلَّتِ
وقال محمود الورّاق:
إني شَكَرْتُ لِظالمي ظُلْمي ... وغَفَرْتُ ذاك له على عِلْمي
ورَأيْتُه أسْدى إليَّ يَداً ... لمّا أبانَ بِجَهْلِه حِلْمي
رَجَعَتْ إساَءتُه علَيْه وإحْ ... ساني فَعادَ مُضاعَفَ الجُرْمِ
وغَدَوْتُ ذا أجْرٍ ومَحْمَدَةٍ ... وغَدا بِكَسْبِ الظُّلمِ والإثْمِ
فَكأنَّما الإحْسانُ كانَ لهُ ... وأنا المُسيءُ إليهِ في الحُكْمِ
مازالَ يَظْلِمُني وأرْحَمُه ... حتّى بَكَيْتُ لهُ مِنَ الظُّلْمِ

خير ما يُرْزقه العبد
قالَ بَعْضُ المُلوكِ لِبَعْضِ وُزَرائِه - وأراد مِحْنَته -: ما خيرُ ما يُرْزَقُه العَبْدُ؟ قال: عقلٌ يعيش به، قال: فإنْ عَدِمَه؟ قال: فأدبٌ يَتَحلّى به، قال: فإن عَدِمَه؟ قال: فمالٌ يَسْتُره، قال: فإن عَدِمَه؟ قال: فَصاعِقةٌ تُريحُ مِنْه العِبادَ والبِلادَ. . .

لا تزال العرب عرباً ما حافظت على زيها
كان الأحنف بن قيس يقول: لا تزال العربُ عَرباً ما لَبِسَتِ العَمائم، وتَقَلَّدَتِ السُّيوف، ولم تعُدَّ الحِلْمَ ذُلا، ولا التَّواهُبَ فيما بينَها ضَعَةً. . . قوله: ما لَبِسَتِ العَمائم، يريد: ما حافظت على زيِّها، وقوله: وتقلدت السيوف، يريد الامْتِناع من الضَّيْم، وقوله: ولم تعُدَّ الحِلْمَ ذُلا، يقول: ما عَرفت مَوْضع الحِلْم، وذلك أن الرجل إذا أغْضَى للسلطان، أو أغْضَى
(2/10)

عَنِ الجواب وهو مأسُورٌ لم يُقَلْ: حَلُمَ، إذا ترَكَ أنْ يقولَ الشيءَ لِصاحِبه مُنتصراً ولا يَخافُ عاقِبَةً يَكْرَهُها. فهذا الحِلْم المحضُ، فإذا لم يَفْعَلْ ذلك ورأى أنَّ تَرْكَه الحِلْمَ ذلٌ فَهْوَ خَطأٌ وسَفَهٌ؛ وقوله: ولم ترَ التواهُبَ بينها ضَعَةً، نحوٌ مِن هذا، وهو: أنْ يَهَبَ الرَّجل من حقِّه مالا يُسْتَكْرَه عليهِ. . . وكان يقال: أحْيوا المعروفَ بإِماتَتِه، ومعنى ذلك: أنّ الرجلَ إذا امْتَنَّ
بِمعْروفِه كَدَّره، وقيل: المِنَّةُ تَهْدِم الصنيعة، وقد قال قيسُ بنُ عاصِمٍ المِنْقَري: يا بَني تميم، اصْحَبوا مَنْ يذكُرُ إحْسانَكم إليه ويَنْسى أياديَه إليكم. . .

توقير العالم والشريف والكبير والترفع عن الوضيع
كان زياد بن أبيه يقول: أُوصيكم بثلاثة: بالعالِم، والشريف - يعني العظيم القدر - والشيخ - يريد: الذي تقدمت به السن - فو الله لا أُوتى بوضيع سَبَّ شريفاً، أو شابٍّ وَثَبَ بشيخ، أو جاهلٍ امتَهَنَ عالماً، إلا عاقبتُ وبالغْتُ. . . وقال عُمارَة بن عقيل بن بلال بن جرير لبني أسد بن خزيمة:
يا أيّها السائلي عمداً لأُخْبِرَه ... بذاتِ نَفْسي وأيدي اللهِ فوقَ يدي
إنْ تَسْتَقِمْ أسدٌ ترشَدْ وإنْ شَغَبَتْ ... فلا يَلُمْ لائِمٌ إلا بَني أسدِ
إني رأيتكُمُ يُعْصَى كبيرُكم ... وتَكْنَعونَ إلى ذي الفَجْرَةِ النَّكِدِ
(2/11)

فباعَدَ اللهُ كلَّ البُعْدِ دارَكُمُ ... ولا شَفاكُمْ مِنَ الأضْغانِ والحَسَدِ
فرأى عِصْيانَهمْ الكبيرَ مِنْ أقْبحِ العيب وأدلِّه على ضِغْنِ بعضهم لبعض وحَسَدِ بعضهم بعضا، والوضيع ينقلب إلى الشريف لأنه يرى مُقاولته فخرا، والاجْتراء عليه ربحا، كما أن مُقاولة الشريف للئيم ذلُّ وضَعةٌ قال الشاعر:
إذا أنْتَ قاوَلْتَ اللئيمَ فإنّما ... يكونُ عليك العَتْبُ حينَ تُقاوِلُهْ
ولستَ كَمَنْ يَرضى بما غيرُهُ الرِّضا ... ويَمْسحُ رأسَ الذِّئْبِ والذِّئْبُ آكِلُهْ
قال المبرد: وفي هذا الشعرِ بيتان يقدّمان في باب الفَتك - وفي باب العَزْم والشجاعة والإقدام - وهما:
فلا تَقْرِنَنْ أمْرَ الصَّريمةِ بامْرئٍ ... إذا رامَ أمْراً عَوَّقَتْهُ عَواذِلُهْ
وقلْ للفُؤادِ إنْ نزا بكَ نزوةٌ ... من الرَّوعِ: أفْرِخْ أكْثرُ الرَّوعِ باطِلُهْ
قال المبرد: وقد امتنع قوم من الجواب - أي من مُقاولةِ اللئيم - تنبلاً - يريد ترفعاً - ومواضِعهم تُنْبئُ عن ذلك - أي أن مراكِزَهم تدلُّ على أن امْتِناعهم ترفّعٌ - وامتنع قوم عِيّاً بلا اعتلال - يريد دون أن يُبدوا عِلَّةً لِهذا الإعْراضِ عن اللئام - وامتنع قوم عَجزاً واعتلُّوا بكراهة السَّفه، وبعضهم معتلٌّ برفعة نفسه عن خصمه، وبعضهم كان يسُبُّه الرجل الرّكيكُ من العشيرة، فُيعرضُ ويسبُّ سيِّدَ قَوْمه، وكانت الجاهلية ربَّما فعلته في الذُّحول
(2/12)

-
جمع ذُحْل وهو الثأر - قال الراجز:
إنّ بَجيلاً كلّما هجاني ... مِلْتُ على الأغْطَشِِ أو أبانِ
أو طلْحةِ الخيرِ فتى الفتيانِ ... أولاكَ قومٌ شأنُهمْ كَشاني
ما نِلْتُ مِنْ أعْراضِهمْ كَفاني ... وإنْ سَكَتُّ عَرفوا إحْساني
وقال أحد المحدثين:
إنَي إذا هَرَّ كلْبُ الحيِّ قلتُ لهُ ... إسْلَمْ وربُّكَ مخنوقٌ على الجِرَرِ
وفي مثلِ اخْتيارِ النّبيل لتتكافأَ الأعْراض قول الأخطل:
شَفى النفسَ قَتْلَى من سُليمٍ وعامرٍ ... ولم يَشْفِها قَتلَى غَنيّ ولا جَسْرِ
ولا جُشَمٍ شَرِّ القبائلِ إنّها ... كبيضِ القَطا ليسوا بِسودٍ ولا حُمْرِ
ولَوْ بِبَني ذُبيانَ بُلَّتْ رِماحُنا ... لقَرَّتْ بِهمْ عَيْني وباَء بِهمْ وِتْري
وقال رجلٌ من المحدثين وهو حمدانُ بنُ أبان اللاّحِقي:
ألَيْسَ مِنَ الكَبائرِ أنّ وَغْداً ... لآلِ مُعَذَّلٍ يَهْجو سَدوسا
هَجا عِرْضاً لَهمْ غَضًّا جَديداً ... وأهْدفَ عِرْضَ والِدِه اللَّبيسا
وقال آخر:
اللّؤْمُ أكْرمُ مِنْ وَبْرٍ ووالدِه ... واللّؤْمُ أكْرمُ مِنْ وَبْرٍ وما وَلَدا
قومٌ إذا جَرَّ جاني قومِهم أَمِنوا ... مِنْ لُؤْمِ أحْسابِهمْ أنْ يُقتلوا قَوَدا
اللّؤْمُ داءٌ لِوَبْرٍ يُقْتَلونَ بهِ ... لا يُقْتَلونَ بِداءٍ غَيْرِه أبَدا
وقال أحد المحدثين هو - دِعْبِل بن علي الخزاعي -:
(2/13)

أمّا الهجاء فَدَقَّ عِرْضُك دونَه ... والمَدْحُ عَنْك كَما عَلِمْتَ جليلُ
فاذْهَبْ فأنْتَ عَتيقُ عِرْضِك إنّه ... عِرْضٌ عَزَزْتَ بهِ وأنْتَ ذَليلُ
وقال آخر:
نُبِّئْتُ كلْباً هابَ رمْيي لَه ... يَنْبَحُني مِنْ مَوْضعٍ نائي
لَوْ كنتَ مِنْ شيءٍ هَجَوْناك أوْ ... لوْ بِنْتَ للسَّامعِ والرائي
فعَدِّ عَنْ شَتْمي فإنّي امْرؤٌ ... حَلَّمَني قِلَّةُ أكْفاني
وقال دعبل أيضاً:
فلَوْ أنّي بُليتُ بِهاشِمِيٍّ ... خُؤولتُه بَنو عَبْدِ المدانِ
صَبَرْتُ على عَداوَتِه ولكِنْ ... تَعالَيْ فانْظُري بِمَنِ ابْتلاني
ووقف رجلٌ عليه مقطَّعاتٌ على الأحنف بن قيس يسبُّه، وكان عمرو بن الأهْتم جعلَ له ألفَ دِرهمٍ على أن يُسفِّه الأحنف، فجعل لا يَأْلو أنْ يَسبَّه سبًّا يُغضِب، والأحْنَفُ مُطْرقٌ صامتٌ، فلما رآه لا يُكلمه أقبل الرجلُ يَعَضُّ إبْهامَيْه ويقول: يا سَوْأتاه، والله ما يمنعُه من جوابي إلا هَواني عليه. . . وفعلَ ذلك آخرُ فأمسكَ عنه الأحنف، فأكثرَ الرجلُ، إلى أن أراد الأحنفُ القيامَ للغَداء فأقبَل على الرَّجل فقال: يا هذا، إنَّ غَداءَنا قدْ حَضَرَ فانْهَضْ بنا إليه إن شئتَ فإنك مُذ اليوم تحْدو بِجَملٍ ثَفال.
(2/14)

قال: بما رأيت، قال: مات عُمرُ بْنُ عبد العزيز وخلَّف أحدَ عشر ابْناً وبلغت تَرِكَتُهُ سبعةَ عشرَ دينارا، كُفِّنَ منها بخمسة، واشترى موضعاً لقبره بدينارين، وأصابَ كلُّ واحدٍ من أولاده ثمانيةَ عشرَ قيراطاً من دينار. . . ومات هشامُ بن عبد الملك فخلَّف أحدَ عشرَ ابْنا أصاب كلُّ واحدٍ من أولاده ألفَ ألفِ دينار، فرأيت رجلاً من أولاد عمر بن عبد العزيز قد حَمَّل في يوم واحد على مِائةِ فَرَسٍ في سبيل الله، ورأيت رجلاً من أولاد هشام على قارعة الطريق يسأل الصدقة. . .

لا تشْكُ إلى غير الله
حدَّث بعضُهم قال: سمعني شُريحٌ القاضي وأنا أشكو بعضَ حالي إلى صديقٍ لي، فأخذ بيدي وقال: يا ابن أخي، إياك والشكوى إلى غير الله عز وجل، الصديقُ تُحزنه، والعدو تُشْمِتُه؛ انظر إلى عيني هذه - وأشار إلى إحدى عينيه - وقال: والله ما أبصرْتُ بها شخصاً ولا طريقاً مُنذ خمسَ عشْرةَ سنة، وما أخبرت بها أحداً إلى هذه الغاية سواك. . .

نبالة ومروءة
حدَّث العَسْجَديُّ قال: جاء رجلٌ إلى أبي إسحاق الكسائيِّ ليلاً فقال: ما جاءَ بك؟ قال: رَكِبني دَيْنٌ، فقال: كم هو؟ قال: أربعمائة دِرهم، فأخرجَ كيساً فأعْطاه، فلما رجع عنه بكى، فقال له أهله: ما يُبكيك؟ فقال: بكائي أنّي لم أبْحَثْ عن حالِه وألْجَأتُه إلى الذلِّ. . .
(2/15)

دعوة الله
قال أعرابي:
وإنّي لأُغْضي مُقْلتَيَّ على القَذى ... وألْبَسُ ثَوْبَ الصَّبْرَ أبْيَضَ أبْلَجا
وإنّي لأدْعو اللهَ والأمْرُ ضَيِّقٌ ... عَلَيَّ فما يَنْفَكُّ أنْ يَتَفرَّجا
وكمْ مِنْ فَتًى ضاقَتْ عَلَيْه وُجوهُه ... أصابَ لَها في دَعْوةِ اللهِ مَخْرَجا

كلمات في السؤال
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: فَوْتُ الحاجةِ خيرٌ مِنْ طَلبِها من غيرِ أهلها. . . قال: وسمعت آخرَ يقول: عِزُّ النّزاهةِ أشْرفُ من سرورِ العائِدة، قال: وسمعت آخرَ يقول: حَمْلُ المِننِ أثقلُ من الصّبْرِ على العَدَمِ. . . وفي الحديث الشريف: (والّذي نفسي بِيده لأنْ يأخُذَ أحدُكُمْ حبلَه ثمّ يَغدوَ إلى الجبلِ فيَحْتطبَ فيبيعَ فيأكلَ ويتصدّقَ خيرٌ له من أنْ يسألَ أحَداً فيُعطيَه أو يَمْنَعَه).

كانوا يرون أنّ الملوك لا يُستحى من مَسألتهم
ولِمناسبةِ السُّؤالِ نوردُ عليكَ مايلي: كانَ لبيدُ بنُ ربيعةَ الشاعرُ المخضْرمُ شريفاً في الجاهلية والإسلام، وكان نذرَ أنْ لا تهُبَّ الصَّبا إلا نَحَرَ وأطْعمَ حتّى تَنقَضي، فَهبَّتْ بالإسلامِ وهْوَ بالكوفةِ مقتِرٌ مُمْلقٌ،
(2/16)

فعلم بذلك الوليدُ بن عقبة بنِ أبي مُعَيط - وكان واليها لعثمان بن عفَّان - وكان أخاه لأمه - فخطب الناسَ وقال: إنَّكم قدْ عَرفْتمْ نَذْرَ أبي عقيلٍ وما وكَّد على نفسه، فأعينوا أخاكم، ثم نزل، فبعث إليه بمِائةِ ناقة وأبياتٍ يقول فيها:
أرَى الجَزَّارَ يشْحَذُ شَفْرَتَيْهِ ... إذا هَبَّتْ رِياحُ أبي عَقيلِ
أشمُّ الأنْفِ أصْيَدُ عامِرِيٌّ ... طويلُ الباعِ كالسَّيْفِ الصَّقيلِ
وَفى ابْنُ الجَعْفريِّ بما نَواه ... على العِلاّتِ والمالِ القليلِ
بِنَحْرِ الكُومِِ إذْ سُحِبَتْ عليه ... ذُيولُ صَباً تَجاوبُ بالأصيلِ
فلمّا أتَتْه قال: جزى اللهُ الأميرَ خيراً، قد عَرفَ الأميرُ أنّي لا أقولُ شِعْراً ولكنِ اخْرُجي يا بُنَيَّتي، فَخَرَجَتْ خُماسِيَّةٌ فقال لها: أجيبي الأميرَ، فأقْبلتْ وأدْبَرتْ، وبعثَ الناسُ، فقَضى نَذْرَهُ، ففي ذلك تقول ابنةُ لبيد:
إذا هبَّتْ رِياحُ أبي عَقيلٍ ... دَعَوْنا عندَ هَبَّتها الوَليدا
طويلَ الباعِ أبْيضَ عَبْشَمِيّاً ... أعانَ عَلى مُروَءتِه لَبيدا
(2/17)

بِأمْثالِ الهِضابِ، كأنَّ رَكْباً ... عَلَيْها مِنْ بَني حامٍ قُعودا
أبا وَهْبٍ جزاكَ اللهُ خيراً ... نَحَرْناها وأطْعَمْنا الثَّرِيدا
فعُدْ إنّ الكَريمَ لهُ مَعادٌ ... وَظَنِّي بِابْنِ أرْوى أنْ يَعودا
فقال لها لبيد: أحْسَنْتِ يا بُنَيَّتي لولا أنكِ سألت! فقالت: إنّ المُلوكَ لا يُستَحى من مَسْألتهمْ! ولو كان سُوقةً لم أفْعلْ. . . فقال لها: وأنتِ في هذا أشْعرُ!

مثلٌ في الرياء
عن وهب بن مُنَبِّه قال: نَصبَ رجلٌ مِنْ بني إسرائيل فَخّاً، فجاءت عصفورةٌ فنزلت عليه، فقالت: مالي أراك منحنياً؟ قال: لِكثرة صلاتي انحنيت! قالت: فمالي أراكَ باديةً عظامُك؟ قال: لكثرة صيامي بدَتْ عظامي! قالت: فمالي أرى هذا الصُّوفَ عليك؟ قال: لِزهادتي في الدنيا لبستُ الصوف! قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكأ عليها وأقضي حوائجي، قالت: فما هذه الحَبَّة في يدك؟ قال: قُربانٌ إنْ مرَّ بي مسكينٌ ناوَلْتُه إيّاه، قالت: فإنّي مسكينة! قال: فخذيها، فَدَنتْ فقبضت على الحبّة، فإذا الفخُّ في عُنقها، فجعلت تقول: قعي قعي! تفسيره: لا غَرَّني ناسِكٌ مُراءٍ بَعْدَكَ أبداً. . .
(2/18)

الهم نصف الهرم
من كلمةٍ لسيدنا علي بن أبي طالب: والهمُّ نصف الهَرم، وقال حكيم: الهمُّ يشيبُ القلبَ، ويُعقِم العقلَ، فلا يتولد معه رأيٌ، ولا تَصْدُقُ معه رويَّةٌ، وقال أبو تمام:
شابَ رأسي وما رأيْتُ مَشيب الرَّأ ... سِِ إلا من فَضْلِ شَيْبِ الفؤادِ
وكذاكَ القلوبُ في كُلِّ بُؤسٍ ... ونَعيمٍ طلائعُ الأجْسادِ
وقال أبو نواس:
وما إنْ شِبْتُ مِنْ كِبَرٍ ولكِنْ ... لَقيتُ مِنَ الحَوادِثِ ما أشابا
وقد تقدم قول المتنبي:
والهَمُّ يَخْترِمُ الجَسيمَ نَحافةً ... ويُشيبُ ناصِيةَ الصَّبيِّ ويُهْرِمُ

مثلُ الدنيا وآفاتها والخوف من نهايتها
جاءَ في كِتاب كليلةٍ ودمنة: وجدتُ مَثلَ الدُّنيا والمغرورِ بها، مع امتلائها بالآفات، مَثَلَ رجلٍ ألْجأهُ خوفُ فيلٍ هائجٍ إلى بِئرٍ، فتَدلَّى فيها وتَعلَّق بغُصنينِ نابِتينِ على شفيرِ البئر، فوقعت رجلاه على شيء في طيِّ البِئر، فَنَظر فإذا بحيَّاتٍ أربعٍ قدْ أطلعْنَ رُؤسَهُنّ من
جُحورِهنَّ، ونظر إلى أسْفلِ البئرِ فإذا بتِنِّينٍ فاغرٍ فاهُ نَحْوَه، مُنتظرٍ له لِيقَعَ فيأخذَه، فرفع بَصره
(2/19)

إلى الغُصنينِ فإذا في أصْلهما جُرَذان أسْودُ وأبيضُ، وهما يَقرِضانِ الغصنين دائبين لا يَفْتُرانِ، فبينما هو في النظر لأمره والاهتمامِ لنفسه، إذْ أبصرَ قريباً منه كِوارةً فيها عسلُ نحلٍ؛ فذاق العسل؛ فشَغلَتْه حلاوتُهُ وألهتْهُ لذَّتُهُ عن الفكرة في شيءٍ من أمره، وأن يلتمسَ الخلاصَ لنفسهِ؛ ولم يذَّكرْ أنَّ رجليه على حيَّاتٍ أربعٍ لا يدري متى يقع عَليهِنَّ، ولم يذَّكرْ أن الجُرذينِ دائبانِ في قطع الغُصنين؛ ومتى انقطعا وقع على التنِّين. فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك. فشَبَّهْتُ بالبئرِ الدُّنيا المملوءةَ آفاتٍ وشروراً، ومَخافاتٍ وعاهات، وشبَّهتُ بالحيَّات الأربعِ الأخلاطَ الأرْبعةَ التي في البدن: فإنّها متى هاجت أو أحدها كانت كَحُمة الأفاعي والسُّمِّ المُميت، وشبَّهتُ بالغُصنين الأجلَ الذي لابُدَّ من انقطاعهِ؛ وشبَّهتُ بالجُرذين الأسودِ والأبيضِ الليلَ والنهارَ اللذينِ هُما دائبانِ في إفناء الأجل؛ وشبَّهتُ بالتنينِ المصيرَ الذي لابُدَّ منه؛ وشبَّهتُ بالعسلِ هذه الحلاوةَ القليلةَ التي ينالُ منها الإنسان فيَطْعَمُ ويسمع ويَشمُّ ويَلْمسُ، ويتشاغلُ عن نفسه، ويلهو عن شأنه، ويُصَدُّ عن سبيلِ قَصْدِه. . .

عمرو بن العاص يصف حاله في احتضاره
قال عبد الله بن عباس: دخلت على عَمْرِو بن العاص وقد احْتُضِرَ، فدخل عليه ابنه عبد الله فقال: يا عبد الله، خذ ذلك الصندوقَ، فقال: لا حاجة لي فيه، قال: إنه مملوءٌ مالاً، قال: لا حاجة لي به، فقال عمرو:
(2/20)

ليْتَه مملوءٌ بَعْراً! قال ابن عباس: فقلت: يا أبا عبد الله، إنك كنت تقول: أشتهي أن أرى عاقلاً يموت حتى أسألَه: كيف يَجِدُ، فكيف تَجِدُك؟ قال: أجدُ السماءَ كأنَّها مُطْبَقَةٌ على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنّما أتَنفَّس من خَرْتِ إبرة! ثم قال: اللهم، خذ مني حتى ترضى، ثم رفع يديه فقال: اللهم، أمَرْتَ فعَصَيْنا، ونَهيْتَ فَرَكِبْنا، فلا بريءٌ فأعْتذر ولا قويٌّ فأنتصر ولكن لا إله إلا الله - ثلاثاً - ثمَّ فاظَ. . . قوله: من خَرْتِ إبرة يعني: من ثَقب إبرة، وقوله: فاظ: أي مات

ماذا قال عبد الله بن الزبير حين أتاه خبر مقتل أخيه المصعب
لمّا أتى عبد اللهَ بنَ الزبيرِ خبرُ قتلِ المُصْعب بنِ الزبيرِ خطبَ الناس فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه ثم قال: إنّه أتانا خبرُ قتلِ المصعب فسُرِرْنا بهِ واكْتَأبْنا له، فأمّا السُّرورُ: فلِما قُدِّر لهُ من
الشهادةِ وحيزَ له مِن الثوابِ، وأمّا الكآبةُ فلَوْعةٌ يَجدها الحميمُ عند فِراقِ حَميمه، وإنَّا واللهِ ما نموت حَبَجاً كميتة آل أبي العاصي، إنّما نموتُ واللهِ قتلاً بالرِّماح وقَعْصاً تحتَ ظلالِ السيوف، فإن يَهْلكِ المصعبُ فإنَّ في آلِ الزُّبيرِ منه خَلفاً. . . الحَبَجُ: أن يأكل البعير لِحاءَ العَرْفَجِ فيتكبَّبُ في بطنه ويضيق مبعَرُه عنه فلا يَخْرُجُ من جوفه فَيَهلِكُ، يُعرّض بِبني مروان ويَنعي عَليْهمْ كثرةَ أكْلِهِمْ وإسْرافِهمْ في ملاذِ الشَّهواتِ وأنَّهم يموتون بالتُّخْمة. واللوعةُ: الحُرْقة، والقَعْص: القتل المعجل وقد قعصه: إذا ضربَه أو رماه فماتَ مكانَه، وأقْعَصه كذلك والمُقْعص: المقتول
(2/21)

إِذا ضيقت شيئاً ضاق جداً
ومما يؤثر في باب الصبر قول الشاعر:
إذا ضَيَّقتَ شيئاً ضاقَ جِداً ... وإنْ هَوَّنْتَ ما قدْ عَزَّ هانا
فلا تَهْلِكْ لِشيْءٍ فاتَ يأساً ... فَكَمْ أمْرٍ تَصَعَّبَ ثُمَّ لانا
سَأصْبِرُ عَنْ رفيقي إنْ جَفاني ... عَلى كُلِّ الأذى إلا الهَوانا
فإنَّ المَرْء يَجْزعُ في خَلاءٍ ... وإنْ حَضَرَ الجَماعة أنْ يُهانا
يأساً مردود إلى قوله تهلك يقول: لا تهلك يأساً. وقوله: فإن المرء. . . البيتُ يقول: إنّ المرء يجزع أن يهانَ كان وحده أو في جماعة

لا تلهفنَّ على ما فاتك
ونُورد هنا هذا المثل البديع وإن كانت شهرته قد كادت تبتذله. . . روى الشَّعْبيُّ: أنّ رجلاً من بني إسرائيل صاد قُبَّرةً، فقالت: ما تريد أن تصنعَ بي؟ قال أذْبَحُكِ فآكلك! قالت: والله ما أشْفي من قَرَمٍ ولا أغْني من جوع، أُعلِّمك ثلاثَ خصالٍ هي خيرٌ لك من أكلي: أما الواحدة فأُعلِّمُكَها وأنا في يدك، والثانيةُ إذا صرْتُ على هذه الشجرة، والثالثةُ إذا صِرْتُ على الجبلِ، فقال: هاتي! قالت: لا تلهَفَنَّ على ما فاتك، فَخلّى عنها، فلمّا صارت فوق الشجرة قال: هاتي الثانية، قالت: لا تُصَدِّق بما لا يكون أنّه يكون، ثم طارت فصارت على الجبل، فقالت: يا شقيُّ! لو ذَبَحْتَني لأخْرَجْتَ مِنْ حَوْصَلتي دُرَّةً فيها زِنةُ عشرينَ مِثقالاً! قال: فعَضَّ على شَفَتَيْه وتلهَّفَ؛ ثم قال: هاتي الثالثة، قالت له: أنْت قدْ نَسيتَ الاثنتين، فكيفَ أعلِّمك الثالثة! ألَمْ أقُلْْ لك لا تلهفنَّ على ما فاتك؟ فقد تَلهَّفْتَ عليَّ إذْ فُتُّكَ، وقلتُ لك
لا تُصَدِّقَنَّ بما
(2/22)

لا يكون أنه يكون! فصدَّقت! أنا وعظمي وريشي لا أَزِنُ عشرينَ مِثقالا، فكيف يكون في حَوْصَلَتي ما يَزِنها!

ومن قولهم في الحث على التعزي
ومما قيل في الحث على الصبر والتعزي قول صالح بن عبد القدوس:
إنْ يكنْ ما أُصِبْتُ به جَليلا ... فَذَهابُ العَزاءِ فيهِ أجَلُّ
كلُّ آتٍ لا شكَّ آتٍ وذو الجَهْ ... لِ مُعَنّى والغَمُّ والحُزْنُ فَضْلُ
وقال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة بن المهلَّب بن أبي صفرة لطاهر بن الحسين:
لمَّا رَأيْتُكَ قاعِداً مُسْتَقْبِلاً ... أيْقَنْتُ أنَّكَ لِلهُمومِ قَرينُ
فارْفُضْ بِها وتَعرَّ مِنْ أثوابها ... إنْ كانَ عِنْدكَ لِلقَضاءِ يَقينُ
ما لا يكونُ فلا يكونُ بِحيلةٍ ... أبَداً وما هو كائنٌ سَيكونُ
يسعى الذّكيُّ فلا ينالُ بِسَعْيهِ ... حَظّاً ويَحْظى عاجِزٌ ومَهينُ
وكان ابنُ شبْرَمة إذا نَزَلتْ به نازلةٌ يقول: سَحابةٌ ثمَّ تتقشَّع وكان
(2/23)

يقال: أربعٌ من كنوز الجنة: كِتمانُ المصيبة، وكِتمانُ الصدقة، وكِتمانُ الفاقةِ، وكِتمانُ الوجعِ. . .

لكل غد طعام
قال أَوسُ بنُ حَجَر:
ولَسْتُ بِخابِئٍ أبَداً طَعاماً ... حِذارَ غَدٍ لكلِّ غَدٍ طعامُ
وقبل هذا البيت:
ولَيْسَ بِطارقِ الجيرانِ منِّي ... ذُبابٌ لا يُنيمُ ولايَنامُ
ولَسْتُ بأطْلَسَ الثّوبَيْنِ يُصبي ... حَليلَته إذا هَدأَ النِّيامُ
ومن كلام سيدنا علي: يا ابن آدم، لا تحمل همَّ يومِك الذي لمْ يأتِ على يومِك الذي أنْتَ فيه، فإنّه إنْ يُعلمْ أنّه مِن أجَلِك يأتِ فيه رزقُكَ، واعْلمْ أنّك لا تكْسِبُ من المالِ شيئاً فوق قوتِكَ إلا كُنْتَ خازِناً لِغيرِك فيه. . . والأصل المُقدَّم في هذا المعنى قولُ سَيِّدنا رسولِ الله: من كان آمناً في سِرْبِه، مُعافىً في بَدَنِه، عِنْده قوتُ يَوْمِه، كانَ كَمَنْ حيزَتْ له الدُّنيا بِحَذافيرها. . . وقد تقدم.
(2/24)

اللئام مولعون بإيذاء الكرام
من أحسنِ ما قيل في شَقاءِ الكرامِ باللئامِ والأخْيارِ بالأشْرارِ قول الشاعر الطِّرمّاح بنِ حكيم - شاعر إسلامي، قال بعض العلماء: لو تقدَّمت أيامُه قليلاً لفُضِّل على الفرزدق وجرير - انظر ترجمته في الأغاني - قال:
لقَدْ زادَني حُبّاً لِنَفسي أنَّني ... بَغيضٌ إلى كلِّ امْرئٍ غيرِ طائلِ
وأنّي شَقيٌّ باللئامِ ولا تَرى ... شَقيّاً بِهمْ إلا كَريمَ الشَّمائِلِ
إذا ما رآني قَطَّعَ الطَّرْفَ بينَه ... وبينيَ فِعْلَ العارِفِ المُتَجاهِلِ
مَلأتُ عليهِ الأرْضَ حتَّى كأنّها ... مِنَ الضِّيقِ في عَيْنَيه كِفَّةُ حابِلِ
أكلُّ امْرئٍ ألفى أباه مُقصِّراً ... مُعادٍ لأهلِ المَكْرُماتِ الأوائِلِ
إذا ذُكِرَتْ مَسْعاةُ والِده اضْطَنى ... ولا يَضْطَني مِنْ شَتْمِ أهْلِ الفَضائِلِ
قوله: لقد زادني. . . البيت يقول: لقد زادني أنني بغيضٌ إلى كل رجلٍ لا فضلَ فيه ولا خيرَ عنده حُبّاً لنفسي، لأن التمايزَ بيني وبينه هو الذي أدّاهُ إلى بُغضي، ولوْ كان بيننا تشاكلٌ لما كان كذلك، فازددتُ بذلك حباً لنفسي، لأني لو كنت مثله لأحبَّني؛ وغير طائل قال الخليل بن أحمد: يقال للشيء الدونِ: هذا غيرُ طائلٍ. . . وقوله: وأني شقي باللئام. . . البيت يقول: وزادني حبا لنفسي أيضاً شقوتي باللئام حتى تنقَّصوني وأصغوا إنائي واغتابوني؛ ثم قال: ولا ترى أحداً يشقى بهم إلا وهو كريم الأخلاق وقوله: إذا ما رآني. . . البيت يقول: إذا أبصرني ارْتدَّ طرْفُه عني وقطع
(2/25)

نظره، فِعْلَ مَنْ يعرف الشيءَ ويتكلَّفُ جهله؛ ويقال: ملأتُ عليه الأرضَ إذا ضيَّقْتَها عليه، أمّا إذا قلتَ: ملأت مِنْه الأرضَ فمعناهُ: أنّك قمتَ وقعدتَ بِذكْرِه؛ والحابِل: ناصبُ الحِبالة وهي التي يُصادُ بها، وكِفَّةُ الحابِل: حِبالته التي بها يَصيد، وكلُّ ما اسْتدارَ فَهْوَ كِفَّةٌ: يقول في هذا البيت: قد ضاقَتْ به الأرضُ مِنْ عداوتي فكأنّي مَلأتُها عليه، ويجوز أن يكون المرادُ: أنّه يخافُني في كل مَسْلكً يسلُكُه. . . وفي معنى هذا البيت قول القائل:
كأنَّ فِجاجَ الأرْضِ وهْيَ عَريضَةٌ ... عَلى الخائِفِ المَطلوبِ كِفَّةُ حابِلِ
وقوله: إذا ذُكِرَتْ. . . البيت فالمسعاةُ: السعي، وهو العمل، واضطنى: افتعل من الضَّنى، يقال: ضنى يَضنى: إذا دقَّ وصغُرَ جِسْمُه ومن ثمَّ سمِّيَ المرضُ ضَنىً، لما يورِثُ مِنَ الهُزالِ، يقول إنه يَضنى إذا ذُكرَ صَنيعُ والده، لِقُبْحِه: ومع هذا يشتُمُ أهْلَ الفَضائلِ ولا
يَضْنى من ذلك، يصفه بالقِحَة.

أبيات في الصبر والشجاعة والكرم
قال عبد العزيز بن زرارة الكلبي - وقد كان في الجيش الذي بعثه معاوية بن أبي سفيان لغزو بلاد الروم سنة 49هـ فأوغلوا فيها حتى بلغوا القسطنطينية، فاقتتل المسلمون والروم قتالاً شديداً، ولم يزل عبد العزيز هذا يتعرض للشهادة وهو يقول هذه الأبيات، ثم حَمَلَ على من يليه فقتل خلقاً كثيراً وانغمس بينهم فشَجَره الرومُ برماحِهم فقتلوه؛ والأبيات:
قدْ عِشْتُ في الدَّهْرِ ألواناً عَلى طُرُقٍ ... شَتَّى وقاسَيْتُ فيها اللِّينَ والفَظَعا
(2/26)

كُلاًّ بَلَوْتَ فلا النَّعْماءُ تُبْطِرُني ... ولا تَخَشَّعْتُ مِنْ لأوائِها جَزَعا
لا يَمْلؤ الهَوْلُ صَدْري قَبْلَ مَوْقِعه ... ولا أضيقُ بهِ ذَرْعاً إذا وَقَعا
على طرق يُروى: على خلق، والفظع: مصدر فَظُع الأمرُ فَظاعة: اشتدَّ وشَنُع وجاوز المِقدار، وتُبْطِرني: تحملني على البَطَرِ، وهو: الطُّغْيانُ في النّعمة، واللأواء: الشدّة والمَشَقّةُ وضيقُ العيش، وقوله: لا يملؤ الهول. . . البيت من أحسن ما قيل في الشجاعة وقال الحطيئة من أبيات يمدح بها بعض الأجواد:
فَتًى غَيْرُ مِفراحٍ إذا الخَيْرُ مَسَّهُ ... ومِنْ نائِباتِ الدَّهْرِ غَيْرُ جَزوعِ
وذاكَ فَتًى إنْ تاتِهِ في صَنيعةٍ ... إلى مالِهِ لا تأتِهِ بِشَفيعِ
الصنيعة: اسم لكل ما تسديه من إحسان يد وصلة معروف
وأنشدوا:
إذا اشْتَملَتْ على اليأسِ القُلوبُ ... وضاقَ بِما بهِ الصَّدْرُ الرَّحيبُ
وأوْطنَتِ المَكارِهُ واطْمَأنَّتْ ... وأرْسَتْ في مَكامِنِها الخُطوبُ
ولَمْ تَرَ لانْكِشافِ الضُّرِّ وَجْهاً ... ولا أغْنى بِحيلَتِه الأريبُ
أتاكَ على قُنوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ ... يَمُنُّ بهِ اللَّطيفُ المُسْتَجيبُ
وكلُّ الحادِثاتِ وإنْ تَناهَتْ ... فَمَقْرونٌ بها الفَرَجُ القَريبُ

أبيات حكيمة
وإليك أبياتاً حكيمةً لشاعرٍ جاهِليٍّ قديمٍ يُسمَّى: الأضبط بن قُريع بن عوف بن كعب بن سعد، رهط الزِّبْرِقانِ بن بدر، وهو الذي أساء قومُه
(2/27)

مُجاورَته، فانتقل عنهم إلى آخرين
ففعلوا مثل ذلك، فقال: أينما أُوَجّه ألْقَ سعدا وقال: بكلِّ وادٍ بنو سعد وإليك هذه الأبياتَ:
لكلِّ ضيقٍ مِنَ الهُمومِ سَعَهْ ... والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فلاحَ مَعَهْ
ما بالُ مَنْ غَيُّهُ مُصيبُكَ لوْ ... يَملِكُ شيئاً من أمْرِه وَزَعَهْ
أذودُ عنْ حَوْضِه ويَدْفَعُني ... يا قومُ مَنْ عاذِرِي مِنَ الخُدَعَهْ
حَتَّى إذا ما انْجَلَتْ عَمايَتُهُ ... أقْبَلَ يَلْحى وغَيُّهُ فَجَعَهْ
قدْ يَرْقَعُ الثَّوبَ غَيرُ لابِسهِ ... ويَلْبَسُ الثَّوبَ غَيرُ مَنْ رَقَعَهْ
فاقْبَلْ مِنَ الدَّهْرِ ما أتاكَ بهِ ... مَنَّ قرَّ عَيْناً بِعَيْشِه نَفَعَهْ
وصِلْ حِبالَ البَعيدِ إنْ وَصَلَ الْ ... حَبْلَ وأقْصِ القَريبَ إنْ قَطَعَهْ
ولا تُهينَ الفَقيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قدْ رَفَعَهْ
المُسْيُ: اسْمٌ من الإمساء، والصبح: اسمٌ من الإصباح، والفلاح هنا: البقاء والعيش
قال عبيد بن الأبرص:
أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُدْ ... رَكُ بِالضَّعْفِ وقدْ يُخْدَعُ الأريبُ
يقول لا بقاء مع كرّ الليل والنهار. والفلاح أيضاً: الفوز ومنه قوله في الأذان: حيَّ على الفلاح، والغَيُّ: الخيبة والحرمان قال المرقّش الأكبر:
فَمَنْ يَلْقَ خَيراً يَحْمَدِ الناسُ أمرَه ... ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِماً
وجملة: لو يملك؛ حاليَّة، ووَزَعَه: منعه وكفّه، يقول: ما بال من تتألم لخيبته وسوء حاله فإذا وجد شيئاً من الخير كفه عنك، ويُروى هذا البيت على وجه آخر، وقوله أذود عن حوضه: هو مثل للحماية ودفع المكروه عنه، والخُدَعة: قوم من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. . . . . .
(2/28)

والعَماية: الشدة التي تلتبس منها الأمور، يقال: عَمِيَ عليه الأمر: إذا التبس، وأقبل: شرع، ويلحى: يلوم، وغَيّه: ضلاله، وفجعه: أصابه بمكروه
وصل حبال البعيد. . . البيت يعني: تقرب إلى البعيد النسب إذا طلب قربك واهجر القريب النسب إذا هجرك، أخذه الأعشى فقال:
ولا تُدْنِ وصْلاً مِنْ أخٍ مُتباعِدٍ ... ولا تَنأَ عن ذي بِغضةٍ إن تَقرّبا
فإنَّ القريبَ مَنْ يُقرِّبُ نفْسَه ... لَعَمْرُ أبيكَ الخيرِ لا مَنْ تَنَسَّبا
وقوله ولا تهينَ الفقير الخ فالإهانة: الإيقاع في الهون (بضم الهاء) والهوان وهما بمعنى
الذل والحقارة، وعَلّ: لغة في لعل وهي هنا بمعنى عسى، والركوع أراد به الانحطاط في المرتبة والسقوط في المنزلة، ومثل هذا البيت في المعنى قول القائل:
عَسى سائِلٌ ذو حاجةٍ إنْ مَنَعْتَه ... في اليومِ سُؤْلاً أنْ يكونَ لهُ غَدُ
وهذا البيت يستشهد به النحاة على أن نون التوكيد الخفيفة تحذف لالتقاء الساكنين والأصل تُهيننْ بالنون الخفيفة، ويروى: ولا تعاد ويروى لا تحقرن الفقير فلا شاهد فيه؛ وفي معنى هذا البيت أيضا يقول عبّاد بن عباد بن حبيب بن المهلّب:
إذا خَلَّةٌ نابَتْ صَديقَك فاغْتَنِمْ ... مَرَمَّتَها فالدَّهْرُ بالناسِ قُلَّبُ
وبادِرْ بِمَعروفٍ إذا كنتَ قادِراً ... زَوالَ اقْتدارٍ أو غِنىً عنكَ يُعْقِبُ
الخلة: الحاجة والفقر وفي المثل الخَلَّة تدعو إلى السَّلَّةِ السَّلَّة: السرقة ومرمَّتها: إصلاحُ ما فسدَ منها، وقلّب: كثير التقلب من حال إلى حال، وزوال: مفعول لبادر، وعنك: متعلق بزوال، ويعقب: صفة له، يقول: يأتي الزوال عقب الاقتدار والغنى ويقول تميم بن مقبل:
(2/29)

فأخْلِفْ وأتْلِفْ إنَّما المالُ عارةٌ ... فَكُلْه مَعَ الدَّهرِ الذي هو آكِلُهْ
فأهْونُ مَفْقودٍ وأيْسرُ هالِكٍ ... عَلى الحَيِّ مَنْ لمْ يَبْلغِ الحَيَّ نائِلُهْ
فأخلف: يريد استفد خلف ما أتلفت، وقد أخلف فلان لنفسه: إذا ذهب له شيء فجعل مكانه آخر، وعارة: معار، والعارة والعارية: ما يُتداول بين الناس ويقول جرير:
وإنّي لأسْتَحْيي أخي أن أرَى له ... عليَّ مِنَ الحَقِّ الذي لا يَرى لِيا
يقول جرير: إني لأستحيي أخي أن يكون له عليَّ فضلٌ ولا يكونَ لي عليه فضل ومني إليه مكافأة، فأستحيي أن أرى له عليَّ حقاً لما فعل إليّ ولا أفعل إليه ما يكون لي به عليه حقٌّ، قال المبرد: وهذا من مذاهب الكرام ومما تأخذ به أنْفُسَها

أبياتٌ مَنْ لم يروِها فلا مروءةَ له
وهذه أبيات كانوا يقولون: إنه من لم يروِها فلا مروءة له. وهي لشاعر يسمى أيمن بن خريم بن فاتِك الأسدي، شاعر شريف فارس، وكان يتشيع، وأبوه خريم له صحبة، وهو ممن اعتزل الجمل وصفِّين وما بعدهما من الأحداث، وقيل: إن هذه الأبيات للأقيشر، وهو شاعر إسلامي، قال:
وصَهْباَء جُرجانيّةٍ لمْ يَطُفْ بها ... حَنيفٌ ولمْ تَنْغَرْ بها ساعةً قِدْرُ
ولَمْ يَحْضُرِ القُسُّ المُهَيْنِمُ نارَها ... طُروقاً ولمْ يَشْهَدْ على طَبْخِها حَبْرُ
أتاني بِها يَحيى وقدْ نِمْتُ نَوْمةً ... وقدْ غابتِ الشِّعْرى وقدْ طَلَعَ النَّسْرُ
فقُلْتُ: اغْتَبِقْها أوْ لِغَيْرِيَ فاسْقِها ... فما أنا بَعْدَ الشِّيبِ وَيْبَكَ والخَمْرُ
تَعَفَّفْتُ عَنها في العُصورِ الّتي خَلَتْ ... فكيفَ التَّصابي بَعْدَ ما كَلأ العُمْرُ
إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعينَ ولمْ يَكُنْ ... لهُ دونَ ما يأنى حَياءٌ ولا سِتْرُ
(2/30)

فَدَعْهُ ولا تَنْفَسْ عليهِ الّذي ارْتأى ... وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحياةِ لهُ الدَّهْرُ
الصهباء: الخمر، سميت بذلك للونها - والصُّهبة من الألوان: الشقرة - قيل: الصهباء هي الخمر التي عصرت من عِنبٍ أبيضَ، وقيل: هي التي تكون من العنب ومن غيره إذا ضَربت إلى البياض، وقال أبو حنيفة الدَّيْنوري: الصهباء اسم للخمر كالعلم. وجرجانية: نسبة إلى جُرجان، وكانت مشهورة بنوع من الخمر والحنيف: المُسلم، ونغرت القدر: غلت، والمهينم: الذي يقرأ بصوت خفي غير بيّن لا يُفهم، والطُّروق: الحضور ليلاً، والحبر واحد الأحبار: رئيس من رؤساء الدين المسيحي، ورئيس الكهنة عند اليهود، وقوله: وقد غابت الشعرى. . . . . قال البكري شارح الأمالي: هذه الرواية أما الرواية: وقد غابت الشعرى وقد جنح النسر، فهي خطأ، قال: لأن الشعرى العَبور إذا كانت في أفق المغرب كان النسر الواقع طالعاً من أفق المشرق على نحو سبع درجات، وكان النسر الطائر لم يطلع، وإذا كانت الشعرى الغُميضاء في أفق المغرب كان النسر الواقع حينئذ غير مُكبِّد - كبد النجم السماء: تَوسّطها - فكيف أن يكون جانحاً؟ وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعاً على نحو سبع درجات أيضاً قال الشاعر:
وإنّي وعبدَ الله بَعْدَ اجْتِماعِنا ... لَكالنَّسْرِ والشِّعْرى بِشَرْقٍ ومَغْربِ
يلوحُ - إذا غابت من الشَّرقِ - شَخْصُه ... وإنْ تَلُحِ الشِّعْرى لهُ يَتَغَيَّبُ
وقال أبو نواس:
وخَمَّارةٍ نبَّهتُها بعد هَجْعةٍ ... وقد لاحتِ الجَوْزاء وانْغَمَسَ النَّسْرُ
فقالت: مَنِ الطُّرَّاقُ؟ قلت: عصابةٌ ... خِفافُ الأداوى يُبْتَغى لَهُمُ الخَمْرُ
والشِّعْرى سابقةٌ في الطلوع للجَوْزاء ولذلك سميت كلبَ الجبار، والجبار
(2/31)

اسم للجوزاء. . . والاغتباق شرب العشيّ، وويبك: ويلك، وكَلأ: انتهى إلى آخره وأقصاه، ويقال: بلغ الله بك
أكْلأَ العمر: أي آخره، ولا تنفس: لا تحسد، وارْتأى: افتعل من الرأي. وفي هذا المعنى يقول الأعور الشَّنِّيّ:
إذا ما المَرْءُ - قَصَّرَ ثُمّ مَرَّتْ ... عَليهِ الأرْبَعونَ - مِنَ الرِّجالِ
ولَمْ يَلْحَقْ بِصالِحِهمْ فَدَعْهُ ... فلَيْسَ بِلاحقٍ أخْرى الليالي

حكم ومواعظ
قال عبد الله بن عباس: كتب إليّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بموعظةٍ ما سررتُ بموعظةٍ سُروري بِها! أما بعد، فإن المرء يسُرُّه دَرْكُ ما لم يكن لِيفوتَه، ويسوؤه فوتُ ما لم يكن لِيُدْرِكَه، فما نالك من دنياك فلا تُكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا تُتبعه أسَفاً، فلْيَكُنْ سرورُك بما قدَّمت، وأسفُك على ما خَلفّت، وهَمُّك فيما بعد الموت. . . يقول عليٌّ: إن كل شيءٍ يصيب الإنسان في الدنيا من نَفْعٍ وضَرٍّ فَبِقضاءٍ مِنَ الله تعالى وقدره، غير أن الناس لا ينظرون حقَّ النظر في ذلك، فَيُسَرُّ الواحدُ منهم بما يصيبه من النفع، ويُساء بِفوتِ ما يفوته منه، غيرَ عالم بأن ذلك النفعَ الذي أصابه كان لابُدَّ أن يصيبه، وأنّ ما فاته منه كان لابد أن يفوتَه، ولو عرف ذلك حقَّ المعرفة لم يفرح ولم يحزن، وإنَّما الأخْلَقُ بالعاقل أن يأسفَ على ما فاته ويُسَرَّ بما قدمه، مِنَ الخَيْرِ والعملِ الصالح الذي يُجدي عليه في العالم الباقي - الآخرة ومن كلمةٍ للحسن البصريّ: تلْقى أحدَهم أبيضَ بضَّاً يمْلَخُ في الباطل مَلْخاً، يَنْفُضُ مِذْرَوَيْهِ، ويَضْرِبُ أصْدَرَيْه، يقول: ها أنا ذا فاعْرِفوني! قد عَرفْناك فمَقَتك اللهُ ومَقَتكَ الصَّالحون. . . قوله: أبيضَ بضاً
(2/32)

فالبض: الرقيقُ اللون الصافيه الذي يؤثّر فيه كلُّ شيءٍ، ويروون: أن معاوية بنَ أبي سُفيان قَدِمَ على عُمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه من الشام وهو أبضُّ الناسِ - أرقُّهم لوناً وأحسنُهم بشرة - فضرب عُمرُ بيدِه على عَضُدِه، وقال: هذا، والله، لِتَشاغُلِكَ بالحمّامات وذَوو الحاجاتِ تُقطَّعُ أنْفُسُهمْ حَسراتٍ على بابِك. . . . وقوله: يملخ في الباطل ملخاً: أي يَكثرُ تردّده في الباطل، أو يمر فيه مَرّاً سهلاً، وقوله: يَنفُضُ مذرويه ويضرب أصدريه فينفض ويضرب: يحرّك، ومِذرواه: جانباه، وقيل: فرعا الألْيَتين، وقيل: طرفا كل شيء، وأراد الحسن: فرعَيْ المنكبين. ولا واحد لهما، وهو الصحيح، والأصْدران: عِرْقان يضربان تحت الصُّدْغَين، لا يفرد لهما واحد كذلك، ويريد الحسن: منكبيه أيضاً، والعرب تقول: جاء فلان يضرب أصدريه وينفض مذرَويْه يريدون:
جاء مُختالاً، وقد يريدون: جاء باغِياً يَتَهدّد كما قال عنترة:
أحَوْلي تَنْفُضُ اسْتُكَ مِذْرَوَيْها ... لِتَقْتُلَني فَها أنا ذا عُمارا
عُمارا يريد: يا عُمارة
وقال بعضهم: شهدت الحسن البصريَّ في جنازة أبي رجاء العُطارِدي وهو على بغلةٍ والفرزدق يُسايره على نجيبٍ، وكنتُ على حمارٍ لي، فدنوتُ منهما، فسمعت الفرزدق يقول للحسن: يا أبا سعيد، أتدري ما يقولُ أهل الجنازة؟ قال: وما يقولون؟ قال: يقولون: هذا خيرُ شيخٍ بالبصرة، وهذا شرُّ شيخٍ بالبصرة، قال: إذن يَكذِبوا يا أبا فِراس! رُبَّ شيخٍ بالبصرة مشركٍ بالله، فذلك شرٌّ من أبي فِراس، وربَّ شيخٍ بالبصرة ذي طِمْرَين لا يُؤبه
(2/33)

له لو أقسم على الله لأبرَّه، فذلك خير من الحسنِ يا أبا فِراس. . . ولهذا الحديث تتمة ولكننا نَتجزَّأ بهذا الشَّطرِ منه لتكون المعاني متصلةً بعضُها ببعض. ونختتم هذا المعنى بأبيات مشهورة ولكنها لا تزال جديدة لأنها بعيدة الغَوْرِ مُوفِية على الغاية في الصدق والسَّداد، وهي أبيات اختارها أبو تمام في حماسته ونسبها لعباس بن مرداس الصحابي الشاعر، وقال أبو رياش: إنها لمعاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب مُعَوِّد الحُكماء وهذه هي الأبيات كما رواها أبو علي القالي في الأمالي:
تَرى الرَّجُلَ النَّحيفَ فَتَزْدَريهِ ... وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصورُ
ويُعْجِبُك الطَّريرُ فتَبْتَليهِ ... فَيُخْلِفُ ظنَّكَ الرَّجُلُ الطَّريرُ
بُغاثُ الطيرِ أطولُها رِقاباً ... ولَمْ تَطُلِ البُزاةُ ولا الصُّقورُ
(2/34)

خَشاشُ الطيرِ أكْثرُها فِراخاً ... وأمُّ الصَّقْرِ مِقْلاتٌ نَزورُ
ضِعافُ الأسْدِ أكْثرُها زَئيراً ... وأصْرمُها اللَّواتي لا تَزيرُ
وقَدْ عَظُمَ البعيرُ بِغيرِ لُبًّ ... فلَمْ يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البَعيرُ
يُنَوَّخُ ثُمّ يُضْربُ بالهَراوى ... فلا عُرْفٌ لَدَيْهِ ولا نَكيرُ
يُقَوِّدُه الصَّبِيُّ بكلِّ أرْضٍ ... ويَنْحَرُه على التُّرْبِ الصَّغيرُ
فما عِظَمُ الرِّجالِ لَهُمْ بِزَيْنٍ ... ولكِنْ زَيْنُهُمْ كَرَمٌ وخَيْرُ

في الموت
قال المتنبي في الموت:
وما المَوْتُ إلا سارِقٌ دَقَّ شَخْصُه ... يُصولُ بِلا كَفٍّ ويَسْعى بِلا رِجْلِ
ومن غريب ما قيل في مَدْحِ المَوْت قولُ ابنِ الرّوميّ:
قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحوا الحَياةَ فأكْثَروا ... لِلْموتِ ألْفُ فَضيلةٍ لا تُعْرفُ
فيها أمانُ لِقائِه بِلِقائِه ... وفِراقُ كُلِّ مُعاشِرٍ لا يُنْصِفُ
أقول: لعل ابنَ الرومي يريد أن يقول: إنّ للموتِ مزايا لا تُحصى، وقلّ مَنْ يعرفها، ولو لم يكن فيها إلا أننا بلقاء الموت نظفر بلقاء المرئي - وناهيك بفضائله - وبفراق غيره من المعاشرين القليلي الإنصاف لكان في ذلك الفضل كله للموت، وقال المتنبي:
(2/35)

وقدْ فارَقَ النّاسُ الأحِبَّةَ قبْلَنا ... وأعْيا دواءُ الموتِ كلَّ طبيبِ
سُبِقْنا إلى الدُّنيا فلَوْ عاشَ أهلُها ... مُنِعْنا بها مِنْ جَيْئَةٍ وذُهوبِ
تَمَلَّكها الآتي تَملُّكَ سالِبٍ ... وفارقَها الماضي فِراقَ سَليبِ
ولا فَضْلَ فيها للشَّجاعةِ والنَّدى ... وصَبْرِ الفَتى لولا لِقاءُ شَعوبِ
يقول في البيت الرابع: لولا الموتُ لَما كان لهذه المعاني فضلٌ، وذلك أن الناس لو أمِنوا الموت لَما كان للشجاع فضلٌ على الجَبان، لأنّه قد أيقن بالخُلودِ، وكذلك لو أمِنوا الموتَ لاسْتوى الكريم والبخيل والصابر والجازع، وكذلك كل الأشياء وقال أيضاً:
إلْفُ هذا الهَواءِ أوْقَعَ في الأنْ ... فُسِ أنَّ الحِمامَ مُرُّ المذاقِ
والأسى قَبْلَ فُرْقةِ الرّوحِ عَجْزٌ ... والأسى لا يكونُ بَعْدَ الفِراقِ
قال أبو العلاء المعري: إن هذين البيتين يَفضُلان كتبَ الفلاسفةِ لأنّهما متناهيانِ في الصدق وحسن النظام، ولو لم يقُل شاعِرُهما سِواهما لكان له شرفٌ منهما وجمال.
يقول المتنبي: إن خوفَ الموت من أكاذيب النفس، ومن إلفنا هذا الهواء، وإلا فقد عُلِمَ أنَّ الحزن على فراقِ الروحِ قبل فراقِه عَجْزٌ، وعُلِمَ أيضاً أنّ الحزنَ على المُفارقة لا يكونُ بعدَ الموت، فلِماذا يَحْزنُ الإنْسانُ؟
(2/36)

طائفة من عبقرياتهم في التعازي
ولنعطف الآنَ على الباب الثالث عبقرياتهم في الصبر والدنيا والموت والمرض فَلْنَسِرْ فيه ولنورد عليك سائرَ عبقرياتهم في التعازي ثم نختتم البابَ بعبقرياتهم في المرض وما يتصل به.

التسلية بعد وقوع المحذور
قالوا: كلُّ شيءٍ يبدو صغيراً ثم يعظمُ، إلا المصيبةُ، فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر واشْتكى ابنٌ لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فجزِع عليه، ثم مات، فرُؤي متَسلّياً، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنما كان جَزعي رقَّةً له ورحمةً، فلما وقع المصابُ زال المحذورُ. . . . ومَرِض ابْنٌ لبعض السلف فجزِع، ثم مات فلم يَجْزَعْ، فقيل له! فقال: أما بعدَ وقوعِ الأمْرِ فلم يبقَ إلا الرضا والتسليم. . . وقال البحتري:
صعوبةُ الرُّزْءِ تُلْقى في تَوَقُّعِه ... مُسْتَقبَلاً وانْقِضاءُ الرُّزْءِ أنْ يَقَعا
وقبله قال أوسُ بن حَجَر:
أيَّتها النَّفْسُ أجْمِلي جَزَعاً ... إنَّ الّذي تَحْذَرينَ قدْ وَقَعا
وما يتصل بهذا المعنى قولُ أبي نواس يرثي المأمون:
وكُنْتُ علَيْهِ أحْذَرُ المَوْتَ وَحْدَه ... فلَمْ يبقَ لي شَيْءٌ عليه أحاذِرُ
وقال بعضهم: نزلْتُ بامرأة ذاتِ أوْلادٍ وثروةٍ، فلمّا أرَدْتُ الارْتِحالَ قالت: لا تُخْلِني إذا وَرَدْتَ هذا الصُّقْعَ، ثم أتيتُها بعدَ أعْوامٍ، فوَجَدْتُها قد افْتَقرتْ وثَكَلَتْ أوْلادَها، وهْيَ ضاحِكةٌ مَسْرورةٌ، فَسَألتُها؟ فقالت: إنّي كنتُ ذاتَ ثروةٍ وجاهٍ، وكانت ليَ أحزانٌ، فعلِمْتُ أنّ ذلكَ لِقِلَّةِ الشّكْرِ،
(2/37)

وأنا اليوم بهذه الحالة أضْحَكُ شكراً لله تعالى على ما أعطاني من الصَّبر. . . . وقيل: إذا استأثر اللهُ بِشيء فالْهَ عَنْه الْهَ عنه: اتركْه وتَسلَّ

من دواعي التّسلّي قُرْبُ اللّحوقِ بالميّت
كتب بعضُهم: فيمَ الجزعُ ونحنُ على مَدْرجة المُتوفَّى! المَدْرجة: الطريق والمسلك،. . . دخل أحدُهم على آخرَ وقد تُوفّي له أخٌ فاشتدَّ جزعُه عليه، فقال: اذْكُرْ مصيبَتَك في نفسِك تُنْسِك فقْدَ غيرِك، واذْكرْ قولَ اللهِ تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}، وخذْ بِقولِ الشاعر:
وهَوَّنَ ما ألْقى مِنَ المَوْتِ أنَّ ما ... أصابَكَ مِنْه يا بُنَيَّ مُصيبي
وقال إبراهيمُ بن المهدي:
وإنّي وإنْ قُدِّمْتَ قبلي لَعالمٌ ... بِأنّي وإنْ أبْطأتُ عَنْك قَريبُ
وقال آخرُ:
وهَوَّنَ وَجْدي أنَّني سَوْفَ أغْتَدي ... على إثْرِه يَوْماً وإنْ نَفَّسَ العُمْرُ

من تعازي الملوك وتَسلّيهم بأنّ الناسَ جميعاً مُصابون
لما حَضَرت الإسكندرَ المَقْدونيَّ الوفاةُ كَتَبَ إلى أمِّه: أن اصْنَعي طعاماً يَحْضُرُه الناسُ، ثم تقدَّمي إليهم: أنْ لا يأكلَ منه محزونٌ، ففعلَتْ، فلَمْ يَبْسُطْ أحدٌ إليهِ يدَه، فقالت: ما لكم لا تأكُلون؟ فقالوا: إنَّكِ تقدَّمتِ إلينا أنْ لا يأكلَ منه مَحزونٌ، وليس مِنَّا إلا مَنْ قد أصيبَ بحميمٍ أو قريبٍ! فقالت: مات - والله - ابْني! وما أوْصى إليَّ بِهذا إلا لِيُعَزِّيني به. . .
(2/38)

التسلّي بأنه مُعَزّى لا مُعَزًّى به
قال أبو فراس الحَمْدانيٌّ في أبياتٍ يُعزِّي بها سيفَ الدولةِ بأخته:
هَيْهاتَ ما في الناسِ مِنْ خالدِ ... لا بُدَّ مِنْ فَقْدٍ ومِنْ فاقِدِ
كُنِ المُعَزَّى لا المُعَزَّى به ... إذْ كانَ لابُدَّ مِنَ الواحِدِ
وقالَ المُتَنبي من أبياتٍ يَمْدحُ سيف الدولة ويَرْثي ابْنَ عَمّه أبا وائل:
مَهْما يُعَزِّ الفتى الأميرَ به ... فلا بإقْدامِهِ ولا الجودِ
ومِنْ مُنانا بَقاؤهُ أبداً ... حَتّى يُعَزَّى بكلِّ مَوْلودِ

التسلّي عمَّن مَضى بِمَنْ بقي
قيلَ لرَجلٍ ماتتْ إمْرأتُه نُفَساءَ: عظَّم اللهُ أجْرَك فيما أبادَ وباركَ فيما أفادَ. . . وقال المتنبي في مرثية يعزّي سيفَ الدولة بأخته الصغرى ويُسلّيه بالكبرى:
قاسَمَتْكَ المَنونُ شَخْصينِ جَوْراً ... جَعَلَ القِسْمَ نَفْسَه فيكَ عَدْلاً
(2/39)

فَإذا قِسْتَ ما أخَذْنَ بِما أغْ ... دَرْنَ سرَّى عَنِ الفُؤادِ وسَلَّى
ولمّا ماتتِ الأخْتُ الكُبْرى بعد ذلك رثاها فقال:
قدْ كانَ قاسَمَك الشّخْصَيْنِ دَهْرُهما ... وعاشَ دُرُّهُما المَفْدِيُّ بالذَّهَبِ
وعادَ في طَلَبِ المَتْروكِ تارِكُه ... إنَّا لَنَغْفُلُ والأيَّامُ في الطَّلبِ
ما كانَ أقصرَ وقْتاً كانَ بَيْنَهما ... كأنّه الوقْتُ بينَ الوِرْدِ والقَرَبِ
وفي هذهِ المرثيّةِ الثانيةِ هذانِ البيتانِ البديعان:
طَوى الجَزيرةَ حتّى جاَءني خَبرٌ ... فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ
حتّى إذا لَمْ يَدَعْ لي صِدْقُه أمَلاً ... شَرِقْتُ بالدَّمْعِ حتّى كادَ يَشْرَقُ بي

مَنْ تسلّى بما له من الثوابِ وبعض تعازيهم
دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك - وكان قد أصابه الطاعونُ - فقال: دعني أمَسَّ قَرْحَتكَ، - وكان يقال: إذا كانَ القرْحُ ليِّناً يُرْجى، وإنْ كانَ خَشِناً لا يُرْجى - فامتنع عبد الملك مِنْ أنْ يَمَسَّها، فعلم عمر لِمَ مَنَعه! فقال: دعْني أمَسَّها، فو اللهِ لأنْ أقدِّمَك فَتكونَ في ميزاني أَحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أكونَ في ميزانِك! فقال: واللهِ، لأنْ يكونَ ما تريدُ أحبُّ إليَّ
(2/40)

منْ أنْ يكونَ ما أريدُ، فلَمَسَها، فقال: يا عبدَ الملك، {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}. . . فقال: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}. . .
ولمّا ماتَ عبدُ الملكِ عزَّى أباه الحسنُ البصريُّ بهذا البيت:
وعُوِّضْتَ أجْراً مِنْ فَقيدٍ فلا يَكُنْ ... فَقيدُكَ لا يَأتي وأجْرُكَ يَذْهَبُ
وروي: أنّ رجلاً جَزِعَ على ابْنٍ له، فشكى ذلك إلى الحَسنِ، فقال له:
هل كانَ ابْنُكَ يغيبُ عَنْك؟ فقال: نَعمْ، كان مغيبُه عَنّي أكثرَ مِنْ حُضوره قال: فاتْرُكْهُ غائِباً، فإنّه لم يَغِبْ عنكَ غَيْبةً الأجْرُ لكَ فيها أعْظمُ مِثْلَ هذه الغيبةِ. . . وقال أعرابيٌّ: وقد ماتَ له ثلاثةُ بنينَ في يومٍ واحدٍ، فَدَفنهمْ وعادَ إلى مَجْلِسِه، فجَعلَ يتحدثُ كأنْ لَمْ يَفْقِدْ واحِداً، فَليمَ على ذلك، فقال: ليسوا في الموت بِبِدْعٍ، ولا أنا في المصيبةِ بأوْحَدَ، ولا جَدْوى لِلْجَزَعِ، فَعَلامَ تلومونَني!

مَنْ ماتَ له كثيرٌ مِنْ أهلِه فَصَبِرَ
نظرَ رَجُلٌ بالبصرة إلى امْرأةٍ فقال: ما رأيتُ مثلَ هذه النَّضارةِ! وما ذاك إلا مِنْ قلّةِ الحُزن! فقالت: ما حزنٌ كَحُزني! ذَبح زوجي شاةً، ولي صبيّانِ يلْعَبانِ، فقال أحدُهما للآخر: تعالَ أريكَ كيفَ ذبحَ أبي الشاةَ، فذَبَحَه، ثم خاف فهَرَبَ إلى الجبلِ، فرَهِقَه ذِئْبٌ، فافْتَرسَه، وخرَجَ زوجي في طَلَبِه، فاشتدَّ عليهِ الحَرُّ فماتَ عَطَشاً! فقيل لها: كيف صَبَرْتِ؟ فقالت: لو وَجَدْتُ في الحزن دَرَكاً ما اخْتَرْتُ عليه. . . رَهِقَه: غَشِيَهُ، ودَرَكاً: تريدُ مُدارَكةً لما فات
(2/41)

ومِنْ أدْعَيتِهمْ لِذوي المصيبة
ومن قولهم في الدُّعاءِ لِذَوي المصيبة: وهب الله لكَ عُمراً طويلاً وأجْراً جزيلاً وصبراً جميلاً؛ لقَّاكَ اللهُ الصبرَ ووَقاكَ ما يُحْبِطُ الأجْرَ. وقال رجلٌ لابْنِ عُمَرَ: عظَّمَ اللهُ أجْرَك، فقال: بلْ جعلَ اللهُ ليَ العافية. . . وذلك أنَّ تعظيمَ الأجْرِ في تعظيمِ ما يُؤْجَرُ عَلَيْهِ مِنَ المُصيبة وقالوا: التعزيةُ بَعْدَ ثلاثٍ تجديدٌ للمصيبة، والتَّهْنئةُ بعدَ ثلاثٍ اسْتِخْفافٌ بالمودَّة. .
وبَعْدُ فأمَّا عبقرياتهم في المراثي فإنَّ لها موضعاً آخر في هذا الكتاب كما أنَّ عبقرياتهم في المدح والثناء تراها في باب قد أفرَدْناه لها.

عبقرياتهم في الطب والمرض وعيادة المرضى
معنى الطب
كلُّ حاذِقٍ بعمله: طبيبٌ عندَ العرب، ورجلٌ طَبٌّ بِكَذا: أيْ عالِمٌ بهِ ثُمّ صارَ الطبيبُ اسْماً للعالِم بمُداواة أبدانِ الناس، وقالوا: حَدُّ الطبِّ: معرفةُ الداءِ وتسقّيه بالدَّواء، أو هو: اسْتِدامَةُ الصِّحَّةِ ومَرَمَّةُ السَّقَمِ.

وصف طبيب حاذق
قال السَّرِيُّ الرَّفَّاءُ في طبيب حاذق:
أوْضَحَ نَهْجَ الطِّبِّ في مَعْشَرٍ ... ما زالَ فيهِمْ دارِسَ الرَّسْمِ
كأنَّه مِنْ لُطْفِ أفْكارِه ... يَجُولُ بينَ الدَّمِ واللَّحْمِ
(2/42)

لو غَضِبَتْ روحٌ على جِسْمِها ... أصْلَحَ بَيْنَ الرُّوحِ والجِسْمِ
وقال أيضاً:
يَبْدو لهُ الدَّاءُ الخَفيُّ كَما بدا ... للعَيْنِ رَضْراضُ الغديرِ الصّافي

الطبيب الجاهل
رأى فيلسوف طبيباً جاهلاً فقال: هذا مُسْتَحِثٌّ للموت. . . . وقال الشاعر المعروف بِالخبْزَأرْزيِّ في طبيب اسمه نُعمانُ:
أقولُ لِنُعمانٍ وقدْ ساقَ طِبُّه ... نُفوساً نَفيساتٍ على ساكِني الأرْضِ
أبا مُنْذرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ... حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
أقول: إنّ البيتَ الثاني لطرفةَ بنِ العبد ضمَّنه الخبْزَأرْزِيُّ شِعْرَه
وقال آخر في طبيب:
لَمْ يأتِ في الأرْبِعا عَليلا ... إلا دَفَنّاهُ في الخَميسِ
وكان رجل يحْترِف التصويرَ ثم تركه وتَطَبَّب، فقيل له في ذلك؟ فقال: الخطأ في التصوير تُدْرِكه العيون، وخطأ الطبيب تُواريهِ القبور. . . .

مدح الحمية وذمّها
قال قائلٌ للحارثِ بن كَلَدَة - وكان طبيبَ العرب - ما الطِّبُّ فقال: هو الأزْمُ. . . ومرادُه بالأزم: الحِمْيةُ والإمْساكُ عن الاسْتكثارِ مِنَ الطعام. . . . وقيل لجالينوسَ أو لأبُقراط: إنك تُقِلُّ من الطعام! قال: غَرَضي مِنَ الطعامِ أنْ آكلَ لأحْيا، وغَرضُ غيري من الطعامِ أنْ يَحْيا
(2/43)

ليأكلَ. . . . وقالوا: لا تأكلْ ما تَشْتَهي فَيُصيرَكَ إلى ما لا تشتهي. . . . وفي الحديث: (لا تُكرِهوا مَرْضاكُمْ على الطعامِ والشَّرابِ فإنَّ اللهَ يُطْعِمُهُمْ ويَسقيهم). . . . وقالوا: الحِمْيَةُ للصّحيحِ ضارّة، كما أنها للعليلِ نافِعةٌ. . . وقال الرشيد لِلْفَضْلِ: ما أطْيبُ ما في هذهِ الدُّنيا؟ فقال: رَفْضُ الحِشْمةِ وتَرْكُ عِلمِ الطِّبِّ، فلا عيْشَ لمُحْتَشِمٍ ولا لذَّةَ لِمُحْتَمٍ. . . وقالوا: من عرف ما يضُّرهُ ممّا ينفعُه فهْوَ مريض. . . وقال أفلاطون: الموت مَوْتان: طبيعيٌّ وإراديٌّ؛ فالطبيعيُّ مفارقة الرُّوحِ للبَدَن، والإراديُّ منْعُ الأبْدانِ مِنَ الشَّهوات. . . وقالوا: الأبْدانُ التي اعْتادتِ الحِمْية آفتُها التَّخْليط، والأبْدان التي اعْتادتِ التخليطَ آفتُها الحِمْية. . .

شُرْبُ الدَّواء
قال سيِّدُنا رسولُ الله: (مَنِ اسْتَقَلَّ بِدائِه فلا يَتَداوَنَّ، فإنه رُبَّ دواءٍ يُورِّثُ الدَّاء). . . وكانت الحُكماء تَقولُ: إيَّاك وشُرْبَ الدَّواء ما حَمَلَتْ صِحَّتُكَ داءَك. . . وقالوا: مَثَلُ شُرْبِ الدَّواءِ مَثلُ الصّابونِ للثَّوْبِ، يُنقِّيه ولكن يُخْلِقُه ويُبليه. . . وقال أبُقراط: الدَّواءُ مِنْ فوقُ، والدَّواءُ مِنْ تحتُ، والدَّواءُ لا فوق ولا تحت، وفسَّر ذلك مفسِّروه فقالوا: من كان داؤه في بَطنه فوق سُرَّتِه سُقي الدّواء، ومَنْ كانَ داؤه تحتَ سُرَّتِه حُقن، ومن لم يكن به داءٌ لا مِنْ فوق ولا من تحت لم يُسقَ الدَّواء، فإنَّ الدَّواءَ إذا لمْ يَجِدْ داءً يَعمل فيه وجد الصِّحة فَعَمِلَ فيها. . . . . . . .
(2/44)

سياسةُ الأبْدانِ بِما يُصلِحُها من الطعام وغيرِه
قال الحجّاج بنُ يوسف الثقفيّ لِتَياذوقَ مُتَطبِّبه: صِفْ لي صِفةً آخذُ بها ولا أعْدوها، قال: تياذوقُ: لا تتزوَّج منَ النساءِ إلا شابَّةً، ولا تأكلْ مِنَ اللَّحْمِ إلا فتيّاً، ولا تأكلْه حتّى يُنْعَمَ طبْخُه، ولا تَشْربنَّ دواءً إلا مِنْ عِلَّةٍ، ولا تأكلْ مِنَ الفاكِهةِ إلا نَضيجَها، ولا تأكلْ طعاماً إلا أجدْتَ مَضْغَه، وكُلْ ما أحْبَبْتَ مِنَ الطَّعامِ واشْرَبْ عليه، وإذا شرِبْتَ فلا تأكلْ عليهِ شَيْئاً، ولا تَحْبِسِ الغائِطَ والبولَ، وإذا أكلْتَ بالنَّهارِ فَنَمْ، وإذا أكلْتَ بالليلِ فَتَمَشَّ ولو خمسينَ
خطوةً. . . فقال له بعضُ مَنْ حضر: إذا كان الأمْرُ كما تقول فلِمَ هلك أبُقراط ولِمَ هلكَ جالينوس وغيرهما ولم يبقَ أحدٌ منهم؟ قال: يا بُنَيَّ، قد احْتَجَجْتَ فاسْمَعْ: إنَّ القومَ دَبَّروا أنفسَهُمْ بِما يَمْلِكون، وغلَبَهمْ ما لا يَمْلِكون - يعني الموتَ وما يَرِدُ مِنْ خارج، كالحرّ والبرد والوقوع والغرق والغمّ وما أشبه ذلك -. . . . وقال تياذوق أيضاً للحَجَّاج: أرْبعةٌ تَهْدُمُ العمرَ وربَّما قتلْنَ: دُخولُ الحَمّامِ على بِطْنةٍ، والمُجامَعةُ على الامتلاء، وأكلُ القديد الجاف، وشُرْبُ الماءِ الباردِ على الرِّيق؛ وما مجامعةُ العُجوزِ بِبَعيدةٍ مِنْهنَّ. . . ووجد الحجّاجُ في رأسِه صُداعاً فبَعثَ إلى تياذوقَ وأحْضره، فقال: اغْسلْ رِجْلَيْك بماءٍ حارٍّ وادْهَنْهما، وخَصِيٌّ للحجّاجِ قائمٌ على رأسه، فقال الخصيُّ: واللهِ، ما رأيْتُ طبيباً أقلَّ معرفةً
(2/45)

بالطِّب مِنْك! شكى الأميرُ الصُّداعَ في رأسِه فوصَفَ له دواءً في رجْليه! فقال له: أما إنّ علامةَ ما قُلْتُ فيك بيِّنةٌ! قال الخصيُّ: وما هي؟ قال: نُزِعَتْ خِصْيتاكَ فذَهَبَ شَعْرُ لِحْيتك! فضحك الحجّاجُ ومَنْ حَضَرْ. . . . .
وقال عبد الملك بنُ مروانَ لأعْرابيٍّ: إنّكَ حَسَنُ الكُِدْنةِ! قال: إنّي أُدْفئُ رِجْليَّ في الشِّتاء، وأُغْفلُ غاشِيةَ الغمِّ، وآكلُ عِنْدَ الشَّهْوة. . . ويقال: ثلاثةُ أشياءَ تُورِثُ الهزالَ: شُرْبُ الماءِ على الرِّيق، والنَّوْمُ على غيرِ وِطاءٍ، وكَثْرةُ الكلامِ بِرَفْع الصوتِ. . . وقالوا: الدَّواءُ الذي لا داءَ معه: أن تجلِسَ على الطعامِ وأنْتَ تشتهيهِ وتقومَ عَنْه وأنْتَ تَشْتهيه. وقال أرسطوطاليس: المَطْعمُ والمَشْرب إذا كثُرا على المعدةِ أطفآ نارَها فَجَرتِ الأغْذيةُ في البَدنِ غيرَ نَضيجةٍ، فصارَ ذلك نُقصاناً للبَدَنِ يُورِثُ الفَتْرَةَ، كالشجرة، إذا كثُر ماؤُها عَفِنت وإنْ قلَّ جفَّتْ، وكالسِّراج، إذا قلّ دُهْنه أو كَثُرَ انْطفأ. . . . وقال بَعْضُهمْ: مَنْ تَغدّى وتَعشّى ولمْ يأكلْ فيما بَيْنَهما، سَلِمَ من الأوْجاع، لقول الله عزَّ وجلَّ: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}. . . وقال بعضُ الأطِبّاء: أحبُّ الناسِ إلينا: الرَّغيبُ البَطْنِ، لِكَثْرةِ حاجاتِهم إليْنا. . . وأُخْبرَ بعضُ الأمراءِ بِشَيْخٍ قد أتتْ عليه مائة وخمسونَ سنةً في اعْتدالِ جِسْمٍ ونَضارةِ لوْنٍ، فاسْتَدْعاه وسألَه فقال: إنْ كان لِما ترى من هذه المَوْهبةِ الجميلةِ سَبَبٌ بعدَ تقديرِ اللهِ تعالى فما أصِفُه: ما احْتَملْتُ مُهِمّاً تَبْعُدُ عليَّ مُدافَعتُه، ولا رأيْت مِنْ زوجةٍ مكروهاً، ولا اجْتَمعَ في بطني طَعامان، وإذا شربْت شراباً تناوَلْتُه رقيقاً طيِّباً لا أثْمَلُ منه، ولا أسْتَدْعي
(2/46)

الطبيعةَ مِنْ غيرِ عارضٍ، وما اسْتَدْعَيتُ للْباهِ حركةً إلا أنْ يهيجَ بالطبيعةِ على القلب، وإذا فعلتُ ذلك
أقْلَلْتُ الحَرَكةَ بقيَّةَ يَوْمي. . . وقالوا: أضرُّ الأشياءِ للبَدَنِ: الفكر والسهر، وأنْهَكُ الأشْياءِ للبَدَنِ: الخوف. وقال المأمون: قد أصَبْتُ دواءً يُمرِئ ولا يُؤكلُ ولا يُشرب! فقيل: ما هو؟ قال: النومُ إثْرَ الغَداء. . . وقالوا: إذا أكلت فاضْطَجِعْ على جَنبِك الأيسر، فإن الكبِدَ يقَع على المَعِدة فيُنْضِجُ الطَّعام فيَهْضِمُه. . . وقالوا: غِشيانُ المرأةِ المُولَّية يُضعِف القُوّة ويُسْقِم البَدن، لأنها كالشَّنِّ البالي، ماؤها سُمٌّ قاتل، تأخُذ منك ولا تُعطيك. . .

مَنْ تَناولَ طعاماً وتحقَّقَ تولُّد عِلّة منه
اجتازَ رجلٌ بصديقٍ له محمومٍ فسأله عن سبب عّلته؟ فقال: أكلت في هذا الصيف فراخاً وعسلاً وشربت خمراً صُلباً - شديدة - ونمت في الشمس! فقال له: عليَّ كلٌّ يمينٍ، لو كانت الحُمَّى من حَمَلةِ الشمس ورأتك بهذه الحالة لتركت عملها ووافتك. . . ونظر طبيب إلى دِهْقانٍ يغرس شجرة مشمشٍ فقال له: ما تصنع؟ قال: أعمل لي ولك! يعني أن الطبيب ينتفع بالمشمش، لسوء أثره على آكليه، وحاجتهم إلى الطبيب، لما يتولد فيهم من الأدواء لأكل الطريِّ منه، وفي هذا المعنى يقول ابن الرومي:
إذا ما رأيْتَ الدَّهْرَ بُستانَ مُشْمُشٍ ... فأيْقِنْ بِحَقٍّ أنّه لطبيبِ
يُغِلُّ لهُ ما لا يُغِلُّ لِرَبِّه ... يُغِلّ مَريضاً حَمْلُ كلِّ قَضيبِ
(2/47)

يُغلُّ له: أي يعطي الطبيب من الغَلّة - وهي الدخل - مالا يعطيه لصاحبه، وذلك أنّ حمْلَ الغصن الواحد من كل شجرة مشمش من أشجار ذلك البستان إذا أكله إنسان فإنّه ينقلب مريضاً فيلجأُ إلى الطبيب

الحمى
قال المتنبي:
وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياءً ... فلَيْسَ تَزورُ إلا في الظَّلامِ
بَذَلْتُ لَها المَطارِفَ والحَشايا ... فَعافَتْها وباتَتْ في عِظامي
يَضيقُ الجِلْدُ عِنْ نَفْسي وعَنْها ... فَتُوسِعُه بأنْواعِ السَّقامِ
إذا ما فارَقَتْني غَسَّلَتْني ... كأنَّا عاكِفانِ على حَرامِ
كأنَّ الصُّبحُ يَطْرُدها فَتَجْري ... مَدامِعُها بأرْبعةٍ سِجامِ
أراقِبُ وَقْتَها مِنْ غَيْرِ شَوْقٍ ... مُراقَبَةَ المَشوقِ المُسْتَهامِِ
ويَصْدُقُ وَعْدُها والصِّدقُ شَرٌّ ... إذا ألْقاكَ في الكُرَبِ العِظامِ
وقوله: وزائرتي. . . البيت يقول: إنّ الحمُّى التي كانت تأتيه ليلاً، كأنّها حَيِيَّةٌ فليست تزورُ إلا في الليل. . . والمطارِف في البيت الثاني: جمع مُِطْرَف وهي: أرْديةٌ مُربَّعةٌ من خَزٍّ في جنبها علمانِ، والحشايا جمع حَشيّة: ما حُشِي من الفرش مما يُجْلَس عليه، يقول: إنّ هذه الزائرة - الحُمّى - لا تُبيت في الفِراش وإنما تَبيتُ في عظامي. وقوله: يضيق الجلد. البيت يقول: يضيق جِلْدُه فلا يَسعها ولا يَسَعُ أنفاسي التي أتنفّسها، وهي مع ذلك تذهب بِلَحْمي فتوسِعُ جلدي بما تُورد عليه من ضُروبِ السقم، وقوله: إذا ما فارقتني غسّلتني. . . يقول: إنه يَعْرَق عِنْدَ فراقها، فكأنّها
(2/48)

تغسله لِعُكوفِهما على ما يُوجب الغُسْل، وإنّما خَصَّ الحَرام لأنّه جعلها زائرة غريبة ولم يَجْعلْها زوجةً ولا مملوكةً. . . وقوله: كأنّ الصبحَ. . . البيت يقول: إنّها تفارقه عند الصبح فكأنَّ الصُّبحَ يطردها، وأنّها إذا فارقته تجري مدامعُها من أربعةٍ سِجامٍ، يريد كثرةَ العرق - عرق الحمُّى - فكأنّها تبكي عند فراقِه لِحُبِّها إياه، وأراد بالأربعة: اللَّحاظين والمُوقَين للعينَين. وقوله: أراقبُ وقتها إلخ يقول: أنتظر وقتَ مجيئِها كما ينتظرُ المَشوقُ مجيءَ حبيبه، وذلك أنّ المريض يجزعُ لوُرودِ الحُمّى، فهو يُراقب وقتها خوفاً لا شوقاً. ثم قال: ويَصدق وعدُها، يقول: إنّها صادقةُ الوعد في الورود وذلك الصدق شَرٌّ من الكذب، لأنه صدقٌ يضر ولا ينفع كمن أوْعدَ ثم صَدقَ في وعيدِه. . . وقال المتنبي أيضاً:
ومَنازلُ الحُمَّى الجسومُ فقلْ لَنا ... ما عُذْرُها في تَرْكِها خَيْراتِها
أعْجَبْتها شَرفاً فطالَ وُقوفُها ... لِتأمُّلِ الأعْضاءِ لا لأذاتِها
يقول المتنبي لهذا الممدوح - وكان مُصاباً بالحمُّى - إنَّ جِسمكَ خيرُ الأجْسامِ فلا عُذْرَ للحمُّى في تركه، لأنّ محلَّها الأجْسام! ثمّ قال: إنّ الحمُّى لمَّا رأتْكَ في المَحَلِّ الأرْفعِ من الشرفِ والكرمِ والنُّبْل أعْجَبْتها فأقامَتْ في بدنِكَ لتأمُّلِ أعْضائِكَ التي اشْتَملتْ على تلك المحامِدِ، لا لأنّها تريد أن تؤذيَك. . . وقال الشاعر أبو الفتح كُشاجم في عليّ بن سليمان الأخفش:
ولقَدْ أخْطأ قَوْمٌ زَعَموا ... أنّها مِنْ فَضْلِ بَرْدٍ في العصَبْ
(2/49)

هوَ ذاكَ الذِّهْنُ أذكى نارَهُ ... والمِزاجُ المُفْرطُ الحَرِّ الْتَهَبْ
ودَخَلَ بَخْتَيْشوعُ على يحيى بنِ خالدِ بنِ برمك بِعَقِبِ حُمّى فقال له: توقَّ فإنَّ حمّى ليلةٍ يبقى في البَدنِ تأثيرها سنة! - وعنده وكيع فقال: صدق، فقال يحيى: ما أقربَ تصْديقَكَ إيَّاه! قال: لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (حُمّى ليلةٍ كفَّارة سنة)، فعَلِمْتُ أنَّ هذا مِنْ ذاك. . .

الرمد
مِمّا يُسْتَحْسنُ في عَيْنِ مَحْبوب رَمْداء قولُ ابْنِ المَعتزّ:
قالوا: اشْتَكَتْ عَيْنُه فَقُلْتُ لَهُمْ: ... من شِدَّةِ الفَتْكِ نالَها الوَصَبُ
حُمْرَتُها مِنْ دِماءِ مَنْ قَتَلتْ ... والدَّمُ في النَّصْلِ شاهِدٌ عَجَبُ
وفي معنى هذين البيتين قولُ بعضهم:
قالوا: الحَبيبُ شَكا جُعِلْتُ فِداَءه ... رَمَداً أضَرَّ بِعَيْنِه كالْعَنْدمِِ
فأجَبْتُهُمْ: مازالَ يَفْتِكُ لَحْظُه ... في مُهْجَتي حَتّى تلَطَّخَ بالدَّمِ
(2/50)

النقرس
كانَ أبو الفَضْلِ بنُ العميد يَكثُرُ بِرِجْلِه النِّقْرِس، فقيلَ له: لا تَغتمَّ فإنّ ذلكَ يُؤْذِنُ بِطولِ العمر! فقال: طول العمر هو أنَّ من به النِّقرسُ يَسهرُ، فيصيرُ ليلهُ نَهاراً، فكأنَّما يَتضاعَفُ عُمْرُه. . . . وقال المبرِّدُ: ذكر أعرابيٌّ رَجلاً قد أثرى فقال: تَنَقْرس! كأنّه سَمِعَ أنّ النِّقرسَ يكونُ معَ النِّعْمة. . . . ومنه قول الأعرابي:
ألا فاعْجَبوا مِنْ مُفْلسٍ حِلْفِ نِقْرِسٍ ... أما نِقْرِسٌ في مُفْلِسٍ بِعَجيبِ
فلانٌ حِلْفُ كذا أي: حليفُه ومُلازِمُه

عَودٌ إلى عبقرياتهم في التّداوي والأدوية
قيل لأبُقراط: ما بالُ الإنسانِ يكونُ أثْورَ ما يكونُ بَدناً إذا شَرِبَ الدَّواءَ؟ فقال: مثلُ البيت تراه أكثرَ ما يكونُ غُباراً إذا كُنِسَ. . . ومن قولِهم: مَثلُ الدَّواء مَثلُ عَدَوٍّ إلى جانبِه صديق، ترمي العدوَّ فلا تأمنُ أن تصيبَ الصَّديقَ. . وقالوا لا تُستعمل الأدويةُ فيما تَنفعُ فيهِ الأغْذية. وفي الحديث الشريف: (تداوَوْا فإنَّ اللهَ ما أنْزلَ داءاً إلا أنْزلَ له دواءً، إلا الهرم). . . وقالوا: حقُّ الطبيب أن يَتأنَّى في المداواةِ فَعَثْرتُه لا تُقال. . . . وقالوا المُتأنِّي في علاجِ الدّاء بعد معرفة الدواء كالمُتأنِّي في إطفاء النارِ وقد أخَذَتْ بِحواشي ثيابِه.
(2/51)

شهوة المريض إلى الطعام
قال أبُقراط: المريضُ الذي يَشتهي أرْجى عِندي مِنَ الصَّحيحِ الذي لا يَشْتهي. . . وقال المتنبي:
ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِدْ مُرّاً بهِ الماَء الزُّلالا
وقيل للخليل بن أحمد في عِلّته: أتَشْتهي شيئاً؟ قال: لا! وبِوُدِّي أنْ أشْتَهي. وقيل ذلك لآخر فقال: أشتهي أن لا أموتَ.

شكوى العلة
وكان مِنْهم من لا يَرى بأساً في شكوى عِلّته، ومنهم من ينكر ذلك فمِمَّنْ شكا عِلَّته أبو نواس إذْ يقول:
دَبَّ فيَّ السَّقامُ سُفلاً وعُلْواً ... وأراني أموتُ عُِضْواً فَعُِضْوا
لَيْسَ يَمْضي مِنْ ساعةٍ بيَ إلا ... نقَّصَتْني بِمَرِّها بي جُزْوا
لَهْفَ نَفْسي عَلى لَيالٍ وأيّا ... مٍ تَمَتَّعْتُهنَّ لِعْباً ولَهْوا
وقالوا: ولا بُدَّ مِنْ شَكوى إذا لمْ يَكُنْ صَبْرُ
ولمّا مَرِضَ بعضُ الصالحين وعاده الناسُ قالوا له: كيف تَجِدُك؟ قال: بِشَرٍّ، قالوا: هذا كلامُ مِثْلك! قال: أجَلْ، إنَّ الله تعالى يقول: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} فالخيرُ الصِّحّة، والشّرُّ المرض. وقالوا: الشكوى تُخفِّفُ الهَمّ وتُزيلُ الألم. . . ولما وجَّه المتوكلُ في السَّنةِ التي قُتل فيها أنْ يُحْملَ إليه الجاحظُ من البصرة قال لمن أراد حَمْلَه: وما يصنع أمير المؤمنين بامْرئٍ ليس بطائلٍ، ذي شِقٍّ مائلٍ، ولُعاب سائلٍ، وفَرْجٍ بائِلٍ، وعَقْلٍ حائلٍ! حائل: متغيّر
(2/52)

وحدّثَ المبرِّد قال: دخلت على الجاحظِ في آخر أيّامه فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نِصْفُه مَفلوج لو حُزَّ بالمناشيرِ ما شَعَرَ به، ونِصْفُه الآخرُ مُنَقْرَس لو طار الذُّبابُ بِقُرْبِه لآلمَه، وأشدُّ من ذلك سِتٌّ وتِسعون سنةً أنا فيها، ثم أنشدنا:
أتَرْجو أنْ تكونَ وأنْتَ شيخٌ ... كما قدْ كُنْتَ أيَّامَ الشبابِ
لقدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُك، ليْسَ ثوبٌ ... دَريسٌ كَالجديدِ مِنَ الثيابِ
دريس: بالٍ
وقيل لآخر ما تشكو؟ فقال: تمامُ العِدِّة وانْقضاءُ المُدّة. . . وقال بعضهم لمن يشكو: أتشكو
مَنْ يَرْحمُك إلى مَنْ لا يَرْحَمُك! وقيل لسعيدِ بنِ عمرِو بنِ سعيدِ بنِ العاص وهْوَ مريض: إنّ المريضَ يتفرَّجُ إلى الأنينِ وإلى أن يصفَ ما بهِ إلى الطبيب، فقال: أمّا الأنينُ فوَ اللهِ إنّه لجزع ولا يَسْمعُ اللهُ مِنّي أنيناً فأكونَ عِنده جزوعاً، وأمّا الطبيبُ فَوَ اللهِ لا يَحْكمُ غيرُ اللهِ في نفسي، فإنْ شاءَ قبَضَها إليه وإنْ شاءَ منَّ بها عليَّ. . . . .

فضل الصحة والعافية
قالوا: شيئان لا يعرف فضلَهما إلا من فَقدَهما: الشّبابُ والعافية. وقالوا: لا يعرف طعمَ العافية إلا من نالَتْهُ يدُ العِلّة، ولا طعمَ الرخاءِ إلا مَنْ مَسَّته يدُ البلاء.
(2/53)

نفع المرض
اعتلَّ الفضلُ بن سهلٍ بخراسانَ، ثم بَرَأ، فجلسَ للناس فهنّؤوه بالعافية وتصرَّفوا في فنون الكلام، فلمّا فرغوا أقبلَ على الناسِ فقال: إنَّ في العللِ نعماً ينبغي للعاقلِ أن يعرفَها: تمحيصُ الذنبِ، والتعرُّضُ للثوابِ، والإيقاظُ من الغَفْلةِ، والإذْكارُ بالنِّعْمةِ في حال الصِّحةِ، والاسْتدعاءُ للتوبةِ، والحَضُّ على الصدقةِ، وفي قضاء الله وقدره الخيار. . . . . واعتلَّ بَعْضهم فقال: اللَّهمَّ اجْعلْه أدَباً لا غَضَباً. . . وفي الحديث الشريف: (إنَّ المريضَ تَتحاتُّ عنهُ خطاياه كما يَتَحاتُّ ورقُ الشجرِ). . . . وذُكرَتْ الأدواءُ عندَ أبي الدَّرْداءِ فقال رجلٌ: ما اشْتَكَيْتُ قطُّ، فقال: لا جرم أنَّ ذنوبَك لم تُحَطَّ عَنْكَ. . .

وصفُ العِلَّةِ بأنّها تنال الأماثِلَ
قال أبو تمام من أبياتٍ في مرض إلياسَ بنِ أسدٍ:
فإنْ يكنْ وَصَبٌ عايَنْتَ سورتَه ... فالوِرْدُ حِلْفٌ لليثِ الغابةِ الأضِمِ
إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ ... عَيْدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأنَ بالرَّتَمِ
بناتُ نَعْشٍ ونَعْشٌ لا كُسوفَ لَها ... والشَّمْسُ والبَدْرُ مِنها الدَّهرَ في الرَّقَمِ
قدْ يُنْعِمُ اللهُ بالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ... ويَبْتلي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعَمِ
الوصب هنا: المَرض، وسورته: شِدّته: والوِرد: الحِمَّى، والأضِم: الغضبان: وعَيْدان (بالفتح) جَمْع عَيدانة وهي: النّخلةُ الطويلة والشجرة
(2/54)

الصُّلْبة القديمة. والرَّتَم: نباتٌ من أدقِّ الشجر، وبناتُ نعشٍ كبرى وهي سبعة كواكب أرْبعةٌ مِنها نعشٌ وثلاثُ بنات؛ وصُغرى: وهْيَ مثلها، ومِنها أي من دونها، والرَّقَم: السَّواد، ويعني به الخفاءَ للكسوف والخسوف وقال
البحتري:
وما الكلْبُ مَحْموماً وإنْ طالَ عُمْرُه ... ألا إنَّما الحُمَّى على الأسَدِ الوَرْدِ
قيل للأسد وَرْدٌ لأنّ لونَه أحمرُ يضربُ إلى صُفرة، وفي الحديث الشريف: (مثلُ المؤمنِ مثلُ الخامَةِ من الزَّرع تُفَيِّئها الرّيحُ مرّةً وتَعْدِلُها مَرة، ومثلُ الكافرِ مثلُ الأرْزةِ لا تزالُ حتّى يكونَ انْجِعافُها مرةً واحدة).
الخامة: الزَّرْعُ أول ما ينبت على ساقٍ واحدة، وقيل: السنبلة، وقيل: الطاقة الغَضَّةُ من الزرع، وقيل: الشجرة الغَضَّة الطرية. وتُفيِّئها: تحرّكها وتُميلُها يميناً وشِمالاً، والأرْزة: واحدة الأرْزِ: شجر معتدلٌ صُلْبٌ لا يُحرِّكه هبوبُ الريح يقال له الأرْزة معروفٌ بِلبْنان، وقيل: شجر الصَّنوبر والجمعُ أرْز، وانْجعافها: انْقلاعها. ومعنى الحديث: أنّ المؤمن ينبغي له أن يتلقى المكارة صابراً راجياً الخير من ورائها، وأن يعد نفسه كأوائلِ الزرع تُميله الرياح يَمنةً ويَسرةً، فهو في الدنيا هدفٌ تَنْتضِلُ فيه الرَّزايا، فليس له إلا أن يعتصمَ بالصبر والرضا، وأن يعلم علماً ليس بالظن أن كلَّ ما يُرْزَؤُه من فُقدان مالٍ وولدٍ وما إليهما، وما يصيبه من مرضٍ ووصبٍ، إنما هو مكفِّرٌ لسيئاته رافعٌ لدرجاته؛ أما الكافرُ، أما العِفْرية النِّفْرية، فإنَّ كلَّ همِّه أنْ يستمتعَ بشَهَواتِ الدُّنيا ولذَّاتِها، فإذا رُزِئَ في مالِه وولدِه ونَفْسِه تَسخَّطَ ولمْ يَذْخَرْ لنفسه ما ينفعُه في آجله ومِنْ ثَمَّ يموتُ إذْ يموتُ كما تَنْعَجِفُ شَجَرةُ الأرْزَة وتُجتثُّ من أصْلِها فيَلقى اللهَ بِذُنوبه حالَّة. هذا، ولك أنْ
(2/55)

تقولَ: إَّن المَعنى بِسبيل من قولهم: المُؤمنُ مُصابٌ، ومعنى هذا أنّ المؤمن لأنه يتقي اللهَ في سائرِ أسبابه ولا يُقدم على ما حرّم الله، لا تُواتيه الدّنيا كما تواتي من لا يتّقي الله فيعيشَ مَنْ كان هذا شأنه مُرزَّأً وإنْ كان في آخرته من الفائزين. وهذا في الغالب، وإلا فهناك من المؤمنين الصادقين من كان إيمانهم مَدْرَجةً إلى أنْ يعيشوا عيشةً راضيةً يُحسدونَ عليها. وعلى أيّة حال فإنّ المرادَ بمثل هذا الحديث هو تعزية المُصابين في الدنيا من المؤمنين بأنّ الآخرة خيرٌ وأبقى. . . .

عيادة المريض
وجوبُ عيادة المريض
ورد في الحديث الشريف: (حقّ المسلم على المسلم ثلاثٌ: عيادةُ المريض، وتشْميتُ العاطِس، وتشييع الجنازة) وفي الحديث أيضاً (من عاد مريضاً لم يزل في خُرْفةِ الجنة
حتى يرجع). . . . الخُرْفة بضم الخاء وفتحها: ما يُخْتَرفُ أي يُجتنى من الثمر، أي لم يزل في بستانٍ يَجتني منه الثمرَ، شبه صلوات الله عليه ما يحوزه مَنْ يعودُ المريضَ من الثوابِ بما يحوزه المُخْترف من الثمر

أدب عيادة المريض
قالوا: سوءُ العيادةِ تلقيحٌ للعِلّة. . . . وقال الفضلُ بنُ الربيع: لا تقولوا: كيفَ حالُ أميرِ المؤمنين، ولا تسألوه عن حالِه فتُكَلّفوه الجوابَ، ولعله يثقُلُ عليه الكلام، ولكن اجعلوا مسألتَكم الدعاءَ له وقولوا بدلَ كيف يجد أمير المؤمنين نفسه: أنزلَ اللهَ عليه الشفاءَ والرحمةَ. . . . ودخل قوم على
(2/56)

السَّرِيِّ السَّقَطي رحمه الله وهو عليلٌ فأطالوا الجلوسَ وقالوا: ادْعُ لنا، فقال: ارفعوا أيديَكم وقولوا: اللهمَّ اجعلنا ممن علَّمتهم عيادةَ المرضى. . . ودخلَ قومٌ على مريضٍ فأطالوا الجلوسَ ثم قالوا: أوْصنا، فقال أوصيكم ألَّا تُطيلوا الجلوسَ عند المريضِ إذا عُدْتُموه. . . ودخل ثقيلٌ على مريضٍ فأطال الجلوسَ ثمّ قال: ما تشتكي؟ قال: قُعودك عندي. . .

شكايةُ مَنْ لا يعودُه إخوانُه
قال: جَحظة البرمكيّ:
مَرِضْتُ فلمْ يُكُنْ في الأرْضِ حُرٌّ ... يُشَرِّفني بِبِرٍّ أو سَلامِ
وضَنّوا بالعِيادةِ وهْيَ أجْرٌ ... كأنَّ عِيادَتي بذلُ الطّعامِ

الاعتذار عن ترك العيادة
قال شاعر:
إنْ كُنْتُ في تَرْكِ العِيادةِ تارِكاً ... حَظّي فإنّي في الدُّعاءِ لَجاهِدُ
ولربَّما تركَ العِيادةَ مُشْفقٌ ... وأتى على غِلِّ الضَّميرِ الحاسِدِ

من عاده ممرّضه
قال العوّامُ بنُ كعب بن زهير في ليلى الغطفانية:
وخُبِّرْتُ ليلى بالعِراقِ مَريضةً ... فأقْبَلْتُ من أهْلي بِمِصْرَ أعودُها
(2/57)

فوَ اللهِ ما أدْري إذا أنا عُدْتُها ... أأُبْرِئُها مِنْ دائِها أمْ أزيدُها

مريض عاد صحيحاً
قال العباس بن الأحنف:
قالَتْ: مَرِضْتُ فعُدْتُها فتَبَرَّمَتْ ... وهْي الصَّحيحةُ والمَريضُ العائِدُ
واللهِ: لوْ أنَّ القلوبَ كقَلْبِها ... ما رقَّ للوَلدِ الضَّعيفِ الوالِدُ
وقال آخر:
إذا مَرِضْنا أتَيْناكُمْ نَعودُكُمُ ... وتُذنِبونَ فنأتيكُمْ ونَعْتَذِرُ

حثهم العائد على تنشيط المريض
قال بعضُ الأطباء القُدامى: بشِّروا المريضَ بالبُرْءِ، ونشِّطوه لِشُرْبِ الدَّواء، ولا تُصعِّبوا عليه العِلّة، فَتَخافَ نَفْسُه، ويموتَ حِسُّه، وقال: أبُقراط: حَدِّثوا المريضَ بحالِ مَنْ كان في أصعبَ مِنْ عِلّته فَبَرأ، ولا تُحدّثوه عمَّن كان في مثلِ علَّتِه فمات. . .

حثُّهم على تخويفه ليتجنبَ المضارَّ
قالوا: خَوِّفوا المريضَ ليتجنَّبَ المضارَ، فمَنْ خَوَّفكَ لِتَلْقى الأمْنَ خيرٌ لك ممِّن أمَّنك لِتلْقى الخوفَ. . . وقالوا: مَنْ أوْجَرَكَ المُرَّ لِتَبْرأ خيرٌ ممَّنْ أوْجَرَك الحُلْوَ لِتَسْقَم

تغير اللون
قال الصُّوليُّ: لم يُسمع أحسنُ من قول البحتريِّ في صُفرةِ اللون:
بَدَتْ صُفرةٌ في لونهِ، إنَّ حَمْدَهُمْ ... مِنَ الدُّرِّ ما اصْفَرَّتْ نَواحيهِ في العِقْدِ
(2/58)

وقال أبو تمام:
لمْ تَشِنْ وجْهَهُ البَهيجَ ولكِنْ ... جَعَلتْ وَرْدَ وَجْنَتَيْهِ بَهارا
البَهار: نَبْتٌ بَرّي طيّب الرائحةِ له فُقَّاحة - زهرة - صَفراءُ ينبت أيّامَ الربيع، يقال له: العَرار وعين البقر. .

تهنئة مَنْ برأ من المرض
قال أبو تمام:
سُقْمٌ أتيحَ له بُرْءٌ فزَعْزَعَهُ ... والرُّمْحُ ينآدُ طَوْراً ثُمَّ يَعْتَدِلُ
قدْ حالَ لونٌ فردَّ اللهُ نضرتَهُ ... والنَّجْمُ يخمُدُ حيناً ثمَّ يَشْتَعِلُ
يقال: زَعْزَعَ الشيءَ: حرَّكه ليقلَعَه، والمراد هنا: دَفَعَه وأزاحَه، وينآد: يميل، وحال لونٌ: تغيَّر، والنُّضرة: الحسن والجمال
وقال أشجعُ بنُ عمرو السُّلَميُّ:
لَئِنْ جَرَحَتْ شكاتُك كُلَّ قلبٍ ... لقد قرَّتْ بِصحَّتِك العيونُ
وقيل لأعرابيٍّ بَرَأ مِنْ عِلَّته: الحمدُ للهِ الذي سلَّمك، فقال: أوَ يَسلم مَنْ الموتُ في عُنِقِه؟ وقد تقدم
وقال المتنبي:
المَجْدُ عُوفيَ إذْ عوفيتَ والكَرمُ ... وزالَ عنكَ إلى أعْدائِك الألَمُ
صَحَّتْ بِصِحَّتِك الغاراتُ وابْتَهَجَتْ ... بِها المَكارِمُ وانْهلَّتْ بِها الدِّيَمُ
(2/59)

وراجَعَ الشَّمسَ نورٌ كانَ فارقَها ... كأنّما فَقْدهُ في جِسْمها سَقَمُ
قوله: وزال عنك إلى أعدائك الألم: إنما هو خبر وليس دعاءً، يريد: أنّ أعداءه تُؤلمهم عافيتُه لعوده بعد ذلك إلى غزوهم، كما أشار إلى ذلك في البيت التالي. وانهلّت: سالت، والديم جمع ديمة وهي: المطر الدائم في سكون. يقول: كانت الغاراتُ على بلاد الروم قد انقطعت فلمّا شُفي وصحَّ اتصلت الغاراتُ عليها، فكأنّ الغارات كانت عليلةً بعِلّته ثم صحّت بصحّته، وسُرَّت المكارمُ بصحّته لأنه صاحبُها، وكانت الأمطار منقطعةً فلما شُفي صادف اتصالُها شفاءَه، ويقول في البيت الثالث: إن الشمس فقدت بهجتَها في عيون أوليائِه لاغْتِمامِهم لعلّته فلمّا شُفي عاد إليها حسنُها

تفدية المريض
قال البُحتريُّ:
بأنْفُسِنا لا بِالطَّوارِفِ والتُّلْدِ ... نَقيكَ الّذي تُخفي مِنَ الشَكْوِ أو تُبدي
بِنا معشرَ العافينَ ما بِك من أذًى ... فإنْ أشْفَقوا ممّا أقولُ فَبي وحْدي
الطوارف: جمع طارِفة مؤنث طارف وهو المال المُسْتَحدث وعكسُه التُلْدُ وهو المالُ القديم، والشكوُ مصدر شكا كالشكوى والشكاة، والعافي طالب المعروف، وأشْفَقوا: خافوا
وقال آخر:
يا ليْتَ عِلّتَه بي غيرَ أنّ له ... أجرَ العليلِ وأنِّي غيرُ مأجورِ
(2/60)

عبقريات شتى في الطب والمرض والعيادة
قال جالينوس: المرضُ هرمٌ عارض، والهرمُ مرضٌ طبيعي؛ وله: مجالسةُ الثقيلِ حُمَّى
الرُّوح.
وقال ثابت بن قُرَّة: ليس شيء أضرّ بالشيخ من أن تكون له جارية حسناء، وطبَّاخٌ حاذق؛ لأنه يُكثر من الطعام فيَسقم، ومن الجماعِ فيَهرمُ: وقال آخر: ليس لثلاثٍ حيلةٌ: فقرٌ يخالِطه كسل، وخصومةٌ يخامِرها حسد، ومرضٌ يمازِجُه هرم. . .
وقالوا: ثلاثةُ يُعْذَرون على سوء الخُلق: المريض، والمسافر، والصائم. . .
وقالوا: فرط الغمِّ والسرور يقتلان، أما الغَمّ فإنه يجمِّد الدم. والسرور يُلهبه حتى تعلوَ حرارتُه على الحرارة الغريزية. . . وقال كسرى لوزيريه يوماً: أيُّ الفراش ألذّ؟ فقال أحدُهما: ألذُّ الفراش الخَزُّ مَحْشواً، وقال الآخر: ألذُّ الفراشِ الحريرُ محشوّاً - وكان بين يديه غلامٌ من الحُجّاب فقال: أيّها الملك، أتأذنُ لي في الكلام؟ فقال: نعم، قال: ألذُّ الفراش الأمْنُ، قال: صدقت، قال: فما ألذُّ الطعام؟ فقال: ما لا يهيج على طبيعة علةً، ولا يَعْقِدُ في عنق آكله مِنّةً، فقال: أحسنت، فما ألذُّ الشراب؟ فقال: ما لا يُزيلُ عقلاً عن محلّه ولا يهيج على طبيعة شيئاً من عِلل؛ قال: أحسنت، فما ألذُّ الريحان؛ قال: الولد السارُّ ريحانُ أبيه في حياته وخلفٌ له بعد وفاته؛ فرفع محله وألحقه بأكابر حشمه. . .
ونالت أبا الطبيب المتنبي وهو بمصر عِلّةٌ، فكان بعض إخوانِه المصريين
(2/61)

يكثر الإلمامَ به، فلما أبلَّ قطعه، فكتب إليه: وصلتَني - أعزَّك اللهُ - مُعْتَلاً، وقطعتني مُبِلاً، فإنْ رأيتَ أن تُكدِّر الصحةَ عليَّ، وتحبِّب العلَّة إليّ، فعلتَ. . .
وقال شاعر:
إنَّ الجَهول تَضُرُّني أخلاقُه ... ضررَ السُّعالِ لمَنْ بهِ اسْتِسقاءُ
وقال البُسْتي:
أنا كالورْدِ فيهِ راحةُ قَوْمٍ ... ثمّ فيهِ لآخَرينَ زُكامُ
(2/62)

وقال المتنبي:
لعلَّ عَتْبَكَ مَحْمودٌ عواقِبُه ... ورُبَّما صَحَّتِ الأجْسامُ بالعِلَلِ
وقال:
أعيذُها نَظراتٍ مِنْكَ صادِقةً ... أنْ تَحْسِبَ الشَّحْمَ فيمَنْ شَحْمُه وَرَمُ
وقيل لبعض الأطباء وقد نهكتْه العلّة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان الدّاءُ من السماء، بَطل
الدواء، وإذا قدَّر الربُّ بَطلَ حذرُ المَرْبوب، ونِعمَ الدواءُ الأملُ، وبئس الداءُ الأجلُ.
ومن أدْعيتهم: أغناك الله عن الطِّبِّ والأطباء، بالسَّلامة والشفاء، وجعل علَّتك تَمْحيصاً لا تنغيصاً، وتذكيراً لا تنكيراً، وأدَباً لا غضباً.
(2/63)

الباب الرابع في كتمانِ السرِّ وإفشائه
وعبقرياتهم في ذلك وفيما يجري هذا المجرى
من الشورى والاستبداد بالرأي والنصح والأناة والعجلة
وهذا كتمانُ السِّرِّ هو الآخرُ لونٌ من ألوان الصبر الذي أسلفنا القولَ عليه في الباب الثالث، وهو معنى من المعاني الخُلقيَّة التي عُني بالقولِ عليها والحثّ على الاستمساك بعروتها سائرُ عقلاء الناس في كل جيل ممن حنَّكَتْهم التجاريبُ، ذاهبين إلى أنَّ إفشاء السرّ - كان ما كان لونه - آيةٌ من آياتِ الضّعفِ ودليلٌ على أن في عقل صاحبه عُهْدةً تُغْتَمز فيه، وأنّه ناشئٌ من قلة الصبر وضيقِ الصدر، وأنّه من خلائِق ضَعَفَةِ الرجال والنساء والصبيان.
ومن السرِّ ما يُعدُّ كتمانُه من الحزم والاحتياط. وهذا أخصُّ ما يكون بالملوك والساسة ومَنْ إليهم، وهذا اللونُ من السر قد يؤدي إفشاؤُه إلى سفك الدماء وضياعِ الممالك والدول والدمار وخرابِ الديار. . . ومن السر ما يحدث من الإنسان ممّا تُستقبح إشاعتُه ويشنُعُ سماعُه. وإلى هذا اللون يشير سيدُنا رسول الله بقوله صلوات الله عليه: (مَنْ أتى مِنكمْ من هذهِ القاذورات بشيءٍ فليستتر بستر الله). . .
وبعد فإياك إيّاك يا أخي أن يخدعَك عَنْ سرِّك مثلُ قول القائل:
وأكتمُ السرّ فيه ضَرْبَةُ العُنُق
(2/64)

وقول الآخر:
ويكاتِمُ الأسْرارَ حتّى إنّه ... ليَصونُها عنْ أنْ تَمُرُّ بِبالِه
فذلك قول من يَسْتَنْزِلكَ عمّا في نفسِك حتى إذا استقْصى ما عندك لم يَرْعَ فيه حقَّك، وقد قالوا: إنَّ الصبرَ على القَبْضِ على الجَمْرِ أيسرُ من الصبرِ على كتمانِ السرّ. . .

حفظ اللسان
من قديم ما قيل في حفظِ اللسان قولُ امرئ القيس:
إذا المَرْءُ لمْ يَخْزُنْ عليهِ لسانَه ... فليسَ على شَيْءٍ سِواه بِخَزّانِ
لم يحزن عليه لسانه: لم يُحرِزْ لسانَه فيجعلَه في خِزانةِ قلبه، قال صاحب اللسان: وخزانة الإنسان قلبُه، وخازنُه: لسانُه، وقال لقمان الحكيم لابنه: إذا كان خازِنُك حفيظاً وخِزانتك أمينةً رَشَدْتَ في أمرَيْك: دُنياك وآخرتك، يعني: اللّسان والقلب
وقالوا: من ضاق قلبُه اتَّسعَ لسانُه. . . .
وقال أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري: لسانُ العاقلِ مِنْ وراء قلبه، فإنْ عرضَ له القولُ نظرَ فإنْ كان له أن يقولَ قال، وإنْ كانَ عليه القولُ أمْسك، ولسانُ الأحْمقِ أمامَ قلبه، فإذا عرض له القولُ قال، كان عليه أو له. . . وقالوا: مقتلُ الرجلِ بين فكَّيْه.
ومن كلامهم: قِ فاكَ ما يَقْرعُ قَفاك قِ: فعل أمر من الوقاية ومنه: إنْ لمْ تملكْ فضلَ لسانِك، ملَّكت الشيطانَ فضلَ عنانِك.
وفي اللسان ومكانته يقول زهيرٌ:
(2/65)

لسانُ الفتى نِصفٌ ونِصفٌ فؤادُه ... فلمْ يبقَ إلا صورةُ اللّحْمِ والدّمِ

منعُ إظهارِ السِّرِّ قبل تمامه
قال سيّدُنا رسول الله: (استعينوا على قضاءِ الحَوائجِ بالكِتْمان فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ محسودٌ). . . يقول صلوات الله عليه: إنّكم إنْ أظهرتم الناسَ على حوائِجِكم حَسدوكم فعارضوكم فيما تترامَوْنَ إلى قضائِه ووقَفوا في سبيل تحقيقِه
وقالوا: مِنْ وَهْيِ الأمْرِ إعلانُه قبلَ إحْكامِه؛ وقالوا: منْ حصَّن سرَّه فله من تحصينه إياه خَلّتان: إمّا الظفرُ بما يُريد، وإما السلامةُ من العيب والضرر إن أخطأه الظفرُ. . .

حثهم على حفظ السرّ
قال الشاعر الجاهلي قيسُ بن الخطيم:
إذا ما جاوزَ الإثنَيْنِ سِرٌّ فإنّه ... بِنَثِّ وإفْشاءِ الحَديثِ قمينُ
وإنْ ضَيَّعَ الإخوانُ سِرّاً فإنّني ... كَتومٌ لأسْرارِ العَشيرِ أمينُ
يكونُ لهُ عِندي إذا ما ضَمَمْتُه ... مَقَرٌّ بِسَوْداءِ الفؤادِ كنينُ
رَوَوْا: أنّ ابنَ المُقفع لما سمع هذا البيت قال: أراد بالاثنينِ الشفتينِ كأنّه يقول: لا تُفْشِ سِرَّك إلى أحد. . . وهذا لَعَمْري بديعٌ من ابن المقفع
(2/66)

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين:
فلا تُفْشِ سِرَّكَ إلا إلَيْك ... فإنَّ لكلِّ نَصيحٍ نَصيحا
وإنّي رأيْتُ غُواةَ الرِّجا ... لِ لا يترُكونَ أديماً صحيحا
وقال الصّلَتانُ العبْدِيُّ من أبياتٍ أوردها أبو تمّام في حماسته:
أشابَ الصغيرَ وأفنى الكبي ... رَ كَرُّ الغَداةِ ومَرُّ العَشِيْ
إذا ليلةٌ هرّمَتْ يومَها ... أتى بعدَ ذلك يومٌ فَتِيْ
نَروحُ ونَغْدو لحاجاتِنا ... وحاجةُ مَنْ عاشَ لا تَنْقَضيْ
تموتُ مَعَ المَرْءِ حاجاتُه ... وتَبْقى له حاجةٌ ما بَقيْ
بُنَيَّ بَدا خَِبُّ نجوى الرجال ... فكُن عندَ سِرِّكَ خَِبَّ النّجِيْ
وسِرُّكَ ما كان عندَ امْرِئٍ ... وسرُّ الثلاثةِ غيرُ الخفيْ
كما الصَّمْتُ أدْنى لِبَعْضِ الرَّشادِ ... فَبَعْضُ التَّكلُّمِ أدْنى لِغَيْ
ومن قولهم: سرُّك مِنْ دمِك يعنون: أنّه ربَّما كان في إفشاء السرِّ سفكُ الدَّمِ وقال آخرُ لأخٍ لهُ وحدَّثَه بحديث: اجْعل هذا في وعاءٍ غيرِ سَرِبٍ السّرِبُ: السائل

من يُكْره اطِّلاعُه على السر
قيل: لا تُطلِعوا النساءَ على سِرِّكم تَصْلُحْ أمورُكمْ، وقالوا: ما كَتَمْتَه عَدوَّكَ فلا تُطِلِعْ عليهِ صديقَك
(2/67)

المُفْتَخِر بحفظ السر
قال المتنبي:
وِللسِّرِّ مِنّي مَوْضِعٌ لا يَنالُه ... نَديمٌ ولا يُفْضي إليهِ شَرابُ
وقال مِسكين الدّارِميُّ:
وفِتيانِ صِدْقٍ لَسْتُ مُطْلِعَ بَعْضِهِمْ ... على سِرِّ بَعْضٍ غيرَ أنّي جِماعُها
لِكلِّ امْرئٍ شِعْبٌ مِنَ القلْبِ فارِغٌ ... ومَوْضِعُ نَجْوى لا يُرامُ اطّلاعِهُا
يَظَلّونَ شتّىً في البِلادِ وسِرُّهُمْ ... إلى صَخْرةٍ أعيا الرِّجالَ انْصِداعُها

الممدوح بحفظ السر
قال الأحوصُ - شاعر إسلامي ترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع -:
كريمٌ يُميتُ السِّرَّ حتّى كأنّه ... عَمٍ بِنواحي أمْرِه وهْوَ خابِرُ
وقال قيس بن الخطيم:
(2/68)

كَتومٌ لأسْرارِ الخَليلِ أمينُها ... يَرى أنَّ بَثَّ السِّرِّ قاصِمةُ الظَّهْرِ
وقال كُشاجِم:
ويُكاتِمُ الأسْرارَ حتّى إنّه ... لَيَصونُها عنْ أنْ تمُرَّ بِبالِِهِ
وقد تقدّم آنفاً
ودخل ابنُ أبي مِحْجَن الثَّقفيّ على معاويةَ، فقال له معاويةُ: أبوك الذي يقول:
إذا مِتُّ فادْفِنّي إلى أصْلِ كَرْمةٍ ... تُروّي عِظامي بَعْدَ مَوْتي عُروقُها
ولا تَدْفِنَنّي في الفَلاةِ فإنّني ... أخافُ وراَء المَوْتِ أنْ لا أذوقُها
فقال ابنُ أبي مِحجِن: لوْ شِئْتَ ذكرتُ أحسنَ مِنْ هذا في شعره! فقال معاويةُ: وما ذاك؟ قال: قولُه:
(2/69)

لا تَسْألي القومَ ما مالي وما حَسَبي ... وسائِلي القومَ ما حَزْمي وما خُلُقي
ألقَوْمُ أعْلَمُ أنّي مِنْ سَراتِهُِمُ ... إذا تَطيشُ يدُ الرِّعْديدةِ الفَرِقِ
أعْطي السِّنانَ غداةَ الرَّوعِ حِصَّتَه ... وعامِلَ الرُّمْحِ أرْويهِ مِنَ العَلَقِِ
قدْ أَطْعَنُ الطَّعْنةَ النَّجْلاَء عَنْ عُرُضٍ ... وأكْتُمُ السِّرَّ فيهِ ضَرْبَةُ العُنُقِ
فقال معاويةُ: لَئِنْ كنّا أسأنا القولَ لَنُحْسِننَّ الفعلَ، وأجْزلَ صِلتَه. .

صعوبة حفظ السرّ
قالوا: أصبرُ الناسِ من صبرَ على كِتمانِ سِرِّه فلمْ يُبْدِه لصديقٍ فيوشكَ أن يصيرَ عدوَّاً فيُذيعَه
وقالوا: الصبرُ على لهبِ النارِ أهْونُ من الصبرِ على كتمانِ السِّرِّ. . .

من لا يحفظ سِرَّه ويَسْتَحْفظُه غيرَه
قال الشاعر:
فلا تُودِعنَّ الدَّهرَ سِرَّكَ أحْمقاً ... فإنّك إنْ أوْدَعْتَه مِنْه أحْمقُ
إذا ضاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ كَتْمِ سِرِّه ... فَصَدْرُ الذي يُسْتودَعُ السِّرَّ أضْيقُ
وقالَ بشار:
تَبوحُ بِسرِّكَ ضيقاً بهِ ... وتَحْسَبُ كلَّ أخٍ يَكْتُمُ
وكِتْمانُكَ السِّرَّ مِمّنْ تَخافُ ... ومَنْ لا تَخافَنَّه أحْزَمُ
إذا ذاعَ سِرُّكَ مِنْ مُخْبَرٍ ... فأنْتَ مَتى لُمْتَهُ ألْومُ

ذمُّ مَنْ يُفشي السرَّ
يقولون: فلانٌ أضْيعُ للأسْرارِ مِنَ الغِرْبالِ للماء، وقال الحطيئة:
(2/70)

أغِرْبالاً إذا اسْتُودِعْتَ سِرّاً ... وكانوناً على المُتَحَدِّثينا
الكانون: الثقيلُ من الناس، وقيل: الكانون: الذي يجلس حتى يتحصَّى الأخْبارَ والأحاديثَ لينقلَها، قال أبو دَهْبَل:
وقدْ قطعَ الواشونَ بيني وبينَها ... ونحنُ إلى أنْ يُوصلَ الحبلُ أحْوجُ
فليتَ كَوانينا مِنَ اهْلي وأهْلها ... بِأجْمَعِهمْ في لُجَّةِ البَحْرِ لجَّجوا
وقالوا: فلانٌ أنمُّ منَ النسيمِ على الرِّياضِ. وقال ابنُ الروميِّ:
كأنَّ سِرِّيَ في أحْشائِه لَهَبٌ ... فما تُطيقُُ له طيّاً حواشيها

الأحوال التي يفشو فيها السرّ
قالوا إذا أردْتَ أنْ تُنزلَ الرَّجلَ عن سِرِّه فتوصَّلْ إليه في حال سُكْره
فالسُّكْرُ يُظْهِرُ سِرَّه المَكنونا

المُساررة في المحافل
قال سيدنا رسول الله: (إذا كنتم ثلاثةً فلا يَتناجى اثنانِ دون الثالث)
وكان مالك بن مِسْمَع إذا سارَّه إنسانٌ يقول: أظْهِرْه فلو كانَ خَيْراً لم يكن مَكتوماً، وهذا من قول زهير بن أبي سُلمى:
والسِّتْرُ دونَ الفاحِشاتِ ولا ... يَلْقاكَ دونَ الخَيْرِ مِنْ سِتْرِ
يقول: إنَّ بين الممدوحِ وبين الفاحشاتِ سِتراً من الحياء والتُّقى، ولا سِتْرَ بينَه وبينَ الخَيرِ يحْجُبه عنه
وقال الخُبْزَأرْزي:
إذا أنْتَ سارَرْتَ في مَجْلسٍ ... فإنّك في أهْلِه مُتَّهَمْ
فَهذا يقولُ: قدِ اغْتابَني ... وذا يَسْتَريبُ وذا يَتَّهمْ
(2/71)

المتبجِّح بإظهار أسرار أصدقائه
قالَ أعْرابيٌّ:
ولا أكْتُمُ الأسْرارَ لكنْ أنُمُّها ... ولا أدَعُ الأسْرارَ تَغلي على قلْبي
وإنَّ قليلَ العَقلِ مَنْ باتَ لَيْلَه ... تُقلِّبُه الأسْرارُ جَنْباً إلى جَنْبِ
وقال آخرُ:
ولا تودِعُ الأسْرارَ قلبي فإنّما ... تَصُبَّنَّ ماءً في إناءٍ مُثلَّمِ
وقال رجلٌ لصديقٍ له: أريدُ أنْ أفشيَ إليك سِرّاً تَحْفَظُه، فقال: كلا لستُ أشْغَلُ قلبي بِنَجْواكَ، ولا أجْعلُ صَدْري خِزانَةَ شَكْواك، فيُقْلِقَني ما أقْلَقَك، ويُؤَرِّقَني ما أرَّقَك، فتبيتَ بإفشائِه مُسْتَريحاً ويبيتَ قلبي بِحَرِّه جَريحاً. . . ولَعَمْري ما أصدقَ هذا وأكثرَه انطباقاً على الواقعِ! وفي الحقِّ أن هذا وأمثالَه يجبُ أنْ يكونَ عِظةً لِمَنْ لا يُطيقونَ كِتْمانَ أسْرارِهِمْ

الرُّخصة في إفشاء السرّ إلى الصديق
قال بعض الشعراء:
وأبْثَثْتُ عَمْراً بَعْضَ ما في جَوانِحي ... وجَرَّعْتُه مِنْ مُرِّ ما أتَجَرَّعُ
فلا بُدَّ مِنْ شَكْوى إلى ذي حَفيظةٍ ... إذا جَعَلَتْ أسْرارُ نَفْسي تَطَلَّعُ
(2/72)

وقال أبو تمام:
شَكَوْتُ وما الشَّكْوى لِمِثليَ عادةٌ ... ولكِنْ تَفيضُ الكأسُ عِنْدَ امْتِلائِها
وقالوا: لا يزالُ المَرْءُ في كُرْبةٍ ووَحْشةٍ ما لَمْ يجدْ مَنْ يشكو إليه. . . وممّا يتصل بهذا أنْ يخبرَ المريضُ طَبيبَه بِكُنْه دائِه.
وقال محمود الوراق:
إذا كَتمَ الصديقُ أخاه سِرّاً ... فما فَضْلُ الصَّديقِ على العَدوِّ

عبقريات شتى في كتمان السر
قال المُهلَّب بن أبي صُفرة: أدنى أخلاقِ الشريف كتمانُ السرّ، وأعلا أخلاقِه نسيانُ ما أسِرَّ إليه.
ويُروى أنّ معاوية بن أبي سفيان أسرَّ إلى ابنِ أخيه عثمانَ بنِ عنبسة بن أبي سفيان حديثاً، قال عثمان: فجِئْتُ إلى أبي فقلت: إنّ أميرَ المؤمنينَ أسرَّ إليَّ حديثاًََََََ أفأحدِّثُك به فقال: لا، إنّه من كتمَ حديثَه كانَ الخيارُ إليه ومنْ أظْهَره كانَ الخيارُ عليه، فلا تَجْعلْ نفسَك مَمْلوكاً بعدَ أنْ كُنْتَ مالِكاً، فقلت له: أوَيَدْخلُ هذا بينَ الرَّجلِ وأبيه؟ فقال: لا، ولكنّي أكْرَه أنْ تُذلِّلَ لِسانَك بإفْشاءِ السرّ! قال: فرجعت إلى معاوية فذكرْتُ ذلك له، فقال معاوية: أعْنَقك أخي من رِقِّ الخطإِ. . . .
وكان معاوية يقول: أعِنْتُ على عليٍّ رحمه الله بأربعٍ: كنتُ رجلاً
(2/73)

أكْتمُ سرّي، وكان رجلاً ظُهَرَةً وكنْتُ في أطْوَعِ جندٍ وأصْلحِه، وكان في أخْبثِ جندٍ وأعْصاه، وتركْتُه وأصحابَ الجملِ وقلتُ: إنْ ظَفِروا به كانوا أهْونَ عليَّ منه، وإنْ ظَفِرَ بهم اعتَدَدْتُ بِها علَيْه في دينه، وكنتُ أحبَّ إلى قُريْشٍ منه. . .
وجاء رجلٌ إلى القاضي شُرَيح فكلّمه بشيءٍ وأخفاه، فلما خرجَ قال له رجلٌ: يا أبا أميّةَ، ما قال لكَ؟ قال: يا ابنَ أخي، أوَ ما رأيتَه سَتَرَه عنك!
وأسرَّ رجلٌ إلى صديقٍ له حديثاً فلما استقصاه قال: أفهِمْتَ؟ قال: لا، بل نَسيتُ. .
وقال عبيدُ الله بن عبد الله بن عتبةَ بن مسعود الفقيه:
إذا كان لي سِرٌّ فَحَدَّثتُه العِدا ... وضاقَ به صَدْري فَلَلناسُ أعْذَرُ
هُوَ السِّرُّ ما اسْتُودِعْتَه وكَتَمْتَه ... ولَيْسَ بِسرٍّ حينَ يفشو ويَظْهرُ
ويقال: إذا انتهى السرُّ مِن الجَنانِ إلى عَذَبةِ اللّسانِ فالإذاعةُ مُستوليةٌ عليه. . . .
وقال عمر بن عبد العزيز: القلوبُ أوعيةٌ للأسْرارِ، والشِّفاهُ أقفالها والألسنُ مفاتيحُها، فلْيَحْفظ كلُّ امْرئٍ مِفتاحَ سِرِّه. . . .
وقال شاعر:
صُنِ السِّرَّ عَنْ كُلِّ مُسْتَخْبِرٍ ... وحاذِرْ فما الحَزْمُ إلا الحَذَرْ
أسيرُك سِرُّك إنْ صُنْتَه ... وأنْتَ أسيرٌ له إنْ ظَهَرْ
وقال جَميلُ بن مَعْمَر:
(2/74)

أموتُ وألقى اللهَ يا بَثْنُ لمْ أبُحْ ... بِسِرِّك والمُسْتَخْبِرونَ كَثيرُ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
ولمّا تلاقَيْنا عَرَفْتُ الّذي بِها ... كَمِثْلِ الذي بي حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ
فقالتْ وأرْخَت جانِبَ السِّتْرِ إنّما ... مَعي فتَكلَّمْ غيرَ ذي رِقْبةٍ أهْلي
فقلتُ لها ما بي لهمْ مِنْ تَرقُّبٍ ... ولكنَّ سِرِّي ليسَ يَحْمِلُه مثلي
يُريد: أنه ليس يحمله أحدٌ مثلي في صيانتِه وستره، أي فلا يبديه لأحدٍ
وقال شاعر:
أخْفِضِ الصَّوْتَ إنْ نَطقْتَ بِلَيْلٍ ... والْتَفِتْ بالنَّهارِ قبلَ الكلامِِ
وقال مسلم بن الوليد صريعُ الغواني في الكتاب يأتيك فيه السرّ:
الحَزْمُ تَخْريقُه إنْ كنتَ ذا حَذرٍ ... وإنّما الحَزْمُ سوءُ الظّنِّ بالنّاسِ
إذا أتاكَ وقدْ أدَّى أمانَتَه ... فاجْعلْ صيانَتَه في بَطْنِ أرْماسِ
أرْماس جمع رَمْس وهو القبر، والمراد إخفاؤه وتعفيتُه حتى لا يبقى له أثر
وقال المعرّي:
فظُنَّ بِسائِرِ الإخْوانِ شَرّاً ... ولا تَأمَنْ على سِرٍّ فُؤادا
وقبله:
نلومُ على تَبلُّدِها قُلوباً ... تُكابدُ مِن مَعيشتِها جِهاداً
إذا ما النَّارُ لمْ تُطعَمْ وَقوداً ... فأوْشِكْ أنْ تمُرَّ بِها رَمادا
فظُنَّ. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . البيت
وبعده:
فلَوْ خَبَرَتْهمُ الجَوزاءُ خُبْري ... لَما طلَعَتْ مَخافَة أنْ تُكادا
(2/75)

عبقرياتهم في المشورة
والاستبداد بالرأي
المشورة مشتقة من: شُرْتُ الدابةَ: إذا أجْرَيْتَها لِتَعرفَ قوّتها، وهي: استنباطُ المرءِ رأيَ غيره فيما يعرض له من الأمور المُعْضلة. حتى ينبثقَ له حاقُّ الأمْر. . ونِعْمَت العُدَّة هي إذا كان المستشارُ صديقاً مَجرَّباً حازِماً ناصِحاً رابطَ الجأشِ غيرَ مُعجبٍ بنفسه ولا متلوِّنٍ في رأيِه ولا كاذبٍ في مَقاله - فإنَّ مَنْ كَذَبَ لسانُه كذبَ رأيُه - فارغَ البال حينَ استشارته:
فأنْفعُ مَنْ شاوَرْتَ مَنْ كانَ ناصِحاً ... شَفيقاً فأبْصرْ بَعْدَها مَنْ تُشاوِرُ
وليسَ بِشافيكَ الشَّفيقُ ورأيُه ... عَزيبٌ ولا ذو الرّأيِ والصَّدْرُ واغِرُ
وأيضاً:
وما كُلُّ ذي لُبٍّ بِمُؤتيكَ نُصْحَه ... وما كلُّ مُؤتٍ نُصْحَه بِلَبيبِ
ولكنْ إذا ما اسْتَجْمَعا عندَ واحدٍ ... فحُقُّ له مِنْ طاعَةٍ بِنَصيبِ

مدح المشورة
أمرَ اللهُ عزَّ وجل نبيَّه صلواتُ الله عليه بمشاوَرةِ مَنْ هو دونه من أصحابه فقال سبحانه:
{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} ذَهب المفسِّرون إلى أنّ اللهَ تعالى لم يأمر نبيَّه بمُشاورةِ أصْحابِه لِحاجةٍ منه إلى رأيهم ولكن ليُعلَمَ ما في المُشاورة من البركة والنّماء، وقيل: أمَرَه
(2/76)

بذلك تألُّفاً لهم وتطييباً لنُفوسِهم، وقيل: ليَسْتَنَّ بذلك المسلمون. . . وقال سبحانه: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}
وفي الأثر: والمشاورةُ حِصنٌ مِنٌ الندامة وأمْنٌ من الملامةِ وقالوا: ما هلكَ امْرؤٌ عن مشورة
وقال عمر بن الخطاب: الرأيُ الفرْدُ كالخيطِ السَّحيلِ، والرَّأيان كالخَيْطينِ المُبْرَمين، والثلاثةُ مِرارٌ لا يكاد يُنْتَقضُ. . .
السحيل: الخيط غير المفتول، والمِرار: الحبل الذي أجيدَ فتلُه
وقالوا: نصفُ رأيِك مع أخيك فاسْتَشِرْه. . .

حثهم على مُشاورةِ الحازمِ اللبيب
قال بَشار بن بردٍ:
إذا بلغَ الرأيُ المَشورةَ فاسْتَعِنْ ... بِعَزْمِ نَصيحٍ أو بِتأييدِ حازِمِ
ولا تَجْعلِ الشُّورى عليكَ غَضاضةً ... مَكانُ الخوافي نافِعٌ للقَوادِمِ
وخَلِّ الهُوَيْنى للضَّعيفِ ولا تَكُنْ ... نَؤوماً فإنَّ الحَزْمَ ليسَ بِنائِمِ
وما خَيْرُ كَفٍّ أمْسكَ الغُلُّ أخْتَها ... وما خَيْرُ سيفٍ لم يُؤَيَّدْ بقائِمِ
وأدْنِ مِنَ القُرْبى المُقَرِّبَ نَفْسَه ... ولا تُشْهِدِ الشّورى امْرأً غيرَ كاتِمِ
فإنّك لا تَسْتَطْرِدُ الهمَّ بالمُنى ... ولا تَبلغُ العُليا بغيرِ المَكارِمِ
(2/77)

إذا كنْتَ فَرْداً هَرَّكَ الناسُ مُقبِلاً ... وإنْ كنتَ أدْنى لم تَفُزْ بالعَزائِمِ
وما قَرَعَ الأقوامَ مثلُ مُشيَّعٍ ... أريبٍ ولا جلَّى العَمى مثلُ عالِمِ
قال الأصمعيّ: قلت لبشار: إني رأيت رجالَ الرأي يتعجبون من أبياتِك في المشورة؛ فقال: أما علِمْتَ أنّ المُشاورَ بين إحدى الحُسنَيَيْن: بين صوابٍ يفوز بثمرته أو خطأٍ يُشارَك في مكروهه؛ فقلتُ أنت والله أشعرُ في هذا الكلام منك في الشعر.

استشارة الكبار والصغار ومن يُعْتمد على مَشورته ورويَّته
كانتِ العربُ تحمدُ آراءَ الشيوخ؛ لتقدُّمها في السِّنِّ، ولِما مرَّ عليها من التجارِب التي عَرفت بها عواقبَ الأمورِ حتى كأنها تنظرُها عِياناً، وطرأ عليها من الحوادث التي أوضحت لها
طريقَ الصوابِ وبيّنَتْه تِبياناً، ولِما مُنِحَتْه من أصالةِ رأيِها، واستفادتِه بجميل سعيها، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: رأيُ الشيخ خيرٌ من مَشهدِ الغُلام. ومن أمثالهم زاحِمْ بعَوْدٍ أو دَعْ
وقال بعضُ الحكماءِ: عليك بِمَشورة من حلَبَ أشْطُرَ دهره، ومرّت عليه
(2/78)

ضروبُ خيرِه وشرِّه، وبلغَ من العمرِ أشُدَّه، وأورت التجربةُ زندَه، واستشار زياد بن أبيه رجلاً، فقال الرجل: حقُّ المستشارِ أنْ يكونَ ذا عقلٍ وافر، واختبارٍ مُتَظاهر، ولا أُراني كذلك.
وقال ابن الرُّوميِّ يمدح يحيى بن عليٍّ المنجم:
ألْمَعيٌّ يَرى بأوَّلِ ظَنٍّ ... آخِرَ الأمْرِ مِنْ وَراءِ المَغيبِ
لا يُرَوّي ولا يُقلِّبُ كَفّاً ... وأكُفُّ الرِّجالِ في تَقْليبِ
وقال:
تُراهُ عَنِ الحَرْبِ العَوانِ بِمَعْزَلٍ ... وآراؤُه فيها وإنْ غابَ شُهَّدُ
كَما احْتَجَبَ المِقْدارُ والحُكمُ حُكْمُه ... على الخلْقِ طُرّاً لَيْسَ عَنْه مُعَرَّدُ
وقال إبراهيم بن العباس الصُّوليّ في الفضل بن سهل:
يُمْضي الأمورَ على بَديهَتِه ... وتُريهِ فِكْرتُه عَواقِبَها
فيَظلُّ يُصْدرها ويُورِدها ... فيَعُمُّ حاضِرَها وغائِبَها
وإذا الحُروبُ غَلَتْ بَعَثْتَ لها ... رَأياً تَفُلُّ بهِ كَتائِبَها
رأياً إذا نَبَتِ السُّيوفُ مَضى ... عزمٌ بها فَشَفى مَضارِبَها
وإذا الخُطوبُ تأثَّلَتْ ورَسَتْ ... هَدّتْ فواصِلُه نوائِبَها
وإذا جَرتْ بِضَميرِه يدُه ... أبْدَتْ به الدُّنْيا مَناقِبَها
وقبلَهما قال أوسُ بن حجر:
الألْمَعَيُّ الذي يَظُنُّ بِكَ الظَّ ... نَّ كأنْ قدْ رأى وقدْ سَمِعا
وقال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) في عبد الله بن عباس؛ إنَّه لينظرُ إلى الغيبِ من سِتْرٍ رقيق
(2/79)

وقال الشاعر:
بَصيرٌ بأعْقابِ الأمورِ كأنَّما ... يَرى بِصَوابِ الرَّأيِ ما هُوَ واقِعُ
وقال الآخر في مثله:
عَليمٌ بأعْقابِ الأمورِ بِرَأيِه ... كأنَّ له في اليَوْمِ عَيْناً على الغَدِ
وقال:
بَصيرٌ بأعْقابِ الأمورِ كأنَّما ... يُخاطِبُه مِنْ كُلَِّ أمْرٍ عَواقِبُهْ
وأيْنَ مَقرُّ الحَزْمِ مِنْهُ وإنّما ... مَرائي الأمورِ المُشكلاتِ تَجارِبُهْ
ولقَدْ بالَغوا في الحثِّ على مشاورة ذوي الرأي والتجربة حتى ولَوْ كانوا أعداءً، قال ابن المقفع في كليلة ودمنة: لا ينبغي للعاقل أن يتركَ استشارةَ عدوّه ذي الرأي فيما يُشْركه ذلك العدوُّ في نفعِه وضرِّه. . .
وقالوا: اسْتَشِرْ عَدوَّك تَعْرفْ مِقدارَ عداوَتِه. . .
وقد رأى قومٌ خلافَ ذلك وذهبوا إلى أنّ رأيَ الشباب هو الرأي الصائِب، وفهمُهم هو الفهم الثاقب، إذْ أنّ عقولَهم سليمةٌ من العوارض، وآراءَهم خَضِرةٌ نَضِرةٌ لم يَهْتَصِرْ غُصْنَها هرمٌ، ولا أذوى زهرَتَها قِدَمٌ ولا خَبا من ذَكائِها بطول المُدّة ضرمٌ. قالوا: إنّ رأي الشَّيخ كالزّند قد انْثلم، أمّا رأي الشاب فكالزّندِ الصحيح الذي يُورى بأيسرِ اقْتِداح وقال الشاعر:
رأيتُ العقلَ لمْ يكنِ انْتِهاباً ... ولمْ يُقْسمْ على عَددِ السِّنينا
ولَوْ أنّ السنينَ تقسَّمتْه ... حَوى الآباءُ أنْصِبةَ البَنينا
(2/80)

من يجب أن تجتنب استشارتَه
قال قسُّ بن ساعدة الإيادي لابنه: لا تشاوِرْ مَشْغولاً وإنْ كانَ حازِماً ولا جائِعاً وإنْ كان فَهِماً، ولا مَذْعوراً وإنْ كان ناصِحاً، ولا مَهْموماً وإن كان عاقِلاً، فالهُّم يَعْقِل العقلَ فلا يتولَّد منه رأيٌ ولا تصدق به رَوِيّة. . .
وقالوا: لا تُدْخل في مشورتِك بخيلاً فيقصِّرَ بِفعْلك، ولا جَباناً فيخوِّفَك، ولا حريصاً فيَعِدَك ما لا يُرجى، وإنّ البخلَ والجبنَ والحرصَ طبيعةٌ واحدةٌ يجمعها سوءُ الظَّنِّ باللهِ. . .
وقالوا: لا تُشاوِرْ مَنْ لَيْسَ في بيتِه دَقيق. . .
وكان كِسرى إذا أرادَ أنْ يَسْتشيرَ إنساناً بَعثَ إليه بِنفقةِ سَنَةٍ ثم يَستشيرُه.
وقال عليٌّ رضي الله عنه: إيّاك ومشاورةَ النِّساء فرأيُهنَّ إلى أفْنٍ وعزمُهنَّ إلى وَهْن. . . وورد في الأثر: شاوِروهُنَّ وخالِفوهُنَّ. . .

وجوب نَصيحةِ مُستشيرِك
قال سيِّدُنا رسولُ اللهِ: (المستشارُ مُؤتَمنٌ). . .
وقال صلواتُ اللهِ عليه: (الدَّينُ النَّصيحةُ، قالوا: لِمَنْ يا رسولَ الله؟ قال: للهِ ولِكتابِه ولِرسوله ولأئِمّة المسلمينَ وعامَّتِهم). . .
قال ابنُ الأثيرِ في النِّهاية: النَّصيحةُ كلمةٌ تُعبّرُ عن جملةٍ هي: إزادةُ الخيرِ لِلمَنْصوحِ له، ولَيْسَتْ كَلِمةٌ تُعبِّرُ عَنْ هذا المَعْنى سِواها، وأصلُ النُّصحِ في اللُّغة. الخُلوص، يقال: نصحته ونَصحْتُ له. . هذا: والنصيحةُ لله: الإيمانُ بهِ
(2/81)

وطاعةُ أمْره واجْتنابُ نَهْيِه، ومُوالاةُ مَنْ أطاعَه، ومُعاداةُ مَنْ عَصاه وما إلى ذلك مِمّا تَرْجعُ عائدتُه في الحقيقة إلى العبد، فهي نصيحةٌ إلى نفسه وكسبُ خيرٍ لها؛ والنصيحةُ لكتابه: الإيمانُ بأنّه من عند الله، وتحليلُ ما حلَّله وتحريمُ ما حرَّمه، والاهْتداءُ بما فيه، إلى أمثالِ ذلك؛ والنصيحةُ للرسول: تَصديقُه والاسْتنانُ بسُنَّتِه، إلى آخره؛ والنصيحةُ لأئِمّة المسلمين - والمُراد بهم أولوا الأمْر - إعانتُهم على الحَقِّ ونُصْحُهم في رفقٍ وعدلٍ، إلى آخره، والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادُهم إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة.
وقال حكيم: لا تُشيرَنَّ على عدوِّك وصديقِك إلا بالنَّصيحة، فالصديقُ تقضي بذلك حَقّه والعدوُّ يَهابُك إذا رأى صوابَ رأيك. . .
وقال آخر: إذا استشارك عدوُّك فجرِّد له النصيحةَ، لأنّه بالاستشارةِ قد خرج من عداوتِك إلى مُوالاتك. .
ويُروى: أنّ زيادَ بنَ أبيه كتب إلى معاويةَ: يا أمير المؤمنين، قد ضبطْتُ لك العراق بشِمالي وفرغَتْ يميني لطاعتِك، فولِّني الحجازَ، فبلغَ ذلكَ الرجلَ الصالحَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ رضي الله عنه، - وكان مُقيماً بمكة - فقال: اللهمَّ اشْغلْ عنّا يمينَ زياد، فأصابه الطاعونُ في يمينه، فجمع الأطباءَ واستشارَهم، فأشاروا عليه بقَطْعِها، فاستدعى القاضي شُرَيْحاً وعرضَ عليه ما أشار به الأطِبَّاء، فقال: لك رزقٌ معلومٌ، وأجلٌ محتومٌ، وإنّي أكره إنْ كانت لك مدّة أنْ تعيشَ في الدنيا بلا يمين، وإنْ كانَ قد دنا أجلُك أن تلقى ربَّك مقطوعَ اليدِ، فإذا سألك لِمَ قطعْتَها قلتَ: بُغْضاً في لقائِك، وفِراراً من قضائِك، فمات زيادٌ من يومِه، فلامَ الناسُ شُرَيْحاً على منعه من القطع، لبُغْضِهمْ زياداً، فقال: إنّه استشارَني والمُستشارُ مؤتمن.
(2/82)

ولولا الأمانةُ في المشورة لَوَدِدْتَ أن تُقطعَ يدُه يوماً ورجلُه يوماً وسائرُ جسدِه يَوْماً يوماً. . . . . .

الحثّ على قبول النصح وإن كان مُرّاً
قالوا: من أحبّك نَهاك، ومن أبْغَضَك أغْراكَ
وقال بعضُ الحكماءِ: من أوْجَرَكَ المُرَّ لتَبْرأ أشفقُ عليك مِمّنْ أوْجَرَك الحلوَ لتسقمَ. يقال: أوْجَرَه الدواء: سقاه إيّاه. والوَجور: الدواء الذي يُصبُّ في الفم

عتاب من لم يقبل النصح
قالوا: من لم يقبل رأيَ أصحابه وإن أحْزَنوه عاد ضررُه عليه، كالمريض الذي يتركُ ما يصف لهُ الطبيبُ ويعمِدُ إلى ما يشتهيه فيهلك. وقال الله تعالى حكاية عن صالح: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}
وقال العَرْجيُّ:
عَرضْتُ نصيحةً منّي ليحيى ... فقال: غَشَشْتَني والنُّصحُ مُرُّ

ضياع النصح لمن لا يقبله
قال الشاعر:
وما خيرُ نصحٍ قيلَ لا يُتَقبَّلُ
(2/83)

وقال غيره:
إن كانَ حمْدي ضاع في نُصْحِكم ... فإنّ أجْري ليسَ بالضّائِعِ
وقيل: أخذ رجلٌ ذئباً فجعل يَعِظه ويقول له: إيّاك وأخذَ أغنامِ الناسِ فيعاقِبَك اللهُ، والذئب يقول: خفِّف واخْتصر فقُدَّامي قطيعٌ من الغَنمِ لِئلا يفوتَني. . .

معاتبة من يستنصح الناس ويستغشّ الناصح
قال عبد الله بن هَمّام السَّلوليُّ:
وقد يَسْتَغِشُّ المَرْءُ مَنْ لا يَغُشّه ... ويأمَنُ بالغيبِ امْرأً غيرَ ناصِحِ
وقال أيضاً:
ألا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّه لك ناصِحٌ ... ومُؤتَمَنٍ بالغيبِ غيرُ أمينِ
تغتشّه: تعدُّه غاشّاً لك
وقال غيره:
نَصَحْتُ فلَمْ أفلِحْ وغَشّوا فأفلَحوا ... فأنْزَلني نُصحي بِشرِّ مَكانِ
(2/84)

وقال يزيد بن الحكم الثقفي من قصيدةٍ جيدة في بابها يعاتب ابن عمه عبد الرحمن بن عثمان بن العاص وأولُها:
تُكاشِرُني كُرْهاً كأنَّك ناصِحٌ ... وعَيْنُكَ تُبدي أنَّ صدْرَك لي دَوي
لِسانُكَ لي أرْيٌ وغيبُك عَلْقَمٌ ... وشَرُّكَ مبسوطٌ وخيرُك مُنْطوي
تُصافِحُ مَنْ لاقيتَ لي ذا عَداوةٍ ... صِفاحاً وغَيِّي بينَ عَيْنَيْكَ مُنْزَوي
تُفاوِضُ مَنْ أطْوي طَوى الكَشْحِ دونَه ... ومِنْ دونِ مَنْ صافَيْتُه أنْتَ مُنْطوي

الناصح متهم
من أمثالهم: المبالغةُ في النصيحة تهجمُ بِكَ على عَظيم الظِّنَّة. الظِّنَّة: التُّهمة وقال أكثمُ بن صيفيٍّ: إيّاكم وكثرةَ التنصُّحِ فإنّه يورِّثُ التُّهْمة التّنصُّح: كثرة النصح وقال قائلهم:
وقد يستفيد الظِّنَّةَ المُتَنَصِّحُ
(2/85)

وشاور المأمون يحيى بنَ أكثم، فكانَ الرأيُ مُخالِفاً لِهوى المأمون، فقال يحيى: ما أحدٌ بالغَ في نصيحةِ المُلوك إلا اسْتَغَشّوه، قال: ولِمَ يا يحيى؟ قال: لِصَرْفِه لهمْ عمّا يُحبُّونَ إلى ما لعلَّهم يَكرهون في الوقت! والهوى إلهٌ مَعْبود!

وصف غاش في نصحه
من أمثالهم في الذي ينصح القومَ وهو غاشٌّ: أنْتَ شَوْلةُ الناصِحةُ
قال ابن السِّكيت: كانتْ شوْلَةُ أمةً رَعْناءَ تنصحُ لمَواليها فتعودُ نصيحتُها وبالاً عليهم، لحُمْقِها.
وقال معاوية يوماً لعمرِو بنِ العاص: هل غَشَشْتَني مُذ اسْتَنْصَحْتُك؟ قال: لا، فقال: ولا يومَ أشرْتَ عليَّ بمبارزةِ عليّ وأنْتَ تعلمُ مَنْ هو؟ فقال: كيفَ وقدْ دعاكَ رجلٌ عظيمُ الخَطرِ كنت من مُبارزتِه إلى إحْدى الحُسْنَيَيْن!! إنْ قتلتَه فُزْتَ بالمُلكِ وازْدَدْتَ شرفاً إلى شرفٍ، وإنْ قتلَك تَعجَّلْتَ من اللهِ تعالى ملاقاةَ الشهداءِ والصَّدِّيقين! فقال: وهذه أشدُّ من الأولى! فقال: أوَ كُنْتَ مِنْ جِهادِك في شكٍّ؟ فقال: دَعْني من هذا. . .
وقال شاعر:
أعاذِلَ إنَّ نُصحَكِ لي عَناءٌ ... فحَسْبُكِ قدْ سَمِعْتُ وقدْ عَصَيْتُ

الاستبداد وكراهة المشورة
ومن الناس من آثر الاستبدادَ برأيِه وكَرِه أنْ يستشيرَ، قال المُهلّب بن أبي صفرة: لو لمْ يكنْ في الاستبدادِ بالرأيِ إلا صونُ السِّرِّ وتوفيرُ
(2/86)

العقل لوجب التَّمسُّكُ به. . . وقال عبد الملك بن صالح: ما اسْتَشَرْتُ أحداً قطٌّ إلا تكبَّرَ عليَّ وتصاغَرْتُ له، ودخلَتْه العِزّةُ ودَخلَتْني الذِّلَّةُ، فعليكَ بالاسْتِبْدادِ، فإنَّ صاحبَه جليلٌ في العُيون، مَهيبٌ في الصُّدورِ، واعْلمْ أنّكَ مَتى اسْتَشَرْتَ تَضَعْضَعَ شأنُك، ورَجَفَتْ بكَ أركانُك؛ وما عزَّ سلطانٌ لم يُغْنِه عقلُه عن عقولِ وزرائِه، وآراءِ نُصَحائه؛ فإيّاك والمشورةَ وإنْ ضاقَتْ عليكَ المذاهبُ، واشتبَهَتْ لديكَ المَسالك.
ورَوَوْا: أنّ أبا جعفرٍ المنصور كان يَستشيرُ أهلَ بيتِه حتّى مدَحَه ابْن هَرْمة بقوله:
يَزُرْنَ امْرأً لا يُصْلِحُ القومُ أمْرَه ... ولا يَنْتَجي الأدْنَيْنَ فيما يُحاوِلُ
فاستوى جالِساً وقال: أصبْتَ واللهِ! واستعادَه، وما اسْتَشار بعدها.
وقال بعضُ جُلساءِ هارونَ الرشيد. أنا قتلتُ جعفرَ بنَ يحيى البَرْمكي وذلك أنّي رأيْتُ الرشيدَ وقدْ تَنفَّسَ تَنفُّساً مُنكراً فأنشدت في إثْر تَنَفُّسه:
واسْتَبدَّتْ مَرّةً واحِدةً ... إنّما العاجِزُ مَنْ لا يَسْتَبِدْ
فأصْغى إليه واسْتَعادَه، ثم قتل جعفراً. . . .
(2/87)

وكانتِ الفرسُ والرومُ مختلفينَ في الاستشارة، فقالَتْ الرُّومُ: نحنُ لا نُمَلِّكُ من يَحْتاجُ إلى أن يستشيرَ، وقالت الفرسُ: ونحنُ لا نُمَلِّكُ مَنْ يَستَغْني عَنِ المُشاورة، وقَدْ فُضِّلَ الفُرْسُ لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}.

المتفادى من أن يُستشار
ومن الناس من يكرَه أن يُشير: استشار عبدُ الله بنُ عليٍّ عبدَ اللهِ بنَ المقفَّع فيما كان بينه وبين أبي جعفر المنصور، فقال ابن المقفع: لَسْتُ أقودُ جيشاً، ولا أتقلَّد حَرْباً، ولا أشيرُ بِسَفْكِ دمٍ، وعثرةُ الحَرْبِ لا تُسْتَقال، وغيري أوْلى بالمَشورةِ في هذا المكان. . .
واجْتَمعَ رُؤساءُ بني سعدٍ إلى أكثمَ بنِ صيفي يَسْتشيرونَه فيما دَهمَهُمْ يومَ الكُلاب، فقال: إنّ وهنَ الكِبَرِ قد فَشا في بَدني، وليسَ معي من حِدَّةِ الذِّهْنِ ما أبْتدِئُ بهِ الرأيَ، ولكن اجتمعوا
وقولوا، فإنّي إذا مَرَّ بي الصوابُ عَرَفْتُه.

الأناةُ والرَّويَّةُ والعَجلة
مَدْحُ الأناة والروية وذمّ العجلة
وكانوا يمدحون الأناةَ في الرأي وإجالةَ الفكرةِ فيه وعدم التسرع.
كان عبد الله بنُ وَهْبٍ الراسيُّ يقول: إيّايَ والرأيَ الفطير! وكان يستعيذُ باللهِ من الرّأيِ الدَّبَرِيّ. الفطير: كلُّ ما أعْجِلَ عن إدْراكِه، تقول فَطَرْتُ العجينَ، وهو
(2/88)

أن تعجنَه ثُمّ تَخْتَبِزَه من ساعته. والدَّبْريّ: الذي يَسنَحُ بَعْدَ الفوتِ يقال: شرُّ الرأيِ الدَّبَرَيّ، وهو الذي يَسْنَحُ أخيراً عِنْدَ فوتِ الحاجة، أيْ أنَّ شَرَّه إذا أدبرَ الأمرُ وفات، ومن ذا قولُهم: عَرفَ الأمر تَدَبُّراً، أي بأَخَرَةٍ قال جرير:
ولا تَتَّقونَ الشَّرَّ حتّى يُصيبَكم ... ولا تَعْرفونَ الأمْرَ إلا تَدبُّرا
ويقال: إنّ فُلاناً لو اسْتَقبلَ مِن أمرِه ما اسْتَدْبَرَه لَهُدي لِوِجْهةِ أمْرِه، أي لو علمَ في بدء أمره ما علمه في آخره لاسْتَرْشَدَ لأمْرِه وكان عامر بنُ الظّرِبِ حكيمُ العربِ يقول: دَعوا الرأيَ يغِبْ حتّى يختمرَ، وإيّاكم والرأيَ الفطيرَ! يريدُ الأناةَ في الرأيِ والتثبُّتَ فيه. وقال الشّعبيّ - عامر ابْنُ شراحيل -: أصابَ مُتأمِّلٌ أو كاد، وأخْطأ مُسْتَعْجِلٌ أو كاد المتأمّل: المُتثبّت تقول: تأمل فلان: إذاً تثبّت ونَظَرَ في الأمر وقال شاعر:
تأنَّ وشاوِرْ فإنَّ الأمو ... رَ مِنْها مُضيءٌ ومُسْتَغْمِضُ
فَرَأيانِ أفضلُ مِنْ واحدٍ ... ورأيُ الثلاثةِ لا يُنْقَضُ
وقال المتنبي:
الرأيُ قبلَ شَجاعةِ الشُّجْعانِ ... هُوَ أوَّلٌ وهْيَ المَحَلُّ الثّاني
فإذا هُما اجْتَمَعا لِنَفْسٍ مُرّةٍ ... بَلَغَتْ مِنَ العلياءِ كُلَّ مَكانِ
ولَرُبَّما طَعنَ الفتى أقْرانَه ... بالرأيِ قبلَ تَطاعُنِ الأقْرانِ
(2/89)

لولا العقولُ لكانَ أدْنى ضَيْغَمٍ ... أدْنى إلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسانِ
ولمّا تَفاضَلَتِ العُقولُ ودَبَّرَتْ ... أيدي الكُماةِ عواليَ المُرَّانِ
وفي الأثرِ: ما دَخَلَ الرِّفْقُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا الخُرق إلا شانَه.
وقال القطامي:
قد يُدْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجتِه ... وقدْ يكونُ معَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقال:
وخيرُ الأمْر ما اسْتقْبَلْتَ مِنْه ... وليسَ بأنْ تَتَبَّعَه اتِّباعا
وقبله:
ومعصيةُ الشَّفيقِ عليكَ ممّا ... يَزيدُك مرةً منه اسْتِماعا

مدح العجلة وانتهاز الفرص
وهناك من الخُطوبِ ما تُمدح فيه العجلةُ: قيل لأبي العَيْناء: لا تعجل فالعَجلةُ من الشيطان! فقال: لو كانَ ذلك كذلك لَما قال نبيُّ اللهِ موسى {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} وقال معاوية: ما من شيءٍ يَعْدِلُ التثبُّتَ! فقال الأحنفُ بنُ قيس: إلا أنْ تُبادرَ بالعمل الصالح أجَلك. . .
(2/90)

وقالوا المتأنّي في علاج الدَّاء، بَعْدَ أن عرف الدواء، كالمتأني في إطفاءِ النار وقد أخذَتْ بِحواشي ثِيابه. . . وسأل أبو عليٍّ البصيرُ بعضَ الأمراءِ حاجةً: فقال له: رُحْ إلى وقْتِ العصر فجاء وقتَ الظهر، فقال: ألمْ أعِدْك وقتَ العَصْر؟ فقال: نعم، ولكن رأيتُ الإفراطِ في الاسْتِظْهارِ أحْمدَ من الاستظهارِ في التواني. . . والاستظهار هنا معناه: الاحتياطُ والاستيثاق
ومِنْ قولِهمْ في انْتهازِ الفرصِ: الهيبةُ خيبةٌ والفرصة تَمُرُّ مرَّ السّحابِ. . .
وقالوا: انتهزِ الفرصةَ قبل أنْ تعودَ غصَّةً. وقالوا: الافتراض اقتناص. .

عبقريات شتى في المشورة
قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - شاعر ضخمٌ أدرك الدولة العباسية -:
إذا كنْتَ في حاجَةٍ مُرْسِلاً ... فأرْسِلْ حَكيماً ولا تُوصِهِ
وإنْ بابُ أمْرٍ عليكَ الْتَوى ... فشاوِرْ لَبيباً ولا تَعْصِهِ
ولا تَنْطِقِ الدَّهْرَ في مَجلسٍ ... حَديثاً إذا أنْتَ لمْ تُحْصِهِ
ونُصَّ الحديثَ إلى أهْلِه ... فإنَّ الوثيقةَ في نَصِّهِ
وإنْ ناصِحٌ منك يَوْماً دَنا ... فلا تَنأ عَنْهُ ولا تُقْصِهِ
وكَمْ مِنْ فَتًى شاخِصٍ عقلُه ... وقد تَعْجَبُ العينُ مِنْ شَخْصَهِ
وآخَرَ تَحْسَبُه جاهِلاً ... ويأتيكَ بالأمْرِ مِنْ فُصِّهِ
(2/91)

وقال ابنُ المقفَّع: لا يُقْذَفنَّ في روعِك أنّك إذا اسْتشرْتَ الرجالَ ظهر للناسِ منكَ الحاجةُ إلى رأيِ غيرِك فتَنْقَطِعَ بذلك عن المَشورة، فإنّك لا تريدُ الرأيَ لِلْفَخْرِ ولكن للانتفاعِ به، ولو أنّك أردْتَ الذِّكْرَ لكانَ أحسنُ الذِكر عند الألِبَّاءِ أنْ يُقال: لا يَنفردُ برأيِه دون ذَوي الرأيِ من إخْوانه. . . .
ولما سار سيّدُنا رسولُ اللهِ إلى قريشٍ في غَزاةِ بدرٍ نزل صلى الله عليه وسلم أدنى ماءٍ من مياه بدر، فقال له الحباب بنُ المُنذر: يا رسول الله، أرأيْتَ هذا المنزلَ أمَنْزِلٌ أنزَلَكَه اللهُ عزَّ وجل ليس لنا أن نتقدَّمه ولا أن نتأخّرَ عنه، أمْ هو الرأيُ والحربُ والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحربُ والمكيدة؛ فقال: يا رسول الله، فإنّ هذا ليسَ لك بمَنْزل، فانْهضْ بالناس حتى نأتيَ أدنى ماءٍ من مياه القوم فنَنْزلَه، ثم نُعَوِّرَ ما سواه من القُلْبِ، ثمَّ نبني عليه حوضاً فنَملأه ماءً، ثم نقاتلَ القومَ فنشربَ ولا يشربوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقدْ أشَرْتَ بالرأيِ وفعل ما أشار به الحُباب.
وفي حديث أبي هريرة: ما رأيْتُ أحداً أكثرَ مشورةً لأصحابِه من النبيّ صلى الله عليه وسلم. . . أقول: وإنّما كان يشاورُهم - كما قال علماؤنا - فيما ليس فيه نَصٌّ، وفي أمور الدّنيا، ومَنْ ظنَّ أنه كان يشاورُهم في الأحكام فقد غَفَلَ غفلةً عظيمةً كما قال الأئمة، وكذلك إنّما كانت المشاورة قبل العزمِ والتبيُّن، فإذا عزم الرسول لم يكن لبشرٍ التَّقدُّمُ على الله ورسوله، قال العلماء: فلقد شاور النبيّ أصحابَه يوم أحُدٍ في المُقام
(2/92)

والخُروج، فرأوا له الخروجَ، وكان صلواتُ الله عليه يرى أن يقيمَ بالمدينة فيقاتلَهم فيها، فما زالوا برسولِ الله حتّى لبِس لأْمَتَه فلما لبِسها نَدِموا وقالوا: يا رسول الله أقمْ فالرأيُ رأيُك، فلم يَمِلْ إليهم بعد العزْمِ وقال: لا ينبغي لنبيٍّ يلبس لأْمَتَه أن يضعَها حتّى يحكمَ الله. . . . وكذلك كان الخلفاء الراشدون يَستشيرونَ الأمناءَ من أهل العلم في الأمور التي لم يكن فيها نَصٌّ بحكمٍ معين ليأخذوا بأيسرها، فإذا وضح الكتاب والسنّة لم يتعدَّوْه إلى غيره، فقد كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه أمرٌ نظر فإن وجد في كتاب الله أو سُنّة رسوله ما يقضي به قضى وإلا دَعا رؤوس المسلمينَ وعلماءَهم واستشارهم، وكذلك كان يفعل الفاروق وسائر الخلفاء رضي اللهُ عن الجميع
قالوا: وكانت الرومُ والفرسُ لا يجمعون وزراءَهم على الأمر يستشيرون فيه، وإنّما كانوا يستشيرون الواحدَ منهم من غير أن يعلم الآخرُ به؛ وذلك لمعانٍ: منها أن لا يقعَ بين المستشارينَ منافسةٌ تذهب بأصالةِ الرأيِ وصحة النظرِ، لأنّ من طباع المشتركين في الأمر التّنافسَ والتّغالبَ والطَّعن من بعضهم على بعض، وربّما أشار أحدُهم بالرأيِ الصوابِ وسبق إليه فحسَدَه الآخرون فتَعقبّوه بالإعراضِ والتأويلِ والتهجينِ وكدّروه وأفسدوه ومنها أنّ في اجتماعِهم على المشورةِ تعريضَ السّرِّ للإضاعة والإفشاءِ والإذاعةِ ولذلك قالت الفرس: إنّما يُراد الاجتماعُ والكثرة والتآصُرُ في الأمور التي يُحتاج فيها إلى القوة، أمّا الأمورُ الغامضة فإنّ الاجتماع يُفسدُها ويولِّد فيها التضاغُنَ والتنافسَ. . .
وجاء في كتابٍ للهِنْد: أنّ ملكاً استشار وزراءَ له، فقال أحدهم:
(2/93)

الملكُ الحازم يزداد برأي الوزراء الحَزَمَةِ كما يزداد البحر بموادِّه من الأنهارِ وينال بالحَزْمِ والرأيِ مالا يناله بالقوة والجنود؛ وللأسْرارِ منازلُ، منها ما يدخل الرهطُ فيه، ومنها ما يُستعان فيه بقومٍ، ومنها ما يُستغنى فيه بواحدٍ وفي تحصين السرّ الظفرُ بالحاجة والسلامةُ من الخلل، والمستشير وإن كان أفضلَ رأياً من المُشير فإنّه يزدادُ برأيه رأياً كما تزداد النارُ بالسّليطِ ضَوْءاً؛ وإن كان الملك محصِّناً لسرَّه بعيداً من أنْ يُعرف ما في نفسه مُتخيّراً للوزراء مَهيباً في أنفُسِ العامة كافياً بِحُسنِ البلاء لا يخافُه البَريء ولا يأمنُه المُريب مُقدِّراً لِما يفيدُ ويُنفق، كان خليقاً لبَقاءِ مُلْكِه. ولا يصلح لسِرِّنا هذا إلا لِسانانِ وأرْبعُ آذانٍ. ثمَّ خَلا به. . .
وبعدُ فإنّ دولةَ الاستبدادِ قد أديلَ مِنها في هذه الأجيالِ وشالَ أمرُها في الميزان، ورَجَحَتْ كفَّةُ الشُّورى ونَفَقَتْ سوقُها، وخَطتْ في عصرنا هذا خطواتٍ رغيبةً موفَّقةً، وعمَّتْ أكثر الأمم التي أعْرَقت في الحضارة، وظهر أنَّ مجالسَ الشورى على عِلاتها هي خَيْرُ ألوان الحكم، ومَن الذي يقول إنّ الاستبدادَ أو الحكم المطلقَ الذي لا رِقبة عليه هو أفضلُ من الشورى أياً كان لونُها! اللهم إلا رَجُلٌ أحْمقُ مأفون ليس بثاقبِ الرأي، وإذا كانت الشورى لا تَعْرى من العُيوب فأين لا أين الخير مَحْضاً والكمال صرفاً. . .
(2/94)

عبقرياتهم في الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومما يتصل بهذا الباب عبقرياتهم في الوَعْظِ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنورد لك صدراً من ذلك إن شاء الله

نهي من لم يتعظ عن الوعظ
قال رجلٌ لعليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: عِظْني وأوْجِزْ، فقال: تَوَقَّ ما تَعيب.
وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه فقال: إنِّي أريد أنْ أعِظ، فقال أوَ بلغْتَ ذلك! إن لم تخشَ أن تفْتَضِحَ بثلاثِ آياتٍ من كتابِ الله فافْعل، قال: ما هي؟ قال: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ! كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}
وقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}، وقول العبد الصالح شعيب {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} أأحْكَمْتَ هذه الآيات؟ قال: لا، قال: فابدأ إذَن بنفسك.
وقال شاعر:
يا واعِظَ النَّاسِ قد أصْبَحْتَ مُتَّهما ... إذ عِبْتَ مِنهمْ أموراً أنْتَ تَأتيها
كَمَنْ كَسا الناسَ مِنْ عُرْيٍ وعورتُه ... للناسِ باديةٌ ما إنْ يُواريها

حثهم على الوعظ بالفَعال دونَ المَقال
قال بعضهم: ليسَ الحكيمُ الذي يُلقِّنك الحِكْمةَ تلقينا، إنّما الحكيم
(2/95)

الذي يعمل العملَ الحكيمَ فتقتدي به. وقال آخر، أخذُ المرءِ نفسَه بِحُسْنِ الأدَبِ تأديبٌ لأهْله.
ومن هذا يقول محمود الوراق:
رأيْتَ صلاحَ المرءِ يُصْلِحُ أهْلَه ... ويُعْديهم داَء الفَسادِ إذا فَسَدْ

التلطّف واللين في الوعظ
تصدّى رجُلٌ للرشيد فقال: إنِّي أريد أن أغْلِظَ عليكَ في المَقال، فهل أنْتَ مُحْتمل؟ قال: لا؛ لأن الله تعالى أرسل من هو خيرٌ منك إلى مَنْ كانَ شرّاً مني، وأمَرَه باللين، فقال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}
وقالوا: واجِبُ مَنْ يَعِظُ أن لا يَعْنُفَ، ومَنْ يُوعظ أن لا يأنف.

الحث على الاتعاظ
قالوا: السعيدُ مَن وُعِظ بغيره والشَّقيُّ من وُعِظَ به غيرُه. وقالوا: مَنْ لمْ يتَّعظ بغيره وَعظ الله به غيرَه

وعظ مَنْ لا يتعظ
قالوا: لا ينجح الوعْظُ في القلوب القاسية، كما لا يزكو البَذر في الأرض الجاسية. وقالوا: صَقْلُك سَيفاً ليس له سِنْخٌ تَعَبٌ، وبذرُك أرضاً سَبِخةً نَصَبٌ.
(2/96)

وقالوا: مَنِ اسْتَثقل سماعَ الحق فهو للعمل به أكثرُ استثقالاً. . .

حثهم على قبول وعْظِ مَنْ ليسَ بمُتَّعظ
قالوا: لا يَمنعنَّكم سوءُ ما تعلمون عنّا أنْ تَعملوا بأحسنِ ما تسمعون منا. وورد في الأثر: مُروا بالمعروفِ وإن لم تَعمَلوا به، وانْهَوْا عن المنكر وإن لم تَنتهوا عنه.
وقال الحسن البصري يوماً لبعض الصالحين: عِظْ أصْحابَك، فقال له: إنّي أخافُ أن أقول ما لا أفعل، فقال له: يرحمك اللهُ، وأيُّنا يقول ما يفعل! يودُّ الشيطانُ أنّه ظفر بهذه منكم فلمْ يَأمُرْ أحدٌ بمعروف ولم ينهَ عن منكر. . .

النهي عن الاقتداء بذوي الزّلات
قال بعض العلماء: إيّاك والاقتداءَ بزلاتِ أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: فلانٌ شرب النبيذ، وفلانٌ لعِبَ بالشّطرنْجِ فيخرجَ منكَ فاسِقٌ تامّ. . . . وقالوا: من أخَذَ بِرُخْصةِ كلِّ فَقيهٍ خرج منه فاسقٌ. . . .

الحث على الأمر بالمعروف والحال التي يجوز فيها
قال الله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
(2/97)

وقال رسول الله: (مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنكَراً واسْتطاعَ أنْ يُغيِّرَه بيدِه فَلْيُغيِّرْه بيدِه، فإنْ لمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِه، فإنْ لَمْ يَسْتطعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)
وفي الأثر: إنّ الناسَ إذا رأوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يدِه عَمَّهم اللهُ بعِقابِه.
وأما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} فقد قال الإمام البيضاوي: قوله: عليكم أنفسَكم، أي احْفَظوها والْزَموا إصلاحَها، ولا يضرُّكم. . . الآية: أي لا يضركم الضلالُ إذا كنتم مُهتدين، قال: ومن الاهتداء أنْ ينكر المنكر حسب طاقته، وقال: نزلت هذه الآية لمَّا كان المؤمنون يتحسّرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم، وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفَّهت آباءك فنَزَلَتْ
وقال الراغب الأصبهاني: سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال صلوات الله عليه:
(ائْتَمروا بالمعروفِ وتَناهَوْا عن المنكر، وإذا رأيْتَ شُحّاً مُطاعاً وهوى مُتّبعاً وإعجابَ كلِّ امرئٍ برأيه فعليك بِخُوَيْصةِ نفسِك
(2/98)

ودعْ أمْرَ العَوامّ) ثمَّ قال الراغِبُ: وقال أكثرُ المتكلِّمين: لا يجوزُ تركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر في كلِّ مَوْضِع، لكن مَنْ عَلِمَ أو ظنّ أنّ قوله يَنْفُذ وأن لا ينالَه مكروهٌ إذا أمرَ أو نهى فعليه أن يفعل ذلك، ومتى خافَ على نفسِه فعليه أن ينكرَ المُنْكرَ بقلبه دون لِسانه. . . .
(2/99)

الباب الخامس في الحلم وكظم الغيظ
والعفو والغضب والانتقام وما إلى هذه المعاني
والحلم كذلك لونٌ من ألوان الصبر، أليس هو تجرُّعَ الغيظ أو إمساكَ النفسِ عن ثورة الغضب وهيجه وانبعاثِه؛ وهو فضيلة عُليا {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} ومن كلام النبوّة: كاد الحليم أن يكون نبياً. وهو نتاج العقل والأناة، أو قل: إنّه هُما. قال عز وجلَّ يذمُّ الكفَّار متعجِّباً منهم {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا}
وسأل عليٌّ رضي الله عنه كبيرَ فارسَ عن الغالب كان على كسرى أنو شروان، قال: الحلم والأناة، قال: هما تَوْأمانِ يَنتِجُهما علوَّ الهمة
وقال الشاعر:
لنْ يُدْرِكَ المَجْدَ أقوامٌ وإنْ كَرُموا ... حتّى يَذِلّوا - وإنْ عَزُّوا - لأقْوامِ
ويُشْتَموا فَترى الألوانَ مُسفرةً ... لا صَفْحَ ذلٍ ولكن صَفْحَ أحْلامِ
(2/100)

قالوا: ولنْ يتمَّ حِلمُ الإنسان إلا بإمساك الجوارح كلِّها: اليدِ عن البطش، واللسانِ عن الفحش، والعينِ عن النظرِ الشَّزْر، وأقرب لفظ يقابل الحلم هو التذمُّر. وقال أبو هلال العسكري: ومن أشرف نعوتِ الإنسان أن يُدعى حليماً، لأنه لا يُدعاه حتى يكون عاقلاً وعالِماً ومصطبِراً وعفوّاً وصافحاً ومُحْتمِلاً وكاظِماً، وهذه شرائِفُ الأخلاقِ وكرائِمُ السَّجايا والخِصال.
والحلمُ: منه ما هو غريزيٌّ، وهو هبةٌ من الله لعبده يعفو عمَّن ظلمه، ويصِلُ من قَطَعه، ويُحسن إلى من أساءَ إليه، يَصدُرُ في ذلك عن نحيزةٍ كريمةٍ وغَريزةٍ سليمة وصدرٍ سالمٍ من الغوائل والأذى، صافٍ من شوائبِ الكدرِ والقَذى، وهذا هو الحلم الذي لا يُستطاع تعلُّماً ولا يُكْتسب تحلماً:
وإذا الحِلْمُ لَمْ يكُنْ في طِباعٍ ... لَمْ يُحَلّمْ تقادُمُ الميلادِ (المتنبي)
رُوي أنّ سيدنا رسول الله قال لأشجِّ عبد القيس: (يا أبا المنذر، إنَّ فيك خِصلتين يرضاهما الله ورسوله: الحِلْمُ والأناة فقال: يا رسول الله، أشيءٌ جَبلني اللهُ عليه أم شيءٌ اخترعْتُه من قِبلِ نفسي؟ قال: بل شيءٌ جبلك الله عليه قال: الحمد للهِ الذي جبلني على خُلقٍ يرضاه الله ورسوله) وهناك من يقول: إن الحلم ليس غريزةً ولا طبيعةً بل مكتسبٌ مستفاد. وأيّاً كان
الحال فليس من يُنكر أن من الحِلمِ ما هو غريزيٌّ كما قلنا، كما أنّ هُناك حِلْماً يُكتسب بالتَّحلّم كما أن العلم بالتعلُّم
قال حاتم:
تَحَلَّمْ عَنِ الأدْنَيْنِ واسْتَبْقِ وُدَّهم ... فلَنْ تَستطيعَ الحِلمَ حَتَّى تَحلَّما
يُروى أنّه كان عند جعفرٍ الصادق رضي الله عنه عبدٌ سيّئُ الخلق، فقيل له: أما تأنَفُ مثلَ هذا عندك وأنت قادرٌ على الاستبدالِ به؟ فقال:
(2/101)

إنّما أتْرُكُه لأتعلمَ عليه الحِلمَ. . .
وقال الشاعر:
ولَيْسَ يَتمُّ الحِلْمُ للمرْءِ راضِياً ... إذا هُوَ عندَ السُّخْطِ لم يَتَحلَّمِ
كما لا يَتمُّ الجودُ للمَرْءِ مُوسِراً ... إذا هو عِنْدَ القَتْرِ لم يَتَحشَّمِ
(يتحشم: يتذمّم ويستحي)
وهناك حِلم حادث عن الكِبْرِ والعجرفة، لا يَرى المسيءَ أهْلاً أنْ يجاريَه، كما أنّ هُناكَ حِلمَ مَهانةٍ وذِلّةٍ وعَجْزٍ وضعفَ نفسٍ وصِغر هِمَّةٍ

الممدوحُ بالحلم وتمدُّحهم به
قال مِهيار الديملي:
وإذا الإباءُ المُرُّ قالَ لَكَ: انْتَقِمْ ... قالَتْ خَلائِقُكَ الكِرامُ: بَلِ احْلُمِ
شَرْعٌ مِن العفوِ انْفردْتَ بِدينِه ... وفَضيلةٌ لِسواكَ لَمْ تَتقدَّمِ
حتّى لَقَدْ وَدَّ البَريءُ لوَ انّه ... أدْلى إليكَ بِفضْلِ جاهِ المُجْرِمِ
وقال بعضهم:
فَدَهْرَه يَصفحُ عَنْ قُدْرةٍ ... ويَغفِرُ الذَّنْبَ على عِلْمِهِ
كأنّه يأنَفُ مِنْ أنْ يَرى ... ذَنْبَ امْرِئٍ أعظمَ مِنْ حِلْمِهِ
وقال المتنبّي:
وأحْلُمُ عَن خِلِّي وأعْلَمُ أنَّه ... متى أجْزِهِ حِلْماً عَلى الجَهْلِ يَنْدَمِ
وقال سالم بن وابِصة:
(2/102)

ونَيْرَبٍ مِنْ مَوالي السُّوءِ ذي حَسَدٍ ... يقتاتُ لَحْمي وما يَشفيهِ من قَرَمِ
داويْتُ صَدْراً طويلاً غِمْرُه حَقِداً ... منهُ وقلَّمْتُ أظْفاراً بلا جَلَمِ
بالحَزْمِ والخيرِ أسْديهِ وألْحِمُهُ ... تقوى الإلهِ وما لَمْ يَرْعَ مِنْ رَحِمِ
فأصْبَحَتْ قوسُه دوني مُوَتَّرةً ... تَرْمي عَدَوِّي جِهاراً غيرَ مُكْتَتِمِ
وإنَّ في الحِلمِ ذُلاً أنْتَ عارِفُه ... والحِلمُ عَنْ قُدْرةٍ فضلٌ مِنَ الكَرَمِ
وقال معن بن أوس المُزَني:
وذي رَحِمٍ قَلَّمْتُ أظْفارَ ضِغْنِه ... بِحِلْمِيَ عَنْهُ وهْوَ ليسَ له حِلْمُ
(2/103)

يُحاولُ رَغْمي لا يُحاولُ غيرَه ... وكالموْتِ عندي أنْ يَحُلُّ بهِ الرَّغْمُ
ويَشْتِمُ عِرْضي في المُغيَّبِ جاهِداً ... وليسَ لهُ عندي هَوانٌ ولا شَتْمُ
إذا سُمْتُه وَصْلَ القرابةِ سامَني ... قطيعَتَها، تلكَ السَّفاهةُ والإثْمُ
فما زِلْتُ في ليني له وتَعَطُّفي ... عليهِ كما تَحْنو عَلى الوَلَدِ الأمُّ
وصَبْري على أشياَء منهُ تُريبُني ... وكَظْمي على غَيْظي وقدْ يَنْفعُ الكظْمُ
لأسْتلَّ منه الضِّغْنَ حتى اسْتَللْتُه ... وقد كان ذا ضِغْنٍ يَضيقُ به الحَزْمُ
فداوَيْتُه حتَّى ارْفأنَّ نِفارُه ... فَعُدْنا كأنَّا لمْ يَكُنْ بَيْنَنا صَرْمُ
وأطْفأتُ نارَ الحَرْبِ بَيْني وبَيْنَه ... فأصْبَحَ بعدَ الحَرْبِ وهْوَ لَنا سَلْمُ
وقال شاعر:
لَقَدْ أسْمَعُ القولَ الذي هُوَ كلَّما ... تُذَكِّرُنيه النَّفسُ قلبي يُصَدَّعُ
فأبْدي لِمَنْ أبْداهُ مِنّي بَشاشةً ... كأنّيَ مَسْرورٌ بِما منهُ أسْمَعُ
وما ذاكَ مِنْ عَجْزٍ بهِ غيرَ أنَّني ... أرى أنَّ تَرْكَ الشَّرِّ للشَّرِّ أدْفَعُ

فضل كظم الغيظ
يقال: كَظَمَ الرجلُ غَيْظَه يَكْظِمُه كَظْماً: ردَّه وحَبَسَه وتَجَرَّعَه. قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} قال بعض اللغويين: يَعني أعدَّتْ الجنةُ للذين جرى ذكرُهم وللذين يكظمون الغيظ
(2/104)

وفي الحديث: (ما مِنْ جُرْعةٍ يَتَجرَّعها الإنسانُ أعظمُ أجراً من جُرْعةِ غيظٍ في اللهِ عزَّ وجلّ)
وقالوا: الكَظْمُ يدفعُ مَحْذورَ الندم، كالماءِ يُطفئ حَرَّ الضَّرَم
وقال بعضهم: كَظمٌ يتردَّدُ في حلقي أحبُّ إليّ من نقصٍ أجدُه في خُلُقي
وقال:
وأفضلُ حِلمٍ حِسْبةً حِلمُ مُغْضَبِ
وقال معاوية: ما وَجَدْتُ لذَّةً هي عندي ألذّ مِنْ غيظٍ أتَجرَّعه وسَفَهٍ بِحِلمٍ أقْمَعُه. وقال لابنه يزيد: عليكَ بالحِلْمِ والاحْتمالِ حتّى تُمكنَك الفرصةُ فإذا أمْكنتْكَ فعليك بالصّفحِ، فإنّه يدفع عنك مُعضلاتِ الأمور، ويقيك مصارعَ المَحذور

الغضب وألوانه
وما يسكن به ثورانه
قال الراغب: مثلُ الغضبِ مثلُ نارِ ما يشتَعِل، والناسُ فيه مختلفون، فبعضهم كالحَلْفاء سريعُ الوقود سَريعُ الخُمود، وبعضُهم كالغَضا بطيءُ الوُقود بَطيءُ الخُمود، وبعضُهم سَريعُ الوقود بطيءُ الخُمود، وبعضهم على العكس من ذلك، وهو أحْمدُهم، ما لَمْ يُؤدِّ به ذلك إلى زوال حميَّتِه، وفُقدانِ غيرتِه. واختلافُ الناس في الغضب قد يكون مردُّه اختلافَ الأمزِجة، وقد يكون
(2/105)

العادةَ، إذْ من الناسِ من اعْتاد السكونَ والهدوءَ من جَرّاء إلْفِه الذُّلَّ والانقيادَ والاستِخْذاء، ومنهم من تعوّد الطيشَ والانْزِعاجَ فيحتّدُّ من أدنى ما يُلمُّ به، مثلُه مثلُ كلب يَسْمعُ صَوْتاً فيَنْبِحُ قبلَ أن يَعْرفَ مَصْدَرَه: وأكثر الناس غضباً الصبيانُ والنّساء، وأكثرُهم ضَجراً الشيوخُ، وأجلُّ الناس شجاعةً وأفضلُهم مُجاهدةً وأعظمُهم قوةً منْ كظَمَ الغيظَ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعة، إنَّما الشَّديدُ الذي يَمْلكُ نفسَه عِنْدَ الغضب) ومرَّ صلوات الله عليه بقومٍ يرفعون حَجراً فقال: (ألا أخبرُكم بأشدِّكم؟: مَنْ مَلكَ نَفْسَه عِنْدَ الغضب) واعْلمْ أنَّ نارَ الغضبِ متى كانتْ عنيفةً تأجَّجتْ واضْطرمَتْ واحْتدَّ غليانُ الدَّمِ في القلبِ وامْتلأتِ الشرايينُ والدماغُ دُخاناً مُظلِماً يَسوء منه حالُ العقلِ ويَضْعُفُ فِعْلُه، وكما أنَّ الكَهْفَ الضيِّقَ إذا امتلأ حَريقاً واختنقَ فيه اللهبُ والدخان وعَلا الأجيجُ صَعُبَ عِلاجُه وإطفاؤه، وصار كلُّ ما يدنو منه مادةً لقوّته، كذلك النفسُ إذا اشْتعَلَتْ غضباً عَمِيَتْ عن الرشدِ وصمَّت عن الموعظةِ حتى تصير المواعِظُ مادةً لغَضبِها، وربّما أدّى الغضبُ إلى تلفٍ، وهو اخْتناق الحرارةِ في القلب الأمْرُ الذي قد يكونُ سبباً لأمراضٍ مُسْتَعْصِيةٍ تؤدي إلى التلف؛ ثمَّ قال وحَقُّ مَنْ يعتريهِ الغضبُ أنْ يُفكِّر، فإنْ كان المغضوبُ عليه تحتَ يدِه فلا مَعنى لاسْتِشاطَتِه؛ إذْ هو مُتَمكِّنٌ مِنَ الانْتقامِ منهُ مع سكونِ الجأشِ، وإنْ كان غضبُه على مَنْ لا سبيلَ إليه فلا مَعْنى لتعذيبِه نفسَه في الوقت وإنَّما الأخلقُ بهِ أنْ
يصبرَ حتّى يتمكَّنَ منه ثمَّ يفعلَ الواجب، قال حكيمٌ: سُدَّ طريقَ الغضبِ قبلَ تلهُّبِ نارِه في لَحْمِكِ ودمِك فإنَّك إنْ لَمْ تُطْفئ نارَ الغضبِ
(2/106)

قبلَ انتشارِها صعبٌ عليك إطفاؤها بعدَ أن تنْتشر. وقال بعضُ الملوك لِحكيم: كيفَ لي أنْ لا أغضبَ؟ فقال: بأنْ تكون كلَّ وقت ذاكراً أنّه يجبُ أنْ تُطيعَ لا أنْ تُطاعَ فقط، وأن تَخْدُمَ لا أنْ تُخْدَمَ فقط، وأنْ تتحقّقَ أنَّ اللهَ تعالى يَراكَ دائماً، فإذا فعلْتَ ذلك لم تغضَبْ وإنْ غضبْتَ غضبْتَ قليلاً. . .
وقالوا: من غَضِبَ قائِماً فقَعَدَ سكَنَ غضبُه، وإنْ كان قاعِداً فاضْطَجَعَ سَكَنَ.
وكانت العرب تقول: إنّ الرثيثةَ تَفْثأُ الغَضَبَ: الرثيثة: اللبنُ الحامِضُ يُصبُّ عليه الحليب، وهو أطيبُ اللّبن، وتفثأ الغضبَ: تُسْكنه وتكسِرُ حِدَّته وخطبَ معاويةُ يوماً فقال له رجلٌ: كذَبْتَ، فنزل مُغْضَباً، فدخل منزلَه، ثمَّ خرجَ عليهم تقطُرُ لِحيتُه ماءً، فصَعِدَ المِنْبرَ فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ الغضبَ مِنَ الشيطان، وإنَّ الشيطانَ مِن النار، فإذا غضِبَ أحدُكم فلْيُطْفِئَه بالماءِ؛ ثمَّ أخذَ في الموضِعِ الذي بلغَه مِنْ خُطْبته.
وفي الحديث: (إنَّ الغَضبَ جَمْرةٌ تُوقَدُ في جوفِ ابْن آدمَ، ألَمْ تَرَوْا إلى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وانْتِفاخِ أوْداجِه). . . .

من اجتُهد في إغْضابِه فَحَلِمَ
خاطر رجلٌ آخرَ على أنْ يُغْضبَ الأحْنفَ بْنَ قيس، فجَاءَه فخَطَبَ إليهِ أمَّه، فقال: لَسْنا نردُّك انتقاصاً لِحَسَبِك، ولا قِلَّةَ رغبةٍ في مصاهَرَتِك ولكنَّها امرأةٌ قدْ علا سِنَّها، وأنْتَ تحتاج إلى امرأةٍ وَلودٍ وَدودٍ تأخذُ من خُلُقِك، وتستمِدُّ من أدبِك؛ ارْجِعْ إلى قومِك وأخبرهُمْ أنّك لمْ تُغضبْني.
(2/107)

وخطب آخرُ إلى معاويةَ أمَّه: فقال: ما الذي رغَّبك فيها وهْيَ عَجوزٌ؟
فقال: إنّها عجوزُ عَظيمةُ العَجُزِ! فقال: لعلّك خاطَرْتَ على أن تُغْضِبَ سيِّدَ بني تميم؟ قال: نعم، قال: ارْجِعْ فلست به.
وشتَمَ رجلٌ الأحْنفَ وألحَّ عليه، فلمّا فرغَ قال له: يابْنَ أخي، هل لكَ في الغَداء؟ فإنّك منذُ اليومِ تَحْدو بجملٍ ثَفالٍ. . . . الثفال: البَطيءُ الثقيلُ الذي لا يَنْبَعِثُ إلا كَرْهاً
ورُوي أنَّ رَجلاً خاطرَ آخرَ على أن يقومَ إلى معاويةَ إذا سجدَ فيضَعَ يدَه على كَفَلِه ويقول: سبحانَ اللهِ يا أميرَ المؤمنين! ما أشْبَه عُجَيْزَتَك بِعُجَيْزة أمِّك هندٍ! ففعل ذلك، فلمّا انْفتلَ
معاويةُ عَنْ صَلاتِه قال له: يا أخي، إنَّ أبا سُفيانَ كان مُحْتاجاً إلى ذلك مِنْها، فخُذْ ما جَعلوهُ لك، فأخذه ثم خاطرَه آخرُ بعدَ ذلك أنْ يقومَ إلى زيادٍ وهْوَ في الخُطبة فيقول: أيُّها الأميرُ من أمُّك؟ ففعل؛ فقال زياد: هذا يُخبِرُك - وأشار إلى صاحبِ الشُّرطةِ - فَقدَّمه وضَرَبَ عنقَه، فلمّا بلغَ ذلك معاويةَ قال: ما قَتلَه غيري، ولوْ أدَّبْتُه على الأولى ما عادَ إلى الثانية. . .
وقيل للأحنف: مِمّنْ تعلّمْتَ الحِلْمَ؟ قال: مِنْ قيس بن عاصِم المِنْقَريِّ، رأيته قاعِداً بفِناءِ دارِه مُحتبياً بِحَمائِلِ سيفِه يُحدِّث قَوْمَه، حتّى أتيَ بمَكتوفٍ ورجُلٍ مقتولٍ، فقيل له: هذا ابنُ أخيك قَتلَ ابنَك. قال: فو اللهِ ما حلَّ حُبْوتَه ولا قطع كلامَه، ثم التفتَ إلى ابن أخيهِ فقال: يا ابن أخي أثِمْتَ بِرَبِّك، ورمَيْتَ نفسَك بسهمِك، وقتلت ابْنَ عمِّك؛ ثمّ قال لابْنٍ له آخر: قُمْ يا بُنَيَّ فَوارِ أخاك وحُلَّ كِتافَ ابْنِ عَمِّك وسُقْ إلى أمِّك
(2/108)

مائةَ ناقةٍ ديّةَ ابْنِها فإنّها غَريبةٌ، ثم اتّكأ على شِقِّه الأيسرِ وقال:
إنّي امْرؤٌ لا يَعْتري خُلُقي ... دَنَسٌ يُفنِّده ولا أفْنُ
مِنْ مِنْقَرٍ في بيتِ مَكْرُمةٍ ... والفَرْعُ يَنْبتُ فوقَه الغُصْنُ
خُطباءُ حين يقولُ قائِلُهُمْ ... بيضُ الوجوهِ أعِفّةٌ لُسْنُ
لا يَفْطِنونَ لِعَيْبِ جارِهِمُ ... وهُمُ لِحِفْظِ جِوارِه فُطْنُ
وأسمعَ رجلٌ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ بعضَ ما يكره، فقال: لا عليكَ إنّما أردْتَ أن يَسْتَفِزَّني الشيطانُ بِعِزِّ السُّلطانِ فأنالَ منكَ اليومَ ما تنالُه منّي غداً، انْصَرِفْ إذا شِئْتَ. . .
وأمر محمدُ بن سليمانَ برجلٍ أن يُطرحَ من القصرِ كان قد غضِبَ عليه فقال الرَّجل: اتَّقِ اللهَ، فقال: خلّوا سبيلَه، فإنّي كرِهْتُ أنْ أكونَ من الذينَ قال اللهُ فيهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ}

حثهم على ترك الغضب
المؤدي إلى الاعتذار
قال حكيم: إيّاكَ وعِزَّةَ الغَضبِ فإنَّها تصيرُ بِكَ إلى ذِلَّة الاعْتِذار وقال شاعرٌ:
مَتى تُرِدِ الشِّفاَء لِكُلِّ غَيْظٍ ... تَكُنْ مِمّا يَغيظُكَ في ازْدِيادِ
(2/109)

حثّهم على التصامُم عن القبيح
وتمدُّحهم بذلك
قال المهلّب بن أبي صفرة: إذا سمع أحدُكم العوراءَ فَلْيُطأطِئْ لها تَتَخطّاه. . . العوراء: الكلمة القبيحة أو الفَعلَة القبيحة: ويقال للكلمة القبيحة عوراء، وللكلمة الحسناءِ عَيْناء قال الشاعر:
وعَوْراَء جاَءتْ مِنْ أخٍ فَرَدَدْتُها ... بِسالِمَةِ العَيْنَيْنِ طالِبةً عُذْراً
بِسالِمَةِ العَيْنَيْنِ: أي بكلمةٍ حسناءَ لم تكنْ عوراءَ. وعَوْرانُ الكلام: ما تَنْفيهِ الأذُن قال:
وعوراَء قدْ قيلَتْ فلَمْ أسْتَمِعْ لَها ... وما الكلِمُ العَوْرانُ لي بِقَتولِ
وقال حاتم طيءٍ:
وأغْفِرُ عَوْراَء الكريمِ ادِّخارَه ... وأعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللّئيمِ تَكَرُّما
وقال ابنُ عنقاءَ الفزاريّ مِنْ أبْياتٍ يَمْدحُ بها ابْنَ عمِّه عُمَيلَةَ:
إذا قيلَتِ العَوْراءُ أغْضى كأنَّه ... ذَليلٌ بِلا ذُلٍّ ولَوْ شاَء لانْتَصرْ
وقد تقدّم هذا البيت مع أبيات أخرى له جميلة

حثهم على العفو مطلقاً
قال الله جلَّ شأنُه: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقال سبحانَه: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}
(2/110)

وقال عزَّ وتَقدَّس: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، وقال تعالى لِنَبِيِّه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. . . {خُذِ الْعَفْوَ}، فالعفو: السهل المُيَسَّر والمعنى: احْتَمِلْ أخْلاقَ الناسِ واقْبلْ مِنها ما سَهُلَ وتَيَسَّر ولا تَسْتَقْصِ عليهم فيَسْتَقْصي اللهُ عليك مع ما فيه من العداوة والبغضاء، أقول: ولمّا حقَّقَ سيِّدُنا رسولُ اللهِ ما أدّبه الله به قال سبحانه في حقِّهِ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
وقال الأحنفُ بن قيس: إيّاكَ وحَميَّةَ الأوْغادِ، قيل: وما حَمِيَّتُهم قال: يَرَوْنَ العفْوَ مَغْرماً والتَّحمُّلَ مَغْنَماً. . . التحمّل ههنا: الغضبُ وقد جاء في بعض الرّوايات بدل التّحمل: والبخُل
وقيل لبعضهم: هل لكَ في الإنصاف أو ما هو خيرٌ من الإنصاف؟ فقال: وما هو خير من الإنصاف؟ قال: العفو. . .
وقالوا: العفو زكاةُ النفس
وقالوا: العفوُ عَنِ المُذْنِبِ من واجباتِ الكَرَم. . .
وقالوا: لذَّةُ العَفْوِ أطْيَبُ مِنْ لَذّةِ التَّشفّي؛ لأنَّ لذّةَ العَفْو يَلْحَقُها حمدُ العاقِبة، ولذَّةُ التَّشفِّي يلْحقُها ذمُّ الندم. . . وقال الشاعر وقد نظم هذا المعنى:
لذّةُ العَفْوِ إنْ نَظَرْتَ بِعَيْنِ ال ... عَدْل أشْفى مِنْ لَذَّةِ الإنْتقامِ
هذه تُكسِبُ المَحامِدَ والأجْ ... رَ وهذه تَجيءُ بالآثامِ

التحلُّم عنِ الخدمِ
نَظَرَ معاويةُ إلى ابْنِه يزيدَ وهْوَ يَضْرِبُ غلاماً له، فقال له: أتُفْسِدُ أدبَك بأدبِه! فلَمْ يُرَ ضارِباً غُلاماً له بَعْدَ ذلك.
(2/111)

وقيلَ لِيَحْيى بن خالد البرمكي: إنّك لا تؤدِّب غلمانَك ولا تضرِبُهم! قال: هُمْ أمناؤُنا على أنفسنا فإذا نحنُ أخَفْناهُمْ فكيف نأمَنُهمْ!

الرحمةُ ومَدْحُ ذويها
قالوا من كَرُمَ أصلُه لانَ قلبُه
وقالوا: من أماراتِ الكرم: الرَّحمةُ، ومن أمارات اللُّؤمِ: القَسْوةُ الكرم نقيض اللُّؤم
وفي الحديث الشريف (ارْحَمْ مَنْ في الأرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ في السَّماءِ) وفيه أيضاً (لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلا مِنْ قَلْبٍ شقي)
أمّا مَنْ ذَمَّ الرَّحْمةَ ونَعاها على أهْلِها مثلُ الوزيرِ مُحَمّد بن عبد الملك الزيات إذْ يقول: الرَّحمةُ خَوَرٌ في الطبيعة، ومثلُ غَيْرِه مِنْ فلاسِفةِ هذا الجيلِ كالفيلسوف نيتشه ومَنْ على شاكِلَته فأولئك إنّما يترامون إلى أهداف أخرى، وإلى مدح القُوّة في مواضعها، وهذه سوف تمرُّ عليك عبقرياتهم فيها.

ما يُستحسنُ فيه الحِلْمُ من الكبار وما يُسْتقبح
أغْلَظَ رجلٌ لِمُعاويةَ فَحَلُمَ عنه، فقيل له: تَحْلُمُ عن هذا! فقال: إني لا أحولُ بينَ الناسِ وبينَ ألْسِنَتِهِمْ ما لَمْ يحولوا بينَنا وبينَ سُلْطانِنا. . . . وقال المأمونُ: يَجْمُلُ الحِلْمُ بالملوك إلا في ثلاثة مواضع، مُذيعٍ لسرٍّ، ومُتَعرِّضٍ للحُرَمِ، وقادحٍ في مُلْك. . . حُرَمُ الرَّجلِ: عيالُه ونساؤه وما يَحْميه
(2/112)

وقال السفاح: الحِلْمُ يَحْسُنُ إلا ما أوْضَعَ الدِّينَ والسُّلطان.

حثهم على درء الحدود
في الحَديثِ الشريف: (ادْرَؤوا الحدودَ بالشُّبُهات، وأقيلوا الكِرامَ عَثراتِهم، وإنَّ الإمامَ لأنْ يُخْطِئَ في العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أنْ يُخْطئَ في العقوبة) ادرؤوا: ادْفَعوا، والحدودُ جَمْعُ حدّ، وهو لغة، المنع وشرعاً: العقوبةُ التي جُعِلَتْ لمن يقترف ما نُهي عنه كحد السارق، وهو قطع يمينه في ربع دينار فصاعداً، وكحد الزاني البكر وهو جلده مائة وتغريبُه عاماً، وكحد المحصن إذا زنى، وهو الرجم، سميت حدوداً لأنها تحدُّ: أي تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها، والشَّبهات جمع شبهة وهي الالتباس يقال: تشابهت الأمور واشتبهت، أي التبست لاشتباه بعضها ببعض والعثرات: الزلات والكرام: خيار الناس ووجوههم حسباً ونسباً وعلماً وديناً وصلاحاً، ومعنى أقيلوا عثراتهم: لا تعاقبوهم عليها ولا تؤاخذوهم بها، إلا في حد من حدود الله فإنه لا تجوز إقالتهم فيه إذا ثبت عند الإمام وخلا عن الشبهة ولم يجد إلى دفعه سبيلا، ومعنى ادرؤوا الحدود بالشبهات: اعملوا ما وجدتم السبيل على أن لا تقيموا العقوبة على المسلم إلا بأمرٍ متيقنٍ لا يتطرَّق إليه التأويل.

حث القادر على العفو
قالت عائشة رضي الله عنها: إذا مَلَكْتَ فأسْجِحْ قالت ذلك لعليّ
(2/113)

بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الجمل حين ظهر على الناس فَدنا مِنْ هودجها ثم كلمها بكلام، فأجابته: ملكت فأسْجِحْ، أي ظفرت فأحسن وقدرت فسهل وأحسن العفو، فجهزها عند ذلك بأحسن الجهاز إلى المدينة فالإسجاح: حسن العفو ومن كلمة لعلي رضي الله عنه: إذا قدرت على العدوِّ فاجْعلِ العفوَ شكرَ قدرتك. وقالوا: المقدرة تذهب الحفيظة الحفيظة: الغضب، وقولهم: إنَّ الحَفائظ تذهب الأحقادَ فمعناه: إذا رأيْتَ حميمَك يُظلم حميتَ له وإنْ كان عليه في قلبِك حقْدٌ. . . . وظفِر الإسكندر المقدونيّ ببعض الملوك، فقال له: ما أصنع بك؟ قال: ما يجمل بالكرام أن يصنعوه إذا ظفِروا، فخلّى سبيلَه وردّه إلى مملكته. ولما ظفِر أنو شروانَ بِبُزْرُ جُمَهرَ قال: الحمد لله الذي أظفرني بك، فقال: كافئ من أعطاك ما تحبُّ بما يحبُّ. . . وقيل ليوسفَ عليه السلام: بعفوك عن إخوتك عند قدرتك رُفِعَ قَدْرُك. . . . .

ذمُّ المُتشفّي من الغيظ
قال معاويةُ رضي الله عنه: العقوبةُ ألأم حالاتِ ذي القدرة. . . وقال حكيم: التّشفّي طرفٌ من الجزع، فمن رضي أن لا يكونَ بينه وبين الظالم إلا سِترٌ رقيقٌ وحجابٌ ضعيفٌ
فلينْتَصِفْ. . . . .
(2/114)

مدح من صَفح عند القدرة
قال الأخطل من أبيات يمدح بها بني أمية:
شُمْسُ العَداوةِ حتّى يُسْتقادَ لَهُمْ ... وأعْظمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَروا
وقال أشجع السُّلَمي:
يَعْفو عَنِ الذَّنْبِ العظي ... مِ وليس يُعْجِزُه انْتِصارُهْ
صَفْحاً عَنِ الجاني علَيْ ... هِ وقدْ أحاطَ بهِ اقْتِدارُهْ
وقال المُتَنبّي:
فتىً لا تَسلُبُ القَتْلى يَداه ... ويَسْلُبُ عَفْوُه الأسْرى الوَثاقا
يقول المتنبّي: إذا قَتلَ المَمْدوحُ قتيلاً لم يأخذ سلَبَه، ترفُّعاً عَنْ ذلك ولكنَّ عفوَه يسلُبُ أسراه أغلالَهم وقيودَهم، أي يعفو عنهم ويطلقهم

الحث على إقالة من سَلِمَ ظاهرُه
قالوا لا تَعْتَدَّ بما لَمْ تَسْمَعْه أذناك، فإنّ السيِّد إذا حضر هيب وإذا غاب اغْتيب.
وقال بعض الملوك: إنّما نَمْلِكُ الأجسادَ دون النيّات، ونفحص عن الأعمالِ لا عَنِ السَّرائِر. . . وقال البحتريُّ:
إذا عَدوُّكَ لَمْ يُظْهِرْ عَداوتَه ... فَما يَضرُّكَ إنْ عاداكَ إسرارا
(2/115)

وقال العلاء بن الحضرمي يخاطب سيَّدنا رسولَ الله:
وإن دَحَسوا بالشّرِّ فاعْفُ تَكرُّماً ... وإنْ خَنَسوا عنكَ الحديثَ فلا تَسَلْ
وإن دحسوا: قال ابن الأثير يريد: إنْ فعلوا الشَّر من حيث لا تعلمه. وخنسوا الحديث يريد: وارَوْه وغيَّبوه وأخّروه عنك

العفو عمن سلم باطنه
قد يهفو المرء ونيَّتُه سليمة، ويزل وطريقته مستقيمة.
قال إبراهيم بن المهدي في عينيَّته للمأمون وقد عفا عنه:
قَسماً وما أدْلي إليكَ بِحُجَّةٍ ... إلا التَّضرُّعَ مِنْ مُحِبٍّ خاشِعِ
ما إنْ عَصَيْتُك والغُواة تَمُدُّني ... أسبابُها إلا بِنيَّةِ طائِعِ
وقال الفرزدق:
فلستَ بِمَأخوذٍ بِلَغْوٍ تَقولُه ... إذا لَمْ تَعمَّدْ عاقِداتُ العَزائِمِ
تعمد: تتعمد
(2/116)

عتب من يحفظ الذنب بعد تقادمه
قال البحتري:
تناسَ ذنوبَ قَوْمِك إنَّ حِفْظَ الذُّ ... نوبِ - إذا قَدُمْنَ - مِنَ الذُّنوبِ

العفو عن المقرّ المعترف
قال بعضهم:
إذا ما امْرؤٌ مِنْ ذَنْبِه جاَء تائِباً ... إلَيْكَ فلَمْ تَغْفِرْ له، فَلَكَ الذَّنْبُ
ومن قولهم: التوبةُ تغسلُ الحوبة الحوبة: الخطيئة وقالوا: لا عَتْبَ مع إقرارٍ، ولا ذنبَ مع اسْتِغفار. وقال بعضُهم لصديقٍ له أنْكَرَ ذنباً: إمّا أنْ تُقِرَّ بِذَنْبك فيكونَ إقرارُك حُجَّةً لَنا في العفو، وإلا فَطِبْ نَفْساً بالانْتِصارِ مِنْك، فإن الشاعر يقول: ذلك

أقْرِرْ بِذَنْبِك ثُمَّ اطْلُبْ تَجاوُزَنا ... عَنْهُ فإنَّ جُحودَ الذَّنْبِ ذَنْبانِ
ومن كلامٍ لابْنِ المُعْتز: تَجاوزْ عَنْ مُذْنِبٍ لم يَسلكْ بالإقرارِ طَريقاً حتّى اتَّخَذَ مِنْ رَجائِك رَفيقاً. وقال بعض الأمراء لرجلٍ عاتبَه: بلغَني أنّك تُبْغضني، فلم ينكر الرجلُ وقال: أنْتَ كما قال الشاعر:
فإنّك كالدُّنْيا نذُّمُ صُروفَها ... ونُوسِعُها ذَمّاً ونحنُ عُبيدُها
وقال أبو فراس الحَمْداني:
(2/117)

إنْ لمْ تَجافَ عَنِ الذنو ... بِ وَجَدْتَها فينا كَثيرهْ
لكنَّ عادَتك الجَمي ... لةَ أنَّ تَغُضَّ عن الجريرهْ
وقال السَّريُّ الرَّفَّاء:
فإنْ تَعْفُ عنِّي تَعْفُ عَنْ غيرِ جاحِدٍ ... لِما كانَ والإقرارُ بالذَّنْبُ أرْوحُ
وقال آخر:
فلَسْتُ بأوَّلِ عَبْدٍ هَفا ... ولَسْتَ بِأوَّلِ مَوْلًى عَفا
وقال غيره:
صَفْحاً فلَوْ شُقَّ قلبي عَنْ صَحيفَته ... لظلَّ يُقْرأ منهُ الخوفُ والنَّدمُ
وأُتِيَ أبو جعفر المنصور برجلٍ أذنبَ. فقال: إنّ اللهَ يأمر بالعدل والإحسان: فإنْ أخذْتَ في غيري بالعدل فَخُذْ فيَّ بالإحسان. . . . .

حسن العفو عن المصِرِّ
سمع حكيم رجلاً يقول: ذنبُ الإصرار، أولى بالاغْتِفار، فقال: صَدقَ والله، ليس فضلُ من عفا عن السَّهو القليل كَمَنْ عفا عن العمد الجليل. . .

اسْتِعفاء من خلط إقراراً بإنكار
قال بعضهم في ذلك:
(2/118)

هَبْني أسَأتُ كَما ظَنَنْ ... تَ فأيْنَ عاقِبةُ الأخُوّهْ
وإذا أسَأتَ كَما أسأتُ ... فأيْنَ فَضْلُكَ والمُرُوَّهْ
وقال آخر:
وَهَبْني - وما أجْرَمْتُ - أجْرَمْتُ كلَّ ما ... أتاكَ بهِ الواشي فَجُدْ باحْتِمالِهِ
وقال الشعبي لبعض الولاة - وقد كلَّمه في قومٍ حَبَسَهم -: إن حَبَسْتَهم بالباطلِ فالحقُّ يُخْرجهم، وإن حَبسْتهم بحقٍّ فالعفوُ يَسَعَهم؛ فأمر بإطلاقهم.

معتذر مع إنكار
قال الرشيد لرجلٍ يُرْمى بالزَّندقة: لأضْرِبنَّكَ حتَّى تُقِرَّ بالذَّنْبِ، فقال: هذا خلافُ ما أمرَ اللهُ به، لأنّه أمرَ أنْ يُضربَ الناسُ حتى يُقرّوا بالإيمان وأنْتَ تَضرِبُني حتّى أقِرَّ بالكُفْر! فخجل وعفا عنه. وكان الرشيد قد حبس عبد الملك بن صالح، فلمّا أخرجه الأمينُ من الحبس، وذكر الرشيدَ وفِعلَه به قال: واللهِ إنّ المُلْكَ لَشيءٌ ما نويتُه ولا تمنَّيْتُه، ولو أردتُه لكان إليَّ أسرعَ من الماءِ إلى الحَدور، ومن النار إلى يَبسِ العَرْفجِ، وإنّي لمأخوذٌ بِما لمْ أجْنِ، ومسؤولٌ عمّا لا أعرف، ولكن لمَّا رآني بالمُلْكِ قَميناً، وإنْ لمْ أترشَّحْ له في سرٍّ ولا جَهْرٍ، ورآه يَحِنُّ إليَّ حنين الوالدة الوالهة، وتميلُ ميلَ الهَلوكِ
(2/119)

عاقبني عِقابَ من سَهِرَ في طلبِه، فإنْ كانَ إنّما حسِبَني أنِّي أصلُحُ له ويصلُحُ لي فلَيْسَ ذلك ذَنْباً فأتوبَ منه.
وقال التَّنوخيُّ:
إنْ كانَ إقراري بِما لَمْ أجْنِه ... يُرضيك عَنّي قُلْتَ إنّي ظالِمُ

مُعْتذرٌ بتكذيبِ نَفْسِه
خَرَجَ النُّعمانُ بنُ المنذرِ في غِبِّ سماءٍ فمرَّ بِرَجُلٍ مِنْ بَني يَشْكُرَ جالِساً على غَديرِ ماءٍ، فقال له: أتعْرِفُ النُّعمانَ؟ قال اليَشْكُريُّ: ألَيْسَ ابْنَ سَلْمى؟ قال: نَعَمْ، قال: واللهِ لَرُبَّما أمْرَرْتُ يَدي على فَرْجها، قال له: وَيْحَك، النُّعْمانُ بنُ المُنذر! قال: قَدْ خَبّرْتُك، فَما انْقَضى كلامُه حتَّى لَحِقَتْه الخيلُ وحَيَّوْه بِتَحيَّةِ المُلْكِ، فقال له: كيفَ قلتَ؟ قال: أبَيْتَ اللَّعنَ، إنّك واللهِ ما رأيْتَ شَيْخاً أكذبَ ولا ألأمَ ولا أوْضعَ ولا أعَضَّ بِبَظْرِ أمِّه من سيخٍ بين يديك، فقال النُّعمانُ: دعوه، فأنشأ يقول:
تَعْفو المُلوكُ عَنِ العَظي ... مِ مِنَ الذُّنوبِ لِفَضْلِها
ولَقَدْ تُعاقِبُ في اليَسي ... رِ وليسَ ذاكَ لِجَهْلِها
إلا لِيُعْرَفَ فَضْلُها ... ويُخافَ شِدّةُ نَكْلِها
وانقطعَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ عن أصْحابِه. فانتهى إلى أعْرابِيٍّ، فقال:
(2/120)

أتَعْرِفُ عبدَ المَلِكِ؟ قال: نَعَمْ، جائِر بائِر، قال: ويحك أنا عبدُ الملك! قال: لا حيَّاك اللهُ ولا بيّاكَ ولا قرَّبك، أكلْتَ مالَ الله، وضيَّعْتَ حُرْمتَه، قال: وَيْحك أنا أضرُّ وأنفعُ، قال: لا رزقني الله نفْعَك ولا دَفَعَ عنِّي ضُرَّك، فلَمَّا وَصَلَتْ خيلُه عَلِمَ صِدْقَه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اكْتُمْ ما جرى فالمَجالِسُ بالأمانة. . . . .

استعفاء من زعم أن ذنبه كان خطأ
قال غلام هاشميٌّ أراد عمُّه أن يجازيَه بسَهْوٍ منه: يا عمِّ، إنّي قد أسأتُ وليس معي عقلي فلا تُسيءْ ومعك عقلُك. . .
وقال المتنبي:
وعينُ المخطِئينَ هُمُ ولَيْسوا ... بأوَّلِ مَعْشَرٍ خَطِئوا فَتابوا
وأنْتَ حَياتُهمْ غَضِبَتْ عَليْهمْ ... وهَجْرُ حَياتِهمْ لهُمُ عِقابُ
وما جَهِلَتْ أياديكَ البَوادي ... ولكنْ رُبَّما خَفِيَ الصَّوابُ
وقال أبو تمام:
فإنْ يكُ جُرْمٌ عَنَّ أوْ تكُ هَفْوةٌ ... على خَطَأٍ مِنّي فَعُذْري على عَمْدِ
والأصل في هذا المعنى قولُ سيّدنا رسول الله: (رُفِعَ عن أمَّتي الخَطأُ والنِّسيانُ وما
اسْتُكْرِهوا عليه) وقال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}
(2/121)

مستعفٍ سأل أن يقوّم ويؤدّب
قال أحمد بن أبي فَنَنٍ:
أحينَ كَثَّرْتَ حُسّادي وساَءهُمُ ... جَميلُ فِعلِكَ بي أشْمتَّ حُسَّادي!
فإنْ تَكُنْ هَفْوةٌ أو زلَّةٌ سَلَفَتْ ... فأنْتَ أوْلى بِتَقويمي وإرْشادي

مستعف سأل العفو لفرط خوفه
قال علي بن الجَهم من أبياتٍ أرسلها إلى المتوكّل وهْوَ محبوس:
وعَفْوَكَ عَنْ مُذْنبٍ خاضِعٍ ... قَرَنْتَ المُقيمَ بهِ المُقْعِدا
إذا ادَّرَعَ اللَّيْلَ أفْضى به ... إلى الصُّبحِ مِنْ قبلِ أنْ يَرْقُدا
ألَمْ تَرَ عَبْداً عدا طورَه ... ومولىً عَفا ورشيداً هَدى
ومُفْسِدَ أمْرٍ تلافَيْتَه ... فَعادَ فأصْلَحَ ما أفْسَدا
فلا عُدْتُ أعْصيكَ فيما أمَرْ ... تَ حتَّى أزورَ الثَّرى مُلْحَداً
وإلا فَخالَفْتُ ربَّ السَّماءِ ... وخُنْتُ الصَّديقَ وعِفْتُ النَّدى

مستعف اتكل على سالف حرمته
قال زُفَرُ بن الحارث:
أيذْهَبُ يومٌ واحدٌ إنْ أسأتُه ... بِصالحِ أيَّامي وحُسْنِ بَلائيا
(2/122)

وقال جل شأنه: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} والمُرادُ بالسّيّئاتِ: الصغائرُ، والكبائرُ هن: الذُّنوبُ التي رتَّبَ الشّارِعُ عليها حُدوداً أو صرّح بالوعيد فيها

الاستعفاءُ لِمُذْنبٍ من قومٍ مُحْسِنين
قال إبراهيم بنُ العبّاس الصُّوليّ:
أساؤوا وفيهِمْ مُحْسِنونَ فإنْ تَهَبْ ... لِمُحْسِنِهم أهْلَ الإساءةِ يَصْلُحوا

متوصل إلى العفو بمراجعة أو حجة
رَوَوْا أنَّ الفاروقَ رضيَ اللهُ عنْه كان يَعُسُّ ليلةً، فسمع غِناءَ رجلٍ من بيت، فتسوَّر عليه،
فرآه مع امْرأةٍ يشربانِ الخمرَ، فقال: يا عدوَّ الله، أظننْتَ أن يسترَك اللهُ وأنْتَ على مَعْصية؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، لا تَعْجَلْ إنْ كنتُ عَصَيْتُ اللهَ في واحدةٍ فقد عَصَيْتَ في ثلاثٍ: قال الله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} وقد تجسَّست، وقال: {وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} وقد تسوَّرْتَ عليَّ، وقال: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} وقد دخلت بغيرِ سلام، فقال عمر: أسأتُ فهَلْ تعفو؟ قال: نَعم، وعليَّ أن لا أعودَ. . . وقد أوْرَدْنا هذه الأحدوثة كما أوردها الأدباء، وإن في النفس منها بعدُ لأشياءَ

مستعف ذكر فرط خوفه من الوعيد
قال سَلْمٌ الخاسر:
لقدْ أتَتْني مِنَ المَهْديِّ مَعْتَبةٌ ... تَظلُّ مِنْ خَوْفِها الأحْشاءُ تَضْطَرِبُ
وقال أبو تمام من قصيدة يمدح بها أحمد بن أبي دُواد ويعتذر إليه:
(2/123)

أتاني عائِرُ الأنْباءِ تَسْري ... عَقارِبُه بِداهِيةٍ نآدِ
فيا خَبَراً كأنَّ القلبَ أمسى ... يُجَرُّ به على شَوْكِ القَتادِ
وقال البحتري:
عَذيري مِنَ الأيَّامِ رَنَّقْنَ مَشْربي ... ولقَّيْنَني نَحْساً مِنَ الطَّيْرِ أشْأما
وأكْسَبْنَني سُخْطَ امْرِئٍ بِتُّ مَوْهِناً ... أرى سُخْطَه ليلاً مع الليلِ مُظلِما

من اسْتَعْفى واسْتَوهب معاً
أخذ مصعب بنُ الزبير رجلاً من أصْحابِ المختار، فأَمَرَ بِضَرْبِ عُنقِه، فقال: أيّها الأمير، ما أقْبحَ بكَ أنْ أقومَ يوم القيامةِ إلى صورتك هذه الحسنة، ووجْهِك هذا الذي يُستضاء به، فأتعلَّقَ بأطْرافِك وأقول: أي ربِّ سلْ مُصْعَباً فيمَ قتلني، قال: أطلقوه، قال: اجْعلْ ما وَهَبْتَ لي من حياتي في خَفْض، قال: أعطوه مائةَ ألفٍ، قال: بأبي أنت وأمِّي، أشْهدُ اللهَ أن لابن قيس الرقَيَّات منهما خمسينَ ألفا، قال: ولم؟ قال: لقوله فيك:
إنّما مُصْعَبٌ شِهابٌ مِنَ اللهِ تَجلَّتْ عَنْ وَجْهِه الظَّلماءُ
مُلْكُه مُلكُ رحمةٍ ليس فيه ... جَبَروتٌ يُخْشى ولا كِبْرياءُ
يَتَّقي اللهَ في الأمورِ وقدْ أفْ ... لَحَ مَنْ كانَ همَّه الاتِّقاءُ
(2/124)

فضحك مصعب وقال: أرى فيك مَوْضِعاً للصَّنيعة، وأمَرَه بلُزومِه وأحسنَ إليه، فلم يزل معه
حتى قُتل. . .
وقال المتنبي:
فاغْفِرْ فِدىً لَكَ واحْبُني مِنْ بَعْدِها ... لتَخُصَّني بِعَطيَّةٍ مِنْها أنا

المتوصل إلى العفو بالتثبت إلى حين التبيُّن
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. . . . قال الإمام البيضاوي: فتبيَّنوا: فتعرَّفوا وتصفَّحوا قال: وتنكير الفاسق والنبأِ للتّعميم؛ وتعليقُ الأمْر بالتبيُّن على فسق المُخبر يقتضي جوازَ قبول خبر العدل. . . وأن تصيبوا: أي كراهةَ إصابتكم
وغضب الرشيدُ على رجلٍ، فقال له جَعْفَرُ بن يحيى: غَضِبْتَ لله، فأطِعِ اللهَ في غَضبِك بالوُقوفِ إلى حال التبيُّن كما غَضِبْتَ له. . وقال الشعبي لعبد الملك بن مروان: إنّك على إيقاعِ ما لَمْ تُوقِعْ أقدرُ مِنك على ردِّ ما أوْقَعْتَ. . . .

نهي العافي عن التثريب
رضي بعضُ الملوك عن رجل، ثم أخذ يُوبِّخه، فقال: إنْ رأيتَ ألا
(2/125)

تخدِشَ وجْهَ رضاك بالتَّثريب فافعل. وقالوا: ما عفا عن الذنب من قرَّع به. . .
وقال شاعرٌ فيمن يُعاقب ثم يعاتب:
إذا عُوقِبَ الجاني على قدْرِ جُرْمِه ... فتَعْنيفُه بَعْدَ العِقابِ مِنَ الرِّضا

نهيهم عن الاعتذار وصعوبته
جاء في الحديث الشريف: (إيّاك وكلَّ أمْرٍ يُعْتَذرُ منه). وفي حديث آخر: (إيّاكم والمعاذيرَ فإنها مفاجر). . . . ومعنى الحديثين: إيّاكم أن تتكلّموا أو تَفْعلوا ما تحتاجون إلى أنْ تَعْتَذروا عنه. وقال بعضُهم: دَعْ ما يَسبقُ إلى القلوبِ إنكارُه، وإن كان عندك اعتذارُه فلستَ بموسِعٍ عُذراً كلَّ من أسْمَعْتَه نُكرا. . . وكتب الحجاجُ إلى بعض من اعْتذرَ إليه: إنْ يَعلَمِ اللهُ ذلك من نيَّتك تُكْفَ المقالَ. وكتب كاتبٌ: لست أعتذر إليك من الذّنب إلا بالإقلاع عنه. وكتب آخر: إن تركت الاعتذار فلِما قال الشاعر - هو محمود الورَّاق -:
إذا كانَ وجْهُ العُذْرِ ليسَ ببيِّنٍ ... فإنّ اطِّراحَ العُذْرِ خَيْرٌ مِنَ العُذْرِ
وقالوا: الإغراقُ في العُذْرِ يحقّق التُّهمةَ، كما أنّ الإفراط في النصيحة يُوجب الظِّنَّة. . . .
(2/126)

وكتب بعضُهم: إنْ كان ما بَلَغك حقاً فما تُعني المعاذيرُ، وإنْ كانَ كذِباً فما تضرُّ الأباطيلُ.
وقال شاعر:
تعالَوْا نَصْطلِحْ وتكونُ مِنَّا ... مَعاوَدةٌ بلا عَدِّ الذُّنوبِ
فإنْ أحْبَبْتُمُ قُلْتُمْ وقُلْنا ... فإنَّ القَوْلَ أشْفى للقلوبِ
وخطب الحجّاجُ يوماً فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة، الوقت لا ينتظرُك، والرّبُّ لا يعذرُك، فأمرَ بحَبسِه، فأتاه قومُه وزعَموا أنّه مجنون فإنْ رأى أن يُخلي سبيلَه! فقال: إنْ أقرَّ بالجنونِ خَلَّيتُه، فقيل له ذلك، فقال: معاذَ اللهِ، لا أزعُمُ أنّ اللهَ ابْتَلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاجَ، فعفا عنه لِصِدْقه. .

تأسُّف من يعاتب من غير ذنب
من أمثالهم: ربَّ مَلومٍ لا ذنبَ له. وقال البحتري:
إذا مَحاسِني اللائي أدِلُّ بِها ... كانَتْ ذُنوبي فقُلْ لي كَيْفَ أعْتَذِرُ
(2/127)

عبقرياتهم في ذمِّ الحِلْمِ ومَدْحِ العِقاب
النَّهْيُ عن الحِلم إذا كان يسبب ذُلاً أو ضَرّاً
قال النابغة الجعدي:
ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لَمْ تَكُنْ لهُ ... بَوادِرُ تَحْمي صَفْوَه أنْ يُكَدَّرا
ولا خيرَ في جَهْلٍ إذا لَمْ يكنْ لهُ ... حَليمٌ إذا ما أوْرَدَ الأمْرَ أصْدَرا
ويُروى أنّه لما أنشد هذين البيتين سيدَنا رسولَ الله قال صلواتُ الله عليه: أجدْتَ لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ، فعاشَ مائة وثلاثين سنة لم تَنْفَضَّ له ثنيَّة. . . وأنشد المبرِّد:
أبا حَسَنٍ ما أقْبحَ الجَهْلَ بالفتى ... ولَلْحِلْمُ أحياناً مِنَ الجَهْلِ أقْبحُ
إذا كانَ حِلْمُ المَرْءِ عَوْنَ عَدُوِّه ... عَلَيْهِ فإنَّ الجَهْلَ أعْفى وأرْوَحُ
أقول: إنَّ مُرادهم بالجَهْلِ ههنا ما قابلَ الحِلْم وقال المتنبي:
مِنَ الحِلْمِ أنْ تَسْتَعملَ الجهلَ دونَه ... إذا اتَّسَعَتْ في الحِلْمِ طُرْقُ المَظالِمِ
وقال:
إذا قيلَ: رِفْقاً قال: لِلحِلْمِ مَوْضِعٌ ... وحِلْمُ الفَتى في غيرِ مَوْضِعِه جَهْلُ
وقالَ أبو يَعْقوب الخُرَيْمي:
أرى الحِلْمَ في بعضِ المواطنِ ذِلَّةً ... وفي بَعْضها عِزّاً يُسوِّدُ صاحِبَهْ
(2/128)

وقال الأحْنَفُ بنُ قيس: لا حِلْمَ لِمَنْ لا سَفيهَ له. وقال: ما قلَّ سفهاءُ قومٍ إلا ذَلّوا. . .
وقال الجاحظ: مَنْ قابلَ الإساءةَ بالإحسانِ فقَدْ خالَفَ اللهَ في تَدْبيرِه، وظَنَّ أنَّ رحمةَ اللهِ دونَ رحمته، فإنَّ الله تعالى يقول: {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} وقال: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}. وقال الشعبيُّ: يُعجبني الرَّجلُ إذا سيمَ هَواناً دَعَتْه الأنفةُ إلى المُكافأةِ {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}؛ ورُفع كلامُه إلى الحجّاج فقال: لله درُّه! أيُّ رجلٍ بين جَنْبَيْه! وتمثّل بقول الشاعر:
ولا خيرَ في عِرْضِ امْرئٍ لا يَصونُه ... ولا خيرَ في حِلْمِ امْرئٍ ذَلَّ جانِبُهْ

دَفْعُ الجهل بالجهل
قال محمد بْنُ وهيب:
لَئِنْ كُنْتُ مُحْتاجاً إلى الحِلْمِ إنني ... إلى الجَهْلِ في بعضِ الأحايينِ أحْوَجُ
ولي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بالحِلْمِ مُلُجَمٌ ... ولي فَرسٌ لِلْجَهْلِ بالجَهْلِ مُسْرَجُ
فَمَنْ رامَ تَقويمي فإنّي مُقَوَّمٌ ... ومَنْ رامَ تَعْويجي فإنّي مُعَوَّجُ
وما كُنْتُ أرْضى الجَهْلَ خِدْناً وصاحِباً ... ولَكنَّني أرْضى به حينَ أحْرَجُ
وإنْ قالَ بعضُ الناسِ: فيهِ سَماجَةٌ ... فَقَدْ صَدقوا، والذَّلُّ بالحُرِّ أسْمَجُ
وقال إياس بنُ قتادة - وهو بارعٌ جداً -:
تُعاقِبُ أيدينا ويَحْلُمُ رأيُنا ... ونَشْتِمُ بالأفْعالِ لا بالتَّكلُّمِ
وقال أوسُ بن حَبْناءَ - شاعرٌ إسلامي تميمي وحبناءُ أمُّه -:
إذا المَرْءُ أوْلاكَ الهَوانَ فأوْلِه ... هَواناً وإنْ كانَتْ قَريباً أواصِرُهْ
(2/129)

وإنْ أنْتَ لَمْ تَقْدِرْ على أنْ تُهينَه ... فَذَرْه إلى اليَوْمِ الذي أنْتَ قادِرُهْ
وقارِبْ إذا ما لَمْ تَكُنْ لكَ حيلةٌ ... وصَمِّمْ إذا أيْقَنْتَ أنَّكَ عاقِرُهْ
وقالوا: الشَّرُّ لا يَدْفعُه إلا الشَّرُّ والحديد بالحديد يُفْلَحُ. . .

من نهي عن الاغترار بحلمه
قال المتنبي:
وأطْمَعَ عامِرَ البُقْيا علَيْها ... ونَزَّقَها احْتِمالُكَ والوقارُ
وقال آخر:
ولا يَغْرُرْكَ طولُ الحِلْمِ مِنّي ... فَما أبداً تُصادِفُني حَليماً
وقال آخر:
احْذَرْ مَغايظَ أقوامٍ ذَوي أنَفٍ ... إنَّ المَغيظَ جَهولُ السَّيْفِ مَجْنونُ

الحلم مُغْرٍ وضارّ مُذل
قال الأحنف لرجل: ليتَ طولَ حِلْمِنا عليكَ لا يَدْعو جَهْلَ غيرِنا إليك.
(2/130)

وقيل للأحنف: ما الحِلْمُ؟ فقال: الرضا بالذُّلِّ. . .
وقالوا: الشهرةُ بالمُلايَنةِ والخير شرٌّ مِنَ الاشْتِهارِ بالغِلْظةِ والشرّ، لأنَّ من عُرفَ بالخيرِ اجْتَرأ عليه الناسُ، ومَنْ عُرِفَ بالشَّرِّ هابَه الناسُ وتجنَّبوه.
وقال معاويةُ: ما ولَدَتْ قُرَشيّةٌ خيراً لقُرَشِيٍّ منّي، فقال رجلٌ كانَ حاضِراً: بل ما ولدتْ شرّاً لهم منك، فقال: كيف؟ قال: لأنّك عَوَّدتهم عادةً يطلبونها ممّن بعدك فلا يجيبونهم إليها فيحملون عليهم كحملهم عليك وكأنّي بهم كالزِّقاقِ المنفوخةِ على طُرُقاتِ المدينةِ. . .

نهيهم عن إكرام اللّئام
قال المتنبي:
إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكريمَ ملكْتَه ... وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللئيمَ تَمرَّدا
ووَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بالعُلا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدى
وقبلهما:
وما قتلَ الأحْرارَ كالعَفْوِ عَنْهُمُ ... ومَنْ لكَ بالحُرِّ الذي يَحْفَظ اليَدا
وقالوا: استعمال الحلمِ مع اللئيم أضرُّ من استعمالِ الجَهْلِ معَ الكريم.
وقال يزيد بن معاويةَ لأبيه: هل ذمَمْتَ عاقبةَ حِلْمٍ؟ قال: ما حَلُمْتُ عن لئيمٍ وإنْ كانَ وليّا إلا أعْقَبني نَدماً، ولا أقدمْتُ على كريمٍ وإنْ كانَ عدوَّاً إلا أعْقَبني أسفاً. .
وقال الشاعر:
(2/131)

مَتى تَضِعِ الكرامةَ في لَئيمٍ ... فإنَّكَ قدْ أسأتَ إلى الكرامهْ

الاستعانة بالجهل لدى الحاجة إليه
قال العباس بن الأحنف:
ومَنْ يَحْلُمْ ولَيْسَ له سفيهٌ ... يُلاقي المُعْضلاتِ مِن الرجالِ
وقال غيره:
ولا يَلْبَثُ الجُهُّالُ أن يَتَهضَّموا ... أخا الحِلْمِ ما لَمْ يَسْتَعِنْ بِجَهولِ
وبينا عبدُ الله بن عمر رضي الله عنه جالسٌ إذ أقبل أعرابيٌّ، فلطَمَه، فقام إليه رجلٌ فجلدَ به الأرْضَ، فقال ابنُ عمرَ: ليس بِعزيزٍ مَنْ ليسَ في قومه سفيهٌ. . .

حث القادر على العقاب قبل فَوْته
قد أسلفنا كثيراً من عبقرياتهم في هذا المعنى، وقال أبو أذينةَ الغَسّاني:
يُحرِّضُ ابنَ عمِّه الأسودَ بنَ المنذر على قتل جماعةٍ من مُلوكِ الشام كان قد أسَرَهُمْ فأراد أن يعفوَ عنهم:
ما كلَّ يَوْمٍ ينالُ المَرْءُ ما طَلبا ... ولا يُسوِّغُه المقدارُ ما وَهبا
وأنْصفُ الناسِ في كلِّ المواطنِ مَنْ ... سقى الأعاديَ بالكأسِ الّتي شَرِبا
ولَيْسَ يَظلمُهُمْ مَنْ باتَ يضربُهم ... بِحدِّ سيفٍ به من قبلِهم ضُرِبا
فالعَفْوُ إلا عنِ الأعْداءِ مَكْرُمةٌ ... منْ قالَ غيرَ الذي قد قلتُه كَذبا
قتَلْتَ عَمْراً وتَستبقي يزيدَ لَقَدْ ... رأيْتَ رأياً يجرُّ الويلَ والحَرَبا
لا تَقْطَعَنْ ذنَبَ الأفعى وتتركَها ... إنْ كنتَ شَهْماً فأتْبِعْ رأسَها الذَّنَبا
(2/132)

هُمْ جَرَّدوا السيفَ فاجْعَلْهُمْ به جزَرا ... هُمْ أوْقَدوا فاجْعلْهُمْ لَها حَطَبا
ومنها:
لا عَفْوَ عَنْ مِثْلِهِمْ في مِثلِ ما طَلبوا ... لكنَّ ذلكَ كانَ الهُلكَ والعَطَبا
عَلامَ تَقْبلُ مِنْهُمْ فِدْيةً وهُمُ ... لا فِضَّةً قَبلوا مِنّا ولا ذَهَبا
وكتب يحيى بن خالد البرمكيّ إلى الرشيد من الحبس: إنْ كانَ الذنْبُ خاصَّاً. فلا تُعَمِّم بالعُقوبة، فَمَعي سَلامَةُ البَريءِ ومودَّة الوليّ؛ فكتَبَ إليه: قُضيَ الأمْرُ الذي فيه تستفتيان. . .
وقال بعضُهُمْ لأبي جعفر المنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتّى كأنّك لم تَسْمَعْ بالعفوِ! فقال: لأن بني مروان لم تَبْلَ رِمَمُهُمْ، وآلُ أبي طالب لم تُغْمدْ سُيوفُهم، ونَحْنُ بينَ أقوامٍ قَدْ رأوْنا بالأمْسِ سُوقةً واليومَ خُلفاء، فليس تتمهَّد الهيبةُ في صُدورهم إلا باطّراحِ العفوِ واستعمالِ العُقوبة. . .

التبجح بقسوة القلب وقلة الرحمة
كان محمدُ بن عبد الملك الزيّات وزيرُ المعتصم والواثق قد اتّخذ تنُّوراً من حديد، وأطرافُ مساميره قائمةٌ مثل رؤوس المَسالّ، في أيّام وزارته وكان يعذِّب فيه المصادرين وأربابَ الدواوين المطلوبين بالأموال، فيجِدون لذلك أشدَّ الألم، ولم يسبقْه أحدٌ إلى هذا النوع من العقاب، وكان إذا قال له أحدٌ منهم: أيّها الوزير، ارْحمني، يقول له: الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة، فلما
(2/133)

اعتقله المتوكّل أمرَ بإدْخاله في التَّنُّور وقيَّده بخمسةَ عشر رِطلاً من الحديد، فقال: يا أمير المؤمنين، ارحمني، فقال له: الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة، كما كان يقول للناس. ثم يتمثل:
فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سيرةٍ أنْتَ سِرْتَها
ووقع مَرَّةً في قِصة رجل: دعني من ذكر الرحمة والإشْفاق، فما هُما إلا للنِّسوان والصبيان. . . .
وقال المتنبي:
يَدْخلُ صبرُ المرءِ في مَدْحِه ... ويَدْخُلُ الإشْفاقُ في ثَلْبِهِ
الثَّلْبُ: الذَّمُّ والعاب، يقول: إنّ الصَّبْرَ ممّا يُمدح به الإنسان والإشفاقَ مما يُعاب به

أخذ البريء بذنب الجاني
قال اللهُ تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}
وقال الحارثُ بْنُ حِلِّزةَ اليَشْكُري من معلقته التي ارْتَجلها بين يدي عَمْرِو بن هند ملك الحيرة في شيءٍ كان بين بكر وتغلب:
عَنَناً باطِلاً وظُلْماً كَما تُعْ ... تَرُ عَنْ حَجْرةِ الرَّبيضِ الظِّباءُ
العَنَن: الاعْتراضُ يقال: عَنَّ يَعِنَّ ويَعُنُّ عَنّاً وعُنوناً واعْتَنَّ: عَرَضَ واعْتَرضَ، والاسم العَنَنُ، والحَجْرةُ: الناحية، والجَمْع: حَجْرٌ
(2/134)

وحَجَرات مثل جَمْرة وجَمْرٌ وجَمَرات، والعتر، ذبح العتيرة، وهي ذبيحةٌ كانت تُذبح للأصنام في رجب، والرَّبيض: الغنم الرابضة في مَرْبضها، وقد كان الرجل في الجاهلية يَنْذُرُ: إنْ بلَّغ اللهُ غنمَه مائةً ذَبحَ مِنْها واحدةً للأصنام، ثم ربَّما ضنّت نفسُه بها فأخذَ ظبياً وذَبَحه مكان الشاة الواجبة عليه يقول: ألزمتُمونا ذنبَ غيرِنا عَنَناً باطِلاً كما يُذبح الظبيُ لَحَقٍّ وَجَبَ في الغنم
وقال النابغة الذبياني من أبياته العينية التي يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر:
أتاني أبَيْتَ اللَّعْنَ أنّكَ لُمْتُني ... وتلك التي تَسْتكُّ مِنها المَسامِعُ
مقالةُ أنْ قدْ قلْتَ: سوفَ أنالُه ... وذلِكَ مِنْ تِلقاءِ مِثْلكَ رائِعُ
أتُوعِدُ عَبْداً لَمْ يَخُنْكَ أمانةً ... وتَتْركُ عَبْداً ظالِماً وهْوَ ظالِعُ
وحَمّلتَني ذنبَ امْرئٍ وتركْتَه ... كَذي العُرِّ يُكوى غيرُه وهْوَ راتِعُ
وذلكَ أمْرٌ لمْ أكُنْ لأقولَه ... ولو كُبِّلَتْ في ساعِديَّ الجَوامِعُ
أتاكَ بقولٍ لَهْلَهِ النَّسْخِ كاذِباً ... ولَمْ يأتِ بالحَقِّ الذي هوَ ناصِعُ
لَعَمْري وما عَمْري على بِهيِّنٍ ... لَقَدْ نَطَقتْ بُطلاً عليّ الأقارِعُ
ومنها:
وعيدُ أبي قابوسَ في غَيْرِ كُنْهِه ... أتاني ودوني راكِسٌ فالضَّواجِعُ
فَبِتُّ كأنّي ساوَرَتْني ضَئيلةٌ ... مِنَ الرُّقْشِ في أنيابِها السُّمُّ ناقِعُ
يُسَهَّدُ في لَيْلِ التِّمامِ سَليمُها ... لِحَلْيِ النّساءِ في يَدَيْهِ قعاقِعُ
تناذَرَها الراقون مِنْ سوءِ سُمِّها ... تُطلِّقُه طَوْراً وطَوْراً تُراجِعُ
ومنها:
حَلَفْتُ فلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبةً ... وهَلْ يَأثَمنْ ذو إمَّةٍ وهْوَ طائِعُ
فإنَّك كَالليلِ الذي هوَ مُدْرِكي ... وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتأى عَنكَ واسِعُ
وإليك شرح هذه الأبيات: أبيْتَ اللّعن: أبيت أن تأتي من
(2/135)

الأخلاق المذمومة ما تُلعن عليه، وكانت هذه تحيّةَ لَخْم وجُذام، وكانت منازلهم الحيرةَ وما يليها، وكانت تحية ملوك غسّان: يا خيرَ الفتيان، وكانت منازلهم الشامَ: وتستكُّ: تنسَدُّ ولا تسمع، ورائِعُ: مُفزع ومخوّف وإضافةُ مقالة إلى أن قد قلت من إضافةِ الأعمِّ إلى الأخصّ، وهي من الإضافة البيانية أي مقالة هي هذا القول. وظالِع: مائل. والعُرّ: قرح يأخذ الإبل في مَشافِرها وأطرافها شَبيهٌ بالقَرَع، وربما تفرق في مشافرها مثل القُوباء، يسيل منه ماءٌ أصفرُ، وكان الأعرابُ إذا وقع العُرُّ في إبلِ أحدهم اعترضوا بعيراً صحيحاً من تلك الإبل فكَوَوْا مِشْفَرَه وعَضُدَه وفَخْذَه يَرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب العُرُّ من إبلهم. وقيل: إنما كانوا يكوون الصحيحَ لِئلا يتعلَّقَ به الداءُ لا لِيَبْرأ السّقيم. وكُبّلت: قُيّدت. والجوامع: الأغلال، جمعُ جامعة. وثوبٌ لَهْلَهُ
النسج وهَلْهل النسج: إذا كان رقيقاً، وناصع: بيّنٌ واضح. وقوله: لعمري. . . البيت فالعَمْرُ بفتح العين هو العُمْر بضمها لكن خُصَّ استعمال المفتوح في القسم، أي ما قسمي بعمري هيِّنٌ عليّ حتى يتهمني متّهم بأني أحلف كاذِباً، والبُطل - بالضم: - هو الباطل والأقارع: هُم بنو قريع بنِ عوف الذين كانوا سعوا به إلى النعمان بن المنذر حتى تغيّر له. وأبو قابوس: كنيةُ النعمان بن المنذر. وقوله في غير كُنهه: أي جاءني وعيدُه في غير قدْرِ الوعيد، أي لم أكُنْ بلغتُ ما يغضب عليّ فيه. وراكس: وادٍ، والضّواجع جمع ضاجِعة وهو مُنحنى الوادي. وقوله: فبتُّ. . . ألبيت فالمساورة: المواثبة، والأفعى لا تلدغ إلا وَثْباً. وضئيلةٌ: هي الحية الدقيقة القليلة اللحم. والرُّقْشُ من الحيّات: المنقّطة بسوادٍ، وهي من شِرارِها، والسمّ مبتدأ وناقع خبر ويجوز في غير الشعر ناقِعاً على الحالية وفي أنيابها هو الخبر. وليل التّمام بكسر التاء أطولُ ليلة في السنة، والسليم:
(2/136)

اللّديغ، وسَمّت العربُ الملسوعَ سَليماً تفاؤلاً. وقوله: لِحلْي النساء في يديه قعاقِع: فقد كان الملدوغُ يُجعل الحَلْي في يديه والجلاجل حتى لا ينامَ فَيَدِبَّ السمّ فيه. وتناذرها الراقون يروى أيضاً: تناذرها الحاوون، وهو جمع حاوٍ، وهو الذي يُمسك الحيَّاتِ، أي أنْذرَ بعضُهم بعضاً بأنها لا تجيب راقياً وقوله: تطلِّقه: تخِفُّ عنه مرة وتشتَدُّ عليه مرّةً، ومثل ذلك قول الآخر:
تَبيتُ الهُمومُ الطارِقاتُ يَعُدْنَني ... كما تَعْتري الأوصابُ رأسَ المُطلَّقِ
يقال: طُلِّقَ السليم: رَجعتْ إليه نفسُه وسكن وجعُه بعدَ العِداد فهو مُطلّق، قال المبرِّد: وهذا هو الذي ذكره النابغة قال: وذلك أنَّ المنهوشَ إذا ألحَّ الوجعُ به تارةً وأمسك عنه تارةً فقد قارب أن يؤْيَسَ مِنْ بُرْئِه، وإنّما ذكر خوفَه من النعمان وما يعتريه من لوعة في إثر فترة والخائف لا ينام إلا غِراراً، فلذلك شُبّه بالملدوغِ المسهَّد. والإمَّة لغةٌ في الأمَّة: الدين والخير ثم شبَّهه في البيت الأخير في حال سُخطه بالليل الشديد الظلمة لا يُهتدى فيه
ووقَفَ رجلٌ على الحجاج فقال: أصلَح اللهُ الأميرَ، جَنى جانٍ في الحيّ فأخِذْتُ بِجريرته وأسْقِطَ عطائي، فقال الحجّاج: أما سمعت قولَ الشاعر:
جانيكَ مَنْ يجني عَليكَ وقدْ ... تُعْدي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُرْبِ
(2/137)

ولَرُبَّ مأخوذٍ بذَنْبِ صَديقِه ... ونَجا المُقارِفُ صاحِبُ الذَّنْبِ
فقال: أعزَّ اللهُ الأمير، كتابُ الله أولى ما اتُّبِع، قال الله تعالى: {مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن
وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} فقال الحجاجُ: صدقْتَ يا غلام، رُدَّ اسْمَه وأثْبِتْ رَسْمَه؛ وأسْنِ له عَطاءَه.

عذر من بدر منه سخط
قال البحتري:
إذا أحْرَجْتَ ذا كَرمٍ تَخطَّى ... إليكَ بِبَعْضِ أخلاقِ اللّئامِ

طائفة من عبقرياتهم في العداوات
الاحتراسُ من غرس العداوة
جاء في كليلة ودمنة: لا ينبغي للعاقل أن تحملَه ثِقتُه بِقوَّته على أن يَجْترَّ العَداوة، كما لا يَجبُ لِصاحبِ التِّرْياقِ أنْ يَشْربَ السُّمَّ اتّكالاً على أدْويتِه.
وقالوا: احْذَرْ معاداةَ الرجالِ فالناس رَجُلان: عاقلٌ فاحْذَرْ خَتْلَه، وأحْمَقُ فاحْذَرْ حُمْقَه.
(2/138)

وسيمر عليك كثير من عبقرياتهم في هذا المعنى في كتاب الإخوانيات والأصدقاء والصداقة.

نَهْيُهم عَنِ الاغترارِ بالوُدّ تُسْتَبطنُ معه العداوةُ
دخل سُدَيْفٌ مولى أبي العباس السفاح على أبي العباس أميرِ المؤمنين وعنده سليمانُ بن هِشام بْنِ عبد الملك وقد أدناه وأعطاه يدَه فقبَّلها، فلمّا رأى ذلك سُدَيْفٌ أقبل على أبي العباس وقال:
جَرِّدِ السَّيْفَ وارْفَعِ العَفْوَ حتّى ... لا تَرى فوقَ ظَهْرِها أمَوِيّاً
لا يغرَّنْك ما تَرى مِنْ أناسٍ ... إنَّ تحتَ الضُّلوعِ داءً دَوِيّاً
فأقبل عليه سُليمانُ فقال: قَتلْتَني أيُّها الشيخ قتلكَ اللهُ وقام أبو العباس فدَخل، فإذا المنديلُ قد ألقيَ في عُنُقِ سليمان، ثم جُرَّ فقُتِل.
ودخل شِبْلُ بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن عليّ، وقد أجْلسَ ثمانينَ رجُلاً من بني أمَيّةَ على سُمُطِ الطعام، فمثَل بين يديه وقال:
أصْبَحَ المُلكُ ثابتَ الآساسِ ... بالبَهاليلِ مِنْ بَني العبّاسِ
(2/139)

طَلَبوا وِتْرَ هاشِمٍ فَشَفَوْها ... بَعْدَ مَيْلٍ من الزَّمانِ وياسِ
لا تُقيلَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ عِثاراً ... واقْطَعَنْ كُلَّ رَقْلةٍ وَأواسي
ذُلُّها أظْهَرَ التودُّدَ مِنْها ... وبِها مِنْكُمُ كَحَزِّ المَواسي
ولقَدْ غاظَني وغاظَ سَوائي ... قَرْبُهُمْ مِنْ نَمارِقٍ وكَراسي
أنْزِلوها بِحيثُ أنْزَلَها اللهُ بِدارِ الهَوانِ والإتعاسِ
واذْكُروا مَصْرَعَ الحُسَيْن وزيداً ... وقتيلاً بِجانِبِ المِهْراسِ
والقتيلَ الّذي بِحرَّانَ أضْحى ... ثاوِياً بَيْنَ غُرْبةٍ وتناسِ
نِعْمَ شِبْلُ الهِراشِ مَوْلاك شِبْلٌ ... لَوْ نَجا مِنْ حَبائِلِ الإفلاسِ
فأمَرَ بهم عبدُ الله، فشُدِخوا بالعَمَدِ، وبُسِطَتْ عليهم البُسُط، وجُلِس عليها ودَعا بالطعام وإنه ليَسْمعُ أنينَ بعضهم حتّى ماتوا جميعاً، ولمّا فرَغَ من الأكلِ قال: ما أعْلَمني أكلتُ أكلةً قطُّ أهنأَ ولا أطيبَ لنفسي منها! وقال
(2/140)

لِشِبْلٍ: لولا أنّك خلَطْتَ كلامَكَ بالمسألة لأغْنَمْتُك جميعَ أموالهم، ولعقَدْتُ لك على جميع مَوالي بني هاشم.
وقال المتنبي:
فَلا تَغْرُرْكَ ألْسِنةٌ مَوالٍ ... تُقلِّبُهنَّ أفئِدةٌ أعادي
وكُنْ كَالموْتِ لا يَرثي لِباكٍ ... بَكى مِنْهُ ويَروى وهْوَ صادِ
فإنّ الجُرْحَ يَنْفِرُ بَعْدَ حينٍ ... إذا كانَ البناءُ على فَسادِ
قوله: فإن الجرح. . . ألبيت: مثله قول البحتري:
إذا ما الجُرْحُ رُمَّ عَلى فَسادٍ ... تَبيَّنَ فيهِ تفريطُ الطّبيبِ
وفي كليلة ودمنة: لا يَغرَّ العاقلَ سكونُ الحقدِ في القلبِ ما لَمْ يجدْ مُحرّكاً فإنّه كالجَمْرِ المكنونِ ما لَمْ يجِدْ حَطباً، والعداوةُ إذا وَجدَتْ فُرْصةً اشتعلت فلا يُطفِئها شيءٌ دونَ النفس. . .
(2/141)

نهيهم عن السكون إلى من تقدّم منك إليه إساءة
يُحكى أنَّ رجلاً كان له عبدٌ سِنديٌّ، فتعرَّض لامْرأتِه، فعلم الرجلُ بذلك، فأخذه وجَبَّه، ثم تحوَّب لذلك، فداواه، فلمّا بَرَأ اتَّفقَ أنْ غابَ الرجلُ يوماً، فَعمَدَ السِّندي المَجبوبُ إلى ابنينِ كانا لسيّده فأخذَهما وصعدَ السُّورَ، فلما بُصرَ بالرّجل قال: واللهِ إنْ لم تَجُبَّ نفسَك كما جَبَبْتَني لأقذفنَّهما من السور لِيَموتا، وإنّ نفسي لأهون من شربة ماء، فلمّا رأى الرجلُ منه الجِدّ جبَّ نفسه، فرمى العبدُ بالابنينِ من السورِ وقال: إنَّ جبَّك نفسَك قِصاصٌ لما جَبَبْتَني،
وقتلَ ابنيكَ زيادةٌ أعْطيْتُكَها. . .
وتزعم العرب: أن أخويْنِ كانا في إبلٍ لهما، فأجْدَبتْ بِلادُهما، وكان بالقرب منهما وادٍ خصيبٌ وفيه حيّةٌ تَحميه مِنْ كلِّ أحد، فقال أحدُهما للآخر: يا فلان، لو أني أتيت هذا الواديَ المُكْلِئَ فرعيت فيه إبلي وأصلَحْتُها؟ فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحيَّة، ألا ترى أن أحداً لا يهبط ذلك الوادي إلا أهلَكَتْه، قال: فَوَالله لأفْعَلنَّ، فهبط الوادي ورعى به إبلَه زَماناً، ثمَّ إن الحيَّة نهشَتْه فقتلته، فقال أخوه: واللهِ ما في الحياة بعدَ أخي خيرٌ، فَلأطلُبنَّ الحيّةَ ولأقتلنّها، أو لأتْبَعَنْ أخي، فهبط ذلك الوادي وطلب الحيَّة ليقْتلَها طلباً بثأره، فقالت له الحيّةُ: فهل لك في الصُّلْحِ، فأدعُك بهذا الوادي تكونُ فيه وأعطيك كلَّ يومٍ ديناراً ما بَقيت؟ قال أوَ فاعِلةٌ أنتِ؟ قالت: نعم، قال: إني أفعل، فحلف لها وأعْطى المواثيقَ: لا يَضرها، وجعلَتْ تعطيهِ كلَّ يوم ديناراً، فكثر ماله حتى صار من أحسنِ الناسِ حالاً؛ ثم إنّه ذكر أخاه فقال: كيف ينفعُني العيشُ وأنا
(2/142)

أنظرُ إلى قاتل أخي! فعمَدَ إلى فأسِه فأخَذَها؛ ثم رصدَ لها، حتّى خرجت، فضَربَها ضربةً شجَّت رأسَها، فلما رأت ما فعل قطَعَتْ عنه الدينار، فخاف الرجلُ شرَّها ونَدِمَ، فقال لها: هل لك أن نتواثقَ ونعودَ إلى ما كنَّا عليه؟ فقالت: كيف أعاوِدُك وهذا أثرُ فأسك وهذا قبرُ أخيك! وقد ذكر هذه الحكاية النابغة الذبياني في أبياتٍ له لا داعي إلى إيرادِها وقد جاء في ختامِها هذا البيت:
أبى لكَ قبرٌ لا يزال مُواجِهي ... وضَرْبةُ فأسٍ فوقَ رأسِيَ فاغِرَهْ

نهيهم عن احتقار العدو
قال ابنُ نُباتةَ السعدي:
وإذا عَجِزْتَ عَنِ العَدُوِّ فَدارِه ... وامْزُجْ له إنَّ المِزاجَ وِفاقُ
فالنارُ بِالماءِ الذي هُوَ ضِدُّها ... تُعطي النَّضاجَ وطبْعُها الإحْراقُ
وقالوا: لا يُتَّقى العدوُّ القويُّ بمثلِ الخُضوعِ واللّينِ، ومَثلُ ذلكَ مَثَلُ الرّيحِ العاصفِ تَقلَعُ الأشْجارَ العِظام، لتأبِّيها عليها، ويَسْلَمُ مِنْها النَّباتُ اللَّيِّنُ لِتَمايُلِه مَعها.
ومِن أمثالهم: إذا عزَّ أخوك فهُنْ.
قال الإمام ثعلب: هذا مثلٌ مَعْناه: إذا تعظَّم أخوك شامِخاً عليكَ فالْتَزِمْ له الهَوان؛ وعبارة الأزهريّ: المعنى: إذا غلبك وقهَرك ولم تُقاوِمْه فتواضَعْ له، فإنَّ اضطرابَك عليه يزيدُك ذلاًّ
وخَبالاً، وقال الزجاج: الذي قاله ثعلب خطأ، وإنما الكلام. إذا عزَّ أخوك فهِنْ - بكسر الهاء - ومعناه إذا اشتدَّ عليك فهُنْ له ودارِه، وهذا من مَكارمِ الأخلاق، كما رُوي عن
(2/143)

معاويةَ رضيَ اللهُ عنْهُ أنه قال: لوْ أنَّ بيني وبينَ الناسِ شعرةً يَمُدّونَها وأمُدُّها ما انْقَطَعَتْ، قيل: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا أرْخَوْها مَدَدْتُ، وإذا مدّوها أرْخيت، فالصحيح في هذا المثل، فهِنْ بالكسر، من قولهم: هانَ يَهين: إذا صار هيِّناً ليِّناً، كقوله:
هَيْنونَ لَيْنونَ أيْسارٌ ذَوو كَرَمٍ ... سُوّاسُ مَكْرُمةٍ أبْناءُ أطْهارِ
وإذا قالوا: فهُنْ فَهْو مِنَ الهوان، والعَربُ لا تأمُرُ بِذلك، لأنّهم أعِزّةٌ أبّاؤون للضّيم.
وقال ابن سِيدَه: وعِندي أنّ الذي قاله ثعلب صحيحٌ لقولِ ابْنِ الأحْمر - شاعر إسلامي -:
وقارِعةٍ مِنَ الأيّامِ لَوْلا ... سَبيلُهُمُ لَزاحَتْ عنكَ حينا
دَبَبْتُ لَها الضَّراَء وقُلْتُ: أبْقى ... إذا عزَّ ابْنُ عَمِّك أنْ تَهونا

المتبجح بإظهار الليان وإضمار العداوة
قال المتنبي:
وجاهِلٍ مَدَّه في جَهْلِه ضَحِكي ... حتّى أتَتْه يَدٌ فَرّاسةٌ وفَمُ
إذا نَظَرْتَ نُيوبَ اللَّيْثِ بارِزةً ... فلا تَظنّنَّ أنَّ اللّيثَ مُبْتَسِمُ
مدَّه: أمهله وطوّل له، وأصل الفَرْس: دقُّ العُنق يقول: ربَّ جاهلٍ خدعتْه مُجاملتي وتركَه في حُمْقِه ضَحكي منه حتّى افترسْتُه وبَطَشْتُ به بعد زمانٍ يعني أنه يغضي عن الجاهِلِ ويَحْلُمُ إلى أن يُجازيَه ويَعْصِفَ به، ثم قال في
(2/144)

البيت التالي: إذا كشّر الأسدُ عن نابه فليس ذلك تبسُّماً، بل قَصْداً للافتراس، يريد: أنّه وإنْ أبْدى بِشْرَه، وتبسُّمَه للجاهلِ فليس ذلك رضىً عنه، وفي مثل هذا يقول أبو تمام:
قدْ قَلّصتْ شَفتاهُ مِنْ حَفيظتِهِ ... فَخيلَ مِنْ شِدَّةِ التَّعْبيسِ مُبْتَسِماً

العدو يكاشرك إذا حضرك
قال المُثقّب العبدي - شاعر جاهلي -:
إنّ شرَّ الناسِ مَنْ يَكْشِرُ لي ... حينَ ألقاهُ وإنْ غَبْتُ شَتَمْ
وقال ابن الرومي:
يُبيحُ لي صَفْحَةَ السَّلامَةِ والسَّلْ ... مِ ويُخْفي في قَلْبِه مَرَضا
وقال المتنبي:
أبْدو فَيَسْجُدُ مَنْ بالسّوءِ يذْكُرُني ... ولا أعاتِبُه صَفْحاً وإهْوانا
وممّا يصح أن يُذكر هنا ما رُوي: أنّه قيل لأعرابيٍّ: كيف فلانٌ فيكم؟
فقال: إذا حضر هِبناه، وإنْ غابَ اغْتَبْناه، قال: ذاكَ هوَ السيِّدُ فيكم. . .

من نظرُه ينبئ عن عداوته
وتحذيرهم من العَداوة المَستورة
قال شاعر:
سُتورُ الضَّمائِرِ مَهْتوكةٌ ... إذا ما تلاحَظَتِ الأعْيُنُ
وقال زهير بن أبي سُلمى:
وما يكُ في عَدوٍّ أو صديقٍ ... تُخَبّرْكَ العُيونُ عن القلوبِ
(2/145)

وقال عُميرُ بن حُباب:
ألا ربَّ مَنْ تَدْعو صَديقاً ولَوْ تَرى ... مقالَتَه في الغيبِ ساَءك ما يَفري
يَسُرُّك باديه وتحْتَ أديمِه ... نَميَّةُ شَرٍّ تَبْتَري عصَبَ الظَّهْرِ
تُبينُ لكَ العَيْنانِ ما هُوَ كاتِمٌ ... مِنَ الضِّغْنِ والشَّحْناءِ بالنَّظَرِ الشّزْرِ
وفينا - وإنْ قيل اصْطلَحْنا - تَضاغُنٌ ... كَما طَرَّ أوبارُ الجِرابِ على النَّشْرِ
وقال أبو نواس:
كَمَنَ الشَّنئانُ فيهِ لَنا ... كَكُمونِ النَّارِ في حَجَرِهْ
وقبله:
وابْنِ عَمٍّ لا يُكاشِفُنا ... قَدْ لَبِسْناهُ على غَمَرِهْ
وهي الأبيات التي يقول فيها:
لا أذودُ الطَّيْرَ عَنْ شَجَرٍ ... قدْ بَلَوْتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ
وقال زُفَرُ بْنُ الحارث:
وقدْ يَنْبُتُ المَرْعى على دِمَنِ الثَّرى ... وتَبْقى حَزازاتُ النُّفوسِ كَما هِيا
(2/146)

وفي الحديث أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكر الفِتَنَ فقال: (يكونُ بَعْدَها هُدْنةٌ على دَخَنٍ وجماعةٌ على أقْذاءٍ) وأصلُ الهدنة: السكون بعد الهَيْجِ، ومنه قيل للصلح بعد القتال بين كل
متحارِبَيْنِ: هُدْنةٌ، لأنها ملاينَة وفترة سكون بين المتقاتلين، والدخن: الكُدورَة إلى السوادِ كالدخان. والمراد سكون على غِل

ثبات العداوة الذاتية
قالوا في ذلك: الودُّ والعداوة يُتوارثان.
وفي كليلة ودمنة: ليس بين العداوة الجوهرية صُلْحٌ وإن اجتُهِد، فالماء وإن أطيلَ إسخانُه فليس يمتنع من إطفاءِ النار إذا صُبَّ عليها. ويُحكى: أنَّ أعرابياً أخذ جَروَ ذئبٍ، فربّاه بلبن شاةٍ عنده، وقال: إذا ربّيته مع الشاة أنِس بها، فيذبُّ عنها ويكون أشدَّ من الكلب، ولا يعرف طبْعَ أجناسِه، فلمّا قوي وثب على شاة فافْتَرسَها، فقال الأعرابي:
أكلْتْ شُوَيهيتي ونَشأتَ فينا ... فَما أدْراك أنّ أباك ذيبُ

حمد المداجاة طلباًَ للفرصة
قال عليٌ كرّم اللهُ وجْهَه: أنكى الأشياء لعدوِّك أنْ لا تُعْلِمَه أنَّك اتَّخَذْتَه عدوَّاً
وقال القاضي التنوخي:
الْقَ العَدُوَّ بوجْهٍ لا قُطوبَ بِه ... يَكادُ يَقْطُرُ مِنْ ماءِ البَشاشاتِ
فأحْزَمُ النَّاسِ مَنْ يَلْقى أعاديه ... في جِسْمِ حِقْدٍ وثَوْبٍ من مَودّاتِ
(2/147)

الرّفْقُ يُمْنٌ وخَيْر القولِ أصْدقُه ... وكَثْرةُ المَزْحِ مُفتاحُ العَداواتِ

المسرة بوقوع العداء بين أعدائك
في كليلة ودمنة: من حقِّ العاقل أن يرى مُعاداة بعض عدوِّه لبعضٍ ظَفراً حسناً، ففي اشتغال بعضهم ببعض خلاصُه منهم.

دنيءٌ يُعاديك بلا سبب
قال المتنبي:
وأتْعَبُ مَنْ ناداكَ مَنْ لا تُجيبُه ... وأغيظُ مَنْ عاداكَ مَنْ لا تُشاكِلُ
يقول: أتعب منادٍ لكَ مَن ناداك فلم تجبْه، لأنك لا تَشْفيهِ بالجواب، فيَجْهَدُ في النّداء، كما أنّ أغْيظَ الأعْداءِ لك مَنْ عاداكَ وهْوَ دونك، لأنّك تترفّع عن مُعارضته فلا تَشتفي منه
وقال شاعر:
يَسْطو بِلا سَبَبٍ وتِلْ ... كَ طَبيعةُ الكَلْبِ العَقورِ

تأسُّف من يعاديه لئيم أو دنيء
قال المتنبي في عُذْر من يخاصم دنيئاً ويدافعه:
إذا أتَتِ الإساءةُ من لَئيمٍ ... ولَمْ ألُمِ المُسيَء فَمَنْ ألومُ
وقال علي بن الجهم في تأسف من يعاديه لئيم:
بلاءٌ ليسَ يشبهُه بلاءُ ... عداوةُ غير ذي حَسبٍ ودينِ
يُبيحُكَ منه عِرضاً لَمْ يصُنْهُ ... ويَرتَعُ منكَ في عِرضٍ مَصونِ
ويُحكى: أنّ خنزيراً بعث إلى الأسد وقال: قاتلْني، فقال الأسد:
(2/148)

لَسْتَ بكُفئي، وإن أنا قتلتُك لم يكن لي ذلك فخراً، وإن قتلتَني لحِقَني عارٌ عظيم، فقال الخنزير: لأخْبرنَّ السباعّ بنُكولِك، فقال الأسد: احتمال العارُ في ذلك أيسرُ من التلطُّخ بِدمِك.

حثهم على العداوة بالقول لا بالفعل
قالوا: غضبُ الجاهلِ في قولِه، وغَضبُ العاقلِ في فِعْلِه
وقالوا: ونَشْتُمُ بالأفْعالِ لا بالتكلُّم

طائفةٌ من عبقرياتهم
في الناس وما جُبل عليه السوادُ الأعظم من الحقد والحسد
وسوء الظنِّ والشماتة وما جرى هذا المجرى
ولمُناسبة عبقرياتهم في العداوات نورد عليك ها هُنا صَدْراً من عبقرياتهم في الناس وما جُبل عليه السوادُ الأعظم من الحقد والحسد وسوء الظن والشماتة والمزاح وما جرى هذا المجرى

الناس

لا يزالُ الناسُ بخير ما تَبايَنوا
من أروع ما قيل في الناس وحكمة تبايُنِهم واخْتلافهم قولُه صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بِخيرٍ ما تَباينوا، فإذا تَساوَوْا هلكوا) قال ابن الأثير في النهاية معناه: أنّهم إنّما يتساوون إذا رضوا بالنقص وتركوا التنافسَ في طلب الفضائلِ ودَرْكِ المعالي، وقد يكون ذلك خاصاً في الجهل، وذلك أنّ الناس لا يتَساوَوْنَ في العلم وإنّما يتساوون إذا كان كلُّهم
جُهّالاً، وقيل:
(2/149)

أراد بالتَّساوي التحزُّبَ والتَّفرقَ وأنْ لا يجتمعوا على إمامٍ ويدعيَ كلُّ واحد الحقَّ لنفسه فينفردَ برأيه. . . وقال أبو عبيد: أحسب قوله: فإذا تساووا هلكوا، لأنّ الغالبَ على الناس الشرُّ، وإنّما يكون الخير في النادر من الرجال، لعزَّته، فإذا كان التساوي فإنّما هو في السُّوء. . . وقال شاعر:
النَّاس أخْيافٌ وشتَّى في الشِّيَمْ ... وكلُّهُمْ يَجْمعُهمْ بيتُ الأدَمْ
أخْياف: ضروبٌ مختلفة الأخلاق والأشكال. والأدم. قيل: أراد آدم، وقيل الأرض، ولعله يشير بهذا إلى ما جاء في الأثر: كلُّكم لآدم وآدم من تراب، وقال مسلم بن الوليد:
الناسُ كلُّهمُ لِضنءٍ واحِدٍ ... ثمّ اختلافُ طبائعٍ في أنْفُسِ
الضنء: الأصل وقالوا: الناس في اختلافهم في خُلْقهم كاختلافِهم في خَلْقهم. وقال خالد بن صفوان: الناس أخْيافٌ، منهم من هو كالكلبِ، لا تراه الدهرَ إلا هرَّاراً على الناس، ومنهم كالخنزير، لا تراه الدهرَ إلا قَذِراً، ومنهم كالقرد، يضحك مِنْ نفسه. وقال بعضهم: الناس أخياف: عِلْق مَضِنَّة لا يُباع، وعِلقُ مَظِنَّة لا يُبتاع، وقال أبو العتاهية:
مَن لَكَ بالمَحْضِ ولَيْسُ مَحْضُ ... يَخْبُثُ بَعْضٌ ويَطيبُ بَعْضُ
وقديماً قُلْتُ فيما قلتُ، في كتابي الفردوس: ولِمَ لا يكون هذا الاختلاف في الحياة الدنيا بين الأفراد والجماعات إنّما يُقصد به إلى مَعنىً جميلٍ ما منه بدٌّ! ألَسْنا قد نُشِّئنا كأنغامِ آلاتِ الموسيقى، هي وإن اختلفت غيرَ أنّ اجتماعها يؤلِّف من هذا الاختلاف نغماً موسيقياً متجانساً بديعاً يُطرب السمعَ ويملِكُ على المرء مشاعرَه. ولعلَّ الأصلَ في هذا كله قولُه عزَّ وجلَّ: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً}. . . وقوله:
(2/150)

{وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. . .

وجدت الناس اخْبُر تَقْلَهْ
ومن أبْدعِ ما قيل في ذمِّ الناس ما جاء في حديث أبي الدّرداء: (وجدت الناس اخْبُرْ تَقْلَِهْ). . . قال ابنُ الأثير في النهاية: القِلَى: البُغْضُ، يقال: قَلاه يَقْليه قِلَىً وقَلىً: إذا أبْغضه، قال الجوهريُّ: إذا فَتحت مَدَدْتَ، ويَقلاه: لغةُ طيء.
يقول جرِّب الناس فإنّك إذا جرَّبتهم قليتَهم وتركتَهم، لما يَظهر لك من بواطنِ سرائِرِهم.
لفظه لفظُ الأمر ومعناه الخبر، أي مَنْ جَرَّبهم أبغَضَهم وتركَهم: والهاء في تَقْلِه: للسَّكْتِ. ومعنى نظم الحديث: وَجَدْتُ النّاسَ مقولاً فيهم هذا القول.

الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة
وجاء في الحديث الشريف: (الناس كإبلٍ مائةٌٍ لا تَجِدُ فيها راحلة). . . يعني أنَّ المَرْضِيَّ المُنْتخبَ من الناس في عزَّة وجودِه كالنَّجيبِ من الإبلِ القويِّ على الأحمال والأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل. وقال الإمام الأزهريُّ: الذي عندي في هذا الحديث: أنّ الله تعالى ذم الدنيا وحذَّر العبادَ سوءَ مغبَّتِها وضرب لهم فيها الأمثالَ ليعتبروا، ويحذروا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحذِّرهم كما حذَّرهم الله، فرغب بعض أصحابه بعده فيها وتنافَسوا عليها حتى كان الزهدُ في النادرِ القليلِ منهم فقال: تجدون الناس بعدي كإبل مائة ليس فيها راحلة، أي أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة قليلٌ كقلّة الراحلة في الإبل، والراحلة هي
(2/151)

البعير القوي على الأسفار والأحمال، النجيب التامُّ الخَلْق الحسن المنظر، ويقع على الذكر والأنثى، والهاء فيه للمُبالغة
وقال الشاعِرُ:
الناسُ مِثلُ بيوتِ الشِّعْرِ كَمْ رَجلٍ ... مِنْهُمْ بألْفٍ وكَمْ بيتٍ بِديوانِ
وفي هذا المعنى يقول المعرِّي:
النّاسُ كالشِّعْرِ تُلْفى الأرْضُ جائِشةً ... بالجَمْعِ يُزْجى وخيرٌ منهمُ رَجلُ

لو تكاشفتم ما تدافنتم
ومن كلمة لسيّدنا رسول الله صلوات الله عليه: (لو تكاشفتم ما تدافنتم). يقول: لو علم بعضُكم سريرةَ بعْضٍ لاستثقل تشييعَه ودَفْنََه. . . ولعل أبا العتاهية قد أخذ من هذا الحديث قوله:
وفي النّاسِ شرٌّ لو بَدا ما تَعاشروا ... ولكنْ كَساه اللهُ ثوبَ غِطاءِ
وقالوا في ذم الناس:
عَوى الذِّئْبُ فاسْتأنَسْتُ بالذِّئْبُ إذْ عَوى ... وصَوَّتَ إنْسانٌ فكِدْتُ أطيرُ
وقال المعري:
يَحْسُنُ مَرْأًى لِبَني آدَمٍ ... وكلُّهمْ في الذَّوقِ لا يَعْذُبُ
ما فيهمُ بَرٌّ ولا ناسِكٌ ... إلاّ إلى نَفْعٍ لهُ يَجْذِبُ
أفْضَلُ مَنْ أفْضلِهمْ صَخْرةٌ ... لا تَظْلِمُ الناسَ ولا تَكْذِبُ
(2/152)

وقال محمد بن يَسير:
سوأةً للنِّاس كُلّهمُ ... أنا في هذا مِنَ اوَّلِهِمْ
لَسْتَ تَدْري حينَ تَنْسِبُهُمْ ... أيْنَ أدْناهُمْ مِنْ أفْضلِهِمْ
وقال بعضُهم: كنتُ عندَ الحَسنِ البصريّ، فقال: أسْمعُ حسيساً، ولا أرى أنيساً، صِبيانٌ حيارى، مالَهم تَفاقدوا عقولَهم، وفراشُ نار، وذِبّانُ طمع. وقيل لسفيان الثَّوريّ: دُلَّنا على رجلٍ نجلس إليه، فقال: تلك ضالّةٌ لا تُوجد. . . . وقال فلانٌ: رأيتُ كُلثومَ بنَ عمرو العتّابيَّ يأكل خبزاً في الطريق، فقلت له أما تستَحي أن تأكلَ بِحَضْرةِ الناس؟ فقال: أرأيتَ لوْ كنتَ في دارٍ فيها بقرٌ، أما كنتَ تأكلُ بحضْرتِهم؟ قلتُ: نَعَمْ، قال: فهولاء بقر! ثمّ قال: إن شئْتَ أريتُك دلالةً على ذلك، ثم قام ووَعظَ، وجمع قوماً ثمَّ قال: رُوي عن غير وجه: أنّ من بلَغَ لسانُه أرنبةَ أنْفِه أدْخَلَه اللهُ الجنَّةَ، فلَمْ يبقَ أحدٌ إلا أخرج لسانَه ينظر هل يبلغ!
وقال رجل لأحدِ الشعراء: أين سكةُ الحمير؟ فقال: اسْلُكْ أيَّ دَرْبٍ فكلُّها دُروبُ الحَمير. . . ومثل هذه النوادر المستطرفة. . .
وقال بعضُهم: الناسُ أربعةُ أصنافٍ: آساد، وذئاب، وثعالب، وضَأْن، فأمّا الآساد فالملوك - ومَنْ إليهِمْ من الحُكّام المُستبدّين - وأمّا الذئاب فالتُّجار، وأمَّا الثعالِبُ فالقُرّاء المُخادعون، وأما الضأن فالمؤمن - يريد الطيِّبَ الكريم - ينْهشُه كلُّ مَنْ يَراه. وقال كثيّر عزة:
سواسٍ كأسْنانِ الحِمارِ فَما تَرى ... لِذي شَيْبةٍ مِنْهُمْ على ناشئٍ فَضْلاً
(2/153)

يقال هم سواسِيةٌ وسَواسٍ وسُؤاسية: إذا استَوَوْا في اللُّؤمِ والخِسَّة والشَّرِّ وقال آخر:
شبابُهم وشيبُهمُ سَواءٌ ... سَواسِيةٌ كأسْنانِ الحِمارِ
وأسْنانُ الحَمارِ مُستوية
وقال طرفة بن العبد:
كلُّ خليلٍ كنتُ خالَلْتُه ... لا تَرَكَ اللهُ له واضِحَهْ
كلُّهُمْ أرْوغُ مِنْ ثَعْلَبٍ ... ما أشْبَهَ اللّيلةَ بالبارِحَهْ
وقال المتنبي:
ولَمّا صارَ وُدُّ النَّاسِ خِبّا ... جزَيْتُ على ابْتِسامٍ بابْتِسامِ
وصِرْتُ أشكُّ فيمَنْ أصْطَفيهِ ... لعِلْمي أنّه بَعْضُ الأنامِ
وقال ابن الرومي:
واعْلَمْ بأنَّ النّاسَ مِنْ طينةٍ ... يصدق في الثَّلْبِ لَها الثالِبُ
لولا علاجُ النّاسِ أخلاقَهم ... إذَنْ لَفاحَ الحَمأُ اللازِبُ
وقال المتنبي:
أذُمُّ إلى هذا الزَّمانِ أُهَيْلَهُ ... فأعْلَمُهُمْ فَدْمٌ وأحْزَمُهُمْ وَغْدُ
وقال:
إنّما أنْفُسُ الأنيسِ سِباعٌ ... يَتَفارَسْنَ جَهْرةً واغْتِيالا
مَنْ أطاقَ الْتماسَ شَيْءٍ غِلاباً ... واغْتِصاباً لَمْ يَلْتَمِسْهُ سُؤالا
كلُّ غادٍ لِحاجةٍ يتَمنّى ... أنْ يكونَ الغَضَنْفَرَ الرِّئْبالا
(2/154)

وقال:
إنّا لَفي زَمَنٍ تَرْكُ القبيحِ بهِ ... مِنْ أكْثرِ الناسِ إحْسانٌ وإجْمالُ
لَولا المشقَّةُ سادَ الناسُ كلُّهمُ ... الجودُ يُفقرُ والإقْدامُ قتَّالُ
وقالوا في أنّ من شيمِ الناسِ أن تَحمدَ مَنْ رشدَ وتلومَ مَنْ يَغوي وفي ذلك يقول القُطاميُّ:
والنَّاسُ مَنْ يلْقَ خيراً قائِلونَ له ... ما يَشْتهي ولأُمِّ المُخْطئِ الهَبَلُ
وقدْ أخذَه من قول المُرقّش الأصغر:
ومَنْ يلْقَ خَيْراً يَحْمدِ الناسُ أمرَه ... ومَنْ يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِما
وهذا لعمري من عناوين اللؤم المركب في الطّباع.
وقالوا في انْتكاسِ الأحوال وارتفاع السَّفِلَةِ الأنْذال والقائل: خِداشُ بنُ زهير - شاعر جاهلي من شعراء قيس - وهو ابن عمّ لبيد:
فإنَّكَ لا تُبالي بَعْدَ حَوْلٍ ... أظبْيٌ كانَ أمَّكَ أمْ حِمارُ
فَقَدْ لَحِقَ الأسافِلُ بالأعالي ... وماجَ اللؤمُ واخْتَلَطَ النِّجارُ
وعاد الفِنْدُ مثلَ أبي قُبيسٍ ... وسيقَ مَعَ المُعلْهَجَةِ العِشارُ
النِّجار: الأصل. والفِنْد: قطعةٌ مِنَ الجَبلِ طولاً، وأبو قُبيس جبل بمكَّةَ، والمراد به: الرَّجلُ
الشريف، كما يُراد بالفِند، الرَّجلُ الوضيع، والمُعَلْهَجة: المرأةُ اللئيمةُ الأصْل الفاسِدةُ النَّسب. والعشار: جمع العُشراء: الناقة مضى لحملها عشرة أشهر؛ يقولُ هذا الشاعر: أمّا وقد لحق الأسافلُ بالأعالي واختلطت الأصولُ وماجَ أمرُ الناسِ واضطرب وعظمَ شأن اللؤم ونفقَتْ
(2/155)

سوقُه وعاد الخَسيسُ مثل الشريف حتى سيقت الإبلُ الحواملُ في مهر اللئيمة وتغيّر بذلك الزمان واطّرحت مراعاة الأنساب فلا تبالي بعد قيامك بنفسك واستغنائك عن أبويك، مَنِ انْتسبت إليه، شريفاً كان أم وضيعاً. . . . . وضرب المثل بالظبي والحمار وجعلهما أُّمَّيْنِ وهما ذكران لأنّه مثل لا حقيقة، وقصد قصد الجنسين ولم يُحقّق أبوّة. وذكر الحول، لذكر الظبي والحمار، لأنهما يستغنيان بأنفسهما بعد الحول؛ فهذا شاعر ساخط كما ترى
وقال ابن الرومي:
دَهْرٌ عَلا قدرُ الوضيعِ به ... وهْوَ الشريفُ يحطُّه شَرَفُهْ
كالبَحْرِ يَرْسُبُ فيه لُؤلؤُهُ ... سُفلاً وتطفو فوقَه جِيَفُهْ
وقال:
رأيْتُ الدّهْرَ يرْفَعُ كلَّ وَغْدٍ ... ويَخْفِضُ كلَّ ذي شِيَمٍ شريفَهْ
كَمِثلِ البحرِ يَغْرقُ فيه حيٌّ ... ولا ينفكُّ تطفو فيه جيفَهْ
أوِ الميزانِ يَخْفِضُ كلَّ وافٍ ... ويَرْفَعُ كلَّ ذي زِنةٍ خَفيفَهْ
وقال الوزير المغربي:
إذا ما الأمورُ اضْطربْنَ اعْتَلى ... سَفيهٌ يُضامُ العُلا باعْتِلائِهْ
كذا الماءُ إنْ حرَّكَتْهُ يدٌ ... طفا عَكِرٌ راسِبٌ في إنائِهْ
وقال المعري في الناس:
لقَدْ فَتَّشْتُ عَنْ أصْحابِ دينٍ ... لَهُمْ نُسْكٌ وليس لَهمْ رِياءُ
فألْفَيْتُ البهائِمَ لا عقولٌ ... تقيمُ لها الدَّليلَ ولا ضِياءُ
وإخْوانُ الفَطانةِ في اخْتِيالٍ ... كأنَّهُمُ لِقَوْمٍ أنْبياءُ
فأمّا هؤلاءِ فأهْلُ مَكْرٍ ... وأمّا الأوّلونَ فأغْبِياءُ
(2/156)

فإنْ كان التُّقى بَلهاً وعِيَّاً ... فأعْيارُ المَذلَّةِ أتْقياءُ
الأعْيار: جمع عَيْر، وهو الحِمار يضرب به المثل في الذلِّ قال المتلمس:
ولا يُقيمُ على ضَيْمٍ ألمَّ به ... إلا الأذَلانِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
فَذاكَ يُخْسَفُ مَرْبوطاً بمِقْودِه ... وذا يُشَجُّ ولا يَرْثي له أحدُ
وقال:
بني الدَّهْرِ مَهْلاً إنْ ذَمَمْتُ فِعالَكمْ ... فإنّي بنَفْسي لا محالةَ أبدأُ
مَتى يتقضَّى الوقتُ واللهُ قادِرٌ ... فنَسْكنُ في هذا الترابِ ونَهْدأ
تَجاورَ هذا الجسمُ والرُّوحُ بُرْهةً ... فما بَرِحَتْ تأذى بِذاكَ وتَصْدأ
وقال المعري:
جَرَّبْتُ دَهْري وأهليهِ فما ترَكَتْ ... ليَ التجارِبُ في وُدِّ امرِئٍ غَرضا
وقال:
أولو الفَضْلِ في أوطانِهم غُرباءُ ... تَشِذُّ وتَنأى عَنْهُمُ القُرباءُ
تَواصلَ حَبْلُ النسلِ ما بينَ آدَمٍ ... وبيني ولَمْ يُوْصَلْ بِلامي باءُ
تَثاَءبَ عَمْرٌو إذْ تَثاَءبَ خالِدٌ ... بِعَدْوى فَما أعْدَتْنِيَ الثُّؤباءُ
وزَهَّدَني في الخَلْقِ مَعْرفتي بِهمْ ... وعِلمي بأنَّ العالَمينَ هَباءُ
وقال المَعرّي:
أرائيكَ فلْيَغْفِرْ لِيَ اللهُ زلَّتي ... بِذاكَ ودينُ العالمينَ رِئاءُ
وقدْ يُخْلِفُ الإنسانُ ظَنَّ عَشيرِه ... وإنْ راقَ منه مَنْظرٌ ورُواءُ
إذا قومُنا لَمْ يَعبُدوا اللهَ وَحْدَه ... بِنُصحٍ فإنّا مِنْهمُ بُرَآءُ
وقال:
إذا بَكْرٌ جَنى فَتَوقَّ عَمْراً ... فإنَّ كِلَيْهِما لأبٍ وأمِّ
(2/157)

وفي كلِّ الطِّباعِ طِباعُ نَكْزٍ ... ولَيْسَ جميعُهنَّ ذواتِ سُمِّ
النكز: لسع الحيّة
رأيْتُ الحَقَّ لُؤلؤةً تَوارَتْ ... بِلُجٍّ مِنْ ضَلالِ النَّاسِ جَمِّ
وقال:
رِياءُ بني حَوّاَء في الطَّبْعِ ثابِتٌ ... فَمِنْهمْ مُجِدٌّ في النفاقِ وهازِلُ
سَخَوْا لِيقولَ النَّاسُ جادوا وأقْدَموا ... لِيُذْكَرَ في الهيْجاءِ قِرْنٌ مُنازِلُ
وقال:
النّاسُ مثلُ الماءِ تَضْربُه الصَّبا ... فيكونُ منهُ تفرُّقٌ وتألّفُ
والخيرُ يفعلُه الكريمُ بطَبْعِه ... وإذا اللئيمُ سَخا فذاكَ تَكلُّفُ
شَكَوْتُ مِنْ أهْلِ هَذا العَصْرِ غَدْرَهُمُ ... لا تُنْكِرنْ فَعَلى هذا مَضى السَّلَفُ
وقلَّما تَسكنُ الأضْغانُ في خَلَدٍ ... إلاَّ وفي وجْهِ مَنْ يَسْعى بِها كَلَفُ
أمْسى النِّفاقُ دُروعاً يُسْتَجَنُّ بِها ... مِنَ الأذى ويُقوِّي سَرْدَها الحَلِفُ
الحلف: اليمين
فَحَسِّنِ الوَعْدَ بالإنْجازِ تتبعه ... إذا مَواعِدُ قومٍ شانَها الخُلُفُ
وقال:
إذا فَزِعْنا فإنَّ الأمْنَ غايتُنا ... وإنْ أمِنّا فَما نَخْلو مِنَ الفَزَعِ
وشيمةُ الإنْسِ مَمْزوجٌ بِها مَللٌ ... فَما نَدومُ عَلى صَبْرِ ولا جَزَعِ
وقال:
إذا ما أسَنَّ الشيخُ أقْصاهُ أهلُه ... وجارَ عليهِ النَّجْلُ والعَبْدُ والعِرْسُ
(2/158)

العِرْسُ: الزوجة
يُسبِّحُ كَيما يغفرَ اللهُ ذنبَه ... رُويْدَكَ في عهد الصِّبا مُلِئ الطِّرْسُ
وقال:
أهْرُبْ مِنَ الناسِ فإنْ جِئْتَهمْ ... فَمِثلَ سَأبٍ جَرَّه السَّاحِبُ
يَنْتفِعُ الناسُ بِما عِنْدَه ... وهْوَ لَقًى بَيْنَهُمْ شاحِبُ
وقال:
إنْ مازَتِ النّاسَ أخْلاقٌ يُعاشُ بِها ... فإنَّهُمْ عِنْدَ سوءِ الطَّبْعِ أسْواءُ
أوْ كانَ كلُّ بَني حَوَّاَء يُشْبِهُني ... فَبِئْسَ ما وَلَدَتْ في الخَلْقِ حَوَّاءُ
بُعْدي مِنَ النّاسِ بُرْءٌ مِنْ سَقامِهِمُ ... وقُرْبُهُمْ للحِجَى والدِّينِ أدْواءُ
كالبَيْتِ أفْرِدَ لا إيطاَء يُدْرِكُه ... ولا سِنادَ ولا في اللفْظِ إقْواءُ
وقال:
قَدْ حُجِبَ النُّورُ والضِّياءُ ... وإنَّما دينُنا رِياءُ
يا عالَمَ السُّوءِ ما عِلْمُنا ... أنَّ مُصَلّيكَ أتْقياءُ
كَمْ وَعَظَ الواعِظونَ مِنَّا ... وقامَ في الأرْضِ أنْبِياءُ
فانْصَرفوا والبلاءُ باقٍ ... ولَمْ يَزُلْ داؤُكَ العَياءُ
زال يزول: راح وذهب، والعَياء: الذي لا يُبرأ منه
حُكمٌ جرى للمليكِ فينا ... ونَحْنُ في الأصْلِ أغْبياءُ
(2/159)

وقال:
مُلَّ المُقامُ فَكَمْ أعاشِرُ أمَّةً ... أمَرَتْ بِغَيْرِ صَلاحِها أُمراؤُها
ظَلَموا الرَّعيَّةَ واسْتَجازوا كَيْدَها ... فَعَدَوْا مَصالِحَها وهُمْ أُجَراؤُها
وقال بشار بن برد:
خَيْرُ إخْوانِكِ المُشارِكُ في المُ ... رِّ وأيْنَ المُشارِكُ في المُرِّ أيْنا
الذي إنْ شَهِدْتَ سَرَّكَ في الح ... يِّ وإنْ غِبْتَ كانَ أذْناً وعَيْنا
مِثْلُ سِرِّ الياقوتِ إنْ مَسَّه النَّا ... رُ جَلاه البَلاءُ فازْدادَ زَيْنا
أنْتَ في مَعْشَرٍ إذا غَبْتَ عَنْهُمْ ... بَدَّلوا كُلَّ ما يَزينُك شَيْنا
وإذا ما رَأوْكَ قالوا جَميعاً ... أنْتَ مِنْ أكْرَمِ البَرايا عَلَيْنا
ما أرى للأنامِ وُدّاً صَحيحاً ... عادَ كلُّ الوِدادِ زوراً ومَيْنا
وقال ابن الرومي:
ذُقْتُ الطُّعومَ فَما الْتَذَذْتُ بِراحَةٍ ... مِنْ صُحْبَةِ الأخْيارِ والأشْرارِ
أمّا الصديقُ فلا أحِبُّ لِقاَءه ... حَذَرَ القِلى وكَراهةَ الإعْوارِ
وأرى العَدُوُّ قَذًى فأكْرَه قُرْبَه ... فَهَجَرْتُ هذا الخلقَ عَنْ إعْذارِ
أرني صَديقاً لا يَنوءُ بِسَقْطةٍ ... مِنْ عَيْبِه في قَدْرِ صَدْرِ نَهارِ
أرني الّذي عاشَرْتَه فوَجَدْتَه ... مُتَغاضِياً لكَ عَنْ أقلِّ عِثارِ
أأحِبُّ قَوْماً لَمْ يُحبُّوا رَبَّهم ... إلا لِفِرْدوسٍ لديهِ ونارِ
وقال:
عَدوُّك مِنْ صَديقِكَ مُسْتفادٌ ... فلا تَسْتَكْثِرنَّ مِنَ الصِّحابِ
فإنَّ الدّاَء أكثرَ ما تَراه ... يَحولُ مِنَ الطَّعامِ أوِ الشَّرابِ
إذا انْقَلَبَ الصَّديقُ غَداً عَدوّاً ... مُبيناً والأمورُ إلى انْقِلابِ
(2/160)

ولَوْ كانَ الكثيرُ يَطيبُ كانَتْ ... مُصاحبةُ الكثيرِ مِنَ الصَّوابِ
وما اللُّججُ المِلاحُ بِمُرْوياتٍ ... وتَلْقى الرِّيَّ في النُّطَفِ العِذابِ
وبعد فإن الباب متَّسعٌ جداً، وسيمرّ عليكَ كثيرٌ مِنْ عَبْقريّاتهم فيه في باب الإخوانيات وباب الطبائع، فلنَجْتزئْ بهذا المقدار.

الغوغاء
ولهم في السُّقاطِ والسَّفِلةِ وهذه الرِّجْرة من الناس كلام كثير، فمن ذلك قولُ واصِل بن عَطاء: ألا قاتلَ اللهُ هذه السَّفِلةِ توادُّ من حادَّ اللهَ ونبيَّه، وتحادُّ من وادَّ اللهَ ونبيَّه، وتذمُّ من مدَحه اللهُ، وتمدح من ذمَّه الله، على أنَّ بهم عُلِمَ الفضلُ لأهل الطبقة العالية، وبهم أعطيت الأوْساطُ حظاً من النُّبل. . . .
ومنه قول سيدنا علي رضي الله عنه. وقد أُتيَ بجانٍ ومعه غَوْغاء - فقال: لا مرحباً بوجوهٍ لا تُرى إلا عند كل سَوْأة. . . وقوله رضي الله عنه: همُ الذين إذا اجتمعوا ضرّوا وإذا تفرّقوا نفعوا؛ فقيل له: قد علِمنا مضرَّةَ اجتماعهم فما منفعةُ افتراقهم؟ فقال: يرجِعُ أصحاب المهن إلى مهنهم، فينتفعُ الناس بهم، كرجوع البنّاء إلى بنائِه، والنسَّاجِ إلى مَنْسجه، والخبَّازُ إلى مَخْبزه. وكان الحسن البصري إذا ذُكِرَ الغوغاءُ والسُّوَق يقول: قتلةُ الأنبياء، وكانوا يقولون: العامَّة كالبحر إذا هاج أهلك راكبَه، وكان المأمون الخليفة العباسي يقول: كلُّ شرٍّ وظلمٍ في العالم فهو صادرٌ عن العامة والغوغاء، لأنّهم قتلة الأنبياء، والسُّعاة بينَ العلماء، والنَّمَّامون بين الأوِدَّاء، ومنهم اللُّصوص
(2/161)

وقطّاع الطريق والطرَّارون والمُحتالون والسّاعون إلى السلطان، فإذا كان يوم القيامة حُشروا على عادتهم في السّعاية، فقالوا: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}. . . . وقال الجاحظ: الغاغةُ والباغةُ والحاكةُ كأنهم إعذار عامٍ واحد، ألا ترى أنك لا تجد أبداً في كلِّ بلدة، وفي كل عصر، هؤلاء، إلا بمقدار واحد وجهة واحدة، من السُّخف والنقص والخمول والغباوة.
ومن كلمةٍ لسيدنا عليّ في فضل العلم على المال ووصف الطَّغام - قال كُمَيْل بن زياد النخَعي: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحرَ
تنفَّس الصُّعداء، ثم قال: يا كميل بن زياد، إن هذه القلوبَ أوعيةٌ فخيرها أوْعاها، فاحفظ عني ما أقول لك، الناسُ ثلاثةٌ، فعالم ربَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاةٍ، وهَمَجٌ رَعاعٌ، أتباعُ كل ناعقٍ يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنورِ العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق، يا كميل، العلمُ خيرٌ من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمالُ تنقصه النَّفقة والعلمُ يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزوالِه؛ يا كميل بن زياد، هلك خُزَّانُ الأموال وهم أحياء، والعلماءُ باقون ما بقي الدّهر. إلى آخر هذه الخطبة العُلْويَّة التي تراها في نهج البلاغة. . . .
(2/162)

وقال معاوية لصَعْصَعةَ بنِ صوحان: صف لي الناس، فقال: خُلق الناسُ أطواراً، طائفةٌ للسيادة والولاية، وطائفةٌ للفقه والسنة، وطائفة للبأسِ والنّجدة، ورِجْرِةٌ بين ذلك، يُغْلون السعر، ويكدِّرون الماءَ، إذا اجتمعوا ضرّوا، وإذا تفرقوا لم يُعرَفوا. . . . ومن طريف التفاسير وغريبها ما قيل في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} أي من السلطان
{أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} أي من السَّفِل. وقال دعبل:
ما أكثرَ الناسَ لا بل ما أقلَّهُمُ ... اللهُ يعلمُ أنّي لم أقلْ فَنَدا
إنِّي لأفتحُ عيني حينَ أفتَحُها ... على كثيرٍ ولكنْ لا أرى أحَداً
وهم يشبهون سوادَ الناس بالدَّبا، والدَّبا مقصور: الجرادُ قبل أن يطير، وفي حديث عائشة قالت: (كيف الناس بعد ذلك؟ قال: دَبًى يأكلُ شدادُه ضعافَه حتّى تقومَ عليهم الساعة). . . .

قلة الوفاء في الناس وشيوع الغدر والمكر في عامتهم
وقالوا في قلّة الوفاء في الناس ووصف عامّتهم بالغَدْر، والمكر السّيّئ، ومن أروع ما قيل في ذلك قوله ُعزّ وجلّ: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}. . وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}. . . . وقال: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} وقال: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ
(2/163)

إِلَّا بِأَهْلِهِ}. . . وقال: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ}. وقال: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم}. . . . وقال المتنبي:
غَيْري بأكْثرِ هذا النّاسِ يَنْخَدِعُ ... إن قاتلوا جَبُنوا أو حَدَّثوا شَجُعوا
أهْلُ الحفيظةِ إلاَّ أنْ تُجرِّبَهم ... وفي التجارِبِ بَعْد الغَيِّ ما يَزَعُ
وقال أبو فراس الحمداني:
بِمَنْ يَثقُ الإنسانُ فيما ينوبُه ... ومِنْ أين للحُرِّ الكريمِ صحابُ
وقد صارَ هذا الناسُ إلا أقلَّهُمْ ... ذئاباً على أجْسادِهِنَّ ثِيابُ
وقال أبو تمام:
إنْ شئتَ أن يَسْوَدَّ ظنُّكَ كلُّه ... فأجِلْهُ في هذا السَّوادِ الأعْظمِ
ليسَ الصديقُ بمن يُعيرُك ظاهراً ... متبسِّماً عن باطنٍ مُتَجَهِّمِ
يقول: إن شئت أن لا تظن بأحد خيراً فاختبر من شئت من هذا الناس، وكان يحيى بن خالد البرمكي إذا اجتهد في يمينه يقول: لا والذي جعل الوفاء أعزَّ ما يرى. وكان يقول: هو أعزُّ من الوفاء. وقالوا: من عامل الناس بالمكر كافؤوه بالغدر. وكانت العرب إذا غدر مِنْهم غادرٌ، يُوقدون له بالموسم ناراً وينادون عليه يقولون: ألا إن فلاناً غدر. . . . وقالوا: ربَّ حيلة أهلكت المحتال، وقال امرؤ القيس:
أحارِ بْنَ عَمْرٍو كأنّي خَمِرْ ... ويَعْدو على المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
رجل خَمِر: خالطه الداء، وقوله ويعدو الخ: أراد أن المرء يأتمر لغيره بسوء فيرجع وَبالُ ذلك عليه وقال شاعر لا أذكره:
وكمْ مِنْ حافرٍ لأخيه ليلاً ... تَردّى في حَفيرَتِه نَهارا
ومن قولهم في وصف الغادر: فلانٌ يَحْسو الأماناتِ حَسْواً، وفلانٌ
(2/164)

أغْدَرُ مِنَ الذِّئْبِ، قال:
هو الذِّئْبُ ولَلذِّئبُ أوْفى أمانة
وقال:
والذِّئْبُ يأدو لِلْغَزالِ يَأْكُلُهْ
يأدو للغزال: يَخْتِله ليأكله، قال الشاعر:
حَنَتْني حانياتُ الدَّهْرِ حتَّى ... كأنّي خاتِلٌ يَأدو لِصَيْدِ
ويقال: ركب فلان السَّخْبرَ: إذا غدر، قال حسان بن ثابت:
يا حارِ مَنْ يَغْدِرْ بذمّة جارِه ... مِنكم فإنَّ مُحمداً لم يَغْدِرِ
إنْ تَغْدِروا فالغَدْرُ منكم شيمةٌ ... والغَدْرُ ينبتُ في أصولِ السَّخْبَرِ
قال ابن برّي: إنّما شُبّه الغادرُ بالسخبر، لأن السخبر شجرٌ إذا انتهى استرخى رأسُه ولم يبقَ على انتصابه، يقول حسان: أنتم لا تثبتون على وفاء كهذا السخبر الذي لا يثبت على حالٍ، بينا يُرى معتدلاً منتصباً، عاد مُسْترخياً غير منتصب
وبعد فإنّهم على هذا نَصحوا بمُداراةِ الناسِ ما دام الاستغناء عنهم غيرَ مستطاع. قال رجل لابن عباس: ادعُ اللهَ لي أن يغنيني عن الناس فقال: إنّ حوائج الناس تتصل بعضُها ببعض كاتصال الأعضاء، فمتى يستغني المرْءُ عن بعض جوارحه؟ ولكن قل: أغْنِني عن شرار الناس. ورُوي: أن بعضهم كان يطوف ويقول: من يشتري مني بضائعَ بعشرة آلاف درهم؟ فدعاه بعضُ الملوك وبذل له المال فقال له: اعلم أن اللهَ لم يخلق خلقاً شراً من الناس، وإن لم يكن بدٌّ من الناس فانظر كيف تحتاج أن تعامل ما لابدّ منه ولا غِنى بك عنه. . . ثم قال: هل يساوي هذا الكلام عشرة آلاف درهم؟ قال: دونَك المال، ولم يأخذه. . . وقالوا: ثلثا التعايش، مداراةُ الناس. وقال النظَّام - إبراهيم بن سيّار أحد شيوخ المعتزلة -: ما يسرُّني تركُ المداراة ولي حُمْرُ النَّعَم،
(2/165)

قيل له: لم؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخَصْتَ له أرداك، وإذا طأطأت له تَخطَّاك. . . وقال معاوية: لو كان بيني وبين الناس شَعْرةٌ ما انقطعت، لأنّهم إذا جذبوها أرسلتها، وإذا أرسلوها جذبْتُها. . . وقال أكثم بن صيفي: الانقباض من الناس مكسبةٌ للعداوة، وإفراط الأنس مكسَبةٌ لقُرناء السّوء، ومن أمثال العرب: لا تكن حُلواً فتُسْترط ولا مُراً فتُلفَظ استرطه ابتلعه وجاء في كتاب للهند: بعض المقاربة حَزْمٌ، وكلُّ المقاربة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس، تُمال فيزيد ظلُّها، ويُفرَطُ في الإمالة فينقص الظِّلُّ. .
وقال الطّغرائي في لاميّته المشهورة المعروفة بلامية العجم:
وحُسْنُ ظنِّك بالأيامِ مَعْجَزةٌ ... فظُنَّ شَرّاً وكُنْ منها على وَجلِ
غاضَ الوفاءُ وفاض الغَدْرُ وانْفرجَتْ ... مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعملِ
وإنّما رَجُلُ الدنيا وواحدُها ... من لا يعوِّلُ في الدنيا على رَجُلِ

الأنذال واللئام
اللُّؤم: ضدُّ العتق والكرم، واللئيم: الدَّنيء الأصل الشَّحيح النّفس. والنَّذالة: الخِسَّة والسَّفالة
وركاكة العقل والتأخر عن المكارم، والنذل: الخسيس الحقير الفَسْلُ الذي لا مُروءة له. ومن عبقرياتهم في هذا الصنف من الناس قولُ أبي الأسد نباتة بن عبد الله التميمي - شاعر كان معاصراً لأبي تمام: -
إنْ يَبْخلوا أو يَجْبُنوا ... أو يَغْدِروا لا يَحْفِلوا
يَغْدوا عليكَ مُرجِّلي ... نَ كأنَّهم لم يَفْعَلوا
(2/166)

كأبي بَراقِشَ كلَّ لَوْ ... نٍ لَوْنُهُ يَتَخيّلُ
وصف قوماً مشهورين بالمقابح لا يستحون ولا يحتفلون بمن رآهم على ذلك. وقوله: يغدوا هو بدلٌ من قوله: لا يحفلوا، لأن غدوَّهم مرجِّلين دليلٌ على أنهم لم يحفِلوا. والتّرجيل: مشط الشَّعر وإرساله. وأبو براقش طائر صغير أعلى ريشه أغبرُ وأوسطه أحمرُ وأسفله أسودُ فإذا انتفش تغيّر لونُه ألواناً شتَّى. وهذا أبو بَراقِشَ غير براقش التي وردت في قولهم: على أهلها دلت بَراقِشُ، فهذه اسم كلبة لقومٍ من العرب أُغيرَ عليهم في بعضِ الأيّام، فهَربوا وتبعتهم بَراقشُ فرجع الذين أغاروا خائبين؛ فسمعت براقش وقع حوافر الخيل، فنبحت فاستدلّوا على موضع نِباحها، فعَطفوا عليهم واستباحوهم، فذهبت مثلاً وقالوا: على أهلها تجني بَراقش، قال حمزة بن بيض:
لمْ تكُنْ عن جنايةٍ لحِقَتْني ... لا يَساري ولا يَميني جَنتْني
بلْ جَناها أخٌ عليَّ كريمٌ ... وعلى أهلها بَراقِشُ تَجْني
وقال آخر - وهي من أبيات الحماسة - حماسة أبي تمام: -
أناخَ اللُّؤمُ وسْطَ بَني رباحٍ ... مطيَّتَه فأقْسمَ لا يَريمُ
كذلكَ كلُّ ذي سَفَرٍ إذا ما ... تَناهى عند غايتِه يُقيمُ
يقال: أنَخْتُ البعيرَ فبرَكَ، ولا يقال فَناخَ، وهذا من باب ما استُغني عنه بغيره، ولا يَريم: لا يبرح، وقوله: كذلك في موضع الحال لأنّ كل ذي سفر مبتدأ ومقيم خبره، كأنه قال: وكلُّ مسافر إذا ما انتهى إلى غايته يلقى عصاه كذلك، أي مثل إقامة اللُّؤم فيهم، وقد نقل البحتريُّ هذا المغنى إلى المدح فقال:
إذا ما رأيْتَ المَجْدَ ألقى رحلَه ... في آل طَلْحةَ ثمّ لَمْ يَتَحوَّلِ
(2/167)

وقال جرير:
وكنتَ إذا نَزَلْتَ بدارِ قومٍ ... رَحَلْتَ بِخِزْيةٍ وتَركْتَ عارا
وقال:
تَميمٌ بِطُرْقِ اللُّؤمِ أهدى من القَطا ... ولو سَلَكَتْ سُبُلَ المَكارِمِ ضلَّتِ
وقالوا فيمن لا يصلح لخيرٍ ولا شرًّ: فلان أمْلَسُ ليس فيه مستقرٌ لخيرٍ ولا شرّ. وقالوا: فلان ما هو برطب فيُعْصر ولا بيابسٍ فيُكسر. وقالوا: شرُّ الناس الذي لا يتوقَّى أن يراه الناس مسيئاً، وقد تقدّم. وقال الشاعر:
قومٌ إذا خَرجوا مِن سَوْءةٍ وَلَجوا ... في سَوَْءة لم يَخْبَؤوها بأسْتارِ

الظن
ولتفشّي الغدرِ والمكر في هذا الناس مَدحوا الاحْتراسَ والحذرَ وسوءَ الظّنِّ بالناس. قيل لبعضهم: ما الحزْمُ؟ قال: سوءُ الظَّنِّ بالناس. وقال الشاعر الببَّغاء:
وأكثرُ مَنْ تَلْقى يَسُرُّك قَوْلُه ... ولكِنْ قليلٌ مَنْ يَسرُّك فِعْلُهُ
وقَدْ كانَ حُسْنُ الظَّنِّ بَعْضَ مَذاهِبي ... فأدَّبَني هذا الزَّمانُ وأهْلُهُ
وقالوا عليك بسوء الظنِّ، فإنْ أصابَ فالحَزْمُ، وإن أخطأ فالسَّلامة. وقال بعضهم: إن قوله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}: دلالةٌ على أنَّ جُلَّه صَوابٌ. وقال عبد الملك بن مروان: فرقُ ما بين عُمَرَ وعثمانَ أنَّ عُمَرَ أساءَ ظَنَّه فأحْكَمَ أمْرَه، وأنَّ عثمانَ أحْسنَ ظنَّه فأهْملَ أمْرَه. وقيل
(2/168)

لبعضهم: أسأتَ الظَّنَّ! فقال: إنَّ الدُّنيا لمّا امْتلأتْ مَكارِهَ وجبَ على العاقلِ أن يملأَها حَذَراً. . . .
ولمَّا رأوا أنّ الظنَّ هو الغالبُ على الناس وأنّه لذلك يكادُ يكون غريزةً من الغرائزِ الإنسانية، وأن تحقيقَه ولا سيَّما بين الأصدقاء يعدُّ من الإفراط المَمْقوت، وأنّه لا يليق بمكارِمِ الأخلاق، ذمُّوه ونَعَوْه على أهله، قال تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. وقال سيدنا رسول الله: (ثلاثةٌ لا يسلم منهنَّ أحدٌ: الطِّيرةُ، والظّنُّ، والحَسدُ، قيل: فما المَخْرَجُ منهنّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيَّرْتَ فلا ترجع، وإذا ظنَنْتَ فلا تُحقّق، وإذا حسدت فلا تَبْغِ). . . . وقال صلوات الله عليه: (إيّاكم والظّنَّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث) وقال ابن الأثير في النهاية: أراد: إيّاكُمْ وسوءَ الظنِّ وتحقيقَه، دون مبادئ الظنون التي لا تُملَك وخواطر القلوب التي لا تُدفع، وقيل: أراد: الشكَّ يعرض لكَ في الشيْء
فتحقّقَهُ وتحكمَ به.
وأكذب الحديث: أي حديث النفس؛ لأنه يكون بإلقاء الشيطان في نفس الإنسان وقال المتنبي:
إذا ساَء فِعْلُ المَرْءِ ساَءتْ ظُنونُه ... وصدَّقَ ما يعْتادُه مِنْ تَوَهُّمِ
وعادى مُحبّيه بقولِ عِداته ... فأصْبَحَ في داجٍ من الشَّكِّ مُظْلمِ
وقال شاعر:
مَنْ ساَء ظنّاً بما يَهْواه فارقَه ... وحَرَّضَتْه على إبْعادِه التُّهَمُ
ومن هنا مدحوا التثبُّتَ والتغافل. وترى سائر عبقرياتهم في الظن في باب الطبائع وباب الإخوانيات.
(2/169)

الشماتة
والشماتةُ: الفرح ببليّةٍ تنزِلُ بِمَنْ تُعاديه، تقول: شَمِتَ به يَشْمَتُ شَماتَةً وشَماتاً، وأشْمَتَه اللهُ به، وفي القرآن الكريم: {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء}. . . .
وقدْ تقدّم طرفٌ مِنْ عبقرياتهم في الشماتةِ بالموت، ومن عبقرياتهم في الشماتة مُطلقاً قول الفرزدق:
إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ على أناسٍ ... حوادثَه أناخَ بِآخَرينا
فقُلْ للشّامِتينَ بِنا أفيقوا ... سيَلْقى الشّامِتونَ كما لَقينا
وقيل لأيوبَ النَّبيِّ عليه السلام: أيُّ شيءٍ كان أشدَّ عليك في بلائك؟ قال شماتةُ الأعداء.

الحقد
الحقد - كما جاء في اللسان -: إمساكُ العداوة في القلب والتّربُّصُ لفُرْصتها، قال: والحقد: الضغن. قال: وحَقَدَ عليّ يَحْقِدُ حِقْداً، وحَقِدَ - بالكسر - حَقْداً وحِقْداً فهو حاقِد؛ فالحَقْدُ: الفعل، والحِقْدُ: الاسم، وتَحَقَّدَ: كَحَقَدَ، قال جرير:
يا عَدْنَ إنَّ وِصالَهنَّ خِلابَةٌ ... ولَقَدْ جَمعْنَ مع البِعادِ تَحقُّدا
وبعد فالحِقْدُ على أنّه خَلّةٌ لا تتفق والنبلَ والسؤددَ ومكارِمَ الأخلاق فإنّه دليلُ الحيوية، ومن ثمَّ يكاد يكون خَلّةً مَرْكوزةً في الطباع، وإذا كانوا قد مدحوه فإنما يترامَوْنَ - كما قلنا - إلى أنه عنوان الحيوية وأنّ مَنْ لا يحقد لا يَشْكر، وإذا هم ذَمُّوه، فإنهم إنّما يَدْعون إلى تناسيه
وأنّ مِنْ سموِّ الأخلاق أن لا يحملَ المرءُ الحقدَ القديم، كما قال المُقنَّع الكنديُّ
(2/170)

واسمه محمد بن عُميرةَ، وهو شاعر كِنديٌّ إسلاميٌّ، وكان أحسن الناس وجهاً فإذا سَفَرَ لُقِعَ، أي أصابتْهُ العينُ، فيمرضُ ويلحقُهُ عَنَتٌ، فكان لا يمشي إلا مُقنَّعاً، قال من أبياتٍ جيِّدة تراها في حماسة أبي تمام وغيرها:
ولا أحْمِلُ الحِقْدَ القَديمَ عليْهِمُ ... وليْسَ رَئيسُ القَوْمِ مَنْ يَحْملُ الِحِقْدا

ذمّ الحقد ومدحه
أما عبقرياتهم في ذمّ الحقد: فمن ذلك ما يُروى: أنّه قيل للأحنف بن قيس: من أسْودُ الناس؟ فقال: الأخْرقُ في ماله المُطَّرِحُ لِحِقْده. .
وقال ابن الرومي يذمُّه بعد أن مدَحَه، كما سيأتي:
يا مادِحَ الحِقْدِ مُحتالاً لَه شَبَهاً ... لَقدْ سَلَكْتَ إليهِ مَسْلَكاً وَعَثا
لَنْ يَقْلِبَ العيبَ زَيْناً مَنْ يزيِّنُه ... حتَّى يَرُدَّ كبيراً عاتِياً حَدَثا
(2/171)

إنَّ القبيحَ، وإنْ صنَّعْتَ ظاهِرَه ... يَعودُ ما لُمَّ مِنْه مرَّةً شَعِثا
كم زَخْرَفَ القوْلَ ذو زورٍ ولبَّسَه ... على القلوبِ ولكنْ قَلَّما لَبِثا
قد أبْرمَ اللهُ أسبابَ الأمورِ معاً ... فلَنْ نَرى سَبَباً مِنْهنَّ مُنْتَكِثا
يا دافِنَ الحِقْدِ في ضِعْفَيْ جوانِحِه ... ساَء الدَّفينُ الذي أمْسَتْ له جَدَثا
الحِقْدُ داءٌ دويٌّ لا دَواَء له ... يَري الصُّدورَ إذا ما جَمْرُه حُرِثا
فاسْتَشْفِ مِنْهِ بِصَفْحٍ أو مُعاتبةٍ ... فإنّما يَبْرأ المَصْدورُ ما نَفَثا
واجْعل طِلابَكَ بالأوْتارِ ما عَظُمَتْ ... ولا تكنْ لِصَغيرِ الأمْرِ مُكْتَرِثا
والعَفْوُ أقْرَبُ للتَّقْوى وإنْ جُرُمٌ ... مِنْ مُجْرِمٍ جَرَحَ الأكْبادَ أوْ فَرَثا
يكفيكَ في العَفْوِ أنَّ اللهَ قرَّظه ... وَحْياً إلى خيرِ مَنْ صلَّى ومَنْ بُعِثا
شَهِدْتُ أنَّك لوْ أذْنَبْتَ ساَءك أنْ ... تلقى أخاكَ حَقوداً صَدرُه شَرِثا
(2/172)

إذنْ وسَرَّكَ أنْ يَنْسى الذُّنوبَ مَعاً ... وأنْ تُصادِفَ مِنْه جانِباً دَمِثا
إنّي إذا خَلَطَ الأقوامْ صَالِحَهُمْ ... بِسَيّئِ الفِعْلِ جِدّاً كان أو عَبَثا
جَعَلْتُ صَدْري كظَرْفِ السَّبكِ حينَئذٍ ... يَسْتَخْلِصُ الفِضَّةَ البَيْضاَء لا الخَبَثا
ولَسْتُ أجعلُه كالحَوْضِ أمدحُه ... بِحِفْظِ ما طابَ مِنْ ماءٍ وما خَبُثا
وقال يمدح الحقد:
حَقَدتُ عليكَ ذنباً بعدَ ذَنْبِ ... ولَوْ أحْسَنْتَ كانَ الحِقْدُ شُكْرا
أديمي مِنْ أديمِ الأرْضِ فاعْلَمْ ... أُسيء الرَّيْعُ حينَ تُسيء بَذْرا
ولَمْ تكُ، يا لَكَ الخيراتُ، أرْضٌ ... لِتُزْرَعَ خَرْبَقاً فَتُريعَ بُرّا
أؤدِّي إنْ فعلتَ الخيرَ خيراً ... إليكَ وإنْ فعلْتَ الشَّرَّ شرَّا
ولَسْتَ مُكافِئاً بالنُّكرِ عُرْفاً ... ولَسْتُ مُكافِئاً بِالعُرْفِ نُكْرا
يُسَمّى الحِقْدُ عيباً وهْوَ مَدْحٌ ... كما يَدْعونَ حُلْوَ الحَقِّ مُرّا
الخربق: نباتٌ كالسُّمِّ ورقُه أبيض وأسود، والبُرّ: القمح
وأراد يحيى بن خالد بن برمك وزيرُ الرشيد أن يَضعَ من عبد الملك بن صالح فقال له: يا عبد الملك بلغني أنّك حقودٌ! فقال عبد الملك: أيّها الوزير، إنْ كان الحقدُ هو بقاءَ الخيرِ والشرّ إنّهما لباقيانِ في قلبي، فقال الرشيد: ما رأيْتُ أحداً احتجَّ للحقد بأحسنَ مما احتجّ به عبدُ الملك، وقال ابنُ الرومي يمدح الحقد أيضاً وقد عابه عائِبٌ:
لَئِنْ كُنْتَ في حِفظي لِما أنا مُودَعٌ ... مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ انْتَحَيْتَ على عِرْضي
لَما عِبْتَني إلا بِفَضْلِ إبانَةٍ ... ورُبَّ امْرئٍ يُزري على خُلُقٍ مَحْضِ
ولا عيبَ أنْ تُجزى القُروضُ بِمِثْلها ... بلِ العيبُ أنْ تَدّانَ دَيْناً ولا تقضي
(2/173)

وخيرُ سَجيَّاتِ الرِّجالِ سَجيَّةٌ ... تُوفِّيكَ ما تُسدي من القَرْضِ بالقَرْضِ
إذا الأرْضُ أدَّتْ ريعَ ما أنْتَ زارِعٌ ... مِنَ البَذْرِ فيها فَهْيَ ناهيكَ مِنْ أرْضِ
ولَولا الحُقودُ المُسْتَكنَّاتُ لم يكُنْ ... لِيَنْقُضَ وِتْراً آخِرَ الدَّهْرِ ذو نَقْضِ
وما الحِقْدُ إلاّ تَوْأمُ الشُّكْرِ في الفَتى ... وبَعْضُ السَّجايا يَنْتَهينَ إلى بَعْضِ
فحيثُ تَرى حِقْداً على ذي إساءةٍ ... فَثَمَّ تَرى شُكْراً على حَسَنِ الفَرْضِ
وفي هذا القدر من عبقرياتهم في الحقد كفاية وترى في باب الطبائع ما ينقع غلّتك إن شاء الله.

الحسد
الحسد وقانا الله شرَّه - داءٌ من الأدواء المُتأصّلة الخبيثة الشائعة في هذا الناس إلا من عصم ربُّك، قال علماؤنا: الحسد: أن يرى الرجل لأخيه نِعمةً فيتمنّى أنْ تَزولَ عنه وتكونَ
له دونه، أما الغَبْطُ أو الغِبْطةُ فهي: أن يتمنى أن يكونَ له مثلُها ولا يتمنى زوالَها عنه، وهي كما قال الإمام الأزهري -: ضَرْبٌ من الحسد، ولكنَّها أخفُّ منه، قال: ألا ترى أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما سُئِل: هل يضرُّ الغَبْط؟ فقال: نعم، كما يضرُّ الخَبط فأخبر أنّه ضارٌّ وليس كضرر الحسد الذي يتمنى صاحبُه زوالَ النعمةِ عن أخيه، والخبط: ضرْبُ ورق الشجر حتى يتحاتَّ عنه ثم يستخلف من غير أن يضُرَّ ذلك بأصل الشجرة وأغصانها.
وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}. . . . .
قال الإمام البيضاويُّ: ما فضَّل اللهُ به بعضَكم على بعض: أي من الأمورِ الدُّنيوية كالجاه والمال، قال: لا تتمنَّوْه. فلَعلَّ عدمَه خيرٌ، قال:
(2/174)

والمُقتضي للمَنْعِ كونُه ذريعةً إلى التحاسد والتَّعادي مُعْرِبةً عن عدم الرضا بما قسم اللهُ له، وأنّه تَشَهٍّ لحصولِ الشيء له من غير طلب، وهو مذمومٌ لأن تمنِّي ما لم يُقْدَرْ له معارضةٌ لحكم القدرِ وتمنّي ما قدر له بغير كسب ضائع ومحال؛ وقد نعى الله في غير ما آيةٍ على أولئك الذين يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله
وفي الحديث: (لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه اللهُ مالاً فهْوَ يُنْفِقُه آناءَ الليل وأطرافَ النهار، ورجل آتاه اللهُ قرآناً فهو يتلوه). . . . قال الإمام الأزهري: هو أن يتمنّى الرجل أن يرزقَه اللهُ مالاً ينفق منه في سبيل الخير أو يتمنّى أن يكون حافظاً لكتاب الله فيتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ولا يتمنّى أن يُرْزأ صاحبُ المال في ماله أو تالي القرآن في حفظه. وقال ثعلب: معناه ليس حسد لا يضرّ إلا في اثنتين، أقول: ومعنى ذلك أنّ كلَّ حسد ضار إلا في هاتين أي أن حسد صاحب المال ينفقه في سبيل الخير وحافظ القرآن يتلوه، غير ضار، لأنّ هذين على سبيل سواء يستحِقّان معه أن يُحسدا، أي أن يُغبطا. . . .
وقال حكيم: الحسد مِنْ تعادي الطبائع واختلاف التركيب وفساد مزاج البِنْية وضعف عقد العقل. . والحاسدُ طويل الحسرات. وقال حكيم: الحسد جرحٌ لا يبرأ، وحَسْبُ الحسود ما يَلْقى. وقال الحسن البصري: يا ابن آدم، لِمَ تَحسُدُ أخاك؟ إنْ كان اللهُ أعطاه لكرامتِه عليه، فلِمَ تحسد مَنْ أكرمَه اللهُ؟ وإن كان غيرَ ذلك فلِمَ تحسُدُ من مصيرُه إلى النار! وفي الأثر: الحسد يأكل الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ، وقال علي بن أبي طالبٍ: ما رأيتُ ظالماً
أشبهَ بمظلومٍ من الحاسد، نَفَسٌ دائم،
(2/175)

وعقلٌ هائم، وحزنٌ لازم، وقالوا: الحسود لا يسود. . . . قال رَوْحُ بن زنباع الجُذاميُّ: كنت أرى قوماً دوني في المنزلة عن السلطان يدخلون مداخِلَ لا أدخلُها، فلمّا أذهبت عنّي الحَسدَ دخلتُ حيث دَخلوا. . . . وقال ابن المُقفّع: أقلُّ ما لِتاركِ الحسدِ في تركه أن يَصرِفَ عن نفسه عذاباً ليس بمُدْرِكٍ به حَظّاً ولا غائِطٍ بهِ عدوّاً، فإنّا لمْ نرَ ظالِماً أشبهَ بمظلومٍ من الحاسد، طولُ أسفٍ، ومحالفةُ كآبةٍ وشدّةُ تحرُّقٍ، ولا يبرح زارِياً على نعمة اللهِ ولا يجد لها مَزالاً، ويُكدِّر على نفسه ما به من النّعمةِ فلا يجد لها طعماً ولا يزال ساخِطاً على مَنْ لا يَترضّاه ومتسخِّطاً لما لن ينالَ فوقَه، فهو منغَّص المعيشةِ دائمُ السّخْطةِ محرومُ الطّلِبة، لا بِما قُسم له يقنعُ ولا على ما لم يقسم له يَغْلِب، والمَحسود يتقلَّبُ في فضل اللهِ مُباشراً للسُّرورِ منتفِعاً به مُمَهَّلاً به إلى مُدَّةٍ ولا يقدر الناسُ لها على قطعٍ وانتقاص. . . وقال أبو تمام:
وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضيلةٍ ... طُوُيَتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسودِ
لولا اشتِعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ ... ما كانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العودِ
لولا التّخوُّفُ لِلْعَواقبِ لَمْ تَزَلْ ... لِلْحاسِدِ النُّعْمى على المَحْسودِ
وقال البحتري:
ولَنْ يَسْتبينَ الدَّهْرَ مَوْضِعُ نِعْمةٍ ... إذا أنْتَ لَمْ تُدْلَلْ عليها بِحاسِدِ
وقال عبد الله بن المعتز:
اصْبِرْ على كَيْدِ الحسو ... دِ فإنَّ صَبْرَك قاتِلُهْ
فالنّارُ تأكُلُ نَفْسَها ... إنْ لَمْ تَجِدْ ما تأكُلُهْ
وقال ابن المقفع أيضاً: الحسد والحرص دعامتا الذنوب، فالحرص أخرج آدم عليه السلام من الجنة، والحسد نقل إبليس من جوار الله تعالى
(2/176)

وقال الجاحظ: من العدل المحض والإنصاف الصريح - الخالص - أن تحطَّ عن الحاسدِ نصفَ عقابه، لأنّ ألمَ جَسْمه قد كفاك مؤونةَ شَطْر غيظك؛ وللجاحظ رسالة مطوّلة في الحسد تراها في رسائله.
وقيل للحسن البصري: أيَحْسُدُ المؤمنُ أخاه؟ قال: لا أبالك، أنسيت إخوة يوسف؟ وقالوا: الحَسود غضبانُ على القدر، والقدر لا يُعْتِبه - أي لا يُزيل عتْبَه: أي لا يُرضيه - أخذ هذا المعنى منصور الفقيه فقال:
ألا قُلْ لِمَنْ باتَ لي حاسِداً ... أتَدْري عَلى مَنْ أسأتَ الأدَبْ
أسأتَ على اللهِ في فِعْلِه ... إذا أنْتَ لَمْ تَرْضَ لي ما وَهَبْ
وقال معاويةُ: كلُّ الناس يمكنني أن أرضيَه، إلا الحاسدَ الذي لا يردُّه إلى مودَّتي إلا زوالُ نعمتي. وقال المتنبي:
سِوى وَجَعِ الحُسَّادِ داوِ فإنّه ... إذا حلَّ في قلْبٍ فلَيْسَ يَحولُ
وقال آخر:
كلُّ العَداوة قدْ تُرْجى إماتتُها ... إلا عَداوةَ مَنْ عاداكَ مِنْ حَسَدِ
ويقال: إذا أرادَ اللهُ أنْ يُسلِّطَ على عبده عدوّاً لا يرحمُه سلَّط عليه حاسداً. . . . . وقال العُتْبيُّ - وذكر وُلْدُ، الذين ماتوا -:
وحتّى بَكى ليَ حُسَّادُهُمْ ... وقَدْ أتْرَعوا بِالدُّموعِ العُيونا
وحَسْبُكَ مِنْ حادِثٍ بامْرئٍ ... يَرى حاسِديهِ لهُ راحِمينا
وقالوا: مَنْ دعتْهُ نفسُه إلى ترك الدنيا فلينظر: هل يَحْسُدُ أحداً، فإنْ حسد كان تركُه عجزاً، لأنه لو زهد فيها ما حَسَدَ عليها. وقال البحتريّ:
مُسْتريحُ الأحْشاءِ مِنْ كُلِّ ضِغْنٍ ... بارِدُ الصَّدْرِ مِنْ غَليلِ الحَسودِ
(2/177)

وقيل لسفيانَ بن معاوية: ما أسْرعَ حسدَ الناسِ إلى قومِك! فقال:
إنّ العَرانينَ تَلْقاها مُحَسَّدةً ... ولا تَرى لِلِئامِ النّاسِ حُسّادا
وقال آخر:
وتَرى اللَّبيبَ مُحَسَّداً لَمْ يَجْتَرِمْ ... شَتْمَ الرِّجالِ وعِرْضُه مَشْتومُ
حَسدوا الفَتى إذْ لَمْ يَنالوا سَعْيَه ... فالقومُ أعْداءٌ لهُ وخُصومُ
كَضَرائِرِ الحَسْناءِ قُلْنَ لِوَجْهِها ... حَسداً وظُلْماً: إنّه لَدَميمُ
وقال آخر:
إن تَحْسِدوني فإنّي لا ألومُكُمُ ... قبلي مِنَ الناسِ أهلُ الفضلِ قد حُسِدوا
فدامَ لي ولَهُمْ ما بي وما بِهِمُ ... وماتَ أكثرُنا غَيْظاً بما يَجِدُ
أنا الذي تَجدوني في حلوقِكُمُ ... لا أرْتقي صَدْراً عَنْها ولا أرِدُ
وخطب الحجاج يوماً بِرُسْتَقُباذ بقولِ سويد بن أبي كاهل - شاعر جاهلي إسلامي -:
كيفَ يَرْجون سَقاطي بَعْد ما ... جَلَّلَ الرأسَ بياضٌ وصَلَعْ
رُبَّ مَنْ أنضَجْتُ غيظاً صدرَه ... قَدْ تَمنّى ليَ موتاً لَمْ يُطَعْ
ويَراني كالشَّجا في حَلْقِه ... عَسِراً مَخْرجُه ما يُنْتَزَعْ
مُزْبِداً يخْطِرُ ما لَمْ يرَني ... فإذا أسْمَعْتُهُ صَوْتي انْقَمَعْ
(2/178)

لَمْ يَضِرْني غَيْرَ أنْ يَحْسِدُني ... فَهْوَ يَزْقو مثلَ ما يَزْقو الضُّوَعْ
ويُحيّيني إذا لاقيتُه ... وإذا يَخْلو له لَحْمي رَتَعْ
قد كفاني اللهُ ما في نفسِه ... وإذا ما يَكْفِ شيئاً لا يُضَعْ
وقال ابن الرومي لصاعد بن مخلد:
وضِدٍّ لكمْ لا زالَ يَسْفُلُ جَدُّه ... ولا بَرِحَتْ أنفاسُه تَتَصَعَّدُ
يرى زِبْرِجَ الدُّنْيا يُزَفُّ إليكُمُ ... ويُغْضي عَنِ اسْتِحْقاقكِمْ فَهْوَ يُفْأدُ
ولَوْ قاسَ باسْتِحْقاقِكِمْ ما مُنِحْتُمُ ... لأطفأ ناراً في الحَشا تَتَوقَّدُ
وآنَقُ مِنْ عِقْدِ العَقيلةِ جيدُها ... وأحْسنُ مِنْ سِرْبالِها المُتَجَرَّدُ
وقال الأصمعي: رأيْتُ أعرابيَّاً قدْ أتتْ له مائةٌ وعشرون سنة، فقلت له: ما طوَّل عُمُرَك؟ فقال تركت الحسدَ فبقيت. وكانوا يقولون: سِتّةٌ لا يخلون من الكآبة: رجلٌ افتقر بعد غنىً، وغنيٌّ يخافُ على ماله النَّوى - الهلاك والضياع - وحقودٌ، وحسودٌ، وطالبُ مرتبةٍ لا يبلغُها قدرُه ومخالِطُ الأدباءِ بغير أدب.
ومن ألفاظهم في وصف الحسد: قد دبَّت عقاربُ الحُسَّدِ، وكَمَنَتْ
(2/179)

أفاعيهم بكلِّ مَرْصد: فلانٌ قد وَكَّلَ بي لَحْظاً يَنْتَضِلُ بأسْهُمِ الحَسَدِ. . .
ومن وصاياهم في باب الحذر من الأعداء الحُسَّد قول أعرابيٍّ يعِظ رجلاً: ويحك، إنَّ فُلاناً وإن ضحك إليك، فإنّه يضحك منك، ولَئِنْ أظهر الشفقة عليك، إنّ عقاربَه لَتسري إليك، فإنْ لم تتخذْه عَدوَّاً في علانيَّتك فلا تجعلْه صديقاً في سريرتك. . .
وحذَّر بعض الحكماء صديقاً له صحِبَه رجلٌ، فقال: احذر فلاناً، فإنّه كثيرُ المسألة، حسنُ البحث، لطيفُ الاستدراج يحفَظُ أولَ كلامِك على آخِره، ويعتبر ما أخَّرْتَ بما قدَّمت، فلا تظهُرِنَّ له المخافةَ فيرى أنك قد تحرَّزت. واعلم أن من يقظة الفطنة إظهارَ الغفلةِ مع شدّة الحذر. فباثِّه مباثَّةَ الآمِنِ، وتحفّظ منه تحفُّظَ الخائِف. فإنَّ البحثَ يُظهر الخفيَّ الباطن،
ويبدي المستكنَّ الكامن.
هذا، وقد عقد الغزاليُّ للحسد باباً زاخِراً في كتابه الإحياء حلّل فيه على طريقته هذا الداء - داء الحسد - وبيّن أسبابَه وأعراضه وعلاجه ولماذا كان شائعاً بين الأقران والإخوة والأقارب فارجع إليه إذا أردت التّوسُّعَ في هذا الباب، ولنختر منه هذه الحكاية الطريفة، قال: كان رجل يغشى بعضَ الملوك، فيقوم بحذاء الملك فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكَه إساءته، فحسده رجلٌ على هذا المقام، وذلك الكلام، فسعى به إلى الملك فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول، زعم أن الملك أبْخَرُ، فقال له الملك: وكيف يصحُّ ذلك عندي؟ قال تدعوه إليك، فإنه إذا دنا منك وضع يدَه على أنفه لِئلا يشمَّ ريحَ البَخَر، فقال له:
(2/180)

انصرف حتى أنظر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك على عادته، فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكَه إساءته، فقال له الملك:
ادن منّي، فدنا منه ووضع يده على فيه، مخافةَ أن يشمَّ الملكُ منه رائحة الثوم فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً إلا قد صَدق، وكان الملك لا يكتب بخطّه إلا بجائزة أو صلة، فكتب له كتاباً بخطّه إلى عامل من عمّاله: إذا أتاك حامِلُ كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحشُ جِلْدَه تبناً وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سَعا به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خطَّ الملكُ لي بصلة، فقال: هبْهُ لي، فقال: هو لك، فأخذه ومضى إلى العامل، فقال العامل: في كتابك: أنْ أذبحَك وأسلخَك، قال: إنَّ الكتاب ليس هو لي، فاللهَ اللهَ في أمري حتى تراجعَ الملك، وقال: ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشا جلدَه تبناً وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فعجب الملك وقال: ما فعل الكتاب؟ فقال: لقيني فلانٌ فاستوهبَه منّي، فوهبته له، قال الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر، قال: ما قُلْتُ ذلك، قال: فلِمَ وضعْتَ يدك على فيك، قال: لأنه أطعمني طعاماً فيه ثوم، فكرهت أن تشمَّه، قال: صدقت، ارجع إلى مكانك فقد كُفي المسيءُ إساءته. . . . ومثل هذه الحكايات كثير ويصحُّ أن توضع في باب السّعاية والمكر، وعاقبة الماكرين.
وبعد فإنّ ما نورده ههنا من عبقرياتهم في الحسد والحقد وما إليهما إنما هو قليلٌ من كثيرٍ تراه في باب الطبائع وإنّما ما نورد من هذه العبقريات لنستوفي بابَ العداوات
(2/181)

المزاح
ولأنَّ المُزاحَ في الكثير الأعمِّ الأغلبِ مَدْرَجةُ البغضاءِ رأينا أنْ نوردَ هُنا صدراً من عبقرياتهم فيه.
قال الزَّبيدي شارح القاموس: المُزاح: المباسطةُ إلى الغير على جهة التلطف والاستعطاف دون أذيّة، حتى يَخرج الاستهزاءُ والسخرية. قال: وقد قال الأئمة: الإكثارُ منه والخروج عن الحدِّ مُخِلٌّ بالمروءةِ والوقار، والتنزُّه عنه والتقبُّض مخل بالسّنّة.
ويقال: مَزَحَ يَمْزَحُ مُزْحاً ومِزاحاً ومُزاحاً ومُزاحةً وقد مازحَه مُمازحةً ومِزاحاً، والاسم المزاح بالضَّمِّ والمُزاحةُ أيضاً.

نهيهم عن المزاح
جاء في الأثر: إياكَ والمُزاحَ فإنّه يذهبُ ببَهاءِ المُؤمنِ ويُسقط مروءَته ويجرُّ غضبَه.
وقالوا: المُزاح مجلبةٌ للبغضاء مثلبةٌ للبهاءِ مَقْطعةٌ للإخاءِ.
وقالوا: المُزاحُ أوّله فَرْحٌ وآخرُه تَرِحٌ، وهو نَقائِضُ السُّفهاءِ مِثْلُ نَقائضِ الشعراء.
وقالوا: لا تُمازِحْ صَغيراً فيجترِئْ عليك، ولا كبيراً فيحقدْ عليك
(2/182)

وقال مُسْعَرُ بنُ كِدام لابنه:
ولقَدْ حَبَوْتُك يا كِدامُ نَصيحَتي ... فاسْمَعْ لقولِ أبٍ عليكَ شفيقِ
أمّا المُزاحةُ والمِراءُ فدعْهُما ... خُلُقانِ لا أرْضاهما لصديقِ
ولقَدْ بلَوْتُهما فلَمْ أحْمَدْهما ... لِمُحاورٍ جارٍ ولا لرفيقِ
وقالوا: المُزاح سبابُ النُّوكى وقال عمر بن عبد العزيز: لا يكونُ المُزاح إلا من سَخَفٍ أو بَطَرٍ.
وقالوا: الغالب فيه واتِرٌ. والمغلوب ثائِر. وقال أبو نواس:
رُبَّما استُفْتِحَ بِالمَزْ ... حِ مَغاليقُ الحِمامِ

حمدهم القصد في المزح ومزاح الأماثل
جاء في الأثر: إنّي لأمزح ولا أقول إلا حقّاً. . .
ومن مُزاحه صلوات الله ما رُوي: أنَّ عجوزاً من الأنصارِ أتته فقالت: يا رسولَ الله، ادْعُ لي بالمغفرة، فقال: أما علمت أنَّ الجنةَ لا يدخلها العجائزُ! فصَرَخَتْ، فتبسَّم رسولُ الله وقال: أما قرأتِ القرآن؟ {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً، عُرُباً أَتْرَاباً}
وأتته أخرى في حاجةٍ لزوجها فقال لها: ومَنْ زوجُك؟ فقالت فلان، فقال لها: الذي في عينه بياضٌ؟ فقالت: لا، فقال: بلى، فانصرفت عجلى إلى زوجها، وجعلت تتأمّل عينيه، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت:
(2/183)

أخبرني رسول الله أنّ في عينيك بياضاً، فقال: أما ترين بياض عينيَّ أكثرَ من سوادهما!
وقال صلوات الله عليه لبُنَيٍّ كان لأبي طلحة الأنصاريِّ، وكان له نُغَرٌ فمات: ما فعلَ النَّغيرُ يا أبا عمير؟
وقالوا: الناس في سِجْنٍ ما لَمْ يتمازحوا.
وقال رجل لأبي عُيَيْنةَ. المُزاح سُبّة، فقال: بل سُنَّةٌ لمَنْ يُحْسِنه.
يا ساعَتي في مجوني ... قدْ طِبتُ فيك وطِبْتِ
إنّي إذا ضاقَ صَدْري ... قَطَعْتُ بالسُّخْفِ وقتي
وقال سعيد بن العاص لابنه: اقتَصِدْ في مُزاحك فالإفراط فيه يُذهب البهاءَ ويُجرِّئ عليك السُّفهاءَ، وتركه يقبضُ المؤانسينَ ويوحش المُخالطين

نهيهم عن الغضب في المَزْح
قال ابن سيرين: ليس من حسن الخلق الغضب من المزح

الممدوح بأن فيه الجدَّ والهزل
قال شاعر:
أخو الجِدِّ إنْ جادَدْتَ أرْضاكَ جِدُّه ... وذو باطِلٍ إنْ شئتَ ألْهاك باطلُهْ
وقال أبو تمام:
الجِدُّ شيمتُه وفيه فُكاهةٌ ... سُجُحٌ ولا جِدٌّ لِمَنْ لمْ يَلْعَبِ
(2/184)

عذر من يضحك وهو محزون
وقدْ يضحكُ الموتورُ وهْوَ حزين
وقال آخر:
وربَّما ضَحِكَ المَكْروبُ مِنْ عَجبٍ ... السِّنُّ تَضْحكُ والأحْشاءُ تَضْطَرِمُ

نهيهم عن كثرة الضحك
في الأثر: إيّاك وكثرةَ الضَّحك فإنَّها تميتُ القلب وتورثُ النسيان. وفيه أيضاً: ويلٌ للّذي
يُحدِّث فيكذبُ ليُضْحِكَ به القومَ، ويلٌ له، ويلٌ له.
وقال عمر بن الخطاب: من كثر ضحكُه قلَّت هيبتُه
وقال عليٌّ: إذا ضحك العالم ضحكة مجَّ من العلم مَجَّة.
وقالوا: كثرة الضَّحك تورثُ الرُّعونة.
وقيل لأبي العَيْناء: فلانٌ يضحك منك! فقال: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} وهذا من الأجوبة المُسْكتة، وكان أبو العيناء ذا نوادر.

إيراد جِدٍّ في مسلك هزل
قال خالد بن صفوان: رَماني بأصْلَبَ من الجندل، ونشّقني بأحَرَّ من الخَرْدل، ثمَّ قال إنّي أمازحُك!
لي صاحِبٌ ليس يَخْلو ... لسانُه مِنْ جِراحي
يُجِدُّ تمزيقَ عِرْضي ... على سبيلِ المُزاحِ
(2/185)

صدرٌ من عبقرياتهم في الغيبة والنميمة
ولأنّ الغيبة والنميمة مدرجتانِ غالباً للعداء بادرنا بإيراد صدر من عبقرياتهم في هاتين الخَلّتين الذّميمتين

حقيقة الغيبة والنميمة
الغيبةُ الاسْمُ من الاغتياب وهو: أن يتكلَّمَ خلف إنسان مَسْتور بِسوءٍ أو بِما يغمُّه لو سمعه وإنْ كان فيه، فإنْ كان صِدقاً فهو غيبةٌ وإنْ كان كِذْباً فهو البُهْتُ والبُهتان. كذلك جاء عن سيدنا رسول الله صلوات الله عليه. وقال بعض الفقهاء: الغيبة: أن تذكرَ الإنسان بما فيه من العيب من غيرِ أن تُحْوَجَ إلى ذلك، وفي هذا احترازٌ ممّا يقوله الشاهد عند الحاكم. والنميمة: نقلُ الحديث من قومٍ إلى قوم على جِهة الإفسادِ والشرِّ، ونَمَّ الحديثَ يَنُمُّه ويَنِمُّه نَمّاً: نقلَه، والاسم النميمة؛ والنّعت نمّام، ويقال للنمام: القتّات يقال: قَتّ: إذا مشى بالنميمة، ويقال له: قسّاس ودرّاج وغمّاز وهمّاز ومائسٌ ومِمْآس.

ذمّ الغيبة والنميمة
قال الله جل شأنه: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} قوله سبحانه: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ}. . . الآية: تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض
المغتاب على أفظع وجه وأفحشه، قال الإمام الزمخشري: وفيه مبالغاتٌ شتّى: منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبّة، ومنها إسناد الفعل إلى
(2/186)

أحدكم والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتّى جعل الإنسان أخاً، وحتّى جعل الأخ ميتاً. قال قتادة: كما تكره إن وجدت جيفةً مدوِّدةً أن تأكل منها فاكره لحم أخيك وهو حيّ.
وفي الحديث: (إنّ الغيبةَ أشدُّ من الزنا قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن الرجل يزني فيتوبُ، فيتوب اللهُ عليه، وصاحبُ الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه) وفي الحديث المرفوع: (أنّ امرأتين صامتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وجعلتا تَغْتابانِ الناسَ فأخْبِرَ النبي بذلك فقال: صامتا عمّا أحِلّ لَهما وأفْطَرَتا على ما حرّم اللهُ عليهما) واغتاب رجلٌ رجلاً عند قتيبة بن مسلم فقال قتيبة: أمْسك أيّها الرجل، فو اللهِ لقد تلمَّظْتَ بمُضْغةٍ طالما لفَظَها الكرام.
وقال عليٌّ بن الحسين رضي الله عنه: إيّاك والغيبةَ فإنّها إدامُ كلاب النار وهذا تمثيلٌ جميل وقال الشاعر:
لا تَهْتِكَنْ مِنْ مَساوي النّاسِ ما سَتروا ... فيَهْتِكَ اللهُ سِتْراً مِنْ مَساويكا
واذْكُرْ مَحاسِنَ ما فيهم إذا ذُكِروا ... ولا تَعِبْ أحداً مِنْهُمْ بما فيكا
وقالوا: الغيبة مَرْعى اللئام وجهدُ العاجز
وقال تعالى {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ}
وقال سيدنا رسول الله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفعنَّ إلينا عورةَ أخيه المؤمن). . . وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يُراح القَتّاتُ رائِحةَ الجنّة) والقتات: النّمّام
(2/187)

من سمحت نفسه بأن يكون في حِلٍّ
ومَنْ لا تسمح نفسه
كان أبو الدَّرداء رضي الله عنه إذا خرج يقول: اللَّهُمَّ إنّي قد تصدّقْتُ بعِرْضي على عِبادك.
وقال كثيِّر عزّة:
هَنيئاً مَريئاً غيرَ داءِ مُخامرٍ ... لِعَزَّةَ مِنْ أعْراضنا ما اسْتَحَلَّتِ
خامره الداءُ: خالط جوفَه
وقيل لرجل: فلانٌ شتمك واغتابك، فقال: هو في حِلٍّ. فقيل: أتُحِلُّ من اغتابك وبه يثقل
ميزانُك؟ فقال: لا أحبُّ أن أثقل ميزاني بأوزار إخواني.
وقال رجلٌ لابن سيرين: قد نلتُ منك فاجعلني في حِلّ، فقال: لا أحلُّ ما حرّم اللهُ عليك. أما ما كان إليّ فهو لك.

من قلّت مبالاتُه بمن اغتابه
قيل لحكيم: فلان يشتمك بالغيب، فقال: لو ضَرَبني بالسِّياطِ في الغيب لم أبالِ به.
وقال شاعر قديم وأنشد هذا الشعر لسيِّدنا رسول الله العلاءُ بن الحضرميّ:
حيِّ ذوي الأضْغانِ تَسْبِ قلوبَهم ... تَحِيَّتك القُرْبى فقَدْ تُرْقَعُ النَّعَلْ
وإنْ دَحسوا بالشَّرِّ فاعْفُ تكرُّماً ... وإنْ خَنَسوا عنكَ الحَديثَ فلا تَسَلْ
فإنَّ الذي يُؤذيكَ منه سماعُه ... وإنَّ الذي قالوا وراَءك لم يُقَلْ
(2/188)

دحسَ بين القومِ: أفسدَ بينهم، وخَنسوا: أخْفَوا، يريد: إنْ فعلوا الشرَّ من حيث لا تعلمه وقد تقدّمت هذه الأبيات
وقال المتوكل الخليفة العباسي لأبي العيناء: ما بقي أحدٌ إلا اغتابك! فقال:
إذا رَضِيَتْ عنّي كِرامُ عَشيرَتي ... فلا زالَ غَضْباناً عليّ لِئامُها
وقيل لرجل: فلانٌ يغتابك: فقال: دَعْني يَستَرْفعْني اللهُ بذلك، فمن أكثرتِ الناسُ فيه الوقيعةَ رفعَه اللهُ، وإنَّ بني أميّة مازالوا يشتُمون عليَّ بن أبي طالب ستينَ سنةً فلم يزدْه اللهُ إلا رِفْعةً. وقيل لآخر ذلك فقال:
ولَمْ يَمْحُ مِنْ نورِ النَّبيِّ أبو جَهْلِ
وقيل لآخر مثله فقال: لا ضَيرَ، إنّه أراد أن يمتحن ودّي. . .

ذم ناقص يغتاب فاضِلاً
قال المتنبي:
وإذا أتَتْك مَذَمّتي من ناقِصٍ ... فهْيَ الشهادةُ لي بأنّيَ كامِلُ
وقبله يقول أبو تمام:
لقد آسَفَ الأعْداَء فضلُ ابْنِ يوسفٍ ... وذو النَّقصِ في الدُّنيا بذي الفَضْلِ مُولَعُ
وقبل أبي تمام يقول مروان بن أبي حفصة:
ما ضرَّني حَسدُ اللئامِ ولم يَزلْ ... ذو الفَضْلِ يحسدُه ذوو التَّقْصيرِ
وأصل هذا المعنى من قول الطِّرمّاح بن حكيم:
لقد زادَني حُبَّاً لنفسي أنَّني ... بَغيضٌ إلى كلِّ امْرئٍ غيرِ طائِلِ
(2/189)

وأنّي شقيٌّ باللّئامِ ولا ترى ... شقيّاً بِهِمْ إلا كريمَ الشَّمائِلِ
وقد تقدم.
وقالوا: كفى بالمرء شَرَّاً أن لا يكونَ صالِحاً وهو يقع في الصالحين. وبلغ الأحنفَ بن قيس أنّ رجلاً يغتابه فقال: عُثَيْثةٌ تقْرِضُ جلداً أمْلسا. . . عُثَيْثةٌ تصغير عُثّة وهي دُويبةٌ تلْحَسُ الثياب والصوفَ وأكثرُ ما تكون في الصوف، وهذا مثلٌ قد يُضرب للرجل يَجتهد أن يؤثر في الشيء فلا يقدرُ عليه
ومما يتصل بهذا قولهم:
وما زالَتِ الأشْرافُ تُهْجى وتُمْدح
وقولهم: إنّما الغيبةُ تلقيحُ الشَّرَفْ

من رمى غيره بعيبه
من هذا قولهم: رَمَتْني بِدائِها وانْسَلَّتْ
وقولهم: عيَّرَ بُجَيْرٌ بُجَرة ونَسي بُجَيْرٌ خَبَرَه. قال المفضّل الضّبّي: بُجَيْرٌ وبُجَرةٌ كانا أخوين في الدّهر القديم ولهما قصةٌ ذكرها، وقال الأزهري بُجَيْرٌ تصغير الأبجر وهو الناتِئ السُّرّة والمصدر: البُجْرُ فالمعنى: أن ذا بُجَيْرةٍ في سُرّته عيَّر غيرَه بما فيه وقول السيد المسيح ما معناه: أتُبْصِرُ القذاةَ في عين أخيك وتدعُ الجِذْعَ المُعْتَرِضَ في حَلْقك!

اغتياب المرء غيرَه يدلُّ على عيبه
قالوا: مَنْ وجدْتُموه عيّاباً وجدْتُموه مَعيباً، لأنّه يَعيبُ الناسَ
(2/190)

بفضْلِ عَيْبِه. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
ويأخذُ عَيْبَ النَّاسِ مِنْ عَيْبِ نَفْسِه ... مُرادٌ لَعَمْري ما أرادَ قَريبُ
وقالوا: أعرفُ الناس بعُوارِ الناسِ المُعْوِرُ. العُوار: العيبُ، والمُعْور: ذو العيب القبيح السريرة
واغتاب رجلٌ آخرَ عند بعضِ الأشراف، فقال له: يا هذا، أوْحَشْتَنا من نفسك، وأيأسْتَنا من مودَّتك؛ ودللْتَنا على كثرة عيوبك بما تذكر من عيوبِ الناس، لأن الطالب للعيوبِ إنّما
يطلبها بقدرِ ما فيه منها وقال شاعر:
وأجْرأُ مَنْ رأيْتُ بِظَهْرِ غَيْبٍ ... على عيبِ الرِّجال ذَوو العُيوبِ
يقول: أجرأ الناس على عيب الناس بظهر الغيب هم ذَوو العيوب، والظَّهْر: ما غاب عنك
ومما يُذكر هنا قول بعض الحكماء: الأشرار يتتبّعون مساوئ الناس ويتركون محاسنَهم، كالذُّباب يتتبع المواضعَ الفاسدة من الجسد ويترك الصحيحة.

تشهي الغيبة واستطابتها
قالوا في ذلك: الغيبة فاكِهةُ النُّسّاك والقُرّاء. . .
وقصد رجل إلى ابن عمِّه مُسترفداً، فأحسن إليه، فلما رجع سُئِلَ، فقال: منعني التلذَّذ بالغيبة والشكوى.
وقال رجلٌ لبنيه: إذا اجتمعتم فعليكم حديثَ أنْفسِكم ودَعوا الاغتياب، فقال أحدُهم: نحن نحتاج في هذه السّنة إلى كذا وكذا، ونفعل ونصنع كذا وكذا، فقد فرغْنا من حديثنا، فبِماذا نشتغل!
(2/191)

من اغتاب فاغتيب
قيل: مَنْ رَمى الناسَ بما فيهم رَمَوْه بما ليسَ فيه
وقيل: بحثُك عن عيوب الناسِ يدعو إلى بحثِهم عن عُيوبِك.
ومَنْ دعا الناسَ إلى ذَمِّه ... ذَمّوه بالحَقِّ وبالباطِلِ
وقال شاعر ظريف:
تَحلَّلْتَ بالسَّبِّ لمّا رأيْتَ ... أديمَك صَحَّ ومَنْ سَبَّ سُبْ
فإنْ لَمْ نَجِدْ فيك مِنْ مَغْمَزٍ ... سَلَكْنا إليك طريقَ الكَذِبْ

نهيهم عن الإصغاء إلى المُغتاب
قالوا: إذا رأيْتَ من يَغتابُ الناسَ فاجْهَدْ جُهْدَك أن لا يَعْرِفَك، فأشقى الناسِ به معارفُه.
وقال عمرو بن عبيد لرجل يستمع إلى آخر يغتاب: ويلك، نزِّه أذُنَك عن استماع الخَنا كما تنزِّه لسانَك عن النطق به.
وقالوا: والسَّامِعُ الذّامِ شريكٌ له
وقال بعض المتصوِّفة: الرجل يقول: سبحان الله، وأخشى عليه بذلك النار، وهو الذي
يستمد بذلك الغيبة إذا سَمِعَها. . . .

الممدوح بصيانة مجلسه عن الغيبة
مدح بعضهم رجلاً فقال: ينزِّه مجالسَه عن الغيبة ومسامعَه عن النميمة.
وقال الشاعر:
إذا ما تَراآهُ الرِّجالُ تَحَفَّظوا ... فلم تُنْطَقِ العوراءُ وهْوَ قَريبُ
(2/192)

العوراء: الكلمة القبيحة

حثهم على التثبّت فيما يُسمع من السعاية
وُشِيَ برجلٍ إلى بلال بن أبي بُردة، فلما أتيَ به قال: قد أتاك كتابٌ من الله في أمرنا، فاعمل به، قال الله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} فقال: صدقت.
وأُبْلغَ أحدُ الملوك عن رجل مُنكراً، فأمر بقتله، فقال: إن قتلتني ومَنْ سعى بي كاذبٌ يعظم وزرُك، وإن تركتني وهْوَ صادق قلَّ وزرك وأنْتَ مِنْ وراء ما تريد، والعجلة موكَّل بها الزَّلل، فأمر بإبقائه.
وقال كثيّر عزّة:
وإنْ جاَءكِ الواشونَ عنِّي بِكِذْبةٍ ... فَرَوْها ولَمْ يأتوا لها بِحويلِ
فلا تَعْجلي ياعزَّ أنْ تتفهَّمي ... بنُصْحٍ أتى الواشونَ أم بِحُبولِ
وقال عبدة بن الطبيب من أبيات يعظ فيها بنيه:
واعْصوا الذي يُزْجي النَّمائِمَ بينَكم ... مُتَنَصِّحاً وهْوَ السِّمامُ المُنْقَعُ
يُزْجي عَقاربَه ليبعثَ بينَكم ... حَرْباً كما بَعَثَ العروقَ الأخْدَعُ
حَرّانَ لا يَشْفي غليلَ فؤادِه ... عَسلٌ بماءٍ في الإناءِ مُشَعْشَعُ
(2/193)

لا تأمَنوا قوْماً يَشِبُّ صبيُّهمْ ... بينَ القبائلِ بالعَداوةِ يُنْشَعُ
إنّ الذينَ تَرَوْنَهم إخوانَكم ... يَشْفي غليلَ صُدورِهِمْ أنْ تُصْدَعوا
فَضلَتْ عَداوتُهم على أحْلامِهمْ ... وأبَتْ ضِبابُ صُدورِهِمْ لا تُنْزَعُ
قومٌ إذا دَمَسَ الظّلامُ عليهمُ ... هَدَجوا قَنافِذَ بالنَّميمةِ تَمْزَعُ
وسعى رجلٌ بالإمام الليث بن سعد إلى والي مصر، فأحضره، فقال الإمام: إنْ رأيْتَ أن
تسأله: أسِرٌّ ائتمنْتُه عليه فخانَه، أم كَذِبٌ افتراه؟ والخائن والكاذب لا يُقبل قولُهما. . . .
ووشى واشٍ إلى بعض الأمراء وقال: إنَّ فلاناً هجاك، فأحْضَرَه وأعْلَمَه، فقال الرجل: كلا، فقال: أخبرَني بذلك الثقة، فقال: الثِّقة لا يكون نمّاماً.
وكان الفضل بن سهل الوزير يُبْغِض السُّعاةَ، فإذا أتاه ساعٍ يقول:
إن كنتَ صادقاً لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أقلْناك.
(2/194)

وسأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوةَ؛ فقال لأصحابه: إذا شئتم فلمَّا تهيّأ الرّجل للكلام قال له: إيّاك وأن تمدَحَني، فإنّي أعرفُ بنفسي منك أو تكذبَني فإنَّه لا رأيَ لكذوب، أو تسعى بأحدٍ إليّ، وإنْ شئتَ أنْ أقيلَك أقلْتُك، قال: أقِلْني.
ووشى إلى عبد الملك واشٍ في أحد الكتَّاب، فوقع:
أقِلُّوا عليهِمْ لا أبا لأبيكِمُ ... من اللَّوْمِ أو سُدُّوا المَكانَ الذي سَدُّوا
وقال الواثقُ لأحمدَ بن أبي دواد القاضي: ما زال القوم في ثلْبِك إلى الساعة، فقال: يا أمير المؤمنين، لكلِّ امْرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم، واللهُ وليُّ جزائِه، وعقابُك مِنْ ورائِه، فما الذي قلتَ لهم؟ قال: قلت:
وسَعى إليّ بِصَرْمِ عزَّةَ نِسْوةٌ ... جَعلَ المليكُ خُدودَهنَّ نِعالَها

صعوبة التخلص من اغتياب الناس
سأل بعضُ الأنبياء ربَّه عزّ وجلّ أن يدفع عنه ألسنةَ الناس فلا يغتابوه، فقال عز وجل: هذه خَصْلةٌ لم أجعلْها لنفسي فكيفَ أجْعلْها لك!
وقالوا: ليس إلى السلامة من ألسنة الناس سبيلٌ. فانظر إلى ما فيه صلاحُك فالزَمْه.
(2/195)

وقال شاعر:
إذا كُنْتَ مَلْحِيّاً مُسيئاً ومُحْسِناً ... فَغِشْيانُ ما تَهْوى مِنَ الأمْرِ أكْيَسُ
ملحيّاً: مَلوماً، ومُسيئاً ومُحسناً: حالان

ذم ناقل الغيبة
قالوا: مَنْ بَلَّغَك فقدْ شَتمَك. وفي هذا المعنى يقول شاعر:
لَعَمْرُك ما سَبَّ الأميرَ عدوُّه ... ولكِنَّما سَبَّ الأميرَ المُبَلِّغُ
وقيل لحكيم: فلانٌ عابك بكذا، فقال: لقد رأيتُك نَفَحْتَني بما استحى الرجلُ من استقبالي به.

الموصوف بالنميمة
قال سبحانه: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ} وقال بعضُهم لآخر: فلانٌ نمَّ بك، فقال: إنَّ فلاناً لو كان بينك وبين الله واسطةٌ لسعَى بكَ إليه. وقال السَّريُّ الرّفاء:
أنَمَّ بِما اسْتَوْدَعْتَه من زُجاجةٍ ... تَرى الشيَء فيها ظاهِراً وهْوَ باطِنُ
وقال العباس بن الأحنف:
أناسٌ أمِنَّاهُمْ فنَمّوا حديثَنا ... فلمّا كتَمْنا السِّرَّ عَنْهُمْ تَقوَّلوا

من اغتاب غيره فرآه
اغتاب أعرابيٌّ رجلاً، فالتفت فرآه، فقال لَوْ كان خيراً ما حضَرْتَه.
(2/196)

من لا يحرم اغتيابه
قال الحسن البصري: لا غيبةَ في ثلاثةٍ: فاسقٍ مُجاهِرٍ، وإمامٍ جائرٍ، وصاحِبِ بِدْعة.

حثهم على التحرز
ممّا يقتضي الغيبة
قال الحسنُ البصري: مَنْ دخَلَ مَداخِلَ التُّهمَةِ لم يكن له أجر الغِيبةِ. وقالوا: من عرَّضَ نفسَه للتُّهمة فلا يلومَنَّ مَنْ أساءَ به الظَّنَّ واغتابَه.
(2/197)

الباب السادس في التواضع والكبر
وما إليهما
ولما كان التواضعُ مَجْلبةً للمودّة، والكبر مَدْرجةَ العداءِ، حتّى قال بعضهم - وقد قيل له: ما التواضع؟ فقال: اكتسابُ المودة، فقيل: ما الِكْبر؟ فقال اكتسابُ البُغْض - لمّا كان ذلك كذلك ألحقنا عبقرياتهم فيهما بباب الحلم وما إليه.

حدّ التواضع والكبر
التواضعُ فضيلةٌ بين الضَّعَةِ والكِبْرِ، قال الراغب: التواضعُ مشتَقٌّ من الضَّعَةِ وهو: رضا الإنسانِ بمنزلةٍ دون ما يستحقُّه فضلُه ومنزلتُه، وهو فضيلةٌ لا تكاد تظهر في أفناء الناس، لانْحطاطِ درجتهم، وإنّما يتبيّن ذلك في الملوك وأجِلاء الناسِ وعُلمائِهم. وهو من باب التفضُّل، لأنّه يترك بعضَ حقِّه، قال: وهو بَيْنَ الكِبْرِ والضَّعَة: فالضعة: وضع الإنسان نفسَه بمحلٍّ يُزري به، والكِبْرُ: وضعُ نفسه فوق قَدْرِه، أو هو: ظنُّ الإنسانِ أنّه أكبرُ مِنْ غيره، والتكبُّر إظهارُ ذلك. وهذه صفةٌ لا يستحقّها إلا اللهُ عز وجل، ومن ادّعاها من المخلوقين فهو فيها كاذبٌ، وكذلك صار مَدْحاً في الباري تعالى، وذمّاً في البشر، وإنّما شرف المخلوق في إظهار العبودية كما قال تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ
(2/198)

وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ}، تنبيهاً على أن ذلك لهم رفعةٌ لا ضَعةٌ: قال: والتكبُّر يتولّد من الإعْجاب، والإعجاب من الجهلِ بحقيقةِ المحاسن، والجهلُ رأس الانسلاخِ من الإنسانية، ومن الكِبْرِ الامتناعُ مِنْ قُبولِ الحق، وأقبح كِبْرٍ ما كان معه بخلٌ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (خَصلتانِ لا يَجتمعانِ في مؤمنٍ: الكبر والبخلُ)، واستُحسن قول الشاعر:
جَمَعْتَ أمْرَيْنِ ضاعَ الحزمُ بينَهما ... نَفْسُ الملوكِ وأخْلاقُ المَماليكِ
ومن تكبر لرياسةٍ نالها دلَّ على دناءَة عُنْصره، ومن تكبَّر لِقِنْيَتِه جهلَ أنّ ذلك ظلٌّ زائلٌ وعاريةٌ مُستردّة، ومن تفكّر في ذاته فعرف مبدأه ومُنتهاه وأواسِطه عرفَ نفسَه وروَّض كِبْرَه، وقد نبَّه اللهُ على ذلك بقوله: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}، وقال: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ} وقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}، ثم قال: وأمّا العِزّة فهي: الترفُّع بالنفس عما يلحقه منه غضاضة، والعِزّة منزلةٌ شريفة، وهي نتيجةُ معرفة الإنسان بقدر نفسه وإكرامُها
عن الضراعَةِ للأعراضِ الدُّنيوية، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، وفي الحديث: (لا ينبغي للمؤمن أنْ يُذلَّ نفسَه) ولذا قالوا: التكبّر على الأغنياء تواضُعٌ، تنبيهاً على أن هذا التكبُّرَ عِزَّة
(2/199)

نفسٍ، وقال ابن مسعود: من خضَعَ لغنيٍّ فوضع نفسه عنده طعماً فيه ذهب ثلثا دينه وشطْرُ مروءته. أقول ولهذا باب سيمرُّ عليك.

حثهم على التواضع
قال سيّدنا رسول الله: (طوبى لِمَنْ تَواضعَ في غير مَنْقَصةٍ، وذلَّ في نفسه في غير مَسْكنة) في غير منقصة: بأن لا يضعَ نفسَه بمكانٍ يُزري به، ويؤدي إلى تضييع حقِّ الحق - الله سبحانه - أو الخلق، فإنّ القصد بالتواضع خفضُ الجناح للمؤمنين مع بقاءِ عِزَّة الدين. رُوي أنّ رجلاً مرَّ على عُمرَ وقد تخشَّع وتذلَّل وبالغ في ذلك، فقال عمر: ألست مسلماً؟ قال: بلى، قال: فارفع رأسَك وامْدُدْ عنقَك فإنَّ الإسلام عزيز منيع؛ أما كلمة طوبى فلِلْعلماء فيها كلام كثير فمن ذلك قول بعضهم: طوبى: اسمُ الجنة بالهندية، قال الصاغاني: فعلى هذا يكون أصلُها توبى، بالتاء، فإنه ليس في كلام العرب طاء، وقال قتادة: طوبى كلمة عربية تقول العرب: طوبى لك إنْ فعلتَ كذا وكذا؛ قالوا: ومعنى طوبى لفلان: الحُسنى والخيرُ له. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى للتواضع، قال أبو أُمامة رضي الله عنه: (خرج علينا رسول الله متَّكئاً على عصا، فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجِم يعظِّم بعضُهم بعضاً، وقال: إنّما أنا عبدٌ آكل كما يأكلُ العبدُ وأجلس كما يجلس العبد) وكان صلوات الله عليه يركب الحمار ويردف خلفه،
(2/200)

ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس. . . ومن حديث عُمر عنه صلى الله عليه وسلم: (لا تُطروني كما أطرت النّصارى ابْنَ مريم، إنّما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسولُه). وعن عائشة رضي الله عنها: أنه صلوات الله عليه كان في مهنةِ أهلِه - خدمتهم - يَفلي ثوبه، ويحلب شاتَه، ويرقع ثوبه، ويخصف نعلَه، ويقُمُّ البيتَ - يكنسه ويزيل قمامته - ويخدم نفسَه، ويعقل البعيرَ - يربطه من رجله بالعقال - ويعلف ناضِحَه - الجمل الذي يُستقى عليه الماء - ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعتَه في السوق.
وأخباره في تواضعه صلوات الله عليه كثيرةٌ متوافرة تراها في كتب الشمائل والحديث.
وفي المثل: تواضُعُ الرجلِ في مرتبتِه ذبٌّ للشّماتة عِنْدَ سقطته.
وقال عروة بن الزبير: التواضعُ أحدُ مصايد الشرف، وفي لفظ: سُلَّمُ الشرف
وقال عبد الله بن المعتز: متواضعُ العلماء أكثرُهم عِلماً، كما أنَّ المكان المنخفض أكثرُ الأماكن ماءً.
(2/201)

وقالوا: من وضعَ نفسَه دون قدرِه رفعه الناسُ فوق قدره، ومن رَفعَها عن حدِّه وضعه الناس دون قَدْرِه.
وقال جعفر بن محمد: رأسُ الخيرِ التَّواضع، فقيل له: وما التواضعُ؟ فقال أنْ ترضى من المجلس بدون شرِفك، وأن تُسلِّم على مَنْ لقيت، وأنْ تترك المِراءَ وإن كنت محقّا، وأن تكرهَ الرِّياءَ والسُّمعةَ.
وقالوا: التَّواضُعُ نعمةٌ لا يَفْطِنُ لها الحاسد.
وقالوا: التواضعُ كالوَهْدةِ يجتمع فيها قطرُها وقَطْرُ غيرها.
وقال عُمر: أُريدُ رجلاً إذا كان في القوم وهو أميرهم كان كبَعْضهم، فإذا لم يكنْ أميراً فكأنّه أميرهم.
وقال رضي الله عنه حينَ نظر إلى بعض السَّراةِ مُبْتَذِلاً لأصحابه: هذا رجل يفرُّ من الشرف والشَّرفُ يَتْبَعُه.
وقد مَدحَ الشعراءُ المُتواضعينَ فَمِنْ ذلك قولُ أبي تمام:
مُتَبَذِّلٌ في القومِ وَهْوَ مُبَجَّلٌ ... مُتواضِعٌ في الحَيِّ وَهْوَ مُعَظَّمُ
وقال آخر:
مُتواضِعٌ والنُّبلُ يَحْرُسُ قَدْرَهُ ... وأخو النَّباهَةِ بالنَّباهةِ يَنْبُلُ
وقال البحتريُّ:
دَنَوْتَ تَواضُعاً وعَلَوْتَ مَجْداً ... فشَأناكَ انْحِدارٌ وارْتِفاعُ
كذاكَ الشَّمْسُ تَبْعُدُ أنْ تُسامى ... ويَدْنو الضَّوْءُ مِنْها والشُّعاعُ
وقال أبو محمد التَّيْميُّ:
تَواضَعَ لَمّا زادَه اللهُ رِفْعةً ... وكلُّ رَفيعٍ قَدْرُه مُتواضِعُ
(2/202)

وقال أبو بكر الخوارزمي:
عَجِبْتُ لهُ لَمْ يَلْبَسِ الكِبْرَ حُلَّةً ... وفينا إذا جُزْنا على بابِه كِبْرُ

ذمّهم التكبّر
قال الله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}. وقال سبحانه: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}. وقال: {فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}. وقال: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}.
ودخل الفضل بن يحيى ذات يومٍ على أبيه وهو يتبَخْتر في مِشْيَتِه، فقال له يحيى: يا أبا عبد الله، إنَّ البخلَ والجهلَ مع التواضع، أزْيَنُ بالرجلِ من الكِبر مع السخاء والعلم، فيا لها من حسنة غطَّت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيّئة غطَّت على حسنتين كبيرتين، ثم أومأ إليه بالجلوس وقال: احفظه يا أبا عبد الله فإنّه أدبٌ كبير أخذناه عن العلماء. . .
وهذا كما قال حكيم: وجدنا التواضعَ مع السخافةِ والبخلِ أحمدَ عندَ العقلاءِ من الكِبر مع الأدب والسخاءِ، فأنْبِلْ بحسنةٍ غطَّت سيئتين، وأقبِحْ بسيئةٍ عفَّت على حسنتين!
وقال علي بن أبي طالب: عجبت للمتكبِّرِ الذي كان بالأمسِ نُطفةً وهو غداً جيفة. وقال بعض الشعراء:
يا مُظْهِرَ الكِبْرِ إعْجاباً بِصورتِه ... أنْظُرْ خَلاَءك إنَّ النَّتْنَ تَثْريبُ
لَوْ فكَّرَ النّاسُ فيما في بُطونِهِمِ ... ما اسْتَشْعَرَ الكِبْرَ شُبّانٌ ولا شيبُ
هل في ابْنِ آدمَ غيرَ الرّأسِ مَكْرُمةٌ ... وهُو بِخَمْسٍ مِنَ الآفاتِ مَضْروب
(2/203)

ُ
أنْفٌ يَسيلُ وأذْنٌ ريحُها سَهِكٌ ... والعَيْنُ مُرْمِصَةٌ والثَّغْرُ مَلْعوبُ
يابْنَ التُّرابِ ومأكولَ التُّرابِ غَداً ... أقْصِرْ فإنَّكِ مأكولٌ ومَشْروبٌ
وقالوا: دع التكبّرَ، فمتى كنتَ من أهل النبل لم يَضِرْك التبذُّلُ، ومتى لم تكن من أهلِه لم ينفعْك التنبُّل.

بعض دواعي التكبر
قال المأمون: ما تكبَّر أحدٌ إلا لنقصٍ وجده في نفسه.
وقال حكيم: ما تعاظَمَ أحدٌ على مَنْ دونَه إلا تصاغَرَ لِمَنْ فوقَه
وقالوا: ما تاه إلا وضيع، ولا فاخر إلا سقيط، ولا تعظَّم إلا لقيط. السقيط: الأحمقُ الناقصُ العقل، واللَّقيط: الطفل الذي يوجد مَرْميّاً على الطرق لا يعرف أبوه ولا أمُّه
وقال يحيى بن خالد بن برمك: لستَ ترى أحداً تكبَّرَ في إمارته إلا وهو يعلم أنَّ الذي نال هو فوق قَدْرِه، ولست ترى أحداً يضعُ نفسَه في إمارة إلا وهو في نفسه أكثرُ ممّا نال.
وقيل لبعضهم: فلانٌ غيَّرتهُ الإمارة! فقال: إذا وليَ الرجلُ ولايةً فرآها أكثرَ منه تغيَّر، وإذا ولي ولايةً يرى أنّه أكثرُ منها لم يتغيَّر.
وقالوا: من نال منزلة فأبْطَرَتْه دلّ على رداءةِ أصلِه وعُنْصِره.
وقال بعض المتصوّفة: اللّئامُ إذا تموَّلوا استَطالوا، وإذا افتقَروا تواضَعوا والكرامُ إذا تموّلوا تواضعوا، وإذا افْتقَروا استطالوا. وقال الجاحظ من كلمةٍ له: والكِبْرُ في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكن
(2/204)

القِلَّة والذِّلَّةَ مانعتانِ من ظهور كِبرهم، ومن قدر من الوضعاءِ أدنى قدرةٍ ظهر من كبره ما لا خَفاءَ به، ولم أرَ ذا كبر قطُّ علا من دونِه إلا وهو يذلُّ لمَنْ فوقَه بمقدار ذلك ووزنِه. . .

متكبِّر دنيء أو فقير
قالوا: أبغضُ الناسِ ذو عُسْرٍ يَخْطُرُ في رداءِ كِبْر.
ومن قولهم في ذلك: أنْفٌ في السّماءِ واسْتٌ في الماء

مدحهم معرفةَ الرجل قدرَ نفسه
وذمهم الصّلف
وبعض نوادر المزهوّين
قال علي بن أبي طالب: لن يَهْلِكَ امْرؤٌ عَرفَ قَدْرَه.
وقال المتنبي:
ومَنْ جَهِلَتْ نَفْسُه قَدْرَه ... رأى غيرُه منهُ ما لا يَرى
وقال سيِّدُنا رسولُ الله: (ثلاثٌ مُهْلكات: شحٌّ مُطاع، وهَوىً مُتَّبع، وإعْجابُ المَرْء بنفسه).
وقالوا: عُجْبُ المرءِ بنفسِه أحدُ حُسَّادِ عقلِه.
وقال أعرابيٌّ لرجلٍ مُعْجَبٍ بنفسه: يَسرُّني أنْ أكونَ عندَ الناسِ مثلَكَ في نفسِك، وعندَ نَفْسي مثلَك عندَ الناس. . .
وكان رجل يُسمّى أبا ثَوابة أقبحَ الناسِ كِبْراً، مُمْعناً في الصَّلَف، رُوي أنّه قال لغلامِه: اسقني ماءً، فقال: نعم، قال: إنّما يقول نعم
(2/205)

مَنْ يقدرُ على أن يقول لا وأمَرَ بِضَرْبه. . .
ودعا أكّاراً فكلّمه، فلمّا فرغ دعا بماءٍ وتَمَضْمَضَ، اسْتِقْذاراً لمُخاطبتِه. . .
ومن المعجبين بأنفسهم المُغالين في العِزّة وإنْ كان إلى ذلك من الشّخصيات الضخمة الكريمة النبيلة المحترمة عُمارة بن حمزة، رُوي: أنّه دخلَ على المهديّ الخليفة العباسي، فلمّا استقرّ به الجلوسُ، قام رجلٌ كان المهديُّ قد أعدَّه له ليتهكَّم به، فقال: مظلومٌ يا أميرَ المؤمنين قال: من ظلمَك؟ قال: عُمارة غَصبَني ضَيْعَتي، وذكر ضيعةً من أحسن ضياع عُمارة وأكثرِها خَراجاً، فقال المهديّ لعُمارة: قُمْ فاجلِسْ مع خصمك، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له، فلست أنازعُه فيها، وإنْ كانَتْ لي فقد وهبتُها له، ولا أقومُ من مَجْلسٍ شرّفني به أميرُ المؤمنين، فلمّا انصرف المجلسُ سأل عُمارة عن صفةِ الرجل، وما كان لباسُه، وأين كان موضعُ جلوسه. . . وكان من تيهِه أنّه إذا أخطأ يمرُّ على خطئِه، تكبُّراً عن الرجوع ويقول: نقضٌ وإبرامٌ في ساعة واحدة! الخطأ أهونُ من ذلك. . .
ومن المُفرطين في الكِبْر رجلٌ يُسمى عبيدَ اللهِ بنَ زياد بن ظَبيان، قال له رجلٌ من قومه وقد رأى منه ما أعْجبه: كثَّرَ اللهُ فينا مِثلَك، فقال: لقد كلَّفْتُمُ اللهَ شَططا. . .
وهناك من نوادرِ المتكبّرين المُسْتطْرَفة مالا يتَّسع له معجمُنا هذا.
(2/206)

معتذر لعجبه وعزته
قيل لإياس بن معاوية: ما فيكَ عيبٌ غيرَ أنّك مُعْجَبٌ، فقال: أيعجبكم ما أقول؟ قالوا: نعم، فقال: فأنا أحقُّ أنْ أعْجَبَ به. . .
وقال بعض المُعجبين:
يقولون: ذو كبرٍ ولو خُصَّ بَعْضُهُمْ ... بِبَعْضِ خِصالي ما اسْتفاقَ مَنَ الكِبْرِ
وقال رجلٌ لبعض المزهوّين: ما أعظمَك في نفسِك! فقال: لستُ بعظيمٍ، ولكنّي عزيزٌ، لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
وما أنا مَزْهوٌّ ولكِنّني فَتىً ... أبَتْ ليَ نَفْسٌ حُرَّةٌ أنْ أُذيلَها
أذيلها: أهينها وهذا من قبيل قول القائل:
وأكْرِمُ نَفْسي أنّني إنْ أهَنْتُها ... وحَقِّكَ لَمْ تَكْرُمْ عَلى أحدٍ بَعْدي
ولمثل هذا المعنى باب سنستوعب عبقرياتهم فيه.

التكبر على ذوي الكبر
سئل الحسن البصري عن التواضعِ، فقال: هو التكبُّر على الأغنياء يريد: الترفُّع وعدم التذلُّل لهم طمَعاً في مالهم أو جاههم
وأنشد المبرِّد:
إذا تاهَ الصَّديقُ عليكَ كِبْراً ... فَتِهْ كِبْراً على ذاكَ الصَّديقِ
(2/207)

فإيجابُ الحقوقِ لغيرِ راعٍ ... حُقوقَك رأسُ تَضييعِ الحقوقِ
وقال الأصمعيّ: قال رجل: ما رأيْتُ ذا كِبْر قطُّ إلا تحوَّل داؤُه فيَّ. يريد: أنّي أتكبَّر عليه،
وقال آخر: ما تاه أحدٌ قطّ عليَّ مرتين يريد أنّه إذا تاه مرةً لم أعاوِدْه وتركتُه وأعْرَضْتُ عنه
وقال عديّ بن أرطاة وهو أميرٌ لوكيع بن الأسود: سَوِّ عليَّ ثيابي، فقال: ذكَّرْتَني الطَّعْنَ وكُنْتُ ناسياً، في خَفِيٍّ ضيِّقٍ فلْيَمُدَّه الأميرُ حتّى أنزِعه، فقال له عديّ: إنّ الجليسَ لَيَلي مِنْ جليسه أكثرَ من هذا، فقال يا عديّ، إذا عُزلْتَ عنّا فكَلِّفنا أكثرَ مِنْ هذا، أمَّا وأنْتَ تَرى لكَ علينا بسطة فلا. . .

ذمهم الإفراط في التواضع
قالوا: من التواضعِ ما يَضَعُ
وقال عبد اللهُ بنُ المقفّع: الإفراطُ في التواضعِ يوجبُ المذلَّة، والإفراطُ في المؤانسةِ يوجب المَهانة.

حمد تعظيم الكبار
قدم قيس بن عاصم المِنْقَريّ سيد أهل الوبر على النبيّ صلى الله عليه
(2/208)

وسلم، فبسط له رداءَه، ثم قال: إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكْرِموه.
ورُوي أنّ مجوسيَّاً دخلَ على رسول الله. فأخْرجَ صلواتُ اللهِ عليه من تحته وسادةً حَشْوُها ليف، وطرحها له، وأقبل عليه يحدّثه، فلما نهضَ قال عمر: إنّه مجوسي! فقال عليه الصلاة والسلام: قد علمت، ولكنَّ جبريل يأمُرُني أن أكرِمَ كلَّ كريمِ قومٍ إذا أتى، وهذا سيِّدُ قومه.
وركب زيد بن ثابت رضي الله عنه، فدنا منه عبد الله بن عباس يأخذ بِرِكابه، فقال: ما تفعل يا ابنَ عمِّ رسول الله؟ فقال: هكذا أمِرْنا أنْ نفعلَ بأمَرائِنا، فقال زيد: أرِني يدَك،
فأخذَها وقبَّلها، وقال: هكذا أمِرْنا أنْ نَفْعلَ بأهْل بيتِ نبيِّنا.
(2/209)

الباب السابع في الشجاعة وعبقرياتهم فيها
وفي الصبر في القتال وسائر ما يتصل بالحرب
ودونَك ما وقع عليه الاخْتيار من عبقريّاتهم في الشجاعة والصبر في الحروب، وسائر ما ينعطف على هذه المعاني وينشعب به القولُ فيها.
وأنت فقد علمت ممّا أسلفنا عليك في باب الصبر أنّ الشجاعةَ لونٌ من ألوانه. ومنْ ثمَّ أردفنا القول على الأبواب السابقة - وهي جميعاً من ألوان الصبر - بالقول على الشجاعة وما إليها.

حقيقة الشجاعة
قالوا: الشجاعةُ: فَضيلةٌ بينَ التَّهوُّرِ والجُبْنِ.
وفي الأثر: الشجاعةُ غريزةٌ يضعُها اللهُ فيمَنْ يشاء من عباده.
وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال: جِبِلَّةُ نفسٍ أبيَّة.
وقيل لبعضهم: ما الشجاعة؟ فقال: صَبْرُ ساعة.
وقال بعض المجرّبين: الرجالُ ثلاثةٌ: فارسٌ، وشجاعٌ، وبطلٌ؛ فالفارس الذي يشدُّ إذا شدُّوا، والشجاع: الداعي إلى البِرازِ والمجيب داعيَه،
(2/210)

والبطل: الحامي لِظهورِ القومِ إذا ولَّوْا. . .
ويُروى أن زياد بن أبيه كتب إلى ابن عباس: أنْ صِفْ لي الشجاعةَ والجبنَ والجودَ والبخلَ، فكتب إليه: كتبت تسألني عن طبائعَ رُكّبت في الإنسان تركيبَ الجوارِح، اعلم أن الشُّجاع يقاتل عمَّنْ لا يعرفه، والجبانَ يَفرُّ عن عِرْسِه - زوجه - وأنَّ الجوادَ يُعطي مَنْ لا يلزمُه وأنَّ البخيلَ يُمْسِكُ عن نفسه.

الأسباب المشجعة
قال الجاحظ: الأسبابُ المشجّعة قد تكون عن الغضب، والشرابِ والهوج، والغيرة، والحميّة، وقد تكون مرقوة النَّفْج وحبِّ الأحْدوثة؛ وربّما كان طبعاً، كطبع الرّحيم، والسخيِّ، والبخيل، والجزوع والصّبور، وربّما كان للدِّين، ولكن لا يبلُغ الرجلُ للدّين ما لَمْ يشيِّعه بعضُ ما تقدَّم، لأن الدِّين مجتلَبٌ مكْتَسَبٌ، ولا يكادُ يبلغُ الطبيعةَ.
وقالوا: لا يصدُقُ القتالَ إلا ثلاثةٌ: مُتَديِّنٌ، وغَيْرانُ، ومُمْتَعضٌ من ذلّ.
(2/211)

حثهم على الثبات والإقدام
ونهيهم عن الإحجام والفكر في العواقب
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ}. . . زحفاً حال من الذين كفروا، والزحفُ: الجيش الكثير الذي يُرى لكثرته كأنّه يزحف،: أي يَدِبُّ دَبيباً، من زحف الصبي: إذا دبَّ على اسْته قليلاً قليلاً، سُمِّى بالمصدر، والجمع: زحوف، والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير متوافِرون وأنْتم قليلٌ فلا تفرُّوا، فضلاً أنْ تُدانوهم في العدد، أو تساووهم. . . وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ، وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. . . . إذا لقيتم فئة: إذا حاربتم جماعة، فاثبتوا: لا تفرُّوا، واذكروا الله كثيراً: اذكروه سبحانه في مواطن الحرب، مستظهرين بذكره مترقِّبين لنصره، وفي هذا إشعارٌ بأنّ على الإنسان أن لا يفتُرَ عن ذكر ربّه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون همّاً، وأن تكون نفسُه مُجْتَمِعةً لذلك وإن كانت متوزِّعةً عن غيره، وفَشِل يَفْشَل: ضَعُفَ وجَبُنَ وذهبت قُواه، يقول سبحانه: إذا اختلفتم ضعُفتم وإذا اتفقتم كنتم أقوياء، والريح: الدولة، شُبّهت في نفوذ أمرها وتمشِّيه بالريح وهبوبها، ومن ذا يقال: هبَّت ريحُ فلان: إذا دالت له الدولةُ ونفذ أمره وقال أبو بكر الصديق لخالد بن الوليد حين وجّهه لقتال أهل الرِّدة:
(2/212)

احْرِصْ على الموت تُوهبْ لكَ الحياة. وقالوا: من فكَّرَ في العواقبِ لَمْ يَشْجُعْ.
وقالوا: السلامةُ في الإقدام، والحِمامُ في الإحْجام.
وتقول العربُ: الشجاعُ مُوقًّى. أي تتهيَّبه الأقرانُ فيتحمّلونه فيكون ذلك وقاية له
واستُشير أكثمُ بن صيفيٍّ في حرب أرادوها فقال: أقلُّوا الخِلاف لأمرائِكم واعْلموا أنّ كثرة الصِّياحِ مِنَ الفشل، والمَرْءُ يَعْجِزُ لا مَحالة وادَّرعوا الليل فإنّه أخفى للويل.
وقال هانئ بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحذِّر قومَه: إنَّ الحذرَ لا يُنجي من القَدر، والصبرَ مِنْ أسبابِ الظفر، والمنيَّةَ ولا الدَّنيَّة، واستقبال الموت خيرٌ من استِدْبارِه، والطعن في ثُغور النحورِ أكرمُ منه في الأعجاز والظهور، وهالكٌ معذور خيرٌ من ناجٍ فرور. . . .
وقال أبو مسلم الخُراساني لبعض قوّاده: إذا عرضَ لك أمْرٌ نازعك فيه مُنازِعان، أحدُهما يبعث على الإقدام والآخر على الإحْجام، فأقدم، فإنّه أدرك للثأرِ، وأنْفى للعار.
وقالت الخنساء:
نُهينُ النفوسَ وهَوْنُ النُّفو ... سِ يَوْمَ الكَريهةِ أوْقَى لها
وقيل للمهلّب بن أبي صفرة: إنَّك لتلقي نفسَك في المهالك، فقال: إنْ لَمْ آتِ الموت مُسْترسلاً، أتاني مُسْتعجلاً، إني لست أتي الموت من
(2/213)

حبِّه وإنَّما آتيه من بُغْضه، ثم تمثّل بقول الحُصَيْنِ بن الحُمام المرِّي:
تَأخَّرْتُ أسْتَبْقي الحَياةَ فلَمْ أجِدْ ... لِنَفْسي حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقدَّما
وهي أبيات مشهورة يقول فيها:
فلَسْنا على الأعْقابِ تَدْمى كُلومُنا ... ولكِنْ على أقْدامِنا تَقْطُرُ الدَّما
نُفلِّقُ هاماً مِنْ رجالٍ أعِزَّةٍ ... عَلَيْنا وهُمْ كانوا أعَقَّ وأظْلَما
ومعنى تأخرت. . . ألبيت: لما تأخّرْتُ طمع فيَّ العدو، وظنّني جباناً فاجترأ عليّ، لأن كل أحد يطمع في الجبان، ومن ثم كان القتل إلى الجبان أسرع، فتقدمت، فكان التقدم أنجى لي، ويجوز أن يكونَ المعنى: أحجمت مُسْتَبْقياً لِحياتي، فلَمْ أجِدْ لنفسي حياةً كما يكون في الإقدام وذلك أنّ الأحدوثة الجميلة إنّما تكون بالتقدم لا بالتأخُّر. ومعنى فلسنا على الأعقاب. . . البيت: نحن لا نولّي فنجرح في ظُهورنا فتقطر دماؤنا على أعقابنا، ولكنّا نستقبل السيوفَ بوجوهنا، فإن أصابتنا جراحٌ قطرت دماؤنا على أقدامنا، وقوله نفلّق هاماً. . . . البيت فالهام جمع هامة، وهي الرأس يقول: نشقِّق هاماتٍ من رجالٍ يكرُمون علينا، لأنّهم منّا وهمْ كانوا أسبقَ إلى العقوق: ويقال: عقَّ الرحم كما يقال: قطعها.
وقال الكلحبة اليربوعيّ - شاعر جاهلي -:
إذا المَرْءُ لَمْ يَغْشَ الكريهةَ أوْشَكَتْ ... حِبالُ الهُوَيْنى بِالفَتى أنْ تَقَطَّعا
الغشيان: الاتيان، والكريهة: الحرب، وقيل: شدَّتها، وقيل النازلة! وأوشكت: قاربت ودنت، والحبال جمع حبل، بمعنى: السبب، استعير لكل شيء يُتَوَصَّلُ به إلى أمر من الأمور، والهوينى: الخفض والراحة
(2/214)

والباء في بالفتى: للمصاحبة فيكون حالا، أو بمعنى عن فيتعلق بما بعدها وجاز لأنه ظرف، وتقطّعا بحذف إحدى التاءين والفاعل ضمير حبال، وقوله: بالفتى فقد كان يجب أن يقول بدل الفتى: به، أو بالمرء ولكنه عدل عن المضمر والمظهر إلى لفظ آخر لأنه أشبه المُضْمَرَ، وقال ابن رشيق: قوله بالفتى حشو وكان الواجب أن يقول: به لأنّ ذكر المرء قد تقدم، إلا أن يريد بالفتى معنى الزِّراية والأطنوزة - السُّخْرية
- فإنه محتمل. وهذا تخيُّلٌ دقيق من ابن رشيق

المبادر إلى الحرب غير مبال بها
قال البحتريُّ:
تَسرَّعَ حتّى قالَ مَنْ شَهِدَ الوَغى ... لِقاءُ أعادٍ أمْ لِقاءُ حَبائبِ
وقالوا: أشْجَعُ بَيْتٍ قالته العرب قول العباس بن مرداس:
أشُدُّ على الكتيبةِ لا أبالي ... أحَتْفي كانَ فيها أمْ سِواها
ووصف أعرابيٌّ قوماً فقال: ما سألوا قطُّ كم القوم؟ وإنّما يسألون: أين هم؟
وسأل رجل يزيد بن المُهلّب فقال: صِفْ لي نفسَك، فقال: ما بارزْتُ أحداً إلا ظنَنْتُ أن روحَه في يدي. . . .
ولما بلغ قتيبةُ بن مسلم حدودَ الصين قيل له: قد أوْغَلْتَ في بلاد الترك، والحوادث بين أجنحةِ الدهر تُقبل وتُدْبر! فقال: بثقتي بنصرِ الله توغّلْتُ، وإذا انقضت المُدّة لم تنفع العُدّة، فقال الرجل: اسْلك حيث شئت، فهذا عزْمٌ لا يفلُّه إلا اللهُ. . . . .
(2/215)

حثّ من دُعي إلى المبارزة على الإجابة
قال علي بن أبي طالب لبعضِ بنيه: لا تَدْعون أحداً إلى المبارزة، ولا يَدْعونَّك أحدٌ إلا أجَبْتَه، فالداعي باغٍ والباغي مَصْروع.
قال طرفةُ بن العبد:
إذا القومُ قالوا: مَنْ فَتًى؟ خِلْتُ أنَّني ... عُنيتُ فلَمْ أكْسَلْ ولَمْ أتَبَلَّدِ
وقال بَشامَة بن حَزْنٍ النَّهْشَليّ - شاعر إسلامي -:
إنّا لَمِنْ مَعْشَرٍ أفْنى أوائِلَهُمْ ... قَوْلُ الكُماةِ: ألا أيْنَ المُحامونا؟
لَوْ كانَ في الألْفِ مِنِّا واحدٌ فدَعَوْا ... مَنْ فارِسٌ خالَهُمْ إيّاهُ يَعْنونا

المُنازل وقت المنازلة
قال زهير بن أبي سُلمى من قصيدة يمدح هَرِماً:
لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ اللُّيوثَ إذا ... ما اللّيْثُ كذَّبَ عَنْ أقْرانِه صَدقا
يَطْعَنُهُمْ ما ارْتَمَوْا حتّى إذا اطَّعَنوا ... ضَارَبَ حتَى إذا ما ضارَبوا اعْتَنَقا
عَثَّر: موضع باليمن، وقيل: مأسدةٌ بناحية تَبالة. وقوله: كذَّب أي لم يَصْدُقِ الحملة، يقال:
كذَّب الرجل عن كذا: إذا رجع عنه،
(2/216)

يقول: إذا رجع الشجاع عن قِرْنه ولم يصدق الحملةَ عليه فهذا الممدوح يصدقها. واعتنق: التزم قِرْنَه، يقول: إذْ ارْتمى الناس في الحرب بالنَّبْلِ دخل هو تحت الرَّمي فجعل يطاعِنُهم، فإذا تطاعَنوا ضاربَ بالسيف، فإذا تضاربوا بالسيوف اعتنق قِرْنه والتزمه، أي أنَّه يزيد عليهم في كلِّ حالٍ من أحوال الحرب

صدر من عبقرياتهم في الصبر
من أحسن ما قيل في الصبر يوم اللقاء قولُ نَهْشل بن حَريِّ بن ضَمْرةَ:
ويَوْمٍ كأنَّ المُصْطلينَ بِحَرِّه ... - وإنْ لَمْ تكُنْ نارٌ - قيامٌ على الجَمْرِ
صَبَرْنا له حتّى يَبوخَ وإنّما ... تُفَرَّجُ أيامُ الكريهةِ بالصَّبْرِ
باخت الحرب والنار تبوخ بَوْخاً وبُؤوخاً وبَوَخاً: سكنت وفَتَرتْ وكذلك الحَرُّ والغَضبُ والحُمّى
وقال من لا أذكر اسمه:
بكى صاحِبي لمّا رأى الموتَ فوقَنا ... مُطلاً كإطْلالِ السَّحابِ إذا اكْفَهَرْ
فقُلْتُ له: لا تَبْكِ عينُك إنَّما ... يكونَ غَداً حُسْنُ الثناءِ لِمَنْ صَبَرْ
فَما أخَّرَ الإحْجامُ يَوْماً مُعَجَّلاً ... ولا عَجَّلَ الإقْدامُ ما أخَّرَ القَدَرْ
(2/217)

فآسَى على حالٍ يقلُّ بها الأسى ... وقاتلَ حتى استبهَم الوِردُ والصّدر
وكر حِفَاظاً خَشيَةَ العارِ بعدما ... رأى الموتَ معرضاً على منهج المَكَر
وقال قطريُّ بنُ الفجاءُة:
أقولُ لها وقد طارَ شعاعاً ... منَ الأبطالِ: ويحَكِ لَن تُرَاعِي
فإنَّك لو سألتِ بقاءِ يومٍ ... على الأجلِ الذي لك لن تُطَاعي
فصبراً في مجالِ الموتِ صبراً ... فما نيلُ الخلودِ بمُستَطَاعِ
ولا ثوبُ البقاءِ بثوب عِزٍّ ... فيطوى عن أخي الخَنَعِ اليَرَاعِ
سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حي ... فداعيه لأهلِ الأرضِ داعي
ومَن لا يُعتَبَط يَسأَم ويَهرَم ... وتُسلِمهُ المَنُونُ إلى انِقطاعِ
وما لِلمَرءِ خيرٌ في حياة ... إذا ما عُدَّ من سَقَطِ المتاعِ
أقول لها، أي للنفس، والشعاع: المتفرق، وهذا مثل، ومعناه المبالغة في الفزع، ولن تراعى
من الورع، وهو: الفزع. يذكر تشجيعه نفسه وتعريفه إياه - بعد ما استشعَرَت الفزَعَ - أن الأجل مقدَّر وأنَّ الزيادةَ لا تلحقه كما بين ذلك في البيت التالي. وأخو الخنع الذليل، والخنوع: الذلة، ولا يكاد الخنوع يستعمل إلا في ذلة في غير موضعها، واليراع: القصبة التي لا جوف لها، والرجل الجبان لا قلب له؛ فكأنه لا جوف له، فوضع اليراع مكان الجبان لأنه بمعناه. والاعتباط: الموت من غير علة. يقول من لم يمت شاباً مات هرماً، ويسأم: أي يسأم ما يعتريه من تكاليف
(2/218)

الحياة ولا بُدَّ أن تسلَمه المنون يوما إلى الانقطاع، أي لابد في النهاية من الموت.
وقال عمر بن الإطنابة - شاعر جاهلي، والإطنابة أمه -:
أبَت لي عفَّتي وأبَى بلائِي ... وأخذي الحمدَ بالثَّمَنِ الربيحِ
وإقدامِي علَى المكروه نفسي ... وضربي هامَةَ البَطَلِ المُشِيحِ
وقولي كلما جَشَأَت وجاشَت ... مكانَكِ تُحمَدِي أو تستريحي
لأَدفعَ عن مآثرَ صالحاتٍ ... وأحمي بعدُ عن عِرضٍ صحيحِ
يروى أن معاوية قال: اجعلوا الشِّعرَ أكبر هَمِّكم وأكثر آدابكم
فإن فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتُني ليلة الهرير وقد عزمتُ على الفرار فما ردني إلا قولُ ابن الإطنابة، وأنشد الأبيات.
وقيل لبعض بني المهلب: بم نِلتُمُ ما نلتُم؟ قال: بصبر ساعةٍ.
(2/219)

الخدعة والحيلة والتحرّز في الحرب
قال سيدنا رسول الله: (الحربُ خدعة) خَدْعة وخُدْعة والفتح أفَصَحُ، وخُدَعة مثل هُمَزة، قال علماؤنا: ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم: خَدْعة، ومعناها: من خُدِعَ فيها خَدْعة فزلَّت قدمُه وعطِبَ فليس لها إقالةٌ، قال ابن الأثير: وخَدْعة. أفصح الروايات وأصحها، ومن قال خُدْعة أراد. هي تُخْدع، كما يقال: رجلٌ لُعْنَة: يلعن كثيراً، وإذا خدعَ أحدُ الفريقين صاحبَه في الحرب فكأنّما خُدِعت، ومن قال: خُدَعَة أراد أنّها تخدع أهلَها، كما قال عمرو بن مَعْدِ يكرب:
الحَرْبُ أوّلَ ما تكونُ فَتيَّةٌ ... تَسْعى بِزينَتِها لِكُلِّ جَهولِ
حتّى إذا اسْتَعَرَتْ وشَبَّ ضِرامُها ... عادت عَجوزاً غيرَ ذاتِ خليلِ
شَمْطاَء جَزَّتْ رأسَها وتَنَكَّرَتْ ... مَكْروهةً للشَّمِّ والتَّقْبيلِ
وقالوا: إذا لَمْ تَغْلِبْ فاخْلُبْ أي إذا أعياك الأمْرُ مُغالبةً فاطْلُبْه مُخادَعةً.
وقال بعضهم: كُنْ بحيلتك أوثقَ منك بِشِدَّتِك، وبِحَذرِك أفرحَ مِنك بنَجْدتِك، فإنَّ الحربَ حربٌ لِلمُتَهوِّر وغنيمةٌ للمُتَحَذّر. وقالوا: حازمٌ في الحرب خيرٌ من ألفِ فارسٍ، لأنّ الفارسَ يقتل عشرة وعشرين، والحازِم قدْ يقتلُ جيشاً بحَزْمه وتدبيره.
(2/220)

وقالوا: القائدُ العظيم ينبغي أن تكون فيه خصالٌ من أخلاق الحيوان: شجاعةُ الدّيك، وتحنُّن الدّجاجة، وقلبُ الأسد، وحَمْلةُ الخنزير، ووروغانُ الثَّعلب، وخَتْلُ الذِّئْبِ، وجمع الذَّرَّة، وبُكور الغراب.
وقال المهلَّب بن أبي صفرة لبنيه: عليكم في الحرب بالمكيدة فإنَّها أبلَغُ من النجدة. . .
وسُئل بعض أهل التَّمرُّس بالحروب: أيُّ المكايد فيها أحْزَمُ؟ فقال: إذْكاءُ العُيون، - بثُّ الجواسيس - وإفشاءُ الغَلبة واسْتِطْلاعُ الأخبار، وإظْهارُ السرور، وإماتةُ الفَرَقِ - الخوف - والاحتراس من البِطانَةِ، من غير إقْصاءٍ لمُسْتَنْصِحٍ ولا اسْتِنْصاحٍ لمُسْتَغِشٍّ، وإشغال الناس عمّا هم فيه من الحروب بغيره.
وكان مالك بن عبد الله الخَثْعَميُّ وهو على الصَّافَّة - الجماعة تُقام وتُصَفُّ للحرب - يقوم في الناس - إذا أراد أن يرحل - فيحمدُ اللهَ ويثني عليه، ثم يقول: إنَّي دارِبٌ بالغَداةِ دَرْبَ كذا، فيتفرقُّ الجواسيسُ عنه بذلك، فإذا أصبح سلكَ بالناس طريقاً غيرها، فكانت الروم تسمّيه: الثعلبَ. . .
وقال حكيمٌ: اللُّطْفُ في الحيلة، أجدى للوسيلة.
وقالوا: مَنْ لمْ يتأملِ الأمرَ بعينِ عقلِه لم يقع سيفُ حيلتِه إلا على مقاتِلِه والتثبُّتُ يُسَهِّلُ طريق الرأي إلى الإصابة، والعجلةُ تَضْمَنُ العَثْرةَ.
وبعدُ فإنّ هذا الباب متَّسعٌ جداً، ومن أحبَّ التوسُّعَ فيه والوقوفَ على أخبارهم في المكايد، وأساليبهم العجيبة فيها فعليه بالموسوعات - مثل نهاية الأرب للنويري، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وبكتب التاريخ، فتلك مجالاتها.
(2/221)

ما ينبغي أن يتصف به أمراء الجيوش
من أجود ما قيل فيما ينبغي أن يتصف به أمراءُ الجيوش قولُ لقيط بن يَعْمُرَ الإيادي -
وهو شاعر جاهلي قديم مقلٌّ - كان كاتباً في ديوان كسرى سابور بن هرمز الملقب بذي الأكتاف - وكانت إياد غلبوا على سوادِ العراق، وقتلوا من كان به من الفرس، فلما بلغ خبرُهم سابور أجمع على غزو إياد فكتب إليهم لقيط قصيدةً ينذر قومَه غزوَ سابور إيّاهم، فوقع الكتاب بيد كسرى فقطع لسانَ لقيط وغزا إياداً وهي قصيدة جيدة جداً يقول فيها:
أبْلِغْ إياداً وخَلِّلْ في سَراتِهِمُ ... إنِّي أرى الرّأيَ إنْ لَمْ أُعْصَ قدْ نَصَعا
يا لَهْفَ نَفْسيَ إنْ كانَتْ أمورُكُمُ ... شتّى وأحْكِمَ أمْرُ الناسِ فاجْتَمَعا
إنّي أراكُمْ وأرْضاً تُعجَبونَ بِها ... مِثْلَ السفينةِ تَغْشى الوَعْثَ والطَّبَعا
ألا تَخافونَ قَوْماً لا أبالَكُمُ ... أمْسَوْا إليكُمْ كأمثالِ الدَّبا سِرَعا
(2/222)

أبْناءُ قومٍ تآيَوْكُمْ على حَنَقٍ ... لا يَشْعُرونَ أضرَّ اللهُ أمْ نَفَعا
أحْرارُ فارِسَ أبْناءُ المُلوكِ لَهُمْ ... منَ الجُموعِ جُموعٌ تَزْدهي القِلَعا
إلى أن يقول:
خُزْرٌ عُيونُهُمُ كأنَّ لَحْظَهُمُ ... حَريقُ غابٍ تَرى مِنْه السَّنا قِطَعا
لا الحَرْثُ يَشْغَلُهُمْ بلْ لا يَروْنَ لَهُمْ ... مِنْ دونِ بَيْضَتِكُمْ رِيّاً ولا شِبَعا
وأنْتُمُ تَحرُثونَ الأرْضَ عَنْ سَفَهٍ ... في كُلِّ مُعْتَمَلٍ تَبْغونَ مُزْدَرَعا
وتَلْبَسونَ ثِيابَ الأمْنِ ضَاحِيةً ... لا تَفْزَعونَ وهَذا اللَّيْثُ قَدْ جَمَعا
(2/223)

مالي أراكُمْ نِياماً في بُلَهْنِيَةٍ ... وقَدْ تَرَوْنَ شِهابَ الحَرْبِ قَدْ سَطَعا
فاشْفوا غَليلي بِرأيٍ مِنْكُمُ حَصِدٍ ... يُصْبُحْ فُؤادي لهُ رَيَّانَ قَدْ نَقَعا
ولا تَكونوا كَمَنْ قَدْ باتَ مُكْتَنِعاً ... إذا يُقالُ لَه: افْرُجْ غُمَّةً كَنَعا
يَسْعى ويَحْسَبُ أنَّ المالَ مُخْلِدُه ... إذا اسْتفادَ طَريفاً زادَه طَمَعا
فاقْنُوا جِيادَكُمُ واحْموا ذِمارَكُمُ ... واسْتَشْعِروا الصَّبْرَ لا تَسْتَشْعِروا الجَزَعا
إلى أن قال:
لا تُلْهِكُمْ إبِلٌ لَيْسَتْ لَكُمْ إبِلٌ ... إنَّ العَدُوَّ بِعَظْمٍ مِنْكُمُ قَرَعا
لا تُثْمِروا المالَ للأعْداءِ إنَّهُمُ ... إنْ يَظْهَروا يَحْتَووكُمْ والبِلادَ مَعا
(2/224)

واللهِ ما انْفَكَّتِ الأمْوالُ مُذْ أبَدٍ ... لأهْلِها إنْ أصيبوا مَرَّةً تَبَعا
يا قومُ إنَّ لَكُمْ مِنْ إرْثِ أوَّلِكُمْ ... مَجْداً قَدَ اشْفَقْتُ أنْ يَفْنى ويَنْقَطِعا
ماذا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ عِزُّ أوَّلِكُمْ ... إنْ ضاعَ آخِرُه أو ذلَّ واتَّضَعا
يا قومِ لا تأمَنوا إنْ كُنْتُمُ غُيُراً ... على نِسائِكُمُ كِسْرى وَما جَمَعا
يا قومِ بَيْضَتُكُمْ لا تُفْجَعُنَّ بِها ... إنّي أخافُ عَلَيْها الأزْلَمَ الجَذَعا
هُوَ الجَلاءُ الذي يَجْتَثُّ أصْلَكُمُ ... فَمَنْ رأى مِثْلَ ذا رأياً ومَنْ سَمِعا
قوموا قِياماً عَلى أمْشاطِ أرْجُلِكُمْ ... ثُمَّ افْزَعوا قَدْ يَنالُ الأمْنَ مَنْ فَزِعا
ثم قال يصف أمير الجيش - وهو شاهدنا -:
وقَلِّدوا أمْرَكُمْ للهِ دَرُّكُمُ ... رَحْبَ الذِّراعِ بأمْرِ الحَرْبِ مُضْطلِعا
(2/225)

لا مُتْرَفاً إنْ رخاءُ العيشِ ساعَدَه ... ولا إذا عَضَّ مَكْروهٌ بِه خَشَعا
لا يَطْعَمُ النَّوْمَ إلا رَيْثَ يَبْعَثُهُ ... هَمٌّ يكادُ شَباهُ يَفْصِمُ الضِّلَعا
مُسَهَّدُ النَّوْمِ تَعْنيهِ أمورُكُمُ ... يَرومُ مِنْها إلى الأعْداءِ مطَّلَعا
مازالَ يَحْلُبُ هَذا الدَّهْرَ أشْطُرَه ... يَكونُ متَّبِعاً طَوْراً ومتَّبَعا
حتّى اسْتَمرَّتْ على شَزْرٍ مَريرَتُه ... مُسْتَحْكِمَ الرَّأيِ لا قَحْماً ولا ضَرَعا
ولَيْسَ يَشْغلُه مالٌ يُثَمِّرُه ... عَنْكُمْ ولا وَلَدٌ يَبْغي لَه الرِّفَعا
إلى أن قال:
(2/226)

لَقَدْ بَذَلْتُ لَكُمْ نُصْحي بِلا دَخَلٍ ... فاسْتَيْقِظوا إنَّ خَيْرَ العِلْمِ ما نَفَعا
هَذا كِتابي إلَيْكُمْ والنَّذيرُ لَكُمْ ... لِمَنْ رَأى رأيَه مِنْكُمْ ومَنْ سَمِعا
ولما أوفد المهلَّب بن أبي صفرة كَعْبَ بن مَعْدان الأشقريّ حين هزم عبدَ ربّه الأصغرَ وأجلى قَطَرِيَّ بن الفُجاءة حتّى أخرجه من كِرْمانَ نحو أرض خُراسان إلى الحجّاج بن يوسف، قال له الحجاج: كيف كانت محاربةُ المهلَّب للقوم؟ قال: كان إذا وجد الفرصةَ سار كما يَسور الليث، وإذا دَهَمَتْه الطَّخْمةُ راغَ كما يروغ الثعلب، وإذا مادَه القومُ صبَرَ صبْرَ الدّهر. قال: وكيف كان فيكم؟ قال: كان لنا منه إشفاقُ الوالد الحَدْبِ وله منّا طاعةُ الولد البَرّ. قال: وكيف أفلتكم قطري؟ قال: كادَنا ببعضٍ ما كِدْناه به، والأجلُ أحْصنُ جُنَّةً وأنفَذُ عُدَّةً. قال فكيف اتَّبعتم عبدَ ربّه وتركتموه؟ قال آثَرْنا الحَدَّ على الفلِّ، وكانت سلامةُ الجندِ أحبَّ إلينا من شَجْبِ العدو. فقال له الحجاج: أكُنْتَ أعْدَدْتَ هذا الجوابَ قبل لقائي؟ قال: لا يعلم الغيبَ إلا اللهُ. . . . .

حثهم على التفكير قبل التقدم
قالوا: من قاتل بغير نَجْدةٍ، وخاصم بغير حُجَّةٍ، وصارع بغير قوّةٍ فقد أعظَمَ الخَطر، وأكبر الغَرَر. . . الغرر: الخطر
(2/227)

وقالوا:
إذا ما أرَدْتَ الأمْرَ فاذْرَعْه كُلَّه ... وقِسْهُ قِياسَ الثَّوْبِ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
لعلَّكَ تَنْجو سالِماً مِنْ نَدامةٍ ... فلا خيرَ في أمْرٍ أتى بالتندُّمِ

من يؤثر الموت في العز على الحياة في الذل
قال المتنبي:
عِشْ عَزيزاً أوْ مُتْ وأنْتَ كَريمٌ ... بينَ طَعْنِ القَنا وخَفْقِ البُنودِ
فَرؤوسُ الرِّماحِ أذْهَبُ للغي ... ظ وأشْفى لِغِلِّ صَدْرِ الحَقودِ
لا كَما قَدْ حَييتَ غيرَ حَميدٍ ... وإذا مُتَّ مُتْ غيرَ فَقيدِ
فاطْلبِ العِزَّ في لَظى وذَرِ الذُّ ... لَّ ولَوْ كانَ في جِنانِ الخُلودِ
وقال أبو تمام:
يَرى العَلْقَمَ المَأدومَ بالعِزِّ أرْيَةً ... يَمانيَّةً والأرْيَ بالضَّيْمِ عَلْقَما
ونظر عبد الله بن علي العبّاسي إلى فتًى عليه أبَّهَةُ الشَّرفِ وهْوَ يقاتل مُسْتَبْسِلاً، فناداه: يا فَتى، لكَ الأمانُ ولو كنتَ مروانَ بنَ محمد - آخر الدولة الأموية - فقال: إلا أكُنْه، فلَسْتُ بدونِه، قال: فلكَ الأمانُ مَنْ كُنْتَ، فأطرق ثم قال:
(2/228)

أذُلَّ الحَياةِ وكُرْهَ المَماتِ ... وكُلاً أراهُ طَعاماً وَبيلا
فإنْ لَمْ يكُنْ غيرُ إحْداهما ... فَسَيْراً إلى الموتِ سَيْراً جَميلا
ثم قاتل حتّى قُتل، قال: فإذا هو ابن لمَسْلمةَ بنِ عبد الملك بن مروان.

نهيهم عن مخافة القتل
وحثُّهم على تصور الموت
وتمدُّحهم بذلك
قيل لعلي بن أبي طالب: أتقاتل أهلَ الشامِ بالغَداةِ وتَظْهرُ بالعشيِّ في ثوب وَرْداء؟ فقال: أبِالمَوْتِ أخَوّفُ! واللهِ، ما أبالي أسَقَطْتُ على الموتِ أمْ سقط الموتُ عليَّ! وكثيراً ما كان
رضي الله عنه يتمثل:
أيَّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرْ ... يَوْمَ لَمْ يُقْدَرْ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
(2/229)

يَوْمَ لمْ يُقْدَر لا أرْهَبُه ... ومِنَ المَقْدورِ لا يُنْجي الحَذَرْ
وقال المتنبي:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرومِ ... فلا تَقْنَعْ بِما دونَ النُّجومِ
فَطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ صَغيرٍ ... كَطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ
يقول: إذا حاولتَ الشرفَ وخاطرت بنفسِك في سبيل الحصول عليه فلا تقنع بما دون أعلاه، ولا تَرْضَ باليسير منه، فإنَّ طعمَ الموت في الأمر الهيّن كطعمه في الأمر الصعب، وإذن فلا سبيل للمغامر إلا أن يقصِدَ إلى أسمى الأمور
وقال:
يَرى الجُبناءُ أنَّ العَجْزَ عَقْلٌ ... وتِلكَ خَديعةُ الطَّبْعِ اللّئيمِ
(2/230)

وقال: من قطعةٍ جيدة نوردها كلَّها لبَراعَتِها:
صَحِبَ الناسُ قبلَنا ذا الزَّمانا ... وعَناهُمْ مِنْ شَأنِه ما عَنانا
وتَوَلَّوْا بِغُصّةٍ كلُّهُمْ مِنْ ... هُ وإنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أحْيانا
رُبَّما تُحْسِنُ الصَّنيعَ ليالي ... هِ وَلَكِنْ تُكَدِّرُ الإحْسانا
وكأنّا لَمْ يَرْضَ فينا بريب الدَّ ... هْرِحَتّى أعانَه مَنْ أعَانا
كلَّما أنْبَتَ الزَّمانُ قَناةً ... رَكَّبَ المَرْءُ في القَناةِ سِنانا
ومُرادُ النُّفوسِ أصْغَرُ مِنْ أنْ ... نَتَعادى فيه وأنْ نَتَفانا
غيرَ أنَّ الفَتى يُلاقي المَنايا ... كالِحاتٍ ولا يُلاقي الهَوانا
ولَوَ أنَّ الحَياةَ تَبْقى لِحَيٍّ ... لَعَدَدْنا أضَلَّنا الشُّجْعانا
وإذا لَمْ يكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّ ... فَمِنَ العَجْزِ أنْ تكونَ جَبانا
(2/231)

كلُّ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّعْبِ في الأنْ ... فُسِ سَهْلٌ فيها إذا هُوَ كانا
وبَعَثَتْ بَنو حنيفةَ بالفِنْدِ الزِّمَّانيّ حين طلبت بكرُ بنُ وائل إليهم يستَنْصِرونهم، وقالوا - بنو حنيفة -: قد بعَثْنا إليكم ألفَ فارس - وكان يقالُ لهُ: عديدُ الألْف - فلمّا ورد قالوا له: أيْن الألف؟ قال: أنا، فلمّا كان الغدُ وبَرزوا حَملَ على ألف فارسٍ مُرْدفٍ فانْتَظَمَهُمْ. . . .
(2/232)

الجود بالنفس
وحبُّ الموت في الوغى
وأنفتهم من الموت على الفراش
قال أبو تمام:
يَسْتَعْذِبونَ مَناياهُمْ كأنَّهُمُ ... لا يَيْأسونَ مِنَ الدُّنيا إذا قُتِلوا
وقال:
وحَنَّ لِلْمَوْتِ حتَّى ظنَّ مُبْصِرُه ... كأنَّه حَنَّ مُشْتاقا إلى وَطَنِ
لَوْ لَمْ يَمُتْ تَحْتَ أسْيافِ العِدا كَرَماً ... لَماتَ إذْ لَمْ يَمُتْ مِنْ شِدَّةِ الحَزَنِ
وقال:
قَوْمٌ إذا لَبِسوا الحَديدَ حَسِبْتَهُمْ ... لَمْ يَحْسِبوا أنَّ المَنيَّةَ تُخْلَقُ
أنْظُرْ بِحَيْثُ تَرى السُّيوفَ لَوامِعاً ... أبَداً وفوقَ رُؤوسِهِمْ تَتَألَّقُ
وقال بَشامة بن حَزْنٍ النَّهْشليّ:
إنّا لَنُرْخِصُ يَوْمَ الرَّوْعِ أنْفُسَنا ... ولَوْ نُسامُ بِها في الأمْنِ أُغْلينا
(2/234)

وقال عبد الله بن محمد بن أبي عُيينة بن المهلب بن أبي صُفرة:
وإنِّيَ مِنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفوسَهُمْ ... بِها أنَفٌ أنْ تَسْكُنَ اللَّحْمَ والدَّما
وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي - شاعر إسلامي -:
وما ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتْفَ أنْفِه ... ولا طُلَّ يَوْماً حَيْثُ كانَ قَتيلُ
(2/235)

تَسيلُ على حَدِّ الظُّباتِ نُفوسَنا ... ولَيْسَتْ على غَيْرِ الظُّباتِ تَسيلُ
وقال عنترة:
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني الحُتوفَ كأنَّني ... أصْبَحْتُ عَنْ عَرَضِ الحُتوفِ بِمَعْزِلِ
فأجَبْتُها: إنَّ المَنيَّةَ مَنْهلٌ ... لابُدّ أنْ أسْقى بِكأسِ المَنْهَلِ
فَاقْنَيْ حَياَءكِ لا أبالكِ واعْلَمي ... أنّي امْرُؤٌ سَأموتُ إنْ لَمْ أقْتَلِ
إنَّ المَنيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ... مِثلي إذا نَزَلوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ
الحُتوف: المَكاره والمَتالف، وعن عَرَضٍ أي ما يعرض منها وبمعزل، أي في ناحية منعزلة عن ذلك، و: منهل: مورد، وقوله: فاقْنَيْ حياءَك، أي احفظيه ولا تضيّعيه،
والضنك: الضيق يقول: إنَّ المنيةَ لو خُلقت مِثالاً لكانَتْ في مثل صورتي. . . . .
وقال خالد بن الوليد وهو في مرض الموت: لقد لَقيتُ كذا وكذا زَحْفاً، وما في جَسدي مَوْضِعُ شِبْرٍ إلا وفيه طعنةٌ أو ضربةٌ أو رَمْيةٌ، ثُمَّ ها أنا ذا أموتُ على فراشي حَتْفَ أنفي! فلا نامت أعْينُ الجُبناء. . .
وقد تقدم ذلك
وقال المُفضَّل بن المهلب بن أبي صُفرة:
(2/236)

هَلِ الجودُ إلا أنْ تَجودَ بِأنْفُسٍ ... على كُلِّ ماضي الشَّفْرتَيْنِ قَضيبِ
ومَنْ هَرَّ أطْرافَ القَنا خَشْيةَ الرَّدى ... فلَيْسَ لِمَجْدٍ صالِحٍ بِكَسوبِ
وما هِيَ إلا رَقْدةٌ تُورِث العُلا ... لِرَهْطِكَ ما حَنَّت رَوائِمُ نيبِ
هرَّ أطرافَ القنا يقال: هرَّ الشَّيء يَهِرُّ - بالكسر والضَّم - هرّاً وهَريراً: كَرِهه يقال: هَرَّ فلانٌ الكأسَ والحرب هَريراً: أي كرهها قال عنترة:
حَلَفْنا لَهُمْ والخَيْلُ تَرْدي بِنا مَعاً ... نُزايِلُكُمْ حتَّى تَهِرُّوا العَوالِيا
عَوالِيَ زُرْقاً مِنْ رِماحِ رُدَيْنَةٍ ... هَريرَ الكِلابِ يَتَّقينَ الأفاعِيا
وقوله: وما هي إلا رقدة. . . ألبيت قال المبرّد: مأخوذٌ من قول أخيه يزيد بن المهلّب، وذلك أنه قال في يوم العقر، وهو اليوم الذي قتل فيه -: قاتلَ اللهُ ابنَ الأشْعث - عبد الرحمن بن الأشعث - ما كان عليه لو غَمّضَ عينيه ساعةً للموت ولم يكن قتيلَ نفسه. . . وذلك أنَّ ابن الأشعث قام في الليلِ وهو في سَطْحٍ للبول، فزَعموا أنّه رَدّى نفسَه، وغيرُ أهلِ هذا القول يقولون: بل سَقَطَ منه بسِنَةِ النوم. وقوله تورث العُلا لرهطك، فالمعنى: تورث العُلا رهطك، ومثله قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} والنيب جمع ناب وهي: المُسِنّة من الإبل سمَّوْها بذلك حين طال نابُها وعظم، والروائِمُ: العاطِفات على أولادها
(2/237)

من يخوض الحرب
لابد أن يوطّن نفسه على الموت
قالت الخنساء:
ومَنْ ظَنَّ مِمّنْ يُلاقي الحُروبَ ... بأنْ لا يُصابَ فَقَدْ ظَنَّ عَجْزا
وقالوا: إنَّ الشجاعةَ مَقْرونٌ بِها العَطَبُ
وقال تأبّط شرّاً من أبياتٍ اختارها أبو تمام في حماسته:
ومَنْ يُغْرَ بالأعْداءِ لابُدَّ أنَّه ... سَيَلْقى بِهِمْ مِنْ مَصْرَعِ المَوْتِ مَصْرَعا

في القتل حياة
قال المهلّب بن أبي صفرة: ليسَ شيءٌ أنْمى مِنْ سيف! ولقد صدق فما نال السيفُ أنمى عدداً وأكرم ولداً من وَلَدِ المهلّب. . . وقال الحجاج لامرأةٍ من الخوارج: واللهِ لأحْصِدنَّكُمْ حصداً، فقالت: أنْتَ تحصد واللهُ يزرع، فانْظُرْ أين قدرةُ المخلوقِ معَ قُدرةِ الخالق!
ومما يصحُّ أن يُورد هُنا وإنْ كانَ من وادٍ آخرَ قولُه تعالى: {وَلَكُمْ
(2/238)

فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ}

تأثير الخوف والمخوف منه
والموفى على الجماعة
قيل لعليِّ بن أبي طالب: بِمَ غَلَبْتَ الأقران؟ قال: بتمكُّنِ هَيْبَتي في قلوبهم. . . وبعث أميرٌ في طلب قومٍ رجلاً، فما لبث أنْ جاءه برجُلٍ أطولَ ما يكون، فقال: كيف تمكَّنت منه؟ فقال: وقع في قلبي أن آخُذَه، ووقع في قلبِه أنّه مأخوذ، فنصَرَني عليه خوفُه وجُرْأتي. . .
ونظر رجلٌ إلى علي بن أبي طالب وقد شقَّ العسكر، فقال: قد علمْتُ أن ملكَ الموت في الجانب الذي فيه عليٌّ.
ومن المأثور عن المصطفى صلوات الله عليه قوله: (نُصِرْتُ بالرّعب مَسيرةَ شهر). . . قال ابن الأثير: كان أعداء النبي صلى الله عليه وسلم قد أوْقعَ اللهُ في قلوبهم الخوفَ منه، فإذا كان بينه وبينهم مَسيرةُ شهرٍ هابوه وفزِعوا منه.
(2/239)

وقال المتنبي:
ويَسْتَعْظِمونَ المَوْتَ والمَوْتُ خادِمُهْ
وقال سلم الخاسر:
كأنَّ المَنايا جارِياتٌ بأمْرِهِ
وقال الفرزدق:
تَلمََّظَ السَّيفُ مِنْ شَوْقٍ إلى أنَسٍ ... فالمَوْتُ يَلْحَظُ والأقْدارُ تَنْتَظِرُ
أظلَّه مِنْكَ حَتْفٌ قَدْ تَجلَّلَه ... حتّى يُؤامِرَ فيهِ رأيَكَ القَدَرُ
وقيل للإسكندر: إنّ في عسكر دارا ألفَ مُقاتل، فقال: إن القصّاب الحاذقَ وإنْ كان واحداً لا يَهولُه كثرةُ الغَنَمِ. . . وقال شاعر:
فواحِدُهُمْ كالألْفِ بأساً ونَجْدةً ... وألْفُهُمُ لِلْعُجْمِ والعُرْبِ قاهِرُ
وقال أبو تمام يمدح أبا سعيد الطائي ويذكر ما صنع بالخُرَّميَّة:
لقيتَهُمْ والمَنايا غَيْرُ دافِعةٍ ... لِما أمَرْتَ بهِ والمُلْتقى كَبَدُ
في مَوْقفٍ وَقَفَ المَوْتُ الزُّؤامُ بهِ ... فالمَجْدُ يُوجَدُ والأرْواحُ تُفْتَقَدُ
مُسْتَصْحِباً نِيّةً قدْ طالَما ضَمِنَتْ ... لكَ الخُطوبَ فأوْفَتْ بالّذي تَعِدُ
ورُحْبَ صَدْرٍ لَوَ أنَّ الأرْضَ واسِعةٌ ... كَوُسْعِه لَمْ يَضِقْ عَنْ أهْلِه بَلَدُصَدَعْتَ جَرْيَتَهُمْ في عُصْبَةٍ قُلَلٍ ... قَدْ صَرَّحَ الماءُ عَنْها وانْجَلى الزَّبَدُ
(2/240)

مِنْ كُلِّ أرْوَعَ تَرْتاعُ المَنونُ لَهُ ... إذا تَجَرَّدَ، لا نِكْسٌ ولا جَحِدُ
يكادُ حينَ يُلاقي القِرْنَ مِنْ حَنَقٍ ... قَبْلَ السِّنانِ عَلى حَوْبائِه يَرِدُ
قلُّوا ولكِنَّهُمْ طابوا فأنْجَدَهُمْ ... جَيْشٌ مِنَ الصَّبْرِ لا يُحْصى له عَدَدُ

المتبرِّم بالحرب والسخرية منه
قال سعد بن مالك أحدُ سادات بكرِ بن وائل في الجاهلية وفرسانها
يا بُؤسَ لِلحَرْبِ الّتي ... وَضَعَتْ أراهِطَ فاسْتَراحوا
وهي من أبيات جيدة اختارها أبو تمام في حماسته وبعده:
(2/241)

والحَرْبُ لا يَبْقى لِجا ... حِمِها التَّخيُّلُ والمِراحُ
إلا الفَتى الصَّبَّارُ في ال ... نَّجْداتِ والفَرَسُ الوَقاحُ
مَنْ صدَّ عَنْ نيرانِها ... فأنا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحُ
المَوْتُ غايتُنا فَلا ... قَصْرٌ ولا عَنهُ جِماحُ
وكأنّما وِرْدُ المَنِي ... ة عِنْدنا مَاءٌ وراحُ
قوله يا بؤس للحرب، أصلُه: يا بؤسَ الحرب، فأقحِمَتْ اللامُ بين المُتضايفين، يدعو على الحرب ويذمُّ نكباتِها سُخريةً، ومعنى وضعت أراهِطَ: حطَّتْهم وأسقطتهم فلم يكن لهم ذكر ولا شرف في هذه الحرب فاسْتراحوا من مكابدتِها كالنساء، قال بعض الأعراب لرجل: إنّه قد وضع المكارم فاستراح، وقال رجل للأحنف: لا أبالي أهُجيتُ أم مُدحت، فقال: استرحت
من حيث تعبَ الكرامُ، وأراهط إمّا جمعُ أرْهُط جمع رَهْط وإما جمع رهط على خلاف القياس، والرهط: النفر من ثلاثة إلى عشرة، والجاحم: المكان الشديد الحر، من جَحَمَتِ النارُ فهي جاحمة: إذا اضطرمت، ومنه الجحيم، والتخيل: التكبُّر، من الخُيلاء. يقول: إنها لا تبقي على نخوة المنخوِّ، وذلك أنّ أولى الغَناء يتكرّمون عن الخُيلاء. ويختال المغرور فإذا جُرِّب فلم يُحْمدِ افتُضِحَ وسقط، أو تقول من كان ذا خُيلاء ومرح ثم بُلي بالحرب شغلته عن خُيلائه ومرحه. والمِراح بكسر الميم: النشاط، أي أنّها تكفُّ حَدَّة البَطِرِ النّشيط، وهذا تعريضٌ بالحارث بن عباد بأنّه صاحب خيلاء ومرح. والصبّار مبالغة صابر والنجدة: الشدة والبأس في الحرب، والوقاح: الفرسُ الذي حافِرُه صُلبٌ شديد، ومنه الوَقاحة.
(2/242)

وقوله: فأنا ابن قيس لا براح، أي: أنا المشهور في النجدة كما سمِعْتَ وأضاف نفسَه إلى جدِّه الأعلى لشهرته به، وجملةُ لا براحُ حالٌ مؤكدة لقوله: أنا ابن قيس كأنّه قال: أنا ابن قيسٍ ثابتاً في الحرب، والبَراحُ مصدر بَرِحَ الشيء بَراحاً: إذا زال من مكانه. وقوله: فلا قَصْرٌ هناك ولا جِماح فالقَصْر. الحبس، والجِماحَ مصدر جَمَحَ: إذا انفلَتَ وهَرِبَ يريد: لا يمكن حبس نفسٍ عن الموت ولا مَهْرَبَ عنه. والوِرْد: الورود وهو دخول الماء، وقيل: حُضورُه وإنْ لَمْ تدخلْه
وقال شاعر:
ما ذاقَ هَمَّاً كالشُّجاعِ ولا خَلا ... بِمَسرَّةٍ كالعاجِزِ المُتواني

الممدوح بقوة نفسه دون جسمه
قال أبو تمام:
والصَّبْرُ بالأرْواحِ يُعْرَفُ فَضْلُه ... صَبْرُ المُلوكِ ولَيْسَ بالأجْسامِ
وقال شاعر:
وإنّي لَلْقَويُّ على المَعالي ... وما أنا بِالقويِّ على الصِّراعِ
وقال معاوية رضي الله عنه: ما كان في الشبّانِ شيءٌ إلا وكانَ فيَّ منه مُسْتَمْتعٌ، إلا أنّي لم أكن نُكَحَةً ولا صُرَعَةً. رجل نُكَحَةٌ: كثيرُ النِّكاحِ - الوطء - ورجلٌ صُرَعَةٌ: يصرع الناس
وأورد أبو تمام في حماسته لبعض الشعراء:
لا قوَّتي قوّةُ الراعي قلائِصَه ... يَأوي فيَأوي إليهِ الكَلْبُ والرُّبَعُمِنّا الأناةُ وبَعْضُ القومِ يَحْسَبنا ... أنّا بِطاءٌ وفي إبْطائِنا سَرَعُ
(2/243)

يقول: ليس غَنائي من المُهمَّاتِ غَناءَ الرِّعاءِ الذين سعيهم مقصورٌ على ضمِّ القِلاصِ وحفظها في مراعيها فإذا أوى إلى موضع أوى إليه كلبُه الذي يحرسه ورُبَعُه، وهو ما نُتِجَ في الربيع، والسَرَع: السُّرعة

القصد إلى العدى مُجاهرةً
قال السَّريُّ الرفَّاءُ: مِنْ أبياتٍ يمدحُ بها سيفَ الدولة بْنَ حَمْدان:
ويَجْعَلُ بِشْرَهُ نُذْرَ الأعادي ... فيَبْعَثُه جَنوباً أو شَمالا
ولَمْ يُنْذِرْهُمُ مِقةً ولكِنْ ... تَرَفّعَ أنْ يُصيبَهُمُ اغْتيالا
وأشار على الإسكندر المقدونيِّ أصحابُه أن يُبيِّتَ الفُرْسَ، فقال: ليس من الإنْصافِ أن أجعلَ غلبتي سَرِقةً. . .

المقاتل عن حريمه
ليمَ الإسكندرُ على مُباشرتِه الحروبَ بنفسه، فقال: ليس من الإنصافِ أنْ يُقتلَ قومي عَنِّي وأتركَ القتالَ عنهم وعَنْ أهلي ونفسي. . .
وقيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إنّا نكونُ في هده البُعوثِ والسّرايا فنُصيبُ المرأة مِنَ العدوّ، وهي ذات زَوْجٍ، أفَتَحِلُّ لَنا مِنْ قبلِ أنْ يُطلِّقَها زوجُها؟ وكان الفرزدق حاضراً فقال الفرزدق: قد قلتُ أنا
(2/244)

في مِثلِ هذا شِعْراً، وأنشد:
وذاتِ حَليلٍ أنْكَحَتْها رِماحُنا ... حَلالاً لِمَنْ يبني بها ولَمّا تُطلَّقِ
فقال الحسن: أصَبْتَ، كنت أرى أنَّكَ أشعرُ مِنّي فإذا أنْتَ أفقَهُ قال ابن رشيق في العُمدة: وما أظنُّ الفرزدق إلا أرادَ مَذْهبَ الجاهليَّةِ في السَّبايا. . . .
وقال زياد الأعْجَمُ من كلمته التي يرثي بها المُغيرة بنَ المُهلّب بن أبي صُفرة:
صَفَّانِ مُخْتلِفانِ حينَ تَلاقَيا ... آبا بِوَجْهِ مُطَلِّقٍ أو ناكِحِ

المستنكف من السلب
قال أبو تمّام من بائيّته المشهورة التي يُهنئ فيها المعتصمَ بِفَتْح عمُّوريَّة:
إنَّ الأسودَ أسودَ الغابِ هِمَّتُها ... يومَ الكَريهةِ في المَسْلوبِ لا السَّلَبِ
وقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجُلاً فأراد قَنْبرٌ أن يأخُذَ سلَبَه، فقال: يا غُلام، لا تُعَرِّ فرائسي. . . وقال عنترة في معلقته:
هلاَّ سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنةَ مالِكٍ ... إنْ كُنْتِ جاهِلةً بِما لَمْ تَعْلَمي
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقيعةَ أنّني ... أغْشى الوَغى وأعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ
(2/245)

الشبان والكهول في الحرب
قال رجل لآخر: لأغْزُونَّك بِمُرْدٍ على جُرْدٍ، فقال له: لألْقَيَنَّك بِكُهولٍ على فُحول.
وقال المتنبي:
سَأطْلُبُ حَقِّي بِالقَنا ومَشايِخٍ ... كأنَّهُمُ مِنْ طولِ ما الْتَأَموا مُرْدُ
ثِقالٍ إذا لاقَوْا خِفافٍ إذا دُعوا ... كثيرٍ إذا شدّوا قليلٍ إذا عُدُّوا
وطَعْنٍ كأنِّ الطَّعْنَ لا طَعْنَ عِنْدَه ... وضَرْبٍ كأنَّ النارَ مِنْ حَرِّه بَرْدُ
(2/246)

إذا شِئْتُ حَفَّتْ بي عَلى كُلِّ سابِحٍ ... رِجالٌ كأنَّ المَوْتَ في فَمِها شَهْدُ
وهم يفضلون الشبَّانَ على الكهول في الحروب، وقد أورد الراغب في محاضراتِه أبياتاً عزاها إلى طاهرِ بن الحسين، في هذا المعنى، والأبيات وإن كانت في معناها قد أصابت مقطع الحق والسَّدادِ بيدَ أنَّ مبناها ليس من الجمال في شيء ومن ثمَّ استحسنّا أن نَنْثُرَها ونوردَها عليك منثورة بألفاظنا مع المحافظة على المعنى، وهاكَها: من صائب الرأي أن تستظهر في تدبير حَرْبك بالشيوخ المحنّكين الذين تمرّسوا بالأيام حلوِها ومُرِّها، والذين تغني آراؤها غناءَ العمل، وإياك أن تغشى الوغى إلا بحديث السن مقتَبَلِ الشَّباب، فإن الكهول الذين تنفس بهم العمر واقتربوا من مناهلِ الموت تراهم يتمثلون الموتَ أبداً بين أعينهم خوفاً وجزعاً، ومن جرَّاء ذلك يَجبُنون، أما حديثُ السن فإنَّ له شأواً بعيداً يُريغه، وآمالاً عِراضاً يُحاولُ تحقيقها، ومن هنا كان جريئاً طموحاً بعيدَ مُرتقى الهمّة فهو لا يُبالي أسقط على الموت أم سَقطَ الموتُ عليه، لأن الموت ليس منه على بال. . .
(2/247)

العاجز أعاديه عن إصلاح ما أفسده وعكس ذلك
قال علي بن جَبَلَة المعروف بالعَكوَّك من أبياتٍ يمدح بها أبا غانم حميدَ بنَ عبد الحميد الطّوسيّ:
يَرْتُقُ ما يَفْتُقُ أعْداؤُه ... وليْسَ يأسو فتقَه آسي
فالنّاسُ جِسْمٌ وإمامُ الهُدى ... رأسٌ وأنْتَ العَيْنُ في الرّاسِ
وقال الكُميت:
لا يَهْدِمُ الناسُ ما تَبْني أكُفُّهُمُ ... مِنَ الفَعالِ ولا يَبْنونَ ما هَدَموا
وقال أشجع السُّلمِيّ من قصيدة يمدح بها جعفر بن يحيى البرمكي وزيرَ الرشيد:
ولا يَرْفَعُ النّاسُ مَنْ حَطَّه ... ولا يَضَعونَ الذي يَرْفَعُ
وبعده:
تُريد المُلوكُ مَدى جَعْفَرٍ ... ولا يَصْنَعونَ كَما يَصْنَعُ
ولَيْسَ بأوْسَعِهِمْ في الغِنى ... ولَكِنَّ معروفَه أوْسَعُ
وهذا البيت الثالث من قول ابن زيادٍ الأعرابيّ:
ولَمْ يَكُ أكثرَ الفِتيانِ مالاً ... ولكِنْ كانَ أرْحَبَهُمْ ذِراعا
(2/248)

وقال المتنبي:
لا يَجْبُرُ النّاسُ عَظْماً أنْتَ كاسِرُه ... ولا يَهيضونَ عَظْماً أنْتَ جابِرُهُ

من تصحبه الطيور والسباع في القتال
أول من وصف المُحاربَ تصحبه الطيورُ والسِّباعُ ثقةً بانتصاره، وبالشِّبَعِ من فرائِسه، النابغة الذُّبياني إذ يقول في قصيدةٍ له يمدح بها عمرَو بنَ الحارث الأصغر من ملوك غسّانَ بالشام:
إذا ما غَزَوْا بالجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهمْ ... عَصائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدي بِعَصائِبِ
يُصاحِبْنَهُمْ حتَّى يُغِرْنَ مُغارَهُمْ ... مِنَ الضَّارِياتِ بِالدِّماءِ الدَّوارِبِ
تَراهُنَّ خلْفَ القومِ خُزْراً عُيونُها ... جُلوسَ الشُّيوخِ في ثِيابِ المَرانِبِ
جَوانِحَ قدْ أيْقَنَّ أنَّ قبيلَه ... إذا ما الْتَقى الجَمْعانِ أوَّلُ غالِبِ
لَهُنَّ عليهِمْ عَادَةٌ قَدْ عَرَفْنَها ... إذا عَرَّضَ الخِطِّيُّ فَوْقَ الكَواثِبِ
العصائب: الجماعات. وقوله: يصاحبنهم يقول: تسير جماعاتُ الطير معهم كأنّما تُغير بإغارتهم على الأعداء، وهذه الطيور من المتدرّبات الضاريات المُولعات بدماء القتلى. والخُزْرُ جمع أخْزَر وخَزْراء أي: ضيّقة العيون خِلقةً؛ أو أنّها تتخازر، أي تقبض أجفانها، لتحدِّد النظر، وقوله جلوس الشيوخ، أي أنّها لدى اشتداد القتال تقع على أعالي الأرض
والهضاب كأنها في ريشها ووقوفها وتحديد النظر تترقّب القتلى جالسةٌ جلوسَ الشيوخ إذا التفُّوا بأكيسة المرانب يحدِّدون النظر إلى شيءٍ بعيد، والمرانب
(2/249)

جمع مَرْنَبانيِّ، وهو الثوب المبطَّن بفِراء الأرانب. وجوانح: مائلات للوقوع. والخِطِّيّ: أي القنا المنسوبة إلى الخِطِّ - بلد بالبحرين - والكواثب - بالثاء المثلثة - جمع كاثبة، وهي من جسم الفرس ما تحت الكاهل إلى الظهر بحيث إذا نُصِبَ عليه السّرجُ كانت أمام القَرْبوسِ يضع الفارسُ عليها رمحَه مُسْتعرصاً، يقول: اعتادت الطيرُ أن الرماح إذا عرضت على الكواثب كان ذلك لرِزْقٍ يُساق إليها.
وقال أبو تمام:
وقد ظُلِّلَتْ عِقْبانُ أعْلامِه ضُحًى ... بِعِقْبانِ طَيْرٍ في الدِّماءِ نَواهِلِ
أقامَتْ مَعَ الرّاياتِ حتَّى كأنّها ... مِنَ الجَيْشِ إلا أنَّها لَمْ تُقاتِلِ
وقالت جَنوبُ أختُ عَمْرٍو ذي الكَلْبِ ترثيه:
تَمْشي النُّسورُ إليهِ وهْيَ لاهِيةٌ ... مَشْيَ العَذارى عَلَيْهِنَّ الجَلابيبُ
الجلباب: ثوبٌ أوسعُ من الخمار دون الرّداء تغطّي بها المرأةُ رأسَها وقيل: المُلاءةُ التي تشتمل بها، ومعنى قوله وهي لاهيةٌ: أنَّ النُّسورَ آمِنَةٌ مِنْه لا تَفْرَقُه لكونه مَيّتاً فهي تمشي إليه مشي العذارى، وأول هذه المرثية:
كلُّ امْرِئٍ بِطُوالِ العَيْشِ مَكْذوبُ ... وكلُّ مَنْ غَالَبَ الأيَّامَ مَغْلوبُ
وقال المتنبي:
(2/250)

تَرَكْتَ جَماجِمَه في النَّقا ... وما يَتَخلَّصْنَ للنَّاخِلِ
فأنْبَتَّ مِنْهُمْ رَبيعَ السِّباعِ ... فأثْنَتْ بِإحْسانِكَ الشَّامِلِ
وقال:
سَحابٌ مِنَ العِقبانِ يَزْحَفُ تَحْتَها ... سَحابٌ إذا اسْتَسْقَتْ سَقَتْها صَوارِمُهْ
وقال في صفةِ جيشٍ وقد ألمَّ بهذا المعنى:
وذي لَجَبٍ لا ذو الجَناحِ أمامَه ... بِناجٍ ولا الوحْشُ المُثارُ بِسالِمِ
تَمُرُّ عليه الشَّمْسُ وهْيَ ضَعيفةٌ ... تطالِعُه مِنْ بَيْنِ ريشِ القَشاعِمِ
إذا ضَوْؤها لاقى مِنَ الطَّيْرِ فُرْجةً ... تَدَوَّرَ فوقَ البيضِ مِثْلَ الدَّراهِمِ
وقال:
يُطَمِّعُ الطَّيْرَ فيهم طولُ أكْلِهِمُ ... حتّى تكادَ على أحْيائِهِمْ تَقَعُ
(2/251)

وقال أبو نواس:
تَتأيَّا الطَّيْرُ غُدْوتَه ... ثِقَةً بالشِّبعَِ مِنْ جَزَرِهْ
تأيَّا الشيء: قَصَدَ آيتَه، أي شَخْصَه. والجَزَر: قِطَعُ اللحم

عذر من يلبس الدروع
ونحوها في الحرب والمُستغني بشجاعته ويقينِه عنها
قال أبو تمام في المُستغني بجلادته عن الدروع:
إذا رأوْا لِلْمَنايا عارِضاً لَبِسوا ... مِنَ اليَقينِ دُروعاً ما لها زَرَدُ
وسُئلَ بعضُ الأبطال: في أيِّ الجُنَنِ تُحبُّ أن تلقى عدوَّك؟ قال: في أجلٍ مُسْتأخرٍ. . . . وقيل لآخرَ: لَوِ احْترسْتَ! فقال: كفى بالأجلِ حارِساً. . .
ومِمّا يُؤثر في كثرةِ لِبْسِ الدُّروعِ والاستعدادِ للحرب أبداً قولُ مسلم بن الوليد من قصيدته التي يمدح بها يَزيدَ بن مزيد الشيبانيّ وهو ابْن أخي معن بن زائدة:
تَراه في الأمْنِ في دِرْعٍ مُضاعَفَةٍ ... لا يأمَنُ الدَّهْرَ أنْ يُدْعى على عَجَلِ
وبعده:
لا يَعْبَقُ الطِّيبُ خدِّيْهِ ومَفْرِقَهُ ... ولا يُمَسِّحُ عَيْنَيْه مِنَ الكَحَلِ
يُروى أنَّ عمَّه مَعْنَ بنَ زائدة كان يقدِّمه على أولاده فعاتَبَتْه إمرأتُه في ذلك، فقال لها: فأريكِ ما تَبْسطينَ به عُذْري، يا غلامُ، اذهبْ فادْعُ حسّاساً وزائدة وعبد الله وفلاناً وفلاناً حتّى أتى على جميع أولاده فلم يَلْبثوا
(2/252)

أن جاؤوا في الغلائِلِ المُطَيَّبة والنِّعالِ السِّنديَّة، وذلك بعد هُدْأةٍ من الليل، فسلَّموا وجلسوا، ثم قال مَعْن، يا غُلام، ادْعُ يَزيدَ، فلم يلبث أنْ دخَلَ عَجِلاً وعليه سلاحُه، فوضع رُمْحَه بباب المجلس، ثم دخل، فقال معنٌ له: ما هذه الهيئة يا أبا الزُّبير، فقال: جاءني رسول الأمير فَسَبقَ وَهْمي إليَّ أنه يريدني لمُهِمٍّ فلبستُ سلاحي وقلت: إنْ كان الأمر كذلك مضيت ولم أعَرِّجْ وإنْ كان غيرَ ذلك فنزعُ هذه الآلةِ عنّي من أيسرِ الأشياء، فقال معن: انصرفوا في حفظ الله، فلمّا خرجوا قالت زوجتُه قد تبيَّنَ لي عذرُك، فأنشد متمثِّلاً:
نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصاماً ... وعَلَّمَتْه الكَرَّ والإقْداما
وصَيَّرَتْهُ مَلِكاً هُماماً
وإلى ذلك أشار مُسلم بالبيتين المَذْكورين. ويُروى: أنَّ مُسلماً لمّا انْتَهى في إنشادِ هذه القصيدة إلى البيت الأول قال له يزيدُ الممدوح: هلا قُلْتَ كما قال أعشى بكرِ بنِ وائل في مدحه قيسَ بنَ معد يكرب:
وإذا تُجيءُ كَتيبةٌ مَلْمومةٌ ... شَهْباءُ تَجْتَنِبُ الكُماةُ نِزالَها
كَنْتَ المُقدَّمَ غَيْرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بالسَّيْفِ تَضْرِبُ مُعْلَماً أبطالَها
(2/253)

فقال مسلم: قولي أحسنُ من قوله لأنّه وصفه بالخُرْق وأنا وصفتُه بالحَزْم. ويُروى مثلُ هذا لعبد الملك بن مروان مع كُثيِّر عزّة. . .

تحريم الملاهي على المحارب
قال معاوية رضي الله عنه: ما ذقتُ أيَامَ صفِّينَ لحماً ولا حَلْواءَ بل اقتصرت على الخبز حتى فرغت. وكتب عامل اليمن إلى عبد الملك بن مروان في وقت محاربته عبد الرحمن بن الأشعث: إنّي قد وجّهت إلى أمير المؤمنين بجاريةٍ اشتريتُها بمالٍ عظيم، ولم يُرَ مثلُها قطُّ، فلما دُخل بها عليه رأى وَجْهاً جميلاً وخَلْقاً نبيلاً، فألقى إليها قضيباً كان في يده فنكَسَتْ لتأخذَه، فرأى جِسْماً قد بهره، فلما همَّ بها أعلَمَه الآذِنُ أنَّ رسولَ الحجّاج بالباب فأذِنَ له، ونَحّى الجارية، فأعطاه كتاباً من عبد الرحمن، فكتب إليه عبد الملك كتاباً، ثمَّ بات يُقلِّبُ كفَّ الجارية ويقول: ما أفدْتُ فائدةً أحبَّ إليَّ منك، فتقول: فما بالك يا أمير المؤمنين وما يَمْنعك؟ فقال: يمنعني ما قاله الأخطل، لأنّي إنْ خَرَجْتُ منه كنت ألأمَ العَربِ:
قومٌ إذا حارَبوا شَدُّوا مآزِرَهُمْ ... دونَ النِّساءِ ولَوْ باتَتْ بِأطْهارِ
فما إليكِ سبيلٌ أو يحكمَ اللهُ بيني وبين عبدِ الرحمنِ بن الأشعث، فلم يَقْرَبْها حتّى قُتلَ عبد الرحمن قول الأخطل: ولَوْ باتت بأطهار،
(2/254)

يعني: أنّه يجتنِبُها في طُهْرها وهو الوقت الذي يستقيم له غِشيانُها فيه. وفي هذا المعنى يقول الأعشى من كلمة له يمدح بها هَوْذةَ بن علي الحنفيّ:
وفي كلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوةٍ ... تَشُدُّ لأقْصاها عَزيمَ عَزائِكا
مُوَرِّثةً مالاً وفي الحَيِّ رِفْعةً ... لِما ضاعَ فيها من قُروءِ نسائِكا
جاشم اسم فاعل جَشِمَ الأمرَ - بالكسر - تكلَّفه على مشقَّةٍ، والعزيمُ كالعزيمة مصدر عَزَمَ على الأمر: جَدَّ في عمله، والعزاء: الصبر. يقول الأعشى: أنت في كل عام تكلِّف نفسَك الغزوَ واقتحامَ مكارهِه تَشدُّ وتوثِّق عزيمةَ صبْركَ لأقْصاها، أي أبعدها وأعلاها، أو غايتها ومنتهاها، وهذه الغزوات تورثك مالاً كثيراً بغنائِمِها، ورِفْعةً لك في الحيِّ. والقُروء جمع قَرْء وهو: الطُّهر هنا، وقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} اختلف العلماء فقال الحجازيّون القُروء: الأطهار، وقال أهل العراق الحيضُ، أما في قول الأعشى فالقُروء الأطهار لا الحيض لأن النساء إنّما يؤتَيْنَ في أطْهارِهَنَّ لا في حيضهنَّ فإنّما ضاع بغزوه وغلبتِه عنهنَّ أطهارُهُنَّ. هذا واللام في قوله: لِما ضاع فيها لامُ العاقبة مثلها مثل اللام في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وقوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} هذا وقوله تعالى {ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} قال الأصمعي: جاء هذا على غير القياس والقياس: ثلاثة أقْرُء ولا يجوز أن يقال ثلاثة فلوس، إنما يقال: ثلاثة أفلُس فإذا أكثرت فهي الفلوس، ولا يقال: ثلاثة رجال إنما هي ثلاثة رَجِلَةٍ ولا يقال ثلاثة كلاب إنَّما هي ثلاثة أكلُب. وقال النحويون: في قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} أراد بها ثلاثةً من القروء
(2/255)

طائفة من عبقرياتهم في الصلح
والتحذير من الحرب
قال عزَّ وجلَّ: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}. السِّلْمُ: الصلح، بفتح السين وكسرها، وتُذَكَّر وتؤنث، وقال: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} نزلت هذه الآية الكريمة في قتالٍ حدث بين الأوس والخزرج في عهده عليه الصلاة والسلام بالسَّعَفِ والنِّعال، والجمع في اقتتلوا باعتبار المعنى فإنّ كلَّ طائفةٍ جمع، وبغت: تعدّت، وتفيء: ترجع، وأقسطوا: اعْدِلوا.
ومن كلامِهم: الحَرْبُ صعبةٌ مُرَّة، والصلح أمنٌ ومسرَّة.
ومنه: إيّاك والمعاداةَ، فإنك لن تَعْدِمَ مَكْرَ حَليمٍ، أو مُفاجأةَ لئيم.
ومنه: لا تستثيروا السِّباعَ مِنْ مرابضها فتندموا، وداروا الناسَ في جميع الأحوال.
ومنه: الفتنة نائمةٌ، فمَنْ أيقظَها فَهْوَ طَعامها الفتنة هُنا: ما يقع بين الناس من القتال
والحروب. وقال زهير بن أبي سُلمى في معلقته:
وما الحَرْبُ إلا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ ... وما هُوَ عَنْها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبْعَثوها تَبْعَثوها ذَميمةً ... وتَضْرَ إذا ضَرَّيْتُموها فَتَضْرَمِ
فتَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحى بِثِفالِها ... وتَلْقَحْ كِشافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ
(2/256)

فَتُنْتَجْ لكُمْ غِلمانَ أشأمَ كُلُّهُمْ ... كَأحْمَرِ عادٍ، ثمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
فتُغْلِلْ لكُمْ ما لا تُغِلُّ لأهْلِها ... قُرًى بِالعِراقِ مِنْ قَفيزٍ ودِرْهَمِ
إلى أن قال:
ومَنْ يَعْصِ أطْرافَ الزّجاجِ فإنَّه ... يُطيعُ العَوالي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْذَمِ
المُرَجَّم من الحديث: المَقولُ بطريق الظَّنِّ لا عن تحقيق، يقول: وما حديثي عن الحرب وتخويفكم أهوالَها بالحديث المفترى، وإنّما أنتم قد علمتم ويلاتِ الحرب وذُقتموها فلا تقربوها؛ وضَرِيَ يَضْرَى: اشتدَّ حِرْصُه والتَّضْرية: الحمل على الضّراوة. وضَرِمَتِ النارُ تَضْرَم: التهبت يقول: متى تَهيجوا الحربَ تَهيجوها مذمومةً، أي تُذمّون على إثارتها، ويشتد حرصها إذا حملتموها على شدة الحرص فيشتد حَرُّها وتلتهب نارها، يحثّهم على التمسُّك بالصلح وينذرهم بسوء عاقبة إيقاد نار الحرب. وقوله: فتعرككم ألبيت، فالعَرْك: الدَّلك، والثِّفال: الجلدُ أو الخرقة تُوضعُ تحت الرّحى ليقعَ عليها الطحين، والباء في بثِفالها بمعنى مَع، واللّقاح: حمل الولد يقال: لَقِحَتِ الناقةُ تَلْقَحُ: إذا حملت، وتلقح كِشافاً: أي تلقح لِقاحاً كِشافاً، بأن تحمل في عامين متواليين وتُتْئم: أي تأتي في كل مرّة بتَوْءَمين، يقول: إذا هجتم الحرب طحنتكم طحنَ الرّحى الحَبَّ مع ثِفالها وتطول شِدّتُها وويلاتُها وتتولّد من جرّائها صنوفٌ وضروب من الأهوال والشرور، ومثلها في ذلك مثل الناقة تحمل حَمْلَيْن في عامين مُتواليين ثم لا تلدُ إلا تَوْءَمين، جعل إفناءَ الحربِ إيّاهم بمنزلة طحن الرّحى الحبَّ وجعل صنوفَ الشرِّ تتولد من الحرب بمنزلة الأولاد الناشِئة من الأمَّهات وبالغ في وصفها باستتباع الشرِّ شيئين: أحدهما جَعْلُه إيّاها لاقِحة كِشافاً،
(2/257)

والآخر إتْآمُها. وأشأم مَصدرٌ من الشّؤم، على وزْنِ أفْعل، أو صفة لمَحذوف، وأحمرُ عاد: لقب لعاقِرِ ناقة صالح عليه السلام نبيِّ ثمود واسمه قِدار، وكان عقْرُه لهذه الناقة شُؤماً على قومه، ويريد بعاد ثمودَ إمّا توهُّماً وخطأً وإمّا لأنَّ ثمودَ مِن عاد، يقول: إنّ هذه الحرب تطول ويلاتُها وشرورُها وتنتج
لكم غِلمانَ شؤمٍ أو غِلمانَ أبٍ أشأم شؤم قِدار عاقر الناقة، ثم تعيش هذه الغلمان فترضعهم الحرب وتفطمهم، وكل ذلك كنايةٌ عن طول ويلات الحرب وطول شرورها. وقوله: فتغلل لكم. . . ألبيت يقول: فتغلُّ لكم هذه الحرب ضُروباً من الغَلاّت ليست كغلات قرى العراق من الحبِّ الذي يُكال بالقفيز، أو من ثمن الغلة وهي الدراهم، يعني: أن المضارّ المتولِّدة من هذه الحرب تُربي على المنافع المتولدة من هذه القرى، وكل هذا حثٌّ منه لهم على الاعتصام بعُرى الصلح وزجرٌ عن إيقادِ نارِ الحرب التي تلك أفاعيها وأهوالها. وقوله: ومن يعص. . . ألبيت فالزجاج جمع زِجّ وهو الحديدُ المُرَكّب في أسفل الرمح، واللَّهْذمُ: السِّنانُ الطويل يقول: من يعصِ أطرافَ الزّجاج أطاع عوالي الرّماحِ التي رُكّبت فيها الأسنة الطّوال الحادّة والمعنى: من أبى الصُّلْحَ ذلّلته الحربُ وليَّنَتْه، وكانت العرب إذا التقت فئتان منهم سَدَّدت كلُّ طائفة منهما نحو صاحبتها زجاج الرِّماح وسعى الساعون في الصلح، فإن أبتا إلا التمادي في القتال قلبت كل واحدة منهما الرّماحَ واقتتلتا بالأسنّة. وقال كثَيِّر:
رَمَيْتَ بأطْرافِ الزِّجاجِ فلَمْ يُفِقْ ... مِنَ الجَهْلِ حتَّى كلَّمَتْه نِصالُها
وخطب بعضهم خُطبةً طويلةً لصلح أمّة، فقال له رجل: أنت مُذِ اليوم ترعى في غير مَرْعاك. . . أفلا أدُلُّك على المقال؟ فقال: نعم فقال:
(2/258)

أمّا بعد فإنَّ الصُّلْحَ بقاءُ الآجال، وحفظ الأموال، والسلام. فلمّا سمع القوم ذلك تعانَقوا وتَواهبوا الدِّيات. وكتب سَلْمُ بن قتيبةَ بنِ مسلم إلى سعيد المُهلَّبي لما تحاربا بالبصرة:
خُذوا حَظَّكُمْ مِنْ سَلْمِنا إنَّ حِزْبَنا ... إذا زَبَنَتْه الحَرْبُ: نار تَسَعَّرُ
وإنّي وإيّاكم على ما يَسوؤُكُمْ ... لَمِثْلانِ أو أنْتُمْ إلى الصُّلْحِ أفْقَرُ
وقال حكيم: دافع بالحرب ما أمكن، فإنّ النفقةَ في كل شيءٍ من الأموال، إلا الحرب، فإنّ النفقة فيها من الأرْواح، عِلاوةً على الأموال.
وقال النابغة الجَعْديُّ:
وتَسْتَلِبُ المالَ الذي كانَ ربُّها ... ضَنيناً بهِ والحَرْبُ فيها الحَرائِبُ
وقد تبعه أبو تمام فقال:
والحَرْبُ مُشْتقّةُ المَعْنى مِنَ الحَرَبِ
الحَرَبُ: أنْ يُسْلبَ الرجلُ مالَه
وقال شاعر يُسمى حلحَلةَ بن قيس الكناني:
دَعاني أشُبُّ الحَرْبَ بَيْني وبينَه ... فقلْتُ له: لا، بلْ هَلُمَّ إلى السَّلْمِ
وهَلا عَنِ الحَرْبِ التي لا أديمُها ... صَحيحٌ وما تَنْفَكُّ تأتي على سُقْمِ
فإنْ يَظْفَرِ الحِزْبُ الذي أنْتَ مِنْهُمُ ... وآبوا بِدُهْمٍ مِنْ سِباءٍ ومِنْ غُنْمِ
(2/259)

فَلا بُدَّ مِنْ قَتلي لَعلّكَ فيهِمُ ... وإلا فَجُرْحٌ ليسَ يَكْني عَنِ العَظْمِ
فلمّا أبى أرْسَلْتُ فَضْلَةَ ثَوْبِه ... إليهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِعَزْمٍ ولا حَزْمِ
فلَمّا رَمانيها رَميْتُ سَوادَه ... ولا بُدَّ أنْ تَرْمي سَوادَ الذي يَرْمي
فبِتْنا على لَحْمٍ من القوم غودِرَتْ ... أسِنَّتُنا فيهِ وباتوا على لَحْمِ
وكانَ صَريعَ الجَهْلِ أوَّلَ وَهْلةٍ ... فبُعْداً لَه مُخْتارَ جَهْلٍ على عِلْمِ

الحرب تصيب جانيها وغير جانيها
العربُ تقول: الحَرب غَشومٌ، لأنها قد تنال غيرَ جانيها.
وتقول:
وليس يَصْلى بنارِ الحَرْبِ جانيها
وأصْبَحَ مَنْ لَمْ يَجْنِ فيها كَذي الذَّنْبِ
وقال الحارث بن عبَّاد:
قَرِّبا مَرْبِطَ النَّعامةِ مِنِّي ... لَقِحَتْ حَرْبُ وائلٍ عَنْ حِيالِ
لَمْ أكُنْ مِنْ جُناتِها عَلِمَ اللهُ وإنِّي بِحَرِّها اليَوْمَ صالِ
قَرِّباها فإنَّ كَفِّيَ رَهْنٌ ... أنْ تَزولَ الجِبالُ قبلَ الرِّجالِ
النّعامة: فرسُه، ولَقِحَتْ: حَمَلَت، وحَرْبٌ لاقِحٌ؛ مثلٌ بالأنْثى الحامل، وعن حيال: بعدَ حيال، أي بعد أن لم تَحْمِلْ، وصَلي بالنار: قاسى حرَّها أو احترق بها
وقال ابن الرُّومي:
رأيْتُ جُناةَ الحَرْبِ غيرَ كُفاتها ... إذا اخْتَلَفَتْ فيها الرِّماحُ الشَّواجِرُ
(2/260)

كَذاكَ زِنادُ النارِ عَنْها بِنَجْوةٍ ... ولكِنَّما يَصْلَى صِلاها المَساعِرُ
المَساعر: جمع مِسْعَرٍ، وهو: ما تُحرّك به النارُ من خشَبٍ ونحوه، ومِسْعَرُ الحرب: مُوقِدُها

الممتنع من الصلح
قال أبو زبيد الطائي - شاعر مخضرم، كان في الجاهلية مقيماً في أخواله بني تغلب بالجزيرة، وفي الإسلام منقطعاً إلى الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط في ولاية الجزيرة وولاية الكوفة، ولم يزل به الوليد حتى أسلم، وقد كان نصرانياً، والأكثر على أنّه مات على نصرانيَّته -:
بَعثوا حَرْبَنا إلَيْهِمْ وكانوا ... في مقامٍ لو أبصروا ورَخاءِ
ثُمَّ لمّا تَشَذَّرَتْ وأنافَتْ ... وتَصلَّوْا منها كَريهَ الصِّلاءِ
طَلَبوا صُلْحَنا ولاتَ أوانِ ... فأجَبْنا أنْ لَيْسَ حينَ بَقاءِ
فلَحا اللهُ طالِبَ الصُّلْحِ منَّا ... ما أطافَ المُبِسُّ بالدَّهْناءِ
لو أبصروا فلو للتمنِّي، ورخاء: عطف على مقام، وتشذَّرت يقال: تشذَّر فلان إذا تهيأ للقتال، وتشذر القوم في الحرب: أي تطاولوا واشْرأبُّوا، وأنافت: زادت، وتصلَّوا: من صَلِيَ النارَ صَلاً، من باب تعب: قاسى حَرّها، والصِّلاءُ ككتاب: حَرُّ النار، وطلبوا صُلْحنا: جواب لمّا، وقوله: ولات أوانِ فللنحويين في تخريجها كلامٌ كثير وأوْجَهُها أنّ أصلَها: ولات أوانَ صُلْحٍ، فحذفت الجملة وبُني أوان على الكسر، وليس حين بقاء: أي ليس الحينُ حينَ بقاء، والبقاء: اسم من قولهم أبْقَيْتُ على فلان إبقاء: إذا رَحِمته وتلطَّفت به، والمشهور
(2/261)

أنّ الاسمَ منه، البُقياء والبَقْوى، ولحا الله: أي قبَّحَ الله، وما أطاف: فما مصدرية ظرفية، وأطاف وطاف: بمعنى دارَ على الشيء، والمبِسُّ حادي الإبل، وهو في الأصل اسم فاعل من أبْسَسْتُ الإبلَ: إذا زَجْرْتَها والدهناء: موضع في بلاد بني تميم
وقال الزِّبرقان:
فلَنْ أصالِحَهُمْ ما دُمْتُ ذا فَرَسٍ ... واشْتَدَّ قَبْضاً على الأسْيافِ إبْهامي

ضارع يطلب الصلح
قال المتنبي:
مَنْ أطاقَ الْتِماسَ شيءٍ غِلاباً ... واغْتصاباً لَمْ يَلْتَمِسْهُ سُؤالاً

التحذير من صغير يفضي إلى كبير
قال الفرزدق:
تَصَرَّمَ عنِّي وُدُّ بكرِ بنِ وائلِ ... وما كادَ عَنّي وُدُّهُمْ يَتَضَرَّمُ
قوارِصُ تأتيني وتَحْتَقِرونَها ... وقدْ يَمْلأ القَطْرُ الإناَء فيُفْعَمُ
يفعم: يمتلئ، والقوارِصُ جمع قارصة: الكلمة المؤذية
وقال آخر:
ذروا الأمرَ الصَّغيرَ وزَمِّلوه ... فتَلْقيحُ الجليلِ من الدَّقيقِ
زمِّلوه: أخفوه
وقال آخر:
قَدْ يَحْقِرُ المَرْءُ ما يَهْوى فيَرْكَبُه ... حتَّى يكونَ إلى تَوْريطِه سَببا
(2/262)

وقال آخر:
إنَّ الأمورَ دَقيقَها ... ممّا يَهيجُ بهِ العَظيمُ
ومن كلامهم: من الحبَّةِ تنبت الشجرةُ العميمة؛ ومن الجَمْرة تكونُ النار العظيمة. والتَّمْرَةُ إلى التَّمْرَةِ تَمْرٌ، والذَّودُ إلى الذَّوْدِ إبل.
وفأوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ ثُمَّ يَنْسَكِبُ
وكَمْ بِذي الأثلِ دَوْحةٌ مِنْ قَضيبِ

طائفة من عبقرياتهم في التهديد والوعيد
قلة غناء الوعيد
من أمثالهم: الصِّدْقُ يُنْبئ عنكَ لا الوعيد، أي: إنّما يُنبئ عدوَّك عنك أنْ تَصْدُقَه في القتال، لا أن تُوعِدَه ولا تُنَفِّذَ ما تُوعِدُه به
وقالوا: من علاماتِ العاقلِ تَرْكُ التَّهْديدِ قبل إمكان الفُرص، وعِنْدَ إمكانِها الوثوبُ مع الثِّقةِ بالظَّفر.
وقالوا:
إنّ الوَعيدَ سِلاحُ العاجِزِ الحَمِقِ
الحَمِق: الأحْمق
وقالوا:
إنَّ الكتائبَ لا يُهْزَمْنَ بِالكُتُبِ

مَنْ يتهدَّد بظهر الغيبِ ولا يُغْني غَناءً
قال عنترة في معلقته:
ولَقَدْ خَشيتُ بأنْ أموتَ ولَمْ تَكُنْ ... لِلَحَرْبِ دائِرةٌ على ابْنَيْ ضَمْضَمِ
(2/263)

الشّاتِمَيْ عِرْضي ولَمْ أشْتِمْهُما ... والناذِرَيْنِ إذا لَمْ ألْقَهُما دَمي
الدائرة: اسمٌ للحادثة، سُمّيت بها لأنها تدور من خير إلى شرٍّ ومن شرٍّ إلى خيرٍ، ثم استعملت في المكروهةِ دون المحبوبة، والدائرة: الهَزيمة والسوء يقال: عليهم دائرة السّوء، وفي الحديث: (فيجعل الدائرةَ عليهم)، أي الدولة بالغلبة والنصر، وقوله سبحانه: {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ}. قيل: الموت أو القتل، وقوله: والناذرين يقول: والموجبان على أنفسهما سفكَ دمي إذا لم ألقهما، يريد: أنّهما يتوعّدانِه حالَ غيبته أما في حال حضوره فلا يتجاسران على ذلك
وقال القُرمطي:
تَتَمنّاني إذا لَمْ تَرَني ... فإذا جِئْتُ قَطَعْتَ القَنْطَرَهْ
يا بَني العبّاسِ مَنْ يَنْصُرُكُمْ ... أصَبِيٌّ أمْ خَصِيٌّ أمْ مَرَهْ
وقال آخر:
كالصَّدى يُسْمعُ مِنْه صوتُه ... فإذا طالَبْتَه لَمْ يَسْتَبِنْ
الصدى: ما يُجيبك من صوتِ الجبلِ ونحوه بمثل صوتك

من لا يبالي بتهديده
قال جرير:
زَعَمَ الفَرَزْدقُ أنْ سَيَقْتُلُ مِرْبَعاً ... أبْشِرْ بِطولِ سَلامةٍ يا مِرْبَعُ
وقال مقاتل بنُ مِسْمع لِعَبّاد بن الحصين: لولا شيءٌ لأخذت رأسَك فقال: أجل، ذلك الشيءُ سيفي. . . .
(2/264)

وقال ابن أبي عُيينة:
فَدَعِ الوَعيدَ فما وعيدُكَ ضائِري ... أطَنينُ أجْنَحةِ الذُّبابِ يَضيرُ
وقال الفرزدق:
ما ضَرَّ تَغْلِبَ وائلٍ أهَجَوْتَها ... أمْ بُلْتَ حَيثُ تَناطَحَ البَحْرانِ
وأبْرقَ رَجلٌ لآخر وأرعد فلمّا زاد أنشد:
قَدْ هَبَّتِ الرّيحُ طولَ الدَّهْرِ واخْتَلَفَتْ ... على الجِبالِ فَما نالَتْ رَواسيها

طائفة من عبقرياتهم
في الهزيمة والخوف وأنّ الفِرارَ لا يقي من الموت
قال جل شأنه: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً} يقول سبحانه: لَنْ ينفعَ الناسَ الفِرارُ فإنه لابد لكل شخص من حتف أنفٍ أو قتل في وقتٍ معيَّن سبق به القضاءُ وجرى عليه القلم، ثم قال جل شأنه: وإن نفعكم الفرار مثلاً فمُتِّعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتُّع إلا تمتيعاً وزماناً قليلاً. وقال سبحانه: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} البروج: الحصون، والمشيَّدة: المرتفعة.
وقال عليٌّ يومَ الجمل: إنَّ الموتَ طالبٌ حثيث، لا يعجزه المُقيم ولا يفوتُه الهارب، وإن لَمْ تُقتلوا تموتوا، وإنَّ أشرفَ الموتِ القتلُ.
ومن أمثال العرب: فلانٌ أجرأُ مِن فارسٍ خَصاف. وخَصاف كقَطام فرسٌ قال النّسّابون: كان مالك بن عَمْرو الغسانيُّ يقال له: فارسٌ خَصاف، وكان من أجبنِ الناس، فغزا يوماً، فأقبل سهمٌ حتّى وقع
(2/265)

عند حافر فرسه فانْغَرَزَ في الأرض وجعل يهتزُّ حيناً فقال: إنَّ لِهذا السَّهمِ سبباً ينجُثُه - يُحرِّكه - فاختفى عنه، فإذا هو قد وقع على نفقِ يربوع فأصاب رأسَه، فتحرَّك اليربوع ساعةً ثم مات، فقال: هذا في جوف جُحْرٍ جاءَه سَهْمٌ فقتله، وأنا ظاهرٌ على فرس! ما المرء في شيءٍ ولا اليربوع، ولا أقْتَلُ إلا بأجلي، ثُمَّ شدَّ عليهم فأنكى في القوم، فكان بعدَ ذلك من أشجع الناس. . . وكان معاويةُ يتمثل بهذين البيتين كثيراً:
أكانَ الجبانُ يَرى أنّه ... سَيُقْتَلُ قبلَ انْقِضاءِ الأجَلْ
فَقَدْ تُدْركُ الحادِثاتُ الجبانَ ... ويَسْلَمُ منها الشُّجاعُ البَطَلْ

تفضيل القتل على الهرب
قال سُقراط لرجل هرب من الحرب: الهرب من الحرب فضيحةٌ! فقال الرجل: شرٌّ من الفضيحة الموت، فقال سُقراط: الحياة إذا كانت صالحةً فمُسَلَّمٌ، وإذا كانت رديئةً فالموتُ
أفضلُ منها.
ولمّا قَتل الاسكندرُ المقدونيُّ ملكَ الهِند قال لحُكمائه: لِمَ مَنعْتم الملكَ مِن الطاعة؟ قالوا: ليموتَ كَريماً ولا يعيشَ تحتَ الذُّلِّ.

الممتنع من الفرار
قالت امرأةٌ من عبد القيس:
أبَوْا أنْ يَفِرُّوا والقَنا في نُحورِهُمْ ... ولَمْ يَبْتَغوا مِنْ خَشْيةِ المَوْتِ سُلَّما
ولَوْ أنّهمْ فَرُّوا لَكانوا أعِزَّةً ... ولكِنْ رَأوْا صَبْراً عَلى المَوْتِ أكْرَما
ولمْ يبتغوا يُروى: ولمْ يرتقوا
(2/266)

المعيَّر بانهزامه
من كلام الحجّاج: ولّيْتُمْ كالإبل الشَّوارِدِ إلى أوطانها، النّوازِعِ إلى أعْطانِها، لا يلوي الشيخ على بَنيه، ولا يسأل المَرْءُ عن أخيه. . . وقال أبو تمام من قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم ويذكر فتح عمُّورية وانْهزام ملكِ الروم:
وَلَّى وقَدْ ألْجَمَ الخِطِّيُّ مَنْطِقَه ... بِسَكْتةٍ تَحْتها الأحشاءُ في صَخَبِ
أحْذى قَرابينَه صَرْفَ الرَّدى ومَضى ... يَحْتَثُّ أنْجى مَطاياهُ مِنَ الهَرَبِ
مُوَكّلاً بِيَفاعِ الأرْضِ يُشْرِفُهُ ... مِنْ خِفَّةِ الخَوْفِ لا مِنْ خِفّةِ الطَّرَبِ
وقال البحتري من أبيات يمدح بها أحمد بن طولون:
تَخَطّى حُزونَ الأرْضِ راكِبَ وَجْهِه ... لِيَمْنَعَ منهُ البُعْدُ ما يَبْذُلُ القُرْبُ
ولَوْ كانَ حُرَّ النّْفسِ والعَيْشِ مُدْبِرٌ ... لَماتَ وطَعْمُ المَوْتِ في فَمِه عَذْبُ
وقال أبو جعفر المنصور لبعض الخوارج: عرّفني: من أشدُّ أصحابي إقْداماً؟ فقال: لا أعرفُهم بوُجوهِهم، فإنّي لَمْ أرَ إلا أقفاءَهم. . .
وقال ابن الروميِّ في سليمان بن عبد الله بن طاهر:
قِرْنُ سُليمانَ قَدْ أضَرَّ بِه ... شَوْقٌ إلى وَجْهِهِ سَيُدْنِفُهُ
لا يَعْرفُ القِرْنُ وَجْهَه ويَرى ... قفاهُ مِنْ فَرْسَخٍ فيَعْرِفُهُ
وقال المتنبي لمَّا أوقع سيف الدّولة ببني عَقيل وقُشير وبَني العجلان
(2/267)

وبني كلاب ويذكر إجفالَهم من بين يديه:
فَلَزَّهُمُ الطِّرادُ إلى قتالٍ ... أحَدُّ سِلاحِهِمْ فيهِ الفِرارُ
مَضَوْا مُتسابقي الأعْضاءِ فيهِ ... لأرْؤُسِهِمْ بأرْجُلِهمْ عِثارُ
لزَّه إلى الشيء: ألجأه إليه وأدناه منه يقول: أحوجهم طِرادُك إيّاهم إلى قتالٍ شديد لم يكن لهم سِلاحٌ يدفعه عنهم غيرُ الفِرار، ثم قال في البيت الثاني: لإسراعهم في الهرب والهزيمة خوفاً من القتل كانت أعضاؤهم كأنّما يسابق بعضُها بعضاً، الأرْجل تسابق الرؤوسَ والرؤوس تسابق الأرجل، وكأنّ الرؤوسَ تتعثر بالأرجل حين تريد الرؤوس الإسراع فتمنعُها الأرجل.
وقال زيد بن علي بن الحسين حين خرج من عند هشامٍ مُغْضباً: ما أحبَّ أحدٌ الحياةَ إلا ذلّ، وتمثَّل:
شَرَّدَه الخَوْفُ فأزْرى به ... كَذاكَ مَنْ يَكْرَه حَرَّ الجِلادِ
قَدْ كانَ في الموتِ لهُ راحةٌ ... والموتُ حَتْمٌ في رِقابِ العِبادِ
شرّده: جعله شريداً طريداً ويقال: شرّد به: إذا سَمَّع به، وأزْرى به: قصَّر به وحقّره وهوَّنه، وحَرّ الجِلاد: شِدَّته، والجِلاد: القتال بالسيوف

ترك اتباع المنهزم
قيل لعلي بن أبي طالب: أنْتَ رجلٌ مِحْرَبٌ وتركب بغلة، فلو اتَّخذت الخيل! فقال: أنا لا أفِرُّ مِمَّنْ كَرَّ ولا أكُرُّ على مَنْ فرَّ. مِحْرَبٌ شديد الحرب شجاع، وكَرَّ على العدو يَكُرُّ: عطف
وأوصى الإسكندر صاحبَ جيشٍ له فقال: حَبِّبْ إلى أعدائِك الهربَ.
(2/268)

قال: كيف أصنع؟ قال: إذا ثَبَتوا جُدَّ في قتالهم وإذا انْهزموا لا تتبعهم.
وعاتب الحجاجُ المهلّب بن أبي صفرة في تركِه أتباعَ الخوارج لمّا انْهزموا، فكتب إليه: أما علمتَ أنَّ الكلبَ إذا أجْحَرَ عَقَرَ. . . .
أجْحَرَ: دخل الجُحْر

الفارّ وقت الفِرار والثابت وقت الثبات
قالوا: الهرب في وقته خيرٌ مِنَ الصَّبْرِ في غير وقته.
وقالوا: مَنْ هرب من معركةٍ فعرف مصيرَه إلى مستقرِّه فهو شجاع.
وقال معاوية يوماً: لقد علم الناسُ أنَّ الخيل لا تَجْري بمثلي، فكيف قال النجاشيُّ:
ونَجَّى ابْنَ حَرْبٍ سابِقٌ ذو عُلالَةٍ ... أجَشُّ هَزيمٌ والرِّماحُ دَواني
فقال عمرو بن العاص له: لقَدْ أعْياني أنْ أعْلَمَ أجَبانٌ أنْتَ أمْ شُجاع؟ فقال:
شُجاعٌ إذا ما أمْكَنَتْني فُرْصةٌ ... وإلا تَكُنْ لي فُرْصَةٌ فَجَبانُ
وقال المهلَّب بن أبي صفرة: الإقدامُ على الهَلكةِ تضييعٌ، كما أنّ
(2/269)

الإحجام عن الفُرْصة عَجْزٌ.
وقال المتوكِّل الخليفة العبّاسي لأبي العيناء: إنّي لأفْرَقُ من لِسانِك! فقال: يا أمير المؤمنين، الكريمُ ذو فَرَقٍ وإحْجام، واللَّئيمُ ذو وَقاحةٍ وإقْدام.
وقال الشاعر:
أقاتِلُ حتّى لا أرى لي مُقاتِلاً ... وأنْجو إذا غُمَّ الجَبانُ مِنَ الكَرْبِ

المتفادي من حضور الحرب
والمحتجُّ لانهزامه بالخوف من القتل
قيل لأعرابيٍّ: ألا تغزو فإنّ الله قد أنذرك؟ فقال: واللهِ إنّي لأبغض الموت على فراشي فكيف أمضي إليه ركضاً!
ورأى المعتصم الخليفة العباسي في بعض متنزّهاته أسداً، فنظر إلى رجل أعجبه زيُّه وقوامُه وسلاحُه فقال له: أفيك خيرٌ؟ فعلم الرجل مرادَه، فقال: لا، فقال: لا قبَّح الله سواك.
واجتاز كسرى في بعض حروبه برجل قد استظلَّ بشجرةٍ وألقى سلاحه وربط دابته فقال له: يا نذل، نحن في الحرب وأنت بهذه الحالة! فقال: أيُّها الملك، إنّما بلَغت هذه السِّنَّ بالتوقِّي، فقال: زِه، وأعطاه مالاً. . . . .
وقيل لرجل: إنك انهزمت! قال: غَضبُ الأميرِ عليَّ وأنا حيٌّ خيرٌ من أنْ يرضى وأنا ميّت. وقال أبو دُلامة:
قالوا: تَقَدَّم قلْتُ: لستُ بِفاعلٍ ... أخافُ على فخّارتي أن تَحَطَّما
(2/270)

فلَوْ كانَ لي رأسانِ أتْلَفْتُ واحِداً ... ولكنَّه رأسٌ إذا زال أعْقَما
ولَوْ كانَ مُبتاعاً لدى السُّوقِ مِثلُه ... فَعَلْتُ ولَمْ أحْفِلْ بأنْ أتَقَدَّما
وقال:
يقولُ ليَ الأميرُ بِغَيْرِ نُصْحٍ: ... تَقدَّمْ حينَ جَدَّ بِنا المِراسُ
وما لي إنْ أطَعْتُك مِنْ حَياةٍ ... وما لي بعدَ هذا الرّاسِ راسُ
وقيل لجبان: لِمَ لا تقاتل؟ فقال: عندَ النِّطاحِ يُغلبُ الكبشُ الأجمُّ الأجم: الذي لا قَرْنَ له، وهذا مثلٌ يضربُ لِمَنْ غلبَه صاحبُه بِما أعدَّ له
وقالوا: الشُّجاع مُلْقًى والجَبانُ مُوقًى، وقال البديع الهمذاني:
ما ذاقَ هَمّاً كالشُّجاعِ ولا خَلا ... بِمَسرَّةٍ كالعاجِزِ المُتواني
وهرب سليمان بن عبد الملك من الطاعون فقيل له: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً}. فقال ذلك القليلَ نُريد.

هارِبٌ يعتذر عن هربه
بأنّه نَبْوَة أو قَدَر
قال زُفَرُ بنُ الحارث وقد فرَّ يومَ مَرْج راهط عن رفيقيه:
أيَذْهبُ يومٌ واحِدٌ إنْ أسأتُه ... بِصالِحِ أيّامي وحُسْنِ بَلائيا
فلَمْ تُرَ مِنِّي زَلَّةٌ قَبْلَ هَذِه ... فِراري وتَرْكي صاحِبيَّ وَرائِيا
وقديماً قال عمرو بن معد يكرب - وكان قد فرّ من بني عبس:
وليسَ يُعابُ المَرْءُ مِنْ جُبْنِ يَوْمِه ... إذا عُرِفَتْ مِنْهُ الشَّجاعةُ بالأمْسِ
وقد تقدَّم قولُ الشاعر الجبان:
(2/271)

قامَتْ تُشَجِّعُني هِنْدٌ فقُلْتُ لَها: ... إنّ الشَّجاعةَ مَقْرونٌ بِها العَطَبُ
لا والّذي مَنَعَ الأبْصارَ رؤيتَه ... ما يَشْتهي المَوْتَ عِنْدي مَنْ لَهُ أرَبُ
لِلْحَرْبِ قومٌ أضَلَّ اللهُ سَعْيَهمُ ... إذا دَعَتْهُمْ إلى نيرانِها وَثبوا
ولَسْتُ مِنْهم ولا أهْوى فِعالَهُمُ ... لا القَتلُ يُعْجِبني مِنْها ولا السَّلَبُ
وجاء في كليلة ودمنة: إنّ الحازمَ يكرهُ القِتالَ ما وجد بُدّاً منه، لأنّ النفقةَ فيه من الأنْفسِ والنفقةَ في غيره من المال. وفي هذا المعنى يقول أبو تمام:
كَمْ بينَ قَوْمٍ إنّما نَفَقاتُهم ... مالٌ وقَوْمٍ يُنْفِقون نُفوسا

المتخلفُ عن قومه
قالوا: الشُّجاعُ يقاتلُ مَنْ لا يَعْرفُه، والجبانُ يَفِرُّ من عِرْسِه، والجوادُ يُعطي مَنْ لا يسأله،
والبخيل يَمْنعُ مِنْ نفسِه. وقال الشاعر:
يَفِرُّ جَبانُ القومِ عَنْ أمِّ نفسِه ... ويَحْمي شُجاعُ القومِ مَنْ لا يُناسِبُهْ
ويُرْزقُ مَعْروفَ الجوادِ عَدُوُّه ... ويُحْرمُ مَعْروفَ البَخيلِ أقارِبُهْ
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه يعيِّر الحارثَ بن هشام حين فَرَّ يوم بدر:
إنْ كُنْتِ كاذِبةَ الّذي حَدَّثْتِني ... فَنَجَوْتِ مَنْجى الحارِثِ بنِ هِشامِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دونَهم ... ونَجا بِرأسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
مَلأتْ بهِ الفَرْجَيْنِ فارْمَدَّتْ بهِ ... وثَوى أحِبّتُه بِشَرِّ مُقامٍ
الطِّمِرّة: الفرسُ الكثيرُ الجري، والفَرْجان: ما بين يديها ورِجْلَيْها وملأتهما: ملأتهما جَرْياً.
وارمدَّت: أسرعت، وثوى: أقام
(2/272)

وقال أبو تمام من قصيدة يمدح بها المعتصمَ ويذكر هزيمة بابك الخُرَّمِيِّ:
ونَجا ابْنُ خائِنِةِ البُعولَةِ لَوْ نَجا ... بِمُهَفْهَفِ الكَشْحَيْنِ والآطالِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ سالِياً لا ناسِياً ... عُذْرُ النَّسِيِّ خِلافُ عُذْرِ السَّالي
خائنة البُعولة: كنايةٌ عن الزانية، والكَشْحان: جانِبا البطن من ظاهر وباطن، والمهفهف: الضامر الدقيق، والآطال جمع إطِل وإطْل كإبِل وإبْل: الخاصرة، والنَّسِيّ: الناسي

من نجا وقد استولى عليه الخوف
قال أبو تمام من قصيدةٍ يمدح بها أبا دُلَفٍ ويذكر هزيمة بابكٍ الخُرَّمِيَّ كذلك:
ظلَّ القَنا يَسْتَقي مِنْ صفِّه مُهَجاً ... إمّا ثِماداً وإمّا ثَرَّةً خُسَفا
مِنْ مُشْرِقٍ دَمُهُ في وَجْهِه بَطلٌ ... وواهِلٍ دَمُهُ للرُّعْبِ قد نُزِفا
فذاكَ قَدْ سُقِيَتْ مِنْه القَنا جُرَعاً ... وذاكَ قدْ سُقِيَتْ مِنْه القَنا نُطَفا
من صفِّه: من صفّ بابك، والمُهج جمع مُهْجة: دم القلب. والثِّماد: الماء القليل، والثرّة: من قولهم: عينٌ ثرّة: كثيرة الماء، والخُسْفُ جمعُ خَسيف وخَسوف: البئر لا ينقطع ماؤها، والواهل الخائف جداً، ونزف: ذهبَ دمُه، وبطل إمّا قرأته بالرفع على أنّ دمه مبتدأ وبطل خبر ولك أن تقرأه بالخفض على أنّه مردود إلى مُشرق ويكون دمه فاعل مشرق وقوله: فذاك. . . . . البيت أراد أبو تمام أن يقول: البطل الذي دمُه في وجهه سَقيْت الرماحَ منه جُرعاً، أي كثيراً والجبان الذي طار دمه من
(2/273)

الفزع سَقيت منه نُطفاً أي قليلاً وقد يُعبّر عن
الكثير بالنُّطفةِ فيكون: الأول مُراداً به الجبان والثاني مُراداً به البطل.
وقيل لرجلٍ تعرَّض له الأسدُ فأفلتَ منه: كيف حالُك؟ قال: سَلِمْتُ غيرَ أنّ الأسدَ خَرأ في سَراويلي. . .
وقالت امرأةٌ من بني المهلّب:
فإنْ ثَبُتوا فَعُمْرُهُمُ قَصيرٌ ... وإنْ هَرَبوا فوَيْلُهُمُ طويلُ

تسلية المُنهزم
قال المتنبي يعتذرُ عن سيف الدولة في هزيمةٍ وَقَعتْ لجماعةٍ من جيشه:
قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسلَمينَ لكُمْ ... خانوا الأميرَ فَجازاهُمْ بِما صَنَعوا
وجَدْتُموهُمْ نِياماً في دِمائِكُمُ ... كأنَّ قَتْلاكُمُ إيّاهُمُ فَجَعوا
لا تَحْسَبوا مَنْ أسَرْتُمْ كانَ ذا رَمَقٍ ... فلَيْسَ يأكُلُ إلا الميِّتَ الضَّبُعُ
وإنَّما عَرَّضَ اللهُ الجُنودَ بِكُمْ ... لِكَيْ يكونوا بلا فَسْلٍ إذا رَجَعوا
فكُلُّ غَزْوٍ إليكُمْ بَعْدَ ذا فلَه ... وكلُّ غازٍ لِسَيْفِ الدَّوْلةِ التّبَعُ
الدُّمستق: قائد جيش الروم؛ و: المُسلَمين - بفتح اللام -: الذين أسلَمهم سيفُ الدَّولة للعدوِّ لتخاذلِهم عَنْه، وقوله: وجدتموهم. . . ألبيت هو بيانٌ لما صَنعوا، وقوله: في دمائكم: أي في دماء قتلاكم وذلك أنهم تخلّلوا قتلى الروم فتلطّخوا بدمائِهم، وألقوا أنفسهم بينهم تشبُّهاً بهم خوفاً من الروم، ثم قال: كأنّهم كانوا مَفجوعين بقتلاكم فهم فيما بينهم يتوجّعون لهم. وقوله: لا تحسبوا من أسَرْتم. . . ألبيت، يقول: ليسَ لكم أن تفخروا
(2/274)

بهؤلاء الذين أسرتم ولا تظنوهم كان فيهم رمقٌ - بقية حياة - وإنّما هم أموات، من الجبن والخوف، وأنتم لخِسَّتكم ودناءة نفوسكم لا تقدرون إلا على أمثالهم، كما أنّ الضَّبُعَ لا تفترس إلا الجثث الميّتة. وقوله: وإنما عرَّض الله. . . البيت يقول: إنّما خذل الله هؤلاء الجنود وجعلهم لكم عِرضة ليطهّر الله عسكرَ سيف الدولة من أمثالهم فيعودَ إليكم بجنودٍ أبطالٍ ليس فيهم فَسْلٌ ولا نذلٌ. وقوله: فكلُّ غزْوٍ إليكم. . . البيت يقول فكلّ غزوة إليكم بعد اليوم تكون له لا عليه لأنّ الأدنياء من جنوده قد أسِروا ولم يَبْقَ إلا المختارون من الأخيار، وكلُّ غازٍ تبعٌ له لأنه سيِّد الغزاة.
ولمَّا انهزم بعضُ القواد دخل عليه بعض الأفاضل فقال: الحمد لله الذي نظر لَنا عليك ولم
ينظر لك علينا، فقد تقدَّمْتَ للشهادةِ بجهدك ولكن علمَ اللهُ حاجَتنا إليكَ فأبقاك لنا.

صدر من عبقرياتهم في الجبن
قال سبحانه وتعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ}. . .
وقالت عائشة رضي الله عنها: (إنّ لله خلقاً قلوبُهم كقلوب الطير، كلَّما خففتِ الريحُ خفقت معها، فأُفٍّ للجبناء، أُفٍّ للجبناء).
ومما قيل في الجبن من الشعر القديم قولُ القائل:
ولَوْ أنَّها عُصْفورةٌ لَحَسِبْتَها ... مُسَوَّمةً تَدْعو عُبيداً وأرْنَما
يقول لَوْ رأيتُ عُصفورةً لحسبتها من جُبنك خيلاً مُسَوّمةً، وعُبيد وأرنم: قبيلتان
(2/275)

ومثله قول عروة بن الورد:
وأشْجَعُ قدْ أدْرَكْتُهمْ فَوَجَدْتُهُمْ ... يَخافونَ خَطْفَ الطَّيْرِ مِنْ كُلِّ جانِبِ
وقال الآخر:
ما زِلْتَ تَحْسبُ كلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ ... خيلاً تَكُرُّ عليْهِمُ ورِجالا
وقال ابن الرومي:
وفارِسٍ أجْبنَ من صِفْرِدٍ ... يَحولُ أو يَغورُ مِنْ صَفْرَهْ
لو صاحَ في الليلِ بهِ صائِحٌ ... لكانَتِ الأرْضُ لهُ طَفْرَهْ
يَرْحَمُه الرَّحْمنُ مِنْ جُبْنِه ... فيَرْزُقُ الجُنْدَ به النُّصْرَهْ
الصِفْرِد: طائرٌ جبان يقال له: أبو المليح
وقال أبو تمام:
حَيْرانُ يَحْسَبُ سَجْفَ النَّقْعِ مِن دَهَشٍ ... طَوْداً يُحاذِرُ أنْ يَنْقَضَّ أوْ جُرُفا
السَّجْفُ: السّتر، والنَّقع: غبارُ الحرب، والطَّود: الجبل، والجُرْف: جانب الجبل الأملس
وقال دِعْبل:
كأنَّ نفسَه مِنْ طولِ حَيْرتِها ... مِنْها على نفسِه يومَ الوَغى رَصَدُ
وأتيَ الحجاجُ برجلٍ من أصحاب ابن الأشعث، فقال للحجّاج: أسألك أن تقتلَني وتخلِّصَني، فقال له الحجاج: لِمَهْ؟ فقال: إنّي أرى كلَّ ليلةٍ في المنام أنّك تقتلُني، وقِتْلةٌ واحدةٌ خيرٌ، فضحِكَ وخلّى سبيلَه.
(2/276)

من يظهر الشجاعة خارجَ الحرب ويجبُنُ فيها
قالوا: فلانٌ يَتَثَعْلَبُ في الهيجاءِ ويَتَنمََّرُ في الرخاء.
وقال دعبل:
أسودٌ إذا ما كانَ يومُ كريهةٍ ... ولكِنَّهُمْ يومَ اللقاءِ ثَعالِبُ
وقال:
عَيْرٌ رأى أسَدَ العَرينِ فراعَه ... حتَّى إذا ولَّى تَولّى يَنْهَقُ
وقال آخر:
يَفِرُّ بِحَيْثُ تَخْتلِفُ العَوالي ... وإنْ يأمَنْ فَذو كِبْرٍ وتيهِ

عبقريات شتى في الشجاعة والحرب
قالوا: أحسنُ ما قيل في وصف الحربِ والمتحاربين قولُ الأول:
كأنَّ الأفْقَ مَحْفوفٌ بِنارٍ ... وتَحْتَ النارِ آسادٌ نَزيرُ
ومما يتصل بذلك ما قيل في ليالي صفّين:
اللَّيْلُ داجٍ والكِباشُ تَنْتَطِحْ ... نِطاحَ أسْدٍ ما أُراها تَصْطَلِحْ
فَمَنْ يُقاتِلْ في وَغاها ما نَجا ... ومَنْ نَجا بِرأسِه فَقَدْ رَبِحْ
(2/277)

وكان يزيد بن عُمَر بن هُبَيرة والي العَراقين من قبل بني أميّة لا يُمِدُّ نَصْرَ بنَ سيّارٍ واليَ خُراسان مِنْ قِبَلهِ بالرجال، ولا يرفع ما يَرِدُ عليه من أخبار خُراسان إلى مروان بن محمد آخر الدولة الأموية، فلمّا كثر ذلك على نصر كتب إليه كتاباً وفيه هذه الأبيات:
أرى خَلَلَ الرَّمادِ وَميضَ جَمْرٍ ... ويُوشِكُ أنْ يكونَ له ضِرامُ
فإنَّ النارَ بالعودينِ تُذْكى ... وإنَّ الحَرْبَ أوَّلُها الكَلامُ
فإنْ لَمْ يُطْفِها عُقلاءُ قَوْمٍ ... يكونُ وَقودَها جُثَثٌ وهامُ
فقُلْتُ مِنَ التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْري ... أأيْقاظٌ أميَّةُ أمْ نِيامُ
قوله: وإن الحرب أولها الكلام نحوه قول بعضهم: إن الفتنة تُلْقَحُ بالنّجوى وتُنْتَجُ بالشّكوى. . .
ومما قيل في كثرة الجيش من قديمِ الشعر قولُ الأخنس بنِ شهاب التَّغلبي وهو ممّن حضرَ حربَ البسوس:
بِجأواَء يَنْفي وِرْدُها سَرَعانَها ... كأنَّ وَميضَ البَرْقِ فيها كَواكِبُ
الجأواء: الكتيبة يَضربُ لونُها إلى الكُلْفة - اللون الكدر - وذلك من صدأ الحديد، والسَّرَعان: الأوائل، يقول: إن المياهَ لا تسعهم والأماكنَ تضيق بهم فكلّما نزلت فرقةٌ منهم رحل مَنْ تقدّمهم
وقول أوس بن حجر:
(2/278)

تَرى الأرْضَ مِنَّا بالفَضاءِ مَريضةً ... مُعَضِّلةً مِنّا بِجَمْعٍ عَرَمْرَمِ
عَضَّلَتِ الأرْضُ بأهْلِها: إذا ضاقت بهم لكثرتهم! وعَضَّلتِ المرأةُ بولدِها تعضيلاً: إذا نَشِبَ الولدُ فَخَرجَ بعضُه ولَمْ يَخْرُجْ بَعْضٌ فبَقِيَ مُعْتَرِضاً
وقال أبو نواس:
أمامَ خَميسٍ أدْجُوانٍ كأنَّه ... قَميصٌ مَحوكٌ مِنْ قنًا وجِيادِ
الأدْجوانُ: الأسود، واشتقاقه مِنَ الدُّجى، ويروى: أرْجُوانٍ، وهْوَ: الأحْمر
وقال ابن الرومي:
فلَوْ حَصَبَتْهُمْ بِالفضاءِ سَحابةٌ ... لَظَلَّ عَلَيْهِمْ حَصْبُها يَتَدَحْرَجُ
وهو من قول قيس بن الخطيم:
لَوَ انَّكَ تُلْقي حَنْظلاً فَوْقَ بَيْضِنا ... تَدَحْرَجَ عَنْ ذي سامِهِ المُتَقارِبِ
البيض جمع بَيضة: الخوذة، سميت بذلك لأنها على شكل بيضة النعام، والحنظل ثمر يشبه البطيخ لكنه أصغر منه جداً ويضرب المثل بمرارته، وقوله: عن ذي سامه، أي على ذي سامه، فعن فيه بمعنى على والهاء في سامه يرجع إلى البيض المُمَوَّه به، أي البيض المُمَوّه بالسام، والسام: عروق الذهب والفضة، وهو هنا الطرائق الْمُذهبة في البيض، قال الإمام ثعلب: معناه: أنهم تراصُّوا في الحرب حتى لو وقع حنظل على رؤوسهم على إمّلاسِه واستواء أجزائه لم ينزل إلى الأرض
وقال أبو عمرو بن العلاء: أحسنُ ما قيل في صفة الجيش قول النابغة:
إنّي لأخشى عليكم أنْ يكونَ لكم ... مِنْ أجْلِ بَغْضائِكُمْ يَوْمٌ كأيّامِ
(2/279)

أوْ تَزجُروا مُكْفهِرّاً لا كِفاَء له ... كالَّليْلِ يَخْلِطُ أصْراماً بأصْرامِ
تَبْدو كواكِبُه والشَّمْسُ طالِعةٌ ... نوراً بِنورٍ وإظْلاماً بِإظْلامِ
أو تزجروا عطف على ما قبله، والمُكْفهِرّ: الجيش العظيم، ولا كِفاءَ له: لا نظير له، ويخلط أصراماً بأصرام إمّا جعلته صفةً لليل والأصْرام جمعُ صريم وهو الليل المظلم فيكون المعنى يخلط مُظلماً بمظلم، وإمّا جعلته صفةً للجيش فيكون المعنى: يخلط كلّ حي بقبيلته خوفاً من الإغارة عليه، وقوله تبدو كواكبه. . . البيت يريد: شِدّة الهول والكرب، وهذا كما تقول العامة: أرَيْتُه النُّجومَ وسطَ النهار.
قال الفرزدق:
أريكَ نُجومَ اللّيلِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ
وقال طرفة:
وتُريكَ النَّجْمَ يَجْري بالظُّهُرْ
وفي هذا المعنى يقول جرير:
والشَّمْسُ طالِعةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفةٍ ... تبكي عليك نُجومَ الليلِ والقَمَرا
يقول: إن الشمس طالعة وليست بكاسفة نجومَ الليل، لشدة الغم والكرب الذي فيه الناس، فنجوم مفعولُ كاسفة
قالوا: وأحسنُ من قولِ النابغة قولُ زيد الخيل:
بَني عامرٍ هلْ تَعْرِفونَ إذا غَدا ... أبو مِكْنَفٍ قدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوابِرِ
بِجيشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِه ... تَرى الأكْمَ منه سُجَّداً للحَوافِرِ
وجَمْعٍ كمثلِ الليلِ مُرْتَجِس الوَغى ... كثيرٍ تواليه سَريعِ البَوادِرِ
قوله: قد شدَّ عقدَ الدوابر أراد: شدَّ دوابِرَ البَيْضة - أي مآخيرَها - بالدَّرْع لئلا تسقط إذا ركض الفارس: وقوله: تضلُّ البلق في حَجراته فحَجَراته: نواحيه جمعُ حَجْرة يقول: لكثرته لا يُرى به الأبلق
(2/280)

والأبلقُ مشهورُ المنظر لاختلاف لونَيْه - السواد والبياض - وكان رؤساء العرب لا يركبون البُلْقَ في الحرب لئلا تنِمَّ عليهم فيُقْصَدوا بشرّ، وقوله: ترى الأكْمَ منه سجداً للحوافر يقول: لكثرة الجيش يَطْحَن الأكم حتّى يُلْصقَها بالأرض:
يَدَعُ الأكامَ كأنَّهن صحارى
وقوله: كمثل الليل يريد: ظلمةً يكاد سوادُه لكثرته يسدُّ الأفق، والوغى: الأصوات، والارتجاس: صوت الشيء المختلط العظيم كالجيش والرعد، والتوالي: اللواحق
ومن بارع ما قيل في الكيد في الحرب قولُ أبي تمام:
هَزَزْتَ له سَيْفاً من الكيدِ إنّما ... تُجَذُّ به الأعْناقُ ما لَمْ يُجَرَّدِ
يَسُرُّ الذي يَسْطو به وهْوَ مُغْمَدٌ ... ويَفْضَحُ مَنْ يَسْطو بهِ غيرَ مُغْمَدِ
يقول: إن أخفيت الكيدَ ظفِرْتَ وسُررت، وإن أظهرته افتِضِحْت وخِبْتَ
وقال يصف أفاعيل رُمْح الممدوح في أعدائه:
أنْهَبْتَ أرْواحَه الأرْماحَ إذْ شُرِعَتْ ... فَما تُرَدُّ لِرَيْبِ الدَّهْرِ عَنْه يَدُ
كأنَّها وهْيَ في الأوْداجِ والِغةٌ ... وفي الكُلى تَجِدُ الغَيْظَ الذي تَجِدُ
مِنْ كُلِّ أزْرقَ نَظَّارٍ بلا نَظَرٍ ... إلى المَقاتلِ ما في مَتْنِه أوَدُ
كأنَّه كانَ خِدْنَ الحُبِّ مُذْ زَمَنٍ ... فلَيْسَ يُعْجِزُه قَلْبٌ ولا كَبِدُ
(2/281)

ما غُزي قومٌ قطّ في عقر دارهم إلا ذلُّوا
ومِنْ خُطْبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد انتهى إليه: أنّ خيلاً لمُعاويةَ وردت الأنبارَ فقتلوا عاملاً له يُسمى حسانَ بن حسان، فخرج مُغْضباً يَجُرُّ ثوبَه حتى أتى النُّخيلة واتّبعه الناس فَرقِيَ ربارةً من الأرض فحَمِد اللهَ وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال:
أمّا بعدُ فإنّ الجِهاد بابٌ من أبواب الجنة، فمَنْ تركَه رغبةً عنه ألبسهُ اللهُ الذُّلَّ، وسيمَ الخَسْفَ، ودُيِّثَ بالصَّغار، وقد دعوتكم إلى حربِ هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسِرّاً وإعْلاناً وقلتُ لكم: اغْزوهم من قبلِ أن يغزوكم فوَ الذي نفسي بيده: ما غُزيَ قومٌ قطُّ في عُقْرِ دارِهم إلا ذلّوا، فتخاذلتم وتواكلتُم وثقُلَ عليكم قولي واتَّخذْتُموه وراءَكم ظِهْريَّاً، حتّى شُنَّت عليكم الغاراتُ، هذا أخو غامِدٍ قد وردت خيلُه الأنبارَ وقَتلوا حسانَ بن حسان ورجالاً منهم كثيراً ونساءً، والذي نفسي بيده لقد بلغني أنّه كان يُدْخلُ على المرأة المسلمة والمُعاهدة فتُنْتزع أحْجالُهما ورُعْثُهما ثم انصرفوا
(2/282)

موفورين لم يُكْلَمْ منهم أحدٌ كلْماً، فلو أنّ امْرأً مُسلِماً مات من دون هذا أسَفاً ما كان فيه مَلوماً بل كان به عندي جَديراً. يا عجباً كلَّ العجب، عجبٌ يميتُ القلبَ ويشغل الفهمَ ويُكثر الأحزان، مِنْ تضافرِ هؤلاء القوم على باطِلهم وفَشلِكم عن حقِّكم حتّى صَبحتم غَرضاً تُرْمَوْنَ ولا تَرْمونَ، ويُغارُ عليكم ولا تُغيرون، ويُعْصى اللهُ عزَّ وجلَّ فيكم، ولا تَرْضَوْن، إذا قلتُ لكم: اغزوهُمْ في الشتاء قلْتُمْ: هذا أوانُ
قُرٍّ وصِرٍّ، وإنْ قلت لكم: اغزوهم في الصّيف قلتم: هذه حَمارّةُ القَيظِ أنْظِرْنا يَنْصرمُ الحَرُّ عَنّا، فإذا كنتم من الحرّ والبرد تفِرّون فأنتم واللهِ من السيف أفرُّ، يا أشباهَ الرجالِ ولا رجال، ويا طَغامَ الأحلامِ، ويا عُقولَ ربَّاتِ الحِجالِ، واللهِ لقد أفسدتم عليّ رأيِي بالعِصْيان، ولقَدْ ملأتم جوفي غَيْظاً، حتّى قالت قريشٌ: ابن أبي طالب رجلٌ شجاعٌ ولكن لا رأيَ له في الحرب! لله درُّهم، ومن ذا يكون أعلمَ بها منِّي أو أشدَّ لها مِراساً! فو الله لقد نهضْتُ فيها وما بلغت العشرين. ولقد نَيَّفْتُ اليوم على الستّين ولكن لا رأيَ لِمَنْ لا يُطاع. . . وإليك شرح بعض ألفاظ هذه الخطبة الخالدة، قوله: وسيم الخسف معناه: كُلِّف وألزِمَ وجُشِّم قال تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ}. أي يُجشمونكم أشدَّ العذاب، فسيم: كُلِّف وألزم، والخسف: الذلُّ والهوان، وأصله أن تُحبسَ الدابَّة على غير علفٍ ثم استُعيرَ فوُضِعَ موضعَ الهوان: ودُيِّث: ذُلّل. ومنه اشتقاق الدّيّوث وهو: الرجل الذي لا غيرةَ له. وقوله: في عُقر دارهم: أي في أصل دارهم، والعُقر: أصل كلِّ شيء ومن ثمّ قيل. لفلان عَقارٌ: أي أصل مالٍ يعتمد عليه من منزل وضيعة ونخيل ونحو ذلك. وقوله: وتواكلتم يقال: وكَلْتُ
(2/283)

الأمرَ إليك ووَكَلْتَه أنْتَ إليَّ: أي لم يتولَّه واحدٌ منّا دونَ صاحبِه ولكن أحالَ به كلُّ واحدٍ منّا على الآخر: وقوله: {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً}: أي رميتُم به وراءَ ظهوركم، أي لم تلتفتوا إليه، ويقال في المثل: لا تجعل حاجتي منك بِظَهْرٍ: أي لا تطرحها غير ناظِرٍ إليها، وقوله: حتّى شنَّت عليكم الغارات: أي صُبَّت وبُثَّت عليهم من كلِّ وجه. وقوله: فتنتزع أحْجالَهما يعني: الخلاخيل واحدُها حِجل. والرُّعْث: جمع رعاث جمع رَعْثة والرَّعْثة: الشَّنْفُ أي القُرْط الذي يُوضع في الأذن، وقوله: وانصرفوا موفورين أي: لم يُرْزؤا، أي لم يُصابوا ولَمْ يُنلْ أحدٌ منهم في بَدنِه ولا مالِه. ولم يُكْلمْ أحدٌ منهم أي لم يُخْدشْ أحدٌ منهم خدشاً. وكلُّ جرحٍ صغر أو كبرَ فهو كَلم. وقوله مات من دون هذا أسفاً يريد: تَحَسُّراً. وقوله: من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم أي: مِنْ تَعاونهم وتظاهُرهم. ويقال: فشل فلان عن كذا: إذا هابَه جُنباً وفزعاً فأحْجم عنه وامتنع من المضيِّ فيه. والقُرّ - بضم القاف - البَرْد أما القَرَّ - بالفتح - فهو اليوم البارد. والصِّرّ - بكسر الصاد - شِدّة البرد. قال تعالى: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ}. والقيظ: الصيف، وحَمارَّتُه: اشتدادُ حَرّه واحتدامُه. والطَّغام: مَن لا عقلَ له ولا معرفة عنده. وقوله: ويا عقول ربّات الحِجال: فالحِجال جمع الحَجَلة وهْي كالقُبّة وبيت
للعروس يزيّن بالثياب والسُّتور، ينسبهم إلى ضعف النساء
ومِنْ روائعِ الشعرِ القديمِ في باب الحثِّ على الإقدام والذّودِ عن الذِّمارِ ووصف الأبطال والمُتخاذِلين المُتباطئين قولُ شاعر من بني العنبر اسمُه
(2/284)

قُرَيْطُ بنُ أُنيف - شاعر إسلامي - وكان ناسٌ من بَني شيبان قد أغاروا عليه فأخذوا له ثلاثينَ بعيراً فاستنجد قومَه فلم يُنْجدوه فأتى مازنَ تميم فركب معه نفرٌ فأطْرَدوا لبني شيبان مائةَ بعيرٍ فدفعوها إليه فقال هذه الأبياتَ التي افتتح بها أبو تمام حماسته:
لَوْ كُنْتُ مِنْ مازنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلي ... بَنو الشّقيقةِ مِنْ ذُهْلِ بنِ شَيْبانا
إذاً لَقامَ بِنَصْري مَعْشَرٌ خُشنٌ ... عِندَ الحَفيظةِ إنْ ذو لَوْثةٍ لانا
قَوْمٌ إذا الشَّرُ أبْدى ناجِذَيْه لهُمْ ... طاروا إليهِ زَرافاتٍ ووُحْدانا
لا يَسْألونَ أخاهُمْ حينَ يَنْدُبُهُمْ ... في النائِباتِ على ما قالَ بُرْهانا
لكِنَّ قَوْمي وإنْ كانوا ذَوي عَددٍ ... لَيْسوا مِنَ الشَّرِّ في شَيْءٍ وإنْ هانا
يَجْزونَ مِنْ ظُلْمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرةً ... ومِنْ إساءةِ أهْلِ السّوءِ إحْسانا
كأنَّ ربَّكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِه ... سِواهُمُ مِنْ جَميعِ النّاسِ إنْسانا
فلَيْتَ لي بِهِمُ قوماً إذا رَكِبوا ... شَنُّوا الإغارةَ فُرْساناً ورُكْبانا
بنو الشقيقة هي الروايةُ الصحيحةُ وإنْ كانت رواية شُرّاح الحماسة: بَنو اللقيطة، والشقيقة: امْرأةٌ من بَني ذُهْلِ بن شَيْبان، وبَنوها كانوا سيَّارةً مَرَدةً ليس يأتون على شَيْءٍ إلا أفسدوه، وأما اللقيطةُ فهْي امرأةٌ من فَزارة، هكذا زعم أبو محمد الأعرابيّ. والاستباحة: في معنى الإباحة وهي شِبْه النُّهْبَى، استباحه: انتهبَه حتّى لكأنّه مُباحٌ لا تَبِعَةَ عليه فيه، وخُشن جمع أخْشن وهو من صفات الرِّجال مَثَلٌ يُراد به امتناعُ الجانب وإباءُ الضَّيْم. ورجلٌ ذو لوثة: بطيءٌ مُتَمَكّث ذو ضعفٍ واسترخاء، يقول: لو لم أكن من بني العنبر وكنت من بني مازن ثمّ نالني من بني الشقيقة ما نالني من استباحتِهم إبلي لكان لي منهم من ينصُرُني عليهم ويأخذ بحقِّي اقتِساراً منهم
(2/285)

إذا لأن ذو الضَّعف والوهن فلم يدفع ضَيْماً ولم يحمِ حقيقة، ومُراد الشاعر تَهْييجُ قومِه على الانتقام له من أعدائه لا إلى ذَمِّهم، والحفيظة: الغضب والحميّة والمنع للشيء الذي ينبغي أن يُحافَظَ عليه. وقوله: قومٌ إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم فإبداءُ الشرّ نواجذَه مثلٌ لشدّته وصَوْلته، وذلك أن السَّبُعَ إذا صال أو شدَّ كَشّر عن أنْيابِه، فشبَّه
الشَّرَّ به في حال شدّته، وطاروا إليه يريد: أسرعوا إليه، ووُحْدانا جمع واحد كراكب ورُكبان، والزَّرافات: الجَماعات، يقول في هذا البيت. إنهم لحرصهم على القتال وحبّهم إيّاه لا ينتظر بعضُهم بعضاً، لأنّ كُلاًّ منهم يعتقد أنّ الإجابة تعيَّنَتْ عليه، فإذا سَمِعوا بذكر الحرب أسرعوا إليها مُجتمعين ومُتفرِّقين، ومثله قول حُمَيْد بن ثور الهلاليّ الصَّحابي:
قَوْمٌ إذا هَتَفَ الصَّريخُ رأيْتَهُمْ ... ما بينَ مُلْجِمِ مُهْرِه أو سافِعِ
وقوله: لا يسألون أخاهم. . . البيت يقول: إذا دُعوا إلى الحرب أسرعوا إليها غير سائلين من دعاهم لها، ولا باحثين عن سَببها، لأنّ الجبانَ رُبّما تعلَّل بذلك فتباطأ عن الحرب. ونحوه قولُ سلامة بن جندل:
إنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ... كانَ الصراخَ لهُ قَرْعُ الظّنابيبِ
يقول سلامة: إذا دعانا إلى إعانته أجَبْناه إليها مُجدّين، والظُّنوب: عَظْمُ الساق، يقال: قَرَعَ لهذا الأمرِ ظُنوبَه: إذا جدَّ فيه
(2/286)

وقوله: لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عدد. . . . ألبيت وصف قومه بأنهم يؤثرون السلامة والعفو عن الجُناة ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ولو أرادوا الانتقام لقَدَروا بعددهم وعُدَدِهم. هذا إذا كان الشاعر لا يريد كما قلنا هجاءَ قومِه وإنّما يريد حثَّهم على الانتقام، أمّا إذا كان يريد ذمَّهم فإنّه يهجوهم ويعيِّرهم بالجُبن في هذا البيت. وقوله: كأنَّ ربك. . . . البيت تهكُّمٌ منه وسخرية. ومعنى قوله: فُرْسانا ورُكباناً: أنهم كانوا يُقاتلون على الخيل والإبل، ومِنْ ذا قولُ عمرَ بن الخطاب لسعدِ بن أبي وقّاص في حرب القادسية: أخبرني: أيُّ فارسٍ كانَ أشْجْعَ؟ وأيُّ راكبٍ كانَ أشدَّ غَناءً؟ وأيُّ راجِلٍ كانَ أصْبر؟ فذَكَرَهُمْ له وميَّزَهم.
ومن طريفِ أبياتِ الحماسة التي أوردها أبو تمام في حماسته والمبرِّد في الكامل أبياتٌ قال المبرّد: إنّها لأعرابيٍّ من بني سعد ونَسبها أبو تمام إلى الهُذْلول بنِ كعب العنبري - وكلاهما شاعر جاهلي - وكان هذا القائل مُمْلَكاً - أي عُقِدَ له على امرأة ولم يبتنِ بها - فنزل به أضيافٌ فقامَ إلى الرَّحى فطَحَنَ لهم، فمرَّت به زوجتُه في نِسوةٍ، فقالت لهن: أهذا بعلي؟ فأُعْلِمَ بذلك فقال:
تَقولُ: وصَكَّتْ نَحْرَها بِيَمينِها: ... أبَعْلِيَ هَذا بالرَّحى المُتقاعِسُ؟
فقُلْتُ لَها: لا تَعْجَلي وتَبَيَّني ... فَعالي إذا التفَّتْ عليَّ الفوارِسُ
ألَسْتُ أرُدُّ القِرْنَ يَرْكَبُ رَدْعَه ... وفيهِ سِنانٌ ذو غِرارَيْنِ نائِسُ
(2/287)

وأحْتَمِلَ الأوْقَ الثَّقيلَ وأمْتَري ... خُلوفَ المَنايا حينَ فرَّ المُغامِسُ
وأقْري الهُمومَ الطَّارِقاتِ حَزامَةً ... إذا كَثُرَتْ للطَّارِقاتِ الوَساوِسُ
إذا خامَ أقْوامٌ تَقَحَّمْتُ غَمْرَةً ... يَهابُ حُمَيَّاها الأكَدُّ المُداعِسُ
لَعَمْرُ أبيكِ الخيرِ إنّي لَخادِمٌ ... لِضَيْفي وإنّي إنْ رَكِبْتُ لَفارِسُ
وإنّي لأشْري الحَمْدَ أبْغي رَباحَه ... وأتْرُكُ قِرْني وهْوَ خَزْيانُ ناعِسُ
القَعَس: دخول الظهر وخروج الصدر، وهو نقيض الحَدَب، وقول المرأة: أبعلي هذا؟ إشارةُ تحقيرٍ، تعْجَبُ ممّا رأت، وقوله: بالرحى المتقاعس فإنّ بالرحى تبيينٌ ومعنى ذلك أن كلمة المتقاعس تدلُّ على أنّ هناك تقاعساً ولمّا قال بالرّحى دلّ ذلك على أنّ التقاعسَ حدث بالرحى، ولم يُرِدْ أن يُعمِلَ المتقاعسَ في قوله بالرحى لأنّ ذلك على ما قال النحاةُ ممنوعٌ، لأنّ أل في المتقاعس اسمٌ موصول كالذي وبالرحى صلة ولا يجوزُ أن تتقدم الصلةُ على الموصول. وقوله: ألَسْتُ أردُّ القِرْنَ يركب رَدعه، فالقِرن: من يقاومك في قتال، وقوله: يركب رَدْعه، قيل: الردع ههُنا: الدَّمُ على سبيل التشبيه برَدْعِ الزّعفران، ومعنى ركوبه دمَه: أنّه جُرح فسال دمُه فسقط فوقَه مُتّشحاً به، وقيل: الرَّدْع: العنق أي سقط على رأسه فاندقّت عُنُقُه، وقيل معناه: صُرع منكوساً رأسُه
(2/288)

أسْفلَه، مِن ارْتدعَ السّهمُ: إذا رَجعَ النَّصلُ متأخراً في السِّنْخ. وذو غِرارين: ذو حَدَّين، ونائِس: مُضطرب، من ناسَ يَنوسُ: إذا تحرّك واضطرب، وتُروى: يابس ومعناه: صُلْبٌ ذكرٌ لا تأنيثَ فيه. والأوْقُ: الثِّقل وقد آقَ عليه يَؤوق: مال بِثِقَلِه، ووصفه بالثقيل مبالغةٌ. والخُلوف جمع خِلْف - بالكسر - وهو في الأصل: ضَرْعُ الناقة، وامتراؤه: استخراج ما فيه من اللبن. يريد: أنه يستخرج خبيئاتِ المنايا بأفاعيلِه المُدهشة وقد جدَّ الخطبُ واشتدّت الحرب، والمُغامس: الذي ينغمس في لُجّة الحرب لا يبالي أصابَ أم أصيب، وقوله: وأقري الهمومَ الطارقاتِ حَزامة. . . ألبيت يقول: أحزمُ عندها إذا اشتدّت وكثُرت أحاديثُ النفسِ بها. وخام: جَبُنَ ونَكَصَ يقال: خامَ عن القتال يَخيم خَيْماً وخيماناً: جَبُنَ. والحُمَيّا: صدْمةُ الشرِّ، والألدُّ في الأصل: الشديدُ الخصومة الذي يَحيد عن الحق، والمُراد هنا الذي لا ينثني عن الحرب. والمُداعس: المُطاعن يقال: دَعَسَه بالرُّمح: إذا طعنه. والرَّباح مصدر كالرِّبح وقوله: وأترك قرني الخ
يقول: أُهينه فأكسرُه حتّى يَبقى مُطْرِقاً مُتَنَدِّماً كمَنْ غلَبَه النعاسُ، وقيل معنى ناعس: مُشرف على الموت يقال طَعَنْتُ صاحبي فأنَمْتُه: أي قتلتُه.
وقالَتْ ليلى الأخْيَلِيّة وهي من أبيات الحماسة:
لا تَغْزُوَنَّ الدَّهْرَ آلَ مُطَرِّفٍ ... لا ظالِماً أبَداً ولا مَظْلوما
قَوْمٌ رِباطُ الخَيْلِ وَسْطَ بُيوتِهِمْ ... وأسِنَّةٌ زُرْقٌ تُخالُ نُجوما
ومُخَرَّقٍ عَنْه القَميصُ تَخالُه ... وَسْطَ البُيوتِ مِنَ الحَياءِ سَقيما
(2/289)

حتَّى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رَأيْتَه ... تَحْتَ اللِّواءِ عَلى الخَميسِ زَعيما
قولها: لا تَغْزُوَنَّ يروى لا تَقْرَبنَّ وقولها: لا ظالِماً أبداً ولا مظلوما تريد: لا مُبْتَدِئاً لهم بالحرب من غير أن يُحارِبوك ولا مُنْتقماً مِنْهم إنْ حاربوك، لأنّهم أولو بأسٍ شديدٍ لا يُطاقون على أي حال، ويُروى:
لا ظالماً فيهم ولا مظلوما
قال البكري شارحُ الأمالي: وهذه الرِّوايةُ هي الجيّدة لوجهين أحدُهما: أنّها أفادت معنى حسناً، لأنّه قد يكون ظالماً أو مظلوماً من غيرهم فيستجير بِهم لِرَدِّ ظُلامتِه، أو لاسْتِدْفاع مكروهِ عقوبته فلا بُدَّ لهم من إجارتِه، والوجهُ الثاني أن قولها: لا تقربنَّ الدَّهْرَ قد أغنى عن قولها: أبداً، فصار حَشْواً لا يُفيد معنًى، وقولها: قومٌ رباط الخيل. . . ألبيت تقول: إنّهم أصحابُ خيل ورماح مستعدون أبداً لدفع الأعداء والذَّوْدِ عن حِياضهم، وأسِنَّةٌ زُرْقٌ: صافيةٌ لامِعَةٌ كأنّها نجوم في الصّفاء واللّمعان، وقولها: ومُخَرَّق عنه القميص فيه قولان: أحدُهما: أنَّ ذلك إشارةٌ إلى جَذْبِ العُفاة له، والثاني: أنّه يُؤْثِرُ بِجَيِّدِ ثيابِه فيَكْسوها ويكتَفِي بِمَعاوِزِها - أي الثياب البالية مِنها لأنها ثيابُ المُعْوِزين - وقولها: تخاله من الحياء سقيما تريد أنّه لإمعانِه في الكرم والسخاء تظنه سقيماً من الحياء خشيةَ أن لا يكونَ قد بلغَ من إكرام الضيف ما ينبغي، تمدحه بالجود كما تمدحه بالشجاعة. والخميس: الجيش، والزعيم: الكفيل والرئيس.
وقال بعضُ بني مازِن:
وقدْ علِموا بأنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ ... لأصْحابِ المَجامِرِ والخَلُوقِ
ضَرَبْناكُمْ على الإسلامِ حتّى ... أقَمْناكم على وَضَحِ الطَّريقِ
(2/290)

المجامِر: المَباخِر، أي التي تُوضَعُ فيها النارُ والبخور ليُتَبَخَّرَ بِها ويُتَطَيَّب، والخَلوق: طيبٌ معروفٌ يُتّخذ من ألوانٍ شتّى من الطّيب، وقيل: الزّعفران
وقال أبو تمّام في مرثيَّته المشهورة لمحمد بن حميد الطوسي التي أوّلُها:
كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ وَلْيَفْدَحِ الأمْرُ ... فلَيْسَ لِعَيْنٍ لَمْ يَفِضْ ماؤُها عُذْرُ
قال:
فتًى ماتَ بينَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ ميتةً ... تَقومُ مَقامَ النَّصْرِ إذْ فاتَه النَّصْرُ
وما ماتَ حتّى ماتَ مَضْرِبُ سَيْفِه ... مِنَ الضَّرْبِ، واعْتَلَّتْ عَلَيْه القَنا السُّمْرُ
وقدْ كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلاً فَرَدَّه ... إليهِ الحِفاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ
ونَفْسٌ تَعافُ العارَ حتّى كأنّما ... هُوَ الكُفْرُ يومَ الرَّوْعِ أوْ دونَه الكُفْرُ
فأثْبَتَ في مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَه ... وقالَ لَها: مِنْ تَحْتِ أخْمَصِكِ الحَشْرُ
غَدا غُدْوَةً والحَمْدُ نَسْجُ رِدائِه ... فلَمْ يَنْصَرِفْ إلا وأكْفانُه الأجْرُ
تَرَدَّى ثِيابَ المَوْتِ حُمْراً فما دَجا ... لَها اللّيلُ إلا وهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ
قوله: تقوم مقامَ النصرِ: لأنّه قُتل قِتْلةَ بطلٍ شجاعٍ، إذْ لم يقتل حتّى تثَلَّمَ حدُّ سيفِه من شدَّة ما ضَرب به وحتّى تقصَّفتِ الرِّماحُ في يديه
(2/291)

كما قال في البيت التالي، قال نَقَدَة الشعر: إن أبا تمام نظر في هذا المعنى إلى قول عروة بن الورد:
ومَنْ يَكُ مِثْلي ذا عِيالٍ ومُقْتِراً ... مِنَ المالِ يَطْرَحْ نَفْسَه كُلَّ مَطْرَحِ
لِيَبْلُغَ عُذْراً أوْ يَنالَ رَغيبةً ... ومَبْلِغُ نَفْسٍ عُذْرَها مِثْلُ مُنْجِحِ
قالوا: إنّ عروةَ جعل اجتهادَه في طلب الرزق عُذراً يقوم مقامَ النّجاح وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو أقصى اجتهاد المجتهد في لقاء الأعداء قائماً مقام النصر. هذا، ومضربُ السيف: حدُّه، وقوله: واعتلَّتْ عليهِ القَنا السُّمْرُ فمعنى اعتلال القنا أن العلة أصابتها فلم تستطع العملَ معه وتحقيقَ مطالِبِ هِمَّته من الصمود للأعداء، أو تقول: معنى اعتلالها: أنّها تَجَنَّتْ عليه الذنوبَ واتّخذت ذلك ذريعةً إلى العصيان والخلاف عليه، وما ذنبُه عِندها إلا كثرةُ تكاليفها الطعن لا يُريحها من ذلك، والحِفاظ: الحميَّة والغضب مُحافظةً على الحُرْمَة وكلِّ ما يجب على المرءِ حمايتَه، والخلق الوعر: الشديد الأنفة، ولا يُمْدح به إلا في العداوَة. قال المازني:
تُعاتِبُني فيما تَرى مِنْ شَراسَتي ... وشِدَّةِ نَفْسي أمُّ سَعْدٍ وما تَدْري
فقلتُ لَها: إنَّ الكريمَ وإنْ حَلا ... لَيُوْجَدُ أحْياناً أمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ
الروع هنا: الحرب وفي الأصل: الخوف. وقوله: فأثبت في مستنقع الموت رجله. . . ألبيت. جعل للموت مستنقعاً كمستنقع الماء، وهو: مُجتمعُهُ في بطن الوادي، وأخْمصُ القدم: مالا يصيبُ الأرض من باطنها يقول: إنَّه لشجاعته قد صمد للموتِ فلا تتحول رِجْلُه إلى أن يموتَ حتّى كأنَّ الحشرَ - يوم يُحشر الناس إلى ربهم يوم القيامة - من
(2/292)

تحت أخْمَصِه. وقوله: غدا غدوة. . . ألبيت يقول: إنّه عاش محموداً مشكوراً ومات مثوباً مأجوراً. وقوله: تردّى ثياب الموت. . . ألبيت يقول: إنّه ارتدى الثياب المُلَطَّخة بالدم فلم يَنْقَضِ يومُ قَتْلِه ولم يَدْخُلْ في ليلتِه إلا وقدْ صارَتْ الثيابُ خُضْراً مِنْ سُندسِ الجَنَّة. قال علماء البيان: في هذا البيتِ الطِّباقُ المُسمّى بالتَّدْبيح، وهو أنْ يذكرَ الشاعرُ أو الناثرُ في معنًى من المدح أو غيره ألْواناً لِقَصْد الكنايةِ أو التَّوْرِية، ويُسمّى تَدْبيحَ الكناية أيضاً، فإنه هنا ذكر لون الحُمْرةِ والخُضْرَةِ والمُرادُ من الأول الكنايةُ عن القتلِ ومن الثاني الكنايةُ عَنْ دُخول الجنة
وقال البُحْتُرِيُّ:
مَعْشَرٌ أمْسَكَتْ حُلومُهُمُ الأرْ ... ضَ وكادَتْ لَوْلاهُمْ أنْ تَميدا
فإذا الجَدْبُ جاَء كانوا غُيوثاً ... وإذا النَّقْعُ ثارَ ثارُوا أسُودا
وكأنَّ الإلَهَ قالَ لَهُمْ في الْ ... حَرْبِ كونوا حِجارةً أو حَديدا
وقال مسلم بن الوليد:
لَوْ أنَّ قَوْماً يَخْلُقونَ مَنِيَّةً ... مِنْ بأسِهِمْ كانوا بَني جِبْريلا
قورٌ إذا حَمِيَ الوطيسُ لديهِمُ ... جَعلوا الجَماجِمَ للسُّيوفِ مَقيلا
وقيل للمُهلَّب بن أبي صُفْرة: إنّكَ لَتُلْقي نَفْسَك في المَهالِكِ! فقال: إنْ لَمْ آتِ الموتَ مُسْترْسِلاً، أتاني مُسْتَعْجلاً، إنّي لستُ آتي الموتَ من حُبِّه، وإنَّما آتيه مِنْ بُغْضِه، وتَمثّلَ بقولِ الحُصَيْن بن الحمام:
تأخَّرْتُ أسْتَبْقي الحياةَ فلَمْ أجِدْ ... لِنَفْسِي حياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما
وقَدْ تَقدَّم
(2/293)

وقال المتنبي:
شُجاعٌ كأنَّ الحَرْبَ عاشِقةٌ لَه ... إذا زارَها فَدَّتْه بالخَيْلِ والرَّجْلِ
المُراد بالخيل: الفرسان، والرَّجْل جمع راجل يقول: هو شجاع يَقْتلُ ولا يُقْتلُ فكأنَّ الحرب تعشقه فإذا زار الحرْبَ استَبْقَتْه وأفنت مَنْ سِواه من الفرسان والرجال، فكأنّما جَعَلتْهم فِداءً له.
وقال:
وكَمْ رِجالٍ بِلا أرْضٍ لِكَثْرتِهِمْ ... تَرَكْتَ جَمْعَهُمُ أرْضاً بِلا رَجُلِ
ما زال طِرْفُك يَجْري في دِمائِهِمُ ... حتّى مَشى بِكَ مَشْيَ الشّارِبِ الثَّمِلِ
قوله: وكم رجال. . . ألبيت يقول: كم جمع الأعداءُ لك جُموعاً تغيبُ الأرضُ من كثرتهم وتخفى على الأبصار حتّى كأنّهم رجالٌ بلا أرض فقتلتهم وأفنيتَهم حتّى خلِيَت أرضهم فبقيت ولا رجلَ فيها، وفي هذا البيت نظر من ناحية كثرة الجيش إلى قول أبي تمَّام في صفة جيش:
مَلأَ المَلا عُصَباً فكادَ بأنْ يُرى ... لا خَلْفَ فيهِ ولا لَه قُدّامُ
وقوله: ما زال طِرفك. . . . ألبيت، فالطِّرْف: الفرس الكريم، والثَّمِل السّكران، يقول: ما زِلْتَ تخوض دماءَهم بفرسِك حتّى تعثّر بالقتلى وأمالَتْه دماؤُهم عن سُنَنِ جَرْيِِه وأزْلَقَتْه حتّى مشى بك مشْيَ السكران
وقال الشَّابُ الظّريفُ من قصيدةٍ له يمدح بها ابن عبد الظاهر:
ومَعْشَرٍ لَمْ تَزَلْ لِلْحَرْبِ بِيضُهُمُ ... حُمْرَ الخُدودِ وما مِنْ شَأنِها الخَجَلُ
(2/294)

إذا انْتَضَوْها بُروقاً صُيِّرَتْ سُحُباً ... يَسيلُ مِنْ جانِبَيْها عارِضٌ هَطِلُ
يَثْني حَديثُ الوَغى أعْطافَهُمْ طَرَباً ... كأنَّ ذِكْرَ المَنايا بَيْنَهُمْ غَزَلُ
كَمْ نارِ حَرْبٍ بِهِمْ شُبَّتْ وهُمْ سُحُبٌ ... وأرْضِ قَوْمٍ بِهِمْ فاضَتْ وهُمْ شُعَلُ
وقال الشاعر أبو الفرج البَبَّغاء شاعرُ اليتيمة:
يَسْعى إلى المَوْتِ والقَنا قِصَدٌ ... وخَيْلُه بالرؤوس تَنْتَعِلُ
كأنَّه واثِقٌ بأنَّ لَه ... عُمْراً مُقيماً وما لَه أجَلُ
والقنا قِصَدٌ: أي قِطَعٌ، والمفرد: قِصْدَة وهي: القِطعة من الشيء إذا انكسر
وقال آخر:
كأنَّ سُيوفَه صيغَتْ عُقوداً ... تَجولُ عَلى التَّرائِبِ والنُّحورِ
وسُمْرَ رِماحِه جُعِلَتْ هُموماً ... فَما يَخْطُرْنَ إلا في ضَميرِ
ومن كلام علي بن أبي طالب: رُبَّ حياةٍ سَببُها التَّعرُّضُ للموت، ورُبَّ منيَّةٍ سببُها طلبُ الحياة.
وبعد فإنّ عبقرياتِهم في الشجاعة والتمدُّح بها لا تكاد تُحصى كثرةً، وإنّ الناظرَ في الأدب العربيِّ ولا سيَّما المَنْظوم منه يتحقّق من أنّ الشجاعةَ
(2/295)

والإشادةَ بها تكاد تكون أحدَ شَطْرَيْ ما يتمدّحون به ويُنوِّهون بفضله، أمّا الشَّطْرُ الآخرُ فهو الجودُ والكرم، وبِحَسْبك بهاتَيْن الخَلَّتين، وإنّهما دَعامَتا سائرِ الفَضائل، ولْنَجْتَزِئ بِهذا المقدار وإنْ كانَ قَطْراً من بَحْرٍ

صدر من عبقرياتهم
في وصف آلات الحرب
قال البُحتري يَصِف السيف:
يَتَناوَلُ الرُّوْحَ البَعيدَ مَنالُه ... عَفْواً، ويَفْتَحُ في القَضاءِ المُقْفَلِ
ماضٍ وإنْ لَمْ تُمْضِهِ يَدُ فارِسٍ ... بَطلٍ، ومَصْقولٌ وإنْ لَمْ يُصْقَلِ
يَغْشى الوَغى فالتُّرْسُ لَيْسَ بِجُنَّةٍ ... مِنْ حَدِّه والدِّرْعُ ليسَ بِمَعْقِلِ
مُصْغٍ إلى حُكْمِ الرَّدى، فإذا مَضى ... لَمْ يَلْتَفِتْ، وإذا قَضى لَمْ يَعْدِلِ
مُتألّقٌ يَفْري بِأوَّلِ ضَرْبَةٍ ... ما أدْرَكَتْ ولَوَ انّها في يَذْبُلِ
وإذا أصابَ فَكُلُّ شَيْءٍ مَقْتَلٌ ... وإذا أُصيبَ فَما لَه مِنْ مَقْتَلِ
وقال عبدُ الله بن المعتز يصفُه:
ولي صارِمٌ فيهِ المَنايا كَوامِنٌ ... فَما يُنْتَضى إلا لِسَفْكِ دِماءِ
تَرى فوقَ مَتْنَيْه الفِرِنْدَ كأنَّه ... بَقيّةُ غَيْمٍ رَقَّ دونَ سَماءِ
وقال ابن الرُّومي:
خَيْرُ ما اسْتَعْصَمَتْ بهِ الكَفُّ عَضْبٌ ... ذَكَرٌ هَزُّهُ أنيثُ المَهَزِّ
(2/296)

ما تَأَمَّلْتَه بِعَيْنِكَ إلا ... أُرْعِدَتْ صَفْحَتاهُ مِنْ غَيْرِ هَزِّ
مِثْلُه أفْزَعَ الشُّجاعَ إلى الدِّرْ ... عِ فَغالى بِها عَلى كُلِّ بَزِّ
ما يُبالي أصَمَّمَتْ شَفْرتاهُ ... في مَحَزٍّ أمْ حادَتا عَنْ مَحَزِّ
ولما صار الصمصامةُ سيفُ عَمْرو بن مَعْد يكربَ إلى موسى الهادي أذِنَ للشُّعراءِ أنْ يَصِفُوه، فبَدَأهُمْ ابْنُ يامينَ فقال:
حازَ صَمْصامةَ الزُّبَيْدِيِّ مِنْ دو ... نِ جَميعِ الأنامِ موسى الأمينُ
سَيْفَ عَمْرٍو وكانَ فيما سَمِعْنا ... خَيْرَ ما أغْمِدَتْ عليهِ الجُفونُ
أخْضَرَ المَتْنِ بينَ حَدَّيْهِ نورٌ ... مِنْ فِرِنْدٍ تَمْتَدُّ فيهِ العُيونُ
أوْقَدَتْ فوقَه الصَّواعِقُ ناراً ... ثُمَّ شابَتْ بهِ الذُّعافَ القُيونُ
فإذا ما سَلَلْتَهُ بَهَرَ الشَّمْ ... سَ ضِياءً فلَمْ تَكَدْ تَسْتَبينُ
يَسْتَطيرُ الأبْصارَ كَالقَبَسَ الْمُشْ ... عَلِ ما تَسْتَقِرُّ فيهِ العُيونُ
وكَأنَّ الفِرِنْدَ والرَّوْنَقَ الجا ... رِيَ في صَفْحَتَيْهِ ماءٌ مَعينُ
وكأنَّ المَنونَ نيطَتْ إلَيْه ... فَهْوَ مِنْ كُلِّ جانِبَيْهِ مَنونُ
ما يُبالي مَنِ انْتَضاهُ لِضَرْبٍ ... أشِمالٌ سَطَتْ بهِ أمْ يَمينُ
قال أبو هلال العسكري: وقد أُخِذ عليه في هذه الأبيات تشبيهُه السيفَ بالشمس ثم بالقَبَس، لأنّه قد حطّه درجاتٍ. . .
ولمناسبة عَمْرِو بنِ مَعْدِيكرب وصَمْصامتِه يُروى أنّ عُمرَ بن الخطاب بعث إلى عمرٍو أن يبعثَ إليه بسَيْفه الصَّمصامةِ هذا، فبعثَ إليه به، فلمّا
(2/297)

ضرب به وجدَه دون ما بلغَه عنه، فكتب إليه في ذلك، فأجابه يقول: إنما بَعَثْتُ إلى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبْعَثْ له بالسَّاعِدِ الذي يَضْرِبُ به. وسأله عمرُ يوماً عن السلاح فقال: ما تقول في الرُّمح؟ قال: أخوك ورُبَّما خانك فانْقَصف؛ قال: فما تقولُ في التُّرس؟ قال: هو المِجَنُّ وعليه تدور الدّوائر، قال: فالنَّبل؟ قال: منايا تُخْطِئ وتُصيب، قال: فما تقول في الدِّرع؟ قال: مَثْقَلَةٌ للرّاجِلِ مَشْغَلَةٌ للرّاكِبِ، وإنّها لَحِصنٌ حَصين؛ قال: فما تقول في السيف؟ قال: هُنالك قارَعَتْكَ أمُّك عن الثُّكل؛ قال: بل أمُّك! قال: بل أمُّكَ يا أميرَ المؤمنين! فَعَلاه أمير المؤمنين بالدِّرّة، وقيل: بلْ قال له - لمّا قال عمر بل أمُّك - قال: أمِّي يا أميرَ المؤمنين الحُمَّى أضْرَعَتْني لك أراد: أنّ الإسلامَ قيّدني، ولَوْ كنتُ في الجاهليّةِ لَمْ تُكلِّمني بهذا الكلام، وهو مثلٌ تضربُه العربُ إذا اضْطُرّت للخضوع.
ومثلُ ذلك قولُ الأغرِّ النهشلي لابنه لمّا بعثَه لحضور ما وقع بينَ قَومه فقال: يا بُنَيَّ، كُنْ
يَداً لأصْحابِك على مَنْ قاتَلَهم، وإيّاكَ والسيفَ فإنّه ظِلُّ الموتِ، واتَّقِ الرُّمْحَ فإنّه رِشاءُ المَنيَّة، ولا تَقْرَبِ السِّهامَ فإنَّها رُسُلٌ تَعْصي وتُطيع، قال: فبِمَ أقاتل؟ قال: بِما قال الشاعر:
جَلاميدُ أمْلاءُ الأكُفِّ كأنَّها ... رُؤوس رِجالٍ حُلِّقَتْ في المَواسِمِ
(2/298)

فعَليكَ بِها وألْصِقْها بالأعْقابِ والسُّوق. قولُه: جلاميدُ أملاءُ الأكُفِّ. . . البيت هو أحدُ أبياتٍ أوردها المُبرِّد وهي:
تُغطِّي نُمَيْرٌ بِالعَمائِمِ لُؤْمَها ... وكَيْفَ يُغطِّي اللِّؤْمَ طَيُّ العَمائِمِ
فإنْ تَضْرِبونا بالسِّياطِ فإنَّنا ... ضَرَبْناكُمُ بالمُرْهَفاتِ الصَّوارِمِ
وإنْ تَحْلِقوا مِنّا الرُّؤوسَ فإنّنا ... حَلَقْنا رُؤوساً باللَّها والغَلاصِمِ
وإنْ تَمْنَعوا مِنَّا السِّلاحَ فَعِنْدَنا ... سِلاحٌ لَنا لا يُشْترى بالدِّراهِمِ
جَلاميدُ أمْلاءُ الأكُفِّ كأنَّها ... رُؤوس رِجالٍ حُلِّقَتْ في المَواسِمِ
قولُه: حلقنا رؤوساً: يُريدُ أزلْناها بالسُّيوف، واللَّها بفتح اللام جمع لَهاة وهي لَحْمة مُشرفة على عَكَدَةِ اللّسان، والغَلاصم جمع الغَلصمة وهي لَحْمةٌ بينَ الرأسِ والعُنق، والجَلاميد جمع جلمود وهو الحَجَر تأخذُه بيدك وهو بيانٌ لقوله سِلاحٌ لنا لا يُشترى بالدراهم
وقال المعرِّي:
كأنَّ أراقِماً نَفَثَتْ سِماماً ... عَلَيْهِ فعادَ مُبْيَضّاً نَحيلا
ومَنْ تَعْلَقْ بِه حُمَةُ الأفاعي ... يَعِشْ - إنْ فاتَه أجَلٌ - عَليلا
كأنَّ فِرِنْدَهُ واليَوْمُ حَمْتٌ ... أفاضَ بِصَفْحِه سَجْلاً سَجيلا
تَردَّد ماؤُه عُلْواً وسُفْلاً ... وهَمَّ فَما تَمَكَّنَ أنْ يَسيلا
يَكادُ سَناهُ يُحْرِقُ مَنْ فَراهُ ... ويُغْرِقُ مَنْ نَجا مِنْه كُلولا
كأنّ أراقماً. . . البيت يقول: كأنَّ الحيّاتِ نفخت السُّمومَ على هذا السيفِ فصارَ أبيضَ ناحلاً، وذلك أن السُّمَّ موصوفٌ بالبياضِ، ومَنْ نَكَزَتْه الحيّةُ ونفثت فيه سُمَّها نَحَلَ جِسْمُه، فجَعَلَ البياضَ في السَّيْفِ لَوْناً للسُّمِّ والنَّحافةَ فِعْلَه، وقوله: ومَنْ تَعْلَقْ به: البيت لمّا وصفَ السيف
(2/299)

بالنُّحولِ لمّا نفثت الأراقمُ عليه سِمامَها حقَّقَ وجْهَ نُحوله، وهو أنّ مَنْ خالطَه سُمُّ الأفاعي هلك في غالبِ الأمر، وإن فاتَه الهلاكُ عاش عليلاً، والعليل نحيلُ الجسم لا محالة، وقوله: كأنَّ فِرنده. . . البيت فالفِرِنْد: جوهرُ السيف وماؤه، ويومٌ حَمْتٌ: شديد الحر،
والسَّجْل الدَّلْو، إذا كان فيها ماءٌ، ولا يُقال لها وهي فارغة: سَجْلٌ ولا ذَنوب، والسَّجيل: الضخم العظيم، يصف بياضَ السيف وبريقَه، أي كأنَّ جوهرَ السيف وقد صُبَّ بوجْهِه دَلْوٌ من الماء في يومٍ شديد الحرّ، فهو أبيضُ بَرّاق كأنّه ماء، وإنّما ذكر شِدّة الحرّ لأنّه إذا كان اليومُ شديدَ الحر كانت الحاجة إلى الماء أشدَّ، أو لأن الماء مع إشراق الشمس أشدُّ بريقاً ولمعاناً. وقوله: تردَّد ماؤه. . . البيت لمّا شبّه فرند السيف بالماء وصفه بأنّ الماء كأنّه يتردَّد فيه من أعلاه إلى أسفله ومن أسفله إلى أعلاه، ويَهُمُّ الماء أنْ يسيلَ من صفحته فلا يتمكّن من السَّيلان، لأنه محصورٌ في أجزائه، وقوله: يكاد سَناه. . . . البيت فالسَّنا: الضَّوء، وفَراه: قَطَعه، وكلَّ السيفُ والرُّمْحُ يَكِلُّ كُلولاً: إذا نَبا عن العمل، يقول: إنّ هذا السيفَ جمعَ بين النار والماء فهو يُحْرِقُ مَنْ قَطَعه ويُغْرِقُ بمائِه مَنْ كَلَّ السيفُ عنه فَنجا مِنه.
وقال إسحاق بن خلف:
ألْقى بِجانِبِ خَصْرِه ... أمْضى مِنَ الأجَلِ المُتاحِ
وكأنَّما ذَرُّ الهَبا ... ءِ عَلَيْهِ أنْفاسُ الرِّياحِ
وقال النابغة:
تُطيرُ فِضاضاً بَيْنَهُمْ كلّ قَوْنَسٍ ... ويَتْبَعُها مِنْهُمْ فَراشُ الحَواجِبِ
(2/300)

تَقُدُّ السَّلوقيَّ المُضاعَفَ نَسْجُه ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ
فَضَضْتُ الشَّيْءَ أفضُّه فَضّاً فهو مَفْضوضٌ وفَضيضٌ: كَسَرْتُه وفَرَّقْتُه، وفُضاضه وفِضاضه: ما تكسَّر مِنْه وتفرّق، والقونس: مُقَدَّم الرأس، وقونَسُ البَيْضةِ من السّلاح: أعْلاها، والفَراش: عَظْمُ الحاجب، أو قشرةٌ تكونُ على العظم دونَ اللّحم، ويقال: ضَرَبَه فأطارَ فَراشَ رأسِه وذلك إذا طارت العِظامُ رِقاقاً من رأسِه، والسَّلوقيُّ: الدِّرْع المنسوبة إلى سَلوق، وهي قريةٌ باليمن تعرف بِسَلَقْيَة وإليها تُنْسَبُ أيضاً الكِلابُ السَّلوقيّة، والصُّفّاحُ جمع صُفّاحة وهي: كلُّ عريضٍ من الحجارة ونحوها، والحُباحِب: الشَّررُ الذي يسقط من الزِّناد يقول في البيت الثاني: إنّ هذه السيوف تَقُدُّ - تقطع - الدِّرْعَ التي ضُوعِفَ نسجُها والفارس والفرس وتصل إلى الأرْضِ فتَقْدحُ النارَ بالصُّفَّاح.
وقال البحتري يصِف الدِّرْعَ:
يَمْشونَ في زَرَدٍ كأنَّ مُتونَها ... في كُلِّ مُعْتَرَكٍ مُتونُ نِهاءِ
بَيْضٌ تَسيلُ على الكُماةِ فُضولُها ... سَيْلَ السَّرابِ بِقَفْرَةٍ بَيْداءِ
وإذا الأسِنَّةُ خالَطَتْها خِلْتَها ... فيها خَيالُ كَواكِبٍ في ماءِ
وقال عبد الله بن المعتز:
كَمْ بَطَلٍ بارَزَني في الوَغى ... علَيْهِ دِرْعٌ خِلْتُها تَطَّرِدْ
كأنَّها ماءٌ عليهِ جَرى ... حتَّى إذا ما غابَ فيهِ جَمَدْ
وقال المتنبي:
تَرُدُّ عَنْهُ قَنا الفُرْسانِ سابِغَةٌ ... صَوْبُ الأسِنَّةِ في أثْنائِها دِيَمُ
(2/301)

تَخُطُّ فيها العَوالي لَيْسَ تَنْفُذُها ... كأنَّ كُلَّ سِنانٍ فوقَها قَلَمُ
يقول في البيت الأول: تمنع الرِّماحَ مِنَ النفوذِ في عَدوِّ الممدوح دِرْعٌ سابغة قد تلطّخت بالدماء التي تسيل من الأسِنّةِ عليها، أو أنّ وقْعَ الأسِنّةِ في هذه الدِّرْعِ كديمةِ المَطر تَتابُعاً. ويقول في البيت الثاني: إنَّ الرِّماحَ تؤثِّر في دِرْعه، أي تَجْرحُها، ولا تنفذها إلى جِسْمِه، حتّى كأنَّ أسِنَّتَها أقلامٌ تَخُطُّ في القِرْطاس ولا تَخْرُقه. وقال المعري:
إذا طُوِيَتْ فالقَعْبُ يَجْمَعُ شَمْلَها ... وإنْ نُثِلَتْ سالَتْ مَسيلَ ثِمادِ
وما هي إلا رَوْضةٌ سَدِكٌ بِها ... ذُبابُ حُسامٍ في السَّوابِغِ شادِ
على أنَّها أمُّ الوَغى وابْنَةُ اللَّظى ... وأخْتُ الظُّبَى في كُلِّ يَوْمِ جِلادِ
القعْبُ: القَدَحُ الصغير، ونَثَلَ الدِّرْعَ ينثلها: إذا ألْقاها على نفسِه وصبَّها عليه، والثِّمادُ جمعُ ثمد وهو: الماءُ القليل. يقول: إذا طُوِيَتْ صَغُرَ حجمُها بالطّي حتى يَسعَها القعب. وإنْ لُبست سالت على البَدنِ كالماء. وقوله: وما هي إلا روضةٌ. . . . البيت، فسَدك بالشيء: لَزِمَه، وشدا يشدو فهو شادٍ: إذا رفع صوتَه بالغناء، شبَّه هذه الدِّرْعَ بالرّوضة، والذُّبابُ يجتمع في الرّياض ويُصوِّت فيها، يقول: إنّ هذه الدرعَ روضةٌ قد أولِعَ بها ذُبابُ السيف، وهو: حَدّه الذي يتغنّى في الدّرع، أي أنّها دِرْعٌ لا تزال على بطلٍ مُحاربٍ تَرِدُها سيوفُ الأقرانِ وتقارعُها فيُسْمع صوتُ وقْعِها. وقوله: على أنّها. . . البيت فالجِلاد: الضِّرابُ بالسّيوف، وجعل الدّرْعَ أمَّ الوغى - أي الحرب - إذْ أنّها تجري مَجْرى الأصل والملجأ الذي يُلْجأ إليه، وجعلها ابنةَ اللَّظى - أي النار - لأنّها إنّما عُمِلَتْ بالنار، وأختُ الظُّبَى -
جَمْعُ ظُبَةٍ وهي حدُّ السيف - إذْ لا تزال
(2/302)

تَرِدُها ظُباتُ السّيوفِ وتقارنُها ولا تؤثّر فيها، وصَفها بهذه الأسماءِ المُنْبِئَةِ عن القرابات مُريداً بِها ما يُناسبُها مِنَ المعنى.
ولأبي العلاء المعرّي في الدُّروع مقطوعاتٌ كثيرة، لقد افْتَنَّ فيها افْتِناناً، وأبْدعَ ما شاءَتْ عبقريَّتُه تَراها في سَقطِ الزّند.
(2/303)