Advertisement

الرسائل للجاحظ 003

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه ثقتي
فصل من صدر كتابه في الحاسد والمحسود
وهب الله لك السلامة. وأدام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة، ورفع عنك الندامة.
كتبت إلي - أيدك الله - تسألني عن الحسد ما هو؟ ومن أين هو؟ وما دليله وأفعاله؟ وكيف تعرف أموره وأحواله، وبم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه، ولم صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء؟ ولم كثر في الأقرباء وقل في البعداء؟ وكيف دب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين؟ وكيف خص به الجيران من بين أهل جميع الأوطان.
والحسد - أبقاك الله - داء ينهك الجسد، ويفسد الود، علاجه
(3/3)

عسر، وصاحبه ضجر. وهو باب غامض وأمر متعذر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء ". وقال بعض الناس لجلسائه: أي الناس أقل غفلة؟ فقال بعضهم: صاحب ليل، إنما همه أن يصبح. فقال: إنه لكذا وليس كذا. وقال بعضهم: المسافر، إنما همه أن يقطع سفره. فقال: إنه لكذا وليس كذا. فقالوا له: فأخبرنا بأقل الناس غفلة. فقال: الحاسد، إنما همه أن ينزع الله منك النعمة التي أعطاكها، فلا يغفل أبداً.
ويروى عن الحسن أنه قال: الحسد أسرع في الدين من النار في الحطب اليابس.
وما أتي المحسود من حاسده إلا من قبل فضل الله عنده ونعمه عليه قال الله عز وجل: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ".
والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، وحرب البيان. فقد ذم الله أهل الكتاب به فقال: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم ".
(3/4)

منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنتج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء، يكمن في الصدر كمون النار في الحجر.
ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه ووسواس ضميره، وتنغص عمره وكدر نفسه ونكد عيشه، إلا استصغاره نعمة الله عليه، وسخطه على سيده بما أفاد غيره. وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وأن لا يرزق أحداً سواه، لكان عند ذوي العقول مرحوماً، وكان لديهم في القياس مظلوماً. وقد قال بعض الأعراب: " ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم ".
(3/5)

والحاسد مخذول وموزور، والمحسود محبوب ومنصور. والحاسد مغموم ومهجور، والمحسود مغشي ومزور.
والحسد - رحمك الله - أول خطيئة ظهرت في السموات، وأول معصية حدثت في الأرض، خص به أفضل الملائكة فعصى ربه، وقايسه في خلقه، واستكبر عليه فقال: " خلقتني من نار وخلقته من طين "، فلعنه وجعله إبليساً، وأنزله من جواره بعد أن كان أنيساً، وشوه خلقه تشويهاً، وموه على نبيه تمويهاً نسي به عزم ربه، فواقع الخطيئة، فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى، ومضى اللعين الحاسد في حسده فشقي وغوى.
وأما في الأرض فابنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه، فعصى ربه وأثكل أباه. وبالحسد طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين.
لقد حمله الحسد على غاية القسوة، وبلغ به أقصى حدود
(3/6)

العقوق، فأنساه من رحمه جميع الحقوق، إذ ألقى الحجر عليه شادخاً وأصبح عليه نادماً صارخاً.
ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنياً أن يوبخه على المال فيقول: جمعه حراماً ومنعه أثاماً. وألب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماء، وأعانهم في الباطن وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر وقال له: لقد كفروا معروفك، وأظهروا في الناس ذمك، فليس أمثالهم يوصلون، فإنهم لا يشكرون. وإن وجد له خصماً أعانه عليه ظلماً، وإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشه، أو تفضل عليه بمعروف كفره، أو دعاه إلى نصر خذله، وإن حضر مدحه ذمه وإن سئل عنه همزه، وإن كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلة عظمها، وقال: إنه يحب أن يعاد ولا يعود، ويرى عليه العقود.
(3/7)

وإن كان المحسود عالماً قال: مبتدع، ولرأيه متبع، حاطب ليل ومبتغي نيل، لا يدري ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل. قد أقبل بوجوه الناس إليه، وما أحمقهم إذ انثالوا عليه. فقبحه الله من عالم ما أعظم بليته، وأقل رعته، وأسوأ طعمته.
وإن كان المحسود ذا دين قال: متصنع يغزو ليوصى إليه، ويحج ليثنى بشيء عليه، ويصوم لتقبل شهادته، ويظهر النسك ليودع المال بيته، ويقرأ في المسجد ليزوجه جاره ابنته، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته.
وما لقيت حاسداً قط إلا تبين لك مكنونه بتغير لونه وتخوص عينه وإخفاء سلامه، والإقبال على غيرك والإعراض
(3/8)

عنك، والاستثقال لحديثك، والخلاف لرأيك.
وكان عبد الله بن أبي، قبل نفاقه، نسيج وحده لجودة رأيه وبعد همته، ونبل شيمته، وانقياد العشيرة له بالسيادة، وإذعانهم له بالرياسة. وما استوجب ذلك إلا بعدما استجمع له لبه، وتبين لهم عقله، وافتقدوا منه جهله، ورأوه لذلك أهلاً، لما أطاق له حملاً. فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة، ورأى هو عز رسول الله صلى الله عليه وسلم شمخ بأنفه فهدم إسلامه لحسده، وأظهر نفاقه. وما صار منافقاً حتى كان حسوداً، ولا صار حسوداً حتى صار حقوداً. فحمق بعد اللب، وجهل بعد العقل، وتبوأ النار بعد الجنة.
(3/9)

ولقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فشكاه إلى الأنصار. فقالوا: يا رسول الله لا تلمه، فإنا كنا عقدنا له الخزر قبل قدومك لنتوجه.
ولو سلم المخذول قلبه من الحسد لكان من الإسلام بمكان. ومن السؤدد في ارتفاع. فوضعه الله لحسده، وأظهر نفاقه ولذلك قال القائل:
طال على الحاسد احزانه ... فاصفر من كثرة أحزانه
دعه فقد أشعلت في جوفه ... ما هاج من حر نيرانه
العيب أشهى عنده لذة ... من لذة المال لخزانه
فارم على غاربه حبله ... تسلم من كثرة بهتانه
(3/10)

فصل في حسد الجيران
وذلك أن الجيران - يرحمك الله - طلائع عليك، وعيونهم نواظر إليك، فمتى كنت بينهم معدماً فأيسرت، فبذلت وأعطيت، وكسوت وأطعمت، وكانوا في مثل حالك فاتضعوا، وسلبوا النعمة وألبستها أنت، فعظمت عليهم بلية الحسد، وصاروا منه في تنغيص آخر الأبد. ولولا أن المحسود بنصر الله إياه مستور، وهو بصنعه محجوب لم يأت عليه يوم إلا كان مقهوراً، ولم تأت ليلة إلا وكان عن منافعه مقصوراً. ولم يمس إلا وماله مسلوب، ودمه مسفوك، وعرضه بالضرب منهوك.
(3/11)

فصل منه
وأنا أقول حقاً: ما خالط الحسد قلباً إلا لم يمكنه ضبطه، ولا قدر على تسجينه وكتمانه، حتى يتمرد عليه بظهوره وإعلانه، فيستعبده ويستميله، ويستنطقه لظهوره عليه فهو أغلب على صاحبه من السيد على عبده، ومن السلطان على رعيته، ومن الرجل على زوجته ومن الآسر على أسيره.
وكان ابن الزبير بالصبر موصوفاً، وبالدهاء معروفاً، وبالعقل موسوماً، وبالمداراة منهوماً، فأظهر بلسانه حسداً كان أضب عليه أربعين سنة لبني هاشم، فما اتسع قلبه لكتمانه، ولا صبر على اكتتامه، لما طالت في قلبه طائلته أظهره وأعلنه، مع صبره على المكاره، وحمله نفسه على حتفها، وقلة اكتراثه والتفاته
(3/12)

لأحجار المجانيق التي كانت تمر عليه فتذهب بطائفة من قومه ما يلتفت إليها.
حدثت بذلك عن علي ابن مسهر عن الأعمش، عن صالح بن حباب، عن سعيد بن جبير قال: قدت ابن عباس حتى أدخلته على ابن الزبير، قال: أنت الذي تؤنبني؟ قال: نعم، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليس بمؤمن من بات شبعاناً وجاره طاو ". فقال له ابن الزبير: لمن قلت ذلك؟ إني لأكتم بغضكم أهل البيت مذ أربعين سنة. فحسر ابن عباس عن ذراعيه كأنهما عسيبا نخل، ثم قال لابن الزبير: نعم فليبلغ ذاك منك، ما عرفتك.
ولقد أجلت الرأي ظهراً لبطن وفكرت في جوابه لابن عباس أن أجد معنى له سوى الحسد فلم أجده، وكانت وخزة في قلبه فلم
(3/13)

يبدها. وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية، ومجالسهم من أعاليها عامرة، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة، وأنجمها بالهدى زاهرة. فلما خلت البطحاء من صناديدها استقبله بما أكنه في نفسه.
والحاسد لا يغفل عن فرصته إلى أن يأتي الموت على رمته، وما استقبل ابن عباس بذلك إلا لما رأى عمر قدمه على أهل القدم، ونظر إليه وقد أطاف به أهل الحرم، فأوسعهم حكماً، وثقبوا منه رأياً وفهماً، وأشبعهم علماً وحلماً.
(3/14)

فصل
وكيف يصبر من استكن الحسد في قلبه على أمانيه. ولقد كان إخوة يوسف حلماء، وأجلة علماء، ولدهم الأنبياء، فلم يغفلوا عما قدح في قلوبهم من الحسد ليوسف، حتى أعطوا أباهم المواثيق المؤكدة، والعهود المقلدة، والأيمان المغلظة، إنهم له لحافظون، وهو شقيقهم وبضعة منهم. فخالفوا العهود ووثبوا عليه بالظلم والقوة، وألقوه في غيابة الجب، وجاءوا على قميصه بدم كذب، فبظلمهم يوسف ظلموا أباهم، طمعاً أن يخلو لهم وجه أبيهم ويتفردوا بحبه، وظنوا أن الأيام تسليه، وحبه لهم من بعد غمه يلهيه، فأسالوا عبرته وأحرقوا قلبه.
وكيف لا تقر أعين المحسودين بعد يوسف وقد ملكه الله خزائن الأرض، بصبره على أذى حساده ومقابلته إياهم بالعفو والمكافأة، وحسن العشرة والمواخاة، بعد إمكانه منهم لما أتوه ممتارين، ووفدوا عليه خائفين وهم له منكرون، فأحسن رفدهم، وأكرم قراهم،
(3/15)

فأقروا له لما عرفوه بالإذعان، وسألوه بعد ذلك الغفران، وخروا له سجداً لما وردوا عليه وفداً.
فإذا أحسست - رحمك الله - من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنه أعون الأشياء لك على مسالمته. وحصن سرك منه تسلم من شره وعوائق ضره. وإياك والرغبة في مشاورته، ولا يغرنك خدع ملقه، وبيان ذلقه، فإن ذلك من حبائل نفاقه.
فإن أردت أن تعرف آية مصداقه فأدنين إليه من يهينك عنده، ويذمك بحضرته، فإنه سيظهر من شأنه لك ما أنت به جاهل، ومن خلاف المودة ما أنت عنه غافل. وهو ألح في حسده لك من الذباب، وأسرع في تهريقك من السيل إلى الحدور.
(3/16)

وما أحب أن تكون عن حاسدك غبياً، وعن وهمك بما في ضميره نسياً، إلا أن تكون للذل محتملاً، وعلى الدناءة مشتملاً، ولأخلاق الكرام مجانباً، وعن محمود شيمهم ذاهباً، أو تكون بك إليه حاجة قد صيرتك لسهام الرماة هدفاً، وعرضك لمن أرادك غرضاً.
وقد قيل على وجه الدهر: " الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها ".
وربما كان الحسود للمصطنع إليه المعروف أكفر له وأشد احتقاداً، وأكثر تصغيراً له من أعدائه.

فصل منه
ومتى رأيت حاسداً يصوب إليك رأياً إن كنت مصيباً، أو يرشدك
(3/17)

إلى صواب إن كنت مخطئاً، أو أفصح لك بالخير في غيبته عنك، أو قصر من غيبته لك.
فهو الكلب الكلب، والنمر النمر والسم القشب، والفحل القطم، والسيل العرم. إن ملك قتل وسبى، وإن ملك عصى وبغى. حياتك موته، وموتك عرسه وسروره. يصدق عليك كل شاهد زور، ويكذب فيك كل عدل مرضي. لا يحب من الناس إلا من يبغضك، ولا يبغض إلا من يحبك. عدوك بطانة وصديقك علانية.
وقلت: إنك ربما غلطت في أمره لما يظهر لك من بره. ولو كنت تعرف الجليل من الرأي، والدقيق من المعنى، وكنت في مذاهبك فطناً نقاباً، ولم تك في عيب من ظهر لك عيبه مرتاباً،
(3/18)

لاستغنيت بالرمز عن الإشارة، وبالإشارة عن الكلام، وبالسر عن الجهر، وبالخفض عن الرفع، وبالاختصار عن التطويل، وبالجمل عن التفصيل، وأرحتنا من طلب التحصيل ولكني أخاف عليك أن قلبك لصديقك غير مستقيم، وأن ضمير قلبك له غير سليم، وإن رفعت القذى عن لحيته، وسويت عليه ثوبه فوق مركبه، وقبلت صبيه بحضرته، ولبست له ثوب الاستكانة عند رؤيته، واغتفرت له الزلة، واستحسنت كل ما يقبح من جهته، وصدقته على كذبه، وأعنته على فجرته. فما هذا العناء! كأنك لم تقرأ المعوذة، ولم تسمع مخاطبته نبيه صلى الله عليه وسلم، في التقدمة إليه بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد.
أتطلب ويحك أثراً بعد عين، أو عطراً بعد عروس، أو تريد أن تجتني عنباً من شوك، أو تلتمس حلب لبن من حائل.
(3/19)

إنك إذاً أعيا من باقل، وأحمق من الضبع، وأغفل من هرم.
إن كنت تجهل بعد ما أعلمناك، وتعوج بعد ما قومناك، وتبلد بعد ما ثقفناك، وتضل إذ هديناك، وتنسى إذ ذكرناك، فأنت كمن أضله الله على علم فبطلت عنده المواعظ، وعمي عن المنافع، فختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة. فنعوذ بالله من الخذلان.
إنه لا يأتيك ولكن يناديك ولا يحاكيك ولكن يوازيك. أحسن ما تكون عنده حالاً أقل ما تكون مالاً، وأكثر ما تكون عيالاً، وأعظم ما تكون ضلالاً. وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهداً، وأبعد ما تكون من الناس حمداً.
فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى، ومخالطة الزمنى،
(3/20)

والاجتنان بالجدران، ومصر المصران، وأكل القردان، أهون من معاشرته، والاتصال بحبله.
والغل نتيج الحسد، وهو رضيعه، وغصن من أغصانه، وعون من أعوانه، وشعبة من شعبه، وفعل من أفعاله، كما أنه ليس فرع إلا له أصل، ولا مولود إلا له مولد، ولا نبات إلا من أرض، ولا رضيع إلا من مرضع، وإن تغير اسمه؛ فإنه صفة من صفاته، ونبت من نباته، ونعت من نعوته.
ورأيت الله جل جلاله ذكر الجنة في كتابه فحلاها بأحسن حلية، وزينها بأحسن زينة، وجعلها دار أوليائه ومحل أنبيائه، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فذكر في كتابه ما من به عليهم من السرور والكرامة عندما دخلوها وبوأها لهم فقال: " إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين. ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ".
(3/21)

فما أنزلهم دار كرامته إلا بعد ما نزع الغل والحسد من قلوبهم، فتهنوا بالجنة، وقابلوا إخوانهم على السرر، وتلذذوا بالنظر في مقابلة الوجوه لسلامة صدورهم، ونزع الغل من قلوبهم. ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم، لافتقدوا لذاذة الجنة، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا الخطيئة، ولمسهم فيها النصب، وأعقبوا منها الخروج، لأنه عز وجل فضل بينهم في المنازل، ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات، وسنى العطيات.
فلما نزع الغل والحسد من قلوبهم ظن أدناهم منزلة فيها، وأقربهم بدخول الجنة عهداً، أنه أفضلهم منزلة، وأكرمهم درجة، وأوسعهم داراً بسلامة قلبه، ونزع الغل من صدره، فقرت عينه وطاب أكله. ولو كان غير ذلك لصاروا إلى التنغيص في النظر بالعيون، والاهتمام بالقلوب، ولحدثت العيوب والذنوب.
وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا السرور إلا في افتقاد
(3/22)

وجهه، ولا الراحة إلا في صرم مداراته، ولا الربح إلا في ترك مصافاته.
فإذا فعلت ذلك فكل هنياً مرياً، ونم رضياً، وعش في السرور ملياً.
ونحن نسأل الله الجليل أن يصفي كدر قلوبنا، ويجنبنا وإياك دناءة الأخلاق، ويرزقنا وإياك حسن الألفة والاتفاق، ويحسن توفيقك وتسديدك. والسلام.
(3/23)

فصل من صدر كتابه في المعلمين
(3/25)

أعانك الله على سورة الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار الأناة. فقد استعملت في المعلمين نوك السفهاء، وخطل الجهلاء، ومفاحشة الأبذياء، ومجانبة سبل الحكماء، وتهكم المقتدرين، وأمن المغترين. ومن تعرض للعداوة وجدها حاضرة، ولا حاجة بك إلى تكلف ما كفيت.

فصل منه
ولولا الكتاب لاختلت أخبار الماضين، وانقطعت آثار الغائبين. وإنما اللسان للشاهد لك، والقلم للغائب عنك، وللماضي قبلك والغابر بعدك. فصار نفعه أعم، والدواوين إليه أفقر.
(3/27)

والملك المقيم بالواسطة لا يدرك مصالح أطرافه وسد ثغوره، وتقويم سكان مملكته، إلا بالكتاب.
ولولا الكتاب ما تم تدبير، ولا استقامت الأمور. وقد رأينا عمود صلاح الدين والدنيا إنما يعتدل في نصابه، ويقوم على أساسه بالكتاب والحساب.
وليس علينا لأحد في ذلك من المنة بعد الله الذي اخترع ذلك لنا ودلنا عليه، وأخذ بنواصينا إليه، ما للمعلمين الذين سخرهم لنا، ووصل حاجتهم إلى ما في أيدينا. وهؤلاء هم الذين هجوتهم وشكوتهم وحاججتهم وفحشت عليهم، وألزمت الأكابر ذنب الأصاغر، وحكمت على المجتهدين بتفريط المقصرين، ورثيت لآباء الصبيان من إبطاء المعلمين عن تحذيقهم، ولم ترث للمعلمين من إبطاء الصبيان عما يراد بهم، وبعدهم عن صرف القلوب لما يحفظونه ويدرسونه. والمعلمون أشقى بالصبيان من رعاة الضأن ورواض المهارة.
ولو نظرت من جهة النظر علمت أن النعمة فيهم عظيمة سابغة، والشكر عليها لازم واجب.
(3/28)

فصل منه
وأجمعوا على أنهم لم يجدوا كلمة أقل حرفاً ولا أكثر ريعاً، ولا أعم نفعاً، ولا أحث على بيان، ولا أدعى إلى تبين، ولا أهجى لمن ترك التفهم وقصر في الإفهام، من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: " قيمة كل امرىء ما يحسن ".
وقد أحسن من قال: " مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها ".
وكرهت الحكماء الرؤساء، أصحاب الاستنباط والتفكير، جودة الحفظ، لمكان الاتكال عليه، وإغفال العقل من التمييز، حتى قالوا: " الحفظ عذق الذهن ". ولأن مستعمل الحفظ لا يكون إلا مقلداً، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين، وعز الثقة.
والقضية الصحيحة والحكم المحمود: أنه متى أدام الحفظ أضر ذلك بالاستنباط، ومتى أدام الاستنباط أضر ذلك بالحفظ، وإن كان الحفظ أشرف منزلة منه.
ومتى أهمل النظر لم تسرع إليه المعاني، ومتى أهمل الحفظ
(3/29)

لم تعلق بقلبه، وقل مكثها في صدره.
وطبيعة الحفظ غير طبيعة الاستنباط. والذي يعالجان به ويستعينان متفق عليه، ألا وهو فراغ القلب للشيء، والشهوة له، وبهما يكون التمام، وتظهر الفضيلة.
ولصاحب الحفظ سبب آخر يتفقان عليه، وهو الموضع والوقت. فأما الموضع فأيهما يختاران إذا أرادا ذلك الفوق دون السفل.
وأما الساعات فالأسحار دون سائر الأوقات، لأن ذلك الوقت قبل وقت الاشتغال، وبعقب تمام الراحة والجمام، لأن للجمام مقداراً هو المصلحة، كما أن للكد مقداراً هو المصلحة.
فصل منه
ويستدل أيضاً بوصايا الملوك للمؤدبين في أبنائهم، وفي تقويم
(3/30)

أحداثهم، على أنهم قد قلدوهم أمورهم وضميرهم ببلوغ التمام في تأديبهم. وما قلدوهم ذلك إلا بعد أن ارتفع إليهم في الحنو حالهم في الأدب، وبعد أن كشفهم الامتحان وقاموا على الخلاص.
وأنت - حفظك الله - لو استقصيت عدد النحويين والعروضيين والفرضيين، والحساب، والخطاطين، لوجدت أكثرهم مؤدب كبار ومعلم صغار، فكم تظن أنا وجدنا منهم، من الرواة والقضاة والحكماء، والولاة من المناكير والدهاة، ومن الحماة والكفاة، ومن القادة والذادة، ومن الرؤساء والسادة، ومن كبار الكتاب والشعراء، والوزراء والأدباء، ومن أصحاب الرسائل والخطابة، والمذكورين بجميع أصناف البلاغة، ومن الفرسان وأصحاب الطعان، ومن نديم كريم، وعالم حكيم، ومن مليح ظريف، ومن شاب عفيف.
ولا تعجل بالقضية حتى تستوفي آخر الكتاب، وتبلغ أقصى العذر، فإنك إن كنت تعمدت تذممت، وإن كنت جهلت تعلمت، وما أظن من أحسن بك الظن إلا وقد خالف الحزم.

فصل منه
قال المعلم: وجدنا لكل صنف من جميع ما بالناس إلى تعلمه
(3/31)

حاجة، معلمين، كمعلمي الكتاب والحساب، والفرائض والقرآن، والنحو والعروض والأشعار، والأخبار والآثار، ووجدنا الأوائل كانوا يتخذون لأبنائهم من يعلمهم الكتابة والحساب، ثم لعب الصوالجة، والرمي في التنبوك، والمجثمة، والطير الخاطف، ورمي البنجكاز. وقبل ذلك الدبوق والنفخ في السبطانة. وبعد ذلك الفروسية، واللعب بالرماح والسيوف، والمشاولة والمنازلة والمطاردة، ثم النجوم واللحون، والطب والهندسة، وتعلم النرد والشطرنج، وضرب الدفوف وضرب الأوتار، والوقع والنفخ في أصناف المزامير.
ويأمرون بتعليم أبناء الرعية الفلاحة والنجارة، والبنيان والصياغة والخياطة، والسرد والصبغ، وأنواع الحياكة. نعم حتى علموا البلابل وأصناف الطير الألحان.
(3/32)

وناساً يعلمون القرود والدببة والكلاب والظباء المكية والببغاء، والسقر وغراب البين، ويعلمون الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، والفيلة، أصناف المشي، وأجناس الحضر، ويعلمون الشواهين والصقور والبوازي، والفهود، والكلاب، وعناق الأرض، الصيد.
ويعلمون الدواب الطحن، والبخاتي الجمز حتى يروضوا الهملاج والمعناق، بالتخليع وغير التخليع، وبالموضوع والأوسط والمرفوع.
ووجدنا للأشياء كلها معلمين.
وإنما قيل للإنسان العالم الصغير، سليل العالم الكبير، لأن في الإنسان من جميع طبائع الحيوان أشكالاً، من ختل الذئب
(3/33)

وروغان الثعلب، ووثوب الأسد، وحقد البعير، وهداية القطاة. وهذا كثير، وهذا بابة.
ولأنه يحكي كل صوت بفيه، ويصور كل صورة بيده. ثم فضله الله تعالى بالمنطق والروية وإمكان التصرف.
وعلى أنا لا نعلم أن لأحد من جميع أصناف المعلمين لجميع هذه الأصناف كفضيلة المعلم من الناس الأحداث المنطق المأثور، ككلام الاحتجاج والصفات، والمناقلات من المسائل والجوابات في جميع العلامات، بين الموزون من القصائد والأرجاز، ومن المزدوج والأسجاع، مع الكتاب والحساب، وما شاكل ذلك ووافقه واتصل به، وذهب مذهبه.
وقالوا: " إنما اشتق اسم المعلم من العلم، واسم المؤدب من الأدب ". وقد علمنا أن العلم هو الأصل، والأدب هو الفرع.
والأدب إما خلق وإما رواية، وقد أطلقوا له اسم المؤدب على العموم.
(3/34)

والعلم أصل لكل خير، وبه ينفصل الكرم من اللؤم، والحلال من الحرام. والفضل من الموازنة بين أفضل الخيرين، والمقابلة بين أنقص الشرين.
فلم يعرضوا لأحد من هذه الأصناف التي اتخذ الناس لها المعلمين من جميع أنواع الحق والباطل، والسرف والاقتصاد، والجد والهزل، إلا هؤلاء الذين لا يعلمون إلا الكتاب والحساب، والشعر، والنحو، والفرائض، والعروض. وما بالسماء من نجوم الاهتداء والأنواء والسعود، وأسماء الأيام والشهور، والمناقلات.
ويمنعهم العرامة، ويأخذهم بالصلاة في الجماعة، ويدرسهم القرآن، ويهدن ألسنتهم برواية القصيد والأرجاز، ويعاقب على التهاون، ويضرب على الفرار، ويأخذهم بالمناقلة، والمناقلة من أسباب المنافسة.
لحقير بخلاف هذه السيرة، وبضد هذه المعاملة.
(3/35)

فصل منه
وقد ذهب قوم إلى أن الأدب حرف، وطلبه شؤم. وأنشد قول الشاعر:
ما ازددت في أدبي حرفاً أسر به ... إلا تزيدت حرفاً تحته شوم
إن المقدم في حذق بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم
ولم نر شاعراً نال بشعره الرغائب، ولا أديباً بلغ بأدبه المراتب، ذكر يمن الأدب، ولا بركة قول الشعر. فإذا حرم الواحد منهم، والرجل الشاذ ذكر حرف الأدب وشؤم الشعر. وإن كان عدد من نال الرغائب أكثر من عدد من أخفق.
ومهما عيرنا من كان في هذه الصفة فإنا غير معايرين لأبي يعقوب الخريمي، لأنه نال بالشعر وأدرك بالأدب.
(3/36)

وليس الذي يحمل أكثر الناس على هذا القول إلا وجدان المعاني والألفاظ، فإنهم يكرهون أن يضيعوا باباً من إظهار الظرف وفضل اللسان وهم عليه قادرون.
فصل
وقد قالوا: الصبي عن الصبي أفهم، وبه أشكل. وكذلك الغافل والغافل، والأحمق والأحمق، والغبي والغبي، والمرأة والمرأة. قال الله تبارك وتعالى: " ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ". لأن الناس عن الناس أفهم، وإليهم أسكن. فمما أعان الله تعالى به الصبيان، أن قرب طبائعهم ومقادير عقولهم من مقادير عقول المعلمين.
وسمع الحجاج - وهو يسير - كلام امرأة من دار قوم، فيه تخليط وهذيان، فقال: مجنونة، أو ترقص صبياً! ألا ترى أن أبلغ الناس لساناً، وأجودهم بياناً وأدقهم فطنة، وأبعدهم روية، لو ناطق طفلاً أو ناغى صبياً، لتوخى حكاية مقادير عقول الصبيان، والشبه لمخارج كلامهم، وكان لا يجد بداً من أن ينصرف عن كل ما فضله الله به بالمعرفة الشريفة، والألفاظ الكريمة. وكذلك تكون المشاكلة بين المتفقين في الصناعات.
(3/37)

فصل في رياضة الصبي
وأما النحو فلا تشغل قلبه منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن، ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن وصفه. وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به، ومذهل عما هو أرد عليه منه من رواية المثل والشاهد، والخبر الصادق، والتعبير البارع.
وإنما يرغب في بلوغ غايته ومجاوزة الاقتصار فيه، من لا يحتاج إلى تعرف جسيمات الأمور، والاستنباط لغوامض التدبر، ولمصالح العباد والبلاد، والعلم بالأركان والقطب الذي تدور عليه الرحى؛ ومن ليس له حظ غيره، ولا معاش سواه.
وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا يضطر إلى شيء.
(3/38)

فمن الرأي أن يعتمد به في حساب العقد دون حساب الهند، ودون الهندسة وعويص ما يدخل في المساحة. وعليك في ذلك بما يحتاج إليه كفاة السلطان وكتاب الدواوين.
وأنا أقول: إن البلوغ في معرفة الحساب الذي يدور عليه العمل، والترقي فيه والسبب إليه، أرد عليه من البلوغ في صناعة المحررين ورءوس الخطاطين؛ لأن في أدنى طبقات الخط مع صحة الهجاء بلاغاً. وليس كذلك حال الحساب.
ثم خذه بتعريف حجج الكتاب وتخلصهم باللفظ السهل القريب المأخذ إلى المعنى الغامض. وأذقه حلاوة الاختصار، وراحة الكفاية، وحذره التكلف واستكراه العبارة؛ فإن أكرم ذلك كله ما كان إفهاماً للسامع، ولا يحوج إلى التأويل والتعقب، ويكون مقصوراً على معناه لا مقصراً عنه، ولا فاضلاً عليه.
فاختر من المعاني ما لم يكن مستوراً باللفظ المتعقد، مغرقاً في الإكثار والتكلف. فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع
(3/39)

براعة اللفظ وغموضه على السامع بعد أن يتسق له القول، وما زال المعنى محجوباً لم تكشف عنه العبارة. فالمعنى بعد مقيم على استخفائه، وصارت العبارة لغواً وظرفاً خالياً.
وشر البلغاء من هيأ رسم المعنى قبل أن يهيىء المعنى، عشقاً لذلك اللفظ، وشغفاً بذلك الاسم، حتى صار يجر إليه المعنى جراً، ويلزقه به إلزاقاً. حتى كأن الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسماً غيره، ومنعه الإفصاح عنه إلا به.
والآفة الكبرى أن يكون رديء الطبع بطيء اللفظ، كليل الحد، شديد العجب، ويكون مع ذلك حريصاً على أن يعد في البلغاء، شديد الكلف بانتحال اسم الأدباء. فإذا كان كذلك خفي عليه فرق ما بين إجابة الألفاظ واستكراهه له.
وبالجملة إن لكل معنىً شريف أو وضيع، هزل أو جد، وحزم أو إضاعة، ضرباً من اللفظ هو حقه وحظه، ونصيبه الذي لا ينبغي أن يجاوزه أو يقصر دونه.
ومن قرأ كتب البلغاء، وتصفح دواوين الحكماء، ليستفيد
(3/40)

المعاني، فهو على سبيل صواب. ومن نظر فيها ليستفيد الألفاظ فهو على سبيل الخطأ. والخسران ها هنا في وزن الربح هناك؛ لأن من كانت غايته انتزاع الألفاظ حمله الحرص عليها، والاستهتار بها إلى أن يستعملها قبل وقتها، ويضعها في غير مكانها. ولذلك قال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك! قال صاحبه: ولم ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه.
وإنما هي رياضة وسياسة، والرفيق: مصلح وآخر مفسد. ولا بد من هدان وطبيعة مناسبة.
وسماع الألفاظ ضار ونافع.
فالوجه النافع: أن يدور في مسامعه، ويغب في قلبه، ويختمر في صدره، فإذا طال مكثها تناكحت ثم تلاقحت فكانت نتيجتها أكرم نتيجة، وثمرتها أطيب ثمرة؛ لأنها حينئذ تخرج غير مسترقة ولا مختلسة ولا مغتصبة، ولا دالة على فقر؛ إذ لم يكن القصد إلى شيء بعينه، والاعتماد عليه دون غيره. وبين الشيء إذا عشش في
(3/41)

الصدر ثم باض، ثم فرخ ثم نهض، وبين أن يكون الخاطر مختاراً، واللفظ اعتسافاً واغتصاباً، فرق بين.
ومتى اتكل صاحب البلاغة على الهوينى والوكال، وعلى السرقة والاحتيال، لم ينل طائلاً، وشق عليه النزوع، واستولى عليه الهوان، واستهلكه سوء العادة.
والوجه الضار: أن يتحفظ ألفاظاً بعينها من كتاب بعينه، أو من لفظ رجل، ثم يريد أن يعد لتلك الألفاظ قسمها من المعاني، فهذا لا يكون إلا بخيلاً فقيراً، وحائفاً سروقاً، ولا يكون إلا مستكرهاً لألفاظه، متكلفاً لمعانيه، مضطرب التأليف منقطع النظام. فإذا مر كلامه بنقاد الألفاظ وجهابذة المعاني استخفوا عقله، وبهرجوا علمه.
.ثم اعلم أن الاستكراه في كل شيء سمج، وحيث ما وقع فهو مذموم، وهو في الطرف أسمج، وفي البلاغة أقبح. وما أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من فمه، مسرودة في نفسه، ولم تكن مخلدة في كتبه.
وخير الكتب ما إذا أعدت النظر فيه زادك في حسنه، وأوقفك على حده.
(3/42)

فصل في ذم اللواط
والذي يدل على أن هذه الشهوة معيبة في نفسها، قبيحة في عينها، أن الله تعالى وعز لم يعوض في الآخرة بشهوة الولدان من ترك لوجهه في الدنيا شهوة الغلمان، كما سقى في الآخرة الخمر من تركها له في الدنيا، ثم مدح خمر الجنة بأقصر الكلام، فنظم به جميع المعاني المكروهة في خمر الدنيا فقال: " لا يصدعون عنها ولا ينزفون ". كأنه تبارك وتعالى قال: " لا سكر فيها ولا خمار ".
وفي اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء انقطاع النسل، وفي انقطاع النسل بطلان جميع الدين والدنيا. وغشيان الرجل الرجل والمرأة المرأة من المنكوس المعكوس، ومن المبدل المقلوب؛ لأن الله جل ذكره إنما خلق الذكر للأنثى، وجعل بينهما أسباب التحاب وعلائق الشركة، وعلل المشاكلة وجعل الذكر طبقاً للأنثى، وجعل الأنثى سكناً للرجل. فقلب هؤلاء الأمر وعكسوه، واستقبلوا من اختار الله لهم بالرد والزهد فيه.
(3/43)

فصل
ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدبين: عبد الله بن المقفع، ويكنى أبا عمرو، وكان يتولى لآل الأهتم، وكان مقدماً في بلاغة اللسان والقلم والترجمة، واختراع المعاني وابتداع السير. وكان جواداً فارساً جميلاً، وكان إذا شاء أن يقول الشعر قاله، وكان يتعاطى الكلام. ولم يكن يحسن منه لا قليلاً ولا كثيراً. وكان ضابطاً لحكايات المقالات، ولا يعرف من أين غر المغتر ووثق الواثق. وإذا أردت أن تعتبر ذلك، إن كنت من خلص المتكلمين ومن النظارين، فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته الهاشمية، فإنك تجده جيد الحكاية لدعوى القوم، ردي المدخل في مواضع الطعن عليهم.
وقد يكون الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم، فيظن بنفسه عند ذلك أنه لا يحمل عقله على شيء إلا نفذ به فيه، كالذي اعترى الخليل بن أحمد بعد إحسانه في النحو والعروض، أن ادعى العلم بالكلام وبأوزان الأغاني، فخرج من الجهل إلى مقدار لا يبلغه أحد إلا بخذلان الله تعالى. فلا حرمنا الله تعالى عصمته، ولا ابتلانا بخذلانه.
فصل
وهذان الشاعران جاهليان، بعيدان من التوليد، وبنجوة من التكليف.
(3/44)

فصل
ومن خصال العبادة وإن كانت كلها راجحة فليس فيها شيء أرد في عاجل، ولا أفضل في آجل من حسن الظن بالله تعالى وعز وجل.
ثم اعلم أن أعقل الناس السلطان ومن احتاج إلى معاملته، وعلى قدر الحاجة إليه ينفتح له باب الحيلة، والاهتداء إلى مواضع الحجة. وما أقرب فضل الراعي على الرعية من فضل السائس على الدابة. ولولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضاً، كما أنه لولا المسيم لوثب السباع على السوام.
ودعني من تدريسه كتب أبي حنيفة، ودعني من قولهم: اصرفه إلى الصيارفة؛ فإن صناعة الصرف تجمع مع الكتاب والحساب المعرفة بأصناف الأموال، ولا تجد بداً من حلة السلطان.
ودعني من قول من يقول: قد كانت قريش تجاراً؛ فإن هذا باب لا ينقاس ولا يطرد. ومن قاس تجار الكرخ وباعته، وتجار الأهواز والبصرة، على تجار قريش، فقد أخطأ مواضع القياس، وجهل أقدار العلل.
(3/45)

قريش قوم لم يزل الله تعالى يقلبهم في الأرحام البريئة من الآفات، وينقلهم من الأصلاب السليمة من العاهات، ويعبيهم لكل جسيم، ويربيهم لكل عظيم.
ولو علم هذا القائل ما كانت قريش عليه في التجارة لعرف اختلاف السبل، وتفاوت ما بين الطرق. ولو كانت علتهم في ذلك كعلة تجار الأبلة، ومحتكري أهل الحيرة، لثلمت دقة التجارة في أعراضهم ولنهك سخف التربح من مروءاتهم، ولصغر ذلك من أقدارهم في صدور العرب، ولوضع من علوهم عند أهل الشرف. وكيف وقد ارتحلت إليهم الشعراء كما ارتحلت إلى الملوك العظماء، فأسنوا لهم العطية، ولم يقصروا عن غاية، فسقوا الحجيج وأقاموا القرى لزوار الله تعالى، وهم بواد غير ذي زرع. فلو أنه كان معهم من الفضل ما يبهر العقول، ومن المجد ما تحرج فيه العيون، لما أصلح طبائعهم الشيء الذي يفسد جميع الأمة. ولقد أورث ذلك صدورهم من السعة بقدر ما أورث
(3/46)

غيرهم من الضيق. ولو كانت سبلهم عند الملوك إذا وفدوا عليهم، أو وردوا بلادهم بالتجارات، سبل غيرهم من التجار لما أوجهوهم وقربوهم، ولما أقاموا لهم قرى الملوك وحبوهم بكرامة الخاص.
وإذا كانت قريش حمساً تنسك في دينها، وتتأله في عبادتها وكان مانعاً لهم من الغارات والسباء، ومن وطء النساء من جهة المغنم، ولذلك لم يئدوا البنات ولا ولدت منهم امرأة غيرهم من جهة السباء، ولا زوجوا أحداً من العرب حتى يتحمس ويدين بدينهم. ولذلك لما صاروا إلى بناء الكعبة لم يخرجوا في بنائها من أموالهم إلا مواريث آبائهم ونسائهم، خوفاً من أن يخالطه شيء من حرام، إذ كانت أرباح التجارات مخوفاً عليها ذلك. فلما كانوا بواد غير ذي زرع ويحتاجون إلى الأقوات، وإقامة القرى، لم يجدوا بداً من أن يتكلفوا ما يعيشهم ويصلح شأنهم، فأخذوا الإيلاف، ورحلوا إلى الملوك بالتجارات. فهذا هو السبب.
(3/47)

فانظر كم بين علتهم وعلة غيرهم! فيسرك بعد هذا أن يتحول ابنك في مسلاخ صالح الزرازريشي، أو في طباع ابن بادام، أو في عقل ابن سامري.
فإن زعموا أن أصحاب السلطان يعرض مكروه فليعلموا أن كل مسافر فبعرض مكروه، وقد قال بعض الحكماء: " المسافر ومتاعه على قلت إلا من حفظ الله "، يعني على هلاك.
وراكب البحر أشد خطراً، ومشتري طعام الأهواز أشد تهوراً، ورافع الشراع بعرض هلكة. والمتعرض للملاحة والمعرض نفسه للسباع أقل شفقة. وسكان الجزائر والسواحل أحق بالتعرض، وأولى بالخوف. والمنهوم بالطعام الردي، والمدمن للشراب أشبه بأصحاب التغرير، والمتباري في ذلك والمتزيد منه أحق بتوقع الحدثان وحوادث الأزمان، قد جرت عليه عادة الدهر وسيرة الأيام. وهذا كله أحق بالاهتمام.
(3/48)

وإن كنت إلى الإشفاق تذهب، وإلى إعطاء الحزم أكثر من نصيبه، وكيف دار الأمر فإن التاجر قد استشعر الذل، وتغشى ثوب المذلة.
وصاحب السلطان قد تجاوز حد العز والهيبة. وإنما عيبه سكر السلطان، وإفراط التعظيم. قد استبطن بالعز، وظاهر بالبشر واستحكمت تجربته، وبعدت بصيرته حتى عرف مصلحة كل مصر، وإصلاح كل فاسد، وإقامة كل معوج، وعمارة كل خرب.
ولا أعلم في الأرض أعم إفلاساً ولا أشد نكبة، ولا أكثر تحولاً من يسر إلى عسر، ولا رأينا الحوائج إلى أحد أهدى منها إلى أموال الصيارفة. فكيف يقاس شأن قوم تعمهم المعاطب بشأن قوم أهل السلامة فيهم أكثر، والنكبات فيهم أقل.
وبعد هذا فإني أرى ألا تستكرهه فتبغض إليه الأدب، ولا تهمله فيعتاد اللهو.
على أني لا أعلم في جميع الأرض شيئاً أجلب لجميع الفساد من قرناء السوء، والفراغ الفاضل عن الجمام.
(3/49)

درسه العلم ما كان فارغاً من أشغال الرجال، ومطالب ذوي الهمم. واحتل في أن تكون أحب إليه من أمه. ولا تستطيع أن يمحضك المقة، ويصفي لك المودة مع كراهته لما تحمل إليه من ثقل التأديب عند من لم يبلغ حال العارف بفضله.
فاستخرج مكنون محبته ببر اللسان، وبذل المال. ولهذا مقدار من جازه أفرط. والإفراط سرف. ومن قصر عنه فرط، والمفرط مضياع.
ولا تستكثرن هذا كله فإن بعض النعمة فيه تأتي على أضعاف النعامة، والذي تحاول من صلاح أمر من تؤمل فيه أن يقوم في أهلك مقامك، وإصلاح ما خلفت كقيامك، لحقيق بالحيطة عليه، وبإعطائه المجهود من نفسك.
وقال زكريا عليه السلام: " رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين ". فعلم الله تبارك وتعالى، فوهب له غلاماً، وقال الله
(3/50)

عز وجل: " وليس الذكر كالأنثى ".
اعلم أنه أعطاك ولداً عبرة عين العدو، وقرة عين الصديق الولي. فاحمد الله وأخلص في الدعاء، وأكثر من الخير إن شاء الله تعالى.
(3/51)

فصل من كتاب التربيع والتدوير
(3/53)

فانظر في مسالمة النفوس مع تقارب منازلها، ولم تجاذبت عند تقارب مراتبها، ولم اختلف الكثير واتفق القليل؟ ولم كانت الكثرة علة للتخاذل، والقلة سبباً للتناصر؟ وما فرق ما بين المجاراة والتحاسد، وبين المنافسة والتغالب، فإنك متى عرفت ذلك استرحت منا ورجونا أن نستريح منك.
وكيف يعرف السبب من يجهل المسبب، وكيف يعرف الوصل من يجهل الفصل، وكيف يعرف الحدود من لم يسمع الفصول. بل يعرف كيف الحجة من الشبهة، والغدر من الحيلة، والواجب
(3/55)

من الممكن، والغفل من الموسوم، والمحال من الصحيح، والأسرار من المجهول ومن كبار الدلائل الخفية وما يعلم مما لا يعلم، وما يعلم باللفظ دون الإشارة مما لا يعلم إلا بالإشارة دون اللفظ، وما يعلم معتمداً ولا يعلم مكيفاً ولا يعلم معتقداً. وما المستغلق الذي يجوز أن يفارقه استغلاقه، والمستبهم الذي لا يفارقه استبهامه، ومن هو طائر مع العوام حيث طارت، وساقط معها حيث سقطت، مع الزراية والرغبة عنها. قد طلبها بفضل طلبه لنفسه، وجرى معها بقدر مناسبتها لقدره.
فاعرف الجنس من الصنف، والقسم من النصنف، وفرق ما بين الذم واللوم، وفصل ما بين الحمد والشكر، وحد الاختيار من الإمكان، والاضطرار من الإيجاب. وسنعرفك من جملة ما ذكرنا باباً باباً أنت إليه أحوج، وهو علينا أرد.
فصل
وما في الأرض إقرار أثبت، ودليل أوضح، وشاهد أصدق، من شاهدي عليك على ما ادعيت لنفسك من الرفعة مع ما ظهر من حسدك لأهل الصنعة. وهل يكون كذلك إلا فاسد الحس ظاهر العنود، أو جاهل بالمحال.
(3/56)

وبعد فأنت - أبقاك الله - في يدك قياس لا يكسر، وجواب لا ينقطع، ولك حد لا يفل وغرب لا ينثني، وهو قياسك الذي إليه تنسب، ومذهبك الذي إليه تذهب: أن تقول: وما علي أن يراني الناس عريضاً وأكون في حكمهم غليظاً وأنا عند الله تعالى طويل جميل، وفي الحقيقة مقدود رشيق. وقد علموا - حفظك الله - أن لك مع طول الباد راكباً، طول الظهر جالساً، ولكن بينهم فيك إذا قمت اختلاف، وعليك لهم إذا اضطجعت مسائل.
ومن غريب ما أعطيت، ومن بديع ما أوتيت أنا لم نر مقدوداً واسع الجفرة غيرك، ولا رشيقاً مستفيض الخاصرة سواك. فأنت المديد وأنت البسيط، وأنت الطويل وأنت المتقارب.
فيا شعراً جمع الأعاريض، ويا شخصاً جمع الاستدارة والطول.
بل ما يهمك من أقاويلهم، ويتعاظمك من اختلافهم، والراسخون في العلم، والناطقون بالفهم، يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت
(3/57)

الضيم على ارتفاع سمكك، وأن ما ذهب منك عرضاً قد استغرق ما ذهب منك طولاً. ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك. وإن كانوا قد سلموا لك بالرغم شطراً، فقد حصلت ما سلموا وأنت على دعواك فيما لم يسلموا.
ولعمري إن العيون لتخطىء، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل؛ إذ كان زماماً على الأعضاء، وعياراً على الحواس.
ومما يثبت أيضاً أن ظاهر عرضك مانع من إدراك حقيقة طولك قول أبي داوود الإيادي في إبله:
سمنت فاستحش أكرعها لا ال ... ني ني ولا السنام سنام
ولو لم يكن فيك من العجب إلا أنك أول من عوده الله تعالى بالصبر على خطاء الحس وبالشكر على صواب الذهن، لقد
(3/58)

كنت في طولك غاية للعالمين، وفي عرضك مناراً للمضلين.
وقد تظلم المربوع مثلي من الطويل مثل عمر، ومن القصير مثل عمرو إذ زعم أنه أفرط في الرشاقة ونسب إلى القضاضة، لأن إفراط عرضه غمر الاعتدال من طوله، وكلاهما يحتاج إلى الاعتذار، ويفتقر إلى الاعتدال.
والمربوع بحمد الله تعالى قد اعتدلت أجزاؤه في الحقيقة، كما اعتدلت في المنظر، فقد استغنى بعز الحقيقة عن الاعتذار، وبحكم الظاهر عن الاعتلال.
وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري على القصار، ولم نسمع أحداً ذم مربوعاً ولا أزرى عليه، ولا وقف عنده ولا شك فيه. ومن يذمه إلا من ذم الاعتدال، ومن يزري عليه إلا من أزرى على الاقتصاد، ومن ينصب للصواب الظاهر إلا المعاند، ومن يماري في العيان إلا الجاهل؛ بل من يزري على أحد بتفاقم التركيب،
(3/59)

وبسوء التنضيد مع قول الله عز وجل: " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ".
وبعد فأي قد أردأ، وأي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر، أو طول مجاوز للقصد. ومتى يضرب العرض بسهمه على قدر حقه، ويأخذ الطول من نصيبه على مثل وزنه، خرج الجسم من التقدير، وجاوز التعديل. فإذا خرج من التقدير تفاسد، وإذا تفاسد وجاوز التعديل تباين.
ولو جاز هذا الوصف، وحسن هذا النعت، كان لإبراهيم بن السندي من الفضيلة ما ليس لأحمد بن عبد الوهاب.
وهذا كله بعد أن يصدقوك على ما ادعيت لطولك في الحقيقة، واحتججت به لعرضك في الحكومة. كما أنك بإعمالك لما ينفيه
(3/60)

العيان، واستشهادك لما تنكره الأذهان، معترض للصدق من المتكرم، ومتحكك بالحلم من المتغافل. وأي صامت لا ينطقه هذا المذهب، وأي ناطق لا يغريه هذا القول.
وإذا كان هذا ناقضاً لعزم المتسلم فما ظنك بعادة المتكلف. فأنشدك الله أن تغري بك السفهاء، وتنقض عزائم الحكماء.
وما أدري - حفظك الله - بأي الأمرين أنت أعظم إثماً، وفي أيهما أنت أفحش ظلماً: أبتعرضك للعوام، أم بإفسادك حكم الخواص.
وبعد فما يحوجك إلى هذا، وما يدعوك إليه وأشباهك من القصار كثير، ومن ينصرك منهم غير قليل.

فصل
وقلت: ولولا فضيلة العرض على الطول لما وصف الله تعالى وعز وجل، الجنة بالعرض دون الطول، حيث يقول: " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ". فهذا برهانك الواضح.
(3/61)

ولو لم يكن فيك من الرضا والتسليم، ومن القناعة والإخلاص إلا أنك ترى ما عند الله خيراً لك مما عند الناس، وأن الطول الخفي أحب إليك من الطول الظاهر، لكان في ذلك ما يقضي لك بالإنصاف، ويحكم لك بالتوفيق.
وأنا - أبقاك الله - أعشق إنصافك كما تعشق المرأة الحسناء، وأتعلم خضوعك للحق كما أتعلم التفقه في الدين. ولربما ظننت أن جورك إنصاف قوم آخرين، وأن تعقدك سماح رجال منصفين.
وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة، ومقابلة الاختيار بالاضطرار، واليقين بالشك، واليقظة بالحلم إلا للذي خصصت به من إيثار الحق، وألهمته من فضيلة الإنصاف، حتى صرت أحوج ما تكون إلى الإنكار أذعن ما تكون بالإقرار؛ وأشد ما تكون إلى الحيلة فقراً أشد ما تكون للحجة طلباً. غير أن ذلك بطرف ساكن، وصوت خاضع، وقلب جامع، وجأش رابط، ونية جسور، وإرادة تامة، مع غفلة كريم، وفطنة عليم. إن انقطع خصمك تغافلت، وإن خرق
(3/62)

ترفقت، غير منخوب ولا متشعب، ولا مدخول ولا مشترك، ولا ناقص النفس، ولا واهن العزم، ولا حسود ولا منافس، ولا مغالب ولا معاقب. تفل الحز وتصيب المفصل، وتقرب البعيد وتظهر الخفي، وتميز الملتبس وتلخص المشكل، وتعطي المعنى حقه من اللفظ كما تعطي اللفظ حظه من المعنى. وتحب المعنى إذا كان حياً يلوح، وظاهراً يصيح، وتبغضه مستهلكاً بالتعقيد، ومستوراً بالتغريب.
وتزعم أن شر الألفاظ ما غرق المعاني وأخفاها، وسترها وعماها، وإن راقت سمع الغمر، واستمالت قلب الريض.
أعجب الألفاظ عندك ما رق وعذب، وخف وسهل، وكان موقوفاً على معناه، ومقصوراً عليه دون ما سواه. لا فاضل ولا مقصر، ولا مشترك ولا مستغلق، قد جمع خصال البلاغة، واستوفى خلال المعرفة.
(3/63)

فإذا كان الكلام على هذه الصفة، وألف على هذه الشريطة، لم يكن اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل، والمتعلم كالمعلم، وخفت المؤنة واستغنى عن الفكرة، وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا بالخلاف وفاقاً، وبالمجاذبة موادعة، وتهنئوا بالعلم، وتقنعوا ببرد اليقين، واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند، وتميز الناقص من الوافر وذل الخطل وعز المحصل، وبدت عورة المبطل، وظهرت براءة المحق.
وقلت: والناس وإن قالوا في الحسن: كأنه طاقة ريحان، أو خوط آس، وكأنه قضيب خيزران، وكأنه غصن بان، وكأنه رمح رديني، وكأنه صفيحة يمان، وكأنه سيف هندواني، وكأنه جان، وكأنه جدل عنان؛ فقد قالوا: كأنه المشتري، وكأن وجهه دينار هرقلي. وما هو إلا البحر، وما هو إلا الغيث. وكأنه الشمس، وكأنها دارة القمر، وكأنها الزهرة، وكأنها درة، وكأنها غمامة، وكأنها مهاة.
(3/64)

وقد نراهم وصفوا المستدير والعريض بأكثر مما وصفوا القضيف الطويل.
وقلت: ووجدنا الأفلاك وما فيها، والأرض وما عليها، على التدوير دون التطويل، كذلك الورق والحب، والثمر والشجر.
وقلت: والرمح وإن طال فإن التدوير عليه أغلب؛ لأن التدوير قائم فيه موصلاً ومفصلا، والطول لا يوجد فيه إلا موصلا ومفصلاً. وكذلك الإنسان وجميع الحيوان.
وقلت: ولا يوجد التربيع إلا في المصنوع دون المخلوق، وفما أكره على تركيبه دون ما خلي وسوم طبيعته.
وعلى أن كل مربع ففي جوفه مدور، فقد بان المدور بفضله، وشارك المطول في حصته.
ومن العجب أنك تزعم أنك طويل في الحقيقة ثم تحتج للعرض والاستدارة، وقد أضربت عما عند الله صفحاً، ولهجت بما عند الناس.
(3/65)

0ف - أما حور العين فقد انفردت بحسنه، وذهبت ببهجته وملحه، إلا ما أبانك الله تعالى به من الشكلة فإنها لا تكون في اللئام، ولا تفارق الكرام.
وأما سواد الناظر وحسن المحاجر، وهدب الأشفار، ورقة حواشي الأجفان، فعلى أصل عنصرك ومجاري أعراقك.
وأما إدراكك الشخص البعيد، وقراءتك الكتاب الدقيق ونقش الخاتم قبل الطابع، وفهم المشكل قبل التأمل، مع وهن الكبرة وتقادم الميلاد، ومع تخون الأيام وتنقص الأزمان، فمن توتيا الهند، ولترك الجماع، ومن الحمية الشديدة وطول استقبال الخضرة، فأنت يا عم عندما تصلح ما أفسده الدهر، وتسترجع ما أخذته الأيام، لكما قال الشاعر:
عجوز ترجي أن تكون فتية ... وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر
تدس إلى العطار سلعةأهلها ... ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر
(3/66)

وكيف أطمع في نزوعك عن اللجاج وقد منعتنيه قبله. وكيف أرجو إقرارك جهراً وقد أبيته سراً، وكيف تجود به صحيحاً مطمعاً وقد بخلت به مريضاً مؤيساً.
وكيف يرجو خيرك من رآك تطاول أبا جعفر وتحاسنه، وتنافره وتراهنه، ثم لا تفعل ذلك إلا في المحافل العظام، وبحضرة كبار الحكام، ثم تستغرب ضحكاً من طمعه فيك، وتعجب الناس من مجاراته لك.
وأشهد لك بعد هذا أنك ستحاسن عمراً الجاحظ وتعاقله، ثم تظارفه وتطاوله، وتتغنى مع مخارق، وتنكر فضل زبزب، وتستجهل النظام، وتستغبي قيس بن زهير، وتستخف
(3/67)

الأحنف بن قيس وتبارز علي بن أبي طالب، ثم تخرج من حد الغلبة إلى حد المراء، ومن حد الأحياء إلى حدود الموتى.
هذا وليس لك مساعد، ولا معك شاهد واحد، ولا رأيت أحداً يقف في الحكم عليك، أو ينتظر تحقيق دعواك؛ ولا رأيت منكراً يخليك من التأنيب، ولا مؤنباً يخليك من الوعيد، ولا موعداً يخليك من الإيقاع، ولا موقعاً يرثي لك، ولا شافعاً يشفع فيك.
يا عم، لم تحملنا على الصدق؟ ولم تجرعنا مرارة الحق؟ ولم تعرضنا لأداء الواجب؟ ولم تستكثر من الشهود عليك؟ ولم تحمل الإخوان على خلاف محبتهم فيك؟ اجعل بدل ما تجني على نفسك أن تجني على عدوك، وبدل ما يضطر الناس أن يصدقوا فيك أن تضطرهم إلى أن يمسكوا عنك.
ولا بد - يرحمك الله - لمن فاته الطول من أن يلقي بيده، إنما يقول خلاف ما يجده في نفسه. فوالله إنك لجيد الهامة، وفي ذلك خلف لحسن القامة.
وإنك لحسن الحظ، وفي ذلك عوض من حسن اللفظ. وإنك
(3/68)

لتجد مقالاً، وإنك لتعد خصالاً. فقل معروفاً فإنا من أعوانك، واقتصد فإنا من أنصارك. وهات فإنك لو أسرفت لقلنا قد اقتصدت، ولو جرت لقلنا قد اهتديت، ولكنك تجيء بشيء " تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً ".
لو غششناك لساعدناك، ولو نافقناك لأغريناك.
فصل
وقد كنت - أطال الله بقاءك - في الطول زاهداً، وعن القصر راغباً، وكنت أمدح المربوع وأحمد الاعتدال. ولا والله لن يقوم خير الاعتدال بشر قصر العمر، ولا جمال المربوع بما يفوت من منفعة العلم.
فأما اليوم فياليتني كنت أقصر منك وأضوى، وأقل منك وأقما.
وليس دعائي لك بطول البقاء طلباً للزيادة، لكن على جهة التعبد والاستكانة، فإذا سمعتني أقول أطال الله بقاءك فهذا المعنى أريد، وإذا رأيتني أقول لا أخلى الله مكانك فإلى هذا المعنى أذهب.
(3/69)

وقد زعموا، جعلت فداءك، أن كل ما طال عمره من الحيوانات زائد في شدة الأركان، وفي طول العمر وصحة الأبدان، كالورشان والضباب وحمر الوحش، وكلحم النسر لمن أكله، ولحم الحية لمن استحله فإذا كان هذا حقاً وكان نافعاً، وكنت له مستعملاً وفيه متقدماً، وتراه رأياً، أخذنا منه بنصيب، وتعلقنا منه بسبب.
وفيك أمران غريبان، وشاهدان بديعان: جواز الكون والفساد عليك، وتعاور النقصان والزيادة إياك. وجوهرك فلكي وتركيبك أرضي. فمنك طول البقاء، ومعك دليل الفناء. وأنت علة للمتضاد وسبب للمتنافي. وما ظنك بخلق لا تضره الإحالة، ولا يفسده التناقض.

فصل
جعلت فداك، قد شاهدت الإنس منذ خلقوا، ورأيت الجن قبل أن يحجبوا، ووجدت الأشياء بنفسك خالصة وممزوجة، وأغفالاً وموسومة، وسالمة ومدخولة، فما يخفى عليك الحجة من الشبهة، ولا السقم من الصحة، ولا الممكن من الممتنع، ولا المستغلق من المبهم، ولا النادر من البديع، ولا شبه الدليل من الدليل.
وعرفت علامة الثقة من علامة الريبة، حتى صارت الأقسام عندك محصورة، والحدود محفوظة، والطبقات معلومة، والدنيا بحذافيرها
(3/70)

مصورة. ووجدت السبب كما وجدت المسبب، وعرفت الاعتلال كما عرفت الاحتجاج، وشاهدت العلل وهي تولد، والأسباب وهي تصنع، فعرفت المصنوع من المخلوق، والحقيقة من التمويه.
فصل
إنك - جعلت فداءك - كما أنك لم تكن فكنت، فكذا لا تكون بعد أن كنت. وكما زدت في الدهر الطويل فكذا تنقص في الدهر الطويل. وكل طويل فهو قصير، وكل متناه فهو قليل. فإياك أن تظن أنك قديم فتكفر، وإياك أن تنكر أنك محدث فتشرك؛ فإن للشيطان في مثلك أطماعاً لا يصيبها في سواك، ويجد فيك عللاً لا يجدها في غيرك.
فصل
وقد علمت أن الخبر إذا صح أصله وكان للناس علة في نشره، كان في الدلالة على الحق كالعيان، وفي الشفاء كالسماع.
على أن الخبر لا يعرف به تكيف الأمور ولكن تعرف به جمل الأشياء، إلا خبرك فإنك لا تحتاج إلى إشارة ولا إلى علة، ولا إلى
(3/71)

تفسير حتى يقوم خبرك في الشفاء وفي كيفية الشيء مقام العيان.
وقد كنت أتعجب من محمد بن عبد الملك وأقول: ما يقولون في رجل لم يقل قط بعد انقضاء خصومه وذهاب خصمه: لو كنت قلت كذا كان أفضل، أو كنت لم أقل كذا كان أمثل! فما بال عفوه أكثر من جهدكم، وبديهته أبعد من أقصى فكرتكم؟ ! فلما رأيتك علمت أنك عذاب صبه الله تعالى على كل رفيع، ورحمة أنشأها الله لكل وضيع.
فخبرني عما جرى بينك وبين هرمس في طبيعة الفلك، وعن سماعك من أفلاطون، وما دار بينك وبين أرسطاطاليس، وأي نوع اعتقدت وأي شيء اخترت؟ فقد أبت نفسي غيرك، وأبت أن تتشفى إلا بخبرك.
ولولا أني كلف برواية الأقاويل، ومغرم بمعرفة الاختلاف وأني لا أستجيز مسألتك عن كل شيء، وابتذالك في كل أمر، لما سمعت من أحد سواك، ولما انقطعت إلى أحد غيرك.
(3/72)

اعلم، جعلت فداءك، أني لم أرد بمزاحك إلا أن أضحك سنك، ولا كانت غايتي فيك إلا لأنفق عندك. وقد كنت خفت أن لا أكون وقفت على حده، وأشفقت من المجاوزة لقدره.
والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان. وهو باب متى فتحه فاتح، وطرق له مطرق، ولم يملك من سده مثل الذي يملك من فتحه، ولم يخرج بقدر ما كان قدم من نفسه، لأنه باب أصل بنائه على الخطأ، ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف. ومن شأنه التزيد، وأن يكون صاحبه قليل التحفظ.
ولم نر شيئاً أبعد من شيء ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافاً ولا أكثر له خلطة، من الجد والمزاح، والمناظرة والمراء.
فإن كنت لم أقصر عن الغاية، ولم أتجاوز حد النهاية فبما أعرف من يمن مكالمتك، وبركة مكاتبتك، ومن حسن تقويمك وجودة تثقيفك. وإن كنت أخطأت الطريق، وجاوزت المقدار، فما كان ذلك عن جهل بفضلك، ولا إنكار لحقك، ولكن حدود الأشياء إذا خفيت، ومقاديرها إذا أشكلت، ولم يكن مع الناظر فيها مثل
(3/73)

تمامك، ولا مع التكلف لها مثل كمالك، دخل عليه من الخلل بقدر عجزه، وسلم منه بقدر نفاذه. نعم ولو كان من العلماء الموصوفين، ومن الأدباء المذكورين.
ومن المزاح - جعلت فداءك - باب مكر وجنس خدع يتكل المرء في إساءته إلى جليسه، واستماعه لصديقه على أن يقول: مزحت، وعلى أن يقول عند المحاكمة: عبثت، وعلى أن يقول: من يغضب من المزاح إلا كز الخلق؟ ! ومن يرغب عن المفاكهة إلا ضيق العطن؟ ! وبعد فمتى أعدت النفس عذراً كانت إلى القبيح أسرع، ومتى لم تعده كانت عنه أبطأ.
ومن أسباب الغلط فيه ومن دواعي الخطأ إليه أن كثيراً ممن تمازحه يضحكك وإن كنت أغضبته، ولا يقطع مزاحك وإن كنت قد أوجعته. فإن حقد ففي الحقد الداء، وإن عجل فذلك البلاء.
فإن قلت: فما أدخلك في شيء هذه سبيله، وهكذا جوهره وطريقه؟ قلت: لأني حين أمنت عقاب الإساءة، ووثقت بثواب
(3/74)

الإحسان، وعلمت أنك لا تقضي إلا على العمد، ولا تعذب إلا على القصد، صار الأمن سائقاً، والأمل قائداً.
وأي عمل أرد، وأي متجر أربح مما جمع السلامة والغنيمة، والأمن والمثوبة.
ولو كان هذا ذنباً كنت شريكي فيه، ولو كان تقصيراً لكنت سببي إليه، لأن دوام التغافل شبيه بالإهمال، وترك التعريف يورث الإغفال، والعفو الشائع والبشر الدائم يؤمنان من المكافأة، ويذهبان بالتحفظ؛ ولذلك قال عيينة بن حصن لعثمان بن عفان: " عمر كان خيراً لي منك، أرهبني فاتقاني، وأعطاني فأغناني ".
فإن كنت اجترأت عليك فلم أجترىء عليك إلا بك؛ وإن كنت أخطأت فلم أخطىء عليك إلا لك؛ لأن حسن الظن بك والثقة بعفوك سبب إلى قلة التحفظ، وداعية إلى ترك التحرز.
(3/75)

وبعد فمن وهب الكبير كيف يقف عند الصغير، ومن لم يزل يعفو عن العمد كيف يعاقب على السهو؟ ! ولو كان عظم قدري هو الذي عظم ذنبي لكان عظم قدري هو الذي شفع لي. ولو استحققت عقابك بإقدامي عليك مع خوفي لك لاستوجبت عفوك عن إقدامي عليك بحسن ظني بك.
على أني متى أوجبت لك العفو فقد أوجبت لك الفضل، ومتى أضفت إليك العقاب فقد وصفتك بالإنصاف. ولا أعلم حال الفضل إلا أشرف من حال العدل؛ والحال التي توجب لك الشكر إلا أرفع من الحال التي توجب لك الصبر.
وإن كنت لا تهب عقابي لحرمتي فهبه لأياديك عندي؛ فإن النعمة تشفع في النعمة.
فإن لم تفعل ذلك للحرمة فافعله لحسن الأحدوثة، وعد إلى حسن العادة. وإن لم تفعل ذلك لحسن العادة فائت ما أنت أهله.
واعلم أني وإياك متى تحاكمنا إلى كرمك قضي لي عليك، ومتى ارتفعنا إلى عدلك حسن العفو عني عندك.
(3/76)

وفصل ما بيننا وبينك، وفرق ما بين أقدارنا وقدرك، أنا نسيء وتغفر، ونذنب وتستر، ونعوج وتقوم، ونجهل وتعلم؛ وأن عليك الإنعام وعليك الشكر. ومن صفاتك أن تفعل ومن صفاتنا أن نصف.
وإذا فعلت ما تقدر عليه من العقاب كنت كمن فعل ما يقدر عليه من التعرض، وصرت ترغب عن الشكر كما رغبنا عن السلم، وصار التعرض لعفوك بالأمن باطلاً، والتعرض لعقابك بالخوف حقاً، ورغبت عن النبل والبهاء، وعن السؤدد والسناء، وصرت كمن يشفي غيظاً أو يداوي حقداً، أو يظهر القدرة أو يحب أن يذكر بالصولة.
ولم نجدهم - أبقاك الله - يحمدون القدرة إلا عند استعمالها في الخير، ويذمون العجز إلا لما يفوت به من إتيان الجميل.
وأنى لك بالعقاب وأنت خير كلك، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود لأهله. وهل عندك إلا ما في طبعك، وكيف لك بخلاف عادتك؟ فلم تستكره نفسك على المكافأة وطباعها الصفح؟ ولم تكدها بالمناقشة ومذهبها المسامحة؟
(3/77)

سبحان من جعل أخلاقك وفق أعراقك، وفعلك وفق عملك، ومن جعل ظنك أكثر من يقيننا، وفراستك أثقب من عياننا، وعفوك أرجح من جهدنا، وبداهتك أجود من تفكرنا، وفعلك أرفع من وصفنا، وغيبتك أهيب من حضور السادة، وعتبك أشد من عقاب الظلمة.
وسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصر، وتتغافل عن المناوي وتصفح عن المتهاون حتى إذا صرت إلى من ذنبه نسيان وتوبته خلاص، وهفوته بكر، وشفاعته الحرمة ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والإنعام إلا منك، ولا العلم إلا من تأديبك، ولا الأخلاق إلا من تقويمك، ولا يقصر في بعض طاعتك إلا لما رأى من احتمالك، ولا نسي بعض ما يجب لك إلا لما داخله من تعظيمك صرت تتوعده بالصرم وهو دليل كل بلية، وتستعمل الإعراض وهو قائد كل هلكة.
وقد علمت أن عتابك أشد من الصريمة، وأن تأنيبك أغلظ من
(3/78)

العقوبة، وأن منعك إذا منعت في وزن إعطائك إذا أعطيت، وأن عقابك على حسب ثوابك، وأن جزعي من حرمانك في وزن سروري بفوائدك، وأن شين غضبك كزين رضاك، وأن موت ذكري بانقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك.
وما لي اليوم عمل أنا إليه أسكن، ولا شفيع أنا به أوثق، من شدة جزعي من عتبك، وإفراط هلعي من خوفك. ولست ممن إذا جاد بالصفح ومن بالعفو لم يكن لصاحبه منه إلا السلامة والنجاة من الهلكة. بل تشفع ذلك بالمراتب الرفيعة، والعطايا الجزيلة، والعز في العشيرة، والهيبة في الخاصة والعامة، مع طيب الذكر وشرف العقب، ومحبة الناس.
وأما ذكرى القد والخرط، والطول والعرض، وما بيننا وبينك في ذلك من التنازع، والتشاجر والتنافر، فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد وهو مزاح.
ولو استعمل الناس الدماثة في كل حال، والجد في كل مقال، وتركوا التسمح والتسهيل وعقدوا في كل دقيق وجليل، لكان
(3/79)

الشر صراحاً خيراً لهم، والباطل محضاً أرد عليهم. ولكن لكل شيء قدر، ولكل حال شكل. فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه. وكذلك المنع والبذل، والعقاب والعفو، وجميع القبض والبسط.
فإن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم، وإن حمدناه ففيه ما يحمد. وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع، وحاله بحال السخف أشبه. فأما أن يذم حتى يكون كالظلم، وينفى حتى يصير كالغدر فلا؛ لأن المزاح مما يكون مرة حسناً ومرة قبيحاً. فإذا صرنا إلى الجد، ورغبنا عن الهزل وتركنا المزاح، وجلسنا للحكم، فقد أغناك الله تعالى عن الحجة، كما سلمك من الشبهة، ولم نكلفك الاحتجاج كما نرغب بك من الاعتلال، فأصبحت لا محتجاً ولا محجوجاً، ولا غفلاً ولا موسوماً، ولا ملوماً ولا معذوراً، ولا فيك اختلاف ولا بك حاجة إلى الائتلاف.
وليس مع العيان وحشة، ولا مع الضرورة وجمة، ولا دون اليقين وقفة.
(3/80)

وهل في تمامك ريب حتى يعالج بالحجة؟ وهل يرد فضلك جاحد حتى يثبت بالبينة.
وهل لك خصم في العلم أو ند في الفهم، أو مجار في الحلم، أو ضد في العزم؟ وهل يبلغك الحسد أو تضرك العين، أو تسمو إليك المنى أو يطمع فيك طامع، أو يتعاطى شأوك باغ؟ وهل غاية الجميل إلا وصفك، وهل زين البليغ إلا مدحك، وهل يأمل الشريف إلا اصطناعك؟ وهل يقدر الملهوف إلا غياثك؟ وهل للطلاب غاية سواك؟ وهل للغواني مثل غيرك؟ وهل للماتح رجز إلا فيك، وهل يحدو الحادي إلا بك؟ ولولا أن يأخذ الواصف لك بنصيبه منك، وبحصته من الصدق،
(3/81)

وبسهمه من الشكر لك، لكان الإطناب عندهم في وصفك لغواً، ولكان تكلفه فضلاً.
ومن هذا الذي يضعه أن يكون دونك، أو يهجى بالتسليم، ولم نعد إقراره إحساناً، وخضوعه إنصافاً؟ وهل تقع الأبصار إلا عليك، وهل تصرف الإشارة إلا إليك؟ وأي أمرك ليس بغاية، وأي شيء منك ليس في النهاية؟ وهل فيك شيء يفوق شيئاً أو يفوقه شيء؟ أو يقال: لو لم يكن كذا لكان أحسن، أو لو كان كذا لكان أتم؟ وأين الحسن الخالص والجمال الفائق، والملح المحض والحلاوة التي لا تستحيل، والتمام الذي لا يحيل، إلا فيك، أو عندك، أو لك أو معك؟ لا بل أين الحسن المصمت والجمال المفرد، والقد العجيب، والملح المنثور والفضل المشهور، إلا لك وفيك؟ وهل على ظهرها جميل حسيب أو عالم أديب إلا وظلك أكبر
(3/82)

من شخصه، وظنك أكثر من علمه، واسمك أفضل من معناه، وحلمك أثبت من نجواه؟ ولربما رأيت الرجل حسناً جميلاً، وحلواً مليحاً، وعتيقاً رشيقاً، وفخماً نبيلاً، ثم لا يكون موزون الأعضاء ولا معتدل الأجزاء.
وقد تكون أيضاً الأقدار متساوية غير متقاربة ولا متفاوتة ويكون قصداً، ومقداراً عدلاً، وإن كانت هناك دقائق خفية لا يراها الغبي، ولطائف غامضة لا يعرفها إلا الذكي.
فأما الوزن المتحقق، والتعديل الصحيح، والتركيب الذي لا يفضحه التفرس، ولا يحصره التعنت، ولا يتعلل جادبه، ولا يطمع في التمويه ناعته، فهو الذي خصصت به دون الأنام، ودام لك على الأيام.
وكذا الحسن إذا كان حراً مرسلاً، وعتيقاً مطلقاً، لا يتحكم
(3/83)

عليه الدهر، ولا يذبله الزمان، ولا يحتاج إلى تعليق التمائم، ولا إلى الصون والكن، ولا إلى المنقاش والكحل.
ولو لم يكن لحسن وجهك إلا أنه قد سهل في العيون تسهيلاً، وحبب إلى القلوب تحبيباً، وقرب إلى النفوس تقريباً، حتى امتزج بالأرواح وخالط الدماء، وجرى في العروق وتمشى في العظم بحيث لا يبلغه السمر ولا الوهم، ولا السرور الشديد، ولا الشراب الرقيق، لكان في ذلك المزية الظاهرة، والفضيلة البينة.
ولو لم يكن لك إلا أننا لا نستطيع أن نقول في الجملة، وعند الوصف والمدحة: لهو أحسن من القمر، وأضوأ من الشمس، وأبهى من الغيث، وأحسن من يوم الحلية؛ وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق: كأن عنقه إبريق فضة، وكأن قدمه لسان حية، وكأن وجهه ماوية، وكأن بطنه قبطية، وكأن ساقه بردية، وكأن لسانه ورقة، وكأن أنفه حد سيف، وكأن حاجبه خط بقلم، وكأن لونه الذهب، وكأن عوارضه البرد، وكأن فاه خاتم، وكأن
(3/84)

جبينه هلال. ولهو أطهر من الماء، وأرق طباعاً من الهواء، ولهو أمضى من السيل، وأهدى من النجم لكان في ذلك البرهان النير، والدليل البين.
وكيف لا تكون كذلك وأنت الغاية في كل فضل، والمثل في كل شكل. وأما قول الشاعر:
يزيدك وجهه حسناً ... إذا ما زدته نظرا
وقول الدمشقيين: ما تأملنا قط تأليف مسجدنا، وتركيب محرابنا وقبة مصلانا إلا أثار لنا التأمل، واستخرج لنا التفرس، غرائب حسن لم نعرفها، وعجائب صنعة لم نقف عليها. وما ندري أجواهر مقطعاته أكرم في الجواهر، أم تنضيد أجزائه في تنضيد الأجزاء؟ فإن ذلك معنىً مسروق مني في وصفك، ومأخوذ من كتبي في مدحك.
والجملة التي تنفي الجدال، وتقطع القيل والقال، أني لم أرك قط إلا ذكرت الجنة، ولا رأيت أجمل الناس في عقب رؤيتك! إلا ذكرت النار! ولا تعجب أيها السامع واعلم أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني فيما يجب له مفرط.
هو رجل طينته حرة، وعرقه كريم، ومغرسه طيب، ومنشأه
(3/85)

محمود، غذي في النعمة، وعاش في الغبطة، وأرهقه التأديب، ولطفه طول التفكير، وخامره الأدب، وجرى فيه ماء الحياء.
فأفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وعادته كطبيعته، وآخره كأوله، تحكي اختياراته التوفيق، ومذاهبه التسديد. لا يعرف التكلف، ويرغب عن التجوز، وينبل عن ترك الإنصاف. لا تمتنع عليه معرفة المبهم، ولا يلحج باستبانة المشكل، ولا يعرف الشك إلا في غيره، ولا العي إلا سماعاً.
فمن يطمع في عيبك، بل من يطمع في قدرك. وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود إلا تعثر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغنى بمدحك، ولا فتاة إلا تشكو تباريح حبك، ولا محجوبة
(3/86)

إلا وهي تنقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك، ولا غيور إلا وقد شقي بك.
فكم من كبد حرى منضجة، ومصدوعة مفرثة، وكم حشاً خافق وقلب هائم، وكم عين ساهرة وأخرى جامدة وأخرى باكية؟ وكم عبرى مولهة وفتاة معذبة، قد أقرح قلبها الحزن، وأجمد عينها الكمد، واستبدلت بالحلي العطلة وبالأنس الوحشة، وبالتكحيل المره، فأصبحت والهة مبهوتة، وهائمة مجهودة، بعد ظرف ناصع، وسن ضاحك؛ وبعد أن كانت ناراً تتوقد وشعلة تتوهج.
وليس حسنك - أبقاك الله - الحسن الذي تبقى معه توبة، أو تصح معه عقيدة، أو يدوم معه عهد، أو يثبت معه عزم،
(3/87)

أو يمهل صاحبه للتثبت، أو يتسع للتحير، أو ينهنهه زجر، أو يفيده خوف. هو - أبقاك الله - شيء ينقض العادة، ويفسخ المنة، ويعجل عن الروية، ويطوح بالعزاء، وينسى معه العواقب.
ولو أدركك عمر بن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر ابن الحجاج، ولركبك بأعظم مما ركب جعدة السلمى. بل لدعاه الشغل بك إلى ترك التشاغل بهما، والغيظ عليك إلى الرحمة لهما.
(3/88)

فمن كان عيب حسنه الإفراط، والطعن عليه من جهة الزيادة، كيف يرومه عاقل أو ينتقصه عالم.
وما ندري في أي الحالين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك أو إذا جمعناك، وإذا ذكرنا كلك أم إذا تأملنا بعضك؟ فأما كفك فهي التي لم تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال بها كل ما صار فيها.
وكما أصبحنا وما ندري: آلكأس التي في يدك أجمل أم القلم، أم الرمح الذي تحمله أم المخصرة، أم العنان الذي تمسكه، أم السوط الذي تعلقه؟ وكما أصبحنا وما ندري أي الأمور المتصلة برأسك أحسن، أم أيها أجمل وأشكل: آللمة أم مخط اللحية، أم الإكليل أم العصابة، أم العمامة أم القناع أم القلنسوة؟
وأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العالم، ويعلم البعيد
(3/89)

الأقصى كما يعلم القريب الأدنى، أنها لم تخلق إلا لمنبر عظيم، أو ركاب طرف كريم.
وأما فوك فهو الذي لا ندري: أي الذي تتفوه به أحسن، وأي الذي يبدو منه أجمل: الحديث أم الشعر، أم الاحتجاج، أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف؟ وعلى أننا لا ندري أي ألسنتك أبلغ، وأي بيانك أشفى. أقلمك أبلغ أم خطك، أم لفظك؟ أم إشارتك أم عقدك؟ وأنت في ذلك فوقهم - والحمد لله - وواحدهم، وأعيذك بالله تعالى.
وقد علمنا أن القمر، وهو الذي يضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال، يبدو مع ذلك ضئيلاً ونضواً، ويظهر معوجاً شختاً وأنت أبداً قمر بدر، وفخم غمر.
ثم مع ذلك يخرق في السرار، ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحساً كما يكون سعداً، ويكون ضراً كما يكون نفعاً، ويقرض
(3/90)

الكتان، ويشحب الألوان، ويخم فيه اللحم. وأنت دائم اليمن، ظاهر السعادة، ثابت الكمال، شائع النفع، تكسو من أعراه، وتكن من أشحبه.
وعلى أنه محق حسنه المحاق، وشانه الكلف، وليس بذي توقد واشتعال، ولا خالص ولا متلألىء، ويعلوه برد ويكسفه ظل، ثم لا يعتبر ذلك إلا عند كماله، وليلة فخره واحتفاله.
وكثيراً ما يعتريه الصفار من بخار البحار. وأنت ظاهر التمام، دائم الكمال، سليم الجوهر، كريم العنصر، ناري التوقد، هوائي الذهن بري اللون، روحاني البدن.
وإن احتجوا عليك له بالجزر والمد، احتججت عليهم بالحلم والعلم، وبأن طاعتك اختيار، وطاعته طباع واضطرار، وبأن له سيرة
(3/91)

قد قصر عليها، ومنازل لا يجاوزها، ولا يمكنه البدوات، وليس في قواه فضل للتصرف.
على أن ضياءه مستعار من الشمس، وضياؤك عارية عند جميع الخلق. وكم بين المعير والمستعير، والمتبين والمتحير، وبين العالم وما لا خير فيه.
تعير نسيم الهواء طيباً، وتراب الأرض عبقاً.
إن تفتيت فالرشاقة والملح، وإن تنسكت فالرهبانية والإخلاص، وإن ترزنت فثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل.
وطباعك - جعلت فداءك - طباع الخمر، إلا أنك حلال كلك. وجوهرك جوهر الذهب إلا أنك روح كما أنت. وقد حويت خصال الياقوت إلا ما زادك الله، وأخذت خصال المشتري إلا ما فضلك الله به، وجمعت خلال الدر إلا ما خصصت به دونه. فلك من كل
(3/92)

شيء صفوته وشرفه، ولبابه وبهاؤه. وهل يضير القمر نباح الكلب، وهل يزعزع النخلة سقوط البعوضة؟ ! فأما القول في المزاح فقد بقي أكثره ومضى أقله.
وقد ذهب الناس في المزاح في مذاهب متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة، فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد، وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان.
وسنأتي على جمل هذه الأقاويل، ثم نذكر جملة ما نقول إن شاء الله.
فأما المحامي عن الهزل والمفضل للمزح فإنه قال: أول ما أذكر من خصال الهزل، ومن فضائل المزح، أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى، وأن الجد نصب، والمزح جمام، والجد مبغضة والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه، وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه.
(3/93)

والجد مؤلم وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ وربما عرضك لألذ منه. فقد شاركه في التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر.
وإنما تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا، وكدوا ليستريحوا، وإن كان المزاح إنما صار معيباً، والهزل مذموماً، لأن صاحبه لا يكون إلا معرضاً لمجاوزة الحد، ومخاطراً بمودة الصديق.
فالجد داعية إلى الإفراط، كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر والتجاوز للجد قاطع بين الفريقين في جميع النوعين.
فقد ساواه المزح فيما هو له وباينه فيما ليس له. وإن كان المزح إنما صار قبيحاً لأن الذي يكون بعده جد، ولم يصر الجد قبيحاً لأن الذي يكون بعده مزح، وكان الجد في هذا الوزن أقبح، وكان المزح على هذا التقدير أحسن، لأن ما جعل الشيء قبيحاً أقبح من الشيء، كما أن ما جعل الشيء حسناً أحسن من الشيء.
فأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزاح في موضعه، كالجد في موضعه، كما أن المنع في حقه كالبذل في حقه.
(3/94)

دقال: ولكل شيء موضع، وليس شيء يصلح في كل موضع.
وقد قسم الله تعالى الخيرة على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة وعلى الإعلان والتقية، وأمر بالمداراة كما أمر بالمباداة، وجوز المعاريض كما أمر بالإفصاح، وسوغ المباح كما شدد أمر المفروض، وجعل المباح جماماً للقلوب، وراحة للأبدان، وعوناً على معاودة الأعمال، فصار الإطلاق كالحظر، والصبر كالشكر.
فليس للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في الفطنة شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء إلا وله في الضراء مثله.
ولو لم يرزق الله تعالى العباد إلا بالصواب محضاً، وبالصدق بحتاً، وبمر الحق صفحاً، لهلكت العوام، ولانتقض أمر الخاص.
(3/95)

ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولو جد في كل شيء لانتكث.
وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلماً كما يكون النسيان للسلامة سبباً. وسبيل المزاح والجد كسبيل المنع والبذل. وعلى ذلك يجري جميع القبض والبسط.
فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم.
ونحن نعوذ بالله أن نجعل المزاح في الجملة كالجد في الجملة، بل نزعم أن بعض المزح خير من بعض الجد، وعامة الجد خير من عامة الهزل. والحق أن ينضح عن بعض المزح، ويحتج لجمهور الجد. وكيف لنا بذم جميع المزح مع ما نحن ذاكرون.
وقد مزح رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يقال: كان فيه مزاح، ولا يقال مزاح. وكذا الأئمة ومن تبذل في بعض الحالات من أهل الحلم والوقار.
وقال عمر رضوان الله تعالى عليه: " إنا إذا خلونا كنا كأحدكم ".
وقد كان عمر عبوساً قطوباً.
(3/96)

وكان زياد مع كلوحه وقطوبه، يمازح أهله في الخلا كما يجد في الملا.
وكان الحجاج مع عتوه وطغيانه، وتمرده وشدة سلطانه، يمازح أزواجه ويرقص صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ قال: " والله إن تروني إلا شيطاناً؟ والله لربما رأيتني وإني لأقبل رجل إحداهن! ".
فقد ذكرنا خير العالمين، وجلة من خيار المسلمين، وجباراً عنيداً، وكافراً لعيناً.
وبعد فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة. وقد أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ولم يأتنا بالانقباض والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبشر عند الملاقاة، وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادي.

فصل
قد اعتذرنا في معصيتك والخلاف على محبتك مرة بالمزاح، ومرة بالنسيان، ومرة بالاتكال على عفوك وعلى ما هو أولى بك.
(3/97)

والجملة أنا لو تعمدنا ثم أصررنا ثم أنكرنا، لكان في فضلك ما يتغمدنا، وفي كرمك ما يوجب التغافل عنا. فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا، واعتذرنا ثم أطنبنا.
فإن تقبل، فحظك أصبت، ولنفسك نظرت. وإن لم تقبل فاجهد جهدك، ولا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا عفا عنك إن عفوت. وأقول كما قال أخو بني منقر:
فما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال
والله لئن رميتني ببجيلة لأرمينك بكنانة، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهضن بإسماعيل بن علي، ولئن صلت علي بسليمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب، ولئن تهت علي بمنادمة جعفر الخياط
(3/98)

لأتيهن عليك بحسبة وهب الدلال.
وأنا أرى لك أن تقبل العافية، وترغب إلى الله تعالى في السلامة. واحذر البغي فإن مصرعه وخيم، واتق الظلم فإن مرعاه وبيل.
وإياك أن تتعرض لجرير إذا هجا، وللفرزدق إذا فخر، ولهرثمة إذا دبر، ولقيس بن زهير إذا مكر، وللأغلب إذا كر، ولطاهر إذا صال. ومن عرف قدره عرف قدر خصمه، ومن جهل نفسه لم يعرف قدر غيره.
وعليك بالجادة ودع البنيات فإن ذلك أمثل لك.
(3/99)

وأنت - والله يا أخي - تعلم علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم الأخبار، أني أظهر منك حرباً، وألطف كيداً، وأكثر علماً، وأوزن حلماً، وأخف روحاً، وأكرم عيناً، وأقل غثاً وأحسن قداً وأبعد غوراً، وأجمل وجهاً، وأنصع ظرفاً. وأكثر ملحاً، وأنطق لساناً وأحسن بياناً، وأجهر جهارة، وأحسن شارة.
وأنت رجل تشدو من العلم، وتنتف من الأخبار، وتموه نفسك، وتعز من قدرك، وتتهيأ بالثياب، وتتنبل بالمراكب، وتتحبب بحسن اللقاء، ليس عندك إلا ذاك. فلم تزاحم البحر بالجداول، والأجسام بالأعراض، وما لا يتناهى بالجزء الذي لا يتجزأ.
فأما الباد والقامة، فمن يعدل بين القناة والكرة، ومن يميل بين النخلة والدقل، وبين رحى الطحان وبين سيف يمان. وإنما يكون التمييل بين أتم الخيرين وأنقص الشرين، وبين المتقاربين
(3/100)

دون المتفاوتين. فأما الخل والعسل، والحصاة والجبل، والسم والغذاء، والفقر والغنى، فهذا مما لا يخطأ فيه الذهن ولا يكذب فيه الحس.
والخطأ ثلاث: خطأ الحس، وخطأ الوهم، وخطأ الرأي. كل ذلك سبيله التنبيه والتذكير، والتقويم والتأنيب.
والعمد نوع واحد، وسبيله القمع والحظر، والضرب والقتل. وأول ذلك أن يهجره صاحب الحكمة، ولا يطمعه في وعظ ولا مجالسة.
وقد رأيت من يعاند الحق إذا كانت المعرفة عياناً. وأنت لا ترضى بجحد العيان حتى تدعو إليه، ولا ترضى بالدعاء إليه حتى تعادي فيه، ولا ترضى بالعداوة حتى يكون لك في ذلك الرياسة، ولا ترضى بالرياسة دون السابقة، ولا بالطارف دون التالد، ولا بالتالد دون الأعراق التي تسري، والمواليد التي تنمي. ولا ترضى بأن يكون أولاً حتى تكون آخراً، ولا بالمداراة دون المباداة،
(3/101)

ولا بالجدال دون القتال. وحتى ترى أن التقية حرام وأن التقصير كفر.
وحتى لو كنت إمام الرافضة لقتلت في طرفة ولو قتلت في طرفة لهلكت الأمة، لأنك رجل لا عقب لك. والإمامة اليوم لا تصلح في الإخوة، واو صلحت في الإخوة كانت تصلح في ابن العم، ثم دنت من الأرحام شيئاً فصارت لا تصلح إلا في الولد. وفي هذا القياس أنها بعد أعوام لا تصلح إلا ببقاء الإمام نفسه إلى آخر الأبد. وهذا هو علة أصحاب التناسخ. وأنت رافضي ولم يكن هذا عندك.
فأهد إلي الآن من خالص التوتيا كما أهديت إليك باب التناسخ.
وأنت ترى القتل في حق المعاندة شهادة، وترى أن مباينة
(3/102)

المنصفين في تعظيم العنود سعادة، وأن الرياسة في دفع الحقائق مرتبة، وأن الإقرار بما يظهر للعيون ضعة، وأن الشهرة بالمغالبة رفعة.
أظهر القوم عندك حجة أرفعهم صوتاً، وأخلقهم للتوبة أصلبهم وجهاً، وأحسنهم تقية أقلهم تحرجاً، وأحسنهم إنصافاً أشدهم شغباً.
تعشق المتهور، وتكلف بالجموح، وتصافي الوقاح. والأديب عندك من يعيب أحاديث الجلساء، واعترض على نوادر الإخوان، وغمز في قفا النديم، ونصب للعالم، وأبغض العاقل، واستثقل الظريف، وحسد على كل نعمة، وأنكر كل حقيقة.
جعلت فداك. إنما أخرجك من شيء إلى شيء، وأورد عليك الباب بعد الباب، لأن من شأن الناس ملالة الكثير، واستثقال الطويل وإن كثرت محاسنه وجمت فوائده. وإنما أردت أن يكون استطرافك للآتي قبل أن ينقضي استطرافك للماضي؛ ولأنك متى
(3/103)

كنت للشيء متوقعاً، وله منتظراً، كان أحظى لما يرد عليك، وأشهى لما يهدى إليك. وكل منتظر معظم، وكل مأمول مكرم.
كل ذلك رغبة في الفائدة، وصبابة بالعلم، وكلفاً بالاقتباس، وشحاً على نصيبي منك، وضناً بما أؤمله عندك، ومداراة لطباعك، واستزادة من نشاطك. ولأنك على كل حال بشر، ولأنك متناهي القوة مدبر.

فصل
والعقل - حفظك الله - أطول رقدة من العين، وأحوج إلى الشحذ من السيف، وأفقر إلى التعاهد، وأسرع إلى التغير، وأدواؤه أقتل، وأطباؤه أقل. فمن تداركه قبل التفاقم أدرك أكثر حاجته، ومن رامه بعد التفاقم لم يدرك شيئاً من حاجته.
ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر، ثم معرفة وجوه المطالب. ثم في الخواطر الغث والسمين، والفاسد والصحيح، والمسرع إليك والبطيء عنك، والدقيق الذي لا يكاد يفهم، والجليل الذي لا يلقى الفهم. ثم هي على طبقاتها في التقديم والتأخير، وعلى منازلها في التباين والتمييز.
(3/104)

وللمطالب طرق، ولدرك الحقائق أبواب؛ فمن أخطأها وانتظر كان أسوأ حالاً ممن لم يخطئها ولم ينتظر. وعلى قدر صحة العقل يصح الخاطر، وعلى قدر التفرغ يكون التنبه.
هذا جماع هذا الكتاب وجمهرته، وأقسامه وجملته.
ثم من نفع أسبابه الحفظ لما قد حصل، والتقييد لما ورد، والانتظار لما لم يرد، وأن لا تخلي نفسك من الفكرة إلا بقدر جمام الطبيعة، وأن تعلم أن مكان الدرس من الحفظ كمكان الحفظ من العلم، وأن تعرف فصل ما بين طلب العلم للمنافسة والشهرة، وبين طلبه للرغبة والرهبة، وتعلم أن العلم لا يجود بمكنونه، ولا يسمح بسره ومخزونه، إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضله لحقيقة جوهره، ورفعه عن التكسب، وصانه عن التبذل. وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى تعطيه خالص المحبة. كان يقال: " من شاب شيب له ".
وخصلة ينبغي أن تعرفها وتقف عندها، وهو أن تبدأ من العلم
(3/105)

بالمهم، وتختار من صنوفه ما أنت أنشط له، والطبيعة به أعنى؛ فإن القبول على قدر النشاط، والبلوغ فيه على قدر العناية.
ثم من أفضل أسبابه تخليص أخلاقه، وتمييز أجناسه، والمعرفة بأقداره، حتى تعطي كل معنى حقه من التقريب والرفعة، وقسطه من الإبعاد والضعة، حتى لا تتشاغل إلا بالسمين الثمين، وبالخطير النفيس، ولا تلقي إلا الغث الخسيس، والحقير السخيف. فإنك متى كنت كذلك لم تعتبر فضل ما بين النظرين، ولا صرف ما بين النعتين.
الكيس كل الكيس، والحذق كل الحذق: أن لا تعجل ولا تبطىء، وأن تعلم أن السرعة غير العجلة، وأن الأناة خلاف الإبطاء. وأن تكون على يقين من درك الحق إذا وفيته شرطه، وعلى ثقة من ثواب النظر إذا أعطيته حقه.
هذا جملة ما للعذر في هذه المسألة، وجملة الحجة فيما قدمنا من الافتنان والإطالة. فإن كنا أصبنا فالصواب أردنا، وإن كنا أخطأنا فما ذاك عن فساد من الضمير، ولا قلة احتفال بالتقصير. ولعل طبيعة
(3/106)

خانت، أو لعل عادة جذبت، أو لعل سهواً اعترض، أو لعل شغلاً منع.
خفض عليك أيها السامع، فإن الخطأ كثير عام، وغالب مستول، والصواب قليل خاص، ومقموع مستخف.
فوجه اللائمة إلى أهلها، وألزمها من هو أحق بها، فإنهم كثير ومكانهم مشهور.
اعجب من الصواب لا تعجب من الخطأ. اعجب من أن العجب قد ذهب. اعجب ممن تعجب وفيه العجب أعجب. وكيف التعجب والأمور كلها عجب؟ ! كنت أتعجب من كل فعل خرج من العادة، فلما خرجت الأفعال بأسرها من العادة صارت بأسرها عجباً، فبدخول كلها في باب العجب خرجت بأجملها من باب العجب.
وقد ذكر الله تعالى ذكره التعجب في كتابه جل جلاله. وقد تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله في زمانه، وفي الناس
(3/107)

يومئذ الناقص والوافر، والمشوب والخالص، والمستقيم والمعوج. وقال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإن تعجب فعجب قولهم "، وقال له: " بل عجبت ويسخرون ".
واعلم أنه لم يبق من المتعجب الفاتك إلا نصيب اللسان، ولا من المستمع الفاتك إلا حصة السمع. فأما القلوب فخاوية قاسية، وراكدة خامدة، لا تسمع داعياً ولا تجيب سائلاً، قد أغفلها سوء العادة، واستولى عليها سلطان السكرة.
فدع عنك ما لست مثله، فإن فيما أورده عليك شغلاً شاغلاً، وهماً داخلاً.
اعلم أن الله تعالى قد مسخ الدنيا بحذافيرها، وسلخها من جميع معانيها. ولو مسخها كما مسخ بعض المشركين قردة، أو كما مسخ بعض الأمم خنازير، لكان قد بقى بعض أمورها، وحبس عليها بعض أعراضها، كبقية ما مع القرد في ظاهره من شبه الآدمي، وبقية ما مع الخنزير
(3/108)

في باطنه من شبه البشري. لكنه جل ذكره مسخ الدنيا مسخاً متتبعاً، ومستقصىً مستفرغاً، فبين حاليها جميع التضاد، وبين معنييها غاية الخلاف.
فالصواب اليوم غريب، وصاحبه مجهول. والعجب ممن يصيب وهو مغمور، ويقول وهو ممنوع، فإن صرت عليه عوناً مع الزمان قتلته، وإن أمسكت عنه فقد وفرته.
ولسنا نريد منك النصرة ولا المعونة، ولا التأنيس ولا التعزية. وكيف أطلب منك ما قد انقطع سببه، واجتث أصله. وقد كان يقال: " من طلب عيباً وجده ".
هذا في الدهر الصالح دون الفاسد. فإن أنصفت فقد أغربت، وإن جرت فلم تعد ما عليه الزمان.
وهب الله لنا ولك الإنصاف، وأعاذنا وإياك من الظلم. والحمد لله كما هو أهله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله على سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة، وسلم.
(3/109)

فصل من صدر رسالته إلى الحسن بن وهب
(3/111)

في مدح النبيذ وصفة أصحابه
أنا - أبقاك الله - الطالب المشغول، والقائل المعذور، فإن رأيت خطأً فلا تنكر فإني بصدده وبعرض منه، بل في الحال التي توجبه، والسبب الذي يؤدي إليه. وإن سمعت تسديداً فهو الغريب الذي لا نجده. اللهم إلا أن يكون من بركة مكاتبتك، ويمن مطالبتك. ولأن ذكرك يشحذ الذهن، ويصورك في الوهم، ويجلو العقل؛ وتأميلك ينفي الشغل.
ولا يعجبني ما رأيت من قلة إطنابك في هذا النبيذ، وقلة تلهيك بهذا الشراب وأنت تجد من فضل القول وحسن الوصف ما لا يصاب عند خطيب، ولا يوجد عند بليغ. وأنت ولو مشيت الخيلاء، وحقرت العظماء، وأرغبت الشعراء، وأعطيت الخطباء، ليكون القول منهم موصولاً غير مقطوع، ومبسوطاً غير مقصور، لكنت بعد مقصراً في أمره، مفرطاً في واجب حقه. فلا تأديب الله قبلت، ولا قول الناصح سمعت.
(3/113)

قال الله تبارك وتعالى: " وأما بنعمة ربك فحدث ". وقال الأول: " استدم النعمة بإظهارها، واستزد الواهب بإدامة شكره ".
بل كيف أنست بالجلساء، وأرسلت إلى الأطباء ولم يكن في قربك منه ما يغنيك، وفي النظر إليه ما يشفيك؟ ولم ملكت نفسك دون أن تهذي، ولم رأيت الوقار مروءة قبل أن تستخف ولم كان الهذيان هو الهذيان، والسخف هو المروءة، والتناقض هو الصحة وإلا بأي شيء خصصت، وبأي معنىً أتيت، ولم لم تخلع فيه العذار، ولم تخرج فيه عن كل مقدار.
وأي شيء أجرب جلدك وأمات حالك، وأضعف مسرتك، وأوحش منك رفيقك، إلا العقوبة المحضة، وإلا الغضب والعقاب، وحرمك الثواب إلا التهاون في أمره، وقلة الرعاية لحقه.
وكيف صارت أمراضي أمراض الأغنياء وأمراضك أمراض الفقراء إلا لمعرفتي بفضله، واستخفافك بقدره. ألا ترى أني منقرس مفلوج، وأنت أجرب مبسور.
(3/114)

فإن تبت فما أقرب الفرج، وأسرع الإجابة. وسنفرغ لك إن شاء الله قريباً، وتفلح سريعاً.
وإن أصررت وتتايعت وتماديت أتاك والله من سفلة الأدواء، وزوي عنك من علية الأمراض، ما يضعك موضعاً لا ارتفاع معه، ويلزق بعقبك عاراً لا زوال له. ثم تتبع أشياخك السبة، وتتبعهم المذمة.
علم الله أنه استظرفك واستملحك، واستحسن قدك، واسترجح عقلك، وأحسن بك ظناً، ورآك لنفسه أهلاً، ولاتخاذه موضعاً، وللأنس به مكاناً، وأنت لاه عنه زار عليه، متهاون به، قد أقبلت على ديوانك تشغل بملازمته، وتدع ما يجب عليك من صفاته، والدعاء إلى تعظيمه. بل هل كنت من شيعته والذابين عن دولته، والمعروفين بالانقطاع إليه، والانبتات في حبله، إلا أن يكون عندك التقصير لحقه، والتهاون بأمره اللازم، ونهي الناس عنه.
ول خرجت إلى هذا لخرجت من جميع الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية. وأحسب أنك لا تعظمه ولا ترق له. ولو لم تتعصب إلا لجماله وحسنه، ولو لم تحافظ على نقائه وعتقه لكان ذلك واجباً، وأمراً معروفاً. فكيف مع المناسبة التي بينكما، والشكل الذي يجمعكما. فإن كان بعضك لا يصون بعضاً وأنت لا تعظم شقيقاً، فأنت والله من حفظ العشيرة أبعد، ولمعرفة الصديق أنكر.
ولقد نعيت إلي لبك، وأثكلتني حفاظك، وأفسدت عندي كل
(3/115)

صحيح. وقد كان يقال: " لا يزال الناس بخير ما تعجبوا من العجب " قال الشاعر:
وهلك الفتى أن لا يراح إلى الندى ... وأن لا يرى شيئاً عجيباً فيعجب
قال بكر بن عبد الله المزني: " كنا نتعجب من دهر لا يتعجب أهله من العجب فقد صرنا في دهر لا يستحسن أهله الحسن. ومن لا يستحسن الحسن لم يستقبح القبيح ".
وقال بعضهم: " العجب ترك التعجب من العجب ".
ولم أقل ذلك إلا لأن تكون به ضنيناً، وبما يجب له عارفاً. ولكنك لم توفر حقه ولم توف نصيبه.
فإن قلت: ومن يقضي واجب حقه، وينتهض بجميع شكره؟ قلنا: فهل أعذرت في الاجتهاد حتى لا يذم إلا تعجبك، وهل استغرقت الاعتذار حتى لا تعاب إلا بما زاد على قوتك. ولولا أنك عين الجواد لم نطلبه منك. ولولا ظنك لم نحمدك عليه. ولولا معرفتك
(3/116)

بفضله لم نعجب من تقصيرك في حقه، ولولا أن الخطأ فيك أقبح، والقبيح منك أسمج، وهو فيك أبين والناس به أكلف، والعيون إليه أسرع لكان كتابنا كتاب مطالبة، ولم يكن كتاب معاتبة، ولشغلنا الحلم لك عن الحلم عليك، والقول لك عن القول فيك.
وقد كنت أهابك بفضل هيبتي لك، وأجترىء عليك بفضل بسطك لي، فمنعني حرص الممنوع، وخوف المشفق، وأمن الواثق، وقناعة الراضي.
وبعد فمن طلب ما لا يجاد به، وسأل ما لا يوهب مثله ممن يجود بكل ثمين، ويهب كل خطير، فواجب أن يكون من الرد مشفقاً، وبالنجح موقناً.
وإن كان - أبقاك الله - أهلاً لأن يمنع، وكنت حفظك الله أهلاً أن تبذل، وجب أن تكون باذلاً مانعاً، وساكناً مطمئناً، إلا أن يكون الحرب سلماً سجالاً، والحالات دولاً.
ولهذه الخصال ما وقع الطلب، وشاع الطمع.
فإن منعت فعذرك مبسوط عند من عرف قدره، وإن بذلت فلم تعد الذي أنت أهله عند من عرف قدرك، إلا أنه لا يجود بمثله إلا غني عند جميع الناس، أو عاقل فوق جميع الناس.
وكيف لا أطلب طلب الجريء المتهور، وأمسك إمساك الهائب
(3/117)

الموقر. وليس في الأرض خلق يغتفر في وصفه المحال ولا يستحسن الهذيان سواه؟ ! على أن من الهذيان ما يكون مفهوماً، ومن المحال ما يكون مسموعاً.
فمن جهل ذلك ولم يعرفه، وقصر ولم يبلغه، فليسمع كلام اللهفان والثكلان، والغضبان والغيران، ومرقصة الصبيان، والمنعظ إذا دنا منه الحلقي.
حتى إذا استوهبك لم تهب له منه حتى تقف وقفة، وتطرق ساعة، ثم تستحسن وتستشير، ثم تشفع على مستوهبه، وتعجب من شاربه، ثم تطيل الكتاب بالامتنان، وتسطر فيه بتعظيم الإنعام مع ذكر مناقبه، ونشر محاسنه بقدر الطاقة. وإن لم تبلغ الغاية فاعرف وزنه، واشهد بطيبه، وأرخ ساعته، واشهر في الناس يومه.
وما ظنك بشيء لا تقدر أن تشرد في ذكره وتفرط في مدحه،
(3/118)

وتقصيرك واضح في لونه، مكتوب في طعمه، موجود في رائحته، إذ كان كل ممدوح يقصر عن مدحه وقدره، ويصغر في جنبه.
ولو لم يستدل على سعادة جدك، وإقبال أمرك، وأن لك زي صدق في المعلوم، وحظاً في الرزق المقسوم، وأنك ممن تبقى نعمه، ويدوم شكره، ويفهم النعمة ويربها، ويدرأ عنها ويستديمها، إلا أنه وقع في قسمك، وكان في نصيبك لكان ذلك أعظم البرهان، وأوضح الدلالة.
بل لا نقول: إنه وقع اتفاقاً وغرساً نادراً، حتى يكون التوفيق هو الذي قصد به، والصنع هو الذي دل عليه.
ولو لم تملك غيره لكنت غنياً، ولو ملكت كل شيء سواه لكنت فقيراً. وكيف لا يكون كذلك وهو مستراح قلبك، ومجال عقلك، ومرتع عينك، وموضع أنسك، ومستنبط لذتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظلام، وشعارك من جميع الأقسام.
وكيف وقد جمع أهبة الجلال، ورشاقة الخلال، ووقار البهاء،
(3/119)

وشرف الخير، وعز المجاهرة ولذة الاختلاس، وحلاوة الدبيب.
وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه، وفضيلته على غيره، ثم أصف فضل شرابك على سائر الأشربة، كما أصف فضل النبيذ على سائر الأنبذة؛ لأن النبيذ إذا تمشى في عظامك، والتبس بأجزائك، ودب في جنانك، منحك صدق الحس، وفراغ النفس، وجعلك رخي البال، خلي الذرع، قليل الشواغل، قرير العين، واسع الصدر، فسيح الهمم حسن الظن. ثم سد عليك أبواب التهم، وحسن دونك الظن وخواطر الفهم، وكفاك مئونة الحراسة، وألم الشفقة، وخوف الحدثان، وذل الطمع وكد الطلب، وكل ما اعترض على السرور وأفسد اللذة، وقاسم الشهوة، وأخل بالنعمة.
وهو الذي يرد الشيوخ في طبائع الشبان، ويرد الشبان في نشاط الصبيان، وليس يخاف شاربه إلا مجاوزة السرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر.
(3/120)

ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه، إلا أنك ما دمت تمزجه بروحك، وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبب إليك المزاح والفكاهة، وبغض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقد الحشمة وكد المروءة، وصار يومه جمالاً لأيام الفكرة، وتسهيلاً لمعاودة الروية، لكان في ذلك ما يوجب الشكر، ويطيب الذكر. مع أن جميع ما وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم، وأقل الثمن.
ثم يعطيك في السفر ما يعطيك في الحضر، وسواء عليك البساتين والجنان. ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار، ويطيب في الصحو كما يطيب بالدجن، ويلذ في الصيف كما يلذ في الشتاء، ويجري مع كل حال. وكل شيء سواه فإنما يصلح في بعض الأحوال.
ويدفع مضرة الخمار، كما يجلب منفعة السرور.
إن كنت جذلاً كان باراً بك، وإن كنت ذا هم نفاه عنك.
وما الغيث في الحرث بأنفع منه في البدن، وما الريش السخام بأدفأ منه للمقرور.
(3/121)

ويستمرأ به الغذاء ويدفع به ثقل الماء، ويعالج به الأدواء، ويحمر به الوجنتان، ويعدل به قضاء الدين.
إن انفردت به ألهاك، وإن نادمت به سواك.
ثم هو أصنع للسرور من زلزل، وأشد إطراباً من مخارق، وقدر احتياجهما إليه كقدر استغنائه عنهما؛ لأنه أصل اللذات وهي فرعه، وأول السرور ونتاجه.
ولله در أول من عمله وصنعه، وسقياً لمن استنبطه وأظهره. ماذا دبر؟ وعلى أي شيء دل؟ وبأي معنىً أنعم؟ وأي دفين أثار؟ وأي كنز استخرج.
ومن استغناء النبيذ بنفسه، وقلة احتياجه إلى غيره، أن جميع ما سواه من الشراب يصلحه الثلج، ولا يطيب إلا به.
وأول ما يثنى عليه به، ويذكر منه، أنه كريم الجوهر، شريف النفس، رفيع القدر، بعيد الهم. وكذلك طبيعته المعروفة وسجيته الموصوفة. وأنه يسر النفوس ويحبب إليها الجود، ويزين لها الإحسان، ويرغبها في التوسع، ويورثها الغنى، وينفي عنها الفقر،
(3/122)

ويملؤها عزاً، ويعدها خيراً، ويحسن المسارة، ويصير به النبت خصباً والجناب مريعاً، ومأهولاً معشباً.
وليس شيء من المأكول والمشروب أجمع للظرفاء، ولا أشد تألفاً للأدباء، ولا أجلب للمؤنسين، ولا أدعى إلى خلاف الممتعين، ولا أجدر أن يستدام به حديثهم ويخرج مكنونهم، ويطول به مجلسهم، منه.
وإن كل شراب وإن كان حلا ورق، وصفا ودق، وطاب وعذب، وبرد ونقخ، فإن استطابتك لأول جرعة منه أكثر، ويكون من طبائعك أوقع. ثم لا يزال في نقصان إلى أن يعود مكروهاً وبلية، إلا النبيذ، فإن القدح الثاني أسهل من الأول، والثالث أيسر، والرابع ألذ، والخامس أسلس، والسادس أطرب، إلى أن يسلمك إلى النوم الذي هو حياتك، أو أحد أقواتك. ولا خير فيه إذا كان إسكاره تغلباً، وأخذه بالرأس تعسفاً، حتى يميت الحس
(3/123)

بحدته، ويصرع الشارب بسورته، ويورث البهر بكظته، ولا يسري في العروق لغلظه، ولا يجري في البدن لركوده، ولا يدخل في العمق ولا يدخل الصميم.
ولا والله حتى يغازل العقل ويعارضه، ويدغدغه ويخادعه، فيسره ثم يهزه، فإذا امتلأسروراً وعاد ملكاً محبوراً، خاتله السكر وراوغه، وداراه وما كره، وهازله وغانجه. وليس كما يغتصب السكر، ويعتسف الداذي، ويفترس الزبيب؛ ولكن بالتفتير والغمز، والحيلة والختل، وتحبيب النوم، وتزيين الصمت.
وهذه صفة شرابك إلا ما لا نحيط به، ونعوته تتبدل إلا ما يقبح منها الجهل به.
وخير الأشربة ما جمع المحمود من خصالها وخصال غيرها. وشرابك هذا قد أخذ من الخمر دبيبها في المفاصل، وتمشيها في العظام ولونها الغريب؛ وأخذ برد الماء ورقة الهواء، وحركة النار، وحمرة
(3/124)

خدك إذا خجلت، وصفرة لونك إذا فزعت، وبياض عارضيك إذا ضحكت.
وحسبي بصفاتك عوضاً من كل حسن، وخلفاً من كل صالح.
ولا تعجب أن كانت نهاية الهمة وغاية المنية؛ فإن حسن الوجوه إذا وافق حسن القوام وشدة العقل، وجودة الرأي، وكثرة الفضل وسعة الخلق، والمغرس الطيب والنصاب الكريم، والظرف الناصع، واللسان الفخم والمخرج السهل والحديث المونق، مع الإشارة الحسنة والنبل في الجلسة، والحركة الرشيقة واللهجة الفصيحة، والتمهل في المحاورة والهز عند المناقلة، والبديه البديع والفكر الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والإيجاز يوم الإيجاز والإطناب يوم الإطناب، يفل الحز ويصيب المفصل، ويبلغ بالعفو ما يقصرعنه الجهد، كان أكثر لتضاعف الحسن، وأحق بالكمال. والحمد لله.
وإن التاج بهي وهو في رأس الملوك أبهى، والياقوت الكريم حسن وهو في جيد المرأة الحسناء أحسن، والشعر الفاخر حسن وهو من في
(3/125)

الأعرابي أحسن. فإن كان من قول المنشد وقريضه، ومن نحته وتحبيره، فقد بلغ الغاية وأقام النهاية.
وهذا الشراب حسن وهو عندك أحسن، والهدية منه شريفة وهي منك أشرف.
وإن كنت قدرت أني إنما طلبته منك لأشربه أو لأسقيه، أو لأهبه، أو لأتحساه في الخلا، أو أديره في الملا أو لأنافس فيه الأكفاء، وأجتر زيادة الخلطاء، أو لأبتذله لعيون الندماء، أو أعرضه لنوائب الأصدقاء فقد أسأت بي الظن، وذهبت من الإساءة بي في كل فن، وقصرت به فهو أشد عليك، ووضعت منه فهو أضر بك.
وإن ظننت أني إنما أريده لأطرف به معشوقة، أو لأستميل به هوى ملك، أو لأغسل به أوضار الأفئدة، أو أداوي به خطايا الأشربة، أو لأجلو به الأبصار العليلة، وأصلح به الأبدان الفاسدة، أو لأتطوع به على شاعر مفلق أو خطيب مصقع، أو أديب مدقع، ليفتق لهم المعاني، وليخرج المذاهب، ولما في جانبهم من
(3/126)

الأجر، وفي أعناقهم من الشكر، ولينفضوا ما قالت الشعراء في الحمد، وليرتجعوا ما شاع لهم من الذكر؛ فإني أريد أن أضع من قدرها، وأن أكسر من بالها، فقد تاهت وتيه بها. أو لأن أتفاءل برؤيته وأتبرك بمكانه، وآنس بقربه، أو لأشفي به الظماء، أو أجعله إكسير أصحاب الكيمياء، أو لأن أذكرك كلما رأيته، وأداعبك كلما قابلته أو لأجتلب به اليسر وأنفي العسر. ولأنه والفقر لا يجتمعان في دار، ولا يقيمان في ربع. ولأتعرف به حسن اختيارك، وأتذكر به جودة اجتبائك. أو لأن أستدل به على خالص حبك، وعلى معرفتك بفضلي، وقيامك بواجب حقي فقد أحسنت بي الظن، وذكرت من الإحسان في كل فن. بل هو الذي أصونه صيانة الأعراض، وأغار عليه غيرة الأزواج.
(3/127)

واعلم أنك إن أكثرت لي منه خرجت إلى الفساد، وإن أقللت أقسمت على الاقتصاد.
وأنا رجل من بني كنانة، وللخلافة قرابة، ولي فيها شفعة، وهم بعد جنس وعصبة، فأقل ما أصنع إن اكترثت لي منه أن أطلب الملك، وأقل ما يصنعون بي أن أنفى من الأرض. فإن أقللت فإنك الولد الناصح، وإن أكثرت فإنك الغاش الكاشح. والسلام.
(3/128)

فصل من صدر كتابه في طبقات المغنين
(3/129)

ثم إنا وجدنا الفلاسفة المتقدمين في الحكمة، المحيطين بالأمور معرفة، ذكروا أن أصول الآداب التي منها يتفرع العلم لذوي الألباب أربعة: فمنها النجوم وبروجها، وحسابها الذي يعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج الطبائع وأيام السنة.
ومنها الهندسة وما اتصل بها من المساحة والوزن والتقدير، وما أشبه ذلك.
ومنها الكيمياء والطب اللذان بهما صلاح المعاش وقوام الأبدان، وعلاج الأسقام، وما يتشعب من ذلك.
ومنها اللحون ومعرفة أجزائها وقسمها، ومقاطعها ومخارجها ووزنها، حتى يستوي على الإيقاع ويدخل في الوتر وغير ذلك مما اقتصرنا من ذكره على أسمائه وجمله، اجتناباً للتطويل، وتوخياً للاختصار. وقصدنا للأمر الذي إليه انتهينا، وإياه أردنا. والله الموفق وهو المستعان.
ولم يزل أهل كل علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه، ويسلكون طريقه، ويعرفون غامضه، ويسهلون سبيل المعرفة بدلائله، خلا الغناء، فإنهم لم يكونوا عرفوا علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه، وكان علمهم به على الهاجس وعلى ما يسمعون من الفارسية والهندية
(3/131)

إلى أن نظر الخليل البصري في الشعر ووزنه، ومخارج ألفاظه، وميز ما قالت العرب منه، وجمعه وألفه، ووضع فيه الكتاب الذي سماه العروض، وذلك أنه عرض جميع ما روي من الشعر وما كان به عالماً، على الأصول التي رسمها، والعلل التي بينها، فلم يجد أحداً من العرب خرج منها، ولا قصر دونها. فلما أحكم وبلغ منه ما بلغ، أخذ في تفسير النغم واللحون، فاستدرك منه شيئاً، ورسم له رسماً احتذى عليه من خلفه، واستتمه من عني به.
وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي أول من حذا حذوه، وامتثل هديه، واجتمعت له في ذلك آلات لم تجتمع للخليل بن أحمد قبله، منها معرفته بالغناء، وكثرة استماعه إياه وعلمه بحسنه من قبيحه، وصحيحه من سقيمه.
ومنها حذقه بالضرب والإيقاع، وعلمه بوزنها. وألف في ذلك كتباً معجبة، وسهل له فيها ما كان مستصعباً على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل، وحذق راجح، ووزن صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل صحيحة وواضحة، وشواهد عادلة. ولم نر أحداً وجد سبيلاً إلى الطعن عليه والعيب له.
وصنع كثير من أهل زمانه أغاني كثيرة بهاجس طبعهم والاتباع لمن سبقهم، فبعض أصاب وجه صوابه، وبعض أخطأ، وبعض قصر في بعض وأحسن في بعض.
(3/132)

ووجدنا لكل دهر دولة للمغنين يحملون الغناء عنهم، ويطارحون به فتيان زمانهم، وجواري عصرهم. وكان يكون في كل وقت من الأوقات قوم يتنادمون، ويستحسنون الغناء، ويميزون رديه من جيده، وصوابه من خطائه، ويجمعون إلى ذلك محاسن كثيرة في آدابهم وأخلاقهم، وروائهم وهيئاتهم، فلم نجد هذه الطبقة ذكروا. ووجدنا ذكر الغناء وأهله باقياً.
وخصصنا في أيامنا وزماننا بفتية أشراف، وخلان نظاف، انتظم لهم من آلات الفتوة وأسباب المروءة ما كان محجوباً عن غيرهم، معدوماً من سواهم، فحملني الكلف والمودة لهم والسرور بتخليد فخرهم وتشييد ذكرهم والحرص على تقويم أود ذي الأود منهم حتى يلحق بأهل الكمال في صناعته، والفضل في معرفته، على تمييز طبقة طبقة منهم، وتسمية أهل كل طبقة بأوصافهم، وآلاتهم وأدواتهم، والمذاهب التي نسبوا إليها أنفسهم، واحتملهم إخوانهم عليها. وخلطنا جداً بهزل، ومزجنا تقريعاً بتعريض، ولم نرد بأحد مما سمينا سوءاً، ولا تعمدنا نقداً ولا تجاوزنا حداً.
ولو استعملنا غير الصدق لفضلنا قوماً وحابينا آخرين. ولم نفعل
(3/133)

ذلك؛ تجنباً للحيف، وقصداً للإنصاف. وقد نعلم أن كثيراً منهم سيبالغ في الذم، ويحتفل في الشتم، ويذهب في ذلك غير مذهبنا.
وما أيسر ذلك فيما يجب من حقوق الفتيان وتفكيههم، والله حسيب من ظلم، عليه نتوكل وبه نستعين، وهو رب العرش العظيم.
ولم نقصد في وصف من وصفنا من الطبقات التي صنفنا منهم، إلا لمن أدركنا من أهل زماننا ممن حصل بمدينة السلام، إذ من خرج عنها ونزع إلى الفتوة بعد التوبة، وإلى أخلاق الحداثة بعد الحنكة، وذلك في سنة خمس عشرة ومائتين. فرحم الله أمراً أحسن في ذلك أمرنا، وحذا فيه حذونا، ولم يعجل إلى ذمنا، ودعا بالمغفرة والرحمة لنا.
وقد تركنا في كل باب من الأبواب التي صنفنا في كتابنا، فرجاً لزيادة إن زادت، ولاحقة إن لحقت، أو نابتة إن نبتت. ومن عسى أن ينتقل به الحذق من مرتبته إلى ما هو أعلى منها، أو يعجز به القصور عما هو عليه منها إلى ما هو دونها، إلى مكانه الذي إليه نقله ارتفاع درجة أو انحطاطها، ومن لعلنا نصير إلى ذكره ممن
(3/134)

عزب عنا ذكره، وأنسينا اسمه، ولم يحط علمنا به، فنصيره في موضعه، ونلحقه بأصحابنا.
وليس لأحد أن يثبت شيئاً من هذه الأصناف إلا بعلمنا، ولا يستبد بأمر فيه دوننا. ويورد ذلك علينا فنمتحنه، ونعرفه بما عنده، ويصير إلى ترتيبه في المرتبة التي يستحقها، والطبقة التي يحتملها.
فلما استتب لنا الفراغ مما أردنا من ذلك خطر ببالنا كثرة العيابين من الجهال برب العالمين، فلم نأمن أن يسرعوا بسفه رأيهم وخفة أحلامهم إلى نقض كتابنا وتبديله، وتحريفه عن مواضعه، وإزالته عن أماكنه التي عليها رسمنا، وأن يقول كل امرىء منهم في ذلك على حاله، وبقدر هواه ورأيه، وموافقته ومخالفته، والميل في ذلك إلى بعض، والذم لطبقة والحمد لأخرى، فيهجنوا كتابنا، ويلحقوا بنا ما ليس من شأننا.
وأحببنا أن نأخذ في ذلك بالحزم، وأن نحتاط فيه لأنفسنا ومن ضمه كتابنا، ونبادر إلى تفريق نسخ منها وتصييرها في أيدي الثقات والمستبصرين، الذين كانوا في هذا الشأن، ثم ختموا ذلك
(3/135)

بالعزلة والتوبة منه، كصالح بن أبي صالح، وكأحمد بن سلام، وصالح مولى رشيدة.
ففعلنا ذلك وصيرناه أمانة في أعناقهم، ونسخة باقية في أيديهم، ووثقنا بهم أمناء ومستودعين وحفظة غير مضيعين ولا متهمين. وعلمنا أنهم لا يدعون صيانة ما استودعوا، وحفظ ما عليه ائتمنوا.
فإن شيب به شوب يخالفه، وأضيف إليه ما لا يلائمه، رجعنا إلى النسخة المنصوبة، والأصول المخلدة عند ذوي الأمانة والثقة، واقتصرنا عليها، واستعلينا بها على المبطلين، ودفعنا بها إدغال المدغلين، وتحريف المحرفين، وتزيد المتزيدين، إن شاء الله.
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(3/136)

فصل من صدر كتابه في النساء
(3/137)

إنا لما ذكرنا في كتابنا هذا الحب الذي هو أصل الهوى، والهوى الذي يتفرع منه العشق، والعشق الذي يهيم له الإنسان على وجهه أو يموت كمداً على فراشه. وأول ذلك إدخال الضيم على مروءته، واستشعار الذلة لمن أطاف بعشيقته.
ولم نطنب مع ذلك في ذكر ما يتشعب من أصل الحب من الرحمة والرقة، وحب الأموال النفيسة والمراتب الرفيعة، وحب الرعية للأئمة، وحب المصطنع لصاحب الصنيعة، مع اختلاف مواقع ذلك من النفوس، ومع تفاوت طبقاته في العواقب، احتجنا إلى الاعتذار من ذكر العشق المعروف بالصبابة، والمخالفة على قوة العزيمة، لنجعل ذلك القدر جنة دون من حاول الطعن على هذا الكتاب، وسخف الرأي الذي دعا إلى تأليفه، والإشادة بذكره. إذا كانت الدنيا لا تنفك من حاسد باغ، ومن قائل متكلف، ومن سامع طاعن، ومن منافس مقصر. كما أنها لا تنفك من ذي سلامة متسلم، ومن عالم متعلم، ومن عظيم الخطر حسن المحضر، شديد المحاماة على حقوق الأدباء، قليل التسرع إلى أعراض العلماء.
وإنما العشق اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه حب. وليس
(3/139)

كل حب يسمى عشقاً، وإنما العشق اسم للفاضل عن ذلك المقدار، كما أن السرف اسم لما زاد على المقدار الذي يسمى جوداً، والبخل اسم لما نقص عن المقدار الذي يسمى اقتصاداً، والجبن اسم لما قصر عن المقدار الذي يسمى شجاعة.
وهذا القول ظاهر على ألسنة الأدباء، مستعمل في بيان الحكماء. وقد قال عروة بن الزبير: " والله إني لأعشق الشرف كما تعشق المرأة الحسناء ".
وذكر بعض الناس رجلاً كان مدقعاً محروماً، ومنحوس الحظ ممنوعاً، فقال: " ما رأيت أحداً عشق الرزق عشقه، ولا أبغضه الرزق بغضه! " فذكر الأول عشق الشرف، وليس الشرف بامرأة، وذكر الآخر عشق الرزق والرزق اسم جامع لجميع الحاجات.
وقد يستعمل الناس الكناية، وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة، يريدون أن يظهر المعنى بألين اللفظ، إما تنويهاً وإما تفضيلاً، كما سموا المعزول عن ولايته مصروفاً، والمنهزم عن عدوه منحازاً. نعم، حتى سمى بعضهم البخيل مقتصداً ومصلحاً، وسمي عامل الخراج المتعدي بحق السلطان مستقصياً.
(3/140)

ولما رأينا الحب من أكبر أسباب جماع الخير، ورأينا البغض من أكبر أسباب الشر، أحببنا أن نذكر أبواب السبب الجالب للخير، ليفرق بينه وبين أبواب السبب الجالب للشر حتى نذكر أصولهما وعللهما الداعية إليهما، والموجبة لكونهما.
فتأملنا شأن الدنيا فوجدنا أكبر نعيمها وأكمل لذاتها، ظفر المحب بحبيبه، والعاشق بطلبته، ووجدنا شقوة الطالب المكدي وغمه، في وزن سعادة الطالب المنجح وسروره، ووجدنا العشق كلما كان أرسخ، وصاحبه به أكلف، فإن موقع لذة الظفر منه أرسخ، وسروره بذلك أبهج.
فإن زعم زاعم أن موقع لذة الظفر بعدوه المرصد أحسن من موقع لذة الظفر من العاشق الهائم بعشيقته.
قلنا: إنا قد رأينا الكرام والحلماء، وأهل السؤدد والعظماء، ربما جادوا بفضلهم من لذة شفاء الغيظ، ويعدون ذلك زيادة في نبل النفس، وبعد الهمة والقدر. ويجودون بالنفيس من الصامت والناطق، وبالثمين من العروض. وربما خرج من جميع ماله، وآثر طيب الذكر على الغني واليسر. ولم نر نفس العاشق تسخو بمعشوقه، ويجود بشقيقة نفسه لوالد ولا لولد بار، ولا لذي نعمة سابغة يخاف سلبها، وصرف إحسانه عنه بسببها.
(3/141)

ولم نر الرجال يهبون للرجال إلا ما لا بال به، في جنب ما يهبون للنساء. حتى كأن العطر والصبغ، والخضاب والكحل، والنتف والقص، والتحذيف والحلق، وتجويد الثياب وتنظيفها، والقيام عليها وتعهدها، مما لم يتكلفوه إلا لهن، ولم يتقدموا فيه إلا من أجلهن، وحتى كأن الحيطان الرفيعة، والأبواب الوثيقة، والستور الكثيفة، والخصيان والظؤورة، والحشوة والحواضن لم تتخذ إلا للصون لهن، والاحتفاظ بما يجب من حفظ النعمة فيهن.

فصل منه
وباب آخر: وهو أنا لم نجد أحداً من الناس عشق والديه ولا ولده، ولا من عشق مراكبه ومنزله، كما رأيناهم يموتون من عشق النساء الحرام. قال الله تعالى: " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ".
فقد ذكر تبارك وتعالى جملة أصناف ما خولهم من كرامته، ومن عليهم من نعمته، ولم نر الناس وجدوا بشيء من هذه الأصناف وجدهم بالنساء. ولقد قدم ذكرهن في هذه الآية على قدر تقدمهن في قلوبهم.
(3/142)

فإن قال قائل: فقد نجد الرجل الحليم، والشيخ الركين، يسمع الصوت المطرب من المغني المصيب، فينقله ذلك إلى طبع الصبيان، وإلى أفعال المجانين، فيشق جيبه، وينقض حبوته، ويفدي غيره، ويرقص كما يرقص الحدث الغرير، والشاب السفيه. ولم نجد أحداً فعل ذلك عند رؤية معشوقه.
قلنا: أما واحدة فإنه لم يكن ليدع التشاغل بشمها وبرشفها، واحتضانها، وتقبيل قدميها، والمواضع التي وطئت عليها، ويتشاغل بالرقص المباين لها، والصراخ الشاغل عنها. فأما حل الحبوة، والشد حضراً عند رؤية الحبيبة فإن هذا مما لا يحتاج إلى ذكره، لوجوده وكثرة استعمالهم له، فكيف وهو إن خلا بمعشوقه لا يظن أن لذة الغناء تشغله بمقدار العشر من لذته، بل ربما لم يخطر له ذلك الغناء على بال.
وعلى أن ذلك الطرب مجتاز غير لابث، وظاعن غير مقيم؛ ولذة المتعاشقين راكدة أبداً مقيمة غير ظاعنة.
وعلى أن الغناء الحسن من الوجه الحسن والبدن الحسن، أحسن،
(3/143)

والغناء الشهي من الوجه الشهي والبدن الشهي أشهى. وكذلك الصوت الناعم الرخيم من الجارية الناعمة الرخيمة.
وكم بين أن يفدى إذا شاع فيك الطرب مملوكك، وبين أن يفدى أمتك؟ وكم بين أن يسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله، وبين فم تشتهي أن تصرف وجهك عنه.
وعلى أن الرجال دخلاء على النساء في الغناء، كما رأينا رجالاً ينوحون، فصاروا دخلاء على النوائح.
وبعد، فأيما أملح وأحسن، وأشهى وأغنج، أن يغنيك فحل ملتف اللحية، كث العارضين، أو شيخ منخلع الأسنان، مغضن الوجه، ثم يغنيك إذا هو تغنى بشعر ورقاء بن زهير:
رأيت زهيراً تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
أم تغنيك جارية كأنها طاقة نرجس، أو كأنها ياسمينة، أو كأنها خرطت من ياقوتة، أو من فضة مجلوة، بشعر عكاشة بن محصن:
(3/144)

من كف جارية كأن بناتها ... من فضة قد طرفت عنابا
وكأن يمناها إذا نطقت به ... ألقت على يدها الشمال حسابا

فصل منه
فأما الغناء المطرب في الشعر الغزل فإنما ذلك من حقوق النساء. وإنما ينبغي أن تغني بأشعار الغزل والتشبيب، والعشق، والصبابة بالنساء اللواتي فيهن نطقت تلك الأشعار، ويهن شبب الرجال، ومن أجلهن تكلفوا القول في النسيب.
وبعد، فكل شيء وطبقه، وشكله ولفقه، حتى تخرج الأمور موزونة معدلة، ومتساوية مخلصة.
(3/145)

ولو ان رجلاً من أدمث الناس وأشدهم تلخيصاً لكلامهم، ومحاسبة لنفسه، ثم جلس مع امرأة لا تزن بمنطق، ولا تعرف بحسن حديث، ثم كان يعشقها، لتناتج بينهما من الأحاديث، ولتلاقح بينهما من المعاني والألفاظ، ما كان لا يجري بين دغفل بن حنظلة، وبين ابن لسان الحمرة. وإنما هذا على قدر تمكن الغزل في الرجل.
فصل منه
والمرأة أيضاً أرفع حالاً من الرجل في أمور. منها: أنها التي تخطب وتراد، وتعشق وتطلب، وهي التي تفدى وتحمى. قال عنبسة بن سعيد للحجاج بن يوسف: أيفدي الأمير أهله؟ قال: والله إن تعدونني إلا شيطاناً، والله لربما رأيتني أقبل رجل إحداهن!
(3/146)

فصل منه
وإنما يملك المولى من عبده بدنه، فأما قلبه فليس له عليه سلطان.
والسلطان نفسه وإن ملك رقاب الأمة، فالناس يختلفون في جهة الطاعة، فمنهم من يطيع بالرغبة، ومنهم من يطيع بالرهبة، ومنهم من يطيع بالمحبة، ومنهم من يطيع بالديانة.
وهذه الأصناف، وإن كان أفضلها طاعة الديانة فإن تلك المحبة ما لم يمازجها هوىً لم تقو على صاحبها قوة العشق. وفي الأثر المستفيض والمثل السائر: " إن الهوى يعمي ويصم "؛ فالعشق يقتل.
فصل منه
ومما يستدل به على تعظيم شأن النساء أن الرجل يستحلف بالله الذي لا شيء أعظم منه، وبالمشي إلى بيت الله، وبصدقة ماله، وعتق رقيقه. فيسهل ذلك عليه، ولا يأنف منه. فإن استحلف بطلاق امرأته تربد وجهه، وطار الغضب في دماغه، ويمتنع ويعصي، ويغضب ويأبى، وإن كان المحلف سلطاناً مهيباً، ولو لم يكن يحبها، ولا يستكثر منها، وكانت نفسها قبيحة المنظر، دقيقة الحسب، خفيفة الصداق، قليلة النسب.
ليس ذلك إلا لما قد عظم الله من شأن الزوجات في صدور الأزواج.
(3/147)

فصل منه في ذكر الولد
وباب آخر: وهو أنا لو خيرنا رجلاً بين الفقر أيام حياته، وبين أن يكون ممتعاً بالباه أيام حياته، لاختار الفقر الدائم مع التمتع الدائم.
وليس شيء مما يحدث الله لعباده من أصناف نعمه وضروب فوائده، أبقى ذكراً، ولا أجل خطراً من أن يكون للرجل ابن يكون ولي بناته، وساتر عورة حرمه، وقاضي دينه، ومحيي ذكره، مخلصاً في الدعاء له بعد موته، وقائماً بعده في كل ما خلفه مقام نفسه.
فمن أقل أسفاً على ما فارق، ممن خلف كافياً مجرباً، وحائطاً من وراء المال موفراً، ومن وراء الحرم حامياً، ولسلفه في الناس محبباً. وقال رجل لعبد الملك بن مروان، وقد ذكر ولد له: " أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك، وأرى بنيك فيك ما أراك في أبيك! ".
ونظر شيخ وهو عند المهلب إلى بنيه قد أقبلوا فقال: " آنس الله بكم لاحقكم، فوالله إن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم أسباط ملحمة ".
وليست النعمة في الولد المحيي، والخلف الكافي، بصغيرة.
(3/148)

فصل منه
وباب آخر: وهو أن الله تعالى خلق من المرأة ولداً من غير ذكر، ولم يخلق من الرجل ولداً من غير أنثى. فخص بالآية العجيبة والبرهان المنير المرأة دون الرجل، كما خلق المسيح في بطن مريم من غير ذكر.

فصل منه في ذكر القرابات
وأما أنا فإني أقول: إن تباغض الأقرباء عارض دخيل، وتحابهم واطد أصيل، والسلامة من ذلك أعم، والتناصر أظهر، والتصادق في المودة أكثر. فلذلك القبيلة تنزل معاً وترحل معاً، وتحارب من ناوأها معاً، إلا الشاذ النادر، كخروج غني وباهلة من غطفان، وكنزول عبس في بني عامر، وما أشبه ذلك. وإلا فإن القرابة يد واحدة على من ناوأهم، وسيف واحد على من عاداهم، وما صلاح شأن العشائر إلا بتقارب سادتهم في القدر، وإن تفاوتوا في الرياسة والفضل، كما قال في الأثر المستفيض: " لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا تقاربوا هلكوا ".
وحال العامة في ذلك كحال الخاصة.
فصل منه
وقضية واجبة: أن الناس لا يصلحهم إلا رئيس واحد، يجمع شملهم، ويكفيهم ويحميهم من عدوهم، ويمنع قويهم من ضعيفهم.
(3/149)

وقليل له نظام، أقوى من كثير نشر لا نظام لهم، ولا رئيس عليهم. إذ قد علم الله أن صلاح عامة البهائم في أن يجعل لكل جنس منها فحلاً يوردها الماء ويصدرها، وتتبعه إلى الكلأ، كالعير في العانة، والفحل من الإبل في الهجمة، وكذلك النحل العسالة، والكراكي، وما يحمي الفرس الحصان الحجور في المروج، فجعل منها رءوساً متبوعة، وأذناباً تابعة.
ولو لم يقم الله للناس الوزعة من السلطان، والحماة من الملوك وأهل الحياطة عليهم من الأئمة لعادوا نشراً لا نظام لهم، ومستكلبين لا زاجر لهم، ولكان من عز بز، ومن قدر قهر، ولما زال اليسر راكداً، والهرج ظاهراً، حتى يكون التغابن والبوار، وحتى تنطمس
(3/150)

منهم الآثار؛ ولكانت الأنعام طعاماً للسباع، وكانت عاجزة عن حماية أنفسها، جاهلة بكثير من مصالح شأنها.
فوصل الله تعالى عجزها بقوة من أحوجه إلى الاستمتاع بها، ووصل جهلها بمعرفة من عرف كيف وجه الحيلة في صونها والدفاع عنها.
وكذلك فرض على الأئمة أن يحوطوا الدهماء بالحراسة لها، والذياد عنها، وبرد قويها عن ضعيفها، وجاهلها عن عالمها، وظالمها عن مظلومها، وسفيهها عن حليمها.
فلولا السائس ضاع المسوس، ولولا قوة الراعي لهلكت الرعية.
فصل منه
وانفراد السيد بالسيادة كانفراد الإمام بالإمامة. وبالسلامة من تنازع الرؤساء تجتمع الكلمة، وتكون الألفة، ويصلح شأن الجماعة. وإذا كانت الجماعة انتهت الأعداء، وانقطعت الأهواء.
فصل منه
ولسنا نقول ولا يقول أحد ممن يعقل: إن النساء فوق الرجال، أو دونهم بطبقة أو طبقتين، أو بأكثر، ولكنارأينا ناساً يزرون عليهن أشد الزراية، ويحتقرونهن أشد الاحتقار، ويبخسونهن أكثر حقوقهن.
(3/151)

وإن من العجز أن يكون الرجل لا يستطيع توفير حقوق الآباء والأعمام إلا بأن ينكر حقوق الأمهات والأخوال، فلذلك ذكرنا جملة ما للنساء من المحاسن.
ولولا أن ناساً يفخرون بالجلد وقوة المنة، وانصراف النفس عن حب النساء، حتى جعلوا شدة حب الرجل لأمته، وزوجته وولده، دليلاً على الضعف، وباباً من الخور، لما تكلفنا كثيراً مما شرطناه في هذا الكتاب.
فصل منه
كما نحب أن يخرج هذا الكتاب تاماً، ويكون للأشكال الداخلة فيه جامعاً، وهو القول فيما للذكور والإناث في عامة أصناف الحيوان، وما أمكن من ذلك، حتى يحصل ما لكل جنس منها من الخصال المحمودة والمذمومة. ثم يجمع بين المحاسن منها والمساوىْ، حتى يستبين لقارىء الكتاب نقصان المفضول من رجحان الفاضل، بما جاء في ذلك من الكتاب الناطق، والخبر الصادق، والشاهد العدل، والمثل السائر. حتى يكون الكتاب عربياً أعرابياً، وسنياً جماعياً، وحتى يجتنب فيه العويص والطرق المتوعرة، والألفاظ المستنكرة، وتلزيق المتكلفين، وتلفيق أصحاب الهواء من المتكلمين، حتى نظرنا لمن لا يعلم مقادير ما استخزنها الله من المنافع، وغشاها من البرهانات، وألزمها من الدلالة عليه، وأنطقها به من الحجة له.
(3/152)

فمنع من ذلك فرط الكبرة، وإفراط العلة، وضعف المنة، وانحلال القوة.
فلما وافق هذا الكتاب منا هذه الحال، وألفى قلوبنا على هذه الأشغال، اجتنبنا أن نقصد من جميع ذلك إلى فرق ما بين الرجل والمرأة.
فلما اعتزمنا على ما ابتدأنا به وجدناه قد اشتمل على أبواب يكثر عددها، وتبعد غايتها، فرأينا، والله الموفق، أن نقتصر منه على ما لا يبلغ بالمستمع إلى السآمة، وبالمألوف إلى مجاوزة القدر.
وليس ينبغي لكتب الآداب والرياضيات أن يحمل أصحابها على الجد الصرف، وعلى العقل المحض، وعلى الحق المر، وعلى المعاني الصعبة، التي تستكد النفوس، وتستفرغ المجهود.
وللصبر غاية، وللاحتمال نهاية.
ولا بأس بأن يكون الكتاب موشحاً ببعض الهزل. وعلى أن الكتاب إذا كثر هزله سخف، كما أنه إذا كثر جده ثقل.
ولا بد للكتاب من أن يكون فيه بعض ما ينشط القارىء، وينفي النعاس عن المستمع. فمن وجد في كتابنا هذا بعض ما ذكرنا، فليعلم أن قصدنا في ذلك إنما كان على جهة الاستدعاء لقلبه، والاستمالة لسمعه وبصره. والله تعالى نسأل التوفيق.
(3/153)

فصل منه في ذكر العشق
ورجلان من الناس لا يعشقان عشق الأعراب: أحدهما الفقير المدقع، فإن قلبه يشغل عن التوغل فيه وبلوغ أقصاه.
والملك الضخم الشأن، لأن في الرياسة الكبرى، وفي جواز الأمر ونفاذ النهي، وفي ملك رقاب الأمم، ما يشغل شطر قوى العقل عن التوغل في الحب، والاحتراق في العشق.
فصل منه
كثيراً ما يعتري العشاق والمحبين غير المحترقين، كالرجل تكون له جارية وقد حلت من قلبه محلاً، وتمكنت منه تمكناً، ولا يجتث أصل ذلك الحب الغضبة تعرض، وكثرة التأذي بالخلاف يكون منها، فيجد الفترة عنها في بعض هذه الحالات التي تعرض، فيظن أنه قد سلا، أو يظن أنه في عزائه عنها على فقدها محتملاً، فيبيعها إن كانت أمة، أو يطلقها إن كانت زوجة، فلا ينشب ذلك الغضب أن يزول، وذلك الأذى أن ينسى، فتتحرك له الدفائن، ويثمر ذلك الغرس، فيتبعها قلبه، فإما أن يسترجع
(3/154)

الأمة من مبتاعها، بأضعاف ثمنها، أو يسترجع الزوجة بعد أن نكحت. فإن تصبر وأمكنه الصبر لم يزل معذباً، وإن أطاع هواه واحتمل المكروه فهذا هو العقابيل والنكس.
فليحذر الحازم الفترة في حب حبيبه، والغضبة التي تنسيه عواقب أمره.
فصل منه
قال ابراهيم بن السندي: حدثني عبد الملك بن صالح قال: بينا عيسى بن موسى قد خلا بنفسه، وهو قد كان استكثر من النساء حتى انقطع، إذ مرت به جارية كأنها جان، وكأنها جدل عنان، وكأنها جمارة، وكأنها قضيب فضة، فتحركت نفسه، وخاف أن تخذله قوته، ثم طمع في القوة لطول الترك، واجتماع الماء، فلما صرعها، وجلس منها ذلك المجلس خطر على باله لو عجز كيف يكون حاله؟ فلما فكر فتر، فأقبل كالمخاطب لنفسه فقال: إنك لتجلسيني هذا المجلس، وتحمليني على هذا المركب، ثم
(3/155)

تخذليني هذا الخذلان وتغشيني مثل هذا الذل، ولولا حيرة الخجل لم أستعمل ما لا يقتل! وذلك أنه حين رأى أن أبلغ الحيل في توهيمها أن العجز لم يكن من قبله أن يقول لها: تعرضين لي وأنت تفلة، ثم لا ترخين باديك، ولا تستهدفين لسيدك، ولا تعينين على نفسك، حتى كأنك عند عبد يشبهك، أو سوقة لا يقدر إلا على مثلك. أما لو كنت من بنات ملوك العجم لألفاك سيدك على أجود صنعة، وعلى أحسن طاعة، إذ كل رجل ينبسط للتمتع مع التفل.
فصل منه
ولم أسمع ولم أقرأ في الأحاديث المولدة، في شأن العشاق، وما صنع العشق في القلوب والأكباد والأحشاء، والزفرات والحنين، وفي التدليه والتوليه، متى تستعر الدمعة، ومتى يورث العين الجمود.
(3/156)

فصل منه
ونحن وإن رأينا أن فضل الرجل على المرأة، في جملة القول في الرجال والنساء، أكثر وأظهر، فليس ينبغي لنا أن نقصر في حقوق المرأة. وليس ينبغي لمن عظم حقوق الآباء أن يصغر حقوق الأمهات، وكذلك الإخوة والأخوات، والبنون والبنات. وأنا وإن كنت أرى أن حق هذا أعظم فإن هذه أرحم.

فصل من احتجاجه للإماء
قال بعض من احتج للعلة التي من أجلها صار أكثر الإماء أحظى عند الرجال من أكثر المهيرات: أن الرجل قبل أن يملك الأمة قد تأمل منها كل شيء وعرفه، ما خلا حظوة الخلوة، فأقدم على ابتياعها بعد وقوعها بالموافقة. والحرة إنما يستشار في جمالها النساء، والنساء لا يبصرن من جمال النساء وحاجات الرجال وموافقتهن قليلاً ولا كثيراً. والرجال بالنساء أبصر. وإنما تعرف المرأة من المرأة ظاهر الصفة، وأما الخصائص التي تقع بموافقة الرجال فإنها لا تعرف ذلك.
وقد تحسن المرأة أن تقول: كأن أنفها السيف، وكأن عينها عين غزال، وكأن عنقها إبريق فضة، وكأن ساقها جمارة، وكأن شعرها
(3/157)

العناقيد، وكأن أطرافها المداري، وما أشبه ذلك.
وهناك أسباب أخر بها يكون الحب والبغض.
فصل منه
وقد علم الشاعر وعرف الواصف، أن الجارية الفائقة الحسن أحسن من الظبية، وأحسن من البقرة، وأحسن من كل شيء تشبه به، ولكنهم إذا أرادوا القول شبهوها بأحسن ما يجدون.
ويقول بعضهم: كأنها الشمس، وكأنها القمر! والشمس وإن كانت بهية فإنما هي شيء واحد، وفي وجه الجارية الحسناء وخلقها ضروب من الحسن الغريب والتركيب العجيب.
ومن يشك أن عين المرأة الحسناء أحسن من عين البقرة، وأن جيدها أحسن من جيد الظبية، والأمر فيما بينهما متفاوت، ولكنهم لو لم يفعلوا هذا وشبهه لم تظهر بلاغتهم وفطنتهم.
فصل منه
ورأيت أكثر الناس من البصراء بجواهر النساء، الذين هم جهابذة هذا الأمر، يقدمون المجدولة، والمجدولة من النساء تكون في منزلة بين السمينة والممشوقة.
ولا بد من جودة القد، وحسن الخرط، واعتدال المنكبين،
(3/158)

واستواء الظهر، ولا بد أن تكون كاسية العظام، بين الممتلئة والقضيفة.
وإنما يريدون بقولهم: مجدولة، جودة العصب، وقلة الاسترخاء، وأن تكون سليمة من الزوائد والفضول.
وكذلك قالوا: خمصانة وسيفانة، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان، وكأنها قضيب خيزران.
والتثني في مشيها أحسن ما فيها، ولا يمكن ذلك الضخمة والسمينة، وذات الفضول والزوائد.
على أن النحافة في المجدولة أعم، وهي بهذا المعنى أعرف، تحبب على السمان الضخام، وعلى الممشوقات والقضاف، كما يحبب هذه الأصناف على المجدولات.
ووصفوا المجدولة بالكلام المنثور فقالوا: " أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب ".
(3/159)

فصل من صدر رسالته إلى الفتح بن خاقان
في مناقب الترك وعامة جند الخلافة
(3/161)

وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإياك ممن يقول بالحق ويعمل به، ويؤثره، ويحتمل ما فيه مما قد يصد عنه، ولا يكون حظه منه الوصف له، والمعرفة به، دون الحث عليه، والانقطاع إليه، وكشف القناع فيه، وإيصاله إلى أهله، والصبر على المحافظة في أن لا يصل إلى غيرهم، والتثبت في تحقيقه لديهم؛ فإن الله تعالى لم يعلم الناس ليكونوا عالمين دون أن يكونوا عاملين، وإنما علمهم ليعملوا، وبين لهم ليتقوا التورط في وسط الخوف، والوقوع في المضار، والتوسط في المهالك. فلذلك طلب الناس التبين.
(3/163)

ولحب السلامة من الهلكة، والرغبة في المنفعة احتملوا ثقل التعلم، وتعجلوا مكروه ثقل المعاناة.
ولقلة العاملين وكثرة الواصفين قال الأولون: العارفون أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين.
وإنما كثرت الصفات وقلت الموصوفات لأن ثواب العمل مؤجل، واحتمال ما فيه معجل.
وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، واحتجاجك لتدبير خليفتك، وإشفاقك من كل خلل يدخله وإن دق، ونال سلطانه وإن صغر، ومن كل أمر خالف هواه وإن خفي مكانه، وجانب رضاه وإن قل ضرره. ومن تخوفك أن يجد المتأول إليه متطرقاً، والعدو عليه متعلقاً؛ فإن السلطان لا ينفك من متأول ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معزول عن الحكم زار، ومن متعطل متصفح، ومن معجب برأيه، ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصواب، وبالاعتراض على التدبير، حتى كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في مواضع الرقباء، وفي مواضع التصفح على الخلفاء والوزراء. لا يعذر وإن كان مجاز العذر ظاهراً، ولا يقف فيما يكون للشك محتملاً، ولا يصدق بأن الشاهد
(3/164)

يرى ما لا يرى الغائب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ومستدبره من لم يعرف مستقبله.
ومن محروم قد أضعفه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان، ومن مستبطىء قد أخذ أضعاف حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه، وقلة شكره، يظن أن الذي بقي له أكثر، ولحقه أوجب.
ومن مستزيد لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده، ونعمته السالفة عليه، لكان لذلك أهلاً، وله مستحقاً. قد غره الأمل، وأبطره دوام الكفاية، وأفسده طول الفراغ.
ومن صاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة نعاق في الهرج، قد أقصاه عز السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب، وأذله الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه، وخالف لا غناء عنده، يريد أن يسوى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة، لأمر ما سلف له، ولإحسان كان من غيره، وليس ممن يرب قديم مجد، ولا يحفل
(3/165)

بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين.
وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله.
ثم اعلم بعد ذلك أنك بنفسك بدأت في تعظيم إمامك، والحفظ لمناقب أنصار خليفتك، وإياها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه، ونعم العون أنت، إن شاء الله، على ملازمة الطاعة، والموازرة على الخير، والكفاية لأهل الحق.
وقد استدللت بالذي أرى من شدة عنايتك وفرط اكتراثك، وتفقدك لأجناس الأعداء، وبحثك عن مناقب الأولياء على أن ما ظهر من نصحك أمم في جنب ما بطن من إخلاصك. فأمتع
(3/166)

الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبته، وأعاذنا وإياك من قول الزور، والتقرب بالباطل، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد.
وذكرت أنك جالست أخلاطاً من جند الخلافة، وجماعات من أبناء الدعوة، وشيوخاً من جلة الشيعة، وكهولاً من أبناء رجال الدولة، المنسوبين إلى الطاعة والمناصحة، ومحبة الدينونة دون محبة الرغبة والرهبة، وأن رجلاً من عرض تلك الجماعة ارتجل الكلام ارتجال مستبد، وتفرد به تفرد معجب، وأنه تعسف المعاني وتهجم على الألفاظ فزعم أن جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: خراساني، وتركي، ومولىً، وعربي، وبنوي، وأنه أكثر حمد الله وشكره على إحسانه ومنته، وعلى جميع أياديه، وسبوغ نعمه، وعلى شمول عافيته، وجزيل مواهبه، حين ألف على الطاعة هذه
(3/167)

القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرقة، وأنك اعترضت على هذا المتكلم المستبد، وعلى هذا القائل المتكلف الذي قسم هذه الأقسام، وخالف بين هذه الأركان، وفضل بين أنسابهم. وأنك أنكرت ذلك عليه أشد الإنكار، وقذعته أشد القذع.
وزعمت أنهم لم يخرجوا من الاتفاق، أو من شيء يقرب من الاتفاق، وأنك نفيت التباعد في النسب، والتباين في السبب.
وقلت: بل أزعم أن الخراساني والتركي أخوان، وأن الحيز واحد، وأن حكم ذلك الشرق، والقضية على ذلك الصقع متفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت، وأن الأعراق في الأصل إن لا تكن كانت راسخة، فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد المشتملة عليهم إن لا تكن متساوية فإنها متناسبة، وكلهم خراساني في الجملة، وإن تميزوا ببعض الخصائص، وافترقوا ببعض الوجوه.
وزعمت أن اختلاف التركي والخراساني ليس كاختلاف ما بين الرومي والصقلبي، والزنجي والحبشي، فضلاً على ما هو أبعد جوهراً، وأشد خلافاً، بل كاختلاف ما بين المدري والوبري، والبدوي والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين من نزل البطون وبين
(3/168)

من نزل النجود، وبين من نزل الأغوار.
وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضاً في بعض الصورة، فقد نجد أن عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن، وفصحاء الحجاز، خلاف لغة حمير وسكان مخاليف اليمن، وكذلك الصورة والصورة، والشمائل والشمائل، والأخلاق والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص غير مشوب، ولا معلهج ولا مذرع ولا مزلج. ولم يختلفوا كاختلاف ما بين
(3/169)

قحطان وعدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك التربة من خصائص الغرائز، وما قسم لأهل كل جزيرة من الشكل والصورة، ومن الأخلاق واللغة.
فإن قلت: وكيف صار أولادهما جميعاً عرباً، مع اختلاف الأبوة؟ قلنا: إن الجزيرة لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة، وفي الشمائل والهمة، وفي الأنف والحمية، وفي الأخلاق والسجية، فسبكوا سبكاً واحداً، تشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط، حتى صار ذلك اشد تشابهاً في باب الأعم والأخص، وفي باب الوفاق والمباينة من بعض الأرحام، وجرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب، وصارت هذه الأسباب ولادة أخرى حتى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها. وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة بني اسحاق، وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في جميع الدهر لبني قحطان.
ففي إجماع الفريقين على التناكح والتصاهر، ومنعهما ذلك جميع الأمم، ككسرى فمن دونه، دليل على أن النسب عندهم متفق، وأن هذه المعاني قد قامت عندهم مقام الولادة والأرحام الماسة.
(3/170)

وزعمت أنه أراد الفرقة والتحزيب، وأنك أردت الألفة والتقريب.
ثم زعمت أيضاً أن البنوي خراساني، وأن نسب الأبناء نسب آبائهم، وأن حسن صنيع الآباء، وقديم فعال الأجداد، هو حسب الأبناء، وأن الموالي بالعرب أشبه، وإليهم أقرب، وبهم أمس؛ لأن السنة قد نقلت الموالي إلى العرب في كثير من المعاني، لأنهم عرب في المدعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. وهذا تأويل قوله: " مولى القوم منهم ". و " الولاء لحمة كلحمة النسب ".
ثم زعمت أن الأتراك قد شاركوا القوم في هذا النسب، وصاروا من العرب بهذا السبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال.
على أن ولاء الأتراك للباب قريش، ولمصاص عبد مناف، وهم في سر هاشم، وهاشم موضع العذار من خد الفرس، ومحل العقد
(3/171)

من لبة الكعاب. وهو الجوهر المكنون، والذهب المصفى، وموضع المحة من البيضة، والعين في الرأس، والروح من البدن. وهم الأنف المقدم، والسنام الأكوم، والطينة البيضاء، والدرة الزهراء، والروضة الخضراء، والذهب الأحمر.
فقد شاركوا العرب في أنسابهم، وفضلوهم بهذا الفضل الخاص الذي لا يبلغه فضل وإن برع، بل لا يعشره شرف وإن عظم، ولا مجد وإن قدم.
فزعمت أن أنساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التقارب تكون الموازنة والمكانفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء والأئمة.
وذكرت أنه ذكر جملاً من مفاخر هذه الأجناس، وجمهرة من مناقب هذه الأصناف، وأنه جمع ذلك وفصله، وأجمله وفسره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، وأضرب عنهم صفحاً فلم يخبر عنهم، كما أخبر عن حجة كل جيل، وعن برهان كل صنف. فذكر أن الخراساني يقول: نحن النقباء، وأبناء النقباء، ونحن النجباء وأبناء النجباء، ومنا الدعاة قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف
(3/172)

نجابة، وقبل المغالبة والمبادأة، وقبل كشف القناع وزوال التقية.
وبنا زال ملك أعدائنا عن مستقره، وثبت ملك أوليائنا في نصابه، وبين ذلك ما قتلنا وشردنا، ونهكنا ضرباً وطلبا، وبضعنا بالسيوف الحداد، وعذبنا بألوان العذاب.
وبنا شفى الله تعالى الصدور، وأدرك الثأر، ومنا الاثني عشر النقباء، والسبعون النجباء. ونحن الخندقية وأبناء الخندقية، ونحن الكفية وأبناء الكفية، ومنا المستجيبة، ومن بهرج النيمية، ومنا نيم خزان، وأصحاب الجوربين، ومنا الزغندية، والآزاذمردية.
ونحن فتحنا البلاد، وقتلنا العدو بكل واد، ونحن أصل هذه الدولة، ومنبت هذه الشجرة، وأصحاب هذه الدعوة، ومن عندنا هبت هذه الريح
والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج، نصروا النبي صلى الله عليه وسلم في أول الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزمان، غذانا بذلك آباؤنا، وغزونا به أبناءنا، وصار لنا نسباً لا نعرف إلا به، وديناً لا نوالي إلا عليه.
(3/173)

ثم نحن على وتيرة واحدة، ومنهاج غير مشترك، نعرف بالشيعة، ودين بالطاعة، ونقتل فيها، ونموت عليها. سيمانا موصوف، ولباسنا معروف، ونحن أصحاب الرايات السود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدمون مدن الجبابرة، وينتزعون الملك من أيدي الظلمة. وفينا تقدم الخبر، وصح الأثر. وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمورية، ويظهرون عليها، ويقتلون مقاتليها، ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: " شعورهم شعور النساء، وثيابهم ثياب الرهبان ". فصدق الفعل القول، وحقق الخبر العيان.
ونحن الذين ذكرنا، وذكر بلاءنا إمام الأئمة، وأبو الخلائف العشرة محمد بن علي، حين أراد توجيه الدعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلدان: "
(3/174)

أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان، وصنائع عثمان، فليس بها من شيعتنا إلا القليل.
وأما الكوفة وسوادها فقد غلب عليها علي وشيعة علي، فليس بها من شيعتنا إلا القليل.
وأما الشام فشيعة بني مروان، وآل بني سفيان.
وأما الجزيرة فخارجة، وحرورية ومارقة.
ولكن عليكم بهذا الشرق فإن هناك صدوراً سليمة، وقلوباً باسلة، لم تفسدها الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. وهناك العدد والعدة، والعتاد والنجدة ".
ثم قال: " وأنا أتفاءل إلى حيث ما تطلع ".
فكنا خير جند لخير إمام، وصدقنا ظنه، وثبتنا رأيه، وصوبنا فراسته.
وقال مرة أخرى: " إن أمرنا هذا شرقي لا غربي، ومقبل غير مدبر، يطلع كطلوع الشمس، ويمتد على الآفاق امتداد النهار، حتى يبلغ حيث ما تبلغه الأخفاف، وتناله الحوافر ".
دقالوا: ونحن قتلنا الصحصحية، والدالقية، والذكوانية،
(3/175)

والراشدية. ونحن أصحاب الخنادق، ونباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ابن هبيرة. فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوله وآخره.
ومنا قاتل مروان.
ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر غلاظ، وسواعد طوال.
ونحن أولد للذكورة، وأنسل بعولة، وأقل ضوىً وضئولة، وأقل إتآماً، وأنتق أرحاماً، وأشد عصباً، وأتم عظاماً. وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا أملأ للعيون.
(3/176)

ونحن أكثر مادة، وأكثر عدداً وعدة، ولو أن يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء النهر منا لظهروا عليهم بالعدد.
فأما الأيد وشدة الأسر فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيين مثل أيدنا وأسرنا.
ولو أن خيول الآفاق، وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة لكنا أكثر في العيون، وأهول في الصدور.
ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا وبنودنا التي لا يحملها غيرنا علمت أنا لم نخلق إلا لقلب الدول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان.
ولو أن أهل تبت، ورجال الزابج، ورجال وفرسان الهند، وحلبة الروم، هجم عليهم هاشم بن أشتاخنج لما امتنعوا من طرح السلاح، والهرب في البلاد.
ونحن أصحاب اللحى، وأرباب النهى، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثخانة في الرأي، والبعد من الطيش.
(3/177)

ولسنا كجند الشام المتعرضين للحرم، والمنتهكين لكل محرم.
ونحن ناس لنا أمانة، وفينا عفة. ونحن نجمع بين النزاهة والقناعة، والصبر على الخدمة، وعلى التجمير وبعد الشقة.
ولنا الطبول المهولة والبنود العظام.
ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازفكند، واللبود الطوال، والأغماد المعقفة والقلانس الشاشية، والخيول الشهرية، ولنا الكافركوبات، والطبرزينات في الأكف، والخناجر في الأوساط.
(3/178)

ولنا تعليق السيوف وحسن الجلسة على ظهور الخيل، ولنا الأصوات التي تسقط الحبالى.
وليس في الأرض صناعة غريبة، من أدب وحكمة وحساب وهندسة، وارتفاع بناء وصنعة، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا فرعت فيها الرؤساء، وبذت فيها العلماء.
ولنا صنعة السلاح، عدة للحرب، وتثقيفاً ودربة للمجاولة والمشاولة، وللكر بعد الفر، مثل الدبوق، والنزو على الخيل صغاراً، ومثل الطبطاب والصوالجة كباراً. ثم رمى المجثمة والبرجاس والطائر الخاطف. فنحن أحق بالأثرة، وأولى بشرف المنزلة.
قلت: وزعم أن العربي يقول: إن تكن القربة تستحق بالأنساب
(3/179)

الثابتة، والأرحام الشابكة، وبالقدمة، وبطاعة الآباء والعشيرة، وبالشكر النافع، والمديح الباقي، وبالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وينشد ما أهل بالحج، وما هبت الصبا، وما كان للزيت عاصر. وبالكلام المنثور، والقول المأثور، وبصفة مخرج الدولة، والاحتجاج للدعوة، وتقييد المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفاً لسوى العرب، ونحن نرتبطها بالشعر المقفي، ونقيدها بحفظ الأميين الذين لا يتكلون على الكتب المدونة، والخطوط المطرسة.
ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف، والتحاكم إلى كل حكم مقنع، وكاهن سجاع.
ونحن أصحاب التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب.
ونحن أحفظ لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا، وتقييدها أيضاً بالمنثور المرسل، بعد الموزون المعدل، بلسان أمضى من السنان، وأرهف
(3/180)

من السيف الحسام، حتى نذكرهم ما قد درس رسمه، وعفا أثره.
وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق. وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا فيه حادث. وهذا باب يتقدم التالد القديم الطارف الحديث.
وطلاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابي. وهل أكثر النقباء إلا من صميم العرب، ومن صليبة هذا النسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي محمد سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود خالد بن ابراهيم الذهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئي، وأبي عتيبة موسى
(3/181)

بن كعب المرئي، وأبي سهل القاسم بن مشاجع المرئي. ومن كان يجري مجرى النقباء ولم يدخل فيهم، مثل مالك بن الطواف المرئي.
وبعد، فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن هبيرة، ومن قتل ابن ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلا عرب الدعوة، والصميم من أهل الدولة؟ ومن فتح السند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقية إلا محمد بن الأشعث؟ وقات: وقال: ويقول الموالي لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة. ونحن موضع الثقة عند الشدة، وعلل المولى من تحت موجبة لمحبة المولى من فوق؛ لأن شرف مولاه راجع إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره، وبوده أن خصال الكرم كلها اجتمعت فيه، لأن ذلك كلما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان هو بها أشرف وأنبل، ومولاك أسلم لك صدراً، وأود ضميراً، وأقل حسداً.
(3/182)

وبعد، فالولاء لحمة كلحمة النسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوبه العربي، ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي.
قال: والصبر ضروب، فأكرمها كلها الصبر على إفشاء السر، وللمولى في هذه المكرمة ما ليس لأحد، ونحن أخص مدخلاً، وألطف في الخدمة مسلكاً. ولنا مع الطاعة والخدمة، والإخلاص وحسن النية، خدمة الأبناء للآباء، والآباء للأجداد، وهم بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسر.
وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصون مواليهم بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم لدمامته، ولا ذا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة، وبني الأعمام والإخوة.
ويتذاكرون إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة مولاه، حين عقد له يوم مؤتة على جنة بني هاشم، وجعله أمير كل بلدة يطؤها.
ويتذاكرون حبه لأسامة بن زيد، وهو الحب ابن الحب. وعقد له على عظماء المهاجرين وأكابر الأنصار.
(3/183)

ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه كأبي أنسة وشقران، وفلان وفلان.
قالوا: ولنا صاحب الدولة: أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وأبو سلمة حفص بن سليمان. وأبو مسلم مولى الإمام، وعليهما دارت رحى الدولة، وتم الأمر واتسق نظام الملك.
قالوا: ولنا من رءوس النقباء: أبو منصور مولى خزاعة، وأبو الحكم عيسى بن أعين مولى خزاعة، وأبو حمزة عمرو بن أعين مولى خزاعة، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل أبي معيط.
فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالي في هذه الدعوة. ونحن منهم وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم. ولا ينكره مؤمن. خدمناهم كباراً، وحملناهم على عواتقنا صغاراً.
هذا مع حق الرضاع والخؤولة، والنشوء في الكتاب، والتقلب في تلك العراص التي لم يبلغها إلا كل سعيد الجد، وجيه في الملوك.
فقد شاركنا العربي في فخره، والخراساني في مجده، والبنوي في فضله، ثم تفردنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سابقونا إليه.
(3/184)

قالوا: ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهماء، وهم بنا آنس، وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحن. ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحق بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه.
وقلت: وذكرت أن البنوي قال: نحن أصل خراساني، وهو مخرج الدولة، ومطلع الدعوة، ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجر هذا الينبوع، واستفاض هذا البحر، حتى ضرب الحق بجرانه، وطبق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السقم القديم، وشفي من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصر من العمى.
وهذه بغداد وهي مستقر الخلافة، والقرار بعد الجولة، وفيها بقية رجال الدعوة، وأبناء أبناء الشيعة، وهي خراسان العراق، وبيت الخلافة وموضع المادة.
وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر ترداداً فيه من جدي، وأحق بهذا الفضل من المولى والعربي.
ولنا بعد في أنفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السيوف
(3/185)

القصار، والرماح الطوال، ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القنا، وانقطاع الصفائح، ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقي الخناجر بالعيون.
ونحن حماة المستلحم، وأبناء المضايق، ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الحيرة، وأصحاب المشهرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن يمشي في الرمح، ويختال بين الصفين، ونحن أصحاب الفتك والإقدام.
ولنا بعد التسلق ونقب المدن، والتقحم على ظبات السيوف، وأطراف الرماح، ورضخ الجندل، وهشم العمد، والصبر تحت الجراح، وعلى جر السلاح، إذا طار قلب الأعرابي، وساء ظن الخراساني.
ثم الصبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المسألة، واجتماع العقل، وصحة الطرف، وثبات القدمين، وقلة التكفي بجبل العقابين،
(3/186)

والبعد من الإقرار، وقلة الخضوع للدهر، والخضوع عند جفوة الزوار، وجفاء الأقارب والإخوان. ولنا القتال عند أبواب الخنادق ورءوس القناطر.
ونحن الموت الأحمر عند أبواب النقب، ولنا المواجأة في الأزقة، والصبر على قتال السجون. فسل عن ذلك الخليدية والكتفية والبلالية، والحزبية، ونحن أصحاب المكابرات، وأرباب البيات، وقتل الناس جهاراً في الأسواق والطرقات.
ونحن نجمع بين السلة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطوال ما كنا رجالة، والمطارد القصار ما كنا فرساناً. فإن صرنا كمناً فالحتف القاضي، والسم الزعاف، وإن كنا طلائع فكلنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل في الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل في المحلة.
(3/187)

ونحن أفتك وأخشب. ونحن أقطع للطريق، وأذكر في الثغور، مع حسن القدود، وجودة الخرط، ومقادير اللحى، وحسن العمة، والنفس المرة، وأصحاب الباطل والفتوة، ثم الخط والكتابة، والفقه والرواية.
ولنا بغداد بأسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا. والدنيا كلها معلقة بها، وصائرة إلى مغناها، فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدنيا تبع لها، وكذلك أهلها لأهلها، وفتاكها لفتاكها، وخلاعها لخلاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، وصلحاؤها لصلحائها.
ونحن تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا، فأخذنا بآدابهم، واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا نتهم بغيرهم، ولم يطمع فينا أحد قط من خطاب ملكهم، وممن يترشح للاعتراض عليهم. فمن أحق بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممن هذه الخصال فيه، وهذه الخلال له.
إن ذهبنا - حفظك الله - بعقب هذه الاحتجاجات، وعند منقطع
(3/188)

هذه الاستدلالات نستعمل المفاوضة بمناقب الأتراك، والمقارنة بين خصالهم وخصال كل صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم.
وكتابنا هذا إنما تكلفناه لنؤلف بين قلوبهم إن كانت مختلفة، ولنزيد في الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتفاق أسبابهم، لتجتمع كلمتهم، ولتسلم صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب كم مقدار الخلاف في الحسب، لئلا يغير بعضهم مغير، ويفسده عدو بأباطيل مموهة، وشبهات مزورة، فإن المنافق العليم، والعدو ذا الكيد العظيم قد يصور لمن دونه الباطل في صورة الحق، ويلبس الإضاعة ثياب الحزم.
إلا أنا على كل حال، سنذكر جملاً من أحاديث رويناها، وأمور رأيناها وشاهدناها، وقصصاً تلقفناها من أفواه الحكماء وسمعناها.
وسنذكر ما حفظ لجميع الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيهم لها أشد استعمالا، وبها أشد استقلالا، ومن أثقب حسباً،
(3/189)

وأيقظ عيناً، وأزكى نفساً، وأشد غوراً، وأعم خواطر، وأكثر نفعاً في الحروب وضراً، وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشد احتراساً، وألطف احتيالاً، حتى يكون الخيار في يد الناظر في هذا الكتاب، المتصفح لمعانيه، والمقلب لوجوهه، والمفكر في أبوابه، والمقابل بين أوله وآخره. ولا نكون نحن انتحلنا شيئاً دون شيء، وتقلدنا تفضيل بعض على بعض، بل لعلنا أن لا نخبر عن خاصة ما عندنا بحرف واحد.
فإذا دبرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعاً على هذه الصفة كان أبعد له من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى.
وقد ظن ناس كثير أن أسماء أصناف الأجناد لما اختلف فيالصورة والخط والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على ما يتوهمون.
ألا ترى أن اسم الشاكرية وإن خالف في الصورة والخط والهجاء اسم الجندي فإن المعنى فيهما ليس ببعيد، لأنهم يرجعون إلى معنىً واحد، وعلم واحد. والذي يرجعون إليه طاعة الخلفاء وتأييد السلطان.
وإذا كان المولى منقولاً إلى العرب في أكثر المعاني، ومجعولاً
(3/190)

منهم في عامة الأسباب لم يكن بأعجب من جعل الخال والداً، والحليف من الصميم، وابن الأخت من القوم.
وقد جعل الله ابن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوباً إلى أمه، وقد جعل إسماعيل وهو ابن أعجميين عربياً، لأن الله تعالى لما فتق لهاته بالعربية المبينة على غير التلقين والترتيب، وفطره على الفصاحة العجيبة على غير النشوء والتمرين، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك الأجزاء، وركبه اختراعاً على ذلك التركيب، وسواه تلك التسوية، وصاغه تلك الصيغة، ثم حماه من طبائعهم، ومنعه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم وهممهم على أكرمها وأسناها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهاناً على رسالته، ودليلاً على نبوته، وصار أحق بذلك النسب، وأولى بشرف ذلك الحسب.
وكما جعل إبراهيم أباً لمن لم يلد، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، والمولى عربي من جهة المدعى والعاقلة.
ولو أحاط علمنا بأن زيداً لم يخلق من نجل عمرو إلا عهاراً لنفيناه عنه، وإن أيقنا أنه لم يخلق إلا من ماء صلبه.
وكما جعل النبي أزواجه أمهات المؤمنين، وهن لم يلدنهم
(3/191)

ولا أرضعنهم. وفي بعض القراءات: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " على قوله: " ملة أبيكم إبراهيم "، وجعل المرأة من جهة الرضاع أماً، وجعل امرأة البعل أم ولد البعل من غيرها، وجعل الراب والداً. وجعل العم في كتاب الله أباً. وهم عبيده لا يتقلبون إلا فيما قلبهم فيه.
وله أن يجعل من عباده من شاء عربياً، ومن شاء أعجمياً، ومن شاء قرشياً، ومن شاء زنجياً. كما أن له أن يجعل من شاء ذكراً ومن شاء أنثى، ومن شاء خنثى، ومن شاء أخرجه من ذلك فجعله لا ذكراً ولا أنثى ولا خنثى.
وكذلك خلق الملائكة، وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. ولم يجعل لآدم أباً ولا أماً، وخلقه من طين ونسبه إليه، وخلق حواء من ضلع آدم، وجعلها له زوجاً وسكنا.
وخلق عيسى من غير ذكر، ونسبه إلى أمه التي خلقه منها.
وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير
(3/192)

نطفة، وخلق السماء من دخان، والأرض من الماء. وخلق إسحاق من عاقر.
وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صبي، وعلم سليمان منطق الطير، وكلام النمل. وعلم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس.
والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين منهم، يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بكلام أهل الجنة، على غير الترتيب والتنزيل، والتعليم على طول الأيام والتلقين. فكيف يتعجب الجاهلون من إنطاق إسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟ ! وهذه المسألة ربما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على حال القحطانية أشد.
فأما جواب العدناني فسلس النظام، سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأن بني قحطان لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله تعالى مثل هذه الأعجوبة.
وما الذي قسم الله بين الناس من ذلك إلا كما صنع الله في طينة
(3/193)

الأرض، فجعل بعضها حجراً، وبعض الحجر ياقوتاً، وبعضه ذهباً، وبعضه نحاساً، وبعضه رصاصاً، وبعضه صفراً، وبعضه حديداً، وبعضه تراباً، وبعضه فخاراً. وكذلك الزاج، والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار، والتوتيا، والنوشادر، والمرقشيشا، والمغناطيس.
ومن يحصي عدد جواهر الأرض وأصناف الفلز؟ ! وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني. وإذا كان الخراساني مولىً والمولى عربي، فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي شيئاً واحداً. وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامراً لما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر، وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. فالأتراك خراسانية،
(3/194)

وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار فضل الترك إلى الجميع راجعاً، وصار شرفهم زائداً في شرفهم.
وإذا عرف سائر الأجناد ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، وانقطع سبب الاستثقال، فلم يبق إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين في القرابة، وفي الصناعة، وفي المجاورة.
على أن التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الأعمام والعشائر أفشى وأعم من التخاذل والتعادي.
ولحب التناصر والحاجة إلى التعاون انضم بعض القبائل في البوادي إلى بعض، ينزلون معاً، ويظعنون معاً. ومن فارق أصحابه أقل، ومن نصر ابن عمه أكثر، ومن اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممن بغاها الغوائل وتمنى انقطاعها وزوالها.
ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثير.
وليس يكون أن تصفو الدنيا، وتنقى من الفساد والمكروه، حتى يموت جميع الخلاف، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل.
(3/195)

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب كتبته أيام المعتصم بالله
رضي الله عنه ونضر وجهه
فلم يصل إليه لأسباب يطول ذكرها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها، وأحببت أن يكون كتاباً قصداً، ومذهباً عدلاً، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء آخرين؛ فإن الكتاب إذا كان كذلك شابه الكذب وخالطه التزيد، وبني أساسه على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق.
وأنفع المدائح للمادح، وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثراً وأحسنها ذكراً، أن يكون المديح صدقاً، ولظاهر حال الممدوح موافقاً، وبه لائقاً، حتى لا يكون من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه.
وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذكر مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب أحزم.
(3/196)

وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل لا يقوم إلا بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، وهو معصية وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا، لأن ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع؛ وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع.
ولكل الناس نصيب من النقص، ومقدار من الذنوب، وإنما يتفاضل بكثرة المحاسن وقلة المساوىء. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوىء، دقيقها وجليلها، ظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف فيهم.
فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس وأهل المعايش من دهماء الجماعة يرون ذلك واجباً في الأخلاق، ومصلحة في المعاش، وتدبيراً في التعامل، على ما فيهم من مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الإمام الأكبر، والرئيس الأعظم مع الأعراق الكريمة، والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم والعلم، والكمال في العزم والحزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرياسة والسيادة، والخصائص التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة لم يكن الله ليجلله لباس الخلافة، ويحبوه ببهاء الأمة، وبأعظم نعمة
(3/197)

وأسبغها، وأفضل كرامة وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلا ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع التغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضل، ولا حلم ذي حلم.
ونحن قائلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيما انتهى إلينا من القول في الأتراك.
زعم محمد بن الجهم وثمامة بن الأشرس والقاسم بن سيار في جماعة ممن يغشى دار الخلافة، وهي دار العامة، قالوا جميعاً: بينا حميد بن عبد الحميد جالساً ومعه إخشيد الصغدي، وأبو شجاع شبيب بن بخار خداي البلخي، ويحيى بن معاذ، ورجال من المعدودين المتقدمين في العلم بالحرب، من أصحاب التجارب والمراس، وطول المعالجة والمعاناة بصناعة الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: يقول لكم مفترقين ومجتمعين: فليثبت كل
(3/198)

رجل منكم دعواه وحجته، يقول لكم: أيما أحب إلى كل قائد منكم، إذا كان في مائة من نخبته وثقاته: أن يلقى بهم مائة تركي أو مائة خارجي؟ فقال القوم جميعاً: لأن نلقى مائة تركي أحب إلينا من أن نلقى مائة خارجي! وحميد ساكت، فلما فرغ القوم جميعاً من حججهم قال الرسول لحميد: قد قال القوم فقل واكتب قولك، وليكن حجة لك أو عليك. قال: بل ألقى مائة خارجي أحب إلي؛ لأني وجدت الخصال التي فضل بها التركي جميع المقاتلة غير تامة في الخارجي، ووجدتها تامة في التركي. ففضل التركي على الخارجي بقدر فضل الخارجي على سائر المقاتلة. وذلك بأن التركي بان من الخارجي بأمور ليس فيها للخارجي دعوى ولا متعلق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركي من الخارجي أعظم خطراً وأقل نفعاً مما شاركه الخارجي في بعضه.
ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجي على سائر الناس: صدق الشدة عند أول وهلة، وهي الدفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون بها ما أملوا.
والثانية: الصبر على الخبب، وعلى طول السرى حتى يصبحوا القوم الذين مرقوا بهم غارين، فيهجموا عليهم وهم بسوء
(3/199)

ولحم على وضم، فيعجلوا بهم عن الروية؛ وعن رد النفس بعد الجولة والنزوة، لا يظنون أن أحداً يقطع في ذلك المقدار من الزمان ذلك المقدار من البلاد.
والثالثة: أن الخارجي موصوف عند الناس بأنه إن طلب أدرك، وإن طلب فات.
والرابعة: خفة الأزواد، وقلة الأمتعة، وأنها تجنب الخيل، وتركب البغال، وإن احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى، وأنهم قوم حين خرجوا لم يخلفوا الأموال الكثيرة، والجنان الملتفة، والدور المشيدة، ولا ضياعاً ولا مستغلات، ولا جواري مطهمات، وأنهم لا سلب لهم، ولا مال معهم، فيرغب الجند في لقائهم، وإنما هم كالطير لا تدخر، ولا تهتم لغد، ولها في كل أرض من المياه والبزور ما يقوتها. وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرب لها البعيد، وتسهل لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والطعم،
(3/200)

فإن يمتنع عليهم ففي بنات أعوج وبنات شحاج، وخفة الأثقال، والقوة على طول الخبب ما يأتيها بأرزاقها، وأكثر من أرزاقها.
والخامسة: أن الملوك إذا أرسلوا إليهم أعدادهم ليكونوا في خفة أزوادهم وأثقالهم، وليقووا على التنقل كقوتهم، لم يقووا عليهم، لأن مائة من الجند لا يقومون لمائة من الخوارج. وإن كثفوا الجيش وضاعفوا العدد ثقلوا عن طلبهم، وعن الغوث إن طلبهم عدوهم. ومتى شاء الخارجي أن يقرب منهم ليتطرفهم، أو ليصيب الغرة أو ليثبتهم، فعل ذلك، ثقة بأنه يغنم عند الفرصة ورؤية العورة، ويمكنه الهرب عند الخوف، وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع القطعة منهم.
(3/201)

قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي بها كره القواد لقاءهم.
قال القاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وحشتها، ونقضت العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام من ضرب المثل بالخوارج، كقول الشاعر:
إذا ما البخيل والمحاذر للقرى ... رأى الضيف مثل الأزرقي المجفف
هذه زيادة القاسم بن سيار.
فأما حميد فإنه قال:
فأما الشدة فالتركي فيها أحمد أثرا، وأجمع أمراً، وأحكم شأنا؛ لأن التركي من أجل أن تصدق شدته ويتمكن عزمه، ولا يكون مشترك العزم، ومنقسم الخواطر، قد عود برذونه أن لا ينثني وإن ثناه، أن يملأ فروجه، إلا أن يديره مرة أو مرتين، وإلا فإنه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه، وإنما أراد التركي أن يوئس نفسه من البدوات،
(3/202)

ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، لهول اللقاء، وحب الحياة، لأنه إذا علم أنه قد صير برذونه إلى هذه الغاية حتى لا ينثني، ولا يجيبه إلى التصرف معه إلا بأن يصنع شيئاً بين الصفين فيه عطبه، لم يقدم على الشدة إلا بعد إحكام الأمر، والبصر بالعورة. وإنما يريد أن يشبه نفسه بالمحرج الذي إذا رأى أشد القتال لم يدع جهداً ولم يدخر حيلة، ولينفي عن قلبه خواطر الفرار، ودواعي الرجوع.
وقال: الخارجي عند الشدة إنما يعتمد على الطعان. والأتراك تطعن طعن الخوارج، وإن شد منهم ألف فارس فرموا رشقاً واحداً صرعوا ألف فارس، فما بقاء جيش على هذا النوع من الشد؟ ! والخوارج والأعراب، ليست لهم رماية مذكورة على ظهور الخيل، والتركي يرمي الوحش، والطير، والبرجاس، والناس، والمجثمة، والمثل الموضوعة، والطير الخاطف، ويرمي وقد ملأ فروج دابته
(3/203)

مدبراً ومقبلاً، ويمنة ويسرة، وصعدا وسفلا، ويرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوق الخارجي سهماً واحداً. ويركض دابته منحدراً من سهل، أو متسفلا إلى بطن واد بأكثر مما يمكن الخارجي على بسيط الأرض.
والتركي له أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه.
وللخارجي عيب في مستدبر الحرب، وللخراساني عيب في مستقبل الحرب.
فعيب الخراسانية أن لها جولة عند أول الالتقاء، فإن ركبوا أكساءهم كانت هزيمتهم، وكثيراً ما يثوبون، وذلك بعد الخطار بالعسكر، وإطماع العدو في الشدة.
والخوارج إذا ولوا فقد ولوا، وليس لهم بعد الفر كر إلا ما لا يعد.
والتركي ليست له جولة الخراساني، وإذا أدبر فهو السم الناقع، والحتف القاضي، لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر، كما يصيب بسهمه وهو مقبل، ولا يؤمن وهقه.
(3/204)

قال: وهم علموا الفرسان حمل قوسين وثلاث قسي، ومن الأوتار على حسب ذلك.
والتركي في حال شدته معه كل شيء يحتاج إليه، لنفسه، ولسلاحه، ولدابته، وأداة دابته. فأما الصبر على الخبب ومواصلة السير، وعلى طول السرى وقطع البلاد فعجيب جداً.
فواحدة: أن فرس الخارجي لا يصبر صبر برذون التركي.
والخارجي لا يحسن أن يعالج فرسه إلا معالجة الفرسان لخيولهم، والتركي أحذق من البيطار، وأجود تقويماً لبرذونه على ما يريد من الراضة، وهو استنتجه، وهو رباه فلواً، ويتبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه، قد عوده ذلك حتى عرفه، كما يعرف الفرس: اجدم، والناقة: حلى، والجمل: جاه، والبغل: عدس، والحمار: سأسأ؛ وكما يعرف المجنون لقبه، والصبي اسمه.
(3/205)

ولو حصلت مدة عمر التركي وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر الأرض نادراً. والتركي يركب فحلاً أو رمكة، ويخرج غازياً أو مسافراً، أو متباعداً في طلب صيد، أو سبب من الأسباب، فتتبعه الرمكة وأفلاكها؛ إن أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، وإن أخفق منها واحتاج إلى طعام فصد دابة من دوابه، وإن عطش حلب رمكة من رماكه، وإن أراح واحدة ركب أخرى، من غير أن ينزل إلى الأرض.
وليس في الأرض أحد إلا وبدنه ينتقض عن اقتيات اللحم وحده غيره، وكذلك دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر، لا يظلها من شمس، ولا يكنها من برد.
قال: وأما الصبر على الخبب فإن الثغريين، والفرانقيين، والخصيان، والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركي واحد. والتركي لا يبقى معه مع طول الغاية إلا الصميم من دوابه، والذي يقتله التركي بإتعابه له. وينفيه عند غزاته هو الذي لا يصبر
(3/206)

معه فرس الخارجي، ولايبقى معه كل برذون بخاري، ولو ساير خارجياً لاستفرغ جهده قبل أن يبلغ الخارجي عفوه.
والتركي هو الراعي، وهو السائس، وهو الرائض، وهو النخاس، وهو البيطار، وهو الفارس. فالتركي الواحد أمة على حدة.
قال: وإذا سار التركي في غير عساكر الترك فسار القوم عشرة أميال سار التركي عشرين ميلاً، لأنه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرة، ويصعد في ذرى الجبال، ويستبطن قعور الأودية، في طلب الصيد، وهو في ذلك يرمي كل ما دب ودرج، وطار ووقع.
قال: والتركي لم يسر في العسكر سير الناس قط، ولا سار مستقيماً قط.
قال: وإذا طالت الدلجة، واشتد السير، وبعد المنزل، وانتصف النهار، واشتد التعب، وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا، وقطعهم ما هم فيه عن التشاغل بالحديث، وتفسخ كل شيء من شدة الحر، وجمد كل شيء من شدة البرد، وتمنى كل جليد القوى على طول السرى أن تطوى له الأرض، وكلما رأى خيالاً
(3/207)

أو علماً استبشر به، وظن أنه قد بلغ المنزل، وإذا بلغه الفارس نزل وهو متفحج، كأنه صبي محقون، يئن أنين المريض، ويستريح إلى التثاؤب، ويتداوى مما به بالتمطي والتضجع. وترى التركي في تلك الحال، وقد سار ضعف ما ساروا، وقد أتعب منكبيه كثرة النزع، يرى بقرب المنزل عيراً أو ظبياً، أو عرض له ثعلب أو أرنب، كيف يركض ركض مبتدىء مستأنف، حتى كأن الذي سار ذلك السير، وتعب ذلك التعب غيره.
وإن بلغ الناس وادياً فازدحموا على مسلكه أو على قنطرته، بطن برذونه فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبة صعبة ترك السنن، وذهب في الجبل صعدا، ثم تدلى من موضع يعجز عنه الوعل، وأنت تحسبه مخاطراً بنفسه، للذي ترى من مطلعه. ولو كان في كل ذلك مخاطراً لما دامت له السلامة، مع تتابع ذلك منه.
(3/208)

قال: ويفخر الخارجي بأنه إذا طلب أدرك، وإذا طلب فات.
والتركي ليس يحوج إلى أن يفوت، لأنه لا يطلب ولا يرام. ومن يروم ما لا يطمع فيه؟ ! فهذا دليل على أنا قد علمنا أن العلة التي عمت بالخوارج بالنجدة استواء حالاتهم في أشد الديانة، واعتقادهم بأن القتال دين؛ لأننا حين وجدنا السجستاني، والجزري، واليماني، والمغربي، والعماني، والأزرقي منهم والنجدي، والإباضي، والصفري، والمولى والعربي، والعجمي والأعرابي، والعبيد والنساء، والحائك والفلاح، كلهم يقاتل مع اختلاف الأنساب، وتباين البلدان علمنا أن الديانة هي التي سوت بينهم في ذلك، كما أن كل حجام في الأرض من أي جنس كان، ومن أهل أي بلد كان، فهو يحب النبيذ. وكما أن
(3/209)

أصحاب الخلقان، والسماكين، والنخاسين والحاكة، في كل بلد ومن كل جنس، شرار خلق الله في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أن ذلك خلقة في هذه الصناعات، وبنية في هذه التجارات، حتى صاروا من بين جميع الناس كذلك.
قال: ورأيناه في بلاده ليس يقاتل على دين، ولا على تأويل، ولا على ملك ولا على خراج، ولا على عصبية، ولا على غيرة دون الحرمة، ولا على حمية ولا على عداوة، ولا على وطن ولا على منع دار ولا مال، وإنما يقاتل على السلب والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذراً. وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم.
وهو الطالب غير المطلوب، ومن كان كذلك فإنما يأخذ العفو من قوته، ولا يحتاج إلى مجهوده، ثم مع ذلك لا يقوم له شيء، ولا يطمع فيه أحد، فما ظنك بمن هذه صفته، أن لو اضطره إحراج أو غيرة، أو غضب أو تدين، أو عرض له بعض ما يصحب المقاتل المحامي من العلل والأسباب.
قال: وقناة الخارجي طويلة صماء، وقناة التركي مطرد أجوف.
والقنا الجوف القصار أشد طعنة، وأخف محملا. والعجم تجعل القنا الطوال للرجالة، وهي قنا الأبناء على أبواب الخنادق والمضايق.
(3/210)

والأبناء في هذا الباب لا يجرون مع الأتراك والخراسانية، لأن الغالب على الأبناء المطاعنة على أبواب الخنادق، وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل والفرسان، وعلى أصحاب الخيل والفرسان يدور أمر الفروسية. لهم الفر والكر. والفارس هو الذي يطوي الجيش طي السجل، ويفرقهم فرق الشعر. وليس يكون الكمين ولا الطليعة ولا الساقة إلا الكبار منهم. وهم أصحاب الأيام المذكورة، والحروب الكبار، والفتوح العظام.

فصل منها
والشح على الوطن، والحنين إليه، والصبابة به، مذكور في القرآن، مخطوط في الصحف بين جميع الناس، غير أن التركي للعلل التي ذكرناها أشد حنيناً، وأكثر نزوعاً.
وباب آخر مما كان يدعوهم إلى الرجوع قبل ثني العزم والعادة المنقوضة: وذلك أن الترك قوم يشتد عليهم الحصر والجثوم،
(3/211)

وطول البث والمكث، وقلة التصرف والتحرك. وأصل بنيتهم إنما وضع على الحركة، وليس للسكون فيهم نصيب، وفي قوى أرواحهم فضل على قوى أبدانهم، لأنهم أصحاب توقد وحرارة، واشتعال وفطنة، كثيرة خواطرهم، سريع لحظهم. وكانوا يرون الكفاية معجزة، وطول المقام بلدة، والراحة عقلة والقناعة من قصر الهمة، وأن ترك الغزو يورث الذلة.
وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهب الراسبي: " حب الهوينى يكسب النصب ".
والعرب تقول: " من غلا دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء ".
وقال أكثم بن صيفي: " ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا "، قيل: ولم؟ قال: " أخاف عادة العجز ".
فهذه كانت علل الترك في حب الرجوع، والحنين إلى الوطن.
ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشرود، ويبعثهم على الرجوع، ويكره عندهم المقام، ما كانوا فيه من جهل قوادهم بأقدارهم، وقلة معرفتهم بأخطارهم، وإغفالهم موضع الرد عليهم، والانتفاع
(3/212)

بهم، ولأنهم حين جعلوهم أسوة أجنادهم لم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة، وفي غمار العامة، ومن عرض العساكر، وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ما يجب لهم، ورأوا أن الضيم لا يليق بهم، وأن الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم في المقام على من لم يعرف حقهم ألوم ممن منعهم حقهم. فلما صادفوا ملكاً حكيماً، وبأقدار الناس عليماً، لا يميل إلى سوء عادة، ولا يجنح إلى هوىً، ولا يتعصب لبلد على بلد، يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحزم حيثما أقام أقاموا إقامة من منح الحظ، ودان بالحق، ونبذ العادة، وآثر الحقيقة، ورحل نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمامة على ملك الجبرية، واختار الصواب على الإلف.
ثم اعلم بعد ذلك كله أن كل أمة وقرن وجيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب أو في تأسيس الملك، أو في البصر في الحرب. فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلا أن يكون الله تعالى قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي تقابل تلك
(3/213)

الأمور، وتصلح لتلك المعاني، لأن من كان متقسم الهوى، مشترك الرأي، متشعب النفس، غير موفر على ذلك الشيء، ولا مهيأ له، لم يحذق من تلك الأشياء شيئاً بأسره، ولم يبلغ فيه غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيين في الحكم والآداب، والعرب فيما نحن ذاكروه في موضعه، والساسان في الملك، والأتراك في الحروب.
ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجاراً ولا صناعاً بأكفهم، ولا أصحاب زرع وفلاحة، وبناء وغرس، ولا أصحاب جمع ومنع وكد. وكانت الملوك تفرغهم، وتجري عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة، وقوة وافرة، وأذهان فارغة، حتى استخرجوا الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون جماماً للنفس، وراحة بعد الكد، وسروراً يداوي قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، وصاغوا من المنافع، كالقرسطونات، والقبانات،
(3/214)

والأسطرلابات، وآلة الساعات، وكالكونيا، والكسيران، والبركار، وكأصناف المزامير والمعازف، والطب والحساب، والهندسة، واللحون، وآلات الحرب، وكالمجانيق، والعرادات، والرتيلات، والدبابات، وآلاة النفاطين، وغير ذلك مما يطول ذكره.
وكانوا أصحاب حكمة، ولم يكونوا فعلة. يصورون الآلة، ويخرطون الأداة، ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسونها، يرغبون في التعليم، ويرغبون عن العمل.
فأما سكان الصين فإنهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ والإذابة، والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنجر والتصاوير،
(3/215)

والنسج والخط، ورفق الكف في كل شيء يتولونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه.
فاليونانيون يعرفون العلل ولا يباشرون العمل، وسكان الصين يباشرون العمل ولا يعرفون العلل؛ لأن أولئك حكماء، وهؤلاء فعلة.
وكذلك العرب لم يكونوا تجاراً ولا صناعاً، ولا أطباء ولا حساباً ولا أصحاب فلاحة، فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم صغار الجزية. ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم، وطلب لما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغناء الذي يورث البلدة، والثروة التي تحدث الغرة، ولم يحتملوا ذلاً قط فيميت قلوبهم، ويصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فياف، وتربية العراء، لا يعرفون الغمق ولا اللثق، ولا البخار ولا الغلظ،
(3/216)

ولا العفن، ولا التخم. أذهان حديدة، ونفوس منكرة. فحين حملوا حدهم، ووجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة، وتصاريف الكلام، وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر، ولأيامهم أذكر.
وكذلك الترك، أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش. وهم أعراب العجم، كما أن هذيلاً أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطب والفلاحة والهندسة، ولا غراس ولا بنيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن همهم غير الغارة والغزو والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم، وتدويخ البلاد. وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة، وكانت لهذه المعاني والأسباب المسخرة، ومقصورة عليها وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، ولذتهم في الحرب وفخرهم، وحديثهم وسمرهم.
فلما كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة،
(3/217)

وأهل الصين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا، وكالساسان في الملك والسياسة.
ومما يستدل به على أنهم قد استقصوا هذا الباب واستفرغوه، وبلغوا أقصى غايته وتعرفوه، أن السيف إلى أن يتقلده متقلد، أو يضرب به ضارب، قد مر على أيد كثيرة، وعلى طبقات من الصناع، كل واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه ولا يحسنه، ولا يدعيه ولا يتكلفه؛ لأن الذي يذيب حديد السيف ويميعه ويصفيه ويهذبه، غير الذي يمده ويمطله، والذي يمده ويمطله غير الذي يطبعه ويسوي متنه، ويقيم خشيبته، والذي يطبعه ويسوي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه، والذي يسقيه ويرهفه، غير الذي يركب قبيعته، ويستوثق من سيلانه، والذي يعمل مسامير السيلان، وشاربي القبيعة ونعل السيف غير الذي ينحت خشب غمده. والذي ينحت خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي يحليه، والذي يحليه ويركب نصله غير الذي يخرز حمائله.
(3/218)

وكذلك السرج، وحالات السهم والجعبة والرمح، وجميع السلاح مما هو جارح أو جنة.
والتركي يعمل هذا كله بنفسه، من ابتدائه إلى غايته، ولا يستعين برفيق، ولا يفزع إلى رأي صديق، ولا يختلف إلى صائغ، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، وأكاذيب مواعيده، وبغرم كرائه.
وليس في الأرض كل تركي كما وصفنا، كما أنه ليس كل يوناني حكيماً، ولا كل صيني حاذقاً، ولا كل أعرابي شاعراً فائقاً، ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعم وأتم، وفيهم أظهر وأكثر.
قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النجدة والفروسية في الترك دون جميع الأمم، وفي العلل التي من أجلها نظموا جميع معاني الحرب، وهي معان تشتمل على مذاهب غريبة، وخصال عجيبة، فمنها ما يقضى لأهله بالكرم، وببعد الهمة، وطلب الغاية. ومنها ما يدل على الأدب السديد، والرأي الأصيل، والفطنة الثاقبة، والبصيرة النافذة.
ألا ترى أنه ليس بد لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر والكتمان، ومن الثقافة وقلة الغفلة، وكثرة التجربة؟ ولا بد من الصبر بالخيل والسلاح، والخبرة بالرجال والبلاد،
(3/219)

والعلم بالمكان والزمان والمكايد، وبما فيه صلاح الأمور كلها.
والملك يحتاج إلى أواخ شداد، وأسباب متان، ومن أمتنها سبباً، وأعمها نفعاً، ما ثبته في نصابه، وسكنه في قراره، وزاده في تمكينه وبهائه، وقطع أسباب المطمعة فيه، ومنع أيدي البغاة من الإشارة إليه، فضلاً عن البسط عليه.
قد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى إلينا، وبلغه علمنا، فإن وقع بالموافقة فبتوفيق من الله تعالى وصنعه، عز ذكره. وإن قصر دون ذلك فالذي قصر بنا نقصان علمنا، وقلة حفظنا، وأسماعنا. فأما حسن النية، والذي نضمر من المحبة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين التقصير من جهة العجز وضعف القوة فرق.
ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كل صنف من هذه الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار نفسه وإن لم يصل إلى ذلك إلا بإظهار نقص أخيه ووليه، لكان كتابنا كبيراً، كثير الورق عظيماً. ولكن القليل الذي يجمع، خير من الكثير الذي يفرق.
ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، فعال لما يريد.
(3/220)

فصل من صدر كتابه في حجج النبوة
(3/221)

الحمد لله الذي عرفنا نفسه، وعلمنا دينه، وجعلنا من الدعاة إليه، والمحتجين له. فنحن نسأله تمام النعمة، والعون على أداء شكره، وأن يوفقنا للحق برحمته، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، والمرغوب إليه فيه، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
ثم إنا قائلون في الأخبار، ومخبرون عن الآثار، ومفرقون بين أسباب الشبهة، وأسباب الحجة، ثم مفرقون بين الحجة التي تلزم الخاصة دون العامة، ومخبرون عن الضرب الذي يكون الخاصة فيه حجة على العامة، وعن الموضع الذي يكون القليل فيه أحق بالحجة من الكثير، ولم شاع الخبر وأصله ضعيف؟ ولم خفي وأصله قوي؟ وما الذي يؤمن من فساده وتبديله مع تقادم عصره، وكثرة الطاعنين فيه، وعن الحاجة إلى رواية الآثار، وإلى سماع الأخبار، وعن أخلاق الناس وآبائهم، ومذاهب أسلافهم، وعن سير الملوك قبلهم، وما صنعت الأيام بهم، وعن شرائع أنبيائهم، وأعلام رسلهم، وعن أدب حكمائهم، وأقاويل أئمتهم وفقهائهم، وعن حالات من غاب عن أبصارهم في دهرهم، ولم كان الإخبار على الناس أخف من الكتمان؟ ولم
(3/223)

كان الصمت أثقل عليهم من الكلام؟ وما الضرب الذي يقدرون على كتمانه وطيه، والضرب الذي لا يقدرون إلا على إذاعته ونشره؟ ولم اجتمعت الأمم على الصدق في أمور، واختلفت في غيرها؟ ولم حفظت أموراً ونسيت سواها؟ ولم كان الصدق أكثر من الكذب؟ ولم كان الصمت أثقل والقول أفضل؟ والعجب من ترك الفقهاء تمييز الآثار، وترك المتكلمين القول في تصحيح الأخبار، وبالأخبار يعرف الناس النبي من المتنبي، والصادق من الكاذب، وبها يعرفون الشريعة من السنة، والفريضة من النافلة، والحظر من الإباحة، والاجتماع من الفرقة، والشذوذ من الاستفاضة، والرد من المعارضة، والنار من الجنة، وعامة المفسدة من المصلحة.
فإذا نزلت الأخبار منازلها وقسمتها، ذكرت حجج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودلائله وشرائعه وسننه، ثم جنست الآثار على أقدارها، ورتبتها في مراتبها، وقربت ذلك واختصرته، وأوضحت عنه وبينته، حتى يستوي في معرفتها من قل سماعه وساء حفظه، ومن كثر سماعه وجاد حفظه، بالوجوه الجليلة، والأدلة الاضطرارية.
ولم أرد في هذا الكتاب جمع حجج الرسول عليه السلام، وتفصيلها والقول فيها، لنقض مسها، أولوهن كان في أصلها من ناقليها
(3/224)

والمخبرين عنها، أو لأن طعن الملحدين نهكها وفرق جماعتها، ونقض قواها. ولكن لأمور سأذكرها وأحتج.
وكيف تقصر الحجة عن بلوغ الغاية، وتنقص عن التمام، والله تعالى المتوكل بها، ومسخر أصناف البرية ومهيج النفوس على إبلاغها، وقد أخبر بذلك عن نفسه في محكم كتابه عز ذكره، حين قال: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ". وأدنى منازل الإظهار إظهار الحجة على من ضاره وخالف عليه.
وقال عز ذكره: " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ".
وأخبر أنه أمر الأحمر والأسود، ولم يكن ليأمر الأقصى إلا كما يأمر الأدنى ويأمر الغائب على الحاضر، قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ".
فأقول: إن كل مطيق محجوج، والحجة حجتان: عيان ظاهر،
(3/225)

وخبر قاهر. فإذا تكلمنا في العيان وما يفرع منه فلا بد من التعارف في أصله وفرعه منه. ولا بد من التصادق في أصله، والتعارف في فرعه. فالعقل هو المستدل، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل، وكون الاستدلال مع عدم الدليل. والعقل مضمن بالدليل، والدليل مضمن بالعقل، ولا بد لكل واحد منهما من صاحبه، وليس لإبطال أحدهما وجه مع إيجاب الآخر.
والعقل نوع واحد، والدليل نوعان: أحدهما شاهد عيان يدل على غائب، والآخر مجيء خبر يدل على صدق.
ثم رجع الكلام إلى الإخبار عن دلائل النبي صلى الله عليه وسلم وأعلامه، والاحتجاج لشواهده وبرهانه، فأقول: إن السلف الذين جمعوا القرآن في المصاحف بعد أن كان متفرقاً في الصدور، والذين جمعوا الناس على قراءة زيد، بعد أن كان غيرها مطلقاً غير محظور، والذين حصنوه ومنعوه الزيادة والنقصان لو كانوا جمعوا علامات النبي صلى الله عليه وسلم، وبرهانه، ودلائله وآياته وصنوف بدائعه، وأنواع عجائبه في مقامه وظعنه، وعند دعائه واحتجاجه في الجمع العظيم، وبحضرة العدد الكثير
(3/226)

الذي لا يستطيع الشك في خبرهم إلا الغبي الجاهل، والعدو المائل، لما استطاع اليوم أن يدفع كونها وصحة مجيئها، لا زنديق جاحد، ولا دهري معاند، ولا متطرف ماجن، ولا ضعيف مخدوع، ولا حدث مغرور؛ ولكان مشهوراً في عوامنا كشهرته في خواصنا، ولكان استبصار جميع أعياننا في حقهم كاستبصارهم في باطل نصاراهم ومجوسهم، ولما وجد الملحد موضع طمع في غني يستميله، وفي حدث يموه له.
ولولا كثرة ضعفائنا مع كثرة الدخلاء فينا، الذين نطقوا بألسنتنا، واستعانوا بعقولنا على أغبيائنا وأغمارنا، لما تكلفنا كشف الظاهر، وإظهار البارز، والاحتجاج الواضح.
إلا أن الذي دعا سلفنا إلى ذلك، الاتكال على ظهورها واستفاضة أمرها.
وإذ كان ذلك كذلك فلم يؤت من أتي من جهالنا وأحداثنا، وسفهائنا وخلعائنا إلا من قبل ضعف العناية، وقلة المبالاة، ومن قبل الحداثة والغرارة، ومن قبل أنهم حملوا على عقولهم من دقيق الكلام قبل العلم بجليله ما لم تبلغه قواهم، وتتسع له صدورهم، وتحمله أقدارهم، فذهبوا عن الحق يميناً وشمالاً، لأن من لم يلزم الجادة تخبط، ومن تناول الفرع قبل إحكام الأصل سقط، ومن خرق بنفسه
(3/227)

وكلفها فوق طاقتها، ولم ينل ما لا يقدر عليه تفلت منه ما كان يقدر عليه.
فإذا كانوا كذلك فإنما أتوا من قبل أنفسهم، ولم يؤتوا من سلفهم، أو لأن الله تبارك وتعالى صرف أسلافنا بنسيان أو غيره ليمتحن بذلك غيرهم في آخر الزمان، وليعرضهم لطاعته بالذب عن دينه، والاحتجاج لنبيه صلى الله عليه وسلم، وليجري هذا الخير على أيديهم، كما أجرى أكثر منه على أيدي أسلافهم، لئلا يبخس أحد خليقته من العلماء والفقهاء، ولأن يجعل فضله مقسماً بين جميع الأولياء، وإن كان الأول أحق بالتقديم، والآخر أحق بالتأخير، للذي قدموا من الاحتمال، وأعطوا من المجهود، ولأنهم أصل هذا الأمر ونحن فرعه، والأصل أحق بالقوة من الفرع. وهم السابقون ونحن التابعون، وهم الذين وطئوا لنا، وكلفونا ما لم نكن لنكلفه أنفسنا، فتجرعوا دوننا المرار، ومنحونا روح الكفاية. ولأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولأن القرآن نطق بفضيلتهم؛ والله تعالى أعلم بمن بعدهم، والذي جمع أسلافنا الذين جمعوا الناس على قراءة زيد، دون أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود، والذين رأوا من قول عبد الله في المعوذتين، وقول أبي في سورتي الحفد والخلع.
(3/228)

ومن تعلق الناس بالاختلاف، فكانوا لا يزالون قد رأوا الرجل يروي الحرف الشاذ، ويقرأ بالحرف الذي لا يعرفونه، فرأوا أن تحصينه لا يتم إلا بحمل الناس على المقروء عندهم، المشهور فيما بينهم، وأنهم إن لم يشددوا في ذلك لم ينقطع الطمع، ولم ينزجر الطير، لأن رجلاً من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها. ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها. وليس ذلك في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين.
ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربنا الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع؛ ولو أراد أنطق الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، على نظم القرآن وطبعه، وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع قحطان ومعد بن عدنان.
ورأوا بفهمهم وبتوفيق الله تعالى لهم أن يحصنوه مما يشكل، ويمكن أن يفتعل مثله من الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين،
(3/229)

وقد كانوا عرفوا الابتداع الكثير على البلغاء والشعراء، وخافوا إن هم لم يتقدموا في ذلك أن يتطرفوا عليه، كما تطرفوا على الرواية، لأنهم حين رأوا كثرة الرواية في غير ذوي السابقة، ورأوا كثرة اختلافها، والغرائب التي لا يعرفونها، لم يكن لهم إلا تحصين الشيء الذي عليه مدار الأمر، وإن كانوا يعلمون أن الله بالغ أمره.
فعلى الأئمة أن تحوط هذه الأمة، كما حاط السلف أولها، وأن يعملوا بظاهر الحيطة، إذ كان على الناس الاجتهاد، وليس عليهم علم الغيوب. وإنما ذلك كنحو رجل أبصر نبياً يحيي الموتى فعرف صدقه، فلما انصرف سأله عنه بعض من لم ير ذلك ولا صح عنده، فعليه أن لا يكتمه، وإن كان يعلم أن الله تعالى سيعلمه ذلك من قبل غيره، وأنه عز ذكره سيسمعه صحته على حبه وكرهه.
ورأوا أن قراءة زيد أحق بذلك، إذ كانت آخر العرض، ولأن الجمع الذين سمعوا آخر العرض أكثر ممن سمع أوله، فحملوا الناس على قراءة زيد، دون أبي وعبد الله، وإن كان الكل حقاً، إذ كان رب حق في بعض الزمان أقطع للقيل والقال، وأجدر أن يميت الخلاف، ويحسم الطمع. فتركوا حقاً إلى حق العمل به أحق.
ولو أن فقيهاً رأى إطباق العلماء على صوم يوم عرفة، واستنكارهم الإفطار فيه، فأفطر وأظهر ذلك ليعلمهم موضع الفريضة من النافلة،
(3/230)

أو خاف أن يلحق الفرض على تطاول الأيام ما ليس فيه كان مصيباً، ولكان قد ترك حقاً إلى أحق منه.
وللحق درجات، وللخلاف درجات، وللحرام درجات. ألا ترى أن لولي المقتول أن يقتل ويصفح، وأنه إن قتل قتل بحق، وإن صفح صفح بحق، والصفح أفضل من القتل.
ولو أن رجلاً أخرج ساكناً بيتاً له، أو اقتضى ديناً له ساعة محله، أو طلق زوجته وما دخل بها لكان ذلك له، ولحق فعل. وغير ذلك الحق أولى به.
وكيف لا يكون أولى به وهو أحسن، والثواب فيه أعظم، وإلى سلامة الصدور أقرب.
وقد يكون الأمران حسنين، وأحدهما أحسن. وقد يكون الأمران قبيحين، وأحدهما أقبح.
وبعد، فعلى الناس طاعة الأئمة في كل ما أمروا به، إلا فيما تبين أنه معصية. فأما غير ذلك فإنه واجب مفروض، ولازم غير مرفوع.
وعلموا أيضاً أنهم لا يبقون إلى آخر الزمان، وأن من يجيء بعدهم لا يقوم مقامهم، ولا يفصل الأمور تفصيلهم. ولو عرفوا كمعرفتهم، وأرادوا ذلك كإرادتهم، لما أطيعوا كطاعتهم.
وعلموا أن الأكاذيب والبدع ستكثر، وأن الفتن ستفتح، وأن
(3/231)

الفساد سيفشو، فكرهوا أن يجعلوا للمتطرفين علة، ولأهل الزيغ حجة.
بل لا شك أنهم لو تركوا الناس عامة يقرءون على حرف فلان وكل ما أجاز فيه فلان عن فلان، لألحق قوم في آخر الزمان بهم ما ليس منهم، ولا يجري مجراهم، ولا يجوز مجازهم.

فصل منه في الاحتجاج للجمع على قراءة زيد
ولو كان زيد من آل أبي العاص، أو من عرض بني أمية، لوجد ابن مسعود متعلقاً.
ولو كان بدا زيد عبد الرحمن بن عوف لوجد إلى القول سبيلاً.
ولو كان ابن مسعود رجلاً من بني هاشم لوجد للطعن موضعاً.
ولو كان عثمان رضي الله تعالى عنه استبد بذلك الرأي على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وسعد وطلحة والزبير رحمهم الله، وجميع المهاجرين والأنصار، لوجد للتهمة مساغاً.
فأما والأمر كما وصفنا ونزلنا، فما الطاعن على عثمان إلا رجل أخطأ خطة الحق، وعجل على صاحبه. ولكل بني آدم من الخطأ نصيب، والله عز ذكره يغفر له ويرحمه.
(3/232)

والذي يخطىء عثمان في ذلك فقد خطأ علياً وعبد الرحمن وسعداً، والزبير وطلحة، وعلية الصحابة.
ولو لم يكن ذلك رأي علي لغيره، ولو لم يمكنه التغيير لقال فيه، ولو لم يمكنه في زمن عثمان لأمكنه في زمن نفسه، وكان لا أقل من إظهار الحجة إن لم يملك تحويل الأمة، وكان لا أقل من التجربة إن لم يكن من النجح على ثقة، بل لم يكن لعثمان في ذلك ما لم يكن لجميع الصحابة، وأهل القدم والقدوة. ومع أن الوجه فيما صنعوا واضح، بل لا نجد لما صنعوا وجهاً غير الإصابة والاحتياط، والإشفاق والنظر للعواقب، وحسم طعن الطاعن.
ولو لم يكن ما صنعوا لله تعالى فيه رضاً لما اجتمع عليه أول هذه أول الأمة وآخرها. وإن أمراً اجتمعت عليه المعتزلة والشيعة، والخوارج والمرجئة، لظاهر الصواب، واضح البرهان، على اختلاف أهوائهم، وبغيتهم لكل ما ورد عليهم.
فإن قال قائل: هذه الروافض بأسرها تأبى ذلك وتنكره، وتطعن فيه، وترى تغييره.
قلنا: إن الروافض ليست منا بسبيل، لأن من كان أذانه غير أذاننا، وصلاته غير صلاتنا، وطلاقه غير طلاقنا، وعتقه غير عتقنا، وحجته غير حجتنا، وفقهاؤه غير فقهائنا وإمامه غير إمامنا،
(3/233)

وقراءته غير قراءتنا، وحلاله غير حلالنا، وحرامه غير حرامنا، فلا نحن منه ولا هو منا.
ولأي شيء حامت عن قراءة ابن مسعود، فوالله ما كان أحد أفرط في العمرية منه، ولا أشد على الشيعة منه، ولقد بلغ من حبه لعمر رضي الله عنه أن قال: لقد خشيت الله تعالى في حبي لعمر. فلم يحامون عنه وهو كان شجاهم لو أدركهم.

فصل منه
فآمن الله رجلاً فارقهم ولزم الجماعة، فإن فيها الأنسة والحجة، وترك الفرقة فإن فيها الوحشة والشبهة. والحمد لله الذي جعلنا لا نفرق بين أئمتنا، كما جعلنا لا نفرق بين أنبيائنا.
فصل منه
والذي دعانا إلى تأليف حجج الرسول ونظمها، وجمع وجوهها وتدوينها أنها متى كانت مجموعة منظومة، نشط لحفظها وتفهمها من كان عسى أن لا ينشط لجمعها، ولا يقدر على نظمها، وجمع متفرقها، وعلى اللفظ المؤثر عنها، ومن كان عسى أن لا يعرف وجه مطلبها، والوقوع عليها.
(3/234)

ولعل بعض الناس يعرف بعضها ويجهل بعضها.
ولعل بعضهم وإن كان قد عرفها بحقها وصدقها فلم يعرفها من أسهل طرقها، وأقرب وجوهها.
ولعل بعضهم أن يكون قد عرف فنسي، أو تهاون بها فعمي، بل لا نشك أنها إذا كانت مجموعة محبرة، مستقصاة مفصلة، أنها ستزيد في بصيرة العالم، وتجمع الكل لمن كان لا يعرف إلا البعض، وتذكر الناسي، وتكون عدة على الطاعن.
ولعل بعض من ألحد في دينه، وعمي عن رشده، وأخطأ موضع حظه أن يدعوه العجب بنفسه، والثقة بما عنده، إلى أن يلتمس قراءتها، ليتقدم في نقضها وإفسادها، فإذا قرأها فهمها، وإذا فهمها انتبه من رقدته، وأفاق من سكرته، لعز الحق، وذل الباطل، ولإشراف الحجة على الشبهة، ولأن من تفرد بكتاب فقرأه ليس كمن نازع صاحبه وجاثاه، لأن الإنسان لا يباهي بنفسه،
(3/235)

والحق بعد قاهر له. ومع التلاقي يحدث التباهي، وفي المحافل يقل الخضوع، ويشتد النزوع.
ثم رجع الكلام إلى حاجة الناس إلى استماع الأخبار، والتفقه في تصحيح الآثار، فأقول: إن الناس لو استغنوا عن التكرير، وكفوا مئونة البحث والتنقير لقل اعتبارهم. ومن قل اعتباره قل علمه، ومن قل علمه قل فضله، ومن قل فضله كثر نقصه، ومن قل علمه وفضله وكثر نقصه لم يحمد على خير أتاه، ولم يذم على شر جناه، ولم يجد طعم العز، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا برد اليقين، ولا راحة الأمن.
وكيف يشكر من لا يقصد، وكيف يلام من لا يتعمد، وكيف يقصد من لا يعلم. وما عسى أن يبلغ قدر سروره من لا يحسن من السرور إلا ما سر به حواسه ومسه جلده.
وكيف يأتي أربح الأفعال، وأبعد الشرين من ركب في شراسة السباع وغباوة البهائم، ثم لم يعط الآلة التي بها يستطيع التفرقة بين ما عليه وله، والعلم بمصالحه ومفاسده، فيقوى بها على عصيان طبائعه، ومخالفة شهواته، وبها يعرف عواقب الأمور، وما تأتي به
(3/236)

الدهور، وفضل لذة القلب على لذة البدن.
وإن سرور الجاهل لا يحسن في جنب سرور العالم، وإن لذة البهائم لا تعشر لذة الحكيم العالم.
وأي سرور كسرور العز والرياسة، واتساع المعرفة، وكثرة صواب الرأي، والنجح الذي لا سبب له إلا حسن النظر والتقدم في التدبير، ثم العلم بالله وحده، وأنك بعرض ولايته والجاه عنده، وأنه الذي يرعاك ويكفيك، وأنك إذا علمت اليسير أعطاك الكثير، ومتى تركت له الفاني أعطاك الباقي، ومتى أدبرت عنه دعاك، ومتى رجعت إليه اجتباك، ويحمدك على حقك، ويعطيك على نظرك، لنفسك ولا يفنيك إلا ليبقيك، ولا يميتك إلا ليحييك، ولا يمنعك إلا ليعطيك. وأنه المبتدىء بالنعمة قبل السؤال، والناظر لك في كل حال.
وهذا كله لا ينال إلا بغريزة العقل. على أن الغريزة لا تنال ذلك بنفسها، بما باشرته حواسها، دون النظر والتفكر، والبحث والتصفح.
ولن ينظر ناظر ولا يفكر مفكر دون الحاجة التي تبعث على
(3/237)

الفكرة، وعلى طلب الحيلة. ولذلك وضع الله تعالى في الإنسان طبيعة الغضب، وطبيعة الرضا، وطبيعة البخل والسخاء، والجزع والصبر، والرياء والإخلاص، والكبر والتواضع، والسخط والقناعة، فجعلها عروقاً. ولن تفي قوة غريزة العقل بجميع قوى طبائعه وشهواته، حتى يقيم ما اعوج منها، ويسكن ما تحرك، دون النظر الطويل الذي يشدها، والبحث الشديد الذي يشحذها، والتجارب التي تحنكها، والفوائد التي تزيد فيها. ولن يكثر النظر حتى تكثر الخواطر، ولن تكثر الخواطر حتى تكثر الحوائج، ولن تبعد الرؤية إلا لبعد الغاية وشدة الحاجة.
ولو أن الناس تركوا وقدر قوى غرائزهم، ولم يهاجوا بالحاجة على طلب مصلحتهم والتفكر في معاشهم، وعواقب أمورهم، وألجئوا إلى قدر خواطرهم التي تولد مباشرة حواسهم، دون أن يسمعهم الله تعالى خواطر الأولين، وأدب السلف المتقدمين، وكتب رب العالمين، لما أدركوا من العلم إلا اليسير، ولما ميزوا من الأمور إلا القليل.
(3/238)

ولولا أن الله تعالى أراد تشريف العالم وتربيته، وتسويد العاقل ورفع قدره، وأن يجعله حكيماً، وبالعواقب عليماً، لما سخر له كل شيء، ولم يسخره لشيء، ولما طبعه الطبع الذي يجيء منه أريب حكيم، وعالم حليم.
كما أنه عز ذكره لو أراد أن يكون الطفل عاقلاً، والمجنون عالماً، لطبعهم طبع العاقل، ولسواهم تسوية العالم، كما أراد أن يكون السبع وثاباً، والحديد قاطعاً، والسم قاتلاً، والغذاء مقيماً؛ فكذلك أراد أن يكون المطبوع على المعرفة عالماً، والمهيأ للحكمة حكيماً، وذو الدليل مستدلاً، وذو النعمة مستنفعاً بها.
فلما علم الله تبارك وتعالى أن الناس لا يدركون مصالحهم بأنفسهم، ولا يشعرون بعواقب أمورهم بغرائزهم، دون أن يرد عليهم آداب المرسلين، وكتب الأولين، والأخبار عن القرون، والجبابرة الماضين طبع كل قرن من الناس على أخبار من يليه، ووضع القرن الثاني دليلاً يعلم به صدق خبر الأول؛ لأن كثرة السماع للأخبار العجيبة، والمعاني الغريبة، مشحذة للأذهان، ومادة للقلوب، وسبب للتفكير، وعلة للتنقير عن الأمور.
وأكثر الناس سماعاً أكثرهم خواطر، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكراً، وأكثرهم تفكراً أكثرهم علماً، وأكثرهم علماً أرجحهم عملاً. كما أن أكثر البصراء رؤية للأعاجيب أكثرهم تجارب، ولذلك
(3/239)

صار البصير أكثر خواطر من الأعمى، وصار السميع البصير أكثر خواطر من البصير.
وعلى قدر شدة الحاجة تكون الحركة، وعلى قدر ضعف الحاجة يكون السكون، كما أن الراجي والخائف دائبان، والآيس والآمن وادعان.
وإذا كان الله تعالى لم يخلق عباده في طبع عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، وآدم أبي البشر، صلوات الله عليهم أجمعين، وخلقهم منقوصين، وعن درك مصالحهم عاجزين، وأراد منهم العبادة، وكلفهم الطاقة، وترك العنان للأمل البعيد، وأرسل إليهم رسله، وبعث فيهم أنبياءه، وقال: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "، ولم يشهد أكثر عباده حجج رسله عليهم السلام، ولا أحضرهم عجائب أنبيائه، ولا أسمعهم احتجاجهم، ولا أراهم تدبيرهم لم يكن بد من أن يطلع المعاينين على أخبار الغائبين، وأن يسخر أسماع الغائبين لأخبار المعاندين، وأن يخالف بين طبائع
(3/240)

المخبرين، وعلل الناقلين، ليدل السامعين، ومن يجيب من الناس.
على أن العدد الكثير المختلفي العلل، المتضادي الأسباب، المتفاوتي الهمم، لا يتفقون على تخرص الخبر في المعنى الواحد، وكما لا يتفقون على الخبر الواحد على غير التلاقي والتراسل إلا وهو حق. فكذلك لا يمكن مثلهم في مثل عللهم التلاقي عليه، والتراسل فيه.
ولو كان تلاقيهم ممكناً، وتراسلهم جائزاً لظهر ذلك وفشا، واستفاض وبدا.
ولو كان ذلك أيضاً ممكناً، وكان قولاً متوهماً لبطلت الحجة، ولنقضت العادة، ولفسدت العبرة، ولعادت النفس بعلة الأخبار جاهلة، ولكان للناس على الله أكبر الحجة. وقد قال الله جل وعز: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "، إذ كلفهم طاعة رسله، وتصديق أنبيائه ورسله وكتبه، والإيمان بجنته وناره، ولم يضع لهم دليلاً على صدق الأخبار، وامتناع الغلط في الآثار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
(3/241)

واعلم أن الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق بينهم، ولم يحب أن يوفق بينهم فيما يخالف مصلحتهم؛ لأن الناس لو لم يكونوا مسخرين بالأسباب المختلفة، وكانوا مجبرين في الأمور المتفقة والمختلفة، لجاز أن يختاروا بأجمعهم التجارة والصناعة، ولجاز أن يطلبوا بأجمعهم الملك والسياسة. وفي هذا ذهاب العيش، وبطلان المصلحة، والبوار والتواء.
ولو لم يكونوا مسخرين بالأسباب، مرتهنين بالعلل لرغبوا عن الحجامة أجمعين، والبيطرة، والقصابة، والدباغة. ولكن لكل صنف من الناس مزين عندهم ما هم فيه، ومسهل ذلك عليهم. فالحائك إذا رأى تقصيراً من صاحبه أو سوء حذق أو خرقا قال له: يا حجام! والحجام إذا رأى تقصيراً من صاحبه قال له: يا حائك! ولذلك لم يجمعوا على إسلام أبنائهم في غير الحياكة والحجامة، والبيطرة والقصابة.
ولولا أن الله تعالى أراد أن يجعل الاختلاف سبباً للاتفاق والائتلاف، لما جعل واحداً قصيراً والآخر طويلاً، وواحداً حسناً وآخر قبيحاً، وواحداً غنياً وآخر فقيراً، وواحداً عاقلاً وآخر مجنوناً، وواحداً ذكياً وآخر غبياً. ولكن خالف بينهم ليختبرهم، وبالاختبار يطيعون، وبالطاعة يسعدون. ففرق بينهم ليجمعهم، وأحب أن يجمعهم على
(3/242)

الطاعة ليجمعهم على المثوبة. فسبحانه وتعالى، ما أحسن ما أبلى وأولى، وأحكم ما صنع، وأتقن ما دبر! لأن الناس لو رغبوا كلهم عن عار الحياكة لبقينا عراة. ولو رغبوا بأجمعهم عن كد البناء لبقينا بالعراء. ولو رغبوا عن الفلاحة لذهبت الأقوات، ولبطل أصل المعاش. فسخرهم على غير إكراه، ورغبهم من غير دعاء.
ولولا اختلاف طبائع الناس وعللهم لما اختاروا من الأشياء إلا أحسنها، ومن البلاد إلا أعدلها، ومن الأمصار إلا أوسطها. ولو كانوا كذلك لتناجزوا على طلب الأواسط، وتشاجروا على البلاد العليا، ولما وسعهم بلد، ولما تم بينهم صلح. فقد صار بهم التسخير إلى غاية القناعة.
وكيف لا يكون كذلك وأنت لو حولت ساكني الآجام إلى الفيافي، وساكني السهل إلى الجبال، وساكني الجبال إلى البحار، وساكني الوبر إلى المدر، لأذاب قلوبهم الهم، ولأتى عليهم فرط النزاع.
وقد قيل: " عمر الله البلدان بحب الأوطان ".
وقال عبد الله بن الزبير رحمه الله تعالى: " ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم ".
وقال معاوية في قوم من اليمن رجعوا إلى بلادهم بعد أن أنزلهم من
(3/243)

الشام منزلاً خصباً، وفرض لهم في شرف العطاء: " يصلون أوطانهم بقطيعة أنفسهم ".
وقال الله جل وعز: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ". فقرن الضن بالأوطان إلى الضن بمهج النفوس.
وليس على ظهرها إنسان إلا وهو معجب بعقله، لا يسره أن له بجميع ما له ما لغيره، ولولا ذلك لماتوا كمداً، ولذابوا حسدا، ولكن كل إنسان وإن كان يرى أنه حاسد في شيء فهو يرى أنه محسود في شيء.
ولولا اختلاف الأسباب لتنازعوا بلدة واحدة، واسماً واحداً، وكنية واحدة. فقد صاروا كما ترى مع اختيار الأشياء المختلفة إلى الأسماء القبيحة، والألقاب السمجة. والأسماء مبذولة، والصناعات مباحة، والمتاجر مطلقة، ووجوه الطرق مخلاة، ولكنها مطلقة في الظاهر، مقسمة في الباطن، وإن كانوا لا يشعرون بالذي دبر الحكيم من ذلك، ولا بالمصلحة فيه.
فسبحان من حبب إلى واحد أن يسمي ابنه محمداً، وحبب إلى آخر أن يسميه شيطاناً، وحبب إلى آخر أن يسميه عبد الله، وحبب
(3/244)

إلى آخر أن يسميه حماراً، لأن الناس لو لم يخالف بين عللهم في اختيار الأسماء والكنى، جاز أن يجتمعوا على شيء واحد، وكان في ذلك بطلان العلامات، وفساد المعاملات.
وأنت إذا رأيت ألوانهم وشمائلهم واختلاف صورهم، وسمعت لغاتهم ونغمهم علمت أن طبائعهم وعللهم المحجوبة الباطنة، على حسب أمورهم الظاهرة.
وبعض الناس وإن كان مسخراً للحياكة فليس بمسخر للفسق والخيانة، وللإحكام والصدق والأمانة.
وقد يسخر الله الملك لقوم بأسباب قديمة وأسباب حديثة، فلا يزال ذلك الملك مقصوراً عليهم، ما دامت تلك الأسباب قائمة، إذا كانوا للملك مسخرين، وكان الناس لهم مسخرين، بالجبرية والنخوة، والفظاظة والقسوة، ولطول الاحتجاب والاستتار، وسوء اللقاء والتضييع.
(3/245)

وقد يكون الإنسان مسخراً لأمر، ومخيراً في آخر.
ولولا الأمر والنهي لجاز التسخير في دقيق الأمور وجليلها، وخفيها وظاهرها؛ لأن بني الإنسان إنما سخروا له إرادة العائدة إليهم، ولم يسخروا للمعصية، كما لم يسخروا للمفسدة.
وقد تستوي الأسباب في مواضع، وتتفاوت في مواضع. كل ذلك ليجمع الله تعالى لهم مصالح الدنيا، ومراشد الدين.
ألا ترى أن أمة قد اجتمعت على أن عيسى عليه السلام هو الله، وأمة قد اجتمعت على أنه ابن الله، وأمة اجتمعت على أن الآلهة ثلاثة، عيسى أحدها. ومنهم يتبدد، ومنهم من يتدهر، ومنهم من يتحول نسطورياً بعد أن كان يعقوبياً، ومنهم من أسلم بعد أن كان نصرانياً. ولست واجداً هذه الأمة مع اختلاف مذاهبها، وكثرة تنقلها، انتقلت مرة واختلفت مرة، متعمدة أو ناسية، في يوم واحد، فجعلته - وهو الجمعة - يوم السبت، ولم تخطب في يوم جمعة بخطبة يوم خميس، ولا غلطت في كانون الأول فجعلته كانون الآخر، ولا بين الصوم والإفطار؛ لأن الباب الأول في باب الإمكان
(3/246)

وتعديل الأسباب والامتحان، والباب الثاني داخل في باب الامتناع وتسخير النفوس وطرح الامتحان.
وقد زعم ناس من الجهال، ونفر من الشكاك، ممن يزعم أن الشك واجب في كل شيء، إلا في العيان، أن أهل المنصورة وافوا مصلاهم يوم خميس على أنه يوم الجمعة، في زمن منصور بن جمهور وأن أهل البحرين جلسوا عن مصلاهم يوم الجمعة على أنه يوم خميس، في زمن أبي جعفر، فبعث إليهم وقومهم.
وهذا لا يجوز ولا يمكن في أهل الأمصار، ولا في العدد الكثير من أهل القرى، لأن الناس من بين صانع لا يأخذ أجرته ولا راحة له دون الجمعة، وبين تجار قد اعتادوا الدعة في الجمع، والجلوس عن الأسواق. ومن معلم كتاب لا يصرف غلمانه إلا في الجمع. وبين معني بالجمع يتلاقى هناك مع المعارف والإخوان والجلساء. وبين معني بالجمع حرصاً على الصلاة، ورغبة في الثواب. ومن رجل عليه موعد ينتظره. ومن صيرفي يصرف ذلك اليوم سفاتجه وكتب
(3/247)

أصحابه. ومن جندي فهو يعرف بذلك نوبته. وبعض كالسؤال والمساكين والقصاص، الذين يمدون أعناقهم للجمعة انتظاراً للصدقة والفائدة، في أمور كثيرة، وأسباب مشهورة.
ولو جاز ذلك في أهل البحرين والمنصورة لجاز ذلك على أهل البصرة والكوفة، ولو جاز ذلك في الأيام لكان في الشهور أجوز، ولو جاز ذلك في الشهور لكان في السنين أجوز. وفي ذلك فساد الحج، والصوم، والصلاة، والزكاة، والأعياد.
ولو كان ذلك جائزاً لجاز أن يتفق الشعراء على قصيدة واحدة، والخطباء على خطبة واحدة، والكتاب على رسالة واحدة، بل جميع الناس على لفظة واحدة.
وإنما نزلت لك حالات الناس، وخبرتك عن طبائعهم، وفسرت لك عللهم لتعلم أن العدد الكثير لا يتفقون على تخرص الخبر الواحد في المعنى الواحد في الزمن الواحد، على غير التشاعر، فيكون باطلاً. وسأوجدك موضع اختلافهم واتفاقهم، وأنه لم يخالف بينهم في بعض الوجوه إلا إرهاصاً لمصلحتهم، ولتصح أخبارهم.
(3/248)

ألا ترى أن أحداً لم يبع قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن ذلك الدرهم خير له من سلعته. ولم يشتر أحد قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن تلك خير له من درهمه. ولو كان صاحب السلعة يرى في سلعته ما يرى فيها صاحب الدرهم، وكان صاحب الدرهم يرى في الدرهم ما يرى فيه صاحب السلعة ما اتفق بينهم شراء أبداً. وفي هذا جميع المفسدة، وغاية الهلكة.
فسبحان الذي حبب إلينا ما في أيدي غيرنا، وحبب إلى غيرنا ما في أيدينا، ليقع التبايع. وإذا وقع التبايع وقع الترابح، وإذا وقع الترابح وقع التعايش.
ويدلك أيضاً على اختلاف طبائعهم وأسبابهم: أنك تجد الجماعة وبين أيديهم الفاكهة والرطب، فلا تجد يدين تلتقيان على رطبة بعينها، وكل واحد من الجميع يرى ما حواه الطبق، غير أن شهوته وقعت على واحدة غير التي آثرها صاحبه. ولربما سبق الرجل إلى الواحدة، وقد كان صاحبه يريدها في نفسه، غير أن ذلك لا يكون إلا في الفرط، ولو كانت شهواتهم ودواعيهم تتفق على واحدة بعينها لكان في ذلك التمانع والتجاذب، والمبادرة وسوء المخالطة والمؤاكلة. وكذلك هو في شهوة النساء والإماء، والمراكب والكسى. وهذا كثير، والعلم به قليل. وبأقل مما قلنا يعرف العاقل صواب مذهبنا. والله تعالى نسأل التوفيق.
(3/249)

وهو الذي خالف بين طبائعهم وأسبابهم، حتى لا يتفق على تخرص خبر واحد، لأن في اتفاق طبائعهم وأسبابهم في جهة الإخبار فساد أمورهم، وقلة فوائدهم واعتبارهم، وفي فساد أخبارهم فساد متاجرهم والعلم بما غاب عن أبصارهم، وبطلان المعرفة بأنبيائهم ورسلهم عليهم السلام، ووعدهم ووعيدهم، وأمرهم ونهيهم وزجرهم، ورغبتهم، وحدودهم، وقصاصهم الذي هو حياتهم، والذي يعدل طبائعهم، ويسوي أخلاقهم، ويقوي أسبابهم، والذي به يتمانعون من تواثب السباع، وقلة احتراس البهائم، وإضاعة الأعمار. وبه تكثر خواطرهم وتفكيرهم، وتحسن معرفتهم.
ولم نقل أن العدد الكثير لا يجتمعون على الخبر الباطل، كالتكذيب والتصديق، ونحن قد نجد اليهود والنصارى، والمجوس والزنادقة، والدهرية وعباد البددة يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم، وينكرون آياته وأعلامه، ويقولون: لم يأت بشيء، ولا بان بشيء. وإنما قلنا: إن العدد الكثير لا يتفقون على مثل إخبارهم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، التهامي الأبطحي عليه السلام خرج بمكة، ودعا إلى كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وأباح كذا،
(3/250)

وجاء بهذا الكتاب الذي نقرؤه، فوجب العمل بما فيه، وأنه تحدى البلغاء والخطباء والشعراء، بنظمه وتأليفه، في المواضع الكثيرة، والمحافل العظيمة. فلم يرم ذلك أحد ولا تكلفه، ولا أتى ببعضه ولا شبيه منه، ولا ادعى أنه قد فعل، فيكون ذلك الخبر باطلاً.
وليس قول جمعهم إنه كان كاذباً معارضة لهذا الخبر، إلا أن يسموا الإنكار معارضة. وإنما المعارضة مثل الموازنة والمكايلة، فمتى قابلونا بأخبار في وزن أخبارنا ومخرجها ومجيئها، فقد عارضونا ووازنونا وقابلونا، وقد تكافينا وتدافعنا. فأما الإنكار فليس بحجة، كما أن الإقرار ليس بحجة، ولا تصديقنا النبي صلى الله عليه وسلم حجة على غيرنا، ولا تكذيب غيرنا له حجة علينا، وإنما الحجة في المجيء الذي لا يمكن في الباطل مثله.
فإن قلت: وأي مجيء أثبت خبر الأنصاري عن عيسى بن مريم عليه السلام؟ وذلك أنك لو سألت النصارى مجتمعين ومتفرقين لخبروك عن أسلافهم أن عيسى قد قال: إني إله.
قلنا: قد علمنا أن نصارى عصرنا لم يكذبوا على القرن الذي كان قبلهم، والذين كانوا يلونهم. ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه، أن عيسى عليه السلام لو قال: إني إله لما أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، والمشي على الماء. على أن في عيسى عليه السلام دلالة في نفسه، أنه ليس بإله، وأنه عبد مدبر، ومقهور ميسر، وليس
(3/251)

خبرهم هذا إلا كإخبار النصارى عن آبائهم والقرن الذي يليهم أن بولس قد كان جاء بالآيات والعلامات. وكإخبار المنانية عن القرن الذي كان يليهم منه أن ماني قد كان جاءهم بالآيات والعلامات. وكإخبار المجوس عن آبائهم الذين كانوا يلونهم أن زرادشت قد جاءهم بالآيات والعلامات. وقد علمنا أن هؤلاء النصارى لم يكذبوا على القرن الذي كان يليهم، ولا الزنادقة ولا المجوس. ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه أن الله جل وعز لا يعطي العلامات من لا يعرفه، لأن بولس إن كان عنده أن عيسى عليه السلام إله فهو لا يعرف الله تعالى، بل لا يعرف الربوبية من العبودية، والبشرية من الإلهية.

فصل منه
وللنصارى خاصة رياء عجيب، وظاهر زهد، والناس أبطأ شيء عن التصفح، وأسرع شيء إلى تقليد صاحب السن والسمت، وظاهر العمل أدعى لهم من العلم.
(3/252)

فصل منه على ذكرهم
وكل قوم بنوا دينهم على حب الأشكال، وشبه الرجال، يشتد وجدهم به وحبهم له، حتى ينقلب الحب عشقاً، والوجد صبابة، للمشاكلة التي بين الطبائع، والمناسبة التي بين النفوس.
وعلى قدر ذلك يكون البغض والحقد، لأن النصارى حين جعلوا ربهم إنساناً مثلهم بخعت نفوسهم بالهيبة له لتوهمهم الربوبية، وأسمحت بالمودة لتوهمهم البشرية، فلذلك قدروا من العبادة على ما لم يقدر عليه من سواهم. وبمثل هذا السبب صارت المشبهة منا أعبد ممن ينفي التشبيه، حتى ربما رأيته يتنفس من الشوق إليه، ويشهق عند ذكر الزيارة، ويبكي عند ذكر الرؤية، ويغشى عليه عند ذكر رفع الحجب. وما ظنك بشوق من طمع في مجالسة ربه عز وجل، ومحادثة خالقه عز ذكره.
ولقد غالت القوم غول، ودعاهم أمر، فانظر ما هو؟ وإن سألتني عنه خبرتك: إنما هو نتيجة أحد أمرين: إما تقليد الرجال، وإما طلب تعظيمهم. ولذلك السبب لم ترض اليهود من إنكار حقه بتكذيبه، حتى طلبت قتله وصلبه، والمثلة به، ثم لم ترض بذلك حتى زعمت
(3/253)

أنه لغير رشدة، فلو كانت دون هذه المنزلة منزلة لما انتهت اليهود دون بلوغها، ولو كانت فوق ما قالت النصارى منزلة لما انتهت دون غايتها.
وبذلك السبب صارت الرافضة أشد صبابة وتحرقاً، وأفرط غضباً، وأدوم حقداً. وأحسن تواصلاً من غيرهم أيضاً.
ورب خبر قد كان فاشياً فدخل عليه من العلل ما منعه من الشهرة، ورب خبر ضعيف الأصل، واهن المخرج، قد تهيأ له من الأسباب ما يوجب الشهرة.

فصل منه
واعلم أن لأكثر الشعر ظعنا وحظوظاً، كالبيت يحظى ويسير، حتى يحظى صاحبه بحظه، وغيره من الشعر أجود منه. وكالمثل يحظى ويسير، وغيره من الأمثال أجود. وما ضاع من كلام الناس وضل أكثر مما حفظ وحكي. واعتبر ذلك من نفسك، وصديقك وجليسك.
وأمر الأسباب عجيب. ومن ذلك قتل علي بن أبي طالب من السادة والقادة والحماة، ما عسى لو ذكرته لاستكبرته واستعظمته، فأضرب الناس عن ذكرهم، وجهلت العوام مواضعهم، وأخذوا في ذكر عمرو بن عبد ود فرفعوه فوق كل فارس مشهور، وقائد مذكور.
(3/254)

وقد قرأت على العلماء كتاب الفجار الأول، والثاني، والثالث. وأمر المطيبين والأحلاف، ومقتل أبي أزيهر، ومجيء الفيل، وكل يوم جمع كان لقريش، فما سمعت لعمرو هذا في شيء من ذلك ذكراً.
فإن قلت: إن نبل القاتل زيادة في نبل المقتول، فكل من قتله على ابن أبي طالب رضوان الله عليه أنبل منه وأحق بالشهرة، ولكن أشعار ابن دأب، ومناقلة الصبيان في الكتاب هما اللتان أورثتاه ما ترى وتسمع.
(3/255)

فصل منه في أمر الأخبار
وإنما ذكرت هذا لتعلم أن الخبر قد يكون أصله ضعيفاً ثم يعود قوياً، ويكون أصله قوياً فيعود ضعيفاً، للذي يعتريه من الأسباب، ويحل به من الأعراض، من لدن مخرجه وفصوله، إلى أن يبلغ مدته، ومنتهى أجله، وغاية التدبير فيه، والمصلحة عليه.
فلما كان هذا مخوفاً، وكان غير مأمون على المتقادم منه وضع الله تعالى لنا على رأس كل فترة علامة، وعلى غاية كل مدة أمارة، ليعيد قوة الخبر، ويجدد ما قد هم بالدروس، بالأنبياء والمرسلين عليهم السلام أجمعين. لأن نوحاً عليه السلام هو الذي جدد الأخبار التي كانت في الدهر الذي بينه وبين آدم عليهما السلام، حتى منعها الخلل، وحماها النقصان بالشواهد الصادقة، والأمارات القائمة. وليس أن أخبارهم وحججهم قد كانت درست واختلت، بل حين همت بذلك وكادت. بعثه الله عز وجل بآياته لئلا تخلو الأرض من حججه، ولذلك سموا آخر الدهر الفترة. وبين الفترة والقطعة فرق. فاعرف ذلك.
ثم بعث الله جل وعز إبراهيم عليه السلام على رأس الفترة الثانية التي كانت بينه وبين دهر نوح، وإنما جعلها الله تعالى أطول فترة كانت في الأرض، لأن نوحاً كان لبث في قومه يحتج ويخبر، ويؤكد ويبين، ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولأن آخر آياته كانت أعظم الآيات، وهي الطوفان، الذي أغرق الله تعالى به جميع أهل الأرض
(3/256)

غيره وغير شيعته، وإنما أفار الماء من جوف تنور، ليكون أعجب للآية، وأشهر للقصة، وأثبت للحجة.
ثم ما زالت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، بعضهم على إثر بعض في الدهر الذي بين إبراهيم، وبين عيسى عليهما السلام. فلترادف حججهم، وتظاهر أعلامهم، وكثرة أخبارهم، واستفاضة أمورهم، ولشدة ما تأكد ذلك في القلوب، ورسخ في النفوس، وظهر على الألسنة، لم يدخلها الخطل والنقص والفساد، في الدهر الذي كان بين النبي عليه السلام وبين عيسى عليه السلام.
فحين همت بالضعف، وكادت تنقص عن التمام، وانتهت قوتها، بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم، فجدد أقاصيص آدم ونوح، وموسى وهارون، وعيسى ويحيى، عليهم السلام، وأموراً بين ذلك، وهو الصادق، بالشواهد الصادقة، وأن الساعة آتية، وأنه ختم الرسل عليهم السلام به، فعلمنا عند ذلك أن حجته ستتم إلى مدتها، وبلوغ أمر الله عز وجل فيها.

فصل
ثم رجع الكلام إلى القول في الأخبار، فأقول: إن الناس موكلون بحكاية كل عجيب، وميسرون للإخبار عن
(3/257)

فى جنب ثانى
كل عظيم، وليسوا للحسن أحكى منهم للقبيح، ولا لما ينفع أحكى منهم لما يضر، وعلى قدر كبر الشيء تكون حكايتهم له واستماعهم.
ألا ترى أن رجلاً من الخلفاء لو ضرب عنق رجل من العظماء لما أمسى وفي عسكره وبلدته جاهل ولا عالم إلا وقد استقر ذلك عنده وثبت في قلبه، لأن الناس بين حاسد فهو يحكي ذلك الذي دخل عليه من الثكل وقلة العدد، وبين واجد يعجب الناس، وبين واعظ معتبر، وبين قوم شأنهم الأراجيف بالفاسد والصالح. ولو كان ضرب عنقه في يوم عيد، أو حلبة، أو استمطار، أو موسم، لكان أشد لاستفاضته، وأسرع لظهوره.
ولو جاز أن يكتم الناس هذا وشبهه على الإيثار للكتمان، وعلى جهة النسيان، لكنا لا ندري: لعله قد كان في زمن صفين والجمل والنهروان حرب مثلها أو أشد منها، ولكن الناس آثروا الكتمان، واتفقوا على النسيان.
فإذا كان قتل الملك الرجل من العظماء بهذه المنزلة من قلوب الأعداء، ومن قلوب الحكماء والغوغاء، فما ظنك بمن لو أبصروا رجلاً قد أحياه بعد أن ضرب عنقه، وأبان رأسه من جسده، أليس كان يكون تعجبهم من إحيائه أشد من تعجبهم من قتله، وكان يكون إخبارهم من خلفوا في منازلهم ومن ورد عليهم عن القتل ليكون سبباً للإخبار عن الإحياء، إذ كان الأول صغيراً في جنب الثاني.
(3/258)

فهذا يدل على أن أعلام الرسل عليهم السلام وآياتهم أحق بالظهور والشهرة، والقهر للقلوب والأسماع، من مخارجهم وشرائعهم. بل قد نعلم أن موسى عليه السلام لم يذكر ولم يشهر إلا لأعاجيبه وآياته. وكذلك عيسى عليه السلام، ولولا ذلك لما كانا إلا كغيرهما ممن لا يشعر بموته ولا مولده.
وكيف تتقدم المعرفة بهما المعرفة بأعلامهما وأعاجيبهما، وأنت لم تسمع بذكرهما قط، دون ما ذكر من أعلامهما.
فإذا كان شأن الناس الإخبار عن كل عجيب، وحكاية كل عظيم، والإطراف بكل طريف، وإيراد كل غريب من أمور دنياهم، فما لا يمتنع في طبائعهم، ولا يخرج من قوى الخليقة في البطش والحيلة، أحق بالإخبار والإذاعة، وبالإظهار والإفاضة، هذا على أن يترك الطباع وما يولد عليه، والنفوس وما تنتج، والعلل وما يسخر.
فكيف إن كان الله عز وجل قد خص أعلام أنبيائه وآيات رسله عليهم السلام من تهييج الناس على الإخبار عنها، ومن تسخير الأسماع لحفظها، بخاصة لم يجعلها لغيرها.

فصل منه
فإن قال القائل: إن الحجة لا تكون حجة حتى تعجز الخليقة
(3/259)

وتخرج من حد الطاقة، كإحياء الموتى، والمشي على الماء، وكفلق البحر، وكإطعام الثمار في غير أوان الثمار، وكإنطاق السباع، وإشباع الكثير من القليل، وكل ما كان جسماً مخترعاً، وجرماً مبتدعاً. وكالذي لا يجوز أن يتولاه إلا الخالق، ولا يقدر عليه إلا الله عز ذكره.
فأما الأخبار التي هي أفعال العباد، وهم تولوها، وبهم كانت وبقولهم حدثت، فلا يجوز أن يكون حجة، إذ كان لا حجة إلا ما لا يقدر عليه الخليقة، وما لا يتوهم من جميع البرية.
قلنا: إنا لم نزعم أن الأخبار حجة فيحتجون علينا بها، وإنما زعمنا أن مجيئها حجة، والمجيء ليس هو أمر يتكلفه الناس ويختارونه على غيره، ولو كان كذلك لكانوا متى أرادوه فعلوه وتهيئوا له، ولفعلوه في الباطل كما يجيء لهم في الحق. والمجيء أيضاً ليس هو فعلاً قائماً فيستطيعوه أو يعجزوا عنه، وإنما هو الإنسان، يعلم أنه إذا لقي البصريين فأخبروه أنهم قد عاينوا بمكة شيئاً، ثم لقي الكوفيين فأخبروه بمثل ذلك، أنهم قد صدقوا. إذ كان مثلهم لا يتواطأ على مثل خبرهم على جهلهم بالغيب، وعلى اختلاف طبائعهم وهممهم وأسبابهم. فليس بين هذا وبين إحياء الموتى والمشي على الماء فرق، إذ كان الناس لا يقدرون عليه، ولا يطمعون فيه، والمجيء إنما هو معنىً
(3/260)

معقول، وشيء موهوم. إذ كان كيف يكون ومعلوم أن الناس لا يمكنهم أن يقدروا، ولا يستطيعون فعله. وإنما مدار أمر الحجة على عجز الخليقة. فمتى وجدت أمراً ووجدت الخليقة عاجزة عنه فهي حجة. ثم لا عليك جوهراً كان أو عرضاً، أو موجوداً أو متوهماً معقولاً. ألا ترى أن فلق البحر ليس هو من جنس اختراع الثمار، لأن الفلق هو انفراج أجزاء، والثمار أجرام حادثة.
وكذلك لو ادعى رجل أن الله عز وجل أرسله وجعل حجته علينا الإخبار بما أكلنا وادخرنا وأضمرنا، لكان قد احتج علينا.
فإن قلتم: إن المنجمين ربما أخبروا بالضمير، وبالأمر المستور، وببعض ما يكون.
قلنا: أما واحدة فإن خطأ المنجمين كثير، وصوابهم قليل، بل هو أقل من القليل. وأنتم لا تقدرون أن تقفونا من أخبار المرسلين عليهم السلام في كثير أخبارهم على خطاء واحد، والذي سهل قليل المنجمين طرافة ذلك منهم، لأنهم لو قالوا فأخطئوا أبداً لما كان
(3/261)

عجبا، لأنه ليس بعجب أن يكون الناس لا يعلمون ما يكون قبل أن يكون، ومن أعجب العجب أن يوافق قولهم بعض ما يكون.
وقد نجد المنجمين يختلفون في القضية الواحدة، ويخطئون في أكثرها. وقد نجد الرسول يخبرهم عما يأكلون ويشربون ويدخرون ويضمرون، في الأمور الكثيرة المعاني، والمختلفة في الوجوه، حتى لا يخطىء في شيء من ذلك. وليس في الأرض منجم ذكر شيئاً أو وافق ضميراً إلا وأنت واجد بعض من يزجر قد يجيء بمثله وأكثر منه.
فإن قلت: إن الناس يكذبون في الإخبار عن الأعراب والكهان من كل جيل؟ قلنا: فهم في إخبارهم عن المنجمين أكذب.
وبعد، فالناس غير مستعظمين لكثرة كذب المنجمين وخطاياهم وخدعهم، والناس يستعظمون اليسير من المرسلين عليهم السلام. وكلما كان الرجل في عينك أعظم، وكان عن الكذب أزجر، كان كذبه عندك أعظم. وإنما المنجم عند العوام كالطبيب الذي إن قتل المريض علاجه كان عندهم أن القضاء هو الذي قتله، وإن برأ كان هو أبرأه. على أن صوابهم أكثر، ودليلهم أظهر.
وقد صار الناس لا يقتصرون للمنجمين على قدر ما يسمعون منهم، دون أن يولدوا لهم، ويضعوا الأعاجيب عن ألسنتهم.
(3/262)

وكل ملحد في الأرض للرسول طاعن عليه، عائب له، يرى أن يصدق عليه كل كذاب يريد ذمه، وأن يكذب كل صادق يريد مدحه.
وبعد، فلو كان خبر المنجمين في الصواب كخبر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، الذي هو حجة، لما كان خبر المنجمين حجة.
فإن قلت: ولم ذاك؟ قلت: لأن من كثر صوابه على غير استدلال ومقايسة، وعلى غير حساب وتجربة، أو على نظر ومعاينة لم يكن الأمر من قبل الوحي؛ لأنك لو قلت قصيدة في نفسك فحدثك بها رجل، وأنت تعلم أنه ليس بمنجم، وأنشدكها كلها، لعلمت أن ذلك لا يكون إلا بوحي.
ومثل ذلك رجل اشتد وجع عينه فعالجه طبيب فبرأ، فلو جعل الطبيب ذلك حجة على نبوته لوجب علينا تكذيبه، ولو قال رجل من غير أن يمسه أو يدنو إليه: اللهم إن كنت صادقاً عليك فاشفه الساعة، فبرأ من ساعته لعلمنا أنه صادق.
فإن قالوا: وما علمنا أن محمداً عليه السلام لم يكن منجماً؟ قلنا: إن علمنا بذلك كعلمنا بأن العباس وحمزة وعلياً وأبا بكر وعمر، رضوان الله عليهم أجمعين، لم يكونوا منجمين، ولا أطباء متكهنين. وكيف يجوز أن يصير إنسان عالماً بالنجوم من غير أن يختلف
(3/263)

إلى المنجمين، أو يختلفوا إليه، أو يكون علم النجوم فاشياً في أهل بلاده، أو يكون في أهله واحد معروف به. ولو بلغ إنسان في علم النجوم، وليست معه علة من هذه العلل، وكان ذلك يخفى، لكان ذلك كبعض الآيات والعلامات.
ومتى رأينا حاذقاً بالكلام، أو بالطب، أو بالحساب، أو بالغناء، أو بالنجوم، أو بالعروض، خفي على الناس موضعه وسببه؟ ! وجميع ما ذكرنا، فعناية الناس به وعداوتهم، وشهرته في نفسه، دون محمد صلى الله عليه وسلم.
وهل نصب أحد قط لأحد إلا بدون ما نصب له رهطه، وأدانى أهله، ومن معه في بيته وربعه.
وما أعرف - يرحمك الله - المعاند والمسترشد والمصدق والمكذب، ينكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن منجماً ولا طبيباً. وإذا قال الجاهل: إنه قد كان يعلم الخط فخفي له ذلك، وتعلم الأسباب والقضاء في النجوم فخفي له ذلك، وتعلم البيان وقدر منه على ما يعجز أمثاله عنه وخفي ذلك، أليس مع قوله ما يعلم خلافه، يعلم أنه قد سلم له أعجوبة كأعجوبة إبراء الأكمه والأبرص، والمشي على الماء، إذ كان ذلك لا يجوز، ولا يمكن في الطبائع والعقل والتجربة.
وافهم يرحمك الله ما أنا واصفه لك: هل يجد التارك لتصديقه
(3/264)

أنه لا يدري بزعمه، لعله كان أعلم الخلق بالنجوم، ناظراً لنفسه، غير معاند لحجة عقله. وهو لم يجد أحداً قط برع في صناعة واحدة فخفي على الناس موضعه بكل ما حكينا وفسرنا.
وأنت كيف تعلم أنه ليس في إخوانك من ليس بمنجم، وأن فيهم من ليس بطبيب، إلا بمثل ما يعرف به رهط النبي صلى الله عليه وآله منه.
وكيف لم يشتهر ذلك، ولم لم يحتج به عليه؟ ولقد بلغ من إسرافهم في شتمه، وإفراطهم عليه، أن نافقوا وأحالوا، لأنهم كانوا يقولون له: أنت ساحر، وأنت مجنون! وإنما يقال للرجل: ساحر، لخلابته وحسن بيانه، ولطف مكايده، وجودة مداراته وتحببه. ويقال: مجنون، لضد ذلك كله.

فصل منه
وليس ينتفع الناس بالكلام في الأخبار إلا مع التصادق، ولا تصادق إلا مع كثرة السماع، والعلم بالأصول؛ لأن رجلاً لو نازع في الأخبار، وفي الوعد والعيد، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والفريضة والنافلة، والسنة والشريعة، والاجتماع والفرقة، ثم حسنت نيته، وناضح عن نفسه، لما عرف حقائق باطل دون أن يكون قد عرف الوجوه، وسمع الجمل، وعرف الموازنة، وما كان في الطبائع، وما يمتنع فيها. وكيف أيضاً يقول في التأويل من لم يسمع بالتنزيل؟ وكيف يعرف صدق الخبر من لم يعرف سبب الصدق؟
(3/265)

واعلم أن من عود قلبه التشكك اعتراه الضعف، والنفس عروف، فما عودتها من شيء جرت عليه.
والمتحير إلى تقوية قلبه ورد قوته عليه وإفهامه موضع رأيه، وتوقيفه على الأمر الذي أثقل صدره، أحوج منه إلى المنازعة في فرق ما بين المجيء الذي يكذب مثله، والمجيء الذي لا يكذب مثله.
وسنتكلف من علاج دائه، وترتيب إفهامه إن أعان على نفسه، بما لا يبقي سبباً للشك، ولا علة للضعف. والله تعالى المعين على ذلك، والمحمود عليه.
فصل منه
ومتى سمعنا نبي الله عليه السلام اتكل على عدالته، وعلى معرفة قومه بقديم طهارته، وقلة كذبه، دون أن جاءهم بالعلامات والبرهانات؟ ولعمري لو لم نجد الحافظ ينسى، والصادق يكذب، والمؤمن يبدل، لقد كان ما ذهبوا إليه وجهاً.

فصل منه في ذكر دلائل النبي
عليه الصلاة والسلام
وباب آخر يعرف به صدقه، وهو إخباره عما يكون، وإخباره عن
(3/266)

ضمائر الناس، وما يأكلون وما يدخرون، ولدعائه المستجاب الذي لا تأخير فيه، ولا خلف له. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين لقي من قريش والعرب ما لقي من شدة أذاهم له، وتكذيبهم إياه، واستعانتهم عليه بالأموال والرجال، دعا الله جل وعز أن يجدب بلادهم، وأن يدخل الفقر بيوتهم، فقال صلى الله عليه وآله: " اللهم سنين كسني يوسف. اللهم اشدد وطأتك على مضر ".
فأمسك الله عز وجل عنهم المطر حتى مات الشجر، وذهب الثمر، وقلت المزارع، وماتت المواشي، وحتى اشتووا القد والعلهز.
فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة على كسرى، يشكو إليه الجهد والأزل ويستأذنه في رعي السواد، وهو حين ضمنه عن قومه، وأرهنه قوسه. فلما أصاب مضر خاصة الجهد، ونهكهم الأزل، وبلغت الحجة مبلغها، وانتهت الموعظة منتهاها، عاد بفضله صلى الله عليه وسلم، على الذي بدأهم به، فسأل ربه الخصب وإدرار الغيث، فأتاهم منه ما هدم بيوتهم، ومنعهم حوائجهم، فكلموه في ذلك فقال: " الله حوالينا ولا علينا ". فأمطر الله عز وجل ما حولهم، وأمسك عنهم.
وكتب إلى كسرى يدعوه إلى نجاته وتخليصه من كفره، فبدأ باسمه على اسمه، فأنف من ذلك كسرى لشقوته، وأمر بتمزيق الكتاب،
(3/267)

فلما بلغه صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم مزق ملكه كل ممزق ". فمزق الله جل وعز ملكه، وجد أصله، وقطع دابره، لأن كل ملك في الأرض، وإن كان قد أخرج من معظم ملكه، فهو مقيم على بقية منه، وذلك أن الإسلام لم يترك ملكاً بحيث تناله الحوافر والأخفاف والأقدام، إلا أزاله عنه، وأخرجه منه إلى عقاب يعتصم بها، ومعاقل يأوي إليها، أو طرده إلى خليج منيع، لا يقطعه إلا السفن، فهم من بين هارب قد دخل في وجار، أو اختفى في غيضة، أو مقيم على فم شعب، ورأس مضيق، قد سخت نفسه عن كل سهل، وأسلم كل مرج أو ملك لا قرار له، وليس بذي مدر فيؤتى، وإنما أصحابه أكراد يطلبون النجعة، أو كخوارج يطلبون الغرة. فأما أن يكون ملك يصحر لهم، ويقيم بإزائهم، ويغاديهم الحرب ويمسيهم، ويساجلهم الظفر ويناهضهم، كما كانت ملوك الطوائف، وكالذي كان بين فارس والروم فلا، وذلك لقوله تعالى: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله " إلى قوله عز ذكره: " المشركون ". فلم يرض أن أظهر دينه حتى جعل أهله الغالبين بالقدرة، والظاهرين بالمنعة، والآخذين الإتاوة.
(3/268)

وكتب كسرى إلى فيروز الديلمي، وهو من بقية أصحاب سيف بن ذي يزن: أن احمل إلى هذا العبد الذي بدأ باسمه قبل اسمي، واجترأ علي، ودعاني إلى غير ديني! فأتاه فيروز فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: " إن ربي خبرني أنه قد قتل ربك البارحة، فأمسك علي ريثما يأتيك الخبر، فإن تبين لك صدقي، وإلا فأنت على أمرك ". فراع ذلك فيروز وهاله، وكره الإقدام عليه، والاستخفاف به، فإذا الخبر قد أتاه: أن شيرويه قد وثب عليه في تلك الليلة فقتله. فأسلم وأخلص، ودعا من معه من بقية الفرس إلى الله عز ذكره فأسلموا.

فصل منه في ذكر النبي

صلى الله عليه وآله
ثم إن الذي تقدمه صلى الله عليه وآله من البشارات في الكتب المتقادمة، في الأزمان المتباعدة، والبلدان الموجودة بكل مكان، على شدة عداوة أهلها، وتعصب حامليها، ومع قوة حسدهم، وشدة بغيهم.
وما ذلك ببديع منهم ومن آبائهم، على أنهم أشبه بآبائهم منهم بأزمانهم. وكل الناس أشبه بأزمانهم منهم بآبائهم. وآباؤهم الذين قتلوا أنبياءهم عليهم السلام، وتعنتوا رسلهم صلى الله عليهم، حتى خلاهم الله عز وجل من يده، وأفقدهم عصمته وتوفيقه.
(3/269)

ولم استدل على ذكره في التوراة والإنجيل والزبور، وعلى صفته والبشارة به في الكتب إلا لأنك متى وجدت النصراني واليهودي يسلم بأرض الشام وجدته يعتل بأمور، ويحتج بأشياء مثل الأمور التي يحتج بها من أسلم بالعراق. وكذلك من أسلم بالحجاز، ومن أسلم من اليمن، من غير تلاق ولا تعارف، ولا تشاعر. وكيف يتلاقون ويتراسلون، وهم غير متعارفين ولا متشاعرين؟ ولو كانوا كذلك لظهر ذلك ولم ينكتم، كما حكينا قبل هذا. ولو قابلت بين أخبارهم واحتجاجهم مع كثرة الألفاظ واختلاف المعاني، لوجدتها متساوية.
فصل منه
فإن قال قائل: لم كانت أعلام موسى عليه السلام في كثرتها مع غي بني إسرائيل، ونقصان أحلام القبط، في وزن أعلام محمد صلى الله عليه وسلم وفي قدرها، مع أحلام قريش، وعقول العرب.
ومتى أحببت أن تعرف غي بني إسرائيل ونقصان أحلام القبط، ورجحان عقول العرب، وأحلام كنانة، فأت بواديهم ورباعهم. وانظر إلى بنيهم وبقاياهم، كما نظرت إلى بني إسرائيل من اليهود وغي بني من مضى من القبط تعتبر ذلك وتعرف
(3/270)

ما أقول. ثم انظر في أشعار العرب الصحيحة، والخطب المعروفة، والأمثال المضروبة، والألفاظ المشهورة، والمعاني المذكورة، مما نقلته الجماعات عن الجماعات، وكلام العرب ومعانيهم في الجاهلية.
ثم تفقد، وسل أهل العلم والخبرة عن بني إسرائيل، فإن وجدت لهم مثلاً سائراً كما تسمع للقبط والفرس، فضلاً عن العرب فقد أبطلنا فيما قلنا.
وقد كان الرجل من العرب يقف المواقف، ويسير عدة أمثال، كل واحد منها ركن يبنى عليه، وأصل يتفرع منه.
أو هل تسمع لهم بكلام شريف، أو معنىً يستحسنه أهل التجربة، وأصحاب التدبير والسياسة، أو حكم أو حكمة، أو حذق في صناعة، مع ترادف الملك فيهم، وتظاهر الرسالة في رجالهم.
وكيف لا تقضي عليهم بالغي والجهل، ولم تسمع لهم بكلمة فاخرة، أو معنىً نبيه، لا ممن كان في المبدى، ولا ممن كان في المحضر، ولا من قاطني السواد، ولا من نازلي الشام؟ ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم فينا، وكونهم معنا، هل غير
(3/271)

ذلك من أخلاقهم وشمائلهم، وعقولهم، وأحلامهم، وآدابهم، وفطنهم؟ فقد صلح بنا كثير من أمور النصارى وغيرهم.
وليس النصارى كاليهود، لأن اليهود كلهم من بني إسرائيل إلا القليل.
وبعد، فلم يضرب فيهم غيرهم، لأن مناكحهم مقصورة فيهم، ومحبوسة عليهم، فصور أولهم مؤداة إلى آخرهم، وعقول أسلافهم مردودة على أخلافهم، ثم اعتبر بقولهم لنبيهم عليه السلام: " اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة " حين مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم يعبدونها. وكقولهم: " أرنا الله جهرة "، وكعكوفهم على عجل صنع من حليهم، يعبدونه من دون الله، بعد أن أراهم من الآيات ما أراهم.
وكقولهم: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون "، فكان الذي جاء به موسى عليه السلام، مع نقص بني إسرائيل والقبط، مثل الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، مع رجحان قريش والعرب.
وكذلك وعد محمد عليه السلام بنار الأبد، كوعيد موسى بني إسرائيل بإلقاء الهلاس على زروعهم، والهم على أفئدتهم، وتسليط الموتان على ماشيتهم، وبإخراجهم من ديارهم، وأن يظفر بهم
(3/272)

عدوهم. فكان تعجيل العذاب الأدنى في استدعائهم واستمالتهم، وردعهم عما يريد بهم، وتعديل طبائعهم، كتأخير العذاب الشديد على غيرهم، لأن الشديد المؤخر لا يزجر إلا أصحاب النظر في العواقب، وأصحاب العقول التي تذهب في المذاهب.
فسبحان من خالف بين طبائعهم وشرائعهم ليتفقوا على مصالحهم في دنياهم، ومراشدهم في دينهم، مع أن محمداً صلى الله عليه وسلم مخصوص بعلامة لها في العقل موقع، كموقع فلق البحر من العين، وذلك قوله لقريش خاصة، وللعرب عامة، مع ما فيهما من الشعراء والخطباء والبلغاء، والدهاة والحلماء، وأصحاب الرأي والمكيدة، والتجارب والنظر في العاقبة: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي، وصدقتم في تكذيبي.
ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم، والكلام كلامهم، وهو سيد علمهم، فقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، وغلبتهم قوتهم عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيات والعقارب، والذباب والكلاب، والخنافس والجعلان، والحمير والحمام، وكل ما دب ودرج، ولاح لعين، وخطر على قلب. ولهم بعد أصناف النظم، وضروب التأليف، كالقصيد، والرجز، والمزدوج، والمجانس، والأسجاع والمنثور.
(3/273)

وبعد، فقد هجوه من كل جانب، وهاجى أصحابه شعراءهم، ونازعوا خطباءهم، وحاجوه في المواقف، وخاصموه في المواسم، وبادوه العداوة، وناصبوه الحرب، فقتل منهم، وقتلوا منه، وهم أثبت الناس حقداً، وأبعدهم مطلباً، وأذكرهم لخير أو لشر، وأنفاهم له، وأهجاهم بالعجز، وأمدحهم بالقوة، ثم لا يعارضه معارض، ولم يتكلف ذلك خطيب ولا شاعر.
ومحال في التعارف، ومستنكر في التصادق، أن يكون الكلام أخصر عندهم، وأيسر مئونة عليهم، وهو أبلغ في تكذيبهم وأنقض لقوله، وأجدر أن يعرف ذلك أصحابه فيجتمعوا على ترك استعماله، والاستغناء به، وهم يبذلون مهجهم وأموالهم، ويخرجون من ديارهم في إطفاء أمره، وفي توهين ما جاء به، ولا يقولون، بل لا يقول واحد من جماعتهم: لم تقتلون أنفسكم، وتستهلكون أموالكم، وتخرجون من دياركم، والحيلة في أمره يسيرة، والمأخذ في أمره قريب؟ ! ليؤلف واحد من شعرائكم وخطبائكم كلاماً في نظم كلامه، كأقصر سورة يخذلكم بها، وكأصغر آية دعاكم إلى معارضتها. بل لو نسوا، ما تركهم حتى يذكرهم، ولو تغافلوا ما ترك أن ينبههم، بل لم يرض بالتنبيه دون التوقيف.
(3/274)

فدل ذلك العاقل على أن أمرهم في ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكونوا عرفوا عجزهم، وأن مثل ذلك لا يتهيأ لهم، فرأوا أن الإضراب عن ذكره، والتغافل عنه في هذا الباب وإن قرعهم به، أمثل لهم في التدبير، وأجدر أن لا يتكشف أمرهم للجاهل والضعيف، وأجدر أن يجدوا إلى الدعوى سبيلاً، وإلى اختداع الأنبياء سبباً، فقد ادعوا القدرة بعد المعرفة بعجزهم عنه، وهو قوله عز ذكره: " وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ".
وهل يذعن الأعراب وأصحاب الجاهلية للتقريع بالعجز، والتوقيف على النقص، ثم لا يبذلون مجهودهم، ولا يخرجون مكنونهم وهم أشد خلق الله عز وجل أنفة، وأفرط حمية، وأطلبه بطائلة، وقد سمعوه في كل منهل وموقف. والناس موكلون بالخطابات، مولعون بالبلاغات. فمن كان شاهداً فقد سمعه، ومن كان غائباً فقد أتاه به من لم يزوده.
وإما أن يكون غير ذلك.
ولا يجوز أن يطبقوا على ترك المعارضة وهم يقدرون عليها،
(3/275)

لأنه لا يجوز على العدد الكثير من العقلاء والدهاة والحلماء، مع اختلاف عللهم، وبعد هممهم، وشدة عداوتهم الإطباق على بذل الكثير، وصون اليسير.
وهذا من ظاهر التدبير، ومن جليل الأمور التي لا تخفى على الجهال فكيف على العقلاء، وأهل المعارف فكيف على الأعداء، لأن تحبير الكلام أهون من القتال، ومن إخراج المال.
ولم يقل: إن القوم قد تركوا مساءلته في القرآن والطعن فيه، بعد أن كثرت خصومتهم في غيره.
ويدلك على ذلك قوله عز وجل: " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " وقوله عز ذكره: " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله "، وقوله تعالى جل ذكره: " وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ".
ويدلك كثرة هذه المراجعة، وطول هذه المناقلة، على أن التقريع لهم بالعجز كان فاشياً، وأن عجزهم كان ظاهراً.
(3/276)

ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم تحداهم بالنظر والتأليف، ولم يكن أيضاً أزاح علتهم، حتى قال تعالى: " قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " وعارضوني بالكذب، لقد كان في تفصيله له وتركيبه، وتقديمه له واحتجاجه، ما يدعو إلى معارضته ومغالبته وطلب مساويه.
ولو لم يكن تحداهم من كل ما قلنا، وقرعهم بالعجز عما وصفنا وهل هذا إلا بمديحه له، وإكثاره فيه لكان ذلك سبباً موجباً لمعارضته ومغالبته وطلب تكذيبه، إذ كان كلامهم هو سيد عملهم، والمئونة فيه أخف عليهم، وقد بذلوا النفوس والأموال. وكيف ضاع منهم، وسقط على جماعتهم نيفاً وعشرين سنة، مع كثرة عددهم، وشدة عقولهم، واجتماع كلمتهم؟ ! وهذا أمر جليل الرأي، ظاهر التدبير.

فصل منه في ذكر امتناعهم من معارضة القرآن

لعلمهم بعجزهم عنها
والذي منعهم من ذلك هو الذي منع ابن أبي العوجاء، وإسحاق بن
(3/277)

طالوت، والنعمان بن المنذر، وأشباههم من الأرجاس، الذين استبدلوا بالعز ذلاً، وبالإيمان كفراً، والسعادة شقوة، وبالحجة شبهة.
بل لا شبهة في الزندقة خاصة. فقد كانوا يصنعون الآثار، ويولدون الأخبار، ويبثونها في الأمصار، ويطعنون في القرآن، ويسألون عن متشابهه، وعن خاصه وعامه، ويضعون الكتب على أهله. وليس شيء مما ذكرنا يستطيع دفعه جاهل غبي، ولا معاند ذكي.
فصل منه
ولما كان أعجب الأمور عند قوم فرعون السحر، ولم يكن أصحابه قط في زمان أشد استحكاماً فيه منهم في زمانه، بعث الله موسى عليه السلام على إبطاله وتوهينه، وكشف ضعفه وإظهاره، ونقض أصله لردع الأغبياء من القوم، ولمن نشأ على ذلك من السفلة والطغام.
لأنه لو كان أتاهم بكل شيء، ولم يأتهم بمعارضة السحر حتى يفصل بين الحجة والحيلة، لكانت نفوسهم إلى ذلك متطلعة، ولاعتل به أصحاب الأشغاب، ولشغلوا به بال الضعيف، ولكن الله تعالى جده، أراد حسم الداء، وقطع المادة، وأن لا يجد المبطلون متعلقا،
(3/278)

ولا إلى اختداع الضعفاء سبيلاً، مع ما أعطى الله موسى عليه السلام من سائر البرهانات، وضروب العلامات.
وكذلك زمن عيسى عليه السلام كان الأغلب على أهله، وعلى خاصة علمائه الطب، وكانت عوامهم تعظم على ذلك خواصهم، فأرسله الله عز وجل بإحياء الموتى، إذ كانت غايتهم علاج المرضى.
وأبرأ لهم الأكمه إذ كانت غايتهم علاج الرمد، مع ما أعطاه الله عز وجل من سائر العلامات، وضروب الآيات؛ لأن الخاصة إذا بخعت بالطاعة، وقهرتها الحجة، وعرفت موضع العجز والقوة، وفصل ما بين الآية والحيلة، كان أنجع للعامة، وأجدر أن لا يبقى في أنفسهم بقية.
وكذلك دهر محمد صلى الله عليه وسلم، كان أغلب الأمور عليهم، وأحسنها عندهم، وأجلها في صدورهم، حسن البيان، ونظم ضروب الكلام، مع علمهم له، وانفرادهم به. فحين استحكمت لفهمهم وشاعت البلاغة فيهم، وكثر شعراؤهم، وفاق الناس خطباؤهم، بعثه الله عز وجل، فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون على أكثر منه.
(3/279)

فلم يزل يقرعهم بعجزهم، وينتقصهم على نقصهم، حتى تبين ذلك لضعفائهم وعوامهم، كما تبين لأقويائهم وخواصهم. وكان ذلك من أعجب ما آتاه الله نبياً قط، مع سائر ما جاء به من الآيات، ومن ضروب البرهانات.
ولكل شيء باب ومأتىً، واختصار وتقريب. فمن أحكم الحكمة إرسال كل نبي بما يفحم أعجب الأمور عندهم، ويبطل أقوى الأشياء في ظنهم.

فصل في ذكر أخلاق النبي
صلى الله عليه وسلم
وآية أخرى لا يعرفها إلا الخاصة، ومتى ذكرت الخاصة فالعامة في ذلك مثل الخاصة. وهي الأخلاق والأفعال التي لم تجتمع لبشر قط قبله، ولا تجتمع لبشر بعده.
وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط كصبره، ولا كحلمه، ولا كوفائه، ولا كزهده، ولا كجوده، ولا كنجدته، ولا كصدق لهجته، وكرم عشرته، ولا كتواضعه، ولا كعلمه، ولا كحفظه، ولا كصمته إذا صمت، ولا كقوله إذا قال، ولا كعجيب منشئه، ولا كقلة
(3/280)

تلونه، ولا كعفوه، ولا كدوام طريقته، وقلة امتنانه.
ولم نجد شجاعاً قط إلا وقد جال جولة، وفر فرة، وانحاز مرة، من معدودي شجعان الإسلام، ومشهوري فرسان الجاهلية، كفلان وفلان.
وبعد، فقد نصر النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر معه قوم، ولم نر كنجدتهم نجدة، ولا كصبرهم صبراً. وقد كانت لهم الجولة والفرة، كما قد بلغك عن يوم أحد، وعن يوم حنين، وغير ذلك من الوقائع والأيام.
فلا يستطيع منافق ولا زنديق ولا دهري، أن يحدث أن محمداً عليه السلام جال جولة قط، ولا فر فرة قط، ولا خام عن غزوة، ولا هاب حرب من كاثره.
(3/281)

فصل من صدر كتابه في خلق القرآن
(3/283)

ثبتك الله بالحجة، وحصن دينك من كل شبهة، وتوفاك مسلماً، وجعلك من الشاكرين.
وقد أعجبني، حفظك الله، استهداؤك العلم وفهمك له، وشغفك بالإنصاف وميلك إليه، وتعظيمك الحق وموالاتك فيه، ورغبتك عن التقليد وزرايتك عليه، ومواترة كتبك على بعد دارك، وتقطع أسبابك، وصبرك إلى أوان الإمكان، واتساعك عند تضايق العذر.
وفهمت، حفظك الله، كتابك الأول، وما حثثت عليه من تبادل العلم، والتعاون على البحث، والتحاب في الدين، والنصيحة لجميع المسلمين.
وقلت: اكتب إلي كتاباً تقصد فيه إلى حاجات النفوس، وإلى صلاح القلوب، وإلى معتلجات الشكوك، وخواطر الشبهات، دون الذي عليه أكثر المتكلمين من التطويل، ومن التعمق والتعقيد، ومن تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب.
وقلت: كن كالمعلم الرفيق، والمعالج الشفيق، الذي يعرف الداء وسببه، والدواء وموقعه، ويصبر على طول العلاج، ولا يسأم كثرة الترداد.
(3/285)

وقلت: اجعل تجارتك التي إياها تؤمل، وصناعتك التي إياها تعتمد إصلاح الفساد، ورد الشارد.
وقلت: ولا بد من استجماع الأصول، ومن استيفاء الفروع، ومن حسم كل خاطر، وقمع كل ناجم، وصرف كل هاجس، ودفع كل شاغل، حتى تتمكن من الحجة، وتتهنأ بالنعمة، وتجد رائحة الكفاية، وتثلج ببرد اليقين، وتفضي إلى حقيقة الأمر. إن كان لا بد من عوارض العجز، ولواحق التقصير، فالبر لها أجمل، والضرر علينا في ذلك أيسر.
وقلت: ابدأ بالأقرب فالأقرب، وبكل ما كان آنق في السمع، وأحلى في الصدر، وبالباب الذي منه يؤتى الريض المتكلف، والجسور المتعجرف، وبكل ما كان أكثر علماً، وأنفذ كيدا.
وسألتني بتقبيح الاستبداد، والعجلة إلى الاعتقاد، وصفة الأناة ومقدارها، ومقدمات العلوم ومنتهاها. وزعمت أن من اللفظ ما لا يفهم معناه دون الإشارة، ودون معرفة السبب والهيئة، ودون إعادته وكره وتحريره واختياره.
(3/286)

وقلت: فإن أنت لم تصور ذلك كله صورة تغني عن المشافهة، وتكتفي بظاهرها عن المراسلة أحوجتنا إلى لقائك، على بعد دارك، وكثرة أشغالك، وعلى ما تخاف من الضيعة وفساد المعيشة.
فكتبت لك كتاباً، أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان. فلم أدع فيه مسألة لرافضي، ولا لحديثي، ولا لحشوي، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لأصحاب النظام، ولمن نجم بعد النظام، ممن يزعم أن القرآن خلق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة.
فلما ظننت أني قد بلغت أقصى محبتك، وأتيت على معنى صفتك، أتاني كتابك تذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن، وإنما أردت الاحتجاج لخلق القرآن. وكانت مسألتك مبهمة، ولم أك أن أحدث لك فيها تأليفاً، فكتبت لك أشق الكتابين وأثقلهما، وأغمضهما معنىً وأطولهما.
ولولا ما اعتللت به من اعتراض الرافضة، واحتجاج القوم علينا بمذهب معمر، وأبي كلدة، وعبد الحميد، وثمامة، وكل من
(3/287)

زعم أن أفعال الطبيعة مخلوقة على المجاز دون الحقيقة، وأن متكلمي الحشوية والنابتة قد صار لهم بمناظرة أصحابنا، وبقراءة كتبنا بعض الفطنة لما كتبت لك، رغبة بك عن أقدارهم، وضناً بالحكمة عن إعثارهم، وإنما يكتب على الخصوم والأكفاء، وللأولياء على الأعداء، ولمن يرى للنظر حقاً، وللعلم قدراً، وله في الإنصاف مذهب، وإلى المعرفة سبب.
وزعمت أنك لم تر في كتب أصحابنا إلا كتاباً لا تفهمه، أو كتاباً وجدت الحجة على واضع الكتاب فيه أثبت.
وقلت: وإياك أن تتكل على مقدار ما عندهم، دون أن تعتصر قوى باطلهم، وتوفيهم جميع حقوقهم، وإذا تقلدت الإخبار عن خصمك فحطه كحياطتك لنفسك، فإن ذلك أبلغ في التعليم، وآيس للخصوم.
(3/288)

وقلت: وزعموا أنه يلزمك أن تزعم أن القرآن ليس بمخلوق إلا على المجاز، كما ألزم ذلك نفسه معمر وأبو كلدة وعبد الحميد وثمامة، وكل من ذهب مذهبهم، وقاس قياسهم.
فتفهم - فهمك الله - ما أنا واصفه لك، ومورده عليك: اعلم أن القوم يلزمهم ما ألزموه أنفسهم، وليس ذلك إلا لعجزهم عن التخلص بحقهم، وإلا لذهابهم عن قواعد قولهم، وفروع أصولهم، فليس لك أن تضيف العجز الذي كان منهم إلى أصل مقالتهم، وتحمل ذلك الخطأ على غيرهم. فلرب قول شريف الحسب، جيد المركب، وافر العرض، بريء من العيوب، سليم من الأفن، قد ضيعه أهله، وهجنه المفترون عليه، فألزموه ما لا يلزمه، وأضافوا إليه ما لا يجوز عليه.
ولو زعم القوم على أصل مقالتهم أن القرآن هو الجسم دون الصوت والتقطيع، والنظم والتأليف، وأنه ليس بصوت ولا تقطيع ولا تأليف، إذ كان الصوت عندهم لا يخترع كاختراع الأجسام المصورة، ولا يحتمل التقطيع كاحتمال الأجرام المتجسدة، والصوت عرض، لا يحدث من جوهر إلا بدخول جوهر آخر عليه، ومحال أن يحدث إلا وهناك جسمان قد صك أحدهما صاحبه، ولا بد من مكانين: مكان زال عنه، ومكان آل إليه. ولا بد من هواء بين المصطكين. والجسم قد يحدث وحده ولا شيء غيره، والصوت على خلاف ذلك.
(3/289)

والعرض لا يقوم بنفسه، ولا بد من أن يقوم بغيره، والأعراض من أعمال الأجسام، لا تكون إلا منها، ولا توجد إلا بها وفيها.
والجسم لا يكون إلا من جسم، ولا يكون إلا من مخترع الأجسام.
وليست لكون الجسم من الله علة توجيه، ولا يحدث إذا حدث إلا اختياراً، وإلا ابتداعاً واختراعاً. والصوت لا يكون إلا عن علة موجبة، ولا يكون إلا تولداً ونتيجة، ولا يحدث إلا من جرمين، كاصطكاك الحجرين، وكقرع اللسان باطن الأسنان، وإلا من هواء يتضاغط، وريح تختنق، ونار تلتهب. والريح عندهم هواء تحرك، والنار عندهم ريح حارة. هكذا الأمر عندهم.
فلو قالوا: لا يكون الشيء مخلوقاً في الحقيقة، دون المجاز وعلى مجازي اللغة، إلا وقد بان الله عز وجل باختراعه، وتولاه بابتداعه، وكان منه على اختيار، والابتداع: الذي يمكن تركه وإنشاء عقيبه بدلاً منه، على ما كان يوكده، ونتيجته من أجسام يستحيل أن يخلق من أفعالها، ويجلبها الله تعالى منها.
والقرآن على غير ذلك، جسم وصوت، وذو تأليف وذو نظم، وتوقيع وتقطيع، وخلق قائم بنفسه، مستغن عن غيره، ومسموع في الهواء، ومرئي في الورق، ومفصل وموصل، واجتماع وافتراق،
(3/290)

ويحتمل الزيادة والنقصان، والفناء والبقاء، وكل ما احتملته الأجسام، ووصفت به الأجرام. وكل ما كان كذلك فمخلوق في الحقيقة دون المجاز وتوسع أهل اللغة.
فلو كانوا قالوا ذلك لكانوا أصابوا في القياس، ووافقوا أهل الحق، وكانوا مع الجماعة، ولم يضاهوا أهل الخلاف والفرقة، ولم يصموا أنفسهم بقول المشبهة، إذ كان ظاهر قولهم على التشبيه أدل، وبه أشبه.
ولا يجوز أن أذكر موافقتي لهم، ومخالفتي عليهم في صدر هذا الكتاب، لأن التدبير في وضع الكتاب، والسياسة في تعليم الجهال أن يبدأ بالأوضح فالأوضح، والأقرب فالأقرب، وبالأصول قبل الفروع، حتى يكون آخر الكتاب لآخر القياس.
وآخر الكلام لا يفهم - أرشدك الله - ولا يتوهم إلا على ترتيب الأمور، وتقديم الأصول. فإذا رتبنا الأمور، وقدمنا الأصول صارت أواخر المعاني في الفهم كأوائلها، ودقيقها كجليلها.

فصل منه
وقد علمنا أن بعض ما فيه الاختلاف بين من ينتحل الإسلام أعظم فرية، وأشد بلية، وأشنع كفراً، وأكبر إثماً من كثير مما أجمعوا على أنه كفر.
(3/291)

وبعد، فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن إلا أهل التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك الأسرار. ولو كان كل كشف هتكاً، وكل امتحان تجسساً، لكان القاضي أهتك الناس لستر، وأشد الناس كشفاً لعورة.
والذين خالفوا في العرش إنما أرادوا نفي التشبيه فغلطوا، والذين أنكروا أمر الميزان إنما كرهوا أن تكون الأعمال أجساماً وأجراماً غلاظاً. فإن كانوا قد أصابوا فلا سبيل عليهم، وإن كان قد أخطئوا فإن خطأهم لا يتجاوز بهم إلى الكفر. وقولهم وخلافهم بعد ظهور الحجة تشبيه للخالق بالمخلوق، فبين المذهبين أبين الفرق.
وقد قال صاحبكم للخليفة المعتصم، يوم جمع الفقهاء والمتكلمين والقضاة والمخلصين، إعذاراً وإنذاراً: امتحنتني وأنت تعرف ما في المحنة، وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة! قال المعتصم: أخطأت، بل كذبت، وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك، ولو لم يكن حبسك على تهمة لأمضى الحكم فيك، ولو لم يخفك على الإسلام ما عرض لك، فسؤالي إياك عن نفسك ليس من المحنة، ولا من طريق الاعتساف، ولا من طريق كشف العورة، إذ كانت حالك هذه الحال، وسبيلك هذه السبيل.
وقيل للمعتصم في ذلك المجلس: ألا تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره، ويعاينوا انقطاعه، فينقض ذلك استبصارهم، فلا يمكنه
(3/292)

جحد ما أقر به عندهم؟ فأبى أن يقبل ذلك، وأنكره عليهم، وقال: لا أريد أن أوتى بقوم إن اتهمتهم ميزت فيهم بسيرتي فيهم، وإن بان لي أمرهم أنفذت حكم الله فيهم، وهم ما لم أوت بهم كسائر الرعية، وكغيرهم من عوام الأمة، وما من شيء أحب إلي من الستر، ولا شيء أولى بي من الأناة والرفق.
وما زال به رفيقاً، وعليه رقيقاً، ويقول: لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق! حتى رآه يعاند الحجة، ويكذب صراحاً عند الجواب. وكان آخر ما عاند فيه، وأنكر الحق وهو يراه، أن أحمد بن أبي دواد قال له: أليس لا شيء إلا قديم أو حديث؟ قال: نعم. قال: أو ليس القرآن شيئاً؟ قال: نعم. قال: أو ليس لا قديم إلا الله؟ قال: نعم. قال: فالقرآن إذاً حديث؟ قال: ليس أنا متكلم.
وكذلك كان يصنع في جميع مسائله، حتى كان يجيبه في كل ما سأل عنه، حتى إذا بلغ المخنق، والموضع الذي إن قال فيه كلمة واحدة برىء منه صاحبه قال: ليس أنا متكلم!
(3/293)

فلا هو قال في أول الأمر: لا علم لي بالكلام، ولا هو حين تكلم فبلغ موضع ظهور الحجة، خضع للحق. فمقته الخليفة، وقال عند ذلك: أف لهذا الجاهل مرة، والمعاند مرة.
وأما الموضع الذي واجه فيه الخليفة بالكذب، والجماعة بالقحة، وقلة الاكتراث وشدة التصميم، فهو حين قال له أحمد بن أبي دواد: تزعم أن الله رب القرآن؟ قال: لو سمعت أحداً يقول ذلك لقلت. قال: أفما سمعت ذلك قط من حالف ولا سائل، ولا من قاص، ولا في شعر، ولا في حديث؟ ! قال: فعرف الخليفة كذبه عند المسألة، كما عرف عنوده عند الحجة.
وأحمد بن أبي دواد - حفظك الله - أعلم بهذا الكلام، وبغيره من أجناس العلم، من أن يجعل هذا الاستفهام مسألة، ويعتمد عليها في مثل تلك الجماعة. ولكنه أراد أن يكشف لهم جرأته على الكذب، كما كشف لهم جرأته في المعاندة. فعند ذلك ضربه الخليفة.
وأية حجة لكم في امتحاننا إياكم، وفي إكفارنا لكم.
وزعم يومئذ أن حكم كلام الله كحكم علمه، فكما لا يجوز أن
(3/294)

يكون علمه محدثاً ومخلوقاً، فكذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقاً محدثاً. فقال له: أليس قد كان الله يقدر أن يبدل آية مكان آية، وينسخ آية بآية، وأن يذهب بهذا القرآن، ويأتي بغيره، وكل ذلك في الكتاب مسطور؟ قال: نعم. قال: فهل كان يجوز هذا في العلم، وهل كان جائزاً أن يبدل الله علمه، ويذهب به، ويأتي بغيره؟ قال: ليس.
وقال له: روينا في تثبيت ما نقول الآثار، وتلونا عليك الآية من الكتاب، وأريناك الشاهد من النقول التي بها لزم الناس الفرائض، وبها يفصلون بين الحق والباطل، فعارضنا أنت الآن بواحدة من الثلاث. فلم يكن ذلك عنده، ولا استخزى من الكذب عليه في غير هذا المجلس، لأن عدة من حضره أكثر من أن يطمع أحداً أن يكون الكذب يجوز عليه. وقد كان صاحبكم هذا يقول: لا تقية إلا في دار الشرك. فلو كان ما أقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية فقد أعمل التقية في دار الإسلام، وقد أكذب نفسه. وإن كان ما أقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه، وليس منكم. على أنه لم ير سيفاً مشهوراً، ولا ضرب ضرباً كثيراً، ولا ضرب إلا ثلاثين سوطاً مقطوعة الثمار، مشعثة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مراراً. ولا كان في مجلس
(3/295)

ضيق، ولا كانت حاله حال مؤيسة، ولا كان مثقلاً بالحديد، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد. ولقد كان ينازع بألين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب، ويرزنون ويخف، ويحلمون ويطيش.
وعبتم علينا إكفارنا إياكم، واحتجاجنا عليكم بالقرآن والحديث. وقلتم: تكفروننا على إنكار شيء يحتمله التأويل، ويثبت بالأحاديث، فقد ينبغي لكم أن لا تحتجوا في شيء من القدر والتوحيد بشيء من القرآن، وأن لا تكفروا أحداً خالفكم في شيء وأنتم أسرع الناس إلى إكفارنا، وإلى عداوتنا والنصب لنا.

فصل منه
وأصحابنا - حفظك الله - إذا قاسوا خطأهم، ومروا على غلطهم فإنما ينقضون به شيئاً من العرض والجوهر، وشيئاً من قولهم في المعلوم والمجهول فقط. وهم قوم يكفيهم من التنبيه أقله، ومن القول أيسره. وخطأ النابتة وقول الرافضة تشبيه مصرح، وكفر مجلح، فليس هذا الجنس من ذلك الجنس. والحمد لله.
وأما إخبارهم عن عيبنا إياهم حين لم يقولوا: إن الله تعالى رب القرآن، وفينا من يقول: إن الله تبارك وتعالى رب الكفر والإيمان،
(3/296)

فإنا لم نسألهم عن ذلك من جهة ما يتوهمون، وإنما سألناهم عنه بجحدهم ما يرون بأبصارهم، ويسمعون بآذانهم، في الأشعار المعروفة، وفي الخطب المشهورة، وفي الابتهال عند الدعاء، وعلى ألسنة العوام والدهماء، وعند العهود والأيمان، وعند تعظيم القرآن، وبما يسمعون من السؤال في الطرقات، ومن القصاص في المساجد، لا يرون عائباً، ولا يسمعون زاريا. وليس أنا جعلنا هذا مسألة على من أنكر خلق القرآن، ولكنا أردنا أن نبين للضعفاء معاندتهم، وفرارهم من البهت، ومكابرتهم إذا سمعوا أنهم لم يسمعوا الناس يقولون: ورب القرآن، ورب ياسين، ورب طه، وأشباه ذلك.
ولعمري أن لو سمعوا الناس يقولون عند أيمانهم وابتهالهم إلى ربهم، على غير قصد إلى خلاف ولا وفاق: ورب الزنى والسرق، ورب الكفر والكذب، كما سمعوهم يقولون: ورب القرآن، ورب يس، ورب طه! ثم ألزمناهم خلق القرآن بمثل ما لهم علينا في خلق الزنى لقد كان ذلك معارضة صحيحة، وموازنة معروفة.
وأما قولهم: إن معنا العامة، والعباد، والفقهاء، وأصحاب الحديث، وليس معهم إلا أصحاب الأهواء، ومن يأخذ دينه من أول
(3/297)

الرجال، فأي صاحب هو - يرحمك الله - أبعد من الجماعة من الرافضة، وهم في هذا المعنى أشقاؤهم وأولياؤهم، لأن ما خالفوهم فيه صغير في جنب ما وافقوهم عليه، والذين سموهم أصحاب أهواء هم المتكلمون، والمصلحون والمستصلحون، والمميزون. وأصحاب الحديث والعوام هم الذين يقلدون ولا يحصلون، ولا يتخيرون، والتقليد مرغوب عنه في حجة العقل، منهي عنه في القرآن، قد عكسوا الأمور كما ترى، ونقضوا العادات. وذلك أنا لا نشك أن من نظر وبحث، وقابل ووازن، أحق بالتبين، وأولى بالحجة.
وأما قولهم: منا النساك والعباد، فعباد الخوارج وحدهم أكثر عدداً من عبادهم، على قلة عدد الخوارج في جنب عددهم، على أنهم أصحاب نية، وأطيب طعمة، وأبعد من التكسب، وأصدق ورعاً، وأقل رياءً، وأدوم طريقة، وأبذل للمهجة، وأقل جمعاً ومنعا، وأظهر زهداً وجهداً. ولعل عبادة عمرو بن عبيد تفي بعبادة عامة عبادهم.
وأما قولهم: إن للقرآن قلباً وسناماً ولساناً وشفتين، وأنه يقدس ويشفع ويمحل، فإن هذا كله قد يجوز أن يكون مثلا، ويجوز أن
(3/298)

يجعله الله كذلك إذا كان جسماً، والله على ذلك قادر، وهو له غير معجز، ومنه غير مستحيل. وكل فعل لا يكون عيباً، ولا ظلماً ولا بخلاً ولا كذباً، ولا خطاءً في التدبير، فهو جائز، والتعجب منه غير جائز.

فصل منه
وما أكثر من يجيب في المسائل، ويؤلف الكتب على قدر ما يسنح له في وهمه، وعلى قدر ما يتصور له في حاله تلك، لا يعمل على أصل، أو لا يشعر بالذي انبنى عليه ذلك الأصل، وإن كان ممن يعمل على أصل.
وإنما صار علماؤنا إلى ما صاروا إليه لأنهم لا يقفون من القول في خلق القرآن على جواب مهذب، ومذهب مصفى، وعلى قول مفروغ منه، وعلى جوابات بأعيانها. فقد رددوا فيها النظر، وامتحنوها بأغلظ المحن، وقلبوها أكثر التقليب، وتبطنوا معانيها بأبلغ التفكير، وتعرفوا كل ما فيها، واعتصروا جميع قواها، وسهلوا سبلها، وذللوا العبارة عنها، احتقاراً منهم لمن خالفهم، واتكالاً على طول السلامة منهم، وثقة بطول الظفر بهم.
ومن تمام أمر صاحب الحق أن لا يتكل على عجز الخصم، وأن لا يعجب بظهوره على من لا حظ له في العلم.
(3/299)

وعلى العلماء أن يخافوا دول العلم، كما يخاف الملوك دول الملك. وقد رأيت البكرية، والجبرية، والفضلية، والشمرية، وإنهم لأحقر عند المعتزلة من جعل مما زالوا يستقون من علمائهم، ويستمدون من كبرائهم، ويدرسون كتبهم، ويأخذون ألفاظهم في جميع أمورهم، حتى رأيت شبيبتهم ونابتتهم، يدعون أنهم أكفاء، ويجمع بينهم في البلاء. والنابتة اليوم في التشبيه مع الرافضة، وهم دائبون في التألم من المعتزلة. غدرهم كثير، ونصبهم شديد، والعوام معهم، والحشو يطيعهم.
الآن معك أمران: السلطان وميلهم إليه، وخوفهم منه.
والعاقبة للمتقين.
(3/300)

فصل من صدر كتابه في الرد على النصارى
(3/301)

الحمد لله الذي من علينا بتوحيده، وجعلنا ممن ينفي شبهة خلقه وسياسة عباده، وجعلنا لا نفرق بين أحد من رسله، ولا نجحد كتاباً أوجب علينا الإقرار به، ولا نضيف إليه ما ليس منه، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد.
أما بعد فقد قرأت كتابكم، وفهمت ما ذكرتم فيه من مسائل النصارى قبلكم، وما دخل على قلوب أحداثكم وضعفائكم من اللبس، والذي خفتموه على جواباتهم من العجز، وما سألتم من إقرارهم بالمسائل، ومن حسن معونتهم بالجواب.
وذكرتم أنهم قالوا: إن الدليل على أن كتابنا باطل، وأمرنا فاسد، أننا ندعي عليهم ما لا يعرفونه فيما بينهم، ولا يعرفونه من أسلافهم، لأنا نزعم أن الله جل وعز قال في كتابه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله "، وأنهم زعموا أنهم لم يدينوا قط بأن
(3/303)

مريم إله في سرهم، ولا ادعوا ذلك قط في علانيتهم. وأنهم زعموا أنا ادعينا عليهم ما لا يعرفون، كما ادعينا على اليهود ما لا يعرفون، حين نطق كتابنا، وشهد نبينا: أن اليهود قالوا: إن عزيراً ابن الله، وإن يد الله مغلولة، وإن الله فقير وهم أغنياء. وهذا ما لا يتكلم به إنسان، ولا يعرف في شيء من الأديان.
ولو كانوا يقولون في عزير ما نحلتمون وادعيتموه، لما جحدوه من دينهم، ولما أنكروا أن يكون من قولهم، ولما كانوا بإنكار بنوة عزير أحق منا بإنكار بنوة المسيح، ولما كان علينا منكم بأس بعد عقد الذمة، وأخذ الجزية.
وذكرتم أنهم قالوا: ومما يدل على غلطكم في الأخبار، وأخذكم العلم عن غير الثقات، أن كتابكم ينطق: أن فرعون قال لهامان: " ابن لي صرحاً ". وهامان لم يكن إلا في زمن الفرس، وبعد زمن فرعون بدهر طويل، وإن ذلك معروف عند أصحاب الكتب، مشهور عند أهل العلم. وإنما اتخذ صرحاً ليكون إذا علاه أشرف على الله.
وفرعون لا يخلو من أن يكون جاحداً لله تعالى، أو مقراً به. فإن كان دينه عند نفسه وأهل مملكته نفي الله وجحده، فما وجه اتخاذ الصرح وطلب الإشراف، وليس هناك شيء ولا إله؟
(3/304)

وإن كان مقراً بالله عارفاً به، فلا يخلو من أن يكون مشبهاً أو نافياً للتشبيه. فإن كان ممن ينفي الطول والعرض والعمق والحدود والجهات، فما وجه طلبه له في مكان بعينه، وهو عنده بكل مكان؟ وإن كان مشبهاً فقد علم أنه ليس في طاقة بني آدم أن يبنوا بنياناً، أو يرفعوا صرحاً يخرق سبع سموات بأعماقهن، والأجزاء التي بينهن، حتى يحاذي العرش ثم يعلوه.
وفرعون وإن كان كافراً فلم يكن مجنوناً، ولا كان إلى نقص العقل من بين الملوك منسوباً. على أن الحكم قد يقوم بعقول الملوك بالفضيلة على عقول الرعية.
وذكرتم أنهم قالوا: تزعمون أن الله تعالى ذكر يحيى بن زكريا يخبر أنه " لم يجعل له من قبل سمياً "، وأنهم يجدون في كتبهم وفيما لا يختلف فيه خاصتهم وعامتهم أنه كان من قبل يحيى بن زكريا غير واحد يقال له يحيى، منهم: يوحنا بن فرح.
وزعمتم أنهم قالوا لكم: إنكم ذكرتم أن الله قال في كتابه لنبيكم: " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "، وإنما عنى بقوله: " أهل الذكر ":
(3/305)

أهل التوراة، وأصحاب الكتب يقولون: إن الله قد بعث من النساء نبيات، منهم مريم بنت عمران، وبعث منهم حنة، وسارى، ورفقى.
وذكرتم أنهم قالوا: زعمتم أن عيسى تكلم في المهد، ونحن على تقديمنا له، وتقريبنا لأمره، وإفراطنا بزعمكم فيه، على كثرة عددنا، وتفاوت بلادنا، واختلافنا فيما بيننا، لا نعرف ذلك ولا ندعيه، وكيف ندعيه ولم نسمعه عن سلف، ولا ادعاه منا مدع.
ثم هذه اليهود لا تعرف ذلك، وتزعم أنها لم تسمع به إلا منكم، ولا تعرفه المجوس، ولا الصابئون، ولا عبادة البددة من الهند وغيرهم،
(3/306)

ولا الترك والخزر، ولا بلغنا ذلك عن أحد من الأمم السالفة، والقرون الماضية، ولا في الإنجيل، ولا في ذكر صفات المسيح في الكتب والبشارات به على ألسنة الرسل.
ومثل هذا لا يجوز أن يجهله الولي والعدو، وغير الولي وغير العدو، ولا يضرب به مثل، ولا يروح به الناس، ثم يجمع النصارى على رده، مع حبهم لتقوية أمره. ولم يكونوا ليضادوكم فيما يرجع عليهم نفعه. وكيف لم يكذبوكم في إحيائه الموتى، ومشيه على الماء، وإبراء الأكمه والأبرص؟ ! بل لم يكونوا ليتفقوا على إظهار خلاف دينهم، وإنكار أعظم حجة كانت لصاحبهم، ومثل هذا لا ينكتم ولا ينفك ممن يخالف وينم.
والكلام في المهد أعجب من كل عجب، وأغرب من كل غريب، وأبدع من كل بديع؛ لأن إحياء الموتى والمشي على الماء، وإقامة المقعد، وإبراء الأعمى، وإبراء الأكمه قد أتت به الأنبياء، وعرفه الرسل، ودار في أسماعهم. ولم يتكلم صبي قط، ولا مولود في المهد.
وكيف ضاعت هذه الآية، وسقطت حجة هذه العلامة من بين كل علامة؟ ! وبعد، فكل أعجوبة يأتي بها الرجال، والمعروفون بالبيان،
(3/307)

والمنسوبون إلى صواب الرأي، تكون الحيلة في الظن إليها أقرب، وخوف الخدعة عليها أغلب. والصبي المولود عاجز في الفطرة، ممتنع من كل حيلة، لا يحتاج فيه إلى نظر، ولا يشبهه من شاهده بدخل.

فصل منه
وسنقول في جميع ما ورد علينا من مسائلكم، وفيما لا يقع إليكم من مسائلهم، بالشواهد الظاهرة، والحجج القوية، والأدلة الاضطرارية، ثم نسألهم بعد جوابنا إياهم عن وجوه يعرفون بها انتقاض قولهم، وانتشار مذهبهم، وتهافت دينهم.
ونحن نعوذ بالله من التكلف وانتحال ما لا نحسن، ونسأله القصد في القول والعمل، وأن يكون ذلك لوجهه، ولنصرة دينه، إنه قريب مجيب.
فأنا مبتدىء في ذكر الأسباب التي لها صارت النصارى أحب إلى العوام من المجوس، وأسلم صدوراً عندهم من اليهود، وأقرب مودة، وأقل غائلة، وأصغر كفراً، وأهون عذاباً.
ولذلك أسباب كثيرة، ووجوه واضحة، يعرفها من نظر، ويجهلها من لم ينظر.
(3/308)

أول ذلك أن اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب وغيرها، وعداوة الجيران شبيهة بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد، وإنما يعادي الإنسان من يعرف، ويميل على من يرى، ويناقض من يشاكل، ويبدو له عيوب من يخالط. وعلى قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد، ولذلك كانت حروب الجيران وبني الأعمام من سائر الناس وسائر العرب أطول، وعداوتهم أشد.
فلما صار المهاجرون لليهود جيراناً، وقد كانت الأنصار متقدمة الجوار، مشاركة في الدار، حسدتهم اليهود على النعمة في الدين، والاجتماع بعد الافتراق، والتواصل بعد التقاطع، وشبهوا على العوام، واستمالوا الضعفة، ومالئوا الأعداء والحسدة، ثم جاوزوا الطعن وإدخال الشبهة، إلى المناجزة والمنابذة بالعداوة، فجمعوا كيدهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في قتالهم، وإخراجهم من ديارهم، وطال ذلك واستفاض فيهم وظهر، وترادف لذلك الغيظ، وتضاعف البغض، وتمكن الحقد.
وكانت النصارى لبعد ديارهم، من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجره، لا يتكلفون طعنا، ولا يثيرون كيداً،
(3/309)

ولا يجمعون على حرب. فكان هذا أول أسباب ما غلظ القلوب على اليهود، ولينها على النصارى.
ثم كان من أمر المهاجرين إلى الحبشة، واعتمادهم على تلك الجنبة ما حببهم إلى عوام المسلمين. وكلما لانت القلوب لقوم غلظت على أعدائهم، وبقدر ما نقص من بغض النصارى زاد في بغض اليهود.
ومن شأن الناس حب من اصطنع إليهم خيراً أو جرى على يديه، أراد الله بذلك أو لم يرده، وبقصد كان أم باتفاق.
وأمر آخر، وهو من أمتن أسبابهم وأقوى أمورهم، وهو تأويل آية غلطت فيها العامة حتى نازعت الخاصة، وحفظتها النصارى واحتجت، واستمالت قلوب الرعاع والسفلة، وهو قول الله تعالى: " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ". إلى قوله: " وذلك جزاء المحسنين ". وفي نفس الآية أعظم الدليل على أن الله تعالى لم يعن هؤلاء النصارى ولا أشباههم: الملكانية واليعقوبية، وإنما عنى
(3/310)

ضرب بحيرا، وضرب الرهبان الذين كان يخدمهم سلمان.
وبين حمل قوله: " الذين قالوا إنا نصارى " على الغلط منهم في الأسماء، وبين أن نجزم عليهم لأنهم نصارى فرق.
كما ذكر اليهود أنه جاء الإسلام وملوك العرب رجلان: غساني ولخمي، وهما نصرانيان، وقد كانت العرب تدين لهما، وتؤدي الإتاوة لهما، فكان تعظيم قلوبهم لهما راجعاً إلى تعظيم دينهما.
وكانت تهامة، وإن كانت لقاحاً لا تدين الدين، ولا تؤدي
(3/311)

الإتاوة، ولا تدين للملوك، فإنها كانت لا تمتنع من تعظيم ما عظم الناس، وتصغير ما صغروا.
ونصرانية النعمان وملوك غسان مشهورة في العرب، معروفة عند أهل النسب، ولولا ذلك لدللت عليها بالأشعار المعروفة، والأخبار الصحيحة.
وقد كانت تتجر إلى الشام، وينفذ رجالها إلى ملوك الروم، ولها رحلة في الشتاء والصيف، في تجارة مرة إلى الحبشة، ومرة قبل الشام، ومرة بيثرب، ومصيفها بالطائف، ومرة منيحين مستأنفاً بحمده، فكانوا أصحاب نعمة، وذلك مشهور مذكور في القرآن، وعند أهل المعرفة.
وقد كانت تهاجر إلى الحبشة، وتأتي باب النجاشي وافدة، فيحبوهم بالجزيل، ويعرف لهم الأقدار، ولم تكن تعرف كسرى، ولا تأنس بهم. وقيصر والنجاشي نصرانيان، فكان ذلك أيضاً للنصارى، دون اليهود.
والآخر من الناس تبع للأول في تعظيم من عظم، وتصغير من صغر.
(3/312)

وأخرى: أن العرب كانت النصرانية فيهل فاشية، وعليها غالبة، إلا مضر، فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيرة يسمون: العباد، فإنهم كانوا نصارى، وهم مغمورون مع نبذ يسير في بعض القبائل. ولم تعرف مضر إلا دين العرب، ثم الإسلام.
وغلبت النصرانية على ملوك العرب وقبائلها: على لخم، وغسان، والحارث بن كعب بنجران، وقضاعة، وطي، في قبائل كثيرة، وأحياء معروفة. ثم ظهرت في ربيعة فغلبت على تغلب وعبد القيس وأفناء بكر، ثم في آل ذي الجدين خاصة.
وجاء الإسلام وليست اليهودية بغالبة على قبيلة، إلا ما كان من ناس من اليمانية، ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة. ومعظم اليهودية إنما كانت بيثرب وحمير وتيماء ووادي القرى، في ولد هارون، دون العرب.
فعطف قلوب دهماء العرب على النصارى الملك الذي كان فيهم، والقرابة التي كانت لهم. ثم رأت عوامنا أن فيها ملكاً قائماً، وأن فيهم عرباً كثيرة، وأن بنات الروم ولدن لملوك الإسلام، وأن في
(3/313)

النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين، فصاروا بذلك عندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء، ولم يروا ذلك في اليهود.
وإنما اختلفت أحوال اليهود والنصارى في ذلك لأن اليهود ترى أن النظر في الفلسفة كفر، والكلام في الدين بدعة، وأنه مجلبة لكل شبهة، وأنه لا علم إلا ما كان في التوراة وكتب الأنبياء، وأن الإيمان بالطب، وتصديق المنجمين من أسباب الزندقة والخروج إلى الدهرية، والخلاف على الأسلاف وأهل القدوة، حتى إنهم ليبهرجون المشهور بذلك، ويحرمون كلام من سلك سبيل أولئك.
ولو علمت العوام أن النصارى والروم ليست لهم حكمة ولا بيان، ولا بعد روية، إلا حكمة الكف، من الخرط والنجر والتصوير، وحياكة البزيون لأخرجتهم من حدود الأدباء، ولمحتهم من ديوان الفلاسفة والحكماء؛ لأن كتاب المنطق والكون والفساد، وكتاب العلوي، وغير ذلك، لأرسطاطاليس، وليس برومي ولا نصراني.
وكتاب المجسطي لبطليموس، وليس برومي ولا نصراني.
وكتاب إقليدس لإقليدس، وليس برومي ولا نصراني.
(3/314)

وكتاب الطب لجالينوس، ولم يكن رومياً ولا نصرانياً.
وكذلك كتب ديمقراط وبقراط وأفلاطون، وفلان وفلان.
وهؤلاء ناس من أمة قد بادوا وبقيت آثار عقولهم، وهم اليونانيون، ودينهم غير دينهم، وأدبهم غير أدبهم، أولئك علماء، وهؤلاء صناع أخذوا كتبهم لقرب الجوار، وتداني الدار، فمنها ما أضافوه إلى أنفسهم، ومنها ما حولوه إلى ملتهم. إلا ما كان من مشهور كتبهم، ومعروف حكمهم، فإنهم حين لم يقدروا على تغيير أسمائها زعموا أن اليونانيين قبيل من قبائل الروم، ففخروا بأديانهم على اليهود، واستطالوا بها على العرب، وبذخوا بها على الهند، حتى زعموا أن حكماءنا أتباع حكمائهم، وأن فلاسفتنا اقتدوا على أمثالهم، فهذا هذا.
ودينهم - يرحمك الله - يضاهي الزندقة، ويناسب في بعض وجوهه قول الدهرية، وهم من أسباب كل حيرة وشبهة.
والدليل على ذلك أنا لم نر أهل ملة قط أكثر زندقة من النصارى، ولا أكثر متحيراً أو مترنحاً منهم.
وكذلك شأن كل من نظر في الأمور الغامضة بالعقول الضعيفة: ألا ترى أن أكثر من قتل في الزندقة ممن كان ينتحل الإسلام ويظهره،
(3/315)

هم الذين آباؤهم وأمهاتهم نصارى.
على أنك لو عددت اليوم أهل الظنة ومواضع التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك.
ومما عظمهم في قلوب العوام، وحببهم إلى الطغام، أن منهم كتاب السلاطين، وفراشي الملوك، وأطباء الأشراف، والعطارين والصيارفة.
ولا تجد اليهودي إلا صباغاً، أو دباغاً، أو حجاماً، أو قصاباً، أو شعاباً.
فلما رأت العوام اليهود والنصارى توهمت أن دين اليهود في الأديان كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم أقذر الكفر، إذ كانوا هم أقذر الأمم.
وإنما صارت النصارى أقل مساخة من اليهود، على شدة مساخة النصارى، لأن الإسرائيلي لا يزوج إلا الإسرائيلي، وكل مناكحهم مردودة فيهم، ومقصورة عليهم، وكانت الغرائب لا تشوبهم، وفحولة الأجناس لا تضرب ولا تضرب فيهم، لم ينجبوا في عقل ولا أسر ولا ملح. وإنك لتعرف ذلك في الخيل والإبل، والحمير والحمام.
ونحن - رحمك الله - لم نخالف العوام في كثرة أموال النصارى، وأن فيهم ملكاً قائماً، وأن ثيابهم أنظف، وأن صناعتهم أحسن.
(3/316)

وإنما خالفنا في فرق ما بين الكفرين والفرقتين، في شدة المعاندة واللجاجة، والإرصاد لأهل الإسلام بكل مكيدة، مع لؤم الأصول، وخبث الأعراق.
فأما الملك والصناعة والهيئة، فقد علمنا أنهم اتخذوا البراذين الشهرية، والخيل العتاق، واتخذوا الجوقات، وضربوا بالصوالجة، وتحذفوا المديني، ولبسوا الملحم والمطبقة، واتخذوا الشاكرية، وتسموا بالحسن والحسين، والعباس وفضل وعلي، واكتنوا بذلك أجمع، ولم يبق إلا أن يتسموا بمحمد، ويكتنوا بأبي القاسم. فرغب إليهم المسلمون، وترك كثير منهم عقد الزنانير، وعقدها آخرون دون ثيابهم، وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية، وأنفوا مع أقدارهم من دفعها وسبوا من سبهم، وضربوا من ضربهم.
(3/317)

وما لهم لا يفعلون ذلك وأكثر منه، وقضاتنا أو عامتهم يرون أن دم الجاثليق والمطران والأسقف وفاء بدم جعفر وعلي والعباس وحمزة.
ويرون أن النصراني إذا قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم بالغواية أنه ليس عليه إلا التعزير والتأديب، ثم يحتجون أنهم إنما قالوا ذلك لأن أم النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مسلمة. فسبحان الله العظيم! ما أعجب هذا القول وأبين انتشاره! ومن حكم النبي صلى الله عليه وسلم: أن لا يساوونا في المجلس، ومن قوله: " وإن سبوكم فاضربوهم، وإن ضربوكم فاقتلوهم ".
وهم إذا قذفوا أم النبي عليه السلام بالفاحشة لم يكن له عند أمته إلا التعزير والتأديب. وزعموا أن افتراءهم على النبي ليس بنكث للعهد، ولا بنقض للعقد.
وقد أمر النبي عليه السلام أن يعطونا الضريبة عن يد منا عالية في قبولنا منهم، وعقدنا لذمتهم، دون إراقة دمهم. وقد حكم الله تعالى عليهم بالذلة والمسكنة.
(3/318)

أو ما ينبغي للجاهل أن يعلم أن الأئمة الراشدين، والسلف المتقدمين لم يشترطوا عند أخذ الجزية، وعقد الذمة عدم الافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، إلا لأن ذلك عندهم أعظم في العيون، وأجل في الصدور من أن يحتاجوا إلى تخليده في الكتب، وإلى إظهار ذكره بالشرط، وإلى تثبيته بالبينات، بل لو فعلوا ذلك لكان فيه الوهن عليهم، والمطمعة فيهم، ولظنوا أنهم في القدر الذي يحتاج فيه إلى هذا وشبهه.
وإنما يتواثق الناس في شروطهم، ويفسرون في عهودهم ما يمكن فيه الشبهة، أو يقع فيه الغلط، أو يغبى عنه الحاكم، وينساه الشاهد، ويتعلق به الخصم، فأما الواضح الجلي، والظاهر الذي لا يخيل فما وجه اشتراطه، والتشاغل بذكره.
وأما ما احتاجوا إلى ذكره في الشروط، وكان مما يجوز أن يظهر في العهد فقد فعلوه، وهو كالذلة والصغارة، وإعطاء الجزية، ومقاسمة الكنائس، وأن لا يعينوا بعض المسلمين على بعض، وأشباه ذلك. فأما
(3/319)

أن يقولوا لمن هو أذل من الذليل، وأقل من القليل، وهو الطالب الراغب في أخذ فديته، والإنعام عليه بقبض جزيته وحقن دمه: نعاهدك على أن لا تفتري على أمة رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين. فهذا ما لا يجوز في تدبير أوساط الناس، فكيف بالجلة والعلية، وأئمة الخليقة، ومصابيح الدجى، ومنار الهدى، مع أنفة العرب، وبأو السلطان، وغلبة الدولة، وعز الإسلام، وظهور الحجة، والوعد بالنصرة.
على أن هذه الأمة لم تبتل باليهود، ولا المجوس، ولا الصابئين كما ابتليت بالنصارى. وذلك أنهم يتبعون المتناقض من أحاديثنا، والضعيف بالأسناد من روايتنا، والمتشابه من آي كتابنا، ثم يخلون بضعفائنا، ويسألون عنها عوامنا، مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين، والزنادقة الملاعين، وحتى مع ذلك ربما تبرءوا إلى علمائنا، وأهل الأقدار منا، ويشغبون على القوي، ويلبسون على الضعيف.
ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم، وأنه ليس أحد أحق بمحاجة الملحدين من أحد.
وبعد، فلولا متكلمو النصارى وأطباؤهم ومنجموهم ما صار إلى
(3/320)

أغبيائنا وظرفائنا، ومجاننا وأحداثنا شيء من كتب المنانية، والديصانية، والمرقونية، والفلانية، ولما عرفوا غير كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكانت تلك الكتب مستورة عند أهلها، ومخلاة في أيدي ورثتها. فكل سخنة عين رأيناها في أحداثنا وأغبيائنا فمن قبلهم كان أولها.
وأنت إذا سمعت كلامهم في العفو والصفح، وذكرهم للسياحة، وزرايتهم على كل من أكل اللحمان، ورغبتهم في أكل الحبوب، وترك الحيوان، وتزهيدهم في النكاح، وتركهم لطلب الولد، ومديحهم للجاثليق والمطران والأسقف والرهبان، بترك النكاح وطلب النسل، وتعظيمهم الرؤساء علمت أن بين دينهم وبين الزندقة نسباً، وأنهم يحنون إلى ذلك المذهب.
(3/321)

والعجب أن كل جاثليق لا ينكح، ولا يطلب الولد. وكذلك كل مطران، وكل أسقف. وكذلك كل أصحاب الصوامع من اليعقوبية، والمقيمين في الديارات والبيوت من النسطورية. وكل راهب في الأرض وراهبة، مع كثرة الرهبان والرواهب، ومع تشبه أكثر القسيسين بهم في ذلك، ومع ما فيهم من كثرة الغزاة، وما يكون فيهم مما يكون في الناس، من المرأة العاقر، والرجل العقيم.
على أن من تزوج منهم امرأة لم يقدر على الاستبدال بها، ولا على أن يتزوج أخرى معها، ولا على التسري عليها. وهم مع هذا قد طبقوا الأرض، وملئوا الأفاق، وغلبوا الأمم بالعدد، وبكثرة الولد. وذلك مما زاد في مصائبنا، وعظمت به محنتنا.
ومما زاد فيهم، وأنمى عددهم، أنهم يأخذون من سائر الأمم، ولا يعطونهم، لأن كل دين جاء بعد دين، أخذ منه الكثير، وأعطاه القليل.

فصل منه
ومما يدل على قلة رحمتهم، وفساد قلوبهم أنهم أصحاب الخصاء من بين جميع الأمم، والخصاء أشد المثلة، وأعظم ما ركب به إنسان ثم يفعلون ذلك بأطفال لا ذنب لهم، ولا دفع عندهم.
(3/322)

ولا نعرف قوماً يعرفون بخصاء الناس حيث ما كانوا إلا ببلاد الروم والحبشة، وهم في غيرهما قليل، وأقل قليل.
على أنهم لم يتعلموا إلا منهم، ولا كان السبب في ذلك غيرهم، ثم خصوا أبناءهم وأسلموهم في بيعهم. وليس الخصاء إلا في دين الصابئين، فإن العابد ربما خصى نفسه، ولا يستحل خصاء ابنه. فلو تمت إرادتهم في خصاء أولادهم في ترك النكاح وطلب النسل كما حكيت لك قبل هذا لانقطع النسل، وذهب الدين، وفتن الخلق.
والنصراني وإن كان أنظف ثوباً، وأحسن صناعة، وأقل مساخة، فإن باطنه ألأم وأقذر وأسمج، لأنه أقلف، ولا يغتسل من الجنابة، ويأكل لحم الخنزير، وامرأته جنب لا تطهر من الحيض، ولا من النفاس، ويغشاها في الطمث، وهي مع ذلك غير مختونة.
وهم مع شرارة طبائعهم، وغلبة شهواتهم ليس في دينهم مزاجر كنار الأبد في الآخرة، وكالحدود والقود والقصاص في الدنيا، فكيف يجانب ما يفسده، ويؤثر ما يصلحه من كانت حاله كذلك. وهل يصلح الدنيا من هو كما قلنا؟ وهل يهيج على الفساد إلا من وصفنا؟
(3/323)

ولو جهدت بكل جهدك، وجمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح، لما قدرت عليه، حتى تعرف به حد النصرانية، وخاصة قولهم في الإلهية.
وكيف تقدر على ذلك وأنت لو خلوت ونصراني نسطوري فسألته عن قولهم في المسيح لقال قولاً، ثم إن خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطوري مثله فسألته عن قولهم في المسيح لأتاك بخلاف أخيه وصنوه. وكذلك جميع الملكانية واليعقوبية. ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية، كما نعرف جميع الأديان.
على أنهم يزعمون أن الدين لا يخرج في القياس، ولا يقوم على المسائل، ولا يثبت في الامتحان، وإنما هو بالتسليم لما في الكتب، والتقليد للأسلاف. ولعمري، إن من كان دينه دينهم ليجب عليه أن يعتذر بمثل عذرهم.
وزعموا أن كل من اعتقد خلاف النصرانية من المجوس والصابئين والزنادقة فهو معذور، ما لم يتعمد الباطل، ويعاند الحق. فإذا صاروا إلى اليهود قضوا عليهم بالمعاندة، وأخرجوهم من طريق الغلط والشبهة.
فصل منه
فأما مسألتهم في كلام عيسى في المهد: أن النصارى مع حبهم لتقوية أمره لا يثبتونه، وقولهم: إنا تقولناه ورويناه عن غير الثقات،
(3/324)

وأن الدليل على أن عيسى لم يتكلم في المهد أن اليهود لا يعرفونه، وكذلك المجوس، وكذلك الهند والخزر والديلم. فنقول في جواب مسألتهم عند إنكارهم كلام المسيح في المهد مولوداً.
يقال لهم: إنكم حين سويتم المسألة وموهتموها، ونظمتم ألفاظها، ظننتم أنكم قد أنجحتم، وبلغتم غايتكم. ولعمري لئن حسن ظاهرها، وراع الأسماع مخرجها، إنها لقبيحة المفتش، سيئة المعرى.
ولعمري أن لو كانت اليهود تقر لكم بإحياء الأربعة الذين تزعمون، وإقامة المقعد الذي تدعون، وإطعام الجمع الكثير من الأرغفة اليسيرة، وتصيير الماء جمداً، والمشي على الماء، ثم أنكرت الكلام في المهد من بين جميع آياته وبراهينه لكان لكم في ذلك مقال، وإلى الطعن سبيل. فأما وهم يجحدون ذلك أجمع، فمرة يضحكون، ومرة يغتاظون ويقولون: إنه صاحب رقىً ونيرجات، ومداوي
(3/325)

مجانين، ومتطبب، وصاحب حيل وتربص خدع، وقراءة كتب، وكان لسناً مسكيناً، ومقتولاً مرحوماً، ولقد كان قبل ذلك صياد سمك، وصاحب شبك، وكذلك أصحابه. وأنه خرج على مواطأة منهم له، وأنه لم يكن لرشدة.
وأحسنهم قولاً، وألينهم مذهباً من زعم أنه ابن يوسف النجار. وأنه قد كان واطأ ذلك المقعد قبل إقامته بسنين، حتى إذا شهره بالقعدة، وعرف موضعه في الزمنى، مر به في جمع من الناس كأنه لا يريده، فشكا إليه الزمانة وقلة الحيلة، وشدة الحاجة، فقال: ناولني يدك. فناوله يده، فاجتذبه فأقامه، فكان تجمع لطول القعود، حتى استمر بعد ذلك.
وأنه لم يحي ميتاً قط، وإنما كان داوى رجلاً يقال له لا عازر إذ أغمي عليه يوماً وليلة، وكانت أمه ضعيفة العقل، قليلة المعرفة، فمر بها، فإذا هي تصرخ وتبكي، فدخل إليها
(3/326)

ليسكتها ويعزيها، وجس عرقه فرأى فيه علامة الحياة، فداواه حتى أقامه، فكانت لقلة معرفتها لا تشك أنه قد مات، ولفرحها بحياته تثني عليه بذلك، وتتحدث به.
فكيف تستشهدون قوماً هذا قولهم في صاحبكم، حين قالوا: كيف يجوز أن يتكلم صبي في المهد مولوداً، فيجهله الأولياء والأعداء.
ولو كانت المجوس تقر لعيسى بعلامة واحدة، وبأدنى أعجوبة، لكان لكم أن تنكروا علينا بهم، وتستعينوا بإنكارهم. فأما وحال عيسى في جميع أمره عند المجوس كحال زرادشت في جميع أمره عند النصارى فما اعتلالهم به، وتعلقهم في إنكارهم؟ وأما قولكم: وكيف لم تعرف الهند والخزر والترك ذلك؟ فمتى أقرت الهند لموسى بأعجوبة واحدة، فضلاً عن عيسى؟ ومتى أقرت لنبي بآية، أو روت له سيرة، حتى تستشهدوا الهند على كلام عيسى في المهد؟ ومتى كانت الترك والديلم والخزر والببر والطيلسان مذكورة في شيء من هذا الجنس، محتجاً بها على هذا الضرب؟
(3/327)

فإن سألونا عن أنفسهم فقالوا: ما لنا لا نعرف ذلك ولم يبلغنا عن أحد بتة؟ أجبناهم بعد إسقاط نكيرهم وتشنيعهم، وتزوير شهودهم.
وجوابنا: أنهم إنما قبلوا دينهم عن أربعة أنفس: اثنان منهم من الحواريين بزعمهم: يوحنا، ومتى. واثنان من المستجيبة وهما: مارقش ولوقش، وهؤلاء الأربعة لا يؤمن عليهم الغلط ولا النسيان، ولا تعمد الكذب، ولا التواطؤ على الأمور، والاصطلاح على اقتسام الرياسة، وتسليم كل واحد منهم لصاحبه حصته التي شرطها له.
فإن قالوا: إنهم كانوا أفضل من أن يتعمدوا كذباً، وأحفظ من أن ينسوا شيئاً، وأعلى من أن يغلطوا في دين الله تعالى، أو يضيعوا عهدا.
قلنا: إن اختلاف رواياتهم في الإنجيل، وتضادها في كتبهم، واختلافهم في نفس المسيح، مع اختلاف شرائعهم، دليل على صحة قولنا فيهم، وغفلتكم عنهم.
(3/328)

وما ينكر من مثل لوقش أن يقول باطلاً، وليس من الحواريين، وقد كان يهودياً قبل ذلك بأيام يسيرة، ومن هو عندكم من الحواريين خير من لوقش عند المسيح في ظاهر الحكم بالطهارة، والطباع الشريفة، وبراءة الساحة.

فصل منه
سألتم عن قولهم: إذا كان تعالى قد اتخذ عبداً من عباده خليلاً، فهل يجوز أن يتخذ عبداً من عباده ولداً، يريد بذلك إظهار رحمته له، ومحبته إياه، وحسن تربيته وتأديبه له، ولطف منزلته منه، كما سمى عبداً من عباده خليلاً، وهو يريد تشريفه وتعظيمه، والدلالة على خاص حاله عنده.
وقد رأيت من المتكلمين من يجيز ذلك ولا ينكره، إذا كان ذلك على التبني والتربية والإبانة له بلطف المنزلة، والاختصاص له بالمرحمة والمحبة، لا على جهة الولادة، واتخاذ الصاحبة. ويقول: ليس في القياس فرق بين اتخاذ الولد على التبني والتربية وبين اتخاذ الخليل على الولاية والمحبة.
وزعم أن الله تعالى يحكم في الأسماء بما أحب، كما أن له أن يحكم في المعاني بما أحب.
وكان يجوز دعوى أهل الكتاب على التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء صلوات الله عليهم في قولهم: إن الله قال: " إسرائيل
(3/329)

بكري " أي هو أول من تبنيت من خلقي. وأنه قال: " إسرائيل بكري، وبنوه أولادي ". وأنه قال لداود: " سيولد لك غلام، ويسمى لي ابناً، وأسمى له أباً ". وأن المسيح قال في الإنجيل: " أنا أذهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم "، وأن المسيح أمر الحواريين أن يقولوا في صلواتهم: " يا أبانا في السماء، تقدس اسمك ". في أمور عجيبة، ومذاهب شنيعة، يدل على سوء عبادة اليهود، وسوء تأويل أصحاب الكتب، وجهلهم مجازات الكلام، وتصاريف اللغات، ونقل لغة إلى لغة، وما يجوز على الله، وما لا يجوز. وسبب هذا التأويل كله الغي والتقليد، واعتقاد التشبيه.
وكان يقول: إنما وضعت الأسماء على أقدار المصلحة، وعلى قدر ما يقابل من طبائع الأمم. فربما كان أصلح الأمور وأمتنها أن يتبناه الله أو يتخذه خليلاً، أو يخاطبه بلا ترجمان، أو يخلقه من غير ذكر، أو يخرجه من بين عاقر وعقيم. وربما كانت المصلحة غير ذلك
(3/330)

كله. وكما تعبدنا أن نسميه جواداً ونهانا أن نسميه سخياً أو سرياً وأمرنا أن نسميه مؤمناً ونهانا أن نسميه مسلماً، وأمرنا أن نسميه رحيماً ونهانا أن نسميه رفيقاً.
وقياس هذا كله واحد، وإنما يتسع ويسهل على قدر العادة وكثرتها. ولعل ذلك كله قد كان شائعاً في دين هود وصالح وشعيب وإسماعيل، إذ كان شائعاً في كلام العرب في إثبات ذلك وإنكاره.
وأما نحن - رحمك الله - فإنا لا نجيز أن يكون لله ولد، لا من جهة الولادة، ولا من جهة التبني، ونرى أن تجويز ذلك جهل عظيم، وإثم كبير؛ لأنه لو جاز أن يكون أباً ليعقوب لجاز أن يكون جداً ليوسف، ولو جاز أن يكون جداً وأباً، وكان ذلك لا يوجب نسبا، ولا يوهم مشاكلة في بعض الوجوه، ولا ينقص من عظم، ولا يحط من بهاء، لجاز أيضاً أن يكون عماً وخالاً؛ لأنه إن جاز أن يسميه من أجل المرحمة والمحبة والتأديب أباً، جاز أن يسميه آخر من جهة التعظيم والتفضيل والتسويد أخاً، ولجاز أن يجد له صاحباً وصديقاً، وهذا ما لا يجوزه إلا من لا يعرف عظمة الله، وصغر قدر الإنسان.
وليس بحكيم من ابتذل نفسه في توقير عبده، ووضع من قدره في التوفر على غيره. وليس من الحكمة أن تحسن إلى عبدك بأن تسيء إلى
(3/331)

نفسك، وتأتي من الفضل ما لا يجب بتضييع ما يجب. وكثير الحمد لا يقوم بقليل الذم، ولم يحمد الله ولم يعرف إلهيته من جوز عليه صفات البشر، ومناسبة الخلق، ومقاربة العباد.
وبعد، فلا يخلو المولى في رفع عبده وإكرامه من أحد أمرين: إما أن يكون لا يقدر على كرامته إلا بهوان نفسه، ويكون على ذلك قادراً، مع وفارة العظمة، وتمام البهاء.
وإن كان لا يقدر على رفع قدر غيره إلا بأن ينقص من قدر نفسه فهذا هو العجز، وضيق الذرع.
وإن كان على ذلك قادراً فآثر ابتذال نفسه والحط من شرفه فهذا هو الجهل الذي لا يحتمل.
والوجهان عن الله جل جلاله منفيان.
ووجه آخر يعرفون به صحة قولي، وصواب مذهبي، وذلك أن الله تبارك وتعالى لو علم أنه فد كان فيما أنزل من كتبه على بني إسرائيل: إن أباكم كان بكري وابني، وإنكم أبناء بكري لما كان تغضب عليهم إذ قالوا: نحن أبناء الله، فكيف لا يكون ابن ابن الله ابنه،
(3/332)

وهذا من تمام الإكرام، وكمال المحبة، ولا سيما إن كان قال في التوراة: بنو إسرائيل أبناء بكري.
وأنت تعلم أن العرب حين زعمت أن الملائكة بنات الله كيف استعظم الله تعالى ذلك وأكبره، وغضب على أهله، وإن كان يعلم أن العرب لم تجعل الملائكة بناته على الولادة واتخاذ الصاحبة، فكيف يجوز مع ذلك أن يكون الله قد كان يخبر عباده قبل ذلك بأن يعقوب ابنه، وأن سليمان ابنه، وأن عزيراً ابنه، وأن عيسى ابنه؟.
فالله تعالى أعظم من أن يكون له أبوة من صفاته، والإنسان أحقر من أن يكون بنوة الله من أنسابه.
والقول بأن الله يكون أباً وجداً وأخاً وعماً، للنصارى ألزم، وإن كان للآخرين لازماً، لأن النصارى تزعم أن الله هو المسيح بن مريم، وأن المسيح قال للحواريين: " إخوتي ". فلو كان للحواريين أولاد لجاز أن يكون الله عمهم! بل قد يزعمون أن مرقش هو ابن شمعون الصفا، وأن زوزري ابنته، وأن النصارى تقر أن في إنجيل مرقش: " ما زاذ أمك وإخوتك على الباب " وتفسيرها: ما زاذ: معلم. فهم لا يمتنعون من أن يكون الله تبارك وتعالى أباً وجداً وعماً.
(3/333)

ولولا أن الله قد حكى عن اليهود أنهم قالوا: إن " عزيراً ابن الله "، " ويد الله مغلولة "، و " إن الله فقير ونحن أغنياء " وحكى عن النصارى أنهم قالوا: " المسيح ابن الله " وقال: " قالت النصارى المسيح ابن الله ". وقال: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " لكنت لأن أخر من السماء أحب إلي من أن ألفظ بحرف مما يقولون. ولكني لا أصل إلى إظهار جميع مخازيهم، وما يسرون من فضائحهم، إلا بالإخبار عنهم، والحكاية منهم.
فإن قالوا: خبرونا عن الله، وعن التوراة، أليست حقاً؟ قلنا: نعم. قالوا: فإن فيها " إسرائيل بكري " وجميع ما ذكرتم عنا معروف في الكتب.
قلنا: إن القوم إنما أتوا من قلة المعرفة بوجوه الكلام، ومن سوء الترجمة، مع الحكم بما يسبق إلى القلوب. ولعمري أن لو كانت لهم عقول المسلمين ومعرفتهم بما يجوز في كلام العرب، وما يجوز على الله، مع فصاحتهم بالعبرانية، لوجدوا لذلك الكلام تأويلاً حسناً، ومخرجاً سهلاً، ووجهاً قريباً. ولو كانوا أيضاً لم يعطلوا في سائر ما ترجموا لكان لقائل مقال، ولطاعن مدخل، ولكنهم يخبرون أن
(3/334)

الله تبارك وتعالى قال في العشر الآيات التي كتبتها أصابع الله: " إني أنا الله الشديد، وإني أنا الله الثقف، وأنا النار التي تأكل النيران، آخذ الأبناء بحوب الآباء، القرن الأول والثاني والثالث إلى السابع ". وأن داود قال في الزبور: " وافتح عينك يا رب " وقم يا رب "، و " أصغ إلي سمعك يا رب ". وأن داود خبر أيضاً في مكان آخر عن الله تعالى: " وانتبه الله كما ينتبه السكران الذي قد شرب الخمر ". وأن موسى قال في التوراة: " خلق الله الأشياء بكلمته، وبروح نفسه ". وأن الله قال في التوراة لبني إسرائيل: " بذراعي الشديدة أخرجتكم من أهل مصر ". وأنه قال في كتاب إشعياء: " احمد الله حمداً جديداً، احمده في أقاصي الأرض، يملأ الجزائر وسكانها، والبحور والقفار وما فيها، ويكون بنو قيدار في القصور، وسكان الجبال - يعني قيدار بن إسماعيل - ليصيحوا ويصيروا لله الفخر والكرامة، ويسبحوا بحمد الله في الجزائر ".
(3/335)

وأنه قال على إثر ذلك: " ويخرج الرب كالجبار، وكالرجل الشجاع المجرب، ويزجر ويصرخ، ويهيج الحرب والحمية، ويقتل أعداءه، يفرح السماء والأرض ".
وأن الله قال أيضاً في كتاب إشعياء: " سكت. قال: هو متى أسكت، مثل المرأة التي قد أخذها الطلق للولادة أتلهف، وإن تراني أريد أحرث الجبال والشعب، وآخذ بالعرب في طريق لا يعرفونه ".
وكلهم على هذا اللفظ العربي مجمع. ومعنى هذا لا يجوزه أحد من أهل العلم، ومثل هذا كثير تركته لمعرفتكم به.
وأنت تعلم أن اليهود لو أخذوا القرآن فترجموه بالعبرانية لأخرجوه من معانيه، ولحولوه عن وجوهه، وما ظنك بهم إذا ترجموا: " فلما آسفونا انتقمنا منهم "، و " لتصنع على عيني "، و " السموات مطوية بيمينه "، و " على العرش استوى "، و " ناضرة. إلى ربها ناظرة "، وقوله: " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً "،
(3/336)

و " كلم الله موسى تكليماً "، و " جاء ربك والملك صفاً صفاً ".
وقد يعلم أن مفسري كتابنا وأصحاب التأويل منا أحسن معرفة، وأعلم بوجوه الكلام من اليهود، ومتأولي الكتاب، ونحن قد نجد في تفسيرهم ما لا يجوز على الله في صفته، ولا عند المتكلمين في مقاييسهم، ولا عند النحويين في عربيتهم. فما ظنك باليهود مع غباوتهم وغيهم، وقلة نظرهم وتقليدهم؟ وهذا باب قد غلطت فيه العرب أنفسها، وفصحاء أهل اللغة إذا غلطت قلوبها، وأخطأت عقولها، فكيف بغيرهم ممن لا يعلم كعلمها؟ سمع بعض العرب قول جميع العرب: " القلوب بيد الله "، وقولهم في الدعاء: " نواصينا بيد الله " وقوله جل ذكره: " بل يداه مبسوطتان "، وقولهم: " هذا من أيادي الله ونعمه عندنا " وقد كان من لغتهم أن الكف أيضاً يد، كما أن النعمة يد، والقدرة يد، فغلط الشاعر فقال:
هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
(3/337)

وقد كان إبراهيم بن سيار النظام يجيب بجواب، وأنا ذكره إن شاء الله. وعليه كانت علماء المعتزلة، ولا أراه مقنعاً ولا شافياً.
وذلك أنه كان يجعل الخليل مثل الحبيب، مثل الولي، وكان يقول: خليل الرحمن مثل حبيبه ووليه وناصره. وكانت الخلة والولاية والمحبة سواء.
قالوا: ولما كانت كلها عنده سواء جاز أن يسمي عبداً له ولداً، لمكان التربية التي ليست بحضانة، ولمكان الرحمة التي لا تشتق من الرحم، لأن إنساناً لو رحم جرو كلب فرباه لم يجز أن يسميه ولداً ويسمي نفسه أباً. ولو التقط صبياً فرباه جاز أن يسميه ولداً ويسمي نفسه له أباً، لأنه شبيه ولده، وقد يولد لمثله مثله. وليس بين الكلاب والبشر أرحام، فإذا كان شبه الإنسان أبعد من الله تعالى من شبه الجرو بالإنسان، كان الله أحق بألا يجعله ولده، وينسبه إلى نفسه.
قلنا لإبراهيم النظام عند جوابه هذا وقياسه الذي قاس عليه، في المعارضة والموازنة بين قياسنا وقياسه: أرأيت كلباً ألف كلابه، وجامى وأحمى دونه، هل يجوز أن يتخذه بذلك كله خليلاً، مع بعد التشابه والتناسب؟
فإذا قال: لا. قلنا: فالعبد الصالح أبعد شبهاً من الله من ذلك الكلب المحسن إلى كلابه، فكيف جاز في قياسك أن يكون الله خليل
(3/338)

من لا يشاكله لمكان إحسانه، ولا يجوز للكلاب أن يسمي كلبه خليلاً أو ولداً لمكان حسن تربيته له، وتأديبه إياه، ولمكان حسن الكلب وكسبه عليه، وقيامه مقام الولد الكاسب والأخ، والبار.
والعبد الصالح لا يشبه الله في وجه من الوجوه، والكلب قد يشبه كلابه لوجوه كثيرة، بل ما أشبهه به مما خالفه فيه، وإن كانت العلة التي منعت من تسمية الكلب خليلاً وولداً بعد شبهه من الإنسان.
فلو قلتم: فما الجواب الذي أجبت فيه، والوجه الذي ارتضيته؟ قلنا: إن إبراهيم صلوات الله عليه، وإن كان خليلاً، فلم يكن خليله بخلة كانت بينه وبين الله تعالى، لأن الخلة والإخاء والصداقة والتصافي والخلطة وأشباه ذلك منفية عن الله تعالى عز ذكره، فيما بينه وبين عباده، على أن الإخاء والصداقة داخلتان في الخلة، والخلة أعم الاسمين، وأخص الحالين. ويجوز أن يكون إبراهيم خليلاً بالخلة التي أدخلها الله على نفسه وماله، وبين أن يكون خليلاً بالخلة وأن يكون خليلاً بخلة بينه وبين ربه فرق ظاهر، وبون واضح. وذلك أن إبراهيم عليه السلام اختل في الله تعالى اختلالاً لم يختلله أحد قبله. لقذفهم إياه في النار، وذبحه ابنه، وحمله على ماله في الضيافة والمواساة والأثرة، وبعداوة قومه، والبراءة من أبويه في حياتهما، وبعد موتهما، وترك وطنه، والهجرة إلى غير داره ومسقط رأسه. فصار لهذه الشدائد مختلاً في الله، وخليلاً في الله. والخليل والمختل سواء في كلام
(3/339)

العرب. والدليل على أن يكون الخليل من الخلة كما يكون من الخلة قول زهير بن أبي سلمى، وهو يمدح هرماً:
وإن أتاه خليل يوم مسبغة ... يقول لا عاجز مالي ولا حرم
وقال آخر:
وإني إلى أن تسعفاني بحاجة ... إلى آل ليلى مرة لخليل
وهو لا يمدحه بأن خليله وصديقه يكون فقيراً سائلاً، يأتي يوم المسألة ويبسط يده للصدقة والعطية، وإنما الخليل في هذا الموضع من الخلة والاختلال، لا من الخلة والخلال.
وكأن إبراهيم عليه السلام حين صار في الله مختلاً أضافه الله إلى نفسه، وأبانه بذلك عن سائر أوليائه، فسماه خليل الله من بين الأنبياء، كما سمى الكعبة: بيت الله من بين جميع البيوت، وأهل مكة: أهل الله من بين جميع البلدان. وسمى ناقة صالح عليه السلام: ناقة الله من بين جميع النوق. وهكذا كل شيء عظمه الله تعالى، من خير وشر، وثواب وعقاب. كما قالوا: دعه في لعنة الله، وفي نار الله وفي حرقه. وكما قال للقرآن: كتاب الله، وللمحرم: شهر الله. وعلى هذا المثال قيل لحمزة رحمة الله ورضوانه عز ذكره عليه: أسد الله، ولخالد رحمة الله عليه: سيف الله تعالى.
وفي قياسنا هذا لا يجوز: أن الله خليل إبراهيم، كما يقال: إن إبراهيم خليل الله.
(3/340)

فإن قال قائل: فكيف لم يقدموه على جميع الأنبياء، إذ كان الله قدمه بهذا الاسم الذي ليس لأحد مثله؟ قلنا: إن هذا الاسم اشتق له من عمله وحاله وصفته، وقد قيل لموسى عليه السلام: كليم الله، وقيل لعيسى: روح الله، ولم يقل ذلك لإبراهيم، ولا لمحمد صلوات الله عليهما، وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم أرفع درجة منهم، لأن الله تعالى كلم الأنبياء عليهم السلام على ألسنة الملائكة، وكلم موسى كما كلم الملائكة، فلهذه العلة قيل: كليم الله. وخلق في نطف الرجال أن قذفها في أرحام النساء على ما أجرى عليه تركيب العالم، وطباع الدنيا، وخلق في رحم مريم روحاً وجسداً، على غير مجرى العادة، وما عليه المناكحة. فلهذه الخاصة قيل له: روح الله.
وقد يجوز أن يكون في نبي من الأنبياء خصلة شريفة، ولا تكون تلك الخصلة بعينها في نبي أرفع درجة منه، ويكون في ذلك النبي خصال شريفة ليست في الآخر. وكذلك جميع الناس، كالرجل يكون له أبوان، فيحسن برهما وتعاهدهما، والصبر عليهما، وهو أعرج لا يقدر على الجهاد، وفقير لا يقدر على الإنفاق. ويكون آخر لا أب له ولا أم له، وهو ذو مال كثير، وخلق سوي، وجلد طاهر، فأطاع هذا بالجهاد والإنفاق، وأطاع ذلك ببر والديه والصبر عليهما.
والكلام إذا حرك تشعب، وإذا ثبت أصله كثرت فنونه، واتسعت طرقه. ولولا ملالة القارىء، ومداراة المستمع لكان بسط القول في جميع ما يعرض أتم للدليل، وأجمع للكتاب، ولكنا إنما ابتدأنا الكتاب لنقتصر به على كسر النصرانية فقط.
(3/341)

فصل منه
قلنا في جواب آخر: إن كان المسيح إنما صار ابن الله لأن الله خلقه من غير ذكر، فآدم وحواء إذ كانا من غير ذكر وأنثى أحق بذلك، إن كانت العلة في اتخاذه ولداً أنه خلقه من غير ذكر.
وإن كان ذلك لمكان التربية فهل رباه إلا كما ربى موسى، وداود، وجميع الأنبياء. وهل تأويل: رباه إلا غذاه، ورزقه، وأطعمه، وسقاه، فقد فعل ذلك بجميع الناس. ولم سميتم سقيه لهم وإطعامه إياهم تربية؟ ولم رباه وأنتم لا تريدون إلا غذاه ورزقه، وهو لم يحضنه، ولم يباشر تقليبه، ولم يتول بنفسه سقيه وإطعامه، فيكون ذلك سبباً له دون غيره، وإنما سقاه لبن أمه في صغره، وغذاه بالحبوب والماء في كبره.
فصل منه
والأعجوبة في آدم عليه السلام أبدع، وتربيته أكرم، ومنقلبه أعلى وأشرف، إذ كانت السماء داره، والجنة منزله، والملائكة خدامه. بل هو المقدم بالسجود، والسجود أشد الخضوع. وإن كان بحسن التعليم والتثقيف؛ فمن كان الله تعالى يخاطبه، ويتولى مناجاته دون أن يرسل إليه ملائكته ويبعث إليه رسله، أقرب منزلة، وأشرف مرتبة، وأحق بشرف التأديب وفضيلة التعليم.
(3/342)

وكان الله تعالى يكلم آدم كما كان يكلم ملائكته، ثم علمه الأسماء كلها؛ ولم يكن ليعلمه الأسماء كلها إلا بالمعاني كلها، فإذا كان ذلك كذلك فقد علمه جميع مصالحه ومصالح ولده، وتلك نهاية طباع الآدميين، ومبلغ قوى المخلوقين.
فصل منه
فأما قولهم إنا نقول على الناس ما لا يعرفونه، ولا يجوز أن يدينوا به، وهو قولنا إن اليهود قالت: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء. وأنها قالت: إن يد الله مغلولة، وإنها قالت: إن عزيراً ابن الله، وهم مع اختلافهم وكثرة عددهم، ينكرون ذلك ويأبونه أشد الإباء.
قلنا لهم: إن اليهود لعنهم الله تعالى كانت تطعن على القرآن، وتلتمس نقضه، وتطلب عيبه، وتخطىء فيه صاحبه، وتأتيه من كل وجه، وترصده بكل حيلة، ليلتبس على الضعفاء، وتستميل قلوب الأغبياء.
فلما سمعت قول الله تعالى لعباده الذين أعطاهم، قرضاً، وسألهم قرضاً على التضعيف، فقال عز من قائل: " من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له ". قالت اليهود على وجه الطعن والعيب والتخطئة والتعنت: تزعم أن الله يستقرض منا، وما استقرض منا
(3/343)

إلا لفقره وغنانا! فكفرت بذلك القول إذ كان على وجه التكذيب والتخطئة، لا على وجه أن دينها كان في الأصل أن الله فقير، وأن عباده أغنياء. وكيف يعتقد إنسان أن الله عاجز عما يقدر عليه، مع إقراره بأنه الذي خلقه ورزقه، وإن شاء حرمه، وإن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. وقدرته على جميع ذلك كقدرته على واحد.
ومجاز الآية في اللغة واضح، وتأويلها بين؟ وذلك أن الرجل منهم كان يقرض صاحبه لإرفاقه، ليعود إليه مع أصل ماله اليسير من ربحه، ثم هو مخاطر به إلى أن يعود في ملكه. فقال لهم بحسن عادته ومنته: آسوا فقراءكم، وأعطوا في الحق أقرباءكم، من المال الذي أعطيتكم، والنعمة التي خولتكم، بأمري إياكم وضماني لكم، فأعتده منكم قرضاً وإن كنت أولى به منكم، فأنا موفيكم حقوقكم إلى ما لا ترتقي إليه همة ولا تبلغه أمنية. على أنكم قد أمنتم من الخطار، وسلمتم من التغرير.
والرجل يقول لعبده: أسلفني درهماً، عند الحاجة تعرض له، وهو يعلم أن عبده وماله له. وإنما هذا كلام وفعال يدل على حسن الملكة، والتفضل على العبد والأمة، وإخبار منه لعبده أنه سيعيد عليه ما كانت سخت به نفسه.
(3/344)

وهذا ليس بغلط في الكلام ولا بضيق فيه ولكن المتعنت يتعلق بكل سبب، ويتشبث بكل ما وجد.
وأما إخباره عن اليهود أنها قالت: " يد الله مغلولة "، فلم يذهب إلى أن اليهود ترى أن ساعده مشدودة إلى عنقه بغل. وكيف يذهب إلى هذا ذاهب، ويدين به دائن؟ ! لأنه لا بد أن يكون يذهب إلى أنه غل نفسه أو غله غيره. وأيهما كان، فإنه منفي عن وهم كل بالغ يحتمل التكليف، وعاقل يحتمل التثقيف، ولكن اليهود قوم جبرية، والجبرية تبخل الله مرة، وتظلمه مرة، وإن لم تقر بلسانها، وتشهد على إقرارها، بقولهم: " يد الله مغلولة " يعنون بره وإحسانه. وقولهم: مغلولة، لا يعني أن غيره حبسه ومنعه، ولكن إذا كان عندهم أنه الذي منع أياديه، وحبس نعمه؛ فهي محبوسة بحبسه، وممنوعة بمنعه.
والذي يدل على أنهم أرادوا باليدين النعمة والإفضال، دون
(3/345)

الساعد والذراع، جواب كلامهم حين قال: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ". دليلاً على ما قلنا، وشاهداً على ما وصفنا.
فإن قالوا: فكيف لم نقل إن اليهود بخلت الله وجحدت إحسانه، دون أن يقال إن يد الله مغلولة؟ قلنا: إن أراد الله الإخبار عن كفر قوم وسخط عليهم، فليس لهم عليه أن يعبر عن دينهم وعيوبهم بأحسن المخارج، ويجليها بأحسن الألفاظ. وكيف وهو يريد التنفير عن قولهم، وأن يبغضهم إلى من سمع ذلك عنهم.
ولو أراد الله تعالى تليين الأمر وتصغيره وتسهيله، لقال قولاً غير هذا. وكل صدق جائز في الكلام. فهذا مجاز مسألتهم في اللغة، وهو معروف عند أهل البيان والفصاحة.
وأما قولهم: إن اليهود لا تقول إن عزيراً ابن الله. فإن اليهود في ذلك على قولين: أحدهما خاص، والآخر عام في جماعتهم.
فأما الخاص، فإن ناساً منهم لما رأوا عزيراً أعاد عليهم التوراة من تلقاء نفسه، بعد دروسها وشتات أمرها غلوا فيه، وقالوا ذلك، وهو مشهور من أمرهم. وإن فريقاً من بقاياهم لباليمن والشام وداخل بلاد الروم. وهؤلاء بأعيانهم يقولون: إن إسرائيل الله ابنه، وإذا كان ذلك على خلاف تناسب الناس، وصار ذلك الاسم لعزير
(3/346)

بالطاعة والعلامة، والمرتبة لأنه من ولد إسرائيل.
والقول الذي هو عام فيهم، أن كل يهودي ولده إسرائيل، فهو ابن الله، إذ لم يجدوا ابن ابن قط إلا وهو ابن.

فصل منه
فإن قالوا: ليس المسيح روح الله وكلمته، كما قال عز ذكره: " وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " أو ليس قد أخبر عن نفسه حين ذكر أمه أنه نفخ فيها من روحه؟ أو ليس مع ذلك قد أخبر عن حصانة فرجها وطهارتها؟ أو ليس مع ذلك قد أخبر أنه لا أب له، وأنه كان خالقاً، إذ كان يخلق من الطين كهيئة الطير، فيكون حياً طائراً؟ فأي شيء بقي من الدلالات على مخالفته لمشاكلة جميع الخلق، ومباينة جميع البشر؟ قلنا لهم: إنكم إنما سألتمونا عن كتابنا، وما يجوز في لغتنا وكلامنا، ولم تسألونا عما يجوز في لغتكم وكلامكم. ولو أننا جوزنا ما في لغتنا ما لا يجوز، وقلنا على الله تعالى ما لا نعرف، كنا بذلك عند الله والسامعين في حد المكاثرين، وأسوأ حالاً من المنقطعين، وكنا قد أعطيناكم أكثر مما سألتم، وجزنا بكم فوق أمنيتكم.
(3/347)

ولو كنا إذا قلنا: عيسى روح الله وكلمته، وجب علينا في لغتنا أن يجعله الله ولداً، ونجعله مع الله تعالى إلهاً، ونقول: إن روحاً كانت في الله فانفصلت منه إلى بدن عيسى وبطن مريم.
فكنا إذا قلنا: إن الله سمى جبريل روح الله وروح القدس، وجب علينا أن نقول فيه ما يقولون في عيسى. وقد علمتم أن ذلك ليس من ديننا، ولا يجوز ذلك بوجه من الوجوه عندنا، فكيف نظهر للناس قولاً لا نقوله، وديناً لا نرتضيه.
ولو كان قوله جل ذكره: " فنفخنا فيه من روحنا " يوجب نفخاً كنفخ الزق، أو كنفخ الصائغ في المنفاخ، وأن بعض الروح التي كانت فيه انفصلت فاصلة إلى بطنه وبطن أمه، لكان قوله في آدم يوجب له ذلك؛ لأنه قال: " وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله ". . إلى قوله: " ونفخ فيه من روحه " وكذلك قوله: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ".
والنفخ يكون من وجوه، والروح يكون من وجوه: فمنها ما أضافه إلى نفسه، ومنها ما لم يضفه إلى نفسه. وإنما
(3/348)

يكون ذلك على قدر ما عظم من الأمور، فمما سمى روحاً وأضافه إلى نفسه، جبريل الروح الأمين، وعيسى بن مريم. والتوفيق كقول موسى حين قال: إن بني فلان أجابوا فلاناً النبي ولم يجيبوك. فقال له: " إن روح الله مع كل أحد ".
وأما القرآن فإن الله سماه روحاً، وجعله يقيم للناس مصالحهم في دنياهم وأبدانهم، فلما اشتبها من هذا الوجه ألزمهما اسمهما فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا " وقال: " تنزل الملائكة والروح ".

فصل منه
قد جعلنا في جواباتهم وقدمنا مسائلهم، بما لم يكونوا ليبلغوه لأنفسهم، ليكون الدليل تاماً، والجواب جامعاً؛ وليعلم من قرأ هذا الكتاب، وتدبر هذا الجواب، أنا لم نغتنم عجزهم، ولم ننتهز غرتهم، وأن الإدلال بالحجة، والثقة بالفلج والنصرة، هو الذي دعانا إلى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم، وألا نقول في مسألتهم بمعنىً لم ينتبه له منتبه، أو يشر إليه مشير، وألا يوردوا فيما يستقبلون، على
(3/349)

ضعفائنا ومن قصر نظره منا، شيئاً إلا والجواب قد سلف فيهم، وألسنتهم قد مذلت به.
وسنسألهم إن شاء الله، ونجيب عنهم، ونستقصي لهم في جواباتهم، كما سألنا لهم أنفسنا، واستقصينا لهم في مسائلهم.
فيقال لهم: هل يخلو المسيح أن يكون إنساناً بلا إله، أو إلهاً بلا إنسان؟ أو أن يكون إلهاً وإنساناً؟ فإن زعموا أنه كان إلهاً بلا إنسان، قلنا لهم: فهو الذي كان صغيراً فشب والتحى، والذي كان يأكل ويشرب، وينجو ويبول، وقتل بزعمكم وصلب، وولدته مريم وأرضعته، أم غيره هو الذي كان يأكل ويشرب على ما وصفنا؟ فأي شيء معنى الإنسان إلا ما وصفنا وعددنا؟ وكيف يكون إلهاً بلا إنسان، وهو الموصوف بجميع صفات الإنسان. وليس القول في غيره ممن صفته كصفته إلا كالقول فيه كاشتمالها على غيره؟ وإن زعموا أنه لم ينقلب عن الإنسانية ولم يتحول عن جوهر البشرية، ولكن لما كان اللاهوت فيه، صار خالقاً وسمي إلهاً. قلنا لهم: خبرونا عن اللاهوت. أكان فيه وفي غيره، أم كان فيه دون غيره؟
(3/350)

فإن زعموا أنه كان فيه وفي غيره، فليس هو أولى بأن يكون خالقاً ويتسمى إلهاً من غيره. وإن كان فيه دون غيره، فقد صار اللاهوت جسماً.
وسنقول في الكسر عليهم إذا صرنا إلى القول في التشبيه، وهو قول معظمهم، والذي كان عليه جماعتهم، إلا من خالفهم من متكلميهم ومتفلسفيهم، فإنهم يقولون بالتشبيه والتجسيم، فراراً من كثرة الشناعة، وعجزاً عن الجواب. وكفى بالتشبيه قبحاً، وهو قول يعم اليهود وإخوانهم من الرافضة، وشياطينهم من المشبهة والحشوية والنابتة، وهو بعد متفرق في الناس. والله تعالى المستعان.
(3/351)