Advertisement

الشعر والشعراء 001


الكتاب: الشعر والشعراء
المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ)
الناشر: دار الحديث، القاهرة
عام النشر: 1423 هـ
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الأول
[مقدمة التحقيق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
هذه طبعتى الثانية لكتاب (الشعر والشعراء لابن قتيبة) . وقد كنت طبعته من قبل بتحقيقى وشرحى، بين سنتى 1364 هـ- 1369 هـ فى دار إحياء الكتب العربية للسيد عيسى الحلبى وشركائه. ثم نفدت طبعته منذ سنين، وطلبه العلماء والأدباء فعزّ عليهم أن يقتنوه.
وكان قد صدر فى مجلدين. وكنت عقب تمام المجلد الأول طلبت من الأستاذ الأديب (السيد أحمد صقر) أن ينقده فى مجلة (الكتاب) التى كانت تصدرها دار المعارف بمصر. وكذلك عقب تمام المجلد الثانى. فنشر نقده للمجلد الأول فى الجزء الثامن من مجلدها الثانى (عدد جمادى الآخرة سنة 1365 هـ- يونية سنة 1946 م) . ونشر نقده للمجلد الثانى فى الجزء العاشر من سنتها الخامسة (عدد صفر سنة 1370 هـ- ديسمبر سنة 1950 م) . ثم عقبت على مقاليه فى الجزء الرابع من سنتها السادسة (عدد جمادى الآخرة سنة 1370 هـ- أبريل سنة 1951 م) .
وقد رأيت- وإنى بصدد إعادة طبع الكتاب- أن أثبت هنا فى مقدمته نص مقالى الأستاذ (السيد صقر) فى نقد الكتاب، حرفيّا دون تصرف، إلا أنى حذفت من آخر مقاله الثانى نقده للقسم الذى حققه أخى العلامة الأستاذ عبد السلام هارون فى آخر الكتاب، حين كنت غائبا فى الحجاز، وهو من ص 803 إلى آخر الكتاب ص 861 فى طبعتنا الأولى- أى من الفقرة: 1535 فى هذه الطبعة- لأنه ليس من حقى نشره، وهو متعلق بغيرى. ثم أثبت نص كلمتى فى التعقيب على النقد.
ورأيت أن الأمانة العلمية تقتضينى أن لا أتصرف فى نقد الأستاذ (السيد صقر) على ما فيه من هنات، أو تحامل اعتاده كثير من شباب هذا العصر العجيب.
ولا بأس علىّ من ذلك، فما كان من نقده صوابا وإرشادا إلى خطأ وقعت فيه، تقبلته راضيا شاكرا وصححته فى هذه الطبعة، وما كان منه خطأ أو تحاملا لم أفكر فى التعقيب عليه إلا فيما ندر، وما كان من مواضع اختلاف وجهة النظر تركته
(1/5)

للقارئ يرى فيه رأيه، فيقبل منه ما يقبل ويرفض منه ما يرفض. فما يكون لى على الناس من سلطان أفرض به رأيى عليهم، وما كان هذا من أخلاق العلماء.
وسيجد القارئ أن كثيرا من نقد الأستاذ السيد صقر ما هو إلا تحكم وافتئات على ابن قتيبة أو غيره دون دليل مرجح. فنجده كثيرا ما يذكر البيت أو النص من كلام ابن قتيبة، ثم يزعم أن صوابه كذا، دون دليل مقنع، وأحيانا دون نقل عن مصدر معتمد. والروايات فى الشعر وفى نصوص المتقدمين تختلف كثيرا، كما يعرف كل مشتغل بالعلم أو بالأدب. فمن المصادرة والتحكم أن نجزم بصحة رواية أخرى فى كتاب آخر دون رواية ابن قتيبة. وقد يكون راوى تلك الرواية دون ابن قتيبة منزلة فى العلم أو فى الثقة بروايته. خصوصا دواوين الشعراء. فنجد الأستاذ السيد صقر يجزم بصحة رواية بيت بأنه فى ديوان الشاعر المنسوب إليه بنص آخر. والشعراء- كما يعرف الناس- لم يجمعوا دواوينهم بأنفسهم، إلا فى الندرة النادرة. وقد يكون جامع الديوان ورّاقا من الورّاقين، أو عالما مغمورا متوسطا لا يوازن بابن قتيبة وأضرابه من العلماء. فمن التجنى والتحكم أن نجزم بصحة الرواية لأنها فى ديوان الشاعر، دون رواية ابن قتيبة، وهو إمام كبير، وعالم يعرف ما يقول وما ينقل.
وهذا بديهى لمن تأمل وعرف وأنصف.
وقد رأيت- فى هذه الطبعة- أن أقسم الكتاب إلى فقرات بأرقام متتابعة، لتسهل الإشارة إلى مواضع النصوص فيه بذكر رقم الفقرة، دون التقيد بأرقام الصحيفة فى طبعات تتعدد وتختلف فيها الصفحات.
والله الهادى إلى سواء السبيل. والحمد لله رب العالمين.
الأحد 4 شعبان سنة 1377 هـ 23 فبراير سنة 1958 م كتبه أحمد محمد شاكر عفا الله عنه بمنه
(1/6)

نقد الأستاذ السيد أحمد صقر
[النقد الأول بالجزء الأول من الشعر والشعراء]
(الشعر والشعراء لابن قتيبة (الجزء الأول)) وهذا كتاب من أرفع كتب الأدب قدرا، وأنبهها ذكرا، وأقدمها نشرا.
فقد طبع لأول مرة فى مدينة ليدن سنة 1785، وأعيد طبعه فيها مرة ثانية سنة 1904 م [1] بعناية المستشرق الكبير «دى غوية» ثم طبع بعد ذلك فى مصر عدة طبعات سقيمة مبتورة كثيرة التصحيف والتحريف لا تعد شيئا مذكورا بالقياس إلى طبعة ليدن الثانية؛ لأن دى غوية قد عنى بنشره. فراجع مخطوط ليدن على خمس نسخ خطية، استحضرها من فينا وبرلين وباريس ودمشق والقاهرة، وأثبت ما بين هذه النسخ من اختلاف فى هامش الكتاب، وبذل مجهودا كبيرا فى مراجعة كل موضع من المواضع التى اقتبسها المؤلفون من الكتاب. ووضع فهرسين للأعلام والأماكن.
وظلت هذه الطبعة عمدة العلماء والباحثين إلى يومنا هذا. بيد أن الحصول على نسخة منها قد أصبح متعذرا بل مستحيلا. فتشوفت النفوس إلى طبعة جديدة تغنى عنها أو تسد مسدها واستشرف الناس إلى من ينتدب نفسه للقيام بهذا العمل الخطير، حتى ارتضى الأستاذ العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر أن ينهض بتلك المهمة الشاقة، فأصدر هذه الطبعة الجديدة التى يقول فى مقدمتها:
«وخير ما ندل به على منزلة هذا الكتاب من العلم، وعلى فائدته للعلماء والمتأدبين أن نخرجه إخراجا صحيحا متقنا، على ما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، وما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، وما أستطيع أن أزعم أنى أهل لمثل هذا العمل، إلا أن أبذل ما فى وسعى» . وهذا تواضع من الأستاذ، فقد نشر منذ أزمان بعيدة كتبا عدة نشرا علميا ممتازا، دل به على سعة علمه، وحصافة رأيه، ودقة
__________
[1] صوابه: سنة 1902 م.
(1/7)

نظره، وعمق فكره، وأنفق فى سبيل ذلك ما أنفق من جهد ووفر، وعافية ووقت، رضىّ النفس طيب البال، حتى غدا فى طليعة الناشرين المرموقين، وحسبه أنه ناشر الرسالة للشافعى والمعرّب للجواليقى. والأستاذ نفسه يعتبر نشره مثاليا يضارع نشر المستشرقين، بل يفوقه، وقد صرّح بذلك إذ يقول: «إنما أرجو أن يجد القارئ هذا الكتاب تحفة من التحف، ومثالا يحتذى فى التصحيح والتنقيح، وأصلا موثوقا به حجة، وليعلم الناس أننا نتقن هذه الصناعة. من تصحيح وفهارس ونحوهما- أكثر مما يتقنه كل المستشرقين ولا أستثنى» [1] . وقد اعتمد الأستاذ فى تحقيق هذا الكتاب على طبعة ليدن اعتمادا كليا، حتى جاءت طبعته وكأنها صورة من الأولى، إلا أنه قد شرح بعض الألفاظ الغريبة شرحا مقاربا، وراجع كثيرا من النصوص على ما بين يديه من المصادر، ودلّ على أماكن وجودها فى الكتب المختلفة، ولكنه لم يثبت اختلاف الروايات إلا قليلا.
ولئن كانت هذه الطبعة تمتاز بذلك، إن طبعة ليدن تمتاز عنها بميزة عظيمة، فقد حرص «دى غوية» كل الحرص على إثبات كل خلاف بين النسخ مهما كان شأنه، ليكون القارئ على بينة منه فيختار ما يختار ويردّ ما يرد، بذوقه الخاص، ورأيه المستقل، ولا يكون مقيدا بذوق الناشر ورأيه، فقد يكون الناشر مصوبا للخطأ أو مخطئا للصواب وهو لا يدرى، والأنظار متباينة، والأفكار متفاوتة، وفوق كل ذى علم عليم. ومن أجل ذلك لا أوافق الأستاذ على طرحه لتلك الاختلافات التى أثبتها «دى غوية» ولست أدرى لماذا تركها وهى بين يديه.
ومنهج الأستاذ شاكر فى نشر هذا الكتاب هو أنه اعتمد فى نشره على طبعة ليدن فقط، فأخذ منها وترك، ولم يرجع إلى النسخ المخطوطة فى القاهرة، وهو يعلم أن فيها نسختين وهما برقمى (550، 4247- أدب) رجع «دى غوية» إلى أولاهما، ولم يرجع إلى الثانية، لأنها لم تكن فى دار الكتب إذ ذاك، وفى دار الكتب نسخة ثالثة تحت رقم (9160- أدب) وصفت فى الجزء السابع من فهرس الدار ص
__________
[1] مقدمة شرحه للترمذى ص 64.
(1/8)

180. وفى مكتبة الأزهر نسخة رابعة (6885- أدب) فكان من الواجب على الأستاذ أن يرجع إلى تلك النسخ كلها حتى يستطيع تحقيق متن الكتاب [1] ، وهو يعلم أن نسخه التى اعتمد عليها «دى غوية» يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا، إلى حد جعل «دى غوية» يقول: «إنه ينبغى أن تنشر مستقلة» . والحق أن الخلاف بين النسخ اختلاف هائل ليس فى سطر أو سطرين، أو صفحة أو صفحتين، بل فى فصول وتراجم بأكملها، فامرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والمتلمس، وطرفة، وأوس بن حجر، والمرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وعلقمة الفحل، وعدىّ بن زيد.
كل شاعر من هؤلاء له ترجمتان متتاليتان، كل واحدة منها تباين الأخرى فى أسلوبها ومنهجها، وتخالفها فى ترتيب عناصرها. وقد راجعت تلك التراجم فى النسخ الخطية فلا حظت أن الترجمة الأولى لكل شاعر قد خلت منهط النسخ خلوا تاما. وكنت أحسب أن هذه التراجم الثنائية ستحفز الأستاذ إلى التماس المخطوطات ليخرج الكتاب كما كتبه صاحبه غير ملفق ولا ناقص كما هو الآن. فقد تبينت أن بعض النصوص التى نقلها الأقدمون عنه لا توجد فيه. كل ذلك يثبت لنا أن طبعة ليدن لا تصلح وحدها لأن تكون أساسا لنشر الكتاب نشرا علميا يجعل القارئ على ثقة من أن الكتاب كما ألفه مؤلفه لم تعبث به أيدى الماسخين أو الناسخين. ولكن الأستاذ قد اعتمدها واتخذها إماما لطبعته. واتبعها حتى فيما لا ينبغى أن تتبع فيه.
وهناك بعض ملاحظات أخرى عنت لى فى أثناء مطالعتى رأيت أن أنبه عليها ابتغاء لوجه الحق، ورغبة فى تصحيح الكتاب ومساهمة فى رجعه إلى أصله.
وبذلك أكون قد أديت واجبى. فإنى أعتقد أنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن ينشر ما يرتئيه من أخطاء ليعرفها القارئ. وينتفع بها الناشر. وبمثل هذا التعاون العلمى المنشود تخلص الكتب العربية من شوائب التحريف والتصحيف الذى منيت به على أيدى الناسخين قديما والطابعين حديثا. وقد رأيت أن لا أنثر ملاحظاتى على الكتاب نثرا، بل رأيت أن أقسمها إلى أقسام، فإن ذلك أنفع وأمتع.
__________
[1] لماذا كان هذا واجبا؟ أظن أن الأستاذ سيد صقر يقلد بعض المتحذلقين الذين يزعمون أنه لا يجوز نشر كتاب إلا بعد جمع مخطوطاته التى فى العالم!! أحمد محمد شاكر.
(1/9)

[ألف- ما فى الكتاب من أخطاء فى الشكل والضبط]
(فالقسم الأول: لما فى الكتاب من أخطاء فى الشكل والضبط. ومن أمثلته:) 1- (الفقرة: 162) قال امرؤ القس:
وإنى أذين إن رجعت مملّكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا
على ظهر عادىّ تحاربه القطا ... إذا ساقه العود الدّيافىّ جرجرا
هكذا ضبطه دى غوية «تحاربه القطا» وتبعه الأستاذ، وهو خطأ. ولست أدرى ما الذى صنعه العادى- وهو الطريق القديم- مع القطا حتى تحاربه؟ والصواب «على ظهر عادى تحار به القطا» و «تحار به القطا» تعبير شائع فى الشعر القديم.
2- (الفقرة 179) قال الشماخ:
لها منسم مثل المحارة خفّة ... كأنّ الحصى من خلفه حذف أعسرا
«منسم» هكذا ضبطها دى غوية بكسر الميم وفتح السين، وتبعه الأستاذ. وهو خطأ. وقد نقل الأستاد ضبطه صحيحا فى المفضليات عن شرحه لقول المخبل السعدى:
ولها مناسم كالمواقع لا ... معر أشاعرها ولا درم
فقال (1: 115) : «المنسم» بفتح الميم وكسر السين: طرف خف البعير.
والمواقع: المطارق. الواحدة ميقعة. شبه المناسم بالمطارق. وهذا ما يجعلنى أميل إلى أن «خفّة» محرفة، وصوابها كما جاء فى ديوان الشماخ ص 79 «خفّه» ، قال الشنقيطى: «المعنى أن منسمها قوىّ يتطاير الحصى من شدة وقعه» .
3- (الفقرة 180) قال امرؤ القيس يصف فرسا:
كميت يزلّ اللّبد حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزل
والصواب «بالمتنزّل» كما جاء فى شرح المعلقات للتبريزى ص 41، والديوان
(1/10)

4- (الفقرة 500) وقال الآخر:
أرأيت إن بكرت بليل هامتى ... وخرجت منها باليا أثوابى
هل تخمشن إبلى علىّ وجوهها ... أو تعصبنّ رؤوسها بسلاب
«أرأيت» هكذا ضبطها دى غوية، وتبعه الأستاذ، وهو خطأ والصواب:
أرأيت إن صرخت بليل هامتى ... وخرجت منها عاريا أثوابى
لأن الصراخ من شأن الهامة فيما يزعم العرب، ولأن الإنسان لا يخرج من الدنيا بالى الأثواب، بل يخرج منها عاريا. والشعر لضمرة بن ضمرة النهشلى، كما فى نوادر أبى زيد ص 2 وأمالى القالى 12/279.
وأوله:
بكرت تلومك بعد وهن فى النّدى ... بسل عليك ملامتى وعتابى [1]
أأصرها وبنىّ عمى ساغب ... فكفاك من إبة علىّ وعاب
5- (الفقرة 522) قال أبو زبيد الطائى يصف الأسد:
إذا واجه الأقران كان مجنّه ... جبين كتطباق الرّحا اجتاب ممطرا
«ممطرا» هكذا ضبطها دى غوية بفتح الميم، ظنّا منه أنها اسم مكان، وأن اجتاب بمعنى قطع، وتبعه الأستاذ. وهو خطأ، والصواب «اجتاب ممطرا» بكسر الميم، وفى القاموس (2/135) «الممطر والممطرة بكسرهما: ثوب صوف يتقى به من المطر» واجتاب هنا بمعنى لبس، جاء فى لسان العرب (1: 278) واجتبت القميص إذا لبسته. قال لبيد:
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضّحى ... واجتاب أردية السّراب إكامها
أقضى اللبانة لا أفرّط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوّامها
__________
[1] بكرت: عجلت. بسل: إحرام. السلاب: خرقة سوداء تقنع بها المرأة فى المأتم. الإبة: الحياء.
(1/11)

6- (الفقرة 107) قال الشماخ:
لم يبق إلا منطق وأطراف ... وريطتان وقميص هفهاف
وشعبتا ميس براها إسكاف ... يا ربّ غاز كاره للإيجاف
«إلا منطق» هكذا ضبطها دى غوية وتبعه الأستاذ. وهو خطأ. لأن «المنطق» كمنبر: «شقة تلبسها المرأة» وأول الشعر كما فى الديوان ص 102:
قالت ألا يدعى لهذا عرّاف ... لم يبق إلا منطق وأطراف
والصواب «إلا منطق» بفتح الميم وكسر الطاء، والمراد به النّطق، وجمعه مناطق. قال زهير (ديوانه ص 344) :
من يتجرّم لى المناطق ظالما ... فيجر إلى شأو بعيد ويسبح
يكن كالحبارى إن أصيبت فمثلها ... أصيب وإن تفلت من الصقر تسلح
(1/12)

[ب- ما يتعلق بالتحريف]
(والقسم الثانى من أقسام الملاحظات يتعلق بالتحريف، وهو كثير جدا فى ثنايا الكتاب [1] . ومن أمثلته:) 1- (الفقرة 107) قال الشماخ:
أو كظباء السّدر العبريّات ... يحضنّ بالقيظ على ركيّات
«يحضن بالقيظ» : هكذا جاءت فى طبعة ليدن، ونقلها الأستاذ كما هى. ولا معنى لها لأنها محرفة. والصواب «يصفن بالقيظ على ركيات» أى: يقمن فى زمن الصيف على آبار، كما فى الديوان ص 104 وقد ذكر دى غوية رواية أخرى فى هامش الكتاب، وهى «يحضرن» ولكن الأستاذ لم يذكرها.
2- (الفقرة 97) :
وأخو الوجهين حيث وهى ... بهواه فهو مدخول
«حيث وهى» هكذا فى طبعة ليدن، ونقلها الأستاذ، وهو خطأ. والصواب كما فى النسخ المخطوطة «حيث رمى» وقد أشار دى غوية إلى أنها قد وردت كذلك فى أحدى النسخ، ولكن الأستاذ كعادته لم يذكرها.
3- (الفقرة 127) كقول العباس بن مرداس السلمى:
وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع
وكذلك ورد مرة أخرى (فى الفقرة 514) وهو خطأ. والصواب «وما كان حصن ولا حابس» كما جاء فى النسخ المخطوطة كلها، وسيرة ابن هشام 4: 137 ولسان العرب 7: 400 والأغانى 13: 64 وخزانة الأدب 1: 73 والموشح ص 93، والبيت من قصيدة قالها العباس لما أعطى النبى صلّى الله عليه وسلّم المؤلفة قلوبهم يوم حنين، وأعطاه أقل مما أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزارى. ومن الغريب أن دى غوية
__________
[1] هذه دعوى عريضة. (أحمد محمد شاكر) .
(1/13)

ذكر فى هامش ص 34، 166 أن رواية بعض النسخ المخطوطة: «وما كان حصن ولا حابس» ولكن الأستاذ لم يأبه لتلك الرواية.
4- (الفقرة 161) فى ترجمة امرئ القيس:
«فنزل على قوم منهم عامر ابن جوين الطائى فقالت له ابنته: إن الرجل مأكول فكله، فأتى عامر أجأ فصاح: ألا إن عامر بن جوين غدر، فلم يجبه الصدى، ثم صاح: ألا إن عامر بن جوين وفى، فأجابه الصدى، فقال: «ما أحسن هذه وما أقبح تلك» و «غدر فلم يجبه الصدى» تحريف واضح. والصواب كما فى الأصل المخطوط «غدر فأجابه الصدى» وإذا كان الصدى لم يجبه فى الأولى، وأجابه فى الثانية فكيف تسنى له أن يفاضل بينهما ويقول «ما أحسن هذه وما أقبح تلك» ؟
ومن الغريب أن دى غوية أثبت ذلك عن بعض النسخ، ولكن الأستاذ لم يشر إليها.
وقد نقل صاحب الأغانى هذا الخبر عن ابن قتيبة (9: 90) وفيه: «غدر، فأجابه الصدى بمثل قوله، فقال: ما أقبح هذا من قول» .
5- (الفقرة 237) قال النابغة:
ستة آبائهم ما هم ... هم خير من يشرب صفو المدام
«ستة آبائهم ما هم» هكذا رسم شطر هذا البيت فى طبعة ليدن، وتبعه الأستاذ وهو خطأ، والصواب:
ستة آباء هم ما هم ... هم خير من يشرب صفو المدام
راجع خزانة الأدب 2: 118.
6- (الفقرة 361) :
« ... وأخذ جملين، يقال لهما عوهج وداعر، فصارا بعمان، فمنها العوجهية والداعرية» وهكذا جاء فى طبعة ليدن «فمنها» . والصواب «فمنهما» .
7- (الفقرة 303) :
وقدّمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا
(1/14)

هكذا جاء فى الطبعتين: «وقدمت الأديم» وهو خطأ. والصواب «وقدّدت» وقد ذكر دى غوية: أنها جاءت كذلك فى بعض النسخ، ولكن الأستاذ قد تركها أيضا.
8- (الفقرة 719) قال يزيد بن الطثرية:
يعجّل للقوم الشّواء يجرّه ... بأقصى عصاه منضجا أو مرمّدا
حلوف: لقد أنضجت وهو ملهوج ... بنصفين لو حرّكته لتقصّدا
هكذا جاء فى الطبعتين وهو خطأ، والصواب: «لتفصدا» بالفاء، أى: أن هذا اللحم الملهوج لو حركته لتفصد منه الدم.
9- (الفقرة 613) من قصيدة لابن أحمر الباهلى:
فلا تحرقا جلدى سواء عليكما ... أداويتما العصرين أم لا تداويا
هكذا جاء فى الطبعتين «أم لا تداويا» وهو خطأ والصواب «أم لم تداويا» لأن «تداويا» فعل مضارع من الأفعال الخمسة محذوف النون، وهى لا تحذف نونها إلا إذا سبقت بناصب أو جازم، و «لا» النافية ليست بجازمة، وإنما الجازم هنا «لم» .
10- (الفقرة 618) قال يزيد بن مفرغ فى عباد بن زياد:
سبق عبّاد وصلت لحيته ... وكان خرّازا تجور فريته
هكذا فى الطبعتين «تجور فريته» وفى النسخ المخطوطة: «وكان خرازا تجود قربته» وكذلك جاء فى خزانة الأدب (2: 213) .
11- (الفقرة 618) :
«فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذبه وسقاه التربذ فى النبيذ، وحمله على بعير وقرن به خنزيرة فأمشاه بطنه مشيا شديدا فكان يسيل على الخنزيرة فتصىء» والصواب «فأمشى بطنه ... فتصىء» بفتح التاء، جاء فى اللسان 1: 164 «صاءت العقرب تصىء إذا صاحت» .
(1/15)

12- (الفقرة 665) : من قصيدة لحميد بن ثور الهلالى فى وصف ذئب وامرأة:
ترى ربة البهم الفرار عشية ... إذا ما علا فى بهمها وهو ضائع
رأته فشكّت وهو أكحل مائل ... إلى الأرض مثنىّ إليه الأكارع
هكذا جاءت فى الطبعتين «أكحل مائل» وهو خطأ. وصحة التحريف:
رأته فشكت وهو أطحل مائل ... إلى الأرض مثنىّ إليه الأكارع
وكذلك جاء فى ديوان الشاعر ص 37. وأمالى المرتضى 4- 121 وحماسة ابن الشجرى ص 207 وفى لسان العرب (13: 424) قال ابن سيدة: «الطحلة: لون بين الغبرة والبياض بسواد قليل كلون الرماد. ذئب أطحل وشاة طحلاء» .
قال الأخطل:
يشق سماحيق السلا عن جنينها ... أخو قفرة بادى السغابة أطحل
السماحيق: جلدة رقيقة تكون على جنين الناقة، وأطحل: كدر اللون، يعنى به الذئب.
13- (الفقرة 667) :
« ... ولعل الأثاب أن تكون تسمّى أفناؤه جعلا، كما تسمى أفناء النخل وقصاره جعلا» هكذا فى الطبعتين «أن تكون تسمى أفناؤه جعلا» وهو خطأ.
والصواب: «أن تكون أقناؤه تسمى جعلا كما تسمى أقناء النخل وقصاره جعلا» كما جاء فى المخطوطات. والقنو: العذق.
14- (الفقرة (787) :
لا ينقرون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلّات بالعيدان
ورواية الأصل والديوان «لا ينكتون الأرض» وهو تعبير شائع فى الشعر.
15- (الفقرة 908) قال الأحوص:
ستبلى لكم فى مضمر القلب والحشا ... سريرة حبّ يوم تبلى السرائر
(1/16)

ورواية الأصل المخطوط (وخزانة الأدب 1: 33) : «ستبقى» .
وفى الأغانى: أن عمر بن عبد العزيز أنشد قول الأحوص:
ستبقى لكم فى مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر
فقال: «إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول» .
وقد أخطأ مصحح الجزء الرابع من طبعة الدار إذ جعلها «ستبلى» وعلق عليها بقوله: كذا فى الشعر والشعراء ص 330 طبع أوربا. وفى الأصول والخزانة «ستبقى لها» ولو نظر فى هامش الصفحة التى أشار إليها من طبعة الشعر والشعراء لوجد دى غوية يذكر أن الرواية فى بعض النسخ الخطية «ستبقى» .
16- (الفقرة 924) :
«قال أبو سوّار الغنوى: رأيت ميّة وإذا معها بنون لها صغار، فقلت: صفها لى، فقال: مسنونة الوجه، طويلة الخدّ» ، وأول الخبر محذوف. وهو كما جاء فى الأغانى (16: 115) «قال محمد بن سلام: قال أبو سوار الغنوى» .
17- (الفقرة 929) هذا البيت وشرحه:
من الفراش المقتضى عاش فى رنق ... رخف السّحايات ولّى غير مطعوم
السحايات: بقية الماء، «واحدتها سحاية» . لم يضبط دى غوية كلمة «السحايات» وضبطها الأستاذ بفتح السين وهو خطأ. وفيها مع ذلك تحريف وصحتها «السّحابات: بقية الماء، واحدتها سحابة» جاء فى القاموس: «السحبة بالضم كالسحابة: فضلة ماء الغدير» .
18- (الفقرة 935) وأخذ ذو الرمة قوله:
إذا استهلّت عليه عيبة أرجت ... مرابض العين حتى يأرج الخشب
من معنى قول العجاج: «مشواه عطّارين بالعطور» وفى هذا النص تحريفان:
الأول فى «عيبة» ، وصحتها كما فى ديوانه ص 20 «غبية» ، وهى الدفعة من
(1/17)

المطر. والثانى فى «مثواه عطارين» وصحتها كما فى ديوان العجاج المخطوط ص 63 «مثواة عطارين» .
قال العجاج يصف ثورا ص 63:
فبات فى مكتنس معمور ... مسّاقط كالهودج المخدور
كأنّ ريح جوفه المزبور ... فى الخشب تحت الهدب اليخضور
مثواة عطّارين بالعطور ... أهاضمها والمسك والكافور [1]
وإذا نظرنا إلى بيت ذى الرمة- الذى يقول ابن قتيبة إنه أخذ معناه من قول العجاج- لم نجد بينهما من الاشتراك ما يجعلنا نأخذ برأيه، وأكبر الظن أنه قد أورد بيتين لذى الرمة سقط ثانيهما من الكتاب وهو:
كأنه بيت عطار يضمنّه ... لطائم المسك يحويها وتنتهب
19- (الفقرة 302) :
«هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن عباد بن صعصعة بن قيس بن ثعلبة» وعلق الأستاذ على هذا بقوله «عباد بن صعصعة هكذا أثبت هنا وفى معاهد التنصيص، وهو خطأ، صوابه ضبيعة كما أثبت كل من ذكر نسب طرفة ونسب أقربائه. فإن المرقش الأصغر عم طرفة، واسمه ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك، والمرقش الأكبر عم الأصغر، واسمه عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل. انظر المفضليتين 45، 55 وشرح القصائد العشر 56 وجمهرة أشعار العرب 83 والخزانة وغير ذلك» . وهذا جهاد فى غير عدو كما يقول الأزهريون، أضنى الأستاذ فيه نفسه وأجهد فكره، دون أن يأتى بأية فائدة تسوغ كتابة هذا التعليق الطويل. ولو رجع الأستاذ إلى المخطوطات لألفى فيها اسم «ضبيعة» صحيحا غير محرف ولا مبدل، ولما أثبت حرفا واحدا من تعليقه
__________
[1] المخدور: المستور. المزبور: المطوى. الهدب: الأطراف. اليخضور: الأخضر. مثواه: مقامة.
الأهضام: ضرب من الطين.
(1/18)

هذا. ومن الغريب أنى وجدت دى غوية قد ذكر فى هامش الكتاب اسم (ضبيعة) صحيحا نقلا عن بعض النسخ التى اعتمد عليها! أفما كان فى هذا وحده غناء عن ذلك الجهاد؟
20- (الفقرة 924) :
«وكان ذو الرمة أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته مية بنت فلان طلبة بن قيس بن عاصم بن سنان» ، وعلق الأستاذ على هذا بقوله: «هكذا أبهم المؤلف اسم أبيها، لعله نسيه، أو من أجل الاختلاف فيه، ففى اللآلى: أنها بنت عاصم بن طلبة، وفى ابن خلكان ابنة مقاتل بن طلبة» . ولو اطلع على الأصل المخطوط لعلم أن المؤلف لم يبهم اسم أبيها ففى ورقة 78: «مية بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم بن سلام» وكنت أعتقد أن الأستاذ لم يحكم بأن المؤلف أبهم اسم أبيها إلا بعد أن رأى أن النسخ التى اعتمد عليها دى غوية أجمعت كلها على أنها «بنت فلان» ولكنى عجبت العجب كله عندما رأيت فى طبعة ليدن ص 335 أن بعض النسخ فيها «بنت مقاتل» .
21- (الفقرة 939) قال الراعى يصف ناقته:
وواضعة خدّها للزما ... م فالخدّ منها له أصعر
ولا تعجل المرء قبل البرو ... ك وهى بركبتها أبصر
والصواب كما جاء فى المخطوطات:
ولا تعجل المرء قبل الركو ... ب وهى بركبته أبصر
22- (الفقرة 443) قال الأعشى:
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... فى جحفل كهزيع الليل جرّار
ورواية الأصول المخطوطة والديوان: «فى جحفل كسواد الليل جرار» وهى الصواب، لأن الهزيع هو القطعة من الليل، والمراد وصف الجيش بالكثرة.
(1/19)

23- الفقرة 85:
زوجك يا ذات الثنايا الغرّ ... الرّتلات والجبين الحرّ
والصواب كما جاء فى المخطوطات: «ويحك يا ذات الثنايا الغر» .
24- (الفقرة 139) :
«هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندى» هكذا ورد فى الطبعتين، والصواب « ... بن حجر بن الحارث بن عمرو الكندى» راجع (خزانة الأدب 1: 299) .
25- (الفقرة 443) قال الأعشى:
خيّره خطّتى خسف فقال له ... اعرضهما هكذا أسمعهما حار
ورواية الديوان:
خيره خطتى خسف فقال له ... مهما نقله فإنى سامع حار
وهناك رواية أخرى ذكرها دى غوية فى هامش الكتاب وهى «قل ما تشاء فإنى سامع حار» ولكن الأستاذ لم يشر إلى هذه ولا إلى تلك، وارتضى الأولى التى لا يكاد اللسان يقيم نطقها.
(1/20)

[ج- ما يتعلق بالشرح والتعليقات، وعدم الرجوع إلى المخطوطات، والاعتماد على المصادر الثانوية فى تحقيق النصوص]
(أما الملاحظات التى تتعلق بالشرح والتعليقات، وعدم الرجوع إلى المخطوطات، والاعتماد على المصادر الثانوية فى تحقيق النصوص، فإنى أجمل الكلام عليها وأكتفى ببعض النماذج منها:) 1- الفقرة (107) قال الشماخ:
لما رأتنا واقفى المطيات ... قامت تبدّى لى بأصلتيّات
غرّ أضاء ظلمها الثنيّات ... خود من الظعائن الضّمريّات
ترك الأستاذ شرح الأصلتيات مع غرابتها، ومعناها: الأسنان الجميلة المستوية البراقة، وشرح الشطر الأخير بقوله «الخود: الفتاة الحسنة الشابة. الضمريات: من الضمور وهو الهزال، فالضمر من الرجال المهضم البطن اللطيف الجسم والأنثى ضمرة» والصواب فى شرح الضمريات ما قاله الشنقيطى فى شرح الديوان «الضمريات صفة ظعائن، أى: هن من بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة» .
2- (الفقرة 548) قال الشماخ:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافى الرّجل فى الأمعز الوجى
وشرح الأستاذ البيت بقوله «تخامص: تتخامص، أى تتجافى عن المشى.
الأمعز: الأرض الغليظة ذات الحجارة. الوجى: الحافى وهو هنا صفة للحافى» والذي فى لسان العرب نقلا عن ابن السكيت: «الوجى أن يشتكى البعير باطن خفه» ويقول الأعشى فى هذا المعنى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
وقد جاء بيت الشماخ صحيحا فى ديوانه: «تخامص حافى الخيل فى الأمعز الوجى» .
وذكر دى غوية أن بعض النسخ فيها «تخامص جافى الخيل» . ولها وجه، جاء فى لسان العرب: «جفا الشىء يجفو جفاء: لم يلزم مكانه، كالسرج يجفو عن الظهر، وكالجنب يجفو عن الفراش» .
(1/21)

3- (الفقرة 533) : فى ترجمة النمر بن تولب: «وهو القائل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
إنا أتيناك وقد طال السّفر ... نقود خيلا ضمّرا فيها عسر
نطعمها الشحم إذ عزّ الشّجر ... والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
الشحم: يعنى اللبن» وعلق الأستاذ على هذا بقوله: «تفسير الشحم باللبن شىء نادر جدا لم أجده إلا للمؤلف» قلت قد ذكر دى غوية أن بعض النسخ فيها «نطعمها اللحم» وقد جاء فى لسان العرب (11: 162) :
نطعمها اللحم إذا عزّ الشجر ... والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
إنما يعنى أنهم يسقون الخيل الألبان إذا أجدبت الأرض فيقيمها مقام العلف» .
4- (الفقرة 919) : فى ترجمة ذى الرمة: «وكان يوما ينشد فى سوق الإبل شعره الذى يقول فيه ... عذّبتهنّ صيدح. وصيدح: اسم ناقته، فجاء الفرزدق فوقف عليه ... » .
وعلق الأستاذ على ذلك بقوله: «لم أجد هذه الجملة فى القصيدة الحائية التى يظن أن تكون منها فى ديوان ذى الرمة، ولكن البيت ثابت فى الأغانى» . أقول: بل هى منها كما فى ديوانه المطبوع فى أوربا ص 87، وفى ديوانه المخطوط بدار الكتب ورقة 203. قال ذو الرمة:
إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنّح
إذا ارفضّ أطراف السياط وهلّلت ... جروم المطايا عذّبتهنّ صيدح
وقد اعتمد الأستاذ على الديوان المطبوع فى بيروت سنة 1353 هـ وما كان ينبغى له أن يعتمد عليه، وقد ذكر ناشره فى مقدمته أنه حذف منه ما يتعلق بوصف الإبل والفيافى! 5- فى ترجمة مالك بن الريب: «وهو القائل فى الحبس:
أتلحق بالرّيب الرّفاق ومالك ... بمكة فى سجن يعنّيه راقبه»
(1/22)

شرحه الأستاذ بقوله: «يعنيه: يحبسه حبسا طويلا» والصواب: يعنيه: يذيقه ألوان العذاب، لأن الراقب- وهو ملاحظ السجن- لا يملك إطالة مدة الحبس أو تقصيرها، وإنما يملك ذلك الأمير.
6- (الفقرة 929) من شعر هشام أخى ذى الرمة:
حتى إذا أمعروا صفقى مباءتهم ... وجرّد الخطب أثباج الجراثيم
وآب ذو المحضر البادى إبابته ... وقوّضت نيّة أطناب تخييم
ألوى الجمال هراميل العفاء بها ... وبالمناكب ريع غير مجلوم
شرح الأستاذ البيت الأول بقوله: «أمعروا: أكلوا. الصفقتان: الناحيتان.
المباءة: منزل القوم حيث يتبوؤون. الخطب- بضم الخاء وسكون الطاء- جمع أخطب، وهو الحمار تعلوه خضرة» . وهو خطأ، لأن الشاعر لم يرد بالخطب الحمير، وإنما أراد النوق التى كانت ترعى. جاء فى لسان العرب «الحطب جمع خطباء، وناقة بينة الخطب، والخطب، والخطبة: لون يضرب إلى الكدرة مشرب حمرة فى صفرة، كلون الحنظلة الخطباء قبل أن تيبس» . وشرح البيت الثانى بقوله:
«آب: أى: رجع. إبابته: أي رجوعه، يقال: آب إلى وطنه نزع» والصواب أن يقال فى تفسيرهما: آب إبابته: أى: نزع نزوعه إلى وطنه.
وشرح البيت الثالث بقوله: «ألوى الجمال: ذهبن. هراميل العفاء بها: حال من الجماعة. الهراميل: جمع هرمول- بضم الهاء: قطعة من الشعر. العفاء: ما كثر من الوبر، يريد متساقطة الوبر. الريع: الزيادة. غير مجلوم: غير مقطوع» وهذا شرح مضطرب لا يجلو معنى البيت. ولست أدرى من أين أخذ الأستاذ أن الشاعر يريد أن يصف الإبل التى شبعت من المرعى بأنها متساقطة الشعر، وكيف يوفق بين معنى شطرى البيت؟ أيجوز أن يقول الشاعر فى صدر البيت: إن وبرها متساقط من المرعى، ثم يقول فى عجزه: إن وبرها كثير نام غير مقصوص أو مقطوع؟ وفى البيت تحريف يبهم معناه، فالشاعر لم يقل «ألوى الجمال» كما ذكر
(1/23)

الناشران، وإنما قال «آلوا الجمال» جاء فى لسان العرب (11: 34) :
حتى إذا أمعروا صفقى مباءتهم ... وجرد الخطب أثباج الجراثيم
آلوا الجمال هراميل العفاء بها ... على المناكب ريع غير مجلوم
آلوا الجمال: أى: ردوها لير تحلوا عليها» .
7- (الفقرة 929) من القصيدة نفسها:
واستنّ فوق الحذارى القلقلان كما ... شكل الشّنوف يحاكى بالهيانيم
الحذارى: جمع حذرية وهى الأرض الصلبة. والقلقلان: النبت» .
وشرح الأستاذ هذا النص بقوله: «استن: أسرع» . كما شكل «ما» زائدة، أراد كشكل الشنوف. جمع شنف. وهو القرط الذى يلبس فى أعلى الأذن. الهيانيم:
جمع هينمة. وهى الصوت الخفى لا يفهم. والقلقلان كما فى اللسان: شجر أخضر ينهض على ساق. ومنابته الآكام دون الرياض، وله حب كحب اللوبياء يؤكل، والسائمة حريصة عليه» وهذا شرح قاموسى لا يوضح المعنى للقارئ. وإذا كانت «ما» زائدة كما قال الأستاذ فلماذا ضبط شكل بضم اللام؟ والصواب «كما شكل» بكسر اللام. واستن القلقلان: اضطرب وتحرك. أراد عندما يبس. وكان من الواجب على الأستاذ أن لا ينقل ما نقله فى تعريف القلقلان عن اللسان، لأنه لا يفيد ولا يعين على اجتلاء التشبيه، وأن ينقل بدله ما جاء فى اللسان (14: 83) :
القلقلان: نبت ينبت فى الجلد وغلظ السهل. وله سنف أفيطح ينبت فى حبات كأنهن العدس فإذا يبس فانتفخ وهبت به الريح سمعت تقلقله كأنه جرس» . فهذا التعريف هو الذى يجلو معنى البيت ويفصح عن وجه الشبه الذى أراغ إليه الشاعر.
(1/24)

[د- ما يتعلق بمراجعة الكتاب بالمخطوطات]
(أما الملاحظات التى تتعلق بمراجعة الكتاب بالمخطوطات فكثيرة جدا. ولو رجع إليها الأستاذ لغير فى الكتاب وبدل، وقدم وأخر، وبتر ووصل، وزاد ونقص، ولظهر الكتاب فى صورة أخرى. وما أريد أن أذكر أمثلة لما ذكرت، فقد طال الكلام، وحسبى أن أذكر بعض المثل الموجزة فى أصلها:) 1- (الفقرة 17) :
«فمن أحب أن يعرف ذلك ليستدل به على حلو الشعر ومره نظر فى ذلك الكتاب» . وفى الأصل المخطوط « ... يستدل به على علو الشعر وعظيم نفعه وضره نظر فى ذلك الكتاب» .
2- (الفقرة 18- 19) :
«تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب: ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه.
كقول القائل فى بعض بنى أمية» وفى الأصل المخطوط «إنى تدبرت ... كقول الشاعر لبعض بنى أمية، ويقال هو لكثير السهمى فى محمد بن على بن الحسن رضي الله عن هما» .
3- (الفقرة 52) :
«لأن النسيب قريب من النفوس لائط بالقلوب» وفى الأصل « ... قريب من النفوس ملائم لها ... » .
4- (الفقرة 121) : قال الشاعر:
فهبها أمة ذهبت ضياعا
وفى الأصل المخطوط «قال أبو عتيبة بن هبيرة الأسدى: فهبنا أمة هلكت» وفى نسخة «أبو عقيبة» وفى أخرى «عقبة» .
5- (الفقرة 288) :
«فقال- أى: المتلمس لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرأها، ففيها والله ما فى
(1/25)

صحيفتى، فقال طرفة: كلا لم يكن ليجترئ علىّ، فقذف المتلمس بصحيفته» . وفى الأصل المخطوط « ... لم يكن ليجترئ علىّ، فإن بنى ثعلبة ليسوا كبنى ضبيغة، فقذف المتلمس ... » .
6- (الفقرة 376) :
«فصف له كسرى ثمانية آلاف جارية صفين» وفى المخطوطة «فصف له كسرى عن يمينه ألف جارية» وقد ذكر دى غوية هذه الرواية، ولكن الأستاذ لم يذكرها.
7- (الفقرة 932) : وقال ظالم بن البراء:
ويوم من الجوزاء أما سكونه ... فضح، وأما ريحه فسموم
ورواية الأصل المخطوط «أما سكونه فصمد» والصمد: «تأثير لفح الشمس فى الوجه» .
ولا ينبغى أن ينسينا حديث المآخذ والأخطاء شكر الأستاذ أحمد محمد شاكر على ما بذل فى نشر هذا الكتاب من جهد عنيف، لا يدرك كنهه ولا يعرف قدره إلا من زج فى هذا المضمار. وحسبه أنه قدم للقراء طبعة لا مثيل لها فيما بين أيديهم من طبعات. وإنا لنتمنى له النجاح واطراد التوفيق فى إخراج الجزء الثانى، إن شاء الله تعالى.
السيد أحمد صقر
(1/26)

[النقد بالجزء الثاني]
(الشعر والشعراء لابن قتيبة (الجزء الثانى)) وأخيرا- وبعد ترقب وانتظار طال أمده حتى أربى على أربع سنين- أخرج القاضى الفاضل الشيخ «أحمد محمد شاكر» الجزء الثانى من كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة.
وقد سبق أن تناولت الجزء الأول بالنقد فى هذه المجلة (مجلة الكتاب) (يونية 46 ص 295- 309) وقد قرأه الشيخ إذا ذاك وأعجب به وسلم بما فيه [1] ، ووعدنى بنشره فى آخر الجزء الثانى لينتفع به قراء الكتاب فى تصحيح تلك الأخطاء، ولعل مشاغل الشيخ قد حالت بينه وبين الوفاء به [2] ، كما حالت بينه وبين إتمام تحقيق الكتاب، فعهد فى إكماله إلى الأستاذ عبد السلام هارون، وذلك من صفحة 803 إلى آخر الكتاب.
وقد تصفحت هذا الجزء، وألفيت فيه كسابقه كثيرا من الملاحظات ولكن ضيق نطاق المجلة يعوق عن ذكر أكثرها، ولا يسمح إلا بإيراد أقلها. ومن ثم نكتفى بذكر النماذج التالية، مرتبة وفق ترتيب صفحات الكتاب.
1- (الفقرة 978) :
«وكان الأقيشر صاحب شراب، فأخذه الأعوان بالكوفة وقالوا: شارب خمر، فقال: لست شارب خمر ولكنى أكلت سفرجلا، وأنشأ يقول:
يقولون لى: إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم: لا بل أكلت سفرجلا»
علق الشيخ على هذا البيت بقوله:
__________
[1] أما التسليم بما فيه- بإطلاق- فإنه لم يكن. ولكنى وافقت عليه إجمالا، مع احتفاظ- كل منا برأيه فى مواضع النظر واختلاف الرأي. (أحمد محمد شاكر) .
[2] ليست المشاغل وحدها هى التى تحول بينى وبين الوفاء. ولكنى كنت مسافرا عند تمام الكتاب (أحمد محمد شاكر) .
(1/27)

«انكه: أصلها «إنك» فخفف «إن» المشددة وفى اللسان 16/171 عن الليث: وللعرب لغتان فى إن المشددة: إحداهما التثقيل. والأخرى التخفيف. فأما من خفف فإنه يرفع بها، إلا أن ناسا من أهل الحجاز يخففون وينصبون، على توهم الثقيلة» وفيه «عن الفراء: لم نسمع العرب تخفف إن وتعملها إلا مع المكنى، لأنه لا يتبين فيه إعراب، فأما فى الظاهر فلا، ولكن إذا خففوها رفعوا وهنا خففها مع الضمير ثم ألحق به هاء السكت» .
حسب الشيخ أن فعل الأمر الذى هو «إنكه» مكون من «إنّ» والضمير، وهاء السكت، وذهب يتحمل العلل لإعمالها، فنقل عن اللسان، وليس الأمر كما حسب، فإن «انكه» فعل أمر من نكه ينكه، أى أخرج نفسه، جاء فى اللسان 17/448 «ونكه هو ينكه وينكه» أخرج نفسه إلى أنفى، ونكهته: شممت ريحه، واستنكهت الرجل فنكه فى وجهى ينكه وينكه نكها: إذا أمره بأن ينكه، ليعلم أشارب هو أم غير شارب، قال ابن برى: شاهده قول الأقشير:
يقولون لى إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم: لا بل أكلت سفرجلا»
2- (الفقرة 1024) من شعر الطرماح «وقال يهجو بنى تميم:
أفخرا تميما إذ فتيّة خبّت ... ولؤما إذا ما المشرفيّة سلّت»
قال الشيخ فى شرحه لهذا البيت: «فتية بالتصغير وبالتكبير: يريد الحرب، سماها بذلك كأنه علم لها، أخذه من الحديث، قال فى النهاية: وفى حديث البخاري: الحرب أول ما تكون فتية. هكذا جاء على التصغير، أى: شابة، ورواه بعضهم فتية بالفتح» .
لم يقل الطرماح «فتية» لا بالتصغير ولا بالتكبير، ولم يسم الحرب بذلك، ولم يأخذه من هذا الحديث، ولو قال ذلك وأخذه من الحديث لكان عازبا عن الصواب، وإنما قال «أفخرا تميما إذا فتنة خبت» كما جاء فى ديوانه ص 131، وقال شارحه: يقول: «أتفخر فخرا تميما يا فرزدق عند سكون الفتنة، وتأتى باللؤم عند
(1/28)

المسابقة [1] فتفر أنت وقومك؟» .
3- (الفقرة 1025) من شعر الكميت:
وكلّ لؤم أبان الدهر أثلته ... ولؤم ضبّة لم ينقص ولم يبد
والصواب «أباد» كما فى الديوان. وقد أشار المستشرق «دى غوية» إلى أنها كذلك فى بعض النسخ. وقد أهمل الشيخ الإشارة إلى هذه الرواية الصحيحة.
4- (الفقرة 1080) «ودكين هو القائل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يضرع عن اللؤم نفسه ... فليس إلى حسن الثناء سبيل»
قال الشيخ فى شرحه: «أصل الضرع- بفتح الراء- الذل والتخشع، يقال ضرع له وإليه: استكان وخشع، فالمراد هنا: إن لم يمنع نفسه عن اللؤم ويغلبها» .
قلت: والصواب «إن هو لم يضرح عن اللؤم نفسه» ، جاء فى اللسان 3/357 «الضرح: التنحية، وقد ضرحه: أى نحاه ودفعه» .
5- (الفقرة 1236) من شعر المرار الفقعسى يرثى أخاه بدرا:
تذكرنى بدرا زعازع حجرة ... إذا عصفت إحدى عشيّاتها الغبر
لم يشرح الشيخ كلمة زعازع، ولم ينظر فى معناها، ومن أجل ذلك شرح كلمة: «حجرة» شرحا يجافى الصواب، فقال: «حجرة- بفتح الحاء وسكون الجيم: بلد باليمن» . و «الزعازع» : الشدائد، جاء فى اللسان 10/4 «يقال: كيف أنت فى هذه الزعازع: إذا أصابته شدائد الدهر» . و «الحجرة» بالفتح كما فى اللسان 5/187 «السنة الشديدة المجدية، القليلة المطر، قال زهير:
إذا السّنة الشبهاء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال فى الحجرة الأكل
__________
[1] لعل صوابه عند المسايفة» (أحمد محمد شاكر) .
(1/29)

الحجرة: السنة الشديدة، لأنها تحجر الناس فى البيوت» .
6- (الفقرة 1275) من قصيدة الرحال فى هجاء زوجه:
فلا بارك الرحمن فى عود أهلها ... عشية زفّوها ولا فيك من بكر
شرح الشيخ البيت بقوله «يقول: يا عجوز أهلها، يريد أنه تزوج اثنتين ثيبا وبكرا» وليس فى هذا البيت ولا فى أبيات القصيدة كلها ما يشير إلى أن الشاعر تزوج اثنتين ثيبا وبكرا، ولا يعطى البيت أكثر من أن الشاعر يدعو على الفتاة البكر التى زفت إليه، كما يدعو على «العوّد» الذى حملها إليه، والعود: هو الجمل المسنّ وفيه بقية. وقد أكمل الدعاء فى البيت الذى يليه حيث يقول:
ولا بارك الرحمن فى الرّقم فوقه ... ولا بارك الرحمن فى القطف الحمر
وواضح جدّا أن الضمير فى قوله: «فوقه» يعود على العود، الذى هو الجمل.
7- (الفقرة 1285) من قصيدة القطامى فى هجاء العجوز التى استضافها فأبت عليه:
إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفّعت الظلماء من كل جانب
ضبط الشيخ همزة «الظلماء» بالضم، والصواب فتحها، كما فى ديوان الشاعر ص 50 وأمالى ابن الشجرى 2: 58.
8- (الفقرة 1285) من شعر القطامى:
سرى فى حليك الليل حتى كأنما ... يخزّم بالأطراف شوك العقارب
والصواب «فى جليد الليل» كما فى ديوانه، وقال شارحه: «يقول: أصاب أطرافه الجليد، فكأن شوك العقارب تخزمت أطرافه» ، وفى اللسان 15: 66:
«وتخزم الشوك فى رجله: شكها ودخل فيها، قال القطامى:
سرى فى جليد الليل حتى كأنما ... يخزم بالأطراف شوك العقارب
وكذلك روى الشطر الأول فى أمالى ابن الشجرى، وفى بعض نسخ الشعر
(1/30)

والشعراء، كما ذكر دى غوية.
9- (الفقرة 1285) يقول القطامى فى القصيدة نفسها:
فلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحىّ؟ قالت: معشر من محارب
من المشترين القدّ مما تراهم ... جياعا وريف الناس ليس بناضب
والصواب «من المشتوين القد» جاء فى اللسان « ... وفى حديث عمر: كانوا يأكلون القدّ، يريد جلد السخلة فى الجدب» .
10- (الفقرة 1350) :
فى ترجمة العمانى «ودخل على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج، فقال له: إياك أن تنشدنى إلا وعليك عمامة عظيمة الكور، وخفّان دلقمان» .
قال الشيخ فى تعليقه: «لا أدرى ما معنى هذا الوصف؛ فإن الدلقم بكسر الدال، وسكون اللام وفتح القاف: هى المرأة الهرمة والناقة التى تكسرت أسنانها» والصواب «وخفان بلال» أى: أملسان [1] .
11- جاء فى هامش بعض نسخ الشعر والشعراء أن ابن ميادة أخذ معنى بيت له من قول بلال بن حمامة:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى إذخر وجليل
وعلق عليه الشيخ بقوله هامش (الفقرة 1386) ولست أدرى من بلال بن حمامة هذا» . ولعل بلال بن حمامة هو بلال بن رباح وكان اسم أمه حمامة. وقال ابن حجر فى الإصابة: «هو بلال بن حمامة وهى أمه» . وقد روى ابن إسحاق بسنده عن عائشة أنها قالت فى خبر طويل ... وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت؛ ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بفخّ وحولى إذخر وجليل
__________
[1] من أين هذا الصواب والجزم به، دون نقل عن مصدر معين؟! أحمد محمد شاكر.
(1/31)

وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل
وشامة وطفيل: جبلان بمكة «راجع سيرة ابن هشام 2/239، وكذلك جاء فى السيرة الحلبية 2/111 والروض 1/53 وشرح غريب السيرة للخشنى 1/146.
12- (الفقرة 1408) فى ترجمة مالك بن أسماء «وكان أخوه عيينة هوى جارية لأخته هند، فاستعان بأخيه على أخته، وشكا إليه ما به، فقال مالك:
أعييّن هلّا إذّ شغفت بها ... كنت استعنت بفارع العقل»
هكذا ضبط الشيخ «شغفت» بفتح الشين، والصواب ضمها، جاء فى اللسان 11: 81 «وشغف بالشىء على صيغة ما لم يسم فاعله: أولع به، وشغف بالشىء شغفا على صيغة الفاعل: قلق» .
السيد أحمد صقر
(1/32)

[مقدمة أحمد محمد شاكر]
(صدى النقد تعقيب على نقد ودرس للمنقود قبل الناقد) أعتذر للأخ الأستاذ السيد صقر عن تأخير التحية له بمناسبة نقده إياى. وكلنا طالب علم، وكلنا طالب حقيقة، وكلنا رائد معرفة، ونرجو أن يكون ذلك خالصا لوجه الله وحده. وليس بعد الاعتراف اعتذار.
والأستاذ السيد أحمد صقر منى بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معى، وعرفته وعرفنى، وتأدبنا بأدب واحد فى العلم والبحث، وفى فقه المسائل، والحرص على التقصى ما استطعنا.
فإذا ما نقد كتابى فإنما يقوم ببعض ما يجب عليه نحو أخ أقدم منه سنّا، ويراه هو أنه أكثر منه خبرة، أو أوسع إطلاعا. وما أدرى: أصحيح ما يراه، أم هو حسن الظن فقط؟ فإن له مدى مديدا فى الاطلاع والتقصى، ونفذات صادقة فى الدقائق والمعضلات، يندر أن توجد فى أنداده، بل فى كثير من شيوخه وأستاذيه.
وقد نقد الكتاب الذى أخرجته بتحقيقى «الشعر والشعراء لابن قتيبة» فى مقالين بمجلة «الكتاب» الغراء فى عدد يونية سنة 1946 م بعد ظهور الجزء الأول، ثم فى عدد ديسمبر سنة 1950 م بعد ظهور الجزء الثانى.
وما أحب أن أدير مناظرة أو جدالا حول المآخذ التى أخذها علىّ. فما زعمت قط وما زعم لى أحد أنى لا أخطئ، وكلنا نخطئ ونصيب. ثم هو قد يكون أنفذ بصرا منى فى «الشعر» وما إليه بل هو كذلك فيما أعتقد. وليس وراء الجدال من فائدة، إلا المراء، وقد نهينا عنه أشد النهى.
وقد عتب علىّ الأستاذ السيد صقر أن لم أف بوعدى له بنشر نقده للجزء الأول فى آخر الجزء الثانى. وله العتبى فى ذلك، وقد أشار هو إلى بعض عذرى: أن مشاغلى حالت دون الوفاء بما وعدت، وقد صدق. فإنى وعدته وحرصت على
(1/33)

الوفاء بوعدى، ثم أنسيته حين رجوت أخى الأستاذ عبد السلام هارون أن يتم الكتاب فى أواخر الجزء الثانى، إذ اعتزمت السفر مع أهلى إلى الحج. فشغلنى ذلك عن كل شىء، حتى أنسانى ما وعدته به.
ووعد بوعد: فكما وعدت الأستاذ السيد صقر بنشر نقده الجزء الأول فى آخر الجزء الثانى، وعدنى هو- بعد رجائى- أن يقابل النسخة المطبوعة بتحقيقى على النسخ المخطوطة التى أشار إليها فى مقاله الأول، وعلى ما قد عساه يوجد من مخطوطات أخر من الكتاب، ويثبت ما يجده من تصويب أو اختلاف، تمهيدا لتحقيق الكتاب مرة أخرى، لنخرجه فى الطبعة القادمة إن شاء الله متعاونين مشتركين. حتى نؤدى الأمانة حقها. ولعله حريص على الوفاء إن شاء الله [1] .
ولقد زعم كثير من إخواننا، ووصل إلىّ ذلك: أنى ضقت بنقد الأستاذ السيد صقر فى المرتين. وما أظن الذى زعم ذلك أو توهمه يعرف شيئا من خلقى. فما ضاق صدرى بشىء من نقد قط، لان أو قسا، والعلم أمانة.
بل إنى لأرى أن الضيق بالنقد والتسامى عليه ليس من أخلاق العلماء، وليس من أخلاق المؤمن. إنما هو الغرور العلمى، والكبرياء الكاذبة. وحسبنا فى ذلك قول الله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
[البقرة: 206] . وما قال أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب، إذ ردّت عليه امرأة، وهو على المنبر يخطب خير مجتمع ظهر على وجه الأرض، قال كلمة صريحة بينة: «امرأة أصابت ورجل أخطأ» . لم تأخذه العزة بالإثم، وتسامى على الكبرياء والغرور العلمى، وعمر هو عمر.
ثم ما هذه الفاشية المنكرة التى فشت بين المنتسبين للعلم؟ سأتحدث عن نفسى مضطرا حتى لا أمسّ غيرى:
أنا أرى أن من حقى أن أنقد من أشاء، وأن أقسو فى النقد ما أشاء، فمن ذا الذى يزعم لى، أو يزعم لنفسه، أن ينقد الناس، وأن يقسو عليهم فى النقد، ثم يرى
__________
[1] وهو إلى الآن لم يفعل، أحمد محمد شاكر.
(1/34)

من حقه عليهم أن لا ينقدوه، وأن لا يتحدثوا عنه- إن أذن لهم فى الحديث- إلا برفق ولين وملق ونفاق، مما يسمونه فى هذا العصر العجيب «مجاملة» !! لقد رجوت الأستاذ السيد صقر أن ينقد الجزء الأول من «الشعر والشعراء» حين صدوره، وقرأت نقده قبل أن يطبع فى مجلة «الكتاب» الغراء، ولم أجد فى هذا غضاضة علىّ قط، وإن كثيرا من إخوانى ليعرفون هذا الذى أقول، وقد عجبوا منه فى حينه، ولم أره موضعا للعجب. ثم رجوته أن ينقد الجزء الثانى حين صدوره أيضا. ولم أر فى نقده ما يمسنى من قريب أو من بعيد.
وهذا رأيى الذى ربيت عليه واعتنقته طول حياتى: أن لى أن أنقد آراء الناس فى حدود ما أستطيع من علم، وأن لهم أن ينقدوا آرائى فى حدود ما يستطيعون من علم.
وسأذكر بعض المثل، عسى أن يكون فيها عظة وعبرة:
يذكر الناس ما يدور كل عام مرارا من جدال حول إثبات أوائل الشهور العربية:
أبالرؤية أم بالحساب. وكتب الناس فى هذا كثيرا، وكتبت مرارا. وكان من رأيى التمسك بالرؤية وحدها، وكان هذا رأى والدى الشيخ محمد شاكر رحمه الله، وكتب فيه وشدد. ثم بدا لى غير ذلك، فى حياة أبى. فنشرت رسالة صغيرة فى شهر ذى الحجة سنة 1357 هـ (فبراير سنة 1939 م) ، اسمها «أوائل الشهور العربية» . وكان مما قلت فيها (ص 15) بالحرف الواحد: «لقد كان للأستاذ الأكبر الشيخ المراغى- منذ أكثر من عشر سنين، حين كان رئيس المحكمة العليا الشرعية- رأى فى رد شهادة الشهود، إذا كان الحساب يقطع بعدم إمكان الرؤية، كالرأى الذى نقلته هنا عن تقى الدين السبكى. وأثار رأيه هذا جدالا شديدا، وكان والدى وكنت أنا وبعض إخوانى ممن خالف الأستاذ الأكبر فى رأيه. ولكنى أصرح الآن بأنه كان على صواب، وأزيد عليه وجوب إثبات الأهلة بالحساب، فى كل الأحوال، إلا لمن استعصى عليه العلم به» . فلم أجد غضاضة على والدى رحمه الله- فى علمه وفضله الذى يعرفه الجم الغفير من الناس- أن أعلن فى كتاب منشور خلاف رأيه ورأيى،
(1/35)

والردّ عليه وعلى نفسى.
بل أنا أخرج منذ بضع سنين، كتاب (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، بتحقيقى وشرحى، وقد أخرجت منه إلى الآن 8 مجلدات [1] ، رأيت بعد إتمام المجلد الثانى منها أنه فاتنى شىء كثير، من الشرح والتخريج، ومن التحقيق والتعليل، وأنه ندت عنى أخطأء علمية مهمة، وأن مثل ذلك سيكون فى الأجزاء القادمة، مهما أحرص على أن لا يكون. وأن الأمانة أن أبين كل شىء ما استطعت. فاستحدثت فى آخر الجزء الثالث، ثم فى آخر كل جزء ظهر أو سيظهر إن شاء الله، بابا فى «الاستدراك والتعقيب» ، رجوت فى أوله إخوانى من علماء الحديث فى أقطار الأرض أن يرسلوا لى كل ما يجدون من ملاحظة أو استدراك أو تعقيب أو بحث. وجعلت لهذه الاستدراكات أرقاما متتابعة. وقد بلغ عدد الأحاديث التى نشرت فى المجلدات السبعة 5580 حديثا، وبلغ عدد الاستدراكات عليها، التى نشرت فى آخر المجلد الثامن 1789 استدراكا، كلها مما تعقبته على عملى ونقدته.
إن كثيرا من الناس تغرهم المناصب والرتب وتخدعهم الألقاب العلمية الضخمة. وما كان شىء من هذا ميزانا صحيحا للعلم. ولقد نقدت كثيرا من أمثال هؤلاء، فتعاظموا واستكبروا، فمنهم من أنف أن يرد على، ومنهم من سلط بعض أذنابه يشتمنى، فما عبأت بهذا ولا بهذا، لا استكبارا ولا تعاظما، ولكن لأنى طالب علم ورائد حقيقة، ولكن لأنى لم أضع نفسى فى مرازينهم قط.
ومثال آخر من أروع الأمثلة فى آداب المتقدمين من الأئمة:
هذا ابن حزم الإمام العظيم، وكل من سمع به يعرف قسوة قلمه، وبديع نقده، وطريف تشنيعه إذا ما بدا له أن يشنع على خصم. بحث بحثا فقهيا فى (المحلى) ، ليس من مجال القول هنا أن نفصله. فذكر فيه (6: 66- 74) مسألة استدل فيها بعض العلماء بحديث رواه ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبى إسحق عن عاصم بن ضمرة والحرث الأعور عن على. ثم رد صحة الحديث بأن جرير بن
__________
[1] صارت الآن 15 مجلدا، وأسأل الله التوفيق لإتمامه. أحمد محمد شاكر.
(1/36)

حازم قرن فى الإسناد بين عاصم بن ضمرة، وهو ثقة، وبين الحرث الأعور، وهو كذاب، وقال (ص 70) : «وكثير من الشيوخ يجوز عليهم مثل هذا، وهو أن الحرث أسنده، وعاصم لم يسنده، فجمعهما جرير، وأدخل حديث أحدهما فى الآخر» . وغلا ابن حزم غلوا شديدا بعد ذلك، فقال: «هو حديث هالك. ولو أن جريرا أسنده عن عاصم وحده لأخذنا به» .
وابن حزم كان يؤلف قبل عصر المطبعة، وكتابه فى يده، فكان مستطيعا إذا شاء أن يعرض عما كتبه كله فى هذه المسألة الطويلة، ويستأنف كتابتها على النحو الذى يريده بعد أن تغير اجتهاده وتغير رأيه. ولكنه أبى إلا أن يبقى ما كتب على ما كتب، ثم يرد على نفسه، على طريقته وبقوته، فيقول فى آخر المسألة (ص 74) : «ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا إسحق أو جريرا خلط إسناد الحرث بإرسال عاصم- هو الظن الباطل الذى لا يجوز. وما علينا من مشاركة الحرث لعاصم، ولا لإرسال من أرسله، ولا لشك زهير فيه شىء وجرير ثقة، فالأخذ بما أسنده لازم» .
وهذا الجزء من (المحلى) طبع منذ أكثر من عشرين سنة، سنة (1349 هجرية) بتحقيقى. وقد كتبت فيه تعليقا على صنيع ابن حزم هذا ما نصه:
«لله درّ أبى محمد بن حزم، رأى خطأه فسارع إلى تداركه، وحكم بأنه الظن الباطل الذى لا يجوز. وهذا شأن المنصفين من أتباع السنة الكريمة وأنصار الحق، وهم الهداة القادة. وقليل ما هم» .
وأظن فى هذا مقنعا لمن أراد أن يقتنع أو يهتدى.
أحمد محمد شاكر
(1/37)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد عبده ورسوله، سيد ولد آدم، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(هذا الكتاب) من مصادر الأدب الأولى، ومما أبقى لنا حدثان الدهر من آثار أئمتنا الأقدمين. ألّفه إمام ثقة حجة من أوعية العلم. ترجم فيه «للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جلّ أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم فى الغريب، وفى النحو، وفى كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وهذا الذى قصد إليه، «فأما من خفى اسمه، وقلّ ذكره وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقلّ من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا» كما قال هو فى خطبة كتابه (ص 58) . وقدّم له بمقدمة تنطوى على أبواب فى: أقسام الشعر، وعيوب الشعر، والإقواء، والإكفاء، والعيب فى الإعراب، وأوائل الشعراء.
وأول ميزة يراها القارئ المتأمل فى الكتاب أن اختيار المؤلف لبعض شعر الشاعر اختيار عالم بالشعر عارف به فقيه فيه، فهو يختار فيحسن الاختيار، وينقد فيحسن النقد ويجيد، ويوازن بين الشعراء فيقيم الوزن بالقسط، لا يحيد ولا يميل.
وخير ما ندلّ به على منزلة هذا الكتاب من العلم، وعلى فائدته للعلماء والمتأدبين، أن نخرجه إليهم إخراجا صحيحا متقنا، وعلى ما أستطيع بجهدى القاصر، بأنى رجل جلّ اشتغالى بعلوم الحديث والقرآن، إلا أنى أرى أن الأدب والشعر هما أكبر عون فى فقه القرآن، والسنة. وما أستطيع أن أزعم أنى أهل لمثل هذا العمل: إلا أن أبذل ما فى وسعى، والتوفيق والعون من الله.
لم يكن هذا الكتاب معروفا على وجهه للعلماء والمتأدبين، إلا قليلا منهم. ذلك
(1/38)

أن نسخه المخطوطة فى مصر نادرة، فليس منها فى دار الكتب المصرية إلا نسختان، إحداهما مخطوطة بقلم معتاد، بخط يحيى بن محمد بن لونيس بن القاضى المغربى الزواوى، نقلها من نسخة مخطوطة محفوظة بالقسطنطينية المحروسة فى دار كتب راغب باشا، وفرغ من كتابتها لثلاث ليال خلون من شهر رجب سنة 1286 هـ بهاشها بعض تقييدات» ، والأخرى «بخط عيسى بن محمد بن سلمان، فرغ من كتابتها ظهر يوم الاثنين الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة 1059 هـ. بها ترقيع وأكل أرضة وتلويث، وبهامشها تقييدات» ، كما جاء وصفهما فى فهرس دار الكتب، وهما برقمى (550، 4247 أدب) . ومخطوطاته الأخرى فى دمشق وبرلين وباريس وفينا وليدن. وطبع الكتاب فى ليدن سنة 1875 م، ثم طبع فيها مرة أخرى سنة 1902 م. وهذه الطبعة قليلة نادرة، والأولى أقل منها وأشد ندرة. ثم طبعه السيد محمد أمين الخانجى رحمه الله فى سنة 1322 هـ (1904 م) مع بعض تعليقات للسيد محمد بدر الدين النعسانى، وهى نسخة مختصرة غير كاملة. ولقد كنت عجبت من ذلك حين وقعت إلىّ طبعة ليدن الثانية، فسألت السيد الخانجىّ رحمه الله، وهو الخبير بالكتب العارف بها، فاعتذر لى بأنه طبعه عن نسخة دار الكتب المصرية، وأنه لم يكن قد وصل إليه خبر عن طبعة ليدن. وفى معجم المطبوعات لسركيس (ص 212) أنه طبع أيضا فى الآستانة سنة 1322 هـ وفى مطبعة الفتوح الأدبية بمصر سنة 1332 هـ (1914 م) ولم أر هاتين الطبعتين. ثم طبعه فى سنة 1350 هـ (1932 م) محمود أفندى توفيق بمطبعة المعاهد بمصر، وصححه وعلق حواشيه صديقنا الأديب العلامة الأستاذ مصطفى السقا، واعتذر فى مقدمته بأنه لم ير الطبعة الأوربية إلا حين كاد يفرغ من تصحيح الملزمة الثامنة عشرة من طبعته، أى حين أتمّ نحو ثلاثة أرباع الكتاب، وهذه الطبعة مختصرة غير كاملة، مثلها مثل طبعة الخانجى، لا تزيد عليها إلا قليلا.
وقد وفق الله أخانا الأستاذ محمد أفندى الحلبى، صاحب «دار إحياء الكتب العربية» بمصر، لاختيار نشر هذا الكتاب، فعهد إلىّ أن أحققه وأشرحه، فاعتزمت ذلك مستعينا بالله متوكلا عليه.
(1/39)

واعتمدت فى تحقيق الكتاب على طبعة ليدن سنة 1902 وكانت عندى منذ عهد بعيد. أقرؤها وأرجع إليها عند الحاجة. ولم أضنّ بها عن التمزيق بين يدى الطابعين، إذ لم نجد منها نسخة أخرى نشتريها، فكانت الحرب الأخيرة الفاجرة المدمرة دائرة، فلم نستطع أن نطلب نسخة أخرى من أوربا. وقاسينا ما قاسينا حتى صرح لنا بهذا الورق الذى تراه، والذى لم يكن لنا فى اختياره خيار.
ومطبوعة ليدن التى اعتمدناها حققها المستشرق «دى غوية» ، وكتب لها مقدمة جيدة، وأثبت فى هوامشها اختلاف النسخ المخطوطة التى وقعت له واعتمد عليها فى طبعته، وكتب كل ذلك باللغة اللاتينية، ورمز للنسخ المخطوطة بحروف لاتينية أيضا.
وقد تفضل الأديب الفاضل الأستاذ وهيب كامل، المدرس بكلية الآداب بجامعة القاهرة، بترجمة المقدمة والاصطلاحات إلى اللغة العربية، فأعاننى عونا كبيرا على هذا العمل الشاق، يعجز لسانى عن وفائه حقه من الشكر.
والمستشرق «دى غوية» - كما يبدو لى من عمله فى الكتاب- من أواسط المستشرقين، وليس من أعليائهم أمثال «ريط» الذى حقق كتاب الكامل للمبرد، و «بيفان» الذى حقق نقائض جرير والفرزدق، و «ليال» الذى حقق شرح المفضليات لابن الأنبارى. ولا هو من ضعفائهم أمثال «ألورد» و «مرجليوث» ، ولكنه بين بين، فإنه حقق الكتاب تحقيقا لا بأس به، ولكنه أخطأ فيه فى مواضع ليست بالقليلة، نبهت إلى كثير منها فى مواضعها، وأعرضت عن بعضها. ومن أعجب هذه الأغلاط: أن بعض الناس كتب بهامش إحدى نسخ الكتاب زيادة نقلها عن «أبى على فى النوادر» . والظاهر أن بعض الناسخين أدخلها فى صلب الكتاب، فجاء مجهول آخر، وكتب بهامش إحدى النسخ ما يفيد أن أبا علىّ هذا هو قطرب، فرجح ذلك لدى «دى غوية» فأثبته فى فهارس الكتاب!! وفاته أن هذا خطأ واضح بل خلط، على الرغم من أن «قطربا» يكنى «أبا على» وأنه له كتابا اسمه «النوادر» . لسبب واحد يدرك للوهلة الأولى من البحث، وهو أن نص الزيادة أوله:
«قال أبو علىّ فى النوادر: قرأت هذه القصيدة على أبى بكر ابن دريد» ... إلخ.
(1/40)

وابن دريد ولد سنة 223 هـ وقطرب مات سنة 206 هـ!! فليس من المعقول أن يقرأ أحدهما على صاحبه، وليس من المعقول أن يقرأها المتقدم على المتأخر قبل أن يولد!! (انظر ص 327 من طبعة ليدن، ص 494 من طبعتنا هذه) . ولكنه على كل حال أخرج الكتاب إخراجا جيدا يشكر عليه.
وقد وضع «دى غوية» للكتاب فهرسين للأعلام والأماكن فقط، لم يخلوا من خطأ وقصور، وإن أفادا الباحث فوائد جمة، ويسّرا له سبل البحث والاستدلال.
(فرأيت أن أتدارك ذلك كله. فأحقق متن الكتاب تحقيقا أقرب إلى الصواب،) بتخير أصح النسخ التى أشار إليها المستشرق، ومراجعة نصوصها على ما أستطيع مراجعته من المصادر، خصوصا المصادر التى تنقل عن هذا الكتاب، ودواوين الشعر التى يسّرت لى. وأن أشرح غريبه شرحا مقاربا، تقريبا لهذا الأدب العالى. والشعر المتين الرصين، إلى الطبقة المتعلمة المثقفة فى الأمة العربية، التى نهضت أعظم نهضة لإحياء دولة العرب ومجد العرب، ومن حولها الذئاب تنهش وتشتجر.
(وجعلت عمدتى فى شرح الغريب الديوان الأعظم «لسان العرب» ،) وحرصت على أن أثبت نصوصه بحروفها، فى الأكثر الأغلب، إذ هى نصوص الأئمة الأولين، أمثال أبى عبيدة، وأبى عبيد، والأصمعى، وأبى حنيفة، من أساطين اللغة وحفظة البيان، ونقلها ابن منظور عن المؤلفين قبله: الأزهرى، والجوهرى، وابن سيدة، وابن الأثير، وابن برىّ، وحرص على ألفاظهم، فحرصت كما حرص. ولم أنص على ذلك فى كل موضع، اكتفاء بالإشارة إليه هنا، إلا أن يقتضى البحث أو السياق أن أنص على مصدر النقل.
(ولم أثبت كل الاختلاف بين النسخ المخطوطة التى كانت بين يدىّ «دى غوية» ) إذ لم تكن بين يديّ، ولم يكن من الميسور فى هذه الظروف التى تنشر فيها الكتاب أن نحصل عليها. وعسى أن أستطيع بعد ظهور هذه الطبعة الحصول على مصورات فتغرافية منها، فأحقق نصوصها عن عيان فى طبعة قادمة، إن شاء الله.
(واجتهدت فى تخريج ما فى الكتاب من شعر وغيره،) على ما وسعه جهدى،
(1/41)

أى بيان أماكن وجوده فى الكتب الأخرى، على نحو اصطلاح المحدثين فى «تخريج الأحاديث» وفى هذه فائدة كبيرة للباحث المتحقق. ولكنى لم أثبت اختلاف الروايات إلّا قليلا عند الضرورة القصوى، فلو تتبعت ذلك والتزمته طال الأمر جدا، والورق قليل والعقبات جمة.
(ووضعت بالهامش أرقام صحف طبعة ليدن بالأرقام الإفرنجية،) وهى الأرقام العربية الأصلية، أخذها الإفرنج عن عرب الأندلس والمغرب، ولا تزال هى المستعملة عند أهل المغرب إلى الآن. وفى ذلك فائدتان: أولاهما، أن نستطيع الإرشاد فى التعليقات إلى ما سيأتى من الكتاب، بالإشارة إلى موضعه فى تلك الطبعة، فيستطيع قارئ طبعتنا أن يصل إليه، وثانيتهما، وهى أهمهما، أن تلك الطبعة مكثت مرجع الأدباء والباحثين أكثر من أربعين سنة، يشيرون إلى صحفها فى كتبهم وأبحاثهم وتعليقاتهم، فلولا أن أثبتنا أرقام تلك الصحف، لقد شققنا على القارئ والباحث، إذ يريد أن يرجع إلى النص الذى يشار إليه فى هذا الكتاب، ولا يجد طبعة ليدن، أو يجدها ولا يرى أن يقتنيها. وصنعت له فى آخر الجزء الثانى فهارس جمة متقنة: للكتاب على أبوابه، وللأعلام عامة، وللأماكن، وللقوافى، ولأيام العرب ووقائعها، والفهرس المهمّ العظيم، فهرس الألفاظ المفسرة فى الكتاب، فإنه معجم نفيس، لا لما فيه من شرح الغريب، فإنه فى متناول كثير من الناس، بكثرة كتب المعاجم، ولكن لدلالته على الاستعمالات ومواقع الكلام ومناحى البلاغة، فإن فى نصوصه علما جما لا تجده فى «لسان العرب» وهو أوسع المعاجم.
وأتبعت ذلك بجريدة المراجع، وهى أسماء الكتب التى رجعت إليها فى عملى، لتعيين طبعاتها، إذ أذكر صفحاتها فيما أسنده إليها، ليستطيع القارئ أن يتوثق مما نقلت إن أراد، ويتوسع فى البحث إن علت به همته، حتى لا يضلّ بين مختلف الطبعات. وفى هذه الجريدة قليل من الكتب ذكرها ابن قتيبة فى هذا الكتاب، فأشرت إلى موضع ذكرها فيه.
وها هما ذان مقدمة «دى غوية» ووصفه للمخطوطات التى طبع عنها الكتاب، بترجمة الأستاذ وهيب كامل أثبتهما بنصهما.
(1/42)

المقدمة اللاتينية التى كتبها المستشرق دى غوية
(ترجمة الأستاذ وهيب كامل) ليس لدىّ من المادة ما يمكننى من التحدث بإسهاب عن العالم البعيد الشهرة أبى محمد بن قتبية (المتوفى سنة 276 هـ أو قبلها ببضع سنوات) . أما كتابه «الشعر والشعراء» الذى أنشره الآن فقد اشتهر بين العلماء من مخطوطة فينا. وترجم نلدكة مقدمته إلى اللغة الألمانية سنة 1864 م، ونشر «ريترهوزن» [1] متنه مع ترجمة هو لاندية فى سنة 1875 م. و «ريترهوزن» هذا اعتمد فى ترجمته على المخطوطة التى كانت فى حوزة شيفر. والنص فى مخطوطة شيفر هذه يتفق مع مخطوطة فينا فى كل المواضع تقريبا، ويتفق كذلك مع النسخة التى أثبت بعضها سوكين، وأثبت بعضها الآخر أحد الشرقيين فى دمشق، معتمدين على المخطوطة التى كانت فى حوزة مصطفى أفندى السباعى. وقد أعطاها العالمان العظيمان بريم وسوكين هدية إلى مكتبة ليدن.
ونص هذه النسخة يختلف فى مواضع كثيرة مع مخطوطة فينا، وهو فى الغالب أغزر منها مادة بكثير. فمثلا يذكر ابن خلكان موضعا من كتاب «الشعر والشعراء» فلا نجده فى مخطوطة فينا ولكنا نجده قد ورد فى هذا النص.
وقد حمل هذا الاقتضاب نلدكة على الظن أن مخطوطة فينا تشتمل على مختصر لمؤلف ابن قتيبة. وقد أخذ ألورد بهذا الرأى وأثبته فى كتالوج برلين (الجزء السادس ص 474 وما بعدها) وفى وصفه للمخطوطة، التى تتفق مع نسختنا غاية الاتفاق.
ولكنى أخالفه فى هذا الرأى: ذلك بأنه يوجد فى مخطوطة فينا مسائل كثيرة لا
__________
[1] كتب اسمه فى فهرس دار الكتب المصرية (ج 3 ص 243 من الطبعة الجديدة) وفى معجم المطبوعات لسركيس (ص 212) «ريترسموزن» وهو خطأ.
(1/43)

توجد فى مخطوطة ليدن (البرلينية) ، وهما حينما تتناولان مسألة بعينها، تستعملان عبارات مختلفة، ومخطوطة القاهرة- والإجماع على أنها تتفق فى الغالب الأعم مع مخطوطة ليدن- تختلف عن مخطوطة ليدن فى مواضع غير قليلة، وفى هذه المواضع إما أن تتفق مع مخطوطة فينا، وإما أن تأتى بعبارة جديدة، كما حدث أحيانا.
ولذلك فالحقيقة فيما يبدو لى هى أن المؤلف أملى كتابه من كراسته فى فترات مختلفة، فكان يستعمل فى كل مرة عبارات متغايرة، ويضيف أحيانا عبارات من عنده، ويهمل عبارات كان قد أملاها فى مرة سابقة. ونص بعض العناوين، وخصوصا فى الجزء الأول من الكتاب، يختلف فى بعضها عن بعض فى مختلف المخطوطات، إلى حد أنه ينبغى أن تنشر مستقلة. وذلك هو السبب عندى فى أنه لم يرد ذكر بعض الشعراء الممتازين، فى حين أن شعراء أقلّ شأنا قد ظفروا من الكتاب بمكان يذكرون فيه.
ومن المعقول أن تكون روايات أخرى- بجانب الرويات التى وصلت إلينا- كانت موجودة فى وقت ما. وإنى لا أستطيع أن أصف محتويات إستنبول (من مكتبة راغب باشا) ولا مخطوطة بيروت، اللتين وصفهما بروكلمان (1: 122) . وإنى شديد الأسف لأنى لم أستطع أن أرجع إلى هاتين المخطوطتين، ولا أن أقارن بينهما، وبين مخطوطة القاهرة.
وللفرنسيين فى ذلك مثل صائب: «الأحسن عدوّ الحسن» ولو أنى فرضت على نفسى أداء هذا الواجب لكان ظهور هذه الطبعة من الكتاب من الكتاب أمرا مشكوكا فيه. فإذا كنت غير قادر على إخراج هذا الكتاب فى صورة مثالية بغير الرجوع إلى هاتين المخطوطتين، فإنها الضرورة تضطرنى إلى ذلك.
ولقد استخرج ريترهوزن نسخة من مخطوطة فينا، وراجعت أنا النسخة والمخطوطة الواحدة على الأخرى، وبعد ذلك راجع ريترهوزن مخطوطة شيفر كذلك. ووصف نلدكة مخطوطة فينا وأرسل إلىّ صورة منها، فاستطعت- بالاعتماد
(1/44)

على هذه الصورة- أن أصلح قليلا من الأخطاء. والأصل فى هذه الطبعة هو نسخة ليدن، لأن النصّ فيها جيد غالبا. ولقد قارنت بينها وبين برلين، والنصّ فيها أقلّ جودة، ولكنها كانت، على أى حال، مفيدة فى كثير من الأحيان، وليس هناك نسخ من هذه المخطوطة. وبالرغم من أن الخطأ قد يتكرر فيهما وتسقط قطع منهما جميعا إلا أنهما تتفقان إلى حدّ بعيد. أما مخطوطة القاهرة فقد تناولتها فى الملاحظة على النص (ص 1) والقراءة المخالفة التى ترد فى أية مخطوطة أخرى منصوص عليها فى هامش هذه النسخة.
ويقتبس كتاب «خزانة الأدب» مواضع كثيرة من كتابنا (يعنى الشعر والشعراء) ، وكثيرا ما يكون ما يقتبسه متفقا مع نص مخطوطة فينّا. ومن ناحية أخرى، نجد مؤلف الأغانى يعتمد على نسخة أطول، ولكنها تتفق مع مخطوطة ليدن. ويحدث مرة أو مرتين أن تكون القطعة بعينها مقتبسة فى الخزانة وفى الأغانى. (انظر مثلا ص 390 ب) .
ولقد بذلت قصارى جهدى فى مراجعة كل المواضع التى اقتبسها المؤلفون المختلفون من هذا الكتاب، ولكنى أخشى أن يكون قد فاتنى موضع أو موضعان.
فليسامحنى القارئ.
ويذكر الفهرست (ص 77 وما بعده) كتابنا هذا تحت عنوان «الشعر والشعراء» . ولكنه (أى الكتاب) يسمى «كتاب طبقات الشعراء» فى هامش مخطوطتى برلين وليدن، وكذلك فى عنوان مخطوطة القاهرة.
ولقد لا حظ ألورد بحق أن الشعراء- ولو أنهم ليسوا مرتبين بدقة فى طبقات- مقسّمين بحسب قدرة الشاعر الفنية، أو بحسب القبائل أو أو إلخ إلخ. وإذن يكون عنوان «طبقات الشعراء» مناسبا للكتاب ولكن إذ التفتنا إلى التصدير الذى يقول فيه المؤلف إنه ألف كتابا فى الشعراء، وإلى المقدمة التى يقول فيها إنه يبحث فى «طبقات الشعراء» ، ووضعنا إلى جانب هذا ما جاء فى كتاب المعارف (ص 319) حيث يسمى الكتاب «كتاب الشعر» ونظرنا إلى «عيون الأخبار» حيث يسمى الكتاب
(1/45)

«كتاب الشعر» ، وهذا العنوان من الجائز جدّا أن يكون اختصارا لعنوان «كتاب الشعر والشعراء» ، لرجحنا أن يكون المؤلف نفسه قد سمّى كتابه كما جاء فى الفهرست.
ويسمّى الكتاب فى ملاحظة على «المحاسن» للجاحظ ص 184 «أخبار الشعراء» والعنوان فى مخطوطة بيروت «ديوان الشعر والشعراء» (انظر المجلة الآسيوية سنة 1894 م الجزء الثانى ص 207 ملاحظة 2) .
وكتابنا- على ما ورد فى مقدمة كتاب عيون الأخبار- واحد من سلسلة كتبها المؤلف على طريقة الطبقة الممتازة من الكتّاب. فبعد أن أخرج كتابه المشهور «أدب الكتاب» ، الذى علّم فيه الكتّاب فن الكتابة حقّا، رأى أن هذا النحو من التعليم لا يكفى، وأن الكتّاب تنقصهم معلومات متنوعة، فأخرج أربعة كتب مختلفة الموضوعات، مما كان قد وعاه فى ذهنه ثم ألّف كتابه الكبير «عيون الأخبار» .
والكتب الأربعة هي: «كتاب الشراب» ، و «كتاب المعارف» ويعرف فى طبعة وستنفلد «بالكتاب التاريخى» . و «كتاب الشعر» وهو كتابنا هذا، و «كتاب تأويل الرؤيا» ويسميه الفهرست «كتاب تعبير الرؤيا» . والفهرست يسمى «كتاب الشراب» «كتاب الأشربة» (ص 78) . وهذا الكتاب الأخير مذكور فى كتابنا مرتين:
الأولى فى (ص 89) بالعنوان الأول «كتاب الشراب» والثانية فى ص 54) بالعنوان الثانى «كتاب الأشربة» . وعلى ذلك يكون كتابنا متأخرا عن كتاب الشراب. وحيث إن كتابنا مذكور فى «كتاب المعارف» ، فكتاب المعارف إذن أحدث منه. وفى كتابنا يرد ذكر «كتاب العرب» (ص 6) وكتاب «العرب فى الشعر» (ص 35) . وفى موضع متقدم من هامش مخطوطة ليدن ترد ملاحظة أن ابن عبد ربه قد ذكر «كتاب تفضيل العرب» لابن قتيبة. ويظهر أن بروكلمان (1: 122) كان على صواب فيما ذهب إليه من أن الفهرست (ص 78) يشير إلى هذا الكتاب بالذات بعنوان:
«التسوية بين العرب والعجم» . فإذا التفتنا إلى ما يقوله المؤلف عن محتويات هذا الكتاب (ص 6) بدا لنا أن الأرجح أن نحصر تفكيرنا فى كتاب «معانى الشعر الكبير» (الفهرست ص 77) . فمن هذا الكتاب أو من كتاب «عيون الشعر» والفهرست ص 77) قد أخذ قول ابن قتيبة الذى أورده شارح الأخطل (ص 144) وفى نص
(1/46)

كتابنا (ص 305) وما بعدها.
وبحسب ما جاء فى المزهر للسيوطى (الجزء الثانى 345) فإن ابن قتيبة قد اتّبع الأصمعىّ فى تفسير معنى كلمة «المخضرم» . ويظهر من «عيون الأخبار» أن كتاب «معانى الشعر» متقدم حتى على هذا الكتاب.
وكثيرا ما يذكر المؤلف فى كتابنا «كتاب غريب الحديث» انظر (ص 443) . وهذا المؤلف متقدم فى التاريخ على كتاب «مختلف الحديث» لأنه مذكور فى مقدمته.
وقد بذلت مجهودا كبيرا فى إصلاح الأصول ومراجعتها، ولكن الأخطاء لم تفارقها أبدا. فهى إما من سهو منى أو من الطابع. فإذا سمح الوقت، أعدت طبع هذا الكتاب وتوخّيت الدقة فى قراءة الأصول ومراجعتها مرات عديدة.
(1/47)

وصف النسخ المخطوطة
(الذى كتبه «دى غوية» بهامش (ص 2) من طبعته ترجمة الأستاذ وهيب كامل) أصل الطبعة نسخة ليدن المخطوطة التى صححها «بريم» و «سوكين» من مخطوطة دمشق، وأعطياها هدية لمكتبة ليدن، ورمز لها بحرف ن.
وتتفق معها مخطوطة برلين، ولكن هذه المخطوطة نادرة الشكل، كثيرة الخطأ ورمز لها بحرف ب.
مخطوطة القاهرة تتفق معهما كثيرا، وقد اعتمدها «هرتمن» ؛ ورمز لها بحرف هـ. ولكن مخطوطة فينا، ورمز لها بحرف ف، ومخطوطة باريس التى كانت فى حوزة «شفرى» سابقا، ورمز لها بحرف س، تخالفان المخطوطة السابقة كثيرا مخالفة شديدة.
ومؤلف كتاب الخزانة اعتمد هذه النسخة دائما، أى نسخة القاهرة. فأخذت ما فى نسختى فينا وباريس ووضعت زياداتهما بين قوسين هكذا () .
ومن البديهى الواضح أن «دى غوية» يريد بنسخة القاهرة النسخة (رقم 550 أدب) ، إذ أنها هى التى كانت موجودة بدار الكتب حين طبع الكتاب، وهى التى ذكرت وحدها فى الطبعة الأولى من الفهرس المطبوعة سنة 1307 هـ- (ج 4 ص 280) . وأما النسخة الثانية (رقم 4247 أدب) فإنها لم تكن دخلت الدار إذ ذاك.
وقد زدت أنا بعض زيادات فى متن الكتاب، قليلة، عند الضرورة، ووضعتها بين معكوفين هكذا [] وأشرت فى الهامش إلى المصادر التى أخذت منها.
ولست لأنسى فضل أخى الأستاذ العلامة المتقن، ابن خالى، السيد «عبد السلام محمد هارون» بما أعاننى من جدّه وعلمه، فى كثير من مشكلات الكتاب، وفى قراءة كثير من تجاربه.
(1/48)

[وصف المؤلف]
(وهذا المؤلف ابن قتيبة) [وقد كنت فى عنفوان الشباب، وتطلب الآداب، أحب أن أتعلق من كل علم بسبب، وأن أضرب فيه بسهم] ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث 74.
علم من أعلام الإسلام، وإمام حجة من أئمة العلم. كان لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب أهل السنة، كما أن الجاحط خطيب المعتزلة. وقد ترجم له كثير من العلماء فى كتبهم، بعضهم أطال وبعضهم أوجز، واستيعاب ترجمته شىء يطول، وقد حققها أديبان معروفان، وكاتبان مشهوران: السيد محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح، فى مقدمة كتاب «الميسر والقداح» الذى طبعه فى مطبعته «السلفية» فى سنة 1342 هـ-، والأستاذ أحمد زكى العدوى رئيس القسم الأدبى بدار الكتب المصرية، فى أول الجزء الرابع من كتاب «عيون الأخبار» الذى طبعته دار الكتب فى سنة 1349 هـ-، وهى ترجمة حافلة وافية. فقد رأيت فيهما الكفاية، إلا أنى لم أستسغ أن يخلو هذا الكتاب من ترجمة للمؤلف، فرأيت أن أثبت هنا نص ترجمته من كتابين هما أقدم الكتب التى ترجمت له وأقربها إلى عصره وهما «الفهرست» لابن النديم، الذى ألّف سنة 377 هـ-، و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادى الحافظ المتوفى سنة 463 هـ-، ثم أدل القارئ على كل ما عرفته من مواضع ترجمة المؤلف فى الكتب المطبوعة، ليرجع إليها إن شاء.
قال محمد بن إسحق المعروف بابن النديم، فى كتاب «الفهرست» (ص 115- 116 من طبعة المكتبة التجارية بمصر سنة 1348 هـ) : «ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكوفى، مولده بها، وإنما سمى الدينورىّ لأنه كان
(1/49)

قاضى الدينور، وكان ابن قتيبة يغلو فى البصريين، إلا أنه خلط المذهبين وحكى فى مذهبه عن الكوفيين [1] . وكان صادقا فيما يرويه، عالما باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف، وكتبه بالجبل مرغوب فيها، ومولده فى مستهل رجب، وتوفى سنة سبعين ومائتين.
وله من الكتب:
1- كتاب معانى الشعر، ويحتوى على اثنى عشر كتابا، منها: كتاب الفرس ستة وأربعون بابا، كتاب الإبل ستة عشر بابا، كتاب الحرب عشرة أبواب، كتاب العرور عشرون بابا، كتاب الديار عشرة أبواب، كتاب الرياح أحد وثلاثون بابا، كتاب السباع والوحوش سبعة عشر بابا، كتاب الهوامّ أربعة عشر بابا، كتاب الأيمان والدواهى سبعة أبواب، كتاب النساء والغزل باب واحد، كتاب النسب واللبن ثمانية أبواب، كتاب تصحيف العلماء باب واحد.
2- كتاب عيون الشعر، ويحتوى على عشرة كتب، منها: كتاب المراتب، كتاب القلائد، كتاب المحاسن، كتاب المشاهد، كتاب الشواهد، كتاب الجواهر، كتاب المراكب.
3- كتاب عيون الأخبار، ويحتوى على عشرة كتب: كتاب السلطان، كتاب الحرب، كتاب السؤدد، كتاب الطبائع، كتاب العلم، كتاب الزهد، كتاب الإخوان، كتاب الحوائج، كتاب الطعام، كتاب النساء.
4- كتاب التفقيه، هذا كتاب رأيت منه ثلاثة أجزاء نحو ستمائة ورقة بخط برك، وكانت تنقض على التقريب جزأين، وسألت عن هذا الكتاب جماعة من أهل الخطّ فزعموا أنه موجود، وهو أكبر من كتب البندنيجى وأحسن من كتبه.
5- كتاب الحكاية والمحكى.
6- كتاب أدب الكاتب.
7- كتاب الشعر والشعراء.
8- كتاب الخيل.
__________
[1] يريد أنه كان من علماء العربية على مذهب البصريين. واختار آراء من مذهب الكوفيين.
(1/50)

9- كتاب جامع النحو.
10- كتاب مختلف الحديث.
11- كتاب إعراب القرآن.
12- كتاب ديوان الكتاب.
13- كتاب فرائد الدر.
14- كتاب خلق الإنسان.
15- كتاب القراءات.
16- كتاب المراتب والمناقب من عيون الشعر.
17- كتاب التسوية بين العرب والعجم.
18- كتاب الأنواء 19- كتاب المشكل.
20- كتاب دلائل النبوة.
21- كتاب اختلاف تأويل الحديث.
22- كتاب المعارف.
23- كتاب جامع الفقه.
24- كتاب إصلاح غلط أبى عبيد فى غريب الحديث.
25- كتاب المسائل والجوابات.
26- كتاب العلم، نحو خمسين ورقة.
27- كتاب الميسر والقداح.
28- كتاب حكم الأمثال.
29- كتاب الأشربة.
30- كتاب جامع النحو الصغير.
31- كتاب الرد على المشبهة.
32- كتاب آداب العشرة.
33- كتاب غريب الحديث» .
(وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن على الخطيب البغدادى) فى «تاريخ بغداد» (ج 10 ص 170- 171) : «عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الكاتب الدينورى، وقيل المروزى. سكن بغداد، وحدّث بها عن إسحق بن راهويه، ومحمد ابن زياد الزيادى، وأبى الخطاب زياد بن يحيى الحسانى، وأبى حاتم السجستانى.
روى عنه ابنه أحمد، وعبيد الله بن عبد الرحمن السكرى، وإبراهيم بن محمد بن
(1/51)

أيوب الصائغ، وعبيد الله بن بكير التميمى، وعبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسى. وكان ثقة دينا فاضلا. وهو صاحب التصانيف المشهورة، والكتب المعروفة، منها: غريب القرآن، وغريب الحديث، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وأدب الكتاب، وعيون الأخبار، وكتاب المعارف، وغير ذلك. سكن ابن قتيبة بغداد وروى فيها كتبه إلى حين وفاته. وقيل إن أباه مروزى وأما هو فمولده بغداد، وأقام بالدينور مدة فنسب إليها. قرأت على الحسن بن أبى بكر عن أحمد بن كامل القاضى قال:
ومات عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى فى ذى القعدة سنة سبعين ومائتين.
أخبرنا محمد بن عبد الواحد حدثنا محمد بن العباس قال: قرئ على ابن المنادى وأنا أسمع، قال: ومات عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينورى صاحب التصانيف فجأة، صاح صيحة سمعت من بعد، ثم أغمى عليه ومات. قال المنادى: ثم إن أبا القاسم إبراهيم بن محمد بن أيوب بن بشير الصائغ أخبرنى أن ابن قتيبة أكل هريسة فأصابته حرارة، ثم صاح صيحة شديدة، ثم أغمى عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ، فما زال يتشهد إلى وقت السحر، ثم مات، وذلك أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين» .
(ومن الأخطاء العجيبة ما نقله الحافظ الذهبى) فى ميزان الاعتدال عن الحاكم أنه قال: «أجمعت الأمة على أن القتيبى كذّاب» ! فقال الحافظ الذهبى: «هذه مجازفة قبيحة، وكلام من لم يخف الله» . ونقل السيوطى أن الذهبى قال أيضا ردا على الحاكم: «ما علمت أن أحدا اتهم القتيبىّ فى نقله، مع أن الخطيب قد وثّقه، وما أعلم أن الأمة أجمعت إلا على كذب الدّجال ومسيلمة» !! (ومن ذلك أيضا ما نقل الذهبى فى الميزان:) رأيت فى مرآة الزمان أن الدارقطنىّ قال: كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه ... وقال البيهقى: كان يرى رأى الكرّامية» .
و «الكراميّة» أصحاب محمد بن كرّام، وكان ممن يثبت الصفات إلّا أنه ينتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه، تعالى الله عن ذلك. وهذه تهمة باطلة أيضا، لييس أدلّ على بطلانها من أن ابن قتيبة ردّ على المشبهة ردا قويا فى كتاب «تأويل مختلف الحديث» ص 7- 13 من طبعة مصر سنة 1326 هـ) ومن أنه ألّف جزءا خاصا فى الردّ عليهم، سماه
(1/52)

«الاختلاف فى اللفظ والردّ عل الجهمية والمشبهة» وقد طبعته مكتبة القدسى فى مطبعة السعادة بمصر سنة 1349 هـ. وقد شهد شيخ الإسلام ابن تيمية لابن قتيبة بأنه من أهل السنة وكفى بشهادته شهادة، ذكره فى كتاب «تفسير سورة الإخلاص» فى ثلاثة مواضع، قال فى (ص 104- 105 من الطبعة المنيرية سنة 1352 هـ) : «وهذا القول اختيار ابن قتيبة وغيره من أهل السنة، وكان ابن قتيبة يميل إلى مذهب أحمد وإسحق» . وقال فى (ص 120- 121) : «وهذا القول اختيار كثير من أهل السنة، منهم ابن قتيبة وأبو سليمان الدمشقى وغيرهما. وابن قتيبة من المنتسبين إلى أحمد وإسحق، والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، وله فى ذلك مصنفات متعددة.
قال فيه صاحب كتاب التحديث بمناقب أهل الحديث: وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء، أجودهم تصنيفا وأحسنهم ترصيفا، له زهاء ثلاثمائة مصنف، وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحق، وكان معاصرا لإبراهيم الحربى ومحمد بن نصر المروزى.
وكان أهل المغرب يعظمونه ويقولون: من استجاز الوقيعة فى ابن قتيبة يتهم بالزندقة، ويقولون: كل بيت ليس فيه شىء من تصنيفه لا خير فيه. قلت: ويقال: هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب السنة، كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة» .
وقال أيضا فى الرد على أبى بكر بن الأنبارى (ص 133- 134) : «وهو قصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة. وليس هو أعلم بمعانى القرآن والحديث وأتبع للسنة من ابن قتيبة، ولا أفقه فى ذلك، وإن كان ابن الأنبارى من أحفظ الناس للغة، ولكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة. وقد نقم هو وغيره على ابن قتيبة كونه ردّ على أبى عبيد أشياء من تفسير غريب الحديث. وابن قتيبة قد اعتذر عن ذلك، وسلك فى ذلك مسلك أمثاله من أهل العلم، وهو وأمثاله يصيبون تارة ويخطؤون أخرى» .
وما بعد هذا الكلام كلام.
وقد قال ابن قتيبة نفسه فى كتاب «تأويل مختلف الحديث» (ص 95- 96) :
«ولا أعلم أحدا من أهل العلم والأدب إلا وقد أسقط فى عمله، كالأصمعى وأبى زيد وأبى عبيدة وسيبويه والأخفش والكسائى والفرّاء وأبى عمرو الشيبانى، وكالأئمة
(1/53)

من قرّاء القرآن، والأئمة من المفسرين. وقد أخذ الناس على الشعراء فى الجاهلية والإسلام الخطأ فى المعانى وفى الإعراب وهم أهل اللغة، وبهم يقع الاحتجاج» .
وأما تاريخ وفاته،
فأنت ترى أن ابن النديم زعم أنه فى سنة 270 هـ، وهذا القول حكاه أيضا الخطيب وغيره، ونقل ابن خلكان قولا آخر أنه سنة 271 هـ.
والصحيح الراجح أنه مات سنة 276 هـ، إذ هو الذى نقله الخطيب عن أبى القاسم إبراهيم بن أيوب الصائغ، وهو تلميذ ابن قتيبة، وقد قصّ قصة وفاته مفصلة، فهو أجدر أن تكون روايته أثبت من غيرها. وهذا هو الذى رجحه الحافظ ابن كثير، إذ ترجم له فى وفيات سنتى 270 هـ، 276 هـ وقال فى الأخيرة: «والصحيح أنه مات فى هذه السنة» . وكذلك رجحه ابن خلكان وغيره.
(وهاك جريدة بمصادر ترجمة المؤلف من الكتب المطبوعة، مرتبة على طبقات مؤلفيها، الأقدم فالأقدم:) الفهرست لابن النديم 115- 116 تارخ بغداد للخطيب الحافظ 10: 170- 171 الأنساب للسمعانى (مادة القتبى) فى الورقة 443 نزهة الألباء فى طبقات الأدباء لأبى البركات بن الأنبارى 272- 274 المنتظم لأبى الفرج بن الجوزى 5: 102 تاريخ ابن الأثير 7: 157 تهذيب الأسماء للنووى 2: 281 وفيات الأعيان لابن خلكان 1: 314- 315 تفسير سورة الإخلاص لشيخ الإسلام ابن تيمية 104، 120- 121، 133- 134 تاريخ أبى الفداء 2: 54
(1/54)

ميزان الاعتدال للحافظ الذهبى 2: 77 تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبى 2: 187 مرآة الجنان لليافعى 2: 191- 192 تاريخ ابن كثير 11: 48، 57 لسان الميزان للحافظ ابن حجر 3: 357- 359 النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى 3: 75- 76 بغية الوعاة للسيوطى 291 شذرات الذهب لابن العماد 2: 169- 170 والحمد لله أولا وآخرا. وأسأله سبحانه التوفيق والعصمة والسداد.
العباسية بالقاهرة ضحوة الثلاثاء 22 ربيع الآخر 1365 هـ 26 مارس 1946 م كتب أحمد محمد شاكر عفا الله عنه بمنه
(1/55)

[مقدمة المؤلف]
(الشّعر والشّعراء) (لابن قتيبة) (تحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر) دار الحديث القاهرة
(1/57)

رموز أصول الكتاب م مخطوطة المدينة المنورة (مكتبة عارف حكمت) ب مخطوطة برلين د مخطوطة دمشق س مخطوطة باريس ف مخطوطة فينا هـ مخطوطة القاهرة ن مخطوطة ليدن ل مطبوعة ليدن
(1/59)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
قال أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة:
1* هذا كتاب ألّفته فى الشعراء [1] ، أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم فى أشعارهم، وقبائلهم، وأسماء آبائهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم. وعمّا يستحسن من أخبار الرجل ويستجاد من شعره، وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطاء [2] فى ألفاظهم أو معانيهم، وما سبق إليه المتقدّمون فأخذه عنهم المتأخّرون. وأخبرت (فيه) عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التى يختار الشعر عليها ويستحسن لها. إلى غير ذلك ممّا قدّمته فى هذا الجزء الأوّل.
2* قال أبو محمّد: وكان أكثر قصدى للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جلّ أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم فى الغريب، وفى النحو، وفى كتاب الله عزّ وجلّ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3* فأمّا من خفى اسمه، وقلّ ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواصّ، فما أقلّ من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضا أخبارا، وإذ كنت أعلم أنّه لا حاجة بك إلى أن أسمّى لك أسماء لا أدلّ عليها بخبر أو زمان، أو نسب أو نادرة، أو بيت يستجاد، أو يستغرب.
4* ولعلّك تظنّ- رحمك الله- أنّه يجب على من ألّف مثل كتابنا هذا ألّا يدع شاعرا قديما ولا حديثا إلّا ذكره ودلّك عليه، وتقدّر أن يكون الشعراء بمنزلة رواة الحديث والأخبار، والملوك والأشراف، الذين يبلغهم الإحصاء، ويجمعهم العدد.
5* والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم [3] فى الجاهليّة
__________
[1] ب «فى الشعر» .
[2] «الخطاء» بالمد، وفى هـ «الخطأ» وكلاهما صحيح.
[3] ب هـ س «قبايلهم وعشايرهم» .
(1/61)

والإسلام، أكثر من أن يحيط. بهم محيط. أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو أنفذ عمره فى التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده فى البحث والسؤال. ولا أحسب أحدا من علمائنا استغرق [1] شعر قبيلة حتّى لم يفته من تلك القبيلة [2] شاعر إلّا عرفه، ولا قصيدة إلّا رواها.
6* حدثنا [3] سهل بن محمّد [4] ، حدثنا الأصمعىّ [5] ، حدثنا كردين ابن مسمع [6] قال: جاء فتيان إلى أبى ضمضم بعد العشاء، فقال (لهم) [7] :
ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئناك نتحدّث، قال: كذبتم، ولكن قلتم [8] كبر الشّيخ فنتلعّبه [9] ، عسى أن نأخذ عليه سقطة!! فأنشدهم لمائة شاعر، وقال مرّة أخرى: لثمانين [شاعرا] [10] ، كلّهم اسمه عمرو.
7* قال الأصمعىّ: فعددت أنا وخلف (الأحمر) [11] فلم نقدر على ثلاثين [12] .
__________
[1] ب «استعرف» . ح «استفرغ» .
[2] س «لم يفته منها» .
[3] ب س «حدثنى» .
[4] هو أبو حاتم سهل بن محمد السجستانى البصرى، إمام فى غريب القرآن واللغة والشعر. أخذ عن أبى عبيدة والأصمعى وأبى زيد والأخفش، وأخذ عنه المبرد وابن دريد. مات سنة 255 هـ.
[5] هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعى، أسد الشعر والغريب والمعانى، كما وصفه المبرد. مات سنة 216 هـ عن نحو 88 سنة.
[6] بحاشية د «قال ابن الجوزى فى الألقاب: كردين اسمه مسمع بن عبد الملك بن مسمع البعرى، كان إخباريا، روى عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى» . وفى شرح القاموس 2:
485 «ابن كردين اسمه مسمع» ولم أجد فيما بين يدى من المصادر غير ذلك.
[7] كل ما وضعناه بين هذين القوسين فهو زيادة من س ب تبعا لصنيع مصحح ل.
[8] ب س «بل قلتم» .
[9] ن هـ س «كبر الشيخ وتبلغته السن» .
[10] الزيادة من هـ.
[11] هو خلف بن حيان الأحمر، قال أبو عبيدة: «خلف الأحمر معلم الأصمعى ومعلم أهل البصرة» مات فى حدود سنة 180 هـ.
[12] ب س «على أكثر من ثلاثين» .
(1/62)

8* فهذا ما حفظه أبو ضمضم، ولم يكن بأروى الناس، وما أقرب أن يكون من لا يعرفه من المسمّين بهذا الاسم أكثر ممّن عرفه.
9* هذا إلى من سقط شعره من شعراء القبائل، ولم يحمله إلينا العلماء والنّقلة [1] .
10* أخبرنا [2] أبو حاتم حدثنا الأصمعىّ قال: كان ثلاثة إخوة من بنى سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب [3] رجزهم، يقال لهم منذر ونذير ومنتذر [4] ، ويقال إنّ قصيدة رؤبة التى أوّلها [5] :
وقاتم الأعماق خاوى المخترق
لمنتذر ...
11* قال أبو محمّد: ولم أعرض فى كتابى هذا لمن كان غلب [6] عليه غير الشعر. فقد رأينا [7] بعض من ألّف فى هذا الفنّ كتابا يذكر فى الشعراء من لا يعرف بالشعر ولم يقل منه إلّا الشّذّ [8] اليسير، كابن شبرمة القاضى [9] ، وسليمان بن قتة التّيمىّ المحدّث [10] . ولو قصدنا لذكر مثل هؤلاء [11] فى الشعر لذكرنا أكثر الناس، لأنّه قلّ أحد له أدنى مسكة من أدب، وله أدنى حظّ من طبع، إلّا وقد قال من الشعر شيئا. ولا حتجنا أن نذكر صحابة رسول الله
__________
[1] ب س «الرواة» .
[2] د «حدثنا» ب س «حدثنى» هـ «قال حدثنا» .
[3] ب س «ذهب» .
[4] ب س «ومنيذر» .
[5] هى أرجوزة طويلة، انظرها فى ديوان رؤبة فى (مجموع أشعار العرب) 3: 104- 108 وفى أراجيز العرب 22- 38 وانظر الخزانة 1: 38- 45.
[6] هـ ب س «الأغلب» .
[7] هـ ب س «رأيت» .
[8] «الشذ» مصدر كالشذوذ، و «الشاذ» الوصف، وهنا وصف بالمصدر وهو جائز. وفى ب س «النبذ» .
[9] هو عبد الله بن شبرمة القاضى الفقيه، مات سنة 144 هـ.
[10] بحاشية ف «قال الشريف: ابن قتة هذا عدوى، وهو أول من رثى أهل البيت» .
وانظر بعض شعره فى تاريخ الطبرى 8: 248 والأغانى 17: 165.
[11] ف هـ س «أمثال هؤلاء» .
(1/63)

صلى الله عليه وسلم، وجلّة التابعين، وقوما كثيرا من حملة العلم، ومن الخلفاء والأشراف، ونجعلهم فى طبقات الشعراء.
12* ولم أسلك، فيما ذكرته من شعر كلّ شاعر مختارا له، سبيل من قلّد، أو استحسن باستحسان غيره. ولا نظرت إلى المتقدّم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخّر (منهم) بعين الاحتقار لتأخّره. بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظّه، ووفّرت عليه حقّه.
13* فإنى رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدّم قائله، ويضعه فى متخيّره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلّا أنّه قيل فى زمانه، أو أنّه رأى قائله.
14* ولم يقصر الله العلم والشعر [1] والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصّ به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده فى كلّ دهر، وجعل كلّ قديم حديثا فى عصره، وكلّ شرف خارجيّة [2] فى أوّله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدّون محدثين. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتّى لقد هممت بروايته.
15* ثمّ صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمىّ والعتّابىّ والحسن بن هانىء وأشباههم. فكلّ من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه (له) ، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخّر قائله أو فاعله، ولا حداثة سنّه. كما أنّ الرّدىء إذا ورد علينا للمتقدّم [3] أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدّمه.
16* وكان حقّ هذا الكتاب أن أودعه الأخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم
__________
[1] ف هـ س «الشعر والعلم» .
[2] ف س «وكل شريف خارجيا» . والخارجى: الذى يخرج ويشرف بنفسه من غير أن يكون له قديم. ومنه الخارجية، وهى خيل لا عرق لها فى الجودة، فتخرج سوابق، وهى مع ذلك جياد.
[3] ف س «للمقدم» .
(1/64)

خطره، وعمّن رفعه الله بالمديح، وعمّن وضعه بالهجاء وعمّا أودعته العرب من الأخبار النافعة، والأنساب [1] الصحاح، والحكم المضارعة لحكم الفلاسفة، والعلوم فى الخيل، والنجوم [2] وأنوائها والاهتداء بها، والرياح وما كان منها مبشّرا أو جائلا، والبروق وما كان منها خلّبا أو صادقا، والسحاب وما كان منها جهاما أو ماطرا، وعمّا يبعث منه البخيل على السماح، والجبان على اللقاء، والدّنّى على السّموّ.
17* غير أنى رأيت ما ذكرت من ذلك فى كتاب العرب [3] كثيرا كافيا [3] ، فكرهت الإطالة بإعادته. فمن أحبّ أن يعرف ذلك، ليستدلّ به على حلو [4] الشعر ومره. نظر فى ذلك الكتاب، إن شاء الله تعالى.
أقسام الشعر
18* قال أبو محمّد: تدبّرت الشعر فوجدته أربعة أضرب.
[ألف- ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه]
19* ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه، كقول القائل فى بعض بنى أميّة [4] :
__________
[1] فء «والأسباب» .
[2] ف هـ س «وفى النجوم» .
[3] هـ «فى أنساب العرب» . وبحاشيةء «لابن قتيبة كتاب فى تفضيل العرب. قاله ابن عبد ربه» . وكلام ابن عبد ربه فى العقد الفريد 2: 88 ونقل عنه شيئا. وفى شأنه كلام طويل للأستاذ أحمد زكى العدوى فى ترجمة ابن قتيبة فى أول الجزء الرابع من عيون الأخبار 32- 33. وقد وجد الشيخ جمال الدين القاسمى رحمه الله قطعة من أول هذا الكتاب، فنشرها فى مجلة «المقتبس» ثم نشرها علامة الشأم الأستاذ محمد كرد على فى مجموعة «رسائل البلغاء» 269- 295 ولكن كتب فى عنوانها أن ابن قتيبة من أهل القرن الخامس، وهو خطأ، فإنه من علماء القرن الثالث.
[4] هذان البيتان للحزين الكنانى من أبيات يمدح بها عبد الله بن عبد الملك بن مروان.
وزعم أبو تمام فى الحماسة أنهما له فى مدح زين العابدين على بن الحسين بن على بن أبى طالب (4: 167- 169 من شرح التبريزى) وزعم غيره أنهما من أبيات للفرزدق فى مدح زين العابدين. قال الأصبهانى فى الأغانى «وهو غلط ممن رواه فيها، وليس هذان البيتان مما يمدح به مثل على بن الحسين عليهما السلام، وله من الفضل المتعالم ما ليس لأحد» . وقال أيضا: «والصحيح أنها للحزين فى عبد الله بن عبد الملك، وقد غلط ابن عائشة فى إدخاله البيتين فى تلك الأبيات، وأبيات الحزين مؤتلفة منتظمة المعانى،
(1/65)

فى كفّه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع فى عرنينه شمم [1]
يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم [2]
لم يقل فى الهيبة شىء أحسن منه.
20* وكقول أوس بن حجر [3] :
أيّتها النّفس أجملى جزعا ... إنّ الّذى تحذرين قد وقعا
لم يبتدىء أحد مرثية بأحسن من هذا.
21* وكقول أبى ذؤيب [4] .
والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
22* حدثنى [5] الرّياشىّ [6] عن الأصمعىّ، قال: هذا أبدع [7] بيت قال العرب.
23* وكقول حميد بن ثور [8] :
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
ولم يقل فى الكبر شىء أحسن منه.
__________
متشابهة تنبىء عن نفسها» ثم ساق أبيات الحزين. انظر الأغانى 14: 74- 77.
والبيتان أيضا ضمن أبياته فى المؤتلف 88- 89. وكذلك نسبهما المصعب الزبيرى فى نسب قريش (ص 165) للحزين الكنانى. والمصعب من أقدم المؤلفين، وكتابه من المصادر الأولى المعتمدة.
[1] فى الحماسة «بكفه» وفيها وفى الأغانى «ريحها» . وفى رواية فى الأغانى «ريحه» .
[2] س ف هـ «فلا يكلم» .
[3] س ف «فإن ما تحذرين» . وهو صدر مرثية جيدة نادرة فى الأمالى 3: 34: 35، وبعضها فى الأغانى 10: 7- 8 وانظر شرح ذيل الأمالى للراجكوتى 19. وسيأتى البيت فى ترجمة أوس (102 ل)
[4] من مرثية أبى ذؤيب الهذلى أولاده، وهو البيت 13 من المفضلية 126 بشرحنا مع الأستاذ عبد السلام هارون طبعة دار المعارف.
[5] س ف هـ «قال وحدثنى» .
[6] هو العباس بن الفرج الرياشى اللغوى النحوى، قتله الزنج بالبصرة سنة 257 هـ.
[7] س ف «أبرع» .
[8] سيأتى فى ترجمته (230 ل) .
(1/66)

24* وكقول النّابغة [1] :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب
لم يبتدىء أحد من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب.
25* ومثل هذا (فى الشعر) كثير، ليس للإطالة به فى هذا الموضع وجه، وستراه عند ذكرنا أخبار الشعراء.
[ب- ضرب منه حسن لفظه وحلا]
26* وضرب منه حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتّشته لم تجد هناك فائدة فى المعنى، كقول القائل [2] :
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشدّت على حدب المهارى رحالنا ... ولا ينظر الغادى الذى هو رائح [3]
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح [4]
27* هذه الألفاظ كما ترى، أحسن شىء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن
__________
[1] النابغة هو الذبيانى. والبيت مطلع قصيدة يمدح بها عمرو بن الحرث الأصغر الأعرج، فى ديوانه 2- 9 وهو من شواهد سيبويه 1: 315. وانظر ما يأتى فى القطعة رقم:
254.
[2] هذه الأبيات فى ثمانية رواها الشريف المرتضى فى أماليه 2: 110- 111 ونسبها للمضرب، وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبى سلمى. وسيأتى ذكر عقبة هذا فى الفقرة: 208. والأبيات الثلاثة التى هنا ذكرها عبد القادر الجرجانى فى أسرار البلاغة 15 مثالا للشعر الذى سما به المعنى، وشرح ذلك على طريقته. والبيتان الأول والثالث ذكرهما ابن جنى فى الخصائص 1: 225 مثالا للشعر الرائق لفظه البسيط معناه! ورواهما القالى فى ذيل الأمالى 166 وياقوت فى معجم البلدان 8: 159 ولم ينسبهما واحد من هؤلاء غير الشريف. وذكر الراجكوتى فى شرح الذيل 77 أنه نسبها غير واحد لكثير عزة.
[3] «المهارى» بكسر الراء وتخفيف الياء، ويجوز تشديدها، وهو الأصل، لأنه جمع «مهرية» وهى الإبل المنسوبة إلى قبيلة «مهرة بن حيدان» . ويجوز أيضا فى الجمع «مهارى» بفتح الراء. وفى بعض الروايات «على دهم المهارى» .
[4] ب د «ومالت» . ف س «وشالت» وبحاشية ف «قال الشريف: الرواية الجيدة بالسين غير معجمة» . وقد شرحها عبد القادر بالسين المهملة.
(1/67)

نظرت (إلى) ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا [1] أيّام منّى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء [2] ، ومضى الناس لا ينتظر الغادى الرائح، ابتدأنا فى الحديث، وسارت المطىّ فى الأبطح.
28* وهذا الصنف فى الشعر كثير.
29* ونحوه قول المعلوط [3] :
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا [4]
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لى ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
30* ونحوه قول جرير [5] :
يا أخت ناجية السّلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذّل [6]
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الرّحيل فعلت ما لم أفعل [7]
31* وقوله [8] :
بان الخليط ولو طوّعت ما بانا ... وقطّعوا من حبال الوصل أقرانا
إنّ العيون التى فى طرّفها مرض ... قتّلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
__________
[1] س ف «ولما قضينا» .
[2] الأنضاء: جمع نضو، وهو الدابة التى أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها.
[3] س ف «قول جرير» . وبحاشية ف «قال الشريف: وتروى هذه الأبيات للمعلوط السعدى» والبيتان فى قصيدة لجرير يهجو بها الأخطل فى ديوانه 577- 579. والبيت الثانى فى ثلاثة أبيات للمعلوط بن بدل السعدى فى حماسة أبى تمام 3: 318- 319.
وهما فى الأغانى 15: 65- 66 وروى فيه بإسناده عن ابن قتيبة «أن هذين البيتين للمعلوط وأن جريرا سرقهما منه وأدخلهما فى شعره» .
[4] الوشل، يفتح الشين، من الدمع يكون القليل والكثير. والبيت فى اللسان 14: 251 والأغانى 7: 59 ولفظه عندهما «ما يزال» كما هنا. وفى س ف «لا يزال» وهى توافق روايات الأغانى.
[5] من قصيدة يجيب بها الفرزدق، فى ديوانه 442- 448 والنقائض 211- 231. وهما فى الأغانى 7: 39.
[6] فى الديوان والنقائض «يا أم ناجية» . وفيهما «قبل الرواح» وفى الأغانى «قبل الفراق» .
[7] فى الأغانى «يوم الفراق» .
[8] من قصيدة يهجو الأخطل، فى ديوانه 593- 598. وانظر الأغانى 7: 35- 37، 50 و 19: 37.
(1/68)

يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا
[ج- ضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه]
32* وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه [1] عنه، كقول لبيد بن ربيعة [2] :
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصّالح [3]
هذا وإن كان جيّد المعنى والسبك فإنّه قليل الماء والرّونق.
33* وكقول النابغة (للنّعمان) :
خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمدّ بها أبد إليك نوازع [4]
34* قال أبو محمّد: رأيت علماءنا يستجيدون معناه، ولست أرى ألفاظه جيادا ولا مبيّنة لمعناه، لأنّه أراد: أنت فى قدرتك علىّ كخطاطيف عقّف يمدّ بها، وأنا كدلو تمدّ بتلك الخطاطيف. وعلى أنى أيضا لست أرى المعنى جيّدا [5] .
35* وكقول الفرزدق:
والشّيب ينهض فى الشّباب كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار [6]
[د- ضرب منه تأخّر معناه وتأخّر لفظه]
36* وضرب منه تأخّر معناه وتأخّر لفظه، كقول الأعشى فى امرأة:
وفوها كأقاحىّ ... غذاه دائم الهطل [7]
كما شيب براح با ... رد من عسل النّحل
__________
[1] س ف هـ «الألفاظ» .
[2] سيأتى البيت (149 ل) .
[3] هـ «ما عاتب الحر» .
[4] الديوان 55. والحجن: جمع أحجن، وهو المعوج. وسيأتى البيت (80 ل) .
[5] س ف هـ «حسنا» .
[6] فى الأغانى 19: 16 «ينهض فى السواد» .
[7] «الأقاحى» جمع «أقحوان» قال الأزهرى: «هو القراص عند العرب، وهو البابونج والبابونك عند الفرس» وله نور أبيض كأنه ثغر جارية حدثة السن. كما فى اللسان.
(1/69)

37* وكقوله [1] :
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ فى السّفر ما مضى مهلا [2]
استأثر الله بالوفاء وبال ... حمد وولّى الملامة الرّجلا [3]
والأرض حمّالة لما حمّل الّل ... هـ وما إن تردّ ما فعلا
يوما تراها كشبه أرّدية ال ... عصب ويوما أديمها نغلا [4]
وهذا الشعر منحول، ولا أعلم [5] فيه شيئا يستحسن إلّا قوله:
يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلا
يريد أنّ كلّ شارب [6] يشرب بكفّه، وهذا ليس ببخيل فيشرب بكفّ من بخل. وهو معنى لطيف.
38* وكقول الخليل بن أحمد العروضى:
__________
[1] البيت الأول والثانى ومعهما بيت آخر فى الأغانى 8: 82. والأبيات مع غيرها فى الخزانة 4: 381- 385 والأول فى سيبويه 1: 284. وهو فى اللسان 13: 17 غير منسوب. والثانى فى معجم الشعراء للمرزبانى 401 والأغانى 10: 136.
[2] قال الأعلم فى شواهد سيبويه: «الشاهد فيه حذف خبر إن لعلم السامع، والمعنى: إن لنا محلا فى الدنيا ومرتحلا عنها إلى الآخرة. وأراد بالسفر من رحل من الدنيا، فيقول:
فى رحيل من رحل ومضى مهل، أى لا يرجع» .
[3] س ف «يا استأثر» .
[4] العصب: ضرب من برود اليمن. والنغل، بفتح الغين: فساد الأديم فى دباغه.
والبيت فى اللسان 14: 194 وقال «واستشهد الأزهرى بهذا البيت على قوله نغل وجه الأرض: إذا تهشم من الجدوبة» .
[5] س ف «لا أعرف» .
[6] ف د «أن كل بخيل» وليس بجيد.
(1/70)

إنّ الخليط تصدّع ... فطر بدائك أوقع
لولا جوار حسان ... حور المدامع أربع
أمّ البنين وأسما ... ء والرّباب وبوزع
لقلت للرّاحل ارحل ... إذا بدا لك أو دع
39* وهذا الشعر بيّن التكلّف ردىء الصنعة. وكذلك أشعار العلماء، ليس فيها شىء جاء عن إسماح وسهولة، كشعر الأصمعىّ، وشعر ابن المقفّع، وشعر الخليل، خلا خلف الأحمر، فإنّه (كان) أجودهم طبعا وأكثرهم شعرا.
ولو لم يكن فى هذا الشعر إلا «أمّ البنين» و «بوزع» لكفاه! 40* فقد كان جرير أنشد بعض خلفاء بنى أميّة قصيدته التى أوّلها:
بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما جدّوا لبين تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم ... قلبا يقرّ ولا شرابا ينقع
وهو يتحفّز ويزحف من حسن الشعر [2] ، حتّى إذا بلغ إلى قوله:
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلّا هزئّت بغيرنا يا بوزع!
قال له: أفسدت شعرك بهذا الاسم، وفتر.
41* قال أبو محمّد: وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، كما ينفع القبيح حسن اسمه، ويزيد فى مهانة الرجل فظاعة اسمه [3] ، وتردّ
__________
[1] ينقع بالقاف. يقال «شرب حتى نقع» أى: شفى غليله وروى. و «نقع الماء العطش» أذهبه وسكنه.
[2] ش ف «ويزحف إليها استحسانا لها» .
[3] س ف «فظاظة اسمه» .
(1/71)

عدالة الرجل بكنيته [1] ولقبه. ولذلك قيل: اشفعوا بالكنى، فإنّها شبهة.
42* وتقدّم رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: ادع أبا الكويفر ليشهد، فتقدّم شيخ فردّه شريح ولم يسأل عنه، وقال: لو كنت عدلا لم ترض بها. وردّ آخر يلقّب «أبا الذّبّان» ولم يسأل عنه.
43* وسأل عمر رجلا أراد أن يستعين به (على أمر) عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سرّاق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك! ولم يستعن به.
44* وسمع عمر بن عبد العزيز رجلا يدعو رجلا [2] : يا أبا العمرين، فقال: لو كان له عقل كفاه أحدهما! 45* ومن هذا الضرب قول الأعشى [3] :
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشلّ شلول شلشل شول
وهذه الألفاظ الأربعة فى معنى واحد، وكان قد يستغنى بأحدها عن جميعها [4] . وماذا يزيد هذا البيت أن كان للأعشى أو ينقص؟
46* [و] [5] قول أبى الأسد، وهو من المتأخرين الأخفياء [6] :
__________
[1] س ف «بشاعة كنيته» .
[2] س ف «ينادى آخر» .
[3] البيت فى اللسان 13: 385 والخزانة 3: 547. وصدره فى اللسان 13: 399. وهو من قصيدته التى ألحقها التبريزى بالمعلقات وشرحها فى شرح القصائد العشر 272- 289.
[4] فى اللسان: «الشاوى: الذى شوى، والشلول: الخفيف، والمشل: المطرد، والشلشل: الخفيف» القليل، وكذلك الشول، والألفاظ متقاربة، أريد بذكرها والجمع بينها المبالغة» .
[5] واو العطف لم تثبت فى الأصول وإثباتها ضرورى فزدناها.
[6] اسمه نباتة بن عبد الله الحمانى، شاعر مطبوع متوسط الشعر، من شعراء الدولة العباسية من أهل الدينور، وكان طيبا مليح النوادر مداحا خبيث الهجاء. قاله فى الأغانى، وله ترجمة في 12: 167- 171 والأبيات فيه 168 يمدح بها الفيض بن صالح وزير المهدى.
(1/72)

ولائمة لامتك يا فيض فى النّدى ... فقلت لها: لن يقدح اللّوم فى البحر
أرادت لتثنى الفيض عن عادة النّدى ... ومن ذا الّذى يثنى السّحاب عن القطر
مواقع جود الفيض فى كلّ بلدة ... مواقع ماء المزن فى البلد القفر
كأنّ وفود الفيض حين تحمّلوا ... إلى الفيض وافوا عنده ليلة القدر
47* وهو القائل [1] :
ليتك آذنتنى بواحدة ... تكون لى منك سائر الأبد
تحلف ألّا تبرّنى أبدا ... فإنّ فيها بردا على كبدى
إن كان رزقى إليك فارم به ... فى ناظرى حيّة على رصد
48* ومن هذا الضرب أيضا قول المرقّش [2] :
هل بالدّيار أن تجيب صمم ... لو أنّ حيّا ناطقا كلم
يأبى الشّباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم [3]
49* والعجب عندى من الأصمعى، إذ [4] أدخله فى متخيّره [5] ، وهو شعر ليس بصحيح الوزن، ولا حسن الرّوىّ، ولا متخيّر اللفظ، ولا لطيف المعنى
__________
[1] من أبيات فى الأغانى 12: 168 يهجو بها أحمد بن أبى دؤاد، لأنه مدحه فلم يثبه ووعده بالثواب ومطله.
[2] المرقش الأكبر شاعر جاهلى، ستأتى ترجمته 102- 205 ل وهذان البيتان هما الأول والأخير من المفضلية 54 انظرها بشرحنا مع الأستاذ عبد السلام محمد هارون طبعة دار المعارف. وسيأتى بهما المؤلف مرة أخرى 35 ل، وسيذكر البيت الأخير فى ترجمة المرقش.
[3] «يأبى» ثابتة الضبط فى المواضع الثلاثة فى هذا الكتاب، وهى صحيحة على القياس مثل «أتى يأتى» . وأما «أبى يأبى» مثل «سعى يسعى» فإنه سماعى. وفى رواية المفضليات «يأتى» بالتاء المثناة. الأقورين: الدواهى.
[4] س ف «حين» .
[5] هذا الشعر فى المفضليات، ولم يذكر فى الأصمعيات. وقد استدللنا فى مقدمة شرحنا للمفضليات بقول ابن قتيبة هذا على تداخل الأصمعيات فى المفضليات.
(1/73)

ولا أعلم [1] فيه شيئا يستحسن إلّا قوله:
النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم
ويستجاد منه قوله:
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم [2]
50* وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله [3] :
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
حتى قال [4] أبو نواس:
دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراء ... وداونى بالتى كانت هى الدّاء
فسلخه وزاد فيه معنى آخر، اجتمع له به الحسن فى صدره وعجزه، فللأعشى فضل السّبق إليه، ولأبى نواس فضل الزيادة فيه [5] .
51* وقال الرشيد للمفضّل الضبىّ:
اذكر لى بيتا جيد المعنى يحتاج إلى مقارعة الفكر فى استخراج [6] خبيئه ثمّ دعنى وإيّاه. فقال له المفضّل: أتعرف بيتا أوّله أعرابى فى شملته، هابّ من نومته، كأنّما صدر عن ركب جرى فى أجفانهم الوسن فركد، يستفزّهم بعنجهيّة [7] البدو، وتعجرف الشّدو، وآخره
__________
[1] س ف هـ «ولا أعرف» .
[2] «يعلم» ضبط فى هذا الكتاب بالبناء للمجهول، وفى المفضليات بالبناء للفاعل، فأثبتناهما معا، والمعنى واحد، يريد أن أمام الإنسان عاقبة عمله، أو أمامه الشيب والهرم والأمراض والعلل.
[3] س ف «يستجيدون قول الأعشى» .
[4] س ف «إلى أن قال» .
[5] س ف «عليه» .
[6] س ف «إلى مقارعة الأذهان فى إخراج» .
[7] العنجهية: الكبر والعظمة، أو الجفوة وخشونة المطعم وسائر الأمور، أو الجهل والحمق.
وضبطت هنا بفتح الجيم، ونقل صاحب اللسان الفتح عن ابن سيده عن ابن الأعرابى، والجادة ضم الجيم، وهو الذى فى القاموس وغيره.
(1/74)

مدنىّ رقيق، قد غذّى بماء العقيق؟
قال: لا أعرفه، قال: هو بيت جميل بن معمر:
ألا أيّها الرّكب النيام ألا هبّوا [1]
ثمّ أدركته رقّة المشوق [2] فقال:
أسائلكم [3] : هل يقتل الرّجل الحبّ؟
قال: صدقت، فهل تعرف أنت الآن بيتا أوّله أكثم بن صيفىّ فى أصالة الرأى [4] ونبل العظة، وآخره إبّقراط فى معرفته [5] بالداء والدواء؟ قال المفضّل:
قد هوّلت علّى، فليت شعرى بأىّ مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ قال:
بإصغائك وإنصافك [6] ، وهو قول [7] الحسن بن هانئ:
دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراء ... وداونى بالّتى كانت هى الدّاء
52* قال أبو محمّد: وسمعت بعض أهل الأدب يذكر [8] أنّ مقصّد القصيد إنّما ابتدأ فيها بذكر الديار والدّمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الرّبع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين (عنها) ، إذ كان نازلة العمد [9] فى الحلول والظّعن على خلاف ما عليه نازلة المدر،
__________
[1] فى الأغانى 7: 86*
ألا أيها النوام ويحكم هبوا
وذكر قصة أخرى نحو هذه بين الهيثم بن عدى وصالح بن حسان.
[2] س ف هـ «الشوق» .
[3] الأغانى «نسائلكم» .
[4] «الأصالة» المعروف فيها فتح الهمزة لا غير، ولكنها ضبطت هنا بالكسر فقط، فأثبتناهما، وإن لم نجد ما يؤيد الكسر.
[5] س ب «لمعرفته» .
[6] س ب «بإنصافك وإنصاتك» .
[7] س ب «وهو بيت» .
[8] س ب «بعض أهل العلم يقول» .
[9] نازلة العمد: هم أصحاب الأبنية الرفيعة الذين يتنقلون بأبنيتهم، ونحو ذلك فسر الفراء قوله تعالى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
«أنهم كانوا أهل عمد ينتقلون إلى الكلأ حيث كان ثم يرجعون إلى منازلهم» .
(1/75)

لانتقالهم [1] عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدّة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة [2] والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعى (به) إصغاء الأسماع (إليه) ، لأنّ التشبيب [3] قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما (قد) جعل الله فى تركيب العباد من محبّة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلّقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا (علم أنّه قد) استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقّب بإيجاب الحقوق، فرحل فى شعره، وشكا النّصب والسّهر، وسرى الليل وحرّ الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنّه (قد) أوجب على صاحبه حقّ الرجاء، وذمامة [4] التأميل، وقرّر عنده ما ناله من المكاره فى المسير، بدأ فى المديح، فبعثه على المكافأة، وهزّه للسّماح [5] ، وفضّله على الأشباه، وصغّر فى قدره الجزيل.
53* فالشاعر المجيد من سلك هذه الأسالب، وعدّل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيملّ السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمآء إلى المزيد.
54* فقد كان بعض الرّجّاز أتى نصر بن سيّار والى خراسان لبنى أميّة [6] ،
__________
[1] س ب «لانتجاههم الكلأ وانتقالهم» .
[2] س ب «فشكا شدة الشوق وألم الوجد والفراق، وفرط الصبابة» .
[3] س ب «لأن النسيب» .
[4] الذمامة، بفتح الذال وكسرها: الحق والحرمة. وفى س ب «وذمام» وهى بكسر الذال بمعنى الذمامة.
[5] س ب «على السماح» .
[6] ولى نصر بن سيار خراسان سنة 125 هـ ولاه إياها الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
(1/76)

فمدحه بقصيدة، تشبيبها مائة بيت، ومديحها عشرة أبيات، فقال نصر: والله ما بقّيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفا إلّا وقد شغلته عن مديحى بتشبيبك، فإن أردت مديحى فاقتصد فى النسيب، فأتاه فأنشده:
هل تعرف الدّار لأمّ الغمر ... دع ذا وحبّر مدحة فى نصر
فقال نصر: لا ذلك [1] ولا هذا ولكن بين الأمرين.
55* وقيل لعقيل بن علّفة [2] : ما لك لا تطيل الهجاء؟
فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
56* وقيل لأبى المهوّش الأسدى [3] : لم لا تطيل الهجاء؟
فقال: لم أجد المثل السائر إلّا بيتا واحدا.
57* وليس لمتأخّر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدّمين فى هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، أو يبكى عند مشيّد البنيان، لأنّ المتقدّمين وقفوا على المنزل الدائر، والرسم العافى. أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأنّ المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير. أو يرد على المياه العذاب الجوارى، لأنّ المتقدّمين وردوا على الأواجن الطّوامى. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأنّ المتقدّمين جروا على قطع منابت الشيخ والحنوة والعرارة [4] .
__________
[1] س ب- هـ «لا ذاك» .
[2] هو عقيل بن علفة المرى. كان شاعرا شريفا من غطفان. أخباره فى معجم الشعراء للمرزبانى 301- 302 والأغانى 11: 81- 89.
[3] «المهوش» بكسر الواو المشددة. وضبط فى ب فتح الواو. وأبو المهوش اسمه ربيعة بن وثاب. رجح صاحب الخزانة أنه شاعر إسلامى. وانظر الخزانة 3: 86: 142 والسمط 863.
[4] الحنوة، بفتح الحاء: نبات سهلى طيب الريح، وقال أبو حنيفة: الحنوة الريحانة.
والعرارة، بفتح العين: واحدة العرار، وهو نبت طيب الريح أيضا، وقال ابن برى:
هو النرجس البرى.
(1/77)

58* قال خلف الأحمر: قال لى شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال:
أنبت قيصوما وجثجاثا
فاحتمل له، وقلت أنا:
أنبت إجّاصا وتفّاحا
فلم يحتمل لى؟
59* وليس له أن يقيس على اشتقاقهم، فيطلق ما لم يطلقوا.
60* قال الخليل (بن أحمد) : أنشدنى رجل:
ترافع العزّ بنا فارفنععا
فقلت. ليس هذا شيئا، فقال: كيف جاز للعجّاج أن يقول:
تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا [1]
ولا يجوز لى؟! 61* ومن الشعراء المتكلّف والمطبوع [2] :
62* فالمتكلّف هو الذى قوّم شعره بالثّقاف، ونقّحه بطول التفتيش، وأعاد فيه النظر بعد النظر، كزهير والحطيئة. وكان الأصمعىّ يقول: زهير والحطيئة وأشباههما [3] (من الشعراء) عبيد الشعر، لأنهم نقّحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولىّ المنقح المحكّك.
وكان زهير يسمّى كبر قصائده الحوليّات [4] .
__________
[1] فى اللسان «تقاعس العز أى ثبت وامتنع ولم يطأطئ رأسه، فاقعنسس أى فنبت معه» .
[2] هذا الكلام كأنه منقول بنصه أو معناه فى البيان والتبيين للجاحظ 2: 21 و 2: 25.
[3] س ب «وأمثالهما» .
[4] سيأتى نحو هذا 61 ل.
(1/78)

63* وقال سويد بن كراع، (يذكر تنقيحه شعره) [1] :
أبيت بأبواب القوافى كأنّما ... أصادى بها [2] سربا من الوحش نزّعا
أكالئها حتّى أعرس بعد ما ... يكون سحيرا أو بعيد فأهجعا
إذا خفت أن تروى علىّ رددتها ... وراء التّراقى خشية أن تطلّعا
وجشّمنى خوف ابن عفّان ردّها ... فثقّفتها حولا جريدا ومربعا [3]
(وقد كان فى نفسى عليها زيادة ... فلم أر إلّا أن أطيع وأسمعا)
64* وقال عدىّ بن الرّقاع [4] :
وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتّى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف فى كعوب قناته ... حتّى يقيم ثقافه منآدها
65* وللشعر دواع تحث البطىء وتبعث المتكلّف، منها الطمع ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب.
66* وقيل للحطيئة، أىّ الناس أشعر [5] ؟ فأخرج لسانا دقيقا كأنّه لسان حيّة، فقال: هذا إذا طمع.
67* وقال أحمد بن يوسف الكاتب لأبى يعقوب الخريمىّ: مدائحك لمحمّد ابن منصور بن زياد، يعنى كاتب البرامكة، أشعر من مراثيك فيه وأجود؟ فقال:
كنّا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد [6] .
__________
[1] من أبيات ستأتى ترجمته 403 ل. وانظرها مطولة فى الأغانى 11: 123.
[2] س ب ف د «به» .
[3] حولا جريدا: أى: تاما.
[4] من قصيدة سيأتى بعضها فى ترجمته 392- 393 ل والبيتان فى الموشح ص: 13.
[5] س ب «من أشعر الناس» .
[6] سيأتى ذلك مرة أخرى، فى الفقرة: 1579.
(1/79)

68* وهذه عندى قصّة الكميت فى مدحه بنى أميّة وآل أبى طالب، فإنّه كان يتشيّع وينحرف عن بنى أميّة بالرأى والهوى، وشعره فى بنى أميّة أجود منه فى الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلّا قوّة أسباب الطمع وإيثار النفس لعاجل الدنيا على آجل الآخرة.
69* وقيل لكثيّر: يا أبا صخر كيف تصنع [1] . إذا عسر عليك قول الشعر؟
قال: أطوف فى الرّباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل على أرصنه، ويسرع إلىّ أحسنه.
70* ويقال أيضا إنّه لم يستدع [2] شارد الشعر بمثل الماء الجارى والشرف العالى والمكان الخضر الخالى.
71* وقال الأحوص [3] :
وأشرفت فى نشز من الأرض يافع ... وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا
وإذا شعفته الأيفاع مرته واستدرتّه.
72* وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟
فقال: (كيف أقول وأنا) ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه [4] .
73* وقيل للشّنفرى حين أسر: أنشد، فقال: الإنشاد على حين المسرّة [5] ، ثم قال:
__________
[1] س ب «كيف تصنع يابا صخر» .
[2] س ب «ما استدعى» .
[3] من أبيات ستأتى فى الفقرة: 903.
[4] ستأتى القصة مطولة فى ترجمته 332 ل. انظر الأغانى 11: 134- 135.
[5] س ب «على حال المسرة» . وهذه القصة مختصرة فى قصة مقتله، وتجدها مفصلة فى الأنبارى 194- 197 والأغانى 21: 87- 93 والخزانة 2: 16- 18. والأبيات فى الحماسة بشرح التبريزى 2: 63- 65.
(1/80)

فلا تدفنونى إنّ دفنى محرّم ... عليكم ولكن خامرى أمّ عامر [1]
إذا حملوا رأسى وفى الرأس أكثرى ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائرى [2]
هنالك لا أرجو حياة تسرّنى ... سمير الليالى مبسلا بالجرائر [3]
74* وللشعر تارات [4] يبعد فيها قريبه، ويستصعب (فيها) ريّضه.
وكذلك الكلام المنثور فى الرسائل والمقامات والجوابات، فقد يتعذّر على الكاتب الأديب وعلى البليغ الخطيب. ولا يعرف لذلك سبب [5] ، إلّا أن يكون من عارض يعترض [6] على الغريزة من سوء غذاء أو خاطر غمّ.
75* وكان الفرزدق يقول: أنا أشعر تميم (عند تميم) ، وربما أتت علىّ ساعة ونزع ضرس أسهل [7] علىّ من قول بيت.
76* وللشعر أوقات يسرع فيها أتيّه، ويسمح (فيها) أبيّه. منها أوّل الليل
__________
[1] بحاشية ب «قال الشريف: الرواية لا تدفنونى» . والذى فى المراجع التى أشرنا إليها «لا تقبرونى. إن قبرى» وفى سائر الروايات «أبشرى أم عامر» . قال التبريزى: «فى قوله: ولكن أبشرى أم عامر وجهان، أحدهما أبشرى أم عامر بأكلى إذا تركت ولم أدفن، والثانى اتركونى للتى يقال لها أبشرى أم عامر. ويروى خامرى أم عامر» وأم عامر هى الضبع.
[2] ب د هـ «إذا حملت» . وفى الخزانة والأغانى «إذا احتملت» . وفى الأنبارى والحماسة «إذا احتملوا» .
[3] فى الأنبارى والحماسة واللسان 7: 408 «سجيس الليالى» وهما بمعنى، والمراد:
أبدا. ومعنى «مبسلا بالجرائر» أنه أسلم إلى عدوه بما جنى عليهم، المبسل: المسلم.
[4] س ب «أوقات» .
[5] س ب «ولا تعرف لذلك علة» .
[6] س ب «يعرض» وبحاشية ب «قال الشريف: يختار فى الشر عرض يعرض، وفى الخير عرض يعرض» . وقد ضبط الفعل الماضى فيهما بفتح الراء، وهو خطأ، فإن الذى فى المصباح أن الفعل كله من باب «ضرب» ثم قال «وعرضت له بالسوء أعرض، من باب تعب، لغة» . ونص اللسان أيضا على البابين أنهما لغتان.
[7] س ب «أهون» .
(1/81)

قبل تغشّى الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة فى الحبس [1] والمسير.
77* ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل الكتاب.
78* وقالوا فى شعر النابغة الجعدىّ: خمار بواف ومطرف بآلاف [2] .
79* ولا أرى غير الجعدىّ فى هذا الحكم إلّا كالجعدىّ، ولا أحسب أحدا من أهل التمييز والنظر [3] ، نظر بعين العدل وترك طريق التقليد، يستطيع أن يقدّم أحدا من المتقدّمين المكثرين على أحد إلّا بأن يرى الجيّد فى شعره أكثر من الجيّد فى شعر غيره.
80* ولله درّ القائل: أشعر الناس من أنت فى شعره حتّى تفرغ منه.
81* وقال العتبى: أنشد مروان بن أبى حفصة لزهير فقال: زهير أشعر الناس، ثمّ أنشد للأعشى فقال: (بل) هذا أشعر الناس، ثمّ أنشد لامرئ القيس فكأنما سمع به غناء على شراب، فقال: امرؤ القيس والله أشعر الناس.
82* وكل علم [4] محتاج إلى السماع. وأحوجه إلى ذلك علم الدين، ثمّ الشعر، لما فيه من الألفاظ الغريبة، واللّغات المختلفة، والكلام الوحشىّ،
__________
[1] س ب «فى المجلس» .
[2] هذه الكلمة فى الأغانى: 137 عن الأصمعى قال: «ذكر الفرزدق نابغة بنى جعدة فقال: كان صاحب خلقان، عنده مطرف بألف وخمار بواف، يعنى درهما» . وقال محمد بن سلام الجمحى فى طبقات الشعراء 26: «وكان الجعدى مختلف الشعر مغلبا، فقال الفرزدق: مثله مثل صاحب الخلقان ترى عنده ثوب عصب وثوب خز وإلى جانبه سمل كساء» . وسيأتى نحو هذا فى الفقرة: 498.
[3] س ب «من أهل المعرفة أو أهل التمييز» .
[4] س ب هـ «وكل العلم» .
(1/82)

وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه. فإنّك لا تفصل فى شعر الهذليّين إذا أنت لم تسمعه بين «شابة» و «ساية» وهما موضعان [1] ، ولا تثق بمعرفتك فى حزم نبايع [2] وعروان الكراث [3] ، وشسّى عبقر [4] ، وأسد حلية [5] ،
__________
[1] «شابة» بالشين المعجمة والباء الموحدة الخفيفة، قال ياقوت: «جبل بنجد، وقيل بالحجاز فى ديار غطفان بين السليلة والربذة» . و «ساية» بالسين المهملة وبعد الألف ياء مثناة تحتية مفتوحة، قال ياقوت: «اسم واد من حدود الحجاز» ثم نقل عن ابن جنى أنه «واد عظيم به أكثر من سبعين عينا» .
[2] «حزم نبايع» : جبل أو واد فى ديار هذيل.
[3] «عروان» بضم العين: من أمنع جبال الحجاز وأكثره صيدا وعسلا، وهو من منازل هذيل، كما فى صفة الجزيرة 173 ونقل ياقوت عن ابن دريد فتح العين. و «الكراث» بفتح الكاف والراء وآخره ثاء مثلثة: نبت، قال ياقوت 6: 159 «وهو الهيلون» وذكر بيت ساعدة بن جؤية الهذلى:
دفاق فعروان الكراث فضيمها
ثم ذكر البيت مرة أخرى فى 7: 226 وقال: «دفاق وعروان والكراث وضيم: أودية كلها فى بلاد هذيل. هكذا هو فى عدة مواضع من كتاب هذيل، وهو غلط، والصواب الكراب بالباء الموحدة» . وقد أخطأ فى ذلك فإن الموضع هو عروان ونسب للنبت الذى يكثر فيه، والثاء المثلثة ثابتة فى المصادر الصحاح المتقنة. وذكر «الكراب» فى بيت آخر لتأبط شرا لا يجعل الموضعين واحدا.
[4] الشس: الغليظ من كل شىء. «عبقر» ضبطها ياقوت كما هنا بسكون الباء وفتح القاف وتخفيف الراء، وقال: «هى أرض كان يسكنها الجن، يقال فى المثل: كأنهم جن عبقر» . وقد جاء فى بيت المرار بن منقذ فشسي عبقر (المفضليات 16: 53) بفتح الباء وضم القاف وتشديد الراء، ولم يذكر الأنبارى (153) خلافا فى ضبطه أو تغييرا، ولكن زعم ياقوت أن الشاعر غيره من أجل الوزن. والظاهر عندى أن الموضع الذى ذكره المرار غير الموضع الذى تنسب إليه الجن.
[5] الظاهر من سياق الكلام هنا أن «أسد حلية» اسم موضع، ولكن الذى فى ياقوت وصفة جزيرة العرب أن اسم الموضع «حلية» قال ياقوت: «مأسدة بناحية اليمن» ونقل أقوالا أخر فى تعيين موضعها، فحلية هى الموضع ينسب إليها الأسد فيقال «أسد حلية» .
(1/83)

وأسد ترج [1] ، ودفاق [2] ، وتضارع [3] ، وأشباه هذا لأنّه لا يلحق بالذكاء والفطنة، كما يلحق مشتقّ الغريب.
83* وقرئ يوما على الأصمعىّ فى شعر أبى ذؤيب:
بأسفل ذات الدّير أفرد جحشها
فقال أعرابىّ حضر المجلس للقارئ: ضلّ ضلالك (أيها القارئ) ! إنّما هى «ذات الدّبر» وهى ثنيّة عندنا [4] ، فأخذ الأصمعىّ بذلك فيما بعد.
84* ومن ذا من الناس يأخذ من دفتر شعر المعذّل بن عبد الله فى وصف الفرس:
من السّحّ جوّالا كأنّ غلامه ... يصرّف سبدا فى العنان عمرّدا [5]
إلّا قرأه «سيدا» يذهب إلى الذئب، والشعراء (قد) تشبه الفرس بالذئب، وليست الرواية المسموعة (عنهم) إلّا «سبدا» . قال أبو عبيدة:
المصحّفون لهذا الحرف كثير، يروونه «سيدا» (أى ذئبا) ، وإنّما هو «سبد» بالباء معجمة بواحدة، يقال «فلان سبد أسباد» أى داهية دواه.
85* وكذلك قول الآخر:
زوجك يا ذات الثّنايا الغرّ ... الرّتلات والجبين الحرّ
__________
[1] هذه كالتى قبلها. قال ياقوت: «ترج، بالفتح ثم السكون وجيم: جبل بالحجاز كثير الأسد» .
[2] دفاق، بضم الدال وتخفيف الفاء وآخره قاف: موضع قرب مكة.
[3] تضارع: قال ياقوت: «بضم الراء على تفاعل، عن ابن حبيب، ولا نظير له فى الأبنية، وقيل بكسر الراء: جبل بتهامة لبنى كنانة» .
[4] انظر معجم البلدان 4: 32.
[5] البيت فى اللسان 4: 187 وقال: «قوله من السح: يريد من الخيل التى تسح الجرى، أى: تصب، والعمود الطويل» .
(1/84)

يرويه المصحّفون والآخذون عن الدفاتر «الرّبلات» وما «الربلات» من الثنايا والجبين؟! وهى أصول الفخذين، يقال: «رجل أربل» إذا كان عظيم الرّبلتين، (أى عظيم الفخذين) ، وإنّما هى «الرّتلات» بالتاء، يقال: «ثغر رتل» إذا كان مفلّجا [1] .
86* وليس كلّ الشعر يختار (ويحفظ) على جودة اللفظ والمعنى، ولكنّه قد يختار ويحفظ على أسباب [2] :
87* منها الإصابة فى التشبيه، كقول القائل فى وصف القمر:
بدأن بنا وابن اللّيالى كأنّه ... حسام جلت عنه القيون صقيل
فما زلت أفنى كلّ يوم شبابه ... إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
88* وكقول الآخر فى مغنّ:
كأنّ أبا الشّموس إذا تغنّى ... يحاكى عاطسا فى عين شمس [3]
يلوك بلحيه طورا وطورا ... كأنّ بلحيه ضربان ضرس
89* وقد يحفظ ويختار على خفّة الرّوىّ، كقول الشاعر [4] :
__________
[1] وقد رواه صاحب اللسان على الخطأ أيضا فى أبيات 7: 15.
[2] س ب «قد يختار على جهات وأسباب» .
[3] س ب هـ «كأن أبا السمى» .
[4] هذه الأبيات رواها أبو سعيد السيرافى فى كتاب أخبار النحويين البصريين طبعة معهد المباحث الشرقية بالجزائر سنة 1936 م ص 29 قال: «وأنشد المازنى قال: أنشدنا الأصمعى عن أبى عمر لرجل من اليمن، وقد سماه غيره فقال امرؤ القيس بن عابس» .
ونقل ذلك صاحب اللسان 20: 20 ولكنه أخطأ فجعل الرواية عن أبى عمرو بن العلاء عن الأصمعى، وأبو عمرو شيخ الأصمعى! ورواها صاحب اللسان أيضا برواية أخرى 7: 388 قال: «وأنشد أبو عمرو بن العلاء للفند الزمانى ويروى لامرئ القيس بن عابس الكندى» . والأبيات فى اللسان مرة أخرى 2: 84. وزادها أبياتا ثلاثة فى آخرها.
(1/85)

يا تملك يا تملى ... صلينى وذرى عذلى [1]
ذرينى وسلاحى ث ... مّ شدّى الكفّ بالغزل [2]
ونبلى وفقاها كع ... راقيب قطا طحل [3]
ومنّى نظرة بعدى ... ومنّى نظرة قبلى [4]
وثوباى جديدان ... وأرخى شرك النّعل [5]
وإمّا متّ يا تملى ... فكونى حرّة مثلى [6]
وهذا الشعر ممّا اختاره الأصمعىّ (بخفّة رويّه) .
90* وكقول الآخر [7] :
ولو أرسلت من حب ... ك مبهوتا من الصّين [8]
لوافيتك قبل الصّب ... ح أو حين تصلّين [9]
وكان يتمثّل بهذا كثيرا، وقال: المبهوت من الطير الّذى يرسل من بعد قبل
__________
[1] س ب «أيا تملك» وهى رواية السيرافى واللسان.
[2] رواية السيرافى واللسان «بالعزل» .
[3] «قفا النبل» فوقها، أو هى لغة فى «الفوق» على القلب. «طحل» من الطحلة، وهى لون بين الغبرة والبياض بسواد قليل كلون الرياد.
[4] رواية السيرافى واللسان «خلفى» بدل «بعدى» وفسر صاحب اللسان البيت: «أى أفهم ما حضر وما غاب» .
[5] رواية السيرافى واللسان «فاما» و «فموتى» .
[6] هكذا نسب ابن قتيبة هذه الأبيات إلى اختيار الأصمعى، وهو يريد- والله أعلم- الأصمعيات وما تداخل منها فى المفضليات، وهذه الأبيات لم تذكر فى المفضليات ولا فى الأصمعيات اللتين بين أيدينا، وقد رجحنا لذلك فى مقدمة شرحنا المفضليات، أن للأصمعى اختيارا ذهب عنا، لم يثبت فى المفضليات ولا الأصمعيات.
[7] س ب «ومثله» .
[8] س ب «من حبيك» .
[9] س ب «عند الصبح» .
(1/86)

أن يدرج [1] .
91* وقد يختار ويحفظ لأنّ قائله لم يقل غيره، أو لأنّ شعره قليل عزيز، كقول عبد الله بن أبىّ بن سلول المنافق [2] :
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذلّ ويعلوك الّذين تصارع
وهل ينهض البازى بغير جناحه ... وإن قصّ يوما ريشه فهو واقع
وقد يختار ويحفظ لأنّه غريب فى معناه، كقول القائل فى الفتى:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا يكون له فى الأرض آثار
92* وكقول آخر فى مجوسىّ:
شهدت عليك بطيب المشاش ... وأنّك بحر جواد خضم
وأنّك سيّد أهل الجحيم ... إذا ما تردّيت فيمن ظلم
(قرين لهامان فى قعرها ... وفرعون والمكتنى بالحكم) [3]
93* وقد يختار ويحفظ (أيضا) لنبل قائله، كقول المهدىّ:
تفّاحة من عند تفّاحة ... جاءت فماذا صنعتب الفؤاد
والله ما أدرى أأبصرتها ... يقظان أم أبصرتها فى الرّقاد
94* وكقول الرّشيد:
النّفس تطمع والأسباب عاجزة ... والنّفس تهلك بين اليأس والطّمع
95* وكقول المأمون فى رسول:
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة ... وأغفلتنى حتّى أسأت بك الظّنّا
__________
[1] هذا التفسير للمبهوت لم يذكر فى المعاجم.
[2] «سلول» امرأة من خزاعة، وهى أم عبد الله أو جدته، نسب إليها. والبيتان فى سيرة ابن هشام أيضا 413 طبع أوروبة.
[3] يريد أبا جهل بن هشام، فإن أصل كنيته «أبو الحكم» .
(1/87)

وناجيت من أهوى وكنت مقرّبا ... فياليت شعرى عن دنوّك ما أغنى [1]
وردّدت طرفا فى محاسن وجهها ... ومتّعت باستماع نغمتها أذنا [2]
أرى أثرا منها بعينيك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا [3]
96* وكقول عبد الله بن طاهر:
أميل مع الذّمام على ابن عمّى ... وأحمل للصّديق على الشّقيق [4]
وإن ألفيتنى ملكا مطاعا ... فإنّك واجدى عبد الصّديق
أفرّق بين معروفى ومنّى ... وأجمع بين مالى والحقوق
وهذا الشعر شريف بنفسه وبصاحبه.
97* وكقوله:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول
ومدين البيض فى تعب ... وغريم البيض ممطول
وأخو الوجهين حيث وهى ... بهواه فهو مدخول
98* وكقول إبراهيم بن العبّاس لابن الزّيّات [5] :
أبا جعفر عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلا من مدى غلوائكا [6]
فإن كنت قد أوتيت فى اليوم ... فإنّ رجائى فى غد كرجائكا
__________
[1] س ب «فياويح نفسى» .
[2] س ب «باستسماع نغّمتها» ب د «باستمتاع نغّمتها» .
[3] س ب هـ «بعينك» . س ب «من عينها حسنا» .
[4] س ب «وآخذ للصديق من الشقيق» . هـ «وأختار الصديق على الشفيق» .
[5] إبرهيم بن العباس الصولى، كان صديقا لمحمد بن عبد الملك الزيات، ثم آذاه وقصده وصارت بينهما شحناء عظيمة لم يمكن تلافيها. فكان إبراهيم يهجوه. قاله صاحب الأغانى 9: 21 وذكر البيتين مع اختلاف فى الرواية.
[6] فى الأغانى «أبا جعفر خف خفضة بعد رفعة» .
(1/88)

99* والمتكلّف من الشعر وإن كان جيّدا محكما فليس به خفاء على ذوى العلم، لتبيّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكّر، وشدّة العناء، ورشح الجبين، وكثرة الضرورات، وحذف ما بالمعانى حاجة إليه، وزيادة ما بالمعانى غنى عنه. كقول الفرزدق فى عمر بن هبيرة لبعض الخلفاء [1] :
أولّيت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص
يريد: أولّيتها خفيف اليد، يعنى فى الخيانة، فاضطرّته القافية إلى ذكر القميص [2] ، (ورافداه: دجّلة والفرات) .
100* وكقول الآخر:
من اللّواتى والتى والّلاتى ... زعمن أنى كبرت لداتى
101* وكقول الفرزدق [3] :
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحتا أو مجلّف [4]
فرفع آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب فى طلب العلّة [5] ، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشىء يرضى [6] . ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أنّ
__________
[1] من أبيات فى ديوانه 487- 488 والأغانى 19: 17 يخاطب بها يزيد بن عبد الملك والبيت فى اللسان 4: 164 و 5: 15. واللآلى 862 مع آخر.
[2] هذا التفسير يوافق تفسير الجوهرى قال فى اللسان: «وقد قيل فى الأحذ غير ما ذكره الجوهرى، وهو أن الأحذ المقطوع، يريد أنه قصير اليد عن نيل المعالى، فجعله كالأحذ الذى لا شعر لذنبه- يعنى البعير الأحذ- ولا يحب لمن هذه صفته أن يولى العراق» .
[3] من قصيدة طويلة فى ديوانه 551- 569، النقائض 548- 576 وجمهرة أشعار العرب 163- 168. والبيت فى اللسان 2: 346 و 10: 375. وسيأتى 99 ل.
[4] هكذا رواية اللسان والجمهرة «مجلف» باللام، وقال فى اللسان: «المسحت:
المهلك، والمجلف: الذى بقيت منه بقية» ورواية الديوان والنقائض «أو مجرف» بالراء، ومعناهما متقارب.
[5] س ب هـ «فى طلب الحيلة» .
[6] س ب هـ «يرتضى» .
(1/89)

كلّ ما أتوا به من العلل احتيال وتمويه؟! وقد سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه إيّاه فشتمه وقال: علىّ أن أقول وعليكم أن تحتجّوا! 102* (وقد أنكر عليه عبد الله بن إسحق الحضرمىّ من قوله [1] :
مستقبلين شمال الشّأم تضربنا ... بحاصب من نديف القطن منثور [2]
على عمائمنا تلقى، وأرحلنا ... على زواحف تزجى مخّها رير
مرفوع، فقال: ألّا قلت: ... على زواحف نزجيها محاسير؟
فغضب وقال:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا) [3]
وهذا كثير فى شعره على جودته.
103* وتتبيّن التكلّف فى الشعر أيضا بأن ترى البيت فيه مقرونا بغير جاره، ومضموما إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجإ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟ فقال: لأنى أقول البيت وأخاه، ولأنّك تقول البيت وابن عمّه.
104* وقال عبد بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحّاف إذا شئت! فقال رؤبة:
وكيف ذلك؟ قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعرا له أعجبنى، قال رؤبة:
__________
[1] من قصيدة فى ديوانه 262- 267.
[2] فى الديوان «كنديف القطن» .
[3] رواية الديوان كهذا الذى طلبه عبد الله بن أبى إسحق، وحكى شارحه نحو هذه القصة عن على بن حمزة البصرى، والقصة رواها محمد بن سلام الجمحى فى طبقات الشعراء 7- 8 عن يونس بنحو رواية ابن قتيبة. وهذا البيت الأخير لم أجده فى الديوان، وهو مشهور معروف، وهو فى اللسان 20: 290 وفسره بأن «عبد الله بن أبى إسحق مولى الحضرميين، وهم حلفاء بنى عبد شمس بن عبد مناف، والحليف عند العرب مولى، وإنما قال مواليا، فنصب، لأنه رده إلى أصله للضرورة، وإنما لم ينون لأنه جعله بمنزلة غير المعتل الذى لا ينصرف» .
(1/90)

نعم، ولكن ليس لشعره قران. يريد أنّه لا يقارن البيت بشبهه [1] . وبعض أصحابنا يقول «قرآن» بالضم، ولا أرى الصحيح إلّا الكسر وترك الهمز على ما بيّنت.
105* والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافى، وأراك فى صدر بيته عجزه، وفى فاتحته قافيته، وتبيّنت على شعره رونق الطبع ووشى الغريزة، وإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحّر [2] .
106* وقال الرّياشىّ حدّثنى أبو العالية عن أبى عمران المخزومى قال:
أتيت مع أبى واليا على المدينة من قريش، وعنده ابن مطير [3] ، وإذا مطر جود، فقال له الوالى، صفه [4] ، فقال: دعنى حتى أشرف وأنظر، فأشرف ونظر: ثمّ نزل فقال:
كثرت لكثرة قطره أطباؤه ... فإذا تحلّب فاضت الأطباء [5]
وكجوف ضرّته التى فى جوفه ... جوف السّماء سبحلة جوفاء [6]
وله رباب هيدب، لرفيفه ... قبل التّبعّق ديمة وطفاء [7]
__________
[1] ستأتى هذه القصة مرة أخرى، فى الفقرة: 1048.
[2] من الزحير، وهو إخراج الصوت أو النفس بأنين عند عمل أو شدة.
[3] هو الحسين بن مطير الأسدى، شاعر مقدم فى القصيدة والرجز فصيح، من مخضرمى الدولتين؛ قد مدح بنى أمية وبنى العباس. له ترجمة فى الأغانى 14: 110- 114 وقد ذكر نحو هذه القصة وذكر فيها الأبيات 6، 7، 4، 15.
[4] س ب «صف لى هذا المطر» .
[5] الأطباء: جمع «طبى» بضم الطاء وكسرها مع سكون الباء، وهو لذوات الحافر والسباع كالثدى للمرأة والضرع لغيرها. وقد استعار الكلمة هنا للمطر على التشبيه.
والبيت فى اللسان 19: 327 ولكنه محرف هناك.
[6] السجل: الضخم العظيم.
[7] الرباب: السحاب المتعلق الذى تراه كأنه دون السحاب. الهيدب: السحاب الذى يتدلى ويدنو مثل هدب القطيفة. الرفيف: التلألؤ والبريق. التبعق: مفاجأة المطر واندفاعه. الديمة: المطر الدائم فى سكون. الوطفاء: الديمة السح الحثيثة.
(1/91)

وكأنّ بارقه حريق، يلتقى ... ريح عليه وعرفج وألاء [1]
وكأنّ ريّقه، ولمّا يحتفل ... ودق السّماء، عجاجة كدراء [2]
مستضحك بلوامع، مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء [3]
فله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يؤلّف بينه وبكاء [4]
حيران متّبع صباه تقوده ... وجنوبه كنف له ووعاء [5]
ودنت له نكباؤه حتّى إذا ... من طول ما لعبت به النّكباء [6]
ذاب السّحاب فهو بحر كلّه ... وعلى البحور من السّحاب سماء [7]
ثقلت كلاه فنهّرت أصلابه ... وتبعّجت من مائه الأحشاء [8]
غدق ينتّج بالأباطح فرّقا ... تلد السّيول وما لها أسلاء [9]
غرّ محجّلة، دوالح ضمّنت ... حمل اللّقاح، وكلّها عذراء [10]
سحم فهنّ إذا كظمن فواحم ... سود، وهنّ إذا ضحكن وضاء [11]
لو كان من لجج السّواحل ماؤه ... لم يبق من لجج السّواحل ماء
__________
[1] العرفج: ضرب من النبات سهلى سريع الانقياد. الألاء: شجر حسن المنظر مر الطعم.
[2] ريق المطر: أفضله، أو أول شؤبوبه. الودق: المطر.
[3] لم تمرها: لم تسيلها، من قولهم «مريت الناقة» إذا مسحت ضرعها لتدر.
[4] فى «الضحك» أربع لغات: فتح الضاد وكسرها، مع سكون الحاء وكسرها.
[5] الكنف، بكسر الكاف وسكون النون: وعاء يكون فيه أداة الراعى ومتاعه، أو الوعاء الذى يكنف ما جعل فيه، أى يحفظه.
[6] النكباء: الريح تكون بين ريحين من الرياح الأربع.
[7] تشديد الواو فى «هو» و «هى» لغة همدان.
[8] تبعجت: انشقت، يقال «تبعج السحاب وانبعج بالمطر» : انفرج عن الودق والوبل الشديد.
[9] الغدق: المطر الكثير. فرق: جمع فارق، وهى السحابة المنفردة لا تخلف، سميت بذلك تشبيها بالفارق من الإبل وهى التى تفارق إلفها فتنتج وحدها. الأسلاء: جمع سلى، وهو الجلد الرقيق الذى يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه.
[10] الدوالح: المثقلات بالماء.
[11] سحم: سود.
(1/92)

قال أبو محمد: وهذا الشعر، مع إسراعه فيه كما ترى، كثير الوشى لطيف المعانى.
107* وكان الشّماخ [1] فى سفر مع أصحاب له [2] ، فنزل يحدو بالقوم فقال:
لم يبق إلا منطق وأطراف ... وريطتان وقميص هفهاف [3]
وشعبتا ميس براها إسكاف ... يا ربّ غاز كاره للإيجاف [4]
أغدر فى الحىّ برود الأصياف ... مرتجة البوص خضيب الأطراف [5]
ثم قطع به هذا الروىّ وتعذّر عليه، فتركه وسمح بغيره على إثره، فقال:
لمّا رأتنا واقفى المطيّات ... قامت تبدّى لى بأصلتيّات
غرّ أضاء ظلمها الثّنيّات ... خود من الظّعائن الضّمريّات [6]
حلّالة الأودية الغوريّات ... صفىّ أتراب لها حييّات [7]
مثل الأشاءات أو البرديّات ... أو الغمامات أو الوديّات [8]
__________
[1] هو الشماخ بن ضرار الغطفانى الصحابى.
[2] س ب ف «مع أصحابه» .
[3] الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة.
[4] الميس: شجر عظيم تعمل منه الرحال. والبيت فى اللسان غير منسوب، شاهدا لهذا المعنى 8: 109. الإيجاف: سرعة السير. وفى س ب «كاره الإيجاب» .
[5] البوص، بضم الباء، والبوص، بفتحها: العجيزة، وامرأة بوصاء عظيمة العجز.
والأبيات الثلاثة ستأتى، فى الفقرة: 550.
[6] الظلم، بفتح الظاء: الماء الذى يجرى ويظهر على الأسنان من صفاء اللون لا من الريق كالفرند حتى يتخيل لك فيه سواد من شدة البريق والصفاء. الخود: الفتاة الحسنة الشابة. الضمريات: من الضمور وهو الهزال، فالضمر من الرجال: المهضم البطن اللطيف الجسم، والأنثى ضمرة.
[7] الصفى: المختار أو الخالص من كل شىء، يقال للذكر والأنثى، والجمع صفايا، قال سيبويه: «ولا يجمع بالألف والتاء لأن الهاء لم تدخله فى حد الإفراد» .
[8] الأشاء: صغار النخل، الواحدة «أشاءة» وجمعها هنا بالألف والتاء.
(1/93)

أو كظباء السّدر العبريّات ... يحضنّ بالقيظ على ركيّات [1]
وضعن أنماطا على زربيّات ... ثمّ جلسن بركة البختيّات
من راكب يهدى لها التّحيّات ... أروع خرّاج من الدّاويّات
يسرى إذا نام بنو السّريّات
108* قال أبو عبيدة: اجتمع ثلاثة من بنى سعد يراجزون بنى جعدة، فقيل لشيخ من بنى سعد: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أفثج [2] وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل ولا أنكف [3] ، وقيل للثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل ولا أنكش [4] ، فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا ولم يراجزوهم.
109* والشعراء أيضا فى الطبع مختلفون: منهم [5] من يسهل عليه المديح ويعسر عليه [6] الهجاء. ومنهم من يتيسّر له [7] المراثى ويتعذّر عليه الغزل.
وقيل للعجّاج: إنك لا تحسن الهجاء؟ فقال: إنّ لنا أحلاما تمنعنا من أن
__________
[1] فى 179 ل ثلاثة أبيات زائدة. والسدر، بكسر ففتح: جمع سدرة، وهى شجرة النبق. والعبرى من السدر، بضم العين وسكون الباء: ما نبت على عبر النهر وعظم، نسبة نادرة، وعبر النهر.
[2] أفثج الرجل، بالبناء للفاعل، وأفثج، بالبناء للمفعول: أعيا وانبهر.
[3] لا أنكف، بالباء للمجهول: لا أنقطع.
[4] لا أنكش: لا آتى على ما عندى، يقال: نكشت البئر أنكشها، بضم الكاف وكسرها: أى: نزفتها ونزحتها. ويجوز أن يكون «لا أنكش» بالبناء للمجهول أيضا، أى: لا ينفد ما عندى كما تنكش البئر.
[5] س ف هـ «فمنهم» .
[6] س ف «ويتعذر عليه» .
[7] انظر ما يأتى فى ترجمة العجاج 375 ل.
(1/94)

نظلم، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم [1] ؟
111* وليس هذا كما ذكر العجاج، ولا المثل الذى ضربه للهجاء والمديح بشكل، لأنّ المديح بناء والهجاء بناء، وليس كلّ بان بضرب بانيا بغيره [2] .
ونحن نجد هذا بعينه فى أشعارهم كثيرا. فهذا ذو الرّمّة، أحسن الناس تشبيها، وأجودهم تشبيبا، وأوصفهم لرمل وهاجرة وفلاة وماء وقراد وحيّة، فإذا صار إلى المديح والهجاء خانه الطبع. وذاك أخّره عن الفحول، فقالوا: فى شعره أبعار غزلان ونقط عروس! وكان الفرزدق زير نساء وصاحب غزل، وكان مع ذلك لا يجيد التشبيب. وكان جرير عفيفا عزهاة عن النساء [3] ، وهو مع ذلك أحسن الناس تشبيبا، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجه مع عفّته إلى صلابة شعرى، وما أحوجنى [4] إلى رقّة شعره لما ترون.
__________
[1] س ب «من تسهل عليه» .
[2] س ب «يصيرا بغيره» .
[3] العزهاة، بكسر العين: العازف عن اللهو والنساء، لا يطرب للهو ويبعد عنه.
[4] س ب «وأحوجنى» .
(1/95)

عيوب الشعر
الإقواء والإكفاء
[1] 112* قال أبو محمد: كان أبو عمرو بن العلاء يذكر أنّ الإقواء: هو اختلاف الإعراب فى القوافى، وذلك أن تكون قافية مرفوعة وأخرى مخفوضة، كقول النّابغة:
قالت بنو عامر: خالوا بنى أسد ... يا بؤس للجهّل ضرّارا لأقوام [2]
وقال فيها:
تبدو كواكبه والشّمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام [3]
113* وكان يقال إنّ النابغة الذّبيانّى وبشر بن أبى خازم كانا يقويان. فأما النابغة فدخل يثرب فغنّى بشعره ففطن فلم يعد للإقواء.
114* وبعض الناس يسمّى هذا «الإكفاء» ويزعم أنّ الإقواء نقصان حرف من فاصلة البيت، كقول حجل بن نضلة [4] ، وكان أسر بنت عمرو بن كلثوم وركب بها المفاوز، واسمها النّوار [5] :
__________
[1] انظر هذا البحث أيضا مفصلا فى الموشح للمرزبانى 14- 26.
[2] الديوان 71- 72. خالوا بنى أسد: تاركوهم، خالاه: تاركه. والبيت فى اللسان 18: 262. وسيأتى 81.
[3] انظر ما يأتى (70، 78، 81 ل، 145- 146 ل) .
[4] حجل: بفتح الحاء وسكون الجيم، كما ضبط فى الخزانة، وهو شاعر جاهلى، له الأصمعية 43.
[5] انظر البيتين مشروحين فى الخزانة 2: 156- 159 ونص على أنه لا ثالث لهما.
ونسب الآمدى فى المؤتلف 84 البيتين لشبيب بن جعل التغلبى، وهو ابن النوار بنت عمرو بن كلثوم.
(1/96)

حنّت نوار ولات هنّا حنّت ... وبدا الّذى كانت نوار أجنت
لمّا رأت ماء السّلا مشروبا ... والفرث يعصر فى الإناء أرنّت [1]
سمّى إقواء لأنّه نقص من عروضه قوّة. (وكان يستوى البيت بأن تقول «متشرّبا» ) . يقال «أقوى فلان الحبل» إذا جعل إحدى قواه أغلظ من الأخرى، وهو حبل قو.
مثل قول حميد:
إنّى كبرت وإنّ كبير ... ممّا يضنّ به يملّ ويفتر
وكقول الرّبيع بن زياد:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار
ولو كان «بن زهيرة» لاستوى البيت.
[السناد]
115* والسناد: هو أن يختلف إرداف القوافى، كقولك «علينا» فى قافية «وفينا» فى أخرى. كقول عمرو بن كلثوم:
ألا هبّى بصحنك فاصبحينا
فالحاء مكسورة. وقال فى آخر:
تصفّقها الرّياح إذا جرينا
فالراء مفتوحة، وهى بمنزلة الحاء.
116* وكقول القائل:
كأنّ عيونهنّ عيون عين
ثم قال:
وأصبح رأسه مثل اللّجين
[الإيطاء]
117* والإيطاء؛ هو إعادة القافية مرّتين، وليس بعيب عندهم كغيره.
__________
[1] أرنت: صاحت. وإنما صاحت وبكت لأنها أيقنت الهلاك فى تلك المفازة، إذ لم يجدوا ماء إلا ما يعصر من فرث الإبل وما يخرج من السلا من بطونها. وهذا البيت فى اللسان 19: 120 وفيه هناك خطأ من الناسخ أو الطابع.
[2] فى معلقته المشهورة.
(1/97)

الإجازة
: اختلفوا فى الإجازة، فقال بعضهم: هو أن تكون القوافى مقيّدة فتختلف الأرداف، كقول امرئ القيس:
لا يدّعى القوم أنّى أفرّ
فكسر الردف.
وقال فى بيت آخر:
وكندة حولى جميعا صبر
فضمّ الرّدف.
وقال فى بيت آخر:
ألحقت شرّا بشر ففتح الردف.
118* وقال الخليل بن أحمد: هو أن تكون قافية ميما والأخر نونا، كقول القائل:
يا ربّ جعد منهم لو تدرين ... يضرب ضرب السّبط المقاديم
أو طاء والأخرى دالا، كقول الآخر:
تالله لولا شيخنا عبّاد ... لكمرونا عندها أو كادوا [1]
فرشط لمّا كره الفرشاط ... بفيشة كأنّها ملطاط [2]
وهذا إنّما يكون فى الحرفين يخرجان من مخرج واحد أو مخرجين متقاربين.
119* قال ابن الأعرابىّ: الإجازة: مأخوذة من إجازة الحبل والوتر.
__________
[1] ابن السيد 415 والبيت فى اللسان 6: 468 وعجزه مغلوط، وما هنا هو الصحيح.
يقال «تكامر الرجلان: نظر أيهما أعظم كمرة، وقد كامره فكمره: غلبه يعظم الكمرة» عن اللسان.
[2] البيت فى اللسان 9: 246 و 267. والفرشطة: أن تفرج رجليك قائما أو قاعدا، بمعنى الفرحجة والفرشحة. والملطاط: يد الرحى التى يطحن بها البزر.
(1/98)

العيب فى الإعراب
120* وقد يضطرّ الشاعر فيسكّن ما كان ينبغى (له) أن يحرّكه، كقول لبيد [1] :
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النّفوس حمامها [2]
يريد: أترك المكان الذى لا أرضاه إلى أن أموت، لا أزال أفعل ذلك.
و «أو» هاهنا بمنزلة «حتى» [3] . وكقول امرئ القيس [4] :
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
ولولا أنّ النحويّين يذكرون هذا البيت ويحتجّون به فى تسكين المتحرّك لاجتماع الحركات [5] ، وأنّ كثيرا من الرواة يروونه هكذا، لظننته.
فاليوم أسقى غير مستحقب
121* قال أبو محمد: وقد رأيت سيبويه يذكر بيتا يحتجّ به فى نسق الاسم المنصوب على المخفوض، على المعنى لا على اللفظ، وهو قول الشاعر [6] :
__________
[1] من معلقته. انظر شرح التبريزى 155.
[2] س ف هـ «أو يرتبط» وهى الموافقة لرواية التبريزى.
[3] قال التبريزى: «وقيل أن يرتبط فى موضع رفع إلا أنه أمكنه لأنه رد الفعل إلى أصله، لأن الأصل فى الأفعال أن لا تعرب، وإنما أعربت للمضارعة» إلخ.
[4] من الأصمعية 40 وسيأتى (44 ل) .
[5] هذا الإسكان لآخر الفعل المضارع هو على التخفيف. وانظر الضرائر 225، 270- 272.
[6] هو عقيبة بن هبيرة الأسدى، شاعر جاهلى إسلامى. والبيت ذكره سيبويه 1: 34 مع بيت آخر منصوب القافية أيضا. ثم ذكر عجز هذا البيت أيضا غير منسوب 1: 352، 448. والأبيات مع بيت الشاهد فى الخزانة 1: 343- 345 مشروحة.
(1/99)

معاوى إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
قال: كأنّه أراد: لسنا الجبال ولا الحديدا، فردّ الحديد على المعنى قبل دخول الباء. وقد غلط على الشاعر، لأنّ هذا الشعر كلّه مخفوض.
قال الشاعر:
فهبها أمّة ذهبت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا وجردتموها ... فهل منّ قائم أو من حصيد [1]
122* ويحتجّ أيضا بقول الهذلىّ فى كتابه، وهو قوله:
يبيت على معارى فاخرات ... بهنّ ملوّب كدم العباط
وليست هاهنا ضرورة فيحتاج الشاعر إلى أن يترك صرف «معار» ولو قال
يبيت على معار فاخرات
كان الشعر موزونا والإعراب صحيحا [2] .
قال أبو محمد: وهكذا قرأته على أصحاب الأصمعىّ.
123* وكقوله فى بيت آخر [3] :
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط ممّا تطيح الطوائح [4]
__________
[1] جردتموها: قشرتموها، كما يجرد اللحم من العظم.
[2] البيت للمتنخل الهذلى، وهو من شواهد سيبويه 2: 58 واللسان 19: 275 وعندهما «أبيت على معارى واضحات» . و «المعارى» جمع «معرى» وهى ههنا الفرش. و «الملوب» الذى أجرى عليه الملاب وهو ضرب من الطيب، وشبهه فى جمرته بدم العباط، وهى التى نحرت لغير علة، واحدها عبيط وعبيطة. وفى اللسان:
«واختار معارى على معار لأنه آثر إتمام الوزن، ولو قال معار لما كسر الوزن، لأنه إنما كان يصير من مفاعلتن إلى مفاعلين، وهو العصب» وقال أيضا «ولكنه فر من الزحاف» .
[3] البيت من شواهد سيبويه 1: 145 ونسبه للحرث بن نهيك، ثم أعاده مرة أخرى 1:
183 غير منسوب. ونسبه الأعلم الشنتمرى للبيد. ونسبه الشنقيطى فى شواهد همع الهوامع 1: 142- 143 لضرار بن نهشل.
[4] الضارع: الذليل الخاضع. المختبط: الطالب المعروف المحتاج. تطيح: تذهب وتهلك قال
(1/100)

وكان الأصمعىّ ينكر هذا ويقول: ما اضطرّه إليه؟ وإنّما الرواية:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
124* وكذلك قول الفرّاء:
فلئن قوم أصابوا عزّة ... وأصبنا من زمان رنقا [1]
للقد كانوا لدى أزماته ... لصنيعين لبأس وتقى
هو فلقد كانوا وهذا باطل.
125* وكذلك قوله:
من كان لا يزعم أنّى شاعر ... فيدن منّى تنهه المزاجر
إنّما هو فليدن منى وبه يصحّ أيضا وزن الشعر.
126* وكذلك قوله:
فقلت ادعى وأدع فإنّ أندى ... لصوت أن ينادى داعيان
إنما هو:
فقلت ادعى وأدعو إنّ أندى [2]
(وكقول الفرزدق:
رحت وفى رجليك عقّالة ... وقد بدا هنك من المئزر) [3]
__________
الأعلم: «كان ينبغى أن يقول المطاوح لأنه جمع مطيحة، فجمعه على حذف الزيادة، كما قال عز وجل: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
، واحدتها ملقحة» .
[1] الرنق: الكدر.
[2] البيت من شواهد سيبويه 1: 426 ونسبه للأعشى، ونسبه الأعلم له أو للحطيئة.
ورواية سيبويه كالتى اختارها ابن قتيبة. قال الأعلم: «الشاهد فى نصب وأدعو بإضمار أن حملا على معنى: ليكن منا أن تدعى وأدعو، ويروى وأدع فإن أندى على معنى لتدع ولأدع على الأمر. وأندى: أبعد صوتا، والندى: بعد الصوت» .
[3] البيت فى اللسان 20: 244 والخزانة 2: 279.
(1/101)

127* وقد يضطرّ الشاعر فيقصر الممدود، وليس له أن يمدّ المقصور. وقد يضطرّ فيصرف غير المصروف، وقبيح ألّا يصرف المصروف. وقد جاء فى الشعر، كقول العبّاس بن مرداس (السّلمىّ) :
وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع [1]
128* وأمّا ترك الهمز من المهموز فكثير واسع، لا عيب فيه على الشاعر.
والذى لا يجوز أن يهمز غير المهموز.
129* وليس للمحدث أن يتّبع المتقدّم فى استعمال وحشىّ الكلام الذى لم يكثر، ككثير من أبنية سيبويه، واستعمال اللّغة القليلة فى العرب، كإبدالهم الجيم من الياء، كقول القائل
يا رب إن كنت قبلت حجّتج
يريد «حجّتى» وكقولهم «جمل بختجّ» يريدون «بختىّ» و «علجّ» يريدون «علىّ» .
130* وإبدالهم الياء من الحرف فى الكلمة المخفوضة، كقول الشاعر:
لها أشارير من لحم تتمّره ... من الثّعالى ووخز من أرانيها [2]
يريد «منّ أرانبها» . وكقول الآخر:
ولضفادى جمّه نقانق
يريد «ضفادع [3] » .
__________
[1] سيأتى 166، 470 ل.
[2] البيت فى اللسان 6: 295 وذكره مع آخره قبله 1: 418 ونسبه لأبى كاهل اليشكرى. و «الأشارير» جمع «إشرارة» وهى القديد المشرور، أى المجعول على خصفة ليجف. وأصل الإشرارة: الخصفة التى يبسط عليها الأقط أو اللحم أو الثوب ليجف. و «تتمره» تقطعه. و «الثعالى» الثعالب. و «الوخز» شىء منه ليس بالكثير. وهذان الجمعان «ثعالى» و «أرانى» لثعلب وأرنب أجازهما البعض مطلقا، ولم يجزهما سيبويه إلا فى الشعر خاصة. والبيت ذكره أيضا فى اللسان 1: 231 ونسبه لرجل من يشكر تبعا لسيبويه.
[3] وفى اللسان 10: 94 عن الأزهرى: «الضفدع جمعه ضفادع، وربما قالوا ضفادى، وأنشد بعضهم ولضفادى جمه نقانق أى لضفادع، فجعل العين ياء، كما قالوا أرانى وأرانب» . وانظر سيبويه 1: 344.
(1/102)

131* وكإبدالهم الواو من الألف، كقولهم «أفعو» و «حبلو» (يريدون أفعى وحبلى) وقال ابن عباس: لا بأس برمى الحدو (للمحرم) [1] .
132* وأستحبّ له ألّا يسلك فيما يقول الأساليب التى لا تصحّ فى الوزن ولا تحلو فى الأسماع، كقول القائل:
قل لسليمى إذا لاقيتها ... هل تبلغنّ بلدة إلا بزاد
قل للصّعاليك لا تستحسروا ... من التماس وسير فى البلاد [2]
فالغزو أحجى على ما خيّلت ... من اضطجاع على غير وساد
لو وصل الغيث أبناء امرئ ... كانت له قبّة سحق بجاد [3]
وبلدة مقفر غيطانها ... أصداؤها مغرب الشّمس تناد
قطعتها صاحبى حوشيّة ... فى مرفقيها عن الزّور تعاد [4]
133* وكقول المرقّش [5] :
هل بالدّيار أن تجيب صمم ... لو أنّ حيّا ناطقا كلّم
يأبى الشّباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم
134* قال أبو محمد: وهذا يكثر، وفيما ذكرت منه ما دلّك على ما
__________
[1] فى النهاية 1: 35: «فى حديث ابن عباس: لا بأس بقتل الأفعو، أراد الأفعى، فقلب ألفها فى الوقف واوا، وهى لغة أهل الحجاز ... ومنهم من يقلب الألف ياء فى الوقف، وبعضهم يشدد الواو والياء» . وفى اللسان 1: 47: «وروى عن ابن عباس أنه قال: لا بأس بقتل الحدو والأفعو للمحرم. كأنها لغة فى الحدأ» .
[2] لا تستحسروا: لا تعيوا ولا تكلوا.
[3] السحق: الثوب الخلق الذى انسحق وبلى. البجاد: كساء مخطط من أكسية الأعراب.
وهذا من إضافة الصفة للموصوف.
[4] حوشية: يريد ناقة حوشية، والإبل الحوشية: الوحشية، أو هى نوع من الإبل لا يكاد يدركها التعب. يريد أن هذه الناقة كانت صاحبته فى اجتياز القفر.
[5] مضى البيتان وسيأتى البيت الثانى 104 ل.
(1/103)

أردت من اختيارك أحسن الروىّ، وأسهل الألفاظ، وأبعدها من التعقيد والاستكراه، وأقربها من إفهام العوامّ. وكذلك أختار للخطيب إذا خطب، والكاتب إذا كتب. فإنّه يقال: أسير الشعر والكلام المطمع، يراد الذى يطمع فى مثله من سمعه، وهو مكان النجم من يد المتناول.
135* قال أبو محمد: وقد أودعت «كتاب العرب» فى الشعر أشياء من هذا الفنّ ومن غيره، وستراها هناك مجموعة كافية، إن شاء الله عزّ وجلّ.
(1/104)

أوائل الشعراء
136* لم يكن لأوائل الشعراء إلّا الأبيات القليلة يقولها الرجل عند حدوث الحاجة. فمن قديم الشعر قول دويد بن نهّد القضاعىّ [1] :
اليوم يبنى لدويد بيته ... لو كان للدّهر بلى أبليته
أو كان قرنى واحدا كفيته ... يا ربّ نهب صالح حويته
وربّ عبل خشن لويته [2]
وقال الآخر:
ألقى علىّ الدّهر رجلا ويدا ... والدّهر ما أصلح يوما أفسدا [3]
يصلحه اليوم ويفسده غدا [4]
137* وقال أعصر [5] بن سعد بن قيس بن عيلان، واسمه منبّه بن سعد، وهو أبو غنىّ وباهلة والطفاوة [6] :
__________
[1] «دويد» تصغير «دود» كما نص عليه ابن دريد فى الاشتقاق 321 وأثبته صاحب القاموس فى مادة «دود» . وثبت فى أصول هذا الكتاب «دريد» بالراء، وهو خطأ.
وهو دويد بن زيد بن نهد، قال فى الاشتقاق: «وهو الذى طال عمره وله حديث» وفى أخبار المعمرين لأبى حاتم (ص 20 طبعة مصر) أنه عاش 456 سنة، وفى القاموس أنه عاش 450 سنة وأدرك الإسلام وهو لا يعقل. وفيهما أنه قال الشعر الآتى وهو محتضر. والأبيات فى القاموس كما هنا وزاد فى آخرها:
ومعصم مخضب ثنيته
وذكرها أبو حاتم دون الزيادة بتغيير فى الترتيب.
[2] العبل: الضخم الممتلئ. ورواية أبى حاتم والقاموس «غيل حسن» و «الغيل» بفتح الغين المعجمة: الساعد الريان الممتلئ. ولعله أجود أو أصح.
[3] ب «ما أصلح شيئا» .
[4] نقل مصحح ل عن البكرى زيادة
ويسعد الموت إذا الموت عدا
[5] ويقال فيه «يعصر» أيضا على بدل الياء من الهمزة. وسمى بذلك البيت الثانى هنا.
[6] البيتان فى الأغانى 14: 85 والثانى فى اللسان 6: 257.
(1/105)

قالت عميرة ما لرأسك بعد ما ... نفد الشّباب أتى بلون منكر
أعمير إنّ أباك شيّب رأسه ... مرّ الليالى واختلاف الأعصر
138* وقال الحارث بن كعب، وكان قديما:
أكلت شبابى فأفنيته ... وأفنيت بعد شهور شهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم ... فبانوا وأصبحت شيخا كبيرا
قليل الطّعام عسير القيا ... م قد ترك القيد خطوى قصيرا
أبيت أراعى نجوم السماء ... أقلّب أمرى بطونا ظهورا
(1/106)

[التراجم]
1- امرؤ القيس بن حجر [1]
139* هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندىّ، وهو من أهل نجد، من الطبقة الأولى. وهذه الديار التى وصفها فى شعره كلّها ديار بنى أسد.
140* قال لبيد بن ربيعة: أشعر الناس ذو القروح، يعنى امرأ القيس.
141* وملّك حجر على بنى أسد، فكان يأخذ منهم شيئا معلوما، فامتنعوا منه، فسار إليهم فأخذ سرواتهم فقتلهم بالعصىّ، فسمّوا «عبيد العصا» وأسر منهم طائفة، فيهم عبيد بن الأبرص، فقام بين يدى الملك فقال:
يا عين ما فابكى بنى ... أسد هم أهل النّدامة [2]
أهل القباب الحمر وال ... نّعم المؤبّل والمدامه [3]
مهلا أبيت اللّعن مهّلا ... إنّ فيما قلت آمه [4]
فى كلّ واد بين يث ... رب والقصور إلى اليمامه [5]
تطريب عان أو صيا ... ح محرّق وزقاء هامه [6]
أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامه [7]
__________
[1] العنوان من ب. والترجمة الآتية هى نص ب س. ثم الترجمة التالية (42 ل) هى النص الذى فى ب د هـ.
[2] الأبيات فى 12 بيتا فى الأغانى 8: 63 ونقلها عنه جامع ديوان عبيد 77، 78.
[3] فى الأغانى «المؤمل» وهو خطأ. والإبل المؤبلة: الكثيرة المجتمعة التى جعلت للقنية لا يمسها أحد.
[4] الآمة: العيب. والبيت فى اللسان 14: 304.
[5] هكذا فى الأصول والأغانى، وفى ياقوت 8: 497 «يترب» بسكون التاء المثناة وفتح الراء، وقال: «قيل قرية باليمامة عند جبل وشم، وقيل موضع فى بلاد بنى سعد بالسودة» وقال الهمدانى فى صفة الجزيرة 87: «يترب مدينة بحضر موت نزلتها كندة» .
[6] هذا البيت فى ياقوت أيضا.
[7] البيت فى الخزانة 1: 160 فى ترجمة امرئ القيس.
(1/107)

فرحمهم الملك وعفا عنهم وردّهم إلى بلادهم، حتّى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة، تكهنّ كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدىّ، فقال: يا عباد [1] قالوا: لبّيك ربّنا! فقال: والغلّاب غير المغلّب [2] ، فى الإبل كأنها الرّبرب [3] ، لا يقلق [4] رأسه الصّخب، هذا دمه يثعب، وهو غدا أول من يسلب. قالوا:
من هو ربّنا؟ قال: لولا تجيش نفس جايشه [5] أنباتكم أنّه حجر ضاحيه.
فركبت بنو أسد كلّ صعب وذلول، فما أشرق لهم الضّحى حتّى انتهوا إلى حجر، فوجدوه نائما فذبحوه، وشدّوا على هجائنه فاستاقوها.
142* وكان امرؤ القيس طرده [6] أبوه لمّا صنع فى الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقا، فطلبها زمانا فلم يصل إليها، وكان يطلب منها غرّة، حتّى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان، فقال:
قفا نبك منّ ذكرى حبيب ومنزل [7]
فلمّا بلغ ذلك حجرا أباه دعا مولى له يقال له ربيعة، فقال له: اقتل امرأ القيس وأتنى بعينيه، فذبح جوذرا فأتاه بعينيه، فندم حجر على ذلك، فقال:
أبيت اللّعن! إنى لم أقتله، قال: فأتنى به، فانطلق فإذا هو قد قال شعرا فى
__________
[1] فى الأغانى والخزانة «يا عبادى» .
[2] فى الأغانى: «فقال: من الملك الأصهب، الغلاب غير المغلب» .
[3] الربرب: القطيع من بقر الوحش، لا واحد له من لفظه.
[4] ف س «لا يفلق» والأغانى «لا يعلق» .
[5] جاشت النفس: فاظت، وجاشت القدر: غلت. وجشأت النفس: ارتفعت ونهضت من حزن أو فزع. وهما متقاربا المعنى وكأنهما من المقلوب بتقديم حرف وتأخيره. وفى الأغانى «جاشيه» . وأثبت مصحح ل رواية الأغانى فى صلب الكتاب بدل رواية الأصلين. وهو تصرف غير جيد، لأن المعنى مقارب، فما فى الأصلين صحيح.
[6] س ب «اطرده» .
[7] هو صدر المعلقة المشهورة.
(1/108)

رأس جبل، وهو قوله [1] :
فلا تتركنّى يا ربيع لهذه ... وكنت أرانى قبلها بك واثقا
فردّه إلى أبيه، فنهاه عن قول الشعر، ثم إنّه قال:
ألا انعم صباحا أيّها الطّلل البالى
فبلغ ذلك أباه فطرده، فبلغه مقتل أبيه وهو بدمّون، فقال:
تطاول اللّيل علينا دمّون ... دمّون إنّا معشر يمانون
وإنّنا لأهلنا محبّون
ثم قال: ضيّعنى صغيرا، وحمّلنى دمه كبيرا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدا، اليوم خمر، وغدا أمر، ثم قال:
خليلىّ ما فى اليوم مصحى لشارب ... ولا فى غد إذ كان ما كان مشرب
ثم آلى لا يأكل لحما ولا يشرب خمرا حتّى يثأر بأبيه، فلما كان الليل لاح له برق فقال:
أرقت لبرق بليل أهل ... يضىء سناه بأعلى الجبل
بقتل بنى أسد ربّهم ... ألا كلّ شىء سواه جلل
ثم استجاش بكر بن وائل [2] ، فسار إليهم وقد لجؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بنى أسد، فقال:
يا لهّف نفسى إذ خطئن كاهلا ... القاتلين الملك الحلاحلا
تالله لا يذهب شيخى باطلا
__________
[1] من أبيات فى ديوانه بشرح السندوبى 122- 123.
[2] استجاشهم: أى طلب منهم جيشا، يريد أن يستعين بهم على بنى أسد قاتلى أبيه.
والذين أجابوه إلى ثأره أولاهم بنو بكر وبنو تغلب ابنى وائل.
[3] البيتان الأولان فى اللسان 13: 184 الحلاحل، بضم الحاء الأولى: السيد فى عشيرته الشجاع الركين فى مجلسه، والجمع «حلاحل» بفتح الحاء الأولى.
(1/109)

143* وقد ذكر امرؤ القيس فى شعره أنه ظفر بهم، فتأبّى عليه ذلك الشعراء، قال عبيد [1] :
يا ذا المخوّفنا بقت ... ل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنّك قد قتل ... ت سراتنا كذبا ومينا
144* ولم يزل يسير فى العرب يطلب النصر، حتّى خرج إلى قيصر، فدخل معه الحمّام، فإذا قيصر أقلف، فقال [2] :
إنّى حلفت يمينا غير كاذبة ... أنّك أقلف إلّا ما جنى القمر
إذا طعنت به مالت عمامته ... كما تجمّع تحت الفلكة الوبر
ونظرت إليه ابنة قيصر فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وطبن [3] الطّمّاح بن قيس الأسدىّ لهما، وكان حجر قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرّعا، فبعث قيصر فى طلبه رسولا، فأدركه دون أنقرة بيوم، ومعه حلّة مسمومة، فلبسها فى يوم صائف، فتناثر لحمه وتفطّر جسده. وكان يحمله جابر بن حنىّ التغلبىّ، فذلك قوله:
فإمّا ترينى فى رحالة جابر ... على حرج كالقرّ تخفق أكفانى [4]
فياربّ مكروب كررت وراءه ... عان فككت الغلّ عنه ففدّانى [5]
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان
__________
[1] هو عبيد بن الأبرص، من قصيدة فى ديوانه 27- 29 فى 25 بيتا وكذلك فى ابن الشجرى 2: 39 والبيتان فى الخزانة 1: 161 وهما فيها أيضا مع أبيات 1: 322 وسيأتيان مع 5 أبيات 143- 144 ل.
[2] الديوان 93 وهما فى اللسان 11: 199.
[3] طبن الشىء وطبن له: فطن له.
[4] أراد بالرحالة الخشب الذى يحمل عليه فى مرضه. الحرج: سرير يحمل عليه المريض أو الميت. القر، بفتح القاف: الهودج. وأراد بالأكفان ثيابه التى عليه، لأنه قدر أنها ثيابه التى يموت فيها فيكفن. والبيت فى اللسان 3: 59 و 6: 398.
[5] العانى: الأسير.
(1/110)

145* وقال حين حضرته الوفاة [1] :
وطعنة مسحنفره [2] ... وجفنة مثعنجره [3]
تبقى غدا بأنقره
قال ابن الكلبىّ: هذا آخر شىء تكلّم به، ثم مات.
146* قال أبو عبد الله الجمحىّ: كان امرؤ القيس ممّن يتعهّر فى شعره [4] ، وذلك قوله:
فمثلك حبلى قد ... طرقت ومرضع
وقال:
سموت إليها ... بعد ما نان أهلها
147* وقد سبق امرؤ القيس إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب، واتّبعته عليها الشعراء، من استيقافه صحبه فى الديار، ورقّة النسيب، وقرب المأخذ.
148* ويستجاد من تشبيهه قوله:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
وقوله:
كأنّ عيون الوحش حول قبابنا ... وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب [5]
وقوله [6] :
كأنى غداة البين لمّا تحمّلوا ... لدى سمرات الحىّ ناقف حنظل
__________
[1] الأبيات فى المعرب للجواليقى 26 واللسان 5: 171 وستأتى أيضا (47 ل)
[2] مسحنفرة: واسعة.
[3] مثعنجرة: سائلة منسكبة.
[4] الجمحى 14.
[5] الجزع: خرز فيه بياض وسواد، تشبه به الأعين. وهو بفتح الجيم، وحكى فيه كراع كسرها أيضا. والبيت فى اللسان 9: 398.
[6] من المعلقة وسيأتى 77.
(1/111)

149* وقد أجاد فى صفة الفرس:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل [1]
150* وممّا يعاب عليه من شعره قوله:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
وقالوا: الثريّا لا تعرّض لها، وإنّما أراه أراد الجوزاء، فذكر الثريّا على الغلط، كما قال الاخر كأحمر عاد وإنّما هو كأحمر ثمود، وهو عاقر الناقة [2] .
151* قال يونس النحوىّ: قدم علينا ذو الرّمّة من سفر، وكان أحسن الناس وصفا للمطر، فذكرنا له قول عبيد وأوس وعبد بنى الحسحاس فى المطر، فاختار قول امرئ القيس [3] :
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدر [4]
152* أقبل قوم من اليمن يريدون النبىّ صلى الله عليه وسلم، فضلّوا الطريق ومكثوا ثلاثا
__________
[1] الأيطل: الخاصرة، يريد أن خاصرتيه لضمورهما كخاصرتى الظبى. السرحان:
الذئب، وإرخاؤه: سرعته، وليس دابة أحسن إرخاء من الذئب. التقريب: أن يرفع يديه معا ويضعهما معا. التتفل: ولد الثعلب، وهو أحسن الدواب تقريبا، وهو بتاءين مثناتين، وكذلك أثبت فى س، وأثبت فى ل «تنقل» بنون بدل التاء الثانية، وهو خطأ. وسيأتى البيت (55) ل.
[2] الذى قال كأحمر عاد هو زهير فى معلقته، وقد اعتذر عنه المبرد بأن ثمود يقال لها «عاد الأخيرة» وقوم هود هم «عاد الأولى» وانظر شرح ديوان زهير طبعة دار الكتب 20 وشرح التبريزى على القصائد العشر 113 والخزانة 1: 162 والأصمعية 55: 15 بشرحنا مع الأستاذ عبد السلام هارون.
[3] الديوان 89- 90 والبيت فى اللسان 14: 79، 223.
[4] الديمة: المطر الدائم فى سكون. الهطلاء: الدائمة أيضا فوق الديمة أو نحوها.
الوطف: الغزارة مع الاسترخاء. طبق الأرض: غشاء لها، تطبق الأرض وتعمها.
تحرى: تتحرى أى تتوخى وتعمد. تدر: تصب الماء. والبيت فى اللسان 18: 189.
(1/112)

لا يقدرون على الماء إذ أقبل راكب على بعير، وأنشد بعض القوم [1] :
لمّا رأت أنّ الشّريعة همّها ... وأنّ البياض من فرائصها دامى [2]
تيمّمت العين التى عند ضارج ... يفىء عليها الظّلّ عرمضها طامى [3]
فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس، فقال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار إليه، فمشوا على الرّكب، فإذا ماء غدق، وإذا عليه العرمض والظلّ يفىء عليه، فشربوا وحملوا، ولولا ذلك لهلكوا [4] .
153* وممّا يتمثّل به من شعره قوله [5] :
وقاهم جدّهم ببنى أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب [6]
__________
[1] الديوان 182.
[2] الشريعة: مشرعة الماء، وهى مورد الشاربة التى يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له ويكون ظاهرا معينا لا يسقى بالرشاء. الفرائص: جمع فريصة، وهى لحمة عند نغض الكتف فى وسط الجنب عند منبض القلب، وهما فريصتان، ترتعدان عند الفزع.
[3] ضارج: جبل، كما يفهم ذلك من كتاب صفة جزيرة العرب ص 178 س 2 بمقارنته بشعر امرئ القيس فيه ص 239 س 6، 15. وذهب صاحب اللسان وغيره إلى أنه موضع ببلاد عبس. العرمض، بفتح العين والميم: الطحلب. قال فى اللسان 3:
139: «همها: طلبها، والضمير فى رأت للحمر، يريد أن الحمر لما أرادت شريعة الماء خافت على أنفسها من الرماة وأن تدمى فرائصها من سهامهم عدلت إلى ضارج لعدم الرماة على العين التى فيه ... وطامى: مرتفع» . والبيت الثانى فيه أيضا 9: 50.
[4] القصة فى اللسان 3: 139 نقلها عن ابن برى عن النحاس أنه «روى بإسناد ذكره» .
ونقلها ياقوت فى البلدان 5: 421- 422 قال: «حدث إسحق بن إبراهيم الموصلى على أشياخه» . وسيذكرها المؤلف مرة أخرى مطولة 51 ل وسيأتى لنا بحث فيها إن شاء الله.
[5] البيت من أبيات ثلاثة فى ديوانه 50- 51 وهى الأصمعية 41 وستأتى 44 ل.
[6] جدهم: حظهم. ببنى أبيهم: يريد بنى كنانة الذين حاربهم يحسبهم بنى أسد، ثم كف عنهم حين تبين خطأه، وأسد وكنانة أخوان، هما ابنا خزيمة.
(1/113)

وقوله:
صبّت عليه ولم تنصبّ من كثب ... إنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب [1]
وقوله:
وقد طوّفت فى الآفاق حتّى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
154* وممّا يتغنّى به من شعره:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل [2]
:
قوله:
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل [3]
وقال أبو النّجم يصف قينة:
تغنّى، فإنّ اليوم يوم من الصّبى ... ببعض الذى غنّى امرؤ القيس أو عمرو
فظلّت تغنّى بالغبيط وميله ... وترفع صوتا فى أواخره كسر
وقوله [4] :
كأنّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعلّ به برد أنيابها ... إذا طرّب الطائر المستحر [5]
وكلّ ما قيل فى هذا المعنى فمنه أخذ.
__________
[1] الكثب: القرب. وفى الديوان 53 «وما تنصب من أمم» .
[2] يعنى: المعلقة.
[3] الغبيط: هودج يقبب بشجار، يكون للحرائر.
[4] من قصيدة فى ديوانه 77- 83.
[5] صوب الغمام: ماء السحاب. الخزامى: قال أبو حنيفة: عشبة طويلة العيدان صغيرة الورق حمراء الزهرة طيبة الريح لها نور كنور البنفسج، قال: ولم نجد من الزهر زهرة أطيب نفحة من نفحة الخزامى. القطر، بضم الطاء وبسكونها: العود الذى يتبخر به. قال فى اللسان: «شبه ماء فيها فى طيبه عند السحر بالمدام وهى الخمر وصوب الغمام الذى يمزج به الخمر وريح الخزامى ونشر القطر وهو رائحة العود.
والطائر المستحر وهو المصوت عند السحر» . والبيتان فيه 6: 14، 419 والبيت الأول فيه 7: 61 و 15: 66.
(1/114)

155* واجتمع عند عبد الملك أشراف من الناس والشعراء، فسألهم عن أرقّ بيت قالته العرب، فاجتمعوا على بيت امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلّا لتضربى ... بسهميك فى أعشار قلب مقتّل [1]
وقال [2] :
والله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل
وقال [3] :
من آل ليلى وأين ليلى ... وخير ما رمت ما ينال
156* هو [4] امرؤ القيس بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر آكل المرار [5] بن معاوية بن ثور، وهو كندة. وأمّه فاطمة بنت ربيعة بن الحرث بن
__________
[1] من المعلقة. الأعشار: أعشار الجزور، تقسم فى الميسر إلى عشرة أنصباء ثم يجال عليها بالسهام، وهذا مثل. قال ثعلب: أراد بقوله بسهميك هنا سهمى قداح الميسر، وهما المعلى والرقيب، فللمعلى سبعة أنصباء وللرقيب ثلاثة، فإذا فاز الرجل بهما غلب على جزور الميسر كلها، ولم يطمع غيره فى شىء منها، وهى تقسم على عشرة أجزاء. فالمعنى أنها ضربت بسهامها على قلبه فخرج لها السهمان فغلبته على قلبه كله وفتنته فملكته» قال فى اللسان بعد ذلك: «وجعل أبو الهيثم السهم الذى له ثلاثة أنصباء الضريب، وهو الذى سماه ثعلب الرقيب. وقال اللحيانى: بعض العرب يسميه الضريب وبعضهم يسميه الرقيب. قال: وهذا التفسير فى البيت هو الصحيح» ونقل عن الأزهرى أيضا اختياره. وانظر اللسان 6: 249 وشرح التبريزى 23- 24.
[2] من قصيدة فى الديوان 146- 149.
[3] من قصيدة فى الديوان 161- 163.
[4] ترجمة أخرى لامرئ القيس، هى النص الثابت فى ب د هـ كما ذكر مصحح ل.
[5] المرار، بضم الميم وتخفيف الراء، وفى د بتشديدها وهو خطأ، والمرار: شجر مر، قال فى اللسان: «قال أبو عبيد: أخبرنى ابن الكلبى أن حجرا إنما سمى آكل المرار أن ابنة كانت له سباها ملك من ملوك سليح يقال له ابن هبولة، فقالت له ابنة حجر:
كأنك بأبى قد جاء كأنه جمل آكل المرار، يعنى كاشرا عن أنيابه، فسمى بذلك. وقيل أنه كان فى نفر من أصحابه فى سفر فأصابهم الجوع، فأما هو فأكل من المرار حتى شبع ونجا، وأما أصحابه فلم يطيقوا ذلك حتى هلك أكثرهم، ففضل عليهم بصبره على أكله المرار» .
(1/115)

زهير، أخت كليب ومهلهل ابنى ربيعة التّغلبيّين. وكليب هو الذى تقول فيه العرب: «أعزّ من كليب وائل» وبمقتله هاجت حرب بكر وتغلب [1] .
157* وكان قباذ ملك فارس ملّك الحرث بن عمرو جدّ امرئ القيس على العرب، ويقول أهل اليمن: أن تبّعا الأخير ملّكه، وكان الحرث ابن أخته، فلمّا هلك قباذ وملك أنوشروان ملّك على الحيرة المنذر بن ماء السماء، وكانت عنده هند بنت الحرث بن عمرو بن حجر، فولدت له عمرو بن المنذر وقابوس ابن المنذر. وهند عمّة امرئ القيس، وابنها عمرو هو محرّق.
158* ثم ملّكت بنو أسد حجرا عليها، فساءت سيرته، فجمّعت له بنو أسد، واستعان حجر ببنى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال امرؤ القيس [2] :
تميم بن مرّ وأشياعها ... وكندة حولى جميعا صبر
فبعثت بنو أسد إلى بنى حنظلة تستكفّها وتسألها أن تخلى بينها وبين كندة، فاعتزلت بنو حنظلة، والتقت كندة وأسد، فانهزمت كندة وقتل حجر، وغنمت بنو أسد أموالهم. وفى ذلك يقول عبيد بن الأبرص الأسدى:
هلّا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا هاربينا [3]
وكان قاتل حجر علباء بن الحرث الأسدىّ، وأفلت امرؤ القيس يومئذ، وحلف لا يغسل رأسه ولا يشرب خمرا حتّى يدرك ثأره ببنى أسد، فأتى ذا جدن الحميرىّ فاستمدّه فأمدّه، وبلغ الخبر بنى أسد فانتقلوا عن منازلهم، فنزلوا على
__________
[1] انظر مجمع الأمثال 1: 427، 330- 332 وأيام العرب 142 وما بعدها.
[2] من قصيدة فى الديوان 77- 83.
[3] من قصيدة فى ديوانه 27- 29 وقد سبقت الإشارة إليها (110) ومنها أبيات فى الخزانة: 322 ورواية الديوان والخزانة «يوم ولو أين أينا» .
(1/116)

قوم من بنى كنانة بن خزيمة، والكنانيّون لا يعلمون بمسير امرئ القيس إليهم، فطرقهم فى جند عظيم، فأغار على الكنانييّن وقتل منهم، وهو يظنّ أنهم بنو أسد، ثم تبيّن أنهم ليسوا هم، فقال [1] :
ألا يا لهف نفسى إثر قوم ... هم كانوا الشّفاء فلم يصابوا [2]
وقاهم جدّهم ببنى أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهنّ علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب [3]
ثم تبع بنى أسد فأدركهم وقتل فيهم قتلا ذريعا، وقال [4] :
قولا لدودان: عبيد العصا ... ما غرّكم بالأسد الباسل
قد قرّت العينان من وائل ... ومن بنى عمرو ومن كاهل
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرّك لأمين على نابل [5]
حلّت لى الخمر وكنت امرءا ... عن شربها فى شغل شاغل
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل [6]
159* ثم إنّ المنذر بن ماء السماء غزا كندة فأصاب منهم، وأسر اثنى
__________
[1] فى ديوانه 50- 51 وهى الأصمعية 41. ومضى البيت الثانى منها (113) .
[2] أراد بالشفاء أنهم كانوا شفاء نفسه لو أصابهم، إذ هم قتلة أبيه.
[3] أفلتهن: يعنى الخيل التى كانت تطلبه فلم تدركه. الجرض والجريض: غصص الموت. يريد أفلتهن مجهودا يكاد يقضى. صفر: خلا. الوطاب: جمع وطب وهو سقاء اللبن. يريد أنه مات فلم تملأ وطابه، أو بقى جسمه صفرا من حياته كما يخلو الوطب من اللبن.
[4] من قصيدة فى ديوانه 151- 152 والأبيات 3- 5 من الأصمعية 40.
[5] السلكى: الطعنة المستقيمة تلقاء الوجه. المخلوجة: غير المستقيمة. كرك لأمين:
مثنى «لأم» يقال «سهم لأم» أى: عليه ريش لؤام يلائم بعضه بعضا. النابل:
الرامى بالنبل. يريد: يذهب الطعن فيهم ويرجع كما ترد سهمين على رام رمى بهما.
[6] مضى فى (99) .
(1/117)

عشر فتى من ملوكهم، فأمر بهم فقتلوا بمكان بين الحيرة والكوفة، يقال له جفر الأملاك [1] ، وكان امرؤ القيس يومئذ معهم، فهرب حتى لجأ إلى سعد بن الضّباب الإيادىّ، سيّد إياد، فأجاره.
160* وكان ابن الكلبّى يذكر أن أمّ سعد كانت عند حجر أبى امرئ القيس، فتزوّجها الضّباب فولدت سعدا على فراشه، واستشهد على ذلك قول امرئ القيس [2] :
يفكّهنا سعد وينعم بالنا ... ويغدو علينا بالجفان وبالجزر
ونعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
وهذا الشعر يدلّ على أن العرب كانت فى الجاهلية ترى الولد للفراش [3] .
161* ثم تحوّل إلى جبلى طيىء [4] ، فنزل على قوم، منهم عامر بن جوين الطائىّ، فقالت له ابنته: إن الرجل مأكول فكله، فأتى عامر أجأ وصاح: ألا إنّ عامر بن جوين غدر، فلم يجبه الصّدى، ثم صاح: ألا إن عامر بن جوين وفى، فأجابه الصدى، فقال: ما أحسن هذه وما أقبح تلك! ثم خرج امرؤ القيس من عنده، فشيّعه، فرأت ابنته ساقيه وهو مدبر، وكانتا حمشتين [5] ، فقالت: ما رأيت كاليوم ساقى واف، فقال: هما ساقا غادر أقبح.
ويقال: إن صاحب هذا القول أبو حنبل بن مرّ مجير الجراد.
ويقال: إن ابنته لمّا أشارت عليه بأخذ ماله دعا بجذعة من غنم، فحلبها فى قدح ثم شرب فروى، ثم استلقى وقال: والله لا أغدر ما أجزأتنى جذعة، ثم
__________
[1] أصل «الجفر» البئر الواسعة القعر لم تطو، أى لم تبن. وجفر الأملاك: فى أرض الحيرة، سمى بذلك لقتل هؤلاء الفتيان عنده. وانظر ياقوت 4: 127- 128.
[2] من قصيدة فى الديوان 83- 86.
[3] هذا استنباط بعيد، لا يدل عليه الشعر الذى استنبط منه.
[4] هما أجأ وسلمى.
[5] حمشتين: أى: دقيقتين.
(1/118)

قام فمشى، وكان أعور سناطا [1] قصيرا حمش الساقين، فقالت ابنته: ما رأيت كاليوم ساقى واف؟ فقال لابنته: يا بنيّة، هما ساقا غادر شرّ، وقال:
لقد آليت أغدر فى جداع ... ولو منّيت أمّات الرّباع [2]
لأنّ الغدر فى الأقوام عار ... وإنّ الحرّ يجزأ بالكراع
162* ولم يزل ينتقل من قوم إلى قوم بجبلى طيئ، ثم سمت به نفسه إلى ملك الروم. فأتى السمّوأل بن عادياء اليهودىّ، ملك تيماء، وهى مدينة بين الشأم والحجاز، فاستودعه مائة درع وسلاحا كثيرا، ثم سار ومعه عمرو بن قميئة، أحد بنى قيس بن ثعلبة، وكان من خدم أبيه [3] ، فبكى ابن قميئة، وقال له: غرّرت بنا، فأنشأ امرؤ القيس يقول [4] :
بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وإنى أذين إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا [5]
على ظهر عادىّ تحاربه القطا ... إذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا [6]
__________
[1] السناط، بكسر السين وضمها: الذى لا لحية له.
[2] الجداع: السنة الشديدة تذهب بكل شىء. وفى ل «جذاع» وهو خطأ. والبيت فى اللسان 1: 38 و 9: 391، 14: 295.
[3] ستأتى ترجمة عمرو بن قميئة (222- 223 ل) .
[4] من قصيدة طويلة فى الديوان 66- 76.
[5] الأذين: الزعيم والكفيل. وهذه رواية أبى عبيدة، كما فى اللسان 16: 147 والبيت فيه أيضا 12: 182 ورواية الديوان «وإنى زعيم» . الفرانق: سبع يصيح بين يدى الأسد كأنه ينذر الناس به، ويقال إنه شبيه بابن آوى، وانظر المعرب للجواليقى طبعة دار الكتب بتحقيقنا 238. أزور: مائل العنق.
[6] العادى: الطريق القديم. ورواية الديوان واللسان 11: 66
على لا حب لا يهتدى بمناره
سافه: شمه. العود: الجمل المسن وفيه بقية. الديافى: نسبة إلى دياف، وهى قرية بالشأم تنسب إليها النجائب. يريد: إذا ساف الجمل تربة هذا الطريق جرجر جزعا من بعده وقلة مائه.
(1/119)

163* وبلغ الحارث بن أبى شمر الغسّانّى، وهو الحارث الأكبر، ما خلّف امرؤ القيس عند السموأل، فبعث إليه رجلا من أهل بيته، يقال له الحارث بن مالك [1] ، وأمره أن يأخذ منه سلاح امرئ القيس وودائعه، فلمّا انتهى إلى حصن السموأل أغلقه دونه، وكان للسموأل ابن خارج الحصن يتصيّد، فأخذه الحارث، وقال للسموأل: إن أنت دفعت إلّى السلاح وإلّا قتلته، فأبى أن يدفع إليه ذلك، وقال له: اقتل أسيرك فإنى لا أدفع إليك شيئا، فقتله. وضربت العرب المثل بالسموأل فى الوفاء وقد ذكره الأعشى فى قصّة له قد ذكرتها فى أخباره.
164* وصار امرؤ القيس إلى ملك الروم، فأكرمه ونادمه، واستمدّه فوعده ذلك، وفى هذه القصّة يقول [2] :
ونادمت قيصر فى ملكه ... فأوجهنى وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكّة ... سبقت الفرانق سبقا بعيدا
ثم بعث معه جيشا فيهم أبناء ملوك الروم، فلمّا فصل قيل لقيصر: إنّك أمددت بأبناء ملوك أرضك رجلا من العرب، وهم أهل غدر، فإذا استمكن ممّا أراد وقهر بهم عدوّه غزاك. فبعث إليه قيصر مع رجل من العرب كان معه يقال له الطّمّاح [3] بحلّة منسوجة بالذهب مسمومة، وكتب إليه: إنى قد بعثت إليك بحلّتى التى كنت ألبسها يوم الزينة، ليعرف فضل منزلتك عندى، فإذا وصلت
__________
[1] هكذا فى هذا الكتاب، ولم أعرف «الحرث بن مالك» هذا. والذى فى الأغانى 19:
99: «ونزل الحرث بن ظالم فى بعض غاراته بالأبلق، ويقال بل الحرث بن أبى شمر الغسانى، ويقال بل كان المنذر وجه بالحرث بن ظالم فى خيل وأمره بأخذ مال امرئ القيس من السموأل» إلخ. وانظر ما يأتى (139- 140 ل) والأصمعتين 22، 23.
[2] من أربعة أبيات فى الديوان 64.
[3] هو الطماح بن قيس الأسدى، وقد مضى ذكره (110) .
(1/120)

إليك فالبسها على اليمن والبركة، واكتب إلّى من كلّ منزل بخبرك. فلمّا وصلت إليه الحلّة اشتدّ سروره بها، ولبسها، فأسرع فيه السمّ وتنفّط جلده.
والعرب تدعوه ذا القروح لذلك، ولقوله [1] :
وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة ... فيالك نعّمى قد تحوّل أبؤسا
وقال الفرزدق:
وهب القصائد لى النّوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول [2]
قال أبو محمد: أبو يزيد هو المخبّل السعدىّ، وذو القروح امرؤ القيس، وجرول الحطيئة.
165* ولما صار إلى مدينة بالروم تدعى أنقرة ثقل، فأقام بها حتّى مات، وقبر هناك، وقال قبل موته [3] :
ربّ خطبة مسحنفره ... وطعنة مثعنجره
وجعبة متحيّره ... تدفن غدا بأنقره
ورأى قبرا لامرأة من بنات ملوك الروم هلكت بأنقرة، فسأل عن صاحبه فخبّر بخبرها، فقال [4] :
أجارتنا إنّ المزار قريب ... وإنى مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان ههنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب
وعسيب: جبل هناك.
ولما بلغ السموأل موت امرئ القيس دفع ما خلّف عنده من السلاح وغيره إلى عصبته.
__________
[1] من قصيدة فى الديوان 97- 99.
[2] البيت فى الأغانى 12: 38.
[3] مضت برواية أخرى (111) .
[4] من خمسة أبيات فى الديوان 55- 56.
(1/121)

166* وكان امرؤ القيس مئناثا لا ذكر له، وغيورا شديد الغيرة، فإذا ولدت له بنت وأدها، فلمّا رأى ذلك نساؤه غيّبن أولادهنّ فى أحياء العرب، وبلغه ذلك فتتبّعهنّ حتّى قتلهنّ.
167* وكان امرؤ القيس جميلا وسيما، ومع جماله وحسنه مفرّكا [1] لا تريده النساء إذا جرّبنه. وقال لامرأة تزوجها: ما يكره النساء منّى؟ قالت:
يكرهن منك أنّك ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع الإراقة، بطىء الإفاقة.
وسأل أخرى عن مثل ذلك فقالت: يكرهن منك أنّك إذا عرقت فحت بريح كلب! فقال: أنت صدقتنى، إنّ أهلى أرضعونى بلبن كلبة. ولم تصبر عليه إلا امرأة من كندة يقال لها هند، وكان أكثر ولده منها.
168* وكان يعدّ من عشّاق العرب والزّناة. وكان يشبّب بنساء: منهنّ فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة بن عامر العذرية، وهى التى يقول لها:
أفاطم مهّلا بعض هذا التّدلّل [2]
ويقول لها [3] :
لا وأبيك ابنة العامر ... ىّ لا يدّعى القوم أنى أفرّ
ومنهنّ أمّ الحارث الكلبيّة، وهى التى يقول فيها [4] :
كدأبك من أمّ الحويرث قبلها ... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
ومنهنّ، عنيزة، وهى صاحبة يوم دارة جلجل [5] .
__________
[1] المفرك: الذى لا يحظى عند النساء ويبغضنه. ووصف امرىء القيس بهذا ثابت فى اللسان أيضا 12: 362.
[2] من المعلقة.
[3] من قصيدة فى الديوان 77- 83.
[4] من المعلقة. و «مأسل» : اسم ماء بعينه.
[5] أشار إليه فى المعلقة أيضا.
(1/122)

169* قال محمّد بن سلّام: حدّثنى راوية للفرزدق أنّه لم ير رجلا كان أروى لأحاديث امرئ القيس وأشعاره من الفرزدق، هو وأبو شفقل [1] ، لأنّ امرأ القيس كان صحب عمّه شرحبيل قبل الكلاب [2] ، حتّى قتل شرحبيل بن الحارث، وكان قاتله أخاه معدى كرب بن الحارث، وكان شرحبيل بن الحارث مسترضعا فى بنى دارم رهط الفرزدق، وكان امرؤ القيس رأى من أبيه جفوة، فلحق بعمه، فأقام فى بنى دارم حينا، قال [3] : قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة مطر جود، فلما أصبحت ركبت بغلة وصرت إلى المربد، فإذا آثار دوابّ قد خرجت إلى ناحية البريّة، فظننت أنهم قوم قد خرجوا إلى النزهة، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة. فاتّبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليها رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير فإذا نسوة مستنقعات فى الماء، فقلت:
لم أر كاليوم قطّ ولا يوم دارة جلجل! وانصرفت مستحييا، فناديننى: يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شىء، فانصرفت إليهنّ، فقعدن إلى حلوقهنّ فى الماء، ثم قلن: بالله لمّا أخبرتنا ما كان حديث يوم دارة جلجل؟ قال: حدثّنى جدى،
__________
[1] أبو شفقل: وصفه مصحح ل فى فهرسها بأنه «راوى امرئ القيس» وهو خطأ، ففى اللسان والقاموس أنه راوية الفرزدق، وفى اللسان أيضا: «قال ابن خالويه: اسم راوية الفرزدق شفقل، قال: ولا نظير لهذا الاسم» .
[2] بضم الكاف، وهو ماء للعرب، كان به يومان مشهوران لهم، يوم الكلاب الأول ويوم الكلاب الثانى. والإشارة هنا إلى الأول، انظر أيام العرب 46- 50 وما أشير إليه هناك من المصادر.
[3] قال: يعنى أبا شفقل راوية الفرزدق، كما هو ظاهر من السياق. والقصة الآتية رواها صاحب الأغانى بنحوها 19: 26- 28 بإسناده عن عبد الله بن زالان التميمى راوية الفرزدق ورواها صاحب الخزانة 2: 68- 69 نقلا عن ابن الأنبارى فى شرح المعلقة.
ولكن فيها «على ما حدث ابن وألان عن أبى سقنقل راوية أبى فراس همام ابن غالب الفرزدق» وهذا الاسم «ابن زالان» أو «ابن وألان» يبدو لى أنه محرف، وأظن أنه هو «أبو شفقل» هذه كنيته، وذاك اسمه ونسبه.
(1/123)

وأنا يومئذ غلام حافظ: أنّ امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمّ له يقال لها عنيزة، وأنّه طلبها زمانا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل.
وذلك أنّ الحىّ احتملوا، فتقدّم الرجال وتخلّف النساء والخدم والثقل [1] ، فلمّا رأى ذلك امرؤ القيس تخلّف بعد ما سار مع رجّالة [2] قومه غلوة [3] ، فكمن فى غيابة [4] من الأرض حتّى مرّ به النساء وفيهنّ عنيزة، فلما وردن الغدير قلن:
لو نزلنا فاغتسلنا فى هذا الغدير فذهب عنّا بعض الكلال، فنزلن فى الغدير ونحّين العبيد، ثم تجرّدن فوقعن فيه، فأتاهنّ امرؤ القيس وهنّ غوافل، فأخذ ثيابهنّ فجمعها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطى جارية منكنّ ثوبها ولو ظلّت فى الغدير يومها حتّى تخرج متجّردة فتأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه، حتّى تعالى النهار، وخشين أن يقصّرن عن المنزل الذى يردنه، فخرجن جميعا غير عنيزة، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها، فأبى، فخرجت، فنظر إليها مقبلة ومدبرة، وأقبلن عليه فقلت له: إنّك قد عذّبتنا وحبستنا وأجعتنا! قال: فإن نحرت لكنّ ناقتى تأكلن منها؟ قلن: نعم فخرط سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها، وجمع الخدم حطبا كثيرا فأجّجن نارا عظيمة، فجعل يقطع لهنّ من أطيبها ويلقيه على الجمر، ويأكلن ويأكل معهنّ، ويشرب من فضلة خمر كانت معه ويغنيهنّ، وينبذ إلى العبيد من الكباب، فلما أرادوا الرحيل قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله وأنساعه، فتقسّمن متاع راحلته وزاده، وبقيت عنيزة لم يحمّلها شيئا، فقال لها: يا ابنة الكرام! لابدّ أن
__________
[1] الثقل، بفتحتين: متاع المسافر وحشمه.
[2] الرجالة: الذين ليس لهم ظهر يركبونه فى السفر.
[3] الغلوة: قدر رمية بسهم، والفرسخ التام خمس وعشرون غلوة.
[4] الغيابة من الأرض: المنهبط منها، وغيابة كل شىء قعره، كالجب والوادى وغيرهما.
وفى الأغانى «غابة» ولعله تحريف.
(1/124)

تحملينى معك فإنى لا أطيق المشى، فحملته على غارب بعيرها، وكان يجنح إليها فيدخل رأسه فى خدرها فيقبّلها، فإذا امتنعت مال حدجها، فتقول:
عقرت بعيرى فانزل، ففى ذلك يقول [1] :
ويوم عقرت للعذارى مطيّتى ... فيا عجبا من رحلها المتحمّل
يظلّ العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل [2]
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت: لك الويلات إنّك مرجلى
تقول وقد مال الغبيط بنا معا: ... عقرت بعيرى يا امرأ القيّس فانزل
فقلت لها: سيرى وأرخى زمامه ... ولا تبعدينا من جناك المعلّل [3]
170* وكان امرؤ القيس فى زمان أنو شروان ملك العجم. لأنى وجدت الباعث فى طلب سلاحه الحارث بن أبى شمر الغسانىّ، وهو الحارث الأكبر، والحارث هو قاتل المنذر بن امرئ القيس الذى نصبه أنوشروان بالحيرة. ووجدت بين أوّل ولاية أنوشروان وبين مولد النبى صلى الله عليه وسلم أربعين سنة، كأنّه ولد لثلاث سنين خلت من ولاية هرمز بن كسرى.
171* ومما يشهد لهذا أنّ عمرو بن المسبّح الطائىّ [4] وفد على النبى صلّى الله عليه وسلم
__________
[1] من المعلقة.
[2] يرتمين: يرمى بعضهن بعضا. الهداب: طرف الثوب، وهو الهدب أيضا.
الدمقس: الحرير الأبيض. المفتل: المفتول.
[3] جناها: ما اجتنى منها من القبل. المعلل: الذى علل بالطيب، أى طيب مرة بعد مرة ويروى «المعلل» اسم فاعل، وهو الذى يعلله ويتشفى به.
[4] انظر ابن سعد 1/2/59- 60 والمسبح: بضم الميم وفتح السين وتشديد الموحدة المكسورة، كما ضبطه صاحب القاموس والحافظ فى الإصابة 5: 16 ونقل عن ابن دريد الاشتقاق أنه ضبطه بفتح الميم وكسر السين وبالياء التحتية، ولم نجد هذا الضبط فى الاشتقاق 232 بل وجدناه مرسوما كما هنا من غير تقييد فى الضبط. وعمرو هذا فارس مشهور مات فى خلافة عثمان، وله ترجمة أيضا فى تاريخ الطبرى 13: 33- 34 وأخبار المعمرين لأبى حاتم 77- 78.
(1/125)

إلى المدينة فى وفود العرب، وهو ابن مائة وخمسين سنة، وأسلم، وعمرو يومئذ أرمى العرب، وهو الذى ذكره امرؤ القيس فقال:
ربّ رام من بنى ثعل ... مخرج كفّيه من ستره [1]
وله يقول الآخر [2] :
نعب الغراب وليته لم ينعب ... بالبين من سلمى وأمّ الحوشب
ليت الغراب رمى حماطة قلبه ... عمرو بأسهمه الّتى لم تلغب [3]
172* وقد ذكره النبىّ صلى الله عليه وسلم فقال: «هو قائد الشعراء إلى النار» وفى خبر آخر: «معه لواء الشعراء إلى النار» .
قال ابن الكبىّ [4] : أقبل قوم من اليمن يريدون النّبى صلى الله عليه وسلم، فضلّوا ووقعوا على غير ماء، فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء، فجعل الرجل منهم يستذرى [5] بفىء السّمر والطّلح، فبينا هم كذلك أقبل راكب على بعير، فأنشد بعض القوم
__________
[1] صدر قصيدة فى الديوان 86- 87. وهو أيضا فى الطبرى والمعمرين والاشتقاق. بنو ثعل: من طيئ، منهم عمرو بن المسبح. «مخرج» كذا فى هـ وهو يوافق رواية الطبرى والاشتقاق. وفى سائر الأصول «متلج» أى مدخل، وهى تنافى حرف «من» والذى فى الديوان «متلج كفيه فى قتره» والقتر: جمع قترة، وهى بيت الصائد الذى يكمن فيه.
[2] هو وبرة بن الجحدر المعنى من بنى دغش، كما فى الطبرى.
[3] حماطة القلب: سواده. لم تغلب: بالبناء للمجهول، يقال «ألغب السهم» أى:
جعل ريشه لغابا، والسهم اللغاب، بضم اللام: الفاسد الذى لم يحسن عمله، وقيل اللغاب: ريش السهم إذا لم يعتدل. والبيت فى اللسان 2: 239 و 9: 146 غير منسوب.
[4] سبقت هذه القصة مختصرة (111، 112) ورواية ابن الكلبى أشار إليها الحافظ فى الإصابة 4: 249 مختصرة نقلا عن البغوى والطبرانى وأبى زرعة أحمد بن الحسين الرازى فى كتاب الشعراء من طريق ابن هشام بن الكلبى من حديث عفيف بن معدى كرب الكندى.
[5] الذرى: ما كنك من الريح الباردة من حائط أو شجر، يقال «تذرى» بالحائط وغيره من البرد والريح و «استذرى» كلاهما: اكتن.
(1/126)

بيتين من شعر امرئ القيس: لمّا رأت البيتين، فقال الراكب: من يقول هذا الشعر؟ قال: امرؤ القيس، قال والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار لهم إليه، فأتوه فإذا ماء غدق، وإذا عليه العرمض والظلّ يفىء عليه، فشربوا منه وارتووا، حتّى بلغوا النبىّ صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وقالوا: أحيانا بيتان من شعر امرئ القيس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «ذاك رجل مذكور فى الدنيا شريف فيها، منسىّ فى الآخرة خامل فيها، يجىء يوم القيمة معه لواء الشعراء إلى النار» [1] .
__________
[1] هذه القصة نقلها المؤلف أيضا فى عيون الأخبار 1: 143: 144 عن ابن الكلبى.
ورواها صاحب الأغانى 7: 123 فى قصة أخرى بإسناده عن عبد الله بن جعفر، ونقلها ياقوت فى البلدان 5: 421- 422 ثم قال: «هذا من أشهر الأخبار» . وهى مشهورة عند الإخباريين والأدباء ولكنها غير معروفة عند المحدثين، وهم الحجة فيما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار، فإنى لم أجد أحدا منهم رواها أو أشار إليها.
إلا حديث «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» فقد رواه أحمد فى المسند 2:
228 من حديث أبى هريرة مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وهو حديث ضعيف جدا، ذكره ابن كثير فى التاريخ 2: 218 عن المسند، وقال: «هذا منقطع، وورد من وجه آخر عن أبى هريرة، ولا يصح من غير هذا الوجه» . ورواه أيضا البزار، كما فى مجمع الزوائد 8: 119 وجمع الفوائد 2: 168. وإسناده عند أحمد «ثنا هشيم ثنا أبو الجهم الواسطى عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة» وأبو الجهيم هذا يذكر فى بعض كتب الرجال باسم «أبو الجهم الإيادى» وهو مجهول، وضعفه أبو زرعة الرازى، وقال ابن عدى: «شيخ مجهول لا يعرف له اسم، وخبره منكر، ولا أعرف غيره» .
وقال ابن عبد البر: «لا يصح حديثه» . وفيه علة أخرى أنه موقوف على أبى هريرة، فقد رواه البخارى فى كتاب الكنى المطبوع فى حيدر آباد سنة 1360 هـ ص 20 برقم 154 قال: «أبو الجهم الإيادى، قال مسدد: نا هشيم قال: نا شيخ يكنى أبا الجهم عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: صاحب لواء الشعراء إلى النار امرؤ القيس، لأنه أول من أحكم الشعر» . وفى مجمع الزوائد 1: 119: «عن عفيف الكندى قال: بينا نحن عند النبى صلى الله عليه وسلم إذ أقبل وفد من اليمن فذكروا امرؤ القيس بن حجر الكندى، وذكروا بيتين من شعره فيهما ذكر ضارج- ماء من مياه العرب- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك رجل مذكور فى الدنيا منسى فى الآخرة يجىء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار» . رواه الطبرانى فى الكبير من طريق سعد بن
(1/127)

173* وذكره عمر بن الخطّاب رضى الله عليه فقال: سابق الشعراء، خسف لهم عين الشعر [1] .
174* قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: يقول من فضّله: إنه أوّل من فتح الشعر واستوقف، وبكى فى الدّمن، ووصف ما فيها. ثم قال: دع ذا رغبة عن المنسبة، فتبعوا أثره. وهو أوّل من شبّه الخيل بالعصا واللّقوة والسّباع والظّباء والطير، فتبعه الشعراء على تشبيهها بهذه الأوصاف.
175* قال ابن الكلبى [2] : أوّل من بكى فى الديار امرؤ القيس بن حارثة ابن الحمام بن معاوية [3] ، وإياه عنى امرؤ القيس بقوله:
__________
فروة بن عفيف عن أبيه عن جده. ولم أر من ترجمهم» . وانظر تعجيل المنفعة 472- 473 ولسان الميزان 3: 181 و 6: 359 والكنى والأسماء للدولابى 1: 137 والمناوى على الجامع الصغير 2: 186 رقم 1624 و 1625. ورواه الخطيب فى تاريخ بغداد 9: 37 بإسناده عن أبى هفان المهزمى عبد الله بن أحمد بن حرب الشاعر عن الأصمعى عن ابن عون عن محمد- يعنى ابن سيرين- عن أبى هريرة عن النبى صلّى الله عليه وسلم:
«امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار» وهو خبر باطل، كما قال الحافظ ابن حجر فى لسان الميزان 3: 249- 250 و 6: 449.
[1] الكلمة فى الأغانى 7: 123 والنهاية 1: 294 واللسان 10: 415 ولفظ النهاية:
«وفى حديث عمر أن العباس سأله عن الشعراء فقال: امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معان عور أصح بصرا. أى أنبطها وأغزرها لهم، من قولهم خسف البئر، إذا حفرها فى حجارة فنبعت بماء كثير، يريد أنه ذلل لهم الطريق إليه، وبصرهم بمعانيه، وفنن أنواعه وقصده، فاحتذى الشعراء على مثاله، فاستعار العين لذلك» .
[2] انظر جمهرة الأنساب لابن حزم ص 425- 426.
[3] نسبه فى المؤتلف للآمدى 10 هكذا «امرؤ القيس بن حمام بن مالك بن عبيدة بن هبل ابن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد بن عبد الله بن رفيدة بن ثور ابن كلب بن وبرة» ثم أعاده فى 92 وذكر «عبدة» بدل «عبيدة» وقال فى شأنه ص 11: «والذى أدركه الرواة من شعره قليل جدا» وقال فى ص 92: «درس شعره وذهب إلا اليسير» .
(1/128)

يا صاحبىّ قفا النّواعج ساعة ... نبكى الدّيار كما بكى ابن حمام [1]
وقال أبو عبيدة: هو ابن خذام، وأنشد:
عوجا على الطّلل المحيل لعلّنا ... نبكى الدّيار كما بكى ابن خذام [2]
176* قال: وهو القائل [3] :
كأنّى غداة البين يوم تحمّلوا ... لدى سمرات الدار ناقف حنظل
أراد أنّه بكى فى الدار عند تحمّلهم، فكأنّه ناقف حنظل، وناقف الحنظلة ينقفها بظفره، فإن صوّتت علم أنّها مدركة فاجتناها، فعينه تدمع لحدّة الحنظل وشدّة رائحته، كما تدمع عينا من يدوف الخردل، فشبّه نفسه حين بكى بناقف الحنظل.
177* فممّا أخذه الشعراء من شعر امرئ القيس [4] :
قال امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل
أخذه طرفة فقال:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد
__________
[1] من المعلقة، وفى رواية البيت خلاف كثير. النواعج والناعجات من الإبل: البيض الكريمة.
[2] المحيل: الذى أتت عليه أحوال وغيرته. وقد اختلف فى ابن حمام هذا، فقيل أيضا «ابن خدام» بالخاء المعجمة والدال المهملة، وقيل غير ذلك. وانظر تفصيل القول فيه فى الخزانة 2: 234- 235. والأستاذ السندوبى لم يجزم بأن ابن خذام هو ابن حمام، لعله ظنهما اثنين، فقد ترجم لابن حمام فى أخبار المراقسة 82 ولم يوضح فى شرح الديوان 176.
[3] يريد أن أبا عبيدة يذهب إلى أن البيت الآتى، وهو من المعلقة، أصله لامرئ القيس ابن خذام، فأخذه امرؤ القيس بن حجر. وقد صرح بذلك صاحب الخزانة. ومضى البيت (57) .
[4] من المعلقة.
(1/129)

178* وقال امرؤ القيس يصف فرسا:
ويخطو على صمّ صلاب كأنّها ... حجارة غيل وارسات بطحلب [1]
أخذه النابغة الجعدىّ فقال:
كأنّ حواميه [2] مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب
حجارة غيل برضراضة ... كسين طلاء من الطّحلب
179* وقال امرؤ القيس يصف الناقة:
كأنّ الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها خذف أعسرا [3]
أخذه الشمّاخ فقال:
لها منسم مثل المحارة خفّة ... كأنّ الحصى من خلفه حذف أعسرا [4]
وقال امرؤ القيس يصف فرسا:
كميت يزلّ اللبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل [5]
أخذه أوس بن حجر فقال:
__________
[1] من قصيدة فى الديوان 31- 41. الصم الصلاب: حوافر الفرس، شبهها بالصخور الصم. الغيل: الماء الجارى. الوارسات: المصفرات من الطحلب، لونها كلون الورس. والبيت فى اللسان 8: 141 وعجزه فيه 14: 25 محرفا غير منسوب.
[2] الحوامى: حروف الحوافر من عن يمين وشمال.
[3] من قصيدة فى الديوان 66- 76. نجلته: رمته بمناسمها. الخذف: رمى الحصا بالأصابع. الأعسر: الذى يعمل بيسراه، فإذا خذف بها فقلما أصاب. والبيت فى اللسان 10: 407.
[4] المحارة: الصدفة، شبه بها منسم الناقة. وفى اللسان عن أبى العميثل الأعرابى:
«المحارة منسم البعير» فهذا على التشبيه، أخذوه كأنه معنى وضعى، ولم يشيروا إلى أصل التشبيه وأنه استعمال شاعر كالشماخ.
[5] من المعلقة. يزل اللبد عن وسط ظهره. الصفواء: الصخرة الملساء. والبيت فى اللسان 19: 197.
(1/130)

يزلّ قتود الرّحل عن دأياتها ... كما زلّ عن عظم الشّجيج المحارف [1]
181* وقال امرؤ القيس يصف فرسا:
سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا ... له حجبات مشرفات على الفال [2]
فأخذه كعب بن زهير [3] فقال:
سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا ... كأنّ مكان الرّدف من ظهره قصر
وأخذه النّجاشىّ فقال:
أمين الشظا عارى الشوى شنج النّسا ... أقبّ الحشا مستذرع النّدفان [4]
182* وقال امرؤ القيس:
فلأيا بلأى مّا حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السّراة محنّب [5]
فأخذه زهير فقال:
__________
[1] قتود: جمع قتد، وهو خشب الرحل. الدأيات: فقار الكاهل فى مجتمع ما بين الكتفين من كاهل البعير. الشجيج: المشجوج. المحارف: جمع محراف، وهو الميل الذى تسبر به الجراحات وعجز البيت فى اللسان 10: 390 غير منسوب.
[2] من قصيدة فى الديوان 138- 156. الشظى: عظيم ملزق بالذراع. عبل الشوى:
غليظ القوائم. النسا: قال الأصمعى: «عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الحافر» والشنج: المتقبض، وهو مدح له، لأنه إذا تقبض نساه وشنج له تسترخ رجلاه. الحجبات: رؤوس عظام الوركين. الفال: عرق فى الفخذين يكون فى خربة الورك ينحدر فى الرجل، وأصله «فائل» فأتى به على القلب، أو هما لغتان فيه، والبيت فى اللسان 14: 53 و 19: 162 وعجزه فيه 1: 291.
[3] وأخذه أيضا دريد بن الصمة فى الأصمعية 28: 25.
[4] الندفان: سرعة رجع اليدين. والبيت فى الأغانى 12: 73 برواية أخرى مقاربة ومعه آخر سيأتى 179 ل.
[5] من قصيدة فى الديوان 31- 41 لأيا بلأى: أى جهدا بعد جهد حملنا غلامنا على الفرس. محبوك السراة: مجدول الظهر. محنب: من التحنيب، وهو احديداب فى وظيفى يدى الفرس، وليس ذلك بالاعوجاج الشديد، وهو مما يوصف صاحبه بالشدة.
والبيت فى اللسان 1: 324، وصدره فيه 20: 103 غير منسوب.
(1/131)

فلأيّا بلأى ما حملتنا غلامنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله [1]
183* وقال امرؤ القيس:
وعنس كألواح الإران نسأتها ... على لاحب كالبرد ذى الحبرات [2]
أخذه طرفة فقال:
أمون كألواح الإران نسأتها ... على لاحب كأنّه ظهر برجد [3]
184* وقال امرؤ القيس يصف امرأة:
نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل [4]
أخذه المسيّب فقال:
نظرت إليك بعيّن جازئة ... فى ظلّ باردة من السّدر
185* وقال امرؤ القيس يصف الفرس:
يجمّ على الساقين بعد كلاله ... جموم عيون الحسى بعد المخيض [5]
أخذه زيد الخيل فقال:
__________
[1] البيت من قصيدة فى ديوانه بشرح ثعلب طبعة دار الكتب المصرية 133. ظماء مفاصله: ليست برهلة، وإذا كان المفصل ظمآن كان أيبس له.
[2] من قصيدة فى الديوان 57- 59. العنس: الناقة القوية، شبهت بالصخرة لصلابتها.
الإران: خشب صلب يشد بعضه إلى بعض. نسأتها: زجرتها وسقتها بالمنسأة، وهى العصا. اللاحب: الطريق الواضح. البرد ذو الحبرات: من ثياب اليمن الموشاة.
وصدر هذا البيت أخذه أيضا شاعر آخر. فى اللسان 1: 164.
[3] ناقة أمون: أمينة وثيقة الخلق قد أمنت أن تكون ضعيفة، وهى التى أمنت العثار والإعياء، البرجد: كساء مخطط ضخم. والبيت فى اللسان 16: 153.
[4] من قصيدة فى الديوان 146- 149 جازئة: من «جزأ بالشىء» قنع واكتفى به، كاجتزأ. وبقرة جازئة: مكتفية بالكلأ عن الماء.
[5] من قصيدة فى الديوان 108- 111. يجم على الساقين: يستريح عليهما بعد تعبه فيذهب إعياؤه. الحسى: حفيرة قريبة القعر فى الرمل ينبط ماؤه باردا عذبا. بعد المخيض: بعد أن مخض بالدلاء، أى أكثر الناس النزع بها منه. والبيت فى اللسان 14: 372.
(1/132)

يجمّ على الساقين بعد كلاله ... كما جمّ جفر بالكلاب نقيب [1]
186* قال أبو عبيدة: هو أوّل منّ قيّد الأوابد. يعنى فى قوله فى وصف الفرس «قيد الأوابد [2] » فتبعه الناس على ذلك.
187* وقال غيره: هو أوّل من شبّه الثغر فى لونه بشوك السّيال فقال:
منابته مثل السّدوس ولونه ... كشوّك السّيال وهو عذب يفيض [3]
فاتّبعه الناس. وأوّل من قال «فعادى عداء» فاتّبعه الناس [4] وأوّل من شبّه الحمار «بمقلاء الوليد» ، وهو عود القلة [5] . و «بكرّ الأندرىّ» والكرّ:
__________
[1] نقيب: منقوب.
[2] الأوابد: الوحوش. يريد أن هذا الفرس من سرعته يلحق الأوابد فيصير لها بمنزلة القيد. وهذا الوصف فى المعلقة، وانظر الخزانة 1: 507- 508.
[3] فى الديوان 104. السدوس، بضم السين: النيلج الأسود، الذى تسميه العامة «النيلة» . السيال: شجر سبط الأغصان عليه شوك أبيض، أصوله أمثال ثنايا العذارى. يفيض: يقطر ويسيل، وقيل يبرق. والبيت فى اللسان 7: 410 و 8:
335. وأخطأ الأستاذ حسن السندوبى فى شرح الديوان إذ تأول البيت على أنه وصف لشعر سلمى، فإن البيت قبله صدره فى وصف شعرها، وعجزه فى وصف ثغرها، فهذا تتمة الوصف للثغر متصل به. وفى ب هـ د «يفيض» وهو تصحيف.
[4] البيت من المعلقة:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل
وهو فى اللسان 19: 267. وذكر أيضا 19: 266 بيتا بهذا الصدر وعجزه بقافية بائية ونسبه لامرئ القيس، ولم أجده فى قصيدته البائية فى ديوانه، بل هو فى قصيدة علقمة الفحل، التى أثبتها الأستاذ السندوبى للموازنة بينها وبين قصيدة امرئ القيس، والبيت فيها 47. وكذلك هو مثبت فى ديوان علقمة الذى فى (مجموع خمسة دواوين من أشعار العرب) طبع المطبعة الوهبية سنة 1293 هـ ص 134. ولكنى لم أجده فيها فى ديوانه المخطوط ولا فى منتهى الطلب المخطوط أيضا. عادى: والى، يقال «عادى بين صيدين وبين رجلين» إذ طعنهما طعنتين متواليتين.
[5] المقلاء، والقلة، بضم القاف وفتح اللام مخففة: عودان يلعب بهما الصبيان، فالمقلاء: العود الكبير الذى يضرب به، والقلة: الخشبة الصغيرة التى تنصب، وهى قدر ذراع. وهذا التشبيه فى بيت فى الديوان 107 واللسان 20: 61.
(1/133)

الحبل [1] . وشبّه الطّلل «بوحى الزّبور فى العسيب [2] » . والفرس «بتيس الحلّب [3] » .
188* وممّا انفرد به قوله فى العقاب [4] :
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
شبّه شيئين بشيئين فى بيت واحد: وأحسن التشبيه.
189* وقوله:
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل [5]
وقد تبعه الناس فى هذا الوصف وأخذوه، ولم يجتمع لهم ما اجتمع له فى بيت واحد. وكان أشدّهم إخفاء لسرقة القائل، وهو المعذّل:
له قصريا رئم وشدقا حمامة ... وسالفتا هيق من الرّبد أربدا [6]
190* ويستجاد من قوله [7] .
فإنّك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلّب
__________
[1] الأندرى: الحبل الغليظ. وهذا التشبيه لامرئ القيس لم أجده، ولكن ذكر فى اللسان 7: 54 فى شطر من شعر لبيد.
[2] الزبور: الكتاب المزبور. العسيب: سعف النخل الذى جرد عنه خوصه. وهذه إشارة إلى مطلع قصيدة فى الديوان 186.
[3] فى بيت فى الديوان 41 واللسان 1: 321 وقال: «شبه الفرس بالتيس الذى تحلب عليه صائك المطر من الشجر، والصائك الذى تغير لونه وريحه» .
[4] فى الديوان 113.
[5] من المعلقة. التتفل: بتاءين مثناتين، وفى ل بتاء مثناة ثم تاء مثلثة، وهو خطأ. وقد مضى البيت 110.
[6] القصرى: الضلع التى تلى الشاكلة بين الجنب والبطن. الرئم: الظبى الأبيض الخالص البياض. السالفة: أعلى العنق. الهيق: الظليم، وهو ذكر النعام. ظلم أربد ونعامة ربداء ورمداء: لونها كلون الرماد، وقيل سواد، والجمع ربد.
[7] فى الديوان 33.
(1/134)

191* ويعاب من قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذى تمائم محول [1]
إذا ما بكى من خلفها انحرفت له ... بشقّ وتحتى شقّها لم يحوّل
قال أبو محمد: وليس هذا عندى عيبا. لأن المرضع والحبلى لا تريدان الرجال ولا ترغبان فى النكاح. فإذا أصباهما وألهاهما كان لغيرهما أشدّ إصباء وإلهاء.
192* ويعاب من قوله [2] :
أغرّك منّى أنّ حبّك قاتلى ... وأنّك مهما تأمرى القلب يفعل
وقالوا: إذا كان هذا لا يغرّ فما الذى يغرّ؟ إنما هذا كأسير قال لآسره:
أغرّك منى أنى فى يديك وفى إسارك وأنّك ملكت سفك دمى! قال أبو محمد: ولا أرى هذا عيبا، ولا المثل المضروب له شكلا، لأنّه لم يرد بقوله «حبّك قاتلى» القتل بعينه، وإنما أراد به: أنّه قد برّح بى فكأنّه قد قتلنى. وهذا كما يقول القائل: قتلتنى المرأة بدلها وبعينها، وقتلنى فلان بكلامه. فأراد: أغرّك منّى أن حبّك قد برّح بى وأنّك مهما تأمرى قلبك به من هجرى والسّلوّ عنى يطعك، أى: فلا تغترّرى بهذا، فإنى أملك نفسى وأصبرها عنك وأصرف هواى.
193* ويعاب عليه تصريحه بالزنا والدّبيب إلى حرم الناس. والشعراء تتوقّى ذلك فى الشعر وإن فعلته. قال [3] :
__________
[1] من المعلقة. التمائم: التعاويذ. محول: أتى عليه حول.
[2] من المعلقة.
[3] الديوان 140- 141.
(1/135)

سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال [1]
فقالت: سباك الله إنّك فاضحى ... ألست ترى السّمّار والناس أحوالى [2]
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
حلفت لها بالله حلفة فاجر: ... لناموا وما إن من حديث ولا صالى [3]
فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال
وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت، فذلّت، صعبة، أىّ إذلال
فأصبحت معشوقا، وأصبح بعلها ... عليه القتام سيّئ الظّنّ والبال [4]
__________
[1] سموت: نهضت. حباب الماء: نفاخاته وفقاقيعه التى تطفو عليه.
[2] أحوال: جمع حول، وفى اللسان: «جعل كل جزء من الجرم المحيط بها حولا، ذهب إلى المبالغة بذلك، أى أنه لا مكان حولها إلا وهو مشغول بالسمار، فذلك أذهب فى تعذرها عليه» .
[3] الصالى: المستدفئ بالنار.
[4] القتام: الغبار، يريد أن وجهه تغبر واسود من الخزى.
(1/136)

2- زهير بن أبى سلمى
[1] 194* هو زهير بن ربيعة بن قرط. والناس ينسبونه إلى مزينة، وإنّما نسبه فى غطفان [2] ، وليس لهم بيت شعر ينتمون فيه إلى مزينة إلّا بيت كعب بن زهير، وهو قوله:
هم الأصل منّى حيث كنت وإنّنى ... من المزنيين المصفّين بالكرم [3]
195* ويقال إنّه لم يتّصل الشعر فى ولد أحد من الفحول فى الجاهليّة ما اتّصل فى ولد زهير، وفى الإسلام ما اتّصل فى ولد جرير.
وكان زهير راوية أوس بن حجر.
196* ويروى عن عمر بن الخطّاب أنه قال [3] : أنشدونى لأشعر شعرائكم، قيل: ومن هو؟ قال: زهير، قيل: وبم صار كذلك؟ قال: كان لا يعاظل
__________
[1] هذا نص الترجمة التى فى س ب. وسيأتى بعد ترجمة أخرى له عن ب هـ د 59 ل.
و «سلمى» بضم السين. وليس فى العرب «سلمى» بالضم والقصر غيره.
[2] هكذا يقول ابن قتيبة فى هذا الموضع، وسيذكر فى الترجمة الثانية الآتية أنه «من مزينة مضر» فلعله استدرك رأيه فرجع إلى ما أثبته علماء النسب. وقد أثبت ابن عبد البر فى الستيعاب نسبه إلى مزينة، ثم قال: «وكانت محلتهم فى بلاد غطفان فيظن الناس أنهم من غطفان، أعنى زهيرا وبنيه، وهو غلط» . قال فى الخزانة: «وكأن هذا رد لما قال ابن قتيبة فى كتاب الشعراء» . ثم نقل كلام المؤلف الذى هنا. وانظر ترجمة زهير ونسبه فى طبقات الشعراء للجمحى 25 والأغانى 9: 139- 151 والاشتقاق 111- 112 والخزانة 1: 375- 377 وفى ترجمة ابنيه كعب وبجير فى الاستيعاب 226- 228، 68 وأسد الغابة 4: 240 و 1: 164 والإصابة 5: 302- 303 و 1: 143.
[3] من قصيدة رائعة فى ترجمته فى الاستيعاب.
[4] القصة مفصلة فى الأغانى 9: 140.
(1/137)

بين القول [1] ، ولا يتّبع حوشىّ الكلام [2] . ولا يمدح الرجل إلّا بما هو فيه.
وهو القائل [3] :
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسوّد
سبقت إليها كلّ طلق مبرز ... سبوق إلى الغايات غير مخلد
ويروى «غير مبلد» ، و «المخلّد» فى هذا الموضع: المبطئ [4] .
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكنّ حمد المرء ليس بمخلد
197* وكان قدامة بن موسى عالما بالشعر، وكان يقدّم زهيرا ويستجيد قوله [5] :
قد جعل المبتغون الخير فى هرم ... والسّائلون إلى أبوابه طرقا
من يلق يوما على علّاته هرما ... يلق السّماحة فيه والنّدى خلقا
198* قال عكرمة بن جرير: قلت لأبى: من أشعر الناس؟ قال:
أجاهليّة أم إسلاميّة؟ قلت: جاهليّة، قال: زهير، قلت: فالإسلام؟ قال:
الفرزدق، قلت: فالأخطل؟ قال: الأخطل يجيد نعت الملوك ويصيب صفة
__________
[1] كل شىء ركب شيئا فقد عاظله، والمعنى: لم يحمل بعض الكلام على بعض، ولم يتكلم بالرجيع من القول ولم يكرر اللفظ والمعنى. عن اللسان.
[2] حوشى الكلام: وحشيه وغريبه. وانظر ما يأتى 61 ل.
[3] من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان المرى، فى ديوانه 234، 236 طبعة دار الكتب المصرية.
[4] رواية الأغانى «غير مزند» ورواية الديوان «غير مجلد» . وقال ثعلب فى شرحه:
«يقال رجل طلق اليدين: معطاء. مبرز: سبق الناس إلى الكرم والخير. غير مجلد:
ينتهى إلى الغاية من غير أن يضرب» . وتفسير ابن قتيبة «المخلد» بالخاء بأنه المبطئ لم يذكر فى المعاجم.
[5] من قصيدة فى مدح هرم بن سنان فى الديوان 49، 53 وهما فى الأغانى 9: 144 فى أبيات، وفى الخزانة 1: 376.
(1/138)

الخمر، قلت له: فأنت؟ قال: أنا نحرت الشّعر نحرا.
199* قال عبد الملك لقوم من الشعراء: أىّ بيت أمدح؟ فاتّفقوا على بيت زهير [1] :
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الّذى أنت سائله
200* قيل لخلف الأحمر: زهير أشعر أم ابنه كعب؟ قال: لولا أبيات لزهير أكبرها الناس لقلت إنّ كعبا أشعر منه، يريد قوله [2] :
لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر [3]
ولأنت أشجع من أسامة إذ ... دعى النزال ولجّ فى الذّعر [4]
ولأنت تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثمّ لا يفرى
لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر
201* وكان زهير يتألّه ويتعفّف فى شعره. ويدلّ شعره على إيمانه بالبعث.
وذلك قوله:
يؤخّر فيودع فى كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم [5]
وشبّه زهير امرأة فى الشعر بثلاثة أوصاف فى بيت واحد فقال [6] :
__________
[1] الديوان 142.
[2] الديوان 86، 89، 94، 95 ولبعض هذه القصيدة قصة فى الأغانى 5: 164 يزعمون فيها أن حمادا الرواية وضعها، وهى قصة ظاهرة الصنعة. والبيت الرابع سيأتى 84 ل منسوبا للمسيب بن علس، وسنذكر الخلاف فيه.
[3] القنة: الجبل الذى ليس بمنتشر. أقوين: خلون.
[4] رواية الديوان «دعيت نزال» وهى الرواية المعروفة فى كتب اللغة والنحو.
[5] من المعلقة، الديوان 18 وفيه «فيوضع» بدل «فيودع» وهى رواية ثابتة بحاشية ب على أنها نسخة.
[6] الديوان 61- 62.
(1/139)

تنازعت المها شبها ودرّ الب ... حور وشاكهت فيها الظّباء [1]
ثم قال ففسّر:
فأمّا ما فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاء [2]
وأمّا المقلتان فمن مهاة ... وللدّرّ الملاحة والصّفاء
202* وقال بعض الرواة: لو أن زهيرا نظر فى رسالة عمر بن الخطّاب إلى أبى موسى الأشعرى [3] ما زاد على ما قال:
فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء [4]
يعنى: يمينا أو منافرة إلى حاكم يقطع بالبيّنات أو جلاء، وهو بيان وبرهان يجلو به الحقّ وتتّضح الدعوى.
203* ومما يتمثّل به من شعره:
وهل ينبت الخطّىّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا فى معادنها النّخل [5]
204* ويستحسن قوله:
يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا [6]
205* ويستحسن أيضا قوله:
__________
[1] شاكهت، وشاكلت وشابهت، بمعنى واحد. قال ثعلب: «أراد: فيها شبه من البقر فى العيون، ومن الدر فى الصفاء، ومن الظباء بطول العنق» .
[2] أدماء: يريد ظبية بيضاء.
[3] هى رسالته المشهورة فى شأن القضاء. وانظر ما يأتى 64 ل.
[4] فى اللسان «الجلاء بالفتح والمد» وأتى بالبيت شاهدا عليه 18: 163. وقال الصغانى «الرواية بالكسر لا غير، من المجالاة» وهو فى اللسان أيضا 7: 84 و 10: 155 وستأتى إشارة إليه 99. ورواية الديوان 75 بالكسر أيضا. ولكن تفسير ابن قتيبة بأنه «برهان يجلو به الحق» قد يؤيد الفتح.
[5] الخطى: الرماح، نسبة إلى الخط، وهى جزيرة بالبحرين. الوشيج: القنا.
[6] الديوان 54. وفى الأصل «إذا طعنوا» وصححناه من الديوان. وسيأتى 64 ل على الصواب.
(1/140)

هو الجواد الّذى يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فينظلم [1]
206* قد سبق زهير إلى هذا المعنى، لا ينازعه فيه أحد غير كثير، فإنّه قال يمدح عبد العزيز بن مروان [2] :
رأيت ابن ليلى يعترى صلب ماله ... مسائل شتّى من غنىّ ومصرم
مسائل إن توجد لديه تجد بها ... يداه، وإن يظلم بها يتظلّم
المصرم: القليل المال.
207* هو [3] زهير بن أبى سلمى، واسم أبى سلمى ربيعة بن رياح المزنىّ، من مزينة مضر، وكان زهير جاهليّا لم يدرك الإسلام، وأدركه ابناه كعب وبجير.
وأتى بجير النبىّ صلى الله عليه وسلم فأسلم، فكتب إليه كعب [4] :
ألا أبلغا عنّى بجيرا رسالة ... فهل لّك فيما قلت بالخيف هل لّكا
سقيت بكأس عنّد آل محمّد ... فأنهلك المأمون منها وعلّكا [5]
__________
[1] الديوان 152 وسيأتى البيت ثانيا 62 ل وفيه «فيظلم» وهى رواية الديوان، قال ثعلب: «وسمعت أعرابيا ينشد فينظلم بالنون» . والبيت فى اللسان 15: 270 و 17:
144.
[2] سيأتى البيتان أيضا 62 ل مع خلاف قليل فى الرواية.
[3] نص ترجمة زهير ب هـ د. ويلاحظ أنه تحدث فيها أيضا عن كعب بن زهير، ساقهما فى ترجمة واحدة. وأما نص س ب الذى تقدم، فإنه فصل ترجمة كعب وحدها، وسيأتى نصها 67 ل.
[4] القصة مفصلة فى سيرة ابن هشام 887- 893 طبعة أوروبة. وهى أيضا فى الأغانى 15: 142- 143، وفى مصادر ترجمة كعب وبجير التى أشرنا إليها آنفا، وفى أول شرح قصيدة «بانت سعاد» لجمال الدين بن هشام الأنصارى، وهو شرح مشهور، طبع فى ليبزج سنة 1871 م ثم طبع فى مصر مرارا.
[5] النهل، بالتحريك: الشرب الأول. العلل: الشرب الثانى.
(1/141)

فخالفت أسباب الهدى وتبعته ... على أىّ شىء ويب غيرك دلّكا [1]
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شعره هذا، فتوعّده ونذر دمه. فكتب بجير إلى كعب يخبره بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجلا ممّن كان يهجوه، وأنّه لم يبق من الشعراء الذين كانوا يؤذونه إلا ابن الزّبعرى السهمىّ وهبيرة بن أبى وهب المخزومى، وقد هربا منه، فإن كانت لك فى نفسك حاجة فاقدم عليه، فإنّه لا يقتل أحدا أتاه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج بنفسك. فلمّا ورد عليه الكتاب ضاقت عليه الأرض برحبها، وأرجف به من كان بحضرته من عدوّه، فقال قصيدته التى أوّلها:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول
وفيها قال:
نبّئت أنّ رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مأمول
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده فى يده وأنشده شعره، فقبل توبته وعفا عنه، وكساه بردا، فاشتراه منه معاوية بعشرين ألف درهم، فهو عند الخلفاء إلى اليوم [2] .
208* وكان لكعب ابن يقال له عقبة بن كعب، شاعر، ولقبه «المضرّب [3] » وذلك أنّه شبّب بامرأة من بنى أسد فقال:
__________
[1] ويب: كلمة مثل ويل. والبيت فى اللسان 2: 305.
[2] انظر ما يأتى فى ترجمة كعب 67- 69 ل.
[3] ضبط فى ل بفتح الميم والراء وسكون الضاد بينهما، وهو خطأ. والذى فى تاج العروس 1: 350 أنه بوزن «محدث» و «معظم» وقال: «وبالوجهين ضبط فى نسخة الصحاح فى باب ل ب ب» ونسخة الصحاح المطبوعة غير مضبوطة، ولكنه ضبط فى اللسان 2: 226 بكسر الراء فقط على وزن اسم الفاعل، وقد اخترنا ضبطه بفتح الراء بوزن اسم المفعول ورجحناه، لما تدل عليه القصة التى هنا. وقد مضت للمضرب أبيات ص 11 وله شعر آخر فى الأغانى 9. 151. وانظر الخزانة 4: 11.
(1/142)

ولا عيب فيها غير أنّك واجد ... ملاقيها قد ديّثت بركوب [1]
فضربه أخوها مائة ضربة بالسيف، فلم يمت، وأخذ الدية، فسمّى «المضرّب» . وولد لعقبة العوّام، وهو شاعر [2] .
209* فهؤلاء خمسة شعراء فى نسق: العوّام بن عقبة بن كعب بن زهير ابن أبى سلمى، وكان أبو سلمى أيضا شاعرا. وهو القائل فى خاله أسعد المرّىّ [3] وابنه كعب بن أسعد، وكان حمل أمّه وفارقهما:
لتصرفن إبل محبّبة ... من عند أسعد وابنه كعب [4]
الآكلين صريح قومهما ... أكل الحبارى برعم الرّطب [5]
210* وقال عمر لابن عبّاس: أنشدنى لشاعر الشعراء، الذى لم يعاظل بين القوافى، ولم يتبع وحشىّ الكلام، قال: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال:
زهير. فلم يزل ينشده إلى أن برق الصّبح [6] .
211* وكان زهير أستاذ الحطيئة. وسئل عنه الحطيئة فقال: ما رأيت مثله فى تكفّيه على أكناف القوافى [7] ، وأخذه بأعنّتها حيث شاء، من اختلاف
__________
[1] الملاقى: مأزم الفرج ومضايقه. ديثت لينت وذللت.
[2] عوام بن عقبة له ذكر فى الأغانى 19: 67 فلعله هذا.
[3] هو أسعد بن الغدير، والغدير هو عمرو بن هلال بن سهم بن مرة بن عوف بن سعد ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. انظر ترجمة بشامة فى المفضلية 10. وهذه القصة مفصلة فى الأغانى 9: 140- 141.
[4] محببة: رواية الأغانى «مجنبة» وفسرها فقال «مجنوبة» . من قولهم «جنب الفرس» قاده إلى جنبه، و «مجنبة» شدد للتكثير، كما فى اللسان. وانظر ديوان زهير ص 2.
[5] الحبارى: طائر. البرعم: كم ثمر الشجر والنور. والبيت فى اللسان 14: 314.
[6] انظر ما مضى 86- 87.
[7] أكناف، بالنون والفاء، كما فى ب د. وفى ل «أكتاق» بالتاء والقاف، ولا معنى لها، ولا تكون عربية. وفى شرح القاموس 7: 59. «قال الليث: أهملت الكاف والقاف ووجودهما مع سائر الحروف. وقال أبو عبد الرحمن: تأليف القاف والكاف معقوم فى بناء العربية، لقرب مخرجهما، إلا أن تجىء كلمة من كلام العجم معربة» .
وفى الجمهرة لابن دريد 3: 162: «باب القاف والكاف مع باقى الحروف: مهمل» .
(1/143)

معانيها، امتداحا وذمّا. قيل له: ثم من؟ قال: ما أدرى، إلّا أن ترانى مسلنطحا [1] واضعا إحدى رجلىّ على الأخرى رافعا عقيرتى أعوى فى أثر القوافى [2] .
212* قال أبو عبيدة: يقول من فضّل زهيرا على جميع الشعراء: إنّه أمدح القوم وأشدّهم أسر شعر. قال: وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول [3] :
الفرزدق يشبّه بزهير وكان الأصمعىّ يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، لأنّهم نقّحوه ولم يذهبوا به مذهب المطبوعين.
قال: وكان زهير يسمى كبر قصائده «الحوليّات» [4] .
213* وكان جيّد شعره فى هرم بن سنان المرّى. وقال عمر رضى الله عنه لبعض ولد هرم: أنشدنى بعض ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إنّا كنّا نعطيه فنجزل! فقال عمر رضى الله عنه:
ذهب ما أعطيتموه وبقى ما أعطاكم [5] .
214* وممّا سبق إليه زهير فأخذ منه قوله يمدح هرما [6] :
هو الجواد الّذى يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظّلم
أى يسأل مالا يقدر عليه فيتحمّله. أخذه كثيّر، فقال:
__________
[1] اسلنطح: وقع على ظهره.
[2] انظر ما يأتى 184- 185 ل.
[3] هـ «ثم قال: وأتيت أبا عمرو بن العلاء، وكان يقول» .
[4] مضى نحو هذا (ص 78) وفى الخزانة 1: 376- 377: «روى أن زهيرا كان ينظم القصيدة فى شهر، وينقحها ويهذبها فى سنة، وكانت تسمى قصائده حوليات زهير» .
[5] الخزانة 1: 376.
[6] مضى البيت وبيتا كثير بعده فى 90.
(1/144)

رأيت ابن ليلى تعترى صلب ماله ... مسائل شتّى من غنّى ومعدم [1]
مسائل إن توجد لديك بها ... يداك، وإن تظلم بها تتظلّم
215* وقال زهير [2] :
كما استغاث بسىء فزّ غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
السّىء: اللبن فى الضّرع. والفزّ: ولد البقرة. والغيطلة: البقرة.
والحشك: الدّرّة. أخذه الطّرمّاح فقال:
بادر السّىء ولم ينتظر ... نبه فيقات العيون النّيام
نبه: تحرّك العروق. الفيقة: مثل الفواق [3] .
216* وقال زهير يصف ظبية أكل ولدها السّبع [4] :
أضاعت فلم تغفر لها غفلاتها ... فلاقت بيانا آخر معهد [5]
دما عند شلو تحجل الطّير حوله ... وبضع لحام فى إهاب مقدّد [6]
__________
[1] «قال ابن الأثير فى المرصّع: ابن ليلى: المسمّى به كثير، ومن أشهر المسمّين به عمر ابن عبد العزيز رضى الله عنه. قال كثيّر:
يا أيّها المتمنّى أن يكون فتى ... مثل ابن ليلى لقد خلّى لك السّبلا
اعدد ثلاث خلال قد جمعن له: ... هل سبّ من أحد أو سبّ أو بخلا»
هذه الجملة ظاهر أنها حاشية على هذا البيت، ولعلها مثبتة فى حواشى أحد الأصول. ولكن مصحح ل أثبتها فى صلب الكتاب بعد قوله «أخذه كثير» بين معكوفين [] وهو تصرف غير جيد، ووضع الشىء فى غير موضعه.
[2] الديوان 177 واللسان 12: 193.
[3] النبه: القيام والانتباه من النوم. الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت. وهذا كله على المثل.
[4] الديوان 227.
[5] ثعلب: «فلاقت بيانا: استبانت. الجلد والدم هو الذى بين لها. عند آخر موضع عهدته فيه» .
[6] ثعل: «دما: رد على بيان. شلو: بقية الجسد. وبضع: جمع بضعة. لحام: جمع لحم. إهاب: جلد، والجمع أهب. ومقدد: مخرق ومشقق. تحجل الطير حوله:
أكل الذئب ما أكل وبقى شىء تحجل الطير حوله» .
(1/145)

وقال الجعدىّ [1] :
ولاقت بيانا عند أوّل معهد ... إهابا ومعبوطا من الجوف أحمرا
217* قال: وممّا سبق إليه كعب بن زهير فأخذه الشعراء منه، قال كعب ابن زهير يذكر ذئبا وغرابا:
فلم يجدا إلّا مناخ ميطّة ... تجافى بها زور نبيل وكلكل [2]
ومضربها وسط الحصى بجرانها ... ومثنى نواج لم يخنهنّ مفصل [3]
وموضع طولىّ وأحناء قاتر ... يئط إذا ما شدّ بالنّسع من عل [4]
وأتلع يلوى [5] بالجديل كأنّه ... عسيب سقاه من سميحة جدول
وسمر ظماء واترتهنّ بعد ما ... مضت هجعة من آخر اللّيل ذبّل [6]
سفى فوقهنّ التّرب ضاف كأنّه ... على الفرج والحاذين قنو مذلّل [7]
ومضطمر من خاشع الطّرف، خائف ... لما تضع الأرض القواء وتحمل [8]
فأخذه ذو الرّمّة والطّرمّاح، فقال الطّرمّاح:
__________
[1] الجعدى: هو النابغة الجعدى. المعبوط: من العبط، وهو النحر أو الشق.
[2] الزور: أعلى الصدر. النبيل: الجسيم. الكلكل: الصدر.
[3] جران البعير أو الناقة: مقدم العنق من المذبح إلى المنحر. النواجى: القوائم السراع.
[4] قاتر: يقال رجل قاتر، أى قلق لا يعقر ظهر البعير. وأحناؤه: كل عود معوج من عيدانه، واحدها حنو، بكسر الحاء وسكون النون. يئط: يصوت. النسع: سير يضفر على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال.
[5] الأتلع: العنق الطويل: الجديل: الزمام المجدول من أدم. سميحة، بصيغة التصغير:
عين ماء معروفة.
[6] سمر ظماء: قوائم غير مترهلات. ذبل: ضامرات.
[7] الضافى: الذيل الطويل الشعر. الحاذان: ما يقع عليه الذنب من الفخذين من ذا الجانب، وذا الجانب. القنو: عذق النخلة.
[8] مضطمر: ضامر. القواء: القفر ليس بها أحد.
(1/146)

أطاف بها طمل حريص فلم يجد ... بها غير ملقى الواسط المتباين [1]
ومخفق ذى زرّين فى الأرض متنه ... وفى الكّف مثناه لطيف الأسائن [2]
خفىّ كمجتاز الشّجاع وذبّل ... ثلاث كحبّات الكباث القرائن [3]
وضبثة كفّ باشرت بيمينها ... صعيدا كفاها فقد ماء المصافن [4]
ومعتمد من صدر رجل محالة ... على عجل من خائف غير آمن [5]
مقلصة طارت قرينتها بها ... إلى سلّم فى دفّ عوجاء دافن [6]
وموضع مثنى ركبتين وسجدة ... توخّى بها ركن الحطيم الميامن
وقال ذو الرّمّة [7] :
إذا اعتسّ [8] فيها الذئب لم يلتقط بها ... من الكسب إلا مثل ملقى المشاجر
__________
[1] الطمل: الذئب الأطلس الخفى الشخص. الواسط: واسط الرحل، وهو ما بين القادمة والآخرة.
[2] ذى زرين: أراد به الزمام. الأسائن: جمع أسينة، وهى سير واحد من سيور تضفر جميعها فتجعل نسعا أو عنانا.
[3] الشجاع: الحية الذكر. مجتازه: مكان اجتيازه. وبحاشية د: «الكباث: جنس من ثمر الأراك. والقراين: المقترنة» .
[4] الضبثة: القبضة. المصافن: من قولهم «تصافن القوم الماء» وذلك إذا كانوا فى سفر ولا ماء معهم ولا شىء، يقتسمونه على حصاة يلقونها فى الإناء يصب فيه من الماء بقدر ما يغمر الحصاة، فيعطاه كل رجل منهم.
[5] فى ل «رجل محالة» بالإضافة وفتح الميم، ولم نجد له توجيها، وأثبتنا ما فى الديوان، ففى اللسان «رجل مستحالة: إذا كان طرفا الساق منها معوجين» .
[6] مقلصة: من قولهم «قلصت الإبل» استمرت فى مضيها. الدف: الجنب. العوجاء:
الضامرة من الإبل. دافن: تغيب عن الإبل وتركب رأسها وحدها.
[7] ديوانه 292.
[8] اعتس: طاف ليلا طلبا للصيد، وفى الأصل «اعتن» وصححناه من الديوان.
المشاجر: جمع مشجرة، وهى خشب الرحل.
(1/147)

وبينهما [1] ملقى زمام كأنّه ... مخيط شجاع آخر اللّيل ثائر
ومغفى فتى [2] حلّت له فوق رحله ... ثمانية جردا، صلاة المسافر
سوى وطأة [3] فى الأرض من غير جعدة ... ثنى أختها فى غرز عوجاء ضامر
وموضع عرنين [4] كريم وجبهة ... إلى هدف من مسرع غير فاجر
218* وقال كعب بن زهير:
لا يشتكون الموت إن نزلت بهم ... شهباء ذات معاقم وأوار [5]
سمعه بعضهم فقال:
رميت نطاة من الرّسول بفيلق ... شهباء ذات معاقم وأوار [6]
219* ومما سبق إليه زهير فلم ينازع فيه قوله:
فإنّ الحقّ مقطعه البيت [7] . يريد أنّ الحقوق إنما تصحّ بواحدة من هذه
__________
[1] بينهما: بين موضع الركبتين، وقد حذف المؤلف بيتين قبل هذا البيت، أولهما مناخ قرون الركبتين يقول: بينهما زمام الناقة كأنه أثر مشى الحية.
[2] مغفى فتى: موضع نومه، وأراد بالفتى نفسه، وفى الأصل «ومقفى» والتصحيح من الديوان. يقول: حلت له صلاة المسافر ثمانية أشهر جردا، أى: كاملة.
[3] سوى وطأة: يعنى نفسه عند نزوله. من غير جعدة: من رجل غيره كبيرة. وهذا يوافق ما فى ب هـ والديوان، وفى ل تبعا لسائر الأصول «من غير جعله» ولا معنى له.
[4] العرنين: الأنف، يريد موضع السجود. وشرح هذه الأبيات مقتبس من شرح ديوانه لثعلب.
[5] شهباء: يريد كتيبة شهباء، لشهبة الحديد، والشهبة: بياض يصدعه سواد خلاله.
ذات معاقم: من قولهم «حرب عقام» بضم العين وفتحها، و «عقيم» : شديدة لا يلوى فيها أحد على أحد، يكثر فيها القتل. الأوار: لفح النار ووهجها.
[6] نطاة: حصن بخيبر. والبيت فى سيرة ابن هشام 767 من أبيات لابن لقيم العبسى قالها فى فتح خيبر. وهو أيضا فى الحيوان 2: 278 والإصابة 6: 9 ولكنه محرف فيها.
[7] مضى (89) .
(1/148)

الثلاث: يمين أو محاكمة أو حجّة بينة واضحة. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا أنشد هذا تعجّب من معرفته بمقاطع الحقوق.
220* ومن ذلك قوله [1] :
يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فجمع فى بيت واحد صنوف القتال.
221* ومن ذلك قوله [2] :
السّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
222* ومما يستجاد له [3] :
وذى نعمة تمّمتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحقّ باطله
دفعت بمعروف من القول صائب ... إذا ما أضلّ الناطقين مفاصله
وذى خطل فى القول يحسب أنّه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وذى نسب ناء بعيد وصلته ... بمال، وما يدرى بأنّك واصله [4]
وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ نوافله [5]
غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله [6]
__________
[1] مضى فى (90) .
[2] الديوان 95.
[3] الديوان 138- 143.
[4] قال الأعلم: «يعنى أنه وصل قوما فوصلوا غيرهم من صلته، فكان هو سبب ذلك الوصل وهم لا يعرفون ذلك. وإنما قال هذا إشارة إلى كثرة معروفه وسعة إفضاله» .
[5] «غمامة» مرفوع، كما فى الديوان. وفى الأصول هنا منصوب، ولا توجيه له.
[6] الصريم: الصبح، أو جمع صريمة، وهى القطعة من الرمل تنقطع من معظمه.
والأول أجود، قالوا: لأنه يسكر بالليل وإذا صحا من سكره لامته العواذل على إنفاق ماله.
(1/149)

يفدّينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله
وأعرضن منه عن كريم مرزّا ... جموع على الأمر الذى هو فاعله [1]
أخى ثقة ما تذهب الخمر ماله ... ولكنّه قد يذهب المال نائله [2]
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذى أنت سائله
223* ومن ذلك قوله، ويقال إنّه لولده كعب [3] :
وليس لمن لم يركب الهول بغية ... وليس لرحل حطّه الله حامل [4]
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
224* ومن ذلك قوله [5] :
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل [6]
على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل [7]
سعى بعدهم قوم لكى يدركوهم ... فلم يبلغوا ولم يليموا ولم يألوا [8]
225* وأخذ العلماء عليه قوله يذكر الضفادع:
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا [9]
__________
[1] مرزأ: يصاب منه الخير ويرزأ ماله. جموع على الأمر: ماض عليه مجمع الرأى.
[2] سيأتى 148.
[3] هما ثابتان لزهير فى ديوانه، ختام قصيدة قالها فى شأن سنان بن أبى حارثة المرى 292- 300.
[4] ثعلب: «يقول: من لم يركب الهول فى مودة أخيه لم يدرك بغيته، وليس لمن وضعه الله ارتفاع» .
[5] الديوان 113- 114.
[6] المقامات: المجالس، وأراد أهلها. ينتابها القول والفعل: يقال فيها الجميل ويفعل. عن ثعلب.
[7] يعتريهم: يطلب منهم.
[8] يليموا: لم يأتوا ما يلامون عليه.
[9] الديوان 40. الشربات: حياض تحفر فى أصول النخل من شق واحد فتملأ ماء، واحدتها «شربة» بفتحتين. الطحل: الكدر.
(1/150)

وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء مخافة الغمّ والغرق، وإنما ذلك لأنّهنّ يبضن فى الشطوط.
226* وأخذ عليه قوله:
ثمّ استمرّوا وقالوا: إنّ مشربكم ... ماء بشرقىّ سلمى فيد أوركك [1]
وقال الأصمعىّ: سألت بجنبات فيد عن الرّكك؟ فقالوا لى: ما هنا «ركك» ولكن «ركّ» فعلمت أنّ زهيرا احتاج فضعّف.
227* وأخذ على ابنه كعب قوله فى وصف ناقة:
ضخم مقلّدها فعم مقيّدها
قال الأصمعى: هذا خطاء، إنما توصف النجائب بدقّة المذبح.
228* ومما يستجاد لكعب ابنه قوله يذكر رجلا قتل من مزينة رهطه:
لقد ولّى أليّته جوىّ ... معاشر غير مطلول أخوها
فإن تهلك جوىّ فكلّ نفس ... سيجلبها لذلك جالبوها
وإن تهلك جوىّ فإنّ حولى ... كظنّك كان بعدك موقدوها
وما ساءت ظنونك يوم تؤتى ... بأرماح وفى لك مشرعوها
كأنّك كنت تعلم يوم بزّت ... ثيابك ما سيلقى سالبوها
فما قلنا لهم: نفس بنفس ... أقيدونا بها إن لم تدوها
ولكنّا دفعناها ظماء ... فروّاها بذكرك منهلوها
ولو بلغ القتيل فعال حىّ ... لسرّك من سيوفك منتضوها
229* ومن ذلك قوله:
لو كنت أعجب من شىء لأعجبنى ... سعى الفتى وهو مخبوّ له القدر
__________
[1] الديوان 167 واللسان 12: 318 وصفة جزيرة العرب 223، 231 ومعجم البلدان 4: 279.
(1/151)

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنّفس واحدة والهمّ منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهى العين حتّى ينتهى الأثر
230* وكعب القائل [1] :
ومن للقوافى شأنها من يحوكها ... إذا ما توى كعب وفوّز جرول [2]
يقول فلا يعيا بشىء يقوله ... ومن قائلها من يسىء ويعمل
يقوّمها حتّى تلين متونها ... فيقصر عنها كلّ ما يتمثّل
كفيتك لا تلقى من الناس شاعرا ... تنخّل منها مثل ما أتنخّل [3]
وسمعه الكميت فقال فى قصيدة له:
وما ضرّها أنّ كعبا توى ... وفوّز من بعده جرول [4]
__________
[1] الأبيات فى الأغانى 2: 44 و 15: 140- 141 مع تغيير فى الترتيب، وستأتى عدا الثانى (69 ل) . وهى عدا الرابع فى الخزانة 1: 411. والأولان فى اللسان 7:
260.
[2] الإصابة 2: 3 وشأنها: بدل من «القوافى» وهو واضح، وكذلك أثبتت فى أصول الكتاب، وفى اللسان «شأنها» وفسرها بقوله «أى: جاء بها شائنة أى: معيبة» وفى هذا تكلف. توى، بالتاء المثناة: مات، كما فى رواية اللسان، وهذا الفعل أصله «توى» بوزن «بلى» ونقل فى اللسان 18: 114 عن أبى على الفارسى «أن طيئا تقول توى» يعنى بوزن «رمى» ، وهى لغة طائية معروفة فى مثل هذا الوزن. ورواية اللسان فى مادة «ث وى» 18: 137 «ثوى» بالثاء المثلثة، أى: هلك، وهى توافق رواية الأغانى. فوز: مات. جرول: اسم الحطيئة.
[3] تنخل الشىء: تخيره واستقصى أفضله.
[4] ب هـ «ثوى» بالمثلثة. والبيت فى اللسان 7: 260 و 13: 114 سيأتى قبله بيتان آخران (69- 70 ل) .
(1/152)

3- كعب بن زهير
[1] 231* وكان كعب فحلا مجيدا، وكان يحالفه أبدا إقتار وسوء حال.
وكان أخوه بجير أسلم قبله، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، وكان أخوه كعب أرسل إليه ينهاه عن الإسلام، فبلغ ذلك النبىّ صلى الله عليه وسلم فتواعده، فبعث إليه بجير فحذّره، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ بأبى بكر، فلما سلّم النبىّ صلى الله عليه وسلم من صلاة الصّبح جاء به وهو متلثّم بعمامته، فقال: يا رسول الله، هذا رجل جاء يبايعك على الإسلام، فبسط النبىّ صلى الله عليه وسلم يده، فحسر كعب عن وجهه، وقال: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا كعب بن زهير، فتجهّمته الأنصار وغلّظت له، لذكره كان قبل ذلك رسول صلى الله عليه وسلم، وأحبّت المهاجرة أن يسلم ويؤمنه النبىّ صلى الله عليه وسلم، فآمنه واستنشده:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يجز مكبول [2]
وما سعاد غداة البين إذ عرضت ... إلّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول [3]
وما تدوم على العهد الذى زعمت ... كما تلوّن فى أثوابها الغول
ولا تمسّك بالودّ الذى زعمت ... إلّا كما تمسك الماء الغرابيل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيده إلّا الأباطيل
نبّئت أنّ رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مبذول
__________
[1] أشرنا إلى مصادر ترجمة كعب عند ترجمة أبيه (86) . وانظر أيضا ما مضى (90) .
والأغانى 15: 142- 143.
[2] مكبول: مقيد.
[3] الأغن: الذى فى صوته غنة.
(1/153)

مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال ... قرآن، فيها مواعيظ وتفصيل [1]
لا تأخذنّى بأقوال الوشاة، ولم ... أذنب ولو كثرت فىّ الأقاويل
فلما بلغ قوله:
إنّ الرّسول لنور يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول
فى عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكّة لمّا أسلموا: زولوا
زالوا، فما زال أنكاس ولا كشف ... يوم اللّقاء ولا سود معازيل [2]
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من عنده من قريش، كأنّه يومى إليهم أن يسمعوا، حتى قال:
يمشون مشى الجمال البهم يعصمهم ... ضرب إذا عرّد السّود التّنابيل [3]
يعرّض بالأنصار، لغلظتهم كانت عليه، فأنكرت قريش عليه وقالوا: لم تمدحنا إذ هجوتهم، فقال:
من سرّه شرف الحياة فلا يزل ... فى مقنب من صالحى الأنصار [4]
الباذلين نفوسهم لنبيّهم ... يوم الهياج وسطوة الجبّار
__________
[1] «القرآن» مضاف إلى «نافلة» كما هو ظاهر، ويجوز نصبه مفعولا ل «أعطاك» ويكون «نافلة» إما حالا تقدمت، وإما مفعولا، و «القرآن» بدل، ويكون حذف التنوين حينئذ من «نافلة» لالتقاء الساكنين. انظر شرح «بانت سعاد» 184.
[2] الأنكاس: جمع نكس، بكسر النون وسكون الكاف، وهو الضعيف المهين. الكشف:
جمع أكشف، وهو من لا ترس معه فى الحرب. المعازيل: جمع معزال، وهو الأعزل الذى لا سلاح معه.
[3] عرد: فر وأعرض. التنابيل: القصار، واحدهم تنبال، بكسر التاء. وهذه القصيدة مشهورة معروفة، شرحها العلماء وعنوا بها، وانظر تفصيل قصة إسلام كعب والبردة فى سيرة ابن هشام 887- 893 وسيرة ابن سيد الناس 2: 208- 215 وتاريخ ابن كثير 4: 368- 374 وإمتاع الأسماع للمقريزى 1: 494 وشرح بانت سعاد لابن هشام 3- 7.
[4] المقنب: جماعة الخيل والفرسان.
(1/154)

يتطهّرون، كأنّه نسك لهم، ... بدماء من علقوا من الكفّار
فكساه النبىّ صلى الله عليه وسلم بردة اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم، وهى التى يلبسها الخلفاء فى العيدين. زعم ذلك أبان بن عثمان بن عفّان.
232* وقال الحطيئة لكعب: قد علمتم روايتى لكم أهل البيت وانقطاعى إليكم، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك ثم تذكرنى بعدك، فإنّ الناس أروى لأشعاركم، فقال [1] :
فمن للقوافى شأنها من يحوكها ... إذا ما مضى كعب وفوّز جرول
كفيتك لا تلقى من الناس واحدا ... تنخّل منها مثل ما يتنخّل
يثقّفها حتّى تلين كعوبها ... فيقصر عنها من يسىء ويعمل
فاعترضه مزرّد أخو الشّمّاخ فقال [2] :
فلست كحسّان الحسام ابن ثابت ... ولست كشمّاخ ولا كالمخبّل
فباستك إن خلّفتنى خلف شاعر ... من الناس لا أكفى ولا أتنخّل [3]
وقال الكميت:
فدونك مقربة لا تسا ... ط كرها بسوط ولا تركل [4]
مهذّبة لا كقول الهذا ... ء ممّن يسىء ومن يعمل
وما ضرّها أنّ كعبا ثوى ... وفوّز من بعده جرول
__________
[1] مضت الأبيات مع بيت رابع (103) وأشرنا إلى مصادرها. وهى أيضا فى طبقات الجمحى 21.
[2] البيتان عند الجمحى فى 4 أبيات. وفى الأغانى 2: 44- 45 فى أبيات.
[3] فيه إقواء.
[4] المقربة من الخيل: التى تدنى وتقرب وتكرم ولا تترك أن ترود. الركل: ضرب الفرس بالرجل ليعدو. والبيت الثالث مضى (103) .
(1/155)

4- النابغة الذبيانى
[1] 233* هو زياد بن معاوية، ويكنّى أبا أمامة، ويقال أبا ثمامة. وأهل الحجاز يفضّلون النابغة وزهيرا.
234* وقال شعيب بن صخر: سمعت عيسى بن عمر ينشد عامر بن عبد الملك المسمعىّ شعر النابغة، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا والله الشعر، لا قول الأعشى:
لسنا نقاتل بالعص ... ىّ ولا نرامى بالحجاره [2]
235* ويقال [3] : كان النابغة أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتا، كان شعره كلاما ليس فيه تكلّف [4] ، ونبغ بالشعر بعد ما احتنك، وهلك قبل أن يهتر.
236* قال: وكان يقوى فى شعره، فعيب ذلك عليه وأسمعوه فى غناء [5] :
أمن آل ميّة رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغداف الأسود
ففطن فلم يعد.
237* قال الشعبىّ [6] : دخلت على عبد الملك وعنده رجل لا أعرفه،
__________
[1] هذه الترجمة من س ب.
[2] القصة نقلها ابن قتيبة عن الجمحى، ولكنها فيه 16 محرفة.
[3] وهذه أيضا عن الجمحى 17 «وقال من احتج للنابغة: كان» .. إلخ.
[4] فى الجمحى زيادة: «والمنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر، والشاعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافى، والمتكلم المطلق يتخير الكلام» .
[5] الديوان 27 والأغانى 9: 15- 157 وانظر ما مضى (42) وحاشية 259 ل وما سيأتى (78، 81 ل) . الغداف: الغراب.
[6] القصة رواها الأغانى مختصرة ومطولة 9: 161- 165. ونقلها صاحب الخزانة 1: 288 عن ابن قتيبة.
(1/156)

فالتفت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس؟ فقال: أنا، فأظلم ما بينى وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتعجب عبد الملك من عجلتى! فقال:
هذا الأخطل، فقلت: أشعر منه الذى يقول:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التّمام [1]
للحارث الأكبر والحارث ال ... أصغر والأعرج خير الأنام
ثم لهند ولهند وقد ... ينجع فى الرّوضات ماء الغمام
ستّة آبائهم ما هم ... هم خير من يشرب صفو المدام
فقال الأخطل: صدق يا أمير المؤمنين، النابغة أشعر منّى. فقال لى عبد الملك: ما تقول فى النابغة؟ قلت: قد فضّله عمر بن الخطّاب على الشعراء غير مرّة، خرج وببابه وفد غطفان فقال: أىّ شعرائكم الذى يقول:
أتيتك عاريا خلقا ثيابى ... على خوف تظنّ بى الظّنون [2]
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون
قالوا: النابغة، قال: فأىّ شعرائكم الذى يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
قالوا: النابغة، قال: فأىّ شعرائكم الذى يقول [3] :
فإنّك كالّليل الّذى هو مدركى ... وإنّ خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ويروى «وازع» ، قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.
238* قال حسّان [4] وفدت على النعمان بن المنذر فمدحته، فأجازنى
__________
[1] البيت فى الخزانة أيضا 1: 371.
[2] سيأتى البيت (94 ل) وقبله آخر. وفسر المؤلف هناك «العارى» بأنه من يأتى طالبا.
والبيت فى اللسان 19: 272.
[3] سيأتى البيت (80 و 198 ل) .
[4] ستأتى القصة مفصلة (75 ل) وهى فى الأغانى 9: 169.
(1/157)

وأكرمنى، فإنّى لجالس عنده ذات يوم إذا صوت من خلف قبّته يقول:
أنام أم يسمع ربّ القبّة ... يا أوهب الناس لعنس صلبه
ضرّابة بالمشفر الأذبّه ... ذات نجاء فى يديها جذبه [1]
قال: أبو ثمامة! فدخل، فأنشده قصيدته التى على الباء والتى على العين، وكان يوم ترد فيه النّعم السّود، ولم يكن بأرض العرب بعير أسود إلّا له، فأمر له منها بمائة بعير معها رعاؤها ومظالّها وكلابها، فلم أدر على ما أحسده؟ على جودة شعره، أم على جزيل عطيّته؟! 239* قال أبو عبيدة عن الوليد بن روح قال: مكث النابغة زمانا لا يقول الشعر، فأمر يوما بغسل ثيابه وعصّب حاجبيه على عينيه، فلمّا نظر إلى الناس قال:
المرء يأمل أن يعي ... ش، وطول عيش مّا يضرّه
تفنى بشاشته، ويب ... قى بعد حلو العيش مرّه
وتخونه الأيّام ح ... تّى لا يرى شيئا يسرّه
كم شامت بى إن هلك ... ت، وقائل: لله درّه
240* وممّا يتمثل به من شعره:
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنى ... ولا قرار على زأر من الأسد
تمثّل به الحجّاج بن يوسف حين سخط عليه عبد الملك بن مروان [2] .
241* وقوله:
فلو كفّى اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين من الشّمال
__________
[1] الأذبة: جمع قلة لذباب، كغراب وأغربة. والبيت فى اللسان 1: 468. النجاء:
السرعة فى السير.
[2] الخزانة 1: 288.
(1/158)

أخذه المثقّب العبدىّ فقال [1] :
ولو أنى تخالفنى شمالى ... بنصر لم تصاحبها يمينى
242* وقوله:
فحمّلتنى ذنب امرىء وتركته ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع [2]
أخذه الكميت فقال:
ولا أكوى الصّحاح براتعات ... بهنّ العرّ قبلى ما كوينا [3]
243* وقوله:
واستبق ودّك للصّديق ولا تكن ... قتبا يعضّ بغارب ملحاحا [4]
أخذه ابن ميّادة فقال:
ما إن ألحّ على الإخوان أسألهم ... كما يلحّ بعضّ الغارب القتب
244* ويقال إن النابغة هجا النعمان بقوله [5] :
قبح الله ثمّ ثنّى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا [6]
__________
[1] المثقب: بكسر القاف المشددة، كما رجحنا فى المفضلية 28. وضبطت فى ل كما تضبط فى كثير من الكتب، وهو خطأ. والبيت من المفضلية 76: 3 بخلاف فى الرواية، وانظر الأنبارى 575. وسيأتى برواية أخرى أيضا (234 ل) . وقد أخطأ ابن قتيبة، فالمثقب أقدم من النابغة.
[2] العر، بضم العين: قروح مثل القوباء تخرج بالإبل متفرقة فى مشافرها وقوائمها يسيل منها مثل الماء الأصفر، فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض. والعر، بالفتح: الجرب، قال ابن دريد: من رواه بالفتح فقد غلط؛ لأن الجرب لا يكوى منه. عن اللسان 6:
23. وهذه القطعة والتى قبلها فى الخزانة أيضا 1: 288.
[3] انظر الخزانة 1: 433- 434. ب د ق «فاستبق» .
[4] القتب: إكاف البعير. الغارب: الكاهل من ذى الخف، ما بين السنام والعنق.
[5] سيأتى البيت مع بيتين آخرين (76 ل) .
[6] قبح، بفتحتين وتخفيف الباء، يقال «قبح الله فلانا قبحا وقبوحا» أى أقصاه وباعده من كل خير، كقوله تعالى وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ
أى من المبعدين الملعونين. انظر اللسان وغيره. وضبط الحرف فيما سيأتى وفى الأغانى 11: 13 من طبعة دار الكتب «قبح» بالتشديد، وهو خطأ.
(1/159)

والصائغ هو عطيّة، أبو سلمى، أمّ النعمان.
245* وكانت العرب تضرب أمثالا على ألسنة الهوامّ [1] .
قال المفضّل الضبّىّ: يقال امتنعت بلدة على أهلها بسبب حيّة غلبت عليها، فخرج أخوان يريدانها، فوثبت على أحدهما فقتلته، فتمكّن لها أخوه فى السلاح، فقالت: هل لك أن تؤمننى فأعطيك كلّ يوم دينارا؟ فأجابها إلى ذلك حتّى أثرى، ثم ذكر أخاه، فقال: كيف يهنئنى العيش بعد أخى؟! فأخذ فأسا وصار إلى جحرها، فتمكّن لها، فلمّا خرجت ضربها على رأسها، فأثّر فيه ولم يمعن، ثم طلب الدينار حين فاته قتلها! فقالت: إنّه ما دام هذا القبر بفنائى وهذه الضربة برأسى فلست آمنك على نفسى! فقال النابغة فى ذلك [2] :
تذكّر أنّى يجعل الله فرصة ... فيصبح ذا مال ويقتل واتره
فلمّا وقاها الله ضربة فأسه ... وللبرّ عين لا تغمّض ناظره
فقالت: معاذ الله أعطيك إننى ... رأيتك غدّارا يمينك فاجره
أبى لى قبر لا يزال مقابلى ... وضربة فأس فوق رأسى فاقره
246* ومما أخذ منه قوله [3] :
لو أنّها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد [4]
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد
__________
[1] القصة والأبيات مفصلة فى شرح الوزير أبى بكر لديوان النابغة 47- 49.
[2] القصة مختصرة من «أمثال العرب» للمفضل الضبى، وهى مفصلة هناك مع باقى القصيدة 84- 85.
[3] الديوان 31- 32.
[4] الصرورة: الذى لم يأت النساء، وقال ابن الأعرابى: الذى لم يبرح من مكانه، يريد من صومعته. والبيت فى اللسان 6: 123.
(1/160)

أخذه ربيعة بن مقروم الضبّىّ فقال [1] :
لو أنّها عرضت لأشمط راهب ... فى رأس مشرفة الذّرى يتبتّل [2]
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهمّ من ناموسه يتنزّل [3]
247* ومما يتمثّل به أيضا من شعره:
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظّلوم ولا تقعد على ضمد
وهو الذلّ والهوان. قال أوس بن حارثة: «المنيّة، ولا الدنيّة، والنار، ولا العار» .
248* وقال النابغة فى العفّة، وهو أحسن ما قيل فيه:
رقاق النعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب [4]
أخذه عدىّ بن زيد فقال:
أجل أنّ الله قد فضّلكم ... فوق من أحكى بصلب وإزار [5]
فالصّلب: الحسب، والإزار: العفاف.
249* وفى أمثالهم «أصدق من قطاة» [6] قال النابغة:
__________
[1] البيتان من قصيدة «من فاخر الشعر وجيده وحسنه» كما فى الأغانى 19: 92- 93 وقد روى معظمها. وقافيتها لام مكسورة، ووقعت هنا فى ن ف س مضمومة اللام، وهو خطأ فى النقل أو الرواية، ووقع هذه الخطأ فى اللسان 5: 162.
[2] ب د هـ «عبد الإله صروة متبتل» .
[3] فى الأغانى «لصبا» بدل «لرنا» . وفى اللسان «لدنا» بالدال، وهو غير جيد. فى الأغانى «من ناموسه بتنزل» . والناموس: بيت الراهب. ورواية اللسان والمعرب للجواليقى 85 «من تاموره» والتامور والتامورة: صومعة الراهب.
[4] الديوان 9 واللسان 1: 443 و 7: 197 والخزانة 4: 147. الحجزات: جمع حجزة، وهى حيث يثنى طرف الإزار فى لوث الإزار، كنى به عن الفروج، يريد أنهم أعفاء الفروج. يوم السباسب: عيد للنصارى يسمونه يوم السعانين.
[5] أجل: من أجل، ربما حذفت العرب «من» . والبيت فى اللسان 1: 51 و 2: 18 و 5: 75 و 13: 12 و 18: 208.
[6] مجمع الأمثال 1: 361.
(1/161)

تدعو القطا وبها تدعى إذا نسبت ... يا حسنها حين تدعوها فتنتسب
وذلك لأنّها تلفظ باسمها، أخذه أبو نواس فقال:
أصدق من قول قطاة قطا
250* هو [1] زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان. وسمى النابغة بقوله:
فقد نبغت لنا منهم شؤون [2]
وكان شريفا فغضّ منه الشعر. وكان مع النعمان بن المنذر ومع أبيه وجدّه، وكانوا له مكرمين.
251* قال ابن الكبىّ [3] : قال حسّان بن ثابت: رحلت إلى النعمان، فلقيت رجلا فقال: أين تريد؟ فقلت: هذا الملك، قال: فإنّك إذا جئته متروك شهرا، ثم يسأل عنك رأس الشهر، ثم أنت متروك شهرا آخر، ثم عسى أن يأذن لك، فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه، وإن رأيت أبا أمامة النابغة فاظعن، فإنّه لا شىء لك. قال: فقدمت عليه، ففعل بى ما قال، ثم خلوت به وأصبت منه مالا كثيرا ونادمته، فبينا أنا معه فى قبّة إذ جاء رجل يرجز حول القبّة:
أنمت أم تسمع ربّ القبّة ... يا أوهب الناس لعنس صلبه
__________
[1] هذا نص الترجمة فى ب هـ د.
[2] المصراع فى الأغانى 9: 155 والبيت فى اللسان 10: 336 ولكنه أخطأ خطأ عجيبا، إذ حكى قولا أنه «سماه به زياد بن معاوية» لهذا البيت! كأنه ظن أن زياد بن معاوية غير النابغة، وهو هو.
[3] مضت القصة مختصرة (110) وانظر الأغانى 9: 169.
(1/162)

ضرّابة بالمشفر الأذبّه ... ذات هباب فى يديها جلبه [1]
فقال النعمان: أبو أمامة! فأذنوا له، فدخل فحيّاه وشرب معه، ووردت النّعم السّود، ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود يعلم مكانه، ولا يفتحل أحد فحلا أسود، فاستأذنه أن ينشده، فأنشده كلمته التى يقول فيها:
فإنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
فدفع إليه مائة ناقة من الإبل السود، فيها رعاؤها، فما حسدت أحدا حسدى النابغة، لما رأيت من جزيل عطيته، وسمعت من فضل شعره.
252* ثم إنّ النعمان بلّغ عنه شيئا، فنذر دمه، فسار النابغة إلى ملوك غسّان. وقد اختلفوا فى السبب الذى بلغه عنه، فقال قوم: ذكروا أنّه هجاه فقال:
ملك يلاعب أمّه وقطينه ... رخو المفاصل أيره كالمرود [2]
253* وهجاه أيضا فقال قصيدة فيها:
قبح الله ثم ثنّى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا [3]
من يضرّ الأدنى ويعجز عن ض ... رّ الأقاصى ومن يخون الخليلا [4]
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا
__________
[1] الهباب، بكسر الهاء: النشاط. الجلية: بالجيم: الجلدة التى تغشى التميمة. وفى ب د «خلبة» بضم الخاء، وبحاشية د «يعنى حبل الليف» .
[2] البيت والأبيات الآتية فى الأغانى 9: 158. وهو فى الأغانى أيضا 21: 131 فى قصيدة للمتلمس يهجو بها عمرو بن هند.
[3] مضى البيت 112 وضبط «قبح» هنا فى ل بتشديد الباء، وهو خطأ كما بينا هناك.
الصائغ: أثبت هنا وفيما يأتى بعد الأبيات فى ل «الصانع» وهو مخالف لما مضى ولما فى الأغانى.
[4] عجز: من بابى «ضرب وسمع» وضبط المضارع هنا فى ل بضم الجيم، وليس له سند.
(1/163)

ووارث الصائغ هو النعمان بن المنذر، وكان الصائغ جدّ النعمان بن المنذر، وأمّه سلمى بنته، واسمه عطيّة، ومنزله فدك.
ويقال إن هذا الشعر والذى قبله لم يقله النابغة، وإنما قاله على لسانه قوم حسدوه، منهم عبد قيس بن خفاف التميمىّ [1] ، ومنهم مرّة بن ربيعة بن قرثع السعدىّ [2] .
254* ويقال: كان السبب فى مفارقته إيّاه ومصيره إلى غسّان أن النعمان قال له وعنده المتجردة امرأته: صفها لى فى شعرك يا أبا أمامة! فقال قصيدته التى أوّلها:
أمن آل ميّة رائح أو مغتد
وقد ذكر فيها بطنها وعكنها [3] ومتنها وروادفها وفرجها فقال [4] :
وإذا لمست لمست أخثم جاثما ... متحيّزا بمكانه ملء اليد [5]
وإذا طعنت طعنت فى مستهدف ... رابى المجسّة بالعبير مقرمد [6]
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزوّر بالرّشاء المحصد [7]
__________
[1] هو برجمى، والبراجم من بنى تميم، انظر الإنباه لابن عبد البر 77. وعبد قيس هذا شاعر مجيد، لم نجد له ترجمة. وله المفضليتان 116، 117 وهما الأصمعيتان 87، 88 وهما من الأدب الرفيع السامى.
[2] اختلفت الروايات فى هذا الاسم، ولم نجد له ترجمة. ففى النسخ «قرثع» وفى هـ «قريع» بالتصغير، وفى الأغانى «مرة بن سعد بن قريع» و «مرة بن سعد القريعى» وفى الخزانة 1: 371 «مرة بن ربيعة بن قريع» .
[3] العكن: الأطواء فى البطن من السمن.
[4] الديوان 32.
[5] الأخثم، بالخاء والثاء: الجهاز المرتفع الغليظ: والبيت فى اللسان 14: 350 و 15: 55.
[6] مستهدف: عريض منتصب. مقرمد: مطلى. والبيت فى اللسان 11: 261 وعجزه فيه 4: 351.
[7] مستحصف: ضيق. الحزور: الغلام الذى قد شب وقوى. الرشاء: الحبل. المحصد:
المحكم المفتول. وعجز البيت فى اللسان 5: 260.
(1/164)

وكان للنعمان نديم يقال له المنخّل اليشكرىّ [1] ، يتّهم بالمتجرّدة، ويظنّ بولد النعمان منها أنّهم منه، وكان المنخّل جميلا، وكان النعمان قصيرا دميما أبرش، فلما سمع المنخّل هذا الشعر قال للنعمان: ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلّا من قد جرّب! فوقر ذلك فى نفسه، وبلغ النابغة ذلك، فخافه فهرب إلى غسّان، فصار فيهم. وانقطع إلى عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبى شمر الغسّانى، وإلى أخيه النعمان بن الحارث، فأقام النابغة فيهم فامتدحهم، فغمّ ذلك النعمان، وبلغه أن الذى قذف به عنده باطل، فبعث إليه: إنّك صرت إلى قوم قتلوا جدى فأقمت فيهم تمدحهم، ولو كنت صرت إلى قومك لقد كان لك فيهم ممتنع وحصن، إن كنّا أردنا بك ما ظننت، وسأله أن يعود إليه. فقال شعره الذى يعتذر فيه، وقدم عليه زبّان بن سيّار ومنظور بن سيّار الفزاريّين، وكان بينهما وبين النعمان دخلل [2] ، فضرب لهما قبّة، ولا يشعر أن النابغة معهما، ودسّ النابغة أبياتا من قصيدته:
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند
وهى [3] :
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنى ... ولا قرار على زأر من الأسد [4]
مهّلا فداء لّك الأقوام كلّهم ... وما أثمّر من مال ومن ولد [5]
__________
[1] سيأتى خبره (238- 239 ل) وفيه إشارة إلى هذه القصة. وله الأصمعية 14.
[2] أصل «الدخلل» بضم الدال وسكون الخاء مع ضم اللام وفتحها: المداخل المباطن وصاحب السر، وأراد به هنا المودة الصافية.
[3] الديوان 24، 25، 26.
[4] «قابوس» لا ينصرف للعجمة والتعريف، وضبط فى ل مصروفا، وهو لحن ويختل به الوزن. والبيت فى اللسان 8: 49.
[5] قال الوزير أبو بكر بن عاصم: «فداء: يروى بالرفع والكسر والنصب» .
(1/165)

فلا لعمر الّذى مسّحت كعبته ... وما أريق على الأنصاب من جسد [1]
ما إن بدأت بشىء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطى إلىّ يدى
فلمّا سمع النعمان الشعر أقسم بالله إنّه لشعر النابغة، وسأل عنه، فأخبر أنّه مع الفزاريّين، وكلّماه فيه فأمّنه.
255* قال الأصمعىّ: كان النابغة يضرب له قبّة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها.
256* وقال أبو عبيدة: يقول من فضّل النابغة على جميع الشعراء: هو أوضحهم كلاما، وأقلّهم سقطا وحشوا، وأجودهم مقاطع، وأحسنهم مطالع، ولشعره ديباجة، إن شئت قلت: ليس بشعر مولّف، من تأنّثه ولينه، وإشئت قلت: صخرة لو رديت بها الجبال لأزالتها [2] . قال: وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: كان الأخطل يشبّه بالنابغة.
قال: وكان يقوى فى شعره، فدخل يثرب فغنّى بشعره، ففطن فلم يعد للإقواء [3] .
257* وممّا سبق إليه النابغة فأخذ منه قوله فى المرأة: لو أنّها عرضت البيتين. أخذه بعض شعراء ضبّة، وأحسبه ربيعة بن مقروم فقال:
لو أنها البيتين [4] . وقال النابغة: فاستبق ودّك البيت. أخذه ابن ميّادة فقال ما إنّ ألحّ البيت [5] .
__________
[1] الجسد: الدم.
[2] يقال «رداه بالحجارة يرديه رديا» إذا رماه بها.
[3] انظر ما مضى 42، 108 وما سيأتى (81 ل) .
[4] مضى هذا 160.
[5] وهذا أيضا 159.
(1/166)

258* وممّا أخذه العلماء عليه قوله فى صفة الثّور [1] :
تحيد عن أستن سود أسافله ... مشى الإماء الغوادى تحمل الحزما [2]
قال الأصمعىّ: وإنّما توصف الإماء فى مثل هذا الموضع بالرّواح. لا بالغدوّ، لأنّهنّ يجئن بالحطب إذا رحن، ومثله قول الأخنس التغلبىّ [3] :
يظلّ بها ربد النعام كأنّها ... إماء تزجّى بالعشىّ حواطب [4]
وقال بعض من طلب له التخرّج: إنّما أراد أن الإماء تغدو لحمل الحزم رواحا.
259* وأخذوا عليه قوله [5] :
تخبّ إلى النّعمان حتّى تناله ... فدى لك من ربّ طريفى وتالدى
وكنت امرءا لا أمدح الدّهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد
فامتنّ عليه بمدحه، وجعله خيرا سيق إليه لا يحسده عليه [6] .
260* وأخذوا عليه قوله [7] :
إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه ... عصائب طير تهتدى بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
جعل الطير تعلم الغالب من المغلوب قبل التقاء الجمعين، والطير قد تتبع
__________
[1] الديوان 8 ونقل الوزير شارحه كلام الأصمعى مختصرا.
[2] الأستن، بوزن أحمر: شجر يفشو فى منابته ويكثر، وإذا نظر الناظر إليه من بعد شبهه بشخوص الناس. والبيت فى اللسان 17: 64.
[3] شاعر جاهلى قديم، قبل الإسلام بدهر. ترجمنا له فى المفضلية 41 والبيت هو الثالث منها.
[4] تزجى: تساق. وفى ل «تزجى» بفتح التاء بالبناء للفاعل، أى: تتزجى، وهو غير جيد. وانظر الموشح 43- 44.
[5] الديوان 34.
[6] انظر الموشح 44.
[7] الديوان 4.
(1/167)

العساكر للقتلى، ولكنّها لا تعلم أيّها يغلب [1] .
261* وأخذوا عليه قوله فى وصف السيوف [2] :
يطير فضاضا حولها كلّ قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب [3]
تقدّ السّلوقىّ المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصّفّاح نار الحباحب [4]
وذكر أنها تقدّ الدروع التى ضوعف نسجها والفارس والفرس، حتى تبلغ الأرض فتنقدح النار بها من الحجارة.
262* وقال صالح بن حسّان لجلسائه: أعلمتم أنّ النابغة كان مخنّثا؟! قالوا: وكيف علمت ذلك؟ قال: بقوله [5] :
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
لا والله ما عرف تلك الإشارة إلّا مخنّث [6] !! 263* قالوا: وقد سبق فى صفة الثور إلى معنى لم يحسن فيه، وأحسن
__________
[1] اعتراض غير جيد، وقد فسر الوزير أبو بكر البيت على وجهه، قال: «يريد أنها اعتادت بمصاحبتهم أن تقع على قتلى من يعاديهم، فهذا هو يقينها، لا أنها تعلم الغيب. وبين هذا فى البيت بعده
لهن عليهم عادة قد عرفنها
» . وهذا المعنى أول من قاله الأفوه الأودى وتبعه الشعراء، كما فى المعاهد 540- 542. وبيت الأفوه:
وترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار
[2] الديوان 5، 7.
[3] الفضاض: ما انفض وتكسر. القونس: أعلى البيضة من الحديد. الفراش: العظم الرقيق فى الرأس أو غيره. والبيت فى اللسان 9: 71 وعجزه فيه 8: 219.
[4] السلوقى: الدرع، منسوب إلى «سلوق» قرية باليمن تنسب إليها الدروع والكلاب.
الصفاح: حجارة عراض. نار الحباحب: ما اقتدح من شرر النار فى الهواء من تصادم الحجارة. والبيت فى اللسان 1: 288 و 12: 29 والبلدان 5: 115. وعجزه فى اللسان 1: 345.
[5] الديوان 30.
[6] الموشح 42- 43.
(1/168)

فيه غيره، قال يذكره [1] :
من وحش وجرة موشىّ أكارعه ... طاوى المصير كسيف الصّيقل الفرد [2]
أراد بالفرد: أنّه مسلول من غمده.
وأخذه الطّرمّاح فأحسن، قال يذكر الثور:
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وكان الأصمعىّ يستحسن قول الطرمّاح.
264* قالوا: وأفرط فى وصف العنق بالطّول، فقال يذكر امرأة:
إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلّق حيث علّق يفرق
والرّعاث: القرط. وقال غيره فأحسن:
على أنّ حجليها وإن قلت أوسعا ... صموتان من ملء وقلّة منطق [3]
265* ومما سبق إليه ولم ينازعه قوله [4] :
فإنّك كالّليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ثم قال:
خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع
قال أبو محمّد: رأيت قوما يستجيدونه. وهو عندى غير جيّد فى المعنى ولا التشبيه.
__________
[1] الديوان 18 ونقل شارحه بعض قول المؤلف.
[2] وجرة: موضع بين مكة والبصرة كثير الوحش. موشى أكارعه: هو أبيض وفى قوائمه نقط سود. المصير: المعى. جمعه مصران، وجمع الجمع مصارين. الفرد، بفتحتين وبضمتين وبفتح فضم أو فكسر: المنفرد. وفسر المؤلف الفرد، بفتح فكسر، بأنه المسلول من غمده، ولم أجده فى المعاجم.
[3] الحجل، بكسر الحاء وفتحها: الخلخال.
[4] الديوان 55 والبيتان مضيا، الأول 157 والثانى 69.
(1/169)

266* وكان الأصمعىّ يكثر التعجّب من قوله [1] :
وعيّرتنى بنو ذبيان خشيته ... وهل علىّ بأن أخشاك من عار
قال: ومما سبق إليه ولم يجاذبه قوله فى أول شعره:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب
267* قالوا: وقايس فى شعره فأحسن، قال للنعمان حين فارقه [2] :
ولكنّنى كنت امرأ لى جانب ... من الأرض فيه مستماز ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكّم فى أموالهم وأقرّب
كفعلك فى قوم أراك اصطنعتهم ... ولم ترهم فى شكر ذلك أذنبوا
يقول: اجعلنى كقوم صاروا إليك وكانوا مع غيرك، فاصطنعتهم وأحسنت إليهم، ولم ترهم مذنبين إذ فارقوا من كانوا معه، يقول: فأنا مثلهم، صرت عنك إلى غيرك، فاصطنع إلىّ، فلا ترنى مذنبا إذ لم تر أولئك مذنبين [4] .
268* ومن جيّد شعره قوله:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أىّ الرجال المهذّب؟
يقول: من لم تصلحه وتقوّمه من الناس فلست بمستبقيه ولا راغب فيه [5] .
269* ويستجاد له قوله فى صفة المرأة [6] :
__________
[1] الديوان 44.
[2] الديوان 13.
[3] اسماز عن الشىء: تباعد منه وانفصل.
[4] هذا النص نقله الوزير أبو بكر فى شرح بيت النابغة.
[5] الديوان 14 ونقل الشارح أيضا كلام المؤلف هنا. وفى اللسان 2: 466 «أى لا تحتمله على ما فيه من زلل، فتلمه وتصلحه وتجمع ما تشعث من أمره» . وهذا المعنى أجود وأصح، إذ يريد أن ينصح بالعفو عن خطأ الإخوان، وأين الرجل الكامل؟
[6] الديوان 30.
(1/170)

نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السّقيم إلى وجوه العوّد
يقول: نظرت إليك ولم تقدر أن تكلّمك، كما ينظر المريض إلى وجوه عوّاده، ولا يقدر أن يكلّمهم.
270* ويستجاد له قوله:
تكلّفنى أن يفعل الدّهر همّها ... وهل وجدت قبلى على الدّهر قادرا [1]
271* ومما أكفأ فيه قوله فى قصيدة مجرورة، أوّلها [2] .
قالت بنو عامر: خالوا بنى أسد ... يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام
وقال فيها:
تبدو كواكبه والشّمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام
وقال فى قصيدته التى أوّلها: ... أمن آل ميّة رائح أو مغتد
وبذاك خبّرنا الغراب الأسود [3]
__________
[1] همها: مرادها. يعنى هم نفسه ومرادها.
[2] مضى البيتان 96.
[3] ومضى هذان أيضا 156.
(1/171)

5- المسيب بن علس
[1] 272* هو من شعراء بكر بن وائل المعدودين، وخال الأعشى.
وهو القائل:
ولقد بلوت الفاعلين وفعلهم ... فلذى الرّقيبة ما له مثل [2]
كفّاه مخلفة ومتلفة ... وعطاؤه متخرّق جزل [3]
273* ويستحسن قوله:
تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن غضبت تعتب
وكالشّهد بالراح أخلاقهم ... وأحلامهم منهما أعذب [4]
وكالمسك ترب مناماتهم ... وريّا قبورهم أطيب
274* هو [5] من جماعة [6] ، وهم من بنى ضبيعة بن ربيعة بن نزار،
__________
[1] ترجمنا له فى المفضلية 11 وانظر الخزانة 1: 545- 456 والاشتقاق 191- 192 والأنبارى 91- 92.
[2] من قصيدة فى جمهرة أشعار العرب 111 وروايته
ولذى الرقيبة مالك فضل
وقال:
«ذو الرقيبة: مالك بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة» .
[3] تخرق فى الكرم: اتسع.
[4] أعتبه: أعطاه العتبى ورجع إلى مسرته. الشهد، بالضم والفتح: العسل.
[5] هذه الترجمة زيادة فى ب هـ د.
[6] جماعة: بضم الجيم، وأثبت فى ل «خماعة» بضم الخاء. وأشار فى الخزانة إلى القولين، وحكى أن رواية الخاء رواية ابن السكيت. وقد حكى الروايتين الأنبارى فى شرح المفضليات وقال: «والذى قال يعقوب ليس بشىء، لأن الثقات من رواة النسب رووه بالجيم» . واقتصر فى الاشتقاق على رواية الجيم، وفسره بأنه من «التجمع» .
وكذلك أثبته شرح القاموس عن الرشاطى 5: 307.
(1/172)

ويكنى أبا الفضّة، وهو خال الأعشى أعشى قيس، وكان الأعشى راويته.
واسمه زهير بن علس، وإنما لقّب «المسيّب» ببيت قاله [1] . وهو جاهلىّ لم يدرك الإسلام. وكان امتدح بعض الأعاجم، فأعطاه، ثم أتى عدوّا له من الأعاجم يسأله، فسمّه فمات، ولا عقب له.
275* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله يذكر ثغر المرأة:
وكأنّ طعم الزّنجبيل به ... إذ ذفته وسلافة الخمر
شرقا بماء الذّوب أسلمه ... للمبتغيه معاقل الدّبر [2]
وقال الجعدىّ [3] :
وكأنّ فاها بات مغتبقا ... بعد الكرى من طيّب الخمر
شرقا بماء الذّوب أسلمه ... بالطّود أيمن من قرى النّسر
276* وقال المسيّب فى النّحل:
سود الرّؤوس لصوتها زجل ... محفوفة بمسارب خضر [4]
وقال الجعدىّ:
__________
[1] البيت فى الاشتقاق، ونقل عنه فى الخزانة، وهو:
فإن سركم أن لا تؤوب لقاحكم ... غزارا فقولوا للمسيب يلحق
وفى الأنبارى عن أبى فيد مؤرج قال: «إنما لقب زهير بن علس بالمسيب حين أوعد بنى عامر بن ذهل، فقالت له بنو ضبيعة: قد سيبناك والقوم» . وهذا كله يدل على أنه «المسيب» بصيغة اسم المفعول، وفى الخزانة أنه بصيغة اسم الفاعل، وهو خطأ أو شذوذ.
[2] شرقا: مختلطا، وهو حال. وكذلك ثبت فى الأصول واللسان 12: 44 منصوبا، وغيره مصحح ل إلى الرفع، ظنه خبر «كأن» فى البيت الأول! وخبرها «به» .
الدبر: النحل والزنابير.
[3] هو النابغة الجعدى.
[4] الزجل: رفع الصوت، وخص به التطريب.
(1/173)

قرع الرّؤوس لصوتها زجل ... فى النّبع والكحلاء والسّدر [1]
بكرت تبغّى الخير فى سبل ... مخروفة ومسارب خضر [2]
277* وقال المسيّب يذكر النحل:
بكرت تعرّض فى مراتعها ... فوق الهضاب بمعقل الوبر [3]
وغدت لمسرحها، وخالفها ... متسربل أدما على الصّدر
فأصاب ما حذرت، ولو علمت ... حدبت عليه بضيّق وعر
حتّى تحدّر من عوازبه ... أصلا بسبع ضوائن وفر [4]
وقال الجعدىّ:
حتى إذا عقلت وخالفها ... متسربل أدما على الصّدر [5]
صدع أسيّد من شنوءة مشّ ... اء قتلن أباه فى الدّهر [6]
يمشى بمحجنه وقربته ... متلطّفا كتلطّف الوبر
فأصاب غرّتها ولو شعرت ... حدبت عليه بضيّق وعر
حتّى تجدّر من منازلها ... أصلا بسبع ضوائن وفر
278* ومما يستجاد له من شعره قوله فى ذى الرّقيبة ولقد شهدت
__________
[1] الكحلاء: نبت ترعاه النحل. والبيت فى اللسان 14: 104.
[2] مخروفة: مجنية، يقال «خرف النخل يخرفه خرفا» صرمه واجتناه.
[3] الوبر: دويبة على قدر السنور، غبراء أو بيضاء، من دواب الصحراء، حسنة العينين شديدة الحياء، وهى طحلاء اللون لا ذنب لها، تدجن فى البيوت.
[4] ضوائن: جمع ضائنة، وأصلها الشاة من الغنم، وأراد به السقاء المتخذ من مسكها، كما قالوا «الضئنى» للسقاء الذى يمخض به الرائب إذا كان ضخما من جلد الضأن.
وصرف لضرورة الشعر، وأثبت فى ل، هنا وفى بيت الجعدى الآتى بالمنع من الصرف، وبه يختل الوزن.
[5] عقلت: صعدت فى الجبل وامتنعت.
[6] الصدع، بفتح الدال وسكونها: الرجل الشاب المستقيم القناة، شبه بالصدع من الوعول، وهو المدمج الشديد الخلق الشاب الصلب القوى. أسيد: تصغير أسود.
(1/174)

البيتين [1] ، وقوله فى بنى شيبان: تبيت الملوك الثلاثة الأبيات [2] .
279* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله فى الناقة:
مرحت يداها للنّجاء كأنّما ... تكرو بكفّى ماقط فى قاع [3]
تكرو: تلعب بالكرة. والماقط: الذى يضرب بالكرة الحائط ثم يأخذها.
أخذه الشماخ فقال:
كأنّ أوب يديها حين عاودها ... أوب المراح وقد همّوا بترحال
مقط الكرين على مكنوسة زلف ... فى ظهر حنّانة النّيرين معوال [4]
280* ويستجاد له قوله [5] :
لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر
281* ويستجاد له قوله فى المرأة:
تامت فؤادك إذ له عرضت ... حسن برأى العين ما تمق [6]
بانت وصدع فى الفؤاد بها ... صدع الزّجاجة ليس يتّفق
282* وأخذ عليه قوله فى الناقة:
__________
[1] مضى 174.
[2] مضى أيضا 174.
[3] النجاء: السرعة. والبيت من المفضلية 11: 13 وهو فى اللسان 10: 83 و 20: 83.
[4] الكرين، بضم الكاف وكسرها: جمع كرة. زلف: ملساء كالمرآة.
[5] البيت من قصيدة يمدح بها قيس بن معدى كرب الكندى، ذكر بعضها فى الخزانة مشروحا 1: 542- 545 ونقل أن أبا عبيدة وابن دريد نسباها للأعشى، وأما الأصمعى فقد أثبتها للمسيب بن علس. وأنا أرجح أن الأبيات الرائية الماضية من هذه القصيدة نفسها. وقد اضطرب ابن قتيبة فى هذا البيت، فنسبه هنا للمسيب، وذكره فيما مضى 88 فى أبيات لزهير بن أبى سلمى.
[6] تامت فؤادك: استعبده هواها وأذهب عقله. والذى أثبتنا هو ما فى ب وهو الصواب، وفى ل تبعا لبعض الأصول «تأمن» بضم النون، وهو خطأ ويختل به الوزن. تمق:
تحب، والوامق: المحب.
(1/175)

وكأنّ غاربها رباوة مخرم ... وتمدّ ثنى جديلها بشراع [1]
أراد: تمدّ جديلها بعنق طويلة. والجديل: الزمام. وأراد أن يشبّه العنق بالدّقل [2] فشبّهها بالشّراع. قال ابن الأعرابىّ: لم يعرف الشراع من الدقل.
وليس هذا عندى غلطا، والشراع يكون على الدقل، فسمّى باسمه، والعرب تسمّى الشىء باسم غيره إذا كان معه وبسببه، يدلّ على ذلك قول أبى النّجم:
كأنّ أهدام النّسيل المنسل ... على يديها والشّراع الأطوال
أراد بقايا الوبر على يديها وعنقها، فسمّى العنق شراعا [3] .
__________
[1] الرباوة بتثليث الراء: ما ارتفع الأرض وربا. المحرم، بكسر الراء: منقطع أنف الجبل.
[2] الدقل: الخشبة التى يمد عليها الشراع فى وسط السفينة.
[3] سيأتى (87- 88، 410 ل) عن أبى عبيدة: أنهم اتفقوا على أن المسيب أحد ثلاثة هم أشعر المقلين فى الجاهلية.
(1/176)

6- المتلمس
283* هو جرير بن عبد المسيح، من بنى ضبيعة، وأخواله بنو يشكر، وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة، وهو الذى كان كتب له إلى عامل البحرين مع طرفة بقتله، وكان دفع كتابه إلى غلام بالحيرة ليقرأه، فقال له:
أنت المتلمّس؟ قال: نعم، قال: فالنجاء، فقد أمر بقتلك، فنبذ الصحيفة فى نهر الحيرة وقال [1] :
ألقيتها بالثّنى من جنب كافر ... كذلك أفنى كلّ قطّ مضلّل [2]
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها ... يجول بها التّيّار فى كلّ جدول
وكان أشار على طرفة بالرجوع، فأبى عليه، فهرب إلى الشأم، فقال [3] :
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم ... خبرا، فتصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذى علق الصّحيفة منهما ... ونجا، حذار حبائه، المتلمّس
ألق الصّحيفة، لا أبا لك، إنّه ... يخشى عليك من الحباء النّقرس [4]
__________
[1] ستأتى الإشارة إلى القصة وشىء من التفصيل 87، 91 ل وهى فى الأغانى 21:
125- 127 ومعم البلدان 7: 208 والخزانة 1: 446 و 3: 73 ومجمع الأمثال 1: 350- 352.
[2] اللسان 6: 463 و 20: 65 والثنى: منعطف النهر. كافر: اسم علم لنهر الحيرة.
أفنى: واضحة المعنى، من الإفناء، وهكذا رواية هذا الكتاب. ورواية معجم البلدان «أفنو» بالفاء، ولا معنى لها. ورواية الأغانى ومجمع الأمثال ومختارات ابن الشجرى «أقنو» بالقاف، وفسرها فى الأغانى: «قال أبو عمرو: أقنو: أحفظ، وقال غيره:
أقنو: أجزى، يقال: لأقنونك قناوتك، أى: لأجزينك بفعلك» . ونحو هذا فى اللسان. وفى الأغانى: «القط: الصحيفة. فيقول: حفظى لهذا الكتاب أن أرمى به فى الماء» .
[3] الأبيات فى الخزانة 3: 73. وهى فى الأغانى 21: 127 مع آخرين، والأولان فيه 126 دون الثالث مع ثلاثة أخر.
[4] النقرس: داء معروف فى الرجلين، وفسر فى اللسان هنا 8: 127 بالهلاك والداهية العظيمة.
(1/177)

284* ومن جيّد شعره قوله [1] :
وما كنت إلا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدّما
فلمّا استقاد الكفّ بالكفّ لم يجد ... له دركا فى أن تبينا فأحجما
فأطرق إطراق الشّجاع ولو رأى ... مساغا لناباه الشّجاع لصمّما [2]
لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلّا ليعلما [3]
285* ومن إفراطه قوله [4] :
__________
[1] الأبيات فى الأغانى 21: 133، 137. وهى من الأصمعية 92 وهى 18 بيتا عدا البيت الثانى، وكلها فى مختارات ابن الشجرى 9 فى 19 بيتا. وذكر منها فى الخزانة 13 بيتا 4: 214- 216 ومنها 6 أبيات فى لباب الآداب 393. وفى الأغانى عن أبي عبيدة: «لم يسبق المتلمس إلى قوله» فذكر هذه الأبيات الخمسة، وفيه أيضا عنه: «لم أسمع لأحد بمثل هذه الأبيات حكمة وأمثالا من أولها إلى آخرها، وفيها من الأمثال السائرة ما يضرب مثلا للحكيم عند نسيانه» .
[2] صمم: عض ونيب فلم يرسل ما عض. و «ناباه» أثبتت هكذا فى الأصول بالألف، على لغة من يلزم المثنى الألف، فغيره مصحح ل إلى اللغة المشهورة «لنابيه» . وفى اللسان 15: 239 «قال الأزهرى: هكذا أنشده الفراء لناباه على اللغة القديمة لبعض العرب» . وكذلك أنشده الطبرى فى تفسيره 16: 136 شاهدا لهذه اللغة، ونقل أنها لغة بلحرث بن كعب وخثعم وزبيد ومن وليهم من قبائل اليمن. وكذلك أنشده فى الخزانة 3: 337 ولم ينسبه. والبيت أخذه عمرو بن شأس والد عرار، فى قصيدته التى يقول فيها* أرادت عرارا بالهوان* فقال:
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لقد أزم
انظر معجم الشعراء للمرزبانى 213. «الأزم» : شدة العض.
[3] ذو الحلم: عامر بن الظرب العدوانى، كما فى الأغانى. وانظر مجمع الأمثال 1: 32- 33 «إن العصا قرعت لذى الحلم» .
[4] فى الأغانى 21: 136 فى هذا البيت عن أبى على الحاتمى أنه «أشرد مثل قيل فى البغض ... حكى ذلك أبو عبيدة وزعم أنه أسير مثل فى البغض» .
(1/178)

أحارث إنّا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتّى لا يمسّ دم دما [1]
يقول: إن دماءهم تنماز من دماء غيرهم، وهذا ما لا يكون.
286* وسمّى المتلمّس بقوله:
وذاك أوان العرض جنّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس
العرض: الوادى. ويروى «حىّ ذبابه» [2] .
287* هو [3] المتلمّس بن عبد العزّى، ويقال: ابن عبد المسيح، من بنى ضبيعة بن ربيعة، ثم من بنى دوفن، وأخواله بنو يشكر، واسمه جرير، وسمّى المتلمّس بقوله:
فهذا أوان العرض حيّا ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس
288* وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة هو وطرفد بن العبد [4] ، فهجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين، أوهمهما أنّه أمر لهما فيهما بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما! فخرجا حتّى إذا كانا بالنّجف، إذا هما بشيخ على يسار الطريق، يحدث، ويأكل من خبز فى يده، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه! فقال المتلمّس: ما رأيت كاليوم شيخا أحمق! فقال الشيخ: وما رأيت من حمقى؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوّا، أحمق منّى والله
__________
[1] الحارث: هو «ابن قتادة بن التوأم، الذى كان يناقض امرأ القيس بن حجر ويتعرض له» كما فى الاشتقاق 206. تساط: تخلط، وفى بعض الروايات «تشاط» والمعنى واحد، والروايتان ثابتتان فى اللسان 9: 212. وستأتى رواية الشين المعجمة (88 ل) .
[2] الرواية الأولى توافق رواية الأغانى 21: 120 واللسان 8: 94 و 9: 34 وقال:
«يعنى الذباب الأخضر» . والرواية الثانية توافق رواية الاشتقاق 192.
[3] هذه الترجمة زيادة فى ب د هـ.
[4] مضت القصة مختصرة 177 وأشرنا هناك إلى مصادر تفصيلها.
(1/179)

من حامل [1] حتفه بيده!! فاستراب المتلمّس بقوله، وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال له: المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففكّ صحيفته ودفعها إليه، فإذا فيها: أمّا بعد، فإذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا، فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرأها، ففيها والله ما فى صحيفتى، فقال طرفة: كلّا، لم يكن ليجترئ علىّ! فقذف المتلمّس بصحيفته فى نهر الحيرة وقال: قذفت بها البيت [2] ، وأخذ نحو الشأم، وأخذ طرفة نحو البحرين، فضرب المثل بصحيفة المتلمّس.
289* وحرّم عمرو بن هند على المتلمّس حبّ العراق، فقال:
آليت حبّ العراق الدّهر آكله ... والحبّ يأكله فى القرية السّوس [3]
وأتى بصرى فهلك بها. وكان له ابن يقال له عبد المدان [4] ، أدرك الإسلام، وكان شاعرا، وهلك ببصرى ولا عقب له.
290* قال أبو عبيدة: واتّفقوا على أن أشعر المقلّين فى الجاهليّة ثلاثة:
المتلمّس، والمسيّب بن علس، وحصين بن الحمام المرّىّ.
291* وممّا يعاب من شعره قوله:
وقد أتانسى الهمّ عند احتضاره ... بناج عليه الصّيعريّة مكدم [5]
__________
[1] ب «من حمل» وفى الأغانى «من يحمل» .
[2] فيما مضى «أليقتها بالثنى» إلخ.
[3] القصة نقلها ابن الشجرى فى مختاراته عن ابن قتيبة، جعلها تقدمة للقصيدة رقم 10 والبيت منها، وهى عنده فى 18 بيتا. وهى أيضا فى جمهرة أشعار العرب 113- 114 فى 14 بيتا. آليت: خطاب لعمرو بن هند، وضبط فى ل بضم التاء ضمير المتكلم، وهو خطأ.
[4] كذا هنا، وفى الأغانى 21: 122 والسمط 302 والإصابة 5: 100 «عبد المنان» .
[5] الصيعرية: اعتراض فى السير، وهو من الصعر، والصيعرية سمة فى عنق الناقة خاصة. المكدم: الغليظ أو الصلب. والقصة مفصلة فى الأغانى 21: 132 وأشار إليها فى اللسان 6: 127 و 9: 241.
(1/180)

والصّيعريّة سمة للنّوق لا للفحول، فجعلها لفحل. وسمعه طرفة وهو صبىّ ينشد هذا، فقال: «استنوق الجمل» ! فضحك [1] الناس وسارت مثلا.
وأتاه المتلمّس فقال له: أخرج لسانك، فأخرجه، فقال: ويل لهذا من هذا يريد: ويل لرأسه من لسانه.
292* ويعاب قوله: أحارث إنّا لو تشاط البيت. وهذا من الكذب والإفراط [2] .
293* ومثله قول رجل من بنى شيبان: كنت أسيرا مع بنى عمّ لى، وفينا جماعة من موالينا، فى أيدى التغالبة، فضربوا أعناق بنى عمّى وأعناق الموالى على وهدة من الأرض، فكنت والله أرى دم العربىّ ينماز من دم المولى حتى أرى بياض الأرض بينهما، فإذا كان هجينا قام فوقه ولم يعتزل عنه!! 294* ويتمثّل من شعره بقوله [3] :
وأعلم علم حقّ غير ظنّ ... وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب فى البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير على الفساد
__________
[1] «الجمل» بالنصب مفعول، أى: جعله كالناقة. ويؤيده تفسير الأغانى: «أى:
وصفت الجمل بوصف الناقة وخلطت» . وضبط فى اللسان بالرفع، وفسره عن ابن سيده: «استنوق الجمل: صار كالناقة فى ذلها» .
[2] هذا النص نقل فى الأغانى 21: 136 عن المؤلف. وانظر ما مضى 133.
[3] نقل كلام المؤلف هنا فى الأغانى 21: 136 ثم كرر البيتان الثانى والثالث فيه 137 ونقل عن أبى على الحاتمى أنه وصفها بأنهما «أشرد مثل قيل فى حفظ المال وتثميره» .
وهما أيضا فى حماسة البحترى 216. والثالث فى عيون الأخبار 3: 195.
(1/181)

7- طرفة بن العبد [1]
295* هو طرفة بن العبد بن سفيان، وهو أجودهم طويلة.
وهو القائل:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد [2]
وله بعدها شعر حسن [3] ، وليس عند الرّواة من شعره وشعر عبيد إلّا القليل [4] .
296* وكان فى حسب من قومه، جريئا على هجائهم وهجاء غيرهم.
وكانت أخته عند عمرو بن بشر بن مرثد، وكان عبد عمرو سيّد أهل زمانه [5] ، فشكت أخت طرفة شيئا من أمر زوجها إليه، فقال:
ولا عيب فيه غير أنّ له غنى ... وأنّ له كشحا، إذا قام، أهضما [6]
وأنّ نساء الحىّ يعكفن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما [7]
__________
[1] نص ترجمته من س ب. وقد نقل فى الخزانة كثيرا مما ذكر ابن قتيبة فى هذه الترجمة والترجمة الآتية. الخزانة 1: 412- 417. وانظر ترجمته أيضا فى معاهد التنصيص 164- 166.
[2] هو صدر معلقته. البرقة: كل رابية فيها رمل وطين، أو حجارة وطين يختلطان.
ثهمد: اسم جبل.
[3] انظر الجمحى 30.
[4] فى الجمحى 10 «قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير. ومما يدل على ذهاب العلم وسقوطه قلة ما بقى بأيدى الرواة المصححين لطرفة وعبيد، والذى صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة، وإن كان ما يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة. ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، غير أن الذى نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول فلعل ذلك لذلك، فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير» .
[5] وكان ابن عم طرفة، وكان سمينا بادنا، وكان طرفة عدوا له. كما فى الخزانة.
[6] رواية الديوان 5 واللسان 16: 97 والخزانة «ولا خير فيه» . والهضم: خمص البطون ولطف الكشح. والكلام على الاستهزاء به، لبدانته.
[7] سرارة الوادى: أفضل موضع فيه. ملهم: قرية باليمامة موصوفة بكثرة النخل.
والبيت فى اللسان 16: 42.
(1/182)

فبلغ عمرو بن هند الشعر، فخرج يتصيّد ومعه عبد عمرو، فأصاب حمارا فعقره، وقال لعبد عمرو: انزل إليه، فنزل إليه فأعياه، فضحك عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: «ولا عيب» البيت! وكان عمرو بن هند شريرا، وكان طرفة قال له قبل ذلك:
ليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تخور [1]
فقال عبد عمرو: أبيت اللعن، الذى قال فيك أشدّ مما قال فىّ، قال:
وقد بلغ من أمره هذه؟ قال: نعم، فأرسل إليه، وكتب له إلى عامله بالبحرين فقتله. وقد بيّنت خبره فى «كتاب الشراب» . ويقال إنّ الذى قتله المعلّى بن حنش [2] العبدىّ، والذى تولّى قتله بيده معاوية بن مرّة الأيفلىّ [3] ، حىّ من طسم وجديس.
297* ومن جيّد شعره قوله [4] :
أرى قبر نحّام بخيل بماله ... كقبر غوىّ فى البطالة مفسد [5]
أرى الموت يعتام الكريم ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد [6]
أرى الدّهر كنزا ناقصا كلّ ليلة ... وما تنقص الأيّام والدّهر ينفذ
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه فى اليد [7]
__________
[1] من قصيدة فى الديوان 6- 9 وذكر بعضها فى الخزانة. والبيت فى اللسان 3: 458 وسيأتى مع آخر (91 ل) . الرغوث: المرضعة.
[2] فى الخزانة «حش» ولم أجده فى موضع آخر.
[3] فى الخزانة «الأنعلى» بدون نقط ولا ضبط، ولم أجده أيضا.
[4] الأبيات فى الديوان 31 وتاريخ الطبرى 7: 200 وفيه بيت زائد.
[5] النحام: البخيل، إذا طلبت إليه حاجة كثر سعاله. يريد أن البخيل والمسرف عند الموت سواء. والبيت فى اللسان 16: 49.
[6] يعتام: يختار. عقيلة المال: أكرمه وأنفسه. الفاحش: البخيل. والبيت فى اللسان 8:
216 و 15: 329.
[7] الطول: الحبل الطويل جدّا. ثنياه: طرفاه. والبيت فى اللسان 13: 438 و 18: 132.
(1/183)

298* وكان أبو طرفة مات وطرفة صغير، فأبى أعمامه أن يقسموا ماله، فقال [1] :
ما تنظرون بمال وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيّب [2]
قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظلّ له الدّماء تصبّب
والظّلم فرّق بين حيّى وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب
والصّدق يألفه الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدّنىّ الأخيب
299* ويتمثّل من شعره بقوله [3] :
وتردّ عنك مخيلة الرّجل ال ... عرّيض موضحة عن العظم [4]
بحسام سيفك أو لسانك، وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم
300* وبقوله:
لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير [5]
الكروان: جمع كروان، مثل شقذان وشقذان، وهى دويبة [6] .
301* ويقال إن أوّل شعر قاله طرفة أنّه خرج مع عمّه فى سفر، فنصب فخّا، فلمّا أراد الرحيل قال:
يالك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضى واصفرى
__________
[1] كذا فى هذا الموضوع والخزانة، وسيأتى (90- 91 ل) أنه قال ذلك لأخواله فى مال أمه. والأبيات فى الديوان 37، 38.
[2] ب هـ د «بحق وردة» . وهى توافق الديوان.
[3] س «ومما يتمثل به من شعره» .
[4] العريض: الذى يتعرض الناس بالشر.
[5] تفسير القرطبى 3: 313 غير منسوب. البائسات: نصبها على الترحم، وفاعل «تطير» ضمير لكروان، والرفع على القطع، وقد يكون على البدل من المضمر فى «تطير» . قاله الأعلم فيما نقله أحمد بن الأمين فى شرح الديوان. 7.
[6] يريد الشقذان، وأما الكروان فهو طائر معروف، ويسمى أيضا الحجل.
(1/184)

ونقّرى ما شئت أن تنقّرى ... قد رفع الفخّ فماذا تحذرى
لا بدّ يوما أن تصادى فاصبرى
302* قال أبو محمد [1] : هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك ابن عباد بن صعصعة [2] بن قيس بن ثعلبة. ويقال إنّ اسمه عمرو، وسمّى طرفة ببيت قاله. وأمّه وردة من رهط أبيه [3] ، وفيها يقول لأخواله [4] وقد ظلموها حقّها ما تنظرون بحقّ البيت.
303* وكان أحدث الشعراء سنّا وأقلّهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة، فيقال له «ابن العشرين» [5] وكان ينادم عمرو بن هند، فأشرفت ذات يوم أخته، فرأى طرفة ظلّها فى الجام الذى فى يده، فقال:
ألا يا بأبى الظّبى ا ... لّذى يبرق شنفاه [6]
ولولا الملك القاع ... د قد ألثمنى فاه
__________
[1] نص ترجمته فى ب هـ د. ولكن هـ ليس فيها «قال أبو محمد» .
[2] «عباد بن صعصعة» هكذا أثبت هنا وفى معاهد التنصيص، وهو خطأ، صوابه «ضبيعة» . كما أثبت كل من ذكر نسب طرفة ونسب أقربائه. فإن المرقش الأصغر عم طرفة، واسمه ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك، والمرقش الأكبر عم الأصغر، واسمه عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل. انظر المفضلتين 45، 55 وشرح القصائد العشر 56 وجمهرة أشعار العرب 83 والخزانة وغير ذلك من المصادر.
[3] هى أخت المتلمس، فهى من بنى ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وانظر ما مضى 133 فليست من رهط أبيه، أبوه من بنى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
[4] مضى 187 أنه قال ذلك لأعمامه، وما هنا هو الصحيح الذى يدل عليه الشعر.
[5] هذا يوافق ما فى سمط اللآلى 319. والذى فى الخزانة 1: 414 أنه قتل وهو ابن ست وعشرين سنة، وفيها 416 شعر لأخته ترثيه أوله
عددنا له ستا وعشرين حجة.
[6] الشنف، بفتح الشين وسكون النون: الذى يلبس فى أعلى الأذن، والذى فى أسفلها القرط، وقيل: هما سواء.
(1/185)

فحقد ذلك عليه، وكان قال أيضا:
وليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تدور [1]
لعمرك إنّ قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير
وقابوس: هو أخو عمرو بن هند، وكان فيه لين، ويسمّى قينة العرس.
فكتب له عمرو بن هند إلى الرّبيع بن حوثرة عامله على البحرين كتابا أو همه فيه أنّه أمر له بجائزة، وكتب للمتلمّس بمثل ذلك.
304* قال أبو محمد: وأما المتلمس فقد ذكرت قصّته [2] . وأمّا طرفة فمضى بالكتاب، فأخذه الربيع فسقاه الخمر حتّى أثمله، ثم فصد أكحله، فقبره بالبحرين. وكان لطرفة أخ يقال له معبد بن العبد، فطلب بديته، فأخذها من الحواثر [3] .
305* قال أبو عبيدة: مرّ لبيد بمجلس لنهد بالكوفة، وهو يتوكّأ على عصا، فلمّا جاوز أمروا فتى منهم أن يلحقه فيسأله: من أشعر العرب؟ ففعل، فقال له لبيد: الملك الضلّيل، يعنى أمرأ القيس، فرجع فأخبرهم، قالوا: ألّا سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: ابن العشرين، يعنى طرفة، فلما رجع قالوا: ليتك كنت سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: صاحب المحجن، يعنى نفسه [4] .
306* قال أبو عبيدة: طرفة أجودهم واحدة، ولا يلحق بالبحور [5] ، يعنى
__________
[1] مضى البيت 183.
[2] ص 177، 179.
[3] فى هذا روايات أخر، وانظر الأغانى 21: 132.
[4] الأغانى 14: 93.
[5] هذا نص ب د. وفى هـ «فلا» . ومصحح ل غيره فجعله «طرفة أجودهم، وأجده لا يلحق بالبحور» تبع فى ذلك معاهد التنصيص! وهو تصرف غير جيد. والنص هنا يوافق نص الجمحى 30 «وطرفة أجودهم واحدة، وهى قوله» فأشار إلى المعلقة. وقد قال فى أول الكلام: «الطبقة الرابعة، وهم أربعة رهط فحول شعراء، موضعهم مع الأوائل، وإنما أخل بهم قلة شعرهم بأيدى الرواة» .
(1/186)

امرأ القيس وزهيرا والنابغة، ولكنّه يوضع مع أصحابه، الحارث بن حلّزة وعمرو ابن كلثوم وسويد بن أبى كاهل.
307* وممّا سبق إليه طرفة فأخذ منه قوله يذكر السفينة:
يشقّ حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التّرب المفايل باليد [1]
أخذه لبيد فقال:
تشقّ خمائل الدّهنا يداه ... كما لعب المقامر بالفيال
وأخذه الطّرمّاح فقال:
وغدا تشقّ يداه أوساط الرّبا ... قسم الفيال تشقّ أوسطه اليد
308* ومن ذلك قوله:
ومكان زعل ظلمانه ... كالمخاض الجرب فى اليوم [2]
قد تبطّنت وتحتى سرح ... الخدر تتّقى الأرض بملثوم معر [3]
أخذه عدىّ بن زيد ولبيد، فقال عدىّ:
ومكان زعل ظلمانه ... كرجال الحبش تمشى بالعمد
قد تبطّنت وتحتى جسرة ... عبر أسفار كمخراق وحد [4]
__________
[1] من المعلقة. حباب الماء: طرائقه، وقيل معظمه. الحيزوم: الصدر. المفايل، بالياء، وفى ل «المفائل» بالهمزة، وكذلك «الفيال» فى البيتين الآتيين كتب فيها بالهمزة، وهو خطأ. و «الفيال» بفتح الفاء وكسرها وتخفيف الياء: لعبة لفتيان الأعراب بالتراب، يخبؤون الشىء فى التراب ثم يقسمونه بقسمين، ثم يقول الخابئ لصاحبه: فى أى القسمين هو؟ فإذا أخطأ قال له: فال رأيك. والبيت فى اللسان 1: 286 و 14: 51.
[2] الزعل: النشيط. الظلمان: جمع ظليم، وهو ذكر النعام. المخاض: الحوامل من النوق. الخدر: الشديد البرد.
[3] تبطنت: صرت فى بطنه. سرح: يريد ناقة منسرحة فى مشيها، أى سريعة. وفى الديوان 66 «وتحتى جسرة» . بملثوم: أى بخف ملثوم، وهو الذى جرحته الحجارة.
المعر: الذى ذهب شعره.
[4] الجسرة: الناقة الطويلة الضخمة. وحد: منفرد.
(1/187)

وقال لبيد:
ومكان زعل ظلمانه ... كحزيق الحبشيّين الزّجل [1]
قد تبطّنت وتحتى جسرة ... حرج فى مرفقيها كالفتل [2]
309* ومن ذلك قوله [3] :
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدى
فمنهنّ سبقى العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرّى، إذا نادى المضاف، محنّبا ... كسيد الغضا، نبّهته، المتورّد [4]
وتقصير يوم الدّجن، والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمد [5]
أخذه عبد الله بن نهيك بن إساف الأنصارىّ فقال [6] :
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام رامس
فمنهنّ سبقى العاذلات بشربة ... كأنّ أخاها مطلع الشّمس ناعس
ومنهنّ تجريد الكواعب كالدّمى ... إذا ابتزّ عن أكفالهنّ الملابس
__________
[1] الحزيق: الجماعة من الناس. الزجل: جمع زجلة، وهى الجماعة من الناس. والبيت فى اللسان 11: 331 بخلاف فى صدره، وعجزه فيه 13: 322.
[2] الحرج: الناقة الجسيمة الطويلة على وجه الأرض. الفتل: تباعد ما بين المرفقين عن جنبى البعير. وعجز البيت فى اللسان 14: 29.
[3] من المعلقة.
[4] كرى: عطفى. المضاف: الذى أحيط به، يقال «أضفته إلى كذا» أى ألجأته، ومنه المضاف فى الحرب. السيد: الذئب. الغضا: شجر. المتورد: الذى يطلب أن يرد الماء. والبيت فى اللسان 1: 324 و 11: 114.
[5] الدجن: إلباس الغيم الأرض، وقيل الندى والمطر الخفيف. يريد أنه يقصر يومه باللهو، ويوم اللهو قصير. البهكنة: الجارية الخفيفة الروح الطيبة الرائحة المليحة الحلوة.
المعمد: ذو العمد.
[6] هو عبد الله بن أبى معقل بن نهيك بن إساف بن عدى الأنصارى، شاعر مقل حجازى، من شعراء الدولة الأموية، ترجم فى الأغانى 20: 116- 118 والأبيات فيه.
(1/188)

ومنهنّ تقريط الجواد عنانه ... إذا استبق الشّخص الخفىّ الفوارس [1]
310* ومما سبق إليه قوله [2] :
ستبدى لك الأيّام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لّم تزود
وقال غيره:
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد [3]
311* ومن جيد شعره:
ألا أيّها اللّاحىّ أن أحضر الوغى ... وأن أشهد اللّذّات: هل أنت مخلدى [4]
فإن كنت لا تستطيع دفع منيّتى ... فذرنى أبادرها بما ملكت يدى
أرى قبر نحّام بخيل بماله
.... البيت أرى الدّهر كنزا ... البيتين [5] 312* ومن جيّد شعره:
ولا غرو إلّا جارتى وسؤالها ... ألا هل لّنا أهل؟ سئلت كذلك [6]
دعا عليها بأن تغترب حتّى تسأل كما سألته.
313* ومن حسن الدعاء قول النابغة الذبيانىّ:
__________
[1] التقريط: فعل الفارس، وهو حمل الجواد على أشد الحضر، وذلك أنه إذا اشتد حضره امتد العنان على أذنه فصار كالقرط، ونسبته للجواد نفسه توسع.
[2] من المعلقة.
[3] ب د «بالأخبار» «حق موعد» . وهذا البيت نسبه المؤلف لغير طرفة كما ترى، ولكنه ثابت فى المعلقة بعد البيت السابق، فى جمهرة أشعار العرب وشرح القصائد العشر وشرح الزوزنى على المعلقات وشرح ديوان طرفة. وذكر فى اللسان 2: 312 غير منسوب. البتات: الزاد، وفسر فى الجمهرة بالسر.
[4] من المعلقة. اللاحى: اللائم والعاذل.
[5] مضيا: 183.
[6] لا غرو: لا عجب. والبيت فى الديوان 55 واللسان 19: 358.
(1/189)

أغيرك معقلا أبغى وحصنا ... فأعيتنى المعاقل والحصون
وجئتك عاريا خلقا ثيابى ... على خوف تظنّ بى الظّنون [1]
العارى: من «عراك يعروك» إذا أتاك يطلب ما عندك، ونحوه العافى.
314* ومن جيّد شعر طرفة:
وأعلم علما ليس بالظّنّ أنّه ... إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل
وإنّ لسان المرء، مالم تكن له ... حصاة، على عوراته لدليل [2]
وإنّ امرءا لم يعف يوما فكاهة ... لمن لم يرد سوءا بها لجهول
315* وقال وهو صبىّ:
كلّ خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه [3]
كلّهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه
316* وممّا يعاب من شعره قوله يمدح قوما:
أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كلّ أمون وطمر [4]
ثمّ راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هدّاب الأزر [5]
__________
[1] مضى البيت وبعده آخر 157.
[2] الحصاة: العقل والرأى، وفى اللسان: «يقول: إذا لم يكن مع اللسان عقل يحجزه عن بسطه فيما لا يجب دل اللسان على عيبه بما يلفظ به من عور الكلام» . وذكر البيت والذى قبله ونسبهما لكعب بن سعد الغنوى، ثم قال: «ونسبه الأزهرى لطرفة» .
والأبيات الثلاثة فى ديوان طرفة 52 فى قصيدة.
[3] الواضحة: الأسنان التى تبدو عند الضحك، صفة غالبة. والبيتان فى الديوان 43 وهما فى اللسان 3: 474 غير منسوبين.
[4] القصيدة فى الفخر بنفسه وبقومه. الغيل: شجر كثير ملتف يستتر فيه كالأجمة.
الطمر: الفرس الجواد المستفز للوثب والعدو. والبيت ملفق من بيتين فى الديوان 67، 68.
[5] عبق: تقرأ اسما وفعلا، عبق الطيب، من باب «فرح» علق ولصق. يلحفون الأرض: يغطونها ويلبسونها هداب أزرهم إذا جروها فى الأرض، يقال «لحفه وألحفه» بمعنى. والبيت فى اللسان 11: 225 و 12: 104.
(1/190)

ذكر أنّهم يعطون إذا سكروا، ولم يشرط لهم ذلك فى صحوهم [1] كما قال عنترة [2] :
وإذا شربت فإنّنى مستهلك ... مالى، وعرضى وافر لم يكّلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى
قالوا: والجيّد قول زهير [3] :
أخو ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنّه قد يتلف المال نائله
وقال بعض المحدثين:
فتى لا تلوك الخمر شحمة ماله ... ولكن عطايا عوّد وبوادى
317* وطرفة أوّل من ذكر الأدرة فى شعره، فقال:
فما ذنبنا فى أن أداءت خصاكم ... وأن كنتم فى قومكم معشرا أدرا
إذا جلسوا خيّلت تحت ثيابهم ... خرانق توفى بالضّغيب لها نذرا [4]
وذكرها النابغة الجعدىّ فقال:
كذى داء بإحدى خصيتيه ... وأخرى لم توجّع من سقام
فضمّ ثيابه من غير برء ... على شعراء تنقض بالبهام [5]
__________
[1] ب د «ولم يشرط فى ذلك صحوهم» .
[2] سيأتى البيتان 133 ل.
[3] مضى البيت 149.
[4] الخرانق: جمع خرنق وهو ولد الأرنب، يكون للذكر والأنثى. الضغيب: صوت الأرنب.
[5] الشعراء، بفتح الشين كما نص عليه شرح القاموس: الخصية الكثيرة الشعر، وضبطت بالقلم فى اللسان بالكسر، وهو خطأ. تنقض، بالقاف من قولهم: «أنقض بالدابة» أى صوت صوتا بفمه يدعوها به. وفى هـ «ينفض» وفى سائر الأصول «ينفض» بالفاء ثلاثى، وهو خطأ. البهام، بكسر الباء: جمع بهمة، وهو الصغير من أولاد الغنم والبقر وغيرها، الذكر والأنثى فيه سواء. قال فى اللسان: «عنى أدرة فيها إذا فشت خرج لها صوت كتصويت النقض بالبهم إذا دعاها» . والبيت فيه 6: 79 بصدر آخر ولم ينسبه، ورواه شرح القاموس 3: 305 كرواية اللسان ونسبه للجعدى.
(1/191)

318* وطرفة أوّل من طرد الخيال، فقال:
فقل لخيال الحنظليّة ينقلب ... إليها، فإنى واصل حبل من وصل
وقال جرير:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزّيارة فارجعى بسلام
قال الأصمعىّ: قلت لشيخ مسنّ من المدنييّن: أرأيت قول كثيّر:
قد أروع الخليل بالصّرم منّى ... لم يخفه، وقلّة التّكليم
أىّ شىء هذا من السّباب؟
فقال: يا ابن أمّ، أىّ شىء يصنع؟ أحرقته!!
(1/192)

8- الحارث بن حلزة اليشكرى [1]
319* هو من بنى يشكر، من بكر بن وائل. وكان أبرص، وهو القائل:
آذنتنا ببينها أسماء ... ربّ ثاو يملّ منه الثّواء [2]
ويقال إنّه ارتجلها بين يدى عمرو بن هند ارتجالا، فى شىء كان بين بكر وتغلب بعد الصلح، وكان ينشده من وراء السّجف، للبرص الذى كان به، فأمر برفع السّجف بينه وبينه [3] ، استحسانا لها، وكان الحارث متوكّئا على عنزة، فارتزّت فى جسده وهو لا يشعر [4] .
320* وكان له ابن يقال له: مذعور، ولمذعور ابن يقال له: شهاب بن مذعور، وكان ناسبا، وفيه يقول مسكين الدارمىّ:
هلمّ إلى ابن مذعور شهاب ... ينبّئ بالسّفال وبالمعالى
321* قال الأصمعىّ: قد أقوى الحارث بن حلّزة فى قصيدته التى ارتجلها، قال:
فملكنا بذلك الناس إذ ما ... ملك المنذر بن ماء السّماء [5]
__________
[1] ترجمنا له فى المفضلية 25. وانظر ترجمته فى الأغانى 9: 171- 174 والخزانة 1: 158 ومعاهد التنصيص 138- 139.
[2] هو صدر معلقته.
[3] س ب «وكان ينشده من وراء سبعة ستور، فأمر برفع الستور عنه» وهو يوافق نص الخزانة.
[4] العنزة، بفتح النون: عصا فى قدر نصف الرمح، فيها سنان أو زج كزج الرمح، يتوكأ عليها. وضبطت فى ل بسكون النون، وهو خطأ. ارتزت: ثبتت فى جسده مثل رز السكين فى الحائط. وفى الخزان: «وزعم الأصمعى أن الحارث قال قصيدته هذه وهو ابن مائة وخمس وثلاثين سنة» . وكذلك فى شرح القصائد العشر 240.
[5] فى الشرح 254 والخزانة 2: 228 «حتى» بدل «إذ ما» .
(1/193)

قال أبو محمد: ولن يضرّ ذلك فى هذه القصيدة، لأنّه ارتجلها فكانت كالخطبة [1] .
322* وممّا يتمثّل به من شعره [2] :
فعش بجدّ لا يضر ... ك النّوك ما أوتيت جدّا
والنّوك خير فى ظلا ... ل العيش ممّن عاش كدّا
__________
[1] هذا الاعتذار نقل ابن الأنبارى مثله عن الأصمعى، كما فى حاشية الشرح. وفى الخزانة: «وقيل هذا البيت منحول إليه ليس من القصيدة» وهو تكلف.
[2] البيتان من أبيات فى الأغانى، وهما فى معاهد التنصيص. والثانى فى الموشح 233.
(1/194)

9- لقيط بن معمر [1]
323* هو لقيط بن معمر، من إياد، وكانت إياد أكثر نزار عددا، وأحسنهم وجوها، وأمدّهم وأشدّهم وأمنعهم، وكانوا لقاحا لا يؤدّون خرجا [2] ، وهم أوّل معدّىّ خرج من تهامة، فنزلوا السّواد، وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق، وسنداد نهر كان بين الحيرة إلى الأبلّة. وكانوا أغاروا على أموال لأنوشروان فأخذوها، فجهزّ إليهم الجيوش، فهزموهم مرّة بعد مرّة. ثم إنّ إيادا ارتحلوا حتّى نزلوا الجزيرة، فوجّه إليهم كسرى بعد ذلك ستّين ألفا فى السلاح [3] ، وكان لقيط متخلّفا عنهم بالحيرة، فكتب إليهم [4] :
سلام فى الصّحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد
بأنّ الّليث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النّقاد [5]
أتاكم منهم ستّون ألفا ... يزجّون الكتائب كالجراد [6]
__________
[1] الذى فى الأغانى ومختارات ابن الشجرى بخطه وجمهرة اللغة لابن دريد «يعمر» بفتح الياء والميم، وكذلك هو فى ديوانه المخطوط بدار الكتب. وفى الاشتقاق لابن دريد 104 والمؤتلف 175 «معبد» .
[2] لقاح: بفتح اللام، يقال «قوم لقاح وحى لقاح» لم يدينوا للملوك ولم يملكوا ولم يصيبهم فى الجاهلية سباء. ب د «خراجا» .
[3] قصة مهلكهم فى الأغانى 20: 23- 25 وشرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون 41- 42 وأشار إليها الأسود بن يعفر النهشلى فى أبيات قوية رائعة فى المفضلية 44: 8- 15.
[4] الذى فى الأغانى أنه كتب إليهم القصيدة العينية الآتية، وأنه جعل البيتين الأولين من الدالية عنوان الكتاب.
[5] النقاد، بكسر النون: صغار الغنم، أو هى جنس منها قصار الأرجل قباح الوجوه تكون بالبحرين، الواحدة «نقدة» وتجمع أيضا على «نقد» بفتح النون والقاف فيهما.
[6] يزجون: يرمون.
(1/195)

على حنق أتينكم، فهذا ... أوان هلاككم كهلاك عاد
فاستعدّت إياد لمحاربة جنود كسرى، ثم التقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، أصيب فيه من الفريقين، ورجعت عنهم الخيل، ثم اختلفوا بعد ذلك، فلحقت فرقة بالشأم، وفرقة رجعت إلى السواد، وأقامت فرقة بالجزيرة.
324* وفى هذه القصّة يقول أيضا لقيط فى قصيدته:
يا دار عبلة من محتلّها الجرعا [1] ... يا لهف نفسى إنّ كانت أموركم
شتّى، وأبرم أمر الناس فاجتمعا ... أحرار فارس أبناء الملوك لهم
من الجموع جموع تزدهى القلعا [2] ... فهم سراع إليكم، بين ملتقط
شوكا، وآخر يجنى الصّاب والسّلعا [3] ... هو الجلاء الّذى تبقى مذلّته
إن طار طائركم يوما وإن وقعا ... قوموا قياما على أمشاط أرجلكم
ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا [4] ... وقلّدوا أمركم، لله درّكم
رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا ... لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
__________
[1] الجرع: الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل. وتتمة البيت
هاجت لى الهم والأحزان والوجعا
وهو صدر قصيدة عالية بليغة، هى القصيدة الأولى فى مختارات ابن الشجرى، وهى عنده فى 55 بيتا. وأرقام الأبيات التى هنا منها هى 1، 10، 14، 15، 42- 45، 48، 49 وفى الأغانى منها 18 بيتا.
[2] تزدهى: تتهاون بها وتستخف. القلع، بفتحتين: جمع قلعة، بفتح اللام وسكونها، وهى الحصن فى الجبل.
[3] الصاب والسلع: شجران مران. كنى بذلك عن السلاح والعدة.
[4] البيت فى الأساس 2: 254 غير منسوب.
(1/196)

ما زال يحلب درّ الدّهر أشطره ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا
حتّى استمرّت على شزر مريرته ... مستحكم السنّ، لا قحما ولا ضرعا [1]
__________
[1] الشزر: فتل الحبل مما يلى اليسار، هو أشد لفتله. المريرة: من المرة، وهى إحكام الفتل، ثم أريد بها القوة، يقال «استمرت مريرة الرجل» إذا قويت شكيمته. القحم:
الشيخ الهرم الكبير. الضرع، بفتح الراء: الغمر الضعيف من الرجال.
(1/197)

10- أوس بن حجر [1]
320* هو [2] أوس بن حجر بن عتّاب. قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مضر، حتّى نشأ النابغة وزهير فأخملاه. وقيل لعمرو بن معاذ، وكان بصيرا بالشعر: من أشعر الناس؟ فقال: أوس، قيل: ثم من؟ قال:
أبو ذؤيب. وكان أوس عاقلا فى شعره، كثير الوصف لمكارم الأخلاق. وهو من أوصفهم للحمر والسلاح، ولا سيّما للقوس. وسبق إلى دقيق المعانى، وإلى أمثال كثيرة.
326* وهو القائل:
وجاءت سليم قضّها وقضيضها ... بأكثر ما كانوا عديدا وأوكعوا [3]
أوكعوا: اشتدّوا، يقال: «استوكعت المعدة وأوكعت» إذا اشتدّت [4] .
وفى أمثال العرب: أسمحت قرونته. أى سمحت نفسه [5] ، قال أوس:
__________
[1] العنوان فى ب «أخبار أوس بن حجر» .
[2] هذا النص هو الذى فى س ف، وقد أثبت فيهما بعد ترجمة زهير بن أبى سلمى.
وستأتى الترجمة بنص ب هـ د. ولأوس ترجمة فى الأغانى 20: 5- 8 والخزانة 2:
235- 236 ومعاهد التنصيص 61- 65.
[3] البيت فى اللسان 9: 88 وروايته
وجاءت جحاش قضها بقضيضها
وأما لفظ
«وجاءت سليم قضها بقضيضها»
فإنه ذكره صدر بيت آخر للشماخ بن ضرار 15: 342* وضبطت «قضها» بالنصب. وفيه أنه اسم منصوب موضوع موضع المصدر، كأنه قال:
جاؤوا انقضاضا، وحكى عن سيبويه أن بعضهم يعربه ويجريه على ما قبله، ونقل عن الأصمعى أنه قال: «لم أسمعهم ينشدون قضها إلا بالرفع» . ونص فى القاموس على جواز هذا وذاك. وأثبت فى ل بالرفع، فأثبتنا الإعرابين، وأصل القض: الحصى، والقضيض: ما تكسر منه ودق، أو هو جمع القض. والمراد: جاؤوا مجتمعين لم يدعوا وراءهم شيئا.
[4] فى شرح القاموس 5: 79 «أوكعوا: سمنوا إبلهم وقووها ليغيروا علينا» .
[5] مجمع الأمثال: 1: 290.
(1/198)

فلاقى امرءا من ميدعان وأسمحت ... قرونته باليأس منها فعجّلا [1]
ويقال: «رجل مخلط مزيل» إذا كان ولّاجا خرّاجا، قال أوس:
وإن قال لى: ماذا ترى؟ يستشيرنى ... يجدنى ابن عمّى مخلط الأمر مزيلا
327* ومن جيّد معانيه قوله [2] :
وما أنا إلّا مستعدّ كما ترى ... أخو شركىّ الورد غير معتّم
و «شركىّ ورد» ماء فى إثر ماء، وهو المتتابع، يقول: أغشاهم بما يكرهون، ومنه يقال «فلان يتورّدنا بشرّ» و «غير معتّم» غير محتبس.
328* وقوله:
وإن هزّ أقوام إلّى وحدّدوا ... كسوتهم من خير بزّ متحّم
«هزّ» من السّير، و «متحّم» من الأتحمىّ، وهو برد، وهذا مثل ضربه، يقول: إنّه يهجوهم بأخبث هجاء يقدر عليه. ومنه قول الآخر:
سأكسوكما يا ابنى يزيد بن جعشم ... رداءين من قير ومن قطران
329* وقال أوس:
تركت الخبيث لم أشارك ولم أدق ... ولكن أعفّ الله مالى ومطعمى
«لم أدق» لم أدن، ومنه قول ذى الرّمّة:
كانت إذا ودقت أمثالهنّ له ... فبعضهنّ عن الألّاف منشعب
330* وقال أوس:
فقومى وأعدائى يظنّون أنّنى ... متى يحدثوا أمثالها أتكلّم
«يظنّون» يوقنون، وليس من ظنّ الشك، قال الله جلّ وعزّ:
__________
[1] البيت فى اللسان 17: 217. ميدعان: اسم موضع.
[2] البيت فى اللسان 12: 337.
(1/199)

وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ
[1] . أى: أيقنوا.
331* قال أوس يصف قوسا:
كتوم طلاع الكفّ، لا دون ملئها ... ولا عجسها عن موضع الكفّ أفضلا [2]
إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها ... ، إذا أنبضوا عنها، نئيما وأزملا
«النئيم» صوت البوم، «والأزمل» صوت الجنّ [3] .
ثم وصف النابل والنّبل فقال:
كساهنّ من ريش يمان ظواهرا ... سخاما لؤاما ليّن المسّ أطحلا [4]
يخرن إذا أنفزن فى ساقط النّدى ... وإن كان يوما ذا أهاضيب مخضلا [5]
خوار المطافيل الملمّعة الشّوى ... وأطلاؤها صادفن عرنان مبقلا [6]
ثم وصف السيف فقال:
كأنّ مدبّ النّمل يتّبع الرّبى ... ومدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا
__________
[1] سورة التوبة، الآية 118.
[2] الكتوم: القوس التى لا صدع فيها ولا عيب ولا ترن إذا أنبضت. طلاع الكف، بكسر الطاء: ملؤها. عجسها، مثلثة العين: مقبضها الذى يقبضه الرامى منها، وهو أجل موضع فيها وأغلظه. والبيت فى اللسان 10: 105- 106 و 15: 410.
[3] تعاطوها: تناولوها، عطا الشىء وعطا إليه عطوا: تناوله. أنبض القوس: جذب وترها لتصوت. والبيت فى اللسان 16: 44. وفسر النئيم فيه بأنه الصوت الضعيف، والأزمل بأنه الصوت أيضا.
[4] السخام من الريش: اللين الحسن. الريش اللؤام: يلائم بعضه بعضا، وهو ما كان بطن القذة منه يلى ظهر الأخرى، وهو أجود ما يكون.
[5] يخرن: من الخوار وهو صوت الثور. أنفزن: من الإنفاز وهو إدارة السهم على الظفر ليعرف عوجه من قوامه. الأهاضيب: جلبات القطر بعد القطر. المخضل: من قولهم:
«أخضلتنا السماء» بلتنا بللا شديدا. والبيت فى اللسان 7: 286.
[6] المطافيل: ذوات الطفل، معها طفلها. الشوى: جماعة الأطراف. أطلاؤها:
أولادها. عرنان: واد واسع فى الأرض منخفض يوصف بكثرة الوحش. وهذا البيت والذى قبله فى اللسان 5: 345- 346 مشروحين.
(1/200)

على صفحتيه بعد حين جلائه ... كفى بالذى أبلى وأنعت منصلا [1]
332* هو [2] من تميم، أسيدىّ، وهو شاعر تميم. قال أبو عبيدة: حدّثنى يونس عن أبى عمرو بن العلاء قال: كان أوس شاعر مضر، حتّى أسقطه النابغة وزهير، فهو شاعر تميم فى الجاهليّة غير مدافع.
333* وقال الأصمعىّ: قال أوس بن حجر:
لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ... لفى حقبة أظفارها لم تقلّم [3]
أى نحن فى حرب، فأخذ المعنى زهير والنابغة، قال زهير:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم
وقال النابغة:
وبنو قعين لا محالة أنّهم ... آتوك غير مقلّمى الأظفار
334* وقال الأصمعىّ: أوس بن حجر أشعر من زهير، ولكنّ النابغة طأطأ منه، قال أوس:
ترى الأرض منّا بالفضاء مريضة ... معضلة منّا بجمع عرموم [4]
__________
[1] أنعت: حسن وجهه حتى ينعت. المنصل، بضم الصاد وبفتحها: السيف، ونقل فى اللسان عن ابن سيده أنه لا يعرف فى الكلام اسم على «مفعل» بضم أوله مع ضم ثالثه وفتحه إلا هذا وقولهم «منخل» بضم الخاء وفتحها.
[2] من هنا يبدأ نص الترجمة فى ب هـ د.
[3] هؤلا: استعملها مقصورة، وهو جائز، والأفضل رسمها بالياء، وبذلك رسمها الربيع فى رسالة الشافعى (ص 563 بشرحنا) ولاستعمالها مقصورة شاهد آخر فى المعرب للجواليقى 342.
[4] معضلة: من قولهم «عضلت الأرض بأهلها» بتشديد الضاد: إذا ضاقت بهم لكثرتهم. والبيت فى اللسان 13: 478.
(1/201)

وقال النابغة:
جيش يظلّ به الفضاء معضّلا ... يدع الإكام كأنّهنّ صحارى
فجاء بمعناه وزاد.
335* وقالت الشعراء فى نفار الناقة وفزعها فأكثرت، ولم تعد ذكر الهرّ المقرون بها وابن آوى، وقال أوس بن حجر:
كأنّ هرّا جنيبا عند غرضتها ... والتفّ ديك برجليها وخنزير [1]
قالوا: وجمع ثلاثة ألفاظ أعجميّة فى بيت واحد، فقال:
وقارفت وهى لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنّمّىّ سفسير [2]
«الفصافص» الرّطبة، وهى بالفارسيّة «إسبست» [3] ، «والنّمّىّ» الفلوس بالروميّة، «والسفسير» السمسار.
336* قال الأصمعىّ: ولم أسمع قطّ ابتداء مرثية أحسن من ابتداء مرثيته:
أيّتها النّفس أجملى جزعا ... إنّ الّذى تحذرين قد وقعا [4]
__________
[1] الغرضة. حزام الرحل.
[2] قارفت، بتقديم القاف: قاربت، كما فسره ابن دريد واللسان، قال ابن دريد: «أى قاربت أن تجرب» . وفى الأصول والمعاهد «فارقت» بتقديم الفاء، وهو خطأ.
والبيت فى جمهرة ابن دريد 1: 155 و 3: 374، 502 والمعرب للجواليقى 185، 240، 330 واللسان 6: 37 و 8: 335 و 11: 187- 188 ونسبوه فى الأكثر لأوس، ونسبه بعضهم تارة للنابغة.
[3] وسميت فى ل «اسبست» بالباء الفارسية المكسورة، وهذا تصرف من مصححها، لعله ضبطه على اللفظ الفارسى، ونقل عن ب د أنها رسمت فيها «اسبست» وعن هـ «اسفست» . وقد ضبطت فى القاموس والمعيار بفتح الباء، وفى اللسان «اسفست» بفتح الفاء، وكتبت فى الجمهرة 3: 500 بالفاء من غير ضبط. وانظر المعرب 240.
[4] مضى البيت 9. وفى المعاهد أنه قالها فى فضالة بن كلدة يمدحه بها فى حياته ويرثيه بعد وفاته وفيها البيت المشهور السائر:
الألمعى الذى يظن بك ال ... ظن كأن قد رأى وقد سمعا
(1/202)

337* قال: وأحسن فى وصف السحاب [1] :
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح [2]
ينفى الحصى عن جديد الأرض مبتركا ... كأنّه فاحص أو لاعب داح [3]
فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكنّ يمشى بقرواح [4]
338* ويستجاد له قوله:
إذا ما علوا قالوا: أبونا وأمّنا ... وليس لهم عالين أمّ ولا أب [5]
339* ويستجاد له قوله [6] :
وإنى رأيت الناس، إلّا أقلّهم ... خفاف العهود يكثرون التّنقّلا
بنى أمّ ذى المال الكثير يرونه ... وإنّ كان عبدا، سيد الأمر جحفلا [7]
__________
[1] الأول والثالث فى الأغانى وبينهما بيت آخر، ونقل الخلاف فى نسبة الشعر لأوس، أن الأصمعى يرويه له ووافقه بعض الكوفيين، وأن غيرهم يرويه لعبيد بن الأبرص. والأول والثالث فى الحيوان 6: 132 بنسبة مختلف فيها لعبيد أو لأوس وهما من قصيدة فى ديوان عبيد 75- 77.
[2] المسف: الذى قد أسف على الأرض، أى: دنا منها، وهو هنا مخفوض فى أصول الكتاب، وكذلك نقل مصححو اللسان عما كان بأيديهم من نسخ الصحاح، وهو الصواب، فإن قبله
من عارض كبياض الصبح لماح
الهيدب: ما تدلى من السحاب مثل هدب القطيفة، يقول: يكاد القائم يمسكه براحته. يدفعه: ب د «يرفعه» .
والبيت فى اللسان 2: 278 و 11: 54 مع الخلاف فى نسبته.
[3] جديد الأرض: وجهها. مبتركا: مجتهدا معتمدا ملحا. الداحى: الذى يدحو الحجر بيده، أى: يرمى به ويدفعه. والبيت فى اللسان 18: 276 باختلاف فى صدره مع الخلاف فى نسبته، وليس فى ديوان عبيد.
[4] النجوة: ما ارتفع من الأرض. العقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة. المستكن:
المستتر. القرواح: أرض مستوية ظاهرة. والبيت فى اللسان 20: 178 ونسبه لعبيد فقط.
[5] علوا: بابه «بلى» ، يقال «على» بكسر اللام، فى المكارم والرفعة والشرف «يعلى- بفتحها- علاء» قاله فى اللسان.
[6] الأبيات فى معاهد التنصيص.
[7] الجحفل: السيد العظيم القدر. والبيت فى اللسان 13: 108.
(1/203)

وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا [1]
وليس أخوك الدائم العهد بالذى ... يسوءك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك الناء ما كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
340* ويستجاد له قوله فى السيف:
كأنّ مدبّ البيت [2] .
وهو أوصف الناس للقوس، ثم تبعه الشمّاخ.
__________
[1] أولاد علة أولاد ضرة. رجل معم مخول، بصيغى اسم الفاعل واسم المفعول: كريم الأعمام والأخوال. والبيت فى اللسان 13: 498 غير منسوب.
[2] مضى 200.
(1/204)

11- المرقش الأكبر
[1] 341* وهو ربيعة بن سعد بن مالك، ويقال: بل هو عمرو [2] بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
وسمّى «المرقّش» بقوله:
الدار قفر والرّسوم كما ... رقّش فى ظهر الأديم قلم [3]
342* وهو أحد عشّاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته أسماء بنت عوف بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وكان أبوها زوّجها رجلا من مراد، والمرقّش غائب، فلمّا رجع أخبر بذلك، فخرج يريدها، ومعه عسيف له من غفيلة، فلما صار فى بعض الطريق مرض، حتّى ما يحمل إلّا معروضا، فتركه الغفيلىّ هناك فى غار، وانصرف إلى أهله، فخبّرهم أنّه مات، فأخذوه وضربوه حتّى أقرّ، فقتلوه. ويقال إن أسماء وقفت على أمره، فبعثت إليه فحمل إليها، وقد أكلت السّباع أنفه، فقال [4] :
يا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... أنس بن عمرو حيث كان وحرملا [5]
لله درّكما ودرّ أبيكما ... إنّ أفلت الغفلىّ حتّى يقتلا
__________
[1] ترجمنا له فى أول المفضلية 45 وانظر ترجمته وخبره أيضا فى الأنبارى 457- 460، 484 والأغانى 5: 179- 183. وهذه الترجمة هى الثابتة فى س ف.
[2] وهو الصحيح الذى رجحناه فى ترجمته.
[3] رقش: زين وحسن، أو كتب. الأديم: الجلد. والبيت من المفضلية 54 وهو فى اللسان 8: 195.
[4] الأبيات من المفضلية 45.
[5] فى المفضليات والأغانى «أنس بن سعد» وهو أصح، فإن أنسا وحرملة هما ابنا سعد، وهما أخوا المرقش. ورخم «حرملة» لغير النداء.
(1/205)

من مبلغ الفتيان أنّ مرقّشا ... أضحى على الأصحاب عبا مثقلا
ذهب السّباع بأنفه فتركنه ... ينهسن منه فى القفار مجدّلا
وكأنما ترد السّباع بشلوه ... إذ غاب جمع بنى ضبيعة، منهلا [1]
ويقال: بل كتب هذه الأبيات على خشب الرّحل، وكان يكتب بالحميريّة، فقرأها قومه، فلذلك ضربوا الغفيلىّ حتّى أقرّ.
343* ومن جيّد شعره قوله [2] :
فهل يرجعن لى لمّتى، إن خضبتها ... إلى عهدها، قبل الممات، خضابها
رأت أقحوان الشّيب فوق خطيطة ... إذا مطرت لم يستكنّ صؤابها [3]
فإن يظعن الشّيب الشّباب فقد ترى ... به لمّتى لم يرم عنها غرابها
344* وقوله [4] :
ودوّيّة غبراء قد طال عهدها ... تهالك فيها الورد والمرء ناعس [5]
قطعت إلى معروفها منكراتها ... بعيهمة تنسلّ واللّيل دامس [6]
وتسمع تزقاء من البوم حولها ... كما ضربت بعد الهدوّ النّواقس
وأعرض أعلام كأنّ رؤوسها ... رؤوس رجال فى خليج تغامس
ولمّا أضأنا اللّيل عند شوائنا ... عرانا عليها أطلس اللّون بائس [7]
__________
[1] المنهل: الماء المورود. جعل تكالب السباع على أشلائه شبيها بورودها الماء.
[2] هى فى المفضلية 53.
[3] الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، شبه بها رأسه، لأنه لا شعر فيها، كالحطيطة لا نبت فيها. الصؤاب: بيض القمل.
[4] هى الأبيات 6، 7، 9، 14، 15، 16، 17 من المفضلية 47.
[5] الدوية: القفر. الورد: أراد بها الإبل.
[6] صدر هذا البيت أخذه كثير من الشعراء، منهم ضابئ بن الحرث البرجمى فى الأصمعية 63: 15 وشاعر مبهم فى اللسان 7: 15. العيهمة: الناقة القوية الماضية، وكذلك العيهامة، وهى رواية المفضليات.
[7] أطلس اللون: عنى به الذئب، هو أغبر إلى سواد.
(1/206)

نبذت إليه حزّة من شوائنا ... حياء، وما فحشى على من أجالس
فآب بها جذلان ينفض رأسه ... كما آب بالنّهب الكمىّ المخالس [1]
345* ومما سبق إليه قوله:
يأبى الشّباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم [2]
أخذه عمرو بن قميئة فقال [3] :
لا تغبط المرء أن يقال له: ... أضحى فلان لسنّه حكما
إن سرّه طول عمره ... أضحى على الوجه طول ما سلما
346* هو [4] عمرو بن سعد بن مالك بن عباد بن ضبيعة. وسمّى «المرقّش» بقول: كما رقّش البيت.
وأكل السبع أنفه فقال:
من مبلغ الفتيان البيتين [5] 347* قال أبو محمد: وهو يعدّ من العشّاق، وصاحبته ابنة عمه أسماء بنت عوف بن مالك. وعوف هو الحسام [6] .
__________
[1] المخالس، بالخاء المعجمة: الشجاع الحذر. ورواية المفضليات «المحالس» بالمهملة، وهو الشديد الذى لا يبرح مكانه فى الحرب.
[2] من المفضلية 54 وقد سبق 73، 103.
[3] هو جاهلى قديم، ستأتى ترجمته 222- 223 ل. والبيتان فى الأنبارى 493 غير منسوبين. وهما أيضا مع آخرين فى معجم الشعراء للمرزبانى 201.
[4] نص الترجمة فى ب د هـ. ولكن فى هـ «عمرو بن سفيان بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة» . وفى ب «بن أبى سعد» .
[5] مضى ذلك كله 205- 206.
[6] أخشى أن يكون ابن قتيبة وهم، فإن عوف بن مالك يدعى «البرك» بضم الباء وفتح الراء، من أجل قوله فى يوم قضة أنا البرك انظر الاشتقاق 214- 215 ومعجم الشعراء للمرزبانى 276 وشرح القاموس 7: 109. وأما أخوه «عمرو بن مالك» فإنه يلقب «الخشام» بوزن «حسام» ولكن بالمعجمتين، وسمى بذلك لعظم أنفه، وهو الذى أسر المهلهل فى بعض الغارات بين بكر وتغلب. انظر الاشتقاق 214
(1/207)

348* ويستحسن له قوله [1] :
النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ غنم
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم [2]
349* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
يأبى الشباب البيت. أخذه الكميت فقال:
لا تغبط البيتين [3] .
__________
والمفضلية 58 مع ترجمة المرقش فى المفضلية 45.
[1] مضيا 74 وهما أيضا مع ثالث فى معجم الشعراء للمرزبانى 201 وهما من المفضلية 54.
[2] اللسان 15: 233.
[3] مضى ذلك قريبا. وما فى هذه النسخ هنا من نسبة هذا الشعر الأخير للكميت خطأ، فإنه شعر عمرو بن قميئة، كما مضى.
(1/208)

12- المرقش الأصغر
[1] 350* يقال إنّه أخو الأكبر، ويقال: إنّه ابن أخيه. واختلفوا فى اسمه:
فقال بعضهم: هو عمرو بن حرملة، وقال آخرون: هو ربيعة بن سفيان [2] .
وهو من بنى سعد بن مالك بن ضبيعة، وأحد عشّاق العرب المشهورين، وصاحبته فاطمة بنت المنذر، وكانت لها خادمة تجمع بينهما، يقال لها هند بنت عجلان، فلذلك ذكرها فى شعره.
351* وكان للمرقّش ابن عمّ يقال له: جناب بن عوف بن مالك [3] ، لا يؤثر عليه أحدا، وكان لا يكتمه شيئا من أمره، فألحّ عليه أن يخلفه ليلة عند صاحبته، فامتنع عليه زمانا، ثم إنّه أجابه إلى ذلك، فعلّمه كيف يصنع إذا دخل عليها، فلمّا دنا منها أنكرت عليه مسّه، فنحّته عنها، وقالت: لعن الله سرّا عند المعيدىّ، وجاءت الوليدة فأخرجته، فأتى المرقش فأخبره، فعضّ على إبهامه فقطعها أسفا، وهام على وجه حياء، فذلك قوله [4] :
ألا يا اسلمى لا صرم فى اليوم فاطما ... ولا أبدا ما دام وصلك دائما
رمتك ابنة البكرىّ عن فرع ضالة ... وهذّ بنا خوص يخلن نعائما [5]
__________
[1] نص ترجمته فى س ف.
[2] الأرجح أن اسمه «ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك» . والمرقش الأكبر عم المرقش الأصغر، والأصغر عم طرفة بن العبد. وكان الأصغر أشعر المرقشين وأطولهما عمرا. له ترجمة فى المفضلتين 55، 56 وحديثه فى شرح الأنبارى 498- 499 والأغانى 5:
183- 185.
[3] خطأ، صوابه «عمرو بن جناب بن عوف بن مالك» .
[4] هى الأبيات 1، 2، 18، 19، 20، 24، من المفضلية 56.
[5] الضال: سدر الجبل، وأراد بفرعها القوس، كأنها رمته عنه، الخوص: الإبل الغائرة العيون. النعائم: النعام. الهذ: الإسراع فى القطع، يريد أن الإبل أسرعت السير. وفى المفضليات والأغانى «وهن» ، يريد: هن فى ضمرهن وجهدهن يحسبن نعاما. وكانت فى ل «وهن» أيضا، ولكن مصححها أثبت فى جدول التصحيح تصويبها «وهذ» فأثبتنا ذلك.
(1/209)

صحا قلبه عنها خلا أنّ روعه ... إذا ذكرت دارت به الأرض قائما [1]
أفاطم لو أنّ النساء ببلدة ... وأنت بأخرى لاتّبعتك هائما
منى ما يشأ ذو الودّ يصرم خليله ... ويغضب عليه لا محالة ظالما
وآلى جناب حلفة فأطعته ... فنفسك ولّ اللّوم إن كنت نادما [2]
أمن حلم أصبحت تمكث واجما ... وقد تعترى الأحلام من كان نائما [3]
352* ومما سبق إليه قوله:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما [4]
أخذه القطامىّ فقال [5] .
والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى، ولأمّ المخطئ الهبل
353* هو [6] عمرو بن سفيان بن سعد بن مالك، ابن أخى المرقّش الأكبر، ويقال هو ابن حرملة، وهو يعدّ من العشّاق، وصاحبته بنت عجلان، أمة كانت لبنت عمرو بن هند، وفيها يقول [7] :
يا بنت عجلان ما أصبرنى ... على خطوب كنحت بالقدوم
__________
[1] الروع، بضم الراء: القلب، وهو موضع الروع، بفتحها، أى: الفزع. وسيأتى البيت 196.
[2] جناب: يريد عمرو بن جناب، سماه باسم أبيه، وهو شىء نادر فى العربية، ولكن له شواهد. نادما: فى المفضليات والبلدان 8: 419 «لائما» .
[3] فى المفضليات «تنكت» بدل «تمكث» من النكت فى الأرض كما يفعل المهموم.
[4] هو البيت 22 من المفضلية 56. وهو فى اللسان 19: 377. الغى: الضلال والخيبة.
[5] ستأتى ترجمته 453- 456 ل وسيأتى البيت مع آخر هناك.
[6] نص الترجمة فى ب د هـ.
[7] فى هذا شىء من الخطأ، وانظر ما أشرنا إليه من المراجع آنفا. والبيت من المفضلية 57.
(1/210)

354* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله ومن يلق خيرا البيت، أخذه القطامىّ فقال والناس من يلق البيت.
355* ويعاب عليه قوله فى المرأة:
صحا قلبه عنها على أنّ ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما [1]
قالوا: كيف يصحو من إذا ذكرت له دارت به الأرض [2] ؟! 356* قالوا: وكان عضّ سبّابته فقطعها من حبها، وقال:
ألم تر أنّ المرء يجذم كفّه ... ويجشم من هول الأمور المجاشما [3]
357* وكان هرب من المنذر وأتى الشأم؛ فقال [4] :
أبلغ المنذر المنقّب عنّى ... غير مستعتب ولا مستعين
لات هنّا وليتنى طرف الزّ ... جّ وأهلى بالشأم ذات القرون [5]
__________
[1] مضى البيت 210. الذكرة، بكسر الذال، كالذكر والذكرى: نقيض النسيان، ولم يذكر فى المعاجم إلا فى المعيار، ولها شاهد آخر فى شعر أعشى باهلة، فى الأصمعية 24: 29. وأثبت فى ل «ذكره» جعله «ذكر» مضافا للضمير، وهو غير جيد.
[2] الناقد يقيس بالشبر والذراع! والشاعر يصور فيبالغ فى ثبات حبه، فيثبت صحوه عنها قولا، وينفيه عملا وفعلا. وقد أوفى فى هذا على الغاية: يدعى السلو والذكرة تصرعه.
[3] هو البيت 23 من المفضلية 56.
[4] البيتان من المفضلية 48 وهى منسوبة هناك للمرقش الأكبر. وهما فى البلدان 4: 378 للمرقش، ولم يذكر أيهما هو.
[5] لات هنا: ليس هذا وقت إرادتك إياى. الزج: موضع. والبيت فى اللسان 17: 212.
(1/211)

13- علقمة بن عبدة
[1] 358* هو من بنى تميم، جاهلىّ. وهو الذى يقال له علقمة الفحل، وسمّى بذلك لأنّه احتكم مع امرئ القيس إلى امرأته أمّ جندب لتحكم بينهما، فقالت:
قولا شعرا تصفان فيه الخيل على روىّ واحد وقافية واحدة، فقال امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب ... لنقضى حاجات الفؤاد المعذّب
وقال علقمة [2] :
ذهبت من الهجران فى كلّ مذهب ... ولم يك حقّا كلّ هذا التّجنّب
ثم أنشداها جميعا، فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك، قال:
وكيف ذاك؟ قالت: لأنّك قلت:
فللّسوط ألهوب وللساق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب [3]
فجهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك [4] ، وقال علقمة:
فأدركهنّ ثانيا من عنانه ... يمرّ كمرّ الرائح المتحلّب [5]
__________
[1] الترجمة الثابتة فى س ف. و «عبدة» بفتح الباء. وقد ترجمنا لعلقمة فى أول المفضلية 119 وأخباره فى الأنبارى 762- 765 والأغانى 7: 121- 122 و 21:
111- 113 والموشح 28- 30 وطبقات الجمحى 30، 31 والخزانة 1: 565- 566.
[2] القصيدة معروفة لعلقمة، وفى الأنبارى رواية غريبة عن أحمد بن عبيد: «كان ابن الجصاص وحماد يرويان ذهبت من الهجران لامرئ القيس، ورواها المفضل لعلقمة» .
[3] الأخرج: ذكر النعام، والخرج، بفتحتين: بياض فى سواد، وبه سمى. مهذب:
من الإهذاب، وهو الإسراع فى الطيران والعدو والكلام. والبيت فى اللسان 2: 241 وعجزه فيه 2: 281.
[4] مريته: يقال «مريت الفرس» إذا استخرجت ما عنده من الجرى بسوط أو غيره.
[5] الرائح: السحاب. المتحلب: المتساقط المتتابع.
(1/212)

فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه، لم يضربه بسوط، ولا مراه بساق، ولا زجره، قال: ما هو بأشعر منّى ولكنّك له وامق [1] ! فطلّقها فخلف عليها علقمة، فسمّى بذلك «الفحل» . ويقال: بل كان فى قومه رجل يقال له علقمة الخصىّ، ففرّقوا بينهما بهذا الاسم.
359* ومن جيّد قوله [2] :
فإن تسألونى بالنّساء فإنّنى ... بصير بأدواء النّساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له فى ودّهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشّباب عندهنّ عجيب [3]
360* هو [4] تميمىّ، من ربيعة الجوع [5] ، وهو الذى يقال له الفحل، وكان ينازع امرأ القيس الشعر، فقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أشعر منك، فقال علقمة: قد حكّمت امرأتك أمّ جندب بينى وبينك. فقال: قد رضيت.
فقالت أمّ جندب: قولا شعرا تصفان فيه الخيل على روىّ واحد وقافية واحدة،
__________
[1] وامق: أى: محبة. وفرق أبو رياش بين الوماق، بكسر الواو، والعشق، فقال:
«الوماق: محبة لغير ريبة، والعشق: محبة لريبة» .
[2] هى الأبيات 8- 10 من المفضلية 119.
[3] سيأتى 341 ل.
[4] وهذه الترجمة الثابتة فى ب د هـ.
[5] الربائع من بنى تميم أربعة: ربيعة الكبرى، وهو ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو ربيعة الجوع. وربيعة الوسطى، وهو ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة.
وربيعة الصغرى، وهو ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة. والرابعة ربيعة ابن كعب بن سعد بن زيد مناة. وقد يخطئ النسابون فى النسب إليهم، كما أخطأ ابن دريد فى الاشتقاق 133 فجعل علقمة من ربيعة الصغرى بنى مالك بن حنظلة، وهو من ربيعة الكبرى. وانظر المفضلية 119 والنقائض 186، 699 والأنبارى 772.
(1/213)

فقال امرؤ القيس قصيدته التى أوّلها:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب ... نقضّ لبانات الفؤاد المعذّب [1]
وقال علقمة قصيدته التى أوّلها
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
البيت. ثم أنشداها جميعا، فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك، قال:
وكيف؟ قالت: لأنّك قلت
فللسّوط ألهوب
البيت، فجهدتّ فرسك بسوطك وزجرك، فأتبعته بساقك، وقال علقمة:
فولّى على آثارهنّ بحاصب ... وغيبة شؤبوب من الشّد ملهب [2]
فأدركهنّ ثانيا
البيت، فأدرك طريدته وهو ثان من عنانه، لم يضربه بسوطه، ولم يمره بساقه، ولم يزجره، فقال لها: ما هو بأشعر منّى ولكنّك له عاشق! فطلّقها وخلف عليها علقمة، فسمّى «الفحل» لذلك.
361* ويقال إنه قيل له «الفحل» لأنّ فى رهطه رجلا يقال له علقمة الخصىّ. وهو علقمة بن سهل، أحد بنى ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ويكنى أبا الوضّاح، وكان بعمان [3] . وسبب خصائه أنّه أسر باليمن فهرب، فظفر به، ثم هرب مرّة أخرى، فأخذ فخصى، فهرب ثالثة، وأخذ جملين يقال لهما عوهج وداعر، فصارا بعمان، فمنها العوهجيّة والداعريّة، وكان شهد على قدامة بن مظعون، وكان عامل عمر على البحرين، بشرب الخمر، فحدّه
__________
[1] ب د «نقضى» .
[2] الحاصب: الريح الشديدة تحمل التراب والحصباء. الشؤبوب: الدفعة من العدو والجرى. الشد: العدو. وفى هذا البيت خلاف، يثبته بعض الرواة فى قصيدة امرئ القيس، ورواية الأغانى تثبته لعلقمة.
[3] فى المؤتلف 152 «وكان له إسلام وقدر» وكذلك فى الخزانة 1: 565. ويفهم من ترجمته أنه لم يعاصر علقمة الفحل، فلا يستقيم علقمة بن عبدة بلقب «الفحل» مقابلا لعلقمة الخصى، إلا أن يكون اللقب استحدث بعد، وهو بعيد.
(1/214)

عمر [1] .
362* وهو القائل [2] :
يقول رجال من صديق وحاسد ... أراك أبا الوضّاح أصبحت ثاويا
فلا يعدم البانون بيتا يكنّهم ... ولا يعدم الميراث منّى المواليا
وجفّت عيون الباكيات وأقبلوا ... إلى مالهم، قد بنت عنه، وماليا
حراصا على ما كنت أجمع قبلهم ... هنيئا لهم جمعى وما كنت وانيا
363* وكان لعلقمة بن عبدة أخ يقال له شأس بن عبدة، أسره الحارث بن أبى شمر الغسّانىّ مع سبعين رجلا من بنى تميم، فأتاه علقمة ومدحه بقصيدة أوّلها [3] :
طحا بك قلب فى الحسان طروب ... بعيد الشّباب عصر حان مشيب [4]
إلى الحارث الوهّاب أعملت ناقتى ... لكلكلها والقصريين وجيب
فلما بلغ هذا البيت:
وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمة ... فحقّ لشأس من نداك ذنوب [5]
فقال الحارث: نعم وأذنبة. وإنما أراد علقمة بقوله:
__________
[1] فى الاشتقاق 134: «وهو أحد من شهد على قدامة بن مظعون بشرب الخمر عند عمر، وقال له: أتقبل شهادة خصى؟! فقال عمر: أما شهادتك فنعم» .
[2] الأبيات فى المؤتلف والخزانة. وانظر الحيوان للجاحظ 1: 120- 121.
[3] هى المفضلية 119 والبيتان هما 1، 13 منها.
[4] طحا بك: اتسع بك وذهب كل مذهب.
[5] خبطت: يقال «خبطه بخير» أعطاه من غير معرفة بينهما. ورواه سيبويه 2: 423. «
خبط» شاهدا على قلب التاء طاء وإدغامها فى الطاء، ثم قال: «وأعرب اللغتين وأجودهما أن لا تقلبها طاء، لأن هذه التاء علامة الإضمار، وإنما تجىء لمعنى» .
الذنوب: الدلو، أراد حظا ونصيبا والبيت هو 42 من المفضلية. وهو فى اللسان 9:
152. وانظر الأنبارى 786 والسمط 433.
(1/215)

وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمة
أنّ النابغة كان شفع فى أسارى بنى أسد فأطلقهم، وكانوا نيّفا وثمانين، ثم سأله علقمة أن يطلق أسارى بنى تميم ففعل. ويقال إن شأسا هو ابن أخى علقمة.
364* ويستجاد له من هذا الشعر:
فإن تسألونى بالنساء الثلاثة الأبيات [1] .
__________
[1] مضت 213.
(1/216)

14- الأفوه الأودى
[1] 365* هو صلاءة بن عمرو، من مذحج، ويكنى أبا ربيعة، وهو القائل [2] :
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
تهدى الأمور بأهل الرّأى ما صلحت ... فإن تولّت فبالأشرار تنقاد
366* ومن جيّد شعره قوله [3] :
إنّما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار
حتم الدّهر علينا أنّه ... ظلف ما نال منّا وجبار
ظلف: باطل [4] . وجبار: هدر.
وهذه القصيدة من جيّد شعر العرب، أوّلها:
إن ترى رأسى فيه نزع ... وشواى خلّة فيها دوار [5]
367* وهو القائل:
__________
[1] هذه الترجمة من س ف. ولم يترم فى ب هـ د. وله ترجمة فى الأغانى 11: 41- 43 والمعاهد 547- 548 والسمط 365، 844.
[2] البيتان فى لباب الآداب 40 والمعاهد، وهما من قصيدة فى الأمالى 2: 224- 225.
[3] جمعنا أبياتا من هذه القصيدة فى لباب الآداب 373- 374 وأشرنا فى تعليقنا عليه إلى مصادرها. ومنها أبيات فى المعاهد 540- 541.
[4] بالظاء المعجمة، ورواية ابن السكيت 275 واللسان 11: 127 بالطاء المهملة، وهما بمعنى، وأشار اللسان إلى رواية المعجمة.
[5] النزع: انحسار مقدم الرأس عن جانبى الجبهة. الشوى: جماعة الأطراف، وأراد به هنا الرأس. ورواية اللباب «وشواتى» . والشواة: جلدة الرأس. خلة: مهزولة قليلة اللحم.
(1/217)

والمرء ما يصلح له ليلة ... بالسّعد تفسده ليالى النّحوس
والخير لا يأتى ابتغاء به ... والشّرّ لا يفنيه ضرح الشّموس [1]
__________
[1] الضرح: التنحية والدفع. الشموس: هو من الدواب الذى إذا نخس جمح ولم يستقر والبيت الأول فى حماسة البحترى 215 مغلوطا. والبيتان فى المعاهد 548. وهما من قصيدة من عزيز الشعر ونادره، منها أبيات فى السمط 364- 365 واللسان 7: 352، 403.
(1/218)

15- عدى بن زيد العبادى
[1] 368* هو عدىّ بن زيد بن حمّاد [2] بن أيّوب، من زيد مناة بن تميم.
وكان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شىء كثير جدّا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة.
369* وله أربع قصائد غرر، إحداهنّ:
أرواح مودّع أم بكور ... لك؟ فاعمد لأىّ حال تصير
وفيها يقول [3] :
أيّها الشامت المعير بالدّه ... ر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من ال ... أيّام أم أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم مّن ... ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا ... سان أم أين قبله سابور [4]
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... رّوم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور [5]
__________
[1] هذا نص الترجمة فى س ف. وله ترجمة فى الأغانى 2: 17- 40 والخزانة 1:
183- 186 وبلوغ الأرب 2: 262- 265 والمعاهد 139- 145 وشعراء الجاهلية 439- 474.
[2] اختلفت النسخ هنا وفى الأغانى فى هذا الاسم اختلافا شديدا، أشار إليه مصحح الأغانى طبعة دار الكتب 2: 97. وستأتى الإشارة إليه فى الترجمة التالية.
[3] فى حماسة البحترى 86- 87 هذه الأبيات وغيرها. والأبيات الثلاثة الأول فيه 103- 104 والأربعة الأول فى المرزبانى 249.
[4] البيت فى المعرب 20، 194، 282 وأمالى ابن الشجرى 1: 91 واللسان 8: 81.
[5] الحضر، بفتح الحاء وسكون الضاد: مدينة بإزاء تكريت، بينها وبين الموصل والفرات، كانت مبنية بالحجارة المهندمة، بيوتها وسقوفها وأبوابها، الخابور: نهر كبير بين رأس عين والفرات، من أرض الجزيرة. وهذا البيت والبيتان بعده فى البلدان 3: 292.
(1/219)

شاده مرمرا وجلّله كل ... سا فللطّير فى ذراه وكور
وتبيّن رّبّ الخورنق إذ أش ... رف يوما، وللهدى تفكير [1]
سرّه حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسّدير [2]
فارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حىّ إلى الممات يصير
ثمّ بعد الفلاح والملك والإ ... مّة وارتهم هناك القبور [3]
ثمّ أضحوا كأنّهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور
370* والثانية [4] :
أتعرف رسم الدار من أمّ معبد ... نعم، فرماك الشّوق قبل التّجلّد
وفيها يقول:
أعاذل ما يدريك أنّ منيّتى ... إلى ساعة فى اليوم أوفى ضحى الغد
ذرينى فإنى إنما لى ما مضى ... أمامى من مالى إذا خفّ عوّدى
وحمّت لميقات إلىّ منيّتى ... وغودرت قد وسّدت أو لم أوسّد
وللوارث الباقى من المال، فاتركى ... عتابى، فإنى مصلح غير مفسد
371* والثالثة:
لم أر مثل الفتيان فى غبن الّ ... أيّام ينسون ما عواقبها [5]
__________
[1] الخورنق: قصر كان بظهر الحيرة. والبيت فى المعرب 126 واللسان 11: 366 وهو والأربعة بعده فى تاريخ الطبرى 2: 74 والبلدان 3: 484- 485.
[2] السدير: نهر، وقيل قصر، والبيت فى المعرب 188 والبلدان 3: 54 واللسان 6:
30.
[3] الإمة بكسر الهمزة: غضارة العيش والنعمة. والبيت فى اللسان 14: 288 وهو والذى يليه فى المرزبانى 249- 250.
[4] القصيدة 42 بيتا فى جمهرة أشعار العرب 102- 104.
[5] المزهر 2: 286 والغبن، بسكون الباء وفتحها: النسيان أو ضعف الرأى. وفى الأغانى مع هذا البيت ثلاثة أبيات.
(1/220)

372* والرابعة:
طال ليلى أراقب التّنويرا ... أرقب اللّيل بالصّباح بصيرا
373* وهو القائل فى قصّة الزّبّاء وجذيمة وقصير الطالب بالثأر:
دعا بالبقّة الأمراء يوما ... جذيمة عصر ينجوهم ثبينا [1]
فطاوع أمرهم وعصى قصيرا ... وكان يقول، لو تبع، اليقينا
ودسّت فى صحيفتها إليه ... ليملك بضعها ولأن تدينا
فأردته، ورغب النّفس يردى ... ويبدى للفتى الحين المبينا
وخبّرت العصا الأنباء عنه ... ولم أر مثل فارسها هجينا [2]
وقدّمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا [3]
ومن حذر الملاوم والمخازى ... وهنّ المنديات لمن منينا [4]
أطفّ لأنفه الموسى قصير ... ليجدعه وكان به ضنينا [5]
فأهواه لمارنه فأضحى ... طلاب، الوتر، مجدوعا مشينا
وصادفت امرءا لم تخش منه ... غوائله، وما أمنت أمينا
__________
[1] بقة: موضع أو حصن قريب من الحيرة، كان ينزله جذيمة الأبرش. ينجوهم: يناجيهم ويسارهم، نجوتهم نجوا: ساررته. الثبون، بضم الثاء وكسرها: جمع ثبة، بالضم، وهى العصبة من الفرسان. والأبيات فى المعاهد. وقصة الزباء مشهورة، مفصلة فى الأمثال 1: 78، 205- 208 والمعاهد وغيرهما. والبيت والذى بعده مع آخرين فى البلدان 2: 253 وحماسة البحترى 172.
[2] العصا: فرس جذيمة، وهى بنت العصية، فرس لإياد، لا تجارى. والبيت فى الخيل لابن الكلبى 32.
[3] الراهشان: عرقان فى باطن الذراعين.
[4] المنديات: المخزيات التى يعرق لها الوجه ويندى. وكذلك كانت فى الأصول، ثم غيرها مصحح ل جعلها «المندبات» بالموحدة، تبعا للمعاهد، وهو خطأ ولا معنى له.
منينا، بالبناء للفاعل، أى: أصبنه فى ل بالبناء للمجهول، وهو خطأ.
[5] أطف لأنفه الموسى: قربه منه. وصدر البيت فى اللسان 11: 125 محرفا غير منسوب.
(1/221)

فلما ارتدّ منها ارتدّ صلبا ... يجرّ المال والصّدر الضّغينا
أتتها العيس تحمل ما دهاها ... وقنّع فى المسوح الدّار عينا
ودسّ لها على الأنفاق عمرا ... بشكّته، وما خشيت كمينا
فجلّلها قديم الأثر عضبا ... يصكّ به الحواجب والجبينا [1]
فأضحت من خزائنها كأن لم ... تكن زبّاء حاملة جنينا
وأبرزها الحوادث والمنايا ... وأىّ معمّر لا يبتلينا
إذا أمهلن ذا جدّ عظيم ... عطفن له ولو فرّطن حينا
ولم أجد الفتى يلهو بشىء ... ولو أثرى ولو ولد البنينا
374* هو [2] عدىّ بن زيد بن حماز [3] بن زيد بن أيّوب بن محروف [4] ابن عامر بن عصيّة [5] بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. وأوّل من نزل الحيرة منهم أيّوب، بسبب دم أصابه، وكان منزله اليمامة. وكان حماز أوّل من تعلم الكتابة من بنى أيّوب، وكتب للنعمان الأكبر.
375* وكان عدىّ ترجمان أبرواز ملك فارس وكاتبه بالعربيّة، فلما قتل عمرو بن هند وصف له عدىّ بن زيد النعمان بن المنذر بن امرئ القيس، وأشار عليه بتوليته العرب، واحتال فى ذلك حتى ولّاه من بين إخوته، وكان أدمّهم وأقبحهم. ثم بلغ النعمان عن عدىّ شىء فخافه، فاحتال حتى وقع فى يده،
__________
[1] الأثر: بسكون الثاء: فرند السيف ورونقه.
[2] هذا نص الترجمة فى ب هـ د.
[3] ب د «حماد» ف س «جماد» بالجيم وتشديد الميم. وقد أشرنا فى الترجمة الأولى 225 إلى الخلاف فى هذا الاسم.
[4] ب د «محروب» .
[5] ب د «عصبة» بفتح العين والصاد والباء الموحدة.
(1/222)

فحبسه، فقال فى الحبس أشعارا وبعث بها إليه، فمنها قوله:
ألا من مبلغ النّعمان عنّى ... علانية، وما يغنى السّرار
بأنّ المرء لم يخلق حديدا ... ولا هضبا توقّله الوبار [1]
ولكن كالشهاب سناه يخبو ... وحادى الموت عنه ما يحار
فهل من خالد إمّا هلكنا ... وهل بالموت، ياللنّاس! عار [2]
ومنها قوله:
أبلغ النّعمان عنّى مألكا ... أننى قد طال حبسى وانتظارى [3]
لو بغير الماء حلقى شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصارى [4]
فلم يزل فى حبسه حتّى مات، ويقال إنه قتله.
376* وكان له ابن يقال له زيد بن عدىّ، فتوصّل إلى أبرواز حتّى حلّ محلّ أبيه، وذكر زيد لأبرواز نساء آل المنذر، ونعتهنّ له، بالجمال، فكتب أبرواز إلى النعمان يأمره أن يزوّجه أخته أو ابنته! فلمّا قرأ النعمان الكتاب قال للرسول:
فأين الملك عن مها السّواد؟ فرجع الرسول فأخبره بما قال، وحرّف زيد القول عنده، وقال: فأين هو عن بقر العراق [5] ؟ فطلبه أبرواز، وهرب النعمان منه
__________
[1] الوبار، بكسر الواو: جمع وبر، وهى دويبة، سبق وصفها 174 وقد ضبط الجمع هنا فى ل وفى شعراء الجاهلية 456 بفتح الواو، وهو خطأ. والأبيات فى الأغانى أيضا.
[2] المرزبانى 250.
[3] المألك، بضم اللام: الرسالة. وضبط فى ل بفتحها، ولا وجه له، والرواية بالضم لا غير والبيت فى اللسان 12: 272 والخزانة 3: 597.
[4] المرزبانى 249. الاعتصار: أن يغص الإنسان بالطعام فيعتصر بالماء، وهو أن يشربه قليلا قليلا، وأصل الاعتصار: الالتجاء. والبيت فى اللسان 6: 256 و 8: 328 والخزانة مشروحا 3: 594- 596. وهما من أبيات فى الأغانى والمعاهد وشعراء الجاهلية 453- 454.
[5] المها: جمع مهاة، وهى بقرة الوحش، تشبه بها المرأة، فتطلق عليها مجازا. فنقل الواشى الكلام إلى الحقيقة اللفظية ليصل إلى ما يريد.
(1/223)

حينا، ثم بدا له أن يأتيه، فأتاه بالمدائن، فصفّ له كسرى ثمانية آلاف جارية صفّين، فلمّا صار بينهما قلن له: أما فينا للملك غنى عن بقر العراق؟! وعلم النعمان أنّه غير ناج منه، وأمر به كسرى فحبس فى ساباط المدائن، ثم ألقى تحت أرجل الفيلة، فتوطّأته حتّى مات.
377* وذكر أبو عبيدة عن أبى عمرو بن العلاء قال: كان عدىّ بن زيد فى الشعراء بمنزلة سهيل فى النجوم، يعارضها ولا يجرى مجاريها [1] . قال:
والعرب لا تروى شعره، لأنّ ألفاظه ليست بنجديّة، وكان نصرانيّا من عباد الحيرة [2] ، قد قرأ الكتب.
378* قال الأصمعىّ: كان عدىّ لا يحسن أن ينعت الخيل، وأخذ عليه قوله فى صفة الفرس فارها متتايعا [3] وقال: لا يقال للفرس «فارس» إنما يقال له «جواد» و «عتيق» ويقال للكودن والبغل والحمار «فاره» .
ووصف الخمر بالخضرة، ولم يعلم أحد وصفها بذلك، قال:
والمشرف الهندىّ نسقى به ... أخضر مطموثا بماء الخريص [4]
379* وهو أوّل من شبّه أباريق الخمر بالظّباء، قال يذكر بيت الخمّار:
__________
[1] نسب هذا القول فى الخزانة 1: 184 إلى أبى عبيدة والأصمعى.
[2] قال ابن دريد فى جمهرة اللغة 1: 245: «العباد: قوم من قبائل شتى من العرب، اجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يتسموا بالعبيد. فقالوا: نحن العباد» .
[3] فى أكثر الأصول «متابعا» والذى أثبتنا هو ما فى هـ لموافقته نص البيت الذى يشير إليه، وهو فى اللسان 17: 417 ونسب هذا النقد لأبى حاتم الأصمعى. ولكن فى هـ بالباء الموحدة، وصوابه بالياء المثناة التحتية، من التتايع، هو التهافت والإسراع.
[4] المطموث: الممسوس، يريد الممزوج. الخريص: شبه حوض واسع ينبثق فيه الماء من النهر ثم يعود إليه: يريد أنه صاف بارد. والبيت مروى بروايات أخر فى اللسان 8:
289.
(1/224)

بيت جلوف بارد ظلّه ... فيه ظباء ودواخيل خوص [1]
فقال بعده:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف [2]
380* ويستجاد له قوله:
قد يدرك المبطئ من حظّه ... والخير قد يسبق جهد الحريص [3]
381* ويستجاد له قوله فى وصف السّقاة:
والرّبرب المكفوف أردانه ... يمشى رويدا كمشى الرّهيص [4]
ثم قال بعد أن وصف الخمر والنّدامى:
ذلك خير من فيوج على البا ... ب وقيدين وغلّ قروص [5]
أو مرتقى نيق على مركب ... أدفر عود ذى إكاف قموص [6]
لا يحسن المشّى ولا يقبل الرّد ... ف ولا يعطى به قلب خوص [7]
ومن نسور حول موتى يمزّق ... ن لحوما من طرىّ الفريص [8]
قالوا: وهذان لا يتقاربان، وكيف يجعل هذا خيرا من هذا؟
__________
[1] الجلوف: جمع جلف، بكسر الجيم، وهو الدن. الدواخيل: جمع دوخلة، بتشديد اللام وتخفيفها، وهى سفيفة من خوص يوضع فيها التمر والرطب. والبيت فى اللسان 10: 376 و 19: 248.
[2] يريد: قال قائل بعده. وهذا صدر بيت لعلقمة بن عبدة فى المفضلية 120: 44.
[3] المرزبانى 250.
[4] الربرب: القطيع من بقر الوحش، أو من الظباء ولا واحد له. الرهيص: الدابة يشدخ باطن حافرها بحجر أو نحوه فأدواه.
[5] الفيوج: الذين يدخلون السجن ويخرجون يحرسون، واحدهم: فيج.
[6] النيق: أرفع موضع فى الجبل. الأدفر: المنتن الرائحة. العود: يريد حمارا أو بغلا مسنا وفيه بقية. الإكاف من المراكب: شبه الرحال والأقتاب.
[7] القلب، بضم القاف: أجود خوص النخلة وأشده بياضا، وهو هنة رخصة بيضاء تمسح فتؤكل.
[8] الفريص: جمع فريصة، وهى اللحم الذى بين الكتف والصدر.
(1/225)

382* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله لأخيه يحذّره أن يدخل أرض النعمان:
فلا تلفينّ كأمّ الغلا ... م إلّا تجد عارما تعترم
أخذه ابن مقبل فقال:
لا ألفينّ وإيّاكم كعارمة ... إلّا تجد عارما فى الناس تعترم
قال أبو محمد: معناه: إن لم تجد من يرضعها رضعت ثدى نفسها، يقال «عرم الصبىّ أمّه» إذا رضعها، ويقال: إن لم تجد من يخادشها ويقاتلها خدشت وجه نفسها وادّعته على برىّ [1] .
383* وهو ممن أقرّ على نفسه بالزنا، فقال:
بنات كرام لم يربن بضرّة ... دمى شرقات بالعبير روادعا [2]
لهوت لهنّ بين سرّ ورشدة ... ولم آل عن عهد الأحبّة خادعا
يسارقن م الأستار طرفا مفتّرا ... ويبرزن من فتق الخدور الأصابعا
384* وينسب إلى الكذب بقوله:
ربّ نار بتّ أرمقها ... تقضم الهندىّ والغارا [3]
يريد بالهندىّ العود.
قال أبو محمد: وليس هذا عندى كذبا، لأنّه لم يرد أنّه يوقدها بالعود،
__________
[1] قال ابن الأعرابى: إنما يقال هذا للمتكلف ما ليس من شأنه. وقال الأزهرى: معناه لا تكن كمن يهجو نفسه إذا لم يجد من يهجوه. قاله فى اللسان. وبيت عدى فيه 15:
289 غير منسوب.
[2] بنات: منصوب بما قبله، وهو:
وأصبى ظباء فى الدمقس خواضعا
ويجوز رفعه على الابتداء. «بضرة» بفتح الضاد وضمها، عن الأغانى 2: 38.
[3] البيت فى الأغانى 2: 37 واللسان 4: 450 ونسبه لعدى بن الرقاع خطأ، و 6:
340 و 15: 388 على الصواب.
(1/226)

وإنّما أراد أنّها توقد بالغار، وهو شجر، وتلقى قطع العود على ذلك للطّيب.
وهو مثل قول الحارث بن حلّزة:
أوقدتها بين العقيق فشرخ ... ين بعود كما يلوح الضّياء [1]
أراد أنّها أوقدتها وألقت عليها عود البخور [2] .
__________
[1] من المعلقة، والذى فيها «فشخصين» وقال التبريزى فى الشرح 242 «شخصان:
أكمة لهما شعبتان» ونحو فى البلدان أو أنه «موضع» . ولم يذكر «شرخان» فى البلدان ولا فى صفة الجزيرة ولكن فى اللسان «شرخ، بفتح الشين وسكون الراء:
موضع بالحجاز» فالظاهر أنه هذا، وهو المناسب للعقيق، وتثنية مثل هذا كثير فى الشعر.
[2] ولعدى شعر فى اللسان 12: 815.
(1/227)

16- عمرو بن كلثوم
[1] 385* هو من بنى تغلب، من بنى عتّاب، جاهلىّ (قديم) . وهو قاتل عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان سبب ذلك أنّ عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون [أنّ] [2] أحدا من العرب تأنف أمّه من خدمة أمّى؟
فقالوا: نعم، عمرو بن كلثوم [3] ، قال: ولم (ذلك) ؟ قالوا؛ لأنّ أباها مهلهل بن ربيعة، وعمّها كليب وائل أعزّ العرب، وبعلها كلثوم بن مالك بن عتّاب أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم سيد من هو منه، فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمّه أمّه، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة فى جماعة من بنى تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل فى ظعن من بنى تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه مملكته فحضروا، وأتاه عمرو بن كلثوم فى وجوه بنى تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند فى رواقة، ودخلت ليلى (بنت مهلهل أمّ عمرو بن كلثوم) على هند فى قبّة فى جانب الرّواق، وهند أمّ عمرو بن هند عمّة امرئ القيس الشاعر، وليلى بنت مهلهل أمّ عمرو بن كلثوم (هى) بنت أخى فاطمة بنت ربيعة أمّ امرئ القيس، وقد كان أمر عمرو بن هند أمّه أن تنحّى الخدم إذا دعا بالطّرف، وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بن هند بمائدة فنصبها، فأكلوا، ثم دعا بالطّرف، فقالت هند: يا ليلى ناولينى ذلك الطّبق! فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها وألحّت،
__________
[1] له ترجمة فى الأغانى 9: 175- 178 والخزانة 1: 517- 521 وشواهد المغنى 44- 45.
[2] الزيادة من ب د.
[3] ف س «قالوا: لا نعلمها إلا ليلى أم عمرو بن كلثوم» .
(1/228)

فصاحت ليلى: واذلّاه! يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم فى وجهه، ونظر إلى عمرو بن هند، فعرف الشرّ فى وجهه، فقام إلى سيف لعمرو بن هند معلّق بالرّواق، [و] [1] ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند حتى قتله، ونادى فى بنى تغلب، فانتهبوا جميع ما فى الرّواق، وساقوا نجائبه، وساروا نحو الجزيرة، ففى ذلك يقول عمرو بن كلثوم [2] :
بأىّ مشيّة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهدّدنا وأوعدنا رويدا ... متى كنّا لأمّك مقتوينا [3]
وقال الفرزدق (لجرير) :
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا، وهم قسطوا على النّعمان
وقال أفنون التّغلبىّ:
لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا ... ليخدم أمّى أمّه بموفّق [4]
386* ويقال إن أخاه مرّة بن كلثوم هو قاتل المنذر بن النعمان بن المنذر، وفى ذلك يقول الأخطل:
__________
[1] الزيادة من هـ س ف والخزانة.
[2] من المعلقة، شرح التبريزى 225، 226.
[3] المقتوون: الخدم، الواحد «مقتوى» و «مقتى» وأصله من القتو والمقتى، وهو الخدمة، خدمة الملوك خاصة. وانظر شرح التبريزى والزوزنى والقاموس. ورواه فى اللسان 20: 75 «مقتوينا» بضم الميم، جعله من «الاقتواء» وقال: «أى متى اقتوتنا أمك فاشترتنا» . وانظر الخزانة 3: 326- 329.
[4] هكذا رواه المؤلف هنا وفيما يأتى (249 ل) ويحتاج إلى تأول، لأن أم عمرو بن كلثوم غير أم أفنون. ورواية النقائض 886 والحيوان 3: 135 وتاريخ ابن الأثير 1:
226
لتخدم ليلى أمه بموفق
وهى الأصح.
(1/229)

أبنى كليب إنّ عمّىّ الّلذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
يعنى بعمّيه عمرا ومرة ابنى كلثوم.
387* وعمرو بن كلثوم هو القائل [1] :
ألا هبّى بصحنك فاصبحينا
وكان قام بها خطيبا فيما كان بينه وبين عمرو بن هند، وهى من جيد شعر العرب القديم، وإحدى السّبع.
388* ولشغف تغلب بها وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء [2] :
ألهى بنى تغلب عن كلّ مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أوّلهم ... يا للرّجال لفخر غير مسؤوم!
389* وابنه عبّاد [3] بن عمرو بن كلثوم هو قاتل بشر بن عمرو بن عدس.
ولعمرو بن كلثوم عقب، منهم العتّابىّ الشاعر المشهور [4] ، واسمه كلثوم ابن عمرو، ويكنى أبا عمرو، وكان كاتبا مجيدا فى الرسائل، وشاعرا مجيدا [5] .
__________
[1] هى معلقته المشهورة.
[2] فى الأغانى 9: 176 أنه بعض شعراء بكر بن وائل.
[3] هذا هو الموافق لرواية الأغانى عن المؤلف، وفى س هـ ف «عتاب» وهو يوافق رواية الخزانة 1: 520 عن المؤلف أيضا.
[4] سيأتى ذكر موت عمرو بن كلثوم فى أسر يزيد بن عمرو الحنفى 224- 225 ل.
[5] ستأتى ترجمته (549 ل) .
(1/230)

17- أبو دؤاد الإيادى
[1] 391* قال أبو محمد: اختلفوا فى اسمه، فقال بعضهم: هو جارية بن الحجّاج، وقال الأصمعىّ: هو حنظلة بن الشّرقىّ [2] ، وكان فى عصر كعب ابن مامة الإيادى، الذى آثر بنصيبه من الماء رفيقه النّمرىّ فمات عطشا، فضرب به المثل فى الجود [3] ، وبلغه عنه شىء فقال [4] :
وأتانى تقحيم كعب إلى المن ... طق إنّ النّكيثة الإقحام
(فى نظام ما كنت فيه فلا يح ... زنك قول، لكلّ حسناء ذام
ولقد رابنى ابن عمّى كعب ... إنّه قد يروم ما لا يرام
غير ذنب بنى كنانة منّى ... إن أفارق فإنّنى مجذام)
392* وكان بعض الملوك أخافه، فصار إلى بعض ملوك اليمن فأجاره فأحسن إليه، فضرب المثل بجار أبى دؤاد، قال طرفة:
إنى كفانى من همّ هممت به ... جار كجار الحذاقىّ الّذى انتصفا
والحذاقىّ هو أبو دؤاد، وحذاق قبيلة من إياد.
__________
[1] ترجمته فى الأغانى 15: 91- 96 والخزانة 4: 190- 191 وشواهد المغنى 124 وشواهد العينى 2: 391.
[2] هذا قول شاذ جدّا، وأخشى أن يكون غلطا فى الرواية على الأصمعى، فإن «حنظلة ابن الشرقى» هو «أبو الطمحان القينى» وستأتى ترجمته (229- 230 ل) . وفى الأصمعية 65 «وقال أبو دؤاد الإيادى واسمه جارية بن الحجاج» فهذا قول الأصمعى كما ترى، لا كما روى ابن قتيبة.
[3] سيأتى ذكرهما أيضا فى شعر للأسود بن يعفر (134- 135 ل) وانظر قصة كعب بن مامة فى مجمع الأمثال 1: 162، 293 وأمثال العرب للضبى 61- 62.
[4] من الأصمعية 65.
(1/231)

393* ويقال إنّما أجاره الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، وذلك أن قباذ سرّح جيشا إلى إياد، فيهم الحارث بن همّام، فاستجار به قوم من إياد فيهم أبو دؤاد، فأجارهم.
394* وكان أبو عبيدة يذكر أن جار أبى دؤأد هو كعب بن مامة، وأنشد لقيس بن زهير (بن جذيمة) فى ربيعة بن قرط:
أحاول ما أحاول ثم آوى ... إلى جار كجار أبى دؤاد [1]
395* وهو أحد نعّات الخيل المجيدين. قال الأصمعىّ: هم ثلاثة، أبو دؤاد فى الجاهليّة، وطفيل [2] ، والنابغة الجعدىّ.
396* قال: والعرب لا تروى شعر أبى دؤاد وعدى بن زيد، (وذلك) لأنّ ألفاظهما ليست بنجديّة.
397* وقيل للحطيئة من أشعر الناس؟ فقال: الذى يقول [3] :
لا أعدّ الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام
من رجال من الأقارب فادوا ... من حذاق، هم الرّؤوس الكرام [4]
فيهم للملاينين أناة ... وعرام إذا يراد العرام
فعلى إثرهم تساقط نفسى ... حسرات، وذكرهم لى سقام
وهذه القصيدة أجود شعره.
ويستجاد منها قوله فى صفة إبله:
إبلى الإبل لا يحوّزها الرّا ... عون، مجّ النّدى عليها المدام
__________
[1] فى هذا خلاف كثير، وانظر مجمع الأمثال 1: 143 والأغانى فى ترجمة أبى دؤاد.
وهذا البيت من قصيدة لقيس هذا فى الأغانى 16: 28- 29.
[2] هو طفيل بن كعب الغنوى، ستأتى ترجمته (275- 276 ل) .
[3] من الأصمعية 65 أيضا وانظر ما يأتى 184 ل.
[4] فادوا: ماتوا.
(1/232)

سمنت فاستحشّ أكرعها، لا ال ... نّىّ ولا السّنام سنام [1]
فإذا أقبلت تقول: إكام ... مشرفات، بين الإكام إكام
وإذا أعرضت تقول: قصور ... من سماهيج فوقها آطام [2]
وإذا ما فجئتها بطن غيث ... قلت: نخل قد حان منها صرام [3]
فهى كالبيض فى الأداحىّ، مايو ... هب منها لمستتمّ عصام [4]
ومما يتمثّل به من شعره قوله:
أكلّ امرئ تحسبين امرءا ... ونارا تحرّق باللّيل نارا [5]
399* وقوله:
الماء يجرى ولا نظام له ... لو وجد الماء مخرقا خرقه
400* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
ترى جارنا آمنا وسطنا ... يروح بعقد وثيق السّبب
__________
[1] استحش: استدق. النى: الشحم. وإنما تستدق أكرعها فى رأى العين، ليس أن العظام تستدق بسمنها.
[2] سماهيج: جزيرة بين عمان والبحرين.
[3] ف س «بطن غيب» وهو الموافق للأصمعية. والغيب: ما اطمأن من الأرض.
[4] الأدحى: الموضع الذى تبيض فيه النعامة. المستتم: الذى يطلب الصوف والوبر ليتم نسج كسائه. العصام: خيط القربة. يريد أن هذه الإبل لا يوهب من وبرها شىء، لأنها قد سمنت وألقت أوبارها، أو لعزتها على أهلها. والبيت فى اللسان 14: 335 والأساس 1: 56.
[5] من الأصمعية 66 وهو فى الخزانة 4: 191 وشواهد العينى 3: 446. وفى س هـ ف «ونار» بالجر، وهو الموافق لرواية الأصمعية والخزانة والعينى، وهو شاهد للعطف على معمولى عاملين، بتقدير «كل» و «تحسين» وفى العينى: «ويروى ونارا بالنصب، قال النحاس: ومن لم يعطف على عاملين رواه ونارا بالنصب» .
(1/233)

إذا ما عقدنا له ذمّة ... شددنا العناج وعقد الكرب [1]
أخذه الحطيئة فقال:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدوا فوقه الكربا [2]
__________
[1] العناج: عروة فى أسفل الدلو من باطن، تشد بوثاق إلى أعلى الكرب، فإذا انقطع الحبل أمسك العناج الدلو أن يقع فى البئر. الكرب: حبل يشد على عراقى الدلو، ثم يثنى ثم يثلث، ليكون هو الذى يلى الماء، فلا يعفن الحبل الكبير. وفى اللسان:
«وهذه أمثال ضربها لإيفائهم بالعهد» .
[2] البيت فى اللسان 2: 209 و 3: 154.
(1/234)

18- حاتم بن عبد الله الطائى
[1] 401* هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، من طيّئ، وأمّه عنبة بنت عفيف، من طيئ.
402* وكان جوادا شاعرا جيد الشعر، وكان حيث ما نزل عرف منزله.
وكان ظفرا [2] ، إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذ أسر أطلق.
403* ومرّ فى سفره على عنزة، وفيهم أسير، فاستغاث به الأسير، ولم يحضره فكاكه، فاشتراه من العنزيّين، وأقام مكانه فى القدّ حتّى أدّى فداءه [3] . وقسم ماله بضع عشرة مرّة. وكان أقسم بالله لا يقتل واحد أمّه.
404* قال أبو عبيدة: أجواد العرب ثلاثة: كعب بن مامة، وحاتم طيئ، (وكلاهما ضرب به المثل) ، وهرم بن سنان صاحب زهير.
405* وكانت لحاتم قدور عظام بفنائه، لا تنزل عن الأثافىّ [4] . وإذا أهلّ رجب نحر كلّ يوم وأطعم.
406* وكان أبوه جعله فى إبل له وهو غلام، فمرّ به عبيد بن الأبرص وبشر بن أبى خازم والنابغة الذّبيانىّ، وهم يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من
__________
[1] ترجمته وأخباره فى الأغانى 16: 92- 105 ومجمع الأمثال 1: 161- 162 واللآلى 606- 607 وشواهد المغنى 75 والخزانة 1: 491- 495 و 2: 162- 166 وبلوغ الأرب 1: 72- 81 وشعراء الجاهلية 98- 134 وفى مقدمة ديوانه المطبوع بلندن سنة 1872.
[2] الظفر: صفة مشبهة من الظفر.
[3] القصة أيضا فى فضل العطاء لأبى هلال العسكرى 32- 33.
[4] الأثافى: الحجارة التى تنصب وتجعل القدر عليها.
(1/235)

إبله [1] ، وهو لا يعرفهم، ثم سألهم عن أسمائهم، فتسمّوا (له) ، ففرّق فيهم الإبل كلّها، وبلغ أباه ما فعل، فأتاه فقال له: ما فعلت الإبل؟ فقال: يا أبه، طوّقتك مجد الدهر طوق الحمامة، وأخبره بما صنع، فقال له أبوه: [إذا] [2] لا أساكنك أبدا ولا أوويك، قال حاتم: إذا لا أبالى، فاعتزله.
407* وكانت أمّه عنبة لا تليق سيئا سخاء وجودا، وكان إخوتها يمنعونها من ذلك فتأبى (عليهم) ، وكانت موسرة، فحبسوها فى بيت سنة يرزقونها قوتا [3] ، لعلّها تكفّ عمّا كانت عليه إذا ذاقت طعم البؤس وعرفت فضل الغنى، ثم أخرجوها ودفعوا إليها صرمة من مالها [4] ، فأتتها امرأة من هوازن فسألتها، فقالت (لها) : دونك الصرمة، فقد، والله، مسّنى من الجوع ما آليت معه ألا أمنع الدهر سائلا شيئا! ثم أنشأت تقول:
لعمرى لقدما عضّنى الجوع عضّة ... فآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا
فقولا لهذا اللّائمى الآن أعفنى ... وإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا
ولا ما ترون اليوم إلّا طبيعة ... فكيف بتركى، يا ابن أم، الطّبائعا
408* قال عدىّ بن حاتم: كان حاتم رجلا طويل الصمت، وكان يقول:
إذا كان الشىء يكفيكه التّرك فاتركه.
409* وقالت النّوار امرأته [5] : أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ
__________
[1] س ف «فنحر لكل رجل منهم بعيرا» .
[2] الزيادة من س ف.
[3] أى: بقدر ما يمسك الرمق من المطعم.
[4] الصرمة، بكسر الصاد: القطعة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين.
[5] القصة فى الأغانى 16: 104- 105 عن امرأته ماوية. وهى مختصرة فى فضل العطاء 52.
(1/236)

أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير [1] ، وضنّت المراضع عن أولادها فما تبضّ بقطرة، وجلفت السنة المال [2] ، وأيقنّا أنّه الهلاك. فو الله إنى لفى ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطّرفين [3] ، إذ تضاغى أصيبيتنا [4] من الجوع، عبد الله وعدىّ وسفّانة، فقام حاتم إلى الصبيّين، وقمت إلى الصبيّة، فو الله ما سكنوا إلّا بعد هدأة من الليل، ثم ناموا ونمت أنا معه، وأقبل يعلّلنى بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلمّا تهوّرت النجوم [5] إذا شىء قد رفع كسر البيت [6] ، فقال: من هذا؟ فولّى ثم عاد، فقال: من هذا؟ فولّى ثم عاد فى آخر الليل، فقال: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند أصيبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع، فما وجدت معوّلا إلّا عليك أبا عدىّ، فقال:
والله لأشبعنّهم، فقلت: من أين؟ قال: لا عليك، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإيّاهم، فأقبلت المرأة تحمل ابنين ويمشى جانبيها أربعة، كأنّها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبّته بمديته، فخرّ، ثم كشطه، ودفع المدية إلى المرأة فقال: شأنك (الآن) ، فاجتمعنا على اللحم، فقال: سوأة! أتأكلون دون الصّرم؟! [7] ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول؛ هبّوا أيّها القوم،
__________
[1] الحدب: جمع حدباء، وهى التى بدت حراقفها وعظم ظهرها. الحدابير: جمع حدبار وحدبير، بكسر الحاء فيهما، وهى العجفاء الضامرة التى قد يبس لحمها من الهزال.
[2] جلفت: أصل الجلف: القشر، فكأن السنة قشرت المال، والجالفة: السنة التى تذهب بأموال الناس.
[3] الصنبر: الباردة، وليل الشتاء طويل، ويزيده الجوع طولا.
[4] نص فى اللسان على أنه «قد جاء فى الشعر أصيبية، كأنه تصغير أصيبة» . وقد جاء هنا فى النثر أيضا.
[5] تهورت النجوم: ذهب أكثرها.
[6] كسر البيت: أسفل الشقة التى تلى الأرض من الخباء من حيث يكسر جانباه من عن يمين ويسار.
[7] الصرم، بالكسر: الأبيات المجتمعة المنقطعة من الناس.
(1/237)

عليكم بالنار، فاجتمعوا، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله ما ذاق منه مزعة [1] ، وإنه لأحوج إليه منّا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس، إلّا عظم أو حافر، (فعذلته على ذلك) ، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلّى اللّوم والعذلا ... ولا تقولى لشىء فات: ما فعلا
ولا تقولى لمال كنت مهلكه ... مهلا، وإن كنت أعطى الجنّ والخبلا [2]
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إنّ الجواد يرى فى ماله سبلا
لا تعذلينى فى مال وصلت به ... رحما، وخير سبيل المال ما وصلا [3]
410* وأتى حاتم ماويّة بنت عفزر يخطبها، فوجد عندها النابغة الذّبيانىّ ورجلا من النّبيت يخطبانها، فقالت لهم: انقلبوا إلى رحالكم، وليقل كلّ رجل منكم شعرا يذكر فيه فعاله ومنصبه، فإنى متزوّجة أكرمكم وأشعركم، فانطلقوا، ونحر كلّ رجل منهم جزورا، ولبست ماويّة ثيابا لأمة لها واتّبعتهم، فأتت النّبيتىّ فاستطعمته، فأطعمها ذنب جزوره، فأخذته، وأتت النابغة فأطعمها مثل ذلك، فأخذته، وأتت حاتما وقد نصب قدوره، فاستطعمته، فقال: انتظرى حتّى تبلغ القدر إناها [4] ، فانتظرت حتى بلغت، فأطعمها أعظما من العجز وقطعة من الحارك [5] ، ثم انصرفت، وأهدى إليها النابغة والنّبيتىّ ظهرى جزوريهما، وأهدى إليها حاتم مثل ما أهدى إلى امرأة من جاراته، وصبّحوها، فاستنشدتهم، فأنشدها النّبيتىّ:
__________
[1] المزعة: القطعة من اللحم ونحوه. وفى س ف «مضغة» .
[2] الخبل، بفتحتين: الجن، أو ضرب من الجن يقال لهم الخابل. والبيت فى اللسان 13:
209.
[3] الرحم، بكسر الراء وسكون الحاء، والرحم، بفتح فكسر: القرابة.
[4] إنى الشىء: بلوغه منتهاه وإدراكه، مقصور، يكتب بالياء.
[5] الحارك: أعلى الكاهل.
(1/238)

هلّا سألت، هداك الله، ما حسبى ... عند الشّتاء إذا ما هبّت الرّيح
وردّ جازرهم حرفا مصرّمة ... فى الرّأس منها وفى الأنقاء تمليح [1]
إذا اللّقاح غدت ملقى أصرّتها ... ولا كريم من الولدان مصبوح [2]
ثم استنشدت النابغة فأنشدها:
هلّا سألت بنى ذبيان ما حسبى ... إذا الدّخان تغشّى الأشمط البرما [3]
وهبّت الريح من تلقاء ذى أرل ... تزجى مع الصّبح من صرّادها صرما [4]
إنى أتمّم أيسارى وأمنحهم ... مثنى الأيادى وأكسو الجفنة الأدما [5]
ثم استنشدت حاتما فأنشدها [6] :
أماوىّ إنّ المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذّكر
__________
[1] الحرف من الإبل: النجيبة الماضية التى أنضتها الأسفار. المصرمة: المقطوعة الطبيين فلا يخرج اللبن، وذلك أقوى لها. الأنقاء: جمع نقى، وهى من العظام ذوات المخ.
التمليح: السمن. يقول: لا شحم لها إلا فى عينها وسلاماها، وأول ما يبدأ السمن فى اللسان والكرش، وآخر ما يبقى فى السلامى والعين. والبيت فى اللسان 3: 442 وهو الذى بعده فيه 6: 121 ولم ينسبهما.
[2] الأصرة: جمع صرار، بكسر الصاد وتخفيف الراء، وهو ما يشد به ضرع الناقة.
مصبوح: يقال «صبحه يصبحه صبحا» : سقاه الصبوح، بفتح الصاد، وهو اللبن يشرب بالغداة فما دون القائلة.
[3] الأشمط: الذى خالط سواد شعره بياض. البرم: اللئيم، وأصله الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر.
[4] أرل: جبل بأرض غطفان. الصراد: سحاب بارد ندى ليس فيه ماء. الصرم: القطع من السحاب. والبيت فى البلدان 1: 195 واللسان 13: 13 و 15: 230.
[5] مثنى الأيادى: الأنصباء التى كانت تفضل من جزور الميسر، فكان الرجل الجواد يشتريها فيطعمها الأبرام، وهم الذين لا ييسرون. والبيت فى اللسان 18: 130 و 14:
337. والميسر والقداح 110، 152.
[6] من قصيدة فى الديوان 39- 40 والأغانى 16: 101 والخزانة 2: 163- 164 البيت الثانى والأخير فى اللسان 6: 222.
(1/239)

أماوىّ إنى لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما: حلّ فى مالنا نذر
أماوىّ إمّا مانع فمبيّن ... وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر [1]
أماوىّ إن يصبح صداى بقفرة ... من الأرض لا ماء لدىّ ولا خمر [2]
ترى أنّ ما أنفقت لم يك ضرّنى ... وأنّ يدى ممّا بخلت به صفر
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
فلمّا فرغ من إنشاده دعت ماويّة بالغداء فقدّم إلى كلّ رجل ما كان أطعمها، فنكّس النّبيتىّ والنابغة رؤوسهما، فلمّا رأى حاتم ذلك رمى بالذى قدّم إليهما، وأطعمهما ممّا قدّم إليه، فتسلّلا لواذا، فتزوّجت حاتما. (وفيها يقول [3] :
وإنى لمزجاء المطىّ على الوجى ... وما أنا من خلّانك ابنة عفزرا [4]
فلا تسألينى واسألى: أىّ فارس؟ ... إذا الخيل جالت فى قنا قد تكسّرا
وإنى لوهّاب قطوعى وناقتى ... إذا ما انتشيت، والكميت المصدّرا
وإنى كأشلاء اللّجام، ولن ترى ... أخا الحرب إلّا ساهم الوجه أغبرا [5]
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإنّ شمّرت يوما به الحرب شمّرا)
__________
[1] البيت واللذان بعده فى لباب الآداب 125.
[2] صداى: بدنى وجثتى. وصدر البيت يشبه صدر البيت للنمر بن تولب فى اللسان 19:
186 و 20: 171 غير منسوب. بل أخذ المعنى كله، وانظر الكامل 325 والخزانة 2:
164.
[3] من قصيدة فى الديوان 14- 15 والأغانى 99- 100 وشعراء الجاهلية 107- 108 ولكن البيتين الأخيرين ذكرهما البحترى فى حماسته 33 لزيد الخيل الطائى، ولعله وهم من البحترى.
[4] الإزجاء: السوق، ورجل «مزجاء للمطى» كثير الإزجاء لها، يزجيها ويرسلها.
الوجى: الحفى، وهو أن يشتكى البعير باطن خفه، والفرس باطن حافره. وصدر البيت جاء فى اللسان 19: 74 صدر بيت آخر غير منسوب.
[5] أشلاء اللجام: حدائده بلا سيور.
(1/240)

وكانت من بنات ملوك اليمن. ويقال إن عدىّ بن حاتم منها، ويقال: بل عدىّ وعبد الله وسفّانة من النّوار. وعقب حاتم من ولد عبد الله، وليس لعدى عقب من الذكور.
411* ومما سبق إليه (فأخذ منه) قوله:
إذا كان بعض المال ربّا لأهله ... فإنى بحمد الله مالى معبّد [1]
أخذه حطائط بن يعفر [2] فقال:
ذرينى أكن للمال ربّا، ولا يكن ... لى المال ربّا، تحمدى غبّه غدا
أرينى جوادا مات هزلا، لعلّنى ... أرى ما ترين. أو بخيلا مخلّدا [3]
412* ويستحسن له قوله:
ألا أبلغا وهم بن عمرو رسالة ... فإنّك أنت المرء بالخير أجدر [4]
__________
[1] من قصيدة فى الديوان 17- 18 وشعراء الجاهلية 112- 113. والمعبد ههنا: المهان المذلل، ويأتى أيضا بمعنى المكرم المعظم، كأنه بعيد، وله شاهد آخر من شعر حاتم فى اللسان 4: 263 والأضداد لابن السكيت 209.
[2] هو أخو الأسود بن يعفر، وسيأتى ذكره فى ترجمة الأسود 134- 135 ل.
[3] سيأتى البيت 135 ل منسوبا لحطائط، ولكنه ثابت فى قصيدة لحاتم فى الديوان 26 وشعراء الجاهلية 120. والخلاف فيه قديم، فقد رواه صاحب الأمالى 2: 79 عن ابن السكيت عن أبى الصقر غير منسوب، وهو فى كتاب القلب والإبدال لابن السكيت (فى الكنز اللغوى) 23 منسوب لحطائط، وجزم بذلك أيضا البكرى فى اللآلى 714- 715، وكذلك فى الخزانة 1: 195- 196 وحكى العينى 1: 369، 370 الخلاف فيه، وذكر فى الحماسة أبيات لحائط 4: 252- 254 وكذلك البيتان فى الأغانى 11: 133 من أبيات منسوبة لحطائط. وفى اللسان 16- 176: «قال ابن برى: وقال حطائط بن يعفر، ويقال هو لدريد ... وقال الجوهرى: أنشده أبو زيد لحاتم، قال: وهو الصحيح، قال: وقد وجدته فى شعر معن بن أوس المزنى» . فهذا خلاف قوى.
والبيت جيد، فلعل بعضهم أخذ من بعض.
[4] وهم بن عمرو: ابن عم لحاتم، والأبيات فى قصة فى الأغانى 16: 95- 97 والديوان 11- 13 وشعراء الجاهلية 101- 103.
(1/241)

رأيتك أدنى من أناس قرابة ... وغيرك منهم كنت أحبو وأنصر
إذا ما أتى يوم يفرق بيننا ... بموت، فكن أنت الّذى يتأخّر [1]
413* ومن شعره:
فإنّك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك، نالا منتهى الذّمّ أجمعا
414* وتذكر طيّئ [2] أن رجلا يعرف بأبى خيبرىّ مرّ بقبر حاتم، فنزل به، وبات يناديه: يا أبا عدىّ اقر أضيافك! فلمّا كان فى السّحر وثب أبو خيبرىّ يصيح: واراحلتاه! فقال له أصحابه: ما شأنك؟ فقال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتى وأنا أنظر إليه، فنظروا إلى راحلته فإذا هى لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك، فنحروها وظلّوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا، فبينا هم كذلك فى مسيرهم، طلع عليهم عدىّ بن حاتم ومعه جمل أسود قد قرنه ببعيره، فقال: إن حاتما جاءنى فى المنام فذكر لى شتمك إيّاه، وأنّه قراك وأصحابك راحلتك، وقد قال فى ذلك أبياتا، وردّدها علّى حتى حفظتها:
أبا خيبرىّ وأنت امرؤ ... حسود العشيرة لوّامها
فماذا أردت إلى رمّة ... بداويّة صخب هامها
تبغّى أذاها وإعسارها ... وحولك عوف وأنعامها
وأمرنى بدفع جمل مكانها إليك، فخذه، فأخذه.
__________
[1] رواية المصادر الأخر «فكن يا وهم ذو يتأخر» وهو شاهد «دو» بمعنى «الذى» فى لغة طيئ.
[2] القصة فى الأغانى 16: 97- 98 واللآلى 606- 607 والخزانة 1: 494- 495.
(1/242)

19- عنترة بن شداد (العبسى)
[1] 415* هو عنترة بن عمرو بن شدّاد بن عمرو بن قراد بن مخزوم بن عوف ابن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض.
416* وقال ابن الكبى: شدّاد جدّه أبو أبيه، غلب على اسم أبيه فنسب إليه، وإنّما هو عنترة بن عمرو بن شدّاد. وقال غيره: شدّاد عمّه، وكان عنترة نشأ فى حجره [2] ، فنسب إليه دون أبيه.
417* وإنّما ادّعاه أبوه بعد الكبر، وذلك أنّه كان لأمة سوداء يقال لها زبيبة، وكانت العرب فى الجاهليّة إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده، وكان لعنترة إخوة من أمّه عبيد، وكان سبب ادّعاء أبى عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من (بنى) عبس، فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيّون، فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة فيهم، فقال له أبوه: كرّ يا عنترة! فقال عنترة: العبد لا يحسن الكرّ، إنّما يحسن الحلاب والصّرّ [3] فقال: كرّ وأنت حرّ، فكرّ وهو يقول:
كلّ امرئ يحمى حره ... أسوده وأحمره
والواردات مشفره [4]
__________
[1] ترجمته فى الأغانى 7: 141- 145 والخزانة 1: 59- 62.
[2] هذا النص موافق لما فى الأغانى، وفى س ب «شداد عمه تكفله بعد موت أبيه» وهو يوافق ما فى الخزانة.
[3] الصر: شد الضرع برباط، وفى النهاية: «من عادة العرب أن تصر ضروع الحلوبات إذا أرسلوها إلى المرعى سارحة، ويسمون ذلك الرباط الصرار، فإذا راحت عشيا حلت تلك الأصرة وحلبت» .
[4] الأبيات فى الديوان 78 واللسان 3: 257.
(1/243)

وقاتل يومئذ فأبلى، واستنقذ ما كان بأيدى عدوهم (من الغنيمة) ، فادّعاه أبوه بعد ذلك، وألحق به نسبه.
418* وهو أحد أغربة العرب [1] ، وهم ثلاثة: عنترة، وأمّه زبيبة، سوداء، وخفاف بن عمير الشّريدىّ، من بنى سليم، وأمّه ندبة، وإليها ينسب، وكانت سوداء، والسّليك بن عمير السعدىّ، وأمّه سلكة، وإليها ينسب، وكانت سوداء.
419* وكان عنترة من أشدّ أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده. وكان لا يقول من الشعر إلّا البيتين والثلاثة، حتّى سابّه رجل من بنى عبس، فذكر سواده وسواد أمّه وإخوته، وعيّره بذلك، وبأنّه لا يقول الشعر، فقال له عنترة:
والله إنّ الناس ليترافدون بالطّعمة [2] ، فما حضرت مرفد الناس أنت ولا أبوك ولا جدّك قطّ، وإنّ الناس ليدعون فى الغارات فيعرفون بتسويمهم، فما رأيناك فى خيل مغيرة فى أوائل الناس قطّ، وإنّ اللّبس ليكون بيننا، فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدّك خطّة فيصل [3] ، وإنّما أنت فقع نبت بقرقر [4] ، وإنى لأحتضر البأس، وأوفى المغنم، وأعفّ عن المسألة، وأجود بما ملكت (يدى) ، وأفصل الخطّة الصّمعاء [5] ، وأما الشعر فستعلم. فكان أوّل ما قال قصيدة:
__________
[1] أغربة العرب: سودانهم، شبهوا بالأغربة فى لونهم. وتجد بيانهم فى اللسان 2:
138 وستأتى الإشارة إليهم 196 ل و 214 ل.
[2] يترافدون: يتعاونون، والرفد: العطاء والصلة. الطعمة، بضم الطاء: المأكلة والدعوة إلى الطعام.
[3] فى اللسان: «الفصل: القضاء بين الحق والباطل، واسم ذلك القضاء الذى يفصل بينهما فيصل» .
[4] الفقع، بالفتح والكسر: الرخو من الكمأة، وهو أردؤها. القرقر: الأرض المطمئنة اللينة. وهذا مثل، يقال «أذل من فقع بقرقر» لأن الدواب تنجله بأرجلها ولا أصول له ولا أغصان. انظر مجمع الأمثال 1: 249 واللسان 10: 126.
[5] الصمعاء: الماضية.
(1/244)

هل غادر الشّعراء من متردّم [1]
وهى أجود شعره، وكانوا يسمّونها «المذهبة» [2] .
420* وكان عنترة قد شهد حرب داحس (والغبراء) ، فحسن فيها بلاؤه، وحمدت مشاهده [3] .
421* قال أبو عبيدة: إنّ عنترة بعد ما تأوّت [4] عبس إلى غطفان بعد يوم جبلة [5] ، وحملت الدماء، احتاج، وكان صاحب غارات، فكبر فعجز عنها، وكان له بكر على رجل من غطفان، فخرج قبله يتجازاه، فهاجت رائحة من صيّف [6] ، وهبّت نافحة [7] ، وهو بين شرج وناظرة [8] ، فأصابت الشيخ فهرأته، فوجدوه ميّتا بينهما [9] .
422* قال أبو عبيدة: وهو قتل ضمضما المرّىّ، أبا حصين بن ضمضم
__________
[1] هى المعلقة المشهورة. متردم: من قولهم «ردمت الثوب وردمته، بالتضعيف:
أصلحته» ، أى: هل أبقى الشعراء لأحد معنى إلا وقد سبقونا إليه، فلم يدعو مقالا لقائل.
[2] كانت المعلقات أيضا تسمى أيضا «المذهبات» من الإذهاب أو التذهيب. بمعن التمويه والتطلية بالذهب. انظر الخزانة 1: 61.
[3] داحس والغبراء: اسما فرسين لقيس بن زهير بن جذيمة العبسى، وكانت الحرب بسببهما بين عبس وذبيان أربعين سنة. انظر اللسان 7: 379- 380 وأيام العرب 246. وما أشير إليه هناك من المصادر.
[4] تأوت: عادت، «أوى» و «تأوى» بمعنى.
[5] يوم شعب جبلة: من أعظم أيام العرب، كان قبل الإسلام بسبع وخمسين سنة فيما قيل.
[6] الصيف، بتشديد الياء المكسورة: المطر الذى يجىء فى الصيف.
[7] الريح النافحة: الباردة.
[8] شرج وناظرة: ماءان لعبس.
[9] فى موته خلاف. قال ابن دريد فى الاشتقاق 170 «قتلته طيئ فيما تزعم العرب وعامة العلماء، وكان أبو عبيدة ينكر ذلك ويقول: مات بردا وكان قد أسن» . وانظر المؤتلف 99 والأغانى والخزانة.
(1/245)

وهرم بن ضمضم، فى حرب داحس والغبراء، وفى ذلك يقول:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابنى ضمضم
الشاتمى عرضى ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمى
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكلّ نسر قشعم [1]
423* وممّا سبق إليه ولم ينازع فيه قوله:
وخلا الذّباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنّم [2]
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
وهذا من أحسن التشبيه.
424* (وقوله [3] :
وإذا شربت فإنّنى مستهلك ... مالى، وعرضى وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى)
425* ومن ذلك قوله [4] :
إنى امرؤ من خير عبس منصبا ... شطرى، وأحمى سائرى بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيرا من معمّ مخول
يقول: النصف من نسبى فى خير عبس، وأحمى النصف الآخر، وهو نسبه فى السودان، بالسيف، فأشرّفه أيضا.
426* ومن حسن شعره قوله [5] :
__________
[1] جزر السباع: اللحم الذى تأكله، يريد أنه تركه قطعا. القشعم: الضخم المسن.
وهذه الأبيات آخر المعلقة.
[2] بها: يعنى بروضة يسوق الأبيات فى وصفها، وهما من المعلقة.
[3] هما من المعلقة أيضا، وقد مضيا 191.
[4] من أبيات فى ديوانه 99- 101 والأغانى.
[5] من القصيدة السابقة.
(1/246)

بكرت تخوّفنى الحتوف كأنّنى ... أصبحت عن الحتوف بمعزل
فأجبتها: إنّ المنيّة منهل ... لا بدّ أن أسقى بذاك المنهل
فاقنى حياءك، لا أبا لك، واعلمى ... أنى امرؤ سأموت إن لّم أقتل [1]
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت ... مثلى إذا نزلوا بضنك المنزل
427* ومن إفراطه قوله [2] :
وأنا المنيّة فى المواطن كلّها ... والطّعن منى سابق الآجال
وفى هذه يفخر بأخواله من السودان، يقول:
إنى لتعرف فى الحروب مواطنى ... فى آل عبس مشهدى وفعالى
منهم أبى حقّا، فهم لى والد ... والأمّ من حام، فهم أخوالى
__________
[1] اقنى حياءك: الزميه. والبيت والذى قبله فى اللسان 20: 64.
[2] من قصيدة فى الديوان 109 باختلاف فى الرواية.
(1/247)

20- الأسود بن يعفر
[1] 428* جاهلىّ. هو من بنى حارثة بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم، ويكنّى أبا الجرّاح، وكان أعمى [2] ، ولذلك قال [3] :
ومن الحوادث لا أبا لك أنّنى ... ضربت علىّ الأرض بالأسداد
لا أهتدى فيها لمدفع تلعة ... بين العذيب وبين أرض مراد [4]
وفيها يقول:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم، وبعد إياد
أهّل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذى الشّرفات من سنداد [5]
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجىء من أطواد
__________
[1] يعفر: بفتح الياء وضم الفاء، ممنوع من الصرف. وبضمها، فيصرف لزوال علة وزن الفعل. وحكى الأنبارى 846 عن أبى عكرمة أنه يقال أيضا بفتح الياء وكسر الفاء وأنه أكثر. وللأسود المفضليتان 44، 125 وله ترجمة فى الجمحى 32- 34 والأغانى 128- 133 والخزانة 1: 193- 196. والاشتقاق 149. وهو شاعر جاهلى مقدم فصيح فحل، كان ينادم النعمان بن المنذر، ولما أسن كف بصره. وكان يكثر التنقل فى العرب يجاورهم فيذم ويحمد.
[2] ولذلك عدوه من العشى، هو أعشى بنى نهشل.
[3] من المفضلية 44 قال فيها الجمحى: «له واحدة طويلة رائعة لاحقة بأول الشعر، لو كان شفعها بمثلها قدمناه على أهل مرتبته» . وهى معدودة من مختار أشعار العرب وحكمها، مفضلة مأثورة وقد وعد الرشيد من ينشده إياها عشرة آلاف درهم جائزة.
[4] العذيب: ماء بينه وبين القادسية أربعة أميال. والذى فى المفضليات وغيرها من المصادر «العراق» بدل «العذيب» .
[5] سنداد: نهر أسفل من الحيرة، بينها وبين البصرة. وفى الأنبارى: «الرواية بكسر السين إلا أن أحمد أنشدنيه بالفتح، وسألت ثعلبا عنها فلم يعرف غير الكسر» . وهذه الأبيات فى البلدان 5: 15.
(1/248)

أرض تخيّرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ دواد [1]
جرت الرّياح على محلّ ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
(فأرى النّعيم وكلّ ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد)
429* وسمع علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه رجلا يتمثّل بالبيت الأخير، فقال:
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
[2] .
430* وكان له أخ يقال له حطائط، وهو القائل:
أرينى جوادا مات هزلا لعلّنى ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا [3]
ولا عقب للأسود ولا لأخيه حطائط [4] .
431* وكان الأسود ممّن يهجو قومه، قال [5] :
أحقّا بنى أبناء سلمى بن جندل ... وعيدكم إيّاى وسط المجالس
__________
[1] ابن أم دواد: هو أبو دؤاد الإيادى. وقد مضت ترجمته وفيها ذكر كعب بن مامة 231.
[2] الآية 25 من سورة الدخان.
[3] مضى البيت والخلاف فى نسبته، له أو لحاتم 241.
[4] فى الأغانى 11: 133 أن الأسود كان له ابن يدعى «الجراح» كان شاعرا أيضا، وأنه كان فى صباه ضئيلا ضعيفا، فالظاهر أن عقبه انقرض بموت الجراح.
[5] فى أبيات أربعة فى الأغانى والخزانة.
(1/249)

21- الأعشى ميمون بن قيس
[1] 432* هو من سعد بن ضبيعة بن قيس. وكان أعمى، ويكنى أبا بصير.
وكان أبوه قيس يدعى «قتيل الجوع» . وذلك أنه كان فى جبل فدخل غارا فوقعت صخرة من ذلك الجبل، فسدّت فم الغار، فمات فيه جوعا.
433* وكان جاهليا قديما، وأدرك الإسلام فى آخر عمره. ورحل إلى النبى صلى الله عليه وسلم ليسلم. فقيل له: إنّه يحرّم الخمر والزنا، فقال: أتمتّع منهما سنة ثم أسلم! فمات قبل ذلك بقرية باليمامة. وقالوا: إنّ خروجه يريد النّبى صلى الله عليه وسلم فى صلح الحديبية، فسأله أبو سفيان بن حرب عن وجهه الذى يريد؟ فقال: أريد محمدا، فقال أبو سفيان: إنه يحرّم عليك الخمر والزنا والقمار، فقال: أمّا الزنا فقد تركنى ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منها وطرا، وأما القمار فلعلّى أصيب منه خلفا. قال: فهل لّك إلى خير؟ قال وما هو؟ قال: بيننا وبينه هدنة، فترجع عامك هذا وتأخذ مائة ناقة حمراء، فإن ظهر (بعد ذلك) أتيته، وإن ظفرنا به كنت قد أصبت عوضا من رحلتك. فقال: لا أبالى، فانطلق به أبو سفيان إلى منزله. وجمع إليه أصحابه. وقال: يا معشر قريش! هذا أعشى قيس، وقد علمتم شعره، ولئن وصل إلى محمد ليضرّبنّ عليكم العرب (قاطبة) بشعره. فجمعوا له مائة ناقة (حمراء) ، فانصرف.. فلمّا صار بناحية اليمامة ألقاه بعيره فقتله.
434* ويسمّى «صنّاجة العرب» لأنه أوّل من ذكر الصّنج فى شعره فقال:
__________
[1] ترجمته فى الأغانى 8 74- 83 والمرزبانى 40، 42 والمؤتلف 12 واللآلى 83.
والخزانة 1: 83- 86 وشعراء الجاهلية 357- 399.
(1/250)

ومستجيب لصوت الصّنج تسمعه ... إذا ترجّع فيه القينة الفضل [1]
شبّه العود بالصّنج.
435* وكان الأعشى يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسيّة فى شعره، كقول:
فلأشربنّ ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا
(من قهوة باتت بفارس صفوة ... تدع الفتى ملكا يميل مصرّعا)
بالجلّسان وطيب أردانه ... بالون يضرب لى يكرّ الإصبعا [2]
والناى نرم وبربط ذى بحّة ... والصّنج يبكى شجوه أن يوضعا [3]
436* وسمعه كسرى يوما ينشد، فقال: من هذا؟ فقالوا: اسروذ كويذتازى، أى: مغنّى العرب، فأنشد:
أرقت وما هذا السّهاد المؤرّق ... وما بى من سقم وما بى معشق [4]
فقال كسرى: فسّروا لنا ما قال! فقالوا: ذكر أنه سهر من غير سقم ولا عشق! فقال كسرى: إن كان سهر من غير سقم ولا عشق فهو لصّ!! 437* وكان يفد أيضا على ملوك الحيرة، ويمدح الأسود بن المنذر، أخا النعمان، وفيه يقول فى قصيدته:
__________
[1] من قصيدته التى ألحقها التبريزى بالمعلقات وشرحها. وهو فى اللسان 3: 135 و 14:
41 والخزانة 2: 288. وفيهما أيضا أن الأعشى سمى «صناجة العرب» لجودة شعره.
وهذا أقرب مما قال ابن قتيبة.
[2] الجلسان: الورد الأبيض، أو قبة ينثر عليها الورد والريحان. الون: المعزف أو العود.
والبيت فى المعرب 105، 344.
[3] الناى نرم والبربط والصنج: من آلات الملاهى. والبيت فى المعرب 72، 214، 340.
[4] البيت فى الخزانة مع أبيات 1: 551- 552 ونقل القصة عن ابن قتيبة.
(1/251)

ما بكاء الكبير بالأطلال [1] ... أنت خير من ألف ألف من النّا
س إذ ما كبت وجوه الرّجال [2]
438* وقال (له) النعمان بن المنذر: لعلّك تستعين على شعرك هذا؟ فقال له الأعشى: احبسنى فى بيت حتّى أقول، فحبسه (فى بيت) ، فقال قصيدته التى أوّلها [3] :
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... (وشطّت على ذى هوى أن تزارا)
وفيها يقول:
وقيّدنى الشّعر فى بيته ... كما قيّد الآسرات الحمارا
439* قال حمّاد الراوية: حدّثنى سماك عن عبيد راوية الأعشى عن الأعشى، قال: قدمت على النعمان فأنشدته:
إليك، أبيت اللّعن، كان كلالها ... تروح مع اللّيل التّمام وتغتدى [4]
حتّى أتيت على آخرها، فخرج إلى ظهر النّجف، فرأيته قد اعتمّ بنباته. من بين أحمر وأصفر وأخضر. وإذا فيه من هذه الشقائق شىء لم أر مثله، فقال:
ما أحسن هذه الشقائق! احموها، فحموها، فسمّى «شقائق النعمان» بذلك.
440* قال: وحدّثنى الرّياشىّ عن مؤرّج عن شعبة عن سماك عن عبيد
__________
[1] صدر قصيدة عالية رائعة 97 بيتا، جعلها صاحب جمهرة أشعار العرب معلقة الأعشى 56- 63. وهى غير اللامية التى ألحقها التبريزى بالمعلقات تبعا لأبى جعفر النحاس.
[2] كبت: سقطت.
[3] هكذا قال ابن قتيبة، وفى الخزانة أن الذى قال له ذلك قيس بن معدى كرب الكندى، ورد ما قال ابن قتيبة بأن القصيدة فى مدح قيس، وفيها
إلى المرء قيس نطيل السرى
انظر الخزانة 1: 575- 578 فقد ذكر أبياتا منها وشرحها.
[4] الليل التمام، على النعت، وليل التمام، على الإضافة، كلاهما بكسر التاء لا غير:
أطول ما يكون من ليالى الشتاء. وفى ل بفتح التاء، والصواب ما قلنا.
(1/252)

راوية الأعشى، قال: قلت للأعشى: ماذا أردت بقولك:
ومدامة ممّا تعتّق بابل ... كدم الذّبيح، سلبتها جريالها [1]
قال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء. والجريال: اللّون.
441* وكان عبيد هذا يصحب الأعشى ويروى شعره، وكان عالما بالإبل، وله يقول الأعشى فى ذكر الناقة:
[لم تعطّف على حوار] ولم يق ... طع عبيد عروقها من خمال [2]
442* ولمّا قال الأعشى فى علقمة بن علاثة [3] :
علقم ما أنت إلى عامر ... (الناقض الأوتار والواتر)
نذر علقمة دمه، فخرج الأعشى يريد وجها، فأخطأ به دليله، فألقاه فى ديار بنى عامر بنى عامر بن صعصعة، فأخذه رهط علقمة فأتوه به، فقال:
أعلقم قد صيّرتنى الأمور ... إليك وما أنت لى منقص
فهب لى ذنوبى فدتك النّفوس ... ولا زلت تنمى ولا تنقص
فى أبيات، فعفا عنه، فقال الأعشى ينقض ما قال أوّلا:
علقم يا خير بنى عامر ... للضّيف والصاحب والزائر
والضّاحك السّنّ على همّه ... والغافر العثرة للعاثر
443* قال أبو عبيدة: أسر رجل من كلب الأعشى، فكتمه نفسه،
__________
[1] البيت فى المعرب 103 ونقل القصة أيضا، وأخطأ فى اسم راوية الأعشى. والبيت كذلك فى اللسان 13: 114.
[2] الزيادة أثبتها مصحح ل نقلا عن اللسان. الحوار: ولد الناقة. الخمال: داء يأخذ فى مفاصل الإنسان وقوائم الخيل والشاء والإبل، تظلع منه، ويداوى بقطع العرق، ولا يبرح حتى يقطع منه عرق أو يهلك. قاله فى اللسان، والبيت فيه 13: 236 وأخطأ فيه فزعم أن «عبيدا» بيطار!
[3] انظر تفصيل ذلك فى الخزانة 1: 88- 89 و 2: 41- 44.
(1/253)

وحبسه، واجتمع عند الكلبى شرب فيهم شريح بن عمرو الكلبىّ [1] ، فعرف الأعشى، فقال (للكلبىّ) : من هذا؟ فقال: خشاش التقطته! قال: ما ترجو به ولا فداء له؟ خلّ عنه، فخلى عنه، فأطعمه شريح وسقاه، فلمّا أخذ منه الشراب سمعه يترنّم بهجاء الكبىّ، فأراد استرجاعه، فقال الأعشى [2] :
شريح لا تتركنّى بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القدّ أظفارى [3]
كن كالسّموأل إذ طاف الهمام به ... فى جحفل كهزيع اللّيل جرّار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار
خيّره خطّتى خسف فقال له: ... اعرضهما هكذا أسمعهما حار [4]
فقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظّ لمختار
فشكّ غير طويل ثم قال له: ... أقتل أسيرك إنى مانع جارى
__________
[1] الذى فى الأغانى والبلدان أن الكلبى أسره ثم جاء ونزل بشريح بن السموأل بن عادياء الغسانى صاحب تيماء بحصنه الذى يقال له الأبلق.
[2] من قصيدة مشهورة، تختلف روايتها بالزيادة والنقص والتقديم والتأخير، فى الأغانى 8: 79 ومجمع الأمثال 2: 276- 277 والبلدان 1: 86- 89 وشعراء الجاهلية 361- 362.
[3] القد، بكسر القاف: سير يقد من جلد غير مدبوغ.
[4] الخسف: الإذلال وتحميل الإنسان ما يكره. حار: ترخيم حارث. والبيت فى اللسان 10: 415. وبعد هذا البيت فى هـ الأبيات الآتية:
فقال معتذرا إذ قام يذبحه: ... أشرف سموأل فانظر فى الدّم الجارى
فشكّ أوداجه والصدر فى مضض ... عليه محتسبا كالكىّ بالنّار
واختار أدراعه. البيت.
والصبر منه على ما كان من خلق ... وزنده فى الوفاء الثاقب الوارى
إنّ له خلفا إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير غوّار
مالا كثيرا وعرضا غير دى حمس ... وإخوة مثله ليسوا بأشرار
جروا على أدب منّى بلا نزق ... ولا إذا شمّرت حرب بأغمار
(1/254)

وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... ربّ كريم وبيض ذات أطهار
فاختار أدراعه أن لّا يسبّ بها ... ولم يكن عهده فيها بختّار [1]
قال أبو محمّد: ذكر وفاء السّموأل بن عادياء فى ما خلّف عنده امرؤ القيس وأنه بذل ابنه دون أمانته حتى قتل [2] .
وفى الأعشى يقول أبو كلبة، وفى الأصمّ بن معبد، من ولد الحارث بن عبّاد. الذى قام بحرب بكر [3] :
قبّحتما شاعرى حى ذوى حسب ... وحزّ أنفاكما حزّا بمنشار
أعنى الأصمّ وأعشانا إذا ابتدرا ... ألّا استعانا على سمع وإبصار
445* قال أبو عبيدة: الأعشى هو رابع الشعراء المتقدّمين [4] ، وهو يقدّم على طرفة، لأنّه أكثر عدد طوال جياد، وأوصف للخمر والحمر، وأمدح وأهجى، فأما طرفة فإنّما يوضع مع الحارث بن حلّزة، وعمرو بن كلثوم، وسويد بن أبى كاهل فى الإسلام.
446* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله:
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... إذا ريع يوما للصّريخ المندّد [5]
__________
[1] ختار: مبالغة من الختر، وهو أسوأ الغدر وأقبحه.
[2] مضى 119- 120. وفى س ف «يذكره وفاء السموأل بن عادياء حين أودعه امرؤ القيس أدراعه وكراعه» .
[3] أبو كلبة: هو أحد بنى قيس ثعلبة. والأصم: اسمه «بكير» . وهذه القصة متعلقة بيوم ذى قار، فقد مدح الأعشى والأصم بنى شيبان خاصة، فأنبهما أبو كلبة لذلك وهجاهما. والبيتان فى النقائض 64 ومعهما آخران. وفى الأغانى 20: 139 أبيات من قصيدة أبى كلبة ليس فيها اللذان هنا، وفيه أيضا بيتان للأعشى يجيب أبا كلبة.
[4] س «المعدودين» . هـ «المقدمين» .
[5] الدو: الفلاة الواسعة. المندد، بصيغة اسم المفعول: المبالغ فى النداء، بصيغة المفعول أيضا، والتنديد: رفع الصوت.
(1/255)

وقال سلامة بن جندل، وهو جاهلىّ:
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... بنهى القذاف أو بنهى مخفّق [1]
وقال زيد الخيل، وهو جاهلىّ:
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... وأعينهم تحت الحديد خوازر [2]
447* ويعاب الأعشى بقوله [3] :
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشلّ شلول شلشل شول
وهذه الألفاظ الأربعة فى معنى واحد.
448* ويعاب بقوله فى ملك الحيرة:
ويأمر لليحموم كلّ عشيّة ... بقتّ وتعليق. فقد كاد يسنق [4]
واليحموم، فرس. وقالوا: هذا مما لا يمدح به رجل من خساس الجنود، لأنّه ليس من أحد له فرس إلّا وهو يعلفه قتّا ويقضمه شعيرا!! (وهذا مديح كالهجاء) ! 449* قال أبو محمّد: ولست أرى هذا عيبا، لأنّ الملوك تعدّ فرسا على أقرب الأبواب من مجالسها بسرجه ولجامه. خوفا من عدوّ يفجؤها، أو أمر
__________
[1] من الأصمعية 42 وصدره هناك
كأن النعام باض فوق رؤوسهم
النهى، بفتح النون وكسرها: الموضع له حاجز ينهى الماء أن يفيض، أو هو الغدير. القذاف ومخفق:
موضعان.
[2] خوازر: من الخزر، وهو ضيق العين، وقد يتصنعه الناظر ليحدد النظر. وزيد الخيل مخضرم، جاهلى إسلامى.
[3] مضى 72.
[4] اليحموم: فرس النعمان بن المنذر، سمى بذلك لشدة سواده. القت: نوع من العطف. يسنق: يبشم من الشبع والتخمة. والبيت فى الخيل لابن الكلبى 31 واللسان 2: 27 و 12: 31 و 15: 47 وهو فى أبيات فى البلدان 5: 2.
(1/256)

ينزل، أو حاجة تعرض لقلب الملك فيريد البدار إليها فلا يحتاج إلى أن يتلوّم [1] على إسراج فرسه وإلجامه، وإذا كان واقفا غدّى وعشّى. فوضع الأعشى هذا المعنى، ودلّ به على ملكه وعلى حزمه.
450* ويستحسن له قوله فى الخمر:
تريك القذى من دونها وهى دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق [2]
يريد: أنّها من صفائها تريك القذاة عالية عليها والقذاة فى أسفلها. فأخذ الأخطل المعنى فقال:
ولقد تباكرنى على لذّاتها ... صهباء عالية القذى خرطوم [3]
451* ولم تختلف الرواة فى ألفاظ بيت اختلافها فى بيت له، (وهو) :
إنى لعمر الّذى حطّت مناسمها ... تحدى وسيق إليها الباقر العثل [4]
رواه بعضهم «خطّت» يريد: خطّت التراب، ورواه بعضهم «حطّت» أى اعتمدت فى السّير [5] ، وروى بعضهم «تحدى» ، وبعضهم «تخدى» [6]
__________
[1] يتلوم: يتمكث وينتظر.
[2] التمطق: إلصاق اللسان بالغار الأغلى فيسمع له صوت، وذلك عند استطابة الشئ.
والبيت فى الخزانة 1: 552 وكذلك بيت الأخطل.
[3] الخرطوم: الخمر السريعة الإسكار.
[4] من القصيدة الملحقة بالمعلقات، شرح التبريزى 286- 287. وهو فى اللسان 9:
144 و 13: 450 و 14: 27. وهو فى الخزانة 4: 133- 135 مشروحا شرحا وافيا، جاء فيه بنص ما قال أبو القاسم على بن حمزة البصرى فى كتاب التنبيهات على أغلاط الرواة، وبنص ما قال العسكرى فى كتاب التصحيف.
[5] فى اللسان: «حطت فى سيرها وانحطت، أى: اعتمدت، يقال ذلك للنجيبة السريعة» . وفى شرح التبريزى: «حطت: قيل معناه أسرعت. قال الأصمعى: لا معنى لحطت ههنا، وإنما يقال حطت إذا اعتمدت فى زمامها، قال: والرواية خطت، أى سفت التراب بمناسمها، والمناسم: أطراف أخفافها» .
[6] تخدى: تسير سيرا شديدا فيه اضطراب لشدته.
(1/257)

وروى بعضهم «الباقر العثل» وهى الكثيرة، ورواه آخر «الباقر الغيل» وهى السّمان [1] ، ورواه آخر «وجدّ عليها النّافر العجل» يريد النّفّار من منى.
452* وهو ممّن أقرّ بالملكين الكاتبين فى شعره. قال يمدح النعمان:
فلا تحسبنّى كافرا لك نعمة ... على شاهدى يا شاهد الله فاشهد [2]
قوله «على شاهدى» يريد على لسانى. «يا شاهد الله» يريد الملك الموكّل به. وكان هذا من إيمان العرب بالملكين بقيّة من دين إسماعيل صلى الله عليه وسلم.
453* ويستحسن قوله فى سكران:
فراح مكيثا كأنّ الدّبا ... يدبّ على كلّ عظم دبيبا [3]
454* قال: وأحسن ما قيل فى الرياض قوله:
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشّمس منها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل [4]
(يوما بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل [5]
__________
[1] الباقر: البقر، كلاهما اسم جنس واسم جمع. العثل، بفتح الثاء وكسرها: الكثير من كل شئ. وفسره التبريزى بالجماعة. الغيل، بضمتين: جمع غيول، بفتح الغين، وهو المنفرد من كل شئ. فالغيل: الكثيرة، والغيل السمان أيضا، كما ذكر المؤلف وكما فى اللسان. وفيه أيضا: «ويروى العيل، فى البيت، بعين غير معجمة، يريد الجماعة» .
[2] البيت فى اللسان 4: 230.
[3] المكيث: المقيم الثابت. الدبا: الجراد قبل أن يطير. س ف «على كل عضو» .
[4] يضاحك الشمس: يدور معها، ومضاحكته إياها حسن له ونضرة. الكوكب: النور ههنا، يشبه بكوكب السماء. الشرق: الريان الممتلئ ماء. المؤزر: الذى صار النبات كالإزار له. العميم: النبت الكثيف الحسن. مكتهل: تم طوله وظهر نوره. والبيت فى اللسان 2: 21 و 12: 45 و 14: 122 وعجزه فيه 15: 320.
[5] النشر: الريح الطبية. الأصل: جمع أصيل، وهو العشى.
(1/258)

22- عبيد بن الأبرص (الأسدى)
[1] 455* هو عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم بن عامر بن مالك بن زهير ابن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد. وكان عبيد شاعرا جاهليا قديما من المعمّرين، وشهد مقتل حجر أبى امرئ القيس.
وهو القائل لامرئ القيس [2] :
يا ذا المخوّفنا بقت ... ل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنّك قد قتل ... ت سراتنا كذبا ومينا
هلّا على حجر بن أ ... مّ قطام تبكى لا علينا
إنّا إذا عضّ الثقا ... ف برأس صعدتنا لوينا [3]
نحمى حقيقتنا وبع ... ض القوم يسقط بين بينا
هلّا سألت جموع كن ... دة يوم ولوا: أين أينا
أيّام نضرب هامهم ... ببواتر حتى انحنينا
456* وقتله النعمان بن المنذر يوم بؤسه [4] . ويقال إنّه لقيه يومئذ وله
__________
[1] «عبيد» بفتح العين وكسر الباء. ووقع مضبوطا فى مواضع فى اللسان وفرائد اللآل وشعراء الجاهلية بضم العين، وهو خطأ. وترجمته وخبر مقتله فى مقدمة ديوانه 1- 4 والأغانى 19: 84- 89 والأمالى 3: 195- 196 وأمثال العسكرى 93 ومختارات ابن الشجرى 2: 33- 35 والخزانة 1: 321- 324- 324 و 4: 164- 165 والبلدان 6: 282- 286 والاقتضاب 348 وشعراء الجاهلية 596- 615.
[2] مضى البيتان الأولان 110 والقصيدة أيضا فى مختارات ابن الشجرى 2: 39- 40 ومنتهى الطلب 1: 124- 126.
[3] الثقاف: خشبة تسوى بها الرماح. الصعدة: القناة المستوية تنبت كذلك لا تحتاج إلى تثقيف.
[4] وهم المؤلف وتبعه غيره، أو هو تبع غيره. والصحيح أن صاحب الغريين، والذى كان له يوما نعم وبؤس، والذى قتل عبيد بن الأبرص، هو المنذر بن ماء السماء،
(1/259)

أكثر من ثلاثمائة سنة، فلما رآه النعمان قال: هلّا كان هذا لغيرك يا عبيد! أنشدنى فربما أعجبنى شعرك! فقال له عبيد: حال الجريض دون القريض [1] ، قال: أنشدنى
أقفر من أهله ملحوب
فأنشده عبيد:
أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدى ولا يعيد [2]
فسأله: أىّ قتلة تختار؟ قال عبيد: اسقنى من الرّاح حتّى أثمل، ثم افصدنى الأكحل، ففعل ذلك به، ولطخ بدمه الغريّين.
قال أبو محمّد: الغريّان: طربالان [3] كان يلطخهما بدماء القتلى يوم بؤسه. (وكان بناهما على نديمين له، وهما خالد بن نضلة الفقعسىّ، وعمرو بن مسعود) وهو موضع معروف بالكوفة، يقال له الغريّان [4] .
457* وأجود شعره قصيدته التى يقول فيها:
أقفر من أهّلها ملحوب [5]
وهى إحدى السّبع [6] ، وفيها يقول:
__________
وهو المنذر الأكبر اللخمى، وهو جد النعمان بن المنذر، على ذلك أكثر الروايات وأصحها فى المراجع التى أشرنا إليها، وقد حقق ذلك أيضا صاحب الخزانة، وفصل قصة الغريين 4: 509- 511.
[1] الحريض: غصص الموت. القريض: الشعر.
[2] البيت فى اللسان 6: 422 والأساس 1: 25.
[3] الطربال: كل بناء عال.
[4] سميا «غريين» إما لحسنهما، وكل بناء حسن غرى، وإما لأنه كان يغريهما بدم من يقتله فى يوم بؤسه.
[5] البيت فى اللسان 1: 379 و 2: 176، 234 ووصفه بأنه «الشعر الذى كسر بعضه» يعنى أن عبيدا لم يقم وزنه كله، وهذا صحيح. ملحوب: موضع. والبيت أيضا فى البلدان 8: 148. والرواية هنا «من أهلها» شاذة.
[6] هكذا قال المؤلف، وهو يريد، والله أعلم- أنها إحدى المعلقات. ولم يذكر أحد أنها منها غيره، وإنما ألحقها التبريزى بها فذكرها آخر القصائد العشر التى شرح. وأدخلها صاحب جمهرة أشعار العرب فى المجمهرات التى ذكرها بعد المعلقات 100- 102 والموضع جدير بالتحقيق. وهى أيضا فى الديوان 5- 11 ومنتهى الطلب 1: 131- 133.
(1/260)

وكلّ ذى نعمة مخلوسها ... وكلّ ذى أمل مّكذوب
وكلّ ذى إبل موروثها ... وكلّ ذى سلب مسلوب
وكلّ ذى غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب [1]
افلح بما شئت، فقد يبلغ بال ... ضّعف، وقد يخدع الأريب [2]
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب [3]
(والله ليس له شريك ... علّام ما أخفت القلوب)
لا يعظ الناس من لم يعظه ال ... دّهر ولا ينفع التّلبيب
(والمرء ما عاش فى تكذيب ... طول الحياة له تعذيب)
ساعف بأرض إذا كنت بها ... ولا تقل: إنّنى غريب [4]
يوصل النازح النّائى، وقد ... يقطع ذو السّهمة القريب [5]
(أعاقر مثل ذات ولد ... أم غانم مثل من يخيب)
458* وممّا يتمثّل به من شعره قوله.
لأعرفنّك بعد اليوم تندبنى ... وفى حياتى ما زوّدتنى زادى [6]
__________
[1] اللسان 1: 213.
[2] افلح: أمر من الثلاثى، وفى أكثر الروايات «أفلح» من الرباعى. «فقد» كذا فى سائر الروايات وفى أصول الكتاب، ولكن مصحح ل أثبتها «قد» بحذف الفاء، فلم نتابعه. والبيت فى اللسان 3: 381 وسيأتى 184 ل.
[3] سيأتى 183 ل.
[4] فى الديوان وغيره «ساعد» بدل «ساعف» . والمساعفة: المساعدة والمواتاة والقرب فى حسن مصافاة ومعاونة. والبيت والذى بعده فى حماسة البحترى 173- 174.
[5] السهمة، بضم السين: القرابة. والبيت فى اللسان 15: 201.
[6] من قصيدة فى الديوان 69- 71 والأغانى 19: 89 ومنها أبيات فى جمهرة أشعار العرب 17 والخزانة 4: 502- 505 وشواهد المغنى 169. وقال الجمحى فى طبقات الشعراء 31: «وعبيد بن الأبرص قديم عظيم الذكر عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب، لا أعرف له إلا قوله
أقفر من أهله ملحوب
ولا أدرى ما بعد ذلك» .
وانظر ما نقلناه عنه في ترجمة طرفة 182.
(1/261)

23- بشر بن أبى خازم
[1] 459* هو من بنى أسد، جاهلىّ قديم، شهد حرب أسد وطيّىء، وشهد هو وابنه نوفل بن بشر الحلف بينهما.
460* قال أبو عمرو بن العلاء: فحلان من الشعراء كانا يقويان، النابغة وبشر بن أبى خازم، فأمّا النابغة فدخل يثرب فغنّى بشعره ففطن فلم يعد للإقواء [2] ، وأمّا بشر (بن أبى خازم) فقال له أخوه سوادة: إنّك تقوى، قال:
وما الإقواء؟ قال: قولك [3] :
ألم تر أنّ طول الدّهر يسلى ... وينسى مثل ما نسيت جذام
ثم قلت:
وكانوا قومنا فبغوا علينا ... فسقناهم إلى البلد الشّآم
فلم يعد للإقواء.
461* ويعاب من شعره قوله فى وصف فرس:
على كلّ ذى ميعة سابح ... يقطّع ذو أبهريه الحزاما [4]
الأبهر: عرق مكتنف للصّلب. وأراد بقوله «ذو أبهريه» جنبيه، فجعل الأبهر اثنين، وهو واحد، وكان الصواب أن يقول «ذو أبهره» والمعنى: أنّه إذا انحطّ قطع حزامه لانتفاخ جنبيه. قال الآخر:
__________
[1] ترجمنا له فى المفضلية 96 وترجمته فى الخزانة 2: 261- 264 ومختارات ابن الشجرى 2: 19- 33 وفيها كثير من شعره. وله قصائد فى منتهى الطلب 1:
150- 161.
[2] انظر ما مضى 99، 156، 166، 171.
[3] البيتان 23، 24 من المفضلية 97 وانظر الموشح 59.
[4] من قصيدة فى ابن الشجرى 23.
(1/262)

وللفؤاد وجيب تحت أبهره [1]
وقال النبىّ صلى الله عليه وسلم: «ما زالت أكلة خيبر تعادّنى [2] فهذا أوان قطعت أبهرى» [3] .
462* وقال فى سفينة:
أجالد صفّهم ولقد أرانى ... على زوراء تسجد للرّياح
إذا ركبت بصاحبها خليجا ... تذكّر ما لديه من جناح
ونحن على جوانبها قعود ... نغضّ الطّرف كالإبل القماح [4]
وهى الرافعة الرؤوس، والغضّ: الذلّ فى الطّرف.
463* وكان بشر فى أوّل أمره يهجو أوس بن حارثة بن لأم (الطائىّ) . فأسرته بنو نبهان من طيّئ، فركب أوس إليهم فاستوهبه (منهم) ، وكان قد نذر ليحرقنّه إن قدر عليه، فوهبوه له، فقالت له أمّه سعدى: قبح الله رأيك! أكرم الرجل وخلّ عنه، فإنّه لا يمحو ما قال غير لسانه، ففعل، فجعل بشر مكان كلّ قصيدة هجاء قصيدة مدح.
__________
[1] تمامه
لدم الغلام وراء الغيب بالحجر
ونسبه فى اللسان 5: 150 لابن مقبل.
[2] تعادنى: تراجعنى ويعادونى ألم سمها فى أوقات معلومة.
[3] الحديث نقله السيوطى فى الجامع الصغير بقريب من هذا اللفظ برقم 7915 ج 5 ص 448 من شرح المناوى، ونسبه لابن السنى وأبى نعيم فى الطلب عن أبى هريرة ورمز له بعلامة أنه حديث حسن، وتعقبه المناوى، بأن فى إسناده سعيد بن محمد الوراق ضعفه النسائى والدراقطى وغيرهما، ووثقه ابن حبان والحاكم. والحديث معناه صحيح، فقد رواه البخارى فى صحيحه 5: 9 من حديث عائشة: «كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى مرضه الذى مات فيه: «يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذى أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم» .
[4] الأبيات فى ابن الشجرى. والبيت فى اللسان 3: 401.
(1/263)

24- سلامة بن جندل
[1] 464* هو من بنى عامر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، جاهلىّ قديم، وهو من فرسان تميم المعدودين. وأخوه أحمر ابن جندل من الشعراء والفرسان. وكان عمرو بن كلثوم أغار على حى من بنى سعد بن زيد مناة، فأصاب منهم، وكان فيمن أصاب أحمر بن جندل.
465* وكان سلامة بن جندل أحد من يصف الخيل فيحسن.
وأجود شعره قصيدته التى أوّلها [2] :
أودى الشّباب حميدا ذو التّعاجيب ... ولّى وذلك شأو غير مطلوب
(أودى الشّباب الذى مجد عواقبه ... فيه تلذّ ولا لذّات للشّيب [3]
ولّى حثيثا وهذا الشّيب يتبعه ... لو كان يدركه، ركض اليعاقيب [4]
446* وهو القائل [5] :
تقول ابنتى إنّ انطلاقك واحدا ... إلى الرّوع يوما تاركى لا أبا ليا
__________
[1] ترجمنا له فى المفضلية 22. وله ترجمة فى الخزانة 2: 85- 86 وشواهد العينى 2: 326 والسمط 49، 453 وشعراء الجاهلية 486- 491.
[2] هى المفضلية 22 وقد خرجناها هناك، وهى 39 بيتا.
[3] الخزانة 2: 85- 86 «تلذ» بالخطاب، ورواية المفضلية «نلذ» بالنون، والمعنى عليهما صحيح. «لذات» بفتح التاء وكسرها، والبيت شاهد على أن اسم «لا» إذا كان جمع مؤنث سالم يجوز فيه الوجهان: البناء على الفتح، والبناء على الكسر، والفتح أشهر. انظر الخزانة والعينى.
[4] اليعاقيب: جمع يعقوب، وهو ذكر الحجل. «ركض» بالنصب كرواية أبى عمرو فى شرح الأنبارى. ورواية غيره بالرفع. وفى س ب وحاشية د «يطلبه» بدل «يتبعه» وهو الموافق لرواية المفضليات والخزانة.
[5] الأبيات فى ديوانه 21. والبيت الأول كاد يأخذه مالك بن الريب بلفظه فى قصيدته المشهورة، الأمالى 2: 13.
(1/264)

ذرينى من الإشفاق أو قدّمى لنا ... من الحدثان والمنيّة واقيا
ستتلف نفسى أو سأجمع هجمة ... ترى ساقييها يألمان التراقيا [1]
__________
[1] ب د «أو ستجمع» الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل، ما بين الثلاثين أو الأربعين إلى المائة.
(1/265)

25- لبيد بن ربيعة
[1] 467* هو لبيد بن ربيعة بن مالك [2] بن جعفر بن كلاب العامرىّ. وكان يقال لأبيه «ربيع المقترين» لسخائه. وقتلته بنو أسد فى حرب بينهم وبين قومه.
(ويقال قتله منقذ بن طريف الأسدىّ [3] . ويقال قتله صامت بن الأفقم، من بنى الصّيداء، يقال ضربه خالد بن نضلة وتممّ عليه هذا. وأدرك بثأره عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب أخوه، وذلك أنّه قتل قاتله) .
468* ويكنى لبيد أبا عقيل. وكان من شعراء الجاهليّة وفرسانهم.
وكان الحارث بن أبى شمر الغسّانىّ، وهو الأعرج، وجّه إلى المنذر بن ماء السماء مائة فارس وأمّره عليهم. فصاروا إلى عسكر المنذر، وأظهروا أنّهم أتوه داخلين فى طاعته، فلما تمكّنوا منه قتلوه وركبوا خيلهم، فقتل أكثرهم ونجا لبيد، حتّى أتى ملك غسّان فأخبره الخبر، فحمل الغسّانيّون على عسكر المنذر فهزموهم، وهو يوم حليمة. وكانت حليمة بنت ملك غسّان، وكانت طيّبت هؤلاء الفتيان حين توجّهوا، وألبستهم الأكفان والدّروع وبرانس
__________
[1] ترجمته فى التاريخ الكبير للبخارى 4: 249 وطبقات ابن سعد 6: 20 والاستيعاب 235- 237 وأسد الغابة 4: 260- 263 والإصابة 6: 4- 5 والمعمرين 60- 63 والأغانى 14: 90- 98 والخزانة 1: 334- 339.
[2] فى الاستيعاب، وتبعه أسد الغابة والإصابة والخزانة «ابن ربيعة بن عامر بن مالك» .
وزيادة «عامر» فى النسب خطأ، عامر بن مالك عم لبيد لا جده، وهو ملاعب الأسنة، أخو ربيعة بن مالك. وسيأتى ذكره.
[3] طريف: بالطاء المهملة، وفى ل بالمعجمة، وهو خطأ. فإن منقذا هذا هو الجميح الأسدى الشاعر، واسمه «منقذ بن الطماح بن قيس بن طريف» نسب هنا إلى جده الأعلى، ترجمنا له فى المفضلية 4. وكان مقتل ربيعة فى «يوم ذى علق» وقد قال فيه الجميع المفضلية 7 وانظر الأنبارى 45- 48 وابن الأثير 1: 269- 270.
(1/266)

الإضريج [1] .
469* وأدرك لبيد الإسلام، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وفد بنى كلاب، فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم. ثم قدم لبيد الكوفة وبنوه، فرجع بنوه إلى البادية (بعد ذلك) ، فأقام لبيد إلى أن مات بها، فدفن فى صحراء بنى جعفر بن كلاب. ويقال إنّ وفاته كانت فى أوّل خلافة معاوية، وأنه مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة.
470* ولم يقل فى الإسلام إلا بيتا واحدا. واختلف فى البيت، قال أبو اليقظان: هو:
الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى ... حتّى كسانى من الإسلام سربالا [2]
وقال غيره: بل هو قوله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح [3]
471* وقال له عمر بن الخطّاب رضى الله عنه: أنشدنى (من شعرك) ، فقرأ سورة البقرة، وقال: ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علّمنى الله (سورة) البقرة وآل عمران، فزاده عمر فى عطائه خمس مائة (درهم) ، وكان ألفين. فلمّا كان
__________
[1] الإضريج، بالجيم: الخز الأحمر. ويوم حليمة يوم مشهور من أيام العرب، قال فيه علقمة الفحل المفضلية 119 وانظر خبر الوقعة فى ابن الأثير 1: 223- 226 والأمثال 2: 189 وأيام العرب 54- 59.
[2] رجح ابن عبد البر فى الاستيعاب 235 أن البيت لقردة بن نفاثة السلولى، ثم ذكره ثالث أبيات ثلاثة فى ترجمة قردة 551. وذكره أبو حاتم فى المعمرين 66 مع آخر، ثم قال: «ويزعمون أن البيت الأول للبيد» وذكره المرزبانى فى معجم الشعراء 339 ثالث أبيات ثلاثة ونسبها لقردة ثم قال: «هذا البيت الأخير يروى للبيد بن ربيعة» . و «قردة» بفتح القاف والراء.
[3] هـ «ما عاتب الحر» . والبيت مضى 69.
(1/267)

فى زمن معاوية قال له معاوية: هذان الفودان [1] فما بال العلاوة؟ يعنى بالفودين الألفين، وبالعلاوة الخمس مائة، وأراد أن يحطّه إيّاها، فقال: أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفودان! فرقّ له (معاوية) وترك عطاءه على حاله، فمات بعد ذلك بيسير.
472* وكان لبيد آلى فى الجاهليّة ألّا تهبّ الصّبا إلّا أطعم الناس حتّى تسكن، وألزمه نفسه فى إسلامه، فخطب الوليد بن عقبة الناس بالكوفة يوم صبا، وقال: إن أخاكم لبيدا آلى ألا تهبّ له الصّبا إلّا أطعم الناس حتّى تسكن، وهذا اليوم من أيّامه، فأعينوه وأنا أوّل من أعانه. ونزل فبعث إليه بمائة بكرة، وكتب إليه:
أرى الجزّار يشحذ شفرتيه ... إذا هبّت رياح أبى عقيل
أشمّ الأنف أصيد عامرىّ ... طويل الباع كالسّيف الصّقيل [2]
وفى ابن الجعفرىّ بحلفتيه ... على العلّات والمال القليل [3]
بنحر الكوم إذ سحبت عليه ... ذيول صبا تجاوب بالأصيل [4]
فلما أتاه الشعر قال لابنته: أجيبيه فقد رأيتنى وما أعيا بجواب شاعر، فقالت:
إذا هبّت رياح أبى عقيل ... دعونا عند هبّتها الوليدا
أشمّ الأنف أصيد عبشميّا ... أعان على مروءته لبيدا [5]
__________
[1] الفودان: العدلان، كل واحد منهما فود، وكل منهما نصف حمل يكون على أحد جنبى البعير.
[2] عامرى: لأنه من بنى جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
[3] على العلات: على كل حال، فى عسره ويسره. ف س «والمال الجزيل» .
[4] الكوم: جمع أكوم أو كوماء، والأكوم البعير الضخم السنام. تجاوب: تتجاوب، وضبطت فى ل بضم الواو وتنوين الباء، جعلها مصدرا! وهو خطأ يختل به الوزن.
[5] عبشمى: لأنه من بنى شمس بن عبد مناف.
(1/268)

بأمثال الهضاب كأنّ ركبا ... عليها من بنى حام قعودا
أبا وهب حزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إنّ الكريم له معاد ... وظنّى يا ابن أروى أن تعودا [1]
فقال لها لبيد: أحسنت لولا أنّك استطعمتيه، (قالت: إنه ملك وليس بسوقة، ولا بأس باستطعام الملوك) .
473* وملاعب الأسنّة هو عمّ لبيد، واسمه عامر بن مالك، وسمّى ملاعب الأسنّة لقول أوس بن حجر:
ولاعب أطراف الأسنّة عامر ... فراح له حظّ الكتيبة أجمع
474* وكان ملاعب الأسنّة أخذ أربعين مرباعا فى الجاهليّة، ولمّا كبر عامر وأهتر تنازع عامر بن الطّفيل وعلقمة بن علاثة الجعفريّان فى الرئاسة، حتّى تنافرا إلى هرم بن قطبة بن سيّار الفزارىّ [2] .
475* وأربد بن قيس الذى أتى النبىّ صلى الله عليه وسلم غادرا هو أخو لبيد لأمه، وكان
__________
[1] هكذا ضبطت فى ل «فعد إن» فعل أمر من العود. وضبطت فى الكامل للمبرد فى طبعة أوروبة وطبعات مصر «فعدان» بكسر العين وتشديد الدال المفتوحة ورفع النون.
والعدان: الزمان والعهد، وعدان الشباب والملك: أولهما وأفضلهما، وهو «فعلان» من «العد» أو «فعلال» من «العدن» بمعنى الإقامة. والأظهر عندى الأخير، ومنه «المعدن» وهو مكان كل شىء يكون فيه أصله ومبدؤه، ومنه «معادن العرب» . وأنا أرجح ما ثبت فى نسخ الكامل لدقة التصحيح والتوثق فى الطبعة الأوربية منه، ولما فى المعنى من البلاغة العالية بالإشارة إلى السؤال تلميحا لا تصريحا، إذ تقول له: إن الكريم له معاد إلى مبدئه ومعدنه وأصله، أى: أن ذلك يرجع به إلى طبيعته فى الكرم والجود. انظر الكامل بتحقيقنا 782 وشرح المرصفى 6: 196. وليس معى الأصول المخطوطة من هذا الكتاب «الشعر والشعراء» التى أخذ عنها مصحح ل حتى أثق من أنه أثبت الضبط عنها، ولكنى أثبت الكلمة كما أثبتها، احتياطا.
[2] خبر هذه المنافرة مفصل فى الأغانى 15: 50- 56 وستأتى الإشارة إليها 192 ل.
(1/269)

قدم عليه مع عامر بن الطّفيل، فدعا الله عليه، فأصابته بعد منصرفه صاعقة فأحرقته، ففيه قال لبيد:
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد
فجّعنى الرّعد والصّواعق بال ... فارس الكريهة النّجد [1]
476* ويقال فيه نزلت: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ
[2] .
وفيه يقول، وهو من جيّد شعره [3] :
بلينا وما تبلى النّجوم الطّوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع [4]
وقد كنت فى أكناف جار مضنّة ... ففارقنى جار بأربد نافع [5]
فلا جزع إن فرّق الدّهر بيننا ... فكلّ فتى يوما به الدّهر فاجع
(وما الناس إلّا كالدّيار وأهلها ... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع) [6]
وما المرء إلّا كالشّهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع [7]
وما البرّ إلّا مضمرات من التّقى ... وما المال إلّا معمرات ودائع
__________
[1] النجد، بفتح النون وضم الجيم: الشجاع الماضى فيما يعجز عنه غيره، ويجوز أيضا كسر الجيم وإسكانها. والبيتان من قصيدة فى سيرة ابن هشام 940- 941.
[2] من الآية 13 من سورة الرعد. وانظر تفسير الطبرى 13: 80- 81، 84- 85 وتفسير البحر 5: 375 والدر المنثور 4: 49 وكلهم ذكر القصة والبيتين، وكذلك الأغانى 15: 130- 134.
[3] أكثرها فى الأغانى 14: 95- 96 و 15: 133- 134 وعنده بيت لم يذكر هنا.
[4] المصانع: الأبنية أو الحصون، أو القرى، واحدها «مصنع» و «مصنعة» .
[5] جار مضنة: بفتح الضاد وكسرها: يضن به ويتنافس عليه.
[6] غدوا: غدا، الغد أصله «الغدو» حذفت منه الواو بلا عوض، فيأتى تاما وناقصا.
والبيت فى اللسان 19: 352.
[7] يحور: يرجع ويتغير، وكل شىء تغير من حال إلى حال فقد حار. والبيت فى اللسان 5: 296.
(1/270)

(وما المال والأهلون إلّا ودائع ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع) [1]
وما الناس إلّا عاملان. فعامل ... يتبّر ما يبنى، وآخر رافع
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ... ومنهم شقىّ بالمعيشة قانع
أليس ورائى، إن تراخت منيّتى، ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبّر أخبار القرون الّتى مضت ... أدبّ كأنى كلّما قمت راكع [2]
فأصبحت مثل السّيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين والنّصل قاطع
فلا تبعدن. إنّ المنيّة موعد ... علينا، فدان للطّلوع وطالع
أعاذل ما يدريك، إلّا تظنّيا، ... إذا رحل السّفّار من هو راجع [3]
أتجزع ممّا أحدث الدّهر للفتى ... وأىّ كريم لم تصبه القوارع
لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع
477* ومما يستجاد له قوله أيضا:
ألا كلّ شىء، ما خلا الله، باطل ... وكلّ نعيم. لا محالة، زائل
إذا المرء أسرى ليلة ظنّ أنّه ... قضى عملا، والمرء ما عاش آمل
حبائله مبثوثة بسبيله ... ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل
فقولا له، إن كان يقسم أمره: ... ألمّا يعظك الدّهر؟ أمّك هابل
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب ... لعلّك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معدّ فلتزعك العواذل
وكلّ امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل [4]
__________
[1] البيت والذى قبله فى اللسان 6: 281.
[2] البيت والذى قبله فى المعمرين 61.
[3] تظنيا: أصله «تظننا» قال أبو عبيدة: «تظنيت من ظننت. وأصله تظننت، فكثرت النونات فقلبت إحداها ياء، كما قالوا: قصيت أظفارى، والأصل قصصت» .
[4] البيت فى اللسان 13: 162.
(1/271)

وهذا البيت الآخر يدلّ على أنه قيل فى الإسلام، وهو شبيه بقول الله تبارك وتعالى وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
[1] أو كان لبيد قبل إسلامه يؤمن بالبعث والحساب، ولعلّ البيت منحول [2] .
478* وممّا يستجاد له قوله:
فاقطع لبانة من تعرّض وصله ... ولخير واصل خلّة صرّامها [3]
يقول: اقطع لبانتك ممّن لم يستقم (لك) وصله، فإنّ أحسن الناس وصلا أحسنهم وضعا للقطيعة فى موضعها.
479* ويستجاد له قوله:
واكذب النّفس إذا حدّثتها ... إنّ صدق النّفس يزرى بالأمل
(يقول) : اكذب النفس أن تعدها الخبر وتمنّيها إيّاه، وإذا صدقها فقال لها مصيرك إلى الهلكة والزوال أزرى ذلك بأمله. ثم قال:
غير أنّ لا تكذبنها فى التّقى ... واخزها بالبرّ لله الأجل
قول «اخزها» : سسها [4] .
480* وممّا يعاب له من هذه القصيدة:
__________
[1] الآية 10 من سورة العاديات.
[2] أما انتحال البيت فلا دليل عليه. وقد استدل ابن عبد البر بالبيت على أن الشعر قاله بعد إسلامه، وتعقبه الحافظ فى الإصابة بالقصة المشهورة فى السيرة لعثمان بن مظعون مع لبيد لما أنشد قريشا هذه القصيدة بعينها. والصحيح ما رجحه الحافظ: دلالة البيت على أنه كان يؤمن بالبعث مثل غيره من عقلاء الجاهلية، كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو ابن نفيل.
[3] اللبانة: الحاجة من غير فاقة، ولكن من همه. تعرض وصله: دخله فساد، أو تعوج وزاغ ولم يستقم، كما يتعرض الرجل فى عروض الجبل يمينا وشمالا. الخلة: الصداقة المختصة التى ليس فيها خلل. والبيت من المعلقة شرح التبريزى 134، وهو فى اللسان 9: 31 و 15: 227.
[4] البيتان فى اللسان 18: 247.
(1/272)

ومقام ضيّق فرّجته ... بمقامى ولسانى وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامى وزحل [1]
وقالوا: ليس للفيّال من الخطابة والبيان، ولا من القوّة، ما يجعله مثلا لنفسه! وإنما ذهب إلى أنّ الفيل أقوى البهائم، فظنّ أن فيّاله أقوى الناس! قال أبو محمد: وأنا أراه أراد بقوله:
لو يقوم الفيل أو فيّاله
مع فيّاله، فأقام «أو» مقام الواو.
481* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
كعقر الهاجرىّ إذا بناء ... بأشباه حذين على مثال [2]
أخذه الطّرمّاح فقال:
حرجا كمجدل هاجرىّ لزّه ... بذوات طبخ أطيمة لا تخمد [3]
قدرت على مثل فهنّ توائم ... شتّى يلائم بينهنّ القرمد [4]
(ذوات طبخ: يعنى الآجرّ. أطيمة: يعنى أتّون [5] ) .
482* ومن ذلك قوله وذكر نوقا:
__________
[1] زحل: زل عن مكانه. والبيت فى اللسان 13: 322.
[2] هو فى وصف ناقته. العقر: القصر الذى يكون معتمدا لأهل القرية. الهاجرى: البناء.
والبيت فى اللسان 6: 276 و 7: 117 والبلدان 6: 194.
[3] الحرج: الجسيم الطويل من الإبل، وقد أثبت هنا وفى اللسان «حرجا» بالنصب، وفى الديوان والمعرب بالرفع، وهو الصواب المناسب لما قبله. المجدل: القصر المشرف، لوثاقة بنائه. لزه: شده وألصقه.
[4] القرمد: خزف يطبخ، أو هو كل ما طلى به للزينة كالجص والزعفران. والبيتان فى المعرب 256 واللسان 4: 352.
[5] الأتون: الموقد. وهو بفتح الهمزة وتشديد التاء المضمومة، والعامة تخففه، كما فى اللسان. وضبط فى ل بمد الألف وتخفيف التاء، وهو خطأ.
(1/273)

لها حجل قرّعت من رءوسه ... لها فوقه ممّا تحلّب واشل [1]
أخذه النابغة الجعدىّ فقال:
لها حجل قرع الرّؤوس تحلّبت ... على هامة بالصّيف حتّى تموّرا [2]
يعنى بالحجل: أولادها الصغار.
483* قال أبو محمّد: قال لى شيخ من أصحاب اللغة: اجتمعت الرواة على خطإ فى بيت لبيد، وهو قوله:
من كلّ محفوف يظلّ عصيّه ... زوج عليه كلّة وقرامها
وقال: المحفوف: الهودج، والزّوج: النّمط، فكيف يظلّ النمط، وهو أسفل، العصىّ، وهى فوق؟ وإنّما كان ينبغى أن يرووه «من كلّ محفوف يظلّ عصيّه زوجا» ثم يرجع إلى المحفوف فيقول «عليه كلّة وقرامها [3] » قال أبو محمّد: ولا أرى هذا إلّا غلطا منه، ولم تكن الرواة لتجتمع على هذه الرواية إلّا بأخذ عن العرب، وأراهم كانوا يلقون أيضا النمط فوق الأعواد ويلقونه
__________
[1] الحجل: طائر، وأراد به هنا صغار الإبل وأولادها. قرعت الحلوبة رأس فصيلها: إذا كانت كثيرة اللبن فإذا رضع الفصيل خلفا قطر اللبن من الخلف الآخر على رأسه فقرع رأسه. واشل: يقطر منه الماء، والوشل، بفتح الشين: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة يقطر منه قليلا قليلا، لا يتصل قطره. وفى اللسان أنه «يصف الإبل بكثرة اللبن وأن رءوس أولادها صارت قرعا، أى صلعا، لكثرة ما يسيل عليها من لبنها وتتحلب أمهاتها عليها» . والبيت فيه 10: 135 و 13: 152 وكذلك بيت الجعدى الآتى.
[2] تمور: تحرك وجاء وذهب كما تتكفأ النخلة.
[3] المحفوف: أراد به الهودج قد حف بالثياب. النمط: ظهارة الفراش، قال أبو منصور:
«والنمط عند العرب والزوج: ضروب الثياب المصبغة، ولا يكادون يقولون نمط ولا زوج إلا لما كان ذا لون من حمرة أو خضرة أو صفرة، فأما البياض فلا يقال نمط» .
الكلة، بكسر الكاف: الستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى به من البعوض. القرام، بكسر القاف: الستر. والبيت من المعلقة شرح التبريزى 131، وهو فى اللسان 3:
118 و 14: 116 و 15: 374.
(1/274)

داخله، وأحسبنى قد رأيت هذا بعينه فى البادية.
484* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
من المسبلين الرّيط لذّ كأنّما ... تشرّب ضاحى حلده لون مذهب [1]
أخذه الأخطل فقال:
لذّ تقبّله النّعيم كأنّما ... مسحت ترائبه بماء مذهب [2]
485* وقوله يذكر قوما ماتوا:
وإنّا وإخوانا لنا قد تتابعوا ... لكالمغتدى والرائح المتهجّر
أخذه المحدث فقال [3] :
سبقونا إلى الرّحي ... ل وإنّا لبالأثر
486* ويستجاد له قوله فى النعمان، يصف نظره وشرّته [4] :
وانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطّير يغضى ويجلّ [5]
والهبانيق قيام، معهم ... كلّ محجوم إذا صبّ همل [6]
__________
[1] الريط: جمع ريطة، وهى الملاءة إذا كانت قطعة واحدة كلها نسج واحد. لذ: من اللذة، يقال «رجل لذ» أى ملتذ.
[2] هـ تقابله ب د تقيله ف س يقبله، وكلها خطأ. تقبله النعيم: بدا عليه واستبان فيه.
والبيت فى الديوان 27 واللسان 14: 56. وسيأتى فى أبيات 311 ل.
[3] هو أبو نواس. والبيت فى ديوانه 195.
[4] الشرة، بكسر الشين: النشاط.
[5] عتيق الطير: البازى. ابن سلمى: هو النعمان بن المنذر. يغضى: أثبتت فى ل «يغض» بدون الياء، وهو خطأ لا وجه له. يجل: أصله «يجلى» ، يقال «جلى ببصره تجلية» إذا رمى به، كما ينظر الصقر إلى الصيد. والبيت فى اللسان 12: 106 و 18:
164.
[6] الهبانيق: الوصفاء، واحدهم «هبنق وهبنوق» بضم الهاء والنون فيهما. محجوم:
فى اللسان «ملثوم» ، والمراد إبريق الخمر شد عليه اللثام، أو وضع عليه الحجام، وأصله ما يجعل فى فم البعير لئلا يعض. والبيت فى اللسان 12: 243.
(1/275)

(تحسر الدّيباج عن أذرعهم ... عند ذى تاج إذا قال فعل [1]
فتولّوا فاترا مشيهم ... كروايا الطّبع همّت بالوحل [2]
487* ولبيد أوّل من شبّه الأباريق بالبطّ، فأخذ ذلك منه، قال يذكر الخمر:
تضمّن بيضا كالإوزّ ظروفها ... إذا أتأقوا أعناقها والحواصلا [3]
فأخذه بعض الضّبّيّين [4] فقال:
ويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله ... دم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر
كأنّ أباريق الشّمول عشيّة ... إوزّ بأعلى الطّفّ عوج المناقر [5]
وقال أبو الهندىّ [6] :
سيغنى أبا الهندىّ عن وطب سالم ... أباريق لم يعلق بها وضر الزّبد [7]
مفدّمة قزّا كأنّ رقابها ... رقاب بنات الماء تفزع للرّعد [8]
__________
[1] تحسر: يعنى الهبانيق، يكشفون عن أذرعهم.
[2] الروايا من الإبل: الحوامل للماء، واحدتها راوية. الطبع، بكسر الطاء: النهر وجمعه أطباع، قال الأزهرى «سمى النهر طبعا لأن الناس ابتدأوا حفره، وهو بمعنى المفعول» يريد أنه خاص بالأنهار التى يشقها الناس. همت بالوحل: قال الأزهرى: «لأن الروايا إذا وقرت المزايد مملوءة ماء ثم خاضت أنهارا فيها وحل عسر عليها المشى فيها والخروج منها، وربما ارتطمت فيها ارتطاما إذا كثر فيها الوحل» . والبيت فى اللسان 10: 103 و 19: 64.
[3] أتأقوا: ملؤوا. الحواصل: جمع حوصلة، وحوصلة الحوض: مستقر الماء فى أقصاه، استعملها لمستقر الخمر فى الإبريق.
[4] س ف «أخذه ابن الطثرية» . وستأتى ترجمته 255- 256 ل.
[5] الطف: الشاطئ.
[6] ستأتى ترجمته 429- 430 ل والبيتان هناك.
[7] الوطب: سقاء اللبن خاصد. الوضر: الدرن والدسم.
[8] المفدم: الإبريق الذى على فمه فدام، وهو خرقة من قز أو غيره، وعدى «مفدمه» إلى مفعولين لأن المعنى ملبسة أو مكسوة. والبيتان فى اللسان 7: 147 والثانى فيه مغلوطا فى الرواية 15: 348.
(1/276)

488* وقال لبيد:
حتّى إذا ألقت يدا فى كافر ... وأجنّ عورات الثغور ظلامها [1]
وقال ثعلبة بن صعير:
فتذكّرا ثقلا رثيدا بعدما ... ألقت ذكاء يمينها فى كافر [2]
يعنى: الليل.
__________
[1] من المعلقة 160 شرح. ألقت: يعنى: الشمس، أضمرها ولم يجر لها ذكر. الكافر:
الليل، لأنه يغطى بظلمته كل شىء. قال الأصمعى: «أى: تهيأت للمغيب، كما تقول: وضع فلان يده فى الدنيا، ووضع يده فى إنفاق ماله، إذا ابتدأ» . والبيت فى اللسان 6: 463.
[2] فتذكرا: يعنى النعامة والظليم فى الأبيات قبله. الثقل، بفتحتين: المتاع وكل شىء مصون، وأراد به بيض النعامة. الرثيد: المنضود بعضه فوق بعض. ذكاء: اسم للشمس. والبيت فى اللسان 6: 463. وهو من المفضلية 24. وقد أخطأ ابن قتيبة هنا جدّا، فإن ثعلبة جاهلى قديم، ترجمنا له فى المفضلية. وقال الأصمعى: «سرق هذا المعنى لبيد من ثعلبة بن صعير، وثعلبة أكبر من جد لبيد» . انظر الأنبارى 257- 258.
(1/277)

26- زيد الخيل
[1] 489* هو زيد الخيل بن مهلهل، من طيّئ. جاهلىّ، وأدرك الإسلام، ووفد على النبى صلى الله عليه وسلم فى وفد طيّئ وأسلم، وسمّاه «زيد الخير» وقال له: «ما وصف لى أحد فى الجاهلية فرأيته فى الإسلام إلا رأيته دون الصّفة ليسك» يريد:
غيرك. وقطع له أرضين، وكانت المدينة وبئة، فلما خرج من عند النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إن ينج زيد من أمّ ملدم [2] » . فلما بلغ بلده مات [3] .
490* وكان يكنى أبا مكنف، وكان له ابنان، يقال لهما مكنف وحريث، أسلما وصحبا النبىّ صلى الله عليه وسلم وشهدا قتال الرّدّة مع خالد بن الوليد. وحمّاد الراوية مولى مكنف.
491* (وحريث هو الذى يقول يرثى أوس بن خالد، وقتل فى حرب:
ألا بكر النّاعى بأوس بن خالد ... أخى الشّتوة الغبراء والزّمن المحل [4]
فلا تجزعى يا أمّ أوس فإنّه ... تصيب المنايا كلّ حاف وذى نعل
فإن تقتلوا بالغدر أوسا فإننى ... تركت أبا سفيان ملتزم الرّحل [5]
__________
[1] له ترجمة فى الاستيعاب 199 وأسد الغابة 2: 241- 242 والإصابة 3: 34- 35 والأغانى 16: 46- 56 والخزانة 2: 446- 448 واللآلى 60.
[2] أم ملدم: كنية الحمى.
[3] انظر طبقات ابن سعد ج 1 ق 2 ص 59- 60 وسيرة ابن هشام 946- 947 وسيرة ابن سيد الناس 2: 236- 237.
[4] الشتوة: الشتاء، وقيل: الشتاء جمع شتوة. المحل: الجدب والشدة. والأبيات فى الأغانى 16: 56 والحماسة 2: 324- 325.
[5] ملتزم الرحل: أى ملتزم السرج، قتله على ظهر فرسه فانكب على السرج ومات. وأبو سفيان هذا رجل من قريش أرسله عمر يستقرئ أهل البادية، فمن لم يقرأ شيئا من القرآن عاقبه، فاستقرأ أوسا، وهو ابن عم لزيد الخيل، فلم يقرأ فضربه فمات، فأقبل حريث فشد عليه فقتله وقتل ناسا من أصحابه، ثم هرب إلى الشأم.
(1/278)

قتلنا بقتلانا من القوم عصبة ... كراما، ولم نأكل بهم حشف النّخل
ولولا الأسى ما عشت فى الناس ساعة ... ولكن إذا ما شئت ساعدنى مثلى)
492* وكان زيد الخيل أخذ فرسا لكعب بن زهير، فقال كعب بن زهير [1] :
لقد نال زيد الخيل مال أخيكم ... فأصبح زيد بعد فقر قد اقتنى
فأجابه زيد الخيل:
أفى كلّ عام مأتم تبعثونه ... على محمر عود أثيب وما رضى [2]
تقول: أرى زيدا وقد كان مصرما ... أراه لعمرى قد تموّل واقتنى
وذاك عطاء الله فى كلّ غارة ... مشمّرة يوما إذا قلّص الخصى [3]
فلولا زهير أن أكدّر نعمة ... لقاذعت كعبا ما بقيت وما بقا [4]
493* ومن خبيث الهجاء قول زيد الخيل:
فخيبة من يغير على غنىّ ... وباهلة بن أعصر والرّكاب
وأدّى الغنم من أدّى قشيرا ... ومن كانت له أسرى كلاب
__________
[1] القصة مفصلة فى ذيل الأمالى 3: 23- 24 وذيل اللآلى 13- 14 وشواهد المغنى 165- 166 والخزانة 4: 148- 152 وعندهم أبيات زيد، وفى الخزانة أبيات كعب أيضا، وأبيات زيد رواها كذلك أبو زيد فى النوادر 80- 81 وهى 8 أبيات فى بعض الروايات و 9 فى بعضها الآخر.
[2] المأتم: مجتمع الرجال أو النساء فى حزن أو فرح، ثم خص به اجتماع النساء للموت، والمراد هنا الحزن. تبعثونه: تهيجونه وتحركونه، وفى ب د «تجمعونه» وهو موافق لرواية النوادر. المحمر، بكسر الميم الأولى وسكون الحاء وفتح الميم الثانية: الفرس اللئيم يشبه الحمار فى جريه من بطئه. العود: المسن. أثيب؛ جعل لنا ثوابا أى: جزاء.
رضى: فعل مبنى للمجهول من الرضا، على لغة طيىء، يكرهون مجىء الياء المتحركة بعد الكسرة فيفتحون ما قبلها لتنقلب إلى الألف لخفتها، وسيأتى فى البيت الرابع «بقيت» و «بقا» بفتح القاف فيهما، على هذه اللغة. وستأتى إشارة أخرى إلى هذه اللغة 227 ل والبيت فى اللسان 14: 269.
[3] مشمرة: من التشمير وهو الجد والاجتهاد، وأصله تشمير الإزار. قلص: فى الخزانة أنه يروى «بتخفيف اللام وتشديدها، بمعنى انضمت وانزوت، وتقلص الخصى يكون عند الرعب والفزع» .
[4] قاذعت: من القذع، وهو الخنى والفحش.
(1/279)

27- النابغة الجعدى
[1] 494* هو عبد الله بن قيس [2] ، من جعدة بن كعب بن ربيعة. وإخوة جعدة عقيل وقشير والحريش. وكان يكنى أبا ليلى، وهو جاهلىّ.
وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشده:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا
بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا ... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا [3]
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلى أين أبا ليلى؟» فقال: إلى الجنّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شاء الله» وأنشده:
ولا خير فى حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمى صفوه أنّ يكدّرا
(ولا خير فى جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا)
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفضض الله فاك» قال: فبقى عمره لم تنقض له سنّ [4] .
__________
[1] ترجمته فى الاستيعاب 320- 235 وأسد الغابة 5: 2- 4 والروض الأنف 1: 53 وتاريخ إصبهان 1: 73- 74 والإصابة 6: 218- 221 والمعمرين لأبى حاتم 64- 66 والجمحى 26- 28 والأغانى 4: 127- 139 والخزانة 1: 509- 515 والمؤتلف 191 والمرزبانى فى المعجم 321 وفى الموشح 64- 67 واللآلى 247.
[2] فى اسمه خلاف كثير، ورجح بعضهم أن اسمه «قيس بن عبد الله» قال صاحب الأغانى: «وهذا وهم ممن قال إن اسمه قيس. وليس يشك فى أنه كان له أخ اسمه وحوح بن قيس. وهو الذى قتله بنو أسد» .
[3] البيت فى اللسان 6: 202. والبيتان من قصيدة طويلة 76 بيتا فى جمهرة أشعار العرب 145- 148. وانظر تاريخ الطبرى 13: 50.
[4] فى تخريج هذا الحديث كلام طويل. فصله الحافظ فى الإصابة وانظره أيضا فى تاريخ ابن كثير 6: 168.
(1/280)

495* وكان معمّرا، ونادم المنذر أبا النعمان بن المنذر، وفى ذلك يقول:
تذكّرت والذّكرى تهيج على الفتى ... ومن حاجة المحزون أن يتذكّرا
نداماى عند المنذر بن محرّق ... أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا
496* ويقال إنه كان أقدم من النابغة الذّبيانىّ، لأنّ الذّبيانىّ نادم النعمان وهذا نادم أباه [1] . ونسب المنذر إلى محرّق وهو جدّه.
497* وعمّر حتى ورد على ابن الزّبير وروى له الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا والنّبيّون فرّاط لقاصفين» [2] وحتى نازع الأخطل الشعر، فغلبه الأخطل، فهو من مغلّبى مضر [3] . ومات بإصبهان وهو ابن مائتين وعشرين سنة [4] .
__________
[1] قال هذا أيضا الجمحى وأبو حاتم وغيرهما.
[2] الفراط: المتقدمون، جمع فارط. القاصفون: المزدحمون، قال ابن الأثير: «هم الذين يزدحمون حتى يقصف بعضهم بعضا، من القصف، الكسر والدفع الشديد لفرط الزحام، يريد أنهم يتقدمون الأمم إلى الجنة وهم على إثرهم بدارا متدافعين ومزدحمين» . وفى الحديث قصة، خرجه الحافظ فى الإصابة من طرق وهو فى مجمع الزوائد 10: 25.
[3] قال الجمحى: «وإذا قالت العرب مغلبا فهو مغلوب، وإذا قالوا غلب فهو غالب.
وغلبت عليه ليلى الأخيلية وأوس بن مغراء القريعى، وغلب عليه من لم يكن إليه ولا قريبا منه، عقال بن خالد العقيلى، وكان مفحما، بكلام لا بشعر. وهجاه سوار بن أوفى القشيرى وفاخره، وهجاه الأخطل بأخرة» وسوار بن أوفى سيأتى 441 أنه زوج ليلى الأخيلية.
[4] فى ب د هـ «مائة وعشرين سنة» وفى س ف «عشرين ومائة سنة» . وكلها خطأ، صوابه ما أثبتنا، لأن كلام ابن قتيبة منقول فى الأغانى والاستيعاب والإصابة والخزانة، وكلهم نقل عنه أن الجعدى عاش «مائتين وعشرين سنة» فأثبتنا الصواب الذى نقله العلماء عنه وفى الروض الأنف: «عاش مائتين وأربعين سنة أكثرها فى الجاهلية» قال صاحب الأغانى بعد أن نقل كلام ابن قتيبة: «وما ذاك بمنكر، لأنه قال لعمر رضى الله عنه أنه أفنى ثلاثة قرون كل قرن ستون سنة، فهذه مائة وثمانون. ثم عمّر بعده فمكث بعد قتل عمر خلافة عثمان وعلى ومعاوية ويزيد، وقدم على عبد الله بن الزبير بمكة وقد دعا لنفسه، فاستماحه ومدحه، وبين عبد الله بن الزبير وبين عمر نحو مما ذكر ابن قتيبة. بل لا أشك أنه قد بلغ هذه السن» .
(1/281)

498* وكان العلماء يقولون فى شعره: خمار بواف، ومطرف بآلاف يريدون أنّ فى شعره تفاوتا، فبعضه جدّ مبرز، وبعضه ردىّ ساقط [1] .
499* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله فى صفه الفرس:
كأنّ مقطّ شراسيفه ... إلى طرف القنب فالمنقب [2]
لطمن بترس شديد الصّقا ... ل من خشب الجوز لم يثقب [3]
أخذه ابن مقبل فقال [4] :
كأنّ ما بين جنبيه ومنقبه ... من جوزه ومناط القنب، ملطوم
بترس أعجم، لم تنخر مناقبه ... ممّا تخيّر فى آطامها الرّوم
500* وقال الجعدىّ:
أرأيت إن بكرت بليل هامتى ... وخرجت منها باليا أوصالى
هل تخمشن إبلى علىّ وجوهها ... أو تضربنّ نحورها بمآلى
وقال الآخر [5] :
أرأيت إن بكرت بليل هامتى ... وخرجت منها باليا أثوابى
هل تخمشن إبلى علىّ وجوهها ... أو تعصبنّ رؤوسها بسلاب
__________
[1] انظر ما مضى 82.
[2] الشراسيف: جمع شرسوف، وهو رأس الضلع مما يلى البطن. ومقطعها: منقطعها، من «القط» وهو القطع. القنب: جراب قضيب الدابة. المنقب: السرة: أو هو قدامها حيث ينقب البطن.
[3] لطم الشىء بالشىء: ألصقه به. والبيتان فى اللسان 2: 263 و 7: 195 و 9: 255 والأساس 2: 226 والبيت الثانى فى اللسان 12: 72 والرواية فيها كلها «بترس شديد الصفاق» بكسر الصاد. قال فى اللسان: «قال الأصمعى فى كتاب الفرس: الصفاق الجلد الأسفل الذى تحت الجلد الذى عليه الشعر، وأنشد للجعدى.... يقول:
ذلك الموضع منه كأنه ترس، وهو شديد الصفاق» .
[4] البيتان فى الأساس 2: 226.
[5] س ف «أخذه الآخر فقال» والبيت الأول فى اللسان 19: 275 ونسبه لضمرة بن ضمرة.
(1/282)

501* ويستحسن له قوله فى نساء سبين:
دعتنا النّساء إذ عرفن وجوهنا ... دعاء نساء لم يفارقن عن قلى
(حنين الهجان الأدم نادى بوردها ... سقاة يمدّون المواتح بالدّلا [1]
فقلنا لهم: خلّوا طريق نسائنا ... فقالوا لنا: كلّا، فقلنا لهم: بلى [2]
فنحن غضاب من مكان نسائنا ... ويسفعنا حرّ من النار يصصلى
تفور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنّا إذا حميها غلا) [3]
فلم أر يوما كان أكثر باكيا ... ووجها ترى فيه الكآبة مجتلى
ومفتصلا عن ثدى أمّ تحبّه ... عزيز عليها أن تفارق مفتلى [4]
وأشمط عريانا يشدّ كتافه ... يلام على جهد القتال وما ائتلى [5]
502* وقال لامرأته حين خرج غازيا:
باتت تذكّرنى بالله قاعدة ... والدّمع ينهلّ من شأنيهما سبلا [6]
يا ابنة عمّى كتاب الله أخرجنى ... كرها، وهل أمنعنّ الله ما فعلا [7]
فإن رجعت فربّ الناس يرجعنى ... وإن لحقت بربّى فابتغى بدلا
__________
[1] الهجان من الإبل: البيض الكرام. المواتح: جمع ماتح، والمتح: جذبك رشاء الدلو تمد بيد وتأخذ بيد على رأس البئر، فأراد بالمواتح هنا الأرشية، وهى الحبال.
[2] «بلى» رسمت فى ل «بلا» بالألف، ورسمها بالياء أجود.
[3] نفثؤها: نسكن غليانها بماء أو نحوه. والبيت فى الأساس غير منسوب 2: 123، 123 وفى اللسان 1: 115 للجعدى وذكر أنه فى التهذيب منسوب للكميت.
[4] المفتصل: المفطوم، وكذلك المفتلى، فلا الصبى وأفلاه وافتلاه: عزله عن الرضاع وفصله. «يفارق» كذا فى ب وفى هـ «تفارق» فأثبتناهما. وأثبت فى ل «يفارقن» وهو خطأ واضح.
[5] ائتلى: قصر وأبطأ.
[6] أسبل المطر والدمع: إذا هطلا، والاسم: السبل، بفتحتين.
[7] اللسان 2: 193 وفى د «كهرا» بدل «كرها» والكهر: القهر.
(1/283)

ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرنى ... أو ضارعا من ضنى لم يستطع حولا [1]
503* وقال يرثى رجلا [2] :
فتى كملت خيراته غير أنّه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
يدرّ العروق بالسّنان ويشترى ... من المجد ما يبقى وإن كان غاليا
504* وقال:
ولو أنّ قومى لم تخنّى جدودهم ... وأحلامهم أصبحت للفتق آسيا
ولكنّ قومى أصبحوا مثل خيبر ... بها داؤها ولا تضرّ الأعاديا
505* وقال يذكر سنّه [3] :
ومن يحرص على كبرى فإنّى ... من الشبّان أزمان الخنان [4]
مضت مائة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجّتان [5]
506* وهو القائل:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
المولج اللّيل فى النّهار وفى اللّ ... يل نهارا يفرّج الظّلما
الخافض الرّافع السّماء على ال ... أرض ولم يبن تحتها دعما [6]
__________
[1] الضارع: النحيف الضاوى الجسم. الضنى: المرض.
[2] يرثى أخاه «وحوحا» وخبره فى الأغانى 14: 136. وهى من أبيات فى الحماسة 3:
82- 93 والأولان فيها 3: 19 ونقلها فى الخزانة 2: 12- 13. والبيت الثالث ذكر فى الخزانة ولم يذكر فى الحماسة.
[3] البيتان مع ثالث فى الجمحى والأغانى، والثانى فى الأغانى مع آخر قبله.
[4] الخنان: داء يأخذ الإبل فى مناخرها وتموت منه، كان ذلك أيام المنذر بن ماء السماء، فجعلوه تاريخا لهم. والبيت فى جمهرة اللغة 1: 71 واللسان 16: 301.
[5] نسبه الشنقيطى فى شواهد همع الهوامع 1: 189 للنمر بن تولب وهو خطأ.
[6] الدعم، بكسر الدال وفتح العين: جمع دعمة، كسدرة وسدر، وبضمتين: جمع دعام، ككتاب وكتب، وهى الخشب المنصوبة للتعريش.
(1/284)

الخالق البارئ المصوّر فى ال ... أرحام ماء حتّى يصير دما
من نطفة قدّها مقدّرها ... يخلق منها الأبشار والنّسما
ثمّ عظاما أقامها عصب ... ثمّت لحما كساه فالتأما
ثمّ كسا الرّيش والعقائق أب ... شارا وجلدا تخاله أدما [1]
والصّوت واللون والمعايش وال ... أخلاق شتّى، وفرّق الكلما
ثمّت لا بدّ أن سيجمعكم ... والله، جهرا، شهادة قسما
فائتمروا الآن ما بدا لكم ... واعتصموا إن وجدتم عصما
فى هذه الأرض والسّماء، ولا ... عصمة منه إلّا لمن رحما [2]
يا أيّها الناس هل ترون إلى ... فارس بادت وخدّها رغما
أمسوا عبيدا يرعون شاءكم ... كأنّما كان ملكهم حلما
أو سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما [3]
فمزّقوا فى البلاد واعترفوا ال ... هون وذاقوا البأساء والعدما [4]
وبدّلوا السّدر والأراك به ال ... خمط وأضحى البنيان منهدما
507* وقال أيضا:
لبست أناسا فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا [5]
ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا [6]
__________
[1] س ف:
ثم كسا الرأس والعواتق وال ... أبشار جلدا تخاله أدما
[2] س ف «إلا لمن عصما» .
[3] البيت فى الكامل 1033.
[4] اعترفوا الهون: عرفوه، عرفه واعترفه بمعنى.
[5] البيت فى اللسان 8: 87.
[6] المستآس: المستعاض، والأوس: العوض والعطية، يقال: «استآسه» أى: طلب إليه العوض. والبيت الذى قبله فى اللسان 7: 314. وفى الأغانى أنه أنشد عمر هذا البيت، فقال له عمر: كم لبثت مع كل أهل؟ قال: ستين سنة.
(1/285)

وعشت بعيشين، إنّ المنون ... تلقّى المعايش فيها خساسا
فحينا أصادف غرّاتها ... وحينا أصادف منها شماسا [1]
نشأت غلاما أقاسى الحروب ... ويلقى المقاسون منّى مراسا [2]
وحمر من الطّعن غلب الرّقا ... ب كالأسد يفترسون افترسا [3]
شهدتهم لا أرجّى الحيا ... ة حتّى تساقوا بسمر كياسا [4]
وشعث يطابقن بالدّارعين ... طباق الكلاب يطأن الهراسا [5]
فلمّا دنونا لجرس النّبوح ... ولا نبصر الحىّ إلّا التماسا [6]
أضاءت لنا النار وجها أغ ... رّ ملتبسا بالفؤاد التباسا
يضىء كضوء سراج السّلي ... ط لم يجعل الله فيه نحاسا [7]
__________
[1] غراتها، بكسر الغين: جمع غرة، وهى الغفلة. وضبطت فى ل بضم الغين، وهو خطأ.
[2] المراس: شدة العلاج.
[3] غلب الرقاب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة، وقد يوصف بذلك العنق نفسه، فيقال عنق أغلب، وهم يصفون أبدا السادة بغلظ الرقبة وطولها.
[4] ب د «بسم» بدل «بسمر» . الكياس: جمع كأس، كما فى الخزانة وحاشية د، وأصله «كئاس» بالهمزة، وحكى أبو حنيفة «كياس» بتسهيلها كما فى البيت. وهذا والأبيات قبله فى الخزانة 1: 512- 513.
[5] فى اللسان «وخيل» بدل «وشعث» . يطابقن: المطابقة أن تضع أرجلها مواضع أيديها وتقدم أيديها حتى تبصر مواقعها، يريد أنها لا تريد الهرب، فهى تتثبت فى مشيها كما تمشى الكلاب فى الهراس متقية له. الهراس، بفتح الهاء: شوك كأنه حسك. والبيت فى اللسان 8: 134 و 12: 80.
[6] الجرس، بكسر الجيم وفتحها: الصوت. النبوح: صوت الكلب، كالنبح والنبيح والنباح.
[7] السليط: الزيت. النحاس، بكسر النون وضمها: الدخان. والبيت فى اللسان 8:
112 و 9: 193 والكامل 324 وهو والذى قبله فى الخزانة 2: 387.
(1/286)

بآنسة غير أنس القراف ... وتخلط بالأنس منها شماسا [1]
إذا ما الضّجيع ثنى جيدها ... تثنّت عليه فكانت لباسا [2]
__________
[1] الآنسة: الجارية الطيبة الحديث. القراف: المقارفة والمخالطة، ولا تكون المقارفة إلا فى الأشياء الدنية. والبيت فى اللسان 7: 312.
[2] ب س هـ «تداعت وكانت عليه لباسا» . والبيت فى اللسان 8: 87. وفيه أيضا 8:
113 بيت آخر يظهر أنه من هذه القصيدة.
(1/287)

28- مهلهل (بن ربيعة)
[1] 508* هو عدىّ بن ربيعة [2] ، أخو كليب وائل الذى هاجت بمقتله حرب بكر وتغلب. وسمّى مهلهلا لأنّه هلهل الشعر، أى: أرقّه [3] . وكان فيه خنث. ويقال: إنّه أوّل من قصّد القصائد.
وفيه يقول الفرزدق:
ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل [4]
509* وهو خال امرئ القيس. وجدّ عمرو بن كلثوم، أبو أمّه ليلى.
وهو أحد الشعراء الكذبة، لقوله:
ولولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور [5]
510* وأحد البغاة، لقوله:
قل لبنى حصن يردّونه ... أو يصبروا للصّيلم الخنفقيق [6]
__________
[1] ترجمته وأخباره فى الاشتقاق 204 والمرزبانى 248 واللآلى 26- 27 و 111- 112 والأغانى 4: 139- 151 والخزانة 1: 300- 304. وأخبار المراقسة للسندوبى 9- 77.
[2] هكذا ذهب ابن قتيبة إلى أن اسمه «عدى» تبعا للجمحى 13 ورجح المرزبانى وغيره أن اسمه «امرؤ القيس بن ربيعة» .
[3] قال الجمحى: «وإنما سمى مهلهلا لهلهة شعره، كهلهة الثوب، وهو اضطرابه واختلافه» وقال ابن دريد فى الاشتقاق: «واشتقاق مهلهل من قولهم ثوب هلهال، إذا كان رقيقا. وذكر الأصمعى أنه إنما سمى مهلهلا لأنه كان يهلهل الشعر، أى يرققه ولا يحكمه» . وفى اللسان 14: 231: «سمى بذلك لرداءة شعره، وقيل لأنه أول من أرق الشعر» . وفى الأغانى 4: 148: «وإنما لقب مهلهلا لطيب شعره ورقته. وكان أحد من غنى من العرب فى شعره» .
[4] عجز بيت من قصيدة فى ديوانه 720.
[5] حجر، بفتح الحاء: مدينة باليمامة. الذكور: أراد أجود السيوف وأيبسها وأشدها. والبيت من الأصمعية 53 وهو فى البلدان 4: 198 والعمدة 2: 59 والمرزبانى 331 والأغانى 4: 146.
[6] البيت من قصيدة فى جمهرة أشعار العرب 116 ولم يذكر فيها البيت التالى، وفيها «لبنى ذهل» بدل «لبنى حصن» الصيلم: الداهية. وكذلك الخنفقيق.
(1/288)

من شاء دلّى النّفس فى هوّة ... ضنك، ولكن من له بالمضيق
أمرهم أن يردّوا كليبا وقد قتل، وأعلمهم أنّه لا يرضى بشىء غير ذلك.
وكان مهلهل القائم بالحرب ورئيس تغلب، فلمّا كان يوم قضة [1] ، وهو آخر أيّامهم، وكان على تغلب، أسر الحارث بن عباد مهلهلا وهو لا يعرفه، فقال له الحارث: تدلّنى على عدىّ بن ربيعة المهلهل وأنت آمن؟ فقال له المهلهل: إن دللتك على عدى فأنا آمن ولى دمى؟ قال الحارث: نعم، قال: فأنا عدى! فجزّ ناصيته وخلّاه، وقال: لم أعرف. وفى ذلك يقول الحارث بن عباد:
لهف نفسى على عدىّ ولم أع ... رف عديّا إذ أمكنتنى اليدان
(طلّ من طلّ فى الحروب ولم يط ... لل قتيل أبأته ابن أبان) [2]
ثم خرج مهلهل فلحق باليمن، فنزل فى جنب، (حىّ من اليمن [3] ) ، فخطب إليه رجل منهم ابنته، فقال: إنى طريد غريب فيكم، ومتى أنكحتكم قال الناس اعتسروه، فأكرهوه حتّى زوّجها. وكان المهر أدما، فقال:
__________
[1] قضة: بكسر القاف وفتح الضاد المعجمة مخففة، وضبطت فى ل هنا وفيما سيأتى بتشديدها، قلد فيها ما نقل ياقوت واللسان عن ابن دريد، وهو فى الجمهرة 1: 105 و 2: 78 و 3: 100، ولكنه خطأ أو شاذ. وهى عقبة بعارض اليمامة، كانت بها وقعة بكر وتغلب العظمى- وانظر البلدان 7: 117- 118.
[2] أباء القاتل بالقتيل: قتله به. والبيتان فى القصة ومعهما ثالث فى الأغانى:
144- 145.
[3] فى اللسان: «جنب: بطن من العرب، ليس بأب ولا حى، ولكنه لقب. أو هو حى من اليمن» . وفى ياقوت 3: 145 أنها قبيلة، «وهى منبه، والحرث، والعلى، وسنحان، وشمران، وهفان. يقال لهؤلاء الستة جنب، وهم بنو يزيد بن حرب بن علة بن جلد بن مالك بن أدد. وإنما سموا جنبا لأنهم جانبوا أخاهم صداء وحالفوا سعد العشيرة، وحالفت صداء بنى الحرث بن كعب» . وفى الكامل للمبرد 815: «وجنب حى من أحيائهم وضيع» . وانظر جمهرة الأنساب لابن حزم ص 388.
(1/289)

أنكحها فقدها الأراقم فى ... جنب، وكان الحباء من أدم [1]
لو بأبانين جاء يخطبها ... رمّل ما أنف خاطب بدم [2]
ثم انحدر، فلقيه عوف بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وهو أبو أسماء صاحبة المرقش الأكبر [3] ، فأسره فمات فى إساره.
(وكانت أيام بكر وتغلب خمسة أيام مشاهير [4] : أوّلها: يوم عنيزة، وتكافؤوا فيه، والثانى: يوم واردات، وكان لتغلب على بكر، والثالث: يوم الحنو، وكان لبكر على تغلب، والرابع: يوم القصيبات، وكان لتغلب على بكر، وقتلوهم قتلا ذريعا، والخامس: يوم قضة، وهو آخر أيامهم، وكان لبكر، وفيه أسر مهلهل بن ربيعة) .
__________
[1] الأراقم: هم جشم ومالك والحارث ومعاوية وثعلبة وعمرو، بنو بكر بن حبيب بن غنم ابن تغلب. الحباء، بكسر الحاء المهملة: أراد به المهر، يريد أنهم لم يكونوا أرباب نعم فيمهروها الإبل، وجعلهم دباغين للأدم وهو الجلد. ونقل السيوطى فى المزهر 2: 366 عن الزركشى أن ابن دريد صحف هذا الحرف، فرواه «الخباء» بالخاء المعجمة وإنما هو بالمهملة. والبيت فى اللسان 1: 275 و 18: 177 والخزانة 1: 304 والبيتان فى اللسان 16: 142 والكامل 816 وعيون الأخبار 3: 91 والأغانى 4: 145 والبلدان 1: 72 وابن الأثير 1: 221 ونسبهما المرزبانى 275 لأبى حنش عصم بن النعمان فارس العصا، أنه قال الأبيات فى شأن مهلهل.
[2] أبانان: جبلان، أبان الأبيض وأبان الأسود، وقيل: هما أبان ومتالع، غلب أحدهما، كما قالوا العمران والقمران. وفى اللسان فى هذا بحث نفيس 16: 141- 142. رمل بالدم: لطخ به. و «ما» زائدة.
[3] وهو عم المرقش كما مضى فى ترجمته 206.
[4] وهى التى تسمى «حرب البسوس» وانظر تفصيلها فى أيام العرب 142- 168 وابن الأثير 1: 214- 222 والعقد 1: 93- 97.
(1/290)

29- (العباس بن مرداس)
[1] 513* مرداس: الحصاة التى يرمى بها فى البئر ليظهر هل فيها ماء أو لا.
514* يروى: أن النبىّ صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلّفة قلوبهم يوم حنين، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل، وأعطى صفوان بن أميّة مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، فقام بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
أتجعل نهبى ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع [2]
وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع [3]
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فأتمّ له النبىّ صلى الله عليه وسلم مائة.
__________
[1] هو السلمى، بضم السين وفتح اللام. وترجمته فى كتب الصحابة، والأغانى 13: 62- 70 والخزانة 1: 71- 74 والطبرى 3: 136- 137 والمرزبانى 262- 263 واللآلى 32- 33. وستأتى له ترجمة أخرى مطولة 467- 470 ل.
[2] العبيد، بالتصغير: اسم فرس العباس، وكان يدعى «فارس العبيد» . والبيت فى اللسان 4: 267.
[3] مضى البيت 13 وسيأتى مع الذى قبله فى أبيات أخر 470 ل وهو أيضا فى اللسان 7:
400 ومنع صرف «مرداس» لضرورة الشعر.
(1/291)

30- أبو زبيد الطائى
[1] 515* هو المنذر بن حرملة [2] ، (من طيّئ) . وكان جاهليّا قديما، وأدرك الإسلام، إلا أنه لم يسلم، ومات نصرانيّا [3] ، وكان من المعمّرين، يقال إنه عاش مائة وخمسين سنة. وكان نديم الوليد بن عقبة، وذكر لعثمان أنّ الوليد يشرب الخمر وينادم أبا زبيد، فعزله عن الكوفة وحدّه (فى الخمر) .
ففى ذلك يقول أبو زبيد:
من يرى العير لابن أروى على ظه ... ر المروّى حداتهنّ عجال [4]
وابن أروى هو الوليد، وأروى أمّه أم عثمان بن عفّان، وفيها يقول:
قولهم شربك الحرام وقد كا ... ن شراب سوى الحرام حلال
516* وكان أبو زبيد فى بنى تغلب، وهم أخواله، وكان له غلام يرعى (عليه) إبله، فغزت بهراء، وهم من قضاعة، بنى تغلب، فمرّوا بغلامه، فدفع إليهم إبل أبى زبيد، وانطلق معهم ليدلّهم على عورة القوم ويقاتل معهم،
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 132- 134 والمعمرين 86 والإصابة 2: 60 والأغانى 11: 23- 30 والاشتقاق 231 والاقتضاب 299- 300 واللآلى 118- 119 والخزانة 2: 155- 156.
[2] هكذا قال المؤلف تبعا لأبى حاتم فى المعمرين، والراجح أن اسمه «حرملة بن المنذر» رجحه صاحب الأغانى وسار عليه كل من ترجم له.
[3] حكى الطبرى فى التاريخ فى حوادث سنة 30 وأنه أسلم فى آخر إمارة الوليد بن عقبة الكوفة، وحسن إسلامه 3: 60 وقال أبو عبيد البكرى فى اللآلى: «وزعم الطبرى أنه مات مسلما، واحتج فى ذلك برثائه لعثمان ولعلى، ولأن الوليد بن عقبة أوصى أن يدفن معه وكان نديمه» وقال الحافظ فى الإصابة: «ولا دلالة له فى شىء من ذلك على إسلامه» . وهو تعقب غير جيد، أن لم يطلع الحافظ على ما فى الطبرى، فإنه صرح بما نقلنا عنه، وهو كاف فى ذلك.
[4] المروى: هكذا فى الأصول، ورواية الأغانى 4: 179، 180 «المرورى» وفسرها قال: «المرورى: جمع مروراة، وهى الصحراء» .
(1/292)

فهزمت بهراء وقتل الغلام، فقال أبو زبيد فى ذلك [1] :
قد كنت فى منظر ومستمع ... عن نصر بهراء غير ذى فرس
تسعى إلى فتية الأراقم واس ... تعجلت قبل الجمان والغبس [2]
لا ترة عندهم فتطلبها ... ولا هم نهزة لمختلس
إمّا تقارن بك الرّماح فلا ... أبكيك إلا للدّلو والمرس [3]
517* ولما صار الوليد بن عقبة إلى الرّقّة واعتزل عليّا ومعاوية سار أبو زبيد، فكان ينادمه، وكان يحمل فى كلّ يوم أحد إلى البيعة، فيحضر مع النصارى ويشرب، فبينا هو فى يوم أحد يشرب والنصارى حوله، رفع رأسه إلى السماء فنظر، ثم رمى بالكأس عن يده وقال:
إذا جعل المرء الذى كان حازما ... يحلّ به حلّ الحوار ويحمل [4]
فليس له فى العيش خير يريده ... وتكفينه ميتا أعفّ وأجمل
ومات، فدفن على البليخ [5] ، وهناك أيضا قبر الوليد بن عقبة.
518* ولم يصف أحد من الشعراء الأسد وصفه. قال شعبة؛ قلت للطّرمّاح: ما شأن أبى زبيد وشأن الأسد؟ قال: إنه لقيه أسد بالنّجف فسلّخه [6] :
519* وهو القائل للوليد بن عقبة [7] :
__________
[1] الأبيات من قصيدة فى الأغانى 11: 26.
[2] يفهم من الفهرس الإفرنجى أن الجمان والغبس ناقتان لأبى زبيد؟
[3] المرس: الحبل.
[4] الحوار: ولد الناقة. والبيتان فى الأغانى 11: 27 والمعمرين.
[5] البليخ: نهر بالرقة.
[6] قصته مع عثمان فى وصف الأسد فى الجمحى، وهى مشهورة.
[7] من القصيدة التى أولها «من يرى العير» وقد مضى البيت، وهى فى الأغانى 4: 179- 180 ومنها أبيات فى نسب قريش للمصعب ص 134.
(1/293)

من يخنك الصّفاء أو يتبدّل ... أو يزل مثل ما تزول الظّلال
فاعلمن أننى أخوك أخو العه ... د حياتى حتّى تزول الجبال
ليس بخل عليك منّى بمال ... أبدا ما أقلّ سيفا حمال [1]
فلك النّصر باللّسان وبالك ... فّ إذا كان لليدين مصال [2]
كلّ شىء يحتال فيه الرّجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال
520* ومن جيّد شعره [3] :
إنّ طول الحياة غير سعو ... وضلال تأميل نيل الخلود
علّل المرء بالرّجاء ويضحى ... غرضا للمنون نصب العود
كلّ يوم ترميه منها برشق ... فمصيب، أوصاف غير بعيد [4]
كلّ ميت قد اغتفرت فلا أو ... جع من والد ومن مولود
غير أنّ الجلاح هدّ جناحى ... يوم فارقته بأعلى الصّعيد [5]
وعلى هذه القصيدة احتذى ابن مناذر مرثيته عبد المجيد (بن عبد الوهاب) الثقفىّ [6] .
__________
[1] حمالة السيف: علاقته، وجمعها حمائل، فلعل الحمال أيضا مع حمالة، أو يكون استعمله مفردا بدون الهاء.
[2] المصال: مصدر ميمى لم ينص عليه فى المعاجم، يقال «صال على قرنه صولا وصيالا ومصالة» .
[3] من قصيدة طويلة فى جمهرة أشعار العرب 138- 141 فى 58 بيتا. ومنها أبيات فى شواهد العينى 4: 222.
[4] صاف: عدل. يقال «صاف السهم عن الهدف يصيف صيفا» إذا أخطأ. والبيت فى اللسان 11: 105 والخزانة 3: 322.
[5] الجلاح: بضم الجيم وتخفيف اللام، وهو الموافق لما فى الجمهرة. وفى ب د هـ «اللجاج» وفى الخزانة واللآلى والعينى «اللجاج» . والصواب ما أثبتنا.
[6] ابن مناذر: ستأتى ترجمته 553- 555 ل. ومرثيته لعبد المجيد الثقفى طويلة «من حلو المراثى وحسن التأبين» كما قال المبرد فى الكامل، واختار منها أبياتا كثيرة 1225- 1228.
(1/294)

521* ومن جيّد شعره:
إنما متّ والفؤاد عميد ... يوم بانت بودّها حنساء [1]
وفيها يقول:
ليت شعرى وأين منّى «ليت» ... إنّ «ليتا» وإنّ «لوّا» عناء
أىّ ساع سعى ليقطع شربى ... حين لاحت للصابح الجوزاء [2]
واستظلّ العصفور كرها مع الضّ ... بّ وأوفى فى عوده الحرباء
(ونفى الجندب الحصى بكراعي ... هـ وأذكت نيرانها المعزاء [3]
522* ويستجاد من تشبيهه فى الأسد قوله يصفه:
إذا واجه الأقران كان مجنّه ... جبين كتطباق الرّحا اجتاب ممطرا)
__________
[1] العميد: المريض. والبيت من قصيدة ذكر بعضها فى الخزانة 3: 282- 284 والأغانى 4: 181- 182.
[2] البيت والذى بعده فى الحيوان 6: 124 وهو والبيتان بعده ومعها رابع فيه 5: 231- 232 شربى: الشرب، بكسر الشين: النصيب من الماء. الصابح: الذى يسقى الإبل فى أول النهار، والإبل مصبوحة. وانظر أيضا الأغانى 4: 181 والخزانة 3: 283 والأزمنة والأمكنة 2: 266.
[3] البيت فى اللسان 10: 182 الجندب: الجراد الصغير، وكراعاه: رجلاه. المعزاء:
الأرض الغليظة ذات الحجارة.
(1/295)

31- حسان بن ثابت [الأنصارى]
[1] 523* هو حسّان بن ثابت بن المنذر الأنصارىّ، ويكنى أبا الوليد وأبا الحسام. وأمّه الفريعة من الخزرج. وهو جاهلىّ إسلامىّ متقدّم الإسلام، إلّا أنّه لم يشهد مع النبى صلى الله عليه وسلم مشهدا، لأنّه كان جبانا. وكانت له ناصية يسدلها بين عينيه [2] ، وكان يضرب بلسانه روثة أنفه، من طوله [3] ، ويقول: ما يسرّنى به مقول أحد من العرب، والله لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه.
وعاش فى الجاهليّة ستّين سنة وفى الإسلام ستّين سنة، ومات فى خلافة معاوية، وعمى فى آخر عمره.
524* قال الأصمعىّ: الشعر نكد بابه الشرّ، فإذا دخل فى الخير ضعف، هذا حسّان (بن ثابت) فحل من فحول الجاهليّة، فلمّا جاء الإسلام سقط شعره. وقال مرّة أخرى: شعر حسّان فى الجاهليّة من أجود الشعر، فقطع متنه فى الإسلام، لحال النبىّ صلى الله عليه وسلم.
525* وكان حسّان يفد على ملوك غسّان بالشام، وكان يمدحهم.
ومن جيّد شعره قوله فيهم:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل [4]
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل [5]
__________
[1] الزيادة من ب. وترجمته فى كتب الصحابة والخزانة 1: 108- 111 والأغانى 4: 2- 17 والجمحى 52- 53 واللآلى 171- 172.
[2] الناصية: قصاص الشعر فى مقدم الرأس.
[3] روثة الأنف: طرفه من مقدمه، وهى الأرنبة.
[4] مارية: هى بنت الأرقم بن عمرو بن ثعلبة بن جفنة. والبيت فى اللسان 20: 147.
[5] البريص: موضع بدمشق، ورجح ياقوت أنه اسمه الغوطة بأجمعها. بردى: أعظم نهر بدمشق. والبيت فى المعرب 59 وهو والذى قبله فى البلدان 2: 159.
(1/296)

يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
وابن مارية هو الحارث الأعرج بن أبى شمر الغسّانىّ. وكان أثيرا عندهم، ولذلك يقول:
قد أرانى هناك حق مكين ... عند ذى النّاج مقعدى ومكانى
526* ولمّا سار جبلة بن الأيهم إلى بلاد الروم ورد على ملك الروم رسول معاوية، فسأله جبلة عن حسّان، فقال له: شيخ كبير قد عمى، فدفع إليه ألف دينار، وقال: ادفعها إلى حسّان. قال: فلمّا قدمت المدينة ودخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت فيه حسّان بن ثابت، فقلت له: صديقك جبلة يقرأ عليك السلام، قال: فهات ما معك، فقلت: يا أبا الوليد كيف علمت؟
قال: ما جاءتنى منه رسالة قطّ إلّا ومعها شىء. هذا فى بعض الروايات.
527* قال: وحدّثنى ابن أخى الأصمعىّ عن الأصمعىّ عن أهل المدينة قال: بعث الغسّانىّ إلى حسّان بخمس مائة دينار وكسى، وقال للرسول: إن وجدته قد مات فابسط هذه الثياب على قبره واشتر بهذه الدنانير إبلا فانحرها على قبره، فجاء فوجده حيّا فأخبره، فقال: لوددت أنك وجدتنى ميتا!! 528* قال بعض أهل المدينة: ما ذكرت بيت حسان إلّا عدت فى الفتوّة، (وهو قوله) :
أهوى حديث النّدمان فى فلق الصّ ... بح وصوت المغرّد الغرد [1]
529* وولد لحسّان عبد الرحمن، من أخت مارية أمّ إبرهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تسمّى سيرين. وكان عبد الرحمن بن حسّان شاعرا. وكان له ابن يقال له سعيد بن عبد الرحمن.
530* وكانت لحسّان بنت شاعرة، وأرق حسّان ذات ليلة فعنّ له الشعر
__________
[1] الندمان: النديم.
(1/297)

فقال:
متاريك أذناب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع واجتثثنا أصولها
ثم أجبل فلم يجد شيئا [1] ، فقالت له بنته: كأنّك قد أجبلت يا أبه؟! قال: أجل، قالت: فهل لّك أن أجيز عنك؟ قال: وهل عندك ذلك؟
قالت: نعم، قال: فافعلى، فقالت:
مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها
فحمى الشيخ فقال:
وقافية مثل السّنان رزئتها ... تناولت من جوّ السماء نزولها
فقالت:
يراها الّذى لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها
فقال حسّان: لا أقول بيت شعر وأنت حيّة، قالت: أو أومّنك؟ قال:
وتفعلين؟ قالت: نعم، لا أقول بيت شعر ما دمت حيّا.
531* وانقرض ولد حسّان فلم يبق له عقب. وقال حسّان أو ابنه عبد الرحمن: قلت شعرا لم أقل مثله، (وهو) :
وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالما ... من النّاس إلّا ما جنى لسعيد [2]
532* والناس يقولون:
فشرّكما لخيركما الفداء
وهو عجز بيت لحسّان، قال:
أتهجوه ولست له بندّ ... فشرّكما لخيركما الفداء
__________
[1] أجبل: انقطع، من قولهم «أجبل الحافر» إذا أفضى إلى الجبل أو الصخر الذى لا يحيك فيه المعول.
[2] البيت لحسان، وقال ابنه عبد الرحمن بعده بيتا آخر، ثم قال ابن ابنه سعيد بن عبد الرحمن ثالثا. انظر ديوان حسان 141- 142.
(1/298)

32- النمر بن تولب
[1] 533* هو من عكل. وكان شاعرا جوادا، ويسمّى الكيّس، لحسن شعره وهو جاهلىّ، وأدرك الإسلام فأسلم.
وهو القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنّا أتيناك وقد طال السّفر ... (نقود خيلا ضمّرا فيها عسر) [2]
نطعمها الشّحم إذا عزّ الشّجر ... (والخيل فى إطعامها اللّحم ضرر) [3]
534* الشحم: يعنى اللّبن.
وعاش إلى أن خرف وأهتر وألقى على لسانه: اصبحوا الراكب، فألقى رجل على لسانه: افعلوا بالراكب [4] ! فجعل يقولها، وكان له ابن يقال له ربيعة، وهاجر إلى الكوفة.
535* وذكر الأصمعىّ عن حمّاد بن ربيعة بن النّمر [5] أنه قال:
__________
[1] النمر: يضبط فى كثير من الكتب بفتح النون وكسر الميم، وبذلك ضبط فى ل وكذلك ضبطه صاحب القاموس، وحكى أنه يقال فيه أيضا سكون الميم مع فتح النون وكسرها.
ونحن نرجح ضبطه بفتح النون وسكون الميم، فقد نص عليه أبو حاتم قال: «النمر بن تولب، بفتح النون وتسكين الميم ولا يقال النمر» نقله عنه ابن دريد فى الاشتقاق 113 والجمهرة 2: 416 وكذلك نقله عنه الأخفش فى زياداته على الكامل للمبرد 185.
وترجمة النمر فى كتب الصحابة وطبقات ابن سعد ج 7 ق 1 ص 26 والأغانى 19:
157- 162 والمعمرين 63 والجمحى 36- 38 واللآلى 284- 285 والخزانة 1: 152- 156.
[2] من رجز فى الأغانى 19: 159.
[3] تفسير الشحم باللبن شىء نادر جدا، لم أجده إلا للمؤلف ثم وجدت فى اللسان 11:
162 «نعلفها اللحم» وقال: «إنما يعنى أنهم يسقون الخيل الألبان إذا أجدبت الأرض فيقيمها مقام العلف» .
[4] هكذا فى نسخ الكتاب، والذى نقله صاحب الخزانة عنه لفظ أوضح من هذا فى الفحش، فلعل الناسخ كنى عنه بكلمة «افعلوا» .
[5] فى الأغانى 19: 162 «حماد بن الأخطل بن النمر» وهو خطأ أو شذوذ، فإن كل الروايات تذكر أن ابن النمر اسمه «ربيعة» وفى موضع آخر من الأغانى 160 «حماد ابن ربيعة» على الصواب.
(1/299)

أظرف الناس النّمر فى قوله:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوصّ بدعد من يهيم بها بعدى
والناس يروون البيت لنصيب [1] .
536* وممّا يتمثّل به من شعره قوله:
ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الّذى يعطى الرّغائب فارغب
لا تغضبنّ على امرئ فى ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب
537* وقوله:
إذا كنت فى سعد، وأمّك منهم، ... غريبا فلا يغررك خالك من سعد
فإنّ ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
538* ومن جيّد التشبيه قوله فى إعراض المرأة:
فصدّت كأنّ الشّمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب
أخذه المحدث فقال [2] :
يا قمرا للنّصف من شهره ... أبدى ضياء لثمان بقين
539* وممّا يعاب عليه قوله فى وصف سيف:
تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذّراعين والسّاقين والهادى
ذكر أنّه قطع ذلك كلّه ثم رسب فى الأرض، حتّى احتاج إلى أن يحفر عنه! وهذا من الإفراط والكذب [3] .
__________
[1] فى الأغانى 19: 160 «والناس يروون هذا البيت لنصيب وهو خطأ» . وسيأتى فى ترجمة نصيب منسوبا له 243- 244 ل.
[2] يريد أبا نواس، وسيأتى منسوبا إليه فى ترجمته 519 ل.
[3] وللنمر شعر فى الخزانة 2: 164.
(1/300)

33- تأبّط شرّا
[1] 540* هو ثابت بن عمسل [2] . وقال الأصمعى: كان ابن طرفة الهذلىّ.
وهو أعلمهم بتأبّط شرّا وأمره، يقول: هو ثابت بن جابر، وأنشد:
ويل أمّ طرف قتلوا برخمان ... بثابت بن جابر بن سفيان [3]
541* وهو من فهم، وفهم وعدوان أخوان.
وكان شاعرا بئيسا، يغزو على رجليه (وحده) ، وكانت أمّه تؤخّذ بوله إذا غزا [4] ، فأخّذت بوله وقد قتل بحىّ، فعرفت أنّه قد قتل وهذيل تدّعى قتله.
وقد قال فى شعره [5] :
أساف وأفنى ما لديه ابن عمسل [6]
يعنى: نفسه، ولعلّه لقب.
542* ومن جيّد شعره قوله [7] :
يا من لعذّالة خذّالة نشب ... خرّقت باللّوم جلدى أىّ تخراق [8]
__________
[1] ترجمنا له فى أول المفضلية الأول، وترجمته وأخباره فى الأنبارى 1- 2 و 195- 196 والأغانى 18: 209- 218 والاشتقاق 162- 163 والخزانة 1: 66- 67 واللآلى 158- 159.
[2] هكذا فى الأصول، وفى هـ «عميسل» والذى فى سائر المصادر «عميثل» ، والشعر الآتى يرجح ما هنا.
[3] رخمان، بفتح الراء وسكون الخاء المعجمة: موضع فى ديار هذيل. والبيت فى شرح القاموس 1: 101 وأيضا معه آخر فى البلدان 4: 242.
[4] تؤخذ: من التأخيذ، والأخذة، بضم الهمزة: رقية تأخذ العين ونحوها كالسحر، أو خرزة يؤخذ بها النساء الرجال.
[5] له شعر آخر فى البلدان 4: 231.
[6] أساف الرجل: هلك ماله، فهو سيف، وقد ساف المال نفسه يسوف: إذا هلك.
[7] من المفضلية الأولى.
[8] نشب: أى: نشب فى لائمته لا يفارقها.
(1/301)

تقول: أهلكت مالا لو ضننت به ... منّ ثوب عزّ ومن بزّ وأعلاق
(سدّد خلالك من مال تجمّعه ... حتّى تلاقى ما كلّ امرئ لاق)
عاذلتا إنّ بعض اللّوم معنفة ... وهل متاع وإن بقّيته باق
إنّى زعيم لئن لم تتركى عذلى ... أن يسأل الحىّ عنّى أهل آفاق
أن يسأل الحىّ عنّى أهل معرفة ... فلا يخبّرهم عن ثابت لاق [1]
لتقرعنّ علىّ السّنّ من ندم ... إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقى
543* وذكر فى شعره أنه لقى الغول فقتلها، وجعل يصفها:
تقول سليمى لجاراتها ... أرى ثابتا يفنا حوقلا [2]
لها الويل، ما وجدت ثابتا ... ألفّ اليدين ولا زمّلا [3]
ولا رعش الساق عند الجراء ... إذا بادر الحملة الهيضلا [4]
يفوت الجياد بتقريبه ... ويكسو هواديها القسطلا [5]
وأدهم قد جبت جلبابه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا [6]
إلى أن حدا الصّبح أثناءه ... ومزّق جلبابه الأليلا [7]
__________
[1] «معرفة» بحاشية د: «معزبة، بخط الحرانى بالباء» . فتكون من العزوب، بالزاى، وهو الغياب والبعد. وفى الأنبارى 19 أن الرواية الأخرى «مغربة» بفتح الميم والراء وسكون الغين، وفسره بأنه «يبعد فلا يسئل عنه أحد من قومه ولا يسئل عنه إلا الغرباء فلا يعرفونه لشدة تباعده» .
[2] اليفن، بفتح الفاء: الشيخ الفانى. الحوقل: الشيخ إذا فتر عن النكاح.
[3] الزمل: الضعيف الجبان الرذل.
[4] الجراء: المجاراة. الهيضل: الجيش الكثير. والبيت فى اللسان 14: 223 منسوبا لحاجز السروى.
[5] القسطل، بالسين والصاد: الغيار الساطع.
[6] إعجاز القرآن للباقلانى ص 58- 59 والخيعل: الفرو، أو قميص لا كمى له.
والبيت فى اللسان 13: 223 ونسبه لحاجز السروى أيضا. اجتابته: لبسته، يقال «اجتبت القميص والظلام» أى: دخلت فيهما.
[7] ليل أليل: شديد الظلمة.
(1/302)

على شيم نار تنوّرتها ... فبتّ لها مدبرا مقبلا [1]
فأصبحت والغول لى جارة ... فيا جارتا أنت ما أهولا
وطالبتها بضعها فالتوت ... بوجه تهوّل فاستغولا [2]
(فقلت لها: يا انظرى كى ترى ... فولّت فكنت لها أغولا
فطار بقحف ابنة الجنّ ذو ... سفاسق قد أخلق المحملا [3]
إذا كلّ أمهيته بالصّفا ... فحدّ ولم أره صيقلا) [4]
عظاءة قفر لها حلّتا ... ن من ورق الطّلح لم تغزلا [5]
فمن سال أين ثوت جارتى ... فإنّ لها باللّوى منزلا
وكنت إذا ما هممت اعتزمت ... وأحر إذا قلت أن أفعلا
__________
[1] الشيم: النظر إلى النار، شام السحاب والبرق شيما: نظر إليه أين يقصد وأين يمطر، وقيل هو النظر إليهما من بعيد. وهذا البيت والبيتان بعده والبيت الذى أوله «عظاءة قفر» فى الفصول والغايات 388.
[2] هذا البيت والذى قبله والذى قبل الأخير فى الأغانى 18: 210.
[3] القحف، بكسر القاف: العظم فوق الدماغ وما انفلق من الجمجمة فبان، ولا يدعى قحفا حتى يبين أو ينكسر منه شىء. ذو سفاسق: هو السيف، وهى طرائقه التى يقال لها الفرند، الواحدة «سفسقة» بكسر السينين.
[4] أمهيته: أحددته ورققته، يقال «أمهى الحديدة» : سقاها الماء وأحدها.
[5] العظاءة: دويبة معروفة على خلقة سام أبرص، أعيظم منها شيئا.
(1/303)

34، 35- مزرد والشماخ
[1] 544* هما ابنا ضرار.
ويقال إنّما سمّى مزرّدا [2] لقوله فى زبدة الزّقّ:
فجاءت بها صفراء ذات أسرّة ... تكاد عليها ربّة النّحى تكمد [3]
فقلت: تزرّدها عبيد فإنّنى ... لدرد الشّيوخ فى السّنين مزرّد [4]
545* وهو القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
تعلّم رسول الله أنّا كأنّنا ... أفأنا بأنمار ثعالب ذى غسل [5]
تعلّم رسول الله لم أر مثلهم ... أجرّ على الأدنى وأحرم للفضل
يعنى أنمار بن بغيض، وهم رهطه، فهو أحد من هجا قومه، وهو ممّن يهجو الأضياف ويمنّ عليهم بما قراهم به [6] .
__________
[1] ترجمتهما فى كتب الصحابة والاشتقاق 174. وترجمة مزرد فى المرزبانى 496- 497 والمؤتلف 190 واللآلى 83 والخزانة 2: 117. وترجمة الشماخ فى الجمحى 21 والأغانى 8: 97- 104 والمؤتلف 138 واللآلى 58- 59 والخزانة 1: 526.
[2] واسمه «يزيد» ومزرد لقب.
[3] النحى: الزق الذى يجعل فيه السمن خاصة. تكمد: يتغير لونها ويذهب صفاؤه.
[4] تزردها: ازدردها وابتلعها. الدرد: جمع «أدرد» وهو الذى ليس فى فمه سن.
والبيت فى الاشتقاق 174 والإصابة 6: 85 والخزانة 2: 117، وهو والذى قبله فى المؤتلف 190. وهى أربعة أبيات فى الأنبارى 127.
[5] تعلم: أعلم. ذو غسل، بكسر الغين وسكون السين: موضع يدعى «ذات غسل» .
والبيت نسبه فى الأغانى 8: 98 للشماخ، ولكن ذكر الحافظ فى الإصابة 6: 85 البيتين ونسبهما لمزرد، وقبل ذلك ذكرهما 3: 210 ونسبهما للشماخ. وجزم ابن عبد البر فى الاستيعاب وابن الأثير فى أسد الغابة بأنهما لمزرد.
[6] وهم صاحب الخزانة هنا وهما عجيبا 1: 526، فنقل هذا الوصف الذى وصف به مزرد، فجعله وصفا للشماخ!
(1/304)

546* وأمّه وأمّ الشّمّاخ من ولد الخرشب، وفاطمة بنت الخرشب هى أمّ ربيع بن زياد وإخوته العبسيّين، الذين يقال لهم الكملة [1] ، واسمها معاذة بنت خلف [2] ، وتكنى أمّ أوس.
547* ويقال إن اسم الشمّاخ معقل بن ضرار.
(وهو من أوصف الشعراء للقوس والحمر [3] ، قال يصف القوس:
وذاق فأعطته من اللّين جانبا ... كفى، ولها أن يغرق السّهم حاجز [4]
إذا أنبض الرّامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلى أوجعتها الجنائز [5]
548* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافى الرّجل، فى الأمعز، الوجى [6]
__________
[1] بنات الخرشب يقال «إنهن أنجب نساء العرب» كما فى الأغانى 8: 98. و «الخرشب» لقب، واسمه عمرو بن نصر بن حارثة بن طريف بن أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان. والكملة الأربعة أبناء فاطمة بنت الخرشب هم: عمارة الوهاب والربيع وأنس وقيس، وأبناء زياد العبس وفاطمة هى أخت سلمة بن الخرشب وله المفضليتان 5، 6.
[2] فى الأغانى 8: 98 «معاذة بنت بجير بن خالد بن إياس» وفى الإصابة 3: 210 «معاذة بنت بجير بن خلف» .
[3] فى الخزانة 1: 526 «يروى أن الوليد بن عبد الملك أنشد شيئا من شعره فى وصف الحمير، فقال: ما أوصفه لها، إنى لأحسب أن أحد أبويه كان حمارا» !!
[4] ذاق: الذوق معروف، وأراد به هنا أنه خبرها، يقال «ذق هذه القوس» أى انزع فيها لتخبر لينها من شدتها. أن يغرق السهم: الإغراق فى النزع: أن يأتى النزع على الرصاف كله وينتهى إلى كبد القوس، وربما قطع يد الرامى. حاجز: يريد أن لها حاجزا يمنع من الإغراق، أى فيها لين وشدة. والبيت فى اللسان 11: 401 والحيوان 5: 29.
[5] أنبض: الإنباض أن تمد الوتر ثم ترسله فتسمع له صوتا. والبيت فى اللسان 7:
189. والبيتان من قصيدة فى ديوانه 49، وهذه القصيدة سيأتى 416 ل قول الأصمعى فيها: «ما قيلت قصيدة على الزاى من قصيدة الشماخ فى صفة القوس، ولو طالت قصيدة المتنخل كانت أجود» .
[6] تخامص: تتخامص، أى: تتجافى عن المشى. الأمعز: الأرض الخزنة الغليظة ذات الحجارة. الوجى: الحافى، وهو هنا صفة للحافى. يريد أن هذه المرأة يؤذيها الودع الذى فى وشاحها ببرده، فتتجافى عنه فى مشيها. والبيت من قصيدة فى ديوانه 7 واللسان 8: 297.
(1/305)

أخذه ذو الرّمّة فقال يصف إبلا:
تشكو الوجى وتجافى عن سفائفها ... تجافى البيض عن برد الدّماليج) [1]
549* وهو أوصف الشعراء للقوس، وكذلك أوس بن حجر فى وصف القوس.
550* والشمّاخ أوصف الشعراء للحمير، وأرجز الناس على بديهة، نزل فى سفر كان فيه فرجز وحدا بالقوم فقال [2] :
لم يبق إلّا منطق وأطراف ... وريطتان وقميص هفهاف
وشعبتا ميس براها إسكاف ... يا ربّ غاز كاره للإيجاف
أغدر فى الحىّ برود الأصياف ... مرتجّة البوص خضيب الأطراف
ثم ترك هذا الرّوىّ وأخذ فى روىّ آخر فقال:
لمّا رأتنا واقفى المطيّات ... قامت تبدّى لى بأصلتيّات
غرّ أضاء ظلمها الثّنيّات ... خود من الظّعائن الضّمريّات
حلّالة الأودية الغوريّات ... صفىّ أتراب لها حييّات
مثل الأشاءات أو البرديّات ... أو الغمامات أو الوديّات
أو كظباء السّدر العبريّات ... يحضنّ بالقيظ على ركيّات
من الكلى فى خسف رويّات [3] ... وضعن أنماطا على زربيّات
ثمّ جلسن بركة البختيّات ... من راكب يهدى لنا التّحيّات
__________
[1] السفائف: جمع سفيفة، وهى بطان عريض يشد به الرحل. الدماليج: جمع دملج ودملوج، بضم الدال فيهما، وهو المعضد، يعنى: كالسوار يلبس فى العضد.
[2] مضت القصة 93- 94 وهى مطولة فى الديوان 98- 117 وفيها حداء للشماخ ولغيره، تباروا فيه.
[3] لم يمض هذا البيت. الخسف، بضمتين: جمع خسوف وخسيف، بفتح الخاء فيهما، وهى البئر حفرت فى حجارة فلم ينقطع لها مادة لكثرة مائها.
(1/306)

أروع خرّاج من الداويّات ... جوّاب ليل منجر العشيّات [1]
يبيت بين الشّعب الحاريّات [2] ... يسرى إذا نام بنو السّريّات
551* وممّا يتمثّل به من شعره قوله فى رجز آخر حدا به [3] :
ليس بما ليس به باس باس ... ولا يضرّ البرّ ما قال النّاس
552* وكان الشمّاخ جاهليّا إسلاميا.. وقال الحطيئة: أبلغوا الشمّاخ أنّه أشعر غطفان.
553* وكان (الشمّاخ) خرج يريد المدينة فصحب عرابة بن أوس الأنصارىّ، فسأله عرابة عمّا يريد بالمدينة، فقال: أردت أن أمتار لأهلى، وكان معه بعيران، فأنزله وأكرمه وأوقر له بعيريه تمرا وبرّا، فقال فيه:
رأيت عرابة الأوسىّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين [4]
554* وأخوهما جزء بن ضرار، وهو القائل فى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه:
عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزّق [5]
__________
[1] ولم يمض هذا أيضا. منجر العشيات: من قولهم: «نجر الإبل ينجرها نجرا» ساقها سوقا شديدا. والبيت فى اللسان 7: 47.
[2] وكذلك لم يمض هذا. الشعب: ما بين قرنى الرحل. الحاريات: نسبة إلى الحيرة على غير قياس، وهى أنماط نطوع تعمل بالحيرة تزين بها الرحال. وهذا البيت والذى بعده فى اللسان 5: 306.
[3] هو من المباراة فى الرجز، التى أشرنا آنفا أنها فى الديوان، وهو أيضا فى اللآلى 59.
[4] هو عرابة بن أوس بن قيظى الأوسى، صحابى ابن صحابى، شهد مع رسول الله غزوة الخندق، ولم يشهد أحدا، كانت سنه إذا ذاك أربع عشرة سنة وخمسة أشهر، فلم يأذن له رسول الله أن يشهدها لذلك. والبيتان من قصيدة فى الديوان 96- 97 وهما فى ابن سعد ج 4 ق 2 ص 84 والإصابة 3: 211 والبيت الأخير فيها 4: 234 وهما فى أبيات فى الكامل 113، 645.
[5] جزء هذا شاعر مخضرم، وله ترجمة فى الإصابة وفيها البيت 1: 273، والبيت أيضا فى الاشتقاق 174، وفيه «من إمام» وهو يوافق ما فى س ف. وهو فى أبيات فى الأغانى 8: 98، 99 وانظر طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 241، 272.
(1/307)

36- ربيعة بن مقروم
[1] 555* هو من ضبّة، جاهلىّ إسلامىّ، وشهد القادسيّة وجلولاء. وهو من شعراء مضر المعدودين. وكانت عبد القيس أسرته ثم منّت عليه بعد دهر.
وهو القائل [2] :
وواردة كأنّها عصب القطا ... تثير عجاجا بالسّنابك أصهبا [3]
وزعت بمثل السّيد نهّد مقلّص ... جهيز إذا عطفاه ماء تحلّبا [4]
ومربأة أوّفيت جنح أصيلة ... عليها كما أوفى القطامىّ مرقبا [5]
ربيئة جيش أو ربيئة مقنب ... إذا لم يقد وغل من القوم مقنبا [6]
فلمّا انجلى عنّى الظّلام رفعتها ... يشبّهها الرّائى سراحين لغّبا
556* وهو القائل:
نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق [7]
أخذه من قيس بن الخطيم، أو أخذه قيس منه. قال قيس:
__________
[1] ترجمنا له فى المفضلية 38 وله أيضا المفضليات 39، 43، 113. وله ترجمة فى الاشتقاق 123 والإصابة 2: 220 والأغانى 19: 90- 93 ومضى له شعر 113- 114.
[2] هى الأبيات 8، 9، 15- 17 من المفضلية 113.
[3] الواردة: قطع من الخيل، شبهها فى سرعتها بجماعات القطا.
[4] وزعت: كففت. السيد: الذئب، شبه به فرسه. جهيز: خفيف سريع العدو.
[5] المربأة: الجبل يربأ عليه الطليعة. أوفيت: علوت. الأصيلة: العشية، وجنحها: ميلها وتوليها عند الغروب. القطامى: الصقر.
[6] المقنب: أقل من الجيش.
[7] هكذا نسب البيت لربيعة بن مقروم، والصحيح أنه من قصيدة لكعب بن مالك الأنصارى، فى سيرة ابن هشام 705، 706 والخزانة 3: 22. وكذلك نسبه المرزبانى 342 لكعب بن مالك
(1/308)

إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب [1]
__________
[1] «فنضارب» بكسر الباء، وضبط فى ل بضمها، وهو خطأ، فقد نص فى الخزانة على الكسر للروى، وأن البيت من قصيدة مجرورة، وأنه من شواهد سيبويه على أن «إذا» جازمة للشرط والجزاء فى ضرورة الشعر. وهذا المعنى أخذه هذان الشاعران وغيرهم من قول الأخنس بن شهاب التغلبى الجاهلى القديم:
وإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى القوم الذين نضارب
وهذا من قصيدة مرفوعة. وكل هؤلاء سرقوا المعنى، بل اللفظ أحيانا من الأخنس، وفى الخزانة: «وهذا هو الصحيح، لأنه قاله قبل أن يخلق هؤلاء بدهر» .
وانظر الخزانة 3: 24، 164- 169 والكامل 101.
(1/309)

37- الحطيئة
[1] 557* هو جرول بن أوس، من بنى قطيعة بن عبس، ولقّب الحطيئة لقصره وقربه من الأرض [2] . ويكنى أبا مليكة، وكان راوية زهير. وهو جاهلىّ إسلامىّ، ولا أراه أسلم إلّا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّى لم أسمع له بذكر فيمن وفد عليه من وفود العرب، إلّا أنّى وجدته يقول فى أوّل خلافة أبى بكر رضى الله عنه حين ارتدّت العرب [3] :
أطعنا رسول الله إذ كان حاضرا ... فيا لهفتى ما بال دين أبى بكر
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك، وبيت الله، قاصمة الظّهر
وقد يجوز أن يكون أراد بقوله «أطعنا رسول الله» قومه أو العرب، وكيف ما كان فإنّه كان رقيق الإسلام، لئيم الطبع [4] .
__________
[1] ترجمته فى أول ديوانه صنعة أبى الحسن السكرى، وفى الاشتقاق 170 والأغانى 2:
41- 59 و 16: 38- 40 واللآلى 80 والخزانة 1: 408- 412 والإصابة 2: 63- 64 والجمحى 21- 26.
[2] زاد فى الاشتقاق: «تشبيها بالقملة الصغيرة، يقال لها حطأة» .
[3] البيتان فى الأغانى والخزانة وغيرهما، وهما فى تاريخ الطبرى 3: 223 فى سبعة أبيات منسوبة للخطيل بن أوس أخى الحطيئة.
[4] فى الأغانى 2: 41: «هو من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم فى جميع فنون الشعر، من المديح والهجاء والفخر والنسيب، مجيد فى ذلك أجمع، وكان ذا شر وسفه، ونسبه متدافع بين قبائل العرب، وكان ينتمى إلى كل واحدة منها إذا غضب على الآخرين» . وفيه أيضا 2: 43- 44 عن الأصمعى: «كان الحطيئة جشعا سؤولا ملحفا، دنىء النفس، كثير الشر قليل الخير، بخيلا، قبيح المنظر رث الهيئة، مغموز النسب فاسد الدين، وما تشاء أن تقول فى شعر شاعر من عيب إلا وجدته، وقلما تجد ذلك فى شعره» . وفيه 44 عن محمد بن سلام وأبى عبيدة قالا: «كان الحطيئة متين الشعر شرود القافية، وكان دنىء النفس، وما تشاء أن تطعن فى شعر شاعر إلا وجدت فيه مطعنا، وما أقل ما تجد ذلك فى شعره» .
(1/310)

558* ومن المشهور عنه أنّه قيل له حين حضرته الوفاة: أوص يا أبا مليكة، فقال: مالى للذكور (من ولدى) دون الإناث، فقالوا: إنّ الله لم يأمر بهذا، فقال: لكنّى آمر به! ثم قال: ويل للشّعر من الرّواة السّوء، وقيل له:
أوص للمساكين بشىء، فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا، فإنّها تجارة لن تبور! وقيل له: أعتق عبدك يسارا، فقال: اشهدوا أنه ما بقى (عبسىّ) ! وقيل له: فلان اليتيم ما توصى له (بشىء) ؟ فقال أوصى بأن تأكلوا ماله وتنيكوا أمّه! قالوا: فليس إلّا هذا؟! قال: احملونى على حمار، فإنّه لم يمت عليه كريم، لعّلى أنجو! ثم تمثّل:
لكلّ جديد لذّة غير أنّنى ... رأيت جديد الموت غير لذيذ [1]
(له خبطة فى الخلق ليست بسكّر ... ولا طعم راح يشتهى ونبيذ)
559* ومات مكانه.
وكان هجا أمّه وأباه ونفسه، فقال فى أمّه:
تنحّى فاقعدى منّى بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
ألم أوضح لك البغضاء منى ... ولكن لا إخالك تعقلينا
أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا [2]
جزاك الله شرّا من عجوز ... ولقّاك العقوق من البنينا [3]
(حياتك ما علمت حياة سوء ... وموتك قد يسرّ الصّالحينا)
__________
[1] فى الأغانى 2: 57 أنهم لما ألحوا عليه فى الإيصاء مما ينفعه قال: «أبلغوا أهل ضابئ أنه شاعر حيث يقول» فذكر هذا البيت، يريد ضابئ بن الحرث البرجمى وكذلك فى الخزانة 1: 411.
[2] الكانون: الثقيل الذى يجلس حتى يتحصى الأخبار والأحاديث لينقلها. والبيت فى اللسان 17 243.
[3] القصيدة مذكورة فى الأغانى 2: 43 عدا هذا البيت، فإنه ذكر فيه مطلع قصيدة أخرى أربعة أبيات مكسورة النون، والبيت فى ديوانه فى القصيدتين 61 وهو فى اللسان 17:
18 مكسور النون مع آخر.
(1/311)

وقال لأبيه:
لحاك الله ثم لحاك حقّا ... أبا ولحاك من عمّ وخال
فنعم الشّيخ أنت لدى المخازى ... وبئس الشّيخ أنت لدى المعالى
جمعت اللّؤم، لا حيّاك ربّى، ... وأبواب السّفاهة والضّلال
وقال لنفسه:
أبت شفتاى اليوم إلّا تكلّما ... بسوء، فما أدرى لمن أنا قائله [1]
أرى لى وجها شوّه الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله
560* وقال عبد الرحمن بن أبى بكرة: رأيت الحطيئة بذات عرق [2] ، فقلت له: يا أبا مليكة، أىّ الناس أشعر؟ فأخرج لسانا دقيقا كأنّه لسان حيّة، فقال: هذا إذا طمع.
561* ودخل على عتيبة بن النّهّاس العجلىّ فى عباءة، فلم يعرفه عتيبة، ولم يسلّم عليه، فقال: أعطنى، فقال له عتيبة: ما أنا فى عمل فأعطيك من غدده [3] ، وما فى مالى فضل عن قومى. فانصرف الحطيئة، فقال له رجل من قومه: عرّضتنا للشرّ، هذا الحطيئة! قال: ردّوه، فردّوه، فقال له عتيبة:
إنّك لم تسلّم تسليم أهل الإسلام، ولا استأنست استئناس الجار، ولا رحّبت ترحيب ابن العمّ، وكتمتنا نفسك كأنّك كنت معتلّا! قال: هو ذاك، قال:
اجلس فلك عندنا ما تحبّ، (فجلس) ، ثم سأله. من أشعر العرب؟ فقال:
الذى يقول:
__________
[1] «بسوء» هو ما فى ب د وهو الموافق للخزانة 1: 410، وفى س هـ ب والأغانى 2:
44 «بشر» .
[2] ذات عرق: الحد بين نجد وتهامة، وهى مهل أهل العراق.
[3] غدده، بالغين المعجمة: يريد من خيره وفضله، وأصل الغدة السلعة يركبها الشحم.
وفى الأغانى 2: 45 «من عدده» بالعين المهملة، وما هنا أجود، وهو الموافق للخزانة 1: 410.
(1/312)

ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم [1]
يعنى زهيرا [2] ، قال: ثم من؟ قال: الذى يقول:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب [3]
يعنى عبيدا، قال: ثمّ من؟ قال: أنا، قال عتيبة لغلامه: اذهب به إلى السّوق فلا يشيرنّ إلى شىء ولا يسومنّ به إلّا اشتريته له، فانطلق به الغلام، فعرض عليه اليمنة والخزّ وبياض مصر والمروىّ، فلم يرد ذلك، وأشار إلى الأكسية والكرابيس الغلاظ والعباء، فاشترى له منها بمائتى درهم، واشترى له قطفا، وأوقر له راحلة من تمر وراحلة من برّ، ثم قال له: حسبك، فقال له الغلام: إنّه قد أمرنى أن أبسط يدى لك بالنفقة ولا أجعل لك علّة، فقال:
لا حاجة لقومى فى أن تكون لهذا عليهم يد أعظم من هذه، فانصرف الغلام إلى عتيبة فأخبره بذلك، وقال الحطيئة:
سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد
وأنت امرؤ لا الجود منك سجيّة ... فتعطى، وقد يعدى على النّائل الوجد [4]
562* وأتى الحطيئة مجلس سعيد بن العاصى، وهو على المدينة يعشّى الناس، فلمّا فرغ (الناس من طعامهم) وخفّ من عنده، نظر فإذا رجل قاعد على البساط قبيح الوجه كبير السنّ سيّئ الهيئة، وجاء الشّرط ليقيموه، فقال سعيد: دعوه، وخاضوا فى أحاديث العرب وأشعارهم، وهم لا يعرفونه، فقال لهم الحطيئة: ما أصبتم جيّد الشعر، قال له سعيد: وعندك من ذلك علم؟ قال:
__________
[1] يفره: يجعله وافرا.
[2] فى الأغانى: «فقال له عتبة: إن هذا من مقدمات أفاعيك» .
[3] مضى البيت فى أبيات 261.
[4] انظر الديوان 90- 91.
(1/313)

قال: نعم، قال: فمن أشعر الناس؟ قال: الذى يقول:
لا أعدّ الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام [1]
يعنى أبا دؤاد قال: ثم من؟ قال: الذى يقول:
أفلح بما شئت فقد يبلغ بال ... ضّعف وقد يخدع الأريب [2]
قال: ثم من؟ قال: فحسبك والله بى عند رغبة أو رهبة، إذا رفعت إحدى رجلىّ على الأخرى ثم عويت عواء الفصيل فى إثر القوافى [3] ، قال:
ومن أنت؟ قال: أنا الحطيئة، فرحّب به سعيد، وقال له: قد أسأت فى كتمانك إيّانا نفسك منذ الليلة، وقد علمت شوقنا إليك وإلى حديثك، (ومحبّتنا لك، وأكرمه وأحسن إليه، فقال [4] :
لعمرى لقد أضحى على الأمر سائس ... بصير بما ضرّ العدوّ أريب
سعيد، فلا يغررك خفّة لحمه ... تخدّد عنه اللّحم فهّو صليب [5]
إذا غبت عنّا غاب عنّا ربيعنا ... ونسقى الغمام الغرّ حين تؤوب
فنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... إذا الرّيح هبّت والمكان جديب)
563* ومرّ الحطيئة بالنّضّاح بن أشيم الكلبىّ ومعه بناته، فقال له النضّاح:
إنّ لنا جدة ولك علينا كرامة، فمرنا بما تحبّ نأته، (وانهنا عمّا شئت تكرهه نجتنبه) ، فقال: وريت زبك نادى [6] ، أنا أغير الناس قلبا، وأشعر الناس
__________
[1] البيت من الأصمعية 65 وقد مضى فى أبيات 232.
[2] هو لعبيد بن الأبرص، وقد مضى فى أبيات 269. والثابت هنا «أفلح» أمر من الرباعى وهناك «افلح» أمر من الثلاثى.
[3] انظر ما مضى 143، 144 والأغانى 2: 45 و 16: 38- 40.
[4] من قصيدة فى ديوانه 42- 43.
[5] تخدد اللحم: هزل ونقص، والمتخدد: المهزول.
[6] ورت الزناد: إذا خرجت نارها، ووريت: إذا صارت وارية، وهذا مثل، يريد أنه أنجح فى أمره وأدرك ما طلب، وقالوا «هو أوراهم زندا» يضرب مثلا للنجاح والظفر.
(1/314)

لسانا، فانه بنيك أن يسمعوا بناتى الغناء: فإنّ الغناء رقية الزّنا، وكان للنضّاح سبعة بنين، فقال له: لا تسمع غناء رجل منهم ما كنت عندنا، ونهى بنيه أن يمرّوا ببابه، فأقام عنده سنة، فلمّا أراد أن يرحل قال للنضّاح: زوّج بعض بنيك بعض بناتى، فقال النضّاح لابنه كعب ذلك، فقال كعب: لو عرضها (علىّ) بشسع نعل ما أردتها! (قال: ولم، قال: أكره لسانه) . وكان فى ولد النضّاح الغناء، منهم زمام بن خطام بن النضّاح، كان أجود الناس غناء بدويّا، وفيه يقول الصّمّة القشيرىّ:
دعوت زماما للهوى فأجابنى ... وأىّ فتى للهو بعد زمام [1]
564* وكان الحطيئة جاور الزّبرقان بن بدر، فلم يحمد جواره، فتحوّل عنه إلى بغيض، فأكرم جواره، فقال يهجو الزبرقان ويمدح بغيضا [2] :
ما كان ذنب بغيض أن رأى رجلا ... ذا حاجة عاش فى مستوعر شاس
جارا لقوم أطالوا هون منزله ... وغادروه مقيما بين أرماس [3]
ملّوا قراه وهرّته كلابهم ... وجرّحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسى
__________
[1] س ب «مثل زمام» . والصمة هو ابن عبد الله بن الطفيل بن قرة بن هبيرة القشيرى، شاعر إسلامى بدوى مقل، من شعراء الدولة الأموية. له ترجمة فى الأغانى 5: 124- 127 والمؤتلف 144- 145 وجده قرة بن هبيرة صحابى مترجم فى الإصابة 5: 238- 240.
[2] هو بغيض بن عامر بن شماس بن لأى بن أنف الناقة، كان من رؤساء بنى تميم فى الجاهلية وأدرك الإسلام، ولم يرد فى شىء من الطرق أنه وفد على النبى صلى الله عليه وسلم. انظر ترجمته فى الإصابة 1: 180- 181 وفيها إشارة إلى هذه القصة، وهى مفصلة فى الأغانى 2: 49- 53. والأبيات من قصيدة فى الديوان 52- 55.
[3] شاس: يقال «مكان شأس وشاز» خشن من الحجارة، أو غليظ، وتسهل الهمزة، مثل «كاس» فى «كأس» .
(1/315)

فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأنشده آخر الأبيات [1] ، فقال له عمر: ما أعلمه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا؟! (قال:
إنّه لا يكون فى الهجاء أشدّ من هذا) ، ثم أرسل إلى حسّان بن ثابت، فسأله عن ذلك، فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه! فحبسه عمر، وقال: يا خبيث لأشغلنّك عن أعراض المسلمين، فقال وهو محبوس [2] :
ماذا أردت لأفراخ بذى مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر [3]
ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
فرقّ له عمر وخلّى سبيله، وأخذ عليه ألّا يهجو أحدا من المسلمين.
565* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله:
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تحتلب إلّا نهارا ضجورها [4]
أخذه ابن مقبل فقال:
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم [5]
__________
[1] قال أبو عمرو بن العلاء: «لم تقل العرب بيتا قط أصدق من قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وهو من هذه القصيدة» .
[2] البيتان فى الأغانى فى أبيات. وهما أيضا فى الإصابة 2: 63 وهما فى الديوان 80- 81 ومعهما آخران.
[3] ذو مرخ: موضع. والبيت فى البلدان 8: 20.
[4] عوازب: يصف إبلا عازبة مخصبة. النبوح: النباح. الضجور: الناقة التى ترغو عند الحلب. يريد أن هذه الإبل بعيدة فى مرعاها لا تقرب الحضر فتسمع أصوات أهله، وأنها غزار لا تعتم، فإنما تحلب نهارا.
[5] سيأتى 276 ل منسوبا لطفيل الغنوى وأن الحطيئة أخذه منه والحول المجرم: التام المكمل.
(1/316)

37- النجاشى الحارثى [1]
566* هو قيس بن عمرو بن مالك، من بنى الحارث بن كعب، وكان فاسقا رقيق الإسلام.
567* وخرج فى شهر رمضان على فرس له بالكوفة يريد الكناسة [2] ، فمر بأبى سمّال الأسدىّ [3] فوقف عليه [4] ، فقال: هل لك فى رؤوس حملان فى كرش فى تنّور من أوّل الليل إلى آخره، قد أينعت وتهرّأت؟! فقال له:
(ويحك) ، أفى شهر رمضان (تقول هذا) ؟! قال: ما شهر رمضان وشوّال إلّا واحدا! قال: فما تسقينى عليها؟ قال: شرابا كالورس، يطيّب النّفس، ويجرى فى العرق، ويكثر الطّرق [5] ، ويشدّ العظام، ويسهّل للفدم الكلام، فثنى رجله فنزل، فأكلا وشربا، فلمّا أخذ فيهما الشراب تفاخرا، فعلت
__________
[1] ترجمته فى الإصابة 6: 263- 264 والاشتقاق 239 واللآلى 890- 891 والخزانة 4: 368، وله شعر فى تاريخ الطبرى 4: 264.
[2] الكناسة، بضم الكاف: محلة بالكوفة.
[3] له ذكر وشعر فى نسب قريش لمصعب الزبيرى ص 9.
[4] اسمه «سمعان بن هبيرة بن مساحق» له ترجمة فى الإصابة 3: 169- 170 والمؤتلف 137 والمعمرين 50- 51. و «سمال» بفتح السين المهملة وتشديد الميم وآخره لام.
وفى الخزانة «بأبى سماك العدوى» وهو الموافق لما فى س ف، وهو خطأ، فإن «أبا السمال العدوى» باللام أيضا لا بالكاف، وهو رجل من الأعراب مقرئ تروى عنه حروف من القراءات، كما فى شرح القاموس 7: 381 والمشتبه 273 وطبقات القراء 2614 وهو غير هذا الأسدى الشاعر. وأخطأ الذهبى فى المشتبه إذ جعل أبا السمال الأسدى الشاعر غير أبى السمال صاحب هذه القصة، وهو هو، كما فى سائر الروايات. وفى الأغانى 7: 21 قصة فيها ذكر «أبى بجير بن سماك الأسدى» و «ابن النجاشى» ظن مصحح ل أن لها علاقة بما هنا، وهو وهم، فهما شخصان آخران.
[5] أصل «الطرق» للإبل، يقال «طرق الفحل الناقة» أى قعا عليها وضربها، فاستعاره للإنسان، قال فى اللسان: «وقد يجوز أن يكون الطرق وضعا فى الإنسان، فلا يكون مستعارا» .
(1/317)

أصواتهما، فسمع ذلك جار لهما، فأتى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه فأخبره، فبعث فى طلبهما، فأمّا أبو سمّال فشقّ الخصّ ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشىّ، فأتى به علىّ بن أبى طالب فقال له: ويحك، ولداننا صيام وأنت مفطر؟! فضربه ثمانين سوطا وزاده عشرين (سوطا) ، فقال له: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ فقال: (هذه) لجرأتك على الله فى شهر رمضان، ثم وقفه للناس ليروه فى تبّان، فهجا أهل الكوفة فقال [1] :
إذا سقى الله قوما صوب غادية ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا
التّاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشطّى دجلة البقرا
(والسارقين إذا ما جنّ ليلهم ... والطالبين إذا ما أصبحوا السّورا)
وقال:
ضربونى ثمّ قالوا قدر ... قدر الله لهم شرّ القدر
568* وكان هجا بنى العجلان، فاستعدوا عليه عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فقال: ما قال فيكم؟ فأنشدوه [2] :
إذا الله عادى أهّل لؤم ورقة ... فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل [3]
__________
[1] الأبيات ومعها رابع فى البلدان 7: 299، والبيتان الأولان فى الخزانة 4: 368.
[2] القصة أشير إليها فى حماسة ابن الشجرى 131- 132 والعمدة 1: 37- 38 والإصابة 1: 195 و 6: 264 والخزانة 1: 113 وذكرت الأبيات مع بعض اختلاف فى رواياتهم.
[3] سيأتى البيت 276 ل وابن مقبل: هو تميم بن أبى بن مقبل، ستأتى ترجمته 276- 278 ل وقال الجمحى 34: «تميم بن أبى بن مقبل شاعر خنذيذ، مغلب عليه النجاشى، ولم يكن إليه فى الشعر، وقد قهره فى الهجاء، فقال
إذا الله عادى أهل لؤم ودقة
. هكذا بالدال، وهى هنا بالراء يريد أن أحسابهم رقيقة ضعيفة، وبالدال:
أنها دقيقة خسيسة، كأنه ينظر إلى قول عمرو بن الأهتم فى المفضلية 23: 23 وبعض الوالدين دقيق.
(1/318)

فقال عمر: إنّما دعا، فإنّ كان مظلوما استجيب له، وإنّ كان ظالما لم يستجب له، قالوا: وقد قال أيضا:
قبيّلة لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل
فقال عمر: ليت آل الخطّاب هكذا! قالوا: وقد قال أيضا:
ولا يردون الماء إلّا عشيّة ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل [1]
فقال عمر: ذلك أقلّ للّكاك [2] ! قالوا: وقد قال أيضا:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كعب وعوف ونهشل
فقال عمر: أجنّ القوم موتاهم فلم يضيّعوهم! قالوا: وقد قال:
وما سمّى العجلان إلا لقيلهم ... خذ القعب واحلب أيّها العبد واعجل [3]
فقال عمر: خير القوم خادمهم (وكلّنا عبيد الله) !! ثم بعث إلى حسّان والحطيئة، وكان محبوسا عنده، فسألهما، فقال حسّان مثل قوله فى شعر الحطيئة، فهدّد (عمر) النجاشىّ وقال له: إن عدت قطعت لسانك.
569* وهو القائل فى معاوية:
ونجّى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجشّ هزيم والرّماح دوانى [4]
__________
[1] البيت فى اللآلى 789 غير منسوب.
[2] اللكاك، بكسر اللام: الزحام. وفى العمدة «للسكاك» بالسين، وهو تحريف.
[3] القعب: القدح الضخم الغليظ الجافى.
[4] العلالة: بقية الفرس، يريد أن يحفظ من قوته فى العدو، جريا بعد جرى مثل علل الماء. الأجش: الغليظ الصوت فى صهيلة، وهو مما يحمد فى الخيل. الهزيم من الخيل: الشديد الصوت. والبيت فى اللسان 8: 161 و 16: 92 والجمهرة 1: 52 وهو فى الأغانى 12: 73 مع بيت آخر له مضى 80 وهو فى الاشتقاق 179 غير منسوب.
(1/319)

فلمّا بلغ الشعر معاوية رفع ثندؤتيه [1] وقال: لقد علم الناس أن الخيل لا تجرى بمثلى، فكيف قال هذا؟! ومن جيّد شعره قول لمعاوية [2] :
يا أيّها الملك المبدى عداوته ... روّىء لنفسك أىّ الأمر تأتمر
وما شعرت بما أضمرت من حنق ... حتّى أتتنى به الأخبار والنّذر [3]
فإن نفست على الأقوام مجدهم ... فابسط يديك فإنّ الخير يبتدر
واعلم بأنّ علىّ الخير من نفر ... شمّ العرانين لا يعلوهم بشر
نعم الفتى أنت، إلّا أنّ بينكما ... كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر [4]
وما إخالك إلا لست منتهيا ... حتّى يمسّك من أظفاره ظفر
إنى امرؤ قلّ ما أثنى على أحد ... حتى أرى بعض ما يأتى وما يذر [5]
لا تمدحنّ امرأ حتّى تجرّبه ... ولا تذمّنّ من لم يبله الخبر
571* وهجا قريشا- لعنه الله- فقال [6] :
إنّ قريشا والإمامة كالّذى ... وفى طرفاه بعد أن كان أجدعا
وحقّ لمن كانت سخينة قومه ... إذا ذكر الأقوام أن يتقنّعا [7]
__________
[1] الثندؤة: فى اللسان: «قال ابن السكيت: هى اللحم الذى حول الثدى، إذا ضممت أولها همزت، فتكون فعللة، فإذا فتحته لم تهمز، فتكون فعلوة، مثل ترقوة وعرقوة» . وفيه أيضا عن أبى عبيدة أن رؤبة كان يهمزها وأن العرب لا تهمزها.
[2] من قصيدة فى كتاب وقعة صفين 424. والأبيات فى الخزانة 4: 368.
[3] شعر: بابه «نصر» و «كرم» ، وضبط فى ل بكسر العين، وهو خطأ.
[4] فى الخزانة «نعم الفتى هو» وما هنا أجود فى المعنى والسياق.
[5] قلما: رسمت هنا «قل ما» وفى همع الهوامع 2: 237: «جرى ابن درستويه والزنجانى على عدم وصل قلما، والأصح الوصل» وانظر المطالع النصرية 52.
[6] البيتان فى اللآلى 864.
[7] سخينة: لقب كانت تلقب به قريش لأكلهم السخينة، وهى حساء من دقيق. وفى الروض الأنف 2: 205: «كان هذا الاسم مما سميت به قريش قديما، ذكروا أن
(1/320)

وقال:
سخينة حىّ يعرف الناس لؤمها ... قديما، ولم تعرف بمجد ولا كرم
فيا ضيعة الدّنيا وضيعة أهلها ... إذا ولى الملك التّنابلة القزم [1]
وعهدى بهم فى الناس ناس، ومالهم ... من الحظّ إلّا رعية الشّاء والنّعم
572* (وكان للنجاشى أخ يقال له حديج، وله يقول ابن مقبل:
أبلغ حديجا بأنى قد كرهت له ... بعد المقالة يهديها فتأتينا)
__________
قصيّا كان إذا ذبحت ذبيحة أو نحرت بمكة أتى بعجزها فصنع منه خزيرة، وهو لحم يطبخ ببر، فيطعمه الناس، فسميت قريش بها سخينة» . وانظر الخزانة 3: 142- 143.
[1] التنابلة: جمع «تنبل» و «تنبال» و «تنبالة» بكسر التاء فى الثلاثة، وهو الرجل القصير. وهذا الجمع لم يذكر فى المعاجم، والذى فى اللسان أن جمعها «تنابيل» .
القزم، بفتح القاف والزاى: اللئام الأدنياء صغار الجثة الذين لا غناء عندهم، الواحد والجمع والمذكر والمؤنث فى ذلك سواء، لأنه فى الأصل مصدر. وأثبت فى ل «الفذم» بضم القاف وفتح الذال المعجمة، وهو تحريف، فلا يوجد هذا الضبط، والموجود «القذم» بضم القاف والذال، ولكنه بمعنى الأسخياء، فلا يناسب الهجو. ويحتمل أيضا أن تكون صحتها «الفدم» بضم الفاء والدال، جمع «فدم» بفتح فسكون، وهو من الناس العيى عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم، أو هو الغليظ السمين الأحمق الجافى.
(1/321)

39- عامر بن الطفيل [1]
573* هو عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب العامرىّ. وهو ابن عمّ لبيد الشاعر. وكان فارس قيس، وكان أعور عقيما لا يولد له، ولم يعقب.
وهو القائل [2] :
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ... جبانا، فما عذرى لدى كلّ محضر
لعمرى، وما عمرى علىّ بهين، ... لقد شان حرّ الوجه طعنة مسهر [3]
وكان له فرس يقال له المزنوق، وله يقول [4] :
وقد علم المزنوق أنّى أكرّه ... على جمعهم كرّ المنيح المشهّر
إذا ازورّ من وقع السّلاح زجرته ... وقلت له: اربع مقبلا غير مدبر
574* وأبوه فارس قرزل، قال بعض الشعراء لعامر:
فإنّك يا عام ابن فارس قرزل ... عن القصد إذ يممت ثهلان جائر [5]
ومن جيّد الشعر قوله [6] :
__________
[1] ترجمنا له فى أول المفضلية 106 وبينا هناك مصادر ترجمته وأخباره. وانظر اللآلى 297- 298، 816.
[2] هما البيتان 7، 8 من المفضلية 106 وهى فى الديوان 116- 120.
[3] هو مسهر بن يزيد بن عبد يغوث الحارثى، وهو الذى غدر بعامر بن الطفيل وطعنه بالرمح فى وجهه، ففلق وجنته وشق عينه، وهو فارس مشهور، له خبر فى الأغانى 9: 18 مع دريد بن الصمة.
[4] هما البيتان 2، 3 من المفضلية 106.
[5] البيت لسلمة بن الخرشب فى المفضلية 5: 15 وعجزه فيها
معيد على قيل الخنا والهواجر
وهو أيضا فى الخيل لابن الأعرابى 75، ورواه صاحب اللسان غير منسوب 7: 114 و 20: 124.
ثهلان: جبل بنجد.
[6] البيتان ليسا فى الديوان، وألحقهما به مصححه نقلا عن هذا الكتاب 159.
(1/322)

وما الأرض إلّا قيس عيلان أهلها ... لهم ساحتاها سهّلها وحزومها [1]
وقد نال آفاق السّماوات مجدنا ... لنا الصّحو من آفاقها وغيومها
وله [2] :
ونستلب الأقران والجرد كلّح ... على الهول يعسفن الوشيج المقوّما [3]
ونحن صبحنا حىّ أسماء غارة ... أبال الحبالى غبّ وقعتنا دما
وكان عامر أتى النبىّ [4] صلى الله عليه وسلم فقال له: تجعل لى نصف ثمار المدينة وتجعلنى ولىّ الأمر من بعدك وأسلم؟! فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ اكفنى عامرا واهد بنى عامر» فانصرف وهو يقول: لأملأنّها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولأربطنّ بكلّ نخلة فرسا، فطعن فى طريقه، فمات وهو يقول: غدّة كغدّة البعير، وموت فى بيت سلوليّة!! 578* ويكنى أبا علىّ، وهو الذى نافر علقمة بن علاثة إلى هرم بن قطبة الفزارىّ، حين أهتر عمّه عامر بن مالك ملاعب الأسنّة [5] . ولعلقمة يقول الأعشى [6] :
إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بنى عامر
__________
[1] الحزوم: جمع «حزم» وهو الغليظ من الأرض أو المرتفع، وهو أغلظ وأرفع من الحزن، وفى اللسان: «وزعم يعقوب أن ميم حزم بدل من نون حزن» .
[2] هما من قصيدة فى الديوان 142 مع اختلاف فى الرواية، ويشبههما بيتان آخران فيه 121- 122.
[3] الجرد: الخيل القصيرة الشعر، وهو من علامات العتق والكرم. كلح: من الكلوح، وهو بدو الأسنان عند العبوس. يعسفن: من العسف، وهو ركوب الأمر بلا تدبير ولا روية، يريد أنهن يلقين بأنفسهن على الرماح المتشابكة فى الحرب. الوشيج: الرماح، وأصله الشجر الذى تؤخذ منه الرماح.
[4] خبر مجيئه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ابن سعد 1/2/51- 52.
[5] انظر ما مضى 269 واللسان 8: 284.
[6] البيت من أبيات فى الأغانى 15: 50.
(1/323)

«والحوص» : ولد الأحوص بن مالك بن جعفر بن كلاب [1] ، ويقال لهم «الأحوص» أيضا.
579* ومن جيّد شعره قوله [2] :
فإنّى وإن كنت ابن فارس عامر ... وسيّدها المشهور فى كلّ موكب
فما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّنى أحمى حماها، وأتّقى ... أذاها، وأرمى من رماها بمنكب
__________
[1] هذا وهم من ابن قتيبة، زاد فى نسبه «مالك» . وصحته «الأحوص بن جعفر بن كلاب» فهو عم الطفيل لا أخوه، وابنه «عوف بن الأحوص» له المفضليات 35، 36، 108 وانظر الأنبارى 341 والاشتقاق 180.
[2] الأبيات من قصيدة فى الديوان 92- 93 وهى فى الكامل 140 والخزانة 3: 527- 528 والعينى 1: 242- 244.
(1/324)

40، 41- مالك ومتمم ابنا نويرة
580* هما من ثعلبة بن يربوع.
وكان مالك فارس ذى الخمار، وذو الخمار فرسه.
(وفيه يقول:
متى أعل يوما ذا الخمار وشكّتى ... حسام وصدق مارن وشليل) [1]
وقتله خالد بن الوليد فى الردّة وتزوّج امرأته، وقتل من قومه مقتلة عظيمة، ولهذا السبب كان سخط عمر بن الخطّاب على خالد بن الوليد [2] . ولمالك عقب.
581* ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب رضى الله عنه [3] فقال له عمر: ما أرى فى أصحابك مثلك! قال: يا أمير المؤمنين، أما والله إنّى مع ذلك لأركب الجمل الثّفال [4] ، وأعتقل الرّمح الشّطون [5] ، وألبس الشّملة الفلوت [6] ، ولقد أسرتنى بنو تغلب فى الجاهليّة. فبلغ ذلك أخى مالكا، فجاء ليفدينى،
__________
[1] الشكة، بكسر الشين: السلاح. الصدق، بفتح الصاد: وصف للرمح، وهو المستوى الجامع للأوصاف المحمودة. المارن: وصف آخر له، وهو الصلب اللين. الشليل: الغلالة التى تلبس فوق الدرع، وقيل: الدرع الصغيرة القصيرة تكون تحت الكبيرة.
[2] قتله خالد بن الوليد وتسرى امرأته ولم يتزوجها، بل أخذها هى وابنها رقيقا، ومكثت عنده إلى أن جاء أخوه متمم، فرد عليه عمر المرأة وابنها. وقد حققنا هذه الوقعة المهمة فى مقال رددنا به على الدكتور محمد باشا هيكل، نشرناه فى مجلة المقتطف فى عدد شهر أغسطس 1945 م، وفى مجلة الهدى النبوى فى العدد 8 من السنة 9 شهر شعبان 1364 هـ.
[3] نقلها صاحب الأغانى 14: 68 عن ابن قتيبة.
[4] الثفال. بفتح الثاء المثلثة: البطىء الثقيل الذى لا ينبعث إلا كرها.
[5] الشطون، بفتح الشين المعجمة: الطويل الأعوج.
[6] الشملة الفلوت، بفتح الفاء: التى لا ينضم طرفاها لصغرها، فهى تفلت من يده إذا اشتمل بها.
(1/325)

فلمّا رآه القوم أعجبهم جماله، وحدّثهم فأعجبهم حديثه، فأطلقونى له بغير فداء.
582* قال أبو محمّد: ولمّا استشهد زيد بن الخطّاب يوم مسيلمة ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب فقال له: أنشدنى بعض ما قلت فى أخيك، فأنشده شعره الذى يقول فيه [1] :
وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فقال له عمر: يا متمّم، لو كنت أقول الشعر لسرّنى أن أقول فى زيد بن الخطاب مثل ما قلت فى أخيك، قال متمّم: يا أمير المؤمنين، لو قتل أخى قتلة أخيك ما قلت فيه شعرا أبدا [2] ، فقال عمر: يا متمم، ما عزانى أحد فى أخى بأحسن ممّا عزّيتنى به.
583* (وهذه القصيدة من أحسن ما قال، وفيها يقول [3] :
أبىّ الصّبر آيات أراها وأنّنى ... أرى كلّ حبل دون حبلك أقطعا
وأنى متى ما أدع باسمك لا تجب ... وكنت جديرا أن تجيب وتسمعا
فما شارف عيساء ريعت فرجّعت ... حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا
ولا وجد آظآر ثلاث روائم ... رأين مجرّا من حوار ومصرعا
يذكّرن ذا البثّ القديم بدائه ... إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
بأوجد منّى يوم قام لمالك ... مناد فصيح بالفراق فأسمعا
__________
[1] من المفضلية 67.
[2] يريد أن زيد بن الخطاب قتل يوم اليمامة شهيدا، وأن مالك بن نويرة قتل على الردة، فهو أشد أسى عليه.
[3] من المفضلية 67 أيضا.
(1/326)

584* وكان لتميم ابنان: إبراهيم وداوود، وكانا شاعرين خطيبين.
ودخل إبرهيم على عبد الملك بن مروان، فقال له: إنك لشنّخف، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى من قوم شنّخفين، (والشّنّخف: الجسيم من الرجال) [1] قال: وأراك أحمر قرفا [2] ، قال: الحسن أحمر يا أمير المؤمنين.
585* وممّا سبق إليه مالك وأخذه الناس منه قوله:
جزينا بنى شيبان أمس بقرضهم ... وعدنا بمثل البدء، والعود أحمد
فقال الناس: العود أحمد [3] . وقال بعض المحدثين:
وأحسن فيما كان بينى وبينه ... فإن عاد بالإحسان فالعود أحمد
586* وكان صرد بن جمرة [4] الذى شرب منىّ عبد أبى سواج الضّبىّ [5] عمّ مالك ومتمّم ابنى نويرة، وكان صرد يختلف إلى امرأة أبى سواج، فقال لها يوما: أريد أن تقدّى لى سيرا من است أبى سواج! فقالت: أفعل، وعمدت إلى نعجة فذبحتها وقدّت من باطن إليتها سيرا ودفعته إليه، فجعله صرد فى نعله، وكان يقول إذا رأى أبا سواج:
بتّ بذى بلّيّان [6] ... وفى نعلى شراكان
قدّا من است إنسان
__________
[1] فى اللسان: «الشنخف: الطويل، والجمع شنخفون، ولا يكسر» . وانظر الفائق للزمخشرى 1: 335 فقد نقل هذا الخبر.
[2] القرف، بكسر الراء: الشديد الحمرة.
[3] انظر مجمع الأمثال 1: 420 والبيت هناك.
[4] القصة مفصلة فى الأغانى 7: 172- 173 وأشير إليها فى الاشتقاق 121.
[5] أبو سواج: اسمه «عباد بن خلف» وهو فارس «بذوة» ، سابق عليها مالك بن نويرة على فرسه «القطيب» فسبقه «بذوة» فقال أبو سواج فى ذلك شعرا. انظر الخيل لابن الأعرابي 61.
[6] يريد أنه بات بمكان لا يعرف بعيدا عن أهله، انظر اللسان 18: 94.
(1/327)

فلمّا أكثر علم أبو سواج أنّه يعرّض به، فطرح ثوبه وقال لمن حضر:
أنشدكم بالله! هل ترون بأسا؟ قالوا: لا، ثم أمر أبو سواج عبدا له أن يواقع أمة له (كان) زوّجه إياها، وأن يفرغ من منيّه فى عسّ، ففعل، فقال لامرأته:
والله لتسقينّه صرد أو لأقتلنّك، فبعثت إلى صرد فأقام عندها، فلما استسقى حلبت له على ذلك المنىّ فشربه، فمات. فتميم تعيّر بشرب المنىّ، وقد أكثر الشعراء فى ذلك [1] ، قال الشاعر:
أتحلف لا تذوق لنا طعاما ... وتشرب منى عبد أبى سواج [2]
شربت رثيّة فحبلت عنها ... فما لك راحة دون النّتاج [3]
587* (ومالك هو القائل:
سأهدى مدحة لبنى عدىّ ... أخصّ بها عدىّ بنى جناب
تراث الأحوص الخير ابن عمرو ... ولا أعنى الأحاوص من كلاب
أتين حىّ خير بنى معدّ ... هم أهل المرابع والقباب
شريح والفرافصة بن عمرو ... وإخوته الأصاغر للرّباب) [4]
__________
[1] لم يذكر الشعر الاتى فى الأغانى، ولكنه قال: «وإياه عنى الأخطل بقوله:
ويشرب قومك العجب العجيبا
» . وفى اللسان 20: 163 أن الأخطل قال أيضا يهجو جريرا:
منى العبد عبد أبى سواج ... أحق من المدامة أن تعيبا
[2] البيت فى اللسان 20: 163 أتى به شاهدا على أن «المنى» جاء مخففا فى الشعر، ونسبه لرشيد بن رميض، بالتصغير فيهما، وهو عنزى له رجز فى الأغانى 14: 44 واللآلى 729 وشعر فيه 753، 862.
[3] الرثية: تخفيف «الرثيئة» وهى اللبن الحامض يحلب عليه فيخثر. س هـ ف «فحبلت منها» .
[4] الفرافصة، بفتح الفاء الأولى، وهو ابن الأحوص بن عمرو من بنى عدى بن جناب.
وهو أبو نائلة زوج عثمان.
(1/328)

42- خفاف بن ندبة [1]
588* هو خفاف بن عمير بن الحرث بن الشّريد السّلمىّ. وأمّه ندبة [2] سوداء، (وإليها ينسب) ، وهو من أغربة العرب [3] ، وهو ابن عمّ خنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة.
وهو القائل [4] :
كلانا يسؤده قومه ... على ذلك النّسب المظلم
يعنى السودان. ويكنى أبا خراشة، وأسلم وبقى إلى زمن عمر، وله يقول عباس بن مرداس السّلمىّ، وكان يهاجيه:
أبا خراشة إمّا كنت ذا نفر ... فإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع [5]
589* وخفاف هو قاتل مالك بن حمار، سيّد بنى شمخ بن فزارة، وفى ذلك يقول [6] :
إن تك خيلى قد أصيب صميمها ... فعمدا على عينى تيمّمت مالكا
__________
[1] ترجمته فى كتب الصحابة، والأغانى 16: 134- 139 والاشتقاق 172، 188 والخزانة 2: 470- 475. وفى اللآلى 39 أنه أتاه الشعر من قبل خاله تأبط شرا.
ولم أجد ما يؤيد أن ندبة أخت تأبط شرا، وأظنه قولا شاذا.
[2] ندبة: بفتح النون وضمها.
[3] انظر ما مضى 243 وما سيأتى 214 ل.
[4] البيت فى الخزانة 2: 473.
[5] البيت شاهد معروف، و «إما» رويت بفتح الهمزة وبكسرها. وانظر كلام الخزانة فيه 2: 80- 82. الضبع: السنة المجدبة. والبيت فى الاشتقاق 190 واللسان 10: 86 وذكر فيه 8: 183 غير منسوب وذكر بعده بيتان. وستأتى أخبار عن المهاجاة بين خفاف والعباس فى ترجمة العباس 467، 469 ل.
[6] هما من أبيات فى الأغانى والخزانة وغيرهما، وهما مع ثالث فى الكامل 963، 1221، والبيت الأول فى اللسان 4: 395 والثانى فى الاشتقاق 188.
(1/329)

أقول له والرّمح يأطر متنه ... تأمّل خفافا إنّنى أنا ذلكا [1]
590* وشهد خفاف مع النبى صلى الله عليه وسلم فتح مكّة ومعه لواء بنى سليم.
(ومما يسأل عنه من شعر قوله:
فلم يك طبّهم جبنا ولكن ... رميناهم بثالثة الأثافى) [2]
__________
[1] يأطر: يثنى ويعطف. متنه: المتنان مكتنفا الصلب من العصب واللحم. والمراد أن الرمح يعطف ظهر مالك ويثنيه من قوته.
[2] الطب: الطوية والشهوة والإرادة، أو العادة والشأن، يقال «ما ذاك بطبى» أى: بدهر وعادتى وشأنى. الأثافى: جمع أثفية، بتشديد الياء، وقد تخفف فى الجمع، والأثفية هى الحجارة التى تنصب وتجعل القدر عليها، وفى أمثالهم «رماه الله بثالثة الأثافى» يعنى الجبل، لأنه يجعل صخرتان إلى جانبه وينصب عليه وعليهما القدر، فمعناه رماه الله بما لا يقوم له. وفى الخزانة 2: 122: «يقول: كانوا شجعانا ليس فيهم جبن، ولكن رميناهم بداهية عظيمة مثل الجبل» والبيت فيها روايتين، ورواه اللسان 18: 123 برواية مخالفة جدّا. وضبطت «طبهم» فى ل يفتح الطاء، و «جبن» بالرفع، وهو خطأ.
(1/330)

43- خنساء بنت عمرو [1]
591* هى تماضر بنت عمرو بن الشّريد، وكان دريد بن الصّمّة خطبها، وذلك أنّه رآها تهنأ إبلا لها [2] فهويها، فردّته وقالت: أترانى تاركة بنى عمّى كأنّهم عوالى الرياح، ومرتثّة شيخ بنى جشم [3] ؟! ففى ذلك يقول دريد [4] .
حيّوا تماضر واربعوا صحبى ... وقفوا فإنّ وقوفكم حسبى
أخناس قد هام الفؤاد بكم ... وأصابه تبل من الحبّ [5]
ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم هانئ أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النّقب [6]
__________
[1] ترجمتها مفصلة فى أول ديوانها طبعة الآباء اليسوعيين 1896 م وكتب الصحابة والأغانى 13: 129- 140 والخزانة 1: 207- 211.
[2] تهنأ إبلا: تطيلها بالهناء، بكسر الهاء، وهو ضرب من القطران.
[3] مرتثة: من «الرث» وهو الخلق الخسيس البالى من كل شىء، تقول: ثوب رث، وتقول: ارتثوا رثة القوم، أى جمعوها أو اشتروها، والرثة بكسر الراء كالرث، وتطلق أيضا على خشارة الناس وضعفائهم، شبهوا بالمتاع الردىء. قال فى اللسان: «أرادت أنه مذ أسن وقرب من الموت وضعف فهو بمنزلة من حمل من المعركة وقد أثبتته الجراح» فجعله من قولهم «ارتث فلان» بالبناء للمفعول، فهو «مرتث» وهو الصريع الذى يثخن فى الحرب ويحمل حيّا ثم يموت، وهو معن لا بأس به، والأول أجود وأقوى.
وستأتى ترجمة دريد 470- 473 ل.
[4] الأبيات فى الأغانى 9: 10 و 13: 130.
[5] تبله الحب وأتبله: أسقمه وأفسده، أو ذهب بعقله.
[6] النقب، بضم النون: القطع المتفرقة من الجرب، الواحدة نقبة، وقيل: هى أول ما يبدأ من الجرب. والبيت فى اللسان 2: 263.
(1/331)

فخطبها رواحة بن عبد العزّى السّلمىّ، فولدت له عبد الله، وهو أبو شجرة [1] ، ثم خلف عليها مرداس بن أبى عامر السّلمىّ، فولدت له زيدا ومعاوية وعمرا.
592* وهى جاهليّة، كانت تقول الشعر فى زمن النابغة الذّبيانىّ، وكان النابغة تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، فأنشده الأعشى أبو بصير، ثم أنشده حسّان بن ثابت، ثم الشعراء، ثم جاءت الخنساء السّلميّة فأنشدته، فقال لها النابغة: والله لولا أنّ أبا بصير أنشدنى (آنفا) لقلت إنّك أشعر الجنّ والإنس، فقال حسّان: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك ومن جدّك! فقبض النابغة على يده، ثم قال: يابن أخى، إنك لا تحسن أن تقول مثل قولى:
فإنّك كاللّيل الّذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع [2]
ثم قال للخنساء: أنشديه، فأنشدته، فقال: والله ما رأيت ذات مثانة أشعر منك [3] ! فقالت له الخنساء: والله ولا ذا خصيين!! 593* وكان أخوها صخر بن عمرو شريفا فى بنى سليم، وخرج فى غزاة فقاتل فيها قتالا شديدا، وأصابه جرح رغيب [4] ، فمرض (من ذلك) فطال مرضه، وعاده قومه، فكانوا إذا سألوا امرأته سلمى عنه قالت: لا هو حىّ
__________
[1] سماه الحافظ فى الإصابة 5: 5 «عمرو بن عبد العزى بن عبد الله بن رواحة» وذكره فى الكنى أيضا 7: 97- 98 ونقل خلافا فى اسمه. وله خبر وشعر حين ارتد عن الإسلام، فى الطبرى 3: 235- 236 وقال: «ثم إن أبا شجرة أسلم ودخل فيما دخل فيه الناس» ثم ذكر قصة له مع عمر. وانظر الكامل 341- 343.
[2] مضى البيت 110، 123.
[3] أراد بالمثانة هنا: موضع الولد من الأنثى، وهو أحد معانيها، بل هو الصحيح عند بعضهم.
[4] الرغيب: الواسع.
(1/332)

فيرجى، ولا ميّت فينسى، وصخر يسمع كلامها، فشقّ عليه، وإذا قالوا لأمّه: كيف صخر اليوم؟ قالت أصبح صالحا بنعمة الله، فلمّا أفاق من علّته بعض الإفاقة، عمد إلى امرأته سلمى فعلّقها بعمود الفسطاط حتّى ماتت، وقال (غيره: بل قال: ناولونى سيفى لأنظر كيف قوّتى وأراد قتلها، وناولوه فلم يطق السيف، ففى ذلك يقول: أهمّ بأمر الحزم البيت. وأوّل الشعر) [1] :
أرى أمّ صخر ما تملّ عيادتى ... وملّت سليمى مضجعى ومكانى
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغترّ بالحدثان [2]
فأىّ امرئ ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلّا فى أذى وهوان [3]
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان [4]
لعمرى لقد أنبهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان
وللموت خير من حياة كأنّها ... محلّة يعسوب برأس سنان [5]
ثم نكس بعد ذلك من طعنته فمات، فكانت أخته خنساء ترثيه، (ولم تزل تبكيه حتّى عميت) .
594* ودخلت خنساء على أمّ المؤمنين عائشة، وعليها صدار [6] لها من شعر
__________
[1] من الأصمعية 47 وليس فيها البيت الأخير، وفيها بيتان آخران، والأبيات فى الخزانة 1: 209.
[2] الجنازة، بكسر الجيم، وفتحها غير فصيح، وهو السرير الذى يحمل عليه الميت، وإذا ثقل على القوم أمر أو اغتموا به فهو جنازة عليهم. والبيت فى اللسان 7: 189.
[3] أذى: رسمت فى ل «أذا» بالألف.
[4] العير: الحمار. النزوان: الوثب. وفى اللسان أن هذا المثل أول من قاله صخر.
والبيت فيه 20: 191.
[5] اليعسوب: أمير النحل وذكرها، ثم كثر ذلك حتى سموا كل رئيس يعسوبا. والبيت فى اللسان غير منسوب 2: 90 باختلاف فى صدره، وقال: «معناه أن الرئيس إذا قتل جعل رأسه على سنان، يعنى أن العيش إذا كان هكذا فهو الموت» .
[6] الصدار، بكسر الصاد: ثوب رأسه كالمقنعة، وأسفله يغشى الصدر والمنكبين، تلبسه المرأة، وكانت المرأة الثكلى إذا فقدت حميمها فأحدت عليه لبست صدارا من صوف.
قاله فى اللسان.
(1/333)

فقالت لها عائشة رضى الله عنها: يا خنساء إنّ هذا لقبيح، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فما لبست هذا [1] ، قالت: إنّ له قصّة، قالت: فأخبرينى، قالت: زوّجنى أبى رجلا، وكان سيّدا معطاء، فذهب ماله، فقال لى [2] : إلى من يا خنساء؟
قلت: إلى أخى صخر، فأتيناه، فقسم ماله شطرين، فأعطانا خيرهما، فجعل زوجى أيضا يعطى ويحمل، حتّى نفد ماله، فقال: إلى من؟ فقلت: إلى أخى صخر، (فأتيناه) ، فقسم ماله شطرين، فأعطانا خيرهما، فقالت امرأته: أما ترضى أن تعطيها النصف حتّى تعطيها أفضل النّصيبين؟! فأنشأ يقول [3]
والله لا أمنحها شرارها ... ولو هلكت مزّقت خمارها
وجعلت من شعر صدارها
فذلك الذى دعانى إلى أن لبست هذا حين هلك [4] .
595* وكانت تقف بالموسم فتسوّم هؤدجها بسومة [5] ، وتعاظم العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشّريد وأخويها صخر ومعاوية ابنى [6] عمرو، وتنشدهم فتبكى الناس.
__________
[1] س ف «فقالت لها: ما هذا؟ فو الله لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ألبس عليه صدارا» .
[2] س ف «زوجنى أبي سيدا من سادات قومى متلافا معطاء، فأنفذ ماله وقال لى» .
[3] س ف «فقلت له إلى أخى صخر، فقاسمنا ماله، وأعطانا خير النصفين، فأقبل زوجى يعطى ويهب ويحمل، حتى أنفده، ثم قال: إلى أين يا خنساء؟ قلت: إلى أخى صخر، فأتيناه، وقاسمناه ماله، وأعطانا خير النصفين، إلى الثالثة، فقالت له امرأته: أما ترضى أن تقاسمهم مالك حتى تعطيهم خير النصفين؟! فقال» .
[4] أشار الحافظ إلى هذه القصة فى الإصابة 8: 67- 68: بصيغة التمريض بقوله يقال إلخ، فيظهر أنه لم يجد لها تخريجا برواية لها إسناد.
[5] السومة: العلامة، كالسيمة والسيماء والسيمياء، وسوم الفرس: جعل عليه السيمة، ومنه الخيل المسومة.
[6] فى ل «بن» والظاهر أنه خطأ، وما أثبتنا أجود وأصح.
(1/334)

596* وكان أبوها يأخذ بيدى ابنيه صخر ومعاوية ويقول: أنا أبو خيرى مضر، فتعترف له العرب بذلك. ثم قالت الخنساء بعد ذلك: كنت أبكى لصخر من القتل، فأنا أبكى له اليوم من النار.
597* وممّا سبقت إليه قولها [1] :
أشمّ أبلج تأتمّ الهداة به ... كأنّه علم فى رأسه نار
(وفيها تقول:
مثل الرّدينىّ لم تكبر شبيبته ... كأنّه تحت طىّ الثّوب إسوار [2]
لم تره جارة يمشى بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجار
فما عجول لدى بوّ تطيف به ... قد ساعدتها على التّحنان أظآر [3]
أودى به الدّهر عنها فهى مرزمة ... لها حنينان إصغار وإكبار [4]
ترتع ما غفلت حتّى إذا ذكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار [5]
يوما بأوجع منى يوم فارقنى ... صخر، وللدّهر إحلاء وإمرار)
__________
[1] من قصيدة مشهورة، فى الديوان 73- 85.
[2] الأسوار، بضم الهمزة وكسرها: لغة فى السوار. أخبرت أنه لطيف كأنه أسوار، أى قليل اللحم كأنه أسوار من ذهب أو فضة فى حسنه وضمره.
[3] العجول من النساء والإبل: الواله التى فقدت ولدها الثكلى، لعجلتها فى جيئتها وذهابها جزعا. والبيت فى الديوان يعجز الذى بعده، وفى اللسان 13: 454 بنحوه.
[4] مرزمة: من الإرزام، وهو ضرب من حنين الناقة على ولدها حين ترأمه، بصوت تخرجه من حلقها لا تفتح به فاها.
[5] أخبرت أنها قلقة تقبل وتدبر من شدة ما بها، إذا ذكرت فقد ولدها. والبيت فى اللسان 19: 135.
(1/335)

44- المساور بن هند [1]
598* (وكنيته أبو الصّمعاء) . هو المساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة العبسى. وقيس بن زهير جدّ المساور هو صاحب الحرب بين عبس وفزارة، وهى حرب داحس والغبراء [2] .
وكان المساور يهاجى المرّار الفقعسى [3] ويهجو بنى أسد، قال الشاعر [4] :
شقيت بنو أسد بشعر مساور ... إنّ الشّقىّ بكلّ حبل يخنق
599* وهو القائل للمرّار [5] :
ما سرّنى أنّ أمى من بنى أسد ... وأنّ ربى ينجينى من النار
وأنّهم زوّجونى من بناتهم ... وأنّ لى كلّ يوم ألف دينار
فقال له المرّار:
لست إلى الأمّ من عبس ومن أسد ... وإنما أنت دينار بن دينار
__________
[1] ترجمته فى الإصابة 6: 171- 172 والخزانة 4: 573- 574 وله شعر فى الإصابة والتبريزى على الحماسة 1: 313. وهو شاعر فارس إسلامى شريف، مخضرم أدرك النبى ولم يجتمع به. وفى الإصابة: «ذكر الأصمعى ما يدل على أن له إدراكا، فحكى عن أبى طفيلة، قال: وكان نحو أبى عمرو بن العلاء فى السن، قال: حدثنى من رأى مساور بن هند أنه ولد فى حرب داحس، قبل الإسلام بخمسين عاما» . وهذه العبارة نقلها صاحب الخزانة عن الإصابة فأخطأ النقل، جعلها عن أبى عمرو بن العلاء نفسه. وفى الإصابة عن المرزبانى: «كان أعور، وهو من المتقدمين فى الإسلام، وهو وأبوه وجده أشراف من بنى عبس، شعراء فرسان» .
[2] سبقت الإشارة إلى هذه الحرب 245.
[3] هو المرار بن سعيد الفقعسى، ستأتى ترجمته 440- 441 ل.
[4] البيت فى الخزانة أيضا غير منسوب، ونسبه فى الأغانى 9: 151- 152 للمرار.
[5] البيتان فى الأغانى 9: 152 وهما وبيتا المرار الآتيان فى عيون الأخبار 4: 13 والخزانة.
(1/336)

وإن تكن أنت من عبس وأمّهم ... فأمّ عبسكم من جارة الجار [1]
600* وقال له الحجّاج: لم تقول الشعر بعد الكبر؟ قال: أسقى به الماء، وأرعى به الكلأ، وتقضى لى به الحاجة، فإن كفيتنى ذلك تركته. وعمّر طويلا [2] .
601* وهو القائل:
بليت وعلمى فى البلاد مكانه ... وأفنى شبابى الدّهر وهو جديد
وأدركنى يوم إذا قلت: قد مضى ... يعود لنا أو مثله فيعود
وأصبحت مثل السّيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين وهو جديد
ألم تعلموا يا عبس لو تشكروننى ... إذا التفّت الذّوّاد كيف أذود [3]
ألم تعلموا أنى ضحوك إليكم ... وعند شديدات الأمور شديد
وهلك المساور بعمان.
__________
[1] قال المؤلف فى عيون الأخبار 4: 13: «دينار بن دينار: عبد بن عبد. وجارة الجار الاست، والجار: الفرج» . وتفسير الدينار بهذا لم يذكر فى المعاجم، وهو مجاز فيما يظهر.
[2] فى الخزانة: «وهو من المعمرين، ولم يذكره أبو حاتم السجستانى فى المعمرين»
[3] ب د «إذا التقت الذواد» .
(1/337)

45- ضابىء بن الحارث البرجى [1]
602* هو ضابىء بن الحارث بن أرطاة، من بنى غالب بن حنظلة، بن البراجم. وكان استعار كلبا من بعض بنى جرول بن نهّشل، فطال مكثه عنده، فطلبوه فامتنع عليهم، فعرضوا له فأخذوه منه، فغضب ورمى أمّهم بالكلب، واسم الكلب قرحان، فقال [2] :
تجشّم دونى وفد قرحان شقّة ... تظلّ بها الوجناء وهى حسير
فأردفتهم كلبا فراحوا كأنما ... حباهم بتاج الهرمزان أمير
وقلّدتهم ما لو رميت متالعا ... به، وهو مغبرّ، لكاد يطير [3]
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... ثمامة عنّى، والأمور تدور [4]
فأمّكم لا تتركوها وكلبكم ... فإنّ عقوق الوالدات كبير
فإنّك كلب قد ضريت بما ترى ... سميع بما فوق الفراش خبير
إذا عثّنت من آخر اللّيل دخنة ... يبيت لها فوق الفراش هرير [5]
__________
[1] ترجمته فى المخضرمين من الإصابة 3: 276 والخزانة 4: 80- 81 ومعاهد التنصيص 88- 90 والاشتقاق 134.
[2] أشار الطبرى أيضا إلى القصة فى تاريخه 5: 137 وذكر من القصيدة 3 أبيات. وانظر الكامل 340- 341.
[3] متالع: جبل بنجد.
[4] فيا راكبا: بالتنوين على النداء، وكان الأصمعى ينشده بلا تنوين، قال أبو عبيدة:
«أراد فيا راكباه، للندبة، فحذف الهاء» . عرضت: أتيت العروض، بفتح العين، وهى مكة والمدينة وما حولهما، وقيل واليمن أيضا. وهذا الصدر
فيا راكبا إما عرضت فبلغن
تداوله الشعراء، فهو صدر بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثى فى المفضلية 30 ولمالك بن الريب التميمى فى الخزانة 1: 313 ولدريد بن الصمة فى الأصمعية 29 ولكعب بن زهير فى الخزانة 4: 151 ولمخارق بن شهاب فى الحيوان 6:
369، فصار كالمثل، وأقدمهم فيما نعلم عبد يغوث. وانظر صدور أبيات أخرى أشرنا إليها فى مقدمة المفضلية 30 لعبد يغوث.
[5] عثنت: دخنت، يقال للرجل إذا استوقد بحطب ردىء ذى دخان «لا تعثن علينا» .
(1/338)

فاستعدوا عليه عثمان بن عفّان، فحبسه، (وقال: والله لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حىّ لأحسبنّه نزل فيك قرآن، وما رأيت أحدا رمى قوما بكلب قبلك. ومثل هذا قول زهير، ورمى قوما بفحل إبل حبسوه عليه، فقال [1] :
ولولا عسبه لرددتموه ... وشرّ منيحة أير معار [2]
إذا طمحت نساؤكم إليه ... أشظّ كأنّه مسد مغار) [3]
603* وكان أراد أن يفتك بعثمان بن عفّان، فقال فى الحبس:
هممّت ولم أفعلّ وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله [4]
604* ولم يزل فى حبس عثمان إلى أن مات.
ومن شعره فى الحبس (قوله) [5] :
ومن يك أمّسى بالمدينة رحله ... فإنى وقيّارا بها لغريب [6]
وما عاجلات الطّير تدنى من الفتى ... رشادا، ولا عن ريثهنّ يخيب [7]
__________
[1] هكذا قال ابن قتيبة هنا، وهو وهم. فالذى فى ديوان زهير 300- 301 أنه قال ذلك فى راعى إبل له يقال له يسار، أخذه الحارث بن ورقاء الصيداوى، وفى اللسان 2: 87- 88 «فى عبد له يدعى يسارا أسره قوم فهجاهم» .
[2] عسبه: نكاحه. وأصل «العسب» طرق الفحل، أى ضرابه، وقد يستعار للناس. ومن ذا وهم ابن قتيبة، لم يتأوله على الاستعارة. منيحة: عارية. والبيت فى اللسان 2: 88.
[3] فى الديوان «إذا جمحت» وفى اللسان 9: 325 «جنحت» أشظ: أنعظ أى قام.
المسد: الحبل. المغار: المفتول، أغرت الحبل: فتلته.
[4] من أبيات فى الطبرى والكامل وغيرهما، وهو فى اللسان 6: 439.
[5] هى الأصمعية 64 إلا بيتا واحدا، والأبيات فى اللسان 6: 438 والعينى 2: 318- 321 وشواهد المغنى 293- 294. والخزانة 4: 323- 328 والأربعة الأول فى الكامل 276- 279 وكلهم شرحها.
[6] قيار: اسم فرسه، وقيل: جمله. وقد روى «قيار» منصوبا ومرفوعا، وتوجيه ذلك فى الكامل 276 واللسان والخزانة وغيرها. والبيت فى الخزانة أيضا 4: 81.
[7] الريث: الإبطاء، يقول: ليس البجح فى أن تجعل الطير، وليس الخيبة فى إبطائها وذلك فيما كانوا يصنعون من التطير بزجر الطير.
(1/339)

وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب [1]
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على نائبات الدّهر حين تنوب [2]
وفى الشّك تفريط، وفى الجزم قوّة ... ويخطئ فى الحدس الفتى ويصيب
ولست بمستبق صديقا ولا أخا ... إذا لم تفده الشىء وهو قريب
605* ولما قتل عثمان رضى الله عنه جاء عمير بن ضابئ فرفسه برجله، فلما كان زمن الحجّاج وعرض أهل الكوفة ليوجّههم مددا للمهلّب، عرضه فيهم، وهو شيخ كبير، فقال له: اقبل منّى بديلا، قال: نعم، فقال عنبسة بن سعيد:
هذا الذى رفس عثمان وهو مقتول، فردّه فقتله وفى ذلك يقول الشاعر [3] :
تخيّر فإمّا أن تزور ابن ضابئ ... عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثّلج أشهبا
606* وأخو ضابئ معرّض بن الحرث.
وممّا سبق إليه ضابئ فأخذ منه قوله فى الثور:
يساقط عنه روقه ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولا [4]
أخذه الكميت فقال:
يساقطهنّ سقاط الحدي ... د يتبع أخوله الأخولا
(يقال: تساقطت النار أخول أخول، أى قطعا قطعا) .
__________
[1] المخشاة: مصدر ميمى كالخشية، بمعنى الخوف. الوجيب: السقوط.
[2] البيت في أمالى الشريف المرتضى 1: 140 منسوبا لإسماعيل بن القاسم، وهو خطأ.
[3] هو عبد الله بن الزبير- بفتح الزاى- الأسدى، أسد خزيمة، والبيتان ومعهما ثالث فى الكامل مع القصة 335- 336.
[4] روقة: الروق: القرن، والضمير للثور الوحشى. ضارياتها: ضاريات الكلاب.
القين: الحداد. أخول أخولا: أى: متفرقا، وهما اسمان جعلا اسما واحدا وبنيا على الفتح. والبيت فى اللسان 13: 240.
(1/340)

46- مالك بن الريب [1]
607* هو من مازن تميم وكان فاتكا لصّا، يصيب الطريق مع [2] شظاظ الضبىّ الذى يضرب به المثل، فيقال «ألصّ من شظاظ» [3] .
ومالك الذى يقول:
سيغنينى المليك ونصل سيفى ... وكرّات الكميت على التّجار
608* وحبس بمكة فى سرقة، فشفع فيه شمّاس بن عقبة المازنىّ، فاستنقذه وهو القائل فى الحبس:
أتلحق بالرّيب الرّفاق ومالك ... بمكّة فى سجن يعنّيه راقبه [4]
ثم لحق بسعيد بن عثمان بن عفان، فغزا معه خراسان، فلم يزل بها حتى مات.
609* ولما حضرته الوفاة قال [5] :
__________
[1] ترجمته فى الأغانى 19: 162- 169، والخزانة 317- 321، وشواهد المغنى 215- 216 واللآلى 418- 419 وذيله 64 و «الريب» بفتح الراء وسكون الياء.
[2] س ف «يقطع الطريق» وهو يوافق نص الخزانة.
[3] خبره فى الأغانى فى ترجمة مالك بن الريب، وانظر الأمثال 1: 305.
[4] يعينه: يحبسه حبسا طويلا.
[5] هى قصيدة من نفيس الشعر، رثى بها نفسه. وهى فى ذيل الأمالى 3- 135- 141 فى 58 بيتا مشروحة، ونقلت فى الخزانة عن الأمالى 1: 317- 319 وهى أيضا فى الجمهرة 143- 145 فى 51 بيتا. وبعضها فى العينى 3: 165- 168 وفرقها ياقوت فى البلدان 2: 308 و 3: 411 و 4: 139، 234 و 5: 27، 235- 236 و 8 36، وفى الأغانى قال أبو عبيدة: «الذى قاله ثلاثة عشر بيتا، والباقى منحول ولده الناس عليه» .
(1/341)

ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بجنب الغضا أزجى القلاص النّواجيا [1]
فليت الغضا لم يقطع الرّكب عرضه ... وليت الغضا ماشى الرّكاب لياليا
ألمّ ترنى بعت الضّلالة بالهدى ... وأصبحت فى جيش ابن عفّان غازيا
لعمرى لئن غالت خراسان هامتى ... لقد كنت عن بابى خراسان نائيا
فيا صاحبى رحلى دنا الموت فاحفرا ... برابية، إنى مقيم لياليا
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعى ... وردّا على عينىّ فضل ردائيا
ولا تحسدانى، بارك الله فيكما، ... من الأرض ذات العرض، أن توسعا ليا
تذكّرت من يبكى علىّ فلم أجد ... سوى السّيف والرّمح الرّدينىّ باكيا
(وقال يهجو الحجّاج [2] :
فإن تنصفوا يا آل مروان نقترب ... إليكم، وإلّا فأذنوا ببعاد
فإنّ لنا عنكم مزاحا ومزحلا ... بعيس إلى ريح الفلاة صواد
فماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا قناة زياد [3]
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد
زمان هو العبد المقرّ بذلّة ... يراوح صبيان القرى ويغادى)
وليس له عقيب.
611* وممّا سبق إليه (فأخذ عنه) قوله [4] :
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ يكفيه الوعيد
__________
[1] الغضا: من نبات الرمل له هدب كهدب الأرطى، قال ثعلب: «يكتب بالألف، لا أدرى لم ذلك؟» نقله فى اللسان. القلاص: جمع قلوص وهى الفتية من الإبل.
[2] الأبيات نقلها فى الخزانة عن ابن قتيبة. وهى فى الكامل 446- 447 وهناك بيت زائد.
[3] البيت وما بعده فى المعارف 238.
[4] انظر الوساطة 190.
(1/342)

وقال آخر [1] :
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الإشاره
وقال ابن مفرّغ [2] :
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه [3]
وقال بشّار:
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرّدّ [4]
__________
[1] هذا الآخر مبهم. وفى الأغانى 15: 92 بيت لأبى دؤاد من أبيات، عجزه
والحر تكفيه المقالة
وأشار إليه مصحح ل كأنه رواية أخرى، وكأن القائل المبهم هو أبو دؤاد! وهو غير سديد فإن أبا دؤاد جاهلى قديم، فيكون هذا المعنى أخذه منه مالك بن الريب ثم من بعده وفى هامش الحيوان 6: 483 أن هذا الأخر هو الصلتان الفهمى نقلا عن البيان.
[2] هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميرى، وستأتى ترجمته 209- 213 ل.
[3] البيت فى الكامل 234 وهو من أبيات فى الأغانى 17: 54- 55 والخزانة 2: 213- 214، 516، 520 وفى الحيوان نسبته لخليفة الأقطع.
[4] البيت فى اللسان 11: 226 وهو فى الحيوان أيضا.
(1/343)

47- ابن أحمر الباهلى [1] .
612* هو عمرو بن أحمر بن فرّاص [2] بن معن بن أعصر.
وكان أعور، رماه رجل يقال له مخشىّ بسهم، فذهبت عينه، فقال:
شلّت أنامل مخشىّ فلا جبرت ... ولا استعان بضاحى كفّه أبدا [3]
أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا
613* وعمّر تسعين سنة، وسقى بطنه فمات، وفى ذلك يقول:
إليك إله الحق أرفع رغبتى ... عياذا وخوفا أن تطيل ضمانيا [4]
فإن كان برءا فاجعل البرء نعمة ... وإنّ كان فيضا فاقض ما أنت قاضيا [5]
لقاؤك خير من ضمان وفتنة ... وقد عشت أيّاما وعشت لياليا
أرجّى شبابا مطرهمّا وصحّة ... وكيف رجاء المرء ما ليس لاقيا [6]
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 129 والمؤتلف 37 والمرزبانى 214 واللآلى 307 والإصابة 5:
114 والخزانة 3: 38- 39- وهو من شعراء الجاهلية، وأدرك الإسلام.
[2] فراص: بفتح الفاء وتشديد الراء، وضبطه صاحب القاموس بكسر الفاء وتخفيف الراء، وهو خطأ نبه عليه شارحه. وهذا النسب جاء فى اللآلى كما هنا. والذى فى الاشتقاق والإصابة والكامل 26 «عمرو بن أحمر بن العمرد» بفتح العين والميم وتشديد الراء المفتوحة، وكذلك فى المؤتلف والمرزبانى وأمالى ابن الشجرى 1: 137 وساقوا نسب العمرد إلى فراص، فالظاهر أن المؤلف اختصر النسب، ومثل هذا كثير.
[3] المشقص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض. الحشر: الدقيق. شبرقها: يريد أزالها، وأصل شبرقة اللحم تقطيعه. والبيت فى اللسان 20: 248.
[4] الضمن، بكسر الميم: الذى به ضمانة فى جسده من زمانة أو بلاء أو كسر أو غيره، والاسم «الضمن» بفتح الميم و «الضمان» . والبيت فى اللسان 17: 129 وشرح الحماسة 4: 154.
[5] س ف «راحة» بدل «نعمة» . الفيض: الموت. وفى س ف «موتا» وفى هـ «قبضا» .
[6] المطرهم: الشباب المعتدل التام. والبيت فى اللسان 15: 355.
(1/344)

وكيف وقد جرّبت تسعين حجّة ... وضمّ فؤادى نوطة هى ما هيا [1]
وفى كلّ عام يدعوان أطبّة ... إلىّ، وما يجدون إلا الهواهيا [2]
فإن تحسما عرقا من الدّاء تتركا ... إلى جنبه عرقا من الداء ساقيا
فلا تحرقا جلدى، سواء عليكما ... أداويتما العصرين أم لا تداويا
شربت الشكاعى والتددت ألدّة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا [3]
شربنا وداوينا، وما كان ضرّنا ... إذا الله حمّ القدر ألّا تداويا [4]
وقد أتى ابن أحمر فى شعره بأربعة ألفاظ لا تعرف فى كلام العرب [5] :
سمّى النار «ماموسة» ، ولا يعرف ذلك، قال [6] :
تطايح الطّلّ عن أعطافها صعدا ... كما تطايح عن ماموسة الشرر [7]
وسمّى حوار الناقة «بابوسا» ، ولا يعرف ذلك، فقال:
__________
[1] بء «جوبت» بدل «جربت» . س ف «قوامى» بدل «فؤادى» النوطة: ورم فى الصدر. وفى اللسان 9: 298 بيت آخر له كأنه من هذه القصيدة وفيه آخر أيضا 18:
91.
[2] الأطبة: جمع قلة لطيب، والأطباء جمع كثرة. الهواهى: التخاليط والأباطيل واللغو من القول. والبيت فى اللسان 17: 450، وروايته «وفى كل يوم» ولعلها أجود.
[3] الشكاعى: من دق النبات، وهى دقيقة العيدان صغيرة خضراء، والناس يتداوون بها.
اللد: أن يؤخذ بلسان المريض فيمد إلى أحد شدقيه ويوجر فى الآخر الدواء فى الصدف بين اللسان وبين الشدق، واللدود، بفتح اللام: هو الدواء الذى يسقى بهذه الصفة، وجمعه «ألدة» . أقبل المكواة الداء: جعلها قبالته. والبيت فى اللسان 4: 395 و 10: 52 و 12: 57.
[4] القدر، بسكون الدال: هو القدر، بفتحها. وحمه: قضاه وقدره.
[5] ذكر فى اللسان 5: 405 نحو هذا، لم يذكر التبنس وذكر بدله «زوبر» وذلك عن ابن برى.
[6] الأبيات الآتية من قصيدة 52 بيتا فى الجمهرة 158- 160.
[7] فى اللسان 8: 108: «ماموسة: من أسماء النار، قال ابن أحمر- وذكر البيت- قيل أراد بماموسة النار، وقيل هى النار بالرومية، وجعلها معرفة غير منصرفة. ورواه بعضهم عن نانوسة الشرر وقال ابن الأعرابى: المانوسة النار» .
(1/345)

حنّت قلوصى إلى بابوسها جزعا ... فما حنينك أم ما أنت والذّكر [1]
وفى بيت آخر يذكر فيه البقرة:
وبنّس عنها فرقد خصر [2]
أى تأخّر، ولا يعرف «التّبنيس» .
وقال:
وتقنّع الحرباء أرنته ... متشاوسا لوريده نقر
قال: «الأرنة» ما لفّ على الرأس، ولا يعرف ذلك فى غيره شعره [3] .
615* وقالوا: هو أكثر بيت آفات، قال:
تمشّى بأكناف البليخ نساؤنا ... أرامل يستطعمن بالكف والفم [4]
نقائذ برسام وحمّى وحصبة ... وجوع وطاعون ونقر ومغرم [5]
__________
[1] رواية الفائق 1: 56 كرواية المؤلف وفسر البابوسى بأنه الرضيع. والبيت فى اللسان 7: 321 وفيه «طربا» بدل «جزعا» وفى س ف «فزعا» .
[2] من بيت فى الأغانى 13: 138 وهو محرف هناك وذكر فى اللسان 7: 329 مع آخر. وقال: «قال ابن سيده: قال ابن جنى: قوله بنس عنها: إنما هو من النوم، غير أنه إنما يقال للبقرة، قال: ولا أعلم هذا القول عن غير ابن جنى، قال: وقال الأصمعى: هى أحد الألفاظ التى انفرد بها ابن أحمر، قال: ولم يسند أبو زيد هذين البيتين، ولا هما أيضا فى ديوانه، ولا أنشدهما الأصمعى فيما أنشده له من الأبيات التى أورد فيها كلماته، قال: وينبغى أن يكون ذلك شىء جاء به غير ابن أحمر تابعا له فيه ومتقبلا أثره، هذا أوفق من قول الأصمعى أنه لم يأت به غيره. وقال شمر: لم أسمع بنس إذا تأخر إلا لابن أحمر» . والبيتان اللذان أنكرهما ابن سيده مذكوران فى القصيدة فى الجمهرة.
[3] البيت ليس فى قصيدة الجمهرة. وفى اللسان 16: 153: «الجوهرى: وأرنة الحرباء بالضم: موضعه من العود إذا انتصب عليه. وأنشد بيت ابن أحمر ... وكنى بالأرنة عن السراب لأنه أبيض. ويروى أربته بالباء، وأربته قلادته، وأراد سلخه، لأن الحرباء يسلخ كما يسلخ الحية، فإذا سلخ بقى فى عنقه منه شىء كأنه قلادة، وقيل: الأرنة ما لف على الرأس» .
[4] البليخ: اسم نهر بالرقة.
[5] النقائذ: جمع نقيذ أو نقيذه، وأصلها من الخيل ما أنقذته من العدو وأخذته منهم.
(1/346)

616* وقال أبو عمرو بن العلاء: كان ابن أحمر فى أفصح بقعة من الأرض أهلا، يذبل والقعاقع [1] ، يعنى مولده قبل أن ينزل الجزيرة ونواحيها.
617* وأخذت العلماء عليه قوله فى وصف امرأة:
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها ... ودراس أعوص دارس متجدّد
«واليرندج» جلود سود، فظنّ أنه شىء ينسج، «ودراس أعوص» أى لم تدارس الناس عويص الكلام، وقوله «دارس متجدّد» يريد أنه يخفى أحيانا ويتبيّن أحيانا [2] .
__________
[1] يذبل: جبل لباهلة مشهور. القعاقع: موضع.
[2] البيت فى اللسان 3: 108 غير منسوب، وقال: «وقيل: أراد أن هذه المرأة لغرتها وقلة تجاربها ظنت أن اليرندج منسوج» . وذكره فى 7: 383 منسوبا، ورواه فى الموضعين «متخدد بالخاء، وقال: «وقوله دارس متخدد: أى: يغمض أحيانا فلا يرى، ويروى متجدد بالجيم، أى: ما ظهر منه جديد وما لم يظهر دارس» .
(1/347)

48- ابن مفرغ الحميرى [1]
618* هو يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميرىّ، حليف لقريش، يقال إنّه كان عبدا للضّحّاك بن عبد عوف الهلالىّ فأنعم عليه، ويقال سمّى أبوه مفزّغا لأنّه كان خاطر على شرب سقاء لبن، فشربه حتّى أتى عليه. ولمّا ولى سعيد بن عثمان بن عفّان خراسان استصحبه، فلم يصحبه، وصحب عبّاد بن زياد بن أبى سفيان، فلم يحمده، وكان عبّاد طويل اللحية عريضها، فركب ذات يوم وابن مفرّغ معه فى موكبه، فهبّت الريح فنفشت لحيته، فقال ابن مفرغ:
ألا ليت اللّحى كانت حشيشا ... فنعلفها دوابّ المسلمينا
وقال أيضا:
سبق عبّاد وصلّت لحيته ... وكان خرّازا تجور فريته
فبلغ ذلك عبّادا فجفاه وحقد عليه، فقال ابن مفرغ بعد انصرافه عنه:
إنّ تركى ندى سعيد بن عثما ... ن فتى الجود ناصرى وعديدى
واتّباعى أخا الرّضاعة واللّؤ ... م لنقص وفوت شأو بعيد [2]
قلت واللّيل مطبق بعراه: ... ليتنى متّ قبل ترك سعيد
فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذّبه، وسقاه التّربذ فى النبيذ، وحمله على بعير، وقرن به خنزيرة، فأمشاه بطنه مشيا شديدا، فكان يسيل (منه ما يخرج)
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 143- 144 والأغانى 17: 51- 73 والخزانة 2: 210- 216، 514- 521 والاشتقاق 309- 310 وسماه «يزيد بن زياد بن ربيعة» وزيادة «زياد» فى نسبه خطأ. ويزيد شاعر إسلامى من شعراء الدولة الأموية. وأخباره مع عباد فى تاريخ الطبرى 6: 177- 179. وكتب عنه مقال للدكتور طه حسين فى مجلة الكاتب المصرى (العدد الثانى نوفمبر سنة 1945 م) .
[2] فى الأغانى 17- 61 والخزانة 2: 214، 516 «أخا الضراعة» .
(1/348)

على الخنزير فتصئ، فكلّما صاءت قال ابن مفرّغ:
ضجّت سميّة لمّا مسّها القرن ... لا تجزعى إنّ شرّ الشيمة الجزع
وسميّة: أمّ زياد، فطيف به فى أزقّة البصرة وأسواقها، والناس يصيحون (خلفه اين جيست) لما يسيل منه، وهو يقول:
آبست نبيذ است ... عصارات زبيبست
سميّه رو سفيدست [1]
فلمّا ألحّ عليه ما يخرج منه قيل لابن زياد: إنّه لما به، فأمر به، فأنزل، فاغتسل، فلمّا خرج من الماء قال:
يغسل الماء ما فعلت وقولى ... راسخ منك فى العظام البوالى
ثمّ دسّ إليه غرماءه يقتضونه ويستعدون عليه، ففعلوا ذلك، فأمر ببيع ما وجد له فى إعطاء غرمائه، فكان فيما بيع له غلام كان ربّاه يقال له برد، كان يعدل عنده ولده، وجارية له يقال لها الأراكة، فقال ابن مفرّغ:
يا برد ما مسّنا دهر أضرّ بنا ... من قبل هذا ولا بعنا له ولدا
أمّا الأراك فكانت من محارمنا ... عيشا لذيذا وكانت جنّة رغدا
ولولا الدّعىّ ولولا ما تعرّض لى ... من الحوادث ما فارقتها أبدا
619* وقال قصيدة له، وهى أجود شعره [2] :
وشريت بردا ليتنى ... من بعد برد كنت هامه
__________
[1] هذه ثلاث أبيات بالفارسية، وهى كذلك فى الطبرى 6: 177 والأغانى 17: 56 والبيان والتبيين 1: 132 وذكرت فى بعضها محرفة.
[2] هى فى الأغانى 17: 54- 55 والخزانة 2: 213- 214، 516، 520. وقد مضى منها بيت العبد يقرع بالعصا 315. والبيتان فى الكامل 325- 326.
والأول فى اللسان 19: 156.
(1/349)

أو بومة تدعو الصّدى ... بين المشقّر واليمامه
(وأوّل الشعر:
أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيّام برامه) [1]
620* ثم إنّ عبيد الله بن زياد أمر به فحمل إلى سجستان إلى عبّاد بن زياد، فحبس بها، فكان ممّا قال فى الحبس (قوله) :
حىّ ذا الزّور وانهه أن يعودا ... إنّ بالباب حارسين قعودا
من أساوير لا ينون قياما ... وخلاخيل تسهر المولودا [2]
وطماطيم من سبابيج غتم ... يلبسونى مع الصّباح قيودا [3]
لا ذعرت السّوام فى غلس اللّ ... يل مغيرا ولا دعيت يزيدا [4]
يوم أعطى من المخافة ضيما ... والمنايا يرصدننى أن أحيدا
621* وكان الحسين بن على رضى الله عنه تمثّل بهذين البيتين الآخرين حين بلغته بيعة يزيد بن معاوية، فعلم من حضر أنّه سيخرج عليه.
__________
[1] برامة: موضع.
[2] أساوير: جمع «أسوار» بضم الهمزة وكسرها، وهو القائد من الفرس، وقيل الجيد الرمى بالسهام، وقيل الجيد الثبات على ظهر الفرس، وجمعه «أساور» و «أساورة» ، قال فى اللسان: «والهاء عوض من الياء، وكأن أصله أساوير، وكذلك الزنادقة أصله زناديق، عن الأخفش» . وقد ثبت جمعه على الأصل والبيت شاهده.
[3] الطماطيم: الأعاجم فى لسانهم طمطمة، أى: عجمة، لا يفصحون. السبابيج: قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة وحراس السجن، الواحد سبيجى، ويجمع أيضا «سبابجة» والهاء «للعجمة والنسب. وفى ل «من سبابج» وصححناه من المعرب واللسان. الغتم: جمع أغتم، وهو الذى في منطقه عجمة، لا يفصح شيئا. والبيت فى المعرب 183 واللسان 3: 119.
[4] فى الطبرى 6: 191 والأغانى 17: 68 «فى فلق الصبح» والبيتان فيهما، وكذلك تمثل الحسين بهما.
(1/350)

622* وقال ابن مفرّغ لمعاوية [1] :
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة عن الرّجل اليمانى [2]
أتغضب أن يقال أبوك عفّ ... وترضى أن يقال أبوك زان
وأشهد أنّ إلّك من زياد ... كإلّ الفيل من ولد الأتان [3]
وأشهد أنّها حملت زيادا ... وصخر من سميّة غير دان
وإنما أخذ:
وأشهد أن إلّك من زياد
من حسّان بن ثابت، قال حسّان:
وأشهد أنّ إلّك من قريش ... كإلّ السّقب من ولد النّعام [4]
623* وقال أيضا:
إنّ زيادا ونافعا وأبا ... بكرة عندى من أعجب العجب [5]
إنّ رجالا ثلاثة خلقوا ... من رحم أنثى مخالفى النّسب
ذا قرشىّ كما يقول، وذا ... مولى، وهذا ابن عمّه عربى
فلمّا طال حبسه بعث رجلا أنشد على باب معاوية، واليمن أجمع ما كانت بباب معاوية، قوله:
__________
[1] س ف «ويقال إنه كتب إلى معاوية» .
[2] المغلغة، بفتح الغين الثانية: الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد، وبكسرها: المسرعة، من المغلغلة، وهى سرعة السير، وصدر البيت يشبه صدر بيت من قصيدة أخرى فى اللسان 15: 36.
[3] الإل: القرابة.
[4] السقب: ولد الناقة. والبيت مطلع قصيدة فى الديوان 407 وهو فى اللسان 13: 26 وروايتهما «لعمرك» بدل «وأشهد» .
[5] زياد: هو ابن أبى سفيان. ونافع: هو ابن الحارث بن كلدة الثقفى. وأبو بكرة: هو نفيع بن مسروح. وثلاثتهم إخوة لأم.
(1/351)

أبلغ لديك بنى قحطان قاطبة ... عضّت بأير أبيها سادة اليمن
أمسى دعىّ زياد فقع قرقرة ... يا للعجائب، يلهو بابن ذى يزن [1]
فدخل أهل اليمن إلى معاوية فكلّموه، فوجّه رجلا على البريد فى إطلاقه، فصار إلى سجستان، فبدأ بالحبس فأطلقه، وقرّب إليه دابّة من بغال البريد.
فلمّا استوى عليها قال:
عدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق [2]
طليق الذى نجّى من الحبس بعدما ... لاحم فى درب عليك مضيق
ذرى وتناسى ما لقيت فإنّه ... لكلّ أناس خبطة وحريق
قضى لك حمحام بأرضك فالحقى ... بأهلك لا يؤخذ عليك طريق
__________
[1] فقع قرقرة: مضى تفسيرها فى الحاشية 2 ص 206.
[2] البيت شاهد مشهور فى النحو، على أن «هذا» بمعنى الذى. والكلام عليه فى الخزانة 2: 514- 521 وهو فى اللسان 8: 7- 8 فى قصة ابن مفرغ. عدس: كلمة زجر للبغال.
(1/352)

49- سليك بن سلكة السعدى [1]
624* هو منسوب إلى أمه سلكة، وكانت سوداء، واسم أبيه عمرو بن يثربىّ، ويقال عمير، (وهو) من بنى كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وهو أحد أغربة العرب [2] وهجنائهم وصعاليكهم ورجيلائهم. وكان له بأس ونجدة.
وكان أدلّ الناس بالأرض، وأجودهم عدوا على رجليه، (وكان) لا تعلق به الخيل. وقالت له بنو كنانة حين كبر: إن رأيت أن ترينا بعض ما بقى من إحضارك؟ فقال: اجمعوا لى أربعين شابّا وابغونى درعا ثقيلة، فأخذها فلبسها، وخرج الشباب، حتّى إذا كان على رأس ميل أقبل يحضر، فلاث العدو لوثا [3] ، واهتبصوا [4] فى جنبتيه [5] فلم يصحبوه إلا قليلا، فجاء يحضر منتبذا حيث لا يرونه، وجاءت الدرع تخفق فى عنقه كأنّها خرقة.
625* وكان سليك يقول: اللهم إنّك تهيّىّ ما شئت لمن شئت إذا شئت، اللهمّ إنى لو كنت ضعيفا لكنت عبدا، ولو كنت امرأة لكنت أمة، اللهمّ إنى أعوذ بك من الخيبة، فأمّا الهيبة فلا هيبة. فأصابته خصاصة شديدة، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرّة من بعض من يمرّ عليه، فيذهب بإبله، حتّى إذا أمسى فى ليلة من ليالى الشتاء قرّة مقمرة، اشتمل الصّمّاء ونام، فبينا هو كذلك جثم عليه رجل، فقال: استأسر، فرفع سليك رأسه فقال: إنّ الليل طويل
__________
[1] ترجمته فى الأغانى 18: 123- 138 والمؤتلف 137.
[2] انظر ما مضى 244، 329.
[3] لاث العدو لوثا: أى طواه طيا.
[4] اهتبصوا: من الهبص، بفتحتين. وهو النشاط والعجلة. والاسم «الهبصى. وهذا الفعل «اهتبص» لم يذكر فى المعاجم.
[5] الجنبة، بفتح النون: الجنب، بسكونها، وهو شق الإنسان وغيره.
(1/353)

وإنّك مقمر! فذهبت مثلا، وجعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر، فلم يعبأ به، فلما آذاه ضمّه سليك ضمّه ضرط منها وهو فوقه! فقال سليك:
أضرطا وأنت الأعلى [1] ! فذهبت مثلا، ثم قال له: ما شأنك؟ فقال: أنا رجل فقير، خرجت لعلّى أصيب شيئا، قال: انطلق معى، فخرجا فوجدا رجلا قصّته (مثل) قصّتهما، فأتوا جوف مراد، وهو باليمن، فإذا فيه نعم كثير، فقال سليك لهما: كونا (منى) قريبا حتّى آتى الرّعاء فأعلم لكما علم الحىّ أقريب هو أم بعيد، فإن كانوا قريبا رجعت إليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أحى به (إليكما) ، فأغيرا (على ما يليكما) ، فانطلق حتّى أتى الرّعاء، فلم يزل بهم يتسقّطهم حتّى أخبروه خبر الحىّ، فإذا هو بعيد، فقال لهم السّليك: ألا أغنّيكم؟ قالوا: بلى، فرفع عقيرته، يتغنّى:
يا صاحبىّ ألا لا حىّ بالوادى ... إلّا عبيد وآم بين أذواد [2]
أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإنّ الرّيح للعادى [3]
فلمّا سمعا ذلك اطّردا الإبل فذهبا بها [4] .
626* قال أبو عبيدة: بلغنى أنّ السليك رأته طلائع جيش لبكر بن وائل جاؤوا ليغيروا على تميم ولا يعلم بهم، فقالوا: إن علم السّليك بنا أنذر قومه،
__________
[1] مجمع الأمثال 1: 368- 369.
[2] قال المفضل الضبى: «آم: جمع أمة إلى العشر، ثم إماء لما بعد العشر» . والبيت فى اللسان 18: 47.
[3] الريح هنا: الغلبة والقوة. والبيت فى اللسان 3: 283 ونسبه لتأبط شرا أو للسليك، ثم قال: «قال ابن برى: وقيل الشعر لأعشى تميم، من قصيدة أولها» وذكر بيتين.
ولعل الشعر تغنى به السليك فقط، لم يكن من قوله.
[4] هذه القصة منقولة من أمثال العرب للضبى 13- 14 مع خلاف يسير، وعقبها هناك بخبر آخر عن السليك.
(1/354)

فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلما هايجاه خرج يمحص كأنّه ظبى [1] ، فطارداه سحابة يومهما، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا ثم سقط أو قصّر عن العدو فنأخذه، فلمّا أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة وندرت قوسه [2] فانحطمت، فوجدا قصدة منها قد ارتزّت بالأرض [3] ، فقالا: ما له أخزاه الله! ما أشدّه! وهمّا بالرجوع، ثم قالا: لعلّ هذا كان من أوّل الليل ثم فتر، فتبعاه، فإذا أثره متفاجا [4] قد بال فى الأرض وخدّ [5] ، (فقالا: قاتله الله ما أشدّ متنه!) فانصرفا (عنه) ، وتمّ إلى قومه [6] فأنذرهم، فكذّبوه لبعد الغاية، فقال:
يكذّبنى العمران عمرو بن جندب ... وعمرو بن سعد، والمكذّب أكذب [7]
ثكلتكما إن لم أكن قد رأيتها ... كراديس يهديها إلى الحىّ كوكب
كراديس فيها الحوفزان وحوله ... فوارس همّام متى يدع يركبوا [8]
وجاء الجيش فأغاروا (عليهم) [9] .
__________
[1] محص الظبى فى عدوه: أسرع وعدا عدوا شديدا.
[2] ندرت: سقطت ووقعت.
[3] القصدة، بكسر القاف: القطعة من الشىء إذا انكسر. ارتزت بالأرض: ثبتت.
[4] متفاجا: متباعدا، يقال «فاج الرجل وتفاج» بالتشديد فيهما: إذا باعد إحدى رجليه من الأخرى ليبول.
[5] خد فى الأرض: شقها وأثر فيها، ومنه الأخدود.
[6] تم إلى قومه: أى: بلغهم. ورواية الكامل «أتم إلى قومه» فقال الأخفش: «يروى أتم بألف، وتم بغير ألف، ونم بالنون، ومعنى تم إلى قومه أى: نفذ» .
[7] رواية الكامل «وعمرو بن كعب» .
[8] الحوفزان: هو الحارث بن شريك بن عمرو، من بنى ذهل بن شيبان، لقب بذلك لأن قيس بن عاصم المنقرى حفزه بالرمح فى استه، فحفزه عن فرسه فنجا، وعرج من الحفزة. وانظر خبره فى المفضلية 114: 6 والنقائض 47- 59، 144- 148 والأنبارى 740- 741 والأغانى 12: 146- 147.
[9] القصة رواها أيضا المبرد فى الكامل عن أبى عبيدة 554- 555.
(1/355)

627* وكان يقال له سليك المقانب [1] ، وقد وصفه عمرو بن معدى كرب فقال:
وسيرى حتّى قال فى القوم قائل: ... عليك أبا ثور سليك المقانب
فرعت به كاللّيث يلحظ قائما ... إذا ريع منه جانب بعد جانب
له هامة ما تأكل البيض أمّها ... وأشباح عادىّ طويل الرّواجب [2]
628* ومرّ فى بعض غزواته ببيت من خثعم، أهله خلوف، فرأى فيهم امرأة بضّة شابّة، فتسنّمها ومضى، فأخبرت القوم، فركب أنس بن مدرك الخثعمىّ فى إثره، فقتله، وطولب بديته، فقال: والله لا أديه ابن إفال [3] ، وقال:
إنى وقتلى سليكا يوم أعقله ... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر [4]
غضبت للمرء إذ نيكت حليلته ... وإذ يشدّ على وجعائها الثّفر [5]
__________
[1] المقانب: جمع «مقنب» بكسر الميم وفتح النون، وهو جماعة الخيل من الفرسان، قال المفضلى الضبى: «ما بين الثلاثين إلى الخمسين» .
[2] الرواجب: مفاصل الأصابع.
[3] الإفال: صغار الإبل، واحدها «أفيل» ، يريد أنه لا يديه بشىء وإن قل.
[4] هكذا الرواية فى هذا الكتاب «يوم أعقله» والرواية المشهورة «ثم أعقله» بنصب الفعل، وهو شاهد فى كتب العربية على جواز النصب ب «أن» مضمرة بعد «ثم» العاطفة اسما مؤولا على اسم صريح. انظر همع الهوامع 2: 17 وشرح شواهده 2:
11. ورواية التبريزى فى شرح الحماسة 2: 373
إنى وعقلى سليكا بعد مقتله
ولا شاهد فيه أيضا، وذكر هناك القصة مفصلة. والبيتان فى أبيات فى الأغانى 19:
138. وهما فى اللسان 5: 178 وهما أيضا مع ثالث 10: 259. لما عافت البقر:
كانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب لكدر الماء ولقلة العطش ضربوا الثور ليقتحم الماء، لأن البقر تتبعه.
[5] الوجعاء: السافلة، وهى الدبر.
(1/356)

50- ابن فسوة [1]
629* هو عتيبة [2] ، (ويقال عتبة) بن مرداس، من بنى تميم.
وكان ابن فسوة أسره رجل من قومه، فأتاه عتيبة فاشتراه منه فلقّب به! فقال فى نفسه [3] :
وحوّل مولانا علينا اسم أمّه ... ألا ربّ مولى ناقص غير زائد [4]
وكان له أخ شاعر يقال له أديهم بن مرداس [5] ، وله عقب بالبادية.
630* وكان عتيبة أتى عبد الله بن عباس فحجب عنه، فقال [6] :
__________
[1] ترجمته فى الأغانى 19: 143- 146 واللآلى 686 والإصابة 5: 104- 105.
[2] هو الراجح، ويصحف إلى «عيينة» كثيرا، كما وقع فى الأغانى وغيره. وابن فسوة هذا «شاعر مقل غير معدود فى الفحول، مخضرم ممن أدرك الجاهلية والإسلام، هجاء خبيث اللسان بذىء. وابن فسوة لقب لزمه فى نفسه، ولم يكن أبوه يلقب بفسوة، إنما لقب هو بهذا، وقد اختلف فى سبب تلقيبه» قاله فى الأغانى، وذكر بعض الروايات فى ذلك. وفى الإصابة أنه شهد حنينا مع المشركين، وقال شعرا يمدح مالك بن عوف رأس القوم فى تلك الوقعة، قال الحافظ: «ولم أقف على خبر يصرح بأنه صحابى» .
[3] س ف: «وكان له مولى يرمى (كذا) إذا قيل له ابن فسوة، فقال له عتبة ذلك يوما فغضب، فقال: أعطنى عنزا وانقل إلى هذا الاسم! فأعطاه عنزا وأشهد عليه أنه قد اشترى هذا الاسم يعير به! فلزمه الاسم، فقال عتبة بعد ذلك» .
[4] س ف «وخلف مولانا» وما هنا موافق للأغانى.
[5] كذا وذكر اسمه هنا «أديهم» بالتصغير، وكذلك فى شواهد المغنى 99. وأرجح أن صحته «أدهم» بالتكبير، كما ذكر فى المؤتلف 32. وإنما شبهة من صغره أنه ذكر مصغرا فى بيت للفرزدق، والبيت ذكر فى المؤتلف أيضا، وكان أديهم هذا شاعرا خبيثا، كما فى المؤتلف.
[6] لم يحجب عنه، ولكن ابن عباس قرعه وتوعده أن يقطع لسانه إن هجا أحدا من العرب، وحبسه ذلك اليوم، ثم أخرجه عن البصرة فوفد المدينة بعد مقتل على، فأكرمه الحسن بن على وعبد الله بن جعفر، واشتريا منه عرض ابن عباس بما أرضاه، فقال الأبيات يمدحهما ويلوم ابن عباس، كما فى الأغانى، وذكر منها 16 بيتا، وقال:
«وهى قصيدة طويلة، هذا ذكر فى الخبر منها» .
(1/357)

أتيت ابن عبّاس أرجّى نواله ... فلم يرج معروفى ولم يخش منكرى
وقال لبوّابيه: لا تدخلنّه ... وسدّ خصاص الباب من كلّ منظر
وتسمع أصوات الخصوم وراءه ... كصوت الحمام فى القليب المعوّر
فلو كنت من زهران قضّيت حاجتى ... ولكنّنى مولى جميل بن معمر
وكان ابن عبّاس تزوّج امرأة بالبصرة من زهران، يقال لها شميلة. وقوله «مولى جميل بن معمر» أراد أنّه وليّه ومن قومه وكان جميل مضريّا [1] .
فليت قلوصى عرّيت أو رحلتها ... إلى حسن فى داره وابن جعفر
إذا هى همّت بالخروج يصدّها ... عن القصد مصراعا منيف مجيّر
تطالع أهل السّوق والباب دونها ... بمستفلك الذّفرى أسيل المذمّر [2]
فباتت على خوف كأنّ بغامها ... أجيج ابن ماء فى يراع مفجّر [3]
631* وكانت له خالة تهاجى اللّعين المنقرىّ [4] ، وفيه تقول:
تذكرنى سبالك إسكتيها ... وأنفك بظر أمّك يا لعين
__________
[1] فى الأغانى «وكان حليفا لجميل بن معمر القرشى» . وهذا أقرب إلى الصواب، فليس ابن فسوة من قوم جميل بن معمر القرشى، ولا من قوم جميل بن عبد الله بن معمر العذرى، بل جميل العذرى متأخر عنه. وجميل القرشى فى الاشتقاق 81.
[2] الذفرى: أصل أذن البعير، وهو الموضع الذى يعرق منه خلف الأذن. والمستفلك:
الظاهر أنه اسم فاعل، لم يذكر فعله فى المعاجم، وإنما فيها «فلك ثدى الجارية» و «تفلك» بتشديد اللام فيهما، أى استدار، فالظاهر أنه من هذا المعنى، وضبط فى ل بفتح اللام بصيغة اسم المفعول ولم أجد له وجها. الأسيل: الأملس المستوى. المذمر:
الكاهل والعنق وما حوله إلى الذفرى. وفى الأغانى 19: 143 أن ابن فسوة كان أوصف الناس للإبل وأغراهم بوصفها، ليس له كبير شعر إلا وهو مضمن وصفها.
[3] بغام الناقة: صوت لا تفصح به. الأجيج. الخفيف. ابن الماء: كل طائر يألف الماء.
اليراع: القصب.
[4] ستأتى ترجمته 314 ل.
(1/358)

632* وكان عتيبة عضّه كلب كلب، فأصابه ما يصيب صاحب الكلب الكلب، فداواه ابن المحلّ بن قدامة بن الأسود فأباله، مثل الكلاب والنّمل، فبرأ، فقال فيه الشاعر:
ولولا دواء ابن المحلّ وطبّه ... هررت إذا ما الناس هرّ كليبها
وأخرج بعد الله أولاد زارع ... مولّعة أكنافها وجنوبها [1]
وكان الأسود جدّ المحلّ أتى النّجاشىّ فعلّمه هذا الدواء، فهو فى ولده إلى اليوم [2] .
__________
[1] أولاد زارع: الكلاب.
[2] المحل بن قدامة اليربوعى له ذكر فى الأنبارى 543 وقال: «وبنو المحل الذين يداوون من الكلب» . وقال فيه ذو الخرق الطهوى (فى النقائض 1070)
ورهط المحل شفاة الكلب
والبيتان اللذان هنا نسبهما المؤلف لشاعر مبهم يقولهما فى شأن ابن فسوة، ونسبهما فى عيون الأخبار 2: 80 لابن فسوة نفسه حين برأ. وانظر تفصيل القول فى ذلك فى الحيوان 2: 10- 12.
(1/359)

51- عمرو بن معد يكرب الزبيدى [1]
633* هو من مذحج، ويكنى أبا ثور، وهو ابن خالة الزّبرقان بن بدر التميمىّ.
وأخته ريحانة بنت معدى كرب التى يقول فيها:
أمن ريحانة الداعى السّميع ... يؤرّقنى وأصحابى هجوع [2]
634* وكانت تحت الصّمّة بن الحرث، فولدت له دريد بن الصّمّة وعبد الله.
وكان عمرو من فرسان العرب المشهورين بالبأس فى الجاهليّة، وأدرك الإسلام، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلم، ثم ارتدّ بعد وفاته فيمن ارتدّ باليمن، ثم هاجر إلى العراق فأسلم، ثم ارتدّ بعد وفاته فيمن ارتدّ باليمن، ثم هاجر إلى العراق فأسلم، وشهد القادسيّة، وله بها أثره وبلاؤه، وأوفده سعد بن أبى وقّاص بعد فتح القادسيّة إلى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فسأله عمر عن سعد، فقال: هو لهم كالأب، أعرابىّ فى نمرته، أسد فى تامورته [3] ، ويقال: فى ناموسته [4] نبطىّ فى حبوته، يقسم بالسّويّة، ويعدل فى القضيّة، وينفر فى السّريّة، وينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذّرّة [5] ، فقال عمر، وقد كان كتب إليه
__________
[1] هو فارس العرب. وترجمته فى الأغانى 14: 24- 39 والاشتقاق 245 واللآلى 63- 64 والمؤتلف 156- 157 والمرزبانى 208- 209 والخزانة: 422- 426 و 3:
460- 464 وكتب الصحابة. وله أخبار فى لباب الآداب تعرف من الفهرس.
[2] هو صدر الأصمعية 61. السميع: المسمع، وهو شاهد لمجىء صيغة «فعيل» لمبالغة «مفعل» ، مثل «بديع» فى معنى «مبدع» . وانظر الخزانة 3: 460 والبيت فى اللسان 10: 28.
[3] التامور والتامورة: عرين الأسد، وهما فى الأصل الصومعة. فاستعيرا للأسد.
[4] فى اللسان: «الناموس: قترة الصائد الذى يكمن فيها للصيد» ثم قال: «الناموس:
مكمن الصياد، فشبه به موضع الأسد» ولم يذكر فيه «الناموسة» بالتأنيث.
[5] الذرة: النملة الحمراء الصغيرة.
(1/360)

سعد يثنى على عمرو: لشدّ ما تقارضتما الثّناء! وسأله عمر عن الحرب، فقال:
مرّة المذاق، إذا قلّصت عن ساق [1] ، من صبر فيها عرف، ومن ضعف عنها تلف، وهى كما قال الشاعر [2] :
الحرب أوّل ما تكون فتيّة ... تسعى بزينتها لكلّ جهول
حتّى إذا استعرت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات خليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للشّمّ والتّقبيل
وسأله عن السّلاح، فقال: الرّمح أخوك، وربّما خانك، والنّبل منايا تخطئ وتصيب، والتّرس هو المجنّ، وعليه تدور الدّوائر، والدّرع مشغلة للفارس متعبة للراجل، وإنّها لحصن حصين، وسأله عن السيف، فقال: ثمّ قارعتك أمّك عن الثّكل! قال عمر: بل أمّك! قال: الحمّى أضرعتنى [3] .
635* وشهد مع النعمان بن مقرّن المزنىّ فتح نهاوند، فقتل هنالك مع النعمان وطليحة بن خويلد، فقبورهم (هناك) بموضع يقال له: الإسفيذهان [4] .
636* وعمرو أحد من يصدق عن نفسه فى شعره، قال [5] :
ولقد أجمع رجلىّ بها ... حذر الموت، وإنى لفرور
__________
[1] قلصت: شمرت.
[2] هكذا نسب الأبيات لشاعر مبهم، ولكن البيت الأول فى اللسان 9: 416 منسوب لعمرو بن معدى كرب نفسه.
[3] الضراعة: الذل والخضوع. وهذا مثل «الحمى أضرعتنى لك» يضرب عند الذل فى الحاجة تنزل. انظر مجمع الأمثال 1: 181- 182. والقصة رواها البلاذرى فى فتوح البلدان 287- 288 بمعناها.
[4] بء «الإسفندهان» وضبط بفتح الدال، س ف «الإسفيذهانى» وهذا الموضع لم يذكر فى معجم البلدان، وذكر فى تاريخ الطبرى 4: 240، 242 باسم «الإسبيذهان» بالباء بدل الفاء.
[5] الأبيات فى حماسة البحترى برقم 188.
(1/361)

ولقد أعطفها كارهة ... حين للنّفس من الموت هرير
كلّ ما ذلك منى خلق ... وبكلّ أنا فى الرّوع جدير
637* (ومن جيد شعره
أمن ريحانة
البيت.
وفيها يقول [1] :
أشاب الرّأس أيّام طوال ... وهمّ ما تضمّنه الضّلوع
وسوق كتيبة دلفت لأخرى ... كأنّ زهاءها رأس صليع [2]
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وصله بالزّماع فكلّ أمر ... سما لك أو سموت له ولوع) [3]
638* وكان له أخ يقال له عبد الله، وأخت يقال لها كبشة، فقتل عبد الله (أخوه) ، وأراد عمرو أخذ الدية، فقالت كبشة شعرا تعيّر فيه عمرا [4] :
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فمشّوا بآذان النّعام المصلّم [5]
__________
[1] هى الأبيات 21، 22، 27، 28 من الأصمعية 61. وفى الاستيعاب. «وشعره هذا من مذهبات القصائد» .
[2] دلفت: مشت وقاربت الخطو، وهو الرويد، وذلك لكثرة الجيش. الزهاء، بضم الزاى وكسرها: القدر. رأس صليع: جبل لا نبت عليه.
[3] الزماع، بفتح الزاى وكسرها: المضاء فى الأمر والعزم عليه. الولوع، بفتح الواو العلاقة، وفى اللسان: «ولع به ولعا وولوعا، الاسم والمصدر جميعا بالفتح» .
يقول: أزمع على ما تستطيع، فلكل شىء ناحية تعلق بها النفس.
[4] من أبيات فى الحماسة 1: 217- 218 من شرح التبريزى.
[5] مشوا، بفتح الميم: من المشى، أى أمشوا، يقال «مشى» و «مشى» بالتضعيف و «تمشى» . و «مشوا» بضم الميم: امسحوا، من المش وهو المسح. المصلم:
المستأصل الأذنين وإنما يوصف النعام بذلك لأنها لا آذان لها ظاهرة. والمعنى: إن قبلتم الدية ولم تثأروا فامشوا أذلاء بآذان مجدعة كآذان النعام. والبيت فى اللسان 8: 239 و 15: 233.
(1/362)

ودع عنك عمرا إنّ عمرا مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
639* وقال عمرو [1] :
أعاذل شكّتى بدنى ورمحى ... وكلّ مقلّص سلس القياد [2]
أعاذل إنّما أفنى شبابى ... ركوبى فى الصّريخ إلى المنادى
__________
[1] من أبيات فى الأغانى 14: 32- 33 وبعضها فى الإصابة 5: 20- 21 والمرزبانى 209 ولباب الآداب 182.
[2] المقلص. المشمر، يعنى: أنه طويل القوائم.
(1/363)

52- عمرو بن قميئة [1]
640* هو من قيس بن ثعلبة، من بنى سعد بن مالك، رهط طرفة (ابن العبد) . وهو قديم جاهلىّ، كان مع حجر أبى امرئ القيس، فلما خرج امرؤ القيس إلى بلاد الروم صحبه [2] .
وإيّاه عنى امرؤ القيس بقوله:
بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا [3]
641* ومن جيّد شعره قصيدته التى أوّلها:
أرى جارتى خفّت وخفّ نصيحها ... وحبّ بها لولا الهوى وطموحها [4]
فبينى على نجم سنيح نحوسه ... وأشأم طير الزاجرين سنيحها [5]
__________
[1] ترجمته فى المعمرين 89 والمؤتلف 168 والأغانى 16: 158- 160 والخزانة 2:
247- 250. و «قميئة» بوزن «سفينة» . وأخطأ الزبيدى فى شرح القاموس 1:
104 فقال: «وهو الذى كسر رباعية النبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد» وليس كما قال، فإن ابن قميئة الذى كان يوم أحد هو ابن قميئة الليثى، وسماه السهيلى فى الروض الأنف 2:
135 عبد الله. وأما عمرو هذا فإنه ضبعى، من بنى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وقال المرزبانى 213: «بين عمرو بن قميئة المعمر وبين نزار عشرون أبا» .
[2] انظر ما مضى 119. وفى المؤتلف أنه هلك مع امرئ القيس، فقيل له «عمرو الضائع» .
[3] مضى 119.
[4] حب بها: أى: ما أحبها إلى، والحاء من «حب» مفتوحة، قال أبو عبيد: «معناه حبب بفلان، بضم الباء، ثم سكن وأدغم فى الثانية» ، ويجوز أيضا ضم الحاء، قال الجوهرى: «أراد حبب فأدغم ونقل الضمة إلى الحاء، لأنه مدح» .
[5] رواية اللسان «على طير سنيح» . والسنيح والسانح: ما أتاك عن يمينك من ظبى أو طائر أو غير ذلك، والبارح: ما أتاك من ذلك عن يسارك، والعرب تختلف فى العيافة، فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح، وهم أهل نجد، ومنهم من يخالف ذلك، وهم أهل الحجاز، فهذا هو الأصل. ثم قد يستعمل النجدى لغة
(1/364)

فإن تشغبى فالشّغب منك سجيّة ... إذا شيمتى لم يؤت منها سجيحها [1]
أقارض أقواما فأوفى بقرضهم ... وعفّ إذا أبدى النّفوس شحيحها [2]
642* وهو ممّن أنصف فى شعره وصدق، قال:
فما أتلفت أيديهم من نفوسنا ... وإن كرمت فإنّنا لا ننوحها
بأبنا وآبوا كلّنا بمضيضة ... مهمّلة أجراحنا وجروحها [3]
643* (وهو القائل [4] :
رمتنى بنات الدّهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برام [5]
وأهّلكنى تأميل ما لست مدركا ... وتأميل عام بعد ذاك وعام
إذا ما رآنى الناس قالوا: ألم تكن ... جليدا حديث السّنّ غير كهام [6]
فأفنى وما أفنى من الدّهر ليلة ... فلم يغن ما أفنيت سلك نظام
فلو أنّنى أرمى بنبل رأيتها ... ولكنّنى أرمى بغير سهام
على الرّاحتين مرّة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامى
كأنى وقد جوزت تسعين حجّة ... خلعت بها عنّى عذار لجامى)
__________
الحجازى، كما فعل ابن قميئة هنا، وهو نجدى. والبيت فى اللسان 3: 322 وعجزه فيه 321.
[1] تشغبى: أى: تخالفينى وتفعلى ما لا يقامينى، أى: ما لا يوافقنى. الخلق السجيح:
اللين السهل. والبيت فى اللسان 1: 486. س ف «همتى» بدل «شيمتى» .
[2] س ف «أردى» بدل «أبدى»
[3] س ب «فآبوا وأبنا» . المضيضة: الحرقة من الهم والحزن. مهملة: من الهمل، وهو المتروك سدى ليلا أو نهارا، والفعل المذكور فى المعاجم «أهمل» ولم يذكر «همل» بالتضعيف، وهذا المشتق منه فى البيت يدل عليه.
[4] الأبيات فى المعمرين والأغانى وحماسة البحترى برقم 1050 باختلاف فى الرواية.
[5] بنات الدهر: حوادثه ومصائبه. والبيت فى ثمار القلوب 219 غير منسوب.
[6] الرجل الكهام: الثقيل المسن الذى لا غناء عنده.
(1/365)

644* وفى عبد القيس عمرو بن قميئة الضّبعىّ [1] ، وهو شاعر أيضا.
__________
[1] هكذا فى النسخ، والذى فى الخزانة 2: 250 س 1 نقلا عن المؤلف «الصغير» بدل «الضبعى» فلو صح هذا كان له معنى، أما هنا فخطأ، لأن عمرو بن قميئة الضبعى هو هنا المترجم، ثم «بنو ضبيعة بن قيس بن ثعلبة» ليسوا من «عبد القيس» . وأظن أن المؤلف وهم أو شبه عليه، والذين ذكروا فى المؤتلف 168 هم: عمرو بن قميئة هذا، وجميل بن عبد الله بن قميئة الشاعر العذرى ولم يكن يعرف إلا بابن قميئة، وربيعة بن قميئة الضعبى، له قصيدة فى كتاب عبد القيس. ولعل هذا الأخير هو الذى يريده المؤلف.
(1/366)

53- زهير بن جناب [1]
645* هو من كلب، وهو جاهلىّ قديم. ولمّا قدمت الحبشة تريد هدم البيت خرج زهير فلقى ملكهم، فأكرمه ووجّهه إلى ناحية العراق يدعوهم إلى الدخول فى طاعته، فلمّا صار فى أرض بكر بن وائل لقيه رجل منهم، فطعنه طعنة أشوته، فنجا وخرج هاربا، فقال الذى طعنه [2] :
طعنة مّا طعنت فى غبس اللّي ... ل زهيرا، وقد توافى الخصوم [3]
خاننى الرّمح إذ طعنت زهيرا ... وهو رمح مضلّل مشؤوم
646* وهو من المعمّرين، وهو القائل فى عمره [4] :
الموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيّه
من أن يرى الشّيخ الكبي ... ر يقاد يهدى بالعشيّه
(من كلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلا التّحيّه) [5]
647* وهو أحد النفر الثلاثة الذين شربوا الخمر صرفا حتّى ماتوا، وهم:
زهير بن جناب، وأبو براء (عامر) ملاعب الأسنّة عمّ لبيد، وعمرو بن كلثوم التغلبىّ. فأمّا زهير فإنّه قال ذات يوم: إنّ الحىّ ظاعن، فقال عبد الله بن عليم
__________
[1] ترجمته وأخباره فى الجمحى 12- 13 والمعمرين 24- 29 والأغانى 21: 63- 69 والمؤتلف 130 وابن الأثير 1: 250- 207. وله قصيدة فى اللسان 13: 47.
[2] هذا الذى طعنه هو ابن زبابة من بنى تيم الله بن ثعلبة، كما فى الأغانى وابن الأثير.
واسمه «عمرو بن الحر بن همام» وقيل «سلمة بن ذهل» وهو جاهلى، وانظر المرزبانى 208 وشرح الحماسة 1: 143. والبيتان ومعهما ثالث فى الأغانى وابن الأثير.
[3] غبس: بالسين المهملة، وفى الأغانى «غبش» بالمعجمة وفى س ف وابن الأثير «غلس» وكلها بمعنى الظلمة.
[4] من قصيدة فى المعمرين وذكر بعضها فى الأغانى.
[5] التحية: البقاء، أو الملك، قال ابن الأعرابى: «أراد البقاء، لأنه كان ملكا فى قومه» . والبيت مع آخرين فى الأنبارى 117 والمؤتلف 130 واللسان 18: 236.
(1/367)

ابن جناب (ابن أخيه) : إنّ الحىّ مقيم، فقال زهير: من هذا المخالف لى؟
قالوا: ابن أخيك، قال: فما أحد ينهاه؟! قالوا: لا، قال، أرانى قد خولفت، فدعا بالخمر فلم يزل يشربها صرفا حتى قتلته. وأمّا أبو براء (ملاعب الأسنّة) فإنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم كان وجّه عدّة من أصحابه إلى بنى عامر بن صعصعة فى خفارته، فسار إليهم عامر بن الطّفيل ابن أخيه، فلقيهم ببئر معونة فقتلهم، فدعا أبو براء بنى عامر إلى الوثوب بعامر، فلم يجيبوه، (فغضب) فدعا بالخمر فشربها صرفا حتى قتلته، وأمّا عمرو بن كثلوم فإنه أغار على بنى حنيفة باليمامة، فأسره يزيد بن عمرو الحنفىّ فشدّه وثاقا، ثم قال: ألست القائل:
متى تعقد قرينتنا بحبل ... نجذّ الحبل أو نقص القرينا [1]
أما إنى سأقرنك بناقتى هذه، ثم أطردكما جميعا (فأنظر أيّكما يجذّ) ! فنادى: يا آل ربيعة! أمثلة؟! فاجتمعت إليه بنو لجيم [2] فنهوه (عن ذلك) ، فانتهى به إلى حجر [3] فأنزله قصرا وسقاه، فلم يزل يشرب حتى مات [4] .
__________
[1] من المعلقة 229 شرح التبريزى. القرينة؛ أصلها الناقة تكون فيها خشونة تشد إلى أخرى حتى تلين. نجذ: نقطع. نقص: من الوقص، وهو كسر العنق. يقول: متى نقرن إلى غيرنا، أى: متى نسابق قوما نسبقهم ومتى صابرنا قوما فى حرب صابرناهم حتى نقص من يقرن بنا. قاله التبريزى. وفى اللسان 17: 217: «قرينته: نفسه ههنا، يقول: إذا أقرنا لقرن غلبناه» .
[2] بنو حنيفة: هم بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل.
[3] حجر، بفتح الحاء: مدينة اليمامة وأم قراها.
[4] هكذا قال المؤلف، وهو شىء شاذ لم يرد عند غيره، فإن القصة فى الأغانى 9: 176- 177 وفيه أن يزيد «ضرب عليه قبة ونحر له وكساه وحمله على نجيبه وسقاه الخمر» وأن عمرو بن كلثوم لما أخذت الخمر برأسه تغنى بأبيات ذكرها. فهذا إكرام ينفى أنه مات فى الأسر. ثم قد ذكر فى الأغانى 178 خبر موته وقد أتت عليه 150 سنة وأنه جمع بنيه وأوصاهم. نعم: ذكر أبو حاتم فى المعمرين حادث زهير بن جناب ثم قال:
«وشربها أبو براء عامر بن مالك بن جعفر حين خولف صرفا حتى مات. وشربها عمرو ابن كلثوم التغلبى صرفا حتى مات. ولم يبلغنا أن أحدا من العرب فعل ذلك إلا
(1/368)

648* ومن جيّد شعر زهير بن جناب [1] :
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه عواقب ما جنى [2]
يجزيك أو يثنى عليك، وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها وهى تتمثّل به، فكان يقول لها: «كيف الشعر الذى كنت تتمثّلين به؟» فإذا أنشدته إيّاه قال: «يا عائشة إنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس» [3] .
649* ومن جيّد شعره قوله:
إنّ بنى مالك تلقى غزيّهم ... فى الزاد فوضى وعند الموت إخوانا [4]
__________
هؤلاء» . وكذلك أشير إليهما فى الأغانى وابن الأثير فى مناسبة ترجمة زهير بن جناب، ولم يذكر أحد منهم أن موت عمرو كان فى إسار بنى حنفية. فلعل المؤلف دخلت عليه قصة فى قصة!
[1] البيتان فى اللآلى 206 ونسبهما لورقة بن نوفل، وكذلك فى الخزانة 2: 39، وهما فى الأغانى 3: 12- 14 ونسبهما لغريض اليهودى، ثم ذكر أقوالا أنهما لسعية بن غريض أو لزيد بن عمرو بن نفيل أو لورقة أو لزهير بن جناب أو لعامر المجنون الحرمى، وصحح أنهما لغريض أو ابنه: ثم ذكر قصيدة لورقة فيها البيتان. وفى نسب قريش للمصعب ص 150 خطأ أنهما لورقة بن نوفل.
[2] لا يحر: لا يرجع إلى النقص، وأصل الحور الرجوع إلى النقص.
[3] فى الأغانى 2: 13 بإسناده إلى عائشة: «فقال صلى الله عليه وسلم: «ردى على قول اليهودى قاتله الله، لقد أتانى جبريل برسالة من ربى: أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلا الثناء عليه والدعاء له فقد كافأه» . وفى الخزانة 3: 39 «وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا ورقة فإنى رأيته فى ثياب بيض، وهو الذى يقول» فذكر البيتين.
فهاتان الروايتان ورواية المؤلف لا أصل لها فى السنة فيما أعلم، إلا أن الحديث الذى ذكره المؤلف: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» حديث صحيح. ورواه أحمد فى المسند 5: 211، 212 من حديث الأشعث بن قيس، ورواه أبو داود والترمذى من حديث أبى هريرة، وصححه الترمذى وانظر كشف الخفا 2: 376.
[4] الغزى: جمع غاز، مثل «ناد وندى» و «ناج ونجى» للقوم يتناجون.
(1/369)

54- الأضبط بن قريع (السعدى) [1]
650* هو من بنى عوف بن كعب بن سعد، رهط الزّبرقان بن بدر، ورهط ابن أنف الناقة [2] ، وكان قومه أساؤوا مجاورته، فانتقل عنهم إلى آخرين، فأساؤوا مجاورته فانتقل منهم إلى آخرين، فأساؤوا مجاورته، فرجع إلى قومه وقال: بكلّ واد بنو سعد، ويقال أنّه قال: أينما أوجّه ألق سعدا [3] وهو قديم [4] .
651* وكان أغار على بنى الحارث بن كعب، فقتل منهم وأسر وجدع وخصى، ثم بنى أطما، وبنت الملوك حول ذلك الأطم مدينة صنعاء، فهى اليوم قصبتها [5] .
652* وهو القائل [6] :
__________
[1] ترجمته فى المعمرين 8- 9 والأغانى 16: 154- 155 واللآلى 326- 327 وشواهد المغنى 155 وأخطأ فذكر أنه من شعراء الدولة الأموية! وهو جاهلى قديم. والخزانة 4:
588- 591.
[2] س ف «بنى أنف الناقة» وهو الموافق لما نقل فى الخزانة. وأنف الناقة هو جعفر بن قريع أخو الأضبط.
[3] أينما أوجه: معناه أين أتوجه، وجه وتوجه بمعنى، مثل قدم وتقدم، وبين وتبين.
وهذا والذى قبله مثلان، انظر مجمع الأمثال 1: 45 وأمثال الضبى 6.
[4] فى الخزانة عن التصريح للشيخ خالد ما يفيد أنه كان قبل الإسلام بخمسمائة سنة.
[5] هذا قول غريب، لم أجد ما يؤيده.
[6] من قصيدة 8 أبيات فى الأمالى 1: 107- 108 عن ثعلب وقال: «وبلغنى أن هذه الأبيات قيلت قبل الإسلام بدهر طويل» ، وكذلك هى فى الأغانى والخزانة، وذكر بعضها فى المعمرين وفى البيان للجاحظ 3: 204 وحماسة ابن الشجرى 137 والعينى 4: 334- 337 مع اختلاف بينهم فى الرواية.
(1/370)

يا قوم من عاذرى من الخدعه ... والمسى والصّبح لا فلاح معه [1]
فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأقص القريب إنّ قطعه
واقنع من العيش ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه [2]
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
لا تهين الفقير علّك أن ... تخشع يوما والدّهر قد رفعه [3]
__________
[1] فى الأغانى «والخدعة: قوم من بنى سعد بن زيد مناة بن تميم» وفى اللسان 9: 419 «الخدعة قبيلة من تميم» ، قال ابن الأعرابى: الخدعة: ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم» وذكر صدر هذا البيت جعله عجزا لصدر آخر. كرواية الأغانى وغيره.
المسى، بضم الميم وكسرها وسكون السين اسم من المساء كالصبح من الصباح وعجز البيت فى اللسان 20 149 مع صدر آخر.
[2] س ف «وخذ من الدهر ما أتاك به» .
[3] البيت شاهد معروف. استشهدوا به على أن نون التوكيد الخفيفة تحذف لالتقاء الساكنين والأصل، «لا تهينن الفقير» فحذفت النون وبقيت الفتحة دليلا عليها لكونها مع المفرد المذكر. انظر الخزانة.
(1/371)

55- المستوغر [1]
653* هو المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد، رهط الأضبط.
وسمّى المستوغر [2] لقوله فى فرس:
ينشّ الماء فى الرّبلات منها ... نشيش الرّضف فى اللّبن الوغير [3]
وهو قديم من المعمّرين [4] . وعاش ثلاث مائة سنة وعشرين سنة.
(وقال [5] :
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من عدد السّنين مئينا
مائة حدتها بعدها مائتان لى ... وازددت من بعد الشّهور سنينا
هل ما بقى إلّا كما قد فاتنى ... يوم يمرّ وليلة تحدونا) [6]
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 12 والمعمرين 9- 10 والاشتقاق 154 والمرزبانى 313- 314 والإصابة 6: 172.
[2] أى أن هذا لقب، واسمه «عمرو» كما فى المرزبانى والقاموس 3: 604 من الشرح.
[3] ينش: النش والنشيش صوت الماء عند الغليان أو الصب. الربلات، بفتح الباء: جمع ربلة بفتحها أو إسكانها، وهى باطن الفخذ. الرضف، حجارة تحمى وتطرح فى اللبن ليجمد الوغير: اللبن يسخن بالحجارة المحماة والبيت فى المعمرين والاستقاق واللسان 7: 149 وهذا البيت قاطع فى الدلالة على أن «المستوغر» بالغين المعجمة والراء، وهو الثابت فى كافة المصادر. إلا الإصابة، فإنه ضبط فيها بالنص «بعين مهملة ثم زاى» وهو خطأ صرف.
[4] قال المرزبانى: «بين المستوغر وبين مضر بن نزار تسعة آباء» ، وفيه أيضا أنه «مات فى صدر الإسلام، ويقال إنه عاش إلى أول أيام معاوية. وهو أحد المعمرين» وفى الإصابة «قال أبو حاتم السجستانى: عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة حتى أدرك الإسلام.
فأمر بهدم البيت الذى كانت ربيعة تعظمه فى الجاهلية» .
[5] الأبيات فى الجمحى والمعمرين والمرزبانى.
[6] قال الجمحى «قوله بقى: يريد بقى. وفنى. وهما لغتان لطيئ، وقد تكلمت بهما العرب، وهما فى لغة طيئ أكثر» . وانظر ما مضى 281.
(1/372)

654* حدّثنى سهل قال: حدّثنى الأصمعىّ، عن أبى عمرو بن العلاء، وابن العجّاج: أنّ المستوغر مرّ مرّة بعكاظ يقود ابن ابنه خرفا، فقال له رجل:
يا عبد الله أحسن إليه فطال ما أحسن إليك [1] ! قال: أو تدرى من هو؟ قال:
نعم هو، أبوك أو جدّك، قال: هو والله ابن ابنى! قال الرجل: لم أر كاليوم فى الكذب ولا مستوغر بن ربيعة!! قال: فأنا المستوغر بن ربيعة. قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: عاش المستوغر ثلاث مائة سنة وعشرين سنة.
__________
[1] هكذا رسمت «طالما» هنا منفصلة، والأصح وصلها.
(1/373)

56، 57- ابنا خذاق [1]
655* هما سويد ويزيد ابنا خذّاق، من عبد القيس [2] .
قال أبو عمرو بن العلاء: أوّل شعر قيل فى ذمّ الدنيا قول يزيد بن خذّاق [3] :
هل للفتى من بنات الدّهر من واقى ... أم هل له من حمام الموت من راقى [4]
قد رجّلونى وما بالشّعر من شعث ... وألبسونى ثيابا غير أخلاق [5]
ورفعونى وقالوا: أيّما رجل ... وأدرجونى كأنّى طىّ مخراق [6]
وأرسلوا فتية من خيرهم نسبا ... ليسبدوا فى ضريح القبر أطباقى [7]
وقسّموا المال وارفضّت عوائدهم ... وقال قائلهم: مات ابن خذّاق [8]
هوّن عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنّما مالنا للوارث الباقى [9]
__________
[1] لهما ترجمة فى الاستقاق 200، وترجمنا ليزيد فى أول المفضلية 78 وله ترجمة فى المرزبانى 495 واللآلى 713- 714. و «خذاق» بالخاء والذال المعجمتين، ويصحف فى كثير من الكتب.
[2] هما من بنى شن بن أفصى بن عبد قيس، فيقال لكل منهما «الشنى» بفتح الشين، و «العبدى» .
[3] من المفضلية 80 ولكنها نسبت فيها للممزق العبدى، والصحيح ما هنا، نسبتها إلى ابن خذاق، وقد قال فى البيت الخامس
وقال قائلهم مات ابن خذاق
وقد حققنا ذلك فى مقدمة المفضلية. وهى فى اللآلى 713- 714 عدا البيت الثالث.
[4] الراقى: من الراقية. والبيت فى الجمحى 70 غير منسوب.
[5] الأخلاق: الممزقة البالية.
[6] طى مخراق: عنى به العمامة التى يلهو بها الصبيان ثم يضرب بها بعضهم بعضا.
[7] الأطباق: المفاصل، واحدها «طبق» .
[8] العوائد: النسوة اللاتى يعدن المريض، الواحدة «عائدة» .
[9] تولع: ولع بالشىء لزمه ولج فيه. الإشفاق: الخوف، أراد من الموت أو من الفقر.
والبيت فى الجمحى 70 غير منسوب.
(1/374)

656* وهما قديمان، كانا فى زمن عمرو بن هند.
ويزيد القائل [1] :
نعمان إنّك غادر خدع ... يخفى ضميرك غير ما تبدى [2]
فإذا بدا لك نحت أثلتا ... فعليكها إن كنت ذا جدّ [3]
وهززت سيفك كى تحاربنا ... فانظر بسيفك من به تردى
657* وسويد القائل:
أبى القلب أنّ يأتى السّدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسّدير غزير
به البقّ والحمّى وأسد خفيّة ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور [4]
658* وهو القائل أيضا:
جزى الله قابوس بن هند بفعله ... بنا وأخاه غدرة وأثاما [5]
بما فجرا يوم العطيف وفرّقا ... قبائل أحلافا وحيّا حراما [6]
لعلّ لبون الملك تمنع درّها ... ويبعث صرف الدّهر قوما نياما
وإلّا تغادينى المنيّة أغشكم ... على عدواء الدّهر جيشا لهاما [7]
__________
[1] من المفضلية 78.
[2] خدع: ضبط فى ل بضم الخاء وفتح الدال، وفى المفضلية بفتح الخاء وكسر الدال، وهو الذى يخدع الناس كثيرا، ولكن الذى فى المعاجم «خدعه» بضم ففتح وبالهاء، و «خدع» بفتح فكسر بدون الهاء.
[3] الأثلة: شجرة، جعلها مثلا لعزهم.
[4] الخفية: غيضة ملتفة يتخذها الأسد عرينه، أو «خفية» اسم علم لمأسدة بعينها، ممنوع من الصرف، ويصرف للضرورة فى الشعر وفى البلدان أنها «أجمة فى سواد الكوفة» .
[5] الأثام: الإثم.
[6] هـ «يوم القطيف» .
[7] أثبتنا ما فى ب د هـ وفى س ف «فإلا تعادينى» وأثبت فى ل «وإلا» تغادنى» عدواء الدهر: شواغله وموانعه. الجيش اللهام: الكثير يلتهم كل شئ ويغتمر من دخل فيه، أى يغيبه ويستغرقه.
(1/375)

58- أبو الطمحان القينى [1]
659* هو حنظلة بن الشّرقىّ، وكان فاسقا، وقيل له: ما أدنى ذنوبك؟
قال: ليلة الدّير، قيل له: وما ليلة الدّير؟ قال: نزلت بديرانيّة [2] ، فأكلت عندها طفشيلا [3] بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت! 660* وكانت له ناقة يقال لها المرقال، وفيها يقول [4] :
ألا حنّت المرقال وائتبّ ربّها ... تذكّر أرماما وأذكر معشرى [5]
ولو علمت صرف البيوع لسرّها ... بمكّة أن تبتاع حمضا بإذخر [6]
وكان نازلا بمكّة على الزّبير بن عبد المطّلب، وكان ينزل عليه الخلعاء، وإنّما أراد: أنّها لو عرفت لسرّها أن تنتقل من بلاد الإذخر إلى بلاد الحمض، وهى البادية.
__________
[1] ترجمته فى المعمرين 57 والاشتقاق 217 والمؤتلف 149- 150 والأغانى 11: 125- 128 واللآلى 332 والإصابة 2: 66 والخزانة 3: 426. وفى اللآلى: «كان خبيث الدين جيد الشعر» . وهو صاحب البيت الرائع المشهور:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
ويقال: هو أمدح بيت قيل فى الجاهلية. و «الطمحان» بفتح الطاء والميم والحاء المهملة.
[2] ديرانية: نسبة إلى «دير» على غير قياس.
[3] طفشيل: كذا فى الأصول، وفى الخزانة «طفيشل؛ بتقديم الياء على الشين، وفى القاموس: «طفشيل كسميدع: نوع من المرق» .
[4] البيتان فى الأغانى 11: 128 ومعهما آخران، و 16: 67 ومعهما غيرهما، فهى ستة فيه فى موضعين.
[5] ائتب: تهيأ للذهاب وتجهز. أرمام: موضع بعينه. والبيت فى اللسان 3: 443.
[6] الحمض، بفتح الحاء: نبات لا يهيج فى الربيع ويبقى على القيظ وفيه ملوحة، إذا أكلته الإبل شربت عليه، وإذا لم تجده رقت وضعفت، وهو فاكهة الإبل. والبيت فى الكامل 437.
(1/376)

661* وفيها يقول:
وإنى لأرجو ملحها فى بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر
والملح: اللّبن، وكانوا أخذوا إبله بعد أن كانوا شربوا من لبنها فى ضيافته، فقال: أرجو أن يعطّفكم ذلك فتردّوها [1] .
وهو القائل:
تكاد الغمام الغرّ ترعد أن رأى ... وجوه بنى لأم وينهلّ بارقه [2]
__________
[1] البيت فى اللآلى 405 ومعه آخر، والكامل 436، واللسان 3: 443 وقال: «فقال:
أرجو أن ترعوا ما شربتم من ألبان هذه الإبل وما بسطت من جلود قوم كأن جلودهم قد يبست فسمنوا منها» .
[2] هم بنو لأم بن عمرو بن طريف، من طيئ.
(1/377)

59- حميد بن ثور الهلالى [1]
662* هو من بنى عامر بن صعصعة، إسلامىّ مجيد [2] .
ومما يستجاد له قوله:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما [3]
663* ومن حسن التشبيه قوله فى فرخ القطاة [4] :
كأنّ على أشداقه نور حنوة ... إذا هو مدّ الجيد منه ليطعما [5]
664* ومن خبيث الهجاء قوله فى رجلين بعثهما إلى عشيقته:
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما
نزيعان من جرم بن ربّان، إنّهم ... أبوا أن يميروا فى الهزاهز محجما [6]
أمرهما أن ينتسبا إلى جرم، لأن العرب تأمنها لذلّها ولا تخاف منها غارة.
665* ويستجاد له قوله فى وصف ذئب وامرأة:
__________
[1] ترجمته فى الاستيعاب 141- 142 وأسد الغابة 2: 53- 54 والإصابة 2: 39- 40 والأغانى 4: 97- 98 واللآلى 376 ومعجم الأدباء 4: 153- 155 وشواهد العينى 1: 177- 179.
[2] هو مخضرم، قال المرزبانى، فيما نقل عنه فى الإصابة: «كان أحد الشعراء الفصحاء، وكان كل من هاجاه غلبه، وقد وفد على النبى صلى الله عليه وسلم، وعاش إلى الخلافة عثمان» .
[3] مضى 65 وهو مع آخر فى الكامل 187، 852- 853 واللآلى 532 ومن هذه القصيدة أبيات فى الكامل 849 واللآلى 282 والبلدان 8: 495.
[4] س ب «يصف فرخ حمامة» .
[5] الحنوة بفتح الحاء: عشبة وضيئة ذات نور أحمر طيبة الريح، وقيل: هى الريحانة.
[6] نزيعان: النزيع الغريب الذى يجاور قبيلة ليس منها. الهزاهز: البلايا والفتن يهتز فيها الناس.
(1/378)

ترى ربّة البهم الفرار عشيّة ... إذا ما عدا فى بهمها وهو ضائع [1]
فقامت تعشّى ساعة ما تطيقها ... من الدّهر نامتها الكلاب الظّوالع [2]
رأته فشكّت وهو أكحل مائل ... إلى الأرض مثنىّ إليه الأكارع [3]
طوى البطن إلا من مصير يبلّه ... دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع [4]
ترى طرفيه يعسلان كلاهما ... كما اهتزّ عود السّاسم المتتابع [5]
إذا خاف جورا من عدوّ رمت به ... قصايته والجانب المتواسع [6]
وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها ... ذراعا، ولم يصبح لها وهو خاشع [7]
إذا احتلّ حضنى بلدة طرّ منهما ... لأخرى، خفىّ الشّخص للرّيح تابع [8]
وإن حذرت أرض عليه فإنّه ... بغرّة أخرى طيّب النّفس قانع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى ... المنايا بأخرى، فهو يقظان هاجع [9]
إذا قام ألقى بوعه قدر طوله ... ومرّد منه صلبه وهو بائع [10]
__________
[1] البهم، بفتح الباء: الصغار من أولاد الغنم والبقر وغيرها.
[2] الظوالع من الكلاب: التى تطلب السفاد، وهى لا تنام، فهى تضرب مثلا للمهتم بأمره الذى لا ينام عنه، يقال: «إذا نام ظالع الكلاب» .
[3] هـ «وهو أطلس رابض» .
[4] الطوى، بكسر الواو وتخفيف الياء: ضامر البطن. المصير: المعى، وهذا البيت والذى بعده فى الجمحى 130.
[5] يعسلان: يهتزان، وعسل الذئب: مضى مسرعا واضطرب فى عدوه وهز رأسه.
الساسم، بفتح السين غير مهموز: شجر أسود يتخذ منه السهام، وقيل هو الآبنوس.
المتتابع: يقال «غصن متتابع» إذا كان مستويا لا عقد فيه.
[6] القصاية: من القصو، وهو البعد. المتواسع: من السعة. وهذان المشتقان لم يذكرا فى المعاجم. وفى هـ «قصايبه» والقصائب: العظام ذوات المخ، يريد أرجله.
[7] وحشا: جائعا لا طعام له. والبيت فى اللسان 8: 263.
[8] حضنا البلدة: جانباها. طرّ، بالبناء للمفعول: طرد وضيق سوقا شديدا، وضبط فى ل بفتح الطاء، ولا معنى له.
[9] البيت فى الخزانة 2: 197 والجمحى 130.
[10] البوع، بفتح الباء، والبوع، بضمها، والباع: قدر مد اليدين وما بينهما من البدن،
(1/379)

وفكّك لحييه، فلمّا تعاديا ... صأى، ثم أقعى والبلاد بلاقع [1]
إذا ما عدا يوما رأيت ظلالة ... من الطّير ينظرن الّذى هو صانع [2]
666* ويستحسن له قوله فى وصف الوطب [3] :
فما زال يسقى المحض حتّى كأنّه ... أجير أناس أغضبوه مباعد [4]
وعزّاه حتّى أسنداه كأنّه ... عل القرو علفوف من التّرك راقد [5]
فلمّا أدى واستربعته ترنّمت ... ألا كلّ شىء ما خلا الله بائد
قوله «أدى» أى خثر، و «استربعته» حملته تروزه، و «ترنّمت» أى غنّت للسرور به [6] :
فذاقته من تحت اللّفاف فسرّها ... جراجر منه وهو ملان ساند [7]
إذا مال من نحو العراقى أمرّه ... إلى نحرها منه عنان مناكد [8]
__________
وبائع: اسم فاعل منه، يقال «باع يبوع» أى بسط باعه. مرد صلبه: لينه وطوله.
[1] تعاديا: تباعدا. صأى: صاح. بلاقع: بالقاف، وفى ل «بلانع» بالنون، وهو خطأ لا معنى له.
[2] البيت فى الوساطة 271 والخزانة 2: 197.
[3] الوطب: سقاء اللبن خاصة، وهو جلد الجذع فما فوقه.
[4] سقاء وأسقاه بمعنى، سواء فيه «فعل وأفعل» . المحض: اللبن الخالص بلا رغوة ولم يخالطه ماء.
[5] عزاه: غلباه. القرو: حوض طويل ترده الإبل. العلفوف، بضم العين: الشيخ الكبير السن، أو الكثير الشعر.
[6] خثر اللبن: ثخن ليروب. ربع الحجر وارتبعه: شاله ورفعه، ولم يذكر فى المعاجم «استربع» . تروزه: تمنحنه وتقدره لتعرف ثقله.
[7] اللفاف: جمع لفافة. الجراجر: جمع جرجرة، وهى صوت وقوع الماء فى الجوف.
ساند: مستند، يقال «سند إلى الشىء واستند وتساند» .
[8] العراقى: جمع «عرقوة» بفتح العين والواو وسكون الراء وضم القاف، وهى الخشبة المعروضة على الدلو. العنان: أراد به هنا رباط الوطب. مناكد: معاسر ممانع.
(1/380)

يميل على وحشيّه فيميله ... لإنسيّه منها عراك مناجد [1]
فلما تجلّى الّليل عنها وأبصرت ... وفى سدف الّليل الشّخوص الأباعد [2]
يقال لها: جدّى، هويت، وبادرى ... غناء الحمام أن تميع المزايد [3]
فعضّت تراقيه بصفراء جعدة ... فعنها تصاديه وعنها تراود [4]
تأوّبها فى ليل نحس وقرّة ... خليلى أبو الخشخاش واللّيل بائد [5]
فقال: أحيّيكم، فقالت: تريدنا ... على الزّبد، شعب بيننا متباعد [6]
إذا قال: مهلا أسجحى، حملقت له ... بزرقاء لم تدخل عليها المراود [7]
667* وممّا أخذ عليه قوله:
لمّا تخايلت الحمول حسبتها ... دوما بأيلة ناعما مكموما
الدّوم: شجر المقل، وهو لا يكمّ، إنّما يكمّ النخل [8] . فأمّا قول
__________
[1] الوحشى والإنسى: شقا كل شىء، ووحشى كل شىء: شقه الأيسر، وإنسيه: شقه الأيمن، وقيل بخلاف ذلك. المناجد: أصله المبارز المقاتل. يريد: أن الوطب يميل على جانبه الوحشى فتحاول رده إلى الجانب الإنسى بعراكها وجهدها الشديد.
[2] السدف: جمع «سدفة» وهى الظلمة، يريد أن ما بقى من ظلام الليل يخفى الشخوص الأباعد.
[3] هويت: دعاء عليها. غناء الحمام: أى: قبل غنائه فى السحر. وفى ل «عناء» بكسر العين المهملة، وهو خطأ لا معنى له. المزايد: جمع مزادة. تميع: تسيل وتذوب، يريد: بادرى لئلا يذوب ما فيها من سمن ونحوه ويسيل، إذا ما طلعت عليه الشمس.
[4] التراقى: جمع ترقوة، وأصلها العظمة المشرفة بين ثغرة النحر والعاتق، وأراد بتراقى الوطب هنا أعاليه. وأراد بالصفراء الجعدة سنها، ووصفها بالجعودة على معنى أنها قصيرة شديدة.
[5] تأوبها: جاءها ليلا.
[6] الشعب: الصدع والتفرق.
[7] أسجحى، سهلى ألفاظك وأرفقى، كما يقال: «إذا سألت فأسجح» .
[8] فى اللسان: «أكمام النخلة ما غطى جمارها من السعف والليف والجذع، وكل ما أخرجته النخلة فهو ذو أكمام، فالطلعة كمها قشرها» وفيه أيضا: «وقد كمت النخلة، على صيغة ما لم يسم فاعله» .
(1/381)

النابغة الجعدىّ فى هذا المعنى:
كأنّ تواليها بالضحى ... نواعم جعل من الأثأب
فقد أخذ عليه، وقالوا: الجعل صغار النخل، فكيف جعله من الأثأب؟
ولا أراه إلّا صحيحا على التشبيه، كأنه أراد نواعم أثأب كالجعل وقد تسمى العرب الشىء باسم الشىء إذا كان له مشبها، ولعلّ الأثأب أن تكون تسمّى أفناؤه جعلا، كما تسمّى أفناء النخل وقصاره جعلا [1] .
668* وممّا سبق إليه قوله فى الإبل:
إذا القوم قالوا: وردهنّ ضحى غد ... تواهقن حتّى وردهنّ طروق [2]
وقال آخر:
إذا القوم قالوا: وردهنّ ضحى غد ... تواهقن حتّى وردهنّ عشاء
(إذا استخبرت ركبانها لم يخبّروا ... عليهنّ، إلّا أن يكون نداء)
__________
[1] الأثأب: شجر عظيم كبير يستظل تحته العدد الكثير من الناس، ينبت نبات الجوز، وورقه كورقه، وله ثمر مثل التين الأبيض يؤكل، وله حب مثل حبه. الأفناء: قال ابن جنى: «واحد أفناء الناس أفناء، ولامه واو، لقولهم شجرة فنواء: إذا اتسعت وانتشرت أغصانها، قال: وكذلك أفناء الناس: انتشارهم وتشعبهم» . فالظاهر أن أفناء النخلة صغارها التى تنبت حولها.
[2] تواهقن: تساير متباريات، المواهقة: أن تسير مثل سير صاحبك.
(1/382)


60- المثقب العبدى [1]
669* هو من نكرة. واسمه محصن بن ثعلبة [2] .
وإنّما سمّى المثقّب لقوله:
رددن تحيّة وكننّ أخرى ... وثقّبن الوصاوص للعيون [3]
وكان أبو عمرو بن العلاء يستجيد هذه القصيدة له، ويقول: لو كان الشعر مثلها لوجب على الناس أن يتعلّموه.
670* وفيها يقول [4] :
أفاطم قبل بينك متّعينى ... ومنعك ما سألتك أن تبينى [5]
ولا تعدى مواعد كاذبات ... تمرّ بها رياح الصّيف دونى
فإنى لو تعاندنى شمالى ... عنادك ما وصلت بها يمينى [6]
__________
[1] «المثقب» بكسر القاف، ويقع فى بعض المصادر بفتحها. وهو خطأ، وقد ترجمنا له فى أول المفضلية 28 وترجمته أيضا فى الاشتقاق 199 والجمحى 69- 70 والمرزبانى 303 واللآلى 113- 114 والاقتضاب 425- 426 وشواهد المغنى 69- 70 والخزانة 4: 429- 431 وشعراء الجاهلية 400- 415.
[2] أكثر الروايات على أن اسمه عائذ، أو عائذ الله بن محصن بن ثعلبة.
[3] هو من المفضلية 76 ولكن بصدر آخر. الوصاوص: البراقع الصغار، أراد أنهن حديثات الأسنان فبراقعهن صغار. والبيت فى اللسان 8: 374.
[4] يعنى المفضلية 76 وهى 45 بيتا.
[5] هذا يوافق رواية الطوسى، كما فى الأنبارى 574 وفسره قال: «متعينى من حديث أو عدة، وقال: لم تمنعينى ما سألتك إلا لتصرمينى» . ورواية الأكثرين.
ومنعك ما سألت كأن تبينى
يقول: «منعك إياى ما سألتك كبينك، أى: كمفارقتك» .
والبيت فى الخزانة 1: 129 و 2: 556 ونسبه العينى فى شواهده 4: 149 لسحيم ابن وثيل الرياحى، وهو خطأ، دخلت عليه قصيدة فى قصيدة.
[6] مضى البيت 159 برواية أخرى.
(1/383)

إذا لقطعتها ولقلت بينى ... كذلك أجتوى من يجتوينى [1]
فإمّا أن تكون أخى بحقّ ... فأعرف منك غثّى من سمينى [2]
وإلّا فاطّرحنى واتّخذنى ... عدوا أتّقيك وتتّقينى
فما أدرى إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يلينى
أألخير الذى أنا أبتغيه ... أم الشّرّ الذى هو يبتغينى
671* وهو قديم جاهلىّ، (كان) فى زمن عمرو بن هند، وإيّاه عنى بقوله:
إلى عمرو ومن عمرو أتتنى ... أهى الفعلات والحلم الرّزين [3]
وله يقول:
غلبت ملوك الناس بالحزم والنّهى ... وأنت الفتى فى سورة المجد ترتقى [4]
وأنجب به من آل نصر سميدع ... أغرّ كلون الهندوانّى رونق [5]
672* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله فى الناقة:
كأنّ مواقع الثّفنات منها ... معرّس باكرات الورد جون [6]
__________
[1] الاجتواء: الكراهة والاستثقال.
[2] يخاطب عمرو بن هند الملك، كما ذكرنا فى شرح المفضلية.
[3] من المفضلية نفسها، وهو فيها قبل البيت
فإما أن تكون أخى بحق
[4] ب د هـ «بالحزم والتقى» . السورة: المنزلة الرفيعة، مأخوذة من سورة البناء، وهى ما حسن منه وطال.
[5] السميدع: الكريم السيد الجميل الجسيم. الموطأ الأكناف، أى: النواحى. الهندوانى، بكسر الهاء، وإن شئت ضممتها إتباعا للدال: السيف المصنوع ببلاد الهند المحكم الصنعة.
[6] من المفضلية 76 أيضا يصف ناقته. الثفنات: مواصل الذراعين والعضدين من باطن، وهى التى تلى الأرض منها إذا بركت. المعرس: مكان التعريس: وهو النزول آخر الليل: الجون: السود، أراد بهن القطا، يبكرن بالورود إلى الماء.
(1/384)

يريد القطا، وقال عمر بن أبى ربيعة [1] :
على قلوصين من ركابهم ... وعنتريسين فيهما شجع [2]
كأنّما غادرت كلاكلها ... والثّفنات الخفاف إذ وقعوا [3]
موقع عشرين من قطا زمر ... وقعت خمسا خمسا معا شيع
وقال ابن مقبل:
كأنّ موقع وصليها إذا بركت ... وقد تطابق منها الزّور بالثّفن [4]
مبيت خمس من الكدرىّ فى جدد ... يفحصن عنهنّ باللّبّات والجرن [5]
وقال ذو الرمّة:
كأنّ مخوّاها على ثفناتها ... معرّس خمس من قطا متجاور [6]
وقعت اثنتين واثنتين وفردة ... حريدا هى الوسطى بصحراء جائر [7]
وقال الطّرمّاح:
__________
[1] هكذا قال المؤلف، وفى ديوان عمر قطعة برقم (68 من طبعه لبزج) ليس فيها من هذه الأبيات الثلاثة إلا البيت الأول، وهو ثانى الأبيات هناك، مع بعض اختلاف فى الرواية. وأما البيتان الآخران فليسا فى الديوان. وانظر أيضا الأغانى 1: 101- 102.
[2] رواية الديوان والأغانى
على مصكين من جمالهم
والمصك، بكسر الميم وفتح الصاد وتشديد الكاف: القوى الجسيم الشديد الخلق. العنتريس: الناقة الصلبة الوثيقة الشديدة الكثيرة اللحم الجواد الجريئة. الشجع، بفتحتين: سرعة نقل القوائم.
[3] الكلاكل: الصدور.
[4] الوصلان، بكسر الواو: العجز والفخذ.
[5] الكدرى: ضرب من القطا قصار الأذناب فصيحة تنادى باسمها. الجدد، بفتحتين: ما استوى من الأرض وأصحر. الجرن، بضمتين: جمع جران، بكسر الجيم وتخفيف الراء، وهو مقدم العنق من مذبح البعير إلى منحره.
[6] مخواها: موضع تخويتها، والتخوية: أن تبرك الناقة فتتجافى فى بروكها وتمكن لثفناتها.
[7] الفردة: مؤنث الفرد، واستعمالها طريف نادر.
(1/385)

كأنّ مخوّاها على ثفناتها ... معرّس خمس وقّعت للجناجن [1]
وقعن اثنتين واثنتين وفردة ... يبادرن تغليسا سمال المداهن [2]
__________
[1] وقعت: بالبناء للمعلوم، يقال «وقع القوم توقيعا» إذا عرسوا. وضبط فى ل بالبناء للمجهول، وهو خطأ. الجناجن: رؤوس الأضلاع مما يلى قص الصدر، واحدها «جنجن» بكسر الجيمين وفتحهما.
[2] السمال: جمع «سلمة» بفتحات، وهى بقية الماء فى الحوض. المداهن: نقر فى رؤوس الجبال يستنقع فيها الماء، واحدها «مدهن» بضم الميم والهاء.
(1/386)

61- الممزق العبدى [1]
673* هو من نكرة، واسمه شأس بن نهار [2] .
وسمّى الممزّق لقوله [3] .
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق
وهو جاهلىّ قديم، وإنّما يقول هذا لبعض ملوك الحيرة [4] ، قال:
وناجية عدّيت من عند ماجد ... إلى واجد من غير سخط مفرّق [5]
تبلّغنى منّ لا يدنّس عرضه ... بغدر، ولا يزكو لديه تملّقى [6]
تروح وتغدو ما يحلّ وضينها ... إليك ابن ماء المزن وابن محرّق [7]
__________
[1] «الممزق» بفتح الزاى وكسرها، كما نص عليه اللسان والقاموس، وقد ترجمنا له فى المفضلية 80 وترجمته أيضا فى الاشتقاق 199 والجمحى 70 والمؤتلف 185 والمرزبانى 495 وشواهد العينى 4: 590 وشواهد المغنى 233.
[2] وهو ابن أخت المثقب العبدى. واتفقت المصادر على أن اسم الممزق شأس بن نهار، ونقل المرزبانى قولا آخر بأن اسمه «يزيد بن نهار» وثالثا بأنه هو «يزيد بن خذاق» .
وهذا القول الأخير خطأ لا شك فيه.
[3] البيت من الأصمعية 58، وهو أيضا فى اللسان 13: 21 والعقد 1: 180. قال الجمحى: «وبلغنى أن عثمان بن عفان بعث به إلى على بن أبى طالب رضى الله عنهما حين بلغ منه وألح عليه» .
[4] س ب «وإنما يعنى بهذا القول بعض بنى محرق، وفيها يقول» . وفى اللسان 13:
21 أنه قال ذلك للنعمان، وأنه قال له: «لا آكلك ولا أوكلك غيرى» .
[5] الناجية: الناقة السريعة. الواجد: الغنى. وفى الأصمعية «واحد» بالحاء المهملة، وهو من قولهم «رجل واحد» أى متقدم فى بأس أو علم أو غير ذلك، كأنه لا مثيل له، فهو وحده لذلك.
[6] البيت ليس فى الأصمعية، وهو أشبه بالبيت 15 من المفضلية 130 للمزق نفسه، فلعله شبه على المؤلف.
[7] الوضين: بمنزلة الحزام. وهذا البيت والذى بعده فى العقد أيضا.
(1/387)

أحقّا أبيت اللّعن أنّ ابن برتنا ... على غير إجرام بريقى مشرقى [1]
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق
فأنت عميد الناس مهما تقل نقل ... ومهما تضع من باطل لا يحقّق [2]
أكلّفتنى أدواء قوم تركتمهم ... فإلّا تداركنى من البحر أغرق
فإن يعمنوا أشئم خلافا عليهم ... وإن يتهموا مستحقبى الحرب أعرق [3]
__________
[1] ابن برتنا: كذا فى أكثر الأصول، وفى س ف والأصمعية «ابن فرتنا» بالفاء، فقد يكون شخصا مسمى بهذا، وقد يكون نبزا يسب به، فإن «ابن فرتنا» يراد به اللئيم.
مشرقى: من الشرق، وهو بالماء والريق كالغصص بالطعام.
[2] البيت فى العقد أيضا، وهو برواية أخرى فى الأصمعية.
[3] يعمنوا: يأتوا عمان. أشئم: آتى الشأم، رباعى، وفى ل «أشأم» من الثلاثى، وهو غلط. يتهموا: يأتوا تهامة. مستحقبى الحرب: حاملى عبئها، من قولهم «احتقبه واستحقبه» بمعنى احتمله، كأنه جمعه وجعله من خلفه كالحقيبة. أعرق: آتى العراق.
والبيت فى اللسان 12: 119 و 17: 162 وهو فى البلدان 2: 438 غير منسوب.
وهو والذى قبله فى اللسان أيضا 14: 339- 340.. والأبيات الأخيرة من أول أحقا ... ما عدا فأنت عميد الناس ... فى البلدان 6: 215.
(1/388)

62- ابن دارة [1]
67* هو سالم بن دارة، واسم أبيه مسافع [2] ، وأمّه دارة من بنى أسد، وسميت دارة لجمالها، شبّهت بدارة القمر [3] . وهو من ولد عبد الله بن غطفان ابن سعد. وكان هجّاء، وهو الذى هجا ثابت بن رافع الفزارىّ فقتله.
675* وهو القائل:
لا تأمننّ فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار [4]
وكان المتولى لقتله زميل بن عبد مناف [5] ، وقال:
أنا زميل قاتل ابن داره ... وراحض المخزاة عن فزاره [6]
__________
[1] هو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام: وترجمته وأخباره فى المؤتلف 116 وشرح الحماسة 1: 366- 372 والإصابة 3: 161- 162 والخزانة 1: 289- 294، 557- 558 وفى الأغانى 21: 49- 75 أخباره وأخبار أخيه عبد الرحمن، ولكنه خلط أحدهما بالآخر.
[2] هو مسافع بن يربوع.
[3] حكى بعضهم أن «دارة» لقب يربوع جد سالم، ورجح الآمدى فى المؤتلف أنه لقب أمه، كما جزم المؤلف. وقال الآمدى: «وهو وأخوه عبد الرحمن شاعران محسنان» .
[4] فى اللسان: «كتب الدابة والبغلة والناقة ... خزم حياءها بحلقة حديد أو صفر تضم شفرى حيائها لئلا ينزى عليها.. وذلك لأن بنى فزارة كانوا يرمون بغشيان الإبل» . والبيت فيه: 2: 195 و 10: 38، وهو أيضا فى الكامل 811 واللآلى 862 وهو مع آخرين فى الروض الأنف 2: 288 ومع ستة فى الخزانة: 557. وفى شرح الحماسة 1: 370- 371 أبيات من القصيدة.
[5] هو زميل بن أبير، ويقال وبير، بتصغير الأسماء الثلاثة، بن عبد مناف بن عقيل الفزارى، مخضرم، له ترجمة فى الإصابة 3: 41- 42 والمؤتلف 129.
[6] راحض: غاسل، والرحض الغسل. وفى ب د «وداحض» والدحض الدفع. وفى الخزانة 1: 294 «وغاسل» .
(1/389)

676* (وفى ابن دارة يقول الشاعر، وهو الكميت بن معروف:
فلا تكثرا فيه الضّجاج فإنّه ... محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا [1]
677* وكان له أخ يقال له عبد الرحمن بن دارة، وهو القائل فى بعض الأسديين:
يجوع الفقعسىّ ولا يصلّى ... ويسلح فوق قارعة الطّريق
ثم لم يلبث أن مات، فقال الأسدىّ:
قتل ابن دارة بالجزيرة سبّنا ... وزعمت أنّ سبابنا لا يقتل
678* وأتى سالم بن دارة عدىّ بن حاتم فقال له: قد مدحتك، فقال له: أمسك عليك حتى أنبّئك مالى فتمدحنى على حسبه، لى ألف ضائنة [2] وألفا درهم، وثلاثة أعبد، وفرسى هذا حبيس فى سبيل الله، فقل، فقال:
تحنّ قلوصى فى معدّ وإنما ... تلاقى الرّبيع فى ديار بنى ثعل
وأبقى اللّيالى من عدىّ بن حاتم ... حساما كلون الملح سلّ من الخلل
__________
[1] الضجاج، بفتح الضاد: الضجيج، وهو الصياح عند المكروه والمشقة والجزع. والبيت فى الأغانى 21: 57 غير منسوب وقد نسبه المؤلف للكميت بن معروف، وكذلك فى البيان للجاحظ 1: 298 مع آخر وحماسة البحترى فى 4 أبيات برقم 37 ورواه اللسان فى 4 أبيات أيضا 10: 145 للكميت ابن معرف، وقال: «قال ابن الأعرابى: هو للكميت بن ثعلبة الفقعسى» . والكميت بن ثعلبة هو الكميت الأكبر ابن ثعلبة بن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس الأسدى، والكميت بن معروف حفيده، فهو الكميت بن معروف بن الكميت الأكبر. انظر تفصيل ذلك فى المؤتلف 170 والمرزبانى 347 وذكرا البيت ونسباه للأكبر، ورجح المرزبانى نسبته لابن معروف، «والكمت الشعراء الأسديون ثلاثة: الكميت بن معروف شاعر، وجده الكميت بن ثعلبة هذا الشاعر، والكميت بن زيد الأخير أكثرهم شعرا، والكميت الأوسط أشعرهم قريحة، وكلهم بنو أب» وانظر أيضا الجمحى 45- 46 واللآلى 688- 689. والكميت بن زيد ستأتى ترجمته 368- 371 ل.
[2] الضائنة: الواحدة من الضأن. وفى ل «صانية» وهو خطأ لا معنى له.
(1/390)

أبوك جواد ما يشقّ غباره ... وأنت جواد ما تعذّر بالعلل
فإن تتّقوا شرّا فمثلكم اتّقى ... وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل
فقال له: أمسك عليك، لا يبلغ مالى أكثر من هذا! وشاطره ماله.
(1/391)

63- المنخل [1] (اليشكرى)
679* هو المنخّل بن عبيد بن عامر، من بنى يشكر، وهو قديم جاهلىّ.
وكان يشبّب بهند أخت عمرو بن هند، ولها يقول:
يا هند هل من نائل ... يا هند للعانى الأسير [2]
680* وكان المنخّل يتّهم بالمتجرّدة امرأة النعمان بن المنذر، وكان للنعمان منها ولدان، كان الناس يقولون إنّهما من المنخّل. وهو القائل فى النابغة حين وصف المتجرّدة فى قوله: ما يعرف هذا إلّا من جرّب [3] . وكان أيضا يتّهم بامرأة لعمرو بن هند، وكان جميلا.
681* وهو القائل [4] :
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر فى اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر ... فل فى الدمقس وفى الحرير
فدفعتها فتدافعتّ ... مشى القطاة إلى الغدير
وعطفتها فتعطّفت ... كتعطّف الظّبى الغرير
فترت وقالت: يا من ... خّل ما بجسمك من فتور
ما شفّ جسمى غير ح ... بّك فاهدئى عنّى وسيرى [5]
__________
[1] ترجمته وأخباره فى الأغانى 18: 152: 156 و 9: 158- 159 والمؤتلف 178 وشرح الحماسة 2: 102- 108 وشعراء الجاهلية 421- 424.
[2] سيأتى فى الأبيات الآتية.
[3] انظر ما مضى 164- 165.
[4] من الأصمعية 14، وهى أيضا فى الأغانى وشعراء الجاهلية، باختلاف فى الرواية وزيادة ونقص. وانظر التخريج مفصلا فى الأصمعيات.
[5] شفه: هزله وأضمره حتى رق.
(1/392)

ولقد شربت من المدا ... مة بالصّغير وبالكبير [1]
(وشربت بالخيل الإنا ... ث وبالمطهّمة الذّكور) [2]
فإذا سكرت فإنّنى ... ربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فإنّنى ... ربّ الشّويهة والبعير
يا هند هل من نائل ... يا هند للعانى الأسير
وأحبّها وتحبّنى ... ويحبّ ناقتها بعيرى [3]
682* وقتله عمرو بن هند، وقال قبيل قتله:
طلّ وسط العباد قتلى بلا جر ... م، وقومى ينتّجون السّخالا [4]
(لا رعيتم بطنا خصيبا، ولا زر ... تم عدوّا، ولا رزأتم قبالا [5]
فى أبيات.
__________
[1] قال التبريزى: «يعنى بصغير ماله وكبيره ولم يرد إناء صغيرا وإناء كبيرا» واستدل بالبيت الذى بعده.
[2] يريد أنه شرب بثمنها.
[3] البيت ذكر صاحب الأغانى 18: 156 أن من الناس من يزيده فى هذه القصيدة، قال:
«ولم أجده فى رواية صحيحة» ! ومن عجب أنه ذكره فيها فى موضعين آخرين، ولم يعقب على إثباته! وهو ثابت فى مراجع معتمدة، من أوثقها هذا الكتاب، والأصمعيات والحماسة.
[4] طل: أهدر ولم يثأر به. السخال: ولد الشاء من المعز والضأن، الواحدة «سخلة» والبيت فى الأغانى 18: 154 وشرح الحماسة 2: 108.
[5] رزأتم: نقصتم وأخذتم. القبال، بكسر القاف وتخفيف الباء الموحدة: زمام النعل، يقال «ما قطعت له قبالا ولا رزأته زبالا» أى: أدنى شىء، والزبال، بكسر الزاى وتخفيف الباء: ما تحمله النملة بفيها.
(1/393)

64- ابن حبناء [1]
683* هو المغيرة بن حبناء، من ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وكان به برص.
وهو القائل [2] :
إنّى امرؤ حنظلىّ حين تنّسبنى ... لا ملعتيك ولا أخوالى العوق [3]
لا تحسبنّ بياضا فىّ منقصة ... إنّ اللهاميم فى أقرابها بلق [4]
684* وكان له أخ يقال له صخر، (ويكنى أبا بشر) ، يهاجيه، وله يقول المغيرة [5] :
أبوك أبى وأنت أخى ولكن ... تفاضلت الطّبائع والظّروف
وأمّك حين تنسب أمّ صدق ... ولكنّ ابنها طبع سخيف [6]
__________
[1] ترجمته فى الأغانى 11: 156- 165 والمؤتلف 105- 106 والمرزبانى 369 واللآلى 715- 716 والاشتقاق 135 وقال: «كان شاعر بنى تميم فى عصره» .
[2] البيتان فى المؤتلف والأغانى والأمالى 2: 232 واللآلى والحيوان 5: 165 وعيون الأخبار 4: 66.
[3] ملعتيك: يريد من العتبك، حذف نون «من» على لغة بعض العرب، انظر المفضليات 29: 6. العوق: قوم من أزد عمان، وهم أخوال المفضل بن المهلب بن أبى صفرة، يعرض به إذ أنف أن يأكل معه لبرصه، وانظر الأغانى. والبيت فى اللسان 12: 154 محرفا غير منسوب.
[4] اللهاميم: جمع لهموم، وهو الجواد من الناس والخيل. الأقراب، بضم القاف وسكون الراء، وهو الخاصرة. والبيت فى اللسان 16: 29 غير منسوب.
[5] البيتان فى الأغانى، وهما مع ثالث فى الأمالى 2: 82 بدون نسبة. وفى المؤتلف أن المغيرة وصخرا كانا «يتراسلان بالشعر يتناقضان، وكانا أخوين لأب، وهما ابنا خالة» .
ولكن فى الأغانى عن الأصمعى: «لم يقل أحد فى تفضيل أخ على أخيه وهما لأب وأم مثل قول المغيرة بن حبناء لأخيه صخر» وذكر البيتين.
[6] الطبع، بفتح الطاء وكسر الباء: المتدنس العرض الدنىء.
(1/394)

685* (وصخر هو القائل لأخيه [1] :
رأيتك لمّا نلت مالا وعضّنا ... زمان نرى فى حدّ أنيابه شغبا
تجنّى علىّ الذّنب، إنّك مذنب ... فأمسك، ولا تجعل غناك لنا ذنبا
فأجابه المغيرة فقال:
لحى الله أنآنا عن الضّيف بالقرى ... وأقصرنا عن عرض والده ذبّا
وأجدرنا أن يدخل البيت باسته ... إذا القفّ دلّى من مخارمه ركبا) [2]
واستشهد المغيرة بخراسان يوم نسف [3] .
__________
[1] فى اللآلى أنه قال ذلك «حين أيسر المغيرة واختل صخر» ، وذكر الأبيات، وهى أيضا فى الأغانى، ولكن زاد ثالثا فى شعر المغيرة. واختلطت الأبيات على المبرد، فذكر فى الكامل 182 بيت المغيرة الأول ثم بيتى صخر، جعلها كلمة واحدة لم ينسبها، ونسبها أبو الحسن الأخفش ليزيد أو لصخر ابنى حبناء!
[2] القف: الجبل الذى ليس بطويل فى السماء وفيه إشراف على ما حوله وفيه حجارة متعلقة عظام مثل الإبل البروك وأعظم. المخارم: جمع مخرم، بفتح الميم وكسر الراء، وهو ما خرم سيل أو طريق فى قف أو رأس جبل.
[3] فتحت نسف سنة 91 هـ.
(1/395)

65- عبد بنى الحسحاس [1]
686* اسمه سحيم، وكان حبشيّا معلّطا [2] قبيحا.
وهو القائل فى نفسه:
أتيت نساء الحارثيين غدوة ... بوجه براه الله غير جميل
فشبّهّننى كلبا ولست بفوقه ... ولا دونه أن كان غير قليل
687* وكان شاعرا محسنا [3] ، وربّما أنشد فيقول: أحسنك والله! يريد: أحسنت والله. وكان عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى اشتراه، وكتب إلى عثمان بن عفّان رضى الله عنه: إنّى قد اشتريت لك غلاما حبشيّا شاعرا، فكتب إليه عثمان: لا حاجة بنا إليه فاردده، فإنّما حظّ أهل العبد الشاعر منه إذا شبع أن يشبّب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم.
688* وممّا أخذ عليه فى شعره قوله، وذكر التقاءه وعشيقته [4] :
فما زال بردى طيّبا من ثيابها ... إلى الحول حتّى أنهج البرد باليا [5]
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 43- 44 والأغانى 20: 2- 9 واللآلى 720- 721 والإصابة 3: 163- 164 وشواهد المغنى 112 والخزانة 1: 271- 274.
[2] معلطا، بالعين المهملة: موسوما بالعلاط، بكسر العين وتخفيف اللام، وهو خطوط تجعل سمة فى عرض عنق البعير، والظاهر أنه استعمل هنا فى الخطوط التى يصنعها بعض الناس فى وجوههم، وفى ل بالغين المعجمة، وهو خطأ.
[3] قال الجمحى: «هو حلو الشعر، رقيق حواشى الكلام» .
[4] البيت والبيتان الآتيان من قصيدة طويلة، كان ابن الأعرابى يسميها «الديباج الخسروانى» منها أبيات فى مصادر ترجمته، ومنها 11 بيتا فى صفة جزيرة العرب 231 و 22 بيتا فى حماسة ابن الشجرى 160 و 226- 227.
[5] أنهج الثوب: إذا أخذ فى البلى، وأنهج فيه البلى: استطار. والبيت فى اللسان 3:
257.
(1/396)

وقال آخرون: هذا على التوهّم لفرط العشق، وهو نحو قول الأعرابى حين قيل له: ما بلغ من حبّك لها؟ فقال: إنّى لأذكرها وبينى وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها ريح المسك! ويقول:
تجمّعن شتّى من ثلاث وأربع ... وواحدة حتّى كملن ثمانيا
وأقبلن من أقصى الخيام يعدننى ... ألا إنّما بعض العوائد دائيا
689* (ويقال سمعه عمر بن الخطّاب ينشد:
ولقد تحدّر من كريمة بعضهم ... عرق على جنب الفراش وطيب
فقال له: إنّك مقتول [1] ، فسقوه الخمر ثم عرضوا عليه نسوة، فلمّا مرّت به التى كان يتّهم بها أهوى إليها، فقتلوه) .
__________
[1] ويقال إنه أنشد عمر القصيدة اليائية، وفيها:
توسدنى كفا وتثنى بمعصم ... على، وتحنو رجلها من ورائيا
فقال عمر: إنك ويلك مقتول.
(1/397)

66- نصيب [1]
690* كان نصيب [2] عبدا أسود لرجل من أهل وادى القرى، فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان فقال فيه مدحة، فوصله واشترى ولاءه.
691* وقال أبو اليقظان [3] : هو عبد بن كعب بن ضمرة من كنانة.
وقال آخرون: كان من بلىّ من قضاعة. وكانت أمّه أمة سوداء، فوقع بها سيّدها فأولدها نصيبا، فوثب عليه عمّه بعد موت أبيه فاستعبده، ثم باعه من عبد العزيز ابن مروان، وكان يكنى أبا الحجناء. وفيه يقول كثير [4] :
رأيت أبا الحجناء فى الناس جائزا ... ولون أبى الحجناء لون البهائم
تراه على ما لاحه من سواده، ... وإن كان مظلوما، له وجه ظالم
692* ودخل الفرزدق على سليمان عبد الملك [5] ، وسليمان ولىّ عهد، ونصيب عنده، فقال سليمان: أنشدنا يا أبا فراس، وأراد أن ينشده
__________
[1] ترجمته وأخباره فى الجمحى 141 والأغانى 1: 125- 145 واللآلى 291- 292 ومعجم الأدباء 7: 212- 216 وشواهد العينى 1: 537- 538. وهناك شاعر آخر عبد أيضا. اسمه نصيب وكنيته أبو الحجناء، متأخر عن هذا، وهو مولى المهدى، «نشأ باليمامة، واشترى للمهدى فى حياة المنصور، فلما سمع شعره قال: والله ما هو بدون نصيب مولى بنى مروان، فأعتقه وزوجه أمة له يقال لها جعفرة، وكناه أبا الحجناء، وأقطعه ضيعة بالسواد» : له ترجمة فى الأغانى 20: 25- 34.
[2] نصيب: بالتصغير، وهو نصيب بن رباح، بفتح الراء وتخفيف الباء الموحدة.
[3] بسكون القاف، وضبط فى ل بفتحها، وهو خطأ. وأبو اليقظان هذا سماه الجمحى 97 «حويرثة بن أسماء» ، وأنا أرجح أنه خطأ، وأن صوابه «جويرية» .
[4] س ب «وفيه يقول الشاعر» وفى الأغانى 1: 135 «فهجاه شاعر من أهل الحجاز» .
[5] القصة فى الكامل 157 واللآلى.
(1/398)

بعض ما امتدحه به، فأنشده [1] :
وركب كأنّ الرّيح تطلب منهم ... لها سلبا، من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الرّيح وهى تلفّهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا استوضحوا نارا يقولون: ليتها ... وقد خصرت أيديهم، نار غالب [2]
فغضب سليمان، فأقبل على نصيب فقال: أنشد مولاك يا نصيب، فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب [3]
قفوا خبّرونى عن سليمان إنّنى ... لمعروفه من أهّل ودّان طالب [4]
فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال له سليمان: أحسنت، وأمر له بصلة، ولم يصل الفرزدق، فخرج الفرزدق وهو يقول:
وخير الشّعر أكرمه رجالا ... وشرّ الشّعر ما قال العبيد
وفيه يقول:
إذا اعتاص القريض عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا
أتتك بنا قلاص يعملات ... وضعن مدائحا وحملن مالا [5]
693* ودخل الأقيشر [6] على عبد الملك بن مروان وعنده قوم، فتذاكروا
__________
[1] من أبيات ستة فى ديوانه 30- 31.
[2] خضرت: بردت، يقال «خصر الرجل» إذا آلمه البرد فى أطرافه.
[3] ذات أوشال: موضع بين الحجاز والشأم، نص عليه البكرى فى معجم ما استعجم 1:
212 وذكر البيت. وقفاه: خلفه. والأبيات فى الأمالى 1: 94 ومعجم البلدان 8:
405 ولكنه لم يذكر «ذات أو شال» فى موضعها.
[4] ودان، بفتح الواو: قربة بين مكة والمدينة قريبة من الجحفة.
[5] اليعملة: الناقة النجيبة السريعة المطبوعة على العمل.
[6] ستأتى ترجمته 352 ل.
(1/399)

الشعر، وذكروا قول نصيب [1] :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فيا يح دعد من يهيم بها بعدى
فقال الأقيشر: والله لقد أساء قائل هذا الشعر، قال عبد الملك: فكيف كنت تقول لو كنت قائله؟ قال: كنت أقول:
تحبّكم نفسى حياتى، فإن أمت ... أوكّل بدعد من يهيم بها بعدى
قال عبد الملك: والله لأنت أسوأ قولا منه حين توكّل بها! فقال الأقيشر:
فكيف كنت تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أقول:
تحبّكم نفسى حياتى، فإن أمت ... فلا صلحت هند لذى خلّة بعدى [2]
فقال القوم جميعا: أنت والله يا أمير المؤمنين أشعر القوم.
694* وممّا يختار له قوله فى مولاه:
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن غامره [3]
فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأم بابنتها الزائره [4]
وكفّك حين ترى السائلي ... ن أندى من اللّيلة الماطره [5]
فمنك العطاء ومنّا الثّناء ... بكلّ محبّرة سائره [6]
__________
[1] القصة فى الكامل 156 باختلاف فى الرواية. وفيه أيضا أن الأحوص عاب البيت على نصيب فى قصة طويلة 501- 503. ولكن قد مضى 269 هذا البيت برواية أخرى منسوبا للنمر بن تولب، وذكرنا هناك تصحيح صاحب الأغانى نسبته للنمر، وتخطئة من نسبه لنصيب.
[2] صلح: من بابى «منع» و «كرم» . وقال ابن دريد: «ليس صلح بثبت» يعنى بضم اللام.
[3] غامرة: كثيرة نغمر الناس أى تعلوهم وتغطيهم. وفى س ب «ظاهرة» .
[4] المعتفى والعافى: من جاءك يطلب فضلا أو رزقا.
[5] س ب «وكفك بالجود للسائلين» .
[6] س ب «فمنك الجزاء ومنى الثناء» . محبرة: محسنة، حبرت الشعر والكلام تحبيرا، حسنته.
(1/400)

67- العديل بن الفرخ [1]
695* هو العديل بن الفرخ العجلىّ، ولقبه العبّاب، وكان العبّاب كلبا له [2] . وهو من رهط أبى النّجم (العجلىّ) .
وكان هجا الحجّاج فطلبه فهرب منه إلى قيصر ملك الروم، فقال:
ودون يد الحجّاج من أن تنالنى ... بساط لأيدى اليعملات عريض [3]
مهامه أشباه كأنّ سرابها ... ملاء بأيدى الغاسلات رحيض [4]
وكتب الحجّاج إلى قيصر: والله لتبعثنّ به أو لأغرينّك خيلا يكون أولها عندك وآخرها عندى، فبعث به إلى الحجاج، فلمّا دخل عليه قال: أنت القائل:
ودون يد الحجاج من أن تنالنى
فكيف رأيت أمكن الله منك؟
__________
[1] ترجمته فى الاشتقاق 208 والأغانى 20: 11- 19 والخزانة 2: 367- 368. و «العديل» بالتصغير، و «الفرخ» ضبط بالشكل فى الكتب الموثوق بتصحيحها بفتح الفاء، وضبطه صاحب الخزانة بالقول «بضم الفاء وسكون الراء وآخره خاء معجمة» فضم الفاء شاذ لم أجد ما يؤيده، وأخشى أن يكون سهوا أو خطأ.
[2] هكذا قال المؤلف، وما أدرى أخطأ أم صواب، ولكن الذى فى الأغانى أن «العباب» هو «الحرث بن ربيعة بن عجل بن لجيم» والحرث هو الجد الأعلى التاسع للعديل فى عمود النسب عنده، وقال: «قال أبو عبيدة: كان العباب اسم كلب للحرث بن ربيعة ابن عجل، فلقب باسم كلبه وغلب عليه» . و «العباب» بفتح العين وتشديد الباء الموحدة.
[3] البساط، بفتح الباء وكسرها: الأرض العريضة الواسعة المستوية. والبيت فى اللسان 9:
127، وهو أيضا فى الكامل 442 وقبله آخر، والقصة فيه أيضا. وفى الأغانى الأبيات الثلاثة وأبيات أخرى لعلها من هذه القصيدة.
[4] الملاء، بضم الميم: جمع ملاءة. الرحيض: المرحوض، أى المغسول.
(1/401)

قال: أنا القائل [1] :
فلو كنت فى سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجّاج علىّ دليل [2]
خليل أمير المؤمنين وسيفه ... لكلّ إمام مصطفى وخليل
بنى قبّة الإسلام حتّى كأنّما ... هدى الناس من بعد الضّلال رسول
فخلّى سبيله.
696* (وهو القائل [3] :
ما أوقد الناس من نار لمكرمة ... إلّا اصطلينا وكنّا موقدى النّار
وما يعدّون من يوم سمعت به ... للناس أفضل من يوم بذى قار
جئنا بأسلابهم والخيل عابسة ... يوم استلبنا لكسرى كلّ إسوار)
وكان ربّما رجز.
697* وهو القائل:
يا دار سلمى أقفرت من ذى قار ... وهل بإقفار الدّيار من عار
وذكر الإبل فقال:
قوارب الماء سوامى الأبصار ... وهنّ ينهضن بدكداك هار [4]
__________
[1] البيتان الأول والثالث فى الكامل 442. وفى الأغانى 13 بيتا من القصيدة.
[2] «أجأ» و «سلمى» : جبلا طيئ. وقد نص البكرى فى المعجم 1: 109 على أن أجأ «يهمز ولا يهمز» وتبعه ياقوت فى البلدان. ولكن ذهب المبرد فى الكامل 442 إلى أنه مهموز، وأشار إلى أن القصر إنما كان للشعر، ثم قال: «والشاعر إذا احتاج إلى قلب الهمزة قلبها: إن كانت الهمزة مكسورة جعلها ياء، أو ساكنة جعلها على حركة ما قبلها، وإن كانت مفتوحة وقبلها فتحة جلعها ألفا، وإن كانت مفتوحة وقبلها كسرة جعلها ياء، وإن كانت قبلها ضمة جعلها واوا» .
[3] الأبيات فى النقائض 646. وفيها للعديل 5 أبيات أخرى 190.
[4] قوارب الماء: طوالب الماء. الدكداك: الرمل يلتبد بعضه على بعض بالأرض ولا يرتفع كثيرا.
(1/402)

أورق من ترب العراق خوّار ... وقد كسين عرقا مثل القار [1]
يخرج من تحت خلال الأوبار
فى أبيات كثيرة.
__________
[1] الأورق: الذى لونه بين السواد والغبرة، ومنه قيل للرماد أورق. يريد أن لون الدكداك كلون الرماد.
(1/403)

68- الراعى [1]
698* هو حصين بن معاوية، من بنى نمير، وكان يقال لأبيه فى الجاهليّة معاوية الرئيس، وكان سيدا، وإنما قيل له الرّاعى لأنّه كان يصف راعى الإبل فى شعره [2] . وولده وأهل بيته بالبادية سادة أشراف. ويقال هو عبيد بن حصين [3] ، ويكنى أبا جندل. وكان أعور. وهجاه جرير لأنه اتّهمه بالميل إلى الفرزدق، فلقيه فعاتبه واستكفّه، فاعتذر إليه، وجاء ابنه جندل من خلفه، فضرب بالسوط مؤخّر بغلته، وقال له إنّك لواقف على كلب بنى كليب [4] .
699* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله:
كأن العيون المرسلات عشيّة ... شآبيب دمع لم تجد متردّدا [5]
مزايد خرقاء اليدين مسيفة ... أخبّ بهنّ المخلفان وأحفدا [6] .
__________
[1] ترجمته فى الاشتقاق 179 والأغانى 20: 168- 173 والمؤتلف 122 والخزانة 1:
502- 504 وأخباره مطولة فى النقائض فى مواضعها، وكذلك فى ترجمة جرير فى الأغانى والخزانة.
[2] فى الاشتقاق أنه لقب «راعى الإبل» ببيت قاله.
[3] هذا هو الراجح الثابت فى سائر المصادر: «عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميرى» .
[4] وغضب لذلك جرير، فقال قصيدته الدامغة
أقلى اللوم عاذل والعتابا
وهى 112 بيتا، وفيها يقول:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وانظر الخزانة 1: 34- 36 والنقائض 427- 451.
[5] الشابيب: الدفعات، من الدمع والمطر وغيرهما، واحدها شؤبوب.
[6] المزايد: حمع مزادة، وهى الراوية يحمل فيها الماء. وفى اللسان «مزائد» فى البيت، وقال عن ابن سيده: «كذا وجدناه بخط على بن حمزة مهموز» . وفيه أيضا عن ابن برى: «مزائد كان قياسها مزاود، لأنها جمع مزادة، ولكن جاء على التشبيه
(1/404)

أخذه الطّرمّاح فقال:
كأنّ العيون المرسلات عشيّة ... شآبيب دمع العبرة المتحاتن [1]
مزايد خرقاء اليدين مسيفة ... يخبّ بها مستخلف غير آين [2]
700* وقال الراعى يصف الإبل:
نجائب لا يلقحن إلّا يعارة ... عراضا، ولا يشرين إلّا غواليا [3]
أخذه الطرمّاح فقال:
أضمرته عشرين يوما ونيلت ... يوم نيلت يعارة فى عراض [4]
(يعارة: ذاهبة الجسم، ويقال: يعارّ الناقة الفحل فيضربها معارضة) [5] .
__________
بفعالة، ومثله معائش فيمن همزها» . خرقاء اليدين: غير صناع ولا رفق لها، من الخرق، وهو الجهل والحمق. مسيفة: من قولهم «أساف الخرز» أى خرمه. أخب:
من الخبب، وهو السرعة، خبت الدابة: أسرعت، وأخبها صاحبها: حملها على السرعة. المخلفان: تثنية «مخلف» وهو الذى يحمل الماء العذب إلى القوم ليس معهم ماء عذب، أو يكونون على ماء ملح، ولا يكون الإخلاف إلا فى الربيع، وهو فى غيره مستعار منه. أحفدا: أسرعا، أو حملا بعيريهما على السرعة، يقال «حفد حفدا» أسرع، و «أحفد إحفادا» أسرع أو حمل دابته على الإسراع. والبيت فى اللسان 4: 130 و 11: 67، 68.
[1] المتحاتن: المتتابع، تحاتن الدمع: وقع دمعتين دمعتين، وقيل: تتابع متساويا.
والبيت فى اللسان 16: 261.
[2] المستخلف: هو «المخلف» الذى فسرناه فى بيت الراعى آنفا، يقال «أخلف القوم واستخلفهم» بمعنى. آين: من الأون، وهو الدعة والسكينة والرفق، يقال «آن فى السير يؤون أونا» إذا اتدع ولم يعجل، واسم الفاعل «آئن» بالهمزة، و «آين» بتسهيلها.
[3] البيت فى الاشتقاق 269 والكامل 143 واللسان 7: 166 و 9: 48.
[4] البيت فى الاشتقاق أيضا 269 غير منسوب، وهو فى الكامل 143 وقبله آخر، وكذلك فى اللسان 7: 166 وعجزه فيه 9: 48.
[5] تفسير «اليعارة» بأنها ذاهبة الجسم لم يذكر فى المعاجم. والعراض: أن يضرب الفحل الناقة من غير أن توطأ له، ولكن يعترضها اعتراضا، وتقول العرب إن ذلك
(1/405)

701* واستحسن له قوله فى الاعتذار من ترك الزيارة:
إنى وإيّاك والشّكوى الّتى قصرت ... خطوى ونأيك والوجد الّذى أجد
كالماء والظّالع الصّديان يرقبه ... هو الشفاء له والرّىّ لو يرد [1]
702* ومما أخذ عليه قوله فى المرأة:
تكسو المفارق والّلبّات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافور درّاج [2]
(الأرج: الطيّب الرائحة. درّاج: يذهب ويجىء) أراد المسك، فجعله من قصب ظبى المسك، والقصب: المعى، وجعله يعتلف الكافور فيتولّد عنه المسك! 703* واستحسن له قوله فى النساء:
نحدّثهنّ المضمرات وفوقنا ... ظلال الخدور والمطىّ جوانح
يناجيننا بالطّرف دون حديثنا ... ويقضين حاجات وهنّ نوازح
704* وقال:
__________
أكرم النتاج، وذلك لأن الولد يخرج صليبا مذكرا، ويقال لذلك الحمل الذى يقع من الاعتراض «يعارة» و «عراض» ، يقال «حملته عراضا» و «حملته يعارة» .
وقول الراعى «لا يشرين إلا غواليا» أى لكونها لا يوجد مثلها إلا قليلا. وقول الطرماح «أضمرته عشرين يوما» فسره المبرد فى الكامل بأنه «أن تزيد بعد الحول من حين حملت أياما نحو الذى عد، فلا يخرج الولد إلا محكما» . وحكاه فى اللسان عن المبرد أيضا 3: 202 ونقل تعقيب الأزهرى عليه قال: «أما بيت الطرماح فمعناه غير ما ذهب إليه، لأن معناه فى بيته صفة الناقة نفسها بالقوة، لا قوة ولدها. أراد أن الفحل ضربها يعارة، لأنها كانت نجيبة فضن بها صاحبها لنجابتها عن ضراب الفحل إياها، فعارضها فحل فضربها فأرتجت على مائه عشرين يوما، ثم ألقت ذلك الماء قبل أن يثقلها الحمل، فتذهب منتها» .
[1] س ب «والطالع الصديان من عطش» .
[2] البيت فى اللسان 2: 170.
(1/406)

طاف الخيال بأصحابى فقلت لهم ... أأمّ شذرة زارتنا أم الغول؟
لا مرحبا بابنة الأقيان إذ طرقت ... كأنّ محجرها بالقار مكحول [1]
سود معاصمها، جعد معاقصها، ... قد مسّها من عقيد القار تفصيل [2]
705* وقال:
وما بيضة بات الظّليم يحفّها ... بوعساء أعلى تربها قد تلبّدا [3]
فلمّا علته الشّمس فى يوم طلقة ... وأشرق مكّاء الضّحى فتغرّدا [4]
أراد القيام فازبأرّ عفاؤه ... وحرّك أعلى جيده فتأوّدا [5]
وهزّ جناحيه فساقط نفضه ... فراش النّدى من متنه فتبدّدا [6]
فغادر فى الأدحىّ صفراء تركة ... هجانا إذا ما الشّرق فيها توقّدا [7]
بألين مسّا من سعاد للامس ... وأحسن منها، حين تبدو، مجرّدا
__________
[1] المحجر: ما دار بالعين من العظم الذى فى أسفل الجفن، وهو بكسر الميم مع فتح الجيم، وبفتح الميم مع كسر الجيم.
[2] عقيد القار: ما انعقد منه وغلظ، يقال «أعقدت العسل ونحوه فهو معقد وعقيد» .
[3] الوعساء: اللين من الرمل.
[4] يوم طلقة: يريد يوم ليلة طلقة ليس فيها قر ولا ريح، يريد يومها الذى بعدها، والعرب تبدأ بالليل قبل اليوم. أو «طلقة» صفة لليوم نفسه، والعرب تضيف الاسم إلى نعته، وزادوا فى «الطلق» الهاء للمبالغة فى الوصف. المكاء بضم الميم وتشديد الكاف: طائر فى ضرب القنبرة إلا أن فى جناحه بلقا، سمى بذلك لأنه يصفر تصفيرا حسنا.
[5] ازبأر: انتفش. العفاء، بكسر العين: ما كثر من الوبر والريش. تأود: تثنى وتعوج.
[6] فراش الندى: حببه الصغار.
[7] التركة، بفتح التاء: بيضة النعام تترك فى الفلاة.
(1/407)

69- أفنون [1]
706* (واسمه صريم بن معشر) [2] ، هو من بنى تغلب.
وسمى أفنون ببيت قاله [3] . وقال له كاهن فى الجاهلية: إنّك تموت بثنيّة يقال لها إلاهة [4] ، وإنّه خرج مع ركب فضلّوا الطريق فى ليلهم، وأصبحوا بمكان فسألوا عنه، فقالوا: هذه إلاهة، فنزلوا، ولم ينزل أفنون، وخلّى ناقته ترعى، فعلقت مشفرها أفعى، فأمالت الناقة رأسها نحو ساقه، فاحتكّت بها، فنهشته الأفعى، فرمى بنفسه! وقال لرفيق له يقال له معاوية [5] :
لست على شىء فروحا معاويا ... ولا المشفقات إذ تبعن الحوازيا [6]
لعمرك ما يدرى آمرؤ كيف يتّقى ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
فطأ معرضا، إنّ الحتوف كثيرة ... وإنّك لا تبقى بمالك باقيا
كفى حزنا أنّ يرحل الرّكب غاديا ... وأترك فى أعلى إلاهة ثاويا
ومات من ساعته، فقبره هناك.
__________
[1] ترجمنا له فى المفضلية 65. وترجمته فى الاشتقاق 203 والمؤتلف 151 واللآلى 684- 685 والخزانة 4: 460.
[2] فى المؤتلف «ظالم بن معشر» . وهو خطأ.
[3] قال إن للشبان أفنونا.
[4] فى معجم البكرى 1: 186 أنها بين ديار تغلب والشأم، وذكر القصة هناك.
[5] من المفضلية 65 والبيتان الثانى والرابع فى معجم البكرى.
[6] فروحا: كثير الفرح، ورسمت فى ل «فروحن» رسم التنوين نونا. المشفقات: النساء ذوات الشفقة. الحوازى: الكواهن، واحده «حاز» كما نص عليه الأنبارى. أى أن النساء المشفقات إذ تبعن الكواهن يسألنهم لا يغنين عمن أشفقن عليه شيئا.
(1/408)

707* (وهو القائل [1] :
لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا ... لتخدم أمّى أمّه بموفّق)
__________
[1] مضى البيت 187 وحققنا لفظه هناك.
(1/409)

70- المخبل [1]
708* المخبّل: المجنون. وبه سمّى المخبّل الشاعر، قال أبو عمرو:
اسمه ربيعة بن مالك، وهو من بنى شمّاس بن لأى بن أنف الناقة [2] .
وهاجر وابنه إلى البصرة، وولده كثير بالأحساء، وهم شعراء.
709* وكان المخبّل هجا الزّبرقان بن بدر وذكر أخته خليدة، ثم مرّ بها بعد حين وقد أصابه كسر، وهو لا يعرفها، فآوته وجبرت كسره، فلمّا عرفها قال:
لقد ضلّ حلمى فى خليدة ضلّة ... سأعتب قومى بعدها وأتوب
وأشهد، والمسغفر الله، أنّنى ... كذبت عليها، والهجاء كذوب
710* (وهو القائل [3] :
فإن يك غصنى أصبح اليوم ذاويا ... وغصنك من ماء الشّباب رطيب
فإنى حنى ظهّرى حوان تركنه ... عريشا، فمشيى فى الرجال دبيب
وما للعظام الراجفات من البلى ... دواء، وما للرّكبتين طبيب
إذا قال أصحابى: ربيع ألا ترى؟ ... أرى الشّخص كالشّخصين وهو قريب
فلا يعجبنك المرء أن كان ذا غنى ... ستتركه الأيّام وهو حريب [4]
وكائن ترى فى الناس من ذى بشاشة ... ومن شأنه الإقتار وهو نجيب)
__________
[1] ترجمته فى الأغانى 12: 38- 43 والمؤتلف 177 واللآلى 418، 857- 858 والخزانة 2: 536 والإصابة 2: 218- 219 وله ذكر فيها فى ترجمة ابنه شيبان 3: 227.
[2] وهو شاعر مخضرم فحل، عمر طويلا، يقال إنه مات فى خلافة عثمان. وسماه الحافظ فى الإصابة «الربيع بن ربيعة بن عوف» وكنيته أبو يزيد، وهو الذى أشار إليه الفرزدق فى قوله
وأبو يزيد وذو القروح وجرول
كما مضى 68.
[3] فى الأغانى 12: 39 والإصابة 3: 227 أبيات من هذه القصيدة.
[4] حريب: من الحرب، بفتحتين، وهو أن يسلب الرجل ماله ويترك بلا شىء يقال «حربه يحربه فهو محروب وحريب» .
(1/410)

71- سويد بن أبى كاهل [1]
711* هو سويد بن غطيف، من بنى يشكر، وكان الحجّاج تمثّل يوم رستقباذ على المنبر بأبيات من قصيدته، وهى [2] :
ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لى موتا، لم يطع
ويرانى كالشّجا فى حلقه ... عسرا مخرجه ما ينتزع
مزبد يخطر ما لم يرنى ... فإذا أسمعته صوتى انقمع [3]
قد كفانى الله ما فى نفسه ... ومتى ما يكف شيئا لم يضع
لم يضرنى غير أن يحسدنى ... فهو يزقو مثل ما يزقو الضّوع [4]
ويحيّينى إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمى رتع
هل سويد غير ليث خادر ... ثئدت أرض عليه فانتجع [5]
كيف يرجون سقاطى بعدما ... جلّل الرّأس بياض وصلع
__________
[1] ترجمنا له فى المفضلية 40 وذكره المؤلف فيما مضى 143، 219. وترجمته فى الجمحى 35 والاشتقاق 205 والأغانى 11: 165- 167 واللآلى 313- 314 والإصابة 3: 172- 173 والخزانة 2: 546- 548. وهو شاعر مخضرم يكنى أبا سعد، عاش فى الجاهلية دهرا، ومات بعد سنة 60 من الهجرة.
[2] من المفضلية 40 وهى من أغلى الشعر وأنفسه، وقال أصمعى: «كانت العرب تفضلها وتقدمها، وتعدها من حكمها، وكانت فى الجاهلية تسميها اليتيمة، لما اشتملت عليه من الأمثال» . وقال الجمحى: «له شعر كثير ولكن برزت هذه على شعره» وعدد أبياتها فى المفضليات 108، وقد خرجناها هناك.
[3] مزبد: كالجمل الهائج إذا ظهر الزبد على مشافره. يخطر: من الخطر، بكسون الطاء، وهو ضرب الفحل بذنبه إذا هاج. انقمع: دخل بعضه فى بعض. يريد: أنه يتعظم إذا لم يرنى، فإذا رآنى تضاءل.
[4] يزقو: يصيح. الضوع، بضم الضاد وكسرها مع فتح الواو: ذكر البوم.
[5] الخادر: الذى اتخذ الأجمة خدرا. ثئدت: نديت، والثأد، بفتح الهمزة: الندى. انتجع: من النجعة، بضم فسكون، وهى طلب الكلأ فى موضعه أى: لما فسد عليه موضع انتقل إلى غيره.
(1/411)

(وفيها يقول:
وأبيت اللّيل ما أرقده ... وبعينىّ إذا نجم طلع
وإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأوّل منه فرجع
يسحب اللّيل نجوما ظلّعا ... فتواليها بطيئات التّبع [1]
ويزجّيها على إبطائها ... مغرب اللّون إذا اللّيل انقشع [2]
وفيها يقول:
ودعتنى برقاها، إنّها ... تنزل الأعصم من رأس اليفع [3]
تسمع الحدّاث قولا حسنا ... لو أرادوا غيره لم يستطع) [4]
__________
[1] ظلعا، بالظاء المعجمة: من الظلع والظلوع، وهو العرج والغمز فى المشى، كنى بذلك عن شدة بطئها، فكأن الليل يجرها جرا. وفى ل بالطاء المهملة، واخترنا ما فى المفضلية لأنه أجود وأعلى معنى. التوالى: الأواخر، واحدتها ثالية.
[2] يزجيها: يسوقها برفق. المغرب، بفتح الراء: الأبيض، يعنى بياض الصبح، شبهه بالمغرب من الخيل، وهو الذى تتسع غرته فى وجهه حتى تجاوز عينيه. انقشع:
ذهب.
[3] الرقى: جمع رقية. يريد أنها دعته برقاها فلم يجد فكاكا. الأعصم: الوعل الذى فى يديه بياض. اليفع: المرتفع، كاليفاع.
[4] الحداث: الذين يحدثونها وتحدثهم، وفى النهاية: «هو جمع على غير قياس، حملا على نظيره، نحو سامر وسمار» . لم يستطع؛ يريد أنهم لو التمسوا منها سوى الحديث لم ينالوه، يصف عفتها.
(1/412)

72- أبو محجن [1]
712* هو من ثقيف، وكان مولعا بالشراب، مشتهرا به، وكان سعد بن أبى وقاص حبسه فيه، فلمّا كان يوم القادسيّة وبلغه ما يفعل المشركون بالمسلمين، وهو عند أمّ ولد لسعد، قال:
كفى حزنا أن تطعن الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علىّ وثاقيا [2]
إذا قمت عنّانى الحديد وغلّقت ... مغاليق من دونى تصمّ المناديا [3]
(وقد كنت ذا أهل كثير وإخوة ... فقد تركونى واحدا لّا أخا ليا)
هلمّ سلاحى، لا أبا لك، إننى ... أرى الحرب لا تزداد إلّا تماديا
فقالت له أمّ ولد سعد: أتجعل لى إن أنا أطلقتك أن ترجع حتّى أعيدك فى الوثاق؟ قال: نعم، فأطلقته، وركب فرسا لسعد بلقاء، وحمل على المشركين، فجعل سعد يقول: لولا أنّ أبا محجن فى الوثاق لظننت أنّه أبو محجن وأنّها فرسى، وانكشف المشركون، وجاء أبو محجن فأعادته فى الوثاق، وأتت سعدا فأخبرته، فأرسل إلى أبى محجن فأطلقه، وقال: والله لا حبستك فيها أبدا، قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها بعد اليوم أبدا.
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 68 والاشتقاق 185 والمؤتلف 95- 96 والأغانى 21: 137- 143 والإصابة 7: 170- 172 والخزانة 3: 550- 556 وشواهد العينى 4: 381- 382 وخبره فى وقعة القادسية فى الطبرى 4: 123- 124، 139 وديوانه صغير مطبوع بمصر قديما، بدون تاريخ، بشرح أبى هلال العسكرى، وعندى منه نسخة مخطوطة مصورة. وقال ابن دريد: «كان شاعرا فارسا شجاعا، شهد القادسية، وكان له فيها بلاء عظيم» . و «محجن» بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم.
[2] س ب «أن تطرد الخيل» وهى توافق رواية الجمحى.
[3] عنانى: حبسنى وأسرنى.
(1/413)

713* ودخل ابن أبى محجن [1] على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذى يقول:
إذا مت فادفنى إلى جنب كرمة ... تروّى عظامى بعد موتى عروقها
ولا تدفننّى بالفلاة فإنّنى ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها [2]
فقال ابن أبى محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره، قال:
وما ذاك؟ قال: قوله:
لا تسأل الناس: ما مالى وكثرته ... وسائل القوم: ما حزمى وما خلقى [3]
القوم أعلم أنى من سراتهم ... إذا تطيش يد الرّعديدة الفرق [4]
قد أركب الهول مسدولا عساكره ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
714* وهو القائل:
إن يكن ولّى الأمير فقد ... طاب منه النّجل والأثر
فيكم مستيقظ فهم ... قلقلان حيّة ذكر
أحمد الله إليك فما ... وصلة إلا ستنبتر
__________
[1] فى الديوان والإصابة أن ابن أبى محجن هذا اسمه «عبيد» .
[2] «أذوقها» بالرفع، إما على إهمال «أن» وهو الراجح عندنا، وإما على أنها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن أو ضمير متكلم محذوف. وانظر الخزانة وشواهد العينى.
[3] رواية الديوان وكثير من المصادر «تسألى» و «سائلى» وصرح أبو هلال العسكرى بأنه يخاطب امرأته. وهى توافق النسج ب س هـ.
[4] الرعديدة: الجبان يرعد عند القتال جبنا.
(1/414)

73- عمرو بن شأس [1]
715* هو أبو عرار؛ وفيه يقول عمرو لامرأته [2] :
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا بنىّ بالهوان فقد ظلم [3]
فإن كنت منى أو تريدين صحبتى ... فكونى له كالسمن ربّت له الأدم [4]
وإلّا فبينى مثل ما بان راكب ... تيمّم خمسا ليس فى سيره أمم [5]
وإنّ عرارا إن يكن ذا شكيمة ... تقاسينها منه فما أملك الشّيم [6]
وإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإنى أحبّ الجون ذا المنكب العمم [7]
716* ووفد على عبد الملك بن مروان [8] وفد أهل الكوفة، فلما دخلوا
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 46- 47 والمرزبانى 212- 213 واللآلى 750- 751 والأغانى 10: 60- 63 وقد مضى له ذكر فى تعليقنا على بيت للمتلمس 178. وهو عمرو ابن شأس الأسدى قال الجمحى: «كثير الشعر فى الجاهلية والإسلام، وهو أكثر طبقته شعرا، وكان ذا قدر وشرف ومنزلة فى قومه» . وأسلم فى صدر الإسلام وشهد القادسية.
[2] من قصيدة ذكر بعضها فى الأغانى، والحماسة 1: 272- 273 من شرح التبريزى.
[3] عرار: بكسر العين، وضبط فى اللسان 6: 236 بفحها، وهو خطأ. س ب «عرارا لعمرى بالهوان» وهو يوافق رواية الكامل والحماسة والأغانى وغيرها.
[4] البيت فى اللسان 1: 390 وقال: «أراد بالأدم النحى، يقول: لزوجته: كونى لولدى عرارا كسمن رب أديمه، أى طلى برب التمر، لأن النحى إذا أصلح بالرب طابت رائحته ومنع السمن من أن يفسد طعمه أو ريحه» .
[5] الخمس، بكسر الخاء: من أظماء الإبل، وهو أن ترد الإبل الماء اليوم الخامس. يريد:
وإلا ففارقينى وليكن سيرك سير راكب تكلف ورود الماء للخمس. الأمم: القرب والقصد. أراد: أنه على غير قصد فيكون أشقى له.
[6] الشكيمة: شدة النفس والأنفة والإباء، وأصله من شكيمة اللجام. والبيت فى اللسان 15: 217.
[7] الواضح: الأبيض اللون الحسنة. الجون: الأسود، العمم: التام أو الطويل. والبيت فى اللسان 1: 390 و 6: 236 و 15: 321.
[8] القصة فى الكامل 234- 235 بمعناها.
(1/415)

عليه وكلّمهم رأى فيهم رجلا آدم طويلا، فكلّمه فأعجبه بيانه، فلما تولّى تمثّل عبد الملك بقول عمرو بن شأس
وإنّ عرارا إن يكن غير واضح
البيت.
فالتفت الآدم إلى عبد الملك فضحك، فقال عبد الملك: علىّ به، فلما جىء به، قال: ما أضحكك؟ قال: أنا يا أمير المومنين عرار! فأقعده معه، وقدّمه وسامره حتى خرج.
717* ومما سبق إليه عمرو بن شأس فأخذ منه قوله:
وأسيافنا آثارهنّ كأنّها ... مشافر قرحى فى مباركها هدل [1]
أخذه الكميت فقال:
تشبّه فى الهام آثارها ... مشافر قرحى أكلن البريرا
(البرير: نبت تأكله الإبل، وهو ثمر الأراك) . وقال أبو النّجم يصف الجراحة:
تحكى الفصيل الهادل المقروحا
(الهادل: الذى قد أرخى شفتيه) .
__________
[1] قرحى: أصابها القرح، وهو البثر إذا ترامى إلى فساد، والمقرحة: الإبل التى بها قروح فى أفواهها فتهدل مشارفها. هدل: صفة لمشافر، جمع «أهدل» يقال «هدل البعير» أخذته القرحة فهدل مشفره وطال. والبيت فى اللسان 3: 392 مع بيتى الكميت وأبى النجم، وذكر بيتا آخر للبعيث، وصرح بأنه سرقة من عمرو بن شأس.
(1/416)

74- ابن الطثرية [1]
718* هو يزيد بن الطّثريّة، والطّثريّة أمّه [2] وهى من طثر [3] بن عنز بن وائل، وقتلته بنو حنيفة يوم الفلج [4] ، (فقالت أخته ترثيه [5] :
أرى الأثل فى جنب العقيق مجاورا ... مقيما، وقد غالت يزيد غوائله [6]
فتى قدّ قدّ السّيف، لا متقاذف ... ولا رهل لبّاته وأباجله [7]
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الحىّ حتّى تستقلّ مراجله [8]
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 150، 151، 152 والأغانى 7: 104- 117 واللآلى 103- 104 وابن خلكان 2: 395- 399 ومعجم الأدباء 7: 299- 300 وانظر الحيوان 6: 137.
[2] وأبوه هو «سلمة بن سمرة بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة» .
[3] طثر: بفتح الطاء المهملة وسكون الثاء المثلثة.
[4] الفلج، بفتحتين؛ قرية من قرى اليمامة. وكان مقتله بها فى سنة 126 هـ وفى ابن خلكان عن أبى الحسن الطوسى: «كان ابن الطثرية شاعرا مطبوعا، عاقلا فصيحا، كامل الأدب، وافر المروءة، لا يعاب ولا يطعن عليه، وكان سخيا شجاعا، له أصل ومحل فى قومه من قشير، وكان من شعراء بنى أمية مقدما عندهم» . وفيه أيضا أن صاحب الأغانى جمع شعره فى ديوان.
[5] من قصيدة فى الأمالى 2: 85- 86 والحماسة 3: 72- 75 من شرح التبريزى.
[6] الأثل: شجر. العقيق: واد ببلاد بنى عامر، وهو من الحجاز.
[7] الرهل: المسترخى. الأباجل: جمع أبجل، وهو عرق غليظ فى الرجل، ذكرت الأباجل وهى تريد موضعها، ولذلك جمعتها. تصفه بقلة اللحم على الساق والصدر.
[8] العذور، بفتح العين والذال وتشديد الواو المفتوحة: السيئ الخلق القليل الصبر فيما يريده ويهم به. وضبط فى ل بضم الذال وهو خطأ. المراجل: جمع مرجل، وهو القدر العظيم من النحاس. واستقلالها: انتصابها على الأثافى. وصفته بسوء الخلق والتشدد فى الأمر والنهى حتى تنصب المراجل وتهيأ المطاعم للضيفان ثم يعود إلى خلقه الأول. والبيت فى اللسان 6: 230 ومع بيت آخر.
(1/417)

719* وهو القائل:
وأبيض مثل السّيف خادم رفقة ... أشمّ ترى سرباله قد تقدّدا
كريم على غرّاته لو تسبّه ... لفدّاك رسلا لا تراه مربّدا [1]
يعجّل للقوم الشواء يجرّه ... بأقصى عصاه منصجا أو مرمّدا
حلوف: لقد أنضجت، وهو ملهوج ... بنصفين لو حرّكته لتقصّدا [2]
يجيب بلبّيه إذا ما دعوته ... ويحسب ما يدعى له الدّهر أرشدا
720* وقوله أيضا [3] :
هبينى امرءا إمّا بريئا ظلمته ... وإمّا مسيئا تاب منه وأعتبا [4]
وكنت كذى داء تبغّى لدائه ... طبيبا، فلمّا لم يجده تطبّبا
719* وهو القائل [5] :
بنفسى من لو مرّ برد بنانه ... على كبدى كانت شفاء أنامله
ومن هابنى فى كلّ أمر وهبته ... فلا هو يعطينى ولا أنا سائله
__________
[1] الرسل، بكسر الراء: الرفق والتؤدة.
[2] الملهوج: الذى لم ينضج، يقال «لهوج الأمر» لم يحكمه ولم يبرمه، و «لهوج اللحم» لم ينعم طبخه أو شيه.
[3] من أبيات فى اللآلى 103 وابن خلكان.
[4] س ف «تاب بعد» .
[5] من أبيات فى ابن خلكان.
(1/418)

75- أبو الغول [1]
772* هو من بنى نهشل، واسمه علباء بن جوشن، وهو من بنى قطن ابن نهّشل.
وكان شاعرا مجيدا، وهو القائل:
وسوأة يكثر الشّيطان إن ذكرت ... منها التعجّب جاءت من سلمانا
لا تعجبنّ لخير زلّ عن يده ... فالكوكب النّحس يسقى الأرض أحيانا
723* وهو القائل [2] :
ولا يجزون من خير بشرّ ... ولا يجزون من غلظ بلين [3]
هم أحموا حمى الوقبى بضرب ... يؤلّف بين أشتات المنون [4]
__________
[1] هكذا قال ابن قتيبة. وفى المؤتلف 163: «من يقال له أبو الغول: منهم أبو الغول الطهوى، وهو من قوم من بنى طهية يقال لهم بنو عبد شمس بن أبى سود، يكنى أبا البلاد، وقيل له أبو الغول لأنه فيما زعم رأى غولا فقتله ... وله فى هذا حديث وخبر فى كتاب بنى طهية. ومنهم أبو الغولى النهشلى، ذكر أبو القيظان أن اسمه علباء ابن جوشن وأنه شاعر، ولم ينشد له شعرا، ولم أر له ذكرا فى كتاب بنى نهشل» .
فهذا كما ترى! والأبيات الآتية ولا يجزون إلخ نسبها كل من ذكرها لأبى الغول الطهوى، ولم يذكر أحد منهم هذا النهشلى. والطهوى شاعر إسلامى. وانظر اللآلى 579- 581 والخزانة 3: 106- 108، 515 وشرح الحماسة 1: 27- 42.
[2] من قصيدة فى الحماسة والأمالى 1: 260- 261 والخزانة، وكلهم نسبها للطهوى كما قلت آنفا.
[3] رواية الأمالى والحماسة
ولا يجزون من حسن بسيئ
بفتح السين وسكون الياء، أراد «بسيئ» بتشديدها، فخفف كما يخفف «هين ولين» . والبيت فى اللسان 1:
89 ونسبه للطهوى.
[4] الوقبى: ماء لبنى مالك بن مازن لهم به حصن، وهو قريب من البصرة، وقد ذكر تفصيل هذا اليوم فى شرح الحماسة. وضبط فى ل وأصول شرح الحماسة بسكون القاف، وكذلك فى اللسان ثم نقل عن ابن برى أن صوابه بفتح القاف، وبذلك ضبط
(1/419)

فنكّب عنهم درء الأعادى ... وداووا بالجنون من الجنون [1]
__________
فى البلدان والقاموس والخزانة. والبيت فى اللسان 2: 302 والبلدان ومعه بيتان آخران 8: 429 ونسباه كلاهما لأبى الغول الطهوى.
[1] الدرء: الدفع، وأراد به ههنا الخلاف والخصومة، لأنه يقال «تدارأ القوم» أى تدافعوا فى الخصومة ونحوها واختلفوا. يريد أن الضرب حرف عن هؤلاء القوم اعوجاج الأعداء وخلافهم.
(1/420)

76- زياد الأعجم [1]
724* هو زياد بن سلمى، ويقال زياد بن جابر بن عمرو بن عامر، من عبد القيس، وكان ينزل إصطخّر، وكانت فيه لكنة، فلذلك قيل له الأعجم [2] ، وله عقب.
725* وكان يهاجى قتادة بن مغرّب اليشكرىّ، ويقال مغرب، وفيه يقول:
يشكر لا تستطيع الوفاء ... وتعجز يشكر أن تغدرا
وقتادة هو القائل:
بتّ بحشّ فى شرّ منزلة ... لا أنا فى لذّة ولا فرسى
هذا على الخسف لا قضيم له ... وأنا ذا لا يسوغ لى نفسى [3]
لليلة البين إذ هممت بها ... ألذّ عندى من ليلة العرس [4]
__________
[1] ترجمته فى المؤتلف 131- 132 والأغانى 14: 98- 105 ومعجم الأدباء 4:
221- 222 والخزانة 4: 192- 194 وذيل اللآلى 7- 8.
[2] فى الكامل 586: «كان زياد الأعجم، وهو رجل من عبد القيس، يرتضح لكنة أعجمية، يذهب فيها إلى مذهب قوم بأعيانهم من العجم. وأنشد المهلب بن أبى صفرة فى مدحه إياه:
فتى زاده السلتان فى المدح رغبة ... إذا غير السلتان كل خليل
يريد السلطان، وذلك أن بين التاء والطاء نسبا، فلذلك قلبها تاء، لأن التاء من مخرج الطاء، فقال: السلتان» . وفى الخزانة: «روى أنه دعا غلاما له ليرسله فى حاجة فأبطأ عليه، فلما جاءه قال له: منذ دأوتك إلى أن قلت لبيأ ما كنت تصنأ؟! يريد: منذ دعوتك إلى أن قلت لبيك ما كنت تصنع؟. وهو شاعر إسلامى، مات فى حدود المائة، كما فى معجم الأدباء. وانظر شرح المسند 6980.
[3] القضيم: ما تقضمه الدابة، يريد الشعير.
[4] الأبيات يقولها لزوجته أرنب الحنفية، تزوجها فلم تلد له ونشزت عليه فطلقها، والبيت مع بيتين آخرين فى اللآلى 91- 92. ولعلها هى التى قالت شعرا تهجوه به، فى الحماسة 4: 86- 87 من شرح التبريزى.
(1/421)

726* وهمّ الفرزدق بهجاء عبد القيس، فبلغ ذلك زيادا الأعجم، فبعث إليه: لا تعجل حتّى أهدى هديّة، فانتظر الفرزدق الهديّة، فبعث إليه:
ما ترك الهاجون لى إن هجوته ... مصحّا أراه فى أديم الفرزدق
ولا تركوا عظما يرى تحت لحمه ... لكاسره أبقوه للمتعرّق
سأكسر ما أبقوه لى من عظامه ... وأنكت مخّ الساق منه وأنتقى
وإنّا وما نهدى لنا إنّ هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق فى البحر يغرق
فلما بلغه الشعر قال: ليس لى إلى هجاء هؤلاء (من) سبيل ما عاش هذا العبد! 727* وهو القائل يرثى المغيرة بن المهلّب [1] :
إنّ السّماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرّف سابح [2]
(وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح)
وقال له قبيصة بن المهلّب حين أنشده هذا: أعقرت يا أبا أمامة؟ قال: إنّى كنت على مقرف [3] .
__________
[1] من قصيدة طويلة فى ذيل الأمالى 3: 8- 11 وذكر بعضها فى الأغانى 14: 99 وقال: «وهذا من نادر الكلام، ونقى المعانى، ومختار القصائد، وهى معدودة من مراثى الشعراء فى عصر زياد ومقدمها» . وفى معجم الأدباء أبيات منها، وقال:
«وهى من أحسن المراثى» . وذكر ابن خلكان أبياتا منها 2: 193- 194 وقال «وهذه القصيدة من غرر القصائد ونخبها» .
[2] الطرف، بكسر الطاء: الكريم العتيق من الخيل. وضبط فى ل بالفتح، وهو خطأ.
[3] المقرف: الهجين من الخيل، وهو الذى أمه برذونة وأبوه عربى، أو بالعكس. وفى الأغانى أنه قال: «كنت على بيت الهمار، يريد الحمار» .
(1/422)

728* وتمثّل الحجّاج عند موت ابنه (يوسف) ببيتين من هذا الشعر:
الآن لمّا كنت أكمل من مشى ... وافترّ نابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروءة كلّها ... وأعنت ذلك بالفعال الصالح
729* وهو القائل فى كعب الأشقرىّ من الأزد [1] :
إذا عذّب الله الرّجال بشعرهم ... أمنت لكعب أن يعذّب بالشّعر
730* وهو القائل للأزد:
أتتك الأزد تعثر فى لحاها ... تساقط من مناخرها الجواف [2]
731* ولمّا قال لبنى حبناء من تميم يهجوهم [3] :
عجبت لأبلق الخصيين عبد ... كأنّ عجانه الشّعرى العبور [4]
قيل له: يا أبا أمامة لقد رفعتهم بأعظم ما يقدر عليه؟ فقال: والله لا يحول الحول حتّى أرفعهم بأعظم منه، فقال:
لا يدلح الدّهر منهم خارئ أبدا ... إلّا حسبت على باب استه نمرا [5]
732* وقال ليزيد بن المهلّب:
هل لك فى حاجتى حاجة ... أم أنت لها تارك طارح
أمتها، لك الخير، أم أحيها ... كما يفعل الرّجل الصالح
__________
[1] طارت المهاجاة بينهما، انظر بعضها فى الأغانى 13: 56- 60.
[2] الجواف: ضرب من السمك، واحدته جوافة.
[3] كان التهاجى بين زياد وبين المغيرة بن حبناء، وتفصيله فى الأغانى 11: 159- 164.
[4] فى الأغانى 11: 161 «لأبيض الخصيين» . العجان: الدبر. الشعرى العبور:
كوكب نير فى الجوزاء، يقال إنها عبرت السماء عرضا، ولم يعبرها عرضا غيرها.
يرميه بالبرص.
[5] يدلح: من الدلح، وهو مشى الرجل بحمله وقد أثقله. ورواية الأغانى «لا يبرح» .
النمر: الظاهر أنه أراد به السحاب الذى فيه بياض ونقاط من أحمر وأسود. ورواية الأغانى «القمرا» وهى أوضح وأعلى.
(1/423)

إذا قلت: قد أقبلت، أدبرت ... كمن ليس غاد ولا رائح
وكان ينبغى أن يقول «غاديا ولا رائحا» وهو كثير اللّحن فى شعره، ولهذا قيل له الأعجم، ولفساد لسانه بفارس.
773* وكذلك قوله:
أنت الفتى كلّ الفتى ... لو كنت تفعل ما تقول
لا خير فى كذب الجوا ... د وحبّذا صدق البخيل
يا ابن المهلّب حاجتى ... عجّل فقد حضر الرّحيل
734* وكذلك قوله:
تكلّفنى سويق الكرم جرم ... وما جرم وما ذاك السّويق
فما شربوه إذ كان حلالا ... ولا غالوا به فى يوم سوق
فأولى ثمّ أولى ثمّ أولى ... ثلاثا يا ابن جرم أن تذقوا [1]
735* ومن خبث هجائه قوله للأشاقر [2] :
قبيّلة خيرها شرّها ... وأصدقها الكاذب الآثم
وضيفهم وسط أبياتهم ... وإن لم يكن صائما صائم
__________
[1] عاب المؤلف على زياد فى هاتين المقطوعتين الإقواء، ولكنه جاء بهما دليلا على كثرة لحنه، وما الإقواء من اللحن فى شىء. وقد وجدت للإقواء توجيها طريفا، ففى شواهد المغنى 74 عن الزمخشرى فى شرح أبيات الكتاب، يعنى كتاب سيبويه:
«وإنشاد الأبيات على الوقف مذهب لبعض العرب فإن أنشد بيت واحد منها أنشد على حقه من الإعراب، وإن أنشدت جميعا أنشدت على الوقف» . وهذا يفسر ما مضى أن النابغة كان يقوى، وأنه لم يفطن للإقواء حتى أسمعوه أبياته فى غناء، ففطن فلم يعد.
[2] هم قوم كعب الأشقرى، والبيتان فى الأغانى 14: 104.
(1/424)

77- جميل بن معمر (العذرى) [1]
736* هو جميل بن عبد الله بن معمر، ويكنى أبا عمرو. وهو أحد عشّاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته بثينة، وهما جميعا من عذرة، وكانت بثينة تكنى أمّ عبد الملك، ولها يقول (جميل) :
يا أمّ عبد الملك اصرمينى ... فبيّنى صرمك أو صلينى [2]
737* والجمال فى عذرة والعشق كثير. قيل لأعرابىّ من العذريّين: ما بال قلوبكم كأنّها قلوب طير تنمّات كما ينمّاث [3] الملح فى الماء؟ أما تجلّدون؟! قال: إنّا لننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها! وقيل لآخر: ممّن أنت؟ فقال:
من قوم إذا أحبّوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: عذرىّ وربّ الكعبة! 738* وعشق جميل بثينة وهو غلام (صغير) ، فلمّا كبر خطبها فردّ عنها، فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سرّا، ومنزلها وادى القرى، فجمع له قومها جمعا ليأخذوه إذا أتاها، فحذّرته بثنية، فاستخفى وقال:
ولو أنّ ألفا دون بثنة كلّهم ... غيارى وكلّ حارب مزمع قتلى
لحاولتها إمّا نهارا مجاهرا ... وإمّا سرى ليل ولو قطعت رجلى
__________
[1] ترجمته فى المؤتلف 72، 168 والأغانى 7: 72- 104 واللآلى 29- 30 وابن خلكان 1: 143- 146 والخزانة 1: 190- 192. وجميل كان يعرف بابن قميئة، وهى أم جده معمر، كما فى اللآلى، وفى المؤتلف 168 «لم يكن جميل إلا يعرف بابن قميئة» ولكن ذكر هناك خطأ باسم «جميل بن عبيد الله» وتبعناه فى ذلك الحاشية 2 ص 338 وصوابه «جميل بن عبد الله» .
[2] الصرم، بضم الصاد وفتحها: الهجران والقطع.
[3] ينماث: يذوب.
(1/425)

739* وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان (بن الحكم) ، وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة، فنذر ليقطعنّ لسانه، فلحق بجذام [1] ، وقال:
أتانى عن مروان بالغيب أنّه ... مقيد دمى أو قاطع من لسانيا
ففى العيس منجاة وفى الأرض ... إذا نحن رفّعنا لهنّ المثانيا
فأقام هناك إلى أن عزل مروان عن المدينة، وانصرف إلى بلاده، وكان يختلف إليها سرّا.
740* وكان لبثينة أخ يقال له جوّاس، فشبّب بأخت جميل، فغضب جميل وتواعدا لمراجزة، فغلبه جميل، ولمّا اجتمعوا لذلك قال أهل تيماء:
يا جميل قل فى نفسك ما شئت فأنت الباسل الجواد الجميل، ولا تقل فى أبيك شيئا فإنه كان لصّا بتيماء فى شملة لا توارى استه! وقالوا لجوّاس: قل وأنت دونه فى نفسك، فقل ما شئت فى أبيك، فإنه صحب النبىّ صلى الله عليه وسلم [2] .
741* وقال كثيّر: قال لى جميل: خذ لى موعدا من بثينة! قلت له:
هل بينك وبينها علامة؟ فقال لى: عهدى بها وهم بوادى الدّوم يرحضون ثيابهم، فأتيتهم فأجد أباها قاعدا بالفناء، فسلّمت فردّ، وحادثته ساعة حتى استنشدنى
__________
[1] جذام: حى من اليمن، يصرف إن أريد اسم الرجل، ويمنع من الصرف إن أريد القبيلة.
[2] جواس: هو ابن قطبة بن ثعلبة بن الهوذ، وهو ابن عم بثينة لا أخوها، هى بنت حبأ ابن ثعلبة بن الهوذ. وانظر ترجمة جواس فى الأغانى 19: 112- 114 وكان هو وأخوه عبيد الله بن قطبة يهجوان جميلا وينافرانه من أجل بنت عمهما. وأما ما ذكر فى هذا الخبر، من أن أباهما صحب رسول الله، فلم أجد ما يؤيده، وفى الصحابة «قطبة بن قتادة العذرى» ذكره ابن إسحق فيمن شهد غزوة مؤتة، وذكر له فيها شعرا، سيرة ابن هشام 794، 797، وله ترجمة فى الإصابة 5: 243، فإن كان إياه فلعل بعض رواة الغزوة أخطأ فى اسم أبيه، فذكر «قتادة» بدل «ثعلبة» .
(1/426)

فأنشدته [1] :
فقلت لها: يا عزّ أرسل صاحبى ... على نأى دار، والموكّل مرسل
بأن تجعلى بينى وبينك موعدا ... وأن تأمرينى بالذى فيه أفعل
وآخر عهّد منك يوم لقيتنى ... بأسفل وادى الدّوم والثّوب يغسل
فضربت بثينة جانب الخدر وقالت: اخسأ! فقال لها أبوها: مهيم يا بثينة [2] ؟
قالت: كلب يأتينا إذا نوّم الناس من وراء هذه الرّابية، قال: فأتيت جميلا فأخبرته أنّها واعدته وراء الرابية إذا نوّم الناس! 742* قال أبو محمد: هكذا حدّثنا دعبل بن على الشاعر [3] . وأمّا أبو عبد الله الزّبيرىّ فقال: التقى جميل وكثيّر، فشكا أحدهما لصاحبه أنه محصر لا يقدر أن يزور، فقال جميل لكثيّر: أنا رسولك إلى عزّة، فأخبرنى بآخر عهد كان لك بها؟ قال كثيّر: فإنّ آخر عهدى أنى مررت بها وبجواريها يغسلن ثيابا بأسفل وادى الدّوم، فأتهم فانشدهم ثلاث ذود سود ثم انظر ما يقال لك! فأتاهم جميل فجعل ينشدهم الذّود، فقالت له جاريتها: لقد رأيت ثلاثا سودا مررن بالقاع خلفنا، ثم عهدى بهنّ وإحداهنّ تحتكّ بالطّلحة ومضى سائرهنّ، فانصرف جميل حتّى أتى كثيّرا فأخبره، فلمّا كان فى بعض الليل أتيا الطلحة وأتته عزّة وصاحبة لها معها، فتحادثا طويلا، وجعل كثيّر يرى عزّة تنظر نحو جميل، وكان جميل جميلا، وكان كثيّر دميما، فغضب كثيّر وغار، فقال لجميل: انطلق بنا قبل أن نصبح، فانطلقا، وقال:
__________
[1] ستأتى الأبيات برواية أخرى 263 ل.
[2] مهيم: كلمة يمنية يستفهم بها، معناها: ما أمرك وما شأنك ونحو ذلك.
[3] ستأتى ترجمة دعبل 539- 541 ل.
(1/427)

رأيت ابنة الضّمرىّ عزّة أصبحت ... كمحتطب ما يلق باللّيل يحطب
وكانت تمنّينا وتزعم أنّها ... كبيض الأنوق فى الصّفا المتنصّب [1]
ثم قال كثيّر لجميل: متى عهدك ببثينة؟ قال فى أوّل الصيّف وقعة سحابة بأسفل وادى الدّوم، فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثوبا، فلمّا رأتنى أنكرتنى، فضربت بيدها إلى ثوب فى الماء فالتحفت به. وعرفتنى الجارية، فعادت فطرحته فى الماء، وتحادثنا حتّى غابت الشمس، فسألتها الموعد فقالت: أهلها سائرون، ولم ألقها بعد، ولم أجد أحدا آمنه أرسله إليها، فقال كثيّر: هل لك أن آتى الحىّ فأقرع ببيت من شعر أو تخلو فأكلّمها؟ قال: نعم، فخرج كثيّر حتى أناخ بهم، فقالوا: يا كثيّر حدّثنا كيف قلت لزوج عزّة حين أمرها أن تسبّك؟ قال كثيّر: خرجا يرميان الجمار، فوجدانى قد أعصب الناس بى [2] ، فطالعنى زوجها، فسمعنى أنشد:
خليلى هذا ربع عزّة فاعقلا ... فلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلّت [3]
فغار، فقال لعزّة: لتغضبنّه أو لأطلّقنّك، فقالت: المنشد يعضّ بكذا وكذا من أمّه، مكرهة، فقلت:
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت [4]
فقالت بثينة: أحسنت والله يا كثيّر، قال كثيّر: وأبيات قلتها لعزّة [5] :
__________
[1] الأنوق، بفتح الهمزة وضم النون: الرخمة، وفى المثل «أعز من بيض الأنوق» لأنها تحرزه فلا يكاد يظفر به، لأن أوكارها فى رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة.
الصفا: العريض من الحجارة الأملس، جمع صفاة.
[2] أعصب الناس بى: يريد أنهم اجتمعوا حوله. ولكن الفعل الرباعى من هذا لم يذكر فى المعاجم، والذى فيها «عصب الناس به» من باب «سمع» و «ضرب» .
[3] ستأتى القصيدة 327 ل.
[4] داء مخامر: مخالط جوفه.
[5] مضت الأبيات برواية أخرى 402.
(1/428)

أرسلنى يا عزّ نحوك صاحبى ... على طول نأى من حبيب ومرسل
بأن تضربى بينى وبينك موعدا ... وأنّ تخبرينى ما الّذى فيه أفعل
بآية ما جئناك يوما عشيّة ... بأسفل وادى الدّوم والثّوب يغسل
فقالت بثينة: يا جارية ابغينا من الدّومات حجرة البطحاء [1] حطبا لنذبح لكثيّر عريضا من البهم [2] ونشويه له! قال كثيّر: أنا أعجل من ذلك، فراح إلى جميل فأخبره أنّ الموعد الدّومات.
743* قال أبو محمّد: أرق عبد الملك بن مروان ذات ليلة، فقال: اطلبوا لى رجلا يحدّثنى، فخرجوا إلى المسجد، فوجدوا رجلا، فأدخلوه، فقال له عبد الملك: من أنت؟ قال: أنا فلان وكنت من أصدق الناس لجميل، قال:
فحدّثنى عنه، قال: خرجت معه مرّة، حتى انتهينا إلى خباء لآل بثينة، وسمعت به، فأقبلت فى نسوة معها، وأقبل جميل نحوها، فقعدن وقعد، فتحادثوا ساعة، ثم أخلوهما، فلم يزالا يتشكّيان حتّى غشينا الصّبح، فودّع كلّ واحد منهما صاحبه، ثم وضع جميل رجله فى الغرز، فمالت إليه بثينة فقالت: يا جميل ادن منى، فمال إليها برأسه وعنقه، فسارّته بشىء فخرّ مغشيّا عليه، ثم مضت، فأتيته فلم أزل عند رأسه حتّى طلعت الشمس عليه، فقام ينفض رأسه وهو يقول:
فما مكفهرّ فى رحى مرجحنّة ... ولا ما أسرّت فى معادنها النّحل [3]
بأحلى من القول الذى قلت بعدما ... تمكّن فى حيزوم ناقتى الرّجل [4]
__________
[1] حجرة البطحاء: ناحيتها.
[2] البهم، بفتح الباء وسكون الهاء: الصغار من أولاد الضأن والمعز وغيرها، واحدتها «بهمة» . والعريض منه: ما فوق العظيم ودون الجذع.
[3] مرجحنة: ثقيلة.
[4] الحيزوم: وسط الصدر وما يضم عليه الحزام.
(1/429)

فقال له عبد الملك: ويحك! فهل تدرى ما سارّته به؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين.
744* وذكر ابن عيّاش [1] قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان، فقلت: ممّن أنت؟ قالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة وجميل شيئا؟ قالت: نعم والله، إنّا لعلى ماء من الجناب [2] ، وقد اتّقينا الطريق واعتزلنا، مخافة جيوش تجىء من الشأم إلى الحجاز، وقد خرج رجالنا فى سفر، وخلّفوا عندنا غلمانا أحداثا، وقد انحدر الغلمان عشيّة إلى صرم لهم قريب منّا، ينظرون إليهم ويتحدّثون عند جوار منهم، فبقيت أنا وبثينة نسترمّ غزلا لنا [3] ، إذ انحدر عليها منحدر من هضبة حذاءنا، فسلّم ونحن مستوحشون، فرددت السلام، ونظرت فإذا أنا برجل واقف شبّهته بجميل، فدنا فأثبتّه، فقلت: أجميل؟ قال: إى والله، فقلت: والله لقد عرّضتنا ونفسك شرا! فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التى وراءك! وأشار إلى بثينة، وإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون وتمر [4] ، وإلى عكّة فيها شىء من سمن [5] ، فعصرته على الأقط وأدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل
__________
[1] هذه القصة رواها صاحب الأغانى 7: 103- 104 بإسناده، نسبها إلى «أيوب بن عباية» فما أدرى أهو ابن عياش نفسه، أم أخطأ بعض الرواة هنا أو هناك؟!
[2] الجناب، بكسر الجيم: موضع من ديار بنى فزارة بين المدينة وفيد.
[3] نسترم: تريد نرم، أى: نصلح، استعملت فعل الطلب فى أصل معنى الفعل، يقال رم الشىء؛ أصلحه، واسترم: طلب الإصلاح، وهو فعل لازم استعمل هنا متعديا.
وهذا الاستعمال لم يذكر فى المعاجم.
[4] الأقط، بفتح الهمزة وكسر القاف، وبسكون القاف مع فتح الهمزة أو كسرها أو ضمها: شىء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل.
[5] العكة، بضم العين: قربة صغيرة يوضع فيها السمن أو العسل.
(1/430)

وقمت إلى سقاء لبن، فصببت له فى قدح وشننت عليه ماء باردا، وناولته فشرب فتراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت مصر فجئت أودّعكم وأسلّم عليكم، وأنا والله فى هذه الهضبة التى ترين منذ ثلاث، أنتظر أن أجد فرجة حتّى رأيت منحدر فتيانكم العشيّة، فجئت لأحدث بكم عهدا، فحدّثنا ساعة ثم ودّعنا وانطلق، فلم نلبث إلّا يسيرا حتّى أتانا نعيّه من مصر، قال ابن عيّاش: فظننت قوله:
فمن كان فى حبّى بثينة يمترى ... فبرقاء ذى ضال علىّ شهيد [1]
أنّه أراد هذه الهضبة التى أقام فيها أيّاما ما أكل وما شرب.
745* وقال سهل بن سعد السّاعدىّ أو ابنه عبّاس [2] : لقينى رجل من أصحابى، فقال: هل لك فى جميل فإنّه ثقيل؟ فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه [3] ، وما يخيّل لى أنّ الموت يكرثه [4] ، فقال: ما تقول فى رجل لم يزن قطّ، ولم يشرب خمرا قطّ، ولم يقتل نفسا حراما قطّ، يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقلت: أظنّه والله قد نجا، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قلت: والله ما سلمت وأنت منذ عشرون سنة [5] تنسب ببثينة! قال: إنى لفى آخر يوم من
__________
[1] البيت فى البلدان 2: 130 وسيأتى مع أبيات 267- 268 ل.
[2] سهل بن سعد الساعدى: صحابى مشهور، مات سنة 91 هـ أو بعدها عن نحو 100 سنة. وابنه عباس تابعى أدرك زمن عثمان، ومات نحو 120 هـ زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
[3] يكيد بنفسه: يجود بها فى حال النزع والموت.
[4] يكرثه: بضم الراء وكسرها: يشتد عليه ويبلغ منه المشقة، ثلاثى، ويأتى رباعيا أيضا.
[5] هـ «منذ عشرين سنة» . ويجوز فى «منذ» أن يليها الاسم مرفوعا، فتكون مبتدأ وما بعدها خبرا. انظر اللسان والمغنى وغيرهما.
(1/431)

الدنيا، وأوّل يوم من أيام الآخرة، فلا نالتنى شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن كنت وضعت يدى عليها لريبة قطّ، قال: فأقمنا حتّى مات.
746* وذاكرت بهذا بعض مشايخنا، فقال لى: كيف يكون هذا؟ أليس هو القائل [1] :
فدنوت مختفيا أضرّ بيتها ... حتّى ولجت على خفىّ المولج [2]
قالت: وعيش أخى ونقمة والدى ... لأنبّهنّ الحىّ إن لم تخرج [3]
فخرجت خيفة أهّلها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تلجج
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... فعل النّزيف ببرد ماء الحشرج [4]
747* وقال جميل حين حضرته الوفاة:
بكر النّعىّ وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول [5]
ولقد أجرّ البرد فى وادى القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل
قومى بثينة واندبى بعويل ... وابكى خليلك دون كلّ خليل
__________
[1] الأبيات فى ابن خلكان 1: 145 وفيه بيتان زائدان.
[2] أضر ببيتها: أدنو منه، يقال «أضر به» أى: دنا منه دنوا شديدا ولم يخالطه. وفى ابن خلكان «ألم ببيتها» من الإلمام.
[3] ابن خلكان «ونعمة والدى» .
[4] لثمت: بكسر الثاء وبفتحها، هو من بابى «تعب» و «ضرب» والمفهوم من اللسان أن الكسر أكثر، وفى المصباح والمعيار أن الكسر لغة. وفى اللسان عن ابن كيسان:
«سمعت المبرد ينشد قول جميل: فلثمت ... بالفتح» وفى المصباح عن ابن كيسان أيضا: «سمعت المبرد ينشده بفتح الثاء وكسرها» . النزيف: الذى عطش حتى يبست عروقه وجف لسانه. أو هو المحموم. الحشرج: كوز صغير لطيف. والبيت فى اللسان 16: 6 وقال: «ويروى البيت لعمر بن أبى ربيعة» وعجزه فيه 11: 240 غير منسوب. وهو والبيتان قبله فيه أيضا منسوبة لعمر بن أبى ربيعة، ثم نقل قول ابن برى: «البيت لجميل بن معمر، وليس لعمر بن أبى ربيعة» . والأبيات الأربعة فى قصيدة لعمر فى ديوانه 228- 229 برقم 354.
[5] النعى، ههنا: الناعى الذى يأتى بخبر الموت.
(1/432)

748* وقالت بثينة، ولا يحفظ لها (شعر) غيره:
وإنّ سلوّى عن جميل لساعة ... من الدّهر ما جاءت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا متّ بأساء الحياة ولينها
749* وجميل ممّن رضى بالقليل، قال:
أقلّب طرفى فى السّماء لعلّه ... يوافق طرفى طرفها حين تنظر [1]
ومثله قول المعلوط فى الرّضى بالقليل [2] :
أليس اللّيل يلبس أمّ عمرو ... وإيّانا، فذاك بنا تدانى
بلى، وترى السّماء كما أراها ... ويعلوها النّهار كما علانى [3]
ونحوه قول بعض الأعراب فى الرّضى بالقليل:
وما نلت منها محرما غير أنّنى ... إذا هى بالت بلت حيث تبول
750* قالوا: وأفرط فى قوله:
ولو أنّ جلدا غير جلدك مسّنى ... لدى مضجعى حقّا إذا لشريت [4]
ولو أنّ راقى الموت يرقى جنازتى ... بريقك يوما، يا بثين، حييت
__________
[1] البيت فى الخزانة 4: 483.
[2] البيتان مشروحان فى الخزانة 4: 480- 484 وذكر أنهما من قصيدة لجحدر بن مالك الحنفى، قالها وهو فى سجن الحجاج وأرسلها إلى اليمامة. ونقلها صاحب الخزانة من رواية «السكرى فى كتاب اللصوص» . وقال فى شأنهما: «البيتان أبرد ما قيل فى باب القناعة من لقاء الأحباب» .
[3] صدره فى الخزانة
نعم، وترى الهلال كما أراه
ثم قال: «ورأيت فى ترجمة جميل بن معمر العذرى فى كتاب الشعراء لابن قتيبة رواية البيت الثانى كذا
أرى وضح الهلال كما تراه
وقد رواه السكرى فى كتاب اللصوص فى نسخة قديمة صحيحة
بلى، وترى الهلال كما أراه
» . والرواية التى نسبها صاحب الخزانة لهذا الكتاب «الشعراء» توافق نسختى س ب.
[4] شريت: اضطربت، أو غضبت.
(1/433)

751* ومما يستجاد له قوله:
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد
وأفنيت عمرى بانتظارى نوالها ... فبلّت بذاك الدّهر وهو جديد [1]
فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبّها، فيما يبيد، يبيد
فمن كان فى حبّى بثينة يمترى ... فبرقاء ذى ضال علىّ شهيد [2]
752* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
أخذه الفرزدق وأدخله الرّواة فى شعره [3] .
753* وممّا يستغثّ من شعره قوله:
فلو تركت عقلى معى ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى
فإن وجدت نعل بأرض مضلّة، ... من الدّهر يوما، فاعلمى أنّها نعلى [4]
754* ويستجاد له قوله فى هذا الشعر:
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى
__________
[1] بلت: من البلى، يقال بلى الثوب، وأبلاه صاحبه، وبلاه أيضا، معدى بالهمزة وبالتضعيف، أى: أصاره باليا.
[2] مضى البيت 431.
[3] فى قصيدة طويلة فى ديوانه 551- 569 وجمهرة أشعار العرب 163- 168 والنقائض 548- 576 ومنتهى الطلب 2: 118- 123.
[4] أرض مضلة، بكسر الضاد وفتحها: يضل فيها ولا يهتدى فيها للطريق.
[5] القصة فى الأغانى 3: 176 باختلاف قليل.
(1/434)

755* وقال صالح بن حسّان [5] لجلسائه: أيّكم ينشد بيتا نصفه مخنّث يتفكّك بالعقيق، ونصفه أعرابىّ فى شملة بالبادية؟ قالوا: ما نعرفه، قال:
هو قول: جميل:
ألا أيّها الرّكب النّيام ألا هبّوا ... أسائلكم: هل يقتل الرّجل الحبّ؟
فقالوا: نعم حتّى يرضّ عظامه ... ويتركه حيران ليس له لبّ!
(1/435)

78- توبة بن الحمير [1]
756* هو من بنى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، خفاجىّ.
وكان شاعرا لصّا، وأحد عشّاق العرب المشهورين بذلك. وصاحبته ليلى الأخيليّة، وهى ليلى بنت عبد الله بن الرّحّالة بن كعب بن معاوية، ومعاوية هو الأخيل بن عبادة [2] ، من بنى عقيل بن كعب. وكان يقول الأشعار فيها، وكان لا يراها إلّا متبرقعة، فأتاها يوما، وقد سفرت، فأنكر ذلك، وعلم أنّها لم تسفر إلّا لأمر حدث، وكان إخوتها أمروها أن تعلمهم بمجيئه ليقتلوه، فسفرت لتنذره، ويقال: بل زوّجوها، فألقت البرقع، ليعلم أنها قد برزت.
ففى ذلك يقول:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابنى منها الغداة سفورها
وأوّل الشعر:
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطّت نواها واستمرّ مريرها [3]
يقول رجال: لا يضيرك نأيها ... بلى، كلّ ما شفّ النّفوس يضيرها
أظنّ بها خيرا وأعلم أنّها ... ستنعم يوما أو يفكّ أسيرها
أرى اليوم يأتى دون ليلى كأنّما ... أتت حجج من دونها وشهورها
__________
[1] الحمير: بضم الحاء وفتح الميم وتشديد الياء المكسورة، تصغير حمار. وترجمة توبة وليلى وأخبارهما فى الاشتقاق 182 والمؤتلف 68، 93 والأغانى 10: 63- 79 و 14: 131- 132 واللآلى 119- 120، 281- 283 والخزانة 3: 31- 34 والأمالى 1: 86- 89 والعينى 1: 569- 571 و 2: 47- 50 و 4: 453- 454 وفوات الوفيات 2: 175- 177.
[2] فى اللآلى أن «الأخيل» لقب أبيه «عبادة بن عقيل بن كعب» .
[3] نأتك: نأت عنك، وهو الراجح فى ذلك. انظر اللسان 20: 171 والكامل 327- 328.
(1/436)

حمامة بطن الواديين ترنّمى ... سقاك من الغرّ الغوادى مطيرها
أبينى لنا، لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت فى خضراء عال بريرها
فإن سجعت هاجت لعينك عبرة ... وإن زفرت هاج الهوى قرقريرها [1]
757* وهو القائل [2] :
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... علىّ ودونى تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح [3]
ولو أنّ ليلى فى السّماء لأصعدت ... بطرفى إلى ليلى العيون اللّوامح
758* وكان توبة رحل إلى الشأم، فمرّ ببنى عذرة، فرأته بثينة، فجعلت تنظر إليه، فشقّ ذلك على جميل، وذلك قبل أن يظهر على حبّه لها، فقال له جميل: من أنت؟ قال: أنا توبة بن الحميّر، قال: فهل لك فى الصّراع؟ قال: ذلك إليك، فنبذت إليه بثينة ملحفة مورّسة، فاتّزر بها، ثم صارعه فصرعه جميل، ثم قال له: هل لك فى النّضال؟ قال: نعم، فناضله، فنضله جميل، ثم قال له: هل لك فى السّباق؟ قال: نعم فسابقه، فسبقه جميل، فقال له: توبة: يا هذا، إنّك إنّما تفعل هذا بريح هذه الجالسة، ولكن اهبط بنا إلى الوادى، فهبطا إلى الوادى، فصرعه توبة وسبقه ونضله.
759* وكان توبة كثير الغارة على بنى الحارث بن كعب وهمدان، وكانت بين أرض بنى عقيل وأرض مهرة مفازة قذف [4] فكان إذا أراد الغارة عليهم حمل
__________
[1] القرقرير: صوت الحمام، وهو نادر، والأكثر «القرقرة» .
[2] البيتان الأولان فى اللآى 120 وهما مع ثالث غير الذى هنا فى الحماسة 3: 267 والأغانى 10: 77 وشواهد العينى 4: 453- 454.
[3] زقا: صاح.
[4] مفازة قذف، بفتحتين وبضمتين: بعيدة.
(1/437)

المزاد، وكان من أهدى الناس بالطريق، فخرج ذات يوم ومعه أخوه عبيد الله وابن عمّ له، فنذروا به [1] ، فانصرف مخفقا، فمرّ بجيران لبنى عوف بن عامر، فأغار عليهم فاطّرد إبلهم وقتل رجلا من بنى عوف، وبلغ الخبر بنى عوف، فطلبوه فقتلوه، وضربوا رجل أخيه فأعرجوه، واستنقذوا إبل صاحبهم وانصرفوا، وتركوا عند عبيد الله سقاء من ماء، كيلا يقتله العطش، فتحامل حتّى أتى بنى خفاجة، فلاموه وقالوا: فررت عن أخيك؟! فقال يعتذر:
يلوم على القتال بنو عقيل ... وكيف قتال أعرج لا يقوم
__________
[1] نذروا به: علموه فحذروه.
(1/438)

79- ليلى الأخيلية
760* هى ليلى بنت الأخيل [1] ، من عقيل بن كعب. وهى أشعر النساء، لا يقدم عليها غير خنساء، وكانت هاجت النابغة الجعدىّ، وكان ممّا هجاها به (قوله) [2] :
ألا حيّيا ليلى وقولا لها: هلا ... فقد ركبت أمرا أغرّ محجّلا [3]
بريذينة بلّ البراذين ثفرها ... وقد شربت فى أوّل الصّيف أيّلا [4]
وقد أكلت بقلا وخيما نباته ... وقد نكحت شرّ الأخايل أخيلا [5]
(وكيف أهاجى شاعرا رمحه استه ... خضيب البنان لا يزال مكحّلا)
فأجابته وفاقته [6] :
(أنابغ لم تنبغ ولم تك أوّلا ... وكنت وشيلا بين لصبين مجهلا) [7]
__________
[1] نسبها هنا إلى جدها الأعلى.
[2] الأبيات فى الخزانة 3: 31 وفيها بيت آخر. والبيتان الأولان فى اللآلى 282 واللسان 13: 36.
[3] هلا: زجر للخيل، وإنما أراد به النابغة زجر المهرة إذا لم تقر للفحل. ب هـ س «أيرا» بدل «أمرا» وهو يوافق رواية اللآلى.
[4] وقد شربت: يعنى البراذين. الأيل، بضم الهمزة: جمع آيل، وهو اللبن الخاثر، وهو يسمن ويغلم، أو بكسر الهمزة: وهو الوعل ذو القرن الأشعت الضخم مثل الثور الأهلى، ويقال: إن من شرب لبنها اغتلم.
[5] الأخايل: قومها بنو الأخيل.
[6] الأبيات فى الخزانة 3: 33- 34 ومعها رابع مشروحة، والبيتان الأولان فى اللآلى 282.
[7] الوشيل: تصغير «الوشل» بفتحتين، وهو الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة يقطر منه قليلا قليلا لا يتصل قطره. اللصب، بكسر اللام وسكون الصاد: مضيق الوادى.
(1/439)

أعيّرتنى داء بأمّك مثله ... وأىّ جواد لا يقال له هلا [1]
تساور سوّارا إلى المجد والعلى ... وفى ذمّتى لئن فعلت ليفعلا [2]
(أى: ليفعلن [3] . وسوّار ابن أوفى القشيرىّ، وكان زوجها) .
761* ورثت عثمان بن عفّان رضى الله عنه فقالت:
أبعد عثمان ترجو الخير أمّته ... وكان آمن من يمشى على ساق
خليفة الله أعطاهم وخوّلهم ... ما كان من ذهب جوم وأوراق [4]
فلا تكذّب بوعد الله واتّقه ... ولا توكّل على شىء بإشفاق
ولا تقولن لشىء: سوف أفعله ... قد كتب الله ما كلّ امرىء لاق
762* ودخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنّت، فقال لها: ما رأى فيك توبة حين هويك؟ قالت: ما رآه الناس فيك حين ولّوك [5] ! فضحك عبد الملك حتّى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها.
763* وسألت الحجّاج أن يحملها إلى قتيبة بن مسلم (بخراسان) ، فحملها على البريد، فلمّا انصرفت ماتت بساوة، فقبرت بها [6] .
__________
[1] عجزه فى اللسان 14: 232 غير منسوب.
[2] تساور: تواثب وتغالب.
[3] ضبطت النون فى ل بالتشديد، وهو خطأ، ففى الخزانة: «وهذا البيت أورده سيبويه فى كتابه على أن الألف فى ليفعلا أصلها نون التوكيد الخفيفة قلبت ألفا» . وفيها أيضا:
«قال أبو على فى إيضاح الشعر: قوله وفى ذمتى قسم، وجوابه ليفعلن» .
[4] الجوم، بضم الجيم جمع جام، وهو الطست أو الخوان أو الإناء، الأوراق: جمع «ورق» بكسر الراء، وهى الفضة.
[5] س ب «حين جعلوك خليفة» .
[6] حديثها مع الحجاج طويل، مبسوط فى الأمالى 1: 86- 89، وفى آخره أنها ماتت بقومس، ويقال بحلوان. ونقل صاحب اللآلى عن أبى عمرو بن العلاء كقول المؤلف أنها ماتت بساوة، وأن صاحب الأغانى غلطه فى ذلك، وانظر الأغانى 10: 77.
(1/440)

764* ومن جيّد شعرها (قولها) فى توبة [1] :
أقسمت أرثى بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدّوائر
لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه فى الحياة المعاير
(وما أحد حيّا، وإن كان سالما ... بأخلد ممّن غيّبته المقابر
ومن كان ممّا يحدث الدّهر جازعا ... فلا بدّ يوما أن يرى وهو صابر
وليس لذى عيش من الموت مذهب ... وليس على الأيّام والدّهّر غابر [2]
ولا الحىّ ممّا يحدث الدّهر معتب ... ولا الميت إن لم يصبر الحىّ ناشر
وكلّ شباب أو جديد إلى بلى ... وكلّ امرئ يوما إلى الله صائر
وكلّ قرينى ألفة لتفرّق ... شتاتا، وإن ضنّا وطال التّعاشر
فلا يبعدنك الله ياتوب هالكا ... أخا الحرب إن ضاقت عليه المصادر
فأقسمت لا أنفكّ أبكيك ما دعت ... على فنن ورقاء أو طار طائر
قتيل بنى عوف، فيالهفتا له ... فما كنت إيّاهم عليه أحاذر [3]
ولكنّما أخشى عليه قبيلة ... لها بدروب الرّوم باد وحاضر)
765 وقولها [4] :
فإن تكن القتلى بواء فإنّكم ... فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر [5]
وإلّا تكن فيكم بواء فإنّكم ... ستلقون يوما ورده غير صادر
__________
[1] انظر حماسة البحترى 270 رقم 1437 والأغانى 10: 73، وفوات الوفيات 2: 177.
[2] س ف
وليس لذى عيش على الدهر مذهب
الغابر ههنا: الباقى، والغابر أيضا:
الماضى، هو من الأضداد.
[3] س ف «فيا لهفة له» .
[4] من قصيدة طويلة فى حماسة البحترى 269 رقم 1435 والأغانى 10: 71- 72.
[5] فى حاشية ب «البواء: الكفء» . والبيت فى اللسان 1: 29.
(1/441)

فتى هو أحيا من فتاة حييّة ... وأشجع من ليث بخفّان خادر [1]
فتى لا تخطّاه الرّفاق ولا يرى ... لقدر عيالا دون جار مجاور
(فتى كان للمولى سناء ورفعة ... وللطارق السارى قرى غير باسر) [2]
فتى ينهل الحاجات ثم يعلّها ... فتطلعها عنه ثنايا المصادر
ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها ... لتوبة فى صرّ الشتاء الصّنابر [3]
فنعم الفتى إن كان توبة فاجرا ... وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر [4]
866* وقولها أيضا [5] :
ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما
حتّى إذا رفع اللّواء رأيته ... تحت اللّواء على الخميش زعيما
__________
[1] خفان: موضع قرب الكوفة، وهو مأسدة.
[2] غير باسر: غير عابس ولا كالح الوجه.
[3] الكوم: الإبل الضخام السنام. الجلاد: الغزيرات اللبن.
[4] هذا البيت من أحسن المدح وأعلاه. وفى الأغانى 10: 77 أنها أنشدت أبياتا من هذه القصيدة فى مجلس الحجاج: «فقال لها أسماء بن خارجة: أيتها المرأة، إنك لتصفين هذا الرجل بشىء ما تعرفه العرب فيه، فقالت: أيها الرجل، هل رأيت توبة قط؟
فقال: لا، فقالت: أما والله لو رأيته لوددت أن كل عاتق فى بيتك حامل منه! فكأنما فقئ فى وجه أسماء حب الرمان، فقال له الحجاج: وما كان لك ولها!» . ونحو هذا فى الأمالى، ولكن ذكر فيه أن المعترض «محصن الفقعسى، وكان من جلساء الحجاج» .
[5] البيتان من أبيات فى الحماسة 4: 155- 157.
(1/442)

80- شبيل بن ورقاء [1]
767* هو من زيد بن كليب بن يربوع. وكان شاعرا مذكورا جاهليّا، فأدرك الإسلام وأسلم إسلام سوء، وكان لا يصوم شهر رمضان، فقالت له بنته؛ ألا تصوم؟ فقال:
تأمرنى بالصّوم لا درّ درّها ... وفى القبر صوم، لا أباك، طويل [2]
وكان له ابنان: خالد وتبالة [3] .
__________
[1] «شبيل» بالتصغير. ولم أجد له ترجمة ولا ذكرا إلا فى هذا الموضع، وفى الاشتقاق 142 بنحو مما هنا. ولكن سمى أباه «وفاء» . ولم يذكره مترجمو الصحابة، ولم يذكره الحافظ فى المخضرمين فى الإصابة، وهو على شرطه فى ذلك. كما تدل عليه ترجمته، فيستدرك عليه.
[2] لا أباك: يريد «لا أبا لك» وهذه اللام هى المقحمة بين المضاف والمضاف إليه، فيقال «لا أبا لك» و «لا أب لك» بإثباتها، و «لا أباك» و «لا أبك» بحذفها. انظر الكامل للمبرد 486- 487، 952- 953 واللسان 18: 12- 13 والأمير على المغنى 1: 312- 313 وشرح المفصل لابن يعيش 2: 104- 107، والخزانة 2: 116- 119. وفى س ف «يا أميم» وفى الاشتقاق «ياتبال» .
[3] هكذا هنا. فالظاهر أن «تبالة» ذكر، ولكن قال فى الاشتقاق بعد البيت: «أراد يا تبالة، وهو اسمها» . فجزم بأنه اسم ابنته.
(1/443)

81- طفيل بن كعب الغنوى [1]
868* قال أبو محمّد: هو طفيل بن كعب الغنوىّ [2] . وكان من أوصف الناس للخيل، وكان يقال له فى الجاهليّة المحبّر، لحسن شعره. وقال عبد الملك ابن مروان: من أراد أن يتعلّم ركوب الخيل فليرو شعر طفيل. وقال معاوية:
دعوا لى طفيلا وسائر الشعراء لكم. وهو جاهلىّ [3] .
769* (وهو القائل:
إنى، وإن قلّ مالى، لا يفارقنى ... مثل النّعامة فى أوصالها طول
أو قارح فى الغرابيّات ذو نسب ... وفى الجراء مسحّ الشّدّ إجفيل [4]
إنّ النساء كأشجار نبتن معا ... منها المرار، وبعض النّبت مأكول [5]
إنّ النساء متى ينهين عن خلق ... فإنّه واجب لا بدّ مفعول
__________
[1] ترجمته فى الاشتقاق 165 والمؤتلف 147، 184 والاقتضاب 327 والأغانى 14: 85- 87 واللآلى 210- 211 والخزانة 3: 642- 643 وشواهد العينى 3: 24- 31.
[2] أكثر من ترجموا له ذكروا أنه «طفيل بن عوف» إلا الاشتقاق فإنه ذكر أنه «طفيل ابن كعب» . وفى الاقتضاب «طفيل بن عوف» ثم قال: «وقال ابن قتيبة: هو طفيل بن كعب» .
[3] فى الاشتقاق: «شاعر قديم فصيح» . وفى المؤتلف: «وهو طفيل الخيل الشاعر المشهور» . وفى الأغانى: «شاعر جاهلى من الفحول المعدودين، ويكنى أبا قران، يقال إنه من أقدم شعراء قيس» وفيه عن الأصمعى: «كان طفيل أكبر من النابغة، وليس فى قيس فحل أقدم منه» .
[4] القارح، ههنا: الفرس الذى انتهت أسنانه، وإنما تنتهى فى خمس سنين. الغرابيات:
منسوبة إلى «الغراب» فرس معروفة لبنى غنى، قال أبو عبيدة فى الخيل 66:
«والوجيه والغراب ولا حق: كانت لغنى معروفة منسوبة» وانظر أيضا الخيل لابن الكلبى 9 ولابن الأعرابى 68. الجراء: الجرى وهو للخيل خاصة، المسح بكسر الميم: السريع كأنه يصب بالجرى صبا، شبه بالمطر فى سرعة انصبابه. الإجفيل: النفور الجبان يهرب من كل شىء فرقا، وأراد به هنا شدة عدوه كأنه جبان هارب.
[5] المرار، بضم الميم: شجر مر، والمرارة أيضا بقلة مرة، وجمعها مرار.
(1/444)

لا ينصرفن لرشد إن دعين له ... وهنّ بعد ملائيم مخاذيل
770* وهو القائل:
بخيل إذا قيل: اركبوا، لم يقل لهم ... عواوير يخشون الرّدى: أين نركب [1]
ولكن يجاب المستغيث، وخيلهم ... عليها حماة بالمنيّة تضرب)
771* وممّا سبق إليه (طفيل) قوله:
بحىّ إذا قيل: اظعنوا قد أتيتم ... أقاموا فلم تردد عليهم حمائل
ثم قال ابن مقبل [2] :
بحىّ إذا قيل: اظعنوا قد أتيتم ... أقاموا على أظعانهم وتلحلحوا [3]
772* وقال طفيل يذكر الإبل:
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم
وقال الحطيئة:
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تحتلب إلّا نهارا ضجورها [4]
يقول: لا تحلب التى تضجر من الحلب فى البرد، ولكن إذا طلعت عليها الشمس.
__________
[1] العواوير: جمع «عوار» بضم العين وتشديد الواو، وهو الضعيف الجبان السريع الفرار.
[2] س ب «أخذه ابن مقبل فقال» .
[3] تلحلحوا: ثبتوا، «تلحلح» ضد «تحلحل» . والبيت فى الفائق 2: 221 واللسان 3: 413.
[4] بيت الحطيئة مضى 316 على أنه هو الذى سبق إلى هذا المعنى، وأنه أخذه منه ابن مقبل ونسب له البيت الذى نسبه هنا لطفيل. فناقض المؤلف نفسه، زعم أولا أن الحطيئة بدأ المعنى، ثم زعم ثانيا أنه سرقه من طفيل، والبيتان هما البيتان!!
(1/445)

82- ابن مقبل [1]
773* هو تميم بن أبىّ بن أبىّ بن مقبل، من بنى العجلان.
وفى رهطه يقول النّجاشىّ:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقّة ... فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل [2]
774* وكان جاهليّا إسلاميّا، ورثى عثمان بن عفّان رضى الله عنه فقال:
ليبك بنو عثمان ما دام جذمهم ... عليه بأسياف تعرّى وتخشب [3]
نعاء لفضل الحلم والحزم والنّدى ... ومأوى اليتامى العبر عاموا وأجدبوا [4]
وملجأ مهروئين يلفى به الحيا ... إذا جلّفت كحل هو الأمّ والأب [5]
775* وكان خرج فى بعض أسفاره، فمرّ بمنزل عصر العقيلىّ، وقد
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 34 واللآلى 68 والإصابة 1: 195- 196 والخزانة 1: 113.
وفى الاشتقاق 8 أنه يكنى أبا الحرة. وفى الجمحى أنه «شاعر خنذيذ مغلب عليه النجاشى، ولم يكن إليه فى الشعر، وقد قهره فى الهجاء» . وفى الإصابة أنه «أدرك الإسلام فأسلم، وكان يبكى أهل الجاهلية، وبلغ مائة وعشرين سنة» .
[2] مضى البيت 318 فى قصة هجاء النجاشى إياه.
[3] الجذم: الأصل. تخشب: تطبع وتصقل، و «الخشيب» من السيوف: الصقيل.
[4] نعاء: اسم فعل من النعى بمعنى انع، مثل «دراك» و «نزال» بمعنى أدرك وانزل.
قال الجوهرى: «كانت العرب إذا مات منهم ميت له قدر ركب راكب فرسا وجعل يسير فى الناس ويقول نعاء فلانا، أى انعه وأظهر خبر وفاته، مبنية على الكسر» . العبر، بضم العين المهملة وسكون الباء الموحدة: الكثير. ورواية اللسان «الغبر» بضم الغين المعجمة وسكون الباء، وهو جمع أغبر من الغبرة، وهى اغبرار اللون من الهم ونحوه.
عاموا: اشتهوا اللبن لهلاك الماشية، و «العمية» شهوة اللبن.
[5] المهرؤون: الذين هرأهم البرد، أى قتلهم. يلفى: بالفاء، وفى ل بالقاف، وهو تصحيف. الحيا: الغيث والخصب. كحل: اسم علم للسنة المجدبة الشديدة، وفى اللسان: «تصرف ولا تصرف على ما يجب فى هذا الضرب من المؤنث العلم» .
وجلفت كحل: أى قشرتهم واستأصلت أموالهم. وهذا البيت والذى قبله فى اللسان 1: 177.
(1/446)

العطش، فاستسقى، فخرج إليه ابنتاه بعسّ (فيه لبن) ، فرأتاه أعور كبيرا، فأبدتا له بعض الجفوة، وذكرتا هرمه وعوره، فغضب وجاز ولم يشرب، وبلغ أباهما الخبر، فتبعه ليردّه، فلم يرجع، فقال له: ارجع ولك أعجبهما إليك، فرجع وقال قصيدته (هذه) ، وهى أجود شعره [1] :
كان الشّباب لحاجات وكنّ له ... فقد فزعت إلى حاجاتى الأخر
يا حرّ أمست تليّات الصّبا ذهبت ... فلست منها على عين ولا أثر [2]
يا حرّ أمسى سواد الرّأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصّفو بالكدر
يا حرّ أمسيت شيخا قد وهى بصرى ... والتاث ما دون يوم البعث من عمرى
يا حرّ من يعتذر من أن يلمّ به ... ريب الزّمان فإنى غير معتذر
قالت سليمى ببطن القاع من سرج ... لا خير فى المرء بعد الشّيب والكبر [3]
واستهزأت تربها منّى فقلت لها: ... ماذا تعيبان منّى يا بنتى عصر
لولا الحياء وباقى الدّين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى
(قد كنت أهدى ولا أهدى فعلّمنى ... حسن المقادة أنى فاتنى بصرى)
قد قلتما لى قولا لا أبا لكما ... فيه حديث على ما كان من قصر
أخذه من قول امرئ القيس
وحديث مّا على قصره
أى أىّ حديث
__________
[1] القصيدة فى حماسة البحترى 200 برقم 1049 فى تسعة أبيات ما عدا الأبيات السابع والثامن والعاشر، وفيها بيتان زائدان.
[2] التليات، بفتح التاء المثناة وكسر اللام: جمع تلية، وهى البقية. وفى ل «بليات» بالباء الموحدة، وهو تصحيف.
[3] سرج، بضمتين: فى البلدان أنه ماء لبنى العجلان فى واد، وذكر البيت غير منسوب، ثم قال 5: 63: «وأنا مشك فى الجيم» . وهو محق فى شكه، فإن رواية البحترى «من مرخ» بفتح الميم والراء وآخره خاء معجمة، وهو واد بين فدك والوابشية، يقال له «مرخ» و «ذو مرخ» وهو المذكور فى بيت الحطيئة.
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ
(1/447)

هو على قصره، على التعجّب منه.
وهو من أوصف العرب لقدح، ولذلك يقال: قدح ابن مقبل.
776* وهو القائل فى نفسه [1] :
إذا متّ عن ذكر القوافى فلن ترى ... لها تاليا بعدى أطبّ وأشعرا
وأكثر بيتا ماردا ضربت له ... حزون جبال الشّعر حتّى تيسّرا
أغرّ غريبا يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدى الجواد المشهّرا
777* وقال ابن مقبل فى الفرس:
يرخى العذار ولو طالت قبائله ... عن حشرة مثل سنف المرخة الصّفر [2]
وقال آخر:
لها أذن حشرة مشرة ... كإعليط مرخ إذا ما صفر [3]
وقال آخر:
حشرة الأذن كإعليط صفر
778* وممّا يستحسن له قوله فى النساء [4] :
__________
[1] من قصيدة طويلة فى منتهى الطلب 1: 69- 71.
[2] العذار من اللجام: ما سال على خد الفرس. وقبائله: سيوره. الحشرة، بسكون الشين: الأذن اللطيفة المحددة. المرخ، بسكون الراء: شجر يطول فى السماء وليس له ورق ولا شوك، ومنه يكون الزناد الذى يقتدح به، لأنه كثير الورى سريعه. والسنف، بكسر السين وسكون النون: وعاء ثمر المرخ. والبيت فى اللسان: 64.
[3] مشرة: قيل إنه إتباع لحشرة، وقيل: أراد أنها دقيقة كالورقة قبل أن تتشعب، لأن «المشر» شىء كالخوص يخرج فى السلم والطلح. الإعليط: ما سقط ورقه من الأغصان والقضبان، وقيل: هو ورق المرخ. والبيت فى اللسان 5: 266 ونسبه للنمر بن تولب، و 7: 21 غير منسوب، ثم نقل عن ابن برى أنه للنمر، و 9: 239 منسوبا لامرئ القيس، ثم نقل عن ابن برى أيضا أنه للنمر.
[4] الأبيات فى الأمالى 1: 229 وهى من قصيدة طويلة فى الجمهرة 160- 163 وبعضها فى منتهى الطلب 1: 67- 69.
(1/448)

يمشين هيل النّقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثّرى حينا [1]
يهززن للمشى أوصالا منعّمة ... هزّ الجنوب ضحى عيدان يبرينا [2]
أو كاهتزاز ردينىّ تذاوقه ... أيدى التّجار فزادوا متنه لينا
__________
[1] النقا من الرمل: القطعة تنقاد محدودبة، وهو واوى ويائى. وهيله: انهياله وتساقطه.
[2] س ب «أبدانا» بدل «أوصالا» . يبرين: من أصقاع البحرين، وهناك الرمل الموصوف بالكثرة، ويقال فيه أيضا «أبرين» بالهمزة بدل الياء فى أوله.
(1/449)

83- أمية بن أبى الصلت [1]
779* هو أميّة بن أبى الصّلت بن أبى ربيعة بن عبد عوف بن عقدة بن غيرة [2] بن قسىّ، وقسىّ هو ثقيف بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. وأمّه رقيّة بنت عبد شمس بن عبد مناف.
780* وقد كان قرأ الكتب المتقدمّة من كتب الله جلّ وعزّ، ورغب عن عبادة الأوثان، وكان يخبر بأنّ نبيّا يبعث قد أظلّ زمانه، ويؤمّل أن يكون ذلك النبىّ، فلمّا بلغه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصّته كفر حسدا له.
781* ولما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم شعره قال: «آمن لسانه وكفر قلبه» .
وكان يحكى فى شعره قصص الأنبياء، ويأتى بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب،
بآية قام ينطق كلّ شىء ... وخان أمانة الدّيك الغراب
وكانوا يقولون: إن الديك كان نديما للغراب، فرهنه على الخمر وغدر به ولم يرجع، وتركه عند الخمّار، فجعله (الخمّار) حارسا.
782* ومنها قوله:
__________
[1] ترجمته فى الجمحى 66- 68 والاشتقاق 184 والأغانى 3: 179- 185 و 16: 69- 76 واللآلى 362- 363 والخزانة 1: 118- 122 وشعراء الجاهلية 219- 237.
[2] غيرة: ضبطت فى ل بكسر الغين المعجمة وفتح الياء المثناة وفتح الراء، وفى الأغانى وغيره «عنزة» بفتح العين المهملة والنون والزاى. والظاهر أنه تصحيف، فإن بنى «غيرة» من ثقيف، كما فى المشتبه للذهبى 384 وشرح القاموس، وفى الاشتقاق فى بطون ثقف 185 «ومنهم بنو غيرة، واشتقاق غيرة من الغير- بكسر ففتح- وهى الدية تؤدى لدم القتيل» ونحو ذلك فى كتاب «نسب عدنان وقحطان» للمبرد ص 13.
(1/450)

غيم وظلماء وفضل سحابة ... إذ كان كفّن واستراد الهدهد
يبغى القرار لأمّه ليجنّها ... فبنى عليها فى قفاه يمهد
فيزال يدلح ما مشى بجنازة ... منها، وما اختلف الجديد المسند
وكانوا يقولون: إن الهدهد لما ماتت أمّه أراد أن يبرّها، فجعلها على رأسه يطلب موضعا، فبقيت فى رأسه، فالقنزعة التى فى رأسه هو قبرها [1] ، وإنّما أنتنت ريحه لذلك. ومنها قوله:
قمر وساهور يسلّ ويغمد
والسّاهور، فيما يذكر أهل الكتاب: غلاف القمر يدخل فيه إذا كسف [2] .
783* وقوله فى الشمس:
ليست بطالعة لهم فى رسلها ... إلّا معذّبة وإلّا تجلد [3]
يقولون: إنّ الشمس إذا غربت امتنعت من الطّلوع، وقالت: لا أطلع على قوم يعبدوننى من دون الله، حتّى تدفع وتجلد فتطلع! ويسمّى السماء فى شعره صاقورة [4] وحاقورة [5] وبرقع [6] .
ويقول فى الله عزّ وجلّ:
هو السّلطليط فوق الأرض مقتدر [7]
__________
[1] القنزعة، بضم القاف والزاى: ما ارتفع من الشعر وطال.
[2] انظر المعرب بتحقيقنا 192- 193.
[3] المسند 2314.
[4] فى اللسان: «الصاقورة: باطن القحف المشرف على الدماغ ... وصاقورة والصاقورة: اسم السماء الثالثة والكلمة عربية لا شك فيها.
[5] فى القاموس أن «الحاقورة» السماء الرابعة! وانظر شرح القاموس.
[6] فى اللسان «برقع، بالكسر: السماء، وقال أبو على الفارسى: هى السماء السابعة، لا ينصرف» ثم نقل بعد ذلك «برقع» بفتح القاف «اسم من أسماء السماء، جاء على فعلل، وهو غريب نادر» يعنى كسر أوله وفتح ثالثه.
[7] البيت كله فى اللسان 9: 194 ولكن روايته «السليطط بفتح السين وكسر اللام وبعدها ياء ثم فتح الطاء الأولى، وقال: «قال ابن جنى: هو القاهر، من السلاطة، قال:
ويروى السليطط- يعنى بكسر السين- وكلاهما شاذ، التهذيب: سليطط جاء فى شعر أمية بمعنى المسلط، قال: ولا أدرى ما حقيقته» .
(1/451)

ويقول: وأبدت الثّغرورا يريد الثّغر [1] . وهذه أشياء منكرة. وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة فى اللغة.
785* ولمّا حضرته الوفاة قال [2] :
كلّ عيش وإن تطاول دهرا ... صائر مرّة إلى أن يزولا
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى ... فى رؤوس الجبال أرعى الوعولا
786* وأبوه أبو الصّلت الثّقفىّ شاعر، وهو القائل فى سيف بن ذى يزن [3] :
لن يطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن ... لجّج فى البحر للأعداء أحوالا [4]
أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الّذى قالا [5]
ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعة ... من السّنين، لقد أبعدت إيغالا
حتّى أتى ببنى الأحرار يحمّلهم ... إنّك عمرى لقد أسرعت قلقالا [6]
__________
[1] الثغرور: أثبتها صاحب القاموس، وذكر شارحه أنها عن الصغانى.
[2] هى ثلاثة أبيات فى الأغانى 3: 184.
[3] الأبيات فى سيرة ابن هشام 44 والروض الأنف 1: 52- 53 وتاريخ الطبرى 2:
120 وهى فى الأغانى 16: 73 تنقص أربعة أبيات وفيه بيت زائد، وفى حماسة البحترى 16 برقم 41 تنقص خمسة أبيات.
[4] رواية السيرة «ريم فى البحر» أى: زاد فى السير، من الريم وهو الزيادة والفضل، وكذلك هى رواية اللسان 15: 152. الأحوال هنا: الأعوام. وفى الروض: «كأنه يريد: غاب زمانا وأحوالا ثم رجع للأعداء» .
[5] شالت نعامته: هلك. والنعامة: باطن القدم، وشالت: ارتفعت، ومن هلك ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه فظهرت نعامة قدمه، وهذا التفسير من الروض الأنف. ويقال أيضا «شالت نعامتهم» أى: تفرقت كلمتهم وذهب عزهم ودرست طريقتهم. وصدر البيت فى اللسان 16: 63 غير منسوب ولا ظاهر أنه شعر، بل أتى به كأنه منثور.
[6] القلقال: شدة الحركة والاضطراب، وهو بكسر القاف مصدر وبفتحها اسم.
(1/452)

من مثل كسرى وباذان الجنود له ... ومثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
لله درّهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم فى الناس أمثالا
غلبا جحاجحة بيضا مراجحة ... أسدا تربّب فى الغيضات أشبالا [1]
يرمون عن عتل كأنّها غبط ... بزمخر يعجل المرمىّ إعجالا [2]
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم فى الأرض فلّالا [3]
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا [4]
ثمّ اطّل المسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم من برديك إسبالا [5]
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
787* وكان لأميّة ابن يقال له القاسم، وكان شاعرا، وهو القائل [6] :
قوم إذا نزل الحريب بدارهم ... تركوه ربّ صواهل وقيان
فإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدّوا شعاع الشّمس بالخرصان [7]
__________
[1] الجحاجحة: جمع «جحجاح» وهو السيد الكريم، والهاء فيه لتأكيد الجمع.
المراجحة: الحلماء، كالمراجح والمراجيح، وفى اللسان: «واحدهم مرجح ومرجاح- يعنى بكسر الميم- وقيل لا واحد للمراجح ولا المراجيح من لفظها» . وصدر البيت فى اللسان غير منسوب 2: 144 و 3: 243.
[2] العتل: جمع عتلة، وهى القوس الفارسية، وهما بفتحتين، مثل «قصبة وقصب» .
وضبط فى ل بضمتين وهو خطأ. الغبط، بضمتين: جمع «غبيط» وهو نوع من الرحال قتبه وأحناؤه واحدة، قال فى اللسان: «يعنى به خشب الرحال وشبه القسى الفارسية بها» . والزمخر: السهم. والبيت فى اللسان 9: 236 لأبى الصلت، ونسبه فى 5: 418 و 13: 449 لأمية بن أبى الصلت.
[3] الغلال: المنهزمون، جمع «فال» .
[4] مرتفقا: متكئا على مرفق اليد. غمدان، بضم الغين المعجمة: بناء عظيم كان بصنعاء اليمن. وهذا البيت والذى قبله والبيت الأخير فى البلدان 6: 302.
[5] البيت فى اللسان 16: 63.
[6] للقاسم هذا ترجمة فى الإصابة 5: 224- 225 وذكر فيها البيتان الثانى والرابع.
وترجم أيضا فى المرزبانى 322 وذكر من القصيدة ستة أبيات.
[7] الخرصان: الرماح، وهى بتثليث الخاء المعجمة.
(1/453)

لا ينقرون الأرض عند سؤالهم ... لتطلّب العلّات بالعيدان
بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان
(1/454)

84- خليد عينين [1]
788* هو من عبد القيس، من ولد عبد الله بن دوام بن مالك. وكان ينزل أرضا بالبحرين تعرف بعينين [2] ، فنسب إليها.
وهو القائل:
أيها الموقدان شبّا سناها ... إنّ للضّيف طارفى وتلادى [3]
789* ومر خليد عينين بوال لزياد على بعض كور فارس، فسأله فلم يعطه، فقال: أنت تدلّ بالشّعر فاذهب فقل ما شئت! فقال: أما إنى لا أهجوك، ولكنى أقول ما هو أشدّ عليك من الهجاء، فأنشأ يقول:
وكائن عند تيم من بدور ... إذا ما حرّكت تدعو زيادا [4]
دعته دعوة شوقا إليه ... وقد شدّت حناجرها صفادا
ونمى الشعر إلى زياد فقال: لبّيك يا بدور تيم! وبعث إليه فأخذ منه مائة ألف درهم.
__________
[1] فى اللسان 17: 183: «قال الأزهرى: وبالبحرين قرية تعرف بعينين، قال: وقد دخلتها أنا، وإليها ينسب خليد عينين، وهو رجل يهاجى جريرا» . والذى فى الكامل للمبرد 841: «قال جرير يهجو خالد عينين العبدى
كم عمة لك يا خليد وخالة
» .
فالظاهر أن أصل اسمه «خالد» فصغره جرير فشهر بالاسم مصغرا.
[2] يقال لها «عينان» وفى البلدان أن بعضهم يتلفظ باسمها على هذه الصيغة «عينين» فى جميع أحواله.
[3] السنا: ضوء النار، وهو مقصور.
[4] البدور: جمع «بدرة» بفتح الباء وسكون الدال، وأصلها جلد السخلة إذا فطم، ثم سمى بها الكيس الذى فيه ألف درهم، أو عشرة آلاف درهم، وتجمع أيضا على «بدر» بكسر الباء وفتح الدال.
(1/455)

85- جرير بن عطية [1]
790* هو جرير بن عطيّة بن حذيفة.
ولقّب حذيفة الخطفى لقوله:
وعنقا باقى الرّسيم خيطفا [2]
وهو من بنى كليب بن يربوع. وكان عطية أبو جرير مضعوفا [3] ، وأمّ جرير أمّ قيس بنت معبد، من بنى كليب بن يربوع. وكان له أخوان: عمرو بن عطية، وأبو الورد بن عطية. وولدت جريرا أمّه لسبعة أشهر، وعمّر نيّفا وثمانين سنة، ومات باليمامة. وكان يكنى أبا حزرة، وكان له عشرة من الولد، فيهم ثمانية ذكور، منهل بلال بن جرير، وكان أفضلهم وأشعرهم، ويكنى أبا زافر. ورأى فى المنام أنه قطعت له أربع أصابع من أصابعه، فقاتل بنى ضبّة فقتلوا له أربعة بنين. ولبلال عقب، منهم عمارة بن عقيل بن بلال.
وهو القائل فى دينار ويحيى ابنى عبد الله:
ما زال عصياننا لله يسلمنا ... حتّى دفعنا إلى يحيى ودينار
إلى عليجين لم تقطع ثمارهما ... قد طال ما سجدا للشّمس والنار
__________
[1] هو والفرزدق والأخطل أشهر من أن ندل على مصادر تراجمهم، ويكفى أن ألف فى مناقضاتهم كتابان جليلان، هما «نقائض جرير والفرزدق» و «نقائض جرير والأخطل» .
[2] العنق، بفتحتين: ضرب من سير الدابة والإبل. الرسيم: أثر الناقة فى الأرض من شدة وطئها. الخطفى والخيطفى: سرعة انجذاب السير كأنه يختطف فى مشية عنقه، أى: يجتذبه. والبيت فى اللسان 10: 424 بهذه الرواية، وهو مع آخرين فيه أيضا وفى الاشتقاق 141 بلفظ «وعنقا بعد الكلال» .
[3] المضعوف: الذى به ضعفة، وهى ضعف الفؤاد وقلة الفطنة.
(1/456)

791* وكان بلال نزل برجل يقال له مسعود بن طعمة، من بنى بيدعة، فلم يحسن قراه، فقال:
أمسعود أنت اللّئيم الأثيم ... كأنّك قنفذة فى ضعه
سمعنا له إذ نزلنا به ... كلاما كما تنطق الضّفدعه
فأىّ اللّئيمين أشبهته ... أطعمة أم أمّك الكوتعه
عددنا عديّا وآباءهم ... فشرّ عدىّ بنو بيدعه
فما أعطش الضّيف لمّا غدا ... من البيدعات وما أجوعه
792* وقال (بلال) فى قوم من بنى فقيم، يقال لهم بنو ناشرة:
عددنا فقيما وآباءهم ... فشرّ فقيم بنو ناشره
قصار الفعال طوال الخطى ... مناتين ليست لهم بادره
يعدّون غرما قرى ضيفهم ... فلا عدموا صفقة خاسره
إذا ضفتهم ثمّ ساءلتهم ... وجدت بهم علّة حاضره
وليسوا، إذا قلت: ماذا هم؟ ... بأصحاب دنيا ولا آخره
793* وقال فى حمّاد المنقرىّ:
نزلنا بحمّاد فخلّى كلابه ... علينا، فكدنا بين بيتيه نؤكل
وقد قال قبلى قائل ظلّ فيهم: ... أذا اليوم أو يوم القيامة أطول
794* ومن ولد جرير عكرمة بن جرير، وكان شاعرا، ونوح بن جرير، وكان شاعرا.
795* وكان جرير من فحول شعراء الإسلام، ويشبّه من شعراء الجاهلية بالأعشى. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: هما بازيان يصيدان ما بين العندليب إلى الكركىّ.
(1/457)

796* وكان (من) أحسن الناس تشبيبا. حدثنى سهل (بن محمد) عن الأصمعىّ قال: سمعت الحىّ يتحدّثون أنّ جريرا قال: لولا ما شغلنى من هذه الكلاب لشبّبت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى شبابها كما تحنّ النّاب إلى سقبها.
797* وكان من أشدّ الناس هجاء. وحدثنى عبد الرحمن الأصمعىّ قال:
أخبرنا شيخ من أهل البصرة قال: مرّ راعى بالإبل فى سفر فسمع إنسانا يتغنّى (على قعود له) بشعر جرير، وهو قوله:
وعاو عوى من غير شىء رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدّما
خروج بأفواه الرّواة كأنّها ... قرى هندوانّى هزّ صمّما
(فقال: لمن هذا؟ قيل: لجرير) ، فقال الراعى: لعنة الله على من يلومنى أن يغلبنى مثل هذا! 798* وكان مع حسن تشبيبه عفيفا، وكان الفرزدق فاسقا، وكان يقول:
ما أحوجه مع عفّته إلى صلابة شعرى، وما أحوجنى إلى رقّة شعره، لما ترون.
799* وأخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: كنت قاعدا عند جرير وهو يملى:
ودّع أمامة حان منك رحيل ... إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
فمرّت به جنازة، فترك الإنشاد وقال: شيّبتنى هذه الجنائز، قلت: فلأىّ شىء تشتم الناس؟ قال: يبدؤوننى ثم لا أعفو، (قال) : وكان يقول: أنا لا أبتدى ولكن أعتدى [1] .
__________
[1] فى اللسان فى قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
:
«سماه اعتداء لأنه مجازاة اعتداء، فسمى بمثل اسمه، لأن صورة الفعلين واحدة» .
(1/458)

800* وبلغه عن بعض شعراء بنى كليب شىء ساءه، فدعاه إلى مهاجاته، فقال الكليبىّ: إنّ نسائى بإمّتهنّ [1] ، ولم تدع الشعراء فى نسائك مترقّعا.
801* وكان جرير يقول: النصرانىّ أنعتنا للخمر والحمر وأمدحنا للملوك، وأنا مدينة الشعر.
802* وقال أبو عمرو: سئل الأخطل: أيّكم أشعر؟ قال: أنا أمدحهم للموك وأنعتهم للخمر والحمر، يعنى النساء، وأما جرير فأنسبنا وأشبهنا، وأما الفرزدق فأفخرنا.
803* وقال مروان بن أبى حفصة:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو القريض ومرّه لجرير
804* وكان جرير مقيما بالمرّوت من البادية، والفرزدق بالعراق، وهما يتهاجيان، فأرسلت بنو يربوع إلى جرير: إنّك مقيم بالمرّوت ليس عندك أحد يروى عنك والفرزدق بالعراق قد ملأها عليك منذ سبع حجج، فانحدر إلى العراق فأقام بالبصرة، ولذلك يقول:
وإذا شهدت لثغر قومى مشهدا ... آثرت ذاك على بنىّ ومالى
805* ومدح الحجّاج فأكرمه وأدناه، وأوفده إلى عبد الملك بن مروان فاستنشده، فأنشده فى الحجّاج:
صبرت النّفس يابن أبى عقيل ... مجاهدة، فكيف ترى الثّوابا
إذا سعر الخليفة نار حرب ... رأى الحجّاج أثقبها شهابا
وأنشده مدحته التى يقول فيها:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
__________
[1] الإمة، بكسر الهمزة: الهيئة والشأن. يريد أنهن سليمات لم يمسس عرضهن أحد.
(1/459)

فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب، فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، نحن أشياخ، وليس فى واحد منّا فضل عن راحلته، والإبل أبّاق، قال: فنجعل أثمانها لك رقة؟ قال: لا، ولكن الرّعاء، فأمر له بثمانية أعبد، فقال جرير:
والمحلب يا أمير المؤمنين! فنبذ إليه إحداهنّ بالخيزرانة، وقال: خذها لا نفعتك! ففى ذلك يقول جرير:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما فى عطائهم منّ ولا سرف [1]
806* قال أبو عبيدة: كان الفرزدق بالمربد، فمرّ به رجل قدم من اليمامة، فقال له: من أين وجهك؟ قال: من اليمامة، قال: فهل علقت من جرير شيئا؟
فأنشده:
هاج الهوى بفؤادك المهتاج
فقال الفرزدق:
فانظر بتوضح باكر الأحداج [2]
فقال:
هذا هوى شغف الفؤاد مبرّح
فقال الفرزدق:
ونوى تقاذف غير ذات خلاج [3]
فقال:
ليت الغراب غداة ينعب دائبا
فقال الفرزدق:
كان الغراب مقطّع الأوداج
فما زال (الرجل) ينشده صدرا (صدرا) من قول جرير، وينشده الفرزدق عجزا (عجزا) ، حتى ظنّ الرجل أنّ الفرزدق قالها (وأنّ جريرا سرقها) ، ثم قال
__________
[1] هند وهنيدة: اسم للمائة من الإبل خاصة. والبيت فى اللسان 4: 449.
[2] توضح: كثيب أبيض من كثبان حمر بالدهناء قرب اليمامة. الأحداج: جمع «حدج» بكسر الحاء وسكون الدال، وهو من مراكب النساء يشبه المحفة.
[3] خلاج: يقال «نوى خلوج بينة الخلاج» أى: مشكوك فيها، فهو يريد هنا أنها لا شك فيها، وأصله من قولهم «اختلج الشىء فى صدرى وتخالج» أى: تحرك فيه شىء من الريبة والشك والبيت فى اللسان 3: 83.
(1/460)

له: هل ذكر فيها الحجاج؟ قال: نعم، قال: إيّاه أراد.
807* ومن خبيث هجائه قوله للفرزدق:
لقد ولدت أمّ الفرزدق مقرفا [1]
الأبيات 808* ومن جيّد شعره قوله:
تعالوا نحاكمكم، وفى الحقّ مقنع ... إلى الغرّ من أهل البطاح الأكارم
فإنّ قريش الحقّ لم تتبع الهوى ... ولم يرهبوا فى الله لومة لائم
فإنى لراض عبّد شمس وما قضت ... وأرضى بحكم الصّيد من آل هاشم
أذكّركم بالله: من ينهل القنا ... ويضرب كبش الجحفل المتراكم
وكنتم لنا الأتباع فى كلّ موقف ... وريش الذّنابى تابع للقوادم
إذا عدّت الأيّام أخزيت دارما ... وتخزيك يابن القين أيّام دارم
وما زادنى بعد المدى نقض مرّة ... ولا رقّ عظمى للضّروس العواجم
809* ويستجاد له قوله:
فأنت أبى مالم تكن لى حاجة
الأبيات [2] .
وقوله يرثى امرأته:
لولا الحياء لعادنى استعبار
الأبيات [3] .
810* ومما أخذ عليه قوله فى بنى الفدوكس رهط الأخطل:
هذا ابن عمّى فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا
القطين فى هذا الموضع: العبيد والإماء، وقيل له: يا أبا حزرة، ما وجدت فى بنى تميم فخرا تفخر به عليهم حتى فخرت بالخلافة، لا والله إن صنعت فى هجائهم شيئا.
__________
[1] ستأتى 307 ل. وفيها «فاجرا» بدل «مقرفا» والمقرف: الهجين واللئيم الآباء.
[2] ستأتى 306 ل.
[3] ستأتى 308 ل.
(1/461)

86- الفرزدق
811* هو همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم. وكان جدّه صعصعة بن ناجية عظيم القدر فى الجاهلية، واشترى ثلاثين موؤودة إلى أن جاء الله عزّ وجلّ بالإسلام، منهنّ بنت لقيس بن عاصم المنقرىّ. ثم أتى النبىّ صلى الله عليه وسلم، وأسلم.
812* وأمّ صعصعة قفيرة بنت سكين، من عبد الله بن دارم، وكانت أمّها أمة وهبها كسرى لزرارة، فرهنها زرارة لهند بنت يثربىّ ابن عدس، فوثب أخو زوجها، واسمه سكين بن حارثة بن زيد بن عبد الله بن دارم، على الأمة فأحبلها، فولدت (له) قفيرة أمّ صعصعة، فكان جرير يعيب الفرزدق بها. وكان لصعصعة قيون، منهم جبير ووقبان وديسم، فلذلك جعل جرير مجاشعا قيونا.
وقال جرير ينسب غالب بن صعصعة إلى جبير:
وجدنا جبيرا أبا غالب ... بعيد القرابة من معبد
يعنى معبد بن زرارة.
813* وكان يعيبهم بالخزيرة، وذلك أنّ ركبا من مجاشع مرّوا فى الجاهلية وهم عجال على شهاب التغلبىّ، فسألهم أن ينزلوا، فقالوا: نحن مستعجلون، فقال: لا تجوزونى حتّى تصيبوا القرى، فحمل إليهم خزيرة، فجعلوا يأكلونها وهم على إبلهم ويعظّمون اللقم، وذلك يسيل على لحاهم! 814* وأمّا غالب أبو الفرزدق فكان يكنى أبا الأخطل، وكان سيّد بادية تميم، وكان أعور. وأمّه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس. واستجير بقبره وهو بكاظمة [1] فى حمالة، فاحتملها (عنه) الفرزدق.
__________
[1] كاظمة: فى البلدان: «جو على سيف البحر فى طريق البحرين من البصرة، بينها وبين البصرة مرحلتان» .
(1/462)

815* وكان له إخوة، منهم هميم (بن غالب) ، وسمى الفرزدق باسمه وهو القائل:
لعمر أبيك فلا تكذبن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
وقد فتّن الناس فى دينهم ... وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا
وإنما لقب بالفرزدق لغلظه وقصره، شبّه بالفتيتة التى تشربها النساء، وهى الفرزدقة [1] . وكنيته أبو فراس.
816* وكان للفرزدق أخ يقال له الأخطل أسنّ منه، وابنه محمد بن الأخطل (كان) توجّه مع الفرزدق إلى الشأم، فمات بها، ولا عقب له. ورثاه الفرزدق.
817* وأخته يقال لها جعثن، وكانت امرأة صدق. ونزل الفرزدق فى بنى منقر والحىّ خلوف، فجاءت أفعى إلى جارية من بنى منقر يقال لها ظمياء، فدخلت معها فى شعارها، فصرخت أمّها، وجاء الفرزدق فسكّنها، واحتال للأفعى حتّى انسابت، والتزم الجارية فانتهرته، فقال [2] :
وأهون عيب المنقريّة أنّها ... شديد ببطن الحنظلىّ لصوقها
فلمّا بلغ منقر قوله أرسلوا رجلا يقال له عمران بن مرّة، وأمروه أن يعرض لجعثن أخت الفرزدق، فلما خرجت وثب فضرب بيده على نحرها، فصاحت، ومضى، فعيّر الفرزدق بذلك.
__________
[1] فى اللسان: «الفرزدق: الرغيف، وقيل: فتات الخبز، وقيل: قطع العجين، واحدته فرزدقة، وبه سمى الرجل، سمى بالعجين الذى يسوى منه الرغيف، واسمه همام، وأصله بالفارسية برازده» وفيه أيضا: «قال الأصمعى: الفرزدق الفتوت الذى يفت من الخبز الذى تشربه النساء» .
[2] سيأتى البيت مع بيتين آخرين 296 ل.
(1/463)

818* ومكث الفرزدق زمانا لا يولد له، فعيّرته امرأته النّوار بذلك فقال:
قالت: أراه واحدا لا أخا له ... يؤمله فى الوارثين الأباعد
لعلّك يوما أن ترينى كأنّما ... بنىّ حوالىّ الأسود الحوارد [1]
فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانا وهو فى الناس واحد
فولد له بعد ذلك لبطة وسبطة وخبطة وركضة من النّوار [2] ، وزمعة وليس لواحد من ولده عقب إلا من النساء.
819* (وأجاد فى قوله:
قالت: وكيف يميل مثلك للصّبى
البيتين) [3] .
820* وكان الفرزدق معنّا مفنّا [4] ، يقول فى كلّ شىء، وسريع الجواب، فمرّ بقوم ولهم جنازة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مات أبو الخنساء صاحب البغال، فقال:
__________
[1] الحوارد: الغضاب، يقال «حرد الرجل فهو حرد وحارد» إذا اغتاظ فتحرش بالذى غاظه وهم به. ومنه قيل «أسد حارد وليوث حوارد» . عن اللسان.
[2] اضطربت المراجع فى هذه الأسماء. ففى ابن خلكان 2: 266: «ثم ولد بعد ذلك عدة أولاد، وهم: لبطة وسبطة وحبطة وركضة وزمعة، وكلهم من النوار ... وقال ابن خالويه: ومن أولاد الفرزدق كلطة وجلطة، والله أعلم» . وفى اللسان 9:
264: «وللفرزدق من الأولاد لبطة وكلطة وجلطة» ونحو ذلك فيه 9: 263 ولكن ذكر «خبطة» بدل «جلطة» ولم يذكرهما فى مادتيهما. وفى القاموس مادة (كلط) :
«وكلطة محركة: ابن للفرزدق» وفى مادة (لبط) : «لبطة: ابن للفرزدق أخو كلطة وحبطة» بالحاء المهملة، وقال شارحه 5: 214: «ويروى خبطة بالخاء المعجمة، وفى بعض النسخ جلطة» . والظاهر عندى أن أصحها ما ذكر المؤلف هنا لموافقته لما ذكر فى الاشتقاق 147 مع بيان اشتقاق كل منها.
[3] راجح 310 ل.
[4] معن: ذو عنن واعتراض، أى: أنه فصيح يدخل فى كل شىء. مفن: يفتن فى الكلام، أى: يشتق فى فن بعد فن، يأتى بالأفانين. وكلاهما بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديد النون.
(1/464)

ليبك أبا الخنساء بغل وبغلة ... ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها
ومجرفة مطروحة ومحسّة ... ومقرعة صفراء بال سيورها
821* (ومن إفراطه قوله:
وبوّأت قدرى
البيتين) [1] .
822* وكان خلف بن خليفة ظريفا شاعرا راوية، وكان «أقطع» ، له أصابع من جلود، فمرّ بالفرزدق يوما فقال له: يا أبا فراس من الذى يقول:
هو القين وابن القين لا قين