Advertisement

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز 001



اسم الكتاب: الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المؤلف: يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم، الحسيني العلويّ الطالبي الملقب بالمؤيد باللَّه (المتوفى: 745هـ)
الناشر: المكتبة العنصرية - بيروت
الطبعة: الأولى، 1423 هـ
عدد الأجزاء:3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الاول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المحقق
الحمد لله الذى أنزل القرآن، وكرّم بنى آدم بعلم البيان، والصلاة والسلام على خير بنى عدنان، أفضل الخلق بالحقيقة لا المجاز، وأعلمهم بأسرار الكتابة وحقيقة الإعجاز.
وبعد؛ فإن كتاب الطراز، ليحيى بن حمزة العلوى اليمنى «1» المتوفى سنة 705 هـ يعد من الكتب البلاغية التى حاول أصحابها الخروج على طريقة السكاكى، تلك الطريقة المنطقية العقلية الجافة، بما تشتمل عليه من المبالغة فى التقسيم والتقعيد والتعقيد كذلك، كما يغلب عليها الإيجاز والاختصار الشديد المخل بحق البلاغة، مع ندرة الشواهد والتحليلات البلاغية.
وقد حاول يحيى العلوى تقليد ابن الأثير فى طريقته الأدبية التحليلية فى تناول علوم البلاغة، هربا من جفاف التناول المنطقى عند السكاكى ومن لفّ لفّه.
ونستطيع أن نقول: إن العلوى قد نجح فى سلوك الطريقة الأدبية إلى حد كبير؛ وذلك واضح في كثرة شواهده، بل اختلاف تلك الشواهد فى كثير من الأحيان عن الشواهد المكرورة عند السكاكى وأتباعه، وإن كان فى بعض الأحيان وخاصة فى فنون البديع لا يكاد يعدو تلك الشواهد التى درج السكاكى وأتباعه على الاستشهاد بها. وتتميز طريقته كذلك بكثرة التحليلات الأدبية، وقد أولى القرآن عناية خاصة، ولا عجب فى ذلك فقد نذر نفسه لبيان أسرار إعجازه كما هو واضح من عنوان كتابه، «الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» .
ولكننا لن نبالغ فى الثناء على العلوى لنرتقى به إلى رتبة عبد القاهر الذى نوّه العلوى بذكره فى مقدمته، ولكنه قرر أنه لم يطلع على كتابيه (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) ،
(1/3)

وأنه لم ير منهما إلا شذرات فى تعليقات العلماء تنبى عما وراءها من روعة وإبداع.
بل إننا نقرر أنه لا يرقى كذلك إلى براعة ابن الأثير، ودقة نظراته وتحليلاته الرائعة.
ولكن لا يعدم القارىء لهذا الكتاب أن يجد محاولات جادة للعلوى فى الخروج على ربقة السكاكى ومدرسته، ويتضح ذلك من محاولاته المتكررة لمناقشة السّكاكى والرد عليه فى مواضع عديدة.
ومع ذلك فقد قرأ العلوى مفتاح العلوم للسكاكى وتأثر به كذلك، وهو وإن حاول الخروج على طريقة المدرسة السكاكية بطريقته الأدبية فى التناول والتحليل؛ فإنه لم يستطع التخلص كذلك من طريقة تلك المدرسة فى كثرة التقسيمات والتفريعات فهو يقلد فى ذلك السكاكى والرازى حيث يبنى كتابه على مقدمات ومقاصد ومكملات ... إلخ.
غير أننا نقول إنه يبقى لذلك الكتاب أسلوبه الأدبى، وتحليله الرائع، وكثرة شواهده، وتنوعها واختلافها عن المكرر المردود فى كتب البلاغة على كثرتها.
هذا، ولم نأل جهدا فى ضبط متن هذا الكتاب، وتخريج ما تيسر لنا من شواهده ونصوصه، وإخراجه إخراجا جيدا أنيقا يليق بقيمته العلمية.
والله نسأل أن ينفع به فى معرفة أسرار بلاغة كتابه، وعلوم إعجازه، وأن يجزل المثوبة لنا ولكل من ساعد فى إخراجه؛ إنه سبحانه نعم المولى، ونعم النصير.
كتبه عبد الحميد بن أحمد الهنداوى غفر الله له ولوالديه وللمسلمين الجيزة فى 15/6/1421 هـ 15/8/2000 م
(1/4)

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذى أنطق لسان الإنسان، فأفصح بعجيب البلاغة وسحر البيان. وأوضح منار البرهان. فأشرقت أنواره عن حقائق العرفان. وفتق أغشية الأفئدة بما ألهمها من أسرار العلوم وشرفها بمنطق اللسان. فهى تهتز بما أفيض عليها من عوارف الإحسان.
وتميس وتختال لما خولها من فواضل الجود والكرم والامتنان صنوان وغير صنوان. خلق الإنسان من الطين اللازب الصلصال. وأجرى لسانه بالفصاحة وسقاه من نميرها العذب السلسال. فسبحان القيوم المختص بصفات الكبرياء ونعوت الجلال. المنفرد بالألوهية، والباقى وجهه من غير فناء ولا زوال.
والصلاة على من تبوأ من الفصاحة ذروتها، واقتعد من البلاغة مكان صهوتها. حتى ظهرت من جبهته أسرار طلعتها. وتبلجت من بهجته أنوار زهرتها. ووضح نهارها.
وطلعت شموسها وأقمارها. وصفت مشارعها للورّاد، وراقت مشاربها لمن قصد وأراد.
ودل على مصداق هذه المقالة قوله «أنا أفصح من نطق بالضاد» فعند ذاك أفصح أبيّها وأنقاد. وسهل مراسها على الفرسان والنقاد، المصطفى من أطيب العناصر، والحائز لقصب السبق من المعالى وأشرف المفاخر، محمد الأمين على الأنباء الغيبية، ومستودع الأسرار الحكمية والحكمية، وعلى آله الطيبين أطواد العلم الراسخة، ومثاقيل الحكم الراجحة، صلاة تقيم، ولا تريم، إنه منعم كريم.
أما بعد فإن العلوم الأدبية، وإن عظم فى الشرف شأنها، وعلا على أوج الشمس قدرها ومكانها، خلا أن علم البيان هو أمير جنودها، وواسطة عقودها، فلكها المحيط الدائر، وقمرها السامر الزاهر، وهو أبو عذرتها، وإنسان مقلتها، وشعلة مصباحها، وياقوتة وشاحها. ولولاه لم تر لسانا يحوك الوشى من حلل الكلام. وينفث السحر مفتر الأكمام. وكيف لا وهو المطلع على أسرار الإعجاز، والمستولى على حقائق علم المجاز.
فهو من العلوم بمنزلة الإنسان من السواد، والميهمن عليها عند السبر والحك والانتقاد ولما
(1/5)

فيه من الغموض ودقة الرموز، واحتوائه على الأسرار والكنوز، استولت عليه يد النسيان والذهول، وآلت نجومه وشموسه إلى الانكساف والأفول، ولم يختص بإحرازه من العلماء إلّا واحد بعد واحد، وطالما قيل «إذا عظم المطلوب قل المساعد» ، وما ذاك إلا لقصور الهمم عن بلوغ غاياته، وعجزها عن إدراكه والوصول إلى نهاياته.
ثم إن المقصود بهذا الإملاء هو الإشارة إلى معاقد هذا العلم ومناظمه. والتنبيه على مقاصده وتراجمه. وقد كثر فيه خوض علماء الأدب. وأتى فيه كل بمبلغ جده وجهده.
ومنتهى علمه ومقدار وجده. حرصا منهم على بيانه. وشغفا منهم بضبطه وإتقانه. وأتوا فيه بالغث والسمين. والنازل والثمين. وهم فيما أتوا به من ذلك فريقان. فمنهم من بسط كلامه فيه نهاية البسط، وخلط فيه ما ليس منه فكان آفته الإملال. ومنهم من أوجز فيه غاية الإيجاز، وحذف منه بعض مقاصده فكان آفته الإخلال. لم أطالع من الدواوين المؤلفة فيه مع قلتها ونزورها إلا أكتبة أربعة، أولها: كتاب المثل السائر للشيخ أبى الفتح نصر بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير. وثانيها: كتاب التبيان للشيخ عبد الكريم وثالثها: كتاب النهاية لابن الخطيب الرازى. ورابعها: كتاب المصباح لابن سراج المالكى.
وأول من أسس من هذا العلم قواعده. وأوضح براهينه وأظهر فوائده. ورتب أفانينه.
الشيخ العالم النحرير علم المحققين عبد القاهر الجرجانى. فلقد فك قيد الغرائب بالتقييد.
وهد من سور المشكلات بالتسوير المشيد. وفتح أزهاره من أكمامها. وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها. فجزاه الله عن الإسلام أفضل الجزاء. وجعل نصيبه من ثوابه أوفر النصيب والإجزاء. وله من المصنفات فيه كتابان، أحدهما لقبه «بدلائل الإعجاز» والآخر لقبه «بأسرار البلاغة» . ولم أقف على شىء منهما مع شغفى بحبهما، وشدة إعجابى بهما، إلا ما نقله العلماء فى تعليقهم منهما. ولست بناقص لأحد فضلا. ولا عائب له قولا.
فأكون كما قال بعضهم.
بنقصك أهل الفضل بان لنا ... أنك منقوص ومفضول
(1/6)

ولا أدّعى لنفسى إحراز الفضل والاستبداد بالخصل فأكون كما قال بعضهم:
ويسىء بالإحسان ظنّا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون
ولا أسلّم نفسى عن خطإ وزلل. ولا أعصم قولى عن وهم وخطل «فالفاضل من تعدّ سقطاته. وتحصى غلطاته» إلا بتوفيق الله وعصمته. والسالم من ذلك كتاب الله المجيد الذى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)
[فصلت: 42] .
ثم إن الباعث على تأليف هذا الكتاب هو أن جماعة من الإخوان شرعوا علىّ فى قراءة كتاب «الكشاف» تفسير الشيخ العالم المحقق أستاذ المفسرين محمود «بن عمر الزمخشرى» فإنه أسّسه على قواعد هذا العلم، فاتضح عند ذلك وجه الإعجاز من التنزيل. وعرف من أجله وجه التفرقة بين المستقيم والمعوجّ من التأويل. وتحققوا أنه لا سبيل إلى الاطلاع على حقائق إعجاز القرآن إلا بإدراكه. والوقوف على أسراره وأغواره. ومن أجل هذا الوجه كان متميزا عن سائر التفاسير، لأنى لم أعلم تفسيرا مؤسسا على علمى المعانى والبيان سواه. فسألنى بعضهم أن أملى فيه كتابا يشتمل على التهذيب والتحقيق، فالتهذيب يرجع إلى اللفظ، والتحقيق يرجع إلى المعانى. إذ كان لا مندوحة لأحدهما عن الثانى.
وأرجو أن يكون كتابى هذا متميزا عن سائر الكتب المصنفة فى هذا العلم بأمرين أحدهما اختصاصه بالترتيب العجيب، والتلفيق الأنيق، الذى يطلع الناظر من أول وهلة على مقاصد العلم، ويفيده الاحتواء على أسراره. وثانيهما اشتماله على التسهيل والتيسير، والإيضاح والتقريب. لأن مباحث هذا العلم فى غاية الدقة، وأسراره فى نهاية الغموض.
فهو أحوج العلوم إلى الإيضاح والبيان، وأولاها بالفحص والإتقان فلما صغته على هذا المصاغ الفائق، وسبكته على هذا القالب الرائق، سميته بكتاب الطّراز. المتضمّن لأسرار البلاغة، وعلوم حقائق الإعجاز؛ ليكون اسمه موافقا لمسمّاه ولفظه مطابقا لمعناه.
ولما كان كل علم لا ينفكّ عن مبادىء ومقدمات تكون فاتحة لأمره.، ومقاصد تكون خلاصة لسرّه، وتكملات تكون نهاية لحاله، لا جرم اخترت فى ترتيب هذا الكتاب أن يكون مرتبا على فنون ثلاثة، ولعلّها تكون وافية بالمطلوب محصّلة للبغية بعون الله.
فالفن الأول منها مرسوم المقدمات السابقة نذكر فيها تفسير علم البيان، ونشير فيها إلى
(1/7)

بيان ماهيته وموضوعه ومنزلته من العلوم الأدبية، والطريق إلى الوصول إليه وبيان ثمرته وما يتعلق بذلك، من بيان ماهية البلاغة والفصاحة والتفرقة بينهما. ونشير إلى معانى الحقيقة والمجاز وبيان أقسامهما، إلى غير ذلك مما يكون تمهيدا وقاعدة لما نريده من المقاصد.
الفن الثانى منها مرسوم المقاصد اللائقة. نذكر منه ونشير فيه إلى ما يتعلق بالمباحث المتعلقة بالمعانى وعلومها. ونردفه بالمباحث المتعلقة بعلوم البيان وأقسامها. ونشرح فيه ما يتعلق به من المباحث بعلم البديع ونذكر فيه خصائصه وأقسامه وأحكامه اللائقة به بمعونة الله تعالى ولطفه.
الفن الثالث نذكر فيه ما يكون جاريا مجرى التتمة والتكملة لهذه العلوم الثلاثة، نذكر فيه فصاحة القرآن العظيم وأنه قد وصل الغاية التى لا غاية فوقها، وأن شيئا من الكلام وإن عظم دخوله فى البلاغة والفصاحة، فإنه لا يدانيه ولا يماثله. ونذكر كونه معجزا للخلق لا يأتى أحد بمثله. ونذكر وجه إعجازه، ونذكر أقاويل العلماء فى ذلك، ونظهر الوجه المختار فيه، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة، والنّكت الغزيرة، التى نلحقها على جهة الرّدف والتكملة لما سبقها من المقاصد.
فالفن الثالث للثانى على جهة الإكمال والتتميم. والفن الأول للثانى على جهة التمهيد والتوطئة والسرّ واللباب. والمقصد لذوى الألباب. ما يكون مودعا فى الفن الثانى وهو فن المقاصد. وأنا أسأل الله تعالى بجوده الذى هو غاية مطلب الطّلّاب. وكرمه الواسع الذى لا يحول دونه ستر ولا حجاب أن يجعله من العلوم النافعة فى إصلاح الدّين. ورجحنا فى ميزانى عند خفة الموازين. إنه خير مأمول، وأكرم مسئول.
(1/8)

الفن الأول من علوم الكتاب فى ذكر المقدمات
وهى خمس
المقدمة الأولى فى تفسير علم البيان وبيان ماهيته
اعلم أن كثيرا من الجهابذة والنظّار من علماء البيان، وأهل التحقيق فيه، ما عوّلوا على بيان تعريفه بالحدود الحاصرة، والتعريفات اللائقة، ولا أشاروا إلى تصوير حقيقة يعرف بها من بين سائر العلوم الأدبية، والعلوم الدينية، كعلم الفقه، وعلم النحو، وعلم الأصول، وغيرها من سائر العلوم، فإنهم اعتنوا فيها نهاية الاعتناء. وأتوا فيها بماهيّات تضبطها وتفصلها من سائر العلوم. وعلى الجملة فإن ذلك غفلة لأمرين أما أولا فلأن الخوض فى تقاسيمه وخواصّه، وبيان أحكامه، فرع على تصوّر ماهيته؛ لأن من المحال معرفة حكم الشىء قبل فهم حقيقته. وأما ثانيا فلأن الخوض فى أسراره ودقائقه إنما هو خوض فى المركبات، والخوض فى معرفة ماهيته إنما هو خوض فى المفردات. ولا شكّ أنّ معرفة المفرد سابقة على معرفة المركب. ولأجل ما ذكرناه لم يكن بدّ من بيان معقوله، ومعرفة ماهيته. فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر معناه وبيان موضوعه ومنزلته من العلوم الأدبية، وثمرته وكيفية الوصول إليه. فهذه مطالب خمسة.
المطلب الأول فى بيان ماهيته
فإنما يتخصص بالإضافة، فيقال فيه علم المعانى، ويقال علم البيان، ويقال له علم المعانى والبيان جميعا، فكلّ هذه الإضافات جارية على ألسنة علمائه فى الاستعمال فى أثناء المحاورة. وعلى الجملة فله مجريان.
المجرى الأول منهما: لغوى، فإذا قيل: علم المعانى، فالمعانى جمع معنى كمضارب ومقاتل. والمعنى مفعل واشتقاقه من قولهم عناه أمر كذا إذا أهمه وقيل لما نفهم من الكلام معنى لأنه يعنى القلب ويؤلمه. وهو اسم والمصدر منه عناية، يقال عناه الأمر عناية. وإذا قيل: علم البيان فالبيان اسم للفصاحة. وفى الحديث «إنّ من البيان لسحرا» . والمصدر منه
(1/9)

تبيان بالكسر فى التاء وهو جار على غير قياسه. والقياس فيه فتحها كالتّهذار والتّلعاب والتّرداد. ولم يجىء كسره إلّا فى بنائين: تبيان وتلقاء.
قال الله تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[النحل: 89] وقال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ
[القصص: 22] فهذا تقرير ما يفيد أنه فى وضع اللغة.
المجرى الثانى فى مصطلح النظّار من أرباب هذه الصناعة ولهم فيه تصرّفان،
التصرف الأول
فيما يفيده كلّ واحد منهما على انفراده من غير انضمامه وتركيبه إلى الآخر فنقول:
المفهوم من قولنا علم المعانى أنها المقاصد المفهومة من جهة الألفاظ المركبة لا من جهة إعرابها. وحاصل ما قلناه يرجع إلى البلاغة، لأن المعانى إنما تكون واردة فى الكلم المركبة دون المفردة.
فإذا قلنا: علم المعانى فالمقصود علم البلاغة على أساليبها وتقاسيمها. والمفهوم من قولنا علم البيان هو الفصاحة، وهى غير مقصورة على الكلم المفردة دون المركبة.
فعلم المعانى وعلم البيان يرجعان فى الحقيقة إلى علم البلاغة والفصاحة. هذا إذا أردنا تعريف كل واحد منهما على انفراده بماهيّة نخصّه على ما قرّرناه. وسيأتى لهذا مزيد تقرير فى مقدّمة على حدتها نذكر فيها ماهية البلاغة والفصاحة، والتفرقة بينهما. فآل الأمر إلى أن علم المعانى هو العلم بأحوال الألفاظ العربية المطابقة لمقتضى الحال من الأمور الإنشائية والأمور الطلبية وغيرهما.
وأنّ علم البيان حاصله إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى وضوح الدلالة عليه كالاستعارة والكناية والتشبيه وغيرها.
التصرف الثانى
إذا أردنا أن نجمعهما فى ماهيّة واحدة وفيه صعوبة لأنهما حقيقتان مختلفتان كما أسلفنا تقريره، فإذا كان الأمر فيهما كما قلناه الاختلاف فى الماهية فالأولى إفراد كلّ واحد منهما بماهية تخصّه كما أوضحناه من قبل؛ لأن الحقائق إذا كانت مختلفة فى ماهيّاتها فإنه يستحيل اندراجها تحت حدّ واحد وماهيّة واحدة؛ لأن فصل إحداهما مفقود فى الأخرى، فلأجل هذا تعذّر إدراجهما فى حدّ واحد، لكنا نشير إلى ما يمكن فى ذلك. وحقّ الفاصل أن يأتى بالممكن فنقول: ما يجمعهما فى ماهية واحدة نذكر منه تعريفات ثلاثة.
(1/10)

التعريف الأول:
أن يقال هو العلم بجواهر الكلم المفردة والمركبة ودلائل الألفاظ المركبة لا من جهة وضعها وإعرابها. فقولنا: العلم بجواهر الكلم المفردة والمركبة يشير إلى علم البيان، لأنه هو المراد به كما أشرنا إليه من قبل. وقولنا ودلائل الألفاظ المركبة، نرمز به إلى علم المعانى، لأن المقصود منه هو البلاغة، وهى غير حاصلة إلا من جهة التركيب لا غير، لأن المعانى لا يحصل لها الاتصاف بالبلاغة ولا ترتقى إلى مرتبتها إلا بالإفادة وهى متوقفة على التركيب لا محالة. وقولنا لا من جهة وضعها وإعرابها، فهذا قيد لا بدّ من مراعاته، ليخرج به عن علم اللغة وعلم الإعراب لأن حاصل ما يدل عليه علم اللغة، هو إحراز معانى الألفاظ المفردة، ودلالة علم الإعراب إنما يكون من جهة الإسناد والتركيب. ودلالة الألفاظ على علم البيان الذى هو الفصاحة وعلى علم المعانى الذى هو البلاغة هو أمر وراء ذلك مع كونه متوقفا عليهما وهما أمران يخالفانه فى مقصود الدلالة كما سنوضحه من بعد بمعونة الله تعالى.
التعريف الثانى
أن يقال فيه هو: العلم بما يعرض للكلم المفردة والمركبة من الفصاحة ويعرض للكلم المركبة من البلاغة على الخصوص. فقولنا ما يعرض للكلم المفردة والمركبة من الفصاحة، نشير به إلى علم البيان، وقولنا وما يعرض للكلم المركبة من البلاغة، نرمز به إلى علم المعانى لأنهما هما المرادان بما ذكرناه. وقولنا على الخصوص نحترز به عما تدلّ عليه الألفاظ المفردة والمركبة لا من جهة هاتين الدلالتين فإنه ليس مقصودا من علم البيان كما أسلفنا تقريره فى الحد الأول.
التعريف الثالث
أن يقال فيه هو العلم الذى يمكن معه الوقوف على معرفة أحوال الإعجاز، لأن الإجماع منعقد من جهة أهل التحقيق على أنه لا سبيل إلى الاطّلاع على معرفة حقائق الإعجاز وتقرير قواعده من الفصاحة والبلاغة إلا بإدراك هذا العلم وإحكام أساسه، فظهر بما قررناه فهم ماهيّته، وأن كل واحد من هذه التعريفات مرشد إلى تعريف حقيقته ومميّز له عن غيره من سائر العلوم.
خيال وتنبيه
فإن قال قائل: إن ما ذكرتموه من هذه التعريفات مختلفة فى أنفسها لأن كل واحد منها يفيد فائدة مخالفة لما يفيده الآخر، فلهذا حكمنا بكونها مختلفة. ومهما كانت التعريفات مختلفة كانت الحقائق فى ذواتها مختلفة، فكيف جعلتموها دالّة على حقيقة واحدة؟
(1/11)

وجوابه هو: أنها مع اختلافها وتباين أحوالها لا يمتنع كونها دالّة على حقيقة واحدة، وهذا غير ممتنع، فإن الأشياء المتغايرة قد تكون دالّة على معنى واحد كالألفاظ المترادفة، ويؤيد ما ذكرناه هو أن التعريفات التصوّرية طريق إلى فهم الحقائق التصورية. كما كانت البراهين التصديقية طريقا إلى معرفة المدلولات، فإذا جاز اجتماع البراهين على مدلول واحد جاز اجتماع التعريفات على ماهية واحدة فاختلاف كل واحد من النوعين لا يمنع من اتحاد المقصود.
المطلب الثانى فى بيان موضوع علم البيان
اعلم أن لكل علم من العلوم موضوعا يكون له كالأساس فى البناء. وبه تظهر حقيقته. ومنه يتقدّر قوام صورته. وعلى هذا يكون موضوع علم الطبّ بدن الإنسان.
ولهذا فإن الطبيب يسأل عنه ليدرى بحاله فى صحته وفساده. وموضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين، فالفقيه يسأل عن حالها فيما يعرض لها من الحسن والقبح والوجوب والندب والكراهة والإباحة. وموضوع أصول الفقه هو النظر فى أدلة الخطاب من الكتاب والسنة. وما يكون مقرّرا عليها من الإجماعات والأقيسة والأفعال والتقريرات. فالأصولىّ يقصر نظره على ما ذكرناه. وموضوع علم الكلام هو النظر فى أفعال الله تعالى وما يصدر عن قدرته من المكونات كلها والمصنوعات فيحصل له العلم بذاته فنظره مقصور على ذلك.
وموضوع علم العربية هو الألفاظ الموضوعة من جهة تركيبها فهو يسأل عن حالها.
وهكذا فإن موضوع اللغة هو معرفة الألفاظ المفردة فاللغوىّ يسأل عن ذلك. فكلّ علم له موضوع يخالف موضوع الآخر. ومن ثم كانت حقيقة كل واحد منها مباينة لحقيقة الآخر لأنها باختلاف موضوعاتها اختلفت حقائقها وتمايزت فى أنفسها.
وكما يجرى هذا فى العلوم فإنه جار فى الحرف والصناعات لأنها من جملة العلوم، ولهذا فإنّ النجارة موضوعها الخشب. فإن النجار ينظر فى حالها فى تحصيل حقيقة النّشر.
والحدّاد موضوع صنعته الحديد فينظر فى حاله إذا أراد تركيب السّيف والشّفرة. وموضوع النساجة القطن. والكتان. فالنّساج ينظر فى حالهما من أجل تحصيل قوام الثوب وصورته وهذه القضية عامّة فى كل علم وحرفة. فإنه لا يمكن تحصيل شىء من أحواله إلا بعد إحراز موضوعه الذى هو أصل فيه.
(1/12)

وعلى هذا يكون موضوع علم البيان هو علم الفصاحة والبلاغة. ولهذا فإن الماهر فيه يسأل عن أحوالهما وحقائقهما اللفظية والمعنوية، فيحصل له من النظر فى الألفاظ المفردة إدراك الفصاحة، ويحصل له من النظر فى المعانى المركبة أحوال البلاغة كما قررناه.
وهم وتنبيه
فإن قال قائل فإذا كان موضوع اللغة هو الكلم المفردة، وهذا بعينه هو موضوع الفصاحة. فإذا كان موضوع علم الإعراب هو الكلم المركبة فهذا بعينه هو موضوع البلاغة، فمن أين تقع التفرقة بين موضوع علم اللغة وعلم الإعراب، وبين موضوع علم البيان، وعلم المعانى مع اتحاد الموضوع منهما فى الإفراد والتركيب؟
وجوابه هو أن علم اللغة، وعلم الفصاحة. وإن كان متعلّقهما الألفاظ المفردة، لكنهما يفترقان فى الدلالة، فإنّ نظر اللغوىّ مقصور على معرفة ما يدلّ على اللفظ بالوضع.
وصاحب علم البيان ينظر فى الألفاظ المفردة من جهة جزالتها، وسلامتها عن التعقيد، وبراءتها عن البشاعة، مع ما يتعلق بها من الأنواع المجازية، فإنها مؤدية المقصود بالطرق المختلفة، فافترقا كما ترى، وهكذا فإن النحوىّ، وصاحب علم المعانى، وإن اشتركا فى تعلقهما بالألفاظ المركبة، لكن نظر أحدهما مخالفا لنظر الآخر، فالنحوىّ ينظر فى التركيب من أجل تحصيل الإعراب لتحصل كمال الفائدة، وصاحب علم المعانى، ينظر فى دلالته الخاصة وهو ما يحصل عند التركيب من بلاغة المعانى. وبلوغها فى أقصى المراتب، فقد حصل مما ذكرناه التمييز مع الاشتراك فيما ذكرناه، وفى ذلك افتراقهما، وكشف الغطاء عما ذكرناه بمثال نورده وهو قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] . فنظر اللغوىّ إنما هو من جهة كون القصاص والحياة موضوعين لمعانيهما المفردة، وغير ذلك من سائر الكلمات المفردة، ونظر صاحب البيان من جهة سلامة هذه الألفاظ المفردة عن التعقيد، وسلاستها، وسهولتها على اللسان. وهذه هو المقصود بالفصاحة. فقد افترقت الدلالتان مع اشتراكهما فى التعلق بالألفاظ المفردة وهكذا.
ونظر النحوىّ من جهة رفع المبتدأ، وتقديم خبره عليه وتنكير المبتدأ، وتوسيط الظرف إلى غير ذلك من الأحوال الإعرابية.
ونظر صاحب المعانى من جهة بلاغتها، وتأدية المعنى المقصود منها، على أوفى ما يكون
(1/13)

وأعلاه. وهذا هو المراد من البلاغة. فقد افترقا مع إشراكهما فى تعليقهما بالتركيب. ومن ههنا امتاز قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] عما يؤثر عن العرب من قولهم «القتل أنفى للقتل» .
ومن أحاط علما بالفصاحة، وتغلغل فكره فى إحراز أسرارها، عرف أن بين ما ورد فى التنزيل، وبين ما أثر عن العرب فيما أوردناه من المثال فى الفصاحة والبلاغة، بونا لا تدرك غايته، وبعدا لا يحصر تفاوته، ولهذا فإنه من كان من المفسّرين نظره فى تفسير كلام الله مقصورا على معرفة المعانى الإعرابية، وبيان مدلولات الألفاظ الوضعية لا غير، من غير بيان ما تضمنه من أنواع الفصاحة والبلاغة، وتقرير مواقعهما الخاصة. فإنه يعدّ مقصّرا في تفسيره لكونه قد أخلّ بمعظم علومه، وأهملها وأعرض عن أجلّ مقاصده وتركها. وهو معرفة الإعجاز، لأنه موقوف على ما ذكرناه من معرفة الفصاحة والبلاغة جميعا.
ومن اعتمد فى تفسير كلام الله على ملاحظة جانب الفصاحة والبلاغة، ونزّل المعانى القرآنية عليها، سلم عن أكثر التأويلات النادرة، وبعد عن حمله على المعانى الركيكة التى وقع فيها كثير من المفسرين كما هو مذكور فى كتبهم.
المطلب الثالث في بيان منزلته من العلوم وموقعه منها
اعلم أن الكلام فى منزلة الشىء من غيره إنما يكون فيما يظهر فيه التقارب فى الجنسية.
فأما مع تباعد الحقائق وتباينها فلا يقال ذلك. ولهذا يقال أين منزلة الإنسان من الحيوان، ولا يقال أين منزلته من الأحجار. فنحن إنما نذكر منزلة علم البيان من العلوم الأدبية دون غيرها من سائر العلوم. فإذا تقرر هذا فنقول العلوم الأدبية على أربعة أنواع:
فالنوع الأول منها: علم اللغة العربية وهو علم بمعانى الألفاظ المجردة. فإن حاصله استفادة المعانى المفردة من الأوضاع اللغوية. فالعلم بأن الإنسان والفرس والجدار وغيرها من الألفاظ موضوعة لهذه الحقائق المفردة، إما بالتوقيف، وإما بالمواضعة، أو يكون بعضها بالتوقيف، وبعضها بالمواضعة، أو الوقف فى ذلك. وتجويز هذه الاحتمالات من غير قطع فى واحد منها إلى غير ذلك من الخلاف فيها ليس من همنّا ذكره لخروجه عن مقصدنا.
النوع الثانى: علم الإعراب. وهو علم بالمعانى الإعرابية الحاصلة عند العقد،
(1/14)

والتركيب، كقولنا قام زيد، فإن الإعراب لا يحصل إلا لمجموعهما. فالتركيب أقلّه من جزئين. والعقد إسناد أحدهما إلى الآخر. فلو حصل أحدهما وتعذر الآخر، لفات المعنى، ولبطل الإعراب. فصار علم الإعراب متميزا عن علم اللغة العربية بما ذكرناه، معطيا فائدة غير ما يعطيه علم اللغة لأجل الإفراد والتركيب.
النوع الثالث: علم التصريف. وهو علم يتعلق بتصحيح أبنية الألفاظ المفردة، وإحكام قوالبها على الأقيسة المطردة فى لسان العرب بالقلب، كما فى قال ورمى، والحذف كما فى قولنا: قل، وبع، والإبدال، كما فى قولنا: ميعاد، وصراط، وغير ذلك. وهو علم جليل القدر، ولا يختص به إلّا الأذكياء من علماء الأدب، كما أثر عن أبى عثمان المازنىّ وأبى الفتح ابن جنى، وغيرهما. وقد يقع فيه معظم الزّلل لمن لم يحرز أصوله ولا يحكمها، كما وقع من نافع المقرىء فى همزه شبه معايش وهو خطأ.
قال أبو عثمان المازنى: إن نافعا لم يدر ما العربية. ومعذرته فى ذلك، هو أنه شبه ياء معيشة بياء سفينة. فمن ثمّ همزها لمشاكلتها لها فى صورتها. وليس عذره فى ذلك أنه اعتقد أن معيشة فعلية كما قاله ابن الأثير معتذرا له. لأن هذا يكون ضم جهل إلى جهل. ولما لم يختص نافع برسوخ قدم فى علم الإعراب وقع فى حرفه فى قراءته ضعف كإسكان ياء «محياى» وجمعه بين الساكنين، ونحو إثباته لهاء السكت فى حال الوصل، وقراءة «أتحاجّونى» بنون واحدة.
النوع الرابع من علوم الأدب: علم البلاغة والفصاحة وهما يأخذان من العلوم الأدبية صفوها، ويقعان منها مكان الواسطة من عقدها، فإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول: العلم المعبّر عنه بعلم البيان هو علم الفصاحة. وعلم المعانى هو المعبّر عنه بعلم البلاغة. وهو أجلّ العلوم الأدبية قدرا ومكانا وأعلاها منزلة وأكبرها شأنا لأنه علم يستولى على استخراج أسرار البلاغة من معادنها. وهذه توجد محاسن النّكت المودعة فى أصدافها ومكامنها. وهو الغاية التى ينتهى إليها فكر النّظّار، والضّالة التى يطلبها غاصة البحار.
وعليه التعويل فى الاطّلاع على حقائق الإعجاز فى القرآن، وإليه الإسناد عند المسابقة فى الخصل والرهان. ومنه تستثار المعانى الدقيقة على مرّ الدّهور وتخرّم الأزمان فظهر بما ذكرناه أن موقع علم البيان من العلوم الأدبية موقع الإنسان من سواد الأحداق. ومن ثمّ لم يستقل بدركه وإحراز أسراره إلا كل سباق.
(1/15)

المطلب الرابع فى بيان الطرق إليه
اعلم أن إحرازه إنما يكون بإحراز ما يحتاج إليه من العلوم الأدبية. ولما كان المقصود به هو الاطلاع على حقائق علوم الإعجاز، والإحاطة بعلم الفصاحة والبلاغة فما كان أصلا فى معرفة هذه الأشياء فهو مفتقر إليه. وما لا يحتاج إليه فى هذه الأشياء فهو غير مفتقر إليه. فصارت العلوم بالإضافة إلى ما تفتقر إليها وتستغنى على ثلاث مراتب.
المرتبة الأولى: لا يفتقر إليها بكل حال.
وهذا نحو العلوم العقلية، كالعلم بالمباحث الكلامية والطبّ. والفلسفة وأحكام الحساب، وغير ذلك من علوم العقل. فما هذا حاله من العلوم فلا يستمدّ منها ولا تكون طريقا إليه.
المرتبة الثانية: ما يكون مفتقرا إليها،
ولا يمكن الوصول إليه إلا بها وبإحرازها وهى آلة فيه. وذلك أنواع ثلاثة:
النوع الأول منها: معرفة اللغة
مما تداولته الألسنة وكثر استعماله وصار مألوفا. لأن موضوعه هو البلاغة والفصاحة وهما من عوارض الألفاظ والمعانى. فمن لم يعرف شيئا من اللغة لا يمكنه أن يخوض فى عارض من عوارضها فيحصل له من الألفاظ المفردة معرفة معانيها الموضوعة لها، ويعرف نسبة الكلم المفردة إلى معانيها ومسمياتها ففيه غرض عظيم يحصل عليه وجملتها أربعة. أولها: المترادفة. ونعنى به الألفاظ المختلفة الصيغ المتواردة على معنى واحد.
وهذا نحو الخمر، والمدام، والعقار، ونحو الليث، والأسد، وثانيها: المتباينة. ونريد بها الألفاظ المختلفة على المعانى المختلفة. وهذا نحو الإنسان، والفرس، والأسد. وثالثها:
المتواطئة. وهى الألفاظ المطلقة على معان متغايرة يجمعها أمر معنوىّ تكون مشتركة فيه. وهذا نحو قولنا رجل، فإنه يطلق على زيد، وعمرو، وبكر، بجامع الرجولية والإنسانية وهكذا قولنا فرس، وحيوان. ورابعها: المشتركة. وهى الألفاظ المتفقة الدالّة على معان مختلفة غير متفقة فى أمر معنوىّ. وهذا نحو قولنا: عين، فإنها تطلق على العين الباصرة، وعين الشمس، وعين الركية، وعين الميزان فهذه المعانى كلها مختلفة فى أنفسها ولا تتفق إلّا فى مجرّد اللفظ لا غير. ومن الناس من زاد على هذه الألفاظ قسما خامسا وسماه المشكك والمشتبه، وجعله مترددا بين المشتركة، والمتواطئة، وهذا نحو إطلاق لفظ النور، على ضوء الشمس، والقمر، والنار ونور العقل، ونحو لفظ الحىّ فإنه يطلق على الحيوان، والنبات. والأقرب إلحاقه
(1/16)

بالمتواطىء لأنه يطلق على هذه الحقائق المتغايرة باعتبار أمر جامع يجمعها، فيطلق النور على هذه الأشياء باعتبار أمر معنوىّ، ويطلق الحىّ على النبات، والحيوان باعتبار أمر معنوىّ، وهو النموّ. ولا حاجة إلى جعله قسما على حياله لا ندراجه تحت ما ذكرناه. وإليه يشير كلام الشيخ أبى حامد الغزالى.
النوع الثانى: علم العربية
، وهو من جملة موضوعات هذا العلم العظيمة التى لا سبيل إليه إلا بإحرازها، وهو منه بمنزلة أبى جاد للخط العربىّ. وبه يحصل قوام أمره وإحكام أصوله. نعم ليس مختصا بهذا العلم وحده، بل ينبغى معرفته لكلّ من ينطق باللسان العربىّ فإنه لا غنى له عن معرفته، ليأمن من زلل اللحن وسقطه، ويستفيد بمعرفته الاطّلاع على المعانى المفيدة والجمل المركبة من الفاعل مع فعله، والمبتدأ مع خبره إلى غير ذلك من أفانين الكلام وأنواعه. وكل ذلك لا يحصل إلا بالوقوف على حقائق الإعراب ولوازمه. فلهذا لم يكن بدّ من تحصيلها وإتقانها.
النوع الثالث: علم التصريف
فإنه علم جليل القدر غزير الفوائد. وهو يختص بتصحيح أبنية الألفاظ المفردة ومعرفة صحيحها ومعتلّها وزائدها وأصيلها ومبدلها من أصيلها إلى غير ذلك من أنواع التصريف على قوانين جارية على أقيسة كلام العرب وأساليبها. ومن لم يحرزه فإنه لا يأمن الوقوع فى محذور الكلام ومكروهه، فإنه لا فرق فى اللحن بين تغيير الكلمة عن إعرابها الجارى لها، وبين تغيير بناء الكلمة وتصريفها على خلاف ما يقتضيه قياسها. فلا فرق فى ألسنة النحاة بين من خالف فى تغيير الإعراب فى نصب الفاعل ورفع المفعول وبين من ترك الواو والياء من غير إعلال مع وجود سبب الإعلال فيهما، ومن أخلّ به وقع فى مكروه التصريف، كما أن كل من أخلّ بإتقان الإعراب وقع فى معرّة اللحن ومكروهه. فهذه العلوم الثلاثة لابدّ من إحرازها لمن أراد الاطّلاع على علوم البيان ويجرى مجرى الآلة له فى الوصول إليها.
خيال وتنبيه
فإن قال قائل: كيف توجبون على كل من أراد إحراز علوم البيان علم اللغة. ونحن نجد فى الأوضاع اللغوية ما لا يفهم المراد من ظاهر لفظه كما فى الألفاظ المشتركة فإن حقيقة وضعها ينافى البيان لما فيها من الإبهام إلا بقرينة من وراء لفظها وتوجبون العلم
(1/17)

بالوجوه الإعرابية لمن خاض فى علوم البيان والواحد منا إذا قال: قام زيدا بالنصب وقال ضربت زيد بالرفع فهم الغرض، وإن كان لاحنا، ونجد كثيرا من الأحاديث الملحونة مفهومة المعانى وإن كانت جارية على خلاف قانون العربية وهكذا الحال فى التصريف فإن الواحد منا إذا قال لغيره قوم بإثبات الواو، أو قال هذه عصوك من غير إعلان فإن المقصود مستقيم لا خلل فيه، فإذن لا وجه لإيجاب الإحاطة بهذه العلوم لمن أراد الخوض فى علم البيان.
والجواب أنا قد أوضحنا أنه لابدّ من إحراز هذه العلوم لمن أراد الاطّلاع على علوم البلاغة والفصاحة بما لا مدفع له إلّا بالمكابرة. فلا مطمع فى إعادته.
قوله: إن فى الأوضاع اللغوية ما يستبهم فيه المقصود، كالألفاظ المشتركة، قلنا: إن هذه اللغة التى عظّم الله أمرها، ورفع قدرها مشتملة على اللطائف البديعة، والمجازات الرشيقة، وإن الاشتراك يرد من أجل الاختصار، لاشتمال الكلمة الواحدة على معان كثيرة، ويرد من أجل التجنيس، والازدواج فى إعجاز الكلم العربية، ويرد لمقاصد عظيمة ليس من همنا ذكرها، وفيه معان بديعة ومقاصد للفصحاء بالغة يدركها من رسخت قدمه فى هذه الصناعة.
قوله: الواحد منا يكون لا حنا ولا يخلّ بشىء من مقاصده فى خطابه قلنا: هذا فاسد فإن المقاصد وإن كانت مفهومة بالقرائن فى بيان الفاعل والمفعول، لكنا نريد مع فهم المعانى بالقرائن الحالية أنه لابدّ من جريها على القوانين الإعرابية، وعلى ما هو معهود من ألسنة الفصحاء ومجارى كلماتهم التى ورد بها القرآن، وجاءت به السنة الشريفة من مطابقة الأوضاع اللغوية والقوانين الإعرابية. وربما لا يطّرد ذلك، أعنى الاتكال على القرائن، بل لابدّ من التفرقة بين الفاعل والمفعول بالإعراب، وإلّا كان اللبس واقعا كما فى قوله ضرب زيد عمرو فإنه لولا الإعراب لما عرف الفاعل من المفعول وهكذا إذا قلنا ما أحسن زيد فإنه لا يمكن التفرقة بين النفى والتعجب، والاستفهام إلّا بالإعراب؛ لأنّ الصيغة فيها واحدة، ولهذا فإنه يحكى أن رجلا دخل على أمير المؤمنين كرم الله وجهه. فقال له: قتل الناس عثمان من غير إعراب فقال له أمير المؤمنين كرم الله وجهه، بيّن الفاعل من المفعول، «رضّ الله فاك» ودخل رجل على زياد ابن أبيه بالبصرة. فقال له: مات أبانا وخلّف بنون. فقال زياد مات أبانا وخلف بنون. مه. فاستنكر اللحن وأباه لما قطع بكونه لحنا.
(1/18)

قوله إنا نقطع بفائدة الكلام من غير حاجة إلى التصريف قلنا هذا فاسد فإنه وإن أفاد كما ذكره من المثال، فإن الغرض مطلق الأوضاع اللغوية وجريها على القوانين المطردة معا. فتحصّل من مجموع ما ذكرناه أنه لابدّ من إحراز هذه العلوم لمن أراد الوقوف على محاسن البلاغة والاطّلاع على أسرار الفصاحة.
فالزّلل فى الجهل باللغة مؤدّ إلى تحريف الألفاظ، وفساد معانيها، والزّلل فى الإعراب يؤذن بفساد المعانى والتباسها. وفساد التصريف يبطل قوالب الألفاظ وجريها على مجاريها القياسية. ويدلّ على مصداق ما قلنا من أن اللحن يبطل المعانى ويفسدها ما فى الحكاية عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، لمّا قال له أبو الأسود ما قال، مما يشعر باللحن وفساد اللغة.
فأمره بأن يصنع نحوا، وأمره بتقرير قواعده وبيان أصوله التى يرجع إليها.
وإذا كان زوال الإعراب يبطل المعانى مع كونه عارضا من عوارض الألفاظ، فتغيّر الأوضاع اللغوية والمجارى التصريفيّة، يكون أدخل فى التغيير لا محالة لأن هذا تغيّر فى ذوات الألفاظ، وذاك تغيّر فى عوارضها من أنواع الإعراب.
المرتبة الثالثة: مما يكون متوسطا بين المرتبتين السابقتين
فلا يستغنى عنه ولا يفتقر إليه غاية الافتقار، بل هو جار مجرى التتمة والتكملة فى التحسين والكمال. ولا ينخرم المقصود إن هو لم يحصل. وهذا نحو العلم بالأمثال العربية وما يؤثر عن العرب من الحكم والآداب فى المحافل والاستظهار بمطالعة الدواوين والرياضة بحفظ الأشعار فإن ذلك يفيد حنكة، وتجربة، ويكون عونا على إدراك البلاغة والفصاحة، ويفيد الاطّلاع على أسرار الإعجاز
والشعراء طبقات ثلاث.
الطبقة الأولى: المتقدمون من الشعراء فى الجاهلية
كامرىء القيس وزهير والنابغة. وسئل بعض الأذكياء عن وصفهم فيما أتوا به من الشعر، فقال امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب.
الطبقة الثانية: المتوسطون
كالفرزدق، وجرير، والأخطل. وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل، فقال: أما الفرزدق ففى يده نبعة من الشعر وهو قابض عليها وأما الأخطل فأشدّنا اجتراء، وأرمانا للفرائص، وأما أنا فمدينة الشعر.
الطبقة الثالثة: المتأخرون
أبو تمام، والبحترى والمتنبى أبو الطيب.
(1/19)

وسئل الشريف الرضى عن هؤلاء الثلاثة فقال، أما أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحترى فواصف جؤذر، وأما أبو الطيب المتنبى فقائد عسكر. فالارتياض بكلام كل واحد من هؤلاء يوجب رسوخ القدم فيما ذكرناه من البلاغة والفصاحة.
دقيقة
اعلم أنا وإن أوجبنا على من أراد الخوض فى علوم البيان وإحرازها أن يحصل على ما ذكرناه من هذه العلوم الأدبية، فلسنا نريد أن يكون محيطا بأسرارها مستوليّا على جميع دقائقها، فذلك متعذر، بل ربما يستغرق الإنسان عمره فى واحد منها فلا يعتبر أن يكون فى اللغة بالغّا مبلغ الفراء، وأبى عبيد، ولا يكون فى العربية بمنزلة الخليل، وسيبويه، ولا فى علم التصريف على رتبة المازنى، وابن جنى، ولكن يحرز لنفسه قدرا من الفضل فيها يمكنه به الخوض فى علومها، ويعرف مصطلحاتهم فيطلب حاجته من كتبهم وأوضاعهم، فمتى حصل على هذه الحالة أمكنه السلوك لطرائقهم، وأن يرد مواردهم ويستعين بالله.
المطلب الخامس فى بيان ثمرته
واعلم أنه يراد لمقصدين.
المقصد الأول منها: مقصد دينىّ
، وهو الاطّلاع على معرفة إعجاز كتاب الله، ومعرفة معجزة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذ لا يمكن الوقوف على ذلك إلّا بإحراز علم البيان، والاطّلاع على غوره، فإن هذا العلم لمن أشرف العلوم فى المنقبة، وأعلاها فى المرتبة، وأنورها سراجا وأوضحها منهاجا، وأجمعها للفوائد، وأحواها للمحامد ومع ما اشتمل عليه من الفضائل نخص هذا الموضع بذكر فضيلتين تدلان على غيرهما من سائر فضائله.
الفضيلة الأولى
: أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله، مع ما أعطاه الله من العلوم الدينية، وخصه بالحكم والآداب الدنيوية، فلم يفتخر بشىء من ذلك، فلم يقل، أنا أفقه الناس، ولا أنا أعلم الخلق بالحساب، والطب، بل افتخر بما أعطاه الله من علم
(1/20)

الفصاحة والبلاغة، فقال عليه السلام: «أنا أفصح من نطق بالضاد» ، وقال عليه السلام:
«أوتيت خمسا لم يعطهن قبلى أحد، كان كل نبىّ يبعث إلى قومه، وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لى الغنائم، وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرّعب بين يدى مسيرة شهر، وأوتيت جوامع الكلم» .
الفضيلة الثانية
: أنه لولا علوّ شأنه، وارتفاع قدره، لما كان خير كتب الله المنزل على أفضل أنبيائه، إعجازه متعلقا به فإن القرآن إنما كان إعجازه من أجل ما اشتمل عليه من الفصاحة والبلاغة، ولم يكن إعجازه ما اشتمل عليه من أنباء الغيب، ولا من الحكم والمواعظ وغيرها من الأوجه كما سنقرر المختار فى إعجازه فى الفن الثالث بمعونة الله تعالى فهذا مقصد عظيم يراد لأجله هذا العلم.
المقصد الثانى: مقصد عام
لا يتعلق به غرض دينىّ وهو الاطلاع على أسرار البلاغة والفصاحة فى غير القرآن، فى منثور كلام العرب ومنظومه، فإن كل من لا حظّ له فى هذا العلم لا يمكنه معرفة الفصيح من الكلام، والأفصح، ولا يدرك التفرقة بين البليغ والأبلغ، والمنثور من كلام العرب أشرف من المنظوم، لأمرين، أما أولا: فلأن الإعجاز إنما ورد فى القرآن بنظمه وبلاغته، ولم يرد بطريقة نظم الشعر أسلوبه. وأما ثانيا: فلأن الله تعالى شرّفه عن قول الشعر ونظمه، وأعطاه البلاغة فى المنثور من الكلام وما ذاك إلّا بفضل المنثور على المنظوم فهذا ما أردنا ذكره من هذه المقدمة.
(1/21)

المقدمة الثانية فى تقسيم الألفاظ بالإضافة إلى ما تدل عليه من المعانى
اعلم أن البحث عن دلالة الألفاظ على ما تدل عليه، واسع الخطو، ولكنّا نشير إلى ما يليق بما نحن فيه. وجملة ما نذكره من ذلك تقسيمان لا غير. وهما وافيان بالبغية بمعونة الله تعالى.
التقسيم الأولى
اللفظ إما أن تعتبر دلالته بالنسبة إلى تمام مسماه، أو بالنسبة إلى ما هو داخل فى مسماه، أو بالنسبة إلى ما هو خارج عن مسماه. فهذه ضروب ثلاثة نفصلها إن شاء الله تعالى
الضرب الأول: ما تكون دلالته بالنسبة إلى تمام مسماه. وهذه هى [دلالة المطابقة] .
وهذا نحو دلالة نحو الإنسان والفرس، والأسد على هذه الحقائق المخصوصة، فإنها مرشدة بالوضع عند إطلاقها على معانيها المعقولة. وتختص دلالة المطابقة بأحكام كثيرة. ولنشر منها إلى ثلاثة أحكام.
الحكم الأول
منها: ليس يلزم فى كل معنى من المعانى أن يكون له لفظ يدلّ عليه، بل لا يبعد أن يكون ذلك مستحيلا، لأن المعانى التى يمكن أن يعقل كلّ واحد منها غير متناهية. فلو لزم أن يكون لكل معنى لفظ يدل عليه، لكان ذلك إما أن يكون على جهة الانفراد، أو على جهة الاشتراك ومحال أن يكون على جهة الانفراد، لأنه يفضى إلى وجود ألفاظ غير متناهية. وهو باطل. ومحال أن يكون على جهة الاشتراك لأنه لابد من أن تكون تلك الألفاظ المشتركة دالة على معانيها بالمواضعة. فإذا كانت المعانى بلا نهاية استحال أن توضع لها ألفاظ تدل عليها إلّا بعد الإحاطة بها وتعقلها. وتعقّل أمور غير متناهية على جهة التفصيل محال فى حقنا. فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المعانى وإن كانت فى أنفسها غير متناهية، لكن لا يلزم أن تكون لها ألفاظ تدل عليها. وإذا تقرر ما قلناه فنقول، المعانى على قسمين. منها ما تكثر الحاجة إلى التعبير عنها، فما هذا حاله لا يجوز خلوّ اللغة عن وضع لفظ بإزائه يكون دالا عليه، لأن الحاجة داعية إلى ذلك، فلا بدّ من حصوله.
فأما المعانى التى لا تدعو الحاجة إلى التعبير عنها، فإنه يجوز خلوّ اللغة عنها فلا يلزم وضع ألفاظ تدل عليها.
(1/22)

الحكم الثانى
: الحقيقة فى وضع الألفاظ إنما هو للدلالة على المعانى الذهنية دون الموجودات الخارجية. والبرهان على ما قلناه هو أنا إذا رأينا شبحا من بعيد وظننّاه حجرا، سمّيناه بهذا الاسم، فإذا دنونا منه وظننّا كونه شجرا، فإنا نسميه بذلك فإذا ازداد التحقيق بكونه طائرا، سميناه بذلك، فإذا حصل التحقيق بكونه رجلا سميناه به. فلا تزال الألقاب تختلف عليه باعتبار ما يفهم منه من الصور الذهنية. فدلّ ذلك على أن إطلاق الألفاظ إنما يكون باعتبار ما يحصل فى الذهن. ولهذا فإنه يختلف باختلافه.
الحكم الثالث: الألفاظ المشهورة من جهة اللغة المتداولة بين الخاصة والعامة، لا يجوز أن تكون موضوعة بمعنى خفىّ لا يعرفه إلّا الخواص، ولا يصلح أن تكون موضوعة بإزاء المعانى الدقيقة التى لا يفهمها إلا الأذكياء. ومثال ذلك هو أن لفظ الحركة، والقدرة، والعلم، إنما تكون موضوعة على ما هو السابق إلى الأفهام عند العامة، من أن الحركة هى نفس التحرك، والقدرة هى نفس القادرية، والعلم هو نفس العالمية. فلا يجوز أن يكون اللفظ موضوعا إلّا على ما ذكرناه، ولا يجوز أن تكون موضوعة على المعانى الدقيقة التى لا تخطر ببال أحد من أهل اللغة كما يزعمه من أثبت العلة والمعلول من المتكلمين، قال: إن الحركة موضوعة على معنى توجب كون الذات متحركة، وهكذا القول فى القدرة والعلم، فإنه لو صح ما قالوه، لما عرفه إلّا الأذكياء من الناس بالدلائل الدقيقة. وإذا كان الأمر كما قلناه فلفظ الحركة متداولة بين الجمهور من أهل اللغة، فلا يجوز وضعه إلّا على المفهوم عندهم عند إطلاقه دون ما يقوله المتكلمون.
الضرب الثانى: [دلالة التضمن]
وهذا نحو دلالة الفرس والإنسان، والأسد على معانيها التى هى متضمنة لها كالجمحية والحيوانية والإنسانية، فإن هذه المعانى كلها تدل عليها هذه الألفاظ عند الإطلاق، لأنها متضمنة لها من حيث إن هذه الحقائق لا تتعقّل من دون هذه الصفات. وهى أصل فى معقول هذه الحقائق متضمنة لها، فدلالتها عليها من جهة تضمّنها إياها.
الضرب الثالث: [دلالة الالتزام]
، وهذا نحو دلالة لفظ الإنسان والفرس على كونها متحركة، وعلى كونها شاغلة للجهة، وغير ذلك من الأمور اللازمة. فهذه مجامع دلالة اللفظ على ما يدل عليه لا تخرج عن هذه الأمور الثلاثة، المطابقة، والتضمن، والالتزام، كما أوضحناه. ولنشر ههنا إلى تنبيهات ثلاثة:
(1/23)

التنبيه الأول: الدلالة الوضعية هى دلالة المطابقة.
أما دلالة التضمن، ودلالة الالتزام، فهما عقليّتان لأن اللفظ إذا وضعه الواضع لمسماه انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه، ثم لازمه إن كان داخلا فى المسمّى، فهو التضمن. وإن كان خارجا عنه، فهو الالتزام.
التنبيه الثانى: دلالة المطابقة على جزء المسمى مخالفة لدلالة التضمّن،
لأن دلالة المطابقة كما هى دالة على الحقيقة الكلية فهى دالّة أيضا على أن كل واحد من أجزائها الخاصة لكن دلالة المطابقة على جزء الحقيقة من جهة الاشتراك بخلاف دلالة التضمّن، فإن دلالتها على جزء الحقيقة من جهة الاشتراك بخلاف دلالة التضمن فإن دلالتها على جزء الحقيقة من جهة الخصوصية لا غير، فافترقا. وهكذا القول فى دلالة الالتزام، فإن دلالة المطابقة على لوازم الحقيقة من جهة الاشتراك لأنها كما تدل على كل الحقيقة فهى دالة على لازمها بخلاف دلالة الالتزام، فإن دلالتها على جهة الخصوص فى لازم الحقيقة فافترقا.
التنبيه الثالث: المعتبر فى دلالة اللزوم إنما هو اللزوم الذهنى دون الخارجى
لأن العرض والجوهر بينهما ملازمة خارجية، ولا يستعمل اللفظ الدال على أحدهما دالّا على الآخر.
والضدان متنافيان. وقد يستعمل اللفظ الدال على أحدهما فى الآخر كقوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[الشورى: 40] وإنما المقصود هو اللازم الذهنى. ثم هذا اللزوم شرط وليس موجبا، ولهذا فإن الكون فى الجهة شرط فى وجود الجوهر، وليس موجبا له، فحصل من مجموع ما ذكرناه معرفة التفرقة بين هذه الدلائل الثلاث وأن دلالة المطابقة على ما يدل عليه التضمن والالتزام إنما كان من جهة الاشتراك وأن دلالتها على ما يدلان عليه من الخصوص لا غير فلهذا افترقت.
التقسيم الثانى
اللفظ: إمّا أن لا يدل شىء من أجزائه على شىء حين كان جزءا له، وإما أن يدل على كل واحد من أجزائه على شىء حين كان جزءا له فهذان ضربان.
الضرب الأول منهما: هو [المفرد]
فإن كل واحد من أجزائه لا يدل على شىء حين هو جزؤه، وتقسيمه على أوجه ثلاثة:
الوجه الأول:
اللفظ المفرد إما أن يكون معناه مستقلا بالمفهومية بحيث لا يحتاج فى فهم
(1/24)

معناه الإفرادى إلى غيره أو لا والثانى هو الحرف والأول إما أن يكون اللفظ الدال عليه دالا على الزمان المعين لمعناه أولا يكون دالا فإن دل فهو الفعل وإن لم يدل فهو الاسم، ثم الاسم إن كان دالا على معنى جزئى فهو إن كان كناية فهو المضمر، وإن كان غير مكنى عنه فهو العلم، وإن كان دالا على معنى كلّى فهو إما أن يكون اسما لنفى تلك الماهية فهو اسم الجنس كالرجل والسواد، وإن كان مفيدا لوصف من الأوصاف فهو الاسم المشتق كالضارب والقاتل فإنها أسماء تفيد هذه الأوصاف.
الوجه الثانى:
اللفظ المفرد والمعنى لا يخلو حالهما إما أن يتحدا جميعا أو يتكثرا أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى أو بالعكس، فإذا اتحد اللفظ والمعنى جميعا نظرت فى المسمى فإن كان نفس تصوره مانعا من الشركة فيه فهو الاسم العلم، وإن لم يكن مانعا فحصول ذلك المعنى من تلك الألفاظ إما أن يكون على جهة الاستواء من غير زيادة أم لا، فإن كان على جهة الاستواء لا غير فهو المتواطىء كإنسان ورجل، وإن كان مع الاستواء إفادة الشمول والإحاطة فهو المستغرق، وإن تكثرت الألفاظ والمعانى فتلك هى الألفاظ المتباينة كالسماء والأرض والفرس والإنسان، وسواء كانت المباينة باختلاف الحقائق كما أوضحناه أو كانت باختلاف الصفات كالصارم والمهند والسيف، وإن تكثرت الألفاظ واتحد المعنى فهى الألفاظ المترادفة كالعلم والمعرفة والدراية وغير ذلك، وإن اتحد اللفظ وتكثر المعنى فإن استوت تلك المعانى من غير ترجيح فهو المشترك، وإن ترجح سمى الراجح ظاهرا والمرجوح مؤولا.
الوجه الثالث
اللفظ الدال على معنى لا يخلو حاله، إما أن يكون مدلوله لفظا أو معنى، فإن كان مدلوله معنى فإما أن يحتمل غيره أو لا يحتمل سواه، فإن كان لا يحتمل سواه فهو النص، وإن كان محتملا لغيره فإما أن يكون المعنيان على جهة الاستواء أو يترجح أحدهما على الآخر، فإن كان أحدهما راجحا على الآخر كان اللفظ بالإضافة إلى المعنى الراجح ظاهرا وبالإضافة إلى المرجوح مؤولا، وإن كان يحتملها من غير ترجيح فهو المجمل، هذا إذا كان مدلوله معنى، وإن كان مدلول اللفظ لفظا فهو على أوجه ثلاثة، أولها لفظ مفرد
(1/25)

دال على لفظ مفرد وهذا مثل لفظ الكلمة فإنه لفظ مفرد دال على معنى لفظ الاسم وهو مفرد، وثانيها لفظ مفرد دال على لفظ مركب. وهذا مثل لفظ الخبر فإنه يتناول قولنا قام زيد، وزيد قائم. وهو مركب. وثالثها لفظ مفرد دال على لفظ مفرد لم يوضع لمعنى، وهذا الحرف المعجم فإنه يتناول كل واحد من آحاد الحروف. وتلك الأحرف لا تفيد سببا فهذا كله تقسيم المفرد من الكلام.
الضرب الثانى [المركب]
. والغرض بالتركيب لإفادة الإفهام فنقول: القول المفهم لا يخلو حاله إما أن يكون مفيدا للمعانى الطلبية أو لغيرها فإن أفاد معنى طلبيا فإما أن يكون طلب استعلام أو طلب تحصيل، فالأول هو الاستفهام، ثم إمّا أن يكون استفهاما عن الحقائق فهو بالأسماء كقولك: من هذا، ومن ذاك، وإمّا أن يكون لأمر عارض فهو بالحروف كقولك: أقام زيد أم قعد، وإن كان المقصود به طلب التحصيل، فإن كان على جهة الاستعلاء فهو الأمر، وإن كان على جهة الخضوع فهو السؤال، وإن كان على جهة التساوى فهو الالتماس، هذا كله إذا أفاد معنى طلبيّا، وإن أفاد غير الطلب فإمّا أن يحتمل الصدق والكذب، أو لا يحتمل، فإن احتملهما فهو الخبر، فإن طابق مخبره فهو الصدق، وإن لم يكن مطابقا لمخبره فهو الكذب، وإن لم يحتمل صدقا ولا كذبا فهو الإنشاء، وهذا نحو التمنى والترجى، والقسم والنداء، وغير ذلك من أنواع القضايا المركبة والجمل المفيدة. ولنقتصر على هذا القدر من تقسيم الألفاظ ففيه كفاية لمقدار غرضنا.
(1/26)

المقدمة الثالثة فى ذكر الحقيقة والمجاز وبيان أسرارهما
اعلم أنّ هذه المقدمة من أعظم قواعد علم البيان ومن مهمّات علومه، وسر جوهره، لا يظهر إلّا باستعمال المجازات الرشيقة والإغراق فى لطائفه الرائقة، وأسراره الدقيقة الفائقة كالاستعارة، والكناية، والتمثيل، وغيرها من أنواع المجاز، وكلما كان المجاز أوقع فالفصاحة والبلاغة أعلى وأرفع كما ستراه، منبها عليه فى هذا الكتاب بمعونة الله، وعن هذا قال أبو الفتح ابن جنى: أكثر اللغة مجاز، وهذا صحيح، فإنّ دخوله فى الكلام دخول كلّى، وهذا كقولك رأيت زيدا، فإن المرئىّ إنما هو بعضه لا كلّه، وإذا قلت ضربت زيدا فإن المضروب بعضه لا كله، وغرضه التنبيه على كثرة المجاز وسعته فى الكلام.
تنبيه
اعلم أنّ فى الناس من زعم أن اللغة حقيقة كلّها، وأنكر المجاز، وزعم أنه غير وارد فى القرآن ولا فى الكلام، ومنهم من زعم أن اللغة كلّها مجاز وأن الحقيقة غير محققة فيها.
وهذان المذهبان لا يخلوان عن فساد، فإنكار الحقيقة فى اللغة إفراط، وإنكار المجاز تفريط. فإن المجازات لا يمكن دفعها وإنكارها فى اللغة، فإنك تقول رأيت الأسد، وغرضك الرجل الشجاع، وقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: 20] وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ
[الإسراء: 24] إلى غير ذلك، ولا يمكن أيضا إنكار الحقائق كإطلاق الأرض والسماء على موضوعيهما. وأيضا فإنه إذا تقرّر المجاز وجب القضاء بوقوع الحقائق لأنه من المحال أن يكون هنالك مجاز من غير حقيقة، فإذا بطل هذا القول فالمختار هو الثالث، وهو أن اللغة والقرآن مشتملان على الحقائق والمجازات جميعا، فما كان من الألفاظ مفيدا لما وضع له فى الأصول فهو المراد بالحقيقة، وما أفاد غير ما وضع له فى أصل وضعه فهو المجاز، وصار هذان المذهبان فى الفساد شبيهين بمن قال: إن الحقائق كلّها مفتقرة إلى التعريفات كلها وقول من قال: إنها مستغنية عن التعريفات كلها فكما أن المذهبين خطأ فهكذا ما قالاه. وإن الحق أن بعضها مفتقر إلى التعريف دون بعض. فالسواد والألم وما أشبههما لا يفتقر إلى تعريف، لوضوحه، والملك، والجنّ والجوهر، والعرض تفتقر كلها إلى التعريف فإذا تمهّدت هذه القاعدة فلنذكر ما يتعلّق بالحقيقة على الخصوص، ثم
(1/27)

نذكر ما يتعلق بالمجاز على الخصوص. ثم نردفه بما يكون متعلقا بهما جميعا، فهذه أقسام ثلاثة، نفصلها بمشيئة الله تعالى.
القسم الأول ما يتعلق بالحقيقة على الخصوص
اعلم أن الحقيقة فعيلة واشتقاقها من الحقّ فى اللغة، وهو الثابت. وهو يذكر فى مقابلة الباطل فإذا كان الباطل هو المعدوم الذى لا ثبوت له، فالحقّ هو المستقرّ الثابت الذى لا زوال له، فلما كانت موضوعة على استعمالها فى الأصل قيل لها: حقيقة أى ثابتة على أصلها لا تزايله ولا تفارقه «ووزنها فعيلة» كعفيفة وشريفة، وقد تكون بمعنى الفاعل أى حاقّة. ثابتة، وقد تكون بمعنى المفعول أى محقوقة مثبتة. وهل يكون لفظ الحقيقة على ما يطلق عليه من باب الحقيقة، أو من باب المجاز؟ والحقّ أنه من باب المجاز لأنّا قد قرّرنا أنها مقولة فى الأصل على الشىء الثابت غير المنفىّ المعدوم، ثم إنها نقلت إلى استعمال اللفظ فى موضوعه الأصلى، فقد أفادت معنى غير ما وضعت له فى الأصل، فلهذا كان إفادتها له على جهة المجاز لما ذكرناه. فإذا عرفت هذا فاعلم أن مقصودنا من هذا القسم تهذيبه بأن ترسم فيه مسائل.
المسئلة الأولى فى بيان حد [الحقيقة] ومفهومها
اعلم أن كثيرا من علماء البيان وجمعا من حذّاق الأصوليين قد أكثروا الخوض فى تعريف ماهية الحقيقة، وأتوا بأمور غير مرضيّة، فى بيان حقيقتها فأجمع تعريف ما ذكره أبو الحسين البصرىّ، فإنه قال: ما أفاد معنى مصطلحا عليه فى الوضع الذى وقع فيه التخاطب.
ولنفسّر هذه القيود فقوله «ما أفاد معنى» عامّ فى المعانى العقليّة والوضعية. وقوله مصطلحا عليه، يخرج عنه المعانى العقلية، كالدلالة على كون المتكلم بالحقيقة قادرا وعالما، إلى غير ذلك من المعانى العقلية. وقوله «فى الذى وقع فيه التخاطب» يدخل فيه جميع الحقائق كلها من اللغوية، والعرفية، والشرعية، والاصطلاحية كما سنورد أمثلته. ولو قيل: هو اللفظ الدالّ على معنى بالوضع الذى وقع فيه ذلك الخطاب لكان جيدا، فقولنا:
«هو اللفظ الدالّ على معنى» يدخل فيه المعانى العقلية، والمعانى اللغوية والمجازية وقولنا «بالوضع» يخرج منه العقلية وقولنا: «الذى وقع فيه ذلك الخطاب» يدخل فيه جميع الحقائق
(1/28)

كلها، على اختلاف أحوالها فى اللغة، والعرف، والشرع. ولنقتصر على هذا القدر من تعريف الحقيقة ففيه كفاية.
تنبيه
اعلم أنه قد أثر عن كثير من النّظار أمور فى تعريف الحقيقة، ونحن نوردها ونظهر وجه فسادها.
التعريف الأول يحكى عن الشيخ أبى عبد الله البصرى
وحاصل ما قاله فى الحقيقة أنها اللفظ الذى يفيد ما وضع له. وهذا فاسد، لأمرين، أما أولا: فلأنه يدخل فى حدّ الحقيقة ما ليس منه فإذا استعملنا لفظ الدابة فى الذبابة، والدّودة، فقد أفاد ما وضع له فى أصل اللغة، مع أنه بالنسبة إلى الوضع العرفى، مجاز، فقد دخل المجاز العرفى فيما جعله حدّا لمطلق الحقيقة. فلهذا كان باطلا. وأما ثانيا: فلأن هذا يبطل بالأعلام المرتجلة، فإنها أفادت ما وضعت له، مع أنها غير حقائق فيما دلّت عليه من معانيها. فبطل ما أورده.
التعريف الثانى ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجانى
وحاصل ما قاله أن الحقيقة كل كلمة أريد بها نفس ما وقعت له فى وضع واضع، وقوعا لا يستند فيه إلى غيره، كالأسد، للبهيمة المخصوصة. وهذا ليس بجيد، فإنه يقتضى خروج الحقيقة الشرعية، والعرفية، عن حدّ الحقيقة، لأنهما لم يفدا نفس ما وضعا له فى وضع واضع، بل أفادا غيره، فيدخلان فى حدّ المجاز كما سنقرّره فيه. فإن أراد بقوله: بوضع واضع، أىّ واضع كان، فلا اعتراض عليه. وهذا هو المظنون بمثل عبد القاهر، فإنه الماهر فى لطائف الكلام وأسراره.
التعريف الثالث ما ذكره الشيخ أبو الفتح ابن جنىّ
وحاصل ما قاله فى تعريف الحقيقة: أنها ما أقرّ فى الاستعمالات على أصل وضعه فى اللغة. وهذا فاسد أيضا، فإنه يلزم منه خروج الحقائق الشرعية، والعرفية عن حد الحقيقة لأنها لم تقرّ فى الاستعمال على أصل وضعها اللغوىّ، مع أنها حقائق.
التعريف الرابع ذكره ابن الأثير فى كتابه المثل السائر
فإنه قال فى ماهيّة الحقيقة: إنها اللفظ الدالّ على موضوعه الأصلى. وهذا فاسد، لما فيه
(1/29)

من إخراج الحقيقة الشرعية، والعرفية، عن كونها حقائق، وأنها دالّة على غير موضوعها الأصلىّ، فيلزم خروجها عن كونها حقائق وهو باطل، لا يقال، فلعلّ ابن الأثير، إنما أراد الحقائق اللغوية، دون الحقائق الشرعية، والعرفية، وإنما أراد الحقائق الموضوعة لغة، كلفظ الأسد فإنه حقيقة فى البهيمة، مجاز فى الرجل الشجاع، فلا يعاب عليه ما قاله، لأنا نقول هذا فاسد، فإن الماهيّة من حقها أن تدرج تحتها جميع الصور المفردة فلا يخرج عنها شىء، وإلّا بطل كونها ماهية، فالحد إن لم يكن شاملا بطل كونه حدّا. ولو قيل فى حد الحقيقة: ما أفاد معنى مصطلحا عليه فى الوضع الذى وقع فيه التخاطب، مما له فيه مدخل، فسائر القيود قد تقدم تفسيرها إلا قولنا «ممّا له فيه مدخل» فالغرض الاحتراز عن أسماء الأعلام، فإنها قد أفادت معنّى مصطلحا عليه فى وضع التخاطب، لا يقال لها بأنها حقائق ولا توصف بذلك، لما كانت معانيها لا مدخل لها فى الحقائق، والمجازات، كما سنوضحه فعرفت بما ذكرناه أنه لابدّ من هذا القيد، ليخرج عمّا ذكرناه.
المسألة الثانية فى ذكر أنواع الحقيقة،
وجملتها ثلاثة أنواع:
النوع الأول فى بيان [الحقائق اللغوية]
وهذا نحو قولنا: السماء، والأرض، والإنسان، والفرس وما أشبهها ويدلّ على كونها حقائق فى وضعها أمران أما أولا: فلأنها قد دلّت على معان مصطلح عليها فى تلك المواضعة، وهذا هو فائدة الحقيقة ومعناها، وأما ثانيا: فلأنها قد استعملت فى الأوضاع اللغوية، فليس يخلو حالها بعد ذلك، إمّا أن تستعمل فى معناها الأصلى، أو فى غيره فإن كان الأوّل، فهى الحقيقة لا محالة، وإن كان استعمالها فى غيره، فهى مجاز، والمجاز لابدّ من أن يكون مسبوقا بالحقيقة، وإلا لم يعقل كونه مجازا، فإذن، لابدّ من الإقرار بالحقيقة، وقد تمّ غرضنا.
النوع الثانى فى بيان [الحقائق العرفية]
ونريد باللفظة العرفيّة، أنها التى نقلت من مسمّاها اللغوىّ إلى غيره بعرف الاستعمال، ثم ذلك العرف، قد يكون عامّا، وقد يكون خاصّا، فهذان مجريان نذكر ما يختص كل واحد منهما بمشيئة الله تعالى.
(1/30)

المجرى الأول منهما ما يكون عامّا، وذلك ينحصر فى صورتين
، الصورة الأولى منهما، أن يشتهر استعمال المجاز بحيث يكون استعمال الحقيقة مستنكرا
وهذا نورد فيه أمثلة ثلاثة: «المثال الأول» :
حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كقولنا «حرّمت الخمر» والتحريم مضاف إلى الخمر، وهو بالحقيقة مضاف إلى الشرب، وقد صار هذا المجاز أعرف من الحقيقة، وأسبق إلى الفهم منها كما ترى. «المثال الثانى» : تسميتهم الشىء باسم ما يشابهه، وهذا نحو تسميتهم حكاية كلام المتكلم بأنه كلامه، كما يقال لمن أنشد قصيدة لامرىء القيس: بأنه كلام امرىء القيس لأنّ كلامه بالحقيقة هو ما نطق به، وأما حكايته فكلام غيره، فإضافته إلى الغير مجاز، لكنه قد صار حقيقة، لسبقه إلى الأفهام، بخلاف الحقيقة. «المثال الثالث» :
تسميتهم الشىء باسم ما له تعلق به، وهذا نحو تسميتهم قضاء الحاجة بالغائط، وهو المكان المطمئن من الأرض، فإذا أطلق الغائط فإن السابق إلى الفهم منه مجازه، وهو قضاء الحاجة، دون حقيقته، وهو المكان المطمئن فصارت هذه الأمور المجازية حقائق بالتعارف من جهة أهل اللغة، تسبق إلى الأفهام معانيها دون حقائقها الوضعية اللغوية.
«الصورة الثانية» : قصر الاسم على بعض مسمياته، وتخصيصه به
وهذا نحو لفظ الدابة، فإنها جارية فى وضعها اللغوىّ، على كلّ ما يدبّ من الحيوانات من الدودة، إلى الفيل. ثم إنها اختصّت ببعض البهائم، وهى ذوات الأربع من بين سائر ما يدبّ، بالعرف اللغوى، فهذا مثال. «المثال الثانى» : الملك، مأخوذ من الألوكة، وهى الرسالة، ثم إنه اختصّ ببعض الرسل، وهم رسل السماء، أعنى الملائكة. «المثال الثالث» : لفظ الجنّ، والقارورة، فإنه موضوع لكل ما استتر عنك، ولما كان مقرّا للمائعات، ثم اختصّ الجنّ ببعض من يستتر عن العيون، واختصّت القارورة ببعض الآنية، دون غيره مما يستقر فيه. فالعرف اللغوىّ لا ينفكّ عن هاتين الصورتين دون غيرهما، ولم يثبت جريه على خلافهما، فلهذا لم يجر إثباته فصارت هذه الألفاظ جارية على جهة الحقيقة على معانيها بالعرف اللغوى، ومعنى الحقيقة حاصلة فيها فلا جرم قضينا بكونها حقائق عرفية لما ذكرناه.
(1/31)

المجرى الثانى فى التعارف وهو العرف الخاص،
وهو ما كان جاريا على ألسنة العلماء من الاصطلاحات التى تخص كلّ علم، فإنها فى استعمالها حقائق وإن خالفت الأوضاع اللغوية، وهذا نحو ما يجريه المتكلمون فى مباحثاتهم فى علوم النظر كالجوهر، والعرض، والكون، وما يستعمله النحاة فى مواضعاتهم، من الرفع، والنصب، والجزم، والحال، والتمييز، وما يقوله الأصوليون فى جدلهم من الكسر والقلب والفرق، وما يستعملونه فى مجارى أنظارهم، كالعامّ والخاص، وغير ذلك، وما يجرى على ألسنة أهل الحرف والصناعات، فى صناعاتهم وحرفهم فإن لهم أوضاعا واصطلاحات على أمور، كاصطلاحات العلماء فيما ذكرناه وقد صارت مستعملة فى غير مجاريها الوضعية، يفهمونها فيما بينهم، وتجرى على وفق مصطلحاتهم، مجرى الحقائق اللغوية بحسب تعارفهم عليها، وتجرى فى الوضوح مجرى الحقائق اللغوية.
النوع الثالث فى [الحقائق الشرعية]
ونعنى بها أنها اللفظة التى يستفاد من جهة الشرع وضعها لمعنّى غير ما كانت تدلّ عليه فى أصل وضعها اللغوىّ. وتنقسم إلى: أسماء شرعية، وهى التى لا تفيد مدحا ولا ذما عند إطلاقها كالصلاة، والزكاة، والحج، وسائر الأسماء الشرعية. وإلى دينية: تفيد مدحا وذما، وهذا نحو قولنا مسلم، ومؤمن، وكافر وفاسق إلى غير ذلك من الأسماء الدينية ولا خلاف بين العلماء فى كون هذا النقل ممكن، وأنه غير متعذّر، وإنما النزاع فى وقوعه، فالذى ذهب إليه أئمة الزّيديّة والجماهير من المعتزلة، أنّ هذه الأسماء قد صارت منقولة بالشرع إلى معان أخرى، وصارت معانيها اللغويّة نسيا منسيا، فالصلاة مفيدة لهذه الأعمال المخصوصة وهكذا حال الزكاة، والصوم، فهى مفيدة بهذه المعانى على جهة الحقيقة دون غيرها من معانيها اللغوية. فأما الأشعريّة فقد اتفقوا على أنها دالة على معانيها اللغوية بكلّ حال، وأنّ النقل الشرعىّ بالكلية فى حقها باطل، ولكن اختلفوا، فالذى ذهب إليه القاضى أبو بكر الباقلّانى منهم أنها باقية فى الدّلالة على معانيها اللغوية، من غير زيادة. وأنكر النقل بالكليّة، وأما الشيخ أبو حامد الغزالى فإنه قال: إنها دالّة على معانيها
(1/32)

اللغوية، لكن الشرع قد تصرّف فيها تصرّفا آخر، فالصلاة، دالة على الدعاء، ولكن على هذه الكيفية المخصوصة المزيد عليها بهذه الزيادات الشرعية، والصوم، دال على الإمساك، لكن بشرط اعتبارات أخر.
وأمّا ابن الخطيب الرازى فزعم أن إطلاق هذه الألفاظ على هذه المعانى الشرعية، على جهة المجاز من المعانى اللغوية التى تدل عليها. فحاصل كلامه هذا أنها دالة على معانيها اللغوية بحقائقها، وعلى معانيها الشرعية بمجازاتها. والمختار عندنا تفصيل قد نبّهنا عليه فى الكتب الأصوليّة. وحاصله أنّ الشرع قد نقلها إلى إفادة معان أخر، وأنها غير خالية عن الدلالة على معانيها اللغوية، وأنها قد صارت حقائق فى معانيها الشرعية، ويدلّ على ما قلناه من كونها دالة بحقائقها على هذه المعانى الشرعية، أمران، أحدهما: أن السابق إلى الفهم هو هذه المعانى الشرعية، عند إطلاقها، وهذه أمارة كون اللفظ حقيقة فى معناه لما سنقرّره بعد ذلك، ولهذا فإنه لو قيل فلان يصلى لم يسبق إلى الفهم إلّا هذه الأعمال. ومن جملتها الدعاء. وثانيهما أنها قد أفادت عند إطلاقها معنى مصطلحا عليه فى خطاب الشرع، كما أفاد قولنا: فرس، وإنسان معانيهما اللغوية عند الإطلاق، فكما قضينا بكون هذه حقائق فى دلالتها على معانيها، فهكذا حال هذه الألفاظ الشرعية تكون حقائق من غير تفرقة بينهما.
المسألة الثالثة فى بيان أحكام الحقائق
اعلم أنا قد قرّرنا فيما سلف أن الحقائق منقسمة إلى ما تكون حاصلة من جهة اللغة، وإلى ما يكون حصوله من جهة العرف. وإلى ما تكون متلقّاة من جهة الشرع، ودللنا على كل واحدة من هذه الحقائق. ونحن الآن نردف ما يتعلق بكل واحد من هذه الأقسام من الأحكام.
الحكم الأول يختص بالوضع اللغوى
اعلم أن الحقيقة اللغوية لا يقضى بكونها حقيقة فيما دلت عليه إلّا إذا كانت مستعملة فى موضوعها الأصلى فلا بدّ من سبق وضعها أولا، فإذا استعملت فى الحالة الثانية من وضعها فى موضوعها الأصلى فهى حقيقة، وإن كانت مستعملة فى خلافه فهى مجاز، ومن ههنا قال المحققون: إن الوضع الأول، ليس مجازا، ولا حقيقة، وهذا صحيح، وبيان
(1/33)

ذلك هو أن الحقيقة استعمال اللفظ فى موضوعه الأصلى، فإذن الحقيقة لا تكون حقيقة إلّا إذا كانت مسبوقة بالوضع الأول، والمجاز هو المستعمل فى غير موضوعه الأصلى، فيكون أيضا مسبوقا بالوضع الأول. فثبت بما ذكرناه أن الشرط فى كون اللفظ حقيقة، أو مجازا، حصول الوضع الأول وعلى هذا يجب أن يكون الوضع الأول خاليا عن الحقيقة والمجاز لما ذكرناه.
الحكم الثانى [في أن الحقائق العرفية من ضرورتها أن تكون مسبوقة بالوضع اللغوىّ]
اعلم أن الحقائق العرفية من ضرورتها أن تكون مسبوقة بالوضع اللغوىّ، لأنها فيما ذكرناه فى استعمالها فى مجاريها العامّة، والخاصّة، أمّا قصر الاسم على بعض مسمياته، فلا بدّ فيه من سبق وضع عامّ، وأمّا سبق المجاز إلى الفهم فيكون حقيقة، وهكذا حال ما يجرى فى الاستعمال الخاص، فإنه لا بدّ من أن يكون مسبوقا بالوضع اللغوىّ حتى يحصل فى العرف مقصورا على بعض مجاريه. فعرفت بما حققناه أنه لا بدّ من صيرورة ما يكون حقيقته عرفية من سبق الوضع اللغوىّ عليها. فإذن الحقيقة اللغوية متوقفة على الوضع بالأصالة، والحقيقة العرفية متوقفة على الوضع اللغوىّ الذى تكون فيه حقيقة. فهو المتوقف على الوضع بالأصالة.
الحكم الثالث فى الحقائق الشرعية
اعلم أن النقل فى الحقائق الشرعية، والدينية، لابدّ من أن يكون مسبوقا بالوضع اللغوىّ، وهو خلاف الأصل لا محالة، لأنه متوقّف على سبق الوضع فى اللغة، والوضع اللغوىّ ليس مسبوقا بغيره، فلهذا قلنا إنه على خلاف الأصل ويتفرّع على القول بصحة النقل فروع ثلاثة:
الفرع الأول
منها لا شك فى جرى التواطؤ فى الألفاظ الشرعية، كالإيمان والإسلام فإنهما يطلقان على أعمال مختلفة كالأقوال والأفعال والاعتقادات باعتبار أمر يجمعها، وهو التصديق والانقياد، وهذا هو المعتبر فى جرى الألفاظ المتواطئة، كقولنا: الإنسان، والحيوان، فإنها تطلق باعتبار أمر جامع لها مع اختلاف أعيانها وأفرادها، وذلك الأمر هو الإنسانيّة، والحيوانية، ولا خلاف فى هذا، إنما الخلاف فى جرى الأسماء المشتركة، فى الألفاظ الشرعية. منعه بعضهم والحقّ جوازه ووقوعه. والذى يدلّ على ذلك ما تعلمه فى لفظ
(1/34)

الصلاة، فإنها مقولة على حقائق كثيرة، لا تتفق فى معنى واحد. وهذا نحو صلاة الأخرس، وصلاة الجنازة، وما لا قيام فيه للعجز، والمرض، والصلاة بالإيماء بالرأس.
والعينين، والحاجبين، وليس بين هذه الأمور قدر مشترك، وإنما هى مشتركة فى إطلاق لفظ الصلاة عليها، فلهذا قضينا بكونها مشتركة كما نقوله فى جميع الألفاظ المشتركة.
الفرع الثانى
الألفاظ على كثرتها لا تخرج عن الاسمية، والفعلية، والحرفية، فكما وجد الاسم الشرعىّ، فهل يوجد الفعل الشرعىّ والحرف الشرعىّ، أم لا؟ فالأقرب أنهما غير موجودين فى وضع الشرع، والبرهان على ما قلناه، هو أنا إنما قضينا بوجود الاسم الشرعى، لأجل الاستقراء والتّتبّع لموضوعات الشرع، فوجدنا فى الأسامى ما قد غيّره الشرع عن موضوعه اللغوىّ، فلا جرم قضينا بوقوعه. وما عداه لم تدلّ عليه دلالة، فلهذا بطل اعتباره، ولأن الحرف دالّ على معنى فى غيره فلا وجه لكونه شرعيا، وأما الفعل فهو دالّ على وقوع المصدر فى زمان معين، فإن كان المصدر شرعيا، كان الفعل تابعا له فى كونه شرعيا، فإن وجب كونه شرعيا، فإنما كان ذلك بالمتابعة دون القصد، وإن كان المصدر لغويا كان الفعل لغويا لا محالة، فقد حصل غرضنا أن الفعل لا يكون شرعيا بنفسه بحال.
الفرع الثالث
الخبر فى اللغة هو ما يحتمل الصدق والكذب. والإنشاء فى اللغة، هو ما لا يحتمل صدقا ولا كذبا، كالأمر والنهى، والدّعاء والتمنى، والتّرجّى، إلى غير ذلك مما يكون إنشاء، فإذا عرفت ذلك فنقول: لا شك أن قولنا: نذرت، وبعت واشتريت، وتصدّقت، وطلّقت، وعتقت، إخبارات فى وضع اللغة لاحتمالها الصّدق والكذب، وإنما التردد إذا وضعت لأحداث هذه الأحكام من النّذر، والبيع والشراء والتصدق والطلاق والعتاق إلى غير ذلك من تحصيل هذه الأحكام، فهل تكون إخبارات، أم إنشاءات، والأقرب أنها بحقيقة الإنشاء أشبه، لأمرين، أمّا أولا: فلأنها لو كانت موضوعة للإخبار، لكان حال الإخبار لوقوع مخبراتها، إما أن تكون فى الحال، أو فى
(1/35)

الماضى، وهما باطلان، لأنها لو وقعت فى هذين الزمانين لا متنع تعليقها بالشرط، لأن الشرط لا يمكن تعليقه بالماضى، والحال. فبطل كونها إخبارا فى هذين الزمانين، ومحال أن تكون إخبارا فى الأزمنة المستقبلة، لأن قول المطلّق لامرأته أنت طالق، ليس بأقوى فى تصريحه بالزمن المستقبل، من قوله ستصيرين طالقا فى المستقبل، ولو صرّح بالتطليق فى المستقبل، لم تكن طالقا، فهكذا ما هو أضعف فى الدلالة على المستقبل، وهو قوله أنت طالق أولى ألّا يقتضى وقوع الطلاق، فبطل كونه دالا على الاستقبال. وأما ثانيا: فلأنها لو كانت موضوعة للإخبار، لكان لا يخلو حالها، إما أن تكون كاذبة، أو صادقة، فإن كانت كاذبة فلا عبرة بها، ولا التفات إليها فى تحصيل مقصودها، وإن كانت صادقة فهو باطل أيضا، لأن قولنا أنت طالق، إذا كان خبرا فلابدّ من أن يسبق مخبره ليكون مطابقا له، فيكون صدقا، فكان يلزم على هذا أن يكون الطلاق واقعا قبل حصول قولنا أنت طالق، وهذا محال، فظهر بمجموع ما ذكرناه ههنا أن الطلاق إنما يكون واقعا بقوله أنت طالق لا غير، وهذا هو فائدة الإنشاء وثمرته، ويؤيّد ما ذكرناه أنه للإنشاء قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
[الطلاق: 1] وهذا أمر بالتطليق، فيجب أن يكون قادرا عليه، ومدوره لا ينصرف إلّا إلى قوله: طلّقت، وفى هذا دلالة على كونه مؤثرا فى الطلاق، وهو المقصود، فهذا ما أردنا ذكره من قسم الحقيقة وما يختص بها.
القسم الثانى ما يتعلق بالمجاز على الخصوص
المجاز مفعل واشتقاقه إما من الجواز الذى هو التعدى فى قولهم: «جزت موضع كذا» إذا تعدّيته، أو من الجواز الذى هو نقيض الوجوب، والامتناع، وهو فى التحقيق راجع إلى الأول، لأن الذى لا يكون واجبا ولا ممتنعا يكون مترددا بين الوجود والعدم، فكأنه ينتقل من الوجود إلى العدم، أو من العدم إلى الوجود، فاللفظ المستعمل فى غير موضوعه الأصلّى، شبيه بالمتنقّل، فلا جرم سمى مجازا، فإذا تمهدت هذه القاعدة فالمقصود من المجاز يتحصل بذكر مسائل.
المسألة الأولى فى ذكر حقيقة [المجاز] وبيان حده
وقد أكثر العلماء فيه الخوض، وأحسن ما قيل فيه: ما أفاد معنى غير مصطلح عليه فى الوضع الذى وقع فيه التخاطب لعلاقة بين الأول والثانى. ولنفسّر هذه القيود، فقولنا:
(1/36)

«ما أفاد معنى» عامّ فى الحقيقة والمجاز، لأن كل واحد منهما دالّ على معنى، وقولنا «غير مصطلح عليه فى الوضع الذى وقع فيه التخاطب» يفصله عن الحقيقة، لأنا إذا قلنا:
أسد، ونريد به الرجل الشجاع، فإنه مجاز لأنه أفاد معنى غير مصطلح عليه فى الوضع الذى وقع فيه التخاطب، والخطاب إنما هو خطاب أهل اللغة، وهو غير مفيد لما وضع له أوّلا، فإنه وضع أولا بإزاء حقيقة الحيوان المخصوص، وقولنا لعلاقة بينهما لأنه لولا توهّم كون الرجل بمنزلة الأسد فى الشجاعة، لم يكن إطلاق اللفظ عليه مجازا، بل كان وضعا مستقلّا، فلهذا لم يكن بدّ من ذكر هذا القيد.
خيال وتنبيه
فإن قال قائل: قولكم فى حدّ المجاز إنه «ما أفاد معنى غير مصطلح عليه فى أصل تلك المواضعة» يؤدى إلى خروج الاستعارة عن حدّ المجاز، وبيانه أنا إذا قلنا على جهة الاستعارة، رأيت أسدا، فالتعظيم والمبالغة الحاصلان من هذه اللفظة المستعارة ليس لأنا سّميناه باسم الأسد، ولهذا فإنه لو جعلناه علما لم يحصل التعظيم والمبالغة بذلك، بل إنما حصلا، لأنا قدّرنا فى ذلك الشخص صيرورته فى نفسه على حقيقة الأسد، لبلوغه فى الشجاعة التى هى خاصة الأسد الغاية القصوى، ومتى قدّرنا حصوله على صفة الأسدية وحقيقتها، أطلقنا عليه الاسم، وبهذا التقدير يكون اسم الأسد مستعملا فى نفس موضوعه الأصلّى، ويبطل المجاز.
«والجواب» أنه يكفى فى حصوله المبالغة والتعظيم أن يقدّر أنه حصل له من القوة ما كان للأسد، وعلى هذا يكون استعمال لفظ الأسد فى معنى يخالف موضوعه الأصلى، وبهذا التقرير يحسن وجه الاستعارة، وتتضح حقيقة المجاز.
وهم وتنبيه
فإن قال قائل: إنّ ما جعلتموه حدّا للمجاز يوجب عليكم أن تكون اللفظة الشرعية، كالصلاة والزكاة وما أشبهها مجازا، وبيانه أن لفظ الصلاة، والزكاة، قد أفادا معنى غير مصطلح عليه، فيلزم أن يكونا مجازين، قد قرّرتم أنها حقائق شرعية.
«والجواب» أن فيما ذكرناه فى حدّ المجاز ما يدرأ هذا الاعتراض ويبطله، ألا ترى أنا قلنا فى حدّه: «ما أفاد معنى غير مصطلح عليه فى الوضع الذى وقع فيه التخاطب» ولفظ
(1/37)

الصلاة والزكاة وإن أفادا معنى غير مصطلح عليه فإنما هو باعتبار وضع اللغة، لا وضع الشرع، فإنهما أفادا معنى مصطلحا عليه فى الأوضاع الشرعية، فلهذا كانا بالحقائق الشرعية أخلق، كما أوضحناه من قبل، وكما ذكروا فى تعريف الحقيقة أمورا غير مرضيّة، فقد ذكروا فى تعريف المجاز أيضا، ونحن نذكرها ونظهر وجه ضعفها.
التعريف الأول ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجانىّ،
وحاصل ما قاله فى المجاز، هو كلّ كلمة أريد بها غير ما وضعت له فى وضع واضعها لملاحظة بين الثانى والأول، وهذا التعريف فاسد لأنه يقتضى خروج الحقيقة الشرعية، والعرفية إلى حدّ المجاز وخروجها عن حدّ الحقيقة وأنه غير جائز، لأن كل واحد منهما قد أريد به غير ما وضع له، وليسا بمجازين، وقد أشرنا فى ماهية الحقيقة إلى تأويل كلامه، فلا يرد عليه هذا الاعتراض.
التعريف الثانى ذكره أبو الفتح ابن جنى،
وحاصل ما قاله أنه ما لم يقرّ فى الاستعمالات على أصل وضعه فى اللغة، وهذا فاسد بأمرين، أما أوّلا: فلأنه يبطل بالأعلام المنقولة من نحو أسد، وثور، فإنّ هذه الأعلام لم تبق على استعمالاتها فى اللغة، بل قد نقلت إلى هذه الأشخاص، والمعلوم أنها لا تكون مجازات، ولا يدخلها المجاز بحال، وأما ثانيا: «فلأن ما هذا حاله يبطل بالحقائق العرفيّة، والشرعية، فإنه قد استعملت فى غير ما وضعت له فى أصل اللغة، ولم تقرّ على تلك الاستعمالات اللغوية، ولا يقال بأنها مجازات.
التعريف الثالث ذكره الشيخ أبو عبد الله البصرى،
وحاصل ما قاله أنه ما أفيد به غير ما وضع له، وهذا فاسد بالحقائق العرفية، والشرعية، فإنه قد أفيد بها غير ما وضعت له، فيلزم أن تكون مجازات، وقد قرّرنا كونها حقائق، فلا وجه لتكريره.
التعريف الرابع قاله ابن الأثير،
وحاصل قوله فى حقيقة المجاز: أنه ما أريد به غير المعنى الذى وضع له فى أصل اللغة، وهذا فاسد بما ذكرناه فى الحقائق العرفية، والشرعية فإنها قد أفادت خلاف ما وضعت له فى اللغة، فكان يلزم أن تكون مجازات وهو باطل.
(1/38)

دقيقة
اعلم أنّ إطلاق لفظ المجاز على ما يفيده، ليس على جهة الحقيقة، وإنما يطلق على جهة المجاز، لأمرين، أمّا أوّلا: فلأن الحقيقة فى هذا اللفظ، إنما هو التعّدى والعبور، وحقيقة ذلك إنما تحصل فى انتقال الجسم من حيّز إلى حيّز آخر، فأما فى الألفاظ فلا يجوز ذلك فى حقها، وإنما تكون على جهة التشبيه، وهذا هو فائدة المجاز ومعناه، وأمّا ثانيا: فلأن المجاز وزنه «مفعل» وبناء المفعل حقيقة إمّا فى المصدر، كالمخرج، والمدخل، وإمّا فى المكان، والزمان، إذا أريد به زمان الدخول، والخروج، ومكانهما، فأما الفاعل فليس مستعملا فيه فيقال بأنه حقيقة كما قرّرنا من قبل أن اسم الحقيقة فعيلة بمعنى فاعلة، أو مفعولة، وعلى هذا يكون استعماله فى اللفظ المنتقل عمّا كان عليه فى الأصل لا يليق إلا مجازا.
المسألة الثانية فى تقسيم المجاز
اعلم أن المجاز واسع الخطو فى الكلام كثير الدّور فيه وليس يخلو حاله إمّا أن يكون واردا فى مفردات الألفاظ أو فى مركباتها، أو يكون واردا فيهما جميعا، فهذه مراتب ثلاث لابّد من كشف الغطاء عنها، وبيان أمثلتها بمعونة الله.
المرتبة الأولى فى بيان [المجازات المفردة]
وهذا نحو استعمال الأسد فى الرجل الشجاع، والبحر فى الكريم، والحمار، فى البليد إلى غير ذلك من المجازات المفردة وجملة ما نورده من ذلك أمور خمسة عشر.
أولها: [تسمية الشىء باسم الغاية] التى يصير إليها،
وهذا نحو تسميتهم العنب بالخمر لما كان يصير إليها، والعقد بالنكاح، لما كان موصّلا إليه، فلأجل توهمهم المبالغة أطلقوا هذه الألفاظ على ما ذكرناه وإن لم تكن حاصلة على ما ذكرناه لما كانت غايتها إليها.
وثانيها: [تسمية الشىء بما يشابهه] ،
وهذا نحو تسميتهم المذلّة العظيمة، بالموت، والمرض الشديد، بالموت أيضا وهكذا الأمور الهائلة، والأهوال العظيمة، ووجهه المجاز إما من أجل المشابهة، وإمّا لأنها تؤدّى إليه.
وثالثها: [تسميتهم اليد باسم القدرة]
كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[الفتح: 10] أى قدرته، وقولهم: يد فلان على غيره قاهرة ووجه المجاز من جهة أن اليد محلّ للقدرة، أو
(1/39)

من جهة أن اليد آلة فى الفعل، والفعل لا يمكن حصوله إلا بواسطة القدرة، فلأجل هذا تجوّزوا في تسمية اليد بالقدرة.
ورابعها: [تسمية الشىء باسم قائله] ،
حيث قالوا: سال الوادى، والحقيقة سال ماء الوادى فإسناد السّيلان إى الوادى من باب المجاز المركب، وتسمية الماء بالوادى من باب المجاز المفرد لما كان الوادى قابلا له.
وخامسها: [تسمية الشىء باسم ما يكون ملابسا له]
كما سمّوا المطر بالسماء، فقالوا جادتنا السماء، لما كان المطر نازلا منها.
وسادسها: [إطلاقهم الاسم أخذا له من غيره، لاشتراكهما فى معنى من معانيه] ،
كما أطلقوا لفظ الأسد على الشجاع باعتبار الشجاعة، وكما أطلقوا الحمار على البليد، لأجل البلادة، وهذا هو الذى يقال إنه من باب الاستعارة.
وسابعها: [تسمية الشىء باسم ضدّه] ،
كقوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[الشورى: 40] وفَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[البقرة: 194] وقوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
[النحل: 126] فيمكن أن يقال إن وجه المجاز ههنا، تسمية الشىء باسم ضدّه، وإذا جاز إطلاق اللفظة الواحدة على الضدّين فى لسانهم، كإطلاق الحنيف على المعوجّ، والمستقيم، والسّدفة على الضوء، والظلام، جاز إطلاق السيئة على جزائها كما يطلق عليها نفسها، ويمكن أن يقال: إن هذا من باب التشبيه فى المجاز، لأن جزاء السيئة، يشبهها فى كونها سيئة، بالنسبة إلى من وصل إليه ذلك الجزاء.
وثامنها: [تسمية الكل باسم الجزء]
كإطلاق لفظ العموم، مع أن المراد منه الخصوص، كقوله تعالى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)
[المائدة: 120] فقد خرج من هذا كثير من الموجودات التى لا يقدر عليها، فالعموم صار مجازا فى الخصوص.
وتاسعها: [تسمية الجزء باسم الكلّ]
كما يقال للزنجى: إنه أسود، فقد اندرج بياض أسنانه، وبياض عينيه، فى هذا الإطلاق، وتسمية اسم الكل باسم الجزء أولى من عكسه لأن الجزء لازم للكلّ، والكلّ لا يلازم الجزء. فذلك كان أحقّ لأجل الملازمة.
وعاشرها: [إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتقّ منه] ،
كإطلاق قولنا: قاتل وضارب، بعد فراغه من القتل والضرب، فإنّ إطلاقه على جهة الحقيقة فى الحال، فأمّا بعد ذلك فهو مجاز.
(1/40)

وحادى عشرها: [المجاورة] ،
وهذا كنقل اسم الرّاوية، من ظرف الماء إلى ما يحمل عليه من الجمل وغيره. ونحو تسمية الشراب بالكأس لأجل مجاورته له.
وثانى عشرها: [إطلاق لفظ الدابة على الحمار]
، فإنه كان بالوضع اللغوى لكل ما يدبّ، كالدودة، والنملة ثم تعورف على قصره على ذوات الأربع من الدوابّ، فإذا قصر من ذوات الأربع على الحمار، كان هذا مجازا بالإضافة إلى العرف لا محالة.
وثالث عشرها: [المجاز بالزيادة] ،
كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[الشورى: 11] فالكاف ههنا مزيدة، لأنها لو أسقطت لاستقام الكلام، فلهذا كان مجيئها للزيادة المجازية
ورابع عشرها: [المجاز بالنقصان] ،
وهذا كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: 82] فإن المراد أهل القرية، ولهذا فإنه لو جىء بها لصحّ الكلام واستقام.
وخامس عشرها: [تسمية المتعلّق باسم المتعلّق] ،
كتسمية المعلوم علما، والمقدور قدرة، كما قال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
[البقرة: 255] أى معلومه، وقولهم هذه قدرة الله، أى مقدوره.
فهذه جميع الوجوه المجازية فى الألفاظ المفردة، وأكثر أهل التحقيق معترفون بإثبات المجازات المفرد، وقد أنكرها بعضهم، والحجّة على ما قلناه، هو أن أهل اللغة قد استعملوا الأسد، فى الرجل الشجاع، وفى البليد الحمار، مع اعترافهم بأن لفظ الأسد، والحمار، موضوعان فى أوّل الأمر على هذين الحيوانين، وإنما أطلقوهما على ما ذكرناه على جهة المجاز، لما بين مفهوميهما وبين هذين الأمرين من المشابهة، وهذا هو مرادنا من المجاز.
واحتجّ المنكرون للمجاز فى المفردات بأن اللفظ لو أفاد المعنى على وجه المجاز لكان إما أن يفيد مع القرينة المخصوصة، أو بدون القرينة، والأول باطل، لأنه مع القرينة المخصوصة لا يفيد خلاف ذلك، وعلى هذا يكون مع تلك القرينة حقيقة، لا مجازا، وهو بدون القرينة غير مفيد أصلا، فلا يكون حقيقة، ولا يكون مجازا، فحصل من مجموع ما ذكرناه، على هذا التقدير أن اللفظ لا يكون مجازا لا حال القرينة، ولا حال عدم القرينة، وهذا هو مطلوبنا.
والجواب أن اللفظ الذى لا يفيد إلا مع القرينة هو المجاز بعينه، ولا يقال: بأن اللفظ مع القرينة يصير حقيقة فيما دلّ عليه لأن دلالة القرينة ليست دلالة وضعية، حتى يحصل المجموع لفظا دالا على المعنى، وإنما دلالتها عقلية، فإن سلموا ما ذكرناه، فهو المجاز، وإن زعموا أنه يكون حقيقة بما ذكروه، كان خلافا فى العبارة.
(1/41)

المرتبة الثانية فى [المجازات المركبة]
وحاصل الأمر فى ذلك هو أن يستعمل كلّ واحد من الألفاظ المفردة فى موضوعه الأصلى، لكن المجاز إنما حصل فى التركيب لا غير، وهذا كقوله «1» :
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كرّ الغداة ومرّ العشىّ
فكلّ واحد من هذه الألفاظ المفردة فيما ذكرناه مستعمل فى موضوعه الأصلى، لكن إنما جاء المجاز من جهة إسناد الإشابة والإفناء إلى كرّ الغداة، وإلى مرّ العشى وهو غير مطابق لما عليه الحقيقة، فإن الإشابة، والإفناء، إنما يحصلان بفعل الله تعالى لا بكرّ الغداة، ولا بمرّ العشىّ، وهكذا قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (2)
[الزلزلة: 2] وقوله تعالى: أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
[يونس: 24] فهذا وأمثاله إنما جاء المجاز فيه من جهة الإسناد والإضافة لا غير، لا من جهة المفردات كما مثّلناه.
المرتبة الثالثة فى بيان المجازات الواقعة فى المفردات والتركيب
فهذا وأمثاله يحسن موقعه، ويقع فى البلاغة أحسن هيئة، ويكسب الكلام رونقا وطلاوة، ويعطيه رشاقة ويذيقه حلاوة، ومثاله قولك لمن تراعيه: «أحياني اكتحالي بطلعتك» فإنه قد استعمل لفظ الإحياء فى غير موضوعه بالأصالة، وأسند الاكتحال إلى الإحياء، مع أنه فى الحقيقة غير منتسب إليه، فقد حصل المجاز في الإفراد والتركيب معا كما ترى.
تنبيه
اعلم أن هذه المجازات المركبة التى ذكرناها ومثلناها بقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (2)
[الزلزلة: 2] وقوله تعالى: مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ
[البقرة: 61] وقوله تعالى:
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
[يونس: 24] وغير ذلك من الأمثلة. فإنها كلها مجازات لغوية استعملت فى غير موضوعاتها الأصلية، فلأجل هذا حكمنا عليها بكونها لغوية.
وبيانه هو أن صيغة «أنبت» «وأخرج» «وأخذ» وضعت فى أصل اللغة بإزاء صدور
(1/42)

الخروج، والنبات، والأخذ، من القادر الفاعل، فإذا استعملت فى صدورها من الأرض فقد استعملت الصيغة فى غير موضوعها، فلا جرم حكمنا بكونها مجازات لغوية.
وقد زعم ابن الخطيب الرازى أن المجازات المركبة كلها عقلية، وهذا فاسد لأمرين، أما أولا: فلأن فائدة المجاز ومعناه حاصل فى المجازات المركبة من كونه أفاد معنى غير مصطلح عليه، فلهذا كان المركب بالمعانى اللغوية أشبه، وأمّا ثانيا: فلأن المجاز المفرد فى قولنا: زيد أسد قد وافقنا على كونه لغويا، فيجب أن يكون المركب أيضا كذلك، والجامع بينهما أن كل واحد منهما قد أفاد غير ما وضع له فى أصل تلك اللغة، فوجب الحكم عليه بكونه لغويّا.
المسئلة الثالثة فى ذكر الأحكام المجازية
اعلم أنا قد أشرنا إلى تقسيم المجاز فى مفرده ومركبه، وذكرنا فى المفرد أنواعا ترتقى إلى خمسة عشر، وهي وإن تفرّقت في التعديد فهى في الحقيقة راجعة إلى أودية المجاز المعتمدة فيه وهى: التوسع، والاستعارة، والتمثيل، لا تخرج عنها، وإنما أوردناها مفصّلة لما أوردها ابن الخطيب، وكان مولعا بتكثّر التقسيم وله شغف به ويحصل المقصود بذكر الأحكام.
الحكم الأول
الأصل فى إطلاق الكلام أن يكون محمولا على الحقيقة ولا يعدل إلى المجاز إلا لدلالة، فإذا، المجاز على خلاف الأصل لا محالة لأدلّة ثلاثة:
أولها: أنا نقول اللفظ إذا تجرّد عن القرينة، فإمّا أن يحمل على حقيقته وهذا هو المطلوب، فإن الحقيقة هى الأصل، وإما أن يحمل على مجازه، وهو باطل لأن الشرط المعتبر فى حمله على مجازه إنما هو حصول القرينة، ولا قرينة هناك وإمّا أن لا يحمل على حقيقته، ولا على مجازه، وهو باطل لأنه على هذا التقدير يخرج عن أن يكون مستعملا، ونلحقه بالمهملات، وإما أن يحمل عليها جميعا، وهذا باطل أيضا لأنه لو قال الواضع، احملوا هذا اللفظ عليهما جميعا كان حقيقة فى مجموعهما وإن قال: احملوه إما على هذا أو على هذا أو على ذاك، كان مشتركا بينهما وكان حقيقة فيهما. فإذا بطلت هذه الأقسام كلّها تعين ما قلناه من حمله على الحقيقة عند التجرد.
وثانيها: أن المجاز لا يمكن تحققه إلا عند نقل اللفظ من شىء إلى شىء آخر لعلاقة
(1/43)

بينهما، وذلك يستدعى أمورا ثلاثة، وضعه الأصلى، ثم نقله إلى الفرع، ثم العلاقة التى بينهما، وأمّا الحقيقة فإنه يكفى فيها أمر واحد، وهو وضعها الأصلّى. والمعلوم أن كل ما كان توقّفه على شىء واحد فهو سابق على ما يكون توقّفه على ذلك الشىء مع أمرين آخرين.
وثالثها: أنه لو لم يكن الأصل فى الكلام هو الحقيقة لكان الأصل لا تخلو حاله إمّا أن يكون هو المجاز، ولا قائل به، فيجب القضاء بفساده، أو لا يكون واحد منهما هو الأصل، وهو باطل أيضا لأنه يلزم منه أن يكون كلام الشارع مترددا بين الحقيقة والمجاز، فيكون مجملا لا يمكن فهم المراد من ظاهر خطاباته وخلاف ذلك معلوم فلا حاجة إلى إبطاله. ولما كان ذلك فاسدا علمنا أن الأصل فى الكلام هو الحقيقة، ويؤيّد ما ذكرناه ما روى عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدرى ما الفاطرة حتى اختصم إلّى رجلان فى بئر، فقال أحدهما: فطرها أبى، أى اخترعها. وحكى عن الأصمعى أنه قال: ما كنت أعرف الدّهاق حتى سمعت جارية بدويّة تقول: أسقى دهاقا أى ملانا. فلولا أن السابق من الإطلاق فى الكلام هو الحقيقة، لما فهموا تلك المعانى، لجواز أن تكون مستعملة فى غيرها على جهة المجاز، أو تكون مترددة بين الحقيقة والمجاز.
الحكم الثانى
اعلم أن الحقيقة إذا كانت هى الأصل فى الكلام كما ذكرتم، فلأىّ شىء يكون التكلم بالمجاز، وما الباعث عليه فنقول: العدول عن الحقيقة إلى المجاز قد يكون لأمر يرجع إلى اللفظ وحده، وإلى المعنى وحده، وإليها جميعا، فهذه مقاصد ثلاثة:
المقصد الأول ما يرجع إلى اللفظ على الخصوص
وذلك من أوجه؛ أما أولا: فلما يرجع إلى جوهر اللفظ بأن يكون اللفظ الدالّ على المجاز أخفّ من الحقيقة على اللسان، إما لخفّة مفرداته أو لحسن تعديل تركيبه، أو لخفّة وزنها، أو لسلاسته، أو لغير ذلك من الأمور التى تقتضى السهولة فيعدل إلى المجاز لما ذكرناه.
وأما ثانيا: فلأن اللفظة المجازيّة ربما كانت صالحة للقافية إذا كان الكلام شعرا منظوما، أو لأجل التشاكل فى السجع إذا كان الكلام منثورا، والحقيقة غير صالحة فى ذلك، أو لأجل أن الكلمة المجازيّة مألوفة الاستعمال، والحقيقة غريبة وحشيّة، فتكون المجازية أخفّ لما يحصل من الأنس المألوف ما ليس يحصل فى غيره.
(1/44)

وأمّا ثالثا: فربمّا كانت اللفظة المجازية جارية على الأقيسة الصحيحة فى تصريفها في بيانها، والحقيقة منحرفة عن ذلك فلهذا عدل إلى استعمال اللفظة المجازية من أجل ذلك.
المقصد الثانى ما يرجع إلى المعنى على الخصوص
وذلك من أوجه، أمّا أولا: فلأجل التعظيم كما يقال: سلام على الحضرة العالية والمجلس الكريم، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيما لحال المخاطب، وتشريفا لذكر اسمه عن أن يخاطب بلقبه فيقال: سلام على فلان.
وأمّا ثانيا: فلأجل التحقير كما يعبر عن قضاء الوطر من النساء بالوطء وعن الاستطابة بالغائط ويترك لفظ الحقيقة استحقارا له، وتنزّها عن التلفظ به لما فيه من البشاعة والغلظ وقد نزّه تعالى كتابه الكريم وخطابه الشريف عن مثل هذه الأمور، وعدل إلى المجازات الرشيقة لما ذكرناه فقال: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[النساء: 43] كناية عن الوطء وقال تعالى:
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
[المائدة: 43] كنى به عن قضاء الحاجة لما فى لفظ الحقيقة من الرّكّة والسماجة.
وأما ثالثا: فلأجل تقوية حال المذكور فإذا قلت رأيت أسدا كان أقوى من قولك رأيت رجلا يشبه الأسد كما سنورد الفرق بين الاستعارة والتشبيه، فلا جرم عدل إلى المجاز لمكان هذه القوة.
وأمّا رابعا: فلما يحصل فى المجاز من التوكيد بخلاف الحقيقة، فأنت إذا قلت: رأيت أسدا فى سلاحه، وبحرا فى برديه، كان أكثر تأكيدا ووقعا فى النفوس من قولك: رأيت رجلا كريما أو شجاعا لما يحصل فى ذلك من المكانة والمبالغة بذكر المجاز دون الحقيقة.
المقصد الثالث ما يرجع إلى اللفظ والمعنى جميعا
لما يحصل فى المجاز من تلطيف الكلام وحسن الرشاقة فيه، وتقرير ذلك هو أن النفس إذا وقفت على كلام غير تامّ بالمقصود منه تشوقت إلى كماله فلو وقفت على تمام المقصود منه لم يبق لها هناك تشوّق أصلا، لأن تحصيل الحاصل محال، وإن لم تقف على شىء منه فلا شوق لها هناك، فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون بعض فإن القدر المعلوم يحصل شوقا إلى ما ليس بمعلوم، فإذا عرفت هذا فنقول: إذا عبّر عن المعنى باللفظ الدال على الحقيقة حصل كمال العلم به من جميع وجوهه، وإذا عبّر عنه
(1/45)

بمجازه لم تعرف على جهة الكمال فيحصل مع المجاز تشوّق إلى تحصيل الكمال، فلا جرم كانت العبارة بالمجازات أقرب إلى تحسين الكلام وتلطيفه.
الحكم الثالث
أجمع أهل التحقيق من علماء الدّين، والنّظار من الأصوليين، وعلماء البيان على جواز دخول المجاز فى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم فى كلام نوعيه، المفرد، والمركب، ويحكى الخلاف فى إنكاره عن أبى بكر بن داود الأصفهانى، والحجة على ما قلناه: هو أن خلافه إما أن يكون فى الجواز، أو فى الوقوع، فأمّا الجواز العقلّى فإنه ظاهر فإن الخطاب بالكلام الذى أريد به خلاف ما وضع له جائز من جهة العقل، والقدرة الإلهية لا تعجز عن مثل هذا فلهذا حكمنا به، وأمّا الوقوع فهو ظاهر فى القرآن كثيرا قال الله تعالى:
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ
[الإسراء: 24] وقال تعالى: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ
[الكهف: 77] وقال تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[مريم: 4] ومن المركب قوله تعالى حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
[يونس: 24] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: 112] وعلى الجملة فالاستعارة، والتمثيل، والكناية، فى كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم أوسع من أن تضبط بحد، وسنورد من ذلك أمورا منبّهة على حسن البلاغة بالتوسّعات المجازية، وتقرير هذه الدلالة أن هذه المجازات إما أن يراد بها معنى، أو لا، والثانى باطل منزّه عنه كلام الله، والأول إمّا أن يراد به ما وضع له، أو غيره، فإن أريد به ما وضع له فهو باطل، لأن الذّلّ لا جناح له، والإرادة لا تعقل من الجدار، والأخذ من جهة الأرض غير ممكن، لأنها غير قادرة، وإن لم يرد بها ما وضعت له فهذا هو الذى نريده بالمجاز وهو المطلوب.
خيال وتنبيه
فإن قال قائل: إن ما ذكرتموه من جواز دخول المجاز فى كلام الله تعالى يؤدّى إلى حصول مطاعن فى ذات الله تعالى، وفى صفاته، وفى كلامه، وشىء منها غير جائز فى الله تعالى ولا فى صفاته ولا يليق بخطابه، فيجب القضاء ببطلانه وفساده، وبيانه من أوجه أربعة:
أولها: هو أن الله تعالى لو خاطب بالمجاز لكان يجوز وصفه بأنه متجوّز مستعير، وهذا غير لائق بالحكمة.
(1/46)

وثانيها: أنه لا فائدة فى العدول إلى المجاز مع إمكان الحقيقة، فالعدول إليه يكون عبثا لا حاجة إليه.
وثالثها: هو أن المجاز لا ينبىء عن معناه بنفسه، فورود القرآن به يؤدّى إلى أن لا يعرف مراد الله فيفضى إلى الإلباس وهو منّزه عنه.
ورابعها: أن كلام الله تعالى كله حقّ وصواب، وكلّ حقّ فله حقيقة، وكلّ ما كان حقيقة فلا يدخله المجاز، وهذا هو المطلوب.
«والجواب» أنا قد أوضحنا بالبرهان العقلّى جوازه وأوردنا من الأمثلة فى وقوعه فى خطاب الله تعالى ما لا مدفع له إلا بالمكابرة والإنكار والمنكارة.
قوله أولا: إنه يؤدّى إلى وصفه بأنه متجوّز مستعير، قلنا: هذا فاسد لأمرين، أما أولا: فلأن إجراء الأوصاف الإلهية موردة بالشرع، فما أذن فيه أطلقناه، وما سكت عنه توقّفنا فى حاله، وأما ثانيا: فلعلّ هذه الأوصاف توهم الخطأ مع صحة إجرائها عليه فلا جرم توقفنا فى إطلاقها.
وأما قوله ثانيا: إنه لا فائدة فى العدول عن الحقيقة، فقد قرّرنا فيما سلف الباعث على التكلم بالمجاز. وذكرنا هناك أغراضا حكمية تبعث عليه.
وأمّا قوله ثالثا: إنّ المجاز يؤدى إلى اللبس، قلنا: إنه لا لبس مع وجود القرينة، والمجازات لا تنفكّ عن القرائن الحالية والمقالية، كما سنذكر من بعد هذا بمعونة الله.
وأما قوله رابعا: إن كلام الله تعالى حق، قلنا إن كلام الله حقّ على معنى أنه صدق لا يجوز فيه كذب، لا من أجل كون ألفاظه مستعملة فى موضوعاتها الأصلية، فأين أحدهما من الآخر، وفيه وقع النزاع فبطل ما قالوه.
الحكم الرابع فى كيفية استعمال المجازات
اعلم أن المجازات اللغوية المفردة يجب إقرارها حيث وردت، ولا يجوز تعدّيها إلّا بتوقيف وإذن من جهة اللغة. وقد زعم فريق أنه يجوز تعدّيها عن أماكنها التى وردت فيها إلى غيرها.
والحجّة على ما قلناه هو أن المجازات واردة على خلاف الأصل والاستعمال، فيجب قصرها على الأماكن التى وردت فيها من غير تعدية.
ولنضرب فى ذلك أمثلة، المثال الأول فى مجاز النقصان كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: 82] «واسأل العير» ، وقولهم «سل الرّبع» ، فهذه الأمور يجب قصر النقصان فيها
(1/47)

على ما وردت فيه، ولا يجوز تعدّيه ونقله إلى غيره، فلا يقال: سل الدار واسأل الجدار واسأل الشجرة، إلّا بإذن من جهة اللغة يدل على جواز استعماله.
المثال الثانى، فى مجاز الزيادة، فإذا ورد المجاز فى زيادة «ما» و «لا» فى نحو قوله تعالى:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
[آل عمران: 159] وقوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
[المائدة: 13] وزيادة «لا» فى قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ
[الحديد: 29] وقوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
[فصلت: 34] فيجب إقرار زيادتهما حيث وردتا، ولا يجوز التعدّى إلى زيادة «لم» ولن من حروف النفى.
المثال الثالث، إذا استعير لفظ الأسد للرجل الشجاع ووجه الاستعارة بينهما المشاركة فى معنى الشجاعة، فيجب إقراره حيث ورد، ولو جاز تعدّيه لجاز إطلاق اسم الأسد على الرجل الأبخر، وهو المتغّير الفم، فلو كانت المشابهة كافية فى حلّ الإطلاق لجاز ما ذكرناه، فلمّا كان ممنوعا دلّ على ما قلناه من قصره حيث ورد، وهكذا تحذّروا فى إطلاق قولنا: «نخلة» فى الرجل الطويل، ولو جاز تعدّيه لجاز إطلاقها على الحبل من أجل طوله، فلما تعذّر ذلك عرفنا أنه مقصور.
فأما المجازات المركبة فالأقرب جواز تعدّيها إلى غير محالها التى وردت فيها، فكما ورد قوله تعالى: أَخَذَتِ الْأَرْضُ
[يونس: 82] وأنبتت الأرض وغير ذلك، ورد قولهم: تكاثرت أشواقى، والتكاثر إنما يكون فى الأمور المتحيزة، وقولهم: أسقمنى فقدك، وأحيانى مشاهدتك والنظر إليك، وهذا وارد فى لسانهم كثيرا لا يمكن ضبطه فى الرسائل والمواعظ والخطب، ولابن نباته فى مثل هذا اليد البيضاء كقوله: «إنما الموت حسام أزهق النفس ذبابه» .
الحكم الخامس
استعمال المجاز مخصوص بالألفاظ دون الأفعال كالقيام والقعود والصوم والهيئات فلا ترد فيها المجازات بحال، وإذا كان مخصوصا بالألفاظ فهى منقسمة إلى الأسماء والأفعال والحروف، فأمّا الحروف، فلا مدخل للمجاز فيها، لأن وضعها على أنها تدلّ على معان فى غيرها فلابدّ من اعتبار الغير فى دلالتها، ثم ذلك الغير إن كانت صالحة للدخول عليه كقولك زيد فى الدار، وعمرو من الكرام، فهى حقيقة فى استعمالها وإن كانت غير صالحة لما دخلت عليه كقولك من حرف جّر، ولم حرف نفى، صارت مجازات لكن التجوّز إنما كان فيها من جهة تركيبها لا من جهة الإفراد، والمنع إنما كان فى حالة الإفراد لا فى التركيب.
(1/48)

وأما الأفعال فهى دالّة على حصول أحداث فى أزمنة معينة فالفعل الصناعىّ دالّ على المصدر وعبارة عنه، فالمصدر إن وقع فيه مجاز فالفعل تابع له، وإن تعذر وقوع المجاز فى المصدر فالفعل أحق بالتعذر.
وأمّا الأسماء فهى أنواع ثلاثة «الاسم العلم» ولا مدخل للمجاز فيه لأنه فى جميع مواقعه أصل، ومن حق المجاز أن يكون مسبوقا بوضع أصلّى ثم ينقل عنه، وأيضا فإن من حق المجاز أن يكون بينه وبين ما نقل عنه علاقة يحسن لأجلها التجوّز والنقل، وهذا غير موجود فى الأعلام، فلهذا بطل التجوّز فيها «والاسم المصدر» وهو المشتق منه قد يدخله المجاز إذا وقع فى غير موضعه كقولك رجل عدل ورضا «والاسم الجنس» وأكثر ما يرد المجاز فى المفرد منه كأسد، وبحر، وليث، وغير ذلك من الأسماء المفردة، ولنقتصر على ما ذكرناه ههنا من أحكام المجاز ففيه كفاية لغرضنا، وستكون لنا عودة فى تحقيق أسرار المجازات فى فنّ المقاصد، وإذ قد أتينا على ما يتعلق بالحقيقة على الخصوص، وما يتعلق بالمجاز على الخصوص، فنذكر ما يكون مشتركا بينهما وبالله التوفيق.
القسم الثالث فى ذكر الأحكام المشتركة بين الحقيقة والمجاز
«الحكم الأول»
اعلم أن اللفظة اللغوية بالنسبة إلى إفادتها لمعناها إذا كانت دالة على أزيد من معنى واحد، فإما أن تكون إفادتها المعنيين على جهة الاستواء من غير تفرقة فيكونان حقيقتين، وهذا هو الاشتراك، وإمّا أن يكون أحدهما سابقا إلى الفهم دون الآخر فيكون بالإضافة إلى السابق حقيقة وبالإضافة إلى الآخر مجازا، فإذا كانت مستعملة فيهما فلا بدّ من تفرقة بين حقيقتها ومجازها، ولأجل مزيد الغموض أكثر العلماء الخوض فى ذلك، وذكروا أمورا غير صالحة للفرق وأمورا صالحة للتفرقة، فهذان تقريران نذكر ما يخصّ كل واحد منهما بمعونة الله تعالى:
التقرير الأول للفروق الصحيحة
اعلم أن مستند الحقيقة والمجاز إنما هو اللغة لا غير، فإذا كان لا مستند لهما سواها، فيجب أن تكون التفرقة بينهما متلقّاة من جهة أهل اللغة فى الاستعمال، وليس يخلو ذلك إما أن يكون بتعريف يقطع الاحتمال وهو التنصيص، وإما أن يكون بتعريف معرّض للاحتمال وهو الاستدلال، فهذان مجريان:
(1/49)

المجرى الأول وهو التنصيص
وذلك يكون من أوجه خمسة «أولها» أن يصرّح الواضع فيقول: هذا حقيقة، وهذا مجاز، من غير إشارة إلى أمر وراء تصريحه فهذه تفرقة ليس بعدها فى الوضوح شىء ويجب قبولها لأنه كما قبل فى أصل وضعه قبل فى التفرقة لا محالة.
«وثانيها» أن يميز كل واحد من الحقيقة والمجاز بحدّ يخصّه لأن الحدود إنما توضع من أجل معرفة الماهيات والتفرقة بينها فإذا وضع لكل واحد منهما حدّ على الخصوص حصلت التفرقة بلا مرية.
«وثالثها» أن يذكر لكل واحد منهما خاصّة تخصّه، لأن الخاصة هى تلو الحد فى بيان الماهية خلا أن التفرقة بين الحدّ والخاصّة هو أنّ من شأن الحدّ أن يكون مندرجا تحته جميع الصّور المفردة من المحدود، بخلاف الخاصّة، فإن الخاصّة إنما تكون متناولة لبعض الصّور المفردة دون بعض، ألا ترى أن حدّ الاسم ما دلّ على معنى فى نفسه دلالة مجرّدة عن الاقتران بالأزمنة الخاصة، فهذا يندرج تحته كل الأسماء لا يخرج عنها صورة واحدة، والخاصة فى الاسم إنما هو دخول التنوين، واللام، والإضافة، وغيرها، وهذا إنما يخصّ بعض الأسماء دون بعض.
«ورابعها» : أن ينص واضع اللغة فى بعض الألفاظ على أنى متى استعملت هذه اللفظة فى هذا المحل فهى حقيقة، ومتى استعملتها فى محلّ آخر فهي مجاز، ومثاله أن البلق مجموع السواد والبياض، فيقول مثلا متى استعمل فى الخيل فهو حقيقة ومتى كان مستعملا فى غيرها فهو مجاز فهذا ظاهر يجب قبوله.
«وخامسها» : أن ينصّ واضع اللغة بأن يقول متى استعملت هذه اللفظة مطلقة فهى حقيقة، ومتى استعملتها مقيّدة فهى مجاز، فيجب الاحتكام لقوله فيما ذكرناه، ولا يجوز مخالفته لأنهم الواضعون لألفاظ اللغة فلهم التحكّم فيها كيف شاءوا.
المجرى الثانى الاستدلال
وذلك أن ندرك من الكلام ما يوقفنا على أمور تشعرنا بالتفرقة بينهما، وذلك من أوجه أربعة:
«أولها» : أن تستعمل فى معنيين، أحدهما يكون سابقا إلى الفهم عند إطلاق اللفظ من غير قرينة، والآخر لا يفهم عند الإطلاق إلا بقرينة، فيعلم أنها حقيقة فى السابق دون
(1/50)

المتأخر فيعلم بالاضطرار إلى قصد الواضع أن اللفظ لولا أنه حقيقة فى ذلك المعنى لما كان سابقا إلى الإفهام دون غيره.
«وثانيها» : أن يعلم من أهل اللغة أنهم متى أرادوا إفهام معنى من المعانى غيرهم، اقتصروا على عبارات مخصوصة، وإذا عبروا بذلك اللفظ عن معنى آخر لم يقتصروا عليها. بل ذكروا معها قرينة، فيعلم قطعا بهذا التصرف أن الأول حقيقة، والثانى مجاز إذ لولا علمهم بكون ذلك اللفظ حقيقة لذلك المعنى لما اقتصروا عليه.
«وثالثها» : أنهم إذا علّقوا الكلمة بما يستحيل عقلا تعلقها به، علم أنها فى أصل اللغة غير موضوعة لها فيعلم كونها مجازا فيها وهذا كقوله تعالى فى النقصان وَجاءَ رَبُّكَ
[الفجر: 22] فإنه يستحيل عقلا تعلّق المجىء بالذات، لاستحالته عليها، فيعلم أن استعمالها مجاز بالنقصان، وأن الأصل وجاء أمر ربك وكقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: 82] فإنه لا يمكن سؤال القرية، فعلمنا أنه لا بدّ هناك من محذوف تقديره واسأل أهل القرية.
وفى الزيادة كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[الشورى: 11] فإنا لو خلّيناه وظاهر الآية كان المنفى إنما هو مثل مثل الله تعالى لا مثله على الإطلاق، والعقل يأبى ذلك ويبطله، فعرفنا أن ذكر الكاف زيادة وأن الحقيقة حذفها ونقصانها.
«ورابعها» : أن يضعوا لفظا لمعنى ثم تركوا استعماله على العموم وأطلقوه على بعض مجاريه كذوات الأربع، ثم قصروه بعد ذلك على بعض تلك المجارى، كالحمار، فعلمنا كونه مجازا بالإضافة إلى وضعه العرفى، ومثاله لفظ الدابة فإنها بالوضع اللغوى لكل حيوان، ثم تعورف وضعها فى ذوات الأربع من الحيوانات وصار حقيقة فيها عرفا، فإذا قصروها على الحمار من بين ذوات الأربع كان مجازا لا محالة بالإضافة إلى العرف، فهذه هى الفروق الواضحة، وقد أوردها ابن الخطيب الرازى ولنقتصر عليها ففيها غنية وكفاية.
التقرير الثانى للفروق الفاسدة
اعلم أن الشيخ أبا حامد الغزالى قد أورد أمورا للتفرقة بين المجاز والحقيقة، ولا بد من إيرادها وإظهار وجه فسادها وجملتها أربعة:
«أولها» : أن الحقيقة جارية على الاطراد، والمراد بالاطراد جريان الحقيقة فى كل موضع
(1/51)

بخلاف المجاز، فإنه يجب إقراره حيث ورد كما قدمناه شرحه، والمثال فى ذلك هو أن قولنا عالم قادر، لما صدقا على كل واحد ممن له قدرة وعلم وجب صدقهما على كل ذى علم وقدرة فى جميع المحالّ، وعلى هذا يكون جريها شاهدا وغائبا على جهة الحقيقة لأجل الاطراد، وأما المجاز فليس حاله ما ذكرناه من الاطراد، ولهذا فإنه لما استعمل السؤال فى القرية، والعير، فإنه لا يستعمل فى الجدار والشجرة وهذا فاسد لأمور ثلاثة، أما أولا فلأن مستندنا فى كون هذه اللفظة حقيقة وكونها مجازا إنما هو أمر الواضع وتقريره فيجب أن يكون مستندنا فى التفرقة بينهما هو أمر الواضع وتقريره أيضا، وههنا لم تدل دلالة لغوية من جهة الواضع على أن الاطراد علامة للحقائق ولا أن عدم الاطراد أمارة للمجازات، فلابد فيه من دلالة لغوية، فلم يزد فيه على مجرد الحكم من غير إشارة فيه إلى دلالة لغوية فلا يقبل وأما ثانيا: فلأنه قد يعرض للحقيقة ما يمنع من اطّرادها لعارض، ويعرض للمجاز ما يوجب اطراده لعارض فجعل الاطراد من علامات كون اللفظ حقيقة وإبطال الاطراد من أمارة كونه مجازا لا وجه له. وأما ثالثا: فلأنه إن أراد باطراد الحقيقة استعمالها فى جميع موارد نص الواضع فالمجاز مثلها فى ذلك لأنه يجوز استعماله فى جميع موارد نص الواضع فلا يبقى هناك بينهما تفرقة، وإن أراد استعماله فى غير موضع نص الواضع فقد تكون الحقيقة ممنوعة الاطراد لعارض، وإن أراد بالاطراد معنى آخر غير ما ذكرناه فيجب إظهاره حتى ننظر فيه.
وثانيها: الامتناع من الاشتقاق دليل على كون اللفظة مجازا، فإن الأمر لما كان حقيقة فى القول اشتق منه اسم الفاعل للآمر واسم المفعول للمأمور، وإنه لما لم يكن حقيقة فى الفعل لم يوجد هذا الاشتقاق، وهذا فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن الاشتقاق معناه أخذ لفظة من لفظة باعتبار أمر جامع لهما فى المعنى، وما هذا حاله فإنه لا إشعار له البتة بكون اللفظ حقيقة فيما وضع له ولا مجازا، وأما ثانيا فلأن اسم الرائحة حقيقة فى معناها، ومع ذلك فإنه لم يشتق منها اسم.
وثالثها: قوله: إن اختلاف صيغة الجمع على الاسم، يعلم أنه حقيقة فى أحدهما ومجاز فى الآخر، وذلك نحو الأمر الحقيقى فإنه يجمع على أوامر وإذا أريد به الفعل وهو المجاز فإنه يجمع على أمور، وهذا فاسد جدّا لأمرين، أما أولا: فلأن أبنية الجموع مختلفة فى أنفسها باختلاف أبنية الأسماء المفردة فى ثلاثيها ورباعيها وأصلها وزائدها، وما هذا حاله
(1/52)

فإنه لا دلالة فيه على كون اللفظ مجازا ولا حقيقة، وأما ثانيا: فلأنه ليس بأن يدل قولنا أوامر على كون الأمر حقيقة فى القول بأحق من أن يدل على كونه مجازا، ولا قولنا أمورا فى العقل بأن يدل على كونه مجازا أولى من أن يكون حقيقة، بل نقول دلالة قولنا أوامر على كونه مجازا أحق من دلالته على كونه حقيقة لأن جمع أمر على أوامر على خلاف القياس، فلهذا كانت دلالته على المجازية أحق، وجمع أمر على أمور جار على القياس، فكانت دلالته على كونه حقيقة أولى، فبطل ما توهمه.
ورابعها: أن المعنى الحقيقى إذا كان متعلقا بالغير فإذا استعمل فيما لا تعلق له بشىء كان مجازا، وعلى هذا لفظ القدرة إذا أريد به الصفة القادرية كان لها متعلق وهو المقدور، وإذا أطلق على إتيان الحسن لم يكن له متعلق فيعلم كونه مجازا، وهذا فاسد أيضا لاحتمال أن يكون مقولا بالاشتراك عليهما فيكون حقيقة فيهما، لكن اتفق أن له بحسب أحد الحقيقتين متعلقا دون الأخرى، فهذه زبدة ما عوّل عليه الشيخ أبو حامد الغزالى فى هذه الفروق الفاسدة، وكأنه إنما أتى له الفساد من جهة تعويله على أمور عامة ليست صالحة للتفرقة، فلهذا بطل ما عول عليه.
خيال وتنبيه
فإن قال قائل: هلّا أوردتم من جملة الفروق الفاسدة بين الحقيقة والمجاز الكلام فى التعريفات الفاسدة التى حكيتموها عن الشيخ أبى عبد الله البصرى، وعبد القاهر الجرجانى، وأبى الفتح ابن جنى وغيرهم من علماء الأدب وعددتموها من جملتها فإن من أخطأ فى تعريف الماهية أخطأ لا محالة فى التفرقة بينهما، فكان ينبغى عدها من جملة الفروق الفاسدة؟
«والجواب» من وجهين، أما أولا: فلأن الكلام فى تعريف الماهية بمعزل عن الكلام فى التفرقة بين الأمرين فلا يمزج أحدهما بالآخر، لأن الكلام فى التعريفات إنما هو كلام فى الماهية، ومعرفة الذات والكلام فى التفرقة إنما هو كلام فى الأحكام ومعرفة الخصائص، فأحدهما مخالف للآخر كما ترى. وأما ثانيا فلعلهم يذهبون معنا إلى القول بالفروق الصحيحة، وإن ذهبوا إلى تعريفهما بالتعريفات الفاسدة كما حكيناه عنهم، فخطأهم فى التعريفات الفاسدة لا يكون خطأ فى الفروق لانحراف أحدهما عن مقصد الآخر فظهر لك مما ذكرناه أن أحدهما مخالف للآخر.
(1/53)

الحكم الثانى
من شرط المجاز أن يكون مسبوقا بالحقيقة، وليس من شرط الحقيقة أن يكون لها مجاز، أما الأول: فبيانه أن المفهوم من حقيقة المجاز هو ما كان مستعملا فى أمر يخالف موضوعه الأصلى، فهذا يوجب أن يكون قد وضع فى الأصل لمعنى آخر، ومتى استعمل اللفظ فى ذلك الموضوع فهو حقيقة فيه وهذا هو المقصود. وأما الثانى فبيانه هو أن مفهوم الحقيقة هو اللفظ الذى استعمل فى نفس موضوعه الأصلى وليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لمعنى أن يكون موضوعا فى معنى آخر بينه وبين الأول علاقة وإذا كان الأمر كما قلناه حصل المقصود من أنه لا يلزم من كل حقيقة أن يكون لها مجاز لما لخصناه والله أعلم.
الحكم الثالث
الحقيقة قد تكون مجازا، والمجاز قد يصير حقيقة، أما صيرورة الحقيقة مجازا فلأن الحقيقة إذا قل استعمالها صارت مجازا عرفيا. ومثاله إطلاق لفظ الدابة على الدودة والنملة، فإنه لما تعورف فى إطلاقه على ذوات الأربع حتى صار حقيقة فيه فصار إطلاقه على النملة مجازا بالإضافة إلى الحقيقة العرفية وقد كان حقيقته فى أول وضعه على كل ما يدب من الحيوانات. وأما صيرورة المجاز حقيقة فلأن المجاز إذا كثر استعماله صار حقيقة عرفية. ومثاله قولنا الغائط، فإنه كان مجازا فى قضاء الحاجة، وحقيقته المكان المطمئن من الأرض ثم تعورف هذا المجاز وكثر حتى صار حقيقة سابقة إلى الفهم.
الحكم الرابع
اللفظ فى نفسه قد يكون خاليا عن المجاز وحده، وقد يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، وذلك يكون فى صور ثلاث.
الصورة الأولى: الأسماء الأعلام من نحو زيد، وعمرو وذلك لأنها لم توضع فى الأصل دالة على شىء بعينه، كدلالة قولنا: حيوان، ورجل، وسواد، ولكنها ألقاب وضعت للتفرقة بين المسميات وليست أجناسا دالة على موضوع معين، فإذا دلت على موضوعها الأصلّى فهى حقيقة، وإذا كانت مستعملة فى غيره فهى مجازات، ولكنها موضوعة للتفرقة بين الأعلام خارجة عن الدلالة على الصفات، فلا جرم قضينا بخروجها عن المجاز والحقيقة جميعا.
(1/54)

الصورة الثانية: ما يكون خاليا عن المجاز ويكون حقيقة على الإطلاق وهذا نحو الأسماء المضمرة من نحو قولنا: هو، وهم، وهن، وأنا، ونحن، وإياك وجميع الأسماء التى أضمرت، ونحو أسماء الإشارة من قولهم ذا، وذاك، وذان وهؤلاء، ومثل الأسماء المبهمة الأسماء التى لا إبهام فوقها كالمعلوم، والمذكور والمجهول، فإن هذه الأمور كلها نصوص فيما دلت عليه ظاهرة المعانى مستعملة فى حقائقها التى وضعت لها، ولا يجرى فيها المجازات بحال، لأن كل ما وضعت له فهى حقيقة فيه، فهى وإن خرجت عن استعمال المجاز فهى باقية على استعمالها حقائق فى كل مجاريها، نعم قد يجرى المجاز فى الأعلام بالنقصان كما يقال: قرأت سيبويه، وقرأت: البويطى والمزنى، والزمخشرى، والمراد كتاب هؤلاء، وقد يجرى المجاز فى بعض المضمرات كقولنا: «نحن» فإنه حقيقة فى الجمع، وقد يقال للواحد العظيم مجازا، وقد يجرى المجاز فى أسماء الإشارة كقولك:
أعجبنى هذا الرجل، وإن كان غائبا عنك، لأن الحقيقة فيه لمن كان حاضرا بقربك.
الصورة الثالثة: لما يكون خاليا عن الحقيقة والمجاز جميعا، ويجوز ورودهما فيه بعد ذلك، وهذا هو أول الوضع فى الأصل، فإنه ليس مجازا، لأنه لم يستعمل فى غير موضوعه ولا حقيقة لأنه لم يستعمل فى موضوعه، لأنه لم يسبق بوضع فيقال: إنه قد استعمل فى موضوعه فيكون حقيقة، فلهذا خرج عن أن يكون حقيقة أو مجازا.
الحكم الخامس
فى اللفظ الواحد هل يكون حقيقة ومجازا على الجمع، أم لا؟ فنقول: أما بالإضافة إلى معنيين فهو كثير، ومثاله قولنا «أسد» فإن حقيقته هو الحيوان المخصوص، ومجازه الرجل الشجاع. وقولنا: «حمار» فإنه حقيقة فى الحيوان، ومجازه فى البليد، و «البحر» حقيقة فى المياه، ومجاز فى الكريم وأما بالإضافة إلى معنى واحد باعتبار وضعين، فهذا ممكن. ومثاله قولنا «دابة» فإنه حقيقة فى ذوات الأربع، ومجاز فيما عداها فإطلاقها على الحمار حقيقة باعتبار الوضع اللغوى، وهو مجاز بحسب الوضع العرفى، فأما استعمال اللفظة الواحدة مجازا وحقيقة دفعة واحدة فى وضع واحد باعتبار معنى واحد فهو محال، لاجتماع النفى
(1/55)

والإثبات من الجهة الواحدة، لأنها باعتبار كونها حقيقة مستعملة فى موضوعها، وباعتبار كونها مجازا مستعملة لا فى موضوعها فيصير الموضوع حاصلا غير حاصل، وهذا محال.
ولنقتصر على هذا القدر من أحكام المجاز ففيه كفاية مع ما ينضم إليه فى أثناء الكتاب وغضونه وبتمامه يتم الكلام فى هذه المقدمة. وقد أطلنا التقرير فيها بعض الإطالة والله الموفق للصواب.
(1/56)

المقدمة الرابعة فى ذكر مفهوم الفصاحة والبلاغة وبيان التفرقة بينهما
اعلم أنّ هذا الباب من أجل علوم البيان وأعلاها، وأرسخ قواعده وأسماها، وفيه تتفاوت القيم، وتتفاضل الهمم، والذى يتعلق بغرضنا منها هو الكلام فيما يتعلق بالبلاغة على الخصوص، وفيما يتعلق بالفصاحة على الخصوص، ثم نذكر التفرقة بينهما فهذه مطالب ثلاثة.
المطلب الأول فى بيان ما يتعلق ب [الفصاحة] على الخصوص
الفصاحة فى اللغة عبارة عن البيان والظهور، يقال أفصح العجمى إذا خلص كلامه عن اللكنة واللحن، وأفصح اللبن، إذا ذهب عنه اللباء وزالت عنه الرغوة، وأفصحت الشاة، إذا صفا لبنها عمّا يشوبه، وأفصح الصبح إذا ظهر وعلا ضوؤه، وفيه المثل «أفصح الصبح لذى عينين» .
وفى مصطلح علم البيان خلوص اللفظ عن التعقيد فى تركيب الأحرف والألفاظ جميعا، فمتى سلمت اللفظة الواحدة عن تنافر تركيبها ولم تكن من قبيل قولنا: عقجق، ولا من قولهم: «الهعخع» وهو شجر. وسلم تركيب الألفاظ عن التنافر أيضا كما قيل:
«ليس قرب قبر حرب قبر» «1»
لأن التنافر فى الأول إنما كان من أجل تقارب مخارج تلك الأحرف، وحصل التنافر فى الثانى من جهة تركيب الألفاظ المتقاربة، فحصل من أجل ذلك عثار فى اللسان، وتوعر فى المخارج، فلأجل ذلك كان متنافرا فالألفاظ فى سهولة تركيبها وعثورته وسلاسته ووعورته بمنزلة الأصوات فى طنينها ولذة سماعها، ولهذا فإنه يستلذ بصوت «القمرىّ» ويكره صوت «الغراب» ويستظرف صهيل «الفرس» ويستنكر نهيق «الحمار» فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن مقصودنا من الفصاحة يحصل بالبحث عن أسرارها.
(1/57)

البحث الأول فى مراعاة المحاسن المتعلقة بأفراد الحروف
ولنشر منها إلى تقسيمين، التقسيم الأول: باعتبار مخارجها وهو أنواع ثلاثة:
النوع الأول: مخرج الحلق، وله سبعة أحرف، ولها منه مخارج ثلاثة فللهمزة، والهاء، والألف أقصى الحلق، وللعين والحاء أوسطه، وللغين، والخاء أدناه.
النوع الثانى: الشفهيّة وهى الباء، والفاء، والميم، والواو.
النوع الثالث: حروف اللسان وهو ما عدا هذين المخرجين على تفاوت فيها فى حافات اللسان ومدارجه ووقوعها فى طرفه، ووسطه، وأقصاه، وموضعه كتب النحاة.
التقسيم الثانى: باعتبار ما يعرض لها فى أنفسها من الجهر، والهمس، والشدة، والرخاوة، واللين، والإطباق، والانفتاح، والانخفاض، والاستعلاء وغير ذلك.
فالأحرف الشفهية أخف الأحرف موقعا، وألذها سماعا، وأسلسها جريا على الألسنة. وحروف الذلاقة منها وهى الراء، واللام، والنون، لأن مخرجها من ذولق اللسان وهو طرفه، ويكثر استعمالها فى الكلام، وما ذاك إلا من أجل خفة مجراها وطيب نغمتها، وسهولتها على النطق، ولهذا فإنك لا ترى كلمة رباعية أو خماسية معراة من حروف الذلاقة إلا على جهة الندرة والقلة وجدت فى كلام العرب كالعسجد، اسم للذهب، والعذيوط، وهو الذى يحدث على فراشه وغيرهما، فدخول هذه الأحرف فى الأبنية من أجل ترقيقها وتلطيفها، وحسنها على المسموع، وما من واحد من الأحرف السبعة والعشرين العربية إلا وهو مختص بنوع فضيلة لكنها متفاوتة فى الصفاء والرقة، ولهذا فإنك تجد «العين» أنصع الحروف جرسا وألذها سماعا و «القاف» مختصة بالوضوح، والمتانة، وشدة الجهر فإذا وقعا فى كلمة حسناها لما فيهما من تلك المزية، وهكذا كل حرف منها له مزية لا يشاركه فيها غيره، فسبحان من أنفذ فى الأشياء دقيق حكمته وأحكم المكونات بعجيب صنعته. فمتى روعيت هذه الاعتبارات وألفت الكلمة من هذه الأحرف السهلة كان الكلام فى نهاية العذوبة وجرى على أسلات الألسنة بالسلاسة وخفة المنطق، وهذا هو المراد بكون الكلام فصيحا كما سنوضح القول فى كون الفصاحة من عوارض الألفاظ أم من عوارض المعانى.
(1/58)

البحث الثانى فى بيان ما يجب مراعاته من حسن التركيب
اعلم أن هذا النظر إنما يختص بالمفردات فإنها وإن كانت مختلفة أعنى مفردات الحروف فى العذوبة والسلاسة فإن شيئا منها غير مستكره، لكن الاستكراه إنما يعرض من أجل التأليف لما يحصل بسببه من التنافر والثقل، فلأجل هذا كانت العناية فى أحكام التركيب والتأليف لأنه ربما حصل على وجه يفيد رقة اللفظ وحلاوته فيكون حسنا، وربما حصل على وجه يفيد ثقلا وتعثّرا فى اللسان فيكون قبيحا، فإذن العناية كلها فى التركيب فنقول:
قد بان من حسن تصرف واضع اللغة امتناعه من الجمع بين العين والحاء، وبين الغين والخاء، ومن الجمع بين الجيم والصاد، وبين الجيم والقاف، وبين الذال المعجمة والزاى، وما ذاك إلا لما يحصل من تأليف هذه من البشاعة والثقل على الألسنة فى النطق، وليس ذلك من أجل ما يحصل من تقارب مخارج الحروف وتباعدها كما يزعمه ابن سنان وغيره من أرباب هذه الصناعة، فإنهم عوّلوا على أن القرب منها يكون سببا فى قبح اللفظ، والتباعد فى المخرج فيها يكون سببا فى حسن اللفظ، وهذا فاسد فإنه ربما يعرض لما كانت حروفه متباعدة استكراه فى النطق، وهذا كقولنا: «ملع» أى عدا فالعين من حروف الحلق، والميم من الشفة، واللام من وسط اللسان، ومع ذلك فإنها ثقيلة على اللسان ينبو عنها الذوق ولا تستعمل فى كلام فصيح، وربما عرض لما تقاربت حروفه حسن الذوق فى اللسان فكان حسنا ومثاله قولنا: ذقته بفمى، فإن الباء والفاء والميم كلها أحرف متقاربة شفوية وهى رقيقة حسنة يخف محملها على اللسان، فبطل ما عول عليه هؤلاء، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن مستند الإعجاب فى حسن تأليف اللفظة من هذه الأحرف العربية، إنما هو الذوق السليم، والطبع المستقيم، لا من أجل ما زعموه ويؤيد ما قلناه من ذلك وهو أن مستند الحسن والقبح والإعجاب والنفور فى تأليف الكلام إنما هو سلامة الطبع وتحكيم الذوق، هو أن الكلمة الواحدة إذا ألّفت تأليفا مخصوصا كانت فى غاية الركة على اللسان يزدريها كل من سمعها فإذا عكست صارت أرق ما يكون على الألسنة وألطف وأعجب، ومثاله قولنا: ملع فإنها ركيكة كما أشرنا إليه فإذا قلب تأليفها قلبا مخففا وقيل فيها «علم» من العلم كانت أوقع ما يكون فى الفصاحة وأدخل ما يكون فى
(1/59)

الرقة واللطافة، والأحرف فيهما واحدة من غير اختلاف، وما وقع الاختلاف إلا فى التأليف لا غير، وربما وقع فى الألفاظ ما يكون هو ومقلوبه فى غاية الحسن والرقة لا مزية لأحدهما على الآخر، وهذا كقولنا «غلب» إذا قهر، فإذا قلبته قلت «بلغ» فهاتان اللفظتان سواء فى الفصاحة، وهذا كقولنا «ملح» الشىء من الملاحة، فإذا قلبته قلت فيه: «حلم» من الحلم والرجاحة، فكل واحد منهما لا مزيد على حسنه، وكل هذا يدلك على أن المعول عليه فى ذلك هو ما يجده الإنسان عند التأليف من الذوق والرقة، ولهذا فإنك ترى الكلمات المستعملة فى كلام الله تعالى والسنة النبوية مؤلفة تأليفا معجبا على نهاية اللطافة والرشاقة والرقة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أنه لابد من مراعاة أمور فى تأليف الكلمة لتكون فصيحة.
«أولها» : أن لا تكون تلك الأحرف متنافرة فى مخارجها فيحصل الثقل من أجل ذلك.
«وثانيها» : أن تكون معتدلة فى الوزن فإن الأوزان ثلاثة: ثلاثية ورباعية وخماسية، فأكثرها استعمالا هو الثلاثى، وما ذاك إلا لخفته، وأبعدها فى الاستعمال الخماسى لأجل كثرة حروفه، وأوسطها الرباعى لحصوله بين الأمرين، والتعويل فى ذلك على الذوق، فإنها ربما كثرت وهى خفيفة على اللسان كقوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
[البقرة: 137] وكقوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
[النور: 35] ، ولهذا عيب على امرىء القيس فى قوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص فى مثنّى ومرسل «1»
وثالثها: توالى الحركات فإذا حصل سكون الوسط كان أعدل ما يكون وأرق وإن توال ثلاث فتحات فهو أخف من حصول الضم فى وسطه، فلهذا فإن فرسا، أخف من عضد، والمعيار فى ذلك هو عرضه على ما قلنا من تحكيم الذوق، ولهذا فإنه قد يتوالى ضمتان وهو غير ثقيل كقوله تعالى ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47)
[القمر: 47] وقوله: فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52)
[القمر: 57] فالتعويل على ما ذكرناه فى كل أحواله وبالله التوفيق.
(1/60)

البحث الثالث فى مراعاة المحاسن المتعلقة بمفردات الألفاظ
اعلم أن هذا البحث متعلقه اللفظة الواحدة على انفرادها، وهو مخالف لما سبق مما أودعناه البحث الثانى، لأنه نظر يختص مفردات الحروف، وكيفية تأليفها فلا جرم كان مخالفا لما قبله، واعلم أن من الناس من زعم أنه لا قبيح فى الألفاظ وأنها كلها حسنة لأن الواضع لا يضع إلا الحسن، وهذا فاسد لأمرين أما أولا فلأنه لو كان الأمر كما زعموه لكان لا تقع التفرقة بين الألفاظ فى الأبنية، والأوزان، والخفة، والثقل، ولما عرفنا تفاوتها فى ذلك تحققنا أن منها ما يكون فى غاية الرقة واللطافة، ومنها ما يكون فى نهاية الثقل والبشاعة، وأما ثانيا: فلأنه كان يلزم أن لا تقع التفرقة بين الشاذ، والمألوف، والنادر، والمستعمل، من جهة الوضع، فلما كان الأمر فى ذلك ظاهرا بطل ما توهموه. ولنضرب فى ذلك أمثلة ثلاثة توضح المقصود:
المثال الأول: أسماء الخمر كثيرة ترتقى إلى خمسين اسما كلها متفاوتة فلفظ الخمر أحسن من قولنا زرجون وإسفنط، ولفظ السلافة أعجب من قولنا قرقف وخندريس.
المثال الثانى: فى أسماء الأسد وهى كثيرة فقولنا: أسد أحسن من قولنا: فدوكس، وهرماس، وقولنا: ورد، وهزبر، أحسن من قولنا غضنفر وما ذاك إلا من أجل اختصاص بعض الألفاظ برقة ورشاقة تخالف اللفظ الآخر.
المثال الثالث: فى أسماء السيف فإن لفظ الصارم، والمهند، والسيف، أحسن من لفظ خنشليل فمثل هذا كيف يمكن دفعه، وأنت إذا تأملت جميع ما ورد من ألفاظ التنزيل والسنة الشريفة وجدتهما على نهاية الكمال فى مراعاة الألفاظ الرقيقة والخفيفة والمألوفة، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الفصاحة فى الألفاظ المفردة يجب أن تكون مختصة بخصائص:
الخاصة الأولى: أن تكون اللفظة عربية قد تواضع عليها أهل اللغة، لأن الفصاحة والبلاغة مخصوصان بهذا اللسان العربى دون سائر اللغات من الفارسية والرومية والتركية فلا مدخل لهذه الألسنة فى فصاحة وبلاغة، نعم ليس بمنكر استعمال شىء من هذه اللغات على جهة التعريب له، وقد ورد فى القرآن الكريم استعمالها، وحسن موقعها لما
(1/61)

عربت واستعملها العرب كما ورد فى «السجيل» و «الإستبرق» و «المشكاة» وورد فى اللغة العربية «كاللجام» و «الفرند» و «الإسفنط» وغير ذلك، وقد أنكر أبو بكر الباقلانى أن يكون فى القرآن شىء من غير لغة العرب، وهذا خطأ. فإن هذه الألفاظ لا يمكن إنكار ورودها فى القرآن ولا يسمع جعلها من لغة العرب، فإنها غير جارية على قياسها فى الأوزان والأبنية.
الخاصة الثانية: أن تكون جارية على العادة المألوفة فلا تكون خارجة عن الاستعمال، فتكون شاذة عن الاستعمال المطرد فى معناها، وبنائها، وإعرابها، وتصريفها، لأن كل واحد من هذه الأمور له قياس يحصره، ومعيار يضبطه يجرى على مطرد القياس والعادة المألوفة، ولأن الفصاحة إنما تكون إذا كان اللفظ جاريا على ما ذكرناه فلأجل هذا وجب مراعاة ما ذكرناه وأنت إذا تصفحت آى القرآن وألفاظ السنة النبوية وجدتها كلها جارية على المعيار الذى لخصناه ولا تخرجان عنه بحال، فما خالف أوضاع اللغة فهو مردود، كمن يضع لفظ السماء يريد به الأرض، وما خالف الأبنية المقيسة فهو مردود أيضا، وما كان أيضا مخالفا للأقيسة الإعرابية فى رفع الفاعل ونصب المفعول ومخالفا للأقيسة التصريفية من قلب الواو والياء المفتوح ما قبلها ألفا، فهو لحن مردود، والكلام الفصيح مجنّب عما ذكرناه.
الخاصة الثالثة: أن تكون تلك اللفظة خفيفة على الألسنة لذيذة على الأسماع حلوة فى الذوق، فإذا كانت اللفظة بهذه الصفات فلا مزيد على فصاحتها وحسنها، ولهذا فإن ألفاظ القرآن يخف جريها على اللسان وتلذها الأسماع ويحلو مذاقها، وما كان على خلاف ما ذكرناه فلا مزيد على قبحه، ومخالفته لمنهاج الفصاحة والبلاغة جميعا فيما يكون ثقيلا على الألسنة كريها وحشيا فى غاية البشاعة، ولنضرب له أمثلة:
المثال الأول: لفظة «جحيش» فإنه وقع فى شعر «تأبط شرا» فى أبيات الحماسة فى قوله:
يظل بموماة ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المهالك «1»
فإنها قبيحة جدا، ونظيرها قولنا: «فريد» فإنه بمعناها، وبينهما بون لا يدرك بقياس.
(1/62)

المثال الثانى قولنا: «اطلخمّ الأمر كما وقع لأبى تمام حيث قال «قد قلت لما اطلخم الأمر» فإن هذه اللفظة منكرة قبيحة مجانبة للكلم الفصيحة.
المثال الثالث قولهم جفخت كما وقع فى شعر أبى الطيب المتنبى قال:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم «1»
والمراد فخرت وهذه اللفظة من مستقبحات الألفاظ ومستهجناتها فما هذا حاله ينبغى تجنبه.
الخاصة الرابعة: أن تكون اللفظة مألوفة فى الاستعمال فلا تكون وحشية، ويقرب معناها فلا يبعد تناوله، فيكون سهلا بالإضافة إلى لفظه، سريع الوقوع فى النفوس بالإضافة إلى معناه، وقد زعم بعض النظار من أهل هذه الصناعة أن الكلام الفصيح ما كان فى ألفاظه عنجهية الغرابة وبعد عن الأفئدة الإحاطة بمعناه وعز عن الأفهام إدراكه، فما هذا حاله يصفونه بالفصاحة، وهذا جهل بمحاسن الفصاحة وأوضاع البلاغة فإنك ترى ألفاظ القرآن والسنة النبوية مع بلوغهما كل غاية من الفصاحة بحيث لا يدانيهما كلام فى غاية البيان والظهور بالإضافة إلى ألفاظهما، وفى نهاية القرب بمعانيهما، وقد وصف الله كتابه الكريم بأنه بيان وتبيان، ولهذا فإنه لا يكاد يشكل من ألفاظ القرآن والسنة على أحد إلا من جهة التركيب لا غير، فأما مفرداتهما ففى غاية الوضوح والبيان والظهور، فمتى حصلت هذه الخواص التى ذكرناها لكل لفظة كانت الغاية، وعد الكلام فصيحا بلا مرية.
الخاصة الخامسة: أن يكون اللفظ مختصا بالجزالة والرقة ولسنا نعنى بالجزالة فى الكلام أن يكون وحشيا فى غاية الغرابة فى معانيه والوعورة فى ألفاظه، ولا نريد بالرقة أن يكون ركيكا نازل القدر سفسافا، ولكن المقصود من الجزالة أن يكون مستعملا فى قوارع الوعيد، ومهولات الزجر وأنواع التهديد، وأما الرقة فإنما يراد بها ما كان مستعملا فى الملاطفات واستجلاب المودة والبشارة بالوعد، والقرآن العظيم وارد بالأمرين جميعا، ولنورد من ذلك أمثلة ثلاثة موضحات مقصودنا مما نريده ههنا.
المثال الأول: فى الجزالة وما ورد فيها وهى مخصوصة بذكر أهوال القيامة، والتحفظ على الأوامر والمناهى عن الحدود، وحكاية إيقاع المثلات بالأمم الماضية وغير ذلك مما
(1/63)

يكون خطابا جزلا وقولا فصلا لا هزلا قال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
[الكهف: 47] إلى آخر الآية، وقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
[الزمر: 68] إلى آخر السورة وقوله تعالى:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ
[الأعراف: 133] وقوله تعالى: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)
[الأنعام:
44] وقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
[التوبة: 5] .
وأما الرقة فهو ما كان مستعملا فى الملاطفة والاستعطافات، وأنواع الترحم، ومحادثة القلوب، بذكر الله تعالى إلى غير ذلك، وذلك نحو قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)
[الشرح: 1، 2] إلى آخرها وقوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
[البقرة: 186] إلى آخر الآية وقوله تعالى: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3)
[الضحى: 1، 2، 3] إلى غير ذلك من مواقع الملاطفة والإبذان بالرحمة والتقريب للعباد وإعلامهم بعظيم الرحمة والمغفرة.
المثال الثانى: ما ورد فى السنة النبوية على مثال ذلك وحذوه، أما الجزالة فكما قال عليه السلام: «يا بن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك وتطلب ما يطغيك لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أما رأيت المأخوذين على الغرة المزعجين بعد الطمأنينة، الذين أقاموا على الشبهات، وجنحوا إلى الشهوات، حتى أتتهم رسلهم، فلا ما أمّلوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا، قدموا على ما عملوا، وندموا على ما خلفوا، ولن يغنى الندم، وقد جف القلم» فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من جزالة اللفظ.
وأما الرقة فكقوله صلّى الله عليه وسلّم «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، واعدد نفسك فى الموتى، فإذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح، وإذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك» . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «رحم الله امرأ تكلم فغنم، أو سكت فسلم، إن اللسان أملك شىء للإنسان» إلى غير ذلك من الرقائق فى كلامه وأنواع الملاطفات.
المثال الثالث: ما ورد من كلام أمير المؤمنين، كرم الله وجهه فإنه قد تفنن فى أساليب
(1/64)

الكلام، واستولى منه على بدائعه وغرائبه، وقد نبهنا على ذلك فى شرحنا لكلامه فى نهج البلاغة.
فأما الجزالة فمنها قوله لأصحابه: تجهزوا رحمكم الله فقد نودى فيكم بالرحيل، وأقلوا العرجة على الدنيا، وأخرجوا منها قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم، فقدموا بعضا، يكن لكم قرضا، ولا تخلفوا كلّا، فيكون عليكم كلّا.
فانظر إلى هذا الكلام ما أجزله وما أوضحه لبيان ما اشتمل عليه وتناوله.
وأما الرقة، فمنها قوله عليه السلام: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوى عن الغى والعدوان من لهج به، وقوله عليه السلام فى بعض مناجاته: اللهم صن وجهى باليسار ولا تبذل جاهى بالإقتار، فأفتن بحب من أعطانى، وأبلى ببغض من منعنى، وأنت من وراء ذلك كله ولى الإعطاء والمنع، إنك على كل شىء قدير.
وله عليه السلام فى تعليم الحرف، والوعظ، وتذكير الآخرة من الفخامة والجزالة، وفى الرقائق فى تعليم معالم الدين، وإرشاد الخلق إلى مكارم الأخلاق، كلام بالغ، ووعظ زاجر، ما لا يوازيه كلام، ولا يساوى نظمه وإن انتظم أى نظام.
البحث الرابع فى مراعاة المحاسن المتعلقة بمركبات الألفاظ
وهذا نحو التجنيس كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[الروم: 55] والترصيع، كقول عبد الرحيم بن نباتة الواعظ فى بعض خطبه:
الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره.
والتصريع: وإنما يكون فى المنظوم الشعرى وغير ذلك من فنون البديع، فإن هذه الأمور كلها سنوردها فى فن المقاصد، ونظهر أسرارها وما اشتملت عليه من المحاسن.
فصار تأليف الألفاظ والكلم المفردة فى إفادتهما للفصاحة بمنزلة تأليف العقد وانتظامه، فلا بد فى ذلك من مراعاة أمور ثلاثة.
أولها: اختيار الكلم المفردة كما فصلناه من قبل، كاختيار مفردات اللآلىء وانتقائها فى حسن جوهرها وصورتها.
وثانيها: نظم كل كلمة مع ما يشاكلها أو يماثلها كما يحسن ذلك فى تركيب العقد
(1/65)

ونظمه، لأنها إذا حصلت مع ما يشاكلها وقعت فى أحسن موقع وجاءت فى أعجب صورة.
وثالثها: مطابقة الغرض المقصود من الكلام على اختلاف أنواعه وتباين فنونه فلا بد من أن يكون موافقا لما أريد به بعد اختصاصه بالتركيب، وهو غرض عظيم، لابد من رعايته ونظيره فى العقد، فإنه بعد إحكام تركيبه وإتقان تأليفه لابد من مطابقته لما صيغ له فتارة يجعل إكليلا على الرأس، ومرة يجعل طوقا فى العنق، وقد يجعل شنفا على الأذن، وإذا خالف فى ذلك بطل المقصود وفات الغرض، فإذا جعل إكليل الرأس على غيره، أو جعل طوق العنق فى غيره بطل المقصود وفات الغرض، والكلام بعد تركيبه إذا وضعته فى غير موضوعه ولم تقصد به ما هو موضوع له انخرم المقصود به وكان خاليا عن البلاغة.
فالأمر الأول والثانى من هذه الأمور الثلاثة يتعلق بالفصاحة، لأنها من عوارض الألفاظ، ومجموع الثلاثة كلها هو المراد بالبلاغة، لأنها من عوارض الألفاظ والمعانى جميعا كما سنوضح التفرقة بينهما بمعونة الله تعالى فهذا ما يتعلق بخصوص الفصاحة.
المطلب الثانى فى ذكر ما يتعلق ب [البلاغة] على الخصوص
اعلم أن البلاغة فى وضع اللغة، هى الوصول إلى الشىء والانتهاء إليه فيقال بلغت البلد أبلغ بلوغا، والاسم منه البلاغة، وسمى الكلام بليغا، لأنه قد بلغ به جميع المحاسن كلها فى ألفاظه ومعانيه، وهو فى مصطلح النظار من علماء البيان عبارة عن الوصول إلى المعانى البديعة بالألفاظ الحسنة. وإن شئت قلت هى عبارة عن حسن السبك مع جودة المعانى، والمقصود من البلاغة هو وصول الإنسان بعبارته كنه ما فى قلبه مع الاحتراز عن الإيجاز المخل بالمعانى، وعن الإطالة المملة للخواطر. فإذا تمهدت هذه القاعدة، فلنذكر مواقع البلاغة ثم نذكر مراتبها ثم نردفها ببيان حكمها فهذه مباحث ثلاثة.
المبحث الأول فى بيان موقع البلاغة
اعلم أن الأشياء فى التحقق والثبوت على مراتب أربع:
الأولى منها: تحققها فى الذهن وتصورها، وهذه الرتبة هى الأصل وعليها تترتب
(1/66)

الوجودات الأخر، لأن الشىء إذا لم يكن له تصور فى الذهن وتحقق فإنه لا يمكن وجوده فى الخارج بحال ثم بعض التصورات الذهنية قد يستحيل وجودها فى الخارج كما تقول فى القديم تعالى والقدرة القديمة والحياة القديمة فإن هذه وإن أمكن تصورها فى الذهن لكن لا حقيقة لها فى الخارج بالبرهان العقلى، وتارة يكون له وجود فى الخارج وهو سائر الممكنات.
المرتبة الثانية: التحقق فى الأعيان وهذا نحو ما يوجد فى العالم من المكونات، فإن لها تحققا فى الوجود الخارجى والتعين الوجودى، ولسنا نريد بالوجود العينى هو كل مدرك ولكن نريد كل ما حمله الوجود الخارجى عن الذهن، مدركا كان أو غير مدرك.
المرتبة الثالثة: الألفاظ الدالة على تلك الصور الخارجية والذهنية فإن ههنا ألفاظا قد وضعت للدلالة عليها لضرب من المصلحة العقلية.
المرتبة الرابعة: الكتابة الدالة على تلك الألفاظ فالمرتبتان الأوليان لا يفتقران إلى المواضعة، لأنهما عقليان، والمحتاج إلى المواضعة إنما هو المرتبة الثالثة، والرابعة، ومزية الكمال فى الحسن والجمال تكون فيهما جميعا، والبلاغة تحصل فى كل واحد منهما، لكن الكلام أوسع مجالا وأعظم مضطربا، وفيه وقع التنافس فى البلاغة نظما ونثرا. والكتابة مسبوقة فى المواضعة عليها بالكلام فلا يمكن المواضعة عليها إلا بعد سبق الكلام وقد تفننوا فى الخط أنواعا من التفنن وتوسعوا فيه ضروبا من التوسعات، ولنشر من ذلك إلى تصرفين:
التصرف الأول: منها بالإضافة إلى النّقط، وذلك على أوجه أربعة:
أولها أن تكون الكلمات المتوالية معراة كلها من النقط، وهذا مثاله قول الحريرى:
أعدد لحسادك حد السلاح ... وأورد الآمل ورد السماح
وثانيها: أن تكون الكلمات كلها لا حرف منها إلا وهو منقوط ومثاله أيضا ما قاله الحريرى
فتنتنى فجننتنى تجنى ... بتجن يفتن غب تجنى
وثالثها: أن توجد كلمات، واحدة منها كلها منقوطة وواحدة لا حرف فيها منقوط وهذا كقوله أيضا: «الكرم- ثبت الله جيش سعودك- يزين، واللؤم- غضّ الدهر جفن حسودك- يشين.
(1/67)

ورابعها: كلمة واحدة، واحد من أحرفها منقوط، والآخر معرى من النقط، ومثاله قوله أيضا: «أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلبّ» .
التصرف الثانى: يرجع إلى الاتصال والانفصال فى الأحرف، وذلك يكون على وجهين، أحدهما أن تكون منفصلة، ومثاله ما قاله بعضهم:
وزر دار زرزور وزر دار زاره ودار رداح إن أردت دواء فترى هذه الأحرف حاصلة على جهة الانفصال.
وثانيها: أن تكون متصلة كلها وهذا كثير كقوله «فتنتنى فجننتنى» وقد سبق. ولنقتصر على هذا القدر من بلاغة الخط والكتابة. ولنرجع إلى مقصودنا من بيان مواقع البلاغة فى الألفاظ.
واعلم أن البلاغة مختصة بوقوعها فى الكلم المركبة، دون المفردة، فلا يوصف الكلام بكونه بليغا إلّا إذا جمع الأمرين جميعا مع حسن اللفظ، وجودة المعنى، فمتى كان هكذا وصف بالبلاغة، فإن كان المعنى جزلا، واللفظ غير فصيح، أو كان اللفظ فصيحا، وكان معناه ركيكا نازلا، فإنه لا يوصف بالبلاغة أصلا، وهذا غير مستبعد.
وبيانه بالمثال، فإنّ من كان معه لآل، كل واحد منها فى نهاية النفاسة على انفرادها، ثم ألفها تأليفا نازل القدر فإنه يهون أمرها، حتى يقال: إن هذه ليست تلك من أجل قبح تأليفها. وعكسه من كانت معه لآل نازلة القدر فألفها تأليفا عجيبا، ونظمها نظما رشيقا يعظم فى المرأى موقعها حتى يخيل للناظر أنها غيرها لما يظهر من حسن التأليف، فهكذا حال الكلم المفردة بالإضافة إلى تأليفها ونظمها، فإن فاق اللفظ والمعنى فهو الموصوف بالبلاغة، فإن نقص أحدهما وبطل لم يكن موصوفا بالبلاغة فموقعها الأمران جميعا كما أشرنا إليه.
المبحث الثانى فى مراتب البلاغة
اعلم أن الألفاظ إذا كانت مركبة لإفادة المعانى، فإنه يحصل لها بمزية التركيب حظ لم يكن حاصلا مع الإفراد، كما أن الإنسان إذا حاول تركيب صورة مخصوصة من عدة أنواع مختلفة أو عقد مؤلف، من خرز ولآلىء، فالحسن فى تركيب الألفاظ غير خاف، ثم ذلك الحسن له طرفان، ووسائط:
(1/68)

فالطرف الأعلى منه يقع التناسب فيه بحيث لا يمكن أن يزاد عليه، وعند هذا تكون تلك الصورة وذلك النظام فى الكلام فى الطبقة العليا من الحسن والإعجاب، والطرف الأسفل أن يحصل هناك من التناسب قدر بحيث لو انتقص منه شىء لم تحصل تلك الصورة، ثم بين الطرفين مراتب مختلفة متفاوتة جدا.
فإذا عرفت هذا فنقول أما الطرف الأسفل فهل يعد من البلاغة أم لا؟ فيه تردد، والحق أنه معدود منها؛ لأنا قد قلنا: إنه طرف لها وما كان طرفا للشىء فهو منه وبعض له، وزعم ابن الخطيب أنه ليس من البلاغة فى شىء، ولا يكون معدودا منها؛ لأن منزلة البلاغة أعلى وأشرف من أن يقال: إنه ليس بين هذا الكلام وبين خروجه عن حد البلاغة إلا أن ينقص منه شىء، فما هذا حاله من الكلام لا يعد من البلاغة أصلا، وأما سائر المراتب فإنها مع تفاوتها فى منازلها فهى معدودة من فن البلاغة خلا أنّ بعضها أبلغ من بعض، فالأعلى أبلغ مما تحته من المراتب. وأما الطرف الأعلى وما يقرب منه فهو المعجز، لأنه ليس فوقه رتبة، لأنه قد بلغ الغاية فى الفصاحة والبلاغة الحاصلين من جهة مفردات الحروف تارة، ومن جهة تركيبها أخرى.
المبحث الثالث فى حكم البلاغة
اعلم أنه لا خلاف بين أهل التحقيق من علماء البيان أن الكلام لا يوصف بكونه بليغا إلا إذا حاز مع جزالة المعنى فصاحة الألفاظ، ولا يكون بليغا إلا بمجموع الأمرين كليهما فقد صارت البلاغة وصفا عارضا للألفاظ والمعانى كما ترى.
وأما الفصاحة فهل تكون من عوارض الألفاظ، أو تكون من عوارض المعانى، أو لمجموعهما؟ فيه مذاهب أربعة:
أولها: أنها من عوارض الألفاظ مجردة لا باعتبار دلالتها على المعانى، وهذا هو الذى يشير إليه كلام ابن الأثير فى كتابه المثل السائر فإنه قال: إنّ الفصاحة مدركة بالسمع، وليس يدرك بحاسة السمع إلا اللفظ، فلهذا كانت مقصورة عليه.
وثانيها: أن الفصاحة من عوارض المعانى دون الألفاظ وهذا هو الذى يرمز إليه ابن الخطيب الرازى فى كتابه نهاية الإيجاز، فإنه زعم أن الفصاحة عبارة عن الدلالات المعنوية
(1/69)

لا غير من غير حاجة إلى اللفظ لا على جهة القصد، ولا على جهة التبعية.
وثالثها: أن الفصاحة عبارة عن الألفاظ باعتبار دلالتها على مسمياتها المعنوية، وهذا شىء حكاه ابن الخطيب فى كتاب النهاية ولم يعزه إلى أحد من علماء البيان. وحاصل مذهبهم أن الفصاحة عبارة عن الأمرين جميعا، فلا هى من أوصاف اللفظ كما زعمه ابن الأثير على الخصوص، ولا هى من أوصاف المعانى على الخصوص كما حكيناه عن ابن الخطيب.
ورابعها: أن تكون الفصاحة مقولة على الأمرين جميعا، فتكون مفيدة لهما جميعا فيكون الأمران جميعا أعنى المعانى والألفاظ من مسمى قولنا: فصاحة، وهذا المذهب يخالف المذهب الثالث، فإن هؤلاء جعلوا اللفظ والمعنى من مدلول لفظ الفصاحة. والذين قبلهم جعلوا اللفظ هو مسمى الفصاحة، لكن اعتبار المعنى على جهة الضم والتبعية لا غير.
فهذا تقرير مذاهب العلماء فى مدلول لفظ الفصاحة، وفائدة إطلاقه.
والمختار عندنا تفصيل نشير إليه، وهو أن الفصاحة من عوارض الألفاظ، لكن ليس بالإضافة إلى مطلق الألفاظ فقط، ولكن بالإضافة إلى دلالتها على معانيها، فتكون الفصاحة عبارة عن الأمرين جميعا مطلق الألفاظ ودلالتها على ما تدل عليه من معانيها المفردة والمركبة، وهذا المذهب هو الذى حكاه ابن الخطيب عن بعض علماء البيان. ويدل على ما قلناه وجوه ثلاثة:
أولها: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن من البيان لسحرا» والبيان هو الفصاحة، لأن البيان هو الظهور، وذلك لا يستعمل إلا فى الألفاظ، ولا بد من اعتبار دلالتها على معانيها، لأنا لو لم نعتبر ذلك لكانت الألفاظ مما يمجها السمع، وينبو عنها الطبع، فضلا عن أن تكون سحرا. فإذن لا بد من اعتبار الأمرين فى كون الكلام فصيحا، ومراده عليه السلام بقوله «لسحرا» يعنى أنه يحير العقول فى حسنه ورونقه، ودقة معانيه، وعن هذا قال بعضهم:
فصاحة المنطق سحر الألباب.
وثانيها: أنهم يقولون فى الوصف كلام فصيح، ومعنى بليغ، ولا يقولون معنى فصيح، فدل ذلك على أن الفصاحة من متعلقات الألفاظ، وأن فصاحته إنما كانت باعتبار ما دل عليه من حسن المعنى ورشاقته. وفى هذا دلالة على وجوب اعتبار الأمرين فى فصيح الكلام كما قلناه.
(1/70)

وثالثها: أنا نراهم فى أساليب كلامهم يفضلون لفظة على لفظة، ويؤثرون كلمة على كلمة، مع اتفاقهما فى المعنى، وما ذاك إلا لأن إحداهما أفصح من الأخرى، فدل ذلك على أن تعلق الفصاحة إنما هو بالألفاظ العذبة، والكلم الطيبة ألا ترى أنهم استحسنوا لفظ الديمة، والمزنة، واستقبحوا لفظ البعاق لما فى المزنة، والديمة، من الرقة واللطافة ولما فى البعاق، من الغلظ والبشاعة. ومما أغرق فى اللذة والسلاسة قوله تعالى فى وصف خروج القطر من السحاب: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
[النور: 43] فأين هذا من قول امرىء القيس فى هذا المعنى:
فألقى بصحراء العبيط بعاعه
فانظر ما بين الودق والبعاع فاختصاص الودق بالرقة واللطافة عما تضمنه، البعاع، من الغلظ والبشاعة دلالة ظاهرة على ما قلناه من أن الفصاحة راجعة إلى اللفظ لأجل دلالته على معناه.
فأما من زعم أن الفصاحة متعلقها اللفظ لا غير، فقد أبعد، فإن الالفاظ لا ذوق لها ولا يمكن الإصغاء إلى سماعها إلا لأجل دلالتها على معانيها، فأما إذا خلت عن الدلالة عليها فلا وقع لها بحال، وغالب ظنى أنه لا بد له من اعتبار المعنى، خلا أنه يكون ضمنا وتبعا للألفاظ لا محالة.
وأبعد من هذا من زعم أن متعلق الفصاحة فى المعانى فقط، كما حكيناه عن ابن الخطيب فإن المعانى إنما توصف بالبلاغة، فأما الفصاحة فإنها من صفات الألفاظ كما مر بيانه. وعلى الجملة فإن أراد أنه لا بد من اعتبار الأمرين جميعا، اللفظ والمعنى، على أن إطلاق الفصاحة على أحدهما ويكون الثانى تبعا فالخلاف لفظى، وإن أراد أنّ إطلاق اسم الفصاحة إنما يكون على أحدهما على انفراده، فهو خطأ كما أسلفنا تقريره. فهذا ما أردنا ذكره فيما يخص كل واحد منهما.
(1/71)

المطلب الثالث فى بيان ما يكون على جهة الاشتراك بينهما
ولنشر من ذلك إلى تقريرين:
التقرير الأول فى إظهار التفرقة بينهما.
اعلم أنا قد أشرنا من قبل إلى تعريف كل واحد منهما بماهية تخصه وتميزه عن غيره فى ذاته، ونذكر ههنا ما يتميز به كل واحد منهما من جهة الخواص واللوازم، وجملة ما نورده من ذلك تفرقات ثلاث.
التفرقة الأولى: من جهة العموم والخصوص،
فإن البلاغة أعم من الفصاحة، ولهذا فإن كل كلام بليغ، فإنه لابد من أن يكون فصيحا، وليس يلزم فى كل فصيح من الكلام أن يكون موصوفا بالبلاغة، فالفصاحة والبلاغة بمنزلة الإنسان والحيوان، فكل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنسانا، وهذا يدلك على خصوصية الفصاحة وعموم البلاغة، فالبلاغة شاملة للألفاظ والمعانى جميعا، والفصاحة خاصة بالألفاظ من أجل دلالتها على معانيها كما أوضحناه من قبل.
التفرقة الثانية: من جهة الإفراد والتركيب،
فالبلاغة إنما يكون موردها فى المعانى المركبة دون المفردة، والفصاحة تكون فى الكلم المفردة كما تكون فى الكلم المركبة، ولهذا فإن الكلمة الواحدة توصف بكونها فصيحة إذا خلصت من التعقيد وسلس مجراها على اللسان، ولا توصف الكلمة المفردة بأنها بليغة، لأن المعنى البليغ إنما يكون حيث ينتظم الكلام ويأتلف من أجزاء، فعند هذا يظهر جوهره فى تأليفه، ويعظم موقعه فى نظمه فلا جرم يوصف بالبلاغة.
التفرقة الثالثة: من جهة جرى الأوصاف اللفظية،
فإن المعهود عند من قرع سمعه أساليب كلامهم أنهم يصفون البلاغة بما لا يصفون به الكلام الفصيح، وعن هذا قالوا لا يستحق الكلام الاتصاف بالبلاغة حتى يسابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، فلا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، وكما قالوا حتى يدخل إلى الأذن بلا إذن، وحتى يلج فى العقل من غير مزاولة ولا ثقل، وكما يحكى فى وصف رجل من البلغاء بأنه كانت ألفاظه قوالب المعانى، وقالوا فى وصف الفصاحة فى الكلام: بأنه متمكن غير قلق، ولا ناب عن موضعه، وقالوا أيضا: من حقه أن يكون جيد السبك صحيح الطبع وأن من حق
(1/72)

اللفظ أن يكون طبقا لمعناه من غير زيادة ولا نقص وربما يصفونه بالسلاسة والسهولة فى حسن ألفاظه ونظمه، وقد يذمونه بأنه معقد جرز، ولأجل تعقيده استهلك المعنى وأنه غريب وحشى فيه عنجهانية، ويختص بالخشونة فيصفون كل واحد من البلاغة والفصاحة بما يليق به، وفى هذا دلالة على حصول التفرقة بينهما كما ذكرناه، ومن أعجب ما نورد فيما نحن بصدده فى الفصاحة والبلاغة ما وجد فى كتاب زهر الآداب للشيخ أبى إسحاق إبراهيم بن على الحصرى من أوصاف بليغة على ألسنة أقوام من أهل الصناعات، فوصفوا البلاغة على وفق الصناعات فقال الجوهرى: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته الفكرة، ونظمته الفطنة وفصل جوهر معانيه فى سموط ألفاظه فاحتملته نحور الرواة. وقال العطار: أطيب الكلام ما كانت فيه عبقة الأفهام ودروزه الحلاوة ولابسه جسد اللفظ وروح المعنى. وقال الصباغ: ما لم ينتقص من إيجازه، ولم تنكشف صبغة إعجازه قد صقلته يد الروية من كمون الأشكال فراع كواكب الآداب، وألف عند ذوى الألباب. وقال القزاز: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه، فخرج مفوّفا منيرا موشى محبرا. وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج من حد التخليع إلى منزلة التقريب، وكان كالمهر الذى أطمع أول رياضته فى تمام ثقافته. وقال الجمّال: البليغ الذى أخذ بخطام كلامه فأناخه فى مبرك المعنى ثم جعل الاختصار له عقالا، والإيجاز له مجالا، لم يند عن الآذان، ولم يشذ عن الأذهان. وقال المتهم بالريبة: خير الكلام ما تكثرت أطرافه وتثنت أعطافه وكان لفظه حلة، ومعناه حلية. وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته فى مراجل العلم، وصفيته من راووق الفهم وضمنته دنان الحكمة فتمشت فى المفاصل عذوبته، وفى الأفكار رقته، وفى العقول حدته. وقال الفقاعى: خير الكلام ما روحت ألفاظه غباوة الشك ورفعت رقته فظاظة الجهل، فطاب حساء فطنته وعذب مصّ جرعه. وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر دواء بيانه سقم الشبهة استطلقت طبيعته غباوة الفهم فشفى من سوء التوهم، وأورث صحة التفهم. وقال الكحال: خير الكلام ما سحقته بمنحاز الذكاء، ونخلته بحرير التمييز وكما أن الرمد قذى الأبصار، فهكذا تكون الشبهة قذى البصائر، فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة بمرود اليقظة.
ثم أجمعوا عن آخرهم على أن خير الكلام وأبلغه فى الفصاحة وأجوده، هو الكلام الذى إذا أشرقت شمسه انكشف لبسه. فكل واحد من هؤلاء قد وصف البلاغة مما
(1/73)

اشتملت عليه من اللفظ والمعنى بما يخبر عن صنعته ويعلم من حال حرفته.
وأقول: إن أجمع عبارة فى وصف البلاغة والفصاحة، هو ما أجمعوا عليه من قولهم:
إن الكلام إذا أشرقت شمس لفظه، انكشف لبس معناه فإنها حاوية لمعانى البلاغة ومستولية على أسرار الفصاحة، فقوله: إذا أشرقت شمسه، يشير به إلى الفصاحة، لما فى الإشراق من الانكشاف والظهور، وقوله: انكشف لبسه، يشير به إلى ما تضمنه من البلاغة، لاشتمالها على إظهار المعانى. ولو قيل: هو الذى إذا طلع شمس لفظه، أضاء نهار معناه، لكان حسنا جيدا.
التقرير الثانى: فى بيان الشواهد على أسرار الفصاحة، وعجائب البلاغة
، وهما كما يردان فى المنظوم، يردان فى المنثور، وأحسن مواقعهما ما ورد فى المنثور، ولهذا لم يكن المعجز إلا نثرا وما ورد عن الله تعالى، وعن رسوله، وعن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وعن العرب، من النثر فى المحافل من الخطب أكثر من أن يعد ويحصى، فلا جرم رتبنا إيراد الشواهد على قسمين تمييزا لأحدهما عن الآخر.
القسم الأول: فى إيراد الشواهد المنثورة
وجملة ما نورده من ذلك ضروب ثلاثة.
الضرب الأول: الآى القرآنية
، والقرآن كله معجز لا تخص آية دون آية كما سنقرر إعجازه، ووجه إعجازه فى الفن الثالث بمعونة الله تعالى ولكنا نورد منه آيات ثلاثا، تنبيها بالأقل على الأكثر، لأنه قد بلغ الغاية فيما تضمنه من الغرائب واشتمل عليه من الأسرار والعجائب.
الآية الأولى، قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54)
[الأعراف: 54] .
فلينظر المتأمل فى هذه الآية العجيبة مع اشتمالها على العذوبة فى ألفاظها المفردة، والسلاسة فى تراكيبها، والنظام العجيب، والتأليف الأنيق، والأسلوب البديع، حتى لا تكاد لفظة واحدة تخلو عن ملاحظة البلاغة، ومواقع الفصاحة، وكيف احتوت على التنبيه على أسرار عظيمة ومعان فخمة على أسهل نظام وأيسره، وأتم بيان وأكمله، ولنشر إلى شىء من ذلك من الأمور الظاهرة.
(1/74)

التنبيه الأول
فى قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
صدر الجملة الابتدائية، بإنّ المؤكدة، لتدل على إيضاح الجملة وتحقيقها فى مبدأ الأمر ومطلعه، ثم قال: رَبَّكُمُ
يشير بذلك إلى الإبداع، والحدوث فيهم وأنهم مخلوقون مربوبون، وأنهم مندرجون تحت وجود الممكنات، داخلون فى حيز المكونات، وأنه لهم رب، ومالك لأمورهم وتصاريف أحوالهم، لا يملكها أحد غيره، ولا يقدر عليها سواه، وصدر الجملة بذكر الربوبية إشارة إلى عظم الاعتناء بذكرها وقطعا لاعتقاد من يعتقد خلاف ذلك، وتنبيها منه تعالى على استحقاقه لحقيقة الإلهية، من حيث كان مالكا لأزمّة الأمور، ومقاديرها، ومن لا يكون بهذه الصفة فإنه لا حظ له فيها، ولا يكون مستحقا لها بحال، وحكم على الربوبية بالإلهية، حيث جعل رَبَّكُمُ
مبتدأ وقوله اللَّهُ
خبره، إشارة إلى أن كل من كان موصوفا بالربوبية، فإنه مستحق للإلهية لا محالة، لأن استحقاقه للإلهية إنما يكون إذا كان منعما بأصول النعم، والرب هو المالك، ومن كان مالكا للشىء فله التصرف فيه، ومن ملك الشىء كان مستحقا لإعطائه وله من أصول النعم وفروعها، فلهذا قال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
ولم يقل: إن الله ربكم ملاحظة لما ذكرناه، ويشير بهذا النظام والتأليف إلى نكتة لطيفة، وهى أن الإلهية أعم من الربوبية، والربوبية أخص منها، جريا على قانون القياس فى العربية، من أن خبر المبتدأ لابد من أن يكون أعم منه، ولهذا جاز أن يقال: الإنسان حيوان، ولا يقال. الحيوان إنسان، فالإلهية أعم من الربوبية، فالربوبية على الحقيقة لا يستحقها إلا هو، لأن معناها لا يصلح إلا فيه، وأما الإلهية وهى استحقاق العبادة، فقد شاركه فيها غيره، زعما أن غيره يستحق العبادة، فأما الربوبية وهى الملك، فإنه لا يخلص على الحقيقة إلا له لكونه مالك المكونات دون غيره، ومن عجيب ما تضمنه هذا التنبيه أنه جمع الوصفين منبها على عظم القهر والاستيلاء، فلهذا كان ربا مالكا، وعلى كونه مختصا بصفات الجلال، فلهذا كان إلها.
التنبيه الثانى
فى قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
لما خاطبهم بالخطاب الدال على نهاية الملاطفة لهم حيث أضاف نفسه إلى نفوسهم بقوله: رَبَّكُمُ اللَّهُ
لما لهم من الاختصاص به حيث كان مالكا لأمورهم ومدبرا لأحوالهم، وما له من الاختصاص بهم،
(1/75)

حيث كان منعما بالخلق، والإيجاد، والتكوين، والرحمة، واللطف، فلهذا حصلت الإضافة منبهة على هذا المعنى، ودالة عليه، ثم عقب ذلك بقوله: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وإنما خصّ السموات والأرض، لما فيهما من باهر القدرة، وعظم الملكوت، ولهذا قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
[غافر: 57] وقدم السموات لأنها من أعظم المخلوقات، ألا ترى إلى قوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ
[الأعراف: 185] وقوله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[الأنعام: 75] ولما كانت مختصة به من الإحكام البديع والانتظام الباهر، ولما كانت مكانا لأشرف المخلوقات وهم الملائكة، ولما تميزت به من كونها موضعا للعبادة، والتقديس، والتمجيد، وأنواع العبادات كلها، ولكونها محطا للرحمة، ونفوذ الأوامر والأقضية، والتدبيرات ثم عقبها بذكر الأرض مشيرا إلى عظم منافعها وكونها متصرفا للخلق، وبساطا ممهدا للتصرفات، واستصلاح الأقوات من الزروع والثمار، والفواكه وأنواع المعادن، وغير ذلك ثم قال: وَما بَيْنَهُما
يشير به إلى مهابّ الريح، وتصاريفها من أجل إصلاح الزروع، وتحريك السفن، وجرى السحاب لإرسال الأمطار، وطلوع الشمس والقمر، من أجل الإضاءة والإنارة للعالمين، والنجوم للاهتداء فى ظلمات البر والبحر، ثم إيراده عقب قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
على جهة التعليل لاستحقاقه للربوبية والإلهية فكأنه قال:
وإنما كان ربا لكم، وإلها ومستحقا لهاتين الصفتين من أجل أنه خالق السموات والأرض وما بينهما، فإن من هذه حاله فإنه مستحق لا محالة لأن يكون ربا وإلها، فالتكوين فى هذه الأمور الثلاثة فيه دلالة على أنه لابد من موجد وقادر، ومكون، لأن من المحال فى العقول أن حصول الشىء بعد أن لم يكن لابد له من قادر، وموجد، فمطلق الإيجاد والتكوين دالان على القادرية، والخلق وهو التقدير فيه دلالة باهرة على الإتقان، وهى العالمية ثم قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فيه تنبيه على الوحدانية، لأن من هذه حاله فى التكوين والإيجاد لا يكون إلا مختصا بالإلهية والربوبية دون غيره، لما قد تقرر ببرهان العقل استحالة مكون لهذه الأشياء سواه فكأنه قال إن ربكم الله الذى من شأنه خلق هذه المكونات الباهرة لا رب ولا إله لكم غيره، ثم لما كانت دالة على القادرية، والعالمية، كما أشرنا إليه فهى دالة على الوجود بلا أولية، لأنه لو كان معدوما لاستحال منه الإيجاد لهذه المكونات، لأنه لا فرق فى مسالك العقول بين إسنادها إلى العدم وبين
(1/76)

إسنادها إلى مؤثر هو عدم، وأنه لا أولية لوجوده، إذ لو كان له أول لاحتاج إلى مؤثر فإما أن يفتقر كل واحد منهما إلى صاحبه، وهو الدور، أو يحتاج إلى مؤثر ومؤثره إلى مؤثر، إلى غير غاية، وهو التسلسل، وكلاهما محال فى العقل لأمور قررناها فى الكتب العقلية ثم قال: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
فليس الغرض ذكر أدنى العدد، فأقله ساعة واحدة، ولا الغرض الإشارة إلى أكثر الأعداد فهى بلا نهاية، وبين هذين وسائط من مراتب الأعداد كثيرة ومن عرف باهر القدرة علم قطعا أن خلق هذه المكونات ممكن فى لحظة واحدة، ولكن الغرض بالتقدير إشارة إلى قوله: سرّ ومصلحة استأثر الله بعلمها ومصداق ما قلناه قوله تعالى:
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[يس: 82] .
التنبيه الثالث
قوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
ظاهر الآية دال على أن الاستواء إنما كان بعد خلق السموات والأرض وإكمال أحوالهما، فأما خلق العرش فليس فى ظاهر الآية ما يدل على تعين وقت خلقه فبقى الأمر فيه على الاحتمالين حتى يدل دليل شرعى على ذلك، والعرش والكرسى من أعظم المخلوقات، لما خصهما الله تعالى من عظم الخلق، ولما اشتملا عليه من الأسرار الإلهية، والحكم المصلحية التى لا يحيط بعلمها إلا الله تعالى.
والاستواء فيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى الاستيلاء يقال: فلان الملك قد استوى على ملكه، أى استولى عليه وأحاط به فلا يشذ عنه منه شىء، وثانيهما: أن يكون الاستواء على حاله من غير تأويل من قولهم: الأمير استوى على سرير مملكته أى تمكن فيه، وتحقيقه، قعد عليه قعود المتمكن المستقر، لا قعود القلق المنزعج، وكلاهما حاصل فى حق الله تعالى، فعلى المعنى الأول أن الله استولى على العرش وملكه وأحاط به علما واقتدارا، وعلى الوجه الثانى يكون على جهة التخييل كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[الفتح: 10] وتقرير التخييل، أن الحالة الحاصلة للملك فى الاستقرار والتمكن على تخت مملكته، وسريره، هى حاصلة لله تعالى على عرشه، كما فى قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: 64] كما سنقرره فى التخييل ونوضح أمثلته بمعونة الله تعالى.
وأتى بثم، دون الفاء ليدل بها على التراخى، ولأن نظام الآية معها يكون أسلس وأسهل والسبك بها أتم وأعجب، وهذا يذوقه من جاد ذوقه وسلم طبعه عن عجرفة الكلام، وزال عن العنجهانية فى القول.
(1/77)

التنبيه الرابع
قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
[الأعراف: 54] ظاهر الآية ههنا دال على أن الغاشى هو الليل لقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى
[الليل: 1] فالليل إذا غاش للنهار يطلبه، فهذا هو الظاهر من الآية ويحتمل أن يكون الغاشى هو النهار، وأن الغشيان مضاف إليه دون الليل، وأن الليل لا يغشى النهار، بخلاف التكوير فى قوله تعالى:
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
[الزمر: 5] وبخلاف الإيلاج فى قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
[الحديد: 6] فإن التكوير والإيلاج يصلح أن يكون فى كل واحد منهما كما فى ظاهر هاتين الآيتين، والسر فى ذلك هو أن التكوير هو الجمع، يقال: كور الليل، إذا جمعه ومنه كارة القصار، والإيلاج هو الإدخال يقال:
ولج فى بيته، إذا دخل فيه، وهذان المعنيان يصلحان فى كل واحد من الليل والنهار، لأن الليل يجمع على النهار كما يجمع النهار على الليل، وهكذا الإيلاج، فإن الليل يدخل فى النهار، كما يدخل النهار فى الليل. بخلاف الغشيان، فإنه مخصوص بالنهار، والسر فى ذلك هو أن النور أمر وجودى محقق، والظلمة أمر عدمى، وحقيقتها آئلة إلى أنها عدم النور، فهكذا تقول: الليل حقيقة آئلة إلى عدم الإضاءة، والنور حقيقة آئلة إلى حصول الإضاءة والإنارة، وإذا كان الأمر كما قلناه من ذلك صح وصف النهار بالغشيان لظلمة الليل، لأنه يطلع بالإنارة فيغشى الليل بإذهابه، ووصف النهار بكونه غاشيا استعارة حسنة، إذ الغشاء هو الغطاء فنزله أعنى النهار فى إذهابه لظلام الليل، منزلة من يغطى الشىء بالغشاوة ويستره، لأنه يذهب ظلمته ويزيلها بطلوعه، ويمحوها بإنارته.
ويجوز أن يكون من باب التشبيه، ولهذا فإنك لو أظهرت أداة التشبيه لحسن ذلك، فتقول النهار يذهب ظلمة الليل عند غشيانه كالثوب يغشى جسد الإنسان ويشتمل عليه عند ارتدائه به، وتوجيهه على جهة الاستعارة ألطف بمعناه، وأرق لألفاظه من التشبيه لأن الاستعارة فيه أظهر، لأن المستعار منه مطوى الذكر، فلهذا حسن موقعها وأنت إذا أظهرت أداة التشبيه تكاد تنقص من بلاغته، وتغض من موقع فصاحته وإنما قال: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
[الأعراف: 54] ولم يقل يلبس ولا يخلط الليل بالنهار، لأن لفظة التغشية، أبلغ فى الإحاطة والشمول من لفظة الإلباس والاختلاط، مع ما فيها من الرقة واللطافة، والخفة والسلاسة، وهى مؤذنة أيضا بشدة الاتصال والالتحام بين الغشاوة، والمغشى،
(1/78)

ومصداق ما قلناه قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
[يس: 37] فشبه انفصال الليل من النهار بسلخ الأديم عن الشاة، وهذا يدلك على عظم اتصال الليل بالنهار وشدة التحامه به، ولهذا فإنك ترى الفجر عند طلوعه، نوره فى غاية الامتزاج والاختلاط بظلام الليل، فلا يزال النهار فى قوة، وغلبة، وظهور، حتى يستولى عليه بالإنارة فيمحوه ويزيله، فالسلخ مؤذن بشدة الالتحام، كالجلد، والغشيان مؤذن بعظم الاستيلاء والاشتمال، وكلاهما مشعر بالاتصال البالغ.
يُغْشِي اللَّيْلَ
جملة فعلية خبرية حال من الضمير فى خلق، ولهذا جاءت من غير واو، دالة على اندراجها تحت ما تقدم يَطْلُبُهُ
جملة أيضا خبرية حال من النهار، ومجيئها من غير واو تنبيه على أنها موضحة للغشيان ومفسرة له، لأنه لما جعل النهار غاشيا لظلمة الليل بالإنارة جعل النهار كالطالب لظلام الليل بالسرعة فى الإزالة والمحو، فكأنه قال: أغشيت الليل النهار، وجعلت النهار طالبا له بالسرعة والإحثاث، ويحتمل أن يكون (يطلبه حالا من الليل، أى جعلت الليل طالبا للنهار يستدعيه لإزالة ظلمته وكشف سواده بالإنارة والضوء، والأول أعجب، لأجل تقدم قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
فلما كان النهار غاشيا لظلام الليل، كان هو الطالب لإزالة ظلامه، وانتصاب حَثِيثاً
إمّا على الحال من النهار، أى مسرعا عجلا، وإما على الصفة لمصدر محذوف، أى طلبا حثيثا، وكلا المعنيين لا غبار على وجهه، وإنما جاء قوله: خَلَقَ
على صيغة الماضى، وقوله: يُغْشِي
ويَطْلُبُهُ
على صيغة المضارع، تنبيها على استقرار الخلق وتحققه وثبوته بالمضى، ولما كان الغشيان والطلب يتجددان بحسب الأوقات، جاءت المضارعة للإشعار بالتجدد والحدوث. وإنما قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
ولم يقل: الخالق للسموات والأرض، لأن الفعل الماضى أدل على تحقق الخلق وثبوته واستمراره من اسم الفاعل.
التنبيه الخامس
قوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ
انتصابها على العطف، أى وخلق هذه الكواكب العظيمة المختصة بالإتقان العجيب، والإحكام الباهر، ولما اشتملت عليه من المصالح العامة للخلق، فالشمس للضوء، والإنارة، والدفء، وإصلاح جميع الناميات، والقمر للنور الساطع، وتقدير الأوقات، والنجوم للاهتداء فى ظلمات البر والبحر، وغير ذلك من المنافع والمصالح: مُسَخَّراتٍ
انتصابه على الحال من جميع ما
(1/79)

تقدم، أى مذللات لهذه المنافع، على قانون الحكمة، وعلى وفق ما قدر فيها من المصالح بِأَمْرِهِ
فيه وجهان، أحدهما: أن تكون الباء فيه للإلصاق، ومعناه أن التسخير والإذلال ملتصقان بالأمر، كما تقول: كتبت بالقلم، وثانيهما: أن تكون الباء للحال، وعلى هذا يكون معناه ملتبسات بالأمر فى كل الأحوال لا يخرجن عنه ساعة واحدة، ولا يملن عن الانقياد طرفة عين، وإنما قال: بِأَمْرِهِ
ولم يقل: بقدرته، مع تحقق الحاجة إلى القدرة أكثر من الحاجة إلى الأمر، لأنه لما ذكر التسخير وفيه معنى الطاعة والانقياد، عقبه بذكر الأمر، لما كانت الطاعة من لوازم الأمر وأحكامه.
سؤال
لم خص معاقبة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، من بين سائر المكونات بالذكر مع اختصاصها بالحكمة والإتقان العجيب؟
وجوابه هو أنه لما صرح بلفظ السماء والأرض، وأبهم الأمر فى خلق ما وراءهما بقوله:
وَما بَيْنَهُما
أراد إيضاحه وبيانه، فخص هذه أعنى تعاقب الليل والنهار وهذه الكواكب بالذكر، إيضاحا لما أبهمه من قبل فى ذلك.
التنبيه السادس
قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
لما ذكر هذه المخلوقات العظيمة، وعدد من المكونات الباهرة، عقبها بحرف التنبيه، إيقاظا وحثا على النظر، وإعلاما بأنها ملك له يتصرف فيها كيف شاء، من الحل والعقد، والزيادة والنقصان، وغير ذلك من سائر التصرفات والتغيرات، وقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
فيه وجهان أحدهما أن تكون اللام فيهما للعهدية، فالخلق إشارة إلى ما سبق من أنواع المخلوقات كلها، والأمر، إشارة إلى قوله مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ
فكأنه قال: يملك جميع ما سبق من هذه الأشياء كلها.
وثانيهما: أن تكون اللام فيهما للجنسية، وعلى هذا يكون المعنى أنه يملك جميع المخلوقات والأوامر كلها، فكأنه قال: يملك القول والفعل ويجرى ذلك مجرى المثل، كما يقال فلان يملك الأمر والنهى، والحل والعقد، والقبول والرد، والإبرام والنقض، يريد أنه لا تصرف لأحد سواه، ولا حكم لغيره بحال، فلما عدد أصناف المخلوقات كلها
(1/80)

وأنها جارية على نعت التذليل ومنهاج التسخير المطابقين لقانون المصلحة ومقتضى الحكمة، عقبها بخطاب دال على الإشادة والاشتهار، بأن من هذه حاله فهو المستحق لأن يكون له الخلق، والأمر مبالغة فى الأمر وتأكيدا فيه.
التنبيه السابع
قوله تعالى: تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[الأعراف: 54] ختم هذه الآية بما يدل على الإعظام والمدح بعظم الآء، وتراكم النعم على الخلق، والبركة هى النماء والزيادة، وتَبارَكَ اللَّهُ
بمعنى بارك الله، والبركة فى حقه تعالى تكون من وجهين:
أحدهما: بالإضافة إلى ذاته تعالى بكثرة أوصاف الجلال ونعوت الكمال. إما إلى نهاية، وإما إلى غير نهاية، على حسب الخلاف بين العلماء فى أوصافه تعالى.
وثانيهما: بالإضافة إلى أفعاله تعالى من أنواع الإحسانات وضروب التفضلات على الخلق من أصول النعم وفروعها، فالبركة ههنا تفسر على الوجهين اللذين أشرنا إليهما كما ترى، وقد صدر الله تعالى هذه الآية بذكر الربوبية، ثم ختمها بذكرها إعظاما لهذه الصفة واهتماما بأمرها، فذكرها فى أولها على جهة الخصوص بقوله: رَبَّكُمُ
يعنى الثقلين وذكرها فى آخرها على وجه العموم بقوله: اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
يريد جميع العوالم كلها من صامت، وناطق، وجماد، وحيوان.
فليدرك الناظر المتأمل ما اشتملت عليه هذه الآية من الإشارة إلى خلق المكونات كلها، واشتمالها على بدائع الحكمة، وعجيب الصنعة على أعجب نظام وأرشقه، وأحسن سياق وأعجبه، وقد أشرنا فيها إلى بعض ما تحتمله من اللطائف والأسرار وما أغفلناه من معانيها أكثر وأغزر مما ذكرناه.
الآية الثانية: قوله تعالى فى سورة الحج يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ
(1/81)

الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ
[الحج: 5- 7] .
فليوقظ الناظر فهمه، وليتأمل ما أودع فى هذه الآية من المحاسن الرائقة والمعانى الفائقة مع اختصاصها بالترتيب الفائق وتنزيلها على النظام المعجب الرائق الذى يسحر الألباب رقة ولطافة. ويدهش الأفهام عذوبة وسلاسة، فصدر الآية بالنداء، والتنبيه، من أجل الإيقاظ، وجاء بصيغة الشرط على جهة الملاطفة فى الخطاب، وحقق اعتراض الريب والشك فى الأفئدة ليدفعه بالبرهان الواضح الجلى وضمنها برهانين.
البرهان الأول منها عجيب خلقة الإنسان وتنقلها فى هذه الأطوار السبعة، ترابا، ثم نطفة فى الرحم، ثم علقة، ثم مضغة، ثم الطفولة، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة والهرم، فقد أشار بهذا التدريج إلى عجيب القدرة، وإلى دقيق الحكمة على اختلاف هذه الأطوار، وتباين هذه المراتب فى الخلقة، ودلالتها، من وجهين، أحدهما أن كل من قدر على إحداث هذه الأمور وإبداعها من غير شىء فهو قادر لا محالة على إعادتها، لأن الإعادة مثل الإيجاد، ومن قدر على الشىء قدر على مثله لا محالة.
وثانيهما: أن الابتداء إيجاد من غير احتذاء على مثال سابق، والإعادة إيجاد مع سبق الاحتذاء، فمن هو قادر على الابتداء كان أولى أن يكون قادرا على الإعادة بطريق الأحق، ولهذا قال تعالى منبها على ذلك بقوله وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
يشير إلى ما قلناه.
البرهان الثانى حال الأرض بكونها جرزا ثم بإنزال الماء عليها، ثم بحصول هذه الأزواج النباتية المختلفة، واهتزازها بالأزهار الغضة والأكمام المنفتحة، بحيث لا يمكن حصرها ولا يتناهى عدها، فهذان برهانان قد اشتملا على ما عدد الله تعالى فيهما من عجائب القدرة، وإتقانات الحكمة، وساقها على هذا النظام البديع، والاختصار المعجز البليغ الذى يفحم كل ناطق، ويروق كل سامع، ثم إنه عز سلطانه، لما فرغ من نظم هذه البراهين الباهرة وترتيب هذه الأدلة القاهرة، عقبها بذكر ثمرتها، وتقرير مدلولها، وإنتاج فائدتها فقال ذلِكَ
يشير به إلى ما سبق من تقدير الأدلة وانتظامها: بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ
يعنى الموجود الثابت، يشير به إلى أنه موجد المكونات كلها المحصل لحقائقها وصفاتها نحو خلقة الإنسان وأحوال الأرض، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى
يشير به إما إلى إحياء النفوس بعد أن كانت ترابا ونطفا، وعلقا ومضغا، فى هذه الأطوار وإما إلى إحيآء الأرض بعد
(1/82)

أن كانت جرزا هامدة، يطير ترابها، فصارت مخضرة مونقة وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[الحج: 6] على جميع الممكنات، فلا يشذ عن قدرته شىء من كلياتها، ولا شىء من جزئياتها، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ
[الحج: 7] يشير به إلى أحوال البعث، والحشر، والنشر، وأمور القيامة، فقد اشتملت هذه الآية على المعانى الجمة، والنكت الغزيرة، ولو ذهبنا نستقصى ما تضمنته من الأسرار الإلهية والدقائق المصلحية، لسردنا أوراقا، ولم نحرز منه أطرافا، ومن عجيب سياقها وحلاوة طعمها ومذاقها، اشتمالها على المجازات المفردة، والمركبة.
فأما المجازات المركبة فهى مواضع أربعة، ففى الأرض ثلاثة فى قوله: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ
فإسناد هذه الأفعال إلى الأرض إنما كان على جهة المجاز، والفاعل لها هو الله تعالى، وفى وصف الساعة مجاز واحد فى قوله تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ
لأن الآتى بها هو الله تعالى.
وأما المجازات المفردة فأكثر سياق الآية مشتمل عليه كقوله تعالى: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ
فالفاء للسببية وليست سببا فى ثبوت البعث، وإنما هو وارد على جهة المجاز، وقوله تعالى: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
فإنه ليس على حقيقة العموم فإن المخلوق من تراب، إنما هو «آدم» لا غير، وقوله: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
ليس على عمومه، فعيسى عليه السلام وحواء ليسا مخلوقين من نطفة، وهكذا سائر ألفاظ الآية، فإنها غير خالية عن استعمال المجازات، ومن أجل هذا رق مشربها، وساغ مستعذبها.
الآية الثالثة، قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34)
[الشورى: 34] .
فانظر إلى هذا الأسلوب، ما ألطف مجراه، وما أحسن بلاغته، وأدق مغزاه، قدم الخبر فى قوله وَمِنْ آياتِهِ
ولو أخره ذهبت تلك الحلاوة، وبطل ما فيه من الرونق.
وانظر إلى طرح الموصوف فى قوله الْجَوارِ
ولم يقل الفلك الجوارى، وجمعه على فواعل، ولم يجمعه على جاريات، ولو فعل شيئا من ذلك لنقصت بلاغته، ونزلت فصاحته، وقال فِي الْبَحْرِ
ولم يقل فى العبب، ولا فى الباحة، ولا فى الطمطام، وهى من أسماء البحر، لما فى لفظة البحر، من الرقة واللطافة وقوله كَالْأَعْلامِ
من باب تشبيه
(1/83)

المحسوس بالمحسوس كقوله كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
[الصافات: 49] وقوله تعالى:
كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
[الرحمن: 58] والأعلام جمع علم، والعلم يطلق على الجبل، وعلى الراية، وكل واحد منهما صالح للتشبيه ههنا، لأن المقصود هو الظهور والبيان، ومن بديع التشبيه ورقيقه ما أنشده بعض الأذكياء.
وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق «1»
وقول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه «2»
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ
حذف الفاء من قوله إِنْ
لأن الغرض اتصال هذه الجملة بما قبلها كأنهما أفرغا فى قالب واحد وسبكا معا، ولو جاءت الفاء لأبطلت هذا السبك، وحصلت المغايرة بينهما، وزيدت الفاء فى فَيَظْلَلْنَ
دلالة على حصول الركود عقيب الإسكان، ولو حذفت زال هذا المعنى وبطل، وهو مقصود، وجاء بإن فى قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
من غير ذكر الفاء دالا على اتصال هذه الجملة بما قبلها مندرجة تحتها لا تباين بينهما، ومجىء الفاء دليل الانفصال فيبطله ونظيره قوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ
[الحج: 1] وقوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ
[يونس: 55] وغير ذلك وإذا أريد التقاطع بين الجملتين جاءت الفاء كقوله تعالى: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
[هود: 115] وقوله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
[الطور: 48] إلى غير ذلك، وجاء بأو فى قوله أَوْ يُوبِقْهُنَ
دلالة على التخيير، لأن المعنى إن نشأ نبتل المسافرين بأحد بليتين، إما ركود السفن على ظهر الماء لأجل سكون الريح، وإما باشتداد العصف فى الريح، فيحصل الإهلاك لهن، وجاء بالواو فى وَيَعْفُ
دون «أو» دلالة على سعة الرحمة بالعفو عن كثير من الذنوب.
فانظر ما أحسن موقع «أو» هناك وما أعجب موقع «الواو» هنا، ولنقتصر على ما ذكرناه من الآى القرآنية، فإنه لا مطمع لأحد فى حصر عجائب القرآن ولطائف أسراره، فإن فى بحره غرقت عقول العقلاء، وتضاءلت دون الإحاطة بمعانيه أفكار الحكماء.
(1/84)

الضرب الثانى الأخبار النبوية
، فإن كلامه صلّى الله عليه وسلّم- وإن كان نازلا عن فصاحة القرآن وبلاغته- في الطبقة العليا بحيث لا يدانيه كلام، ولا يقاربه وإن انتظم أى انتظام، ولنورد من كلامه أمثلة ثلاثة.
المثال الأول فى المواعظ والخطب
قال صلّى الله عليه وسلّم «لا تكونوا ممن اختدعته العاجلة، وغرته الأمنيّة، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه فى جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو صر حالب، فعلام تفرحون، وماذا تنتظرون؟ فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل، فخذوا الأهبة لأزوف النّقلة، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل امرىء على ما قدّم قادم، وعلى ما خلف نادم» .
فليعمل الناظر نظره فى هذا الكلام، فما أسلس ألفاظه على الألسنة، وما أوقع معانيه فى الأفئدة، وما احتوى عليه من التنبيه البالغ، والوعظ الزاجر، والنصيحة النافعة، فصدره بالتحذير أولا عما يعرض من مصائب الدنيا من الانخداع والغرور والاستهواء وعقبه ثانيا بالتحذير عن الركون إلى الدنيا، ونبه بألطف عبارة وأوجزها على زوالها وانقطاعها، وأردفه ثالثا بالحث على عمل الآخرة وأخذ الأهبة للزاد، ونبه على سرعة زوالها وانقطاعها، وختمه بتحقق الحال فى الإقدام على ما فعله من خير وشر، وأنه نادم لا محالة على ما خلفه من الدنيا، وأنه غير نافع ولا مجد، ومن عجيب أمره أنه مع إغراقه فى البلاغة فإنه قد اشتمل على أنواع أربعة من علم البديع: أولها «السجع» فى قوله عليه السلام العاجلة، والأمنية، والخدعة، والزوال، والانتقال.
«وثانيها» : التجنيس فى قوله عليه السلام كإناخة راكب، أو صر حالب.
«وثالثها» : الاشتقاق، فى قوله: كل امرىء على ما قدم قادم، ومنه قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[الروم: 30] .
«ورابعها» : الائتلاف وهو أن تكون الألفاظ لائقة بالمقصود، فحيث كان المعنى فخما، فاللفظ يكون جزلا كقوله «لا تكونوا كمن اختدعته العاجلة، وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة» .
وإن كان المعنى رشيقا، كان اللفظ رقيقا سهلا كقوله عليه السلام «فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل» وسنورد فى فن البيان ما يتعلق بعلم البديع بمعونة الله تعالى.
(1/85)

المثال الثانى فيما يتعلق بالحكم والآداب
كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عرف نفسه عرف ربه» وقال: «ما هلك امرؤ عرف قدره» وقال:
«رب حامل فقه غير فقيه، ورب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» . وقوله: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد» .
وقال: «الطمع فقر واليأس عناء» وقوله: «إنه من خاف البيات أدلج ومن أدلج فى المسير وصل» وقوله «كرم الكتاب ختمه» وقوله: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس» وقوله: «من سعادة المرء أن يكون له وزير صالح» وقوله: «من سوّد علينا فقد أشرك فى دمائنا» وقوله «المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان» وقوله عليه السلام «الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق» .
فلينظر المتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلم القصيرة من المعانى الجمة والنكت العديدة، مع نهاية البلاغة ووقوعه فى الفصاحة أحسن موقع.
المثال الثالث فى الأدعية والتضرعات
كقوله عليه السلام: «اللهم باعد بينى وبين الخطايا كما باعدت ما بين المشرق والمغرب ونقنى من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» وقوله عليه السلام: «اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح» وقوله عليه السلام: «اللهم يا أرحم الراحمين إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلة وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى، إلى بعيد يتجهمنى، أو إلى عدو ملكته أمرى فإن لم يكن بك علّى غضب فلا أبالى» إلى غير ذلك من أنواع التحميد، والتقديس، والجؤار «1» والتضرع بالكلام البالغ، واللفظ الفصيح.
الضرب الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه
، «فإنه البحر الذى قد زخر عبابه والمثعنجر الذى
(1/86)

لا يتقشع ربابه، فمن معنى كلامه ارتوى كل مصقع خطيب، وعلى منواله نسج كل واعظ بليغ، إذا كان عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها، ومحط البلاغة ومولدها، وهيدب مزنها الساكب ومتفجّر ودقها الهاطل» .
وعن هذا قال أمير المؤمنين فى بعض كلامه: «نحن أمراء الكلام، وفينا تشبثت عروقه، وعلينا تهدلت أغصانه» . ولنورد من كلامه أمثلة ثلاثة على مثال ما أوردناه من السنة النبوية، والقرآن الكريم، لأن كلامه عليه مسحة وطلاوة من الكلام الإلهى، وفيه عبقة ونفحة من الكلام النبوى.
المثال الأول فى الخطب والمواعظ
ولقد أتى فى توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة الممكنات، وبعده عن مماثلة المكونات، بكلام ما سبقه إليه سابق، ولا أتى بما يدانيه من تأخر بعده من تابع ولا لاحق، فمن ذلك كلامه فى ابتداء الخلق بعد ثنائه على الله بما هو أهله قال فيها: «فطر الخلائق بقدرته، ودبرها بحكمته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، ثم قال:
أول الدين معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده التصديق به، وكمال التصديق به الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه- يريد الصفات التى لا تليق بذاته- فمن وصف الله تعالى فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال (فيم) فقد ضمنه، ومن قال (علام) فقد أخلى عنه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم» . إلى غير ذلك فى أثناء هذه الخطبة من التوحيد البالغ، والتنزيه الكامل، وقد أشرنا إلى هذه الأسرار فى التوحيد فى شرحنا لكلامه فى نهج البلاغة، وأظهرنا مراداته فى هذه الإشارات الإلهية والرموز المعنوية، فمن أرادها فليطالعها منه، وهذه الخطبة من جلائل خطبه، لما اشتملت عليه من بالغ التوحيد، وذكر أحوال المخلوقات من خلق السماء والأرض والملائكة، وخلق آدم، وما كان من إبليس فى حقه، ومن عرف كلام الفصحاء فى منظومهم، ومنثورهم، ومقامات البلغاء فى خطبهم ومواعظهم بعده عليه السلام إلى يومنا هذا غير كلام الله وكلام رسوله، علم قطعا لا شك فيه أنهم قد أسفوا «1» فى البلاغة وحلّق، وقصروا فى الفصاحة وسبق، والعجب من علماء البيان والجماهير من حذاق
(1/87)

المعانى حيث عولوا فى أودية البلاغة، وأحكام الفصاحة، بعد كلام الله تعالى وكلام رسوله، على دواوين العرب، وكلماتهم فى خطبهم، وأمثالهم، وأعرضوا عن كلامه، مع علمهم بأنه الغاية التى لا رتبة فوقها، ومنتهى كل مطلب، وغاية كل مقصد فى جميع ما يطلبونه من الاستعارة، والتمثيل والكناية، وغير ذلك من المجازات الرشيقة، والمعانى الدقيقة اللطيفة، ولقد أثر عن فارس البلاغة وأميرها أبى عثمان الجاحظ أنه قال: ما قرع مسامعى كلام بعد كلام الله، وكلام رسوله إلا عارضته إلا كلمات لأمير المؤمنين كرم الله وجهه فما قدرت على معارضتها، وهى قوله عليه السلام «ما هلك أمرؤ عرف قدره، وقوله: من عرف نفسه عرف ربه، وقوله: المرء عدو ما جهل، ومثل قوله: استغن عمن شئت، تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.
فانظر إلى إنصاف الجاحظ فيما قاله، وما ذاك إلا أنه خرق قرطاس سمعه ببلاغته، وحير فهمه لما اشتمل عليه من إعجازه وفصاحته، فإذا كان هذا حال الجاحظ وله فى البلاغة اليد البيضاء فكيف حال غيره.
المثال الثانى فى الحكم والآداب
وله عليه السلام فى الكلمات القصيرة فى الحكم النافعة، وآداب النفوس، ما لم يبلغ أحد شأوه، ولا تحوم حوله كقوله: «قيمة كل امرىء ما يحسن» فهذه اللفظة لا يوازيها حكمة، ولا تقوم لها حكمة، وقوله: «المرء مخبوء تحت لسانه» وقوله: «السعيد من وعظ بغيره، والمغبوط من سلم له دينه» وقوله: «من أرخى عنان أمله، عثر بأجله» وقوله: «من فكر فى العواقب لم يشجع» وقوله: «مصارع العقول تحت بروق الأطماع» وقوله: «بالبر يستعبد الحر» وقال عليه السلام: «الطمع رق مؤبد» وقوله: «التفريط ثمرته الندامة، وثمرة الحزم السلامة» وقوله: «آلة الرياسة سعة الصدر» وقوله: «من استقبل وجوه الآراء، عرف وجوه الخطاء» وقوله: «من أحدّ سنان الغضب لله، قوى على قتل أسد الباطل» وقال: «إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن وقوعك فيه أهون من توقيه» وقال: «كم من عقل استتر تحت هوى أمير» وقال «كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع» وقال: «أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل» وقال: «من كان الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه» وقال: «بالإفضال تعظم الأقدار، وباحتمال المؤن يجب السؤدد، إلى غير ذلك من قصير الكلام الذى قصر فى ألفاظه، وطال فى معناه، وأوجز فى عباراته وكثر مغزاه.
(1/88)

المثال الثالث فى كتبه
إلى أمرائه وعماله وجباة الخراج يأمرهم فيها بأوامر الله تعالى، ويؤدبهم فيها بالآداب الشرعية، والزواجر الوعظية، ويشير إلى محاسن الشيم، وبما فيه قوام لأمر السياسة وأحكام الإيالة، فمنها كتابه إلى كميل بن زياد، وهو عامله على هيت.
أما بعد فإن تضييع المرء ما ولى، وتكلفه ما كفى، لعجز حاضر، ورأى متبّر، وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسياء وتعطيلك مسالحك التى وليناك ليس لها من يمنعها، ولا يرد الجيش عنها، لرأى شعاع، فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك غير شديد المنكب ولا مهيب الجانب، ولا ساد ثغرة، ولا كاسر لعدو شوكة، ولا مغن عن أهل مصره، ولا مجز عن أميره.
فانظر إلى ما تضمنه هذا الكتاب من المناجمة، والاهتداء إلى المصالح الدينية، وما اشتمل عليه من المراشد الدنيوية، وإصلاح أمر الدولة، وتعهد أحوال الإيالة والسياسة.
ومنها كتابه إلى الأسود بن قطبة، صاحب حلوان: أما بعد فإن الوالى إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل، فليكن أمر الناس عندك فى الحق سواء، فإنه ليس فى الجور عوض من العدل، فاجتنب ما تنكر أمثاله وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك، راجيا لثوابه، ومتخوفا من عقابه، واعلم أن الدار دار بلية لم يفرغ صاحبها قط فيها ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة، فإنه لن يغنيك عن الحق شىء أبدا، ومن الحق عليك حفظ نفسك، والاحتساب على الرعية بجهدك، فإن الذى يصل إليك من ذلك أفضل من الذى يصل بك والسلام.
ومنها كتاب له أوصى فيه شريح بن هانىء لما جعله علىّ على مقدمته إلى الشام: اتق الله فى كل صباح ومساء وخف على نفسك الدنيا الغرور، ولا تأمنها على حال، واعلم أنك إن لم تردع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروه، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضرر، فكن لنفسك مانعا رادعا، ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا.
فهذه كتب من أحاط بمكنون البلاغة ملكه، واستولى على أسرار الفصاحة ملكه.
(1/89)

وأقول: إن كلامه عليه السلام، إذا أمعن فيه الناظر بالتفكير وبحث عن أسراره وغرائبه ألمعى نحرير تحقق يقينا وعرف قطعا، أنه كلام من استولى على علم البلاغة بأسره وأحرزه بحذافيره، وأنه ظهر من مشكاة اتقدت فيها مصابيح الحكمة فأنار على الخليقة ضياؤها، وجادهم وابلها، وهطلت عليهم سماؤها، ولنقتصر من كلامه على هذا القدر فإنه البحر الذى لا يسكن زخاره، والموج الذى لا يزال يتراكم تياره.
وبتمامه تم الكلام على ما أوردناه من التنبيه على الشواهد المنثورة والحمد لله رب العالمين.
(1/90)

القسم الثانى فى بيان الشواهد المنظومة
ونورد من ذلك ما يتعلق بالاستعارة والكناية والتمثيل، فهذه معظم أودية المجاز وهى ضروب ثلاثة نذكر شواهدها بمعونة الله.
(الضرب الأول) ما يتعلق بالاستعارة
، فمن ذلك قول ابن المعتز:
أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا
ومن مليح الاستعارة قول من قال:
وأقبلت يوم جد البين فى حلل ... سود تعض بنان النادم الحصر
فلاح ليل على صبح أقلهما ... غصن وضرست البلور بالدرر
وأعجب من هذا ما قاله بعضهم:
سألتها حين زارت نضو برقعها ال ... قانى وإيداع سمعى أطيب الخبر
فزحزحت شفقا غشى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر
ومن غرائب الاستعارة ما أنشد الوأواء الدمشقى:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد «1»
ومنه قول بعضهم:
نفسى الفداء لثغر راق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
ومن أغرب ما قيل فى الاستعارة ما قاله بعضهم:
طلعن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا
وقول أبى الطيب المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت «2» غزالا
ومن رقيق الاستعارة قول أبى تمام:
إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومالت فى التعطف غصن بان
(1/91)

وأحسن من هذا ما قاله ديك الجن عبد السلام:
لما نظرت إلى عن حدق المها ... وبسمت عن متفتح النوار
وعقدت بين قضيب بان أهيف ... وكثيب رمل عقدة الزنار
عفرت خدى فى الثرى لك طائعا ... وعزمت فيك على دخول النار
فهذه الأبيات لديك الجن قلما يوجد لها مماثل فى الاستعارة ومنه قوله:
لا ومكان الصليب فى النحر من ... ك ومجرى الزنار فى الخصر
والخال فى الوجه إذ أشبّهه ... وردة مسك على ثرى تبر
وحاجب قد خطه قلم ال ... حسن بحبر البهاء لا الحبر
وأقحوان بفيك منتظم ... على شبيه الغدير من خمر
ما أصبر الشوق بى فأصبرنا ... من حسنت فيه قلة الصبر
الضرب الثانى: ما يتعلق بالتشبيه
من ذلك قول بعضهم:
كأن الثريا والصباح كلاهما ... قناديل رهبان دنت لخمود
ومن رقيق التشبيه ما قاله بعضهم:
والصبح يتلو المشترى فكأنه ... عريان يمشى فى الدجى بسراج
ومن أغرب ما قيل فى التشبيه قول بعضهم:
كأنما المريخ والمشترى ... قدامه فى شامخ الرفعه «1»
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه
ومن لطيف التشبيه ما قاله المهلب الوزير:
الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب «2»
كأنها بودقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
وأغرب من هذا ما قاله امرؤ القيس فى صفة العقاب:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالى «3»
(1/92)

ومن مليح التشبيه وغريبه ما قاله بعضهم:
والبدر فى الأفق الغربى متسق ... والغيم يكسوه جلبابا ويسلبه
كوجه محبوبة يبدو لعاشقها ... فإن بدا لهما واش تنقّبه
ومن أعجب ما ينشد فى التشبيه قول البحترى:
دان على أيدى العفاة وشاسع ... عن كل ند فى الندى وضريب
كالبدر أفرط فى العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب
وأغرب من هذا وأعجب قول البحترى أيضا:
دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
ومن رقيق التشبيه وأغربه ما قاله ابن المعتز فى الهلال:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر
وأرق منه ما قاله ابن المعتز أيضا فى الخضرة مع السواد:
حتى إذا حر آب جاش مرجله ... بفائر من هجير الشمس مستعر
ظلت عناقيده يخرجن من ورق ... كما احتبى الذيخ فى خضر من الأزر
ومن جيد التشبيه وغريبه ما قاله العباس بن الأحنف:
أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضىء للناس وهى تحترق
الضرب الثالث: فيما يتعلق بالكناية
، ومن ذلك قول البحترى:
أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... فى آل طلحة ثم لم يتحول «1»
ومن أرق ما قيل فى الكناية قول حسان:
بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيى الناس أن يتحولا
ومن بديعها قول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... فى قبة ضربت على ابن الحشرج «2»
ومثله ما قاله بعضهم:
(1/93)

وما يك فى من عيب فإنى* جبان الكلب مهزول الفصيل «1» ومن جيد الكناية ما قاله نصيب:
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهره «2»
فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائره
ومن أرقها وألطفها ما قاله أبو نواس:
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير «3»
ومن غريبها قول أبى تمام:
أبين فما تردن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد «4»
ومن هذا قول بعضهم:
صمتى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم «5»
ومن بديعها ما قاله بعضهم:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب «6»
ومن هذا قول بعض الشعراء:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من جبه وهو أعجم «7»
ولنقتصر على هذا القدر فى إيراد الأمثلة والشواهد ففيه كفاية لمقصدنا، وستكون لنا عودة بأكثر من هذا عند الكلام فى فن المقاصد، وذكر تفاصيل الاستعارة والتشبيه والكناية وأحكامها، فأما الآن فليس مقصدنا إلا المثال لا غير، وبتمامه يتم الكلام على المقدمة الرابعة وبالله التوفيق.
(1/94)

المقدمة الخامسة فى حصر مواقع الغلط فى اللفظ المفرد والمركب
اعلم أنا قد أسلفنا فيما سبق أن موضوع علم البيان، إنما هو الفصاحة والبلاغة وقررنا أن الفصاحة من عوارض الألفاظ وأن البلاغة من عوارض المعانى، وأكثر علماء البيان على أن الفصاحة والبلاغة لا فرق بينهما، وأنهما من الألفاظ المترادفة، وإلى هذا يشير كلام الشيخ عبد القاهر الجرجانى، وقد أوضحنا المختار فيه فلا وجه لتكريره، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الخطأ فى هذا العلم إنما يكون بإحراز ما يحتاج إليه من العلوم الأدبية مفردها ومركبها وهو بالإضافة إلى أمن الخطأ وارتفاع الغلط على مراتب أربع:
المرتبة الأولى علم اللغة،
وهو العلم بمفردات الألفاظ يحترز به عن الخطإ فى مفردات الألفاظ اللغوية، فمن أعرض عن الأوضاع اللغوية، ولم يحكم دلالتها على معانيها المفردة، فقد أخل بالمقصود منها، وعلى قدر إخلاله يتطرق إليه الغلط، ويستوى عليه الخطأ فى اختلاف أوضاعها وتباين معانيها خاصة فيما يعرض من الترادف، والاشتراك، والعهدية، والجنسية فى الأسماء وبما يعرض فى الأفعال من تجدد الأزمنة وتصرفها فى وجوه الإنشاء من الأمر والنهى وغير ذلك، وما يعرض من خصائص الحروف ولطائفها فى الإيجاب والسلب وغير ذلك من الخصائص واللطائف اللغوية فلابد من إحرازها ليأمن الخطأ فى ذلك.
المرتبة الثانية علم التصريف
وهو علم بتصحيح أبنية الألفاظ المفردة فى البدل، والحذف، والقلب وغير ذلك من أوجه التصريف ويجب إحرازه ليأمن الخطأ فى أبنية الكلم المفردة ويأمن الخطأ فى تحريفها وتبديلها، ويجىء بها على الأقيسة اللغوية والأوضاع الأصلية فى ذلك، وهو فن دقيق يحتاج إلى فضل ذكاء وجودة قريحة، ولهذا فإنه لا يختص به إلا الآحاد ولا يستولى على دقائقه وإحراز غوامضه إلا الأفراد.
(1/95)

المرتبة الثالثة علم العربية
ليحترز به عن الخطإ والغلط فى المركبات ليحصل المعنى على صحته واستقامة أحواله، لأن الإعراب إنما يمكن حصوله إذا كان الكلام مركبا من ألفاظ مخصوصة، فالنظر فى علم الإعراب إنما هو نظر فى حصول مطلق المعنى، وكيفية اقتباسه من اللفظ المركب فلابد من الإحاطة بصحة التركيب ليأمن الغلط فى تأدية المعانى وتحصيلها ويحصل به الوقوف على أسرار لطيفة.
المرتبة الرابعة تحقق علم الفصاحة والبلاغة،
وهو نظر خاص يأمن به الخطأ فى نظم الكلام وجزالة لفظه وحسن بلاغته، فمتى أحرز لنفسه هذه العلوم الأدبية أمن من الغلط فيما يخوض فيه من علم المعانى، فهذان العلمان أعنى علم الإعراب وعلم البلاغة والفصاحة إنما يختصان بمركبات الألفاظ، وما يحصل عند التركيب من المعانى الرقيقة، والنكت النفيسة، وهما يتفاوتان فيما يؤديه كل واحد منهما من الفائدة، فعلم الإعراب يؤدى مطلق المعنى لا غير، وعلم البيان يؤدى فائدة أخرى، وهو ما يحصل من بلاغة فى ذلك المعنى وحسن نظم وترتيب له، فهو كالكيفية العارضة.
والعلمان الأولان أعنى علم اللغة وعلم التصريف، إنما يختصان بمفردات الألفاظ، وفائدتهما تصحيح مطلق اللفظ من غير التفات إلى تركيب كما لخصناه من قبل، فكل واحد من هذه العلوم الأدبية على حظ من إحراز الغرض والأمن من الخطإ والغلط كما ترى، ولكن أرسخها أصلا وأنسقها فرعا، وأنورها سراجا وأكرمها نتاجا، وأقواها قاعدة وأجزلها فائدة، علم البيان، فإنه هو المطلع على حقائق الإعجاز وهو من العلوم بمنزلة الشامة والطراز، وقد نجز غرضنا من هذه المقدمات وبتمامه يتم الكلام فى الفن الأول وهو فن السوابق.
(1/96)

الفن الثانى من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة
اعلم أن المقصود من الكلام إنما هو إفادة المعانى، وهذه الإفادة على وجهين، لفظية، ومعنوية، فأما الإفادة اللفظية فهى دلالة المطابقة، وما هذا حاله فإنه يستحيل تطرق الزيادة والنقصان إليها، وبيانه هو أن السامع لشىء من الألفاظ الوضيعة لا يخلو حاله إما أن يكون عالما بكونه موضوعا لمسماه، أو لا يكون عالما، فإن لم يكن عالما به فإنه لا يعرف فيه شيئا أصلا، وإن كان عالما به فإنه يعرف بتمامه وكماله، فخيل من مجموع ما ذكرناه ههنا أن الألفاظ فى دلالتها الوضعية إما أن تكون مفيدة إفادة ناقصة، وإما أن لا تكون مفيدة أصلا، وهذان القسمان باطلان بما مر، فإذا بطلا تعين القسم الثالث، وهو أن إفادتهما لمسماها على الكمال والتمام هو مطلوبنا، وتقرير ذلك بما نذكره من المثال، وهو أنك إذا أردت تشبيه زيد بالأسد فى الشجاعة، فإنك إذا قصدت إفادة هذا المعنى بالدلالة الوضعية فإنك تقول زيد يشبه الأسد فى شجاعته، فقد أفدت مقصودك من ذلك بألفاظ دالة عليه دلالة وضعية، وهذه الإفادة يستحيل تطرق الزيادة والنقصان إليها، لأنك إن نقصت منها تطرق الخرم على قدر ما نقص منها، وإن زدت على هذه الألفاظ كان ذلك مستغنى عنه ولا فائدة فيه، وإن أقمت كل لفظة مقام ما يرادفها امتنع تطرق الزيادة والنقصان فى المعنى من أجل ذلك، وعن هذا قال المحققون من أهل هذه الصناعة إن الإيجاز، والاختصار، والتطويل، والإطناب، والحذف، والإضمار، والوحدة، والتكرار، وغير ذلك من أودية البلاغة يستحيل تطرقها إلى الدلالات الوضعية، لما كانت تدل بجهة المطابقة.
وأما الإفادة المعنوية فهى تكون من جهة اللوازم، ثم تلك اللوازم كثيرة فتارة تكون قريبة، وتارة تكون بعيدة، فلأجل هذا صح تأدية المعنى بطرق كثيرة وجاز فى تلك الطرق أن يكون بعضها أكمل من بعض، فلا جرم جاز تطرق الزيادة والنقصان والكمال إليها، ثم قد يكون حصول ذلك من جهة الدلائل الإفرادية وهو ما يتعلق بالبلاغة من جهة المفردات، وقد يكون حصوله من جهة الدلائل المركبة، وهو ما يتعلق بالبلاغة من جهة الكلم المركبة، وتقدير ذلك بما نذكره من المثال، وهو أنك إذا قصدت وصف زيد بالشجاعة من جهة اللوازم بحيث يجوز تطرق الزيادة والنقصان والكمال إليه، فإن أردت
(1/97)

طريق الاستعارة قلت رأيت أسدا، وإن أردت طريقة التشبيه فإنك تقول زيد كالأسد، وإن جئت بطريق الكناية قلت فلان يكفل الأبطال برمحه، وإن أردت أن تصفه بالكرم، قلت رأيت بحرا على جهة الاستعارة، وهو كالبحر بطريق التشبيه، أو فلان تتراكم أمواجه، بجعله كناية عن جوده وسخائه.
تنبيه
إياك أن يعتريك الوهم، أو يستولى على قلبك غفلة، فتظن أنا لما قلنا إن الألفاظ دالة على المعانى فتعتقد من أجل ذلك أن المعانى تابعة للألفاظ، وأنها مؤسسة عليها، فهذا وأمثاله خيال باطل وتوهم فاسد فإن الألفاظ فى أنفسها هى التابعة للمعانى، وأن المعانى هى السابقة بالتقرير والثبوت، والألفاظ تابعة لها، ولنضرب لما ذكرناه مثالا يصدق ما قلنا فى المفردة منها والمركبة فنقول:
أما المفردة فلأنك إذا رأيت سوادا على بعد فظننته حجرا فإنك تسميه حجرا، وإن دنوت منه قليلا وسبق إلى فهمك أنه شجر فإنك تسميه شجرا، فإذا دنوت منه وتحققت حاله رجلا فإنك تسميه رجلا، فاختلاف هذه الأسامى يدل على اختلاف تلك الحقيقة وما يفهم منها من الصور المدركة.
وأما المركبة فلأنك إذا رأيت رجلا من بعيد ولا تدرى حاله أهو قائم أم قاعد أم مضطجع، فإنك إذا دنوت إليه فعلى حسب ما يسبق إلى فهمك من حالته تصفه بتلك الحالة، ولا يزال الوصف يتغير حتى يستقر الوصف على واحد منها، وهذا يدلك على أن الألفاظ تابعة للمعانى المفردة والمركبة كما أشرنا إليه، ولهذا فإنك تطلق العبارات على وفق ما يقع فى نفسك من الحقائق والمعانى من غير مخالفة.
دقيقة اعلم أن المعانى بالإضافة إلى كيفية حصولها من أهل البلاغة والفصحاء على ثلاث مراتب.
المرتبة الأولى أن يكون مقتضيها على جهة الابتداء من نفسه من غير أن يكون مقتديا بمن قبله،
ويكون ذلك على ما يعرض من مشاهدة الحال، وما يعرض من الأمور الحادثة.
(1/98)

ولنورد من ذلك شواهد ما قلنا؟ من ذلك ما أغرب فيه أبو نواس وأبدع حين رأى كأسا من الذهب فيها تصاوير وأمثال، فقال حاكيا لها.
تدار علينا الراح فى عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قراراتها كسرى وفى جنباتها ... مها تدريها بالقسى الفوارس
فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
فهذا من المعانى البديعة فإنه أراد أنها مزجت بقليل من الماء حتى صار لقلته بقدر القلانس على رؤوس الكاسات.
قال ابن الأثير وما أعرف ما أقول فى هذا سوى أنى أقول: قد تجاوز أبو نواس حد الإكثار، ومن ذلك ما قاله ابن أبى الشمقمق حين قلد رجل ولاية على الموصل فانكسر لواؤه فتطير بذلك فقال ما قال يقرر خاطره ويؤسيه لما وقع فى نفسه من ذلك وقع عظيم لأجل التطير:
ما كان مندق اللواء بطيره ... نحسن ولا سوء يكون معجلا
لكن هذا العود أضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا
فلقد أجاد فيما ذكره كل الإجادة وأحسن كل الإحسان، ومن ذلك ما قاله بعض المغاربة فى وصف الخمر فأبدع فيه.
ثقلت زجاجات أتينا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح
فهذا معنى بديع عجيب يفعل بالعقول فى الإعجاب كما تفعل الخمر فى الإسكار، فلهذا قاله على ما شاهد من حالها.
ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى وقد صرعت الخيمة بسيف الدولة فوقعت فتطير بذلك فقال فيها قصيدة يذكر ذلك ويقرر نفسه عن الطيرة فمنها قوله:
وإن لها شرفا باذخا ... وإن الخيام بها تخجل
فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل
وكيف تقوم على راحة ... كأن البحار لها أنمل
فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
(1/99)

فانظر إلى هذه المعانى البديعة، وكفى بالمتنبى فضلا إتيانه بها، وإنه لصاحب كل غريبة ومنتهى كل أطروبة فى المعانى الشرعية، ومن ذلك ما قاله فى وصف حاله عند ورود الحمى عليه.
وزائرتى كأن بها حياء ... فليس تزور إلا فى الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت فى عظامى
كأن الصبح يطردها فتجرى ... مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام
فانظر إلى ما قاله، ما أشد موافقته لما حكى من حاله، وهذا أكثر ما يجرى على ألسنة أهل البلاغة عند مشاهدة ما يشاهدونه من أحوال الحوادث وفيه كفاية لغرضنا.
المرتبة الثانية ما يوردونه من غير مشاهدة حال
فيجرى عليها ولكن يقتضبونه اقتضابا ويخترعونه اختراعا، فمن ذلك قول على بن جبلة يمدح رجلا بالكرم والجود:
تكفل ساكنى الدنيا حميد ... فقد أضحت له الدنيا عيالا
كأن أباه آدم كان أوصى ... إليه أن يعولهم فعالا
قال ابن الأثير وقد حام الشعراء حول هذا المعنى، وفاز على بن جبلة بالإفصاح به، ومن ذلك قول أبى تمام:
يا أيها الملك النائى برؤيته ... وجوده لمراعى جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لى أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب
ومن ذلك قوله:
رأينا الجود فيك وما عرضنا ... لسجل منه بعد ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمت ... فدلتنا على مطر قريب
ومن بليغ كلامه قوله:
وإذا أرد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
ومن ذلك قوله فى مديحه:
لا تنكروا ضربى له من دونه ... مثلا شرودا فى الندى والباس
(1/100)

فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
ومن ذلك ما قاله ابن الرومى:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنه ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما هو لاق من أذاها يهدد
ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى:
أجزنى إذا أنشدت مدحا فإنما ... بشعرى أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوت بعد صوتى فإننى ... أنا الصائح المحكى والآخر الصدى
فانظر إلى ما أودعه فى هذين البيتين من المديح ما أرقه، ومن المعنى ما أدقه، ومن ذلك ما قاله ابن الرومى أيضا.
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
ومن دقيق ما يورد فيما نحن بصدده قول بعض الشعراء:
بأبى غزال غازلته مقلتى ... بين الغوير وبين شطى بارق
عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق الناشق
وضممته ضم الكمى لسيفه ... وذؤابتاه حمائل فى عاتقى
حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئا وكان معانقى
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كيلا ينام على وساد خافق
ومن الفائق الرائق ما قاله أبو الطيب يمدح سيف الدولة:
صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته فى وجهه غمم
فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم
هذا وأمثاله من بدائع أبى الطيب وعجائبه فى معانيه التى فاق بها على نظرائه، وامتاز فيها على أقرانه من الشعراء، ومن جيد ما يقال فى هذا المعنى ما قاله بعض المغاربة:
غدرت به زرق الأسنة بعد ما ... قد كن طوع يمينه وشماله
فليحذر البدر المنير نجومه ... إذ بان غدر مثالها بمثاله
فهذا وأمثاله من سحريات الشعر وعجائبه، ولنقتصر منه على هذا القدر.
(1/101)

المرتبة الثالثة ما يكون واردا على جهة الاحتذاء
على مثال سابق، ومنوال متقدم، وهذا كالبخل فإنه ورد عنهم فيه أشياء كثيرة كلها دال على مقصود واحد فى الهجاء به وهذا كقول أبى نواس يصف بخيلا:
شرابك فى السراب إذا عطشنا ... وخيرك عند منقطع التراب
فما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
ومن ذلك ما قاله بعض المغاربة يهجو إنسانا احترقت داره يقال له ابن طليل:
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... طوعا إلى الأقدار بالأقدار
ما أوقد ابن طليل قط بداره ... نارا وكان هلاكها بالنار
وكما قال بعض الشعراء فى ذم اللؤم والبخل:
زد رفعة وإن قيل أغضى ... ثم انخفض إن قيل أثرى
كالغصن يدنوا ما اكتسى ... ثمرا وينأى ما تعرى
ومما ولع به الشعراء وتهالكوا فى التعبير عن أحوال الطلول والرسوم وأحوال الديار، قال أبو الطيب المتنبى:
لك يا منازل فى القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أو اهل
فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأجاد فيه كل الإجادة فقال:
عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه ... من عهد شوق ما يحول فيذهب
فأخذه البحترى ونسج على منواله بقوله:
صوقفت وأحشائى منازل للأسى ... به وهو قفر قد تعفت منازله
وقال امرؤ القيس:
عوجوا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكى الديار كما بكى ابن حذام
فابن حذام هذا هو أول من بكى على الديار فلهذا حذوا على حذوه، ووصفو الديار بأوصاف مختلفة كلها متفقة فى مقصود واحد، ولنقتصر على هذا القدر من تمهيد قاعدة هذا الفن،
ونشرع الآن فى شرح مقاصده
فلنذكر ما يتعلق بذكر علوم البيان من مواقع المجاز فى
(1/102)

البلاغة، ثم نردفه بما يتعلق بالمعانى الإفرادية وهو المعبر عنه بعلم المعانى، ثم نذكر على أثره ما هو منه وهو ما يتعلق بمراعاة أحوال التأليف وهو المعبر عنه بعلوم المعانى أيضا، ثم نذكر خاتمة الفن فيما يتعلق بمجموع الإفراد والتركيب، وهو المعبر عنه بعلم البديع فهذه أبواب أربعة.
الباب الأول فى كيفية استعمال المجاز وذكر مواقعه فى البلاغة
اعلم أن جميع ما أسلفناه فى المجاز إنما هو كلام فى بيان ماهيته وذكر أقسامه وأحكامه، والذى نذكره الآن إنما هو كلام من وراء ذلك مما له تعلق بعلم البلاغة وذكر مواقعه العجيبة وأسراره الغريبة وله قواعد أربع.
(1/103)

القاعدة الأولى فى ذكر الاستعارة
اعلم أن التوسع اسم يقع على جميع الأنواع المجازية كلها، واشتقاقه من السعة، وهو نقيض الضيق، فالضيق قصر الكلام على حقيقته من غير خروج عنها، والتوسع شامل لما ذكرناه من أنواع المجازات، فإطلاق التوسع على ما يندرج تحته من أنواع المجاز بمنزلة إطلاق الكلمة على ما يندرج تحته من أنواعها الخاصة الاسم والفعل والحرف، وهكذا اسم المجاز، فإنه شامل لأنواعه من الاستعارة، والكناية، والتمثيل، فهما سيان كما ترى فى إفادة ما تحتهما من هذه الأنواع، وليسا مختصين بنوع من المجاز دون نوع، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر ماهية الاستعارة والتفرقة بينهما وبين التشبيه، ثم نذكر أمثلتها، ثم نردفه بذكر أقسامها وبذكر أحكامها الخاصة فهذه مباحث أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى.
البحث الأول فى بيان ماهية الاستعارة وبيان التفرقة بينها وبين التشبيه
اعلم أن الاستعارة المجازية مأخوذة من الاستعارة الحقيقية، وإنما لقب هذا النوع من المجاز بالاستعارة أخذا لها مما ذكرناه، لأن الواحد منا يستعير من غيره رداء ليلبسه، ومثل هذا لا يقع إلا من شخصين بينهما معرفة ومعاملة فتقتضى تلك المعرفة استعارة أحدهما من الآخر فإذا لم يكن بينهما معرفة بوجه من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر من أجل الانقطاع، وهذا الحكم جار فى الاستعارة المجازية، فإنك لا تستعير أحد اللفظين للآخر إلا بواسطة التعارف المعنوى كما أن أحد الشخصين لا يستعير من الآخر إلا بواسطة المعرفة بينهما، فأما معناها فى مصطلح علماء البيان فقد ذكر فى تعريف ماهيتها أمور خمسة.
التعريف الأول ذكره الرمانى
وحاصل ما قاله فى الاستعارة أنها استعمال العبارة لغير ما وضعت له فى أصل اللغة، هذا ملخص كلامه، وهو فاسد من أوجه ثلاثة، أما أولا فلأن هذا يلزم منه أن يكون كل مجاز من باب الاستعارة وهو خطأ، فإن كل واحد من الأودية المجازية له حد يخالف حد الآخر وحقيقته، فلا وجه لخلطها، وأما ثانيا فلأن هذا يلزم عليه أن تكون
(1/104)

الأعلام المنقولة يدخلها المجاز وتكون من نوع الاستعارة وهو باطل، فإن المجازات لا تدخلها فضلا عن الاستعارة، وأما ثالثا فلأن ما قاله يلزم منه أنا لو وضعنا اسم السماء على الأرض، أن يكون مجازا، وهذا باطل لا يقول به أحد.
التعريف الثانى حكاه ابن الأثير نصر بن عبد الكريم فى كتابه المثل السائر عن بعض علماء البيان،
فقال هو نقل المعنى من لفظ إلى لفظ لمشاركة بينهما بسبب ما وهذا فاسد لأمرين، أما أولا فلأن ما ذكره يدخل فيه التشبيه كقولنا زيد كالأسد، وزيد كأنه الأسد، فإن هذا نقل معنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما، لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد، فصار مجازا للمشاركة التى كانت بين زيد وبين الأسد فى وصف الشجاعة، وأما ثانيا فلأن مثل هذا يدخل فيه ماهية المجاز مطلقا، فإن المجاز من حيث إنه مجاز نقل المعنى من لفظ إلى لفظ لمشاركة بينهما، والمجاز المطلق مغاير للاستعارة فلا يدخل أحدهما فى الآخر.
التعريف الثالث اختاره ابن الأثير فى كتابه
فقال فى حدها هو نقل المعنى من لفظ إلى لفظ لمشاركة بينهما مع طى ذكر المنقول إليه، فقولنا نقل المعنى من لفظ إلى لفظ عام للاستعارة والتشبيه، وقولنا مع طى ذكر المنقول إليه يخرج به التشبيه عن الاستعارة، وهذا فاسد أيضا فإن بعض أنواع الاستعارة لا يقدر هناك مطوى فيها، ولا يتوهم طيه وإن ذكر المطوى خرج بإظهاره الكلام عن رتبة البلاغة، وهذا كقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: 112] فأنت لو أبرزت ههنا ذكر المستعار له وقلت واخفض لهما جانبك الذى يشبه الجناح، لأخرجت الكلام عن ديباجة الفصاحة، فظهر مما ذكرناه أن اعتبار المطوى يخرج بعض الاستعارة عن كونها استعارة، فبطل جعله قيدا من قيود حد الاستعارة.
التعريف الرابع ذكره ابن الخطيب الرازى:
وحاصل ما قاله أنها ذكر الشىء باسم غيره وإثبات ما لغيره له لأجل المبالغة فى التشبيه، فقولنا ذكرنا الشىء باسم غيره، احتراز عما إذا صرح بذكر
(1/105)

المشبه، كقولنا زيد أسد، فإنك ما ذكرت زيدا باسم الأسد، بل ذكرته باسمه الخاص له، فلا جرم ليس ذلك من الاستعارة وقولنا وإثبات ما لغيره له، ذكرناه ليدخل فيه الاستعارة التخييلية، وقولنا لأجل المبالغة فى التشبيه، ذكرناه من الحد، وهو فاسد لأمرين، أما أولا فلأنه ذكر التشبيه قيدا فى الحد، وبذكره يخرج عن حد الاستعارة، لأنها مخالفة للتشبيه فى ماهيتها وحكمها، فلا يدخل أحدهما فى الآخر، وأما ثانيا فلأنه أورد فيه لفظ التعليل، وهو قوله لأجل المبالغة، والحد إنما يراد لتصور الماهية مطلقة من غير تعليل فبطل ما قاله.
التعريف الخامس وهو المختار،
أن يقال تصييرك الشىء الشىء وليس به، وجعلك الشىء للشىء وليس له بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة ولا حكما، ولنفسر هذه القيود، فقولنا «تصييرك الشىء الشىء وليس به وجعلك الشىء للشىء وليس له» شامل لنوعى الاستعارة، فالأول كقولك لقيت أسدا، وأتيت بحرا، والثانى كقولك رأيت رجلا أظفاره وافرة، وقصدت رجلا تتقاذف أمواج بحره، وفلان بيده زمام الأمر، وقولنا «بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة» كقولك زيد كالأسد ومثل البحر، فإن ما هذا حاله ليس من باب الاستعارة فى شىء لما يظهر فيه من صورة التشبيه، وأحد البابين مغاير للآخر فلا يمزج أحدهما بصاحبه، وقولنا «ولا حكما» يحترز به عن صورة واحدة، وهى قولنا زيد أسد، وعمرو بحر، فهل يعد هذا من باب الاستعارة، أو يكون معدودا فى التشبيه، فأكثر علماء البيان على عده من باب التشبيه، وإدخاله فى حيرة، ومنهم من زعم أنه معدود فى الاستعارة لتجرده من آلة التشبيه، فصار الأمر فى الاستعارة والتشبيه جاريا على ثلاثة أوجه، أولها أن يكون استعارة باتفاق، وهذا كقولك رأيت قمرا نوره على الناس، وشمسا ضياؤه على الخلق، وثانيها تشبيه بلا خلاف، وهو ما ظهرت فيه أداة التشبيه كقولك زيد مثل البحر، ومثل الأسد، وثالثها وقع فيه خلاف، هل يعد من الاستعارة أو يكون معدودا من التشبيه، وهو ما كان مضمر الأداة، وهذا كقولك زيد أسد، وعمرو بحر، وغير ذلك وسيأتى لهذا مزيد تقرير فى التفرقة بين الاستعارة والتشبيه. فهذا ما أردنا ذكره فى ماهية الاستعارة ومفهومها.
(1/106)

وأما التفرقة بين الاستعارة والتشبيه فاعلم أن كل ما كان من صريح الاستعارة إما تصيير الشىء الشىء وليس به كما قال بعض الشعراء:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
وكما قال بعضهم:
قامت تظللنى من الشمس ... نفس أعز على من نفسى
قامت تظللنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس
وأما جعل الشىء للشىء وليس له فكما قال لبيد:
وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
أراد السحابة كما قالوا نشبت أظفار المنية بفلان، فهذا لا خفاء بكونه مستعارا كما ترى، وما كان من صريح التشبيه فلا مقال فيه، وهو ما كان فيه أداة التشبيه ظاهرة كقول بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ومثل قولهم فلان كالبدر، وفلان كالأسد، إلى غير ذلك من التشبيهات، فهذا لا خفاء به فى كونه تشبيها محضا، وإنما يقع النظر والتردد فى التشبيه المضمر الأداة كقولك زيد الأسد شجاعة، وعمرو البحر فى الجود والكرم، وكقول أبى الطيب المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
فهل يعد من باب التشبيه، أو من باب الاستعارة، فيه مذهبان.
المذهب الأول أنه ليس من باب الاستعارة
وهذا هو الذى مال إليه ابن الخطيب الرازى وأبو المكارم صاحب التبيان، وهو رأى أكثر علماء البيان، وأنه من باب التشبيه المضمر الأداة، ولهم على ذلك حجتان:
الحجة الأولى، قولهم إن الأسماء فى دلالتها على مدلولاتها نازلة منزلة الهيئات فى دلالتها على ما تدل عليه من الأحوال، فكما أنك لو أخذت رجلا من السوقة معلوما حاله بكونه سوقيا، ثم ألبسته تاج الملك، وأعرته إياه، وأقعدته على تخت المملكة بحيث إن كل
(1/107)

من رآه توهم أنه هو الملك، لكنت قد أعرته الملك، لأن المقصود من هيئة الملك حصول المهابة فى النفوس والجلالة فى الأعيان، ولكن ذلك غير حاصل مع بقاء ما يدل على كونه سوقيا، فهكذا ما نحن فيه إذا قلت زيد أسد، فقد نفيت عنه ما يدل على أنه ليس بأسد، لأن الذاتين لا يكونان ذاتا واحدة، فلا جرم لا تحصل المبالغة المقصودة من الاستعارة فلا تكون الإعارة حاصلة.
الحجة الثانية، إن المقصود من الاستعارة هو أن يحصل للمستعير من المنافع مثل ما كان حاصلا للمعير منها، كالثوب مثلا فإن المستعير يلبسه كما يلبسه المعير سواء، فإذا قلت زيد أسد، فالمقصود من هذا الإخبار عن الشخص المعلوم بكونه أسدا لا غير، بخلاف قولك: لقيت الأسد، فإنك تفيد به أنه هو الحيوان المعلوم فى الشجاعة، فقد صار الاسم منتفعا بالشجاعة مثل انتفاع الأسد بها، بخلاف قولك زيد الأسد، فلم يقع ذلك الموقع، فلهذا لم يكن منتفعا بها، فلا جرم قضينا بكونه غير مستعار لما ذكرناه.
المذهب الثانى أنه بحقيقة الاستعارة أشبه
، وقد قال به أبو هلال العسكرى، والغانمى، وأبو الحسن الآمدى، وأبو محمد الخفاجى، وغيرهم من علماء البيان ولهم حجتان.
الحجة الأولى، قولهم الاستعارة ليس لها آلة، والتشبيه له الآلة، فما كانت فيه آلة التشبيه ظاهرة فهو تشبيه، وما لم تكن فيه ظاهرة فهو استعارة، فقوله زيد الأسد لا آلة فيه فوجب كونه من الاستعارة.
الحجة الثانية، هو أن المفهوم من قولنا زيد الأسد، مثل المفهوم من قولنا لقيت الأسد، وأتانى أسد، فإذا كان مفهومهما واحدا فى المبالغة فى المجاز، فإذا قضينا بكون أحدهما استعارة وجب أن يكون الآخر كذلك من غير تفرقة بينهما، هذا مغزى كلام الفريقين مع فضل تهذيب منا له لم يذكروه، وقد لخصناه، والمختار عندنا تفصيل نرمز إلى مباديه، وحاصله أنا نقول: ما كان من قبيل التشبيه المضمر الأداة كقولنا: زيد الأسد، وزيد أسد، فليس يخلو حاله من قسمين:
فالقسم الأول أن يكون الكلام مسوقا على جهة الاستعارة، فلو قدرنا ظهور آلة التشبيه لنزل قدره ولخرج عن ديباجة بلاغته، فما هذا حاله يكون من باب الاستعارة، ويفسد
(1/108)

جعله من التشبيه، ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: 112] فالخفض والذوق استعارتان بليغتان فلو ذهب بجعله تشبيها قائلا، اخفض لهما جانبك الذى هو كالجناح، وأذاقها الله الجوع والخوف اللذين هما كاللباس، كان من الركة بمكان، وهكذا لو قلت فى نحو قول الشاعر:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد
فما هذا حاله من رقيق الاستعارة وعجيبها فلو أظهرت التشبيه فيه وقلت فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من عين كالنرجس، وسقت خدا كالورد، وعضت أنامل مخضوبة كالعناب بأسنان كالبرد، لكان غثا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا.
القسم الثانى أن يكون الكلام متسقا مع ظهور أداة التشبيه وهذا كقولنا: زيد الأسد، فإنك لو قلت كالأسد كان الكلام سديدا وكقول البحترى:
إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومالت فى التعطف غصن بان
فإنك لو قلت سفرت مثل ضوء الشمس ومالت فى التعطف مثل غصن البان، لم يخرج الكلام عن بلاغته، وعن هذا قيل إن قولنا زيد أسد، الأحق أن يكون من باب الاستعارة، وأن يكون قولنا زيد الأسد، أن يكون من باب التشبيه، لأن الكاف يحسن إظهارها فى المعرف باللام دون المنكر، والتفرقة بينهما أن اللام فى الأسد للجنس، فكأنك قلت زيد يشبه هذه الحقيقة المخصوصة من الحيوان، بخلاف المنكر، فإنها دالة على واحد من هذه الحقيقة، فإذا قلت زيد يشبه واحدا من هذه الحقيقة، فلا مبالغة فيه فافترقا، وقد قرر الزمخشرى فى تفسيره أن قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[البقرة: 7] يمكن جعله من باب الاستعارة، ويمكن جعله من باب التشبيه، مشيرا إلى ما ذكرنا من التلخيص فى ظهور آلة التشبيه وإضماره، كما مر، والله أعلم، فينحل من مجموع كلامنا أن الاستعارة لا تفتقر إلى أداة التشبيه وأن التشبيه لابد فيه من ذكر الأداة، وهى الكاف وكأن، ومثل، ونحو، وما شاكلها، فكلما ازداد التشبيه خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورشاقة، وكلما ظهر معنى التشبيه تعفت آثار الاستعارة، وامحت رسومها وأعلامها، واتضح أمر المشابهة كما تشهد له الأمثلة التى ذكرناها من قبل ويشهد له ما نذكره الآن بمعونة الله تعالى.
(1/109)

دقيقة
اعلم أنك إذا حققت النظر فى الاستعارة فى مثل قولك لقيت الأسد، وجاءنى البحر، علمت قطعا أن التجوز إنما كان فى جهة المعنى دون اللفظ من حيث اعتقدت أن ذات زيد ذات الأسد، من غير مخالفة، ومن أجل هذا قال أهل التحقيق من علماء المعانى: إن استعمال المجازات يكون أبلغ فى تأدية المعانى من استعمال الحقائق، ولهذا فإنه يقال عند ذاك جعله أسدا وبحرا كما يقال جعله أميرا.
فإن زعم زاعم أن المراد بالجعل ههنا التسمية كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[الزخرف: 19] أى سموا، والمفعول الثانى من فعل سمى أبدا يكون المراد به اللفظ دون المعنى، كقولك سميت ولدى عبد الله، إذا وضعت عليه هذا الاسم، فجوابه أنا لا نسلم أنهم أرادوا التسمية، بل اعتقدوا للملائكة صفة الأنوثة، وأثبتوها لهم، ومن أجل هذا الاعتقاد صدر من جهتهم إطلاق اسم البنات فى قوله تعالى: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ
[الطور: 39] ولم يكن ذمهم من أجل إطلاق لفظ البنات والأنوثة على الملائكة من غير اعتقاد لمعنى الأنوثة، بل كان الإنكار عليهم من أجل اعتقادهم لها فيهم، ومصداق ذلك قوله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ
[الزخرف: 19] فهذا ما أردنا تقريره فى ماهية الاستعارة والحمد لله.
البحث الثانى فى إيراد الأمثلة فيهما
اعلم أن الأمثلة هى تلو الماهيات فى تقرير الحقائق وبيانها، فلأجل هذا أوردناها على إثر كلامنا فى الماهية ليتضح الأمر فيما نريده من ذلك، وجملة ما نورده من أمثلة الاستعارة أنواع خمسة.
النوع الأول الاستعارات القرآنية
اعلم أن من حق الاستعارة وحكمها الخاص أن يكون المستعار له مطوى الذكر، وكلما ازداد خفاء ازدادت الاستعارة حسنا، فإن أدخلت على الاستعارة حرف التشبيه فقلت فى قولك رأيت أسدا، رأيت رجلا كالأسد، فقد وضعت تاجها، وسلبتها ديباجها.
(1/110)

فمن ذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
[النحل: 112] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من المجازات البليغة والاستعارات الرشيقة، فقد تضمنت استعارات أربعا، الأولى منها القرية للأهل، والثانية استعارة الذوق فى اللباس، والثالثة استعارة اللباس فى الجوع، والرابعة استعارة اللباس فى الخوف، فهذه الاستعارات كلها متلائمة، وفيها من التناسب ما لا خفاء به، فلما ذكر الأمن، والرغد من الرزق أردفه بما يلائمه من الجوع، والخوف، والإذاقة، لما فى ذلك من البلاغة، وهذا النوع يسمى الاستعارة المرشحة، وهو أن يأتى بالاستعارة عقيب الاستعارة لها بالأولى علاقة ومناسبة، وهذا كقوله تعالى: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
[البقرة: 16] فلما استعار الشراء عقبه بذكر الربح لما كان مناسبا له فى غاية الملائمة لما سبق، وقد زعم عبد الله بن سيار الخفاجى إنكار الاستعارة المرشحة، وقال إن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات، وأنكر عليه الآمدى هذه المقالة، وما قاله الآمدى هو المعول عليه، فإن هذه الاستعارة المرشحة من أعجب الاستعارات وأغربها، واستظرفها كل محصل من علماء البيان وسنوضحها فى التقاسيم، ونورد الشاهد عليها بمعونة الله تعالى.
ومن ذلك قوله تعالى: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[إبراهيم: 1] فذكر الظلمات والنور إنما كان على جهة الاستعارة للكفر والإيمان، والضلالة والهدى كأنه قال لتخرج الناس من الكفر والضلال اللذين هما كالظلمة إلى الإيمان والهدى اللذين هما كالنور، والمستعار له مطوى الذكر، فإذا أظهر كان من قبيل صريح التشبيه كما مثلناه ومن هذا قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
[إبراهيم: 46] وإنما يكون استعارة فى قراءة من قرأ لتزول بالنصب على تقدير (ان) بمعنى (ما) والمعنى وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، واستعار الجبال لما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله، من المعجزات الباهرة والأعلام الواضحة النيرة على نبوته، فالمعنى وما كان خدعهم وتكذيبهم لتزول منه هذه الأمور المستقرة الثابتة التى هى كالجبال فى الرسوخ والاستقرار، فأما على قراءة من قرأ لتزول منه بالرفع فى: تزول، فلا وجه للاستعارة فيه للجبال بل تكون باقية على
(1/111)

حقيقتها، هذا ما قاله ابن الأثير، وهو جيد لا غبار عليه، لكنه يمكن دخول المجاز فيها من وجه آخر، وهو أن الله تعالى أخبر عما كانوا عليه من الإغراق فى الرد والتكذيب والمبالغة فى الإنكار لما جاء به الرسول بأن الجبال الرواسى تزول من شنع هذه المقالة وتفاحش هذه الجهالة كما قال تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (91)
[مريم: 90- 91] فهكذا هذا، ومن هذا قوله تعالى:
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225)
[الشعراء: 224، 225] فاستعار الأودية للمغازى والمقاصد الشعرية التى يلخصونها بأفئدتهم ويصوغونها بأفكارهم، وخص الاستعارة بالأودية دون الطرق والمسالك، لأن المعانى الشعرية تستخرج بالفكرة والروية، وفيهما خفاء وغموض، فلهذا كانت الأودية أليق بالاستعارة، وفى القرآن استعارات كثيرة.
النوع الثانى الاستعارة فى الأخبار النبوية
فمن ذلك قوله صلّى الله عليه وآله: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات فإنكم إن ذكرتموه فى ضيق وسعة عليكم» «1» فاستعار هاذم اللذات للموت، وهو مطوى الذكر، ولو ظهر لم يكن هناك استعارة، وفى هذه الاستعارة من الرقة واللطافة ما لا يخفى حاله على من ضرب فى هذه الصناعة بحظ وافر وكان له فيها القدح القامر.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله: «لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار ذكر النار للرأى والمشورة، والمعنى لا تهتدوا بآراء المشركين، ولا تتكلوا على أقوالهم، لما فيها من الخديعة والمكر والغرر، ومن ذلك قوله عليه السلام، «إن الغضب ليوقد فى فؤاد ابن آدم النار ألا تراه إذا غضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه» فاستعار الوقيد لاشتداد الغضب وتراكمه، ومنه قوله عليه السلام: «ما ذئبان ضاريان فى زريبة أحدكم بأسرع من الحسد فى حسنات المؤمن» فاستعار الذئبين فى إفساد الغنم بضراوتهما لما يحصل من عقوبة الحسد فى إحباط الحسنات المستحقة على الأعمال الصالحة، يريد أن إسراعه فى الإحباط بمنزلة إسراع هذين الذئبين فى إهلاك الغنم وقتلها. ومن بديع الاستعارة وغريبها قوله صلّى الله عليه وآله «ما جرع عبد قط جرعتين أعظم عند الله من جرعة غيظ يلقاها بحلم أو جرعة
(1/112)

مصيبة يلقاها بصبر جميل» فاستعار الجرعة لما يكابده الإنسان عند ملابسة الغيظ ومقاساة الأحزان، وخص الجرعة لأن هذه الأمور كلها تخص القلب وتقع عليه كما تقع الجرعة عليه عند شربه، وهى استعارة لطيفة يعقلها أهل الكياسة، وينظر لها الأذكياء، ومن ذلك قوله عليه السلام: «المؤمن والكافر لا تتراءى نيرانهما» فاستعار ذلك إعلاما لما بينهما من البعد والانقطاع فى جميع الأحوال لأنهما إذا تباعدا فى الدين، فما وراء ذلك يكون أبعد وأعظم فى الانقطاع، وفى هذا إشارة إلى أن الإيمان أعظم الوصل فيما بين المسلمين، وأن الافتراق فيه لا وصلة بعده، ولهذا استعار له النار لأنها ترى من الأمكنة البعيدة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله «قيدوا القرآن بالدرس فإن له أوابد كأوابد الوحش» فاستعار ذكر الأوابد وهى الحيوانات الوحشية لما فيها من النفار وشدة الشرود لذهاب هذه المحفوظات عن القلب إذا لم تكن راسخة فيه بشدة الدرس لها، ومجازات الأخبار النبوية واسعة الخطو وقد وقفت على المجازات النبوية للسيد الشريف على بن ناصر، ولقد أتى فيها بالعجب العجاب ولباب الألباب، وفى كلامه دلالة على ما اختص به من الفضل والإحاطة بالبلاغة وتبحره فى علومها.
النوع الثالث فى الاستعارة المأخوذة من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه
، فمن بليغها وأغربها قوله عليه السلام «وايم الله لأقودن الظالم بخزامة حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها» فانظر إلى هذه النكتة من كلامه ما أعظم موقعها فى الدين، وأرضاها لله وأشجاها فى حلوق الظلمة، وأرسخ قدمها فى البلاغة، وقد اشتملت على استعارات ثلاثة، الخزامة، والانقياد، والمنهل، وما أعجب توشحها فى قالب نظمها وحسن سياقها، فإنه لما ذكر الانقياد عقبه بما يلائمه من الخزامة، ولما ذكر الورود عقبه بما يناسبه من المنهل، وهذا هو سر التوشيح، وحقيقة جوهره، ومن أرق الاستعارة وألطفها ما قاله عليه السلام: يشير به إلى نفسه وأولاده من بعده «نحن الشعار والخزنة والأبواب، لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير بابها سمى سارقا» .
فتفكر فى هذه الكلمات القصيرة وما اشتملت عليه من المعانى وانطوت عليه من الأسرار والرموز فى فضل أهل البيت وعلو درجتهم عند الله تعالى ومكانتهم من الشرف
(1/113)

بالرسول صلّى الله عليه وسلّم، وقرب مكانهم منه، وتحتوى على استعارات خمسة، فاستعار الشعار ليدل به على الاختصاص بالرسول، والملاصقة له فى حسبه، واستعار الخزنة ليدل به على أنهم الحافظون لعلوم الشريعة والمهيمنون عليها، واستعار الأبواب ليدل به على أنه لا توجد الفضائل فى العلوم إلا من جهتهم، وأنهم بمنزلة الأبواب لها، واستعار قوله لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، دالا به على أن أخذها من جهة غيرهم خلاف العادة المألوفة وعكس للأمر وإبطال لحقيقته، واستعار قوله فمن أتاها من غير بابها كان سارقا، ليدل به على أن كل من أخذها من غيرهم فقد ظلم وتعدى وأساء كالسارق، لأنه أخذ ما لا يملكه فاستعار هذه الألفاظ لما ذكرناه من تلك المعانى، ومن ذلك ما قاله فى معرض التهكم والتوبيخ لبنى أمية إن بنى أمية يفوقوننى بمال الله، والله لئن عشت لهم لأنفضنهم نفض اللحام الوذام التربة» وفى كلام آخر «التراب الوذمة» فاستعار التوفيق للأكل قليلا قليلا، أخذا من فواق الناقة، وهو الحلبة بعد الحلبة، وقوله لأنفضنهم نفض اللحام، استعارة لتفريق شملهم والتنكيل بهم، واللحام، هو القصاب، والوذام هى القطع من الكرش، واحدتها وذمة، والتربة التى تقع على الأرض فإذا نفضها اللحام تناثر التراب منها أسرع ما يكون وأقصاه عنها، فأما قوله عليه السلام: التراب الوذمة، فهو من القلب الذى قد رقى فى غايتى الفصاحة والبلاغة، وهذه الاستعارة دالة على أنه مبالغ فى قطع الدابر منهم، واستئصال الشأفة بالتفريق لجموعهم، والإهانة لقدرهم، ولله در أمير المؤمنين ما أصلب قناته فى الدين، وأشد غضبه فى الله، وأعظم عداوته لأعدائه.
ومن ذلك كتابه إلى ابن عباس وهو عامله بالبصرة اعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن فحادث أهلها بالإحسان إليهم، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم. وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم وغلظتك عليهم، وإن بنى تميم لم يغب منهم نجم إلا طلع لهم آخر. فالمهبط، والمغرس استعارتان بليغتان لموضع البدع والشرور ومخالفة أمر الله تعالى، وإثارة الفتن، ومعصية إمام الحق، وقوله فحادث أهلها بالإحسان إليهم، استعارة، وقوله واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم، استعارة أخرى للأنس لهم وتقرير خواطرهم. وقوله وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم، استعارة للوحشة وشراسة الأخلاق. وقوله وغلظتك عليهم، استعارة أيضا للإعراض وضيق النفس عليهم، وقوله وإن بنى تميم لم يغب منهم نجم إلا طلع لهم آخر، استعارة لبقاء الرئاسة فيهم، وأنه لا يزال فيهم من فى حياته نفع للإسلام وعز وكهف.
(1/114)

وأكثر كلامه عليه السلام فى أعلا طبقات الفصاحة، وأسمى مراتب البلاغة، فأما قوله عليه السلام عند لقاء عدوه اللهم قد صرح بمكنون الشنآن، وجاشت مراجل الأضغان فهاتان استعارتان لشدة البغضاء وتمكن العداوة وتأكدها فى الأفئدة، فهما على ما اختصا به من النظم والاتساق، وقصر اللفظ وبلاغة المعانى، لا يقدران بقيمة ولا يوزنان بأنفس الأثمان كما ترى.
ومن كلام له عليه السلام يخاطب به معاوية ويذكر فيه توجعه على بنى هاشم، فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا، وهموا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، ومنعونا العذب، وأحلسونا الخوف، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته، والرمى من وراء حرمته، مؤمننا يبغى بذلك الأجر، وكافرنا يحامى عن الأصل، ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه، فهو من القتل بمكان أمن، وكان رسول الله إذا احمر الباس، وأحجم الناس قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة.
فعلى الناظر إعمال فكرته الصافية، وشحذ عزيمته الماضية، فإذا فعل ذلك وعزل عن نفسه سلطان الحمية، وحمى جانبه عن التمسك بأهداب العصبية علم قطعا لا ريب فيه، ويقينا لا رد له أنه كلام من أحاط بالمعانى ملكه، ونظم عقود البلاغة ولآلئها سلكه،
وما قصدت بنقل طرف من كلام أمير المؤمنين إلا لغرضين.
الغرض الأول التنبيه على عظم قدره
، والإعلام بأن أحدا من البلغاء وأهل الفصاحة لا يبلغ وإن عظم خطره شأو كلامه، ولا يستولى على أغواره، ويقصر عن الإتيان بمثاله وما ذاك إلا لأنه قد سبق وقصروا، وتقدم وتأخروا.
الغرض الثانى الإعلام بأن أهل البلاغة ألهب الناس حشا، وأعطشهم أكبادا
، إلى الوقوف على أسرارها، والإحراز لأغوالها، وأغوارها، ومع ذلك تراهم قد أعرضوا عن كلامه صفحا، وطووا عنه كشحا، مع دلوعهم من الكلام بما لا يدانيه ويقصر عن بلوغ أقصر
(1/115)

معانيه، ولست أدرى علام أحمل إعراضهم عنه؟ فإن كان جهلا بأمره، فقدرهم أعلا من أن يجهلوا مثل ذلك، وهم الغواصون على جواهر البلاغة، والمتبحرون فى علومها، وإن كان استغناء عنه بغيره فهيهات هيهات، أين الغرب من النبع، والحصا من العقيان، وعقود الياقوت، من خرز المرجان، وشتان ما بين ظهور السها ونور الفرقد، ومتى ظهر نور الشمس انسلخ الظلام وزال الليس.
النوع الرابع فى الاستعارة الواردة عن البلغاء وأهل الفصاحة
اعلم أنا نذكر ههنا ما ورد من الاستعارات الفائقة عمن يوصف بالبلاغة، ونذكر ما يوازنه من كلام أمير المؤمنين، كرم الله وجهه، ليتحقق الناظر تفاوت ما بين الكلامين، وليعرف مصداق ما ادعيناه فى حقه من أنه قد صار ابنا لبجدتها وأبا لعذرتها.
فمن ذلك ما روى عن الحجاج عند قدومه العراق أنه قال: إن أمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان نثل كنانته وعجمها عودا عودا، فرآنى أصلها نجارا، وأبعدها نصلا.
فقوله: نثل كنانته وعجمها عودا عودا، يريد أنه عرض رجاله واحدا واحدا، واختبرهم رجلا رجلا، فرآنى أشدهم وأمضاهم، فهذا من الاستعارات الفائقة.
ولنذكر من كلام أمير المؤمنين ما هو أرق وألطف فى الاستعارة من هذا، وهذا نحو قوله يخاطب به معاوية، فكيف أنت إذا انكشف عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها، وخدعت بلذتها، دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها، وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه منج، فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، وشمر لما قد نزل بك، فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه، وبلغ فيك أمله، وجرى منك مجرى الروح والدم.
فليمعن الناظر نظره فيما بين الكلامين من التفاوت فى لطيف الاستعارة منهما، فإنه يجد بينهما بونا بعيدا، وغاية غير مدركة بالحصر.
ومن ذلك ما قاله بعض الفصحاء فى وصف ولدين لرجل كان مغرما بحبهما قال: وقد هويت بدرين على غصنين، ولا طاقة لقلب بهوى واحد، فكيف إذا حمل هوى اثنين، ومما شجانى أنهما يتلونان فى أصباغ الثياب، كما يتلونان فى فنون التجرم والعتاب، وكان
(1/116)

أحدهما قد لبس قباء أحمر، والآخر لبس قباء أسود، فقال: واصفا لهما، وقد استجدا الآن زيا لا مزيد على حسنهما فى حسنه، فهذا يخرج فى ثوب من حمرة خده، وهذا فى ثوب من سواد جفنه.
ولنذكر من كلام أمير المؤمنين ما يفوق عليه ويزيد فى الاستعارة الرائقة، والمقاصد الفائقة، من ذلك قوله فى صفة خلقة الطاووس قال فيه: إذا نشر جناحه من طيه وسما به مطلا على رأسه قلت قلع دارىّ عنجه نوتيه، تخال قصبه مدارى من فضة وما أنبت عليه من عجيب داراته وشموسه خالص العقيان وفلز الزبرجد فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت جنىّ جنى من زهرة كل ربيع، وإن شاكلته بالحلى فهو فصوص ذات ألوان، قد نطقت باللجين المكلل، وإن ضاهيته بالملابس قلت موشى الحلل، أو مونق عصب اليمن، وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه، أرتك حمرة وردية، وتارة خضرة زبرجدية، وأحيانا صفرة عسجدية.
فانظر أيها الواقف مقدار ما بين الكلامين من التفاوت فى مأخذهما فى الاستعارة، وميز ما اشتمل عليه من الرقة واللطافة والرونق والرشاقة، فليس العلم كالحسبان، ولا يكون الخبر كالعيان.
ومن ذلك ما قاله بعض الفصحاء فى وصف المطر، أقبل عارض مسف، متراكم غير شف، كالقاصد إلى الرقاق، والمخضل للأنفاق، فأرخى الغمام عزاليه. واثعنجر بصوب ما فيه. فالتقى الماء على أمر قد قدر، وتعقد منه الثرى وودأت منه العذر، وتهدمت القرى. وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه عند الاستسقاء: وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق، والربيع المغدق، والنبات المونق سحا وابلا، تحيى به ما قد مات وترد به ما قد فات، وأنزل علينا سماء مخضلة مدرارا هاطلة يدافع الودق منها الودق، ويحفز القطر منها القطر، غير خلب برقها ولا جهام عارضها، ولا قزع ربابها، ولا شفان ذهابها، تنعش بها الضعيف من عبادك، وتحيى بها الميت من بلادك، فهذا معنى واحد قد اتفقا على وصفه فانظر ما بين الوصفين وتأمل ما بين الكلامين، كيف بالغ فأحسن، واستعار فأجاد، ولنقتصر على هذا القدر ففيه كفاية فى الاعتراف له بالتقدم والسبق ممن لم يتضمخ برذائل الحسد، ولا ينبض فيه عرق العصبية، حيث خصه الله بالخصال الشريفة والفضائل الجمة.
(1/117)

النوع الخامس الاستعارات الشعرية،
من ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى:
فما تركن بها خلدا له بصر ... تحت التراب ولا بازا له قدم
ولا هزبرا له من درعه لبد ... ولا مهاة لها من شبهها حشم
وهذا من بديع الاستعارة وغريبها واستعار الخلد لمن كان مختفيا تحت التراب خائفا، والباز استعاره لمن طار هاربا، والهزبر، والمهاة استعارتان للرجال المقاتلة، وللنساء من السبايا، وهذه مبالغة فى شدة الوقعة والهزيمة، ومن ذلك ما ورد عن بعض الشعراء فى صفة السيف فقال:
حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضة لم تذبل
وقال المتنبى أيضا:
فى الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا
فالبقلة استعارة للسيف، والمطر جعله استعارة للدمع، ومن ذلك ما قاله الشريف الرضى:
إذا أنت أفنيت العرانين والذرى ... رمتك الليالى من يد الخامل الذكر
وهبك اتقيت السهم من حيث يتقى ... فمن ليد ترميك من حيث لا تدرى
فالعرانين والذرى، استعارة لعظماء الناس وأشرافهم، ومن ذلك ما ورد عن امرىء القيس فى صفة الليل الطويل:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
فلما جعل لليل وسطا ممتدا، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيا، استعارة لطوله، واستعار الأعجاز لثقله وبطائه، واستعار الكلكل لمعظم الليل ووسطه، أخذا له من كلكل البعير، وهو ما يعتمد عليه إذا برك. فصور الليل على صورة البعير، حيث جعل له صلبا يتمطى به أولا، وثنى بذكر العجز، وثلث بالكلكل حتى يكاد أن يخيل أنه كصورة البعير، وهو من بليغ الاستعارة ومحاسنها ومن ذلك ما قاله بعضهم.
نبل حباها من رؤوس بنانه ... ريشا ومن حلل المداد نصولا
ففرت شواكل كل أمر مشكل ... ورددن كل مفضل مفضولا
وترى الصحيفة حلبة وجيادها ... أقلامه وصريرهن صهيلا
(1/118)

فهذا أيضا من جيد الاستعارة ومليحها فاستعار اسم النبل للأقلام، والريش للأنامل، والنصول لسواد المداد، واستعار اسم الحلبة للقرطاس، والجياد للأقلام وجعل الصرير كالصهيل فى الخيل، وهذا من التوشيح للاستعارة البالغ ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
العيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سارى
فاقضوا مآربكم سراعا إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا ... أن تسترد فإنهن عوارى
ومن غريب الاستعارة ما قاله بعضهم يرثى ولدا له:
وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدرا ولم يمهل لوقت سرار
عجل الكسوف عليه قبل أوانه ... فمحاه قبل مظنة الإبدار
واستل من أترابه ولداته ... كالمقلة استلت من الأشفار
ولنكتف بهذا القدر فى أمثلة الاستعارات ففيه غنية.
البحث الثالث فى أقسام الاستعارة
اعلم أن الاستعارة منقسمة باعتبار ذاتها إلى حقيقية، وخيالية، وباعتبار لازمها إلى مجردة، وموشحة، وباعتبار حكمها إلى حسنة، وقبيحة، وباعتبار كيفية استعمالها إلى استعارة محسوس لمحسوس، أو معقول لمعقول، إلى غير ذلك من أنواع التقاسيم، فهذه تقسيمات أربعة، نذكر ما يتعلق بكل واحد منها وأمثلته بمعونة الله تعالى.
التقسيم الأول باعتبار ذاتها إلى حقيقية وخيالية
فأما الحقيقية
فهى أن تذكر اللفظ المستعار مطلقا كقولك: رأيت أسدا. والضابط لها أن يكون المستعار له أمرا محققا، سواء جرد عن حكم المستعار له، أو لم يجرد بأن يذكر الاستعارة ثم يأتى بعد ذلك بما يؤكد أمر المستعار له ويوضح حاله، وهذا مثاله قولك:
رأيت أسدا على سرير ملكه، وبدرا على فرس أبلق، وبحرا على بابه الوفاد، وبحر علم لا
(1/119)

يحيف فى قضائه وحكمه، وبدر تم يتكلم بجميع الحقائق، فيأتى بهذه الأمور عقيب ذكر الاستعارة من أجل تأكيد أمرها، وإيضاح حالها لأنك إذا قلت رأيت أسدا، فقد حصل مطلق الاستعارة اختصاصه بالشجاعة التى هى خاصة الأسد، فهذه استعارة مطلقة، ثم لما قلت على سرير ملكه، فصلته عن حكم الآساد، إذ ليس الجلوس على السرر من شأنها، وإنما جىء بذلك من أجل تأكيد المستعار له، وهذه تسمى مجردة، وهكذا إذا قلت رأيت قمرا على فرس، وبدر تم يتكلم، فقد أثبت له ضوء الأقمار وتمام البدور، ثم فصلته عما لا يليق بالأقمار والبدور بقولك على فرس، وبقولك يتكلم، لأنه ليس الكون على الخيل والكلام من صفة الأقمار والبدور بحال، ولكن الغرض هو ما ذكرناه من توكيد أمر المستعار له وتوضيح حاله، ومن النمط العالى فى الاستعارة ما قاله بعض الشعراء:
وصاعقة فى كفه ينكفى بها ... على أرؤس الأعداء خمس سحائب
فلما استعار الصاعقة لنصل السيف عقبه بقوله ينكفى بها، أى يتصل ويلابس رؤوس الأعداء خمس سحائب، أراد بها الأصابع، إيضاحا لأمر الصاعقة، وتبيانا أن ما ذكره من حكم المستعار له، وجعل قرينته دالة على ما أراده من وصف هذا الممدوح، ومن فائق الاستعارة ورائقها قول بعضهم:
ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر فى كل وقت طالع فيها
فلما استعار ذكر القمر، عقبه بذكر المعاجر وأنه يبليها بطلوعه فيها كل وقت، وذكره من أجل إيضاح أمر المستعار له، وبيان حقيقته.
وأما الاستعارة الخيالية الوهمية،
لهى أن تستعير لفظا دالا على حقيقة خيالية تقدرها فى الوهم، ثم تردفها بذكر المستعار له، إيضاحا لها وتعريفا لحالها كما قال بعضهم:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
وقد يجتمع التجريد والتوشيح فى الاستعارة كما قال زهير:
لدى أسد شاكى السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم
فلما صوره بصورة الأسد جرد الاستعارة بأن عقبه بكونه حديد الشوكة فى سلاحه، تقريرا لحال الاستعارة، وتوكيدا لأمرها، ثم وشحها بقوله: «له لبد أظفاره لم تقلم» وكما لو قال فى هذا «رأيت أسدا دامى الأنياب وافر البراثن» لكان من باب الاستعارة الموشحة،
(1/120)

ومن الخيالية قولهم: «فلان أنشبت المنية فيه مخالبها» كان تخييلا للاستعارة، لأنه لما شبه المنية بالسبع فى عدوانها وتضريتها على الإنسان، جعل لها مخالب، ليزداد أمر التخييل ويكثر، ومن الاستعارة التخيلية، الآيات الدالة على التشبيه كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
[المائدة: 64] وقوله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَ
[ص: 75] وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[الرحمن: 27] ومن أجل ذلك زل كثير من الفرق فى اعتقادها جواز الأعضاء على الله تعالى وحلول المكان، والجهة، وغير ذلك من الظواهر النقلية التى يشعر ظواهرها بذلك، فإنهم لما لم يفهموا هذه الاستعارة وجهلوا حالها، وقعوا فى أودية التهويس من اعتقاد التشبيه وتوهم كل ضلالة فى ذاته تعالى، فمن ههنا كان السبب فى ضلال المشبهة، فأما المنزهة فلهم فيها تأويلات ركيكة بعيدة، والذى حملهم على ذلك تقرير القواعد العقلية، فلا جرم اغتفروا بعدها حذرا من المناقضة للقضايا فى البراهين، ولو تفطنوا لهذه الاستعارة لكانوا فى غنية عن أكثر هذه التأويلات الركيكة، فأما التفرقة بين الاستعارة الحقيقية والاستعارة الخيالية، فسنذكرها فى أحكام الاستعارة بمعونة الله تعالى:
وقد يجتمع التحقيق والتخييل فى الاستعارة كما فى بيت زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله
فيمكن جعله من باب التخييل، وتقريره هو أنه لما تحقق من حاله أنه أمسك عما كان عليه فى عنفوان الشباب وغضارته من سلوك جانب الغى وركوب مراكب الهوى، استعار له قوله: «عرى أفراس الصبا ورواحله» على جهة التخييل وطريقه، كأنه شبه الصبا فى حال قوة دواعيه وميلانه إلى اللهو والطرب، بالإنسان الذى يقدر على تصريفك على ما تريد، ثم بالغ فى الاستعارة حتى صوره بصورة الإنسان واختراع ما له من الآلات والأدوات، وأطلق اسمها عليه تحقيقا لحال الاستعارة المتخيلة، ويمكن جعله من باب التحقيق، وتقريره أنه استعار الأفراس والرواحل لما يحصل من دواعى النفوس والقوى الإنسانية عند الصبا وميل القلوب إلى الهوى فلهذا قال: عرى عن هذه الأشياء بعد مفارقة الصبا. ومما يمكن تنزيله على هذين الوجهين فى الخيال، والتحقيق، قوله تعالى:
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] فإذا جعلته من باب التخييل، فتقريره هو أن الله تعالى أمر الولد بأن يلين لهما جانبه، ويتواضع لهما، فاستعار لفظ الجناح، منبها به على التخييل فى الاستعارة بطريق المبالغة فى طلب أن يكون الولد لأبويه،
(1/121)

كالطائر لفرخه فى فرط حنوه عليه وتعطفه على محبته، فجعل الذل طائرا على طريق الاستعارة، ثم أخذ الوهم فى تصوير ما للمستعار من الآلات والجوارح، ثم أضاف اسم الجناح إلى الذل، رعاية لمزيد البيان، وإفراطا فى تحصيل البلاغة. وإذا جعلته من باب التحقيق فتقريره أنه لما أراد المبالغة فى لين الجانب للأبوين من جهة الولد، استعار لفظ الجناح للتذلل والتواضع، ونزله منزلة الجناح فى التصاقه بالتراب وإسباله فى التغطية للفرخ، مبالغة فى لين العريكة، وحسن التذلل للوالدين.
ومن ألطف ما نوجهه على هذين التوجيهين قوله تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: 112] والظاهر من هذه الاستعارة هو التخييل، لأن الله تعالى لما ابتلاهم لكفرهم باتصال هاتين البليتين، ولما استعار اللباس ههنا مبالغة فى الاشتمال عليهم أخذ الوهم فى تصوير ما للمستعار منه من التغطية والستر والاسترسال، رعاية لمزيد البيان فى ذلك، وإن جعلته من باب التحقيق للاستعارة، فتقريره هو أن ما يرى على الإنسان عند شدة الخوف والجوع من الضعف والهزال، وانتقاع اللون، وعلو الصفرة، ورثاثة الهيئة، وركة الحال، وحصول القلق والفشل، يضاهى الملابس فى اختلاف أحوالها وألوانها.
التقسيم الثانى باعتبار اللازم لها إلى مجردة وموشحة
إذا استعير لفظ لمعنى آخر، فليس يخلو الحال، إما أن يذكر معه لازم المستعار له، أو يذكر لازم المستعار نفسه، فإن كان الأول فهو التجريد، وإن كان الثانى فهو التوشيح،
فأما الاستعارة المجردة
فإنما لقبت بهذا اللقب، لأنك إذا قلت: «رأيت أسدا يجدل الأبطال بنصله، ويشك الفرسان برمحه» فقد جردت قولك: أسدا، عن لوزم الآساد وخصائصها، إذ ليس من شأنها تجديل الأبطال ولا شك الفرسان بالرماح والنصال، ومن التجريد قوله تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: 112] ولو قال: كساها الله لباس الجوع والخوف، لكان توشيحا فبالغ فى شدة ما أصابهم بقوله «فأذاقها» لأن الذوق أبلغ فى الإحساس وأدخل فى الإيلام، من قوله كساها.
(1/122)

لا يقال فأراه لما قال «أذاقها» فلم لم يقل طعم الجوع والخوف ليلائم قوله «فأذاقها» ؟ ولم قال لباس الجوع وبين اللباس والطعام تنافر؟ لأنا نقول إن الطعم وإن كان ملائما للإذاقة، لكنه لو ذكره لما كان مقويا لبيان اشتمال الجوع والخوف لهم، وعموم أثرهما على جميع البدن، كما تعم الملابس وتغطى جميع البدن، فلا جرم حصل من لفظ الإذاقة المبالغة فى إدراك ألم الجوع والخوف بالإدراك بآلة الذوق، وحصل من لفظ اللباس المبالغة فى العموم والاشتمال، فلأجل هذا كان الأولى ذكر اللباس ليحصل المعنيان جميعا» ،
فأما الاستعارة الموشحة،
فإنما سميت بهذا الاسم، لأنك إذا قلت: «رأيت أسدا وافر الأظفار منكر الزئير دامى الأنياب» فقد ذكرت لازم اللفظ المستعار وذكرت خصائصه فوشحت هذه الاستعارة، وزينتها بما ذكرته من لوازمها وأحكامها الخاصة، أخذا لها من التوشيح، وهو ترصيع الجلد بالجواهر واللآلىء تحمله المرأة من عاتقها إلى كشحها، وهذا هو الوشاح، واشتقاق التوشيح للاستعارة منه، ومثالها قوله تعالى: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
[البقرة: 16] ثم قال على إثره فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[البقرة: 16] فلما استعار لفظ الشراء عقبه بذكر لازمه وحكمه، وهو الربح توشيحا للاستعارة، ولو قال فهلكوا أو عموا وصموا عوض قوله: فَما رَبِحَتْ
لكان تجريدا، ولم يكن توشيحا، ولو قال تعالى فكساها الله لباس الجوع، لكان توشيحا، أو قال فأذاقها الله طعم الجوع والخوف لكان توشيحا أيضا، ومن التوشيح قول كثير عزة:
رمتنى بسهم ريشه الكحل لم يضر ومن قوله:
تقرى الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النوم فى الأجفان أيقاظا
فذكر السهم مع الريش، والرياض مع الأزهار، يكون توشيحا.
ومن مليح الاستعارة المجردة ما قاله أمير المؤمنين كرم الله وجهه، فى حق الله تعالى:
«فلو وهب ما ضحكت عنه أصداف البحار من سبائك العقيان وفلز اللجين» ومن الاستعارة الموشحة قوله عليه السلام: «قذفت إليه السموات والأرضون مقاليدها، وانقادت له الدنيا والآخرة بأزمتها» .
فلما ذكر الانقياد عقبه بما يلائمه من الزمام توشيحا لها.
(1/123)

التقسيم الثالث باعتبار حكمها إلى حسنة وقبيحة
اعلم أن الاستعارة إنما يظهر حسنها إذا عريت عن أداة التشبيه، وكلما ازداد التشبيه خفاء ازدادت حسنا ورشاقة، وكانت متضمنة للبلاغة مع الإيجاز، وجودة النظم وحسن السياق، والقبيح منها ما خالف ما ذكرناه من هذه الاعتبارات.
فأما الاستعارة الرائقة فكقوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[طه: 131] فانظر إلى استعارة مد العين لإحراز محاسن الدنيا والشغف بحبها، والتهالك فى جمع حطامها، والشح بما ظفر به منها وبين المد للعين، وهذه الأشياء، من الملائمة، والتناسب ما لا يخفى على أهل الكياسة، وهكذا قوله تعالى: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
فاستعار الزهرة لما يظهر من زينة الدنيا ورونقها، وإدراك لذاتها كالزهر إذا تفتح وأعجبت غضارته وحسن بهجته ومن أعظمها إعجابا قوله صلّى الله عليه وسلّم فى وصف القرآن «من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» فاستعار الأمام، والخلف للعمل بأحكامه والإعراض عنها ثم جعل الانقياد إلى الأمور المحبوبة وصير السوق إلى الأمور المكروهة، ومما يشير إلى هذا المعنى قول أمير المؤمنين «تخففوا تلحقوا» وقوله: «فإن السبقة الجنة، وإن الغاية النار» فقوله تخففوا تلحقوا، من الكلام الذى لا تنال له غاية، ولا يدرك له حد ولا نهاية، ثم إنه جعل السبقة، لما يراد ويجب، وجعل الغاية لما يكره ويعرض عنه. ومن جيدها قوله:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح
والغرض بهذا هو أن الإبل سارت سيرا شديدا فى سرعة مع اختصاصه بلين وسلاسة، حتى كأنها سيول وقعت فى الأباطح فجرت.
ومن غريبها ما قاله بعض الشعراء:
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سحبا مزررة على أقمار
(1/124)

لو أشرعوا أيمانهم من طولها ... طعنوا بها عوض القنا الخطار
ودحوا فويق الأرض أرضا من دم ... ثم انثنوا فبنوا سماء غبار
فهذا وما شاكله من أحسن الاستعارات وأرقها، وقال بعضهم يرثى ولدا له:
إن تحتقر صغرا فرب مفخم ... يبدو ضئيل الشخص للنظار
إن الكواكب فى علو مكانها ... لترى صغارا وهى غير صغار
فهكذا يكون حال الاستعارة الحسنة. فأما الاستعارة القبيحة فهى كل ما كان لا مناسبة بينها وبين المستعار له فيقبح لأجل ذلك، وهذا كقول أبى نواس:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
فهذا وأمثاله من الاستعارة الركيكة النازلة القدر فى البلاغة، ومراده من هذا هو أن المال يتظلم من إهانته له بالتمزيق بالإعطاء فالمعنى جيد، والعبارة قبيحة لا تلوح فيها مخايل البلاغة بحال. ومنه قوله أيضا:
ما لرجل المال أضحت ... تشتكى منها الكلالا
فهذا أيضا أرك من الأول وأنزل قدرا وأسخف. وما أعجب ما قاله مسلم بن الوليد فى هذا المعنى:
تظلّم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما
فالمقصود من هذا له ولأبى نواس واحد، ولكنه فاق عليه بجودة الانتظام وحسن السبك، فكان بليغا فصيحا. ومن ضعيف الاستعارة قول أبى تمام:
بلوناك أما كعب عرضك فى العلى ... فعال وأما خد مالك أسفل
فمراده من هذا أن عرضك مصون ومالك مبتذل، لكنه أخرجه أقبح مخرج، وساقه سياقا مستكرها، فانظر إلى قوله كعب عرضك، وخذ مالك، ما أبعده عن طرق البلاغة وأسخف قدره فيها. ومما نزل قدره قول بعضهم:
(أيا من رمى قلبى بسهم فأولجا)
فقوله فأولجا من الاستعارات النازلة وهكذا لو قال فأدخلا، ولو قال بدله فأقصدا أو فأنفذا، لكان له موقع حسن فى الاستعارة. فهذه الأمور «إذن» تعرف بالذهن الصافى، ويحكم فيها الذوق المعتدل. وفى ما ذكرناه كفاية فى التنبيه على ما أردنا من ذلك على غيره.
(1/125)

التقسيم الرابع باعتبار كيفية الاستعمال للاستعارات
اعلم أن الاستعارة تجرى فى استعمالها على أوجه أربعة نذكرها.
الوجه الأول استعارة المحسوس للمحسوس
وهذا كقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
[الرحمن: 58] شبه الحور العين بالمرجان والياقوت فى شدة الحمرة والرقة وهكذا قوله تعالى:
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
[الصافات: 49] شبههن بالبيض فى بياضه ورقته ولطافته، فهذه استعارة مقدرة بتقدير طرح أداة التشبيه فتكون استعارة محققة، كما أن كل ما كان من الاستعارة يطوى فيه ذكر المشبه فهو من التشبيه المقدر كقولك: رأيت أسدا، ولقينى أسد، كما مر بيانه. ومثال الاستعارة المحققة فى المحسوسين قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[مريم: 4] فالمستعار النار، والمستعار له هو الشيب، بواسطة الانبساط ومنه قوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
[الكهف: 99] فالموجان، حركة المآء فى الأصل، فاستعير للقلق والفشل والاضطراب فى الأمر. ومن هذا قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
[الذاريات: 41] فالمستعار منه المرأة التى لا تلد ولدا، والمستعار له الريح، لأنها لا تصلح شيئا ولا ينمو بها نبات. وقوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[يس: 37] فالمستعار له خروج النهار من ظلمة الليل، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته، فلما كان النهار من شدة الاتصال بالليل كاتصال الجلد بالمسلوخ منه، لا جرم حسنت الاستعارة، وهو باب واسع فى كتاب الله تعالى والسنة الشريفة.
الوجه الثانى استعارة المعقول للمعقول
وهذا كقوله تعالى: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
[يس: 52] فاستعار الرقاد للموت، وكلاهما أمر معقول. وقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
[الأعراف: 154] فالسكوت عبارة عن زوال الغضب وارتفاعه: وهما أمران عقليان. ومنه قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
[الفرقان: 23] استعير من قدوم المسافر بعد مدة والمستعار له، هو الجزاء بعد الإمهال. وقوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ
(1/126)

الْغَيْظِ
[الملك: 8] فالغيظ أمر معقول مستعار للحالة المتوهمة للنار. أجارنا الله منها.
لإرادة الانتقام بلسان الحال من العصاة.
الوجه الثالث استعارة المحسوس للمعقول
وهذا كقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
[الأنبياء: 18] فالقذف، والدمغ، أمران معقولان مستعاران من صفات الأجسام، والمستعار له الحق، والباطل، والجامع هو الإعدام والإذهاب ومنه قوله تعالى وَزُلْزِلُوا
[البقرة: 214] فأصل الزلزلة التحريك بالعنف والشدة، ثم يستعار لشدة ما نالهم من العذاب. ومنه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[الحجر: 94] الأصل فى الصدع هو الانشقاق للقارورة وغيرها. ومنه قوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
[آل عمران: 187] فالنبذ فى الأصل يستعمل فى إلقاء الشىء عن اليد، ثم استعير فى الأمر المعقول عنه المتناسى حاله، والجامع بينهما اشتراكهما فى الزوال عن التحفظ والإيقاظ.
الوجه الرابع استعارة المعقول للمحسوس
وهذا كقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ
[الحاقة: 11] المستعار منه التكبر والعلو، والمستعار له هو ظهور الماء، والجامع بينهما خروج الحد فى الاستعلاء المضر، ومنه قوله تعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
[الحاقة: 6] فالعتو مستعار من التكبر والشموخ، والمستعار له هو الريح، والجامع بينهما هو الإضرار البالغ. ومنه قوله تعالى:
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
[الملك: 8] فالتميز من الغيظ استعاره، استعير للنار والجامع بينهما شدة التلهب والاضطراب كما قال تعالى: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
[الفرقان: 12] ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
[محمد: 4] فالوضع والوزر معنيان معقولان، استعيرا للحرب وهى محسوسة.
تنبيه
اعلم أن فى الاستعارة ما يكون معدودا فى التهكم، وحاصل الاستعارة التهكية، أن تستعمل الألفاظ الدالة على المدح فى نقائضها من الذم والإهانة تهكما بالمخاطب، وإنزالا لقدره، وحطا منه وهذا كقوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
[هود: 87] مكان
(1/127)

نقيضهما من السفيه الغوى وقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[آل عمران: 21] بدل قوله أنذرهم، لأن البشارة إنما تستعمل فى الأمور المحمودة، والمراد ههنا العذاب والويل ومنه قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23)
[الصافات: 23] . والتهكم فى اللغة عبارة عن شدة الغضب على المتهكم به، لما فيه من إسقاط أمره وحط منزلته وحاله، واشتقاقه من: تهكمت البئر، إذا سقط طيها. وهو كثير التدوار فى كتاب الله تعالى خاصة عند عروض ذكر الكفار وأهل الشرك والنفاق كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
[الزخرف: 55] وغير ذلك من الآيات الوعيدية، والخطابات الزجرية الدالة على مزيد الغضب وبالغ الانتقام. اللهم أجرنا من التعرض لسخطك، وعظيم غضبك، يا خير مستجار به، وأكرم من يلاذ برحمته.
البحث الرابع فى أحكام الاستعارة
اعلم أنا قد ذكرنا ما يتعلق بحقائق الاستعارة، والذى بقى علينا هو ذكر أحكامها الخاصة غير ما أسلفناه من قبل، وجملتها سبعة.
الحكم الأول هل المستعار هو اللفظ، أو المعنى؟
زعم زاعمون أن المستعار هو اللفظ، والذى عليه أهل التحقيق أن الاستعارة إنما تكون متعلقة بالمعنى، وهذا هو المختار، ويدل على ذلك أوجه ثلاثة، أما أولها فلأن الإجماع منعقد من جهة علماء الأدب وأرباب هذه الصناعة على أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة وأن قولنا: زيد أسد، فى المبالغة فى وصف الشجاعة أعظم من قولنا: زيد يشبه الأسد، فى شجاعته، فلو لم تكن هناك استعارة لفظ الأسد ونقله، لم تكن هناك مبالغة لأنه لا مبالغة فى نقل العبارة خالية من معناها وعرية عنه، وأما ثانيا فلأن القائل إذا قال: رأيت أسدا، ولقينى أسد، فالسابق من هذا الكلام هو أنه صوره بحقيقة الأسد مبالغة فى شجاعته، وزيادة فى جراءته، وليس ذلك إلا لأجل ما كان من المقصود من إثبات حقيقة الشجاعة ومعقولها، ولو كان ذلك من أجل استعارة اللفظ لم يكن هذا الإطلاق، لأنه لا يقال لمن سمى إنسانا باسم الأسد، أنه صيره أسدا، وجعله
(1/128)

بحقيقة الآساد، وأما ثالثا فلقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[الزخرف: 19] فظاهر الآية مشعر بأنهم أثبتوا للملائكة صفة الأنوثة، فلأجل هذا الاعتقاد سموهم باسم الإناث، وليس الغرض إطلاق اسم البنات عليهم من غير اعتقاد معنى الأنوثة، ولهذا قال تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ
[الزخرف: 19] فلو لم يعتقدوا الأنوثة لكان لا وجه للمبالغة فى التنكير عليهم فى ذلك، وظهر بما لخصناه أن المبالغة فى الاستعارة بإثبات المعنى أولا ثم يتلوه اللفظ فى الاستعارة كما حققناه.
الحكم الثانى فى المجاز بالاستعارة هل يكون عقليا أو لغويا
اعلم أن المجاز فى الاستعارة يرد على نوعين، النوع الأول منها مركب وهذا كقولنا أحيانى اكتحالى بطلعتك، وقوله:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى
فإسناد الإشابة والإفناء إلى الكر والمر إنما كان على جهة التجوز بالاستعارة، والحقيقة فيه هو الإضافة إلى الله تعالى لأنه فى الحقيقة هو الفاعل لذلك فإسناده إلى قدرة الله تعالى هو حكم ذاتى، لا من جهة وضع واضع، فإذا أسندناه إلى غيره، فقد نقلناه عما كان مستحقا له لذاته فى الأصل، وعلى هذا يكون التصرف عقليا، فهذا هو مراد علماء البيان بكون المجاز المركب عقليا، فما هذا حاله من الاستعارة لا يختلفون فى تسميته مجازا عقليا، على التقرير الذى لخصناه، هذا تقرير كلام الناظر من أهل هذه الصناعة، والمختار أن المجاز لا مدخل له فى الأحكام العقلية، ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليا، لأن ما هذا حاله إنما يتعلق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية، وإذا كان الأمر كما حققناه من تعذر المجاز فى العقل فنقول: إن صيغة «أشاب وأفنى» موضوعتان للإسناد إلى الفاعل المختار القادر، فإذا وجدناهما على الإسناد إلى غيره نحو «كر الغداة ومر العشى» عرفنا بذلك أنهما قد استعملا فى غير موضوعهما الأصلى اللغوى، وعلى هذا التقرير يكون المجاز المركب لغويا حيث وقع من غير حاجة إلى كونه عقليا.
(النوع الثانى) مفرد وهذا كقولنا: لقيت أسدا، وجاءنى أسد، فما هذا حاله من الاستعارات قد وقع فيه خلاف، وتردد فيه نظر الشيخ عبد القاهر الجرجانى، وله فيه اختياران.
(1/129)

(الاختيار الأول) نصره فى أسرار البلاغة، وهو أن ما هذا حاله من المجاز يكون مجازا لغويا، وحجته على ذلك هو أنا إذا أجرينا اسم الأسد على الرجل الشجاع فإنما نجريه بطريق التأويل، فلأجل هذا كان ما ذكرناه استعمالا للأسد فى غير موضوعه، ويؤيد ما ذكرناه ويزيده وضوحا هو أنا إذا أطلقنا على الرجل اسم الأسد فإنما كان ذلك الإطلاق من أجل اختصاصه بالشجاعة، ولا ندعى للرجل صورة الأسد وشكله وهيئته وتأليفه، واسم الأسد ليس موضوعا على معنى الشجاعة وحدها، بل هو موضوع على تمام هذه الهيئة وكمالها، فإذا أجرينا عليه اسم الأسد تبعا لثبوت صفة الشجاعة، فقد سلبنا عن الصيغة بعض ما كان مندرجا تحتها فى أصل وضعها من الشكل والهيئة وتدوير الوجه، وعرض المقادم، ودقة المآخير فيكون نقلا لها عما وضعت له فى الأصل.
(الاختيار الثانى) نصره فى دلائل الإعجاز، وتقرير كلامه: أنه قد كثر كلام الناس فى أن الاستعارة لفظة منقولة عن موضوعها الأصلى، وهو خطأ، وبيانه أنك لا تطلق لفظ الأسد على الرجل إلا بعد أن تعتقد أنه بصفة الأسد وشكله وهيئته، وتتصوره بجميع صفاته، فلما كان الأمر كما قلناه فأنت لم تنقل لفظة الأسد عما كانت موضوعة له فى الأصل. لأنك إنما تكون ناقلا لها إذا لم تقصد معناها الأصلى، فأما إذا كنت قاصدا له فلا وجه لكونها منقولة، فلأجل هذا قضينا بكون هذا المجاز عقليا، فهذا تقرير كلامه ههنا، وإلى كون هذا المجاز عقليا ذهب ابن الخطيب الرازى، واختار ما قرره عبد القاهر فى دلائل الإعجاز، والمختار عندنا ما نصره فى أسرار البلاغة من كونه لغويا، ومعتمدنا فى ذلك أمران، أحدهما أن القائل إذا قال لقينى الأسد، وجاءنى الأسد، فالسابق إلى الفهم من هذا هو أنه جاءه رجل بالغ فى الشجاعة كل مبلغ ليس فوقها رتبة لأنه شاكل الأسد فى شجاعته لا غير، وليس الغرض حصوله على هيئة الأسد، فى تدوير الهامة، وحدة الأنياب، وطول البراثن، إلى غير ذلك من الصفات، وإنما الغرض إحراز وصف الشجاعة دون غيره من الصفات.
وثانيهما أنه لو كان الغرض من إطلاق لفظ الأسد أنه لابد من إحراز جميع أوصافه ومعانيه، لكان إذا جردنا الاستعارة فقلنا جاءنى أسد يضحك، ورأيت أسدا له عقل
(1/130)

وافر، وبحرا قد برز على الأقران فى فضله، أن يكون مناقضا، لأن قولنا يضحك، وله عقل وافر، وفضل باهر، ينافى هذه الاستعارات، لأن الأسد لا يوصف بالضحك ولا بالعقل ولا يوصف البحر بالفضل، وفى هذا دلالة على أن المجاز يجب كونه لغويا بالاستعارة، كما أشرنا إليه.
إشارة
اعلم أن هذه الاستعارة فى المفرد والمركب كما ذكرناه، فأما الخلاف فى كونها مجازا، هل يكون عقليا، أو لغويا فالأمر فيه قريب، وليس وراء النزاع كبير فائدة، فإذا فهم المراد من كونه لغويا أو عقليا، فلا عليك فى إطلاق العبارة بعد إحراز المعانى والوقوف على حقائقها.
الحكم الثالث فى بيان محل الاستعارة ومكانها
اعلم أن أعظم ما تدخل فيه الاستعارة هو أسماء الأجناس، وهذا كقوله تعالى:
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] وقوله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
[البقرة: 17، 18] وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
[يس: 9] وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
[الأنعام: 25] فأما أسماء الأعلام فقد قررنا فيما سبق استحالة دخول المجاز فيها فضلا عن الاستعارة، فلا وجه لتكريره، وقد تدخل الاستعارة فى أسماء الإشارة كقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ
[ص: 55] فقوله: هذا
استعارة لأنه إنما يستعمل حقيقة فيما كان قريبا مشارا إليه، فالمجاز فى الإشارة داخل ههنا فيما يعرض من أحواله فى القرب والبعد، فلا يكون مناقضا لما أسلفناه من أن أسماء الإشارة لا يدخلها المجاز، فإنما تعذر المجاز فيها من حيث الإطلاق، وقد تدخل الاستعارة فى الأفعال، كقولك: نطقت الحال بكذا، لأن الحال غير ناطقة، وإنما يكون النطق حقيقة من الإنسان وغيره، فهذه الاستعارة فيها من جهة مفعولاتها كما قال: فلان أظهر العلوم بعد خفائها، ورفع المجد بعد انخفاضه، قال ابن المعتز:
(1/131)

جمع الخلق لنا فى إمام ... قتل البخل وأحيى السماحا
وكقول الحريرى:
وأقر المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا
الحكم الرابع فى بيان موقع الاستعارة
اعلم أنهم ربما بالغوا فى الاستعارة حتى ينزلوها منزلة الحقيقة، وبيان ذلك أنهم قد يستعيرون الوصف للشىء المعقول ويجعلون تأتيه لذلك الشىء على جهة التحقيق وكأن خلافها محال وكأن الاستعارة غير موجودة، وينكرون خلاف ذلك ويتعجبون منه، وهذا كقول أبى تمام:
ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة فى السماء
فقرر صعوده فى الخصال العالية، والمراتب الشريفة، على وجه لا يمكن جحده ولا يسوغ إنكاره، وأحسن من هذا وأوضح لما نحن فيه قول بعض الشعراء:
ومن عجب أن الصوارم والقنا ... تحيض بأيدى القوم وهى ذكور
وأعجب من ذا أنها فى أكفهم ... تأجج نارا والأكف بحور
فلولا أن هذه الاستعارة قد نزلت منزلة الحقائق لما كان للتعجب وجه، ومن هذا ما قاله بعض الأدباء:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
فالقمر من طبعه إبلاء الأثواب وتقطيعها فمعناه لا تعجبوا من تقطيع الغلالة فإنها مشتملة على القمر، فانظر إلى تحقيقه للاستعارة وتقريرها، ومن هذا قوله:
قامت تظللنى من الشمس ... نفس أعز على من نفسى
قامت تظللنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس
فلولا أنها قد نزلت عنده منزلة الشمس على الحقيقة لما كان للتعجب وجه.
(1/132)

الحكم الخامس فى التفرقة بين الاستعارة والتشبيه
المحققون من علماء البيان على حصول التفرقة بينهما، وصار صائرون إلى أنه لا فرق بينهما فنقول: أما ما كان من التشبيه مظهر الأداة بالكاف، وكأن، فلا تخفى التفرقة بينه وبين الاستعارة تفرقة لفظية، وأما ما كان من التشبيه مضمر الأداة، فقد يكاد يلتبس بالاستعارة، وهل يكون لاحقا بالتشبيه، أو بالاستعارة فى نحو قولك جاءنى الأسد، ومررت بالأسد، وقد قدمنا ذكر الخلاف فيه وذكر المختار فيه فأغنى عن الإعادة، وعلى الجملة فلابد من إدراك التفرقة بينهما، وحاصله أن التشبيه حكم إضافى لا يوجد إلا بين شيئين مشبه ومشبه به بخلاف الاستعارة، فإنها لا تفتقر إلى شىء من ذلك، بل تفهم مطلقة من غير إشارة إلى آخر وراء الاستعارة ولهذا فإنك تجد فرقا بين قولنا: زيد الأسد، وبين قولك جاءنى الأسد، فى كون الأول ينجذب إلى التشبيه لأنه يشير إليه. والثانى استعارة مع اتفاقها جميعا فى إضمار أداة التشبيه، فهذا هو الذى يفتقر إلى التفرقة بينه وبين الاستعارة، فأما ما كان من الاستعارة لا يفهم منه التشبيه فلا يحتاج إلى التفرقة بحال، كقوله تعالى: ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[الأنعام: 91] ، وقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ
[الحاقة: 11] وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
[الأعراف: 186] .
الحكم السادس فى التفرقة بين الاستعارة المجردة، والموشحة
اعلم أنا نريد بتجريد الاستعارة هو أن نذكر اللفظ المستعار ونقرن به ما يلائم المستعار له كقولك: رأيت أسدا يتكلم، ولقيت بحرا يضحك، وهذا يخالف الاستعارة الموشحة، فإنك تذكر اللفظ المستعار وتقرن به ما يلائم المستعار نفسه فتقول: رأيت أسدا دامى الأنياب، طويل البراثن، فحاصل التفرقة بينهما أن كل ما كان ملائما للمستعار له فهو التجريد، وما كان ملائما للمستعار نفسه من الأحكام فهو التوشيح، فبما ذكرناه تدرك التفرقة بينهما.
(1/133)

الحكم السابع فى التفرقة بين الاستعارة المحققة وبين الخيالية
اعلم أن كل ما كان من الاستعارات لا يفهم منه معنى التشبيه لا على قرب ولا بعد كقوله:
أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا
فما هذا حاله من الاستعارات محقق لا يفهم منه معنى التشبيه بحال، ولو ذهبت تقدر التشبيه أخرجته عن حقيقة البلاغة، وسلبت عنه ثوب جمالها، فأما ما كان من الاستعارات يفهم منه معنى التشبيه الذى لا يدرك فى الوجود ويكون متصورا فى الخيال، فهذه هى الاستعارات الخيالية، وهذا كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: 64] وجميع آيات التشبيه كله من باب الاستعارات الخيالية، فحاصل التفرقة آئل إلى أن كل ما كان من الاستعارات لا يفهم منه معنى التشبيه فهى الاستعارة المحققة، وما كان منها يدرك فيه التشبيه على جهة التقدير فهى الخيالية، وما كان يدرك فيه التشبيه على جهة التحقيق، فهو الاستعارة المشبهة، وقد قررنا هذه الأمثلة فلا مطمع فى الإعادة لها، وفيما ذكرناه كفاية فى أحكام الاستعارة، ولنختم هذه القاعدة بالكلام فى ذكر الاستعارة فيه باعتبار أمره فى نفسه فهو المعبر عنه بالأصلية، وما كانت الاستعارة فيه باعتبار حال غيره، فهو المعبر عنه بالتبعية، فالأول هو ما كان من الاستعارة متعلقا بأسماء الأجناس فهو بالأصالة، وأكثر ما يرد فيه كما أوضحنا أمثلته فى الاستعارات وكل ما كان واردا فى الأفعال، والحروف، فهو من الاستعارات التبعية، لأنها إنما وردت فى الأفعال باعتبار مصادرها، وإنما وردت فى الحروف باعتبار متعلقاتها، فمثال الأفعال قولك: تخبرنى حالك بأنك عائب على، وحالك ينطق لى بأنك مفارقى، ومثال الحروف قوله تعالى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[المائدة: 35] فموضوعها للترجى، وليس ههنا ترج وقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[القصص: 8] فاللام للتعليل، وليس ههنا تعليل ولكنها ترد على جهة الاستعارة لمعان أخر، والاستعارة فيها إنما وردت باعتبار غيرها كما أوضحناه، وهكذا الأمر فى سائر الأفعال، والحروف، فإنها إنما ترد فيها الاستعارة إذا جاءت مخالفة لموضوعاتها الأصلية، فإنها على جهة الاستعارة من غيرها والله أعلم بالصواب.
(1/134)

القاعدة الثانية من قواعد المجاز فى ذكر التشبيه وحقائقه
هذه قاعدة واسعة النطاق ممتدة الحواشى، فسيحة الخطور، ولكنها غامضة المدرك، متوعرة المسلك، دقيقة المجرى عزيزة الجدوى، وإنما قدمنا عليها الكلام فى الاستعارة، لاتفاق علماء البيان على عدّها قاعدة من قواعد المجاز، ولا خلاف بين علماء البيان على عدها قاعدة من قواعد المجاز، ولا خلاف بين علماء البيان فى أن التشبيه من أودية البلاغة، وإنما وقع النزاع هل يعد من أودية المجاز أم لا، فالذى عليه النظار من علماء البلاغة وأهل التحقيق من علماء البيان أنه غير معدود فى المجاز، وهو رأى الشيخ ناصر بن أبى المكارم المطرزى فى شرحه للحريريات، وعن ابن الأثير أنه معدود من جملة المجاز، ويمكن الانتصار له على المطرزى بأمرين، أما أولا فلأنه عد الكناية من أودية المجاز، والتشبيه أقرب منها إليه، وأما ثانيا فلأن مضمر الأداة من التشبيه معدود فى الاستعارة، وقد اعترف بها، فإذن لا وجه لإنكار التشبيه أن يكون معدودا من أودية المجاز، والعجب منه فى قبول الكناية وعدها من المجازات، وإنكار ما ذكرناه من التشبيه، مع أن الكناية دالة على موضوعها الأصلى فى اللغة، كما سنقرره عند الكلام فيها بمشيئة الله تعالى.
واعلم أنا
قبل الخوض فى أسرار التشبيه وذكر حقائقه، نقدم التنبيه على أمور أربعة تكون كالتمهيد والتوطئة لما نريد ذكره من ذلك.
التنبيه الأول فى بيان ماهية التشبيه
أما لفظه فهو مصدر من قولهم شبهته بكذا، إذا جمعت بينهما بوصف جامع، وأما فى مصطلح علماء البيان فنذكر له تعريفات ثلاثة وفيها كفاية.
التعريف الأول ذكره المطرزى،
وحاصل كلامه فى ماهيته هو الدلالة على اشتراك شيئين فى وصف هو من أوصاف الشىء فى نفسه، هذه الفاظه، وهذا فاسد لأمرين، أما أولا، فلأنه إن أراد بالدلالة حقيقتها، فالشىء لا يدل على نفسه، ومن حق الدليل أن يكون مغايرا له لمدلوله،
(1/135)

وإن أراد بلفظ الدلالة أن من عرف الحد عرف لا محالة المحدود، فهذا جيد، لكن لفظ الدلالة يوهم الخطأ من جهة المغايرة، فيجب اطراحها، وأما ثانيا فلأنه لم يفصل بين التشبيه الوارد على جهة الاستعارة كقولك جاءنى الأسد، ورأيت بحرا، وبين التشبيه الصريح كقولنا: زيد كالأسد، وعمرو كالسيف، وغير ذلك وكلاهما معدود من باب التشبيه، والغرض ههنا هو المظهر الأداة فكان من حقه فصله عما ذكرناه بذكر الأدلة، لأنه هو المقصود بذكر هذه القاعدة.
التعريف الثانى ذكره الشيخ عبد الكريم السماكى،
وحاصل مقالته أنه ركن من أركان البلاغة، لإخراج الخفى إلى الجلى وإدنائه البعيد من القريب، هذا ما ذكره فى كتابه التبيان، وهو فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن ما قاله إنما هو إشارة إلى فائدته ومقصوده، وليس فيه بيان ماهيته فى ذاته، كمن يقول فى ماهية الأسد، هو الحيوان الذى تخاف سطوته وله هيبة فى النفوس، فكما أن هذا غير موصل إلى ماهية الأسد، فكذا ما قاله، ولأنه لم يفصل بين مضمر الأداة، ومظهر الأداة، وحقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الآخر ولأن ذكر الأداة جزء من مفهوم هذه القاعدة التى تصدينا لكشفها وبيانها، فلابد من ذكر الأداة، وظهر مما حققناه ضعف ما قالا.
التعريف الثالث وهو المختار
أن يقال هو الجمع بين الشيئين، أو الأشياء بمعنى ما بواسطة الكاف ونحوها، فقولنا: «هو الجمع بين الشيئين» يدخل فيه التشبيه المفرد كقولك: زيد كالأسد، «أو الأشياء» ليدخل فيه التشبيه المركب على أوصافه ومراتبه كما سنقرره ونصف حاله ونمثله، وقولنا: «بمعنى ما» عام لجميع الأوصاف كلها العقلية والحسية، المفردة والمركبة وقولنا «بواسطة الكاف» يخرج العطف لأنه جمع بين الشيئين، أو الأشياء لكن بغير الكاف، ويخرج عنه مضمر الأداة كقولنا: زيد أسد، فإنه ليس من التشبيه الذى أوردنا فى هذه القاعدة، وإنما هو معدود فى الاستعارة كما قررناه من قبل، فهكذا يكون تعريفه بما ذكرناه، ولقد حام من أسلفنا ذكره فى تعريف حقيقة التشبيه حول ما قررناه، فما وقع، وصأصأ فما فقح، ومن حق من أراد تعريف ماهية من الماهيات أن يورد فى حده أخص أوصافها وأن يصونها عن النقوض.
(1/136)

دقيقة
اعلم أنا قد جعلنا هذه القاعدة للتشبيه فصدرناها بلقبه، وحكينا عن المطرزى إنكار كونه معدودا من المجازات وإن عد من أنواع البلاغة، وإلى هذا ذهب الشيخ عبد الكريم صاحب التبيان، وغالب الظن بل نعلم قطعا أن كل ما كان من التشبيه مضمر الأداة كقولنا: زيد الأسد، ولقينى الأسد، وعمرو الشمس فى ضيائه، والقمر فى نوره، والبحر فى كرمه، إلى غير ذلك من التشبيهات المضمرة فإنهما لا يخالفان فى كون ما هذا حاله معدودا فى المجاز، وإن كان من التشبيه، لأن ظاهره الاستعارة وإن كان المشبه به فى طيه، فلهذا وجب عده فى المجاز، وإنما يتوجه خلافهما فيما كان من التشبيهات مظهر الأداة، كقولنا: هو كالبحر كرما، وكالقمر نورا، وكالبدر تماما وكمالا، فما كان بهذه الصورة ففيه مذهبان.
المذهب الأول أنه معدود من جملة المجازات، وهذا الذى يشير إليه كلام ابن الأثير، وحجته على ذلك أن قولنا: زيد أسد إذا كان معدودا فى المجاز باتفاق بين علماء البيان، فيجب فى قولنا: زيد كالأسد شجاعة، أن يعد فى المجاز أيضا، إذ لا تفرقة بينهما إلا من جهة ظهور الأداة، وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا فى المجاز لم يكن مخرجا له عن المجاز، ولأن التمثيل إذا كان معدودا فى المجاز فى نحو قولنا: فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، يقال للمتحير فى أمره فهكذا حال التشبيه أيضا.
المذهب الثانى إنكار كونه معدودا فى المجاز، كما حكيناه عن المطرزى وعبد الكريم، وغيرهما، وحجتهم على ما قالوا: أن المجاز استعمال اللفظ فى غير موضوعه الأصلى وقولنا. زيد كالأسد، مستعمل فى موضوعه فى الأصل، فلهذا لم يكن معدودا فى المجاز، فهذا تقرير الكلام فى المذهبين جميعا، والمختار عندنا كونه معدودا فى علوم البلاغة، لما فيه من الدقة واللطافة، ولما يكتسب به اللفظ من الرونق والرشاقة، ولاشتماله على إخراج الخفى إلى الجلى، وإدنائه البعيد من القريب، فأما كونه معدودا فى المجاز أو غير معدود، فالأمر فيه قريب بعد كونه من أبلغ قواعد البلاغة، وليس يتعلق به كبير فائدة، وربما كان الخلاف فى ذلك لفظيا فعدلنا عنه.
(1/137)

التنبيه الثانى فى بيان الصفة الجامعة بين المشبه والمشبه به
اعلم أن كل من أراد تشبيه شىء بغيره، فلابد من اجتماعهما فى وصف يكون دالا على الاجتماع وعلما دالا على المبالغة، ولابد من أن يكون المشبه به أعلا حالا من المشبه، لتحصل المبالغة هناك، وتختلف تلك الأوصاف الجامعة ويحصرها أقسام ستة.
القسم الأول الأوصاف المحسوسة
وهى بالإضافة إلى الحواس التى هى طريق الإدراك خمسة، نفصلها بمعونة الله تعالى.
المدرك الأول: الاشتراك فى الصفة المبصرة،
ومثاله قوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)
[الصافات: 48، 49] فالجامع هو البياض، وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (58)
[الرحمن: 58] فالجامع الحمرة، ونحو تشبيه الخد بالورد فى البياض المشرب بالحمرة، والشعر بالليل فى سواده، وكقول بعضهم:
وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فشبه أديم السماء فى صفاء زرقته، وبياض النجوم، بدرر منثورة على بساط أزرق، وكقول بعضهم فى وصف ما يجتمع من الأزهار فى الزرقة والبياض والحمرة.
ولا زوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار فى أطراف كبريت
ولأمير المؤمنين فى هذا اليد البيضاء حيث قال فى خلقة الطاووس: ومخرج عنقه كالإبريق، ومغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية، والوسمة «بكسر السين» نبت أسود يقال له «العظلم» أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال، وكأنه متلفع بمعجر أسحم، ومع فتق أذنه خط كمستدق القلم، فهو كالأزاهير المبثوثة. وقال: فى جناحه إذا نشره من طيه وسما به مطلا على رأسه كأنه قلع دارى عنجه نوتيّه- والنوتى هو الملاح- فإن ضاهيته بالملابس فهو كموشى الحلل، وإن شاكلته بالحلى فهو كفصوص ذات ألوان، فانظر إلى
(1/138)

هذه التشبيهات المدركة بالبصر، ما أدقها وما أوقعها فى التشبيه وأرقها، تكاد لدقتها تسحر الألباب، ويعجز عن حصر معانيها فى البلاغة منطق الخطاب.
المدرك الثانى فى الاشتراك فى الكيفية المسموعة،
وهذا نحو تشبيه صوت الخلخال، بصوت الصنج كما قال «كأن صوت الصنج فى مصلصله» وتشبيه أواخر الميس بأصوات الفراريج قال:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج
ونحو تشبيه الأسلحة فى وقعها بالصواعق وتشبيه الأصوات الطيبة فى قراءة القرآن بالمزامير
المدرك الثالث فى الاشتراك فى الكيفية المذوقة،
وهذا نحو تشبيه الفواكه الحلوة بالعسل، والريق بالخمر قال:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى وذوب العسل
يعل به برد أنيابها ... إذا النجم وسط السماء اعتدل
المدرك الرابع فى الاشتراك فى الكيفية المشمومة،
وهذا نحو تشبيه النكهة بالعنبر، وتشبيه شم الريحان بالكافور والمسك، ومثل تشبيه الرياحين المجتمعة فى الريح، بالغالية، لكونها مجموعة من أنواع طيبة، ونحو تشبيه الأخلاق الكريمة بالعطر.
المدرك الخامس فى الاشتراك فى الكيفية الملموسة،
وهذا نحو تشبيه الجسم بالحرير، وحسن الشمائل بالديباج قال:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر
(1/139)

القسم الثانى فى الأوصاف التابعة للمحسوسات، وذلك أمور ثلاثة
أولها الأشكال، وليس يخلو حالها، إما أن تكون على جهة الاستقامة، وهذا نحو تشبيه حسن القامة بالرماح فى الطول، وبخوط البان، فى حسن التكسر والتثنى، وإن كان على جهة الاستدارة، فمثل تشبيه القطعة من العجين بالكرة، ونحو تشبيه الأمر المعضل بالحلقة المبهمة، فى أنه لا يهتدى لصوابه، وثانيها الاشتراك فى المقادير، وهذا نحو تشبيه عظيم الخلق بالجمل، والفيل، ونحو تشبيه من يسند إليه معظم الأمور بالجبل، وتشبيه من يستقيم فى أمره بالقدح، والميل، وثالثها الاشتراك فى الرخاوة، والصلابة، واللين، كتشبيه الشىء الصلب بالحديد، والأحجار، ونحو تشبيه الشىء الرخو بالحرير، والقطن، إلى غير ذلك وإنما ألحقنا هذه الأمور بالحسيات، لأنها مختصة بها، وأكثر ما تكون فى الأجسام كما مثلناه.
القسم الثالث فى الأوصاف العقلية
وهذا نحو تشبيههم المرض الشديد بالموت، ونحو تشبيههم العافية بالملك، والقناعة بالمال، والفقر بالكفر، والسفر بالعذاب، والسؤال للخلق بالموت فى أكثر الحوائج والضلال عن الحق بالعمى، والاهتداء إلى الخير بالإبصار، وكما شبهوا الجود بالمطر، والوابل، ومثلوا الأنامل بالشآبيب من الغيث، ومثلوا العدو الشديد بالطيران، وكقوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
[الحج: 31] مثّل حال من تلبس بالشرك واعتقده وشرح به صدره، بمنزلة من سقط من السماء فقطعته الطير، أو أبعدته الريح فى أبعد ما يكون وأقصاه، شبه الشرك فى بعده، وتلاشيه، وبطلانه، وزواله، بهذه الأمور التى هى النهاية فى البعد والبطلان.
(1/140)

القسم الرابع فى الأوصاف الوجدانية من النفس
وهذا نحو تشبيههم العلم بالحياة، والجهل بالموت، ومنه قوله تعالى. فى الاستعارة على جهة التشبيه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ
[الأنعام: 122] فيجوز فيما هذا حاله، أن يراد به العلم، والجهل فى الحياة، والموت، ونحو تشبيههم الجوع بالنار، والعطش باللهب وتسعر النار، وتشبيه الأشواق، والغيظ، والأسف والغضب، بالنار فى تلظيها وتلهبها إلى غير ذلك من الأمور الموجودة من جهة النفس.
القسم الخامس فى الأمور الخيالية
وهذا نحو أن يتخيل شبحا من بعيد، فيظنه إنسانا، فإذا تخيله ضئيلا، شبهه بالقلم، وإن تخيله جسيما، شبهه بالفيل والجمل، وهكذا إذ رأى حيوانا، فإذا تخيله أسدا، شبهه بالبرق لسرعة جريه، وإذا تخيله شاة، شبهها بالبكرة لعظمها وفخامة جسمها، وهكذا القول فى سائر الأمور الخيالية، فإن التشبيه على قدر ما يرى عن الخيال.
القسم السادس فى الأمور الوهمية
وهذا نحو أن يتوهم الواحد منا فراق ما يألفه فيشبهه بتقطيع الجسم ووخز الشفار ونحو أن يتوهم انقطاع إحسان واصل إليه من جهة الغير بزوال الروح، وانقطاع الأباهر، إلى غير ذلك من الأمور الوهمية، والتفرقة بين الأمور الخيالية والأمور الموهومة هو أن الخيال أكثر ما يكون فى الأمور المحسوسة، فأما الأمور الوهمية فإنما تكون فى المحسوس وغير المحسوس مما يكون حاصلا فى التوهم وداخلا فيه.
(1/141)

التنبيه الثالث فى بيان ثمرة التشبيه وفائدته
اعلم أنك إذا أردت تشبيه الشىء بغيره فإنما تقصد به تقرير المشبه فى النفس، بصورة المشبه به، أو بمعناه. فيستفاد من ذلك البلاغة فيما قصد به من التشبيه على جميع وجوهه من مدح، أو ذم، أو ترغيب، أو ترهيب، أو كبر، أو صغر، أو غير ذلك من الوجوه التى يقصد بها التشبيه وتراد للإيجاز أيضا والاختصار فى اللفظ من تعديد الأوصاف الشبهية، وتراد للبيان والإيضاح أيضا، فهذه مقاصد ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى.
المقصد الأول فى إفادته للبلاغة
، وهذا كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
[الرحمن: 24] فشبه السفن الجارية على ظهر البحر بالجبال، فى كبرها وفخامة أمرها على جهة المبالغة فى ذلك، وهكذا القول فى جميع تصرفات التشبيه، فإنه لا ينفك عن إفادة البلاغة، وإلا لم يكن تشبيها، لأن إفادته للبلاغة هو مقصده الأعظم، وبابه الأوسع، ولهذا فإنك لا تكاد تجد تشبيها خاليا عن مقصود البلاغة على حال، وكلما كان الإغراق فى التشبيه والإبعاد فيه وكونه متعذر الوقوع والحصول، كان أدخل فى البلاغة، وأوقع فيها، وهذا نحو تشبيه نور الله تعالى بنور المصباح فى المشكاة، سواء قلنا: إن المشبه هو نور الله تعالى كما هو الظاهر من الآية، أو هو نور الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فالمقصود هو البلاغة فى ذلك، كما قال بعضهم فى وصف الخمر:
وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقّط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء
فانظر إلى ما أبدعه فى المبالغة بهذا التشبيه، حيث شبه الساقى بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه حببها بالكواكب إغراقا فى ذلك، ومبالغة فيه، وكما قال بعض الشعراء:
فى وصف الشقائق على أعوادها إذا حركتها الريح فتارة تستقيم، وتارة تعوج قال:
وكأن محمر الشقي ... ق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
(1/142)

وكما ورد فى الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «المؤمن كالسنبلة، تعوج أحيانا، وتقوم أخرى» أراد بذلك أنه لا يخلو فى تصرفه عن أن يكون مستقيما على الدين فذلك حال الاستقامة، أو يكون مقارفا للذنب، فتلك حالة الاعوجاج وقوله صلّى الله عليه وسلّم «المؤمن كخامة الزرع» «1» أراد أنه غافل عن أكثر المداخل، مشغول بما هو فيه من أمر الدين عن التفطن للأمور كالزرعة بين الزرع الكثيف، فإنه إذا غلظ عليها لم تكن بارزة للريح والشمس فتحصل لها الصلابة، فتراه فى جميع مجاريه لابد من إفادته للبلاغة ومراعاتها فيه.
المقصد الثانى فى إفادته للإيجاز
وهذا ظاهر، فإنك إذا قلت زيد كالأسد، فإن الغرض تشبيهه بالأسد فى شهامة النفس، وقوة البطش، وجراءة الإقدام، والقدرة على الافتراس، وغير ذلك من الصفات الفاخرة، فقد استغنيت بذكر لفظ الأسد عن أن تقول: زيد شهم شجاع قوى البطش جرىء الجنان قادر على الاعتداء، فهذا هو الذى نريده بالإيجاز، ومن الاختصار العجيب والإيجاز البليغ فى التشبيه قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ
[الكهف: 45] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من أنواع التشبيهات. أشياء بأشياء فى معان وأوصاف بحيث لو فصلت لا حتاجت إلى شرح، مع اختصاصها بجزالة اللفظ، وبراعة النظم، وبلاغة المعانى وحسن السياق، ومن الإيجاز قول البحترى:
تبسم وقطوب فى ندى ووغى ... كالرعد والبرق تحت العارض البرد
فما هذا حاله من جيد التشبيه وغريبه الموجز غاية فى الإيجاز، وكما قال أبو نواس فى صفة الخمر:
وإذا علاها الماء ألبسها ... حببا شبيه خلاخل الحجل
حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل
وكقول أبى نواس فى تشبيه الحبب أيضا:
فإذا ما اعترضته العي ... ن من حيث استدارا
خلته فى جنبات ال ... كأس واوات صغارا
فهذه التشبيهات كلها فى غاية الإيجاز والاختصار كما ترى.
(1/143)

المقصد الثالث فى إفادته للبيان والإيضاح
وهذه أيضا هى فائدة التشبيه الكبرى، فإنه يخرج المبهم إلى الإيضاح والمتلبس إلى البيان، ويكسوه حلة الظهور بعد خفائه، والبروز بعد استتاره وهذا كقوله تعالى:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[البقرة: 17] الآية، وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ
الآية [البقرة: 19- 20] فهاتان الآيتان واردتان مثالا وتشبيها بحال أهل النفاق.
وإيضاحا وبيانا لأمرهم فيما ظهر لهم من النور التام بالرسول صلّى الله عليه وسلّم، وإعراضهم عنه، فشبه حالهم فى ذلك بالمستوقد للنار، وبالصيب الذى فيه الرعد والبرق، كشفا لحالهم فى النفاق، وإظهارا لأمرهم فيه، فنظام هذه الآية وسياقها دال على نهاية الإيضاح بالتشبيه، وإظهار حالهم به، وهكذا إذا قلت زيد يفيض فيض البحر، ويقدم إقداما كالأسد، فإنك بذكر هذا التشبيه قد أوضحت أمره فى الكرم والشجاعة، وكشفت ذلك بالإيضاح كشفا لا غاية له ولا مزيد عليه، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» »
يعنى فى قطع العلائق، وخفة الحال، فإن الغريب لا علقة له فى بلاد الغربة، وابن السبيل لا لبث له إلا مقدار العبور وقطع المسافة، فهذا المعنى قد أظهره التشبيه نهاية الظهور وأوضح حاله كما تراه. ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه «كن فى الفتنة كابن اللّيون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب» أراد أن الفتن إذا تلبس الإنسان بها ووقع فى غمرتها كان أدعى للهلاك وأقرب إلى تورط النفوس، وإذا كان لا علقة له بها، فربما كان ذلك أدعى للسلامة وأقرب إلى الخلاص عنها، وهذه المعانى قد أشعر بها التشبيه ودل عليها ومن واضح التشبيه قول أبى نواس فى ذم الدنيا وتقبيحها:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو فى ثياب صديق
فهذا من التشبيه الواضح المضمر الأداة فلهذا أوردناه ههنا، ومن أعجب ما يورد مثالا فى وضوح التشبيه قول البحترى:
(1/144)

يمشون فى زغف كأن متونها ... فى كل معركة متون نهاء
بيض يسيل على الكماة فضولها ... سيل السراب بقفرة بيداء
فإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب فى ماء
وقوله أيضا:
وتراه فى ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكر على الرجال بكوكب
فقد ظهر بما أوردناه من هذه الأمثلة وضوح ما ادعيناه من كون التشبيه مختصا بالإيضاح والبيان لما قصد به.
التنبيه الرابع فى بيان مراتب التشبيهات فى الظهور والخفاء والقرب والبعد والزيادة والنقصان وغير ذلك من أحوالها التى تعرض لها
اعلم أن الشىء المشبه به كلما كان أبعد من الوقوع كان التشبيه المستخرج منه أغرب، ويكون فى المبالغة أدخل وأعجب، فمثال القريب تشبيه السيوف بالأمواج، وتشبيه أطراف الأسنة بالكواكب، وتشبيه الرجال بالأسود ومن قريب التشبيه وأحسنه ما قاله على بن جبلة:
إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت ... حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع
وأسفر تحت النقع حتى كأنه ... صباح مشى فى ظلمة الليل ساطع
ومنه قول أبى تمام:
خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرم بدلال
ومثال التشبيه البعيد تشبيه الفحم إذا كان فيه جمر ببحر من المسك موجه ذهب، ونحو تشبيه الدماء بنهر من ياقوت أحمر، فهذا وأمثاله من المعدود فى البعيد، لكونه غير متوهم الوقوع بحال، فإن البحر من المسك لا يوجد ولكنه متصور وهكذا، فإن أعلام الياقوت على رماح الزبرجد غير موجودة، ولهذا فإنه لما كان غير موجود كان أدخل فى التشبيه وأعجب لكونه غير واقع ولهذا كان قول من قال:
وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
أدخل فى الإعجاب وأغرب من قول ذى الرمة فى شعره:
(1/145)

كأنها فضة قد مسها ذهب
لما كان الأول غير واقع، لأن البساط الأزرق عليه درر منثورة لا يكاد يوجد، بخلاف الفضة المموهة بالذهب، فإنها توجد كثيرا، فأما التشبيهات الواردة فى القرآن الكريم والسنة النبوية، فإنها كلها قريبة، وما ذلك إلا لأنها أدخل فى التحقيق، وأقرب إلى التيقن مما لا يكاد يقع، فلهذا كانت مختصة بهما كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ
[النور: 40] وقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ
[الجمعة: 5] وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
[الأعراف: 176] إلى غير ذلك من الأمور الممكنة الوقوع. ومثال الواضح من التشبيه ما قاله على بن جبلة فى وصف الخمر:
ترى فوقها نمشا للمزاج ... تقارب لا تتصلن اتصالا
كوجه العروس إذا خططت ... على كل ناحية منه خالا
ومن أوضحه قول مسلم بن الوليد يصف رجلا بالشجاعة:
يلقى المنية فى أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلمودا بجلمود
فهذا وأمثاله من الأمور الواضحة فى المقصود منها فى التشبيه، وهكذا جميع التشبيهات فى القرآن العظيم، فإنها واضحة جليلة، ومثال التشبيهات الخفية، ونريد بخفائها أن الأمور المحسوسة الظاهرة مستمدة من الأمور الخفية فى المعانى وهذا كقول بعض الشعراء:
وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع
فشبه النجوم فى ظلمة الظلام مع نورها بالسنن الواضحة التى هى كالأنوار توسط بينها بدع، كسواد الليل فى ظلمتها، فالسنة فى هداها كالنور، والبدعة فى جهلها بمنزلة الظلمة، ومن هذا قول بعضهم:
كأن انصياع البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوع
فشبه المحسوس بالمعقول، مثل البدر الذى ينحسر عنه الظلام، بالمتخلص من البأساء بعد وقوعها عليه، وما ذاك إلا لأن هذه المعانى وضحت وضوحا وقربت من النفوس قربا فألحقت بالأمور المحسوسة فى وضوحها وتحققها، ومن الأمثلة ما حكاه الله تعالى عن مستحلى الربا حيث قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
[البقرة: 275] وكان القياس فى قولهم:
إنما الربا مثل البيع، فى تحليله إغراقا منهم فى المبالغة، وذهابا إلى أن الربا فى باب الحل أدخل من البيع وأقوى حالا، وهذا من أنواع التشبيه يلقب بالمعكوس، ولهذا يقال: صبح كغرة الفرس، ويقال فى عكسه أيضا غرة كالصبح، وسيأتى تقريره بمعونة الله تعالى.
(1/146)

التنبيه الخامس فى اكتساب وجه التشبيه
اعلم أن كل من أراد تشبيه شىء بغيره فلا بد من أن يجمع بينهما بوصف ما كما قررناه من قبل، فعليه أن يسعى فى طلب الوجه الجامع بينهما، فمن طلب أن يمثل حركة أو هيئة بغيرهما، فعليه أن يطلب أمرا يتفقان فيه، كما فعل ذلك ابن المعتز فى قوله:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
فلم ينظر إلى جميع أوصاف البرق كلها ومعانيه، ولكنه أراد تشبيه هيئة البرق وحركة لمعانه بالمصحف، يفتحه القارىء مرة ويطبقه أخرى، فيكون جامعا بين الأمرين المختلفين ما ذكرنا من الجامع.
دقيقة
ومما يكون مناسبا لما أوردناه فى كونه جامعا بين المختلفات هو أن يجعل الشىء سببا لضده كما يقال أحسن إلى من حيث قصد الإساءة، ونفعنى من حيث أراد الإضرار، كانت نجاتى من حيث قصد إهلاكى، ومن هذا قول بعض الشعراء:
أعتقنى سوء ما صنعت من الر ... ق فيا بردها على كبدى
فصرت حرا بالسوء منك وما ... أحسن سوء قبلى إلى أحد
وما ذاك إلا من أجل تخيل الجامع فى الأمور المختلفة المتضادة. كما قررناه. فهذا ما أردنا ذكر التنبيهات فى صدر هذه القاعدة لتكون توطئة وتمهيدا لما نريد ذكره من أسرار التشبيه وحقائقه،
فإذا تمهد ذلك فلنذكر أقسام التشبيه، ثم نردفه بذكر الأمثلة، ثم نذكر كيفية التشبيه، ثم نذكر أحكامه
. فهذه مطالب أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى.
المطلب الأول فى بيان أقسام التشبيه
اعلم أن التشبيه له طرق كثيرة، وتنقسم إلى أنحاء منتشرة باعتبارات مختلفة، ولكنا نقتصر من ذلك على تقسيمات أربعة هى وافية بالمطلوب ومندرج تحتها شعب كثيرة.
(1/147)

التقسيم الأول باعتبار ذاته إلى مفرد ومركب
، ونعنى بالمفرد ما كان التشبيه فيه مقصورا على تشبيه صورة بصورة من غير زيادة، أو صورة بمعنى، ونعنى بالمركب ما كان التشبيه فيه تشبيها لأمر بأمرين أو بأكثر كما ستراه موضحا فى الأمثلة بمعونة الله تعالى، فإذن هذا التقسيم مشتمل على ضروب أربعة:
الضرب الأول منها تشبيه المفرد بالمفرد
وهذا كقوله تعالى:
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[الرحمن: 37] شبهها بالدهان لحمرتها، وهو الجلد الأحمر وكقوله تعالى تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ
[النمل: 10] وقوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
[الفيل: 5] إلى غير ذلك من التشبيهات المفردة الواردة فى القرآن، وقوله صلّى الله عليه وسلّم «مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن، كمثل الأترجّة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن، كمثل ريحانة، ريحها طيب ولا طعم لها» . ومنه قولهم زيد كالأسد، وعمرو كالبحر، وقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى الشّقشقية، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، وقوله فى مخاطبة طلحة والزبير، والله لا أكون كالضبع، تنام على طول اللّدم حتى يصل إليها طالبها.
ومن التشبيه الفائق قول امرىء القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب
وقول زهير:
بكرن بكورا واستحرن بسحرة ... فهن بوادى الرس كاليد للفم
ولقد أجاد زهير فى هذا التشبيه وأبدع فيه، ومنه قول ذى الرمة:
قف العيس فى أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
ومثله قول أبى تمام:
خرقاء تلعب بالعقول مزاجها ... كتلعب الأفعال بالأسماء
وكقول ابن المعتز فى وصف العنب:
حتى إذا حرّ آب جاش مرجله ... بفائر من هجير الشمس مستعر
ظلت عناقيده يخرجن من ورق ... كما احتبى الزنج فى خضر من الأزر
(1/148)

وكما قال بعض الأذكياء:
والصبح يتلو المشترى وكأنه ... عريان يمشى خلفه بسراج
ومن ذلك قول بشار:
كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار
ومن بديع التشبيه قول امرىء القيس:
وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقى المذلل
وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبى أو مساويك إسحل
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل
فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الأبيات من بديع التشبيه وغريبه، ومن هذا قول بعضهم فى تشبيه الفحم والجمر:
كأنما النار فى تلهبها ... والفحم من فوقها يغطيها
زنجية قبضت أناملها ... من فوق نارنجة لتخفيها
ومن جيد التشبيه ورائقه ما قاله بعض الأدباء وهو البحترى:
دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... فشاناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
ولنكتف بهذا القدر فى المفردات.
الضرب الثانى فى تشبيه المركب بالمركب،
وما هذا حاله يرد على أوجه أربعة: أولها تشبيه شيئين بشيئين كقوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[إبراهيم: 26] فقد مثل الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وقد قررنا من قبل أنا نريد بالتشبيه المركب ذلك ونحو قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: 5] وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
[البقرة: 171] فمثّل الكفار فى إعراضهم عن الحق والهدى وعدم الإصغاء إلى ما جاء به الرسول برجل يتكلم بما لا يفهم منزلة نعيق البهائم ومن هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مثل الرجل الذى لا يتم صلاته كمثل الحامل حملت حتى إذا دنا نفاسها أملصت فلا ذات حمل ولا
(1/149)

ذات ولد» ومن هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم فى مثال المؤمن حامل القرآن، كمثل الأترجة، ومثال المنافق الذى لا يحمل القرآن كمثل الحنظلة، وسائر تلك الأحاديث أسلفناها تمثيلا للمفرد بالمفرد، وهى ههنا صالحة للتمثيل المركب بالمركب فى شيئين بشيئين، فإن كان بالإضافة إلى الموصوف مع صفته، فهو من باب المركب بالمركب، والأمر فيه قريب، ومن الشعر قول امرىء القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
وقول بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وثانيها تشبيه ثلاثة بثلاثة وهذا كقول بعضهم:
ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد
خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد
فهذا عددناه من التشبيه، وإن لم تظهر فيه الأداة، لأنه فى معنى التشبيه، وإن كانت أداته مضمرة، لأن ظهورها يكون مقدرا.
وثالثها تشبيه أربعة بأربعة وهذا كقول امرىء القيس:
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وكقول أبى نواس:
تبكى فتذرى الدر من نرجس ... وتمسح الورد بعناب
فشبه الدمع بالدر، والعين بالنرجس، لما فيه من اجتماع السواد والبياض، وشبه الوجه بالورد، وشبه الأنامل بالعناب، فهذه تشبيهات أربعة كما أشرنا إليه وكما قال بعضهم:
فزحزحت شفقا غشّى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر
فشبه الخمار بالشفق، لحمرته، وشبه الوجه بالقمر، وشبه ثناياها باللؤلؤ، وشبه فمها بالخاتم.
ورابعها تشبيه خمسة بخمسة وهذا كقول الوأواء الدمشقى:
فأمطرت لؤلؤّا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد
فجميع ما أوردناه فى هذا الضرب إنما هو فى تشبيه المركب بالمركب.
(1/150)

الضرب الثالث فى تشبيه المفرد بالمركب
ولنضرب له مثالين يدلان عليه
المثال الأول فى المظهر الأداة
وهذا كقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
[النور:
35] فهذه الأمور المعدودة كلها أشباه لنور الله، إما على أن المراد به ذات الله تعالى، أو يراد به الرسول صلى الله عليه وسلم، وكقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[إبراهيم: 18] وكقول أبى تمام يمدح قصيدة له:
خذها مثقفة القوافى ربها ... بسوابغ النعماء غير كنود
كالدر والمرجان ألف نظمها ... كالشذر فى عنق الفتاة الرود
وكما قال البحترى فى وصف السيف:
وكأنما سود النمال وحمرها ... دبت بأيد فى قراه وأرجل
فشبه فرند السيف بدبيب النمل، حمرها وسودها، وهذا مما يشهد له فيه بالإجادة والإنافة فى البلاغة والزيادة.
المثال الثانى فى مضمر الأداة
وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلّم «العزل هو الوأد الخفى» «1» وهذا من التشبيه الذى فاق فى رشاقته، وراق فى جودة نظمه وبلاغته، والوأد هو ما كانت العرب تفعله من دفن البنات وهن أحياء، خوفا من العار بركوب الفاحشة، فجعل العزل كالوأد، وعبر عنه بهذه العبارة التى تغض لها العيون طرفها، ولا ينتهى الوصف إليها، فيكون ترك وصفها كوصفها، ومن هذا قول أمير المؤمنين فى وصف العترة، عليهم السلام «فردوهم ورد الهيم العطاش» فهذا من الكلام لا يدرك فى البلاغة منتهاه، ولا يحرز بغاية غوره وأدناه. ومن غريب ما وجدته فى هذا الضرب كلام لابن الأثير فى وصف القلم «جدع أنفه فصار فى اليد قصيرا» يشير بذلك إلى ما كان من حديث قصير، مع الزّبّاء وفتكه بها، وكيده العظيم لها «وأرهف
(1/151)

صدره فصار فى المضاء عضبا شهيرا» أراد كالسيف فى مضائه «وقمص لباس السواد، وهو شعار الخطباء فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهو صورة الإذلال، فاختال فى مشيه من الإعجاب» فأقول لقد نطق بفصل الخطاب ابن الأثير، وصار على بليغ التشبيه والاستعارة كالأمير، وهذا الضرب أعنى تشبيه المفرد بالمركب كثير الدور، واسع الجرى، وما ذاك إلا من أجل المبالغة فى المشبه نفسه فاتسعوا فيه بتشبيهات كثيرة.
الضرب الرابع فى تشبيه المركب بالمفرد
وما هذا حاله فهو على الندور والقلة، وإنما كان الأمر فيه كما قلناه من القلة، لأنه لا مبالغة فى تشبيه الأشياء المتعددة بشىء واحد، فلا جرم كان قليل الاستعمال، ثم هو فى قلة جريه على وجهين، الوجه الأول تشبيه شيئين مشتركين فى أمر معنوى بشىء واحد، ومثاله ما قاله أبو تمام فى وصف الربيع:
يا صاحبى تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
فشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض وقد اشتركا فى البياض والحسن، بضوء القمر، وهو تشبيه بالغ يقضى منه العجب، ويماثل فى نظمه وصفائه إكسير الذهب.
الوجه الثانى تشبيه شيئين ليس بينهما جامع ولا رابطة تشملهما وهذا كقول أبى الطيب المتنبى:
تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها فى نفوسهم شيم
فشبه إشراق الأعراض والوجوه بإشراق الشيم، وهى الخلائق الطيبة، فإشراق الوجوه ببياضها، وإشراق الأعراض بشرفها وطيبها، وليس بينهما جامع كما ترى.
التقسيم الثانى باعتبار حكمه إلى قبيح وحسن
اعلم أن من التشبيه ما يروق منظره ويحمد أثره، وهذا هو الأكثر فى التشبيهات، فإنها جارية على الرشاقة فى معظم مجاريها، فلهذا تكون محمودة حسنة، وربما لم يكن بين المشبه والمشبه به وجه، أو حصل هناك جامع بينهما، لكنه يبعد، فلهذا كانت قبيحة مذمومة، فهذان ضربان.
(1/152)

الضرب الأول فيما يكون بعيدا، فيذم ويستقبح، [التشبيه القبيح]
وإنما قدمنا الكلام على ما يكون مذموما، لأجل قلته وندوره، وأكثرها جار على اللطافة والرقة.
ثم هو على وجهين فى قبحه، الوجه الأول منهما ما كان مظهر الأداة فمن ذلك قول أبى نواس فى وصفه الخمر:
كأن يواقيتا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها
فما هذا حاله من التشبيه مع ما فيه من البعد والركة، فقد اشتمل على نوع غثاثة وسخف فى لفظه وبشاعة، ومن العجب أنه فى هذه القصيدة قد قرنه بالفائق الرائق، والبديع النادر، الذى أجاد فيه وأحسن وهو قوله:
كأنا حلول بين أكناف روضة ... إذا ما سلبناها مع الليل طينها
يعنى إذا فضوا ختام الدنان الخمرية عن أفواهها، فكأنها فى روضة من الرياض لما يحصل فى نفوسهم عند ذاك من الارتياح والطرب، فانظر كيف قرن بين حرزه، لا بل بين بعره وعنبره، ومما أساء فيه من التشبيه قوله:
وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلا من الغزل
لؤلؤات ينحدرن بها ... كانحدار الذر من جبل
فشبه حبب الخمر فى انحداره بنمل صغار ينحدرن من جبل، فأين هذا من قوله فى صفة الخمر:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
ولقد أكثر من الخمريات حتى أتى فيها بما يخجل الأذهان، وبما ينزل قدره فى الإيمان. ومن بعيد التشبيه ما قاله الفرزدق:
يمشون فى حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل
فشبه الرجل فى دروع الزرد، بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد لأنه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما فى اللون، فإن لون الحديد أبيض، ومع ما فيه من البعد، ففيه أيضا سخف وغثاثة، ومن بعيد التشبيه ما أثر عن أبى الطيب المتنبى:
وجرى على الورق النجيع القانى ... فكأنه التارنج فى الأغصان
فما هذا حاله من التشبيه قد أنكره أهل هذه الصناعة، ووسموه بالنزول والشناعة، ومن ردىء التشبيه ما قاله فى بعض القصائد السيفية:
(1/153)

شرف ينطح النجوم بروقي ... هـ وعز يقلقل الأجبالا
فذكر الروق ليس جيدا فى المديح، وكذا لفظ المناطحة ليس فصيحا ولا دالا على البلاغة. ومن العجب أنه قال فى مطلع هذه القصيدة ما يروق الناظر، ويشوق القلب والخاطر:
ذى المعالى فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
فالتفاوت ما بين الشيئين يدركه كل من له ذوق سليم وطبع فى الفصاحة مستقيم، فلقد جمع فى هذا بين وردة، وسعدانة، لا بل بين بعرة ومرجانة. ومن البشع المستنكر فى التشبيه ما قاله بعض الشعراء:
ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه ... ظباء جرى منها سنيح وبارح
وهكذا ورد قول آخر فى صفة السهام:
كساها رطيب الرصف فاعتدلت له ... قداح كأعناق الظباء الغوارق
فما هذا حاله لا ملائمة بين المشبه والمشبه به، وهما فى غاية البعد.
الوجه الثانى ما كان مضمر الأداة فمن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح رجلا:
وتقاسم الناس السخاء مجزأ ... فذهبت أنت برأسه وسنامه
وتركت للناس الإهاب وما بقى ... من فرثه وعروقه وعظامه
فأما البيت الأول فهون فيه وليس وراءه كبير معنى ولا بليغه، فإن حاصله أنك ذهبت بالأعلا من السخاء وتركت للناس الأدنى، والبيت الثانى أرك وأنزل فى البلاغة. ومن ذلك ما قاله أيضا فى غير هذا الموضع.
لا تسقنى ماء الملام فإننى ... صب قد استعذبت ماء بكائى
فما هذا حاله ليس فاحشا ولا بليغا، وإنما هو متوسط كما قال ابن الأثير، وهو كما قال، فإنه وإن نزل فيما أورده من التشبيه فليس خاليّا عن بلاغة فى معناه وجزالة فى لفظه.
ويحكى أن رجلا لما سمع هذا البيت لأبى تمام بعث إليه بقارورة، وقال هب لى شيئا من ماء الملام فقال له أبو تمام ابعث لى بريشة من جناح الذل، حتى أبعث لك ماء الملام، ليس مراد أبى تمام المماثلة بينه وبين التشبيه فى قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] فإن بينهما بونا لا تدرك غايته، وبعدا لا تقطع مسافته، وإنما أراد أن الاستعارة جارية فى الماء كجريها فى الجناح، وهذا مقصد جيد لا غبار على أبى تمام فيه.
(1/154)

الضرب الثانى ما حسن فى الصورة من التشبيه، [التشبيه الحسن]
وهذا باب عظيم، قد اتسع فيه كلام البلغاء وأتوا فيه بكل حسن بديع، وتهالكوا فى دقة المعانى، ولطائف التشبيه، فمن ذلك ما قال امرؤ القيس فى صفة الفرس:
على الذيل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلى مرجل
وقوله:
درير كخذروف الوليد أمرّه ... تتابع كفيه بخيط موصل
ومن ذلك ما قاله ابن دريد فى صفة الفرس أيضا:
كأنما الجوزاء فى أرساغه ... والنجم فى جبهته إذا بدا
وقال فى صفة ماء خال:
كأنما الريش على أرجائه ... زرق نصال أرهفت لتمتها
ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى فى سيف الدولة وابنه:
أما ترى ما أراه أيها الملك ... كأننا فى سماء ما لها حبك
الفرقد ابنك والمصباح صاحبه ... وأنت بدر الدجى والمجلس الفلك
وقال يمدح سيف الدولة:
أرى كل ذى ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول
وقال فيه أيضا:
ولا ملك إلا أنت والملك فضلة ... كأنك نصل فيه وهو قراب
ومن رقيق التشبيه وبديعه ما قاله الصابى فى صفة الخمر:
كأن المدير لها باليمين ... إذا طاف بالكأس أو باليسار
تدرع ثوبا من الياسمين ... له فردكمّ من الجلّنار
فشبه حمرة كميه عند حمله للكأس من لونها، بلابس قميصا من الياسمين إحدى كميه من الجلنار، وهذا تشبيه حسن بالغ، ومن أبياته يشبه فيها مجلس اللهو بالمعركة قال:
كأن المجامر خيل جرت ... وقد ثار للند فيها غبار
دبادبة من طوال القيان ... والناى بوق له مستعار
ومجلسنا حومة أرهجت ... لزحف الندامى إليها بدار
ولنقتصر على هذا القدر من محاسن التشبيه ففيه غنية وكفاية لمقدار غرضنا، وستكون لنا فيه عودة عند ذكر الأمثلة بمعونة الله تعالى.
(1/155)

التقسيم الثالث باعتبار صورته وتأليفه إلى الطرد والعكس
اعلم أن أرباب علوم البلاغة متفقون على أن المجاز أبلغ من الحقيقة فى تأدية المعنى، وعلى أن الاستعارة أقوى من التصريح، وأن الكناية أدخل فى إفادة المعانى من تلك الصرائح الموضوعة، وذلك لأن دلالة هذه الأمور على ما تدل عليه، إنما كان دلالة باللازم والتابع، ولا شك أن الدلالة على الشىء بلازمه أكشف لحاله، وأبين لظهوره، وأقوى تمكنّا فى النفس من غير ما ليس بهذه الصفة، فأما التشبيه، فإنما يكون وروده على جهة المبالغة فيما تعلق به، وهذا هو المطرد فى جريه، وقد يرد على خلاف ذلك، فإذن له مرتبتان نوضحهما بمشيئة الله تعالى.
المرتبة الأولى فى بيان التشبيه المطرد
اعلم أن المبالغة فى التشبيه لا يمكن حصولها إلا إذا كان المشبه به أدخل فى المعنى الجامع بينهما، إما بالكبر كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
[الرحمن:
24] فمثلها بالجبال لما كانت الجبال أكبر من السفن، وهكذا القول فى السواد، والبياض، والحمد، والذم، والإيضاح والبيان، إلى غير ذلك من الأوصاف الجارية فى التشبيه، وآية ذلك وعلامته أنه لابد من أن تكون لفظة «أفعل التفضيل» جارية فى التشبيه، وهذا يدل على ما قلناه من اعتبار زيادة المشبه فى تلك الصفة الجامعة بينهما، فإن لم يكن الأمر على ما قلناه من الزيادة كان التشبيه ناقصا وكان معيبا، ولم يكن دالا على البلاغة، وهكذا الحال إذا كانا حاصلين على جهة الاستواء فلا مبالغة فى ذلك، فإذن لابد من اعتبار الزيادة كما أشرنا إليه، وهو فى ذلك على أربعة أوجه «أولها» تشبيه صورة بصورة كقوله تعالى:
كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ
[القارعة: 4] شبه الناس يوم القيامة فى الضعف والهوان بالفراش، لما فيه من الدقة، وضعف الحال، وقوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
[القارعة: 5] شبه الجبال مع اختصاصها بالصلابة والقوة، بأضعف ما يكون وأرخاه، وهو الصوف لأنه ألين ما يكون عند نفشه، وما ذاك إلا لإظهار باهر القدرة،
(1/156)

مبالغة فى الرد على من أنكر المعاد الأخروى، وتكذيبا لمن حاك فى صدره استبعاد ذلك.
وثانيها تشبيه معنى بمعنى كقولك: زيد كالأسد فى شجاعته، وكالأحنف فى حلمه، وكإياس فى ذكائه، وكحاتم فى جوده، وكعنترة فى شجاعته، إلى غير ذلك من التشبيهات المعنوية. وثالثها تشبيه معنى بصورة، وهذا كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
[إبراهيم: 18] ، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
[النور: 39] مثّلها فى تلاشيها وبطلانها بأمرين أسرع ما يكون فى الزوال، وأعظم شىء فى البطلان، وهما الرماد مع شدة العصف، والتراب فى الصحارى، فإنهما عن قريب وكأنهما ما كانا، وما هذا حاله من التشبيه كثير الدور والجرى، ويختص بالبلاغة، لما فيه من إلحاق غير المحسوس بالمحسوس، وإجرائه مجراه. ورابعها تشبيه صورة بمعنى وهذا كقول أبى تمام:
وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم
فشبه فتكه بالمال، وبالعدا، وذلك من الصورة المرئية، بفتك الصبابة وذلك أمر معنوى ليس محسوسا، وهذا من لطيف التشبيهات وأرقها وأدخلها فى البلاغة، وأدقها، ووجه البلاغة فيه هو إلحاق المعانى بالأمور المحسوسة المدركة فى الظهور والجلاء، فيصير فى الحقيقة كأنه تشبيه محسوس بمحسوس، وفى هذا نهاية المبالغة ومنه قول بعض المغرمين:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق
وكقول بعضهم:
كأن ابياض البدر من تحت غيمه ... نجاة من البأساء بعد وقوع
وكقول بعض الأدباء:
فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... فى العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
وكما قال بعض الطلاب:
رب ليل كأنه أملى في ... ك وقد رحت عنك بالحرمان
وأنشد ابن الخطيب قول الصاحب الكافى حين أهدى عطرا إلى القاضى أبى الحسن
أيها القاضى الذى نفسى له ... فى قرب عهد لقائه مشتاقه
أهديت عطرا مثل طيب ثيابه ... فكأنما أهدى له أخلاقه
وقد يقال: إسلام كنور الشمس، وجهل كظلمة الليل، وحجة كضوء القمر، وكل ما
(1/157)

أوردناه على اتساعه، ووضوح أمره جار على الاطراد فى تشبيه الأدنى بالأعلا، والأقل بالأكثر والفاضل بالأفضل، والحقير بالأحقر، كما قرّرناه ومنه قول امرىء القيس فى صفة الفرس:
كأن سراته لدى البيت قائما ... مداك عروس أو صلاية حنظل
وقال ابن دريد فى صفة السيف:
كأن بين عيره وغربه ... مفتأدّا تأكلت فيه الجذا
وقول عمرو بن كلثوم يصف امرأة:
وثديا مثل حق العاج رخصّا ... حصانا من أكف اللامسينا
ونحرا مثل ضوء البدر وافى ... بأسعده أناسا مدجنينا
وقوله فى صفة الخمر:
مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
والحص الورس، لأنها إذا مزجت بالماء رقت بصفرة فاقعة.
المرتبة الثانية فى بيان التشبيه المنعكس
اعلم أن هذا النوع من التشبيه، يرد على العكس والندور، وبابه الواسع هو الاطراد كما أشرنا إليه، وإنما لقب بالمنعكس لما كان جاريا على خلاف العادة والإلف فى مجارى التشبيه، وقد يقال له غلبة الفروع على الأصول، وكل هذه الألقاب دالة على خروجه عن القياس المطرد، والمعيه المستمر، وله موقع عظيم فى إفادة البلاغة، وقد ذكره ابن الأثير فى كتابه المثل السائر وقرره ابن جنى فى كتاب الخصائص، والشرط فى استعماله أن لا يرد إلا فيما كان متعارفا، حتى تظهر فيه صورة الانعكاس، كما سنقرره فى أمثلته، لأنه لو ورد فى غير التعارف لكان قبيحا، لأن مطرد العادة فى البلاغة على تشبيه الأدنى بالأعلا، فإذا جاء على خلاف ذلك فهو معكوس، ومن الأمثلة الواردة فيه قول ذى الرمة:
ورمل كأرداف العذارى قطعته ... إذا لبسته المظلمات الحنادس
فانظر إلى ما فعله ذو الرمة، كيف جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، وذلك أن العادة جارية بتشبيه أعجاز النساء، بكثبان الأنقاء، فعكس ذو الرمة القضية، فشبه كثبان الأنقاء
(1/158)

بأعجاز النساء، وإنما قصد بذلك المبالغة فى أن هذا المعنى قد صار ثابتا للنساء بحيث لا يتمارى فيه أحد، فلا جرم كان أصلا فى التقرير، وغيره فرعا له، وقد تابعه البحترى على هذا فى قوله:
فى طلعة البدر شىء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها
فالعادة جارية على جهة الاطراد فى تشبيه الوجوه الحسنة بالبدور، فعكس البحترى هذه القضية، وشبه البدر بها، مبالغة فى الأمر، وتعظيما لشأنها، ومن هذا القبيل ما قاله عبد الله بن المعتز فى قصيدته المشهورة التى مطلعها: سقى الجزيرة ذات الظل والشجر، فقال منها:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة إذ قصت من الظفر
فالجارى فى الاطراد، هو تشبيه القلامة من الظفر بالهلال فى نحولها، وتقوسها، واعوجاجها، فعكس ابن المعتز ذلك، وشبه الهلال بالقلامة، مبالغة ودخولا وإغراقا من جهته فى التشبيه كما هو دأبة وهجّيراه، وعادته المألوفة فى الخمريات وغيرها، فحاصل الأمر فيما ذكرناه من تشبيه العكس أن جريه إنما يكون فيما قد ألف وعرف حاله، فلهذا لم يلتبس حاله، فأما ما لا يعرف حاله ولا يؤلف فلا يجرى فيه، فإن جرى فعلى القلة والندور، ويكون من التشبيه المهجور الذى قد بعد عن البلاغة، ونأى بعض النأى عن استعمال الفصحاء.
التقسيم الرابع باعتبار أداته
إلى ما تكون أداة التشبيه ظاهرة، وهى الكاف وكأن، وإلى ما تكون مضمرة فيه، وكل واحد منهما معدود من التشبيه، فهذان ضربان نذكر ما يتوجه فى كل ضرب منهما.
الضرب الأول ما تكون الأداة فيه مضمرة
اعلم أنا قد أسلفنا فيما مر أن كل ما كان من التشبيه مضمر الأداة، فهل يعد من الاستعارة، أو يكون معدودا من أنواع التشبيه، وذكرنا خلاف علماء البيان فيه، وحققنا أن المختار فيه أن كل ما كان تقدير التشبيه يخرجه عن حد البلاغة وجب عده من باب الاستعارة، وكل ما كان تقدير التشبيه لا يخرجه عن حد البلاغة فهو من التشبيه، فلا وجه
(1/159)

لتكريره، ونحن الآن نذكر كل صورة من صور التشبيه المضمر الأداة، ونردفها بمثالها من المفرد، والمركب، ونطبق أحدهما على الآخر، فيحصل الأمران جميعا فى كل صورة من صوره المذكورة بمعونة الله تعالى.
الصورة الأولى ما يقع موقع المبتدأ والخبر المفردين
كقولك: زيد الأسد، والأسد زيد، وزيد أسد، وقد يأتى على جهة الفاعل كقولك: جاءنى الأسد، وكلمنى الأسد، وقد يأتى على جهة المفعول كقولك: رأيت الأسد: ولقيت البحر، فما هذا حاله من الاستعارة التى لا تظهر فيها أداة التشبيه يعرف ببديهة النظر على قرب من غير حاجة إلى تأمل ونظر، ولهذا تقول فيه زيد كالأسد، وكالأسد زيد، ولا تحتاج إلى تكلف وإضمار.
الصورة الثانية أن يقع المبتدأ ويكون الخبر مضافا إليه،
مثاله قوله عليه السلام «الكمأة جدرى الأرض» وكقولك: إقدامه إقدام الأسد، وفيضه بجوده فيض البحر، والكمأة ضرب من النبات، إذا أخرج فى الأرض، أفسدها، ونقص زرعها، وهذا هو مراد الرسول بقوله «جدرى الأرض» أراد أنها مفسدة للأرض، كما يفسد الجدرى البدن، وهى نبت يؤكل، وهو بارد مولّد للبلغم، ويقال أكمأت الأرض، إذا أنبتت الكمأة، وتكمأت إذا أكلت الكمأة.
الصورة الثالثة أن يقع موقع المبتدأ والخبر من جهة تركيبهما جميعا
فتركب المبتدأ بالإضافة وتركب الخبر مثل ذلك، فتركيب الإضافة حاصل فيهما جميعا، بخلاف الصورة الثانية، فإن التركيب إنما وقع بالإضافة فى الخبر لا غير، ومثال هذا الحديث الوارد عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كما رواه ابن عمر رضى الله عنه حين قال له معاذ بن جبل «أنؤاخذ بما نتكلم، فقال: وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار إلا حصائد ألسنتهم» «1» فالتقدير على هذا يكون: كلام الألسنة كحصائد المناجل، وحصد المنجل جزه، والمنجل حديدة حادة يقلم بها البيطار حافر الفرس، فعلى هذا حصيدة اللسان طرفه.
(1/160)

الصورة الرابعة ما يرد على جهة الفعل والفاعل،
ومثاله قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[الحشر: 9] والتقدير على هذا فى ظهور التشبيه، أن يقال: إنهم فى الحقيقة لما تمكنوا فى الإيمان واطمأنوا أفئدة به، كأنهم فى التقدير اتخذوه مباءة ومسكنا، كما يتخذ الإنسان داره وبيته الذى يسكن فيه ويكاد فى هذا الاستعارة يضعف تقدير أداة التشبيه كما سنقرر مراتب التشبيه فى الظهور والإخفاء بمعونة الله تعالى.
الصورة الخامسة أن يكون واقعا موقع المثل المضروب،
وهذا كقول الفرزدق يهجو جريرا:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله فى مجتمع البحرين، فما عسى أن يؤثر فيهما شىء، فهكذا هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر أصلا، فيكاد التشبيه فى ما هذا حاله لا يظهر إلا بتقدير وتلطف واحتيال فى إبرازه، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر مراتب التشبيه فى هذه الصورة، ثم نردفه بموقعها فى المفرد والمركب فهذان طرفان نحقق ما فيهما بمعونة الله تعالى.
الطرف الأول فى بيان مراتب التشبيه فى هذه الصورة
اعلم أن التشبيه المضمر الأداة أبلغ وأوجز من التشبيه الذى ظهرت أداته، أما كونه أبلغ فلأنك إذا قلت: زيد الأسد، فقد جعلته نفس هذه الحقيقة، من غير واسطة، بخلاف قولك زيد كالأسد، فليس يفيد إلا مطلق المشابهة لا غير، وأما كونه أوجز، فلأن أداة التشبيه محذوفة منه، فلهذا كان أخصر من جهة لفظه، وعن هذا قال المحققون من أهل هذه الصناعة: إن الاستعارة أبلغ من التشبيه لما ذكرناه، ولا خلاف فى عد الاستعارة من باب المجاز بخلاف التشبيه، فإنه مختلف فى عده كما أسلفناه، ولأن الاستعارات فى القرآن أكثر من التشبيهات، ومن أجل هذا عظمت بلاغته، وارتفعت فصاحته، فنقول: التشبيه المضمر الأداة هو فى الظاهر يعد من باب الاستعارة، ولكن التشبيه مضمر فيه، ويتفاوت
(1/161)

درجة فى ظهور الأداة وإضمارها، وفى حصول المشبه به وعدم حصوله فمنها ما هو ظاهر متيسر تقديره على سهولة، ومنها ما يتعذر المشبه به، وإنما يتلطف فى تقديره بنوع من الاحتيال والتلطف، ومنها ما هو متوسط بين الدرجتين، فهذه درج ثلاث بالإضافة إلى تقدير المشبه فى الإضمار والإظهار نفصلها بمعونة الله ولطفه.
الدرجة الأولى: ما يكون المشبه به ظاهر التقدير لا يحتاج فى تقديره إلى تكلف، بل يتيسر تقديره على قرب، وهذا كقولنا: زيد الأسد، فإن التقدير فيه زيد كالأسد على سهولة من غير إضمار ولا خروج عن قاعدة، وهكذا قوله صلّى الله عليه وسلّم «البدعة شرك الشّرك» لأن التقدير البدعة كالشرك للشرك، يريد مصايد له وأحبولات، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى صفة التقوى «هى دواء داء قلوبكم وبصر عمى أفئدتكم» وقال فى الإسلام:
«هو ينابيع غزرت عيونها، ومصابيح شبت نيرانها، ومنار اقتدى به سفاره، ومناهل روى بها واردها» وقال فى القرآن «هو نور لا تطفأ مصابيحه، وشعاع لا يخبو توقده، وبحر لا يدرك قعره» فهذه الاستعارات كلها من التشبيه المضمر الأداة فيها أداة التشبيه على أسهل حال، وأقرب منال، كما مثلناه فى الصورة الأولى.
الدرجة الثانية فى غاية البعد من الأولى وهى الصورة الرابعة والخامسة وهى أدق الصور فى تقدير التشبيه فيها، فلا يتفطن للتشبيه فيهما إلا باستخراج وتأمل وفكر بالغ، يدرك بنوع من التلطف والاحتيال كما سنوضحه، وما ذاك إلا لأجل توغلها فى حسن الاستعارة وإغراقها فيها، وهذا يدلك على مصداق ما قاله أهل البراعة من أهل هذه الصناعة، من أن التشبيه كلما ازداد خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورشاقة، يشيرون به إلى ما ذكرناه، ومثاله قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[الحشر: 9] فهذه الاستعارة من أعجب الاستعارات وأدقها، ووجه دخولها فى الحسن، هو أنهم لتمكنهم فى الإيمان وإشراب قلوبهم محبته، والتصاقه بلحومهم ودمائهم، صار كالمباءة لهم والمسكن الذى يتوطنونه، ومع هذا يصعب تقدير التشبيه، ونهاية الأمر فيه أن يقال: إنه صار كالمباءة، وعند تقدير ما ذكرناه من التشبيه يضعف أمر الاستعارة، وينزل قدرها، ويرك أمرها وحالها.
وأما بيت الفرزدق الذى أنشدناه وهو قوله (ماضر تغلب وائل) فهذا البيت من الأبيات التى علا قدرها فى البلاغة وأقر لها الناس بالحسن فى الاستعارة، وما ذاك إلا لإغراقها فى الاستعارة والدخول فيها، فتقدير التشبيه فيها يخرجها عن مكانها الرفيع، ومحلها المنيع،
(1/162)

ونهاية الأمر فى تقدير التشبيه فيها، أن يقال: إن هجاءك لهذه القبيلة لا يؤثر كما أن بولك فى مجتمع البحرين لا يجدى ولا يكون نافعا، وأنت إذا قدرت التشبيه فيما ذكرناه، فقد عزلت هذه الاستعارة عن سلطانها، ووضعتها عن حلولها فى رفيع مكانها، ومن هذا قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] فإن تقدير التشبيه يخرجه عن رونق الاستعارة ويسلبه منها ثوب الإمارة، ومن هذا قول الفرزدق أيضا:
قوارص تأتينى فيحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
شبه ما يأتيه من الشتائم والأذايا بهذه القوارص التى تؤذى الجسم من البعوض، والنمل، والبق، فتقدير التشبيه فيما هذا حاله يدق كما ذكرناه فى غيره. ومنه قول البحترى أيضا فى التعزية بولد:
تعز فإن السيف يمضى وإن وهت ... حمائله عنه وخلاه قائمه
فما هذه صورته فهو من فن الاستعارة، وإنما يقدر التشبيه فيه بلطف واحتيال، فهاتان الصورتان الأحق بهما أنهما من باب الاستعارة كليهما، ولا حاجة بنا إلى جعلهما من باب التشبيه، فمن صيرهما منه فإنما هو متكلف فيما جاء به.
الدرجة الثالثة للصورة الثانية والثالثة، فإنها متوسطة بين الدرجتين، فلا هى تقرب من التشبيه كالصورة الأولى، ولا هى بعيدة من التشبيه كالرابعة والخامسة، والمثال فيها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الكمأة جدرى الأرض» وقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى صفة الدين والإسلام «فهو عند الله وثيق الأركان، رفيع البنيان، منير البرهان، مشرق المنار عزيز السلطان» فأنت إذا أردت إظهار التشبيه فيما هذا حاله قلت فى الخبر النبوى الكمأة للأرض كالجدرى، وهكذا تقول فى كلام أمير المؤمنين أركانه كأوثق ما يكون من الأركان، وبنيانه كأرفع ما يكون من الأبنية، وبرهانه كأنور ما يكون، إلى غير ذلك من التقدير، ومن هذا قول البحترى:
غمام سحاب لا يغب له حيا ... ومسعر حرب لا يضيع له وتر
فإذا قدرت فى هذا أداة التشبيه فإنك تقول: سماح كالغمام، وحرب هولها كالمسعر، وهو موقد النار، وكقول أبى تمام:
أى مرعى عين ووادى نسيب ... لحبته الأيام فى ملحوب
ومراد أبى تمام أن يصف هذا الموضع بأنه كان حسنا فأزالت الأيام حسنه وأنه كان
(1/163)

ينسب به فى الأشعار لطيبه، فإذا قدرنا أداة التشبيه فإنا نقول: مكان كأنه مرعى للعين، وكأنه كان للنسيب منزلا ومألفا، فهكذا يصنع بما هذا حاله، فينحل من مجموع ما ذكرناه ههنا أن كل ما كان من التشبيه المضمر الأداة، فإن تقدير أداة التشبيه إما أن يكون فى غاية القوة كالدرجة الأولى، وإما أن يكون فى نهاية الصعوبة والضعف كالدرجة الرابعة والخامسة، وإما أن يكون متوسطا كالدرجة الثانية والثالثة، ولا مزيد على ما أوردناه من هذا التقرير، وعلى الناظر إعمال نظره فى كل صورة ترد عليه فيما يتعذر من ظهور أداة التشبيه، وما لا يتعذر والله أعلم.
الطرف الثانى فى بيان مواقع الإفراد والتركيب
اعلم أنا قد أسلفنا أن التشبيه المضمر الأداة لا ينفك عن تلك الصور الخمس، وهى منطبقة على الإفراد والتركيب، ونحن الآن نورد كيفية انطباقها على المفرد والمركب فنقول:
أما الصورة الأولى فهى واردة فى تشبيه المفرد بالمفرد ومثاله قولنا: زيد الأسد، وزيد البحر، ومن هذا قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً
[النبأ: 10] ، وقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ
[البقرة: 187] وقوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
[البقرة: 223] فقوله فى ذكر اللباس من الاستعارات التى استبد بها القرآن ولم تأت فى غيره فى كلام منظوم ولا منثور، وهى من عجائب الاستعارة ودقيقها، وقوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ
من الاستعارات البديعة أيضا، ومنه قوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[يس: 37] فشبه انقطاع الليل من النهار بمنزلة سلخ الأديم عن المسلوخ، لشدة التحامه وصعوبة خروجه، وانقطاعه بالكلية، كما مثلناه وهذا التشبيه فى غاية المناسبة والملائمة لما هو له، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى:
وإذا اهتز للندى كان بحرا ... وإذا اهتز للوغى كان نصلا
وإذا الأرض أظلمت كان شمسا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
ومنه قوله أيضا فى هذا المثال:
خرجن من النقع فى عارض ... ومن عرق الركض فى وابل
فلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل
(1/164)

وأما الصورة الثانية فإنما ترد فى التشبيه المفرد بالمركب، ومثال قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الكمأة جدرى الأرض» «1» ومنه قول البحترى «غمام سحاب» وقول أبى تمام «أى مرعى عين» وقد أسلفناه، وهكذا ما حكيناه عن أمير المؤمنين، فإنه من باب تشبيه المفرد بالمركب، وهو كثير الدور، وأما الصورة الثالثة فمثالها قوله صلّى الله عليه وسلّم فى حديث معاذ «وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار إلا حصائد ألسنتهم» «2» كأنه قال كلام الناس كحصائد المناجل، ومن علامة هذه الصورة التى هى تشبيه المفرد بالمركب، أنه لا يكون المشبه به مذكورا، بل المذكور صفته، وهو الحصد، فيكون تقديره، الألسنة فى كلامها كالمناجل المحصدة فيكون على هذا تشبيه مفرد بالمركب، وأما الصورة الرابعة والخامسة فإنما يردان فى تشبيه المركب بالمركب، فأما الرابعة فمثلناها بقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[الحشر: 9] كأنه قال المؤمنون فيما تلبسوا به من الإيمان وتمكنوا فيه كمن اتخذ دارا وتبوأها مسكنا، فقد ظهر لك بما ذكرناه صورة التركيب فيهما جميعا، ومن هذا قول أبى تمام:
نطقت مقلة الفتى الملهوف ... فتشكت بفيض دمع ذروف
وإذا أردنا إظهار تركيبه قلنا: دمع العين الباكية فى حالها كاللسان الناطق، وأما الخامسة فمثلناها بقول الفرزدق «ما ضر تغلب وائل» البيت وبقول البحترى «تعز فإن السيف» البيت وبقول الفرزدق أيضا «قوارص تأتينى» . ومتى أردت إظهار التركيب فى هذا فإنك تقول: هجاؤك فى حق هذه القبيلة بمنزلة بولة مجتمعة فى ملتقى البحرين، وهكذا قوله فى القوارص، كأنه قال: القوارص المجتمعة فى تأثيرها فى الألم والأذية، مشبهة بالقطر القليل الذى يجتمع فيملأ الإناء ونحو قوله «تعز» فإن تقدير ظهور التركيب فيه أن يقال: أنت فيما أصابك من فقد من فقدته، بمنزلة السيف الماضى وإن انقطعت حمائله وخلاه قائمه، فقد ظهر بما حققناه ههنا انطباق الصور الخمس على أقسام المفرد والمركب من غير مخالفة فى ذلك وبالله التوفيق.
(1/165)

الضرب الثانى ما تكون الأداة فيه ظاهرة
اعلم أن ما هذا حاله فمضطرب البلاغة فيه واسع، وميدانها لديه فسيح، ومما أغرق فى الإعجاب والبداعة وأدهش الألباب من أهل هذه الصناعة قوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
[الحج: 31] وقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
[الأنعام: 122] وقوله تعالى ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
[آل عمران: 117] فهذا وأمثاله من التشبيهات المركبة الفائقة التى أغرقت فى الفصاحة، ورسخت أصولها فى البلاغة. ومن هذا قول أمير المؤمنين فى وصف الفتن «أقبلت الفتن كالليل المظلم، والبحر الملتطم، لا تقوم لها قائمة ولا ترد لها راية» فشبهها بالليل لما يكون فيها من ظلم الجهل، وشبهها بالبحر لما فيها من شدة اضطراب الآراء واختلاف الأهواء. وقوله فى تحريض أصحابه على القتال «ولقد شفى وحاوح صدرى أن رأيتكم بآخرة تحوزونهم كما حازوكم وتزايلونهم عن مواقعهم كما أزالوكم حشّا بالنبال، وشجرا بالرماح، تركب أولاهم أخراهم، كالإبل المطرودة، ترمى عن حياضها، وتذاد عن مواردها» وكم له من التشبيهات التى فاق فيها على البلغاء، ولم يزاحمه أحد من مصاقع الخطباء. ومن جيد التشبيه ما قاله البحترى:
خلق منهم تردد فيهم ... وليته عصابة عن عصابة
كالحسام الجراز يبقى على الده ... ر ويفنى فى كل حين قرابه
ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
تراهم ينظرون إلى المعالى ... كما نظرت إلى الشيب الملاح
يحدون العيون إلى شزرا ... كأنى فى عيونهم السماح
وكقول أبى تمام يهجو إنسانا:
كم نعمة لله كانت عنده ... فكأنها فى غربة وإسار
كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء فى الأطمار
فهذا ما أردنا ذكره فى تقسيم التشبيه وبيان ضروبه وأنواعه.
(1/166)

المطلب الثانى فى بيان الأمثلة الواردة فى التشبيه
اعلم أن التشبيه هو بحر البلاغة وأبو عذرتها، وسرها ولبابها، وإنسان مقلتها، ونورد من أمثلته أنواعا خمسة.
النوع الأول من الآى القرآنية
وهذا كقوله تعالى فى الحيوانات كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
[العنكبوت: 41] ، وقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: 5] وقوله تعالى: كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ
[الأعراف: 176] الآية، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[البقرة: 26] وفى غير الحيوانات كقوله تعالى: كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ
[البقرة: 264] وقوله تعالى:
َثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ
[آل عمران: 117] وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ
[البقرة: 19] وقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ
[النور: 40] وقوله تعالى: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
[الكهف: 45] وقوله تعالى: كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
[إبراهيم: 18] وقوله تعالى:
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
[النور: 39] وقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ
[الكهف: 32] وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً
[النحل: 75] وقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ
[يس: 13] وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ
[الزمر: 29] فهذا وأمثاله إنما ورد فى التشبيهات المفردة، وأما المركبة فقد مثلناها فى التقسيم فأغنى عن إيرادها، ومن هذا قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
[البقرة: 261] وقوله تعالى: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
[آل عمران: 117] فجميع ما أوردناه ههنا من الأمثلة المفردة والمركبة، وفى القرآن الكريم أمثال كثيرة، وهى غير خارجة عما ذكرناه فى الإفراد والتركيب فى مظهر الأداة، فأما ما كان من التشبيهات الرائقة مما أضمر فيه أداة التشبيه فهو كثير الدور والاستعمال فى التنزيل، وما ذاك إلا لرشاقته وحسن موقعه ولطافته، وهذا كقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[مريم: 4] ونحو قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
[يس: 33] وقوله
(1/167)

تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
[البقرة: 223] وقوله تعالى: وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
[النبأ: 19، 20] وقوله تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
[الأنعام: 25] وقوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ
[البقرة: 235] وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
[يس: 9] ومن هذا النوع آيات التشبيه كلها كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: 64] وقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[القمر: 14] وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[الرحمن: 27] وقوله تعالى: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[الزمر: 67] وما كان ذلك دالا بظاهره على الجهة كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ
[الفجر: 22] وقوله تعالى: اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[الأعراف:
54] وقوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[الأنعام: 3] ولهذا فإن المشبهة لما ضاقت حواصلهم عن إساغة هذه الأسرار، وأغشى أبصارهم نور هذه اللطائف، وقصرت أعناقهم عن التطلع إلى محاسنها، وقعوا فى متاهات عظيمة، وارتكبوا فى محارات وخيمة، وأوقعوا نفوسهم فى مهاو ومهالك، لأجل اعتقادهم لظواهرها، فمن ثم انسلخوا عن الدين وهم لا يشعرون، فنعوذ بالله من الخذلان، وجهل يؤدى إلى خسران، ولو لم يكن لهذا العلم من الشرف إلا أن كل من عرف حقائقه واستولى على معانيه، وأحرز دقائقه، فإنه يسلم لا محالة من اقتحام ورط التشبيه، والتضمخ برذائله، لكان هذا من أعظم المناقب، وأعلى المراتب، وأسنى الرغائب، مع ما حاز من شريف الخصال، ورفيع القدر والمنال، ولهذا فإنك ترى الشيخ العالم النحرير محمود بن عمر الزمخشرى، ما فاق فى تفسيره على كل تفسير إلا لتقرير أساسه عليه واستناده فيما أتى من الحقائق والغوامض إليه.
النوع الثانى من الأخبار النبوية
فأما التشبيهات المفردة فهى كثيرة كقوله صلّى الله عليه وسلّم كأن الموت فيها على غير ما كتب، وكأن الحق فيها على غير ما وجب، وكأن الذى تشيع من الأموات سفر، عما قليل إلينا راجعون، وقوله. كأنا مخلدون بعدهم، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: العلم الذى لا ينفق منه صاحبه كالكنز الذى لا ينفق منه وقوله عليه السلام. مثل أهل بيتى كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أصحابى كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم
(1/168)

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا» وقوله عليه السلام: «المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائر أعضائه بالسهر والحمى» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الحياء من الإيمان كالرأس من الجسد» وقوله صلّى الله عليه وسلّم «الناس كأسنان المشط فى الاستواء» وقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين» وقوله: «مثل هذه الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم ينغمس فيه كل يوم خمس مرات، ما عسى أن يبقى عليه من الدرن» وقوله صلّى الله عليه وسلّم أمتى كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره. وقوله عليه السلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . وفى الحديث «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا استبشر فكأن وجهه قطعة قمر» . وفى الحديث عن النبى صلّى الله عليه وسلّم أنه «كان إذا دخل رمضان كان أجود من الريح العاصف» . وفى حديث آخر «كالريح العاصف» وقوله عليه السلام فكأنكم بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. وأما التشبيهات المركبة فهى كثيرة فى كلامه عليه السلام كقوله: إنه لم يبق من الدنيا إلا كإناخة راكب أو صر حالب، لأن التقدير فيما هذا حاله إلا كراكب أناخ راحلته أو صر حالب، والصر: وضع الخيط على ثدى الناقة لئلا يرضعها ولدها، والمراد لم يبق من الدنيا فى القلة إلا مقدار صرة، لأنه عن قريب ينقضه للحلب. وكقوله عليه السلام: فكأن قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، وتقرير وجه التشبيه أنه شبه وضوح الأمر فى الآخرة وتحقيق الحال فيها بشىء كان مغطى فكشف قناعه، فظهر حاله، وبان أمره واتضحت حقيقته. وأكثر ما ذكرناه فى أحاديث التشبيهات المفردة يمكن إيرادها فى المركبة وهذا كقوله: مثل الصلاة كمثل نهر جار، فإن هذا يمكن أن يكون من المركبة، لأن التركيب قد قررناه من قبل أن كل ما كان من وصفين أو أكثر من ذلك، فهو مركب.
فأنت إذا تصفحت ما ورد من الأحاديث، وجدت أكثرها مركبا. وأما التشبيهات التى أضمر فيها أداة التشبيه فهى واسعة أيضا وهذا كقوله عليه السلام: «إن من فى الدنيا ضيف وما فى يده عارية، والضيف مرتحل، والعارية مردودة» فالإضمار لأداة التشبيه فى هذا سهل متيسر من غير تكلف كأنه قال الناس كالضيف فى الدنيا لسرعة انتقالهم، وما فى أيديهم من الأموال عارية، وعن قريب ترد العارية، ويأخذها مالكها. ولا يكاد يخفى التشبيه على من له أدنى ذوق وفطانة وكقوله عليه السلام «الدنيا دار التواء، لا دار انتواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح» فأداة التشبيه يمكن إظهارها من غير تكلف، ولا تعسر كما ترى. وقد يخفى تقدير أداة التشبيه بعض خفاء فيحتاج إلى مزيد تفطن ومزيد خبرة ودقة
(1/169)

نظر، ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام «ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا التاط منها بثلاث، شغل لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه» ، فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من بالغ الحكمة وعظيم الزجر ونافع الوعظ، وتلطف على تقرير التشبيه فيه بنوع احتيال وتلطف، كأنه قال إذا تمكن حب الدنيا من قلب العبد فكأنه الحال الساكن فيه، ثم إذا كان ساكنا فيه فهذه الخصال الثلاث كالملتاطة المختلطة لعظم شغفهم بها وتمكنها من سويداء قلوبهم. وقوله مادام رسنه مرخى، وحبله على غاربه ملقى، فهذا وأمثاله مما يدق تقرير الأداة فيه إلا بنوع تقدير كما أسلفنا تقريره.
النوع الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه،
فمن التشبيهات الظاهرة التى أخذت من البلاغة بحظ وافر، وخصت بالقدح القامر قوله فى أثناء الوعظ «وضع فخرك، واحطط كبرك، واذكر قبرك، فإن عليه ممرك، وكما تدين تدان، وكما تزرع تحصد، وما قدمته اليوم تقدم عليه غدا فامهد لقدمك، وقدم ليومك» .
فتأمل أيها الناظر موقع قوله، كما تدين تدان وكما تزرع تحصد، ما أغرقه فى معانى التشبيه، وما أكثر رسوخه فى مواقع التنبيه. وكقوله فى خلقة الخفاش واشتمالها على العجائب من الحكمة «وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران، كأنها شظايا الآذان، غير ذوات ريش ولا قصب، إلا أنك ترى موضع العروق بينة أعلاما، لها جناحان لما يرق فينشقا، ولما يغلظا فيثقلا» وكما قال فى صفة الفتنة «تمتد فى مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية، شبابها كشباب الغلام، وآثارها كآثار السلام، يهرب منها الأكياس، ويديرها الأرجاس. وكقوله فى وصف الجاهل «إن دعى إلى حرث الدنيا عمل، وإن دعى إلى حرث الآخرة كسل، كأن ما عمل له واجب عليه، وكأن ما ونى فيه ساقط عنه» وقوله عليه السلام: «سيأتى على الناس زمان يكفأ فيه الإسلام، كما يكفأ الإناء» فما أبلغ موقع هذه الكلمة مع اشتمالها على نظام عجيب، وتأليف بديع، ومعناه أنه ينقلب ظهرا لبطن فى انعكاس حاله وانقلاب أمره.
فأما التشبيهات المركبة فهى كثيرة فى كلامه كقوله عليه السلام فى وصف الأولياء «عظم الخالق فى أنفسهم، فصغر ما دونه فى أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذبون» وقوله فى وصف المنية «واعلموا أن ملاحظ
(1/170)

المنية نحوكم رانية، وكأنكم بمخالبها وقد نشبت فيكم، وقد دهمتكم فيها مفظعات الأمور، ومضلعات المحذور، فقطعوا علائق الدنيا، واستظهروا بزاد التقوى.
وأقول «إن هذا الكلام ليأخذ بمجامع القلوب إلى رفض الدنيا لو كان له قبول، أو صادفته آذان، أو وعته عقول» وقوله عليه السلام فى خطاب لمعاوية يوبخه فيه «فياعجبا للدهر إذ صرت تقرن بى من لم يسع بقدمى ولم يكن له كسابقتى التى لا يدلى بها أحد مثلى، إلا أن يدعى مدع مالا أعرفه، ولا أظن أن الله يعرفه، فالحمد لله على كل حال» .
وقال فى مخاطبة أهل البصرة «والله لئن ألجأتمونى إلى المسير إليكم، لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق» . وقال فى خطاب آخر لمعاوية «فكأنى بك وقد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالأثقال، وكأنى بجماعتك يدعوننى جزعا من الضرب المتتابع، والقضاء الواقع، ومصارع بعد مصارع، إلى كتاب الله وهى كافرة جاحدة، أو متابعة حائدة» .
فأما التشبيهات التى أضمرت فيها أداة التشبيه فيه فى كلامه أوسع مما ظهرت فيه الأداة، وقد ذكرنا من قبل أن التشبيه مهما خفى أمره فهو أدخل فى حسن الاستعارة، فمن ذلك قوله عليه السلام «رحم الله امرءا ألجم نفسه بلجامها، وزمامها، فأمسكها عن معاصى الله وقادها بزمامها إلى طاعة الله» فالتشبيه فى مثل هذا يمكن تقديره، لأنك إذا أظهرت أداة التشبيه لم يخرج الكلام عن فصاحته، ومما تظهر فيه أداة التشبيه على قرب وسهولة، قوله فى صفة الأرض «فجعلها لخلقه مهادا، وبسطها لهم فراشا، فوق بحر لجى راكد لا يجرى» كأنه قال كالمهاد، والفراش. ومما يصعب فيه تقدير أداة التشبيه فيكون استعارة محضة قوله عليه السلام فى التقوى أيقظوا بها نومكم، واقطعوا بها يومكم، وأشعروا بها قلوبكم، وارحضوا بها ذنوبكم، وداووا بها الأسقام، وبادروا بها الحمام، ألا وصونوها، وتصونوا بها» فهذه استعارات حسنة، ومعان دقيقة، إذا قدرت فيها أداة التشبيه، وخرج الكلام عن رونقه، وتبدل عن دباجته، وقال فى أهل البدع هم أساس الفسوق، وأحلاس العقوق، اتخذهم إبليس مطايا ضلال، وتراجمة ينطق على ألسنتهم فجعلهم مرمى نبله، وموطىء قدمه، ومأخذ يده» . وقال فى صفة الدنيا «حالها انتقال، ووطأتها زلزال، وعزها ذل، وجدها هزل، وعلوها سفل، دار حرب وسلب، ونهب وعطب، أهلها على ساق وسياق،
(1/171)

ولحاق وفراق» . وقال فى كلام آخر «فأطفئوا ما كمن فى قلوبكم من نيران العصبية، وأحقاد ثأر الجاهلية، واعتمدوا وضع التذلل على رؤسكم، وإلقاء التعذر تحت أقدامكم، وخلع التكبر عن أعناقكم، واتخذوا التواضع مسلحة بينكم وبين عدوكم، إبليس وجنوده، فإن له من كل أمة جنودا وأعوانا، ورجلا وفرسانا» ومن خبر كلامه ومارس أسلوبه ونظامه، تحقق لا محالة أنه قمر البلاغة المتوسط فى هالتها، والطراز الباهى فى أكم غلالتها.
النوع الرابع فيما ورد من التشبيه فى كلام البلغاء
فمن ذلك كلام قبيصة بن نعيم، لما قدم على امرىء القيس فى أشياخ من بنى أسد، يسألونه العفو عن دم أبيه حجر، فقال له قبيصة: إنك فى المحل والقدر من المعرفة بتصريف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتتنقل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب، ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك فى العرب، محتمل يحتمل ما حمل من إقالة العثرة، ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك، فوجدت عندك من فضيلة الرأى، وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذى كان من الخطب الجليل الذى عمت رزيئته نزارا واليمن، ولم يخصص بذلك كندة دوننا، للشرف البارع كان الحجر، ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده، لما بخلت كرائمنا به على مثله، ولكنه مضى به سبيل لا ترجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه فأحمد الحالات أن تعرف الواجب عليك فى إحدى خلال ثلاث، إما أن اخترت من بنى أسد أشرفها بيتا، وأعلاها فى بناء المكرمات صوتا، فقدناه إليك بنسعه، تذهب مع شفرات حسامك قصرته، فنقول، رجل امتحن بهلك عزيز، فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام. أو فداء بما يروح على بنى أسد من نعمها، فهى ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها، وإما أن توادعنا إلى أن تضع الحوامل فنسدل الأزر، ونعقد الخمر فوق الرايات، قال فبكى امرؤ القيس ساعة، ثم رفع رأسه فقال: لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر فى دم، وإنى لن أعتاض به جملا ولا ناقة، فأكتسب بذلك سبة الأبد، وفت العضد، وأما النظرة فقد
(1/172)

أوجبتها للأجنة فى بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببا، وستعرفون طلائع كندة بعد ذلك، تحمل فى القلوب حنقا، وفوق الأسنة علقا:
إذا جالت الحرب فى مأزق ... تصافح فيها المنايا النفوسا
أتقيمون، أم تنصرفون؟ قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار وأبلى الاجترار المكروه وأذية، وحرب وبلية، ثم نهضوا عنه، وقبيصة يتمثل:
لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا فى مأذق الحرب تمطر
فقال امرؤ القيس: لا والله، بل أستعذبه، فرويدا تنفرج لك دجاها عن فرسان كندة، وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا بى أولى إذ كنت نازلا بربعى ولكنك قلت فأجبت، فقال له قبيصة ما نتوقع أكثر من المعاتبة والإعتاب.
فعليك إعمال فكرك فى هذا الكلام، ما أوقعه فى إصابة المعانى وأسلس ألفاظه، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فإنه أبدع فى نظم المنثور، وأحسن فى تأليف العقود من الدرر والشذور، ومن عجيب كلامه أنه يكاد يعول فى نظم كلامه على كتاب الله تعالى فيجعله كالأساس للبناء، قال فى وصف القلم وقد أوحى الله إلى قلمه ما أوحى، وإلى النحل، غير أنها تأوى إلى المكان الوعر، وهو يأوى إلى البيان السهل، ومن شأنه أن يجتنى من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام، وأين ما تبينه كثافة الخشب، مما تبينه لطافة المعنى، ولا تستوى نضارة هذا الثمر، وهذا الثمر، ولا طيب هذا المجنىّ وهذا المجنى، وقد أرخص ما يكثر وجوده، فيذهب فى لهوات الأفواه، وأغلى ما يعز وجوده، فيبقى خالدا على ألسنة الرواة.
فانظر كيف جعل الآية أصلا وقاعدة لمغزاه، ومهادا فى لفظه ومعناه. وقال فى وصف كاتب وهو إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم كلمه، لم يقعد لها شيطان بلاغة مقعدا، إلا وجد له شهابا مرصدا، فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية عن كل قائف، فقرر ما ذكره على ما ذكره فى سورة الجن، ثم قال له بنت فكر ما تمخضت بمعنى إلا نتجته من غير ما تهمله، ثم أتت به قومها تحمله، ولم نعرض على ملإ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره لا أيهم يكفله، فشيد ما ذكره على هاتين الآيتين، الأولى فى سورة الجن، والثانية فى سورة مريم، ومن ثم كان ارتفاع قدره، واستتمام نور بدره، ومن ذلك ما ذكره الشيخ العابد يحيى بن نباتة فى خطبة له، وهو قمر يشار إليه بالأكف فى البلاغة،
(1/173)

وله فى أساليبها اليد البيضاء، قال أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون فى البقاء بعدهم كما زعمتم، كلا والله ما أشخصوا لتقروا، ولا نغصوا لتسروا ولا بد أن تمروا حيث مروا، فلا تفتنوا بخدع الدنيا ولا تغتروا، يا أيها الناس، أسيموا القلوب فى رياض الحكم، وأديموا البحث عن ابيضاض اللمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار فى انقراض الأمم. فانظر إلى موقع قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ
[البقرة: 175] وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ
[البقرة: 21] من كلامه لما كانا من آى القرآن، كيف تميزا تمييز الإبريز، عن القزدير، وصارا مع غيرهما من الكلام كالرصاص بالإضافة إلى الإكسير. وقد ساق ابن الجوزى على هذا المساق الذى حكيناه عن ابن الأثير فى جعل الآيات طررا فى كلامه، قال فى خطبة: يا معدودا مع أهل البصر وهو فى العميان، يا محسوبا مع أهل المشيب وهو فى الصبيان، يسافر بالهوى، ولا ينزل إلابجار من خان خل الهوى، فإن الهوى هوان، ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ ألم يأن؟ سار الصالحون وتوقفت، وجد التائبون وسوفت، ما يقعدك عن الطريق وقد عرفت؟ هيهات! لقد استحكم هذا النسيان، ألم يأن؟ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ ألم يأن؟ وكم له على هذا الأسلوب من النثر العجيب، والإغراق فى النظم البديع، ولقد رأيت له مائة فصل على مائة آية من كتاب الله على هذا الأسلوب. وقال فى الحريريات: أيها السادر فى غلوائه، السادل ثوب خيلائه، الجامح فى جهالاته، الجانح إلى خزعبلاته، إلا تستمر على غيك، وتستمرىء مرعى بغيك؟ وحتام تتناهى فى زهوك، ولا تنتهى عن لهوك، تبارز بمعصيتك، مالك ناصيتك، وتجترىء بقبح سيرتك، على عالم سريرتك، وتتوارى عن قريبك، وأنت بمرأى رقيبك، وتستخفى عن مملوكك، ولا تخفى خافية على مليكك، أتظن أن ستنفعك حالك؟ إذا آن ارتحالك، ويغنى عنك مالك، حين توبقك أعمالك، أو يغنى عنك ندمك، إذا زلت قدمك. ثم قال: طالما أيقظك الدهر فتناعست، وجذبك الوعظ فتقاعست، وحصحص لك الحق فتماريت، وأذكرك الموت فتناسيت، وأمكنك أن تؤاسى فما آسيت، تأمر بالعرف وتنتهك حماه، وتنهى عن المنكر ولا تتحاماه، وتزحزح عن الظلم ثم تغشاه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. ولقد ختم كلامه بأحسن ختام، حيث جعل الآية منتهى له، فتم أى تمام.
وفيما ذكرناه كفاية فى مقدار عرضنا من التنبيه على مواقع البلاغة فى كلام الفصحاء مثل واصل، والجاحظ، وغيرهما، ممن له فيها الحظ الوافر.
(1/174)

ويحكى عن «واصل» وكان من المفلقين فى طلاقة اللسان وذلاقته، أن رجلا قال له يمتحنه بالفصاحة وقد عرف أن فى لسانه لثغة فى مخرج الراء: قل: رجل ركب فرسه وجر رمحه، فقال له: غلام اعتلى جواده، وسحب ذابله، فما أجاب به أفصح وأسلس مما امتحن، بنطقه، وما ذاك إلا لأجل الطلاقة فى اللسان، والبراعة فى جودة الذكاء والفطنة.
النوع الخامس فيما ورد من التشبيه من المنظوم
فمن ذلك ما قاله امرؤ القيس:
كأن ثبيرا فى عرانين وبله ... كبير أناس فى بجاد مزمل
وقال:
كأن ذرى رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل
وقال عمرو بن كلثوم:
وما منع الضغائن مثل ضرب ... ترى منه السواعد كالقلينا
والقلة خشبة صغيرة قدر ذراع، يضرب بها وقال:
إذا ما رحن يمشين الهوينى ... كما اضطربت متون الشاربينا
وقال لبيد:
ولها هباب فى الزمام كأنها ... صهباء راح مع الجنوب جهامها
وقال ذو الرمة:
كحلاء فى برج صفراء فى دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
والبرج: النماء والزيادة، وقيل إن هذه اللفظة نبطية، وليست فصيحة، وقال آخر:
سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت من الكرم
وقال البحترى:
ذات حسن لو استزادت من الحس ... ن إليه لما أصابت مزيدا
فهى كالشمس بهجة والقضيب ال ... لدن قدا والرئم طرفا وجيدا
وقال آخر:
تردد فى خلقى سؤدد ... سماحا مرجى ويأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا
(1/175)

وكقول أبى تمام:
جمعت لنا فرق الأمانى منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل
فصنيعة فى يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول
كالمزن من ماء الرباب فمقبل ... متنظر ومخيم متهلل
ومن جيد التشبيه قول إبراهيم بن العباس:
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويغبر عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن يستباح دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها
وقال أبو تمام:
وما هو إلا الوحى أو حد مرهف ... يقيم ظباه أخدعى كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل
وهكذا ورد قوله:
وكان لهم غيثا وعلما لمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله
ومن ذلك قول أبى نواس:
ترجو وتخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار
وليكن هذا القدر كافيا فى إيراد الأمثلة ففيه كفاية لمقدار غرضنا فى التشبيه المضمر الأداة، والمظهر الأداة كما فصلناه من قبل.
المطلب الثالث فى كيفية التشبيه
اعلم أن التشبيه لكثرة وقوعه فى الكلام، وتوسع أهل البلاغة فى طرقه يكاد أن تكون كيفية وقوعه غير منحصرة لما ذكرناه من الاتساع، ولكنا نشير من ذلك إلى كيفيات خمس بمعونة الله تعالى.
الكيفية الأولى
هو أن الغرض بالتشبيه ومقصوده، إنما هو الإبانة والإيضاح، ثم إما أن يكون بيانا لحكم مجهول، أو يكون بيانا لمقداره، فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون بيانا لحكم
(1/176)

مجهول وهذا نحو أن يكون المدعى يدعى ما لا يتصور ثبوته ولا يعقل إمكانه، فيأتى بالتشبيه لبيان إمكانه وهذا كقول بعضهم:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
فإن الشاعر أراد أن يقول: إن الممدوح فاق الأنام بحيث لم يبق بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار جنسا برأسه وأصلا فى نفسه، وهذا فى الظاهر كالممتنع، فإنه يبعد فى العقل أن تتناهى بعض آحاد النوع أو شىء من مفرداته فى الفضائل الخاصة والمناقب العالية إلى حد يصير كأنه ليس من ذلك النوع، فلما أطلق ذلك عقبه بقوله «فإن المسك بعض دم الغزال» محتجا به على تصحيح دعواه، وعلى إمكان ما قاله، وعلى أنه ليس محالا، وبيانه هو أن المسك قد خرج لا محالة عن صفة الدم وحقيقته، حتى لا يقال هو منه، ولا يعد من جنسه ولا يوجد فيه شىء من الصفات الشريفة التى للمسك، فلأجل هذا سيق التشبيه من أجل هذه الفائدة.
الوجه الثانى أن يكون بيانا لمقداره، وهذا نحو أن يحاول نفى الفائدة عن فعل بعض الناس، وأن يدعى فيه أنه لا يحصل منه طائل فيقول فيه: فلان كالقابض على الماء، ويخط فى الهواء، فالتشبيه فيما هذا حاله لم يكن مسوقا لبيان الإمكان، بل إنما سيق لمعرفة المقدار؛ لأن الفعل فى نفسه بالإضافة إلى ما يفيده على مراتب مختلفة فى الإفراط، والتفريط، والتوسيط، فإذا مثّل ما ذكرناه من المحسوس عرف قدره، ولهذا قد يقال: حجة واضحة كالشمس، وجهل أظلم من الليل، ومداد كحدقة الغراب، إلى مثل ذلك مما ذكرناه.
الكيفية الثانية
هو أن المتشابهين من الأشياء متى كانت المباعدة بينهما أتم، كان التشبيه أعجب، والسبب فى ذلك هو أن المباينة متى كانت أدخل بينهما كان التشابه أشد إعجابا فى النفوس، وأقوى تمكنا فيها، لأن أكثر مبنى الطباع على أن الشىء إذا تصور ظهوره من مكان يبعد ظهوره منه، ازداد شغف النفس به، وكثر تعلقها به، فما يتعذر وجوده، أعجب مما يتسهل وجوده ولهذا فإن تشبيه الشقائق فى حمرتها وخضرة أعوادها بأعلام الياقوت المنصوبة على رماح من زبرجد، فى غاية الحسن، لما كان لا يكاد يوجد، وهكذا قوله «مداهن در حشوهن عقيق» وكذا تشبيه الكواكب فى سمائها، ببساط أزرق فوقه درر منثورة، ودونه فى الرتبة تشبيه الثريا بعنقود الكرم، واللجام المفضض والوشاح المفصل
(1/177)

كما قال امرؤ القيس:
إذا ما الثريا فى السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
ودونه فى التشبيه مشابهة العين بالنرجس فى قوله:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس
فمراتب التشبيه متفاوتة رقة وصفاء.
الكيفية الثالثة
إن المعانى العقلية وإن كانت ثابتة مقطوعا بها متيقنة، خلا أن التمسك بالمحسوسات والتعويل عليها فى المشابهة أولى وأحق، لكونها تفيد زيادة قوة ومزيد إيضاح، وإنما كان الأمر كما قلنا لأوجه ثلاثة.
أما أولا فلما يحصل بها من الوثاقة واطمئنان النفس إليها، وانشراح الصدر بها، وقد أشار الله إلى ما قلناه بقوله تعالى: قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[البقرة: 260] وأما ثانيا فلأنك إذا كنت بجانب نهر وأنت تريد أن تخبر بأن فعل صاحبك لا ثمرة له ولا يحصل منه على فائدة، فوضعت كفك فى الماء ورفعتها، وقلت انظر إلى كفى، هل حصل فيه شىء من الماء، فهكذا أنت فيما تفعله وتعالجه كان فى ذلك ضرب من التأثير والقوة والتأكيد أكثر مما فى النطق والقول، وما ذاك إلا من أجل تعقله بالإدراك، وأما ثالثا فلأنك لو أردت ضرب مثال فى تباين الشيئين وتنافيهما، فأشرت إلى الماء والنار فقلت: هل هذان يجتمعان فإنك تجد فى نفسك لتمثلك من التأثير ما لا تجده إذا أخبرت عن ذلك بالقول، فقلت هل يجتمع الماء والنار كما قال بعضهم:
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب فى الماء جذوة نار
ومصداق ما ذكرناه ههنا هو أنك تجد فى قوله:
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
ما لا تجده فى نحو قوله:
فى ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول
من مزيد القوة والتأكيد، وما ذاك إلا لأن الأول مبنى على الإدراك دون الآخر مع أن الأول فى المبالغة دون الثانى، فإن ظل الرمح متناه واتصال ليل صول بالليل لا نهاية له، ولكن الوجه فى قوّته ما ذكرناه فيه.
(1/178)

الكيفية الرابعة
هو أن العادة جارية والأساليب مطردة فى تشبيه الأدنى بالأعلى والأقل بالأكثر، والفاضل بالأفضل، وقد يقصد البليغ فى نظمه ونثره على جهة التخييل أن يوهم فى الشىء القاصر عن نظيره أنه زائد عليه، وعند هذا ينعكس الأمر فيجعل الأصل فرعا، ويشبه الزائد بالناقص ويجعل الفرع لأجل المبالغة أعلا شأنا من الأصل، فيرفعه إلى رتبة الأصل كما قال بعض الشعراء:
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر وأتم وأكمل فى النور والضياء من الصباح، فلما اعتقد هذا وعزم عليه ساغ له جعل الصباح فرعا ووجه الخليفة أصلا، وكما قال ابن المعتز:
وكأنما الشمس المنيرة دينا ... رجلته حدائد الضراب
فهذا وأمثاله وإن عظم التفاوت فيه لكن الذى حسن منه هو أنه لم يقصد قصر التشبيه على مجرد الإنارة، وإنما أراد تشبيه مستدير يتلألأ ويلمع، ثم خصوص حسن اللون الموجود فى الدينار المتخلص من حمى السبك، فأما مقدار النور والشعاع العظيم فكأنه لم يتعرض له بحال.
الكيفية الخامسة
اعلم أن التشبيه كما يقع فى المفرد فهو واقع فى المركب فإذا قصدت إيقاع التشبيه بالمفرد، فإنما تقصد إلى نفس تلك الحقيقة المجردة مع قطع النظر إلى غيرها، وإذا قصدت التشبيه بالمركب. فإنما يؤول الأمر فيه إلى تشبيه مفردات بمفردات، فلا جرم حصل التركيب لا محالة، فأما تشبيه المفرد بالمفرد فمثاله فى الحركة، فإذا أوقعت التشبيه فأنت كما قال ابن المعتز فى صفة البرق.
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
فلم يقع التشبيه فى جميع أوصاف البرق ومعانيه، ولكن نظر إلى مجرد الحركة فى الانبساط والانقباض، وقد قصر تشبيهه على نفس الحركة، ثم إنه قدر فى نفسه لينظر أى أوصاف الحركة أخص، فوجد ذلك فى فعل القارىء بأوراق المصحف من فتحها مرة،
(1/179)

وإطباقها أخرى، فأما تشبيه المركب بالمركب، فإنه يجمع أوصافا مختلفة، كالشكل واللون والإضاءة والحركة، ومثاله ما قاله بعضهم: والشمس كالمرأة فى كف الأشلّ.
فإن هذا التشبيه يريك مع الاستدارة والإشراق الحركة التى تراها للشمس إذا تأملتها، وذلك أن الشمس لها حركة متلألئة دائمة، ولنورها بسبب ذلك تموج واضطراب ولا يحصل هذا التشبيه إلا بمرآة فى كف أشل، لأن حركتها تدوم وتتصل ويكون لها سرعة وتموج، وتلك حالة الشمس فإن ترى شعاعها كأنه يهم أن ينبسط، وأجود من هذا التشبيه فى اجتماع هذه الأمور قول المهلب الوزير:
الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
ولنقتصر على هذا القدر من الكيفيات ففيه كفاية فيما نريده بمعونة الله تعالى.
المطلب الرابع فى ذكر أحكام التشبيه
وهى كثيرة، ولكنا نورد ما تمس الحاجة إليه
الحكم الأول هو أنه لابد من رعاية جهة التشبيه،
ويجب أن لا يتعدى فى التشبيه عن الجهة المقصودة، وإلا وقع الخطأ لا محالة، ومثاله قوله صلّى الله عليه وسلّم «الكمأة جدرى الأرض» فالغرض من كلامه عليه السلام فى تشبيه الكمأة بالجدرى هو أنها مفسدة لها كما أن الجدرى يفسد الوجه والبدن، وليس المقصود من التشبيه هو الاتصال، فإن مثل هذا لا فائدة فيه ولا ثمرة تحته، فإن الاتصال، غرض حقير لا يقصد التشبيه لأجله، وكما يقال: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام فإن المقصود من هذا التشبيه هو أن الكلام لا يجدى ولا يكون فيه نفع إلا بمراعاة الأحكام النحوية، كما أن الطعام لا ينفع ما لم يصلح بالملح، وليس المقصود ما ظنه بعضهم من أن وجه التشبيه هو أن القليل من النحو مغن، والكثير مفسد، كما أن القليل من الملح مصلح للطعام، والكثير مفسد، فهذا باطل، لأن الزيادة والنقصان فى مجارى الأحكام النحوية فى الكلام باطل، وبيانه هو أنا إذا قلنا: إن زيدا قائم، وكان زيد قائما فلابد من رفع أحد الاسمين ونصبه، فهذا إذا وجد فقد حصل
(1/180)

القانون النحوى، وتمتنع الزيادة عليه، وإن لم يحصل فقد زال قانون النحو، ولا فائدة فيه لأنه خارج، فإذن لا وجه لدخول الزيادة والنقصان فى النحو كما لخصناه، وعلى هذا يكون تشبيه النحو بالملح ليس كما اعتقده، وإنما هو من جهة الإصلاح كما أشرنا إليه، فتقرر بما حققناه أن التشبيه قد يكون من جهة ويظن أنه من جهة أخرى، وعند هذا يقع الغلط، وهكذا الحال فى قوله عليه السلام: «المؤمن كالسنبلة، يعوج أحيانا ويقوم أخرى» فجهة التشبيه هو أنه أراد أن المؤمن يواقع الذنب فيتوب منه، ويسترجع مرة بعد أخرى، والكافر كالأرزة، يعنى أنه إذا هفا فى الذنب لم يتذكر ولم يسترجع، فهو كالأرزة، إذا انجعفت لم تقم أبدا، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يتوب إلا عند الموت بحيث لا يقوم، ولا تنفعه التوبة (كالأرزة) إذا انجعفت لا يرجى لها استقامة بحال فما خالف هذه الجهات فى التشبيه يكون خطأ بلا مرية.
الحكم الثانى
هو أن الأمر الذى يقع به التشبيه منقسم إلى ما يمكن إفراد أحد أجزائه بالذكر، وإلى ما يتعذر ذلك فيه، فمثال الأول قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: 5] فإن شئت جعلت التشبيه مطلق الحمار فى الغباوة والجهل والبلادة وسقوط النفوس عن كريم الخصال، وشريف الفعال، وهذه حالة اليهود، وإن شئت جعلته مركبا، وهو أنه ليس الغرض إفراد الحمار بالتشبيه، ولكن الغرض تشبيه حالهم فى كونهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها حمل مثلها فى امتثال أوامرها ونواهيها، كمثل الحمار فى حمله للأسفار، فمثلوا فى السخف بحال الحمار الحامل فوق ظهره، جعل مثلا لما كلفوه من الأحكام الشرعية و «أسفارا» جعل مثلا لنفاسة المحمول، وعدم انتفاع الحامل به، فصار حاصل الأمر أنهم مشبهون بالحمار الحامل فوق ظهره كتبا لا يدرى حالها، ولا ينتفع بها، ومن هذا قول بشار:
وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فإن شئت جعلته من المفرد فقلت: كأن النجوم فى ضوئها درر، وكأن السماء فى زرقتها بساط أزرق، فهذا مقول على انفراده، وإن شئت جعلته من باب المركب فقلت: لم يكن
(1/181)

التشبيه بمطلق الدرر، ولا بمطلق البساط، وإنما الغرض النجوم فى ضوئها وتلألئها إلى زرقة أديم السماء، كبساط أزرق نثرت عليه درر صافية، ونظير هذا القسم، عقد من در وياقوت، فهو إذا فصل واحدة واحدة، فهو على حظ من الإعجاب، وهو إذا نظم فى سلك واحد، فهو على حظ وافر من الزينة والحسن والنضارة. ومثال الثانى وهو ما يتعذر فيه الإفراد، قوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[إبراهيم: 26] فإن المقصود تشبيه كلمة موصوفة بالخبث بشجرة موصوفة بالخبث أيضا، فلو سلبت الكلمة صفة الخبث قائلا ومثل كلمة كشجرة خبيثة، أبطلت بلاغة الآية، وأزلت عنها رونق الفصاحة، ومن هذا قوله:
كأنما المريخ والمشترى ... قدامه فى شامخ الرفعه
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه
فالغرض أن التشبيه لم يكن للمريخ على انفراده، ولكن إنما حصل له من جهة الحالة الحاصلة له من كون المشترى قدامه، ولهذا كانت الواو فى قوله والمشترى قدامه، واو الحال، فهى كالصفة فى كونها تابعة لا يمكن إفرادها بالذكر، بل تذكر فى ضمن الأول على طريق التبعية، فلو أبطلت التركيب قائلا كأنما المريخ منصرف عن دعوة، كان خلفا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا، ونظير هذا القسم، خاتم من فضة، وسوار من ذهب، فإنه لا يفيد الحسن والإعجاب إلا إذا كان مركبا منظما، فإن زال تركيبه ونظامه، خرج عن إعجابه وحسنه وبطل.
الحكم الثالث
اعلم أن من التشبيه ما يحضر فى الذهن ويسهل إدراكه، ويسمى القريب، ومنه ما يحتاج إلى نوع فكرة وتأمل، ويسمى الغريب، ولنذكر الأمرين جميعا بالأمثلة. مثال الأول وهو القريب، وذلك متى أخطرت ببالك استدارة قرص الشمس وتنورها وتموج ضوئها، فإن المرآة المجلوة تقع فى قلبك وتعرف من أول وهلة كونها مشبهة للشمس، وهكذا إذا نظرت إلى السيف المصقول عند سله، فإنك تذكر لمعان البرق، فلهذا تشبيهه به، وإذا رأيت الثياب الموشاة من الحرير فى رقتها وصفائها، وإحكام ألوانها، فإنك تشبهها بالروض
(1/182)

الممطور، المفتر عن أزهاره، المبتسم عن أنواره، فهذه الأمور وما شابهها تعد من التشبيه القريب كما ذكرناه، ومثال الثانى وهو الغريب فهو الذى يحتاج فى إدراكه إلى دقة نظر وقوة فكر، وهذا نحو تشبيه الشمس بالمرآة فى كف الأشل، ومثل تشبيهها فى التموج والإنارة بالبوتقة من الذهب، ونحو تشبيه الخمر فى الكأس فى لونه، بمداهن در حشوهن عقيق، ومثل تشبيه حمرة الشقائق مع خضرة أعوادها، بأعلام ياقوت منصوبة على رماح من زبرجد، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى مزيد فكرة ونظر.
الحكم الرابع
كل تشبيه على جميع أنواعه، فلابد فيه من اشتماله على أركان أربعة، المشبه، والمشبه به، والوصف الجامع بينهما، وكيفية التشبيه فى قربه وبعده، وكونه مفردا ومركبا، ونادرا ومألوفا، إلى غير ذلك، فمتى كثرت الأوصاف، كان أدخل فى الغرابة وأعجب فى مقاصد البلاغة، وأقرب مثال له فى اجتماع أوصاف التشبيه قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
[يونس: 24] فالآية فى نظمها مشتملة على عشر جمل، كل واحدة منها على حظ من التشبيه، ثم يكون التشبيه أيضا حاصلا من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، فإنك لو حذفت منها جملة واحدة، تطرق الخرم إليها على قدر المحذوف، وكان مخلا بمغزى التشبيه الذى قصد فيها، وهكذا القول فى الإفراد فى التشبيه، والتركيب، فالإفراد نحو تشبيهك الكلام بالعسل، فى أن كل واحد منهما يوجب للنفس لذة وحالة محمودة، والمركب كقولك: «أعط القوس باريها» فإنه ليس الغرض إعطاء مطلقا، وإنما المقصود إعطاء من هو أهل للرماية، ومنه قولهم «الرامى بغير وتر، والساعى إلى الهيجاء بغير سلاح» ، فالتشبيه فيما هذا حاله مركب كما ترى.
الحكم الخامس
اعلم أن من جملة التشبيهات المركبة ما يظن لكثرة اتصاله أنه لا يمكن فصل بعضه عن بعض، وليس الأمر كذلك، وهذا كقول امرىء القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالى
(1/183)

فليس يحصل من أجل ضم الرطب من القلوب إلى اليابس، هيئة تجب مراعاتها، ويعنى بملازمتها، ولا لاجتماع الحشف البالى، مع العناب غرض تجب فيه المضامة والملاصقة، ولو فرقت هذه التشبيهات لم يكن هناك إخلال بالمعنى المقصود، فلو قلت: كأن الرطب من القلوب عناب، وكأن اليابس حشف من الطير فى وكر العقاب، لم يكن أحد التشبيهين موقوفا فى إفادته لما يفيده على الآخر، ونظيره قول أبى الطيب المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
فهذا من التشبيه المضمر الأداة، وكل واحد منهما مستقل بنفسه، وفيما ذكرناه غنية عما عداه، وبتمامه يتم الكلام على أسرار التشبيه، فأما كونه معدودا من المجاز أم لا، فقد أوضحنا حاله، وقد نجز غرضنا من القاعدة الثانية المرسومة للتشبيه، والحمد لله.
(1/184)

القاعدة الثالثة من قواعد المجاز فى ذكر حقائق الكناية
اعلم أن الكناية واد من أودية البلاغة، وركن من أركان المجاز، وتختص بدقة وغموض، ومن أجل ذلك حصل الزلل لكثير من الفرق، لسبب التأويلات، كما عرض للباطنية فيما أتوا به من قبح التأويل وشنيعه، ولطوائف من أهل البدع والضلالات، وما ذاك إلا من جهلهم بمجاريها، وما يجوز استعماله منها، وما لا يجوز، فلا جرم كانت مختصة بمزيد الاعتناء، لما يحصل فيها من الفوائد الكثيرة، والنكت الغزيرة، ولنذكر ماهية الكناية، ثم نردفه بالفرق بين الكناية، والتعريض، ثم نذكر أقسامها وأمثلتها، فهذه فصول أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى.
الفصل الأول فى تفسير لفظ الكناية وبيان معناها
ولكثرة دورها فى الكلام استعملت فى اللغة، والعرف، والاصطلاح، فهذه مجار ثلاثة.
المجرى الأول فى لسان أهل اللغة
الكناية مصدر كنّى يكنى، وكنيته تكنية حسنة، ولامها واو وياء، يقال. كناه يكنيه، ويكنوه، والكنية بالأب، أو بالأم، وفلان يكنى بأبى عبد الله، وفلانة تكنى بأم فلان، ولا يقال: يكنى بعبد الله، ولا زينب تكنى بهند، وإنما هو مقصود على الأب، والأم، وفلان كنىّ فلان، أى مكنى بكنيته، كما يقال سميه، أى مسمى باسمه، وكنى الرؤيا، هى الأمثال التى تكون عند الرؤيا يكنى بها عن أعيان الأمور، وفى الحديث «إن للرؤيا كنى، ولها أسماء فكنوها بكناها، واعتبروا بأسمائها» .
(1/185)

المجرى الثانى فى عرف اللغة
الكناية مقولة على ما يتكلم به الإنسان، ويريد به غيره، وأنشد الجوهرى لأبى زياد
وإنى لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانا بها وأصارح
والكناية بالضم، والكسر فى فائها، واحدة الكنى، واشتقاقها من الستر، يقال. كنيت الشىء، إذا سترته، وإنما أجرى هذا الاسم على هذا النوع من الكلام، لأنه يستر معنى ويظهر غيره، فلا جرم سميت كناية، فالعرف متناول للعبارة كما ترى.
المجرى الثالث فى مصطلح النظار من علماء البيان
وقد ذكروا فى بيان معناها تعريفات كثيرة، ونحن نورد الأقوى منها بمشيئة الله تعالى.
التعريف الأول ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجانى.
وحاصل كلامه هى أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعانى فلا يذكره باللفظ الموضوع له فى اللغة، ويأتى بتاليه وجودا، فيومىء به إليه، ويجعله دليلا عليه، ومثاله قولنا: فلان كثير رماد القدر، طويل نجاد السيف، فنكنى بالأول عن جوده، وبالثانى عن طول قامته، هذا ملخص كلامه، وهذا فاسد لأمور ثلاثة، أما أولا فلأن قوله «ويأتى بتاليه» إما أن يريد بتاليه مثله، فهو خطأ، فإن الكناية ليست مماثلة لما كان من اللفظ الذى ترك بالكناية، لأن كثرة الرماد، ليس مماثلا لكونه كريما، وإما أن يريد معنى آخر، فيجب ذكره، حتى ننظر فيه، إما بصحة، وإما بفساد، وأما ثانيا فلأن قوله «فيؤمىء به» ليس يخلو الإيماء، إما أن يكون على جهة الحقيقة، أو على جهة المجاز، فلفظة الإيماء محتملة لما ذكرناه وليس فى الإيماء إشارة إلى أحد الوجهين، فلابد من بيان أحدهما، وإلا كان كلاما مجملا لا يفيد فائدة، وهو مجانب لصناعة الحدود، وأما ثالثا فلأن ما هذا حاله ينتقض بالاستعارة فى نحو قولك: رأيت الأسد، ولقيت بحرا، فإنك فيه قد تركت اللفظ الموضوع للشجاعة والكرم، وأتيت بتاليهما، وأومأت بهما إليه، وإذا دخلت الاستعارة فى هذا الحد كان باطلا، لأنه لم يفد خصوصية الكناية على انفرادها، وقد مر الشيخان أبو المكارم صاحب التبيان، والمطرزى على ما قاله الشيخ عبد القاهر، ولم يعترضاه بما ذكرناه من الإفساد.
(1/186)

التعريف الثانى ذكره ابن سراج المالكى فى كتابه المصباح،
وتقرير ما قاله فى ماهية الكناية، هو ترك التصريح بالشىء إلى مساويه فى اللزوم، لينتقل منه إلى الملزوم، فقوله: «ترك التصريح بالشىء» عام فى جميع الأنواع المجازية، فإنها متفقة فى ترك التصريح بحقائقها الموضوعة من أجلها، وقوله: «إلى مساويه فى اللزوم لينتقل منه إلى الملزوم» يحترز به عن الاستعارة فى مثل قولك: رأيت أسدا، فإنك انتقلت فى الكناية عن لفظ إلى ما يساويه فى مقصود دلالته، فإن الوصف كما يلزم قولنا فلان كريم، فإنه يلزم مساويه أيضا وهو قولنا فلان كثير رماد القدر، بخلاف قولنا أسد، فإنه ليس مماثلا لقولنا فلان شجاع فى مقصود دلالته، بل يخالفه فى نفس دلالته، فإنه دال على خلاف ما دل عليه قولنا فلان شجاع، وإنما شاركه فى بعض معانيه، وهو الشجاعة فافترقا، وقوله (لينتقل منه إلى الملزوم) يعنى أن فائدة المساواة فى الدلالة، هو المساواة فى الملزوم، فهذا ملخص ما ذكره ابن سراج المالكى فى كتاب المصباح مع فضل بيان منا لقيود فى الحد أغفلها فيه.
التعريف الثالث حكاه ابن الأثير عن بعض علماء البيان،
وحاصل ما قاله فى تفسير الكناية، هى اللفظ الدال على الشىء بغير الوضع الحقيقى بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه، وزعم أن مثال ما قاله هو، اللمس، والجماع، فإن الجماع اسم موضوع حقيقى لمعناه، واللمس كناية عنه، وبينهما الوصف الجامع، لأن الجماع لمس وزيادة، فكان دالا عليه بالوضع المجازى هذه زبدة كلامه، وفائدته، وهو فاسد لأمور ثلاثة، أما أولا فلأن هذا يبطل بالتشبيه، فإنه اللفظ الدال على غير الوضع الحقيقى فى وصف من الأوصاف، كقولنا.
كأن زيدا الأسد، فأدخل فيه ما ليس منه، وأما ثانيا فلأن الكناية لا تفتقر إلى ذكر جامع، فإننا إذا قلنا فلان كثير رماد القدر، وجعلنا هذا دلالة على كونه كريما، فهو غير محتاج إلى ذكر «جامع» فاعتبار ذكر الجامع فى الكناية يخرجها عن حقيقة وضعها، ويبطل فائدتها، وأما ثالثا فلأنه ذكر الكناية والمكنى فى حد الكناية، وهذا فيه تفسير الشىء بنفسه، وإحالة بأحد المجهولين على الآخر، فلا جرم كان باطلا.
(1/187)

إشارة: اعلم أن ما ذكر ابن سراج المالكى فى تعريف الكناية، وإن كان أسلم مما حكاه ابن الأثير، وأدخل فى التحقيق، لكنه لا يخلو عن نظر من وجهين، أما أولا فلأن ما ذكره حاصل فى الاستعارة فى نحو قولك: رأيت الأسد، ولقيت البحر، فإنك تركت التصريح بقولك لقينى الشجاع إلى لفظ الأسد، والكريم إلى لفظ البحر، والكناية مخالفة للاستعارة فى ماهيتها، فلا يخلط أحدهما بالآخر، وأما ثانيا فإن قوله: «إلى مساويه فى اللزوم لينتقل منه إلى الملزوم» إن أراد بالملزوم، المدلول، فذكر المدلول أوضح، فلا حاجة إلى العدول عنه، وإن أراد به معنى آخر غير المدلول فهو خطأ لا فائدة فيه، لأنه لا مشاركة بينهما إلا فى مدلولهما لا غير، ولهذا كان كناية عنه، نعم إنما حمله على هذا هو أنه كان مولعا بممارسة المنطق ومعالجته، فغلبت عليه عباراته، «وما كل آذان تسمع القيل» فإن موضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة ومعرفة أساليبهما، وهما بمعزل عن علم المنطق، فلا ينبغى أن يمزج أحدهما بالآخر لاختلاف حقائقهما.
التعريف الرابع حكاه ابن الأثير عن بعض الأصوليين
ولم أعرف قائله وهو مصدق فيما نقله، قال فى حد الكناية: إنها اللفظ الذى يحتمل الدلالة على المعنى، وعلى خلافه، وهذا فاسد لأمرين، أما أولا فلأن ما قاله يبطل باللفظ المشترك فى نحو قولك: قرء، وشفق، فإن كل واحد منها دال على معنى، وعلى خلافه، وأما ثانيا فلأن ما ذكره يبطل بالحقيقة والمجاز، فإن قولنا: أسد، وبحر، كما يدل على ما وضع له بالحقيقة فهو دال على ما استعمل فيه من المجاز، فيلزم أن يكون ما ذكرناه من الكناية، وهو باطل، فأما ابن الخطيب الرازى فما زاد فى حد الكناية فى كتابه نهاية الإيجاز على أن قال: هى اللفظ الدال على معنى مقصود مع ملاحظة معناه الأصلى. هذا ملخص كلامه، ولم يورده على جهة التحديد، وهذا فاسد بالاستعارة فإنها دالة على معنى مقصود مع ملاحظة معناها الأصلى، فيلزم على ما قاله دخولها فى الكناية، ويبطل أيضا بالحقيقة مع مجازها، فإنه ما من مجاز يدل على معنى إلا وهو دال على حقيقة، وفى هذا دخول أنواع المجاز فى الكناية، وهذا باطل، والعجب من إطلاقه هذا الإطلاق مع إدراكه لصناعة الحدود، وتصّونه عن النقوض، وتبحره فى علم الكلام.
(1/188)

التعريف الخامس ما قاله ابن الأثير عن نفسه
وهو كل لفظ دل على معنى يجوز حمله على جانبى الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز، وهذا نحو قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
[البقرة: 223] فإن لفظ الحرث دال على معناه بالحقيقة، لكنه استعمل فى مجازه ههنا وهو الجماع فى المأتى المخصوص الصالح للزرع، فلما كان دالا على حقيقته ومجازه لا جرم كان كناية، فهذا ملخص كلامه مع حذف كثير من فضلاته وهو فاسد لأوجه ثلاثة، أما أولا فلأن ظاهر كلامه «معنى» يجوز حمله على جانبى الحقيقة والمجاز، يدل على أن المحمول معنى واحد على جهة الحقيقة والمجاز، وهذا خطأ فإن المعنى الواحد لا يجوز أن يكون حقيقة ومجازا لاجتماع النفى والإثبات فيه لأنه يصير حقيقة، ليس حقيقة وهو باطل، بل الحق فى الكناية أنهما معنيان، أحدهما حقيقة، والآخر مجاز، وظاهر كلامه أنه معنى واحد، لأن قولنا فلان كثير رماد القدر، هو بأصله دال على كثرة الرماد، وبمجازه على كرم الموصوف لكثرة ضيفانه، فقد أساء فى هذا الإطلاق، وأما ثانيا فلأن ما ذكره يبطل بالاستعارة فى مثل قولنا فلان أسد وبحر، فإن قولنا: أسد كما يدل بحقيقته على السبع، فهو دال بمجازه على الشجاعة، فيجب دخوله فى حد الكناية، وأما ثالثا فلأن قوله «بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز» يدخل فيه التشبيه؛ فإنه لابد من اعتبار أمر جامع، بخلاف الكناية، فإنها لا تفتقر إلى ذكر الجامع، فاعتبار قيد الوصف الجامع يدخلها فى التشبيه ويخرجها عن حقيقتها، فهذا ما يرد على حد ابن الأثير فى الكناية، ولقد طول فيه أنفاسه، وزعم أن أحدا لم يسبقه إلى هذه المقالة، ومن العجب أنه قد عاب على من ذكر فى حد الكناية ذكر الجامع كما حكاه عن بعض علماء البيان، وأبطله بالتشبيه، ومع ذلك فإنه قد اعتبره فى حده، وهذه مناقضة على القرب، ولم يدر أن العلم بصناعة الحدود بمعزل عن علم الكتابة، فهو (ممن حفظ شيئا وغابت عنه أشياء) فإذا عرفت فساد هذه الحدود بما لخصناه، فالمختار عندنا فى بيان ماهية الكناية أن يقال: هى اللفظ الدال على معنيين مختلفين، حقيقة ومجاز من غير واسطة، لا على جهة التصريح، ولنفسر مرادنا بهذه القيود، فقولنا اللفظ الدال يحترز به عن التعريض، فإنه ليس مدلولا عليه بلفظ، وإنما هو مفهوم من جهة الإشارة والفحوى كما سنقرر ماهيته من بعدها بمعونة الله تعالى، والتفرقة بينه وبين الكناية وقولنا على معنيين، يحترز به عما يدل على معنى واحد، فإنه
(1/189)

ليس كناية، ويدخل فيه اللفظ المتواطىء، كرجل، وفرس، واللفظ المشترك كقولنا قرء، وشفق، فإنهما دالان على معنيين، وقولنا مختلفين، يخرج عنه المتواطىء، فإن دلالته على أمور متماثلة، وقولنا حقيقة ومجاز، يحترز به عن اللفظ المشترك، فإن دلالته على ما يدل عليه من المعانى على جهة الحقيقة لا غير، وقولنا من غير واسطة، يحترز به عن التشبيه، فإنه لا بد فيه من أداة التشبيه، 7 ما ظاهرة كقولك زيد كالأسد، وإما مضمرة، كقولك زيد البحر، وقولنا على جهة التصريح، يحترز به عن الاستعارة، فإن دلالتها على ما تدل عليه من جهة صريحها، إما من غير قرينة، كدلالة الأسد على الحيوان، وإما مع القرينة كدلالة الأسد على الشجاع، فكلاهما مفهوم من جهة التصريح، بخلاف الكناية فإن الجماع ليس صريحا من قوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
[البقرة: 223] وإنما هو مفهوم على جهة التبع كما دلت عليه بحقيقتها فهذا هو الحد الصالح لتقرير ماهية الكناية.
تنبيه
اعلم أن أكثر علماء البيان على عد الكناية من أنواع المجاز خلافا لابن الخطيب الرازى، فإنه أنكر كونها مجازا، وزعم أن الكناية عبارة عن أن تذكر لفظة وتفيد بمعناها معنى ثانيا هو المقصود، فإذا كنت تفيد المقصود بمعنى اللفظ، وجب أن يكون معناه معتبرا فيما نقلت اللفظة إليه عن موضوعها. فلا يكون مجازا، ومثاله على زعمه أنك إذا قلت فلان كثير رماد القدر، فإنك تريد أن تجعل حقيقة كثرة الرماد دليلا على كونه جوادا، فأنت قد استعملت هذه اللفظة فى الأصلى وغرضك فى إفادة كونه كثير الرماد معنى يلزم الأول، وهو الكرم، فإذا وجب فى الكناية اعتبار معناها الأصلى لم يكن مجازا أصلا. هذا ملخص كلامه فى كتابه نهاية الإيجاز، وهو فاسد لأمرين، أما أولا فلأن حقيقة المجاز، ما دل على معنى، خلاف ما دل عليه بأصل وضعه، فى قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[النساء: 43] فإن الحقيقة فى الملامسة هى مماسة الجسد للجسد، ودلالة المماسة على الجماع ليس بأصل الوضع، وهذه هى فائدة المجاز، وأما ثانيا فلأن الكناية قد دلت على معناها اللغوى الذى وضعت من أجله، فبعد ذلك لا يخلو حالها، إما أن تدل على معنى مخالف لما دلت عليه بالوضع أم لا، فإن لم تدل فلا معنى للكناية، وإن دلت عليه وجب القول بكونه مجازا، لما كان مخالفا لما دلت عليه بالوضع، والعجب من ابن الخطيب حيث أنكر كون الكناية مجازا،
(1/190)

واعترف بكون الاستعارة مجازا، وهما سيان فى أن كل واحد منهما دال على معنى يخالف ما دل عليه بأصل وضعه.
دقيقة
اعلم أن التفرقة بين الكناية والاستعارة ظاهرة، وذلك أنك إذا قلت جاءنى الأسد، ورأيت أسدا فهذا وما شاكله تجوّز بالاستعارة فأنت إذا أطلقته فالمراد به حقيقته وهو السبع فلا تحتاج فيه إلى قرينة، وإذ أردت به الشجاع فأنت تحتاج فيه إلى قرينة، فهما بالحقيقة وضعان، أحدهما مجاز، والآخر حقيقة، فمتى أفاد الحقيقة فإنه لا يفيد المجاز، ومتى أفاد المجاز فإنه لا يفيد الحقيقة، بخلاف الكناية، فإنها إذا أطلقت فالمعنيان أعنى الحقيقة والمجاز مفهومان معا عند إطلاقها، ومثالها قولنا: فلان كثير رماد القدر، فإنك قد استعملت هذه الألفاظ فى معانيها الأصلية، وغرضك فى إفادة كونه كثير رماد القدر إفادة معنى آخر يلزمه، وهو الكرم، وهكذا فى قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[النساء: 43] فإنك قد أفدت به موضوعه اللغوى بالأصالة، لكنه قصد به معنى آخر وهو الجماع، فهما مفهومان عند الإطلاق لكن أحدهما حقيقة والآخر مجاز كما قررنا، فقد وضح الفرق بينهما بما أشرنا إليه، نعم هذا هو الذى غر ابن الخطيب حتى أبطل كون الكناية مجازا، فإنه لما كان معناها اللغوى مفهوما عند استعمال كونها مجازا فى غيره، أبطل مجازها، وظن أن كون معناها اللغوى مفهوما عند استعمالها فى مجازها يزيل كونها مستعملة فى المجاز، وليس الأمر كما زعمه، بل هما مفهومان معا. فأما ابن الأثير، فهو وإن قال إن الكناية من باب الاستعارة، لكنه أحسن حالا من ابن الخطيب، فإنه بقوله هذا لم يخرجها عن حد المجاز وحكمه، لأن الاستعارة من باب المجاز، فكما أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، فهكذا حال الكناية، فإنها لا تكون إلا حيث يكون ذكر المكنى عنه مطويا فيه، فإذن حاصل الكلام فى الكناية، أن يتجاذبها أصلان، ثم ذانك الأصلان يستحيل فيهما أن يكونا حقيقتين، لأن ذلك هو اللفظ المشترك، وباطل أن يكونا مجازين، لأن المجاز فرع على الحقيقة كما مر بيانه، وإذا كان فرعا على حقيقة نقل عنها، فإنها لا تنزل إلا على تلك الصورة المنقولة بعينها من غير زيادة، فكما أن المجاز نفسه لا يكون له حقيقتان، فهكذا حال المجازين لا يصدران عن حقيقة واحدة، فإذا بطل هذان القسمان لم
(1/191)

يبق إلا أنه يتجاذبهما حقيقة ومجاز، وهذا هو مطلوبنا، ولا قسم ههنا رابع فنورده ونتكلم عليه. هذا ملخص كلام ابن الأثير فيما زعمه، والحق الذى لا غبار على وجهه، أن الكناية مخالفة للاستعارة، وإن كانتا معدودتين من أودية المجاز، والتفرقة بينهما تقع من أوجه ثلاثة، أولها من جهة العموم، والخصوص، فإن الاستعارة عامة، والكناية خاصة، ولهذا فإن كل استعارة فهى كناية، وليس كل كناية استعارة. وثانيها أن الكناية يتجاذبها أصلان، حقيقة ومجاز، وتكون دالة عليهما معا عند الإطلاق. بخلاف الاستعارة، فإن لفظ الأسد يستعمل فى السبع فيكون دالا عليه، ثم يستعمل فى الشجاع فيكون دالا عليه، فأما الكناية فهى دالة على الحقيقة والمجاز جميعا عند الإطلاق، وثالثها هو أن لفظ الاستعارة صريح، ودلالتها على ما تدل عليه من الحقيقة والمجاز على جهة التصريح، بخلاف الكناية، فإن دلالتها على معناها المجازى ليس من جهة التصريح، بل من جهة الكناية، فقد افترقا من هذه الأوجه كما ترى، فوجب القضاء بكون حقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الأخرى، لا يقال فعلى أى وجه يكون التعويل فى اشتقاق اسم الكناية، هل يكون من الستر، أو يكون اشتقاقها من الكنية؟ لأنا نقول: الأمران محتملان فيها.
وبيانه، أما اشتقاقها من الستر فهو ظاهر، لأن المجاز مستور بالحقيقة حتى يظهر بالقرينة، فالحقيقة ظاهرة والمجاز خفى، وأما اشتقاقها من الكنية فهو ممكن أيضا، لأن الرجل إذا كان اسمه محمدا، فهو كالحقيقة فى حقه، لأنه هو الموضوع بإزائه أولا، وأما قولنا: أبو عبد الله، فإنه أمر طارىء بعد جرى محمد عليه، لأنه كأنهم لا يطلقونه عليه إلا بعد أن صار له ابن يقال له عبد الله حقيقة، أو تفاؤلا، فلهذا قلنا بأنه كنية، لما كان موضحا للاسم وكاشفا عنه فهما كما ترى صالحان للاشتقاق.
الفصل الثانى فى بيان ماهية [التعريض] ، وذكر التفرقة بينه وبين الكناية
، أما حقيقة التعريف فله مجريان.
المجرى الأول، لغوى
، والتعريض خلاف التصريح، يقال: عرضت لفلان أو بفلان إذا قلت قولا وأنت تعنيه، ومنه المعاريض فى الكلام، وفى أمثالهم «إن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب» أرادوا أن المعاريض فيها سعة عن قصد الكذب وتعمده، واشتقاقه من قولهم عرض له كذا، إذا عنّ، لأن الواحد منا قد يعرض له أمر خلاف التصريح فيؤثره ويقصده.
المجرى الثانى فى مصطلح علماء البيان
وله تعريفان.
(1/192)

التعريف الأول ذكره ابن الأثير،
وحاصل ما قاله: أنه اللفظ الدال على الشىء من طريق المفهوم، لا بالوضع الحقيقى، ولا المجازى. فقوله اللفظ الدال على الشىء، عام فى جميع ما يدل عليه اللفظ من جهة النص والظاهر والحقيقة والمجاز، وقوله من طريق المفهوم، يخرج جميع ما ذكرناه، فإن دلالتها من جهة اللفظ، لا من جهة مفهومها، وقوله لا بالوضع الحقيقى ولا المجازى، تفصيل لما تقدم وبيان له وإيضاح، وليس يحترز به عن شىء آخر، ولو حذفه لجاز، هذا ملخص كلامه مع فضل بيان منا له فى القيود، ولم يذكره فى كتابه. وهذا التعريف فاسد لأمرين، أما أولا فلأن المفهوم منقسم إلى ما يكون مفهوم الموافقة، وإلى مفهوم المخالفة، فأما مفهوم الموافقة، فهو كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تضحوا بالعوراء» «1» فإنه يدخل فيه العمياء «ولا تضحوا بالعرجاء» فإنه يدخل فيه مقطوعة الرجلين من جهة مفهومه، وأما مفهوم المخالفة فكقوله عليه السلام: «لا تبيعوا الطعام بالطعام، إلا مثلا بمثل» فما لا يكون مطعوما لا يجرى فيه الربا على زعم الشافعى، فدل على أن ما عدا المطعوم بخلافه، وكل واحد من هذين المفهومين مأخوذ من جهة اللغة، ودالة عليها الألفاظ، والتعريض ليس مفهوما من جهة اللفظ كما قرر عليه كلامه، فهذه مناقضة ظاهرة، لأن قوله من طريق المفهوم، يدل على كونه لغويا، وتصريحه بأن التعريض يفهم من قصد المتكلم لا من طريق اللفظ، ينقض ذلك، وأما ثانيا فلأن قوله: «لا بالوضع الحقيقى ولا المجازى» ففضلة لا يحتاج إليها، لأن ما قبله من القيود قد أغنى عنه، ومن حق ما يكون حدا أن لا يكون فضلة، فإن زعم زاعم وقال: إن ابن الأثير غرضه بقوله هو اللفظ الدال على الشىء من طريق المفهوم، ليخرج به النص والظاهر، فإن دلالتهما من جهة المنطوق، لا من جهة المفهوم. وقوله: «لا بالوضع الحقيقى ولا بالوضع المجازى» ليخرج منه الاستعارة، فإن دلالتها من جهة المجاز على مدلولها، ويخرج منه الكناية، فإن دلالتها على ما تدل عليه من طريق الحقيقة والمجاز جميعا، بخلاف التعريض فإنه خارج عن هذه الدلالات الحقيقية والمجازية جميعا، فجوابه هو أن دلالة التعريض إنما هى من جهة القرينة، وليست من جهة المفهوم كما زعمه ابن الأثير، لأن دلالة المفهوم لغوية، ولا هى حاصلة من جهة المنظوم
(1/193)

لا بالحقيقة ولا بالمجاز، فإذن لا معنى لكلامه. والذى غره من هذا ما قرع سمعه وخرق قرطاس عقله من لقب المفهوم فى لسان الأصوليين، فظن لخفة وطأته فى المباحث الأصولية أن دلالة المفهوم من جهة القرينة، وليس الأمر كما ظنه، وإنما دلالة المفهوم لغوية، مخالفة كانت أو موافقة، والتعريض بمعزل عن ذلك لما أوضحناه.
التعريف الثانى
أن يقال فيه: هو المعنى الحاصل عند اللفظ لا به، فقولنا: «الحاصل عند اللفظ» عام يدخل تحته لفظ الحقيقة، وما يندرج تحتها من النص والظاهر، ولفظ المجاز، وما يندرج تحته من الاستعارة والكناية، وقوله: «لا به» يخرج منه جميع ما ذكرناه، لأن الحقيقة وما يندرج تحتها، والمجاز وما يندرج تحته، كلها مستوية فى دلالة اللفظ عليها، وأنها حاصلة عند اللفظ، ويدخل تحته التعريض فإنه حاصل بغير اللفظ، وهو القرينة كما مر بيانه، وإن شئت قلت فى حده: هو المعنى المدلول عليه بالقرينة دون اللفظ، لأن التعريض إنما حصل معقوله بالقرينة دون دلالة اللفظ، فينحل من مجموع ما ذكرناه أن دلالة اللفظ على ما يدل عليه من المعانى على ثلاث مراتب.
(المرتبة الأولى) أن يكون ذلك حاصلا من جهة ملفوظه، وما هذا حاله يندرج تحته النصوص والظواهر، والألفاظ المؤولة، والحقائق المشتركة، وغير ذلك من الحقائق اللفظية.
(المرتبة الثانية) أن يكون ذلك المعنى حاصلا من جهة المفهوم، ثم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، وإلى مفهوم المخالفة، فما وافق اللفظ فى دلالته على ما يدل، فهو الموافق، وهذا كقول صاحب الشريعة صلوات الله عليه «إذا وقع الحيوان فى السمن أريق المائع وقوّر ما حوالى الجامد» فإن العسل وسائر المائعات مثله، وما خالف اللفظ فى دلالته فهو المخالف كقوله عليه السلام «فى سائمة الغنم زكاة» فمفهومه أن لا زكاة فى المعلوفة.
والمفهوم على درجات مختلفة وأحوال متفاوتة فى الجلاء والظهور، والخفاء، قد استوفينا ذكرها فى الكتب الأصولية.
(1/194)

(المرتبة الثالثة) ما كان من معقول اللفظ، ويندرج تحت هذا جميع الاستنباطات الفقهية التى أخذت من غير ظاهر اللفظ، فإذا حرم الخمر بنص فإنا نحرم غيرها بجامع الشدة والسكر، بمعقول اللفظ ودلالته عند ورود التعبد بالقياس، فهذه دلائل الألفاظ، فأما التعريض فليس يفهم من جهة اللفظ، ولكنه مدلول عليه بالقرينة، خلافا لما زعمه ابن الأثير، من كونه مفهوما من طريق المفهوم كما قررناه، ولنذكر له مثالين.
المثال الأول: للتعريض فى خطبة النكاح، كما أشار إليه تعالى فى قوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ
[البقرة: 235] وهذا كقول الزوج: إنك لمرغوب فيك، لأحوالك الجميلة، وإنى لمحتاج إلى ما آنس به، فهذا وأمثاله مما لا يدل على النكاح بحقيقته، ولا بمجازه، ولا من جهة ظاهره، ولا من جهة مفهومه، وإنما هو حاصل من جهة القرينة وأحوال الشمائل والشيم.
المثال الثانى: قولك لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: والله إنى لفقير، وإنى لمحتاج وما فى يدى شىء، وإنى عريان، والبرد قد آذانى. فهذا وأمثاله تعريض بالطلب، وليس دلالته على الطلب لا من جهة حقيقته، ولا من جهة مجازه، كما أشرنا إليه، ومن ثم قيل له تعريض، لما كان المعنى منه مفهوما من عرضه، أى جانبه، وعرض كل شىء جانبه، وهو كثير الدور فى الكلام، وله مدخل فى البلاغة. وموقع عظيم،
فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر أمثلة التعريض، ثم نردفه بذكر التفرقة بينه وبين الكناية فهذان مقصدان نوضحهما بعون الله تعالى.
المقصد الأول فى بيان أمثلته
اعلم أن كثيرا من علماء البيان لا يميزون بين التعريض والكناية فى الماهية، وقد ميزنا كل واحد منهما بحده، وكثيرا ما يخلطون أمثلة هذا بهذا وهما مفترقان كما أشرنا إليه، ونقتصر من الأمثلة على ضروب خمسة.
(1/195)

الضرب الأول منها ما ورد فى القرآن
وهذا كقوله تعالى فى قصة إبراهيم: قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
[الأنبياء: 62، 63] فإنما أورد إبراهيم صلوات الله عليه هذا الكلام على جهة التهكم والاستهزاء والسخرية بعقولهم، وذلك يكون من وجهين، أحدهما أنه لم يرد نسبة الفعل إلى كبير الأصنام، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على رمز خفى، ومسلك تعريض، يبلغ به إلزام الحجة لهم، والتسفيه لحلومهم، كأنه يقال يا ضعفاء العقول ويا جهال البرية، كيف تعبدون ما لا يجيب إن سئل، ولا ينطق إن كلم وتجعلونه شريكا لمن له الخلق والأمر، فوضع قوله: فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (63)
موضع هذا، ونظير هذا لو أحضر عدلّى وجبرىّ للمناظرة، فلما تقابلا للإفحام قام العدلى فلطم الجبرى لطمة شديدة، فقيل للعدلى من فعل هذا، فله أن يقول فعله الله فوضع قوله: فعله الله، موضع إلزام الحجة وقطع الخصومة للجبرى، فهكذا قول إبراهيم عليه السلام: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
. وثانيهما أن يقال: إن كبير الأصنام غضب لما عبد معه غيره من هذه الأصنام الصغار، فكسرها على جهة التخيل والتمثيل، وغرض إبراهيم بذلك أن يعرض بهم فى كونهم قد أشركوا فى العبادة من هو دون الله، وأن من دونه مخلوق حقير من مخلوقاته، فوضع هذا الكلام لفاحش ما أتوا به وعظيم ما تلبسوا به من عبادة غير الله، ومن ذلك قوله تعالى: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (37)
[هود: 27] فهذه الآية كلها موضعها فى قصدهم واعتقادهم موضع التعريض بأنهم أحق بالنبوة، وأن نوحا لم يكن متميزا عليهم بحالة يجب لأجلها أن يكون نبيا من بينهم فقالوا:
لو أراد الله أن يجعل النبوة فى أحد من البشر، لكانوا أحق بها دونه. والتعريض فى القرآن وارد كثيرا بأحوال الكفرة فى التهكم والنقص وإسقاط المنزلة وحط القدر، ومواضعها دقيقة تستخرج بالفكر الصافى، والرسوخ فى قدم البلاغة.
(1/196)

الضرب الثانى ما ورد من السنة النبوية
، فمن ذلك أنه خرج يوما وهو محتضن لأحد الحسنين فقال لهما: «إنكما لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بوجّ» فهذا الكلام وأمثاله أورده على جهة التعريض لغيره، وأقامه مقامه. فوضع قوله: «إنكما من ريحان الله» موضع الرحمة بهما والشفقة والحنو والعطف عليهما، وإعظام المنزلة عنده لهما، فعرض به عن ذلك، ثم وضع قوله «وإن آخر وطأة وطئها الله بوج» ، موضع النعى لنفسه والتعزية لها بكونه قد قربت وفاته، ووجه التعريض، هو أن وجا موضع بالطائف، وأراد به غزاة حنين، لأنها آخر غزوة وقع فيها القتال مع المشركين، فأما غزوة تبوك، والطائف، اللتان كانتا بعدها فلم يكن فيهما قتال، وإنما كان خروج من غير ملاقاة للحرب، فكل هذا الكلام تعريض بقرب وفاته وتأسف على مفارقة أولاده، لأن غزوة حنين كانت فى شوال سنة ثمان، ووفاته كانت فى ربيع الأول من سنة إحدى عشرة فكأنه قال: إنكما لمن رزق الله الذى يستراح به، وتقر به النفس، وإنى مفارقكم عن قريب، فانظر إلى هذا التعريض، ما أحسن مغزاه وأدق فى البلاغة مجراه، وكم فى السنة النبوية من هذه اللطائف العجيبة، والأسرار الدقيقة والرموز الخفية.
الضرب الثالث كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه
، قال فى كلام يخاطب به زياد ابن أبيه، وكان عاملا لعامله عبد الله بن عباس على فارس وكرمان، وكور الأهواز: «وإنى أقسم بالله قسما صادقا لئن بلغنى أنك خنت من فىء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لأشدن عليك شدة، تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر، والسلام» . فهذا كما يحتمل أن يكون على ظاهره فإنه يحتمل أيضا أن يكون قد أخرجه مخرج التعريض فيما كان منه من الانتساب إلى أبى سفيان وتهديدا له على ذلك، فأوقعه موقعه، وقوله عليه السلام: «أيها الناس سلونى قبل أن تفقدونى فلأنا بطرق السماء أعلم منى بطرق الأرض قبل أن نشغر برجلها فتنة تطأ فى خطامها، وتذهب بأحلام قومها» فكما يمكن حمل هذا على ظاهره وهو السابق إلى الأفهام منه، يمكن أيضا أن يكون أورده مورد التعريض تهكما بأصحابه، وانتقاصا
(1/197)

لقدرهم، لعدم علمهم بقدره وجهلهم بحاله وأمره، فرمز بهذه المقالة إلى ذلك، ومن لحظ كلامه بعين الإنصاف، وأصغى سمعه لقبول الحق ودان بالاعتراف، عرف أن كلامه فى البلاغة شمس لا يشاركه غيره فى الشعاع وأنه فى الفصاحة فلك لا يدانيه غيره فى الارتفاع.
الضرب الرابع ما ورد فى كلام البلغاء من التعريض
، حكى ابن الأثير فى كتابه أن مروان بن الحكم كان واليا على المدينة من قبل معاوية، فعزله، فلما قدم عليه قال: عزلتك لثلاث، لو لم تكن إلا واحدة لأوجبت عزلك، إحداهن أنى أمرتك على عبد الله بن عامر، وبينكما ما بينكما، فلم تستطع أن تشتفى منه، والثانية منهن كراهتك أمر زياد، والثالثة أن ابنتى «رملة» استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان، فلم تعدها، فقال له مروان: أما عبد الله ابن عامر، فإنى لا أنتصر عليه فى سلطانى، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه، وأما كراهتى أمر زياد، فإن سائر بنى أمية كرهوه، وأما استعداء «رملة» على عمرو بن عثمان، فو الله إنه ليأتى على سنة وعندى بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا، يريد أن «رملة» بنت معاوية، إنما استعدت لطلب الجماع، فقال معاوية: يابن الوزغ، لست هناك، فقال له مروان هو ذاك. وهذا من التعريضات اللطيفة الآخذه من حسن الملاطفة بحظ وافر، وألطف منها وأدخل فى الرشاقة ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وذلك أنه كان يوم الجمعة، فدخل عثمان بن عفان، فقال له عمر: أى ساعة هذه فقال له عثمان:
يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت، فقال عمر:
والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يأمر بالغسل. فقوله أى ساعة هذه، تعريض بالإنكار عليه، لتأخره عن الحضور للصلاة، وترك السبق إليها، وإنها من حسن الأدب والإنصاف لفى أحسن موقع. ومن التعريض اللطيف ما روى عن امرأة أنها وقفت على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلة الفأر فى بيتى، فقال: ما أحسن ما وردت عن حاجتها، املأوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما. ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك بن مروان، فقالت له: يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتى على العصى. فقال لها ألطفت فى السؤال، لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا وأنا شديد العجب
(1/198)

والاستغراب من ابن الأثير، حيث أورد فى كتابه المثل طرفا وعجائب وحكايات فى المنظوم والمنثور عن أهل البلاغة، وحكى عن نفسه ما كان منه من التقليدات والكتب، والرسائل والتهانى والتعازى حتى ملأ كتابه مما كان منه من ذلك، وأعجب بحاله وأمره فيما هنالك غاية الإعجاب، وما درى أن الإعجاب ضد الصواب، وأغفل على كثرة ما نقل كلام أمير المؤمنين فى الخطب والرسائل، والكتب الوجيزة، ومعانى التوحيد التى أشار إليها، ودقائق البلاغة، وأسرار الحكم فى طويل الكلام وقصيره، مع أنه لا غاية فى البلاغة إلا وقد بلغها، ولا نهاية إلا وقد تجاوزها، ولقد كان الاقتصار على كلام أمير المؤمنين فيه شفاء كل علة، وبلال كل غلة، وما أحقه بكلام أبى الطيب المتنبى:
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
الضرب الخامس فيما ورد من التعريضات الشعرية
فمن ذلك ما قاله الشميذر الحارثى:
بنى عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا
فليس قصده مما قال الأبيات الشعرية، ولكنه قصد تعريفهم بما كان جرى فى ذلك الموضع من الظهور عليهم والقتل لأشرافهم، فذكر الشعر، وجعله تعريضا، أى لا تفخروا بعد تلك الوقعة، ومن ذلك ما قاله امرؤ القيس:
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أىّ إذلال
فهذا جعله للتعريض عن الجماع، وقد عده بعض علماء البيان كالفاغى والعسكرى، من الكناية، وهو محتمل لهما جميعا، ولأجل تقاربهما تكاد أن تختلط أمثلة أحدهما بالآخر كما سنذكر التفرقة بينهما بمعونة الله تعالى، ومن التعريض الرائق ما قاله نصر بن سيار فى شحذ عزائم بنى أمية بإدراك الثأر، والانتقام لمن أرادهم:
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام
أقول من التعجب ليت شعرى ... أأيقاظ أمية أم نيام
فإن هبوا فذاك بقاء ملك ... وإن رقدوا فإنى لا ألام
(1/199)

وقد يرد التعريض من غير الألفاظ العربية كالتوراة، والإنجيل، والسريانية، والفرسيّة، وذلك لكثرة الحاجة إليه، وأعجب ما سمعته من ذلك، أن رجلا من خواص كسرى قيل له إن الملك يختلف إلى امرأتك، فهجرها من أجل ذلك، وترك فراشها، فأخبرت كسرى، فدعاه، وقال له، قد بلغنى أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها، فقال له: أيها الملك بلغنى أن الأسد يردها، فخفته، فاستحسن كسرى منه كلامه، وأسنى عطيته.
المقصد الثانى فى بيان التفرقة بين التعريض والكناية
ويشتمل على تنبيهات ثلاثة:
التنبيه الأول فى أن التعريض ليس معدودا من باب المجاز
وبيانه هو أن المجاز ما دل على خلاف ما وضع له فى الأصل، والتعريض ليس حاله هكذا، فإنه دال على ما كان دالا عليه فى الأصل، خلا أنه أفاد معنى آخر بالقرينة، ومثاله قوله تعالى:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
[المؤمنون: 115] فهذا استفهام ورد على جهة الإنكار، وهو مجاز فيه، وهو دال على ما وضع له، لكنه تعريض بالكفار فى إنكار الرجعة، والمعاد الأخروى، وليس دالا عليه من جهة مجازه، ولا من جهة حقيقته، وإنما هو مفهوم من جهة القرينة، كما قررناه من قبل. ومن غريب ما جاء فى التعريض قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه: «إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، وإن أكرم الموت القتل، والذى نفس ابن أبى طالب بيده، لضربة ألف سيف أهون على من ميتة على الفراش» فهذا كلامه، قاله على جهة التعريض لأصحابه فى تأخرهم عن الجهاد ونكوصهم عن قتال عدوهم، ثم قوله أيضا يخاطب به أصحابه: «أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرؤوا القرآن فأحكموه، وهيجوا للجهاد فولهوا وله اللقاح لأولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا، وصفا صفا، بعضهم هلك، وبعضهم نجا» إلى آخر كلامه. فهذا كلام أخرجه مخرج التعريض بأصحابه، حيث لم ينقادوا لأمره، ولا استمعوا قوله.
(1/200)

التنبيه الثانى فى بيان موقعه
واعلم أن موقعه إنما يكون فى الجمل المترادفة، والألفاظ المركبة، ولا يرد فى الكلم المفردة بحال، والسر فى ذلك هو أن دلالته على ما يدل عليه لم يكن من جهة الحقيقة، ولا من جهة المجاز، فيجوز وروده فى الألفاظ المفردة والمركبة كما جاز فى الحقائق، وكما جاز فى المجازات ورودهما معا كالاستعارة، والتشبيه المضمر الأداة، والكناية، فإنها واردة فى الأمرين جميعا، كما لخصناه من قبل، وإنما دلالته كانت من جهة القرينة، والتلويح والإشارة، وهذا لا يستقل به اللفظ المفرد، ولكنه إنما ينشأ من جهة التركيب، فلأجل هذا كان مختصا بالوقوع منه، لا يقال فإذا كان التعريض ليس مدلولا عليه باللفظ، لا مجازا ولا حقيقة، فأى مانع من اشتغالهم به فى الكلم المفردة، كما كان فى المركبة، فأى تفرقة بينهما فى ذلك، لأنا نقول: هذا مردود من وجهين، أما أولا فلأن أمر الوضع موكول إلى اختيارهم، وموقوف على ما فهمناه من تصرفاتهم، فلأمر ما قصروه على المركب لا غير، وأما ثانيا فلعل اللفظ المركب أدل على المقصود، وأوضح للمراد، ولا حرج عليهم فى قصره عليه.
التنبيه الثالث فى بيان التفرقة بينه وبين الكناية
ويظهر ذلك من أوجه ثلاثة، أولها أن الكناية واقعة فى المجاز، ومعدودة منه، بخلاف التعريض، فلا يعد منه، وذلك من أجل كون التعريض مفهوما من جهة القرينة، فلا تعلق له باللفظ، لا من جهة حقيقته، ولا من جهة مجازه، وثانيها هو أن الكناية كما تقع فى المفرد، فقد تكون واقعة فى المركب، بخلاف التعريض، فإنه لا موقع له فى باب اللفظ المفرد كما مر بيانه، وثالثها أن التعريض أخفى من الكناية، لأن دلالة الكناية مدلول عليها من جهة اللفظ بطريق المجاز، بخلاف التعريض، فإنما دلالته من جهة القرينة.
والإشارة، ولا شك أن كل ما كان اللفظ يدل عليه، فهو أوضح مما يدل عليه اللفظ، وإن
(1/201)

علم بدلالة أخرى، ومن أجل هذا فرق علماء الشريعة بين صريح القذف وكنايته، وتعريضه، فأوجبوا فى الصريح من القذف الحد مطلقا فى قولك: يا زانى، وأوجبوا فى كنايته الحد إذا نوى به فى مثل قولك: يا فاعلا بأمه، ويا مفعولا به، ولم يوجبوا فى التعريض الحد فى مثل قولك. يا ولد الحلال، وما ذاك إلا لأجل أن الصريح والكناية، يدلان على القذف من جهة اللفظ، إما بالحقيقة، أو بالمجاز، ويحكى عن الإمام الناصر أن رجلا قال لرجل بحضرته. يا ولد الحلال، فلم يحده، واعتذر بأنه لا حد فى التعريض، فصار التعريض وإن لم يكن معدودا من المجاز، لكنه أخص من الكناية، ولهذا فإن كل تعريض كناية، وليس كل كناية بتعريض، فهى أعم منه، والكناية بالإضافة إلى الاستعارة خاصة، ولهذا فإن كل كناية فهى استعارة، وليس كل استعارة تكون كناية، لما كانت أخص منها، فأما التشبيه المضمر الأداة والاستعارة التى لا يظهر فيها مقصود التشبيه، فهما نوعان لا يدخل أحدهما تحت الآخر، لكن التشبيه المضمر الأداة، يمكن اندراجه تحت التشبيه، لما كان التشبيه مقدرا فيه، ويمكن اندراجه تحت الاستعارة لما كان حرف التشبيه غير ظاهر فيه، فإذن حقيقته منحدرة إليهما كما ترى، وقد أسلفنا فيه قولا بالغا يطلع على السر والغاية ويفى بالمقصود وإحراز النهاية، ثم إنها مندرجة تحت المجاز، لأنها أنواعه وهو جنسها، فهذا ما أردنا ذكره فى التعريض، وهو الفصل الثانى.
الفصل الثالث فى بيان أمثلة الكناية، وذكر شواهدها
ولها شواهد وأمثلة من جهة الكتاب، والسنة، وكلام أمير المؤمنين، وكلام البلغاء، والكنايات الشعرية، فهذه أنواع خمسة.
(النوع الأول) فى بيان ما ورد من الكنايات القرآنية
فمن ذلك قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
[الحجرات: 12] فهذه الآية قد اشتملت على نكت سبع، كلها دالة على حسن المطابقة لمقصد الكناية التى وقعت من أجله، نفصلها بمعونة الله تعالى.
(1/202)

النكتة الأولى
قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ
إنما جعله محبوبا لما جبلت عليه النفوس، ومالت إليه الأهواء، من الإسراع إلى الغيبة والإصغاء إلى من يتحدث بها، مع ما فيها من الحظر، ووعيد الشرع، فلهذا صدرها بالمحبة، مشيرا إلى ما ذكرناه، ويؤيد ما ذكرناه أنه أتى فيها بلفظ المحبة، ولم تجىء بلفظ الإرادة، دالا بذلك على موقعها فى النفوس وتطلع الخواطر إليها، ولفظ الإرادة يعطى هذا المعنى، ولا يتمكن فى الأفئدة تمكن المحبة فلهذا آثره.
النكتة الثانية
قوله تعالى: أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
إنما جعل الغيبة بمنزلة أكل الإنسان لحم غيره، لما فى ذلك من شدة الملاءمة للمعنى، وعظم المناسبة فيه، وذلك أن الغيبة إنما تكون بذكر معايب الناس، وبيان مثالبهم وتمزيق أعراضهم، ولا شك أن تمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه، لأن أكل اللحم تقطيع له، وتمزيق لأوصاله، ومن وجه آخر، وهو أن الناس يولعون بالغيبة، ويشتد شوقهم إليها كما يولع الإنسان بأكل اللحم، ويعظم شوقه إليه، ولأجل هذا شبهه بأكل اللحم.
النكتة الثالثة
قوله تعالى: لَحْمَ أَخِيهِ
فأضافه إلى الأخ، وإنما جعله كلحم الأخ لأمرين، أما أولا فلأن التحريم إنما وقع فى غيبة المسلمين وأهل الديانة دون غيرهم، فلا حرمة له من كافر ولا فاسق، ولا شك أن المؤمنين إخوة بنص القرآن ولهذا أشار إليه بقوله: لَحْمَ أَخِيهِ
وأما ثانيا فلأن أكل الإنسان لحم الأجنبى يكون مستكرها خبيثا، فضلا عن كونه أخا له، فلا شك أن التحريم أوقع، والغيبة فيه أعظم من غيره، فلا جرم أورده على جهة المبالغة فى المعنى.
النكتة الرابعة
قوله تعالى: مَيْتاً
وإنما جعله مَيْتاً
لأمرين، أما أولا فلأن المغتاب غائبا بمنزلة الميت، فلا يشعر بما وقع فيه من النقص، ولا يستطيع الدفع لعدم شعوره، وأما ثانيا فلأن أكل اللحم إذا كان هزيلا ربما يستكره ويستخبث فى النفوس، فكيف به إذا كان ميتة، يكون لا محالة أدخل فى التقذير وأعظم فى الاستخباث.
(1/203)

النكتة الخامسة
قوله تعالى: فَكَرِهْتُمُوهُ
وإنما عقبه بالإخبار عما هذا حاله. فهو مكروه، لأن العقول مشيرة إلى ما اختص بخصلة من هذه الخصال. فهو فى غاية الكراهة، فضلا عما إذا كان جامعا لها يكون لا محالة أدخل فى الاستكراه، فلهذا أخبر عنه بكونه مكروها.
النكتة السادسة
أن الله تعالى صدر هذه الآية بالمحبة، وختمها بذكر الكراهة، وإنما فعل ذلك تنبيها على كونها محتوشة بطرفين نقيضين، متضادين، فلأجل تمكنها فى القلوب وميل الخواطر إلى ملابستها وفعلها، فهى محبوبة، ولأجل كونها بمنزلة أكل لحوم الإخوة الأموات مكروهة، فلا جرم صدرها وختمها بما ذكرناه تنبيها على المعنى الذى أشرنا إليه.
النكتة السابعة
تلتفت إلى مفردات ألفاظ الآية، وذلك أن الله تعالى آثر ألفاظها على ما يماثلها فى تأدية معناها، تعويلا على البلاغة وإعطاء لجانب الفصاحة ما يستحقه، فنزل هذه الآية على هذه الهيئة، ولم يقل فيها: أيريد رجل منكم أن يمضغ جلد مسلم غائبا فعفتموه، وما ذاك 7 لا لأن كل واحدة من ألفاظ الآية مختص بفضل بلاغة، ونوع فصاحة لا يكون مثله، كما أشرنا إليه، ومن ذلك قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
ثم قال: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ
إلى قوله: فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
[الرعد: 17] فهذه الآية لها تقريران:
التقرير الأول من جهة ظاهرها، وهو أن الله أخبر أنه أنزل المطر من السماء فسالت الأودية والشعاب بقدر ما أنزل فيها منه، من الكثرة والقلة، فاحتمل السيل لأجل ما اختص به من الحركة، والانحدار والجرى زبدا رابيا يعلو على ظهر الماء، ومما توقدون عليه فى النار، أى مما يحتاج إلى الإخلاص من هذه الأحجار المعدنية التى فى إخلاصها واجتماعها إلى النار ابتغاء حلية كالذهبيات والفضيات أو متاع، كالحديد، والرصاص، والنحاس، زبد مثله، يعنى أن هذه المعادن فى أصلها كالزبد، يشير إلى أن ابتداء خلقتها كذلك، إلا أنها صارت هكذا بالإخلاص، ليكون أدخل فى الحكمة، وأظهر فى كمال القدرة. «كذلك» أى مثل ما ذكرناه، من السيل والزبد، والإشارة بقوله «ذا» إلى المذكور
(1/204)

أولا. «يضرب الله الحق والباطل» يريد أن الحق مشابهته للسيل من جهة صفائه وركوده، وكثرة الانتفاع به، وأن الباطل يشبه الزبد، فى خفته وجفافه، وطيرانه، بهبوب الريح، وقلة الجدوى فيه، وقد أشار تعالى إلى ما ذكرناه من حالهما بقوله: «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض» فهذا ما تقتضيه الآية من جهة ظاهرها، وهو السابق إلى الأفهام، وأما قوله تعالى: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ
فهى جملة معترضة بين المثال، والممثول فى السيل، والزبد، للحق والباطل.
التقرير الثانى: من جهة الكناية، وهو أن يكون قد كنى بقوله «ماء» عن العلم، وبالأودية عن القلوب، وبالزبد عن الضلال، وهذه الآية قد ذكرها الشيخ أبو حامد الغزالى فى كتابه الذى لقبه بجواهر القرآن ودرره، وأشار فيها إلى أن فى القرآن إشارات وإيماءات لا تنكشف إلا بعد الموت فنقول: المعتمد فيما يقبل من التأويل، وما يعول عليه من ذلك، هو أن ما كان من المعانى محتملا لحقيقة اللفظ أو لمجازه، فهو مقبول يعول عليه، وما كان من التأويلات لا يحتمله اللفظ من جهة حقيقته، ولا مجازه فهو مردود على قائله، فهذا هو الأصل والقاعدة فيما ذكرناه، ولو ساغ تأويل القرآن على ما لا يحتمله اللفظ مجازا ولا حقيقة، لساغ للباطنية ما يزعمونه، من تأويل العصا بالحجة، والثعبان بالبرهان، فى قوله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[الأعراف: 107] والمراد بالأنهار العلم فى قوله تعالى: وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[محمد: 15] إلى غير ذلك من التأويلات المستهجنة، وهذا يفتح علينا بابا من علم التأويل ويحرك قطبا من مسائله استقصاؤها يخرجنا عن مقصد الكتاب، وقد ذكرنا منه طرفا أودعناه كتاب المشكاة فى الرد على الباطنية، فالتأويل فى الآية إن استعمل مجازا وإن بعد وكان غريبا قبلناه، وإن لم يكن مستعملا فى المجاز رددناه؛ حراسة للتنزيل عن التأويلات الركيكة، وصونا لمعانيه عن المحتملات الرديئة الفاسدة. فأما الشيخ أبو حامد الغزالى رحمه الله فإنه إن أتى بغريب من التأويل وبعيده فلأنه لا وطأة له فى علم البيان، وإخاله لم يتغلغل فى كنه أسراره، ولا خاض فى غمرات بحاره، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
[الأحزاب: 27] فظاهر الآية دال على أن الأرض هى العقارات، والديار هى المساكن، والأموال هى المنقولات، وقوله: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
يحتمل أن يكون كناية عن فروج النساء ونكاحهن، وهذا من جيد الكناية ونادرها، لمطابقتها لقوله تعالى: نِساؤُكُمْ
(1/205)

حَرْثٌ لَكُمْ
[البقرة: 223] والحرث إنما يكون فى الأرض، فلهذا ازدادت رشاقة وحسنا، فهذه الآيات كلها يجوز حملها على ما ذكرناه من الكنايات على جهة المجاز مع الوفاء بما تحتمله من ظاهرها على وجه الحقيقة، وقد قررنا فيما سبق أنه ليس فى المجازات ما يجوز حمله على حقيقته، ومجازه معا سوى الكناية فلا مطمع فى إعادته، وفى القرآن كنايات كثيرة أعرضنا عنها استكفاء بما ذكرناه، وتنبيها بالأقل منها على الأكثر.
النوع الثانى فيما ورد من الكنايات فى الأخبار النبوية
فمن ذلك ما روى أن رجلا يقال له «أنجشة» غلام أسود وكان فى بعض أسفاره، فحدا بالإبل فطربت لحسن حدائه فأسرعت فى سيرها وعليها النساء فقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم ويحك يا أنجشة، سوقك بالقوارير. فهذه كناية لطيفة، وإنما كنى عنهن «بالقوارير» لأمور ثلاثة، أما أولا فلما هن عليه من حفظ الأجنة، والوعاء كالقارورة تحفظ ما فيها، وأما ثانيا فلاختصاصهن بالصفاء والصقالة، والحسن والنضارة، وأما ثالثا فلما فيهن من الرقة والمسارعة إلى التغير والانثلام، كما يتسارع الانكسار إلى القارورة لرقتها، وهذا الوجه هو الذى يومىء إليه كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم حيث قال له. «رفقا بالقوارير» فى حديث غير هذا، ومن ذلك ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: كانت امرأة ممن كان من قبلنا، وكان لها ابن عم يحبها فراودها على نفسها فامتنعت منه، فأصابتها سنة مجدبة فجاءت إليه تسأله فراودها فمكنته من نفسها، فلما قعد منها مقعد الخائن قالت له: اتق الله ولا تفضض الخاتم إلا بحقه، فقام وتركها، وهذه كناية قد وقعت موقعها فى اللطافة والرقة، وكنت بالخاتم عن بكارتها، وأنها بمنزلة الشىء المختوم الذى لم ينكسر ختمه، ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم لما جاءه رجل يشهد له بالزنا على نفسه، فقال له. لعلك لا تعرف الزنا، فقال له. والله يا رسول الله لقد غيبت ميلى فى مكحلتها كما يغيب الرشاء فى البئر، فكنى بالميل عن الذكر، وبالمكحلة عن فرج المرأة، ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلم لخوّات بن جبير، وقد كان خوات كثيرا ما يرد على النساء فى مجامعهن فيقول: إن معى بعيرا شرودا فمن يفتل له منكن قيدا أقيده به، فكنى بالبعير عن ذكره، فقال له الرسول صلّى الله عليه وسلّم يوما وقد لقيه: ياخوات ما فعل بعيرك الشارد، فقال يا رسول الله قيده
(1/206)

الإسلام، وإنما كنى بالبعير عن الذكر، لأن اشتداد الغلمة وعظم الشبق بمنزلة صعوبة الإبل، وشدة معالجتها، وعزة مراسها، فلهذا قرره الرسول صلّى الله عليه وسلّم على تلك الكناية لما ذكرناه. ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم فى غزوة «بدر» حين رأى أهل مكة يصوبون من العقنقل يريدون لقاءه للحرب قال: «هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها يريدون أن يحادوا الله ورسوله» فكنى بقوله «أفلاذ كبدها» عن الرؤساء والأكابر، لأن الكبد من أعز أعضاء الإنسان، ويضاف إليها ضيق الإنسان وحزنه، وفرحه وغمه، وأفلاذها قطعها، فكنى بها عنهم. ومن ذلك ما يحكى عن بديل بن ورقاء الخزاعى وقد جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فى عام الحديبية، حين نزل على الركية فى نفر من قومه من تهامة، فقال:
أتى ركب كعب بن لؤى وعامر بن لؤى، نزلوا على مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقوله «العوذ المطافيل» جعلها كناية عن النساء والصبيان، والعوذ جمع عائذ، وهى الناقة التى قوى ولدها «والمطافيل» جمع مطفل، وهى الناقة التى معها ولدها لقرب عهدها بالنتاج، ويجوز حمل هذا على حقيقته، أى الأموال الكريمة التى تكون قواما لهم فى الحرب، وعونا لهم عليها، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له عمر: يا رسول الله هلكت، فقال: وما أهلكت؟ فقال حولت رحلى البارحة، فقال له الرسول صلّى الله عليه وسلّم أقبل وأدبر واتق الدبر، والحيضة. فكنى عمر بقوله «حولت رحلى» عن أنه أتى امرأته من جهة دبرها، فجعل تحويل الرحل كناية عن ذلك، لأن المرأة للرجل بمنزلة الناقة، يأتيها فى الركوب من أى جوانبها شاء، فهكذا حال المرأة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «إياكم وخضراء الدمن» وهذا تحذير، وكنى بقوله «خضراء الدمن» عن المرأة الحسناء فى المنبت السوء، وإنما كنى بذلك عنها، لما فيه من المناسبة لأمرين، أما أولا فلأن أول عشرتها يكون حسنا موافقا، ومن بعد ذلك تعود إلى الفساد والرداءة، كزرع المزابل، فإنه يعجب أولا ثم يذبل ويجف ويزول على القرب، وأما ثانيا فلأن غضارتها ورونقها قليلة، وعن قريب وقد صارت مقحلة ذات ذبول. ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلم لجابر حين سايره من مكة إلى المدينة، وقد سأله عمن نكح، هل بكرا أم ثيبا، فقال له «إذا قدمت فالكيس الكيس» كنى بالكيس عن حسن الشمائل فى الوقاع ولطيف المعاشرة عنده، والإقلال منه، ولنقتصر على هذا القدر من الكنايات ففيه كفاية وتنبيه بالأقل على الأكثر.
(1/207)

النوع الثالث فيما ورد من الكنايات عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه
اعلم أن الكنايات فى كلامه عليه السلام أكثر من أن تحصى، ولكنا نورد من ذلك نكتا لطيفة، فمن ذلك قوله عليه السلام فى ذم البصرة وأهلها: «كنتم جند المرأة، وأعوان البهيمة، رغا فأجبتم وعقر فهربتم» فأخرج هذا الكلام مخرج الكناية، فجعل قوله، كنتم جند المرأة، كناية عن خفة أديانهم وترك التصلب والوثاقة فيها، برياسة المرأة عليهم، ويشير إلى سقوط المروءة والشهامة، وقوله «وأعوان البهيمة» جعله كناية عن جهلهم وسخف حلومهم وفراغ قلوبهم، حيث انقادوا للجمل، وكانوا أتباعا له فساروا حيث سار، ووقفوا حيث وقف، وهذا فيه نهاية الانتقاص ونزول القدر وقوله «رغا فأجبتم» جعله كناية عن دعاء عائشة إلى حربه وتألبها عليه، وتشميرها فى قتاله، وقوله «وعقر فهربتم» جعله كناية عن الطيش والفشل، وكثرة الانزعاج. وهذه الكلمات فى الكناية كلها دالة على نهاية الذم لهم، والركة لأحوالهم، والتلبس بالخصال الدنيئة فى الدين والدنيا، وانسلاخهم عن الخصال الشريفة، والمراتب العلية، وهو بأسره حكاية عما كان بينه وبين عائشة وأهل البصرة، وطلحة، والزبير يوم الجمل، وصفة ما كان منهم ومنه فى ذلك. ومن ذلك قوله عليه السلام لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودعى إلى المبايعة فقال: «ما أجر ولقمة يغص بها آكلها» فجعل هذا كناية عن أمر الخلافة وأنها صعبة عسرة، لذتها حقيرة وأيامها قليلة، وأخطارها عظيمة، وأمورها صعبة، فجعل هذه الأشياء كناية عما ذكرناه، ثم قال: «فإن أقل تقولوا حرص على الملك، وإن أسكت تقولوا جزع من الموت» فهذا كلام، أخرجه مخرج الكناية عن كونه غير منقاد لما قالوه، ولا طيب النفس لما دعوه إليه، ومعناه، فإن أقل «نعم» وقع فى نفوسهم أن مساعدتى إنما كانت من أجل محبتى للدنيا، وشغفى بلذتها، وطمعا فى عاجلها، وإن أسكت، أى لا أجيبهم إلى ما قالوا، وقع فى نفوسهم أن سكوتى، وعدم انقيادى ما كان إلا من أجل جزعى من الموت، واقتحام موارده، ومقاساة الشدائد، وتحمل أعباء الخلافة والنهوض بأثقالها. ومن ذلك قوله عليه السلام فى الشقشقية «أما والله لقد تقمصها فلان» يكنى بذلك عن «أبى بكر» فى خلافته، «وإنه ليعلم أن محلى منها محل القطب من الرحا» كنى به عن استحقاقه للإمامة،
(1/208)

وأهليته لها، وسبقه إليها، لاستكمال خصالها فيه، «ينحدر عنى السيل، ولا ترقى إلى الطير» كنى بذلك عن علو شأنه، وارتفاع قدره، وعظم خطره عند الله «فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا» كنى بذلك عن إعراضه عن الإمامة، لأمور جرت وعوارض حضرت، فرأى أن الإعراض أحجى، وأسلم للدين وأرضى، والسدل هو إرخاء جانبى الرداء، وطى الكشح كناية عن القطع، يقال فلان طوى كشحه عنى، إذا قطعك، ويحتمل أن يريد بطى الكشح، أنه أضمر ما فى نفسه، وستره وكتمه، يقال طويت كشحى، عن الأمر، إذا أضمرته وسترته، وكلا الأمرين صالح هاهنا ثم قال «حتى مضى الأول لسبيله» كنى به عن أبى بكر «فأدلى بها إلى فلان بعده» كنى به عن عمر من تحمله للخلافة بعده «إلى أن قام ثالث القوم» كنى به عن عثمان وخلافته «وقام معه بنو أبيه» كنى به عن بنى معيط «يخضمون مال الله خضمة الإبل، نبتة الربيع» يكنى به عن أخذ الأموال من غير حقها، ووضعها فى غير أهلها، ولقد كان الأمر فيهم كما قال عليه السلام من الخضم والقضم، والتوسع فى الأموال. والترفه فيها. فهذه الخطبة مشتملة على توجع، واصطبار على ما كان منهم فى الإمامة، من الاختصاص والإيثار، ولم يصدر من جهته عليه السلام ما يكون قدحا فى أديانهم ولا حطا لمراتبهم، ولا نقصا لأقدارهم، وقد ذكرنا تقرير إمامته بالنصوص، وأوردنا ما يتعلق بحكم من خالفها فى الكتب العقلية، ومن ذلك قوله عليه السلام، فى من يتصدى للحكم وليس أهلا له: «فإن نزل به إحدى المهمات هيأ لها حشوا رثّا من رأيه، ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات، فى مثل نسج العنكبوت. لا يدرى، أصاب أم أخطأ» فهذا خارج مخرج الكناية عن جهله، وقلة البصيرة فيما يأتى ويذر، ثم قال: «جاهل خباط جهالات، عاش ركاب عشواءات» كنى به عن أنه لا يدرى، أين يضع قدمه، ولا أين منتهى قدره «لم يعض على العلم بضرس قاطع، يذرى الروايات إذراء الريح الهشيم» كنى به عن خفة الوطأة فى العلم، وعدم القوة على إحكام أصوله وفروعه، وهى كناية لطيفة لا يقوم لأحد بها لسان، ولا يطلع على محّ فصاحتها إنسان، ولا يعرف قدرها، ولا يستولى على سرها، ويعلم قدر جوهرها إلا الخواص من أهل هذه الصناعة وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
(1/209)

النوع الرابع ما ورد من الكنايات فى كلام البلغاء
فمن ذلك ما روى عن عمرو بن العاص أنه لما زوج ولده عبد الله بن عمرو بن العاص، امرأة فمكثت عنده ثلاث ليال، لم يدن منها، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته، فدخل عليه عمرو بعد ثلاث فقال لها: كيف ترين بعلك، فقالت: نعم البعل هو، إلا أنه لم يغش لنا كنفا، ولا قرب لنا مضجعا. فقولها «لم يغش لنا كنفا» من الكنايات الغريبة، والكنف هو الستر، والكنف الوعاء، وكلاهما محتمل ههنا، ومن أمثال العرب قولهم:
«إياك وعقيلة الملح» جعلوا هذا كناية عن المرأة الحسناء فى منبت السوء، فإن عقيلة الملح، هى اللؤلؤة تكون فى البحر، فهى حسنة، وموضعها ملح، ومن ذلك قولهم «ليس له جلد النمر، وجلد الأسد» إذا كثرت عداوته، وعظم حقده، واشتد غضبه، ولهذا قال أمير المؤمنين لابن عباس «وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم» يشير به إلى ما ذكرناه، ومن هذا قولهم «قلب له ظهر المجن» جعلوه كناية عن أن يبدو له خلاف ما كان يعهده منه، من الألفة والمودة، وقولهم «فلان ورمت أنفه علينا» إذا كان مغتاظا يظهر الحنق والغضب، ومن هذا قولهم «الآن حمى الوطيس» جعلوه كناية عن شدة الحرب والتحامها، أخذ لها من حر النار، والوطيس التنور، وقد قيل: «إن أول من تكلم بهذا المثل رسول صلّى الله عليه وسلّم فى حنين» لما رأى جلادهم بالسيف بعد الهزيمة للمسلمين، قال ذلك، فإن صح هذا كان الأحسن إيراده فى قسم كنايات الأخبار، ومن ذلك ما ورد عنهم من قولهم «التفت حلقتا البطان» وهذا مثل جعلوه كناية عند شدة الأمر، وازدحام العظائم فى الحروب وغيرها، ومن ذلك ما روى أن امرأة جاءت إلى عائشة رضى الله عنها، فقالت: أقيد جملى؟ فقالت لها عائشة «لا» وأرادت المرأة أنها تصنع بزوجها شيئا يمنعه عن غيرها، أى تربطه أن يأتى سواها، فظاهر هذا اللفظ يفيد تقييد الجمل، وباطنه أنها جعلته كناية عما ذكرناه، ومن هذا ما يحكى عن عبد الله بن سلام أنه أتاه رجل عليه ثوب معصفر فقال له: لو أن ثوبك
(1/210)

هذا فى تنور أهلك لكان خيرا لك، فذهب الرجل فألقاه فى التنور، فاحترق، ولم يرد عبد الله احتراقه وإنما أراد المجاز، وهو أنه لو باعه وصرف قيمته إلى دقيق يخبزه فى التنور أو حطب يلقيه فيها لكان خيرا له، وهذا الكلام حكاه ابن الأثير عن عبد الله بن سلام، وهو مأثور عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، بمعناه فى سنن أبى داود. ويمكن أن نقول: ما نقله عبد الله بن سلام هو من جهة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومن هذا قولهم «فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى» جعلوه كناية عمن يتحير فى أمره، فلا يدرى كيف يورده ويصدره، وقوله «مازال يفتل فى الذروة والغارب» يجعلونه كناية عمن يريد التلطف والاحتيال فى المساعدة إلى ما يقصده ويريده، وقولهم «فلان ينفخ فى غيره ضرم» جعلوه كناية عمن يفعل فعلا لا يجدى عليه بفائدة، ولا يعود عليه بنفع، لأن النفخ فى غير ضرم لا يورى نارا، ومن هذا قولهم «فلان يخط على الماء» يكون هذا كناية عمن يفعل فعلا يكون عدمه كوجوده بالإضافة إلى عدم الفائدة. لأن الخط على الماء يذهب فى أسرع شىء وأقربه، والكنايات كثيرة فى كلام العرب، وأمثالها، وفيما ذكرناه غنية وكفاية، وبالله التوفيق.
واعلم أن هذه الأمثلة التى أسلفناها من الكنايات من الكتاب، والسنة، وكلام أمير المؤمنين فى الكناية، فإنها واضحة فى الاستعارة وضوحا كليا، واحتمالها للكناية بعيد يحتاج إلى تكلف، والمقصود وهو معرفة الأمثلة وإيضاح المقصود بها، فإن هى صلحت حصل المقصود، وإن كانت غير صالحة للتمثيل طلب غيرها ولم يكن خللها يخل بالحقيقة المطلوبة.
النوع الخامس فيما ورد من الكنايات الشعرية
فمن ذلك قول أبى الطيب المتنبى فى مدح سيف الدولة:
وشر ما قنصته راحتى قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
فكنى بالبزاة عن سيف الدولة، وبالرخم عن غيره، وأنه يستوى فيه المال هو وغيره، ومن ذلك قول الأقيشر الأسدى:
(1/211)

ولقد أروح بمشرف ذى ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد
وكان عنّينا لا رغبة له فى النساء، وكان كثيرا ما يصف ذلك من نفسه، فهذان البيتان جعلهما كناية، فهما كما ترى دالان بحقيقتهما على شىء، وبمجازهما على غيره، وهذه هى فائدة الكناية. وحكى ابن الأثير أن سعيد بن عبد الرحمن وفد على هشام بن عبد الملك، وكان جميل الوجه، فراوده عبد الصمد على نفسه، فدخل على هشام مغضبا وهو يقول:
أما والله لولا أنت لم ... ينج منى سالما عبد الصمد
فقال هشام، ولم ذاك؟ فقال:
إنه قد رام منى خطة ... لم يرمها قبله منى أحد
فقال له هشام، وما هى؟ فقال:
رام جهلا بى وجهلا بأبى ... يدخل الأفعى إلى خيس الأسد
قال فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك، ومما أنشده ابن الأثير فى الكناية وقال من لطيفها وعجيبها لأبى نواس فى الهجاء:
إذا ما كنت جار أبى حسين ... فنم ويداك فى طرف السلاح
فإن له نساء سارقات ... إذا ما بتن أطراف الرماح
سرقن وقد نزلن عليه أيرى ... فلم أظفر به حتى الصباح
فجاء وقد تخدش جانباه ... يئن إلى من ألم الجراح
فجعل قوله «أطراف الرماح» كناية عن العضو المشار إليه، وهذه عبارة فى غاية اللطافة، والحسن والرشاقة، ومن جيد الكناية وبديعها ما قاله الفرزدق يرثى امرأته:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفى جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو ان المنايا أمهلته لياليا
وقد قيل: إنه ما كنى عن امرأة ماتت بأحسن من هذه الكناية، وإنها لجيدة فى معناها، فائقة فى مقصودها ومغزاها، ومما حسن موقعه فى الكناية قول الشريف الرضى:
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما فى ضمان المآزر
ومن ذلك ما قاله أبو تمام فى الاستعطاف:
(1/212)

ما لى رأيت ترابكم يبس الثرى ... ما لى أرى أطوادكم تتهدم
فجعل يبس الثرى، كناية عن تنكر ذات البين، يقال يبس الثرى بينى وبين فلان، إذا تنكر الود الذى بينك وبينه، وهكذا تهدم الأطواد فإنه كناية، إما عن موت الرؤساء، وإما عن خفة الحلوم وطيش العقول، ومن ذلك قول أبى نواس يكنى به عن امرأة:
تحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب
أتت بجرابها تكتال فيه ... فعادت وهى فارغة الجراب
فقوله: «أتت بجرابها تكتال فيه» من الكناية اللطيفة، ومن هذا قول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... فى قبة نصبت على ابن الحشرج
فأراد أن يقول: إن السماحة والمروءة والندى مجموعة فيه، أو مقصورة عليه، أو مختصة به، لكنه عدل إلى ما هو أرق من ذلك، وأدخل فى الإعجاب والمدح، فجعلها فى «قبة» وكنى به عن كونه فيها وأنه متمكن فى الندى، منسدل عليه كالقبة المضروبة على كل ما تحويه، ومن ذلك ما قاله بعض الأذكياء فى الكناية:
وما يك فى من عيب فإنى ... جبان الكلب مهزول الفصيل
فكنى عن كرم نفسه، وكثرة قراه للضيفان، بجبن الكلب، وهزال الفصيل، ولو صرح لقال: إن جنابى مأهول، وكلبى مؤدب، لا ينكر الضيف، ولا يهر فى وجوههم، وإنى أنحر النوق، فأدع فصالها هزلى، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم
وهكذا ورد قول أبى نواس:
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
فتوصل إلى إثبات الصفة للممدوح، بإثباتها فى مكانه، وإلى لزومها له، بلزومه الموضع الذى يحله. ومن هذا قول حسان بن ثابت:
بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيا الناس أن يتحولا
وقول البحترى:
ظللنا نعود المجد من وعكك الذى ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد
فكنى باعتلال عضو منه، عن اعتلال عضو من المجد، ومن هذا ما قاله البحترى أيضا:
(1/213)

أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... فى آل طلحة ثم لم يتحول
ومن هذا قول أبى تمام:
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد
وقول الآخر:
متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم
ومن الكناية قول بعضهم: يصف امرأة بالعفة:
يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت للملامة حلت
ومن غريب الكناية وبديعها ما قيل فى أبيات الحماسة:
أبت الروادف والثدى لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مع العشى تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا
فكنى عن كبر الأعجاز، ونهود الثدى، بارتفاع القميص عن أن يمس بطنا أو ظهرا، وهذا من عجيب الكناية وغريبها. ومن هذا ما قاله بعض الشعراء:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم
ومن هذا النوع ما قاله بعض المغاربة:
رشا يرنو بنرجسة ويعطو ... بسوسان ويبسم عن أقاح
يشير إلى قرطاه وتصغى ... خلاخله إلى نغم الوشاح
ومن غريب الكناية قول بعضهم فى أيام الأسبوع:
سبع رواحل ما ينخن من الونى ... سنم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدءوب يملها ... باق تعاقبها على الدهر
ومن لطيفها قول بعضهم فى حجر المحك:
ومدرع من صبغة الليل برده ... يفوق طورا بالنضار ويطلس
إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيى الورى وهو أخرس
ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على معانى الكناية، وقد نجز غرضنا من الفصل الثالث الذى جعلناه بيانا للأمثلة وحصرها، فأما ما كان من التلويح، والرمز، والإشارة، فكلها مندرجة تحت ما ذكرناه من حقيقة التعريض لاتفاقها فى الدلالة على مقصود واحد فلا جرم أغنى ذلك عن إفرادها بالذكر، وبالله التوفيق.
(1/214)

الفصل الرابع فى بيان أقسام الكناية وذكر طرف من أحكامها الخاصة
اعلم أن الشيخ عبد القاهر الجرجانى وغيره من أفاضل علماء البيان مطبقون على أن الكناية أبلغ من الإفصاح بذلك المعنى المكنى به عنه، وأعظم مبالغة فى ثبوته، والحجة على ما قلناه، هو أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بقولك فلان كثير رماد القدر، فإنك تكون مثبتا لكثرة القرى بإثبات شاهدها وأقمت برهانا على صحتها وثبوتها، وعلما على صحة وجودها، وذلك لا محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها فتكون بمنزلة دعوى مجردة عن البرهان، فأين حال دعوى مقررة بالدليل، عن حال دعوى لا يؤيدها برهان ولا تعليل، فإذا عرفت هذا فلنرجع إلى بيان الأقسام والأحكام، فهذان بحثان، نفصلهما بمعونة الله تعالى.
البحث الأول فى بيان أقسامها
وتنقسم باعتبارات كثيرة ولكنا نشير إلى ما يخص ما نحن فيه وهى ثلاثة:
التقسيم الأول باعتبار ذاتها إلى مفردة، ومركبة
، فأما [المفردة]
، فهى ما كانت الكناية حاصلة فى اللفظة الواحدة، وهذا كقوله تعالى إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
[ص: 23] فالمراد بالنعجة فى كلا الموضعين، المرأة، إنما كنى بالنعجة عن المرأة لما بينهما من الملائمة فى التذلل والضعف والرحمة وكثرة التآلف وكقوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[النساء: 43] فإنه كناية عن الجماع وحكى عن الفراء أنه قال: إن الجبال فى قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
[إبراهيم: 46] المراد منه أمر النبى صلّى الله عليه وسلّم، فجعل الجبال كناية عنه، وهذا إنما يحمل على هذا المعنى إذا كانت «إن» نافية، فيكون المعنى وما كان مكرهم ليزول به أمر النبى صلّى الله عليه وسلّم وما جاء به الحجج الواضحة، فأما إذا كانت «إن» على بابها فى التوكيد للجملة، فالجبال باقية على حقيقتها، ويكون المعنى فيه وإن كان مكرهم من عظمة أمره وفخامة شأنه فى الإنكار والتكذيب لتزول منه الجبال الرواسى على رسوخها، وقوة
(1/215)

أمرها فى الثبوت والاستقرار، فعلى هذين التأويلين وردت القراءتان فى نصب اللام، ورفعها، فالنصب يؤيد التأويل الأول، فتكون اللام مؤكدة للجحد، والرفع يؤيد التأويل الثانى، وتكون اللام فيها هى الفارقة بين المؤكدة، والنافية، وتكون القراءة بالرفع فى قوله «لتزول» دالة على التخييل، كأنها لعظم دخولها فى الإنكار واغراقها فيه. بمنزلة قلع الجبال، وإزاحة الصخور، ونظيره قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
[مريم: 90، 91] وهذا وارد على جهة الكثرة، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه لولده محمد بن الحنفية لما عقد له الراية فى معسكر: أعز الله حجتك وأيد فى الأرض قدكم، تزول الجبال الرواسى ولا تزول.
وأما [المركبة]
فأكثر ورود الكناية عليها، وهذا كقولك: الكرم فى برديه، والمجد بين ثوبيه، والعفاف فى عطفيه، وهذا كله فى المدح، فأما الكناية فى الذم فكقولهم «إنك لعريض الوساد» كما ورد فى الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه لما نزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
[البقرة: 187] جعل عدى بن حاتم خيطين فى يده، أحدهما أسود والآخر أبيض، علامة للفجر، فحكى ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخبره بما فعل، فقال له الرسول: «يا عدى. إنك لعريض الوساد» ، وهو كناية عن بله الإنسان، وقلة فطانته، ونقصان كياسته، وقولهم «فلان عريض القفا» يجعلونه كناية عن فهاهته وقلة ذكائه، ومنه قول أمير المؤمنين لبعض الناس «وإنه لمزهو فى عطفيه، مختال فى برديه، تفاق فى شراكيه» يشير بذلك إلى حمقه وخيلائه، فجعل ذلك كناية عنه.
نعم ورود الكناية إنما هو على جهة التشبيه عند التأمل والنظر، فإذا وردت على طريقة التركيب كانت أشد ملاءمة، وأعظم بلاغة، وإذا وردت على صورة الإفراد لم يكن لها تلك المزية التى حصلت للمركبة، ومثاله أنك إذا قلت فى الكناية المركبة، فلان نقى الثوب، وأردت إيراده على صورة المشابهة، فإنك تقول هو فى نزاهة العرض من العيوب كنزاهة الثوب من الأدناس، فإذا حصل على هذا التأليف اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة وظهر أمر الكناية، وإذا قلت فى الكناية المفردة، اللمس، فى الجماع لم تكن فى تلك الدرجة من المناسبة وقوة المشابهة كما ترى.
(1/216)

التقسيم الثانى باعتبار حالها إلى [قريبة وبعيدة] ،
ونعنى بالقريبة ما يكون الانتقال إلى المطلوب بأقرب اللوازم، ونريد بالبعيدة ما يكون الانتقال إلى مطلوبها من لازم أبعد منه، ومثال القريبة قوله «بعيدة مهوى القرط» فإنه كناية عن طول عنقها، وهذا حاصل على القرب من غير اعتبار واسطة ونحو قوله «أبت الروادف والثدى لقمصها» فإنه كناية عن كبر الأعجاز، ونهود الثدى، وهذا كله معدود فى واضح الكناية. وأما الخفى من القريب منها كقولك:
فلان عريض القفا، فإنه كناية عن الأبله، من الناس، وقولهم أيضا فلان عريض الوساد، فإنه كناية عن هذه الكناية، وكقول بعضهم يهجو من به داء الأسد وهو البخر:
أخو لخم أعارك منه ثوبا ... هنيئا بالقميص المستجد
وقال بعضهم فى رجل يهجوه:
أراد أبوك أمك يوم زفت ... فلم يوجد لأمك بنت سعد
فقوله بنت سعد، جعله كناية عن العذرة، فهذا كله يحصل على القرب فى الكناية.
ومثال البعيدة قولهم: فلان كثير الرماد، فهذا تكثر فيه الوسائط، لأنك تنتقل من كثرة الرماد إلى كثرة الجمر، ثم إلى كثرة الإحراق تحت القدر، ثم إلى كثرة الطبائخ، ثم إلى كثرة الآكلين، ثم إلى كثرة الأضياف، ثم كونه مضيافا، وهذا كقولك فلان جبان الكلب، مهزول الفصيل، فإن الوسائط تكثر فيهما، فلهذا كان ما هذا حاله معدودا فى بعيد الكناية.
التقسيم الثالث باعتبار حكمها إلى [حسنة وقبيحة]
، فالحسنة ما قدمنا ذكره من الأمثلة، ومن هذا ما ورد فى السنة النبوية وهو أن امرأة جاءت إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم تسأله عن غسلها من الحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثم قال لها: خذى قرصة من مسك فتطهرى بها، فقالت كيف أتطهر بها، فقال تطهرى بها، فقالت كيف أتطهر بها، فقال سبحان الله، تطهرى بها، قالت عائشة فاجتذبتها من ورائها، وقلت لها تتبعى بها آثار الدم، فقولها: آثار الدم، كناية عن الفرج، ومنه قول أعرابية تصف زوجها: له إبل قليلات المسارح، كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك، ومثال القبيحة ما تخلو عن الفائدة
(1/217)

المرادة من الكناية، وهو عيب عند أهل البلاغة، ومن هذا قول الشريف الرضى يرثى امرأة:
إن لم تكن نصلا فغمد نصال
وهذا عندهم من ركيك الكناية ورديئها فإنه لا يعطى الفائدة المقصودة من الكناية، بل ربما سبق الوهم فى هذا الموضوع إلى ما يقبح ذكره من التهمة بالريبة، ومن هذا قول أبى الطيب المتنبى أيضا:
إنى على شغفى بما فى خمرها ... لأعف عما فى سراويلاتها
قال ابن الأثير: فهذه كناية عن النزاهة والعفة إلا أن الفجور أحسن منها وما ذاك إلا لنزول قدرها وسوء تأليفها. وقد أجاد الشريف الرضى فيما أساء فيه أبو الطيب فأورده على أحسن هيئة وجاء به فى أعجب قالب قال:
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما فى ضمان المآزر
إلى غير ذلك من الأمثال.
البحث الثانى فى بيان حكمها
اعلم أن أنس النفوس وسكونها متوقف على إخراجها من غامض إلى واضح ومن خفى إلى جلى، وإبانتها بصريح بعد مكنى وأن تردها فى شىء تعلمها إياه إلى شىء آخر هى بشأنه أعلم وثقتها به أقوى، وتحققها له أدخل، ومن ثم كان التمثيل بالأمور المشاهدة أوقع ولمادة الشبه أقطع، وإذا أردت أن ترى شاهدا على ما قلت فانظر إلى قوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً
[العنكبوت: 41] فالله تعالى ضربه مثالا لضعف الأمر وهونه فى كل شىء فأنت لو فكرت فى نفسك، وبالغت فى نظرك وحدسك فى وصف الضعف، لكان غاية أمرك ونهاية تقديرك، أن تقول كأضعف ما يكون وأهونه، أو تقول هو كالهواء أو غير ذلك من التقدير والتصوير، لكان دون ما ذكره الله تعالى فى المثال، وهكذا لو قلت فلان يكد نفسه فى قراءة الكتب، ويتعب نفسه بجمعها، ويتحمل فى التعلم الإصار والمتاعب كلها، وهو لا يفهم شيئا ويسكت، فإنك تجد فرقا بين أن تذكر هذا وبين أن تتلو الآية وتقول كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: 5] فإنك تجد مصداق ما قلته
(1/218)

فيها، وهكذا فإنك تفصل بين أن تقول: إنى أرى قوما لهم منظر وليس لهم مخبر، وبين أن تتبعه بقول من قال:
لا تعجبنك الثياب والصور ... تسعة أعشار من ترى بقر
فى خشب السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر
فإنك تجد فرقا بين الأمرين، وهكذا حال غيره من الأمثلة والتشبيهات، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الكناية لها فى البلاغة موقع عظيم فإنها تفيد الألفاظ جمالا، وتكسب المعانى ديباجة وكمالا وتحرك النفوس إلى عملها، وتدعو القلوب إلى فهمها، فإن أوقعتها فى المدح كانت أرفع وأحسن، وفى نفس الممدوح أوقع وأمكن، وإن صدرتها للذم كانت آلم وأوجع وإلى ذكر فضائح المذموم أسرع وأخضع، وإن أدخلتها من أجل الحجاج كان البرهان لها أوضح وأنور، والسلطان بها أقدر وأقهر، والإقحام بها أشهر، والتسلط أعظم وأبهر، وإن وقعت فى الافتخار كان ضياؤه أسطع، ومناره أعلى وأرفع، وإن كانت موجهة للاعتذار فهى إلى سل سخائم القلوب أعجل وأقرب، وبوحر الصدور وفل غرب غضبها أذهب، وإن صدرت للاتعاظ كانت فى المبالغة فى النصيحة أنجع، ولمرض القلوب أشفى وأنقع، وإن أردت بها جانب الإعتاب والرضا، كانت بطيب الصحبة ولين العريكة أظفر، وعلى الوفاء بلوازم الألفة أوفر، فهى كما ترى واقعة من البلاغة فى أعلى المراتب، وحائزة من الفصاحة أعظم المناقب وقد نجز غرضنا فيها بحمد الله تعالى.
بحمده تعالى قد تم الجزء الأول من كتاب الطراز فى علوم حقائق الإعجاز.
ويليه الجزء الثانى وأوله القاعدة الرابعة من قواعد المجاز
(1/219)