Advertisement

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز 002

الجزء الثانى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[تتمة فن الثانى من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة]
[تتمة باب الاول في كيفية استعمال المجاز وذكر مواقعه في البلاغة]
القاعدة الرابعة من قواعد المجاز فى ذكر أسرار ومعناه
اعلم أن علماء البيان وفرسان البلاغة بالإضافة إلى ترجمة هذه القاعدة فريقان:
الفريق الأول: أدرجوها فى ضمن قاعدة التشبيه، ولم يفصّلوا بينهما تفصيلا وهذا هو الظاهر من كلام المطرزىّ، فأما ابن الأثير فقد صرّح بكونهما بابا واحدا لا تفرقة بينهما وتعجّب ممن فصّل بينهما، قال: وما أعلم كيف خفى على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه.
وحكى أن بعض علماء البيان قد فصّل بينهما وغاير بين حقيقتيهما وهما عنده شىء واحد.
الفريق الثانى: وهم الذين فرّقوا بينهما، وهذا هو ظاهر كلام ابن الخطيب الرازى فى نهاية الإيجاز، وعبد الكريم صاحب التبيان، فإنهم ميّزوا أحدهما عن الآخر وفرقوا بينهما، وقالوا: إنّ التشبيه غير معدود من المجاز، بخلاف التمثيل، فإنه معدود من جملة قواعده، وإن كانا كلاهما معدودا من أودية البلاغة، فهذا مغزى كلام الفريقين فى الرّدّ والقبول.
وهذا الخلاف يقرب أن يكون لفظيا، وليس وراءه كبير فائدة، والمختار عندنا تفصيل نشير إليه، وحاصله أنا نقول: القاعدة التى رسمناها من أجل التشبيه، إنما كانت بمظهر الأداة، كما أوردنا أمثلته، وفصلناها وعددنا ما كان من التشبيه مضمر الأداة، فهو من باب الاستعارة، وأوضحنا الأمر فيما يظهر على القرب فيه التشبيه، وما يستنبط على البعد فأغنى عن تكريره، فإذا عرفت هذا فاعلم أن كلّ ما كان من التمثيل تظهر فيه أداة التشبيه، كالكاف، وكأن، فإنه معدود من جملة التشبيه، ولا يفترقان بحال؛ لأن التشبيه أكثر ما يطلق على ما كانت الأداة فيه ظاهرة، فأمّا ما كانت الأداة فيه غير ظاهرة، فهو التمثيل، فإنه لا يقال له تمثيل إلّا إذا كان واردا على حدّ الاستعارة، ولهذا فإنّ الزمخشرىّ رحمه الله فى تفسير قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[البقرة: 7] الآية، تارة يجعله من باب التمثيل، وتارة يجعله واردا على حدّ الاستعارة، وعلى الجملة فالأمر فيه قريب، فإن الاستعارة، والتمثيل، والكناية، كلّه معدود من أودية
(2/3)

المجاز، بخلاف التشبيه، فإن ما كان منه مضمر الأداة، فهو معدود فى الاستعارة والتمثيل، وهو مجاز، وما كان مظهر الأداة فليس معدودا من المجاز، وإن عدّ فى البلاغة كما أسلفنا تقريره.
ومن غريب أمثلة التمثيل ما قاله ابن الرومى «1» :
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل النيّران الشمس والقمر
وإن نضا حدّه أو سلّ عزمته ... تأخّر الماضيان السيف والقدر
من لم يبت حذرا من سطو صولته ... لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر
ينال بالظنّ ما يعيى العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر
ومن ذلك ما قاله أبو تمام «2» :
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أو انس ... قنا الخط إلّا أنّ تلك ذوابل
ومن جيّد ما يقال فى أمثلة التمثيل قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
[الجاثية: 23] .
مثّل الله تعالى حال من انقاد لهواه، واستولى عليه سلطانه، حتّى صار عقله موطوءا بقدم الهوى، وجعل فى إسار الذّلّ، وربقة الملكة وحصل غالبا عليه فى جميع أحواله مطيعا له فى كلّ أموره، بحال من له إله يعبده، ويطيعه فى جميع أوامره ونواهيه، ثم لمّا علم الله تعالى من حاله ما ذكرناه أضلّه بترك الألطاف الخفيّة على علم باستحقاقه للخذلان لإعراضه، ومثّلت حالته فيما صار إليه من الخذلان بسلب الألطاف، بحال من ختم على سمعه، وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فى النكوص والتمرّد عن الهدى، وسلوك جانب الغىّ، وركوب غارب البغى، فمن هذه حاله لا يرجى صلاحه، فهكذا حال من ساعد هواه وكان مطيعا له فى الأمور كلها.
ومن التمثيل الرائق قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
[الأنعام: 25] وقوله: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[يس: 9] .
(2/4)

فهم لإعراضهم عن الدّين، وإصرارهم على المخالفة لما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبلوغ الغاية فى الصّدّ والنكوص، ممثّلون بحال من جعل على قلبه كنان فهو لا يفقه ما يقال له، ولا يرعوى لقبوله، وبحال من ضرب بينه وبين مراده بسدّ من بين يديه ومن خلفه، فهو لا يهتدى إليه، ولا يمكنه الوصول إلى بغيته بحال، وقوله تعالى: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ
فيه تنبيه على ما هم عليه من التّمادى فى ركوب الباطل، وإكبابهم على الجحود والكتمان لما جاءهم من الحقّ، وقطع للرجاء بخيرهم، وسد لطريقه؛ لأن من كان بين يديه سد، ومن خلفه سد وأغشى على بصره، تعطّل، فأنّى يكون له اهتداء إلى طريق الخير، وسلوك بسبيله، وهذا باب من فنّ البلاغة يقال له التخييل، وسنورد فيه حقائق وأمثلة شافية عند الكلام فى معانى البديع وخصائصه.
وممّا ورد من التمثيل فى السّنّة النبوية قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إيّاكم وفضول المطعم فإنه يسم القلب بالقسوة، ويبطىء الجوارح عن الطاعة، ويصمّ الآذان عن سماع الموعظة، وإياكم وفضول النظر، فإنه يبذر الهوى، ويولّد الغفلة» .
ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «حلوا أنفسكم بالطاعة، وألبسوها قناع المخافة، واجعلوا حرثكم لأنفسكم، وسعيكم لمستقرّكم» .
ومن كلام أمير المؤمنين فى التمثيل، فى كلام يشير به إلى الخوارج: «حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه، وسدّ فوّاره من ينبوعه، وجدحوا «1» بينى وبينهم مشربا وبيئا، فإن ترتفع عنّا وعنهم محن الدنيا أحملهم من الحق على محضه، وإن تكن الأخرى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات» .
وقال في كلام يصف به الرسول صلّى الله عليه وسلم وذمّه للدنيا: «قضم الدّنيا قضما، ولم يعرها طرفا، أهضم أهل الدنيا كشحا، وأخمصهم من الدّنيا بطنا، أعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها عن لسانه، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه» .
وقال فى وصف أهل الدنيا: «يمسى مع الغافلين، ويغدو مع المذنبين، بلا سبيل قاصد، ولا إمام قائد، حتى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم واستخرجوا من جلابيب غفلتهم، استقبلوا مدبرا، واستدبروا مقبلا، فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ولا بما قضوا من وطرهم» .
(2/5)

ولنقتصر على هذا القدر فى التمثيل ففيه كفاية، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه مفارقته للتشبيه بما أشرنا إليه، وأنه نوع من أنواع الاستعارة، على أن الاستعارة فى المفرد والمركب كما مهدناه من قبل، بخلاف التمثيل، فإنه إنما يرد فى المركب من الكلام كما أوضحناه فى هذه الأمثلة.
تنبيه
اعلم أن أرباب البلاغة وجهابذة أهل الصناعة مطبقون على أن المجاز فى الاستعمال أبلغ من الحقيقة، وأنه يلطف الكلام ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة، والعلم فيه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[الحجر: 94] وقوله: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
[الأحزاب: 46] فلو استعمل الحقائق فى هذه المواضع، لم تعط ما أعطى المجاز من البلاغة، وهكذا فإن الاستعارة أبلغ مما يظهر فيه التشبيه؛ لأن قولك: جاءنى أسد. أبلغ من قولك: زيد كالأسد. لأنك جعلته فى الأول نفس الأسد وفى الثانى ليس إلا مشابهه لا غير، فأما الكناية، والتمثيل، فهما نوعا من أنواع الاستعارة، والاستعارة أعم فيهما كما أوضحناه من قبل، لكن الكناية مؤدية للحقيقة، والمجاز، بخلاف الاستعارة، والتمثيل، من حقه أن يرد فى المركبات، فلأجل هذا كانا جميعا. أعنى الكناية والتمثيل.
أخص من الاستعارة، وقد نجز غرضنا من تقرير الباب الأول وهو حصر قواعد المجاز، وإظهار أمثلتها وأحكامها، وأشرع الآن فى الباب الثانى مستعينا بالله ومتوكلا عليه.
(2/6)

الباب الثانى فى ذكر الدلائل الإفرادية وبيان حقائقها
اعلم أن اللفظ فى دلالته على ما يدل عليه لا يخلو حاله إما أن يكون بالإضافة إلى مفرداته، أو بالإضافة إلى ما تركب منه، فالأول هو الدلالة الإفرادية، وهذا كدلالة لفظ الرجل، والأسد، والإنسان، على معانيها المفردة، فإنها دالة عليها من غير إضافة أمر إليها، لا سلبا ولا إيجابا، والثانى هو الدلالة التركيبية، وهذا كدلالة قولنا: زيد قائم، وعمر خارج، فإن ما هذا حاله دال على معنى مركب، وهو إضافة هذه الأحكام لتحصل من أجلها الفائدة المركبة، وهذا هو الكلام فى ألسنة النحاة، ويقال له الجملة، ثم إن الفائدة التى يفيدها الكلام على وجهين؛ أحدهما أن تكون من جهة ذاته كقولنا: زيد قائم، وعمر منطلق، فإن ما هذا حاله فإنه لا يحتاج فى إفادة ما يفيده إلى أمر وراء هذه الجملة، وثانيهما أن تكون مستفادة من جهة أخرى، إما من جهة الكناية كما يقال فى المرأة: هى نئوم الضّحى. فإنه يدل على كونها مترفهة، وإما من جهة الاستعارة كما يقال: «بين أثوابه أسد هصور» استعاره للشجاعة، و 7 ما من جهة التمثيل كقولنا: «فلان يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى» تمثيلا لتحيّره فى الأمر، وإما من جهة الاقتضاء كقوله تعالى فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ
[البقرة: 60] المعنى فضرب فانفجرت، وكقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تضحوا بالعوراء» . فدخول العمياء من جهة الاقتضاء، إلى غير ذلك من التعليقات التى يشعر بها الكلام ويقتضيها، وكان من حقنا إيراد الكلام فى المجاز وأنواعه لكونه من الدلائل الإفرادية، لكنا جعلنا له بابا على حياله لأمرين؛ أما أولا فلما اختص به من مزيد الاعتناء، وأكيد الاهتمام، وعظم موقعه فى البلاغة، وأما ثانيا فمن أجل كثرة مسائله وانتشار حواشيه، فلأجل هذا قدمناه وأفردنا له باب على حياله غير مضموم إلى سواه، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن مقصودنا من هذا الباب منحصر فى عشرة فصول:
(2/7)

الفصل الأول فى المعرفة والنكرة
اعلم أن المعرفة ما دلت على شىء بعينه، والنكرة ما دلت على شىء لا بعينه، ولا يجوز تعريف حقيقة المعرفة بأمر لفظى لأمرين؛ أما أولا فلأن المقصود بيان الماهية، وهذا لا يحصل إلا بالأمور المعنوية دون اللفظية، وأما ثانيا فلأن بعض المعارف يكون فى معنى النكرة كقولنا: ضاربك، وأرسلها العراك، والجماء الغفير، ثم إن المعارف خمس؛ المضمرات، والأعلام، وأسماء الإشارة، ثم المعرف باللام، ثم المضاف إلى واحد من هذه إضافة معنوية، لا لفظية، وهى متفاوتة فى التعريف، فأعرفها المضمرات، ثم العلم، على الترتيب الذى أسلفناه على اختلاف فى ذلك بين النحاة، مذكور فى موضعه، وكما كانت المعارف متفاوتة فى مراتب التعريف، فكذا حال النكرات، فكل نكرة هى أعم من غيرها فهى أبهم، وجملتها شىء، ثم جسم، ثم حيوان، ثم إنسان، ثم رجل، فكل واحدة من هذه النكرات هى أدخل فى الإبهام، والتنكير، مما بعدها كما تراه فى صورها، فقولنا:
شىء، أعم من قولنا: موجود؛ لأن قولنا شىء، مندرج تحته الموجود والمعدوم، وهل يطلق قولنا: شىء، على المعدوم حقيقة أو مجازا؟ فيه خلاف بين المتكلمين، فمن قال منهم إن المعدوم ذات فى حال عدمه كان إطلاقه عليه حقيقة، ومن قال منهم ليس ذاتا فى حال عدمه، وإنما هو نفى صرف كان إطلاقه عليه بطريق المجاز، وقد قررنا ما هو الحق فى هذه المسألة فى الكتب العقلية، فإذا عرفت هذا فاعلم أن المعرفة، والنكرة يتعلق بكل واحد منهما معان دقيقة متعلقة بأسرار البلاغة، فلا جرم أوردناها فى هذا الفصل، وفيه تقريران:
التقرير الأول فى [النكرة] ، ولها أحكام:
الحكم الأول: النكرة إذا أطلقت
فى نحو قولك: رجل، وفرس، وأسد، ففيها دلالة على أمرين، الوحدة، والجنسية، فالقصد يكون متعلقا بأحدهما، ويجىء الآخر على جهة التبعية، فأنت إذا قلت: أرجل فى الدار أم امرأة، حصل بيان الجنسية، والوحدة جاءت تابعة غير مقصودة، وإذا قلت: أرجل عندك أم رجلان، فالغرض ههنا الوحدة، دون الجنسية.
الحكم الثانى: هو أن التنكير قد يجىء لفائدة جزلة
يقصر عن إفادتها العلم، ولا يبلغ
(2/8)

كنهها رسم القلم، ومثاله قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] وقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
[البقرة: 96] فتنكير الحياة ههنا أحسن من تعريفها، وإنما وجب ذلك لأمرين؛ أما أولا فلأنه لا يحرص إلّا الحى، وهو لا يستقيم حرصه على أصل الحياة المعهودة، وإنما يتوجه حرصه على الازدياد من الحياة فى الأزمنة المستقبلة، وهذا إنما يكون إذا كانت نكرة. لأن المعنى فيها على أنهم أحرص الناس على أن يزدادوا حياة إلى حياتهم، ولو عاشوا ما عاشوا، وأما ثانيا فلأنها إذا كانت نكرة فالتنوين مصاحب لها، وعلى هذا يكون معناها، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة أى حياة لأنها مسوقة للمبالغة، ولكن يكون كذلك إلا بالتقدير الذى ذكرناه، وهكذا قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] لأن الواحد منا إذا علم أنه إذا قتل، قتل، فإنه لا محالة يرتدع عن القتل، فيسلم هو وصاحبه، فتصير حياة كل واحد منهما فى المستقبل مستفادة من جهة القصاص، مضمومة إلى الحياة الأصلية، ولا يحصل هذا إلا مع التنكير؛ لأنه يفيد التجدد، والتعريف لا يعطيه، وهكذا قوله تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
[النحل: 69] وقوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ
[الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات التى يكون فيها التنكير أبلغ من التعريف فى تقرير المقاصد المعنوية.
الحكم الثالث: المطلق
هو نحو قولك: رجل، وأسد، وله تعريفان:
التعريف الأول ذكره ابن الخطيب
، وحاصل ما قاله أنه اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هى هى من غير أن يكون فيه دلالة على شىء من قيود تلك الحقيقة، سلبا كان ذلك القيد أو إيجابا.
التعريف الثانى ذكره عبد الكريم صاحب التبيان،
وهو محكى عن القدماء، وهو الدال على واحد لا بعينه، هذا ملخص ما قيل فى حد المطلق، قال ابن الخطيب الرازى: والحد الأول أولى؛ لأن الوحدة والتعيين قيدان زائدان على الماهية، وما هذا حاله لا يجوز أن يكون تعريفا للمطلق، ولا حدّا له، وذكر الشيخ عبد الكريم أن ما ذكره القدماء فى حد المطلق هو الذى يجب التعويل عليه، وقال: إن الوحدة، والتعيين إنما يكونان قيدين زائدين على الماهية فى غير حد المطلق، فأما فى المطلق فلا، ولو صح ما قاله لم يتجه فرق بين قولنا:
أسد، وأسامة، وثعلب، وثعالة، إلى غير ذلك من أعلام الأجناس، والذى يتجه فرقا
(2/9)

بينهما، أن اللفظ إن قصد به الحقيقة من حيث هى هى، فهو معرفة، كأسامة، فإنه موضوع على الحيوان المفترس من حيث هو هو، وإن قصد باللفظ واحد من تلك الحقيقة، فهو نكرة كأسد، هذا محصول كلامهما فى حد المطلق؛ والمختار ما عول عليه ابن الخطيب فى حد المطلق، لأن الحد الثانى فيه التقيد بالوحدة، والتعيين، وهما منافيان للإطلاق؛ لأن الشىء لا يكون مطلقا مقيدا، فأما ما قاله الشيخ عبد الكريم من أنه لو صح تحديده بما ذكره لم يتجه فرق بين قولنا: أسد، وأسامة، فلعله لا يجعلهما من باب المطلق؛ لأن أحدهما دال على التعيين، وهو قولنا: أسامة؛ لأنه موضوع على الحقيقة الذهنية من حيث هى هى، وأحدهما دال على الوحدة وهو قولنا: أسد، وإذا لم يكونا مطلقين لم يردا اعتراضا على ما ذكره من الحد، وكانت التفرقة بينهما حاصلة من الوجه الذى ذكره، ولو قيل فى حد المطلق: هو اللفظ الدال على حقيقة من غير قيد، لكان جيدا.
خيال وتنبيه
فإن قال قائل: قد ذكرتم الوجه فى تنكير الحياة فى قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] فما وجه تنكير السلام فى قصة «يحيى» فى قوله تعالى: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
[مريم: 15] وتعريف السلام فى قصة «عيسى» فى قوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ
[مريم: 33] ثم إذا كان التنكير فى السلام هو المطرد كقوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ
[الصافات: 76] سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ
[الصافات: 130] وغير ذلك، فما وجه نصبه فى سلام الملائكة فى قوله تعالى: قالُوا سَلاماً
[هود: 69] ورفعه فى سلام إبراهيم فى قوله تعالى: قالَ سَلامٌ
[هود: 69] فمن حقكم إيراد التفرقة فى هذه الأمور ليكمل الغرض فى تقرير قاعدة التنكير، والجواب: أما ما ذكره أولا من تقرير فائدة التنكير فى قوله تعالى:
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] فقد أوردنا ما قاله علماء البيان فى ذلك، فأغنى عن إعادته، والمعتمد عندنا أن العلة فى إيثار التنكير على التعريف، هو أن الغرض إخراجها مخرج الإطلاق عن كل قيد من القيود اللازمة لها، من تعريف أو تخصيص؛ لأن التقدير: إن لكم فى القصاص حياة بالغة فى اللطف مبلغا عظيما، وجامعة لجميع مصالح
(2/10)

الدين، والدنيا، ونازلة فى الاستصلاح منزلا تقاصرت العبارة عن كنهه، فحذفت هذه القيود كلها، وأطلقت إطلاقا، وعوض التنوين عن هذه القيود، كما جعل عوضا فى يومئذ، وحينئذ، عن جميع الجمل السالفة، وفيه من التعظيم والفخامة ما يرى، فهذا هو الوجه اللائق بفصاحة القرآن، دون ما ذكره علماء البيان، وأما ما ذكره ثانيا من تنكير السلام فى قصة يحيى، وتعريفه باللام فى قصة عيسى، فإنما كان ذلك التنكير واردا فى قصة يحيى عليه السلام؛ لأن التحية كانت من جهة الله تعالى فى المواطن الثلاثة، وسلام ما كان من جهة الله مغن عن كل تحية، «قليلك لا يقال له قليل» ، ومن ثم لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرا، كقوله تعالى سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[يس: 58] وقوله اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا
[هود: 48] وقوله تعالى سَلامٌ عَلى نُوحٍ
[الصافات: 76] ولو كانت معرفة لكان لا فائدة فى تعريفها، وأما تعريف السلام فى حق عيسى عليه السلام، فإنما كان ذلك من أجل أنه ليس واردا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه، فلا جرم جىء بلام التعريف، إشعارا بذكر الله تعالى؛ لأن السلام اسم من أسمائه، وفيه تعرض لطلب السلامة، ولهذا فإنك إذا ناديت الله باسم من أسمائه، فإنك متعرض لما اشتق منه ذلك الاسم، فتقول فى طلب الحاجة، يا كريم، وفى سؤال مغفرة الذنب: يا عفو، يا غفور، يا رحيم، يا حليم، لما كان ذلك مناسبا ملائما لما أنت فيه، فلهذا أورده باللام، تعرضا للسلامة، وطلبا لها باسم الله تعالى، وجؤارا إليه، ومن أجل ذلك كان اختتام الصلاة بالسلام المعرف باللام لكونه اسما من أسماء الله، لما كان افتتاحها باسم من أسمائه، ومن جوز السلام بغير اللام، فهو بمعزل عن هذه الأسرار ومعرض عن هذه المقاصد، وأما ما ذكره ثالثا من نصب سلام الملائكة، ورفع سلام إبراهيم، فلأن سلام الملائكة إنما ورد على جهة الإشعار بالفعل، وكونه مصدرا عنه تقريرا لخاطره، وإزالة للوحشة الحاصلة من جهتهم بامتناع الأكل، كما نبه عليها بقوله تعالى: فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
[الذاريات: 28] وهذا المعنى إنما يظهر بالنصب بخلاف السلام من جهة إبراهيم؛ فإنما هو وارد على جهة التحية، كأنه قال: منى سلام، أو عليكم سلام، غير متعرض
(2/11)

لتقييد الفعل، والانتصاب عنه، أو نقول: ليس واردا على جهة التحية، وإنما هو تعرض للمصالحة والمسالمة، وقد نبه على هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: اقرأوا. قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
[الذاريات: 25] ومن ثم قال أهل التحقيق من علماء البيان: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة. يشيرون به إلى ما ذكرناه.
التقرير الثانى [المعرفة]
اعلم أن المعارف أجناس مختلفة كما أسلفنا حصرها، لكنا إنما نتعرض للمعرفة باللام، لاختلاف المعانى بها، فقد تكون واردة فى المبتدأ، وقد تكون واردة فى الخبر، فهاتان حالتان؛ الحالة الأولى: أن تكون واردة فى المبتدأ، ودخولها فيه يكون على أوجه أربعة، أولها أن تكون داخلة لإفادة تعريف الجنسية الحاصلة فى الذهن، ومثاله قولنا: أهلك الناس الدينار والدرهم، والرجل خير من المرأة، إلى غير ذلك من الحقائق الذهنية، وهكذا قولنا: أكلت الجبن، وشربت الماء، ودخلت السوق؛ لأنه ليس الغرض الاستغراق ولا المقصود بذاك عهدية سابقة، وإنما الغرض ما قلناه من 7 فادة التعريف للحقائق الذهنية التى لا وجود لها فى الخارج، نعم إذا وجدنا صورة مفردة فى الخارج، فهل تكون الحقيقة الذهنية حاصلة فى الخارج، أم لا، فيه مذهبان؛ أحدهما أنها غير موجودة، بل يستحيل وجودها فى الخارج، وهذا هو المحكى عن، «أرسطو» ، وثانيهما أنها موجودة عند وجود المفردة، وهذا هو المحكى عن «أفلاطون» ، والمختار ما قاله «أرسطو» ، وهو بحث كلامى، وقد ذكرناه فى الكتب العقلية.
وثانيها أن تكون داخلة لإفادة تعريف العهدية، وهذا كقولك: لبست الثوب، وأخذت الدراهم، لثوب ودراهم معهودين بينك وبين مخاطبك، وما هذا حاله لا يدل التعريف إلا على صورة واحدة من غير زيادة، وثالثها أن تكون دالة على الاستغراق، وهذا كقوله: جاءنى الرجال، وقد ترد فى الجمع الحقيقى إما سالما كقولك: المؤمنون، والزيدون، وإما مكسرا كقولك: الرجال، والدراهم، وإما أسماء جمع كقولك: الناس،
(2/12)

والرهط، والنفر، وقد ترد فى الاسم المفرد كقولك: الرجل خير من المرأة، وهى فى جميع هذه الموارد دالة على الاستغراق فى الصور المفردة التى لا نهاية لها، ورابعها أن تكون داخلة للزيادة من غير إفادة للتعريف، وهذا نحو دخولها فى الأعلام، ودخولها فيها قد يكون على جهة اللزوم لا يجوز نزعها منه كقولك: النجم للثريا، ونحو أيام الأسبوع، وغير ذلك، وقد تكون غير لازمة إما فى الصفة كقولك: المظفر، والعباس، وإما فى المصدر كقولك: الفضل، والعلاء، فدخول لام التعريف لا تنفك عن هذه الأمور الأربعة، هذا كله إذا كانت داخلة على المبتدأ، الحالة الثانية أن تكون اللام داخلة على الخبر.
اعلم أن الأصل أن يكون نكرة؛ لأنك إنما تخبر بما يجهله المخاطب فتعرفه إياه، فإذا ورد فيه اللام فإنها تأتى لمقاصد، وجملتها أربعة، أولها أن تقصد المبالغة فى الخبر فتقصر جنس المعنى على المخبر عنه كقولك: زيد هو الجواد، وعمرو هو الشجاع، تريد أنه هو المختص بالمعنى دون غيره، وأنت إذا قصدت هذا المعنى فلا يجوز العطف عليه على جهة الاشتراك، فلا يجوز أن تقول: زيد هو الجواد وعمرو؛ لأنه يبطل المعنى، ومن هذا قوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[البقرة: 254] وقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
[الأنفال: 4] يريد أنهم المختصون بهاتين الصفتين دون غيرهم، وثانيها أن تقصره لا على جهة المبالغة كما فعلت فى الأول، ولكن على معنى أنه لا يوجد إلا منه، وإنما يكون ذلك إذا قيد المعنى بشىء يخصصه ويجعله فى حكم نوع برأسه، ومثاله قولك: زيد الكريم حين يبخل كل جواد، وعمرو الشجاع حين يتأخر الأبطال، وبكر هو الوفى حين لا تظن نفس بنفس خيرا، ومن هذا قول الأعشى «1» :
هو الواهب المائة المصطفاة ... إمّا مخاضا وإمّا عشارا
أى أنه لا يهب هذا العدد إلا الممدوح، ومما يؤيد هذا المعنى وإن لم يكن على طريقة الإخبار قول بعضهم:
أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأنّ الغيث لم يجد
وثالثها أن تورده على وجه اتضح أمره اتضاحا لا يسع إنكاره، وظهر حاله ظهورا لا يخفى على أحد، وهذا كقولك: زيد الشجاع، على معنى أن إسناد الشجاعة إليه أمر ظاهر
(2/13)

لا يفتقر إلى دلالة، ولا يحتاج إلا علامة وأمارة، وعلى هذا حمل بيت الخنساء «1» :
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
أرادت أن تقرره فى جنس الحسن الباهر الذى لا ينكره من أخبر به وعلى هذا قرر قوله:
أسود إذا ما أبدت الحرب نابها ... وفى سائر الدهر الغيوث المواطر
ورابعها أن تقصد به مقصد التعريف بحقيقة عقلها المخاطب فى ذهنه لا فى الخارج، أو توهمت أنه لم يعرفها فتقول له: تصور كذا، فإذا تصورته فى نفسك فتأمل فلانا، فإنه يحصل ما تصورته على الكمال، ويأتيك به تاما، ومثاله قولنا: هو الحامى لكل حقيقة، وهو المرتجى لكل ملمة، وهو الدافع لكل كريهة، كأنك قلت: هل تعقل الحامى، والمرتجى وتسمع بهما، فإن كنت تعقل ذلك وتعرفه حقيقة معرفته، فاعلم أنه فلان، فإنى خبرته وجربته فوجدته على هذه الصفة، فاشدد يديك به، فإنه ضالتك التى تنشدها، وبغيتك التى تقصدها، ومما يؤيد هذا المعنى ويقويه قول ابن الرومى:
هو الرجل المشروك فى جلّ ماله ... ولكنّه بالحمد والمجد مرتدى
كأنه قال: فكر فى رجل لا يتميز عن غيره فى ماله فى الأخذ والتصرف، فإذا فهمت ذلك وعقلته وصورته فى نفسك، فاعلم أنه فلان، وكقول بعضهم:
أخوك الّذى إن تدعه لملمّة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
فهذه المعانى متغايرة كما ترى، تحصل لأجل تعريف الخبر باللام كما فصّلناه ههنا.
تنبيه
إذا عرفت ما قدمناه من صحة دخول اللام على الخبر كما صح دخولها على المبتدأ، وأظهرنا معانيها فى النوعين فلا يغررك ما يقرع سمعك من كلام النحاة، من أن المبتدأ، والخبر إذا كانا معرفتين فأيهما قدمت فهو المبتدأ، فهذه قاعدة قد زيفناها وقررنا فسادها فى الكتب الإعرابية، فإن حقيقة الخبر هو المسند به وهو غير خارج عن هذه الماهية بتقديم ولا تأخير، ولا تعريف ولا تنكير، وأيضا فإن الخبر عبارة عن الصفة، والمبتدأ فى نفسه عبارة عن الذات، ولا شك أن الذات بالابتدائية والصفة بالخبرية أحق من العكس، فإذا بان لك مما ذكرناه بطلان كلامهم، وأن المبتدأ هو المسند إليه بكل حال، والخبر مسند به بكل حال فلا يغير هذه الماهية عروض عارض.
(2/14)

الفصل الثانى فى الخطاب بالجملة الاسمية والفعلية وذكر التفرقة بينهما
اعلم أن الكلام إذا قصد به الإفادة، فتارة يرد مصدّرا بالجملة الاسمية سلبا كان أو 7 يجابا، وتارة يرد مصدرا بالجملة الفعلية سلبا كان أو إيجابا، والمعانى تختلف بالإضافة إلى تصدير الجملتين، فهذان طرفان:
الطرف الأول فى توجيه الخطاب ب [الجملة الاسمية]
، وهذا نحو قولك: زيد قد فعل، وأنا فعلت، وأنت فعلت، ومتى كان واردا على جهة الاسمية، فإنه ينقدح فيه معنيان:
المعنى الأول أن تريد أن الفاعل قد فعل ذلك الفعل على جهة الاختصاص به دون غيره
، ويذكر على جهة الاستبداد، وهذا كما تقول: أنا قتلت فلانا، وأنا الذى شفعت لفلان عند الأمير بالعطية، وأنا الذى توجهت فى إطلاقه من السجن، وكقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
[النجم: 43- 44] فصدر الجملة بالضمير، دلالة على اختصاصه تعالى بالإماتة والإحياء، والإضحاك والإبكاء، وإنما أورد الضمير وصير الجملة اسمية تكذيبا، وردّا، وإنكارا لمن زعم أنه مشارك لله تعالى فى هذه الخصال، ويؤكد هذا أن الأمور التى تقع فيها المشاركة وردت بالجملة الاسمية، والأمور التى لا تقع فيها المشاركة، وردت بالجملة الفعلية، كقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
[النجم: 44- 45] فأورد الضمير فى الأولى دلالة على الاختصاص بما ذكرناه دون الثانية؛ لأنها لا مطمع فيها بالمشاركة، بخلاف الأولى، فإنه ربما يظن أو يتوهم فيها المشاركة، فلا جرم ورد الضمير مصدّرا فيه الجملة، دلالة على اختصاصه بما ذكرناه.
(2/15)

المعنى الثانى أن لا يكون المقصود الاختصاص، وإنما المقصود التحقق
، وتمكين ذلك المعنى فى نفس السامع بحيث لا يخالجه فيه ريب، ولا يعتريه شك، وهذا كقولك: هو يعطى الجزيل، وهو الذى يجود بنفسه، فغرضك تحقيق إعطائه للجزيل، وكونه لا يبخل بنفسه، وتمكّنه فى نفس من تخاطبه، وعلى هذا ورد قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[البقرة: 14] فخاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحقّقة بإنّ المشددة، وإنما كان الأمر كذلك لأنهم فى خطابهم لإخوانهم مخبرون عن أنفسهم بالثبات والتصميم على اعتقاد الكفر مصرون على التمادى فى الجحود والإنكار، فلهذا وجّهوه بالجملة المؤكدة الاسمية بخلاف خطابهم للمؤمنين، فإنما كان عن تكلف وإظهار للإيمان، خوفا ومداجاة من غير عزم عليه، ولا شرح صدورهم به، ومن هذا قوله تعالى فى سورة يوسف: قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[يوسف:
11- 12] فانظر إلى ما أخبروا به عن أنفسهم فى قولهم: لَناصِحُونَ
ولَحافِظُونَ
كيف ورد بالجملة الاسمية المؤكدة بإن، وما كان عن غيرهم كقوله: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا
، وقوله: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ
، وهذا فيه دلالة على ما ذكرناه من الاختصاص والتحقيق والثبوت، ومن هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ
[ق: 43] وقوله تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
[الحجر: 23] وقوله فى سورة الواقعة: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ
[الواقعة: 59] أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ
[الواقعة: 64] وقوله: أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها
[الواقعة: 72] إلى غير ذلك من الآى المصدرة بالجمل الابتدائية، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ
[المائدة: 61] فإنما صدر الخروج بالضمير، وصيرها جملة ابتدائية، مبالغة فى تصميم عزمهم على الكفر عند الخروج، وقطع الإياس عن الإيمان يخالف دخولهم، فإنه ربما كانت نفوسهم تحدثهم بإظهار الإيمان على وجه التقية والمخادعة، فأما الخروج فهو على قطع وحقيقة،
(2/16)

فلهذا ميز بين الجملتين مشيرا إلى ما ذكرناه، وقوله تعالى وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
[آل عمران: 77] فإنما أورد الضمير دلالة على تأكيد تحققهم للصدق، ومع ذلك يقولون على الله الكذب وهم يعلمون كونه كذبا، أو هم يعلمون أنه لا يقوله، وقوله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
[الزخرف: 77] ونحو قوله تعالى فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ
[الصافات: 70] وأمثال ذلك فى كتاب الله أكثر من أن يحصى، وكما وجب تصدير الاسم فى الجملة الإثباتية من أجل المبالغة وجب تقديمه فى الجملة السلبية أيضا، فتقول: أنت لا تحسن هذا، وأنت لا تقول ذلك، ولو قلت: لا تحسن أنت هذا، ولا يقول ذلك إلا أنت، فأتت تلك القوة عن الكلام، ومن هذا قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ
[المؤمنون: 59] وقوله تعالى لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[يس: 7] وقوله تعالى فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ
[القصص: 66] وقوله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
[الزخرف: 66] ومن الأبيات الشعرية ما يدل على ما نحن فيه كقوله «1» :
هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... حريصان ما اسطاعا عليه كلاهما
وقال بعضهم «2» :
والشّيب إن يظهر فإنّ وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفّس
لم ينتقص منّى المشيب قلامة ... ولما بقى منّى ألبّ وأكيس
فلما كان المشيب يذم فى أكثر أحواله أتى باللام المؤكدة فى قوله: (ولما بقى) وجعل الجملة الاسمية عوضا من الفعلية، مبالغة فى ذلك وتأكيدا كما مر بيانه، وقال بعض أهل الحماسة «3» :
إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدوّ الأصيد
(2/17)

ومتى نجد يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحا لا نفسد
فلما أراد المبالغة فى الصفح وإيثاره، صدّره بالجملة الاسمية مؤكدا باللام من أجل ذلك، وقال آخر «1» :
نحن فى المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب منّا ينتقر
فصدّره بالجملة الاسمية عوضا عن الفعلية إرادة للتأكيد، والجفلى هى الدعوة العامة، وهى تخالف «النّقرى» لأنها دعوة خاصة من جهة أنه ينقّر فى دعوته، أى يدعو واحدا خاصّا من بين أقوام.
الطرف الثانى فى توجيه الخطاب ب [الجملة الفعلية]
اعلم أن الإخبار فى قولنا: قام زيد، مثله فى نحو قولك: زيد قام، خلا أن قولنا: زيد قام، فيه نوع اهتمام وإيضاح للجملة الاسمية كما أوضحنا فى نظائره، وهكذا قولنا: زيد قائم، مثل قولنا: إن زيدا قائم، خلا أن الثانى مختص بمزيد قوة وتأكيد لم يكن فى الأول، ولو جئت باللام فى خبر إن، لكان أعظم تأكيدا، فقولنا: زيد منطلق، إخبار لمن يجهل انطلاقه وقولنا: منطلق زيد، إخبار لمن يعرف زيدا، وينكر انطلاقه، فتقديمه اهتمام بالتعريف بانطلاقه، وقولنا: إن زيدا منطلق، رد لمقالة من يقول: ما زيد منطلقا، وقولنا: إن زيدا لمنطلق، رد لقول من قال: ما زيد بمنطلق، فأنت إذا جئت بالجملة الفعلية فقلت قام زيد، فليس فيه إلا الإخبار بمطلق القيام مقرونا بالزمان الماضى من غير أن يكون هناك مبالغة وتوكيد كقوله تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ
[النمل: 17] وقوله تعالى: نَزَّلَ الْكِتابَ
[الأعراف: 196] فالغرض الإخبار بهاتين الجملتين بالفعل الماضى من غير إشعار بمبالغة هناك، ولما أراد المبالغة فى الجملة الأولى قال فى آخرها: فَهُمْ يُوزَعُونَ
[النمل: 17] وقال فى الثانية: وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
[الأعراف: 196] فإتيانه بالجملتين الاسميتين من آخر الجملتين السابقتين المصدرتين بالفعلين دلالة على المبالغة والتأكيد فى المقصود الذى سقناه من أجله، وهو التولى للصالحين والإيزاع.
(2/18)

دقيقة
اعلم أن جميع ما يخبر به على قسمين؛ اسم، وفعل، ثم كل واحد من الاسم والفعل يقع جزءا من الجملة تارة، ويقع جزءا زائدا على الجملة أخرى، فمثال ما يكون جزءا معتمدا فى الجملة قولنا: زيد قائم، وقام زيد، فهذان الخبران كل واحد منهما عمدة فى الإخبار، إما على أنه مسند إليه كالفاعل، والمبتدأ، وإما على أنه مسند به، كالفعل، وخبر المبتدأ، ومثال ما يقع جزءا زائدا على الجملة، الحال فى نحو قولك. جاءنى زيد ضاحكا، فإن الحال جزء فى الحقيقة، ولهذا فإنك تجعله خبرا عن ذى الحال، كما تثبته لذى الخبر بالخبر، لكن الإخبار بالحال جار على جهة التبعية للخبر السابق، بخلاف خبر المبتدأ والفعل المسند إلى الفاعل، فإنه ليس بمشترط فيه تقدم واسطة بينهما.
(2/19)

الفصل الثالث فى أحوال [الفصل،]
والوصل، وهو دقيق المجرى، لطيف المغزى، جليل المقدار، كثير الفوائد، غزير الأسرار، ولقد سئل بعض البلغاء عن ماهية البلاغة، فحدّها بمعرفة الفصل، والوصل، وجعل ما سواه تبعا له، ومفتقرا إليه، وقاعدته العظمى حروف العطف، وينعطف عليها حروف الجر، وتكون تابعة لها، فإنه يتعلق بكل واحد منهما أسرار ولطائف ننبه عليها بمعونة الله تعالى، ولسنا نريد بتلك الأسرار واللطائف ما يكون متعلقا بعلوم الإعراب من كون الأحرف العاطفة تلحق المعطوف فى الإعراب، ولا أن الحروف الجارة تجر الاسم، وتعدى الأفعال اللازمة، بل نريد أمرا أخص من ذاك، وأغوص على تحصيل الأسرار الغريبة واللطائف العجيبة فى كتاب الله تعالى وفى غيره، وإن كان لا بد من التصرفات الإعرابية والإحاطة بالمعانى النحوية، فهذان بحثان يحيطان بالبغية من ذلك بمعونة الله تعالى.
البحث الأول فيما يتعلق ب [الأحرف العاطفة]
اعلم أن العطف على نوعين، عطف مفرد على مفرد، وعطف جملة على جملة، فأما عطف المفرد على المفرد فيستفاد منه مشاركة الثانى للأول فى الإعراب فى رفعه ونصبه وجره، بالفاعلية، أو بالمفعولية، أو بالإضافة وحروف الجر، فأما الصفات فالأكثر أنه لا يعطف بعضها على بعض كقولك: مررت بزيد الكريم العاقل الفاضل، وإنما قل العطف فيها؛ لأن الصفة جارية مجرى الموصوف، ولهذا فإنه يمتنع عطفها على موصوفها فلا يجوز أن تقول: جاءنى زيد والكريم، على أن الكريم هو زيد، لاستحالة عطف الشىء على نفسه، ويجوز عطف بعضها على بعض باعتبار المعانى الدالة عليها، فلهذا تقول: مررت بزيد الكريم، والعاقل، والعالم، باعتبار ما ذكرناه، كأنك قلت. مررت بشخص اجتمع فيه الكرم، والعقل، والعلم، فقد اجتمع فى الصفة دلالتها على ذات الموصوف ودلالتها على معنى فى الذات، فلأجل تلك المعانى التى تدل عليها جاز فيها العطف، ولأجل كونها دالة على الذات قل فيها عطف بعضها على بعض، وتعذر عطفها على الموصوف كما أشرنا
(2/20)

إليه، فأما الأوصاف الجارية على الله تعالى فقلما يأتى فيها العطف، وما ذاك إلا لأنها أسماء دالة على الذات باعتبار هذه الخصائص لها ووافقت الذات فى عدم الأولية لها، فلأجل هذا جرت مجرى الأسماء المترادفة كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
[الحشر: 22] ثم قال: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[الحشر: 23] الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[الحشر: 24] وقال غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ
[غافر: 3] فجاء بها على جهة التعديد من دون الواو لما ذكرناه، وإنما جاءت معطوفة فى قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[الحديد: 3] لأنها متضادة المعانى فى أصل موضوعها، فلهذا جاءت الواو رافعة لتوهم من يستبعد ذلك فى ذات واحدة؛ لأن الشىء الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد، فلأجل هذا حسن العطف، ولهذا جاء العطف فى قوله تعالى ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
[التحريم: 5] بخلاف ما تقدمه من الصفات، فإنها معدودة من غير واو، وذلك لأجل تناقض البكارة والثيوبة، فجىء بالعطف لرفع التناقض بخلاف الإسلام، والإيمان، والقنوت، والتوبة، وغيرها من الصفات، ومنه قوله تعالى التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ
[التوبة: 112] إلى آخرها بغير واو، وقال فى آخرها الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[التوبة: 112] لما كانت هاتان الصفتان متضادتين، فلا جرم وجب فيهما العطف كما ترى، لا يقال فإنا نرى الأوصاف فى قوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
[غافر: 3] جاءت كلها بغير حرف عطف إلا قوله وَقابِلِ التَّوْبِ
[غافر: 3] فإنها جاءت بالواو مع اشتراكها كلها فى كونها من الأوصاف الفعلية، فما السر فى ذلك، لأنا نقول: أما مجىء غافِرِ
عقيب قوله: الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[غافر: 2] من غير واو مع أنهما من صفات الذات و «غافر» من صفات الأفعال: فإنما كان كذلك لأنها فى معناهما؛ لأن العزيز هو الغالب، والعالم هو المحيط بكل المعلومات، ومن كان غالبا بالقدرة على كل شىء وعالما بحسن العفو ومزيد الإحسان فهو الأحق بالستر، وإسقاط العقوبة وأن لا يستوفى له حقّا من العباد، فلهذا جاءت من غير واو؛ لانتظامها مع ما قبلها فى سلك واحد كما أوضحناه، وأما مجىء قوله: وَقابِلِ التَّوْبِ
بالواو مع كونها من صفات الأفعال لأمرين؛ أما أولا فلأن المرجع بالمغفرة إلى السلب؛ لأن معنى «الغافر» هو الذى لا يفعل العقوبة مع الاستحقاق، والمرجع بقبول التوبة إلى الإثبات؛ لأن معناه أنه يقبل العذر والندم، فلما
(2/21)

كانا متناقضين بما ذكرناه، وجب ورود الواو فصلا بينهما كما ذكرناه فى الأول والآخر، وأما ثانيا فلأنهما وإن كانا من صفات الأفعال لكنه جمع بينهما بالواو لسر لطيف، وهى إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين، بين أن تقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها إمحاء للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول، ومن وجه آخر، وهو أنهما وإن كانا من صفات الأفعال خلا أن المغفرة مختصة بالعبد، وقبول التوبة مختص بالله تعالى، فلما تغاير أمر هذا الوجه لا جرم وردت الواو منبهة على تغايرهما، وإنما وردا على وزن اسمى الفاعل دون ما بعدهما وما قبلهما من الصفات، ولم يقل:
الغفار والتواب، كما ورد فى موضع من التنزيل، دلالة على أن الغرض ههنا إحداث المغفرة والتوبة من جهته تعالى للعبيد لمزيد الرحمة واللطف، بخلاف قولنا: التواب والغفار، فإن الغرض بهما هو الثبوت والاستمرار دون الحدوث، فافترقا، وإنما جاء قوله: شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
من غير واو لكون الأوصاف ملتئمة متناسبة يجمعها كونها من صفات الأفعال، كما جاء قوله: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[الحشر: 24] من غير واو لكونها جميعا من الصفات الفعلية، فنبه بلفظ اسم الفاعل على أنه تعالى فاعل للأمرين جميعا، محدث لهما من جهته، ليكون ذلك لرجاء الرحمة من عنده والأمل للعفو برحمته وكرمه، ثم عقّبه بقوله: شَدِيدِ الْعِقابِ
[غافر: 3] تحذيرا عن مواقعة الخطايا وملابسة المعاصى وزجرا عن الاتّكال على ما سلف من الغفران وقبول التوبة، ثم ختم هذه الصفات بأحسن ختام وأعجب تمام بالوصف «بالطول» رحمة للخلق، وتسلية للعبيد، وعدة لهم بأن منتهى الأمر فى حقهم، الطول عليهم بالكرم، واندراجهم فى غمار الرحمة الواسعة واللطف العظيم، اللهم اجعلنا ممن شملته رحمتك، وأدخلته فى عبادك الصالحين، لا يقال: فعلام يحمل قوله تعالى: شَدِيدِ الْعِقابِ
فإن حمل على الصفة فهو نكرة؛ لأن الصفة المشبهة باسم الفاعل لا تتعرف بإضافتها إلى المعرفة، وإن حملتموه على البدلية مما قبله، حصل هناك تنافر فى نظام الآية وسياقها؛ لأن ما قبله صفة وما بعده صفة، فلا يجوز حمله على البدلية لما ذكرناه؛ لأنا نقول حكى عن أبى إسحق الزجاج أنه حمله على البدلية، وما ذاك إلا لأنه اعتاص عليه تنزيله على وجه يتعرف به، فعدل إلى هذه المقالة، وهذا لعمرى أسرع وأخلص لكن غيره أدق وأغوص، والأقرب حمله على الصفة، ليطابق ما قبله وما بعده، فأما تعريفه ففيه تأويلات، التأويل الأول ذكره الزمخشرى فى تفسيره أن
(2/22)

تعريفه إنما هو باللام لكنها اطّرحت لأجل الازدواج، وليطابق قوله تعالى: ذِي الطَّوْلِ
فلا جرم قضينا بتعريفه باللام لما ذكرناه ولكنها اطرحت لمراعاة الازدواج، التأويل الثانى أن يقال: إنه فى نية الإضافة، والمعنى فيه أنه يكون تقديره: «ذى العقاب الشديد» ومع هذا يحصل التعريف المعنوى، والازدواج اللفظى، وما ذكره الزمخشرى وإن كان جيدا لكن هذا أدق وأحسن، هذا كله فى عطف المفردات، وهذا كله إنما يتقرر على رأى من يجعلها كلها دالة على الثبوت، فأما على ما تأولناه من أن غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
دالان على الحدوث، فهى كلها أبدال، فلا يكون هناك تنافر بينها؛ لأنها كلها نكرات على هذا التقرير، وأما عطف الجملة على الجملة فهو على وجهين؛ أحدهما أن يكون العطف على جملة لها موضع من الإعراب فتكون المعطوفة كذلك أيضا، وهذا كقولك: مررت برجل خلقه حسن، وخلقه قبيح. فيكون مشتركا بين الجملتين فى القضاء عليهما بالحسن، حملا على الصفة، وثانيهما أن تعطف جملة على جملة لا موضع لها من الإعراب. وهذا كقولك:
زيد أخوك، وبشر صاحبك. فالجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب، لكونها ابتدائية، وعلى هذا تكون الثانية لا موضع لها من الإعراب أيضا، وهل يكون للواو ههنا فائدة أو لا، فظاهر كلام الشيخ عبد الكريم أنه لا فائدة لها ههنا بحال، فأما الزمخشرى فقد قال إنها تجمع بين مضمونى الجملتين فى الحصول، وهذا هو الأقرب، فإنها كما تجمع بين الرجلين فى المجىء فى نحو قولك: جاء زيد وعمرو، فهكذا تجمع بين الجملتين فى الوجود والحصول، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلننعطف على بيان المقصود، ونعكر عكرة على بيان الأسرار المعنوية المتعلقة بالحروف العاطفة، فمن ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
[آل عمران: 7] فالواو فى قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
هل تكون للعطف، أو للاستئناف، قد وقع فيها تردد بين العلماء، فمنهم من قال: هى للعطف، ويقف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
وهو الذى عول عليه الزمخشرى فى تفسيره ومنهم من قال هى للاستئناف ويقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ
ومنهم من توقف فى ذلك وجوز الأمرين جميعا، فمن ذهب إلى العطف قال: إن التأويل معلوم لله وللراسخين، ومن قال بالاستئناف قال: إن تأويل
(2/23)

القرآن لا يعلمه إلا الله وحده، فأما من توقف فهو شاك فى الأمرين، فتردد فيهما جميعا، فلا مذهب له فى الحقيقة؛ لأنه غير قاطع بحكم فى الآية، والمختار عندنا فى الآية أن الراسخين مرفوع على الابتداء ويَقُولُونَ
[آل عمران: 7] خبره، وأن الواو عاطفة لجملة على جملة، فيكون التقرير: فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ويدل على ما اخترناه أوجه؛ أما أولا فلأن ظاهر الواو للعطف، فلا يجوز العدول عنه من غير دليل، وإذا وجب العطف فلا يجوز عطف الراسخين على قوله: إِلَّا اللَّهُ
لأن الراسخين جملة، واسم الله مفرد، فلا يجوز عطفه عليه، وأما ثانيا فلأن الراسخين لو كان معطوفا على اسم الله، لم يحسن الوقوف على اسم الله دونه، إذ لا يحسن الوقف على المعطوف عليه دون المعطوف، فلما حسن ذلك دل على امتناع عطفه عليه، وأما ثالثا فلأن وضع «أما» للتفصيل بين الأجناس المتعددة، ولم يسبق إلا أحد الجنسين، وهو قوله فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
إلى آخر صفاتهم، فيجب أن يتلوه الجنس الآخر المقابل له، وهم الراسخون فى العلم، فتحصل «أما» الأولى «وأما» الثانية على مقصود التقابل، كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا
[هود: 106] ثم عقبه بقوله:
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا
[هود: 108] فيكون تقدير الآية: فأما الزائغون فيتبعون وأما الراسخون فيقولون: آمنا به، لا يقال: لو كان الراسخون عطفا على قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ
لوجب إثبات الفاء فى قوله: يَقُولُونَ
كما جاءت فى قوله: فَيَتَّبِعُونَ
ليتطابق الكلامان ويتسق نظامهما، لأنا نقول. هذا هو الوجه اللائق، لكنا نقول: إنما ترك المجىء بها لأن الفاء إنما يجب الإتيان بها: إذا كانت (أما) مذكورة فى الكلام لأنها مشعرة بالشرط، فأما إذا كانت محذوفة فلا يلزم الإتيان بالفاء، فلما حذفت فى قوله: وَالرَّاسِخُونَ
استغناء عنها بالواو، لا جرم لم يأت بالفاء فى قوله: يَقُولُونَ
من أجل ذلك، ومن ذلك قوله تعالى:
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)
[الشعراء: 79- 81] فعطف السقى على الإطعام بالواو إرادة للجمع بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر جائز، إذ لا ترتيب فيهما، خلا أن مراعاة حسن النظم والمشاكلة أوجب ذلك،
(2/24)

ثم عطف يَشْفِينِ
بالفاء؛ لأن الشفاء يتعقب المرض، وتنبيها على عظم المنة بالعافية بعد المرض من غير تراخ، ثم عطف الإحياء بعد الإماتة بثم؛ لأن الإحياء بعد الموت إنما يكون بمهلة وتراخ، ولو عطفت الجمل فى هذه الآية بعضها على بعض بالواو لتم المعنى المقصود، ولكن الذى ورد به التنزيل أدخل فى المعنى وأعجب فى النظم، وأليق ببلاغة القرآن وفصاحته، ومن ذلك قوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22)
[عبس: 17- 22] فانظر إلى نظام هذه الآية، ما أدخله فى الإعجاب، فجاء قوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ
من غير واو؛ لأنها واردة على جهة التفسير لقوله: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18)
والخلق هو الإيجاد، خلافا لما يحكى عن المعتزلة من أنه التقدير؛ لأنه لو كان التقدير لكان قوله: فَقَدَّرَهُ (19)
يكون تكريرا لا حاجة إليه، وهكذا قوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[الفرقان:
2] يكون مكررا على مقالتهم، وقوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49)
[القمر: 49] فهذه كلها مع غيرها تبطل كون الخلق بمعنى التقدير، وهذا عارض، فعطف قوله: فَقَدَّرَهُ
بالفاء تنبيها على أن التقدير مرتب على الخلق، وعلى عدم التراخى بينهما، وعطف السبيل بثم، لما بين الخلق والهداية من التراخى والمهلة الكثيرة، ثم عطف الإماتة بثم، إشارة إلى التراخى بينهما بأزمنة طويلة، ثم عطف الإقبار بالفاء، إذ لا مهلة هناك، ثم عطف الإنشار بثم، لما يكون هناك من التراخى باللّبث فى الأرض أزمنة متطاولة، فأكرم بهذه اللطائف الشريفة، والمعانى الرائقة التى لا تزداد على طول البحث وكثرة التنقير إلا غوصا على الأسرار ودخولا فى التحقيق، ولله سر التنزيل، ما أحواه للغرائب، وأجمعه للأسرار والعجائب. ومن ذلك قوله تعالى فى بديع خلقة الإنسان: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[المؤمنون: 12- 14] فتأمل هذه الآية كيف بدأ بالخلق الأول، وهو خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثانى الذى هو خلق التناسل، عطفه بثم، لما بينهما من
(2/25)

التراخى، وحيث صار إلى الأطوار التى يتلو بعضها بعضا على جهة المبالغة عطف العلقة على النطفة بثم، لما بينهما من التراخى، ثم عطف المضغة على العلقة بالفاء لما لم يكن هناك تراخ، ثم عطف خلق العظام من عقيب كونه مضغة بالفاء من غير مهلة ولا تلبّث، ثم عطف فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً
بالفاء من غير تراخ، ثم تسويته إنسانا بعد خلق العظام بثم، إشارة إلى التراخى، ثم قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14)
[المؤمنون: 19] عطفه بالفاء دلالة على أن كل عاقل خرق قرطاس سمعه نظم هذه الآية وتأليفها فإنه يقضى العجب على الفور من غير تلبّث، وينطق باللفظ الدال على الزيادة فى الحكمة والدخول فى الإتقان، ومن ثم قال «1» غير واحد من البلغاء وأهل الفصاحة عند سماع هذه الآية، تبارك الله أحسن الخالقين. لأجل ما يقع فى النفوس من بديع النظام وحسن التأليف فيها.
ويتعلق بما نحن فيه تنبيهات ثلاثة:
التنبيه الأول
هو أن من حق الجمل إذا ترادفت وتكرر بعضها فى إثر بعض فلابد فيها من ربط الواو لتكون متسقة منتظمة، كما أن الجمل إذا وقعت موقع الصلة، أو الصفة، فلا بد لها من ضمير رابط يعود منها إلى صاحبها، فلهذا تقول: زيد قائم، وعمرو منطلق، فلا تجد بدّا من الواو، وكما لا تجد بدّا من الضمير فى نحو قولك: هذا الذى قام وخرج، من أجل الربط كما ذكرناه، وهذا الصنيع مستمر، اللهم إلا أن تكون الجملتان بينهما امتزاج معنوى، وتكون الثانية موضحة للأولى مبينة لها كأنهما أفرغا فى قالب واحد، فإذا كانت بهذه الصفة فإنها تأتى من غير واو، وهذا كقوله تعالى: الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: 1- 2] فإنه من غير واو لما كان موضحا لقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ
؛ لأن كل ما كان من القرآن فهو لا ريب فيه ولا شك، ثم قال: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[البقرة: 2] فإنه موضح لقوله: لا رَيْبَ فِيهِ
لأن كل ما كان لا يرتاب فى حاله، ولا يقع فيه
(2/26)

تردد، ففيه نهاية الهدى، وغاية الصلاح لأهل التقوى وهكذا قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
[البقرة: 7] جاء بغير واو لما كان واردا على جهة التأكيد لقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[البقرة: 6] لأن كل من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر فهو فى غاية الجهل والعمى مختوما على قلبه مغشى على بصره وقوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[البقرة: 14] لأن قوله: قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
أى إنا غير تاركى اليهودية فى التكذيب بالرسول صلّى الله عليه وسلّم فيكون قولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14)
مؤكدا لهذا المعنى بعينه، ومن الواضح قوله تعالى ما هذا بَشَراً
[يوسف: 31] مع قوله إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
[يوسف: 31] لأن الجملة الثانية واردة مورد التأكيد، فإن كونه ملكا ينفى كونه من البشر، ومن هذا قوله تعالى وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
[لقمان: 7] فجرد التشبيهين عن العاطف؛ لأنه مثّل حاله بعد التلاوة مثل حاله قبلها فقوله كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
مؤكد لما قبله وقوله كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
مؤكد لما قبله أيضا، فلهذا جاءتا من غير عاطف.
دقيقة
قد يعرض للجملة التى من حقها أن تكون معطوفة على ما قبلها أمر يسوغ ترك الواو مع كونها أجنبية عن الأولى مثاله قوله تعالى إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[البقرة: 14- 15] فالجملة الثانية إنما جاءت مجردة عن الواو لما كانت على تقدير سؤال، كأنه قيل: هم أحقاء بالاستهزاء لأجل دخولهم فى العناد وإغرابهم فى التكذيب، فمن يستهزىء بهم، فقيل. الله يستهزىء بهم كما قال بعضهم «1» :
زعم العواذل أننى فى غمرة ... صدقوا ولكن «2» غمرتى لا تنجلى
فلما حكى عن العواذل ما زعموه وجرّ ذلك سؤال السامع له عن صدق ما زعموه، أو كذبه، فكأنه قيل له: فما تقول فى ذلك، فقال: أقول: صدقوا، ولكن لا مطمع لهم فى خلاصى مما أنا فيه.
(2/27)

التنبيه الثانى
من حق المحدّث عنه فى الجملة الثانية، أن يكون له تعلق بالمحدث عنه فى الجملة الأولى، حتى يكونا كالنظيرين والشريكين، ولا يجوز أن يكون أجنبيا عنه بحيث لا علقة بينهما ولا مشابهة بحال، ولهذا حسن: زيد قائم، وعمرو قاعد، وزيد أخوك، وبشر صاحبك، لما كان عمرو، وبشر، لهما تعلق بزيد ونظيران له، وقبح قولنا: خرجت من دارى، وأحسن ما قيل من الشعر كذا، لما كان الثانى لا تعلق له بالأول، ولا مناسبة بينه، وبينه ولهذا عيب على أبى تمام قوله «1» :
لا والذى هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم
إذ لا ملابسة بين كرم أبى الحسين وبين مرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر، وكما وجب أن يكون بين المحدث عنه فى الجملتين هذه الملاءمة والمشابهة، فهكذا أيضا يجب فى الخبر الثانى أن يكون مشابها للخبر الأول أو مناقضا له، ولهذا حسن قولنا: زيد خطيب، وعمرو شاعر، وبكر فقيه، وخالد محدث، وزيد قائم، وعمرو قاعد، وقبح قولنا: زيد طويل القامة، وعمرو شاعر، إذ لا تعلق بين طول القامة، وبين كونه شاعرا، وهكذا زيد كاتب، وعمرو باع داره، لأجل ما بينهما من المنافرة.
إشارة
إذا أوجبتم ما تقدم من وجوب الملاءمة بين المعطوف والمعطوف عليه فكيف يقال فى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها
[البقرة: 189] وأى ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها؟ قلنا فيه أجوبة ثلاثة؛ أحدها أنه لما ذكر أنها مواقيت للحج، وكان من عادتهم ذلك كما نقل فى الحديث أن ناسا كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتا ولا خيمة ولا خباء من باب، بل إن كان من أهل المدر نقب نقبا من ظاهر البيت يدخل منه، وإن كان
(2/28)

من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة أو الخباء، فقيل لهم: ليس البر تحرّجكم من دخول البيت، ولكن البر من اتقى محارم الله.
وثانيها أن يكون ذلك معطوفا على شىء محذوف، كأنه قيل لهم عند سؤالهم: معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى فيه حكمة عظيمة، ومصلحة ظاهرة فى الأهلة وغيرها، فدعوا هذا السؤال، وانظروا فى خصلة تفعلونها أنتم مما ليس، من البر فى ورد، ولا صدر، وهى إتيان البيوت من ظهورها، فليست برّا، ولكن البر هو تقوى الله تعالى والتجنب لمحارمه ومناهيه، وثالثها أن يكون واردا على جهة التمثيل لما هم عليه من تعكيس الأسئلة ولما هم بصدده من التعنت، وأن مثالهم فى سؤالاتهم المتعنتة، كمثل من ترك باب الدار، ودخل من ظهر البيت فقيل لهم: ليس البر ما أنتم عليه، ولكن البر هو التقوى. ومنه قوله عليه السلام، حين سئل عن التوضؤ بماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . فلما كان للبحر تعلق بحل الميتة كما كان له تعلق بجواز التوضؤ، ذكره على أثره، وأردفه به، وأتى به من غير واو، ليدل بذلك على أنهما جميعا من حكم ماء البحر ومن لوازمه.
التنبيه الثالث
إذا ورد لفظة «قال» فى التنزيل مجردة عن حرف العطف فهو على تقرير سؤال، وإن جاء متصلا به حرف العطف، فهو يأتى على إثر جملة يكون معطوفا عليها، فمثال وروده معطوفا قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً
[الذاريات: 24- 25] فالقول معطوف على الدخول، وهكذا قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
[الأنبياء: 26] فإنه يكون عطفا على ما قبله بالواو، ونحو قوله تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ
[الزخرف: 58] إلى غير ذلك، ومثال ما ورد مجرّدا عن العاطف قوله تعالى: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (27)
[الذاريات: 27] لأنه لما قربه إليهم، كأن قائلا قال: فما قال لهم لما قربه، قال: ألا تأكلون، وهكذا قوله تعالى فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ
[الذاريات: 28] كأن قائلا قال: فما قالوا له حين رأوه قد تغير لونه وداخله الخوف، قالوا: لا تخف، وقوله تعالى فى قصة فرعون وردّ موسى عليه يجب تنزيله على ما ذكرناه: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ
(2/29)

مُوقِنِينَ (24) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)
[الشعراء: 23- 31] إلى قوله إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)
فإن لفظ القول فيها خارج على تقدير سؤال، ولهذا جاء بغير واو لما ذكرناه.
تكميل
اعلم أن الجمل بالإضافة إلى كيفية وقوعها على ثلاثة أوجه؛ أولها جملة حالها مع ما قبلها، حال الصفة مع الموصوف، والتأكيد مع المؤكد، فلا يكون فيها عاطف البتة لتنزيلها مع ما قبلها منزلة الشىء الواحد، والشىء لا يجوز عطفه على نفسه، ومن أجل هذا قضوا عند شدة الامتزاج بالبدلية فى قولك: من يضحك يتهلل وجهه فله درهم ولهذا وجب جزم الثانى، وثانيها جملة حالها مع ما قبلها حال الاسم الذى قبله غيره، فى المشاركة، فكما تقول: قام زيد وعمرو، فتقع بينهما المشاركة فى القيام، فكذا تقول: قام زيد وقعد، فتقع بينهما المشاركة فى الإسناد إلى زيد، وما هذا حاله فلا بد فيه من ذكر العاطف حتى تقع المشاركة من أجله، وثالثها جملة حالها مع ما قبلها على الانقطاع من غير مشاركة، وعلى هذا يكون ذكر الجملة السابقة، وترك ذكرها سواء، فتكون بمنزلة الاسم مع اسم آخر لا رابطة بينهما، وهذا كما مثلناه فى قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[البقرة: 14- 15] ويجب مع هذا ترك العاطف لأنه لا حاجة إليه، فهذا تمام ما أردنا ذكره فى هذا البحث، وبالله التوفيق.
البحث الثانى فى ذكر ما يتعلق ب [الأحرف الجارة]
اعلم أن وضع الحرف مطلقا هو دلالته على معنى فى غيره ولا يستقل بنفسه فى الدلالة، فأما وضع حروف الجر فإنما هو لاتصال معانى الأفعال بالأسماء، ويختلف ذلك الاتصال
(2/30)

باختلاف معانيها، وتحتها أسرار ولطائف، فالباء، للإلصاق، وللوعاء ولبيان الجنس إلى غير ذلك من المعانى، ولنذكر من ذلك ثلاث آيات من أجل التنبيه:
الآية الأولى
قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)
[سبأ: 24] فانظر إلى براعة هذا المعنى المقصود وجزالة هذا الانتظام بمخالفة موقعى هذين الحرفين، فإنه إنما خولف بينهما فى التلبس بالحق والباطل، والدخول فيهما، وذلك من جهة أن صاحب الحق كأنه لمزيد قوة أمره، وظهور حجته، وفرط استظهاره راكب لجواد يصرفه كيف شاء، ويركضه حيث أراد، فلأجل هذا جعل ما يختص به معدى بحرف «على» الدال على الاستعلاء، بخلاف صاحب الباطل فإنه لفشله، وفرط قلقه، وضعف حاله، كأنه ينغمس فى ظلام، وموضع سافل لا يدرى أين يتوجه ولا كيف يفعل، فلهذا كان الفعل المتعلق بصاحبه معدى بحرف الوعاء، إشارة إلى ما ذكرناه، ويؤيد هذا ما ذكره الله تعالى فى سورة يوسف حيث قال: قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95)
[يوسف: 95] .
الآية الثانية
قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ
[التوبة: 60] فهذه أصناف ثمانية، جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها ومستحقين لصرفها، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأول باللام، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء فى الأصناف الأربعة الأخر، وما ذاك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ فى الاستحقاق للصداقة، وأعظم حاجة فى الافتقار من حيث كانت دالة على الوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشىء فى الوعاء وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما فى فك الرقاب وفى الغرم من الخلاص عن الرق والدّين اللذين يشتملان على النقص، وشغل القلب، بالعبودية، والغرم، ثم تكرير الحرف فى قوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضى أن يقال: وفى الرقاب والغارمين وسبيل الله وابن السبيل. فلما جىء ب «فى» مرة ثانية وفصل بها سبيل
(2/31)

الله، علم أن السبيل آكد فى الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه وشموله لجميع القربات الشرعية والمصالح الدينية.
الآية الثالثة
قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[الإسراء: 70] إنما أعرض عن ذكر حرف الاستعلاء وهو «على» وعدل عنه إلى حرف الوعاء وهو «فى» مع أن الظاهر هو العلو على الأرض والفلك، إعلاما بأن حرف الوعاء أقعد وأمكن ههنا من حرف الاستعلاء؛ لأن «على» تشعر بالاستعلاء لا غير من غير تمكن واستقرار، و «فى» تشعر ههنا بالاستقرار والتمكن، ومن حق ما يكون مستقرا فيه متمكنا أن يكون مستعليا له، فلما كانت تؤذن بالمعنيين جميعا آثرها وعدل إليها وأعرض عن «على» دلالة على المبالغة التى ذكرناها، وإنما ساوى فى ذكر «على» بين قوله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)
[الملك: 22] لاستوائهما جميعا فى الدلالة على المبالغة؛ لأن كل من كان منهمكا فى الغى منغمسا فى غمرات الباطل، فهو فى التمثيل بمنزلة من ركب وجهه، وجعله مطية له يمتطيها إلى الوقوف عليه وإحرازه له، ومن كان على الحق فهو فى التمثيل بمنزلة من هو على طريق مستقيمة لا تعوّج به منتصب القامة، لا ينحنى فى صعود ولا هبوط، فلما كان فى كلتا حالتيه لا ينفك عن الركوب والاستعلاء إما لوجهه أو للطريق المستقيمة سوّى بينهما فى حرف الاستعلاء، وهذه لطائف دقيقة وأسرار غامضة يدريها من ضرب فى هذه الصناعة بعرق، وظفر فيها بحظ.
(2/32)

الفصل الرابع فى [التقديم والتأخير]
اعلم أن الألفاظ تابعة للمعانى كما سنقرره فى خاتمة هذا الكتاب بمعونة الله تعالى، والمعانى لها فى التقديم أحوال خمسة:
الحالة الأولى [تقدم العلة على معلولها] عند القائلين بها
، وهذا كتقدم الكون على الكائنية، والعلم على العالمية، وهكذا سائر العلل والمعلولات عند من أثبتها، وهم أكثر المعتزلة وطوائف من الأشعرية، فأما نحن فلا نراها، بل الكون هو نفس الكائنية، والعلم هو نفس العالمية، من غير أمر وراء ذلك، واستقصاء الرد على من أثبتها قد قررناه فى الكتب الكلامية، وأنهينا فيه القول نهايته، ونحو تقدم الأسباب على مسبباتها، وهذا نحو تقدم السراج على ضوئه، فإن تقدم هذه الموجبات على موجباتها يكون تقدما ذهنيا، لا زمانيا، لأن الموجب لا يتراخى عن موجبه.
الحالة الثانية [التقدم بالذات] ،
وهذا نحو تقدم الواحد على الاثنين على معنى أن الوحدة لا يمكن تحقق الاثنينية إلا بعد سبقها، وليس من باب العلة والمعلول، فإن الوحدة ليست علة فى الاثنينية بخلاف ما قررناه فى الحالة الأولى.
الحالة الثالثة [التقدم بالشرف] ،
وهذا نحو تقدم الأنبياء على الأتباع، والعلماء على الجهال، فهذا تقدم معقول يخالف ما تقدم.
الحالة الرابعة [التقدم بالمكان]
، وهذا نحو تقدم الإمام على المأموم، ونحو تقدم من يقرب إلى الحائط دون من تأخر عنه، فمن يلى الحائط فإنه يقال: إنه سابق على من تأخر عنه، وهكذا القول فى غيره من الأمكنة.
الحالة الخامسة [التقدم بالزمان]
، وهذا نحو تقدم الشيخ على الشاب، والأب على الابن، فإن الوالد
(2/33)

وجد فى زمان لم يوجد فيه الابن، فهذه المعانى كلها عقلية، فما كان منها متقدما على غيره بأحد هذه الاعتبارات كان فى العبارة كذلك إتباعا للمعانى بالألفاظ، ومن التقدم بالزمان قوله تعالى: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ
[العنكبوت: 38] وهكذا قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[الأنعام: 1] فإن الظلمة سابقة على النور؛ لأن الحق أن الظلمة هى عدم النور، وليست أمرا ثبوتيّا، فإذا كان الأمر فيها كما قلناه فلا شك أن عدم الشىء سابق على وجوده، لأن العدم بلا أول والوجود يتلوه، فلهذا كان تقدم الظّلم على الأنوار، من باب تقدم الأزمنة، وهكذا القول فى الظلمة المعنوية؛ لأنها إذا أريد بها الجهل والكفر فإنها تكون سابقة على النور المعنوىّ، وهو العلم، والإسلام، ويؤيد ما قلناه قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
[النحل: 78] فانتفاء العلم ظلمة معنوية مجازية، فهى متقدمة بالزمان على نور الإدراكات الخمسة كلها، وقوله تعالى: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[الزمر: 6] يريد ظلمة البطن والرحم والمشيمة.
ومن التقدم بالذات قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
[النساء: 3] وقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ
[المجادلة: 7] وهكذا القول فى مراتب الأعداد كلها، فإن كل واحدة منها سابقة على ما بعدها من المراتب سبقا ذاتيا، ومن التقدم بالسببية قوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[الحشر: 24] ؛ لأن العزيز هو الغالب، ولأنه تعالى لما عز فى ذاته بالغلبة حكم على كل شىء، فلم يخرج عن حكمة ملكه خارج، ونحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
[البقرة: 222] فالتوبة هى سبب التطهير من دنس الآثام كلها. وقوله تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[الجاثية: 7] فالإفك يكون سببا للإثم، فلهذا قدم عليه، فأما قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
[الحج: 27] فتقديم رِجالًا
فيه وجهان؛ أحدهما أن يكون تقدما بالرتبة، فإن الغالب أن الرجالة إنما يأتون من الأمكنة القريبة، والركبان يأتون من الأمكنة البعيدة، فلهذا قدم الرجالة، وثانيهما أن يكون تقديم الرجالة لأجل الفضل، فإن من حج راجلا أفضل ممن حج راكبا، فلهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما: وددت لو حججت راجلا، فإن الله قدم الرجالة على الركبان فى القرآن. فدل ذلك على أنه فهم من التقديم فى الآية الفضل، فالمعنيان محتملان فى الآية كما
(2/34)

ترى، ومن التقديم فى الرتبة قوله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
[القلم: 11] فإن الهماز هو المغتاب، وهو لا يفتقر إلى مشى، بخلاف النميمة فإنها تفتقر إلى نقل الحديث من شخص إلى شخص، وما كان مجردا فهو سابق فى الرتبة على ما كان له تعلقات بغيره، وقوله تعالى مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ
[القلم: 12] إنما قدم على قوله: مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
[القلم: 12] لما كان المنع مقصورا على نفسه والعدوان له تعلق بغيره، وهكذا قوله عُتُلٍ
فإنه الفظّ الغليظ، والزنيم له تعلق بالغير من جهة أنه الدعى وهو المنسوب إلى غير أبيه فله تعلق بالغير.
ومن التقدم فى الشرف قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
[المائدة: 6] وقوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
[المائدة: 6] فإن الوجه أشرف من اليد، والرأس أفضل من الرجل، ومنه قوله النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
[النساء: 69] فإن النبى أشرف من الصديق وقوله: وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
[النساء: 69] فإن الشهداء أعلى درجة من غيرهم من أهل الصلاح، ومن هذا قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
[الملك: 23] وقوله إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
[الإسراء: 36] وقوله: سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[المجادلة: 1] وقوله تعالى: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ
[الأحقاف: 26] فأما تقديم الإنس على الجن فهو الأكثر الوارد فى القرآن من أجل شرفهم على الجن كقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ
[الرحمن: 74] وقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ
[الرحمن: 39] وقوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[الجن: 5] وغير ذلك، فأما قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[الرحمن: 33] فإنما ورد مقدّما ههنا على الإنس، من أجل اشتمالهم على الملائكة كما قال وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[الصافات: 158] حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكما قال الأرحبى «1» :
وسخّر من جنّ الملائك سبعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر
فحيث كان متناولا للملائكة قدموا لفضلهم، وحيث كان الخطاب مقصورا على الثقلين قدم الإنس لفضلهم، والأجود أن يقال: إنما قدم الجن ههنا لما كان المقام مقام خطاب بامتثال الأوامر فى العبادة فى قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات: 56] فقدمهم لما كانت المخالفة منهم فى ترك العبادة أكثر من
(2/35)

الإنس وقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[الرحمن: 33] إنما قدمهم لما كان المقام مقام تسلط واجتراء والجن، بذلك أحق فلهذا قدمهم، فأما قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[آل عمران: 14] فلأن الله تعالى لما صدّر الآية بذكر الحب، وكان المحبوب، مختلف المراتب متفاوت الدرج، اقتضت الحكمة الإلهية تقديم الأهم فالأهم من المحبوبات، فقدم النساء على البنين لما يظهر فيهن من قوة الشهوة ونزوع الطبع وإيثارهن على كل محبوب وقدم البنين على الأموال لتمكنهم فى النفوس واختلاط محبتهم بالأفئدة، وهكذا القول فى سائر المحبوبات، فالنساء أقعد فى البيوت، والبنون أقعد فى المحبة من الأموال، والذهب أكثر تمكنا من الفضة، والخيل أدخل فى المحبة من الأنعام، والمواشى أدخل من الحرث، فأما قوله تعالى: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[التغابن: 15] فإنما قدم الأموال ههنا لأنه فى معرض ذكر الافتتان، ولا شك أن الافتتان بالمال أدخل من الافتتان بالأولاد، لما فيه من تعجيل اللذة والوصول إلى كل مسرة والتمكن من البسطة والقوة، بخلاف آية القناطير، فإنه إنما قدم البنين فيها لما ذكرها فى معرض الشهوة وتمكين المحبة، ومما ينتظم فى سلك هذا العقد النفيس قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
[الحج: 26] فإنما قدم الطائفين لأن سياق الآية فى عظم العناية بالبيت والطائفون أقرب ما يكونون إليه، فلهذا قدمهم، ثم ثنى بالقائمين لأنه يلى الطواف فى الرتبة لأن القيام يشملهما جميعا، وإنما جمعا لأن الجمع أدل على العموم من المفرد، وإنما جمعا جمع السلامة لأن فى لفظ اسم الفاعل إشعارا بالتجدد والحدوث، كالفعل، فالطائفون والقائمون فى معنى يطوفون ويقومون، وإنما عدل إلى لفظ اسم الفاعل تجريدا له عن تعلق الأزمنة التى يدل عليها الفعل، وكان اسم الفاعل أحق لما فيه من الإشعار بالحدوث والتجدد، وتجرده عن الدلالة على الأزمنة، ثم ثلث بالركع السجود، وإنما جمعه جمع التكسير وعدل عن مشاكلته لما قبله من جمع السلامة، لما ذكرناه من أن جمع السلامة فى الطائفين والقائمين، فيه تنبيه على تجدد الطواف المختص بالبيت، والقيام، لأنه نوع منه، بخلاف الركوع والسجود، فإنهما لا يختصان بالبيت، بل كما يكونان فيه يكونان بغيره، ثم وصف الركع بالسجود، ولم يعطفه بالواو كما فعل بالقائمين. لأن الركع هم السجود، والشىء لا يعطف على نفسه، كما لا تقول: جاءنى زيد والكريم، على أن
(2/36)

يكون الكريم هو زيد، ولأن السجود قد يكون عبارة عن المصدر، فلو عطفه لأوهم كونه مصدرا والمراد الجمع، لا يقال: فهلّا قال: السّجّد، ليطابق قوله: الركع، كما جاء فى آية أخرى: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
[الفتح: 29] أو قال: الركوع ليطابق السجود، فما الوجه فى المخالفة بينهما، لأنا نقول: السجود يطلق على وضع الجبهة على الأرض، وعلى الخشوع، ولو قال: السجد، لم يتناول إلا المعنى الظاهر من غير إفادة الخشوع، ويصدق ذلك قوله تعالى: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
[الفتح: 29] لما كان من رؤية العين، ورؤية العين لا تتعلق إلا بالظاهر، فقصد بذلك الإشارة إلى السجود المعنوى فالصورى، بخلاف الركوع، فإنه ظاهر فى أعمال الجوارح الظاهرة التى لا يشترط فيها البيت كما فى الطواف والقيام المتقدمين، دون أعمال القلب، فلأجل هذا جعل السجود وصفا للركّع، وإنما أراد الخشوع الذى هو روح الصلاة وكمالها، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر ما يجب تقديمه، ولو أخر لفسد المعنى، وتغير، ثم نذكر ما يجوز تقديمه، ولو أخر لم تفسد المعنى فهذان تقريران:
التقرير الأول ما يجب تقديمه ولو تأخر لفسد معناه
، ونذكر من ذلك صورا خمسا.
الصورة الأولى [تقديم المفعول على فعله]
كقولك: زيدا ضربت، فى ضربت زيدا، فإن فى قولك: زيدا ضربت تخصيصا له بالضرب دون غيره، بخلاف قولك: ضربت زيدا، وبيانه هو أنك إذا قدمت الفعل فإنك تكون بالخيار فى إيقاعه على أى مفعول أردت بأن تقول ضربت زيدا أو عمرا أو بكرا أو خالدا، وإذا أخرت الفعل وقدمت مفعوله فإنه يلزم الاختصاص للمفعول على أنك لم تضرب أحدا سواه، فأما قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[الفاتحة: 5] فهل يكون تقديم المفعول به من أجل الاختصاص، أو من أجل المشاكلة لرءوس الآى، فيه مذهبان:
المذهب الأول أن تقديم المفعول إنما كان من أجل الاختصاص، وهذا هو الذى أشار إليه الزمخشرى فى تفسيره، وهو رأى الأكثر من علماء البيان، وذلك لأن المفعول إذا تقدم لزم الاختصاص كما قلناه فى قولنا: زيدا ضربت، ولأجل ذلك تكون العبادة مختصة بالله تعالى لأجل التقدم، وعلى هذا ورد قوله تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
(2/37)

[الزمر: 66] ولم يقل: بل اعبد الله، لأجل الاختصاص، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[الفاتحة: 5] فتقدمه من أجل الاختصاص، وهذا فيه نظر لقوله تعالى لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
[قريش: 3] وقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
[النساء: 36] وقوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ
[الحجر: 99] وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
[الحج: 77] ولو كان التقديم من أجل الاختصاص لوجب تقديمه فى هذه الآيات كلها، فلما ورد مؤخرا عن الفعل والمعنى واحد بطل ما قاله.
المذهب الثانى أنه إنما قدّم من أجل المشاكلة لرءوس الآى، ومراعاة حسن الانتظام، واتفاق أعجاز الكلم السجعية؛ لأن قبله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[الفاتحة: 4] فلو قال: نعبدك، ونستعينك، لذهبت تلك الطلاوة، ولزالت تلك العذوبة، وهذا شىء يحكى عن بعض علماء البيان واختاره ابن الأثير، والمختار عندنا أنه لا منافاة بين الأمرين فيجوز أن يكون التقديم من أجل الاختصاص، والتشاكل، فيكون فى التقديم مراعاة لجانب اللفظ والمعنى جميعا، فالاختصاص أمر معنوى، والتشاكل أمر لفظى. وعلى هذا ورد قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
[طه: 67] وقوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)
[الحاقة: 30- 31] ومنه قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)
[الضحى: 9- 10] وقوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ
[يس: 39] ولم يقل وقدّرنا القمر، ليطابق ما تقدم من الجمل الابتدائية فى قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ
[يس: 37] وقوله وَالشَّمْسُ تَجْرِي
[يس: 38] فبالتقديم تحصل ملاحظة الأمرين جميعا.
الصورة الثانية [تقديم خبر المبتدأ عليه]
فى نحو قولك: قائم زيد، فى: زيد قائم، فإنك إذا أخرت الخبر فليس فيه إلا الإخبار بأن زيدا قائم لا غير من غير تعرض لمعنى من المعانى البليغة، بخلاف ما إذا قدمته وقلت: قائم زيد، فإنك تفيد بتقديمه أنه مختص بهذه الصفة من بين سائر صفاته من الأكل، والضحك وغيرها، أو تفيد تخصيصه بالقيام دون غيره من سائر أمثاله، وتفيد وجها آخر وهو أنه يكون كلاما مع من يعرف زيدا وينكر قيامه فتقول: قائم زيد، ردا لإنكار من ينكره، ومن هذا قوله تعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ
[الحشر: 2] فإنما قدم قوله: مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ
وهو خبر المبتدأ فى أحد وجهيه، ليدل بذلك على فرط اعتقادهم لحصانتها ومبالغة فى شدة وثوقهم بمنعها إياهم،
(2/38)

وأنهم لا يبالون معها بأحد، ولا ينال فيهم نيل، وفى تقرير ضمير (هم) اسما، وإسناد المنع والحصون إليهم، دلالة بالغة على تقريرهم فى أنفسهم أنهم فى عزة ومنعة، لا ترمى حوزتهم، ولا يغزون فى عقر دارهم، ولو أخر الخبر لم يعط شيئا من هذه الفوائد، ومن هذا قوله تعالى فى قصة إبراهيم أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ
[مريم: 46] فإنما قدم خبر المبتدأ ولم يقل: أنت راغب، ليدل بذلك على إفراط تعجبه فى الميل عنها، ومبالغة فى الاهتمام بأمرها، وواضعا فى نفسه أن مثل آلهته لا تنبغى الرغبة عنها ولا يصح الإعراض عن عبادتها، ومن رائق ذلك وبديعه قوله تعالى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[الأنبياء: 97] فإنما قدمه ولم يقل: أبصار الذين كفروا شاخصة، لأمرين: أما أولا فلأنه إنما قدم الضمير فى قوله ليدل به على أنهم مختصون بالشخوص دون غيرهم من سائر أهل المحشر، وأما ثانيا فلأنه إذا قدم الخبر أفاد أن الأبصار مختصة بالشخوص من بين سائر صفاتها من كونها حائرة أو مطموسة أو مزورّة إلى غير ذلك من صفات العذاب، ولو قال: واقترب الوعد الحق فشخصت أبصارهم، لم يعط من هذه الأسرار معنى واحدا، ومن دقيق التقديم وغريبه قوله صلّى الله عليه وسلّم وقد سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال مجيبا للسائل: (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) وإنما قدم الخبر على المبتدأ فى الأمرين جميعا لغرضين؛ أما أولا فلأن يدفع بذلك إنكار من ينكر الحكمين جميعا؛ جواز التوضؤ وحل ميتته، لأنه ربما يسنح فى النفوس من أجل كونه زعاقا مختصا بالملوحة البالغة فلا يجوز التوضؤ به، وإن كان ميتا فلا يحل أكله لعدم الذكاة فيه، فقدم الخبر من أجل دفع ذلك وإزالته، وأما ثانيا فلأجل التنبيه على الاختصاص بكونه أخص الأمواه بجواز التوضؤ به لصفائه ورقته، وأن ميتته حلال لا يشوبها فى طيب المكسب، وحل التناول شائب، ولو قال فى الجواب: هو الذى ماؤه طاهر، وميتته حلال، نزل عن تلك الرتبة وفاتت عنه المزية.
الصورة الثالثة فى [تقديم الظرف وتأخيره]
اعلم أن الظرف لا يخلو حاله إما أن يكون واردا فى الإثبات، أو يكون واردا فى النفى، فإذا ورد فى الإثبات فتقديمه على عامله إنما يكون لغرض لا يحصل مع تأخيره فلا جرم التزم تقديمه؛ لأن فى تأخيره إبطالا لذلك الغرض، ثم هو على وجهين؛ أحدهما أن يكون
(2/39)

واردا دلالة على الاختصاص، وهذا كقوله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (63)
[الشورى: 53] لأن المعنى أن الله تعالى مختص بصيرورة الأمور إليه دون غيره، ونحو قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ
[الغاشية: 25- 26] وقوله تعالى: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 1
[التغابن: 1] فهذه الظروف لا وجه لتقديمها على عاملها إلا ما ذكرناه من الاختصاص، وثانيهما أن يكون تقديمه من أجل مراعاة المشاكلة لرءوس الآى فى التسجيع، وهذا كقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (23)
[القيامة: 22- 23] ليطابق قوله: باسِرَةٌ (24)
[القيامة: 24] فاقِرَةٌ (25)
[القيامة:
25] ونحو قوله وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30)
[القيامة: 29- 30] وقوله تعالى: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)
[القيامة: 12] ليطابق قوله: بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)
[القيامة: 13] ومثل قوله تعالى: وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (40)
[مريم: 40] ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)
[هود: 88] فهذا وأمثاله إنما قدم ليس من جهة الاختصاص، وإنما كان من أجل ما ذكرناه من المطابقة اللفظية فى تناسب الآى وتشاكلها، وقد يظن الظان أن تقديم الظرف إنما يكون مقصورا على الاختصاص، وليس الأمر كما ظنه كما حققناه، بل كما يحتمل المشاكلة كما أشرنا إليه فهو يحتمل الاختصاص، فهما محتملان كما ترى، والتحكم بأحدهما لا وجه له، وأما إذا كان واردا فى النفى فقد يرد مقدما، وقد يرد مؤخرا، فإذا ورد مؤخرا أفاد النفى مطلقا من غير تفصيل، وهذا كقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: 2] فإنه قصد أنه لا يلصق به الريب ولا يخالطه، لأن النفى التصق بالريب نفسه، فلا جرم كان منتفيا من أصله، بخلاف ما لو قدم الظرف فإنه يفيد أنه مخالف لغيره من الكتب فإنه ليس فيه ريب، بل فى غيره كما لو قلت: لا عيب فى هذا السيف، فإنه نفى العيب عنه على جهة الإطلاق، بخلاف ما لو قلت: هذا السيف لا فيه عيب، ولهذا أخره ههنا وقدمه فى قوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47)
[الصافات: 47] لأن القصد ههنا تفضيلها على غيرها من خمور الدنيا والمعنى أنه ليس فيها ما فى غيرها من الغول، وهو الخمار الذى يصدع الرءوس، أو يريد أنها لا تغتالهم بإذهاب عقولهم كما فى خمور الدنيا وَلا يُنْزِفُونَ (19)
[الواقعة: 19] أى لا يسكرون، من الإنزاف وهو السكر.
الصورة الرابعة [الحال]
فإنك إذا قدمته فقلت: جاء ضاحكا زيد، فإنه يفيد أنه جاء على هذه الصفة
(2/40)

مختصا بها من غيرها من سائر صفاته، بخلاف ما لو قلت: جاء زيد راكبا، فإنه كما يجوز أن يجىء على هذه الصفة فإنه يجوز مجيئه على غيرها من الصفات فافترقا.
الصورة الخامسة [الاستثناء]
فى نحو قولك: ما ضربت إلا زيدا أحدا، فإنك إذا قدمته فإنه يفيد الحصر، وأنه لا مضروب لك سواه، وهكذا لو قلت: ما ضربت أحدا إلا زيدا؛ فالصورتان دالتان على الحصر لما كان الاستثناء متصلا بالمفعول، بخلاف قولك: ضربت زيدا، فإنه غير مفيد للحصر، فكما يجوز أن تضربه يجوز أن تكون ضاربا لغيره وهكذا القول فى غيره من المسائل فإنها تختلف حالها باختلاف التقديم والتأخير.
التقرير الثانى فى بيان ما يجوز تقديمه ولو أخر لم يفسد معناه
اعلم أن الشيئين إذا كان كل واحد منهما مختصّا بصفة تقتضى تقديمه على الآخر فأنت بالخيار فى تقديم أيهما شئت، وهذا كقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
[فاطر: 32] فإنما قدم الظالم لنفسه لأجل الإيذان بكثرتهم وأن معظم الخلق على ظلم نفسه، ثم ثنى بعدهم بالمقتصدين لأنهم قليل بالإضافة إلى الظالمين، ثم ثلث بالسابقين وهم أقل من المقتصدين، فلا جرم قدم الأكثر، ثم بعده الأوسط، ثم ذكر الأقل آخرا لما أشرنا إليه، ولو عكست هذه القضية فقدم السابق لشرفه على الكل، ثم ثنى بالمقتصد لأنه أشرف ممن ظلم نفسه لم يكن فيه إخلال بالمعنى، فلا جرم روعى فى ذلك تقديم الأفضل فالأفضل، ومما ينسحب ذيله على ما قررناه من الضابط قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (49)
[الفرقان: 49] فقدم حياة الأرض لأنها سبب فى حياة الخلق، فلأجل هذا قدمت لاختصاصها بهذه الفضيلة، ثم قدم حياة الأنعام على حياة الناس، لما فيها من المعاش للخلق والقوام لأحوالهم، فراعى فى التقديم ما ذكرناه، ولو قدم سقى الخلق على سقى الأنعام لاختصاصهم بالشرب، وقدم سقى الأنعام على الأرض لكان له وجه؛ لأن الحيوان أشرف من غيره، فكل واحد منهما مختص بفضيلة يجوز تقديمه لأجلها، فلأجل هذا ساغ فيه الأمران كما ترى، ومما نورده من ذلك
(2/41)

قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
[النور: 45] وإنما قدم الماشى على بطنه؛ لأنه لما صدر الآية بالإخبار على جهة التمدح بأنه خالق لكل دابة من المآء، فقدم فى الذكر من يمشى على بطنه؛ لأنه أدل على باهر القدرة وعجيب الصنعة من غيره، وثنى بمن يمشى منهم على رجلين؛ لأنه أدخل فى الاقتدار ممن يمشى على أربع، لأجل كثرة آلات المشى، فيكون التقديم على هذا من باب تقديم الأعجب فى القدرة فالأعجب، ولو عكس الأمر فى هذا فقدم الماشى على الأربع ثم ثنى بالماشى على رجلين؛ ثم ختمه بالماشى على بطنه لكان له وجه فى الحسن، وعلى هذا يكون تقديمه من باب الأفضل فالأفضل، لا يقال فأراه لم يقتصر على قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ
[النور: 45] فيكون فيه وفاء بذكر الصنفين ويكون ما عداهما مندرجا تحتهما فيدخل تحت الأول من لا رجل له من حيوان البر والبحر، ويدخل تحت الثانى من يمشى على أكثر من رجلين؛ ولا حاجة إلى ذكر من يمشى على أربع لاندراجه تحت ما قبله، أو كان قد ذكر الأربع بذكر ما فوقها، فلم خص هذه الأنواع الثلاثة، لأنا نقول: إنما ذكر من يمشى على بطنه ولا بد من ذكره لما فيه من باهر القدرة، ولأنه غير مندرج تحت غيره، وخص من يمشى على رجلين؛ لأن من جملتهم بنى آدم، فخصهم بالذكر لما لهم من مزيد الشرف على سائر الحيوانات، ثم نبه بمن يمشى على أربع على سائر الحيوانات كلها، ولم يذكر ما زاد على ذلك؛ إما لأنه قليل بالإضافة إلى ذوات الأربع، وإما لأنه يدخل بطريق الأولى لأنه إذا جاز أن يمشى على أربع فمشيه على أكثر منها أدخل فى القدرة والجواز.
ومن ذلك قوله تعالى: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
[يونس: 61] وقال فى آية أخرى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[سبأ: 3] والتفرقة بينهما هو أنه أراد فى الثانية ذكر إحاطة علمه وشموله لكل المعلومات الجزئية والكلية، فلا جرم صدر بالسموات قبل الأرض لاشتمالها على لطائف الحكمة وعجائب الصنعة ومحكم التأليف وكثرة المعلومات، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[الأنعام: 75] وأما الأولى فإنها كانت مسوقة من شأن أهل الأرض كما قال تعالى: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً
[يونس: 61] فقدم ذكر الأرض تنبيها
(2/42)

على ذلك لما كان له اختصاص به، وهكذا حال الآيات القرآنية فإن فيها لمن تأملها وأمعن نظره وحك قريحته، أسرارا علمية ولطائف إلهية، يدريها من أدمن فكرته فيها، وأتعب قلبه وخاطره فى إحراز معانيها.
دقيقة
اعلم أنه إذا كان مطلع الكلام فى إفادة معنى من المعانى ثم يجىء بعده ذكر شيئين، وأحدهما يكون أفضل من الآخر وكان المفضول مناسبا لمطلع الكلام، فأنت ههنا بالخيار، فإن شئت قدمت المفضول لما له من المناسبة لمطلع الكلام، وإن شئت قدمت الفاضل لما له من رتبة الفضل، وقد جاء فى التنزيل تقديم السماء على الأرض وتقديم الأرض على السماء، وكل واحد منهما تحته سر ورمز إلى لطائف غريبة، ومعان عجيبة، فعلى الناظر إعمال نظره فى استنباطها، وإمعان فكره فى استخراجها، فليجدّ النظار الممارسون، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون.
(2/43)

الفصل الخامس فى [الإبهام والتفسير]
اعلم أن المعنى المقصود إذا ورد فى الكلام مبهما فإنه يفيده بلاغة، ويكسبه إعجابا وفخامة، وذلك لأنه إذا قرع السمع على جهة الإبهام، فإن السامع له يذهب فى إبهامه كل مذهب، ومصداق هذه المقالة قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ
ثم فسره بقوله أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66)
[الحجر: 66] وهكذا فى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
فأبهمه أولا ثم فسره بقوله: بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[البقرة:
26] ففى إبهامه فى أول وهلة، ثم تفسيره بغير ذلك تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، وإن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا بعوضة، لم يكن فيه من الفخامة وارتفاع مكانه فى الفصاحة، مثل ما لو أبهمه قبل ذلك، ويؤيد ما ذكرناه هو أن الإبهام أولا يوقع السامع فى حيرة وتفكّر واستعظام، لما قرع سمعه فلا تزال نفسه تنزع إليه وتشتاق إلى معرفته والاطلاع على كنه حقيقته، ألا ترى أنك إذا قلت: هل أدلك على أكرم الناس أبا، وأفضلهم فعلا وحسبا، وأمضاهم عزيمة، وأنفذهم رأيا، ثم تقول: فلان- فإن هذا وأمثاله يكون أدخل فى مدحته مما لو قلت: فلان الأكرم الأفضل الأنبل، وما ذاك إلا لأجل إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا، وكل ذلك يؤكد فى نفسك عظم البلاغة فى الكلام إذ أبهم أولا، ثم إنه فسر ثانيا، ثم فى إفادته لما يفيده من ذلك ضربان:
الضرب الأول منهما ما يرد مبهما من غير تفسير، ووروده فى القرآن كثير، وهذا كقوله تعالى فى قصة موسى وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ
[الشعراء: 19] فلم يذكر الفعلة بعينها مع كونها معلومة لما فى ذلك من المبالغة فى أمرها وتعظيم شأنها، كأنه قال: تلك الفعلة التى عظم أمرها، وارتفع شأنها، وكقوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[الإسراء: 9] يريد بذلك الطريقة أو الحالة أو الخصلة إلى غير ذلك من المحتملات المتعددة، وأى شىء من هذه الأمور قدّرته فإنك لا تجد له من البلاغة وإن بالغت فى الإفصاح به، الذى تجده من مذاق الفصاحة مع الإبهام، من جهة أن الوهم يذهب معه كل مذهب، لما فيه من المحتملات الكثيرة ومن هذا قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78)
[طه: 78] يريد أنه بلغ مبلغا تقاصرت العبارة عن كنهه فحذف ذاك وأقام الإبهام مقامه؛ لأنه أدل على البلاغة فيه كما قررناه، ومنه قوله تعالى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (53)
(2/44)

فَغَشَّاها ما غَشَّى (54)
[النجم: 53، 54] فهذه أبلغ من الآية التى قبلها لأن إبهامها أكثر، فلهذا كان أبلغ وأوقع، ولهذا فإنه قال فى الأولى فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78)
[طه: 78] واليم هو البحر فصار الذى أصابهم من الألم والتعب إنما هو من البحر، خاصة لا من غيره، بخلاف الثانية، فإنه أبهم فيها الأمر الذى غشيها، ولم يخصه بجهة دون جهة، وهذا لا محالة يكون أبلغ؛ لأن الإنسان يرمى به خاطره فيه كل مرمى، ويذهب به كل مذهب.
ومما يجرى هذا المجرى قوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12)
[النجم: 10- 12] فأبهم الأمر فى هذه الأمور الثلاثة فيما شرح الله به صدره من العلوم الموحاة، وأن الفؤاد ما أنكر ما رأى من تلك العجائب الإلهية، ثم عقبه بالإنكار عليهم فى المماراة له فى الذى رآه، وما ذاك إلا لأنه قصد تعظيم حالها، وأنها بلغت فى الفخامة مبلغا لا تدركه العقول، كأنه قال: أوحى إلى عبده أمرا أى أمر، واللام فى الفؤاد للعهد؛ لأن المراد هو فؤاد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، كأنه قال: لا ينبغى لمثل ذلك الفؤاد أن يكذب ذلك الأمر، ولا يصلح فى مثل ذلك الأمر أن تقع فيه المماراة بحال.
ومما يجرى على هذا الأسلوب قوله تعالى وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
[طه: 69] كأنه قال: ألق هذا الأمر الهائل الذى فى يمينك، فإنه يبطل ما أتوا به من سحرهم العظيم، وإفكهم الكبير، وكما يرد على جهة التعظيم كما أشرنا إليه، فقد يكون واردا على جهة التحقير، كأنه قال: وألق العويد الصغير الذى فى يمينك، فإنه مبطل على حقارته وصغره ما أتوا به من الكذب المختلق والزور المأفوك، تهكما بهم، وإزراء بعقولهم، وتسفيها لأحلامهم، ومنه قوله تعالى فى المدح فَنِعِمَّا هِيَ
[البقرة: 271] فإن هذا إبهام نزل منزلا عظيما فى إفادته المدح، وما ذاك إلا لأجل فخامته فى الإبهام، فلهذا أفاد البلاغة، ومواقعه فى القرآن أكثر من أن تحصى، ومحاسنه الكبرى أوسع من عديد الحصا، ومن الأمثلة الواردة فى السنة الشريفة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «عش ما شئت فإنّك ميّت وأحبب من أحببت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» فهذا الإبهام إذا نظر فيه حاذق بصير، وفكر فيه ألمعى نحرير، وجده مع ما قد حاز من البلاغة مشتملا على مبان جمة، ونكت غزيرة، ومواعظ زاجرة، على تقارب أطرافه، وكثرة محاسنه وأوصافه، وقوله عليه السلام
(2/45)

«أحبب حبيبك هونا مّا عسى أن يكون بغيضك يوما مّا. وأبغض بغيضك هونا مّا عسى أن يكون حبيبك يوما مّا» فهذا من رشيق الإبهام وبديعه، ومن عجيب أمره، ودقيق سره، أنه أمره بالاعتدال فى حالتى الحب والبغض، ومجانبة الإفراط والتفريط، فقال: أحبب حبيبك على الهون من غير إفراط فى حبه، فلعلك أن ترجع عن ذلك فى بعض الأيام وإن قل، فأتى بالهون منكرا مبهما وباليوم منكرا مبهما، ليدل بهما على شدة المبالغة فى المفقود، وإنما قيد الأول بالهون والثانى باليوم على جهة الإبهام ولم يعكس الأمر فيهما؛ لأن الأول موجه على جهة الأمر، بخلاف الثانى، فلهذا أمره بالتهوين فى مبدأ الأمر، حبا كان أو بغضا من غير تهالك فيهما مخافة أن يبدو له خلاف ذلك فيصعب تداركه ويعظم تلافيه، فلا جرم قيد الأمر بالهون، لما كان ملابسا له، وقيد الرجوع باليوم، لما كان عائدا إليه، ولو عكس لم يعط هذا المعنى، ومن هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا تجاحفت قريش ملكها فاتركوه» . وفى حديث آخر: «خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا تجاحفت قريش الملك فلا تأخذوه فإنما هو رشوة» فالإبهام هو قوله: «ما كان عطاء» ، لاشتماله على مقاصد عظيمة، وفى هذا القدر كفاية من التمثيل بالكلام النبوى.
ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى الإبهام قوله عليه السلام: أحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمّن شئت تكن نظيره. وفى هذا الكلام من الإعجاب ما لا يطلع عليه إلا الخواص، ولا يحيط بأسراره إلا كل غواص ويحار السامع له من أى شىء يعجب منه، هل من فصاحة لفظه؛ أو بلاغة معناه؛ أو من حسن سبكه أو من دقة مغزاه، ومنه قوله عليه السلام عند قراءة: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1)
[التكاثر: 1] يا مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله. فانظر إلى مطلع هذا الوعظ ما فيه من الزجر والمبالغة فى الموعظة وقرع القلوب وإيقاظها من الغفلة، ومنه قوله عليه السلام: إنّ الرجل ليحزن على ما لم يكن ليدركه، ويفرح بما لم يكن ليفوته؛ فهذا أيضا من عظيم الإبهام، ومن جيد الإبهام قولهم: لو رأيت أمير المؤمنين وقد اعتقل القناة يجدل الأبطال، ويجول فى معترك القتال أىّ مجال. فهذا عموم وإبهام معط للبلاغة، وإن لم يكن فيه آلة الإبهام، فأما الأبيات الشعرية فكقول البحترى:
(2/46)

مبيد مقيل السر لا يدرك التى ... يحاولها منه الأديب المخادع
فقوله: التى يحاولها. من الإبهام الذى لا تفسير له، ومن أبيات الحماسة «1» :
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلمّا علاه قال للباطل ابعد
فقوله: صبا ما صبا، فيه من الإبهام البالغ ما لو تناهيت فى تفسيره فإنك لا تجد له من البيان مثل ما تجده فى إبهامه، وكقول بعض الشعراء فى صفة الخمر «2» :
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفى الزجاجة باق يطلب الباقى
والكلام على هذا البيت مثل ما مضى فى أمثاله، ومنه قول بعض المتأخرين: فؤاد فيه ما فيه. فهذا فيه غاية المبالغة لإبهامه، وكقول ابن الأثير فى بعض التقاليد: وأنت مؤهل لواحدة تجلو بها غرر الجياد، وتناديها العلياء بلسان الإحماد، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد، فقوله: لواحدة، فيه من الإبهام البالغ ما لا يقوم مقامه البيان، ومنه قول المتنبى «3» :
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
فقوله: ما تراه، فيه إبهام عظيم، ومنه قولهم: بعد الّلتيا والّتى. فإن هذا واقع فى الإبهام أعظم موقع، وما حذفوا الصلة إلا من أجل إرادة الإبهام؛ لأن الصلة موضحة للموصول فى علم الإعراب، ولهذا توهم بعض النحاة لأجل إيضاحها للموصول، أنها هى المعرفة له، وكأنها بلغت مبلغا لا تطيق العبارة على وصفه، والأمثلة فى مثل هذا كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية وتنبيه على ما عداه.
«الضرب الثانى» فى الإبهام الذى ظهر تفسيره، وهذا كقوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ
[الحجر: 66] فقوله: ذلِكَ الْأَمْرَ
مبهم، وقد فسره بقوله: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ
وفى إبهامه أولا، ثم تفسيره ثانيا تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، ولو قال من قال من أول وهلة: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، لم يكن فيه ما
(2/47)

كان مع الإبهام من الفخامة، وعلى نحو هذا ورد قوله تعالى: قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (36)
[طه: 36] إلى أن قال إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
[طه: 38- 39] فسر قوله: ما يُوحى (38)
بقوله: أَنِ اقْذِفِيهِ
، فحصل فيه من البلاغة ما ترى، ومن هذا قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
[العنكبوت: 14] وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (38) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ
إلى قوله بِغَيْرِ حِسابٍ (40)
[غافر: 38- 40] ألا ترى أنه أبهم الرشاد كيف حاله، ثم أوضحه بعد ذلك بأن افتتح كلامه بذم الدنيا وتحقير شأنها، وتعظيم حال الآخرة والاطلاع على كنه حقيقتها، ثم ذكر الأعمال حسنها وسيئها وعاقبة كل شىء منها، ليرغب فى كل حسنة ويزهد عن كل سيئة، فكأنه قال: سبيل الرشاد ما اشتمل عليه هذا الشرح العظيم المحيط بالترغيب فيما يزلف والانكفاف عما يوهى ويتلف.
ومن السنة الشريفة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أنبئكم بأمرين؛ خفيفة مؤنتهما، عظيم أجرهما، لن يلقى الله بمثلهما» . ثم قال بعد ذلك تفسيرا لهما: «الصمت وحسن الخلق» . وقوله عليه السلام: «ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم» ، قالوا: نعم، قال: «أفشوا السلام» ، فانظر إلى تفسير ما أبهم فى هذين الخبرين، ما أعظم ما اشتمل عليه من البلاغة، وفى حديث آخر «ألا أدلكم على أخسر الناس صفقة» قالوا: نعم، قال: «من باع آخرته بدنيا غيره» . ولهذا باب واسع الخطو فى القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن أمرهما مبنى على البلاغة، وهذا الباب موقع عظيم فى الدلالة عليها.
ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه: «إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع» .
فسئل عليه السلام عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه، ووضعها بين أذنيه وعينيه، ثم قال: «الباطل أن تقول سمعت، والحق أن تقول رأيت» فليتأمل المتأمل هذا الإبهام اللطيف الذى يعجز عنه أكثر الخليقة، ولا يدرى بكنهه إلا من رسخت قدمه فى علم البلاغة، ولقد سبق أمير المؤمنين إلى غايتها وما صلّى، وفاز فيها بالنصيب الأوفر والقدح المعلى، وبرز فيها على الأقران، وفاز بالخصل من بين سائر الفرسان.
(2/48)

الفصل السادس فى [الإيجاز والحذف، ويقال له: الإشارة]
أيضا، يقال: أوجز فى كلامه، إذا قصره، وكلام وجيز أى قصير، ومعناه فى اصطلاح علماء البيان: هو اندراج المعانى المتكاثرة تحت اللفظ القليل، وأصدق مثال فيه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[الحجر: 94] فهاتان الكلمتان قد جمعتا معانى الرسالة كلها، واشتملت على كليات النبوة، وأجزائها، وكقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199)
[الأعراف: 199] فهذه الكلمات على قصرها وتقارب أطرافها قد احتوت على جميع مكارم الأخلاق، ومحامد الشيم، وشريف الخصال، وهذا هو المراد بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أوتيت جوامع الكلم» فالكلم جمع كلمة، والجوامع جمع جامعة، كضاربة وضوارب، والغرض بما قاله هو أنه عليه السلام مكن من الألفاظ المختصرة التى تدل على المعانى الغزيرة، وأنت إذا فكرت فى كلامه وجدت جل كلماته جارية هذا المجرى، ولهذا فإن الناظرين فى السنة النبوية الدالة على الأحكام الشرعية، والحكم الأدبية لا تزال المعانى المستخرجة منها غضة طرية على تكرر الأعوام وتطاول الأزمان، ومع ذلك فإنهم ما أحاطوا بغايتها ولا بلغوا نهايتها، وهذا كقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام» . فإن هذه الكلمة مشتملة على معان شرعية، وآداب حكمية تزيد على الحد وتفوت على العبد، وهكذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الخراج بالضّمان» فإن تحته أسرارا فقهية، وبدائع علمية، تشتمل عليها كتب الفقه، ومن ثم اتسع نطاق الاجتهاد وعظمت فوائده، فحصل من هذا أن الإيجاز من أعظم قواعد البلاغة، ومن مهمات علومها، ومواقعه فى القرآن أكثر من أن تحصى، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن جماعة من علماء البيان زعموا أن الكلام قسمان؛ فمنه ما يحسن فيه الإيجاز والاختصار، وهذا نحو الأشعار، والمكاتبات، وأنواع التصانيف فى العلوم والآداب، ومنه ما يحسن فيه التطويل، وهذا نحو الخطب وأنواع الوعظ التى تفعل من أجل العوام فإن الكلام إذا طال أثر ذلك فى قلوبهم، وكانوا أسرع إلى قبوله، واعتلوا بأنه لو اقتصر على الإيجاز والاختصار فإنه لا يقع لأكثرهم نفع، ولا يجدى ذلك فى حقه، وهذا فاسد لا وجه له، فإن الإيجاز الذى لا يخل بمعانى الكلام هو اللائق بالفصاحة والبلاغة وعلى هذا ورد التنزيل، والسنة النبوية، وكلام أمير المؤمنين، وغير ذلك من فصيح كلام العرب، فإنه مبنى على الإيجاز الدال على المعانى الكثيرة بالألفاظ القليلة، وما زعموه من إفهام العامة فإن إفهامهم ليس
(2/49)

شرطا معتبرا ولا يعول عليه، ولو جاز ترك الإيجاز البليغ لأجل إفهام العوام لجاز ترك الألفاظ الفصيحة والإتيان فى الكلام بالألفاظ العامية المألوفة عندهم، فكما أن هذا ليس شرطا فهكذا ما ذكروه ولقد صدق من قال فى هذا المعنى:
على نحت القوافى من مقاطعها ... وما علىّ إذا لم تفهم البقر
وإنما الذى يجب مراعاته ويتوجه إليه قصده، هو الإتيان بالألفاظ الوجيزة الفصيحة، والتجنب للألفاظ الوحشية مع الوفاء فى ذلك بالإبانة والإفصاح، وسواء فهم العوام أم لم يفهموا، فإنه لا عبرة بهم ولا اعتداد بأحوالهم ولا يضر الكلام الفصيح عدم فهمهم لمعناه، ولهذا فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون نقصا فى وضوحه وجلائه، وإنما النقص فى بصر الأعمى حيث لم يدركه، ولهذا فإن الله تعالى ما خاطب بفهم معانى كتابه الكريم إلا الأذكياء، وأعرض عن البله من العوام وشبّههم فى العمى والبلادة بالأنعام حيث قال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179)
[الأعراف: 179] والتطويل نقيض الإيجاز، وهو مخالف لجانب البلاغة، وبمعزل عن مقاصد الفصاحة، وحاصله أن تورد ألفاظا فى الكلام إذا أسقطت بقى على حاله فى الإفادة، وأكثر ما يكون فى الأشعار فإنها تورد من أجل الاستقامة فى الوزن، كلفظ «لعمرى» فى قول أبى تمام:
أقرّوا لعمرى بحكم السيوف ... وكانت أحقّ بفصل القضا
ونحو لفظ «الغداة» فى قوله أيضا «1» :
إذا أنا لم ألم عثرات دهر ... بليت به الغداة فمن ألوم
فقوله: لعمرى، والغداة، فصلان زائدان لا حاجة إليهما إلا من أجل استقامة الوزن، وصحته، وكلفظ «يا صاحبى» فى قول البحترى
ما أحسن الأيام إلّا أنّها ... يا صاحبى إذا مضت لم ترجع
فقوله: «يا صاحبى» لغو لافائدة تحته سوى ما ذكرناه من تحسين لفظ البيت وتجويده، وهكذا القول فيما أشبهه، وهو خلاف ما عليه كلام البلغاء فإن من شأن الفصاحة أن تكون الألفاظ مطابقة لمعانيها المقصودة لها من غير زيادة فيها ولا نقصان، وإذ قد فرغنا عما نريده من ذكر ديباجة الإيجاز فلنرجع إلى مقاصده.
(2/50)

اعلم أن مدار الإيجاز على الحذف؛ لأن موضوعه على الاختصار، وذلك إنما يكون بحذف ما لا يخل بالمعنى، ولا ينقص من البلاغة، بل أقول: لو ظهر المحذوف لنزل قدر الكلام عن علو بلاغته، ولصار إلى شىء مسترك مسترذل، ولكان مبطلا لما يظهر على الكلام من الطلاوة والحسن والرقة، ولابد من الدلالة على ذلك المحذوف، فإن لم يكن هناك دلالة عليه فإنه يكون لغوا من الحديث، ولا يجوز الاعتماد عليه، ولا يحكم عليه بكونه محذوفا بحال، ويظهر المحذوف من جهتين؛ إحداهما من جهة الإعراب على معنى أن الدال على المحذوف هو من طريق الإعراب، وهذا كقولك: أهلا وسهلا، فإنه لابد لهما من ناصب ينصبهما يكون محذوفا لأنهما مفعولان فى المعنى، وثانيهما لا من جهة الإعراب، وهذا كقولنا: فلان يعطى ويمنع، ويصل ويقطع، فإن تقدير المحذوف لا يظهر من جهة إعرابه، وإنما يكون ظاهرا من جهة المعنى؛ لأن معناه فلان يعطى المال، ويمنع الذمار، ويصل الأرحام، ويقطع الأمور برأيه ويفصلها، ثم الإيجاز تارة يكون بحذف الجمل، ومرة بكون بحذف المفردات، وأخرى من غير حذف، فهذه ثلاثة أقسام يندرج تحتها جميع ما نريده من أسرار الإيجاز:
القسم الأول فى بيان [الإيجاز بحذف الجمل]
اعلم أن حذف الجمل له فى البلاغة مدخل عظيم، وأكثر ما يرد فى كتاب الله تعالى، وما ذاك إلا من أجل رسوخ قدمه، وظهور أثره، واشتهار علمه، ويرد على ضروب أربعة:
الضرب الأول: منها [حذف الأسئلة المقدّرة]
، ويلقب فى علوم البيان بالاستئناف، ثم هو يجرى على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون استئنافا بإعادة الصفات المتقدمة
، ومثاله قوله تعالى فى صدر سورة البقرة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[البقرة: 2- 3] إلى قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
[البقرة: 5] لأنه لما عدد صفات المتقين بالإيمان بالغيب، وبإقامة الصلاة، وبالإنفاق، إلى آخر ما قرره من صفاتهم الحسنة، اتّجه لسائل أن يسأل بأن هؤلاء قد اختصوا بهذه الصفات، فهل يختصون بغيرها، فأجيب عنه بأن الموصوفين بما تقدم من
(2/51)

الصفات هم المستحقون للفوز بالهداية عاجلا وللفلاح آجلا.
الوجه الثانى: أن يكون الاستئناف واقعا بغير الصفات
، ومثاله قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)
[يس: 22] إلى قوله: فَاسْمَعُونِ (35)
[يس: 25] فموقع الاستئناف هو قوله تعالى قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ
[يس: 26] لأن ما هذا حاله من مظان السؤال، كأن سائلا قال كيف حال هذا الرجل الذى آمن بالله ولم يعبد إلها غيره وأخلص فى عبادته عند لقاء ربه بعد التصلب فى دينه والسخاء له بروحه، فقيل. «قيل ادخل الجنة» ، وطرح الجار والمجرور، ولم يقل: قيل له، لانصباب القصد إلى القول، لا إلى المقول له مع كونه معلوما، فلهذا لم يذكره من أجل ذلك، وله أمثلة كثيرة، وفيما ذكرناه تنبيه على ما عداه.
«الضرب الثانى» أن يكون [الحذف من جهة السبب]
، لأنه لما كان السبب والمسبب متلازمين، فلا جرم جاز حذف أحدهما وإبقاء الآخر، فهذان وجهان.
الوجه الأول: [حذف المسبب وإبقاء ما هو سبب فيه]
، دلالة عليه، ومثاله قوله تعالى وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ
[القصص: 44- 45] والمعنى فى هذا «ما كنت شاهدا حال موسى فى إرساله، وما جرى له وعليه، ولكنا أوحينا إليك» ، فذكر سبب الوحى الذى هو إطالة الفترة ودل به على المسبب وهو الوحى إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم كما هو الجارى فى أساليب التنزيل فى الاختصار، فعلى هذا يكون التقدير ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحى إلى موسى إلى زمانك قرونا كثيرة فتطاول على القرون الذى أنت منهم العمر، أى أمد انقطاع الوحى فاندرست أعلام النبوة، وامّحت آثار العلوم، فوجب من أجل ذلك إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرّفناك أحكام التحليل والتحريم وأخبرناك بقصص الأنبياء وعلوم الحكم والآداب.
فالمحذوف هى هذه الجملة الطويلة بدلالة السبب عليها كما ترى. وهكذا قوله تعالى:
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ
[القصص: 46] فذكر الرحمة التى هى السبب فى إرساله إلى الخلق، ودل بها على المسبب، وهو الإرسال.
الوجه الثانى: [حذف السبب وإبقاء المسبب]
، دلالة عليه ومثاله قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98)
[النحل: 98] والمعنى «إذا أردت القراءة»
(2/52)

فاكتفى بذكر المسبب الذى هو القراءة عن السبب الذى هو الإرادة وهكذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[المائدة: 6] والمعنى إذا أردتم القيام، فوضع مسبّبها مكانها ودل به عليها، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قام أحدكم إلى الصّلاة فليتوضّأ» يريد إذا أراد أحدكم؛ لأن الفعل مسبّب عن الإرادة، ومن هذا قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ
[البقرة: 60] والمعنى «فضرب فانفجرت» وأمثال ذلك كثيرة.
الضرب الثالث: [الحذف الوارد على شريطة التفسير]
، وتقرير هذا أن تحذف جملة من صدر الكلام، ثم يؤتى فى آخره بما له تعلق به، فيكون دليلا عليه، ثم إنه يرد على أوجه ثلاثة، أولها: أن يكون واردا على وجه الاستفهام، وهذا كقوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[الزمر: 22] لأن التقدير فى الآية أفمن شرح الله صدره كمن جعل قلبه قاسيا، وقد دل عليها بقوله: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
وثانيها: أن يكون واردا على جهة النفى والإثبات ومثله قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا
[الحديد: 10] لأن تقدير الآية لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، وقد دل على هذا المحذوف بقوله: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا
وثالثها: أن يكون واردا على غير هذين الوجهين، وهذا كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60)
[المؤمنون: 60] فالمعنى فى الآية والذين يعطون ما أعطوا من الصدقات وسائر القرب الخالصة لوجه الله تعالى: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
أى خائفة من أن ترد عليهم صدقاتهم فحذف قوله ويخافون أن ترد عليهم هذه النفقات، ودل عليه بقوله: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
فظاهر الآية أنهم وجلون من الصدقة وليس وجلهم لأجل الصدقة، وإنما وجلهم لأجل خوف الرد المتصل بالصدقة، وعلى هذا المعنى يحمل قول أبى نواس:
سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن
فحذف الاستكانة من الأول وذكرها فى المصراع الثانى، لأن التقدير، سنة العاشقين واحدة وهى أن يستكينوا ويتضرعوا، فإذا أحببت فاستكن، ونحو هذا ما قال أبو تمام:
يتجنّب الآثام ثمّ يخافها ... فكأنما حسناته آثام
(2/53)

والتقدير فيه أنه يتجنب الآثام فإذا تجنبها فقد أتى بحسنة ثم يخاف أن لا تكون تلك الحسنة مقبولة، فكأنما حسناته آثام. فلم يخف الحسنة لكونها حسنة، وإنما خاف ما يتصل بها من الرد فكأنها مخوفة كما تخاف الآثام، وهذا يأتى على طبق الآية ووفقها، وهذا من بديع الأسرار والمعانى التى فاق بها على نظرائه أبو تمام وابن هانىء، وحكى عن ابن الأثير أنه سئل عن هذا البيت، وقيل كيف تكون حسناته آثاما، وكيف ينطبق صدر البيت على عجزه فتحير فيه ثم فكر، ونزّله على ما ذكرناه.
الضرب الرابع: ما ليس من قبيل الاستئناف، ولا من جهة التسبب، ولا من الحذف على شريطة التفسير
، وهذا فى القرآن كثير الورود، وخاصة فى سورة يوسف، فإنها مشتملة على الإيجاز البالغ بالحذف وغيره، ومنها قوله تعالى: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ
[يوسف: 47] إلى قوله: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ 49
[يوسف: 49] ثم قال: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي
[يوسف: 50] فإنه قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها فرجع الرسول إليهم فأخبرهم بمقالة يوسف فعجبوا لها، أو فصدقوه عليها، وقال الملك ائتونى به، وفى قصة. بلقيس. فى قوله: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا
[النمل: 28] إلى قوله: فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (28)
[النمل: 28] ثم قال بعد ذلك: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (29)
[النمل: 29] وفى هذا حذف، تقديره فأخذ الكتاب فذهب به، فلما ألقاه إلى بلقيس وقرأته، قالت يأيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم. ومما ورد على هذا المعنى قول أبى الطيب المتنبى «1» :
لا أبغض العيس لكنى وقيت بها ... قلبى من الهم أو جسمى من السقم
وهذا البيت فيه محذوف، تقديره لا أبغض العيس لما يلحقنى بسببها من ألم السفر ومشقته، ولكن وقيت به كذا وكذا، وهو من الشعر الذى يحير الأفهام عجبا، ويهز الأعطاف طربا، ومن الحذف قول القائل «الله أكبر» لأن التقدير الله أكبر من كل شىء، وعلى هذا ورد قول البحترى:
الله أعطاك المحبّة فى الورى ... وحباك بالفضل الذى لا ينكر
ولأنت أملأ فى العيون لديهم ... وأجلّ قدرا فى الصدور وأكبر
فالتقدير فيه أملأ فى العيون من غيرك، وأجلّ، وأكبر ممن سواك، والحذف فى الجمل واسع، وفيما ذكرناه كفاية فى التنبيه على غيره.
(2/54)

القسم الثانى فى بيان [الإيجاز بحذف المفردات]
اعلم أن الإيجاز بحذف المفردات أوسع مجالا من حذف الجمل، لأن المفردات أخف فى الاستعمال، فلهذا كثر فيها، ويضبطه فى غرضنا أنواع سبعة.
النوع الأول منها [حذف الفعل وما يتعلق به]
من فاعله، ومفعوله، وكل واحدة من هذه قد تطرّق إليها الحذف على حياله، فهذه صور ثلاث، نذكر ما يتعلق بالكلام فيها.
الصورة الأولى [حذف الفعل بانفراده]
إما على أن يبقى فاعله دليلا عليه، وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا
[الحجرات: 5] أعنى ولو ثبت أنهم صبروا، كقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ
[التوبة: 6] والتقدير فيه، وإن استجارك أحد من المشركين، وغير ذلك، وإما على أن يبقى مفعوله دليلا عليه وهذا كقولهم: «أهلك والليل» أى بادر أهلك، وبادر الليل أن يحول بينك وبينهم، وكقوله تعالى: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (13)
[الشمس: 13] الغرض احذروا ناقة الله، وما جاء فى حديث جابر رضى الله عنه لما سأله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هل تزوجت، فقال له «نعم» فقال: بكرا أم ثيبا، فقال بل ثيب فقال: «هلّا بكرا تلاعبها وتلاعبك» ومن حذف الفعل حذفا لازما فى المصادر كقولك: حمدا وشكرا، وما ذاك إلّا لأنهم جعلوا هذه المصادر عوضا عن أفعالها، فلا جرم التزموا حذفها معا، وهذا يكون على طريقة السماع، ومن حذف الفعل على جهة القياس ما ورد على جهة التشبيه كقولك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار وصراخ صراخ الثكلى، وما ورد على جهة التثنية كقولك: «لبيك، وسعديك ودواليك» ، إلى غير ذلك من المصادر المثنّاة، إلى غير ذلك من الأمور القياسية، وقد فصلناها تفصيلا شافيا فى شرحنا لكتاب المفصّل، ومن حذف الفعل قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
[الإسراء: 71] لأنه لما قال: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (70)
[الإسراء: 70] كأن قائلا قال متى يكون التفضيل الأكثر، قيل يوم ندعو كل أناس، ومن حذف الفعل قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
[يونس: 71] والتقدير فيه وادعوا شركاءكم، ويؤيد ما قلناه قراءة أبىّ فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم وإذا كان ههنا قراءة لها تأويلان، وكان
(2/55)

أحد التأولين تعضده قراءة أخرى وجب حملها على التأويل المعضود بقراءة أخرى، ولا يكون. شركاءكم عطفا، لأنه لا يقال أجمعت شركائى وإنما يقال أجمعت أمرى، لأن معنى أجمع الأمر، نواه وعزم عليه، وحذف الفعل كثير فى القرآن وحذفه إنما يكون على جهة الإيجاز بالحذف من أجل البلاغة.
الصورة الثانية: [حذف الفاعل] ،
وحذفه إنما يكون إذا دلت عليه دلالة، وقد منع الشيخ عثمان بن جنى من النحاة حذف الفاعل، ونص على استحالة ذلك، والمختار هو المنع من حذفه من غير دلالة تدل عليه حالية أو مقالية، فأما مع القرينة، فلا يمتنع جوازه، ويدل على حذفه قوله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (26)
[القيامة: 26] فحذف فاعل بلغت والغرض النفس، وليس مضمرا لأنه لم يتقدم له ظاهر يفسره، وإنما دلت القرينة الحالية عليه، لأنه فى ذكر الموت ولا يبلغ التراقى عند الموت إلّا النفس، وقوله تعالى:
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
[الأنعام: 94] فى قراءة من قرأ بينكم بالنصب، والمراد لقد تقطّع الأمر بينكم، وقوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)
[يوسف:
35] والغرض ثم بدا لهم أمر، وقول حاتم «1» .
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
ومنه قول العرب «أرسلت المطر» والمراد أرسلت السماء المطر، وهذه الكلمة إنما تقال عند نزول المطر، فدل ظاهر القرينة الحالية على ذلك، فإذن لا وجه لكلام ابن جنى فى المنع من حذف الفاعل مع هذه الشواهد.
الصورة الثالثة: [حذف المفعول] ،
والحذف فيه قد يكون على وجهين، أحدهما أن يحذف على جهة الاطّراد، وينسى فعله، ويجعل كأنه من جملة الأفعال اللازمة، لأن الغرض هو ذكر الفعل دون متعلّقه، ومن هذا قولهم فلان يعطى ويمنع، ويصل ويقطع، ويحل ويعقد، وينقض ويبرم، وينفع ويضر، فلما كان المقصود ذكر الفعل على جهة الإطلاق لم يحتج إلى ذكر مفعوله ومتعلّقه، وعلى هذا ورد قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (44)
[النجم: 43- 44] وثانيهما أن يحذف من جهة اللفظ ويراد من طريق المعنى والتقدير، وهذا كقوله تعالى فى قصة موسى مع بنتى شعيب، فإنه حذف المفعول فى
(2/56)

أربع جمل، فقال: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقى لَهُما
[القصص: 22- 23] التقدير يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان أغنامهما فسقى لهما مواشيهما، بعد قولهما لا نسقى مواشينا، ومن هذا قوله تعالى:
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[البقرة: 20] اى لو شاء أن يذهب لأذهب، وقوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
[يونس: 99] وغير ذلك من آيات المشيئة والإرادة، فإن حذف المفاعيل فيها كثير الجريان والورود، ومن هذا قول أبى عبادة البحترى «1» :
ولو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد
ولا تكاد ترد مفاعيل المشيئة إلّا فى الأشياء المستغربة المتعجّب من حالها كقوله تعالى:
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
[الأنبياء: 17] وقوله تعالى لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ
[الزمر: 4] .
النوع الثانى حذف الإضافة،
ووروده يكون على أوجه ثلاثة،
أولها [حذف المضاف] نفسه،
وهذا كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ
[يوسف: 82] أى أهل القرية وأهل العير، وقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى
[البقرة: 189] أى بر من اتقى وقوله تعالى:
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ
[الأنبياء: 96] والمراد سدّهما، ومن أبيات الحماسة ما قاله بعض الشعراء «2» :
إذا لاقيت قومى فاسأليهم ... كفى قوما لصاحبهم خبيرا
هل اعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عثروا وأقتطع الصدورا
أراد أنه يقتطع أو غار الصدور وضغائنها وأحقادها، أى يزيلها بعفوه وصفحه وكرمه، وحذف المضاف كثير الدّور والجرى فى كلام الله تعالى وكلام الفصحاء، وحكى عن أبى
(2/57)

الحسن الأخفش أنه يقره حيث ورد ولا يقاس عليه، وما قاله الأخفش جيد لا غبار عليه، لأنه من المحذوفات المجازية، ومن حق المجاز أن يقر حيث ورد، فلا يجوز أن يقال:
أكلت السّفرة، أى طعام السفرة. ولا أن يقال واسأل الأفراس، أى أهلها.
وثانيها [حذف المضاف إليه] ،
وهو يأتى على القلة والندرة، وهذا كقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[الروم: 3] أى من قبل الأشياء ومن بعدها، ومن هذا قولهم يومئذ، وحينئذ، وساعتئذ، قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (4)
[الزلزلة: 4] فحذف الجملة المتقدمة المضاف إليها «إذ» وعوض التنوين عنها، فما هذا حاله، هل يعد من الإيجاز؛ أو لا، والأقرب عده من الإيجاز لأنه وإن كان قد عوض من الجمل المتقدمة، التنوين، لكنه يكون إيجازا لا محالة، لأنه حذفت هذه الجمل الطويلة وأقيم حرف واحد مقامها، وأى إيجاز أبلغ من هذا الإيجاز، وأدخل منه فى البلاغة، والتفرقة بين المضاف نفسه، والمضاف إليه فى الحذف حيث كان حذف المضاف إليه على القلة، وحذف المضاف نفسه كثير الوقوع، هو أن المضاف إليه يكتسى منه المضاف تعريفا، وتخصيصا فحذفه لا محالة يخل بالكلام لإذهاب فائدته بخلاف المضاف نفسه، فإنه لا يخل حذفه من جهة أن المضاف إليه يذهب بفائدته، ويقوم مقامه.
وثالثها [حذفهما جميعا]
وهذا نادر أيضا، ومن أمثلته قوله تعالى فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
[طه: 96] أى من أثر حافر فرس الرسول، ولا يكاد يوجد إلا حيث دلالة الكلام عليه.
النوع الثالث حذف الموصوف دون صفته وإقامتها مقامه، وحذف الصفة دون موصوفها،
فهذان وجهان يرد الحذف فيهما،
الوجه الأول: [حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه] ،
وهذا كثير الدور والجرى فى كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52)
[ص: 52] أى حور قاصرات الطرف، وقوله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً
[الإسراء: 59] مبصرة، أى آية مبصرة ولم يرد الناقة، فإنها لا معنى لوصفها بالبصر، وإنما أراد أنها معجزة واضحة لم يفكّر فيها، وأكثر ما يرد حذف الموصوف فى النداء فى نحو قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ
، يا أَيُّهَا النَّبِيُ
[التحريم: 1] ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[التحريم: 8] ، ومن حذف الموصوف قول البحترى:
(2/58)

فى اخضرار من اللباس على اص ... فر يختال فى صبيغة ورس
أراد على فرس أصفر فحذفه للعلم به.
الوجه الثانى [حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها]
، وهذا يكون على القلة، ولا يكاد يقع فى الكلام إلا نادرا، فمن ذلك ما قاله شيخ الصناعة فى الإعراب «سيبويه» حكاية عن العرب «سير عليه ليل» وهم يريدون، ليل طويل، ومن ذلك أن يتقدم مدح إنسان والثناء عليه فتقول بعد ذلك، «كان والله رجلا» أى فاضلا جوادا كريما، وهكذا تقول «سألناه فوجدناه إنسانا» أى عالما خبيرا بالعلوم، والتفرقة بين الصفة والموصوف حيث كان حذف الموصوف أكثر دون صفته، هو أن الصفة من حقها أن تأتى من أجل إيضاح الموصوف وبيانه، فلما كانت الصفة مختصة بالإيضاح والبيان، كثر لا شك قيامها مقام الموصوف، بخلاف الموصوف، فإنه يكثر إبهامه من غير ذكر الصفة، فلا جرم كان قيامه مقام الصفة قليلا نادرا يرد حيث ذكرناه.
النوع الرابع حذف الحروف،
ولما كانت أحرف المعانى كثيرة الدور والاستعمال فى الكلام، توسعوا فى الإيجاز بحذفها، وذلك يأتى على أوجه.
أولها [حذف «لا» ] من الكلام وهى مرادة
، وذلك كقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
[يوسف: 85] أراد لا تفتأ ومعناه لا تزال، فحذفت توسعا وإيجازا وهى مرادة، وعلى هذا ورد قول امرىء القيس «1» :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسى لديك وأوصالى
أى لا أبرح، فحذفت وهى مرادة، وكقول أبى محجن الثقفى لما نهاه سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه عن شرب الخمر وهو يومئذ فى قتال الفرس بالقادسية:
رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تهلك الرجل الحليما
فلا والله أشربها حياتى ... ولا أسقى بها أبدا نديما
وثانيها [حذف الواو] وإثباتها فى الكلام
فمتى وجدت فى الكلام فإنها تؤذن بالتغاير بين الجملتين، لأن الواو تقتضى المغايرة، ومتى كانت محذوفة فإنها تدل على البلاغة بالإيجاز،
(2/59)

وتصير الجملة جملة واحدة، ويصدّق ما قلناه حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال:
«كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينامون ثم يصلون لا يتوضئون» وفى حديث آخر بإثبات الواو. وفى قوله: «ولا يتوضئون» فالواو دالة على انفصال الجملة عما قبلها وعلى مغايرتها له، وحذف الواو فيه دلالة على اتصال الجملة الثانية بالأولى والتحامها بها، حتى كأنها أحد متعلقاتها؛ لأنها إذا كانت الواو محذوفة فيها كانت فى موضع نصب على حال، وكان الجملتان كأنهما أفرغا فى قالب واحد، كأنه قال: «ينامون ثم يصلون غير متوضئين» ومع هذا يكون الكلام أشد إيجازا وأعظم بلاغة. ومن أعجب مثال فيما نحن بصدده قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
[آل عمران: 118] لأن التقدير وودوا ما عنتم وقد بدت البغضاء من أفواههم، فلما حذفت هذه الواو كان الكلام مع حذفها أدخل فى الإعجاز، وأحسن فى الاختصار والإيجاز، وأبلغ فى تأليفه ونظمه، وأحلى فى سياقه وعذوبة طعمه، لا يقال: فإن الواو قد جاءت ثابتة فى قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (4)
[الحجر: 4] وجاءت محذوفة فى مثل قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (208)
[الشعراء: 208] فهل من تفرقة بين إثباتها وحذفها، وما ضابط الحذف والإثبات فيما هذا حاله، لأنا نقول: أما التفرقة فهى ظاهرة: فإن الواو إذا كانت محذوفة فهى فى حكم التكملة والتتمة لما قبلها، تنزل منزلة الجزء منها كما أوضحناه، وإذا كانت الواو موجودة كانت فى حكم الاستقلال بنفسها، فعلى هذا تقول:
ما جاءنى زيد إلا وهو ضاحك وما لقيته إلا وهو راكب، فتثبت الواو وتحذفها على التنزيل الذى ذكرناه، وما هذا حاله فهو تفريغ فى الصفات فى الاستثناء كما ورد فى الآيتين جميعا بالواو وحذفها على الجواز فيهما، وأما الضابط لدخولها فى الصحة والامتناع فنقول: كل اسم نكرة جاء قبل «إلا» فإنك تنظر إلى العامل فى تلك النكرة، فإن كان ناقصا فإنه يمنع الإتيان بالواو، وهذا كقولك ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز بالواو فلا تقول: إن رجلا وهو قائم لما كان العامل الأول يفتقر إلى تمام؛ لأن الظن يفتقر إلى مفعولين ويحتاج إلى خبر فلهذا استحال وجود الواو ههنا لما قررناه، وإن كان العامل فى النكرة تاما، فإنه يجوز الإتيان بالواو وتركها، وعلى هذا تقول: ما جاءنى رجل إلا وهو ضاحك بإثبات الواو وحذفها كما أشرنا إليه.
(2/60)

وثالثها الإيجاز ب [حذف بعض اللفظ] ،
وهذا إنما يكون واردا على جهة السماع لا يقاس، وهذا إنما يكون فى الألفاظ التى تستعمل على جهة الكثرة دون ما عداها وهذا كقولهم:
عم صباحا، فى «انعم صباحا» وقوله لم يك حاصلا لك درهم، قال الله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ
[غافر: 85] لأن الجازم إنما يحذف الواو كما يحذف من قولنا: لم يقل لالتقاء الساكنين، والنون حذفها من أجل الإيجاز والاختصار، وهكذا قولنا «لم أبل» فإن الأصل فيه أبالى فحذفت الياء للجازم كما تحذف من قولنا «لم أمار» فى، أمارى، ثم حذف الألف على غير قياس على جهة التخفيف، وقد جاء فى المنظوم حذف بعض الكلمة كما قال بعض الشعراء «1» :
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم، بسبا الكتّان ملثوم
أراد بسبائب الكتان فحذف إيجازا وهذا كله لا يقاس عليه، وإنما يقر حيث ورد.
النوع الخامس فى الإيجاز بحذف الأجوبة،
وذلك يأتى فى أمكنة كثيرة،
أولها [حذف جواب «لولا» ]
وذلك نحو قوله تعالى فى آخر آية اللعان: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)
[النور: 10] فجواب لولا ههنا محذوف تقديره لما ستر عليكم هذه الفاحشة ولما هداكم إلى مصلحة اللعان بالحكم فيه بهذا الحد، ولهذا عقبه بقوله: وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ
بالستر عليكم، حَكِيمٌ
بإعلامكم بما يتوجه على الملاعن، ومثله قوله تعالى عقيب حديث الإفك: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
[النور: 20] وتقديره لعجّل لكم العذاب بسبب افتراء الكذب والتقول بما لم يكن، ولهذا قال عقيبها: وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20)
[النور: 20] حيث لم يعاجل بالعقوبة: رَحِيمٌ
بما ألهم من المصلحة بالحد فى القذف،
وثانيها [حذف جواب «لما» ]
وهذا كقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنادَيْناهُ
[الصفات: 103- 104] فإن جواب لأمّا ههنا محذوف، تقديره فلما أسلما وتله للجبين، كان هناك ما كان مما تنطق به الحال، ولا يحيط به الوصف، من رفع البلاء وكشف الكربة،
(2/61)

وإزالة المحنة العظيمة، والغبطة والسرور بامتثال أمر الله تعالى والزلفة عنده والفوز برضوان الله
وثالثها [حذف جواب «أما» ]
ومثاله قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
[آل عمران: 106] لأن التقدير فيه فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، فحذف القول وأقام المقول مقامه.
ورابعها [جواب «إذا» ]
ومثاله قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ
[يس: 45] إلى قوله معرضين، والتقدير فيه وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا وأصروا على تكذيبهم، وقد دل عليه قوله تعالى: إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46)
[يس: 46] .
وخامسها [حذف جواب لو]
وهو وارد على الكثرة، وهو من محاسن الإيجاز ومواقعه البديعة، كقولك: لو زرتنى، لو أكرمتنى، والتقدير لفعلت وصنعت، قال الله تعالى:
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
[سبأ: 51] والتقدير فيه لرأيت أمرا بديعا، أو حالة منكرة، وقوله: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (39)
[الأنبياء: 39] إلى قوله: يُنْصَرُونَ (39)
والتقدير فيه لو يعملون هذه الأمور لما كانوا على تلك الصفات من الكفر والاستهزاء والصدود والإنكار وهكذا قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
[الرعد: 31] والتقدير فيه لكان هذا القرآن، وهو كثير الورود فى القرآن، وحيث ساغ حذفه فإنه إنما يسوغ إذا كان هناك دلالة عليه، فأما من غير دلالة فلا يجوز بحال.
وسادسها [حذف جواب القسم] ،
ومثاله قوله تعالى: وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4)
فجوابه ههنا يحتمل أن يكون موجودا وهو قوله: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ 5
[الفجر: 5] لأنه قد تمت به الفائدة، ويحتمل أن يكون محذوفا تقديره لتعذبنّ، ويدل عليه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7)
[الفجر: 6- 7] ونحوه قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1)
[الشمس: 1] فيحتمل أن يكون جوابه مذكورا، وهو قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9)
[الشمس: 9] وقد ظهرت به الفائدة، ويحتمل أن يكون محذوفا أيضا تقديره ليعذّبن، بدليل قوله تعالى: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14)
[الشمس: 14] والحذف فيه كثير لقيام القرينة على حذفه، وتختلف أحوال القرائن بحسب ما تدل عليه الدلالة.
(2/62)

النوع السادس حذف ما يكون معتمدا للجزءين،
القسم، والشرط، ولو، فهذه أمور ثلاثة،
أولها [حذف القسم] نفسه،
ومثاله قولك: لأخرجن، والتقدير والله لأخرجن، قال الله تعالى:
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ
[الحشر: 12] فهذه اللام هى اللام الموطئة، والمعنى بذلك أنها وطأت الشرط وجعلته حشوا وصيرت الكلام موجها للقسم، لهذا جاءت هذه الأفعال مرفوعة بالنون، ولو كانت جوابا للشرط لكانت مجزومة، فلهذا قضينا بحذف القسم.
وثانيها [حذف الشرط] نفسه
ومثاله قوله: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)
[العنكبوت: 56] والتقدير فيه، إن لم تخلصوا لى العبادة فى هذه الأرض، فأخلصوها فى غيرها. ومن هذا قولهم: الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والتقدير فيه إن كان خيرا عمله فجزاؤه خير.
وثالثها [حذف لو] نفسها
ومثاله قوله تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ
[المؤمنون: 91] فإن الشرط فى هذا محذوف، والتقدير فيه فلو كان معه إله إذن لذهب كل إله بما خلق، وقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48)
[العنكبوت: 48] والتقدير فيه إذن لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون.
النوع السابع [حذف المبتدأ وخبره] ،
فمن المواضع ما يحسن فيه حذف المبتدأ، ومنها ما يحسن فيه حذف الخبر، ومنها ما يمكن فيه الأمران جميعا، فمن المواضع التى يحسن فيها حذف المبتدأ على طريق الإيجاز قولهم: الهلال والله، أى هذا الهلال والله، وقولك إذا شممت ريحا: المسك والله، أى هذا المسك، ولا يكون إلا مفردا لأنه لا يبتدأ إلا بالأسماء المفردة، ويتعذر تقدير الجمل فى المفردات، وقد ترد جملة على تقدير المفرد على جهة الشذوذ كقولهم «تسمع بالمعيدى خير من أن تراه» والذى حسّنه كونه فى تأويل المصدر أى
(2/63)

سماعك، فأما قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ
[البقرة: 184] فإنما جاز ذلك من أجل «أن» لأنها فى تأويل المصدر أى صومكم، ومن المواضع التى يصح فيها حذف الخبر قولك: لولا زيد لكان كذا، ومنه قولهم: لولا علىّ لهلك عمر، والقصة مشهورة فإن عمر أراد أن يرجم حاملا لما زنت، فقال له أمير المؤمنين على هذا سلطانك عليها، فما سلطانك على ما فى بطنها، فكف عن ذلك، وقال «لولا على لهلك عمر» وهذا صحيح، فإن قتل الجنين من غير بصيرة خطأ عظيم، وفى الحديث «من أعان على قتل رجل مسلم ولو بنصف كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آئس، من رحمة الله» وكما يكون الخبر مفردا فقد يكون جملة، والأصل أن يكون مفردا، وحذف الخبر أكثر من حذف المبتدأ، ووجه ذلك هو أن المبتدأ طريق إلى معرفة الخبر، فإذا كان الخبر محذوفا، ففى الكلام ما يدل عليه وهو المبتدأ، وإذا حذف المبتدأ لم يكن فى الكلام ما يدل عليه؛ لأن الخبر لا يكون دليلا على المبتدأ.
ومن المواضع التى تحتمل أن يكون المحذوف فيها، إما المبتدأ، وإما الخبر قوله تعالى:
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[يوسف: 18] فيحتمل أن يكون المبتدأ محذوفا، وتقديره فأمرى صبر جميل، ويحتمل أن يكون من باب حذف الخبر، وتقديره فصبر جميل أجمل، وحذف الخبر وإن كان واردا على جهة الكثرة، لكن حذف المبتدأ ههنا يكون أبلغ، لأن الآية وردت فى شأن «يعقوب» فلابد من أن يكون هناك اختصاص به، فإذا كان تقديره فأمرى صبر جميل كان أخص به وأدخل فى احتماله للصبر واختصاصه به، وقد يحذف المبتدأ والخبر جميعا إذا دل عليهما دليل، وهذا كما يقال أزيد قائم، فتقول: نعم أى نعم زيد قائم فحذفا لما دل قولك نعم عليهما، وكقوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ
[الطلاق: 4] لأن تقديره واللّائى لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، وهذا لا يكون إلا مع القرينة الدالة على ذلك، فهذا ما أردنا ذكره فى الإيجاز بحذف المفردات فى هذه الأنواع السبعة وبالله التوفيق.
(2/64)

القسم الثالث فى بيان الإيجاز من غير حذف فيه
اعلم أن من الإيجاز ما لا يكون فيه حذف يقدر، من مفرد ولا جملة، ويقال له إيجاز البلاغة، وينقسم إلى ما يساوى لفظه معناه من غير زيادة، ويسمى التقدير، وإلى ما يزيد معناه على لفظه، ويسمى القصر، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما، وهذا القسم من الإيجاز له فى البلاغة موقع عظيم، دقيق المجرى، صعب المرتقى، لا يختص به من أهل الصناعة إلا واحد بعد واحد «ومهما عظم المطلوب قل المساعد» .
الضرب الأول فى بيان [الإيجاز بالتقدير]
وهو الذى تكون ألفاظه مساوية لمعناه لا يزيد أحدهما على الآخر بحيث لو قدر نقص من لفظه لتطرق الخرم إلى معناه على قدر ذلك النقصان، ولنشر منه إلى أمثلة خمسة.
المثال الأول: ما ورد من كتاب الله تعالى وهذا كقوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (23)
[عبس: 17- 23] فقوله قتل الإنسان، أبلغ دعاء على الإنسان، لما فيه من إذهاب الروح بسرعة وفجأة، وهو أعظم فى الفجيعة وقوله ما أكفره، تعجّب من شدة الإفراط فى كفره لنعم الله، فلا يكاد يقرع السمع أسلوب أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أبلغ فى الملامة ولا أقطع للمعذرة، ولا أعظم دلالة على السخط مع تقارب أطرافه وقصر متنه، ثم أخذ فى صفة حاله من مبدإ حدوثه إلى منتهى زمانه فقال. من أى شىء خلقه؟ استفهام وارد على جهة التهكم والتقرير، ثم قال من نطفة خلقه، كأنه قال تأمل وانظر من أى شىء خلقتك على عظم هذه المخالفة وكفران أنعمى عليك، إنما خلقتك من نطفة وأى نطفة فى الغلظ والبشاعة ونتن الرائحة، فقدره، فأحكم قوام خلقته وسواها على جهة التعديل فى مطابقة المنافع، ثم السبيل يسره، إما سهّل خروجه من بطن أمه، وإما يسر سبيله إلى ثدى أمه، وإما يسر سبيله من سلوك طريق الخير والشر، كما قال: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (10)
[البلد: 10] ، ثُمَّ أَماتَهُ
نزع منه ما ركّب فيه من الروح، لما يريد من إعادته «فأقبره» أى جعله فى قبره يوارى فيه جيفته كيلا تمزقه السباع
(2/65)

وتقطع أوصاله «ثم إذا شاء أنشره» فى الآخرة للجزاء على الأعمال «كلا» ردع وزجر، عقّبها فى آخر الكلام تنبيها على أن الإنسان على ما هو فيه مما وصف من حاله «لما يقض» شيئا مما أمره الله وأنه مقصر فى حق الله لا يألو جهدا فى الإصرار والمخالفة، فقد حصل هذا الكلام على نهاية المطابقة للمقصود منه، فلو أردت زيادة عليه لكانت فضلا، ولو أردت نقصانا منه لكان إخلالا، ومنه قوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
[البقرة: 236] وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
[الروم: 44] وقوله تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (21)
[الطور: 21] وقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ
[البقرة: 275] ومواقعه فى التنزيل كثيرة.
المثال الثانى: ما ورد من السنة الشريفة كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات» فهذا من أجمع ما يكون للمعانى البالغة، ومن هذا قوله عليه السلام «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الضعيف أمير الركب» وفى حديث آخر «سيروا بسير أضعفكم» وقوله لمعاذ «صلّ بهم صلاة أضعفهم» وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ومن ذلك ما قاله خطابا لقريش «يا ويح قريش لقد نهكتهم الحرب ما ضرهم لو ماددناهم مدة ويدعوا بينى وبين الناس فإن أظهر عليهم دخلوا فى دين الله وافرين وإلا كانوا قد حموا وإن أبوا فو الذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى هذه أو لينفذن الله أمره» وهذا الحديث قد جمع من المحاسن والإحاطة فى بلاغة المعانى وفصاحة الألفاظ ما لا يقدر على وصفه قائل، ولا يستولى على حصر لطائفه مجيب ولا سائل.
المثال الثالث: من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه يخاطب فيه معاوية: «فاتّق الله وانظر فى حقه عليك، وارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته، فنفسك نفسك، فقد بين الله لك سبيلك، وحيث تاهت بك أمرك فقد أجريت إلى غاية خسر ومحلة كفر، وإنّ نفسك قد أوصلتك شرا وأقحمتك عيا وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك» . وقال عليه السلام: «عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته، قد بصرتم إن أبصرتم، وهديتم إن اهتديتم، عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه، من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، لا ينال العبد نعمة 7 لا بفراق أخرى، ولا يستفيد يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله، من أين ترجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شىء شرفا إلا أسرعا الكرة فى هدم ما بنيا وتفريق ما جمعا» . فهذا الكلام ما ترك للإيجاز غاية إلا وصلها، ولا نكتة
(2/66)

شريفة إلا حازها وحصّلها، ومن أعجب ما فيه أنه مشتمل على هذه الأسرار بألفاظه، ولو حذفت واحدة منها أخللت بمعناها الذى جاءت من أجل الدلالة عليه.
المثال الرابع: ما أثر فى ذلك من كلام البلغاء. فمن ذلك ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون، وكان واليه على عماله بعد لقائه بعيسى بن ماهان وهزمه لعسكره وقتله إياه، فكتب إلى المأمون يخبره بما كان منه فى ذلك فقال: «كتابى إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى ابن ماهان بين يدى وخاتمه فى يدى، وعسكره مصرّف تحت أمرى والسلام» . وهذا من عجائب الإيجاز وبليغ الاختصار التى حوت المطلوب، وحازت المقصود. ولما أرسل المهلّب بن أبى صفرة أبا الحسن المدائنى إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار ما هو عليه فى ولايته فقال له الحجاج: «كيف تركت المهلّب» فقال له: «أدرك ما أمّل، وأمن مما خاف» فقال: «كيف هو تجده بجنده» . فقال: والد رءوف، فقال: «كيف جنده» له فقال: «أولاد بررة» ، قال: «كيف رضاهم عنه» . فقال: «وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله» ، قال: «كيف تصنعون إذا لقيتم العدو» . قال: «نلقاهم بجدنا ويلقونا بجدهم» قال: «كذلك الجد إذا لقى الجد» . قال: «فأخبرنى عن بنى المهلب» قال: «هم أحلاس القتال بالليل حماة السّرح بالنهار» ، قال: «أيهم أفضل» . قال: «هم كحلقة مبهمة مضروبة لا يعرف طرفاها» قال الحجاج لجلسائه: «هذا والله الكلام الفصل الذى ليس بمصنوع ولا متكلف» .
المثال الخامس: ما ورد من الأبيات الشعرية. وهذا كقول أبى نواس فى صفة الخمر فى أوعيتها «1» :
تدار علينا الراح فى عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مها تدّريها بالقسىّ الفوارس
فللراح ما زرّت عليها جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
فما هذا حاله من الشعر الفائق والنظم الجيد الرائق. وحكى عن الجاحظ أبى عثمان أنه قال: «لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات لابن هانىء، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان إن هذا هو الشعر الذى لو نقر لطنّ، ومهما حركت أو تار نغماته لحنّ» . وحسبك به إعجابا اعتراف الجاحظ بحسنه، فإنه الماهر فى البلاغة والخريت فى
(2/67)

الفصاحة. ومن الإيجاز بالتقدير ما قاله على بن جبلة:
وما لامرىء حاولته منك مهرب ... ولو حملته فى السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدى لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
ومن ذلك ما قاله النابغة الذبيانى «1» :
فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ومن ذلك ما قاله الأعشى فى اعتذاره إلى أوس بن لأم لما هجاه:
وإنى على ما كان منى لنادم ... وإنى إلى أوس بن لأم لتائب
وإنى إلى أوس ليقبل عذرتى ... ويصفح عنى ما جنيت لراغب
فهب لى حياتى والحياة لقائم ... بسرك منها خير ما أنت واهب
سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق ... كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب
ولقد أتى الأعشى فى شعره هذا بالعجب العجاب وحير فيه الأفئدة وسحر الألباب، لما ضمنه فيه من رقة الألفاظ، التى تولّع بها كلّ ذكى حفّاظ.
الضرب الثانى فى بيان [الإيجاز بالقصر] ،
وهو الذى تزيد فيه المعانى على الألفاظ وتفوق، وكتاب الله تعالى مملوء منه، ولنورد فيه أمثلة خمسة كما فعلنا بالضرب الأول بمعونة الله تعالى.
«المثال الأول» قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199)
[الأعراف: 199] فقد جمع فى هذه الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن فى العفو الصفح عمن أساء، والرفق فى كل الأمور، والمسامحة والإغضاء، وفى قوله وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
صلة الأرحام، ومنع اللسان عن الكذب والغيبة، وغض الطرف عن كل مّحرم، وغير ذلك، وفى الإعراض عن الجهال، والصبر والحلم، وكظم الغيظ. فهذه الألفاظ وإن قلّت فقد أنافت معانيها على الغاية، ولم تقف على حد ونهاية، وهذا النوع هو أعلى طبقات الفصاحة مكانا، وأعوزها إمكانا. ومن هذا قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] فانظر إلى هذه اللفظة الجميلة كم يندرج تحتها من المعانى التى لا يمكن حصرها، ولا ينتهى أحد إلى
(2/68)

ضبطها، فأين هذه عما أثر عن العرب من قولهم «القتل أنفى للقتل» . وقد تميزت الآية عنه بوجوه ثلاثة، أما أولا فلأن قوله: الْقِصاصِ حَياةٌ
لفظتان، وما نقل عنهم فيه أربع كلمات. وأما ثانيا فالتكرير فيما قالوه، وليس فى الآية تكرير، وأما ثالثا فلأنه ليس كل قتل نافيا للقتل، وإنما يكون نافيا إذا كان على جهة القصاص، وكم فى القرآن من هذا القبيل.
«المثال الثانى» ما ورد عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهذا كقوله عليه السلام «الخراج بالضّمان» .
والسبب فى ذلك هو أن رجلا اشترى من غيره عبدا فأقام عنده مدة ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إنى أستغل عبدى. فقال: «الخراج بالضمان» ومعنى هذا أن غلّته تكون للمشترى، لأنه لو تلف قبل الرد كان تالفا من ضمانه، فلهذا كان ضمانه عليه، ومن هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام» ومعنى قوله: «لا ضرر» أى لا ينبغى لأحد أن يضر غيره، ومعنى قوله: «لا ضرار فى الإسلام» أنه لا ينبغى لك أن تضر أحدا، ولا ينبغى له أن يضرك. ومن هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وعوّدوا كلّ جسم ما اعتاد» فهذه الألفاظ الثلاثة قد جمعت من المعانى الحكمية، والأسرار الطيبة، ما لا يحيط بوصفه إلا الله. ومن هذا قوله عليه السلام «الطمع فقر واليأس غنى» فهذا من جوامع الكلم التى خصّ بها.
«المثال الثالث» ما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه من الكلام القصير كقوله عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف قدره، من فكّر فى العواقب لم يشجع، الناس أعداء لما جهلوا، من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطاء، من أحدّ سنان الغضب لله قوى على قتل أسد الباطل، وقوله: إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنّ وقوعك فيه أهون من توقّيه، آلة الرّياسة سعة الصدر، الطمع رق مؤبّد، ثمرة التفريط الندامة، وقال عليه السلام أغض على القذى، وإلّا لم ترض أبدا، وقال: لكل مقبل إدبار، وما أدبر كان كأن لم يكن، لا يعدو من الصبور الظّفر وإن طال به الزمان، إلى غير ذلك من الكلمات القصيرة التى قصرت أطرافها وفاتت العد فى معانيها.
«المثال الرابع» ما أثر عن أهل البلاغة قال بعض الأعراب: اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك، فقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: هذا هو البلاغة، وكما أثر عن الحريرى فى مقاماته استعمال المداراة، توجب المصافاة، وقوله ملك الخلائق شين الخلائق، التزام الحزامة ذمام السلامة، تطلب المثالب من المعايب، عند الأوجال، يتفاصل الرجال،
(2/69)

موجب الصبر، ثمرة النصر، إلى غير ذلك ولا يكاد يوجد إلا على القلة فى كلام الفصحاء، والقرآن يوجد فيه كثير، وما ذاك إلا لأنه قد حاز معظم البلاغة.
المثال الخامس ما ورد فيه من المنظوم وهذا كقول السموأل بن عادياء الغسانى «1» :
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
فهذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق من سماحة، وشجاعة، وتواضع، وحلم، وصبر، وتكلّف، واحتمال المكاره، فإن هذه الأمور كلها مما تضيم النفوس لما يحصل فى تحملها من المشقة والعناء، ومن ذلك ما قاله أبو تمام:
وظلمت نفسك طالبا إنصافها ... فعجبت من مظلومة لم تظلم
وأراد بقوله: ظلمت نفسك طالبا إنصافها، أنك أكرمتها على تحمل الأثقال فى مشاق الأمور، فإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها فقد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثّلا، فكنت منصفا لها فى صورة ظالم، ومعنى قوله فعجبت من مظلومة لم تظلم، أنك ظلمتها وما ظلمتها فى الحقيقة، فقد أعجب فى بيته هذا بجمعه فيه بين النقيضين الظلم، والإنصاف كما ترى، ولنقتصر على هذا من حقائق الإيجاز ففيه كفاية.
(2/70)

الفصل السابع فى بيان [الالتفات]
اعلم أن الالتفات من أجل علوم البلاغة وهو أمير جنودها، والواسطة فى قلائدها وعقودها، وسمى بذلك أخذا له من التفات الإنسان يمينا وشمالا، فتارة يقبل بوجهه وتارة كذا، وتارة كذا، فهكذا حال هذا النوع من علم المعانى، فإنه فى الكلام ينتقل من صيغة إلى صيغة، ومن خطاب إلى غيبة، ومن غيبة إلى خطاب إلى غير ذلك من أنواع الالتفات، كما سنوضحه، وقد يلقب بشجاعة العربية، والسبب فى تلقيبه بذلك، هو أن الشجاعة هى الإقدام، والرجل إذا كان شجاعا فإنه يرد الموارد الصعبة، ويقتحم الورط العظيمة حيث لا يردها غيره، ولا يقتحمها سواه، ولا شك أن الالتفات مخصوص بهذه اللغة العربية دون غيرها، ومعناه فى مصطلح علماء البلاغة، هو العدول من أسلوب فى الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأول، وهذا أحسن من قولنا: هو العدول من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة؛ لأن الأول يعم سائر الالتفاتات كلها، والحد الثانى إنما هو مقصور، على الغيبة والخطاب لا غير، ولا شك أن الالتفات قد يكون من الماضى إلى المضارع، وقد يكون على عكس ذلك، فلهذا كان الحد الأول هو أقوى دون غيره، فإذا عرفت هذا فاعلم أن لعلماء البلاغة فى الوجه الذى لأجله دخل الالتفات فى الكلام أقوالا ثلاثة، فالقول الأول وهو الذى عول عليه ابن الأثير، وحاصل ما قاله هو أنه لا يختص بضابط يجمعه، ولكنه يكون على حسب مواقعه فى البلاغة، وموارده فى الخطاب، وآل كلامه إلى أن الناظر إنما يعرف حسن مواقع الالتفات إذا نظر فى كل موضع يكون فيه الالتفات، فيعرف قدر بلاغته بالإضافة إلى ذلك الموقع بعينه، فأما أن يكون مضبوطا بضابط واحد فلا وجه له، هذا ملخص كلامه بعد حذف أكثر فضلاته.
القول الثانى محكى عن بعض من خاض فى علوم البيان، وتقرير ما قاله: هو أن ذلك من عادة العرب وأساليبها فى الكلام، وزيّف ابن الأثير هذه المقالة، وقال هذا التعليل هو مثل عكاز العميان، وأراد بما قاله من عكّاز العميان، هو أن عكاز الأعمى لا يسئل عن علة حاجته إليه، فإن علة حاجته إليه ظاهرة لا تحتاج إلى بيان وكشف، فكذا ما قالوه من تعليل ورود الالتفات بكونه أسلوبا من أساليب الكلام، فإن كونه أسلوبا من أساليب الكلام ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وهو لعمرى كما قاله، فإن كلامه لا فائدة فيه.
(2/71)

القول الثالث محكى عن الزمخشرى، وحاصل مقالته هو أن ورود الالتفات فى الكلام إنما يكون إيقاظا للسامع عن الغفلة، وتطريبا له بنقله من خطاب إلى خطاب آخر، فإن السامع ربما ملّ من أسلوب فينقله إلى أسلوب آخر، تنشيطا له فى الاستماع، واستمالة له فى الإصغاء إلى ما يقوله، وما ذكره الزمخشرى لا غبار على وجهه، وهو قول سديد يشير إلى مقاصد البلاغة، ويعتضد بتصرف أهل الخطاب، ومن مارس طرفا من علوم الفصاحة لاح له على القرب، أن ما قاله الزمخشرى قوى من جهة النظر، يدرى كنهه النظّار، ويتقاعد عن فهمه الأغمار، وقد زعم ابن الأثير ردا لكلام الزمخشرى بوجهين، أحدهما أنه قال إنما جاز الالتفات من أجل التنشيط للسامع، واعترضه بأن الكلام لو كان فصيحا لم يكن مملولا، وهذا خطأ وجهل بمقاصد البلاغة، فإن مثل هذا لا يزيل فصاحة الكلام، ولا ينقص من بلاغته، ولهذا فإنه لو ترك فيه الالتفات فإنه باق على الفصاحة، ولكن الغرض أن خروجه من أسلوب الخطاب إلى الغيبة، يزيد فى البلاغة ويحسّنها، ويكون الخطاب مع ما ذكرناه أوقع وأكشف عن المراد وأرفع. وثانيهما قوله: إن ما قاله الزمخشرى إنما يوجد فى الكلام المطول، والالتفات كما يستعمل فى الطويل فهو يستعمل فى القصير، وهذا فاسد أيضا فإن الزمخشرى لم يشترط التطويل فى حسن الالتفات، فينتقض بما ذكرته، وإنما أراد تحصيل الإيقاظ وازدياد النشاط بذكر الالتفات، وهذا حاصل فى الكلام سواء كان طويلا أو قصيرا، فإذن لا وجه لكلام ابن الأثير على ما قصده الزمخشرى وانتحاه، ومن العجب أنه شنّع فيما أورده على الزمخشرى وقال: كيف ذهب عنه معرفته مع إحاطته بفن البلاغة والفصاحة، وما درى أن ما قاله خير مما أتى به ابن الأثير، فإن ما أراده الزمخشرى معنى يليق بالبلاغة، ويزيدها قوة، وما ذكره ابن الأثير رد إلى عماية، وقول ليس له حاصل، ولا يدرك له نهاية، وما عابه إلا لأنه لم يطلع على أغواره، ولا أحاط بكنهه، ودقيق أسراره، ولقد صدق من قال «1» :
وكم من عائب قولا سليما ... وآفته من الفهم السقيم
وإذا تم ما ذكرناه فلنرجع إلى تقرير الالتفات وتقرير أساسه، فنقول الالتفات يرد على أضرب ثلاثة:
الضرب الأول ما يرجع إلى [الغيبة، والخطاب، والتكلم] ،
فأما الرجوع من الغيبة إلى
(2/72)

الخطاب فكقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2)
[الفاتحة: 2] ثم قال بعد ذلك:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
[الفاتحة: 5] لأن ما تقدم من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ
إنما هو للغائب ولو أراد الخطاب، لقال الحمد لك، لأنك أنت رب العالمين، وقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89)
[مريم: 88- 89] ولو أراد الغيبة لقال لقد جاءوا شيئا إدا، وإنما عدل عنه إلى الخطاب لما ذكرناه من الإيقاظ والتنشيط، ومن ذلك قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[الإسراء: 1] فهذا وارد على جهة الغيبة، ثم قال: الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ
[الإسراء: 1] وهذا وارد على جهة التكلم، ثم قال: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
[الإسراء: 1] وهذا غيبة أيضا، ولو جاء به على أسلوب واحد من غير الالتفات لقال «سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» ، وإنما فعل ذلك من الالتفات دلالة على ما قلناه. ومن هذا قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[فصلت: 11] فهذا كلام على جهة الغيبة إلى قوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[فصلت: 12] ثم قال: وَزَيَّنَّا السَّماءَ
[فصلت: 12] وهذا على جهة التكلم بعد الغيبة. ثم قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)
[فصلت: 12] وهو غيبة أيضا. وقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
[يونس: 22] خطاب لهم، ثم قوله بعده: وَجَرَيْنَ بِهِمْ
[يونس: 22] غيبة بعد الخطاب، وهذا كثير الدور فى القرآن الكريم لمن تأمله.
الضرب الثانى مختص بالأفعال [الالتفات من الافعال الخبريه الى الافعال الانشائيه]
وهو الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وهذا كقوله تعالى فى قصة هود قال: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ
[هود: 54- 55] ولو أراد المساواة بين الفعلين، لقال أشهد الله وأشهدكم. وقد يكون رجوعا عن الفعل الماضى إلى فعل الأمر، وهذا مثاله قوله تعالى: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
[الأعراف: 29] ولو جاء به على أسلوب واحد لقال:
أمر ربّى بالقسط وأمركم أن تقيموا وجوهكم، فعلى الناظر إعمال نظره وحك قريحته فيما أوردناه من هذه الأمثلة وأن يضع فى نفسه أن الانتقال من صيغة إلى صيغة إنما يكون من أجل الالتفات ليكمل أمر الخطاب وتتفاوت درجته فى البلاغة، وهذا إنما يدرك بالذوق الصافى الخالص عن شوب البلادة، وما هذا حاله فهو من دقيق علم البلاغة وغامضها.
الضرب الثالث مختص بالأفعال كالأول [الالتفات من الافعال الخبريه الى الافعال الخبريه]
، خلا أن الأول كان الانتقال فيه من الماضى إلى
(2/73)

المستقبل، وهما خبران إلى الإنشاء، وهو فعل الأمر، وههنا أخبار كلها، المنتقل عنه، والمنتقل إليه، وذلك يأتى على وجهين.
الوجه الأول: [الانتقال عن الماضى إلى المضارع]
، ومثاله قوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (9)
[فاطر: 9] فوسّط قوله: فَتُثِيرُ سَحاباً
، وجاء به على جهة المضارعة والاستقبال بين فعلين ماضيين، وهما قوله: أَرْسَلَ
، فَسُقْناهُ
، والسر فى مثل هذا، هو أن الفعل المستقبل يوضح الحال، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن الإنسان يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضى إذا عطف؛ لأنه لا يعطى هذا المعنى ولا يدل عليه، فإذا قال فتثير، على جهة الاستقبال بعد ما مضى قوله: «أرسل» . فإنما يكون دالا على حكاية الحال التى تقع فيها إثارة الريح للسحاب، واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، وكذلك تفعل فيما هذا حاله، فإنك تقرره على هذا الضابط، وهكذا ورد قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[الحج: 25] وإنما جاء به على صيغة المضارع، وعدل عن عطف الماضى على الماضى تنبيها على أن كفرهم ثابت مستمر غير متجدد، بخلاف الصّد، فإنه متجدد على ممر الأوقات، وتكرر الساعات، فلهذا جاء به على صيغة المضارع، منبها على ذلك. ومن هذا النوع قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
[الحج: 63] ولم يقل «فأصبحت» عطفا على أَنْزَلَ
، إشارة إلى أن إنزال الماء قد انقضى ومضى، واخضرار الأرض متجدد كما تقول «أنعم علّى فلان، فأروح وأغدو شاكرا له» ، ولو قلت «فغدوت شاكرا له» لم يفد تلك الفائدة. لا يقال: فهب أن الفعل جاء مضارعا من أجل التنبيه على الذى ذكرتموه فأراه لم يكن منصوبا جوابا للاستفهام بالهمزة فى قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ
وعدل به عن القياس المطرد وهو النصب، لأنا نقول: النصب إنما يكون إذا كان الأول سببا للثانى كقولك: «أتقوم فأقوم» وههنا ليست الرؤية سببا فى كون الأرض تصبح مخضرة، فلهذا وجب رفعه للدلالة على أنها تكون مخضرة عقيب الإنزال للماء عليه من غير إشارة إلى السببية، وعلى هذا يكون المعنى فيه نهاية البلاغة. ومما ينخرط فى هذا السلك: ما روى من حديث الزبير بن العوام فى غزوة بدر فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول أنا أبو ذات الكرش، وفى يدى عنزة فأطعن بها فى عينه فوقع، ثم
(2/74)

أطأ برجلى على خده حتى خرجت العنزة من عنقه، فقوله «أطعن» ، «وأطأ» ، على صيغة الفعل المضارع إنما جرى على قصد المبالغة.
الوجه الثانى: [الانتقال من المضارع إلى الماضى] ،
وهذا كقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[النمل: 87] لأن إيثار الماضى والعدول إليه دال على مبالغة فى الثبوت والاستقرار، ومن هذا قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
[الكهف: 47] ولم يقل: «ونحشرهم» . وقد يعدل إلى لفظ اسم المفعول عن الفعل الماضى، إجراء له مجرى الفعل المضارع، ومثاله قوله تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)
[هود: 103] لأن التقدير فيه، «ذلك يوم يجمع فيه الناس» ، ويؤيده قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ
[التغابن: 9] .
ومما جاء فى الالتفاتات من الأبيات الشعرية قول جرير «1» :
متى كان الخيام بذى طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام
فهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب. وكقول امرىء القيس «2» :
تطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلّى ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذى العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءنى ... وخبّرته عن أبى الأسود
الأبيات، فتحصل من مجموع ما ذكرناه أن أهل البلاغة من العرب دأبهم الالتفات، ويستكثرون منه، وما ذاك إلا لأنهم يرون الانتقال من أسلوب إلى أسلوب أدخل فى القبول عند السامع وأكثر لنشاطه، وأعظم فى إصغائه، وإذا كانوا يستحسنون قرى الأضياف وهو دأبهم وعليه هجيرهم وعادتهم فيخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، أفلا يستحسنون نشاط الأفئدة وملاءمة القلوب بالمخالفة بين أسلوب. وأسلوب، بل يكون هذا أجدر فإن اقتدارهم على مخالفة أساليب الكلام أكثر من اقتدارهم على مخالفة الأطعمة؛ لأن البلاغة فى الكلام عليهم أيسر، وهم عليها أمكن وأقدر، فهذا ما أردناه من إيراد ما يتعلق بالالتفات من الخطاب.
(2/75)

الفصل الثامن ما يتعلق بالإضمار
اعلم أن هذه الضمائر لها جانبان، أحدهما يتعلق بجانب الإعراب، والآخر يتعلق بجانب المعانى، فالذى يتعلق بالإعراب قد ذكرناه فى موضعه وأودعناه أسرارا بديعة كلها مختصة بحقائق الإعراب. والذى نذكره ههنا ما يتعلق بعلوم البلاغة وحقائقها، وتمام المقصود منه يحصل برسم مسائل:
المسئلة الأولى: فى [ضمير الشأن والقصة] ،
ويكون مرفوعا، ومنصوبا، لاتصاله بالعوامل الرافعة والناصبة، فإذا وقع مرفوعا فتارة يكون منفصلا كقولك «هو زيد قائم» ، وقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)
[الإخلاص: 1] وقوله تعالى: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[الأنبياء: 97] فى أحد وجهيه. ومرة يكون متصلا كقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
[الحج: 46] وقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ
[الجن: 19] ونحو قولك: «ظننته زيد قائم» ، هذا كله فى متصل المنصوب. فأما متصل المرفوع فكقولك:
«كان زيد قائم» وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ
[التوبة: 117] وإنما خلطناهما فى التمثيل أعنى المنصوب والمرفوع لاشتراكهما فى الاتصال، فإذا تقرر هذا فاعلم أن ضمير الشأن والقصة على اختلاف أحواله، إنما يرد على جهة المبالغة فى تعظيم تلك القصة وتفخيم شأنها وتحصيل البلاغة فيه من جهة إضماره أولا، وتفسيره ثانيا، لأن الشىء إذا كان مبهما فالنفوس متطلعة إلى فهمه ولها تشوق إليه، فلأجل هذا حصلت فيه البلاغة، ولأجل ما فيه من الاختصاص بالإبهام لا يكاد يرد إلا فى المواضع البليغة المختصة بالفخامة.
المسئلة الثانية: فى [الضمير فى «نعم وبئس» ]
هو قولك «نعم رجلا زيد» «وبئس غلاما عمرو» ، فانتصاب ما بعدهما من النكرات إنما يكون على جهة التفسير لما تضمنا من الضمائر الدالة على الحقيقة الذهنية، ولهذا فإنه إذا ظهر فلا بد من اشتراط كونه جنسا فتقول فيه: «نعم الرجل زيد» ، «وبئس الغلام عمرو» ، وفى هذا دلالة على كون الضمير دالا على الأمر الذهنى، لما فسر بالجنس لما فيه من الدلالة على الحقيقة الذهنية، وهو إنما أضمر على جهة المبالغة فى المدح والذم وهو من الباب الذى أبهم ثم فسر، فتوجّه البلاغة
(2/76)

فيه من حيث كان مبهما، فكان للأفئدة تطلّع إلى فهمه وللقلوب تعلّق به ولها غرام بإيضاحه، وقول النحاة «نعم وبئس» موضوعان لإفادة المدح العام والذم العام يشيرون به إلى ما قلناه من دلالته على الحقيقة الذهنية.
المسئلة الثالثة فى [الضمير المتوسط بين المبتدأ والخبر] وعواملهما،
وهذا كقولك كان زيد هو القائم، وزيد هو القائم، وظننت زيدا هو القائم قال الله تعالى: وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58)
[القصص: 58] ، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَ
[الكهف: 39] وقوله تعالى: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)
[الزخرف: 76] والكسائى وغيره من نحاة الكوفة يسمونه العماد، لمطابقته لما قبله، وسيبويه وغيره من نحاة البصرة يسمونه الفصل؛ لأنه ورد فاصلا بين كونه وصفا وغير وصف، فأما الدلالة على اسميته وموضعه من الإعراب فذكره إنما يليق بالمباحث الإعرابية، والذى نتعرض لذكره ههنا ما يختص بالبلاغة والفصاحة، وقد ورد فى كتاب الله تعالى وفى غيره كما تلونا من هذه الآيات، فوروده إنما كان من أجل التأكيد المعنوى، وفيه دلالة على الاختصاص فقوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
[البقرة: 254] وقوله تعالى: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)
[الزخرف: 76] ، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَ
[الكهف: 39] إلى غير ذلك من الضمائر التى وردت على هذه الصفة فإنها مفيدة للتأكيد كما ترى، لأن الكلام مع ذكرها أبلغ، فأنت لو قلت والكافرون الظالمون، ولكن كانوا الظالمين، وأسقطت هذه الضمائر، فإنك تجد فرقا بين الحالتين فى التأكيد وعدمه، وكما هى مفيدة للتأكيد كما ترى ففيها دلالة على الاختصاص؛ لأنه إذا قال والكافرون هم الظالمون، فإنما جاء بالضمير ليدل على أنهم لكفرهم اختصوا بمزيد الظلم الفاحش، وقوله تعالى:
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
[الأنفال: 4] فيه دلالة على مزيد اختصاصهم بالإيمان واستحقاقهم لصفته من بين سائر الخلق فيؤخذ الاختصاص والتأكيد من هذا الضمير كما أشرنا إليه.
المسألة الرابعة فى [توكيد الضمائر]
اعلم أن دخول التأكيد فى الكلام ليس أمرا حتما، ولا يكون على جهة الوجوب، وإنما يكون وروده على وجهين، أحدهما: أن يكون المعنى
(2/77)

معلوما فى النفس لا يقع فيه شك، فما هذا حاله أنت فيه بالخيار بين تأكيده وتركه، وثانيهما: أن يكون غير معلوم أو يكون مشكوكا فيه، وما هذا حاله فالأولى تأكيده، لإزالة احتماله، ثم التأكيد فى الضمائر بالإضافة إلى الاتصال والانفصال على أوجه ثلاثة، أولها تأكيد المنفصل بمثله، وهذا كقولك أنت أنت وأنا أنا.
قال أبو الطيب المتنبى «1» :
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدّك بشر الملك الهمام
فقوله أنت أنت من تأكيد المنفصل بمثله، وفائدته المبالغة فى مدحه بأبلغ ما يكون، فإنه لو مدحه بما شاء الله من الأوصاف الدالة على الثناء لما سدّ مسدّ قوله أنت أنت، كأنه قال أنت المشار إليه بالفضل دون غيره، فأما قوله وأنت منهم، فإنه وإن كان دالا على المدح، لكنه خارج عما نحن فيه من التأكيد وأراد وأنت من هذا القبيل، يريد مدح قبيلته بكونه منهم، فتأمل ما تضمنه هذا البيت من مدحه، ومدح القبيلة ومدح جده، وهذا من بدائع أبى الطيب ونفيس معانيه.
وثانيها تأكيد المتصل بمثله فى الاتصال ومثاله قولك: وإنك إنك لعالم، وكقوله تعالى فى سورة الكهف فى آية السفينة بعد المخالفة: قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72)
[الكهف: 72] من غير تأكيد ثم قال فى آية القتل الثانية: قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
[الكهف: 75] بالتأكيد، والتفرقة بين الأمرين هو أنه أكد الضمير فى الثانية دون الأولى، لأن المخالفة فى الثانية أعظم جرما، وأدخل فى التعنيف لأجل الإصرار على المخالفة، فلهذا ورد العتاب مؤكدا بعد الخلاف لما ذكرناه.
وثالثها توكيد المتصل بالمنفصل ومثاله قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (67) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (68)
[طه: 67- 68] فهذا التوكيد قد دل على طمأنينة نفس موسى، وعلى الغلبة بالقهر والنصر، وفى قوله: إنك أنت الأعلى، نهاية البلاغة، بدليل أمور ستة، أما أولا فإتيان «إن» المشددة فى أول الخطاب لتأكيد الأمر وتقدير ثبوته، وأما ثانيا فتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل مبالغة فى تخصيصه بالقهر والغلبة، وأما ثالثا: فالإتيان بلام التعريف فى قوله الأعلى، ولم يقل أعلى ولا عال؛ لأنها دالة على الاختصاص كأنه قال أنت الأعلى دون غيرك، وفيه تعريض بأمرهم، وتهكم بحالهم، وإبطال لما هم عليه من
(2/78)

أمر السحر، وأما رابعا: فقوله الأعلى، إنما جاء بلفظة أفعل، ولم يقل العالى لأن مجيئها على جهة الزيادة فى تلك الخصلة للمبالغة، وأما خامسا: فتحقيق الغلبة بقوله الأعلى، لأن معناه الأغلب، وعدل إلى لفظ الأعلى لما فيه من الدلالة على الغلبة بالفوقية لا بالمساواة، وأما سادسا: فلأنه أتى بقوله إنك أنت الأعلى، على جهة الاستئناف، ولم يقل قلنا لا تخف لأنك أنت الأعلى؛ لأنه لم يجعل عدم الخوف سببا لكونه غالبا عليهم، وإنما نفى عنه الخوف بقوله لا تخف، ثم استأنف الكلام بقوله إنك أنت الأعلى، فلا جرم كان أبلغ فى شرح صدر موسى وأقر لعينه فى القهر والاستيلاء، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه إفادة البلاغة من التأكيد كما أشرنا إليه، وهذا من لطيف علم البيان، ومما تكثر فيه النكت والغرائب البديعة، فأما تأكيد المنفصل بالمتصل فلم يرد فى كلام العرب فلا حاجة بنا إلى الكلام عليه.
المسألة الخامسة [الإظهار فى موضع الإضمار] ،
واعلم أن هذا وإن كان معدودا من علم الإعراب لكن له تعلّق بعلم المعانى، وذلك أن الإفصاح بإظهاره فى موضع الإضمار له موقع عظيم وفائدة جزلة، وهو تعظيم حال الأمر المظهر والعناية بحقه، ومثاله قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[العنكبوت: 19] ثم قال بعد ذلك ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
[العنكبوت: 20] فانظرا إلى إظهاره اسمه جل جلاله فى قوله:
ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ
وكان قياس الإعراب ثم ينشىء النشأة الآخرة، لأنه قد تقدم ما يفسر هذا الضمير وهو قوله: كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ
والفائدة فى ذلك هو المبالغة فى الأمر المظهر وإظهار الفخامة فيه، كقوله تعالى: الْقارِعَةُ (1) مَا الْقارِعَةُ (2)
[القارعة: 1- 2] وقوله: الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2)
[الحاقة: 1- 2] وقد يرد الإظهار على جهه الإنكار وشدة الغضب والتهكم بحالهم والتعجب من عنادهم وجحدهم، وهذا كقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ص: 1- 2] ثم قال بعد ذلك وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4)
[ص: 4] والغرض هو إفراط النكير عليهم والتعريض بأنهم الكفرة حقا أهل التمرد الذى لا شك فيه، والمراء الذى لا مدفع له، وفى التنزيل كثير من هذا، ليدركه من كان له ذهن حاضر وفؤاد حديد وحظى من الله بتوفيق وألقى السمع وهو شهيد.
(2/79)

الفصل التاسع فى بيان منزلة اللفظ من معناه وكيفية إضافته إلى قائله، وكيفية دلالته على معناه وبيان قوة المعنى لقوة اللفظ.
اعلم أن هذا الفصل إنما أوردناه ههنا لكونه مشتملا على قوانين تتعلق بالدلائل الإفرادية، ولها تعلق بما نحن فيه من علة المعانى، وتفيد فيه فائدة جزلة غير خافية، وجملتها أربعة:
القانون الأول فى بيان منزلة اللفظ من معناه، وبيان درجته منه
اعلم أن الذى عليه علماء الأدب من أهل اللغة وعلم الإعراب وهو الذى عول عليه جماهير الأصوليين أن دلالة الألفاظ على معانيها، إنما هو من جهة المواضعة، وخالف فى ذلك طوائف. واستقصاء الكلام يليق بالمباحث الكلامية، فإذا قلت: قام زيد فإنه يفيد بالوضع أمورا ثلاثة، القيام، وزيد، واتصاف زيد بالقيام، فإذا كانت الألفاظ مفيدة للمعانى كما ترى لكونها موضوعة من أجلها، فاعلم أن الذى عليه أهل التحقيق أن الألفاظ تابعة للمعانى، وقد صار صائرون إلى أن المعانى تابعة للألفاظ، والذى أوقعهم فى هذا الوهم وقرر عندهم هذا الخيال، هو أنهم لما رأوا المعانى لا يرسخ معقولها فى الأفئدة إلا بعد أن تخرق الألفاظ قراطيس أسماعهم، فتوهموا من أجل ذلك أنها تابعة للألفاظ، والمعتمد فى بطلان هذه المقالة أوجه ثلاثة، أولها: هو أن معنى الفرس، والأسد، والإنسان، مفهوم عند العقلاء لا يتغير، والعبارات عن كل واحد من هذه الحقائق تختلف عليه بحسب اختلاف اللغات من العربية، والفارسية، والتركية، والرومية، والسريانية، فلو كانت المعانى تابعة للألفاظ كما زعموه لوجب أن تكون مختلفة لاختلاف هذه الألفاظ، فلما عرفنا خلاف ذلك دل على صحة ما قلناه، من كون المعانى أصلا للألفاظ، وثانيا: أن المعانى منها ما يكون معنى واحدا، ثم توضع له ألفاظ كثيرة تدل عليه وتشعر به، فلو كانت المعانى تابعة للألفاظ لكان يلزم إذا كانت الألفاظ مختلفة أن يكون المعانى مختلفة أيضا، فلما كان المعنى واحدا والألفاظ متغايرة بطل ما قالوه، وثالثها أن المعانى لو
(2/80)

كانت تابعة للألفاظ للزم فى كل معنى أن يكون له لفظ يدل عليه، وهذا باطل، فإن المعانى لا نهاية لها، والألفاظ متناهية، وما يكون بغير نهاية لا يكون تابعا لما له نهاية، وإنما كانت الألفاظ متناهية، لأنها داخلة فى الوجود، وكل ما داخله الوجود من المكونات فله نهاية لاستحالة وجود ما لا نهاية له، وموضعه الكتب العقلية، وقد رمزنا إلى دليله هناك، وإنما كانت المعانى بلا نهاية؛ لأنها غير موجودة وإنما هى حاصلة فى الذهن، وما وجد فقد تناهى، فأما مالا يوجد فليس له غاية، كالحقائق الذهنية، والأمور المتصورة، فإنه لا نهاية لها قبل تعلق العلم بها، فأما بعد تعلق العلوم بها فهى منحصرة بانحصار علومها.
لا يقال فإذا كانت المعانى، سابقة على الألفاظ، وهى أصل لها، فما تريدون بقولكم إن الألفاظ دالة على المعانى وهذا يشعر بأن المعانى تابعة للألفاظ، لأنا نقول: هذا فاسد، فإنا قد أوضحنا أن الألفاظ تابعة للمعانى بما سبق من الأدلة فلا وجه لتكريره، قوله فما تريدون بقولكم إن الألفاظ دالة على المعانى، قلنا الغرض من قولنا إن الألفاظ دالة على المعانى، هو أن المعانى سابقة فى الثبوت والاستقرار على الألفاظ، وهى بلا نهاية لكن احتيج إلى معرفة بعض تلك المعانى التى بلا نهاية من أجل التصرفات، وإحراز مقاصد الخلق، فلأجل هذا وضعوا لما تمسّ الحاجة إليه من المعانى ألفاظا تدل عليها وتكون مشعرة بها، لتواضعهم على إفادتها ليمكن التخاطب بها ويسهل قضاء الأوطار بسبب ذلك، وما كان عنه غنية فلا حاجة إلى أن يضعوا له ألفاظا تدل عليه لوقوع الاستغناء عنه بما ذكرناه، فينحل من مجموع ما ذكرناه أن الألفاظ تابعة للمعانى، وأنها بلا نهاية، وأن الألفاظ متناهية بما شرحناه والحمد لله.
القانون الثانى فى كيفية دلالته على معناه
اعلم أن الألفاظ من دلالتها على ما تدل عليه من المعانى لا يخلو حالها فى الدلالة، إما أن تكون مما يدخلها المجاز، أو مما لا يدخله المجاز فإن كان الثانى فهو الأعلام كزيد وعمرو، وليس من همنا ذكرها، وإنما غرضنا أن نذكر أسماء الأجناس، وما لا يجوز تغييره عن وضعه الأصلى، ثم هى فى ذلك على مراتب.
(2/81)

المرتبة الأولى [الألفاظ المتواطئة]
وهى اللفظة الدالة على أفراد متعددة باعتبار أمر جامع لها، فقولنا هى اللفظة نحترز به عن المتباينة، فإنها لا تكون متباينة إلا إذا كانت الألفاظ متعددة، وقولنا الدالة على أفراد متعددة، نحترز به عن المترادفة، فإنها دالة على معنى واحد لا غير، وقولنا باعتبار أمر جامع لها، نحترز به عن المشتركة، فإنها دالة على أفراد متعددة على جهة البدلية، لا باعتبار أمر جامع لها، وإنما يجمعها جامع اللفظ لا غير، ومثاله قولنا رجل، وفرس، وأسد، فإن كل واحد من هذه الألفاظ دال على أفراد متعددة باعتبار أمر جامع لها، كالرجولية فى قولنا رجل وهكذا الفرسية والأسدية، وتنقسم إلى مستغرقة، وصالحة، فالمستغرقة هى قولنا: الرجال، والإنسان، والصالحة وهى ما تدل عليه من غير استغراق كقولنا إنسان، وفرس. والتفرقة بين الألفاظ العامة والصالحة هو أن العام دال على جهة الاستغراق، كالرجال، بخلاف الصالحة فإن دلالتها إنما هو على جهة الصلاحية دون الاستغراق، فالعامة يندرج تحتها الأفراد التى بلا نهاية على جهة الوجوب، والصالحة يندرج تحتها الأفراد التى بلا نهاية على جهة الصلاحية لا غير، فأما الكلام فيما يعمّ من الألفاظ وما لا يعم، وكيفية عمومه فإنما يليق بمقاصد أصول الفقه. وقد أوردنا فيه تفصيلا شافيا.
المرتبة الثانية فى بيان [الألفاظ المتباينة] ،
وهى الألفاظ المتعددة الدالة على المعانى المختلفة، فقولنا: هى الألفاظ، نحترز به عن اللفظة الواحدة، فإنه لا يقال فيها إنها متباينة، والتباين إنما يكون واقعا فى الألفاظ المتعددة، وقولنا الدالة على المعانى المختلفة، نحترز به عن المترادفة، فإنها ألفاظ مختلفة دالة على معنى واحد، ومثاله قولنا: سماء، وأرض، وجسم، وعرض، فإنها ألفاظ مختلفة دالة على حقائق مختلفة.
المرتبة الثالثة [المترادفة] ،
وهى الألفاظ المختلفة فى أنفسها دون معانيها، وهذا كقولنا: نظر، وفكر، وعلم، ومعرفة، وليث، وأسد إلى غير ذلك من أنواع الترادف. وهكذا قولنا: سيف، وصارم، ومهند، فهذه الألفاظ متفقة فى كونها دالة على حقيقة واحدة لا تختلف أحوالها فى
(2/82)

الدلالة عليها كما مثلنا. نعم، قد يقع الاختلاف فى أمور عارضة لها، وهذا كقولنا: صارم، ومهند، فإنهما وإن كانا دالين على حقيقة السيف لا يختلفان فيها، لكن الصارم فيه دلالة على القطع، وقولنا مهند، فيه دلالة على نسبته إلى الهند، وقولنا علم، ومعرفة، فإنهما وإن اتفقا فى دلالتهما على معقول حقيقة العلم، لكن أحدهما يتعدى إلى مفعول واحد وهو المعرفة، والعلم يتعدى إلى مفعولين، فهذه أمور عارضة يقع فيها الاختلاف، وقد يقعان موقعا واحدا لا يتطرق إليهما اختلاف على حال، كقولنا ليث، وأسد.
المرتبة الرابعة فى بيان [الألفاظ المشتركة] ،
وهى اللفظة الواحدة الدالة على أزيد من معنى واحد مختلفة فى حقائقها على الظهور بوضع واحد، فقولنا هى اللفظة الواحدة، ولم نقل هى الألفاظ لأن الاشتراك قد يكون فى اللفظة الواحدة، وفى الألفاظ المجتمعة، بخلاف التباين، والترادف، فإنهما لا يقعان إلا فى مجموع الألفاظ، لفظتين فصاعدا، وقولنا الدالة على أزيد من معنى واحد، نحترز به عن اللفظة المفردة التى لا تدل إلا على معنى واحد، فإنها لا تكون مشتركة، وأكثر الكلام على الوضع فى الدلالات الإفرادية؛ لأن الاشتراك على خلاف الأصل. وقولنا مختلفة فى حقائقها، نحترز به عن المتواطئة، فإن اختلافها ليس فى الحقائق، وإنما اختلافها فى العدد كرجل، وإنسان، فإنهما دالان على أفراد متعددة لكنها غير مختلفة فى حقائقها؛ لأنها اتفقت فى أمر جامع لها، كالرجولية، والإنسانية. وقولنا على الظهور، نحترز به عن الألفاظ المشتبهة كالفظة النور، فإنها تطلق على الشمس والنار، والعقل، فقد دلت على أكثر من حقيقة واحدة مختلفة فى حقائقها، فإن حقيقة النار مغايرة لحقيقة الشمس والعقل، لكن اختلافها فى هذه الحقائق، ليس أمرا ظاهرا كظهور الأسماء المشتركة، بل لا يمتنع اتفاقها فى أمر جامع لها، وإن خفى على الأذهان وكان فى غاية الدقة المعنى المفهوم من حقيقة النور، متفقة فيه، وإن كانت حقائقها مختلفة كما أشرنا إليه. وقولنا بوضع واحد، نحترز به عما يدل على شىء بالحقيقة، وعلى ما يخالفه بالمجاز، كقولنا أسد، وحمار، فإنهما قد دلا على أمرين مختلفين، ولكن بوضعين.
فإن وضح ما ذكرناه من الأمر الجامع لها على خفائه فذكر الاحتراز جيد لا غنى عنه، وإن خفى وكان فى غاية الدقة ولم يكن له هناك حقيقة فلا وجه للاحتراز، وكانت المشتبهة داخلة تحت اللفظة المشتركة من غير تفرقة بينهما.
(2/83)

المرتبة الخامسة فى بيان [الألفاظ المستغرقة] ،
ومن جملة ما يعرض لألفاظ الاستغراق، فإنه من الأمور المهمة لتعلقه بالمسائل الدينية الوعيدية، وفيه مضطرب النظار من الأصوليين فى المباحث الفقهية، ويشم رائحة من علوم المعانى، فلا ينبغى إغفاله وهى ألفاظ العموم، ثم معناها ما دل على معنيين فصاعدا من غير حصر، فقولنا «ما دل على معنيين» ، عام فى الاستغراق والاشتراك، وقولنا «من غير حصر» ، تخرج عنه الأسماء المشتركة، فإن ما تدل عليه منحصر، وهى منقسمة إلى ما يكون مستعملا فى حق العقلاء كمن، والذين، والمسلمين، والرجال، وفى غير العقلاء كما، والأفراس، وإلى ما يكون للعقلاء وغير العقلاء كأى، وكل. فهذه الألفاظ كلها مستغرقة لما تصلح له ويندرج تحتها، وإنما ذكرناها لما ذكرنا منازل الألفاظ ودرجها، وإلا فموضعها اللائق بها أصول الفقه، ونذكر على أثرها ما يكون لائقا بها من ذكر الفروق بينها وذكر ما هو مندرج تحتها ونردفه بالمراتب.
المرتبة السادسة فى إيراد الفروق بين هذه الألفاظ
اعلم أن كل من أحاط علما بما ذكرناه من ماهيتها، فإنه لا يقع عليه لبس فى كل واحد منها بغيرها، وإنما نورد التفرقة على جهة الإيضاح والبيان، وجملة ما نورده من ذلك فروق خمسة:
«الفرق الأول» بين المشتركة والمتشابهة
اعلم أن الشيخ أبا حامد الغزالى قدّر أمر التفرقة بينهما بما حكيناه من قبل، وهو أن المشتبهة متفقة فى أمر يجمعها كما قلناه فى لفظة النور، بخلاف اللفظة المشتركة، فإنه لا اشتراك بينها فى أمر معنوى بحال، فإن صح ما قاله الغزالى فى اشتراكها فى أمر معنوى وإن خفى ودق فهما مفترقان. ويمكن أن يقال إن الأمر الذى قاله ليس أمرا حقيقيا، وإنما هو خيال، فيجب اندراجها تحت المشتركة، وينزّل الخلاف فى لفظة النور على ما ذكرناه من تلك الأنوار منزلة إطلاق لفظة اللون على جميع أنواع اللون، فإن حصلت تفرقة بينها وبين
(2/84)

لفظ اللون فما قاله الشيخ أبو حامد مقبول، وإن لم يكن تفرقة بينهما معقولة فلا وجه للتفرقة بينهما وكانا مشتركين كليهما، فينبغى التعويل على ما أشرنا إليه فى ذلك.
«الفرق الثانى» بين المتواطئة والمشتركة،
وهو أن المتواطئة دالة على الاشتراك بين المفردات فى أمر معنوى يجمعها، كرجل، وفرس، بخلاف المشتركة، فإنه لا اشتراك بين المفردات إلا فى أمر لفظى كالقرء، على الطهر والحيض، والشفق على الحمرة والبياض.
«الفرق الثالث» بين المتباينة من الألفاظ والمترادفة،
وذلك إنما تكون التفرقة بينهما من جهة أن الاختلاف فى الألفاظ المتباينة تابع لاختلاف معانيها، فهى مختلفة الألفاظ والمعانى جميعا، بخلاف المترادفة فإن ألفاظها وإن كانت مختلفة متباينة، لكن المعانى فيها متفقة، فإنها دالة على معنى واحد، وإن تكررت عليه الألفاظ كما مر بيانه.
«الفرق الرابع» التفرقة بين المتواطئة والمستغرقة،
وهى إنما تكون من جهة أن المتواطئة دالة على المفردات من جهة الصلاحية دون الشمول، ودلالة المستغرقة إنما هو من جهة دخولها تحتها واندراجها فيها على جهة الاستغراق، ومن ثمّ جاز الاستثناء من الألفاظ المستغرقة، كالرجال والمسلمين، ولم يجز فى المتواطئة كرجال، ومسلمين، تقول «جاءنى الرجال إلا زيدا» ، ولا تقول «جاءنى رجال إلا زيدا» ، نعم التواطؤ لابد من أن يكون سابقا على الاستغراق، فلا يرد إلا حيث يكون متقدما عليه.
«الفرق الخامس» بين المتواطئة والمشتبهة،
وحاصله أنا نقول إن صح ما قاله الشيخ أبو حامد من كونها مجتمعة فى أمر معنوى على دقته وغموضه فهى تكون من جملة المتواطئة، فلا وجه للتفرقة بينهما بحال، وإن صح ما ذكرناه من الاحتمال، وهو أنها غير متفقة فى أمر معنوى فهى لاحقة بالألفاظ المشتركة، والتفرقة بين المتواطئة والمشتركة قد ذكرناه فلا وجه لتكريره. فهذا ما أردنا ذكره من معرفة هذه الفروق وتقريرها، وإن أهملنا شيئا من ذكر الفروق فهو مندرج تحت ما أشرنا إليه.
(2/85)

المرتبة السابعة فى بيان ما ألحق بهذه الألفاظ وليس منها
اعلم أن ما ذكرناه من الألفاظ كالمتواطئة والمتباينة، والمترادفة، والمشتركة، فلا خلاف بين النظار فى تغايرها، وأن كل واحد منها مستعمل فيما ذكرناه، وإنما يؤثر الخلاف فى المتشابهة، وقد ذكرنا وجه النظر فيها، وهل تكون لا حقة بالمتواطئة، أو بالمشتركة، فأما ما وراء ذلك من المترادفة، كالناهل للعطشان والريان، والمشكّكة، كقولنا: سدفة فى الضوء، والظلام، والمبهمة، كقولنا: القسط، فإنه يستعمل فى العدل، والجور، فيقال فيه: قسط:
إذا عدل وقسط: إذا جار، فكلها مندرجة تحت ما ذكرناه من المشتركة، وإنما هى عبارات مختلفة على معنى واحد، لهذا فإن ألفاظها مشعرة بالاشتراك فإن التردد إنما يكون فيها من أجل عدم القرينة على ما أريد منها من معانيها، وهكذا ما قلناه من التشكك، فإن الشك إنما حصل لما كان لا يعلم المقصود منها، والمبهمة إنما عرض الإبهام فيها من جهة ما ذكرناه من الاحتمال فيها، فصارت مشتركة فيما أشرنا إليه، فالكلام فيها كالكلام فى المشتركة من غير تفرقة، وإنما الخلاف فى عبارة فيها.
القانون الثالث فى بيان قوة اللفظ لقوة المعنى
اعلم أن هذا الباب له حظ وافر من علوم المعانى، وله فيها قدم راسخة، وقد ذكره ابن جنى فى كتاب «الخصائص» ، وأورده ابن الأثير فى كتابه «المثل السائر» وما ذاك إلا لعلمهما بعلو مكانه فى أبواب المعانى فنقول: قوة اللفظ لأجل قوة المعنى، إنما تكون بنقل اللفظ من صيغة إلى صيغة أكثر منها حروفا، فلأجل ذلك يقوى المعنى لأجل زيادة اللفظ، وإلا كانت زيادة الحروف لغوا لا فائدة وراءها، وذلك يكون فى الأسماء، والأفعال، والحروف، فهذه ثلاثة أمثلة نذكر ما يتعلق بكل واحد منها على حياله.
(2/86)

«المثال الأول» فى الأسماء
وهذا كقوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[البقرة: 255] فإنه أبلغ من قائم وقوله تعالى: عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48)
[سبأ: 48] فإنه أبلغ من عالم وقوله تعالى: مُقْتَدِرٍ
[القمر: 55] فإنه أبلغ من قادر ونحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
[البقرة:
222] فإن فعالا أبلغ من فاعل، ومتطهر أبلغ من طاهر؛ لأن التواب هو الذى تتكرر منه التوبة مرة بعد أخرى، وهكذا المتطهر، فإنه الذى يكثر منه فعل الطهارة مرة بعد مرة، هكذا القول فيما كان مشتقا من الفعل، فإن زيادة لفظه دالة على زيادة معناه قال أبو نواس:
فعفوت عنى عفو مقتدر ... جلّت له نقم فألغاها
ولم يقل قادر، مبالغة فى الأمر، وهكذا حال الأوصاف الجارية على الله تعالى إذا عدل بها عن منهاج الاشتقاق على جهة المبالغة، وحكى ابن الأثير عن جماهير النحاة أنهم يقولون إن «عليما» أبلغ من عالم، واستضعف هذه المقالة، وزعم أن الأمر على خلاف ذلك وأن عالما أبلغ من عليم؛ لأن عالما متعد وعليم غير متعد، فلهذا كان أبلغ لما ذكرناه، فأما عدة أحرفها فهى سواء، وهذا الذى ذكره فاسد، فإن الدلالة على بلاغة «عليم» ليس من جهة عد الأحرف ولا من جهة التعدى واللزوم، فيصح ما ذكره، وإنما حصلت المبالغة فيه من جهة الاستعمال؛ لأنهم لا يستعملونه إلا فى مواضع البلاغة، بخلاف قولنا عالم، فبطل ما توهمه.
المثال الثانى فى الأفعال
وهذا كقوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها
[الشعراء: 94] فإنه مأخوذ من الكب وهو القلب، لكنه كرر الباء للمبالغة فيه، ومن هذا قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
[البقرة: 286] وهذا من لطف الله ورحمته، فإنه جعل الثواب على أدنى ملابسة للطاعة، فلهذا أتى فيه بالثلاثى المجرد، وجعل العقاب على مزاولة عظيمة للفعل، وعلاج، فلهذا خصه ببناء المبالغة بالزيادة على الثلاثى، ومن هذا قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
[البقرة: 137] ولو قال: فكفاك إياهم لم يكن فيه بلاغة، وهكذا قولهم: اخشوشن، فى خشن، واعشوشب المكان، إذا أعشب وكثر شجره، وإنما عدل عن بنائه الثانى للمبالغة فى ذلك المعنى.
(2/87)

«المثال الثالث» فى الحروف
وهو قليل الاستعمال، وهذا كقولنا: سأفعل، وسوف أفعل، فإن زمان «سوف» أوسع من زمان السين، وما ذاك إلا لأجل امتداد حروفها وهكذا فإن التأكيد بإنّ الشديدة آكد من التأكيد بإن المخففة، ونحو «لكنّ» فإنها مع التضعيف آكد منها مع التخفيف، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المبالغة فى الألفاظ إنما تكون تبعا للبلاغة فى المعانى، فلا جرم تكثرت الألفاظ لأجل ذلك.
القانون الرابع فى جهة إضافة الكلام إلى من يضاف إليه
اعلم أن كل نثر ونظم من جميع الكلمات فله جهتان، الجهة الأولى أن يكون فاعلا له فى الحال، فإذا قال الواحد منا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2)
[الفاتحة: 2] «وقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» فإن هذا الكلام يضاف إليه على جهة أنه فعله وأوجده بقدرته، ولهذا فإنه واقف على حسب قصده وداعيته كسائر أفعاله، فإنه لا فرق بين إيجاده لما قلناه بلسانه، وبين تحريك يده فى أن كل واحد منهما مضاف إليه على معنى أنه فعله واخترعه.
الجهة الثانية أن يكون مضافا إليه على معنى أنه ابتدأه وأنشأه أولا، فإن الحمد لله رب العالمين، مضاف إلى الله تعالى على معنى أنه أنشأه، وهكذا قوله «قفا نبك من ذكرى» فإنه مضاف إلى امرىء القيس، وكل واحد من هاتين الإضافتين حقيقة فى الإضافة؛ لأنهما يسبقان إلى الفهم فلا وجه لجعل أحدهما حقيقة، والآخر مجازا، فإذا تمهّدت هذه القاعدة، فالبلاغة إنما تحصل بتأليف الكلام ونظمه وإعطائه ما يستحقه من الإعراب، وإعمال العوامل، وتوخى جميع معانى النحو ومجاريه التى يستحقها، وبيان ذلك هو أن وضع الكلم المفردة بالإضافة إلى واضع اللغة لا تغيير لها، والتصرف لأهل البلاغة إنما هو فى التأليف، ألا ترى أن أفراد قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2)
[الفاتحة: 2] مقولة على ألسنة الناس، والإعجاز إنما كان من أجل نظمها وتأليفها بحيث كان الحمد مبتدأ، ولله متأخرا عنه خبره، ورب العالمين، مضاف، وإجراؤه صفة لما قبله فى الإعجاز من جهة الانتظام، فإذن حال أنفس الكلم مع المؤلف كحال الإبريسم مع ناسج الديباج، والذهب مع صائغ التاج، فحظه من ذلك إنما هو تأليفهما ونظمهما لا غير.
(2/88)

الفصل العاشر فى [الاعتراض] ،
وبعضهم يسميه الحشو، وقبل الخوض فيما نريده من خصائصه نذكر ماهية الاعتراض والمعترض فيه، فنقول: أما الاعتراض فهو كل كلام أدخل فى غيره أجنبى بحيث لو أسقط لم تختل فائدة الكلام، وأما المعترض فيه فهو كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب بحيث لو أسقط لبقى الكلام على حاله فى الإفادة، مثال ذلك قولنا:
زيد قائم فهذا لا محالة كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر، فإذا أدخلنا عليه لفظا مفردا فقلنا:
زيد والله قائم، جاز، فإذا أزلنا القسم، بقى الأول على حاله، وهكذا إذا أدخلنا فى هذا الكلام كلاما مركبا فقلنا: زيد على ما به من قلة ذات اليد كريم، فقد أدخلنا بين المبتدأ وخبره كلاما مركبا، وهو قولنا على ما به من قلة ذات يده، فهذا هو حد المعترض فيه والاعتراض، فإذا عرفت هذا فاعلم أن للاعتراض مدخلين:
المدخل الأول يتعلق بعلم الإعراب،
ثم هو ينقسم إلى ما يكون جائزا وغير جائز، فأما الجائز فهو ما يكون فاصلا بين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وبين القسم وجوابه، إلى غير ذلك مما يحسن استعماله فى اللغة العربية، وأما غير الجائز فهو الاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين حرف الجر ومجروره إلى غير ذلك مما يقبح استعماله، وليس من همنا ذكر ما هذا حاله؛ لأن هذا إنما يليق بالمباحث الإعرابية، وكتابنا إنما نذكر فيه ما يتعلق بعلوم المعانى دون ما عداه، فلا يمزج أحدهما بالآخر، وأيضا فإن هذا الكتاب لا يخوض فيه إلا من له وطأة فى علم الإعراب، وحظوة فى الإحاطة بحقائق العربية فلا جرم أغنانا ذلك عن الكلام فى الأسرار النحوية والمباحث الإعرابية.
المدخل الثانى يتعلق بالبلاغة والفصاحة
اعلم أن الاعتراض قد يدخل لفائدة جارية مجرى التأكيد، وقد يكون داخلا لغير فائدة، فهذان ضربان.
(2/89)

الضرب الأول ما يكون دخوله من أجل الفائدة التى تليق بالبلاغة،
وهذا كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)
[الواقعة: 75- 76] ففى هذه الآية اعتراضان، أحدهما بجملة اسمية ابتدائية، وهى قوله: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)
فأتى بها اعتراضا بين القسم وجوابه، وإنما أتى به على قصد المبالغة للمقسم به واهتماما بذكر حاله قبل جواب القسم، وفيه الإعظام له والتفخيم لشأنه، وذلك يكون أوقع فى النفوس، وأدخل فى البلاغة، وثانيهما بجملة فعلية بين الصفة والموصوف، وهو قوله تعالى: لَوْ تَعْلَمُونَ
فإنه وسطه بين الصفة وموصوفها تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره، كأنه قال وإنه لقسم لو علمتم حاله أو تحققتم أمره، لعرفتم عظمه، وفخامة شأنه، فهذان الاعتراضان قد اختصا بمزيد البلاغة وموقع الفخامة مبلغا لا ينال، ومن هذا قوله تعالى:
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (57)
[النحل: 57] فقوله: «سبحانه» كلمة تنزيه أوردها اعتراضا بين الجملتين مبالغة فى التنزيه عما نسبوه إليه من اتخاذ البنات ومبالغة فى الإنكار عليهم فى هذه المقالة، فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه اللفظة أعنى قوله «سبحانه» من حسن الموقع بكونها واردة على جهة الاعتراض، وما تضمنته من الفوائد الشريفة والأسرار الخفية، من الإنكار والرد والتهكم، وإظهار التعجب من حالهم وغير ذلك من اللطائف، فسبحان الله لقد أنشأت هذه الآية للعارفين استطرافا وعجبا، وحركت فى قلوبهم أشواقا وطربا، لما اشتملت عليه من عجائب الفصاحة التى لا ينطق بها لسان ومن غرائب البلاغة ما لا يطلع فجها إنسان.
ومن الاعتراض الرشيق قوله تعالى: فى سورة يوسف: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ
[يوسف: 73] فقوله: لَقَدْ عَلِمْتُمْ
اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير علمهم بالبراءة عن الفساد والبعد عن تهمة السرقة، ثم إنهم مع إثبات علمهم بذلك أكدوا ذلك بالقسم مبالغة فى الأمر.
ومن الاعتراض الذى طبّق مفصل البلاغة قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي
[لقمان: 14] فقوله حملته أمه إلى قوله عامين، وارد على جهة الاعتراض بين الفعل ومتعلقه، وسر ذلك هو أنه لما ذكر توصية الوالدين عقبه بما يؤكد أمر الوصية. ويؤذن باستحقاقها من أجل ما تكابده الأم من
(2/90)

المشاق فى حمل الولد وفصاله، وما فى أثناء ذلك من مشقة التربية والمزاولة لمصالحه، والحنو والتعطّف عليه، وخص الأم بالذكر، تنبيها على اختصاصها بمزيد المشقة وتعاطى المباشرة له فى كل أحواله، فتوسّط هذا الاعتراض بما ذكرناه، قد اشتمل على الإشارة إلى ما قررناه مع احتوائه على حسن الوصف وجودة السياق كما ترى، ومن شريفه قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
[النحل: 101] فقوله والله أعلم بما ينزل، اعتراض بين إذا وجوابها، وفائدته تقرير لمصلحة التبديل، وتعريض بجهلهم بمعرفة ذلك، وإعلام لهم بأن الله تعالى هو المتولى لذلك، فهذه الجملة الابتدائية الواردة اعتراضا قد قامت مقام ما ذكرناه من هذه الأسرار.
ومن غريبه وعجيبه قوله جل وعلا: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا
[2 لبقرة: 72- 73] فقوله: والله مخرج، جملة ابتدائية وردت معترضة بين الكلامين وفائدتها التقرير فى نفوس السامعين بأن تدافع بنى إسرائيل فى قتل النفس ليس نافعا فى إخفائه وكتمانه، لأن الله تعالى مظهره وتعريف بأنه تعالى: مطلع على كل خافية، وأكرم بمعانى التنزيل، فما أنفعها وأعلى مكانها وأرفعها، والاعتراض فى القرآن أكثر من أن يحصى، ومما ورد من المنظوم فى الاعتراض قول امرىء القيس «1» :
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أطلب قليل من المال
فقوله «ولم أطلب» وارد على جهة الاعتراض بين الفعل وفاعله، وإنما أورده، تعريفا بتحقير أمر المعيشة وإعراضا عنها وأنه يأتى بأسهل أمر، وإنما الذى يحتاج إلى العناية هو طلب الملك والمجد المؤثّل كما قال «2» :
ولكنما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالى
(2/91)

ومن ذلك ما قاله أبو تمام «1» :
وإن الغنى لى إن لحظت مطالبى ... من الشعر إلا فى مديحك أطوع
فقد اشتمل على اعتراضين، أحدهما قوله إن لحظت مطالبى، والآخر قوله «إلا فى مديحك» والمعنى فى البيت كله أن الغنى أطوع لى من الشعر لو لحظت مطالبى، وقوله إلا فى مديحك، جاء بالجملة الاستثنائية مقدمة، وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة الشرطية، وخبر إن، والمراد من هذا هو أن مطالبه من الشعر إذا لحظ نجاحها فالغنى بها أسهل من الشعر فى مدح كل أحد إلا فى مديحك، فإن الشعر أسهل علىّ، وهذا من محاسن ما يوجد فى الاعتراض، ومن ذلك قول كثيّر عزة:
لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك لعلّموا الناس المطالا
فقوله: «وأنت منهم» ، اعتراض بين لو وجوابها، وفائدته التصريح بما هو المقصود من ذمّه وتأكيد انصراف الذم إليه، ومنه قول أبى تمام «2» :
رددت رونق وجهى فى صحيفته ... ردّ الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالى وخير القول أصدقه ... حقنت لى ماء وجهى أم حقنت دمى
فقوله «وخير القول أصدقه» من الاعتراض الرائق وفائدته تحقيق المماثلة بين صيانة الوجه وحقن الدم.
«الضرب الثانى» «من الاعتراض» وهو الذى يأتى لغير فائدة،
ثم هو على وجهين،
الوجه الأول منهما أن يكون غير مفيد لكنه لا يكسب الكلام حسنا ولا قبحا،
وهذا كقول زهير «3» :
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبالك يسأم
فقوله «لا أبالك» من الاعتراض الذى ليس فيه فائدة توكيد، وليس فيه قبح، وهكذا
(2/92)

ورد فى قول النابغة «1» :
تقول رجال يجهلون خليقتى ... لعل زيادا لا أبا لك غافل
فهذا وأمثاله يغتفر فيه هذا الاعتراض وإن كان لا فائدة تحته،
والوجه الثانى أن يكون من غير فائدة، لكنه يكون قبيحا لخروجه عن قوانين العربية وانحرافه عن أقيستها
كقول من قال «2» :
فقد والشكّ بيّن لى عناء ... بوشك فراقهم صرد، يصيح
وإنما كان قبيحا لأنه اعترض بين قد وفعلها بقوله «والشك» ومثل هذا قبيح لا يغتفر وهو فى النثر أقبح منه فى النظم؛ لأن الناظم يضطره الوزن فيعذر فيه بعض معذرة، فأما الناثر فلا عذر له فى مثل هذا؛ لأنه لا يراعى وزنا يلزمه استقامته. وكتاب الله تعالى والسنة الشريفة، وكلام أمير المؤمنين منزه عن مثل هذا الاعتراض؛ لأنه غير لائق بالكلمات البليغة.
(2/93)

الفصل الحادى عشر فى [التأكيد]
اعلم أن التأكيد تمكين الشىء فى النفس وتقوية أمره، وفائدته إزالة الشكوك وإماطة الشبهات عما أنت بصدده، وهو دقيق المأخذ، كثير الفوائد، وله مجريان.
«المجرى الأول» عام وهو ما يتعلق بالمعانى الإعرابية،
وينقسم إلى لفظى ومعنوى، وليس من همنا إيراده ههنا لأمرين، أما أولا فلانحراف ما يتعلق بمقاصد الإعراب عما يتعلق بمقاصد البلاغة، وما نحن فيه إنما هو كلام فى مقاصد البلاغة، وأما ثانيا فلأن كتابنا إنما يخوض فيه من له ذوق فى علم العربية وكانت له حظوة وافرة فيها.
«المجرى الثانى» خاص يتعلق بعلوم البيان،
ويقال له التكرير أيضا، وليس يخفى موقعه البليغ ولا علو مكانه الرفيع، وكم من كلام هو عن التحقيق طريد، حتى يخالطه صفو التأكيد، فعند ذاك يصير قلادة فى الجيد، وقاعدة للتجويد، ثم ما يكون متعلقا بعلوم البيان قد يكون تأكيدا فى اللفظ والمعنى، وقد يتعلق بالمعنى دون اللفظ، فهذان قسمان
القسم الأول ما يكون تأكيدا فى اللفظ والمعنى جميعا
اعلم أن ما نورده فى هذا القسم ينبغى إمعان النظر فيه لغموضه ودقة مجاريه، ومن أجل ورود التأكيد من جهة اللفظ والمعنى والتكرير فى كتاب الله تعالى ظن بعض من ضاقت حوصلته، وضعفت بصيرته عن إدراك الحقائق، والتطلّع إلى مآخذ الدقائق أنه خال عن الفائدة، وأنه لا معنى تحته إلا مجرد التكرير لا غير، وهذا خطأ وزلل، فإن كتاب الله تعالى لم يبلغ حد الإعجاز فى البلاغة والفصاحة سواه من بين سائر الكلمات، ولو كان فيه ما هو خال عن الفائدة بالتكرير لم يكن بالغا هذه الدرجة ولا كان مختصا بهذه المزية، وأيضا فإن سائر الكلمات التى هى دونه فى الرتبة قد يوجد فيه التكرير مع اشتمالها على الفائدة فكيف هو؟! ونحن الآن نعلو ذروة لا ينال حضيضها فى بيان معانى الألفاظ المكررة، فى لفظها ومعناها فى كتاب الله تعالى، ونظهر أنها مع أن تكريرها، إنما كان لمعان
(2/94)

جزلة، ومقاصد سنيّة بمعونة الله تعالى، فمن ذلك قوله تعالى فى سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13)
[الرحمن: 13] فهذا تكرير من جهة اللفظ والمعنى، ووجه ذلك أن الله تعالى إنما أوردها فى خطاب الثقلين الجن والإنس، فكل نعمة يذكرها، أو ما يئول إلى النعمة، فإنه يردفها بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13)
تقريرا للآلاء، وإعظاما لحالها، ومن ذلك فى سورة القمر قوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18)
[القمر: 17- 18] وإنما كرره لما يحصل فيه من إيقاظ النفوس بذكر قصص الأولين، والاتّعاظ بما أصابهم من المثلات، وحل بهم من أنواع العقوبات، فيكون بمنزلة قرع العصا، لئلا تستولى عليهم الغفلة، ويغلب عليهم الذهول والنسيان، وهكذا ما ورد فى سورة المرسلات وغيرها، وإنما كرر ذلك لأنه لما ذكر يوم القيامة وأنه كائن لا محالة، ثم عدد هذه الأمور كلها، وأنها كالدلالة عليه، وما من واحدة منها إلا ويعقبها بقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19)
[المرسلات: 19] مبالغة فى الإنكار عليهم وتأكيدا لوقوع السخط والغضب لأجل تكذيبهم، وحذارا عن الإتيان بمثل ما أتوا به من إنكار هذا اليوم العظيم، وهكذا القول فيما ورد من الآيات المكررة، فإنها لم تتكرر إلا لمقصد عظيم فى الرمز إلى ذلك المعنى الذى سيقت من أجله، فليحكّ الناظر قلبه فى إدراك تلك اللطائف، وليجعلها منه على بال وخاطر، ولا يتساهل فى إحرازها فيلمحها بمؤخر عينه، فإنها مشتملة على أسرار ورموز، ومن أحاط بها فقد أوتى من البلاغة مفاتيح الكنوز، هذا كله فيما تكرر لفظه مرات كثيرة، من آى التنزيل، فأما ما كان تكريره مرتين فهو غير خال عن فائدة ظاهرة، وهذا كقوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
[الأنفال: 7] ثم قال بعد ذلك لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
[الأنفال: 8] فهذا وإن تكرر لفظه ومعناه، فلا يخلو عن حال لأجله وقع التغاير، وذلك من وجهين، أما أولا فلأن الأول وارد على جهة الإنشاء، والثانى وارد على جهة الخبر، وأما ثانيا فلأن الأول وارد فى الإرادة، والثانى وارد فى الفعل نفسه، ولأن الأول الغرض به إظهار أمر الدين بنصرة الرسول بقتل من ناوأه، ولهذا قال بعده وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7)
[الأنفال: 7] والغرض بالثانى التمييز بين ما يدعو الرسول إليه من التوحيد، وإخلاص العبادة لله، وبين أمر الشرك وعبادة الأصنام، ولهذا قال بعده وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
[الأنفال: 8] ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[الحجرات: 15] ثم قال بعد ذلك إِنَ
(2/95)

الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[النور: 62] فظاهر هذه الآية التكرير، وليس الأمر كذلك فإن الحصر وإن كان شاملا لهما، لكنه مختلف، فالآية الأولى إنما وردت فى حصر الإيمان، وأنه لا إيمان حقيقة إلا الإيمان بالله ورسوله، وما عداهما لا يعد من الإيمان، ولا يكون داخلا فى ماهيته، وتعريضا بحال من أنكر التوحيد والنبوة، فإنه غير داخل فى هذه الصفة بحال، والآية الثانية فإنما وردت على جهة الحصر فى المستأذنين، كأنه قال صفة الاستئذان مقصورة على كل من آمن بالله ورسوله، فلا يتأخر إلا بأمر من جهتك، ولا يقدم ولا يحجم إلا عن رأيك، لاطمئنان نفسه بالإيمان، ورسوخ قدمه فيه، فهذا هو المستأذن حقيقة، فأما من كان غير مؤمن بالله ولا معرج على التصديق بك، فليس من استئذانك فى ورد ولا صدر، فقد ظهر بما ذكرناه تغاير الآيتين بما أبرزناه من معناهما، فهكذا تفعل فى كل ما ورد عليك من الآى القرآنية، فإن التكرير فيه كثير، ورب كلام يكون الإطناب فيه أبلغ من الإيجاز، وتصير البساطة له كالعلم والطراز، ولولا خشية الإطالة لأوردنا جميع التكريرات كلها، وأظهرنا تغايرها، وفيما أشرنا إليه كفاية لما نريده من ذلك، ومن التكرير الفائق ما ورد فى السنة الشريفة كقوله صلّى الله عليه وسلّم فى وصف يوسف الصديق عليه السلام «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم» يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعنى أنه نبى ابن نبى ابن نبى ابن نبى، فقد تنوسخ من الأصلاب الشريفة إلى الأرحام الطاهرة، فهذا تكرير بالغ دال على نهاية الشرف، وإعظام المنزلة، ورفع الرتبة عند الله، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه «اللهم إنى أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمى وصغّروا عظيم قدرى، وأجمعوا على منازعتى أمرا هو لى ثم قالوا ألا فى الحق أن نأخذه، وفى الحق أن نمنعه» وإنما كرر قوله فى الحق، مبالغة فى التوجّع، وإعظاما فى التهكّم بهم، حيث اعتقدوا أن منعه هو الحق بزعمهم، فهذا من التكرير الذى قد بلغ فى الفصاحة أعلاها، وأصعد فى ذروتها وحل أقصاها كما ترى، ومن الأبيات الشعرية ما يليق ذكره ههنا، فمن ذلك قول المتنبى «1» :
العارض الهتن بن العارض الهتن ب ... ن العارض الهتن بن العارض الهتن
فهذا من باب التكرير، ثم من الناس من صوبه فى تكريره هذا. ومنهم من قال إنه قد
(2/96)

أساء فيما أورده من ذلك، والأقرب أنه مجيد فى مطلق التكرير كما حكيناه فيما أوردناه من آى التنزيل، فإن ما أورده من هذا التكرير دال على إغراق الممدوح فى الكرم، لكن إنما عرض فيه ما عرض لمن أنكره، ورغم أنه غير محمود فيما جاء به من جهة أن لفظة العارض، ولفظة الهتن، ليستا واردتين على جهة البلاغة فيهما لقلة الاستعمال لهما، فمن أجل هذا كان ما قاله ليس بالغا فى البلاغة مبلغا عظيما لامن جهة التكرير، فإنه محمود لا محالة كما أشرنا إليه، ومن ذلك ما قاله أبو نواس «1» :
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما ويوم للترحل خامس
والمراد من هذا أنه أقام بها أربعة أيام، وهذا تكرير ليس وراءه كبير فائدة ولا اختص بحلاوة، ومن عجيب أمره أنه جعل هذا فى عجز أبياته السينية التى حكيناها عنه فى الإيجاز التى مطلعها قوله «2» :
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر، منهم جديد، ودارس
فلقد جمع فيها بين الكر والدر وبين البعر، والمسك الأذفر، ومن هذا قول أبى الطيب «3» :
وقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهنّ قلاقل
وقوله أيضا «4» :
ولم أر مثل جيرانى ومثلى ... لمثلى عند مثلهم مقام
فهذا وما شاكله ليس من التكرير الحسن كما أسلفناه فى غيره.
القسم الثانى من التكرير فى المعنى دون اللفظ،
وهذا القسم يستعمل كثيرا فى القرآن وغيره، ويجىء مفيدا وغير مفيد، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما.
(2/97)

الضرب الأول ما يرد على جهة الفائدة،
وهذا كقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ
[الأحزاب: 72] فقوله تعالى: وَالْجِبالِ
وارد على جهة التأكيد المعنوى، وفائدته تعظيم شأن هذه الأمانة المشار إليها وتفخيم حالها، وقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[آل عمران: 104] فقوله: «يدعون إلى الخير» عام فى كل شىء، وإنما كرر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على جهة التأكيد والمبالغة، وقوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68)
[الرحمن: 68] فإنما خص النخل والرمان بالذكر، وإن كانا داخلين تحت الفاكهة، تعظيما لأمرهما ومبالغة فى رفع قدرهما، وهكذا ما ورد فى السنة فى حديث حاطب بن أبى بلتعة حيث كتب إلى قريش يشعرهم بأمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم وما كان منه من إخفاء أمره فى غزوة بدر، فإنه كتب مع امرأة تشعرهم، فأمر النبى صلّى الله عليه وسلّم أمير المؤمنين والزبير والمقداد فأدركوها وجاءوا بالكتاب، فقرأ الرسول فقال ما هذا يا حاطب، فقال يا رسول الله: والله ما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن دينى ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، وقد زعم بعض من لا دربة له أن هذا من باب التكرير، لأن الكفر والردة والرضا بالكفر كلها أمور كفرية، وهذا فاسد فإنها أمور متغايرة؛ لأن مراده بقوله: «ما فعلت ذلك كفرا» أى وأنا باق على الكفر وقوله: «ولا ارتدادا» أى أنى ما كفرت بعد إسلامى، وقوله «ولا رضا بالكفر» معناه ولا آثرت جانب الكفار على جانب المسلمين، وهذه معان متغايرة واقعة موقعا حسنا، ومن ذلك ما روى عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه من قوله «فمن شواهد خلقه خلق السموات موطّدات بلا عمد، قائمات بلا سند» فالقيام والتوطيد، وقوله بلا عمد، وقوله بلا سند، متقاربة فى المعنى يجمعهن جامع التوكيد المعنوى، وقوله عليه السلام «دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات غير متلكّئات ولا مبطئات، والتلكؤ هو نوع من الإبطاء، ومن التوكيد المعنوى ما قاله المقنّع الكندى فى الحماسة «1» :
وإنّ الذى بينى وبين بنى أبى ... وبين بنى عمّى لمختلف جدّا
إذا أكلوا لحمى وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدى بنيت لهم مجدا
(2/98)

وإن ضيّعوا غيبى حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا عنى هويت لهم رشدا
فانظر إلى هذه الأبيات، ما أجمعها لفنون الإنصاف، وأبلغها فى مراعاة جانب الحق والاعتراف، فهذه الألفاظ وإن كانت متغايرة، لكنها متطابقة فى المقصود دالة عليه، وكما يرد التأكيد المعنوى على ما ذكرناه فقد يرد ببرهان يشهد له، وتارة يرد على جهة العزيمة، ومرة بغير ذلك، فهذه وجوه ثلاثة، أولها ما يرد ببرهان دال عليه وهذا كقول أبى نواس «1» :
قل للذى بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر يعلو فوقه جيف ... وتستقّر بأقصى قعره الدّرر
وفى السماء نجوم، لا عديد لها ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
فقوله: «أما ترى البحر» ، وقوله: «وفى السماء نجوم» ، إنما أوردهما على جهة الاستدلال والتقرير لما ادعاه من معاندة الدهر لذوى الأخطار وأهل المراتب العالية.
وثانيها أن يكون واردا على جهة العزيمة والاهتمام بأمره، وهذا كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)
[الواقعة: 75- 76] فقوله «وإنه لقسم» إنما ورد على جهة التأكيد لقوله «فلا أقسم» على جهة العزيمة لكونه قسما بالغا عظيما.
وثالثها أن يكون واردا على خلاف هذين الوجهين وهذا كقوله «2» :
فدعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل؟
فقوله «فعلام أركبه» وارد على جهة التأكيد لقوله «فكنت أول نازل» بالاستفهام على جهة التقرير وكقوله «3» :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول، من قراع الكتائب
فقوله: «غير أن سيوفهم» إنما ورد على جهة التأكيد المعنوى، لكونهم شجعانا، فأورده
(2/99)

على صيغة الاستثناء، وكقول طرفة «1» :
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة، تهمى
فقوله: «غير مفسدها» وارد على جهة التأكيد بصيغة الاستثناء، فهذا ما أردنا ذكره من التأكيد المعنوى الذى ورد لفائدة.
الضرب الثانى من التأكيد من غير فائدة
وهو أن ترد لفظتان مختلفتان يدلان على معنى واحد، وهذا كقول أبى تمام «2» :
قسم الزمان ربوعنا بين الصّبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا
فالصبا والقبول، لفظتان يدلان على معنى واحد، وهما اسمان للريح التى تهب من ناحية المشرق، ونحو قول الخطيب:
قالت أمامة لا تجزع فقلت لها ... إن العزاء وإنّ الصبر قد غلبا
فالعزاء هو الصبر، لأن معناهما واحد، كقول عنترة «3» :
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
فقوله «أقوى وأقفر» لفظان دالان على معنى واحد كما ترى وكقول بعض الشعراء من أهل الحماسة:
إنى وإن كان ابن عمى غائبا ... لمقاذف، من خلفه وورائه
فقوله «من خلفه وورائه» كلمتان دالّتان على معنى واحد، هذا ما ذكره ابن الأثير، والأقرب أن وراء، قد يستعمل بمعنى قدّام كما قال تعالى: وَراءَهُمْ مَلِكٌ
[الكهف: 79] أى قدامهم، ولأنه إذا كان بمعنى قدام، كان أدخل فى المدح وأعظم، لتضمنه تعميم الأحوال فى الحياطة والدفاع عنه، فهذا وما شاكله قد وقع فيه نزاع بين علماء البيان، فمنهم من رده وقال إن ما هذا حاله بمنزلة التكرار اللفظى، فإذا كان التكرار معيبا فلا
(2/100)

فرق بين أن يكون من جهة اللفظ، أو يكون حاصلا من جهة المعنى، ومنهم من قبله محتجّا بأن الألفاظ إذا كان فيها تغاير فليس معيبا، وقد استعمله الفصحاء، فدل ذلك على جوازه، والمختار عندنا فيه تفصيل، وحاصله أنا نقول: أما الناثر فلا يغتفر له مثل هذا، وهو أن يأتى بكلمتين دالتين على معنى واحد من غير فائدة، وليس هناك ضرورة تلجئه إلى ذلك، فلهذا كان معدودا فى النثر من العىّ المردود فلا نقبله، وأما الناظم فإنه إن أتى بهما فى صدر البيت فلا عذر له فى ذلك؛ لأنه مخالف للبلاغة والبراعة فى الفصاحة، ويدل على ضيق العطن فى الطلاقة والذلاقة، وإن كان فى عجز الأبيات فما هذا حاله يغتفر له من أجل الضرورة الشعرية، وقد اغتفر أئمة الأدب للشعراء كثيرا من الضرورات قد قررناها فى الكتب الأدبية وأظهرنا الجائز منها والممتنع والحسن والأحسن، وهذا الذى ذكرناه هو الذى يشير إليه كلام ابن الأثير فى كتابه المثل السائر وبتمامه يتم الكلام فى التوكيد.
(2/101)

الفصل الثانى عشر فى بيان المفردات التى خرجت عن هذه الفصول العشرة
اعلم أن من الألفاظ المفردة ما يتعلق بالبلاغة، ويستعمل فى مواطن الفصاحة، ولم يمكن إيراده فى أثناء هذه الفصول، لاختلافها لكونها غير مندرجة تحت ضابط واحد، فلا جرم أفردناها بكلام يخصها، وهى منقسمة باعتبار الكلمة إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول ما يتعلق بالأسماء
ونورد منها صورا
الصورة الأولى قولهم [ «هذا» ]
وهو من أسماء الإشارة، وهو إنما يرد على جهة الإشارة إلى كلام سابق، ومثاله قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49)
[ص: 49] فإنه لما قص ما ذكره من حديث الأنبياء أيوب وإسماعيل واليسع وذى الكفل، أكد تلك القصص باسم الإشارة، والعطف بذكرها على ما سبق، ليؤكد أمرها ويوضح حالها من أجل أن لا يخالج فيها لبس أن يعتريها ريب، ومصداق ما قلته من إفادتها للتأكيد هو أنها لا تأتى إلا وتعقّبها إنّ المؤكدة كما فى ظاهر الآية من أجل إفصاح ما قلته من تأكيدها، وهذا كقولك لبعض إخوانك: رأيى لك أن تفعل كذا وكذا، ثم تقول بعد ذلك: هذا وإن الأمر إليك فافعل ما ترى، والمعنى هذا الذى أراه مصلحة لك فى الدين والدنيا، وإليك الخيرة بعد فى أمرك، وكقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55)
[ص: 55] فإنه ذكرها عقيب قوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51)
[ص: 50- 51] أى هذا نعيم، وملك مقيم، وشرف وعلو مرتبة، والجملة التى بعدها ليس لها موضع من الإعراب؛ لأنها واردة على جهة الابتداء، ولهذا جاءت متصلة بها، لتدل على تأكيدها، وقد يجىء بعدها جملة حالية، وهذا كقولك لمن يفشل ويضطرب حاله وينزعج قبل ملابسة الحرب: «هذا ولم تشجر الرماح» ، ولا وقعت المكافحة بالصفاح، ومثل قولك لمن لا ثبات له فى الأمر الذى يحاوله، ولا ترسخ قدمه عند مشارفة ما هو بصدده: «هذا ولم يطر الذباب» ، والمعنى هذا حالك إذا كلمتك شفارها، وأصابك لهبها وشرارها، ويتصدى فى قولنا: هذا من جهة الإعراب وجهان، أحدهما الرفع على أنه
(2/102)

مبتدأ وخبره محذوف، تقديره هذا على ما قررته، وثانيهما النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، تقديره اعرف هذا، وكلا الوجهين لا غبار عليه.
الصورة الثانية قولنا: [ «اللهم» ]
فأما الكلام على لفظها، وكيفية تركيبها فقد ذكرناه فى حقائق الإعراب فلا وجه لإيراده ههنا، وإنما نذكر ما يتعلق بخصوصية البلاغة ومجيئها على أثر عموم، حشوا فى الكلام، حثا للسامع على رعاية القيد، وتنبيها له على جريان العموم إلا فى حالة القيد، ومثاله قولنا أنا لا أنقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنعنى مانع ولا أترك الإحسان إليك، اللهم إلا أن يحول بينى وبينك البعد، وقد وقع فى الحريريات:
وما قيل فى المثل الذى سار سائره، خير العشاء سوافره، إلا ليعجّل التعشّى، ويجتنب أكل الليل الذى يعشى، اللهم إلا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع، فهى كما ترى واقعة بين كلامين منبهة على مراعاة القيد الذى ذكرناه.
الصورة الثالثة [ «كل» ]
فإنه دال على الشمول.
اعلم أنك إذا قلت: جاءنى القوم كلهم، فإنه دال بحقيقة وضعه على أن كل واحد منهم قد وقع منه المجىء، ويرفع أن تكون متجوزا فى نسبة المجىء إلى جميع القوم بأن يكون الجائى بعضهم لكون المختلف عنهم واحدا أو اثنين، أو لكون المتخلفين لا يعتد بهم، كما يقال أجمعت الأمة على كذا، وأنت تريد العلماء منهم؛ لأن من عداهم لا اعتداد به، أو أن تكون نسيت المجىء إلى جميعهم لأجل صدوره من بعضهم كما قال تعالى:
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ
[الأعراف: 77] والعاقر لها من قوم صالح هو «قدار» لتنزلهم فى الرضا منزلته، وإذا قلت: ما جاءنى القوم كلهم، فإنه يفيد أن واحدا منهم قد جاء لأجل الشمول، فالنفى والإثبات يقعان على ما ذكرناه، نعم إنما يقع الخلاف إذا كان النفى واقعا على لفظة «كل» كقولك «ما كل القوم جاءنى» أو غير واقع عليها كقولك «كلّ القوم ما جاءنى» فهذان تقريران، التقرير الأول فى حكم النفى إذا وليته لفظة الشمول وكانت مندرجة تحته، سواء كانت عاملة فيه فى مثل قولك: ما كل طعامك مأكولا، أو غير عاملة كقولك: ما مأكول كل طعامك، فالنفى فى هذه الصورة واقع على الشمول فلا يناقضه مجىء بعض القوم، ولا أكل بعض الطعام؛ لأن النفى على الشمول والإثبات واقع على
(2/103)

بعضه فلا تناقض هناك، لاختلاف تعلّقهما بما يتعلقان به، وإنما تقع المناقضة إذا كان متعلقهما واحدا، وعلى هذا يحمل بيت أبى الطيب المتنبى «1» :
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه ... تجرى الرياح بما لا تشتهى السّفن
فالنفى واقع على «كل» المفيد للشمول، وعلى هذا يجوز أن يكون الإنسان مدركا بعض متمناه، فلا مناقضة فيه لما ذكرناه وهكذا قول من قال «ما كل رأى الفتى يدعو إلى الرشد» ومنه قول بعض الشعراء «ما كل ماشية بالرحل شملال» والشملال الناقة السريعة، وأراد أن بعض ما يمشى بالرحل ليس سريعا فى سيره، ومنه قولهم «ما كل سوداء تمرة» يعنى أن بعض ما يكون أسود ليس تمرا، وليس منه الحديث النبوى حين سلّم على ثلاث من الظهر، فقال له ذو اليدين يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال عليه السلام كل ذلك لم يكن، وأراد ما كان شىء من ذلك، فقال ذو اليدين تقريرا لما قد تحققه من الحال، بعض ذلك قد كان، فجواب الرسول صلّى الله عليه وسلّم على غير ظاهر الحال، وجواب ذى اليدين على ما تحققه من الأمر فى التغيير، وغرضه أن بعضه قد كان وهو النسيان دون القصر، فلما كان حرف النفى غير متصدر على «كل» وهو «لم» جاء نفيا للفعل على جهة العموم كما ذكرته. التقرير الثانى أن يكون النفى واقعا على غير «كل» كقولك كل الأصحاب ما جاءنى، وكل الرجال ما أكرمت، وكل القوم ما لقيت، فمتى كان الأمر كما قلناه كان نفيا للفعل متصلا بالكل، فيناقضه ما جاء على خلافه، فإذا قلت: كل الإخوان ما جاءنى، وكل الرجال ما أكرمت، فإنه يناقضه، بل جاءنى بعضهم؛ لأنك نفيت الفعل على جهة الإطلاق، فلأجل هذا ضادّه ما جاء على عكسه، ومنه قوله عليه السلام لذى اليدين كل ذلك لم يكن، وقد قررناه من قبل، وقول أبى النجم «2» :
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علّى ذنبا كله لم أصنع
فإنه أراد أنه لم يصنع شيئا منه، وإنما كان المعنى هكذا، لما كان النفى واقعا على الفعل،
(2/104)

وليس واقعا على «كلّ» فلهذا كان عاما، ومنه قول بعضهم:
فكيف وكلّ، ليس بعدو حمامه ... وما لامرىء عمّا قضى الله مزحل
فالنفى متصل بالفعل، فلهذا كان عاما ولو قلت: وليس كل يعدو حمامه، لأفسدت المعنى؛ لأنه يوهم أن بعض الناس يسلم من ملاقاة الحمام، وهو محال، ومنه قول دعبل:
فو الله ما أدرى بأى سهامها ... رمتنى وكلّ، عندنا ليس بالمكدى
أبا لجيد أم مجرى الوشاح وإننى ... لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد
أراد أن سهامها كلها قاتلة لا يوجد فيها مكد بكل حال، وأكداه إذا نقصه، وأكداه، إذا منعه، فينحل من مجموع ما ذكرناه ههنا أن «كلّا» إذا ولى حرف النفى فى قولك: ما كل الرجال قائم، وما كل الرجال جاءنى، فإنه واقع على شموله، سواء كان عاملا فيه أو غير عامل، كقولك: ما كل الرجال لقيت أو أكرمت، وما كل الرجال قام، فإذا كان النفى واقعا على الشمول كان مؤثرا فيه النفى، فلا يناقضه ما جاء على عكسه، فعلى هذا تقول فى: ما كل الرجال جاءنى بل جاءنى بعضهم، فلا مناقضة فيه، بخلاف ما إذا كان حرف النفى واقعا حشوا فى نحو قولك: كل الرجال ما لقيت، وكل الرجال ما أكرمت، فإنه يكون واقعا على نفى الإكرام معلّقا بالشمول، فلهذا 7 ذا وقع ما يخالفه، كان مناقضا له، فإذا قلت: كل الرجال ما جاءنى، فإنه يناقضه بل جاءنى بعضهم، وسر التفرقة ما ذكرناه من تصدير حرف النفى ووقوعه حشوا وتوجّه النفى إلى الشمول خاصة، وأفاد ثبوت الفعل أو الوصف لبعض، أو تعلّقه به، وما كان على خلاف ذلك كان عاما فى الشمول والآحاد، وما ذكره الشيخ عبد القاهر حيث قال: إن كانت كلمة «كلّ» داخلة فى حيز النفى بأن تأخرت عن أداته كقوله: ماكل ما يتمنى المرء يدركه، أو معمولة للفعل المنفى نحو ما جاءنى القوم كلهم، أو لم آخذ كل الدراهم، أو كل الدراهم لم آخذ، فالمعنى على نفى الشمول، مطابق لما ذكرناه فى هذين التقريرين وضابط لما كان من النفى متعلقا بالشمول دون الآحاد وما كان عاما فيها.
الصنف الثانى ما يتعلق بالأفعال،
وأكثرها متعلق بعلوم الإعراب، فلا حاجة بنا إلى ذكره، وإنما نذكر منها صورة واحدة وهى لفظة «كاد» وهى موضوعة للمقاربة دالة عليها، وقد وقع
(2/105)

فيها خلاف بين النحاة، فمن قائل إنها كالأفعال فتكون فى الإثبات إثباتا، وفى النفى نفيا، ومن قائل إنها تخالف الأفعال، فتكون فى الإثبات للنفى وفى النفى للإثبات، وصار صائرون إلى التفرقة، فتكون فى الماضى إذا نفى للإثبات، وفى المستقبل كالأفعال، تمسّكا بقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71)
[البقرة: 71] وقد فعلوا، والمختار أنها جارية على حكم الأفعال فى النفى والإثبات، فإذا قلت: ما كاد يفعل، فالغرض أنه لم يفعل ولا قارب الفعل، وإذا قيل: يكاد يفعل، فالمراد من ذلك أنه قارب فعله ولم يفعله، فتجدها مطابقة للأفعال فى نفيها وإثباتها، فأما ما قاله ذو الرمة فى قصيدته الحائية «1» :
إذا غيّر النأى المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
فإنه يحكى أنه لما أنشد هذا البيت، ناداه ابن شبرمة ياغيلان أراه الآن قد برح، فشنق ناقته، وجعل يتأخر بها ويفكر ثم قال:
إذا غيّر النأى المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
قال عنبسة فحكيت لأبى القصة فقال أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذى الرمة، وأخطأ ذو الرمة، حيث غيّر شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
[النور: 40] والمعنى أنه لم يرها ولم يقارب رؤيتها، وهكذا القول فى جميع مواردها يكون وضعها على هذا الوضع من غير مخالفة للأفعال.
الصنف الثالث فى الحروف
واعلم أن الكلام فى أسرار الحروف يتعلق بعلم الإعراب، وإنما نذكر أفرادا من الحروف لها تعلق بالبلاغة ومواطن الفصاحة، ونورد من ذلك صورا:
«الصورة الأولى» [ «إنما» ]
فى قولك: إنما أنت الكريم، وهى ترد للحصر فيما هى فيه، فمعنى إنما فى قوله تعالى: أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
[الكهف: 110] ما إلهكم إلا إله واحد، قال أبو على الفارسى فى الشيرازيات، يقول جماعة من النحاة فى قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما
(2/106)

ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
[الأعراف: 33] إن المعنى فيها ما حرم ربى إلا الفواحش، وقد رأيت ما يدل على ذلك ويؤذن بصحته، كقول الفرزدق «1» :
أنا الذّائد الحامى الذّمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى
فانفصال الضمير دال على ذلك، كما لو قال ما يدافع عنهم إلا أنا أو مثلى، وقال أبو إسحاق الزجاج والذى أختاره فى قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ
[البقرة: 173] أنه فى معنى ما حرم عليكم إلا الميتة؛ لأن «إنما» إنما تأتى إثباتا لما يذكر بعدها، ونفيا لما سواه، قال الشيخ عبد القاهر لم يعنوا بذلك أنهما يكونان بمنزلة المترادفين؛ لأنه ربما يصلح أحدهما حيث لا يصلح الآخر، لهذا فإنك تقول: ما من إله إلا الله، وما أحد إلّا يقول ذاك، فما هذا حاله يصلح فيه «ما» و «إلا» ولا يصلح فيه «إنما» وتقول إنما هو درهم لا دينار، فيصلح فيه «إنما» ولا تقول: ما هو إلا درهم لا دينار.
دقيقة
اعلم أن «إنما» الأصل فى وضعها أن تكون لما لا يجهله المخاطب أو ما ينزل منزلته، فأما الأول فمثاله قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ
[هود: 12] وقوله إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ
[الرعد: 7] وإِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ
[طه: 98] وإِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (45)
[النازعات: 45] وقوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[فاطر: 28] إلى غير ذلك مما يتضح الأمر فيه ويكون ظاهرا، وأما مثال الثانى فقولك: إنما هو أخوك، وإنما هو صاحبك القديم، فتذكر هذا لمن يعترف بحقه ويقرّ به، غير أنك تريد أن تنبيه إلى ما يجب من حق الأخوة وحرمة الصحبة، قال الشاعر «2» :
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظلماء
وتقول: إنما هو أسد وسيف صارم، أى أن هذه الصفات ثابتة لازمة له.
(2/107)

الصورة الثانية [حرف الإثبات «أنّ» ]
وهو «أنّ» وإنما ترد على جهة التأكيد للجملة الابتدائية، وتدخل الفاء عليها وقد لا تدخل، وهو الأكثر المستعمل فى كتاب الله تعالى، والضابط لدخولها وعدم دخولها هو أنها إذا كانت مذكورة للربط بين الجملتين حتى كأنهما قد أفرغا فى قالب واحد وسبكا سبكا منتظما، فإنها تأتى بغير فاء وهذا كقوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)
[لقمان: 17] وقوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ
[الحج: 1] وقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
[التوبة: 103] وقوله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)
[هود: 37] وقوله تعالى:
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)
[يوسف: 53] وهذا وارد فى التنزيل كثير لا يحصى كثرة أعنى زوال الفاء عنها كما مثلناه فأما كلام علماء البيان فالفاء إنما حذفت وهى مما تؤذن بالوصل لأن الحال محمول على تقدير سؤال كأنه قال قائل: هل صلاة الرسول سكن لهم، فقيل له: إنها سكن لهم، وهكذا القول فى جميع ما أوردناه من الأمثلة فإنه وارد على هذه الطريقة وعلى ما ذكرناه- فإنه يخالف ما قرروه فى ذلك، والغرض من زوالها ما قررناه من كون الجملتين مزجا مزجا واحدا وكقول من قال «1» :
فغنّها وهى لك الفداء ... إنّ غناء الإبل الحداء
وقول بعضهم:
عليك باليأس من الناس ... إنّ غنى الأنفس فى الياس
وقول بعض الشعراء «2» :
جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بنى عّمك فيهم رماح
وحيث تكون الجملة الثانية مغايرة للجملة الأولى فإن الفاء تأتى متصلة بها وهذا كقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (161)
[الصافات: 161] وقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا
(2/108)

الْبُطُونَ (66)
[الصافات: 66] ومن خواص هذا الحرف أن له من المكانة ما يكسو ضمير الشأن أبهة وبلاغة يعرى عنها إذا هو فارق ظله، ومثاله قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
[يوسف: 90] وقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
[الحج: 46] وحكى عن الأخفش أن الضمير فى «إنّها» راجع إلى الأبصار، ويكون من قبيل الإضمار قبل الذكر على شريطة التفسير.
الصورة الثالثة [همزة الاستفهام] ،
وتختلف معانيها بحسب اختلاف مواقعها، فمن وجه الاستفهام أن تستفهم عما تكون شاكا فيه، فإذا وليت الهمزة الأسماء فالشك يكون فى الفاعل، فتقول: أأنت فعلت هذا، إذا كان الشك فى الفاعل من هو، فإذا قلت: أأنت كتبت هذا الكتاب، كنت غير شاك فى الكتب نفسه، وإنما وقع الشك فى الكاتب، وتقول: أأنت قلت شعرا لمن تحقق قول الشعر، وإنما وقع شكه فى قائله، قال الله تعالى: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62)
[الأنبياء: 62] فلم يقع شكهم فى الفعل أصلا، وإنما وقع فى الفاعل، ولهذا كان جواب إبراهيم بذكر الفاعل مطابقا لما قالوه من ذلك، وهكذا قوله تعالى: لعيسى عليه السلام أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[المائدة: 116] على جهة التقرير من جهة الفاعل، وإن وليت الفعل كان الشك واقعا فيه كقولك:
أخرجت من الدار؟ وأقلت شعرا؟ فالاستفهام إنما وقع فى الفعل كما ترى، ولهذا كان جوابه «بنعم أو لا» وهذا كله إن كان الواقع ماضيا، فأما إذا كان مضارعا فهو على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون للحال، ثم إما أن تكون الجملة مصدّرة بالفعل أو بالاسم، فإن صدّرت الجملة بالفعل، ومثاله أن تقول لمن هو مشتغل بالفعل أتفعل هذا، ويكون المعنى معه أنك أردت أن تنبيهه على فعل وهو يفعله موهما أنه لا يعلم كنه حقيقة وجوده وأنه جاهل به، وإن كانت الجملة مصدرة بالاسم كقولك: أأنت تفعل هذا، يكون المعنى فيه أنك تكون مقرا له بأنه هو الفاعل، وكان وجود ذلك الفعل ظاهرا لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن وموجود، هذا كله إذا كان الفعل المضارع للحال ومنه قول الشاعر «1» :
أيقتلنى والمشرفى مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
كأنه أراد تكذيبه وأنه لا يقدر على ما قاله ولا يستطيعه.
(2/109)

الوجه الثانى أن يكون للاستقبال ثم إما أن تكون الجملة مصدرة بالفعل كقولك:
أتفعل هذا فى أمر مستقبل، ويكون معناه إنكار الفعل نفسه، وتزعم أنه غير كائن، وأنه لا ينبغى أن يكون أبدا، وإما أن تكون مصدرة بالاسم كقولك: أأنت تفعل كذا وأنت موجه الإنكار إلى الفاعل أى أنه لا يتأتى منه ذلك الفعل ولا يستطيعه، ويوضحه أنك إذا قلت:
أأنت تمنعنى عن الفعل، كنت منكرا منعه وأنه غير قادر وإنما يقدر على ذلك غيره قال «1» :
أأترك إن قلّت دراهم خالد ... زيارته؟ إنّى إذن للئيم
هكذا قرّر علماء البيان دخول الهمزة على هذه الأوجه كما ترى.
الصورة الرابعة فى [حروف النفى وهى ما، ولن، ولا، ولم]
واعلم أن لحروف النفى تعلقا بالبلاغة لما يلحقها من الأسرار القرآنية والمعانى الشعرية بحسب مواقعها ومواردها لها بالإضافة إلى الأزمنة التى تدخل عليها ثلاث حالات:
الحالة الأولى أن تكون داخلة على الفعل لنفى الأزمنة الماضية وهذا نحو قولنا: لم، ولما، فإنهما موضوعان من أجل نفى الماضى، خلا أنّ «لمّا» مفارقة «للم» من وجهين، أما أولا فلأن «لم» لنفى فعل ليس معه قد، «ولما» لنفى فعل معه قد، فلم لنفى قولنا: فعل فتقول فى جوابه لم يفعل، وأما ثانيا فلأن نفى «لما» أبلغ من نفى لم، ولهذا فإنك تقول: ندم ولم ينفعه الندم، أى نفى ندمه وتقول ندم ولما ينفعه الندم أى إلى وقته، فحصل من هذا أن نفى «لمّا» أبلغ من نفى «لم» لما قررناه والسبب فى ذلك أن «لما» أنفس فى حروفها من «لم» فلا جرم حصلت المبالغة فيها من أجل ذلك.
الحالة الثانية أن تكون داخلة لنفى الحال وهى «ما» فتقول ما يفعل زيد، وما زيد منطلقا ومنطلق، فالرفع لغة بنى تميم، والنصب فى الخبر لغة أهل الحجاز، وهى فى جميع مداخلها لنفى الحال سواء كان دخولها على الفعل، أو على الاسم رافعة للخبر أو ناصبة له، ومصداق كونها واردة فى أصل وضعها لنفى الحال، امتناع قولنا: إن تكرمنى ما أكرمك، لأن الشرط للاستقبال، فلو كانت لنفى المستقبل لجاز ذلك كما جاز فى نحو لن أكرمك إن
(2/110)

أكرمتنى لما كانت مطابقة للشرط فى صلاحية الاستقبال، فإن وردت لنفى المستقبل فإنما هى على المجاز، والحقيقة ما ذكرناه من نفى الحال، واستغراق الكلام فى أسرارها إنما يليق بالمقاصد الإعرابية وفيما ذكرناه غنية فيما نريده ههنا.
الحالة الثالثة «لا» و «لن» وهما موضوعان لنفى الأزمنة المستقبلة، فإن استعملا فى غير الأزمنة فإنما يكون على جهة المجاز والاستعارة، فيشتركان جميعا فى كونهما دالتين على النفى مطلقا، وفى كونهما لنفى الأزمنة المستقبلة، وهذا لا يقع فيه خلاف بين أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة فى وضعهما حقيقة لما ذكرناه، وإنما يفترقان من جهة أن «لن» آكد من «لا» فى نفى المستقبل مطلقا، قال الزمخشرى فيما عمله فى مفصله و «لن» للنفى لتأكيد ما يعطيه «لا» من نفى المستقبل، وأراد بما قاله أن «لن» فى النفى مرشدة إلى التأكيد، وأن نفيها أبلغ من نفى «لا» ولهذا جاءت على أنها معطية لما أعطته «لا» مع زيادة بلاغة فى تلك الفائدة التى أدتها «لا» ويقوى ما ذكره الشيخ من طرق ثلاثة.
الطريق الأول قوله تعالى فى آية: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[الأنعام: 103] فنفى الإدراك عن ذاته على جهة العموم فى الأزمنة المستقبلة، فلما أراد المبالغة فى النفى بأبلغ من ذلك قال جوابا لسؤال موسى حيث قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي
[الأعراف: 143] فأتى بالجواب على جهة المبالغة بقطع الرجاء وحسما لمادة الطمع والتشويق إلى ذلك لأحد، ويؤيد كونه واردا على جهة المبالغة، هو أنه عقبه بالتعليق على أمر محال حيث قال وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
[الأعراف: 143] الآية فتعقيبه بالمحال عقيب ما قرره من المبالغة بالنفى فيه دلالة قاطعة على ما ذكرناه من مقالة الشيخ بلا مرية.
الطريق الثانى قوله تعالى فى آية: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (6)
[الجمعة: 6] ثم قال وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً
[الجمعة: 7] فجاء فى الجواب ههنا بلا، وقال فى آية أخرى قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94)
[البقرة: 94] ثم قال فى هذه الآية وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
[البقرة: 95] فجاء فى الأولى «بلا» وجاء فى الثانية «بلن» لأنه لما لوحظ فى الثانية معنى البلاغة من جهة أنه أكده، بلكم، على جهة الملك والاختصاص من بين سائر الناس ووصف الدار بكونها آخرة مبالغة فى أمرها وإيضاحا لشأنها، وقرره بقوله «عند الله» إيضاحا للأمر أيضا ثم قال «خالصة» يعنى مختصين بها
(2/111)

دون غيركم، وهكذا قوله مِنْ دُونِ النَّاسِ
[الجمعة: 6] فيه نهاية الاختصاص، فلما حصل تأكيد هذا الخطاب بهذه الأنواع من التوكيد، أتى بالنفى «بلن» لما بالغ فى إتيانه بالغ فى نفيه «بلن» وهذا كله دال على كونها موضوعة للمبالغة.
الطريق الثالث هو أنه بالغ فى ما نفى «بلن» بأن أكّده بقوله «أبدا» وفى هذا أعظم دلالة على أن وضعها للمبالغة فى النفى، فهذه الطرق الثلاث كلها مقررة لما ذكره الشيخ من أن «لن» لتأكيد ما تعطيه «لا» من نفى المستقبل، فأما ابن الخطيب أبو المكارم صاحب التبيان فقد يتلكأ فى قبول ما ذكرناه، وزعم أن الأمر على العكس مما أوردناه، وأن النفى «بلا» آكد من النفى «بلن» وقال: إن الزمخشرى إنما ذهب إلى هذه المقالة بناء على مذهبه فى الاعتزال، من نفى الرؤية واستحالتها على الله تعالى، وهذا خطأ منه، فإنا قد دللنا على كون «لن» دالة على مبالغة النفى بها فى الأزمنة المستقبلة، ومن العجب أنه قال: إنما صار الزمخشرى إلى ما حكيناه عنه لأجل الاعتزال، فليس الأمر كما زعمه، وإنما صار إليه للدليل الواضح من جهة نص الأدباء واستعمال أهل اللغة على ذلك، ومما يؤيد ما ذكرناه ويوضحه هو أن الله تعالى لما نفى «بلا» إدراك الأبصار عن ذاته بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[الأنعام: 103] أى المبصرون بالأبصار على جهة العموم والاستغراق فى الأزمنة المستقبلة من غير مبالغة هناك وقال ردا لسؤال موسى حيث قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي
[الأعراف: 143] «فجاء بهذه اللفظة قطعا لطمع الرؤية وإحالة لها بكونه أجابه بما يفيد الاستغراق والتأبيد، واستقصاء الكلام فى استحالة الرؤية من الأدلة النقلية يليق بالعلوم الدينية وقد أشرنا إليها فى كتاب «النهاية» وبالله التوفيق.
الصورة الخامسة [ «لو» ]
ووضعها فى الشرط للماضى كما كانت «إن» شرطا فى المستقبل خلافا للفراء فإنه زعم أنها شرط فى المستقبل كإن، وتطلب فعلين تعلق الثانى منهما بالأول تعليق المسبب بالسبب، فإن كانا منفيين لفظا فهما مثبتان من جهة المعنى، وإن كانا مثبتين لفظا فهما منفيان من جهة المعنى، وإن كان الأول مثبتا والثانى منفيا، أو بالعكس فهما فى المعنى على المناقضة من لفظهما: لا يقال: فإذا كان الأمر كما قلتموه فى «لو» فكيف يمكن تنزيل الحديث النبوى الوارد فى حق «صهيب» فى قوله عليه السلام «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فإنه إذا كان الأمر على ما قررتموه فى «لو» كان حاصله أنه خاف الله فعصاه،
(2/112)

وهذا يفيد أن يكون الخوف سببا فى المعصية، والحقيقة على خلاف ذلك: لأنا نقول: أما القانون المعتبر فى «لو» والجارى على الاطراد فهو ما ذكرناه، فإذا ورد ما يخالفه، وجب تأويله على ما يوافق مجراه وله تأويلات ثلاثة، التأويل الأول أن جريها على ما ذكرناه من الأوجه الأربعة هو المطرد لكن قد يعرض من ذلك بسبب القرائن ما يوجب كون النفى باقيا على حاله من إفادته للنفى، وللقرائن تأثير عظيم فى تغيير الألفاظ فى العموم، والخصوص، والحقائق، والمجازات، وعلى هذا يكون المعنى فى الخبر أن الله تعالى: خصه بطهارة فى باطنه وقوة فى عزيمته بحيث إنه لو انتفى الخوف عن قلبه فإنه لا يلابس معصية، فكيف به وقد حصل فى أرفع مكان من الخوف وأعلاه، وعلى هذا يكون النفى على حاله من غير تقرير كونه ثابتا من أجل القرينة وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[لقمان: 27] فظاهر الآية دال على ثبوت النفاد لكلمات الله تعالى؛ لأنه منفى فى ضمن «لو» فلهذا لم يكن بد من بقائه على حاله لأجل القرينة كما ذكرناه فى مسئلة صهيب، والله أعلم.
التأويل الثانى أن «لو» وضعها للتقدير، والتقدير هو أن يعطى الموجود معنى المعدوم أو المعدوم معنى الموجود كما فى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[الأنبياء: 22] فإنه قدر وجود الآلهة ثم رتب على وجودهم الفساد، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أنه قد يؤتى بها لقصد الإثبات للحكم على تقدير لا يناسب الحكم ليفيد ثبوت الحكم على خلاف الذى فيه مناسبة ويكون ذلك من طريق الأولى، فيعلم ثبوت الحكم مطلقا، فيجب تنزيل مسئلة «صهيب» على هذا، فإنه إذا لم يخف الله لم يصدر منه عصيان، لما أعطاه الله تعالى من تزكية النفس، وطهارة القلب، فكيف به وقد استمسك بالعروة الوثقى من الخوف، فعلى هذا يكون انتفاء العصيان أولى وأحق، ومثاله قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
[الأنفال: 23] فعلى هذا يجب تنزيل معنى الآية على ما قررناه من قبل، فيكون التقدير فيها لو فهّمهم الله تعالى: لما أجدى فى حقهم التفهيم، لما اختصوا به من التمرّد والعناد فكيف حالهم وقد سلبهم القوة الفاهمة، فيكون مع هذا أبلغ فى انتفاء الفهم وأدخل فى عدم القبول والهداية لا محالة،
(2/113)

وتقول لألزمنّ صحبتك ولو أقصيتنى ولأشكرنك ولو لم تعطنى، إلى غير ذلك من الأمثلة، وكقول امرىء القيس «1» :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
فإذا كان ملازما لها مع تقطيع الأوصال فملازمتها مع المحبة والألفة تكون أدخل لا محالة، وهذه الواو هى المطلعة على هذه الأسرار، فإذا قدّر زوالها زالت البلاغة، وكقول زهير «2» :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلّم
والمعنى فى هذا أن كل من كان هائبا لأن تناله المنايا فى غاية البعد عنها، فهى لا محالة واقعة به ومصيبة له، فكيف حال من لا يدخل فى قلبه هيبة لها، هى فى الإصابة له أدخل وأقرب إلى هلاكه وأسرع.
التأويل الثالث أن تكون «لو» فى بابها بمنزلة إن الشرطية كما قاله الفراء، وعلى هذا يكون دخول حرف النفى مفيدا لمعناه من النفى من غير قلب له كما كان ذلك فى إن الشرطية من غير فرق بينهما، وعلى هذا يكون معناه أنه إن لم يخف الله فلا يعصيه بحال كما تقول إن لم تكرمنى لم أكرمك، فالإكرامان منفيان، وعلى هذا يكون الخوف منفيا والعصيان مثله فى النفى أيضا، والتأويلان الأوّلان عليهما يكون التعويل؛ لأن «لو» شرط فيما مضى بخلاف إن، خلافا لما زعمه الفراء، وقد قررنا معناها فى الكتب الإعرابية.
الصورة السادسة [ما، وإلا] ،
اعلم أن «ما» و «إلا» إذا تركبا فى الكلام فإنهما يفيدان الحصر لا محالة، إما فى الأسماء، وإما فى الصفات، فهذان وجهان، الوجه الأول الحصر فى الأسماء، إما فى الفاعل كقولك ما ضرب عمرا إلا زيد، فالمعنى فى هذا أنه لا ضارب لعمرو إلا زيد، و 7 ما فى المفعول كقولك، ما ضرب زيد إلا عمرا، فالمعنى فيه أنه لا مضروب لزيد إلا عمرو، ولو قلت ما ضرب إلا عمرا زيد، كانا سواء؛ لأن الغرض هو حصر المفعول، وهو ما يلى
(2/114)

«إلا» سواء تقدم الفاعل أو تأخر عن المفعول، ومما جاء فى حصر الفاعل قوله تعالى:
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[فاطر: 28] فالمعنى أنه لا خاشى لله إلا هم، وأنهم هم المستبدون بمراقبة الله تعالى: وتعظيم شأنه من بين سائر الخلق، ولو كان الحصر واقعا فى المفعول لانعكس المعنى، فلو قال إنما يخشى العلماء الله، لكان تقديره ما خشى العلماء إلا الله، وعلى هذا يكون الحصر فى المخشّى لا فى الخاشى ويفيد أن المخشى هو الله دون غيره، وعند هذا لا يمتنع أن يشارك العلماء غيرهم فى خشية الله، فعلى المعنى الأول الخشية محصورة فى العلماء، وعلى المعنى الثانى الله المخشى دون غيره، ومع هذا يكون مخشيا للعلماء ولغيرهم، وسرّ التفرقة بين المعنيين إنما يحصل من جهة ما ذكرناه من انحصار الفاعل، والمفعول بعد «إلا» كما قررناه، وإنما كان الحصر مختصا بإلا، ولم يكن حاصلا قبلها؛ لأن الحصر من أثر «إلّا» وأثر الحرف لا يحصل إلا بعده، ولا يكون حاصلا قبله، الوجه الثانى الحصر فى الصفات، أما حصر الأسماء عليها، فكقولك: ما زيد إلا قائما، فإنك نفيت أن يكون زيد على صفة من الصفات إلا صفة القيام، وأما حصرها على الأسماء فكقولك: ما قائم إلا زيد فإنك نفيت أن يكون القيام لأحد إلا لزيد، فالحصر إنما يتناول ما بعد «إلا» كما قررناه، فعلى هذا يكون اعتبار المسائل فى الأسماء والصفات فى الحصر، فإن قال قائل هل يكون قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ
[الأنعام: 100] من باب التقديم والتأخير، أو يكون من باب الحصر، فإن كان من باب الحصر فليس هنا ما يوجب الحصر ويقتضيه من الأحرف التى تدل عليه، وإن جعلتموه من باب التقديم والتأخير، فأظهروا التفرقة بين المعانى فى التقديم والتأخير، والجواب أما الحصر فلا مدخل له ههنا، لفقد ما يكون دالا على الحصر من أحرف المعانى وهى، إنما، وما، وإلا، وإذا بطل أن تكون الآية من باب الحصر وجب جعلها من باب التقديم والتأخير، وعلى هذا يكون لها فى الإعراب تفسيران، ويكون المعنى فيها تابعا للإعراب كما نوضحه.
التفسير الأول أن يكون الجعل من باب التصيير كقوله تعالى: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
(2/115)

وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً
[النمل: 61] وهو كثير الدور والاستعمال فى كتاب الله تعالى، وعلى هذا يكون له مفعولان، فالمفعول الأول هو الشركاء، والثانى هو الظرف، وهو قوله «لله» وعلى هذا يكون الإنكار متوجها على أن يكون لله تعالى: شركاء على الإطلاق، ويكون انتصاب «الجن» على إضمار فعل محذوف، كأنه قيل فمن جعلوا لله شركاء؟ قيل جعلوا الجن، فالأولى جملة على حيالها، والثانية جملة على حيالها، وعلى هذا لا يكون فيه تقديم ولا تأخير بالإضافة إلى الجن والشركاء، لانقطاع أحدهما عن الآخر كما ترى، نعم يمكن تقدير التقديم والتأخير بالإضافة إلى الظرف نفسه، فيقال: هل من فرق بين تقديم الظرف على الشركاء وتأخيره، والذى يمكن من التفرقة فيه هو أن يقال: إن الظرف إذا كان متقدما كما فى نظم الآية وسياقها، فإن الإنكار متوجه من الله حيث جعلوا له شريكا مع أن فيه دلالة على أنهم لم يجعلوا لغيره شركاء، بخلاف ما لو قال: وجعلوا شركاء لله، فإن الإنكار حاصل فيه، لكن ليس فيه دلالة على أنهم ما جعلوا لغيره شركاء، ونظير ذلك قولك: ما أمرتك بهذا، وما بهذا أمرتك، فإنك إذا أخّرت الظرف كان حاصله نفى الأمر عن نفسك من غير أن يكون فيه دلالة على أنك أمرته بشىء آخر، بخلاف ما إذا قلت: ما بهذا أمرتك، فإنه كما هو دال على نفى الأمر عن نفسك، فإنه دال على أنك قد أمرته بشىء آخر، وهكذا تكون الآية كما قررته.
التفسير الثانى أن يكون المفعول الأول لجعل، هو الجن، والمفعول الثانى هو الشركاء، وعلى هذا يكون الظرف ليس بمعتمد ويكون متعلقا بشركاء ومن ههنا يظهر سر التفرقة بين التفسيرين، فأنت على التفسير الأول يظهر لك أن الإنكار إنما توجه عليهم من جهة إضافة الشركاء إلى الله تعالى على جهة الإطلاق، سواء كان من جهة الجن، أو من جهة غيرهم؛ لأن المعنى أنه لا شريك لله فى الإلهية، لا من الجن، ولا من غير الجن، بخلاف المعنى الثانى، فإن الإنكار إنما كان متوجها من جهة مشاركة الجن لا غير، ولا شك أن الإطلاق مخالف للتقييد، وعلى هذا يكون التفسير الأول أخلق بالآية وأدلّ على المبالغة من التفسير الثانى، وبما ذكرناه تدرك التفرقة بينهما. ولقد كان إيراد هذه الآية حقيقا بفصل التقديم والتأخير لكونها منه وأخص به، والذى جر من إيرادها ههنا هو ما عرض فيها من الإشكال، هل هى من باب الحصر، أو من
(2/116)

باب التقديم والتأخير، فقس على هذا ما يرد عليك من أسرار النظم، فإن تحته أسرارا جمة، ونكتا غزيرة، تنبهك على كثير من الفوائد، وتطلعك على المناظم والمعاقد، هذا إذا لحظت من الله بتوفيق، يهدى إلى كل طريق من الخير والتحقيق.
الصورة السابعة بيان فوائد [ «إنّ» ]
وجملتها أربع الفائدة الأولى أنها كما أشرنا إليه تربط الجملة الثانية بالأولى، وبسببها يحصل التأليف بينهما، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، ولو أسقطتها ظهر التنافر بينهما وبطلت الملاءمة، وهذا كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (51)
[الدخان: 51] بعد قوله: إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)
[الدخان: 50] فلو قال: فالمتقون فى مقام أمين، كان من حسن النظام بمعزل.
الفائدة الثانية أن لضمير الشأن والقصة معها من حسن الموقع، وجودة النظام، ورشاقة التأليف، ما لا يمكن وصفه، وهذا كقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
[يوسف: 90] وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[التوبة: 63] وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ
[الأنعام: 54] وقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (117)
[المؤمنون: 117] .
الفائدة الثالثة أنها تهيىء النكرة وتجعلها صالحة لأن يحدّث عنها وهذا كقوله «1» :
إنّ دهرا يضمّ شملى بسعدى ... لزمان، يهمّ بالإحسان
وكقوله «2» :
إنّ شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون
وسر ذلك هو أنها لما كانت موضوعة لتأكيد الجملة الابتدائية لا جرم اغتفر دخولها على النكرات وهيئاتها للحديث عنها كما ذكرناه.
(2/117)

الفائدة الرابعة هو أنها إذا دخلت على الجملة الابتدائية فقد يجوز الاقتصار على الاسم دون الخبر وهذا كقوله «1» :
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ فى السفر إذ مضوا مهلا
وهذا إنما يكون حيث يكون الخبر معمولا مدلولا عليه بالقرينة؛ لأن المعنى إن لنا محلا فى الدنيا وإن لنا مرتحلا إلى الآخرة، فهذا ما أردنا ذكره من هذه الصور الخارجة عن الضوابط، وبتمامه يتم الكلام فى الفصل العاشر من الباب الثانى من فن المقاصد، وهو الكلام فى الدلائل الإفرادية وبالله التوفيق.
(2/118)

الباب الثالث فى مراعاة أحوال التأليف وبيان ظهور المعانى المركبة
اعلم أن جميع ما أسلفناه إنما هو كلام فى الأمور الإفرادية إلا أن يعرض عارض فيجرى فى الأمور المركبة، والذى نذكره الآن إنما هو كلام فى الأمور المركبة، إلا أن يعرض ما يوجب الإفراد، وقبل الخوض فيما نريده من ذلك نذكر تمهيدا لما نريد ذكره من بعد، وينبنى على قواعد ثلاث.
القاعدة الأولى [مراعاة ما يقتضيه علم النحو]
يجب على الناظم والناثر فيما يقصد من أساليب الكلام مراعاة ما يقتضيه علم النحو أصوله وفروعه من تعريف المبتدأ وتقديمه وجوبا، إذا كان استفهاما، أو شرطا، وجوازا فى غير ذلك، ومراعاة تنكير الخبر، وتقديمه إذا كان المبتدأ نكرة، وأن يراعى فى الشرط والجزاء، كون الجملة الأولى فعلية وجوبا، والثانية بالفاء إذا كانت جملة اسمية، أو فعلية إنشائية، كالأمر والنهى، أو خبرية ماضية، وأن يأتى بالواو فى الجملة الاسمية إذا وقعت حالا، وتحذف مع المضارع المثبت، وأن يضع كل حرف لما يقتضيه معناه بالأصالة، فيأتى «بما» لنفى الحال و «بلا» لنفى الاستقبال و «بإن» الشرطية فى المواضع المحتملة المشكوك فيها و «بإذا» فى المواضع الصريحة و «بإذ» لما مضى وينظر فى الجمل، وما يجب من مراعاة عود الضمير فيها وما لا يجب، ويتصرف فى التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، والإضمار، والإظهار ومواضع الاتصال والانفصال فى الضمائر، وتعلقات الحروف إلى غير ذلك مما توجبه صناعة علم الإعراب، ويوجبه حكمه.
القاعدة الثانية [مراعاة ما يقتضيه اللفظ من الحقيقة والمجاز]
يجب عليهما مراعاة ما يقتضيه اللفظ من الحقيقة والمجاز، واعلم أن المجاز يدخل دخولا أوليا، وله مدخل عظيم، وهو أحق بالاستعمال فى باب الفصاحة والبلاغة، وقد شرحنا قوانينه فيما سبق فأغنى ذلك عن الإعادة، والذى نريد ذكره ههنا هو أن فائدة الكلام الخطابى إنما يكون لإثبات الغرض المقصود فى نفس السامع، وتمكنه فى نفسه على جهة التخيل والتصور، حتى يكاد ينظر إليه عيانا، وبيان ذلك أنا إذا قلنا زيد أسد، فإنه يفيد فائدة قولنا زيد شجاع، لكن التفرقة بين القولين فى التصور والتخيل ظاهرة، فإن
(2/119)

قولنا: زيد شجاع، لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جرىء فى الحروب، مقدام على الأبطال، وإذا قلنا، زيد أسد، فإنه يتخيل عند ذاك صورة الأسد وهيئته وما هو متصف به من الشجاعة والبطش، والقوة والاستطالة على كل حيوان، واختصاصه بدقّ الفرائس وهضمها، وهذا لا نزاع فيه، ومما يوضح ما ذكرناه هو أن العبارة المجازية تكسب الإنسان عند سماعها هزة وتحرك النشاط، وتمايل الأعطاف، ولأجل ذلك يقدم الجبان، ويسخو البخيل، ويحلم الطائش، ويبذل الكريم نهاية البذل، ويجد المخاطب بها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع ذلك الكلام أفاق من تلك السكرة، وهب من سنة تيك النومة، وندم على ما كان منه من بذل مال، أو ترك عقوبة، أو إقدام على أمر هائل، وهذه هى فائدة سحر لسان الفصيح اللوذعىّ، المستغنى عن إلقاء الحبال والعصىّ، ومصداق هذه المقالة قوله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ من البيان لسحرا، يشير به إلى ما قلناه، فهذه هى فائدة المجاز، نعم إذا ورد كلام يكون محتملا للحقيقة والمجاز جميعا فى موارد الشريعة، كان حمله على حقيقته أحق من حمله على مجازه، لأنها هى الأصل، والمجاز فرع، وقد قررنا هذا المأخذ فى الكتب الأصولية، وهمنا ما يتعلق بعلوم البلاغة.
القاعدة الثالثة [مراعاة أحوال التأليف بين الألفاظ المفردة، والجمل المركبة]
يجب مراعاة أحوال التأليف بين الألفاظ المفردة، والجمل المركبة، حتى تكون أجزاء الكلام متلائمة آخذا بعضها بأعناق بعض، وعند ذلك يقوى الارتباط، ويصفو جوهر نظام التأليف، ويصير حاله بمنزلة البناء المحكم المرصوص المتلائم الأجزاء، أو كالعقد من الدر فصلت أسماطه بالجواهر واللآلىء، فخلص على أتم تأليف، وأرشق نظام، ولنضرب فى ذلك مثالين:
المثال الأول فى المدح وهذا كقول البحترى:
بلونا ضرائب من قد مضى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
هو المرء أبدت له الحادثا ... ت عزما وشيكا ورأيا صليبا
تنقّل فى خلقى سؤدد ... سماحا مرجّى وبأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا «1»
فانظر إلى إجادته فى تأليف هذه الكلمات التى صارت كالأصباغ التى يعمل منها
(2/120)

النقوش، فما أحسن موقع قوله هو المرء، كأنه قال «فتح» هو الرجل الكامل فى الرجولية، ثم تأمل إلى تنكيره السؤدد وإضافة الخلقين إليه، ثم عقّبه بقوله: فكالسيف، فلقد أجاد فى التشبيه وأحسن فى صوغه «وليس كلّ آذان تسمع القيل» فليس إذا راق التنكير فى موضع يروق فى كل موضع، بل ذاك على حسب الانتظام، ومأخذ السياق يفوق ويزداد إعجابا وحسنا، فأنت إذا فكرت فى هذه الأبيات وجدتها قد اشتملت على نهاية المدح مع ما حازته من جودة السبك وحسن الرصف فى أسهل مأخذ وأعجبه، وهكذا يكون الإعجاب فى القلة والكثرة بحسب ما ذكرناه.
المثال الثانى فى الذم وهذا كقول الشاعر:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولى على النار «1»
فتأليف هذا البيت مشتمل على نهاية الهجاء حتى لا تكاد لفظة من ألفاظه إلا ولها حظ فى الذم والنقص لهؤلاء، فقوله «قوم» هو مخصوص بالرجال، وفيه دلالة على أنهم أعراب جفاة ليس لهم ثروة ولا تمكن فلا يألفون شيئا من مكارم الأخلاق، ثم إنه أتى «بإذا» التى تؤذن بالشرط المؤقت المعينّ، ليدل به على أن الأضياف لا يعتادونهم إلا فى الأوقات القليلة، ثم إنه عقبه بسين الاستفعال لتوذن أن كلبهم ليس من عادته النّباح، وإنما يقع منه ذلك على جهة الندرة لإنكاره للضيف، وأنه لا عهد له بهم، ثم جاء بالأضياف على جمع القلة، لما كانوا لا يقصدهم إلا نفر، قليل، ثم عرّفه باللام إشارة إلى أنهم قوم معهودون لا يقصدهم كل أحد، وفيه دلالة أيضا على أن كلبهم لا ينبح إلا بالاستنباح لهزاله وقلة قوته من الجوع والضعف، ثم أفرد الكلب ليدل على أنهم لا يملكون سواه لحقارة الحال، وكثرة الفقر، ثم إنه أضاف الكلب إليهم استحقارا لحالهم، ثم إنه أتى بقالوا، ليعرف من حالهم أنهم لا خادم لهم يقوم مقامهم فى ذلك، وأنهم يباشرون حوائجهم بأنفسهم، ثم جعل القول منهم مباشرة لأمهم، ليدل على أنه لم يكن هناك من يخلفها من خادمة وغيرها فى إطفاء النار، فأقام أمهم مقام الأمة والخادمة فى قضاء الحوائج لهم، ولم يشرّفوها عن ذلك، ثم جعلهم قائلين لما يستنكر من لفظ البول لأن ذكره يشعر بذكر مخرجه من العورة فى حق الأم فلم يكن هناك حشمة لهم ولا مروءة فى إضافة ما أضيف إليها من ذلك، ثم
(2/121)

قال على النار، فيه دلالة على ضعف نارهم لقلة زادهم، وأنه يطفئها بولة، وأنها إنما أمرت بذلك، كى لا يهتدى الأضياف إليهم ولا يعرفوا مكانهم، ثم أتى بلفظة على، ولم يقل فوق النار، ليدل بحرف الاستعلاء على أنها قصدت حقيقة الاستعلاء بالبول قائمة من غير مبالاة فى التستر ولا مروءة فى تغطية العورة، فقد وضح لك بما قررناه أن التأليف هو العمدة العظمى والقانون الأكبر فى حسن المعانى وعظم شأنها وفخامة أمرها، ومن الأمثلة الرائقة ما يؤثر عن أمير المؤمنين قاله فى أول خلافته: «إن الله سبحانه أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشرّ، فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشرّ تقصدوا، الفرائض الفرائض، أدّوها إلى الله تؤدّكم إلى الجنّة، إن الله تعالى حرّم حراما غير مجهول، وفضّل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشدّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين فى معاقدها، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم وإن الساعة تحدوكم من خلفكم، تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأوّلكم آخركم، اتقوا الله فى عباده وبلاده، فإنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، وأطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه» . فلينظر الناظر ما اشتمل عليه هذا الكلام من حسن التأليف وبديع التصريف، وليلحظ ما تضمنه قوله: تخففوا تلحقوا، بعين البصيرة وما اشتمل عليه من بلاغة المعانى وجزالة الألفاظ، وإنه لكلام من استوى على عرش البلاغة واستولى، ودل بالإرشاد على مصالح الدين والدنيا، فعليك بمراعاة جانب التأليف فإنه القطب الذى تدور عليه أرحية البلاغة، ولا سبيل إلى جذبه بزمامه، والاستيلاء على كماله وتمامه، إلا بعد إحراز فصول تكون محتوية على أسراره، ومستولية على المقصود منه.
(2/122)

الفصل الأول فى ذكر [الإطناب] وبيان معناه
اعلم أن الإطناب واد من أودية البلاغة، ولا يرد إلا فى الكلام المؤتلف، ولا يختص بالمفردات، لأن معناه لا يحصل إلا فى الأمور المركبة، فمن أجل هذا خصصناه بالإيراد فى هذا الباب، والإطناب مصدر أطنب فى كلامه إطنابا، إذا بالغ فيه وطوّل ذيوله لإفادة المعانى، واشتقاقه من قولهم: أطنب بالمكان إذا طال مقامه فيه، وفرس مطنب إذا طال متنه، ومن أجل ذلك سمى حبل الخيمة طنبا لطوله، وهو نقيض الإيجاز فى الكلام، فلنذكر ماهيته والتفرقة بينه وبين التطويل، ثم نذكر أقسامه، ثم نردفه بذكر الأمثلة فيه، فهذه مباحث ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى.
البحث الأول فى ماهيته والتفرقة بينه وبين التطويل
ومعناه فى لسان علماء البيان هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة من غير ترديد فقولنا: هو زيادة اللفظ على المعنى، عام فى الإطناب، وفى الألفاظ المترادفة كقولنا: ليث وأسد، فإنه كله من باب زيادة اللفظ على معناه، وقولنا لفائدة، يخرج عنه التطويل، فإنه زيادة من غير فائدة، وقولنا جديدة، تخرج عنه الألفاظ المترادفة، فإنها زيادة فى اللفظ على المعنى لفائدة لغوية، ولكنها ليست جديدة، وقولنا من غير ترديد يحترز به عن التواكيد اللفظية كقولنا: اضرب اضرب، فإنها زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة، وهو التأكيد، لكنه ترديد اللفظ وتكريره، بخلاف الإطناب فإنه خارج عن التأكيد، فوضح بما ذكرناه شرح ماهية الإطناب بهذه القيود التى أشرنا إليها، فصارت الأمور التى يلبس بها الإطناب ثلاثة، التطويل، وهو مزيد من غير فائدة، والتكرير، والترادف، وقد خرج التكرير بقيد الترديد، وخرج المترادف بقيد الفائدة الجديدة، وخلص باعتبار هذه القيود عن غيره من سائر الحقائق، فكان حاصل الإطناب الاشتداد فى المبالغة فى المعانى، أخذا من قولهم: أطنبت الريح، إذا اشتد هبوبها، وأطنب الرجل فى سيره، إذا اشتد فيه، وهو غير مناقض لما ذكرناه فى اشتقاقه فى صدر الباب.
«وأما» التفرقة بينه وبين التطويل فاعلم أن علماء البيان لهم فى ذلك مذهبان، المذهب
(2/123)

الأول أن الإطناب هو التطويل، وهذا هو المحكى عن أبى هلال العسكرى، وعن الغانمى أيضا وقالا: إن كتب الفتوح والتقاليد كلها ينبغى أن تكون مطولة كثيرة الإطناب، لأنها مما يقرأ على عوام الناس لافتقارها إلى البيان، فكلامهما يقضى بأنه لا تفرقة بين الإطناب والتطويل، المذهب الثانى أنهما يفترقان، فإن الإطناب يذكر لفائدة عظيمة بخلاف التطويل، فإنه لا فائدة وراءه، وهذا هو الذى عليه الأكثر من علماء البلاغة، وإليه يشير كلام ابن الأثير وهذا هو المختار، ويدل على ما قلناه من التفرقة بينهما هو أن الإطناب صفة محمودة فى البلاغة، بخلاف التطويل، فإنه صفة مذمومة فى الكلام، وما ذاك إلا لأن الإطناب يجىء من أجل الفائدة بخلاف التطويل، فإنه يكون من غير فائدة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن ما يتوصل به إلى البغية من معانى الكلام أمور ثلاثة، الإيجاز، والإطناب، والتطويل. فأما الإيجاز فهو دلالة اللفظ على معناه من غير نقصان فيخلّ، ولا زيادة فيملّ، وقد رمزنا إلى أسراره فيما سبق، وأما التطويل والإطناب فهما متساويان فى تأدية المعنى، خلا أن الإطناب مختص بفائدة جديدة، ولأجلها كان ممتازا عن التطويل، ومثال ما قلناه من ذلك كمن سلك لطلب مقصد من المقاصد ثلاث طرق فإنها كلها موصلة إلى ما يريده، فأحدها أقرب الطرق، وهو نظير الإيجاز، والطريقان الأخريان متساويتان فى الإطالة، وهما نظيرا الإطناب، والتطويل، خلا أن أحدهما مختص إما بمتنزّه حسن، أو بمياه عذبة، أو زيارة صديق أو غير ذلك من الفوائد، فهو نظير الإطناب كما لخصناه، وأصدق مثال فى الإيجاز، والإطناب، والتطويل، ما حكاه ابن الأثير وهو: أن المأمون لما وجّه طاهر بن الحسين فى عسكر لحرب عيسى بن ماهان فقتله وهزم عسكره، واستولى على جنده ثم كتب إليه طاهر يخبره بذلك فقال: كتابى إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ماهان بين يدى وخاتمه فى يدى، وعسكره متصرّف تحت أمرى والسلام. فهذا كتاب قد أوجز فيه غاية الإيجاز وأتى فيه بالغرض المقصود من غير تطويل ولا إطناب، لاشتماله على تفاصيل القصة وإجمالها، وهو من أحسن أمثلة الإيجاز، وإن وجهته على جهة الاطناب فإنك لتشرح القصة مفصلة وتودع التفاصيل زبدا عظيمة من تعظيم المأمون وقوة سلطانه، ونهضة جند الإسلام واستطالته على الكفار من أهل الردة، لأن عيسى بن ماهان كان نصرانيا فيما قيل، ويحكى صفة الواقعة وما كان، مع فوائد عظيمة، ونكت جمة، فما هذا حاله يكون إطنابا لاحتوائه على ما ذكرناه من الفوائد، وإن
(2/124)

حكاها بصفة التطويل العرىّ عن الفوائد بأن يقول صدر الكتاب يوم كذا من مكان كذا فى شهر كذا والتقى عسكرنا وعسكره، وتزاحف الجمعان، وتطاعن الفريقان، وحمى القتال واشتد النزال مع تفاصيل كثيرة ثم قتل عيسى بن ماهان واحتز رأسه ونزع الخاتم من يده، وترك جسده طعاما للطيور والسباع والذئاب وغير ذلك من تفاصيل الواقعة، فهذا يقال له التطويل من جهة أن تفاصيل الوقعة خالية عن الفوائد الغزيرة التى يحتاج إلى مثلها فهذه هى أمثلة الأمور الثلاثة قد فصلناها ليحصل التمييز بينها.
البحث الثانى فى ذكر تقسيم الإطناب
واعلم أن الإطناب قد يكون واقعا فى الجملة الواحدة، وقد يرد فى الجمل المتعددة، فهذان القسمان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمعونة الله تعالى:
القسم الأول ما يكون متعلقا بالجملة الواحدة،
وتارة يرد على جهة الحقيقة، وتارة يرد على جهة المجاز، فهذان وجهان:
الوجه الأول ما يرد من الإطناب على جهة الحقيقة
وهذا كقولنا: رأيته بعينى، وقبضته بيدى، ووطئته بقدمى وذقته بلسانى إلى غير ذلك من تعليق هذه الأفعال بما ذكرناه من الأدوات وقد يظن الظان أن التعليق بهذه الآلات إنما هو لغو لا حاجة إليه، فإن تلك الأفعال لا تفعل إلا بها، وليس الأمر كما ظن بل هذا إنما يقال فى كل شىء يعظم مناله ويعز الوصول إليه، فيؤتى بذكر هذه الأدوات على جهة الإطناب دلالة على نيله، وأن حصوله غير متعذر، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ
[الأحزاب: 4] وقوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
[النور: 15] لأن هذه الآيات إنما وردت فى شأن الإفك وفى جعل الزوجات أمهات، وفى جعل الأدعياء أبناء، فأعظم الله الرد والإنكار فى ذلك بقوله: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ
[النور: 15] على أهل الإفك فى الرمى بفاحشة الزنا لمن هى ظاهرة والعفاف والستر وبقوله: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ
[الأحزاب: 4] على من قال لزوجته هى عليه كظهر أمه، أو لمن قال لمملوكه يا بنى فبالغ فى الرد بهذه المقالة والنكير
(2/125)

عليها عن أن تكون الزوجة أمّا، والعبد ابنا وأن مثل هذا يكون محالا، وهو أن يجمع بين الزوجية والأمومة وبين النبوّة والعبودية.
ومن هذا قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[الأحزاب: 4] فقد علم أن القلب لا يكون إلا فى الجوف ولكن الغرض المبالغة فى الإنكار بأن يكون للإنسان قلبان، أكّد ذلك بقوله فى جوفه، ومن هذا قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
[النحل: 26] فإن المعلوم من حال السقف أنه لا يكون إلا من فوق، وإنما الغرض المبالغة فى الترهيب والتخويف والإنكار والرد كما أشار إليه: بقوله قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
[النحل: 26] يعنى بالخراب والهدم فخر عليهم السقف من فوقهم، تشديدا فى الأمر، وتهويلا لهم، وإعظاما لحاله وهكذا قوله تعالى فى سورة الحاقة نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (13)
[الحاقة: 13] فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (14)
[الحاقة: 14] فإن التاء مؤذنة بالوحدة، ولكنه أتى بالصفة على جهة المبالغة بالإطناب فى فخامة الأمر وعظمه، فأما قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20)
[النجم: 20] فليس هذا من باب الإطناب بالتأكيد، وإنما هو من أجل مراعاة سجع الآى، فإنها من أول السورة على الألف، فلأجل هذا قال «الثالثة الأخرى» مراعاة لما ذكرناه.
الوجه الثانى فيما يرد على جهة المجاز فى الإطناب،
وهذا كقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
[الحج: 46] فالفائدة بذكر الصدور ههنا وإن كانت القلوب حاصلة فى الصدور على جهة الإطناب بذكر المجاز، وبيانه هو أنه لما علم وتحقق أنّ العمى على جهة الحقيقة إنما يكون فى البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يذهب نورها ويزيله، واستعماله فى القلوب إنما يكون على جهة التجوز بالتشبيه، فلما أريد ما هو على خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب ونفيه عن الأبصار، لا جرم احتاج الأمر فيه إلى زيادة تصوير وتعريف، ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب، لا الأبصار، ولو قال فإنها لا تعمى الأبصار ولكنها تعمى الأبصار التى فى الصدور، لكان مفتقرا إلى ذكر الصدور، كافتقار القلوب، لكن القلوب أدخل فى الحاجة، ولهذا وردت الآية عليه لأنه قد يتجوز بلفظة الأبصار فى العقول، ولا يتجوز بالقلوب عن العقول، فلأجل هذا كان ذكر قوله فى الصدور عقيب القلوب أحسن من ذكرها عقيب الأبصار لما ذكرناه، وهذا من لطائف علم البيان ومحاسنه.
(2/126)

القسم الثانى فى بيان ما يرد فى الجمل المتعددة،
ويرد على صور مختلفة، وكلّها وإن اختلفت فإنها ترجع إلى الضابط الذى ذكرناه من قبل، ونشير منه ههنا إلى ضروب أربعة، وفيها دلالة على غيرها بمعونة الله تعالى.
الضرب الأول ما يكون عائدا إلى النفى والإثبات،
وحاصله راجع إلى أن يذكر الشىء على جهة النفى، ثم يذكر على جهة الإثبات أو بالعكس من ذلك، ولابدّ أن يكون فى أحدهما زيادة فائدة ليست فى الآخر يؤكد ذلك المعنى المقصود، وإلّا كان تكريرا، ومثاله قوله تعالى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)
[التوبة: 44] ثم قال تعالى: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)
[التوبة: 45] فالآية الثانية كالآية الأولى إلّا فى النفى والإثبات، فإن الأولى من جهة الإثبات، والثانية من جهة النفى، فلا مخالفة بينهما إلا فيما ذكرناه، خلا أن الثانية اختصت بمزيد فائدة، وهى قوله وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)
إعلاما بحالهم فى عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنهم فى وجل وإشفاق من تكذيبهم، حيارى فى ظلم الجهل، لا يخلصون إلى نور وهدى، ولولا هذه الفائدة لكان ذلك تكريرا ولم يكن من باب الإطناب، ومن هذا قوله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7)
[الروم: 6- 7] فقوله: يَعْلَمُونَ
بعد قوله:
لا يَعْلَمُونَ (6)
، من الباب الذى نحن بصدده، ولهذا فإنه نفى عنهم العلم بما خفى عنهم من تحقيق وعده ثم أثبت لهم العلم بظاهر الحياة الدنيا، فكأنه قال: علموا، وما علموا، لأن العلم بظاهر الأمور ليس علما على الحقيقة، وإنما العلم هو ما كان علما بطريق الآخرة ومؤديا إلى الجنة، فلولا اختصاص قوله يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون لكان تكريرا لا فائدة تحته، فلأجل ما ذكرناه عد من الإطناب لاشتماله على ما ذكرناه من الفائدة التى لخصناها.
الضرب الثانى أن يصدر الكلام بذكر المعنى الواحد على الكمال والتمام، ثم يردف بذكر التشبيه على جهة الإيضاح والبيان
ومثاله قول أبى عبادة البحترى:
(2/127)

ذات حسن لو استزادت من الحس ... ن إليه لما أصابت مزيدا.
فهى كالشمس بهجة والقضيب الل ... دن قدّا والرئم طرفا وجيدا
فالبيت الأول كان كافيا فى إفادة المدح، وبالغا غاية الحسن، لأنه لما قال لو استزادت لما أصابت مزيدا، دخل تحته كل الأشياء الحسنة، خلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصورا وتخيلا لا تحصل من المدح المطلق، وهذا الضرب له موقع بديع فى الإطناب وهكذا ورد قوله أيضا
تردد فى خلقى سؤدد ... سماحا مرجى وبأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا «1»
فالبيت الأول دالّ على نهاية المدح، لكن البيت الثانى موضح ومبين لمعناه، لأن البحر للسماح، والسيف للبأس المهيب، مع اختصاصه بالتشبيه الفائق الذى يكسب الكلام رونقا وجمالا، ويزيده قوة وكمالا، وله وقع فى البلاغة وتأكيد فى المعنى، والتفرقة بين هذا الضرب وما قبله ظاهرة لا خفاء بها، فإن هذا وارد على جهة التشبيه بعد تقدم ما يرشد إلى المعنى ويقويه، بخلاف الضرب الأول، فإن الإطناب فيه من جهة المفهوم المعنوى، وبيانه هو أنه لما قال فى الآية الأولى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
[التوبة: 44] أشعر ظاهرها من جهة المفهوم أن غير هؤلاء بخلافهم، وأنهم المخصوصون بالإذن، فإذا قال بعد ذلك إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
[التوبة: 45] كان هذا مؤكدا لمفهوم الآية الأولى موضحا له، مع ما أفاد من تلك الفائدة التى ذكرناها، وهو اختصاصهم بالريب والوجل والتردد والحيرة، وهكذا الكلام فى الآية الثانية فإنه لما قال وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)
[الروم: 6] ، فنفى نفيا عاما أشعر ظاهره أنهم غير عالمين بعلم الدين، وحقائق علم الآخرة، ومفهومها أن معهم علما من ظاهر الدنيا، فإذا قال بعد ذلك يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[الروم: 7] كان إطنابا لمفهومها مؤكدا مع زيادة فائدة فيه، وهو غفلتهم عن أمور الآخرة وإعراضهم عنها، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الإطناب فى الضرب الأول
(2/128)

إنما يظهر من جهة ما ذكرناه من المعنى المفهوم، وأن الإطناب فى الضرب الثانى إنما يظهر من جهة اللفظ بإيراد التشبيه للإيضاح والتقرير كما أشرنا إليه.
الضرب الثالث أن يذكر الموصوف
فيؤتى فى ذلك بمعان متداخلة خلا أن كل واحد من تلك المعانى مختص بخصيصة لا تكون للآخر، ومثاله قول أبى تمام يصف رجلا أنعم عليه:
من منّة مشهورة وصنيعة ... بكر وإحسان أغر محجّل
فقوله منة مشهورة، وصنيعة بكر، وإحسان أغر محجل، معان متداخلة، لأن المنة والإحسان والصنيعة كلها أمور متقاربة بعضها من بعض، وليس ذلك من قبيل التكرير، لأنها إنما تكون تكريرا لو اقتصر على ذكرها مطلقة من غير صفة كأن يقول منة وصنيعة وإحسان ولكنه وصف كل واحدة منها بصفة تخالف صفة الآخر، فلا جرم أخرجها ذلك عن حكم التكرير، فقال «منة مشهورة» لكونها عظيمة الظهور لا يمكن كتمانها، وقوله «صنيعة بكر» فوصفها بالبكارة، أى أن أحدا من الخلق لا يأتى بمثلها من قبل ومن بعد، وقوله «وإحسان أغر محجل» فوصفه بالغرة ليدل بذلك على تعداد محاسنه وكثرة فوائده، فلما وصف هذه المعانى المتداخلة الدالة على شىء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابا ولم يكن تكريرا، وكقول أبى تمام أيضا:
ذكىّ سجاياه تضيف ضيوفه ... ويرجى مرجيه ويسأل سائله «1»
فإن غرضه فيما قاله ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاء خلا أنه وصفه بأوصاف متعددة، فجعل ضيوفه تضيف، وراجيه يراجى، وسائله يسأل، وليس هذا من باب التكرير، لأن كل واحد منها دال على خلاف ما دل عليه الآخر لأن ضيفه يستصحب ضيفا طمعا فى كرم مضيفه، وسائله يسأل، أى أنه يعطى السائلين عطاء جزلا يصيرون به معطين غيرهم، وراجيه يرجى، أراد أنه إذا تعلق به رجاء راج فقد ظفر بنجاح حاجته وفاز بإنجاز مطلبه، وهذا أعظم وصف وأبلغه.
الضرب الرابع من الإطناب أن المتكلم إذا أراد الإطناب فإنه يستوفى معانى الغرض المقصود من رسالة، أو خطبة، أو تأليف كتاب، أو قصيدة، أو قرطاس، أو غير ذلك من فنون الكلام،
وهذا هو أصعب هذه الضروب الأربعة، وأدقها مسلكا، وأضيقها جريا،
(2/129)

لكونه مشتملا على لطائف كثيرة، ويتفرع إلى فنون واسعة، تتفاضل فيها المراتب، وتتفاوت فيها الدّرج فى أساليب النظم والنثر، والتبريز فيه قليل، فما قلت ألفاظه وكثرت معانيه فهو الإيجاز، وما كثرت ألفاظه وكان فيها دلالة على الفوائد فهو الإطناب، وما كثرت ألفاظه من غير فائدة فهو التطويل، وما تكررت ألفاظه المتماثلة فهو التكرير، وقد قررنا هذه المعانى من قبل فأغنى عن إعادتها، فهذا ما أردنا ذكره فى تقسيم الإطناب والله الموفق.
المبحث الثالث فى ذكره أمثلة الإطناب
اعلم أن هذا النوع من علم البيان كثير المحاسن واسع الخطو لطائفه بديعة، ومداخله دقيقة، فلنورد أمثلته من كتاب الله تعالى ثم من السنة الشريفة، ثم من كلام أمير المؤمنين ومن كلام البلغاء، فهذه أنواع أربعة:
النوع الأول ما ورد فيه من كتاب الله تعالى
فمن ذلك ما ورد فى صفة الجنة على جهة الإيجاز قوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (71)
[الزخرف: 71] فهذه نهاية الإيجاز، فإنه قد استولى على جميع اللذات كلها من غير إشارة إلى تفصيل، وكذلك قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[السجدة: 17] فهذا أيضا دال على غاية اللذة بأوجز عبارة وألطفها، ومنه قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20)
[الإنسان: 20] وقوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24)
[المطففين: 24] إلى غير ذلك من الإيجاز البالغ، والإطناب كقوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[محمد: 15] وقوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)
[الغاشية: 10- 16] وقوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)
[الواقعة: 17- 22] ومن ذلك قوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (31) حَدائِقَ
(2/130)

وَأَعْناباً (32) وَكَواعِبَ أَتْراباً (33) وَكَأْساً دِهاقاً (34) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (35)
[النبأ: 31- 35] وقوله تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (13) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (14) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (17) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19)
[الإنسان: 12- 19] ثم قال عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21)
[الإنسان: 21] وقوله تعالى فى سورة الرحمن فإنه أوجز أولا، ثم أطنب فى وصف الجنة، فقال فى الإيجاز وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (46)
[الرحمن: 46] ثم قال فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (52)
[الرحمن: 52] ثم أطنب بعد ذلك بقوله مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (54)
[الرحمن: 54] ثم قال بعد ذلك مُدْهامَّتانِ
(64) ... يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (66)
[الرحمن: 64، 66] وقال: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (50)
[الرحمن: 50] وقال فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68)
[الرحمن: 68] ثم قال حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (72)
[الرحمن: 72] وقال فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (70)
[الرحمن: 70] ثم قال مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (76)
[الرحمن: 76] فهذه كلها أوصاف جارية على جهة الإطناب، فأما الإيجاز فى صفة أهل النار فقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)
[الزخرف: 74- 75] وقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47)
[القمر: 47] إلى غير ذلك مما يدل على الهوان من جهة الإجمال، وأما الإطناب فكقوله تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (104)
[المؤمنون: 103- 104] وقوله تعالى:
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)
[الحج: 19- 21] وهكذا القول فى الإيمان والكفر، وصفة المؤمنين والكفار، فإنه قد ورد فى حقهم الإيجاز والإطناب، وهو ظاهر لا يحتاج فيه إلى التكثير، فأما التطويل، فكتاب الله تعالى منزه عنه، لكونه تكثيرا من غير فائدة مستجدة، ومثاله لو أريد وصف بستان يتضمن فواكه، لقيل فيه الرمان الذى ورقه أخضر مستطيل وله قضبان لدنة لها شجون وفنون مشتملة على حب مدور فى وسطها أعطاف مشحونة ببنادق حمر إلى غير ذلك، فما هذا حاله يعد من التطويل الذى لا ثمرة له ولا فائدة تحته.
(2/131)

النوع الثانى ما ورد من جهة السنة النبوية
فأما الإيجاز فمثاله قوله صلّى الله عليه وسلّم حكاية عن الله تعالى:
أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما ادخرت لهم، وفى حديث آخر فى الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة على جهة الإجمال، وأما الإطناب فكقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من لذّذ أخاه بما يشتهيه رفع الله له ألف ألف درجة وكتب له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وأطعمه من ثلاث جنان، من جنة الفردوس، ومن جنة الخلد، ومن جنة عدن» ، ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من سقى مؤمنا شربة سقاه الله من الرحيق المختوم، أو قال من نهر الكوثر، ومن كسا مؤمنا كساه الله من سندس الجنة، ومن أطعم مؤمنا لقمة أطعمة الله من طيبات الجنة وفواكهها» وقوله صلّى الله عليه وسلّم فى الإيمان إنه بضع وسبعون بابا أعلاه لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، فهذا وما شاكله من باب الإيجاز الرائق والاختصار الفائق لاندراج الخصال الكثيرة والشعب المنتشرة تحت ما ذكره فى حق الإيمان. ومن الإطناب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يكمل إيمان العبد بالله، حتى يكون فيه خمس خصال، التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والصبر على بلاء الله، إنه من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» ، فانظر إلى ذكره تلك الخصال الخمس التى جعلها أصلا فى كمال الإيمان كيف أردفها بما هو كالثمرة لها، والمصداق لأمرها بقوله: إنه من أحب لله، لأن كل من كملت فيه تلك الخصال فلا شك فى كون أعماله تكون لله من حب أو بغض أو إعطاء أو منع، ومن الإطناب الحسن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن العبد لا يكتب فى المسلمين حتى تسلم الناس من يده ولسانه، ولا يعد من المؤمنين حتى يأمن أخوه بوائقه، وجاره بوادره، ولا ينال درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذارا ما به البأس» ، ومن الإيجاز الرشيق قوله صلّى الله عليه وسلّم فى طلب الرزق: «إن الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله» ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك» ، ومن الإطناب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن وينقص كلّ يوم من أجلك وأنت تفرح تعطى ما يكفيك وتطلب ما يطغيك، لا من كثير تشبع، ولا بقليل تقنع» ، فأصغ سمعك أيها الناظر إلى هذا الإطناب البالغ فى الموعظة كل غاية، والمتجاوز فى النصيحة كل حد ونهاية.
(2/132)

النوع الثالث ما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه،
فممّا ورد من كلامه على جهة الإيجاز قوله فى التوحيد كل ما حكاه الفهم، أو تصوره الوهم فالله تعالى بخلافه، فهذه الكلمة على قصرها وتقارب أطرافها قد جمعت محاسن التنزيه لذات الله تعالى عما لا يليق بها من مشابهة الممكنات ومماثلة المحدثات، لأن الوهم إنما يتصور ما له نظائر فى الوجود، والله تعالى ليس لذاته مماثل، ولا يعقل له مشابه، وكلامه هذا دال على أن حقيقة ذاته ليس معلومة للبشر، ولهذا قال: كل ما حكاه الفهم، يشير به إلى أن العقول قاصرة عن تصور تلك الماهية وتعقل أصل تيك المفهومية، وهذا هو المختار عندنا كما قررناه فى المباحث العقلية، وإليه يشير كلام الشيخ أبى الحسين البصرى من المعتزلة وهو الرجل فيهم، وهو رأى الحذاق من الأشعرية كأبى حامد الغزالى وابن الخطيب الرازى وغيرهم من جملة المتكلمين، خلافا لطوائف من المعتزلة والزيدية. ومن الكلمات الوجيزة قوله عليه السلام: «التوحيد ألّا تتوهمه والعدل ألّا تتّهمه» هاتان الكلمتان قد جمعتا وحازتا علوم التوحيد على كثرتها، وعلوم الحكمة على غرارتها، بألطف عبارة وأوجزها ولو لم يكن فى كلام أمير المؤمنين فى علوم التوحيد والعدل إلا هاتان الكلمتان لكانتا كافيتين فى معرفة فضله، وإحرازه لدقيق علم البلاغة وجزله، فضلا عما وراءهما من بوالغ الحكم الدينية، ونواصع الآداب الحكمية، وقد أشرنا إلى لطائف كلامه وأوضحنا ما رزقنا الله من علوم أسراره فى شرحنا لكتاب نهج البلاغة، وإنه لكتاب جامع للصفات الحسنى وحائز لخصال الدين والدنيا، وأما الإطناب فهو أوسع ما يكون وأكثر فى خطبه وكتبه، وما ذاك إلا لما تضمنه من المعانى واشتماله على الجم الغفير من النكت والأسرار، ولننقل من كلامه نكتا تكون فى الأيام غررا وفى نحو الرواة ذررا.
النكتة الأولى فى التوحيد
قال: أول الدين معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده التصديق به، وكمال التصديق به الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن
(2/133)

أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال فيم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه، فانظر إلى هذا التوحيد الذى لم يسبق إليه، وإلى هذا الإخلاص الذى لم يزاحم عليه، بل استبد به من بين سائر الخلائق، وتميز بالإحاطة والاستيلاء على تلك الحقائق، وقد أشرنا إلى هذه الرموز بهذه الأحرف وكيفية دلالتها على التوحيد، والتنزيه فى كتابنا الديباج الذى أمليناه شرحا لكلامه فليطالع من هناك، ثم قال: أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها، فهذه نكتة شريفة من كلامه أشار فيها إلى التوحيد، وخلق العوالم كلها وإبداع المكونات.
النكتة الثانية فى الإشارة من كلامه إلى خلق السموات:
ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الأرجاء وسكائك الهواء، فأجرى فيها ماء متلاطما تياره، متراكما زخاره، حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة، فأمرها برده، وسلطها على شده، وقرنها إلى حده، الهوى من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق، ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها، وأدام مريها، وأعصف مجراها، وأبعد منشاها، فأمرها بتصفيق الماء الزخار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله على آخره، وساجيه على مائره، حتى عب عبابه، ورمى بالزبد ركامه، فرفعه فى هواء منفتق، وجو منفهق، فسوى منه سبع سموات، جعل سفلاهن موجا مكفوفا، وعلياهن سقفا محفوظا، وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها، ولا دسار ينظمها، ثم زينها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجا مستطيرا، وقمرا منيرا، فى فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم حائر، فهذه نبذة من كلامه أشار بها إلى كيفية إبداع السموات
النكتة الثالثة فى صفة الأرض ودحوها على المآء
قال: كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة ولجج بحار زاخرة تلتطم أواذى أمواجها، وتصفق متقاذفات أثباجها، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها، وسكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها، وذل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها، فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا، وفى حكمة الذل منقادا أسيرا، وسكنت الأرض مدحوة فى لجة تياره، وردت من نخوة
(2/134)

بأوه واعتلائه، وشموخ أنفه وسمو غلوائه، وكعمته على كظة جريته فهمد بعد نزواته، وبعد زيفان وثباته، فسكن هيج الماء من تحت أكنافها، وحمل شواهق الجبال البذّخ على أكتافها فهذه منه إشارة إلى خلقة الأرض كما ترى.
النكتة الرابعة فى خلق الملائكة
ثم خلق سبحانه لإسكان سمواته وعمارة الصفيح الأعلا من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته، وملأ بهم فروج فجاجها، وحشا بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم فى حظائر القدس وسترات الحجب وسرادقات المجد، ووراء ذلك الرجيج الذى تستك منه الأسماع، سبحانه نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف على حدودها، أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أولى أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر فى الخلق من صنعته، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحا على أعلام توحيده، لم تثقلهم مؤصرات الآثام، ولم ترتحلهم عقب الليالى والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، وما سكن من عظمته وهيبة جلالته فى أثناء صدورهم، فلم تطمع فيهم الوساوس فتفترع برينها على فكرهم.. إلى آخر كلامه فى أحوالهم وصفاتهم، ولولا خوف الإطالة لنقلنا كل كلامه فى ذكر خواصهم.
النكتة الخامسة فى ذكر علم الله وإحاطته بكل المعلومات
قال: عالم السر من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين، وخواطر رجم الظنون، وعقد عزيمات اليقين، ومسارب إيماض الجفون وما ضمنته أكناف القلوب، وغايات الغيوب، وما أصغت لاستراقه مصايخ الأسماع، ومصائف الذّر ومشاتى الهوام، ورجع الحنين من المولهات، وهمس الأقدام، ومنفتح الثمرة من ولائج غلف الأكمام، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها،
(2/135)

ومختبى البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها، ومغرز الأوراق من الأفنان، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب، وناشئة الغيوم ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب ومتراكمها، وما تسفى الأعاصير بذيولها، وتعفو الأمطار بسيولها، وعوم نبات الأرض فى كثبان الرمال ومستقر ذاوت الأجنحة. بذرا شناخيب الجبال، وتغريد ذوات المنطق فى دياجير الأوكار، وما أودعته الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار، وما غشيته سدفة ليل، وذر عليه شارق من نهار، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات الأنوار، وأثر كل خطوة وحس كل حركة، ورجع كل كلمة، وتحريك كل شفة، ومستقر كل نسمة، ومثقال كل ذرة، وهماهم كل نفس همامة، وما عليه من ثمرة شجرة أو ساقط ورقة، أو قرار نطفة، أو نقاعة دم، أو مضغة، أو ناشئة خلق وسلالة، فلينظر الناظر ما تضمنه كلامه ههنا من الإشارة إلى كيفية الإحاطة له تعالى بالمعلومات بألطف عبارة وأرشقها، وهذا من أعجب أماكن الإطناب وأرفع مراتبه.
النكتة السادسة فى تنزيه الله تعالى عن مشابهة الممكنات واستحالة الأعضاء عليه،
قال فأشهد أنّ من شبهك بتباين أعضاء خلقك وتلاحم حقائق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك، فكأنه لم يسمع تبرؤ التابعين من المتبوعين إذ يقولون: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98)
[الشعراء: 97- 98] كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم، فأشهد أن من ساواك بشىء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكم آياتك ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك، وأنك أنت الله لم تتناه فى العقول فتكون فى مهب فكرها مكيفا، ولا فى روايات خواطرها محدودا مصرفا، فظاهر كلامه دال على إكفار المشبهة، وقد رمزنا فى شرحنا لكلامه هذا إلى تفاصيل القول فى التشبيه وذكرنا من يكفر ومن لا يكفر من المشبهة ما خلا القول فى إكفار من يكفر من أهل القبلة، وحقيقة الإكفار بالتأويل، فقد أودعناه كتابنا الذى أمليناه فى الإكفار وذكرنا فيه ما يكفى ويشفى والحمد لله.
(2/136)

النكتة السابعة فى الإشارة إلى كيفية خلق آدم
قال فيه: ثم جمع من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها، تربة سنّها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول، وأعضاء وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقت معدود، وأمد معلوم، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها وجوارح يستخدمها، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، والأذواق، والمشام، والألوان، والأجناس، معجونا بطينة الأكوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد، والبلة والجمود، والمساءة والسرور، واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم، وعهد وصيته إليهم فى الإذعان بالسجود له، والخشوع لتكرمته، فقال سبحانه اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ
[البقرة: 34] ثم أسكنه دارا أرغد فيها عيشه، وأقر فيها محلته، فهذا كلام من أخذ البلاغة بزمامها وكان هو المدعو بصاحبها وإمامها، لا يقصر عن بلوغ شأوها ولا يصعب عليه نخوة بأوها.
النكتة الثامنة فى ذكر إبليس وإغوائه لآدم
قال: ثم 7 ن إبليس اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، فأعطاه الله النّظرة استحقاقا للسخطة، واستتماما للبلية، وإنجازا للعدة فقال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)
[سورة ص: 80- 81] فلما أسكنه جنته، وحذره إبليس وعداوته، فاغتره إبليس نفاسة عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكه، والعزيمة بوهنه، واستبدل بالجذل وجلا، وبالاغترار ندما، ثم بسط الله سبحانه له فى توبته، ولقاه كلمة رحمته ووعده المرد إلى جنته، وأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية.
النكتة التاسعة يذكر فيها بعثة الأنبياء
قال: ثم إنه تعالى اصطفى من ذريته يعنى آدم أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه واجتالهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث
(2/137)

فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسى نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة، من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبى مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمى له من بعده، أو غابر عرفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلقت الأنباء، فهذه نكتة عجيبة ضمنها ما كان من بعثة الأنبياء وتبليغهم للشرائع وصبرهم على أداء ما حملوه
النكتة العاشرة يذكر فيها بعث الرسول صلّى الله عليه وسلّم، واصطفاء الله له
قال ثم إن الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم لإنجاز عدته، وإتمام نبوته، مأخوذا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريما ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطوائف متشتتة، بين مشبه لله بخلقه، أو ملحد فى اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة، ثم اختار سبحانه لمحمد صلّى الله عليه وسلّم لقاءه، ورضى له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريما، صلى الله عليه وعلى آله، ثم خلف فيكم ما خلفت الأنبياء فى أممها، كتاب ربكم مبينا حلاله، وحرامه، وفضائله وفرائضه وناسخه، ومنسوخه ورخصه وعزائمه، فهذه النكت قد جمعناها من كلامه ههنا مثالا للإطناب ليتفطن الناظر أنه لا وادى من أودية البلاغة إلا وقد سلكه، ولا زمام من أزمة الفصاحة إلا وقد استولى عليه بفكره وملكه فصار أوفر البلغاء فى البلاغة نصيبا وسهما، وأكثرهم بها فى الإحاطة علما وفهما، وحق لكلامه عند ذاك أن يقال فيه إنه كنيف ملىء علما.
النوع الرابع فيما ورد من كلام البلغاء فى الإطناب،
فمن ذلك ما قاله ابن الأثير فى وصف بستان:
هو جنة ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنجابة، ففيها المشمش الذى يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدى الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار، ولو نظم فى جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار، وله زمن الربيع الذى هو
(2/138)

أعدل الأزمان، قد شبه بسن الصبا فى الأسنان، وفيها التفاح الذى رق جلده، وعظم قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه، فلا بان الوادى ولا رنده، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر، وفيها العنب الذى هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس اغترسه نوح عليه السلام عند خروجه من السفينة، فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغرى بالوصف لسان واصفه، وفيها الرمان الذى هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه، وفيها التين الذى أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم بورقه إذ كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق، فما يرى بها من ميل فذاك من نشوة سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما وقيل هذا كنيف ملىء شهدا، لا كنيف ملىء علما، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذى فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء فيقال: هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه، وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها، ولقد دخلتها فاستهوتنى حسدا، ولم ألم صاحبها على قوله «لن تبيد هذه أبدا» . فما هذا حاله من الأوصاف يقال له إطناب، لأن كل صفة لم تخل عن فائدة جديدة.
ومن الأمثلة الرائقة فى الإطناب ما قاله ابن الأثير أيضا على جهة المقابلة لإيجاز كتاب طاهر بن حسين إلى المأمون لما هزم عسكر عيسى بن ماهان وقتله، وقد ذكرنا كتابه الذى أوجز فيه إلى المأمون فقال ابن الأثير مقابلا له بالإطناب فيه، وهو قوله: صدر الكتاب وقد نصرنا بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلبنا باليد الملأى والعين القريرة، وكان انتصاره بحد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد أغنى عن الجيش وإن كثر إمداد خيله ورجله، وجىء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم تسعى ولا يد فيقال يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذى كان الأمر يجرى على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره، وكذلك البغى مرتعه وبيل، ومصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم والرأس مبشران بالحصول على خاتم الملك
(2/139)

ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه ولا يستقر البناء إلا على أساسه، والعساكر التى كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلما، وأعطته البيعة علما بفضله، وليس من بايع تقليدا كمن بايع علما، وهم الآن مصروفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذى خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم فى أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع فى قلوب الناس، وليس فى البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله تمام النعمة التى افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التى اقترحها. ولنكتف بهذا القدر من أمثلة الإطناب ففيه كفاية، فأما الإطنابات الشعرية فتشتمل عليها الدواوين، ومن أراد الاطلاع على الإطناب الشعرى فى المدح فليطالع ديوان أبى الطيب المتنبى فإنه يجد فيه فى الكافوريات والسيفيات إطالة فى الإطناب كثيرة وغيره من الدواوين كأبى تمام وأبى عبادة البحترى.
(2/140)

الفصل الثانى فى المبادى و [الافتتاحات]
اعلم أن هذا الفصل ركن من أركان البلاغة، وحقيقة آئلة إلى أنه ينبغى لكل من تصدى لمقصد من المقاصد وأراد شرحه بكلام أن يكون مفتتح كلامه ملائما لذلك المقصد دالا عليه، فما هذا حاله يحب مراعاته فى النظم والنثر جميعا، ويستحب التزامه فى الخطب والرسائل والتصانيف، وهكذا حال التهانى والتعازى يكون مبدؤها وتصديرها بما يناسب ذلك المعنى ليكون معلوما من أول وهلة، فحيث يكون المطلع جاريا على ما ذكرناه فهو من الافتتاح الحسن، وحيث يكون جاريا على عكسه فهو معدود من القبيح، فهذان طرفان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما.
الطرف الأول فى ذكر الافتتاحات الرائعة ولنورد فيها أمثلة أربعة
المثال الأول من كتاب الله تعالى
وذلك أن الله تعالى لما أذن بالفتح على رسوله صلّى الله عليه وسلّم وكان هو الغاية والمنتهى بطى بساط الرسالة لما ظهر نور الإسلام. ومد بجرانه على جميع الأديان، فأنزل الله تعالى على رسوله آية هى مناسبة لما هو فيه من إشارة الإيمان، وبلوغه الغاية ويذكر منه عليه بما أظهر على يديه من ذلك فقال فيها إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (3)
[الفتح: 1- 3] فانظر إلى هذه الآية ما أعجب ملائمتها لهذه الحالة، وأشد تصريحها بالمقصود من أول وهلة، فصدر الآية بذكر الفتح إظهارا للمنة، وتكملة للنعمة، ثم أردفه بذكر المغفرة إعظاما لحاله، ورفعا من منزلته، وتقريرا لنفسه وتسلية لما كابد قبله من عظم المشقة وشدة المحنة، ثم وجه التعليل بالمغفرة إلى الفتح، إيذانا بأنه إنما استحق الغفران لما كان منه من الصغائر من أجل ما استحق على العناية فى الفتح ومكابدة شدائده، فلأجل ذلك كان مستحقا للأجر الأعظم الذى يكون ثوابه مكفرا لتلك الصغائر التى صرح بها الشرع وجوزها عليه، «فأما» الزمخشرى فقد قال فى تفسيره إنه ليس واردا على جهة التعليل على أحد وجهته، وإنما هو وارد على جهة التعديد لما أنعم الله عليه من غفران ذنوبه، وإتمام نعمته عليه والهداية والنصر.
(2/141)

فأما من قال إن اللام للعاقبة كالتى فى قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[القصص: 8] فإنما كان ذلك من أجل ضيق العطن، وعدم الوطأة ورسوخ القدم فى علوم البيان، وبعدهم عن الإحاطة بحقائق التشبيه والاستعارة، فلا جرم عولوا على هذه التأويلات الركيكة والمعانى المبادرة، ونزول هذه الآية إنما كان قبل الفتح بعد رجوعه من الحديبية، وبعد عمرة القضاء، أنزلها الله تعالى عليه بشارة له وشرحا لصدره، وتسلية على قلبه بما وعده من النصر والفتح والهداية والإعزاز، وإنما جاء بلفظ الماضى مبالغة فيه وتوكيدا، وكأنه لشدة تحققه وثبوته كأنه قد مضى وتقضى فأشبه الماضى فى تقريره، ومن هذا قوله تعالى فى افتتاح سورة النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
[النساء: 1] لأنه لما كان غرضه بيان الأحكام المشروعة فى حقهن من الطلاق، والميراث، وغير ذلك من الأحكام، صدر السورة بما يكون فيه دلالة وتنبيه على ذلك، وخالف ما ذكره فى صدر سورة الحج لما ذكره فى سورة النساء حيث قال يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)
[الحج: 1] لأنه لما كان غرضه ذكر البعث والاحتجاج عليه والنعى على منكريه صدره بما يلائمه ويناسبه من ذلك، فافتتاح كل واحدة من السورتين مخالف للأخرى؛ لكنه مناسب لما يريد ذكره من كل واحد منهما من الأغراض والمقاصد التى ضمنها فيهما، فافتتاحهما، ملائم لهما كما ترى، ولهذا فإن الله تعالى لما أراد شهر السيف وأذن للرسول فى القتال وكان بينه وبين ناس من العرب عهود وإخلاف صدر سورة التوبة بذكر البراءة لما أراده من قطع تلك العهود ونبذها، فافتتاحها مناسب لما يريد ذكره فيها من المباينة وشن الغارات وسل السيف.
المثال الثانى ما ورد من السنة الشريفة،
فمن ذلك ما رواه ابن عمر رضى الله عنه قال:
كان يعلمنا خطبة الحاجة بقوله الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فهذه الكلمات كان يذكرها إذا أراد حاجة من الحوائج من نكاح، أو موعظة، أو فصل قضية، أو غير ذلك من سائر الحاجات، فانظر إلى اختياره صلّى الله عليه وسلّم فى افتتاح كل أمر كيف صار ملائما للمطلوب من جميع الأفعال المطلوبة، فافتتح بالتعريف والإقرار باستحقاق الحمد لله فى كل حال لا يختص
(2/142)

وقتا دون وقت، ثم أردفه بتجديد الحمد فى مستقبل الزمان وحاله، ولهذا وجه الأول بالاسم، والثانى بالفعل المضارع، ليدل بالأول على الثبوت والاستقرار، ويدل بالثانى على التجدد والحدوث، ثم عقب بذكر الاستعانة لما كان محتاجا إليها فى كل فعل، وهى الألطاف الخفية من جهة الله تعالى؛ لأن اللطف من الله تعالى من أجله يسهل كل عسير، ويلين كل قاس، ثم أردفه بالاستعاذة بالله من شرور الأنفس، لما فيه من الضرر العظيم من أجل دعاء النفوس إلى كل شر، وهى مطبوعة على أنها أمارة بالسوء فى كل أحوالها، ثم عقبه بالاستعاذة من السيئات، فإنها مبعدة عن الخير، داعية إلى الشر، فمن أجل هذه المناسبة جعل هذا الدعاء ديباجة لكل مطلوب لما اختص من الملاءمة بما يذكر بعده.
ومن ذلك افتتاحه صلّى الله عليه وسلّم فى الدعاء لأبى سلمة عند موته حيث قال: اللهم ارفع درجته فى المهديين واخلفه فى عقبه من الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين. فانظر إلى مناسبة هذا الافتتاح للحالة التى وقع فيها فافتتحه بذكر المهم الذى يفتقر إليه المدعو له فى تلك الحال، من رفع الدرجة فى الآخرة، ثم أردفه بذكر المهم الذى يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده فى الدنيا، ثم ختمه بالجمع بين الداعى والمدعو له، وهذا من الافتتاح البليغ الذى يعجز عن الإتيان بمثله كل بليغ، ومن أنس بالأحاديث النبوية وكان له مطالعة لها فإنه يجد فيها ما يكفى ويشفى.
المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه
وله عليه السلام من الافتتاحات الرشيقة فى خطبه، ومواعظه، وكتبه، ما يفوق على كل كلام فمن ذلك ما ذكره بعد تلاوته أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1)
[التكاثر: 1] فإن السبب فى نزولها هو أن بنى عبد مناف من قريش وبنى سهم، أكثروا المماراة، أيهم أكثر عددا، وأعظم جمعا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم: إن البغى أهلكنا فى الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، فنزلت الآية ذما لهم على ذلك فقال عليه السلام فى معنى ذلك: يا مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله، وخطرا ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أىّ مذكر، وتناوشوهم من مكان بعيد، بمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟ فتأمل هذا الافتتاح، ما أجمعه للمقصود وأشد ملائمته لمراد الآية، مع الاختصار البالغ والإيجاز البديع الذى يزيد تفصيله من بعد فى أثناء الخطبة.
(2/143)

ومن ذلك ما ذكره عند تلاوته: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[النور: 37] وما برح لله، عزت آلاؤه فى البرهة بعد البرهة، وفى أزمان الفترات عباد ناجاهم فى فكرهم وكلمهم فى ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة فى الأسماع والأبصار والأفئدة، يذكرون بأيام الله، ويخوفون مقامه، بمنزلة الأدلة فى فلوات القلوب، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة، ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق، وحذروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات، وأدلة تلك الشبهات.
ومن ذلك ما ذكره عند تلاوته قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)
[الأنفطار: 6] أدحض مسئول حجة، وأقطع مفتر معذرة، لقد أبرح جهالة بنفسه، يأيها الإنسان ما جرأك على ذنبك، وما غرك بربك، وما آنسك بهلكة نفسك، أما من دائك بلول، أليس من نومتك يقظة، أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك، فانظر أيها المتأمل إلى هذه المطالع فى الوعظ والزجر، وهذه الافتتاحات بمعانى هذه الآى كيف طبق مفاصلها ولم يخالف مجراها، ولا أخذ فى غير طريقها، وأتى بما يلائم معناها، ويوافق مجراها، ويحقق مغزاها بالكلام الذى تبهر القرائح فصاحته، وتدهش العقول جزالته وبلاغته، ولله در أمير المؤمنين لقد فاق فى كل خصاله، ونكص كل بليغ أن يحذو على مثاله، خاصة فيما يتعلق بالخطب فى التوحيد فإنها افتتاحات ملائمة للمقصود أشد الملاءمة.
المثال الرابع ما ورد من كلام البلغاء فى ذلك،
وأحسن ما قيل فى الافتتاح ما قاله أبو تمام فى قصيدته التى امتدح بها المعتصم عند فتحه لمدينة عمّوريّة، وقد كان أهل التنجيم زعموا أنها لا تفتح عليه فى ذلك الوقت، وأفاض الناس فى ذلك حتى شاع الأمر وصار أحدوثة بين الخلق، فلما فتحت عليه، بنى أبو تمام مطلع القصيدة على هذا المعنى مكذبا لهم فيما قالوه، ومادحا للمعتصم فى شدة البأس وإعراضه عن التطير بالنجوم فقال.
السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب «1»
بيض الصّفائح لا سود الصحائف فى ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وقال معرضا بأهل النجوم وأنه لا عبرة بما قالوه فى ذلك:
والعلم فى شعب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا فى السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
(2/144)

تخرصا وأقاويلا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب «1»
فهذا المطلع من أجود ما يأتى فى هذا المعنى ومن مستظرفاته ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى فى قصيدة يمدح بها كافورا وكان جرت بينه وبين سيده سيف الدول وحشة فقال فى ذلك:
حسم الصلح ما اشتهته الأعادى ... وأذاعته ألسن الحسّاد
فهذا وما شاكله من بديع الافتتاحات ونادرها لما فيه من إفادة الغرض المطلوب من أول وهلة، ومن جيد ما يذكر فى المطالع الحسنة ما حكاه أبو العباس المبرد أن هارون الرشيد غزا يعفور ملك الروم وكان نصرانيا فخضع له وبذل الجزية، فلما عاد هارون واستقر بمدينة الرقة، وسقط الثلج، نقض يعفور الذمة والعهد فلم يجسر أحد على إعلام هارون لأجل هيبته فى صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال النفسية على أن يقولوا أشعارا فى إعلامه، فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد وكان مغلقا فنظم قصيدة وأنشدها الرشيد مضمنة لهذا المعنى، قال فيها:
نقض الذى أعطيته يعفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّه ... فتح أتاك به الإله كبير
يعفور إنّك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام فجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنّك مفلت ... هبلتك أمّك ما ظننت غرور
فلما أنهى الأبيات إلى الرشيد قال أوقد فعل، ثم غزاه فأخذه وفتح مدينته، ومن غريب الافتتاح وعجيبه ما قاله المتنبى فى سيف الدولة وقد كان ابن الشمقمق أقسم ليقتلنه كفاحا، فلما التقى به لم يطق ذلك وولى هاربا، فقال فيه:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك فى إقدامك القسم
وفى اليمين على ما أنت واعده ... ما دلّ أنّك فى الميعاد متّهم
ومن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح المعتصم فيها:
الحقّ أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار «2»
وهذه القصيدة من لطائف قصائده وعجائبها، ومطلعها يناسب ما ذكره فيها من ثنائه
(2/145)

عليه وظفره ببابك الخرمى. ومن ذلك ما قاله السلمى فى مطلع قصيدة له قال فيها
قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام «1»
وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال من أجاد الابتداء والمطلع، وهذا يدلك على أن لهما موقعا عظيما فى الفصاحة والبلاغة، فهذا ما أردنا ذكره فى الافتتاحات الحسنة.
الطرف الثانى فى ذكر الافتتاحات المستقبحة
اعلم أنه ليس فى كتاب الله تعالى ولا فى السنة النبوية ولا فى كلام أمير المؤمنين شىء من الافتتاحات المستكرهة فنورده، وما ذاك إلا من اختصاصها بأرفع محل فى البلاغة وبلوغها فى أعلا مراتبها، وإنما ورد ذلك فى كلام البلغاء ونحن نورد ما استكره منه وكان مستقبحا. نعم القرآن وإن كان مستحسنا فى كل حالة لكنه قد يكره ذكر الآيات المشعرة بالموت عند عروض الأفراح، وهذا كمن يستفتح بقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[آل عمران: 185] عند نكاح أو غير ذلك من الأفراح وكمن يستفتح فى قدوم تجارة له يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها
[التوبة: 35] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على العذاب، ووقوع الوعيد الشديد، فما جرى هذا المجرى فإنه مستكره تلاوته فى هذه الأحوال، لما فيه من قبح التفأؤل فلا يصلح ذكره، وإنما يذكر فى الأفراح الآيات الدالة على السرور كقوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
[التوبة: 21] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على نعيم أهل الجنة وسرورهم، وهكذا القول فى كتب التهانى والتعازى، فإنه يجب أن يكون افتتاحها ملائما لمقصودها ومطلوبها من الآيات والأخبار، ولنرجع إلى أمثلة المطالع والافتتاحات السيئة، ويحكى أن المعتصم لما فرغ من بناء قصرة بالميدان وأعجب به جميع أهله وأصحابه فيه وأمرهم أن يخرجوا فى زينتهم فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم واستأذنه إبراهيم بن إسحق الموصلى فى الإنشاد فأذن له، فأنشده قصيدة أجاد فيها كل الإجادة خلا أنه افتتحها بافتتاح قبيح لا يلائم ما هو فيه فابتدأها بتعفية الديار وبلائها فقال:
يا دار غيّرك البلى ومحاك ... يا ليت شعرى ما الذى أبلاك؟ «2»
(2/146)

فتغامز الناس به وتطير به المعتصم وعجبوا من غفلة إبراهيم عن مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول مخالطته للملوك، فأقاموا أياما وانصرفوا فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرب القصر بعد ذلك، وما كان أخلق هذا المقام ببيت السلمى الذى حكيناه عنه من قبل الذى مطلعه «قصر عليه تحية وسلام» فانظر ما بين هذين الافتتاحين، وكم بين المطلعين، ومن ذلك ما قاله أبو نواس:
يا دار ما فعلت بك الأيام ... لم تبق فيك بشاشة تستام
وهذه القصيدة هى من محاسن شعره وغرائبه، خلا أنه أساء فيها الافتتاح والمطلع، أنشأها ممتدحا بها الأمين ابن هارون، وتعفية الديار ودثورها مما تكره مقابلة الخلفاء والملوك به، لما فيه من الطيرة وقبح الفأل، ومن الافتتاحات المكروهة ما قاله البحترى فى قصيدة أنشأها مدحا، فأذهب روحها بهذا الافتتاح السيىء ومطلع هذا الافتتاح بأن يكون مرثية أحق من أن يكون مديحا قال:
فؤاد ملاه الحزن حتى تصدّعا
فمثل هذا يتطير به وتنبو عنه الأسماع، ومن قبيح الافتتاح وشنيعه ما قاله ذو الرمة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب «1»
فما هذا حاله لا خفاء بقبحه إذ كان موجها للمدح، ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التى مطلعها «خفّ القطين فراحوا منك أبو بكروا» فقال له عبد الملك: بل منك فغيره ذو الرمة فقال فيه «خفّ القطين فراحوا اليوم أو بكروا» ومن قبيحه ما قاله البحترى:
إنّ للبين منّة لا تؤدّى ... ويدا فى تماضر بيضاء
فما هذا حاله أعنى ذكر النساء بأسمائهن مما يثقل على اللسان، فإيراده فى الغزل مما يشوه رقته، ويحط من خفته، وإنما يستحسن من الغزل بأسماء النساء من كان خفيفا على اللسان، كأميم، وسعاد، وقد عيب على الأخطل أيضا تغزله بقذور، لما فيها من الثقل فى المنطق، فما هذا حاله ينبغى تجنبه فى الأشعار، فقد عرفت بما ذكرناه ما تجب مراعاته فى الافتتاحات والمطلع وما يجب تجنبه فى ذلك منها.
(2/147)

الفصل الثالث فى ذكر [الاستدراجات]
الاستدراج، استفعال من قولهم: استدرجته إلى كذا إذا نزلته درجة درجة حتى تستدعيه إليك وينقاد لما قلته من ذلك، قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44)
[القلم: 44] فالاستدراج لهم إنما هو بإعطاء الصحة والنعمة والإمهال ليزدادوا فى الكفر والفسوق، وهذا اللقب إنما يطلق على بعض أساليب الكلام، وهو ما يكون موضوعا لتقريب المخاطب والتلطف به والاحتيال عليه بالإذعان إلى المقصود منه ومساعدته له بالقول الرقيق والعبارة الرشيقة، كما يحتال على خصمه عند الجدال والمناظرة بأنواع الإلزامات، والانتماء إليه بفنون الإفحامات، ليكون مسرعا إلى قبول المسألة والعمل عليها، وكمن يتلطف فى اقتناص الصيد فإنه يعمل فى الحبالة كل حيلة ليكون ذلك سبيلا إلى ما يقصده من الاصطياد، فهكذا ما نحن فيه، إذا أراد تحصيل مقصد من المقاصد فإنه يحتال بإيراد ألطف القول وأحسنه، فما هذا حاله من الكلام يقال له الاستدراج، ولنضرب له أمثلة بمعونة الله تعالى.
المثال الأول من كتاب الله تعالى:
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)
[غافر: 28] فانظر إلى حسن مأخذ هذا الكلام، وما تضمنه من النزول فى الملاطفة، فصدر الكلام بالإنكار عليهم فى قتله واستقباحه، لأمرين: أما أولا فلأنه قائل بالتوحيد لله تعالى، وأما ثانيا فلأنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحة فى هدايتكم إلى الخير، فمن هذه حاله كيف يقدم على قتله، هذا مما لا يتسع له العقل ولا يقبله، ثم أخذ بعد ذلك فى الاحتجاج عليهم على جهة التقسيم فقال: ليس يخلو حاله إما أن يكون كاذبا فضر كذبه يعود عليه، وأنتم خالصون عنه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم إن تعرضتم لقتله، وفى سياق هذا الكلام من الملاطفة وحسن الأدب وكمال الإنصاف ما يربو على كل غاية، وبيانه من أوجه: أما أولا فلأنه صدر الكلام بكونه كاذبا على جهة التقدير ملاطفة واستنزالا للخصم عن نخوة
(2/148)

المكابرة ودعاء له إلى الإذعان والانقياد للحق، وقدمه على كونه صادقا دلالة على كونه صادقا دلالة على ذلك، وأما ثانيا فلأنه فرض صدقه على جهة التقدير مع كونه مقطوعا بصدقه، تقريبا للخصم وتسليما لما يدعيه من ذلك، وهضما لجانب الرسول زيادة فى الإنصاف ومبالغة فيه، وأما ثالثا فإنه أردفه بقوله يصبكم بعض الذى يعدكم، وإن كان التحقيق أنه يصيبهم كل ما يعدهم به لا محالة من أجل الملاطفة أيضا وأما رابعا فإنه أتى «بإن» للشرط، وهى موضوعة للأمور المشكوك فيها، ليدل بذلك على أنه غير مقطوع بما يقوله على جهة الفرض، وإذعانا للخصم على التقدير لإرادة هضمه لحقه وأنه غير معط له ما يستحقه من التعظيم، وأما خامسا فقوله تعالى: فى آخر الآية إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب، إنما أتى به على التلطف والإنصاف مخافة أن يبعدوا عن الهداية ومحاذرة عن نفارهم عن طريق الصواب فرضا وتقديرا، وإلا فلو كان مسرفا كذابا، لما هداه الله إلى النبوة، ولما أعطاه إياها، وفى هذا الكلام من الاستدراج للخصم وتقريبه وإدنائه إلى الحق ما لا يخفى على أحد من الأكياس، وقد تضمن من اللطائف ما لا سبيل إلى جحده، ومن هذا قوله تعالى: فى قصة خليله إبراهيم صلوات الله عليه فى خطابه لأبيه وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (41) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (43) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45)
[مريم: 41- 45] فهذا كلام يهز الأعطاف ويأخذ بمجامع القلوب فى الاستدراج والإذعان والانقياد بألطف العبارات وأرشقها، وهو مشتمل على حسن الملاطفة من أوجه: أما أولا فلأن إبراهيم صلوات الله عليه لما أراد هداية أبيه إلى الخير وإنقاذه مما هو متورط فيه من الكفر والضلال الذى خالف فيه العقل، ساق معه الكلام على أحسن هيئة، ورتبه على أعجب ترتيب، من حسن الملاطفة والاستدراج والرفق فى الخصمة والحجاج، والأدب العالى وحسن الخلق الحميد، وذلك أنه بدأ بطلب الباعث له على عبادة الأوثان والأصنام، ليتوصل بذلك إلى قطعه وإفحامه، ثم إنه تكايس معه بأن عرض إليه بأن من لا يسمع ولا يبصر لا يغنى شيئا من الأشياء لا يكون حقيقا بالعبادة وأن من كان حيّا سميعا بصيرا مقتدرا على الإثابة والعقاب متمكنا من العطاء والإنعام والتفضل، من الملائكة وسائر الأنبياء من جملة الخلق فإنه لا يستحق العبادة ويستسخف
(2/149)

عقل من عبده، فكيف من هذه حاله فى عدم الحياة والسمع والبصر من جملة الجمادات والأحجار التى لا حراك لها ولا حياة بها، وأما ثانيا فلأنه دعاه إلى التماس الهداية من جهته على جهة التنبيه والرفق به وسلوك جانب التواضع، فلم يخاطب أباه بالجهل عما يدعوه إليه، ولا وصف نفسه بالاطلاع على كنه الحقائق، والاختصاص بالعلم الفائق، ولكنه قال: معى لطائف من العلم وبعض منه، وذلك هو علم الدلالة على سلوك طريق الهداية، فاتبعنى أنجك مما أنت فيه، وقال له، أهدك صراطا سويا، ولم يقل أنجيك من ورطة الكفر وأنقذك من عماء الحيرة، تأدبا منه، واعتصاء عن مباداته بقبيح كفره، وتسامحا عن ذكره ما يغيظه، وأما ثالثا فلأنه ثبطه عما كان عليه ونهاه عنه، فقال إن الشيطان الذى عصى ربك وكان عدوا لك ولأبيك آدم، هو الذى أوقعك فى هذه الحبائل، وورطك فى هذه الورط وألقاك فى بحر الضلالة، وإنما خص إبراهيم ذكر معصية الشيطان لله تعالى فى مخالفته لأمره واستكباره، ولم يذكر عداوته لآدم وحواء، وما ذاك إلا من أجل إمعانه فى نصيحته فذكر له ما هو الأصل تحذيرا له عن ذلك وعن مواقعته، وأما رابعا فلأنه خوفه من سوء العاقبة بالعذاب السرمدى، ثم إنه لم يصرح له بمماسة العذاب له إكبارا له، وإعظاما لحرمة الأبوة، ولكنه أتى بما يشعر بالشك فى ذلك تأدبا له فقال له: إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
ثم إنه نكر العذاب تحاشيا عن أن يكون هناك عذاب معهود يخاف منه، كأنه قال وما يؤمنك إن بقيت على الكفر أن تستحق عذابا عظيما عليه، وأما خامسا فلأنه صدر كل نصيحة من هذه النصائح بذكر الأبوة، توسلا إليه بحنو الأبوة واستعطافا له برفق الرحمية، ليكون ذلك أسرع إلى الانقياد، وأدعى إلى مفارقة ما هو عليه من الجحود والعناد، فلما سمع كلامه هذا وتفطن لما دعاه إليه، أقبل عليه بفظاظة الكفر، وجلافة الجهل، وغلظ العناد، فناداه باسمه ولم يقل يا بنى كما قال إبراهيم، يا أبت، إعراضا عن مقالته وإصرارا على ما هو فيه، ثم إنه قدم خبر المبتدأ بقوله: أَراغِبٌ أَنْتَ
[مريم: 45] اهتماما بالإنكار وتماديا فى المبالغة فى التعجب عن أن يكون من إبراهيم مثل هذا، فانظر ما بين الخطابين من التفاوت فى الرقة والرحمة وحسن الاستدراج، فلله در الأنبياء! فما أسجح خلائقهم، وأرق شمائلهم، وفى القرآن سعة من هذا، ومملوء من حسن الحجاج والملاطفة، خاصة لمنكرى المعاد الأخروى، وعبادى الأوثان والأصنام، فإن الله تعالى نعى عليهم فعالهم، وسجل عليهم، فانظر إلى حجاجه
(2/150)

لمنكرى البعث بقوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
[يس: 78] كيف أفحمهم بالإلزامات، وإلى حجاجه لعباد الأصنام بقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
[الحج: 73] إلى آخر الآية ولولا أنه يخرجنا عن المقصد الذى تصدينا له لذكرنا فيه أمثلة رائقة ونبهنا فيه على أسرار بديعة.
المثال الثانى من السنة الشريفة،
ولا شك أن له صلى الله عليه مع الكفار من عبدة الأوثان والأصنام وغيرهم من أهل الكتب كاليهود والنصارى ملاطفة فى حسن الاستدراج ولين العريكة، والتهالك فى دعائهم إلى الدين، والإمعان فى الانقياد له، شىء كثير لا يحصر عدده، ولا يتجاوز أمده، فمن ذلك ما حكاه ابن هشام فى سيرته عن ابن إسحق: أن النبى صلى الله عليه وآله كتب إلى أحبار اليهود فقال: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه، والمصدق لما جاء به موسى، ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، وإنكم لتجدون ذلك فى كتابكم، محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما، وإنى أنشدكم بالله، وأنشدكم بما أنزل عليكم، وأنشدكم بالذى أطعم من كان قبلكم من أسباطكم، والمن والسلوى، وأنشدكم بالذى أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله، إلا أخبرتمونا: هل تجدون فيما أنزل عليكم أن تؤمنوا بمحمد، وإن كنتم لا تجدون ذلك فى كتابكم فلا كره عليكم قد تبين الرشد من الغى، فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه، فلينظر الناظر ما اشتمل عليه هذا الكتاب من لطيف المحاورة وحسن الاستدراج المزيل للأحقاد والضغائن، والمؤثر فى إزالة السخائم عن القلوب، وذلك من أوجه، أما أولا فلأنه صدر كتابه بقوله صاحب موسى وأخيه يعنى هارون، وإنما فعل ذلك إزالة للوحشة عنهم، وتقريرا لخواطرهم، وإيناسا لقلوبهم عن
(2/151)

نفارها عنه بكونه صاحبا لنبيهم وأخا له ومصدقا لما جاء به موسى، كل ذلك إنما يفعله على جهة الملاطفة ليستدرجهم إلى تصديقه بالمحاورة اللطيفة، والخطابات المؤنسة، وأما ثانيا فلأنه قال: يا معشر أهل التوراة، تشريفا لهم ورفعا لمكانهم، حيث صاروا مختصين بكتاب الله تعالى من بين سائر الخلق، وأما ثالثا فهو أنه احتج عليهم بما لا يجدون سبيلا إلى إنكاره من كونه مكتوبا عندهم فى التوارة، ولم يقل لهم انظروا فى معجزتى، ولكنه وكلهم إلى معرفته بما يعرفونه، رفقا بهم ومناصحة وتقريرا لما هم عليه من ذلك، ثم إنه تلا وصفه فى التوراة ليذعنوا بالتصديق على سهولة وقرب، أما رابعا فلأنه قد أورد ذكر وصفه ووصف أصحابه فى الإنجيل ليعرفهم بذلك، إيناسا لهم وتقريبا، وأما خامسا فلأنه ذكر المناشدة، تذكيرا لهم بالآلاء العظيمة، والنعم المترادفة. بإكرامهم، فأولها المنة عليهم بإنزال التوراة وما شرع لهم فيها من الشرائع، وثانيها بإطعامهم المن والسلوى، وثالثها فلق البحر وشقه حتى جازوا فيه وأنجاهم من عدوهم بذلك، فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكتاب من الاستدراج الحسن، واللطف المستحسن، والبسط الذى يؤنس القلوب عن نفارها، ويكسبها الإقرار بعد إنكارها، ولو قال فى كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الناسخ لشريعة موسى بن عمران، والماحى لآثارها، والطامس لأعلامها، إلى معشر اليهود الذين خالفوا وبدلوا أحكام التوراة وكذبوا بما جاء من عند الله. وخانوا عهد الله، واشتروا بآياته ثمنا قليلا، أنشدكم بالله الذى مسخكم قردة، وأنزل بكم نكاله، وضرب عليكم الذلة والمسكنة، وأهانكم بالتزام الجزية، وأقعدكم مقاعد الهوان، حيث جحدتم نبوتى، وأنتم تعرفون بها حقيقة. لا لبس فيها، كما تعرفون أبناءكم- لكانت تنفيرا ولم يكن استدراجا، ولصار لجاجا، أحق من أن يكون تقريبا وحجاجا، ثم أقول لقد كان الرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكان من الملاطفة وحسن الحجاج قبل الهجرة بالمشركين من أهل مكة وغيرهم من سائر القبائل ثم ما كان منه من الملاطفة بعد الهجرة باليهود بنى قريظة وبنى النضير حتى هلك من هلك عن بينة وحى من حى عن بينة.
(2/152)

المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه،
ولقد كان له عليه السلام من الاستدراجات الرائقة خاصة مع معاوية، وفرق الخوارج وغيرهم ممن نكص عن الإسلام على عقبيه، ولغيرهم من أصحابه من العنايات الحسنة ما يشفى غليل الصدور، ويوضح ملتبسات الأمور، فمن ذلك ما ذكرناه خطابا لمعاوية فاتق الله يا معاوية فى نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فإن الدنيا منقطعة عنك، والآخرة قريبة منك، فكيف أنت إذا انكشف عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد بهجت بزينتها، وخدعت بلذتها، دعتك فأجبتها، وقادتك فأتبعتها، وأمرتك فأطعتها، وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه منج، فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، وشمر لما نزل بك، ولا تمكن الغواة من سمعك، فهذا وما شاكله استدراج وحسن ملاطفة، وله عليه السلام فى غير هذا الموضع كلام فيه خشونة عظيمة، ومن ذلك ما قاله لعبد الله بن عباس عند استخلافه إياه على البصرة: سع الناس بوجهك ومجلسك وحلمك، وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان، واعلم أن ما قربك من الله بعدك من الشيطان والنار، وما باعدك من الله يقربك من النار والسلام، ومن ذلك يخاطب به معاوية، مناصحة له وتقريبا له من الحق:
أما بعد فإن الله جعل الدنيا لما بعدها، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا، ولسنا للدنيا خلقنا، ولا للسعى فيها أمرنا، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها، وقد ابتلانى الله بك وابتلاك بى، فجعل أحدنا حجة على الآخر، فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن، فطلبتنى بما لم تجن يدى ولا لسانى، وعصيته أنت وأهل الشأم، وألب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم، فاتق الله فى نفسك، ونازع الشيطان قيادك، واصرف إلى الآخرة وجهك، فهى طريقنا وطريقك، واحذر أن يصيبك الله بعاجل قارعة تمس الأصل، وتقطع الدابر، فإنى أولى لك بالله ألية غير فاجرة، لئن جمعتنى وإياك جوامع الأقدار لا أزال بساحتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. وقال أيضا مخاطبا له أما بعد، فقد علمت إعذارى فيكم، وإعراضى عنكم، حتى كان ما لا بد منه، ولا مدفع له، والحديث
(2/153)

طويل، والكلام كثير. وقد أدبر من أدبر وأقبل من أقبل، فتابع من قبلك، وأقبل إلى فى وفد من أصحابك والسلام، وقال يخاطبه بالاستدراج: أما بعد فإنى على التردد فى جوابك، والاستماع إلى كتابك، لموهن رأيى ومخطىء فراستى، وإنك إذ تحاولنى الأمور، وتراجعنى السطور، كالمشتغل النائم، تكذبه أحلامه، والمتحير القائم ينهضه مقامه لا يدرى أله ما يأتى أم عليه، ولست به، غير أنه كل شبيه، وأقسم بالله لولا بغض الاستبقاء لوصلت منى إليك قوارع تقرع العظم، وتنهس اللحم، واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك، وتأذن لمقال نصيحك والسلام، وقال يخاطب طلحة والزبير بالملاطفة العجيبة: أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أنى لم أرد الناس حتى أرادونى، ولم أبايعهم حتى بايعونى، وأنكما ممن أرادنى وبايعنى، وأن العامة لم تبايعنى لسلطان غالب، غاضب، ولا لغرض حاضر، فإن كنتما بايعتمانى طائعين، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتمانى كارهين فقد جعلتما لى عليكما السبيل، بإظهاركما الطاعة، وإسراركما المعصية، ولعمرى ما كنتما بأحق من المهاجرين بالتقية والكتمان، وإن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بغير إقراركما به، وقد زعمتما أنى قتلت عثمان، فبينى وبينكما من تخلف عنى وعنكما من أهل المدينة، ثم يلزم كل امرىء بقدر ما احتمل، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام، وقال أيضا يخاطب محمد بن أبى بكر لما بلغه توجده عليه حين عزله بالأشتر: وقد بلغنى موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك وإنى لم أفعل ذلك استبطاء لك فى الجهد، ولا ازديادا فى الحد، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤنة وأعجب إليك ولاية، إن الرجل الذى كنت وليته أمر مصر كان رجلا لنا ناصحا، وعلى عدونا شديدا ناقما، فرحمه الله، فلقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، أولاه الله رضوانه، وضاعف الثواب له، فاصحر لعدوك وامض على بصيرتك، وشمر لحرب من حاربك، وادع إلى سبيل ربك، وأكثر الاستعانة بالله، يكفك ما أهمك ويعنك على ما
(2/154)

ينزل بك والسلام. فهذا ما أردنا ذكره من كلام أمير المؤمنين فى الاستدراجات اللطيفة، وكم له فى هذا النوع من الكلمات لأنه كان قد بلى بحرب أهل القبلة وخروجهم عليه، فكان حريصا على إبانة الحجة، وإيضاح المحجة، بالأقوال اللطيفة، والخطابات الرقيقة، إبلاغا للحجة، وقطعا للمعذرة، ولله در أمير المؤمنين، فلقد كان قوالا للحق، فعالا له، موضح السنن والمعالم، والناصح لله وللدين لا تأخذه فيه لومة لائم.
المثال الرابع ما ورد عن البلغاء فى الاستدراج،
يحكى أنه وقعت بين الحسين بن على صلوات الله عليه، وبين معاوية بن أبى سفيان مفاوضة فى أمر ولده يزيد، وذلك أن معاوية قال للحسين بن على: أما أمك فإنها خير من أمه، وفاطمة بنت رسول الله خير من أمرأة من كلب، وأما حبى يزيد فإنى لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة ما رضيت، وأما أبوك وأبوه، فإنهما تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك، فلينظر الناظر ما اشتمل عليه كلام معاوية من المراوغة عن الحق وتلبيس الأمر فى ذلك عن السامع بلطيف الاستدراج وحسن الإجمال مع ما فيه من البلاغة والفصاحة، فانظر إلى عظم دهائه، وإغراقه فى الحذق والكياسة، حيث علم وتفطن ما كان لأمير المؤمنين من السبق فى الإسلام، وحسن الإبلاء فى الجهاد لأعداء الله، وما خصه الله به من العلم الباهر والقدم الراسخ فى الزهد والعبادة فلم يتعرض للمفاخرة فى ذلك، ولا دعا إلى المنافرة، ولو قال إن الله قد أعطانى الدنيا، ونزعها منكم، لأن مثل هذا لا فضل فيه، لأن الدنيا لها البر والفاجر، ولكن صفح عن ذلك كله، وأعرض عنه، وأتى بكلام مبهم لا يفهم منه المقصود، وهو قوله: إن أباك وأباه تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك، فإنما أتى بهذا الكلام ليسكت خصمه، ويستدرجه إلى الإصمات، وهذا من غدره ودهائه قليل، ومن لطيف ما جاء فى الاستدراج من المنظوم ما قاله أبو الطيب المتنبى: وذلك أن سيف الدولة كان مخيما بأرض الديار البكرية على مدينة ميّا فارقين، ليأخذها فعصفت الريح خيمته فأسقطتها فتطير الناس لذلك، وقالوا إنه لا يأخذها فامتدحه أبو الطيب بقصيدة لامية يعتذر فيها عن
(2/155)

سقوط الخيمة، ويستدرج ما أثر ذلك فى صدره بالإزالة والمحو، تقريبا لخاطره، وتطييبا لنفسه، فأجاد فيها كل الإجادة، وأحسن فى الاعتذار والاستدراج غاية الإحسان، مطلعها: «أينفع فى الخيمة العذل» ومنها قوله:
تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض فى الواحد الجحفل
وتقصر ما كنت فى جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل
ثم قال:
وإن لها شرفا باذخا ... وإن الخيام بها تخجل
فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل
ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل
فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
وعرف أنك من همه ... وأنك فى نصره ترفل
فما العاندون وما أملوا ... وما الحاسدون وما قوّلوا
هم يطلبون فمن أدركوا ... وهم يكذبون فمن يقبل
وهم يتمنون ما يشتهو ... ن ومن دونه جدك المقبل «1»
فهذه الأبيات من أعظم الأمثلة فى الاستدراج وإزالة ما يقع فى النفوس، ولو لم يكن فى شعره إلا هذه القصيدة، لكانت كافية فى معرفة فضله، وكونه فائقا فيه، ولنقتصر على هذا القدر من أمثلة الاستدراج ففيه كفاية.
(2/156)

الفصل الرابع فى [الامتحان]
اعلم أن من المعانى ما يكون متوسطا فيما أتى به من أجله، فيكون اقتصادا، ومنها ما يكون قاصرا عن الغرض فيقال له تفريط، ومنها ما يكون زائدا عن الحد فيكون إفراطا، فهذا الفصل يسمى الامتحان لما كان فيه الإفادة لمعرفة هذه الأمور الثلاثة، فإذا عرفت هذا فاعلم أن هذه الأمور الثلاثة، أعنى الاقتصاد، والتفريط، والإفراط، لها مدخل فى كل شىء من العلوم والصناعات، والأخلاق والطباع، ولابد من بيان معانيها فى الأوضاع اللغوية، ثم نظهر نقلها إلى المعانى.
فأما الاقتصاد فاشتقاقه من القصد وهو العدل الذى لا يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
[لقمان: 32] فوسطه بين قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
[فاطر: 32] فظلم النفس، والسبق بالخيرات هما طرفان، والاقتصاد أوسطهما، وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (67)
[الفرقان: 67] فالإسراف، والإقتار طرفان، والقوام، هو الوسط والاقتصاد، لأن الوسط لابد له من طرفين، ولهذا قال عليه السلام: خير الأمور أوساطها، ونهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن لباس الشهرتين، فلا بد هناك من وسط مأمور به، وهو لباس أهل الصلاح، فلا يكون لباس أهل الفخر والخيلاء ولا لباس أهل الإدقاع والفقر والمسكنة، ولهذا قال بعضهم:
عليك بالقصد فى كل الأمور تفز ... إن التخلق يأتى دونه الخلق
والوسط مستحسن عقلا، وشرعا، وعرفا، وأما التفريط فهو التقصير والتضييع، ولهذا قال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[الأنعام: 38] أى ما أهملنا من إيداعه المصالح الدينية، ولا ضيعناها منه، وأما الإفراط، فهو الإسراف فى الشىء والتجاوز للحد فيه يقال أفرط فى الشىء، إذا تجاوز الحد، فصار التفريط والإفراط هما الطرفان الضدان، والاقتصاد هو الوسط فى الاعتدال، فهذه هى المعانى التى تفيدها هذه الألفاظ من جهة اللغة، فإذا عرفتها فنقول قد نقلت هذه المعانى الثلاثة إلى أمور مصطلح عليها فى علوم البيان، نوضحها ونجعلها على مراتب ثلاث:
(2/157)

المرتبة الأولى فى [الاقتصاد]
ومعناه أن يكون المعنى المندرج تحت العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه مساويا له من غير زيادة فيكون إفراطا، ولا نقصان فيكون تفريطا ولنورد فيه أمثلة أربعة توضح المقصود منه بمعونة الله تعالى.
المثال الأول من كتاب الله تعالى
وهذا كقوله تعالى فى صدر سورة البقرة فى صفة المتقين: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
[البقرة: 2- 5] فهذه الأوصاف على نهاية الاقتصاد والتوسط من غير إفراط ولا تفريط، وقوله تعالى: فى افتتاح سورة المؤمنين فى صفة أهل الإيمان قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4)
[المؤمنون: 1- 4] إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10)
[المؤمنون: 10] والقرآن وارد على هذه الطريقة، فإنه وارد على نهاية الاعتدال والتوسط، فهذا ما ورد فى المدح، فأما الذم فكقوله تعالى: فى سورة نون يخاطب به الوليد ابن المغيرة المخزومى، وقيل الأخنس بن شريق، وقيل الأسود بن عبد يغوث فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13)
[القلم: 8- 13] فهذه أوصاف دالة على الذم، صادقة عما هم عليه من هذه السمات جارية على جهة الاعتدال والتوسط من غير إفراط ولا تفريط، وهكذا القول فى جميع علوم القرآن وأصوله من الأوامر، والنواهى والوعد، والوعيد، والقصص، والأمثال، فإنها جارية على جهة التوسط والاعتدال لا تخرج عن حد فيما تناولته من مدح ولا ذم ولا غيره كما يكون الخروج فى غيره.
المثال الثانى من السنة النبوية،
فمن ذلك قوله صلى الله عليه: ألا أحدثكم بأحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة، الثرثارون المتفيهقون. فانظر إلى حبه. فما أعدله، وإلى بغضه ما أقومه، فأعطى المحب ما يليق به، وأعطى المبغض ما
(2/158)

يستحقه من غير إفراط فى الجانبين، ولا تفريط فى حقهما. ومن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار، والسخى قريب من الله قريب من الناس، بعيد من النار، وقال عليه السلام: إن مع العز ذلا، وإن مع الحياة موتا، وإن مع الدنيا آخرة، وإن لكل شىء حسيبا، وإن على كل شىء رقيبا، وإن لكل أحد كتابا ولكل حسنة ثوابا، ولكل سيئة عقابا، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: إنه من خاف البيات أدلج، ومن أدلج فى المسير وصل، وإنما تعرفون عواقب أعمالكم لو قد طويت صحائف آجالكم، أيها الناس. إن نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله، فليتأمل المتأمل فى كلامه عليه السلام من الاقتصاد فى الوعظ، وفى وصف المحبة والبغض، وغير ذلك من كلامه فإنه لامرية فى كونه سالكا فيها طريقة القصد، وناهجا منهج العدل لا يغلو فيفرط ولا يحيف فيفرط.
المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه،
وهو جار فيما هو فيه على قانون النصفة، وسالك لطريق الحق والمعدلة، من ذلك ما قاله فى صفة المؤمنين وأهل التقوى: وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله فى أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة، وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك فكأنما اطلعوا على غيوب أهل البرزخ فى طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عذابها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون، فلو مثلتهم لعقلك فى مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم: على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها، أو نهوا عنها ففرطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقاوم ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى ومصابيح دجى، قد حفت بهم الملائكة، وتنزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، وأعدت لهم مقاعد الكرامات، فى مقعد اطلع الله عليهم فيه فرضى سعيهم، وحمد مقامهم، رهائن فاقة إلى فضله، وأسارى ذلة لعظمته، جرح طول
(2/159)

الأسى قلوبهم، وطول البكاء عيونهم، لكل باب رغبة إلى الله يد قارعة، يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه الراغبون.
ومن كلام له عليه السلام يصف فيه أهل النفاق قال فيه: أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم أهل النفاق، فإنهم الضالون المضلون، والزالون المزلون، يتلونون ألوانا، ويفتنون افتنانا، ويعمدونكم بكل عماد، ويرصدونكم بكل مرصاد، قلوبهم دوية، وصفاتهم نقية، يمشون الحفا، ويدنون الضرا، وصفهم دواء وقلوبهم شفاء، وفعلهم الداء العياء، حسدة الرخاء، ومؤكدو البلاء، ومقنطو الرجاء، لهم بكل طريق صريع، وإلى كل قلب شفيع، ولكل شجو دموع، يتقارضون الثناء، ويتراقبون الجزاء، إن سألوا ألحفوا، وإن عذبوا كشفوا، وإن حكموا أسرفوا، قد أعدوا لكل حق باطلا، ولكل قائم مائلا، ولكل حى قاتلا، ولكل باب مفتاحا، ولكل ليل صباحا، فهم لمة الشيطان، وحمة النيران، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.
فانظر إلى كلامه فى الفريقين كيف أبرز من كل واحد منهما حقيقة حاله وميز أحدهما عن الآخر ومثله بأعجب مثاله، قد طابق بكلامه المراد، من غير نقصان فيه ولا ازدياد، وأقول لقد ضربت عليه البلاغة سرادقها، وأحاط من الفصاحة بمكنونها وأسرار حقائقها.
المثال الرابع ما كان من كلام البلغاء فى ذلك
وهذا كقول الفرزدق يمدح زين العابدين على بن الحسين:
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقى النقى الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم «1»
ومن هذا قول البحترى:
ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... فى وسعه لسعى إليك المنبر
فهذا مدح مقتصد ليس فيه إسراف ولا تقتير ولا ركب صاحبه إفراطا ولا تفريطا، ومن هذا قول بعضهم يهجو غيره:
(2/160)

لقد صبرت فى الذل أعواد منبر ... تقوم عليها فى يديك قضيب «1»
فهذا ذم لم يرتكب فيه شططا، ولا رام فيه فرطا بل وصفها بالذل لكونها حاملة له، لأن من هوانها كونه راكبا لها عاليا عليها، فهذا تقرير الأمثلة فيما جرى من الكلام على جهة الاقتصاد.
المرتبة الثانية فيما يجرى على جهة [التفريط]
فيورد على جهة التقصير فى المعبر عنه، والتضييع والإهمال له، فمن ذلك ما قاله الفرزدق:
ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشلّ ونقذف
كلانا به عرّ يخاف قرافه ... على الناس مطلى المساعر أخشف «2»
فما هذا حاله من جملة التفريط لكونه من جملة الأمنيات النازلة، والمقاصد السخيفة، التى لا ثمرة لها ولا جدوى عندها، فإن حاصل ما قال فى هذين البيتين أنه قصر أمنيته على أن يكون هو ومحبوبه، كبعيرين أجربين لا يقربهما أحد، ولا يقربان أحدا، إلا طردهما، نفارا منهما، وعيفة لمقاربتهما، لما فيهما من العر، وهو داء يصيب الإبل فى مشافرها، والأخشف بالخاء والشين المعجمتين. البعير الذى يجترىء على المسير بالليل، والقراف: المداناة والقرب، وغرضه من ذلك كله البعد عن الناس بمنزلة من به داء عظيم يتأفف منه ويبعد عنه، ولقد كان له مندوحة عن مثل هذه الأمانى السخيفة البعيدة، فأين هذا من قول من قال فى الأمانى الرقيقة، والطرائف الرشيقة:
يارب إن قدّرته لمقبّل ... غيرى فللمسواك أو للأكؤس
وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... فى الدهر فلتك من عيون النرجس
فانظر ما بين الأمنيتين من التفاوت العظيم ومن أمثلة التفريط ما قاله أبو تمام يمدح رجلا:
يتقى الحرب منه حين تغلى ... مراجلها بشيطان رجيم «3»
(2/161)

فما هذا حاله فى المديح، من التفريط والإهمال والتضييع الذى لا يمدح بمثله بحال، لما فيه من مقابلة الممدوح بأقبح الأسماء، وأسوإ الصفات وكقوله أيضا يمدح رجلا:
ما زال يهذى بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم «1»
وكقوله أيضا:
أنت دلو وذو السماح أبو مو ... سى قليب وأنت دلو القليب
فما هذا حاله من المدائح التى نزلت فى الركة وكانت معدودة فى التفريط البالغ، ومن أمثلة التفريط ما قاله البحترى يمتدح الفتح بن خاقان فى قصيدته المشهورة ويذكر فيها لقاءه للأسد وقتله له:
شهدت لقد أنصفته حين تبترى ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا
فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عركا إذا الهيّابة النّكس كذّبا «2»
فقوله: إذا الهيابة النكس كذبا. ليس فيه مدح، وقد فرط فى إيراده مدحا لهذا الرجل، وكان الأخلق بالمدح أن يقول، إذا البطل كذب، لأنه الأمدح فى إقدام المقدم فى الموضع الذى يفر منه الجبان، إذ لا فضل فى مثل هذا، وإنما الفضل فيما قاله أبو تمام:
فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى ... مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا
ومن التفريط ما قاله بعض الشعراء:
وتلحقه عند المكارم هزة ... كما انتقض المحموم من أم ملدم
فهذه الأمثلة كلها من المدائح التى وقع التفريط فيها ولا يجوز استعمالها، فالمعنى فيها وإن كان حسنا جيدا، ولكنه لأجل العبارة كان مستقبحا مسترذلا، تعافه الطباع، وتمجه الأسماع، وليس من التفريط شىء فى كتاب الله تعالى:، ولا فى السنة النبوية، ولا ورد فيه شىء من كلام أمير المؤمنين، حراسة من الله تعالى: لها وكلاءة منه عنها، فأين ما ذكره هذا الشاعر مما قاله ابن الرومى يمدح أقواما:
ذهب الذين تهزهم مدّاحهم ... هزّ الكماة عوالى المرّان
كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية منهم بمكان
(2/162)

المرتبة الثالثة ما يكون على جهة [الإفراط]
وهو كما ذكر تجاوز الحد فى المدح والذم وغيرهما من المقاصد، وهل يجوز استعماله فى الكلام أم لا، فيه مذهبان،
المذهب الأول جواز استعماله،
وقالوا 7 ن أحسن الشعر أكذبه، بل أكذبه يكون أصدقه، ويصدّق ذلك الشعر قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (236)
[الشعراء: 226] فظاهر الآية وإن كان واردا على جهة الذم لهم بدليل ما قبلها، لكنه محتمل للإباحة كأنه جعل ذلك من دأبهم ومن عادتهم، وأنه لا شاعر يوجد إلا وهذه صفته كما قال تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224)
[الشعراء: 224] كأنه صار متابعة الغاوين لهم من جملة أوصافهم، وقد تهالك الشعراء فى ذلك وأتوا فيه بكل معجب مما يخجل الأذهان، ويصمّ الآذان لغرابته، ويحير الأفهام لشدة الإعجاب به.
المذهب الثانى
منعه آخرون، وزعموا أن الأمور لها حدود ونهايات مما يدخل تحت الإمكان، فأما ما كان من الأمور ما لا يدخل تحت الإمكان ولا يعقل وجوده فلا وجه له، والمذموم من الإفراط ما لا يدخل له فى الوجود على حال، والمختار عندنا جوازه على كل أحواله، لأنه إذا كان جائز الوجود فهو معجب لا محالة، لاشتماله على المبالغة فى المدائح وأنواع الذم، وإن لم يكن جائز الوجود فالإعجاب به أشد، والملاحة فيه أدخل، وقد ورد مثل ذلك فى كتاب الله تعالى قال الله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (46)
[إبراهيم: 46] . على قراءة من قرأ بفتح اللام فى تزول؛ لأنها هى الفارقة بين المؤكدة والنافية، وعلى هذا يكون معنى الآية وإن مكرهم لتزول منه الجبال، فأمّا من قرأ بكسر اللام فإنها هى المؤكدة للجحد، وليس فيها دلالة، ولا شك أن من المحال فى العقول أن المكر يزيل الجبال ويزحزحها عن مستقرّاتها، وهكذا قوله جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ
[الكهف: 77] ، ومن المحال حصول الإرادة فى الجدار، وقوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ
[الحج: 40] ويستحيل الهدم فى الصلوات، وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ
[النحل: 112] ويستحيل فى القرية أن تذوق، وقوله:
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
[يوسف: 18] ، والدم لا يكون كذبا إلى غير ذلك من
(2/163)

الاستعارات الرائقة، فإن كان الإفراط كله يكون قبيحا فما هذا حاله مما ورد فى القرآن ليس إفراطا وإن كان الإفراط منقسما إلى حسن وقبيح، فهذا الذى ورد فى القرآن من أحسنه وأعجبه، ولنورد أمثلة الإفراط من المنظوم قال عنترة:
وأنا المنية فى المواطن كلّها ... والطعن منى سائق الآجال
ومن ذلك ما قاله بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما «1»
ومن ذلك ما قاله النابغة الذبيانى:
إذا ارتعثت خاف الجبان ارتعاثها ... ومن يتعلّق حيث علق يفرق «2»
يصف امرأة بطول عنقها، والرعاث جمع رعث وهو القرط المعلق بالأذن ومن ذلك ما قاله أبو نواس يمدح رجلا قال:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق «3»
ويحكى أن العتّابى لقى أبا نواس فقال: أما خفت الله تعالى: واستحييت منه حيث تقول «وأخفت أهل الشرك» البيت فقال له أبو نواس وأنت ما راقبت الله حيث قلت:
ما زلت فى غمرات الموت مطّرحا ... يضيق عنى وسيع الرأى من حيلى
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لى ... حتى اختلست حياتى من يدى أجلى
فقال له العتابى قد علم الله وعلمت أن هذا ليس من مثل قولك، ولكنك تعدّ لكل ناصح جوابا، وقد أورد أبو نواس هذا المعنى فى قالب آخر فقال:
كثرت منادمة الدماء سيوفه ... فلقلّ ما تحتازها الأجفان
حتى الذى فى الرّحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان
فانظر إلى هذه المعانى ما أكذبها وما ألطفها وأرقها وأرشقها، وكل من خرقت قرطاس سمعه فإنه يعجب منها غاية الإعجاب، فأما أبو الطيب المتنبى. فإن له فى الإفراط اليد
(2/164)

البيضاء، والطريقة المثلى قال:
كأن الهام فى الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من هموم ... فما يخطرن إلا فى فؤاد
فانظر إلى هذه الاستعارة الرائقة التى أنافت على كل غاية، وجاوزت فى الحسن والديباجة كل نهاية، ومن ذلك ما قاله:
طوال الردينيات يقصفها دمى ... وبيض السّريجيات يقطعها لحمى
ومن ذلك ما قاله أيضا:
أمضى إرادته «فسوف» له «قد» ... واستقرب الأقصى «فثمّ» له «هنا»
وارشق مما ذكرناه وأدق قوله:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا
وأعجب من هذا وأدق، ما قاله أيضا:
كأنها تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح فى الأجواف ما تسع
إلى غير ذلك من الرقائق الرائقة والعجائب الفائقة التى فاق فيها على نظرائه، وسبق إلى غايتها قبل وصول شعرائه ومن وقف على حكمه وأمثاله، عرف أن أحدا ممن كان فى عصره لم ينسج على منواله.
تنبيه
اعلم أن من جملة الآداب الحسنة، واللطائف المستحسنة، أن تترك الخطاب لأهل المدائح بالأمر له بكذا وكذا، وإنما تخرجه مخرج الاستفهام، إعظاما للممدوح وإجلالا له، عن أن يكون مأمورا، وما حاله إذا فعل فإنه يكسب الكلام جمالا ويزيده أبّهة ويعطيه كمالا، كما فعل البحترى فى قصيدة أنشدها قال:
فهل أنت يا بن الراشدين مختّمى ... بياقوتة تبهى علىّ وتشرق
ولو قال ختّمنى يابن الراشدين بياقوتة، لم يكن فى الرشاقة والإجلال للخليفة كالأول، ومن هذا قول بعضهم يمدح بعض خلفاء بنى العباس:
أمقبولة، يابن الخلائف من فمى ... لديك بوصفى غادة الشعر روده
(2/165)

فهكذا يصلح خطاب الملوك والخلفاء على هذا الوجه من حسن الأدب، ولقد غلا بعض من يدعى البلاغة، وزعم أنه لا ينبغى مخاطبة الملوك والخلفاء والأكابر بكاف الخطاب، وهذا فاسد، فإن الله تعالى هو مالك الملك والمتعالى بصفات الكمال، قد خوطب بكاف الخطاب كقوله تعالى لرسوله صلّى الله عليه وسلم: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً
[آل عمران: 41] ، وقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
[الحجر: 99] وقد جاء ذلك على ألسنة الفصحاء كثيرا ومنه قول النابغة:
وإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع «1»
ومن هذا قوله أيضا:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب «2»
نعم إنما يكره ذلك فى المكاتبات، دون الأقوال، وإنما يؤتى فى الكتابة على جهة الغيبة فى مخاطبة الملوك وأهل الرفعة لا غير، ومن الآداب الحسنة أن لا تخاطب الملوك بأسماء أمهاتهم وجدّاتهم، وقد عيب على أبى نواس ما أورده فى قصيدته الميمية التى امتدح بها الأمين محمد بن هارون الرشيد حيث قال:
أصبحت يا بن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام
فإن ذكر الله الخليفة فى هذا الموضع قبيح، وكان له مندوحة عن ذكر مثل ذلك بأبيه أو بجده أو غير ذلك من سائر المدائح المعروفة عند الشعراء المفلقين، وقد أخذ عليه أيضا قوله فى قصيدة اخرى:
وليس كجدّتيه أم موسى ... إذا نسبت ولا كالخيزران
فإن مثل هذا يعد فى الركيك من الشعر فضلا عن أن يكون معدودا من فصيحه، وهكذا فإنه قد أخذ على جرير فى مدح عمر بن عبد العزيز بذكر أمه حيث قال:
وتبنى المجد يا عمر بن ليلى ... وتكفى الممحل السّنة الجمادا
فهذا وأمثاله مما يعاب ذكره، وينبغى للشاعر والخطيب تجنّبه كما أشرنا إليه، لا يقال فكيف قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى الزبير لما أخبر أنه سيقتل: بشّر قاتل ابن صفية بالنار، فنسبه
(2/166)

إلى أمه، لأنا نقول هذا مخالف لما نحن فيه، فإنه لا مدح بذكر أمهات الخلفاء والملوك، لأنه لا فضل فيهن، بخلاف حديث الزبير، فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ما قال ذلك إلا ليرفع قدره فى قرب نسبه منه، لكونه ابن عمته وهكذا العذر فى قوله تعالى: يا عيسى بن مريم، فإن الله تعالى إنما خاطبه بذكر أمه، لمّا كان لا أب له، فيذكر باسم أبيه فكان ذكر الأم ضرورة فى حقه.
(2/167)

الفصل الخامس فى [الإرصاد]
اعلم أن الإرصاد فى اللغة مصدر أرصد الشىء، إذا أعده، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14)
[الفجر: 14] وهو مفعال، من رصده، كالميقات، من وقّته، والغرض أن الله تعالى أعد العقاب للعصاة من غير أن يفوتوه بهرب ولا امتناع، وأرصدت السلاح للحرب، وهو فى لسان علماء البيان مقبول فى المنظوم والمنثور على أن يكون أول الكلام مرصدا لفهم آخره، ويكون مشعرا به، فمتى قرع سمع السامع أول الكلام فإنه يفهم آخره لا محالة، فما هذا حاله من منثور اللفظ ومنظومه يقال له الإرصاد، واشتقاقه هو مما ذكرناه، فهذا هو الأخلق فى تلقيبه بالإرصاد لما ذكرناه، وقد حكى عن أبى هلال العسكرى وكان متقدما فى علم البلاغة على غيره آخذا منها بحظ وافر، أنه لقّب هذا النوع من الكلام بالترشيح، وهذا لا وجه له، بل تلقيبه بالإرصاد أخلق لما أشرنا إليه فى الاشتقاق، ولنورد أمثلته ليتضح الأمر فيه:
المثال الأول من كتاب الله تعالى،
وهذا كقوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19)
[يونس: 19] فإذا قرع سمع السامع قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا
ثم وقف على قوله: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
[يونس: 19] فإنه يعرف لا محالة لما سبق من تصدير الآية أن تتمتها وتكملتها فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19)
لما تقدم ما يشعر بذلك ويدل عليه، ومن ذلك قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
[العنكبوت: 40] فإذا وقف السامع على قوله: وَلكِنْ كانُوا
عرف لا محالة أن بعده ذكر ظلم النفوس لما كان فى الكلام الأول ما يدل عليه دلالة ظاهرة، وأمارة قوية، وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
[العنكبوت: 41] فإذا وقف السامع على قوله:
وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ
فإنه يعلم لا محالة أن بعده بيت العنكبوت، ومن هنا قوله تعالى:
(2/168)

ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)
[سبأ: 17] فإذا وقف السامع على قوله تعالى: «وهل يجازى» بعد ما تقدم من الكلام والإحاطة به، فإنه يعلم لا محالة أنه ليس بعد قوله وهل يجازى إلا «الكفور» وعلى هذا ورد قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (60)
[الرحمن: 60] فإذا وقف السامع على قوله هل جزاء الإحسان، تحقق لا محالة أن ما بعده قوله إِلَّا الْإِحْسانُ (60)
لما فى ذلك من الملائمة وشدة التناسب، ومثل هذا محمود فى الكلام كله نثره، ونظمه، وهو فى كتاب الله تعالى: أكثر من أن يحصى، وما ذاك إلا لأن خير الكلام ما دل بعضه على بعض، وأحق الكلام بهذه الصفة هو كلام الله، فإنه البالغ فى الذروة العليا من الفصاحة فى ألفاظه، والبلاغة فى معناه.
المثال الثانى من السنة الشريفة،
وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلّم: فما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فإن السامع إذا وقف على قوله: فما بعد الدنيا من دار، فإنه يتحقق لا محالة أن ما بعده «إلا الجنة أو النار» لما بينهما من شدة الملائمة وعظيم المناسبة، ومن هذا قوله عليه السلام لما سار لفتح خيبر، فلما رآها قال الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، فإن السامع إذا وقف على قوله: نزلنا بساحة قوم، عرف أن ما بعده، فساء صباح المنذرين، لأن قوله إذا نزلنا بساحة قوم فيه وعيد عظيم لهم بالبوار والإهلاك فهو دال على قوله فساء صباح المنذرين، لأنه لا صباح أعظم فى البلاء من ذلك اليوم لما اشتمل عليه من القتل والأخذ، ونهب المال، ولا بلاء مثل هذا، وهذا وإن كان قد سبق به القرآن لكنه قد تكلم به فى ذلك اليوم، فلا جرم أوردناه فى أمثلة السنة، وإنما عظم موقع الآية وكان لها من الفخامة وعلو الشأن فى البلاغة، لما كانت واردة على جهة التمثيل، مثل حالهم فى عدم التفاتهم إلى ما أنذروا من العذاب الأليم بحال من أنذر بحصول الجيش فلم يلتفتوا ولا أخذوا أهبة الحذر منه حتى نزل بدارهم فقطع دابرهم واستأصل شأفتهم، فمن أجل هذا لاءم قوله فإذا نزل بساحتهم إلى آخر الآية، حتى فهم آخرها قبل ذكره، ومن هذا قوله عليه السلام فى صفة القرآن: فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفّع وشاهد مصدّق من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل 7 لى خير سبيل، من قال به
(2/169)

صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، فانظر إلى هذا الكلام ما أعجب تلاؤمه وأعظم تناسبه، فكان بعضه آخذا بأعناق بعض، فلو سكت على كل كلمة لكانت معربة بأختها قبل ذكرها، وهذا هو شأن الإرصاد وحقيقة أمره، فلو سكت على قوله «فإذا التبست عليكم الأمور» لأفهم بقوله «كقطع الليل المظلم» لأن اللبس هو أن لا يهتدى فيه للأمر، كما أن الظلمة لا يهتدى فيها للطريق وقوله «شافع» دال على القبول لأنه فى معرض المدح، وإعلام بكونه مشفعا وقوله «شاهد مصدق» لأن الصدق أحسن ما يعرض للشهادة عند الحكام، فإذا كانت المدح فأحسن أحوالها كونها صادقة وقوله «من جعله أمامه» لأن كل من كان أمامك فهو آخذ بزمامك كما يقاد الجمل بزمامه من قدامه، وهو كناية عن العمل بأوامره ونواهيه وقوله «ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» لأن من كان خلفك فهو يسوقك كما تساق الدابة من خلفها، وهو كناية عن إهماله وتضييع أحكامه وترك العمل بها، فلو سكت على قوله «أمام» و «خلف» لأفهما ما وراءهما من ذلك، ثم قال «وهو أوضح دليل» فأفهم خير السبيل من جهة أن الدليل لابد له من ثمرة وهو الهداية إلى الطريق، ثم قال «من قال به صدق» لأنه لا يعرض للقول الحسن إلا صدقه «ومن عمل به أجر» لأنه لا ثمرة للعمل إلا الأجر، وقوله «ومن حكم به عدل» لأنه لا جدوى للحكم إلا إذا كان عادلا فحصل من هذا أن الأمر على ما قلناه من أن هذه الكلمات كلها ملتئمة كأنها أفرغت فى قالب واحد وفى هذا كفاية ليقاس عليه غيره.
المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه،
فمن ذلك كتاب كتبه إلى بعض عماله يوصيه بما هو بصدده، أما بعد فإنك ممن استظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وسدّ به أفواه الثغر المخوف، فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة بضغث من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشدة حيث لا تغنى عنك إلا الشدة، واخفض للرعية جناحك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم فى اللحظة، والنظرة، والإشارة، والتحية، حتى لا يطمع العظماء فى حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك والسلام. فانظر إلى كلامه هذا لقد جمع فيه محامد الأخلاق الشريفة وأتى فيه بمحاسن الشيم السامية مع ما أشار إليه من حسن الإيالة وجميل السياسة، وضم فيه من آداب الولاة وتعليم معاملة الخلق، والرفق بالرعية. والإرشاد إلى مصالح السيرة فيهم مع ما أشار إليه
(2/170)

من الإرصاد التام، فإن كل كلمة من هذا الكلام مناسبة لما بعدها وملائمة له على أكمل نظام، وأعجب إتمام، فلو وقف على قوله «فإنك ممن استظهر به» لفهم ما بعدها ولو وقف على قوله «وأقمع به» لفهم ما وراءها، لأن الاستظهار تقوية واعتماد، والقمع هو الكف وهو ملائم للنخوة وهو العلو والكبر وهكذا قوله: وَاخْفِضْ
فلو وقف عليه لفهم منه الجناح، لأنه يستعار كثيرا فى لين الجانب كما قال تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)
[الحجر: 88] وهكذا القول فى سائر ألفاظه، فإنها متلائمة متناسبة يدل بعضها على بعض.
المثال الرابع ما ورد من كلام أهل البلاغة
واعلم أن الشعراء المفلقين يفتخرون بما كان أول البيت دالا على آخره، وفى هذا يقول بعضهم:
خذها إذا أنشدت فى القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها
ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها
وهذا هو الإرصاد كما قلناه، ومن جيد الإرصاد ما قاله البحترى:
أحلّت دمى من غير جرم وحرّمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامى
فليس الذى حلّلته بمحلل ... وليس الذى حرّمته بحرام «1»
فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثانى أن عجزه ما قاله البحترى، وقد جرت العادة عند إنشاد الشعر بانتهاب عجز البيت من لسان منشده قبل ذكره ويسبق إليه فينشده قبل إنشاده له لما كان المعنى مفهوما قبل ذكره، وهذا هو الذى نريده بالإرصاد ومن هذا قول بعض البلغاء:
ولربما اعتصم الحليم بجاهل ... لا خير فى يمنى بغير يسار
فهذا إذا قرع السامع صدر البيت ووقف على قوله «لا خير فى يمنى» فإنه يتحقق أن لا بد من ذكر اليسار لا محالة، لما فيه من الملائمة له والمناسبة، ومن ذلك ما قاله زهير
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكننى عن علم ما فى غد عم «2»
فالأزمنة ثلاثة، الماضى، والحاضر، والمستقبل، فلما ذكر حكم الماضى، والحاضر،
(2/171)

عرف من حاله أن لا بد من ذكر المستقبل بحكمه، وهو الجهل بما يكون غدا، فلأجل هذا كان الإرصاد فيه سابقا معلوما، ومن ذلك ما قاله أبو تمام:
فإن يك جرم، أو أتيت بهفوة ... على خطأ منّى فعذرى على عمد
فما هذا حاله من أحسن ما يأتى فى الإرصاد فإنه لما ذكر الخطأ حسن وقوع العمد بعده وكان مفهوما عند الوقوف على قوله «على خطأ منى» بلا مرية، ومن ذلك ما قاله أيضا:
خرقاء تلعب بالعقول مزاجها ... كتلعّب الأفعال بالأسماء
فإنه لما ذكر الأفعال علم لا محالة أن عجز البيت أن يأتى بلفظة الأسماء لما سبق ذكر الأفعال، فمن قرع مسامعه هذا البيت وكان له ذوق فى العربية، فإنه يعرفه قطعا. وقال أيضا:
مودّة، ذهب، أثمارها شبه ... وهمة جوهر، معروفها عرض
فإنه لما ذكر الذهب جعل فى مقابله الشبه، ولما ذكر الجوهر علم أن مقابله العرض، وهذا إرصاد حسن، وحكى ابن الأثير عن بعض علماء البيان أنه ينبغى لمن يتكلم فى المنظوم والمنثور أن يجنب كلامه الألفاظ المصطلح عليها بين النحاة والمتكلمين وأهل الصناعات وغيرهم، وهذا فاسد لا وجه له فإن الشاعر والكاتب يخوضان فى كل شىء ولا يقتصر خوضهما على فن دون فن، ولا اصطلاح دون اصطلاح، ولهذا فإنك تراهم إذا استعملوا شيئا من الكلمات المصطلح عليها فى العلوم أو فى الصناعات فى أشعارهم ورقائقهم، وجدت له أحسن موقع، وازداد جمالها، وظهر رونقها وكمالها، فهذا ما أردنا ذكره فى معانى الإرصاد.
(2/172)

الفصل السادس فى ذكر التخلص والاقتضاب
وهما واديان من أودية البلاغة، ومن حكمهما يظهر فضل الناظم والناثر، وكل واحد منهما يرد فى منثور الكلام ومنظومه، لأن معناهما حاصل فيهما، فأما الاقتضاب فلا يظهر خلاف فى وروده فى القرآن الكريم، وإنما الخلاف فى ورود التخلص فى القرآن، وحكى عن أبى العلاء محمد الغانمى أنه أنكر وروده فى التنزيل، وزعم أن كتاب الله تعالى خال عنه، وهذا فاسد، فإن كتاب الله تعالى لا واد من أودية البلاغة إلا وهو آخذ منه بنصيب، وسنورد من ذلك ما يدل على وقوعه فيه، فإذا عرفت هذا فلنذكر التخلص، ثم نردفه.
بذكر الاقتضاب فهذان ضربان نفصلهما بمعونة الله تعالى.
الضرب الأول فى [التخلص]
ومعناه فى ألسنة علماء البيان، أن يسرد الناظم والناثر كلامهما فى مقصد من المقاصد غير قاصد إليه بانفراده، ولكنه سبب إليه، ثم يخرج فيه إلى كلام هو المقصود، بينه وبين الأول علقة، ومناسبة وهذا نحو أن يكون الشاعر مستطلعا لقصيدته بالغزل، حتى إذا فرغ منه خرج إلى المدح على مخرج مناسب للأول، بينهما أعظم القرب والملائمة بحيث يكون الكلام آخذا بعضه برقاب بعض كأنه أفرغ فى قالب واحد، ثم يتفاضل الناس فى التخلص، فعلى قدر الاقتدار فى النظم والنثر يكون حسن التخلص، والتخلص فى النثر أسهل منه فى النظم، لأن الناظم يراعى القافية والوزن، فيكون فى ذلك صعوبة بخلاف الناثر، فإنه لا يراعى قافية ولا يحافظ على وزن، بل هو مطلق العنان يضع قدمه حيث شاء، فمن أجل ذلك كان أشق على الناظم منه على الناثر، لما ذكرناه، ولنذكر فى إيضاحه أمثلة أربعة.
المثال الأول من كتاب الله تعالى
وهو قوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)
(2/173)

فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)
[الشعراء: 69- 81] ثم قال رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)
[الشعراء: 83] ثم أردفه بقوله وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91)
[الشعراء: 90- 91] ثم قال فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)
[الشعراء: 94- 95] إلى قوله فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)
[الشعراء: 102] فلينظر إلى هذا الكلام الذى يسكر العقول رحيقه، ويسحر الألباب تحقيقه، وهو غاية منية الراغب، ونهاية مقصد الطالب، فإنه متى أنعم النظر فى مبانيه، وتدبر أسراره ومعانيه، علم قطعا أن فيه غنى عن تصفّح الكتب المؤلفة، وكفاية عن الدفاتر المؤتلفة، فيما يقصد من معرفة هذا الأسلوب من علوم البلاغة، وقد اشتمل على تخلّصات عشرة منتظمة نوضحها بمعونة الله تعالى.
التخلص الأول
هو أنه لما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتلاوة نبأ إبراهيم صلوات الله عليه، وما كان له مع أبيه وقومه من الخصومة والجدال فى عبادة الأوثان والأصنام، صدر القصة بذلك شرحا لصدره وتسلية له فيما يلاقى من قريش، ثم خرج إلى شرح حال إبراهيم وما جرى له، فانظر إلى حسن ما رتّب إبرهيم كلامه مع أهل الشرك حين سألهم عما يعبدون سؤال مقرر، لا سؤال مستفهم، فأجابوه بما هم عليه من ذلك، وبالغوا فى الجهل والإفراط فى الغى، فقالوا: نعبد أصناما ولقد كان يكفيهم ذلك فى الإجابة عما سألهم، لكنهم تعمقوا تهالكا فى الإصرار وتماديا فى نفارهم عما دعاهم إليه بقولهم فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) .
التخلص الثانى
أنهم لما أجابوه أراد أن يحقق عليهم الأمر حتى لا يكون لهم سبيل إلى الجحود، فخرج عن ذلك إلى إبطال ما قالوه من عبادة آلهتهم وأنحى عليها من البرهان جرازا مقضبا، ومن الإفحام كلاما منظما مهذبا، فصدره بالاستفهام تأدبا منه وملاطفة لهم، ولم يأت بحجته على جهة القطع منه بها، كمن ينكر الحدوث فى العالم فتقول له هل يجوز عليه التغير، ولم يقل من أول وهلة إن قولكم هذا باطل لا حقيقة له، ثم أورد فى إبطال إلهيتها أدلة ثلاثة، أولها أنها لا تسمع دعاء، ولا تدرك نداء، لكونها جمادا حجارة صلدة لا حياة لها ولا حراك بها، ومن هذه حاله فكيف يكون أهلا للعبادة، وثانيها قوله: أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ
لأن
(2/174)

من كان فيه نفع فهو حقيق بما يفعل فى حقه من رفع المنزلة وعلو الدرجة، وثالثها قوله:
أَوْ يَضُرُّونَ (73)
لأن كل من قدر على النفع فهو قادر على الضرر وعكسه أيضا، لأن حق من كان قادرا على شىء أن يكون قادرا على ضده، لأن القدرة صالحة للأمرين الضدين جميعا والمختلفين، فهذه إلزامات ثلاثة لا محيص لهم عنها، فإذا كان حالها هذه الحال من عدم السمع، واستحالة النفع والضر منها، فلا يليق بحالها العبادة التى هى نهاية الخضوع والذلة للمعبود، مع عدم الأهلية والاستحقاق، هذا محال فى العقول بلا مرية، ثم أجابوه بالإقرار بما ألزمهم من عدم ذلك منها فزاد إقرارهم الإلزام تأكيدا وإفحاما فقالوا الأمر فيها كما قلته لكنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فنادوا على أنفسهم بالجهالة، وأقروا بركوب الضلالة، وأنهم ما فعلوا ذلك عن نظر وتفكر وتدبر، فوصفوا نفوسهم بالقصور عن مراتب النظار، وانخرطوا فى سلك أهل الغباوة والأغمار، وزعموا أنه لا عمدة لهم فى ذلك إلا وجدان الآباء، واقتفاء آثار الأسلاف والرؤساء.
التخلص الثالث
أنه لما تحقق تعويلهم على التقليد خرج إلى إبطال أمره وتزييفه بقوله: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)
[الشعراء: 75- 76] فأورد الرد عليهم بالاستفهام على جهة الإنكار متعجبا من حالهم حيث جعلوا ما لا يكون، حجة وبرهانا، وليس حجة، بل هو شبهة منكرة، وأخرجه عن أن يكون حجة، كأنه قال أفلا ترون ما جعلتموه مستندا لعبادتكم أنتم ومن سلف من آبائكم القدماء، هل مثله يعبد مع كونه لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ولا يملك شيئا، وفيه تعريض بحالهم وتجهيل لهم وأن من هذه حاله من عبادة حجر لا يضر ولا ينفع فلا عقل له، ولا يكون معدودا من العقلاء.
التخلص الرابع
هو أنه لما ذكر أنهم لا يستحقون العبادة خرج إلى ذكر عداوته لمن هذه حاله، فلهذا قال عقيب ذلك فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ
كأنه صور المسئلة فى نفسه على معنى إنى فكرت فى أمرى ونظرت فى حالى، فرأيت أن عبادتى لها عبادة للشيطان العدو فاجتنبتها، وإنما قال: «فإنهم عدوّ لى» بالإضافة إلى نفسه ولم يقل فإنهم عدو لهم، ليريهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث إلى الاستماع لخطابه، ولو قال:
فإنهم عدو لكم، لم يفد هذه الفائدة، وكان القياس فى الخطاب بالضمير أن يقول: فإنها
(2/175)

عدو لى، أو فإنهن، لأنه راجع إلى الأصنام، والضمير فى من لا يعلم أن يكون على هذه الصورة، ولكنه أورده على ضمير العقلاء لأمرين، أما أولا فلأنهم لما زعموا أنها تستحق العبادة، وأنها يوجد من جهتها النفع، ودفع الضر، صارت لذلك بمنزلة العقلاء، وأما ثانيا فلأنهم لما كانوا فى الإنكار على سواء، وجه الخطاب إليهم على جهة تغليب حالهم على حالها.
التخلص الخامس
هو أنه لما ذكر أنها غير مستحقة للعبادة وذكر العداوة لها خرج إلى ذكر الله تعالى فأجرى عليه تلك الصفات اللائقة بذاته من إعظام حاله، وإظهار جلاله، وتفخيم شأنه، وتعديد نعمه من لدن إنشائه، وإبداع ذاته إلى حين مرضه، ودنو وفاته، مع ما يرجى فى الآخرة من عفوه ورحمته، ليعلم أن كل من هذه حاله فهو حقيق بالعبادة واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته، وفيه تعريض بحال ما يعبد من دونه فى الاتصاف بنقائض هذه الصفات كما ترى.
التخلص السادس
هو أنه لما فرغ مما ذكرناه خرج إلى ما يكون ملائما له ومناسبا فدعا إلى الله تعالى: بدعوات أهل الإخلاص، وابتهل إليه ابتهال أهل الأمانة، لأن الطالب من مولاه إذا قدّم قبل سؤاله والتضرع إليه ذكره بالصفات الحسنى والاعتراف بنعمه، كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح للمطلوب، ولهذا فإن كل من أراد حاجة إلى الله تعالى فإنه يستحب له تقديم الثناء على الله بما هو أهله، وذكر صفاته وحمده وشكره، ثم يسأل حاجته بعد ذلك، فإن ذلك يكون أقرب للإجابة وأسنى لإنجاح الرغبة وإنجازها كما ورد ذلك فى الآداب الشرعية.
التخلص السابع
هو أنه لما فرغ مما يخصه من الدعاء لنفسه ولأبيه بالدعوات الصالحة خرج عنه إلى ذكر البعث يوم القيامة ومجازاة الله من آمن به واتقاه وأخلص له العبادة بالجنة وأن كل من عصاه وعبد غيره فإنه مجازيه بالنار، فجمع فى ذلك بين الترغيب فى الطاعة والترهيب من المعصية، وضمّ إليه ذكر الجنة وإزلافها لأهلها من أهل التقوى وذكر النار وتبريزها لأهلها من أهل الغواية كعادته تعالى فى كتابه الكريم، إذا ذكر وعدا أتبعه بالوعيد، وعكسه أيضا
(2/176)

ليكون حاصلا على الكمال ومراعاة المطابقة فى كل الأحوال.
التخلص الثامن
هو أنه لما فرغ مما ذكره عاد إلى سؤال المشركين ثانيا عند معاينة الأهوال فى يوم الجزاء بقوله: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93)
[الشعراء:
92- 93] وإنما أورده على جهة التوبيخ والاستهزاء وأنهم لا ينصرونكم فى دفع السوء عنكم، ولا ينتصرون فى دفع ما يخصهم أنفسهم بحال، ثم وصف حالهم فى النار بقوله «فكبكبوا» أى الآلهة والغاوون، والكبكبة تكرير الكب، لأنه إذا ألقى فى النار فإنه يكب فيها مرة بعد مرة حتى يستقر فى قعرها، فجعل تكرير اللفظ دلالة على تكرير المعنى على جهة المطابقة، اللهم أجرنا من عذابك برحمتك الواسعة.
التخلص التاسع
هو أنه لما فرغ من ذلك خرج إلى حكاية ما يقول أهل النار فى النار من الخصومة الناشئة بينهم، وإظهار الحسرة والندامة المفرطة على ما كان منهم من عبادة غير الله ومساواته بمن لا يساويه، وانقطاع ما فى أيديهم من شفاعة شافع أو صداقة صديق كما يكون للمؤمنين، فإن شفعاءهم الملائكة والأنبياء، وأصدقاؤهم هم أهل الإيمان والتقوى، فأما الكفار فلا شىء لهم من ذلك، فعند هذا تعظم الحسرات وتنقطع الأفئدة حسرة وإياسا عن النفع والخلاص عما هم فيه.
التخلص العاشر
هو أنه لما فرغ من ذلك خرج إلى ذكر تمنيهم الرجعة إلى الدنيا بقوله «فلو أنّ لنا كرّة» فننزع عما كنا عليه من عبادة غير الله وسلوك طريق التقوى، والكون من جملة المؤمنين فى ذلك، و «لو» ههنا بمعنى ليت فلا تفتقر إلى جواب مقدر وجوابها فتكون، أو تكون باقية على بابها، وجوابها يحذف كثيرا وتقديره فلو رجعنا لفعلنا كيت وكيت من الأفعال الصالحة، فانظر إلى هذه الآية الشريفة كيف اشتملت على هذه التخلصات اللطيفة مع ما حازته من العجائب الحسان والأسرار ذوات الأفنان. والعجب من الغانمى حيث أنكر التخلص أن يكون واقعا فى كتاب الله تعالى، وما ذاك إلا من أجل اشتغاله بفن الشعر والكتابة عن الاطلاع إلى أسرار كتاب الله تعالى، وهو أظهر من أن يحتاج إلى طلب وعناية
(2/177)

خاصة فى سورة الأعراف وسورة يوسف، فإنه سلك فيهما فنونا كثيرة، وتخلص إلى أودية مختلفة، والقرآن كله مملوء منه، لأنه لا يزال تكرير الكلام من وعد إلى وعيد، ومن ذكر قصص إلى ذكر أمثال، ومن ذكر أمر إلى نواه، ومن ترغيب إلى ترهيب، إلى غير ذلك فكيف يمكن إنكار ما هذا حاله وهو أوسع ما يكون فى التنزيل.
المثال الثانى من السنة النبوية
وهذا كقوله عليه السلام: وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ثم قال بعد ذلك فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وشاهد مصدق فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، هو أوضح دليل إلى خير سبيل. فانظر إلى ما أودعه فى هذا الكلام من التخلص الرائق، فبينا هو يذكر حال الليل والنهار وحكمهما فى المكونات إذ خرج إلى حال القرآن ووصفه، وأنه فيه الإيضاح لكل مشكل، وبيان لكل أمر ملتبس، تخلص إلى ذكره بأحسن تخلص، وهكذا قوله عليه السلام: كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، إلى أن قال طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. فبينا هو يذكر الموت وأهواله وإعراض الخلق عن ذكره إذ خرج إلى ذكر الندب إلى اشتغال الإنسان بعيب نفسه و 7 همال عيوب الخلق، فهذا من المخالص البديعة إلى غير ذلك فى كلامه عليه السلام.
المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه
وهو فى كلامه أكثر من أن يحصر، وخاصة فى العهود الطويلة والكتب المنتشرة، والكلمات الواسعة، فإنه يخرج فيها إلى أودية كثيرة، فبينا يتكلم فى أسلوب الوعظ، إذ خرج إلى وصف الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو إلى وصف القرآن أو إلى غير ذلك من الأساليب المختلفة فيما يكون معدودا من محاسن التخلصات، ومن أراد الوقوف من كلامه على محاسن التخليص فليطالع من ذلك ما أوصى به الحسن بن على فى وصية له، فإنه جمع له من محاسن الآداب وأجمعها، وأعظم الحكم وأنفعها، ما لا يحتمله حصر، ولا يشتمله عد،
(2/178)

ومن ذلك العهد، الذى كتبه للأشتر النخعى لما أعطاه عمالة مصر، وأدّبه بهذا العهد، وجمع له فيه من محاسن الآداب وصفة الحكمة وفصل الخطاب. ومن ذلك خطبته المسماة بالغراء فإنه جمع فيها من الثناء على الله تعالى وذكره بالصفات اللائقة به وتنزيهه عما لا يليق بحاله، ومن جيد كلامه فى التخلص قوله: أرسله على حين فترة من الرسل وانقطاع من الوحى وطول هجعة من الأمم واعتزام من الفتن وانتشار من الأمور وتلظّ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، وإغوار من مائها، قد درست أعلام الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهى متجهمة لأهلها، عابسة فى وجه طالبها، ثمرها الفتنة وطعامها الخيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف، فاعتبروا عباد الله واذكروا تيك التى آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون، وعليها محاسبون، ولعمرى ما تقادمت بهم ولا بكم العهود، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون. فهذا الكلام مشتمل على تخلصات متعددة، فبينا هو يذكر حال الرسول صلّى الله عليه وسلّم وما منّ الله به على الأمم، إذ خرج إلى حال الدنيا وصفتها وانقطاعها، إذ خرج إلى الوعظ والتذكير، وما من كلام من كلامه وإن كان بسيطا إلا وتخلص فيه مخالص كثيرة، كل ذلك فيه دلالة على تفننه فى الكلام وملكه لزمامه، واستيلائه على خاصه وعامه.
المثال الرابع ما ورد من كلام البلغاء
فمن ذلك ما قاله ابن الأثير فى كتاب كتبه إلى بعض إخوانه يذكر فيه الربيع فقال فيه:
وكما أن هذه الأوصاف فى شأنها بديعة فكذلك شأنى فى شوقه بديع، غير أنه فى حرة فصل مصيف، وهذا فصل ربيع، فأنا أملى أحاديثه العجيبة على النوى وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستقصى حديث من قتله الهوى. فبينا هو يذكر الربيع إذ خرج إلى ذكر الأشواق، ومن هذا قوله أيضا يصف البرد لما كان فى بلاد الروم فقال: ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس بها إلا فى شهر ناجر، وهو قائم مقام الظل الذى يتبرد به من لفح الهواجر، ولفرط شدته لم أجد ما يخففه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضا ما أطلبه، لكن وجدت نار أشواقى أشد حرا فاصطليت بجمرتها التى لا تذكى بزناد، ولا تؤول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد غير
(2/179)

أنى كنت فى ذلك كمن شد خلّة، واستشفى من علة بعلة، فما ظنك بمن يصطلى نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق، فضنّ عليه بالأوراق. فبينا هو يتكلم فى وصف البرد إذ خرج إلى وصف الأشواق. ومما ورد فى التخلص من المنظوم قول أبى الطيب المتنبى فى بعض قصائد:
خليلىّ إنى لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومنّى القصائد
فلا تعجبا إنّ السيوف كثيرة ... ولكنّ سيف الدولة اليوم واحد «1»
فانظر كيف تخلص من الغزل إلى المديح بأحسن خلاص وأعجبه. كما ترى، ومن عجيب ما جاء به فى كلامه هذا، هو أنه جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة فى بيت واحد، وهو من بدائعه المأثورة عنه فى غير موضع، ومن ذلك ما قاله أبو تمام فى بعض قصائده:
خلق أطلّ من الربيع كأنّه ... خلق الإمام وهديه المتيسّر
فى الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن الشّباب الغضّ شرح يزهر
ينسى الرياض وما يروّض فعله ... أبدا على مرّ الليالى يذكر
فهذا وأمثاله من لطائف التخليصات وأعجبها، والشعراء يتفاوتون فى هذا الباب، فربما اختص بعض الشعراء بالإجادة فى شعره من جزالة ألفاظه، ودقة معانيه، لكنه مع هذا لم يفق فى التخليص كما فاق غيره من الشعراء كما يحكى عن البحترى، فإن مكانه فى الشعراء لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذى تراه كالشمس قريبا ضوءها، بعيدا مكانها، أو يكون كالقناة، لينا مسّها، خشنا سنانها، وقالوا أيضا إنه فى الحقيقة قينة الشعراء فى الإطراب، وعنقاؤهم فى الإغراب، ومع ما حكيناه فإنه لم يجد فى التخليص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا على وجه لا ملائمة بينه وبين الأول، وله مواضع قليلة أحسن فيها التخلص، لكنها حقيرة بالإضافة إلى ما أساء فيها الخلاص. ومن أعجب ما يذكر فى مثال التخلص ما حكاه ابن الأثير: أن قرواشا الملقب بشرف الدولة ملك العرب صاحب الموصل، اتفق أنه كان جالسا مع ندمائه فى ليلة من ليالى الشتاء، وفى جملتهم رجال منهم البرقعيدى وكان مغنيا وسليمان بن فهد، وكان وزيرا، وأبو جابر، وكان حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو هؤلاء ويمدحه فأنشد هذه الأبيات ارتجالا قال فيها:
(2/180)

وليل كوجه البرقعيدىّ مظلم ... وبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومى فيه نوم مشرّد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر فى خبطه وجنونه
إلى أن بدا وجه الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه
فانظر إلى ما أودعه فى هذه الأبيات من هجاء هؤلاء الثلاثة فى أبيات ثلاثة وتخلص فى البيت الرابع بأحسن الخلاص فى مدح شرف الدولة، وهذه الأبيات أحسن ما يورد فى أمثلة التخليص. فهذا ما أردنا ذكره فى أمثلة التخليصات.
الضرب الثانى فى [الاقتضاب]
وهو نقيض التخليص، وذلك أن يقطع الشاعر كلامه الذى هو بصدده ثم يستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك من أفانين الكلام، لا يكون بين الأول والثانى ملائمة ولا مناسبة، وهذا هو مذهب الشعراء المتقدمين من العرب كامرىء القيس والنابغة وطرفة ولبيد، ومن تلاهم من طبقات الشعراء، فأما المحدثون من الشعراء كأبى تمام وأبى الطيب وغيرهم ممن تأخر فإنهم تصرفوا فى التخليصات فأبدعوا فيها وأظهروا كل غريبة كما أسلفنا تقريره، ولنذكر أمثلة الاقتضاب، فمن كتاب الله تعالى: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50)
[ص: 45- 50] فصدر الكلام أولا بذكر الأنبياء والثناء عليهم ثم ذكر بعده بابا آخر غير ذلك لا تعلق له بالأول، وهو ذكر الجنة وأهلها، ثم لما أتم ذكره عقبه بذكر النار وأهلها بقوله هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55)
[ص: 55] فانظر إلى هذا الاقتضاب الرائق، والذى حسن من موقعه لفظة «هذا» فإنها جعلت له موقعا أحسن من التخليص، وورودها فى المنثور أكثر من ورودها فى المنظوم، وقد قررنا فيما سبق حسن موقعها، ومن محاسن الاقتضاب قول القائل: أما بعد حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله فإنها تأتى لقطع الكلام الأول عن الثانى، وهذه اللفظة قد أجمع أهل التحقيق من علماء البيان على أنها هى فصل الخطاب الذى أراد
(2/181)

الله فى قوله: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (20)
[ص: 20] «وأما مثاله» من السنة النبوية فقوله صلّى الله عليه وسلّم: فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، بعد قوله ألا وإن المرء بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع به وبين أجل قد بقى لا يدرى ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، فانظر إلى هذا الاقتضاب ما أعجبه وألطفه يكاد يقرب من التخليص، ومن تتبع كلامه فى الخطب والمواعظ فإنه يجد فيه من حسن الاقتضاب شيئا كثيرا. وأما مثاله من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فكقوله: ثم إن الدنيا دار فناء وعناء وعبر وغير، فمن الفناء أن الدهر موتر قوسه لا يخطىء سهامه، ولا يوسى جراحه، يرمى الحى بالموت، والصحيح بالسقم، والناجى بالعطب، آكل لا يشبع، وشارب لا ينفع، ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبنى ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله تعالى لا مالا حمل، ولا بناء نقل، ومن عبرها أنك ترى المغبوط مرحوما، والمرحوم مغبوطا، ليس ذلك إلا نعيما زلّ، وبؤسا نزل، ومن غيرها أن المرء يشرف على أمله، فيقتطعه حضور أجله، فلا أمل يدرك، ولا مؤمّل يترك، فسبحان الله ما أغرّ سرورها، وأظمأ ريّها، وأطحى فيئها، لا جاء يرد، ولا ماض يرتد، فسبحان الله ما أقرب الحى من الميت للحاقه به، وأبعد الميت من الحى لا نقطاعه منه، إنه ليس شر من الشر إلا عقابه، ولا خير من الخير إلا ثوابه، وكل شىء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكل شىء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفكم من العيان السماع، ومن الغيب الخبر، واعلموا أن كل ما نقص من الدنيا وزاد فى الآخرة خير مما نقص فى الآخرة وزاد فى الدنيا، فكم من منقوص رابح، ومزيد خاسر، إن الذى أمرتم به أوسع من الذى نهيتم عنه، وما أحلّ لكم أكثر مما حرم عليكم، فذروا ما قل لما كثر، وما ضاق لما اتسع، قد تكفّل لكم بالرزق، وأمرتم بالعمل، فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله، مع أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين، حتى كأن الذى قد ضمن لكم قد فرض عليكم، وكأن الذى قد فرض عليكم قد وضع عنكم، فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمل ما يرجى من رجعة الرزق، ما فات اليوم من الرزق رجى غدا زيادته، وما فات أمس من العمر لم ترج اليوم رجعته، الرجاء مع الجائى واليأس مع الماضى، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
(2/182)

وأقول إن هذا الكلام هو الشفاء بعد كلام الله، والذى ينبغى أن يكون عليه الاعتماد بعد سنة رسول الله، فلقد ضمّنه من محاسن الاقتضاب من أبلغ الوعظ أعجب العجاب، وما فيه بلاغ وذكرى لأولى الألباب، فانظر أيها المتأمل كيف افتتح الكلام بذم الدنيا وما اشتملت عليه من صروف المحن والبلوى، ثم خرج منه إلى الخروج عن الدنيا، ثم خرج منه إلى ذكر غرورها، ثم خرج منه إلى ذكر منزلة الحى من الميت فى بعدها وقربها، ثم أردفه بذكر حال الثواب والعقاب، ثم رجع إلى ذكر حال الدنيا بوصف آخر مع الآخرة من زيادة أو نقصان، ثم خرج إلى ذكر الرزق وما ضمن منه، ثم ذكر التكليف وما حملنا منه، ثم خرج إلى ذكر الأمل وما حملنا منه، ثم خرج منه إلى ذكر الأمل وغروره، وذكر الأجل وحضوره، يقتضب كل واحد من هذه الآداب اقتضابا ربما كان أحسن من التخلص، لما فيه من الرقة واللطافة، ثم ختم هذا الكلام بختام هو لباب سره، ونظام سلكه وعبقات عبيره. ونفحات مسكه، وهو قوله فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، فهى جامعة لجميع ما أسلفه، ومؤكدة لما عدده ورصفه، فلو كان من كلام البشر معجزة لكان هذا هو الأول، ولو أعجز شىء من الكلام بعد كلام الله لكان هذا هو الثانى، ومن بديع ما جاء فى الاقتضاب قول البحترى يمدح الفتح بن خاقان بعد انخساف الجسر به فى قصيدته التى مطلعها:
متى لاح برق، أو بدا طلل، قفر ... جرى مستهل لا بكىء، ولا نزر
وبعده:
فتى لا يزال الدهر بين رباعه ... أيادله بيض، وأفنية، خضر
فبينا هو فى غزلها إذ خرج إلى المديح على جهة الاقتضاب بقوله:
لعمرك ما الدّنيا بناقصة الجدا ... إذا بقى الفتح بن خاقان والقطر
فخرج إلى المديح من غير أن يكون هناك له سبب من الأسباب كما ترى. ومن ذلك ما قاله أبو نواس فى قصيدته التى مطلعها قوله «يا كثير النّوح فى الدّمن» فضمّنها غزلا كثيرا ثم قال بعد ذلك:
تضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسّنن
سنّ للناس النّدى فندوا ... فكأنّ المحل لم يكن
وأكثر مدائح أبى نواس مؤسسة على الاقتضاب من غير ذكر التخلص. وفيما ذكرناه كفاية عن إبانة التخلص والاقتضاب فهذا ما أردنا ذكره فيما يختص بالدلائل المركبة وهو الباب الثالث.
(2/183)

الباب الرابع من فن المقاصد فى ذكر أنواع علم البديع وبيان أقسامه
اعلم أن ما أسلفنا ذكره فى الباب الأول إنما هو كلام فيما يتعلق بكيفية الوضع، إما فى الأصل فيكون حقيقة، أو فى غيره فيكون مجازا، والباب الثانى إنما هو كلام فى الدلائل من جهة الألفاظ الإفرادية، والباب الثالث إنما هو كلام فى الدلالات المركبة، وأما الباب الرابع فإنما هو كلام فيما يعرض لجوهر اللفظ من الألقاب بحسب تأليفه، لا من جهة دلالته على معناه، وإنما دلالته على معناه تابعة لذلك، وهذا هو الذى يلقب بعلم البديع فى ألسنة علماء البيان، وينقسم إلى ما يكون متعلقا بالفصاحة اللفظية، وإلى ما يكون متعلقا بالفصاحة المعنوية، فهذان نمطان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمعونة الله تعالى.
النمط الأول ما يتعلق بذكر الفصاحة اللفظية وبيانها
اعلم أنا قد ذكرنا أن الفصاحة من عوارض الألفاظ، وأن البلاغة من عوارض المعانى، ومنهم من قال إنهما مستويتان دالتان على مقصود واحد فلا يكون الكلام فصيحا إلا وهو بليغ، ولا يكون بليغا إلا وقد حاز الفصاحة، ومنهم من زعم أن الفصاحة أعم من البلاغة فالكلام يوصف بالفصاحة وإن لم يكن بليغا، ولا يعقل كون الكلام بليغا إلا مع كونه فصيحا، والأمر فى ذلك قريب، خلا أن أكثر أهل البلاغة قائلون بأنهما مقولان على جهة الترادف أعنى البلاغة والفصاحة، وإلى هذا ذهب الشيخ عبد القاهر الجرجانى، والأقلون على أن البلاغة من أوصاف المعانى والفصاحة من وصف الألفاظ، وهذا هو الأقرب كما قررناه فى أول الكتاب فلا وجه لتكريره، فإذا عرفت هذا فلنذكر ما يتعلق بالفصاحة اللفظية من علم البديع وهو مشتمل على أصناف عشرين، نذكرها بأمثلتها بمشيئة الله تعالى.
(2/184)

الصنف الأول التجنيس
وهو تفعيل من التجانس وهو التماثل، وإنما سمى هذا النوع جناسا لأن التجنيس الكامل أن تكون اللفظة تصلح لمعنيين مختلفين فالمعنى الذى تدل عليه هذه اللفظة هى بعينها تدل على المعنى الآخر من غير مخالفة بينهما، فلما كانت اللفظة الواحدة صالحة لهما جميعا كان جناسا، وهو من ألطف مجارى الكلام ومن محاسن مداخله، وهو من الكلام كالغرة فى وجه الفرس، فالجنس فى اللغة هو الضرب من الشىء وهو أعم من النوع، والمجانسة المماثلة، وسمى هذا النوع جناسا لما فيه من المماثلة اللفظية، وزعم ابن دريد أن الأصمعى يدفع قول العامة هذا مجانس لهذا ويقول إنه مولد، وحقيقته فى مصطلح علماء البيان هو أن يتفق اللفظتان فى وجه من الوجوه ويختلف معناهما، فما هذا حاله عام فى التجنيس التام، والتجنيس الناقص، ثم إنه ينقسم قسمين نورد ما يتعلق بكل واحد منهما بأمثلته بمعونة الله تعالى.
القسم الأول [التجنيس التام]
ويقال له المستوفى، والكامل، وهو أن تتفق الكلمتان فى لفظهما، ووزنهما، وحركتهما، ولا يختلفان إلا من جهة المعنى، وأكثر ما يقع فى الألفاظ المشتركة، ومثاله من كتاب الله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[الروم: 55] وليس فى القرآن من التجنيس الكامل إلا هذه الآية، فالساعة الأولى عبارة عن القيامة، والساعة الثانية هى واحدة الساعات، لكنهما اتفقا لفظا فلهذا كان جناسا تاما، ومن السنة النبوية قوله صلى الله عليه وآله لما نازع الصحابة جرير بن عبد الله فى أحد زمام ناقة الرسول صلّى الله عليه وسلّم أيهم يقبضه، فقال عليه السلام: خلوا بين جرير، والجرير لا يقال كيف يكون ما ذكرتموه من الكتاب والسنة مثالا للتجنيس التام مع اختلافهما فى التعريف والتنكير، لأنا نقول هذا فيه وجهان، أحدهما أن يقال إنه لم يقع الاختلاف إلا فى لام للتعريف وهى زائدة، وما هذا حاله فليس مغيّرا للتمثيل، وثانيهما أن يقال كما أن اختلاف الحركة يبطل جعله من التجنيس التام فهكذا زيادة الحرف تخرجه عن التجنيس
(2/185)

التام أيضا، والحق أنه معدود منه، وأنشد ابن الأثير لأبى تمام قال:
فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيّامك الغرر
فعدّه تجنيسا تاما مع أن الأول مضاف والثانى معرف باللام، ومن ذلك ما قاله أيضا:
ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيى لدى يحيى بن عبد الله «1»
ومنه قولهم: لولا اليمين لقبلت اليمين، فاليمين الأولى الألية، واليمين الثانية هى الجارحة، ومنه قولهم: ما ملأ الراحة من استوطن الراحة، فالراحة الأولى هى الجارحة، والراحة الثانية هى نقيض الشقاء، وقد أكثر من هذا النوع أبو تمام فأحسن فيه كل الإحسان ومنه قوله:
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدّعوا ... صدور العوالى فى صدور الكتائب
ومن ذلك ما قاله أبو جعفر النامى:
لشئون عينى فى البكاء شئون ... وجفون عينك للبلاء جفون
ومن أحسن ما وجدته فى ذلك للشاعر المعروف بالمغربى وقد أكثر منه:
لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن فى حفر الأجداث أحيانا
تقول أنت امرؤ، جاف مغالطة ... فقلت لا هوّمت أجفان أجفانا
لم يبق غيرك إنسان يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا
فالكلمتان كما ترى فى هذه الأمثلة لا اختلاف فيها إلا من جهة المعنى، يستويان فى الانتظام فى الحروف، والحركات، كما ترى وله أمثله كثيرة:
القسم الثانى من [التجنيس ويقال له الناقص] ، والمشبه،
وهو يأتى على أنحاء مختلفة، وحاصله أنه يتطرف إليه الاختلاف بوجه من الوجوه كما تراه، وهو يأتى على أضرب عشرة.
الضرب الأول يلقب ب [المختلف] ،
وما هذا حاله يكون اختلافه بالحركات لا غير، فأما الأحرف فيه فإنها متماثلة، ومثاله قولهم: لا تنال الغرر، إلا بركوب الغرر، وقولهم: البدعة شرك
(2/186)

الشرك، وقولهم: الجاهل إما مفرط أو مفرط، وقد وقع فى الحريريات كقوله، فلما استأذنه فى المراح إلى المراح على كاهل المراح، فقد وجد فى الميم ثلاث حركات كما ترى، ومنه قوله نظما:
فقلت للائمى أقصر فإنى ... سأختار المقام على المقام
الضرب الثانى المختلف بالأحرف وتتفق الكلمتان فى أصل واحد يجمعهما الاشتقاق، [المطلق]
وما هذا حاله يقال له المطلق، ومثاله قول جرير:
فما زال معقولا عقال، عن النّدى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس
وإنما سّمى مطلقا لأنه لما كانت حروفه مختلفة ولم يشترط فيه أمر سواه قيل له مطلق.
الضرب الثالث أن لا يجمعهما الاشتقاق لكن بينهما موافقة من جهة الصورة مع أن إحداهما من كلمتين، والأخرى من كلمة واحدة، [المركب]
وما هذا حاله يلقب بالمركب لما يظهر فيه من أحد الشقين من التركيب، ثم هو على وجهين،
الوجه الأول [المفروق]
أن يكون متشابها من جهة اللفظ لا من جهة الخط، وما هذا حاله يقال له المفروق، ومثاله قولهم من ظلم نمله، فنم له، وقولهم لا تقعد تحت رقّ، تحترق، وفى الحريريات: أزمعت الشخوص من برقعيد، وقد شمت برق عيد، ومن النظم ما قاله البستىّ:
إذا ملك، لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه
ومن ذلك ما قاله بعضهم.
وكم لجباه الراغبين لديه من ... مجال سجود فى مجالس جود
وفى الحريريات فمحرابى أحرى بى، وأسمالى أسمى لى، وقول بعضهم فهمنا لما فهمنا، فالأول من الهيام والثانى من الفهم.
الوجه الثانى [المرفوّ]
أن تكون المشابهة بينهما من جهة اللفظ والخط، وما هذا حاله فإنه يلقب بالمرفوّ، وإنما لقّب به لأن المقصود هو الجمع بين كلمتين، أحدهما أقصر من الأخرى، فيضم إلى القصيرة ما يوازى الكلمة ويرفوها بذلك حتى يعتدل ركنا التجنيس، ومثاله قول بعض البلغاء: يا مغرور أمسك، وقس يومك بأمسك، فزيدت كاف الضمير فى الثانية من أجل أن تساوى الأولى، ومن ذلك قول البستى:
(2/187)

فهمت كتابك يا سيّدى ... فهمت ولا عجب أن أهيما
ومن ذلك ما قاله أيضا:
إذا ملك، لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه
ومنه قول بعضهم فهمنا لما فهمنا، فاللفظتان متساويتان من جهة لفظهما وخطهما، وما أوردناه من هذه الأمثلة أمثلة المرفو، فى المفروق، فإنما كان على جهة الذهول والنسيان والحقيقة أنها أمثلة المرفوّ.
الضرب الرابع [المذيّل] ،
بالذال المعجمة، وهو أن تجىء الكلمتان متجانستى اللفظ متفقتى الحركات والزنة، خلا أنه ربما وقع بينهما مخالفة، ثم تلك المخالفة على وجهين، الوجه الأول منهما أن تختص إحدى الكلمتين بحرف يخالف الأخرى من عجزها، ومثاله قولهم فلان سال من أحزانه، سالم من زمانه، حام لعرضه، حامل لغرضه، فآخر سال يآء، وآخر سالم ميم، مع اتفاقهما فيما عدا ذلك من الحروف والحركات، ومن ذلك ما قاله أبو تمام:
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب «1»
فآخر عواص ياء، وآخر عواصم ميم، وآخر قواض ياء، وآخر قواضب الباء، ومن ذلك ما قاله البحترى «2» :
لئن صدفت عنا فربّت أنفس ... صواد إلى تلك النفوس الصّوادف
فآخر صواد هى الياء، وعجز صوادف الفاء، مع اتفاقهما فيما عدا ذلك، الوجه الثانى أن تختلف الكلمتان من أولهما، ومثاله قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30)
[القيامة: 29- 30] فلم يختلف الساق والمساق إلا بزيادة الميم فى المساق، ومن ذلك ما وقع فى الحريريات قوله: يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، فلم يختلفا فى نظم ولا زنة إلا بزيادة الميم فى موجوده، والواو أيضا، وقوله أيضا نظما:
لم يبق صاف ولا مصاف ... ولا معين، ولا معين
(2/188)

فلم يختلف صاف، ولا مصاف إلا بزيادة الميم لا غير، ومن ذلك ما أنشده الشيخ عبد القاهر الجرجانى:
وكم سبقت منه إلى عوارف ... ثنائى من تلك العوارف وارف
وكم غرر من برّه ولطائف ... لشكرى على تلك اللطائف طائف
وقد يلقب ما ذكرناه بالتجنيس الزائد والناقص كما مر تقريره بالأمثلة.
الضرب الخامس [المزدوج]
وهو أن تأتى فى أواخر الأسجاع فى الكلام المنثور، أو القوافى من المنظوم، بلفظتين متجانستين، إحداهما ضميمة، إلى الأخرى على جهة التتمة والتكملة لمعناها، ومثاله من النثر قولهم: من طلب شيئا وجدّ وجد، ومن قرع بابا ولجّ ولج، ومن الحريريات قوله:
إذا باع انباع، وإذا ملأ الصّاع انصاع، فتجد الكلمة الثانية مردفة على جهة التجانس ليكمل معناها وتقرّر فائدتها، ومن النظم ما قاله البستى:
أبا العبّاس لا تحسب لشيبى ... بأنى من حلا الأشعار عار
فلى طبع، كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جار
إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند، على الأدوار وار
ومن هذا ما قيل فى الحريريات:
بنىّ استقم فالعود تنمى عروقه ... قويما ويغشاه إذا ما التوى التّوى
ولا تطع الحرص المذلّ وكن فتى ... إذا التهبت أحشاؤه بالطّوى طوى
وإنما لقب هذا بالمزدوج لما يظهر بين الكلمتين من الاستواء، ومنه الازدواج، وهو الاستواء، ويقال له التجنيس المردّد، ويقال له المكرر أيضا، وينقسم إلى ما يكون الازدواج واردا على جهة الانفصال، فى الكلمتين جميعا، كقولك: من جد وجد، ومن لج ولج، وإلى ما يكون الازدواج واردا على جهة الانفصال فى إحداهما والاتصال فى الأخرى، كقولك إذا ملأ الصّاع انصاع، وكالأبيات التى حكيناها عن البستى.
(2/189)

الضرب السادس [المصحّف]
وهو عبارة عن الإتيان بكلمتين متشابهتين خطا لا لفظا، ويقال له تجنيس الخط أيضا، ومثاله من كتاب الله تعالى: قوله: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)
[الكهف: 104] ومن السنة النبوية قوله صلّى الله عليه وسلّم: عليكم بالأبكار فإنهن أشد حبا وأقل خّبا، والخبّ الخداع، وقول أمير المؤمنين: قصّر من ثيابك فإنه أبقى وأتقى وأنقى، ومنه قول البحترى يمدح المعتز بالله:
ولم يكن المغتزّ بالله إذ شرى ... ليعجز والمعتزّ بالله طالبه
وإنما لقّب ما هذا حاله بالمصحّف، لأن من لا يفهم المعنى فإنه يصحّف أحدهما إلى الآخر لأجل تشابههما فى وضع الخط كما ترى ويقال له المرسوم أيضا، ومن هذا قول بعضهم غرك عزك فصار قصارى ذلك ذلّك، فاخش فاحش فعلك، فعلّك بهذا تهدى، وقوله فى الحريريات فملت لمجاورته إلى محاورته، ولا يزكو بالخيف من يرغب فى الحيف، ومن ذلك ما قاله أبو فراس:
من بحر شعرك أغترف ... وبفضل علمك أعترف
وغير ذلك.
الضرب السابع [المضارع]
وهو أن يجمع بين كلمتين هما متجانستان لا تفاوت بينهما إلا بحرف واحد سواء وقع أولا أو آخرا أو وسطا حشوا، والمضارعة المشابهة وسمى الضّرع ضرعا، لأنه يشابه أخاه فى الصورة، فلما تشابها فى هذا الحرف لقب بالمضارع لما ذكرناه، ثم يقع على وجهين،
الوجه الأول أن يقع الاتفاق فى الحروف المتقاربة، [التجنيس اللاحق]
ومثاله قوله عليه السلام: الخيل معقود بنواصيها الخير، فاللام والراء متقاربان، وفى الحريريات لهم فى السير جرى السيل، وإلى الخير جرى الخيل، وقوله وبينى وبين كنى ليل دامس، وطريق طامس، وقوله ويطفى حر
(2/190)

بلبالى، بسريال وسربال.
الوجه الثانى أن يقع فى الحروف التى لا تقارب فيها، [التجنيس الناقص]
ومثاله قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ
[النساء: 83] فالنون والراء متباعدان، ومن ذلك قولهم: المكارم بالمكاره، والتواضع شرك الشرف، وفى الحريريات ولا أعطى زمامى، من يخفر ذمامى، ولا أغرس الأيادى، فى أرض الأعادى، ومن ذلك ما قاله البحترى:
ألما فات من تلاق تلاف ... أم لشاك من الصبابة شاف
وما هذا حاله يقال له التجنيس اللاحق، والتجنيس الناقص، والأمر فيه قريب بعد الوقوف على القيود التى يتميز بها عن غيره كما أشرنا إليه.
الضرب الثامن [المشوّش]
وهو عبارة عن كل جنس من التجنيس يجاذبه طرفان من الصيغة، ولا يمكن إطلاق اسم أحدهما عليه دون الآخر، واشتقاقه من قولهم تشوّش الأمر إذا مزج واختلط بعضه ببعض، ومنه قولهم فلان متشوّش، إذا كان به مرض من اختلاط المزاج وتغيره ومثاله قولهم: فلان مليح البلاغة، لبيق البراعة، فلو اتفق العينان فى الكلمتين وكانتا من حرف واحد لكان ذلك من تجنيس التصحيف أو كان اللامان متفقين لكان ذلك من المضارع، فلما لم يكن كما ذكرناه بقى مذبذبا بين الأمرين، ينجذب إلى كل واحد منهما بشبه، ومنه قولهم: صدّعنى مذ صدّ عنّى فلولا تشديد النون لكان معدودا من تجنيس المركب، ومن الحريريات قوله وندمنا على ما ندّ منّا.
الضرب التاسع [المعكوس]
وله فى التجنيس حلاوة ويفيد الكلام رونقا وطلاوة، وقد سماه قدامة الكاتب بالتبديل، وكل واحد من اللقبين يصدق عليه، لأن صاحبه يقدم المؤخر من الكلام ويؤخر المقدم منه، فلهذا لقبه بالعكس، وهكذا فإنه يبدّل الألفاظ فيقدّم ما كان منها مؤخرا ويؤخر ما كان منها مقدما، ويقع فى الألفاظ، والحروف جميعا فهذان وجهان،
الوجه الأول منهما أن يكون واقعا فى الألفاظ،
ومثاله قول بعضهم: عادات السادات، سادات العادات، وكقول الآخر شيم الأحرار أحرار الشيم ومنه قول الأضبط:
(2/191)

قد
يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
ويقطع الثوب غير لا بسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه
ومن ذلك ما قاله الشريف المرتضى يذم الزمان وأهله:
أسفّ بمن يطير إلى المعالى ... وطار بمن يسفّ إلى الدنايا
وكقول الآخر:
إن الليالى للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهنّ مع السّرور قصار «1»
ومن هذا قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ
[الروم: 19] وقوله صلّى الله عليه وسلّم: جار الدار أحق بدار الجار، ومن ذلك ما قاله أمير المؤمنين كرم الله وجهه من كتاب كتبه إلى عبد الله بن العباس أما بعد فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا، ولا بما فاتك منها ترحا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، قال ابن عباس: ما انتفعت بكلام بعد كلام الله تعالى مثل هذا الكلام، وأنا أقول أيضا ما قرع مسامعى مرة بعد مرة إلا وأحدث لى موعظة، وأنشأ لى عن الغفلة يقظة، وحكى عن أبى تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بخراسان وامتدحه بقصيدته المشهورة التى مطلعها «هن عوادى يوسف وصواحبه» أنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العميثل هذا المطلع، وقالا له، ما لك تقول مالا تفهم فقال لم لا تفهما ما يقال، فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، فهذا معكوس الألفاظ.
الوجه الثانى أن يكون واقعا فى الأحرف
وهذا كقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ
[يس: 40] فما هذا معكوسه ومستويه متماثلان كما ترى، وليس مما نحن به، وإنما الذى نريد ذكره ههنا هو أن مستويه يفيد معنى، ومعكوسه يفيد معنى آخر، ومثاله ما قاله بعض الأذكياء من أهل الشعر:
أهديت شيئا يقلّ لولا ... أحدوثة الفال والتبرّك
كرسى تفاءلت فيه لما ... رأيت مقلوبه يسرّك
(2/192)

وهكذا قال غيره:
كيف السرور بإقبال وآخره ... إذا تأملته مقلوب إقبال
وأراد أن مقلوب إقبال لا بقاء، ولقد صدق فيما قال فإنه لا سرور فى الحقيقة بإقبال آخره التغير والانتقال، ومن هذا ما قاله بعضهم:
جاذبتها والريح تجذب عقربا ... من فوق خدّ مثل قلب العقرب
وطفقت ألثم ثغرها فتمنّعت ... وتحجبّت عنّى بقلب العقرب
فقلب العقرب الأول هو عبارة عن الكوكب الأحمر، وقلب العقرب الثانى هو عبارة عن البرقع، لأنه قلبه إذا قلبته إليه.
الضرب العاشر [تجنيس الإشارة]
وهو أن لا يذكر أحد المتجانسين فى الكلام، ولكن يشار إليه بما يدل عليه وهذا كقول بعضهم:
حلقت لحية موسى باسمه ... وبهرون إذا ما قلبا
ولا شك أنك إذا قلبت هرون من آخره فهو يكون نوره، لكنه لم يذكر لفظ النّوره ولكنه أشار إليها إشارة بقوله «وبهرون إذا ما قلبا» ومن ذلك ما قال بعضهم «1» :
وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقّفة حرون
يطيف بها الرّماة فتتّقيهم ... بأوعال معطّفة القرون
فقوله «أروى» المذكورة فى البيت هى المرأة وقوله موقفة حرون، يشير بها إلى «أروى» الأوعال وأراد أن هذه المرأة التى اسمها «أروى» ليست بأقرب من التى فى الجبال، لكنه أعرض عن ذكرها، فهذا ما أردنا ذكره فى التجنيس.
(2/193)

الصنف الثانى [الترصيع]
وهو فى لسان علمآء البيان مقول على ما كان من المنظوم والمنثور من الكلام، ألفاظ الفصل الأول فيه مساوية لألفاظ الفصل الثانى فى الأوزان واتفاق الأعجاز، واشتقاقه من قولهم تاج مرصّع، إذا كان فيه حلية، والترصيع التركيب، ويرد فى الكلام على وجهين،
الوجه الأول منهما أن يكون [كاملا] ،
وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثانى فى الأوزان والقوافى من غير مخالفة لأحدهما للثانى فى زيادة ولا نقصان، وما هذا حاله فإنه يعز وجوده، وقليلا ما يقع فى كلام البلغاء لصعوبة مأخذه، وضيق مسلكه ولم يوجد فى القرآن شىء منه، وما ذاك إلا لأنه جاء بالأخف والأسهل، دون التعمق النادر، مع أنه قد أخرس الجن والإنس، وأيس كل واحد منهم أن يأتى بلفظة من ألفاظه أو بأقصر سورة من سوره، وقد زعم بعض الناس أنه يوجد فيه شىء منه، ومثّله بقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)
[الانفطار: 13- 14] وهذا جهل بمعنى الترصيع وتركيبه، فإن الفجار لا يماثل الأبرار فى وزنه، وهكذا قوله «لفى» فإنه كررها فى الفقرتين جميعا، فما هذا حاله فإنما هو تجنيس، وليس ترصيعا، وإنما يكون من الترصيع لو قال: إن الأبرار لفى نعيم وإن الأشرار لمن جحيم، فيكون الأشرار مقابلا للفظ الأبرار، والجحيم مقابلا للنعيم، «ومن» مقابله «لفى» فى الوزن والقافية، فهو إنما يؤثر على جهة النّدرة على الشرط الذى ذكرناه، فمن ذلك ما وقع فى الحريريات من قوله: يطبع الأشجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، فجميع ما وقع فى السجعة الثانية مطابق لما وقع فى السجعة الأولى فى الوزن والتقفية من غير زيادة ولا نقصان «فيقرع» بإزاء «يطبع» والأسماع فى مقابلة «الأسجاع» «وزواجر» بإزاء «جواهر» و «وعظه» فى مقابلة «لفظه» . ومن ذلك ما قاله الشيخ عبد الرحيم بن نباتة الخطيب: الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور
(2/194)

بقواصم مكره، ثم قال فى أثناء هذه الخطبة أولئك الذين رحلوا فأقمتم، وأفلوا فنجمتم، فما هذا حاله ترصيع بالمعنى الذى ذكرته من غير مخالفة، ومن ذلك ما حكى عن ابن الأثير فى كلام له قال فيه: والحسن ما وشته فطرة التصوير، لا ما حسّنته فكرة التزوير، ومن كلامه قوله من قوّم أود أولاده، ضرّم كمد حسّاده، وفى كلام ابن الأثير ههنا نظر، لأن الأولاد ليس مماثلا للحساد، ومن ذلك ما قاله بعض العرب: من أطاع غضبه، أضاع أدبه ومن المنظوم ما قاله بعض الشعراء «1» :
فمكارم أوليتها متبرعا ... وجرائم، ألغيتها متورّعا
فقوله مكارم، بإزاء جرائم، وأوليتها فى مقابل ألغيتها، ومتبرعا فى مقابلة متورعا، فما هذا حاله لا يقع فيه نزاع بين أهل البلاغة فى كونه معدودا من باب الترصيع، لاجتماع الفقرتين فى الوزن والقافية.
الوجه الثانى ويقال له [الناقص] ،
وهو أن يختلف الوزن وتستوى الأعجاز، ومثاله قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)
[الانفطار: 13- 14] فاختلاف الوزنين فى الأبرار، والفجار، لا يخرجه عن كونه ترصيعا، وهكذا ما حكى عن ابن نباتة من قوله: وموفّق عبيده لمغانم ذكره، ومحقّق مواعيده بلوازم شكره، وقوله: أيها الناس أسيموا القلوب فى رياض الحكم، وأديموا النحيب على البياض اللّمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار فى انقراض الأمم، فما هذا حاله لم تتفق فيه الأوزان ولكن استوت فيه الأعجاز، وكقول الخنساء فى أخيها صخر «2» :
حامى الحقيقة محمود الطريقة ... مهدىّ الخليقة نفّاع، وضرّار
جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار
(2/195)

ومن هذا قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26)
[الغاشية: 25- 26] ومنه قول الآخر «1» :
سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت من الكرم
فقوله ذوائبها، وترائبها، مختلف، فى الوزن كما ترى، ومنه قول ذى الرمة «2» :
كحلاء فى برج صفراء فى دعج ... كأنها فضة، قد مسّها ذهب
فهذا وأمثاله هل يكون معدودا من التصريع أم لا، فالذى عليه الأكثر من أهل البلاغة كالمطرزى وعبد الكريم صاحب البيان وغيرهما أنه لا محالة معدود منه وإن كان مخالفا فى الزنة، فأما ابن الأثير فقد أبى عدّه منه، وزعم أنه لا يعدّ فى الترصيع إلا الوجه الأول، والأمر فيه قريب، والمختار ما عليه الأكثر، لأنه لا يعد فى التجنيس كما مر بيانه، وإذا بطل كونه تجنيسا وجب القضاء بكونه ترصيعا إذ لا قائل بكونه خارجا عن البابين.
(2/196)

الصنف الثالث التطبيق [ويقال له التضاد، والتكافؤ، والطباق والمقابلة]
ويقال له التضاد، والتكافؤ، والطباق، وهو أن يؤتى بالشىء وبضده فى الكلام كقوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
[التوبة: 82] واعلم أن هذا النوع من علم البديع متفق على صحة معناه وعلى تسميته بالتضاد والتكافؤ، وإنما وقع الخلاف فى تسميته بالطباق والمطابقة والتطبيق، فأكثر علماء البيان على تلقيبه بما ذكرناه، إلا قدامة الكاتب، فإنه قال لقب المطابقة يليق بالتجنيس، لأنها مأخوذة من مطابقة الفرس والبعير لوضع رجله مكان يده عند السير، وليس هذا منه، وزعموا أنه يسمى طباقا من غير اشتقاق، والأجود تلقيبه بالمقابلة، لأن الضدين يتقابلان، كالسواد والبياض، والحركة والسكون، وغير ذلك من الأضداد من غير حاجة إلى تلقيبه بالطباق والمطابقة، لأنهما يشعران بالتماثل بدليل قوله تعالى: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (15)
[نوح: 15] أى متساويات، ومنه طابقت النعل، أى جعلته طاقات مترادفات، فإذن الأخلق تلقيب هذا النوع بما ذكرناه من المقابلة، ولا يلقب بالطباق كما قاله جوّاب البلاغة ونقّادها البصير والمهيمن على معانيها وخريتها الخبير قدامة ابن جعفر الكاتب فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر كيفية التقابل فى الكلام، لأن الشىء ربما قوبل بضده لفظا، وربما قوبل بضده من جهة المعنى، وتارة يقابل بمخالفه، ومرة يقابل بما يماثله، فهذه ضروب أربعة لابد من تقديرها وتفصيلها بمعونة الله تعالى.
الضرب الأول فى مقابلة الشىء بضده من جهة لفظه ومعناه
ومثاله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
[النحل: 90] فانظر إلى هذا التقابل العجيب فى هذه الآية ما أحسن تأليفه وأعجب تصريفه، فلقد جمع فيه بين مقابلات ثلاث، الأولى منها مأمور بها والثلاث التوابع منهى عنها، ثم هى فيما بينها متقابلة أيضا، ومن ذلك قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
فهذا وما شاكله فيه مقابلتان، الضحك بالبكاء، والقليل بالكثير، ومن ذلك قوله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
[الحديد: 23] فقابل الفرح بالحزن إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأضداد، ومنه قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
[النساء: 36] فقابل الأمر
(2/197)

بالنهى وهما ضدان، وقوله تعالى فى قصة لقمان وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
[لقمان: 19] وقال: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
[لقمان: 18] فنهاه عن المصاعرة، والمشى فى الأرض مرحا، وأمره بالقصد فى المشى والغض من الصوت، إلى أمثال له فى القرآن كثيرة، ومن السنة النبوية قوله صلّى الله عليه وسلّم: خير المال عين ساهرة لعين نائمة، فجمع فيه بين السهر والنوم وهما ضدان، وأراد بالحديث أن أفضل الأموال هو هذه الأنهار الجارية فإنها تجرى ليلا ونهارا وصاحبها نائم، لا يشعر بحالها، ومن ذلك ما روته عائشة عن النبى صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لها: عليك بالرفق يا عائشة، فإنه ما كان فى شىء إلا زانه، ولا نزع من شىء إلا شانه، فجمع بين الزين والشين وهما ضدان، ومن ذلك ما ورد فى كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال فى بعض خطبه: الحمد لله الذى لم يسبق له حال حالا، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا، كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوىّ غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل قادر غيره يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات، ويصمه كثيرها، وكل بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره غير باطن وكل باطن غيره غير ظاهر، فهذه مقابلات ثمانية قد جمع بينها فى صدر هذه الخطبة مع ما فيه من السلاسة وجودة السبك، ومن ذلك ما قاله خطابا لعثمان: إن الحق ثقيل، مرىء، والباطل خفيف وبىء، وأنت رجل إن صدقتك سخطت وإن كذبتك رضيت، فقابل الحق بالباطل، والثقيل المرىء بالخفيف الوبىء، والصدق بالكذب، والسخط بالرضا، فهذه خمس مقابلات قد اشتمل هذا الكلام القصير الذى أناف على كل غاية فى بلاغته، ورقة لفظه وسلاسته، وله عليه السلام من الطباق والجمع بين الأمور المتضادة خاصة فى علوم التوحيد وأحوال القيامة شىء كثير، وقال الحجاج بن يوسف حين أراد قتل سعيد بن جبير: فلما أحضر إليه أمر من كبه، ثم قال من أنت فقال أنا سعيد بن جبير فقال له: بل أنت شقى بن كسير. فقابل سعيد بشقى وجبير بكسير، وكان الخبيث من المعدودين فى الفصاحة، والمشار إليهم فى البلاغة، ومن كلام البلغاء قولهم:
من أقعدته نكاية اللئام، أقامته إعانة الكرام، ومن ألبسه الليل لون ظلمائه، نزعه النهار عنه بضيائه، ومن الحريريات قوله لا رفع نعشك، ولا وضع عرشك، وقوله: ومن حكم
(2/198)

بأن أبذل ويخزن، وألين ويخشن، وأذوب ويجمد، وأذكو ويخمد فهذه كلها نقائض قد جمعها، وقال بعض وزراء الفرس لما مات الأمير: حركنا بسكونه، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فى بعض رسائله قال فيه: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس بلقائه وطرف مستوحش لفراقه، ومن المنظوم ما قاله البحترى «1» :
أما والذى أبكى وأضحك والذى ... أمات وأحيا والذى أمره الأمر
ومنه قول دعبل «2» :
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فانظر كيف جمع فى الأول بين الضحك والبكاء، وبين الإحياء والإماتة، وفى الثانى بين الضحك والبكاء لا غير، ومنه ما قاله أبو تمام «3» :
ما إن ترى الأحساب بيضا وضّحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا
ومنه قول الفرزدق «4» :
قبح الإله بنى كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون بجار
ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى والطباق قليل فى شعره قال «5» :
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا
فهذا ما يتعلق بهذا الضرب.
(2/199)

الضرب الثانى فى مقابلة الشىء بضده من جهة معناه دون لفظه
ومثاله قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
[الأنعام: 125] فقوله يهدى ويضل من باب الطباق اللفظى، وقوله يشرح صدره مع قوله يجعل صدره ضيقا حرجا من الطباق المعنوى، لأن المعنى بقوله يشرح يوسعه بالإيمان ويفسحه بالنور حتى يطابق قوله ضيقا حرجا وهكذا قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (10)
[الليل: 5- 10] فقوله كذب وصدق، وقوله اليسرى والعسرى من باب الطباق اللفظى، وقوله أعطى مع قوله بخل، فإنما هو من الطباق المعنوى، لأن المعنى فى أعطى، كرم، ليطابق «بخل» فى معناه دون لفظه، ومن ذلك ما قاله البحترى «1» :
يقيض لى من حيث لا أعلم النّوى ... ويسرى إلىّ الشوق من حيث أعلم
فقوله: لا أعلم مطابق لقوله «أعلم» من جهة معناه، لأن معناه من حيث أجهل، ومن التقابل فى الأضداد من جهة المعنى قول أبى تمام «2» :
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلا أن تلك ذوابل
فأحد الإشارتين للحاضر، وهو قوله «هاتا» وأحدهما للغائب وهو قوله «تلك» فالضدية حاصلة فيهما من جهة معناهما، ومن ذلك ما قاله المقنّع الكندى من أبيات الحماسة:
لهم جلّ مالى إن تتابع لى غنى ... وإن قلّ مالى لم أكلفهم رفدا
فهذا من الطباق المعنوى، لأن قوله: إن تتابع لى غنى، معناه إن كثر مالى، وعلى هذا يناقض قوله «قلّ مالى» .
الضرب الثالث فى مقابلة الشىء بما يخالفه من غير مضادة
وذلك يأتى على وجهين،
الوجه الأول منهما أن يكون أحدهما مخالفا للآخر، خلا أن بينهما مناسبة،
(2/200)

وهذا نحو قوله تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
[التوبة: 50] فالمصيبة مخالفة للحسنة من غير مضادة، إلا أن المصيبة لا تقارب الحسنة، وإنما تقارب السيئة، لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة مصيبة، فالتقارب بينهما من جهة العموم والخصوص، وهكذا قوله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[الفتح: 29] فإن الرحمة ليست ضدّا للشدة، وإنما ضد الشدة اللين، خلا أنه لما كانت الرحمة من مسببات اللين، حسنت المطابقة بينهما، وكانت المقابلة لائقة ومن هذا ما قاله بعض الشعراء:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما ضده العدل، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل من جهة أن العدل إنصاف الغير بما يجب له أو يستحق عليه أو ترك ما لا يستحق عليه، والعفو هو المغفرة وهو الصفح والتجاوز، وهو أعظم أنواع العدل وأعلاها حسنت المطابقة أيضا.
الوجه الثانى ما لا يكون بينهما مقاربة وبينهما بعد، لا يتقاربان، ولا مناسبة بينهما،
ومثاله ما قاله أبو الطيب المتنبى «1» :
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محبّ أو إساءة مجرم
فالمقابلة الصحيحة أن تكون بين محب ومبغض، لا بين محب ومجرم، فإن بين المحب والمجرم تباعدا كبيرا، فإنه ليس كل من أجرم إليك فهو مبغض لك، ومما يجرى هذا المجرى ما قاله بعض الشعراء:
فكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الهن
فقوله: بمذمومة الأخلاق واسعة الهن، من باب المقابلة البعيدة التى لا مناسبة فيها وكان الأخلق «بضيّقة الأخلاق واسعة الهن» .
الضرب الرابع المقابلة للشىء بما يماثله
وذلك يكون على وجهين:
الوجه الأول منهما مقابلة المفرد بالمفرد،
وهذا كقوله تعالى:
(2/201)

وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[الشورى: 40] وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها
[يونس: 27] وقوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (60)
[الرحمن: 60] وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
[الروم: 44] وغير ذلك من الأمور المفردة وإنما أوردنا ما ذكرناه فى أمثلة المفردات، لأن كل ما ذكرناه فى الأمثلة إما مبتدأ وخبر كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
وإما شرط، ومشروط كقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
وكله معدود فى حيز المفردات، فلهذا عددناه فى قسم المفرد، فضابط المماثلة أن كل كلام كان مفتقرا إلى الجواب، فإن جوابه يكون مماثلا كما قررناه، وإن كان غير جواب جاز وروده من غير مماثلة لفظية، ولهذا ورد قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
ولو قال من كفر فعليه جرمه، جاز ذلك، لكن الأحسن المماثلة كما أسلفناه فأما إذا كان واردا فى غير جواب، فإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية ومثاله قوله تعالى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (70)
[الزمر: 70] ولو أراد المشاكلة اللفظية لقال: وهو أعلم بما يعلمون، لأن العمل والفعل مستويان من جهة المعنى، وهكذا قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65)
[التوبة: 65] لأن الخوض واللعب هما من جهة المعنى استهزاء بالله، وإعراض عن أمره وأمر رسوله، ولو أراد المشاكلة لقال: أفى الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون وتلعبون، فهذا ما يتعلق بالمفرد.
الوجه الثانى مقابلة الجملة بالجملة
وهذا كقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54)
[آل عمران: 54] وقوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً
[النمل: 50] وقوله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي
[سبأ: 50] والجمل الشرطية مترددة بين عدها فى باب المفرد والجملة، فإن عدت فى المفردات فلأنها وإن كانت جملا لكنها قد نقصت عن الاستقلال بعقد حرف الشرط لها عقدا واحدا، وإن عدت فى الجملة فلأن الظاهر من الشرط والجزاء جملتان، فلما كان الأمر كما قلناه جاز فيها الوجهان، وقد تكون الجملتان ماضيتين أو مضارعتين، أو تكون الأولى مضارعة، والثانية ماضية، وبالعكس من هذا، وأمثلة ذلك موجودة فى القرآن كثيرة فهذا ما أردنا ذكره فى المقابلة.
(2/202)

تنبيه
اعلم أنا لما فرغنا من تقسيم المقابلة وبيان أمثلتها فلنذكر على أثره الكلام فى المؤاخاة بين المعانى، والمؤاخاة بين الألفاظ، فأما المؤاخاة اللفظية فإنه ينبغى ويحسن مراعاتها، كالإفراد والتثنية والجمع وغير ذلك من الأحكام اللفظية، فإذا كان الأول مفردا استحب فى مقابله أن يكون مفردا مثله، وهكذا إذا كان مجموعا، ومن ثم عيب على أبى تمام قوله فى وصف الرماح «1» :
مثقّفات سلبن العرب سمرتها ... والروم زرقتها والعاشق القصفا
فلما ذكر العرب الروم كان الأخلق به أن يقول «والعشاق» ليوافق الأول فى كونها جموعا كلها، وكذلك لما ذكر الزرقة والسمرة كان الأولى أن يقول «دقّتها» أو يقول «قصفها» ليطابق ما سبق من ذلك، وهكذا ورد فى قول أبى نواس فى وصف الخمر قال «2» :
صفراء مجّدها مرازبها ... جلّت عن النّظراء والمثل
فجمع ثم أفرد فى معنى، فكان الأحسن أن يقول «والأمثال» ليطابق النظراء، أو يقول «النظير» ليطابق «المثل» وهكذا ورد قوله أيضا على مثل ذلك «3» :
ألا يابن الذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى
وما لك فاعلمن فيها مقام ... إذا استكملت آجالا ورزقا
وكان الأحسن أن يقول: إما أجلا ورزقا فيفردهما جميعا، وإما أن يقول: آجالا وأرزاقا، فيجمعها جميعا من غير مخالفة بينهما، وهذا الذى ذكرناه من هذه المراعاة ليست على جهة الوجوب، بل المراد من ذلك طريقة الحسن والإعجاب، ولهذا ورد فى كتاب الله تعالى كقوله تعالى: طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[النحل: 108] وقوله تعالى:
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ
[فصلت: 20] وقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[البقرة: 7] فلو كان ركيكا لما ورد فى القرآن، وهو أفصح
(2/203)

الكلام كله، هذا كله فى اعتبار المؤاخاة اللفظية، وأما المؤاخاة المعنوية فهى واردة فى القرآن كثيرا، وهذا إنما يكون فى فواصل الآى، فإنها تأتى مطابقة على ما سبق من معنى الآية ومثاله قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)
[الحج: 63] وكقوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)
[الحج: 64] وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65)
[الحج: 65] فالآية الأولى إنما فصلها بقوله: لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)
لما فيه من المطابقة لمعناها، لأنه ضمّنها ذكر الرحمة للخلق بإنزال الغيث لما فيه من المعاش لهم ولأنعامهم، فكان لطيفا بهم خبيرا بمقادير مصالحهم، وأما الآية الثانية فإنما فصلها بقوله الغنى الحميد، ليطابق ما أودعه فيها، لأنه لما ذكر أنه مالك لما فى السموات والأرض لا لحاجة، قابله بقوله لهو الغنى، أى عن كل شىء لأن كل غنى لا يكون نافعا بغناه إلا إذا كان جوادا به منعما على غيره فإنه يحمده المنعم عليه، فذكر الغنى ليدل به على كونه غير مفتقر إليها، وذكر «الحميد» لما كان جوادا بها على خلقه، فلا جرم استحق الحمد من جهتهم، وأما الآية الثالثة فإنما فصلها «برؤوف رحيم» لأنه لما عدّد جلائل نعمه وكانت كلها مسخّرة مدبّرة وكانوا لولا رحمته متعرضين بصددها لمتالف عظيمة من الأهوال البحرية والآفات السماوية، فلما كانت فى أنفسها متعرضة لهذه الأمور عقبها بذكر الرأفة والرحمة لينبه على كمال لطفه وعظيم رحمته بالخلق، وهكذا القول فى سائر الفواصل القرآنية، فإنك لا تزال تطلع منها على فوائد مناسبة لتلك الفاصلة كما أشرنا إليه.
(2/204)

الصنف الرابع [رد العجز على الصدر]
اعلم أنا قد ذكرنا الاشتقاق فيما سلف وقررنا أسراره، فأما رد العجز على الصدر فظاهر كلام المطرزى وعبد الكريم صاحب التبيان أن أحدهما مخالف للآخر، ولهذا أفردا لكل واحد منهما باب على حياله، وكلاهما معدود فى علم البديع، والذى عندى أنهما متقاربان، وأن رد العجز على الصدر أعم من الاشتقاق، لأن رد العجز على الصدر كما يرد فى مختلف اللفظ، فقد يكون واردا فى التساوى، بخلاف الاشتقاق، فإنه إنما يكون واردا فيما اختلف لفظه وبينهما جامع فى الاشتقاق وقد مر فلا وجه لتكريره، والذى نتعرض لذكره إنما هو رد العجز على الصدر كما نقرره بمعونة الله، وهو وارد فى النظم تارة، وفى النثر أخرى، ويأتى على ضروب.
الضرب الأول أن يكون الصدر والعجز متفقين فى الصورة،
وهذا كقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
[الأحزاب: 37] وقوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (61)
[طه: 61] ومن كلام البلغاء: الحيلة ترك الحيلة، وقولهم: القتل أنفى للقتل وفى الحريريات: وتحمى عن المنكر ولا تتحاماه، ومن النظم ما قاله بعض الشعراء «1» :
سكران سكر هوى وسكر مدامة ... أنّى يفيق فتى به سكران
الضرب الثانى أن يتفقا صورة ويختلف معناهما،
وهو يأتى أحسن من الأول وأدخل فى الإعجاب، وهذا كما قاله بعضهم:
يسار من سجيتها المنايا ... ويمنى من عطيّتها اليسار
فاليسار الأول هو الجارحة، واليسار الثانى من الميسرة، وهو نقيض الإعسار.
(2/205)

الضرب الثالث أن يتفقا فى المعنى ويختلفا صورة،
وهذا كقول عمر بن أبى ربيعة القرشى «1» :
واستبدّت مرّة واحدة ... إنّما العاجز من لا يستبدّ
وقال آخر:
تمنّيت أن ألقى سليما ومالكا ... على ساعة ينسى الحمام الأمانيا
فقوله تمنيت مع الأمانى متفقان فى المعنى مختلفان فى الصورة كما ترى.
الضرب الرابع أن يتفقا فى الاشتقاق ويختلفا فى الصورة،
وهذا مثاله ما قال بعض الشعراء:
ضرائب أبدعتها فى السما ... ح فلسنا نرى لك فيها ضريبا
ومنه قول جرير:
أخلبتنا وصددت أمّ محلّم ... أفتجمعين خلابة وصدودا
الضرب الخامس أن لا يلتقيا فى الاشتقاق ويتفقا فى الصورة،
وهذا كقوله فى الحريريات:
ولاح يلحى على جرى العنان إلى ... ملهى فسحقا له من لائح لاح
لأن قوله لاح بالشىء، إذا ذهب به، فالأول بمعنى الذهاب، وقوله بعد ذلك لاح اسم الفاعل من قولهم لحاه إذا ذمه، ولحاه إذا نازعه الأمر، فالصدر من ذوات الثلاثة، والعجز من ذوات الأربعة.
الضرب السادس أن يقع أحد اللفظين فى حشو المصراع الأول من البيت ثم يقع الآخر فى عجز المصراع الثانى،
وما هذا حاله يقع على أوجه ثلاثة، أولها أن يكونا متفقين صورة ومعنى، وهذا كقول أبى تمام «2» :
ولم يحفظ مضاع العلم شىء ... من الأشياء كالمال المضاع
وثانيها أن يقعا على هذا الحد، ويتفقا صورة لا معنى، ومثاله قول من قال:
(2/206)

لا كان إنسان، تيمّم صائدا ... صيد المها فاصطاده إنسانها
وثالثها أن يقعا على هذه الصفة لكنهما يتفقان معنى، ويختلفان من جهة الصورة، ومثاله قول امرىء القيس «1» :
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان
وفى الحريريات:
ولو استقامت كانت ال ... أحوال فيها مستقيمه
الضرب السابع أن تقع إحدى الكلمتين فى آخر المصراع الأول موافقة لما فى عجز المصراع الثانى،
ومتى كان الأمر كما قلناه فهو على وجهين، أحدهما أن تكون الموافقة فى المعنى والصورة، ومثاله ما قاله أبو تمام فى بعض مدائحه «2» :
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما
فالغرام بالشىء، الولوع به، وهما متفقان فى هذا المعنى كما ترى مع اتفاقهما فى الصورة والبناء. وثانيهما أن تكون الموافقة بينهما فى الصورة دون المعنى، مثاله ما ورد فى الحريريات «3» :
فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى
فالمثانى الأول هو آيات الفاتحة، وسميت مثانى لأنها تثنى فى الصلاة، والمثانى الثانى هو ما يثنى من الأوتار.
الضرب الثامن أن يلاقى أحد اللفظين الآخر فى الاشتقاق ويخالفه فى الصورة،
ومثاله قول البحترى:
ففعلك إن سئلت لنا مطيع ... وقولك إن سألت لنا مطاع
فكلاهما مشتق من الطاعة، لكن الأول اسم فاعل من أطاع، والثانى اسم مفعول من
(2/207)

أطاع أيضا.
الضرب التاسع أن يقع أحدهما فى أول المصراع الثانى موافقا لما فى عجزه صورة ومعنى،
ومثاله قول بعضهم «1» :
وإن لم يكن إلا معرّج ساعة ... قليلا فإنى نافع لى قليلها
فالقليل الأول والثانى مستويان فى لفظهما ومعناهما، ولا يقدح كون أحدهما معرفة والآخر نكرة فيما نحن فيه، فإن ذلك بمعزل عما نريده فى المثال.
الضرب العاشر أن يكونا مشتبهين فى الاشتقاق لفظا، والمعنى بخلافه،
ومثاله ما ورد فى الحريريات وهو قوله:
ومضطلع، بتلخيص المعانى ... ومطّلع، إلى تخليص عانى
فالمعانى الأول، اشتقاقها من عناه الأمر يعنيه إذا ألم به بقلبه ولامه ياء كما ترى، والعانى الثانى، اشتقاقه من عنا يعنو إذا هلك والعناء هو الهلاك، ولامه واو فهما يشتبهان فى اللفظ، وبينهما ما ترى من المخالفة وقوله مضطلع، وزنه «مفتعل» من قولهم اضطلع الأمر، إذا نهض به وقوله «مطّلع» وزنه «مفتعل» من اطّلع على الشىء إذا أشرف عليه، فهذا ما أردنا ذكره فى كيفية رد العجز على الصدر على هذه الكيفيات المختلفة، وقد عدّ علماء البيان فى ذلك أنواعا كثيرة لم ترد فى كلام البلغاء فأعرضنا عن ذكرها كما أعرض عنها غيرنا من أرباب هذه الصناعة وبالله التوفيق.
(2/208)

الصنف الخامس [لزوم ما لا يلزم]
ويقال له الإعنات، ويرد فى المنظوم والمنثور من الكلام، ومعناه فى لسان علماء البيان أن يلتزم الناظم قبل حرف الروى حرفا مخصوصا، أو حركة مخصوصة من الحركات قبل حرف الروى أيضا، وهكذا القول فى الرّدف، فإنه يجعله على حد حرف متماثل، وهكذا إذا ورد فى النثر يكون على هذه الطريقة كما سنوضحه بالأمثلة، فحاصل الأمر فى لزوم ما لا يلزم، هو أن يلتزم حرفا مخصوصا قبل حرف الروى من المنظوم أو حركة مخصوصة، فما هذا حاله إذا التزمه الناثر أو الناظم فهو إعنات لنفسه وكد لقريحته، وتوسع فى فصاحته وبلاغته، وإن خالفه فلا عيب عليه فى ذلك، وكان له فى تغييره مندوحة بخلاف ما إذا كان قبل حرف الروى ردفا وهو الواو والياء، فإن ما هذا حاله لا يجوز تغييره إلى غيره، فلا يقال إنه من باب لزوم ما لا يلزم، بل لازم للناثر والناظم أن يأتى به على حاله، خلا أنه يجوز معاقبة الواو للياء، ومعاقبة الياء للواو ولا يجوز معاقبة الألف لهما، فعلى هذا يجوز عمود، وشديد، ولا يجوز ميعاد، فى تقابل الأسجاع، ولهذا جاء قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)
[العاديات: 6- 8] فحرف الردف ليس من باب لزوم ما لا يلزم، بل هو لازم بكل حال، فإذا عرفت هذا فلنورد أمثلته لينكشف أمره، فمما جاء منه فى التنزيل قوله تعالى: وَالطُّورِ (1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2)
[الطور: 1- 2] وقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2)
[العلق: 1- 2] وقوله تعالى: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)
[الطور: 29- 30] وقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)
[الواقعة:
27- 29] وقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
[الأنفال: 39- 40] وقوله تعالى: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
[مريم: 45- 46] وهذا الأسلوب فى القرآن على القلة، وما
(2/209)

ذاك إلا لأنه غير لازم من الإتيان به فى البلاغة والفصاحة، وقد عاب ابن الأثير على من قال إن قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18)
[الطور: 17- 18] من باب لزوم ما لا يلزم لما ذكرناه، من أن حرف الروى يجب التزامه بكل حال على الناثر والناظم، فلا يعد من هذا الباب، وإنما يعد قوله تعالى: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28)
[ق: 27- 28] وهذا بعينه يعد فى أمثلة لزوم ما لا يلزم، ومن السنة النبوية قوله عليه السلام: فإن كان كريما أكرمك وإن كان لئيما أسلمك، ومن ذلك قوله: وليحسن عمله، وليقصر أمله، وقوله صلّى الله عليه وسلّم فلا يغنى عنكم 7 لا عمل صالح، قدمتموه، أو حسن ثواب حزتموه، وقوله: تبوّئهم أجداثهم وتأكل تراثهم وقوله: حسنت خليقته وصلحت سريرته، وقوله: إن أفضل الناس عبد، أخذ من الدنيا الكفاف، وصاحب فيها العفاف، ومنه قوله فى صفة الدنيا: واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، إلى غير ذلك من الأمثلة الواردة فى كلامه، ولا تكاد توجد فى السنة إلا على القلة كما ذكرنا أنه فى القرآن قليل، ومن طلبه فيها وجده، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى مثاله، وكلامه مملوء منه، منه فى صفة الموت: فكأن قد أتاكم بغتة، فأسكت نجيّكم وفرق نديّكم، وعفّى آثاركم، وعطّل دياركم، وبعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم، وقال فى صفة التقوى: وهى عتق من كل ملكة ونجاة من كل هلكة، ومن ذلك قوله: واعلموا أنكم فى زمان القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل، وقال فى خطبة: لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، وقوله فى وصف الفتنة وأهلها: قوم شديد كلبهم قليل سلبهم، وقوله عليه السلام فى صفة الدنيا: قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود، وصادفتموها والله كالطلح المنضود، ومن ذلك ما ورد فى كلام البلغاء وهذا كقول عمر رضى الله عنه: ولا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فى ذم رجل يوصف بالجبن: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضل فى أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق، فمراعاة الراء قبل القاف من باب لزوم ما لا يلزم كما قررناه أولا، ومن ذلك قوله أيضا فى كتاب إلى بعض إخوانه: الخادم يهدى من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون أحدهما نفسا والآخر عرضا، فالتزام الراء قبل الضاد لزوم ما لا يلزم، ومن ذلك ما قاله فى كتاب آخر له: ومهما شدّ به
(2/210)

عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التى خولته، ولا يقوى تصعّد السحب إلا بكثرة غيثها الذى أنزلته، وغير خاف أن عبيد الدولة لها كالعمد من طرافها، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيد السيف إلا بقائمة، ولا ينهض الجناح إلا بقوادمه، فهذه الفواقر كلها من باب لزوم ما لا يلزم، ومن ذلك ما قالته امرأة لقيط بن زرارة تثنى عليه بعد قتله، واستخلافها لغيره إنه خرج يوما وقد تطيب وشرب فطرد البقر وصرع منها، ثم أتانى وبه نضح دم فضمّنى ضمة، وشمّنى شمة، فليتنى مت ثمّة، فهذا الكلام من الباب الذى نحن بصدده، ومن المنظوم ما قاله ابن الرومى وكان من أكثر الناس ولعا بلزوم ما لا يلزم فى أشعاره «1» :
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلّا فما يبكيه منها وإنّه ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّه ... بها سوف يلقى من أذاها يهدّد
فإلزام حركة الفتح قبل حرف الروى من باب لزوم ما لا يلزم كما مر تقريره وقال المعرى «2» :
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحقّ لسكّان البسيطة أن يبكوا
يحطّمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد له السّبك
وقال فى الحريريات:
من ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضى فى صعده
سماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده
وهذا وأمثاله من باب لزوم ما لا يلزم فى الحركة والحرف جميعا كما ترى، ومن أبيات الحماسة قوله:
إن التى زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها
حجبت تحيّتها فقلت لصاحبى ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها
فإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الفؤاد إلى الضمير فسلّها
(2/211)

الصنف السادس فى ذكر [اللف والنشر]
وهو فى لسان علماء البيان عبارة عن ذكر الشيئين على جهة الاجتماع مطلقين عن التقييد ثم يوفّى بما يليق بكل واحد منهما اتكالا على أن السامع لوضوح الحال يرد إلى كل واحد منهما ما يليق به، وهو فى الحقيقة جمع ثم تفريق، واشتقاقهما من قولهم: لف الثوب إذا جمعه، ونشر الثياب إذا فرقها، ومنه قوله تعالى: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
[الشورى: 28] أى يفرقها فى عباده على قدر ما يعلمه من الصلاح، ومثاله من التنزيل قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[القصص: 73] فجمع بين الليل والنهار بواو العطف، ثم بعد ذلك أضاف إلى كل واحد منهما ما يليق به، فأضاف السكون إلى الليل، لأن حركات الخلق تسكن ليلا لأجل النوم، ثم قال بعد ذلك وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
أضافه إلى النهار، لأن ابتغاء الأرزاق إنما يكون نهارا بالتصرف والاضطراب، واكتفى فى الإضافة بما يعلم من ظاهر الحال، وهو أن السكون مضاف، إلى الليل، لما فيه من الاستراحة بترك التصرفات، وأن الابتغاء مضاف إلى النهار لما يظهر فيه من الحركة، ولم يقل جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، والنهار لتبتغوا من فضله، إيثارا لما يظهر فى اللف بعده النشر، من البلاغة وحسن التأليف، ومنه قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
[البقرة: 111] فقوله وقالوا أراد به اليهود والنصارى فجمعهما فى الضمير ولفهما بذكره، ثم إنه نشرهما بعد ذلك بقوله: مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
والتقدير فيه وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، فجمعه بما ذكرنا، ثم فصله ولم يقل ذلك كل واحدة من الطائفتين، بل أراد التكرير كما أشرنا إليه، ومن السنة النبوية قوله صلى الله عليه وآله: فإن المرء بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه عمله فحتّم عليه. ويوم قد بقى لا يدرى لعله لا يصل إليه، فقوله بين يومين، يكون من اللف، لاشتمالهما على ما
(2/212)

يكون ماضيا ومستقبلا، وهذه هى فائدة اللف ثم إنه نشرهما بعد ذلك بقوله: يوم قد مضى أحصى فيه عمله، فهذا يتناول الماضى، ويوم قد بقى لا يدرى ما يفعل فيه، وهذا يتناول المستقبل، فهذه هى حقيقة اللف والنشر كما قررناه، ولو لم يرد اللف والنشر لقال فيه: إن المرء بين يومين، يوم قد مضى ويوم قد بقى، وهو إذا كان على هذه الصورة لم يكن من هذا الباب فى ورد ولا صدر، ومن هذا قوله صلى الله عليه وآله: وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فلفّ الليل والنهار جميعا، ثم فصّل أحكامهما بعد ذلك، وهذا إنما يكون لفا ونشرا إذا كان بلى أحدهما مخالفا لبلى الآخر، وهكذا حال التقريب، فأما إذا تماثلا فليس منه، وفيه تعسف، والأحق فى المثال غيره، ولو لم يرد اللف والنشر لقال: وقد رأيتم الليل كيف يبلى كل جديد ويقرب كل بعيد ويأتى بكل موعود، ورأيتم النهار كيف يبلى كل جديد ويقرب كل بعيد ويأتى بكل موعود لم يكن من باب اللف والنشر، ومن ذلك قوله عليه السلام: إنما يؤتى الناس يوم القيامة من إحدى ثلاث، إما من شبهة فى الدين ارتكبوها، أو شهوة للذة آثروها، أو عصبية لحمية أعملوها، فإذا لاحت لكم شبهة فاجلوها باليقين، وإذا عرضت لكم شهوة فاقمعوها بالزهد، واذا عنت لكم عصبية فادرأوها بالعفو، فانظر أيها المتأمل ما حواه هذا الكلام من لطائف الإجمال والتفصيل، واشتمل عليه من محاسن اللف والنشر، ومن تأمل كلامه عليه السلام وجد فيه ما يكفى ويشفى من ذلك. ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه قوله: وما أعد الله للمطيعين منهم والعصاة من جنة ونار وكرامة وهو ان، فقوله للمطيعين والعصاة هذا هو اللف وقوله من جنة ونار أراد الجنة لأهل الطاعة والنار لأهل المعصية وقوله كرامة وهوان، أراد الكرامة لأهل الطاعة والهوان لأهل المعصية، فما هذا حاله يطلق اتكالا على قريحة السامع فى رد كل شىء إلى ما يليق به، ومن ذلك قوله عليه السلام: الناس ثلاثة، عالم ربانى، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، فأشار بقوله ثلاثة إلى اللف، ثم نشره بعد ذلك بما أشار إليه من التفاصيل. ومن الأمثلة فى المنظوم، ما قاله بعض الشعراء:
(2/213)

ألست أنت الذى من ورد نعمته ... وورد حشمته أجنبى وأغترف
فقوله: أجنى وأغترف نشر لما تقدم من اللف فقوله أجنى بيان للورد الذى استعاره للنعمة. وقوله أغترف بيان للورد الذى استعاره للحشمة، ومن الحريريات قوله:
وبنوها ومغاني ... هم نجوم وبروج
فالنجوم للأبناء، والبروج للمغانى.
وقوله:
وكم من قارىء منها وقارى ... أضرّا بالجفون وبالجفان
فقوله بالجفون، راجع إلى القارىء لما يحصل من الخشوع ولين القلب بقراءته، وقوله بالجفان راجع إلى القارى من القرى، فلفهما أولا، ثم نشرهما بعد ذلك. ومن ذلك ما قاله ابن الرومى «1» :
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... فى الحادثات إذا دجون نجوم
فيها معالم للهدى ومصالح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم
تم الجزء الثانى ويليه الجزء الثالث وأوله الصنف السابع التخييل
(2/214)