Advertisement

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز 003

الجزء الثالث
[تتمة الفن الثانى من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة]
[تتمة باب الرابع من فن المقاصد في ذكر أنواع البديع وبيان أقسامه]
[تتمة النمط الاول ما يتعلق بذكر الفصاحة اللفظية وبيانها]
الصنف السابع التخييل
اعلم أن هذا النوع من علم البديع من مرامى سهام البلاغة المسددة، وعقد من عقود لآليه وجمانه المبددة، كثير التدوار فى كتاب الله تعالى، والسنة الشريفة، لما فيه من الدقة والرموز، واستيلائه على إثارة المعادن والكنوز، ومن أجل ذلك ضل من ضل من الجبرية بسبب آيات الهدى والضلال، وعمل من أجله على الانسلاخ عن الحكمة والانسلال، وزل من زل من المشبهة باعتقاد التشبيه، وزال عن اعتقاد التوحيد باعتقاد ظاهر الأعضاء والجوارح فى الآى فارتطم فى بحر التمويه، فهو أحق علوم البلاغة بالإتقان، وأولاها بالفحص عن لطائفه والإمعان، ولو لم يكن فى الإحاطة به إلا السلامة عما ذكرناه من زيغ الجهال، والخلاص عن ورط الزيغ والضلال، لكان ذلك بغية النظار والضالة التى يطلبها غاصة البحار، فضلا عما وراء ذلك من درر مكنونة، وأسرار مودعة فيه مخزونة، ومن ثم قال الشيخ النحرير محمود بن عمر الزمخشرى نوّر الله حفرته: ولا نرى بابا فى علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع لى عونا على تعاطى المشتبهات من كلام الله تعالى وكلام الأنبياء، ولعمرى لقد قال حقا ونطق صدقا. ثم أقول: إن السبب فى حسن موقعه فى البلاغة هو ما اختص به هذا النوع من كونه موضوعا على تشبيه غير المحسوس بالمحسوس، كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: 64] وقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[القمر: 14] إلى غير ذلك وفى ذلك من البلاغة ما لا يخفى، فلأجل ما ذكرناه كان واقعا فى أرفع موضع، فلا جرم إن نحن خصصناه بازدياد بسط وتكثير أمثلة، وسببه ما نبهنا عليه من عظم قدره، وعلو شأنه، وظهور أمره، والتخييل مصدر من قولك تخيلت الأمر إذا ظننته على خلاف ما هو عليه، أو من قولك: خيلت فيك خيرا إذا ظننته فيه، فهو مصدر لهذين الفعلين كما ترى، ومنه الخيال، وهو خشبة توضع عليها ثياب سود تنصب للطير والبهائم فتظنه إنسانا فتبعد عنه وتهابه، قال الشاعر:
أخى لا أخا لى بعده غير أننى ... كراعى خيال يستطيف بلا فكر
فنذكر معناه ثم نذكر أمثلته، فهذان تقريران:
(3/3)

التقرير الأول فى بيان معناه
وله فى اصطلاح علماء البيان تعريفات ثلاثة:
التعريف الأول ذكره الشيخ عبد الكريم صاحب التبيان
قال: هو تصوير حقيقة الشىء حتى يتوهم أنه ذو صورة تشاهد، وأنه مما يظهر فى العيان، ومثله بقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[الزمر: 67] .
التعريف الثانى ذكره المطرزى
وحاصل ما قاله: هو أن تذكر ألفاظا لكل واحد منها معنيان، أحدهما قريب، والآخر بعيد، فإذا سمعه الإنسان سبق فهمه إلى القريب، ومراد المتكلم فهم البعيد، وهذا كقوله تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[الحجر: 29] فالظاهر الذى يسبق من هذا الكلام هو الروح المتردد فى الخلق، وليس مقصودا ههنا، وإنما المقصود روح الحياة، وهكذا ما أشبهه من قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: 64] وغيره.
التعريف الثالث
أن يقال هو اللفظ الدال بظاهره على معنى، والمراد غيره على جهة التصوير، فقوله:
«هو اللفظ الدال على معنى بظاهره» ، يحترز به عن اللفظ المشترك، فإنه غير دال على معنى بظاهره فإنه لا ظاهر فيه، وإنما دلالته على جهة البدلية وقوله: «والمراد غيره» ، يحترز به عن البصر، فإنه دال على معنى بظاهره وهو المراد بنفسه لا يراد غيره. وقوله: «على جهة التصوير» ، يحترز به عن سائر المجازات كلها، فهذا أقرب لفظ يؤنس بذكر معناه ويضبطه، فأما ما ذكره المطرزى فليس على جهة التحديد، وإنما هو وارد على جهة شرح أحكامه وضبطها. وعلى الجملة فإنه متميز فى نفسه عن سائر أنواع علم البديع بما أشرنا إليه، وهو ما يكسب الكلام الفصاحة والبلاغة والبيان، ويلحق مرأى البصيرة بمرأى البصر والعيان.
(3/4)

التقرير الثانى فى بيان أمثلته
وهى واسعة الخطو ممتدة الحواشى فى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وكلام البلغاء كأمير المؤمنين كرم الله وجهه وغيره من أرباب البلاغة الذين خاضوا بحر عمانها، وغاصوا على لآلئها ومرجانها، وميزوا فيها بين خرزها وجمانها، وحصلها ومجانها، وفصلوا منها بين هجينها وهجانها، فمن أمثلة التنزيل قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
[المائدة: 64] وقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[القمر: 14] وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (27)
[الرحمن: 27] وقوله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَ
[ص: 75] وقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[طه: 39] وقوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[الحجر: 29] وقوله تعالى: فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[الزمر: 56] إلى غير ذلك من الآيات الموهمة بظاهرها للأعضاء والجوارح، فإذا قام البرهان العقلى على استحالة هذه الأعضاء على الله تعالى وأنه منزه عن جميع أنواع التشبيهات المكونات الجسمية والعرضية وتوابعهما كالكون فى الجهات، والأعضاء والجوارح، والحلول والمجىء والذهاب وغير ذلك من توابع الجسمية والعرضية، فلا بد من تأويل هذه الظواهر على ما تكون موافقة للعقل، وإعطاء للبلاغة حقها لأن مخالفة العقل غير محتملة، وحمل الكلام على غير ظاهره محتمل، وتأويل المحتمل أحق من تأويل غير المحتمل، فلهذا وجب تأويلها، وللعلماء فى تأويلها مجريان:
فالمجرى الأول الذى ينتجه علماء الكلام من الزيدية والمعتزلة وغيرهم من المنزهة، وهو أنهم يتأولون هذه الظواهر على تأويلات وإن بعدت حذرا عن مخالفة العقل، واغتفر بعدها لأجل مخالفة العقل، ويعضدون تأويلاتهم بأمور لغوية، فيقولون المراد باليد النعمة، وإن المراد بالعين العلم، إلى غير ذلك، وحملهم لها على هذه التأويلات لما لم يأنسوا بشىء من علوم البيان، ولا ولعوا بشىء من مصطلحاته، فجاءوا بهذه التأويلات الركيكة التى يأنف منها كل محصّل، ويزدريها نظر أهل البلاغة.
المجرى الثانى وهو الذى عول عليه علماء البلاغة والمحققون من أهل البيان، وهى أنها جارية على نعت التخييل، فهى فى الحقيقة دالة على ما وضعت له فى الأصل، لكن معناها غير متحقق، وإنما هو أمر خيالى، فاليد مثلا دالة على الجارحة، والعين كذلك لكن تحقق
(3/5)

اليد والعين فى حق الله تعالى غير معقول، ولكنه جار على جهة التخيل، كمن يظن شبحا من بعيد أنه رجل فإذا هو حجر، ومن يتخيل سوادا أنه حيوان فإذا هو شجر، إلى غير ذلك من الخيالات، فما هذا حاله من التأويلات أسهل على الفؤاد وأجرى وأدخل فى البلاغة من التأويلات البعيدة التى لا يعضدها عقل، ولا يشهد بصحتها نقل، ثم أثر عن هذيان الأشعرية أن المراد بهذه الأعضاء صفات أخبر عنها باليد، والعين، والجنب، وسائر الأعضاء، فما هذا حاله لا دلالة عليه، وأبعد من هذا تهويس المشبهة من أن المراد بها ظاهرها من الأعضاء والجوارح. والرد عليهم إنما يليق بالكتب الكلامية، وقد أوردنا هذه المسألة فى الكتب العقلية وزيفنا هذه الآراء، وأبطلنا هذه الأهواء فليطالع من هناك. ومن الأمثلة الواردة فى السنة النبوية: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله» «1» ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «يد الفقير يد الله، فمن أعطى الفقير فكأنما يعطى الله» ، وقوله عليه السلام: «الحجر الأسود يمين الله فى الأرض» «2» ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما ورد فى (صحيح البخارى) فى صفة النار: «وإن الجبار يضع قدمه فى النار» ، والمراد به غير الجارحة، أى من سلف من الأمم الماضية الخارجين عن الدين بإنكار القيامة والمعاد الأخروى، وإن أريد به الجارحة كان من باب التخييل، فهذه الأخبار وما شاكلها مما يدل على الأعضاء والجوارح يجب حمله على ما ذكرناه من التخييل.
لا يقال فبأى شىء تكون التفرقة بين تأويل المتكلمين لظواهر هذه الآى وظواهر هذه الأخبار الدالة على الأعضاء والجوارح، وبين تأويل علماء البيان لهذا إذا حملوها على التخييل كما ذكرتم، لأن كل واحد منهما يكون تأويلا لا محالة، لأنا نقول التفرقة بينهما ظاهرة، فإن المتكلمين حملوها على تأويلات بعيدة، واغتفروا بعدها حذرا من مخالفة الأدلة العقلية، وكان بعدها عندهم أهون من مخالفة العقل، حيث كان دالا على التنزيه دلالة قاطعة. فأما علماء البيان فإنهم وضعوها على معانيها اللغوية فى كونها دالة على هذه الجوارح، لكنهم قالوا إن الجارحة خيالية غير متحققة، فلا جرم كان تأويلا منهم لها على ذلك، ولهذا كان تأويلهم لها أقرب لما كانت دالة على ما وضعت له فى الأصل من غير عدول ولا مخالفة، وإن جاءت المخالفة من جهة أن الجارحة خيالية دون أن تكون حقيقية،
(3/6)

فهذه هى التفرقة بين التأويلين. ومن الأمثلة ما ورد عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وهذا كقوله عليه السلام: «الحمد لله الفاشى حمده، الغالب جنده، المتعالى جده» .
وقوله: «الذى بعد فنأى، وقرب فدنا، وعلا بحوله، ودنا بطوله» ، وقوله: «والسموات ممسكات بيده مطويات بيمينه سبحانه وتعالى» ، وقوله: «ناصيتى بيدك ماض فىّ حكمك عدل فىّ قضاؤك» . وقوله عليه السلام: «فاتقوا الله الذى أنتم بنعمته ونواصيكم بيده، وتقلبكم فى قبضته» . ومن الأمثلة فى كلام البلغاء قول بعضهم:
رأيت عرابة الأوسىّ يسمو ... إلى العلياء منقطع القرين
إذا ما راية نصبت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين «1»
فليس الغرض باليمين ههنا الجارحة على جهة الحقيقة، وإنما أراد ما يكون على جهة التخييل كما مرّ بيانه، وفى «الحريريات» قوله:
يا قوم كم من عاتق عانس ... ممدوحة الأوصاف فى الأنديه
قتلتها لا أتّقى وارثا ... يطلب منى قودا أودية
فقوله العانس، والقتل، يظن من جهة الظاهر أن غرضه البكر، وليس غرضه ذلك وإنما أراد الخمر، فالعانس هى التى يكثر مقامها مع أبويها، استعاره للخمر، والقتل هو إزهاق الروح، وأراد به ههنا مزجها، ومنه قوله أيضا «لم يزل أهلى وبعلى يحلون الصدر ويمتطون الظهر ويولون اليد، فلما أردى الدهر الأعضاد، وفجع بالجوارح والأكباد، وانقلب ظهرا لبطن نبا الناظر، وجفا الحاجب، وصلد الزّند، ووهت اليمين، وبانت المرافق، ولم يبق لنا ثنية ولا ناب» ، فليس المراد بهذه الأشياء هى الجوارح كما هو المفهوم من ظاهرها، وإنما أراد الجدب على جهة الخيال، ولم يرد حقيقتها كما مر فى غيره من المواضع.
(3/7)

الصنف الثامن الاستطراد
وهو نوع من علم البلاغة دقيق المجرى، غزير الفوائد، يستعمله الفصحاء، ويعول عليه أكثر البلغاء، وهو قريب من الاعتراض الذى قدمنا ذكره، خلا أن الاعتراض منه ما يقبح، ويحسن، ويتوسط، بخلاف الاستطراد فإنه حسن كله، ومعناه فى مصطلح علماء البيان أن يشرع المتكلم فى شىء من فنون الكلام، ثم يستمر عليه فيخرج إلى غيره، ثم يرجع إلى ما كان عليه من قبل، فإن تمادى فهو الخروج، وإن عاد فهو الاستطراد، واشتقاقه من قولهم: أطرده السلطان، إذا أخرجه من بلده، لأن المتكلم يخرج من كلامه إلى كلام آخر كما ذكرناه. ومنه الحديث: «التهجد مطردة للحسد» ، أى أنه يخرج الحسد من الإنسان.
أو يكون اشتقاقه من الاتساق. وفى حديث الإسراء: «فإذا هران يطردان منه طراد الفرسان» . وفى حديث ابن عباس حين تكلم أمير المؤمنين فى الخلافة فعرض له عارض فى أثناء الخطبة، فقال له ابن عباس: «لو أطردت مقالتك يا أمير المؤمنين» ، فقال: «يا ابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرّت» ، ومعناه: لو اتسقت مقالتك الأولى. لأن المتكلم يرجع من كلامه الذى أدخله على كلامه الأول وينسقه عليه فيتلاءم ويتسق، فيمكن تقرير اشتقاقه على هذين الوجهين. وشبهه علماء البيان بمن يطرد صيدا ثم يعنّ له صيد آخر فيطرده، ثم يرجع إلى الأول فيشتغل به، ومنه الحديث: «كنت أطارد حية لأصيدها» «1» .
ويقال له المطاردة أيضا، والألقاب قريبة لا يعرّج عليها. وتمام المقصود إنما يكون بذكر الأمثلة وإيرادها، لأن المثال هو تلو الماهية فى الإبانة عن حقيقة الشىء ومعرفة ذاته، فمن الأمثلة من كتاب الله تعالى: قوله عز وجل: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)
[هود: 95] فقوله: كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)
استطراد بعد ذكره مدين، لأنه عارض عند ذكره حال مدين، وما كان منهم من التكذيب للرسل، ثم قال «2» : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
[الأعراف: 101] فإن كانت الضمائر راجعة إلى مدين، فهو من باب الاستطراد كما ذكرناه، وإن كانت الضمائر، راجعة إلى ثمود فهو خروج، لأن حقيقة المطاردة خارجة عنه، ومنه
(3/8)

قوله تعالى: فى سورة المزمل قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3)
[المزمل: 2- 3] فقوله إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)
[المزمل: 5] استطراد لأنه وسطه بين أوصاف الليل، وما ذكره من أحكامه، ثم رجع إلى حال الليل بعد ذكره بقوله: إِنَّا سَنُلْقِي
وهذه هى فائدة الاستطراد ومعناه. ومنه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ
[الإسراء: 78- 79] فقوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
من الاستطراد الرائق لأنه خرج من ذكر الليل إلى ذكر قرآن الفجر ثم عاد بعده إلى ذكر الليل، وهذه هى فائدة الاستطراد وحقيقته، ومن تأمل آى التنزيل فإنه يجد فيها شيئا كثيرا من هذه الأمثلة. فأما الخروج من قصة إلى قصة وأسلوب إلى أسلوب آخر فعليه أكثر القرآن، ومن السنة النبوية قوله صلّى الله عليه وسلّم فى رواية جابر: أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح وهو بمكة يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» «1» ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قاتل الله اليهود حرّمت عليهم شحومها فباعوه وجملوه» ، فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة تطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام. فقوله: «قاتل الله اليهود» «2» من باب الاستطراد لأنه قطعه عن حديث ما قبله، ثم رجع إلى حديث ما كان تركه، وهذه هى فائدة الاستطراد، وقوله عليه السلام: «لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال إنه لم يبق من دنياكم هذه فى جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو صرّ حالب، فعلام تفرحون؟ وماذا تنتظرون؟، فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا كأن لم يكن، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل» فقوله: «فعلام تفرحون؟ وماذا تنتظرون؟» من الاستطراد، الذى أناف على الغاية فى الرشاقة والحسن وزاد، لأن ما قبله وما بعده ذكر الدنيا بما فيها من النفاد والزوال ولكنه وسطه على جهة الاستطراد، ثم رجع إلى ما شرع فيه من ذم الدنيا والإخبار عن نفادها وغرورها وزوالها.
ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى الاستطراد فى بعض أيام صفّين: «معاشر المسلمين استشعروا الخشية وتجلببوا السكينة وعضّوا على النواجذ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللأمة، وقلقلوا السيوف فى أغمادها قبل سلها، والحظوا الخزر واطعنوا
(3/9)

الشزر، ونافحوا بالظّبا، وصلوا السيوف بالخطا، واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله فعاودوا الكر، واستحيوا عن الفر، فإنه عار فى الأعقاب، ونار يوم لحساب» .
فقوله: «واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله» استطراد، ومنه قوله أيضا: «أما بعد يا أهل العراق فإنما أنتم كالمرأة الحامل، حملت فلما أتمت أملصت ومات قيّمها، وطال تأيمها، وورثها أبعدها، أما والله ما أتيتكم اختيارا، ولكن جئت إليكم سوقا، ولقد بلغنى أنكم تقولون: علىّ يكذب، قاتلكم الله فعلى من أكذب، أعلى الله فأنا أول من آمن به، أم على رسوله فأنا أول من صدقه، كلّا والله» ، فقوله: «قاتلكم الله» من الاستطراد الذى أخذ من الحسن حظا وافرا، وحل من البلاغة مكانا رفيعا. وما أشبه هذا الاستطراد فى كلامه هذا بقوله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)
[المنافقون: 4] فإن ما هذا حاله فى الآية من أعجب الاستطراد وأرقه، وألطف معانيه وأدقه، ومن تتبع كلامه عليه السلام فى المواعظ والكتب فى الآداب والحكم وجد فيه من ذلك شفاء العلل من دائها وكفاية لتلك الأفئدة من حر رمضائها. ومن كلام البلغاء فى ذلك ما قاله بعض الشعراء:
وأحببت من حبّها الباخلين ... حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من اللؤم بيضا وسودا
فقوله: «حتى ومقت ابن سلم سعيدا» ، من الاستطراد لأنه صدر البيت بذكر كونه محبا لكل بخيل فصار أجنبيا، بالإضافة إلى ما صدر به الكلام، هكذا أورده عبد الكريم فى أمثلته، وليس منه لأن من حقه أن يكون واردا بين كلامين متلائمين، فأما عده فى الخروج لكونه مشتملا على معناه وحقيقته كما تراه فى ظاهره فهو جيد لا غبار عليه، بالإضافة إلى المقصد الذى قصده كما أوضحناه. ومن ذلك ما قاله السموءل بن عادياء «1» :
وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
فقوله: «إذا ما رأته عامر وسلول» ، من باب الاستطراد لخروجه عما صدر به الكلام الأول. ومن ذلك ما قاله امرؤ القيس الطائى «2» :
عوجا على الطلل المحيل لعلّنا ... نبكى الديار كما بكى ابن حذام
(3/10)

فقوله: «كما بكى ابن حذام» من باب الاستطراد لما خرج به عما كان عليه من صدر البيت. ومن ذلك ما قاله بكر بن النطاح يمدح أميره «1» :
فأقسم لو أصبحت فى عزّ مالك ... وقدرته أغنى بما رمت مطلبى
فتى شقيت أمواله بنواله ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب
فهذا وأمثاله من عجيب الاستطراد لأن قوله: «كما شقيت قيس بأرماح تغلب» كلام دخيل وارد على جهة الاستطراد، جمع فيه بين مدح الرجل بالكرم وقبيلته بالشجاعة والظفر وبين ذم أعدائهم بالضعف والجبن والخور، وهذا بديع فى سياقه وفائدته ومحصوله كما ترى والله اعلم.
(3/11)

الصنف التاسع التسجيع
اعلم أن هذا النوع من علوم البلاغة كثير التّدوار، عظيم الاستعمال فى ألسنة البلغاء، ويقع فى الكلام المنثور، وهو فى مقابلة التصريع فى الكلام المنظوم الموزون فى الشعر كما سنقرره، ومعناه فى ألسنة علماء البيان: «اتفاق الفواصل فى الكلام المنثور فى الحرف أو فى الوزن أو فى مجموعهما» كما سنفصل أنواعه، واشتقاقه من قولهم: «سجعت الناقة» إذا مدت حنينها على جهة واحدة، ومنه سجع الحمامة إذا هدرت، فإن اتفقت الأعجاز فى الفواصل مع اتفاق الوزن سمى المتوازى كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (14)
[الغاشية: 13- 14] وإن اتفقا فى الأعجاز من غير وزن سمى المطرف كقوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
[نوح: 13- 14] . وكقول بعض البلغاء: «من حسنت حاله استحسن محاله» . وإن اتفقا فى الوزن دون الحرف سمى المتوازن كقوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)
[الغاشية: 15- 16] فإذا تقررت هذه القاعدة فلنذكر حكمه فى الاستعمال ثم نذكر شروطه، ثم نردفه بذكر أقسامه، ثم نذكر أمثلته فهذه فوائد أربع نفصلها بمعونة الله تعالى.
الفائدة الأولى فى ذكر حكمه فى الاستعمال
وفيه مذهبان:
المذهب الأول جوازه وحسنه،
وهذا هو الذى عول عليه علماء أهل البيان، والحجة على ذلك هى أن كتاب الله تعالى والسنة النبوية وكلام أمير المؤمنين مملوء منه وكلام البلغاء أيضا كما سنوضحه فى الأمثلة، فلو كان مستكرها لما ورد فى هذا الكلام البالغ فى الفصاحة كل مبلغ، ولأجل كثرته فى ألسنة الفصحاء لا يكاد بليغ من البلغاء يرتجل خطبة ولا يحرر موعظة إلا ويكون أكثره مبنيا على التسجيع فى أكثره، وفى هذا دلالة قاطعة على كونه مقولا مستعملا فى ألسنة الفصحاء فى المقامات المشهورة والمحافل المعهودة.
المذهب الثانى استكراهه،
وهذا شىء حكاه ابن الأثير، ولم أعرف قائله، ولا وجدته فيما طالعت من كتب البلاغة، ولعل الشبهة لهم فى استكراهه ما ورد عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما أوجب فى الجنين غرة، عبدا أو أمة، فقال الذى أوجبها عليه «كيف تدى من لا شرب ولا
(3/12)

أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك بطل» ، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أسجعا كسجع الكهان» «1» ، فأنكر السجع على من تكلم به، وفى هذا دلالة على استكراهه. والجواب أنا نقول إنه لم ينكر السجع مطلقا، وإنما أنكر سجعا مخصوصا وهو سجع الكهان، لأن أكثر أخبارهم عن الأمور الكونية، والأوهام الظنية، على جهة السجع وتطابق أعجاز الألفاظ كما تراه يحكى عن شق وسطيح، وغيرهما من الكهان، والمختار قبوله، ولو لم يكن جائزا فى البلاغة لما أتى عليه أفصح الكلام وهو التنزيل، ولما جاء فى كلام سيد البشر وكلام أمير المؤمنين، لأن هذه هى أعظم الكلام بلاغة وأدخلها فى الفصاحة، فلا يمكن ترك هذا الأسلوب من الكلام لقصة عارضة من جهة الرسول يمكن حملها على وجه لائق كما أشرنا إليه.
الفائدة الثانية فى بيان شروطه
اعلم أن المقصود بالتسجيع فى الكلام إنما هو اعتدال مقاطعه وجريه على أسلوب متفق، لأن الاعتدال مقصد من مقاصد العقلاء يميل إليه الطبع وتتشوق إليه النفس، لكنه لا يحسن كل الحسن، ولا يصفو مشربه إلا باجتماع شرائط أربع:
الشريطة الأولى: ترجع إلى المفردات،
وهى أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة المذاق رطبة طنانة، صافية على السماع حلوة طيبة رنانة، تشتاق إلى سماعها الأنفس، ويلذ سماعها على الآذان، مجنبة عن الغثاثة والرداءة، ونعنى بالغثاثة والرداءة أن الساجع يصرف نظره إلى مؤاخاة الأسجاع وتطابق الألفاظ، ويهمل رعاية حلاوة اللفظ وجودة التركيب وحسنه، فعند هذا تمسه الرداءة، وتفارقه الحلاوة ويصير فيما جاء به بمنزلة من ينظم عقدا من خزف ملون، أو ينقش بألوان الصباغ ثوبا من عهن، فهذه الشريطة لابد من مراعاتها، وإلا وقع مهملها فيما ذكرناه.
الشريطة الثانية راجعة إلى التركيب،
وهى أن تكون الألفاظ المسجوعة فى تركّبها تابعة لمعناها، ولا يكون المعنى فيها تابعا للألفاظ فتكون ظاهرة التمويه وباطنة التشويه، ويصير مثاله كمثال عمد من ذهب على نصب من خشب، أو كرة محلاة أو بعرة مذهبة مطلية،
(3/13)

ومثال ذلك أنك إذا تصورت فى نفسك معنى من المعانى، فإنك إذا أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع ولم يواتك ذلك، ولا سمحت قريحتك به إلا بزيادة فى ذلك اللفظ أو نقصان منه من غير حاجة إلى ذلك النقصان وتلك الزيادة، وإنما تأتى بالزيادة والنقصان من أجل تسوية السجع وإظهار جوهره لا من أجل المعنى، فما هذا حاله هو الذى يذم من التسجيع ويقبح، لما فيه من إصلاح اللفظ دون المعنى، ولما فيه من التكلف والتعسف المستغنى عنه، فأما إذا كان من غير تكلف فإنه يأتى فى غاية الحسن.
الشريطة الثالثة: أن تكون تلك المعانى الحاصلة عن التركيب مألوفة غير غريبة ولا مستنكرة ولا ركيكة مستبشعة،
لأنها إذا كانت غريبة نفرت عنها الطباع وكانت غير قابلة لها، وإذا كانت ركيكة مجتها الأسماع، فكل واحدة من السجعتين دال على معنى حسن بانفراده، لكن انضمام إحداهما إلى الأخرى هو الذى ينافر من أجل التركيب.
الشريطة الرابعة: أن تكون كل واحدة من السجعتين دالة على معنى مغاير للمعنى الذى دلت عليه الأخرى،
لأنه إذا يكون من باب التكرير فيكون على هذا لا فائدة فيه، فهذه الشرائط الأربع لابد من اعتبارها فى كل كلام مسجوع.
الفائدة الثالثة فى ذكر أقسامه
اعلم أن السجع منقسم إلى ما يكون طويلا، وإلى ما يكون قصيرا، فأما القصير فهو أوعر أنواع التسجيع مسلكا، وأصعبها مدركا، وأخفها على القلب، وأطيبها على السمع، لأن الألفاظ إذا كانت قليلة فهى أحسن وأرق، لأنها إذا كانت أطرافها متقاربة لذت على الآذان لقرب فواصلها ولين معاطفها، ومن هذا النوع القصير قوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (1) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (2) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (3) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (4)
[المرسلات: 1- 4] وقوله تعالى فى صدر سورة المدثر: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)
[المدثر: 1- 7] وأقل ما يكون القصير من كلمتين لا غير، لأن ما نقص عن ذلك فليس مؤلفا مسجوعا، وأما الطويل فهو ما عدا ذلك، وكلما قلت كلماته وقرب من التعبير كان أحسن لما ذكرناه، وقد تكون السجعتان ثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وخمسا خمسا، وقد تزيد على ذلك حتى تنتهى إلى عشرين كلمة، ومع ذلك فليس له حد مضبوط، فمن الثلاثية قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6)
[النازعات: 6] ثم قال: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (8)
[النازعات: 8] ومن الرباعية قوله تعالى:
(3/14)

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)
[القمر: 1] ثم قال: وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3)
[القمر: 3] ومن الخماسية قوله تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9)
[القمر: 5- 6] ، ومن الطويل قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)
[هود: 9- 10] فالفقرة الأولى مبنية على إحدى عشرة كلمة، والفقرة الثانية مبنية على ثلاث عشرة كلمة، وأدخل منه فى التطويل قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)
[الأنفال: 43- 44] فالفقرة الأولى تنيف على عشرين لفظة والفقرة الثانية قريب من هذه العدة، فإذا عرفت هذا فاعلم أن أعداد ألفاظ الفقر، وإن كانت على هذه العدة، لكنها منقسمة، بالإضافة إلى الأولى والثانية إلى ما تكون الفقرة الأولى مساوية للثانية، وإلى ما تكون عكس هذا، فهذه أضرب ثلاثة، نذكر ما يتوجه فى كل واحد منها.
الضرب الأول: ما تكون فيه الفقرتان متساويتين لا تزيد إحداهما على الأخرى،
وما هذا حاله فهو أعدل الأسجاع قواما، وأجودها اتساقا وانتظاما وأعلاها مكانا، وأوضحها بيانا، وأمثاله فى القرآن كثير، وهذا كقوله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)
[الضحى: 9- 10] وقوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (1) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (5)
- العاديات 1- 5] .
الضرب الثانى: أن تكون الفقرة الثانية أطول من الأولى بغاية قريبة،
فإن طالت فهو غير محمود، وهذا كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (12) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (13)
[الفرقان: 11- 13] فالفقرة الأولى عدتها ثمانى كلمات، والفقرة الثانية والثالثة كل واحدة منهما تسع كلمات وقوله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90)
[مريم: 89- 90] فالثانية أطول من الأولى كما تراه ظاهرا، نعم إنما يقبح أن تكون الفقرة الثانية أطول من الأولى
(3/15)

طولا كثيرا إذا كان سجعتان، والثانية طويلة طولا عظيما، فأما إذا كان السجع على ثلاث فقر وكانت الفقرتان الأوليان فى عدة واحدة وتقارب، ثم يؤتى بالثالثة فعلى هذا التقدير يغتفر طول الثالثة، وإن كان كثيرا زائدا على الغاية، والسر فى ذلك هو أن الفقرتين الأوليين قد تنزلتا لقصرهما منزلة فقرة واحدة فلا جرم اغتفر طولها، وليس حتما أن تكون الثالثة فى الثلاث السجعات طويلة، بل ربما تكون الثلاث كلها متساوية، وهذا كقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30)
[الواقعة: 27- 30] فهذه السجعات كلها متساوية المقدار فى أن كل واحدة منها على فقرتين فقرتين من غير زيادة، ولو طالت الثالثة طولا كثيرا لم يكن معيبا، فلهذا كان الأمران سائغين فيهما.
الضرب الثالث: أن تكون الفقرة الثانية أقصر من الأولى
عكس ما ذكرناه فى الضرب الثانى، وما هذا حاله من أفانين التسجيع فهو معيب عند فرسان هذه الصناعة، ومتّرك حاله بين الجهابذة من أهل البراعة، والسر فى ذلك ما يجده الإنسان من التفرقة الحسية فى الفطرة الغريزية، وهو أن الفقرة الأولى إذا كانت طويلة فإن السجع يكون مستوفيا لمطلوبه وحاصلا على كنه مقصوده، فإذا كانت الفقرة الثانية ناقصة صار المطلوب ناقصا وانخرم ما كان يتوقعه من المماثلة بينهما والملاءمة، ويصير كالشىء المنقطع الميتور، وكمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها. فهذا تقرير تقسيم السجع على ما ذكرناه من هذه الضروب.
فالضرب الأول هو أعدلها، والضرب الثالث أبعدها، والضرب الثانى أوسطها فى التعديل، ولا يكاد يوجد الضرب الثالث فى القرآن، وإنما الكثير فيه هما الضربان الآخران لما ذكرناه من العيب فيه، وكتاب الله تعالى منزه عنه.
الفائدة الرابعة فى بيان الأمثلة فى التسجيع
قد وضح لك مما ذكرناه أن السجع من أرفع مراتب الكلام، وأعلاها وأجل علوم البلاغة وأسناها، ولهذا اختص به من بين سائر الأساليب البلاغية التنزيل، وأحاط بطويله وقصيره وكان الحسن فيه على أحسن هيئة وتنزيل، لا يقال فإذا كان التسجيع فى الكلام على ما ذكرتموه من علو شأنه، وارتفاع قدره ومكانه، فكيف لم يأت القرآن كله مسجوعا؟ وليس الأمر كذلك، فإن بعضه مسجوع وبعضه غير مسجوع، وأكثره وارد على جهة السجع، لأنا نقول إنما ورد على الأمرين جميعا لأمرين، أما أولا فلأن القرآن
(3/16)

إنما جاء مؤذنا بالإيجاز وبلوغ الغاية فى الاختصار، فلو أتى كله مسجوعا لأبطل إيجازه واختصاره، لأن السجع إذا كان ملتزما فى جميع المواضع كلها، فقد لا يتواتى الإيجاز معه والاختصار، فلهذا كان على الأمرين جميعا، وأما ثانيا: فلأن الكلام المسجع أفصح وأبلغ من غير المسجع، فإتيان ما ليس مسجوعا فى القرآن يؤذن مع كونه غير مسجوع أنه فى غاية الإعجاز مع عدم السجع وفى هذه دلالة على إعجازه من كل الوجوه، وقد ورد فيه التسجيع فى الطويل، والقصير، والمتوسط، فمن القصير قوله تعالى: فى سورة النجم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7)
[النجم: 1- 7] فأكثر السورة وارد على قصير السجع، وأما الطويل فكقوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (12) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (13) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (14)
[الفرقان: 12- 13- 14] فانظر كم نظم كل واحدة من الفقرتين من الألفاظ. ويرد الطول فى السجع على أكثر ما ذكرناه ههنا حتى ينتهى إلى عشرين كلمة أو أكثر كما مر. وأما المتوسط فكقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (4) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (7)
[الأعلى: 1- 7] إلى غير ذلك من الأساجيع المتوسطة التى ليست طويلة ولا قصيرة، ولا حاجة بنا إلى تكثير الأمثلة السجعية من القرآن، لأنها أكثر من أن تحصى بعدّ، أو تحصر بحدّ. فأما ما ورد من القرآن غير مسجوع فهو كثير، لكنه بالإضافة إلى ما هو مسجوع منه قليل كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)
[الانفطار: 6- 9] فانظر إلى اختلاف رءوس هذه الآى كيف أتى من غير تسجيع، وما ذاك إلا لأجل السر الذى ذكرناه. فأما الأمثلة الواردة فى السنة النبوية فى التسجيع فهى كثيرة واسعة، وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «هو أوضح دليل، إلى خير سبيل» ، وقوله عليه السلام: «ألا وإن من علامات العقل التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور» ، وقوله: «وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود» وقوله عليه السلام: واعلموا أنكم عن قليل راحلون، وإلى الله صائرون، فلا يغنى عنكم هناك إلا عمل صالح
(3/17)

قدمتموه، أو حسن ثواب حزتموه، إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم، وتجازون على ما أسلفتم، فلا تخدعنّكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات علية. إلى غير ذلك، فأما الأمثلة من كلام أمير المؤمنين فهى كثيرة، وله فيه اليد البيضاء والقدم السابقة، منها قوله فى خطبته الغراء: «الحمد لله الذى علا بحوله، ودنا بطوله، مانح كل غنيمة وفضل، وكاشف كل كريهة وأزل، أحمده على عواطف كرمه، وسوابغ نعمه وأومن به أولا باديا، وأستهديه قريبا هاديا، وأستعينه قاهرا قادرا، وأتوكل عليه كافيا ناصرا» ، ثم قال بعد ذلك:
«أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذى ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وألبسكم الرياش، وأرفغ لكم المعاش» ، ثم قال فيها: «فإن الدنيا رنق مشربها، ردع مشرعها مونق منظرها موبق مخبرها، غرور حائل، وضوء آفل، وظل زائل، وسناد مائل» إلى غير ذلك من الكلام الذى تواخى سجعه، وعظم فى القلوب وقعه، وكثر إن صادف قلوبا واعية نفعه. فهذا ما يتعلق بالسجع القصير، وهو أكثر ما يكون فى الكتب والمواعظ والخطب المنسوبة إليه، وهو أضيق مسالك التسجيع كما مر بيانه ولكنه غير ضيق عليه لما أوتى من كنوز البلاغة ما إن مغالقه ليصعب على أكثر الخلق فتحها ثم قال «عباد الله الذين عمروا فنعموا، وعلموا ففهموا، ونظروا فلهوا وسلموا فنسوا، أمهلوا طويلا ومنحوا جميلا، وحذروا أليما ووعدوا جسيما، احذروا الذنوب المسخطة، والعيوب المورّطة، يا أولى الأبصار والأسماع، والعافية والمتاع، هل من خلاص، أو مناص، أو معاذ، أو ملاذ أو فرار أو مجاز، فأنى تؤفكون، أم أين تصرفون، أم بماذا تغترون» . فأما كلامه فى التطويل والمتوسط فهو كثير، ولنكتف بما ذكرناه من كلامه التقصير. فأما ما كان من البلغاء فى ذلك فلهم كلام واسع بليغ من التسجيع كالذى يكون فى المقامات الحريرية، والخطب النّباتية، وكلام ابن الجوزى فى مواعظه إلى غير ذلك فإن من يطالع هذه الكتب وغيرها فإنه يجد فيها من أفانين السجع وذكر أنواعه المختلفة ما يقنع الناظر وينشط الفاتر.
(3/18)

الصنف العاشر التصريع
اعلم أن التصريع فى المنظوم نظير التسجيع من كل كلام منثور، فإن التصريع إنما يرد فى الشعر لا غير، والسجع مخصوص بالمنثور، ومعناه فى الشعر أن يكون عجز النصف من البيت الأول من القصيدة مؤذن بقافيتها، فمتى عرفت تصريعها عرفت قافيتها، وأكثر ما يرد فى أشعار المتقدمين، وربما استعمله ناس من المتأخرين، ومن استعمله ممن تقدم أو تأخر فإنه دال على سعته فى فصاحته، واقتدار منه فى بلاغته، وهو إنما يحسن إذا كان قليلا فى القصيدة بحيث يكون جاريا مجرى الطراز للثوب، والغرة فى وجه الفرس، فأما إذا كان كثيرا فإنه لا يكاد يرضى لما يظهر فيه من أثر الكلفة فيكسب لفظه برودة ومعناه ركة، وظاهر كلام أبى بكر بن السراج أن التصريع إنما يكون إذا كان عروض النصف الأول مطابقا لعروض النصف الثانى، وتلك الموافقة إنما كانت لأجل التصريع، فأما إذا كان توافقهما لمعنى آخر غير التصريع فإنه ليس تصريعا، وإنما هو كلام مقفى وليس مصرعا، وظاهر كلام غيره أنه يكون مصرعا إذا حصل التطابق على كل حال، وما ذكره ابن السراج أحسن، ولهذا فإنه إذا كثر لم يكن حسنا، لأنه لا يظهر فيه أثر الكلفة إذا كان بالاعتبار الذى ذكره لا غير، ويرد على مراتب مختلفة متفاوتة فى الكمال والنقصان، ونحن نشير إلى درجاته بمعونة الله تعالى.
الدرجة الأولى [أن يكون كل مصراع من البيت مستقلا بنفسه فى فهم معناه]
منه وهى أعلى مراتب التصريع أن يكون كل مصراع من البيت مستقلا بنفسه فى فهم معناه غير محتاج إلى صاحبه الذى يليه مع ذكر فاصلة بينهما دالة على انقطاعه عنه، ومثاله قول امرىء القيس فى قصيدته اللامية «1» :
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمى فأجملى
فإن كل مصراع من هذا البيت مفهوم على الاستقلال من غير حاجة له إلى الآخر فى لفظ ولا معنى مع حصول الفاصلة بينهما وهى الواو، فإنه جىء بها دلالة على الانقطاع وكقول أبى الطيب المتنبى «2» :
إذا كان مدح فالنسيب المقدّم ... أكلّ فصيح قال شعرا متيم
(3/19)

فكل واحد من هذين المصراعين على تمامه وحياله لا علقة بينهما مع حصول الفاصلة وهى الهمزة كما ترى.
الدرجة الثانية أن يكون المصراع الأول منقطعا عن الثانى مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الثانى،
لكن الثانى مرتبط بالأول لعلاقة بينهما، ومثاله قول امرىء القيس «1» :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط الّلوى بين الدّخول فحومل
فالأول منقطع عن الثانى، أما الثانى فمتصل بالأول لأجل حرف الجر فاتصاله بما قبله ظاهر كما ترى، وكقول أبى الطيب المتنبى «2» :
الرأى قبل شجاعة الشّجعان ... هو أوّل وهى المحلّ الثانى
فالأول منقطع، فأما الثانى فهو متصل لأجل الضمير فإنه متصل بما قبله.
الدرجة الثالثة [التصريع الموجه]
أن يكون الشاعر مخيرا فى تقديم أحد المصراعين على الآخر أيهما شاء، وما هذا حاله يقال له التصريع الموجه ومثاله قول بعضهم:
من شروط الصّبوح فى المهرجان ... خفة الشّرب مع خلوّ المكان
فإن شئت جعلت الصدر عجزا والعجز صدرا وما هذا حاله فهو من الجودة بمكان رفيع، ولا يكاد يوجد إلا فى مقاصد الشعراء المفلقين.
الدرجة الرابعة [التصريع الناقص]
أن يكون المصراع الأول من البيت غير مستقل بنفسه ولا يفهم معناه إلا بوجود الثانى، ويقال له التصريع الناقص، وما هذا حاله فليس مرضيا ولا معدودا فى الحسن، لكون المصراع الأول مضمنا معناه فى وجود الثانى، ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «3» :
معانى الشعر طيبا فى المغانى ... بمنزلة الربيع من الزّمان
فالشطر الأول لا يستقل بنفسه دون أن يذكر الثانى.
(3/20)

الدرجة الخامسة [التصريع المكرر]
أن يقع التصريع فى البيت بلفظة واحدة وسطا وقافية، ويقال لما هذا حاله التصريع المكرر، ثم هو فى وقوعه فيما ذكرناه على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف معناها، وهذا كقول أبى تمام «1» :
فتى كان سربا للعفاة ومربعا ... فأصبح للهندية البيض مربعا
فقد وقعت التقفية والتصريع بلفظة المربع، وهى مجازية كما هو ظاهر من معناها، الوجه الثانى أن يكون بلفظة واردة على جهة الحقيقة لا مجاز فيها ومثاله قول عبيد بن الأبرص «2» :
فكلّ ذى غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
الدرجة السادسة [التصريع المعلق]
أن يذكر المصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتى ذكرها فى أول المصراع الثانى، ويسمى التصريع المعلق ومثاله قول امرىء القيس «3» :
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فإن المصراع الأول المعلق على قوله بصبح وهذا معيب عند أهل العلم بالصناعة الشعرية.
الدرجة السابعة [التصريع المشطور]
أن يكون التصريع فى البيت مخالفا للقافية منه، ويسمى التصريع المشطور، وهو من أدنى درجات التصريع وأقبحها، لما تضمنه من اختلاف القافية ومثاله قول أبى نواس «4» :
أقلبى قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود
فصرع بحرف الباء فى وسط البيت ثم قفاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل إلا على الندرة والقلة، وإنما لقب بالمشطور لأن كل واحد من المصراع الأول والثانى على شطر يمكن أن يضم إليه ما يلائمه فى قافية فيكون جاريا على المماثلة من غير اختلاف، فلهذا قيل له مشطور أخذا مما ذكرناه والله أعلم بالصواب.
(3/21)

الصنف الحادى عشر الموازنة
وورودها عام فى المنظوم والمنثور، والمراد بذلك هو أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية فى أوزانها، وأن يكون صدر البيت الشعرى وعجزه متساويى الألفاظ وزنا، ومتى كان الكلام فى المنظوم والمنثور خارجا على هذا المخرج كان متسق النظام رشيق الاعتدال، والموازنة هى أحد أنواع السجع، فإن السجع كما أسلفنا تقريره قد يكون مع اتفاق الأواخر واتفاق الوزن، وقد يكون مع اختلاف الأواخر لا غير، فإذن كل موازنة فهى سجع، وليس كل تسجيع موازنة، فالموازنة خاصة فى اتفاق الوزن من غير اعتبار شريطة، فأما أمثله الموازنة من كتاب الله تعالى فكقوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (118)
[الصافات: 117- 118] فالمستبين والمستقيم على زنة واحدة مع اختلاف الأعجاز كما ترى، وكقوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)
[مريم: 81- 82] فقوله عزّا وضدّا متماثلان فى وزنهما، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)
[مريم: 83- 84] فعدا وأزا متماثلان فى الزنة، وقوله تعالى: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (101)
[طه: 100- 101] وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها
[الشورى: 17- 18] ثم قال أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18)
[الشورى: 18] وقوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
[الشورى: 19- 20] ثم قال: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)
[الشورى: 20] وأما مثاله من السنة النبوية فكقوله عليه السلام: «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» «1» فسبيل وغريب مختلفان فى اللفظ متفقان فى الزنة، وقوله: «فإذا أصبحت نفسك فلا تحدثها بالمساء، وإذا أمست فلا تحدثها بالصباح» «2» ، فالمساء والصباح مختلفان لفظا متفقان فى الوزن، وقوله: «خذ من صحتك لسقمك ومن شبابك لهرمك» «3» ، فالسقم والهرم متفقان وزنا مع اختلافهما فى اللفظ، وقوله: ولقد
(3/22)

أبلغ فى الإعذار من تقدم بالإنذار، فالإعذار والإنذار مختلفان لفظا متماثلان فى الزنة، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى ذلك قوله: «حتى إذا انصرمت الأمور، ونقصت الدهور، وأزف النشور، أخرجهم من ضرائح القبور، وأوكار الطيور» ، وقوله:
«رعيلا صموتا قياما صفوفا» ، وقوله: «واحمر العرق، وعظم الشفق» ، فهذه الألفاظ متماثلة فى الأوزان مختلفة فى الألفاظ، وقوله: «وبادر من وجل، وأكمش فى مهل، ورغب فى طلب، فكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالقرآن حجيجا وخصيما» ، وقوله:
«وحذركم عدوا نفذ فى الصدور خفيا ونعب فى الآذان نجيا، إلى غير ذلك من الأمثلة الواردة فى كلامه على التقرير الذى ذكرناه، ومن الأمثال المنظومة قول أبى تمام «1» :
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخط إلّا أنّ تلك ذوابل
فقوله أوانس وذوابل من الموازنة اللفظية، لأن أوزانهما متماثلة على فواعل، ومن هذا قول البحترى «2» :
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا
فالمهرب والمطمع متماثلان فى الزنة، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
بأشدّهم بأسا على أعدائه ... وأعزّهم فقدا على الأصحاب
فقوله بأشدهم وأعزهم وقوله بأسا وفقدا متماثلان فى الأوزان ومن ذلك ما قالته الخنساء فى أخيها صخر ترثيه «3» :
حامى الحقيقة محمود الخليلقة ... ميمون الطريقة نفّاع وضرّار
جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار
فقولها محمود، وميمون، من الموازنة وقولها نفاع وضرار، وجواب وجزاز وعقاد، من الموازنة أيضا، ولنكتف بهذا القدر فى الموازنة ففيه كفاية.
(3/23)

الصنف الثانى عشر فى تحويل الألفاظ واختلافها، بالإضافة إلى كيفية استعمالها
وهو من هذه الصناعة فى مكان مغبوط، ومحل محوط، ومن لم يكن فيه على قدم راسخة وحال مؤكدة، فإنه لا يأمن من وقوعه فى مكروهات الاستعمالات اللغوية، ويرد فى الموارد المستقبحة.
واعلم أن الألفاظ على وجهين فى استعمالها مفردة، أحدهما أن تكون فصيحة مستعملة فى كل أحوالها فى الإفراد والتثنية، والجمع، والتذكير والتأنيث، والإظهار، والإضمار وغير ذلك من الاستعمالات، وهذا هو الأكثر فى ألسنة العرب، وهذا كلفظ الدينار والدرهم والفرس والإنسان، وغير ذلك من الألفاظ العربية، وثانيهما: أن تكون أحوالها مختلفة بالإضافة إلى استعمالاتها، فتارة يقبح استعمالها فعلا ولا يقبح استعمالها اسما، ومرة يقبح استعمالها مفردة، ولا يقبح استعمالها مجموعة، وبالعكس من هذا.
ونحن نذكر من ذلك أمورا تقبح على وجه، وتحسن على وجه، ننبه بالقليل من ذلك على الكثير. وجملة ما نورده من ذلك أمور عشرة، أولها لفظة «خود» فإنها إذا كانت اسما، كان استعمالها فصيحا فى الاسمية، هى عبارة عن المرأة الناعمة، فهى إذا استعملت اسما حسنة رائقة لذيذة طيبة، وهى إذا كانت مستعملة على صيغة الفعل، لم يحسن استعمالها، ثم هى فى ذلك على وجهين، أحدهما أن تكون واردة على جهة الحقيقة فيعظم فيها القبح كما قال أبو تمام:
وإلى بنى عبد الكريم تواهقت ... رتك النّعام رأى الطريق فخوّدا «1»
وقد أخذ على أبى تمام، فى هذا البيت استعمال «خوّد» على صيغة الفعل، وهى مستكرهة، يقال فيها خود البعير «بتثقيل الحشو» إذا أسرع فى مشيه، ثم قوله رتك النعام، يقال رتك البعير إذا قارب خطوه فاستعمله فى النعام، واستعماله إنما يكون فى الإبل، فإذا كانت مستعملة على جهة الحقيقة فى الفعل كانت مستكرهة، وثانيهما أن تكون واردة على جهة المجاز كقول بعض الشعراء من أهل الحماسة:
أقول لنفسى حين خوّد رألها ... رويدك لما تشفقى حين مشفق
(3/24)

والرأل النعام، والمراد، ههنا أن نفسه فزعت وعظم فرارها، وشبهها فى فزعها وفرارها بإسراع النعام إذا فزع وفر، وهى إذا كانت مجازا فاستعمالها فعلا، وإن كان مستكرها، لكنه يخف قبحه، لما كان مستعملا استعمال المجاز، وإدراك ما ذكرناه من حسن الاستعمال وقبحه فى كونها اسما أو فعلا، يدرك بالذوق الصافى والقريحة المستقيمة عن شوائب البلادة، وثانيها: قولنا «وذر ودع» فإنهما من جملة الأفعال، ولا يستعملان فى الأزمنة الماضية استغناء عنهما بقولنا ترك، قال الله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)
[البقرة: 17] فإذا استعملا فى الماضى كان فيهما ركة ونزول عن الكلام الفصيح، وهذا من غريب الاستعمال وبديعه، أن يكون الماضى وإن كان أصلا لغيره من الأفعال، بعيدا فى الاستعمال، وفى هذا دلالة على أن الفصيح لا يوجد بطريق الأصالة والفرعية، وإنما طريقه كثرة الاستعمال والاطراد، فأما استعمالهما على جهة الدلالة على الأزمنة المستقبلة، إما مضارعا كقوله تعالى: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)
[الأنعام: 110] وقوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
[الأعراف: 127] وإما على جهة الأمر كقوله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا
[الحجر: 3] وهكذا الأمر فى يدع، فإنه يستعمل للمضارع كقوله عليه السلام لو مدّ لنا الشهر لو اصلنا وصالا يدع المتعمّقون له تعمقهم، وفى الأمر كقول أمير المؤمنين متمثلا بقوله:
«دع عنك نهبا صيح فى حجراته»
وكقول زهير:
«فدع ذا وعد القول فى هرم»
فأما استعمالها على جهة المضى فلا يرد فى كلام فصيح، واستعمال «وذر» فى الماضى أقبح من استعمال «ودع» ، وثالثها لفظة «الحبر» فإنها إذا وردت مجموعة أفصح من ورودها مفردة، ولهذا لم تأت فى القرآن إلا مجموعة كقوله تعالى: إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ
[التوبة: 34] وقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ
[التوبة: 31] ولم ترد مفردة فى القرآن فلا جرم حكمنا بأن موقعها فى الجموع أحسن من موقعها فى الإفراد، ومفردها حبر بكسر الحاء وفتحها، ورابعها عكس ذلك، وهو أن يكون استعمالها مفردة أحسن من استعمالها مجموعة، ومثاله لفظة «الأرض» فإنها لم ترد فى القرآن إلا مفردة، وجمعها إما على السلامة اللفظية كقولنا «أرضون» وإما على التكسير كأراض، وقد يستعمل
(3/25)

على أرضات أيضا، وأحسن الاستعمال فيها أن تكون مفردة كما ذكرناه، فإذا جىء بالسموات مجموعة جىء بها مفردة فى عدة من المواضع، فإن احتيج إلى جمعها أتى بما يدل على جمعها دون جمع لفظها، كقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ
[الطلاق: 12] والسر فى ذلك أن كل واحدة من السموات السبع مختصة بعالم من الملائكة يخالف الآخر فلهذا كانت متنوعة مغايرة فجمعت بخلاف الأرض فإنها وإن كانت سبعا كما ورد الشرع بذلك، فإن الانتفاع بما يلينا منها دون غيرها، فلهذا جرت مجرى الأرض الواحدة، فلا جرم كانت مفردة. وخامسها لفظة «البقعة» فإن الفصيح فى استعمالها إنما هو على جهة الإفراد، كما قال تعالى: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ
[القصص: 30] ولم يجر استعمالها على جهة الجمع، فإن جمعت كان استعمالها على الإضافة، فيقال بقاع الأرض، وفى الحديث، إذا تاب ابن آدم أنسى الله حافظيه وبقاع أرضه خطاياه، ولم يرد فى استعمالها جمعا وتعريفا باللام فى كلام فصيح، وإن ورد فإنما يرد على جهة الندرة والقلة وسادسها: لفظة «الأكواب والأباريق» فإن استعمالها على الجمع أكثر من استعمالها على جهة الإفراد، ولهذا فإنهما لم يردا فى القرآن إلا مجموعين، وهذا كقوله تعالى: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ
[الواقعة: 18] ولم يستعمل فى الفصيح كوب وإبريق، وإنما تروى فى قول بعضهم.
ثلاثة تعطى الفرح ... كأس وكوب وقدح
فالذى حسن من وقوعه مفردا انضمامها مع الكأس والقدح، فلا جرم اغتفر إفرادها، وهذا بخلاف الكأس فإن الفصيح فى استعماله إنما يكون على جهة الإفراد كقوله تعالى:
وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18)
[الواقعة: 18] وقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ
[الإنسان: 5] .
وسابعها: لفظة «اللّبّ» وهى مقولة على معنيين، أحدهما عبارة عن اللب الذى هو العقل، والآخر عبارة عن اللب الذى تحت القشر من كل شىء، فأما لب العقل فأحسن استعمالاته إذا كان مفردا عن الإضافة أن يكون على جهة الجمع كقوله تعالى: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29)
[ص: 29] وقوله: وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43)
[ص: 43] وقد يستعمل مضافا إليه كقولك. لا يعقل هذا إلا ذو لب قال جرير «1» :
(3/26)

إنّ العيون التى فى طرفها حور ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّب حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله إنسانا
وقد يستعمل مضافا كما ورد فى الحديث فى ذكر النساء ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن يا معشر النساء، فأحسن استعمالاته ما ورد على ما ذكرناه، فأما استعماله مفردا عن اللام والإضافة فلا يكون حسنا، وإذا تأملت القرآن وسائر الكلام الفصيح وجدتها على ما ذكرناه، وثامنها: لفظة «طيف» وهو طيف الخيال، فإنها لا تستعمل إلا مفردة، واستعمالها مجموعة فيه ركة وثقل على اللسان، لأن جمعها إما أطياف، وإما طيوف، وكلاهما فيه بشاعة، وهى تخالف أختها وهى قولنا «ضيف» فإنها تفيد رقة ولطافة، ومن أجل هذا استعملت مفردة كقوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ
[الذاريات: 24] ومثناة كقولك: ضيفان، ومجموعة كقولك: ضيوف وأضياف، وهذا من عجائب الصيغة ودقيق الأسرار العجيبة، حيث كان ههنا لفظتان مستويتان فى العدة والوزن، فاستعملت إحداهما على ما ذكرناه دون الأخرى، وهذا مما يعلمك أن السر فى ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم فى التفرقة بين اللفظتين، وتاسعها: لفظة «الصوف» فإن استعمالها مجموعة هو الفصيح كقوله تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها
[النحل: 80] واستعمالها مفردة ليس لائقا بالفصاحة، ومن أجل هذا لما احتيج إلى استعمالها مفردة جاء بما يخالفها فى لفظها كقوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5)
[القارعة: 5] والعهن هو الصوف، فبدلها لما كانت غير فصيحة فى الإفراد، وفى قراءة ابن مسعود «كالصّوف المنفوش» فانظر ما بين العهن والصوف من التفاوت فى الذوق والرقة والرشاقة، وعاشرها: لفظة «الأمّة» بالضم، فإنها الجماعة من الناس وهى كلمة فصيحة قال الله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
[النحل: 120] ووَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ
[القصص: 23] بخلاف الإمة بالكسر وهى النعمة، فإنها غير فصيحة، ولهذا لا تكاد تستعمل فى كلام فصيح، وحكى ابن الأثير أن صاحب الفصيح كان له إملاء سماه الفصيح أوردها فيه واستحسنها، وقد أنكر عليه فى إعجابه بها ولعمرى إن ما قاله
(3/27)

ابن الأثير هو الأجود اللائق بالفصاحة فإنها ركيكة جدا فلا وجه لعدها من الفصيح فضلا عن الأفصح، وهكذا قولنا «لهاميم» وهم الرؤساء فإن استعماله مجموعا أفصح من استعماله مفردا، وكذا بهاليل، فأما المفردان منهما فلا يكادان يستعملان فى الفصاحة، وهذا بخلاف عرجون وعراجين، وجمهور وهم الجماعة من الناس وجماهير، فإنهما يستعملان فى الفصيح فى الإفراد كما أشرنا إليه. ولنكتف بهذا القدر من التنبيه على ما يستعمل من الألفاظ المفردة على حال دون حال ليقاس على غيره مما يكون واردا على مثاله، ولقد كان هذا الصنف خليقا بإيراده فى الباب الثانى حيث تكلمنا فيه على الألفاظ المفردة وما يتعلق بأحكامها فى الإفراد، وليس يعد من أصناف البديع فيورد فيه لأن البديع إنما يتعلق بالمعانى دون الكلم المفردة، ويختص بالمركب من الكلام دون المفرد، وأكثر ما يرد فى الاستعارة من أبواب المجاز، لكنه محبوس بطرفين، أحدهما أنه كلام فيما يعرض للكلمة الواحدة من اختلاف الأحوال بحسب مواقعها فى البلاغة، وثانيهما أنه كلام فيما يتعلق بها من التركيب، وكلاهما مختص بعلم البديع، فلا جرم كان كل واحد من هذين الغرضين مصوبا لإيراده فى هذا الصنف، خلا أن موضعه الخاص به ما ذكرناه.
(3/28)

الصنف الثالث عشر فى المعاظلة
اعلم أن المعاظلة قد تكون وصفا عارضا للمعنى، وقد تكون من عوارض الألفاظ، فأما تعلقها بالمعانى فسنذكره عند ذكرنا الأحاجى المعنوية، فذكرها هناك أخص من غيره ولكنا إنما نذكر ههنا ما يختص بالمعاظلة وهى من عوارض التركيب والتأليف فى الكلام، وقد اختلف فى معناها على قولين:
فالقول الأول منهما يحكى عن قدامة بن جعفر الكاتب قال المعاظلة فى الكلام هو إدخالك فيه ما ليس من جنسه وإلزامه إياه، ومثله بقول أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «1»
فسمى الصبى تولبا، والتولب ولد الحمار، وهذا لا وجه له لأمرين، أما أولا فلأنه يلزم أن تكون الاستعارة معاظلة، وهو فاسد، وأما ثانيا فلأنه إنما يكون الاعتراض والاستطراد وغير ذلك من الكلمات الدخيلة معاظلة، فبطل ما قاله.
القول الثانى أن المعاظلة هى تركيب الكلام وترادف ألفاظه على جهة التكرير، واشتقاقه من قولهم: تعاظلت الجراد، إذا ركب بعضها بعضا عند الازدحام، وغالب الظن أن «قدامة» إنما سمى ما ذكره معاظلة، اشتقاقا له من قولهم تعاظلت الكلاب إذا لزم بعضها بعضا عند السفاد، فلما ألزم الكلام ما ليس منه كان عظالا، فإذن المعاظلة إنما تكون عارضة فى تركيب الكلام وتأليفه، وتنحصر فى خمسة أضرب.
الضرب الأول منها فى المعاظلة بتكرير الأحرف المفردة
اعلم أن العرب الذين هم الأصل فى هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف المتماثلة فى كثير من كلامهم إلى الإدغام وما ذاك إلا لأجل ثقله على ألسنتهم، وهكذا فعلوا فى المتقاربين أيضا فقالوا: مد وشد، والأصل فيه مدد وشدد إلى غير ذلك من الأحرف المتماثلة، ومن أجل شدة كراهيتهم لتلك أبدلوا من أحد حرفى التضعيف حرف لين حذرا من ذلك، وهذا كما قالوا: تسريت فى تسررت وتطبيت فى تطببت وفى نحو ديوان وديباج والأصل فيه
(3/29)

دوّان ودبّاج، فإذا تكرر الحرف الواحد فى الكلام المنظوم والمنثور، كان ثقيلا على الأنفس نازلا عن الفصاحة، معيبا فى البلاغة، فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر «1»
فهذه القافات والراءات من الأحرف قد تكررت وتقاربت فأكسبت الكلام ثقلا وركة تبعد به عن الفصاحة وتنأى لأجله عن البلاغة، وقد قيل إن هذا البيت من شعر الجن، ولهذا قيل إن أحدا لا يكاد ينشده ثلاث دفعات إلا عثر لسانه، وفى هذا دلالة على بعده عن السلاسة وقربه من الغثاثة، وهكذا ورد فى الحريريات وعد من ركيكها قوله:
وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافى العرف عرفانه
فلما تكررت الراء والفاء فيه، كان محتاجا إلى بيكار يضعه الناطق به فى شدقه حتى يديره على تأليفه الذى خرج عن حد الاعتدال، وهكذا ما فعله فى رسالتيه اللتين جعل إحداهما على حرف السين، والأخرى على حرف الشين، فنالهما الثقل ومستهما البرودة من أجل ذلك، ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال فى كلام له أورده: حتى جنأت وجنات الحبيب، فصاح رجل من الحلقة وماد وغشى عليه، فقيل له ما حدث عليك فقال سمعت جيما فى جيم فى جيم فصحت، وفى هذا دلالة على أنه يجب على البلغاء تجنبه والإعراض عنه.
الضرب الثانى فى بيان المعاظلة فى الألفاظ المفردة
وهذا يخالف ما سبقه لأن الأول معاظلة فى حروف مفردة كما مر بيانه، وهذه معاظلة فى الكلم المفردة كالأدوات نحو من، وإلى، وعن، وعلى، وما شاكلها من أحرف المعانى، فإذا وقعت فى الكلام وكان السبك بها تاما جاريا على جهة الانتظام فهو حسن، ومتى جاءت متقاربة أفادت التنافر والثقل على اللسان وكان ذلك مجانبا لجيد البلاغة وملح الكلام ورشيقه، ومثاله قول المتنبى:
وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد «2»
(3/30)

فقوله: لها منها عليها، من قبيح السبك وسوء التأليف، وما ذاك إلا لأجل تكرر أحرف المعانى فأكسبته هذا الثقل الذى تعافه النفوس، وهكذا ورد فى قوله أيضا وإن كان بالضرب الأول أشبه:
وقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهنّ قلاقل «1»
فالقاف وإن كانت من أنصع حروف العربية وأثبتها جرسا وأصفاها فى النطق وأوضحها مخرجا، خلا أنها لما تكررت كانت بمنزلة مشى البغل يتقدم وهو يخطو إلى الوراء، ومن ذلك ما ورد فى شعر أبى تمام قوله «2» :
كأنه فى اجتماع الرّوح فيه له ... فى كل جارحة من جسمه روح
فقوله: فيه له فى كل، من الردىء المستثقل، وليس ذلك إلا من أجل تكرر حروف المعانى.
الضرب الثالث فى بيان المعاظلة بالصيغ المفردة من غير الأدوات
وهذا نحو توارد الصيغ المتماثلة من الأوامر الفعلية، وهو فى ذلك على وجهين، أحدهما: أن ترد مجردة عن العطف، ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «3» :
أقل أنل أقطع احمل علّ سلّ أعد ... زد هشّ بشّ تفضّل أدن سرّ صل
فهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة وهى مثال الأمر، كأنه قال افعل افعل وهكذا إلى آخر البيت، فما هذا حاله فتكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرا لحروف المعانى، وفيها ما ترى من الثقل على المسموع من أجل تكريرها على هذا الوجه، وقد تضمن سياقها تركيبا وتداخلا مكروها، وثانيهما: أن يرد مع واو العطف، ومثاله ما يحكى عن عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن قال:
احل وامرر وضرّ وانفع ولن واخ ... شن ورش وأمر وانتدب للمعالى
(3/31)

فهذا كالأول فى التكرير، خلا أن هذا ليس فى الكراهة كالوجه الأول فى الثقل، وما ذاك إلا من أجل توسط الواو فأكسبته خفة ورقة، لا يقال فلو كان هذا مكروها لم يرد فى كتاب الله تعالى: وقد ورد كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
[التوبة: 5] لأنا نقول هذا فاسد فإنه لم يتكرر مع الواو إلا قوله: وخذوهم واحصروهم، فأما الجملة الأولى فهى مغايرة لتعلقها بقوله حيث وجدتموهم، وهكذا حال الرابعة، فإنها متعلقة بغيرها فلم يبق إلا قوله: وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
وقد تضمنا الواو، وفيهما من حسن السبك وجودة التأليف وخفته على الآذان ما لا يخفى، فأين هذا من ذاك.
الضرب الرابع فى بيان المعاظلة بالصفات المتعددة
ومثاله قوله أبى الطيب المتنبى «1» :
دان بعيد مبغض بهج ... أغرّ حلو ممرّ ليّن شرس
ند أبى غر واف أخى ثقة ... جعد سرىّ نه ندب رضى ندس
ومن هذا قول أبى تمام يصف رمحا «2» :
مارنه لدنه مثقفه ... عراصه فى الأكف مطّرده
وقال أيضا يصف سحابة:
مسفّة ثرّة مسحسحة ... وابلة مخضلّة برده
فلما حصلت هذه الأوصاف على هذه الصفة ثقلت على الألسنة ومجتها الآذان، وصارت بمنزلة سلسلة بلا شك، وقطع فضة أو ذهب مبددة من غير سبك، وليس يخفى على من له أدنى ذوق مخالفة هذا لقوله تعالى: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[الحشر: 23] ، مع كونها أوصافا متعددة من غير واو، لكن بينها بعد لا يدرك أمده، ولا ينال حصره ولا عدده، فى حسن التأليف وجودة السبك ولذة المسموع وسهولة الأسلوب.
(3/32)

الضرب الخامس فى بيان المعاظلة بالإضافة المتعددة
ومثاله قولك لبد، سرج، فرس، غلام، دابة، زيد وما هذا حاله فإنه يثقل على الأذن فى سماعه، وتنفر النفوس عن تأليفه، ونحوه قول من قال من الشعراء «1» :
حمامة جرعى حومة الجندل اسجعى ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
فلما أضاف حمامة إلى جرعى، وأضاف جرعى إلى حومة، وأضاف حومة إلى الجندل، أكسبه ذلك ركة، ونزولا، فهذا ما أردنا ذكره فى المعاظلة، وهى وإن كانت مكروهة فى بليغ الكلام وفصيحه، لكن غيرها ربما كان أدخل فى الكراهة، وأبعد عن أساليب الفصاحة.
(3/33)

الصنف الرابع عشر فى بيان المنافرة بين الألفاظ ومراعاة حسن مواقعها
اعلم أن حسن التأليف وجودة السبك له موقع عظيم فى البلاغة، والفرق بين هذا الصنف والذى قبله، هو أن المعاظلة آئلة إلى البعد عن تراكب الألفاظ وترادفها كما فصلنا أمثلته، وهذا النوع ليس فيه تراكب ولا تداخل، وإنما حاصله هو أن إيراد اللفظة غير لائق بموضعها التى وردت فيه فتورث فى الكلام تنافرا، وتكون بمنزلة نواة فى عقد در، وبعرة بين لآلىء إلى غير ذلك من المباينة، فحاصل الأمر فى المنافرة أن معناها وقوع الكلام غير ملائم لما قبله ولا مناسب له، ثم هى فى وقوعها فى الكلام على وجهين:
الوجه الأول منهما أن يكون التنافر واقعا فى كلمة واحدة ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «1» :
لا يبرم الأمر الذى هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذى هو يبرم
فقوله: «حالل» ينبو الفهم عنها لكونها غير لائقة لأجل لفظها؛ فأما معناها فهو مستقيم، ولهذا فإنه لو أبدلها بقوله فلا يبرم الأمر الذى هو ناقض ولا ينقض الأمر الذى هو يبرم لكانت صحيحة غير نافرة، فظهر بما قررناه أن النفار عنها إنما كان من أجل صيغتها وهو تفكيك الإدغام الذى كان فيها لا غير، ولهذا فإن لفظة «يحلل» مخالف «لحالل» فإنه جاء الفك فى الفعل المضارع كقوله تعالى: وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي
[طه: 11] والسر فى ذلك هو أن حركة اللام فى الإسم لازمة لأجل الإعراب، فلهذا التزم إدغامه لأن الإدغام إنما يكون بساكن فى متحرك، بخلاف الفعل، فإن حركة اللام غير لازمة لأجل الجازم، فلهذا جاء فيه الفك، وقد وضح ذلك بما ذكرناه لك أن تبديل «حالل» «بناقض» هو الوجه، وأن حاللا ليس فصيحا كما قررناه، وحكى عن المعرى أنه كان كثير الغرام بشعر أبى الطيب المتنبى، وكان يسميه الشاعر، ومن عداه يسميه باسمه، وكان يقول ليس فى شعره لفظة يكون غيرها أحسن منها، وهذا لا وجه له، فإن الحق أحق أن يتبع، فإن الأفصح خلاف ما أتى به فى هذا البيت كما أشرنا إليه، ومن ذلك ما أنشده بعض الأدباء لدعبل:
شفيعك فاشكر فى الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
(3/34)

فالفاء فى قوله «فاشكر» لا موقع لها وهى فى اعتراضها بمنزلة ركبة البعير، وقد زعم بعضهم أن الفاء فى قوله «شفيعك فاشكر» بمنزلة الفاء فى قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
[المدثر: 3] وهذا فاسد لأمرين أما أولا: فلأن الفاء فى قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
جاءت مؤذنة بعطف الفعل على ما قبله، فى قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
[المدثر: 2- 3] بخلاف هذه، فإن ما قبلها ليس صالحا للعطف عليه، وأما ثانيا: فلما ترى فيها من الخفة على اللسان والسلاسة فى الحلق، بخلاف قوله «شفيعك فاشكر» فإنها غير مريئة على الفؤاد، ولا عهد لها بالعذوبة.
الوجه الثانى: أن توجد فى الألفاظ المتعددة ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «1» :
لا خلق أكرم منك إلّا عارف ... بك داء نفسك لم يقل لك هاتها
فإن صدر هذا البيت فى غاية الرقة واللطافة، خلا أن عجزه ليس ملائما لصدره، ولكنه وقع منافرا له كما ترى ومنه قوله أيضا «2» :
وما بلّد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
وقوله أيضا:
كلّ آخائه كرام بنى الدنيا «3» ... وكان الأحسن إخوانه
فهذا البيت مما يعد فى الوجه الأول، ثم أقول إن هذه الأبيات التى أوردها أهل البلاغة نقما على المتنبى وتمثيلا للمنافرة فى هذه الألفاظ هى عندى فى غاية الرقة والرشاقة، وما فيها عيب إلا كما يقال فى الخبيص إنه كثير سكره، أو فى طبيخ إنه زاد زعفرانه، نعم التعريف بموقع هذا الصنف مقصود، وأنه ينبغى للناظم والناثر تجنبه وتوخى الألفاظ الرقيقة وحسن مواقعها فى التأليف.
(3/35)

الصنف الخامس عشر فى التورية
اعلم أن هذا الاسم عبارة عن كل ما يفهم منه معنى لا يدل عليه ظاهر لفظه ويكون مفهوما عند اللفظ به، واشتقاقه من قولهم وريت عن كذا إذا سترته، وفى الحديث كان إذا أراد سفرا ورى بغيره، أى ستره وكنى عنه وأوهم أنه يريد غيره، وهذا نحو الكناية والتعريض، والمغالطة والأحاجى والألغاز، فهذه الأمور كلها مشتركة فى كونها دالة على أمور بظاهرها، ويفهم عند ذكرها أمور أخر غير ما تعطيه بظواهرها، فأما الكناية والتعريض فقد قدمنا الكلام فيهما، وذكرنا أمثلتهما، وأظهرنا التفرقة بينهما فأغنى ذلك عن إعادته، والذى نذكره ههنا، إنما هو المغالطة والإلغاز والأحجية وهى مندرجة تحت الإلغاز، وليس بينهما تفرقة، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما، وهذه الأمور كلها، وإن كانت قريبة المأخذ سهلة المدرك، وليس يتعلق بها كبير بلاغة ولا عظيم فصاحة، ولكنها غير خالية عن تفنن فى الكلام واتساع فيه، وتدل على تصرف بالغ وقوة على تصريف الألفاظ واقتدار على المعانى فهى غير خالية عن فن من فنون البلاغة وعلم البديع، وقد جرت عادة العلماء من أهل البلاغة على ذكرها والكلام عليها، فلا جرم أوردناها ولم نخل هذا الكتاب عنها.
الضرب الأول فى المغالطة المعنوية
اعلم أن المغالطة المعنوية هى أن تكون اللفظة الواحدة دالة على معنيين على جهة الاشتراك فيكونان مرادين بالنية دون اللفظ، وذلك لأن الوضع فى اللفظة المشتركة أن تكون دالة على معنيين فصاعدا على جهة البدلية، هذا هو الأصل فى وضع اللفظ المشترك، فإذا كان المعنيان مرادين عند إطلاقها، فإنما هو بالقصد دون اللفظ، والتفرقة بين المغالطة والإلغاز هو أن المغالطة كما ذكرناه إنما تكون بالألفاظ المشتركة وهى دالة على أحدهما على جهة البدلية وضعا، وقد يرادان جميعا بالقصد والنية، بخلاف الإلغاز، فإنه ليس دالا على معنيين بطريق الاشتراك ولكنه دال على معنى من جهة لفظه وعلى المعنى الآخر من جهة الحدس لا بطريق اللفظ فافترقا بما ذكرناه، ويتضح الحال فى المغالطة المعنوية بذكر أمثلتها، المثال الأول ما قاله أبو الطيب المتنبى «1» :
يشلّهم بكلّ أقبّ نهد ... لفارسه على الخيل الخيار
(3/36)

وكلّ أصمّ يعسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار
يغادر كلّ ملتفت إليه ... ولبّته لثعلبه وجار
فالثعلب هو الحيوان المعروف، والثعلب هو طرف سنان الرمح مما يلى الصعدة، فلما اتفق الاسمان حسن لا محالة ذكر الوجار. لما كان الوجار يصلح لهما جميعا، فاللبة وجار ثعلب السنان وهو بمنزلة جحر الثعلب أيضا، ومن ذلك ما أنشد لبعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل ثم انتقل إلى مذهب الشافعى قال فيه:
فمن مبلغ عنى الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدى لديه الرسائل
تمذهبت للنّعمان بعد ابن حنبل ... وفارقته إذ أعوزتك المآكل
وما اخترت رأى الشافعى تديّنا ... ولكنّما تهوى الذى هو حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فاسمع لما أنا قائل
فمالك ههنا يصلح أن يكون مالك بن أنس صاحب المذهب ويصلح أن يكون مالكا خازن النار، فهذه مغالطة لطيفة كما ترى على الوصف الذى ذكرناه، ومن ألطف ما قيل فى المغالطات المعنوية ما قاله بعضهم يهجو الشعراء:
فخلطتم بعض القرآن ببعضه ... فجعلتم الشّعراء فى الأنعام
فالشعراء ههنا كما يصلح اسمه للسورة المعروفة، والأنعام أيضا اسم للسورة، فهما يصلحان أن يكون الشعراء جمع شاعر، وأن الأنعام جمع نعم، وهى البقر والغنم والإبل، فهذه مغالطة رشيقة لاشتمالها على ذكر الأمرين جميعا، ومن ذلك قوله فى صفة الإبل:
صلب العصا بالضرب قد أدماها ... تودّ أن الله قد أفناها
إذا أرادت رشدا أغواها ... تخاله من رقّة أباها
فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى السير فى الأرض، وهكذا قوله قد أدماها فإنه يقال: أدماه إذا أسال دمه، وأدماه إذا جعله كالدمية، وهى الصورة، وقوله أفناها. يقال أفناه إذا أذهبه، وأفناه إذا أطعمه الفناء وهو عنب الثعلب، وقوله أغواها.
يقال أغواه إذا أطعمه الغوىّ، وأغواه إذا أزاله عن رشده، فالفناء والغوى شجران كما ترى، فهذه هى أمثلة المغالطة المعنوية وهى مقررة على الاشتراك كما أشرنا إليه.
(3/37)

الضرب الثانى فى أمثلة الإلغاز وهو الأحجية
وهو ميلك بالشىء عن وجهه، واشتقاقه من قولهم طريق لغز إذا كان يلتوى ويشكل على سالكه، ويقال له المعمى أيضا ويفارق ما ذكرناه من المغالطة المعنوية فإنها مبنية على اشتراك اللفظ بين معنيين كما أسلفنا تقريره، بخلاف اللغز، فإنه إنما يوجد من جهة الحدس والحزر لا من جهة دلالة اللفظ بحقيقته، ولا بمجازه، ومثاله قول بعض الشعراء فى الضرس:
وصاحب لا أملّ الدهر صحبته ... يسعى لنفعى ويسعى سعى مجتهد
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عينى عليه افترقنا فرقة الأبد
فما هذا حاله من الكلام ليس فيه دلالة على الضرس لا من جهة حقيقة اللفظ ولا من جهة مجازه، وإنما هو شىء يعرف بدقة الذكاء وجودة الفطنة، ومن أجل هذا تختلف القرائح فى السرعة والإبطاء فى فهمه، ومن الأمثلة ما قال بعض الشعراء فى أيام الأسبوع ولياليه:
سبع رواحل ما ينخن من الونى ... شيم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدّءوب يملّها ... باق تعاقبها على الدهر
فما ذكره لا يفهم من طريق الحقيقة ولا من جهة المجاز ولا من جهة المفهوم، وإنما يفهم بطريق الحدس والحزر، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى يصف السفن فى قصيدته التى يمدح بها سيف الدولة عند ذكره لصورة الفرات التى مطلعها (الرأى قبل شجاعة الشجعان) قال فيها:
وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون حوالك الألوان
تأتى بما سبت الخيول كأنها ... تحت الحسان مرابض الغزلان «1»
وهذا من جيد ما يذكر فى الإلغاز وبديعه لما فيه من الرشاقة والحسن، ومن ذلك ما قاله بعضهم يصف حجر المحكّ الذى تستعمله الصاغة:
ومدّرع من صبغة الليل برده ... يفوق طورا بالنّضار ويطلس
إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيى الورى وهو أخرس
(3/38)

وقد أجاب بعض الشعراء عن لغز هذين البيتين فقال:
سؤالك جلمود من الصخر أسود ... خفيف لطيف ناعم الجسم أملس
أقيم بسوق الصّرف حكما كأنه ... من الزّنج فاض بالخلوق مطلّس
ومن لطيف الإلغاز ورشيقه ما قاله بعض الشعراء فى الخلخال:
ومضروب بلا جرم ... مليح اللون معشوق
له قدّ الهلال على ... مليح القد ممشوق
وأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط فى السّوق
فهذا ما أردنا ذكره من أمثله الإلغاز فى المنظوم، فأما أمثلته من المنثور فهى كثيرة، وقد ورد فى الحريريات كالذى ضمنه المقامة الثامنة فى الإبرة والمرود وغير ذلك فيها، فأما القرآن الكريم فليس فيه شىء من ذلك، لأن ما هذا حاله إنما يعرف بالحدس والنظر، والقرآن خال عن ذلك، لأن معرفة معانيه مقررة على ما يكون صريحا لا يحتمل سواه من المعانى، أو ظاهرا يحتمل غيره، أو مجملا يفتقر إلى بيان، فأما ما يعلم بالحزر والحدس فلا وجه له فى القرآن، وأما السنة فقد روى أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان سائرا بأصحابه يريد بدرا فلقيه بعض العرب فقال لهم ممن القوم؟ فقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «نحن من ماء» ، فأخذ الرجل يفكر ويقول من ماء من ماء لينظر أى العرب يقال له ماء؟، وهذا ليس يعد من الإلغاز وإنما يعد من المغالطة المعنوية، لأن قوله «ماء» يحتمل أن يكون بعض بطون العرب يقال له «ماء» كما يقال هو «ماء السماء» ويحتمل أن يكون مراده أنهم مخلوقون من الماء، أى النطفة، فهو كما ذكرناه صالح للأمرين على جهة الاشتراك، ودلالة الإلغاز إنما هى من جهة الحدس لا من جهة اللفظ كما أشرنا إليه، فإذن فالقرآن والسنة جميعا منزهان عما ذكرناه من الإلغاز، ويحكى عن امرىء القيس أنه تزوج امرأة فأراد امتحانها من هذه الإلغازات، فقال لها قبل أن يتزوجها ما اثنان، وما ثلاثة، وما ثمانية، فقالت: أما الاثنان فثديا المرأة، وأما الثلاثة فأخلاف الناقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة، وهو كثير فى كلام العرب فى منظومها ومنثورها كما أشرنا إليه.
(3/39)

الصنف السادس عشر فى التوشيح
اعلم أن هذا النوع إنما لقب بالتوشيح لأن معناه أن يبنى الشاعر قصيدته على بحرين من البحور الشعرية، فإذا وقف على القافية الأولى فهو شعر كامل مستقيم، وإذا وقف على الثانية كان بحرا آخر، وكان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر، فلما كان ما يضاف إلى القافية الأولى زائدا على الثانية سمى توشيحا، لأن الوشاح ما يكون من الحلى على الكشح زائدا عليه، ويقال له التشريع أيضا، لأن ما هذا حاله من الشعر فإن النفس تشرع إلى تمام القافية وكمالها، وقد يقع فى المنثور أيضا على معنى أن الفقرة الأولى تكون مختصة بتسجيعتين وتكون الثانية تابعة لها على هذا الحد، وهذا التوشيح إنما يقع ممن كان يتعاطى التمكن من صناعة النظم، عظيم البراعة فى ذلك مقتدرا على كثير من الأساليب، ومن أمثلته ما قاله بعض الشعراء:
اسلم ودمت على الحوادث ما رسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء
ونل المراد ممكّنا منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء
فإذا اقتصرت على القافية الأولى وهى ما رسا ركنا ثبير، كان شعرا تاما قد اختص ببحر مخصوص، وإذا زدت عليه قولك أو هضاب حراء، كان شعرا آخر مختصا ببحر آخر، وهكذا حال البيت الثانى كما ترى، وهكذا قوله «1» :
وإذا الرّياح مع العشىّ تناوحت ... هدج الرّئال تكبّهنّ شمالا
ألفيتنا نقرى العبيط لضيفنا ... قبل العيال ونقتل الأبطالا
فالاقتصار على قوله هدج الرئال بيت على حياله على بحر من بحور الشعر، فإذا زدت قوله تكبهن شمالا، كان شعرا وخرج عن البحر الأول، وهكذا حال البيت الثانى فى قوله قبل العيال مع قوله ونقتل الأبطالا، وقد وقع فى الحريريات كقوله «2» :
يا خاطب الدنيا الدّنية إنها ... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
فقوله شرك الردى، بيت كامل على بحر مخصوص، وإذا أضفت إليه قوله وقرارة الأكدار، كان شعرا وكان من بحر آخر، وقد روى عن بعض الشعراء أنه كان ينظم القصيدة على ثلاثة أبحر من الشعر ثم ينشد كل واحد منها على حياله مخالفا للآخر، واقترح عليه بعض أصحابه أن يصنع مثل ذلك فصنعه وأجاد فيه، نعم وإن كان واردا فى المنظوم والمنثور كما ذكرناه، ولكن وروده فى المنظوم أحسن بهجة وأرسخ عرقا فى البلاغة.
(3/40)

الصنف السابع عشر فى التجريد
اعلم أن التجريد فى أصل اللغة هو إزالة الشىء عن غيره فى الاتصال، فيقال: جرّدت السيف عن غمده، وجردت الرجل عن ثيابه، إذا أزلتهما عنهما، ومنه قوله عليه السلام «لا مد ولا تجريد» يعنى فى حد القذف وحد الشرب، وأراد أن المحدود لا يمد على الأرض ولا يجرد عن ثيابه، فأما فى مصطلح علماء البيان فهو مقول على إخلاص الخطاب إلى غيرك وأنت تريد به نفسك، وقد يطلق على إخلاص الخطاب على نفسك خاصة دون غيرها، وهو من محاسن علوم البيان ولطائفه، وقد استعمل على ألسنة الفصحاء كثيرا فصار مقولا على هذين الوجهين، فلنقصر الكلام فيه عليهما، ونذكر له تقريرين.
التقرير الأول فى التجريد المحض
وهو أن تأتى بكلام يكون ظاهره خطابا لغيرك وأنت تريده خطابا لنفسك فتكون قد جردت الخطاب عن نفسك وأخلصته لغيرك، فلهذا يكون تجريدا محققا، وهذا كقول بعض الشعراء فى مطلع قصيدة له:
إلام يراك المجد فى زىّ شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر
كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنّك فارس ل ... مقال ومحيى الدارسات الغوائر
وإنّك أعييت المسامع والنّهى ... بقولك عمّا فى بطون الدّفاتر
فهذا وما شاكله من أحسن ما يوجد فى التجريد، ألا تراه فى جميع هذه الخطابات ظاهرها يشعر بأنه يخاطب غيره والغرض خطاب نفسه، وهذا هو السر واللباب فى التجريد كما أسلفنا تقريره.
التقرير الثانى فى بيان التجريد غير المحض
وهو أن تجعل الخطاب لنفسك على جهة الخصوص دون غيرها، والتفرقة بين هذا، والأول ظاهرة، فإنك فى الأول جردت الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك، فإطلاق اسم التجريد عليه ظاهر، بخلاف الثانى، فإنه خطاب لنفسك لا غير، وإنما قيل له تجريد لأن نفس الإنسان لما كانت منفصلة عن هذه الأبعاض والأوصال، صارت كأنها منفصلة عنها فلهذا سمى تجريدا، ومثاله ما قاله عمرو بن الإطنابة «1» :
(3/41)

أقول لها وقد جشأت وجأشت ... مكانك تحمدى أو تستريحى
ومن هذا ما قاله بعض الشعراء:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد «1»
ومن ذلك ما قاله الأعشى «2» :
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
فهو فى هذه الأبيات كلها خطابه مقصور على نفسه دون غيره، فإذا تمهدت هذه القاعدة فهل يطلق اسم التجريد على النوع الثانى على جهة الحقيقة أم لا، وفيه مذهبان،
المذهب الأول أنه لا يطلق عليه اسم التجريد، وإنما يقال له نصف تجريد، وهذا هو الذى زعمه ابن الأثير،
فإن التجريد الحقيقى هو ما ذكرناه فى النوع الأول، وهو أن تخاطب غيرك وتوجه الخطاب إليه وأنت تريد نفسك، وأما ما هذا حاله فإنك توجه الخطاب فيه إلى نفسك، فلهذا كان نصف تجريد كما ترى، والحقيقة هى أن الإنسان لا يخاطب نفسه، وإنما يخاطب غيره.
المذهب الثانى أن اسم التجريد يطلق عليه وهذا هو الذى ذكره أبو على الفارسى
وهذا وهو الأقرب، وتقريره هو أن الإنسان حقيقة ليس عبارة عن هذه الصورة المدركة من الأبعاض والأوصال، وإنما هو أمر وراء ذلك، وللعلماء فيه خوض عظيم وتفاصيل طويلة، وأقربها مذهبان، أحدهما وهو الذى عول عليه المعتزلة وهو مذهب أئمة الزيدية، أن حقيقة الإنسان عبارة عن مجموع آسان متصلة به تقصد بالمدح والذم والثواب والعقاب والأمر والنهى وغير ذلك مخالفة لسائر الحقائق وهى الإنسانية، وهى مؤلفة من أجزاء جسمانية، وثانيهما مذهب أكثر الفلاسفة، وهو أن الإنسانية عبارة عن النفس الناطقة، وهى أمر حاصل فى الإنسان ليست جسما ولا عرضا، ولكنها حقيقة معقولة إلى غير ذلك من التفاصيل لمذهبهم، فإذا كان الأمر كما قلناه فحاصل كلام الفارسى أن العرب تعتقد
(3/42)

أن فى الإنسان معنى كامنا فيه، فتعتقد أنه أمر خارج عن الإنسان فتخاطبه بالخطاب والغرض غيره، فلهذا كان هذا تجريدا مشبها للأول، وهذا الذى يمكن أن يقرر عليه كلام الفارسى فى تسمية ما هذا حاله تجريدا، وقد عاب ابن الأثير على الفارسى هذه المقالة ووجه الخطأ عليه من وجهين، الوجه الأول منهما أنه قال: إن حقيقة الإنسان معنى كامن فيه، هو حقيقته، ولا وجه لذلك، فإن المعقول من صفة الإنسان هو هذه البنية المشار إليها من غير تخصيص هناك فيها، وهذا فاسد فإن الحق ما قاله الفارسى كما حكيناه عن أهل الإسلام، والمعتزلة وغيرهم، وعن الفلاسفة من أن حقيقة الإنسان هى أمر حاصل فيه، ولم ينكره ابن الأثير إلا لأنه قليل الخلطة بالمباحث الكلامية والعلوم العقلية، ولو اطلع على مقالة العقلاء من المسلمين والفلاسفة واضطراب أقوالهم فيها، لم ينكر على الفارسى هذه المقالة ولتحقق يقينا لا شك فيه أن فى الزوايا خبايا، وأن فى الخبايا خفايا، الوجه الثانى أنه قال: إنه قد أدخل فى التجريد ما ليس منه، وهذا فاسد أيضا فإنه إذا تحقق ما قلناه من أن حقيقة الإنسان أمر مخالف لهذه البنية المدركة المحسوسة عقل التجريد، وكأنها هى المخاطبة بالخطابات والمراد غيرها كما قلناه فى التجريد المحقق من أن الخطاب موجه إلى غيرك وأنت فى الحقيقة تريد به نفسك، فهذا ما أردنا ذكره من حقائق التجريد وذكر وجوهه والخلاف فيه والله أعلم.
(3/43)

الصنف الثامن عشر التدبيج
ومعناه أن تذكر فى الكلام ألوانا من الأصباغ تدل على المدح والذم، واشتقاقه من الديباج، وهو نوع من الحرير وله فى البلاغة موقع عظيم وهو يكسب الكلام بلاغة ويزيده حلاوة، ويرد على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون واردا فى المدح،
وهذا كقول أبى تمام «1» :
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهى من سندس خضر
يعنى أنه لبس ثياب الدنيا وهى حمر من الدماء فى الجهاد ثم استشهد بعد ذلك فما أتى الليل إلا وقد خرجت روحه من الدنيا وفارق الحياة وصار إلى الجنة لابسا ثياب السندس من عبقرى الجنان، فكنى عن حال القتال بالثياب الحمر، وكنى عن دخول الجنة بالثياب الخضر، ففيه من الحسن ما فيه، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء يمدح أقواما بالكرم وشرف الخصال:
إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار ... النّقع خضر الأكناف حمر النّصال «2»
الوجه الثانى: أن يكون واردا فى الذم،
ومثاله ما قاله بعض الشعراء:
وأحببت من حبّها الباخلين ... حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من اللّؤم بيضا وسودا
ومما شاكل ذلك ما ورد فى الحريريات: «فمذ ازور المحبوب الأصفر، واغبر العيش الأخضر اسود يومى الأبيض، وابيض فودى الأسود، حتى رثى لنا العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر» .
وله أصل فى البلاغة راسخ، وفرع فى الفصاحة باسق شامخ.
(3/44)

الصنف التاسع عشر التجاهل
اعلم أن هذه الصيغة أعنى «تفاعل» موضوعة على أن تريك الفاعل على صفة ليس هو عليها، وهذا كقولك لغيرك تضارر وما به ضرر، وتعامى عن الحق وما به عمى، وتجاهل وما به جهل، هذا ما تفيده باعتبار وضعها، والتجاهل مصدر تجاهل، فالتجاهل يعطى ما يعطيه قولنا تجاهل، وهو ما ذكرناه، وأما وضعه فى اصطلاح علماء البيان، فهو منقول إلى فن من فنون البديع، وهو أن تسأل عن شىء تعلمه موهما أنك لا تعرفه وأنه مما خالجك فيه الشك والريبة وشبهة عرضت بين المذكورين، وهو مقصد من مقاصد الاستعارة، يبلغ به الكلام الذروة العليا، ويحله فى الفصاحة المحل الأعلى، ومثاله قول بعض الشعراء:
أياظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا آنت أم أمّ سالم
فانظر إلى عمله فى هذا البيت كيف جهل نفسه وأنزلها منزلة غبى لا يفرق بين أم سالم وبين الظبية الوحشية فى الصورة، وأنها متلبسة عليه بها، وأوهم فى كلامه هذا أنه أشكل عليه المسمى باسم الظبية على جهة الحقيقة، وأنه لا يميز بين الأمرين، هل اسم الظبية مستعار لأم سالم من الظبية الوحشية، أو يكون الأمر على العكس من ذلك، فلما كان الأمر كما قلناه سأل عن ذلك واستفهم عنه، فمتى سيق الكلام على هذا المساق، بلغ فى الفصاحة مكانا رفيعا، ويقرب من ذلك ما قاله بعضهم «1» :
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
فانظر إلى تحيره هل ليلاه من الإنس، أم من الوحش، وهمزة الاستفهام محذوفة، وقد دل عليها بقوله أم، لأنها تشعربها وتحذف معها كثيرا، إلا أن تكون أم منقطعة، فقد تأتى بغير همزة كما هو محقق فى علم الإعراب، ومن ذلك ما قاله زهير «2» :
وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء
(3/45)

فلما أشكل عليه الأمر هل لهم صفة الذكورة أو صفة الأنوثة، سأل عن حقيقة الأمر فى ذلك واستفهم عنه.
ومما يلحق بأذيال هذا الصنف ويجىء على أثره الهزل الذى يراد به الجد، مثاله قول بعضهم:
إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّب
فالاستفهام جامع لهما جميعا، لكنه أورده على جهة التهكم به والهزء والسخرية، والغرض به الجد، والمعنى فى هذا عد عن المفاخرة التى أنت تطلبها فإنها مرتبة عالية سنية، ولكن حدثنى عن أكلك للضب كما هى عادتك، فهو يماثل التجاهل كما ترى وإن كان بينهما تفرقة ظاهرة.
(3/46)

الصنف الموفى عشرين وهو الترديد
والترديد تفعيل من قولهم: ردد الثوب من جانب إلى جانب، وردد الحديث ترديدا أى كرره، ومعناه فى مصطلح علماء البيان أن تعلّق اللفظة بمعنى من المعانى ثم تردّها بعينها وتعلقها بمعنى آخر، وعند هذا يحسن رصفه ويعجب تأليفه هذا كقول أبى نواس فى وصف الخمر «1» :
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسّها حجر مسّته سرّاء
فأضاف المس الأول إلى الحجر فى الأول ثم أضاف المس إلى السراء فى الثانى ليكون الكلام متناسبا مفيدا لفائدة جديدة وكقول ابن جبلة:
مضطرب يرتجّ من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب
إذا تظنّينا به صدّقنا ... وإن تظنّى فوقه الدهر كذب
لا يبلغ الجهد به راكبه ... ويبلغ الريح به حيث طلب
ففى كل واحد من هذه الأبيات لفظة مكررة قد علق عليها فى الأول ما لم يعلق عليها فى الثناء كما تراه حاصلا فى صورته، وما هذا حاله يقال له التعطف لأنه يتعطف على الكلمة الواحدة فيوردها مرتين، ومنه تعطفت الناقة على ولدها إذا كانت ترضعه مرة بعد مرة، فهذا ما أردنا ذكره فى هذا النمط من أنواع البديع المتعلقة بالفصاحة اللفظية، قد اقتصرنا فيه على هذا القدر ففيه كفاية، ونحن وإن أخللنا بشىء من أوصافه فإنه مندرج تحت ما ذكرناه من هذه الأصناف بمعونة الله تعالى.
(3/47)

النمط الثانى من أنواع البديع وأصنافه مما يتعلق بالفصاحة المعنوية
اعلم أنا قد اخترنا إيراد أنواع البديع على هذين النمطين وهما فى الحقيقة متقاربان، لأنه لا بد من اعتبار اللفظ والمعنى فيهما جميعا، خلا أن الأول الغرض فيه الاعتماد على فصاحة الألفاظ وعلى هذا يكون المعنى تابعا، النمط الثانى المقصود منه هو الاعتماد على بلاغة المعانى وتكون الألفاظ تابعة، وعلى هذا يعقل التغاير بين النمطين، وكل ما ذكرناه خوض فى علم البديع وبيان أنواعه،
ويشتمل هذا النمط على خمسة وثلاثين صنفا نوردها الأول فالأول.
الصنف الأول التفويف
وهو فى علم البديع فى الذروة العليا، وهو فى مصطلح علماء البيان ما يدل على معنى آخر بقرينة أخرى كما ستراه موضحا بالأمثلة، واشتقاقه من قولهم برد مفوّف، وهو الذى يكون على لون ثم يخالطه لون أبيض، وقد يرد التفويف فيه تارة من جهة لفظه وتارة من جهة معناه، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما ونمثله بمعونة الله تعالى
الضرب الأول منهما راجع إلى المعنى،
وضابطه هو أن تصف الممدوح بما يدل على مدحه من صفات المكارم وسمات المحامد، ثم تورد صفات دالة على ذمه، لكن اقترن بها ما يرشد إلى كونها مدحا، فالتفويف داخل فى هذه الجهة، ومثاله قول جرير «1» :
هم الأخيار منسكة وهديا ... وفى الهيجاء كأنّهم صقور
بهم حدب الكرام على المعالى ... وفيهم عن مساويهم فتور
خلائق بعضهم فيها كبعض ... يؤمّ كبيرهم فيها الصّغير
عن النّكراء كلهم غبىّ ... وبالمعروف كلّهم بصير
فكل واحد من هذه الأبيات قد تضمن ما يرشد إلى الذم، لكنه اقترن به ما أخرجه إلى المدح فقوله «كأنهم صقور» صفة ذم لأن من شأن الصقور الخطف والبغى لكنه لما اقترن بقوله «الهيجا» كان مدحا لأن الإنسان إذا كان فى الحرب كالصقر يغلب غيره ويسلبه فهو
(3/48)

مدح لا محالة، وهكذا قوله «وفيهم عن مساويهم فتور» لأن الفتور هو الضعف والعجز وهما ذمان، خلا أنه اقترن بقوله «بهم حدب الكرام على المعالى» فصيره مدحا لأن الإنسان إذا كان عظيم الولوع بالخصال السامية والمراتب العالية وكان ضعيفا متكاسلا عن المساوى ففيه نهاية المدح وهكذا قوله «يؤم كبيرهم فيها الصغير» فإنه يكون ذما لأنه لا خير فى الكبير إذا كان مقتديا بالصغير، وإنما المدح هو عكسه لكنه لما اقترن بقوله «خلائق بعضهم فيها كبعض» أفهم أن الصغير والكبير فيهم سواء فى فعل المعروف والإحسان، وهكذا قوله: «عن النكراء كلهم غبى وبالمعروف كلهم بصير» فإن الغباوة صفة ذم، خلا أنه لما اقترن به قوله: «وبالمعروف كلهم بصير» كان دليلا على المدح فهذا ما يحتمله هذا الضرب.
الضرب الثانى أن يكون راجعا الى الألفاظ
وهو أن تأتى بجمل مقطعة، وهذا كقول من قال يصف السحاب «1» :
تسربل وشيا من حرير تطرّزت ... مطارفها لمعا من البرق كالتبر
فوشى بلا رقم ونقش بلا يد ... ودمع بلا عين وضحك بلا ثغر
فهذا وأمثاله يعد فى التفويف لما جاء مقطعا على أوزانه فى العروض.
الصنف الثانى التنبيه
وحاصله أن تطلق كلاما ثم تردفه بما يؤيده ويقرر معناه، ومثاله قول من قال:
هو الذئب أو للذئب أوفى أمانة ... وما منهما إلّا أذلّ خؤون
فأطلق قوله هو الذئب للإخبار عنه بالغدر والمكر، ثم أردفه بقوله «أو للذئب أوفى أمانة» تنبيها على قول من يقول وأى أمانة للذئب، فقال مستدركا مقررا للمعنى «وما منهما إلا أذل خؤون» فالتنبيه إنما كان بقوله «أو للذئب أوفى أمانة» ليستدعى قوله «وما منهما إلا أذل خؤون» ومنه قول الآخر:
وقد أعددت للحدثان حصنا ... لو انّ المرء تنفعه العقول
فقوله «أعددت للحدثان حصنا» تنبيه على قول قائل: وهل يمنع من الحدثان حصن؟
فتلافاه بقوله «لو أن المرء تنفعه العقول» وقال بعض الشعراء:
(3/49)

إذا ما ظمئت إلى ريقها ... جعلت المدامة عنها بديلا
وأين المدامة من ريقها ... ولكن أعلّل قلبا عليلا
فنبه بقوله: «وأين المدامة من ريقها» على قول قائل: هل تكون المدامة بدلا عن ريقها، فاستدرك عند ذلك بقوله: «ولكن أعلل قلبا عليلا» .
ومما هو منسحب فى أذيال التنبيه «التتميم» وهو أن تأخذ فى بيان معنى فيقع فى نفسك أن السامع لم يتصوره على حد حقيقته وإيضاح معناه فتعود إليه مؤكدا له فيندرج تحت ما ذكرناه من خاصة التنبيه، وهذا كقول ابن الرومى «1» :
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... فى الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصباح ... تجلو الدّجى والأخريات رجوم
فقوله «نجوم» ورد غير مشروح، لأنه لا يفهم منه ما ذكره من التفصيل فى البيت الآخر، فلهذا كان مبهما، فلما شرح تقاسيم النجوم فى البيت الثانى جاء متمما له ومكملا لمعناه فلا جرم كان معنى التتميم فيه حاصلا، وكان فيه التنبيه على ما ذكرناه، فلهذا أوردناه على أثر التنبيه لما كان قريبا منه وملتصقا به فكان أحق بالإيراد على أثره وبالله التوفيق.
الصنف الثالث التوشيع
ويقال له التوسيع، فأما التوشيع بالشين المثلثة الفوقانية، فاشتقاقه من توشيع الشجرة وهو تفريع أصلها، وأما التوسيع بالسين المهملة فاشتقاقه من قولهم وسع فى حفر البئر إذا فسح فيه، ومنه فسح فى المجلس، إذا وسعه لمن يجلس فيه، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يأتى المتكلم بمثنى يفسره بمعطوف ومعطوف عليه، وذلك من أجل أن التثنية أصلها العطف، فيوسع الاسم المثنى بما يدل على معناه ويرشد إليه على جهة العطف، ومثاله قوله عليه السلام يكبر ابن آدم ويشب معه خصلتان، الحرص وطول الأمل، وقوله عليه السلام خصلتان لا يجتمعان فى مؤمن، البخل وسوء الخلق، ومنه قول ابن الرومى يمدح عبد الله بن سليمان بن وهب:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل النّيران الشمس والقمر
(3/50)

وإن نضا حدّه أوسلّ عزمته ... تأخّر الماضيان السيف والقدر
من لم يبت حذرا من سطو سطوته ... لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر
ينال بالظنّ ما يعيا العيان به ... والشّاهدان عليه العين والأثر
كأنه وزمام الدهر فى يده ... يدرى عواقب ما يأتى وما يذر «1»
وأحسن منه نظما وأرق جلدة وأدق فهما ما قال بعض المتأخرين:
يا من له الأطيبان المجد والكرم ... ومن له الماضيان السيف والقلم
ومن خلائقه كالروض ضاحكة ... فطبّعه الأحسنان الجود والشّيم
أنت الجواد وأنت البدر لا كذب ... يمحى بك الأسودان الظلم والظلم
هناك ربّك ما أولاك من نعم ... لا مسّك المؤذيان السقم والألم
وعادك الشهر أعواما مكرّرة ... ما عظّم الأشرفان البيت والحرم
فهذه الأبيات من أعجب ما يأتى فى أمثلة التوشيع، وهى من أرق الشعر وأمدحه، وأدخله فى حسن الانتظام وأفصحه.
الصنف الرابع التطريز
وهو تفعيل من طرزت الثوب إذا أتيت فيه بنقوش مختلفة، واشتقاقه من الطراز، وهو فارسى معرب، وهو فى مصطلح علماء البيان مقول على ما يكون صدر الكلام والشعر مشتملا على ثلاثة أسماء مختلفة المعانى ثم يؤتى بالعجز فتكرر فيه الثلاثة بلفظ واحد، ومن أمثلته ما قاله بعضهم:
وتسقينى وتشرب من رحيق ... خليق أن يلقّب بالخلوق
كأنّ الكأس فى يدها وفيها ... عقيق فى عقيق فى عقيق «2»
وأراد بالثلاثة يدها، والكأس، والخمر، وكلها محمرة فكرر لفظة العقيق إشارة إلى ما ذكرناه، قال ابن الرومى يذم بنى خاقان:
أمور من بنى خاقان عندى ... عجاب فى عجاب فى عجاب
قرون فى رءوس فى وجوه ... صلاب فى صلاب فى صلاب «3»
(3/51)

ولأبى نواس:
فثوبى مثل شعرى مثل نحرى ... بياض فى بياض فى بياض
ومن عجيب ما جاء فى التطريز من أبيات: ... فثوبك مثل شعرك مثل بختى
سواد فى سواد فى سواد
فالأول مقول فى لابس ثوب أبيض والثانى فى لابس ثوب أسود، ولقد أحسنا فى ذلك غاية الإحسان.
الصنف الخامس فى الاطّراد
وهو مخالف لما ذكرناه من قبل من الاستطراد، فإنا قد ذكرنا أن الاستطراد يكون كلام ثم تدخل عليه كلاما أجنبيا عنه ثم ترجع إلى الأول، بخلاف الاطراد، فإنه ذكر اسم الممدوح بعينه ليزداد إبانة وتوضيحا على ترتيب صحيح ونسق مستقيم من غير تكلف فى النظم ولا تعسف فى السبك حتى يكون ذكر الاسم فى سهولته كاطراد الماء وسهولة جريه وسيلانه ومثاله ما قال بعض الشعراء «1» :
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
قال الأعشى «2» :
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ يرجو شبابك وائل
وقال دريد بن الصمة «3» :
قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
وقال آخر:
من يكن رام حاجة بعدت عن ... هـ وأعيت عليه كل العياء
فلها أحمد المرحّى ابن يحيى ب ... ن معاذ بن مسلم بن رجاء»
فأما ذكر الأمهات والجدات فليس محمودا عند البلغاء وأهل العلم بالمدائح الشعرية لما فيه من الركة وإنزال قدر الممدوح، وقد عيب على أبى نواس فى مدحه لمحمد الأمين ذكره
(3/52)

لأمه فى مدحه حيث قال:
أصبحت بابن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام
فإن مثل هذا مما يعد فى القبح فى مثل هذا المقام، وهكذا قوله:
وليس كجدّتيه أمّ موسى ... اذا نسبت ولا كالخيزران
وإنما كان هذا مكروها، لأن شرف الإنسان إنما يكون بالرجال لا من جهة النساء.
الصنف السادس: القلب
وهو من جملة أفانين البلاغة، وفيه دلالة على الاقتدار فى الكلام والإغراق فيه، ويأتى على أوجه خمسة:
أولها «التبديل»
وهو عكس الكلمات فى نظامها وترتيبها، ومثاله قولهم كلام الملوك ملوك الكلام، وفى الحريريات قوله الإنسان صنيعة الإحسان ورب الجميل فعل الندب، وشيمة الخير ذخيرة الحمد، وكسب الشكر استثمار السعادة، وعنوان الكرم تباشير البشر، وكقول المتنبى «1» :
فلا مجد فى الدّنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال فى الدنيا لمن قلّ مجده
ومنه قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ
[يونس: 31] .
وثانيهما قلب البعض
ومثاله قوله:
وقالوا أىّ شىء منه أحلى ... فقلت المقلتان المقتلان
فأخر ما قدمه فى أحدهما، وقدم ما أخره كما ترى.
وثالثها قلب الكل من الكلمة
ومثاله قوله «2»
حسامك منه للأحباب فتح ... ورمحك فيه للأعداء حتف
«ففتح» مقلوبه من آخره «حتف» ويخالف ما سبقه فإن القلب فى المقلتين والمقتلين ليس إلا بعض الكلمة لا غير،
ورابعها «المجنح»
وهو أن يكون القلب فى أول كلمة من البيت وآخر كلمة منه وهذا كقوله «3» :
لاح أنوار الهدى ... فى كفّه فى كلّ حال
فقوله «لاح» فى أول البيت مقلوبه «حال» فى آخره.
(3/53)

وخامسها «المستوى»
وهو الذى من أوله وآخره على جهة الاستواء، وهو قليل نادر صعب المسلك، وعر المرتقى لا يكاد يأتى به إلا من أفلق فى البلاغة، وتقدم فى الفصاحة، وقد يأتى فى النثر والنظم، فمما جاء فى كتاب الله تعالى قوله: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)
[الأنبياء: 33] وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
[المدثر: 3] ومنه قول بعضهم مودتى لعلى تدوم، وقال آخر دام على العماد، وفى الحريريات قوله: من يرب إذا بر ينم، وقوله سكت كل من نم لك تكس، وقوله كبر رجاء أجر ربك، ومن الشعر قوله «1» :
أس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا
أسند أخا نباهة ... أبن إخاء دنّسا
اسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا
أسر إذا هبّ مرا ... وارم به إذا رسا
اسكن تقوّ فعسى ... يسعف وقت نكسا
وأعجب الحسن فى هذه الأمور أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى، فعند هذا تروق وتحسن، فأما إذا جاءت على العكس من هذا نزل قدره ولم يكن معجبا كل الإعجاب
الصنف السابع: التسميط
اعلم أن من الناس من يعد هذا النوع من أنواع التسجيع، والحق ما قاله الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: إنّه مخالف لأنواع السجع، وهو أن يؤتى بالبيت من الشعر على أربعة مقاطع، فثلاثة منها على سجع واحد مع مراعاة القافية فى الرابعة إلى أن تنقضى القصيدة على هذه الصفة، واشتقاقه من قولهم: عقد مسمط إذا روعى فيه هذه الحال، ومن أمثلته قول جنوب الهذلية:
وحرب وردت وثغر سددت ... وعلج شددت عليه الحبالا
ومال حويت وخيل حميت ... وضيف قريب يخاف الوكلا
وكقول امرىء القيس يصف رجلا قتله «2» :
ومستلئم كشّفت بالرّمح ذيله ... أقمت بعضب ذى سفاسق ميله
فجعتبه فى ملتقى الحىّ خيله ... تركت عتاق الطير تحجل حوله
(3/54)

كأنّ على سرباله نضح جريال
فهذا حباء على أربعة مقاطيع، والخامسة هى القافية، والأول أربعة رابعتها القافية، ومن الخمسة قوله:
يا خليلىّ اسقيانى بالزّجاج ... حلب الكرمة من غير مزاج
أنا لا ألتذّ سمعا باللّجاج ... فاسقنيها قبل تغريد الدّجاج
قبل أن يؤذن صبحى بانبلاج ... إن أردت الرّاح فاشربها صباحا
ومن ذلك ما ورد فى الحريريات قوله:
لزمت السّفار وجبت القفار ... وعفت النفار لأجنى الفرح
وخضت السّيول ورضت الخيول ... بجرّ ذيول الصّبا والمرح
وقوله:
أيا من يدّعى الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم
تعبّى الذنب والذّم ... وتخطى الخطأ الجم
الصنف الثامن كمال البيان ومراعاة حسنه
اعلم أن لهذا الصنف من المكانة فى البلاغة موقعا عظيما، وحاصله فى لسان أهل البلاغة أنه كشف المعنى وإيضاحه حتى يصل إلى النفوس على أحسن شىء وأسهله، وهو يأتى على ثلاثة أوجه نفصلها بمعونة الله تعالى، وينقسم إلى ما يكون قبيحا فى البيان وإلى ما يكون حسنا، وإلى ما يكون متوسطا فهذه وجوه ثلاثة،
الوجه الأول أن يكون قبيحا،
وهو ما يكون فيه دلالة على العى، وهذا كالذى يحكى عن «باقل» وقد سئل عن ثمن ظبى وهو ممسك له، فقيل له كم ثمن هذا الظبى، فأراد أن يقول أحد عشر درهما فأدركه العى والحمق فأرسل الظبى وفرق بين أصابع يديه وأدلع لسانه إشارة إلى أنه بأحد عشر درهما فأفلت الظبى عن يده، ومن ركيك البيان ونازل القدر فيه أن رجلا كانت فى يده محبرة من زجاج فقيل كم أصحاب الكسا، ففتح كفه وأشار بأصابعه الخمس فسقطت المحبرة من يده وانكسرت، ولقد كان يغنيه عن ذلك أن يحرك لسانه وينطق بلفظة الخمسة فيسلم من ذلك، فهذا وما شاكله من البيانات معدود فى غاية القبح والركة، ولا يكاد يفعله إلا أهل البلاهة، ومن لا لب له،
الوجه الثانى ما يعد فى الحسن،
وهو ما يأتى موضحا للمعنى من غير زيادة فيكون فضلا، ولا نقصان فيكون فيه إخلال، وتارة يأتى مع الإيجاز وتارة
(3/55)

مع الإطناب، فهاتان خاصتان، الخاصة الأولى مجيئه مع الإيجاز ومثاله قول الشاعر:
له لحظات عن حفافى سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «1»
فإنه قد جمع إلى إيجازه وصف الممدوح بالخلافة ومدحه بالقدرة وشدة الانتقام وإعطاء المعروف والهيبة والجلالة والعظمة والأبهة، الخاصة الثانية مجيئه مع الإطناب ومثاله قول بعض الشعراء يمدح رجلا فأطنب فى مدحه ووصفه بالخصال الباهرة:
لقد وقفت عليه فى الجموع ضحى ... وقد تعرّضت الحجّاب والخدم
حييته بسلام وهو مرتفق ... وضجّة الناس عند الباب تزدحم
فى كفّه خيزران ريحه عبق ... فى كف أروع فى عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم «2»
فانظر إلى ما أودعه فى هذه الأبيات من الإطناب فى مدحه بهذه الخصال كلها، وذكرها مفصلة فيه أقوى دلالة على الإطناب، فهذه أمثلة البيان الحسن،
الوجه الثالث فى المتوسط من البيان،
وهو ما ليس فيه قبح كالذى حكيناه عن «باقل» ولا فيه دلالة على الإيجاز والإطناب فيكون بالغا فى الحسن، ومثاله إذا قيل: كم أصحاب الكسا، فقيل خمسة، وكم المبشرون بالجنة من الصحابة، فقلت عشرة، فهذا بيان متوسط.
الصنف التاسع: الإيضاح
وهو إفعال من أوضحت الكلام إذا بينته ودرهم وضح، إذا كان مضروبا، فاشتقاقه من الظهور، يقال وضح الفجر إذا كان بينا، وفى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يرى فى كلامك لبسا يكون موجها، أو خفى الحكم فتردفه بكلام يوضح توجيهه ويظهر المراد منه، فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون الذى يؤتى به من الكلام موضحا لتوجيهه، ومثاله قول الشاعر:
يذكّرنيك الخير والشّرّ كلّه ... وفيك الحيا والعلم والحلم والجهل
فألفاك عن مكروهها متنزّها ... وألقاك فى محبوبها ولك الفضل «3»
(3/56)

فالبيت الأول دال على التوجيه بمعنى أنه يحتمل أن يريد مدحه وأن يريد ذمه لأنه صرح بأن فيه الخير والشر، وفيه الحلم والجهل، فيحتمل أن يكون المراد مدحه، ويحتمل أن يريد ذمه، فإذا قال بعد ذلك فى البيت الثانى إنه برىء عن مكروهها، ومنزه عنه، وأنه فى محبوبها له الزيادة على غيره فى الصفات المحمودة، أزال ما يحتمله الأول من الذم، وأزال توجيهه الذى يحتمله. الوجه الثانى أن يكون الذى يؤتى به من الكلام موضحا لحكم خفى ومثاله ما يقوله بعض الشعراء:
ومقرطق يغنى النديم بوجهه ... عن كأسه المملى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... فى مقلتيه ووجنتيه وريقه «1»
فالبيت الأول حكمه خفى لإيراد القصد فيه، لأنه لم يفصح بمقصوده عن كون النديم يغنى بوجهه، وما الذى أغناه عن حمل الكأس والإبريق، فلما قال فى البيت الثانى:
فعل المدام ولونها ومذاقها ... فى مقلتيه ووجنتيه وريقه
وأراد أن المقلتين يسكران من نظر إليهما ويخجلانه كما تسكر الخمر العقول وتحيرها وتدهشها وحمرة المدام تشبهها حمرة خديه، ومذاق المدام يشبه ريقه، صار البيت موضحا لهذه الأمور الثلاثة مبينا لها ولحكمها، والمقرطق بالقافين، لابس القباء، والمقرطف. بقاف وفاء هو اللابس لثوب له خمل والله أعلم.
الصنف العاشر التتميم
وهو تفعيل من قولهم تممه إذا أكمله، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن تقييد الكلام بفضلة لقصد المبالغة، أو للصيانة عن احتمال الخطأ، أو لتقويم الوزن، فهذا تقرير معناه فى مراد علماء البلاغة، ثم يرد على أوجه ثلاثة، إما للمبالغة، وإما للصيانة، وإما لإقامة الزنة على حد ما ذكرناه فى شرح ماهيته، أولها أن يكون واردا على جهة المبالغة بأن تكون الفائدة فى تلك الفضلة إنما هى المبالغة لا غير، ومثاله قول زهير:
من يلق يوما على علّاته هرما ... يلق السّماحة منه والنّدى خلقا «2»
(3/57)

فقوله «على علاته» تتميم للمبالغة، فوقعت فى غاية الحسن والرشاقة كما ترى، والمراد بقوله على علاته أى على حالاته وكقوله يمدح هرما أيضا:
إن الكريم على علاته هرم
فهذه اللفظة حصل من أجلها مبالغة فى المدح لا يخفى. وثانيها أن تكون واردة على جهة الصيانة عن احتمال الخطأ فترد رافعة له، ومثاله ما قاله بعض الشعراء:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمى «1»
فقوله غير مفسدها فضلة واردة لرفع الإيهام الحاصل ممن يدعو على الديار بكثرة المطر ليكون مفسدا لها، فانظر إلى موقع هذه اللفظة ما أرقه وما ذاك إلا من أجل ما اشتملت عليه من هذا الاحتراز الذى ذكرناه، وهكذا قول من قال:
لئن كان باقى عشينا مثل ما مضى ... فللحبّ إن لم يدخل النار أروح «2»
فقوله إن لم يدخل النار معناه سلامة العاقبة، وأراد أن أول الحب كان فيه بلهنية وخفض عيش ولذة وراحة، فإن كان آخره مثل أوله فالحب لا محالة أحمد عاقبة، لكن بشرط أن تكون العاقبة فيه سليمة عما يشوبها، لأن الحب الأكثر فيه أن يكون خطأ تكاد أن تكون عقابه وخيمة يدخل بسببها النار، فإذا كان هذا سليمة عواقبة فهو أروح، يعنى مشتهى لسلامته عما لا يكاد ينفك عنه. وثالثها أن يكون واردا على جهة الاستقامة للوزن ولا يحتاج إليه فى المبالغة ولا للاحتراز، ومثاله قول المتنبى:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتى لرأيت فيه جهنّما «3»
فإن المعنى تام، لكنه لما كان الوزن غير مستقيم لو انخرم عن قوله يا جنتى، أتى بها من أجل استقامة الزنة لا غير، فحصل طباق وحسن موقع لا يوجد مع حذفها، ولو قال عوضها «يا منيتى» لاستقام الوزن، لكن لا طباق فيها ولا يكون لها موقع حسن، وقد ذكرنا فيما سلف الاعتراض، وبينا ما يحسن منه وما يقبح، فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق.
(3/58)

الصنف الحادى عشر الاستيعاب
وهو استفعال من قولهم: استوعبت ما فى القدح من اللبن شربا، إذا أتيت عليه. وهو فى لسان أهل البلاغة عبارة عن أن يتعلق بالكلام معنى له أقسام متعددة فيستوعبها فى الذكر ويأتى عليها، ومثاله قول عمر بن أبى ربيعة:
تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت تقصر
ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا نأيها يسلى ولا أنت تصبر «1»
فانظر إلى استيعابه جميع متعلقات قوله «تهيم بحيث لو عددها بحرف العطف لكان ذلك صحيحا جامعا، وقد جاء فى القرآن ما هذا حاله كقوله تعالى: يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً
[الشورى: 49] فهذا التقسيم حاصر لا مزيد على حصره مع ما فيه من البلاغة التى ليس وراءها غاية، لأنه فى معنى، الناس على طبقاتهم واختلاف أحوالهم على أربعة أصناف، فمنهم من له بنات لا غير، ومنهم من له بنون، ومنهم ذو بنات وبنين، ومنهم من هو عقيم لا ولد له من ابن ولا بنت فهذه الآية مستوعبة لما ذكرناه، وكقول بشار:
فراح فريق فى الأسارى ومثله ... قتيل وقسم لاذ بالبحر هاربه «2»
فاستوعب أنواع التنكيل وتفريق الشمل، كأنه قال صاروا بين أسير ومقتول وهارب فى البحار لعله ينجو، وكما فعله عمرو بن الأهتم بهذيل فى قوله:
اشربا لا شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير «3»
فاستوعب ما وقعوا فيه من أنواع العذاب بالقتل والأسر والتطريد، وكما قال بعض أهل الحماسة:
فهبها كشىء لم يكن أو كنازح ... به الدّار أو من غيّبته المقابر «4»
فجمع فى ذلك بين أنواع العدم حتى استوعبها، وكما قال نصيب:
فقال فريق القوم لمّا سألتهم ... نعم وفريق أيمن الله ما ندرى «5»
(3/59)

فاستوعب جميع نوعى الجواب فى النفى والإثبات، فلم يبق بعد ذلك شىء، فما هذا حاله إذا ورد فى الكلام فى نظمه أو نثره كان أدل ما يكون على البلاغة وأقوم شىء فى الفصاحة، ولا يكاد يختص به إلا من رسخت قدمه فيها.
الصنف الثانى عشر الإكمال
وهو إفعال، من أكمل الشىء إذا حصله على حالة لا زيادة عليها فى تمامه، وهو فى مصطلح علماء البيان مقول على أن تذكر شيئا من أفانين الكلام، فترى فى إفادته المدح كأنه ناقص لكونه موهما بعيب من جهة دلالة مفهومه فتأتى بجملة فتكمله بها تكون رافعة لذلك العيب المتوهم، وهذا مثاله أن تذكر من كان مشهورا بالشجاعة دون الكرم، ومن كان عالما بالبلاغة دون سداد الرأى ونفاذ العزيمة، فترى فى ظاهر الحال أنه ناقص بالإضافة إلى عدم تلك الصفة المفقودة عنه، فتذكر كلاما يكمل المدح ويرفع ذلك التوهم كما قال كعب بن سعد الغنوى فى ذلك:
حليم إذا ما الحلم زيّن أهله ... مع الحلم فى عين العدوّ مهيب «1»
فإنه لو اقتصر على قوله «حليم إذا ما الحلم زين أهله» لأوهم إلى السامع أنه غير واف بالمدح، لأن كل من لا يعرف منه إلا الحلم ربما طمع فيه عدوه فنال منه ما يذم به، فلما كان ذلك متوهما عند إطلاقه أردفه بما يكون رافعا للاحتمال مكملا للفائدة بوصف الحلم، وهو قوله «مع الحلم فى عين العدو مهيب» ليدفع به ما ذكرناه من التوهم، وكقول السموءل بن عادياء:
وما مات منا سيّد فى فراشه ... ولا طلّ منا حيث كان قتيل «2»
فلو اقتصر على قوله: «وما مات منا سيد فى فراشه» لأوهم أنهم صبر على الحروب والقتل دون الانتصار من أعدائهم فلا جرم أكمله بقوله «ولا طل منا حيث كان قتيل» فارتفع ذلك الاحتمال المتوهم وزال، وكما قال ابن الرومى نثرا: إنى وليّك الذى لم يزل تنقاد إليك مودته من غير طمع ولا جزع، وإن كنت ولذى الرغبة مطلبا، ولذى الرهبة مهربا، فلو سكت على قوله إنى وليك الذى لم يزل تنقاد إليك مودته من غير طمع ولا
(3/60)

جزع، لأوهم أنه لا يطمع فيه لقلة ذات يده ولا يرهب منه لعجزه، فلما قال وإن كنت لذى الرغبة مطلبا لذى الرهبة مهربا، أكمله ورفع الاحتمال الذى ذكرناه، والتفرقة بين الإكمال والتتميم ظاهرة مع كونهما مشتركين فى أنهما إنما زيدا من أجل رفع الوهم عن تخيل ما يحط من المدح ويسقطه، وحاصلها من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، أما من جهة اللفظ فهو أن التتميم إنما يقال فى شىء نقص ثم تمم بغيره، بخلاف الإكمال فإنه تام لم ينقص منه شىء، خلا أنه أكمل بغيره، فصار الأول بالزيادة تاما، وصار الثانى بالزيادة كاملا، وأما من جهة المعنى فهو أن التتميم إنما يذكر من أجل رفع احتمال متوهم، فلهذا افترقا، فالإتمام يرفع الخطأ مما ليس ذما، والإكمال يرفع الذم المتوهم إذا لم يذكر، فهذا تقرير ما يمكن من التفرقة بينهما، ومن عرف أمثلتهما تحقق ما ذكرناه.
الصنف الثالث عشر فى التذييل
وهو تفعيل من قولهم ذيّل كلامه إذا عقّبه بكلام بعد كمال غرضه منه، فأما معناه فى اصطلاح علماء البلاغة فهو عبارة عن الإتيان بجملة مستقلة بعد إتمام الكلام لإفادة التوكيد وتقرير لحقيقة الكلام، وذلك التحقيق قد يكون لمنطوق الكلام، وتارة يكون لمفهومه فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون سوقه من أجل تأكيد منطوق الكلام، ومثاله قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)
[سبأ: 17] لأن حاصل قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
ظاهره وصريحه يدلان على أن الوجه فى استحقاقهم لما استحقوه من نزول العذاب، إنما كان من أجل كفرهم لأن قوله: بِما كَفَرُوا
تعليل للجزاء من أجل الكفر، فقوله بعده وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)
تقرير وتأكيد لما سبق من الجملة الأولى وتحقيق لها، لأنه دال عليها ومحقق لفائدتها وهكذا قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[الأنبياء: 34- 35] فلما قال وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
ذيلها بتذييلين، كل واحد منهما محقق لفائدتها ودال على مضمونها، الأول منهما قوله: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34)
فهذا الاستفهام وارد على جهة الإنكار عليهم فى زعمهم الخلود، وأراد أنه لا تتصور أن تكون أنت ميتا، وهم خالدون بعدك فإذا كان لا خلود لك مع ما اختصصت به من المكانة والزلفة عند الله تعالى فهم أحق بالانقطاع والزوال لا محالة، والثانى قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
فهذا أيضا توكيد لقوله: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
لأن هذا العموم قاطع لكل ظن ويأس عن كل أمر يطمع بالخلود، ومن الأمثلة فى ذلك ما قاله بعض الشعراء فى ممدوحه:
(3/61)

لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل «1»
فقوله «تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل» مؤكد لما دلت عليه الجملة الأولى بظاهرها، وهو قوله «لم يبق جودك لى شيئا أؤمله» لأنه مصرح بأن جوده لم يترك له أمنية يتمناها. فلم يبق له أمل فى الدنيا يرجو حصوله بحال، وهذا نهاية المدح، وقد أخذه المتنبى وزاد عليه فى قوله من قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
تمسى الأمانىّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشىء ليت ذلك لى «2»
وهذا أعظم من الأول فى المدح وأدخل فى الأدب مع الممدوح، حيث جعله فى قبيل من لا يتمنى شيئا أصلا. الوجه الثانى أن تكون الجملة الثانية مسوقة من أجل تأكيد مفهوم الكلام، ومثاله بيت النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أىّ الرّجال المهذّب «3»
فقوله «ولست بمستبق أخا لا تلمه» دال من جهة مفهومه على نفى الكامل من الرجال، ثم أكد هذا المفهوم بقوله «أى الرجال المهذب» لأن معناه أنا أستفهمك عنه فإنى لا أكاد أجده، ومن ذلك ما قاله الحطيئة:
نزور فتى يعطى على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد «4»
فمفهوم قوله «يعطى على الحمد ماله» أنه لا يعطى ماله إلا لأجل أن يحمد، وقوله بعد ذلك «ومن يعط أثمان المكارم يحمد» محقق له ومؤكد لفائدته، فلأجل هذا كان ما هذا حاله تذييلا، واشتقاقه من ذيل الفرس، إما لأنه زائد على كمال خلقها، كما أن هذا مزيد على جهة التوكيد، وإما لأنه فى عجزها كما أن هذا إنما يأتى على أدبار الجمل مقررا لها.
الصنف الرابع عشر فى التفسير
وهو تفعيل من الفسر، وهو البيان، يقال فسر الكلام يفسره إذا بيّنه، ويقال لنظر الطبيب إلى بول الرجل فسر لأنه يتبين به حاله، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يقع فى مفردات كلامك لفظ مبهم أو عدد مجمل أو غير ذلك مما يفتقر إلى بيان، فتأتى بما يقرر ذلك ويكون شرحا له من بيان وكشف، ثم إن وقوعه يكون على وجهين،
(3/62)

الوجه الأول أن يكون الإبهام واقعا فى أحد ركنى الإسناد،
فيكون بيانه بالركن الآخر ومثاله قول بعض الشعراء:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
يحكى أفاعيله فى كلّ نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذّكر «1»
فالإبهام إنما وقع فى قوله ثلاثة تشرق الدنيا، وهو واقع فى موضع المبتدأ وبيانه إنما وقع بركنه الثانى وهو خبر المبتدأ، وهكذا قوله «يحكى أفاعيله» فإن الإبهام واقع فيه، وقد فسره بقوله الغيث والليث والصمصامة الذكر، فهذه الأمور كلها فاعلة لقوله يحكى أفاعيله، فلأجل هذا قضينا فيها بأن الركن الثانى وهو الفاعل يفسر الركن الأول، وهو قوله يحكى أفاعيله، فلأجل ملازمة أحد الركنين لصاحبه لا جرم جاز أن يكون أحدهما مفسرا للآخر كما أشرنا إليه،
الوجه الثانى أن يأتى على خلاف الأول،
وهو أن يكون الثانى مفسرا للأول بالصفة، وهذا كقول الفرزدق يمدح أقواما:
لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوّم «2»
فلما عدّد تلك الأمور الثلاثة المجحفة بالإنسان الطّرد والثّقل والإعدام على من رواه «معدم» فأما من رواه بالراء وهو الصحيح فهما أمران، الطرد وحمل الثقل الذى يغرم لأجله عقّبه بأمرين كل واحد منهما موضح لما قاله على جهة المقابلة بما يصلح له فقابل الطّرد بالطعان حوله حتى يستنصر من حقه، وقابل قوله حمل ثقل المعدم، بقوله معطبا ليجبر فقره فهكذا حال التفسير يأتى على هذين الوجهين وما أشبههما، فإذا حصل على الصفة التى يكون فيها بيان لما سبقه فهو تفسير، وإن اختلفت فيه الأمثلة.
الصنف الخامس عشر فى المبالغة
وهى مصدر من قولك بالغت فى الشىء مبالغة إذا بلغت أقصى الغرض منه، وفى مصطلح علماء البيان هى أن تثبت للشىء وصفا من الأوصاف تقصد فيه الزيادة على غيره، إما على جهة الإمكان، أو التعذر، أو الاستحالة. فقوله أن تثبت للشىء وصفا عن الأوصاف عام يندرج فيه ما فيه مبالغة، وما ليس فيه مبالغة، وقوله تقصد فيه الزيادة على
(3/63)

غيره، يخرج عنه ما ليس كذلك، فإن حقيقة المبالغة الزيادة لا محالة وقوله وصفا من الأوصاف، عام فى المدح والذم، والحمد، والشكر وسائر الأوصاف التى يمكن فيها الزيادة وقوله إما على جهة الإمكان، أو التعذر، أو الاستحالة، يشمل أنواع المبالغة، لأن ما ذكرناه يقال له مبالغة إذا كان يصح وقوعه، أو يكون متعذرا مع إمكانه، أو مستحيلا لا يمكن وقوعه فكله معدود فى المبالغة، فإذا عرفت هذا فلنذكر مذاهب الناس فيها، ثم نذكر طرقها، ثم نردفه بذكر أنواعها فهذه فوائد ثلاث نفصلها بمعونة الله تعالى.
الفائدة الأولى فى ذكر مذاهب الناس فيها
اعلم أن لعلماء البيان فى المبالغة مذاهب ثلاثة فى كيفية مدخلها فى الكلام وإفادتها لما تفيده، وهل تعد من فنون علم البديع أم لا:
المذهب الأول أنها غير معدودة من محاسن الكلام،
ولا من جملة فضائله، وحجتهم على هذا هو أن خير الكلام ما خرج مخرج الحق وجاء على منهاج الصدق من غير إفراط ولا تفريط، والمبالغة لا تخلو عن ذلك كما جاء فى أشعار المتأخرين من الإغراق والغلو، وجه آخر وهو أن المبالغة لا يكاد يستعملها إلا من عجز عن استعمال المألوف والاختراع الجارى على الأساليب المعهودة، فلا جرم عمد إلى المبالغة ليسد خلل بلادته بما يظهر فيه من التهويل ولهذا تراها مخرجة للكلام إلى حد الاستحالة، فهذا تقرير كلام من منع المبالغة.
المذهب الثانى على عكس هذا وهو أن المبالغة من أجل المقاصد فى الفصاحة،
وأعظمها فى البراعة، ومن أجلها نشأت المحاسن فى المعانى الشعرية، وحجتهم على هذا أن خير الشعر أكذبه، وأفضل الكلام ما بولغ فيه، ولهذا فإنك ترى الكلام إذا خلا عنها وبعد عن استعمالها كان ركيكا نازلا قدره، ومتى خلط بها ظهرت فصاحته وراق رونقه وحسن بهاؤه وبريقه، فهذا تقرير مقالة من قبلها واستعملها.
المذهب الثالث مذهب من توسط، وهو أن المبالغة فن من فنون الكلام ونوع من محاسنه،
ولا شك أن
(3/64)

للكلام بها فضل بهاء وجودة رونق وصفاء لا يخفى على من كان له أدنى ذوق، ولكن ليس على جهة الإطلاق، فإن الصدق فضله لا يجحد، وحسنه لا ينكر، فمهما كانت المبالغة جارية على جهة الاعتدال بالصدق فهى حسنة جميلة، ومهما كانت جارية على جهة الغلو والإغراق فهى مذمومة، فهذه مذاهب المتكلمين فى حكم المبالغة قد حصرناها وضبطناها ليتضح الحق ويظهر أمره، والمختار عندنا وعليه تعويل أهل التحقيق من علماء البيان تقرير نشير إلى مباديه، ونرمز إلى أسراره ومعانيه، فنقول أما من عاب المبالغة فقد أخطأ، فإن المبالغة فضيلة عظيمة لا يمكن دفعها ولولا أنها فى أعلى مراتب علم البيان لما جاء القرآن ملاحظا لها فى أكثر أحواله، وجاءت فيه على وجوه مختلفة لا يمكن حصرها، فقد أخطأ من عابها على الإطلاق، وأما من استجادها على الإطلاق فغير مصيب على الإطلاق أيضا لأن منها ما يخرج عن الحد فيعظم فيه الغلو والإغراق فيكون مذموما كما سيحكى عن أقوام أغرقوا فيها وتجاوزوا الحد بحيث لا يمكن تصور ما قالوه على حال قرب ولا بعد، لكن خير الأمور أوساطها، فما كان من الكلام جاريا على حد الاستقامة من غير إفراط ولا تفريط فهو الحسن لا مراء فيه، فيكون فيه نوع من المبالغة من غير خروج ولا تجاوز حد، وأحسن بيت ما قاله زهير وهو من بدائع حكمه الشعرية:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم «1»
فما هذا حاله من أعجب الأبيات وأصدقها حكمة، وأدخلها فى معرفة أخلاق الناس، ومن ذلك ما قاله حسان بن ثابت فى حسن الصدق:
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا
فإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا «2»
ومن أجل الإخلال بالمبالغة ومراعاتها عيب على حسان فى قوله:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
«3» فعيب عليه قوله الجفنات، وهو جمع قلّة، وليس هذا من مواضع القلة، وكان الأحسن فيه الجفان وقوله «الغر» والغر إنما تستعمل فى مدح الشىء بالوضوح، وليس هذا من
(3/65)

مواضعه، وكان الأحسن «يمرعن» من كثرة الدهن وقوله يلمعن بالضحى، فإن كل شىء يلمع عند طلوع الشمس عليه، وكان الأفصح فيه، يلمعن فى سواد الليل من كثرة الأصباغ، وقوله وأسيافنا جمع قلة، وهذا ليس من مواضعه وكان الأفصح ذكر جمع الكثرة كالسيوف، وقوله «يقطرن» لأن القطرة قليلة حقيرة وكان الأفصح «يسلن» عوض يقطرن، فعرفت بما ذكرناه أن الكلام متى عرى عن استعمال المبالغة كان مذموما نازل القدر، فينحل من مجموع ما ذكرنا هاهنا معرفة ما يقبل فى المبالغة وما يردّ، وما يكون محمودا أو مذموما بما قررناه والله أعلم بالصواب.
الفائدة الثانية فى ذكر طرق المبالغة
اعلم أن المبالغة إذا كانت مستعملة فى الكلام مكسبة له رونقا وحلاوة، فلا بد فيها من طريق يوصل إليها، وجملة ما يذكر من ذلك طرق ثلاث:
الطريق الأولى أن يستعمل اللفظ فى غير ما وضع له فى الأصل
إما على جهة الاستعارة، أو الكناية، أو التمثيل، على ما سبق تقريره فى الأنواع المجازية، فإنه إنما استعمل فيها على تلك الأوجه من أجل المبالغة فى معناها، فإن قولنا مررت بالرجل الأسد يخالف قولنا مررت بالرجل الشجاع البالغ فى الشجاعة كل مبلغ، وما ذاك إلا لما فيه من المبالغة بكونه مجازا، وكما قال بعض الشعراء فى وصف القرطاس:
ويرى الصحيفة حلبة وجيادها ... أقلامه وصريرهنّ صهيلا
وكقول المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا «1»
إلى غير ذلك من رقيق الاستعارة وبديعها.
الطريق الثانية أن ترادف الصفات
وتكون متكررة لإعظام حال الموصوف ورفع شأنه، ومن أجل
(3/66)

قصد التهويل فى المعنى المقصود وإشادة أمره من مدح أو ذم كقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
[النور: 35] فانظر إلى تعديد هذه الجمل ومجيئها من غير حرف عطف، كيف أفادت المبالغة فى حال الموصوف، وأشادت من قدره ورفعت من حاله، وأبانت المقصود على أحسن هيئة، وكقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
[النور: 40] فتأمل هذه الأوصاف فى نعت النور والظلمة، كيف أصابت المجزّ، وطبّقت المفصل فى تحصيل المقصود وإظهار المبالغة فيه كما ترى.
الطريق الثالثة إتمام الكلام بما يوجب حصول المبالغة فيه وإكماله به
وهذا كقول من قال يمدح نفسه وقومه:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث كانا «1»
فإنه لم يكتف بما صدّره فى أول البيت من مقدار ما هو عليه وقومه من الإحسان إلى الجار والقيام بحقه وبذل الجهد فى المعروف إليه، حتى شفعه بقوله «ونتبعه الكرامة حيث كانا» مشتملا على زيادتين، الزيادة الأولى لحوق الكرامة له من الإتحاف والإلطاف وكثرة الإحسان والتبجيل والتعظيم، والزيادة الثانية قوله «حيث كانا» وأراد به حيث يسير من سائر الجهات من برّ أو بحر أو سهل أو جبل، فحصول هاتين الزيادتين قد اشتمل على المبالغة فيما ذكرناه، وكقول أبى تمام فى صفة الفرس ومدحه بصبره وتجلده على الجرى:
وأصرع أىّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب»
فلما مدحه بأنه يلحق كل وحش عليه ولم يستثن شيئا من ذلك عقبه بأعظم منه مدحا وأكثر مبالغة بقوله «وأنزل عنه مثله حين أركب» فى جموم جريه وكثرة نشاطه، أو أنه لا يعرق مع كثرة جريه لمزيد القوة وشدة صلابته.
(3/67)

الفائدة الثالثة فى ذكر أنواع المبالغة
اعلم أن المبالغة ترجع حقيقة أمرها إلى دعوى المتكلم للوصف اشتدادا فيما سيق من أجله على مقدار فوق ما يسلّمه العقل ويستقر به، ثم ذلك المقدار فى نفسه إما أن يكون ممكنا أو غير ممكن، والممكن إما أن يكون واقعا أو غير واقع، فدعوى كون الوصف على مقدار مستبعد يصح وقوعه عادة، يسمى مبالغة، ودعوى كون الوصف على مقدار ممكن يمتنع وقوعه عادة، يسمى إغراقا، ودعوى كون الوصف على مقدار غير ممكن يسمى غلوّا، فهذه ضروب ثلاثة نذكر ما يتوجه فى كل واحد منها بمعونة الله تعالى.
الضرب الأول منها ما يستبعد فى العقل، لكن وقوعه صحيح وهو المبالغة،
ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: 112] فما هذا حاله معدود فى المبالغة، ولو قال عوض هذه المقالة تواضع لوالديك وللمؤمنين لرأيته خاليا عن ديباج البلاغة وعاريا عن ثوبها وكقول زهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللحم والدّم «1»
فلقد بالغ فيما قاله حتى جعل حقيقة الإنسان إنما تكون بلسانه وقلبه، وبهما يحصل تمييزه عن سائر الحيوانات، ولو قال عوض هذا الكلام، تميّز الإنسان عن أصناف الحيوان هو بقلبه ولسانه لعزل البلاغة عن سلطانها، وأزالها عن رفيع محلها ومكانها، وكقول ابن دريد:
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا
فانظر إلى مبالغته فيما ذكره من جعله ألفا من الناس كالواحد فى الإغناء وأنهم مع كثرتهم بمنزلة واحد من الخلق، وأن الواحد بمنزلة الألف فى كونه كافيا عنهم، كل ذلك مبالغة فى مدح الواحد من الناس لما كان مغنيا عن الكثير لجمعه للأوصاف الجميلة والمحامد الحسنة، وفى ذمه للكثير من الناس حيث كانوا فى الإغناء لا يسدون مسد واحد وإن كانوا عدة كثيرة، فهذه الأمثلة كلها دالة على المبالغة من غير إغراق ولا غلو، وهو المحمود فى المبالغة كما مر بيانه.
(3/68)

الضرب الثانى ما كان ممكن الوقوع لكنه ممتنع وقوعه فى العادة وهو الإغراق
ثم هو على وجهين الوجه الأول منهما وهو أعجبهما وأدخلهما فى العقول وصحة الإصغاء إليه، وهو كل ما يقترن به كاد، ولو، ولولا، وحرف التشبيه وهو «كأن» فمتى اقترنت به أحد هذه الأمور ازداد حسنه وظهر إعجابه وهذا كقول امرىء القيس:
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من النّمل فوق الإتب منها لأثّرا «1»
أراد وصفها فى رقتها ونعومة جسمها بما ذكره، فلفظة «لو» قد قرّبت الدعوى وجعلتها بحيث يمكن السامع سماعها، ومن ذلك ما قاله المتنبى:
كفى بجسمى نحولا أننى رجل ... لولا مخاطبتى إيّاك لم ترنى «2»
ومن ذلك ما قاله الفرزدق يمدح به زين العابدين علىّ بن الحسين عليه السلام:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم «3»
فهذه الكلمات أعنى كاد، ولو، ولولا، قد أكسبته جمالا، وزادته رقه وكمالا، والوجه الثانى أن يأتى مجردا مما ذكرناه، وهذا يرد كثيرا كقول ابن المعتز:
ملك تراه احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والصفوف قيام «4»
فوصفه بطول قامته على هذه الحالة، ومن ذلك ما قاله امرؤ القيس فى وصف النار:
تنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال «5»
فإنه وإن امتنع من جهة العادة إدراك نار من مثل هذه المسافة لكنه ممكن عقلا، إذ لا يمتنع خلو هذه المسافة عن كل حائل من جبل وغيره فيمكن إدراكها، فما كان يمتنع عادة مع كونه ممكنا عقلا فهو الإغراق كما قررناه.
الضرب الثالث ما كان ممتنعا وقوعه وهو الغلو
ويكاد المفلقون فى الشعر يستعملونه فى مدحهم وهجوهم، ثم هو على وجهين،
(3/69)

الوجه الأول منهما أن يقترن به ما يقرّبه إلى الإمكان،
وهذا كقول من قال يصف فرسا له بسرعة جرى:
ويكاد يخرج سرعة من ظلّه ... لو كان يرغب فى فراق رفيق «1»
أراد أنه يقرب أن يفارق ظله عند جريه، وما يمنعه عن المفارقة إلا أن ظله رفيق له، ومن شيمه أن لا يفارق حميمه ورفيقه، ومنه قول مهلهل:
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
وكان بين حجر ومكان الوقعة مسيرة عشرة أيام، وأحسن من هذا قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
[النور: 35] ومن أرق ما قيل فى هذا ما قاله النابغة فى وصف السيوف من شدة قطعها قال:
تقدّ السّلوقىّ المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفّاح نار الحباحب «2»
أراد أنهن يقطعن الدروع ثم من بعد قطعها تقدح النار فى الحجارة من شدة وقعها، فهذا مما يقرّب.
الوجه الثانى مالا يقترن به ما يسوّغ قبوله
فيكون مردودا وهذا كقول النمر بن تولب يصف سيفه:
يكاد يحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذّراعين والساقين والهادى «3»
يريد أنه يغيب فى الأرض بعد قطعه لهذه الأشياء، ومن ذلك ما قاله المتنبى:
أو كان صادف رأس عاذر سيفه ... فى يوم معركة لأعيا عيسى «4»
ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء يغلو فيه:
كأنى دحوت الأرض من خبرتى بها ... كأنّى بنى الإسكندر السّدّ من عزمى «5»
فشبه نفسه أولا بالخالق جل جلاله فى دحوه الأرض ثم انحط منه إلى ما شبه نفسه بالإسكندر، فهذا ما أردنا ذكره فى المبالغة والله أعلم.
(3/70)

الصنف السادس عشر فى الإيغال
الإيغال فى أصل اللغة هو سرعة السير، ويستعمل فى المبالغة فى الشىء، يقال فلان يوغل فى نظره وفى قراءته أى يبالغ فيهما وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن الإتيان فى مقطع البيت وعجزه أو فى الفقرة الواحدة بنعت لما قبله مفيد للتأكيد والزيادة فيه ومثاله قول الخنساء:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار «1»
فقولها فى «رأسه نار» ، من الإيغال الحسن لأنها لم تكتف بكونه جبلا عاليا مشهورا، بل زادت لكثرة إيغالها فى مدحه وشهرته بقولها «فى رأسه نار» لما فيه من زيادة الظهور والانكشاف، لأن الجبل ظاهر فكيف به إذا كان فى رأسه نار، والنار ظاهرة فكيف حالها إذا كانت فى رأس جبل، ومن ذلك ما قاله امرؤ القيس يصف نفسه بكثرة الصيد:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقّب «2»
فقد حصل الغرض بقوله «عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع» ، ولكنه منقوص لكونه مطلقا فلم يفد هناك مبالغة وإيغالا فى التشبيه، فلما أردفه بقوله «لم يثقب» تأكد التشبيه وظهر رونقه. ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
حملت ردينيا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم يتصل بدخان «3»
فقوله سنا لهب، ليس فيه قوة للتشبيه لما كان مطلقا، فلما قيده بقوله لم يتصل بدخان، كان موغلا فى التشبيه لإكماله بما ذكره من التقييد فحصل الإيغال بقوله لم يتصل بدخان وتمت به المبالغة وجاء على صفة الإعجاب وحاز الطرافة مع حسن التأليف.
(3/71)

الصنف السابع عشر فى التفريع
وهو تفعيل من قولك فرّعت هذا إذا قررته على أصله، ومنه فروع الشجرة، لأنها ثابتة على أصولها، وكل ما كان مبنيا على غيره فهو فرع له، وأما مفهومه فى مصطلح علماء البلاغة فهو عبارة عن إتيانك بقاعدة تكون أصلا ومقدمة لما تريده من المدح أو الذم ثم تأتى بعد ذلك بتفصيل المديح وتعيّنه بعد إجمالك له أولا، فالكلام الأول يؤتى به على جهة المقدمة، وبالآخر على جهة الإكمال والتتميم والتفريع لما أصلته من قبل، ثم يكون على وجهين، الوجه الأول منهما أن يصدر الكلام الأول بحرف النفى وهو «ما» وتجعله أصلا لما تريد ذكره من بعده، ثم تأتى بعد ذلك بأفعل التفضيل وهذا كقول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... غنّاء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل
يوما بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل «1»
فمجيئه «بما» فى أول الكلام «وبأفعل» فى آخره هو كمال التفريع، وكقول أبى تمام:
ما ربع ميّة معمورا يطوف به ... غيلان أبهى ربى من ربعها الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظرى من خدّها التّرب «2»
ولأمير المؤمنين المنصور بالله فى هذا ما يروق الناظر حيث قال مثنيا على امرأته متعة بنت ابن عمران اليامى:
وما شادن بالرمل يرعى وربما ... أشاح حذارا عند جرس العواصف
وما غصن بان نطّق الرمل حقوه ... بأحسن من بيض الملا والملاحف
وما بيضة بات الظّليم يحفها ... وما لحنها من رقّة المترادف
وما دمية من زخرف فى رخامة ... يشابه متناها متون الصّحائف
وما بدرتمّ بعد عشر وأربع ... تردّى من الهالات خضر المطارف
وما عسجدىّ برمكىّ مشوّف ... خلاص تهاداه أكفّ الصيارف
(3/72)

وما درّة الغوّاص صبّر نفسه ... ليغنم منها عرضة للمتالف
بأحسن من بنت ابن عمران فى الدّنا ... يراع لها من هزّة كلّ واصف
فانظر إلى ما حوته هذه الأبيات من التشبيه الحسن، والتفريع اللائق.
الوجه الثانى ما يكون على خلاف هذه الصفة، وهو أن يأتى المتكلم بصفة يقرب إليها ما هو أبلغ منها فى معناها فيذكرها ليفرع عليها غيرها، وهذا كما قال بعض الشعراء:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفى من الكلب «1»
ففرع عن وصفه لهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهالات، شفاء دمائهم من دماء الكلاب الكلبة، وكما قال ابن المعتز:
كلامه أخدع من لحظه ... ووعده أكذب من طيفه «2»
فبينا هو يصف خدع كلامه، إذ فرّع عليه وصف كذب وعده، وقوله أيضا:
وكأنّ حمرة لونها من خدّه ... وكأنّ طيب نسيمها من نشره
حتى إذا صبّ المزاج تشعشعت ... عن ثغره فحسبته من ثغره «3»
(3/73)

الصنف الثامن عشر فى التوجيه
وهو تفعيل من قولك وجّهت هذا البرد، إذا جعلت له وجها يحسن لأجله ويرغب فيه، هذا فى اللغة، وأما فى مصطلح علماء البيان فهو أن يكون الكلام له وجهان، ثم إنه يرد فى البلاغة على استعمالين نذكرهما بمعونة الله تعالى.
الاستعمال الأول أن يؤكد المدح بما يكون مشبها للذم بأن تنفى عن الممدوح وصفا معينا ثم تعقبه بالاستثناء فتوهم أنك استثنيت ما يذم به فتأتى بما من شأنه أن يذم به وفيه المبالغة فى مدح الممدوح ومثاله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
ومن ذلك ما قاله ابن الرومى:
وما تعتريها آفة بشريّة ... من النوم إلا أنها تتحيّر «1»
كذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب وأنفاس الأنام تغيّر
وأحسن من هذا ما قاله بعض الشعراء يمدح قومه ويثنى عليهم:
ولا عيب فينا غير أنّ سماحنا ... أضرّ بنا والناس من كل جانب
فأفنى الرّدى أرواحنا غير ظالم ... وأفنى النّدى أموالنا غير غاصب
أبونا أب لو كان للناس كلهم ... أبا واحدا أغناهم بالمناقب «2»
وكقول ابن الإصبع فى تأكيد الذم بما يشبه المدح:
خير ما فيهم ولا خير فيهم ... أنّهم غير مؤثمى المغتاب «3»
وأراد وصفهم بقلة الخير والمعروف وما فيهم من الخير إلا أنهم لا ينكرون على من عاب أحدا فى مجالسهم ولا يمنعونه عن ذلك.
الاستعمال الثانى من التوجيه، وهو أن يمدح شىء يقتضى المدح بشىء آخر وهذا كقول المتنبى:
(3/74)

نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدّنيا بأنك خالد
فأول البيت دال على المدح بالشجاعة، وآخره دال على علو الدرجة، ومن هذا قول بعضهم من النثر، هم بحار العلى إلا أنهم جبال الحلسم، وكقول بعض الشعراء:
هو البدر إلّا أنه البحر زاخرا ... خلا أنّه الضر غام لكنه الويل «1»
ومما يحتمل المدح والذم على جهة الاستواء قولك للأعور «ليت عينيك سواء» فيحتمل أن تكون العوراء مثل الصحيحة فى الرؤية، ويحتمل عكس ذلك.
(3/75)

الصنف التاسع عشر التعليل
والتعليل تفعيل من قولهم علّل ماشيته إذا سقاها مرة بعد مرة، وعلّلت هذا إذا جعلت له علّة وسببا، وسمى المرض علة لأنه سبب فى تغيّر حال الإنسان وفساد صحته، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن تقصد إلى حكم من الأحكام، فتراه مستبعدا من أجل ما اختص به من الغرابة واللطف والإعجاب أو غير ذلك، فتأتى على جهة الاستطراف بصفة مناسبة للتعليل فتدّعى كونها علة للحكم لتوهّم تحقيقه وتقريره نهاية التقرير من أجل أن إثبات الشىء معلّلا آكد فى النفس من إثباته مجردا عن التعليل، ثم مجيئه فى ذلك على وجهين:
الوجه الأول أن يأتى التعليل صريحا، إما باللام كقول ابن رشيق يعلل قوله عليه السلام «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا» فقال فى معنى ذلك:
سألت الأرض لم جعلت مصلى ... ولم كانت لنا طهرا وطيبا
فقالت غير ناطقة لأنى ... حويت لكلّ إنسان حبيبا «1»
ولقد أحسن فى الاستخراج وألطف فى التعليل، فلأجل ما قاله كان ذلك علة فى كونها طهورا ومسجدا وكقول أبى نواس:
ولو لم تصافح رجلها صفحة الثّرى ... لما كنت أدرى علة للتيمّم «2»
فقد صرح بأن الوجه الباعث على جواز التيمم بالترب شرعا، هو ما ذكره من وطئها له بأخمص قدمها فلأجل ذلك كان جائزا.
الوجه الثانى أن لا يكون التعليل صريحا فى اللفظ، وإنما يؤخذ من جهة السياق والنظم والمعنى، وهذا كقول بعض الشعراء:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنسانى من الغرق «3»
(3/76)

فلقد أبدع فيما قاله وأظنه يحكى عن مسلم بن الوليد وهو من رقائقه التى اختص بها ونفائس ما نظمه وأراد أن الواشى مذموم لا محالة لما يفعله من القبيح، لكن العلة فى حسن إساءته؛ هو أنه يخاف على محبوبته من وشايته، فامتنع دمع عينيه من أجل الخوف والفشل فسلم إنسان عينه من أن يغرق بدموعه لمّا كان خائفا مذعورا من الوشاية، فلا وجه لتعليل حسن الوشاية إلا هذا وكقول من قال من الشعراء:
فإن غارت الغدران فى صحن وجنتى ... فلا غرو منه لم يزل وابل يهمى
وألحق به ما هو بمعناه وهو التعجب كقوله:
أيا شمعا يضىء بلا انطفاء ... ويا بدرا يلوح بلا محاق
فأنت البدر ما معنى انتقاصى ... وأنت الشمع ما سبب احتراقى
(3/77)

الصنف العشرون فى التفريق والجمع والتقسيم
هذه الأمور الثلاثة من عوارض البلاغة، وإذا وقعت فى الكلام بلغ مبلغا عظيما فى حسن التأليف وإعطاء الفصاحة حقها، وحاصله ضروب ثلاثة.
الضرب الأول التفريق المفرد
وهو تفعيل من قولك فرقت الدراهم إذا أعطيتها عددا عددا، وهو فى لسان علماء البلاغة أن تعمد إلى نوعين يندرجان تحت جنس واحد فتوقع بينهما تباينا فى المدح أو الذم أو غيرهما، ومثاله قول بعض الشعراء:
ما نوال الغمام يوم ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء «1»
فالنوالان مفترقان كما ترى، لكنهما يندرجان جميعا تحت اسم النوال والعطاء، ثم هما يفترقان كما ذكر فى العلو والدّنو، ففرق بينهما كما ترى.
الضرب الثانى: الجمع المفرد
وهو أن تجمع بين شيئين فصاعدا مختلفين فى حكم واحد، وهذا كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
[الكهف: 46] وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها
[البينة: 6] وكقول الشاعر:
إنّ الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أىّ مفسده «2»
وقوله:
وأحوالى وصدغك واللّيالى ... ظلام فى ظلام فى ظلام
فكل ما ترى من باب الجمع، لأنه جمعها وأخبر عنها بحكم واحد.
الضرب الثالث الجمع مركبا مع غيره وليس مفردا،
وهو يأتى على وجهين
أولهما الجمع مع التفريق،
وهو أن يشبه بشىء واحد ثم يفّرق بينهما فى وجه الشبه، ومثاله قول بعض الشعراء:
(3/78)

فوجهك كالّنار فى ضوئها ... وقلبى كالنّار فى حرّها
فانظر إلى ما فعله ههنا حيث جمع بين وجه المعشوق وقلبه، ثم إنه بعد ذلك فرق بينهما، فشبه الوجه بالنار فى الحسن والإنارة والضوء، وشبه القلب بها فى الحرارة والاحتراق وكقول من قال:
أسود كالمسك صدغا ... قد طاب كالمسك خلقا «1»
فقد جمع بين الصّدغ والخلق فى التشبيه بالمسك، ثم إنه فرق بينهما فالصدغ يشبه المسك فى سواده والخلق يشبه المسك فى طيبه وحسنه،
وثانيهما الجمع مع التقسيم،
وهو أن تجمع أمورا مندرجة تحت حكم واحد، ثم تقسّمها، ثم ليس يخلو حاله إما أن يجمع ثم يقسم بعد ذلك، أن يقسم ثم يجمع، فهاتان حالتان، الحالة الأولى الجمع ثم القسمة بعده، ومثاله ما قاله المتنبى:
الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسّبى ما نكحوا للقتل ما ولدوا ... للنّهب ما جمعوا والنار ما زرعوا «2»
فانظر إلى ما فعله فى البيت الأول حيث جمع أرض العدو وما فيها من كونها خالصة له على جهة الإجمال من غير إشارة فيه إلى تفصيل حالها، ثم إنه قسم حالها فى البيت الثانى إلى ما يكون منها للسبى، وما يكون للقتل، وما يكون للنهب والنار جميعا، الحالة الثانية أن يقسم أولا ثم يجمع ثانيا، ومثاله ما قاله حسان:
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع فى أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع «3»
فقد أعمل فى البيت الأول التقسيم إلى ما ذكره من خصالهم، ثم جمعها فى البيت الثانى من غير إشارة إلى تفصيل، فهذا وما شاكله له موقع فى الفصاحة لا يمكن جحده ولا يسع إنكاره.
(3/79)

الصنف الحادى والعشرون الائتلاف
وهو افتعال من قولهم ألّف الخرز بعضها إلى بعض إذا جمعها، وهو يأتى على أوجه أربعة،
الوجه الأول منها تأليف اللفظ مع المعنى،
وهو أن تكون الألفاظ لائقة بالمعنى المقصود ومناسبة له، فإذا كان المعنى فخما كان اللفظ الموضوع له جزلا، وإذا كان المعنى رقيقا كان اللفظ رقيقا، فيطابقه فى كل أحواله، وهما إذا خرجا على هذا المخرج وتلاءما هذه الملائمة وقعا من البلاغة أحسن موقع، وتألفا على أحسن شكل وانتظما فى أوفق نظام، وهذا باب عظيم فى علم البديع، وجاء القرآن الكريم على هذا الأسلوب، فإذا كان المعنى وعيدا وزجرا أو تهديدا، أو إنزال عذاب، أو إيقاع واقعة، أتى فيه بالألفاظ الغريبة الجزلة، وإذا كان المعنى وعدا وبشارة، أتى فيه بالألفاظ الرقيقة العذبة وهذا كقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85)
[يوسف: 85] فلما كان مفخّما للخطب ومهولا له وخيف على يعقوب عليه السلام من دوام حزنه وطول أسفه جاء بالألفاظ الغريبة كقوله «تفتؤ» «والحرض» ، هو الإشفاء على الهلاك يقال حرض المريض إذا دنا من الهلاك، وكما قال زهير:
أثافى سفعا فى معرّس مرجل ... ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلّم «1»
فلمّا عرفت الدّار قلت لربعها ... ألا انعم صباحا أيها الربع واسلم «2»
فالبيت الأول ألفاظه غريبة لما كان المعنى المقصود جزلا لكونه غير معروف مجهولا حاله، فلمّا عرفه أتى فى البيت الثانى بما يلائم المعنى من رقة اللفظ وحسنه ورشاقته لما فيها من البيان والظهور وكثرة الاستعمال.
الوجه الثانى ائتلاف اللفظ مع اللفظ
وهو أن تريد معنى من المعانى تصح تأديته بألفاظ كثيرة ولكنك تختار واحدا منها لما يحصل فيه من مناسبة ما بعده وملائمته، ومثاله قول البحترى فى وصف الإبل بالهزال:
كالقسىّ المعطّفات بل ال ... أسهم مبريّة بل الأوتار «3»
(3/80)

فإنه إنما اختار وصفها بالقسى مع أن هذا المعنى يحصل بتشبيهها بالعراجين والأخلة والأطناب وغير ذلك، لكنه اختار القسى لما أراد ذكر الأسهم والأوتار، فيحصل بذكر القسى ملائمة لا تحصل بذكر غيره فلهذا آثره، ولقد أحسن فيه لما اشتمل عليه من حسن التأليف وجودة النظم ومراعاة المناسبة فيما ذكره وكما قال المتنبى:
على سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأن النّبل فى صدره وبل «1»
فالسابح، الحصان، فلما وصفه بالسباحة عقبه بذكر الموج، وذكر النبل، وعقبه بذكر الوبل لما كان يشبه النبل فى شدة وقعه وسرعة حركته، ثم واصل بين الوبل والموج لما بينهما من الملائمة، وأحسن من هذا ما قاله ابن رشيق من شعره:
أصحّ وأقوى ما رويناه فى الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم «2»
فلاءم بين الصحة والقوة، وبين الرواية والخبر، لأنها كلها متقاربة فى ألفاظها، ثم قوله أحاديث، تقارب الأخبار ثم أردفها بقوله السيول، ثم عقّبه بالحيا، لأن السيول منه، ثم عن البحر، لأنه يقرب من السيل، ثم تابع بعد ذلك بقوله «عن جود الأمير تميم» فهذه الأمور كلها متقاربة، فلأجل هذا لاءم بينها فى تأليف الألفاظ، فصار الكلام بها مؤتلف النسج محكم السّدى.
الوجه الثالث ائتلاف المعنى مع المعنى
وهو أن يكون الكلام مشتملا على أمرين فيقرن بكل واحد منهما ما يلائمه من حيث كان لاقترانه به مزية غير خافية ومثاله ما قاله المتنبى فى السيفيّات:
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم
وقفت وما فى الموت شكّ لواقف ... كأنك فى جفن الرّدى وهو نائم «3»
فإن عجز كل واحد من البيتين ملائم لكل واحد من صدريهما وصالح لأن يؤلّف معه، لكنه اختار ما أورده فى البيت لأمرين، أما أولا فلأن قوله «كأنك فى جفن الردى وهو نائم» إنما سيق من أجل التمثيل للسلامة فى موضع العطب فجعله مقرّرا للوقوف
(3/81)

والبقاء فى موضع يقطع على صاحبه بالموت أحسن من جعله مقرّرا لثباته فى حال هزيمة الأبطال، وأما ثانيا فلأن جعل قوله «ووجهك وضاح وثغرك باسم» تتمة لقوله «تمر بك الأبطال» أحسن من جعله تتمة لقوله «وقفت وما فى الموت شك لواقف» لأن الإنسان فى حال الهزيمة يلحقه من ضيق النفس وعبوس الوجه ما لا يخفى، فلهذا ألصق كل واحد منهما بما يكون فيه ملاءمة وحسن انتظام من أجل المبالغة فى المعانى، ويحكى أنه لما أنشد سيف الدولة هذه القصيدة نقم عليه هذين البيتين، قال هلا جعلت عجز أحدهما عجزا للآخر فأجابه بما ذكرناه من بلاغة المعنى إذا كان على هذه الصفة، فاستحسن سيف الدولة ما قاله من ملاحظة المعانى التى هى مغازيه فى قصائده وزاد فى عطيته، ومن هذا قوله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (119)
[طه: 118- 119] ولم يقل فإنك لا تجوع فيها ولا تظمى، وأنك لا تعرى فيها ولا تضحى، فإنه لم يراع ملاءمة الرى للشبع، ولا أراد مناسبة الاستظلال للضّحا، وإنما أراد مناسبة أدخل من ذلك، فقرن الجوع بالعرى لما للإنسان فيهما من مزيد المشقة وعظيم الألم بملابستهما، وأراد مناسبة الاستظلال للرىّ، فقرن بينهما لما فى ذلك من مزية الامتنان، وإكماله، ووجه آخر وهو أن الجوع يلحق منه ألم فى باطن الإنسان وتلتهب منه أحشاؤه، والعرى يلحق منه ألم فى ظاهر جسد الإنسان فلهذا جمع بينهما لما كان أحدهما يتعلق بالظاهر والآخر يتعلق بالباطن، وهكذا حال الظمأ فإنه يحرق كبد الإنسان ويوقد فى فؤاده النار، والضّحا يحرق جسده الظاهر فلأجل هذا ضمّ كل واحد منهما إلى ما له به تعلق لتحصل المناسبة، ومن جيد ما يورد مثالا ههنا ما ذكره المتنبى فى السيفيات:
فالعرب منه مع الكدرىّ طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل «1»
يصف انهزام الناس من خوفه وشدة سطوته، فالكدرىّ والحجل طائران، لكن الكدرىّ أكثر ما يكون فى الصحارى والقفار والمفازات، فضمه مع العرب، لأن أكثر ما يسكنون هذه المواضع، وضم الحجل إلى الروم، لأنها أكثر ما تأوى إلى الأمواه وشطوط الأنهار، وبلاد الروم فيها الأنهار الكثيرة، فلأجل هذه المناسبة والتزامها ضم كل واحد إلى ما يليق به ويناسبه بعض مناسبة، وقوله «طائرة» فيه وجهان، أحدهما أن يريد أنها كالطير فى سرعة هربها وخفّة جريها فرقا منه وخوفا من بأسه، وثانيهما أن يريد أنها متفرقة فى
(3/82)

الشعاب والأودية وفى كل الأصقاع فرارا منه، أخذا له من تطاير الشرار، إذا ذهب يمينا وشمالا، وهذا من معانيه البديعة، وفحالة شعره الغريبة، ومغازيه الدقيقة فى أعظم قصائده كلها.
الوجه الرابع الائتلاف مع الاختلاف
وله حالتان:
الحالة الأولى أن تكون المؤتلفة بمعزل عن المختلفة، وأحدهما منته عن الآخر،
ومثاله قول من قال من الشعراء:
أبى القلب أن يأتى السّدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غرير
به البقّ والحمّى وأسد تحفّه ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور «1»
الحالة الثانية أن تكون المؤتلفة منها مداخلة للمختلفة،
وهذا كقول عباس بن الأحنف يهجو قوما:
وصالكم هجر وحبّكم قلى ... وعطفكم صدّ وسلمكم حرب «2»
فكل واحد من هذه مقرون مع ضده مؤلف معه، فهذا ما أوردنا ذكره من الائتلاف، وبعد هذه الأقسام أمور تتعلق بالقوافى الشعرية، وليس وراءها كبير فائدة فأعرضنا عنها لقلة جدواها وفائدتها.
(3/83)

الصنف الثانى والعشرون الترجيع فى المحاورة
والترجيع تفعيل من قولك رجّعت الشىء إذا رددته، ويسمى الترجيع رجيعا، وهو ما يخرج من بطن ابن آدم «1» لأنه يتردد فيه، ويقال للسماء ذات الرجع، لأن المطر يتردد فى نزولها منها. وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يحكى المتكلم مراجعة فى القول ومحاورة جرت بينه وبين غيره بأوجز عبارة وأخصر لفظ فينزل فى البلاغة أحسن المنازل وأعجب المواقع، ومن جيد ما يورد من أمثلتها ما قاله بعض الشعراء:
قالت ألا لا تلجن دارنا ... إنّ أبانا رجل غائر
أما رأيت الباب من دوننا ... قلت فإنّى واثب ظافر
قالت فإنّ الليث عاديّة ... قلت فسيفى مرهف باتر
قالت أليس البحر من دوننا ... قلت فإنى سابح ماهر
قالت أليس الله من فوقنا ... قلت بلى وهو لنا غافر
قالت فإمّا كنت أعييتنا ... فأت إذا ما هجع السّامر
واسقط علينا كسقوط النّدى ... ليلة لا ناه ولا آمر «2»
وألطف من هذا قول أبى نواس فى شعره:
قال لى يوما سليما ... ن وبعض القول أشنع
قال صفنى وعليا ... أيّنا أتقى وأورع
قلت إنّى إن أقل ما ... فيكما بالحقّ تجزع
قال كلّا قلت مهلا ... قال قل لى قلت فاسمع
قال صفه قلت يعطى ... قال صفنى قلت تمنع «3»
ومن جيده ما قاله البحترى:
(3/84)

بتّ أسقيه صفوة الراح حتى ... وضع الكاس مائلا يتكفّا
قلت عبد العزيز تفديك نفسى ... قال لبّيك قلت لبيك ألفا
هاكها قال هاتها قلت خذها ... قال لا أستطيعها ثم أغفى «1»
فهذا وما شاكله من جيد ما يؤثر فى المحاورة، وترجيع الخطاب على جهة الملاطفة والاستعطاف.
(3/85)

الصنف الثالث والعشرون فى الاقتسام
وهو افتعال من قولهم اقتسم اقتساما وقاسم مقاسمة وقاسم قساما إذا حلف، ومنه قوله تعالى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
[الأعراف: 21] ، وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
[الأنعام: 109] وهو مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يحلف على شىء بما فيه فخر، أو مدح، أو تعظيم، أو تغزل، أو زهو، أو غير ذلك مما يكون فيه رشاقة فى الكلام وتحسين له، ولنذكر من ذلك ما هو الأكثر وهو أمور خمسة، أولها الامتنان والفخر، فأما الامتنان فكقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
[الذاريات: 23] فامتنّ الله تعالى وأكد امتنانه بما قرره من القسم، وأما الافتخار فكقول الأشتر النخعى:
بقّيت وفرى وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافى بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن هند غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس «1»
فضمّن هذا القسم على الوعيد، ما فيه افتخار من الجود والشرف والسؤدد والشجاعة والبسالة، وهذا الرجل كان من أمراء أمير المؤمنين علّى كرم الله وجهه، ولقد كان عظيم الشوكة على من خالف أمر الله وأمر أمير المؤمنين، وهو مالك بن الحارث، ولقد قال فيه أمير المؤمنين: إنه كان أشد على الفجّار من حريق النار ولما دخل الطّرمّاح على معاوية، قال له معاوية إنى قد أعددت لحرب ابن أبى طالب رجالا بعد جاورس الكوفة، والجاورس هو حبّ الدّخن، فقال له الطرماح والله إنى لأعلم ديكا يلتقط هذا الحب كله، فسكت معاوية، وأراد بما ذكره مالك بن الحارث الأشتر، وثانيها المدح والثناء كقول الشاعر:
آثار جودك فى القلوب تؤثر ... وجميل بشرك بالنجاح يبشّر
إن كان فى أمل سواك أعدّه ... فكفرت نعمتك التى لا تكفر «2»
فهذا إنما ورد ههنا على جهة المدح والثناء على الممدوح بما هو أهله، وثالثها تعظيم القدر كقوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)
[الحجر: 72] أقسم الله تعالى بحياة
(3/86)

الرسول تعظيما لقدره، ورفعا لحالته وإشادة لذكره، وإبانة عن مكانه، ومنه قول عمر بن أبى ربيعة:
قالت وعيش أخى وحرمة والدى ... لأنبّهنّ الحىّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تخرج
فضممتها ولثمتها وفديت من ... حلفت علىّ يمين غير المخرج «1»
فانظر إلى ما حكاه من يمينها على جهة الإعظام لها ورفع القدر منها، ورابعها ما يكون على جهة التغزل ومثاله ما قاله بعض الشعراء:
جنى وتجنّى والفؤاد يطيعه ... فلا ذاق من يجنى علىّ كما يجنى
فإن لم يكن عندى كعينى ومسمعى ... فلا نظرت عينى ولا سمعت أذنى «2»
فقوله «فإن لم يكن عندى كسمعى» فيه دلالة على القسم، وهو متضمن له على جهة التغزل والإعجاب كأنه قال: فو الله إنه عندى بمنزلة سمعى، وإن لم أكن صادقا فيما قلت فأعمى الله عينى، وأصم سمعى، وخامسها أن يكون واردا على جهة الزهو والطرى ومثاله قول من قال من الشعراء:
حلفت بمن سوّى السماء وشادها ... ومن مرج البحرين يلتقيان
ومن قام فى المعقول من غير رؤية ... بأثبت من إدراك كلّ عيان
لما خلقت كفّاك إلا لأربع ... عقائل لم يعقل لهنّ ثوان
لتقبيل أفواه وإعطاء نائل ... وتقليب هندىّ وحبس عنان «3»
فهذا وما شاكله وارد فى القسم على جهة الإعظام فى المديح والإطراء على ممدوحه وإشادة ذكره وإظهار أمره.
(3/87)

الصنف الرابع والعشرون فى الإدماج
وهو إفعال من قولهم أدمج حديثه إذا أدخل بعضه فى بعض، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن إدخال نوع من البديع فى نوع آخر، فيظهر أحدهما ويدمج الآخر، ثم هو على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون ظاهره التهنئة فيدمج شكوى الزمان فيه، ومثال قول من قال:
أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتّمها ... ودع أمرنا إن المهمّ المقدم «1»
فتأمل إدماجه شكوى الزمان وما عليه من اختلال الأحوال فيما يظهره من التهنئة فأحسن الأمر فى ذلك وأجاد فيه كل الإجادة، وتلطف حيث صان نفسه عن ظهور المسألة بالتصريح بها، وكقول من قال:
ولا بدّ لى من جهلة فى وصاله ... فمن لى بخلّ أودع الحلم عنده «2»
فأدمج الهجر فى التغزل حيث قال «من جهلة فى وصاله» وفى هذا دلالة على كونه هاجرا لمحبوبه، وأدمج شكوى الزمان بأحسن عبارة، حيث استفهم عن كونه لا يجد أحدا يودع عنده حلمه، ثم كنى عن نفسه بكثرة التزامه للحلم حيث كان لا يفارقه فى حال، فكل هذه المعانى مدمجة فى ظاهر ما يبدو من الغزل فى البيت، فهذه معان متداخلة كما ترى يشتمل عليها هذا الوجه.
الوجه الثانى: أن يكون الإدماج واردا فى نوعين من أنواع البديع فيندرج أحدهما تحت الآخر، ويخالف ما ذكرناه فى الوجه الأول، فإنه إدماج لأغراض ومقاصد لا غير، ومثاله قول من قال من أهل الرقائق:
أأرضى أن تصاحبنى بغيضا ... مجاملة وتحملنى ثقيلا
وحقّك لا رضيت بذا لأنى ... جعلت وحقّك القسم الجليلا «3»
(3/88)

فأدمج المبالغة فى القسم وجعله مندرجا تحتها، لأن المبالغة ظاهرة فى البيت، لكن القسم غير ظاهر، لأنه لم يقل «وحياتك» إنما قال «وحقك القسم الجليلا» فلهذا كان القسم مدمجا فى المبالغة كما ترى، ومن هذا قوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ
[القصص:
70] فأدمج الطباق، وجعل المبالغة مندرجة تحته، لأن الإدماج كما قررنا أن يكون أحدهما مندرجا فى الآخر فيما كان من المعانى ظاهرا فهو المدمج فيه، وما كان خافيا فهو المدمج، وهذا كثير الدّور فى لسان الفصحاء فإنهم يستعملونه كثيرا، وإنما يظهر بنظر دقيق واستخراج خفىّ وتفطّن لطيف، والله أعلم.
(3/89)

الصنف الخامس والعشرون فى التعليق
وهو تفعيل من قولهم علقت السقاء، وعلقت القوس، اذا شددتهما بغيرهما، وهو فى لسان علماء البيان مقول على حمل الشىء على غيره لملازمة بينهما، ثم هو وارد على وجهين أحدهما أن يكون التعليق بالشرط للدلالة على المبالغة، ومثاله قول أبى تمام:
فإن أنا لم يحمدك عنى صاغرا ... عدوّك فاعلم أنّنى غير حامد «1»
فعلق عدم حمده بمن يمدحه على عدم حمد عدوه على وجه الكره منه، لكن حمد عدوه موجود لأجل مدائحه وترددها على لسانه، فلا جرم كان حمده موجودا، وثانيهما أن يأتى بشىء من المعانى بمقصد تام توطئة لما يريد ذكره بعده من معنى آخر، وهذا كقول أبى نواس يهجو رجالا:
لهم فى بيتهم نسب ... وفى وسط الملا نسب
لقد زنّوا عجوزهم ... ولو زنيتها غضبوا «2»
فعلق هجوهم بالسّخف والحماقة، فصدّره بهجو أبيهم حيث لم يرضوا الانتساب إليه لدناءته وادّعوا غيره، وعلّق عليه هجو أمهم لكونها زانية لا تنزه عن إتيان الفاحشة. ومن البديع النادر فن يقال له المتزلزل، وحاصله أن يندرج فى الكلام لفظة لو غير إعرابها لا نتقل المعنى إلى غيره، وقيل له هذا اللقب لأنه غير ثابت القدم، لأنك بينا تراه على صورة إذ خرج إلى صورة أخرى، ومنه قولهم فلان متزلزل، إذا كان على غير ثبات ولا استقرار، ومثاله قولنا: ولّد الله عيسى، فإنك إذا شدّدته كان معناه مستقيما، لأن المعنى فيه أنه ولّده، أى أخرجه من بطن أمه بتوليده لها، وإذا خفّفته كان كفرا صريحا، لقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ
[المؤمنون: 91] وقوله:
لَيَقُولُونَ «3» (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152)
[الصافات: 151- 152] . وقوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[فاطر: 28] فلو رفعت اسم الله تعالى لكان خطأ، لأن الله تعالى:
لقدرته على كل الممكنات فإنه لا يخشى أحدا، ولو نصبته لكان المعنى مستقيما بمعنى أنه لا يخشاه من الخلق أحد سوى العلماء، فإن الخشية مقصورة عليهم له، وهكذا القول فيما شاكله.
(3/90)

الصنف السادس والعشرون فى التهكم
وهو تفعل من قولهم تهكّمت البئر، إذا تساقطت جوانبها، وهو عبارة عن شدة الغضب لأن الإنسان إذا اشتد غضبه فإنه يخرج عن حد الاستقامة وتتغير أحواله، وفى الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «اتقوا الغضب فإنه يوقد فى فؤاد ابن آدم النار، ألا تروه إذا غضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه» «1» ، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن إخراج الكلام على ضد مقتضى الحال استهزاء بالمخاطب، ودخوله كثير فى كلام الله تعالى: وكلام رسوله وعلى ألسنة الفصحاء، وله موقع عظيم فى إفادة البلاغة والفصاحة، ويرد على أوجه خمسة، أولها أن يكون واردا على جهة الوعيد بلفظ الوعد تهكما، وهذا كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34)
[التوبة: 34] وقوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138)
[النساء: 138] فلفظ البشارة دال على الوعد وعلى حصول كل محبوب، فإذا وصل بالمكروه كان دالا على التهكم لإخراجه المحبوب فى صورة المكروه، وثانيها أن تورد صفات المدح والمقصود بها الذم، ومثاله قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)
[الدخان: 49] لأن المقصود هو الاستخفاف والإهانة، ولهذا ورد فى حق من كان يدخل النار، والغرض منه الذليل المهان، ولكنه أخرجه هذا المخرج للتهكم، وثالثها قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
[الأحزاب: 18] وقوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
[النور: 64] وقوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
[الأنعام: 33] فما هذا حاله دال على القلة، لأن المضارع إذا لصق به قد، فهو دال على القلة والغرض ههنا التكثير والتحقيق للعلم بما ذكره، وإنما أورده على جهة التهكم بهم والاستهانة بحالهم حيث أسروا الخدع والمكر جهلا بأن الله تعالى غير مطلع على تلك الخفايا ولا محيط بتيك السرائر، فأورده على جهة التقليل، والغرض به التحقيق انتقاصا بحالهم فى ظنهم لما ظنوه من ذلك، ورابعها قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (2)
[الحجر: 2] فأورده على جهة التقليل، وأخرجه مخرج الشك، والغرض به التكثير والتحقيق فى حالهم تلك، لأنهم فى تلك الحالة يتحققون ويقطعون بأنهم لو كانوا على الإسلام قطعا ويقينا لما
(3/91)

ينالون من العذاب ويتحققونه من النكال، ولا خلاص عن ذلك إلا بالإسلام، فلهذا قطعنا بتحقق المحبة والود للإسلام، وإنما أخرجه مخرج التهكم والاستهزاء، وخامسها قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)
[هود: 87] فلم يخرجوه على جهة استحقاقه للمدح بهاتين الصفتين مع كونه أهلا لهما، وإنما أخرجوه مخرج الاستهزاء والتهكم بحاله، تمردا واستكبارا، وغرضهم إنك لأنت السفيه الجاهل، حيث أمرهم بما أمرهم من الخير والمعروف فأبوا إلا ما كان عليه الأسلاف، فلا جرم أخرجوه هذا المخرج من أجل ذلك، وليس له ضابط يضبطه، وإنما الجامع لشتات معانيه هو ما ذكرناه من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الحال، فلا بد من مراعاة ما ذكرناه وإن اختلفت صوره، وكقوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[الرعد: 11] والمعقبات هم الحرس حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله، فهو وارد على جهة التهكم، لأن أمر الله إذا جاء وقضى لا يحفظ عنه حافظ، ولا يمكن رده، ولا يستطاع دفعه بحال، ومن الأبيات الشعرية ما كان واردا على جهة التهكم كقول من قال فى رجل يتهكم برجل محدودب الظهر:
لا تظنّنّ حدبة الظّهر عيبا ... هى فى الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسىّ محدودبات ... وهى أنكى من الظّبا والعوالى
كوّن الله حدبة فيك إن شئت ... من الفضل أو من الإفضال
فأتت ربوة على طود حلم ... طال أو موجة ببحر نوال
وإذا لم يكن من الوصل بدّ ... فعسى أن تزورنى فى الخيال «1»
فظاهر ما أورده مدح كامل كما ترى لما يظهر من صورته، وإنما أورده على جهة التهكم به والاستهزاء بحاله، وكقول امرىء القيس يصف كلبا:
فأنشب أظفاره فى النّسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر «2»
فقوله: «هبلت ألا تنتصر» تهكم بحاله فى غاية اللطف والرشاقة لأن ما فعله الكلب بالصيد هو غاية الانتصار.
(3/92)

الصنف السابع والعشرون فى الإلهاب والتهييج
والإلهاب «إفعال» من قولهم ألهب النار إذا أسعرها حتى التهبت وطال لهبها، والتهييج «تفعيل» من قولهم هاجت الحرب إذا ثارت، هذا معناهما فى اللغة، وأما فى مصطلح علماء البلاغة فهما مقولان على كل كلام دال على الحث على الفعل لمن لا يتصور منه تركه وعلى ترك الفعل لمن لا يتصور منه فعله، ولكن يكون صدور الأمر والنهى ممن هذه حاله على جهة الإلهاب والتهييج له على الفعل أو الكف لا غير، فالأمر مثاله قوله تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2)
[الزمر: 2] وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
[الروم: 30] وقوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[هود: 112] والمعلوم من حاله عليه السلام أنه حاصل على هذه الأمور كلها من عبادة الله تعالى وإقامة وجهه للدين والاستقامة على الدعاء إليه لا يفتر عن ذلك ولا يتصور منه خلافها، لأن خلافها معصوم منه الأنبياء، فلا يمكن تصوره من جهتهم بحال، ولكن ورودها على هذه الأوامر إنما كان على جهة الحث له بهذه الأوامر وأمثالها، وكذلك ورد فى المناهى كقوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35)
[الأنعام: 35] وقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65)
[الزمر: 65] وحاشاه أن يكون جاهلا، أو أن يفعل أفعال السفهاء والجهال، وأنى يخطر بباله الشرك بالله وهو أول من دعا إلى عبادته وحث عليها، وهكذا القول فيما كان واردا فى الأوامر والنواهى له عليه السلام، فإنما كان على جهة الإلهاب على فعل الأوامر، والانكفاف عن المناهى والتهييج لداعيته، وحثا له على ذلك، فالأمر فى حقه على تحصيل الفعل، والكف عن المناهى فيما كان يعلم وجوبه عليه ويتحقق الانكفاف عنه، إنما هو على جهة التأكيد والحث بالتهييج والإلهاب، فهذان نوعان من الكلام يردان فى الكلام الفصيح والخطب البالغة، ولولا موقعهما فى البلاغة أحسن موقع، لما وردا فى كتاب الله تعالى الذى أعجز الثقلين الإتيان بمثله أو بأقصر سورة من سوره.
(3/93)

الصنف الثامن والعشرون فى التسجيل
وهو «تفعيل» من قولهم سجّل الحاكم عليه تسجيلا، إذا كتب كتاب الحكم وأمضاه، وأسجل الكلام إسجالا إذا أطال ذيوله، والسّجيل الطويل من الضروع قاله الجوهرى، فهو مؤذن بالطويل فى كل ما سيق منه كما ترى، هذا فى اللغة، وأما معناه فى مصطلح علمآء البلاغة فهو تطويل الكلام والمبالغة فيما سيق من أجله من مدح أو ذم، وهو نوع من الإطناب، خلا أن الإطناب عام فى كل مقصود من الكلام، والتسجيل خاص فى المبالغة فى المدح أو الذم، والمثال فيه قوله تعالى فى ذم عبادة الأوثان والأصنام وتهجين من عبد سواه، فإنه سجل عليهم غاية التسجيل، ونعى إليهم أفعالهم، ووبخهم وسفه حلومهم، واسترك عقولهم على جهة التسجيل والتنويه بما عملوا: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)
[الحج: 73] فانظر ماذا حازته هذه الآية من الإبانة عن نقص عقولهم، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ
[الأعراف: 194] الآية وقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)
[فاطر: 13] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تسفيه عقولهم وإظهار جهلهم، ومن ذلك ما ورد فى ذم الكفار من أهل الكتاب والمشركين فى صدر سورة البقرة فإن الله تعالى نعى عليهم تلك الأفعال الخبيثة وسجّلها عليهم، وذكر ما أكنّته صدورهم وأضمرته نفوسهم من الغدر برسول الله صلّى الله عليه وسلّم والإصرار على الكفر، والتمادى فى النفاق، والإعراض عما جاء به من النور المبين والصراط المستقيم، وتصميمهم على جحود ذلك وإنكاره، ومن ذلك ما كان من بنى إسرائيل من كتمان ما أنزل الله عليهم فى التوراة فى وصف رسول الله وتصديق ما جاء به، ونصب العداوة والمكر والخديعة، فأظهر الله ما كتموه من العداوة، وكشف ما أضمروه من الحسد
(3/94)

والجحود والإنكار، وسجل عليهم غاية التسجيل، فهذا ما يتعلق بأمثلة التسجيل فى الذم، وأما مثال التسجيل فى المدح فكقوله تعالى فى صفة المؤمنين فى صدر سورة البقرة، حيث ذكرهم بالصفات المحمودة، وأثنى عليهم بالمناقب المعهودة، وبما شرح الله صدورهم بالإيمان بالله تعالى وبرسوله وكتبه المنزّلة قديما وحديثا، وبما كان منهم من التصديق بما جاءت به من أحوال القيامة والحشر والنشر وغير ذلك من علوم الآخرة، ومن ذلك ما كان فى صفة المؤمنين فى سورة المؤمنين حيث صدّر مدحهم بالخشوع فى الصلاة، ثم عقبه بالصفات الحسنة، والأفعال المحمودة المستحسنة، فأشاد ذكرهم بما وصفهم به وسجل فيه نهاية التسجيل، وهكذا القول فيما يرد فى القرآن على هذا النحو، فإنه يكون مثالا لما ذكرناه من التسجيل فى المدح والذم، وفى الخطب والقصائد، إذا جرى على هذا المجرى فهو تسجيل.
(3/95)

الصنف التاسع والعشرون فى المواردة
وهى مفاعلة من قولهم هما يتواردان الحوض، أى يرد منه هذا، ويرد منه هذا، ويتواردان المسألة، أى يسأل أحدهما صاحبه مرة، ويسأله الآخر مرة أخرى، هذا فى اللغة، والمواردة فى اصطلاح علماء البيان، أن يتفق الشاعران إذا كانا متعاصرين أو كان أحدهما متأخرا عن الآخر على معنى واحد، يوردانه جميعا بلفظ واحد من غير أخذ ولا سماع، واشتقاقه من ورد الحيين الماء من غير مواعدة بينهما، فمن ذلك ما ذكره أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابى، قال أنشدنى ابن ميادة لنفسه:
مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد
فقيل له أين يذهب بك، هذا للحطيئة، فقال أكان ذلك، فقيل له نعم، فقال الآن علمت أنى شاعر حين وافقته على ما قاله، وما سمعت به إلا الساعة، وليس هذا من باب السرقة الشعرية، لأن ذلك إنما يكون فيمن علم حاله بالسبق لذلك الكلام، ثم يأخذه غيره مع علمه بأنه له، كسرقة المتاع، يأخذه السارق وهو حق لغيره على جهة الخفية، وسنقرر الكلام فى السرقات الشعرية، ونظهر أنواعها لاختصاصها بفوائد جمة، ونكت غزيرة بمعونة الله تعالى.
(3/96)

الصنف الثلاثون فى التلميح
وهو نوع من أنواع البديع، له فى البلاغة موقع شريف، ويحل من الفصاحة فى محل مرتفع منيف، وهو «تفعيل» بتقديم اللام على الميم: يقال لمحه وألمحه، إذا أبصره بنظر خفى، ولمح البرق إذا أضاء ولمع، وفى فلان من أبيه لمحة، أى شبه وفيه ملامح من أبيه، أى مشابهات، وجمعها ملامح على غير قياس، والقياس فيه لمحات، هذا هو معناه اللغوى، وفى مصطلح علماء البيان هو أن يشير المتكلم فى أثناء كلامه ومعاطف شعره أو خطبه إلى مثل سائر، أو شعر نادر، أو قصة مشهورة فيلمحها فيوردها لتكون علامة فى كلامه، وكالشامة فى نظامه، فيحصل الكلام من أجل ذلك على لطافة رشيقة، وبراعة رائقة، وقد وقع ذلك فى كلام الله تعالى:
كقوله: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
[العنكبوت: 41] يشير بذلك إلى المثل السائر: أرقّ من نسج العنكبوت، وأضعف من بيتها، وكقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: 5] يشير به إلى قولهم فى الأمثال السائرة: أجهل من حمار، وأبلد من عير، وقوله تعالى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (4)
[القارعة: 4] يشير إلى قولهم: أعظم تهورا من فراشة، وقوله تعالى:
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[الأعراف: 176] يشير به إلى قولهم: فلان ألهث من كلب، وأما أمثلته من السنة النبوية فكقوله عليه السلام: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل» «1» ، وقوله عليه السلام: «بئس مطية الرجل زعموا» «2» ، وفى حديث آخر: «مطية الكذب زعموا» ، وأراد بما ذكره عليه السلام من يكون أكثر كلامه: زعم زعم، فلا يزال يكرر فى أثناء خطابه هذه اللفظة ويرددها على لسانه، والمعنى فيها بئس ما يكرره الإنسان فى كلامه ويستروح إليه، هذه اللفظة، لما فيها من التوهم والظن، ولهذا فإنها ما وردت فى كلام الله تعالى إلا من جهة الكفار والمكذبين بأمر الآخرة وحال المعاد الأخروى، كقوله تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ «3» أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً
[الفتح: 12] وقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَ
[التغابن: 7] فقوله
(3/97)

عليه السلام بئس مطية الرجل زعموا، تلميح لما فيه من الإشارة إلى موقع هذه الكلمة، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى خطبته الشّقشقية: فصبرت وفى العين قذى، وفى الحلق شجى، أرى تراثى نهبا، حتى إذا مضى الأول لسبيله «يعنى أبا بكر» أدلى بها لى فلان بعده «يعنى عمر» لأنه عقد له بالخلافة قبل وفاته، ثم تمثل أمير المؤمنين ببيت الأعشى:
شتان ما يومى على كورها ... ويوم حيّان أخى جابر «1»
فاستشهاده بهذا البيت واقع موقع التلميح فى كلامه هذا لكونه مطابقا لمقصده، موافقا لغرضه، لأن غرضه من ذلك تباين الحال ومفارقة الأمر بين ولايته وولاية غيره كما يشهد له ظاهر البيت، ومن ذلك ما قاله متمثلا به لما شكا من أصحابه تقاعدهم عن الجهاد وميلهم إلى الدعة والإعراض عن أمره، اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح فى الماء، والله لوددت أن لى بكم ألف فارس من فراس بن غنم:
هنالك لو دعوت أتاك منهم ... فوارس مثل أرمية الحميم «2»
فهذا البيت واقع على جهة التلميح لأن فيه إشارة إلى سرعة إجابتهم لمن يدعوهم ويعرض فيه بأصحابه لتثاقلهم عن إجابة أمره، والحميم ههنا هو وقت الصيف، وإنما خص الشاعر سحاب الصيف لأنه أشدّ جفولا، وأسرع زوالا وحركة؛ لأنه لا ماء فيه، وإنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء كما قال تعالى: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (12)
[الرعد: 12] وذلك إنما يكون فى مطر الربيع، وهذا إنما يكون فى الشأم، فأما اليمن فأكثر المطر فيه يكون فى الصيف والخريف وكما قال بعض الشعراء:
المستغيث بعمرو يوم كربته ... كالمستغيث من الرّمضاء بالنّار «3»
يشير بذلك إلى قصة كانت لعمرو، وكقوله فى الحريريات إبطاء فند، وصلود زند، يشير بذلك إلى قصة كانت لفند، فما هذا حاله يقال له التلميح كما ذكرنا فى اشتقاقه، ولو قيل فى لقبه التمليح، بتقديم الميم على اللام لكان حسنا جيدا مطابقا للاشتقاق، يقال ملحت القدر وأملحتها وملّحتها تمليحا فملح وأملح إذا طرحه بقدر يصلحها، وملّحها إذا زاد فى ملحها حتى أفسدها، والمعنى فى تلقيبه بهذا اللقب هو أنه إذا أشار إلى قصة نادرة أو بيت حسن، أو مثل سائر فقد ملحه وزاد فى حسنه كما يزيد الملح فى حسن الطعام ومساغه، فهذا الاشتقاق يكون سائغا ويلقّب به.
(3/98)

الصنف الحادى والثلاثون الحذف
وهو فى أصل اللغة الرّجم بالشىء، يقال حذفه بالعصا إذا رجمه بها، وفى الحديث: أتى إليه ببيضة من ذهب فحذفه بها، فلو أصابته لعقرته، وفى حديث عمر إيّاى وأن يحذف أحدكم الأرنب، أى يزرقها بالمعراض، نهى المحرم عن ذلك، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن التجنب لبعض حروف المعجم عن إيراده فى الكلام، كما روى عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه حكى بمجلسه كثرة دوران الألف فى الكلام وأنه لا يخلو كلام عنها، فأنشأ فى ذلك خطبة سماها المونقة ليس فيها ألف، وكما يحكى عن واصل بن عطاء: أنه كان يتجنب فى كلامه لفظة الراء لما كان يلثغ فيها ويخرجها عن غير مخرجها، وأنشد الزمخشرى رحمه الله فى هذا المعنى:
ولا تجعلنّى مثل همزة واصل ... فيسقطنى حذف ولا راء واصل
ويحكى أن رجلا أراد امتحانه فقال قل: رجل ركب فرسه، وجر رمحه، فقال له: غلام اعتلى جواده، وسحب ذابله، فانظر إلى ما أتى به لقد جانب فيه الراء، فكان أبلغ وأفصح مما سئل عنه، وإنما عددناه فى علم البديع لأن ما هذا حاله إنما يصار إليه عند الاقتدار على البلاغة والإغراق فى الفصاحة بحيث يمكنه الخوض فى كل أسلوب من أساليبها، والجرى فى ميدان أعاجيبها، وكما فعل الحريرى فيما أورده فى مقاماته من تجنب النقط فى خطبته التى مطلعها الحمد لله الممدوح الأسماء المحمود الآلاء الواسع العطاء، وفى خطبته الثانية التى مبدؤها قوله: الحمد لله الملك المحمود، المالك الودود، مصور كل مولود، ومآل كل مطرود، إلى آخرها فكل واحدة من الكلم فى هاتين الخطبتين لا نقط فيها بحال أصلا عند الكتاب، ومن أمثلة المنظوم ما قاله بعض الشعراء:
دار لمهدد دارس أعلامها ... طمس المعالم مورها ورهامها
ومن ذلك ما أورده فى الحريريات:
أعدد لحسّادك حدّ السّلاح ... وأورد الآمل ورد السّماح
فهذان البيتان لا نقط فى شىء من ألفاظهما كما ترى، والحروف المهملة التى لا نقط لها يجمعها قولنا: كما صل أو حطّ له درسع، وجملتها خمسة عشر حرفا كما ترى، وأما الحروف المعجمة بالنقط فيجمعها قولنا. بزنديق فى جثّ خشّ غظ، فجملتها أربعة عشر حرفا، فكملت حروف العربية ما ينقط منها ومالا ينقط على هذا التقدير والله أعلم بالصواب.
(3/99)

الصنف الثانى والثلاثون فى الخيف
وهو فن من فنون البلاغة حسن التأليف والانتظام مشتمل على ما يجوز فيه من الكلم الإهمال والإعجام، وهو أن يكون الكلام من المنثور والمنظوم معقودا من جزءين إحدى كلمتى العقد منقوطة كلها، والأخرى مهملة كلها، واستعارة هذا اللقب من قولهم فرس أخيف إذا كان إحدى عينيه سوداء والأخرى زرقاء، فأما مثاله من النظم ما قاله فى الحريريات:
اسمح فبثّ السماح زين ... ولا تخب آملا تضيّف
فأنت إذا اعتبرت ما ذكرناه وجدته مطابقا لكلمات هذا البيت، ألا ترى أن قوله «اسمح» لا ينقط شىء من حروفه بحال، بل هى مهملة، وقوله «فبث» منقوطة كلها، وهكذا القول فى سائر كلمات البيت، وأما مثاله من النثر فكقوله أيضا: الكرم ثبّت الله جيش سعودك يزين، والّلؤم غضّ الدهر جفن حسودك يشين، والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف، إلى آخر كلامه فى هذه الرسالة، فتعتبرها على ما ذكرناه من هذا الاعتبار فتجدها كذلك، فهذه رسالة سبكها على هذا السبك، وألفها على هذا الانتظام فى السّلك، ومما يجىء على أثره ويسبك من خلاصة جوهره نوع آخر من هذه الرسائل يلقّب بالرّقطاء، وهى مخالفة لما ذكره فى الخيف، لكنها تختص بها نوعا من الاختصاص، وهى أن تكون الكلمة الواحدة أحد حروفها منقوط، والآخر مهمل لا نقط فيه، واشتقاقه من قولهم شاة رقطاء، وهى التى فى جلدها نقط من سواد وبياض، وليس وراء هذا شىء، خلا ما ذكرناه من الأحكام فى البلاغة، وعلو مراتب الفصاحة وسلاطة اللسان، وجودة القريحة، وصفاء الذهن إلى غير ذلك من المواد التى يجعلها الله فى بعض الأشخاص دون بعض، فأما مثاله من النثر فكقوله فى الحريريات أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته تلبّ، فالهمزة مهملة، والخاء منقوطة، واللام مهملة، والقاف منقوطة وهكذا قوله سيدنا على هذه العدة من غير تفاوت، ثم قال وقربه تحف، ونأيه تلف، وأما
(3/100)

من النظم فكقوله أيضا:
سيّد قلّب سبوق مبرّ ... فطن مغرب عزوف عيوف
مخلف متلف إذا ناب هيا ... ج وجلّ خطب مخوف
«1» ثم قال بعد ذلك من هذه الرسالة، مناظم شرفه تأتلف، وشؤبوب حيائه يكف، ونائل يده فاض، وشحّ قلبه غاض، حتى تمت هذه الرسالة على هذه الصفة.
(3/101)

الصنف الثالث والثلاثون حسن التخلص
اعلم أنا فيه قد ذكرنا من قبل، حسن المبادىء والافتتاحات، ورمزنا فيها إلى قول بالغ، يطلع على نكت جمة، ولطائف عجيبة، والذى نذكره ههنا هو ما ينبغى لكل متكلم من شاعر أو خطيب إذا كان قد أتى بما يصلح من الافتتاحات الحسنة فلا بد له من مراعاة التخلص الحسن، لأنه لابد له من تقديم الغزل، أو ذكر الفخر، أو ذكر أطروفة بأدب، ثم يذكر على أثره المدح، وعلى قدر براعة الشاعر والخطيب والمصنف يكون حسن التخلص إلى المقصود، بعد تقديم ما ذكرناه وقلّ ذلك أعنى حسن التخلص فى كلام المتقدمين، وقد جاء فى قول زهير:
إنّ البخيل ملوم حيث كان ... ولكنّ الكريم على علاته هرم «1»
ثم إن حسن التخلص يأتى على أوجه، فأحسن ما يأتى فى بيت واحد وهذا كقول مسلم بن الوليد يمدح البرامكة:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك ينشر
سريت بها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر «2»
فما هذا حاله قد فاق فى حسن التخلص من الغزل إلى المديح مع قصر الكلام وتقارب أطرافه، لما فيه من إدماج المبالغة فى مدح يحيى بالبر لابنه وجمعه فيه من المحاسن، وقد جاء فى بيتين كقول أبى تمام:
تقول فى قومس قومى وقد أخذت ... منّا السّرى وخطا المهريّة القود «3»
أمطلع الشمس تبغى أن تؤمّ بنا ... فقلت كلّا ولكن مطلع الجود
فانظر إلى ما أبرزه من التخلص الرائق والمخرج الفائق، وربما جاء فى ثلاثة أبيات، ومثاله ما قاله أبو نواس يمتدح بنى العباس:
(3/102)

وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كلّه فى الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للنّاس
وإذا أردت مديح قوم لم تلم ... فى مدحهم فامدح بنى العبّاس «1»
فقاتله الله، ما أرق كلامه، وما أعجب ما جاء به من النسيب وحسن التخلص، فكأن ما جاء به رحيق مفلفل، أو نهر جار تسلسل، ومما جاء من التخلص الحسن فى بيتين قول أبى الطيب المتنبى:
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشّادن العربا
فاستضحكت ثمّ قالت «كالمغيث» يرى ... ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا «2»
ويكثر وجوده فى أشعار المتأخرين، كالمتنبى وأبى تمام والبحترى، ويعز وجوده فى قصائد المتقدمين أعنى التخلص القصير، فأما التخلصات الطويلة فلا بد لكل مادح منها وإن وجدت على تطويل فى القصائد الطوال، وإنما البراعة ما وجد من التخلص الرائق فى الكلام القصير كما أشرنا إليه والله أعلم، ومن نفيس ما يذكر فى التخلصات ما قاله أبو الطيب المتنبى أيضا:
أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدى بنى عمر ان فى جبهاتها «3»
فهذا من أعجب ما يذكر من الخلاص من النسيب إلى المديح فى أخصر لفظ وأقصره، وهو من بدائعه الحسنة، وعجائبه المستحسنة التى فاق بها على نظرائه، من أبناء زمانه، وتميز بها من بين أترابه وأقرانه، ومن رقيق التخلص ودقيقه ما قاله ابن الرومى يمدح رجلا بالكرم:
ما من مزيد فى بليّة عاشق ... وندىّ وجود فى أبى إسحاق
فهذا وما شاكله من مليح ما يذكر فى التخلصات القصيرة ويورد فى أمثلتها.
(3/103)

الصنف الرابع والثلاثون فى الاختتام
اعلم أنا قد قدّمنا فى فواتح الكلام ومبادئه وذكرنا ما يتعلق بالتخلصات، والذى نذكره الآن إنما هو كلام فى حسن الخاتمة، فينبغى لكل بليغ أن يختتم كلامه فى أى مقصد كان بأحسن الخواتم فإنها آخر ما يبقى على الأسماع، وربما حفظت من بين سائر الكلام لقرب العهد بها، فلا جرم وقع الاجتهاد فى رشاقتها وحلاوتها، وفى قوتها وجزالتها، وينبغى تضمينها معنى تاما يؤذن السامع بأنه الغاية والمقصد والنهاية، ولهذا قال عليه السلام:
«ملاك العمل خواتمه» ، وفى حديث آخر: «ألا إنما الأعمال بخواتيمها» ، وفى حديث آخر: «لا تعجبوا بعمل أحد حتى تدروا بم يختم له» «1» ، فالخاتمة فى كل شىء هى العمدة فى محاسنه، والغاية فى كماله، فأما المتقدمون من الشعراء كامرىء القيس، والنابغة، وطرفة، وغيرهم من شعراء الجاهلية فليس لهم فيه كل الإجادة، وإنما الذى أجاد فيه المتأخرون، كأبى نواس، والمتنبى، والبحترى، وأبى تمام، ولنضرب فى ذلك أمثلة:
المثال الأول: من آى التنزيل فإن الله تعالى ختم كل سورة من سوره بأحسن ختام، وأتمها بأعجب إتمام، ختاما يطابق مقصدها، ويؤدى معناها، من أدعية، أو وعد أو وعيد، أو موعظة أو تحميد، أو غير ذلك من الخواتيم الرائقة، ألا ترى إلى ما ختم به سورة البقرة وسورة الفاتحة، فأما الفاتحة فختمها بما يناسب معناها ويطابق لفظها، من حسن التأليف وجودة الجزالة بذكر الصنفين المغضوب عليهم من اليهود والنصارى، وأن لا يجعلنا منهما، ويتم لنا هدايته الكاملة، إلى حججه الواضحة، وبراهينه النيّرة، واختتم سورة البقرة بتعليم الابتهال إليه فى مغفرة الخطايا وترك تحمل الأثقال والإصر والنصرة على الكفار، ونحو اختتام سورة آل عمران بالخواتيم الحسنة من الوصايا بالصبر على المكاره، والمصابرة على الجهاد لأعداء الله، وإشادة معالم الدين وإظهار أحكامه، والرابطة للخيل فى الجهاد وإعدادها للغزو، وبالتقوى التى هى قوام الدين وملاكه، فمن أجل ذلك يحصل السبب فى الفلاح فى كل الأمور، وفى خاتمة سورة النساء بالتبجيل والتعظيم بالبيان والهداية، وبما كان من الوعد، والوعيد فى خاتمة سورة الأنعام بقوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ
(3/104)

الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)
[الأنعام: 165] وبما كان من إظهار الجلال والعظمة فى خاتمة سورة المائدة، فهذه الخواتيم كلها فى كل سورة على نهاية الحسن والرشاقة، وهكذا الكلام فى كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى كتبه ومواعظه وخطبه، فإنك ترى خواتيمها معجبة لما تضمنته، ونحو هذا كلام أمير المؤمنين فى كتبه ومواعظه وهذا كقوله عليه السلام فى ذم الدنيا، وغدرها بأهلها، وذهابها عن أيديهم، وعدم التمسك بها «ولات حين مناص، هيهات هيهات، قد فات ما فات وذهب ما ذهب» ثم ختمها بآية من القرآن مناسبة لها وهى قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29)
[الدخان: 29] إلى غير ذلك من الخواتيم الحسنة فى خطبه وكلامه، فهذا ما أردنا ذكره من أمثلة المنثور.
المثال الثانى: من المنظوم فمن أحسن ما قيل فى ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى
قد شرّف الله أرضا أنت ساكنها ... وشرّف الناس إذ سوّاك إنسانا «1»
فهذه الخاتمة إذ قرعت سمع السامع عرف بها أن لا مطمع وراءها، ولا غاية بعدها، وهى الغاية المقصودة، والبغية المطلوبة، وبها يعلم انتهاء الكلام وقطعه، كقول أبى نواس يمدح المأمون:
فبقيت للعلم الذى تهدى له ... وتقاعست عن يومك الأيّام «2»
فانظر إلى حسن هذه الخاتمة كيف تضمنت الدعاء بالبقاء مع نهاية المدح والإعظام لحاله، وغاية حسن الخاتمة أن يعرف السامع انقضاء القصيدة وكمالها، فهذه علامة حسنها ورونقها، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء يمدح رجلا استماحه:
وإنى جدير إن بلغتك بالمنى ... وأنت بما أمّلت منك جدير
فإن تولنى منك الجميل فأهله ... وإلّا فإنى عاذر وشكور «3»
ومن ذلك ما قاله أبو تمام يذكر فتح عمورية ويهنىء المعتصم بها:
إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير مقتضب
فبين أيّامك اللاتى نصرت بها ... وبين أيّام بدر أقرب النّسب
(3/105)

أبقت بنى الأصفر المصفرّ كاسمهم ... صفر الوجوه وجلّت أوجه العرب «1»
فهذه خاتمة ترى على وجهها الطلاوة، وعصارة الرشاقة، وحسن الخواتم فى كلام المتأخرين أكثر من أن تعد وتحصى، ومن ذلك ما قاله المتنبى فى بعض قصائده السيفيات:
فلا حطّت لك الهيجاء سرجا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا «2»
وقال أيضا:
لا زلت تضرب من عاداك عن عرض ... تعاجل النصر فى مستأجر الأجل «3»
وقال أيضا فى بعض قصائده وقد عرض ذكر الخيل:
فلا هجمت بها إلّا على ظفر ... ولا وطئت بها إلّا إلى أمل «4»
وقال بعض المتأخرين فى رجل مدحه بقصيدة مستملحة:
إنّى جدير بالنجاح لأننى ... أملت للخطب الجليل جليلا
لا زال فعلك بالعلاء مرصّعا ... أبدا وعرضك بالعفاف صقيلا
وقال آخر فى تعزية عزاها فى أخ له قال فى خاتمها:
وكلّ خطب وإن جلّت عظائمه ... فى جنب مهلكه مستصغر جلل
سقى ضريحا حواه صوب غادية ... مثعنجر الودق وكّاف الحيا هطل
فهذه الخواتم كلها رائقة ملائمة لما قبلها.
وإن الاختتام لفن من البديع بمكان، وإنه لحقيق من بينها بالإحراز والإتقان، وهو آخر الكلام فى أصناف البديع المتعلقة بالفصاحة المعنوية والفصاحة اللفظية، كما مر تقريره، وقد أتينا على معظم أبواب البديع وأصنافه، فإن شذّ شىء على جهة النّدرة، فإنه مندرج تحت ما ذكرناه من هذه الأصناف بل لا يشذ إلا قليل لا يعول عليه.
(3/106)

الصنف الخامس والثلاثون فى إيراد نبذة من السرقات الشعرية
اعلم أن معنى السرقة فى الأشعار هى أن يسبق بعض الشعراء إلى تقرير معنى من المعانى واستنباطه، ثم يأتى بعده شاعر آخر يأخذ ذلك المعنى ويكسوه عبارة أخرى، ثم يختلف حال الأخذ، فتارة يكون جيدا مليحا، وتارة يكون رديئا قبيحا، على قدر جودة الذكاء والفطنة والفصاحة بين الشاعرين كما سنقرره ونظهر أمثلته، فمن الشعراء من يأخذه كرة وبعرة ويردّه ياقوتة ودرة، ومن الناس من يأخذه ديباجة ويرده عباءة إلى غير ذلك من الأمثال فى النقائض والأضداد فى الأخذ والرد، وهل تعد السرقة الشعرية من علم البديع أم لا، فيه وجهان، أحدهما أنها تكون معدودة فيه، لأن كل واحد من السابق واللاحق إنما يتصرف فى تأليف الكلام ونظمه، وترديده بين الفصيح والأفصح والأقبح والأحسن، وهذه هى فائدة علم البديع وخلاصة جوهره، وثانيهما أنها غير معدودة فى علم البديع، لأن معنى السرقة هو الأخذ، ومجرد الأخذ لا يكون متعلقا بأحوال الكلام ولا بشىء من صفاته، فلأجل هذا لم تكن معدودة فى علم البديع، والأول أقرب، وهو عدّها من جملة أصنافه، والبرهان القاطع على ما ذكرناه، هو أن علم البديع أمر عارض لتأليف الألفاظ وصوغها وتنزيلها على هيئة تعجب الناظر، وتشوق القلب والخاطر، وهذا موجود فى السرقات الشعرية، فإن الشاعرين المفلقين يأخذ كل واحد منهما معنى صاحبه، ويصوغه على خلاف تلك الصياغة، ويقلبه على قالب آخر، فإما زاد عليه، وإما نقص عنه، وكل ذلك إنما هو خوض فى تأليف الكلام ونظمه، فإذن الأخلق عدها منه لما ذكرناه، بل هى أخلق بذلك، لأنا إذا عددنا الطباق، والتجنيس، والترصيع، والتصريع، من علوم البديع مع أنها إنما اختصت بما اختصت به من التأليف وتنزيلها على تلك الهيئات من لسان واحد فكيف حالها إذا كانت مختصة بما ذكرناه من لسانين على هيئتين مختلفتين، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن السرقات الشعرية وإن كثرت شجونها واختلفت فنونها، فإنها لا تنفك أصولها عن خمسة أنواع نفصلها بمعونة الله تعالى: ونشير إلى جملتها.
(3/107)

النوع الأول منها النسخ
واشتقاقه من قولهم نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه إلى غيره، وذلك لأن أحد الشاعرين يأخذ معنى صاحبه وينقله إلى تأليف آخر، ثم النسخ يكون على وجهين، الوجه الأول منهما أن يأخذ لفظ الأول ومعناه، ولا يخالفه إلا بروىّ القصيدة، ومثاله قول امرىء القيس:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتحمّل «1»
أخذه طرفة بن العبد واسترقه وأجراه على منواله الأول فقال:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد «2»
فانظر إلى هذه الموافقة فى الألفاظ والمعانى من غير مخالفة هناك إلا فيما ذكراه من حرف الروى، فالأولى لامية، والأخرى دالية، وكما قال الفرزدق فى مهاجاته لجرير:
أتعدل أحسابا لئاما حماتها ... بأحسابنا إنى إلى الله راجع «3»
فأجابه جرير واسترق ما ذكره بأحسن ما يكون وأعجبه قال:
أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إنى إلى الله راجع «4»
الوجه الثانى: وهو الذى يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ مثاله ما قال بعضهم يمدح معبدا صاحب الغناء، ويذكر فضله على غيره ممن تولع بالغناء:
أجاد طويس والسّريجىّ بعده ... وما قصبات السّبق إلّا لمعبد «5»
ثم قيل بعد ذلك:
محاسن أوصاف المغنّين جمة ... وما قصبات السّبق إلّا لمعبد «6»
فأورد المعنى بعينه مع أكثر اللفظ الأول، فهذا وأمثاله يورد فى أمثلة النسخ.
النوع الثانى السلخ
وهو أخذ بعض المعنى، ولا تعويل فيه على إيراد اللفظ واشتقاقه من سلخ أديم الشاة، وهو أخذ بعض جسم المسلوخ، ويرد على أوجه كثيرة وأنحاء متعددة، ولكنا نقتصر على
(3/108)

إيراد المهم منها، فهى كفاية وبالله التوفيق، ثم إنه يأتى على أوجه ثلاثة، الوجه الأول أن تكون السرقة مقصورة على المعنى لا غير، من غير إيراد لفظ ما سرق منه، وهذا من أدق السرقات مسلكا وأحسنها صورة، وأعجبها مساقا، ومثاله قول بعض أهل الحماسة:
لقد زادنى حبا لنفسى أنّنى ... بغيض إلى كلّ امرىء غير طائل «1»
فقد أخذ المتنبى هذا المعنى واستخرج منه ما يشبهه من جهة معناه، ولم يورد شيئا من ألفاظه ولكنه عول فيه على المعنى وقصره عليه:
وإذا أتتك مذمّتى من ناقص ... فهى الشهادة لى بأنّى كامل «2»
فمن كثر عراكه للأشعار، وممارسته لها فإنه لا يغرب عن فهمه أن ما ذكره المتنبى مأخوذ معناه من بيت الحماسة، فصاحب الحماسة يقول إن نقص الدنىء إياى مما يزيد نفسى حبا عندى لكون الذى نقصها لا فضل له، فيعرف فضلى، والمتنبى يقول إنّ ذم الناقص إياى شاهد بفضلى، فذم الناقص له مثل نقص الذى هو غير طائل فهما متفقان من جهة المعنى.
الوجه الثانى: أن تكون السرقة بأخذ المعنى وشىء يسير من اللفظ، فمن ذلك ما قاله حسان بن ثابت يصف الرسول صلّى الله عليه وسلّم ويمدحه:
ما إن مدحت محمّدا بمقالتى ... لكن مدحت مقالتى بمحمّد «3»
فأخذه أبو تمام فأكمل معناه، واسترق شيئا من لفظه على القلة قال:
ولم أمدحك تفخيما لشعرى ... ولكنّى مدحت بك المديحا «4»
فانظر إلى تكريرهما لفظ المدح فى البيتين من غير زيادة، وكذلك قول ابن الرومى:
وما لى عزاء عن شبابى علمته ... سوى أنّنى من بعده لا أخلّد
استرقه من بيت لمنصور النمرى قال فيه:
قد كدت أقضى على فوت الشباب أسى ... لولا تعزّىّ أنّ العيش منقطع
وهكذا قول أبى تمام يمدح رجلا بالجود والسخاء والكرم:
وإذا المجد كان عونى على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضى
استرقه منه ابن الرومى بأحسن استراق فى أخذ معناه قال:
(3/109)

ووكلت مجدك فى اقتضائك حاجتى ... وكفى به متقاضيا ووكيلا
فهذه السرقات كلها معنوية مع إعادة بعض اللفظ كما ترى.
الوجه الثالث: من السلخ أن يؤخذ بعض المعنى فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
عطاؤك زين لامرىء إن حبوته ... ببذل وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لا مرىء بذل وجهه ... إليك كما بعض السّؤال يشين
فأخذه أبو تمام ونقص من معناه بعض النقصان قال فيه:
تدعى عطاياه وفرا وهى إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا «1»
فالأول أتى بمعنيين، أحدهما أن عطاءك زين والآخر أن عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير، وهو أن عطاءه زين، فهذا ما أردنا ذكره مما يتعلق بالسلخ، وفيه أوجه غير هذه تركنا ذكرها للاستغناء بما ذكرنا عنها، ومن عرف ما قلناه أمكنه إدراك ما عداه من هذا النوع.
النوع الثالث المسخ
وهو إحالة المعنى إلى ما هو دونه، واشتقاقه من قولهم مسخت هذه الصورة الآدمية إلى صورة القردة والخنازير، فتارة تكون صورة الشعر حسنة فتنقل إلى صورة قبيحة، وهذا هو الأصل فى المسخ، وتارة تكون الصورة قبيحة فتنقل إلى صورة حسنة، فهذان وجهان نذكر ما يتوجه منهما بمعونة الله.
الوجه الأول: أن ينقل الأحسن من الشعر إلى صورة قبيحة، ومثاله ما قاله عبد السلام ابن رغبان الملقب بديك الجن:
بحقّ تعزّيك ومنك الهدى ... مستخرج والصبر مستقبل
تقول بالعقل رأيت الذى ... تأوى إليه وبه تعقل
إذا عفا عنك وأودى بنا الدّ ... هر فذاك المحسن المجمل
أخذه أبو الطيب المتنبى فأتى به على عكس صورته وقلب أعلاه أسفله:
(3/110)

إن يكن صبر ذى الرّزيئة فضلا ... تكن الأفضل الأعزّ الأجلّا
أنت يا فوق أن تعزّى عن الأ ... حباب فوق الذى يعزّيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزّا ... ك قال الذى له قلت قبلا «1»
فالبيت الآخر من هذه المقطوعة هو الذى وقع به المسخ، فانظر إلى ما بينهما من التفاوت فى الرقة واللطافة والجودة والرشاقة.
الوجه الثانى: عكس هذا وهو أن ينقل من صورة قبيحة إلى صورة حسنة، وهو معدود فى السرقات، وإن كان بعضهم لا يعده منها وهذا كقول المتنبى:
لو كان ما يعطيهم من قبل أن ... يعطيهم لم يعرفوا التأميلا «2»
وقد أخذه ابن نباتة السعدى فأجاد فيه كل الإجادة قال:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل «3»
فانظر كيف أخذه عباءة وزجاجة، ثم رده ياقوتة وديباجة، فبينهما بعد متفاوت ودرجات متبانية، ومن ذلك ما قاله أبو نواس يذكر لعب الخيل بالصولجان من أرجوزة له يصف ذلك:
جنّ على جنّ وإن كانوا بشر ... كأنما خيطوا عليها بالإبر
أخذه المتنبى فأذاقه حلاوة، وأكسبه رونقا وطلاوة، قال:
فكأنما نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها «4»
فقاتله الله، لقد تباهى فى الإعجاب، وأتى بما يدهش العقول، ويسحر الألباب، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب أيضا وقد أنشدناه من قبل هذا:
إنى على شغفى بما فى حرها ... لأعفّ عمّا فى سرا ويلاتها «5»
أخذه الشريف الرضى فأحسن فيه كل الإحسان قال فيه:
أحنّ إلى ما يضمن الخمر والحلى ... وأصدف عمّا فى ضمان المآذر
(3/111)

النوع الرابع عكس المعنى
وما هذا حاله فهو بالغ فى المجد كل مبلغ، ومن لطافته ورقته ورشاقته يكاد يخرجه عن حد السرقة، فمن ذلك ما قاله أبو نواس فى مدح نكاح الصغار واللاتى لم ينكحن:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطىّ إلىّ ما لم تركب
كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب
فعكس ما قاله مسلم بن الوليد فقال:
إن المطيّة لا يلذّ ركوبها ... حتى تذلّل بالزمام وتركبا
والحبّ ليس بنافع أربابه ... حتى يفصّل فى النظام ويثقبا
ومن ذلك ما قاله ابن جعفر فى الوصل والقلى:
ولما بدا لى أنها لا تريدنى ... وأنّ هواها ليس عنّى بمنجلى
تمنّيت أن تهوى سواى لعلّها ... تذوق صبابات الهوى فترقّ لى
فأخذ هذا المعنى بعضهم وعكسه على حسنه قال:
ولقد سرّنى صدودك عنّى ... فى طلابيك وامتناعك منّى
حذرا أن أكون مفتاح غيرى ... وإذا ما خلوت كنت التمنّى
فانظر إلى كلام ابن جعفر فلم يبال فى إلقاء رداء الغيرة عن منكبه ومشاركة غيره له فى مواصلة محبوبه، وأما الآخر فهو على الضد من ذلك، ومن ذلك ما قاله أبو الشّيص فى الغرام بمحبوبه:
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا بذكرك فليلمنى اللّوّم «1»
فأخذه أبو الطيب المتنبى وعكس ما قاله عكسا لائقا قال فيه:
أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إنّ الملامة فيه من أعدائه «2»
وما هذا حاله فإنه من السرقات الخفية كما أشرنا إليه، وقد قال بعض الحذاق إن ما هذا حاله بأن يسمى ابتداعا أحق من أن يسمى سرقة، ومن هذا ما قاله بعض الشعراء فى صفة الكرام ومدحهم:
لولا الكرام وما استنّوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح
(3/112)

وقد سبقه بهذا المعنى أبو تمام خلا أن أبا تمام جعله فى الكرم، وهذا جعله فى المدح، قال أبو تمام فى ذلك فأجاد كل الإجادة:
ولولا خلال سنّها الشّعر ما درى ... بغاة النّدى من أين تؤتى المكارم
فهذا ما تحصّل من الأمثلة فى العكس.
النوع الخامس فى أخذ المعنى والزيادة عليه معنى آخر
فمن ذلك ما قاله جرير:
غرائب ألّاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما «1»
فأخذه أبو تمام وزاد عليه زيادة بديعة فأعجب كل الإعجاب:
غرائب لاقت فى فنائك أنسها ... من المجد فهى الآن غير غرائب
فحاصل كلام جرير أن قصائده لا يماثلهن غيرهن، فإنهن مفردات عن أشكالهن، وحاصل كلام أبى تمام أن لهن أمثالا صادفنها فأنسن إليها، فكلاهما قد أورد الغرائب فى شعره، خلا أن ابا تمام زاد عليه بأن قرنها بذكر الممدوح، فلهذا كانت لائقة حسنة لذلك، ومن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح كريما:
يصدّ عن الدنيا إذا عنّ سؤدد ... ولو برزت فى زىّ عذراء ناهد «2»
وقد أخذه من قول بعض الشعراء:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر «3»
خلا أن أبا تمام زاد عليه قوله «برزت فى زىّ عذراء ناهد» ولم يتضمنه قول الشاعر الثانى، ومن ذلك ما قاله البحترى:
ركبوا الفرات إلى الفرات وأمّلوا ... جذلان يبدع فى السّماح ويغرب
أخذه من قول مسلم بن الوليد:
ركبت إليه البحر فى ماخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
خلا أن البحترى زاد عليه قوله «جذلان يبدع فى السماح ويغرب» فهذه الزيادة زادته
(3/113)

حسنا إلى حسنه، وإعجابا إلى إعجابه كما تراه ههنا، ومن ذلك ما قاله جرير يمدح بنى تميم:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا «1»
فأخذه أبو نواس فى قوله:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد «2»
وزاد عليه زيادة رشيقة، وذلك أن جريرا جعل الناس كلهم بنى تميم، وأبو نواس جعل العالم كلهم فى واحد، فلا جرم كان ما قاله أبلغ وأدخل فى المدح والإعظام، ومن ذلك ما قاله الفرزدق:
علام تلفّتين وأنت تحتى ... وخير الناس كلّهم أمامى
متى تأتى الرّصافة تستريحى ... من الأنساع والدّبر الدّوامى «3»
أخذه أبو نواس وزاد فيه زيادة صار بها فى غاية الحسن والإعجاب فقال:
وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا ... فظهورهنّ على الرجال حرام
فالفرزدق أراد أنها تستريح من الشد والرّحل فيدميها ذلك ويدبرها، وليس استراحتها بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى، وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على الرجال وأعفاهن من الأسفار إعفاء مستمرا، فلهذا كان بليغا بهذه الزيادة كما ترى، ومن ذلك ما قاله أبو نواس فى مدح كتيبة:
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد
فأخذه أبو الطيب المتنبى وزاد عليه زيادة هى الغاية فى الكمال فقال:
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنّها بالقنا مخمل
فانظر إلى حسن ما ذكره فى القنا حيث جعله خملا لثوب الزرد، فناسبه نهاية المناسبة، وكان ملائما غاية الملائمة، وهذا المعنى غير حاصل فى بيت أبى نواس وهو من عجائبه التى انفرد بها، وملحه الفائقة لمن نظر فيها، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى يمدح رجلا بالكرم:
وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنّك فى الكرم الأوّل
(3/114)

أخذه بعض الشعراء وزاد عليه فأجاد فيما قاله وأصاب فيه «أنت فى الجود أول وقضى الله أن لا يرى لك الدهر ثانى» .
فما ذكره من المعنى الجزل والمدح العالى ليس حاصلا فى بيت أبى الطيب، ولنقتصر على هذا القدر من السرقات الشعرية وبيان أمثلتها ففيه مقنع وكفاية فى التنبيه على ما وراءه من ذلك، فإنه باب واسع من الفنون الشعرية، وفيه أودية، وله شجون وفنون، وفيما أوردناه غنية، وبتمامه يتم الكلام على النمط الثانى من بيان أنواع الفصاحة المعنوية من أنواع البديع، وقد نجز الكلام على الباب الرابع الذى رسمناه فى علوم البديع وأصنافه، والله الموفق للصواب.
ولنختم كلامنا فى الباب الرابع الذى رسمناه لبيان أصناف البديع ومعرفة أسراره بذكر تنبيهات ثلاثة
هى لائقة ههنا حيث لم تذكر فى صدر الباب لبيان معنى البديع وتقرير أقسامه على جهة الإجمال وبيان مواقعه، فهذه تنبيهات لا غنى عن ذكرها لمن أراد الخوض فى علم البديع.
التنبيه الأول فى بيان معناه
واعلم أن لفظ البديع، فعيل بمعنى مفعول، كقولنا جريح وقتيل، أو فعيل بمعنى مفعل نحو حكيم بمعنى محكم وأنشد النحاة:
وقصيدة تأتى الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها
وهو فى كلا وجهيه بمعنى مفعول، ولا يختلفان إلا فى أن أحدهما مأخوذ من الثلاثى المجرد فتقول بدع هذا يبدعه فهو بديع، أى مبدوع، والثانى مأخوذ من الثلاثى المزيد فتقول فيه أبدع هذا يبدعه فهو مبدع، والفاعل مبدع، قال الله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[البقرة: 117] أى مبدعهما ومعنى البديع الموجد بالقدرة لا على جهة الاحتذاء، فالمبدىء والمبدع سيّان فى أن كل واحد منهما حاصل من غير مثال سابق ولا احتذاء متقدم، وأما فى مصطلح علماء البلاغة فهو عبارة عن الكلام المؤلف على جهة الإسناد المجازى من حيث الاستعارة، ولنفسر مقصودنا بهذه القيود بمعونة الله، فقولنا عبارة عن الكلام، إعلام بأن البديع إنما هو خاص بالكلام دون سائر الأفعال كلها، فإنه لا مدخل له فيها، فلا يقال فى رشاقة القدّ وحسن الدلّ، إنه من البديع، فهو إنما يكون من عوارض الكلام لا غير، وقولنا «المؤلف» يحترز به عن الكلم المفردة بالإضافة إلى كل واحدة من أعدادها،
(3/115)

فإنه لا يقال له بديع، لأنه مخصوص بما كان مؤتلفا من أجزاء، وقولنا «على جهة الإسناد» يحترز به عما إذا كان التركيب حاصلا، لكن من غير جهة الإسناد، كقولك زيد، عمر، بكر، خالد، فإن ما هذا حاله وإن كان مركبا لكنه غير مسند، لأن الإسناد فى مثل قولك زيد قائم وعمرو خارج وغير ذلك، والبديع إنما يكون حيث تحصل الفائدة، فأما ما لا فائدة فيه فلا موقع لعلم البديع فيه، وإنما يزداد حسنا فيما كان تركيبه مفيدا، وقولنا «المجازى» يحترز به عن الحقائق فإنه لا مدخل لعلم البديع فيما كان جاريا على جهة الحقيقة، وإنما موضعه المجازات البليغة، وقولنا «من جهة الاستعارة» يحترز به عن أكثر أنواع المجازات، فإنه لا مدخل للبديع فيها، وهذا نحو مجاز الزيادة، ومجاز النقصان، وغير ذلك من المجازات، فالمجاز أعمّ من البديع، ولهذا فإن كل بديع فهو مجاز، وليس كل مجاز بديعا، بل هو مخصوص بمجاز الاستعارة دون غيرها من سائر المجازات، وهكذا القول فى التشبيه المظهر الأداة، فإنه لا يدخله البديع، لأنه ليس من جملة المجاز فيقال بأنه داخل فى علم البديع، وإذا لم يكن داخلا فى المجاز فلأن يمتنع دخوله فى البديع أولى وأحق، فهذا تقرير ماهية البديع لغة واصطلاحا.
التنبيه الثانى فى ذكر أقسامه
اعلم أنا قد فرغنا من ذكر أصنافه فيما سبق، ولكنا نورد تقسيمه على جهة الإجمال، ونكتفى فى التفاصيل بما سبق شرحه، ليكون الناظر على استحضار فيه، وهو فى التقسيم منقسم إلى أضرب ثلاثة:
الضرب الأول منها ما يكون راجعا إلى الفصاحة اللفظية
وهذا هو المراد بعلم البيان، ثم منه ما يرد فى المنظوم والمنثور كالتجنيس، والترصيع، ولزوم ما لا يلزم، وغير ذلك من أصناف البديع، ومنه ما يكون مختصا بالنظم، وهذا التصريع، فإنه مخصوص بالقوافى لا يرد إلا فيها، وضابطه أن كل ما كان متعلقه ما يرجع إلى الألفاظ فهو بفصاحة الألفاظ أشبه.
الضرب الثانى ما يكون راجعا إلى الفصاحة المعنوية،
وهذا هو المراد بعلوم المعانى، وهذا نحو التخييل، والاستطراد، والتفويف، والتوشيح. وغير ذلك من الأصناف المتعلقة بعلوم البلاغة، والضابط فى مثل هذا أن كل ما كان متعلقا بالمعانى فهو من باب الفصاحة
(3/116)

المعنوية، وهذا هو الغرض بقولنا علم المعانى وعلم البيان كما سبق تقريره.
الضرب الثالث ما يكون بمعزل عن الفصاحة اللفظية والفصاحة المعنوية على الخصوص،
ولكنه ينزل منزلة التتمة والتكملة لهما، ويكون تحسينا لهما وتزيينا لمواقعهما، وهذا نحو الكمال، والإيضاح، وحسن البيان، ونحو التتميم، والاستيعاب، والتذييل إلى غير ذلك من الأوصاف التى لا تستقل بنفسها، وإنما يكون حصولها على ما ذكرناه من مراعاة الإكمال وتحسين الهيئة كما أشرنا إليه فى الأصناف السابقة، ونظيره من علم الإعراب قولك:
ضرب زيدا عمرو، بتقديم المفعول على الفاعل، فإن ما هذا حاله قد أفاد كلاما مطابقا لقوانين العربية، خلا أنه لم يفت منه إلا تحسين الكلام وتزيينه، حيث لم يكن الفاعل لاصقا بالفعل، والمفعول متأخرا عن الفاعل، فهذا يجرى مجرى التحسين والإكمال للجملة لا غير، فهكذا ما قلناه من هذه الأبواب إنما وردت على جهة الإكمال والتحسين وإعطاء الهيئة الحسنة والتأليف العجيب فى الكلام، فأما أصل البلاغة والفصاحة، فهما حاصلان من دون هذه الأبواب كما يدريه العاقل الخبير بموارد البلاغة والفصاحة ومصادرها، وهذه الأبواب أيضا متقاربة، والأصناف وإن تعددت متدانية، لكنا أجريناها على هذا التقسيم جريا على عادة أهل البلاغة، واقتفاء لآثارهم، وهى عندنا فى الحقيقة متقاربة.
التنبيه الثالث فى بيان مواقع البديع
اعلم أن كل موضع من الكلام ليس صالحا لعلم البديع وإنما يصح فى مواضع من الكلم دون مواضع، فهذان تقريران نذكرهما بمعونة الله تعالى:
التقرير الأول فى ذكر المواضع التى يصح دخوله فيها
وجملة المداخل التى يختص بها شروط أربعة. الشرط الأول: أن يكون واردا فى الكلام المنظوم من هذه الأحرف المعتادة، أعنى حروف العربية، وهى التسعة والعشرون، فلا يجوز دخوله إلا فيما كان مؤلفا منها من الكلمات العربية دون غيرها من الكلم الفرسية والعبرانية والتركية، فهو مختص من بين سائر اللغات باللغة العربية، الشرط الثانى: أن يكون واردا فى الكلام الإسنادى التركيبى الذى يختص بالمعانى المفيدة، ولهذا فإنك لو أفردت الكلم المفردة فقلت زيد، عمرو، بكر، خالد، لم يكن مفيدا فائدة لعدم الإسناد،
(3/117)

فلا يكفى فيه وجود الكلم العربية المفردة، بل ولو اختص بالكلم العربية المفردة فلابد من أن يكون واردا فيما كان مسندا، لأنه لابد من اختصاصه بالإفادة، وليس يكون مفيدا إلا بالإسناد الذى تحصل من أجله فائدة الكلام. الشرط الثالث: أن يكون واردا فى المجاز فلا يعقل البديع إلا إذا كان الكلام واقعا فى رتبة المجاز، فأما ما كان من الكلام موضوعا على أصل حقيقته فلا مدخل له فيه، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن السّعة فى الكلام والافتتان فيه إنما يكون حاصلا بالدخول فى الأنواع المجازية، فأما الحقائق فهى قليلة بالإضافة إلى المضطربات المجازية، وهو الذى أوجب انشعاب البديع إلى تلك الأصناف التى أسلفناها، فإنه لم يقع اختلافها إلا لما يتعلق بها من التصرف فى المجاز والدخول فيه كل مدخل، ولهذا فإن العرب ممتازون فى كلامهم على العجم بهذه الخصلة، فإن الشاعر من العجم ربما ذكر كتابا طويلا من أوله إلى آخره شعرا على صفة واحدة من غير اختلاف فيه، كما تفعله العرب فى قصائدها من اختلاف بحورها ورويها، ومقاصدها ومغازيها المتباينة، كما يحكى عن الفردوسى من شعراء العجم أنه نظم كتابا وجعله ستين ألف بيت يشتمل على تاريخ الفرس، ومثل هذا لا يقصد فى لغة العرب مع أن اتساعها أكثر من اتساع لغة العجم، الشرط الرابع: أن يكون المجاز حاصلا فى الاستعارة من بين أودية المجاز والكناية، والتمثيل المضمر الأداة، لأن بهذه الأمور يحصل اليقين فى الكلام، ويكثر الاتساع لأجلها، فهذه الشرائط لا بد من اعتبارها فى علم البديع وإحرازه.
التقرير الثانى فى بيان المواضع التى لا يصح دخوله فيها
وهو عكس هذه الأمور الأربعة، لأنها إذا كانت شرطا فى صحته كان ما خلافها مبطلا له، فلا يرد فى الكلم المفردة، ولا يكون واردا فى المركبات التى لا إسناد فيها لبطلان فائدته، ولا يدخل فى حقائق الكلام، وهو ما أريد به ما وضع له فى الأصل، ولا يرد فى التشبيه المظهر الأداة لأنه ليس معدودا على الصحيح فى أودية المجاز، فأما التشبيه المضمر الأداة فهو نوع من أنواع الاستعارة، فلا يمتنع وروده فيه، ويرد فى الكناية أيضا، فهذه جملة ما يجب اعتباره فى كون البديع من الكلام بديعا، وما لا يعتبر فيه، وبتمامه يتم القول على الباب الرابع من أبواب الفن الثانى الذى رسمناه للمقاصد، ونشرح الآن الفن الثالث وهو التكملات اللاحقة.
(3/118)

الفن الثالث من علوم هذا الكتاب فى ذكر التكملات اللاحقة
اعلم أن ما يتعلق بالأسرار البيانية، والعلوم البلاغية، قد ذكرناه ورمزنا إلى أسراره ومقاصده، والذى نريد ذكره فى هذا الفن هو الكلام فيما يتعلق بأسرار القرآن، ونحن وإن ذكرناه على جهة التتمة والتكملة، فهو فى الحقيقة المقصود، والغرض المطلوب، فنذكر فصاحته وأنه قد وصل الغاية التى لا غاية فوقها، وأن شيئا من الكلام وإن عظم دخوله فى البلاغة والفصاحة، فإنه لا يدانيه، ونذكر كونه معجزا للخلق، وأن أحدا لا يأتى بمثله، نذكر وجه إعجازه، ثم نذكر أقاويل العلماء فى ذلك، ثم نردفه بذكر المختار، فهذه أربعة فصول قد اشتمل عليها هذا الفن، نفصلها ونذكر ما تضمنته من الأسرار والتفاصيل، والله الموفق للصواب.
(3/119)

الفصل الأول فى بيان فصاحة القرآن
اعلم أن فصاحة القرآن وبلاغته أظهر من أن تكشف، ولا خلاف بين العقلاء فى فصاحته وبلاغته، وإنما يؤثر الخلاف: هل فى المقدور ما هو أفصح منه وأبلغ، والمختار أن فى مقدور الله ما هو أبلغ وأدخل فى الفصاحة والبلاغة، لأن خلاف ذلك يمكن، والقدرة الإلهية لا تعجز عن أبلغ منه وأوضح، وأعلا مرتبة منه، ولكنا نذكر فصاحته على جهة التأكيد والاستظهار، ولنا فى تقرير فصاحته طريقتان:
الطريقة الاولى منهما مجملة
وفيها مسالك ثلاثة:
المسلك الأول منها
هو أنا قد قررنا فيما سبق معنى البلاغة والفصاحة وحقائقهما، وأشرنا إلى بيان التفرقة بينهما، وتلك المعانى التى ذكرناها فيهما حاصلة فى القرآن، فيجب القضاء بكونه فصيحا، سواء قلنا إن الفصاحة راجعة إلى الألفاظ، والبلاغة راجعة إلى المعانى، كما هو المختار عندنا، وقد سبق تقريره، أو سواء قلنا إنهما شىء واحد يقعان على فائدة واحدة، فكل كلام فصيح فهو بليغ، وكل بليغ من الكلام فهو فصيح، فعلى جميع وجوههما فهما حاصلان فى القرآن على أوضح حصول وأكمله، فيجب القضاء بكونه فصيحا، وهذا هو المقصود من الدلالة.
المسلك الثانى
هو أنك إذا فكرت وأمعنت النظر فى كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وفى كلام أمير المؤمنين، وغيرهما ممن كان معدودا فى زمرة الفصحاء وكان له منطق فى البلاغة فى المواعظ والخطب، والكلم القصيرة، ومواقع الإطناب، والاختصار فى المقامات المشهودة، والمحافل المجتمعة، وجدت القرآن متميزا عن تلك الكلمات كلها تميزا لا يتمارى فيه منصف، ولا يشتبه على من له أدنى ذوق فى معرفة بلاغة الكلام وفصاحته، وذلك التميز تارة يكون راجعا إلى ألفاظه من فصاحة أبنيتها، وعذوبة تركيب أحرفها، وسلاسة صيغها، وكونها مجانبة
(3/120)

للوحشى الغريب، وبعدها عن الركيك المسترذل، ألا ترى قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ
[الشورى: 32] لم يقل الفلك لما فى الجرى من الإشارة إلى باهر القدرة، حيث أجراها بالريح، وهى أرق الأشياء وألطفها، فحركت ما هو أثقل الأمور وأعظمها فى الجرم، وقال: فِي الْبَحْرِ
ولم يقل فى الطّمطام، ولا فى العباب وإن كانت كلها من أسماء البحر، لكون البحر أسهل وأسلس، ثم قال: كَالْأَعْلامِ
ولم يقل كالروابى، ولا كالآكام، إيثارا للأخف الملتذ به، وعدولا عن الوحشى المستركّ، وتارة يكون راجعا إلى المعانى لإغراقها فى البلاغة ورسوخها فى أصلها، وسببها حسن النظم وجودة السبك، فمن أجل ذلك يحصل قانون البلاغة ويبدو رونقها، ولا شك أن ما هذا حاله قد حصل فى القرآن على أتم وجه وأكمله، وإن اعتاص عليك ما ذكرته من معرفة هذه الأسرار فى كتاب الله تعالى، ودق عليك تمييز بلاغة معانيه وفصاحة ألفاظه، وصعب عليك معرفة حسن التأليف منه وعجيب انتظامه وجودة سياقه، فاعمد إلى أفصح كلام تجده من غير القرآن، وقابل به أدنى سورة من سورة أو آية من آياته فى وعظ، أو وعد، أو وعيد، من تمثيل أو استعارة، أو تشبيه أو غير ذلك من أفانين الكلام وأساليبه، فإنك إذا خلعت ربقة الهوى، وسلبت عن نفسك رداء التعصب، وجدت مصداق ما قلته من ذلك، فهذا كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليس بعد كلام الله تعالى إلا كلامه، وهو أفصح من غيره من سائر الكلام، فإذا قابلت قوله تعالى: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (64)
[العنكبوت: 64] بقوله عليه السلام، «كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب، وكأن الذى نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون» فهاهما قد اتفقا على وصف معنى واحد، وهو الموت والعود إلى الآخرة، وتصرّم الدنيا وانقضاء أحوالها وطيّها، والورود إلى الآخرة، ولكن القرآن متميز فى تحصيل هذا المعنى وتأديته، تمييزا لا يدرك بقياس، ولا يعتوره التباس، وإذا كان القرآن فائقا على كلام الرسول وكلام أمير المؤمنين، مع أنهما النهاية فى البلاغة والفصاحة فهو لغيرهما أفوق، وعلوه عليها أبلغ وأحق، وهذه طريقة مرضية فى الدلالة على فصاحة القرآن، ويتضح ذلك بمثال، وهو أن أهل بلد لو كانوا أربعين، فأرادوا مناظرة رجل واحد فاختاروا من أولئك الأربعين أربعة من كل عشرة واحدا، ثم اختاروا من تلك الأربعة رجلا واحدا، فناظر ذلك العالم، ثم إن ذلك العالم استطال عليه وقطعه وحده
(3/121)

وبلّده، فإنه يكون لا محالة لغيره أقطع، وعلى تحيرهم وإدهاشهم أقدر، فهكذا حال القرآن إذ كان فائقا لكلام رسول الله وكلام أمير المؤمنين، فهو لغيرهما بذلك أحق لعلو الرتبة، وأعظم استبدادا بالفصاحة وأحوى لأسرار البلاغة.
المسلك الثالث
هو أنه صلّى الله عليه وسلّم لما أيده الله بالقرآن وجعله له معجزة باقية على وجه الدهر لا تنقضى عجائبه، ولا تخلق على كثرة الترداد جدّته. وقد عرضه على من كان فى وقته من أهل الفصاحة من قريش وغيرهم، فحيّر ألبابهم، وأدهش أفهامهم، وخرق قراطيس أسماعهم، وما ذاك إلا لما تحققوا وعرفوا من بلوغه الغاية فى فصاحته، وإنافته على كل كلام فى جزالته وبلاغته، حتى قال الوليد بن المغيرة فيه ما قال حين جاء إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقال له اتل على يا محمد ما أنزل إليك، فأسرع الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى ذلك طمعا فى الانقياد، فقرأ الرسول صلّى الله عليه وسلّم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ
إلى آخر حم السجدة، فقال إن أعلاه لمورق، وإن أسفله لمغدق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، فما تيسر منهم إنسان، ولا فاه لأحد منهم لسان، إلى مماثلة شىء من أساليبه، ولا إلى الإتيان بأقصر سورة من سوره، وهذا يدلّك على أمرين، أحدهما اختصاصه بما لا يقدرون عليه ولهذا أظهروا الإعجاب من نفوسهم، وخرجوا بالاستطراف من ألسنتهم، وثانيهما علمهم بالعجز واعترافهم بالقصور، فهذا ما أردنا ذكره من الدلالة على كونه بالغا أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة من جهة الإجمال، والله تعالى أعلم بالصواب.
(3/122)

الطريقة الثانية من جهة التفصيل
اعلم أنه لا مطمع لأحد من الخلق وإن عظم حاله فى الإحاطة بجميع مزايا القرآن والاستيلاء على عجائبه، وما اختص به من دقائق المعانى وكنوز الأسرار وعلو مرتبته فى الفصاحة، وكونه فائقا فى البلاغة، ومباينته لكلام فصحاء العرب، وكل ذلك فيه دلالة على شرفه، وأنه فائق على غيره من سائر الكلام كله بحيث لا يدانيه كلام، ولكنى أنبه من تلك الأسرار على أدناها مستعينا بالله تعالى، مستمدا من فضله، طالبا للإرشاد فى كل مقصد ومراد، وليس تخلو تلك المزية التى تميز بها حتى صار فى أعلا ذروة الفصاحة ومقتعد صهوة البلاغة، إما أن تكون راجعة إلى الألفاظ، أو إلى المعانى، فهاتان مرتبتان.
المرتبة الأولى فى المزايا الراجعة إلى ألفاظه
تارة ترجع إلى مفردات الحروف، وتارة إلى تأليفها من تلك الأحرف، ومرة إلى مفردات الألفاظ، ومرة إلى مركباتها، فهذه أوجه أربعة لابد من اعتبارها فى كون اللفظ فصيحا، وكلها حاصلة فى القرآن على أتم وجه وأكمله.
الوجه الأول منها مفردات الأحرف،
ولابد من أن تكون مستعملة من هذه الأحرف التسعة والعشرين، فإنها جميعا حروف العربية، فلا يكون اللفظ الفصيح مؤتلفا إلا منها، وما خرج عنها فقد يكون مستعملا، وقد يكون مستهجنا، فأما المستعمل فهو همزة بين بين، وألف الإمالة، والتفخيم نحو إمالة هدى وهاد، ونحو الصلوة فى التفخيم، والنون الساكنة نحو عنك، فإن هذه وإن كانت خارجة عن أحرف العربية التسعة والعشرين، لكنها فصيحة مستعملة فى كتاب الله تعالى، وفى كل كلام فصيح، وأما المستهجن فهو الطاء التى كالتاء فى نحو «تالب» فى «طالب» والظاء التى كالثاء نحو فى «ثالم» فى «ظالم» والفاء التى كالباء فى نحو قولك «ضرف» فى «ضرب» والجيم التى كالكاف فى نحو «كابر» فى مثل قولنا «جابر» إلى غير ذلك مما يكون خارجا عن اللغة الفصيحة، فما هذا حاله لا يكون فى الكلام الفصيح، وإنما الغالب عليه لغة الأنباط والأعاجم والأكراد، فما هذا حاله فكتاب الله تعالى مجنّب عنه لا يجوز دخوله فيه، لما فيه من الركة والتواء اللسان، فأما الجيم الذى أطبق من قوله:
جَعَلَ رَبُّكِ
[مريم: 24] وفى نحو قوله: وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا
[التوبة: 97] فهى فصيحة مقروء بها فى السبعة، فما هذا حاله لا يجب تنزيه كتاب الله تعالى عنه.
(3/123)

الوجه الثانى فى حسن تأليفها
وهى وإن حصلت على ما ذكرناه من كونها من حروف العربية، فلابد من كونها مؤلفة تأليفا يسهل النطق به ويرق على اللسان ويعذب، فإذا تباعد المخرجان كان أحسن ما يكون وألطف، وإذا تقارب المخرجان كان دون ذلك فى الحسن كقولك. «أمر أب» فإن الهمزة من الحلق والباء والميم من الشفة، فلا جرم كان حسنا بخلاف قولنا «هعخع» اسم شجر، فإن تأليفه متنافر لما كانت المخارج متقاربة، لأنها كلها من الحلق، فلهذا صعب مخرجها على اللسان، لما فيها من الثقل، وهكذا قولنا «ملع» فإنها ركيكة التأليف لما كانت متقاربة المخارج، فإن حروفها كلها من الفم والحلق، لكن لما تقدم حرف الفم ثقلت، فلو تقدم حرف الحلق كان حسنا، فإذا قلبت تأليفها «بعلم وعمل» كان رقيقا خفيفا، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه أنه لابد من مراعاة أحوال الحروف المفردة، من رقتها ولطافتها وأن تكون مألوفة مستعملة فى اللغة العالية، وأن يكون بريئا من الحروف النادرة المستهجنة، نحو ما روى من كشكشة بنى تميم، وهى إبدالهم من كاف المؤنث شينا، فيقولون مررت بش قال شاعرهم:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... ولكنّ عظم الساق منش رقيق
وكسكسة بنى بكر، وهى إلحاق كاف المؤنث سينا، فيقولون مررت بكس، والكشكشة فى بنى تميم هى بالشين بثلاث من أعلاها، والكسكسة بالسين، وهى فى بنى بكر، ونحو الطّمطمانية فى حمير وهى عدم الإبانة فى الكلام والإفصاح فيه، ونحو الغمغمة فى قضاعة، وهى اللّكنة فى الكلام، ونحو الفراتية فى أهل العراق، واللخلخانية فيهم، وهما العجمة فى الكلام، وهذه كلها عاهات فى الكلام ولكنة فيه، وكتاب الله تعالى منزه عن هذه اللغات، لبعدها عن الفصاحة وميلها عن الأحرف العربية، وأنه لابد من مراعاة حسن التأليف مع حسن الأحرف ورقتها، فمتى حصل الأمران أعنى عذوبة الأحرف ورشاقة تأليفها، كان الكلام فى غاية الحسن والإعجاب، فإذن لابد لاعتبار كون الكلمة فصيحة من أمور ثلاثة، أما أولا: فبأن تكون حروفها صافية الذوق فى مخارجها، لذيذة السماع طيبة المجرى على اللسان، وأما ثانيا: فبأن تكون معتدلة فى تأليفها، بأن تكون ثلاثية، لأن ما دونها لا يعد من الأسماء لنقصان وزنه، أو فوق الثلاثى، من الرباعى والخماسى، وإن كانت مستعملة، لكن الثلاثى أعدلها فى الوزن، وأخفها على الألسنة، وأما ثالثا: فتكون
(3/124)

تارة ساكنة الوسط، لأنها إذا كانت كلها متحركة كانت ثقيلة على اللسان بعض الثقل، فيحصل من أجله صعوبة فى النطق، وإن تحرك وسطها كان تحركه بالفتح أخف من تحركه بالضم والكسر، لما فيهما من مزيد الثقل الحاصل بالحركة، فلابد من مراعاة ما ذكرناه لتحصل الفصاحة فى الألفاظ، وإذا تأملت كتاب الله تعالى: وجدته على ما ذكرناه من اعتبار هذه الشرائط فيه كلها.
الوجه الثالث فى بيان ما يكون راجعا إلى مفردات الألفاظ،
وقد زعم بعض الخائضين فى هذه الصناعة أنه لا قبح فى الألفاظ، فإن مستندها هو الوضع، والواضع لا يضع إلا ما كان حسنا، وهذا فاسد، فإن فيها الخفيف، والثقيل، والشاذ، والمستعمل، من جهة وضعها، فأحوالها متباينة كما ترى، ولهذا فإن الخمر أحسن من قولنا: زرجون، وأسد، أحسن من قولنا: غضنفر، والغضنفر أحسن من قولنا: فدوكس، وهرماس، وسيف أحسن من قولنا: خنشليل، فإذا تقرر ما قلناه فلا بد من مراعاة محاسن الألفاظ فى كون اللفظ فصيحا، وذلك يكون بمراعاة أمور ثلاثة، أما أولا: فلابد من اعتبار كونها عربية، فلا تكون معربة، فارسية، ولا رومية، ولا حبشية، ولا سندية، لأنها إذا كانت خالصة كانت أدخل فى فصاحة اللفظ، وأما ثانيا: فأن تكون مألوفة مستعملة، ولا تكون شاذة نادرة، فما هذا حاله من الألفاظ لا يعد فصيحا، ولا يكون جاريا فى أساليب الفصاحة، وأما ثالثا: فأن تكون خفيفة على السماع طيبة الذوق فى تأليفها، ولا تكون وحشية غريبة، وقد زعم بعضهم أن الكلام إنما يكون فصيحا إذا كان فيه عنجهانيّة وبعد عن الأفهام، وهذا فاسد، فما هذا حاله عند النّظار لا يكون معدودا فى الفصاحة، وإنما الفصيح ما كان معتادا مألوفا يفهمه كل أحد من الناس، فحصل من هذا أن كلام الله حائز لهذه الخصال متميز بها عن سائر الكلام فى جميع ألفاظه لا يوجد فيه شىء من هذه العاهات التى ذكرناها.
(3/125)

الوجه الرابع أن يكون راجعا إلى تركيب مفردات الألفاظ العربية،
وهذا معدود من جملة المحاسن المعدودة فى فصاحة الكلام وبلاغته، ولابد فيه من مراعاة أمرين، أما أولا فأن تكون كل كلمة منظومة مع ما يشاكلها ويماثلها: كما يكون فى نظام العقد، فإنه إنما يحسن إذا كان كل خرزة مؤتلفة مع ما يكون مشاكلا لها، لأنه إذا حصل على هذه الهيئة كان به وقع فى النفوس وحسن منظر فى رأى العين، وأما ثانيا فإذا كانت مؤتلفة، فلابد أن يقصد ما وضع لها بعد إحراز تركيبها، والمثال الكاشف عما ذكرناه، العقد المنظوم من اللآلىء ونفائس الأحجار، فإنه لا يحسن إلا إذا ألف تأليفا بديعا بحيث يجعل كل شىء من تلك الأحجار مع ما يلائمه، ثم إذا حصل ذلك التركيب على الوجه الذى ذكرناه، فلابد من مطابقته لما وضع له، بأن يجعل الإكليل على الرأس، والطوق فى العنق، والشّنف فى الأذن، ولو ألف غير ذلك التأليف فلم يجعل كل شىء فى موضعه، بطل ذلك الحسن، وزال ذلك الرونق، فلو جعل الإكليل فى موضع الخلخال من الرّجل، لم يكن حسنا، لعدم المطابقة لوضعه، وهكذا لو جعل الطوق على الأذن، لم يحصل المقصود به، وهكذا حال الكلام إذا كان مؤلفا تأليفا بديعا ولم يقصد به مطابقة الغرض المطلوب، لم يكن معدودا فى البلاغة، ولا كان فصيحا، وكلام الله تعالى قد أحسن تأليفه كما ترى فى ألفاظه، فإنها معجبة رائقة فى تأليفها، ثم إنها قد قصد فى حقها مطابقة الأغراض المقصودة، بحيث لا تخالف ما قصدت به، فهذا ما أردنا ذكره من إحراز القرآن لهذه اللطائف الراجعة إلى الألفاظ بتمامها وكمالها، ولنورد مثالا من القرآن العظيم جامعا لما ذكرناه من الأوجه الأربعة وهو قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
[هود: 44] فانظر إلى مفردات أحرف هذه الآية، ما أسلسها وأرقها، وألطفها، ثم فى تأليفها ما أسهله على اللسان، ثم انظر إلى مفردات ألفاظه، ما أعذبها وأجراها على الألسنة من غير صعوبة ولا عسرة، ثم انظر إلى تأليف مفرداتها، كيف طابقت الغرض المقصود منها، وسيقت على أتم سياق وأعجبه، فلما كان من أمر الطوفان ما كان من تطبيقه للأرض ذات الطول والعرض، وإذن الله بإهلاك قوم نوح به، واقتضت الحكمة الإلهية إخراجه ومن معه من الفلك إلى الأرض، ابتدأ بقوله وَقِيلَ
إبهاما للقائل وإعظاما لأمره، حيث بنى لما لم يسمّ فاعله، تهويلا للأمر وإعظاما
(3/126)

لحاله، ولم يقل: قال الله، ثم نادى الأرض بالابتلاع للماء، فيحتمل أن يكون هناك خطاب كما هو ظاهر، ويحتمل أن لا يكون هناك خطاب كما فى قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ (82)
[يس: 82] ليس الغرض أنه لابد فى التكوين من قوله: كُنْ
ولكن كنى بذلك عن سرعة الإجابة عند الإرادة للفعل، بحصول الداعية إليه من غير أن يكون هناك خطاب، ثم أمر السماء بالإقلاع، جريا على ما ذكرناه فى الأرض، ثم قال: وَغِيضَ الْماءُ
تصديقا لقوله: ابْلَعِي
، أَقْلِعِي
لأنه مهما حصلا، غاض الماء لا محالة، لعدم ما يمده، ثم قال: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
إما فى إهلاكهم وإما بحصول المرادات فى الأرض بإخراجهم إليها، ثم قوله: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
إخبار بالاستقرار للسفينة على هذا الجبل، وأن خروجهم منها كان إليه، وقوله: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
فيه إشارة إلى عظم الغضب واستحقاق العقوبة الأبدية، فهذا تنبيه على أسرار الآية على جهة الإجمال والإحاطة لمعانيها على جهة التفصيل مما لا تقدر عليه القوى البشرية، ولكنا نرمز إلى ما يحضرنا من لطائفها، ونشير من ذلك إلى مباحث خمسة:
(3/127)

البحث الأول بالإضافة إلى موقعها من علم البيان
اعلم أن علم البيان من عوارض الألفاظ، ومورده المجاز على أنواعه، ومعناه إيراد المعنى الواحد فى طرق مختلفة فى وضوح الدلالة عليه والنقصان، فعلى قدر إغراق المجاز وحسنه، يزيد المعنى وضوحا، وعلى قدر نزوله وبعده، ينتقص المعنى، فالنظر فى هذه الآية من جهة ما اشتملت عليه من الأنواع المجازية، كالاستعارة، والتشبيه، والكناية، فنقول إن الله عز سلطانه لما أراد أن يظهر فائدة الخطاب اللغوى، وهو أنا نريد أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان الماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضى أمر نوح، وهو إنجاز ما كنا وعدنا من إغراق قومه فقضى، وأن تقر السفينة على الجودى فاستقرت، وأن نلقى الظلمة غرقى، وأن نبعدهم عن رحمتنا بالعقوبة، فلما أراد الله تعالى أن يؤدى هذه المعانى اللغوية على أساليب العلوم البيانية، باستعماله المجازات فيها، وترك العبارات اللغوية جانبا، فلا جرم ساق الكلام على أحسن سياق بتشبيه المراد منه هذه الأمور، بالأمور الذى لا يتأتى منه التأخير عما أريد منه، لكمال الأمر وجلال هيبته، ونفوذ سلطانه، وشبه تكوين المراد بالأمر الحتم النافذ فى تكوين المقصود، إرادة لتصوير اقتداره الباهر، وتقريرا لاستيلاء سلطانه القاهر، وأن السموات والأرضين على ما اشتملا عليه من هذه الأجرام العظيمة والاتساعات الممتدة، تابعة لإرادته فى الإيجاد والإعدام، ومنقادة لمشيئته فى التغيير والتبديل، وأغرق فى التشبيه، بأن جعلهم كأنهم عقلاء مميّزون، قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه، فحتّموا على أنفسهم بذل المجهود فى مطابقة أمره وتحصيل مراده، لما وقع فى أنفسهم من مزيد اقتداره، وتصوروا فى ذات عقولهم كنه عظمته، فعند ذلك عظمت المهابة له فى نفوسهم، واستقرت حقيقة الخوف من سطوته فى قلوبهم، فضربت سرادقات المهابة والخوف فى أفئدتهم، فألقت أثقالها فى ساحات ضمائرهم علما بما تستحقه من جلال الإلهية، وتحققا لما يختص من سمات الربوبية، تخفق على رءوسهم رايات المحامد، بتحقق معرفته، وتعقد عليهم ألوية المهابة والخشية، من خشيته، فلا مطمع لهم فى خلاف مراده، ولا تشوّق لهم إلى التأخر عن مقصوده، وكلما لاح لهم وميض من برق إشارته، كان المشار إليه مقدما، وكلما توهموا ورود أمره، كان ذلك الأمر بسرعة الامتثال مكملا متمما، فلا يتلقون إشاراته، بغير الامتثال، ولا يقابلون أوامره بغير
(3/128)

الانقياد، فسبحان من شملت قدرته جميع الممكنات، تكوينا وإيجادا، وأحاط بكل المعلومات إحكاما وإتقانا، فهذا تقرير نظم الكلام وتأليفه، ثم إنا نعطف على بيان روابط المجاز وعلائقه فى الآية، فقال عز من قائل وَقِيلَ
على جهة المجاز عن الإرادة، ثم إنه حذف الفاعل، وجعله فى طىّ الفعل، إبهاما وإعظاما لحاله عن الذكر عند عروض أمر هذه المكونات على جهة الذل والتسخير، ثم جعل قرينة المجاز مخاطبته للجمادات كما فى قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: 82] ، يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[هود: 44] ، على جهة التشبيه لمّا جعلا بمنزلة من عقل الأمر وفهم عظم الاستيلاء، ثم استعار لفور الماء فى الأرض اسم البلع الذى يطلق على القوة الجاذبة للمطعوم، لانعقاد الشبه بينهما، وهو الإذهاب إلى مقر خفى، ثم استعار الماء للغذاء على جهة الكناية، تشبيها له بالغذاء، لأن الأرض لما كانت تتقوى بالماء فى الإنبات للزرع والأشجار والثمار، تقوىّ الآكل بالطعام، وجعل القرينة الدالة على الاستعارة فى لفظ ابْلَعِي
هو كونها موضوعة للاستعمال فى الغذاء دون الماء، ثم إنه وجه الخطاب لها بالأمر على جهة الاستعارة لما ذكرناه من التنبيه المتقدم، حيث نزلها منزلة العقلاء الذين تسربلوا سرابيل المهابة، وتلفعوا بأردية التّذلل منقادين فى حكمة القهر عليهم ببؤس الاستكانة، وضرع الاستسلام والذلة، وخاطب بالأمر ترشيحا للاستعارة فى النداء، ثم قال ماءَكِ
مضيفا الماء إلى الأرض على جهة الاستعارة لما لها به من الاختصاص، وجعل الإضافة باللام تشبيها للأرض بالمالك، حيث كانت متصرفة فيه بالابتلاع والذهاب فيه.
وانتفاعها به، ثم إنه قدّم الأرض على السماء لأوجه خمسة، أما أولا: فلما للخلق من الانتفاع بالأرض بالاستقرار وكونها بساطا لهم، وأما ثانيا: فلأنها لما كانت مقرا للسفينة التى تكون بها النجاة لمن ركبها، وأما ثالثا: فلأنها لما كانت مقرا لمائها وماء السماء، وحيث يكون اجتماعها كانت أحق بالتقديم، وأما رابعا: فلأن الغرض هلاكهم فى الأرض لأجل ما حصل من العصيان والمخالفة فيها، وأما خامسا: فلأن البداية بالغرق كانت من جهة الأرض، ولهذا قال تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ
[المؤمنون: 27] فكان أول نبوع الماء من الأرض، فلأجل هذه الأمور كانت مقدمة فى الخطاب ثم إنه تعالى أقبل على خطاب السماء بمثل ما خاطب به الأرض، لما كان الماء النازل منها هو السبب فى الإهلاك بالغرق، فلأجل ذلك عطف خطابها على خطاب الأرض فقال: وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[هود: 44] وما ذكرناه فى نداء الأرض وخطابها من الاستعارة فهو حاصل فى خطاب السماء، وإنما اختار لاحتباس المطر
(3/129)

اسم الإقلاع الذى هو ترك الفعل من جهة الفاعل، فإنه يقال فى حال من استمر من جهته فعل من الأفعال ثم تركه: أقلع عنه، لأن إنزال المطر لما كان صادرا منها على سبيل الاستمرار ثم رفع، كأنها أقلعت عن فعله، وإنما ذكر متعلق فعل الأرض بقوله: ابْلَعِي ماءَكِ
ولم يذكر متعلق فعل السماء فلم يقل: ويا سماء أقلعى عن صب مائك، من جهة أن الأرض لما كان لها اعتمال فى بلع الماء، فلأجل هذا ذكر متعلق فعلها، بخلاف السماء فإنه لا عمل لها هناك إلا ترك الصب والكف، فلأجل ذلك لم يكن حاجة إلى ذكر متعلقها، وإنما وجه أمر الأرض بالفعل المتعدى، ووجه أمر السماء بالفعل اللازم، من جهة تصرف الأرض فى الماء، بصيرورته فى بطنها بخلاف السماء فإن الغرض بقوله: أَقْلِعِي
أى كونى ذات إقلاع وكفّ عن الصب لا غير، ولذا يقال ابتلعت الخبز، وأقلعت السماء إذا صارت ذات إقلاع فى سحابها، ثم قال بعد ذلك: وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
[هود: 44] فأتى بهذه الجمل الخبرية عقب تلك الأوامر على جهة الإبهام لفاعلها، إعلاما بأن مثل هذه الأمور العظيمة والخطوب الهائلة، لا تصدر إلا من ذى قدرة، لا تكتنهه العقول ولا تناله الأفهام، وتعريفا بأن الوهم لا يذهب إلى أن غيره قائل: يا أرض ابلعى وياسماء أقلعى، ولا يغيض الماء، ولا يقضى الأمر فى هلاكهم، ولا تستوى السفينة على الجودى، ولا يبعدهم عن الرحمة باستحقاق العقوبة إلا هو، فلا جرم أبهم ذكره من أجل ذلك، ثم إنه ختم الكلام على جهة التعريض بقوله: وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
[هود: 44] تنبيها على أن ذلك إنما كان من أجل ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل وإعراضهم عما جاءوا به من الحجج الظاهرة، والأعلام النيرة، وأن من كان على مثل حالهم فإن الهلاك واقع به لا محالة من غيرهم ممن بعدهم، وفيه وعيد لقريش ومن حذا حذوهم فى تكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إيّاك أعنى فاسمعى يا جارة» وإنما كرر قوله: وَقِيلَ بُعْداً
ولم يكرره فى خطاب السماء فيقول: «وقيل يا أرض وقيل يا سماء» من جهة أن السماء من جنس الأرض فى مقصود الأمر منهما، وهو إزالة الماء عنهما، فاكتفى بإظهاره فى إحداهما وحذفه من الأخرى، بخلاف قوله بُعْداً
فإنه مصدر وجّه على جهة الدعاء، ليس مجانسا لما سبق، فلهذا كرر القول فيه إعلاما بأنه من جملة القول، واهتماما بالدعاء عليهم بالإبعاد عن الرحمة باستحقاق العقوبة السرمدية، أعاذنا الله منها برحمته، فهذه جملة ما يتعلق بالآية من العلوم البيانية، وتحتها أسرار أوسع مما ذكرناه.
(3/130)

البحث الثانى بالإضافة إلى موقعها من علم المعانى
اعلم أن منزلة المعنى من اللفظ هى منزلة الروح من الجسد، فكل لفظ لا معنى له فهو بمنزلة جسد لا روح فيه ومفهوم علم المعانى، هو إدراك خواص مفردات الكلم بالتقديم والتأخير، وفهم مركباتها، ونعنى بقولنا إدراك خواص المفردات فى التقديم والتأخير ما يفهم من قولنا زيد منطلق، ومنطلق زيد، ومن الكرام زيد، وزيد من الكرام، وبقولنا وفهم مركباتها، وهو ما فى قولك زيد قائم، وإن زيدا لقائم، فكل واحد من هذه الصور يفيد معنى غير ما يفيده الآخر من أجل التركيب، وهكذا القول فى جميع التراكيب، فإنها دالة على معان بديعة، ومرشدة إلى أسرار عجيبة، فإذا عرفت هذا فالنظر فى هذه الآية من جهة من علوم المعانى إما أن يكون نظرا فى مفرداتها، وتقديم ما يقدم منها، وتأخير ما يؤخر، وإما أن يكون نظرا فى تركيب جملها، فهذان نظران نتصدى للنظر فيهما.
(3/131)

النظر الأول فى مفرداتها وتقديم بعضها على بعض
إنما اختير لفظ «يا» من بين سائر أحرف النداء من جهة أنها كثيرة الدور فى الاستعمال، وأنها موضوعة للدلالة على بعد المنادى، والبعد هنا يجب أن يكون معنويا، لأن البعد الحسى على الله تعالى محال، من جهة استحالة الجهة على ذاته، وذلك أن المعنوى يكون من جهات خمس، أولها: أنه تعالى لما كان مختصا بعدم الأولية فى ذاته سابقا على وجود الممكنات سبقا أوليا بلا نهاية، وأن الأرض من جملة الممكنات التى لها بداية، ولا شك أن كل ما كان لا أول له فهو فى غاية البعد عما له أول، وثانيها: من جهة عدم التناهى فى ذاته تعالى من كل وجه، بخلاف الأرض، فإنها متناهية فى ذاتها من كل وجه، وليس يخفى ما بين التناهى وعدم التناهى من البعد العظيم، وثالثها: اختصاص ذاته بالعظمة والكبرياء، واختصاص الأرض بنقيضها من التسخير والقهر، ورابعها:
اختصاص ذاته بالاستغناء من كل وجه فى ذاته وصفاته، بخلاف الأرض، فإنها مفتقرة فى ذاتها من كل وجه إلى فاعل ومدبر، ومن كان مستغنيا فى ذاته وصفاته فإنه فى غاية البعد المعنوى عما يكون مفتقرا فى ذاته وصفاته إلى غيره، وخامسها: أنه نداء من اختص بكمال العزة لمن هو فى غاية الذلة، كما ينادى السيد عبده، فلما كانت الأرض مختصة بما ذكرناه من البعد من هذه الأوجه، لا جرم كان نداؤها مختصا ب «يا» من بين صيغ النداء، وإنما قال: يا أَرْضُ
ولم يقل: «يا أرضى» إيثارا لتحقيرها، لأنه لو أضافها إلى نفسه، لكان قد أقام لها وزنا عنده بإضافتها إليه، لأن المضاف أبدا يكتسى من المضاف إليه شرفا وتخصيصا وتعريفا، ولم يقل: «يا أيّتها الأرض» إيثارا للاختصار، وعملا على الإيجاز، وتحرزا عن الإيقاظ بما يظهر من لفظ التنبيه الذى لا يليق بمقام الخطاب الإلهى، لاستحالته فيه، واختير لفظ الأرض لأمرين، أما أولا: فلأن المدحوّة والمبسوطة والمهاد وغير ذلك، مما يستعمل فى الأرض صفات زائدة تابعة للفظ الأرض، وأما ثانيا: فلأن لفظ الأرض أخف وأكثر دورا واستعمالا مما ذكرناه، فلهذا وجب إيثاره على غيره من أسمائها، واختير لفظ
(3/132)

ابْلَعِي
ولم يقل «ابتلعى» لأمرين، أما أولا فلأن ابْلَعِي
أخف وزنا وأسهل على اللسان من «ابتعلى» وأما ثانيا فلأن فى الابتلاع نوع اعتمال فى الفعل وتصرف فيه يؤذن بالمشقة، بخلاف قوله: ابْلَعِي
فإنه دال على السهولة، فيكون فيه دلالة على باهر القدرة، حيث أمرت بالبلع لهذا الأمر الهائل من الماء بحيث لا يمكن تصوره على أسهل حالة، وإنما اختير إفراد الماء دون جمعه لأمرين، أما أولا فلأن فى الجمع نوع تكثير، فلا يليق ذكره بمقام الكبرياء وإظهار العظمة، وأما ثانيا: فلأن فى الإفراد نوع تحقير وذلة، وهو لائق بمقام القهر والاستيلاء فى الملكة، وهذا هو الوجه فى إفراد السماء والأرض، وإنما ذكر مفعول: ابْلَعِي
لأنه لو اقتصر على ذكر البلع لدخل فيه ما ليس مرادا من بلع الجبال والبحار، وأنواع الأشجار والسفينة ومن فيها، نظرا إلى عموم الأمر الذى لا يخالف ولا يرد عن مجراه، لأن المقام مقام عظمة وكبريآء، وقول ابن عباس فى قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (69)
[الأنبياء: 69] إنه لو لم يقل «وسلاما» لم ينتفع بالنار، لشدة بردها، يشير به إلى ما ذكرناه من مضاء الأمر ونفوذه، وإنما لم يظهر ذكر المسبب عند ذكر سببه، فيقول يا أَرْضُ ابْلَعِي
فبلعت، وياسماء أقلعى فأقلعت، لأمرين أما أولا:
فلما فى ذلك من الاختصار العجيب، والإيجاز البليغ، فاكتفى بذكر السبب عن ذكر مسببه، وهذا كثير فى القرآن كقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ
[البقرة: 60] لأن المعنى فضرب فانفجرت، وأما ثانيا: فلما فيه من الإشارة إلى باهر القدرة فى سرعة الإجابة، ووقوع الامتثال، وحصول الأمور: من غير مخالفة هناك، فترك ذكره اتكالا على ما ذكرناه، وأنه كائن لا محالة لا يمكن تأخره، واختير بناء وَغِيضَ
لما لم يسم فاعله على «غيّض» بتشديد الياء مبنيّا للفاعل لأمرين، أما أولا: فمن أجل الإيجاز، لطرح الفاعل، والاختصار فيه، وأما ثانيا: فمن أجل الاستحقار عن تعريض ذكر الله تعالى على أحقر المقدورات بالإضافة إلى جلاله، والمقام مقام الكبرياء والعظمة، وإنما اختير لفظ «الماء» ولم يقل الطوفان، ولا المطر، إيثارا للاختصار، ولما فيه من الإشارة باللام التى للعهد، كأنه قال: وغيض الماء الذى أمرنا الأرض والسماء بإيقاعه، بيانا لحاله وإيضاحا
(3/133)

لأمره، وأنه الذى وقع الإهلاك به لقوم نوح، فيعظم الامتنان على من بقى فى السفينة بإزالته، وإنما قال «الأمر» فى قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
ولم يقل وقضى أمر نوح، أو قضى الهلاك، أو قضى الإغراق، لأمرين، أما أولا: فلأجل إيثار الاختصار، وتعويلا على الإيجاز، وأما ثانيا: فلأن وقوع ما وقع إنما كان من أجل العناية بنوح فى إغراق قومه، وإظهار الانصار له، فجاء باللام العهدية إشارة إلى ذلك، مع ما تضمن من الفخامة فى معرض الامتنان على نوح بالانتقام من قومه بما كذبوه، وإنما اختير وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ
[هود: 44] ولم يقل: سويت كما قال: وغيض، وقضى، على البناء للمفعول لأمرين، أما أولا فمن أجل ثقل الفعل بالتضعيف عند بنائه لما لم يسم فاعله، فلهذا أوثر الأخف، وأما ثانيا فلأن الأكثر فى الاستعمال إضافة الأفعال إلى هذه الآيات، فيقال:
هبت الريح، ومطرت السحابة، واستوت السفينة على الماء، قال تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ
[هود: 42] فأضاف الجرى إليها فلأجل ذلك اختير إضافة الاستواء إليها، وإنما اختير بُعْداً
ولم يقل: ليبعدوا لأمرين، أما أولا: فلأن فى المصدر نوع تأكيد لا يؤدى به الفعل لو نطق به. وأما ثانيا: فلأنه لو وجهه بالفعل كان مقيدا بالزمان، وهو إذا كان موجها بالمصدر كان مطلقا من غير زمان، فلهذا كان أبلغ من ذكر الفعل، وإنما عرّف القوم باللام إشارة إلى أنهم هم المخصوصون بهذه الأنواع من التنكيل دون غيرهم، وإنما أتى بلام الجر ولم يقل: فبعدا من القوم، لما فيها من الاختصاص المشعرة به اللام دون «من» فإنها غير مؤدية لهذا المعنى، وإنما أطلق صفة الظلم، ولم يقل الظالمين لأنفسهم تنبيها على شمول ظلمهم من جميع الوجوه، وفيه تنبيه على فظاعة شأنهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم فيما كان فيهم، من تكذيب الرسل، وفيه شرح لصدر الرسول بالانتصار له على من كذبه، والتأسى بالصبر ووعيد لمن كذّبه بالنّصفة والانتقام منه.
(3/134)

النظر الثانى فى تأليف الجمل وذكر بعضها عقيب بعض
تقديم بعض الجمل على بعض ليس خاليا عن فائدة وسرّ، وإنما قدم النداء على الأمر فقال: يا أرض ابلعى ويا سماء أقلعى، ولم يقل عكس ذلك، ابلعى يا أرض وأقلعى يا سماء، لأمرين، أما أولا فلما فى ذلك من الملاطفة والمبالغة فى تحصيل المراد، لأن كل من ناديته فإن نفسه تنزع وله توقان إلى الإجابة وتطلع إلى ما يراد من الدعاء من أمر أو نهى، فلا تزال النفس تنزع لتعلم ما هو المطلوب، فمن أجل ذلك قدم الدعاء على الأمر لما فيه من الشوق والتوقان للنفوس، وأما ثانيا فجريا على ما ألف من الإيقاظ والتنبيه، لأن كل من طالب أمرا من الأمور من غيره، فلابد من إيقاظه وتنبيهه عليه، ليكون مستعدا للامتثال له، فلأجل ذلك قدم النداء على الأمر على جهة الإيقاظ والتنبيه مما يطلب من المأمورات، ثم إنه قدم نداء الأرض على نداء السماء لما ذكرناه من العناية بأمر الأرض من تلك الأوجه الخمسة، وقد ذكرناها فأغنى عن تكريرها، ولكونها صارت أصلا لما يرد من هذه الأمور الهائلة من الإغراق والاستواء للسفينة، وإخراج من كان فيها إلى الأرض، ثم إنه عز سلطانه أردفها بقوله: وَغِيضَ الْماءُ
[هود: 44] لاتصاله بقصة الأرض، وأخذه بحجزتها فلأجل ذلك أتبعه بها، لما فى ذلك من حسن الانتظام، ورونق الرصف، ألا ترى أن أصل الكلام: وقيل يا أرض ابلعى ماءك، فبلعت ماءها، ويا سماء أقلعى عن إرسال ماءك، فأقلعت عن صبه، فلا جرم حسن أن يقال: وغيض الماء النازل من السماء، والنابع من الأرض، ثم إنه جعل وتقدس، أتبعه بما هو المهم المقصود من القصة، وهو قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
والمعنى به أنه أنجز الموعود من إهلاك الكفار، ونجاة نوح ومن معه فى السفينة، وإخراجهم إلى الأرض، لما أراد منهم من العبادة وعمارتها، والتناسل فيها، ثم إنه تعالى أتبعه بحديث السفينة وذكرها، وهو قوله تعالى إعلاما لهم بما يريد من الأمور التابعة للمصلحة، ثم إنه تعالى ختم القصة بالدعاء عليهم بالإبعاد، فلما كانت القصة من أولها دالة على العذاب العظيم من الإهلاك بالغرق، ختمها بما يجانسها من سوء العاقبة بالإبعاد والطرد، كما هو موضوع فى أساليب التنزيل، من حسن الفواتح والخواتم.
(3/135)

البحث الثالث فى بيان موقعها من الفصاحة اللفظية
اعلم أن الفصاحة من عوارض الكلم اللفظية، وهى خلاصة علم البيان وصفوة جوهره، ويوصف به المفرد والمركب، وهى أخص من البلاغة، ولهذا يقال كل بليغ من الكلام فصيح، وليس كل فصيح بليغا، ولا يكون الكلام فصيحا إلا إذا كان مختصا بصفات ثلاث، الأولى منها أن يكون خالصا من تنافر الأحرف فى تأليف اللفظة ونظامها، فيسلم من مثل قولنا «عنجق» وعن مثل قولك «هعخع» فإن ما هذا حاله مجانب للفصاحة بمعزل عن أساليبها، ولهذا عيب على امرىء القيس قوله «غدائره مستشزرات إلى العلى» لما فى «مستشزرات» من التنافر المورث للثقل والبشاعة، الثانية أن يكون مجنّبا عن الغرابة والعنجهانية، فما هذا حاله يكون عاريا عن الفصاحة، وهذا كقولك فى الخمر إنها «الزّرحون» وإنها «القرقف» فيعدّ هذا من وحشى الكلام وغريبه، فما ألف كان أدخل فى الفصاحة. الثالثة أن يكون موافقا للأقيسة الإعرابية، فلا يخالفها فى تصريف ولا إعراب، فيجب إعلال الكلمة على القوانين الجارية فى علم الإعراب، فلا يقال فى «قام» قوم، ولا فى «قائم» قاوم، وإن كان أصلا، ولا يقال «الحمد لله العلى الأجلل» وإن كان هو الأصل، بل يجب إجراء ذلك على الإعلال والإدغام، وإلا كان خارجا عن الفصيح من الكلام، وقد قررنا شرح هذه القاعدة فى أول الكتاب فأغنى عن الإعادة، فإذا تمهدت هذه القاعدة، فإنك إذا تحققت الألفاظ الواردة فى هذه الآية وجدتها سالمة عن التنافر فى بنائها، عربية مألوفة جارية على الأقيسة المطردة فى الإعراب والتصريف، بعيدة عن الغرابة، سليمة عن العنجهانية، تشبه العسل فى الحلاوة، والماء فى الرقة والسلاسة، وكالنسيم فى السهولة، لا تنبو عن قبولها الأذهان، ولا تمجّها الآذان.
البحث الرابع فى بيان موقعها من الفصاحة المعنوية
اعلم أن الفصاحة المعنوية هى غاية علم المعانى، والفصاحة المعنوية المراد بها البلاغة، وهى من عوارض المعانى، وهى متضمنة للفصاحة اللفظية، ولهذا فإن الكلام البليغ لا يكون بليغا إلا مع إحرازه للفصاحة، فهى فى الحقيقة راجعة إلى المعنى واللفظ جميعا، ولها
(3/136)

طرفان، أعلى، وهو ما يبلغ به الكلام حد الإعجاز، وأدنى، وهو الذى يقدر فيه أنه إذا أزيل عن نظامه الذى ألف عليه، التحق بالكلام الركيك، فلم تخف عليك غثاثته، وبين هذين الطرفين مزايا ومراتب ودرجات متفاوتة، فإذا عرفت هذا وفكرت فى نظام هذه الآية، وجدتها قد ألفت على أتم تأليف، وأديت على أعجب نظام، ملخصة معانيها، مرصوفة مبانيها، لا يعثر اللسان فى ألفاظها، ولا يغمض على الفكر طلب المراد منها، فإذا خرقت قراطيس الأسماع وجدتها تسابق معانيها ألفاظها، وألفاظها معانيها، لا تحتاج لوضوحها إلى ترجمة، ولا يملّ سامعها وإن تكررت فى كل ساعة وأوان، فهذا ما سنح لى فى هذه الآية من علوم الفصاحة، والبلاغة والعلوم المعنوية، والعلوم البيانية.
البحث الخامس فى بيان موقعها من علم البديع
اعلم أن البديع لقب فى هذه الصناعة تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد إحرازه لمعانى البلاغة وأنواع الفصاحة، ووضوح دلالته، وجودة مطابقته، ثم إنه على رشاقته ضربان، لفظى، ومعنوى، فالضرب الأول يتعلق بالأمور اللفظية، وهذا نحو التجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متشابهة فى الأعجاز والأوزان وغير ذلك، وقد يقع فى المتواطىء كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[الروم: 55] وقد يكون فى المشترك كقولهم ما ملأ الراحة، من استوطن الراحة، ومنه التسجيع، وهذا كقوله تعالى:
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14)
[نوح: 13- 14] وأكثر القرآن وارد على جهة التسجيع، ومنه رد العجز على الصدر كقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
[الأحزاب: 37] ومنه الموازنة كقوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)
[الغاشية: 15] ومنه القلب كقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ
[الأنبياء: 33] وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
[المدثر: 3] إلى غير ذلك مما يتعلق بأحوال الألفاظ كما ترى.
والضرب الثانى ما يتعلق بالأمور المعنوية، وهو أكثر دورا وأعظم إعجابا فى البلاغة، وهذا نحو الطباق، وهو ذكر النقيضين كقوله تعالى: يُحْيِي وَيُمِيتُ
[البقرة: 258] وقوله:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
[الفرقان: 62] وقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[الأنعام: 1] والطباق كثير الاستعمال فى كتاب الله تعالى، ومنه اللف والنشر كقوله تعالى:
(3/137)

وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[القصص: 73] إلى غير ذلك من أنواع البديع وضروبه، وقد أتينا على جميع أنواعه كلها، وأوردنا لها شواهد وأمثلة. فأغنى عن التكرير والإعادة فى ذلك.
دقيقة
اعلم أن هذه الأنواع الثلاثة أعنى علم المعانى والبيان وعلم البديع، مآخذها مختلفة، وكل واحد منها على حظ من علم البلاغة والفصاحة، ولنضرب لها مثالا ليكون دالا عليها ومبينا لموقع كل واحد منها، وهو أن تكون حبات من ذهب ودرر ولآلىء ويواقيت، وغير ذلك من أنواع الأحجار النفيسة، ثم إنها ألفت تأليفا بديعا بأن خلط بعضها ببعض وركبت تركيبا أنيقا، ثم بعد ذلك التأليف، تارة تجعل تاجا على الرأس، ومرة طوقا فى العنق، ومرة بمنزلة القرط فى الأذن، فالألفاظ الرائقة بمنزلة الدرر واللآلى، وهو علم المعانى، وتأليفها وضم بعضها إلى بعض، هو علم البيان، ثم وضعها فى المواضع اللائقة بها عند تأليفها وتركيبها، هو علم البديع، فوضع التاج على الرأس بعد إحكام تأليفه هو وضع له فى موضعه، ولو وضع فى اليد أو الرجل، لم يكن موضعا له، وهكذا الكلام بعد إحكام تأليفه يقصد به مواضعه اللائقة به، وما ذكرناه من المثال هو أقرب ما يكون فى هذه العلوم الثلاثة وتمييز مواقعها، فإذا عرفت هذا فاعلم أن الآية قد اشتملت من علم البديع على أجناس ثلاثة:
الجنس الأول منها، الجناس اللاحق، وهو أن تتفق الكلمتان فى جميع حروفهما إلا فى حرفين لا تقرب بينهما، وهذا هو قوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
[هود:
44] ، فقوله ابلعى وأقلعى، جناس لاحق، لا يختلفان إلا فى القاف والباء، وهما غير متقاربين، كقولك سعيد، بعيد، وعابد، عاتب، فهذا كله يقال له جناس لاحق.
الجنس الثانى الطباق المعنوى وهو قوله: «أقلعى وابلعى» لأن المعنى فى بلع الأرض، إنما هو إدخاله فى جوفها، وإقلاع السماء، وهو إخراجه عنها، وهذا تطبيق من جهة المعنى، ومن جهة أن الإدخال والإخراج ضدان، وهذا كقوله تعالى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[الفتح: 29] لأن الرحمة هى لين القلوب وتعطفها، وهو ضد الشدة.
الجنس الثالث الاستطراد، وهو توسيط كلام أجنبى بين كلامين متماثلين، وهذا قوله
(3/138)

تعالى: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
[هود: 44] فإنه وسّطه بين قصة نوح وإغراق قومه وحالة السفينة، ثم رجع إلى حال القوم، وما هذا حاله فإنه يكون من الاستطراد الحسن وأعجب شأن التنزيل، فما أغزر أسراره، وأكثر عجائبه، ولله در مغاصاته المخرجة بخلاص عقيانه، والمبرزة بحصباء درره ومرجانه، فهذا ما أردنا ذكره من عجائب ما اشتملت عليه علوم هذه الآية، وبتمامه يتم الكلام على المزايا الراجعة إلى ألفاظ القرآن الكريم، وقد أطلنا فيه التقرير بعض الإطالة، أحوج إلى ذلك الكلام فى هذه الآية التى ذكرناها.
(3/139)

المرتبة الثانية فى بيان المزايا الراجعة إلى معانيه
اعلم أن بإحكام النظر فى هذه المرتبة، وإمعان الفكرة فيها، تظهر عجائب التنزيل، وتبرز بدائعه وغرائبه وتتجلى محاسنه، وتصفو مشاربه، لما فيها من الكشف لأسراره والإحاطة بغوائله وأغواره، ولن يحصل ذلك كل الحصول، ولا تطلع أقمار بعد الأفول، إلا بعد ذكر ما يتعلق بعلوم الإعجاز، لأنها تكون كالآلة فى تقرير تلك المحاسن، وإظهار كنوز تلك المعادن، فنذكر ما يتعلق بالعلوم المعنوية، ثم نردفه بما يتعلق بالأسرار البيانية، ثم نذكر ما يتعلق بالبلاغة اللفظية، ثم بالبلاغة المعنوية، ثم نذكر على إثرهما ما يتعلق بأسرار البديع، فهذه أقسام ثلاثة، بإحرازها، والاطلاع على رموزها، يظهر الإعجاز للإنسان ظهور المرئى فى العيان، ولقد سبق صدر من هذا الكلام فى الدلائل الإفرادية، ولكن ذكره ههنا على جهة الاختصاص بمعانى التنزيل، والإشارة إلى كنه حقائقها،
ونحن الآن نذكر ما يتعلق بكل قسم من هذه الأقسام بمعونة الله تعالى.
القسم الأول ما يتعلق بالعلوم المعنوية
وهو فى لسان علماء هذه الصناعة عبارة عما ينشأ من الألفاظ العربية على اختلاف أحوالها، وحقيقته آئلة إلى أنه علم تدرك به أحوال الألفاظ العربية على حسب المقصود منها، فقولنا «علم تدرك به أحوال الألفاظ» نحترز به عن علم البيان، فإنه يدرك به أسرار تنشأ عن التراكيب كما سنوضحه، وقولنا «على حسب المقصود منها» نشير به إلى الأمور الخبرية، والأمور الإنشائية الطلبية، وغيرهما مما يكون مفهوما من الألفاظ العربية، وينحصر المقصود منه فى أنظار خمسة.
النظر الأول ما يكون متعلقا بالأمور الخبرية،
وحقيقة الخبر إسناد أمر إلى غيره، إما على جهة المطابقة، أو خلافها، فقولنا «إسناد أمر إلى غيره» يعم الطلب والخبر، لأن كل واحد منهما لابد فيه من الإسناد، وقولنا «إما على جهة المطابقة أو غيرها» تخرج عنه الأمور الإنشائية، فإنه لا يعتبر فيها عدم المطابقة ولا ثبوتها بحال، وينقسم إلى صدق وكذب لا غير، لأنه إن طابق مخبره فهو الصدق، وإن كان غير مطابق فهو الكذب بعينه، ولا واسطة بين الصدق والكذب، وزعم الجاحظ أن كل ما طابق من الأخبار المخبر مع الاعتقاد أو الظن فهو صدق، وما لا يطابق معهما
(3/140)

فهو الكذب، وما عداهما فليس صدقا ولا كذبا، وهذا فاسد، فإنه لا واسطة تعقل بين النفى والإثبات، فإن طابق فهو الصدق بكل حال، وإن لم يطابق فهو كذب بكل حال، فلو جاز إثبات واسطة لكان فيه خروج عن القضايا العقلية، بإثبات الواسطة بينهما، وهو محال، وأقل ما يكون الإسناد، من جزءين كقولك زيد قائم، وعمرو خارج، إذ لابد من أمرين، مضاف ومضاف إليه، والغرض بالخبر إفادة السامع ما لا يعرفه، فينبغى أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة، والأخبار واردة فى كتاب الله تعالى أكثر من أن تحصى كالإخبار عن العلوم الغيبية، وكقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1)
[الفتح: 1] وقوله تعالى: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ
[الروم: 1- 4] وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
[الفتح: 2] وهكذا الكلام فى قصص الأنبياء مع قومهم وأخبارهم، كقصة موسى، وفرعون، إلى غير ذلك مما حكاه الله تعالى عما كان وسيكون، ثم إن وروده على أوجه ثلاثة، أحدها أن يكون الخبر خاليا من التردد، وما هذا حاله من الأخبار، فإنه يكون مستغنيا عن مؤكدات الحكم، كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى
[القصص: 20] وقوله تعالى: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
[الصافات: 104- 105] إلى غير ذلك من الأخبار التى وردت ساذجة، لأنه لم يعرض فى حقها شىء، والغرض منها مطلق الإخبار، فلهذا وردت مطلقة كما ترى، وثانيها أن يطلب منها حسن تقوية بمؤكد إذا كان هناك تردد وهذا كقوله تعالى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ
[القمر: 27] وقوله تعالى: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ
[العنكبوت: 34] إلى غير ذلك مما يطلب به توكيد وتقوية للخبر، ولهذا وردت هذه الأخبار مؤكدة بإن، كما هو ظاهر، وثالثها أن يكون الخبر يعتقد إنكاره، فيجب تأكيده، وهذا كقولك: إن زيدا لقائم، لمن ينكر ذلك ويحيله، ولهذا قال تعالى فى المرة الأولى: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)
[يس: 14] لما أنكروا وكذبوا، وفى الثانية إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)
[يس: 16] تأكيدا بحرفين لما ازداد إنكارهم وتكذيبهم، ويسمى الأول من الأخبار «ابتدائيا» لما كان الغرض به مطلق الخبر من غير تعرض لما وراءه، ويسمى الثانى «طلبيا» لما كان المقصود به الطلب، فيؤكد تقريره فى النفس ويوضحه، ويسمى الثالث «إنكاريا» لما كان المطلوب منه وجوب تأكيده بالحروف لأجل إنكاره، ومن المطلق قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)
[المؤمنون: 1] وليس منه قوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
[البقرة: 254] وقوله تعالى:
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا
[المنافقون: 7] وقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[الأنعام: 164]
(3/141)

ومن المؤكد قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ
[سورة ص: 46] وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)
[القدر: 1] فهذا وما شاكله مؤكد بحرف واحد، ومن المؤكد بحرفين قوله تعالى:
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47)
[سورة ص: 47] وقوله تعالى: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)
[سورة ص: 40] وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى
[سورة ق: 37] وهذا الخبر المؤكد قد يرد مؤكدا، إما من غير إنكار فيكون تأكيده حسنا، وقد يرد على جهة الإنكار فيكون تأكيده واجبا، والأمثلة فيه كثيرة، ثم إن الإسناد وارد على وجهين، الوجه الأول منهما حقيقى، وهو أن يكون الفعل مضافا إلى فاعله، وهذا كقولك: قام زيد، وضرب عمرو، وكقول الله تعالى:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[المائدة: 9] وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[النور: 45] وقوله تعالى: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
[النحل: 51] إلى غير ذلك من الأخبار التى يكون إسنادها إلى فاعلها على جهة الحقيقة.
الوجه الثانى أن يكون الإسناد على جهة المجاز العقلى، والمراد من هذا هو أن إسنادها 7 لى فاعلها يقضى العقل باستحالته، فلا جرم كان مجازا عقليا، وهو فى القرآن كثير، ويقال له المجاز المركب، والغرض أن مجازه ما كان إلا من أجل تركيبه، وهذا كقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (2)
[الزلزلة: 2] فإن الإخراج حقيقة فى الدلالة على معناه، والأرض حقيقة، لأنها موضوعة على معناها الأصلى، والمجاز إنما نشأ من جهة إسناد الإخراج إلى الأرض وهكذا قوله تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
[الأنفال: 2] فإن قوله: تُلِيَتْ
دالة على حقيقته، والآيات على حقيقتها، لكن المجاز جاء من جهة إسناد تُلِيَتْ
إلى الآيات «1» ، ونحو قوله:
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
[يونس: 24] فالأخذ على حقيقته، والأرض على حقيقتها، لكن المجاز حاصل من جهة إسناد الأخذ إلى الأرض، وقوله تعالى: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ
[القصص: 4] فى قصة فرعون، فإن الذبح والأبناء دالان على معنييهما بالحقيقة، لكن المجاز إنما كان من أجل إسناد الذبح إلى فرعون، وليس ذابحا، وإنما الذابح غيره، هكذا حال الاستحياء فى قوله تعالى: وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ
[القصص: 4] فإذا عرفت أن المجاز ههنا إنما حصل من جهة الإسناد لا غير، فلا بد من مسند ومسند إليه، وقد يكونان حقيقتين، ومجازين، ومختلفين، فهذه أوجه أربعة، أولها أن يكونا على جهة الحقيقة، ومثاله قولك: أنبت الربيع البقل، فإن لفظتى أنبت، والربيع، دالان على حقيقتيهما، والمجاز من جهة الإسناد وقوله تعالى: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (17)
[المزمل: 17]
(3/142)

فيجعل، والولدان، على حقيقتيهما والمجاز فى إسناد الجعل إلى اليوم كما ترى، وثانيها أن يكون على جهة المجاز، ومثاله قولنا: أحيا الأرض شباب الزمان، فإن الإحياء مجاز، والشباب مجاز، وإسناد الإحياء إلى الشباب مجاز أيضا، وثالثها أن يكون المسند فى نفسه، وهو قولنا: أنبت، حقيقة، والمسند إليه مجاز، وهو قولنا «شباب الزمان» فإسناد الإنبات إلى الشباب مجاز، ورابعها أن يكون المسند فى نفسه مجازا، والمسند إليه حقيقة، ومثاله قولنا: أحيا الأرض الربيع، فالإحياء مجاز، والربيع حقيقة، وإسناد الإحياء إلى الربيع مجاز أيضا، فصار واقعا على هذه الأوجه لا يخرج عنها، ويعرف كونه مجازا، إما بالقرينة العقلية فى مثل قولك:
أحيانى اكتحالى بطلعتك، ومحبتك جاءت بى إليك، فإن إسناد الإحياء إلى الاكتحال، والمجىء إلى المحبة، يستحيل من جهة العقل، فلهذا قضينا بكونه عقليا، وإما بالقرينة العادية فى مثل قولك: هزم الأمير الجند، والحقيقة أن الهازم عسكره، ونحو قولك: قتل الأمير اللص، والقاتل هو غيره، وإما بالقرينة اللفظية كقولنا: عيشة راضية، والحقيقة مرضية، وشعر شاعر، والحقيقة مشعور به، وليله قائم، أى مقوم فيه، ونهاره صائم، فإسناد هذه الألفاظ هو الذى أوجب كون هذه الأخبار مجازا، فلأجل ذلك كانت هذه القرينة لفظية، وإنما عدل فيما ذكرناه عن حقيقته، لما كان المجاز مشتملا على المبالغة الرائقة.
دقيقة
اعلم أن ما ذكرناه من المجاز الإسنادى العقلى هو الذى قرره الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجانى، واستخرجه بفكرته الصافية، وتابعه على ذلك الجهابذة من أهل هذه الصناعة، كالزمخشرى، وابن الخطيب الرازى، وغيرهما من النظار، وقرروه على ما حكيناه ولخصناه، وقد يتأكد فى قبوله، وأنكره الشيخ أبو يعقوب السكاكى، صائرا إلى أن ما ذكرناه منه إنما هو استعارة بالكناية من غير حاجة إلى كونه مجازا عقليا، ورغم أن المراد بالربيع، فى قولنا: أنبت الربيع البقل، هو الفاعل الحقيقى، بقرينة نسبة الإنبات إليه، وهكذا القياس فى سائر الأمثلة التى ذكرناها، وهو تعسف لا حاجة إليه، لأنه يلزم أن لا يكون الإخراج مضافا إلى الأرض، وأن لا يكون الأمر بالبناء مضافا إلى هامان، وهو خلاف الظاهر، فيجب التعويل على ما حكيناه عن غيره، فهذا ما أردنا ذكره من بيان ما يتعلق بمطلق الإسناد، ولنردفه بما يتعلق بتفاصيله، من ذكر المسند والمسند إليه، فهذان ضربان، نذكر ما يخصهما بمعونة الله تعالى.
(3/143)

الضرب الأول فى بيان خصائص المسند إليه
وتعرض له حالات، بعضها يستحقها بالأصالة، وبعضها بالعروض لأغراض وفوائد نفصلها، وجملتها أمور عشرة، أولها ذكر المسند إليه، إما على جهة الابتداء، كقوله تعالى:
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ
[النور: 45] وإما على جهة الفاعلية، كقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[المائدة: 9] لأن كل واحد من الفاعل والمبتدأ مسند إليهما، فذكرهما هو المطّرد المعتاد، إما لكونه هو الأصل، وإما لزيادة الإيضاح والتقرير كقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ
[الروم: 40] وإما لإظهار التعظيم كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[الحشر: 24] وإما لبسط الكلام، من أجل الاعتناء به بذكر المسند إليه كقوله تعالى: هِيَ عَصايَ
[طه: 18] وإما للتنبيه على فضله وعظم منزلته كقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
[الفتح: 29] وإما للاحتياط لضعف التعويل على القرينة كقوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (2)
[الزلزلة: 2] إلى غير ذلك من الأوجه والمعانى الموجبة لذكره، فاعلا كان أو مبتدأ، وثانيها حذفه، إما للدلالة على الجواز كقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[الفاتحة: 4] بالرفع على تأويل هو ملك يوم الدين، وإما للاحتراز عن العبث بناء على الظاهر حيث يكون معلوما، فتحذفه اتكالا على العلم به كقوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[يوسف: 18] أى فأمرى صبر جميل، فإنما حذف لما ذكرناه من وضوح الأمر فيه، فلا جرم كان مسلطا على حذفه، ومن حذف المسند إليه قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)
[يوسف: 35] لأن التقدير فيه ثم بدا لهم أمر، ومنه قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2)
[البقرة: 2] أى هو هدى فى أحد وجوهه، وثالثها تنكيره، إما للإفراد كقوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى
[القصص: 20] وإما للنوعية كقوله تعالى: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[البقرة: 7] فإن المراد من ذلك، وعلى أبصارهم نوع من الغشاوات المغطية، ويحتمل أن يكون المراد به الوحدة، أى واحدة من الأمور التى حجبت أعينهم عن إبصار الحق واتباعه، وإما للتكثير أو التعظيم كقوله تعالى:
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[فاطر: 4] أى رسل ذوو عدد كثير أو رسل لهم شأن عند الله وقدر عظيم، خصهم بمعجزات باهرة، وآيات عظيمة، ومن التعظيم قوله
(3/144)

تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[التوبة: 72] أى رضوان أىّ رضوان، أو رضوان لا تحيط بوصفه العقول، ومنه قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] أى حياة عظيمة وقوله تعالى: وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ
[يونس: 57] أى شفاء أى شفاء، وخامسها تعريفه، وتختلف معانيه بحسب ما يعرض له من أنواع التعريفات، كالإضمار والعلمية، والإشارة والموصولية، وباللام، وبالإضافة ولنشر إلى حقائقها وخواصها اللائقة بها، أما تعريفه بالإضمار، فمن أجل الحاجة إلى التكلم، كقوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ
[طه: 14] وقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها
[العنكبوت: 32] وقوله تعالى: أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ
[يوسف: 51] أو من أجل الحاجة إلى الخطاب كقوله تعالى: قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54)
[الصافات: 54] وقوله تعالى: أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)
[الشعراء: 76] وقوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
[الصافات: 54] وإما الحاجة إلى الغيبة كقوله تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)
[الدخان: 9] وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى
[الصف: 9] وأصل الخطاب أن يكون واردا على جهة التعيين، وقد يعدل به إلى غير ذلك ليعم كل مخاطب كقوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (1)
[الفيل: 1] وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ
[السجدة: 12] فيحتمل أن يكون الخطاب للرسول صلّى الله عليه وسلّم وهذا هو الأصل، ويحتمل أن يكون على جهة العموم من غير تعيين. ويكون المعنى إن حال أصحاب الفيل، وحال المجرمين، قد بلغا مبلغا عظيما فى الظهور، بحيث لا يختص به مخاطب، لبلوغهما فى الانكشاف كل غاية، وأما تعريفه بالعلمية، فقد يكون لإحضاره فى ذهن السامع ابتداء باسم يختص به كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[البقرة: 255] أو تعظيمه كقوله تعالى: قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)
[الشعراء: 26] لأن التقدير فيه، الله ربكم ورب آبائكم الأولين، وهذا مبنى على أن قولنا: الله اسم، وليس صفة كما زعمه بعضهم، وعلى أنه لقب غير حقيقى، لبطلان تحويله وتبديله، ومن شأن الألقاب الحقيقية جواز تغييرها وتبديلها، فبما فيه من الاسمية تكون الصفات الإلهية تابعة له، إذ لا بد لها من موصوف تستند إليه، وبما فيه معنى اللقب يكون مفيدا للاختصاص كإفادة الألقاب لما هى مختصة به كزيد، وعمرو، وهل يكون جامدا أو مشتقا، فيه تردد، وإن قلنا بكونه مشتقا فإما من التحير «1» لأن العقول تحيرت فى ذاته تعالى، وإما من الاحتجاب «2»
(3/145)

لأنه تعالى محتجب عن إدراك العيون، وإما من غير ذلك، فأما من زعم كونه اسما عجميا سريانيا، فقد أبعد، إذ لا دلالة على ذلك، والقرآن كله عربى، إلا ما قام البرهان القاطع على كونه فارسيا أو روميا، وقد يذكر العلم المسند إليه، والمراد به التحقير كقوله تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)
[المسد: 1] فإيراده هنا باسمه دال على تحقيره وإهانته، والمعنى تبت يدا رجل حقير مهين، أو يراد بذكره كناية، كأنه قال تبت يدا من يستحق اللعن والعذاب العظيم، وهو هذا، فلقبه هذا نازل منزلة العلم فى حقه لما فيه من الإشادة والإشهار به، فمن أجل ذلك ذكره الله تعالى به، وحذف اسمه العلم، وهو «عبد العزّى» لاشتماله على ما ذكرناه من صفاته المذمومة، كأنه قال صاحب هذه الكنية هو الكافر اللعين المتمرد صاحب العداوة للرسول صلّى الله عليه وسلّم، والمستحق لغضب الله تعالى وسخطه، وأما تعريفه بالإشارة فقد يكون لتعريف حاله وإيضاحه، إما لتعظيم حاله بالإشارة الموضوعة للبعد كقوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: 2] وإما للتحقير كقوله تعالى:
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
[آل عمران: 175] وقد يرد لتعظيم حاله بالإشارة الموضوعة للقريب كقوله تعالى: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3)
[قريش: 3] أو للتحقير كقوله تعالى وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ
[الأنبياء: 36] وقد يرد بالإشارة المتوسطة، إما للتعظيم وكمال العناية به كقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
[البقرة: 5] وإما للتحقير كقوله تعالى: فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103)
[المؤمنون: 103] ومما ورد على جهة الإشارة فى البعد قوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
[يوسف: 32] ولم يقل: هذا يوسف، ولا قال: فذاك، على جهة القرب والتوسط، وإنما أشار إليه بما يقتضى البعد، رفعا لمنزلته فى الحسن، واستبعادا عن أن يدانى فيه، وتنبيها على كونه مستحقا لأن يحب ويفتتن به، ومن قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)
[الزخرف: 72] ولطائف هذا الجنس لا تكاد تنحصر، ومواقعه أكثر من أن تحصى، وقد جرى فى تعريف الإشارة ما ليس على جهة المسند إليه كقوله تعالى فى الإشارة إلى القريب لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3)
[قريش: 3] فإنه ليس من المسند إليه فى شىء، وجريه كان على جهة التوسع فى التمثيل، وأما تعريفه بالموصولية، فإنه يقصد بتعريفه بالصلة، إحضاره فى الذهن بجملة معلومة للمخاطب، ومن ثم اشترط فيها أن تكون
(3/146)

معلومة له، كقولك: هذا الذى قدم من الحضرة، لمن لا تعرفه، وتفيد مع ذلك أغراضا غير ذلك، كإفادة التعظيم فى نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ
[الشورى: 22] ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا
[فاطر: 36] ولزيادة التقرير كقوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ
[يوسف: 23] وقد يرد لتفخيم الأمر وتعظيمه كقوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78)
[طه: 78] وربما سيق لتعظيم شأن القضية كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59)
[المؤمنون: 57- 59] فهذا وارد على جهة تعظيم هذه القضية كما ترى، ومنه قوله تعالى:
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (4)
[الأعلى: 1- 4] ومن هذا قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
[الشعراء: 78- 82] فهذه الأمور كلها واردة على إفادة مقصد التعظيم والامتنان بهذه النعم، وغير ذلك من الفوائد التى لا تحصى، وإنما ننبه بالأدنى على الأعلى، وبالأقل على الأكثر وأما تعريفه باللام، فاعلم أنه متى كان معرفا باللام، فتارة تفيد الاستغراق كقوله تعالى وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2)
[العصر: 1- 2] لأن المعنى أن كل إنسان متقلب فى خسارة إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[العصر: 3] فإنهم على خلاف ذلك، ويصدّق استغراقه ورود الاستثناء منه، وهو لا يصح إلا فى مستغرق، ومنه قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[المائدة: 38] أى كل سارق وسارقة، وقوله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (69)
[طه: 69] أى كل ساحر فهو غير مفلح فى سحره، وتارة تفيد العهدية كقوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
[آل عمران: 36] أى ليس الذكر الذى طلبته كالأنثى التى أعطيتها، وتارة تفيد الإشارة إلى الحقيقة فى نحو قولك:
أهلك الناس الدينار والدرهم، والرجل خير من المرأة، ومن المعهود فى غير الإسناد قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
[المزمل: 15- 16] يريد موسى عليه السلام، وأما تعريفه بالإضافة، فإذا خلى المسند إليه عن سائر أنواع التعريف المختصة به وأريد تعريفه من جهة غيره أضيف إلى معرفة فيكتسب منها تعريفها، وقد ترد لأمور أخر غير التعريف، كالتعظيم فى مثل قولك: عبد الله، وعبد الرحمن،
(3/147)

وعبد الرحيم، وقد يقصد به الإهانة كقولك: عبد اللات، وعبد العزّى، فى حق الموحدين دون غيرهم ممن يعظم الأصنام، ولإفادة الرحمة كقوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[البقرة: 186] فإضافتهم إليه دلالة على أن من شأن السيد أن يرحم عبده، ولإفادة مزيد الشرف وقرب المنزلة، كما يقال فى بعض كلمات الله: عبدى من آثر طاعتى على هواه. وتحت الإضافة أسرار ورموز تختلف أحوالها بحسب اختلاف مواقعها، وعلى الفطن إعمال نظره واستنهاض فكرته ليحصل عليها، فهذه مواضع التعريفات قد حصرناها. وسادسها: وصفه، الوصف يراد للتفرقة بين ملتبسين فى اللقب، فتقول جاءنى زيد الطويل، تحترز به عن زيد القصير، وقد يجىء للمدح والتعظيم، وهذه هى الأوصاف الجارية فى حق الله تعالى، فإنه لا يعقل فيه معنى سواه، كقوله تعالى: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[الحشر: 24] وقوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
[غافر: 3] وقد يرد للذم والإهانة كقولك: فلان الفاسق، الخبيث، ويرد للتأكيد، كقولك: أمس الدّابر، ونفخة واحدة. وسابعها: بيان ما يقتضى تخصيصه، إما بالتأكيد، وعطف البيان، والبدل، والعطف عليه، فهذه الأمور كلها متفقة فى كونها موضحة له ومبيّنة، فأما بيانه بالتوكيد، فقد يكون لإزالة الشكّ، والوهم الواقع فى ذهن السامع، فى نحو قولك: جاء زيد نفسه، إزالة لأن يكون الجائى كتابه أو رسوله، قال تعالى: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
[المائدة: 117] وقد يفيد تقرير الشىء فى نفسه فى مثل قولك: جاء زيد نفسه، وقد يفيد الشمول والإحاطة فى نحو قولك: جاء الرجال كلهم، والرجلان كلاهما، إلى غير ذلك من الأمور المؤكدة، وأما بيانه بعطف البيان، فالمقصود به الإيضاح باسم مثله، نحو جاءنى أخوك زيد، ومنه قوله: أقسم بالله أبو حفص عمر، وقد يرد على خلاف هذه الصفة كقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[الأنعام: 38] فذكر الأرض مع قوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ
وذكر قوله:
يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
مع تقدّم طائر، إنما وردا على قصد البيان للفظ الدابة، ولفظ طائر، وتقريرا لمعناهما، ورفعا لما يحتملانه من غير المقصود، وهكذا قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
[النحل: 26] فقوله من فوقهم، إنما ورد على جهة البيان ورفع الاحتمال من لفظة السقف، وأما بيانه بالبدل منه، فلزيادة الإيضاح والتقرير، إما ببدل الكل، كقولك جاءنى زيد أخوك، وإما ببدل البعض، كقولك: جاءنى القوم أكثرهم أو بعضهم، وإما
(3/148)

ببدل الاشتمال فى مثل قولك: أعجبنى زيد علمه، وقد جاء الكل فى كتاب الله تعالى فى غير المسند إليه، فأما بدل الغلط فى مثل قولك: جاءنى زيد عمرو، فإنما يكون فى بداية الكلام وفيما يصدر على جهة الذهول، وكل الأبدال الثلاثة متفقة فى كونها بيانا على جهة القصد لها، بخلاف عطف البيان، فإن المقصود هو الأول منها كما هو مقرر فى علم النحو، فهى مختلفة فى البيان، مع كونها متفقة فى مطلق البيان، وأما العطف على المسند إليه، فهو غير وارد على جهة البيان، لأجل ما بينهما من المغايرة، فلا وجه لكونه بيانا له، وإنما هو وارد على جهة الاقتصاد للعامل، فلهذا تقول جاءنى زيد وعمرو، إذا لم تقصد الترتيب، وجاء زيد فعمرو، إذا قصدت الترتيب، من غير مهلة، وجاءنى زيد ثم عمرو، إذا كنت قاصدا للترتيب مع المهلة، وقد يرد تعليقا للحكم بأحد المذكورين، إما على جهة التعيين، نحو لا، وبل، ولكن، وقد يكون تعليقا للحكم بأحد المذكورين من غير تعيين كأو، وإما، وأم، ولسنا بصدد الإطناب فيما هو مفروغ من تقريره فى علم الإعراب إلا أن أحدا لا يجوز إلى مثل هذه الغايات، ولا يقف على حد هذه النهايات، إلا بعد إحراز علم الإعراب، وكد قريحته فى إتقان قواعده، وإقصاء فكرته فى حصر فوائده، وبعد ذلك يخوض فى علم البيان، الذى هو مصاص سكره، وياقوت جوهره، وينزل من علم الإعراب منزلة الإنسان من السواد، ومن أراد الاطلاع على أسرار علم التنزيل، وأن يحلى بعقيان عسجده جيده، وأن تعبق بعبير عنبره يده، فليشغل قلبه بإحراز تلك اللطائف، التى مثلها فى الرقة كلمحة بارق خاطف، ويمعن فى طلبها غاية الإمعان، متوقيا من أشخاص أهملوها وألحقوها لقصر هممهم بخبر كان، وثامنها: تقديمه على المسند نفسه، وذلك يكون لأحوال نرمز إلى شىء منها، إما لأن تقديمه هو الأصل ولم يعرض ما يقتضى العدول عنه، وإنما كان هو الأصل من جهة أنه طريق إلى معرفة ما يذكر بعده، ومن ثم اشترط تعريفه إلا بعارض، وإما لأنه استفهام فيستحق التصدير، كقولك: أيهم عندك، قال الله تعالى: أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69)
[مريم: 69] فى أحد وجوهه، وإما لأنه وارد على جهة الشأن والقصة، كقوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)
[الإخلاص: 1] وإما لأن فى تقديمه تشويقا للسامع إلى ما يكون بعده من الخبر، كقولك: الأمير قادم، والخليفة خارج إلى غير ذلك، وإما لأن يتقوى إسناد الخبر إليه لأجل تقديمه كقوله تعالى فى سورة النحل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا (81)
[النحل: 81] فكرر ذكر اسمه
(3/149)

وقدمه، لما يريد من تعديد نعمه وظهور قدرها، وعلو أمرها على الخلق، وإما من أجل تعظيمه كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[البقرة: 258] إلى غير ذلك من الأمور المقتضية لتقديمه المؤذنة بأسرار تحت التقديم لا تكون مع التأخير، ومما يوجب تقديمه على المسند به التخصيص، والعموم، فهاتان صورتان، الصورة الأولى: العموم.
وهذا إنما يكون فى نحو قولك: كل إنسان لم يقم، فإنه يفيد نفى الحكم عن الجملة والآحاد، بخلاف ما لو تأخر، فقيل لم يقم كل إنسان، فإنه إنما يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، لا عن كل فرد، فالأول يناقضه قولك: قام واحد من الناس، والثانى: لا يناقضه قام واحد من الناس، والمعيار الصادق، والفيصل الفارق، بين تقديم المسند إليه وهو اسم الشمول على حرف النفى، وبين تأخره، ما قاله الشيخ النحرير عبد القاهر الجرجانى، فإنه قال: إن كانت كل داخلة فى حيز النفى، بأن تأخرت عن أداته، نحو قوله «ما كل ما يتمنى المرء يدركه» أو معمولة للفعل المنفى نحو: ما جاء القوم كلهم، ولم آخذ كل الدراهم، أو كل الدراهم لم آخذ، توجه النفى إلى الشمول خاصة، وأفاد ثبوت الفعل، أو الوصف، لبعض، أو تعلقه به، وإلا عمّ، كقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما قال له ذو اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟» ، فقال له: «كل ذلك لم يكن» «1» وعليه قول أبى النجم:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علّى ذنبا كلّه لم أصنع «2»
انتهى كلامه، فينحل من هذه القاعدة أن اسم الشمول، وهو «كلّ» إذا كان مندرجا فى ضمن النفى، واقعا بعده، سواء كان الفعل المنفى عاملا فيه أو غير عامل، فإنه يكون واقعا على الشمول، فلا يناقضه إثباته لبعض الآحاد، وإذا كان واقعا قبل حرف النفى وليس مندرجا تحته، كان النفى عاما للآحاد والمجموع، وهو أحسن كلام وأوقعه فى ضبط هذه القاعدة، ولقد وقفت على كلام لغيره من علماء البيان فى تقرير هذه القاعدة، بناه على قانون المنطق، ونزّله على منهاج السالبة المهملة، والمعدولة، فأورث فيه دقة وأكسبه ذلك حموشة وغموضا، من جهة أن مبنى علم البيان، وعلم المعانى على معرفة اللغة وعلم الإعراب، فلا ينبغى أن يمزج بعلم لم يخطر للعرب، ولا لأحد من علماء الأدب على
(3/150)

بال، ولا يشعر به، والصورة الثانية: أن يكون تقديمه على جهة الاختصاص بالخبر الفعلى، وذلك يكون على وجهين، أحدهما أن يكون واردا على جهة التخصيص، ردّا على من زعم أنه انفرد بالفعل، أو شارك فيه فى نحو قولك: أنا سعيت فى حاجتك، ويؤكد الأول بنحو قولك: لا غيرى، دفعا لمن زعم انفراد غيره به ويؤكد الثانى بنحو قولك:
وحدى، دفعا لمن زعم المشاركة، وثانيهما أن يكون مفيدا للاختصاص مع توهم المشاركة فى نحو قولك: ما أنا قلت ذاك، والمعنى إنى لم أقله مع كونه مقولا، ولهذا فإنه لا يصح أن يقال: ما أنا قلت ذاك ولا غيرى، لما كان متحققا أن يقوله سواك، وقد يكون مقدما على جهة التقوى للحكم فى مثل قولك: أنت لا تكذب، فإنه أبلغ وأشد لنفى الكذب من قولك: لا تكذب، من جهة أنه قدم ذكر المسند إليه، وأتى بالقضية السلبية على إثره مسندا لها إليه، فمن أجل ذلك كان مفيدا للمبالغة، بخلاف الصورة الثانية، ومما يكون تقديمه كاللازم، غير، ومثل، كقولك مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود، لأن المعنى فيه أنت لا تبخل، وأنت تجود، فتأتى به مجردا من غير تعريض لغير المخاطب، فمن أجل ذلك كان مفيدا للمبالغة، وتاسعها تأخيره، إما لاتصال حرف الاستفهام بالخبر كقولك: أين زيد، ومتى القتال، كما سنقرره فى وجه تقديم المسند به، وإما على جهة الإنكار على من يزعم خلاف ذلك فى نحو قولك: قائم زيد، فإنه يكون واردا، إنكارا على من ظن خلاف ذلك، فيقدمه تنبيها عليه، وإما على جهة الاهتمام والعناية فى نحو قولك: نعم رجلا زيد، على رأى من زعم أن رفع زيد على الابتداء، وما تقدم خبره، فأما من قال: إنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ فهو خارج عن التمثيل.
وعاشرها التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فى نحو قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ
[المائدة: 107] ونحو قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ
[الأحزاب: 35] فى نحو جمع السلامة، وجمع التكسير فى نحو قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ
[الأنفال: 75] وقوله تعالى: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ
[الفتح: 25] وقوله تعالى فى التذكير والتأنيث وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
[المائدة: 38] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
[النور: 2] فهذه أحوال عارضة للمسند إليه، تعرض لمعان وأغراض وتفيد فوائدها كما ترى فى مواقع الخطاب بحسب الأغراض، فهذا ما أردنا ذكره فيما يتعلق بأحوال المسند إليه والله أعلم.
(3/151)

الضرب الثانى فى بيان المسند به
ويعرض له ما يعرض للمسند إليه فى وجوه، ويخالفه فى وجوه، وجملة ما يذكر من حاله أمور عشرة، أولها ذكره للبيان كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[البقرة: 255] وقوله تعالى: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[البقرة: 10] وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[البقرة: 10] إلى غير ذلك من الآيات التى يذكر فيها الخبر عن المبتدأ، أو الفعل المسند إلى فاعله، وثانيها حذفه للاتكال على القرينة كقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ
[الإسراء: 100] فإنما حذف الفعل ههنا، لقيام حرف الشرط وهو «لو» مقام الفعل، من أجل كونه مؤذنا بالفعل، من جهة أن الشرط لا يليه إلا الفعل، لأن التقدير فيه قل لو ملكتم، فلما حذف الفعل لا جرم انفصل الضمير، ونحو قوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[يوسف: 18] أى فصبر جميل أجمل، فحذف الخبر للقرينة الدالة على حذفه، وهذا قد ذكرناه مثالا فى جواز حذف المبتدأ فهو محتمل للأمرين كما ترى «نعم» يقال أيهما يكون أرجح فنقول: كلا الوجهين لا غبار عليه، خلا أن حذف الخبر فيه يكون أقوى لأمرين، أما أولا فلأن حذف الخبر أكثر وجودا، وأعم جريانا فى لغة العرب، فكان حمله على الأكثر أحق من حمله على الأقل، وأما ثانيا فلأنا نجد فى كلام العرب أن حذف الخبر قد يكون قياسا فى نحو قولك: لولا زيد لأكرمتك، ولا يكاد يكون حذف المبتدأ قياسا، فلهذا كان حمله عليه أولى، وقد نظرنا فى كتاب الإيجاز: أن الأقوى هو حذف المبتدأ قياسا، فلهذا كان حمله عليه أولى، وقد نظرنا فى كتاب الإيجاز: أن الأقوى هو حذف المبتدأ لأمر ذكرناه هناك، ومن أمثلته قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[الزمر: 38] أى خلقهن الله، فحذف المسند به لقيام القرينة على حذفه، وتقول: زيد منطلق وعمرو، فتحذف خبر عمرو، لتقدم ما يدل عليه، ونحو قولك: خرجت فإذا الأسد، أى فإذا الأسد واقف، وثالثها كونه اسما لأنه هو الأصل، وإنما يعدل إلى غيره لقرينة، نحو زيد منطلق، وزيد أخوك، قال الله تعالى اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ
[الشورى: 15] وقال تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[الزمر: 62] وإنما كان اسما لأنه يفيد الاستمرار على تلك الصفة من غير تجدد، بخلاف ما لو كان فعلا فإنه يدل على خلاف ذلك، وأنشد النحاة:
(3/152)

لا يألف الدرهم المضروب صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق «1»
ورابعا أن يكون فعلا كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[النور: 45] وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
[النحل: 78] وإنما جاز كونه فعلا للدلالة على الأزمنة المستقبلة، والماضية، وللإشعار بالتجدد أيضا، وهذه المعانى تختلف باختلاف مواقعها، فتارة يؤثر ذكر الاسم، وتارة يؤثر ذكر الفعل، على حسب ما يعن من المعانى. وخامسها أن يكون شرطا، إما بإن، وإما بلو، وإما بإذا، فهذه كلها أدوات للشرط، فإن، إنما يكون ورودها فى الأمور المحتملة المشكوك فى وقوعها كقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
[المائدة: 42] وقوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
[التوبة: 80] وتختص بالأزمنة المستقبلة، لأن الشرط لا يعقل إلا فيما كان مستقبلا، وأما «إذا» فإنما تستعمل فى الأمور المحققة كقوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (1)
[الزلزلة: 1] وقوله تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1)
[التكوير: 1] وقوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (1)
[الانفطار: 1] وقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ
[النساء: 102] إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة، فهذه الأمور كلها محققة فلهذا حسن دخول «إذا» فيها، وأما «لو» فهى شرط فى الماضى عكس «إن» ومعناها امتناع الشىء لامتناع غيره فى مثل قولك: لو قمت قمت، فامتناع الثانى إنما كان من جهة امتناع الأول، وحكى عن الفرآء أنها شرط فى المستقبل مثل «إن» والأكثر خلاف ذلك كقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[البقرة: 20] وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
[الأعراف: 76] وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
[السجدة: 13] وإن دخلت على الفعل المضارع فعلى جهة المجاز فى نحو قوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
[الحجرات: 7] وقوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ
[محمد: 30] إلى غير ذلك من الآيات الواردة فى الأزمنة المستقبلة، وإنما كان ذلك لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتا فوقتا كقوله تعالى: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
[إبراهيم: 17] .
وسادسها تنكيره، إما لإرادة الأصل فيه، لأنه إنما يخبر بما لا يكون معلوما، وإما لإرادة عدم الحصر كقوله تعالى: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (118)
[التوبة: 117] وقوله تعالى: اللَّهُ
(3/153)

لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
[الشورى: 19] وقوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[الزمر: 62] وإما لإرادة التفخيم كقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2)
[البقرة: 2] لأن المراد إنما هو هدى أى هدى، أو لإرادة التكثير كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107)
[هود: 107] وسابعها تعريفه، إما لإفادة السامع الحكم بأمر معلوم على أمر معلوم كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15)
[البروج: 14- 15] أو من أجل إفادة تعريف الجنس كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ
[الحشر: 24] إذا جعلناه خبرا لا صفة، وإن جعلناه صفة فهو ظاهر، وإما على جهة الحصر كقوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
[فاطر: 9] أى الله المرسل، ومعناه أنه لا مرسل سواه. وثامنها كونه جملة، وهو وارد على خلاف الأصل من جهة أن أصل الخبر يكون بالمفردات، إما للتقوّى، لأن الخبر بالجملة أقوى من الخبر بالمفرد، وإما لكونه سببيا كقولك: زيد أبوه منطلق، ومن الخبر بالجملة قوله تعالى:
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
[النساء: 27] وبالجملة الماضية كقوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
[النحل: 78] وبالجملة الابتدائية كقوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
[الشعراء: 9] والجملة نوعان إما جملة ابتدائية، وإما جملة فعلية، إما شرطية، وإما ظرفية وإما حرفية، وكلها مندرجة تحت الجملة الفعلية. وتاسعها تقديمه، إما للاهتمام به كقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ 83
[الصافات: 83] وإما لتخصيصه بالمسند إليه كقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ
[الصافات: 47] بخلاف خمور الدنيا، ومن أجل هذا لم يقدم الظرف فى قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: 2] مخافة أن يكون فيه تعريض، بالريب فى غيره من الكتب السماوية، كالتوراة والإنجيل. وعاشرها التثنية والجمع، لأجل المطابقة لما هو خبر عنه كقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
[النساء: 162] وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (33)
[المعارج: 33] وهكذا حال التذكير والتأنيث فإن هذه إنما وردت فى المسند به لأجل المطابقة بين المسند إليه والمسند به، لأنهما صارا مقولين على ذات واحدة، فهذا ما أردنا ذكره فى الأمور الخبرية والله أعلم.
(3/154)

النظر الثانى فى بيان الأمور الإنشائية الطلبية
اعلم أن الطلب مغاير فى الحقيقة لماهية الخبر، فالخبر دال كما ذكرناه من قبل على حصول أمر فى الخارج، فإن كان مطابقا له فهو الصدق، وإلا فهو الكذب، بخلاف الإنشاء، فإنه لا يدل على حصول أمر، بل من حقيقة الطلب أن لا يكون مطلوبا إلا مع كونه معدوما فى حال طلبه، ليتحقق الطلب فى حقه، فإذن ماهيته استدعاء أمر غير حاصل ليحصل. وينقسم إلى طلب سلبى، وإلى طلب إيجابى فالطلب الإيجابى هو الأمر، والتمنى، والطلب السلبى هو النهى، وكلا الأمرين وارد فى كتاب الله تعالى فإنه مملوء من الأمر والنهى وغيرهما، من الأمور الطلبية، وجملة ما نورد من الأمور الطلبية الأمر، والنهى، والاستفهام، والتمنى، والعرض، والدعاء، والنداء، فهذه ضروب سبعة نشرحها، ونبين ما يختص بها من الحقائق المعنوية وما يتعلق بها من الخصائص القرآنية، التى من أنعم فيها نظره وفكره، واستجمع فى تقريرها خاطره، أطلعته على حقائق محجوبة تحت أستار، وكشفت له عن وجوه الإعجاز ومكنتها فى نفسه عن تحقق واستبصار، وألحقت نور البصيرة بمرأى البصر فى ضوء النهار، فإن ملاك الأمر فى ذلك كله مؤسس على علم المعانى، وعلم البيان، فإن عليهما تدور رحاه، ويستحكم أساسه وبناه، وقصاراهما آئلة إلى تحكيم الذوق السليم، والطبع المستقيم، فمن أحرز هذا وذاك فقد فاز بالخصل، وظفر بالنجح من الإعجاز، ونال أعلى ذروته وتمكّن من الاستواء على صهوته.
الضرب الأول: الأمر
وهو صيغة تستدعى الفعل، أو قول ينبىء عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء، فقولنا «صيغة تستدعى، أو قول ينبىء» ، ولم نقل «افعل» ، «ولتفعل» كما يقوله المتكلمون والأصوليون لتدخل جميع الأقوال الدالة على استدعاء الفعل فى نحو الفرسيّة، والتركية، والرومية، فإنها كلها دالة على الاستدعاء من غير صيغة «افعل» ، «ولتفعل» ، ونحو قولنا: نزال، وصه، فإنهما دالان على الاستدعاء من غير صيغة «افعل» وقولنا: «من جهة الغير» ، نحترز به عن أمر الإنسان نفسه، فإن ذلك إنما يكون أمرا على جهة المجاز، وقولنا «على جهة الاستعلاء» ، نحترز به عن الرتبة فإنها غير معتبرة فى ماهية
(3/155)

الأمر، بدليل أن العبد يجوز أن يأمر سيده بما هو على جهة الاستعلاء، ولا يصفونه بالحماقة، ولو كانت الرتبة معتبرة لم يعقل ذلك فى حق العبد، لبطلانها فيه، فهذه هى الماهية الصالحة للأمر فى نحو قولك «افعل» للمخاطب، و «ليفعل» للغائب، إلى غير ذلك من الصيغ المقررة فى علم الإعراب، وحقيقة قولنا: «افعل» ، الطلب والتردد فيه هل هو حقيقة فى الوجوب، مجاز فى الندب، أو بالعكس، أو مشترك بينهما. فأما ما عدا ذلك من الإباحة كقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا
[البقرة: 60] أو التسخير كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً
[البقرة: 65] أو الإهانة، كقوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (50)
[الإسراء: 50] أو التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[فصلت: 40] أو التسوية، كقوله تعالى:
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا
[الطور: 16] أو غير ذلك من المعانى المستعملة فى غير الطلب، فإنها على جهة المجاز، وهذا كقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي
[البقرة:
152] وقوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
[غافر: 60] ونحو قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[البقرة: 43] وقوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
[آل عمران: 102] إلى غير ذلك من الأوامر الشرعية، والمطلوبات الواجبة والنفلية، والأمر بالإضافة إلى تعلقاته، هل يفيد التكرار أو لا؟ وهل يقتضى الفور فيما كان من الأوامر الطلبية أو لا؟
حكى عن السكاكى أنه مفيد للفور، لأنه الظاهر من الطلب، ولتبادر الفهم إلى التحصيل، وفيه نظر، والحق أن الأوامر ساكته، بالإضافة إلى التكرار، وبالإضافة إلى الفور، وليس فى ظاهرها ما يدل على واحد من هذين الأمرين إلا لدلالة خارجة عن ظاهر الأمر، وقد قررنا هذه المسألة فى الكتب الأصولية، فإن فيها محطّ رحالها، وعليها حمل عبئها وأثقالها، والإحاطة بعلوم البيان لا تكفى فى تحقيق هذه المسألة، بل لها مأخذ آخر موكول إلى علماء الأصول، ولقد صدق من قال:
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة ... فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
الضرب الثانى: النهى
وهو عبارة عن قول ينبىء عن المنع من الفعل على جهة الاستعلاء، كقولك: لا تفعل، ولا تخرج. فقولنا: «قول ينبىء» ، يدخل فيه جميع ما يدل على المنع من الفعل فى سائر اللغات، وقولنا «على جهة الاستعلاء» ، نحترز به عن الرتبة، فإنها غير معتبرة، ومن
(3/156)

العلماء من ذهب إلى اعتبارها فى الأمر والنهى، والصحيح خلافه، وقد يرد على جهة التهديد كقول المعلم لصبيانه، «لا تقرءوا» ، وقد زعم السكاكى التكرار والفور فيهما جميعا، بناء على التوهم الذى حكيناه عنه، وهو فاسد، فإن كلامنا إنما هو فى مطلق الصيغة فيهما جميعا، هل تدل على شىء من هذه اللوازم العارضة، كالفور والتراخى، والتكرار وعدمه، والمختار عندنا أنهما بالإضافة إلى مطلق صيغهما لا دلالة لهما على شىء من هذه اللوازم، وإنما تعرف هذه اللوازم بأدلة منفصلة من وراء الصيغة، والذى يدل عليه بمطلقهما، هو الطلب فى الأمر، والمنع فى النهى، لأن هذين الأمرين من حقائقهما، فلا جرم كانا دالين عليهما، فأما ما وراء ذلك من تلك الأمور اللازمة، فإنما تعرف بأدلة شرعية لا من نفس الصيغة، ومثال ذلك من التنزيل قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
[الأنعام: 151] ، ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[البقرة: 188] ، وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[الإسراء: 34] إلى غير ذلك من المناهى الشرعية، فإنها دالة على المنع والتحريم.
دقيقة
اعلم أن الأمر والنهى يتفقان فى أن كل واحد منهما لابد فيه من اعتبار الاستعلاء، وأنهما جميعا يتعلقان بالغير فلا يمكن أن يكون الإنسان آمرا لنفسه، أو ناهيا لها، وأنهما جميعا لابد من اعتبار حال فاعلهما فى كونه مريدا لهما، إلى غير ذلك من الوجوه الاتفاقية، ويختلفان فى الصيغة، لأن كل واحد منهما مختص بصيغة تخالف الآخر، ويختلفان فى أن الأمر دال على الطلب، والنهى دال على المنع، ويختلفان أيضا فى أن الأمر لابد فيه من إرادة مأمورة، وأن النهى لابد فيه من كراهية منهية، إلى غير ذلك من الوجوه الخلافية، واستغراقها يكون بالمسائل الأصولية، وقد رمزنا إليها.
(3/157)

الضرب الثالث منها فى الاستفهام
ومعناه طلب المراد من الغير على جهة الاستعلام، فقولنا: طلب المراد، عام فيه وفى الأمر، وقولنا، على جهة الاستعلام، يخرج منه الأمر، فإنه طلب المراد على جهة التحصيل والإيجاد، وآلاته على نوعين، أسماء، وحروف، فالحروف، الهمزة، وهل، لا غير، والأسماء على وجهين أيضا، ظروف وأسماء، فالظروف الزمانية نحو متى، وأيّان، والظروف المكانية نحو أين، وأنّى، وأما الأسماء فهى من، وما، وكم، وكيف فهذه آلات كلها كما ترى للاستفهام، ثم إنها تنقسم باعتبار ما تؤديه من المعنى إلى ثلاثة أقسام،
فالقسم الأول منها موضوع للتصور،
وهو من، وما، وكم، وكيف، وأين، وأنى، ومتى، وأيان، ومعنى قولنا إنها دالة على التصور، هو أنها موضوعة للسؤال عن الماهية الحاصلة فى الذهن من غير أن يضاف إليها حكم من الأحكام، مما هو موضوع للتصور فى السؤال، كقولك ما الجسم وما العرض، وما الملك؟ ولهذا فإنه يحق على المجيب أن يجيب بذكر ماهية هذه الأمور، ليكون جوابه مطابقا لسؤال السائل، وقد يسأل بها عن اللفظ، فيقال ما العقار، وما الزرجون؟ فيقال الخمر، قال السكاكى: وقد يسأل بها عن الصفة، فيقال ما زيد، وجوابه الطويل، أو القصير.
وأما «من» ، فهى دالة على التصور أيضا كقولك: من جبريل، أى من أى الحقائق هو، أبشر هو، أم جنىّ، أم ملك، وتقع سؤالا عن الشخص من أولى العلم، كقولك: من فى الدار، فتقول: زيد، قال الله تعالى فى السؤال: «بما» فى قصة البقرة قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها
[البقرة: 69] يعنى من أى حقيقة الألوان لونها، فأجاب: بأنها صفراء، ثم قال: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
[البقرة: 68] وقال فى سؤال فرعون: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23)
[الشعراء: 23] فأجابه الله تعالى بذكر الصفة وحقيقتها، فهذا كله دال على أنها موضوعة للتصور فيما كانت سؤالا عنه، سواء كان ذاتا أو صفة، وقال الله تعالى فى السؤال «بمن» أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
[النمل: 61] وقال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[النمل: 62] فهذا سؤال عن حقيقة الشىء وتصور ماهيته.
(3/158)

وأما «أى» فإنه سؤال عن تصور حقيقة البعضية كما قال تعالى: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً
[مريم: 73] والمعنى أنحن، أم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، وقال الله تعالى:
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
[الإسراء: 110] يعنى من هذه الذات المتصورة، أو هذه الصفات المتصورة.
وأما «كم» فإنها سؤال عن تصور حقيقة العدد، قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ
[النجم: 26] وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ
[الإسراء: 17] وقال تعالى:
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ
[الأنبياء: 11] .
وأما كيف، فإنها سؤال عن حقيقة الحال وتصوره، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
[الفيل: 1] وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
[النساء: 41] وأما «أين» فإنه سؤال عن تصور حقيقة المكان، قال الله تعالى: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ
[الأنعام: 22] وقال تعالى أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92)
[الشعراء: 92] وأما «أيان» ، فإنه سؤال عن تصور حقيقة الزمان المستقبل، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
[الأعراف:
187] وقيل إنه مختص بالأمور الهائلة العظيمة.
وأما «متى» ، فإنه مختص بتصور حقيقة الزمان، قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (71)
[النمل: 71] وقال تعالى: وَيَقُولُونَ «1» مَتى هُوَ
[الإسراء: 51] فهذا كله حكم هذه الأسماء إذا كانت مستعملة فى الطلب.
القسم الثانى فى بيان ما يكون دالّا على التصور والتصديق جميعا،
وهذا هو الهمزة، فإفادتها للتصور فى مثل قولك: أإدامك زيت أم عسل؟ وأعمامتك قطن أم حرير؟ وأما كونها سؤالا عن التصديق ففى نحو قولك: أقام زيد؟ وأزيد قاعد؟ ونحو أأنت راكب؟ ففى الأول يكون الجواب بذكر حقيقة الشىء وتصور ماهيته، وفى الثانى يكون الجواب بذكر حصول الصفة أو نفيها، وهذه هى فائدة التصور والتصديق، وقد يكون سؤالا عن العلة فى نحو قولك:
أللعالم صانع، ولهذا تجيبه بذكر المؤثر أو عدمه.
(3/159)

القسم الثالث أن يكون موضوعا للسؤال عن التصديق لا غير،
وهو هل، فإنك تقول هل قام زيد أو قعد، وهل عمرو خارج، ويكون بمعنى «قد» قال الله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
[الإنسان: 1] فهذا تقرير الكلام على كون هذه الآلات دالة على الطلب، وكيفية استعمالها فيه، وقد ترد مستعملة فى غير الطلب على جهة المجاز، فالهمزة قد تستعمل للتقرير كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)
[الشرح: 1] وقوله تعالى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً
[الشعراء: 18] وللإنكار كقوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ
[الأنعام: 40] وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ
[الزمر: 36] وللتكذيب كقوله تعالى: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ
[الإسراء: 40] وقد ترد للتهكم كقوله تعالى: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا
[هود: 87] وهل قد تستعمل بمعنى قد، كما أشرنا إليه، وقد ترد «ما» للتعجب كقوله تعالى: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
[النمل: 20] وتستعمل «من» للتعظيم كقراءة ابن عباس فى قوله تعالى: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ
[الدخان: 30- 31] بدليل: إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31)
[الدخان: 31] وللتحقير كقولك: من هذا، تحقيرا لحاله، ومن التعظيم قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[البقرة: 245] و «كم» تستعمل للاستبطاء كقولك: كم دعوتك، و «أنى» تستعمل للاستبعاد كقوله تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى
[الدخان: 13] .
الضرب الرابع: التمنى
وهو عبارة عن توقع أمر محبوب فى المستقبل، والكلمة الموضوعة له حقيقة هى «ليت» وحدها، وقد يقع التمنى «بهل» كقوله تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا
[الأعراف: 53] و «بلو» كقوله تعالى: قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً
[هود: 80] وليس من شرط المتمنى أن يكون ممكنا بل يقع فى الممكن وغير الممكن، قال الله تعالى: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ
[القصص: 79] وقال تعالى: أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
[الأعراف: 53] وقال تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ
[النساء: 73] فأما لولا، ولوما، وهلا، وألا، بقلب
(3/160)

الهاء همزة، فإنها مركبة من لو، وهل، مزيدتين معهما، ما، ولا، لإفادة التحضيض فى الأفعال المضارعة فى نحو قولك: هلا تقوم، ولوما تقوم، والتوبيخ فى الماضى كقولك:
هلا قمت، وألّا خرجت، ففى الأول حث على الفعل ليفعله فى المستقبل، وفى الثانى توبيخ على الفعل، لم لم يفعله، وتنديم له على تركه، والعرض هو نحو قولك: ألا تنزل فتصيب خيرا، وهو مولّد عن الاستفهام، خلا أنه لما توجه بحكم قرينة الحال أنه ليس الغرض هو الاستعلام، وإنما المقصود منه: ألا تحب النزول مع تحياته، فلهذا كان عرضا، وأما لعل، فهو للتوقع فى مرجو أو مخوف، فالمرجو فى مثل قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ
[غافر: 36- 37] والمخوف فى مثل قوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ 17
[الشورى: 17] قد تستعمل لعل فى التمنى فى مثل قوله:
«لعلى أزورك فتكرمنى» فهى مولدة للتمنى، والسبب فى ذلك هو بعد المرجو عن الحصول، فلهذا أشبه المتمنى لما كان قد يكون فى الممكن وغير الممكن، والسبب فى خروج بعض هذه المعانى إلى بعض، هو تقاربها، والمعتمد فى ذلك على قرائن الأحوال فلأجل ذلك يجوز استعمال بعضها مكان بعض.
الضرب الخامس النداء
وهو من جملة المعانى الإنشائية الطلبية، ولهذا فإنه إذا قيل: يا زيد، لم يقل فيه: صدقت أو كذبت لما كان إنشاء، وحروفه يا، وأخواتها، فمنها ما يستعمل للقريب كالهمزة، ومنها ما يستعمل للبعيد كأيا، ومنها ما يستعمل فيهما جميعا، وهو «يا» كما هو مقرر فى علم الإعراب، ومعنى النداء هو التصويت بالمنادى لإقباله عليك، هذا هو الأصل فى النداء، وقد تخرج صيغة النداء إلى أن يكون المراد منها غير الإقبال، بل يراد منها التخصيص، كقولك: أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل، ونحن نفعل كذا أيها القوم، واللهم اغفر لنا أيتها العصابة، ولم يعنو بالرجل، والقوم، إلا أنفسهم، وهكذا مرادهم بأنا، ونحن، فلو كان منادى لكان المقصود غيره، كما إذا قلت: يا زيد، فإن المنادى الطالب هو غير المنادى المطلوب، فهذا ما أردنا ذكره من الأمور الإنشائية الطلبية والله أعلم.
(3/161)

دقيقة
اعلم أن الخبر والإنشاء متضادان، لأن الخبر ما كان محتملا للصدق والكذب، والإنشاء ما ليس يحتمل صدقا ولا كذبا، فلا يجوز فى صيغة واحدة أن تكون حاملة إنشاء وخبرا، لما ذكرناه من التناقض بينهما، نعم قد ترد صيغة الخبر والمقصود بها الإنشاء، إما لطلب الفعل، وإما لإظهار الحرص على وقوعه، وهذا كقوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
[البقرة: 233] ونحو قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
[آل عمران: 97] فليس واردا على جهة الإخبار فيهما جميعا، لأنه يلزم منه الكذب، وهو محال فى كلامه تعالى، لأن كثيرا من الوالدات لا ترضع الحولين، بل تزيد وتنقص، وهكذا قد يدخل البيت من هو خائف، فلهذا وجب تأويله على جهة الإنشاء، والمعنى فيه، لترضع الوالدات أولادهن حولين على جهة الندب والإرشاد إلى المصالح، وهكذا قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
معناه ليأمن من دخله، ومخالفة الأوامر لا فساد فيها، ولا يلزم عليه محال، بخلاف الأخبار فإنه يلزم من مخالفتها الكذب، ولا يرد الإنشاء، ويكون فى معنى الخبر إلا على جهة الندرة فى مثل قولك: وجدت الناس «اخبر تقله» أى وجدت الناس يقال عندهم هذا القول، والسر فى ذلك هو أن الإنشاء إذا ورد بمعنى الخبر فليس فيه مبالغة، بخلاف عكسه، فإنه يفيد المبالغة، وهو الدوام والاستمرار كما مثلناه فى الآيتين اللتين تلوناهما، وتحت هذه الأمور التى ذكرناها من هذا القسم فى المسائل الخبرية والطلبية، من المعانى القرآنية، والأسرار التنزيلية، مما يكون متعلقا بفن المعانى ما لا يحصى عده، ولا يحصر حده، يدريه كل ألمعىّ نحرير، ويفهمه كل ذكى بصير، ولا يزداد على كثرة الرد والمطالعة إلا وضوحا وتقريرا.
(3/162)

النظر الثالث فى التعلقات الفعلية
اعلم أن الفعل يذكر وله تعلقات تخصه، من الذكر والحذف، والشرط، ويذكر الفاعل، وله تعلقات تخصه أيضا، ويذكر المفعول، وله تعلقات من الذكر والحذف، فهذه ضروب ثلاثة نذكر ما يخص كل واحد منها، وإنما صدرنا هذا النظر بذكر تعلقات الأفعال، لما كان أصل التعلق لها، فلهذا كان مصدّرا بها والله الموفق.
الضرب الأول فى بيان ما يكون مختصا بالأفعال أنفسها،
والأصل هو ذكر الفعل، لأنه هو الأصل فى البيان، كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ
[الفجر: 22] وقال الله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[غافر: 60] ، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[البقرة: 152] إلى غير ذلك من الآيات التى يذكر فيها الفعل، مما لا يحصى كثرة، ولكن يعرض له التقديم والتأخير، والحذف، وتعلق الشرط به، فهذه حالات ثلاث نذكرها بمعونة الله.
الحالة الأولى: تقديمه وتأخيره،
وذلك يكون على أوجه ثلاثة، الوجه الأول أن يكون مؤخرا، وإنما حسن فيه ذلك لأمرين، أما أولا: فلأن تقديم المفعول ربما كان من أجل الاهتمام به، والعناية بذكره، ومثال هذا من يكون له محبوب يتغيب عنه، فيقال له: ما تتمنى، فيقول معاجلا وجه الحبيب أتمنى، وكمن يمرض كثيرا فيقال له: ما تسأل الله تعالى، فيجيب تعجلا للإجابة: العافية أسأل، وأما ثانيا: فبأن يكون أصل الكلام هو التقديم، لكن فى مقتضى الحديث ما يقتضى تأخيره لعارض لفظى، ففى هذين الوجهين إنما حسن تأخيره من جهة الاهتمام بغيره، فهذا كان أحق بالذكر، وإذا حسن تقديم مفعوله كان مؤخرا، وثانيها: تقديمه وهو الأصل كقولك: ضربت زيدا، وأكرمته، فتقدم الفعل لما كان الأصل هو تقديمه، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[المائدة: 9] وقال الله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ
[الأحزاب: 25] إلى غير ذلك، وهو كثير، فاكتفينا بالأمثلة القليلة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الفعل إذا كان مقدما فهو الأصل، لأنه عامل، ومن حق العامل أن يكون مقدما على معموله، وإذا كان مؤخرا فهو على خلاف الأصل لغرض وفائدة كما نبهنا عليه، وثالثها توسطه بين مفعوليه، وإنما كان كذلك من أجل الاهتمام بالمقدم منهما.
(3/163)

الحالة الثانية: حذفه،
وهو يكون على أوجه ثلاثة، أولها
[الوجه الاول] أن يكون جوابا
كقولك: من جاءك، فتقول زيد، أى جاءنى زيد، وإنما جاز حذفه لأجل القرينة الحالية، فلأجل هذا كانت مغنية عن ذكره، قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[الزمر: 38] وتقديره خلقهن الله، وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[العنكبوت: 63] والمعنى نزله الله فهذان الفعلان قد حذفا، اتكالا على القرينة الدالة عليهما
[الوجه الثانى] وثانيها أن يكون المسلط على حذفه هو كثرة الاستعمال مع قيام حرف الجر مقامه،
ومثال ذلك قولنا «بسم الله» فإنه إنما يذكر للتبرك عند كل فعل من الأفعال، فإن الفعل ههنا يكون محذوفا، لما ذكرناه من الكثرة، وهكذا فى مثل قولهم «بالرفاء والبنين» دعاء للعرس، والمعنى نكحت، أو تزوجت بالرفاء والبنين،
[الوجه الثالث] وثالثها أن يكون هناك ما يدل على الفعل المحذوف،
مما يشعر بالفعل، كحرف الشرط فى نحو قولهم «إن ذو لوثة لآنا» والمعنى إن لان ذو لوثة لانا، وقولهم «لو ذات سوار لطمتنى» والتقدير لو لطمتنى ذات سوار، قال الله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي
[الإسراء: 100] لأن التقدير فيه: لو تملكون، فلما حذف الفعل انفصل الضمير لا محالة، وقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ
[النساء: 176] أى هلك امرؤ هلك، والذى جرّا على حذفه هو دلالة حرف الشرط عليه، لأن الشرط إنما يتصل بالفعل لا غير ويختص به.
الحالة الثالثة: تعلق الشرط به،
واعلم أن جميع الشروط كلها مختصة بالأفعال، لأنها تتجدد، والأفعال متجددة، فلا جرم ناسب معناها الفعل فاختصت به، فإن الشرطية، لا تقع إلا فى المواضع المحتملة المشكوك فيها، قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
[الأنفال: 61] وقال تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[فاطر: 4] وقال تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ
[المائدة: 42] فإن استعملت فى مقام القطع، فإما أن يكون على جهة التجاهل وأنت قاطع بذلك الأمر، ولكنك ترى أنك جاهل به، وإما على أن المخاطب ليس قاطعا بالأمر، وإن كنت قاطعا به، كقولك لمن يكذبك فيما تقوله وتخبر به: إن صدقت فقل لى ماذا تفعل، وإما لتنزيل المخاطب منزلة الجاهل، لعدم جريه على موجب العلم، وهذا كما يقول الأب لابن لا يقوم بحقه: إن كنت أباك فاحفظ لى صنيعى فيك.
(3/164)

وأما «إذا» فإنها تكون شرطا فى الأمور الواضحة كقوله تعالى: ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33)
[الروم: 33] وتقول إذا طلعت الشمس جئتك، وقال تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ
[النساء: 83] .
و «من» للتعميم فى أولى العلم، قال الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[النساء:
123] وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)
[الزلزلة: 7- 8] .
و «أى» لتعميم ما تضاف إليه فى أولى العلم وغيرهم، قال الله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69)
[مريم: 69] لأن تقديره ننزعه، فى أحد وجوهها و «متى» للتعميم فى الأوقات المستقبلة، وتستعمل مجردة عن «ما» وتستعمل مؤكدة «بما» كقولك: متى ما تأتنى آتك.
و «أين» لتعميم الأمكنة، قال الله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
[النساء: 87] وقال تعالى: يْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
[البقرة: 148] .
و «أنى» لتعميم الأحوال، كقولك: أنى تكن أكن و «حيثما» لتعميم الأمكنة، قال الله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[البقرة: 144] .
و «ما» تكون للتعميم فى كل الأشياء قال الله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
[البقرة: 215] وقال تعالى: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
[المزمل: 20] و «مهما» أعم، قال الله تعالى: مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)
[الأعراف: 132] .
وأما «لو» فهى للشرط فى الماضى دالة على امتناع الشىء لامتناع غيره قال الله تعالى:
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[الأنبياء: 22] أى امتنع الفساد لامتناع وجود الآلهة.
وأما «إمّا» المكسورة، فهى «إن» أكدت «بما» فأكد شرطها بالنون المؤكدة، قال الله تعالى فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً
[مريم: 26] وأما المفتوحة فهى للتفصيل، وفيها معنى الشرط، قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ
[هود: 106] وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ
[هود: 108] فهذا كلام فيما يختص بالفعل نفسه من هذه الأمور.
(3/165)

الضرب الثانى فى بيان الأمور المختصة بالفاعل نفسه
وتعرض له أحوال لابد من ذكرها، أما حذفه فقليل ما يوجد، لأنه صار معتمدا للحديث، وقد جاء حذفه مع قيام الدلالة عليه فى نحو قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)
[يوسف: 35] أى بدا لهم سجنه، وفى ضمير الشأن والقصة، فى مثل كان زيد قائم، أى الأمر والشأن، وإنما جاز حذفه لما كانت هذه الجملة قائمة مقامه، وسادة مسدّه ومفسرة له، وفى مثل: نعم رجلا زيد، لأن التقدير فيه: نعم الرجل رجلا زيد، وإنما جاز حذفه، لمكان ما ذكر من التفسير بقولنا: رجلا، ولا يجوز الإقدام على حذفه إلا مع قرينة تدل عليه دلالة ترشد إليه، والأقرب أن يقال فى نعم وبئس، وضمير الشأن، إنه مضمر وليس محذوفا، لأن ما يقتضى الإضمار حاصل وهو الفعل، فلهذا كان جعله مضمرا أحق.
وأما ذكره فهو الأكثر المطرد، إما ظاهرا كقوله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ
[الأحزاب: 25] وإما مضمرا كقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
[البقرة: 40] وإما مشارا إليه كقولك جاءنى هذا، وإما موصولا كقوله تعالى: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ
. [النمل: 40] وأما تقديمه على الفعل فلا يجوز عند الأكثر من النحاة، لأن الفعل عامل فيه، ومن حق العامل أن يكون سابقا على معموله، فأما المفعول فإنما جاز تقديمه وتأخيره لدلالة دلت عليه.
(3/166)

الضرب الثالث فى بيان الأمور المختصة بالمفعول
أما ذكره فمن أجل البيان، كقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ
[البقرة: 40] ، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي
[البقرة: 152] وقوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
[الأعراف: 163] ، فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ
[الإسراء: 101] ظاهرا ومضمرا، ومشار إليه، كقولك: اضرب هذا، وموصولا كقوله تعالى: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ
[يونس: 94] .
وأما حذفه فهو على نوعين، فالنوع الأول أن يحذف لفظا ويراد معنى وتقديرا، وهذا كقوله تعالى: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149)
[الأنعام: 149] والتقدير فيه لو شاء هدايتكم لهداكم، لكنه حذف لما كان سياق الكلام دالا عليه، وهكذا قوله تعالى: (وما عملت أيديهم) «1» أى عملته، وقوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
[القصص: 68] والتقدير ما كان لهم الخيرة فيه، وقد يحذف للتعميم مع إفادة الاختصار، كقول من قال: قد كان منك ما يؤلم أى كل أحد، وعليه دل قوله تعالى:
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ
[يونس: 25] أى كل أحد، فحذف لدلالة الكلام عليه، ومن هذا ما يكون محذوفا على طريق الاختصار، نحو أصغيت إليه، أى أذنى، ومنه قوله تعالى: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[الأعراف: 143] أى أرنى ذاتك، وقد يحذف رعاية للفاصلة كقوله تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3)
[الضحى: 2] والتقدير وما قلاك، لكنه حذفه ليطابق ما قبله من الفاصلة، وقد يحذف لاستهجان ذكره كما حكى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: ما رأيت منه ولا رأى منى، والمراد العورة، فهذا تقدير ما يحذف لفظا، ويراد من جهة المعنى.
وأما النوع الثانى وهو ما يحذف ويجعل كأنه صار نسيا منسيا، فهو على وجهين، أحدهما أن يجعل الفعل المذكور كناية عنه متعديا كقول البحترى:
شجو حسّاده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واعى «2»
(3/167)

فجعل قوله: أن يرى مبصر ويسمع واعى، كناية عن الفعل ومفعوله، وعلى هذا يكون المعنى أن يكون ذا رؤية وذا سمع فيدرك محاسنه وأوصافه الظاهرة وأخباره الدالة على استحقاقه للإمامة والخلافة، فلا يكون منازعا فيها، وثانيهما أن يكون المراد ذكر الفعل مطلقا من غير تفريع على ذكر متعلقاته، كقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
[الزمر: 9] ومن هذا قولهم: فلان يعطى ويمنع، ويصل ويقطع، فالغرض هو ذكر الفعل من غير حاجة إلى أمر سواه، فهذا ما أردنا ذكره فى التعلقات الفعلية.
(3/168)

النظر الرابع فى الفصل والوصل
ولهما محل عظيم فى علم المعانى، وواقعان منه فى الرتبة العلياء، ونحن الآن نشير إلى زبد منهما مما يتعلق بغرضنا، أما الفصل فهو فى لسان علماء البيان، عبارة عن ترك الواو العاطفة بين الجملتين، وربما أطلق الفصل على توسط الواو بين الجملتين، والأمر فى ذلك قريب بعد الوقوف على حقيقة المعانى، لكن ما قلناه أصدق فى اللقب من جهة أن الجملة الثانية منفصلة عما قبلها، فلا تحتاج إلى واصل هو الواو، فلأجل هذا كان ما ورد من غير واو بين الجملتين أحق بلقب الفصل، وهذا يرد فى التنزيل على أوجه نذكرها، أولها أن تكون الجملة واردة على تقدير سؤال يقتضيه الحال، فلأجل هذا وردت هذه الجملة مجردة عن الواو، جوابا له، ومثاله قوله تعالى فى قصة موسى عليه السلام مع فرعون: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23)
[الشعراء: 23] فإنما جاءت من غير واو على تقدير سؤال تقديره، فماذا قال فرعون، لما دعاه موسى إلى الله تعالى، قال فرعون: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23)
ثم قال موسى: قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)
[الشعراء: 24] وإنما جاءت من غير واو لأنها على تقدير سؤال كأنه قال: فما قال موسى، قال: الآية، وهلم جرا إلى آخر الآيات التى أتت من غير واو كقوله تعالى: قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)
[الشعراء: 25- 31] فانظر إلى مجىء القول من غير واو على جهة الاتصال بما قبله على تقدير السؤال الذى ذكرناه، وهكذا ورد فى سورة الذاريات قال الله تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ
[الذاريات: 25] ثم قال فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (27)
[الذاريات: 27] وهذا من الاختصار العجيب اللائق بالتنزيل، وثانيها: أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة الإيضاح والبيان بالإبدال، كقوله تعالى: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (81) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82)
[المؤمنون: 81- 82] فالقول الأول هو الثانى، أورد على جهة الشرح والبيان، لما دل عليه الأول وقوله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما
(3/169)

تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134)
[الشعراء: 132- 134] فانظر كيف شرح الإمداد الثانى، إيضاحا للأول وتقوية لأمره، وقوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)
[يس: 20- 21] فالاتباع الثانى وارد على جهة الإيضاح، هكذا القول فى كل جملة أتت عقب أخرى على الإبدال منها، فإنها تأتى من غير واو لما ذكرناه. وثالثها: أن تكون الجملة الأولى واردة على جهة الخفاء، والمقام مقام رفع لذلك اللبس، فتأتى الجملة الثانية على جهة الكشف والإيضاح لما أبهم من قبل، ومثاله قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
[البقرة: 8] ثم قال: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
[البقرة: 9] فجرد قوله يُخادِعُونَ اللَّهَ
عن الواو، إرادة لإيضاح ما سلف من قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
ومراده أن كل ما كان قولا باللسان من غير اعتقاد فى القلب فهو خداع لا محالة، وهذه هى حالتهم فيما صدر منهم من الإيمان باللسان، وقوله تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ
[طه: 120] فأتى بقوله: قالَ يا آدَمُ
مجردا عن الواو، تنبيها على إيضاح الوسوسة وكشف غطاها وشرح تفاصيلها، ولو أتى بالواو لم يعط هذا المعنى لما فيها من إيهام التغاير المؤذن بعدم الكشف والإعراض عن التقرير، ورابعها: أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة رفع التوهم عن الجملة الأولى عن أن تكون مسوقة على جهة التجوّز والسهو والنسيان، ومثاله قوله تعالى فى صدر سورة البقرة الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ
[البقرة: 1- 2] فلما كانت هذه الجملة واردة على جهة الإيضاح بأن هذا القرآن قد بلغ أعلى مراتب الكمال، وسيقت على المبالغة بإعظامه، وأنه لا رتبة فوقه، حيث صدّر السورة بالأحرف المقطعة، إشعارا ببلاغته، وجىء باسم الإشارة مع اللام تنبيها على ما تضمنته من البعد، على صفة الإغراق فى وصفه، فلما كان الأمر فيه هكذا، سبق إلى فهم السامع أن ما يرقى به من هذه السمات البالغة، إنما هى على جهة الخرف والسهو والذهول، وأنه لا حقيقة لها، أراد رفع الوهم بما عقبه من الجمل المرادفة، فلهذا وردت من غير واو، إشعارا بما ذكرناه، فقال لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: 2] أى ليس أهلا لأن يكون مرتابا فيه، وأن يكون محطا للريبة ومحلّا لها، ثم أردفه بقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2)
[البقرة: 2] أى إنه هاد لأهل التقوى معطيا لهم حظ الهداية به، ومن هذا قوله تعالى: ما هذا بَشَراً
[يوسف: 31] ثم قال إِنْ هذا إِلَّا
(3/170)

مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
[يوسف: 31] فقوله: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
سيق من أجل رفع الوهم بالجملة الأولى، غير أن تكون على ظاهرها من الدلالة على الإغراق فى مدحه، ومنه قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
[لقمان: 7] فقوله كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
إنما ورد على جهة الاتصال من غير واو، تقريرا لما سبق من الجملة الأولى من عدم السماع، وإيضاحا لها. وخامسها أن تكون الجملة الثانية واردة على إرادة قطع الوهم على ما قبلها من الجمل السابقة، ومثاله قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[البقرة: 15] فإنما وردت من غير واو، دلالة على أن عطفها على ما تقدم من الجملة السابقة متعذر، فلهذا وردت من غير واو، رفعا لهذا التوهم وقطعا له، ويجوز أن تكون واردة على جهة الاستئناف، تنبيها على البلاغة بمطابقة محزّها ومفصلها، وإعلاما من الله تعالى بأنهم من أجل خداعهم ومكرهم مستحقون من الله تعالى غاية الخزى والنّكال، وتسجيلا عليهم بأن الله تعالى هو المتولى لذلك دون سائر المؤمنين، ونبّه بالفعل المضارع فى قوله: يَسْتَهْزِئُ
بحدوث الاستهزاء وتجدده، فأما قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14)
[البقرة: 14] فإنما أتى من غير واو، لاندراجه على جهة البيان تحت قولهم: إِنَّا مَعَكُمْ
[البقرة: 14] أى إنا معكم على الموافقة على ذنبكم فى التكذيب والجحود غير مفارقين لكم مستمرين على اليهودية، وكوننا معهم ليس على جهة التصديق، إنما كان على جهة الاستهزاء والسخرية بما هم عليه من الإيمان، فبهذا يكون ورود الفصل فى كتاب الله تعالى، ولله در لطائف التنزيل، لقد أطلعت طلابها على مطالع أنوارها، وأوضحت لهم المنار، فاستضاءوا بضوء شموسه وأنوار أقمارها، وأما الوصل فهو عطف الجملة على الجملة، والمفرد على مثله، بجامع ما، وهو قد يرد لرفع الإيهام، كقولك: لا، وأيدك الله، فالواو ههنا جاءت لرفع الوهم عن أن يكون دعاء عليه فى ظاهر الأمر كما ترى، وكما يرد فى المفرد فقد يرد فى الجمل، فهذان ضربان، نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمعونة الله تعالى.
(3/171)

الضرب الأول فى بيان عطف المفردات بعضها على بعض بالواو
وإنما قدمناه فى الترتيب من جهة أن المفرد سابق على الجملة المركبة، ونذكر فيه من التنزيل آيتين، الآية الأولى قوله تعالى فى سورة الغاشية أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)
[الغاشية: 17- 18] إلى آخر الآية، فعطف بعض هذه المفردات على بعض، ولا بد هناك من رعاية الملائمة والمناسبة فى تقديم بعضها على بعض لئلا يخلو التنزيل عن أسرار معنوية، ودقائق خفية، يتفطّن لها أهل البراعة، ويقصر عن إدراكها من لا حظورة له فى معرفة هذه الصناعة، فلابد من أن يكون لتقديم المعطوف عليه على المعطوف وجه يسوّغه، وإلا كان لغوا، ولهذا ضعف، زيد قائم وعمرو باع داره، إذ لا علقة بين هاتين الجملتين تكون سببا لعطف إحداهما على الأخرى، ولهذا عيب على أبى تمام قوله:
لا والّذى هو عالم أنّ النّوى ... صبر وأنّ أبا الحسين كريم «1»
إذ لا مناسبة بين مرارة النوى، وكرم أبى الحسين، فأما الآية فلنشر إلى الأسرار التى لأجلها قدّم بعضها على بعض، فأما تقديم الإبل، فإنما كان ذلك من أجل أن الخطاب للعرب من أهل البلاغة، فمن أجل ذلك كان الاستجلاء على حسب ما يألفونه، وذلك أن العرب أكثر تعويلهم فى معظم تصرفاتهم على المواشى فى المطاعم والمشارب والمراكب، وأعمها نفعا هى الإبل، لأن أكثر المنافع هذه لا تصلح إلا فيها على العموم، مع ما اختصت به من الخلق العظيم والإحكام العجيب، فمن أجل ذلك صدرها بالنظر فيها لذلك، ثم إنه أردفها بذلك النظر فى خلق السموات، ووجه الملائمة بينهما، هو أن قوام هذه الأنعام ومادة المواشى، إنما هو بالرعى وأكل الخلى، وكان ذلك لا يكون إلا بنزول المطر من السماء، مع ما اختصت به من التأليف الباهر والامتداد العظيم، والسعة الكلية، فمن أجل ذلك عقّب بها ذكر الإبل، إشارة إلى ما قلناه، ثم أردف ذلك بذكر النظر فى
(3/172)

الجبال وما تضمنته من العجائب العظيمة من أجل أنهم إذا قعدوا فى البرارى وبطون الأودية، لا يأمنون التخطف لهذه الأنعام والنفوس والأموال، فأشار إليها لما فيها من التحفظ على أموالهم ونفوسهم، بارتفاعها وكونها شوامخ لا يوصل إليها لعلوها وارتفاعها، فعقب بها ذكر السماء، لما أشرنا إليه، ووجه آخر وهو أنها لما كانت فى غاية الارتفاع والسمو أشبهت السماء فى علوها وارتفاعها، فلهذا عقبها بها، ثم أردفها بذكر الأرض، ومنبها على ما لهم فيها من المعاش والاستقرار بأنواع الارتفاقات التى لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى من الأرزاق والثمار والفواكه والمعادن ومجارى العيون والأمواه، وغير ذلك، فأشار الله تعالى إلى هذه العجائب الأربعة، لمّا كانت من أعظم الآيات الباهرة، وقد عددنا هذه فى عطف المفردات نظرا إلى عطف المجرورات بعضها على بعض وكان ما بعدها منفصلا عنها، فهذا هو الذى حسن منه، والأقرب أن يكون من الجمل، لأن ما تقدم من المجرورات هو متعلق بالجمل بعدها، فلهذا كان معدودا من الجمل، الآية الثانية ذكرها فى سورة آل عمران وهى قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[آل عمران: 14] فانظر إلى عجائب هذه الآية ولطافة معناها فى تقديم بعضها على بعض، فلما كانت الآية مسوقة من أجل تزيين المشتهيات فى أفئدة بنى آدم واستيلائها عليها قدّم ما هو الأدخل فى ذلك، فصدرها بذكر النساء، تنبيها على أن لا مشتهى يغلب على العقول مثلهن على القلوب من توقان النفوس إليهن وعن هذا قال صلّى الله عليه وسلّم: ما رأيت أغلب لذوى العقول من النساء، وعن إبليس: ما نصبت فخا أثبت فى نفسى من فخ أنصبه بامرأة، وفى هذا دلالة على استيلائهن على العقول، لأنهن أدخل فى المشتهيات، ثم عقّبه بذكر البنين لما كانوا مما يلى النساء فى الرقة والرحمة والشفقة والحنو، مع المشاكلة فى الخلقة والصورة، ثم أردف ذلك بالأموال الذهبية والفضية، لما يحصل فيها من اللذة والسرور والاطمئنان وانشراح الصدور بها والاستطالة والقوة، كما يحصل بالأبناء، ولكن الأولاد أدخل فرحا وأشد محبة، وأكثر بهم رحمة ورأفة، وقوله: «القناطير المقنطرة» مبالغة فى وصفها، كما
(3/173)

قالوا: إبل مؤبلة، وظلف ظالف، أى شديد، ثم عقب ذلك بذكر الخيل، لما يحصل بها من الجمال والهيئة الحسنة والقوة والاستطالة على الأعداء بالقهر، وأردفها بذكر الأنعام لما يحصل بها من المنافع، وهى دون منافع الخيل، وأتبعها بذكر الحرث، وختم هذه المنافع بذكره، لأن كل واحد من هذه الأشياء على مرتبة فى السبق على قدر حالها فى الجمال والمنفعة، وقد أشار الله تعالى إلى ترتيبها كما سردها، تنبيها على أن ما تقدم منها فهو أحق من غيره، لاختصاصه بما اختص به، ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على درجات الفصل وأغفلنا ذكر ما يتعلق بهاتين الآيتين من العلوم المعنوية والعلوم البيانية، وما يليق بهما من علم البديع، ميلا إلى الاختصار، وهذا من مغاصات بحار التنزيل المحصّلة لخالص عقيانه، وأسماط عقوده المؤلفة من درره وحصيد مرجانه، وقد استخرجها النقاد والغاصة، واستولوا على لباب تلك الأسرار. وأحاطوا منها بالخلاصة.
(3/174)

الضرب الثانى فى بيان عطف الجمل بعضها على بعض
وما هذا حاله فهو كثير الدّور فى كتاب الله تعالى، ولابد أن يكون بينهما نوع ملاءمة لأجله جاز عطف إحداها على الأخرى، كقوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[النساء: 142] وقوله تعالى: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)
[النساء: 142] ونحو قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
[الأعراف: 31] فأما قوله تعالى: إِنَّهُ «1» لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)
[الأعراف: 31] فإنما ورد من غير ذكر الواو، لما كان واردا على جهة التعليل، فلهذا لم ترد فيه واو، كقوله تعالى: لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ
[الأنفال: 13] ومن هذا قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4)
[الانفطار: 1- 4] فهذه الأمور كلها عطف بعضها على بعض بجامع يجمعها، وهو كونها من أمارات القيامة، ومن هذا قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ
[ق: 12- 14] فإنما جاز العطف فى هؤلاء بعضهم على بعض، باعتبار أمر جامع، وهو تكذيب الرسل وجحد ما جاءوا به من المعجزات الظاهرة، فهم وإن اختلفوا وتباينوا فهم متفقون فيما ذكرناه، وهكذا قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[الأنعام: 1] إنما عطف أحدهما على الآخر باعتبار كونهما ضدين، والضد ملازم لضده، فهذا هو الذى سوغ العطف فيهما، ولا تزال فى تصفحك لآى التنزيل، واستهلال أسراره تطلع على فوائد جمة، ونكت غزيرة.
(3/175)

النظر الخامس فى الإيجاز والإطناب والمساواة
اعلم أن الكلام بالإضافة إلى معناه كالقميص بالإضافة إلى قد من هو له، فربما كان على قدر قدّه من غير زيادة ولا نقصان، وهذا هو المساواة، وتارة يكون زائدا على قده وهذا هو الإطناب، وربما نقص عن قده، وهذا هو الإيجاز، فإذن الكلام لا يخلو عن هذه الأنواع الثلاثة، ونحن نذكرها.
النوع الأول الإيجاز
وهو فى مصطلح أهل هذه الصناعة عبارة عن تأدية المقصود من الكلام بأقل عبارة متعارف عليها، ثم إنه يأتى على وجهين، أحدهما القصر، وهو الإتيان بلفظ قليل تحته معان جمة، وهذا كقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] فإنه قد دلّ على معناه بأوجز عبارة وأخصرها، وقد فاق على ما أثر عن العرب فى معناه من قولهم: «القتل أنفى للقتل» من أوجه، من جهة إيجازه، فإن حروفه عشرة، وما قالوه أربعة عشر حرفا، ومن جهة سلامته عن التكرار، ومن جهة تصريحه بالمقصود، وهو لفظ الحياة، ومن جهة بلاغة معناه، فإن تنكير الحياة أعظم جزالة، وأبلغ فخامة، وغير ذلك من الأوجه التى تميز بها عن غيره، وكقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[النساء: 123] فهذا كلام مختصر وجيز دال على معناه بحيث لا يدرك إيجازه، ولا ينال كنهه، ومنه قوله تعالى:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)
[الزلزلة: 7- 8] وثانيهما إيجاز بالحذف، ومثاله قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
[يوسف: 82] فإن الغرض أهل القرية، ويتبع فى ذلك الأمور المحذوفة من حذف علة، أو جواب شرط، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[لقمان: 27] المعنى لتنفد كلمات الله ما نفدت، ومنه قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
[الرعد: 31] التقدير لكان هذا القرآن، وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
[الأنعام: 27] التقدير فيه لشاهدوا ما تقصر العبارة عن كنهه، أو لتحسّروا وانقطعت أفئدتهم، لأن المقام مقام تهويل، فلا بد من تقديره كما ترى، وكقوله تعالى:
(3/176)

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45)
[يس: 45] التقدير فيه أعرضوا عن استماعه ونكصوا عن قبوله، ويدل عليه ما بعده، ومن أراد الاطلاع على حقيقة البلاغة من الإيجاز بالحذف، فعليه بتلاوة سورة يوسف، فإنه يجد هناك ما فيه شفاء لكل علة، وبلال لكل غلّة.
النوع الثانى الإطناب
وهو تأدية المقصود من الكلام بأكثر من عبارة متعارف عليها، ثم إنه يأتى على أوجه ثلاثة، أولها أن يكون مجيئه على جهة التفصيل، ومثاله قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ
[البقرة: 136] فهذا وما شاكله فيه تفصيل بالغ وتعديد لمن يجب الإيمان به من الأنبياء، وما أوتوا من الكتب المنزلة على أتم وجه وأبلغه، ولو آثر إيجازه لقال: قولوا آمنا بالله وبجميع رسله وما أوتوا، لكنه بسطه على هذا البسط العجيب، لما فيه من وفائه بالإيمان بالله وبرسله وما اشتمل عليه من ذكر هذه الزوائد المؤكدة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
[البقرة: 164] فلينظر الناظر، وليحكّ قريحته بالتأمل البالغ فيما اشتملت عليه هذه الآية الباهرة من شرح عجائب هذه المخلوقات، واختلاف أنواع المكونات، وترتيبها على هذه الهيئة التى تعجز عن إدراكها القوى البشرية، فقد نزلها على مراتب ثلاث.
المرتبة الأولى الإشارة إلى المكونات السماوية
وما اشتملت عليه من عجائب الملكوت وإتقان الصنعة، وبديع الحكمة فى تكوينها ورفعها، وما فيها من المخلوقات العظيمة فى أطباقها من أصناف الملائكة وحشوها بهم فى أرجائها، مع ما اختصوا به من عظم الخلق ونيل الزلفى والقرب إلى الله تعالى، وأنه لا خلق أعظم ولا أرفع منزلة عند الله تعالى منهم، لما خصهم به من امتثال أمره والاعتراف بعظمته.
المرتبة الثانية الإشارة إلى المكونات الأرضية
وما اشتملت عليه من الاختصاص بمنافع الخلق من
(3/177)

أنواع الحيوانات والنبات والفواكه والأشجار والمعادن، وأنها صارت موضعا ومستقرا لهم يتقلبون فى منافعهم ودفع مضارهم عليها، وسهل لهم من سلوك مناكبها فى البر والبحر.
المرتبة الثالثة الإشارة إلى المكونات الحاصلة بين السماء والأرض
من نزول الأمطار لإحياء الأرض ونمو الثمار والزروع وتصريف الرياح فى مهابّها للمصالح الأرضية كلها، واختلاف الليل والنهار وما ناط بالسماء من هذه الكواكب النيرة، الشمس والقمر والنجوم، وجعلها إعلاما للخلق، واهتداء إلى مصالحهم، وما بث فيها من الحيوانات العظيمة على اختلاف أجناسها وأنواعها، فقد أشار إلى ما ذكرناه من هذه التفاصيل فى هذه الآية على أتم نظام وأعجب سياق، ولو آثر الإيجاز على ذلك لقال تعالى (إنّ فى خلق المكونات لآيات للعقلاء) وثانيها مجيئه على جهة التتميم ومثاله قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[البقرة: 238] فقوله: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
إطناب على جهة التتميم لما قبله، ومنه قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[البقرة: 98] فذكره لهما إطناب على جهة التتميم لما سبق، وقوله تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26)
[طه: 25- 26] فإنما كرر ذكر الجار والمجرور فى قوله «لى» إطنابا على جهة التتمة والتكملة لما قبله، وثالثها مجيئه على جهة التذييل، ومعناه تعقيب جملة بجملة توكيدا لمعنى الأولى وإيضاحا لها، ومثاله قوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81)
[الإسراء: 81] فقوله: إن الباطل كان زهوقا، خارج مخرج المثل تقريرا لما سلف من ذكر الجملتين قبله، وقوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي «1» إِلَّا الْكَفُورَ (17)
[سبأ: 17] فقوله: وَهَلْ نُجازِي
وارد على جهة الإطناب، تذييلا لما قبله من الجملة على جهة الإيضاح، وهكذا يكون ورود الإطناب فى شرح حقائق الوعد لأهل الجنة، والوعيد لأهل النار بذكر ما يليق بكل واحد منهما من الأوصاف، وإذا أمعنت فيه فكرتك، وجدته كما شرحت لك من الإطناب الطويل والشرح الكثير.
(3/178)

النوع الثالث المساواة
هى فى مصطلح فرسان البيان عبارة عن تأدية المقصود بمقدار معناه من غير زيادة فيه ولا نقصان عنه، ثم إنها جارية على وجهين، أحدهما أن يكون مساواة مع الاختصار، وهذا نحو أن يتحرى البليغ فى تأدية معنى كلامه أوجز ما يكون من الألفاظ القليلة الأحرف، والكثيرة المعانى، التى يتعسر تحصيلها على من دونه فى البلاغة، ومن هذا قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (60)
[الرحمن: 60] وقوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي «1» إِلَّا الْكَفُورَ (17)
[سبأ: 17] فهذه أحرف قليلة تحتها فوائد غزيرة، ونكت كثيرة، فهذا نوع من المساواة، وثانيهما أن يكون المقصود المساواة من غير تحرّ ولا طلب اختصار، ويسمى «المتعارف» والوجهان محمودان فى البلاغة جميعا، خلا أن الأول أدل على البلاغة وأقوى على تحصيل المراد، ولهذا فإنك ترى أهل البلاغة متفاوتين فى ذلك، فأعظمهم قدرا فيها من كان يمكنه تأدية مقصوده فى أخصر لفظ وأقله، وهذا لا يكون إلا لمن كان له موقع فيها بحيث يمكنه التقصير والاختصار فى لفظ قليل، ولنقتصر على هذا القدر من العلوم المعنوية، ففيه كفاية للمطلوب، فأما التقديم، والتأخير، والتعريف، والتنكير، والإظهار، والإضمار، فى المسند والمسند إليه، فهو وإن كان جزءا من العلوم المعنوية، لكنا قد أوردناه فى الإسناد، وذكرنا هذه الأحوال، وأظهرنا التفرقة بينها، وقررنا الوجه الذى لأجله جىء بها، فلهذا كان ذكرها هناك مغنيا عن الإعادة والله أعلم.
(3/179)

القسم الثانى ما يتعلق بالعلوم البيانية
وهو فى مصطلح أرباب هذه الصناعة، عبارة عن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة فى وضوح الدلالة وبالنقصان عنها، ومثاله أنك إذا أردت أن تحكى عن زيد بأنه شجاع، فبالطريق اللغوية أن تقول: زيد شجاع يشبه الأسد فى شجاعته، وإذا أردت الإتيان بهذا المعنى على طريق البلاغة، فإنك تقول فيه: رأيت الأسد وكأن زيدا الأسد، فالأول هو الاستعارة، والثانى على طريق التشبيه، فعلم البيان إنما يكون متناولا للدلالة الثانية، لأن فيها تحصيل الزيادة والنقصان فى المعنى المقصود، وفائدته الاحتراز عن الخطأ فى مطابقة الكلام لتمام المراد منه، فصارت الدلائل ثلاثا، دلالة المطابقة، وهى الدلالة اللغوية، كدلالة لفظ الإنسان والفرس على هاتين الحقيقتين المخصوصتين، وهى دلالة لغوية تختلف باختلاف الاصطلاحات والأوضاع، ودلالة الالتزام، وهى التى تدل على أمر خارج غير المسمى، ومثاله دلالة لفظ الفرس، والإنسان، على ما يكون لازما لهما عقلا، نحو الكون فى الجهة والحصول فى الأماكن، فهذه دلالة التزامية لأنه لا ينفك عما ذكرناه، ودلالة التضمن، وهى الدلالة على جزء من أجزائه، كدلالة الفرس والإنسان على أجزائهما.
واعلم أن المقصود الأعظم من هذه القاعدة هو بيان أن القرآن قد نزل فى أعلى طبقات الفصاحة، وأن كل كلام غيره وإن بلغ كل غاية فى البلاغة، فإنه لا يدانيه، ولا يماثله وأن الثقلين من الجن والإنس لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، أو بآية، ما قدروا، كما حكى الله تعالى من تصديق هذه المقالة بقوله تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)
[الإسراء: 88] وقد حصل عجز الخلق عن الإتيان بمثله قطعا كما سنقرره بعد هذا بمشيئة الله تعالى، سواء أكان العجز بالإضافة إلى ما تضمنه من علوم المعانى، أم كان العجز بالإضافة إلى ما تضمنه من علوم البيان، وقد مر الكلام على ما تضمنه من علوم المعانى، والذى نذكره ههنا هو ما تضمّنه من علوم البيان، فنذكر ما تضمنه من التشبيه، ثم نردفه
(3/180)

بما تضمنه من الاستعارة، ثم نذكر على إثره ما تضمنه من الكناية، ثم نذكر التمثيل، ونختم الكلام فيه بالأسرار التى تضمنها من الحقائق والمجازات، وقد أشرنا فى أول الكتاب إلى حقائق هذه الأشياء فى تقرير قواعدها، والذى نشير إليه ههنا هو أنه قد فاق فى هذه المعانى على غيره، وأن شيئا من الكلام المتقدم لا يدانيه ولا يقاربه فيها، ليحصل الناظر من ذلك على كونه قد بلغ الغاية بحيث لا غاية فوقه، وأنه فائت لكلام أهل البلاغة فى جميع أحواله.
(3/181)

النظر الأول فى التشبيه
يتحصل المقصود منه بأن نرسم الكلام فى أربعة أطراف.
الطرف الأول فى بيان آلاته
وهى الكاف، وكأنّ ومثل، فالكاف فى نحو قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)
[الفيل: 5] ونحو قوله تعالى: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[إبراهيم: 18] وقوله تعالى: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
[يونس: 24] .
وأما «كأن» فكقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (58)
[الرحمن: 58] وقوله تعالى:
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)
[الصافات: 49] .
وأما «مثل» فكقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[البقرة: 17] وقوله تعالى:
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
[يونس: 24] وقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: 5] فحاصل الأمر أن التشبيه بالإضافة إلى آلته، يرد على وجهين، أحدهما أن يكون واردا على جهة الإنشاء، كقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (58)
وغير ذلك، والغرض بكونه إنشاء، أنه لا يحتمل صدقا ولا كذبا، وثانيهما أن يكون واردا على جهة الإخبار، كقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
[الأعراف: 176] إلى غير ذلك مما يكون واردا على طريقة الإخبار، وهما مستويان فى الإفادة لمقصود التشبيه وإن اختلفا فيما ذكرته.
الطرف الثانى فى بيان الغرض من التشبيه
اعلم أن الغرض من حال التشبيه أن يكون المشبه به أعظم حالا من المشبه فى كل أحواله، وقد يأتى على العكس كقول من قال:
وبدا الصّباح كأنّ غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح «1»
فبالغ حتى جعل المشبه أعلى حالا من المشبه به، فى الوضوح والجلاء، لأن الغالب فى
(3/182)

العادة هو تشبيه بياض الوجه بغرة الفجر، فأما ههنا فعلى العكس من ذلك، وقد يرد لأغراض كثيرة، أولها التقرير والتمكين فى النفس، كمن يراه يسعى فى أمر لا طائل فيه ولا ثمرة له، فيقال له: ما سعيك فى هذا الأمر إلا كمن يرقم على الماء ويخطّ على الهواء، فيترك الأمر لعدم فائدته وبطلان جدواه، وثانيها أن يكون المقصود بيان جنس المشبه، إما فى علو نفسه، كتشبيه بعض الأشخاص بالملائكة، لطهارة نفسه وعفة أثوابه قال:
فلست لإنسىّ ولكن لملأك ... تنزّل من جوّ السماء يصوب «1»
وإما فى نزول همته، كتشبيه بعض الأشخاص بالسباع، كما شبه الله المنافقين فى ذهابهم عن الدين، وضعف أفهامهم عن قبول الحق بقوله: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)
[المدثر: 50- 51] فمثل حالهم فى نفارهم عن الحق وبعدهم عن قبوله، كمثل حمير الوحش عند نفارها ودهشها وقلقها، برؤية بعض الآساد، فما تتمالك فى الهرب، ولا ترعوى عند رؤيته، وتركب الصعب والذّلول، وهكذا حال اليهود، فإنه تعالى مثلهم فيما حملوا من أحكام التوراة ثم أعرضوا عنها وتركوها وراء ظهورهم، بحمار يحمل كتبا كثيرة فوق ظهره، لا يدرى ما اشتملت عليه من أنواع الهداية، فهكذا حال اليهود يتلون التوراة وهم أبعد الناس عن العمل بها، وعن المواظبة على ما تضمنته من الأوامر والنواهى، وثالثها ضعف الإيمان ورقته وتلاشى أمره، وعدم الثبوت عليه، وأنه يضمحل عن القلوب بأدنى شىء، كما ضربه الله مثلا لمن هذه حاله فى ضعف إيمانه، وأنه على غير قرار من أمره فيه، وأنه على شرف الانقلاب إلى الكفر، بغزل العنكبوت وبيتها، فإنه من أضعف الأشياء قواما، وأرقها حالة، يتغير بقوة الريح، فضلا عما وراء ذلك من الأمور الصلبة التى تقاربه، فهكذا حال من لا وثاقة له فى الدين، فإنه عن قريب ينكص على عقبيه، ورابعها التلاشى فى البطلان، كما قال الله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
[البقرة: 264] وضربه الله تعالى مثلا لبطلان أعمال الكفرة وأنه لا فائدة فيما عملوه ولا جدوى له، بالتراب الدقيق الواقع على حجر صلد أملس، فيصيبه المطر، فإنه أسرع شىء فى الذهاب، وأبطل ما يكون عند وقوع الماء عليه، فهكذا حال الكفر، فإنه إذا صادف الأعمال من غير قرار على الإيمان، فإنه يبطلها ويذهبها لا محالة، وخامسها قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ
(3/183)

السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
[البقرة: 19] فالغرض مما ذكره من التشبيه، هو تشبيه حال الكفار فيما هم فيه من الكفر، والتمادى على الجحود، والإصرار، بمن أصابته هذه الأمور الهائلة، فهو على قلق وخوف وإشفاق على نفسه مع الغم والألم مما يلاقى من هذه الأشياء النازلة به، فهكذا حال الكفار فيما وقعوا فيه من ظلم الكفر وحيرته، لا يأمنون مما يقع عليهم من الحوائج العظيمة، والإيلامات المهلكة، فهكذا ترى جميع التشبيهات الواقعة فى التنزيل، فإن لها مقاصد عظيمة، ومضمّنة لأغراض دقيقة يعقلها من ظفر فى هذه الصناعة بأوفر حظ وكان له فيها أدنى ذوق، وحام حول تلك الدقائق بذهن صاف عن كدور البلادة، فعن قريب يحصل على البغية بلطف الله تعالى وحسن توفيقه.
الطرف الثالث فى كيفية التشبيه
وهو فى وروده يكون على أوجه أربعة، أولها أن يكونا- أعنى المشبه والمشبه به جميعا- مدركين بالحسّ، وهذا نحو تشبيه الخدّ بالورد، والشعر الفاحم بالليل، ومن هذا قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (58)
[الرحمن: 58] وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)
[الصافات: 49] . وغير ذلك مما يكون طريقه الحس والمشاهدة، وهو أجلى ما يكون من التشبيهات، لقوته وظهور طريقه، وثانيها أن يكونا جميعا عقليين من غير إحساس، كالعلم بالحياة، فيشبه العلم بالحياة لما فيه من النفع فى الآخرة، ويشبه الجهل بالموت، لما فيه من خمول الذكر، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
[الأنعام: 122] فالإحياء، والإماتة، هنا مجاز فى العلم والجهل، وأن المقصود من الآية، تفاوت ما بين الحالتين، بين من أحياه الله تعالى بالعلم، وبين من أماته الله تعالى بالجهل، كما أن من كان فى الظلمة ليس حاله كحال من هو فى النور، يتصرف ويتقلب، وثالثها أن يكون أحدهما حسيا، والآخر عقليا، كالمنيّة بالسّبع، فالمنية ههنا هى المشبهة وهى عقلية، بالسّبع، وهو حسى، قال:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع «1»
ورابعها أن يكون المشبه حسيّا والمشبة به عقليا كالعطر بخلق الكريم ومنه قوله تعالى: أَوْ
(3/184)

كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ
[النور: 40] فشبه حال الكفرة فيما هم فيه من الكفر والجحود والإصرار والتمادى على الباطل، بظلمات بعضها فوق بعض فلا يدرك لها حالة فى النور ولا يهتدى إليه.
الطرف الرابع فى حكم التشبيه
وربما كان قريبا، وربما كان بعيدا، وتارة يكون واضحا، ومرة يكون خفيا، وربما كان غريبا وحشيا، وربما كان مألوفا، وقد قررنا أمثلة البعيد والقريب، والواضح الجلى، فى قاعدة التشبيه فى صدر هذا الكتاب فأغنى عن تكريره، واعلم أن جميع التشبيهات الواردة فى كتاب الله تعالى خالية عن هذه الشوائب كلها، أعنى الغرابة والبعد فى مفرداتها ومركباتها لا يعترضها شىء من هذه العوارض فى التشبيهات الواردة فى غيرها، والحمد لله.
فأما المفردة فهى كل ما كان التشبيه فيها حاصلا باعتبار صورة بصورة، أو معنى بمعنى من غير زيادة، وهذا كقوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (37)
[الرحمن: 37] فشبه السماء يوم القيمة بالدهان، وهو الجلد الأحمر ونحو قوله تعالى: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ
[النمل: 10] فشبه العصا بالجان لا غير، من غير زيادة وهى كثيرة فى القرآن، أعنى التشبيهات المفردة، وهى فى ورودها على جهة القرب فى تشبيهها غير بعيدة ومألوفة غير مستنكرة، قد حازت من اللطافة والرقة ما لا يخفى حاله على ناظر، ومثال البعيد تشبيه الفحم إذا كان فيه جمر، ببحر من مسك موجه ذهب، ونحو تشبيه الدم بنهر من ياقوت، فما هذا حاله يصعب وجوده إلا على جهة التصور، ومثال الخفى تشبيه الأمور المحسوسة بالمعانى، كما شبّهت النجوم فى الظلام بالسنن خالطتهن البدعة، فما هذا حاله من التشبيهات خال عن تشبيهات القرآن العظيم وبمعزل عنها كما قلناه.
«وأما» المركبة فكقوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[إبراهيم: 26] وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ
[البقرة: 171] وقوله تعالى:
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: 5] وحاصل المركبة أنها فى مقصود التشبيه، تشبيه أمرين بأمرين، أو أكثر، إلى غير ذلك من التركيبات، ومن تشبيه المفرد بالمركب قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ
[النور: 35] فشبه النور المفرد بالمشكاة المركبة من هذه الأجزاء والأوصاف، فأما تشبيه المركب بالمفرد فلم أجد فى القرآن مثالا له، وما ذاك إلا
(3/185)

لقلتّه وغرابته، وهو موجود فى الشعر على جهة الندرة، فقد حصل لك مما ذكرنا أن التشبيهات الواردة فى القرآن جامعة للأوصاف التامة المعتبرة فى البلاغة ليس فيها غرابة ولا بعد عن المألوف، والله أعلم بالصواب.
النظر الثانى من علوم البيان فى الاستعارة
اعلم أن الاستعارة من أشرف ما يعد فى القواعد المجازية، وأرسخها عرقا فيه، ولا خلاف بين علماء البيان فى كونها معدودة من المعانى المجازية، وإنما الخلاف إنما وقع فى قاعدة التشبيه، هل يعد من المجاز أولا، وفيه خلاف قد شرحناه، وأظهرنا وجه الحق فى ذلك، فأغنى عن تكريره، وقد أشرنا إلى بدائع أسراره من قبل، والذى نذكر ههنا هو كيفية وقوعها فى التنزيل، وهى واقعة على أضرب أربعة.
الضرب الأول منها استعارة المحسوس للمحسوس
وهذا كقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
فالمستعار هو النار، والمستعار له، هو الشيب بواسطة الانبساط والإسراع فالطرفان محسوسان كما ترى، والجامع بينهما محسوس، ولكنه فى النار أظهر، ويلحق بهذا الضرب قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41)
[الذاريات: 41] فالمستعار له هو الريح، والمستعار منه هو المرأة، والجامع بينهما عدم الإنتاج وظهور الأثر، فالطرفان ههنا حسيان، لكن الجامع بينهما أمر عقلى، بخلاف الأولى، فإن الجامع أمر حسى كما أوضحناه، ومن هذا قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[يس: 37] فالمستعار له هو ظهور النهار من الليل وظلمته، والمستعار منه هو ظهور المسلوخ من جلده، فالطرفان حسيان كما ترى، والجامع بينهما ما يعقل من ترتيب أحدهما على الآخر، ومنه قوله تعالى: فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
[يونس: 24] فالمستعار له هو الأرض المتزخرفة المتزينة بالنبات، والمستعار منه هو نباتها، وهما حسيان، والجامع بينهما الهلاك، وهو أمر معقول غير محسوس، ومن هذا قوله تعالى: حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (15)
[الأنبياء: 15] فأصل الخمود للنار، فالمستعار منه هو للنار، والمستعار له هو القوم المهلكون، والجامع بينهما هو الهلاك، ونحو قوله تعالى:
(3/186)

وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] فالمستعار منه هو الطائر، والمستعار له هو الولد، والجامع بينهما هو لين العريكة وانحطاط الجانب، وهو معقول غير محسوس، ومن هذا قوله تعالى: إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)
[الذاريات: 42] والرميم هو العظم البالى، استعير للإهلاك، والأمثلة فى التنزيل أكثر من أن تحصى بجانب الاستعارة.
الضرب الثانى استعارة معقول من معقول بواسطة أمر معقول
وهذا كقوله تعالى: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
[يس: 52] فالمستعار هو الرقاد، والمستعار له هو الموت، والجامع بينهما هو سكون الأطراف وبطلان الحركة، وهكذا قوله تعالى:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
[الأعراف: 154] فوصف الغضب بالسكوت على جهة الاستعارة، فالمستعار هو السكوت، والمستعار له هو الغضب، والجامع بينهما هو زوال الغضب، كما أن السكوت زوال الكلام، وهذه كلها أمور عقلية، ومن هذا قوله تعالى:
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
[الملك: 8] فالتّميز ههنا هو شدة الغضب، فالمستعار منه هو حالة الإنسان عند غضبه، استعيرت للنار عند شدة تلهبها، والجامع بينهما هو الحالة المتوهّمة عند شدة الغيظ، فهى مستعارة للنار، اللهم أجرنا منها برحمتك الواسعة.
ومن هذا قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23)
[الفرقان: 23] ففيه استعارتان، الأولى فيهما قوله تعالى: وَقَدِمْنا
فإنما يستعمل فى حق الغائب، فاستعير لعرض أعمال الكفار على الله تعالى، والجامع بينهما أمر معقول، وهو تصييرها إلى البطلان والتلاشى، والثانية قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23)
والهباء حقيقته، الغبار الثائر من الأرض عند دخول الشمس من الكوة، وهو مستعار للأعمال الباطلة، والجامع بينهما هو التلاشى والبطلان، وهذان المثالان حسيان، لكنا إنما أوردناهما فى هذا الضرب وإن كان استعارة المعقول من المعقول، لما كان الجامع بينهما أمرا معقولا كما ترى.
الضرب الثالث استعارة المحسوس للمعقول
ومثاله قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
[الأنبياء: 18] والغرض من هذا
(3/187)

إثبات الصفات المحسوسة للأمور المعقولة على جهة الاستعارة، وبيانه هو أن القذف والدمغ من صفات الأجسام، يقال دمغه إذا هاض قحف رأسه، وقذفه بالحجر، إذا رماه به، وقد استعير ههنا للحق والباطل، والجامع بينهما هو الإعدام والذهاب، ومن هذا قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[الحجر: 94] والصدع من صفات الأجسام، يقال انصدع الإبريق والقارورة، وقد استعير ههنا لوضوح أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيما جاء به من الحق وإظهار النبوة، والجامع بينهما هو التفرقة بين الحق والباطل وإزالة التباس أحدهما بالآخر، ومن هذا قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
[البقرة: 214] فالزلزلة حقيقتها هى الاضطراب فى الأجسام، وقد استعيرت ههنا للفشل والاضطراب فى الأحوال، والجامع بينهما هو تغير الأحوال، وهكذا قوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
[آل عمران: 187] فحقيقة النبذ إنما يكون مستعملا فى طرح الشىء من أعلى إلى أسفل، ثم استعمل مجازا على جهة الاستعارة فى إلقاء ما حملوه من التكاليف عن أنفسهم بترك الامتثال، والجامع بينهما هو الإعراض عما ألزموا به من تلك الأمور كلها، إلى غير ذلك من الاستعارات الرائقة من محسوس بمعقول.
الضرب الرابع استعارة المعقول للمحسوس
ومثاله قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (11)
[الحاقة: 11] فالطغيان هو التكبر والاستعلاء بغير حق وهما أمران معقولان، ثم استعير الطغيان للماء، وهو محسوس، والجامع بينهما هو الخروج عن الحد فى الاستعلاء على جهة الإضرار، ومن هذا قوله تعالى بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (6)
[الحاقة: 6] فالعتو هو التكبر، وهو من الأمور المعقولة، استعير ههنا للريح، وهى محسوسة، والجامع بينهما هو الإضرار الخارج عن حد العادة، ولنقتصر على هذا القدر من لطيف الاستعارة ففيه كفاية لما أردناه ههنا.
(3/188)

النظر الثالث من علوم البيان فى أسرار الكناية
اعلم أن الكناية فى لسان علماء البيان ما عوّل عليه الشيخ عبد القاهر الجرجانى، وحاصل ما قاله هو أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعانى، فلا يذكر باللفظ الموضوع له بل يأتى بتاليه، فيومىء به إليه ويجعله دليلا عليه، وتلخيص ما قاله هو اللفظ الدال على ما أريد به بالحقيقة والمجاز جميعا، ومثاله قولهم: فلان كثير رماد القدر، فإن هذا الكلام عند إطلاقه قد دل على حقيقته ومجازه معا، فإنه دال على كثرة الرماد، وهو حقيقته، وقد دل على كثرة الضّيفان، وهذا مجازه، وهذا يخالف الاستعارة، فإنك إذا قلت: جاءنى الأسد، وأنت تريد الإنسان، فإنه دال على المجاز لا غير، والحقيقة متروكة، وهذه هى التفرقة بين الكناية والاستعارة، والتفرقة بين التعريض والكناية، هو أن الكناية دالة على ما تدل عليه بجهة الحقيقة والمجاز جميعا، بخلاف التعريض، فإنه غير دالّ على ما يدل عليه حقيقة ولا مجازا، وإنما يدل عليه بالقرينة، فافترقا، وأمثلة الكناية كثيرة فى كتاب الله تعالى ولكنا نقتصر منها على قوله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
[الحجرات: 12] فهذه الآية الكريمة قد اشتملت على أسرار فى الكناية قد أشرنا إليها ورمزنا إلى مقاصدها فى قاعدة الكناية من الكتاب، ومن ذلك قوله تعالى:
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
[المائدة: 75] فهو دال على ما وضع له فى أصله من إفادته لحقيقة الأكل، ولكنه مقصود به قضاء الحاجة، وهو مجاز فى حقه، فلهذا قلنا بأن الكناية دالة على حقيقة الكلام ومجازه، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
[الأحزاب: 27] فقوله: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
كما يحتمل الحقيقة وهى الأرض المنبتة فهو يحتمل أن يراد به المجاز، وهو الفروج التى ملكهم إيّاها بالاسترقاق، فلهذا أحل الوطء، ويصدق هذه الكناية قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
[البقرة: 223] فأما التعريض فهو كما أشرنا إليه دال بالقرينة وليس دالا على حقيقة ولا مجاز، وهذا كقوله تعالى فى قصة إبراهيم عليه السلام: قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (63)
[الأنبياء: 62- 63] فهذه الآية إنما وردت كناية وتعريضا بحالهم، وتهكما واستهزاء بعقولهم، ولم يرد إسناد
(3/189)

الفعل إلى كبيرهم فذلك مستحيل لكونه جمادا، ولكنه أراد التسفيه لحلومهم، والاستضعاف لعقولهم، كأنه قال: يا جهال البرية، كيف تعبدون ما لا يسمع ولا يعقل ولا يجيب سؤالا ولا يحير جوابا، وتجعلونه شريكا لخالق السماء والأرض فى العبادة، فإن كان كما تزعمون فهو إنما فعله كبيرهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون، ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[الحج: 73- 74] فهذه الآية إنما وردت على جهة التعريض بحال الكفار من عبدة الأوثان والأصنام، وأن من هذا حاله فى الضعف والهوان والعجز كيف يستحق أن يكون معبودا، وأن توجه إليه العبادة، وهو لا يستنقذ شيئا من أضعف الحيوانات، ولا يقدر على دفعه لو أراد به سوءا، فهذه فى دلالتها على ما تدل عليه لم تبق عليهم فى النعى شيئا، ولا تركت عليهم بقية فى نقص عقولهم، والازدراء بأحلامهم، والتسفيه لما هم عليه من ذلك، فصدر الآية بما هو المقصود على جهة التأكيد بقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[الأعراف: 194] ولم يقل إن هذه الأوثان، تقريرا بالصلة والموصول لما هم عليه من اتخاذهم شركاء، واسم الأوثان والأصنام لا يؤدى هذا المعنى، ثم عقبها بالنفى على جهة التأكيد بلن فى المستقبل بقوله: لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
دلالة على العجز وإظهارا فى أن من هذا حاله فلا يستحق أن يكون معبودا، ولا يستأهل الشركة فى الإلهية، ثم بالغ فى استحالة الخلق منهم للذباب بقوله تعالى: وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
لأن بالأجتماع تكون المظاهرة حاصلة، فإذا كان الإياس من خلقه مع الاجتماع، فهو مع الانفراد أحق لا محالة، ثم أكد ذلك بقوله: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
يشير بذلك إلى أنهم عاجزون عن خلق الذباب وتدبيره نهاية العجز، ويدل على ذلك أنهم لو أخذ منهم الذباب شيئا على جهة السلب والاستيلاء ما قدروا على أخذه والانتصار منه، وهذا هو النهاية فى تقاصر الهمم وحقارتها وأنهم فى الحقيقة جامعون بين خصلتين، كل واحدة منهما كافية فى العجز، فضلا عن اجتماعهما، إحداهما عدم القدرة على خلق الذباب، والثانية عدم الانتصار منه إذا رام أخذ شىء منهم، وخلاصة هذا الكلام وغايته، أنه يستحيل عليهم بإدخال النقص فى حلومهم وضلالهم عن الحق فيما جاءوا من عبادة هذه الأصنام، أن أذل المخلوقات وأحقرها وأضعفها حالة، وأصغرها حجما، يقهرها ويسلبها ويأخذ
(3/190)

متاعها لا تنتصر منه، وأدخل من هذا فى العجز أنه قادر على سلبهم فلا يمتنعون منه، ثم قال: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)
[الحج: 73] فعقّب هذه الآية دلالة على الاستواء فى الضعف بالإضافة إلى جلال الله تعالى وعظم قدرته وأن الكل، من الذباب والأصنام ضعيفة حقيرة بل لا متنع أن يكون الذباب أتم خلقا لكونه حيوانا قادرا، والأصنام جمادا لا حراك بها، ولا شك أن خلق الحيوان أتم من خلق الجماد وأكمل حالة، وحكى عن ابن عباس: أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، ويضعون على رءوسها العسل، فيأتى الذباب فيقع على رءوسها من الكوى فلا تنتصر منه، ثم قال: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[الحج: 74] فى ادعاء الشركة بينه وبين الأصنام فى استحقاق الإلهية والعبادة، فجعلها ختاما لما قدم من حكاية حالهم فى نهاية الضعف والعجز، ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على ما اشتملت عليه هذه الآية، وتحتها من الأسرار واللطافة ما لو ذكرناه لسودنا أوراقا كثيرة ولم نذكر منه أطرافا.
(3/191)

النظر الرابع من علوم البيان فى ذكر التمثيل
اعلم أن التمثيل نوع من أنواع البيان. وهو مخالف للتشبيه، فإن التشبيه إنما يكون فى المظهر الأداة، وهذا نوع من الاستعارة، وهو معدود من أنواع المجاز، وإنما قلنا إنه من الاستعارة من جهة أن الاستعارة حاصلة فيه، وإنما تقع التفرقة من جهة أن الوجه الجامع، إن كان منتزعا من عدة أمور فهو التمثيل، وإن كان مأخوذا من أمر واحد فهو الاستعارة، ثم إنه قد يتفاوت فى الحسن، لأنه يستعمل على وجهين: أحدهما أن لا يظهر وجه التشبيه فى الأستعارة، بل يكون تقدير التشبيه فيها عسرا صعبا، فما هذا حاله يعد من أحسن الاستعارة وهذا كقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل:
112] وقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: 24] فما هذا حاله استعارة لا يظهر فيها وجه التشبيه، فلو أردت التكلّف فى إظهار وجه المشابهة لخرج الكلام عن حد البلاغة، وكلما ازدادت الاستعارة خفاء ازدادت حسنا ورونقا، وهذا هو مجراها الواسع المطّرد، وثانيهما أن يكون هناك مشبه ومشبه به من غير ذكر أداة التشبيه، فما هذا حاله من الاستعارة دون الأول فى الحسن، والتمثيل فى القرآن كقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18)
[البقرة: 18] فالآية إنما جاءت مسوقة على أن حال هؤلاء الكفار قد بلغوا فى الجهل المفرط والعمى المستحكم فى الإصرار والجحود على ما هم عليه من الكفر والعناد، بمنزلة من هو أصم أبكم أعمى، فلا يهتدى إلى الحق ولا يرعوى عما هو عليه من الباطل، ومنه قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
[الجاثية: 23] فحاصل الأمر أن كل من انقاد لهواه، وأعرض عن حكم عقله فى كل أحواله، وصار العقل منقادا فى حكمة الذل موطوءا بقدم الهوى، فإنه ينزل فيما هو فيه منزلة من ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فهو معرض عما يأتيه من الحق صادف عنه وهكذا قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى
(3/192)

سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[البقرة: 7] فما هذا حاله معدود فى التمثيل، وتقريره أنهم لما نكصوا عن قبول الحق وأعرضوا عما جاء به الرسول من نور الهدى، صاروا فى حالتهم هذه بمنزلة من ختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فمن هذا حاله لا اهتداء له إلى الحق ولا طريق إليه، فهكذا حال التمثيل فى جميع مجاريه يكون مخالفا للتشبيه المظهر الأداة، ومخالفا للاستعارة أيضا، فيكون على ما ذكرناه من أحد نوعى الاستعارة، وهو الذى يكون الوجه الجامع منتزعا من عدة أمور، وإذا وقفت على حقيقة الأمر فيه فلا عليك فى التلقيب، وفيما ذكرناه كفاية فى التنبيه على ما أردنا ذكره من العلوم البيانية مع ما سلف ذكره فى أول الكتاب، والله الموفق للصواب.
(3/193)

القسم الثالث من علوم البلاغة علم البديع
اعلم أن هذا الفن من التصرف فى الكلام مختص بأنواع التركيب، ولا يكون واقعا فى المفردات، وهو خلاصة علمى المعانى والبيان ومصاص سكّرهما، وقد قررنا فيما سبق ماهية الفصاحة والبلاغة. فأغنى عن ذكرهما.
وعلم البديع هو تابع للفصاحة والبلاغة، فإذن هو صفو الصفو وخلاص الخلاص، وبيان ذلك هو أن العلوم الأدبية بالإضافة إلى حاجته إليها وترتّبه عليها على خمس مرات، كل واحدة منها أخص من الأخرى، وهو الغاية التى تنتهى إليه كلها إذ «ليس وراء عبّادان قرية» .
المرتبة الأولى علم اللغة
وهو علم الألفاظ المجردة الموضوعة للدلالة على معانيها المفردة كالإنسان، والفرس، والجدار، وغير ذلك، فإنه لا يستفاد منه إلا ما ذكرناه من المعانى المفردة من غير زيادة عليه.
المرتبة الثانية علم التصريف
وهو علم جليل القدر من علوم الأدب متعلّقه العلم بتصحيح الألفاظ، وهو أخص من علم اللغة، لأن متعلقه ليس إلا سلامة الألفاظ ومعرفة أصليّها من زائدها وصحيحها من عليلها، وإجراء إعلالها على القوانين المألوفة.
المرتبة الثالثة علم الإعراب
وهو أخص مما سبقه، لأن ما سبقه من علم اللغة والتصريف، يختصان بالأمور المفردة، وهذا مختص بالكلم المركبة، لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد والتركيب، فمن أجل ذلك كان أخص حكما فيهما لما ذكرناه، ومحصوله فائدة التركيب وهو إفادة الكلام.
المرتبة الرابعة علم المعانى
وهو أخص من علم الإعراب من جهة أن علم الإعراب تحصل فائدته بمطلق التركيب، وعلم المعانى له فائدة وراء ما ذكرناه من التركيب، وهو ما يتعلق بالأمور الخبرية، من تعريفها، وتنكيرها، وتقديمها، وتأخيرها، وفصلها، ووصلها، وبالأمور الطلبية الإنشائية، كالأوامر، والنواهى، والتمنى، والترجى، والدعاء، والنداء، والعرض، فانظر فيها أخص من النظر فى علم الإعراب كما ترى.
(3/194)

المرتبة الخامسة علم البيان
وهو أخص من علم المعانى، لأن حاصل دلالته على ما يدل عليه، ليس من جهة الإنشاء، ولا من جهة الخبر، ولكن من دلالة أخص من ذلك، وهى دلالة اللفظ على معناه، إما بحقيقته، بتشبيه، أو غير تشبيه، وإما من جهة مجازه، إما بطريق الاستعارة، أو بطريق الكناية، أو بطريقة التمثيل كما مر تقريره، وهى التى تكسب الكلام الذوق والحلاوة، والرونق والطلاوة، فى البلاغة والفصاحة، فإذا تمهدت هذه القاعدة، فاعلم أن علم البديع حاصله معرفة مقصود بلاغة الكلام وفصاحته، وهذا لا يحصل بتمامه وكماله إلا بإحراز ما سلف من العلوم الأدبية، فهو خلاصتها وصفوها ونقاوتها، وهى وصلة إليه، وأنا الآن أعلو ذروة لا ينال حضيضها فى ضرب مثال لهذه العلوم من الأمثلة الحسنة، يظهر به جوهرها ويروق حسنها، فأقول هذه العلوم الأدبية بمنزلة عقد نفيس مؤلف من الدرر واللآلىء سالمة جواهره من الصدع والانشقاق، مؤلف تأليفا بديعا، فتارة يجعل طوقا فى العنق، وتارة إكليلا على الجبين، وتارة يكون وشاحا على الخصر، موضوعا على شكل يتلاءم تأليفه، فالكلم اللغوية المفردة بمنزلة اللآلىء والدّرر المبددة، وعلم التصريف هو سلامته عن الشقوق والانصداع، وتأليفها هو بمنزلة علم الإعراب، فإذا جعلت طوقا، أو إكليلا، أو قرطا ورعاثا، فهو بمنزلة علم المعانى، فإذا جعل الإكليل على الجبين، وجعل الطوق فى العنق، والقرط فى الأذن، فهو بمنزلة علم البيان، فإذا جعل الإكليل على الجبين مطولا بطوله، والطوق على تدوير العنق، وجعلت على المساحة اللائقة بلبسها، كانت بمنزلة علم البديع، ألا ترى أنه لو وضع الإكليل معترضا على الخد، لم يكن ملائما لحقيقة تأليفه، فكل واحد من هذه العلوم على محلّ ومنزلة فى الحاجة منها، كما فصلته لك كما أن كل واحدة من هذه المزايا فى العقد على حظّ ومرتبة فيه، بحيث لو أخلّ بها، فات الغرض المقصود به، فهذا هو المثال الكاشف عن حال هذا العلم بالإضافة إلى العلوم الأدبية، وهو مطابق لما ذكرت من العقد المؤلف على الحد الذى قررته، فليكن من الناظر تأمّله بعين الإنصاف، فإذا عرفت هذا فلنذكر علم البديع وأسراره، وهى منقسمة إلى ما يكون متعلقا بالفصاحة اللفظية، وإلى ما يكون متعلقا بالفصاحة المعنوية، فهذان طرفان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما من الأمثلة والله تعالى الموفق للصواب.
(3/195)

الطرف الأول فى بيان ما يتعلق بالفصاحة اللفظية
اعلم أنا إنما جعلنا هذا الطرف متعلقه الفصاحة اللفظية، لما كان أمره وشأنه متعلقا بالألفاظ ومشاكلة الكلم وازدواج الألفاظ، فلأجل هذا جعلناه متعلقا باللفظ، وجملة ما نذكر من ذلك ضروب عشرة.
الضرب الأول منها التجنيس
وهو على تنوعه عبارة عن اتفاق اللفظين فى وجه من الوجوه مع اختلاف معانيهما، وهو عظيم الموقع فى البلاغة، جليل القدر فى الفصاحة، ولولا ذلك لما أنزل الله كتابه المجيد على هذا الأسلوب، واختاره له كغيره من سائر أساليب الفصاحة، ثم ينقسم إلى كامل، وإلى ناقص، فالكامل هو أن تتفق الكلمتان فى الوزن، والحركات والسكنات، ويقع الاختلاف فى المعانى، ولم يقع فى كتاب الله تعالى تجنيس كامل إلا فى قوله تعالى:
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[الروم: 55] وأما الناقص فأبنيته كثيرة ومضطرباته واسعة، فمنه التجنيس الناقص، وهو أن تكون إحدى الكلمتين مشتملة على لفظ الأخرى مع زيادة، ومثاله قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30)
[القيامة: 29- 30] فزيادة الميم فى المساق هو الذى أوجب كونه جناسا ناقصا، وهذا يقال له «المذيّل» أيضا، ومنه «المصحّف» وهو أن تتفق الكلمتان خطا لا لفظا، ومثاله قوله تعالى وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)
[الكهف: 104] ومنه «المضارع» وهو أن تتفق الكلمتان فى حرف واحد، سواء وقع أولا أو آخرا أو وسطا، ومثاله قوله تعالى وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ
[النساء: 83] فقد اتفق الأمر والأمن، فى الهمزة والميم، ومنه «المتوازن» وهو أن تتفق الكلمتان فى الوزن ويختلفا فيما عداه، ومثاله قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)
[الغاشية: 15- 16] ومنه «المعكوس» ومثاله قوله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)
[يس: 40] ومعنى العكس فى هذا أنه يقرأ من آخره كما يقرأ من أوله ونحو قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)
[المدثر: 3] وقد يجىء العكس على غير هذا فى الكلم فى مثل قولهم: «عادات السادات سادات العادات» ومنه «الاشتقاقى» وهو أن تتفق الكلمتان
(3/196)

فى معنى واحد يجمعهما، ومثاله قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
[الروم: 43] وقوله تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (54)
[الرحمن: 54] وقوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[الروم: 30] ونحو قوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ
[الواقعة: 89] فهذا ما أردنا ذكره من التجنيس.
الضرب الثانى التسجيع
وهو فى كتاب الله تعالى أكثر من أن يعد ويحصى، وهو فى النثر نظير التقفية فى الشعر، ويرد تارة طويلا، وتارة قصيرا، ومرة على جهة التوسط، فهذه وجوه ثلاثة، أولها القصير، كقوله تعالى فى سورة المدثر: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)
[المدثر: 3- 5] ، إلى آخر الآيات بعد قوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)
[المدثر: 1- 2] وقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4)
[النجم: 1- 4] وثانيها الطويل، ومثاله قوله تعالى: فى سورة الملك الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (3)
[الملك: 2- 3] وثالثها أن يكون متوسطا، ومثاله قوله تعالى: يْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)
[الغاشية: 6- 7] وقوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)
[الغاشية: 17- 18] وأكثر العلماء على حسن استعماله، ولهذا ورد القرآن على استعماله، ومنهم من أنكره، ثم إن الفواصل التى تكون مقررة عليها الآى، أقلّها فاصلتان، ويردان على أوجه ثلاثة، أولها أن تكونا متساويتين فى أنفسهما من غير زيادة ولا نقصان، وهذا كقوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (1) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (3)
[العاديات: 1- 3] وقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)
[الضحى: 9- 10] وثانيها أن تكون الفقرة الثانية أطول من الأولى، ومثاله قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (12) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (13)
[الفرقان: 11- 13] فالثانية كما ترى أطول من الأولى، وثالثها عكس هذا، وهو أن تكون الثانية أقصر من الأولى، وهو معيب عند جماهير أهل هذه الصناعة، ولا يكاد يوجد من هذا الضرب شىء فى القرآن، وإنما أكثر وروده على الوجهين الآخرين.
(3/197)

الضرب الثالث لزوم ما لا يلزم
ويقال له الإعنات أيضا، وقد ورد فى كتاب الله تعالى، وحاصله أن يلتزم الناثر حرفا مخصوصا مع اتفاق الكلمتين فى الأعجاز، ومثاله قوله تعالى: وَالطُّورِ (1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2)
[الطور: 1- 2] فالتزم وجود الواو مع التزام الراء فى آخر السجعتين، ونحو قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2)
[العلق: 1- 2] وقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10)
[الضحى: 9- 10] وقوله تعالى:
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)
[الواقعة: 28- 29] وهو كما يرد فى النثر، فهو وارد فى النظم، وقد ذكرناه أمثلته فيما تقدم فأغنى عن التكرير.
الضرب الرابع رد العجز على الصدر
وهو أن يأتى فى آخر الكلام بما يوافق أوله ومثاله قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
[الأحزاب: 37] وقوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (61)
[طه: 61] فهذه أمثلة لرد العجز على الصدر مع الزيادة، وقد يكون الاتفاق على جهة المساواة، كقولهم الحيلة ترك الحيلة، والقتل أنفى للقتل.
الضرب الخامس المطابقة
ويقال الطباق أيضا، والتضاد، والتكافؤ والمقابلة وحاصله الإتيان بالنقيضين والضدين ومثاله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
[النحل: 90] فانظر إلى ما تضمنته هذه الآية من المقابلات الحالية، والمتضادات المتكافئة، فالأمر قد اشتمل على ثلاث مقابلات، والنهى قد اشتمل على عكسها وضدها، ثم إن الأمر فى نفسه يقتضى النهى كما ترى، وقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
[النساء: 36] فالأمر يقتضى النهى، والعبادة نقيضها الشرك إلى غير ذلك من التقابل العجيب الذى اشتمل عليه القرآن.
(3/198)

الضرب السادس الترصيع
وهو من علم البديع بمحل ومكان رفيع، ولم يرد فى القرآن شىء منه على علو قدره وظهور بلاغته، وهو قليل نادر لصعوبة الأمر فيه، ولولا ما ورد من اختلاف الجمعين فى الأبرار، والفجار، وفى قوله: لَفِي نَعِيمٍ (13)
لكان ترصيعا فى قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)
[الانفطار: 13- 14] فإنه لو أبدل الفجار بلفظ يوازن الأبرار وأبدل لفظ فى، لكان ترصيعا، لكن لما ورد هكذا لم يعد ترصيعا، فلو قال مثلا:
إن الأبرار لفى نعيم، وإن الأشرار لمن جحيم، لكان ترصيعا، ولكنه جمع الفجار، للكثرة وجمع الأبرار للقلة، فأخرجه عما يرد من الترصيع تنبيها على قلة أهل الإيمان وكثرة أهل الفجور، وقد عرفت مثاله لو ورد على ما قلناه.
الضرب السابع اللف والنشر
وهو ذكر الشيئين على جهة الاجتماع مطلقين من غير تقييد، ثم يرمى بما يليق بكل واحد منهما اتكالا على قريحة السامع، بأن يلحق بكل واحد منهما ما يستحقه، ومثاله قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[القصص: 73] فجمع أولا بين الليل والنهار بواو العطف ثم إنه بعد ذلك أضاف إلى كل واحد منهما ما يليق به، فأضاف السكون إلى الليل، من جهة أن تصرف الخلق يقل ليلا لأجل ما يعتريهم من النوم، ثم قال بعد ذلك: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
أضافه إلى النهار، لأن ابتغاء الأرزاق إنما يكون نهارا بالتصرف والاحتيال، واكتفى فى البيان والتفصيل بما يظهر من قرينة الحال فى معرفة حكم كل واحد منهما كما مر بيانه.
الضرب الثامن الموازنة
وهو اتفاق آخر الفقرتين فى الوزن، وإن لم يتجانسا فى الأحرف، ومثاله قوله تعالى:
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (118)
[الصافات: 117- 118] فقوله
(3/199)

المستبين، والمستقيم، وزنهما واحد كما ترى، ونحو قوله تعالى: لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)
[مريم: 81] ثم قال بعد ذلك: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (81)
[مريم: 82] فالعز والضد مستويان فى الزنة، وهكذا قوله تعالى: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)
[مريم: 83] مع قوله: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)
[مريم: 84] وهو كثير الورود فى كتاب الله تعالى.
الضرب التاسع المقابلة
وحاصلها مقابلة اللفظ بمثله، ثم هى تأتى على وجهين، أحدهما مقابلة المفرد بالمفرد، ومثاله قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (60)
[الرحمن: 60] وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
[الروم: 44] وقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[الشورى: 40] وثانيهما مقابلة الجملة بالجملة، ومثاله قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54)
[آل عمران: 54] وقوله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي
[سبأ: 50] فما هذا حاله من المقابلة فى الوجهين جميعا له حظ فى البلاغة، ومقصد عظيم لا يخفى على من له أدنى ذوق مستقيم.
الضرب العاشر الترديد
وفائدته أن تورد اللفظة لمعنى من المعانى، ثم تردها بعينها وتعلّق بها معنى آخر، ومثاله قوله تعالى: حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ
الله أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: 124] وهو كثير دوره فى المنظوم والمنثور من كلام الفصحاء، وقد يحصل فى مصراع واحد كما قال بعض الشعراء:
ليس بما ليس به بأس باس ... ولا يضرّ المرء ما قال الناس «1»
فانظر إلى تكرير هذه اللفظة وترديدها، وإفادتها لمعان مختلفة، ولنقتصر على هذا القدر من الفصاحة اللفظية.
(3/200)

الطرف الثانى فى بيان ما يتعلق بالفصاحة المعنوية
وإنما أوردنا هذا بيانا للفصاحة المعنوية لما كان متعلّقا بالمعانى دون الألفاظ، وجملة ما نورده من ذلك ضروب عشرة، ففيها كفاية فى غرضنا.
الضرب الأول التتميم
وهو الإتيان بجملة عقيب كلام متقدم لإفادة التوكيد له والتقرير لمعناه، ومثاله قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
وهل يجازى إلا الكفور (17) [سبأ: 17] فقوله: وهل يجازى إنما ورد على جهة التوكيد لما مضى من الكلام الأول، وقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
[الأنبياء: 34] ثم قال: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34)
[الأنبياء: 34] فأورده على جهة توكيد الكلام الأول، ثم قال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[آل عمران: 185] تأكيدا ثانيا لما سلف من الجملة الأولى والله أعلم بالصواب.
الضرب الثانى الائتلاف والملائمة
وهو أن يكون اللفظ ملائما للمعنى، فإذا كان الموضع موضعا للوعد والبشارة، كان اللفظ رقيقا ومثاله قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)
[التوبة: 21] وقوله تعالى: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)
[الصف:
13] فانظر إلى هذه الألفاظ، كيف رقت وكان فيها من السلاسة ما لا يخفى، وإذا كان الموضع موضعا للوعيد والنذارة، وكان اللفظ جزلا، ومثاله قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا
[الأنعام: 27] وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)
[القصص: 62] فانظر إلى التفاوت بين المقامين فى الجزالة، والرقة، وكل واحد منهما ملائم للمعنى الذى جىء به من أجله، وهكذا تجد ألفاظ القرآن على هذه الصفة، وهذا إنما يدرك بالقريحة الصافية، والذوق السليم.
(3/201)

الضرب الثالث الجمع والتفريق
وهما أيضا من أوصاف البلاغة، فأما الجمع فكقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[آل عمران: 14] وقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ
[الكهف: 46] فهذه الأمور قد جمعها، وأما التفريق فكقوله تعالى:
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)
[هود: 106] ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ
[هود: 108] وقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ
[آل عمران: 106] وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ
[آل عمران: 107] إلى غير ذلك من أفانين الجمع والتفريق، وهما كثيرا الورود فى كتاب الله تعالى.
الضرب الرابع التهكم
وهو إنما يكون عن شدة الغضب، ومثاله قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21)
[آل عمران: 21] فالبشارة إنما تورد فى الأمور السارة اللذيذة، وقد أوردها هنا فى عكسها تهكما بهم وغضبا عليهم، ونحو قوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)
[هود:
87] فالغرض من مقصودهم إنك السفيه الجاهل، ولكنهم أخرجوه على هذا المخرج تهكما به، وإنزالا لدرجته عندهم، ووروده فى القرآن أكثر من أن يحصى على أفانين مختلفة، وقد أشرنا إليها فيما سبق.
الضرب الخامس التسجيل
وهو عبارة عن تطويل الكلام لإفادة مدح أو ذم، ومثاله الآيات الواردة فى عبدة الأوثان والأصنام، فإن الله تعالى ما ذكرهم إلا وسجّل عليهم بالنّعى لأفعالهم والذم لمقالتهم، والاستهجان لعقولهم، والإنزال لدرجاتهم، وهذا كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ
[الأعراف: 194] وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ
(3/202)

تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
[الحج: 73] فهذا كله مثال فى تسجيل الذم، وأما التسجيل فى المدح، فكالأوصاف التى ذكرها الله وأطنب فى شرحها فى حق أهل الإيمان، كالآيات التى فى فواتح سورة البقرة فى صفة المتقين، والآيات التى فى صدر سورة المؤمنين، فهذا كله معدود فى التسجيل.
الضرب السادس الإلهاب والتهييج
وهما عبارتان عن الحثّ على الفعل لمن لا يخلو عن الإتيان به، وعلى ترك الفعل لمن لا يتصور منه تركه، ومثاله قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65)
[الزمر: 65] وقوله تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)
[الزمر: 66] ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2)
[الزمر: 2] وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
[الروم: 30] وقوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[هود: 112] وقوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35)
[الأنعام: 35] فهذا كله وارد على جهة الحث لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم والتحذير له عن مواقعة هذه الأفعال.
الضرب السابع التلميح
وهو عبارة عن الإشارة فى أثناء الكلام إلى الأمثال السائرة، ومثاله قوله تعالى:
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ
[العنكبوت: 41] وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
[الأعراف:
176] وقوله: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: 5] فما هذا حاله إذا ورد فى الكلام فإنه يكسبه بلاغة ورشاقة، ويزيده وضوحا ويصير كالشّامة فى بدن الإنسان ويزيده فى الأذهان قبولا ونضارة.
الضرب الثامن جودة المطالع والاستفتاحات للكلام
اعلم أن ما هذا حاله تتفاوت الناس فيه كثيرا، فإنه إذا كان حسنا كان مفتاحا للبلاغة،
(3/203)

وديباجة للبراعة، ولهذا فإنك تجد الافتتاحات فى القرآن الكريم على أحسن ما يكون وأبلغه، للملائمة المقصود بالسورة من إيقاظ كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)
[المزمل: 1] ، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)
[المدثر: 1] ، يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
[النساء: 1] ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ
[الأحزاب: 1] ، وغير ذلك، أو بشارة كقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)
[المؤمنون: 1] أو إنذار كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)
[الحج: 1] وهكذا جميع السور فإنها دالة على المقصود فى الابتداء.
الضرب التاسع التخلص
وهو عبارة عن الخروج إلى المقصد المطلوب عقيب ما ذكره من قبل، ومثاله قوله تعالى فى سورة المدثر: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)
[المدثر: 1- 2] ثم تخلص بعد ذلك إلى ما هو المقصود بقوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11)
[المدثر: 11] فلما اتعظ الرسول بالأمر بالإنذار، عقبه بالوعيد الشديد للوليد بن المغيرة بقوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11)
إلى آخر الآيات وهكذا فى كل سورة تجده يتخلص إلى المقصود بأعجب خلاص كما قال تعالى فى سورة النور: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها
[النور: 1] ثم تخلّص بذكر حكم الزانية والزانى إلى ما هو المقصود بعد ما قدم ما قدمه من ذكر السورة المفروضة المحكمة.
الضرب العاشر الاختتامات
وهو عبارة عن توخّى المتكلم ختم كلامه بما يشعر بالنجاح والتمام لغرضه، وهذا تجده فى القرآن على أحسن شىء وأعجبه، فإن الله تعالى ختم سورة البقرة، بالدعاء، والإيمان بالله تعالى والتصديق لرسله، وختم سورة آل عمران بالتنبيه على النظر فى المخلوقات والأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة إلى غير ذلك من جميع السور، فإنك تجدها ملائمة، وتجد المطالع والمقاصد والخواتيم كلها مسوقة على أعجب نظام وأكمله، ولنقتصر على هذا القدر من تعريف ما وقع من علم البديع فى كتاب الله تعالى، وقد أشرنا إلى هذه الأساليب فى أول الكتاب بأكثر من هذا وقررناه بالأمثلة، فأغنى عن الإطالة.
(3/204)

خاتمة لما أوردناه فى هذا الفصل
اعلم أن المقصود بما ذكرناه هو بيان أن القرآن فى أعلا طبقات الفصاحة وقد مهّدنا طريقه، وذكرنا أنه حاصل على الوجوه اللائقة بالبلاغة والأسرار المتعلقة بالفصاحة بحيث لا تتصور فى غيره إلا وهى فيه أتم وأخلق، ولا توجد فى غيره إلا وهى فيه أقدم، وأسبق، وما ذاك إلا لأنه لم تصغه أسلات الألسنة، ولا أنضج بنار الفكرة، وإنما هو كلام سماوى ومعجز إلهى، ما زالت رحال الخواطر الذكية معقولة بفنائه لتطّلع على رموزه، وما برحت الأنظار الصافية مأسورة فى رق ملكه لتقع على أدنى جوهر كنوزه، فأبى الله من ذلك إلا ما سمح به للخاصة من أوليائه، والمرموقين بعين المحبة والمودة من أصفيائه، الذين شغلوا أنفسهم، وأتعبوا خواطرهم فى إدراك سرّه وتحقيقه، وتعطشوا لنيل مخزون تلك الأسرار، فسقوا من صفو رحيقه وجهدوا أنفسهم فى إدراكها، وأظمأوا هو اجرهم فى طلبها حتى صاروا أئمة مقصودين، وسادة معدودين: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)
[العنكبوت: 69] ونخوض الآن فى الكلام فى إعجاز القرآن بمعونة الله تعالى.
(3/205)

الفصل الثانى فى بيان كون القرآن معجزا
اعلم أن الكلام فى هذا الفصل وإن كان خليقا بإيراده فى المباحث الكلامية، والأسرار الإلهية، لكونه مختصا بها ومن أهم قواعدها، لما كان علامة دالة على النبوة وتصديقا لصاحب الشريعة، حيث اختاره الله تعالى بيانا لمعجزته، وعلما دالا على نبوته، وبرهانا على صحة رسالته، لكن لا يخفى تعلّقه بما نحن فيه تعلقا خاصا، والتصاقا ظاهرا، فإن الأخلق بالتحقيق أنا إذا تكلمنا على بلاغة غاية الإعجاز بتضمنه لأفانين البلاغة، فالأحق هو إيضاح ذلك، فنظهر وجه إعجازه، وبيان وجه الإعجاز، وإبراز المطاعن التى للمخالفين، والجواب عنها، والذى يقضى منه العجب، هو حال علماء البيان، وأهل البراعة فيه عن آخرهم، وهو أنهم أغفلوا ذكر هذه الأبواب فى مصنفاتهم بحيث إن واحدا منهم لم يذكره مع ما يظهر فيه من مزيد الاختصاص وعظم العلقة، لأن ما ذكروه من تلك الأسرار المعنوية، واللطائف البيانية من البديع وغيره، إنما كانت وصلة وذريعة إلى بيان السر واللّباب، والغرض المقصود عند ذوى الألباب، إنما هو بيان لطائف الإعجاز، وإدراك دقائقه، واستنهاض عجائبه، فكيف ساغ لهم تركها وأعرضوا عن ذكرها، وذكروا فى آخر مصنفاتهم ما هو بمعزل عنها، كذكر مخارج الحروف وغيرها مما ليس مهمّا، وإنما المهم ما ذكرناه، ثم لو عذرنا من كان منهم ليس له حظ فى المباحث الكلامية، ولا كانت له قدم راسخة فى العلوم الإلهية، وهم الأكثر منهم كالسكاكى، وابن الأثير، صاحب التبيان، وغيرهم ممن برّز فى علوم البيان، وصبغ بها يده، وبلغ فيها جدّه وجهده، فما بال من كان له فيها اليد الطولى، كابن الخطيب الرازى، فإنه أعرض عن ذلك فى كتابه المصنف فى علم البيان، فإنه لم يتعرض لهذه المباحث، ولا شم منها رائحة، ولكنه ذكر فى صدر كتاب النهاية كلاما قليلا فى وجه الإعجاز لا ينقع من غلّة، ولا ينفع من علّة، فإذا تمهد هذا فاعلم أن الذى يدل على إعجاز القرآن مسلكان.
المسلك الأول منهما من جهة التحدّى،
وتقريره هو أنه عليه السلام تحدّى به العرب الذين هم النهاية فى الفصاحة والبلاغة، والغاية فى الطلاقة والذّلاقة، وهم قد عجزوا عن معارضته، وكلما
(3/206)

كان الأمر فيه كما ذكرناه فهو معجز، وإنما قلنا: إنه عليه السلام تحدّاهم بالقرآن لما تواتر من النقل بذلك فى القرآن، وقد نزلهم الله فى التحدّى على ثلاث مراتب، الأولى بالقرآن كله، فقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)
[الإسراء: 88] الثانية بعشر سور منه كما قال تعالى:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
[هود: 13] الثالثة بسورة واحدة كما قال تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[البقرة: 23] ثم قال بعد ذلك: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
[البقرة: 24] فنفى القدرة لهم على ذلك بقضية عامة، وأمر حتم لا تردّد فيه، فدلّت هذه الآيات على التحدى، مرة بالقرآن كله، ومرة بعشر سور، ومرة بسورة واحدة، وهذا هو النهاية فى بلوغ التحدى، وهذا كقول الرجل لغيره: هات قوما مثل قومى، هات كنصفهم، هات كربعهم، هات كواحد منهم، وإنما قلنا: إنهم عجزوا عن معارضته لأن دواعيهم متوفّرة على الإتيان بها، لأنه عليه السلام كلف العرب ترك أديانهم، وحطّ رئاستهم، وأوجب عليهم ما يتعب أبدانهم، وينقص أموالهم، وطالبهم بعداوة أصدقائهم، وصداقة أعدائهم، وخلع الأنداد والأصنام من بين أظهرهم، وكانت أحب إليهم من أنفسهم من أجل الدين، ولا شك أن كل واحد من هذه الأمور مما يشق على القلوب تحمله، ولا سيما على العرب مع كثرة حميّتهم، وعظيم أنفتهم، ولا شك أن الإنسان إذا استنزل غيره عن رئاسته، ودعاه إلى طاعته، فإن ذلك الغير يحاول إبطال أمره بكل ما يقدر عليه ويجد إليه سبيلا، ولما كانت معارضة القرآن بتقدير وقوعها مبطلة لأمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، علمنا لا محالة قطعا توفّر دواعى العرب عليها، وإنما قلنا: إنه ما كان لهم مانع عنها لأنه صلّى الله عليه وسلّم ما كان فى أول أمره بحيث تخاف قهره كل العرب، بل هو الذى كان خائفا منهم، وإنما قلنا: إنهم لم يعارضوه لأنهم لو أتوا بالمعارضة لكان اشتهارها أحق من اشتهار القرآن، لأن القرآن حينئذ يصير كالشبهة، وتلك المعارضة كالحجة، لأنها هى المبطلة لأمره، ومتى كان الأمر كما قلناه وكانت الدواعى متوفرة على إبطال أبهة المدعى وإبطال رونقه، وإزالة بهائه، كان اشتهار المعارضة أولى من اشتهار الأصل، فلما لم تكن مشتهرة علمنا لا محالة بطلانها، وأنها ما كانت، وإنما قلنا إن كل من توفرت دواعيه إلى الشىء ولم يوجد مانع منه، ثم لم يتمكن من فعله، فإنه يكون عاجزا، لأنه لا معنى للعجز إلا ذاك، وبهذا الطريق نعرف عجزنا عن كل ما
(3/207)

نعجز عنه كخلق الصور والصفات، ويؤيد ما ذكرناه من عجزهم ويوضحه، أنهم عدلوا عن المعارضة 7 لى تعريض النفس للقتل، مع أن المعارضة عليهم كانت أسهل وما ذاك إلا لما أحسوا به من العجز من أنفسهم عنها، فثبت بما ذكرناه كون القرآن معجزا، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة الواردة عليها والانفصال عنها.
اعلم أن للملاحدة لعنهم الله وأبادهم، أسئلة ركيكة على كون القرآن معجزا، ولابد من إيرادها، وإظهار الجواب عنها، وجملة ما نورده من ذلك أسئلة ثمانية.
السؤال الأول: منها قولهم: لا نسلّم أن القرآن معجز، وعمدتكم فى إعجازه إنما هو التحدى وقررتم التحدى على تلك الآيات التى تلوتموها، ونحن ننكر تواترها، فإن المتواتر من القرآن إنما هو جملته دون الآحاد منه، ويؤيد ما ذكرناه، ما وقع من التردد والاختلاف فى مفرداته، دون جملته، بدليل أمور ثلاثة، أما أولا فلأنه نقل عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه أنكر الفاتحة والمعوذتين أنها من القرآن، وبقى هذا الإنكار إلى زمن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وأما ثانيا فلما وقع من الخلاف الشديد فى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)
[الفاتحة: 1] هل هى من القرآن أولا، وقد أثبتها ابن مسعود فى صدر سورة براءة، ونفاها أبى بن كعب وزيد بن ثابت، وأما ثالثا فلما يحكى عن أبى بن كعب، أنه أثبت فى القرآن آية القنوت وهى قوله: «اللهمّ اهدنى فيمن هديت» وقوله:
«لو أنّ لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثا» «1» ونفى ذلك ابن مسعود وغيره فهذه الأمور كلها دالة على أنه غير متواتر فى تفاصيله، وآيات التحدى من جملة التفاصيل، فلهذا لم يحكم بثبوتها فى المصحف، فلا يكون فيها دلالة.
وجوابه من وجهين: أما أولا فلأنا نقول القرآن بجملته وتفاصيله كلها منقول بالتواتر، سواء، من غير تردد فى ذلك، والبرهان على ذلك هو أنا نعلم بالضرورة من غير شك، أن فى هذا الزمان لو حاول أحد أن يدخل فيه حرفا ليس منه أو يخرج منه حرفا هو فيه، لوقف على موضع الزيادة والنقصان، جميع الصبيان، فضلا عن أكابر العلماء وأفاضل الناس، فكيف تصح هذه الدعوى، بأن تكون تفاصيله غير متواترة.
وأما ثانيا: فلأنا نعلم بالضرورة أن حال الناس فى التشدد عن المنع من تغيير القرآن وتبديله فى عهد الصحابة رضى الله عنهم، إن لم يكن أقوى من حال زماننا هذا، فإنه ما
(3/208)

كان أقل منه، فإذا لم يؤثر فيه خلاف وتردد فى زماننا فهكذا حال من قبل، وهذا يبطل كلام الملاحدة فى أنه غير متواتر التفاصيل.
قولهم: إن ابن مسعود أنكر الفاتحة والمعوذتين أنها من القرآن، قلنا: هذه الرواية عن ابن مسعود من باب الآحاد فلا تعارض ما كان مقطوعا به، وأيضا فإنه لم ينكر نزولهما من عند الله، وأنه جاء بهما جبريل، ولكن ادّعى أن المعوذتين نزلتا عوذة للحسنين، وأن الفاتحة إنما أنزلت من أجل الصلاة تفتتح بها، ولم ينكر ما ذكرناه من ثبوت أحكام القرآن فيها، فهو يسلّم أنها من القرآن بالمعنى الذى ذكرناه، وينكر كتبها فى جملة القرآن، وهذا خلاف لفظى لا طائل وراءه.
قولهم: الناس قد اختلفوا فى التسمية، قلنا: خلاف من خالف فى أنها ليست من القرآن ليس ينكر أنّ جبريل نزل بها ولا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يقرؤها، ولكن زعم أنها للتبرك، والفصل بين السور، فقد أقرّ بكونها من القرآن بالمعنى الذى ذكرناه، وزعم أن فيها غرضا آخر، وهو مساعد له.
قولهم: إن أبيّا أثبت آية القنوت، وقوله: «ولو أن لابن آدم واديين من ذهب ... »
قلنا هذه الرواية من باب الآحاد فلا تعارض القواطع، ثم إنه ولو كتبها فى المصحف لم يثبت عنه أنها من جملته، وعلى الجملة فما ذكروه أمور خيالية وهمية، ولا تعارض الأمور القطعية.
السؤال الثانى: هب أنا سلّمنا أن آيات التحدى متواترة، فلا نسلّم دلالتها على التحدى، وبيانه هو أنه لو كان الغرض من إيرادها استدلاله بالقرآن على كونه نبيّا لاشتهر ذلك من نفسه كاشتهار أصل نبوته، ولكنه لم ينقل عن أحد من أهل الأخبار، أنه استدل على مخالفيه بالقرآن، ولم ينقل عن أحد ممن آمن به أنه آمن به لدليل القرآن، فعلمنا بذلك أنه ما كان يعوّل فى إثبات نبوته على القرآن، وإذا صح ذلك علمنا أن الغرض بإيراده هذه الآيات ما يذكره كل واحد من الخطباء والشعراء، من الدعاوى العظيمة والافتخارات التى لا حقيقة لها بحال.
وجوابه من وجهين: أما أولا: فلأنا نعلم بالضرورة، أنه كان يغشى محافلهم ويتلو عليهم القرآن، ويقرع مسامعهم، ولا وجه لذلك إلا أنه يتحداهم به ويوجب عليهم طاعته، وهذا أمر ظاهر لا يمكن جحده ولا إنكاره.
وأما ثانيا: فهب أنا سلّمنا أنه لم ينقل ما ذكرناه، ولكنه استغنى بما فى القرآن من آيات
(3/209)

التحدى عما كان منه من ذلك إذ لا فائدة فى تكريره.
السؤال الثالث: سلمنا وقوع التحدى، ولكن هل وصل خبر التحدى إلى كل العالم، أو إلى بعضه، وباطل أن يكون واصلا إلى كله، لأنا نعلم بالضرورة أن أهل الهند والصين والروم، وسائر الأقاليم البعيدة، ما كانوا يعلمون وجود محمد صلّى الله عليه وسلّم فى الدنيا، فضلا عن أن يقال: إنهم عالمون بتحديه بالقرآن، وباطل أن يكون واصلا إلى بعضهم، لأنهم ولو عجزوا عن المعارضة فإنه لا يكفى فى صحة دعوى النبوة، عجزهم عن معارضته، لأنهم بعض الخلق، وعجز بعض الخلق لا يكون عجزا لجميعهم، وإلا لزم فى بعض الحذاق فى صناعته إذا تحدى أهل قريته، ثم عجزوا عن ذلك، أن يكون نبيا لمكان دعواه، وهذا ظاهر الفساد وهذا يبطل ما ذكرتموه من التحدى بالقرآن.
وجوابه من وجهين: أما أولا فلأنا نعلم بالضرورة أن العرب الذين قرع أسماعهم التحدى، وخوطبوا به «العين للعين» كانوا لا محالة أقدر على معارضته من غيرهم، لاختصاصهم بما لم يختص به غيرهم من سائر الأقاليم من الفصاحة والبلاغة، فلما عرفنا عجزهم كان غيرهم لا محالة أعجز من ذلك لما ذكرناه، وأما ثانيا فهب أن خبر تحدّيه بالقرآن ما وصل إلى كل العالم فى زمانه، لكن لا شك فى وصوله إليهم الآن، مع أنهم لم يعارضوه، وفى هذا دلالة على صحة نبوته، ويؤيد ما ذكرناه أنا نرى من يصنف كتابا فى أى علم كان، ويظن أنه قد أتى فيه باليد البيضاء، فلا يلبث إلا مقدار ما يصل إلى الأقاليم والبلاد، ويحصل بعد ذلك ما يبطله ويدل على تناقضه وضعفه على القرب لأجل شدة الحرص على ذلك، وهذا ظاهر فى جميع التصانيف كلها، فلو كان ثم معارضة توجد للقرآن، لكانت قد حصلت فى هذه الأزمان المتمادية، والسنين المتطاولة، ولا شك فى بلوغه لهذه الأقاليم التى زعمتم، وفى هذا بطلان ما زعمتموه.
السؤال الرابع: سلّمنا تواتره إلى كافة الخلق، لكنا لا نسلم توفر دواعيهم إلى المعارضة، وبيان ذلك بأوجه ثلاثة، أما أولا: فلعلهم اعتقدوا أن المعارضة لا تبلغ فى قطع المادة وحسم الشّغب وإبطال أمره، مبلغ الحرب، فلا جرم عدلوا إلى الحرب، وأما ثانيا: فلأنا لا نمنع أن يكونوا عدلوا إلى الحرب لأنهم لو عارضوا لكان الخلاف غير منقطع بوقوعها، لجواز أن يقول قوم: إنها معارضة، ويقول قوم آخرون: إنها ليست معارضة، ويتوقف فريق ثالث، لالتباس الأمر فيه، فيشتد الخلاف ويعظم الخطب، وفى أثناء ذلك الخلاف لا
(3/210)

يمتنع اشتداد شوكته، فلأجل الخوف من ذلك، عدلوا إلى الحرب، وأما ثالثا: فلأنه يحتمل أن يكون عدولهم عن المعارضة، لأن التحدى إنما وقع بمثله، ولم يعرفوا حقيقة المماثلة، هل تكون بالفصاحة، أو البلاغة، أو بالنظم، أو بهذه الأمور كلها، أو فى الإخبار عن العلوم الغيبية، أو فى استخراج الأسرار الدقيقة، أو غير ذلك مما يكون القرآن مشتملا عليه، فلهذا عدلوا عن المعارضة، فصح بما ذكرناه أن دواعيهم إلى المعارضة غير متوفرة لأجل هذه الاحتمالات التى ذكرناها.
وجوابه أنا قد أوضحنا توفر دواعيهم إلى معارضته بما لا مدفع له إلا بالمكابرة، ويؤيد ما ذكرناه ويوضحه، أن الأمر المطلوب إذا كان لتحصيله طرق كثيرة وكانت معلومة فى نفسها، ثم بعضها يكون أسهل وأقرب فى تحصيل المقصود، فإنا نعلم من حال العاقل اختيار الطريق الأسهل، وقد علمنا بالضرورة أن أسهل الطرق فى دفع من يدعى مرتبة عظيمة على غيره، معارضتها بمثلها إن كانت المعارضة ممكنة، ونعلم أن هذا العلم الضرورى حاصل لكل العقلاء، حتى نعلم أن طفلا من الأطفال لو ادعى على غيره من سائر الأطفال شيلان حجر، أو طفر جدول، أو رمى غرض، فإنهم يتسارعون إلى معارضته بمثل دعواه، وهذه الجملة تفيد توفر دواعى العرب على إبطال أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بمعارضة دعواه بمثلها لو كانت ممكنة لهم، فإذا كان هذا حاصلا فى حق الأطفال، فكيف من بلغ حالة عظيمة فى الحنكة والتجربة.
قولهم: أولا لعلهم اعتقدوا أن المعارضة لا تحسم دعواه، قلنا هذا فاسد، لأنهم فى استعمال الحرب غير واثقين بحصول المطلوب، لأنهم غير واثقين بالظفر عليه، بخلاف المعارضة، فإنهم ليسوا على خطر منها، لأنهم واثقون ببطلان أمره عند وقوعها، وقولهم ثانيا: لو عارضوا لكان الخلاف غير منقطع بوقوعها، قلنا هذا فاسد أيضا: فإنه ليس الغرض هو حصول المماثلة من كل الوجوه، لأنه لا يدرك مماثلة الكلامين من جميع الوجوه إلا بالقطع بالاشتراك فى كل الأحكام، وهذا مما يعلمه الله دون غيره، بل المقصود من التحدى، إنما هو الإتيان بما يظن كونه مثلا، أو قريبا من المثل، وأمارة ذلك وقوع الاختلاف بين الناس فى كونه مثلا، أو غير مثل، وقولهم ثالثا: إنهم لم يعرفوا حقيقة المثل الذى طلبه فيه المعارضة هل هو الفصاحة، أو الأسلوب، أو الإخبار عن علوم الغيب؟
قلنا هذا فاسد لأمرين، أما أولا فلأنه لو اشتبه عليهم لاستفهموه عما يريد، لكن الأمر فى
(3/211)

ذلك معلوم لهم، فلهذا لم يعالجوه فى شىء من ذلك، لتحققهم أنهم لو أتوا بما يماثله، لبطل أمره، فسكوتهم عنه دلالته على تحققهم من ذلك، وأما ثانيا فلأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أطلق التحدى ولم يخصه بشىء من دون شىء، اتكالا منه على ما يعلم من ذلك بمجرى العادة واطرادها فى التحدى بين الشعراء والخطباء، فلأجل ذلك لم يكن محتاجا إلى تفسير المقصود.
السؤال الخامس: سلمنا توفر دواعيهم إلى المعارضة كما قلتم، لكن لا نسلم ارتفاع المانع عن المعارضة كما قلتم، فلم ينكرون على من يقول إنه منعهم عن المعارضة اشتغالهم عنها بالحروب العظيمة، فإن فيها شغلا عن كل شىء، أو يقول خوفهم من أصحاب الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأنصاره وأعوانه، لأن قوة الدولة والشوكة تمنع من ذلك، ولهذا فإن ابن عباس رضى الله عنه لم يمكنه إظهار مذهبه فى العول أيام عمر خوفا من سطوته، ولا شك أن الخوف مانع عما يريده الإنسان فى أكثر أحواله.
وجوابه من أوجه ثلاثة: أما أولا: فلأن المعارضة للقرآن إنما هى من قبيل الكلام، والحرب غير مانعة من وجود الكلام، ولهذا فإنهم كانوا والحرب قائمة يتمكنون من الأشعار والخطب فى المحافل، فكيف يقال إن الحرب مانعة من وجود المعارضة، وأما ثانيا:
فلأن الحرب لم تكن دائمة، وإنما كانت فى وقت دون وقت، فلم لا يشتغلون بالمعارضة فى أوقات الفراغ عن الحرب، وأما ثالثا: فلأنه عليه السلام ما كان يحارب كل العرب، ولا شك أن الفصحاء منهم كانوا قليلين، فكان الواجب على الشجعان الاشتغال بالحرب، وأن يقعد أهل الفصاحة للاشتغال بالمعارضة، ومن وجه رابع: وهو أنه ما حاربهم قبل الهجرة فكان ينبغى لهم الاشتغال بالمعارضة، إذ لا حرب هناك قائمة بينهم وبينه، ومن وجه خامس: وهو أنه كان يجب عليهم أن يقولوا إنك شغلتنا بالحرب عن معارضتك، فاترك الحرب حتى نتمكن من معارضتك، وهم لم يقولوا ذلك ولا خطر لأحد منهم على قلب، وفى هذا دلالة على أنه لا مانع لهم من المعارضة بحال.
السؤال السادس: سلمنا أنه لا مانع لهم من المعارضة، وأن دواعيهم متوفرة إليها، فلم قلتم باستحالة تأخر المعارضة والحال هذه، وبيان ذلك أن الفعل عند توفر الدواعى وزوال الموانع، لا يخلو الحال هناك، إما أن يجب الفعل أو لا يجب، فإن وجب لزم الجبر وهو فاسد عندكم، وإما أن لا يجب الفعل والحال ما قلناه، فلم يلزم من توفر الداعى وزوال الموانع وجود المعارضة، وعند هذا لا يكون تأخرهم عنها دلالة على عجزهم عنها، لجواز كونهم قادرين عليها ولا يلزم وقوعها.
(3/212)

وجوابه: أنا نقول قد تقرر فى القضايا بالعقلية، وثبت بالأدلة القطعية، أن القادر متى توفرت دواعيه على الفعل، ولم يكن هناك مانع فإنه يجب وقوعه، ومتى خلص الصارف فإنه يتعذر وقوعه، وهذا معلوم بأوائل العقول لا شك فيه.
قوله: إذا وجب الفعل عند الداعية، وجب الجبر، وهو فاسد.
قلنا: هذا خطأ، فإن الوجوب له معنيان، أحدهما أن الفعل واجب على معنى أن عدمه مستحيل، وهذا هو الذى يبطل الاختيار، ونحن لا نعتقده، وثانيهما أن يكون الغرض بالوجوب هو أولوية الوقوع والحصول، لا على معنى أنه يستحيل خلافه، ولكن على معنى أنه أحق بالوجود عند تحقق الداعية، هذا ملخص ما قاله الشيخ محمود الخوارزمى الملاحمى فى تفسير الوجوب، لئلا يبطل الاختيار، والمختار أن الفعل عند تحقق الداعية وخلوصها، واجب الحصول على معنى أنه يستحيل خلافه بالإضافة إلى الداعية، وواجب الحصول وجوبا لا يستحيل خلافه بالإضافة إلى القدرة، ومع هذا التوجيه لا يبطل الاختيار، وعلى كلا الوجهين، فإنا نعلم توفر دواعيهم إلى تحصيل المعارضة، وأنه يجب وقوعها وحصولها منهم إذا كانت ممكنة، فلما لم تقع مع توفر الداعى دل على أن الوجه فى تأخرها عدم الإمكان لا محالة.
السؤال السابع: سلمنا توفر دواعيهم إلى المعارضة وأنها واجبة الوقوع عند توفر الدواعى إليها، ولكنا لا نسلم أنها غير واقعة فما برهانكم على ذلك.
وجوابه من أوجه أربعة: أما أولا: فلأن ما هذا حاله لا يخفى وقوعه لو وقع كسائر الأمور العظيمة التى لا تخفى، بل نقول إن هذه المعارضة يجب أن تكون أكثر اشتهارا من القرآن، لأن القرآن يصير هو الشبهة، وهذه المعارضة هى الدلالة فتكون أحق بالاشتهار لما ذكرناه، وأما ثانيا: فلأن غير القرآن من القصائد فى الجاهلية والإسلام لم يخف حاله، وأنه ظاهر، فكيف حال ما يكون معارضا للقرآن وهو بالاشتهار لا محالة أحق، وأما ثالثا: فلأن خرافات «مسيلمة» قد نقلت مع ركتها وضعف حالها وقدرها، وقد اهتم العلماء فى نقلها، فكيف حال ما هو أدخل منها فى التحقق، وأما رابعا فلأن حرص المخالفين على نقل هذه المعارضة شديد، كاليهود والنصارى، وسائر الملل الكفرية، من الملاحدة وغيرهم، لما فيه من التنويه بإبطال أمره صلّى الله عليه وسلّم، فلا جرم يزداد الحرص وتعظم الدواعى، لأن فيها إبطال أمره على سهولة بوقوع هذه المعارضة.
(3/213)

السؤال الثامن: سلمنا أنها لو كانت واقعة لاشتهرت اشتهارا عظيما، لكنا لا نسلم أنها غير مشتهرة، بل قد وقع هناك معارضات للقرآن، فإن العرب قد عارضوه بالقصائد السبع وعارضه «مسيلمة» الكذاب بكلامه الذى يحكى عنه، وعارضه النضر بن الحارث بأخبار الفرس وملوك العجم، وعارضه ابن المقفع من كلامه وقابوس بن وشمكير، والمعرى، فكيف يقال إن المعارضة ما وقعت.
وجوابه هو أن النظار من أهل الفصاحة والبلاغة مجمعون على أن المعارضة بين الكلامين إنما تكون معارضة إذا كان بينهما مقاربة ومداناة بحيث يلتبس أحدهما بالآخر أو يكون أحدهما مقاربا للآخر، وكل عاقل يعلم بالضرورة أن هذه القصائد السبع ليس بينها وبين القرآن مقاربة ولا مداناة، بحيث يشتبه أحدهما بالآخر، وكيف لا وهذه القصائد من فن الشعر، والقرآن ليس من فنون الشعر فى ورد ولا صدر، فلا يجوز كونها معارضة له، وأما ما حكى عن النضر بن الحارث، فإنما نقل حكايات ملوك العجم، وليس من أسلوب القرآن، فلا يكون معارضا له، وأما ما يحكى عن «مسيلمة» الكذاب فهو بالخلاعة أحق منه بالمعارضة، لنزول قدره، وتمكنه فى الحماقة، لأن من حق ما يكون معارضا، أن يكون بينه وبين المعارض مقاربة ومداناة، بحيث يشتبه الأمر فيهما، فأما إذا كان الكلامان فى غاية البعد والانقطاع، فلا يعد أحدهما معارضا للآخر، ولنقتصر على هذا القدر من الأسئلة الواردة على الإعجاز ففيها كفاية فى مقدار غرضنا، لأن الكلام فى هذا الكتاب له مقصد آخر، وهو كالمنحرف عن هذه المقاصد، فإنه إنما يليق استقصاؤها بالمباحث الكلامية، وقد أشرنا فى الكتب العقلية إلى حقائقها وأشرنا إلى الأجوبة عنها وبالله التوفيق.
لا يقال: فلعل العرب إنما عجزوا عن معارضة القرآن ليس لأنهم غير قادرين عليها، وإنما تأخروا عن المعارضة، لعدم علمهم بما اشتمل عليه القرآن، من شرح حقائق صفات الله تعالى، والبعث والنشور وأحكام الآخرة، وأحوال الملائكة، وغير ذلك مما لا مدخل لأفهامهم فى تعقله وإتقانه، لأنا نقول هذا فاسد لأمرين: أما أولا فهب أن العرب كانوا غير عالمين بحقائق هذه الأشياء، لكن اليهود كانوا بين أظهرهم وكان عليهم السؤال عنها، ثم يكسونها عبارات يعارضون بها القرآن، وأما ثانيا فلأن اليهود أنفسهم كان فيهم فصحاء، فكان يجب مع علمهم بها أن يعارضوه، فلما لم تكن هناك معارضة لا من جهة اليهود، ولا من جهة غيرهم، دل على بطلانها وتعذرها، فهذا ما أردنا ذكره على هذا المسلك من الأسئلة والأجوبة عنها والله أعلم.
(3/214)

المسلك الثانى فى الدلالة على أن القرآن معجز من جهة العادة.
وتقريره أن الإتيان بمثل كل واحدة من سور القرآن، لا يخلو حاله إما أن يكون معتادا، أو غير معتاد، فإن كان معتادا كان سكوت العرب مع فصاحتهم وشدة عداوتهم للرسول صلّى الله عليه وسلّم ومع توفر دواعيهم على إبطال أمره، والقدح فى دعواه بمبلغ جهدهم وجدهم، يكون لا محالة من أبهر المعجزات، وأظهر البينات على عجزهم عن الإتيان بمثل سورة منه، وأما إن لم يكن معتادا، كان القرآن معجزا، لخروجه عن المألوف والمعتاد، فثبت بما ذكرناه أن القرآن سواء كان خارقا للعادة أو لم يكن خارقا، فإنه يكون معجزا، وهذه نكتة شريفة حاسمة لأكثر أسئلة المنكرين التى يوردونها على كونه خارقا للعادة كما ترى.
(3/215)

الفصل الثالث فى بيان الوجه فى إعجاز القرآن
اعلم أن الكلام فى الوجه الذى لأجله كان القرآن معجزا دقيق، ومن ثم كثرت فيه الأقاويل واضطربت فيه المذاهب، وتفرقوا على أنحاء كثيرة، فلنذكر ضبط المذاهب، ثم نردفه بذكر ما تحتمله من الفساد، ثم نذكر على أثره المختار منها، فهذه مباحث ثلاثة.
المبحث الأول فى الإشارة إلى ضبط المذاهب فى وجه الإعجاز
فنقول كون القرآن معجزا ليس يخلو الحال فيه، إما أن يكون لكونه فعلا من المعتاد، أو لكونه فعلا لغير المعتاد، فالأول هو القول بالصرفة، ومعنى ذلك أن الله تعالى صرف دواعيهم عن معارضة القرآن مع كونهم قادرين عليها، فالإعجاز فى الحقيقة إنما هو بالصرفة على قول هؤلاء، كما نسحقق خلافهم فى الرد عليهم بمعونة الله تعالى، ونذكر من قال بهذه المقالة، وإن كان الوجه فى إعجازه هو الفعل لغير المعتاد، فهو قسمان:
القسم الأول أن يكون لأمر عائد إلى ألفاظه من غير دلالتها على المعانى،
ثم هذا يكون على وجهين، أحدهما أن يكون مشترطا فيهم اجتماع الكلمات وتأليفها، وهذا هو قول من قال: الوجه فى إعجازه هو اختصاصه بالأسلوب المفارق لسائر الأساليب الشعرية والخطابية، وغيرهما، فإنه مختص بالفواصل والأسجاع، فمن أجل هذا جعلنا هذا الوجه مختصا بتأليف الكلمات، وثانيهما أن يكون إعجازه لأمر راجع إلى مفردات الكلمات دون مؤلفاتها، وهذا هو رأى من قال: إنه إنما صار معجزا من أجل الفصاحة بالبراءة عن الثقل والسلامة عن التعقيد، واختصاصه بالسلاسة فى ألفاظه.
القسم الثانى أن يكون إعجازه إنما كان لأجل الألفاظ باعتبار دلالتها على المعانى،
وهذا هو قول من قال: إن القرآن إنما كان معجزا لأجل تضمنه من الدلالة على المعنى، وهذا القسم يمكن تنزيله على أوجه ثلاثة.
(3/216)

الوجه الأول: أن تكون تلك الدلالة على جهة المطابقة وفيه مذاهب ثلاثة، أولها أن يكون لأمر حاصل فى كل ألفاظه، وهذا هو قول من قال: إن وجه إعجازه، هو سلامته عن المناقضة فى جميع ما تضمنه، وثانيها أن يكون لأمر حاصل فى كل ألفاظه وأبعاضها، وهذا هو قول من قال: إن إعجازه إنما كان لما فيه من بيان الحقائق والأسرار، والدقائق مما يكون العقل مشتغلا بدركها، فإن العلماء من لدن عصر الصحابة رضى الله عنهم إلى يومنا هذا ما زالوا يستنهضون منه كل سر عجيب، ويستنبطون من ألفاظه كل معنى لطيف غريب، فهذا هو الوجه فى إعجازه على رأى هؤلاء، وثالثها أن يكون وجه إعجازه لأمر حاصل فى مجموع ألفاظه وأبعاضها، مما لا يستقل بدركه العقل، وهذا هو قول من قال إن الوجه فى إعجازه ما تضمنه من الأمور الغيبية، واللطائف الإلهية، التى لا يختص بها سوى علامها، فهذه هى أقسام دلالة المطابقة، تكون على هذه الأوجه الثلاثة التى رمزنا إليها.
الوجه الثانى: أن تكون تلك الدلالة على جهة الالتزام، وهذا مذهب من يقول: إن القرآن إنما كان معجزا لبلاغته، وفسر البلاغة باشتمال الكلام على وجوه الاستعارة، والتشبيه المضمر الأداة، والفصل، والوصل، والتقديم، والتأخير، والحذف، والإضمار، والإطناب، والإيجاز، وغير ذلك من فنون البلاغة.
الوجه الثالث أن تكون تلك الدلالة من جهة تضمنه لما يتضمنه من الأسرار المودعة تحت ألفاظه التى لا تزال على وجه الدهر غضة طرية يجتليها كل ناظر، ويعلو ذروتها كل خريت ماهر، فظهر بما لخصناه من الحصر أن كون القرآن معجزا إما أن يكون للصرفة، أو للنظم، أو لسلامة ألفاظه من التعقيد، أو لخلوه عن التناقض، أو لأجل اشتماله على المعانى الدقيقة، أو لاشتماله على الإخبار بالعلوم الغيبية، أو لأجل الفصاحة والبلاغة، أو لما يتركب من بعض هذه الوجوه، أو من كلها، كما فصلناه من قبل، ونحن الآن نذكر كل واحد من هذه الأقسام كلها، ونبطله سوى ما نختاره منها والله الموفق.
(3/217)

المبحث الثانى فى إبطال كل واحد من هذه الأقسام التى ذكرناها سوى ما نختار منها
وجملة ما نذكره من ذلك مذاهب:
المذهب الأول منها الصرفة
وهذا هو رأى أبى إسحاق النظام، وأبى إسحاق النصيبى، من المعتزلة واختاره الشريف المرتضى من الإمامية، واعلم أن قول أهل الصرفة يمكن أن يكون له تفسيرات ثلاثة، لما فيه من الإجمال وكثرة الاحتمال كما سنوضحه.
التفسير الأول أن يريدوا بالصرفة أن الله تعالى سلب دواعيهم إلى المعارضة، مع أن أسباب توفر الدواعى فى حقهم حاصلة من التقريع بالعجز، والاستنزال عن المراتب العالية، والتكليف بالانقياد والخضوع، ومخالفة الأهواء.
التفسير الثانى أن يريدوا بالصرفة أن الله تعالى سلبهم العلوم التى لا بد منها فى الإتيان بما يشاكل القرآن ويقاربه، ثم إن سلب العلوم يمكن تنزيله على وجهين، أحدهما أن يقال: إن تلك العلوم كانت حاصلة لهم على جهة الاستمرار، لكن الله تعالى أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم، وثانيهما أن يقال: إن تلك العلوم ما كانت حاصلة لهم، خلا أن الله تعالى صرف دواعيهم من تجديدها، مخافة أن تحصل المعارضة.
التفسير الثالث أن يراد بالصرفة أن الله تعالى منعهم بالإلجاء على جهة القسر عن المعارضة، مع كونهم قادرين وسلب قواهم عن ذلك، فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضة، وحاصل الأمر فى هذه المقالة: أنهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن، إلا أن الله تعالى منعهم بما ذكرناه، والذى غر هؤلاء حتى زعموا هذه المقالة، ما يرون من الكلمات الرشيقة، والبلاغات الحسنة، والفصاحات المستحسنة، الجامعة لكل الأساليب البلاغية فى كلام العرب الموافقة لما فى القرآن، فزعم هؤلاء أن كل من قدر على ما ذكرناه من تلك الأساليب البديعة، لا يقصر عن معارضته، خلا ما عرض من منع الله إياهم بما ذكرناه من الموانع، والذى يدل على بطلان هذه المقالة براهين.
البرهان الأول منها: أنه لو كان الأمر كما زعموه، من أنهم صرفوا عن المعارضة مع تمكنهم منها، لوجب أن يعلموا ذلك من أنفسهم بالضرورة، وأن يميزوا بين أوقات
(3/218)

المنع، والتخلية، ولو علموا ذلك لوجب أن يتذاكروا فى أى حال هذا المعجز على جهة التعجب، ولو تذاكروه لظهر وانتشر على حد التواتر، فلما لم يكن ذلك دل على بطلان مذاهبهم فى الصرفة لا يقال: إنه لا نزاع فى أن العرب كانوا عالمين بتعذر المعارضة عليهم، وأن ذلك خارج عن العادة المألوفة لهم، ولكنا نقول من أين يلزم أنه يجب أن يتذاكروا ذلك ويظهروه، حتى يبلغ حد التواتر، بل الواجب خلاف ذلك، لأنا نعلم حرص القوم على إبطال دعواه، وعلى تزييف ما جاء به من الأدلة، فاعترافهم بهذا العجز من أبلغ الأشياء فى تقرير حجته، فكيف يمكن أن يقال بأن الحريص على إخفاء حجة خصمه يجب عليه الاعتراف بأبلغ الأشياء فى تقرير حجته، وهو إظهاره وإشهاره، لأنا نقول هذا فاسد، فإن المشهور فيما بين العوام فضلا عن دهاة العرب، أن بعض من تعذر عليه بعض ما كان مقدورا له، فإنه لا يتمالك فى إظهار هذه الأعجوبة والتحدث بها، ولا يخفى دون هذه القضية، فضلا عنها، فكان من حقهم أن يقولوا: إن كل واحد منا يقدر على هذه الفصاحة، ولكن صار ذلك الآن متعذرا علينا، لأنك سحرته عن الإتيان بمثله، فلما لم يقولوا ذلك، دل على فسادها.
البرهان الثانى لو كان الوجه فى إعجازه هو الصرفة كما زعموه، لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن، فلما ظهر منهم التعجب لبلاغته وحسن فصاحته، كما أثر عن الوليد بن المغيرة حيث قال: إن أعلاه لمورق وإن أسفله لمغدق، وإن له لطلاوة وإن عليه لحلاوة، فإن المعلوم من حال كل بليغ وفصيح سمع القرآن يتلى عليه فإنه يدهش عقله ويحير لبه، وما ذاك إلا لما قرع مسامعهم من لطيف التأليف، وحسن مواقع التصريف فى كل موعظة، وحكاية كل قصة، فلو كان كما زعموه من الصرفة، لكان العجب من غير ذلك، ولهذا فإن نبيا لو قال:
إن معجزتى أن أضع هذه الرمانة فى كفى، وأنتم لا تقدرون على ذلك، لم يكن تعجب القوم من وضع الرمانة فى كفه، بل كان من أجل تعذره عليهم، مع أنه كان مألوفا لهم ومقدورا عليه من جهتهم، فلو كان كما زعمه أهل الصرفة، لم يكن للتعجب من فصاحته وجه، فلما علمنا بالضرورة إعجابهم بالبلاغة، دل على فساد هذه المقالة.
البرهان الثالث الرجع بالصرفة التى زعموها، وهو أن الله تعالى أنساهم هذه الصيغ فلم يكونوا ذاكرين لها بعد نزوله، ولا شك أن نسيان الأمور المعلومة فى مدة يسيرة، يدل على نقصان العقل، ولهذا فإن الواحد إذا كان يتكلم بلغة مدة عمره، فلو أصبح فى بعض
(3/219)

الأيام لا يعرف شيئا من تلك اللغة، لكان ذلك دليلا على فساد عقله وتغيره، والمعلوم من حال العرب أن عقولهم ما زالت بعد التحدى بالقرآن وأن حالهم فى الفصاحة والبلاغة بعد نزوله كما كان من قبل، فبطل ما عول عليه أهل الصرفة، وكلامهم يحتمل أكثر مما ذكرناه من الفساد، وله موضع أخص به، فلا جرم اكتفينا ههنا بما أوردناه.
المذهب الثانى قول من زعم أن الوجه فى إعجازه إنما هو الأسلوب،
وتقريره أن أسلوبه مخالف لسائر الأساليب الواقعة فى الكلام، كأسلوب الشعر، وأسلوب الخطب والرسائل، فلما اختص بأسلوب مخالف لهذه الأساليب، كان الوجه فى إعجازه، وهذا فاسد لأوجه، أولها أنا نقول: ما تريدون بالأسلوب الذى يكون وجها فى الإعجاز، فإن عنيتم به أسلوبا أى أسلوب كان، فهو باطل، فإنه لو كان مطلق الأسلوب معجزا لكان أسلوب الشعر معجزا، وهكذا أسلوب الخطب والرسائل، يلزم كونه معجزا، وإن عنيتم أسلوبا خاصا، وهو ما اختص به من البلاغة والفصاحة، فليس إعجازه من جهة الأسلوب، وإنما وجه إعجازه الفصاحة والبلاغة كما سنوضحه من بعد هذا عند ذكر المختار، وإن عنيتم بالأسلوب أمرا آخر غير ما ذكرناه فمن حقكم إبرازه حتى ننظر فيه فنظهر صحته أو فساده، وثانيها أن الأسلوب لا يمنع من الإتيان بأسلوب مثله، فلو كان الأمر كما زعمتموه، جازت معارضة القرآن بمثله، لأن الإتيان بأسلوب يماثله سهل ويسير على كل أحد، وثالثها أنه لو كان الإعجاز إنما كان من جهة الأسلوب لكان ما يحكى عن «مسيلمة» الكذاب معجزا وهو قوله: إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، وقوله:
والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، لأن ما هذا حاله مختص بأسلوب لا محالة، فكان يكون معجزا، وأنه محال، ومن وجه رابع، وهو أنه لو كان وجه إعجازه الأسلوب، لما وقع التفاوت بين قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] وبين قول الفصحاء من العرب «القتل أنفى للقتل» لأنهما مستويان فى الأسلوب، فلما وقع التفاوت بينهما دل على بطلان هذه المقالة والله أعلم.
(3/220)

المذهب الثالث قول من زعم أن وجه إعجازه إنما هو خلوه عن المناقضة،
وهذا فاسد لأوجه، أما أولا فلأن الإجماع منعقد على أن التحدى واقع بكل واحدة من سور القرآن، وقد يوجد فى كثير من الخطب، والشعر، والرسائل، ما يكون فى مقدار سورة خاليا عن التناقض، فيلزم أن يكون معجزا، وأما ثانيا فلأنه لو كان الأمر كما قالوه فى وجه الإعجاز، لم يكن تعجبهم من أجل فصاحته، وحسن نظمه، ولوجب أن يكون تعجبهم من أجل سلامته عما قالوه، فلما علمنا من حالهم خلاف ذلك بطل ما زعموه، وأما ثالثا فلأن السلامة عن المناقضة ليس خارقا للعادات، فإنه ربما أمكن كثيرا فى سائر الأزمان، وإذا كان معتادا لم يكن العلم بخلو القرآن عن المناقضة والاختلاف معجزا، لما كان معتادا، ومن حق ما يكون معجزا أن يكون ناقضا للعادة، وأيضا فإنا نقول جعلكم الوجه فى إعجازه خلوه عن المناقضة والاختلاف ليس علما ضروريا، بل لا بد فيه من إقامة الدلالة، فيجب على من قال هذه المقالة تصحيحها بالدلالة لتكون مقبولة، وهم لم يفعلوا ذلك.
المذهب الرابع قول من زعم أن الوجه فى الإعجاز اشتماله على الأمور الغيبية بخلاف غيره،
وهذا فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن الإجماع منعقد على أن التحدى واقع بجميع القرآن، والمعلوم أن الحكم والآداب وسائر الأمثال ليس فيها شىء من الأمور الغيبية، فكان يلزم على هذه المقالة أن لا يكون معجزا وهو محال، وأما ثانيا فلأن ما قالوه يكون أعظم عذرا للعرب فى عدم قدرتهم على معارضته، فكان من حقهم أن يقولوا: إنا متمكنون من معارضة القرآن، ولكنه اشتمل على ما لا يمكننا معرفته من الأمور الغيبية، فلما لم يقولوا ذلك دل على بطلان هذه المقالة.
المذهب الخامس قول من زعم أن الوجه فى الإعجاز هو الفصاحة،
وفسر الفصاحة بسلامة ألفاظه عن التعقيد الحاصل فى مثل قول بعضهم:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر «1»
(3/221)

وهذا فاسد لأمرين، أما أولا فلأن أكثر كلام الناس خال عن التعقيد فى الشعر والخطب، والرسائل، فيلزم كونها معجزة، وأما ثانيا فلأنه لو كان الأمر كما زعموه لم يفترق الحال بين قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34)
[الشورى: 32- 34] وبين قول من قال: وأعظم العلامات الباهرة جرى السفن على الماء، فإما أن يريد هبوب الريح فتجرى بها، أو يريد سكون الريح فتركد على ظهره، أو يريد إهلاكها بالإغراق بالماء، لأن ما هذا حاله من المعارضة سالم عن التعقيد، فكان يلزم أن يكون هذا الكلام معارضا للآية، لاشتراكها فى الخفة والبراءة عن الثقل والتعقيد، ومن وجه ثالث وهو أنه كان يلزم أن لا يقع تفاوت بين قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: 179] وبين قول العرب «القتل أنفى للقتل» لاشتراكهما جميعا فى السلامة عن الثقل وهذا فاسد.
المذهب السادس قول من زعم أن الوجه فى الإعجاز إنما هو اشتماله على الحقائق وتضمنه للأسرار والدقائق التى لا تزال غضة طرية على وجه الدهر، وما تنال لها غاية، ولا يوقف لها على نهاية، بخلاف غيره من الكلام، فإن ما هذا حاله غير حاصل فيه،
فلهذا كان وجه إعجازه، وهذا فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن الأصل فى وجه الإعجاز أن يكون القرآن متميزا به لا يشاركه فيه غيره، وما ذكرتموه من هذه الخصلة فإنها مشتركة، وبيانه هو أنا نرى بعض من صنف كتابا فى العلوم الإسلامية واعتنى فى قبصه واختصاره، فإن من بعده لا يزال يجتبى منه الفوائد فى كل وقت ويستنبطها من ألفاظه وصرائحه كما نرى ذلك فى الكتب الأصولية والكتب الدينية والفقهية، وسائر علوم الإسلام، وإذا كان الأمر كما قلناه وجب الحكم بإعجازها وهم لا يقولون به، وأما ثانيا فلأن قوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
[البقرة: 163] وقوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[محمد: 19] وقوله تعالى:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)
[الإخلاص: 1] صريحة فى إثبات الوحدانية لله تعالى بظاهرها وصريحها، وما عدا ذلك من المعانى لا يخلو حاله، إما أن يستقل العقل بدركه أولا يستقل بدركه، فإن استقل بدركه فقد أحاط به كغيره من سائر الكلام، فلا تفرقة بينه وبين غيره، وإن كان لا يستقل العقل بدركه، فذلك هو الأمور الغيبية، وهى باطلة بما أسلفناه على
(3/222)

من قال بها فحصل من مجموع ما ذكرناه ههنا أنه لا وجه لجعل دلالته على الأسرار والمعانى وجها فى إعجازه لأن غيره مشارك له فى هذه الخصلة، وما وقعت فيه الشركة فلا وجه لاختصاصه وجعله وجها فى كونه معجزا.
المذهب السابع قول من زعم أن الوجه فى إعجازه هو البلاغة،
وفسر البلاغة باشتماله على وجوه الاستعارة، والتشبيه، والفصل، والوصل، والتقديم، والتأخير، والإضمار، والإظهار، إلى غير ذلك، وهؤلاء إن أرادوا بما ذكروه أنه صار فصيحا بالإضافة إلى ألفاظه، وبليغا بالإضافة إلى معانيه، ومختصا بالنظم الباهر، فهذا جيد لا غبار عليه كما سنوضحه عند ذكر المختار، وإن أرادوا أنه بليغ بالإضافة إلى معانيه دون ألفاظه، فهو خطأ، فإنه صار معجزا باعتبار ألفاظه ومعانيه جميعا، وغالب ظنى أن هذا المذهب يحكى عن أبى عيسى الرمانى.
المذهب الثامن قول من زعم أن الوجه فى إعجازه هو النظم،
وأراد أن نظمه وتأليفه هو الوجه الذى تميز به من بين سائر الكلام فهؤلاء أيضا يقال لهم ما تريدون باختصاصه بالنظم، فإن عنيتم به أن نظمه هو المعجز من غير أن يكون بليغا فى معانيه، ولا فصيحا فى ألفاظه، فهو خطأ، فإن الإعجاز شامل له بالإضافة إلى كلا الأمرين جميعا، وإن عنيتم أنه مختص بالبلاغة والفصاحة، خلا أن اختصاصه بالنظم أعجب وأدخل، فلهذا كان الوجه فى إعجازه فهذا خطأ، فإن مثل هذا لا يدرك بالعقل، أعنى تميزه بحسن النظم عن حسن البلاغة والفصاحة، وأيضا فإن ما ذكروه تحكم لا مستند له عقلا ولا نقلا، وأيضا فإنا نقول: هل يكون النظم وجها فى الإعجاز مع ضم البلاغة والفصاحة إليه، أو يكون وجها من دونهما، فإن قالوا بالأول فهو جيد، ولكن لم قصروه على النظم وحده ولم يضموهما إليه؟ وإن قالوا: إنه يكون منفردا بالإعجاز من دونهما، فهذا خطأ أيضا، فإن نظم القرآن لو انفرد عن بلاغته وفصاحته لم يكن معجزا بحال.
(3/223)

المذهب التاسع مذهب من قال: إن وجه إعجازه إنما هو مجموع هذه الأمور كلها،
فلا قول من هذه الأقاويل إلا هو مختص به، فلا جرم جعلنا الوجه فى إعجازه مجموعها كلها، وهذا فاسد، فإنا قد أبطلنا رأى أهل الصرفة، وزيفنا كلامهم، فلا وجه لعده من وجوه الإعجاز، وهكذا فإنا قد أبطلنا قول من زعم أن الوجه فى إعجازه اشتماله على الإخبار بالأمور الغيبية، وأبطلنا قول أهل الأسلوب وغيره من سائر الأقاويل، فلا يجوز أن تكون معدودة فى وجوه الإعجاز، لأن الأمور الباطلة لا يجوز أن تكون عللا للأحكام الصحيحة، ومن وجه ثان وهو أن الفصاحة والبلاغة إذا كانتا حاصلتين فيه فهما كافيتان فى الإعجاز، فلا وجه لعد غيرهما معهما.
المذهب العاشر أن يكون الوجه فى إعجازه إنما هو ما تضمنه من المزايا الظاهرة والبدائع الرائقة
فى الفواتح، والمقاصد، والخواتيم فى كل سورة، وفى مبادىء الآيات، وفواصلها، وهذا هو الوجه السديد فى وجه الإعجاز للقرآن كما سنوضح القول فيه بمعونة الله تعالى، فهذا ما أردنا ذكره من المذاهب فى الوجه الذى لأجله صار القرآن معجزا للخلق كلهم.
المبحث الثالث فى بيان المختار من هذه الأقاويل
والذى نختاره فى ذلك ما عول عليه الجهابذة من أهل هذه الصناعة الذين ضربوا فيها بالنصيب الوافر، واختصوا بالقدح المعلى والسهم القامر، فإنهم عولوا فى ذلك على خواص ثلاثة هى الوجه فى الإعجاز.
الخاصة الأولى الفصاحة فى ألفاظه على معنى أنها بريئة عن التعقيد، والثقل، خفيفة على الألسنة تجرى عليها كأنها السلسال، رقة وصفاء وعذوبة وحلاوة.
الخاصة الثانية البلاغة فى المعانى بالإضافة إلى مضرب كل مثل، ومساق كل قصة، وخبر، وفى الأوامر والنواهى، وأنواع الوعيد، ومحاسن المواعظ، وغير ذلك مما اشتملت عليه العلوم القرآنية، فإنها مسوقة على أبلغ سياق.
الخاصة الثالثة جودة النظم وحسن السياق، فإنك تراه فيما ذكرناه من هذه العلوم
(3/224)

منظوما على أتم نظام وأحسنه وأكمله فهذه هى الوجه فى الإعجاز، والبرهان على ما ادعيناه من ذلك هو أن الآيات التى يذكر فيه التحدى واردة على جهة الإطلاق ليس فيها تحد بجهة دون جهة، لأنه لم يذكر فيها أنه تحداهم، لا بالبلاغة ولا بالفصاحة، ولا بجودة النظم والسياق، ولا بكونه مشتملا على الأمور الغيبية، ولا لاشتماله على الأسرار والدقائق، وتضمنه المحاسن والعجائب، ولا أشار إلى شىء خاص يكون مقصدا للتحدى، وإنما قال: بمثله، وبسورة، وبعشر سور على الإطلاق، ثم إن العرب أيضا ما استفهموه عما يريد بتحديهم فى ذلك، ولا قالوا ما هو المطلوب فى تحدينا، بل سكتوا عن ذلك، فوجب أن يكون سكوتهم عن ذلك لا وجه له إلا لما قد علم من اطراد العادات المقررة بين أظهرهم أن الأمر فى ذلك معلوم أنه لا يقع إلا بما ذكرناه من البلاغة والفصاحة وجودة السياق والنظم، فإن المعلوم من حال الشعراء والخطباء، وأهل الرسائل والكلام الواقع فى الأندية المشهورة والمحافل المجتمعة، أنهم إذا تحدى بعضهم بعضا فى شعر، أو خطبة أو رسالة، فإنه لا يتحداه إلا بمجموع ما ذكرناه من هذه الأمور الثلاثة ولم يعهد قط فى الأزمنة الماضية والآماد المتمادية، أن أحدا تحدى أحدا منهم برقة شعره، ولا باشتماله على أمور محجوبة، ولا بعدم التناقض فيها، وفى هذا دلالة كافية على أن تعويلهم فى التحدى إنما هو على ما ذكرناه فيجب حمل القرآن فى الآيات المطلقة عليه، وفى ذلك حصول ما أردناه، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة عليها والانفصال عنها.
السؤال الأول منها قد زعمتم أن وجه إعجاز القرآن إنما هو الفصاحة، والبلاغة، والنظم، وحاصل هذه الأمور كلها إما أن تكون راجعة إلى مفردات الكلم، أو تكون راجعة إلى مركباتها، ولا شك أن العرب قادرون على المفردات لا محالة ولا شك أن كل من قدر على المفردات فهو قادر على مركباتها، فلو كان كما ذكرتموه لكان العرب قادرين على المعارضة، وهذا يدل على أن وجه إعجازه ليس أمرا راجعا إلى البلاغة، والفصاحة، والنظم، وهذا هو المطلوب.
وجوابه إنما يكون بعد تمهيد قاعدة، وهو أن التفاوت بين الكتابين فى الجودة والكتابة إنما يكون من جهة العلم بإحكام التأليف بين الحروف وتنزيلها على أحسن هيئة فى الإيقاع، فمن كان أجود علما بإحكام التأليف كانت كتابته أعجب، ومن كان عادما للعلم بما ذكرناه نقص إتقان كتابته، فكل واحد منهما قد أحرز ما تحتاج إليه الكتابة من الآلات
(3/225)

كالقلم والدواة، والقرطاس، واليد، وغير ذلك مما يكون شرطا فى الكتابة، ولم يتميز أحدهما عن الآخر إلا بما ذكرناه من العلم بإحكام التأليف، وهكذا حال أهل الحرف والصناعات فإنهم كلهم متمكنون من أصول الصناعات وما تحتاج إليها، كالصناعة للذهبيات والفضيات، والحاكة للديباج، فإن تفاوتهم إنما يظهر فى ما ذكرناه لا غير فإذا عرفت هذا فالعرب لا محالة قادرون على مفردات هذه الكلم، الموضوعة، وقادرون على حسن التأليف لهذه الكلمات، لكنهم غير قادرين على كل تأليف، فإن من التأليف ما لا زيادة عليه فى الإعجاب، وهو المعجز، ومنه ما تنقص رتبته عن ذلك، وليس معجزا، وعلى هذا يكون المعجز إنما كان من جهة عدم العلم بإحكام تأليف هذه الكلمات، فقد ملكوا القدرة على آحادها، وملكوا القدرة على نوع من تأليفها مما لم يكن معجزا، فأما ما كان معجزا من التأليف فلم يكونوا مالكين له فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الإعجاز ليس إلا تأليف هذه الكلمات على حد لا غاية فوقه، فإلى هذا يرجع الخلاف، ويحصل التحقق بأن عجزهم إنما كان من جهة عدم العلم بهذا التأليف المخصوص فى الكلام، لا يقال فحاصل هذا الجواب أن الله تعالى لم يخلق فيهم العلم بإحكام التأليف الذى يحتاج إليه فى كون الكلام معجزا، وهذا قول بمقالة أهل الصرفة، فإن حاصل مذهبهم هو أن الله تعالى سلبهم الداعى إلى معارضة القرآن، وأعدم عنهم العلوم التى لأجلها يقدرون على المعارضة، وأنتم قد زيفتم هذه المقالة وأبطلتموها، فقد وقعتم فيما فررتم منه لأنا نقول هذا فاسد فإنا نقول إنهم عادمون لهذه العلوم قبل المعجز وبعده، وأنها غير حاصلة لهم فى وقت من الأوقات فلهذا استحال منهم معارضة القرآن كما قررناه من قبل، بخلاف مقالة أهل الصرفة فإن عندهم أن علوم التأليف كانت حاصلة معهم قبل ظهور المعجز، لكن الله تعالى سلبهم إياها كما مر تقريره، فلهذا كان ما ذكرناه مخالفا لما قالوه.
السؤال الثانى: لو كانت الفصاحة هى الوجه فى كون القرآن معجزا لما كان فيه دلالة على صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد تقرر كونه دالا على صدقه فيجب أن لا يكون الوجه فى إعجازه هى الفصاحة، بل الصرفة كما تقول أصحابها، أو وجه آخر غير الفصاحة، وإنما قلنا: إنه لو كان الوجه فى إعجازه الفصاحة لما كان فيه دلالة على الصدق، فلأن الدلالة على الصدق، إنما تقع إذا كانت موجودة من جهة الله تعالى إلا أنه تعالى ليس فاعلا
(3/226)

للفصاحة من جهة أن الفصاحة المرجع بها إلى خلوص الكلام من التعقيد، والبلاغة ترجع إلى مطابقة الكلام وحسن تأليفه، وهذه كلها مقدورة لنا، ولهذا بطل أن يكون الإعجاز حاصلا بها، فإذن لا بد من أن يكون وجه الإعجاز متعلقا بقدره الله تعالى، لأنه هو المتولى لصدق أنبيائه، فكل ما كان من المعجزات لا يقدر كونه من جهته، فإنه لا يكون فيه دلالة على صدق من ظهر عليه، وإنما قلنا: 7 ن فيه دلالة على الصدق، وهذا ظاهر لا يمكن إنكاره، فإن القرآن من أبهر الأدلة على صدق صاحب الشريعة صلوات الله عليه، فلو كان وجه إعجازه هو الفصاحة لم يكن فيه دلالة على الصدق، لأن الفصاحة والبلاغة المرجع بهما إلى انتظام الكلام على وجه مخصوص لا مزيد عليه، وما من وجه من وجوه النظم إلا وهو مقدور للعباد بكل حال، وهذا يبطل كونه دالا على صدقه، وقد تقرر كونه دليلا على الصدق، فبطل كون إعجازه هو الفصاحة.
وجوابه أنا قد قررنا أن الوجه فى إعجازه هو الفصاحة والبلاغة مع النظم بما لا مطمع فى إعادته. قوله لو كانت الفصاحة وجها فى إعجازه لما كان له دلالة على الصدق، قلنا:
هذا فاسد فإن النظم وإن كان مقدورا لنا، لكنه قد يقع على وجه لا يمكن كونه مقدورا لنا ولهذا فإن العلم مقدور لنا، والفعل من جنس العلوم، وقد استحال كونها مقدورة للعباد، لما كانت واقعة على وجه يستحيل وقوعه فى حق العباد، فإن جنس الحركة مقدور لنا، وحركة المرتعش وإن كانت من جنس الحركة، لكنها لما وقعت على وجه يتعذر على العباد جاز الاستدلال بها على الله تعالى، فهكذا حال البلاغة، فإنها وإن كانت من قبيل النظم والتأليف. وهو مقدور لنا، لكنه لما وقع على وجه يتعذر تحصيله من جهتنا، كان دليلا على الصدق من هذه الجهة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن القرآن دال على صدق من ظهر على يده، وما ذاك إلا لكونه مختصا بالوقوع من جهة الله تعالى مع كون جنسه من مقدور العباد، وفيه دلالة على صدقه كما نقوله فى سائر المعجزات الدالة على صدقه، وإن لم يكن لها تعلق بمقدور العباد، كإطعام الخلق الكثير، من الطعام اليسير، ونبوع الماء من بين أصابعه، إلى غير ذلك من المعجزات الباهرة له عليه الصلاة والسلام.
السؤال الثالث: هو أن الصحابة رضى الله عنهم لما اهتموا بجمع القرآن بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانوا يطلبون الآية، والآيتين، ممن كان يحفظها منهم، فإن كان الراوى مشهور
(3/227)

العدالة قبلوها منه، وإن كان غير مشهور العدالة لم يقبلوها منه، وطلبوا على ذلك بينة، فلو كان الوجه فى إعجازه هو الفصاحة كما زعمتم، لكان متميزا عن سائر الكلام وكان لا وجه للسؤال لما يظهر من التمييز، وفى هذا دلالة على أن وجه إعجازه هو الصرفة، أو غيرها، دون الفصاحة.
وجوابه من وجهين، أما أولا: فلأنا لا نسلم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم توفاه الله تعالى ولم يكن القرآن مجموعا، بل ما مات عليه السلام إلا بعد أن جمعه جبريل، وهذه الرواية موضوعة مختلفة لا نسلمها، ولهذا قال لما نزل صدر سورة براءة «أثبتوها فى آخر سورة الأنفال» فما قالوه منكر ضعيف، وأما ثانيا فلأن الاختلاف إنما وقع فى كتب القرآن وجمعه فى الدفاتر، فأما جمعه فمما لم يقع فيه تردد أنه كان فى أيام الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا فإن المصاحف قد كانت كثرت بعد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فلما وقع فيه الخلاف، فعل «عثمان» فى خلافته ما فعل من محوها كلها، وكتبه مصحفه الذى كتبه.
السؤال الرابع: هو أن ابن مسعود رضى الله عنه اشتبه عليه الفاتحة والمعوذتان، هل هن من القرآن أو لا، فلو كان الوجه فى الإعجاز هو الفصاحة لكان لا يلتبس عليه شىء من ذلك.
وجوابه من وجهين: أما أولا: فلأن ابن مسعود لم ينكر كونها نزلت من اللوح المحفوظ، وأن جبريل أتى بها من السماء فهن قرآن بهذه المعانى، وإنما أنكر كتبها فى المصاحف وقال هن واردات على جهة التبرك والاستعاذة، فلهذا كن قرآنا بما ذكرناه من المعانى، ولم يكن قرآنا لورودها لهذا المقصد الخاص، وهذا فى التحقيق يؤول إلى العبادة، والمقاصد المعنوية متفق عليها كما ترى، وأما ثانيا فلأن هذا رأى لابن مسعود فلا يكون مقبولا، والحق فى المسألة واحد، فخطؤه فيها كخطإ غيره ممن خالف دلالة قاطعة، ولنقتصر على هذا القدر من الأسئلة ففيه كفاية لغرضنا، واستقصاء الكلام على مثل هذه القاعدة، إنما يليق بالمباحث الكلامية، والمقاصد الدينية، وإن نفس الله لنا فى المهلة، وتراخت مدة الإمهال، ألفنا كتابا نذكر فيه كيفية دلالة المعجز على صدق من ظهر على يده، ونجيب فيه عن شكوك المخالفين بمعونة الله تعالى، فالنية صادقة فى ذلك إن شاء الله تعالى.
(3/228)

تنبيه
نجعله خاتمة للكلام فى الوجه الذى لأجله حصل الإعجاز، اعلم أن القرآن إنما صار معجزا لكونه دالا على تلك المحاسن والمزايا التى لم يختص بها غيره من سائر الكلام، ولا يجوز أن تكون راجعة إلى الدلالات الوضعية، سواء كانت باعتبار دلالتها على معانيها الوضعية، أو مجردة عنها، وقد ذهب إلى ذلك أقوام.
وهو فاسد لأمرين، أما أولا: فلأن الكلمة الواحدة قد تكون فصيحة إذا وقعت فى محل، وغير فصيحة إذا وقعت فى محل آخر، فلو كان الأمر فى الفصاحة والبلاغة راجعا إلى مجرد الألفاظ الوضعية، لما اختلف ذلك بحسب اختلاف المواضع، وأما ثانيا فلأن الاستعارة، والتشبيه، والتمثيل، والكناية، من أعظم قواعد الفصاحة وأبلغها. وإنما كانت كذلك باعتبار دلالتها على المعانى لا باعتبار ألفاظها. فصارت الدلالة على وجهين:
الوجه الأول دلالة وضعية، وهذه لا تعلق لها بالبلاغة والفصاحة كما مهدنا طريقه، وثانيهما الدلالة المعنوية، ودلالتها إما بالتضمن، أو بالالتزام، وهما عقليان من جهة أن حاصلهما، هو انتقال الذهن من مفهوم اللفظ إلى ما يلازمه، ثم تلك الملازمة إما أن تكون دلالة على جزء المفهوم، أو تكون دلالة على معنى يصاحب المفهوم، فالأول هو الدلالة التضمنية، والثانى هو الدلالة الخارجية وهما جميعا من اللوازم، ثم إن تلك اللوازم تارة تكون قريبة، وتارة تكون بعيدة، فمن أجل ذلك صح تأدية المعانى بطرق كثيرة، بعضها أكمل من بعض، وتارة تزيد، ومرة تنقص، فلأجل هذا اتسع نطاق البلاغة وعظم شأنه، وارتفع قدره وعلا أمره، فربما علا قدر الكلام فى بلاغته حتى صار معجزا لا رتبة فوقه، وربما نزل الكلام حتى صار ليس بينه وبين نعيق البهائم إلا مزية التأليف والتركيب، وربما كان متوسطا بين الرتبتين، وقد يوصف اللفظ بالجودة، لكونه متمكنا فى أسلات الألسنة غير ناب عن مدارجها، ولا قلق على سطح اللسان، جيدا سبكه صحيحا طابعه، وأنه فى حق معناه من غير زيادة عليه ولا نقصان عنه، وقد يذمونه بنقائض هذه الصفات بأنه معقد جرز، وأنه لتعقيده استهلك المعنى، يمشى اللسان إذا نطق به كأنه مقيد، وحشى، نافر، نازل القدر، طويل الذيول من غير فائدة، ولا معنى تحته، وقد يصفون
(3/229)

المعنى بالجودة، بأنه قريب جزل، يسبق إلى الأذهان، قبل أن يسبق إلى الآذان، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، حتى كأنه يدخل إلى الأذن بلا إذن، وقد يذمونه بكونه ركيكا نازل القدر، بعيدا عن العقول، وهلم جرا إلى سائر ما ذكرناه من جهة المعنى على هذه المزايا موجودة فيه على أكمل شىء وأتمه، فلله دره من كتاب اشتمل على علوم الحكمة وضم جوامع الخطاب، وأودع ما لم يودع غيره من الكتب المنزلة من حقائق الإجمال ودقائق الأسرار المفصلة، وإذا أردت أن تكحل بصرك بمرود التخييل والاطلاع على لطائف الإجمال والتفصيل، فاتل قصة زكرياء عليه السلام، وقف عندها وقفة باحث وهى قوله تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[مريم: 4] فإنك تجد كل جملة منها بل كل كلمة من كلماتها تحتوى على لطائف، وليس فى آى القرآن المجيد حرف إلا تحته سر ومصلحة فضلا عما وراء ذلك، والكلام فى تقرير تلك اللطائف الإجمالية، وما يتلوها من الأسرار التفصيلية، مقرر فى معرفة حد الكلام وأصله، وأن كل مرتبة من مراتب الإجمال متروكة فى الآية وسياقها، وجملة ما نورده من ذلك درجات عشر، كل واحدة منها على حظ من الإجمال، بعدها درجة أخرى على حظ من التفصيل، حتى تكون الخاتمة هو ما اشتمل عليه سياقها المنظوم على أحسن نظام، وصار واقعا فى تتميم بلاغتها أحسن تمام.
الدرجة الأولى: نداء الخفية، فإنه دال على ضعف الحال وخطاب المسكنة والذل حتى لا يستطيع حراكا وهو من لوازم الشيخوخة والهزال، لما فيه من التصاغر للجلال والعظمة بخفض الصوت فى مقام الكبرياء، وعظم القدرة فهذه الجملة مذكورة كما قررناه، وهى مناسبة لحاله، ولهذا صدرها فى أول قصته لما فيها من ملائمة الحال وهضم النفس، واستصغارها، وافتتاحها بذكر العبودية يؤكد ما ذكرناه ويؤيده.
الدرجة الثانية: كأنه قال، يا رب إنه قد دنا عمرى وانقضت أيام شبابى، فإن انقضاء العمر دال على الضعف، والشيخوخة لا محالة، لأن انقضاء الأيام والليالى هو الموصل إلى الفناء والضعف وشيب الرأس، ثم إن هذه الجملة صارت متروكة لتوخى مزيد التقرير إلى ما هو أكثر تفصيلا منها مما يكون بعدها.
الدرجة الثالثة: كأنه قال قد شخت فإن الشيخوخة دالة على ضعف البدن وشيب الرأس، لأنها هى السبب فى ذلك لا محالة.
(3/230)

الدرجة الرابعة: كأنه قال وهنت عظام بدنى، جعله كناية عن ضعف حاله، ورقة جسمه، ثم تركت هذه الجملة إلى جملة أخرى أكثر تفصيلا منها.
الدرجة الخامسة: كأنه قال أنا وهنت عظام بدنى، فأعطيت مبالغة، لما قدم المبتدأ ببناء الكلام عليه كما ترى.
الدرجة السادسة: كأنه قال إنى وهنت العظام من بدنى فأضاف إلى نفسه، تقريرا مؤكدا «بإن» للأمر، واختصاصها بحاله، ثم تركت هذه الجملة بجملة غيرها.
الدرجة السابعة: كأنه قال إنى وهنت العظام منى، فترك ذكر البدن، وجمع العظام، إرادة لقصد شمول الوهن للعظام ودخوله فيها.
الدرجة الثامنة: ترك جمع العظام إلى إفراد العظم، واكتفى بإفراده فقال: إنى وهن العظم منى.
الدرجة التاسعة: ترك الحقيقة، وهى قوله أشيب، أو شاب رأسى، لما علم أن المجاز أحسن من الحقيقة، وأكثر دخولا فى البلاغة منها، ثم تركت هذه الجملة بجملة أخرى غيرها.
الدرجة العاشرة: أنه عدل عن المجاز إلى الاستعارة فى قوله: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[مريم: 4] وهى من محاسن المجاز، ومن مثمرات البلاغة، وبلاغتها قد ظهرت من جهات ثلاث.
الجهة الأولى إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال بجميع الرأس، بخلاف ما لو قال: اشتعل شيب رأسى، فإنه لا يؤدى هذا المعنى بحال، فاشتعل رأسى وزان اشتعلت النار فى بيتى، واشتعل رأسى شيبا، وزان اشتعل بيتى نارا.
الجهة الثانية الإجمال والتفصيل فى نصب التمييز، فإنك إذا نصبت شَيْباً
كان المعنى مخالفا لما إذا رفعته، فقلت: اشتعل شيب رأسى، لما فى النصب من المبالغة دون غيره.
الجهة الثالثة تنكير قوله شيبا، لإفادة المبالغة، ثم إنه ترك لفظ (منى) فى قوله واشتعل الرأس شيبا، اتكالا على قوله: وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
ثم إنه أتى به فى الأول، بيانا للحال وإرادة للاختصاص بحاله فى إضافته إلى نفسه، ثم عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى بلفظ الماضى، لما بينهما من التقارب والملائمة، فانظر إلى هذا السياق المثمر المورق، وجودة هذا الرصف المعجب المونق، كيف ترك جملة إلى جملة، إرادة للإجمال بعده
(3/231)

التفصيل، من أجل إيثار البلاغة حتى انتهى إلى خلاصها، ودهن لبها ومصاصها. وهو جوهر الآية ونظامها بأوجز عبارة وأخصرها، وأظهر بلاغة وأبهرها واعلم أن الذى فتق أكمام هذه اللطائف حتى تفتحت أزرار أزهارها، وتعانقت أغصانها وتأنقت أفنانها، وتناسبت محاسن آثارها، هو مقدمة الآية وديباجتها، فإنه لما افتتح الكلام فى هذه القصة البديعة بالاختصار العجيب، بأن طرح حرف النداء من قوله «رب» وياء النفس من المضاف، أشعر أولها بالغرض، فلأجل تأسيس الكلام على الاختصار عقبه بالاختصار والإجمال، واكتفى بذكر هاتين الجملتين عما وراءهما من تلك المراتب العشر التى نبهنا عليها والحمد لله.
(3/232)

الفصل الرابع فى إيراد المطاعن التى يزعمونها على القرآن والجواب عنها
اعلم أن للمخالفين لنا فى كلام الله تعالى اعتراضات ومطاعن يرومون بذلك إبطاله وإبطال دلالته، لما كان من أعظم حجج الله على خلقه، فلأجل هذا كثرت عنايتهم بالطعن فيه، ومطاعنهم فيه من جهات عشرين.
الجهة الأولى: من حيث حقيقته،
وحاصل ما قالوه: هو أن القرآن كلام الله تعالى، وليس يخلو الحال فى بيان ماهيته، إما أن يكون المرجع بحقيقته إلى أنه معنى قائم بذاته تعالى موجب لذاته المتكلمية كما هو رأى قدماء الأشعرية، كالإسفرائينى، والنجارية، والكلابية، وإلى هذا ذهب القاضى الباقلانى منهم، وإما أن يكون المرجع بالكلام إلى حالة الله تعالى، وهى المتكلمية، كما هو رأى المتأخرين من الأشعرية، له تعلقات كتعلقات العالمية، وهذه المذاهب فاسدة عندكم، وإما أن يكون المرجع بحقيقة الكلام إلى هذه الأحرف والأصوات المقطعة، كما هو رأى المعتزلة وأئمة الزيدية، وقد أفسدوه بأنا نعلم ماهية الكلام قبل إيجاد هذه الأحرف والأصوات، ونتصور ماهيته، وفى هذا دلالة على أنه أمر مخالف للأصوات والحروف، وإما أن يراد بحقيقة الكلام، أمر آخر وراء ما ذكرناه، فلابد من إبرازه لنعلم صحته أو فساده، فقد وضح بما ذكرناه، أن حقيقة الكلام مشكلة فلابد من الإحاطة بها، لأن الكلام فى كونه حجة قائمة على الخلق فرع تصور ماهيته، ولم يفرغ من ذلك.
والجواب عما أوردوه من ذلك: هو أنا إذا قررنا ماهية الكلام بطلت هذه المذاهب كلها، والبرهان القاطع على أن الكلام هو هذه الأحرف المقطعة، أن المعقول من ماهية الكلام هو ما ذكرناه كما أن المعقول من ماهية الأسود، هو حصول السواد فى المحل، فلو عزلنا عن أنفسنا العلم بهذه الأحرف، لم نعقل حقيقة الكلام ولهذا فإن الكتابة لا يسمونها كلاما وكذا الإشارة، لعدم النطق بهذه الأحرف فحصل من هذا أن تقطيع هذه الأصوات هى الأصل فى كون الكلام كلاما، وأن إطلاق الكلام على ما ليس بهذه الصفة إنما كان على جهة المجاز كما يقول القائل فى نفسى كلام، فمن أدرك ما ذكرناه فقد أحاط بماهية الكلام، ومن لا يفهم هذه الأحرف فإنه بمعزل عن فهم ماهية الكلام، ويؤيد ما ذكرناه
(3/233)

أن جميع من تكلم فى ماهية الكلام فإنه لا بد من ذكر ما قلناه من الأصوات المقطعة والحروف المنظومة من أئمة الأدب وأهل اللغة، وأهل النحو، والتصريف، وأهل علم البيان، والعروضيين وغيرهم ممن كان مختصا بالكلام، فإنه لا يورد فى ماهيته إلا ما ذكرناه من هذه الأصوات وهذه الحروف، وفى هذه دلالة قاطعة على أنها أصل فى معقول معناه، وقاعدة فى فهم ماهيته، فلا يخطر ببال أحد منهم سوى ذلك.
الجهة الثانية من حيث القدم،
الملاحدة، وحاصل ما قالوه هو أن بعض أهل القبلة من المسلمين قد زعم كونه قديما، وهؤلاء هم الأشعرية على طبقاتهم، فإنهم قد اتفقوا على أن كلام الله تعالى قديم لا أول له، ومهما كان قديما فإنه لا يفيد فائدة، ولا يوجد منه شىء من الأحكام، لأن الكلام إنما يعقل معناه إذا كان مؤلفا من هذه الأحرف، فأما إذا كان قديما لم يعقل تقدم بعضه على بعض، فإذا كان قديما كان عريّا عن الفائدة لا يمكن أن يحتج به ولا يكون فيه دلالة فمهما جوز قدمه بطل الاحتجاج به.
والجواب عما أورده هؤلاء إنما هو ببيان حقيقة الكلام، فإذا تقرر أنه هذه الأصوات والأحرف المقطعة فأمارة الحدوث فيها ظاهر من جهة أن المسبوق منها محدث لتقدم غيره عليه، والمتقدم على المحدث بأوقات يجب القضاء بحدوثه، لأن من حق القديم أن يكون سابقا على الحوادث بما لا نهاية له، فإذا كان لتقدمه غاية، كان محدثا، واعلم أنه لا خلاف فى كون هذه الحروف المقطعة والأصوات المنتظمة محدثة، لظهور أمارة الحدوث فيها، لجواز العدم عليها، وتقدم بعضها على بعض، وكل ما ذكرناه علامة الحدوث ودليل عليه، فلهذا قلنا: إن كلام الله تعالى محدث لما كان معقول الكلام هو هذه الأصوات من غير زيادة، وهكذا حال جميع الفرق، فإنهم لا يخالفوننا فى حدوث هذه الأحرف، وإنما يحكى الخلاف عن الأشعرية وجميع فرق المجبرة من النجارية، والكلابية، فإنهم متفقون على قدمه، وزعموا على هذا أن كلام الله تعالى شىء مغاير لهذه الأحرف والأصوات المقطعة ووصفوه بالقدم، وحاصل قولهم: أن الكلام معنى قديم قائم بالذات، فإذا تقرر كون الكلام ما وصفناه من هذه الأحرف وأن ما قالوه غير معقول، ثبت حدوثه لا محالة، فإذن الخلاف بيننا وبين جميع طبقات المجبرة فى قدم القرآن مرتد إلى ماهية الكلام، فإن كان
(3/234)

الحق ما قلناه: من أنه هذه الأحرف المقطعة فالقرآن محدث، وجميع كلام الله تعالى، وإن قدرنا أن حقيقة الكلام ما قالوه من كونه صفة قائمة بالذات لم نمنع قدمه إذا قامت عليه دلالة، فأما مع الإقرار أو قيام البرهان على أن معقول الكلام هو هذه الأحرف المقطعة فلا سبيل للقول بقدمه على حال، لأن ذلك غير معقول أصلا.
الجهة الثالثة من الطعن
ذهب أكثر الأشعرية إلى أن كلام الله تعالى متحد غير متعدد، وأنه معنى واحد قرآن، وتوراة وإنجيل وزبور، وأمر ونهى، ووعد، ووعيد، إلى غير ذلك من الأوجه المختلفة فى الكلام، وزعم فريق من الأشعرية وهم الأقلون أن كلام الله تعالى متعدد إلى وجوه خمسة: أمر، ونهى، ودعاء، ونداء، وخبر، وهو محكى عن أبى إسحاق الإسفرائينى منهم، وهو فى هذين الوجهين لا تعقل دلالته بحال، لأنه إذا كان متحدا لم يعقل فيه أمر ونهى، لأن الشىء الواحد لا يكون على هذه الأوجه، لما فيها من التناقض، وإن كان متعددا إلى هذه الأوجه الخمسة فهو خطأ أيضا، إذ لا دلالة على حصره فى هذه الأوجه، فإذن لا يتم كون القرآن دالا على الأحكام الشرعية إلا بعد إبطال هذين المذهبين، لأنهما مهما صحا بطلت دلالته فهذا من أعظم المطاعن على الاستدلال به.
والجواب أنا قد قررنا أن ماهية الكلام ومعقوله إنما هو هذه الأصوات المقطعة من غير زيادة على ذلك، وأن حقيقته غير مختلفة، شاهدا وغائبا، لأن ماهيات الأشياء وحقائقها لا تختلف باعتبار الشاهد والغائب، وإذا كان الأمر فيها كما قلناه فلا معنى لقول من قال: إن الكلام متحد، أو متعدد، بل يجب أن يكون لكل من هذه المعانى صيغة تدل عليه، ولا وجه لكونه حقيقة واحدة متحدة، ولا وجه أيضا لقصره على خمسة معان كما زعموه، وإنما بنوا هذه المقالة فى التعدد والاتحاد، على أن ماهية الكلام وحقيقته آئلة إلى أنه مغاير لهذه الأصوات المقطعة، وأنه معنى حاصل فى النفس، فلأجل هذا قالوا فيه بالتعدد والاتحاد، فإذا بطل كون الكلام معنى واحدا بطل ما بنى عليه من التعدد والاتحاد، ويدل على بطلان هذه المقالة أن كلام الله إذا كان معنى واحدا على زعمهم فكيف يعقل تعدده، وأن يكون خمس كلمات أمرا، ونهيا، ودعاء، ونداء، وخبرا، وفى هذا جمع بين النقيضين، فلا يكون مقبولا، لأنه من حيث إنه واحد فلا يعقل تعدده، ومن حيث إنه خمس كلمات يكون متعددا، فيكون متعددا غير متعدد وهو محال، فبطل ما قالوه.
(3/235)

الجهة الرابعة من الطعن على كونه حجة،
وحاصلها أن القرآن إنما يستقيم كونه حجة، إذا تقرر كونه من جهة الله تعالى، ومن الجائز أن يكون ألقاه إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعض الملائكة، أو بعض الجن، أو الشياطين فلا يستقيم كونه حجة إلا بعد بطلان هذا الاحتمال.
والجواب عما ذكروه من هذا الاحتمال البعيد يجرى على وجهين، الوجه الأول منهما إجمالى، وذلك من أوجه ثلاثة أولها أنا لو ساعدناكم على ذلك، وكان مدعى النبوة كاذبا، لوجب على الله تعالى أن يمنعه من ذلك لئلا يفضى إلى الإضلال بالخلق، والتلبيس عليهم فى أحوال دينهم، لأن الحكمة مانعة، فإن الله تعالى لا يجوز أن يسلط الشّبه على وجه لا يمكننا حالها، وثانيها أنا لو جوزنا ذلك لجاز أن يكون جرى الشمس، والقمر والنجوم، والأفلاك كلها، وجرى الفلك فى البحر وغير ذلك من الأمور الهائلة لواحد من هذه الاحتمالات، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، وثالثها أن هذه الوجوه لو كانت محتملة لذكرتها العرب فى القدح فى نبوته، لأن من المعلوم ضرورة حرصهم على ما كان مبطلا لدعواه فلما لم يذكروا شيئا من هذه الاحتمالات دل على بطلانها وفسادها. الوجه الثانى منهما تفصيلى: وذلك يكون من أوجه، أولها أنا نعلم بالضرورة علما لا مرية فيه، أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم هو الآتى بالقرآن، فإذا كان ما ذكرتموه من الاحتمال يدفع هذا العلم، وجب القضاء بفساده، وثانيها أنه لا طريق إلى إثبات الجن، والملائكة، والشياطين، إلا بالسمع، فكيف يصح الطعن فى النبوة والقرآن بما لا يكون ثابتا إلا بعد ثبوتهما، وثالثهما أنه قد تحدى جميع الخلق الأحمر، والأسود، والجن، والشياطين، بالقرآن، وادعى عجزهم عنه، فلو كان ذلك من فعلهم لتوفرت دواعيهم إلى معارضته، لأن كل من نسب إلى العجز عن الشىء وكان قادرا عليه، فإنه لا بد من أن يكون إثباته كما قررناه فى حال الإنس، ورابعها أنه كان ينهى عن متابعة الشياطين، ويأمر بلعنهم والبراءة منهم، ويحذر عن ملابستهم فى المطاعم، والمشارب، والمساكن، فلو كان الفاعل للقرآن هو الجن والشياطين لاستحال منهم نصرته مع شدة عداوته لهم، وأمره بالبعد عنهم واللعن لهم، وخامسها أن القرآن الذى ظهر على يد محمد صلّى الله عليه وسلّم، لو جاز إسناده إلى الجن كما زعموه، لجاز ذلك فى كل كتاب يدعى كل إنسان أن تصنيفه، أن يكون ذلك الكتاب من قبيل الجن، وعند هذا يلزم فى هذه الكتب المشهورة أن لا تكون مضافة إلى قائليها لمثل ما ذكروه فى القرآن، وهذا يؤدى إلى التشكيك فى الأمور الضرورية وهو محال، فبطل ما قالوه.
(3/236)

الجهة الخامسة من الاعتراض والطعن من جهة الصدق
وحاصل هذه الجهة أن القرآن إنما يراد لكونه حجة مقطوعا به، وذلك لا يحصل إلا مع القطع بكونه صدقا، والعلم بصدقه متوقف على العلم بأن الله تعالى صادق فى خبره، لأنا لو جوزنا على الله الكذب لم نقطع بصدق القرآن، فإذن لابد من الدلالة على صدق الله تعالى ليحصل العلم بصدق القرآن، وأنتم لم تفرغوا من بيان هذه القاعدة، وهى من أهم القواعد على صدق القرآن وكونه حجة على الأحكام الشرعية والأسرار الدينية وصحة ما تضمنه من العلوم.
والجواب عما أوردوه أن الذى يدل على صدق الله تعالى عندنا هو ما تقرر من قواعد الحكمة، وحاصلها أن الله تعالى حكيم لا يجوز عليه الكذب، لأنه قد فقد داعيه إلى فعل الكذب، وهو الجهل والحاجة، وخلص صارفه عنه، وهو كونه عالما بقبحه، فيجب على هذا أن لا يفعله الله تعالى كما نقوله فى سائر الأمور القبيحة، فإن عمدتنا فى أن الله تعالى لا يفعلها، هو ما ذكرناه من تقرير قاعدة الحكمة، وهذا هو الأصل فى تنزيهه عن كل قبيح وعن الإخلال بكل واجب، فأما الأشعرية فلهم على أن الله صادق مسلكان:
المسلك الأول منهما أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر عن كونه صادقا «1» ، فيجب القضاء بصدقه، وأخبر عن كون الكذب ممتنعا على الله تعالى،
وما ذكروه فاسد جدا لا يليق ذكره بأهل الفطانة ولولا أن ابن الخطيب أورده لما أوردناه، لما اشتمل عليه من الضعف والركة، وبيانه أن صدق الرسول صلّى الله عليه وسلّم متوقف على دلالة المعجز على صدقه، والمعجز قائم مقام التصديق بالقول، فإذن صدق الرسول صلّى الله عليه وسلّم مستفاد من تصديق الله، وتصديق الله إياه إنما يدل على صدقه، لو ثبت كونه تعالى صادقا، إذ لو جاز عليه الكذب لم يلزم من تصديقه تعالى أن يكون صادقا كما لا يلزم من تصديق الواحد منا غيره كون ذلك الغير صادقا، لأجل جواز الكذب علينا، فإذن العلم بصدق الرسول صلّى الله عليه وسلّم موقوف على العلم بصدق الله تعالى، فلو وقف العلم بصدق الله على العلم بصدق الرسول صلّى الله عليه وسلّم لزم الدور، وأنه محال لما ذكرناه.
المسلك الثانى هو أن كلام الله تعالى قائم بنفسه،
ويستحيل الكذب فى الكلام النفسى، لأنه يقوم
(3/237)

بالنفس على وفق العلم من غير مخالفة، فمهما كان الجهل على الله تعالى محالا، كان الكذب عليه محالا، وهذا فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأنهم ما أقاموا برهانا قاطعا على أن كل من استحال فى حقه الجهل فإنه يستحيل من جهته الكذب، وأن يكون مخبرا بالخبر النفسى على خلاف ما هو به، وهذه القضية غير معلومة بالضرورة، فلا بد فيها من إقامة الدلالة، وأما ثانيها فهب أنا سلمنا أنه يستحيل عليه الكذب فى الكلام القائم بنفسه، فلم لا يجوز أن يكون كاذبا فى الكلام الذى نسمعه ونقرؤه الذى بين أظهرنا، فهذان المسلكان هما العمدة لهم فى تقرير صدق الله تعالى، وقد عرفت ما فيهما من الفساد، وليس العجب من قدماء الأشعرية فى إيراد هذه الأمور الركيكة، وإنما العجب من ابن الخطيب فى إيراده لمثل ذلك مع أنه الرجل فيهم والمتولى على دقائق علم الكلام والمتبحر فى مغاصاته.
الجهة السادسة من الطعن على القرآن بأنه قد أتى بمثله
وحاصل هذه المقالة أن كل من قرأ سورة البقرة وجميع القرآن، فإنه قد أتى بمثله، وما هذا حاله فلا يكون معجزا، وإنما قلنا: إن كل من قرأه فقد أتى بمثله، لأنا نعلم بالضرورة أنه لا معنى للكلام إلا الأصوات المقطعة تقطيعا مخصوصا الموضوعة لإفادة معانيها، ونعلم بالضرورة أن الأصوات الحاصلة فى لهوات زيد غير الأصوات الحاصلة فى لهوات عمرو، وإذا تقرر ذلك حصل غرضنا من أن كل من قرأ القرآن فقد أتى بمثله فلا يكون معجزا بحال.
والجواب من وجهين، أما أولا فما هذا حاله من الكلام ركيك جدا، فإنا نعلم بالضرورة أن كل من أنشأ رسالة أو خطبة، أو قال قصيدة، أو غير ذلك من سائر الكلام، ثم أنشأها إنسان آخر فحفظها ورواها مرة أخرى فإنه لا تكون قراءته لتلك الرسائل، والقصائد، والخطب، إتيانا بما يعارضها، وإنما هى مضافة إلى قائلها، وما يكون من جهة القارىء فإنما يكون على جهة الاحتذاء، دون الابتداء والإنشاء، وهذا ظاهر لا يشك فيه أحد من النظار والفصحاء ثم إنهم يقولون للكلام إضافتان، فالإضافة الأولى إلى من ابتدأه وأنشأه، وهذه هى الإضافة الحقيقية، والإضافة الأخرى، وهى لمن حفظه وحكاه، ونعلم قطعا أن كل من قال:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل «1»
لا يكون معارضا لامرىء القيس فيما قاله من هذه القصيدة، بل إنما جاء بها على جهة
(3/238)

الاحتذاء لقائلها، وهذا الجواب على رأى من قال: الحرف هو الصوت من غير مغايرة بينهما، وهو المختار، لأنه لو كان أحدهما غير الآخر، لصح انفراد الحرف عن الصوت، إذ لا ملازمة بينهما فتوجد أحرف قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2)
[الفاتحة: 2] ولا توجد أصواتها، أو توجد هذه الأصوات المقطعة ولا توجد أحرفها، وهذا لا وجه له، وأما ثانيا فإنه يأتى على رأى من قال: الحرف غير الصوت كما هو محكى عن الشيخين، أبى الهذيل، وأبى على الجبائى، والسبب فى هذه المقالة لهما هو ما ذكرناه من هذه الشبهة، وعلى هذا فإن الحاكى وإن أتى بالصوت، فإنه غير آت بالحرف، فيكون الإعجاز بالحرف دون الصوت، ولعمرى إن الجواب عن الشبهة على هذا القول سهل، لكن هذا القول محال وخطأ لما ذكرناه، والجواب عنها يكون بما أشرنا إليه وبالله التوفيق.
الجهة السابعة من الطعن فى القرآن بالإضافة إلى ألفاظه والاختلاف فيها
يكون على أوجه أربعة، أولها فى نفس الألفاظ كقراءة من قرأ (وتكون الجبال كالصوف المنفوش (5)) [القارعة: 5] بدل كَالْعِهْنِ
وقراءة (فامضوا إلى ذكر الله) [الجمعة: 9] بدل فَاسْعَوْا
وقراءة (فكانت كالحجارة أو أشد قسوة) [البقرة: 74] بدل فَهِيَ كَالْحِجارَةِ
وقراءة (فاقطعوا أيمانهما) [المائدة: 38] عوض أَيْدِيَهُما
وقراءة مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
[الفاتحة: 4] بدل ملك إلى غير ذلك من الاختلاف فى ألفاظه وثانيها فى ترتيب ألفاظه كقوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
[البقرة: 61] وقرىء (ضربت عليهم المسكنة والذلة) وقرىء: (وجآءت سكرة الحق بالموت) عوض قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ
[ق: 19] وقوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
[البقرة: 37] برفع «آدم» وقرىء فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
برفع «كلمات» فإذا رفع «كلمات» كانت مقدمة، وغيرها مؤخر، لأنها فاعلة، وإذا رفع «آدم» كان مقدما وغيره مؤخر، وثالثها الزيادة كقوله تعالى: (النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) [الأحزاب: 6] وقال تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات بنو تميم أكثرهم لا يعقلون) [الحجرات: 4] وقوله تعالى: (له تسع وتسعون نعجة أنثى) [سورة ص: 23] وقوله تعالى: (والسارقون والسارقات) [المائدة: 38] ورابعها ما يقع من اختلاف الحركات كقوله تعالى رَبَّنا باعِدْ
[سبأ: 19] على لفظ الماضى وقرىء باعِدْ
بلفظ الأمر، فالعين تارة تكون مفتوحة، وتارة تكون مكسورة، والمعنى مختلف فى ذلك، وقوله تعالى لَقَدْ
(3/239)

جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[التوبة: 128] قرىء بضم الفاء جمع نفس، وقرىء بفتحها يعنى أعلاها، وقوله تعالى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ
[المائدة: 112] برفع «الرب» على الفاعلية وقرىء هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ
بنصبه على المفعولية، فهذه الاختلافات واقعة فيه، فلو كان القرآن من جهة الله تعالى لما وقع فيه هذا الاختلاف، لقوله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82)
[النساء: 82] فعدم الخلاف دليل على أنه من الله، ووجود الخلاف ينفيه، وقد وجد كما ذكرناه، فيجب نفيه عنه.
والجواب من أوجه ثلاثة، أما أولا فلأن وجود الخلاف إنما يكون دالا على أنه ليس من جهة الله تعالى أن لو قال «ولو كان من عند الله لما وجدوا اختلافا» فأما وقد قال وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً
فلا يلزم مع اختلافه أن لا يكون من عند الله، كما لو قال القائل: لو كان هذا سوادا لكان لونا، فإنه لا يلزم من عدم كونه سوادا أن لا يكون لونا، فهكذا ما نحن فيه، فلا يلزم من وقوع الاختلاف أن لا يكون من جهة الله تعالى، وأما ثانيا فلأن الآية لم تدل إلا على عدم الاختلاف مطلقا، وليس فيها دلالة على عدم الاختلاف من كل الوجوه، أو من بعض الوجوه لكنا نحملها على عدم الاختلاف من بعض الوجوه، وهو عدم الاختلاف فى فصاحته، فإنها شاملة له من جميع الوجوه، وبها تميز عن سائر الكتب، فإن الظاهر من حال من صنف كتابا طويلا على مثل طوله، أن لا يبقى كلامه فى الفصاحة على حد واحد ونظم متفق، بل يكون كلامه فى بعض المواضع صحيحا وفى بعضها ركيكا فاسدا بخلاف القرآن، فإنه حاصل على طريقة واحدة فى البلاغة والفصاحة، وحسن الانتظام وجودة الاتساق، وأما ثالثا فلأنا نسلم وقوع الاختلاف فيه كما ذكروه فى أحرف القرآن المختلفة، ولكنه حق وصواب، ولهذا جاء فى الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «نزل القرآن من سبع سموات على سبعة أحرف كل حرف منها شاف كاف» «1» ، وهذه الأحرف السبعة عبارة عن اللغات، لكن منها ما كان متواتر النقل، وهو ما كان عن القراء السبعة، ومنها ما يكون منقولا بالآحاد، وكله حاصل من جهة الرسول ونزل به جبريل، وأخذه من اللوح المحفوظ، فإذن حصول هذا الاختلاف لا يمنع من كونه قرآنا، ولا من كونه نازلا من السماء على ألسنة الملائكة والرسل، وفى ذلك بطلان ما قالوه والحمد لله.
(3/240)

الجهة الثامنة من الطعن على القرآن بظهور المناقضة فيه
وهذا ظاهر لمن تأمله، فإن آيات التنزيه لذاته عن مشابهة الممكنات كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)
[الشورى: 11] تناقضها آيات التشبيه كقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[الرحمن:
27] وقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: 64] وآيات الجهة كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ
[الفجر: 22] وقوله تعالى: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (5)
[طه: 5] وهكذا آيات الجبر فى مثل قوله تعالى: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[الأنعام: 102] وقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[الإنسان: 30] وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96)
[الصافات: 96] تناقض آيات التنزيه عن خلق القبائح كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
[يونس:
44] وقوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)
[الكهف: 49] إلى غير ذلك من الآيات المتناقضة فى ظواهرها.
والجواب عما أوردوه أن برهان العقل قد دل على تنزيه الله تعالى فى ذاته عن مشابهة الممكنات، ودل على تنزيهه عن نسبة القبيح إليه، فإذا ورد فى الشرع ما يناقض قاعدة العقل، يجب تأويله على ما يكون موافقا للعقل، لأن هذه الظواهر محتملة، ومادل عليه العقل غير محتمل، فيجب تنزيل المحتمل على ما يكون محتملا، يؤيد ما ذكرناه ويوضحه أن البراهين العقلية لا يخلو حالها، إما أن تكون محتملة للخطأ، أو غير محتملة، فإن كان الأول، لزم تطرق الخطأ إلى الأمور السمعية كلها، لأنه لا يمكن القطع بكون الكتاب والسنة حجة إلا بالعقل، فالقدح فى الأصل يتضمن لا محالة القدح فى الفرع، وإن كان الثانى فنقول حمل الكلام على المجاز محتمل فى جميع هذه الظواهر، وحمل الأدلة العقلية على غير مدلولها غير محتمل، فإذا تعارضا كان التصرف فى المحتمل أحق من التصرف فى غير المحتمل، فهذا القانون كاف فى دفع التناقض عن الظواهر القرآنية، ويجب ردها إليه فأما تأويل كل آية على حيالها، والجواب عما ورد من ظواهر الآى المتناقضة، فالكلام فيه طويل، وقد أفرد لها العلماء كتبا، وقد أوردها الشيخ العالم النحرير الطريثيثى فى كتابه فأغنى ذلك عن إيرادها.
الجهة التاسعة من الطعن على القرآن فى وصفه
وحاصل ما قالوه فى هذه وهى مخالفة لما
(3/241)

قبلها من المناقضة، فإن تلك المناقضة فيه على زعمهم من جهة معناه، وهذه من جهة وصفه، وذلك أن الله تعالى وصف كتابه الكريم بالبيان، حيث قال تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[النحل: 89] وبالنور فى قوله تعالى: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً
[الشورى: 52] وبالبراءة عن التعقيد فى قوله تعالى فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (12)
[الإسراء: 12] وقوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
[هود: 1] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه لا لبس فيه ولا تعقيد فى ألفاظه، وقد رأيناه على خلاف ذلك، فيجب أن لا يكون كلام الله تعالى، وإنما قلنا: إنه ليس كذلك لأمور ثلاثة، أما أولا فلأن الحروف التى فى أوائل السور من المفردة نحو ق
ون
والمثناة نحو حم*
وطس
والمثلثة نحو الر
والم
والرباعية نحو المر
والمص
والخماسية نحو حم عسق
وكهيعص
غير معلوم المراد منها، وأما ثانيا فلأن أكثر المفسرين اضطربوا فى تفسير الآيات اضطرابا عظيما، وذكروا فى كل آية وجوها مختلفة، ولا يتمكنون من القطع بتفسير واحد، والقدح فيما عداه، وأما ثالثا فلأنه لا يوجد فيه آية دالة على شىء إلا والمنكر لذلك الشىء يعارضها بآية أخرى، ويذكر لها تأويلا يمنع من دلالتها على ذلك الشىء وهذه الأمور كلها دالة على أنه فى غاية التعقيد والإبهام ينقض بعضه بعضا.
والجواب عما أوردوه أن القرآن كما وصفه الله تعالى فى غاية البيان، لما تضمنه من الحقائق، وأشير إليه من مشكلات الدقائق، واضحة جلية.
قوله الحروف التى فى أوائل السور غير مفهومة، قلنا: قد ذكر العلماء فيها وجوها كثيرة، إما أنها أسماء للسور، وإما أنها وردت على جهة الإفحام لمن تحدّى بالقرآن، وإما لغير ذلك من الأسرار، فكيف أنها لا تعقل معانيها، ويكفى وجه من هذه الأوجه فى 7 خراجها عن كونها غير معقولة المعانى.
وقوله: إن أكثر المفسرين اضطربوا فى تفسير الآيات كلها، قلنا: التفاسير المختلفة ليس يخلو حالها، إما أن تكون مشتركة فى معنى واحد، فيكون ذلك المعنى هو المقصود لله تعالى لاتفاقهم عليه، وإن لم يكن الأمر فيه كما أشرنا إليه فمن جوز حمل الكلام المشترك على كلا مفهوميه، فإنه يحمله عليهما جميعا، فيكونان مقصودين على هذا، ومن لم
(3/242)

يجوز ذلك فإنه يطلب مرجحا لأحد المعنيين على الآخر، فإن وجد مرجحا حمل عليه وكان المرجوح غير مقصود لله تعالى، وإن لم يجد مرجحا وجب التوقف، وهذا لا ينافى وصف القرآن بكونه بيانا ونورا وضياء من جهة أن وصف الكتاب بالبيان لا ينافى كون بعض آياته مفتقرا إلى البيان، وقوله لا توجد فيه آية دالة على معنى إلا ويوجد فيه ما يعارض ذلك المعنى على المناقضة، قلنا: إن كان للعقل فيها حكم وتصرف فالمقصود من الآية لله تعالى هو ما طابق العقل، لأنه لا يمكن معارضة العقل فيما دل عليه، وإن لم يكن للعقل فيه حكم كان الأمر فيه على ما ذكرناه فى حكم التفاسير المختلفة، فلا وجه لتكريره.
الجهة العاشرة فى الطعن على القرآن من مخالفة اللغة العربية
وذلك من أوجه ثلاثة، أما أولا فقوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
[طه: 63] والقياس فيه إن هذين لساحران، وأما ثانيا فقوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (22)
[نوح: 22] والقياس كبيرا، لأن كبارا لم يعهد فى لغة قريش، وأما ثالثا فلأن الهمزة واردة فى كتاب الله تعالى، وليس من لغة قريش، ووجه الاستدلال بما ذكرناه هو أن هذه الأمور الثلاثة غير واردة فى لغة قريش، والقرآن لا شك فى كونه واردا على لغتهم، لأن الله تعالى يقول: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
[إبراهيم: 4] وهو غير وارد على لغة قوم الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما ذكرناه.
والجواب عما زعموه من وجهين، أما أولا فلأن المقاييس النحوية تابعة للأمور اللغوية، فيجب تنزيلها على ما كان واقعا فى اللغة، فإذا ورد ما يخالف الأقيسة النحوية من جهة الفصحاء وجب تأويله، ويطلب له وجه فى مقاييس النحو، ولا يجوز رده لأجل مخالفته للنحو، ولهذا فإنه لما أنكر على الفرزدق ما يأتى من العويص فى شعره المخالف لظاهر الإعراب عيب عليه فى ذلك فقال على أن أقول، وعليكم أن تحتجوا فدل ذلك على ما ذكرناه، وأما ثانيا فلأنه لو كان لحنا كما زعموا، لكان من أعظم المطاعن للعرب عليه، لكونه مخالفا لما عليه أهل اللغة العالية فلما لم يثلموا فيه شيئا دل ذلك على أنه قد طابق اللغة وأنه لا مطعن فيه بحال، قوله: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
[طه: 63] قلنا لأئمة العربية فيه تأويلات كثيرة قوية تخرجه عما زعمتموه من اللحن، وقوله: وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (22)
[نوح: 22] وقلنا كُبَّاراً
وإن لم يكن فى لغة قريش، لكنه وارد فى لغة العرب، فلا مطعن به لأنه فصيح، وإن لم يكن أفصح، فبطل ما توهموه، وقوله الهمزة واردة فى القرآن وليست من لغة قريش، والقرآن وارد على لغتهم لقوله: بِلِسانِ قَوْمِهِ
[إبراهيم: 4]
(3/243)

قلنا: العرب كلهم قوم الرسول صلّى الله عليه وسلّم لأنه منهم، فالهمزة وإن لم ترد فى لغة قريش، لكنهم التزموا تخفيفها، والعرب جوزوا فيها الوجهين جميعا، ومن أراد الاطلاع على أسرارها فى التفاصيل فعليه بالكتب التفسيرية، فإنه يجد فيها ما يكفى ويشفى، والحمد لله رب العالمين.
الجهة الحادية عشرة من الطعن على القرآن بالإضافة إلى ما يكون متكررا فيه
اعلم أن التكرير وارد فيه على وجهين، أحدهما أن يكون من جهة اللفظ كالذى أورده فى سورة الرحمن من قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13)
[الرحمن: 13] وكما ورد فى سورة القمر من قوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16)
[القمر: 16] وكما ورد فى سورة المرسلات من قوله تعالى وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)
[المرسلات: 15] وكما ورد فى سورة النساء من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[النساء: 116] فهذا تكرير من جهة اللفظ، وثانيهما أن يكون التكرير من جهة المعنى، وهذا نحو قصة موسى، وفرعون، فإنها واردة فى سور كثيرة، وكما ورد فى قصة آدم وإبليس فإنها وردت فى مواضع من القرآن، فقالوا إن هذا التكرير لغير فائدة لا يليق بما كان بالغا فى الفصاحة كل غاية فلو كان القرآن على ما قلتموه من ذلك لم يكن فيه تكرير.
والجواب من أوجه ثلاثة: أما أولا فلأن الله تعالى إنما كرر هذه القصص على جهة الشرح لفؤاد الرسول صلّى الله عليه وسلّم والتسلية له عما كان يصيبه من تكذيب قريش، فلهذا كررت القصص، وأما ثانيا فإنه إنما كرر القصص لفوائد تحصل عند تكررها وما هذا حاله فليس تكرارا فى الحقيقة وأما ثالثا فلأن الله تعالى لما تحدى العرب بالإتيان بمثل القرآن ربما توهم متوهم أن الإتيان بمثله مستحيل من جهة الله تعالى، فلا جرم كرر القصص ليعلم أنه غير مستحيل من جهته، وإنما الاستحالة كانت متعلقة بالخلق دونه، فهذه الأمور كلها دالة على جواز التكرير بمثل هذه الأغراض الحسنة، ومن وجه آخر هو أن التكرير إنما ورد لتأكيد الزجر والوعيد كقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ
[التكاثر: 3- 5] ثم إن التأكيد مستحسن فى لغة العرب، فلهذا وردت هذه التكريرات على جهة التأكيد، ولو كان ما أتى به مخالفا لأساليب العرب فى كلامهم، لكان ذلك من أعظم المطاعن لهم، فلما سكتوا عن ذلك، دل على بطلان ما زعموه من الطعن بالتكرير.
(3/244)

الجهة الثانية عشرة من المطاعن على القرآن ما تضمنه من الأمور الخبرية التى هى على خلاف مخبراتها فيكون من جملة الأكاذيب،
وهذا كقوله تعالى وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
[آل عمران: 83] ولا شك أنه ليس جميع الناس مسلمين، بل أكثرهم كافرون، فقد أخبر بما ليس صدقا، وهكذا قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49)
[النحل: 49] ولا شك أن أكثر الناس غير ساجد لله تعالى، بل إما لأنه لا يسجد أصلا، وإما لأنه يسجد لغيره.
والجواب عما أوردوه أن ما هذا حاله من دسائس الملاحدة وكذبهم على الله تعالى، ومحبة للتحريف فى كتاب الله تعالى، وتدرجا إلى إغواء الخلق وميلهم عن الدين، بأن يأتوهم من حيث لا يشعرون، فأما الإسلام فالغرض به الانقياد لأمر الله تعالى فى التكوين والإرادة من غير مخالفة عند حصول الداعية إلى إيجاد المصلحة، وما هذا حاله فإنه يكون عاما لجميع من فى السموات والأرض من المخلوقات، أعنى الانقياد للإرادة والتكوين، وأما قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فالغرض بالسجود ههنا، هو الخضوع والذلة لأمره، ولما ينفذ فيه من الأقضية الواقعة على أمره، فالسجود حقيقة إنما يعقل من جهة الملائكة والثقلين، الجن والإنس، وما عداهم إنما دخل على جهة التغليب فى الخطاب، أو يكون الغرض من سجود من لا يتأتى منه السجود إنما هو الإذعان والانقياد لأوامره ونواهيه فى إيجاده وتكوينه، وتفريقه وإذهابه، فإنه لا مانع لأمره، ولا معقب لحكمه، وهكذا القول فيما يوردونه من هذه المطاعن الركيكة، والمساعى السخيفة، تجرى على نحو ما ذكرناه والذى حملهم على هذه المطاعن الركيكة هو ما هم عليه من عداوة الإسلام وأهله، فيريدون كيده بأى حيلة يجدون إليها سبيلا، ولجهلهم بالمجازات الرشيقة، والاستعارات الأنيقة التى أنكرتها طباعهم، ولم تتسع لها حواصلهم، وهكذا يفعل الله بمن لم يرد توفيقه، فنعوذ بالله من خبال العقل وتهمة الجهل.
الجهة الثالثة عشرة من المطاعن على القرآن سوء الترتيب والنظم
وهذا كقوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)
[الفاتحة: 5] فقدم العبادة على الاستعانة وكان من حقه العكس، من جهة أن الاستعانة هى نوع من الألطاف، ومن حقها التقدم على الفعل، لأنها داعية إليه.
وكقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا
[الأعراف: 4] كان الأحسن فى الترتيب، وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، ومن حق ما يكون معجزا أن يكون
(3/245)

حاصلا على الانتظام العجيب، فوروده على هذه الصفة لا محالة يقدح فى إعجازه.
والجواب عن قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ
أنه إنما قدم العبادة على الاستعانة من جهة أن الاهتمام كان من أجل العبادة، فلهذا قدمها لأن العبادة من جهتهم، والإعانة إنما هى حاصلة من جهته، فكأن الذى يكون من جهته حاصل لا محالة غير متأخر لقوة الداعية إليه، بخلاف الذى يكون من جهتهم، فإنه ربما وقع، وربما لم يقع، فمن أجل ذلك كانت العناية بتقديم العبادة أعظم، ومن وجه آخر، وهو أن تقديم الوسيلة ربما كان أدخل فى إنجاح المطلوب وأسرع إلى تحصيله.
فأما قوله تعالى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
[الأعراف: 4] فقد ذكر المفسرون فيها وجوها، إما على أن التقدير فيها «وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا» فالعطف لمجىء البأس إنما كان على الإرادة، وهى سابقة لا محالة، وإما على أن التقدير، وكم من قرية أهلكناها فحكمنا بمجىء البأس بعد الإهلاك، لأن الحكم بمجىء البأس لا يكون إلا بعد وقوعه وحصوله، وإما على أن الإهلاك ومجىء البأس فى الحقيقة أمر واحد، وحقيقة واحدة يجوز تقديم أحدهما على الآخر من غير ترتيب بينهما، وعلى هذا تقول: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا، وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، فلا يعقل بينهما ترتيب، لما كانت حقيقتهما واحدة، كما تقول سرت إلى السوق فجئته وجئت السوق فسرت إليه، فالقرآن الكريم لا يخلو عن هذه اللطائف والأسرار الجارية على القوانين الإعرابية، والأسرار الأدبية، بحيث لا يخالفها من تفطن لها منه وأخذها أخذ مثلها مع استيلائه على حقائق هذين العلمين علم المعانى وعلم البيان.
الجهة الرابعة عشرة من المطاعن على القرآن كونه موضحا للأمور الواضحة،
وهذا كقوله تعالى: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[البقرة: 196] هذا حاله فهو جلى لا يحتاج إلى بيان، لأن الثلاثة إلى السبعة، هى عشرة أعداد لا محالة، فقوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
خلو عن الفائدة، وما هذا حاله فإنه لا يليق بما كان معجزا، ثم إذا كان بهذه الحالة فكيف زعمتم أنه تؤخذ منه الأسرار الدقيقة، وتستنبط منه المعانى الغريبة فما هذا حاله فى الكلام لا يكون خليقا بما ذكرتموه.
والجواب عما أوردوه من أوجه ثلاثة، أما أولا فلأن الإيضاح والبيان مقصدان من مقاصد الفصاحة والبلاغة، وقد تكلم علماء البيان فيهما جميعا، وأنهما مما يزيد الكلام
(3/246)

حسنا، ويكسبانه رشاقة، فكيف يكونان معدودين من آفات الكلام ورذائله، فما هذا حاله فهو جهل بمواقع البلاغة، ومحاسن الفصاحة، وهما أيضا معدودان من أنواع البديع، أعنى المبالغة فى البيان والإيضاح، ويعدون ما كان غريبا وحشيا، فيه عنجهانية، ومن الكلام المجانب لمحاسن الفصاحة، وأما ثانيا فلأن ما هذا حاله فإنه يستحسنه الكتاب وأهل العلم بالحساب وهو أنهم إذا ذكروا عددين، ثم ضموا أحدهما إلى الآخر، فلا بد من ذكر تلك الجملة، التى يؤولان إليها عند اجتماعهما، ويسمون ذلك الفذلكة، فإذا قال: عندى له عشرون، وثلاثون، وخمسون، قال: فالجملة مائة كاملة، فما ذكروه جهل بهذه المقاصد وعدم إحاطة بما اشتملت عليه الأسرار القرآنية من المحاسن التى تفطن لها الأذكياء، وتقاعد عن فهمها الأغمار الأغبياء، وأما ثالثا فلأن المعيب بالإيضاح، إما أن يكون هو ذكر العشرة بعد ذكر السبعة، والثلاثة، فهذا خطأ قد ذكرنا وجهه على العلم بالأمور الحسابية، وإما أن يكون العيب بالإيضاح هو قوله عشرة كاملة، فإنه لا فائدة فى ذكر الكمال، فهذا خطأ أيضا، فإنه إنما ذكر الكمال اعتناء بصومها وحتما على عدم التفريق بينها، ولو أطلق وصف العشرة من غير وصف الكمال، لتوهم جواز الفصل بينها عند العودة إلى الأهل، ويجوز أن يكون أتى بها على جهة التأكيد المعنوى، كقوله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (13)
[الحاقة: 13] وقوله تعالى: فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (14)
[الحاقة: 14] فإن ذكر الوحدة إنما كان على جهة التأكيد من جهة المعنى بالصفة، ولو أوفوا النظر حقه لما عولوا على هذه الأنظار الركيكة، والمقاصد الفاسدة.
الجهة الخامسة عشرة من الطعن على القرآن بالإضافة إلى المقصود منه؛
وحاصل ما قالوه أن الغرض بالقرآن إنما هو هداية الخلق وتعريفهم الأحكام الشرعية، والتفرقة بين الحلال والحرام، وإعلامهم بما يجوز على الله، وما يجب، وما يستحيل، إلى غير ذلك من المقاصد العظيمة، والمنافع الجزلة، وهذا إنما يحصل إذا كان كله محكما يفهم المراد من ظاهره، لكن قد تقرر اشتماله على الأمور المتشابهة التى قصد بها خلاف ظواهرها فلو كان المقصود به هداية الخلق وإعلامهم بأحكام الأفعال العملية، لكان يجب أن يكون كله محكما، فلما ورد فيه المتشابه دل على أنه المقصود منه ليس هداية الخلق لأنه صار سببا للزلل، ومنشأ لضلال من يضل من الفرق، وأكثر ضلال أكثر الفرق، ما كان إلا من جهته، ولا وجه لذلك إلا الخطاب بالمتشابه.
(3/247)

والجواب أن الله تعالى لم يجعل كتابه الكريم حاصلا على جهة الإحكام، ولا على جهة المتشابه مطلقا، وإنما خلطه بالمحكم مرة، وبالمتشابه أخرى، فقال تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
[آل عمران: 7] وما ذاك إلا من أجل فوائد نذكرها بمعونة الله تعالى.
الأولى الدعاء إلى النظر والحث عليه فى القرآن العظيم للمحق والمبطل، جميعا، فأما المحق فيزداد بالنظر قوة وانشراحا فى صدره، وسعة فى أمره، بإبطال الشبهة، وتجلى الحق له، وأما المبطل فلأنه بطول تأمله ربما زال عن باطله ورجع إلى الحق، فلو كان جميعه محكما لم يحصل هذا الوجه، لأن المحكم إنما يكون بالتنصيص عليه، وما كان حاصلا بالنص لا يفتقر إلى تأمل ونظر.
الفائدة الثانية أن القرآن إنما كان مشتملا على المحكم، والمتشابه، لأن ذلك يدعو الناظر إلى الميز بينهما، وفصل أحدهما عن الآخر، فإذا فعل ذلك دعاه إلى التمييز فى أدلة العقول بين الحق والباطل، وهذه فائدة عظيمة لا يخفى موقعها، فيكون نظره فى متشابه القرآن ومحكمه على جهة الإرهاص لأدلة العقل، ويميز الحق عن الشبهة فيها.
الفائدة الثالثة أن القرآن إذا كان مخلوطا بالمحكم والمتشابه، فإن ما هذا حاله يدعو إلى مراجعة العلماء ويعرف جليلة ذلك من جهتهم، ومجالسة العلماء ومحادثتهم هو زيادة فى الدين وتحفظ عليه، فيرتد عن العمى، ويسترشد إلى الهدى، ولهذا ودد الشرع تأكيدا لذلك حيث قال: جالسوا العلماء تعلموا.
الفائدة الرابعة أن القرآن إذا كان غير وارد بالأمرين جميعا، أعنى المحكم والمتشابه، كان أقرب إلى الاتكال على الحمل على ظاهره، بخلاف ما إذا ورد مجموعا من الأمرين، فإنه يكون أقرب إلى ترك التقليد، إذ ليس اتباع المحكم أولى وأحق من اتباع المتشابه، فإذا كان لا ترجيح هناك بالإضافة إلى التقليد، وجب إهماله والاتكال على النظر المخلص عن ورط الحيرة بالتقليد.
الفائدة الخامسة أن الله تعالى إذا كان يعلم أنه إذا خلط محكمه بمتشابهه، ازداد الثوب والأجر بكثرة النظر وإتعاب الفكرة جاز له تعريضهم لذلك فيصلون بذلك إلى درجات لا تنال إلا بالنظر، فهذه الفوائد كلها حاصلة فيما ذكرناه من الخطاب بالمتشابه وإذا كانت حاصلة بطل قولهم: إنه لا غرض لله تعالى فى الخطاب بالمتشابه.
(3/248)

الجهة السادسة عشرة فى الطعن على القرآن بكونه مستبهما لا يعقل معناه
. وبيانه أن الصحابة رضى الله عنهم، وهم الغواصون على علوم القرآن، والمحيطون بعلوم الشريعة، كانوا عاجزين عن إدراك حقائقه وتفاصيلها، فإذا كانوا عاجزين فغيرهم أعجز، وإنما قلنا إنهم قد عجزوا عن إدراك معانيه، لما روى عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه: أنه لما سأله ابن الكواء وكان أحد أمرائه عن قوله تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (1)
[الذاريات: 1] غضب عليه، فلما ألح عليه، قال: هى الرياح، وعن أبى بكر أنه امتنع عن التفسير، وأما عمر فروى أنه سئل عن قوله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (1)
[النازعات: 1] فضرب السائل على أم رأسه، وحرم كلامه فكلامهم هذا فيه دلالة على أن معانيه غير معقولة، وأنها غير مدركة لأحد من العقلاء، وهذا يبطل المقصود به ويحط من إعجازه.
والجواب عما زعموه هو أن الصحابة رضى الله عنهم أعرف بكتاب الله تعالى وأكثر إحاطة بعلوم السنة، ومنهم تؤخذ أسرارها، وعنهم تصدر جميع الأحكام والأقضية فى مصادر الشريعة ومواردها، والقرآن والسنة فى أيامهم غضان طريان، لقربهم من الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومشافهتهم له بأحكام الوقائع كلها، ولسنا نبعد أن يتعذر عليهم الإحاطة ببعض دقائق القرآن وأسراره، ويختص الله تعالى بالعلم بها ورسوله، ولكنا نقول: إن أكثر معانى القرآن حاصلة فى حقهم يعرفونها ويفتون بها ويفصلون الخصومات والشجار الحاصلين بين الخلق، بما يفهمونه من عمومات القرآن وظاهره، فأما ما عرض من أمير المؤمنين من الإنكار وغيره كأبى بكر وعمر فإنما كان ذلك إذا كانت الرواية صحيحة لأحوال عارضة وما أفتوا به وعملوا عليه أكثر مما سكتوا وتوقفوا فيه، وكيف لا وقد قال أمير المؤمنين: سلونى قبل أن تفقدونى، فو الله إنى بطرق السماء لأعلم منى بطرق الأرض، وقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم «أنا مدينة العلم وعلى بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها» «1» ، فمن هذا حاله فى العلم كيف يقال إنه غير محيط بأسرار كتاب الله تعالى وغير مشتمل على تفاصيلها فبطل ما توهموه.
الجهة السابعة عشرة من الطعن على القرآن من جهة فائدته؛
وحاصل ما قالوه هو أن المقصود بالقرآن إنما هو إظهار الدلالة على نبوة الرسول صلّى الله عليه وسلّم ودلالته على ذلك ليس إلا من
(3/249)

جهة كونه خارقا للعادة مطابقا لدعواه، ولا شك أن الفعل الخارق للعادة لا يدل على النبوة، ولهذا فإنه يحكى عن ابن زكريا المتطبب الرازى أنه قال: إن رجلا كان يتكلم من إبطه فجاءنى يوما يشكو علة به فمازحه بعض جلسائى، وقال قل للصبى يشكو، فرد يده إلى إبطه وشكا إليه بكلام، كأنه كلام إنسان رقيق الصوت به علة، وهو كلام مفهوم، ثم إن أحدا لم يفعل ذلك، ثم إن ما هذا حاله غير دال على نبوته، وحكى ابن زكريا أن رجلا كان لا يأكل الطعام سبعة وعشرين يوما، ومثل هذا خارق للعادة، ولا يكون دالا على النبوة، فهكذا حال القرآن وإن خرق العادة، لا يكون دالا على نبوته عليه السلام.
والجواب عما زعموه أن ما ذكروه إنما يتقرر الجواب عليه إذا فرقنا بين المعجزة، والشعوذة، والتفرقة بينهما إنما تليق بالمباحث الكلامية، وقد فصلنا ذلك تفصيلا شافيا، فأغنى عن الإعادة، فأما ما قالوه من الكلام فى الإبط، فإنما كان الأمر كذلك من إحداث الأصوات المقطعة المتولدة عن الاعتمادات على الاصطكاك، فلا يمتنع إذا أدخل يده فى إبطه أن يضغط على شىء من الأصابع على كيفية مخصوصة، فيتولد الصوت المقطع عن الاعتماد، كما تقول فى هذه الألحان الطيبة، والأوتار الموترة على تأليف مخصوص فإنه يحصل منها تقطيعات عظيمة، تكاد أن تلحق بالقراءة لمكان تقطيعها وحاصل هذه الأمور كلها أنها مفتقرة إلى الآلات بحيث لا يمكن حصولها إلا بها، بخلاف ما ذكرناه من المعجزات الباهرة فإنها غير مفتقرة إلى الآلة، ولهذا فإن انقلاب العصا حية، ما كان بحيلة، ولا بإعمال قوة، ولا بأدوات، ولا بتحصيل آلات كما يفعله أهل الشعوذة، ومن كان ماهرا فى دقائق الحيل كأصحاب النّيرنجات وأهل الطلسمات فإنهم يعملون الحيل فى مزج قوى الجواهر لتحصل منها أمور غريبة وهذه هى النيرنجات كما يفعله أهل خفة اليد، وأما الطلسمات فحاصلها مزج القوى الفعالة السماوية بالأرض المنفعلة الأرضية، كنقش خاتم عند طلوع كوكب، فيحصل من استعماله على أمور غريبة، وكل ذلك لابد فيه من إعمال القوى وكد الحواس فى استخراج قوانينه واستنهاض غرائبه، فأما المعجزات السماوية فمما لا يحتاج فيها إلى استعمال شىء من الأشياء لكونها قد وقعت على وجه أدهش العقول، وحير الألباب، واضطرها إلى معرفة صدق من ظهرت عليه من غير كلفة ولا مشقة هناك، إلا ما كان من الجحود والعناد، فأما ما يحكى ممن كان لا يأكل الطعام أياما كثيرة، فذلك إنما كان من جهة الرياضة وقد حكى عن هذا الرجل فى ذلك بعد ما
(3/250)

امتحنت قوته بجذب قوسين، فقال إنما كان هذا من أجل الاعتياد والرياضة، والغرض أنه ألفه وراض نفسه بترك الطعام قليلا قليلا حتى صار إلى هذه الغاية، والرياضة تقضى بأكثر من هذا المقدار.
الجهة الثامنة عشرة فى الطعن على القرآن بعدم الثمرة فيه،
وحاصل ما قالوه هو أن الله تعالى إنما أنزل القرآن منة عظيمة على الخلق، وتعريفا لهم بما كلفهم من التكاليف الشرعية، وعلمهم فيه من الحلال والحرام، والأمر والنهى، وغير ذلك من سائر التكاليف، وهذا غير حاصل من جهة العباد، وبيانه هو أن القدرة غير صالحة للضدين، وإذا كان الأمر كذلك كان الفعل واجبا، فلا يتناوله التكليف بحال أصلا، ثم إن سلمنا أنها صالحة للضدين، فلابد من تحصيل الداعية لاستحالة حصول الفعل من غير داع، ثم إذا حصلت الداعية، فإما أن يجب الفعل أولا يجب، فإن لم يجب، احتاج إلى مرجح آخر، فيتسلسل إلى ما لا غاية له، وهو محال، وإما أن يجب الفعل عند حصول الداعية، وعند هذا يجب الفعل، ويبطل التكليف، وعلى كلا الوجهين يكون الفعل واجبا، فلا يتناوله التكليف، بل تكون الأفعال كلها من جهة الله تعالى، ولا يتعلق فعل بالعبد، وفى ذلك بطلان التكليف وطى بساطه، وفى هذا بطلان ثمرة القرآن وإبطال الغرض الذى أنزل من أجله.
والجواب عما أوردوه من هذه الشبهة هو مبنى على قاعدة الجبر، وفيه بطلان الأمر والنهى، والوعد والوعيد، وإرسال الرسل، وبطلان المدح والذم، وما هذا حاله فبطلانه معلوم بالضرورة.
قوله القدرة غير صالحة للضدين، قلنا: إذا كانت غير صالحة فإنها موجبة لمقدورها، وفيه وقوع المحذور الذى ذكرناه من بطلان الشرائع والأمر والنهى، وإبطال إرسال الرسل إلى غير ذلك، من الشناعات، فيجب القضاء ببطلانه.
قوله إن سلمنا كونها صالحة للضدين فلابد من الداعية وهى أيضا موجبة للفعل، قلنا:
هذا فاسد أيضا، فإن الداعى غير موجب للفعل أصلا بالإضافة إلى القدرة، وإنما هو موجب للفعل بالإضافة إلى الداعى، ومثل هذا لا يبطل الاختيار، وكل هذا يليق استقصاؤه بالمباحث الكلامية، والقواعد الدينية، فإنه من أهم مقاصدها، وأعلى مراتبها، فإذا تقرر ذلك من ثبوت الاختيار للعبد، بطل ما قالوه من أن القرآن لا ثمرة له.
الجهة التاسعة عشرة من المطاعن على القرآن من جهة كتبه فى المصاحف؛
قالوا: روى
(3/251)

أن الصحابة رضى الله عنهم اختلفوا فى كتبه فى المصاحف اختلافا شديدا، وزيف كل واحد منهم مصحف الآخر وأنكره، وفى هذا دلالة على أنهم على غير حقيقة فى نقله، وعلى غير ثقة من أمره، فاشتهر أن عثمان حرق مصحف عبد الله بن مسعود فى خلافته، وقال ابن مسعود: لو تملكت كما ملكوا لصنعت بمصحفهم مثل ما صنعوا، وكان ابن مسعود يطعن فى زيد بن ثابت ويذمه، حتى قال: إنه قرأ القرآن وإنه لفى صلب كافر، يعنى «زيدا» وروى ابن عمر أن عمر وضع القرآن فى مصحف وهو المصحف الذى كان عند «حفصة» وهو الذى أرسل مروان، وهو والى المدينة إلى عبد الله بن عمر يوم ماتت «حفصة» يطلب ذلك المصحف منه، فبعث ابن عمر به إليه، فأمر بإحراقه مخافة الاختلاف، فما ذكرناه دال على تفرقهم فيه، واختلافهم فى حاله، وأنه غير متواتر النقل ولا مقطوع بأصله.
والجواب أن المصاحف المشهورة ثلاثة، مصحف ابن مسعود، ومصحف أبى بن كعب، ومصحف زيد بن ثابت فأما ابن مسعود فإنه قرأ القرآن بمكة، وعرضه على الرسول صلّى الله عليه وسلّم هناك، وأما أبى بن كعب، فإنه قرأه بعد الهجرة وعرضه على الرسول صلّى الله عليه وسلّم فى ذلك الوقت، وأما زيد بن ثابت فإنه قرأه على الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعدهما وكان عرضه على الرسول صلّى الله عليه وسلّم متأخرا عن الكل، وكان آخر العرض قراءة زيد، وبها كان يقرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبها كان يصلى إلى أن انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى، ومن المعلوم أنه كان يقرأ الآية الواحدة فى الصلاة بالأحرف المختلفة، فلما كان الأمر كما قلناه: اختار المسلمون ما كان آخرا، وكان ذلك اختيار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واختيار الله له، فلما كان ابن مسعود أقدم الثلاثة كان السامعون لحرف عبد الله أقل من السامعين لحرف أبى بن كعب، والسامعون لحرف أبى أقل من السامعين لحرف زيد، ولا شك أن الحرف الواحد كلما كان أكثر استفاضة كان أحق بالقبول، فلأجل ذلك اتفقوا على حرف زيد لما ذكرناه، ثم إن سائر الحروف وإن كانت صحيحة، خلا أنهم خافوا من وقوع الاختلاف فى الروايات للقرآن، ويخرج القرآن عن أن يكون منقولا بالتواتر، فرأو بعد ذلك أن الأصوب حمل الناس على ذلك الحرف، ومنعهم عن القراءة بسائر الأحرف لئلا يكون القرآن فى محل الخلاف، ثم إن بعضهم رأى قراءة القرآن بسائر الأحرف وهى القراءات الشاذة، ولا مضرة فيه، ومنهم من منع من ذلك، فلأجل ذلك تكلم بعضهم فى مصحف الآخر، وذلك مما لا
(3/252)

يقضى بالقدح فى أصل القرآن، فصار الذى فى أيدى القراء السبعة فى زماننا هذا، هو حرف واحد وهو المتواتر، وما عداه فإنه باقى الأحرف السبعة التى نزل القرآن بها، وهو الشاذة المنقولة بالآحاد، وقد ذكرها المفسرون وتكلموا على معانيها، فبطل بما ذكرناه، ما وجهوه فى هذه الشبهة على القرآن بحمد الله.
الجهة العشرون من المطاعن على القرآن من جهة قصوره؛
وحاصل ما قالوه هو أن القرآن قد دل ظاهره على أن الجن والإنس لا يأتون بمثله كما قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)
[الإسراء: 88] وما ذلك إلا لعلو شأنه وارتفاع قدره ومكانه، ثم إنا نرى فيه مالا يليق بهذا الوصف من وجهين، أحدهما: أنه خال عن أكثر المسائل الكلامية، نحو مسألة الحيز، والخلاء، وحقيقة الحركة والسكون، والزمان، والمكان، وعلوم الحساب، والهندسة والطب، وعلم النجوم إلى غير ذلك من المسائل الدقيقة، وثانيهما أنا نراه خاليا عن أكثر المسائل الشرعية، كدقائق علم الفرائض والوصايا، والحيض، والقراض، والمساقاة، والإجارة، والاستيلاد إلى غير ذلك من المسائل الفقهية، والأسرار الشرعية، وقد قال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[الأنعام: 38] .
وقال تعالى: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59)
[الأنعام: 59] وما ذكرناه يناقض هذا العموم ويبطله.
والجواب عما زعموه أن القرآن لم يدل بظاهره على اشتماله على كل العلوم فيكون طعنا عليه، فأما قوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12)
[يس: 12] وقوله تعالى:
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59)
[الأنعام: 59] وقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[الأنعام: 38] فإن المراد به اللوح المحفوظ، ثم إنا نقول: الغرض بهذه العمومات هو ما يحتاجه الخلق فى إصلاح أديانهم من العلوم، وما هذا حاله فإنه قد تضمنه القرآن، إما بظاهره، وإما بنصه، وإما من جهة قياسه، وكله دال عليه القرآن من هذه الخصال التى ذكرناها، وليس فى هذا إلا أن العموم مخصوص، وهذا لا مانع منه، فإن أكثر
(3/253)

العمومات الشرعية مخصوص، إلا عمومين، أحدهما قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[هود: 6] وثانيهما قوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
[البقرة: 29] وما عداهما عمومات مخصوصة، فإن هذه العمومات إنما تتناول ما يتعلق بأحوال المكلفين دون من سواهم، فهذا ما أردنا ذكره من الكلام على هذه المطاعن وفيها كثرة، ومن أحاط علما بما ذكرنا، هان عليه إبطال ما يرد عليه من ذلك ثم أقول معاشر الملاحدة الطاعنين فى التنزيل، الحائدين عن جادة الحق والمائلين عن سواء السبيل، ما دهاكم، وما الذى اعتراكم، أنى تؤفكون، ما لكم كيف تحكمون، زعمت الملاحدة العماة، الراكبون فى الضلالة كل مهواة، أن الحق ما زينته كواذب الأوهام، وأن الباطل ما قامت عليه واضحات الأعلام، استحسانا لترجيحات الأوهام والظنون، وما لهم به من علم إن هم إلا يظنون، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بالحق فهم عن ذكرهم معرضون، تالله لقد عدلوا عن الارتواء من نمير سلساله، وحادوا عن الكروع من بارد زلاله، ونكصوا عن التفيؤ فى ممدود ظلاله، فماذا عليهم لو آمنوا بالله وصدقوا بمحكم فرقانه، واستضاءوا فى ظلم الحيرة بشعاع شمسه ونور برهانه، ولكن لووا رءوسهم صادين، وشمخوا بآنافهم مستكبرين، ونفخ الشيطان فى مناخرهم وألقاهم فى الضلالة، ومهاوى العماية، عن آخرهم، فيا لله الملاحدة، ضل سعيها، ما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، وأكذبنا أمانى الشبهات حين استهوتنا، وأنسنا أنوار المعرفة فاتبعناها، وشمنا بوارق الهداية فانتجعناها، وقلنا واثقين بالله: إنّ هدى الله هو الهدى، وما لنا أن لا نتوكّل على الله وقد هدانا سبلنا، وبلغنا من عرفان الحقيقة أملنا، يا حسرة عليهم، حين تنقطع عنهم أسباب الأهواء المحرفة، وتسلمهم الأضاليل المزخرفة وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (75)
[القصص: 74- 75] ، اللهم اشرح صدورنا بكتابك الكريم لمعرفة حقائقه، وثبتنا عن الزلل فى مسالكه ومداحض مزالقه، ونور بصائرنا بالاطلاع على لطائفه، وأشحذ عزائم أفئدتنا
(3/254)

للاستكثار من مزيد عوارفه، وأعنا على إدراك دقائق أسراره ومعانيه، وقونا بألطافك الخفية على إحراز مغاصات درره ولآلئه، فننعم فى رياضه، ونكرع فى موارده وحياضه حتى نلقاك بوجوه مسفرة، ضاحكة مستبشرة، فائزين بجوارك فى دار مقامك، مبتهجين بعفوك ظافرين بإكرامك، ونعوذ بك أن نكون من التاركين لذكره، وأن نكون ممن رفضه وجعله وراء ظهره، فنرتد فى الحافرة، ونرجع بصفقة خاسرة، واختم أعمالنا بالخاتمة الحسنى، ووفقنا لإحراز رضوانك الأسنى، إنك على كل شىء قدير، وبالإجابة حقيق جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
(3/255)