Advertisement

العقد الفريد 003

الجزء الثالث
كتاب الجوهرة في الامثال
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه:
قد مضى قولنا في العلم والأدب وما يتولّد منهما وينسب إليهما من الحكم النادرة، والفطن البارعة.
ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الأمثال، التي هي وشي الكلام وجوهر اللفظ، وحلى المعاني، والتي تخيّرتها العرب، وقدّمتها العجم، ونطق بها كلّ زمان وعلى كل لسان. فهي أبقى من الشّعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عمّ عمومها، حتى قيل: أسير من مثل.
وقال الشاعر:
ما أنت إلا مثل سائر ... يعرفه الجاهل والخابر «1»
وقد ضرب الله عز وجل الأمثال في كتابه، وضربها رسول الله صلّى الله عليه وسلم في كلامه.
قال الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
«2» وقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ
«3» . ومثل هذا كثير في آي القرآن.
فأول ما نبدأ به: أمثال رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم أمثال العلماء، ثم أمثال أكثم بن صيفي
(3/3)

وبزرجمهر الفارسي؛ وهي التي كان يستعملها جعفر بن يحيى في كلامه؛ ثم أمثال العرب التي رواها أبو عبيد، وما أشبهها من أمثال العامة: ثم الأمثال التي استعملها الشعراء في أشعارهم في الجاهلية والإسلام.
أمثال رسول الله صلّى الله عليه وسلم
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبي الصراط أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخيّة، وعلى رأس الصراط داع يقول: ادخلوا الصراط ولا تعوجّوا. فالصراط الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، والداعي القرآن.
وقال صلّى الله عليه وسلم: مثل المؤمن كالخامة «1» من الزرع: يقلبها الريح مرة كذا ومرة كذا.
ومثل الكافر مثل الأرزة «2» المجذية على الأرض، يكون انجعافها بمرّة.
وسأله حذيفة: أبعد هذا الشر خير يا رسول الله؟ فقال: جماعة على أقذاء، وهدنة على دخن.
وقوله حين ذكر الدنيا وزينتها، فقال: إن ممّا ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلّم «3» .
وقال لأبي سفيان: أنت أبا سفيان كما قالوا: كلّ الصيد في جوف الفرا «4» .
وقال حين ذكر الغلو في العبادة: إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
وقال صلّى الله عليه وسلم: إياكم وخضراء الدّمن. قالوا: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء.
(3/4)

وذكر الرّبا في آخر الزمان، وافتتان الناس به، فقال: من لم يأكله أصابه غباره.
وقال: الإيمان قيد الفتك.
وقال صلّى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وقال في فرس: وجدته بحرا.
وقال: إن من البيان لسحرا.
وقال: لا ترفع عصاك عن أهلك.
وقال صلّى الله عليه وسلم: لا يلدغ المؤمن من جحر»
مرتين.
وقال: الحرب خدعة.
وله صلّى الله عليه وسلم: أمثال كثيرة غير هذه، ولكنّا لم نذهب في كل باب إلى استقصائه، وإنما ذهبنا إلى أن نكتفي بالبعض، ونستدل بالقليل على الكثير، ليكون أسهل مأخذا للحفظ، وأبرأ «2» من الملالة والهرب. وتفسيرها:
أما المثل الأوّل، فقد فسّره النبي صلّى الله عليه وسلم.
وأما قوله: «المؤمن كالخامة والكافر كالأرزة، فإنه شبّه المؤمن في تصرف الأيام به وما يناله من بلائها، بالخامة من الزرع يقلبها الرّيح مرة كذا ومرة كذا- والخامة في قول أبي عبيد: القصبة الرطبة في الزرع؛ والأرزة: واحدة الأرز، وهو شجر له ثمر يقال له الصنوبر. والمجذبة: الثابتة، وفيها لغتان: جذا يجذو، وأجذى يجذى.
والانجعاف: الانقلاع، يقال جعفت الرجل، إذا قلعته وصرعته وضربت به الأرض.
وقوله لحذيفة: هدنة على دخن وجماعة على أقذاء «3» . أراد ما تنطوي عليه القلوب من الضغائن والأحقاد، فشبّه ذلك بإغضاء الجفون على الأقذاء. والدخن: مأخوذ من الدخان، جعلا مثله لما في الصدور من الغل.
وقوله: إنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم. فالحبط- كما ذكر أبو عبيدة عن
(3/5)

الأصمعي: أن تأكل الدابة حتى ينتفخ بطنها وتمرض منه، يقال: حبطت الدابة تحبط حبطا. وقوله: أو يلم. معناه: أو يقرب من ذلك. ومنه قوله: إذ ذكر أهل الجنة فقال: إن أحدهم إذا نظر إلى ما أعدّ الله له في الجنة فلولا أنه شيء قضاه الله له لألّم أن يذهب بصره، يعني لما يرى فيها. يقول: لقرب أن يذهب بصره.
وقوله لأبي سفيان: كل الصيد في جوف الفرا. فمعناه أنك في الرجال كالفرا في الصيد، وهو الحمار الوحشي، وقال له ذلك يتألّفه على الإسلام.
وقوله حين ذكر الغلو في العبادة: إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. يقول:
إن المغذّ «1» في السير إذا أفرط الإغذاذ عطبت راحلته من قبل أن يبلغ حاجته أو يقضي سفره، فشبّه بذلك من أفرط في العبادة حتى يبقى حسيرا.
وقوله في الربا: من لم يأكله أصابه غباره. إنما هو مثل لما ينال الناس من حرمته، وليس هناك غبار.
وقوله: الإيمان قيّد الفتك. أي منع منه كأنه قيد له. وفي حديث آخر: لا يفتك مؤمن.
وقوله في فرس: وجدته بحرا. وإن من البيان لسحرا؛ إنما هو تمثيل لا على التحقيق.
وكذلك قوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر. معناه أنه لا حق له في نسب الولد.
وقوله صلّى الله عليه وسلم: لا ترفع عصاك عن أهلك. إنما هو الأدب بالقول، ولم يرد ألا ترفع عنها العصا.
وقوله: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. معناه أن لدغ مرة يحفظ من أخرى.
وقوله: الحرب خدعة. يريد أنها بالمكر والخديعة.
(3/6)

أمثال روتها العلماء
ابن بشير على منبر الكوفة:
خطب النعمان بن بشير على منبر بالكوفة فقال: يأهل الكوفة، إني وجدت مثلي ومثلكم كالضّبع والثعلب أتيا الضبّ في جحره، فقالا: أبا حسل «1» . قال: أجبتكما قالا: جئناك نختصم. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت الضبع: فتحت عيبتي، قال:
فعل النساء فعلت. قالت: فلقطت تمرة. قال: حلوا جنيت. قالت: فاختطفها ثعالة.
قال: نفسه بغى ثعالة اسم الثعلب، الذكر والأنثى قالت: فلطمته لطمة. قال: حقا قضيت. قالت: فلطمني أخرى. قال: كان حرّا فانتصر. قالت: فاحكم الآن بيننا.
قال: حدّث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة.
ابن الزبير وأهل العراق:
وقال عبد الله بن الزبير لأهل العراق: وددت والله لو أن لي بكم من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم. قال له رجل منهم: أتدري يا أمير المؤمنين ما مثلنا ومثلكم ومثل أهل الشام؟ قال: وما ذلك؟ قال: ما قاله أعشى بكر حيث يقول:
علّقتها «2» عرضا وعلقت رجلا غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل.
أحببناك نحن، وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك بن مروان.
مثل في الرياء «3»
فخ الإسرائيلي والعصفورة:
يحيى بن عبد العزيز: قال: حدّثني نعيم عن إسماعيل عن رجل من ولد أبي بكر الصدّيق رضوان الله عليه، عن وهب بن منبه قال: نصب رجل من بني إسرائيل
(3/7)

فخّا، فجاءت عصفورة فنزلت عليه، فقالت: ما لي أراك منحنيا؟ قال: لكثرة صلاتي انحنيت. قالت: فمالي أراك بادية «1» عظامك؟ قال: لكثرة صيامي بدت عظامي.
قالت: فمالي أرى هذا الصّوف عليك؟ قال: لزهادتي في الدنيا لبست الصوف.
قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكّأ عليها وأقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبّة في يدك؟ قال: قربان إن مرّ بي مسكين ناولته إياه. قالت: فإني مسكينة! قال:
فخذيها. فدنت فقبضت على الحبة، فإذا الفخ في عنقها. فجعلت تقول: قعي قعي.
تفسيره: لا غرّني ناسك مراء بعدك أبدا.
اسرائيلي وقبرة:
داود بن أبي هند عن الشّعبي: أن رجلا من بني إسرائيل صاد قبّرة، فقالت: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أذبحك فآكلك! قالت: والله ما أشفي من قرم «2» ولا أغني من جوع، ولكني أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي: أما الواحدة فأعلمكها وأنا في يدك، والثانية إذا صرت على هذه الشجرة، والثالثة إذا صرت على الجبل.
فقال: هات الأولى، قالت: لا تتلهفن على ما فاتك. فخلّى عنها؛ فلما صارت فوق الشجرة قال: هات الثانية. قالت: لا تصدّقن بما لا يكون أنه يكون. ثم طارت فصارت على الجبل، فقالت: يا شقيّ! لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّة فيها زنة عشرين مثقالا. قال: فعضّ على شفتيه وتلهّف ثم قال: هات الثالثة. قالت له: أنت قد نسيت الاثنتين، فكيف أعلّمك الثالثة؟ ألم أقل لك لا تتلهفنّ على ما فاتك؟ فقد تلهفت عليّ إذ فتّك، وقلت لك. لا تصدقن بما لا يكون، أنه يكون! فصدقت! أنا وعظمي وريشي لا أزن عشرين مثقالا، فكيف يكون في حوصلتي ما يزنها؟
من أمثال الهند:
وفي كتاب للهند: مثل الدنيا وآفاتها ومخاوفها والموت والمعاد الذي إليه مصير الإنسان:
(3/8)

قال الحكيم: وجدت مثل الدنيا والمغرور بالدنيا المملوءة آفات، مثل رجل ألجأه خوف إلى بئر تدلّى فيها وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر، ووقعت رجلاه على شيء فمدّهما. فنظر فإذا بحيّات أربع قد أطلعن رءوسهنّ من جحورهنّ، ونظر إلى أسفل البئر فإذا بثعبان فاغرفاه نحوه، فرفع بصره إلى الغصن الذي يتعلق به فإذا في أصله جرذان أبيض وأسود يقرضان الغصن دائبين لا يفتران؛ فبينما هو مغتم بنفسه وابتغاء الحيلة في نجاته، إذ نظر فإذا بجانب منه جحر نحل قد صنعن شيئا من عسل، فتطاعم منه فوجد حلاوته، فشغلته عن الفكر في أمره والتماس النجاة لنفسه، ولم يذكر أن رجليه فوق أربع حيات لا يدري من تساوره منهنّ، وأن الجرذين دائبان في قرض الغصن الذي يتعلق به، وأنهما إذا قطعاه وقع في لهوة «1» التنين. ولم يزل لاهيا غافلا حتى هلك.
قال الحكيم: فشبهت الدنيا المملوءة آفات وشرورا ومخاوف بالبئر؛ وشبهت الأخلاط التي بني جسد الإنسان عليها، من المرّتين والبلغم والدم بالحيات الأربع وشبهت الحياة بالغصنين اللذين تعلق بهما وشبهت الليل والنهار ودورانهما في إفناء الأيام والأجيال بالجرذين الأبيض والأسود اللذين يقرضان الغصن دائبين لا يفتران؛ وشبهت الموت الذي لا بد منه بالتنين الفاغر «2» فاه؛ وشبهت الذي يرى الإنسان ويسمع ويطعم ويلبس فيلهيه ذلك عن عاقبة أمره وما إليه مصيره بالعسيلة التي تطاعمها.
من ضرب به المثل من الناس
قالت العرب: أسخى من حاتم، وأشجع من ربيعة بن مكدّم، وأدهى من قيس ابن زهير. وأعزّ من كليب بن وائل. وأوفى من السّموأل. وأذكى من إياس بن معاوية. وأسود من قيس بن عاصم. وأمنع من الحارث بن ظالم. وأبلغ من سحبان ابن وائل. وأحلم من الأحف بن قيس وأصدق من أبي ذرّ الغفاريّ. وأكذب من
(3/9)

مسيلمة الحنفي. وأعيا من باقل «1» . وأمضى من سليك «2» المقانب. وأنعم من خريم الناعم. وأحمق من هبنّقة. وأفتك من البرّاض «3» .
من يضرب به المثل من النساء
يقال: أشأم من البسوس. وأحمق من دغة. وأمنع من أمّ قرفة وأقود من ظلمة، وأبصر من زرقاء اليمامة.
البسوس: جارة جسّاس بن مرة بن ذهل بن شيبان، ولها كانت الناقة التي قتل من أجلها كليب بن وائل، وبها ثارت الحرب بين بكر بن وائل وتغلب، التي يقال لها حرب البسوس.
وأم قرفة: امرأة مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يعلّق في بيتها خمسون سيفا كل سيف منها لذي محرم لها.
ودغة: امرأة من عجل بن لجيم: تزوجت في بني العنبر بن عمرو بن تميم.
وزرقاء بني نمير: امرأة كانت باليمامة تبصر الشّعرة البيضاء في اللبن، وتنظر الراكب على مسيرة ثلاثة أيام، وكانت تنذر قومها الجيوش إذا غزتهم، فلا يأتيهم جيش إلا وقد استعدوا له، حتى احتال لها بعض من غزاهم، فأمر أصحابه فقطعوا شجرا أمسكوه أمامهم بأيديهم، ونظرت الزرقاء فقالت: إني أرى الشجر قد أقبل إليكم. قالوا لها: قد خرفت ورق عقلك وذهب بصرك. فكذبوها، وصبّحتهم الخيل وأغارت عليهم وقتلت الزرقاء. قال: فقوّروا عينيها فوجدوا عروق عينيها قد غرقت في الإثمد من كثرة ما كانت تكتحل به.
وظلمة: امرأة من هذيل زنت أربعين عاما، فلما عجزت عن الزنا والقود اتخذت
(3/10)

تيسا وعنزا، فكانت تنزي «1» التيس على العنز، فقيل لها، لم تفعلين ذلك؟ قالت:
حتى أسمع أنفاس الجماع.
ما تمثلوا به من البهائم
قالوا: أشجع من أسد. وأجبن من الصّافر. وأمضى من ليث عفرّين «2» . وأحذر من غراب. وأبصر من عقاب. وأزهى من ذباب. وأذلّ من قراد بمنسم «3» . وأسمع من فرس. وأنوم من فهد. وأعمر من ضبّ. وأجبن من صفرد «4» . وأحقد من جمل. وأضرع من سنّور. وأسرق من زبابة. وأصبر من عود وأظلم من حيّة. وأحنّ من ناب «5» . وأكذب من فاختة. وأعزّ من بيض الأنوق. وأجوع من كلبة حومل «6» .
وأعزّ من الأبلق «7» العقوق «8» .
الصفار: ذو الصفير من الطير. العود: المسن من الجمال. الأنوق: طير يقال إنه يبيض في الهواء، والزّبابة: الفأرة تسرق دود الحرير، وفاختة: طير يطير بالرطب في غير أيامه.
ما يضرب به المثل من غير الحيوان
قالوا: أهدى من النّجم. وأجود من الدّيم. وأصبح من الصّبح. وأسمح من البحر. وأنور من النهار. وأسود من اللّيل. وأمضى من السّيل. وأحمق من رجلة «9» .
وأحسن من دمية. وأنزه من روضة. وأوسع من الدّهناء «10» . وآنس من جدول.
(3/11)

وأضيق من قرار حافر. وأوحش من مفازة. وأثقل من جبل. وأبقى من الوحي «1» في صمّ الصّلاب. وأخفّ من ريش الحواصل.
ومما ضربوا به المثل
قولهم: قوس حاجب. وقرط مارية. وحجّام «2» ساباط. وشقائق النعمان. وندامة الكسعيّ. وحديث خرافة. وكنز النّطف. وخفّا حنين. وعطر منشم.
أما قوس حاجب. فقد فسرنا خبره في كتاب الوفود.
وأما قرط مارية فإنها مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الكندي وأختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار. وابنها الحارث الأعرج الذي ذكره النابغة بقوله:
والحارث الأعرج خير الأنام
وإيّاها يعني حسان بن ثابت بقوله:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل وأما حجّام ساباط، فإنه كان يحجم الجيوش بنسيئة إلى انصرافهم، من شدة كساده؛ وكان فارسيّا. وساباط. هو ساباط كسرى.
ونسب شقائق النعمان إليه، لأن النعمان بن المنذر أمر بأن تحمى وتضرب قبته فيها استحسانا لها، فنسبت إليه، والعرب تسميها الشّقر.
وأما خرافة؛ فإنّ أنس بن مالك يروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها: إنّ من أصدق الأحاديث حديث خرافة، وكان رجلا من بني عذرة سبته الجن، وكان معهم، فإذا استرقوا السمع أخبروه، فيخبر به أهل الأرض فيجدونه كما قال.
(3/12)

وأما كنز النّطف، فهو رجل من بني يربوع كان فقيرا يحمل الماء على ظهره فينطف، أي يقطر؛ وكان أغار على مال بعث به باذان من اليمن إلى كسرى، فأعطى منه يوما حتى غربت الشمس، فضربت به العرب المثل في كثرة المال.
وأما خفّا «1» حنين، فإنه كان إسكافا من أهل الحيرة، ساومه أعرابيّ بخفين فاختلفا حتى أغضبه، فأراد أن يغيظ الأعرابيّ، فلما ارتحل أخذ أحد الخفين فألقاه في طريق الأعرابي، ثم ألقى الآخر بموضع آخر على طريقه. فلما مر الأعرابي، بالخف الأول، قال ما أشبه هذا بخف حنين! لو كان معه صاحبه لأخذته. فلما مرّ بالآخر ندم على ترك الأول فأناخ راحلته، وانصرف إلى الأول وقد كمن له حنين، فوثب على راحلته وذهب بها؛ وأقبل الأعرابيّ ليس معه غير خفى حنين. فذهبت مثلا.
وأما عطر منشم، فإنها كانت امرأة تبيع الحنوط «2» في الجاهلية، فقيل للقوم إذا تحاربوا: دقّوا عطر منشم. يراد بذلك طيب الموتى.
وأما ندامة الكسعي، فإنه رجل رمى فأصاب، فظن أنه أخطأ فكسر قوسه، فلما علم ندم على كسر قوسه. فضرب به المثل.
أمثال أكثم بن صيفي وبزرجمهر الفارسي
العقل بالتّجارب. الصاحب مناسب. الصديق من صدّق عينيه. الغريب من لم يكن له حبيب، ربّ بعد أقرب من قريب. القريب من قرب نفعه. لو تكاشفتم ما تدافنتم «3» . خير أهلك من كفاك. وخير سلاحك ما وقاك. خير إحوانك من لم تخبره. ربّ غريب ناصح الجيب «4» ؛ وابن أب متهم الغيب. أخوك من صدقك.
الأخ مرآة أخيه. إذا عزّ أخوك فهن. مكره أخوك لا بطل. تباعدوا في الديار
(3/13)

وتقاربوا في المحبة. أيّ الرجال المهذّب. من لك بأخيك كلّه. إنك إن فرّجت لاق فرجا. أحسن يحسن إليك. ارحم ترحم. كما تدين تدان. من ير يوما ير به، والدهر لا يغترّ به. عين عرفت فذرفت. في كلّ خبرة عبرة. من مأمنه يؤتى الحذر.
لا يعدو المرء رزقه وإن حرص. إذا نزل القدر عمي البصر: وإذا نزل الحين نزل بين الأذن والعين. الخمر مفتاح كلّ شرّ. الغناء رقية الزّناء. القناعة مال لا ينفد.
خير الغنى غنى النفس. منساق إلى ما أنت لاق. خذ من العافية ما أعطيت، ليس الإنسان إلا القلب واللسان. إنما لك ما أمضيت. لا تتكلف ما كفيت. القلم أحد اللسانين. قلّة العيال أحد اليسارين. ربما ضاقت الدنيا باثنين. لن تعدم الحسناء ذامّا.
لم يعدم الغاوي لائما. لا تك في أهلك كالجنازة. لا تسخر من شيء فيحور بك.
أخّر الشرّ فإن شئت تعجّلته. صغير الشرّ يوشك أن يكبر. يبصر القلب ما يعمى عنه البصر. الحرّ حرّ وإن مسّه الضرّ «1» . العبد عبد وإن ساعده جد. من عرف قدره استبان أمره. من سرّه بنوه ساءته نفسه. من تعظّم على الزمان أهانه. من تعرّض للسلطان أذراه ومن تطامن «2» له تخطّاه. من خطا يخطو. كلّ مبذول مملول. كلّ ممنوع مرغوب فيه. كل عزيز تحت القدرة ذليل. لكلّ مقام مقال. لكلّ زمان رجال. لكل أجل كتاب. لكل عمل ثواب. لكل نبإ مستقر. لكل سرّ مستودع.
قيمة كلّ إنسان ما يحسن. اطلب لكل غلق مفتاحا. أكثر في الباطل يكن حقا.
عند القنط»
يأتي الفرج. عند الصباح يحمد السّرى. الصدق منجاة والكذب مهواة. الاعتراف يهدم الاقتراف. ربّ قول أنفذ من صول. ربّ ساعة ليس بها طاعة. ربّ عجلة تعقب ريثا. بعض الكلام أقطع من الحسام. بعض الجهل أبلغ من الحلم. ربيع القلب ما اشتهى. الهوى شديد العمى. الهوى الإله المعبود. الرأي نائم والهوى يقظان، غلب عليك من دعا إليك. لا راحة لحسود، ولا وفاء لملول. لا سرور كطيب النفس. العمر أقصر من أن يحتمل الهجر. أحق الناس بالعفو أقدرهم
(3/14)

على العقوبة. خير العلم ما نفع. خير القول ما اتّبع. البطنة «1» تذهب الفطنة. شرّ العمى عمى القلب. أوثق العرى كلمة التقوى. النساء حبائل الشيطان. الشباب شعبة من الجنون، الشقيّ من شقي في بطن أمّه. السعيد من وعظ بغيره. لكل امرىء في بدنه شغل. من يعرف البلاء يصبر عليه. المقادير تريك ما لا يخطر ببالك. أفضل الزّاد ما تزوّد للمعاد. الفحل أحمى للشول «2» . صاحب الحظوة غدا من بلغ المدى.
عواقب الصبر محمودة. لا تبلغ الغايات بالأماني. الصريمة على قدر العزيمة. الضعيف يثني أو يذمّ. من تفكر اعتبر. كم شاهد لك لا ينطق، ليس منك من غشّك. ما نظر لآمرىء مثل نفسه. ما سدّ فقرك إلا ملك يمينك. ما على عاقل ضيعة. الغنى في الغربة وطن. والمقلّ في أهله غريب. أول المعرفة الاختبار. يدك منك وإن كانت شلّاء. أنفك منك وإن كان أجدع. من عرف بالكذب لم يحز صدقه، ومن عرف بالصدق جاز كذبه. الصحة داعية السّقم. الشباب داعية الهرم. كثرة الصياح من الفشل. إذا قدمت المصيبة تركت التعزية. إذا قدم الإخاء سمج الثناء. العادة أملك من الأدب. الرفق يمن والخرق شؤم. المرأة ريحانة وليست بقهرمانة «3» . الدّالّ على الخير كفاعله. المحاجزة قبل المناجزة. قبل الرماية تملأ الكنائن. لكل ساقطة لاقطة.
مقتل الرجل بين فكّيه. ترك الحركة غفلة. الصّمت حبسة. من خير خبر أن يسمع بمطر. كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة. قيّدوا النّعم بالشكر. من يزرع المعروف يحصد الشكر. لا تغترّ بمودّة الأمير إذا غشّك الوزير. أعظم من المصيبة سوء الخلف منها. من أراد البقاء فليوطّن نفسه على المصائب. لقاء الأحبّة مسلاة للهم. قطيعة الجاهل كصلة العاقل. من رضي على نفسه كثر الساخط عليه. قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضا عارفها. أدوأ الداء الخلق الدّنيّ واللسان البذيّ. إذا جعلك السلطان أخا فاجعله ربّا. احذر الأمين ولا تأمن الخائن. عند الغاية يعرف السبق. عند الرّهان يحمد المضمار. السؤال وإن قلّ أكثر من النوال وإن جل. كافىء المعروف
(3/15)

بمثله أو انشره. لا خلة «1» مع عيلة «2» . لا مروءة مع ضر. ولا صبر مع شكوى. ليس من العدل سرعة العذل. عبد غيرك حر مثلك. لا يعدم الخيار من استشار. الوضيع من وضع نفسه. المهين من نزل وحده. من أكثر أهجر «3» . كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع. كل إناء ينضح بما فيه. العادة طبع ثان.
ومن أمثال العرب
مما روى أبو عبيد
جرّدناها من الآداب التي أدخل فيها أبو عبيد إذ كنا قد أفردنا للأدب والمواعظ كتبا غير هذا، وضممنا إلى أمثلة العرب القديمة ما جرى على ألسنة العامة من الأمثال المستعملة، وفسرنا من ذلك ما احتاج إلى التفسير. فمن ذلك قولهم:
في حفظ اللسان
لعمر بن عبد العزيز: التقيّ ملجم.
لأبي بكر الصدّيق: إن البلاء موكّل بالمنطق.
لابن مسعود: ما شيء أولى بطول سجن من لسان.
لأنس بن مالك: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحترز من لسانه ولسان غيره. احذر لسانك لا يضرب عنقك. جرح اللسان جرح اليد. رب كلام أقطع من حسام.
القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر.
قال الشاعر:
وقد يرجى لجرح السيف برء «4» ... ولا برء لما جرح اللسان
اجتلبنا هذا البيت لأنه قد صار مثلا سائرا للعامة. وجعلنا لأمثال الشعراء في آخر كتابنا هذا بابا.
(3/16)

وقال أكثم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكّيه.
وقال: ربما أعلم فأذر. يريد أنه يدع ذكر الشيء وهو به عالم؛ لما يحذر من عاقبته.
إكثار الكلام وما يتقى منه
قالوا: من ضاق صدره اتّسع لسانه. من أكثر أهجر- أي خرج إلى الهجر، وهو القبيح من القول.
وقالوا: المكثار كحاطب ليل، وحاطب الليل ربما نهشته الحية أو لسعته العقرب في احتطابه ليلا.
وقالو: أوّل العييّ الاختلاط، «1» وأسوأ القول الإفراط.
في الصمت
قالوا: الصّمت حكم «2» وقليل فاعله.
وقالوا: عيّ صامت خير من عيّ ناطق، والصمت يكسب أهله المحبّة.
وقالوا: استكثر من الهيبة الصّموت؛ والندم على السّكوت خير من الندم على الكلام.
وقالوا: السّكوت سلامة.
القصد في المدح
منه قولهم: من حفّنا «3» أو رفّنا «4» فليقتصد. يقولون: من مدحنا فلا يغلون في ذلك.
وقولهم: لا تهرف بما لا تعرف والهرف: الإطناب في المدح والثناء.
ومنه قولهم: شاكه أبا يسار من دون ذا ينفق الحمار.
أخبرنا أبو محمد الأعرابي عن رجل من بني عامر بن صعصعة قال: لقي أبو يسار رجلا بالمربد يبيع حمارا ورجل يساومه؛ فجعل أبو يسار يطرى الحمار؛ فقال المشتري:
(3/17)

أعرفت الحمار؟ قال: نعم. قال: كيف سيره؟ قال: يصطاد به النّعام معقولا. قال له البائع: شاكه أبا يسار، من دون ذا ينفق الحمار. والمشاكهة: المقاربة والقصد.
صدق الحديث
منه قولهم: من صدق الله نجا.
ومنه قولهم: سبّني واصدق.
وقالوا: الكذب داء والصّدق شفاء.
وقولهم: لا يكذب الرائد أهله معناه أن الذي يرتاد لأهله منزلا لا يكذبهم فيه.
وقولهم: صدقني سنّ بكره. أصله أنّ رجلا ابتاع من رجل بعيرا، فسأله عن سنّه.
فقال له: إنه بازل «1» . فقال له: أنخه. فلما أناخه قال: هدع هدع. وهذه لفظة تسكّن بها الصغار من الإبل. فلما سمع المشتري هذه الكلمة قال: صدقني سنّ بكره.
ومنه قولهم: القول ما قالت حذام. وهي امرأة لجيم بن صعب، والد حنيفة وعجل، ابني لجيم، وفيها قال:
إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإنّ القول ما قالت حذام
من أصاب مرة وأخطأ مرة
منه قولهم: شخب في الإناء. وشخب «2» في الأرض. شبّه بالحالب الجاهل الذي يحلب شخبا في الإناء وشخبا في الأرض.
وقولهم: يشج «3» مرة ويأسو «4» أخرى.
وقولهم: سهم لك وسهم عليك.
(3/18)

وقولهم: اطرقي وميشي. والميش أن يخلط الشعر بالصوف. والمطراقة: العود الذي يضرب به بين ما خلط.
سوء المسألة وسوء الاجابة
قالوا: أساء سمعا فأساء جابة. هكذا تحكى هذه الكلمة، «جابة» بغير ألف، وذلك أنه اسم موضوع يقال: أجابني فلان جابة حسنة، فإذا أرادوا المصدر قالوا:
إجابة، بالألف.
وقالوا: حدّث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة. كذا في الأصل؛ والذي أحفظ:
فاربع، أي أمسك.
وقولهم: إليك يساق الحديث.
من صمت ثم نطق بالفهاهة
قالوا: سكت ألفا ونطق خلفا. الخلف من كل شيء: الرديء.
المعروف بالكذب يصدق مرة
قولهم: من الخواطيء سهم صائب. وربّ رمية من غير رام.
وقولهم: قد يصدق الكذوب.
المعروف بالصدق يكذب مرة
قالوا: لكلّ جواد كبوة، «1» ولكلّ صارم نبوة «2» ، ولكلّ عالم هفوة «3» ، وقد يعثر الجواد، ومن لك بأخيك كلّه، وأيّ الرجال المهذب.
(3/19)

كتمان السر
قالوا: صدرك أوسع لسرّك.
وقالوا: لا تفش سرّك إلى أمة، ولا تبل على أكمة. يقول لا نفش سرك إلى امرأة فتبديه، ولا تبل على مكان مرتفع فتبدو عورتك.
ويقولون إذا أسروا إلى الرجل: اجعل هذا في وعاء غير سرب «1» .
وقولهم سرّك من دمك.
وقيل لأعرابي: كيف كتمانك السر؟ فقال: ما صدري إلا قبر.
انكشاف الأمر بعد اكتتامه
قولهم: حصحص «2» الحقّ.
وقولهم: أبدى الصريح عن الرّغوة. وفي الرغوة ثلاث لغات: فتح الراء، وضمها، وكسرها.
وقولهم: صرح «3» المحض «4» عن الزّبد.
وقالوا: أفرخ القوم بيضتهم. أي أخرجوا فرختها، يريدون أظهروا سرهم.
وقولهم: برح «5» الخفاء وكشف الغطاء.
إبداء السر
قالوا: أفضيت إليك بشقوري. أي أخبرتك بأمري، وأطلعتك على سري.
وقولهم: أخبرتك بعجري وبجري. أي أطلعتك على معايبي، والعجر: العروق المتعقدة، وأما البجر فهي في البطن خاصة.
وتقول العامة: لو كان في جسدي برص ما كتمته.
(3/20)

الحديث يتذكر به غيره
قالوا: الحديث ذو شجون: وهذا المثل لضبّة بن أدّ وكان له ابنان: سعد وسعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فكان ضبه كلما رأى رجلا مقبلا قال: أسعد أم سعيد، فذهبت مثلا. ثم إن ضبة بينما هو يسير يوما ومعه الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذ أتى على مكان، فقال له الحارث: أترى هذا الموضع! فإني لقيت فتى هيئته كذا وكذا، فقتلته وأخذت منه هذا السيف. فإذا بصفة سعيد، فقال له ضبة: أرني السيف أنظر إليه. فناوله إياه فعرفه فقال له: إن الحديث ذو شجون. ثم ضربه به حتى قتله. فلامه الناس في ذلك، وقالوا: أقتلت في الشهر الحرام؟ قال: سبق السيف العذل. فذهبت مثلا.
ومنه: ذكّرتني الطّعن وكنت ناسيا. وأصل هذا أن رجلا حمل ليقتل رجلا، وكان بيد المحمول عليه رمح، فأنساه الدهش والجزع ما في يده، فقال له الحامل:
ألق الرمح. قال الآخر: فإن رمحي لمعي، ذكّرتني الطعن وكنت ناسيا. ثم كز «1» على صاحبه فهزمه أو قتله. ويقال: إن الحامل: صخر بن معاوية السلمي أخو الخنساء والمحمول عليه: يزيد بن الصّعق.
العذر يكون للرجل ولا يمكن أن يبديه
منه قولهم: ربّ سامع خبري لم يسمع عذري. وربّ ملوم لا ذنب له. ولعلّ له عذرا وأنت تلوم.
وقولهم: المرء أعلم بشأنه.
الاعتذار في غير موضعه
منه قولهم: ترك الذنب أيسر من التماس العذر، وترك الذنب أيسر من طلب التوبة.
(3/21)

التعريض بالكناية
ومنه قولهم: أعن صبوح «1» ترقق «2» .
ومنه قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.
المنّ بالمعروف
قالوا: شوا أخوك حتى إذا أنضج رمّد.
وقولهم: فضل القول على الفعل دناءة، وفضل الفعل على القول مكرمة.
الحمد قبل الاختبار
لا تحمدن أمة عام اشترائها ولا حرّة عام بنائها «3» .
وقولهم: لا تهرف قبل أن تعرف. يقول: لا تمدح قبل أن تختبر.
وقولهم: أول المعرفة الاختبار.
إنجاز الوعد
قالوا: أنجز حرّ ما وعد.
وقولهم: العدة عطيّة.
وقولهم: من أخّر حاجة فقد ضمنها.
وقالوا: وعد الحرّ فعل، ووعد اللّئيم تسويف.
وقالت العامة: الوعد من العهد.
التحفظ من المقالة القبيحة وإن كانت باطلا
حسبك من شرّ سماعه. وما اعتذارك من شيء قيل.
(3/22)

بالخير
منه قولهم للقادم من سفره: خير ما ردّ في أهل ومال؛ أي جعلك الله كذلك.
وقولهم: بلغ الله بك أكلأ العمر. أي أقصاه.
وقولهم: نعم عوفك. أي نعم بالك.
وقولهم في النكاح: على بدء الخير واليمن.
وقولهم: بالرّفاء والبنين. يريد بالرفاء: الكثرة، يقال منه: رفأته، إذا دعوت له بالكثرة.
وقولهم: هنّئت ولا تنكه. أي أصابك خير ولا أصابك ضر.
وقولهم: هوت «1» أمّه، وهبلته «2» أمّه. يدعون عليه وهم يريدون الحمد له.
ونحوه قاتله الله، وأخزاه الله، إذا أحسن. ومنه قول امرىء القيس:
ماله لا عدّ من نفره
تعيير الإنسان صاحبه بعيبه
قالوا: رمتني بدائها وانسلّت.
وقولهم: عيّر بجير بجره، «3» نسي بجير خبره.
وقولهم: محترس من مثله وهو حارس.
وقولهم: تبصر القذى في عين أخيك ولا تبصر الجذع في عينك.
الدعاء على الإنسان
منه قولهم: فاها لفيك. يريد: الأرض لفيك.
وقولهم: بفيك الحجر، وبفيك الأثلب «4» .
وقولهم: لليدين وللفم.
(3/23)

ولما أتي علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسكران في رمضان، وقال له: لليدين وللفم؛ أو لداننا صيام وأنت مفطر. وضربه مائة سوط.
ومنه قولهم: لجنبه فليكن الوجه. يريد الصرعة.
ومنه قولهم: من كلا جانبيك لا لبّيك، أي لا كانت لك تلبية ولا سلامة من كلا جانبيك. والتلبية: الإقامة بالمكان.
وقولهم: بك لا بظبي. وقال الفرزدق:
أقول له لمّا أتاني نعيه ... به لا بظبي بالصّريمة أعفرا»
ومنه قولهم: جدع الله مسامعه.
وقولهم: عقرا حلقا، يريد عقره الله وحلقه.
ومنه قولهم: لا لعا «2» له: أي لا أقامه الله.
قال الأخطل:
ولا لعا لبني ذكوان إذ عثروا
ولحبيب:
صفراء صفرة صحّة قد ركّبت ... جثمانه في ثوب سقم أصفر
قتلته سرّا ثمّ قالت جهرة ... قول الفرزدق لا بظبي أعفر
رمى الرجل غيره بالمعضلات
منه قولهم: رماه بأقحاف «3» رأسه، ورماه بثالثة الأثافي، يريد قطعة من الجبل يجعل إلى جنبها أثفيّتان وتكون هي الثالثة.
ومنه: يا للعضيهة «4» والأفيكة «5» ، إذا رماه بالبهتان.
وقولهم: كأنما أفرغ عليه ذنوبا «6» ، إذا كلمه كلمة يسكته بها.
(3/24)

المكر والخلابة
منه قولهم: فتل في ذروته، أي خادعه حتى أزاله عن رأيه.
قال أبو عبيد: ويروى عن الزبير حين سأل عائشة الخروج إلى البصرة فأبت عليه:
فما زال يفتل في الذّروة والغارب حتى أجابته.
وقولهم: ضرب «1» أخماسا لأسداس، يريدون المناكرة.
وقال آخر:
إذا أراد امرؤ مكرا جنى عللا ... وظلّ يضرب أخماسا لأسداس
ومنه قولهم: الذّئب يأدو للغزال، أي يختله ليوقعه.
اللهو والباطل
منه قولهم: جاء فلان بالتّره «2» . وجري فلان السّمّه «3» ، وهما من أسماء الباطل.
وقال صلّى الله عليه وسلم: ما أنا من دد ولا دد منّي، وفيه ثلاث لغات: دد، وددا: مثل قفا.
وددن: مثل حزن.
خلف الوعد
منه قولهم: ما وعده إلا برق خلّب، وهو الذي لا مطر معه.
ومنه ما وعده إلا وعد عرقوب. وهو رجل من العماليق أتاه أخوه يسأله فقال:
إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فأتاه للعدة، فقال: دعها حتى تصير بلحا. فلما أبلحت قال: دعها حتى تصير رطبا. فلما أرطبت قال: دعها حتى تصير تمرا. فلما أتمرت عمد إليها عرقوب فجزها ولم يعط أخاه شيئا، فصارت مثلا سائرا في الخلف.
قال الأعشى:
(3/25)

وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
اليمين الغموس
منه قولهم: جذّها جذّ العير الصّليانة «1» . وذلك أن العير ربما اقتلع الصّليانة إذا ارتعاها.
ومنه الحديث المرفوع: اليمين الغموس تدع الدّيار بلاقع. قال أبو عبيد: اليمين الغموس هي المصبورة «2» التي يوقف عليها الرجل فيحلف بها؛ وسميت غموسا لغمسها حالفها في المأثم.
ومنه قولهم: اليمين حنث أو مندمة.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: من كان حالفا فليحلف بالله.
أمثال الرجال واختلاف نعوتهم
في الرجل المبرّز في الفضل
قولهم: ما يشقّ غباره، وأصله السابق من الخيل.
وقولهم: جري المذكي حسرت «3» عنه الحمر، أي كما يسبق الفرس القارح الحمر.
وقولهم: جري المذكّيات غلاء «4» أو غلاب «5» .
وقولهم: ليست له همّة دون الغاية القصوى.
الرجل النبيه الذكر
قولهم: ما يحجر فلان في العكم: الجوالق، يريد أنه لا يخفي مكانه.
وقولهم: ما يوم حليمة بسر وكانت فيه وقعة مشهورة قتل فيها المنذر بن ماء السماء، فضربت مثلا لكل أمر مشهور.
(3/26)

وقولهم: أشهر من أبلق «1» .
وقولهم: وهل يخفى على الناس النهار.
ومثله: وهل يخفى على الناظر الصبح.
وقولهم: وهل يجهل فلانا إلا من يجهل القمر.
الرجل العزيز يعز به الدليل
منه قولهم: إنّ البغاث بأرضنا تستنسر. البغاث؛ صغار الطير، تستنسر: تصير نسورا.
وقولهم: لا حر بوادي عوف. يريدون عوف بن محلّم الشيباني، وكان منيعا.
وقولهم: تمرّد مارد وعزّ الأبلق. مارد: حصن بدومة الجندل، والأبلق: حصن السموأل.
وقولهم: من عزّ بزّ «2» ، ومن قلّ ذلّ. ومن أمر فلّ «3» . أمر: كثر.
الرجل الصعب
منه قولهم: فلان ألوى بعيد المستمرّ.
وقولهم: ما بللت منه بأفوق ناصل. وأصله السهم المكسور الفوق الساقط النصل، يقول: فهذا ليس كذلك.
وقولهم: ما يقعقع «4» لي بالشنان «5» .
وقولهم: ما يصطلى بناره.
وقولهم: ما تقرن به الصّعبة «6» .
(3/27)

النجد يلقى قرنه
منه قولهم:
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا
والحديد بالحديد يفلح. والفلح: الشق. ولا يفل الحديد إلا الحديد. والنّبع يقرع بعضه بعضا. ورمي فلان بحجره، أي قرن بمثله.
الأريب الداهي
هو هتر «1» أهتار، وصلّ أصلال. أصله من الحيات، شبه الرجل بها.
ومثله: حية ذكر، وحية واد.
وقولهم: هو عضلة «2» من العضل. وهو باقعة «3» من البواقع. وحوّل قلّب. ومؤدم مبشر. يقول: فيه لين الأدمة، وخشونة البشرة.
وفلان يعلم من حيث تؤكل الكتف.
التنبيه بلا منظر ولا سابقة
قال أبو عبيد: هو الذي تسميه العرب الخارجيّ، يريدون: خرج من غير أولية كانت له، قال الشاعر:
ألا يامرو لست بخارجيّ ... وليس قديم مجدك بانتحال
وقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وهو تصغير رجل منسوب إلى معد.
وقالوا:
نفس عصام سوّدت عصاما
(3/28)

الرجل العالم النحرير
قالوا: إنه لنقّاب. وهو الفطن الذكيّ.
وقالوا: إنه لعض. وهو العالم النّحرير.
وقولهم: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجّب.
قال الأصمعي: الجذيل: تصغير الجذل، وهو عود ينصب للإبل الجرباء، لتحتك به من الجرب، فأراد أن يشفى برأيه. والعذيق: تصغير عذق، والعذق- بالفتح- النخلة نفسها، فإذا مالت النخلة الكريمة بنوا من جانبها المائل بناء مرتفعا يدعمها لكيلا تسقط، فذلك الترجيب، وصغرهما للمدح.
ومثله قولهم: إنه لجذل حكاك.
ومنه قولهم: عنيّته تشفى الجرب. والعنية: شيء تعالج به الإبل إذا جربت.
وقولهم: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا.
وأول من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني، ثم قرعت لعامر بن الظرب العدواني، وكان حكم في الجاهلية فكبر حتى أنكر عقله، فقال لبنيه: إذا أنا زغت «1» فقوموني. كان إذا زاغ قرعت له العصا، فينزع عن ذلك.
ومنه قولهم: إنه لألمعيّ. وهو الذي يصيب بالظن.
وقولهم: ما حككت قرحة إلا أدميتها.
وقولهم: الأمور تشابه مقبلة وتظهر مدبرة. ولا يعرفها مقبلة إلا العالم النّحرير «2» ، فإذا أدبرت عرفها الجاهل والعالم.
الرجل المجرب
منه قولهم: إنه لشراب بأنقع «3» . أي معاود للخير والشر.
(3/29)

وقولهم: إنه لخرّاج ولّاج.
وقولهم: حلب الدّهر أشطره. وشرب أفاويقه. أي اختبر من الدهر خيره وشره.
فالشطر هو شطر الحلبة. والفيقة: ما بين الحلبتين.
وقولهم: رجل منجّذ. وهو المجرب، وأصله من النواجذ؛ يقال: قد عضّ على ناجذه، إذا استحكم.
وقولهم: أوّل الغزو أخرق.
وقولهم: لا تعدو إلا بغلام وقد غذا.
وقولهم: زاحم بعود أو دع.
وقولهم: العوان «1» لا تعلّم الخمرة.
وقالت العامة: الشارف «2» لا يصفّر له.
الذب «3» عن الحرم
قالوا: الفحل يحمي شوله. والخيل تجري على مساويها. يقول: إن الخيل وإن كانت لها عيوب فإن كرمها يحملها على الجرى.
وقولهم: النساء لحم على وضم «4» إلا ما ذبّ عنه.
وقولهم: النساء حبائل الشيطان.
وقولهم: كلّ ذات صدار «5» خالة. يريد أنه يحميها كما يحمي خالته.
الصلة والقطيعة
منه قولهم: لا خير لك فيمن لا يرى لك ما يرى لنفسه.
وقولهم: إنما يضنّ بالضّنين.
وقولهم: خلّ سبيل من وهي سقاؤه.
(3/30)

وقولهم: ألق حبله على غاربه.
وقولهم: لو كرهتني يدي قطعتها.
الرجل يأخذ حقه قسرا
منه قولهم: يركب الصّعب من لا ذلول له.
وقولهم: مجاهرة إذا لم أجد مختلا. يقول: آخذ حقي قسرا علانية إذا لم أصل إليه بالستر والعافية.
وقولهم: حلبتها بالسّاعد الأشدّ. يقول: أخذتها بالقوّة والشدّة إذا لم أقدر عليها بالرفق.
وقولهم: التجلّد خير من التبلّد، والمنيّة خير من الدّنيّة، ومن عزّ برّ.
الإطراق حتى تصاب الفرصة
منه قولهم: مخرنبق لينباع. مخرنبق: مطرق. لينباع: لينبعث. يقول: سكت حتى يصيب فرصته فيثب عليها.
وقولهم: تحسبها حمقاء وهي باخس.
وقولهم: خيره في صدره.
وقولهم: أحمق بلغ. يقول: مع حمقه يدرك حاجته
الرجل الجلد المصحح
أطرّي فإنك ناعلة. أصله أن رجلا قال لراعية له كانت ترعى في السهولة وتترك الحزونة، فقال لها: أطرّي. أي: خذي طرر الوادي. وهي نواحيه. فإنك ناعلة.
يريد: فإن عليك نعلين.
وقولهم: به داء ظبي. معناه أنه ليس بالظبي داء وقالوا: الشجاع موقّى.
(3/31)

الذل بعد العز
منه قولهم: كان جملا فاستنوق. أي صار ناقة.
وقولهم: كان حمارا فاستأتن. أي صار أتانا.
وقولهم: الحور «1» بعد الكور» .
وقولهم: ذل لو أجد ناصرا. أصله أن الحارث بن أبي شمر الغساني، سأل أنس بن أبي الحجير عن بعض الأمر، فأخبره؛ فلطمه الحارث، فقال أنس: ذل لو أجد ناصرا. فلطمه ثانية، فقال: لو نهيت الأولى لم تلطم الثانية. فذهبتا مثلين.
الانتقال من ذل إلى عز
منه قولهم: كنت كراعا فصرت ذراعا.
وقولهم: كنت عنزا فاستتيست.
وقولهم: كنت بغاثا «3» فاستنسرت. أي صرت نسرا.
تأديب الكبير
قالوا: ما أشدّ فطام الكبير.
وقولهم: عود يقلّح. أي جمل مسنّ تنقى أسنانه.
وقالوا: من العناء رياضة الهرم.
قال الشاعر:
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
وقولهم: أعييتني بأشر «4» ، فكيف بدردر. يقول أعييتني وأنت شابة، فكيف إذا بدت درادرك، وهي مغارز الأسنان.
(3/32)

الذليل المستضعف
منه قولهم: فلان لا يعوي، ولا ينبح من ضعفه. يقول: لا يتكلم بخير ولا شر.
وقولهم: أهون مظلوم سقاء مروّب. وهو السقاء الذي يلفّ حتى يبلغ أوان المخض.
وقالوا: أهون مظلوم عجوز معقومة.
وقولهم: لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب.
الذليل يستعين بأذل منه
قالوا: عبد صريخه أمة.
وقولهم: مثقل استعان بذقنه. وأصله: البعير يحمل عليه الحمل الثقيل فلا يقدر على النهوض به، فيعتمد على الأرض بذقنه.
وقولهم: العبد من لا عبد له.
الأحمق المائق
قالوا: عدوّ الرجل حمقه، وصديقه عقله.
وقولهم: خرقاء عيّابة. وهو الأحمق الذي يعيب الناس.
وقالوا في الرجل إذا اشتدّ حمقه جدا: ثأطة مدّت بماء. الثأطة الحمأة، فإذا أصابها الماء ازدادت فسادا ورطوبة.
الذي تعرض له الكرامة فيختار الهوان
منه قولهم: تجنّب روضة وأحال يعدو. يقول: ترك الخصب واختار الشقاء.
وقولهم: لا يخلو مسك السوء من عرف السوء. يقول: لا يكن جلد رذل إلا والريح المنتنة موجودة فيه.
ومنه قول العامة: قيل للشقيّ هلمّ إلى السعادة. قال: حسبي ما أنا فيه. ومنه قول العامة:
إن الشقيّ بكلّ حبل يختنق
وقولهم: لا يعدم الشقيّ مهيرا. أي لا يعدم الشقي رياضة مهر.
(3/33)

الرجل تريد إصلاحه وقد أعياك أبوه قبله
منه قولهم: لا تقتن من كلب سوء جروا.
وقال الشاعر:
ترجو الوليد وقد أعياك والده ... وما رجاؤك بعد الوالد الولدا
الواهن العزم الضعيف الرأي
منه قولهم: ماله أكل ولا صيّور. أي ليس له رأي ولا قوّة.
قال الأصمعي: طلب أعرابي ثوبا من تاجر، فقال: أعطني ثوبا له أكل. يعني قوة وحصافة «1» .
ومنه قولهم: هو إمّعة. وهو إمّرة. قال أبو عبيد: هو الرجل الذي لا رأي له ولا عزم، فهو يتابع كل أحد على رأيه، ولا يثبت على شيء، وكذلك الإمّرة، الذي يتابع كل أحد على أمره.
ومنه قولهم: بنت الجبل. ومعناه الصدى يجيبك من الجبل، أي هو مع كل متكلم يجيبه بمثل كلامه.
الذي يكون ضارا ولا نفع عنده
منه قولهم: المغزى تبهى ولا تبنى. قال أبو عبيد: معناه أن المعزى لا تكون منها الأبنية، وهي بيوت الأعراب، وإنما تكون من وبر الإبل، وصوف الضأن، ولا تكون من الشعر، وربما صعدت المعزى إلى الخباء فخرقته، فذلك قولهم تبهى، يقال:
أبهيت البيت، إذا خرقته، فإذا انخرق قيل بيت باه.
الرجل يكون ذا منظر ولا خير فيه
ومنه قولهم: ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل.
وقال الحجاج لعبد الرحمن بن الأشعث: إنك لمنظراني. قال: نعم ومخبراني.
(3/34)

أمثال الجماعات وحالاتهم من اجتماع الناس وافتراقهم
قال الأصمعي: ويقال: لن يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا قال أبو عبيد: معناه أن الغالب على الناس الشر، والخير في القليل من الناس فإذا كان التساوي فإنما هو من الشر.
ومن أشد العجائب قول القائل: سواسية كأسنان الحمار.
ومنه قولهم: الناس سواء كأسنان المشط.
وقولهم: الناس أشباه وشتى في الشيم «1» .
وقولهم: الناس أخياف. أي مفترقون في أخلاقهم، وكلّهم يجمعه بيت الأدم.
والأخيف من الخيل: الذي إحدى عينيه زرقاء، والأخرى كحلاء.
ومنه قولهم: بيت الإسكاف فيه من كلّ جلد رقعة.
المتساويان في الخير والشر
هما كفرسي رهان. وكركبتي بعير. وهما زندان «2» في وعاء. وهذا في الخير وأما في الشر؛ فيقال: هما كحماري العباديّ. حين قال له: أيّ حماريك شر؟
قال: هذا ثم هذا.
الفاضلان وأحدهما أفضل
منه قولهم: مرعى ولا كالسّعدان «3» .
وقولهم: ماء ولا كصدّاء: ركية ذات ماء عذب.
وقولهم: فتى ولا كمالك «4» .
وقولهم: في كلّ الشجر نار وآستمجد «5» المرخ والعفار «6» . وهما أكثر الشجر نارا.
(3/35)

الرجل يرى لنفسه فضلا على غيره
منه قولهم: كلّ مجر بالخلاء يسرّ. وأصله: الذي يجري فرسه في المكان الخالي فهو يسر بما يرى منه.
المكافأة
منه قولهم: سنة بتلك.
وقولهم: أضىء لي، أقدح لك. أي كن لي أكن لك.
وقولهم: اسق رقاش «1» سقاية. يقول: أحسنوا لها إنها محسنة.
الأمثال في القربى
التعاطف بين ذوي الأرحام
قال الكلبي: منه قولهم: يا بعضي دع بعضا. وأصل هذا أن زرارة بن عدس زوّج ابنته من سويد بن ربيعة، فكان له منها تسعة بنين. وأن سويدا قتل أخا صغيرا لعمرو بن هند الملك وهرب ولم يقدر عليه ابن هند؛ فأرسل إلى زرارة أن ائتني بولده من ابنتك؛ فجاء بهم، فأمر عمرو بقتلهم، فتعلقوا بجدهم زرارة؛ فقال: يا بعضي دع بعضا. فذهبت مثلا.
ومن أمثالهم في التحنن على الأقارب
قولهم: لكن على بلدح «2» قوم عجفي.
وقولهم: لكنّ بالاثلاث لحم لا يظلّل.
وأصل هذا أن بيهسا الذي يلقّب بنعامة كان بين أهل بيته وبين قوم حرب، فقتلوا سبعة إخوة لبيهس وأسروا بيهسا، فلم يقتلوه وارتحلوا به، فنزلوا منزلا في سفرهم ونحروا جزورا في يوم شديد الحر، فقال بعضهم: ظللوا لحم جزوركم لئلا يفسد. فقال بيهس: لكن بالأثلاث لحم لا يظلل. يعني لحم إخوته القتلى. ثم ذكروا
(3/36)

كثرة ما غنموا، فقال بيهس: لكن على بلدح قوم عجفي. ثم إنه أفلت، أو خلوا سبيله، فرجع إلى أمه، فقالت: أنجوت من بينهم؟ وكانت لا تحبه؛ فقال لها: لو خيّرت لاخترت فلما لم يكن لها ولد غيره رقت له وتعطفت عليه. فقال بيهس:
الثّكل أرأمها «1» .
فذهبت كلماته هذه الأربع كلها أمثالا.
ومنه قولهم: لا يعدم الحوار «2» من أمّه حنّة.
وقولهم: لا يضرّ الحوار ما وطئته أمّه.
وقولهم: بأبي أوجه اليتامى.
حماية القريب وإن كان مبغضا
من ذلك قولهم: آكل لحمي ولا أدعه يؤكل.
ومنه: لا تعدم من ابن عمّك نصرا.
وقولهم: الحفائظ «3» تحلّل الأحقاد..
وقولهم في ابن العم: عدوّك وعدوّ عدوّك.
وقولهم: كفّك منك وإن كانت شلاء.
وقولهم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما.
إعجاب الرجل بأهله
منه قولهم: كلّ فتاة بأبيها معجبة.
وقولهم: القرنبى «4» في عين أمها حسنة.
وقولهم: زيّن في عين والد ولده.
وقولهم: حسن في كلّ عين من تودّ.
وقولهم: من يمدح العروس إلّا أهلها.
(3/37)

تشبيه الرجل بأبيه
منه قولهم: من أشبه أباه فما ظلم.
وقولهم: العصيّة من العصا.
وقولهم: ما أشبه حجل الجبال بألوان صخرها.
وقولهم: ما أشبه الحول «1» بالقبل «2» . وما أشبه الليلة بالبارحة.
وقولهم: شنشنة «3» أعرفها من أخزم. يقال هذا في الولد إذا كان فيه طبيعة من أبيه.
قال زهير:
وهل ينبت الخطّيّ «4» إلا وشيجه «5» ... وتغرس إلّا في منابتها النخل
ومنه قول العامة: لا تلد الذئبة إلّا ذئبا.
وقولهم: حذو النعل بالنعل. وحذو القذّة بالقذّة، والقذة: الريشة من ريش السهم تحذى على صاحبتها.
تحاسد الأقارب
من ذلك قولهم: الأقارب هم العقارب.
وقال عمر: تزاوروا ولا تجاوروا.
وقال أكثم: تباعدوا في الدّيار تقاربوا في المحبة.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأبي هريرة: زر غبّا «6» تزدد حبا.
ومنه قولهم: فرّق بين معد تحابّ. يريد أن ذوي القربى إذا تدانوا تحاسدوا وتباغضوا.
(3/38)

قولهم في الأولاد
قالوا: من سرّه بنوه ساءته نفسه. أي من يرى فيهم ما يسره يرى في نفسه ما يسوءه.
وقولهم:
إنّ بنيّ صبية صيفيون ... أفلح من كان له ربعيّون
الولد الصيفي: الذي يولد للرجل وقد أسن. والربعى: الذي يولد له في عنفوان شبابه؛ أخذ من ولد البقرة الربعي والصيفي.
ويقال للمرأة إذا تبنّت غير ولدها: ابنك من دمي عقبيك.
الرجل يؤتى من حيث أمن
قالوا: من مأمنه يؤتى الحذر.
وقال عدّي بن زيد العبادي:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري «1»
قال الأصمعي: هذا من أشرف أمثال العرب. يقول: إن كل من شرق بالماء لا مستغاث له.
وقال الآخر:
كنت من كربتي «2» أفرّ إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار
ومثله قول عباس بن الأحنف:
قلبي إلى ما ضرّني داع ... يهيج أحزاني وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوّي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي
وقال آخر:
(3/39)

من غصّ داوى بشرب الماء غصتّه ... فكيف يصنع من قد غص بالماء
الأمثال في مكارم الأخلاق
الحلم
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الحلم: إذا نزا «1» بك الشّرّ فاقعد. أي فاحلم ولا تسارع إليه.
ومنه قول الآخر: الحليم مطيّة الجهول.
وقولهم: لا ينتصف حليم من جاهل.
وقولهم: أخّر الشّرّ فإن شئت تعجّلته.
وقولهم في الحليم: إنه لواقع الطّير، ولساكن الرّيح.
وقولهم في الحلماء: كأنما على رءوسهم الطّير.
ومنه قولهم: ربما أسمع فأذر.
وقولهم: حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء.
العفو عند المقدرة
منه قولهم: ملكت فأسجح. وقد قالته عائشة رضوان الله عليها لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه يوم الجمل حين ظهر على الناس فدنا من هودجها وكلّمها فأجابته ملكت فأسجح. أي ظفرت فأحسن. فجهزها بأحسن الجهاز. وبعث معها أربعين امرأة- وقال بعضهم: سبعين- حتى قدمت المدينة.
ومنه قولهم: إن المقدرة تذهب الحفيظة.
وقولهم: إذا ارجحنّ شاصيا فارفع يدا. يقول: إذا رأيته قد خضع واستكان فاكفف عنه. والشاصي: الرافع رجله.
(3/40)

المساعدة وترك الخلاف
من ذلك قولهم إذا عز أخوك فهن.
وقولهم: لولا الوئام هلك اللّئام. الوئام: المباهاة. يقول: لولا المباهاة لم يفعل الناس خيرا.
مداراة الناس
قالوا: إذا لم تغلب فاخلب. يقول: إذا لم تغلب فاخدع ودار وألطف.
وقولهم: إلّا حظيّة فلا أليّة. معناه: إن لم يكن حظوة فلا تقصير. وألا يألوا، ويأتلي: أي يقصّر. ومنه قول الله عز وجل: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ
«1» .
وقولهم: سوء الاستمساك خير من حسن الصّرعة.
ومنه قول أبي الدرداء: إنّا لنبشّ في وجوه قوم وإنّ قلوبنا لتلعنهم.
ومنه قول رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «شرار النّاس من داراه الناس لشرّه» .
ومنه قول شبيب بن شيبة في خالد بن صفوان: ليس له صديق في السّرّ ولا عدو في العلانية. يريد أن الناس يدارونه لشرّه، وقلوب الناس تبغضه.
مفاكهة «2» الرجل أهله
منه قولهم: كلّ امريء في بيته صبي. يريد حسن الخلق والمفاكهة.
ومنه قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إنّا إذا خلونا قلنا.
ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «خياركم خيركم لأهله» .
ومنه قول معاوية: انهنّ يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام.
(3/41)

اكتساب الحمد واجتناب الذم
قالوا: الحمد مغنم والذّمّ مغرم.
وقولهم: إن قليل الذّمّ غير قليل.
وقولهم: إنّ خيرا من الخير فاعله، وإنّ شرا من الشرّ فاعله.
وقولهم:
الخير يبقى وإن طال الزّمان به ... والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد «1»
الصبر على المصائب
من ذلك قولهم:
هوّن عليك ولا تولع بإشفاق
وقولهم: من أراد طول البقاء فليوطّن «2» نفسه على المصائب.
وقولهم: المصيبة للصّابر واحدة وللجازع اثنتان.
وقال أكثم بن صيفي: حيلة من لا حيلة له الصّبر.
وذكروا عن بعض الحكماء أنه أصيب بابن له، فبكى حولا ثم سلا، فقيل له:
مالك لا تبكي؟ قال: كان جرحا فبريء.
قال أبو خراش الهذلي:
بلى إنها تعفو الكلوم «3» وإنما ... توكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
ومنه قولهم: لا تلهّف على ما فات.
الحض على الكرم
منه قولهم: اصطناع المعروف يقي مصارع السوء.
وقولهم: الجود محبّة والبخل مبغضة.
(3/42)

وقول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
الكريم لا يجد
منه قولهم: بيتي يبخل لا أنا.
وقولهم: بالساعد تبطش الكفّ.
وقولهم:
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد
وقال آخر:
يرى المرء أحيانا إذا قلّ ماله ... من الخير تارات ولا يستطيعها
متى ما يرمها قصّر الفقر كفّه ... فيضعف عنها والغنيّ يضيعها
القناعة والدعة
منه قولهم:
وحسبك من غنى شبع وريّ
وقولهم: يكفيك ما بلّغك المحلّ.
وقال الشاعر:
من شاء أن يكثر أو يقلّا ... يكفيه ما بلّغه المحلّا
الصبر على المكاره تحمده العواقب
قالوا: عواقب المكاره محمودة.
وقالوا: عند الصباح يحمد القوم السّرى «1» .
(3/43)

وقولهم: لا تدرك الراحة إلا بالتعب.
أخذه حبيب فقال:
على أنني لم أحو مالا مجمّعا ... ففزت به إلا بشمل مبدّد
ولم تعطني الأيام نوما مسكّنا ... ألذّ به إلا بنوم مشرّد
وأحسن منه قوله أيضا:
بصرت بالراحة العليا فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب
الانتفاع بالمال
قالوا: خير مالك ما نفعك، ولم يضع من مالك ما وعظك.
ونظر ابن عباس إلى درهم بيد رجل، فقال: إنه ليس لك حتى يخرج من يدك.
وقولهم: تقتير المرء على نفسه توفير منه على غيره.
قال الشاعر:
أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك
المتصافيان
منه قولهم: هما كندماني جذيمة.
قال الكلبي: هو جذيمة الأبرش الملك، ونديماه رجلان من بلقين يقال لهما: مالك، وعقيل. بلقين: يريد من بني القين.
وقولهم:
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
ومنه قولهم: هما أطول صحبة من ابني شمام. وهما جبلان.
خاصة الرجل
منه قولهم: عيبة الرجل. يريدون خاصته وموضع سره.
ومنه الحديث في خزاعة: كانوا عيبة رسول الله صلّى الله عليه وسلم. مؤمنهم وكافرهم.
(3/44)

من يكسب له غيره
منه قولهم: ليس عليك غزله فاسحب وجر.
وقولهم: ربّ ساع لقاعد.
وقولهم: خير المال عين ساهرة لعين نائمة.
المروءة مع الحاجة
منه قولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.
وقولهم: شرّ الفقر الخضوع، وخير الغنى القناعة.
ومنه الحديث المرفوع: «أجملوا في الطّلب» .
قال الشاعر:
فإذا افتقرت فلا تكن ... متخشّعا وتجمّل «1»
ومنه قول هدبة العذري:
ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتمنى الشر والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب
المال عند من لا يستحقه
منه قولهم: خرقاء وجدت صوفا. عبد ملك عبدا فأولاه تبّا» .
وقولهم: من يطل ذيله يتمنطق به. ومرعى ولا أكولة «3» . وعشب ولا بعير. يعني مال ولا منفق.
الحض على الكسب
منه قولهم: اطلب تظفر.
وقولهم: من عجز عن زاده اتّكل على زاد غيره.
(3/45)

وقولهم: من العجز نتجت الفاقة.
وقولهم: لا يفترس الليث الظبي وهو رابض.
وقول العامة: كلب طواف خير من أسد رابض.
وقولهم:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... يا سعد لا تروى على ذاك الإبل «1»
الخبير بالأمر البصير به
منه قولهم: على الخبير سقطت.
وقولهم: كفى قوما بصاحبهم خبيرا.
وقولهم: لكل أناس في جملهم خبر.
وقولهم: على يديّ دار الحديث.
وقولهم: تعلّمني بضبّ أنا حرشته «2» . يقول: أتخبرني بأمر أنا وليته.
وقولهم: ولّ القوس باريها.
وقولهم: الخيل أعلم بفرسانها.
وقولهم: كل قوم أعلم بصناعتهم.
وقولهم: قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها.
الاستخبار عن علم الشيء وتيقنه
من ذلك قولهم: ما وراءك يا عصام. أول من تكلم به النابغة الذبياني لعصام صاحب النعمان، وكان النعماني مريضا فكان إذا لقيه النابغة قال له: ما وراءك يا عصام؟
وقولهم:
سيأتيك بالاخبار من لم تزوّد
(3/46)

وقولهم: إليك يساق الحديث.
انتحال العلم بغير آلته
منه قولهم: لكالحادي وليس له بعير.
وقال الحطيئة:
لكالماشي وليس له حذاء
وقولهم: إنباض «1» بغير توتير «2» . وكقابض على الماء.
أخذه الشاعر فقال:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
وخرقاء ذات نيقة «3» . يضرب للرجل الجاهل بأمر يدّعي معرفته.
من يوصي غيره وينسى نفسه
يا طبيب طبّ لنفسك.
ومنه: لا تعظيني وتعظعظي «4» . أي: لا توصيني وأوصي نفسك.
الأخذ في الأمور بالاحتياط
منه قولهم: أن ترد الماء بماء أكيس.
وقول العامة: لا تصبّ ماء حتى تجد ماء.
وقولهم: عش ولا تغترّ. يقول: عش إبلك، ولا تغتر بما تقدم عليه.
ويروى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير أن رجلا أتاهم، فقال: كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع الإيمان تقصير. فكلهم قال: عش ولا تغترّ.
(3/47)

وقولهم: ليس بأوّل من غرّه السّراب.
وقولهم: اشتر لنفسك وللسّوق.
ومنه الحديث المرفوع عن الرجل الذي قال: أرسل ناقتي وأتوكل. قال: «اعقلها وتوكّل» .
الاستعداد للأمر قبل نزوله
منه قولهم: قبل الرمي يراش السهم.
وقولهم: قبل الرّماية تملأ الكنائن «1» .
وقولهم: خذ الأمر بقوابله. أي: باستقباله قبل أن يدبر.
وقولهم: شرّ الرّأي الدبريّ «2» .
وقولهم: المحاجزة قبل المناجزة.
وقولهم: التقدم قبل التندّم.
وقولهم: يا عاقد اذكر حلّا.
وقولهم: خير الأمور أحمدها مغبّة.
وقولهم: ليس للدهر بصاحب. من لم ينظر في العواقب.
طلب العافية بمسالمة الناس
قولهم: من سلك الجدد «3» أمن العثار. واحذر تسلم.
ومنه قولهم: جرّ له الخطير ما انجرّ لك. الخطير: زمام الناقة.
ومنه قولهم: لا تكن أدنى العيرين إلى السهم. يقول: لا تكن أدنى أصحابك إلى موضع التلف، وكن ناحية أو وسطا.
قال كعب: إنّ لكل قوم كلبا فلا تكن كلب أصحابك.
وتقول العامة: لا تكن لسان قوم.
(3/48)

توسط الأمور
من ذلك قولهم: لا تكن حلوا فتسترط، ولا مرا فتعقى. أي تلفظ. يقال: أعقي الشيء، إذا اشتدّت مرارته. قال الشاعر
ولا تك آنيا حلوا فتحسى ... ولا مرا فتنشب في الحلاق
وتقول العامة: لا تكن حلوا فتؤكل، ولا مرا فتلفظ. وتوسّط الأمور أدنى إلى السلامة.
ومنه قول مطرّف بن عبد الله بن الشخّير: الحسنة بين السيئتين. وخير الأمور أوساطها، وشرّ السير الحقحقة «1» . قوله: بين السيئتين؛ يريد بين المجاوزة والتقصير.
ومنه قولهم: بين الممخّة «2» والعجفاء، يريد بين السمين والمهزول.
ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خير الناس هذا النّمط الأوسط، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي.
الإنابة بعد الإجرام
منه قولهم: أقصر لمّا أبصر.
ومنه: أتبع السيئة الحسنة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والندم توبة، والاعتراف يهدم الاقتراف.
مدافعة الرجل عن نفسه
جاحس فلان عن خيط رقبته. وخيط الرقبة: النخاع، يقول: دافع عن دمه ومهجته.
وقالت العامة:
وأيّة نفس بعد نفسك تنفع
(3/49)

ومنه: أدفع عن نفسي إذا لم يكن عنها دافع.
قولهم في الانفراد
الذئب خاليا أسد، يقول: إذا وجدك خاليا اجترأ عليك.
ومنه الحديث المأثور: الوحيد شيطان.
وفي الحديث الآخر: عليكم بالجماعة: فإن الذئب إنما يصيب من الغنم الشاردة.
من ابتلى بشيء مرة مخافة أخرى
منه الحديث المرفوع: لا يلسع المؤمن من جحر مرتين. يريد أنه إذا لسع مرة تحفظ أخرى.
وقولهم: من لدغته الحية يفرق من الرّسن «1» .
وقولهم:
من يشتري سيفي وهذا أثره
يضرب هذا المثل للذي قد اختبر وجرّب.
وقولهم:
كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
الوقع: الذي يمشي في الوقع، وهي الحجارة. قال أعرابي:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
اتباع الهوى
قال ابن عباس: ما ذكر الله الهوى في شيء إلا ذمه.
قال الشّعبي: قيل له هوى؛ لأنه يهوى به.
(3/50)

ومن أمثالهم فيه: حبّك الشيء يعمي ويصم.
وقالوا: الهوى إله معبود.
الحذر من العطب
قالوا: إنّ السلامة منها ترك ما فيها.
وقولهم: أعور عينك والحجر.
وقولهم: الليل وأهضام الوادي. وأصله أن يسير الرجل ليلا في بطون الأودية.
حذّره ذلك.
وقولهم: دع خيرها لشرّها.
وقولهم: لا تراهن على الصّعبة.
وقولهم: أعذر من أنذر.
حسن التدبير والنهي عن الخرق
الرّفق يمن والخرق شؤم. وربّ أكلة تحرم أكلات.
وقولهم: قلب الأمر ظهرا لبطن.
وقولهم: ضرب وجه الأمر وعينه، وأجر الأمور على أذلالها. أي على وجوهها.
وقولهم: وجّه الحجر وجهة ما له.
وقولهم: ولي حارّها من ولي قارّها «1» .
المشورة
قالوا: أوّل الحزم المشورة.
ومنه لا يهلك امرؤ عن مشورة.
قال ابن المسيّب: ما استشرت في أمر واستخرت وأبالي على أيّ جنبيّ سقطت.
(3/51)

الجد في طلب الحاجة
أبل عذرا وخلاك ذمّ. يقول: إنما عليك أن تجتهد في الطلب وتعذر، لكيلا تذم فيها وإن لم تكن تقضى الحاجة.
ومنه:
هذا أوان الشّدّ فاشتدّي زيم «1»
وقولهم: درّب عليه جروتك. أي وطّن عليه نفسك.
ومنه اجمع عليه جراميزك «2» ، واشدد له حيازيمك «3» .
وقولهم: شمّر ذيلا، وادّرع ليلا.
ومنه: ايت به من حسّك وبسّك «4» .
ومنه قول العامة: جيء به من حيث أيس وليس. والأيس: الموجود. والليس:
المعدوم.
التأني في الأمر
من ذلك قولهم: ربّ عجلة تعقب ريثا.
وقولهم: المنبتّ «5» لا أرضا قطع ولا ظهرا «6» أبقى.
وقال القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
ومنه: ضحّ رويدا. أي لا تعجل. والرّشف أنقع. أي أروى يقال: شرب حتى نقع.
ومنه: لا يرسل السّاق إلا ممسكا ساقا.
(3/52)

سوء الجوار
ومنه قولهم: لا ينفعك من جار سوء توقّ، والجار السوء قطعة من نار.
ومنه: هذا أحقّ منزل بترك.
ومنه قولهم: الجار قبل الدار، الرفيق قبل الطريق.
ومنه قولهم: بعت جاري ولم أبع داري. يقول: كنت راغبا في الدار، إلا أني بعتها بسبب الجار السوء.
سوء المرافقة
أنت تئق وأنا مئق فمتى نتّفق. التئق: السريع الشر. والمئق: السريع البكاء؛ وقال:
الممتلىء من الغضب. والتئق والمئق مهموزان.
وقولهم: ما يجمع بين الأروى «1» والنّعام. يريد أن مسكن الأروى الجبل ومسكن النعام الرمل. والأروى، جمع أرويّة.
ومنه: لا يجتمع السّيفان في غمد.
ومنه: لا يلطاط هذا بصفري. أي لا يلصق بقلبي.
العادة
قالوا: العادة أملك من الأدب.
وقالوا: عادة السّوء شرّ من المغرم.
وقالوا: أعط العبد ذراعا يطلب باعا.
ترك العادة والرجوع إليها
منه قولهم: عاد فلان في حافرته. أي في طريقته. ومنه قوله تعالى: أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ
«2» . ومنه: رجع فلان على قروائه «3» . ومنه الحديث: «لا ترجع هذه الأمّة عن قروائها» .
(3/53)

اشتغال الرجل بما يعنيه
منه: كلّ امريء في شأنه ساع.
وقولهم: همّك ما أهمّك. همّك ما أدأنك.
وقولهم: ولي حارّها من تولّى قارّها.
قلة الاكتراث
منه قولهم: ما أباليه بالة، اسمح يسمح لك.
وسئل ابن عباس عن الوضوء من اللبن؟ فقال: ما أباليه بالة.
وقولهم: الكلاب على البقر. يقول: خلّ الكلاب وبقر الوحش.
قلة اهتمام الرجل بصاحبه
هان على الأملس «1» ما لاقى الدّبر «2» .
وقولهم: ما يلقى الشّجيّ من الخليّ. قال أبو زيد. الشجي مخفف، والخلى: مشدد.
ومنه قول العامة: هان على الصّحيح أن يقول للمريض: لا بأس عليك.
الجشع والطمع
منه قولهم: تقطّع أعناق الرّجال المطامع.
ومنه قولهم: غثّك خير لك من سمين غيرك.
وقولهم: المسألة. خموش «3» في وجه صاحبها.
وقال أبو الأسود في رجل دنيء: إذا سئل أرز «4» وإذا دعي انتهز.
ومنه قول عون بن عبد الله: إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف.
(3/54)

الشره للطعام
منه قولهم: وحمى ولا حبل. أي لا يذكر شيء إلا اشتهاه، كشهوة الحبلى وهي الوحمى.
ومنه: المرء توّاق إلى ما لم ينل.
وقولهم: يبعث الكلاب على مرابضها. أي يطردها طمعا أن يجد شيئا يأكله من تحتها.
ومنه قولهم: أراد أن يأكل بيدين.
ومنه الحديث المرفوع: «الرّغبة شؤم» .
الغلط في القياس
مثل قولهم: ليس قطا مثل قطيّ. «1»
وقال ابن الأسلت:
ليس قطا مثل قطيّ ولا ... المرعيّ في الأقوام كالراعي
ومنه قولهم: مذكّية تقاس بالجذاع. يضرب لمن يقيس الكبير بالصغير والمذكية هي المسنة من الخيل.
وضع الشيء في غير موضعه
منه: كمستبضع «2» التّمر إلى هجر، وهجر: معدن التمر.
قال الشاعر:
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبر
ومنه قولهم: كمعلّمة أمها الرّضاعا.
ومنه الحديث المرفوع: «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» .
(3/55)

وفيمن وضع الشيء في غير موضعه: ظلم من استرعى الذّئب الغنم.
وقال ابن هرمة:
كتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا
يصف النعامة التي تحضن بيض غيرها وتضيع بيضها.
كفران النعمة
منه: سمّن كلبك يأكلك. أحشّك وتروثني. قال في مخاطبة فرسه: أأعلفك الحشيش وتروثي عليّ.
ومنه قول الآخر:
أعلّمه الرّماية كلّ يوم ... فلما اشتدّ ساعده رماني.
التبذير
منه قولهم: لا ماءك أبقيت، ولا درنك أنقيت «1» .
وقولهم: لا أبوك نشر ولا التّراب نفذ. أصل هذا المثل لرجل قال: ليتني أعرف قبر أبي حتى آخذ من ترابه على رأسي.
التهمة
منه قولهم: عسى الغوير أبؤسا. والأبؤس جمع بأس، قال ابن الكلبي: الغوير؛ ماء معروف لكلب. وهذا مثل تكلمت به الزباء، وذلك أنها وجهت قصيرا للخمي بالعير ليجلب لها من بزّ العراق، وكان يطلبها بدم جذيمة الأبرش، فجعل الأحمال صناديق، وجعل في كل صندوق رجلا معه السلاح، ثم تنكب بهم الطريق وأخذ على الغوير فسألت عن خبره، فأخبرت بذلك، فقالت: عسى الغوير أبؤسا. تقول عسى أن يأتي الغوير بشر، واستنكرت أخذه على غير الطريق ومنه: سقطت به النّصيحة على الظّنّة، أي نصحته فاتهمك.
ومنه: لا تنقش «2» الشّوكة بمثلها، فإن ضلعها معها. يقول: لا تستعن في حاجتك
(3/56)

بمن هو للمطلوب منه الحاجة أنصح منه لك.
تأخير الشيء وقت الحاجة إليه
منه: لا عطر بعد عروس، وأصل هذا أن عروسا أهديت فوجدها الرجل نفلة»
، فقال لها: أين الطيب؟ قالت: ادخرته. قال: لا عطر بعد عروس.
وقولهم: لا بقاء للحميّة بعد الحرمة؛ يقول: إنما يحمي الإنسان حريمه، فإذا ذهب فلا حمية له.
الإساءة قبل الإحسان
منه: يسبق درّته غراره؛ الغرار: قلة اللبن. والدرة: كثرته. ويسبق سيله مطره.
البخل
ما عنده خير ولا مير «2» . سواء هو والعدم. والعدم والعدم، لغتان.
ما بضّ حجره. والبض أقل السيلان.
ما تبل إحدى يديه الأخرى.
الجبن
إنّ الجبان حتفه من فوقه، ومثله في القرآن: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
«3» .
ومنه: كلّ أزب «4» نفور. وقفّ شعره. واقشعرّت ذؤابته. معناه: قام شعره من الفرع.
وشرق بريقه.
الجبان يواعد بما لا يفعل
الصّدق ينبي عنك لا الوعيد. ينبي: يدفع عنك من ينبو.
ومنه: أوسعتهم شتما وأودوا بالإبل.
(3/57)

وقيل لأعرابي خاصم امرأته إلى السلطان: كبّها الله لوجهها. فقال: ولو أمر بي إلى السّجن.
الاستغناء بالحاضر عن الغائب
قولهم: إن ذهب عير «1» فعير في الرّباط «2» .
ومنه:
إذا غاب منها كوكب لاح كوكب
وقولهم: رأس برأس وزيادة خمسمائة، قالها الفرزدق في رجل كان في جيش، فقال: من جاء برأس فله خمسمائة درهم: فبرز رجل وقتل رجلا من العدو، فأعطاه خمسمائة درهم؛ ثم برز ثانية، فقتل، فبكى عليه أهله، فقال لهم الفرزدق: أما ترضون رأسا برأس وزيادة خمسمائة؟
المقادير
منه قولهم: المقادير تريك ما لا يخطر ببالك.
وقولهم: إذا نزل القدر غشّى البصر. وإذا نزل الحين غطّى العين. ولا يغني حذر من قدر. من مأمنه يؤتى الحذر.
وقولهم: وكيف توقّى ظهر ما أنت راكبه.
الرجل يأتي إلى حتفه
منه قولهم: أتتك بحائن رجلاه. لا تكن كالباحث عن المدية.
وقولهم: حتفها تحمل ضأن بأظلافها.
(3/58)

ما يقال للجاني على نفسه
يداك أوكتا وفوك نفخ. وأصله أن رجلا نفخ زقّا وركبه في النهر، فانحل الوكاء وخرجت الريح وغرق الرجل. فاستغاث بأعرابي على ضفة النهر، فقال: يداك أوكتا وفوك نفخ.
جالب الشر إلى أهله
منه قولهم: دلّت على أهلها براقش. وبراقش كلبة لحي من العرب مرّ بهم جيش ليلا ولم ينتبهوا لهم، فنبحت براقش فدلت عليهم.
وقالوا: كانت عليهم كراغبة البكر. يعنون ناقة ثمود.
وقال الأخطل:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حيّة البحر
تصرف الدهر
منه قولهم: مرة عيش ومرّة جيش.
ومنه: اليوم خمر وغدا أمر: قاله امرؤ القيس، أو مهلهل أخو كليب، لما أتاه موت أخيه وهو يشرب.
وقالوا: عش رجبا تر عجبا.
وقالوا: أتى الأبد على لبد «1» .
وقال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسرّ
وقولهم: من يجتمع تتقعقع عمده. وأنشد:
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك رهنا للحوادث يغلق
(3/59)

الأمر الشديد المعضل
منه قولهم: أظلم عليه يومه، وأين يضع المخنوق يده.
ومنه قولهم: لو كان ذا حيلة لتحوّل.
ومنه قولهم: رأى الكوكب ظهرا. قال طرفة:
وتريه النّجم يهوي بالظّهر
هلاك القوم
منه قولهم: طارت بهم العنقاء. وطارت بهم عقاب ملاع. يقال ذلك في الواحد والجمع. وأحسبها معدولة عن مليع «1» .
والمنايا على الحوايا. قال أبو عبيد: يقال إن الحوايا في هذا الموضع مركب من مراكب النساء، واحدتها حويّة، وأحسب أصلها أنّ قوما قتلوا، فحملوا على الحوايا، فظنّ الراءون أنّ فيها نساء، فلما كشفوا عنها أبصروا القتلى، فقالوا ذلك؛ فصارت مثلا.
ومنه: أتتهم الدّهيم ترمي بالرّضف «2» . معناه الداهية العظيمة.
وهذا أمر لا ينادى وليده. معناه أن الأمر اشتد حتى ذهلت المرأة أن تدعو وليدها.
ومنه: التقت حلقتا البطان «3» . وبلغ السيل الزّبى. وجاوز الحزام الطببين.
وتقول العامة: بلغ السّكّين العظم.
إصلاح ما لا صلاح له
منه قولهم:
كدابغة وقد حلم الأديم
(3/60)

حلم: فسد. وكتب الوليد بن عقبة إلى معاوية بهذا البيت:
فإنك والكتاب إلى عليّ ... كدابغة وقد حلم الأديم
في شعر له.
صفة العدوّ
يقال في العدوّ: هو أزرق العين. وإن لم يكن أزرق. وهو أسود الكبد. وأصهب السّبال «1» .
البخيل يعتل بالعسر
منه قولهم: قبل البكاء كان وجهك عابسا.
ومنه: قبل النفاس كنت مصفرّة.
اغتنام ما يعطي البخيل وإن قل
منه: خذ من الرّضفة «2» ما عليها. وخذ من جذع ما أعطاك.
قال ابن الكلبي: وأصل هذا المثل أنّ غسان كانت تؤدّي إلى ملوك سليح دينارين كل سنة عن كل رجل، وكان الذي يلي ذلك سبطة بن المنذر السّليحي. فجاء سبطة إلى جذع بن عمرو الغّساني يسأله الدينارين. فدخل جذع منزله واشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب به سبطة حتى سكت، ثم قال له: خذ من جذع ما أعطاك! فامتنعت غسّان من الدينارين بعد ذلك، وصار الملك لها حتى أتى الإسلام.
البخيل يمنع غيره ويجود على نفسه
منه قولهم: سمنكم هريق في أديمكم.
ومنه: يا مهدي المال كل ما أهديت.
(3/61)

ومنه قول العامة: الحمار جلبه والجمار أكله.
موت البخيل وماله وافر
منه: مات فلان عريض البطان «1» . ومات ببطنته لم يتغضغض منها شيء.
والتغضغض: النقصان.
البخيل يعطي مرة
منه قولهم: ما كانت عطيّته إلا بيضة العقر. وهي بيضة الديك.
قال الزبيري: الدّيك ربما باض بيضة.
وأنشد لبشار:
قد زرتني زورة في الدهر واحدة ... ثنّي ولا تجعليها بيضة الدّيك
ومنه قول الشاعر:
لا تعجبنّ لخير زل من يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
ومنه قولهم: من الخواطىء سهم صائب.
والليل طويل وأنت مقمر. وأصل هذا أنّ سليك بن سلكة، كان نائما مشتملا، فجثم رجل على صدره. وقال له: استأسر. فقال له: الليل طويل وأنت مقمر. ثم قال له: استأسر يا خبيث. فضمه ضمة ضرط منها، فقال له: أضرطا وأنت الأعلى.
فذهبت أيضا مثلا.
طلب الحاجة المتعذّرة
منه قولهم: تسألني برامتين «2» سلجما. وأصله أن امرأة تشهّت على زوجها سلجما وهو ببلد قفر، فقال هذه المقالة؛ والسلجم: اللفت.
(3/62)

ومنه: شر ما نال امرؤ ما لم ينل.
ومنه: السائل فوق حقّه مستحقّ الحرمان.
ومنه قولهم:
إنك إن كلّفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرّك مني من خلق
الرضا بالبعض دون الكل
منه: قد يركب الصّعب من لا ذلول له.
وقولهم: خذ من جذع ما أعطاك.
وقولهم: خذ ما طفّ لك. أي ارض بما أمكنك.
ومنه قولهم: زوج من عود خير من قعود.
وقولهم: ليس الرّيّ [عن] التّشافّ. أي ليس يروي الشارب بشرب الشفافة كلها، وهي بقية الماء في الإناء، ولكنه يروي قبل بلوغ ذلك.
وقولهم: لم يحرم من فصد له. ومعناه أنهم كانوا إذا لم يقدروا على قرى الضيف فصدوا له بعيرا وعالجوا دمه بشيء حتى يمكن أن يأكله.
ومنه قول العامة: إذا لم يكن شحم فنفس. أصل هذا أن امرأة لبست ثيابا، ثم مشت وأظهرت البهر في مشيتها بارتفاع نفسها، فلقيها رجل، فقال لها: إني أعرفك مهزولة، فمن أين هذا النفس؟ قالت: إن لم يكن شحم فنفس، وقال ابن هانىء:
قال لي: ترضى بوعد كاذب ... قلت إن لم يك شحم فنفس
التنوّق في الحاجة
منه قولهم: فعلت فيها فعل من طبّ لمن حبّ.
ومنه قولهم: جاء تضبّ لثاته على الحاجة. معناه لشدة حرصه عليها.
وقال بشر بن أبي حازم:
(3/63)

خيل تضبّ لثاتها للمغنم «1»
استتمام الحاجة
أتبع الفرس لجامها. يريد أنك قد جدت بالفرس واللجام أيسر خطبا. فأتمّ الحاجة.
ومنه: تمام الرّبيع الصّيف. وأصله في المطر؛ فالربيع أوله، والصيف آخره.
المصانعة في الحاجة
من يطلب الحسناء يعط مهرها.
وقولهم: المصانعة تيسّر الحاجة، ومن اشترى فقد اشتوى. يقول: من اشترى لحما فقد أكل شواء.
تعجيل الحاجة
قولهم: السّراج من النّجاح، والنّفس مولعة بحبّ العاجل.
الحاجة تمكن من وجهين
منه قولهم: كلا جانبي هرشى لهنّ طريق. هرشى: عقبة.
ومنه: هو على حبل ذراعك. أي لا يخالفك.
من منع حاجة فطلب أخرى
منه قولهم: إلّاده فلاده. قال ابن الكلبي: معناه أنّ كاهنا تقاضى إليه رجلان من العرب. فقالا: أخبرنا في أي شيء جئناك؟ قال: في كذا وكذا. قالا: إلّاده. أي انظر غير هذا النظر. قال: إلّاده فلاده. ثم أخبرهما بها. قال الأصمعي: معناه إن لم يكن هذا الآن فلا يكون بعد الآن.
(3/64)

الحاجة يحول دونها حائل
منه قولهم: قد علقت دلوك دلو أخرى.
وقولهم: الأمر يحدث دونه الأمر.
وقولهم: أخلف رويعيا «1» مظنّه «2» . وأصله أن راعيا اعتاد مكانا، فجاء يرعاه، فوجده قد تغير وحال عن عهده.
ومنه قولهم: سدّ ابن بيض الطريق سدّا. وابن بيض: رجل عقر ناقة في رأس ثنية فسدّ بها الطريق.
اليأس والخيبة
منه قولهم: من لي بالسانح بعد البارح. أي من لي باليمن بعد الشؤم.
وقولهم: جاء بخفّي حنين. وقد فسرناه في الكتاب الذي قبل هذا.
ومنه: أطال الغيبة وجاء بالخيبة.
ونظير هذا قولهم: سكت ألفا ونطق خلفا. أي أطال السكوت وتكلم بالقبيح، وهذا المثل يقع في باب العيّ، وله هاهنا وجه أيضا.
وقال الشاعر:
وما زلت أقطع عرض البلاد ... من المشرقين إلى المغربين
وأدّرع الخوف تحت الدّجى ... وأستصحب النّسر والفرقدين «3»
وأطوي وأنشر ثوب الهموم ... إلى أن رجعت بخفّي حنين
طلب الحاجة في غير موضعها
قالوا: لم أجد لشفرتي محزا «4» .
وقولهم: كدمت غير مكدم «5» .
(3/65)

وقولهم: نفخت لو تنفخ في فحم.
وقالت العامة: يضرب في حديد بارد.
طلب الحاجة بعد فوتها
منه قولهم: لا تطلب أثرا بعد عين.
وقولهم: الصّيف ضيّعت الّلبن. معناه أن الرجل إذا لم يطرق ماشيته في الصيف كان مضيّعا لألبانها عند الحاجة.
الرضا من الحاجة بتركها
منه قولهم: من نجا برأسه فقد ربح.
وقولهم:
رضيت من الغنيمة بالإياب «1»
وقول العامة: الهزيمة مع السّلامة غنيمة.
وقال امرؤ القيس:
وقد طوّفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
وقال آخر:
الليل داج والكباش تنتطح ... فمن نجا برأسه فقد ربح
من طلب الزيادة فانتقص
منه: كطالب القرن [جدعت] أذنه.
وقولهم: كطالب الصّيد في عرّيسة «2» الأسد.
وقولهم: سقط العشاء بها على سرحان. يريد دابة خرجت تطلب العشاء فصادفت ذئبا.
(3/66)

ونظير هذا من قولنا:
طلبت بك التّكثير فازددت قلّة ... وقد يخسر الإنسان في طلب الرّبح
الخلاء بالحاجة
منه قولهم:
خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ومنه: رمي بريشك على غاربك. وهذا المثل قالته عائشة لابن أخت ميمونة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم: ذهبت والله ميمونة ورمي بريشك على غارك.
إرسالك في الحاجة من تثق به
أرسل حكيما ولا توصه
وقولهم: الحريص يصيد لك لا الجواد. يقول: إن الذي يحرص بحاجتك هو الذي يقوم بها، لا القويّ عليها ولا هوى له فيها.
ومنه: لا يرحّلنّ رحلك من ليس معك.
ومنه في هذا المعنى: الحاجة يجعلها نصب عينيه، ويحملها بين أذنه وعاتقه ولم يجعلها بظهر.
قضاء الحاجة قبل السؤال
منه قولهم: لا تسأل الصّارخ وانظر ماله. يريد: لم يأتك مستصرخا إلا من ذعر أصابه، فأغثه قبل أن يسألك.
ومنه: كفى برغائها مناديا.
ومنه يخبر عن مجهوله معلومه.
وقولهم: في عينه فراره «1» . يعنون في نظرك إلى الفرس ما يغنيك عن أن تفرّه.
(3/67)

الانصراف بحاجة تامة مقضية
جاء فلان ثانيا من عنانه. فإن جاء بغير قضاء حاجة، قالوا: جاء يضرب أصدريه، أي عطفيه.
وجاء وقد لفظ لجامه. وجاء سبهللا «1» .
فإن جاء بعد شدة قيل: جاء بعد اللتيّا والتي. وجاء بعد الهياط المياط «2» .
تجديد الحزن بعد أن يبكي منه
منه قولك: حرّك لها حوارها تحنّ. وهذا المثل يروى عن عمرو بن العاص أنه قال لمعاوية حين أراد أن يستنصر أهل الشام: أخرج إليهم قميص عثمان رضوان الله عليه الذي قتل فيه. ففعل ذلك معاوية. فأقبلوا يبكون. فعندها قال عمرو: حرّك لها حوارها «3» تحنّ.
جامع أمثال الظلم
منه قولهم: الظّلم مرتعه وخيم.
وفي الحديث: «الظّلم ظلمات يوم القيامة» .
ومنه: إنّك لا تجني من الشّوك العنب.
وقولهم: الحرب غشوم.
الظلم من نوعين
منه: أحشفا وسوء كيلة.
ومنه: أغدّة كغدّة البعير، وموت في بيت سلوليّة.
وهذا المثل لعامر بن الطفيل حين أصابه الطاعون في انصرافه عن النبي صلّى الله عليه وسلم، فلجأ إلى امرأة من سلول فهلك عندها.
(3/68)

ومنه: أغيرة وجبنا. قالته امرأة من العرب لزوجها تعيّره حين تخلّف عن عدوّه في منزله، ورآها تنظر إلى القتال فضربها. فقالت: أغيرة وجبنا؟
وقولهم: أكسفا وإمساكا. أصله الرجل يلقاك بعبوس وكلوح مع بخل ومنع.
وقولهم: يا عبرى «1» مقبلة وسهرى «2» مدبرة. يضرب للأمر الذي يكره من وجهين.
ومنه قول العامة:
كالمستغيث من الرّمضاء بالنار
وقولهم: للموت يفزع وللموت بدر.
وقولهم: كالأشقر «3» : إن تقدّم نحر، وإن تأخّر عقر.
وقولهم: كالأرقم «4» إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم. يقول: إن قتلته كان له من ينتقم له منك، وإن تركته قتلك.
ومنه: هو بين حاذف وقاذف. الحاذف: الضارب بالعصا، والقاذف: الرامي بالحجر.
من يزاد غما على غمه
منه قولهم: ضغث على إبّالة. الضغث: الحزمة الصغيرة من الحطب، والإبالة:
الكبيرة.
ومنه قولهم: كفت إلى وئيّة. الكفت القدر الصغيرة، والوئيّة: القدر الكبيرة.
يضرب للرجل يحمل البلية الكبيرة ثم يزيد إليها أخرى صغيرة.
ومنه قولهم: وقعوا في أمّ جندب، إذا ظلموا.
المغبون في تجارته
منه قولهم: صفقة لم يشهدها حاطب. وأصله أن بعض أهل حاطب باع بيعة غبن بها.
(3/69)

ومنه قولهم: أعطاه اللّفاء «1» غير الوفاء.
سرعة الملامة
منه: ليس من العدل سرعة العذل.
ومنه: ربّ ملوم لا ذنب له.
وقولهم: الشّعير يؤكل ويذمّ.
وقول العامة: أكلا وذمّا.
وقول الحجاج: قبّح والله منّا الحسن.
الكريم يهتضمه اللئيم
لو ذات سوار «2» لطمتني.
ومنه: ذلّ لو أجد ناصرا.
الانتصار من الظلم
هذه بتلك، والبادي أظلم.
ومنه: من لم يذد عن حوضه يهدّم.
الظلم ترجع عاقبته على صاحبه
قالوا: من حفر مغوّاة وقع فيها. والمغواة: البئر تحفر للذئاب، ويجعل فيها جدي ليسقط الذئب فيها ليصيده، فيصطاد.
ومنه: يعدو على كلّ امريء ما يأتمر.
ومنه: عاد الرّمي على النّزعة. وهم الرماة يرجع عليهم رميهم.
وتقول العامة: كالباحث عن المدية.
ومنه قولهم: رمي بحجره، وقتل بسلاحه.
(3/70)

المضطر إلى القتال
مكره أخوك لا بطل.
قد يحمل العير من ذعر على الأسد
المأخوذ بذنب غيره
جانيك من يجني عليك.
ومنه: كذي»
العرّ يكوى غيره وهو راتع ومنه: كالثّور يضرب لمّا عافت البقر.
يعني: عافت الماء.
وقال أنس بن مدرك:
إني وقتلى سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر «2»
يعني ثور الماء. وهو ثورانه، يقال: ثار الماء ثورا وثورانا.
ومنه قولهم: كلّ شاة برجلها تناط «3» . يريد: لا يؤخذ رجل بغير ذنبه.
المتبرىء من الشيء
ما هو من ليله ولا سمره. ما هو من بزّي ولا من عطري. مالي فيه ناقة ولا جمل.
ومنه قولهم: برئت منه إلى الله.
ومنه: لست منك ولست مني. وما أنا من دد ولا الدّد «4» منّي.
(3/71)

سوء معاشرة الناس
قالوا: الناس شجرة بغي. لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة. ورضا الناس غاية لا تدرك.
ومنه الحديث المرفوع: «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة» .
ومنه قولهم: الناس يعيّرون ولا يغفرون، والله يغفر ولا يعيّر.
وقال مالك بن دينار: من عرف نفسه لم يضره قول الناس فيه.
وقول أبي الدرداء: إن قارضت الناس قارضوك، وإن تركتهم لم يتركوك.
الجبان وما يذم من أخلاقه
منه قولهم: إنّ الجبان حتفه من فوقه. وهو قول عمر بن مامة:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه
قال أبو عبيد: أحسبه أراد أن حذره وتوقّيه ليس بدافع عنه المنيّة. وهذا غلط من أبي عبيد عندي، والمعنى فيه أنه وصف نفسه بالجبن، وأنه وجد الموت قبل يذوقه، وهذا من الجبن، ثم قال: إنّ الجبان حتفه من فوقه يريد أنه نظر إلى منيته كأنما تحوم على رأسه.
كما قال تبارك وتعالى في المنافقين إذ وصفهم بالجبن: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
«1» .
وقال جرير للأخطل يعيّره إيقاع قيس بهم:
حملت عليك رجال قيس خيلها ... شعثا عوابس تحمل الأبطالا
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكر عليكم ورجالا
ولو كان الأمر كما ذهب إليه أبو عبيد ما كان معناه يدخل في هذا الباب؛ لأنه باب الجبان وما يذم من أخلاقه، وليس الأخذ في الحذر من الجبن في شيء، لأن أخذ
(3/72)

الحذر محمود وقد أمر الله به، والجبن مذموم من كل وجه.
ومنه الشعر الذي تمثّل به سعد بن معاذ يوم الخندق:
لبّث قليلا يدرك الهيجا جمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل
ومنه قولهم: كلّ أزبّ نفور. وإنما يقال في الأزبّ من الإبل لكثرة شعره، ويكون ذلك في عينيه، فكلما رآه ظنّ أنه شخص يطلبه فينفر من أجله.
ومنه قولهم: بصبصن «1» إذ حدين بالأذناب.
ومنه قولهم:
دردب «2» لمّا عضّه الثقاف «3»
وقولهم: حال الجريض «4» دون القريض. وهذا المثل لعبيد بن الأبرص، قاله للنعمان بن المنذر بن ماء السماء حين أراد قتله فقال له: أنشدني شعرك.
أقفر من أهله ملحوب «5»
فقال عبيد: حال الجريض دون القريض.
ومنه: قفّ شعره، واقشعرّت ذؤابته. معناه قام شعره من الفزع.
إفلات الجبان بعد إشفائه
منه قولهم: أفلت وانحصّ «6» الذّنب.
ومنه: أفلت وله حصاص «7» .
ويروى في الحديث: «إن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص» .
ومنه أفلتني جريعة الذّقن. إذا كان منه قريبا كقرب الجرعة من الذقن، ثم أفلته.
(3/73)

ومنه قول العامة: إن يفلّت الطير فقد ذرق «1» .
وقولهم: أفلت وقد بلّ النّيفق «2» . الذي تسميه العامة: النّيفق.
الجبان يتهدد غيره
منه قولهم: جاء فلان ينفض مذرويه. أي يتوعد ويتهدّد. والمذروان: فرعا الأليتين. ولا يكاد يقال هذا إلا لمن يتهدد بلا حقيقة.
ومنه: أبرق لمن لا يعرفك. واقصد بذرعك. ولا تبق إلا على نفسك.
تصرف الدهر
منه: من يجتمع تتقعقع «3» عمده. أي أن الاجتماع داعية الافتراق.
ومنه: كل ذات بعل ستئيم «4» .
ومنه البيت السائر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
ومنه: لم يفت من لم يمت.
الاستدلال بالنظر عن الضمير
منه قولهم: شاهد البغض اللحظ. وجلّى محبّ نظره.
قال زهير:
فإن تك في صديق أو عدوّ ... نخّبرك العيون عن الضمير
وقال ابن أبي حازم:
خذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا
(3/74)

عين من لا يحبّ وص ... لك تبدي لك الجفا
نفي المال عن الرجل
منه قولهم: ماله سعنة «1» ولا معنة «2» . معناه لا شيء له.
ومنه: ماله هلع ولا هلّعة. وهما الجدي والعناق «3» .
ومنه: ماله هارب ولا قارب، معناه ليس له أحد يهرب منه، ولا أحد يقرب إليه؛ فليس له شيء.
وقولهم: ماله عافطة ولا نافطة؛ وهما الضائنة والماعزة. وما به نبض ولا حبض.
قال الأصمعي: النبض: المتحرك، ولا أعرف الحبض.
وقال غيره: النبض والحبض في الوتر، والنبض: تحرك الوتر، والحبض: صوته.
قال:
والنبل يهوى نبضا وحبضا
ومنه قولهم: ماله سبد ولا لبد. هما الشعر والصوف.
ولم يعرف الأصمعي السّعنة والمعنة.
إذا لم يكن في الدار أحد
منه قولهم: ما بالدار شفر «4» ؛ ولا بها دعوي؛ ولا بها دبّي. معناه ما بها من يدعو ومن يدب، وما بها من غريب. ولا بها دوري ولا طوري؛ وما بها وابر، وما بها صافر، ولا بها ديّار، وما بها نافخ ضرمة «5» ، وما بها أرم. معنى هذا كله ما بها أحد، ولا يقال منها شيء في الإثبات والإيجاب، وإنما يقولونها في النفي والجحد.
(3/75)

اللقاء وأوقاته
ومنه: لقيت فلانا أوّل عين. يعني أوّل شيء.
وقال أبو زيد: لقيته أوّل عائنة. ولقيته أوّل وهلة. ولقيته أوّل ذات يدين. ولقيته أوّل صوك وأول بوك «1» . فإن لقيته فجأة من غير أن تريده، قلت: لقيته نقابا؛ ولقيته التقاطا، إذا لقيته من غير طلب. وقال الراجز:
ومنهل وردته التقاطا
وإن لقيته مواجهة قلت: لقيته صفاحا. ولقيته كفاحا. ولقيته كفّة كفّة.
قال أبو زيد: فإن عرض لك من غير أن تذكره قلت: رفع رفعا؛ وأشبّ لي إشبابا. فإن لقيته وليس بينك وبينه أحد، قلت: لقيته صحرة بحرة. وهي غير مجراة. فإن لقيته في مكان قفر لا أنيس به قلت: لقيته صحرة بحرة أصمت، غير مجرى أيضا. ولقيته بين سمع الأرض وبصرها. فإن لقيته قبل الفجر قلت: لقيته قبل [كلّ] صبح ونفر. النفر: التفرق. وإن لقيته بالهاجرة قلت: لقيته صكة عميّ.
وصكة «2» أعمى.
قال رؤبة يصف الفلاة إذا لمعت بالسراب في الهاجرة:
شبيهة بسهم قوس لمعا ... صكّ عمي زاجرا قد برعا «3»
فإن لقيته في اليومين والثلاثة قلت: لقيته في الفرط. ولا يكون الفرط في أكثر من خمس عشرة ليلة. فإن لقيته بعد شهر ونحوه، قلت: لقيته في عفر. فإن لقيته بعد الحول ونحوه قلت: لقيته عن هجر. فإن لقيته بعد أعوام قلت: لقيته ذات العويم.
فإن لقيته في الزمان قلت: لقيته ذات الزّمين. والغب في الزيارة، وهو الإبطاء فيها.
والاعتمار في الزيارة. وهو التردّد فيها.
(3/76)

في ترك الزيارة
منه قولهم: لا آتيك ما حنت النّيب. وما أطت «1» الإبل. وما اختلف الدرّة والجرّة.
وما اختلف الملوان. وما اختلف الجديدان. ولا آتيك السّمر والقمر وأبد الأبد.
ويقال: أبد الآبدين. ودهر الداهرين. وحتى يرجع السّهم إلى فوقه «2» . وحتى يرجع اللبن في الضّرع. ولا آتيك سنّ الحسل.
تفسيره: النيب: جمع ناب، وهي المسنة من الإبل. والدرة: الحلبة من اللبن.
والجرة: من اجترار البعير. والملوان والجديدان: الليل والنهار. والحسل: هو ولد الضب. يقول: حتى تسقط أسنانه، ولا تسقط أبدا حتى يموت.
استجهال الرجل ونفي العلم عنه
منه قولهم: ما يعرف الحوّ من اللوّ. وما يعرف الحيّ «3» من الّليّ «4» . ولا هريرا «5» من غرير «6» . ولا قبيلا من دبير. وما يعرف أيّ طرفيه أطول وأكبر. وما يعرف هرّا من برّ، أي ما يعرف من يهرّه ممن يبّره. والقبيل: ما أقبلت به من فتل الحبل، والدبير:
ما أدبرت به منه، وأي طرفه أطول: أنسب أبيه أم نسب أمه.
أمثال مستعملة في الشعر
قال الأصمعي: لم أجد في شعر شاعر بيتا أوّله مثل وآخره مثل إلا ثلاثة ابيات:
منها بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وبيتان لامرىء القيس:
(3/77)

وأفلتهنّ علباء جريضا «1» ... ولو أدركنه صفر الوطاب
وقاهم جدّهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
ومثل هذا كثير في القديم والحديث، ولا أدري كيف أغفل القديم منه الأصمعي.
فمنه قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وفي هذا مثلان من أشرف الأمثال. ويقال إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سمع هذا البيت، فقال: «إن معناه من كلام النبوّة» ؛ ومن ذلك قول الآخر:
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد
ومن ذلك قول الحسن بن هانيء:
أيها المنتاب عن عقره ... لست من ليلي ولا سمره
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المرّ من ثمره
إن العرب تقول: انتاب فلان عن عقره: أي تباعد عن أصله. لست من ليلي ولا سمره: مثل ثان، وليس في البيت الثاني إلا مثل واحد.
ومن قولنا في بيت أوّله مثل وآخره مثل:
قد صرّح الأعداء بالبين ... وأشرق الصبح لذي العين
وبعده أبيات في كل بيت منها مثل، وذلك قولنا:
وعاد من أهواه بعد القلى ... شقيق روح بين جسمين «2»
وأصبح الداخل في بيننا ... كساقط بين فراشين
قد ألبس البغضاء من ذا وذا ... لا يصلح الغمد لسيفين
(3/78)

ما بال من ليست له حاجة ... يكون أنفا بين عينين
ومن قولنا الذي هو أمثال سائرة:
قالوا شبابك قد ولّى فقلت لهم ... هل من جديد على كرّ الجديدين
صل من هويت وإن أبدى معاتبة ... فأطيب العيش وصل بين إلفين
واقطع حبائل خلّ لا تلائمه ... فربما ضاقت الدنيا على اثنين»
وقلت بعد هذا في المدح:
فكّرت فيك أبحر أنت أم قمر ... فقد تحيّر فكري بين هذين
إن قلت بحرا وجدت البحر منحسرا ... وبحر جودك ممتدّ العبابين
أو قلت بدرا رأيت البدر منتقصا ... فقلت شتّان ما بين البديرين
ومن الأمثال التي لم تأت إلا في الشعر أو في قليل من الكلام، من ذلك قول الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس
وقال آخر:
متى تنقضي حاجات من ليس صابرا ... على حاجة حتى تكون له أخرى
قيل ولما بلغ حاتما قول المتلمّس:
وأعلم علم صدق غير ظنّ ... لتقوى الله من خير العتاد
وحفظ المال أيسر من بغاه ... وسير في البلاد بغير زاد «2»
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
قال: قطع الله لسانه! يحمل الناس على البخل؛ ألا قال:
لا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس مالا بعيش مقتّر ... لكل غد رزق يعود جديد «3»
(3/79)

وقال غيره:
إذا كنت لا أعفو عن الذنب من أخ ... وقلت أكافيه فأين التفاضل
فإن أقطع الإخوان في كل عسرة ... بقيت وحيدا ليس لي من أواصل
ولكنني أغضي الجفون على القذى ... وأصفح عما رابني وأجامل
متى ما يربني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه فإن صحّ سرّني ... وإن هو أعيا كان فيه التجامل
وقال:
يديفون لي سمّا وأسقيهم الحيا ... ويقرونني شرا وشري مؤخّر «1»
كأني سلبت القوم نور عيونهم ... فلا العذر مقبول ولا الذنب يغفر
وقد كان إحساني لهم غير مرة ... ولكن إحسان البغيض مكفّر «2»
ولغيره:
لم يبق من طلب الغنى ... إلا التعرّض للحتوف
فلأقبلنّ وإن رأيت ... الموت يلمع في الصفوف
إني امرؤ لم أوت من ... أدب ولا حظّ سخيف
لكنه قدر يزو ... ل من القويّ إلى الضعيف
(3/80)

كتاب الزمردة في المواعظ والزهد
لابن عبد ربه:
قال أحمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الأمثال، وما تفننوا فيها على كل لسان، ومع كل زمان؛ ونحن نبدأ بعون الله وتوفيقه بالقول في الزهد ورجاله المشهورين به، ونذكر المنتخل من كلامهم، والمواعظ التي وعظت بها الأنبياء، واستخلصتها الآباء للأبناء، وجرت بين الحكماء والأدباء؛ ومقامات العبّاد بين أيدي الخلفاء.
فأبلغ المواعظ كلها كلام الله تعالى الأعز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. قال الله تبارك وتعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
«1» .
وقال جل ثناؤه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
«2» .
وقال: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
(3/81)

وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
«1» .
فهذه أبلغ الحجج وأحكم المواعظ.
ثم مواعظ الأنبياء صلوات الله عليهم، ثم مواعظ الآباء للأبناء، ثم مواعظ الحكماء والأدباء، ثم مقامات العبّاد بين أيدي الخلفاء، ثم قولهم في الزهد ورجاله المعروفين به، ثم المشهورين من المنتسبين إليه.
والموعظة ثقيلة على السمع محرّجة «2» على النفس، بعيدة من القبول، لاعتراضها الشهوة، ومضادّتها الهوى، الذي هو ربيع القلب، ومراد الروح، ومربع اللهو، ومسرح الأماني؛ إلا من وعظه علمه، وأرشده قلبه؛ وأحكمته تجربته قال الشاعر:
لن ترجع الأنفس عن غيّها ... حتى يرى منها لها واعظ
وقالت الحكماء: السعيد من وعظ بغيره. لا يعنون من وعظه غيره، ولكن من رأى العبر في غيره فاتعظ بها في نفسه. ولذلك كان يقول الحسن: اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة «3» ، وحادثوها بالذّكر «4» فإنها سريعة الدثور، واعصوها فإنها إن أطيعت نزعت إلى شرّ غاية.
وكان يقول عند انقضاء مجلسه وختم موعظته: يا لها من موعظة لو صادفت من القلوب حياة.
لابن السماك:
وكان ابن السماك يقول إذا فرغ من كلامه: ألسن تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.
وقال يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا. يريد ثقل الموعظة على السمع،
(3/82)

وجنوح النفس إلى مخالفتها. ومنه قولهم:
أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا
وقولهم:
والشيء يرغب فيه حين يمتنع
والموعظة مانعة لك مما تشتهي، حاملة لك على ما تكره، إلا أن تلقاها بسمع قد فتقته العبرة، وقلب قدحت فيه الفكرة، ونفس لها من علمها زاجر، ومن عقلها رادع؛ فيفتح لك باب التوبة، ويوضح لك سبيل الإنابة.
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات. يريد أن الطريق إلى الجنة احتمال المكروه في الدنيا، والطريق إلى النار ركوب الشهوات.
وخير الموعظة ما كانت من قائل مخلص، إلى سامع منصف.
لبعضهم:
وقال بعضهم: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
وقالوا: ما أحسن التاج! وهو على رأس الملك أحسن. وما أحسن الدرّ، وهو على نحر الفتاة أحسن. وما أحسن الموعظة! وهي من الفاضل التقيّ أحسن.
لزياد:
وقال زياد: أيها الناس، لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا، أن تنتفعوا بأحسن ما تسمعون منا. قال الشاعر:
اعمل بقولي وإن قصّرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
(3/83)

لابن عباس في كلام لعلي:
وقال عبد الله بن عباس: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما انتفعت بكلام كتبه إليّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، كتب إليّ:
أما بعد: فإن المرء يسرّه إدراك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه. فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من أمر دنياك فلا تكن به فرحا. وما فاتك فلا تأس عليه جزعا. وليكن همك ما بعد الموت.
حكيم بباب بعض الملوك:
وقف حكيم بباب بعض الملوك فحجب، فتلطّف برقعة وأوصلها إليه، وكتب فيها هذا البيت:
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى ... وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
فلما قرأ البيت لم يلبث أن انتعل وجعل لاطئة «1» على رأسه، وخرج في ثوب فضال «2» ، فقال له: والله ما اتعظت بشيء بعد القرآن اتّعاظى ببيتك هذا! ثم قضى حوائجه.
مواعظ الأنبياء عليهم السلام
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
قال أبو بكر بن أبي شيبة يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم «يكفي أحدكم من الدنيا قدر زاد الراكب» .
(3/84)

وقال صلّى الله عليه وسلم: «ابن آدم. اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» .
عبد الله بن سلام قال: لما قدم علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم المدينة أتيته، فلما رأيت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذّاب؛ فسمعته يقول: «أيها الناس، أطعموا الطّعام، وأفشوا السلام، وصلّوا والناس نيام» .
لعيسى عليه السّلام:
وقال عيسى بن مريم عليه السّلام: ألا أخبركم بخيركم مجالسة؟ قالوا: بلى يا روح الله. قال: من تذكّركم بالله رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويشوّقكم إلى الجنة عمله.
وقال عيسى بن مريم عليه السّلام للحواريين: ويلكم يا عبيد الدنيا! كيف تخالف فروعكم أصولكم، وأهواؤكم عقولكم. قولكم شفاء يبرىء الدّاء، وفعلكم داء لا يقبل الدّواء. لستم كالكرمة التي حسن ورقها، وطاب ثمرها، وسهل مرتقاها.
ولكنكم كالسمرة «1» التي قلّ ورقها، وكثر شوكها، وصعب مرتقاها. ويلكم يا عبيد الدنيا! جعلتم العمل تحت أقدامكم من شاء أخذه، وجعلتم الدنيا فوق رؤوسكم لا يمكن تناولها؛ فلا أنتم عبيد نصحاء، ولا أحرار كرام. ويلكم يا أجراء السوء! الأجر تأخذون، والعمل تفسدون، سوف تلقون ما تحذرون، إذا نظر ربّ العمل في عمله الذي أفسدتم، وأجره الذي أخذتم.
وقال عليه السّلام للحواريين: اتخذوا المساجد بيوتا، والبيوت منازل، وكلوا بقل البرية، واشربوا الماء القراح، وانجوا من الدنيا سالمين.
وقال عليه السّلام للحواريّين: لا تنظروا في أعمال الناس كأنكم أرباب، وانظروا في أعمالكم كأنكم عبيد؛ فإنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى؛ فارحموا أهل البلاء،
(3/85)

واحمدوا الله على العافية.
وقال عليه السّلام لهم أيضا: عجبا لكم، تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل؛ ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بعمل.
وقال يحيى بن زكريا عليه السّلام للمكذّبين من بني إسرائيل: يا نسل الأفاعي، من دلّكم على الدخول في المساخط الموبقة بكم؟ ويلكم! تقرّبوا بعمل صالح، ولا تغرّنكم قرابتكم من إبراهيم عليه السّلام. فإن الله قادر على أن يستخرج من هذه الجنادل «1» نسلا لإبراهيم. إن الفأس قد وضعت في أصول الشجر، فأخلق بكلّ شجرة مرّة الطعم أن تقطع وتلقى في النار.
وقال شعياء لبني إسرائيل: إذ أطلق الله لسانه بالوحي: إن الدابة تزداد على كثرة الرياضة لينا، وقلوبكم لا تزداد على كثرة الموعظة إلا قسوة. إنّ الجسد إذا صلح كفاه القليل من الطعام، وإن القلب إذا صحّ كفاه القليل من الحكمة. كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم عابد قد أفسده العجب. يا بني إسرائيل، اسمعوا قولي، فإن قائل الحكمة وسامعها شريكان، وأولاهما بها من حقّقها بعمله.
وقال المسيح صلّى الله عليه وسلم: إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها، وإلى آجلها إذ نظروا إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم؛ هم أعداء لما سالم الناس، وسلم لما عادى الناس، لهم خير، وعندهم الخبر العجيب، بهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الهدى وبه عملوا، لا يرون أمانا دون ما يرجون، ولا خوفا دون ما يحذرون.
داود عليه السّلام:
وهب بن منبه قال: قال داود عليه السّلام: يا رب، ابن آدم ليس منه شعرة إلا
(3/86)

وتحتها لك نعمة وفوقها لك نعمة، فمن أين يكافئك بما أعطيته؟ فأوحى الله إليه: يا داود، إنّي أعطي الكثير، وأرضى من عبادي بالقليل، وأرضى من شكر نعمتي بأن يعلم العبد أن ما به من نعمة فمن عندي لا من عند نفسه.
إبراهيم عليه السّلام:
ولما أمر الله عز وجل إبراهيم صلّى الله عليه وسلم بذبح ولده وأن يجعله قربانا، أسرّ ذلك إلى خليل له يقال له العازر، وكان له صديقا؛ فقال له الصديق إن الله لا يبتلي بمثل هذا مثلك، ولكنه يريد أن يختبرك أو يختبر بك؛ وقد علمت أنه لا يبتليك بمثل هذا ليفتنك، ولا ليضلك ولا ليعنتك، ولا لينقض به بصيرتك وإيمانك ويقينك؛ فلا يرو عنّك هذا، ولا يسوأن بالله ظنّك؛ وإنما رفع الله اسمك في البلاء عنده على جميع أهل البلايا، حتى كنت أعظمهم محنة في نفسك وولدك. ليرفعك بقدر ذلك في المنازل والدرجات والفضائل: فليس لأهل الصبر في فضيلة الصبر إلا فضل صبرك، وليس لأهل الثواب في فضيلة الثواب إلا فضل ثوابك. وليس هذا من وجوه البلاء الذي يبتلي الله به أولياءه؛ لأن الله أكرم في نفسه، وأعدل في حكمه وأرحم بعباده من أن يجعل ذبح الولد الطّيب بيد الوالد النبي المصطفى. وأنا أعوذ بالله أن يكون هذا مني حتما على الله أو ردّا لأمره، أو سخطا لحكمه، ولكن هذا الرجاء فيه والظنّ به؛ فإن عزم ربّك على ذلك فكن عند أحسن علمه بك؛ فإني أعلم أنه لم يعرّضك لهذا البلاء الجسيم، والخطب العظيم، إلا لحسن علمه بك، وصدقك وتصبّرك؛ ليجعلك إماما؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن وحي الله تعالى إلى أنبيائه
أوحى الله عز وجل إلى نبي من أنبيائه: إني أنا الله مالك الملوك؛ قلوب الملوك بيدي؛ فمن أطاعني جعلت الملوك عليه رحمة؛ ومن عصاني جعلت الملوك عليه نقمة «1» .
(3/87)

المسيح عليه السّلام:
ومما أنزل الله على المسيح في الإنجيل: شوّقناكم فلم تشتاقوا؛ ونحنا لكم فلم تبكوا؛ يا صاحب الخمسين، ما قدّمت وما أخّرت؟ يا صاحب الستين، قد دنا حصادك! يا صاحب السبعين، هلمّ إلى الحساب.
وفي بعض الكتب القديمة المنزلة: يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا عبادي طالما ظمئتم، وتقلّصت في الدنيا شفاهكم، وغارت أعينكم عطشا وجوعا: فكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية.
وأوحى الله تعالى إلى نبيّ من أنبيائه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن نفسك الخضوع، ومن عينيك الدّموع؛ وسلني فأنا القريب المجيب.
وفي بعض الكتب: عبدي، كم أتحبّب إليك بالنعم وتتبغّض إليّ بالمعاصي؛ خيري إليك نازل، وشرّك إليّ صاعد.
وأوحى الله إلى نبيّ من أنبيائه: إن أردت أن تسكن غدا حظيرة القدس، فكن في الدنيا فريدا، وحيدا، طريدا، مهموما، حزينا؛ كالطير الوحدانيّ: يظل بأرض الفلاة، ويرد ماء العيون، ويأكل من أطراف الشجر؛ فاذا جنّ عليه الليل أوى وحده، واستيحاشا من الطير واستئناسا بربه.
ومما أوحى الله إلى موسى في التوراة: يا موسى بن عمران، يا صاحب جبل لبنان، أنت عبدي وأنا إلهك الدّيّان، لا تستذلّ الفقير، ولا تغبط الغني بشيء يسير، وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوة وحي طائعا؛ أسمعني لذاذة التوراة بصوت حزين.
موسى عليه السّلام:
وقال وهب بن منبّه: أوحى الله إلى موسى عند الشجرة: لا تعجبنّك زينة فرعون ولا ما متّع به، ولا تمدّنّ إلى ذلك عينك؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين؛ ولو شئت أن أوتيك زينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عنها فعلت؛
(3/88)

ولكني أرغبتك عن ذلك وأزويته عنك؛ فكذلك أفعل بأوليائي؛ إني لأذودهم عن نعيمها. ولذاذتها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة؛ وإني لأحميهم عيشها وحلوتها، كما يحمي الراعي ذوده عن مبارك العرّ «1» .
يوسف عليه السّلام:
وذكر عن وهب بن منبه أن يوسف لما لبث في السجن بضع سنين، أرسل الله جبريل إليه بالبشارة بخروجه، فقال: أما تعرفني أيها الصّدّيق؟ قال يوسف: أرى صورة طاهرة وروحا طيبا لا يشبه أرواح الخاطئين. قال جبريل: أنا الروح الأمين، رسول رب العالمين. قال يوسف: فما أدخلك مداخل المذنبين، وأنت سيد المرسلين، ورأس المقرّبين؟ قال: ألم تعلم أيها الصديق أن الله يطهر البيوت بطهر النبيين. وأن البقعة التي تكون فيها هي أطهر الأرضين، وأنّ الله قد طهّر بك السجن وما حوله يا ابن الطاهرين. قال يوسف: كيف تشبهني بالصالحين، وتسميني بأسماء الصادقين، وتعدّني مع آبائي المخلصين، وأنا أسير بين هؤلاء المجرمين؟ قال جبريل: لم يكلم قلبك الجزع، ولم يغيّر خلفك البلاء، ولم يتعاظمك السجن، ولم تطأ فراش سيّدك، ولم ينسك بلاء الدنيا بلاء الآخرة، ولم تنسك نفسك أباك، ولا أبوك ربّك، وهذا الزمان الذي يفكّ الله فيه عنقك، ويعتق فيه رقبتك، ويبيّن للناس فيه حكمتك، ويصدّق رؤياك، وينصفك ممن ظلمك، ويجمع لك أحبتك ويهب لك ملك مصر تملك ملوكها، وتذل جبابرتها، وتصغّر عظماءها، ويذلّ لك أعزتها. ويخدمك سوقتها «2» ، يخوّلك خولها، ويرحم بك مساكينها، ويلقي لك المودة والهيبة في قلوبهم، ويجعل لك اليد العليا عليهم، والأثر الصالح فيهم، ويرى فرعون حلما يفزع منه حتى يسهر ليله، ويذهب نومه، ويغمّى عليه، تفسيره وعلى السحرة والكهنة، ويعلّمك تأويله.
(3/89)

مواعظ الحكماء
لعلي:
قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: أوصيكم بخمس لو ضربت عليها آباط «1» الإبل لكان قليلا: لا يرجونّ أحدكم إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، وإذا لم يعلم الشيء أن يتعلّمه. واعلموا أنّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس ذهب الجسد.
وقال أيضا: من أراد الغنى بغير مال، والكثرة بلا عشيرة، فليتحوّل من ذل المعصية إلى عزّ الطاعة؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
للحسن:
وقال الحسن: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء.
لبعضهم:
وقال بعضهم: من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أخلص سريرته أصلح الله علانيته.
كلمات أربع للعرب والعجم:
قال العتبي: اجتمعت العرب والعجم على أربع كلمات، قالوا: لا تحملن على قلبك ما لا تطيق، ولا تعملن عملا ليس لك فيه منفعة، ولا تثق بامرأة، ولا تغتر بمال وإن كثر.
لأبي بكر في موته يوصي عمر:
وقال أبو بكر الصدّيق لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند موته حين استخلفه:
(3/90)

أوصيك بتقوى الله؛ فإنّ لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل؛ وإنه لا يقبل نافلة «1» حتى تؤدّى الفرائض. وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحق وثقله عليهم؛ وحقّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفّته عليهم؛ وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا. وإن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا سمعت بهم قلت: إني أخاف ألّا أكون من هؤلاء. وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم، وأمسك عن حسناتهم؛ فإذا سمعت بهم قلت: أنا خير من هؤلاء وذكر آية الرحمة مع آية العذاب:
ليكون العبد راغبا راهبا، لا يتمنى على الله غير الحق. فإذا حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحبّ إليك من الموت، وهو آتيك؛ وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أكره إليك من الموت، ولن تعجزه.
الحسن وابن الأهتم:
ودخل الحسن بن أبي الحسن على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه؛ فرآه يصوّب بصره في صندوق في بيته ويصعّده، ثم قال: أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدّ منها زكاة ولم أصل منها رحما؟ قال: ثكلتك أمك! ولمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان؛ وجفوة السلطان؛ ومكاثرة العشيرة. قال: ثم مات، فشهده الحسن. فلما فرغ من دفنه قال: انظروا إلى هذا المسكين! أتاه شيطانه فحذّره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته، عما رزقه الله إياه وغمره فيه؛ انظروا كيف خرج منها مسلوبا محزونا، ثم التفت إلى الوارث فقال: أيها الوارث، لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالا فلا يكوننّ عليك وبالا. أتاك عفوا صفوا، ممن كان له جموعا منوعا؛ من باطل جمعه، ومن حق منعه؛ قطع فيه لجج «2» البحار، ومفاوز القفار، لم تكدح فيه بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين. إن يوم
(3/91)

القيامة يوم ذو حسرات، وإن من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك. فيالها عثرة لا تقال. وتوبة لا تنال.
لحكيم يعظ قوما:
ووعظ حكيم قوما فقال: يا قوم، استبدلوا العوارى «1» بالهبات تحمدوا العقبى، واستقبلوا المصائب بالصبر تستحقوا النّعمى، واستديموا الكرامة بالشكر تستوجبوا الزيادة. واعرفوا فضل البقاء في النعمة والغنى في السلامة قبل الفتنة الفاحشة، والمثلة «2» البينة، وانتقال العمل، وحلول الأجل؛ فإنما أنتم في الدنيا أغراض المنايا، وأوطان البلايا، ولن تنالوا نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل منكم معمّر يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر، فأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، وفي معاشكم أسباب مناياكم، لا يمنعكم شيء منها، ولا يشغلكم شيء عنها، فأنتم الأخلاف بعد الأسلاف، وستكونون أسلافا بعد الأخلاف، بكل سبيل منكر صريع منعفر، وقائم ينتظر، فمن أي وجه تطلبون البقاء، وهذان الليل والنهار لم يرفعا شيئا قط إلا أسرعا الكرة في هدمه، ولا عقدا أمرا إلا رجعا في نقضه.
لأبي الدرداء:
وقال أبو الدّرداء: يا أهل دمشق، مالكم تبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، وتجمعون ما لا تأكلون؟ هذه عاد وثمود قد ملئوا ما بين بصرى وعدن أموالا وأولادا، فمن يشتري مني ما تركوا بدرهمين.
لابن شبرمة:
وقال ابن شبرمة: إذا كان البدن سقيما لم ينجع في الطعام ولا الشراب، وإذا كان
(3/92)

القلب مغرما بحب الدنيا لم تنجع فيه الموعظة.
لابن خثيم:
وقال الربيع بن خثيم: أقلل الكلام إلا من تسع: تكبير، وتهليل، وتسبيح، وتحميد، وسؤالك الخير، وتعوّذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءتك القرآن.
لحكيم يعظ:
قال رجل لبعض الحكماء: عظني! قال: لا يراك الله بحيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك.
وقيل لحكيم: عظني! قال: جميع المواعظ كلّها منتظمة في حرف واحد. قال: وما هو؟ قال: تجمع على طاعة الله فإذا أنت قد حويت المواعظ كلها.
أبو جعفر وسفيان:
وقال أبو جعفر لسفيان: عظني! قال: وما عملت فيما علمت فأعظك فيما جهلت؟
الرشيد وابن السماك:
قال هارون لابن السمّاك: عظني! قال: كفى بالقرآن واعظا. يقول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
«1» .
مكاتبة جرت بين الحكماء
بين حكيمين:
عتب حكيم على حكيم، فكتب المعتوب عليه إلى العاتب: يا أخي، إن أيام العمر أقصر من أن تحتمل الهجر. فرجع إليه.
(3/93)

الحسن وعمر بن عبد العزيز:
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد؛ فكأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل. والسّلام.
وكتب إليه عمر: أما بعد فكأن آخر من كتب عليه الموت قد مات، والسّلام.
بين سلمان وأبي الدرداء:
ابن المبارك قال: كتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء: أما بعد؛ فإنك لن تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تنال ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره. فليكن كلامك ذكرا، وصمتك فكرا، ونظرك عبرا؛ فإن الدنيا تتقلب وبهجتها تتغير فلا تغترّ بها، وليكن بيتك المسجد. والسّلام.
فأجابه أبو الدرداء: سلام عليك، أما بعد؛ فإني أوصيك بتقوى الله، وأن تأخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن حياتك لموتك؛ ومن جفائك لمودّتك، واذكر حياة لا موت فيها في إحدى المنزلتين. إما في الجنة، وإما في النار؛ فإنك لا تدري إلى أيهما تصير.
أبو موسى وعامر ابن عبد القيس:
وكتب أبو موسى الأشعري إلى عامر بن عبد القيس: أما بعد؛ فإني عاهدتك على أمر وبلغني أنك تغيّرت، فإن كنت على ما عهدتك فاتق الله ودم «1» ، وإن كنت على ما بلغني فاتق الله وعد «2» .
ابن النضر وأخ له:
وكتب محمد بن النضر إلى أخ: أما بعد؛ فإنك على منهج وأمامك منزلان لا بد لك من نزول أحدهما، ولم يأتك أمان فتطمئن، ولا براءة فتتكل.
(3/94)

بين حكيمين:
وكتب حكيم إلى آخر: اعلم حفظك الله أن النفوس جبلت على أخذ ما أعطيت ومنع ما سئلت؛ فاحملها على مطيّة، لا تبطىء. إذا ركبت. ولا تسبق إذا قدّمت؛ فإنما تحفظ النفوس على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطمع، وتطمع على قدر السبب. فإذا استطعت أن يكون معك خوف المشفق وقناعة الراضي فافعل.
من عمر بن عبد العزيز إلى ابن حيوة:
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجاء بن حيوة: أما بعد، فإنه من أكثر من ذكر الموت اكتفى باليسير، ومن علم أن الكلام عمل قل كلامه إلا فيما ينفعه.
من عمر بن الخطاب إلى ابن غزوان:
وكتب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن غزوان عامله على البصرة: أما بعد؛ فقد أصبحت أميرا تقول فيسمع لك، وتأمر فينفذ أمرك؛ فيالها نعمة إن لم ترفعك فوق قدرك، وتطغيك على من دونك «1» ؛ فاحترس من النعمة أشدّ من احتراسك من المصيبة؛ وإياك أن تسقط سقطة لا لعا لها- أي لا إقالة لها- وتعثر عثرة لا تقالها.
والسّلام.
من الحسن إلى عمر:
وكتب الحسن إلى عمر: إنّ فيما أمرك الله به شغلا عما نهاك عنه، والسّلام.
بين عمر بن عبد العزيز والحسن:
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: اجمع لي أمر الدنيا، وصف لي أمر الآخرة.
(3/95)

فكتب إليه: إنما الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط؛ ونحن في أضغاث أحلام. من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضلّ، ومن حلم غنم، ومن خاف سلم؛ ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، ومن علم عمل، فإذا زللت فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فأمسك. واعلم أنّ أفضل الأعمال ما أكرهت النفوس عليه.
مواعظ الآباء للأبناء
للقمان يوصي ابنه:
قال لقمان لابنه: إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم السّلام ثم اجلس، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل «1» سهمك مع سهامهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتخلّ عنهم وانهض.
وقال: يا بنيّ؛ استعذ بالله من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر.
لأكثم:
ومثل هذا قول أكثم بن صيفي: احذر الأمين ولا تأتمن الخائن، فإن القلوب بيد غيرك.
للقمان يعظ ابنه:
وقال لقمان لابنه: لا تركن إلى الدنيا، ولا تشغل قلبك بها، فإنك لم تخلق لها، وما خلق الله خلقا أهون عليه منها، فإنه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين، ولا بلاءها عقوبة للعاصين. يا بني، لا تضحك من غير عجب، ولا تمش في غير أرب «2» ، ولا تسأل عما لا يعنيك. يا بني، لا تضيّع مالك وتصلح مال غيرك؛ فإنما لك ما قدمت،
(3/96)

ولغيرك ما تركت. يا بني؛ إنه من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يقل الخير يغنم، ومن يقل الباطل يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم. يا بني، زاحم العلماء بركبتيك، وأنصت إليهم بأذنيك، فإن القلب يحيا بنور العلماء كما تحيا الأرض الميتة بمطر السماء.
ابن صفوان ينصح ابنه:
وقال خالد بن صفوان لابنه: كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا، أقلّ ما تكون في الباطن مآلا. ودع من أعمال السر ما لا يصلح لك في العلانية.
لأعرابي يوصي ابنه:
وقال أعرابي لابنه: يا بني، إنه قد أسمعك الداعي، وأعذر إليك الطالب، وانتهى الأمر فيك إلى حدّه؛ ولا أعرف أعظم رزية «1» ممن ضيّع اليقين وأخطأه الأمل.
لعلي بن الحسين يوصي ابنه:
وقال علي بن الحسين لابنه: وكان من أفضل بني هاشم: يا بني، اصبر على النوائب، ولا تعرّض للحتوف، ولا تجب أخاك من الأمر إلى ما مضرّته عليك أكثر من منفعته لك.
لحكيم في مثله:
وقال حكيم لبنيه: يا بنيّ؛ إياكم والجزع عند المصائب؛ فإنه مجلبة للهمّ، وسوء ظنّ بالرب، وشماتة للعدوّ. وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، ولها آمين، فإني والله ما سخرت من شيء إلا نزل بي مثله؛ فاحذروها وتوقّعوها. فإنما الإنسان في الدنيا غرض تتعاوره السهام، فمجاوز ومقصّر عنه، وواقع عن يمينه وشماله، حتى يصيبه بعضها. واعلموا أنّ لكل شيء جزاء، ولكل عمل ثوابا. وقد قالوا: كما تدين تدان؛ ومن برّ يوما برّ به.
(3/97)

لبعض الشعراء:
وقال الشاعر:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ «1» بآخرينا
فقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
لحكيم يعظ ابنه:
وقال حكيم لابنه: يا بني إني موصيك بوصية؛ فإن لم تحفظ وصيتي عني لم تحفظها عن غيري. اتق الله ما استطعت. وإن قدرت أن تكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فافعل. وإياك والطمع، فإنه فقر حاضر. وعليك باليأس فإنك لن تيأس من شيء قط إلا أغناك الله عنه. وإياك وما يعتذر منه، فإنك لن تعتذر من خير أبدا، وإذا عثر عاثر «2» فاحمد الله ألّا تكون هو يا بني، خذ الخير من أهله، ودع الشر لأهله، وإذا قمت إلى صلاتك فصلّ صلاة مودّع وأنت ترى ألّا تصلي بعدها.
لعلي بن الحسين في مثله:
وقال علي بن الحسين عليهما السّلام لابنه: يا بني، إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرني منك. واعلم أنّ خير الآباء للأبناء من لم تدعه المودّة إلى التفريط»
فيه، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق له «4» .
لحكيم في مثله:
وقال حكيم لابنه: يا بني، إن أشدّ الناس حسرة يوم القيامة: رجل كسب مالا من غير حلّه فأدخله النار، وأورثه من عمل فيه بطاعة الله فأدخله الجنة.
(3/98)

ابن عتبة وأبوه:
عمرو بن عتبة قال: لما بلغت خمس عشرة سنة قال لي أبي: يا بني؛ قد تقطعت عنك شرائع الصّبا فالزم الحياء تكن من أهله، ولا تزايله «1» فتبين منه؛ ولا يغرّنك من اغتر بالله فيك فمدحك بما تعلم خلافه من نفسك؛ فإنه من قال فيك من الخير ما لم يعلم إذا رضي، قال فيك من الشر مثله إذا سخط. فاستأنس بالوحدة من جلساء السوء تسلم من غبّ عواقبهم.
لعبد الملك يوصي بنيه:
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: كفّوا الأذى، وابذلوا المعروف، واعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، ولا تلحفوا «2» إذا سألتم؛ فإنه من ضيّق ضيّق عليه، ومن أعطى أحلف الله عليه.
للأشعث في مثله:
وقال الأشعث بن قيس لبنيه: يا بنيّ، لا تذلّوا في أعراضكم، وانخدعوا في أموالكم؛ ولتخفّ بطونكم من أموال الناس، وظهوركم من دمائهم، فإنّ لكل امرىء تبعة «3» ؛ وإياكم وما يعتذر منه أو يستحى؛ فإنما يعتذر من ذنب، ويستحي من عيب؛ واصلحوا المال لجفوة السلطان وتغير الزمان، وكفوا عند الحاجة عن المسألة؛ فإنه كفى بالردّ منعا؛ وأجملوا في الطلب حتى يوافق الرزق قدرا؛ وامنعوا النساء من غير الأكفاء؛ فإنكم أهل بيت يتأسّى «4» بكم الكريم، ويتشرف بكم اللئيم، وكونوا في عوام الناس ما لم يضطرب الحبل «5» ، فإذا اضطرب الحبل فالحقوا بعشائركم.
من عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله:
وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله في غيبة غابها: أما بعد فإن من اتقى الله وقاه، ومن اتكل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن اقترضه جزاه. فاجعل التقوى
(3/99)

عمارة قلبك، وجلاء بصرك. فإنه لا عمل لمن لا نيّة له، ولا خير لمن لا خشية له، ولا جديد لمن لا خلق له.
من علي إلى ابنه حسن:
وكتب علي بن أبي طالب إلى ولده الحسن عليهما السّلام: من عليّ أمير المؤمنين الوالد الفان، المقرّ للزمان، المستسلم للحدثان «1» ، المدبر العمر، المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام «2» ، ورهينة الأيام، وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وأسير المنايا، وقرين الرزايا، وصريع الشهوات، ونصب الآفات، وخليفة الأموات. أما بعد؛ يا بني، فإن فيما تفكرت فيه من إدبار الدنيا عني، وإقبال الآخرة عليّ. وجموح الدهر عليّ ما يرغّبني عن ذكر سوائي، والاهتمام بما ورائي، غير أنه حيث تفرد بي همّ نفسي دون همّ الناس، فصدقني رأيي، وصرفني عن هواي، وصرح بي محض أمري، فأفضى بي إلى جدّ لا يزرى به لعب، وصدق لا يشوبه كذب «3» ، ووجدتك يا بني بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأن شيئا لو أصابك لأصابني، وحتى كأن الموت لو أتاك أتاني. فعند ذلك عناني من أمرك ما عناني من أمر نفسي. كتبت إليك كتابي هذا يا بني مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت، فإني موصيك بتقوى الله، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله فإن الله تعالى يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
«4» . وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين الله تعالى إن أنت أخذت به، أحى قلبك بالموعظة، ونوّره بالحكمة وأمته بالزهد، وذلّله بالموت وقوّه بالغنى عن الناس، وحذّره صولة الدهر؛ وتقلّب الأيام والليالي، واعرض عليه أخبار الماضين وسر في ديارهم وآثارهم فانظر ما فعلوا، وأين حلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة. وكأنك عن
(3/100)

قليل يا بني قد صرت كأحدهم، فبع دنياك بآخرتك، ولا تبع آخرتك بدنياك. ودع القول فيما لا تعرف، والأمر فيما لا تكلّف، وأمر بالمعروف بيدك ولسانك، وانه عن المنكر بيدك ولسانك، وباين «1» من فعله، وخض الغمرات إلى الحق، ولا يأخذك في الله لومة لائم، واحفظ وصيّتي ولا تذهب عنك صفحا، فلا خير في علم لا ينفع.
واعلم أنه لا غنى لك عن حسن الارتياد «2» مع بلاغك من الزاد، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه، فإن أمامك عقبة كئودا «3» لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا فأجمل في الطلب، وأحسن المكتسب.
فرب طلب قد جرّ إلى حرب «4» . وإنما المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب يقينه. واعلم أنه لا غني يعدل الجنة؛ ولا فقر يعدل النار. والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
منه إلى ولده ابن الحنفية:
وكتب إلى ابنه محمد بن الحنفية: أن تفقّه في الدين، وعوّد نفسك الصبر على المكروه، وكل نفسك في أمورك كلّها إلى الله عز وجل، فإنك تكلها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، وأخلص المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة له، واعلم أنّ من كان مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان لا يسير، فإن الله تعالى قد أبى إلا خراب الدنيا وعمارة الآخرة، فإن قدرت أن تزهد فيها زهدك كله فافعل ذلك، وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولا تعدو أجلك، فإنك في سبيل من كان قبلك، فأكرم نفسك عن كل دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، وإياك أن توجف «5» بك مطايا الطمع وتقول: متى ما أخّرت نزعت، فإن هذا أهلك من هلك قبلك، وأمسك عليك لسانك، فإن تلافيك ما فرط من صمتك، أيسر عليك
(3/101)

من إدراك ما فات من منطقك، واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء، فحسن التدبير مع الاقتصاد أبقى لك من الكثير مع الفساد والحرفة «1» مع العفة خير من الغنى مع الفجور، والمرء أحفظ لسره، ولربما سعى فيما يضره، وإياك والاتكال على الأماني، فإنها بضائع النّوكى «2» ، وتثبّط عن الآخرة والأولى، ومن خير حظ الدنيا القرين الصالح، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، ولا يغلبنّ عليك سوء الظن، فإنه لن يدع بينك وبين خليل صلحا. أذك قلبك بالأدب كما تذكى النار بالحطب، واعلم أن كفر النعمة لؤم، وصحبة الأحمق شؤم، ومن الكرم منع الحرم، ومن حلم ساد، ومن تفهم ازداد. امحض أخاك النصيحة «3» ، حسنة كانت أو قبيحة. لا تصرم أخاك على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب، وليس جزاء من سرك أن تسوءه. الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك، واعلم يا بني أنه مالك من دنياك إلا ما أصلحت به في مثواك، فأنفق من خيرك. ولا تكن خازنا لغيرك، وإن جزعت على ما يفلت من يديك، فاجزع على ما لم يصل إليك ربما أخطأ البصير قصده، وأبصر الأعمى رشده، ولم يهلك امرؤ اقتصد، ولم يفتقر من زهد. من ائتمن الزمان خانه ومن تعظم عليه أهانه. رأس الدين اليقين، وتمام الإخلاص اجتناب المعاصي، وخير المقال ما صدّقه الفعال. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، واحمل لصديقك عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك، وأخرّ الشر ما استطعت، فإنك إذا شئت تعجلته. لا يكن أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته، وعلى الإساءة أقوى منك على الإحسان. لا تملّكنّ المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإن المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، فإنّ ذلك أدوم لحالها، وأرخى لبالها، واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك، وأكرم الذين بهم تصول، فإذا تطاولت «4» تطول. أسأل الله أن يلهمك الشكر والرشد: ويقويّك على العمل بكل خير، ويصرف عنك كل محذور برحمته. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
(3/102)

مقامات العباد عند الخلفاء
مقام صالح بن عبد الجليل
قام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي فقال له: إنه لما سهل علينا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك، قمنا مقام الأداء عنهم وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي [عند] انقطاع عذر الكتمان، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص «1» . وقد جاء في الأثر: من حجب الله عنه العلم عذّبه على الجهل؛ وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه. فاقبل يا أمير المؤمنين ما أهدى إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل، لا قبول سمعة ورياء؛ فإنما هو تنبيه من غفلة، وتذكير من سهو وقد وطّن الله عز وجل نبيه على نزولهما، فقال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
«2» .
مقام رجل من العبّاد عند المنصور
بينما المنصور في الطواف ليلا إذ سمع قائلا يقول اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فخرج المنصور، فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل يدعوه فصلى الرجل ركعتين، واستلم الركن، وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة.
فقال المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض، وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع؟ فو الله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني «3» .
فقال: إن أمّنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها، وإلا احتجرت منك واقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل.
(3/103)

قال: فأنت آمن على نفسك فقل. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر في الأرض من الفساد والبغي لأنت. فقال: فكيف ذلك ويحك! يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ قال:
وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك؟ إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم، فأغفلت أمورهم، واتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجرّ، وأبوابا من الحديد، وحرّاسا معهم السلاح، ثم سجنت نفسك عنهم فيها، وبعثت عمّالك في جباية الأموال وجمعها وقوّيتهم بالرجال والسلاح والكراع «1» ، وأمرت ألا يدخل عليك أحد من الرجال إلّا فلان وفلان، نفرا سمّيتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم، ولا الملهوف، ولا الجائع العاري، ولا الضعيف الفقير إليك، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا دونك، تجبي الأموال وتجمعها. قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه. فائتمروا ألّا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا خوّنوه عندك ونفوه، حتى تسقط منزلته، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم، فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال، ليقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو المقدرة والثروة من رعيتك، لينالوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلما وبغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل، فإن جاء متظلّم حيل بينك وبينه، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك المتظلم فبلغ بطانتك «2» خبره، سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به «3» ، ويشكو ويستغيث، وهو يدفعه، فإذا أجهد وأحرج ثم ظهرت صرخ بين يديك، فيضرب ضربا مبرحا يكون نكالا «4» لغيره، وأنت تنظر فما
(3/104)

تنكر! فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه، فبكى بكاء شديدا، فحثه جلساؤه على الصبر فقال: أما إني لست أبكي للبلية النازلة، ولكني أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته، ثم قال: أما إذ قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلّا متظلّم. ثم كان يركب الفيل طرفي النهار وينظر هل يرى مظلوما، فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله، بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ، وأنت مؤمن بالله من أهل بيت نبيّه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك، فقد أراك الله عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه ما له على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل، حتى تعظم رغبة الناس إليه. ولست الذي تعطي، بل الله تعالى يعطي من يشاء ما يشاء. فإن قلت إنما تجمع المال لتشديد السلطان، فقد أراك الله عبرا في بني أمية، ما أغنى عنهم جمعهم من الذهب وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد الله بهم ما أراد. وإن قلت إنما تجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها. فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة ما تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير المؤمنين. هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل. فقال المنصور: لا. فقال: فكيف تصنع بالملك الذي خوّلك ملك الدنيا، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن بالخلود في العذاب الأليم. قد رأى ما عقد «1» عليه قلبك، وعملته جوارحك «2» ، ونظر إليه بصرك، واجترحته يداك، ومشت إليه رجلاك. هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب؟ قال: فبكى المنصور، ثم قال:
ليتني لم أخلق! ويحك كيف أحتال لنفسي؟ فقال يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلاما يفزعون «3» إليهم في دينهم، ويرضون بهم في دنياهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم في أمرك يسدّدوك. قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني. قال: خافوك أن
(3/105)

تحملهم على طريقتك، ولكن افتح بابك، وسهّل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفىء والصدقات على حلها، واقسمها بالحق والعدل على أهلها، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة.
وجاء المؤذّنون فآذنوه بالصلاة، فصلى وعاد إلى مجلسه، وطلب الرجل فلم يوجد.
مقام الأوزاعي بين يدي المنصور
قال الأوزاعي: دخلت عليه فقال لي: ما الذي بطأ بك عني؟
قلت: وما تريد مني يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الاقتباس منك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، انظر ما تقول، فإن مكحولا حدّثني عن عطية بن بسر، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال «من بلغته عن الله نصيحة في دينه فهي رحمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها من الله بشكر وإلا فهي حجة من الله عليه ليزداد إثما ويزداد الله عليه غضبا وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، وإن سخط فله السخط ومن كرهه فقد كره الله عز وجل لأن الله هو الحق المبين» .
ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إنك تحمّلت أمانة هذه الأمة وقد عرضت على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. وقد جاء عن جدك عبد الله بن عباس في تفسير قول الله عز وجل: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
«1» قال: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: الضحك. فما ظنك بالقول والعمل؟ فأعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترى أن قرابتك من رسول الله صلّى الله عليه وسلم تنفعك مع المخالفة لأمره، فقد قال صلّى الله عليه وسلم: «يا صفيّة عمّة محمد، ويا فاطمة بنت محمد، استوهبا أنفسكما من الله، فإني لا أغني عنكما من الله شيئا» . وكذلك جدّك العباس، سأل إمارة من النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: «أي عمّ نفس تحبيها خير لك من إمارة لا تحصيها؛ نظرا لعمه وشفقة عليه من أن يلي فيحيد عن سنّته جناح بعوضة، فلا يستطيع له نفعا ولا عنه دفعا» .
(3/106)

وقال صلّى الله عليه وسلم: «ما من راع يبيت غاشّا لرعيته إلا حرّم الله عليه رائحة الجنة. وحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرا، ولما استطاع من عوراتهم ساترا، وبالحق فيهم قائما، فلا يتخوّف محسنهم رهقا، ولا مسيئهم عدوانا. فقد كانت بيد رسول الله صلّى الله عليه وسلم جريدة يستاك «1» بها ويردع عنه المشركين بها، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة التي معك! اتركها لا تملأ قلوبهم رعبا! فما ظنك بمن سفك دماءهم، وقطع أستارهم، ونهب أموالهم!» يا أمير المؤمنين، إنّ المغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيا لم يتعمده؛ فقال جبريل: يا محمد، إنّ الله لم يبعثك جبارا تكسر قرون أمتك. واعلم يا أمير المؤمنين أن كل ما في يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة، ولا ثمرة من ثمارها؛ ولو أن ثوبا من ثياب أهل الناس علق بين السماء والأرض لأهلك الناس رائحته، فكيف بمن يتقمّصه! ولو أن ذنوبا»
من صديد أهل النار صبّ على ماء الدنيا لأحمّه «3» ، فكيف بمن يتجرّعه! ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لأذابته؛ فكيف بمن يسلك فيها؛ ويردّ فضلها على عاتقه.
كلام أبي حازم لسليمان بن عبد الملك
حج سليمان بن عبد الملك؛ فلما قدم المدينة للزيارة بعث إلى أبي حازم الأعرج وعنده ابن شهاب. فلما دخل قال: تكلم يا أبا حازم. قال: فيم أتكلم يا أمير المؤمنين؟
قال: في المخرج من هذا الأمر. قال: يسير إن أنت فعلته. قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا من حلّها، ولا تضعها إلا في أهلها. قال: ومن يقوى على ذلك؟
(3/107)

قال: من قلّده الله من أمر الرعية ما قلّدك. قال: عظني أبا حازم! قال: اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك، وهو خارج من يديك بمثل ما صار إليك. قال: يا أبا حازم أشر عليّ. قال: إنما أنت سوق، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر أيهما شئت. قال: مالك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين؟ إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أخزيتني؛ وليس عندك ما أرجوك له، ولا عندي ما أخافك عليه! قال: فارفع إلينا حاجتك. قال: وقد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني منها قبلت، وما منعني منها رضيت.
مقام ابن السماك عند الرشيد
دخل عليه، فلما وقف بين يديه قال له: عظني يا ابن السماك وأوجز.
قال: كفى بالقرآن واعظا يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
«1» . هذا يا أمير المؤمنين وعيد لمن طفف في الكيل، فما ظنك بمن أخذه كله! وقال له مرة: عظني. وأتى بماء ليشربه. فقال: يا أمير المؤمنين، لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: فلو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم! قال: فما خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! قال: يا ابن السماك، ما أحسن ما بلغني عنك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن لي عيوبا لو اطلع الناس منها على عيب واحد ما ثبتت لي في قلب أحد مودة؛ وإني لخائف في الكلام الفتنة وفي السر الغرة وإني لخائف على نفسي من قلة خوفي عليها.
(3/108)

كلام عمرو بن عبيد عند المنصور
دخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده ابنه المهدي، فقال له أبو جعفر: هذا ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين؛ ورجائي أن تدعو له. فقال: يا أمير المؤمنين، أراك قد رضيت له أمورا يصير إليها وأنت عنه مشغول فاستعبر أبو جعفر وقال له عظني أبا عثمان! قال يا أمير المؤمنين! إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها. هذا الذي أصبح في يديك لو بقي في يد من كان قبلك لم يصل إليك! قال: أبا عثمان أعنّي بأصحابك، قال: ارفع علم الحق يتبعك أهله؛ ثم خرج، فأتبعه أبو جعفر بصرّة، فلم يقبلها؛ وجعل [المنصور] يقول:
كلكم يمشي رويد ... كلّكم خاتل صيد «1»
غير عمرو بن عبيد
خبر سفيان الثوري مع أبي جعفر
لقي أبو جعفر سفيان الثوري في الطواف، وسفيان لا يعرفه، فضرب بيده على عاتقه وقال: أتعرفني؟ قال: لا، ولكنك قبضت عليّ قبضة جبّار، قال: عظني أبا عبد الله. قال: وما عملت فيم عملت فأعظك فيما جهلت؟ قال: فما يمنعك أن تأتينا؟ قال:
إن الله نهى عنكم فقال تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
«2» فمسح أبو جعفر يده به ثم التفت إلى أصحابه فقال: ألقينا الحب إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا فرارا.
(3/109)

كلام شبيب بن شيبة للمهدي
قال العتبي: سألت بعض آل شبيب بن شيبة: أتحفظون شيئا من كلامه؟ قالوا:
نعم، قال للمهدي: يا أمير المؤمنين، إن الله إذا قسم الأقسام في الدنيا جعل لك أسناها وأعلاها، فلا ترض لنفسك في الآخرة إلا مثل ما رضي لك به من الدنيا، فأوصيك بتقوى الله فعليكم نزلت؛ ومنكم أخذت، وإليكم تردّ.
من كره الموعظة لبعض ما فيها من الغلظ أو الخرق
بين الرشيد وواعظ:
قال رجل للرشيد: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أعظك بعظة فيها بعض الغلظة فاحتملها، قال: كلا، إنّ الله أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شر مني: قال لنبيّه موسى إذ أرسله إلى فرعون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
«1» .
سليمان بن عبد الملك وأعرابي:
دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إني مكلّمك بكلام، فاحتمله إن كرهته، وراءه ما تحب إن قبلته، قال: هام يا أعرابي، قال: إني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن من عظتك. تأديه لحق الله تعالى وحق إمامتك:
إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب الآخرة سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لا يألونك خبالا «2» ، والأمانة تضييعا، والأمة عسفا وخسفا «3» ، وأنت مسئول عما اجترحوا «4» وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا
(3/110)

تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة وأعظمهم غبنا، من باع آخرته بدنيا غيره. قال سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو أحد سيفيك. قال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.
المأمون وواعظ:
ووعظ رجل المأمون فأصغى إليه منصتا، فلما فرغ قال: قد سمعت موعظتك، فأسأل الله أن ينفعنا بها، وربما عملنا، غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا إلى المعاونة بالمقال، فقد كثر القائلون وقلّ الفاعلون.
العتبي قال: دخل رجل من عبد القيس على أبي فوعظه، فلما فرغ قال أبي له: لو اتعظنا بما علمنا لانتفعنا بما عملنا، ولكنا علمنا علما لزمتنا فيه الحجة، وغفلنا غفلة من وجبت عليه النقمة، فوعظنا في أنفسنا بالتنقل من حال إلى حال، ومن صغر إلى كبر، ومن صحة إلى سقم، فأبينا إلا المقام على الغفلة، إثارا لعاجل لا بقاء لأهله، وإعراضا عن آجل إليه المصير.
عتبان بن أبي سفيان وبعض القراء:
سعد القصير قال: دخل أناس من القراء على عتبة بن أبي سفيان فقالوا: إنك سلطت السيف على الحق ولم تسلط الحق على السيف، وجئت بها عشوة «1» خفيّة. قال:
كذبتم! بل سلطت الحق وبه سلطت، فاعرفوا الحق تعرفوا السيف، فإنكم الحاملون له حيث وضعه أفضل، والواضعون له حيث عمله أعدل، ونحن في أوّل زمان لم يأت آخره، وآخر دهر قد فات أوله. فصار المعروف عندكم منكرا، والمنكر معروفا. وإني أقول لكم مهلا، قبل أن أقول لنفسي هلا! قالوا: فنخرج آمنين؟ قال غير راشدين ولا مهذبين.
(3/111)

راهب وضالون في سفرهم:
حاد قوم سفر عن الطريق، فدفعوا إلى راهب منفرد في صومعته، فنادوه، فأشرف عليهم، فسألوه عن الطريق، فقال: ههنا. وأومأ بيده إلى السماء، فعلموا ما أراد، فقالوا: إنا سائلوك. قال: سلوا ولا تكثروا: فإن النهار لا يرجع والعمر لا يعود، والطالب حثيث! قالوا: علام الناس يوم القيامة؟ قال: على نياتهم وأعمالهم.
قالوا: إلى أين الموئل؟ قال: إلى ما قدمتم. قالوا: أوصنا. قال: تزوّدوا على قدر سفركم، فخير الزاد ما بلّغ المحل. ثم أرشدهم الجادّة وانقمع «1» .
وقال بعضهم: أتيت الشام فمررت بدير حرملة، فإذا فيه راهب كأن عينيه مزادتان «2» ، فقلت له: ما أشدّ ما يبكيك! قال: يا مسلم، أبكي على ما فرطت فيه من عمري، وعلى يوم يمضي من أجلي لم يحسن فيه عملي! قال: ثم مررت بعد ذلك، فسألت عنه، فقيل لي إنه أسلم وغزا الروم وقتل!
الحيري وثوبان في لبس الرهبان:
قال أبو زيد الحيري: قلت لثوبان الراهب: ما معنى لبس الرهبان هذا السواد؟
قال: هو أشبه بلباس أهل المصائب! قلت: وكلكم معشر الرهبان قد أصيب بمصيبة؟
قال: يرحمك الله، وهل مصيبة أعظم من مصائب الذنوب على أهلها. قال أبو زيد:
فما أذكر قوله إلا أبكاني.
آزاد مرد:
حبيب العدوى عن موسى الأسواري قال: لما وقعت الفتنة أردت أن أحرز ديني «3» ، فخرجت إلى الأهواز، فبلغ آزاد مرد قدومي، فبعث إليّ متاعا، فلما أردت الانصراف بلغني أنه ثقيل، فدخلت عليه، فإذا هو كالخفّاش، لم يبق منه إلا رأسه،
(3/112)

فقلت: ما حالك؟ قال: وما حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد، ويدخل قبرا موحشا بلا مؤنس، وينطلق إلى ملك عدل بلا حجة؟ ثم خرجت نفسه.
بين العتبي وبعض الرهبان:
العتبي قال: مررت براهب باك، فقلت: ما يبكيك؟ قال: أمر عرفته وقصرت عن طلبه، ويوم مضى من عمري نقص له أجلي ولم ينقص له أملي.
باب من كلام الزهاد وأخبار العباد
لبعض العباد:
قيل لقوم من العبّاد: ما أقامكم في الشمس؟ قالوا: طلب الظل.
لعلقمة الأسود:
قيل لعلقمة الأسود بن يزيد: كم تعذّب هذا الجسد الضعيف؟ قال: لا تنال الراحة إلا بالتعب.
لآخر:
وقيل لآخر: لو رفقت بنفسك! قال: الخير كلّه فيما أكرهت النفوس عليه، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «حفّت الجنّة بالمكاره» .
مسروق الأجدع:
وقيل لمسروق بن الأجدع: لقد أضررت ببدنك. قال: كرامته أريد. وقالت له امرأته فيروز لما رأته لا يفطر من صيام ولا يفتر من صلاة «1» : ويلك يا مسروق! أما يعبد الله غيرك، أما خلقت النار إلا لك؟ قال لها: ويحك يا فيروز! إن طالب الجنة
(3/113)

لا يسأم، وهارب النار لا ينام.
أبو الدرداء وزوجه:
وشكت أم الدرداء إلى أبي الدرداء الحاجة، فقال لها: تصبّري، فإن أمامنا عقبة كئودا «1» لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا.
أبو حازم:
ومر أبو حازم بسوق الفاكهة، فقال: موعدك الجنة.
ومر بالجزارين، فقالوا له: يا أبا حازم، هذا لحم سمين فاشتر. قال: ليس عندي ثمنه. قالوا نؤخرك. قال: أنا أؤخر نفسي.
وكان رجل من العبّاد يأكل الرّمّان بقشره، فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال إنما هو عدوّ فأثخن «2» فيه ما أمكنك.
علي بن الحسين:
وكان عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فسئل عن ذلك، فقال: ويحكم! أتدرون إلى من أقوم ومن أريد أن أناجي؟
يونس بن عبيد:
وقال رجل ليونس بن عبيد: هل تعلم أحدا يعمل بعمل الحسن «3» ؟ قال: لا والله ولا أحدا يقول بقوله.
لمحمد بن علي:
وقيل لمحمد بن علي بن الحسين أو لعليّ بن الحسين عليهم السّلام: ما أقلّ ولد
(3/114)

أبيك؟ قال: العجب كيف ولدت له وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء؟ وحج خمسا وعشرين حجة راجلا.
ابن المسيب وامرأة:
ولما ضرب سعيد بن المسيب وأقيم للناس قالت له امرأة: لقد أقمت مقام خزية! فقال: من مقام الخزية فررت.
لابن دينار في قحط:
وشكا الناس إلى مالك بن دينار القحط. فقال: أنتم تستبطئون المطر وأنا أستبطىء الحجارة!
لابن عياض في مثله:
وشكا أهل الكوفة إلى الفضيل بن عياض القحط. فقال: أمدبّرا غير الله تريدون؟
لأبي حنيفة في السختياني:
وذكر أبو حنيفة أيوب السّختياني. فقال: رحمه الله تعالى- ثلاثا- لقد قدم المدينة مرة وأنا بها فقلت: لأقعدن إليه لعلّي أتعلق منه بسقطة. فقام بين يدي القبر مقاما ما ذكرته إلا اقشعرّ له جلدي.
ابن أبي رباح:
وقيل لاهل مكة: كيف كان عطاء بن أبي رباح فيكم؟ قالوا: كان مثل العافية التي لا يعرف فضلها حتى تفقد. وكان عطاء أفطس «1» أسود أشل أعرج ثم عمي وأمه سوداء تسمى بركة.
(3/115)

الأوقص المخزومي:
وكان الأوقص المخزومي قاضيا بمكة، فما رؤى مثله في عفافه وزهده؛ فقال يوما لجلسائه: قالت لي أمي: يا بني، إنك خلقت خلقة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان عند القيان؛ فعليك بالدين؛ فإن الله يرفع به الخسيسة، ويتم به النقيصة، فنفعني الله تعالى بكلامها وأطعتها فوليت القضاء.
بين ابن واسع وابن دينار:
الفضيل بن عياض قال: اجتمع محمد بن واسع ومالك بن دينار في مجلس بالبصرة، فقال مالك بن دينار: ما هو إلا طاعة الله أو النار. فقال محمد بن واسع ما هو كما تقول، ليس إلا عفو الله أو النار. قال مالك: صدقت. ثم قال مالك: إنه يعجبني أن يكون للرجل معيشة قدر ما يقوته. قال محمد بن واسع: ما هو إلا كما تقول، ولكن يعجبني أن يصبح الرجل وليس له غداء، ويمسي وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله عز وجل. قال مالك: ما أحوجني إلى أن يعلمني مثلك.
لابن مهدي في بعض العباد:
جعفر بن سليمان قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما رأيت أحدا أقشف «1» من شعبة، ولا أعبد من سفيان الثوري، ولا أحفظ من ابن المبارك. وما أحب أن ألقى الله بصحيفة أحد إلا بصحيفة بشر بن منصور، مات ولم يدع قليلا ولا كثيرا.
بشر بن منصور على فراش الموت:
عبد الأعلى بن حماد قال: دخلت على بشر بن منصور وهو في الموت، فإذا به من السرور في أمر عظيم؛ فقلت له: ما هذا السرور؟ قال: سبحان الله! أخرج من بين الظالمين والباغين والحاسدين والمغتابين، وأقدم على أرحم الراحمين ولا أسر.
(3/116)

الرشيد وعابد بمكة:
حج هارون الرشيد، فبلغه عن عابد بمكة مجاب الدعوة معتزل في جبال تهامة فأتاه هارون الرشيد فسأله عن حاله ثم قال له: أوصني ومرني بما شئت، فواد لا عصيتك! فسكت عنه ولم يرد عليه جوابا؛ فخرج عنه هارون، فقال له أصحابه ما منعك إذا سألك أن تأمره بما شئت وحلف ألّا يعصيك أن تأمره بتقوى الله والإحسان إلى رعيته؟ فخط لهم في الرمل: إني أعظمت الله أن يكون يأمره فيعصيه، وآمره أنا فيطيعني.
سفيان الثوري:
علي بن حمزة ابن أخت سفيان الثوري قال: لما مرض سفيان مرضه الذي مات فيه ذهبت ببوله إلى ديراني، فأريته إياه فقال: ما هذا ببول حنيفي. قلت: بلى والله من خيارهم. قال: فأنا أذهب معك إليه، قال: فدخل عليه وجس عرقه، فقال: هذا رجل قطع الحزن كبده.
ابن سيرين:
مؤرّق العجلي قال: ما رأيت أحدا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين، ولقد قال يوما: ما غشيت امرأة قط في نوم ولا يقظة، إلا امرأتي أم عبد الله فإني أرى المرأة في النوم؛ فأعلم أنها لا تحلّ لي فأصرف «1» بصري عنها.
بعض العباد:
الأصمعي عن ابن عون قال: رأيت ثلاثة لم أر مثلهم: محمد بن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام.
العتبي قال: سمعت أشياخنا يقولون، انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين: عامر بن
(3/117)

عبد القيس، والحسن بن أبي الحسن البصري، وهرم بن حبان، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، والربيع بن خثيم ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد.
كيف يكون الزهد
للنبي صلّى الله عليه وسلم
العتبي يرفعه قال: قيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما الزهد في الدنيا؟ قال: «أما إنه ما هو بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أغنى منك عما في يدك» .
للزهري:
وقيل للزهري: ما الزهد؟ قال: أما إنه ليس تشعيث الّلمّة، «1» ولا قشف الهيئة؛ ولكنه صرف النفس عن الشهوة.
لبعضهم:
وقيل لآخر: ما الزهد في الدنيا؟ قال: أن لا يغلب الحرام صبرك، ولا الحلال شكرك.
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
وقيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: يا رسول الله، من أزهد الناس في الدنيا؟ قال: «من لم ينس المقابر والبلى، وآثر ما يبقى على ما يفنى، وعدّ نفسه مع الموتى» .
وقيل لمحمد بن واسع: من أزهد الناس في الدنيا؟ قال: من لا يبالي بيد من كانت الدنيا.
وقيل للخليل بن أحمد: من أزهد الناس في الدنيا؟ قال من لم يطلب المفقود حتى يفقد الموجود.
(3/118)

وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «الزّهد في الدنيا مفتاح الرّغبة في الآخرة، والرغبة في الدنيا مفتاح الزهد في الآخرة» .
قالوا: مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له امرأتان ضرّتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «من جعل الدنيا أكبر همّه نزع الله خوف الأخرى من قلبه، وجعل الفقر بين عينيه، وشغله فيما عليه لا له» .
وقال ابن السماك: الزاهد الذي إن أصاب الدنيا لم يفرح، وإن أصابته الدنيا لم يحزن، يضحك في الملا «1» ، ويبكي في الخلا.
وقال الفضيل: أصل الزهد في الدنيا الرضا عن الله تعالى.
صفة الدنيا
قال رجل لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا.
قال: ما أصف من دار أوّلها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.
قيل لأرسطا طاليس: صف لنا الدنيا. فقال: ما أصف من دار أولها فوت، وآخرها موت.
وقيل لحكيم: صف لنا الدنيا. قال: أمر بين يديك، وأجل مطل عليك، وشيطان فتان، وأماني جرّارة العنان «2» ، تدعوك فتستجيب؛ وترجوها فتخيب.
وقيل لعامر بن عبد القيس: صف لنا الدنيا. قال: الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبرم «3» ، مرتجعة العطية وكل من فيها يجري إلى ما لا يدري.
(3/119)

وقيل لبكر بن عبد الله المزني: صف لنا الدنيا. فقال: ما مضى منها فحلم؛ وما بقي فأماني.
وقيل لعبد الله بن ثعلبة: صف لنا الدنيا. قال: أمسك مذموم فيك، ويومك غير محمود لك، وعزّك غير مأمون عليك.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» .
وقال: «الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر. والآخرة وعد صدق يحكم فيها ملك قادر، يفضل الحق من الباطل» .
وقال: «الدنيا خضرة حلوة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ومن أخذها بغير حقها كان كالآكل الذي لا يشبع» .
وقال ابن مسعود: ليس من الناس أحد إلا وهو ضيف على الدنيا وماله عارية:
فالضيف مرتحل، والعارية مردودة.
وقال المسيح عليه السّلام: الدنيا لإبليس مزرعة وأهلها حرّاثون.
وقال إبليس: ما أبالي إذا أحب الناس الدنيا أن لا يعبدوا صنما ولا وثنا، الدنيا أفتن لهم من ذلك.
وكان النبي صلّى الله عليه وسلم «يسمي الدنيا أمّ دفر. الدفر: النتن» .
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم للضحاك بن سفيان: «ما طعامك؟» قال: اللحم واللبن. قال: «ثم إلى ماذا يصير؟» قال يصير إلى ما قد علمت. قال: «فإن الله عز وجل ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا» .
وقال المسيح عليه السّلام لأصحابه: اتخذوا الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.
من الأثر:
وفي بعض الكتب: أوحى الله إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه.
وقيل لنوح عليه السّلام: يا أبا البشر ويا طويل العمر، كيف وجدت الدنيا؟ قال:
(3/120)

كبيت له بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
وقال لقمان لابنه: إن الدنيا بحر عريض، قد هلك فيه الأولون والآخرون، فإن استطعت أن تجعل سفينتك تقوى الله، وعدّتك التوكل على الله، وزادك العمل الصالح. فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك.
وقال ابن الحنفية: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا.
وقال: إن الملوك خلّوا لكم الحكمة فخلّوا لهم الدنيا.
وقيل لمحمد بن واسع: إنك لترضى بالدّون «1» . قال: إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا.
وقال المسيح عليه الصلاة والسّلام للحواريين: أنا الذي كفأت «2» الدنيا على وجهها، فليس لي زوجة تموت، ولا بيت يخرب.
لابن عبيد:
شكا رجل إلى يونس بن عبيد وجعا يجده، فقال له: يا عبد الله، هذه دار لا توافقك فالتمس لك دارا توافقك.
الراهب:
لقي رجل راهبا فقال: يا راهب، صف لنا الدنيا. فقال: الدنيا تخلق الأبدان، وتجدد الآمال، وتباعد الأمنيّة، وتقرّب المنية. قال: فما حال أهلها؟ قال: من ظفر بها تعب، ومن فاتته نصب «3» . قال. فما الغنى عنها؟ قال: قطع الرجاء منها. قال:
فأين المخرج؟ قال: في سلوك المنهج. قال: وما ذاك؟ قال: يذل المجهود، والرضا بالموجود.
(3/121)

لبعض الشعراء:
قال الشاعر:
ما الناس إلّا مع الدنيا وصاحبها ... فحيثما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظّمون أخا الدنيا وإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
وقال آخر:
يا خاطب الدّنيا إلى نفسها ... تنحّ عن خطبتها تسلم
إنّ التي تخطب غرّارة ... قريبة العرس من المأتم «1»
عبد الواحد بن الخطاب:
داود بن المحبّر قال: أخبرنا عبد الواحد بن الخطاب قال: أقبلنا قافلين من بلاد الروم، حتى إذا كنا بين الرّصافة وحمص سمعنا صوتا من تلك الجبال، تسمعه آذاننا ولم تبصره أبصارنا، يقول: يا مستور يا محفوظ، انظر في ستر من أنت؛ إنما الدنيا شوك، فانتظر أين تضع قدميك منها!
وقال أبو العتاهية:
رضيت بذي الدّنيا ككلّ مكاثر ... ملحّ على الدّنيا وكلّ مفاخر
ألم ترها تسقيه حتى إذا صبا ... فرت حلقه منها بشفرة جازر «2»
ولا تعدل الدّنيا جناح بعوضة ... لدى الله أو معشار نغبة طائر «3»
فلم يرض بالدنيا ثوابا لمؤمن ... ولم يرض بالدنيا عقابا لكافر
وقال أيضا:
هي الدنيا؛ إذا كملت ... وتمّ سرورها خذلت
وتفعل في الذين بقوا ... كما فيمن مضى فعلت
(3/122)

قال بعض الشعراء يصف الدنيا:
لقد غرّت الدنيا رجالا فأصبحوا ... بمنزلة ما بعدها متحوّل
فساخط أمر لا يبدّل غيره ... وراض بأمر غيره سيبدّل
وبالغ أمر كان يأمل دونه ... ومخترم من دون ما كان يأمل «1»
وقال هارون الرشيد: لو قيل للدنيا صفي لنا نفسك، وكانت ممن ينطق، ما وصفت نفسها بأكثر من قول أبي نواس:
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق
وما الناس إلّا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
لبعض الشعراء:
وقال آخر في صفة الدنيا:
فرحنا وراح الشّامتون عشيّة ... كأنّ على أكتافنا فلق الصّخر
لحا الله دنيا تدخل السّتر أهلها ... وتهتك ما بين الأقارب من ستر
ولأبي العتاهية:
كلنا نكثر الملامة للدنيا ... وكل بحبّها مفتون
والمقادير لا تناولها الأو ... هام لطفا ولا تراها العيون
ولركب الفناء في كلّ يوم ... حركات كأنهنّ سكون
لابن عبد ربه:
ومن قولنا في وصف الدنيا:
ألا إنما الدّنيا نضارة أيكة ... إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب «2»
هي الدار ما الآمال إلّا فجائع ... عليها ولا الّلذّات إلا مصائب
فكم سخنت بالأمس عين قريرة ... وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب
(3/123)

فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب
وقال أبو العتاهية:
أصبحت الدنيا لنا فتنة ... والحمد لله على ذلكا
قد أجمع الناس على ذمّها ... ما إن ترى منهم لها تاركا
وقال إبراهيم بن أدهم:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وما سمعت في صفة الدنيا والسبب الذي يحبها الناس لأجله بأبلغ من قول القائل.
نراع بذكر الموت في حين ذكره ... وتعترض الدّنيا فنلهو ونلعب
ونحن بنو الدّنيا خلقنا لغيرها ... وما كنت منه فهو شيء محبّب
فذكر أن الناس بنو الدنيا وما كان الإنسان منه فهو محبب إليه.
واعلم أن الإنسان لا يحب شيئا إلا أن يجانسه في بعض طبائعه، وأن الدنيا جانست الإنسان في طبائعه كلها فأحبها بكل أطرافه.
ابن شبرمة وولده:
وقال بعض ولد ابن شبرمة: كنت مع أبي جالسا قبل أن يلي القضاء فمرّ به طارق ابن أبي زياد في موكب نبيل، فلما رآه أبي تنفّس الصّعداء، وقال:
أراها وإن كانت تحبّ كأنها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع»
ثم قال: اللهم لي ديني ولهم دنياهم. فلما ابتلى بالقضاء، قلت: يا أبت، أتذكر يوم طارق؟ فقال: يا بني إنهم يجدون خلفا من أبيك وإن أباك لا يجد خلفا منهم إن أباك خطب في أهوائهم وأكل من حلوائهم.
(3/124)

وقال الشعبي ما رأيت مثلنا ومثل الدنيا إلا كما قال كثّير عزة:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت «1»
وأحكم بيت قيل في تمثيل الدنيا قول الشاعر:
ومن يأمن الدّنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع «2»
الأصعمي في بيت يستحسنه:
وحدّث العبّاس بن الفرج الرياشي، قال: رأيت الأصمعي ينشد هذا البيت ويستحسنه في صفة الدنيا:
ما عذر مرضعة بكا ... س الموت تفطم من غذت
ولقطري بن الفجاءة في وصف الدنيا خطبة مجردة تقع في جملة الخطب في كتاب الواسطة.
قولهم في الخوف
لابن عباس:
سئل ابن عباس عن الخائفين لله، فقال: هم الذين صدّقوا الله في مخافة وعيده، قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم على أنفسهم باكية، ودموعهم على خدودهم جارية، يقولون كيف نفرح والموت من ورائنا. والقبور من أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي ربنا موقفنا! وقال عليّ كرم الله وجهه: ألا إن الله عبادا مخلصين، كمن رأى أهل الجنة في الجنة فاكهين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة وقلوبهم محزونة. وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة العقبى راحة طويلة، أما بالليل فصفّوا
(3/125)

أقدامهم في صلاتهم؛ تجري دموعهم على خدودهم، يجارون «1» إلى ربهم: ربّنا ربّنا! يطلبون فكاك قلوبهم؛ وأما بالنهار فعلماء حلماء بررة أتقياء؛ كأنهم القداح. القداح:
السهام، يريد في ضمرتها- ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، وما بالقوم من مرض؛ ويقول: خولطوا؛ ولقد خالط القوم أمر عظيم.
لابن عمار في الزهد:
وقال منصور بن عمار في مجلس الزهد: إن لله عبادا جعلوا ما كتب عليهم من الموت مثالا بين أعينهم، وقطعوا الأسباب المتصلة بقلوبهم من علائق الدنيا؛ فهم أنضاء عبادته، حلفاء طاعته، قد نضحوا «2» خدودهم بوابل دموعهم «3» ، وافترشوا جباههم في محاريبهم، يناجون ذا الكبرياء والعظمة في فكاك رقابهم «4» .
عمر بن عبد العزيز في مرضه:
ودخل قوم على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه وفيهم شاب ذابل ناحل؛ فقال له عمر: يا فتى، ما بلغ بك ما أرى؟ قال: يا أمير المؤمنين، أمراض وأسقام! قال له عمر: لتصدقنّي. قال: بلى يا أمير المؤمنين، ذقت يوما حلاوة الدنيا فوجدتها مرة عواقبها؛ فاستوى عندي حجرها وذهبها؛ وكأني أنظر إلى عرش ربنا بارزا؛ وإلى الناس يساقون إلى الجنة والنار؛ فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي؛ وقليل كلّ ما أنا فيه في جنب ثواب الله وخوف عقابه.
وقال ابن أبي الحواري: قلت لسفيان: بلغني في قول الله تبارك وتعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
«5» : الذي يلقي ربه وليس فيه أحد غيره. فبكى وقال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير.
(3/126)

وقال الحسن: إن خوفك حتى تلقي الأمن خير من أمنك حتى تلقى الخوف.
وقال: ينبغي أن يكون الخوف أغلب على الرجاء. فإن الرجاء إذا غلب الخوف فسد القلب.
وقال: عجبا لمن خاف العقاب ولم يكفّ، ولمن رجا الثواب ولم يعمل.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لرجل: ما تصنع؟ فقال: أرجو وأخاف.
قال: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه.
وقال الفضيل بن عياض: إني لأستحي من الله أن أقول: توكّلت على الله. ولو توكلت عليه حقّ التوكل ما خفت ولا رجوت غيره.
وقالوا: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.
وقال: وعد من الله لمن خافه أن يدخله الله الجنة. وتلا قوله عز وجل: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
«1» .
وقال عمر بن ذرّ: عباد الله؛ لا تغتروا بطول حلم الله واحذروا أسفه؛ فإنه قال عز وجل: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
«2» .
وقال محمد بن سلّام: سمعت يونس بن حبيب يقول: لا تأمن من قطع في خمسة دراهم أشرف عضو فيك أن تكون عقوبته في الآخرة أضعاف ذلك.
وقال الربيع بن خثيم: لو أن لي نفسين إذا علقت إحداهما سعت الأخرى في فكاكها، ولكنها نفس واحدة، فإن أنا أوثقتها. من يفكّها؟.
وفي الحديث: «من كانت الدنيا همّه، طال في الآخرة غمّه. ومن خاف الوعيد لها عمّا يريد، ومن خاف ما بين يديه ضاق ذرعا بما في يده» .
(3/127)

وقال محمود الوراق:
يا غافلا ترنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد «1»
تصل الذّنوب إلى الذّنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العابد «2»
ونسيت أنّ الله أخرج آدما ... منها إلى الدّنيا بذنب واحد
وقال نابغة بني شيبان:
إنّ من يركب الفواحش سرّا ... حين يخلو بسرّه غير خال
كيف يخلو وعنده كاتباه ... شاهداه وربّه ذو الجلال
قولهم في الرجاء
قال العلماء: لا تشهد على أحد من أهل القبلة بجنة ولا نار؛ يرجى للمحسن ويخاف عليه، ويخاف على المسيء ويرجى له.
في الأثر:
وفي الحديث المرفوع. «إن الله يغفر ولا يعيّر، والناس يعيّرون ولا يغفرون» .
وفي حديث آخر: «لا تكفّروا أهل الذنوب» .
فتى توفي في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلم:
وتوفي رجل في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان مسرفا على نفسه فرفع رأسه، وهو يجود بنفسه، فإذا أبواه يبكيان عند رأسه، فقال: ما يبكيكما؟ قال: نبكي لإسرافك على نفسك «3» ! قال: لا تبكيا: فو الله ما يسرني أن الذي بيد الله من أمري بأيديكما.
ثم مات. فأتى جبريل عليه الصلاة والسلام النبي صلّى الله عليه وسلم، فأخبره أن فتى توفى اليوم فاشهده فإنه من أهل الجنة، فسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم أبويه عن عمله، فقالا: ما عملنا
(3/128)

عنده شيئا من خير، إلا أنه قال لنا عند الموت كذا وكذا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
«من هاهنا أوتي؛ إن حسن الظن بالله من أفضل العمل عنده» .
عمر بن ذر ورجل توفي:
وتوفي رجل بجوار ابن ذر، وكان مسرفا على نفسه، فتحامى الناس جنازته وبلغ ذلك عمر بن ذر، فأوصى أهله: إذا جهزتموه فآذنوني. ففعلوا؛ فشهده والناس معه، فلما أدلى وقف على قبره فقال: رحمك الله أبا فلان، فلقد صحبت عمرك بالتوحيد، وعفرت وجهك لله بالسجود، فإن قالوا مذنب وذو خطايا، فمن منا غير مذنب وذي خطايا؟
وتمثل معاوية عند الموت بهذا البيت:
هو الموت لا منجى من الموت والذي ... نحاذر بعد الموت أنكى وأفظع
ثم قال: اللهم فأقل العثرة، واعف عن الزّلّة، وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك، ولم يثق إلا بك فإنك واسع المغفرة. يا رب أين لذي الخطأ مهرب إلا إليك.
قال داود بن أبي هند: فبلغني أن سعيد بن المسيّب قال حين بلغه ذلك: لقد رغب إلى من لا مرغب إلا إليه كرها، وإني أرجو من الله له الرحمة.
لأعرابي في عائشة:
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول في دعائه وابتهاله: إلهي، ما توهمت سعة رحمتك إلا وكأن نعمة عفوك تقرع مسامعي: أن قد غفرت لك؛ فصدّق ظني بك.
وحقق رجائي فيك يا إلهي.
لبعض الشعراء:
ومن أحسن ما قيل في الرجاء هذا البيت:
وإن لأرجو الله حتى كأنّني ... أرى بجميل الظّنّ ما الله صانع
(3/129)

قولهم في التوبة
للمسيح عليه السّلام:
مر المسيح بن مريم عليه السّلام بقوم من بني إسرائيل يبكون، فقال لهم: ما يبكيكم؟ قالوا: نبكي لذنوبنا! قال: اتركوها تغفر لكم.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عجبا لمن يهلك ومعه النجاة؛ قيل له:
وما هي؟ قال: التوبة والاستغفار.
فتى من بني إسرائيل:
وقالوا: كان شاب من بني إسرائيل قد عبد الله عشرين حجة، ثم عصاه عشرين حجّة؛ فبينما هو في بيته يتراءى في مرآته، نظر إلى الشيب في لحيته، فساءه ذلك؛ فقال: إلهي، أطعتك عشرين سنة وعصيتك عشرين سنة؛ فإن رجعت إليك تقبلني؟
فسمع صوتا من زاوية البيت، ولم ير شخصا: أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك.
ابن العلاء في عابد:
عبد الله بن العلاء قال: خرجنا حجّاجا من المدينة، فلما كنا بالحليفة نزلنا، فوقف علينا رجل عليه أثواب رثّة له منظر وهيئة، فقال: من يبغي خادما؟ من يبغي ساقيا؟
من يملأ قربة أو إداوة؟ فقلنا: دونك هذه القرب فاملأها. فأخذها وانطلق، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أقبل امتلأت أثوابه طينا، فوضعها وهو كالمسرور الضاحك، ثم قال: لكم غير هذا؟ قلنا: لا. وأطعمناه قارصا حاذرا «1» ، فأخذه وحمد الله وشكره، ثم اعتزل وقعد يأكل أكل جائع، فادركتني عليه الرقة، فقمت إليه بطعام طيب كثير؛ وقلت: قد علمت أنه لم يقع منك القرص موقعا، فدونك هذا الطعام فكله. فنظر في
(3/130)

وجهي وتبسم؛ وقال: يا عبد الله، إنما هي فورة، هذه النار قد أطفأتها- وضرب بيده على بطنه- فرجعت وقد انكسف بالي لما رأيت في هيبته؛ فقال إلى رجل كان إلى جانبي: أتعرفه؟ قلت: ما أعرفه. قال: هذا رجل من بني هاشم، من ولد العباس ابن عبد المطلب؛ كان يسكن البصرة؛ فتاب وخرج منها، ففقد وما يعرف له أثر.
فأعجبني قوله؛ ثم لحقت به وناشدته الله؛ وقلت له: هل لك أن تعادلني فإن معي فضلا من راحلتي وأنا رجل من بعض أخوالك؟ فجزاني خيرا، وقال: لو أردت شيئا من هذا لكان لي معدّا. ثم أنس إليّ وجعل يحدثني؛ وقال: أنا رجل من ولد العباس، كنت أسكن البصرة، وكنت ذا كبر شديد وجبروت وبذخ؛ وإني أمرت خادما لي أن تحشو لي فراشا من حرير بورد نثير، ومخدّة؛ ففعلت؛ فإني لنائم إذ أيقظني قمع «1» وردة أغفلته الخادم؛ فقمت إليها فأوجعتها ضربا، ثم عدت إلى مضجعي بعد أن خرج ذلك القمع من المخدّة؛ فأتاني آت من منامي في صورة فظيعة، فنهرني وزبرني «2» ، وقال: أفق من غشيتك وأبصر من حيرتك. ثم أنشأ يقول:
يا خدّ إنك إن توسّد ليّنا ... وسّدت بعد الموت صمّ الجندل «3»
فامهد لنفسك صالحا تنجو به ... فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل
فانتبهت فزعا، وخرجت من ساعتي هاربا بديني إلى ربي.
في التوبة:
وقالوا: علامة التوبة الخروج من الجهل، والندم على الذنب، والتجافي عن الشهوة، وترك الكذب، والانتهاء عن الخلق السوء.
وقالوا: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وأول التوبة الندم.
لابن عبد ربه:
ومن قولنا في هذا المعنى:
يا ويلتا من موقف ما به ... أخوف من أن يعدل الحاكم
(3/131)

أبارز الله بعصيانه ... وليس لي من دونه راحم
يا ربّ غفرانك عن مذنب ... أسرف إلا أنه نادم
وقال بعض أهل التفسير في قول الله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
«1» . إن التوبة النصوح: أن يتوب العبد عن الذنب ولا ينوي العود إليه.
وقال ابن عباس في قول الله عز وجل: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
«2» . إن الرجل لا يركب ذنبا ولا يأتي فاحشة إلا وهو جاهل. وقوله: ثم يتوبون من قريب. قال: كل من كان دون المعاينة فهو قريب، والمعاينة: أن يؤخذ بكظم الإنسان، فذلك قوله: إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
«3» قال أهل التفسير: هو إذا أخذ بكظمه «4» .
وقال ابن شبرمة: إني لأعجب ممن يحتمي مخافة الضرر، ولا يدع الذنوب مخافة النار.
المبادرة بالعمل الصالح
قال الله عز وجل: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
«5» .
وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
«6» .
وقال الحسن: بادروا بالعمل الصالح قبل حلول الأجل، فإن لكم ما أمضيتم، لا ما أبقيتم.
وقالوا: ثلاثة لا أناة فيهنّ. المبادرة بالعمل الصالح، ودفن الميت، وإنكاح الكفء.
(3/132)

وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «ابن آدم: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك» .
وقال الحسن: صم قبل أن لا تقدر على يوم تصومه، كأنك إذا ظمئت لم تكن رويت، وكأنك إذا رويت لم تكن طمئت.
وكان يزيد الرّقاشي يقول: يا يزيد، من يصوم عنك أو يصلّي لك أو يترضى لك ربك إذا مت.
وكان خالد بن معدان يقول:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التّفريط في زمن البذر
وقال ابن المبارك: كنت مع محمد بن النّضر في سفينة، فقلت: بأي شيء استخرج منه الكلام؟ فقلت له: ما تقول في الصوم في السفر؟ فقال: إنما هي المبادرة يابن أخي. فجاءني والله بفتيا غير فتيا إبراهيم والشعبي.
ومن قولنا في هذا المعنى:
بادر إلى التوبة الخلصاء مبتدئا ... والموت ويحك لم يمدد إليك يدا
وارقب من الله وعدا ليس يخلفه ... لا بدّ لله من إنجاز ما وعدا
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأصحابه: فيم أنتم؟ قالوا: نرجو ونخاف.
قال: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه.
وقال الشاعر «1» :
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس
وقال آخر:
اعمل وأنت من الدنيا على حذر ... واعلم بأنك بعد الموت مبعوث
واعلم بأنك ما قدّمت من عمل ... يحصى عليك، وما خلّفت موروث
(3/133)

النبي صلّى الله عليه وسلم وعائشة:
وقدّمت عائشة رضي الله عنها إلى النبي صلّى الله عليه وسلم صحفة «1» فيها خبز شعير وقطعة من كرش، وقالت: يا رسول الله، ذبحنا اليوم شاة فما أمسكنا منها غير هذا. فقال: «بل كلّها أمسكتم غير هذا» .
العجز عن العمل
مؤرق وشاك:
قال رجل لمؤرّق العجلي: أشكو إليك نفسي؛ إنها لا تريد الصلاة، ولا تستطيع الصبر على الصيام. قال: بئس الثناء [ما] أثنيت على نفسك، فإذا ضعفت عن الخير، فاضعف عن الشر؛ فإن الشاعر قال:
احزن على أنك لا تحزن ... ولا تسيء إن كنت لا تحسن
واضعف عن الشرّ كما تدّعي ... ضعفا عن الخير وقد يمكن
وقال بكر بن عبد الله: اجتهدوا في العمل، فإن قصّر بكم ضعف فأمسكوا عن المعاصي.
وقال الحسن رحمه الله: من كان قويا فليعتمد على قوّته في طاعة الله؛ وإن كان ضعيفا فليكّف عن معاصي الله.
وقال عليّ: لا تكن كمن يعجز عن شكر ما أوتي، فيبتغي الزيادة فيما بقي؛ وينهى الناس ولا ينتهي.
وكان الحسن إذا وعظ يقول: يا لها موعظة لو صادفت من القلوب حياة! أسمع حسيسا «2» ولا أرى أنيسا، ما لهم تفاقدوا عقولهم؟ فراش نار وذباب طمع.
وكان ابن السماك إذا فرغ من موعظته يقول: ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.
(3/134)

وقال: الحسنة نور في القلب، وقوّة في العمل؛ والسيئة ظلمة في القلب، وضعف في العمل.
وقال بعض الحكماء: يا أيها المشيخة الذين لم يتركوا الذنوب حتى تركتهم الذنوب، ثم ظنوا أنّ تركها لهم توبة؛ وليتهم إذا ذهبت عنهم لم يتمنّوا عودها إليهم وكان مالك بن دينار يقول: ما أشدّ فطام الكبير. وينشد:
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم «1»
ومن حديث محمد بن وضّاح قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب، مسح إبليس بيده على وجهه وقال: بأبي وجه لا أفلح أبدا.
قال الشاعر:
فإذا أي إبليس غرّة وجهه ... حيّا وقال فديت من لا يفلح
وقال رجل للحسن: أبا سعيد، أردت البارحة أن أصلي فلم أستطع، قال: قيّدتك ذنوبك.
قولهم في الموت
بين النبي صلّى الله عليه وسلم وابن الخطاب:
قال النبي صلّى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه: «ما عندك من ذكر الموت أبا حفص؟» قال: أمسي فما أرى أنّي أصبح، وأصبح فما أرى أني أمسي! قال: «الأمر أوشك من ذلك أبا حفص، أما إنه يخرج عني نفسي فما أرى أنه يعود إليّ!» وقال عبد الله بن شدّاد: أرى داعي الموت لا يقلع، ومن مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع «2» .
وقال الحسن: ابن آدم، إنما أنت عدد، فإذا مضى يومك فقد مضى بعضك.
(3/135)

وقال أبو العتاهية:
الناس في غفلاتهم ... ورحى المنيّة تطحن
وقال عمر بن عبد العزيز: من أكثر من ذكر الموت اكتفى باليسير، ومن علم أن الكلام عمل: قلّ كلامه إلا فيما ينفع.
وكان أبو الدرداء إذا رأى جنازة قال: اغدي «1» فإنا رائحون، أو روحي «2» فإنا غادون.
وقال رجل للحسن: مات فلان فجأة. فقال: لو لم يمت فجأة لمرض فجأة ثم مات.
وقال يعقوب صلوات الله عليه للبشير الذي أتاه بقميص يوسف: ما أدري ما أثيبك به، ولكن هوّن الله عليك سكرات الموت.
ابن العلاء وجرير:
وقال أبو عمرو بن العلاء: لقد جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه:
ودّع أمامة حان منك رحيل
ثم طلعت جنازة فأمسك وقال: شيّبتني هذه الجنازة. قلت: فلم تساب الناس؟ قال:
يبدءونني ثم لا أعفو، وأعتدي ولا أبتدي. ثم أنشأ يقول:
تروّعنا الجنائز مقبلات ... فنلهو حين تذهب مدبرات
كروعة ثلّة لمغار سبع ... فلما غاب عادت راتعات «3»
وقالوا: من جعل الموت بين عينيه، لها عما في يديه.
وقالوا: اتخذ نوح بيتا من جصّ، فقيل: لو بنيت ما هو أحسن من هذا! قال:
هذا كثير لمن يموت.
(3/136)

لأمية:
وأحكم بيت قالته العرب في وصف الموت، بيت أمية بن أبي الصلت حيث يقول:
يوشك من فرّ من منيّته ... في بعض غرّاته يوافقها
من لم يمت عبطة يمت هرما ... للموت كاس والمرء ذائقها «1»
لأصبغ في عابد:
وقال أصبغ بن الفرج، كان بنجران عابد يصيح في كل يوم صيحتين بهذين البيتين:
منع البقاء مطالع الشمس ... وغدوّها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء قانية ... وغروبها صفراء كالورس»
اليوم يخبر ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس
وقال آخر:
زيّنت بينك جاهلا وعمرته ... ولعلّ صهرك صاحب البيت
من كانت الأيام سائرة به ... فكأنه قد حلّ بالموت!
والمرء مرتهن بسوف وليتني ... وهلاكه في السّوف والّليت
لله درّ فتى تدبّر أمره ... فغدا وراح مبادر الموت
وقال صريع الغواني:
كم رأينا من أناس هلكوا ... قد بكوا أحبابهم ثم بكوا
تركوا الدّنيا لمن بعدهم ... ودّهم لو قدّموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقة ... ورأينا سوقة قد ملكوا
وقال الصّلتان العبديّ:
(3/137)

أشاب الصّغير وأفنى الكبير ... كرّ الغداة ومرّ العشي «1»
إذا ليلة هزمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي
وكان سفيان بن عيينة يستحسن قول عدي بن زيد:
أين أهل الدّيار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدها وثمود
بينما هم على الأسرّة والأنماط ... أفضت إلى التراب الخدود
وصحيح أمسى يعود مريضا ... وهو أدنى للموت ممن يعود
ثم لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذا كلّه وذاك الوعيد
وقال أبو العتاهية في وصف الموت:
كأنّ الأرض قد طويت عليّا ... وقد أخرجت مما في يديّا
كأني صرت منفردا وحيدا ... ومرتهنا لديك بما عليّا
كأنّ الباكيات عليّ يوما ... ولا يغنى البكاء عليّ شيّا
ذكرن منيّتي فنعيت نفسي ... ألا أسعد أخيّك يا أخيّا
وقال:
ستخلق جدّة وتحول حال ... وعند الحقّ تختبر الرّجال
وللدّنيا ودائع في قلوب ... بها جرت القطيعة والوصال
تخوّف ما لعلّك لا تراه ... وترجوا ما لعلّك لا تنال
وقد طلع الهلال لهدم عمري ... وأفرح كلما طلع الهلال!
وله أيضا:
من يعش يكبر ومن يكبر يمت ... والمنايا لا تبالي من أتت
نحن في دار بلاء وأذى ... وشقاء وعناء وعنت «2»
(3/138)

منزل ما يثبت المرء به ... سالما إلّا قليلا إن ثبت
أيها المغرور ما هذا الصّبا ... لو نهيت النفس عنه لانتهت
رحم الله امرأ أنصف من ... نفسه إذ قال خيرا أو سكت
لابن عبد ربه:
ومن قولنا في ذكرت الموت:
من لي إذا جدت بين الأهل والولد ... وكان منّي نحو الموت قيس يدي «1»
والدّمع يهمل والأنفاس صاعدة ... فالدّمع في صبب والنّفس في صعد
ذاك القضاء الذي لا شيء يصرفه ... حتى يفرّق بين الرّوح والجسد
ومن قولنا فيه:
أتلهو بين باطية «2» وزير ... وأنت من الهلاك على شفير؟
فيامن غرّه أمل طويل ... يؤدّيه إلى أجل قصير
أتفرح والمنيّة كلّ يوم ... تريك مكان قبرك في القبور؟
هي الدّنيا فإن سرّتك يوما ... فإنّ الحزن عاقبة السرور
ستسلب كل ما جمّعت منها ... كعارية تردّ المعير
وتعتاض اليقين من التّظنّي ... ودار الحقّ من دار الغرور
ولأبي العتاهية:
وليس من منزل يأويه مرتحل ... إلّا وللموت سيف فيه مسلول
وله أيضا:
ما أقرب الموت منا ... تجاوز الله عنا
كأنه قد سقانا ... بكاسه حيث كنا
وله أيضا:
(3/139)

أؤمّل أن أخلّد والمنايا ... يثبن عليّ من كلّ النواحي
وما أدري أمسيت حيّا ... لعلّي لا أعيش إلى الصباح
وقال الغزّال:
أصبحت والله مجهودا على أمل ... من الحياة قصير غير ممتدّ
وما أفارق يوما من أفارقه ... إلّا حسبت فراقي آخر العهد
انظر إليّ إذا أدرجت في كفني ... وانظر إليّ إذا أدرجت في لحدي
واقعد قليلا وعاين من يقيم معي ... ممن يشيّع نعشي من ذوي ودّي
هيهات! كلّهم في شأنه لعب ... يرمي التراب ويحثوه على خدّي
وقال أبو العتاهية:
نعى لك ظلّ الشّباب المشيب ... ونادتك باسم سواك الخطوب
فكن مستعدّا لريب المنون ... فإنّ الذي هو آت قريب
وقبلك داوى الطّبيب المريض ... فعاش المريض ومات الطّبيب
يخاف على نفسه من يتوب ... فكيف ترى حال من لا يتوب؟
وله أيضا:
أخي ادّخر مهما استطعت ... ليوم بؤسك وافتقارك
فلتنزلنّ بمنزل ... تحتاج فيه إلى ادّخارك
وقال أبو الأسود الدؤلي:
أيها الآمل ما ليس له ... ربما غرّ سفيها أمله
ربّ من مات يمنّي نفسه ... حال من دون مناه أجله
والفتى المختال فيما نابه ... ربما ضاقت عليه حيله
قل لمن مثّل في أشعاره ... يهلك المرء ويبقى مثله «1»
نافس المحسن في إحسانه ... فسيكفيك سناء عمله
(3/140)

وقال عدي بن زيد العبادي:
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّ ... وم لم يبق منهم مذكور
أخو الحضرا إذ بناه وإذا دج ... لة تجبى إليه والخابورو «1»
شاده مرمرا وجلّله كل ... سا فللطّير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
وتفكّر ربّ الخورنق إذ أص ... بح يوما وللهدى تفكير «2»
سرّه حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسّدير «3»
فارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حيّ إلى الممات يصير؟
ثم بعد الفلاح والملك والنّع ... مة وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور
وقال حريث بن جبلة العذرى:
يا قلب إنك في الأحياء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
حتى متى أنت فيها مدنف وله ... لا يستفزّنك منها البدر والحور
قد بحت بالجهل لا تخفيه عن أحد ... حتى جرت بك أطلاق محاضير «4»
تريد أمرا فما تدري أعاجله ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... والدهر في الرّمس تعفوه الأعاصير
حتى كأن لم يكن إلّا توهّمه ... والدهر في كلّ حاليه دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور
(3/141)

فذاك آخر عهد من أخيك إذا ... ما ضمّنت شلوه اللحد المحافير
قولهم في الطاعون
عمر بن الخطاب وابن الجراح في الطاعون:
قال أبو عبيدة بن الجرّاح لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه لما بلغه أن الطاعون وقع في الشام فانصرف بالناس: أفرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله؛ أرأيت لو أن لك إبلا هبطت بها واديا له جهتان إحداهما خصيبة والأخرى جديبة، أليس لو رعيت في الخصيبة رعيتها بقدر الله، ولو رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله؟ وكان عبد الرحمن بن عوف غائبا فأقبل، فقال: عندي في هذا علم سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قال: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» .
فحمد الله عمر، ثم انصرف بالناس.
للوليد بن عبد الملك في مثله:
وقيل للوليد بن عبد الملك حين فرّ من الطاعون: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى بقول: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
«1» . قال: ذلك القليل نطلب.
من شريح إلى صديق له فر من الطاعون:
العتبي قال: وقع الطاعون بالكوفة، فخرج صديق لشريح إلى النّجف، فكتب إليه شريح: أما بعد؛ فإن الموضع الذي هربت منه لم يسق إلى أجلك تمامه، ولم يسلبه أيامه؛ وإن الموضع الذي صرت إليه لبعين من لا يعجزه طلب، ولا يفوته هرب؛ وإنا وإياك على بساط ملك، والنجف من ذي قدرة لقريب.
(3/142)

الحسين في الطاعون الجارف:
لما وقع الطاعون الجارف أطاف الناس بالحسين، فقال: ما أحسن ما صنع بكم ربّكم؛ أقلع مذنب وأنفق ممسك.
لأعرابي هرب من الطاعون:
وخرج أعرابي هاربا من الطاعون فلدغته أفعى في طريقه فمات. فقال أخوه يرثيه:
طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك
ليت شعري ضلّة ... أيّ شيء قتلك
أجحاف سائل ... من جبال حملك
والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك
كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
ابن وهب وابن الزيات:
حكى أن ماء المطر اتصل في وقت من الأوقات، فقطع الحسن بن وهب عن لقاء محمد بن عبد الملك الزيات، فكتب إليه الحسن:
يوضح العذر في تراخي اللّقاء ... ما توالى من هذه الأنواء
فسلام الإله أهديه منّي ... كلّ يوم لسيد الوزراء
لست أدري ماذا أذمّ وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء
غير أني أدعو لهاتيك بالثّ ... كل وأدعو لهذه بالبقاء
ابن الزيات وابن أبي داود:
اتصل بأحمد بن أبي دواد أن محمد بن عبد الملك هجاه بقصيدة فيها تسعون بيتا، فقال:
أحسن من تسعين بيتا سدى ... جمعك معناهّن في بيت
(3/143)

ما أحوج الناس إلى مطرة ... تزيل عنهم وضر الزيت «1»
فبلغ قوله محمدا فقال:
يأيها المأفون رأيا لقد ... عرّضت بي نفسك للموت «2»
قيّرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت «3»
الزيت لا يزري بأحسابنا ... أحسابنا معروفة البيت
وقيل لابن أبي داود: لم لا تسأل حوائجك الخليفة بحضرة محمد بن عبد الملك؟
فقال: لا أحب أن أعلمه شأني.
مقتل زيد ابن حسين:
وقد حدث أبو القاسم جعفر، أن محمد الحسني قال: أخبرنا محمد بن زكريا الغلابيّ، قال: حدثنا محمد بن نجيع النّوبختي، قال: حدثنا يحيى أنّ سليمان قال: حدثني أبي، وكان ممن لحق الصحابة، قال: دخلت الكوفة، فإذا أنا برجل يحدث الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: بكر بن الطرماح؛ فسمعته يقول: سمعت زيد بن حسين يقول: لما قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، أتى بنعيه إلى المدينة كلثوم بن عمرو، فكانت تلك الساعة التي أتى فيها أشبه بالساعة التي قبض فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، من باك وباكية، وصارخ وصارخة، حتى إذا هدأت عبرة البكاء عن الناس، قال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم: تعالوا حتى نذهب إلى عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم، فننظر حزنها على ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقام الناس جميعا حتى أتوا منزل عائشة رضي الله عنها، فاستأذنوا عليها، فوجدوا الخبر قد سبق إليها، وإذا هي في غمرة الأحزان وعبرة الأشجان، ما تفتر عن البكاء والنحيب منذ وقت سمعت بخبره، فلما نظر الناس إلى ذلك منها انصرفوا؛ فلما كان من غد قيل إنها غدت إلى قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلم يبق في المسجد أحد من المهاجرين إلا استقبلها يسلم عليها،
(3/144)

وهي لا تسلم ولا تردّ ولا تطيق الكلام؛ من غزرة الدمعة، وغمرة العبرة، تختنق بعبرتها، وتتعثر في أثوابها، والناس من خلفها، حتى أتت إلى الحجرة، فأخذت بعضادتي «1» الباب، ثم قالت: السّلام عليك يا نبي الهدى، السّلام عليك يا أبا القاسم، السّلام عليك يا رسول الله وعلى صاحبيك، يا رسول الله؛ أنا ناعية إليك أحظى أحبابك، وذاكرة لك أكرم أودّائك «2» عليك، قتل والله حبيبك المجتبى، وصفيّك المرتضى، قتل والله من زوجته خير النساء، قتل والله من آمن ووفى، وإني لنادبة ثكلى، وعليه باكية حرّى، فلو كشف عنك الثرى لقلت إنه قتل أكرمهم عليك، وأحظاهم لديك؛ ولو أمرت أن يجيب النداء لك مني ما تعرضت له منذ اليوم، والله يجري الأمور على السداد.
قال المبرد: عزى أحمد بن يوسف الكاتب ولد الربيع، فقال: عظّم أجركم، ورحم الله فقيدكم؛ وجعل لكم من وراء مصيبتكم حالا يجمع شملكم، ويلم شعثكم، ولا يفرق ملأكم.
وقيل لأعرابية مات لها بنون عدّة: ما فعل بنوك؟ قالت: أكلهم دهر لا يشبع.
وعزى رجل الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، كان لك الأجر لا بك، وكان العزاء لك لا عنك.
لابن عباس:
ومما روي أنّ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما نعي إليه ابنه وهو في السفر، فاسترجع ثم قال: عورة سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجر ساقه الله.
للنبي صلّى الله عليه وسلم في ابنته:
وقال أسامة بن زيد رضي الله عنهما لما عزّي رسول الله صلّى الله عليه وسلم بابنته رقية. قال:
(3/145)

«الحمد لله. دفن البنات من المكرمات» . وفي رواية: «من المكرمات دفن البنات» .
ملك كندة وأعرابي عزاه في ابنته:
وقال الغزّال: ماتت ابنة لبعض ملوك كندة، فوضع بين يديه بدرة «1» من الذهب، وقال: من أبلغ في التعزية فهي له! فدخل عليه أعرابي فقال: أعظم الله أجر الملك! كفيت المؤنة! وسترت العورة! ونعم الصهر القبر! فقال له الملك: أبلغت وأوجزت. وأعطاه البدرة.
من أحب الموت ومن كرهه
في بعض الأحاديث: «لا يتمنى أحدكم الموت؛ فعسى أن يكون محسنا فيزداد في إحسانه، أو يكون مسيئا فينزع عن إساءته» .
وقد جاء في الحديث: «يقول الله تبارك وتعالى: إذا أحبّ عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه» .
وليس معنى هذا الحديث حبّ الموت وكراهته، ولكن معناه من أحب الله أحبه الله، ومن كره الله كرهه الله.
وقال أبو هريرة: كره الناس ثلاثا وأحببتهنّ: كرهوا المرض وأحببته، وكرهوا الفقر وأحببته، وكرهوا الموت وأحببته!
بشر بن منصور:
عبد الأعلى بن حماد قال: دخلنا على بشر بن منصور وهو في الموت، وإذا هو من السرور في أمر عظيم؛ فقلنا له: ما هذا السرور؟ قال: سبحان الله! أخرج من بين الظالمين والحاسدين والمغتابين والباغين وأقدم على أرحم الراحمين ولا أسرّ.
(3/146)

الوليد بن عبد الملك وشيخ:
ودخل الوليد بن عبد الملك المسجد، فخرج كل من كان فيه، إلا شيخا قدحناه الكبر؛ فأرادوا أن يخرجوه، فأشار إليهم [الوليد] أن دعوا الشيخ. ثم مضى حتى وقف عليه، فقال له: يا شيخ، تحب الموت؟ قال: لا يا أمير المؤمنين؛ ذهب الشباب وشره، وأتى الكبر وخيره؛ فإذا قمت حمدت الله، وإذا قعدت ذكرته؛ فأنا أحب أن تدوم لي هاتان الخلتان.
النبي صلّى الله عليه وسلم وعبد الله بن عمر:
قال عبد الله بن عمر: جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، مالي لا أحب الموت؟ قال: «هل لك مال» ؟ قال: نعم. قال: «فقدّمه بين يديك» . قال: لا أطيق ذلك! فقال النبي عليه السّلام: «المرء مع ماله؛ إن قدّمه أحب أن يلحقه، وإن أخره أحب أن يتخلف معه!» وقال الشاعر في كراهية الموت:
قامت تشجّعني هند فقلت لها ... إنّ الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب
وقالت الحكماء: الموت كريه.
وقالوا: أشدّ من الموت ما إذا نزل بك أحببت له الموت؛ وأطيب من العيش ما إذا فارقته أبغضت له العيش.
التهجد «1»
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
المغيرة بن شعبة قال: قام النبيّ صلّى الله عليه وسلم حتى ورمت قدماه.
وقيل للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ قال: إنهم خلوا بالرحمن
(3/147)

فأسفر نورهم من نوره.
وكان بعضهم يصلي الليل حتى إذا نظر إلى الفجر، قال: عند الصباح يحمد القوم السّرى.
وقالوا: الشتاء ربيع المؤمنين؛ يطول ليلهم للقيام، ويقصر نهارهم للصيام.
وقال صلّى الله عليه وسلم: «أطعموا الطعام، وأفشوا السّلام، وصلّوا بالليل والناس نيام.
وقال الله تبارك وتعالى: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
«1» .
وهذا يوافق الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من مستغيث فأغيثه» .
المغيرة والنخعي:
أبو عوانة عن المغيرة قال: قلت لإبراهيم النّخعي: ما تقول في الرجل يرى الضوء بالليل؟ قال: هو من الشيطان، لو كان خيرا لأريه أهل بدر.
البكاء من خشية الله عز وجل
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «حرّم الله على النّار كلّ عين تبكي من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله» .
وكان يريد الرقاشي قد بكى حتى سقطت أشفار «2» عينيه.
وقيل لغالب بن عبد الله: أما تخاف على عينيك من العمى من طول البكاء؟ فقال:
شفاءها أريد.
وقيل ليزيد بن مزيد: ما بال عينك لا تجف؟ قال: أي أخي، إن الله أوعدني إن عصيته أن يحبسني في النار: ولو أوعدني أن يحبسني في الحمّام لكنت حريّا أن لا تجف عيني.
(3/148)

قال عمر بن ذرّ لأبيه: مالك إذا تكلمت أبكيت الناس، فإذا تكلم غيرك لم يبكهم؟ قال: يا بني، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.
وقال الله لنبي من أنبيائه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن عينيك الدموع؛ ثم ادعني أستجب لك.
ومن قولنا في البكاء:
مدامع قد خدّدت في الخدود ... وأعين مكحولة بالهجود
ومعشر أوعدهم ربّهم ... فبادروا خشية ذاك الوعيد
فهم عكوف في محاريبهم ... يبكون من خوف عقاب المجيد
قد كاد أن يعشب من دمعهم ... ما قابلت أعينهم في السّجود
وقال قيس بن الأصمّ في هذا المعنى:
صلّي الإله على قوم شهدتهم ... كانوا إذا ذكروا أو ذكّروا شهقوا
كانوا إذا ذكروا نار الجحيم بكوا ... وإن تلا بعضهم مخوّفا صعقوا
من غير همز من الشيطان يأخذهم ... عند التّلاوة إلا الخوف والشّفق «1»
صرعى من الحزن قد سجّوا ثيابهم ... بقيّة الرّوح في أوداجهم رمق «2»
حتى تخالهم لو كنت شاهدهم ... من شدّة الخوف والإشفاق قد زهقوا
النهي عن كثرة الضحك
في الحديث المرفوع: «كثرة الضحك تميت القلب وتذهب بهاء المؤمن» .
وفيه: «لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا» .
وفيه: «إن الله يكره لكم العبث في الصلاة: والرفث «3» في الصيام، والضحك في الجنائز» .
(3/149)

الحسن وقوم يضحكون:
ومر الحسن بقوم يضحكون في شهر رمضان، فقال: يا قوم، إنّ الله جعل رمضان مضمارا لخلقه يتسابقون فيه إلى رحمته؛ فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا؛ فالعجب من الضاحك اللاهي في اليوم الذي فاز فيه السابقون، وخاب فيه المتخلفون! أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسنا إحسانه ومسيئا إساءته.
عبد الله وضاحك:
ونظر عبد الله بن ثعلبة إلى رجل يضحك مستغرقا، فقال له: أتضحك ولعل أكفانك قد أخذت من عند القصّار «1» ؟
وقال الشاعر:
وكم من فتى يمسي ويصبح آمنا ... وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
النهي عن خدمة السلطان وإتيان الملوك
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من دخل على الملوك خرج وهو ساخط على الله.
أبو جعفر وسفيان:
أرسل أبو جعفر إلى سفيان، فلما دخل عليه قال: سلني حاجتك أبا عبد الله! قال:
وتقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: فإن حاجتي إليك أن لا ترسل إليّ حتى آتيك، ولا تعطيني شيئا حتى أسألك! ثم خرج؛ فقال أبو جعفر: ألقينا الحبّ إلى العلماء فلقطوا، إلا ما كان من سفيان الثوري، فإنه أعيانا فرارا.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الدخول على الأغنياء فتنة للفقراء.
(3/150)

وقال زياد لأصحابه: من أغبط الناس عيشا؟ قالوا: الأمير وأصحابه. قال: كلا؛ إنّ لأعواد المنبر لهيبة، ولقرع لجام البريد لفزعة. ولكن أغبط الناس عيشا رجل له دار يسكنها، وزوجة صالحة يأوي إليها، في كفاف من عيش، لا يعرفنا ولا نعرفه؛ فإن عرفنا وعرفناه أفسدنا عليه آخرته ودنياه.
وقال الشاعر:
إنّ الملوك بلاء حيثما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تريد بقوم إن هم غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
فاستغن بالله عن إتيانهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ
وقال آخر:
لا تصحبنّ ذوي السّلطان في عمل ... تصبح على وجل تمسي على وجل «1»
كل التّراب ولا تعمل لهم عملا ... فالشّرّ أجمعه في ذلك العمل
وفي كتاب كليلة ودمنة: صاحب السلطان مثل راكب الأسد: لا يدري متى يهيج به فيقتله.
مالك بن دينار وسجين:
ودخل مالك بن دينار على رجل في السجن يزوره، فنظر إلى رجل جنديّ قد اتكأ في رجليه كبول «2» قد قرنت بين ساقيه، وقد أتي بسفرة كثيرة الألوان؛ فدعا مالك بن دينار إلى طعامه؛ فقال له: أخشى إن أكلت من طعامك هذا أن يطرح في رجلي مثل كبولك هذه.
وفي كتاب الهند: السلطان مثل النار: إن تباعدت عنها احتجت إليها، وإن دنوت منها أحرقتك.
(3/151)

أيوب وأبو قلابة في القضاء:
أيوب السختياني قال: طلب أبو قلابة لقضاء البصرة، فهرب منها إلى الشام، فأقام حينا ثم رجع، قال أيوب فقلت له: لو وليت القضاء وعدلت كان لك أجران.
قال: يا أيوب، إذا وقع السابح في البحر فكم عسى أن يسبح!
إبراهيم يعظ بقية:
وقال بقية: قال لي إبراهيم: يا بقية، كن ذنبا ولا تكن رأسا، فإن الرأس يهلك والذنب ينجو.
ومن قولنا في خدمة السلطان وصحبته:
تجنّب لباس الخزّ إن كنت عاقلا ... ولا تختتم «1» يوما بفصّ زبرجد
ولا تتغلّل بالغوالي تعطّرا ... وتسحب أذيال الملاء المعضّد «2»
ولا تتبختر صيّت النّعل زاهيا ... ولا تتصدّر في الفراش الممهّد
وكن هملا في الناس أغبر شاعثا ... تروح وتغدو في إزار وبرجد «3»
ترى جلد كبش تحته كلّ ما استوى ... عليه سرير فوق صرح ممرّد
ولا تطمح العينان منك إلى امرىء ... له سطوات باللّسان وباليد
تراءت له الدّنيا بزبرج عيشها ... وقادت له الأطماع غير مقوّد
فأسمن كشحيه وأهزل دينه ... ولم يرتقب في اليوم عاقبة الغد «4»
فيوما تراه تحت سوط مجرّدا ... ويوما تراه فوق سرج منضّد «5»
فيرحم تارات ويحسد تارة ... فذا شر مرحوم وذا شرّ محسد
القول في الملوك
الأصمعي قال: بلغني أن الحسن قال: يابن آدم، أنت أسير الجوع، صريع الشبع؛
(3/152)

إن قوما لبسوا هذه المطارف «1» العتاق. والعمائم الرقاق، ووسعوا دورهم، وضيقوا قبورهم، وأسمنوا دوابهم، وأهزلوا دينهم، يتكىء أحدهم على شماله، ويأكل من غير ماله فإذا أدركته الكظّة قال: يا جارية، هاتي هاضومك! ويلك! وهل تهضم إلا دينك؟
لمالك:
يحيى بن يحيى قال: جلس مالك يوما فأطرق مليّا، ثم رفع رأسه فقال: يا حسرة على الملوك! لا هم تركوا في نعيم دنياهم، وماتوا قبل أن يموتوا حزنا على ما خلّفوا، وجزعا مما استقبلوا! وقال الحسن، وذكر عنده الملوك: أما إنهم وإن هملجت»
لهم البغال، وأطافت بهم الرجال، وتعاقبت لهم الأموال، إن ذل المعصية في قلوبهم؛ أبى الله إلا أن يذلّ من عصاه!
لعبد الله بن الحسن:
الأصمعي قال: خطب عبد الله بن الحسن على منبر البصرة فأنشد على المنبر:
أين الملوك التي عن حظّها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
بلاء المؤمن في الدنيا
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «المؤمن كالخامة من الزرع: تميل بها الريح مرة كذا ومرة كذا؛ والكافر كالأرزة المجدثة على الأرض يكون انجعافها مرة» .
ومعنى هذا الحديث: تردّد الرزايا على المؤمن، وتجافيها عن الكافر ليزداد إثما.
وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض الكتب: إني لأذود عبادي المخلصين عن نعيم
(3/153)

الدنيا، كما يذود الراعي الشفيق إبله عن موارد الهلكة.
قال الفضيل بن عياض: ألا ترون كيف يزوي الله الدنيا عمن يحب من خلقه:
يمررها عليه مرة بالجوع، ومرة بالعري، ومرة بالحاجة؛ كما تصنع الأم الشفيقة بولدها: تفطمه بالصبر مرة، ومرة بالحضض «1» ؛ وإنما يريد بذلك ما هو خير له.
وفي الحديث: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أخبرني جبريل عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ما ابتليت عبدي ببلية في نفسه أو ماله أو ولده فتلقاها بصبر جميل إلا استحييت يوم القيامة أن أرفع له ميزانا أو أنشر له ديوانا» .
كتمان البلاء إذا نزل
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «من ابتلي ببلاء فكتمه ثلاثة أيام صبرا واحتسابا، كان له أجر شهيد» .
وسمع الفضيل بن عياض رجلا يشكو بلاء نزل به، فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك.
وقال: من شكا مصيبة نزلت به فكأنما شكا ربّه.
وقال دريد بن الصمة يرثي أخاه عبد الله بن الصمة:
قليل التشكّي للمصائب ذاكرا ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وقال تأبط شرا:
قليل التشكّي للملمّ يصيبه ... كثير النّوى شتى الهوى والمسالك «2»
لشريح:
الشيباني قال: أخبرني صديق لي قال: سمعني شريح وأنا أشتكي بعض ما غمّني إلى صديق، فأخذ بيدي وقال: يا بن أخي. إياك والشكوى إلى غير الله؛ فإنه لا يخلو
(3/154)

من تشكو إليه أن يكون صديقا أو عدوا؛ فأما الصديق فتحزنه ولا ينفعك، وأما العدو فيشمت بك. انظر إلى عيني هذه- وأشار إلى إحدى عينيه- فو الله ما أبصرت بها شخصا ولا طريقا منذ خمس عشرة سنة، وما أخبرت بها أحدا إلى هذه الغاية.
أما سمعت قول العبد الصالح: إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله! فاجعله مشكاك ومحزنك عند كل نائبة تنوبك؛ فإنه أكرم مسئول؛ وأقرب مدعو.
بين عقيل بن أبي طالب وأخيه علي:
كتب عقيل إلى أخيه عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما، يسأله عن حاله؛ فكتب إليه:
فأن تسألنّي كيف أنت فإنني ... جليد على ريب الزمان صليب
عزيز عليّ أن ترى بي كآبة ... فيفرح واش أو يساء حبيب «1»
وكان ابن شبرمة إذا نزلت به نازلة قال: سحابة صيف عن قليل تقشّع.
وكان يقال: أربع من كنوز الجنة: كتمان المصيبة، وكتمان الصدقة، وكتمان الفاقة، وكتمان الوجع.
القناعة
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «من أصبح وأمسى آمنا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ كان كمن حيزت له الدنيا بحذافيرها» .
السّرب: المسلك؛ يقال: فلان واسع السرب: يعني المسلك والمذهب.
وقال قيس بن عاصم: يا بني، عليكم بحفظ المال، فإنه منبهة الكريم، ويستغنى به عن اللئيم؛ وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب الرجل.
وقال سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني: إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد؛ وإياك والطمع فإنه فقر حاضر؛ وعليك باليأس، فإنك لم تيأس من
(3/155)

شيء قط إلا أغناك الله عنه.
وقالوا: الغنيّ من استغنى بالله، والفقير من افتقر إلى الناس.
وقالوا: لا غنى إلا غنى النفس.
وقيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال: مالان: الغنى بما في يدي عن الناس، واليأس عما في أيدي الناس! وقيل لآخر: ما مالك؟ فقال: التجمل في الظاهر، والقصد في الباطن.
وقال آخر:
لا بدّ ممّا ليس منه بدّ ... اليأس حرّ والرجاء عبد
وليس يفني الكدّ إلّا الجدّ
وقالوا: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة الحرص التعب.
وقال البحتري:
إذا ما كان عندي قوت يوم ... طرحت الهمّ عنّي يا سعيد
ولم تخطر هموم غد ببالي ... لأنّ غدا له رزق جديد
وقال عروة بن أذينة:
لقد علمت وخير القول أصدقه ... بأنّ رزقي وإن لم يأت يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني «1»
وفد عروة بن أذينة على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فقال له عبد الملك: ألست القائل يا عروة:
أسعى له فيعنّيني تطلبه
فما أراك إلا قد سعيت له. فخرج عنه عروة وشخص من فوره ذلك إلى المدينة.
فافتقده عبد الملك، فقيل له: توجّه إلى المدينة. فبعث إليه بألف دينار فلما أتاه
(3/156)

الرسول قال: قل لأمير المؤمنين: الأمر على ما قلت؛ قد سعيت له فعنّاني تطلّبه، وقعدت عنه فأتاني لا يعنّيني.
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفث في روعي أنّ نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها. فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» .
وقال تعالى فيما حكى عن لقمان الحكيم: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
«1» .
وقال الحسن: ابن آدم، لست بسابق أجلك، ولا ببالغ أملك، ولا مغلوب على رزق، ولا بمرزوق ما ليس لك؛ فعلام تقتل نفسك؟
قال ابن عبد ربّه: قد أخذت هذا المعنى فنظمته في شعري فقلت:
لست بقاض أملي ... ولا بعاد أجلي
ولا بمغلوب على الرّ ... زق الذي قدّر لي
ولا بمعطى رزق غي ... ري بالشّقا والعمل
فليت شعري ما الّذي ... أدخلني في شغلي
وقال آخر:
سيكون الذي قضي ... غضب المرء أم رضى
سيكون الذي قضي ... غضب المرء أم رضى
وقال محمود الوراق:
أما عجب أن يكفل النّاس بعضهم ... ببعض فيرضى بالكفيل المطالب
وقد كفل الله المليّ بنفسه ... فلم يرض والإنسان فيه عجائب
عليم بأن الله موف بوعده ... وفي قلبه شك على القلب دائب
أبى الجهل إلّا أن يصير بعلمه ... فلم يغن عنه علمه والتّجارب
(3/157)

وله أيضا:
أتطلب رزق الله من عند غيره ... وتصبح من خوف العواقب آمنا
وترضى بصرّاف وإن كان مشركا ... ضمينا «1» ، ولا ترضى بربّك ضامنا!
وقال أيضا:
غنى النفس يغنيها إذا كنت قانعا ... وليس بمغنيك الكثير من الحرص
وإنّ اعتقاد الهمّ للخير جامعا ... وقلّة همّ المرء يدعو إلى النّقص
وله أيضا:
من كان ذا مال كثير ولم ... يقنع، فذاك الموسر المعسر
وكلّ من كان قنوعا وإن ... كان مقلا، فهو المكثر
الفقر في النفس وفيها الغنى ... وفي غنى النفس الغنى الأكبر
وقال بكر بن حماد:
تبارك من ساس الأمور بعلمه ... وذلّ له أهل السّموات والأرض
ومن قسم الأرزاق بين عباده ... وفضّل بعض الناس فيها على بعض
فمن ظنّ أنّ الحرص فيها يزيده ... فقولوا له يزداد في الطّول والعرض!
وقال ابن أبي حازم:
ومنتظر للموت في كلّ ساعة ... يشيد ويبني دائبا ويحصّن
له حين تبلوه حقيقة موقن ... وأفعاله أفعال من ليس يوقن
عيان كإنكار، وكالجهل علمه ... يشكّ به في كلّ ما يتيقّن
وقال أيضا:
اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإنّ العزّ في الياس
واستغن عن كلّ ذي قربى وذي رحم ... إنّ الغنيّ من استغنى عن النّاس
(3/158)

وله أيضا:
فلا تحرصنّ فإنّ الأمور ... بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها ... ولا قاصر عنك مأمورها
وله أيضا:
كم إلى كم أنت للحر ... ص وللآمال عبد؟
ليس يجدي الحرص والسّ ... عي إذا لم يك جدّ
ما لما قد قدّر الله ... من الأمر مردّ
قد جرى بالشرّ نحس ... وجرى بالخير سعد
وجرى الناس على جر ... يهما قبل وبعد
أمنوا الدّهر وما ... للدهر والأيام عهد
غالهم فاصطلم الجم ... ع وأفنى ما أعدّوا «1»
إنها الدّنيا- فلا تحف ... ل بها- جزر ومدّ
وقال الأضبط بن قريع:
ارض من الدهر ما أتاك به ... من يرض يوما بعيشه نفعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
وقال مسلم بن الوليد:
لن يبطيء الأمر ما أمّلت أوبته ... إذا أعانك فيه رفق متّئد «2»
والدهر آخذ ما أعطى، مكدّر ما ... أصفى، ومفسد ما أهوى له بيد
فلا يغرنك من دهر عطيّته ... فليس يترك ما أعطى على أحد
وقال كلثوم العتابي:
تلوم على ترك الغنى باهليّة ... لوى الدهر عنها كل طرف وتالد «3»
(3/159)

رأت حولها النّسوان يرفلن في الكسا ... مقلّدة أجيادها بالقلائد
يسرّك أنّي نلت ما نال جعفر ... وما نال يحيى- في الحياة- بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أعضّني ... معضّهما بالمرهفات الحدائد «1»
ذريني تجئنى منيتي مطمئنّة ... ولم أتجشّم هول تلك الموارد
فإن الذي يسمو إلى الرتب العلى ... سيرمى بألوان الفرى والمكايد «2»
وجدت لذاذات الحياة مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
وقال:
حتى متى أنا في حلّ وترحال ... وطول شغل بإدبار وإقبال
ونازح الدار ما أنفك مغتربا ... عن الأحبّة ما يدرون ما حالي
بمشرق الأرض طورا ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرص على بالي
ولو قنعت أتاني الرزق في دعة ... إن القنوع الغنى، لا كثرة المال
وقال عبد الله بن عباس: القناعة مال لا نفاد له.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الرزق رزقان: فرزق تطلبه، ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك.
وقال حبيب:
فالرّزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا «3»
وفي كتاب للهند: لا ينبغي للملتمس أن يلتمس من العيش إلا الكفاف الذي به يدفع الحاجة عن نفسه، وما سوى ذلك إنما هو زيادة في تعبه وغمه.
ومن هذا قالت الحكماء: أقل الدنيا يكفي وأكثرها لا يكفي! وقال أبو ذؤيب:
(3/160)

والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقال المسيح عليه السّلام: عجبا منكم! إنكم تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بلا عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل.
وقال الحسن: عيّرت اليهود عيسى عليه السّلام بالفقر؛ فقال: من الغنى أتيتم.
أخذ هذا المعنى محمود الورّاق فقال:
يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحّ منك النظر:
... أنّك تعصى كي تنال الغنى ... ولست تعصى الله كي تفتقر
لإبراهيم:
سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون الطلب في أطارف الأرض.
وقال الأعمش: أعطاني البنانيّ مضاربه «1» أخرج بها إلى ماء، فسألت إبراهيم، فقال لي: ما كانوا يطلبون الدنيا هذا الطلب وبين ماء وبين الكوفة عشرة أيام.
ليونس بن حبيب:
الأصمعي عن يونس بن حبيب قال: ليس دون الإيمان غنى ولا بعده فقر.
قيل لخالد بن صفوان: ما أصبرك على هذا الثوب الخلق! قال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه.
بين حكيمين:
وكتب حكيم إلى حكيم يشكو إليه دهره: إنه ليس من أحد أنصفه زمانه فتصرّفت به الحال حسب استحقاقه، وإنك لا ترى الناس إلا أحد رجلين: إما مقدّم أخّره حظّه، أو متأخر قدّمه جدّه؛ فارض بالحال التي أنت عليها. وإن كانت دون أملك واستحقاقك اختيارا، وإلا رضيت بها اضطرارا.
(3/161)

وقيل للأحنف بن قيس: ما أصبرك على هذا الثوب؟ فقال: أحق ما صبر عليه ما ليس إلى مفارقته سبيل.
بين الأصمعي وأعرابية:
قال الأصمعي: رأيت أعرابية ذات جمال تسأل بمنى: فقلت لها: يا أمة الله، تسألين ولك هذا الجمال؟ قالت: قدّر الله فما أصنع؟ قلت: فمن أين معاشكم؟
قالت: هذا الحاج، نسقيهم ونغسل ثيابهم. قلت: فإذا ذهب الحاجّ فمن أين؟ فنظرت إليّ وقالت: يا صلت «1» الجبين، لو كنا نعيش من حيث نعلم ما عشنا! وقيل لرجل من أهل المدينة: ما أصبرك على الخبز والتمر! قال: ليتهما صبرا عليّ.
الرضا بقضاء الله
قالت الحكماء: أصل الزهد الرضا عن الله.
وقال الفضيل بن عياض: استخيروا الله ولا تتخيروا عليه؛ فربما اختار العبد أمرا هلاكه فيه.
وقالت الحكماء: رب محسود على رخاء هو شقاؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه، ومغبوط بنعمة هي بلاؤه.
وقال الشاعر:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنّعم
وقالوا: من طلب فوق الكفاية، رجع من الدهر إلى أبعد غاية.
(3/162)

من قتر على نفسه وترك المال لوارثه
لمالك:
زياد عن مالك قال: من لم يكن فيه خير لنفسه لم يكن فيه خير لغيره؛ لأن نفسه أولى الأنفس كلها؛ فإذا ضيّعها فهو لما سواها أضيع؛ ومن أحب نفسه حاطها وأبقى عليها وتجنب كل ما يعيبها أو ينقصها؛ فجنبها السرقة مخافة القطع، والزنا مخافة الحدّ، والقتل خوف القصاص.
الرشيد وبطريق هرقلة:
داود بن علي الكاتب قال: لما افتتح هارون الرشيد هرقلة وأباحها ثلاثة أيام، وكان بطريقها الخارج عليه «فسيل» الرومي؛ فنظر إليه الرشيد مقبلا على جدار فيه كتاب باليونانية وهو يطيل النظر فيه. فدعا به وقال له: لم تركت النظر إلى الانتهاب والغنيمة وأقبلت على هذا الجدار تنظر فيه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قرأت في هذا الجدار كتابا هو أحب إليّ من هرقلة «1» وما فيها. قال له الرشيد: ما هو؟
قال «بسم الله الملك الحق المبين. ابن آدم، غافص «2» الفرصة عند إمكانها، وكل الأمور إلى وليها. ولا تحمل على قلبك همّ يوم ولم يأت بعد؛ إن يكن من أجلك يأتك الله برزقك فيه؛ ولا تجعل سعيك في طلب المال أسوة المغرورين، فربّ جامع لبعل حليلته، واعلم أن تقتير المرء على نفسه هو توفير منه على غيره، فالسعيد من اتعظ بهذه الكلمات ولم يضيعها» قال له الرشيد: أعدها عليّ يا فسيل. فأعادها عليه حتى حفظها.
وقال الحسن: ابن آدم، أنت أسير في الدنيا، رضيت من لذتها بما ينقضي، ومن نعيمها بما يمضي، ومن ملكها بما ينفد، فلا تجمع الأوزار لنفسك، ولأهلك الأموال، فإذا متّ حملت الأوزار إلى قبرك وتركت أموالك لأهلك.
(3/163)

أخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري ما أبقى لك المال؟
القوم بعدك في حال تسوءهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال؟
ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال!
وفي الحديث المرفوع: «أشدّ الناس حسرة يوم القيامة رجل كسب مالا من غير حلّه فدخل به النار، وورثه من عمل فيه بطاعة الله فدخل به الجنة» .
لابن عمر في وفاة ابن حارثة:
وقيل لعبد الله بن عمر: توفى زيد بن حارثة وترك مائة ألف. قال: لكنها لا تتركه.
الحسن وابن الأهتم في مرضه:
ودخل الحسن على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه، فرآه يصعّد بصره في صندوق في بيته ويصوّبه، ثم التفت إلى الحسن فقال: أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدّ منها زكاة ولم أصل منها رحما؟ فقال له: ثكلتك أمّك! ولمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة. ثم مات، فشهد الحسن جنازته، فلما فرغ من دفنه ضرب بيده على القبر ثم قال:
انظروا إلى هذا، أتاه شيطانه فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته، عما استودعه الله إياه، وغمره فيه، انظروا إليه يخرج منها مذموما مدحورا «1» .
ثم قال: أيها الوارث، لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالا فلا يكوننّ عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا، ممن كان له جموعا منوعا؛ من باطل جمعه، ومن حق منعه؛ قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار؛ لم تكدح فيه
(3/164)

بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين؛ إن يوم القيامة يوم حسرة وندامة، وإن من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك؛ فيالها حسرة لا تقال، وتوبة لا تنال.
هشام بن عبد الملك حين حضرته الوفاة:
لما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة، نظر إلى أهله يبكون عليه، فقال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما حمل؛ ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له.
نقصان الخير وزيادة الشر
عاصم بن حميد عن معاذ بن جبل قال: إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاء، وفتنة، ولا يزيد الأمر إلا شدّة، ولا الأئمة إلا علظا، وما يأتيكم أمر يهولكم إلا حقّره ما بعده.
قال الشاعر:
الخير والشر مزداد ومنتقص ... فالخير منتقص والشر مزداد
وما أسائل عن قوم عرفتهم ... ذوي فضائل إلا قبل قد بادوا «1»
العزلة عن الناس
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «استأنسوا بالوحدة عن جلساء السوء» .
وقال: إن الإسلام بدأ غريبا ولا تقوم الساعة حتى يعود غريبا كما بدأ.
وقال العتابي: ما رأيت الراحة إلا مع الخلوة، ولا الأنس إلا مع الوحشة.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «خيركم الأتقياء الأصفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا» .
وقال: «لا تدعوا حظكم من العزلة؛ فإن العزلة لكم عبادة» .
(3/165)

للقمان يعظ ابنه:
وقال لقمان لابنه: استعذ بالله من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر.
وقال إبراهيم بن أدهم: فرّ من الناس فرارك من الأسد.
وقيل لإبراهيم بن أدهم: لم تجتنب الناس؟ فأنشأ يقول:
ارض بالله صاحبا ... وذر الناس جانبا
قلّب الناس كيف شئت تجدهم عقاربا
لابن الزيات:
وكان محمد بن عبد الملك الزيات يأنس بأهل البلادة ويستوحش من أهل الذكاء؛ فسئل عن ذلك فقال: مؤنة التحفظ شديدة! وقال ابن محيريز: إن استطعت أن تعرف ولا تعرف، وتسأل ولا تسأل، وتمشي ولا يمشى إليك، فافعل.
وقال أيوب السختياني: ما أحب الله عبدا إلا أحب أن لا يشعر به.
وقيل للعتابي: من تجالس اليوم؟ قال: من أبصق في وجهه ولا يغضب! قيل له:
ومن هو؟ قال: الحائط.
وقيل لدعبل الشاعر: ما الوحشة عندك؟ قال: النظر إلى الناس! ثم أنشأ يقول:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهم ... الله يعلم أنّي لم أقل فندا «1»
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا
وقال ابن أبي حازم:
طب عن الإمرة نفسا ... وارض بالوحشة أنسا
ما عليها أحد يسوى ... على الخبرة فلسا
وقال آخر:
(3/166)

قد بلوت الناس طرّا ... لم أجد في الناس حرّا
صار أحلى الناس في الع ... ين إذا ما ذيق مرّا
إعجاب الرجل بعمله
قال عمر بن الخطاب: ثلاث مهلكات، شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه.
وفي الحديث: «خير من العجب بالطاعة، أن لا تأتي طاعة» .
وقالوا: ضاحك معترف بذنبه، خير من باك مدلّ على ربه.
وقالوا: سيّئة تسيئك، خير من حسنة تعجبك.
وقال الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
«1» .
وقال الحسن: ذمّ الرجل لنفسه في العلانية مدح لها في السريرة.
وقالوا: من أظهر عيب نفسه فقد زكاها.
وقيل: أوحى الله إلى عبده داود: يا داود، خالق «2» الناس بأخلاقهم واحتجز الإيمان بيني وبينك.
وقال ثابت البناني: دخلت على داود، فقال لي: ما جاء بك؟ قلت، أزورك.
قال: ومن أنا حتى تزورني؟ أمن العباد أنا؟ لا والله! أم من الزهاد؟ لا والله! ثم أقبل على نفسه يوبّخها. فقال: كنت في الشبيبة فاسقا، ثم شبت فصرت مرائيا؛ والله إن المرائي شر من الفاسق.
بين عابدين:
لقي عابد عابدا، فقال أحدهما لصاحبه: والله إني أحبك في الله. قال: والله لو اطلعت على سريرتي لأبغضتني في الله.
(3/167)

معاوية وبعض الرجال:
وقال معاوية بن أبي سفيان لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا! قال: لو كنت كذلك لم تقله.
وقال محمود الوراق:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا محال في القياس بديع
لو كنت تضمر حبّه لأطعته ... إن المحبّ لمن أحبّ مطيع
في كل يوم يبتليك بنعمة ... منه وأنت بشكر ذاك مضيع
تواضع ابن سيرين:
وقال أبو الأشعث: دخلنا على ابن سيرين فوجدناه يصلي، فظن أنّا عجبنا بصلاته، فلما انفتل منها التفت لنا فقال: الرياء أخاف.
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
زياد عن مالك قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إياكم والشّرك الأصغر. قالوا: وما الشّرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء» .
وقال عبد الله بن مسعود: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «لا رياء ولا سمعة «1» ، من سمّع الله به.
وقال صلّى الله عليه وسلم: «ما أسرّ امرؤ سريرة إلّا ألبسه الله رداءها: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.
للقمان يعظ ابنه:
وقال لقمان الحكيم لابنه: احذر واحدة هي أهل للحذر. قال: وما هي؟ قال:
إياك أن تري الناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر.
(3/168)

وفي الحديث. «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته» .
وقال الشاعر:
وإذا أظهرت شيئا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسرّ
فمسرّ الخير موسوم به ... ومسرّ الشّرّ موسوم بشرّ
للأشعث في تخفيف الصلاة:
صلى أشعث فخفف الصلاة، فقيل له: ما أخف صلاتك! قال: إنه لم يخالطها رياء.
وصلى رجل من المرائين، فقيل له: ما أحسن صلاتك! فقال: ومع ذلك إني صائم!
بين طاهر والمروزي:
وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزي: كم لك منذ نزلت بالعراق؟ قال:
منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة. قال: أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين.
ابن الخطاب:
الأصمعي قال: أخبرني إبراهيم بن القعقاع بن حكيم قال: أمر عمر بن الخطاب لرجل بكيس، فقال الرجل: آخذ الخيط؟ قال عمر: ضع الكيس!
بين الحسن وبعضهم:
قال رجل للحسن وكتب عنك؟؟؟ كتابا: أتجعلني في حلّ من تراب حائطك؟ قال: يا ابن أخي، بلى، ورعك لا ينكر.
وقال محمود الوراق:
أظهروا للناس دينا ... وعلى الدّينار داروا
(3/169)

وله صاموا وصلّوا ... وله حجّوا وزاروا
لو بدا فوق الثّريّا ... ولهم ريش لطاروا!
وقال مساور الوراق:
شمّر ثيابك واستعدّ لقائل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم
وعليك بالغنوى فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيم
وإذا دخلت على الرّبيع مسلّما ... فاخصص سبابة منك بالتّسليم
وقال:
تصوّف كي يقال له أمين ... وما معنى التّصوّف والأمانه
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانه
وقال الغزال:
يقول لي القاضي معاذ مشاورا ... وولّى امرأ فيما يرى من ذوي العدل
قعيدك ماذا تحسب المرء فاعلا ... فقلت وماذا يفعل الدّبر في النحل «1»
يدقّ خلاياها ويأكل شهدها ... ويترك للذّبّان ما كان من فضل
وقال أبو عثمان المازني لبعض من راءى فهتك الله عز وجل ستره:
بينا أنا في توبتي مستعبرا ... قد شبّهوني بأبي دواد
وقد حملت العلم مستظهرا ... وحدّثوا عني بإسناد
إذ خطر الشيطان لي خطرة ... نكست منها في أبي جاد «2»
أبو العتاهية ومتصوف:
وقال ابن أبي العتاهية: أرسلني أبي إلى صوفيّ قد قيّر «3» إحدى عينيه أسأله عن المعنى في ذلك؛ فقال: النظر إلى الدنيا بكلتا عينيّ إسراف. قال: ثم بدا له في ذلك، فاتصل الخبر بأبي فكتب إليه:
(3/170)

مقيّر عينه ورعا ... أردت بذلك البدعا
خلعت وأخبث الثقلين صوفيّ إذا خلعا «1»
فخ الإسرائيلي والعصفورة:
يحيى بن عبد العزيز قال: حدّثني نعيم عن إسماعيل، رجل من ولد أبي بكر الصديق، عن وهب بن منبه، قال: نصب رجل من بني إسرائيل فخّا فجاءت عصفورة فوقعت عليه، فقالت: مالي أراك منحنيا؟ قال: لكثرة صلاتي انحنيت قالت: فمالي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي بدت عظامي! قالت: فمالي أرى هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي في الدنيا لبست الصوف! قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكأ عليها وأقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبة في يديك؟ قال: قربان إن مرّ بي مسكين ناولته إياه! قالت: فإني مسكينة! قال:
فخذيها. فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها! فجعلت تقول: قعي قعي! قال:
الخشني: تفسيره: لا غرني ناسك مراء بعدك أبدا.
الدعاء
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «الدعاء سلاح المؤمن» .
وقال: «الدعاء يردّ القدر والبرّ يزيد في العمر» .
وقال: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يردّ» .
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «استقبلوا البلاء بالدعاء» .
وقال الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
«2» .
وقال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ
«3» .
وقال عبد الله بن عباس: إذا دعوت الله فاجعل في دعائك الصلاة على النبي
(3/171)

صلّى الله عليه وسلم؛ فإن الصلاة عليه مقبولة، والله أكرم من أن يقبل بعض دعائك ويردّ بعضا.
وقال سعيد بن المسيب: كنت جالسا بين القبر والمنبر، فسمعت قائلا يقول: اللهم إني أسألك عملا بارّا، ورزقا دارّا، وعيشا قارّا. فالتفتّ فلم أر أحدا.
لعائشة في النبي صلّى الله عليه وسلم:
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنت نائمة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليلة النصف من شعبان، فلما لصق جلدي بجلده أغفيت؛ ثم انتبهت، فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليس عندي؛ فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة، فلففت مرطي «1» - أما والله ما كان خزّا ولا قزّا، ولا ديباجا، ولا قطنا ولا كتانا، قيل: فما كان يا أمّ المؤمنين؟
قالت: كان سداه من شعر، ولحمته من أوبار الإبل- قالت: فحنوت عليه أطلبه حتى ألفيته كالثوب الساقط على وجهه في الأرض وهو ساجد يقول في سجوده:
«سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي؛ هذه يدي وما جنيت بها على نفس. ترجى لكلّ عظيم، فاغفر لي الذنب العظيم» فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنك لفي شأن وإني لفي شأن. فرفع رأسه ثم عاد ساجدا فقال: «أعوذ بوجهك الذي أضاءت له السموات السبع والأرضون السبع، من فجأة نقمتك، وتحوّل عافيتك؛ ومن شر كتاب قد سبق؛ وأعوذ برضاك من سخطك، وبغفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .
فلما انصرف من صلاته تقدمت أمامه حتى دخلت البيت ولي نفس عال، فقال:
مالك يا عائشة؟ فأخبرته الخبر، فقال: ويح هاتين الركبتين ما لقيتا في هذه الليلة! ومسح عليهما؛ ثم قال: أتدرين أي ليلة هذه يا عائشة؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال صلّى الله عليه وسلم: «هذه الليلة ليلة النّصف من شعبان، فيها تؤقت الآجال وتثبت الأعمال» .
(3/172)

ابن ذر ودعاء له:
العتبي عن أبيه قال: خرجت مع عمر بن ذرّ إلى مكة، فكان إذا لبّى لم يلبّ أحد من حسن صوته؛ فلما جاء الحرم قال يا رب، ما زلنا نهبط وهدة ونصعد أكمة، ونعلو نشرا، ويبدو لنا علم، حتى جئناك بها نقبة «1» أخفافها، دبرة «2» ظهورها، ذابلة أسنمتها؛ وليس أعظم المؤنة علينا إتعاب أبداننا، ولكن أعظم المؤنة علينا أن ترجعنا خائبين من رحمتك، يا خير من نزل به النازلون.
وكان آخر يدعو بعرفات: يا ربّ، لم أعصك إذ عصيتك جهلا مني بحقك، ولا استخفافا بعقوبتك؛ ولكن الثقة بعفوك، والاغترار بسترك المرخى عليّ، مع الشّقوة»
الغالبة والقدر السابق؛ فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ فيا أسفي على الوقوف بين يديك، إذا قيل للمخفّين جوزوا، وللمذنبين حطوا.
لعروة بن الزبير في مناجاته:
أبو الحسن قال: كان عروة بن الزبير يقول في مناجاته بعد أن قطعت رجله ومات ابنه: كانوا أربعة- يعني بنيه- فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة؛ وكنّ أربعا- يعني يديه ورجليه- فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا؛ فلئن ابتليت لطالما عافيت، ولئن عاقبت لطالما أنعمت.
وكان داود إذا دعا في جوف الليل يقول: نامت العيون، وغارت النجوم وأنت حيّ قيوم: اغفر لي ذنبي العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا العظيم؛ إليك رفعت رأسي، نظر العبد الذليل إلى سيده الجليل.
وكان من دعاء يوسف: يا عدّتي عند كربتي، ويا صاحبي في غربتي، ويا غياثي
(3/173)

عند شدتي، ويا رجائي إذا انقطعت حيلتي، اجعل لي فرجا ومخرجا.
وكان عبد الله بن ثعلبة البصري يقول: اللهم أنت من حلمك تعصى فكأنك لا ترى، وأنت من جودك وفضلك تعطى فكأنك لا تعصى، وأيّ زمان لم تعصك فيه سكان أرضك فكنت عليهم بالعفو عوّادا، وبالفضل جوادا.
وكان من دعاء عليّ بن الحسين رضي الله عنهما: اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في مرأى العيون علانيتي، وتقبح في خفيّات القلوب سريرتي؛ اللهم كما أسأت فأحسنت إليّ ... فإذا عدت فعد عليّ، وارزقني مواساة من قتّرت عليه ما وسّعت عليّ.
دعاء لبعضهم:
الشيباني قال: أصاب الناس ببغداد ريح مظلمة، فانتهيت إلى رجل في المسجد وهو ساجد يقول في سجوده: اللهم احفظ محمدا في أمته، ولا تشمت بنا أعداءنا من الأمم؛ فإن كنت أخذت العوام بذنبي، فهذه ناصيتي بين يديك! وكان الفضيل بن عياض يقول: إلهي، لو عذبتني بالنار لم يخرج حبّك من قلبي، ولم أنس أياديك عندي في دار الدنيا! وقال عبد الله بن مسعود: اللهم وسع عليّ في الدنيا وزهّدني فيها، ولا تزوها «1» عني وترغّبني فيها.
أبو الدرداء ورجل في سجوده:
مرّ أبو الدرداء برجل يقول في سجوده: اللهم إني سائل فقير فأغنني من سعة فضلك، خائف مستجير فأجرني من عذابك.
الأصمعي قال: كان عطاء بن أبي رباح يقول في دعائه: اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وعند الموت صرعتي، وفي القبور وحدتي، ومقامي غدا بين يديك.
(3/174)

ابن زياد وأبو بكر بن عبد الله:
العتبي قال: حدّثني عبد الرحمن بن زياد قال: اشتكى أبي فكتب إلى أبي بكر بن عبد الله يسأله أن يدعو له، فكتب إليه: حقّ لمن عمل ذنبا لا عذر له فيه، وخاف موتا لا بد له منه، أن يكون [وجلا] مشفقا؛ سأدعو لك ولست أرجو أن يستجاب لي بقوة في عمل، ولا براءة من ذنب.
من دعاء عبد الملك ابن مروان:
العتبي قال: كان عبد الملك بن مروان يدعو على المنبر: يا رب؛ إن ذنوبي قد كثرت وجلّت عن أن توصف، وهي صغيرة في جنب عفوك، فاعف عني.
كيف يكون الدعاء
لابن عباس:
سفيان بن عيينة عن أبي معبد عن عكرمة عن ابن عباس قال: الإخلاص هكذا- وبسط يده اليسرى وأشار بأصبعه من يده اليمنى- والدعاء هكذا- وأشار براحته إلى السماء- والابتهال هكذا، ورفع يديه فوق رأسه وظهورهما إلى وجهه.
بين جعفر بن محمد وسفيان الثوري:
سفيان الثوري قال: دخلت على جعفر بن محمد رضي الله عنهما فقال لي: يا سفيان، إذا كثرت همومك فأكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» وإذا تداركت عليك النعم فأكثر من «الحمد لله» وإذا أبطأ عنك الرزق فأكثر من الاستغفار.
وقال عبد الله بن عباس: لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عجبا ممن يهلك والنجاة معه! قيل له: وما هي؟ قال: الاستغفار.
(3/175)

دعاء النبي صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر، الصديق وعمر رضوان الله عليهما
دعاء النبي صلّى الله عليه وسلم:
أم سلمة قالت: كان أكثر دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك» .
المغيرة بن شعبة قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
دعاء أبي بكر:
وكان آخر دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم لقائك.
دعاء عمر:
وكان آخر دعاء عمر رضي الله عنه في خطبته اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني في غرة، ولا تجعلني مع الغافلين.
الدعاء عند الكرب
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد أصابه هم فقال:
اللهم إني عبدك. وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك؛ أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو ذكرته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن ضياء صدري، وربيع قلبي، وجلاء حزني، وذهاب همي. إلا أذهب الله همه وبدّله مكان حزنه فرحا» .
(3/176)

وقالوا: كلمات الفرج من كل كرب «لا إله إلا الله الكريم الحليم، سبحان الله ربّ العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
الكلمات التي تلقى آدم من ربه
اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي، فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم.
اسم الله الأعظم
عبد الله بن يزيد عن أبيه قال: سمع النبي صلّى الله عليه وسلم رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: لقد سألت الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
أسماء بنت يزيد عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: اسم الله الاعظم فيما بين الآيتين:
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
«1» ، وفاتحة آل عمران الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
«2» .
الاستغفار
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
شدّاد بن أوس عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء «3» لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
(3/177)

لابن مسعود:
الأسود وعلقمة قالا: قال عبد الله بن مسعود: إن في كتاب الله آيتين ما أصاب عبد ذنبا فقرأهما ثم استغفر الله إلا غفر له: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
«1» ، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
«2» .
أبو سعيد الخدري قال: من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه. خمس مرات- غفر له ولو فرّ من الزحف.
دعاء المسافر
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا قال: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الحضر؛ اللهم إني أعوذ بك من وعثاء «3» السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور، ومن سوء المنظر في الأهل والمال» .
لأم سلمة:
الشعبي عن أم سلمة قالت: كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا خرج في سفر يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل، أو أضلّ أو أضلّ، أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ» .
وقالت: من خرج في طاعة الله، فقال: اللهم إني لم أخرج أشرا «4» أو بطرا «5» ، ولا
(3/178)

رياء ولا سمعة، ولكني خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك؛ فأسألك بحقك على جميع خلقك أن ترزقني من الخير أكثر مما أرجو، وتصرف عني من الشر أكثر مما أخاف. استجيب له بإذن الله.
الدعاء عند الدخول على السلطان
لابن عباس:
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا دخلت على السلطان المهيب تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أكبر وأعزّ مما أخاف وأحذر، اللهم ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم، كن لي جارا من عبدك فلان وجنوده وأشياعه وأتباعه، تبارك اسمك، وجل ثناؤك، وعزّ جارك، ولا إله غيرك.
المنصور وجعفر ابن محمد:
أبو الحسن المدائني قال: لما حج أبو جعفر المنصور مرّ بالمدينة، فقال للربيع: عليّ بجعفر بن محمد، قتلني الله إن لم أقتله؛ فمطل «1» به، ثم ألح فيه فحضر؛ فلما كشف الستر بينه وبينه ومثل بين يديه، همس جعفر بشفتيه، ثم تقرب وسلّم، فقال: لا سلّم الله عليك يا عدوّ الله! تعمل على الغوائل في ملكي؟ قتلني الله إن لم أقتلك! فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن سليمان صلّى الله عليه وسلم أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر؛ وأنت على إرث منهم، وأحقّ من تأسّى بهم. فنكس أبو جعفر رأسه مليا، ثم رفع إليه رأسه فقال له: [إليّ] يا أبا عبد الله فأنت القريب القرابة، وأنت ذو الرحم الواشجة «2» ، السليم الناحية، القليل الغائلة. ثم صافحه بيمينه، وعانقه بيساره، وأجلسه معه على فراشه وانحرف له عن بعضه، وأقبل عليه بوجهه يسائله ويحادثه؛ ثم قال: عجّلوا لأبي عبد الله إذنه وكسوته وجائزته. قال الربيع: فلما خرج
(3/179)

وخطرف «1» الستر أمسكت بثوبه. فارتاع وقال: ما أرانا يا ربيع إلا وقد حبسنا! قلت: هذه مني لا منه. قال: فذلك أيسر؛ قل حاجتك. قلت: إني منذ ثلاث أدافع عنك وأداري عليك؛ ورأيتك إذ دخلت همست بشفتيك، ثم رأيت الأمر انجلى عنك؛ وأنا خادم سلطان ولا غنى بي عنه؛ فأحب منك أن تعلمنيه ... قال: نعم، قل: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لا يرام، ولا أهلك وأنت رجائي؛ فكم من نعمة أنعمتها عليّ قلّ عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها قلّ عندها صبري فلم تخذلني، اللهم بك أدرأ في نحره، وأعوذ بخيرك من شره.
الدعاء على الطعام
من قال على طعامه: «بسم الله خير الأسماء، في الأرض وفي السماء، ولا يضر مع اسمه داء؛ اللهم اجعل فيه الدواء والشفاء» لم يضرّه ذلك الطعام كائنا ما كان.
وكان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي منّ علينا وهدانا، وأطعمنا وأروانا، وكل بلاء حسن أبلانا» .
الدعاء عند الأذان
من قال إذا سمع الأذان: رضيت بالله ربّا. وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. غفرت له ذنوبه وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: إذا سمعتم الأذان فقولوا مثل ما يقول المؤذن.
الدعاء عند الطيرة
«2» قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «من رأى من الطير شيئا يكرهه فقال: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. لم يضرّه» .
(3/180)

الساعة التي يستجاب فيها الدعاء
الفضيل عن أبي حازم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ناس أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أنهم أجمعوا أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء آخر ساعة من يوم الجمعة.
التعويذ
أنس بن مالك قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، اللهم إني أعوذ بك من هذه الأربع» .
وقال صلّى الله عليه وسلم: «من قال إذا أمسى وأصبح: أعوذ بكلمات الله التامّات المباركات التي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ «1» في الأرض وما يخرج منها. لم يضره شيء من الشياطين والهوامّ» .
ما كان يعوذ به النبي صلّى الله عليه وسلم الحسن والحسين:
مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعوّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما بهذه الكلمات: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل عين لامّة «2» ، ومن كل شيطان وهامّة.
وكان إبراهيم صلّى الله عليه وسلم يعوّذ بها إسماعيل وإسحق.
وقال أعرابي يصف دعوة:
وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ... محلّا ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لم تسر الركاب ولم تنخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع «3»
تظل وراء الليل والليل ساقط ... بأرواقه فيه سمير وهاجع «4»
(3/181)

تفتّح أبواب السماء لوفدها ... إذا قرع الأبواب منهنّ قارع
إذا سألت لم يردد الله سؤلها ... على أهلها والله راء وسامع
وإني لأرجو الله حتى كأنما ... أرى بجميل الظنّ ما الله صانع
ومن قولنا في هذا المعنى:
بنيّ لئن أعيا الطبيب ابن مسلم ... ضناك وأعيا ذا البيان الموشّع «1»
لأبتلهن تحت الظلام بدعوة ... متى يدعها داع إلى الله يسمع
تغلغل من بين الضّلوع نشيجها ... لها شافع من عبرة وتضرّع
إلى فارج الكرب المجيب لمن دعا ... فزعت بكربي، إنه خير مفزع
فيا خير مدعوّ دعوتك فاستمع ... ومالي شفيع غير فضلك فاشفع
(3/182)

كتاب السدّرّة في النوادي والتعاذي والمراثي
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في الزهد ورجاله المشهورين: ونحن قائلون بعون الله في النوادب والمراثي، والتهاني والتعازي، بأبلغ ما وجدناه من الفطن الذكية، والألفاظ الشجية، التي ترق القلوب القاسية، وتذيب الدموع الجامدة، مع اختلاف النوادب عند نزول المصائب؛ فنادبة تثير الحزن من ربضته، وتبعث الوجد من رقدته، بصوت كترجيع الطير، وتقطع أنفاس المآتم «1» ، وتترك صدعا في القلوب الجلامد؛ ونادبة تخفض من نشيجها، وتقصد في نحيبها، وتذهب مذهب الصبر والاستسلام، والثقة بجزيل الثواب.
قال عمر بن ذرّ: سألت أبي: ما بال الناس إذا وعظتهم بكوا، وإذا وعظهم غيرك لم يبكوا؟ قال: يا بنيّ، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.
وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما بال المراثي أشرف أشعاركم؟ قال: لأنا نقولها وقلوبنا محترقة.
وقال الحكماء: أعظم المصائب كلها انقطاع الرجاء.
وقالوا: كلّ شيء يبدو صغيرا ثم يعظم؛ إلا المصيبة؛ فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر.
(3/183)

القول عند الموت
الأصمعي عن معتمر عن أبيه؛ قال: لقّنوا موتاكم الشهادة، فإذا قالوها فدعوهم ولا تضجروهم.
وقال الحسن: إذا دخلتم على الرجل في الموت فبشّروه؛ ليلقى ربه وهو حسن الظنّ به؛ وإذا كان حيا فخوفوه.
بين أبي بكر وطلحة:
ولقي أبو بكر طلحة بن عبيد الله، فرآه كاسفا متغيّرا لونه، فقال: مالي أراك متغيرا لونك؟ قال: كلمة سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولم أسأله عنها. قال: وما ذاك؟ قال: سمعته يقول: «إني أعلم كلمة من قالها عند الموت محصت ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر» . فأنسيت أن أسأله عنها. قال أبو بكر: وأعلّمكها؟ هي: لا إله إلا الله.
لمعاذ في احتضاره:
أبو الحباب قال: لما احتضر معاذ قال لخادمته: ويحك! هل أصبحنا؟ قالت: لا.
ثم تركها ساعة، ثم قال لها: انظري. فقالت: نعم. قال أعوذ بالله من صباح إلى النار! ثم قال: مرحبا بالموت! مرحبا بزائر جاء على فاقة! لا أفلح من ندم: اللهم إنك تعلم أني لم [أكن] أحبّ في الدنيا لكري الأنهار، وغرس الأشجار؛ ولكن لمكابدة الليل الطويل، وظمإ الهواجر في الحرّ الشديد، ومزاحمة العلماء بالرّكب في مجالس الذكر.
لعمر بن عتبة في مثله:
ولما حضرت الوفاة عمر بن عتبة قال لرفيقه: نزل بي الموت ولم أتأهب له! اللهم إنك تعلم أنه ما سنح لي أمران لك في أحدهما رضا ولي في الآخر هوى إلا آثرت رضاك على هواي.
(3/184)

لابن الخطاب في مثله:
ولما حضرت الوفاة عمر بن الخطاب قال لولده عبد الله بن عمر: ضع خدّي على الأرض علّ ربي أن يتعطف عليّ ويرحمني.
للرقاشى في مثله:
ابن السمّاك قال: دخلت على يزيد الرقاشي وهو في الموت. فقال لي: سبقني العابدون وقطع بي؛ والهفاه.
الأسواري وآزاد مرد في احتضاره:
موسى الأسواري قال: دخلت على آزاد مرد وهو ثقيل، فإذا هو كالخفاش لم يبق إلا رأسه؛ فقلت له: يا هذا ما حالك؟ قال: وما حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد، وينطلق إلى ملك عدل بغير حجة، ويدخل قبرا موحشا بغير مؤنس!.
عمر بن عبد العزيز وأبو قلابة:
قال عمر بن عبد العزيز لأبي قلابة وولي غسل ابنه عبد الملك: إذا غسلته وكفنته فآذّني قبل أن تغطي وجهه. ففعل، فنظر إليه وقال: يرحمك الله با بني ويغفر لك.
الحجاج وموت ابنه محمد:
ولما مات محمد بن الحجاج جزع عليه جزعا شديدا، وقال: إذا غسلتموه وكفنتموه فآذنوني. ففعلوا، فنظر إليه وقال متمثلا:
الآن لما كنت أكمل من مشى ... وافتر نابك عن شباة القارح «1»
وتكاملت فيك المروءة كلّها ... وأعنت ذلك بالفعال الصالح
فقيل له: اتق الله واسترجع. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(3/185)

عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك:
وقال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك: كيف تجدك يا بنيّ؟ قال: أجدني في الموت فاحتسبني؛ فإن ثواب الله خير لك مني. قال: والله يا بني لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك قال: وأنا والله، لأن يكون ما تحب أحبّ إليّ من أن يكون ما أحب.
مسلمة بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز في احتضاره:
لما احتضر عمر بن عبد العزيز رحمه الله استأذن عليه مسلمة بن عبد الملك، فأذن له وأمره أن يخفف الوقفة؛ فلما دخل وقف عند رأسه فقال: جزاك الله يا أمير المؤمنين عنا خيرا؛ فلقد ألنت لنا قلوبا كانت علينا قاسية، وجعلت لنا في الصالحين ذكرا.
الرسول صلّى الله عليه وسلم في قبضه:
حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس بن مالك، قال: كانت فاطمة جالسة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ فتواكدت «1» عليه كرب الموت؛ فرفع رأسه وقال، واكرباه! فبكت فاطمة وقالت: واكرباه لكربك يا أبتاه! قال، لا كرب على أبيك بعد اليوم!.
الرياشي عن عثمان بن عمر عن إسرائيل عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: ما رأيت أحدا من خلق الله أشبه حديثا وكلاما برسول الله صلّى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه أخذ بيدها فقبلها ورحّب بها وأجلسها في مجلسه؛ وكان إذا دخل عليها قامت إليه ورحبت به وأخذت بيده فقبلتها. فدخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه، فأسّر إليها فبكت، ثم أسّر إليها فضحكت، فقلت: كنت أحسب لهذه المرأة فضلا على النساء، فإذا هي واحدة منهنّ؛ بينما هي تبكي إذ هي تضحك! فلما توفي رسول الله
(3/186)

صلّى الله عليه وسلم سألتها؛ فقالت: أسّر إليّ فأخبرني أنه ميت فبكيت؛ ثم أسّر إليّ أني أول أهل بيته لحوقا به فضحكت.
عائشة مع أبيها في احتضاره:
القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي مات فيه، فقالت له: يا أبت، اعهد إلي خاصتك، وأنفذ رأيك في عامتك، وانقل من دار جهازك إلى دار مقامك؛ وإنك محضور ومتصل بقلبي لوعتك، وأرى تخاذل أطرافك، وانتقاع لونك؛ فإلى الله تعزيتي عنك، ولديه ثواب حزني عليك، أرقأ فلا أرقأ وأشكو فلا أشكى.
فرفع رأسه فقال: يا بنية، هذا يوم يحلّ فيه عن غطائي؛ وأعاين جزائي، إن فرحا فدائم، وإن نوحا فمقيم؛ إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم، حين كان النكوص إضاعة، والحذر تفريطا؛ فشهيدي الله ما كان بقلبي إلا إياه؛ فتبلّغت بصحفتهم، وتعللت بدرّة لقحتهم، وأقمت صلاي «1» معهم، لا مختالا أشرا، ولا مكابرا بطرا، لم أعد سدّا لجوعة، وتورية لعورة، طوى ممغص تهفو له الأحشاء وتجب له الأمعاء؛ واضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض «2» إلى المعيف «3» الآجن، فإذا أنا متّ فردّي إليهم صحفتهم ولقحتهم وعبدهم ورحاهم، ودثارة ما فوقي اتّقيت بها أذى البرد، ودثارة ما تحتى اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوهما قطع السعف.
عمر مع أبي بكر في احتضاره:
ودخل عليه عمر فقال: يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لقد كلفت القوم بعدك تعبا، ووليتهم نصبا. فهيهات من شقّ غبارك! وكيف باللحاق بك.
وقالت عائشة وأبوها يغمّض:
(3/187)

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل
فنظر إليها وقال: ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ثم أغمى عليه فقالت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
قالت: فنظر إليّ كالغضبان وقال لي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
«1» . ثم قال: انظروا ملاءتيّ فاغسلوهما وكفّنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
وقال معاوية حين حضرته الوفاة:
ألا ليتني لم أغن في الملك ساعة ... ولم أك في الّلذّات أعشى النّواظر «2»
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة ... ليالي حتى زار ضنك المقابر «3»
لما ثقل معاوية ويزيد غائب، أقبل يزيد فوجد عثمان بن محمد بن سفيان جالسا، فأخذ بيده ودخل على معاوية وهو يجود بنفسه، فكلمه يزيد فلم يكلمه، فبكى يزيد، وتضوّر «4» معاوية ساعة، ثم قال: أي بني، إن أعظم ما أخاف الله فيه ما كنت أصنع بك يا بنيّ. إني خرجت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فكان إذا مضى لحاجته وتوضأ أصب الماء على يديه، فنظر إلى قميص لي قد انخرق من عاتقي، فقال لي: يا معاوية، ألا أكسوك قميصا؟ قلت: بلى. فكساني قميصا لم ألبسه إلا لبسة واحدة، وهو عندي.
واجتزّ ذات يوم فأخذت جزازة شعره، وقلامة أظفاره، فجعلت ذلك في قارورة، فإذا مت يا بني فاغسلني ثم اجعل ذلك الشعر والأظفار في عيني ومنخري وفمي، ثم اجعل قميص رسول الله صلّى الله عليه وسلم شعارا من تحت كفني. إن نفع شي نفع هذا.
لما احتضر عمرو بن العاص، جمع بنيه فقال: يا بنيّ، ما تغنون عني من أمر الله شيئا! قالوا: يا أبت، إنه الموت، ولو كان غيره لوقيناك بأنفسنا. فقال: أسندوني.
(3/188)

فأسندوه، ثم قال: اللهم إنك أمرتني فلم أأتمر، وزجرتني فلم أزدجر، اللهم لا قويّ فأنتصر، ولا بريّ فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر! أستغفرك وأتوب إليك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين! فلم يزل يكررها حتى مات.
قال: وأخبرنا رجال من أهل المدينة أن عمرو بن العاص قال لبنيه عند موته: إني لست في الشّرك الذي لومت عليه أدخلت النار، ولا في الإسلام الذي لو متّ عليه أدخلت الجنة؛ فمهما قصرت فيه فإني مستمسك بلا إله إلا الله. وقبض عليها بيده، وقبض لوقته؛ فكانت يده تفتح ثم تترك، فتنقبض.
وقال لبنيه: إن أنا مت فلا تبكوا عليّ، ولا يتبعني مادح ولا نائح، وشنّوا «1» عليّ التراب شنا، فليس جنبي الأيمن أولى بالتراب من الأيسر؛ ولا تجعلوا في قبري خشبة ولا حجرا، وإذا واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور «2» . وتفصيلها أستأنس بكم.
الجزع من الموت
الفضيل بن عياض قال: ما جزع أحد من أصحابنا عند الموت ما جزع سفيان الثوري، فقلنا: يا أبا عبد الله، ما هذا الجزع، ألست تذهب إلى من عبدته وفررت ببدنك إليه؟ فقال: ويحكم! إني أسلك طريقا لم أعرفه، وأقدم على ربّ لم أره.
حزن سعيد بن أبي الحسن على أخيه:
ولما توفي سعيد بن أبي الحسن وجد عليه أخوه الحسن وجدا شديدا، فكلّم في ذلك، فقال: ما رأيت الله جعل الحزن عارا على يعقوب!
(3/189)

الحسن في احتضاره:
وقال صالح المرّي: دخلت على الحسن وهو في الموت، وهو يكثر الاسترجاع؛ فقال له ابنه: أمثلك يسترجع على الدنيا؟ قال: يا بني، ما أسترجع إلا على نفسي التي لم أصب بمثلها قط.
حجر بن الأدبر في موته:
ولما أمر معاوية بقتل حجر بن الأدبر وأصحابه، بعث إليهم أكفانهم وأمر بأن تفتح قبورهم ويقتلوا عليها. فلما قدّم حجر بن الأدبر إلى السيف جزع جزعا شديدا، فقيل له: أمثلك يجزع من الموت؟ فقال: وكيف لا أجزع وأرى سيفا مشهورا وكفنا منشورا وقبرا محفورا.
البكاء على الميت
لإبراهيم:
الشعبي عن إبراهيم قال: لا يكون البكاء إلا من فضل، فإذا اشتد الحزن ذهب البكاء. وأنشد:
فلئن بكيناه لحقّ لنا ... ولئن تركنا ذاك للصّبر
فلمثله جرت العيون دما ... ولمثله جمدت فلم تجر
الأحنف وباكية:
مر الأحنف بامرأة تبكي ميتا ورجل ينهاها، فقال له: دعها فإنها تندب عهدا قريبا وسفرا بعيدا.
للنبي صلّى الله عليه وسلم في وفاة ابنه إبراهيم:
قالوا: لما توفى إبراهيم بن محمد صلّى الله عليه وسلم بكى عليه؛ فسئل عن ذلك فقال: تدمع العينان ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الربّ.
(3/190)

النبي صلّى الله عليه وسلم وباكيات من الأنصار:
ومر النبي صلّى الله عليه وسلم بنسوة من الأنصار يبكين ميتا فزجرهنّ عمر، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم:
«دعهنّ يا عمر، فإن النفس مصابة، والعين دامعة والعهد قريب» .
النبي صلّى الله عليه وسلم وباكيات قتلى أحد:
ولما بكت نساء أهل المدينة على قتلى أحد قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «لكن حمزة لا باكية له ذلك اليوم!» فسمع ذلك أهل المدينة، فلم يقم لهم مأتم إلى اليوم إلا ابتدأن فيه البكاء على حمزة.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «لولا أن يشقّ على صفية، ما دفنته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع.
ابن الخطاب حين نعى إليه ابن مقرن:
ولما نعى النعمان بن مقرّن إلى عمر بن الخطاب وضع يده على رأسه وصاح: يا أسفا على النعمان.
ابن الخطاب حين نعى إليه زيد:
ولما استشهد زيد بن الخطاب باليمامة، وكان صحبه رجل من بني عدي بن كعب؛ فرجع إلى المدينة، فلما رآه عمر دمعت عيناه وقال:
وخلّفت زيدا ثاويا وأتيتني! «1»
وقال عمر بن الخطاب: ما هبت الصّبا إلا وجدت نسيم زيد.
وكان إذا أصابته مصيبة قال: قد فقدت زيدا فصبرت.
(3/191)

عمر ووفاة خالد:
ولما توفي خالد بن الوليد أيام عمر بن الخطاب- وكان بينهما هجرة- امتنع النساء من البكاء عليه، فلما انتهى ذلك إلى عمر، قال: وما على نساء بني المغيرة أن يرقن من دمعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع»
ولا لقلقة «2» .
لمعاوية في النساء:
وقال معاوية وذكر عنده النساء: ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى مثلهن
لابن عياش:
وقال أبو بكر بن عياش: نزلت بي مصيبة أوجعتني فذكرت قول ذي الرمة:
لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي شجيّ البلابل
فخلوت، فبكيت، فسلوت.
وقال الفرزدق في هذا المعنى:
ألم ترياني يوم جوّ سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا
فقلت لها إنّ البكاء لراحة ... به يشتفي من ظنّ أن لا تلاقيا
قعيد كما الله الذي أنتما له ... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا «3»
حبيب دعا والرّمل بيني وبينه ... فأسمعني سقيا لذلك داعيا
يقال: قعيدك الله، وقعدك الله، معناه: سألتك الله.
القول عند المقابر
قال بعضهم: خرجنا مع زيد بن علي نريد الحج، فلما بلغنا النّباج وصرنا إلى مقابرها، التفت إلينا فقال:
(3/192)

لكلّ أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد «1»
فما إن تزال دار حيّ قد اخربت ... وقبر بأفناء البيوت جديد
هم جيرة الأحياء أمّا مزارهم ... فدان وأمّا الملتقى فبعيد
للرقاشي:
وقال مررت بيزيد الرقاشي وهو جالس بين المدينة والمقبرة، فقلت له: ما أجلسك ههنا؟ قال: أنظر إلى هذين العسكرين، فعسكر يقذف الأحياء، وعسكر يلتقم الموتي! ثم نادى بأعلى صوته: يا أهل القبور الموحشة التي قد نطق بالخراب فناؤها، ومهّد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب؛ لا يتواصلون تواصل الإخوان، ولا يتزاورون تزاور الجيران؛ قد طحنهم بكلكله «2» البلى، وأكلهم الجنادل والثرى.
وكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذا دخل المقبرة قال: أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت؛ فهذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما عندكم؟ ثم قال: والذي نفسي بيده، لو أذن لهم في الكلام لقالوا: إن خير الزاد التقوى.
وكان علي بن أبي طالب إذا دخل المقبرة قال: السلام عليكم يأهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات؛ اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم. ثم يقول: الحمد لله الذي جعل لنا الأرض كفاتا «3» أحياء وأمواتا، والحمد لله الذي منها خلقنا، وإليها معادنا، وعليها محشرنا؛ طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل الحسنات، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عز وجل.
وكان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا دخل المقبرة قال: «السلام عليك دار قوم مؤمنين، وإنا إن
(3/193)

شاء الله بكم لاحقون» .
وكان الحسن البصري إذا دخل المقبرة قال: اللهم ربّ هذه الأجساد البالية، والعظام النّخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما منا.
وكان علي بن الفضل إذا دخل المقبرة يقول: اللهم اجعل وفاتهم نجاة لهم مما يكرهون، واجعل حسابهم زيادة لهم مما يحبون.
الوقوف على القبور وما بين الموتى
لأعرابي على قبر الرسول صلّى الله عليه وسلم:
وقف أعرابي على قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: قلت فقبلنا وأمرت فحفظنا، وبلّغت عن ربك فسمعنا: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
«1» ، وقد ظلمنا أنفسنا وجئناك فاستغفر لنا. فما بقيت عين إلا سالت.
لفاطمة على قبر أبيها صلّى الله عليه وسلم:
وقفت فاطمة عليها السلام على قبر أبيها صلّى الله عليه وسلم فقالت:
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... وغاب مذغبت عنّا الوحي والكتب «2»
فليت قبلك كان الموت صادفنا ... لمّا نعيت وحالت دونك الكثب
حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: لما فرغنا من دفن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أقبلت عليّ فاطمة، فقالت: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم التراب؟ ثم بكت ونادت: يا أبتاه! أجاب ربّا دعاه؛ يا أبتاه! من ربّه ما أدناه؛ يا أبتاه! من ربّه ناداه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه؛ يا أبتاه! جنّة الفردوس
(3/194)

مأواه. قال: ثم سكتت فما زادت شيئا.
ابن مسعود على قبر عمر بن الخطاب:
ولما دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أقبل عبد الله بن مسعود وقد فاتته الصلاة عليه؛ فوقف على قبره يبكي ويطرح رداءه؛ ثم قال: والله لئن فاتتني الصلاة عليك لا فاتني حسن الثناء؛ أما والله لقد كنت سخيّا بالحق، بخيلا عن الباطل، ترضى حين الرضا، وتسخط حين السّخط، ما كنت عيّابا ولا مدّاحا؛ فجزاك الله عن الإسلام خيرا.
علي بن أبي طالب على قبر خباب:
ووقف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على قبر خبّاب فقال: رحم الله خبّابا! لقد أسلم راغبا، وجاهد طائعا، وعاش زاهدا، وابتلي في جسمه فصبر؛ ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
الحسن على قبر علي:
ولما توفى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، قام الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال: أيها الناس، إنه قبض فيكم الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون ولم يدركه الآخرون، قد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يبعثه فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، لا ينثني حتى يفتح الله له؛ ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم أعدّها لخادم له.
ابن السماء في رثاء الطائي:
عبد الرحمن بن الحسين عن محمد بن مصعب قال: لما مات داود الطائي تكلم ابن السمّاك فقال: إن داود نظر إلى ما بين يديه من آخرته، فأغشى بصر القلب بصر العين، فكأن لم ينظر ما إليه تنظرون، وكأنكم لم تنظروا إلى ما إليه ينظر، فأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب، فلما رآكم مفتونين مغرورين، قد أذهلت الدنيا عقولكم،
(3/195)

وأماتت بحبها قلوبكم، استوحش منكم، فكنت إذا نظرت إليه حسبته حيا وسط أموات؛ يا داود، ما أعجب شأنك بين أهل زمانك، أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها، وأتعبتها وإنما تريد راحتها وأخشنت المطعم وإنما تريد طيبه، وأخشنت الملبس وإنما تريد لينه، ثم أمتّ نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذّبتها قبل أن تعذب؛ سجنت نفسك في بيتك فلا محدّث لك، ولا جليس معك، ولا فراش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا قلّة يبرّد فيها ماؤك، ولا صحفة يكون فيها غداؤك وعشاؤك؛ يا داود، ما تشتهي من الماء بارده، ولا من الطعام طيّبه، ولا من اللباس لينه؛ بلى، ولكن زهدت فيه لما بين يديك؛ فما أصغر ما بذلت وما أحقر ما تركت في جنب ما رغبت وأمّلت، فلما مت شهرك ربّك بفضلك؛ وألبسك رداء عملك، فلو رأيت من حضرك علمت أن ربك قد أكرمك وشرّفك.
للاحنف على قبر أخيه:
وقف الأحنف بن قيس على قبر أخيه فأنشد:
فو الله لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض «1»
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
ووقف محمد بن الحنفية على قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما فخنقته العبرة ثم نطق فقال: يرحمك الله أبا محمد، فلئن عزّت حياتك فلقد هدّت وفاتك، ولنعم الروح روح ضمه بدنك، ولنعم البدن بدن ضمه كفنك، وكيف لا يكون كذلك وأنت بقية ولد الأنبياء، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء «2» ، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام، فطبت حيّا وطبت ميتا، وإن كانت أنفسنا غير طيّبة بفراقك، ولا شاكّة في الخيار لك.
(3/196)

عائشة على قبر أبي بكر:
ووقفت عائشة على قبر أبي بكر فقالت: نضّر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وكنت للآخرة معزّا بإقبالك عليها ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك- إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك، وحسن العوض منك؛ فأنا أتنجز موعود الله بحسن العزاء عليك، وأستعيضه منك بالاستغفار لك؛ فعليك السلام ورحمة الله، توديع غير قالية «1» لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك! ثم انصرفت.
رثاء علي لأبي بكر:
لما قبض أبو بكر سجّي بثوب فارتجت المدينة بالبكاء عليه، ودهش القوم كيوم قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول: رحمك الله أبا بكر، كنت والله أوّل القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا. وأشدّهم يقينا، وأعظمهم غناء، وأحفظهم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأحدبهم «2» على الإسلام، وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله صلّى الله عليه وسلم خلقا وفضلا وهديا وسمتا، فجزاء الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا، صدّقت رسول الله حين كذّبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، سماك الله في كتابه صدّيقا، فقال: «والّذي جاء بالصّدق وصدّق به» يريد محمدا ويريدك، كنت والله للإسلام حصنا، وعلى الكافرين عذابا، لم تفلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كنت الجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في الأرض، كثيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقويّ عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي
(3/197)

حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك.
عبد الملك على قبر معاوية:
وقف عبد الملك بن مروان على قبر معاوية فقال: تالله إن كنت ما علمت لينطقك العلم؛ ويسكنك الحلم. ثم أنشأ يقول:
وما الدهر والأيام إلّا كما ترى ... رزيئة مال أو فراق حبيب
للضحاك في زياد:
الهيثم بن عدي قال: لما هلك زياد استعمل معاوية الضحاك على الكوفة؛ فلما دخلها سأل عن قبر زياد فدلّ عليه؛ فأتاه حتى وقف به ثم قال:
أبا المغيرة والدّنيا مفجّعة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكير
لو خلّد الخير والإسلام ذا قدم ... إذا لخلّدك الإسلام والخير
والأبيات لحارثة بن بدر يرثي زيادا.
لعلي في فاطمة:
المدائني قال: لما دفن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه فاطمة عليها السلام، تمثل عند قبرها فقال:
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الممات قليل
وإنّ افتقادي واحدا بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل
امرأة الحسن على قبره:
لما مات الحسن بن عليّ عليهما السلام ضربت امرأته فسطاطا على قبره وأقامت حولا ثم انصرفت إلى بيتها؛ فسمعت قائلا يقول: أدركوا ما طلبوا، فأجابه مجيب:
بل ملّوا فانصرفوا.
(3/198)

نائلة على قبر عثمان:
ابن الكلبي قال: وقفت نائلة بنت الفرافصة الكلبية على قبر عثمان فترحمت عليه ثم قالت:
ومالي لا أبكي وتبكي صحابتي ... وقد ذهبت عنا فضول أبي عمرو
ثم انصرفت إلى منزلها، فقالت: إني رأيت الحزن يبلي كما يبلى الثوب، وقد خفت أن يلى حزن عثمان في قلبي! فدعت بفهر «1» فهمشت فاها وقالت: والله لا قعد مني رجل مقعد عثمان أبدا!
الراثون على قبر الإسكندر:
لما هلك الإسكندر: قامت الخطباء على رأسه، فكان من قولهم: الإسكندر كان أمس، أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس!
لأبي العتاهية في ابن له:
أخذ هذا المعنى أبو العتاهية. فقال عند دفنه ولدا له:
كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديّا
وكنت وفي حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
لأبي ذر في مثله:
وقف أبو ذرّ الهمداني على قبر ابنه ذرّ، فقال: يا ذرّ، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، فليت شعري ما قلت وما قيل لك! ثم قال: اللهم إني قد وهبت لك إساءته إليّ، فهب له إساءته إليك! فلما انصرف عنه التفت إلى قبره فقال: يا ذرّ، قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك!
(3/199)

لابن سليمان في مثله:
وقف محمد بن سليمان على قبر ابنه فقال: اللهم إني أرجوك له وأخافك عليه؛ فحقق رجائي وآمن خوفي.
لأعرابية في أبيها:
وقفت أعرابية على قبر أبيها فقالت: يا أبت، إنّ في الله تبارك وتعالى من فقدك عوضا، وفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم من مصيبتك أسوة. ثم قالت: اللهم نزل بك عبدك مقفرا من الزاد، مخشوشن المهاد، غنيا عما في أيدي العباد، فقيرا إلى ما في يديك يا جواد، وأنت أي ربّ خير من نزل به المؤمّلون، واستغنى بفضله المقلّون، وولج في سعة رحمته المذنبون؛ اللهم فليكن قرى عبدك منك رحمتك، ومهاده جنتك. ثم انصرفت.
لأعرابية في رثاء ابنتها:
قال عبد الرحمن بن عمر: دخلت على امرأة من نجد بأعلى الأرض في خباءلها، وبين يديها بنيّ لها قد نزل به الموت، فقامت إليه فأغمضته وعصبته وسجّته، وقالت:
يا بن أخي. قلت: ما تشائين؟ قالت: ما أحق من ألبس النعمة، وأطيلت به النظرة، أن لا يدع التوثق من نفسه قبل حل عقدته، والحلول بعفو ربه، والمحالة بينه وبين نفسه! قال: وما يقطر من عينها دمعة، صبرا واحتسابا. ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان ماله لبطنه، ولا أمره لعرسه. ثم أنشدت.
رحيب الذراع بالتي لا تشينه ... وإن كانت الفحشاء بها ذرعا
عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه:
وقف عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك فقال: رحمك الله يا بنيّ، فلقد كنت سارّا مولودا، بارّا ناشئا، وما أحب أني دعوتك فأجبتني!
(3/200)

ابن ذر جنازة جار له:
توفى رجل كان مسرفا على نفسه بالذنوب، فتجافى الناس جنازته؛ فبلغ عمر بن ذرّ خبره؛ فأوصى إلى أهله أن خذوا في جهازه فإذا فرغتم فآذنوني. ففعلوا، وشهده عمر بن ذرّ وشهده الناس معه، فلما فرغ من دفنه وقف عمر ابن ذرّ على قبره فقال:
يرحمك الله أبا فلان! فلقد صحبت عمرك بالتوحيد، وعفّرت لله وجهك بالسجود، فإن قالوا: مذنب وذو خطايا! فمن منا غير مذنب وغير ذي خطايا!
لجارية على قبر أبيها:
سمع الحسن من جارية واقفة على قبر أبيها وهي تقول: يا أبت مثل يومك لم أره! قال: الذي- والله- لم ير مثل يومه أبوك!
خصي للوليد على قبره:
وسمع عمر بن عبد العزيز خصيّا للوليد بن عبد الملك واقفا على قبر الوليد وهو يقول: يا مولاي، ماذا لقينا بعدك! فقال له عمر: أما والله لو أذن له في الكلام لأخبر أنه لقي بعدكم أكثر مما لقيتم بعده.
معاوية على قبر أخيه:
وقف معاوية على قبر أخيه عتبة فدعا له وترحم عليه، ثم التفت إلى من معه فقال:
لو أن الدنيا بنيت على نسيان الأحبة ما نسيت عتبة أبدا.
المراثي
من رثى نفسه ووصف قبره وما يكتب على القبر
لابن خذاق:
قال ابن قتيبة بلغني أنّ أوّل من بكى على نفسه وذكر الموت في شعره: يزيد بن خذّاق فقال:
(3/201)

هل للفتى من بنات الدهر من راقي ... أم هل له من حمام الموت من واقي
قد رجّلوني وما بالشّعر من شعث ... وألبسوني ثيابا غير أخلاق «1»
وطيّبوني وقالوا أيّما رجل! * وأدرجوني كأني طيّ مخراق «2»
وأرسلوا فتية من خيرهم حسبا ... ليسندوا في ضريح القبر أطباقي «3»
وقسّموا المال وارفضّت عوائدهم ... وقال قائلهم مات ابن خذّاق!
هوّن عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي
وقال ابن ذؤيب الهذلي يصفه حفرته:
مطأطأة لم ينبطوها وإنما ... ليرضى بها فرّاطها، أمّ واحد «4»
قضوا ما قضوا من رمّها ثم أقبلوا ... إلي بطاء المشي غبر السّواعد
فكنت ذنوب البئر لمّا تلحّبت ... وأدرجت أكفاني ووسّدت ساعدي
وقال عروة بن حزام لما نزل به الموت:
من كان من أخواتي باكيا أبدا ... فاليوم، إني أراني اليوم مقبوضا
يسمعنيه فإني غير سامعه ... إذا علوت رقاب القوم معروضا
وقال الطرماح بن حكيم:
فيا ربّ لا تجعل وفاتي إن أتت ... على شرجع يعلى بدكن المطارف
ولكن شهيدا ثاويا في عصابة ... يصابون في فجّ من الأرض خائف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما في الصحائف
فأقتل قعصا ثم يرمى بأعظمي ... مفرّقة أوصالها في التّنائف
ويصبح لحمي بطن طير مقيله ... بجوّ السماء في نسور عواكف
وقال مالك بن الرّيب: يرثي نفسه ويصف قبره- وكان خرج مع سعيد بن عثمان بن عفان. لما ولي خراسان، فلما كان ببعض الطريق أراد أن يلبس خفه، فإذا
(3/202)

بأفعى في داخلها، فلسعته، فلما أحس بالموت استلقى على قفاه. ثم أنشأ يقول
دعاني الهوى من أهل أود وصحبتي ... بذي الطّبسين فالتفتّ ورائيا «1»
فما راعني إلا سوابق عبرة ... تقنّعت منها أن ألام ردائيا
ألم ترني بعت الضّلالة بالهدى ... وأصبحت في جيش ابن عفّان غازيا
فلله درّي حين أترك طائعا ... بنيّ بأعلى الرّقمتين وماليا
ودرّ الكبيرين اللذين كلاهما ... عليّ شفيق ناصح قد نهانيا
ودرّ الظّباء السّانحات عشيّة ... يخبّرن أني هالك من أماميا
تقول ابنتي لمّا رأت وشك رحلتي ... سفارك هذا تاركي لا أباليا
ألا ليت شعري هل بكت أمّ مالك ... كما كنت لو عالوا نعيّك باكيا
إذا متّ فاعتادي القبور وسلّمي ... عليهنّ أسقين السّحاب الغواديا
تري جدثا قد جرّت الريح فوقه ... ترابا كسحق المرنبانىّ هابيا «2»
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فاحفرا ... برابية إني مقيم لياليا
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي ... وردّا على عينيّ فضل ردائيا
ولا تحسداني بارك الله فيكما ... من الأرض ذات العرض أن توسعاليا
خذاني فجرّاني ببردي إليكما ... فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
تفقّدت من يبكي عليّ فلم أجد ... سوى السّيف والرّمح الرديني باكيا
وأدهم غربيب يجرّ لجامه ... إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا «3»
وبالرّمل لو يعلمن علمي نسوة ... بكين وفدّين الطبيب المداويا
عجوزي وأختاي اللّتان أصيبتا ... بموتي وبنت لي تهيج البواكيا
لعمري لئن غالت خراسان هامتي ... لقد كنت عن بابي خراسان نائيا
تحمّل أصحابي عشاء وغادروا ... أخا ثقة في عرصة الدّار ثاويا «4»
(3/203)

يقولون لا تبعدوهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا
لأفنون في بكاء نفسه:
وقال رجل من بني تغلب يقال له أفنون، وهو لقبه، واسمه ضريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك بن حبيب بن عمر بن غنم بن تغلب، ولقي كاهنا في الجاهلية، فقال له: إنك تموت بمكان يقال له الاهة. فمكث ما شاء الله، ثم سافر في ركب من قومه إلى الشام فأتوها، ثم انصرفوا فضلوا الطريق، فقالوا لرجل: كيف نأخذ؟ فقال: سيروا حتى إذا كنتم بمكان كذا وكذا ظهر لكم الطريق ورأيتم الإهة- وإلاهة قارة بالسماوة- فلما أتوها نزل أصحابه وأبى أن ينزل؛ فبينما ناقته ترتعي وهو راكبها إذ أخذت بمشفر ناقته حية، فاحتكت الناقة بمشفرها فلدغت ساقه، فقال لأخيه وكان معه، واسمه معاوية: احفر لي فإني ميت ثم تغنّى قبل أن يموت يبكي نفسه:
لست على شيء، فروحن معاويا ... ولا المشفقات إذ تبعن الحوازيا «1»
ولا خير فيما كذّب المرء نفسه ... وتقواله للشيء يا ليت ذا ليا
وإن أعجبتك الدّهر حال من امريء ... فدعه وواكل حاله واللياليا
يرحن عليه أو يغيّرن ما به ... وإن لم يكن في خوفه العيث وانيا
فتطأ معرضا إنّ الحتوف كثيرة ... وإنك لا تبقي بنفسك باقيا
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتّقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
كفى حزنا أن يرحل الرّكب غدوة ... وأنزل في أعلى إلاهة ثاويا
قال: فمات فدفنوه بها.
وقال هدبة العذري لما أيقن بالموت:
ألا علّلاني قبل نوح النّوائح ... وقبل اطلاع النفس بين الجوانح
وقبل غد يا لهف نفسي على غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح
(3/204)

إذا راح أصحابي بفيض دموعهم ... وغودرت في لحد عليّ صفائحي
يقولون هل أصلحتم لأخيكم ... وما الرّمس في الأرض القواء بصالح «1»
وقال محمد بن بشير:
ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه
والويل لي من كلّ يوم أتى ... يذكرني الموت وأنساه
كأنه قد قيل في مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه:
صار البشيريّ إلى ربّه ... يرحمنا الله وإياه
لأبي العتاهية في أبيات أوصى أن تكتب على قبره:
ولما حضرت أبا العتاهية الوفاة، واسمه إسماعيل بن القاسم، أوصى بأن يكتب على قبره هذه الأبيات الأربعة:
أذن حيّ تسمّعي ... اسمعي ثم عي وعي
أنا رهن بمضجعي ... فاحذري مثل مصرعي
عشت تسعين حجّة ... ثم وافيت مضجعي
ليس شي سوى التّقي ... فخذي منه أودعي
وعارضه بعض الشعراء في هذه الأبيات، وأوصى بأن يكتب على قبره أيضا فكتبت وهي:
أصبح القبر مضجعي ... ومحلّي وموضعي
صرعتني الحتوف في ال ... تّرب يا ذلّ مصرعي «2»
أين إخواني الذي ... ن إليهم تطلّعي
متّ وحدي فلم يمت ... واحد منهم معي
(3/205)

أبيات قيل إنها لأبي نواس:
وجد على قبر جارية إلى جنب قبر أبي نواس ثلاثة أبيات؛ فقيل إنها من قول أبي نواس، وهي:
أقول لقبر زرته متلثّما ... سقى الله برد العفو صاحبة القبر «1»
لقد غيّبوا تحت الثرى قمر الدّجى ... وشمس الضحى بين الصّفائح والعفر «2»
عجبت لعين بعدها ملّت البكا ... وقلب عليها يرتجي راحة الصبر
لابن نواس:
الرياشي قال: وجدت تحت الفراش الذي مات عليه أبو نواس رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات:
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم أنّي مسلم
أبيات على قبر الإيادي:
الخشني قال: أخبرنا بعض أصحابنا ممن كان يغشى مجلس الرياشي قال: رأيت على قبر أبي هاشم الإيادي بواسط:
الموت أخرجني من دار مملكتي ... والموت أضرعني من بعد تشريفي
لله عبد رأى قبري فأعبره ... وخاف من دهره ريب التّصاريف
الأصمعي قال: أخذ بيدي يحيى بن خالد بن برمك فأوقفني على قبر بالحيرة، فإذا عليه مكتوب:
إن بني المنذر لمّا انقضوا ... بحيث شاد البيعة الراهب
(3/206)

تنّفح بالمسك محاريبهم ... وعنبر يقطبة قاطب «1»
والخبز واللحم لهم راهن ... وقهوة راووقها ساكب «2»
والقطن والكتّان أثوابهم ... لم يجلب الصّوف لهم جالب
فأصبحوا قوتا لدود الثّرى ... والدهر لا يقي له صاحب
كأنما حياتهم لعبة ... سرى إلى بين بها راكب
وقال أبو حاتم: بين: موضع من الحيرة على ثلاث ليال.
الشيباني قال: وجد مكتوبا على بعض القبور:
ملّ الأحبّة زورتي فجفيت ... وسكنت في دار البلى فنسيت
الحيّ يكذب لا صديق لّميت ... لو كان يصدق مات حين يموت
يا مؤنسا سكن الثرى وبقيت ... لو كنت أصدق إذ بليت بليت
أو كان يعمى للبكاء مفجّع ... من طول ما أبكى عليك عميت «3»
وقال محمد بن عبد الله:
وعما قليل أن ترى باكيا لنا ... سيضحك من يبكي ويعرض عن ذكري
ترى صاحبي يبكي قليلا لفرقتي ... ويضحك من طول اللّيالي على قبري
ويحدث إخوانا وينسى مودّتي ... وتشغله الأحباب عني وعن ذكري
من رثى ولده
فمن قولي في ولدي:
بليت عظامي والأسى يتجدّد ... والصبر ينفد والبكا لا ينفد
يا غائبا لا يرتجى لإيابه ... ولقائه دون القيامة موعد
ما كان أحسن ملحدا ضمّنته ... لو كان ضمّ أباك ذاك الملحد
باليأس أسلو عنك لا بتجلّدي ... هيهات أين من الحزين تجلد
(3/207)

ومن قولي فيه أيضا:
واكبدا قد قطّعت كبدي ... وحرّقتها لواعج الكمد
ما مات حيّ لّمت أسفا ... أعذر من والد على ولد
يا رحمة الله جاوري جدثا ... دفنت فيه حشاشتي بيدي
ونوّرى ظلمة القبور على ... من لم يصل ظلمه إلى أحد
من كان خلوا من كلّ بائقة ... وطيّب الرّوح طاهر الجسد
يا موت، يحيى لقد ذهبت به ... ليس بزمّيلة ولا نكد «1»
يا موته لو أقلت عثرته ... يا يومه لو تركته لغد
يا موت لو لم تكن تعاجله ... لكان لا شكّ بيضة البلد «2»
أو كنت راخيت في العنان له ... حاز العلا واحتوى على الأمد «3»
أيّ حسام سلبت رونقه ... وأيّ روح سللت من جسد
وأيّ ساق قطعت من قدم ... وأيّ كفّ ازلت من عضد
يا قمرا أجحف الخسوف به ... قبل بلوغ السواء في العدد»
أيّ حشى لم يذب له أسفا ... وأيّ عين عليه لم تجد «5»
لا صبر لي بعده ولا جلد ... فجعت بالصبر فيه والجلد
لو لم أمت عند موته كمدا ... لحقّ لي أن أموت من كمدي
يا لوعة لا يزال لاعجها ... يقدح نار الأسى على كبدي «6»
وقلت فيه أيضا:
قصد المنون له فمات فقيدا ... ومضى على صرف الخطوب حميدا
بأبي وأمي هالكا أفردته ... قد كان في كلّ العلوم فريدا
سود المقابر أصبحت بيضا به ... وغدت له بيض الضمائر سودا
(3/208)

لم نرزه لمّا رزينا وحده ... وإن استقلّ به المنون وحيدا «1»
لكن رزينا القاسم بن محمد ... في فضله والأسود بن يزيدا
وابن المبارك في الرّقائق مخبرا ... وابن المسيّب في الحديث سعيدا
والأخفشين فصاحة وبلاغة ... والأعشيين رواية ونشيدا
كان الوصيّ إذا أردت وصيّة ... والمستفاد إذا طلبت مفيدا
ولّى حفيظا في الأذمّة حافظا ... ومضى ودودا في الورى مودودا «2»
ما كان مثلي في الرّزيّة والد ... ظفرت يداه بمثله مولودا
حتى إذا بذّ السّوابق في العلا ... والعلم ضمّن شلوه ملحودا
يا من يفنّد في البكاء مولّها ... ما كان يسمع في البكا تفنيدا «3»
تأبى القلوب المستكينة للأسى ... من أن تكون حجارة وحديدا
إنّ الذي باد السّرور بموته ... ما كان حزني بعده ليبيدا
ألآن لما أن حويت مآثرا ... أعيت عدوّا في الورى وحسودا
ورأيت فيك من الصّلاح شمائلا ... ومن السّماح دلائلا وشهودا
أبكي عليك إذا الحمامة طرّبت ... وجه الصّباح وغرّدت تغريدا
لولا الحياء وأن أزنّ ببدعة ... مما يعدّده الورى تعديدا «4»
لجعلت يومك في المنائح مأتما ... وجعلت يومك في الموالد عيدا
وقلت فيه أيضا:
لا بيت يسكن إلّا فارق السّكنا ... ولا امتلا فرحا إلّا امتلا حزنا
لهفي على ميّت مات السرور به ... لو كان حيّا لأحيا الدين والسّننا
واها عليك أبا بكر مردّدة ... لو سكّنت ولها أو فتّرت شجنا
إذا ذكرتك يوما قلت وا حزنا ... وما يردّ عليك القول وا حزنا
يا سيّدي ومراح الروح في جسدي ... هلّا دنا الموت منّي حين منك دنا!
(3/209)

حتى يعود بنا في قعر مظلمة ... لحد ويلبسنا في واحد كفنا
يا أطيب الناس روحا ضمّه بدن ... أستودع الله ذاك الروح والبدنا
لو كنت أعطى به الدّنيا معاوضة ... منه لما كانت الدنيا له ثمنا
وقال أبو ذؤيب الهذلي، وكان له أولاد سبعة فماتوا كلهم إلا طفلا، فقال يرثيهم:
أمن المنون وريبه تتوجّع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع «1»
قالت أمامة ما لجسمك شاحبا ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعا ... إلّا أقضّ عليك ذاك المضجع «2»
فأجبتها أن ما لجسمي إنه ... أودى بنيّ من البلاد فودّعوا
أودى بنيّ وأعقبوني حسرة ... بعد الرّقاد وعبرة ما تقلع
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع «3»
فبقيت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أني لاحق مستتبع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... وإذا المنيّة أقبلت لا تدفع
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن حداقها ... سملت بشوك فهي عورا تدمع «4»
حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشرّق كلّ يوم تقرع «5»
وتجلّدي للشّامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
وقال في الطفل الذي بقي له:
والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقال الأصمعي: هذا أبدع بيت قالته العرب.
وقال أعرابيّ يرثي بنيه:
(3/210)

أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدا ... فدينا وأعطينا بكم ساكني الظّهر «1»
فياليت من فيها عليها وليت من ... عليها ثوى فيها مقيما إلى الحشر
وقاسمني دهري بنيّ بشطره ... فلما تقضّى شطره مال في شطري
فصاروا ديونا للمنايا ولم يكن ... عليهم لها دين قضوه على عسر
كأنهم لم يعرف الموت غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر إلى قبر
وقد كنت حيّ الخوف قبل وفاتهم ... فلمّا توفّوا مات خوفي من الدهر
فلله ما أعطى ولله ما حوى ... وليس لأيّام الرّزيّة كالصّبر
وقيل لأعرابية مات ابنها. ما أحسن عزاءك؟ قالت: إن فقدى إياه آمنني كل فقد سواه، وإن مصيبتي به هونت عليّ المصائب بعده! ثم أنشأت تقول:
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
كنت السّواد لناظري ... فعمي عليك النّاظر
ليت المنازل والدّيا ... رحفائر ومقابر
إني وغيري لا محا ... لة حيث صرت لصائر
أخذ الحسن بن هانيء معنى هذا البيت الأول، فقال في الأمين:
طوى الموت ما بيني وبين محمّد ... وليس لما تطوي المنيّة ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شي عليه أحاذر
لئن عمرت دور بمن لا أحبّه ... لقد عمرت ممن أحبّ المقابر
وقال عبد الله بن الأهتم يرثي ابنا له:
دعوتك يا بنيّ فلم تجبني ... فردّت دعوتي يأسا عليّا
بموتك ماتت الّلذّات مني ... وكانت حيّة ما دمت حيّا
فيا أسفا عليك وطول شوقي ... إليك لو انّ ذلك ردّ شيّا
(3/211)

لأبي العتاهية في رثاء ابن له:
وأصيب أبو العتاهية بابن له فلما دفنه وقف على قبره وقال:
كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا
وكنت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
لأعرابي في رثاء ابن له:
ومات ابن لأعرابيّ فاشتد حزنه عليه، وكان الأعرابيّ يكنى به، فقيل له: لو صبرت لكان أعظم لثوابك! فقال:
بأبي وأمّي من عبأت حنوطه ... بيدي وفارقني بماء شبابه
كيف السّلوّ وكيف أنسى ذكره ... وإذا دعيت فإنما أدعى به
عمر بن الخطاب وأعرابي فقد ابنا له:
خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما إلى بقيع الغرقد «1» ، فإذا أعرابي بين يديه، فقال: يا أعرابي، ما أدخلك دار الحق؟ قال: وديعة لي ها هنا منذ ثلاث سنين. قال: وما وديعتك؟ قال: ابن لي حين ترعرع فقدته فأنا أندبه! قال عمر:
أسمعني ما قلت فيه: فقال:
يا غائبا ما يثوب من سفره ... عاجله موته على صغره
يا قرّة العين كنت لي سكنا ... في طول ليلي نعم وفي قصره
شربت كأسا أبوك شاربها ... لا بدّ يوما له على كبره
أشربها والأنام كلهم ... من كان في بدوه وفي حضره «2»
فالحمد لله لا شريك له ... الموت في حكمه وفي قدره
قد قسم الموت في الأنام فما ... يقدر خلق يزيد في عمره
قال عمر: صدقت يا أعرابي، غير أن الله خير لك منه!
(3/212)

المنصور وشعر لمطيع حين مات ولده:
الشيباني قال: لما مات جعفر بن أبي جعفر المنصور، اشتدّ عليه حزنه. فلما فرغ من دفنه التفت إلى الربيع فقال: يا ربيع، كيف قال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد؟
فأنشد:
يا هل دواء لقلبي القرح ... وللدّموع الذّوارف السّفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني ال ... أقدار لم تبتكر ولم يرح
يا خير من يحسن البكاء به ال ... يوم ومن كان أمس للمدح
قد ظفر الحزن بالسّرور وقد ... ألّم مكروهه من الفرح
وقالت أعرابية تندب ابنا لها:
أبنيّ غيّبك المحلّ الملحد ... إمّا بعدت فأين من لا يبعد
أنت الذي في كلّ ممسى ليلة ... تبلى وحزنك في الحشا يتجدّد
وقالت فيه:
لئن كنت لي لهوا لعين وقرّة ... لقد صرت سقما للقلوب الصّحائح
وهوّن حزني أنّ يومك مدركي ... وأني غدا من أهل تلك الضّرائح
وقال أبو الخطّار يرثي ابنه الخطار:
ألا خبراني بارك الله فيكما ... متى العهد بالخطار يا فتيان
فتى لا يرى نوم العشاء غنيمة ... ولا ينثني من صولة الحدثان
وقال جرير يرثي ولده سوادة:
قالوا نصيبك من أجر فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالي
ذاكم سوادة يجلو مقلتي لحم ... باز يصرصر فوق المرقب العالي «1»
فارقته حين غضّ الدهر من بصرى ... وحين صرت كعظم الرّمّة البالي «2»
(3/213)

وقال أبو الشغب يرثي ابنه شغبا:
قد كان شغب لو انّ الله عمّره ... عزّا تزاد به في عزّها مضر
ليت الجبال تداعت قبل مصرعه ... دكّا فلم يبق من أحجارها حجر
فارقت شغبا وقد قوّست من كبر ... بئس الخليطان طول الحزن والكبر «1»
لابن عبد الأعلى في رثاء أيوب بن سليمان:
ولما توفى أيوب بن سليمان بن عبد الملك في حياة سليمان، وكان وليّ عهده وأكبر ولده؛ رثاه ابن عبد الأعلى وكان من خاصته، فقال فيه:
ولقد أقول لذي الشّماتة إذ رأى ... جزعي ومن يذق الحوادث يجزع
أبشر فقد قرع الحوادث مروتي ... وافرح بمروتك التي لم تقرع «2»
إن عشت تفجع بالأحبّة كلّهم ... أو يفجعوا بك إن بهم لم تفجع
أيوب! من يشمت بموتك لم يطق ... عن نفسه دفعا وهل من مدفع؟
لأب في رثاء ابنه:
الأصمعي عن رجل من الأعراب قال: كنا عشرة إخوة، وكان لنا أخ يقال له حسن. فنعي إلى أبينا، فبقى سنتين يبكي عليه حتى كفّ بصره؛ وقال فيه:
أفلحت إن كان لم يمت حسن ... وكفّ عني البكاء والحزن
بل أكذب الله من نعى حسنا ... ليس لتكذيب قوله ثمن
أجول في الدار لا أراك وفي الدار أناس جوارهم غبن «3»
بدّلتهم منك ليت أنهم ... كانوا وبيني وبينهم مدن
قد علموا عند ما أنافرهم ... ما في قتالي صدع ولا أبن
قد جرّبوني فما ألاومهم ... ما زال بيني وبينهم إحن «4»
(3/214)

فقد برى الجسم مذ نعيت لنا ... كما برى فرع نبعة سفن «1»
فإن تعش فالمنى حياتك والخلد وأنت الحديث والوسن «2»
إن تحى تحي بخير عيش وإن ... تمض فتلك السبيل والسّنن
بريدك الحمد والسلام معا ... فكلّ حيّ بالموت مرتهن
يا ويح نفسي إن كنت في جدث ... دونك فيه التراب والكفن
عليّ لله إن لقيتك من ... قبل الممات الصيام والبدن
أسوقها حافيا مجلّلة ... أدما هجانا قد كظّها السّمن «3»
فلا نبالي إذا بقيت لنا ... من مات أو من أودى به الزمن
كنت جليلي وكنت خالصتي ... لكلّ حيّ من أهله سكن
لا خير لي في الحياة بعدك إن ... أصبحت تحت التراب يا حسن
وقال أعرابي يرثي ابنه:
ولما دعوت الصبر بعدك والأسى ... أجاب الأسى طوعا ولم يجب الصبر
فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر
وقال أعرابي يرثي ابنه:
بنيّ لئن ضنّت جفون بمائها ... لقد قرحت مني عليك جفون «4»
دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحت ... وللنفيس منها دافن ودفين
لابن عبد ربه في طفل له:
وهذا نظير قولي في طفل أصبت به:
على مثلها من فجعة خانك الصبر ... فراق حبيب دون أوبته الحشر
ولي كبد مشطورة في يد الأسى ... فتحت الثّرى شطر وفوق الثرى شطر
يقولون لي صبّر فؤادك بعده ... فقلت لهم مالي فؤاد ولا صبر
(3/215)

فريخ من الحمر الحواصل ما اكتسى ... من الريش حتى ضمّه الموت والقبر
إذا قلت أسلو عنه هاجت بلابل ... يجدّدها فكر يجدده ذكر
وأنظر حولي لا أرى غير قبره ... كأنّ جميع الأرض عندي له قبر
أفرخ جنان الخلد طرت بمهجتي ... وليس سوى قعر الضريح لها وكر
وقالت أعرابية ترثي ولدها:
يا قرحة القلب والأحشاء والكبد ... يا ليت أمّك لم تحبل ولم تلد
لما رأيتك قد أدرجت في كفن ... مطيّبا للمنايا آخر الأبد
أيقنت بعدك أنّي غير باقية ... وكيف يبقى ذراع زال عن عضد «1»
لأعرابي في ابنين له:
توفى ابن لأعرابي فبكى عليه حينا، فلما همّ أن يسلو عنه توفى له ابن آخر، فقال في ذلك:
إن أفق من حزن هاج حزن ... ففؤادي ماله اليوم سكن
وكما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن «2»
وقال في ذلك:
عيون قد بكينك موجعات ... أضرّ بها البكاء وما ينينا «3»
إذا أنفدن دمعا بعد دمع ... يراجعن الشئون فيستقينا
أبو عبيد البجلي قال: وقفت أعرابية على قبر ابن لها يقال له عامر، فقالت:
أقمت أبكيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار لي وحشة ... قد ذلّ من ليس له ناصر
وقالت فيه:
هو الصبر والتسليم لله والرضا ... إذا نزلت بي خطة لا أشاؤها
(3/216)

إذا نحن أبنا سالمين بأنفس ... كرام رجعت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنها ... تئوب ويبقى ماؤها وحياؤها
ولا برّ إلا دون ما برّ عامر ... ولكنّ نفسا لا يدوم بقاؤها
هو ابني أمسى أجره لي وعزّني ... على نفسه رب إليه ولاؤها
فإن أحتسب أوجر وإن أبكه أكن ... كباكية لم يحي ميتا بكاؤها «1»
لهذيلية في رثاء إخوة وابن:
الشيباني قال: كانت امرأة من هذيل، وكان لها عشرة إخوة وعشرة أعمام؛ فهلكوا جميعا في الطاعون؛ وكانت بكرا لم تتزوج؛ فخطبها ابن عم له فتزوّجها. فلم تلبث أن اشتملت على غلام فولدته، فنبت نباتا كأنما يمدّ بناصيته وبلغ، فزوّجته وأخذت في جهازه، حتى إذا لم يبق إلا البناء «2» أتاه أجله، فلم تشقّ لها جيبا، ولم تدمع لها عين؛ فلما فرغوا من جهازه دعيت لتوديعه، فأكبّت عليه ساعة، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه وقالت:
ألا تلك المسرّة لا تدوم ... ولا يبقى على الدهر النعيم
ولا يبقى على الحدثان غفر ... بشاهقة له أمّ رءوم «3»
ثم أكبت عليه أخرى، فلم تقطع نحيبها حتى فاضت نفسها، فدفنا جميعا.
لشيبانية في حزنها على أهلها:
خليفة بن خيّاط قال: ما رأيت أشدّ كمدا من امرأة من بني شيبان، قتل ابنها وأبوها وزوجها وأمها وعمتها وخالتها مع الضحاك الحروريّ؛ فما رأيتها قطّ ضاحكة ولا متبسمة حتى فارقت الدنيا، وقالت ترثيهم:
من لقلب شفّه الحزن ... ولنفس مالها سكن
(3/217)

ظعن الأبرار فانقلبوا ... خيرهم من معشر ظعنوا «1»
معشر قضّوا نحوبهم ... كلّ ما قد قدّموا حسن
صبروا عند السّيوف فلم ... ينكلوا عنها ولا جبنوا
فتية باعوا نفوسهم ... لا، وربّ البيت ما غبنوا
فأصاب القوم ما طلبوا ... منّة ما بعدها منن
وقال عبد الله بن ثعلبة يرثي والدا له:
أأخضب رأسي أم أطيّب مفرقي ... ورأسك مرموس وأنت سليب
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن تحت التراب نسيب
غريب وأطراف البيوت تكنّه ... ألا كلّ من تحت التراب غريب
قال العتبي محمد بن عبيد الله يرثي ابنا له:
أضحت بخدّي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم»
والصبر يحمد في المواطن كلّها ... إلا عليك فإنه مذموم
لأب في رثاء ابنه:
خرج أعرابيّ هاربا من الطاعون، فبينما هو سائر إذ لدغته أفعى فمات، فقال أبوه يرثيه:
طاف يبغى نجوة ... من هلاك فهلك
والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك
ليت شعري ضلّة ... أيّ شيء قتلك
كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
(3/218)

لأبي العتاهية في رثاء الأمين:
لما قتل عبد الله المأمون أخاه محمد بن زبيدة، أرسلت أمه زبيدة ابنة جعفر إلى أبي العتاهية يقول أبياتا على لسانها للمأمون، فقال:
ألا إنّ ريب الدهر يدني ويبعد ... وللدهر أيام تذمّ وتحمد «1»
أقول لريب الدهر إن ذهبت يد ... فقد بقيت والحمد لله لي يد
إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي ... ولي جعفر، لم يهلكا، ومحمد
وكتبت إليه من قوله:
لخير إمام قام من خير معشر ... وأكرم بسّام على عود منبر
كتبت وعيني تستهلّ دموعها ... إليك ابن يعلى من دموعي ومحجري «2»
فجعنا بأدنى الناس منك قرابة ... ومن زلّ عن كبدي فقلّ تصبّري
أتى طاهر لا طهّر الله طاهرا ... وما طاهر في فعله بمطهّر
فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالي وخرّب أدوري
وعزّ على هارون ما قد لقيته ... وما نابني من ناقص الخلق أعور
فلما نظر المأمون إلى كتابها وجه إليها بحباء جزيل، وكتب إليها يسألها القدوم عليه، فلم تأته في ذلك الوقت وقبلت منه ما وجّه به إليها؛ فلما صارت إليه بعد ذلك قال لها: من قائل الأبيات؟ قالت: أبو العتاهية. قال: وكم أمرت له؟ قالت: عشرين ألف درهم. قال المأمون: وقد أمرنا له بمثل ذلك. واعتذر إليها من قتل أخيه محمد، وقال لها: لست صاحبه ولا قاتله. فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لكما يوما تجتمعان فيه، وأرجو أن يغفر الله لكما إن شاء الله.
أبو شأس يرثي ابنه شأسا:
وربّيت شأسا لريب الزمان ... فلله تربيتي والنصب
فليتك يا شأس فيمن بقي ... وكنت مكانك فيمن ذهب!
(3/219)

من رثى إخوته
لمتمم بن نويرة:
الرياشيّ قال: صلى متمّم بن نويرة الصبح مع أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه، ثم أنشد:
نعم بالله إذا الرّياح تناوحت ... بين البيوت قتلت يابن الأزور
أدعوته بالله ثم قتلته ... لو هو دعاك بذمّة لم يغدر
لا يضمر الفحشاء تحت ردائه ... حلو شمائله عفيف المثزر
قال: ثم بكى حتى سالت عينه العوراء. قال أبو بكر: ما دعوته ولا قتلته. وقال متمم:
ومستضحك مني ادّعى كمصيبتي ... وليس أخو الشجو الحزين بضاحك
يقول أتبكي من قبور رأيتها ... لقبر بأطراف الّلوى فالدّكادك «1»
فقلت له إن الأسى يبعث الأسى ... فدعني فهذي كلّها قبر مالك «2»
وقال متمم يرثي أخاه مالكا، وهي التي تسمّى أمّ المراثي:
لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما ألّم فأوجعا «3»
لقد غيّب المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا «4»
ولا برما تهدي النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا «5»
تراه كنصل السيف يهتزّ للنّدى ... إذا لم تجد عند امريء السّوء مطعما
فعينيّ هلّا تبكيان لمالك ... إذا هزت الرّيح الكنيف المرفّعا
وأرملة تدعو بأشعث محثل ... كفرخ الحبارى ريشه قد تمزّعا «6»
(3/220)

وما كان وقّافا إذا الخيل أحجمت ... ولا طالبا من خشية الموت مفزعا
ولا بكهام سيفه عن عدوّه ... إذا هو لاقى حاسرا أو مقنّعا «1»
أبى الصبر آيات أراها وإنني ... أرى كلّ حبل بعد حبلك أقطعا
وإني متى ما أدع باسمك لم تجب ... وكنت حريّا أن تجيب وتسمعا
تحيته مني وإن كان نائيا ... وأمسى ترابا فوقه الأرض بلقعا
فإن تكن الأيام فرّقن بننا ... فقد بان محمودا أخى حين ودّعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا
وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرقنا كأنّي ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فما شارف حنّت حنينا ورجّعت ... أنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا «2»
ولا وجد أظآر ثلاث روائم ... وأين مجرّا من حوار ومصرعا «3»
بأوجد مني يوم قام بمالك ... مناد فصيح بالفراق فأسمعا
سقى الله أرضا حلّها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا «4»
قيل لعمرو بن بحر الجاحظ: إن الأصمعي كان يسمي هذا الشعر أم المراثي.
فقال: لم يسمع الأصمعي:
أيّ القلوب عليكم ليس ينصدع ... وأيّ نوم عليكم ليس يمتنع
وقال الأصمعي: لم يبتدىء أحد بمرثية بأحسن من ابتداء أوس بن حجر:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إنّ الذي تحذرين قد وقعا
وبعدها قول زميل:
أجارتنا من يجتمع يتفرّق ... ومن يك رهنا للحوادث يغلق
(3/221)

رثاء أخت النضر له:
قال ابن إسحاق صاحب المغازي: لما نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم الصفراء- وقال ابن هشام الأثيل- أمر عليّ بن أبي طالب بضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف صبرا بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ فقالت أخته قتيلة بنت الحارث ترثيه:
يا راكبا إنّ الاثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفّق
أبلغ بها ميتا بأنّ تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق «1»
منّي إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق «2»
هل يسمعنّي النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أمحمد يا خير ضنء كريمة ... من قومه والفحل فحل مغرق «3»
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقّهم إن كان عتقا يعتق
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق «4»
صبرا يقاد إلى المنيّة متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق «5»
قال ابن هشام: قال النبي صلّى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر: لو بلغني قبل قتله ما قتلته.
عمر بن الخطاب والخنساء في أخويها:
الأصمعي قال: نظر عمر بن الخطاب إلى خنساء وبها ندوب في وجهها، فقال: ما هذه الندوب يا خنساء؟ قالت: من طول البكاء على أخويّ! قال لها: أخواك في النار! قالت: ذلك أطول لحزني عليهما؛ إني كنت أشفق عليهما من القتل، وأنا اليوم أبكي لهما من النار، وأنشدت:
(3/222)

وقائلة والنعش قد فات خطوها ... لتدركه يا لهف نفسي على صخر
ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر
عائشة والخنساء في صدار كانت تلبسه:
دخلت خنساء على عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وعليها صدار من شعر قد استشعرته إلى جلدها؛ فقال لها: ما هذا يا خنساء؟ فو الله لقد توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم فما لبسته! قالت: إنّ له معنى دعاني إلى لباسه؛ وذلك أنّ أبي زوّجني سيدّ قومه، وكان رجلا متلافا، فأسرف في ماله حتى أنفده، ثم رجع في مالي فأنفده أيضا، ثم التفت إليّ فقال: إلى أين يا خنساء؟ قلت: إلى أخي صخر. قالت: فأتيناه فقسم ماله شطرين، ثم خيّرنا في أحسن الشطرين، فرجعنا من عنده، فلم يزل زوجي حتى أذهب جميعه، ثم التفت إليّ فقال لي: إلى أين يا خنساء؟ قلت: إلى أخي صخر! قالت: فرحلنا إليه، ثم قسم ماله شطرين وخيّرنا في أفضل الشطرين، فقالت له زوجته: أما ترضى أن تشاطرهم مالك حتى تخيّرهم بين الشطرين؟ فقال:
والله لا أمنحها شرارها ... فلو هلكت قدّدت خمارها
واتخذت من شعر صدارها ... وهي حصان قد كفتني عارها
فآليت ألّا يفارق الصدار جسدي ما بقيت.
الخنساء في أخويها:
قيل للخنساء: صفي لنا أخويك صخرا ومعاوية. فقالت: كان صخر والله جنة الزمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر. وكان والله معاوية القائل والفاعل. قيل لها:
فأيهما كان أسنى وأفخر، قالت: أما صخر فحرّ الشتاء، وأما معاوية فبرد الهواء. قيل لها: فأيهما أوجع وأفجع. قالت: أما صخر فجمر الكبد، وأما معاوية فسقام الجسد! وأنشأت:
أسدان محمرّا المخالب نجدة ... بحران في الزّمن الغضوب الأنمر
(3/223)

قمران في النادي، رفيعا محتد ... في المجد فرعا سودد متخيّر «1»
وقالت الخنساء ترثي أخاها صخر بن الشريد:
أقذى بعينك أم بالعين عوّار ... أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدّار
كأنّ دمعي لذكراه إذا خطرت ... فيض يسيل على الخدّين مدرار
فالعين تبكي على صخر وحقّ لها ... ودونه من جديد الأرض أستار
بكاء والهة ضلّت أليفتها ... لها حنينان إصغار وإكبار «2»
ترعى إذا نسيت حتى إذا ادّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار «3»
حامي الحقيقة، محمود الخليقة، مهديّ الطريقة، نفّاع وضرّار وقالت أيضا:
ألا ما لعيني، ألا مالها ... لقد أخضل الدّمع سربالها
أمن بعد صخر من ال الشريد حلّت به الأرض أثقالها
فآليت آسى على هالك ... وأسأل باكية مالها
وهمّت بنفسي كلّ الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها
سأحمل نفسي على خطة ... فإمّا عليها وإمّا لها
وقالت أيضا:
أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر النّدى؟
ألا تبكيان الجريء الجواد ... ألا تبكيان الفتى السّيّدا؟
طويل النّجاد رفيع العما ... د، ساد عشيرته أمردا
يحمّله القوم ما غالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
جموع الضّيوف إلى بابه ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا
(3/224)

وقالت أيضا:
فما أدركت كفّ امرىء متناول ... من المجد إلّا والذي نلت أطول
وما بلغ المهدون للمدح غاية ... ولا جهدوا إلّا الذي فيك أفضل
وما الغيث في جعد الثرى دمث الربا ... تبعّق فيها الوابل المتهلّل «1»
فأفضل سيبا من يديك ونعمة ... تجود بها، بل سيب كفّيك أجزل
من القوم مغشيّ الرواق كأنه ... إذا سيم ضيما خادر متبسّل «2»
شرنبث أطراف البنان ضبارم ... له في عرين الغيل عرس وأشبل «3»
لأخت الوليد بن طريف في رثائه:
وقالت أخت الوليد بن طريف ترثي أخاها الوليد بن طريف:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يريد العزّ إلّا من التقى ... ولا المال إلّا من قنا وسيوف «4»
ولا الذّخر إلا كلّ جرداء صلدم ... وكلّ رقيق الشّفرتين حليف «5»
فقدناه فقدان الرّبيع فليتنا ... فديناه من ساداتنا بألوف
خفيف على ظهر الجواد إذا عدا ... وليس على أعدائه بخفيف
عليك سلام الله وقفا فإنني ... أرى الموت وقاعا بكلّ شريف
وقال آخر يرثي آخاه:
أخ طالما سرني ذكره ... فقد صرت أشجى إلى ذكره
وقد كنت أغدو إلى قصره ... فقد صرت أغدو إلى قبره
وكنت أراني غنيّا به ... عن الناس لو مدّ في عمره
وكنت إذا جئته زائرا ... فأمري يجوز على أمره
(3/225)

وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا:
بكت عيني وعاودها قذاها ... بعوّار فما تقضى كراها «1»
على صخر وأيّ فتى كصخر ... إذا ما الغاب لم ترأم طلاها «2»
حلفت بربّ صهب معملات ... إلى البيت المحرّم منتهاها
لئن جزعت بنو عمرو عليه ... لقد رزئت بنو عمرو فتاها
له كف يشدّ بها وكف ... تجود فما يجفّ ثرى نداها
ترى الشّمّ الغطارف من سليم ... وقد بلّت مدامعها لحاها
أحاميكم ومطعمكم تركتم ... لدى غبراء منهدم رجاها
فمن للضيف إن هبّت شمال ... مزعزعة تناوئها صباها
وألجأ بردها الأشوال حدبا ... إلى الحجرات بادية كلاها «3»
هنالك لو نزلت بباب صخر ... قرى الأضياف شحما من ذراها
وخيل قد دلفت لها بخيل ... فدارت بين كبشيها رحاها «4»
تكفكف فضل سابغة دلاص ... على خيفانة خفق حشاها «5»
وقال كعب يرثي أخاه أبا المغوار:
تقول سليّمى: ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب
فقلت: شجون من خطوب تتابعت ... عليّ كبار والزمان يريب
لعمري لئن كانت أصابت منيّة ... أخي، فالمنايا للرّجال شعوب «6»
فإني لباكيه، وإني لصادق ... عليه، وبعض القائلين كذوب
أخي ما أخي! لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللّقاء هيوب
أخ كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدّهر حين تنوب
(3/226)

هو العسل الماذيّ لينا وشيمة ... وليث إذا لاقى الرجال قطوب»
هوت أمّه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يؤدّي الليل حين يؤوب «2»
كعالية الرّمح الرّدينيّ لم يكن ... إذا ابتدر الخير الرجال يخيب
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت ثانيا ... لعلّ أبا المغوار منك قريب
يجبك كما قد كان يفعل إنه ... بأمثاله رحب الذّراع أريب
وحدّثتماني أنما الموت في القرى ... فكيف وهذي هضبة وكثيب
فلو كانت الموتى تباع اشتريته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب
بعينيّ أو يمنى يديّ وخلتني ... أنا الغانم الجذلان حين يؤوب
لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى ... على يومه علق إليّ حبيب «3»
أتى دون حلو العيش حتى أمرّه ... خطوب على آثارهنّ نكوب
فو الله لا أنساه ماذرّ شارق ... وما اهتزّ بي فرع الأراك قضيب
فإن تكن الأيام أحسنّ مرة ... إليّ لقد عادت لهنّ ذنوب
وقال امرؤ القيس يرثي إخوته:
ألا يا عين جودي لي شنينا ... وبكّي للملوك الذاهبينا
ملوك من بني صخر بن عمرو ... يقادون العشيّة يقتلونا
فلم تغسل رءوسهم بسدر ... ولكن في الدماء مزمّلينا
فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا
وقال الأبيرد بن المعذّر الرّياحي يرثي أخاه بريدا:
تطاول ليلى لم أنمه تقلّبا ... كأن فراشي حال من دونه الجمر
أراقب من ليل التمام نجومه ... لدن غاب قرن الشمس حتى بدا الفجر
تذكّر علق بان منّا بنصره ... ونائله يا حبّذا ذلك الذّكن
(3/227)

فإن تكن الأيام فرّقن بيننا ... فقد عذرتنا في صحابته العذر
وكنت أرى هجرا فراقك ساعة ... ألا لا بل الموت التفرق والهجر
أحقا عباد الله أن لست لاقيا ... بريدا طوال الدهر مالألأ العفر «1»
فتى ليس كالفتيان إلا خيارهم ... من القوم جزل لا ذليل ولا غمر «2»
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن كان فقر لم يؤد متنه الفقر «3»
وسامي جسيمات الأمور فنالها ... على العسر حتى يدرك العسرة اليسر
ترى القوم في العزاء ينتظرونه ... إذا شتّ رأي القوم أو حزب الأمر «4»
فليتك كنت الحيّ في الناس باقيا ... وكنت أنا الميت الذي ضمّه القبر
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السّنة الشهباء قلّ بها القطر «5»
كأن لم يصاحبنا بريد بغبطة ... ولم تأتنا يوما بأخباره البشر
لعمري لنعم المرء عالي نعيّه ... لنا ابن عرين بعد ما جنح العصر
تمضّت به الأخبار حتى تغلغلت ... ولم تثنه الأطباع عنا ولا الجدر «6»
فلما نعى الناعي بريدا تغوّلت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر «7»
عساكر تغشى النفس حتى كأنني ... أخو نشوة دارت بهامته الخمر
إلى الله أشكو في بريد مصيبتي ... وبثّي وأحزانا يجيش بها الصدر
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وما زال في عينيّ بعد غشاوة ... وسمعي عما كنت أسمعه وقر
على أنني أقني الحياء وأتّقي ... شماتة أقدام عيونهم خزر «8»
فحّياك عني الليل والصبح إذ بدا ... وهوج من الأرواح غدوتها شهر
سقى جدثا لو أستطيع سقيته ... بأود فروّاه الرواعد والقطر «9»
(3/228)

ولا زال يسقي من بلاد ثوى بها ... ثبات إذا صاب الربيع بها نضر
حلفت برب الرافعين أكفّهم ... وربّ الهدايا حيث حلّ بها النجر «1»
ومجتمع الحجاج حيث تواقفت ... رفاق من الآفاق تكبيرها جأر
يمين امريء آلى وليس بكاذب ... وما في يمين بتّها صادق وزر
لئن كان أمسى ابن المعذّر قد ثوى ... بريد لنعم المرء غيّبه القبر
هو المرء للمعروف والدين والنّدي ... ومسعر حرب لا كهام ولا غمر «2»
أقام ونادى أهله فتحمّلوا ... وصرّمت الأسباب واختلف النّجر
فأيّ امريء غادرتم في بيوتكم ... إذا هي أمست لون آفاقها حمر
إذا الشول أمست وهي حدب ظهورها ... عجافا ولم يسمع لفحل لها هدر
كثير رماد القدر يغشى فناؤه ... إذا نودي الأيسار واحتضر الجزر
فتى كان يغلي اللحم نيئا ولحمه ... رخيص بكفّيه إذا تنزل القدر
يقسّمه حتى يشيع ولم يكن ... كآخر يضحي من غبيبته ذخر «3»
فتى الحيّ والأضياف إن روّحتهم ... بليل وزاد السّفر إن أرمل السّفر «4»
إذا أجهد القوم المطيّ وأدرجت ... من الضّمر حتى يبلغ الحقب الضّفر «5»
وخفت بقايا زادهم وتواكلوا ... وأكسف بال القوم مجهولة قفر
رأيت له فضلا عليهم بقوّة ... وبالعقر لما كان زادهم العقر
إذا القوم أسروا ليلهم ثم أصبحوا ... غدا وهو ما فيه سقاط ولا فتر «6»
وإن خشعت أبصارهم وتضاءلت ... من الأين جلّى مثل ما ينظر الصّقر
وإن جارة حلّت إليه وفى لها ... فباتت ولم يهتك لجارته ستر
عفيف عن السّوءات ما التبست به ... صليب فما يلفى بعود له كسر
سلكت سبيل العالمين فما لهم ... وراء الذي لاقيت معدى ولا قصر
(3/229)

وكلّ امرىء يوما ملاق حمامه ... وإن باتت الدّعوى وطال به العمر
وأبليت خيرا في الحياة وإنّما ... ثوابك عندي اليوم أن ينطق الشّعر
ليفدك مولى أو أخ ذو ذمامة ... قليل الغناء لا عطاء ولا نصر «1»
لشبل بن معبد البجلي:
أتى دون حلو العيش حتى أمرّه ... نكوب على آثارهنّ نكوب
تتابعن في الأحباب حتى أبدنهم ... فلم يبق منهم في الدّيار قريب
برتني صروف الدهر من كلّ جانب ... كما ينبري دون اللّحاء عسيب «2»
فأصبحت إلا رحمة الله مفردا ... لدى الناس صبرا والفؤاد كئيب
إذا ذرّ قرن الشمس علّلت بالأسى ... ويأوي إليّ الحزن حين يؤوب
ونام خليّ البال عنّي ولم أنم ... كما لم ينم عاري الفناء غريب
تضرّ به الأيام حتى كأنّه ... بطول الذي أعقبن وهو رقوب
فقلت لأصحابي وقد قذفت بنا ... نوى غربة عمّن نحبّ شطوب «3»
متى العهد بالأهل الذين تركتهم ... لهم في فؤادي بالعراق نصيب
فما ترك الطاعون من ذي قرابة ... إليه إذا حان الإياب نؤوب
فقد أصبحوا لا دارهم منك غربة ... بعيد، ولا هم في الحياة قريب
وكنت ترجّى أن تئوب إليهم ... فعالتهم من دون ذاك شعوب
مقادير لا يغفلن من حان يومه ... لهنّ على كلّ النّفوس رقيب
سقين بكأس الموت من حان حينه ... وفي الحيّ من أنفاسهنّ ذنوب «4»
وإنا وإيّاهم كوارد منهل ... على حوضه بالباليات نهيب
إليه تناهينا ولو حال دونه ... مياه وراء كلّهن شروب
فهوّن عنّي بعض وجدي أنّني ... رأيت المنايا تغتدي وتؤوب
ولسنا بأحيا منهم غير أنّنا ... إلى أجل ندعى له فنجيب
(3/230)

وإني إذا ما شئت لاقيت أسوة ... تكاد لها نفس الحزين تطيب
فتى كان ذا أهل ومال فلم يزل ... به الدهر حتى صار وهو حريب «1»
وكيف عزاء المرء عن أهل بيته ... وليس له في الغابرين حبيب
متى يذكروا يفرح فؤادي لذكرهم ... وتسجم دموع بينهنّ نحيب
دموع مراها الشّجو حتى كأنها ... جداول تجري بينهنّ غروب «2»
إذا ما أردت الصبر هاج لي البكا ... فؤاد إلى أهل القبور طروب
بكى شجوه ثم ارعوى بعد عوله ... كما واترت بين الحنين سلوب «3»
دعاها الهوى من سبقها فهي واله ... وردّت إليّ الآن فهي تحوب «4»
فوجدي بأهلي وجدها غير أنهم ... شباب يزينون النّدى ومشيب
من رثت زوجها
قال أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين رضي الله عنها ترثي زوجها الزبير بن العوام، وكان قتله عمرو بن جرموز المجاشعي بوادي السّباع وهو منصرف من وقعة الجمل وتروي هذه الأبيات لزوجته عاتكة التي تزوجها بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم الهياج وكان غير معرّد «5»
يا عمرو لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة المتعمّد
لبانة زوجة الأمين ترثيه:
الهلالي قال: تزوّج محمد بن هارون الرشيد لبانة بنت عليّ بن ريطة، وكانت من أجمل النساء، فقتل محمد عنها ولم يبن بها، فقالت ترثيه:
(3/231)

أبكيك لا للنّعيم والأنس ... بل للمعالي والرّمح والفرس
يا فارسا بالعراء مطّرحا ... خانته قوّاده مع الحرس
أبكي على سيّد فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
أم من لبرّأم من لعائدة ... أم من لذكر الإله في الغلس «1»
من للحروب التي تكون لها ... إن أضرمت نارها بلا قبس
وقال أعرابية ترثي زوجها:
كنّا كغصنين في جرثومة بسقا ... حينا على خير ما ينمى به الشجر
حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب قنواهما واستنظر الثّمر «2»
أخنى على واحد ريب الزّمان وما ... يبقي الزّمان على شيء ولا يذر «3»
كنّا كأنجم ليل بينهما قمر ... يجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر
الأصمعي وجارية على قبر زوجها:
الأصمعيّ قال: دخلت بعض مقابر الأعراب ومعي صاحب لي، فإذا جارية على قبر كأنها تمثال، وعليها من الحلي والحلل ما لم أر مثله، وهي تبكي بعين غزيرة وصوت شجي؛ فالتفت إلى صاحبي فقلت: هل رأيت أعجب من هذا؟ قال: لا والله ولا أحسبني أراه! ثم قلت لها: يا هذه إني أراك حزينة وما عليك زي الحزن. فأنشأت تقول:
فإن تسألاني فيم حزني فإنني ... رهينة هذا القبر يا فتيان
وإني لأستحييه والتّرب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني
أهابك إجلالا وإن كنت في الثرى ... مخافة يوم أن يسوءك شاني
ثم اندفعت في البكاء وجعلت تقول:
يا صاحب القبر يا من كان ينعم بي ... بالا ويكثر في الدّنيا مواساتي
(3/232)

قد زرت قبرك في حلي وفي حلل ... كأنني لست من أهل المصيبات
أردت آتيك فيما كنت أعرفه ... أن قد تسرّ به من بعض هيآتي
فمن رآني رأى عبرى مولّهة ... عجيبة الزّيّ تبكي بين أموات
وقال: رأيت بصحراء جارية قد ألصقت خدها بقبر وهي تبكي وتقول:
خدّي يقيك خشونة اللّحد ... وقليلة لك سيّدي خدّي
يا ساكن القبر الذي بوفاته ... عميت عليّ مسالك الرّشد
اسمع أبثّك علّتي ولعلّني ... أطفي بذلك حرقة الوجد
من رثى جاريته
كان لمعلى الطائي جارية يقال لها وصف، وكانت أديبة شاعرة، فأخبرني محمد بن وضّاح، قال: أدركت معلّى الطائي بمصر وأعطي بجاريته وصف أربعة آلاف دينار، فباعها؛ فلما دخل عليها قالت له: بعتني يا معلّى! قال: نعم. قالت: والله لو ملكت منك مثل ما تملك مني ما بعتك بالدنيا وما فيها! فردّ الدنانير واستقال صاحبه، فأصيب بها إلى ثمانية أيام؛ فقال يرثيها:
يا موت كيف سلبتني وصفا ... قدّمتها وتركتني خلفا
هلّا ذهبت بنا معا فلقد ... ظفرت يداك فسمتني خسفا
وأخذت شقّ النفس من بدني ... فقبرته وتركت لي النّصفا
فعليك بالباقي بلا أجل ... فالموت بعد وفاتها أعفى
يا موت ما أبقيت لي أحدا ... لمّا رفعت إلي البلى وصفا
هلّا رحمت شباب غانية ... ريّا العظام وشعرها الوحفا «1»
ورحمت عيني ظبية جعلت ... بين الرّياض تناظر الخشفا «2»
تغفي إذا انتصبت فرائصه ... وتظل ترعاه إذا أغفى»
(3/233)

فإذا مشى اختلفت قوائمه ... وقت الرضاع فينطوي ضعفّا
متحيرا في المشي مرتعشا ... يخطو فيضرب ظلفه الظّلفا
فكأنها وصف إذا جعلت ... نحوي تحير محاجرا وطفا «1»
يا موت أنت كذا لكلّ أخي ... إلف يصون ببرّه الإلفا
خلّيتني فردا وبنت بها ... ما كنت قبلك حاملا وكفا «2»
فتركتها بالرغم في جدث ... للرّيح تنسف تربه نسفا
دون المقطّم لا ألبّسها ... من زينة قرطا ولا شنفا «3»
أسكنتها في قعر مظلمة ... بيتا يصافح تربه السّقفا
بيتا إذا ما زاره أحد ... عصفت به أيدي البلى عصفا
لا نلتقي أبدا معاينة ... حتى نقوم لربّنا صفّا
لبست ثياب الحتف جارية ... قد كنت ألبس دونها الحتفا
فكأنها والنفس زاهقة ... غصن من الرّيحان قد جفّا
يا قبر أبق على محاسنها ... فلقد حويت البر والظّرفا
مروان بن محمد وجارية له خلفها بالرملة:
لما هزم مروان بن محمد وخرج نحو مصر، كتب إلى جارية له خلفها بالرملة:
وما زال يدعوني إلى الصدّ ما أرى ... فآبي ويثنيني الذي لك في صدري
وكان عزيزا أن تبيني وبيننا ... حجاب فقد أمسيت منك على عشر
وأنكاهما للقلب والله فاعلمي ... إذا ازددت مثليها فصرت على شهر
وأعظم من هذين والله أنني ... أخاف بألّا نلتقي آخر الدهر
سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة ... ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر
(3/234)

لأبي نواس يرثي جارية:
وجدوا على قبر جارية إلى جنب قبر أبي نواس أبياتا، ذكروا أن أبا نواس قالها، وهي:
أقول لقبر زرته متلثّما ... سقى الله برد العفو صاحبة القبر
لقد غيّبوا تحت الثرى قمر الدجى ... وشمس الضّحى بين الصّفائح والقفر
عجبت لعين بعدها ملّت البكا ... وقلب عليها يرتجي راحة الصبر
وقال حبيب الطائي يرثي جارية أصيب بها:
جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب ... وخطب الرّدى والموت أبرحت من خطب
لقد شرقت في الشرق بالموت غادة ... تبدّلت منها غربة الدار في القرب
وألبسني ثوبا من الحزن والأسى ... هلال عليه نسج ثوب من التّرب
وكنت أرجّي القرب وهي بعيدة ... فقد نقلت بعدي عن البعد والقرب
أقول وقد قالوا استراحت لموتها ... من الكرب روح الموت شرّ من الكرب
لها منزل تحت الثّرى وعهدتها ... لها منزل بين الجوانح والقلب «1»
وقال يرثيها:
ألم ترني خلّيت نفسي وشانها ... ولم أحفل الدنيا ولا حدثانها
لقد خوّفتني النائبات صروفها ... ولو أمّنتني ما قبلت أمانها
وكيف على نار الليالي معرّس ... إذا كان شيب العارضين دخانها
أصبت بخود سوف أغبر بعدها ... حليف أسى أبكي زمانا زمانها «2»
عنان من الّلذات قد كان في يدي ... فلما قضى الالف استردّت عنانها
منحت المها هجري فلا محسناتها ... أريد ولا يهوى فؤادي حسانها
يقولون هل يبكي الفتى لخريدة ... إذا ما أراد اعتاض عشرا مكانها «3»
(3/235)

وهل يستعيض المرء من خمس كفّه ... ولو صاغ من حرّ اللّجين بنانها «1»
وقال أعرابي يرثي امرأته:
فو الله ما أدري إذا الليل جنّني ... وذكرنيها أيّنا هو أوجع
أمنفصل عنه ثرى أم كريمة ... أم العاشق النابي به كلّ مضجع
وقال محمود الورّاق يرثي جاريته نشو:
ومنتصح يردّد ذكر نشو ... على عمد ليبعث لي اكتئابا
أقول- وعدّ- ما كانت تساوي ... سيحسب ذاك من خلق الحسابا
عطيّته إذا أعطى سرور ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأيّ النّعمتين أعم نفعا ... وأحسن في عواقبها إيابا
أنعمته التي أهدت سرورا ... أم الأخرى التي أهدت ثوابا
بل الأخرى وإن نزلت بحزن ... أحقّ بشكر من صبر احتسابا
محب وجارية له ماتت:
أبو جعفر البغدادي قال: كان لنا جار، وكانت له جارية جميلة، وكان شديد المحبة لها؛ فماتت، فوجد عليها وجدا شديدا، فبينما هو ذات ليلة نائم، إذ أتته الجارية في نومه فأنشدته هذه الأبيات:
جاءت تزور وسادي بعد ما دفنت ... في النوم ألثم خدا زانه الجيد
فقلت قرّة عيني قد نعيت لنا ... فكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت هناك عظامي فيه ملحدة ... تنهش منها هوام الأرض والدود «2»
وهذه النفس قد جاءتك زائرة ... فاقبل زيارّة من في القبر ملحود
فانتبه وقد حفظها، وكان يحدّث الناس بذلك وينشدهم. فما بقي بعدها إلا أياما يسيرة حتى لحق بها.
(3/236)

من رثى ابنة
قال البحتري في ابنة لأحد بني حميد:
ظلم الدهر فيكم وأساء ... فعزاء بني حميد عزاء
أنفس ما تّزال تفقد فقدا ... وصدور ما تبرح البرحاء
أصبح السيف داءكم وهو الدا ... ء الذي ما يزال يعني الدواء
وانتحى القتل فيكم فبكينا ... بدماء الدموع تلك الدّماء
يا أبا القاسم المقسّم في النّج ... دة والجود والنّدي أجزاء
والهزبر الذي دارت الحر ... ب به صرّف الرّدى كيف شاء «1»
الأسى واجب على الحرّ إما ... نية حرّة وإما رياء
وسفاه أن يجزع الحرّ مما ... كان حتما على العباد قضاء
أنبكّي من لا ينازل بالسي ... ف مشيحا ولا يهزّ اللّواء «2»
والفتى من رأى القبور لمن طا ... ف به من بناته الأكفاء
ليس من زينة الحياة كعدّ ... الله منها الأموال والابناء
قد ولدن الأعداء قدما وورّث ... ن التّلاد الأقاصي البعداء
لم يئدتر بهنّ قيس تميم ... علّة بل حمّية وإباء
وتغشّي مهلهل الذلّ في ... هنّ وقد أعطي الأديم حباء
وشقيق بن فاتك حذر العا ... ر عليهنّ فارق الدّهناء
وعلى غيرهنّ أحزن يعقو ... ب وقد جاءه بنوه عشاء
وشعيب من أجلهنّ رأى الوح ... دة ضعفا فاستأجر الأنبياء
وتلفّت إلى القبائل فانظر ... أمّهات ينسبن أم آباء
واستزلّ الشيطان آدم في الج ... نّة لمّا أغرى به حوّاء
ولعمري ما العجز عندي إلا ... أن تبيت الرجال تبكي النساء
(3/237)

مراثي الأشراف
لحسان يرثي الرسول صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان:
قال حسّان بن ثابت يرثي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، رضوان الله عليهم:
ثلاثة برزوا بسبقهم ... نضّرهم ربّهم إذا نشروا
عاشوا بلا فرقة حياتهم ... واجتمعوا في الممات إذ قبروا
فليس من مسلم له بصر ... ينكرهم فضلهم إذا ذكروا
وقال حسان يرثي أبا بكر رضي الله عنه:
إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البريّة أتقاها وأعدلها ... بعد النبيّ وأوفاها بما حملا
الثاني اثنين والمحمود مشهده ... وأوّل الناس طراّ صدّق الرّسلا
وكان حبّ رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا
وقال يرثي عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزّق
فمن يجر أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... نوافج في أكمامها لم تفتّق
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفّي سبنتي أزرق العين مطرق «1»
وقال يرثي عثمان بن عفان رضي الله عنه:
من سرّه الموت صرفا لا مزاج له ... فليأت ما سرّه في دار عثمانا
إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ... ما دمت حيّا وما سمّيت حسّانا
يا ليّت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن عليّ وابن عفّانا
لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
ضحوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل نسبيحا وقرآنا «2»
(3/238)

وقال الفرزدق في قتل عثمان رضي الله تعالي عنه:
إنّ الخلافة لمّا أظعنت ظعنت ... من أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا «1»
صارت إلى أهلها منهم ووارثها ... لمّا رأى الله في عثمان ما انتهكوا
السافكي دمه ظلما ومعصية ... أيّ دم لا هدوا من غيّهم سفكوا
وقال السيد الحميري يرثي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ويذكر يوم صفّين:
إني أدين بما دان الوصي به ... وشاركت كفه كفّي بصفّينا
في سفك ما سفكت منها إذا احتضروا ... وأبرز الله للقسط الموازينا
تلك الدّماء معا يا ربّ في عنقي ... ثم اسقني مثلها آمين آمينا
آمين من مثلهم في مثل حالهم ... في فتية هاجروا لله سارينا
ليسوا يريدون غير الله ربّهم ... نعم المراد توخّاه المريدونا
أنشد الرياشي لرجل من أهل الشام يرثي عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه:
قد غيّب الدّافنون اللحد إذ دفنوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين «2»
ولم يكن همّه عينا يفجّرها ... ولا النخيل ولا ركض البراذين «3»
أقول لمّا أتاني نعي مهلكه ... لا تبعدنّ قوام الملك والدّين
وقال الفرزدق يرثي عبد العزيز بن مروان:
ظلّوا على قبره يستغفرون له ... وقد يقولون تارات لنا العبر «4»
يقبّلون ترابا فوق أعظمه ... كما يقبل في المحجوجة الحجر «5»
لله أرض أجنّته ضريحتها ... وكيف يدفن في الملحودة القمر «6»
إنّ المنابر لا تعتاض عن ملك ... إليه يشخص فوق المنبر البصر
(3/239)

وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:
ينعي النّعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وسرت فيه بحكم الله يا عمرا
فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
قال جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
إنّ الخليفة قد وارت شمائله ... غبراء ملحودة في جولها زور «1»
أمسى بنوه وقد جلّت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
كانوا جميعا فلم يدفع منيته ... عبد العزيز ولا روح ولا عمر
وقال غيره يرثي قيس بن عاصم المنقريّ:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما «2»
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
وقال أبو عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة لما قتل بواسط:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشيّة راح الدّافنون وشقّقت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود «3»
فإن تك مهجور الفناء فربّما ... أقام به بعد الوفود وفود
وإنك لم تبعد على متعهّد ... بلى إنّ من تحت التراب بعيد
وقال منصور النمري يرثي يزيد بن مزيد:
متى يبرد الحزن الذي في فؤادنا ... أبا خالد من بعد أن لا تلاقيا
أبا خالد ما كان أدهى مصيبة ... أصابت معدا يوم أصبحت ثاويا
لعمري لئن سرّ الأعادي وأظهروا ... شماتا لقد سرّوا بربعك خاليا
(3/240)

وأوتار أقوام لديك لويتها ... وزرت بها الأجداث وهي كما هيا
تعزّي أمير المؤمنين ورهطه ... بسيف لهم ما كان في الحرب نابيا
على مثل ما لاقي يزيد بن مزيد ... عليه المنايا فالق إن كنت لافيا
وإن تك أفنته الليالي وأوشكت ... فإنّ له ذكرا سيفني اللياليا
وقال:
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تجنّ الجوانح «1»
كأن لم يمت حيّ سواك ولم تقم ... على أحد إلّا عليك النّوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
فما أنا من رزء وإن جلّ جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح «2»
وقال زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلّب:
إنّ الشجاعة والسّماحة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرف سابح «3»
وانضح جوانب قبره بدمائها ... ولقد يكون أخا دم وذبائح
والآن لمّا كنت أكمل من مشى ... وافترّ نابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروءة كلّها ... وأعنت ذلك بالفعال الصالح
للمهلبي من مرثيته للمتوكل:
لا حزن إلا أراه دون ما أجد ... وهل كمن فقدت عيناي مفتقد
لا يبعدن هالك كانت منيته ... كما هوى من عطاء الزّبية الأسد «4»
لا يدفع الناس ضيما بعد ليلتهم ... إذ لا تمدّ على الجاني عليك يد
لو أنّ سيفي وعقلي حاضران له ... أبليته الجهد إذ لم يبله أحد
(3/241)

هلا أتته أعاديه مجاهرة ... والحرب تسعر والأبطال تجتلد
فخرّ فوق سرير الملك منجدلا ... لم يحمه ملكه لمّا انقضى الأمد
قد كان أنصاره يحمون حوزته ... وللرّدى دون أرصاد الفتي رصد
وأصبح الناس فوضى يعجبون له ... ليثا صريعا تنزّى «1» حوله النقد «2»
علتك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلّا الواحد الضّمد
جاءوا لدنيا عظيم يسعدون بها ... فقد شقوا بالذي جاؤا وما سعدوا
ضجت نساؤك بعد العز حين رأت ... خداّ كريما عليه قارت جسد «3»
أضحى شهيد بني العباس موعظة ... لكلّ ذي عزّة في رأسه صيد «4»
خليفة لم ينل ما ناله أحد ... ولم يصغ مثله روح ولا جسد
كم في أديمك من فوهاء هادرة ... من الجوائف يغلي فوقها الزّبد «5»
إذا بكيت فإنّ الدمع منهمل ... وإن ونيت فإنّ القول مطّرد
قد كنت أسرف في مالي ويخلف لي ... فعلّمتني الليالي كيف أقتصد
لما اعتقدتم أناسا لا حلوم لهم ... ضعتم وضيّعتم من كان يعتقد
فلو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم السادة المركوزة الحشد
قوم هم الجذم والأنساب تجمعكم ... والمجد والدين والأرحام والبلد
قد وتّر الناس طراّ ثم قد صمتوا ... كأنما كان ما يتلونه رشد
إذا قريش أرادوا شدّ ملكهم ... بغير قحطان لم يبرح به أود
من الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما ينالون ما نالوا إذا حمدوا
وقال آخر:
وفتى كأنّ جبينه بدر الدّجا ... قامت عليه نوادب وروامس
(3/242)

غرس الفسيل مؤمّلا لبقاية ... فنما الفسيل ومات عنه الغارس
وقال الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد «1»
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد
جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد
وقال عبيد بن الأبرص:
يا حار ما راح من قوم ولا ابتكروا ... إلا وللموت في آثارهم حادي
يا حار ما طلعت شمس ولا غربت ... إلا تقرّب آجالا لميعاد
هل نحن إلا كأرواح يمرّ بها ... تحت التراب وأجساد كأجساد
للحجاج في ابن خارجة:
لما مات أسماء بن خارجة الفزّاري قال الحجاج: ذلك رجل عاش ما شاء، ومات حين شاء.
وقال فيه الشاعر:
إذا مات ابن خارجة بن زيد ... فلا مطرت على الأرض السماء
ولا جاء البريد بغنم جيش ... ولا حملت على الطّهر النساء
فيوم منك خير من رجال ... كثير عندهم نعم وشاء
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
أمسعود هل غاداك يوم بفرحة ... وأمسيت لم تعرض لها التّرحات
(3/243)

وهل نحن إلا أنفس مستعارة ... تمرّ بها الرّوحات والغدوات
بكيت وأعطتك البكاء مصيبة ... مضت وهي فرد ما لها أخوات
كأنك فيها لم تكن تعرف العزا ... ولم تتعمد غيرك النّكبات
سقى الضاحك الوسميّ أعظم حفرة ... طواها الردي في اللّحد وهي رفات
أرى بهجة الدنيا رجيع دوائر ... لهنّ اجتماع مرة وشتات»
طوى أيدي المعروف مصرع مالك ... فهنّ عن الآمال منقبضات
وقال أيضا:
أما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور
عمّت فواضله وعمّ مصابه ... فالناس فيه كلهم مأجور
ردّت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
وقال أشجع بن عمرو السّلمي يرثي منصور بن زياد:
يا حفرة الملك المؤمّل رفده ... ما في ثراك من النّدى والخير؟
لا زلت في ظلين ظلّ سحابة ... وطفاء دانية وظلّ حبور «2»
وسقى الوليّ على العهاد عراص ما ... والاك من قبر ومن مقور «3»
يا يوم منصور أبحت حمى النّدى ... وفجعته بوليّه المذكور
يا يومه ماذا صنعت بمرمل ... يرجو الغنى ومكبّل مأسور
يا يومه لو كنت جئت بنصحه ... فجمعت بين الحيّ والمقبور!
لله أوصال تقسّمها البلى ... في الّلحد بين صفائح وصخور
عجبا لخمسة أذرع في خمسة ... غطّت على جبل أشمّ كبير
من كان يملأ عرض كلّ تنوفة ... واراه جولا ملحد محفور «4»
ذلّت بمصرعه المكارم والنّدى ... وذباب كلّ مهنّد مأثور
أفلت نجوم بني زياد بعد ما ... طلعت بنور أهلّة وبدور
(3/244)

لولا بقاء محمد لتصدّعت ... أكبادنا أسفا على منصور
أبقى مكارم لا تبيد صفاتها ... ومضى لوقت حمامه المقدور
أصبحت مهجورا بحفرتك التي ... بدّلتها من قصرك المعمور
بليت عظامك والصفاح جديدة ... ليس البلى لفعالك المشهور
إن كنت ساكن حفرة فلقد ترى ... سكنا لعودي منبر وسرير
وقال يرثي محمد بن منصور:
أنعي فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود
أنعي فتى مصّ الثرى بعده ... بقية الماء من العود
فانثلم المجد به ثلمة ... جانبها ليس بمسدود
أنعي ابن منصور إلى سيّد ... وأيّد ليس برعديد «1»
وأشعث يسعى على صبية ... مثل فراخ الطير مجهود
وطارق أعيا عليه القرى ... ومسلم في القيد مصفود
اليوم تخشى عثرات النّدى ... وعدوة البخل على الجود
أورده حوضا عظيم الشأى ... في المجد يوم غير محمود
كلّ امرىء يجري إلى مدّة ... وأجل قد خطّ معدود
سينطق الشعر بأيامه ... على لسان غير معقود
فكلّ مفقود إلى جنبه ... وإن تعالى غير مفقود
يا وافدي قومهما إنّ من ... طلبتما تحت الجلاميد
طلبتما الجود وقد ضمّه ... محمد في بطن ملحود
فاتكما الموت بمعروفه ... وليس ما فات بمردود
يا عضدا للمجد مفتوقة ... وساعدا ليس بمعضود
أوهن زنديها وأكباهما ... قرع المنايا في العناديد «2»
(3/245)

وهدّت الركن الذي كان بال ... أمس عمادا غير مهدود
وقال حبيب الطائي يرثي خالد بن يزيد بن مزيد:
أشيبان لا ذاك الهلال بطالع ... علينا، ولا ذاك الغمام بعائد
أشيبان عمّت نارها من رزيئة ... فما تشتكي وجدا إلى غير واجد
فما جانب الدنيا بسهل ولا الضّحى ... بطلق ولا ماء الحياة ببارد
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة ... ووحدة من فيها بمصرع واحد
وأنشد أبو محمد التّيميّ في يزيد بن مزيد:
أحقا أنه أودى يزيد ... فبيّن أيها الناعي المشيد «1»
أتدري من نعيت وكيف فاهت ... به شفتاك وارك الصعيد «2»
أحامي الملك والإسلام أودى ... فما للأرض ويحك لا تميد
تأمّل هل ترى الإسلام مالت ... دعائمه وهل شاب الوليد
وهل شيمت سيوف بني نزار ... وهل وضعت عن الخيل اللّبود «3»
وهل تسقي البلاد عشار مزن ... بدرتها وهل يخضرّ عود
أما هدّت لمصرعه نزار ... بلى، وتقوّض المجد المشيد
وحلّ ضريحه إذ حلّ فيه ... طريف المجد والمجد التليد
وهدّ العزّ والإسلام لمّا ... ثوى وخليفة الله الرشيد
لقد أوفى ربيعة كلّ نحس ... لمهلكه وغيّبت السّعود
وأنصلت الأسنّة من قناها ... وأشرعت الرّماح لمن يكيد
نعيّ يزيد إن لم يبق بأس ... غداة مضى وإن لم يبق جود
نعيّ أبي الزّبير لكلّ يوم ... عبوس الوجه زينته الحديد
أأودى عصمة البادي يزيد ... وسيف الله والغيث الحميد «4»
فمن يحمي حمى الإسلام أم من ... يذبّ عن المكاره أو يذود
(3/246)

ومن يدعو الأنام لكلّ خطب ... يخاف وكلّ معضلة تؤود «1»
ومن تجلى به الغمرات أم من ... يقوم بها إذا اعوجّ العتود
ومن يحمي الخميس إذا تعايا ... بحيلة نفسه البطل النّجيد «2»
وأين يؤمّ منتجع ولاج ... وأين تحطّ أرحلها الوفود
لقد رزئت نزار يوم أودى ... عميدا ما يقاس به عميد
فلو قبل الفداء فداه منّا ... بمهجته المسوّد والمسود
أبعد يزيد تختزن البواكي ... دموعا أو تصان لها خدود
أما بالله لا تنفكّ عيني ... عليه بدمعها أبدا تجود
وإن تجمد دموع لئيم قوم ... فليس لدمع ذي حسب جمود
وإن يك غاله حسب فأودى ... لقد أودى وليس له نديد
وإن يعثر به دهر لما قد ... يفادي من مخافته الأسود
وإن يهلك يزيد فكلّ حيّ ... فريس للمنيّة أو طريد
فإن يك عن خلود قد دعته ... مآثره فكان لها الخلود
فما أودى امرؤ أودى وأبقى ... لوارثه مكارم لا تبيد
ألم تعلم أخي أنّ المنايا ... غدرن به وهنّ له جنود
قصدن له وكنّ يحدن عنه ... إذا ما الحرب شبّ لها الوقود
فهلا يوم يقدمها يزيد ... إلى الأبطال والخيلان حيد
ولو لاقى الحتوف على سواء ... للاقاها به حتف عنيد
أضرّاب الفوارس كلّ يوم ... ترى فيه الحتوف لها وعيد
فمن يرضي القواطع والعوالي ... إذا ما هزها فرع شديد
لتبكك قبة الإسلام لمّا ... وهت أطنابها ووهى العمود
ليبكك مرهق يتلوه خيل ... إبالة وهو مجدول وحيد «3»
(3/247)

ويبكك خامل ناداك لمّا ... تواكله الأقارب والبعيد
ويبكك شاعر لم يبق دهر ... له نشأ وقد كسد القصيد
تركت المشرفية والعوالي ... محلّاة وقد حان الورود «1»
وغادرت الجياد بكلّ لغز ... عواطل بعد زينتها ترود «2»
فإن تصبح مسلّمة فمّما ... تفيد بها الجزيل وتستفيد
ألم تك تكشف الغمرات عنها ... عوابس والوجوه البيض سود
أصيب المجد والإسلام لما ... أصابك بالردى سهم شديد
لقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود
ومثلك من قصدن له المنايا ... بأسهمها وهنّ له جنود
فيا للدهر ما صنعت يداه ... كأنّ الدهر منها مستفيد
سقى جدثا أقام به يزيد ... من الوسميّ بسّام رعود
فإن أجزع لمهلكه فاني ... على النّكبات إذ أودى جليد
ليذهب من أراد فلست آسى ... على من مات بعدك يا يزيد
وقال مروان بن أبي حفصة يرثي معن بن زائدة:
زار ابن زائدة المقابر بعد ما ... ألقت إليه عرى الأمور نزار
إن القبائل من نزار أصبحت ... وقلوبها أسفا عليه حرار
ودّت ربيعة أنها قسمت له ... منها فعاش بشطرها الأعمار
فلأبكينّ فتى ربيعة ما دجا ... ليل بظلمته ولاح نهار
لا زال قبر أبي الوليد تجوده ... بعهادها وبوبلها الأمطار
قبر يضم مع الشجاعة والنّدى ... حلما يخالطه تقى ووقار
إن الرزيّة من ربيعة هالك ... ترك العيون دموعهنّ غزار
رحب السّرادق والضّياء جبينه ... كالبدر شقّ ضياءه الإسفار
(3/248)

لهفا عليك إذا الطّعان بمارق ... ترك القنا وطوالهنّ قصار «1»
خلّى الأعنّة يوم مات مشيّع ... بطل اللقاء مجرّب مغوار «2»
يمسي ويصبح معلما تذكى به ... نار بمعترك وتخمد نار
مهما يمرّ فليس يرجو نقضه ... أحد وليس لنقضه إمرار «3»
لو كان خلفك أو أمامك هائبا ... أحدا سواك لهابك المقدار
وقال يرثيه:
بكى الشام معنا يوم خلّى مكانه ... فكادت له أرض العراقين ترجف
ثوى القائد الميمون والذّائد الذي ... به كان يرمى الجانب المتخوّف
أتى الموت معنا وهو للعرض صائن ... وللمجد مبتاع وللمال متلف
وما مات حتى قلّدته أمورها ... ربيعة والحيّان قيس وخندف
وحتى فشا في كلّ شرق ومغرب ... أياد له بالضّرّ والنفع تعرف
وكم من يد عندي لمعن كريمة ... سأشكرها ما دامت العين تطرف
بكته الجياد الأعوجيّة إذ ثوى ... وحنّ مع النّبع الوشيج المثقّف «4»
وقد غنيت ريح الصّبا في حياته ... قبولا فأمست وهي نكباء حرجف «5»
وقال أبو الشيص يرثي هارون الرشيد ويمدح ابنه محمد بن زبيدة الأمين:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة وفي أنس
العين تبكي والسّنّ ضاحكة ... فنحن في مأتم وفي عرس
يضحكنا القائم الأمين ويبكينا وفاة الإمام بالأمس بدران بدر أضحى ببغداد في الخلد وبدر بطوس في الرّمس «6» وأنشد العتبي:
(3/249)

والمرء يجمع ماله مستهترا ... فرحا وليس بآكل ما يجمع
وليأتينّ عليك يوما مرة ... يبكي عليك مقنّعا لا تسمع
وقال حارثة بن بدر الغداني يرثي زياد بن ظبيان:
صلى الإله على قبر وطهّره ... عند الثّويّة يسفي فوقه المور «1»
زفّت إليه قريش نعش سيدها ... فثمّ كلّ التّقى والبرّ مقبور
أبا المغيرة والدّنيا مغيّرة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للتنكير تنكير
لو خلّد الخير والإسلام ذا قدم ... إذا لخلّدك الإسلام والخير
قد كنت تخشى وتعطي المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجور
وقال نهار بن توسعة يرثي المهلّب:
ألا ذهب الغزو المقرّب للغنى ... ومات الندى والحزم بعد المهلّب
أقام بمرو الرّوذ رهن ضريحه ... وقد غيّبا عن كلّ شرق ومغرب
وقال المهلهل بن ربيعة: يرثي أخاه كليب بن وائل؛ وكان كليب إذا جلس لم يرفع أحد بحضرته صوته:
ذهب الخيار من المعاشر كلهم ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتناولوا من كل أمر عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا
وقال عبد الصمد بن المعذل يرثي سعيد بن سلم:
كم يتيم جبرته بعد يتم ... وعديم نعشته بعد عدم
كلّ ما عضّ بالحوادث نادى ... رضي الله عن سعيد بن سلم
وقال ابن أخت تأبط شراّ يرثي خاله تأبط شراّ الفهميّ؛ وكانت هذيل قتلته:
إنّ بالشّعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطلّ «2»
(3/250)

قذف العبء عليّ وولّى ... أنا بالعبء له مستقلّ «1»
ووراء الثأر مني ابن أخت ... مصع عقدته ما تحلّ «2»
مطرق يرشح موتا كما أطرق أفعى ينفث السّمّ صلّ «3»
خبر ما نابنا مصمئلّ ... جلّ حتى دقّ فيه الأجلّ «4»
بزّني الدهر وكان غشوما ... بأبيّ جاره ما يذلّ «5»
شامس في القمرّ حتى إذا ما ... ذكت الشّعرى فبرد وظلّ «6»
يابس الجنبين من غير بؤس ... ونديّ الكفين شهم مدلّ «7»
ظاعن بالحزم حتى إذا ما ... حلّ حلّ الحزم حيث يحلّ
وله طعمان أري وشري ... وكلا الطّعمين قد ذاق كلّ «8»
رائح بالمجد غاد عليه ... من ثياب الحمد ثوب رفلّ
أفتح الراحة بالجود جوادا ... عاش في جدوى يديه المقلّ
مسبل في الحيّ أحوى رفل ... وإذا يغزو فسمع أزلّ «9»
يركب الهول وحيدا ولا يص ... حبه إلّا اليماني الأفلّ 1»
فاحتسوا أنفاس يوم فلما ... هوّموا رعتهم فاشمعلّوا «11»
كلّ ماض قد تردّى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسلّ
فلئن فلّت هذيل شباه ... لبما كان هذيلا يفل «12»
وبما أبركها في مناخ ... جعجع ينقب منه الأظلّ «13»
(3/251)

صليت منه هذيل بخرق ... لا يملّ الشّرّ حتى يملّوا «1»
ينهل الصّعدة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه علّ
تضحك الضّبع لقتلي هذيل ... وترى الذّئب لها يستهلّ
عتاق الطير تهفو بطانا ... تتخطّاهم فما تستقلّ
وفتوّ هجّروا ثم اسروا ... ليلهم حتى إذا انجاب حلّوا «2»
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إنّ جسمي بعد خالي لخلّ «3»
وقال أمية بن أبي الصلت يرثي قتلى بدر من قريش:
ألّا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولي الممادح
كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح
يبكين حرّى مستكي ... نات يرحن مع الروائح
أمثالهن الباكيا ... ت المعولات من النّوائح
من يبكهم يبك على ... حزن ويصدق كل مادح
من ذا ببدر فالعقن ... قل من مرازبة جحاجح «4»
شمط وشبّان بها ... ليل مغاوير وحاوح «5»
ألا ترون لما أرى ... ولقد أبان لكلّ لامح
أن قد تغيّر بطن مكّ ... ة فهي موحشة الأباطح
من كلّ بطريق لبط ... ريق نقيّ اللون واضح
رعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق فاتح
ومن السراطمة الحلا ... جمة الملازبة المناجح «6»
(3/252)

القائلين الفاعلي ... ن الآمرين بكل صالح
المطعمين الشّحم فو ... ق الخبز شحما كالأنافح «1»
نقل الجفان مع الجفا ... ن إلى جفان كالمناضح «2»
ليست بأصفار لمن ... يعفو ولا رحّ رحارح «3»
للضيف ثم الضيف بع ... د الضيف والبسط السلاطح «4»
وهب المئين من المئ ... ين إلى المئين من اللّواقح
سوق المؤبّل للمؤ ... بّل صادرات عن بلادح «5»
لكرامهم فوق الكرا ... م مزيّة وزن الرّواجح
كتثاقل الأرطال بال ... قسطاس في الأيدي الموائح «6»
لله درّ بني عليّ ... أيّم منهم وناكح
إن لم يغيروا غارة ... شعواء تحجر كلّ نابح
بالمقربات المبعدا ... ت الطّامحات مع الطّوامح «7»
مردا على جرد إلى ... أسد مكالبة كوالح «8»
ويلاق قرن قرنه ... مشي المصافح للمصافح
بزهاء ألف ثم أل ... ف بين ذي بدن ورامح «9»
الضّاربين التّقدمي ... ة بالمهنّدة الصفائح
روى الاخفش لسهل بن هارون:
ما للحوادث عنك منصرف ... إلا بنفس مالها خلف
فكأنها رام على حنق ... وكأنني لسهامها هدف
(3/253)

دهر سررت به فأعقبني ... حزنا به ما عشت ألتحف
فابك الذي ولّى لمهلكه ... عنك السّرور خلّف الأسف
إذ لا يردّ عليك ما أخذت ... منك الحوادث دمعة تكف
قبر بمختلف الرّياح به ... من لسن أبلغه بما أصف
أنسى الثّرى بمحلّه وله ... قد أوحش المستأنس الألف «1»
فالصّبر أحسن ما اعتصمت به ... إذ ليس منه لديّ منتصف
لفروة الحروري في رثاء الخوارج:
وقال فروة بن نوفل الحروريّ، وكان بعض أهل الكوفة يقاتلون الخوارج ويقولون: والله لنحرقنّهم ولنفعلن ولنفعلن. فقال في ذلك فروة بن نوفل، وكان من الخوارج:
ما إن نبالي إذا أرواحنا قبضت ... ماذا فعلتم بأجساد وأبشار «2»
تجري المجرّة والنّسران بينهما ... والشّمس والقمر السّاري بمقدار
لقد علمت وخير العلم أنفعه ... أنّ السعيد الذي ينجو من النار
وقال يرثي قومه:
هم نصبوا الأجساد للنّبل والقنا ... فلم يبق منها اليوم إلا رميمها
تظل عتاق الطير تحجل نحوهم ... يعلّلن أجسادا قليلا نعيمها «3»
لطاف براها الصوم حتى كأنها ... سيوف إذا ما الخيل تدمى كلومها
التعازي
لابن أبي بكر يعزي سليمان في ابنه:
قال عبد الرحمن بن أبي بكر لسليمان بن عبد الملك يعزيه في ابنه أيوب، وكان وليّ
(3/254)

عهده وأكبر ولده: يا أمير المؤمنين، إنه من طال عمره فقد أحبّته، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه؛ فلو لم يكن في ميزانك لكنت في ميزانه! وكتب الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز يعزّيه في ابنه عبد الملك:
وعوّضت أجرا من فقيد، فلا يكن ... فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
لابن جريح يعزي ابن الأهتم:
العتبي قال: قال عبد الله بن الأهتم: مات لي ابن وأنا بمكة، فجزعت عليه جزعا شديدا؛ فدخل عليّ ابن جريح يعزيني، فقال لي: يا أبا محمد، اسل صبرا واحتسابا، قبل أن تسلو غفلة ونسيانا كما تسلو البهائم.
وهذا الكلام لعليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه يعزي الأشعث بن قيس في ابن له، ومنه أخذ ابن جريح؛ وقد ذكره حبيب في شعره فقال:
وقال عليّ في التّعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم
أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم
علي والأشعث في وفاة ابنه:
أتى عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه لأشعث يعزيه عن ابنه، فقال: إن تحزن فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر فإن في الله خلفا من كل هالك، مع أنك إن صبرت عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت آثم.
وعزّى ابن السماك رجلا فقال: عليك بالصبر، فبه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزع، واعلم أنه ليست مصيبة إلا ومعها أعظم منها، من طاعة الله فيها أو معصيته بها.
(3/255)

لصالح المري في مثله:
الأصمعي قال: عزى صالح المزى رجلا بابنه، فقال له: إن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة، فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك؛ واعلم أن التهنئة على آجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.
لوالد العتبي في مثله:
العتبي قال: عزى أبي رجلا فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر لحقّه، فلا تجمع إلى ما فجعت به الفجيعة بالأجر، فإنها أعظم المصيبتين عليك، ولكل اجتماع فرقة إلى دار الحلول.
عزّى عبد الله بن عباس عمر بنّ الخطاب رضي الله تعالى عنه في بنيّ له صغير؛ فقال: عوضك الله منه ما عوّضه الله منك.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا عزىّ قوما قال: عليكم بالصبر فإن به يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع.
وكان الحسن يقول في المصيبة: الحمد لله الذي آجرنا على ما لو كلفنا غيره لعجزنا عنه.
كتاب تعزية
أما بعد: فإن أحق من تعزى، وأولي من تأسّي وسلّم لأمر الله، وقبل تأديبه في الصبر على نكبات الدنيا وتجرّع غصص البلوى- من تنجز من الله وعده، وفهم عن كتابه أمره، وأخلص له نفسه، واعترف له بما هو أهله، وفي كتاب الله سلوة من فقد كل حبيب وإن لم تطب النفس عنه، وأنس من كل فقيد وإن عظمت اللوعة به؛ إذ يقول الله عز وجل: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
«1» وحيث يقول: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ
(3/256)

عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
«1» والموت سبيل الماضين والغابرين، «2» ومورد الخلائق أجمعين، وفي أنبياء الله وسالف أوليائه أفضل العبرة، وأحسن الأسوة، فهل أحد منهم إلا وقد أخذ من فجائع الدنيا بأجزل الإعطاء، ومن الصبر عليها باحتساب الأجر فيها بأوفر الأنصباء.
فجع نبيّنا عليه الصلاة والسلام بابنه إبراهيم، وكان ذخر الإيمان، وقرة عين الإسلام، وعقب الطهارة، وسليل الوحي، ونتيج الرحمة، وحضين الملائكة، وبقية آل إبراهيم واسمعيل صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى عامة الأنبياء والمرسلين فعمت الثقلين مصيبته، وخصت الملائكة رزيّته. ورضي صلّى الله عليه وسلم من فراقه بثواب الله بدلا، ومن فقدانه بموعوده عوضا؛ فشكر قضاه واتبع رضاه؛ فقال: «يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون!» .
وإذا تأمل ذو النظر ما هو مشف عليه من غير الدنيا، وانتصح نفسه وفكره في غيرها بتنقل الأحوال، وتقارب الآجال، وانقطاع يسير هذه المدة ذلت الدنيا عنده، وهانت المصائب عليه، وتسهلت الفجائع لديه، فأخذ للأمر أهبته، واستعد للموت عدته؛ ومن صحب الدنيا بحسن الروية، ولاحظها بعين الحقيقة، كان على بصيرة من وشك زوالها.
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «اذكروا الموت فإنه هادم اللذات ومنغّص الشهوات. وليس شيء مما اقتصصت إلا وقد جعلك الله مقدما في العلم به؛ ولعمري إن الخطب فيما أصبت به لعظيم، غير أن معوّضه من الأجر والمثوبة عليه بحسن الصبر، يهوّنان الرزية وإن ثقلت، ويسهلان الخطب وإن عظم؛ فوهب الله لك من عصمة الصبر ما يكمل لك به زلفى «3» الفائزين، وقربة الشاكرين، وجعلك من المرضيين قولا وفعلا، الذين أعطاهم الحسنى، ووفقهم للصبر والتقوى» .
(3/257)

في عزاء عقبة بابنه:
محمد بن الفضل عن أبي حازم قال: مات عقبة بن عياض بن غنم الفهري، فعزّى رجل أباه فقال: لا تجزع عليه فقد قتل شهيدا، فقال: وكيف أجزع على من كان في حياته زينة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.
عزاء الأصمعي لجعفر بن سليمان في أخيه:
ابن الغار قال: حدّثنا عيسى بن إسمعيل، قال: سمعت الأصمعي يقول: دخلت على جعفر بن سليمان وقد ترك الطعام جزعا على أخيه محمد بن سليمان، فأنشدته بيتين، فما برحت حتى دعا بالمائدة، فقلت للأصمعي: ما هما؟ فسكت، فسألته؛ فقال: أتدري ما قال الأحوص؟ قلت: لا أدري. قال: قال الأحوص:
قد زاده كلفا بالحبّ إذا منعت ... أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا
قال أبو موسى: والأبيات لأراكة الثقفي يرثي بها عمرو بن أراكة ويعزّي نفسه، حيث يقول:
لعمري لئن أتبعت عينك ما مضى ... به الدّهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشئون بأسره ... وإن كنت تمريهنّ من ثبج البحر «1»
تبيّن فإن كان البكا ردّ هالكا ... على أحد فاجهد بكاك على عمرو
فلا تبك ميتا بعد موت أحبّة ... علي وعباس وآل أبي بكر
لمالك بن دينار في أخيه:
أبو عمر بن يزيد قال: لما مات أخو مالك بن دينار، بكى مالك، وقال: يا أخي، لا تقرّ عيني بعدك حتى أعلم أفي الجنة أنت أم في النار؛ ولا أعلم ذلك حتى ألحق بك! وقالت أعرابية ورأت ميتا يدفن: جافى الله عن جنبيه الثّري، وأعانه على طول البلي.
(3/258)

وعزى أعرابيّ رجلا فقال: أوصيك بالرضا من الله بقضائه، والتنجّز لما وعد به من ثوابه؛ فإن الدنيا دار زوال ولا بد من لقاء الله.
وعزى أيضا رجلا فقال: إن من كان لك في الآخرة أجرا، خير لك ممن كان لك في الدنيا سرورا.
الحسن وجازع على ابنه:
وجزع رجل على ابن له، فشكا ذلك إلى الحسن، فقال له: هل كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم؛ كان مغيبه عني أكثر من حضوره. قال: فاتركه غائبا، فإنه لم يغب عنك غيبة الأجر لك فيها أعظم من هذه الغيبة.
وعزّي رجل نصرانيّ مسلما، فقال له: إنّ مثلي لا يعزّي مثلك، ولكن انظر ما زهد فيه الجاهل فارغب فيه.
لعلي بن الحسين في ناعية:
وكان علي بن الحسين رضي الله عنه في مجلسه وعنده جماعة؛ إذ سمع ناعية في بيته؛ فنهض إلى منزله فأسكتهم، ثم رجع إلى مجلسه، فقالوا له: أمن حدث كانت الناعية؟ قال: نعم! فعزوه وعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله فيما نحب، ونحمده على ما نكره.
تعزية: التمس ما وعد الله من ثوابه بالتسليم لقضائه، والانتهاء إلى أمره؛ فإن ما فات غير مستدرك.
وعزي موسى المهدي إبراهيم بن سلم على ابن له مات، فجزع عليه جزعا شديدا، فقال له: أيسرّك وهو بليّة وفتنة، ويحزنك وهو صلوات ورحمة.
لابن جبير:
سفيان الثوري، عن سعيد بن جبير قال. ما أعطيت أمة عند المصيبة ما أعطيت
(3/259)

هذه الأمة من قولها: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
«1» ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب حيث يقول: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ! وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
«2» .
وعزى رجل رجلا بابن له فقال له: لو ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك؛ فما بقاء من ذهب أصله وفرعه.
تعازي الملوك
لأكتم يعزي ابن هند:
العتبي قال: عزى أكثم بن صيفي عمرو بن هند ملك العرب على أخيه، فقال له:
أيها الملك، إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرّحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك؛ واعلم أنّ الدنيا ثلاثة أيام: فأمس عظة وشاهد عدل، فجعك بنفسه، وأبقى لك وعليك حكمته. واليوم: غنيمة وصديق، أتاك ولم تأته، طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته. وغد: لا تدري من أهله، وسيأتيك إن وجدك! فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للقادر! وقد مضت لنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفروع بعد أصولها؟ واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، وخير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله.
في مهلك المنصور:
لما هلك أمير المؤمنين المنصور، قدمت وفود الأمصار على أمير المؤمنين المهدي، وقدم فيهم أبو العيناء المحدّث؛ فتقدم إلى التعزية فقال: آجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله، وبارك لأمير المؤمنين فيما خلفه له؛ فلا مصيبة أعظم من مصيبة إمام والد، ولا عقبى أفضل من خلافة الله على أوليائه؛ فاقبل من الله أفضل العطية،
(3/260)

واصبر له على أعظم الرزيّة.
ولما مات معاوية بن أبي سفيان، ويزيد غائب؛ صلى عليه الضحاك بن قيس الفهري، ثم قدم يزيد من يومه ذلك؛ فلم يقدم أحد على تعزيته حتى دخل عليه عبد الله بن همام السلولي، فقال:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا مقة ... واشكر حباء الذي بالملك حاباكا
لا رزء أعظم في الأقوام قد علموا ... ممّا رزئت ولا عقبى كعقباكا
أصبحت راعي أهل الأرض كلّهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
فافتتح الخطباء الكلام.
عزى شبيب بن شبة المنصور على أخيه أبي العباس فقال: جعل الله ثواب ما رزئت به لك أجرا، وأعقبك عليه صبرا، وختم ذلك لك بعافية تامة، ونعمة عامة؛ فثواب الله خير لك منه، وما عند الله خير له منك، وأحق ما صبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل.
وكتب إبراهيم بن إسحاق إلى بعض الخلفاء يعزّيه: إن أحق من عرف حقّ الله فيما أخذ منه، من عرف نعمته فيما أبقى عليه. يا أمير المؤمنين، إن الماضي قبلك هو الباقي لك، والباقي بعدك هو المأجور فيك، وإن النعمة على الصابرين فيما ابتلوا به أعظم منها فيما يعافون منه.
الرشيد وعبد الملك بن صالح:
ودخل عبد الملك بن صالح دار الرشيد، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أصيب الليلة بابن له وولد له آخر! فلما دخل عليه قال سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعل هذه بهذه، مثوبة على الصبر، وجزاء على الشكر.
(3/261)

ودخل المأمون على أم الفضل بن سهل يعزيها بابنها الفضل بن سهل فقال: يا أمّه، إنك لم تفقدي إلا رؤيته، وأنا ولدك مكانه! فقالت: يا أمير المؤمنين، إن رجلا أفادني ولدا مثلك لجدير أن أجزع عليه.
من عمر بن عبد العزيز إلى عماله بعد موت ولده:
لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: إن عبد الملك كان عبدا من عبيد الله، أحسن الله إليه واليّ فيه؛ أعاشه ما شاء وقبضه حين شاء وكان- ما علمت- من صالحي شباب أهل بيته قراءة للقرآن وتحرّيا للخير، وأعوذ بالله أن يكون لي محبة أخالف فيها محبة الله، فإن ذلك لا يحسن في إحسانه إليّ، وتتابع نعمه عليّ، ولأعلمن ما بكت عليه باكية ولا ناحت عليه نائحة؛ قد نهينا أهله الذين هم أحق بالبكاء عليه.
عزاء زياد لسليمان بن عبد الملك في ابنه:
دخل زياد بن عثمان بن زياد على سليمان بن عبد الملك وقد توفي ابنه أيوب فقال:
يا أمير المؤمنين إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يقول: من أحب البقاء- ولا بقاء- فليوطّن نفسه على المصائب.
لعطاء يعزي يزيد في معاوية:
لما مات معاوية دخل عطاء بن أبي صيفيّ على يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين أصبحت رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله؛ فاحتسب على الله أعظم الرزية واشكره على أحسن العطية.
لابن الوليد يعزي عمر بن عبد العزيز في ابنه:
عزى محمد بن الوليد بن عتبة عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، أعدّ لما ترى عدّة تكن لك جنّة من الحزن وسترا من النار! فقال عمر:
(3/262)

هل رأيت حزنا يحتج به، أو غفلة ينبّه عليها؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو أن رجلا ترك تعزية رجل لعلمه وانتباهه لكنته، ولكن الله قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين.
عمر بن عبد العزيز في وفاة أخته:
وتوفيت أخت لعمر بن عبد العزيز، فلما فرغ من دفنها دنا إليه رجل فعزاه، فلم يردّ عليه شيئا؛ ثم دنا إليه آخر فعزاه فلم يرد عليه شيئا، فلما رأى الناس ذلك أمسكوا عنه ومشوا معه؛ فلما بلغ الباب أقبل على الناس بوجهه وقال: أدركت الناس وهم لا يعزون بامرأة إلا أن تكون أمّا، انقلبوا رحمكم الله.
لبعض الشعراء في التعزية:
وجد في حائط من حيطان تبّع مكتوبا:
اصبر لدهر نال من ... ك فهكذا مضت الدّهور
فرح وحزن مرّة ... لا الحزن دام ولا السّرور
وهذا نظير قول العتابي:
وقائلة لمّا رأتني مسهّدا ... كأنّ الحشا مني تلذعه الجمر
أباطن داء أم جوى بك قاتل ... فقلت الذي بي ما يقوم له صبر
تفرق ألّاف وموت أحبّة ... وفقد ذوي الأفضال قالت كذا الدهر
كتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى المتوكل يعزيه بابن له:
إني أعزّيك لا أني على ثقة ... من الحياة ولكن سنّة الدّين
ليس المعزّى بباق بعد ميّته ... ولا المعزّي وإن عاشا إلى حين
وقال أبو عيينة:
فإن أشك من ليلى بجرجان طوله ... فقد كنت أشكو منه بالبصرة القصر
وقائلة ماذ نأى بك عنهم ... فقلت لها: لا علم لي فسلي القدر
(3/263)

لحكيم يعزي سليمان بن عبد الملك في ابنه.
وقال بعض الحكماء لسليمان بن عبد الملك لما أصيب بابنه أيوب: يا أمير المؤمنين إن مثلك لا يوعظ إلا بدون علمه؛ فإن رأيت أن تقدّم ما أخرت العجزة فترضي ربك وتريح بدنك من حسن العزاء والصبر على المصيبة، فافعل.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز يعزّيه في ابنه عبد الملك ببيت شعر: وهو:
وعوّضت أجرا من فقيد فلم يكن ... فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
للاسكندر يعزي أمه عن فقده.
ولما حضرت الإسكندر الوفاة كتب إلى أمه أن اصنعي طعاما يحضره الناس ثم تقدمي إليهم أن لا يأكل منه محزون. ففعلت: فلم يبسط أحد إليه يده؛ فقالت: ما لكم لا تأكلون؟ فقالوا: إنك تقدمت إلينا أن لا يأكل منه محزون، وليس منا إلا من قد أصيب بحميم أو قريب! فقالت: مات والله ابني! وما أوصى إليّ بهذا إلا ليعزيني به!.
وكان سهل بن هارون يقول في تعزيته: إن أجر التهنئة بآجل الثواب! أوجب من التعزية على عاجل المصيبة.
(3/264)

كتاب اليتيمة في النسب وفضائل العرب
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في النوادب والمراثي، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في النسب الذي هو سبب التعارف، وسلّم إلى التواصل؛ به تتعاطف الأرحام الواشجة، وعليه تحافظ الأواصر القريبة. قال الله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
. «1» فمن لم يعرف النسب لم يعرف الناس، ومن لم يعرف الناس لم يعدّ من الناس.
وفي الحديث: «تعلموا من النسب ما تعرفون به أحسابكم وتصلون به أرحامكم» .
وقال عمر بن الخطاب: تعلموا النسب ولا تكونوا كنبيط «2» السواد: إذا سئل أحدهم عن أصله قال: من قرية كذا وكذا.
أصل النسب
أولاد نوح
قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد بن المسيّب، قال: ولد نوح ثلاثة أولاد:
سام وحام ويافث؛ فولد سام العرب وفارس والروم، وولد حام السودان والبربر والنّبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج.
(3/265)

أصل قريش
كانت قريش تدعى النضر بن كنانة، وكانوا متفرقين في بني كنانة، فجمعهم قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، من كل أوب إلى البيت؛ فسمّوا قريشا. والتقريش: التجميع. وسمّي قصيّ بن كلاب مجمّعا، فقال فيه الشاعر:
قصي أبوكم من يسمّى مجمّعا ... به جمع الله القبائل من فهر
وقال حبيب:
غدوا في نواحي نعشه وكأنما ... قريش قريش يوم مات مجمّع
يريد بمجمّع قصيّ بن كلاب، وهو الذي بنى المشعر الحرام، «1» وكان يقوم عليه أيام الحج؛ فسماه الله مشعرا، وأمره بالوقوف عنده. وإنما جمع قصيّ إلى مكة بني فهر ابن مالك، فجدم قريش كلّها فهر بن مالك؛ فما دونه قريش وما فوقه عرب مثل كنانة وأسد وغيرهما من قبائل مضر؛ وأما قبائل قريش فإنها تنتهي إلى فهر بن مالك لا تجاوزه، وكانت قريش تسمّى آل الله، وجيران الله، وسكان الله.
وفي ذلك يقول عبد المطلب بن هاشم:
نحن آل الله في ذمّته ... لم نزل فيها على عهد قدم
إن للبيت لربّا مانعا ... من يرد فيه بإثم يخترم»
لم تزل لله فينا حرمة ... يدفع الله بها عنّا النّقم
وقال الحسن بن هانيء في بعض بني شيبة بن عثمان الذين بأيديهم مفتاح الكعبة:
إذا اشتعب الناس البيوت فأنتم ... أولو الله والبيت العتيق المحرّم
(3/266)

نسب قريش
قال أبو المذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: تسمية من انتهى إليه الشرف من قريش في الجاهلية فوصله بالإسلام، عشرة رهط من عشرة أبطن، وهم: هاشم، وأمية، ونوفل، وعبد الدار، وأسد، وتيم، ومخزوم، وعدي، وجمح، وسهم.
فكان من هاشم: العباس بن عبد المطلب، يسقي الحجيج في الجاهلية، وبقي له ذلك في الإسلام.
ومن بني أمية: أبو سفيان بن حرب، كانت عنده العقاب راية قريش، وإذا كانت عند رجل أخرجها إذا حميت الحرب، فإذا اجتمعت قريش على أحد أعطوه العقاب، وإن لم يجتمعوا على أحد رأسوا صاحبها فقدّموه.
ومن بني نوفل: الحرث بن عامر، وكانت إليه الرفادة، وهي ما كانت تخرجه من أموالها وترفد به منقطع الحاج.
ومن بني عبد الدار: عثمان بن طلحة، وكان إليه اللواء والسدانة مع الحجابة، ويقال والندوة أيضا في بني عبد الدار.
ومن بني أسد: يزيد بن زمعة بن الأسود، وكانت إليه المشورة: وذلك أن رؤساء قريش لم يكونوا يجتمعون على أمر حتى يعرضوه عليه، فإن وافقه ولّاهم عليه، وإلا تخير وكانوا له أعوانا؛ واستشهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالطائف.
ومن بني تيم: أبو بكر الصديق، وكانت إليه في الجاهلية الأشناق، وهي الديات والمغرم، فكان إذا احتمل شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه وأمضوا حمالة من نهض معه، وإن احتملها غيره خذلوه.
ومن بني مخزوم: خالد بن الوليد، وكانت إليه القبة والأعنة؛ فأما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش؛ وأما الأعنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب.
(3/267)

ومن بني عديّ: عمر بن الخطاب، وكانت إليه السفارة في الجاهلية؛ وذلك أنهم كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب، بعثوه سفيرا، وإن نافرهم حيّ لمفاخرة جعلوه منافرا ورضوا به.
ومن بني جمح: صفوان بن أمية، وكانت إليه الأيسار، وهي الأزلام؛ فكان لا يسبّق بأمر عامّ حتى يكون هو الذي يتّسرون على يديه.
ومن بني سهم: الحرث بن قيس، وكانت إليه الحكومة والأموال المحجرة التي سمّوها لآلهتهم.
فهذه مكارم قريش التي كانت في الجاهلية، وهي؛ السقاية، والعمارة، والعقاب، والرفادة، والسّدانة، والحجابة، والندوة، واللواء، والمشورة، والأشناق، والقبة، والأعنة، والسفارة، والأيسار، والحكومة، والأموال المحجرة- إلى هؤلاء العشرة من هذه البطون العشرة على حال ما كانت في أوّليتهم، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر؛ وجاء الإسلام فوصل ذلك لهم؛ وكان كل شرف من شرف الجاهلية أدركه الإسلام فوصله، فكانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحلوان النفر في بني هاشم.
فأما السقاية فمعروفة، وأما العمارة فهو ألّا يتكلم أحد في المسجد الحرام بهجر ولا رفث ولا يرفع فيه صوته، وكان العباس ينهاهم عن ذلك.
وأما حلوان النفر، فإن العرب لم تكن تملّك عليها في الجاهلية أحدا، فإن كان حرب أقرعوا بين أهل الرياسة، فمن خرجت عليه القرعة أحضروه، صغيرا كان أو كبيرا. فلما كان يوم الفجار أقرعوا بين بني هاشم فخرج سهم العبّاس وهو صغير فأجلسوه على المجن.
بين المأمون وأبي الطاهر
أبو الطاهر أحمد بن كثير بن عبد الوهاب قال: حدّثني أبو ذكوان عن أحمد بن يزيد الأنطاكي أنه سمع المأمون يقول لأبي الطاهر الذي كان على البحرين: من أي قريش أنت؟ قال: من بني أسامة بن لؤي، فقال المأمون: ما سمعنا لأسامة ابن لؤي
(3/268)

نسبا في بطوننا العشرة، لو علمنا به على بعده منا لكنا به بررة.
فضل بني هاشم وبني أمية
قيل لعلي بن أبي طالب: أخبرنا عنكم وعن بني أمية. فقال: بنو أمية أغدر وأمكر وأفجر، ونحن أصبح وأفصح وأسمح.
وسأل رجل الشعبيّ عن بني هاشم وبني أمية، فقال: إن شئت أخبرتك ما قال عليّ ابن أبي طالب فيهم. قال: أخبرني. قال: أما بنو هاشم فأطعمها للطعام، وأضربها للهام؛ وأما بنو أمية فأبعدها حلما وأطلبها للأمر الذي لا ينال فينالونه.
قيل لمعاوية: أخبرنا عنكم وعن بني هاشم. قال: بنو هاشم أشرف واحدا، ونحن أشرف عددا، فما كان إلا كلا ولا، حتى جاؤا بواحدة بذّت الأولين والآخرين.
يريد النبي صلّى الله عليه وسلم. وبقوله: أشرف واحدا: عبد المطلب بن هاشم.
الرشيد وأموي
الرياشي عن الأصمعي قال: تصدى رجل من بني أمية لهارون الرشيد فأنشده:
يا أمين الله إني قائل ... قول ذي فهم وعلم وأدب
عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأمّ ولأب
فاحفظ الأرحام فينا إنما ... عبد شمس عمّ عبد المطلب
لكم الفضل علينا، ولنا ... بكم الفضل على كلّ العرب
فأحسن جائزته ووصله.
للنبي صلّى الله عليه وسلم.
سفيان الثورى يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم أفراقا فجعلني في خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت. فأنا خيركم بيتا وخيركم نسبا» .
(3/269)

وقال صلّى الله عليه وسلم: «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي» .
جماعة بني هاشم بن عبد مناف وجماعة قريش
عبد المطلب بن هاشم ولده عشرة بنين، منهم: عبد الله أبو محمد صلّى الله عليه وسلم، وأبو طالب، والزبير، أمهم فاطمة بنت عمرو المخزومية. والعباس، وضرار، أمهما نتيلة النمرية. وحمزة، والمقوم، أمهما هالة بنت وهيب. وأبو لهب، أمه لبنى خزاعية.
والحارث، أمه صفية من بني عامر بن صعصعة. والغيداق، أمه خزاعية.
جماعة بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
وهو أمية الأكبر: حرب بن أمية، وأبو حرب، وسفيان، وأبو سفيان؛ وعمرو، وأبو عمرو، وهؤلاء يقال لهم العنابس، والعاص، وأبو العاص، والعيص، وأبو العيص؛ وهؤلاء يقال لهم الأعياص، ومنهم معاوية بن أبي سفيان، وعثمان بن عفان ابن أبي العاص بن أمية، ومنهم سعيد بن العاص بن أمية، ومروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية.
جماعة بني نوفل
الحارث بن عامر صاحب الرفادة، ومعطعم بن نوفل، ومنهم عدي بن الخيار بن نوفل؛ ومنهم شافع بن ظرب بن عمرو بن نوفل؛ وهو كاتب المصاحف لعمر بن الخطاب؛ ومسلم بن قرطة، قتل يوم الجمل.
جماعة بني عبد الدار
عثمان بن طلحة، صاحب الحجابة؛ وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة؛ والحرث بن علقمة بن كلدة، كان رهينة قريش عند أبي يكسوم؛ والنضر بن الحرث بن علقمة
(3/270)

ابن كلدة، بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله النبي صلّى الله عليه وسلم صبرا، أمر عليّ بن أبي طالب فقتله يوم الأثيل. «1»
جماعة بني أسد بن عبد العزى
منهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، وأمه صفية ابنة عبد المطلب، ويزيد ابن زمعة بن الأسود صاحب المشورة؛ وأبو البختري، واسمه العاص بن هاشم ابن الحرث بن أسد؛ وورقة بن نوفل بن أسد، هو الذي أدرك الإيمان بعقله وبشّر خديجة بالنبي صلّى الله عليه وسلم.
جماهير بني تيم بن مرة
منهم أبو بكر الصديق، وطلحة بن عبيد الله، وعمرو بن عبد الله بن معمر، وعبد الله بن جدعان، وعلي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة، والمهاجر بن فهد بن عمر بن جدعان، ومحمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير.
جماهير مخزوم بن مرة
منهم المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وخالد بن الوليد بن المغيرة، وعبد الرحمن بن الحرث، وعمرو بن حريث، وأبو جهل بن هاشم بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة، وعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة الشاعر، وعبد الله بن المهاجر، وعمارة بن الوليد بن المغيرة، وإسماعيل بن هشام بن المغيرة- ولي المغيرة المدينة وضرب سعيد بن المسيب- ومنهم سعيد بن المسيب بن أبي وهب الفقيه.
جماهير عدي بن كعب
منهم: عمر بن الخطاب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو من أصحاب
(3/271)

حراء، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ولي الكوفة لعمر بن عبد العزيز، وسراقة بن المعتمر، والنحام بن عبد الله بن أسيد، والنعمان بن عدي بن النضلة، استعمله عمر على ميسان «1» وعبد الله بن مطيع، وأبو جهم بن حذيفة، وخارجة بن حذافة، وكان قاضيا لعمرو بن العاص بمصر: فقتله الخارجي وهو يظنه عمرو بن العاص، وقال فيه: أردت عمرا وأراد الله خارجة!.
جماهير جمح
منهم: صفوان بن أمية، من المؤلفة قلوبهم، وأمية بن خلف، قتل يوم بدر؛ وأبيّ ابن خلف؛ ومحمد بن حاطب؛ وجميل بن معمر بن حذافة؛ وأبو عزة وهو عمرو بن عبد الله؛ وأبو محذورة، مؤذن النبي صلّى الله عليه وسلم.
جماهير بني سهم
الحرث بن قيس، صاحب حكومة قريش؛ وعمرو بن العاص؛ وقيس بن عدي؛ وخنيس بن حذافة، ومنبه؛ ونبيه، ابنا الحجاج؛ ومنهم العاص بن منبه، قتل مع أبيه، قتله عليّ وأخذ سيفه ذا الفقار، فصار إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
جماهير عامر بن لؤي
منهم: سهيل بن عمرو، من المؤلفة قلوبهم؛ ومنهم ابن أبي ذئب الفقيه، واسمه محمد بن عبد الرحمن؛ وحويطب بن عبد العزى، من المؤلفة قلوبهم؛ وعبد الله بن مخرمة، بدري؛ ونوفل بن مساحق؛ وأبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، الفقيه؛ وعبد الله بن أبي سرح، بدري؛ ومنهم ابن أم مكتوم، مؤذن النبي عليه الصلاة والسلام.
(3/272)

جماهير بني محارب بن فهر بن مالك
منهم: الضحاك بن قيس الفهري، وحبيب بن مسلمة.
جماهير بني الحارث بن فهر بن مالك
منهم: أبو عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأمة؛ وسهيل؛ وصفوان، ابنا وهب؛ وعياض بن غنم بن زهير؛ وأبو جهم بن خالد؛ وبنو الحرث. هؤلاء من المطيّبين الذين تحالفوا وغمسوا أيديهم في حفنة فيها طيب.
قريش الظواهر وغيرها من بطون قريش
بنو الحارث وبنو محارب ابنا فهر بن مالك، وهم قريش الظواهر لأنهم نزلوا حول مكة وما والاها.
فمن بني الحارث بن فهر: أبو عبيدة بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح، من المهاجرين الأولين.
ومن بني محارب بن فهر: الضحاك بن قيس الفهري، صاحب مرج راهط.
وما سوى هؤلاء من بطون قريش يقال لهم قريش البطاح؛ لأنهم سكنوا بطحاء مكة، وهم البطون العشرة التي ذكرناها قبل هذا الباب.
ومن بطون قريش
بنو زهرة بن كلاب بن كعب بن لؤيّ. منهم وهب بن عبد مناف بن زهرة، أبو آمنة أم رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ومنهم عبد الرحمن بن عوف، خال النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم بنو حبيب بن عبد شمس؛ ومنهم عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس، صاحب العراق؛ ومنهم بنو أمية الأصغر ابن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه عبلة، فيقال لهم العبلات؛ وبنو عبد العزى بن عبد شمس، منهم
(3/273)

أبو العاص بن الربيع، صهر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، تزوج ابنته التي قال النبي صلّى الله عليه وسلم فيه:
«ولكنّ أبا العاص لم يذمم صهره» ؛ ومنهم بنو المطلب بن عبد مناف؛ ومنهم محمد بن إدريس الشافعي.
ومن بني نوفل بن عبد مناف: المطعم بن عدي.
ولعبد شمس بن عبد مناف ونوفل بن عبد مناف يقول أبو طالب:
فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... أعيذكما أن تبعثا بيننا حربا
وولد أمية الأكبر: العاص، وأبا العاص، والعيص، وأبا العيص، فهؤلاء يقال لهم الأعياص، وحربا وأبا حرب، وهذه البطون التي ذكرنا كلها من قريش ليست من البطون العشرة التي ذكرناها أولا وذكرنا جماهيرها.
فضل قريش
قال النبي عليه السّلام: «الأئمّة من قريش» . وقال: «قدموا قريشا ولا تقدموها» :
ولما قتل النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف، قال: «لا يقتل قرشيّ صبرا بعد اليوم» ، يريد أنه لا يكفر قرشي فيقتل صبرا بعد هذا اليوم.
معاوية وأصحابه:
الأصمعي قال: قال معاوية: أي الناس أفصح؟ فقال رجل من السماط: يا أمير المؤمنين، قوم ارتفعوا عن رتّة العراق، وتياسروا عن كشكشة «1» بكر، وتيامنوا عن شنشنة «2» تغلب، ليست فيهم غمغمة «3» قضاعة، ولا طمطمانية «4» حمير. قال: من هم؟
قال: قومك يا أمير المؤمنين، [قريش] . قال: صدقت! فمن أنت؟ قال: من جرم.
(3/274)

قال الأصمعي: جرم فصحاء العرب.
ابن عتبة وابن عمير:
قدم محمد بن عمير بن عطارد في نيف وسبعين راكبا، فاستزارهم عمرو بن عتبة، قال: فسمعته يقول: يا أبا سفيان، ما بال العرب تطيل كلامها وأنتم تقصرونه معاشر قريش؟ فقال عمرو بن عتبة: بالجندل يرمى الجندل، وإن كلامنا كلام يقل لفظه ويكثر معناه، ويكتفي بأولاه ويستشفى بأخراه، يتحدر تحدر الزلال على الكبد الحرّى، ولقد نقصوا وأطال غيرهم فما أخلّوا، ولله أقوام أدركتهم كأنما خلقوا لتحسين ما قبّحت الدنيا، سهلت ألفاظهم كما سهلت عليهم أنفاسهم، فابتذلوا أموالهم، وصانوا أعراضهم، حتى ما يجد الطاعن فيهم مطعنا، ولا المادح مزيدا، ولقد كان آل أبي سفيان مع قلتهم كثيرا منه نصيبهم، ولله در مولاهم حيث يقول:
وضع الدهر فيهم شفرتيه ... فمضى سالما وأمسوا شعوبا
شفرتان والله أفنتا أبدانهم، وأبقتا أخبارهم، فتركناهم حديثا حسنا في الدنيا، ثوابه في الآخرة أحسن، وحديثا سيئا في الدنيا، ثوابه في الآخرة أسوأ، فيا موعوظا بمن قبله موعوظا به من بعده، اربح نفسك إذا خسرها غيرك.
قال: فظننت أنه إن أراد أن يعلمه أن قريشا إذا شاءت أن تتكلم تكلمت.
ابن عتبة وقرشيون تشاحوا:
العتبي قال: شهدت مجلس عمرو بن عتبة وفيه ناس من القرشيين، فتشاحّوا في مواريث وتجاحدوا، فلما قاموا من عنده أقبل علينا فقال: إنّ لقريش درجا تزلق عنها أقدام الرجال، وأفعالا تخضع لها رقاب الأقوال، وغايات تقصر عنها الجياد المنسوبة، وألسنة تكلّ عنها الشفار المشحوذة؛ ولو احتفلت الدنيا ما تزيّنت إلا بهم، ولو كانت لهم ضاقت عن سعة أخلاقهم؛ وإنّ قوما منهم تخلقوا بأخلاق العوام فصار لهم رفق باللؤم، وخرق في الحرص ولو أمكنهم لقاسموا الطير في أرزاقها؛ إن خافوا مكروها
(3/275)

تعجّلوا له الفقر؛ وإن عجّلت لهم النعم أخروا عنها الشكر، أولئك أنضاء فكرة الفقر، وعجزة حملة الشكر.
محمد بن الفضل وقوم:
قال أبو العيناء الهاشمي: جرى بين محمد بن الفضل وبين قوم من أهل الأهواز كلام، فلما أصبح رجع عنه؛ فقالوا له: ألم تقل أمس كذا وكذا؟ قال: تختلف الأقوال إذا اختلفت الأحوال.
بينه وبين والى الأهواز:
ودخل محمد بن الفضل على والي الأهواز فسمعه يقول: إذا كان الحق استوى عندي الهاشمي والنبطي. فقال محمد بن الفضل: لئن استوت حالاتهما عندك فما ذلك بزائد النبطي زينة ليست له، ولا ناقص الهاشمي قدرا هو له، وإنما يلحق النقص المسوي بينهما!.
لابن عتبة ينصح قرشيين:
العتبي قال: قال عمرو بن عتبة: اختصم قوم من قريش عند معاوية فمنعوا الحق، فقال معاوية: يا معشر قريش، ما بال القوم لأمّ يصلون بينهم ما انقطع، وأنتم لعلّات «1» تقطعون بينكم ما وصل الله، وتباعدون ما قرب؟ بل كيف ترجون لغيركم وقد عجزتم عن أنفسكم؟ تقولون كفانا الشرف من قبلنا؛ فعندها لزمتكم الحجة؛ فاكفوه من بعدكم كما كفاكم من قبلكم، أو تعلمون أنكم كنتم رقاعا في جنوب العرب، وقد أخرجتم من حرم ربّكم، ومنعتم ميراث أبيكم وبلدكم، وأخذ لكم ما أخذ منكم؛ وسماكم باجتماعكم اسما به أبانكم من جميع العرب، وردّ به كيدّ العجم، فقال جل ثناؤه: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ
«2» فارغبوا في الائتلاف أكرمكم الله به، فقد حذرتكم الفرقة نفسها، وكفى بالتجربة واعظا.
(3/276)

مكان العرب من قريش
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
يحيى بن عبد العزيز، عن أبي الحجاج رياح بن ثابت، عن بكر بن خنيس، عن أبي الأحوص، عن أبي الحصين، عن عبد الله بن مسعود أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم قال: قريش الجؤجؤ «1» والعرب الجناحان، والجؤجؤ لا ينهض إلا بالجناحين.
لمعاوية:
قال عمرو بن عتبة: ما استدرّ لعمي كلام قط فقطعه، حتى يذكر العرب بفضل أو يوصى فيهم بخير. ولقد أنشده مروان ذات يوم للنابغة حيث يقول:
فهم درعي التي استلأمت فيها ... إلى يوم النّسار وهم مجنّى «2»
فقال معاوية: ألا إنّ دروع هذا الحي من قريش إخوانهم من العرب، المتشابكة أرحامهم تشابك حلق الدرع، التي إن ذهبت حلقة منه فرقت بين أربع؛ ولا تزال السيوف تكره مذاقة لحوم قريش ما بقيت دروعها معها، وشدت نطقها عليها، ولم تفك حلقها منها؛ فإذا خلعتها من رقابها كانت للسيوف جزرا.
لابن عتبة في معاوية:
العتبي عن أبيه عن عمرو بن عتبة قال: عقمت النساء أن يلدن مثل عمي: شهدته يوما وقد قدمت عليه وفود العرب، فقضى حوائجهم وأحسن جوائزهم؛ فلما دخلوا عليه ليشكروا سبقهم إلى الشكر، فقال لهم: جزاكم الله يا معشر العرب عن قريش أفضل الجزاء؛ بتقدّمكم إياهم في الحرب، وتقديمكم لهم في السلم، وحقنكم دماءهم بسفكها منكم؛ أما والله لا يؤثر عليكم غيركم منهم إلا حازم كريم، ولا يرغب عنكم منهم إلا عاجز لئيم؛ شجرة قامت على ساق، فتفرع أعلاها واجتمع أصلها، عضد الله
(3/277)

من عضدها، فيا لها كلمة لو اجتمعت، وأيديا لو ائتلفت! ولكن كيف بإصلاح ما يريد الله إفساده؟
فضل العرب
يحيى بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو الحجاج رياح بن ثابت، قال: حدّثنا بكر بن خنيس، عن أبي الأحوص، عن أبي الحصين، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الحوائج فاسألوا العرب؛ فإنها تعطى لثلاث خصال: كرم أحسابها، واستحياء بعضها من بعض، والمواساة لله» .
ثم قال: «من أبغض العرب أبغضه الله» .
ابن الكلبي قال: كانت في العرب خاصة عشر خصال لم تكن في أمة من الأمم:
خمس منها في الرأس، وخمس في الجسد؛ فأما التي في الرأس: فالفرق، والسواك، والمضمضة، والاستنثار، «1» وقص الشارب؛ وأما التي في الجسد: فتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء؛ «2» وكان في العرب خاصة، القيافة؛ لم يكن في جميع الأمم أحد ينظر إلى رجلين أحدهما قصير والآخر طويل، أو أحدهما أسود والآخر أبيض، فيقول: هذا القصير ابن هذا الطويل، وهذا الأسود ابن هذا الأبيض، إلا في العرب.
لابن المقفع:
أبو العيناء الهاشمي عن القحذمي عن شبيب بن شيبة قال: كنا وقوفا بالمربد، وكان المربد مألف الأشراف، إذ أقبل ابن المقفع، فبششنا به وبدأناه بالسلام، فردّ علينا السلام، ثم قال: لو ملتم إلى دار نيروز وظلها الظليل، وسورها المديد، ونسيمها العجيب؛ فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض، وأرحتم دوابّكم من جهد الثقل؛ فإن الذي تطلبونه لم تفاتوه، ومهما قضى الله لكم من شيء تنالوه! فقبلنا وملنا؛ فلما استقرّ بنا
(3/278)

المكان قال لنا: أيّ الأمم أعقل؟ فنظر بعضنا إلى بعض؛ فقلنا: لعله أراد أصله من فارس. فقلنا: فارس. فقال: ليسوا بذلك؛ إنهم ملكوا كثيرا من الأرض، ووجدوا عظيما من الملك، وغلبوا على كثير من الخلق، ولبث فيهم عقد الأمر؛ فما استنبطوا شيئا بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم بنفوسهم. قلنا: فالروم. قال: أصحاب صنعة. قلنا:
فالصين. قال: أصحاب طرفة. قلنا: الهند. قال: أصحاب فلسفة. قلنا: السودان.
قال: شر خلق الله. قلنا: الترك. قال: كلاب ضالة. قلنا: الخزر. قال: بقر سائمة.
قلنا: فقل. قال: العرب. قال: فضحكنا.
قال: أما إني ما أردت موافقتكم، ولكن إذا فاتني حظي من النسبة، فلا يفوتني حظي من المعرفة؛ إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها، ولا آثار أثرت؛ أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر وأدم؛ يجود أحدهم بقوته، ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويحسّن ما شاء فيحسن، ويقبّح ما شاء فيقبح؛ أدّبتهم أنفسهم، ورفعتهم هممهم، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم؛ فلم يزل حباء الله فيهم وحباؤهم في أنفسهم، حتى رفع لهم الفخر، وبلغ بهم أشرف الذكر، وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر على الخير فيهم ولهم؛ فقال تعالى: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
«1» فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم خصم؛ ودفع الحق باللسان أكبت للجنان.
ذو الرمة وعبد أسود:
ذكر الأصمعي عن ذي الرمة قال: رأيت عبدا أسود لبني أسد قدم علينا من شق اليمامة، وكان وحشيا؛ لطول تغرّبه في الإبل، وربما كان لقي الأكرة «2» فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إليّ، ثم قال لي: يا غيلان، لعن الله بلادا ليس فيها عربيّ، وقاتل الله الشاعر حيث يقول:
(3/279)

حرّ الثرى مستغرب التراب
وما رأيت هذه العرب في جميع الناس إلا مقدار القرحة في جلد الفرس؛ ولولا أن الله رقّ عليهم فجعلهم في حشاه: لطمست هذه العجمان آثارهم، والله ما أمر الله نبيّه بقتلهم إلا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلا لتركها لهم.
الأكرة: جمع أكار، وهم الحرّاث. وقوله: جعلهم في حشاه، أي: استبطنهم.
يقول الرجل للعربي إذا استبطنه: خبأتك في حشاي وقال الراجز:
وصاحب كالدّمّل الممدّ ... جعلته في رقعة من جلدي
وقال آخر:
لقد كنت في قوم عليك أشحّة ... بحبّك إلا أنّ ما طاح طائح
يودّون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا يدفع الموت النّفوس الشّحائح
علماء النسب
أبو بكر وابن المسيب:
كان أبو بكر رضي الله عنه نسابة، وكان سعيد بن المسيّب نسابة، وقال له رجل:
أريد أن تعلمني النسب، قال: إنما تريد أن تساب الناس.
أبو بكر وبعض القبائل:
عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على القبائل، خرج مرة وأنا معه وأبو بكر، حتى رفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر فسلم. قال عليّ: وكان أبو بكر مقدّما في كل خير، وكان رجلا نسابة. فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأي ربيعة أنتم، أمن هامتها [أم من لهازمها] ؟ قالوا: من هامتها العظمى. قال: وأيّ هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر. قال أبو بكر: فمنكم عوف بن محلم الذي يقال فيه: لا حرّ
(3/280)

بوادي عوف؟ قالوا: لا؛ قال: فمنكم جساس بن مرة الحامي الذمار، والمانع الجار؟
قالوا: لا. قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال أبو بكر: فلستم ذهلا الأكبر، أنتم ذهل الأصغر.
فقام إليه غلام من شيبان حين بقل «1» وجهه، يقال له دغفل، فقال:
إنّ على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله
يا هذا، إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا، فممن الرجل؟ قال أبو بكر: من قريش؟ قال: بخ بخ! أهل الشرف والرياسة؛ فمن أي قريش أنت؟ قال:
من ولد تيم بن مرة. قال: أمكنت والله الرامي من سواء الثّغرة. «2» أفمنكم قصّي بن كلاب الذي جمع القبائل فسمي مجمّعا؟ قال: لا. قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون «3» عجاف؟ قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد، عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذي وجهه كالقمر في الليلة الظلماء؟ قال: لا. قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا.
فاجتذب أبو بكر زمام الناقة، ورجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم: فقال الغلام:
صادف درّ السيل درّا يدفعه ... يهيضه حينا وحينا يصدعه
قال: فتبسم النبي عليه السّلام؛ قال عليّ: فقلت له: وقعت يا أبا بكر من الأعرابي على بائقة. «4» قال: أجل: قال: ما من طامة إلا وفوقها أخرى، والبلاء موكل بالمنطق والحديث ذو شجون.
دغفل وقوم من الأنصار:
قال ابن الأعرابي: بلغني أن جماعة من الأنصار وقفوا على دغفل النسابة بعد ما كفّ، فسلموا عليه، فقال: من القوم؟ قالوا: سادة اليمن. فقال: من أهل مجدها
(3/281)

القديم، وشرفها العميم، كندة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم الطوال قصبا الممحّضون نسبا، بنو عبد المدان؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أقودها للزحوف، وأخرقها للصفوف، وأضربها بالسيوف، رهط عمرو بن معد يكرب؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أحضرها قراء، وأطيبها فناء، وأشدها لقاء رهط حاتم بن عبد الله [الطائي] ؟ قالوا: لا. قال:
فأنتم الغارسون للنخل، والمطعمون في المحل، والقائلون بالعدل، الأنصار؟ قالوا:
نعم.
ابن شيبان وقوم من العرب:
مسلمة بن شبيب، عن المنقرى، قال: ذكروا أن يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس قال: خرجت حاجا، حتى إذا كنت بالمحصب من منى إذا رجل على راحلة معه عشرة من الشباب، مع كل رجل منهم محجن، ينحّون الناس عنه ويوسّعون له؛ فلما رأيته دنوت منه؛ فقلت: ممّن الرجل؟ قال: رجل من مهرة، ممن يسكن الشّحر. «1»
قال: فكرهته ووليت عنه، فناداني من ورائي: مالك؟ فقلت:
لست من قومي ولست تعرفني ولا أعرفك. قال: إن كنت من كرام العرب فسأعرفك. قال: فكررت عليه راحلتي، فقلت: إني من كرام العرب. قال: فممن أنت؟ قلت: من مضر. قال: فمن الفرسان أنت أم من الأرحاء؟ فعلمت أنه أراد بالفرسان قيسا، وبالأرحاء خندفا؛ فقلت: بل من الأرحاء. قال: أنت امرؤ من خندف؟ قلت: نعم. قال: من الأرنبة أنت أم من الجماجم؟ فعلمت أنه أراد بالأرنبة خزيمة، وبالجمجمة بني أد بن طابخة؛ قلت: بل من الجمجمة. قال: فأنت امرؤ من بني أد بن طابخة؟ قلت: أجل: قال: فمن الدواني أنت أم من الصميم؟ قال: فعلمت أنه أراد بالدواني الرباب ومزينة، وبالصميم بني تميم؛ قلت: من الصميم. قال: فأنت إذا من بني تميم. قلت: أجل. قال: فمن الأكثرين ولد زيد مناة، وبالأقلين ولد الحارث، وبإخوانهم الآخرين بني عمرو بن تميم؛ قلت: من الأكثرين، قال: فأنت إذا
(3/282)

من ولد زيد، قلت: أجل؛ قال: فمن البحور أنت أم من الجدود «1» أم من الثماد؟ «2» فعلمت أنه أراد بالبحور بني سعد، وبالجدود بني مالك بن حنظلة، وبالثماد بني امريء القيس بن زيد؛ قلت: بل من الذرى. قال: فأنت من مالك بن حنظلة. قلت:
أجل. قال: فمن اللهاب «3» أنت أم من الشعاب أم من اللصاب؟ «4» فعلمت أنه أراد باللهاب مجاشعا، وبالشعاب نهشلا، وباللصاب بني عبد الله بن دارم؛ فقلت له: من اللصباب. قال: فأنت من بني عبد الله بن دارم؟ قلت: أجل. قال: فمن البيوت أنت أم من الزّوافر؟ فعلمت أنه أراد بالبيوت ولد زرارة، وبالزوافر الأحلاف؛ قلت:
من البيوت. قال: فأنت يزيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس، وقد كان لأبيك امرأتان، فأيهما أمّك؟.
قول دغفل في قبائل العرب
دغفل وزياد:
الهيثم بن عدي عن عوانة قال: سأل زياد دغفلا عن العرب، فقال: الجاهلية ليمن، والإسلام لمضر، والفينة بينهما لربيعة. قال: أخبرني عن مضر؛ قال: فاخر بكنانة، وكاثر بتميم، وحارب بقيس؛ ففيها الفرسان والأنجاد؛ وأما أسد ففيها دل وكبر.
دغفل ومعاوية:
وسأل معاوية بن أبي سفيان دغفلا فقال له: ما تقول في بني عامر بن صعصعة؟
قال: أعناق ظباء، وأعجاز نساء! قال: فما تقول في بني أسد؟ قال: عافة قافة، «5» فصحاء كافة. قال: فما تقول في بني تميم؟ قال: حجر أخشن، إن صادقته آذاك، وإن
(3/283)

تركته أعفاك. قال: فما تقول في خزاعة؟ قال: جوع وأحاديث! قال: فما تقول في اليمن؟ قال: شدة وإباء.
قال نصر بن سيّار:
إنا وهذا الحيّ من يمن لنا ... عند الفخار أعزّة أكفاء
قوم لهم فينا دماء جمّة ... ولنا لديهم أجنة ودماء
وربيعة الأذناب فيما بيننا ... لاهم لنا سلم ولا أعداء
إن ينصرونا لا نعز بنصرهم ... أو يخذلونا فالسماء سماء
مفاخرة يمن ومضر
الأبرش يفاخر ابن صفوان:
قال الأبرش الكلبي لخالد بن صفوان: هل أفاخرك- وهما عند هشام بن عبد الملك- فقال له خالد: قل. فقال الأبرش: لنا ربع البيت- يريد الركن اليماني- ومنا حاتم طيء، ومنا المهلب بن أبي صفرة.
قال خالد بن صفوان: منا النبي المرسل، وفينا الكتاب المنزّل، ولنا الخليفة المؤمّل.
قال الأبرش: لا فاخرت مضريا بعدك!
أبو العباس وقوم من اليمن:
ونزل بأبي العباس قوم من اليمن من أخواله من كعب، ففخروا عنده بقديمهم وحديثهم؛ فقال أبو العباس لخالد بن صفوان: أجب القوم. فقال: أخوال أمير المؤمنين [وأهله] ! قال: لا بد أن تقول. قال: وما [عسى أن] أقول لقوم يا أمير المؤمنين هم بين حائك برد، وسائس قرد، ودابغ جلد؛ دل عليهم هدهد، وملكتهم امرأة، وغرقتهم فأرة؟ فلم يثبت لهم بعدها قائمة.
(3/284)

مفاخرة الأوس والخزرج
الخشنى يرفعه إلى أنس، قال: تفاخرت الأوس والخزرج؛ فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة الراهب، ومنا عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي حمت لحمه الدّبر، «1» ومنا ذو الشهادتين جزيمة بن ثابت، ومنا الذي اهتزلموته العرش سعد بن معاذ. قالت الخزرج: منا أربعة قرءوا القرآن على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يقرأه غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب سيد القرّاء؛ ومنا الذي أيده الله بروح القدس في شعره، حسان بن ثابت.
البيوتات
علماء النسب في حضرة عبد الملك:
قال أبو عبيدة في كتاب التاج: اجتمع عند عبد الملك بن مروان في سمره علماء كثيرون من العرب، فذكروا بيوتات العرب، فاتفقوا على خمسة أبيات: بيت بني معاوية الأكرمين في كندة، وبيت بني جشم بن بكر في تغلب، وبيت ابن ذي الجدين في بكر، وبيت زرارة بن عدس في تميم، وبيت بني بدر في قيس- وفيهم الأحرز بن مجاهد التغلبي، وكان أعلم القوم، فجعل لا يخوض معهم فيما يخوضون فيه؛ فقال له عبد الملك: مالك يا أحيرز ساكنا منذ الليلة؟ فو الله ما أنت بدون القوم علما. قال:
وما أقول؟ سبق أهل الفضل في فضلهم أهل النقص في نقصانهم، والله لو أن للناس كلهم فرسا سابقا لكانت غرته بنو شيبان ففيم الإكثار. وقد قال المسيّب بن علس:
تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن عتبت تعتب
فكالشّهد بالرّاح أخلاقهم ... وأحلامهم منهما أعذب
وكالمسك ترب تقاماتهم ... وترب قبورهم أطيب
(3/285)

بيوتات مضر وفضائلها
قال النبي صلّى الله عليه وسلم، وسئل عن مضر. فقال: «كنانة جمجمتها وفيها العينان، وأسد لسانها، وتميم كاهلها» .
وقالوا: بيت تميم، بنو عبد الله بن دارم، ومركزه بنو زرارة، وبيت قيس، فزارة ومركزه بنو بدر؛ وبيت بكر بن وائل شيبان، ومركزه بيت بني ذي الجدين.
معاوية والكلبي:
وقال معاوية للكلبي حين سأله عن أخبار العرب. قال: أخبرني عن أعز العرب فقال: رجل رأيته بباب قبته فقسم الفيء بين الحليفين أسد وغطفان معا. قال: ومن هو؟ قال. حصن بن حذيفة بن بدر. قال: فأخبرني عن أشرف بيت في العرب. قال:
والله إني لأعرفه وإني لأبغضه! قال: ومن هو؟ قال بيت زرارة بن عدس. قال:
فأخبرني عن أفصح العرب. قال: بنو أسد.
والمجتمع عليه عند أهل النسب. وفيما ذكره أبو عبيدة في التاج، أن أشرف بيت في مضر غير مدافع في الجاهلية، بيت بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة ابن تميم.
النعمان والأحيمر:
وقال النعمان بن المنذر ذات يوم، وعنده وجوه العرب ووفود القبائل، ودعا ببردي محرّق. فقال: ليلبس هذين البردين أكرم العرب وأشرفهم حسبا وأعزّهم قبيلة. فأحجم الناس؛ فقام الأحيمر بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة، فقال: أنا لهما! فأتزر بأحدهما وارتدى بالآخر؛ فقال له المنذر: ما حجتك فيما ادعيت؟ قال: الشرف من نزار كلها في مضر. ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في بهدلة. قال: هذا أنت في اصلك؛ فكيف أنت في عشيرتك؟ قال: أنا أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة، وخال عشرة! قال: فهذا أنت في عشيرتك؛ فكيف أنت في نفسك؟ فقال: شاهد العين شاهدي. ثم قام فوضع قدمه في الأرض.
(3/286)

وقال: من أزالها فله من الإبل مائة! فلم يقم إليه أحد ولا تعاطى ذلك. ففيه يقول الفرزدق:
فما تم في سعد ولا آل مالك ... غلام إذا ما سيل لم يتبهدل
لهم وهب النّعمان بردي محرّق ... بمجد معدّ والعديد المحصّل
ومن بيت بهدلة بن عوف كان الزبرقان بن بدر، وكان يسمى سعد بن زيد مناة ابن تميم أسعد الأكرمين. وفيهم كانت الإفاضة في الجاهلية في عطارد بن عوف بن كعب بن سعد، ثم في آل كرب بن صفوان بن عطارد. وكان إذا اجتمع الناس أيام الحج بمنى لم يبرح أحد حتى يجوز آل صفوان ومن ورث ذلك عنهم، ثم يمر الناس أرسالا. وفي ذلك يقول أوس بن مغراء السعدي.
ولا يريمون في التّعريف موقفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
ما تطلع الشّمس إلّا عند أوّلنا ... ولا تغيّب إلا عند أخرانا
قال الفرزدق:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
بيوتات اليمن وفضائلها
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن» ، معناه والله أعلم: أن الله ينفس عن المسلمين بأهل اليمن: يريد الأنصار. ولذلك تقول العرب: نفّسني فلان في حاجتي، إذا روّح بعض ما كان يغمّه من أمر حاجته.
وقال عبد الله بن عباس لبعض اليمانية: لكم من السماء نجمها ومن الكعبة ركنها ومن الشرف صميمها.
وقال عمر بن الخطاب: من أجود العرب؟ قالوا: حاتم طيء، قال: فمن فارسها؟
قالوا: عمرو بن معد يكرب. قال: فمن شاعرها؟ قالوا: امرؤ القيس بن حجر.
قال: فأي سيوفها أقطع؟ قالوا: الصمصامة. قال: كفى بهذا فخرا لليمن.
(3/287)

وقال أبو عبيدة: ملوك العرب حمير، ومقاولها غسان ولخم، وعددها وفرسانها الأزد، ولسانها مذحج، وريحانتها كندة، وقريشها الأنصار.
وقال ابن الكلبي: حمير ملوك وأرادف الملوك، والأزد أسد، ومذحج الطعّان وهمدان أحلاس الخيل، وغسان أرباب الملوك.
ومن الأزد الأنصار، وهم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن عمرو بن عامر، وهم أعز الناس أنفسا، وأشرفهم همما؛ لم يؤدوا إتاوة قط إلى أحد من الملوك. وكتب إليهم أبو كرب تبّع الآخر يستدعيهم إلى طاعته ويتوعدهم إن لم يفعلوا أن يغزوهم؛ فكتبوا إليه:
العبد تبّعكم يريد قتالنا ... ومكانه بالمنزل المتذلّل
إنا أناس لا تنام بأرضنا ... عضّ الرسول ببظر أمّ المرسل
قال: فغزاهم أبو كرب، فكانوا يحاربونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فقال أبو كرب: ما رأيت قوما أكرم من هؤلاء؛ يحاربوننا بالنهار، ويخرجون لنا العشاء بالليل! ارتحلوا عنهم. فارتحلوا.
للنبي صلّى الله عليه وسلم:
ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن علقمة بن وعلة عن ابن عباس، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سئل عن سبإ ما هو: أبلد أم رجل أم امرأة؟ فقال: «بل رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة. أما اليمانيون، فكندة ومذحج والأزد وأنمار وحمير والأشعريون. وأما الشاميون فلخم وجذام وغسان وعاملة» .
ابن لهيعة قال: كان أبو هريرة إذا جاء الرسول سأله ممن هو؟ فإذا قال من جذام، قال: مرحبا بأصهار موسى وقوم شعيب.
ابن لهيعة عن بكر بن سوادة، قال: أتى رجل من مهرة إلى علي بن أبي طالب، قال: ممن أنت؟ قال: من مهرة. قال: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ
. «1»
(3/288)

وقال ابن لهيعة: قبر هود في مهرة.
تفسير القبائل والعمائر والشعوب
قال ابن الكلبي؛ الشعب أكبر من القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ ثم العشيرة، ثم الفصيلة.
وقال غيره: الشعوب العجم، والقبائل العرب، وإنما قيل للقبيلة قبيلة، لتقابلها وتناظرها، وأن بعضها يكافىء بعضا، وقيل للشعب شعب لأنه انشعب منه أكثر مما انشعب من القبيلة؛ وقيل لها عمائر، من الاعتمار والاجتماع، وقيل لها بطون، لأنها دون القبائل، وقيل لها أفخاذ، لأنها دون البطون، ثم العشيرة: وهي رهط الرجل، ثم الفصيلة وهي أهل بيت الرجل خاصة. قال الله تعالى: وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
«1» وقال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
. «2»
تفسير الأرحاء والجماجم
وقال أبو عبيدة في التاج: كانت أرحاء العرب ستا، وجماجمها ثمانيا، فالأرحاء الست، بمضر منها اثنتان، ولربيعة اثنتان، ولليمن اثنتان، واللتان في مضر: تيم بن مرة، وأسد بن خزيمة، واللتان في اليمن: كلب بن وبرة، وطيء بن أدد.
وإنما سميت هذه أرحاء، لأنها أحرزت دورا ومياها لم يكن للعرب مثلها، ولم تبرح من أوطانها، ودارت في دورها كالأرحاء على أقطابها، إلا أن ينتجع بعضها في البرحاء وعام الجدب، وذلك قليل منهم.
وقيل للجماجم جماجم، لأنها يتفرع من كل واحدة منها قبائل اكتفت بأسمائها دون الانتساب إليها، فصارت كأنها جسد قائم وكل عضو منها مكتف باسمه معروف بموضعه.
والجماجم ثمان: فاثنتان منها في اليمن، واثنتان في ربيعة، وأربع في مضر فالأربع
(3/289)

التي في مضر: اثنتان في قيس، واثنتان في خندف، ففي قيس: غطفان وهوازن، وفي خندف: كنانة وتميم، والتي في ربيعة: بكر بن وائل وعبد القيس بن أفصى، والتي في اليمن: مذحج- وهو مالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ- وقضاعة بن مالك ابن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ.
ألا ترى أن بكرا وتغلب ابني وائل قبيلتان متكافئتان في العد والعدد؟ فلم يكن في تغلب رجال شهرت أسماؤهم حتى انتسب إليهم واجتزىء «1» بهم عن تغلب، فإذا سألت الرجل من بني تغلب لم يجتزىء حتى يقول تغلبي. ولبكر رجال قد اشتهرت أسماؤهم حتى كانت مثل بكر، فمنها شيبان وعجل ويشكر وقيس وحنيفة وذهل.
ومثل ذلك عبد القيس، ألا ترى أن عنزة فوقها في النسب ليس بينها وبين ربيعة إلا أب واحد، عنزة بن أسد بن ربيعة، فلا يجتزىء الرجل منهم إذا سئل أن يقول:
عنزي؟.
والرجل من عبد القيس ينسب شيبانيا وجرميا وبكريا.
ومثل ذلك أن ضبة بن أدعم تميم لا يجتزىء الرجل منهم أن يقول: ضبيّ.
والتميمي قد ينسب فيقول: منقري، وهجيمي، وطهويّ، ويربوعيّ ودارميّ، وكلبيّ.
وكذلك الكناني ينسب فيقول: لبثيّ، ودؤليّ، وضمري، وفراسي، وكل ذلك مشهور معروف.
وكذلك الغطفاني ينسب فيقول: عبسي، وذبياني، وفزاري، ومري، وأشجعي، وبغيضي.
وكذلك هوازن منها: ثقيف، والأعجاز، وعامر بن صعصعة، وقشير، وعقيل، وجعدة.
وكذلك القبائل من يمن التي ذكرنا.
فهذا فرق ما بين الجماجم وغيرها من القبائل، والمعنى الذي به سمّيت جماجم.
(3/290)

وجمرات العرب أربعة، وهم: بنو نمير بن عامر بن صعصعة، وبنو الحرث بن كعب، وبنو ضبة، وبنو عبس بن بغيض، وإنما قيل لها الجمرات لاجتماعهم، والجمرة:
الجماعة، والتجمير: التجميع.
أسماء ولد نزار
سطيح وتقسيم ميراث نزار:
قال أبو عبد الله محمد بن عبد السّلام الخشني: لما احتضر نزار بن معد بن عدنان، ترك أربعة بنين: مضر وربيعة، وأنمار، وأياد، وأوصى أن يقسم ميراثهم بينهم سطيح الكاهن؛ فلما مات نزار، صفهم سطيح بين يديه، ثم أعطاهم على الفراسة؛ فأعطى ربيعة الخيل، ويقال له ربيعة الفرس. وأعطى مضر الناقة الحمراء، فيقال له مضر الحمراء. وأعطى أنمارا الحمار. وأعطى إيادا أثاث البيت. قال: فقيل لسطيح:
من أين علمت هذا العلم؟ قال: سمعته من أخي حين سمعه من موسى يوم طور سيناء.
الأصمعي قال: أخبرني شيخ من تغلب، قال أردفني أبي، فلما أصحر رفع عقيرته فقال:
رأت سدرة من سدر حومل فابتنت ... به بيتها أن لا تحاذر راميا «1»
إذا هي قامت فيه قامت ظليلة ... وأدرك روقاها الغصون الدّوانيا
تطلّع منه بالعشيّ وبالضّحى ... تطلّع ذات الخدر تدعو الجواريا
ثم قال: أتدري من قائل هذه الأبيات يا بني؟ قلت: لا أدري. قال: قالها ربيعة ابن نزار. فقلت: وما يصف؟ قال: البقرة الوحشية.
أنساب مضر
ولد مضر بن نزار: اليأس، والناسّ، وهو عيلان. أمهما الرباب بنت حيدة بن
(3/291)

معد، فولد الناسّ- الذي هو عيلان بن مضر- قيس بن عيلان بن مضر.
وولد اليأس بن مضر: عمرا. وهو مدركة، وعامرا، وهو طابخة. وعميرا، وهو القمعة، ويقال إن القمعة هو أبو خزاعة.
وأمهم خندف، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة؛ فجميع ولد اليأس بن مضر بن نزار من خندف. ولذلك يقال لهم خندف لأنها أمهم وإليها ينسبون، فجميع ولد مضر بن نزار؛ قيس، وخندف.
ومن بطون خندف: بنو مدركة بن اليأس بن مضر، وهم: هذيل بن مدركة، وكنانة بن خزيمة بن مدركة، وأسد بن خزيمة بن مدركة، والهون بن خزيمة بن مدركة. [ومن أسد بن خزيمة أربع عشائر: بنو كاهل وصعب وعمرو ودودان؛ فمن دودان: بنو عمرو بن دودان، قبيلة] ؛ وهم وجوه بني أسد.
ومن بني طابخة بن اليأس بن مضر: ضبة بن أدّ بن طابخة، ومزينة؛ وهم بنو عمرو بن أد بن طابخة، نسبوا إلى أمهم مزينة ابنة كلب بن وبرة؛ والرباب بنو أدّ بن طابخة، وهم عدىّ، وتميم، وثور، وعكل، وإنما سميت الرباب لأنها اجتمعت وتحالفت فكانت مثل الربابة؛ «1» ويقال إنهم إذا تحالفوا وضعوا أيديهم في جفنة فيها رب، وصوفة؛ وهو الربيط بن الغوث بن أدّ بن طابخة؛ وكانوا أصحاب الإجازة، ثم انتقلت في بني عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم؛ وتميم بن مرة بن أدّ بن طابخة.
فجميع قبائل مضر يجمعها قيس وخندف؛ وقد تنسب ربيعة في مضر؛ وإنما هم إخوة مضر؛ لأن ربيعة بن نزار، ومضر بن نزار.
بطون هذيل وجماهيرها
منهم لحيان بن هذيل، بطن؛ وخناعة بن سعد بن هذيل، بطن؛ وحريث بن
(3/292)

سعد بن هذيل، بطن؛ وكاهل بن سعد بن هذيل، بطن؛ وصاهلة بن كاهل بن الحارث بن سعد بن هذيل، بطن؛ وصبح بن كاهل، بطن؛ وكعب بن كاهل، بطن.
فمن بني صاهلة: عبد الله بن مسعود، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، شهد بدرا. ومن بني صبح بن كاهل: أبو بكر الهذلي الفقيه، ومنهم صخر بن حبيب الشاعر، الذي يقال فيه صخر الغي، وأبو بكر الشاعر، واسمه ثابت بن عبد شمس. ومنهم: أبو ذؤيب الشاعر، وهو خويلد بن خالد. وبطون هذيل كلها لا ينتسب إلى شيء منها، وإنما ينتسب إلى هذيل؛ لأنها ليست جمجمة.
بطون كنانة وجماهيرها
كنانة بن خزيمة بن مدركة، منهم قريش، وهم بنو النضر بن كنانة؛ ومنهم بكر ابن عبد مناة، بطن؛ وحدج بن ليث بن بكر بن عبد مناة، بطن؛ وغفار بن مليل ابن ضمرة بن بكر، بطن- منهم أبو ذرّ الغفاري صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام- ومدلج بن مرة بن عبد مناة، بطن- منهم سراقة بن [مالك بن] جعشم المدلجي الذي تصوّر إبليس في صورته يوم بدر وقال لقريش: إني جار لكم- وبنو مالك بن كنانة، بطن- منهم جذل الطعان، وهو علقمة بن أوس بن عمرو بن ثعلبة بن مالك ابن كنانة. ومن ولد جذل الطعان، وربيعة بن مكدم، وهو أشجع بيت في العرب، وفيهم يقول علي بن أبي طالب لأهل الكوفة: وددت والله لو أنّ لي بمائة الف منكم ثلاثمائة من بني فراس بن غنم بن ثعلبة. ومن بني الحارث بن مالك بن كنانة، منهم العملس، وهو أبو ثمامة الذي كان ينسيء الشهور حتى أنزل الله فيه إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
،»
وبنو مخدج بن عامر بن ثعلبة، بطن؛ وبنو ضمرة في كنانة الأحابيش، منهم البرّاض بن قيس الذي يقال فيه «أفتك من البراض» ومن بني كنانة الأحابيش، منهم مبذول وعوف وأحمر وعون؛ ومن بني الحرث بن عبد مناة: الحليس بن عمرو بن الحارث، وهو رئيس الأحابيش يوم أحد؛ ومن بني سعد ليث: أبو
(3/293)

الطفيل عامر بن واثلة، وواثلة بن الأسقع، كانت له صحبة مع النبي عليه الصلاة والسّلام؛ ومن بني حدج بن ليث: نصر بن سيار صاحب خراسان؛ ومن بني ضمرة بن بكر: عمارة بن مخشي- الذي عاقد النبي عليه الصلاة والسّلام على بني ضمرة.
بطون أسد وجماهيرها
أسد بن خزيمة بن مدركة بن اليأس بن مضر؛ منهم دودان الذي يقول فيه امرؤ القيس:
قولا لدودان عبيد العصا ... ما غرّكم بالأسد الباسل!
ومنهم: كاهل بن عمرو بن صعب، وحلمة؛ فأما بنو حلمة فأفناهم امرؤ القيس ابن حجر بأبيه؛ ومنهم غنم بن دودان، وثعلبة بن دودان؛ ومنهم قعيس بن الحارث ابن ثعلبة بن دودان بن أسد؛ ومنهم بنو الصيداء بن عمرو بن قعيس؛ ومنهم فقعس ابن طريف بن عمرو بن قعيس؛ ومنهم جحوان بن فقعس، ودثار، ونوفل، ومنقذ، وهو حذلم، بنو فقعس؛ فمن بني جحوان طليحة بن خويلد الأسدي؛ ومن بني الصيداء شيخ من عميرة القائد، والصامت بن الأفقم الذي قتل ربيعة بن مالك أبا لبيد بن ربيعة الشاعر يوم ذي علق. وفي بني الصيداء يقول الشاعر:
يا بني الصّيداء ردّوا فرسي ... إنما يفعل هذا بالذّليل
ومن بني قعيس: العلاء بن محمد بن منظور، ولي شرطة الكوفة؛ ومنهم ذؤاب بن ربيّعة الذي قتل عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي، ومنهم: قبيصة بن برمة، ومنهم بشر بن أبي خازم الشاعر؛ ومن بني سعد بن ثعلبة بن دودان: سويد بن ربيعة، وعبيد بن الأبرص، وعمرو بن شاس أبو عرار، والكميت بن زيد؛ ومنهم:
ضرار بن الأزور صاحب المختار؛ ومنهم بنو غاضرة بن مالك بن ثعلبة بن دودان؛ ومن بني غاضرة زر بن حبيش الفقيه، ومنهم الحسحاس بن هند الذي ينسب إليه عبد بني الحسحاس؛ ومن أسد بنو غنم بن دودان؛ ومنهم زينب بنت جحش زوج
(3/294)

النبي صلّى الله عليه وسلم، ومنهم أيمن بن خريم الشاعر، والأقيشر الشاعر؛ ومن بني كاهل بن أسد علباء بن الحرث الذي يقول فيه امرؤ القيس:
وأفلتهنّ علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب «1»
الهون بن خزيمة بن مدركة
منهم القارة، وهم عائذة وبيثع، بنو الهون بن خزيمة بن مدركة؛ والقارة أرمى حي في العرب، ولهم يقال:
قد أنصف القارة من راماها
فهذه قبائل بني مدركة بن اليأس، وهي: هذيل بن مدركة، وكنانة بن خزيمة بن مدركة، وأسد بن خزيمة بن مدركة، والهون بن خزيمة بن مدركة.
ومن قبائل طابخة بن اليأس
بطون ضبة وجماهيرها
ضبة بن أدّ بن طابخة بن اليأس: ولد ضبة بن أدّ سعدا وسعيدا وباسلا، وله المثل الذي يقال فيه: «أسعد أم سعيد» فقتل سعيد ولم يعقب؛ ولحق باسل بأرض الديلم؛ فتزوج امرأة من أرض العجم، فولدت له الديلم. فيقال إن باسل بن ضبة أبو الديلم.
وفي ذلك يقول أبو بجير يعيب به العرب:
زعمتم بأنّ الهند أولاد خندف ... وبينكم قربى وبين البرابر
وديلم من نسل ابن ضبّة باسل ... وبرجان من أولاد عمرو بن عامر
فقد صار كلّ الناس أولاد واحد ... وصاروا سواء في أصول العناصر
بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم ... وأولى بقربانا ملوك الأكاسر
فمن بني سعد بن ضبة: بنو السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، بطن.
(3/295)

وبنو كوز بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، بطن.
وبنو زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر، بطن. وبنو عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، بطن.
ومنهم: عبد مناة بن بكر بن سعد بن ضبة، وبنو ثعلبة بن سعد بن ضبة. فمن بني كوز: المسيب بن زهير بن عمرو، ومن بني زهير: عمرو بن مالك بن زيد بن كعب، وكان سيدا مطاعا، وولد له عبد الحارث، وحصين، وعمرو، وأدهم، وذبحة، وعامر، وقبيصة، وحنظلة، وخيار، وحارث، وقيس، وشيبة، ومنذر، كل هؤلاء شريف قد رأس وربع- يعني قد أخذ المرباع- وكان الرئيس إذا غنم الجيش معه أخذ الرّبع.
ومن ولد الحصين بن ضرار: زيد الفوارس، وله يقول الفرزدق:
زيد الفوارس وابن زيد منهم ... وأبو قبيصة والرّئيس الأوّل
الرئيس الأول: محلّم بن سويط ربع ضبة وتميم والرباب.
ومن بني زيد الفوارس: ابن شبرمة القاضي. ومن بني عائذة بن مالك. شرحاف ابن المثلم- الذي قتل عمارة بن زياد العبسي. ومن بني السيد بن مالك: زيد بن حصين، ولي أصبهان. وعبد الله بن علقمة الشاعر الجاهلي. ومنهم عميرة بن اليثربيّ قاضي البصرة، وهو الذي قتل علباء وهند الجملي. وقال في قتلهما يوم الجمل:
إني أنا عميرة بن اليثربيّ ... قتلت علباء وهند الجمليّ
ومن بني ثعلبة بن سعد بن ضبة: عاصم بن خليفة بن يعقل، الذي قتل بسطام بن قيس.
مزينة
مزينة: بنو عمرو بن أدّ بن طابخة بن اليأس، نسبوا إلى أمهم مزينة بنة كلب بن وبرة. منهم: النعمان بن مقرّن، ومنهم معقل بن سنان بن نبيشة صاحب النبي عليه
(3/296)

الصلاة والسّلام، وزهير بن أبي سلمى الشاعر، ومعن بن أوس الشاعر. ومنهم إياس ابن معاوية القاضي. وإنما مزينة كلها بنو عثمان وأوس بن عمرو بن أدّ بن طابخة، وفي ذلك يقول كعب بن زهير:
متى أدع في أوس وعثمان تأتني ... مساعير قوم كلّهم سادة دعم «1»
هم الأسد عند البأس والحشد في القرى ... وهم عند عقد الجار يوفون بالذّمم
الرباب
وهم: عديّ، وتميم، وثور، وعكل؛ وإنما سميت هذه القبائل الرباب، لأنهم تحالفوا فوضعوا أيديهم في جفنة فيها رب؛ وقال بعضهم: إنما سموا الرباب لأنهم إذا تحالفوا جمعوا أقداحا، من كل قبيلة منهم قدح، وجعلوها في قطعة أدم، وتسمى تلك القطعة الربة، فسموا بذلك الرباب.
فمن بني عدي بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة: ذو الرمّة الشاعر، وهو غيلان بن عقبة. ومن بني تميم بن عبد مناة: عمر بن لجأ الشاعر الذي كان يهاجى جريرا؛ ومن بني عكل بن عبد مناة: النمر بن تولب الشاعر؛ ومن بني ثور بن عبد مناة: سفيان الثوري الفقيه. فهذه الرباب، وهم بنو عبد مناة.
صوفة
هم بنو الغوث بن مر بن أدّ بن طابخة، وفيهم كانت الإجازة في الجاهلية: هم كانوا يدفعون بالناس من عرفات، ثم انتقلت الإجازة في بني عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم؛ فمن الغوث شرحبيل بن عبد العزى الذي يقال له شرحبيل بن حسنة.
بطون تميم وجماهيرها
تميم بن مر بن أدّ بن طابخة بن اليأس بن مضر. كان لتميم ثلاثة أولاد: زيد مناة،
(3/297)

وعمرو، والحارث بن تميم.
فمن الحارث بن تميم: شقرة، واسمه معاوية بن الحارث بن تميم؛ وإنما قيل له شقرة لبيت قاله، وهو:
وقد أحمل الرّمح الأصمّ كعوبه ... به من دماء القوم كالشّقرات
والشقرات: هي شقائق النعمان، شبه الدماء بها في حمرتها.
ومن بني شقرة: المسيّب بن شريك الفقيه، ونصر بن حرب بن مخرمة.
ومن عمرو بن تميم: أسيّد بن عمرو بن تميم، ومنهم أكثم بن صيفي حكيم العرب، وأبو هالة زوج خديجة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم، وأوس بن حجر الأسيدي الشاعر، وحنظلة ابن الربيع صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام الذي يقال له حنظلة الكاتب.
بنو العنبر بن عمرو بن تميم
منهم سوّار بن عبد الله القاضي، وعبيد الله بن الحسن القاضي، وعامر بن قيس الزاهر. ومنهم: بنو دغة بنت مغنج التي يقال فيها: «أحمق من دغة» ؛ وهي من إياد ابن نزار تزوجها عمرو بن جندب بن العنبر، فولدت له بني الهجيم بن عمرو بن تميم، ويقال لهم الحبال.
بنو مازن بن عمرو بن تميم، منهم: عباد بن أخضر، وحاجب بن ذبيان الذي يعرف بحاجب الفيل، ومالك بن الرّيب الشاعر؛ ومنهم: قطري بن الفجاءة صاحب الأزارقة، وسلم وأخوه هلال بن أحوز.
الحبطات
وهم بنو الحارث بن عمرو بن تميم، وذلك أنّ أباهم الحارث أكل طعاما فحبط منه، أي ورم بطنه. منهم: عباد بن الحصين من فرسان العرب، كان على شرطة مصعب بن الزبير.
(3/298)

غيلان وأسلم وحرماز بنو مالك بن عمرو بن تميم
فمن بني غيلان. أبو الجرباء، شهد يوم الجمل مع عائشة، وقتل يومئذ. ومن بني حرماز: سمرة بن يزيد. كان من رجال البصرة في أول ما نزلها الناس.
بنو سعد بن زيد مناة بن تميم
الأبناء، وهم ستة من ولد سعد بن زيد مناة، يقال لهم: عبد شمس، ومالك وعوف، وعوافة، وجشم، وكعب.
فبنو سعد بن زيد مناة، وأولاد كعب بن سعد، يسمّون مقاعس والأجارب إلا عمرا وعوفا ابني كعب.
فمن بني عبد شمس بن سعد: تميلة بن مرة صاحب شرطة إبراهيم بن عبد الله ابن الحسن. وإياس بن قتادة، حامل الديات في حرب الأزد لتميم- وهو ابن أخت الأحنف بن قيس- وعبدة بن الطبيب الشاعر. وحمّان، وهو عبد العزيء بن كعب ابن سعد.
الأجارب
هم بطنان في سعد، وهم: ربيعة بن كعب بن سعد، وبنو الأعرج كعب بن سعد. وفيهم يقول أحمر بن جندل:
ذودا قليلا تلحق الحلائب ... يلحقنا حمّان والأجارب «1»
فمن بني الأجارب: حارثة بن قدامة، صاحب شرطة علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وعمرو بن جرموز، قاتل الزبير بن العوام.
مقاعس: هو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد. ومن أفخاذ مقاعس: منقر بن
(3/299)

عبيد بن مقاعس؛ منهم قيس بن عاصم سيد الوبر، وعمرو بن الأهتم، وخالد بن صفوان بن عمرو بن الأهتم، وشبيب بن شيبة بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم. ومن بني عبيد بن مقاعس، وهم إخوة منقر: الأحنف بن قيس؛ وسلامة بن جندل، والسّليك بن سلكة رجليّ العرب، ويقال له الرئبال، كان يغير وحده. ومنهم عبد الله بن صفّار الذي تنسب إليه الصّفرية. وعبد الله بن إباض الذي تنسب إليه الإباضية.
فهذه مقاعس وجماهيرها.
بنو عطارد بن عوف ابن كعب بن سعد
منهم: كرب بن صفوان بن حباب. صاحب الإفاضة، إفاضة الحاج يدفع بهم من عرفات، وله يقول أوس بن مغراء:
ولا يريمون في التّعريف موقفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
قريع بن عوف ابن كعب بن سعد
منهم الأضبط بن قريع رئيس تميم يوم ميط، وبنو لأي بن أنف الناقة الذين مدحهم الحطيئة، فقال فيهم.
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
ومنهم أوس بن مغراء الشاعر. وهذا أشرف بطن في تميم.
بهدلة بن عوف ابن كعب بن سعد
منهم الزبرقان بن بدر، واسمه حصين. ومنهم الأحيمر بن خلف بن بهدلة، صاحب بردي محرّق، والذي يقول فيه الفرزدق:
(3/300)

فيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا بنت ذي البردين والفرس النهد
جشم بن عوف بن كعب بن سعد
يقال لبنى جشم وعطارد وبهدلة: الجذاع.
حنظلة بن مالك الأحمق بن زيد مناة
البراجم خمسة من بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة وهم: غالب، وعمرو، وقيس، وكلفة، وظليم، بنو حنظلة بن مالك الأحمق بن زيد مناة بن تميم. منهم عميرة بن ضابيء الذي قتله الحجاج.
يربوع بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم
من ولده رياح بن يربوع بن حنظلة. منهم: عتّاب بن ورقاء الرياحي والى أصبهان وأحد أجواد الإسلام، ومطر بن ناجية الذي غلب على الكوفة أيام ابن الأشعث.
وسحيم بن وثيل الشاعر. والحارث بن يزيد، صاحب الحسن بن علي. وأبو الهنديّ الشاعر، واسمه أزهر بن عبد العزيز؛ ومعقل بن قيس صاحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والأبيرد بن قرة.
غدانة بن يربوع، منهم: وكيع بن أبي سود، وحارثة بن بدر وكان فارسا شاعرا.
ثعلبة بن يربوع، منهم مالك ومتّمم ابنا نويرة، وعتيبة بن الحارث بن شهاب الذي يقال صيّاد الفوارس.
وبنو سليط بن يربوع، منهم: المساور بن رئاب.
كليب بن يربوع، منهم: جرير بن الخطفي الشاعر.
العنبر بن يربوع، منهم: سجاع بنت أوس التي تنبأت في تميم.
(3/301)

زيد بن مالك، وكعب الضرّاء بن مالك، ويربوع بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة: أمهم العدوية، وبها يعرفون. يقال لهم بنو العدوية.
طهية، وهم بنو أبي سود بن مالك، وعوف بن مالك. أمهم طهية بها يعرفون، ويقال لبني طهية وبني العدوية: الجمار.
ومن بني طهية بنو شيطان. ومنهم دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم؛ فولد دارم بن مالك: عبد الله، ومجاشع، وسدوس، وخيبري، ونهشل، وجرير وأبان ومناف.
فمن ولد عبد الله بن دارم: حاجب بن زرارة بن عدس بن عبد الله بن دارم.
وهلال بن وكيع بن بشر، وهو بيت بني تميم وصاحب القوس. ومحمد بن جبير بن عطارد.
مجاشع بن دارم. منهم: الفرزدق الشاعر، والأقرع بن حابس، وأعين بن ضبيعة ابن عقال، والحتات بن يزيد، والحارث بن شريح بن زيد صاحب خراسان، والبعيث الشاعر- واسمه خداش بن بشر- والأصبغ بن نباتة، صاحب علي.
نهشل بن دارم. منهم: خازم بن خزيمة قائد الرشيد، وعباس بن مسعود الذي مدحه الحطيئة، وكثيّر عزة الشاعر، والأسود بن يعفر الشاعر.
أبان بن دارم. منهم: سورة بن بحر- كان فارسا- صاحب خراسان، وذو الحزق بن شريح الشاعر.
سدوس بن دارم، وهؤلاء قد بادوا.
وربيعة بن مالك بن زيد مناة، وربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وربيعة ابن مالك بن حنظلة: يقال لهم: الربائع.
فمن ربيعة بن حنظلة: أبو بلال الخارجي، واسمه مرداس بن جدير.
ومن ربيعة بن مالك بن زيد مناة: علقمة بن عبدة الشاعر، وأخوه شأس.
(3/302)

ومن ربيعة بن مالك بن حنظلة: الحنيف بن السّجف.
جشيش بن مالك- وأمه حطّى، على مثال حبلى، وبها يعرفون- منهم: حصين ابن تميم الذي كان على شرطة عبيد الله بن زياد. ويقال لجشيش وربيعة ودارم وكعب بني مالك بن حنظلة بن مالك: الخشاب. انقضى نسب الرباب وضبة ومزينة وتميم.
بطون قيس وجماهيرها
نسب قيس بن عيلان بن مضر، قيس بن الناس، وهو عيلان بن مضر.
فمن بطون قيس: عدوان وفهم ابنا عمرو بن قيس بن عيلان، وأمهما جديلة.
بنت مدركة بن اليأس بن مضر، نسبوا إليها.
فمن عدوان: عامر بن الظرب حكم العرب بعكاظ، ومنهم أبو سيارة، وهو عميلة بن الأعزل. ومنهم تأبط شراّ، وهو ثابت بن عميثل.
غطفان بن قيس عيلان- وأعصر بن سعد بن قيس بن عيلان.
فمن بطون غطفان: أشجع بن ريث بن غطفان، وأشجع بن ريث بن غطفان؛ منهم: نصر بن دهمان. وكان من المعمّرين، عاش مائتي سنة، ومنهم فروة بن نوفل.
عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، وهي إحدى جمرات العرب، منهم: زهير ابن جذيمة، كان سيد عبس كلها حتى قتله خالد بن جعفر الكلابي؛ وابنه قيس بن زهير فارس داحس؛ وعنترة الفوارس؛ والحطيئة؛ وعروة بن الورد؛ والربيع بن زياد، وإخوته الذين يقال لهم الكملة؛ ومروان بن زنباع الذي يقال له مروان القرظ، وخالد بن سنان الذي ضيّعه قومه.
ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. منهم: فزارة بن ذبيان بن بغيض، وفيهم الشرف؛ ومنهم حذيفة بن بدر؛ ومنهم منظور بن زيّان بن سيار، وعمر ابن هبيرة، وعديّ بن أرطاة.
مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان؛ منهم هرم بن سنان المرّي الجواد الذي كان
(3/303)

يمدحه زهير؛ ومنهم زياد النابغة الشاعر؛ ومنهم الحارث بن ظالم الذي يقال فيه «أمنع من الحارث» ؛ ومنهم: شبيب بن البرصاء، وأرطاة بن سهيّة، وعقيل بن علّفة المرّي، وابن ميّادة الشاعر، ومسلم بن عقبة صاحب الحرة، وعثمان بن حيان، وهاشم بن حرملة. الذي يقول فيه الشاعر:
أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يقتل ذا الذّنب ومن لا ذنب له
والشماخ الشاعر، وأخوه مزرّد. ابنا ضرار.
ومن بطون أعصر: غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن الناس بن مضر.
منهم طفيل الخيل. وقد ربع غنيّا ومنهم: مرثد بن أبي مرثد، شهد بدرا.
باهلة
هم بنو معن بن أعصر، نسبوا إلى أمهم باهلة، وهم: قتيبة ووائل وأود وجأوة، أمهم باهلة، وبها يعرفون، منهم: حاتم بن النعمان. وقتيبة بن مسلم، وأبو أمامة صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وسلمان بن ربيعة، ولّاه أبو بكر الصديق، وزيد بن الحباب.
بنو الطفاوة بن أعصر
وهم: ثعلبة وعامر ومعاوية: أمهم الطفاوة وإليها ينسبون، وهم إخوة غنىّ ابن أعصر: فهذه غطفان.
بنو خصفة بن قيس بن عيلان
محارب بن زياد بن خصفة بن قيس بن عيلان، منهم الحكم بن منيع الشاعر، وبقيع بن صفّار الشاعر الذي كان يهاجي الأخطل. وولد محارب: ذهل وغنم؛ وهم الأبناء؛ والخضر، وهم بنو مالك بن محارب.
سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة. منهم: العباس بن مرداس، كان فارسا
(3/304)

شاعرا، وهو من المؤلّفة قلوبهم؛ والفجاءة الذي أحرقه أبو بكر في الردة. ومنهم:
صخر ومعاوية. ابنا عمرو بن الحارث بن الشّريد، وهما أخوا خنساء؛ وخفاف بن عمير الشاعر، ونبيشة بن حبيب قاتل ربيعة بن مكدم، ومجاشع بن مسعود من أهل البصرة، وعبد الله بن خازم صاحب خراسان.
بنو ذكوان وبهز وبهثة بنو سليم
منهم: أبو الأعور السّلمي صاحب معاوية، وعمير بن الحباب قائد قيس، والجحّاف بن حكيم. فهذه بطون سليم ومحارب.
قبائل هوازن
هم هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
منهم سعد بن بكر بن هوازن، وفيهم استرضع النبي صلّى الله عليه وسلم ومنهم نصر بن معاوية ابن بكر بن هوازن- منهم مالك بن عوف النّصري قائد المشركين يوم حنين.
جشم بن معاوية بن بكر، منهم: دريد بن الصّمّة فارس العرب.
ثقيف، وهو قسيّ بن منبّه بن بكر بن هوازن. منهم: مسعود بن معتب، والمختار ابن أبي عبيد. ومنهم: عروة بن مسعود عظيم القريتين، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن أم الحكم.
عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن
فمن بطون عامر: بنو هلال بن عامر بن صعصعة، منهم: ميمونة زوج النبي عليه الصلاة والسّلام، ومنهم عاصم بن عبد الله صاحب خراسان، وحميد بن ثور الشاعر، وعمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر فارس الضّحياء؛ ومن ولده خالد وحرملة ابنا هوذة، صحبا النبي صلّى الله عليه وسلم؛ وخداش بن زهير.
نمير بن عامر بن صعصعة. منهم: الراعي الشاعر، وهو عبيد بن حصين، وهمام بن
(3/305)

قبيصة، وشريك بن خباشة الذي دخل الجنة في الدنيا في أيام عمر بن الخطاب.
بنو كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة
وهم ستة بطون، منهم عقيل بن كعب، رهط توبة بن الحمير صاحب ليلى الأخيلية. منهم: بنو المنتفق.
بنو الحريش بن كعب، رهط سعيد بن عمر، ولي خراسان، وهو صاحب رأس خاقان.
بنو العجلان بن كعب
رهط تميم بن مقبل الشاعر.
ومنهم بنو قشير بن كعب، رهط مالك بن سلمة الذي أسر حاجب بن زرارة.
ومنهم: بنو جعدة بن كعب، رهط النابغة الجعدي، وهو أبو ليلى؛ فهذه بطون كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
ومن أفخاذ ربيعة بن عامر بن صعصعة: كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ منهم المحلّق بن حنتم بن شدّاد. ومنهم زفر بن الحارث الكلابي، ويزيد بن الصّعق، ووكيع بن الجرّاح الفقيه.
جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، منهم الطّفيل. فارس قرزل، وعامر بن الطّفيل، وعلقمة بن علاثة، وأبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة.
الضّباب بن كلاب، منهم: شمر بن ذي الجوشن.
هؤلاء بنو عامر بن صعصعة.
بنو سلول
هم بنو مرة بن صعصعة، نسبوا إلى أمهم سلول.
غاضرة، وهم غالب بن صعصعة، ومالك، وربيعة، وغويضرة، وحارث،
(3/306)

وعبد الله،- وهما عادية- وعوف، وقيس، ومساور، وسيّار، وهو غزيّة.
لوذان، وجحوش، وجحّاش، وعوف؛ وهم الوقعة، بنو معاوية بن بكر بن هوازن.
بنو صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، يقال لهم: الأبناء.
هذا آخر نسب مضر بن نزار.
نسب ربيعة بن نزار
ولد ربيعة بن نزار: أسد، وضبيعة، وعائشة، وهم باليمن في مراد، وعمرو، وعامر، وأكلب؛ وهم رهط أنس بن مدرك.
فمن قبائل ربيعة: نزار.
ضبيعة بن ربيعة بن نزار- وفيهم كان بيت ربيعة وشرفها. ومنهم الحارث الأضجم، حكم ربيعة في زهرة، وفيه يقول الشاعر:
قلوص الظلامة من وائل ... تردّ إلى الحارث الأضجم «1»
فمهما يشأ يأت منه السّداد ... ومهما يشأ منهم يهضم «2»
ومنهم المتلمّس، وهو جرير بن عبد المسيح الشاعر، صاحب طرفة بن العبد.
الذي يقول فيه:
أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا حذار حمامه المتلّمس «3»
ومنهم المسيّب بن علس الشاعر. ومنهم المرقّش الأكبر والمرقّش الأصغر. وكان المرقش الأكبر عمّ المرقش الأصغر، والمرقش الأصغر عم طرفة بن العبد بن سفيان ابن سعد بن مالك بن ضبيعة.
(3/307)

فمن يذكر: بنو جلّان بن عتيك بن أسلم بن يذكر، وبنو هزّان بن صباح بن عتيك ابن أسلم بن يذكر، وبنو الدول بن صباح بن عتيك بن أسلم بن يذكر، وهم الذين أسروا حاتم طيء وكعب بن مامة والحارث بن ظالم؛ وفي ذلك يقول الحارث بن ظالم:
أبلغ سراة بني غيظ مغلغلة ... أني أقسم في هزّان أرباعا «1»
ومنهم كدام بن حيان من بني هميم، وكان من خيار التابعين، وكان من خيار أصحاب عليّ، ولهما يقول عبد الله بن خليقة:
يا أخويّ من هميم هديتما ... ويسّرتما للصالحات فأبشرا
ومن بني يقدم عنزة، سيد بني بغيض الشاعر، وعمران بن عصان الذي قتله الحجاج بدير الجماجم.
عبد القيس بن أفصى بن دغمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة. ولد لعبد القيس:
أفصى والّلبؤ. وولد لأفصى: عبد القيس وشن ولكيز.
الّلبؤ بن عبد القيس: منهم رئاب بن زيد بن عمرو بن جابر بن ضبيب، كان ممن وحّد الله في الجاهلية، وسأل عنه النبي صلّى الله عليه وسلم وفد عبد القيس، وكان يسقي قبر كل من مات من ولده. وفي ذلك يقول الحجين بن عبد الله:
ومنّا الذي بالبعث يعرف نسله ... إذا مات منهم ميّت جيد بالقطر
رئاب وأنى للبريّة كلّها ... بمثل رئاب حين يخطر بالسّمر «2»
لكيز بن عبد القيس، منهم بنو نكرة بن لكيز بن عبد القيس. منهم الممزّق الشاعر، وهو شأس بن نهار بن أسرج الذي يقول:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق
وصباح بن لكيز. منهم: كعب بن عامر بن مالك، وكان ممن وفد على النبي عليه الصلاة والسّلام.
(3/308)

وبنو غنم بن وديعة بن لكيز، منهم حكيم بن جبلة صاحب عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه. وفيه يقول:
دعا حكيم دعوة سميعه ... نال بها المنزلة الرّفيعه
وبنو جذيمة بن عوف بن بكر بن أنمار بن وديعة بن لكيز، منهم الجارود العبدي، وهو بشر بن عمرو.
وعصر بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن وديعة بن لكيز، منهم: عمرو بن مرجوم الذي يمدحه المتلمّس.
وبنو حطمة بن محارب بن عمرو بن أنمار بن وديعة بن لكيز، إليهم تنسب الدروع الحطمية.
وعامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن أنمار بن وديعة بن لكيز، منهم مهزم بن الفزر، الذي يقول فيه الحرمازي:
يحملن بالموماة بحرا يجري ... العامر بن المهزم بن الفزر «1»
العمور من عبد قيس: الدّيل وعجل ومحارب، بنو عمرو بن وديعة بن لكيز.
فمن بني الدّيل: سحيم بن عبد الله بن الحارث، كان أحد السبعة الذين عبروا الدجلة مع سعد بن أبي وقاص.
ومن بني محارب: عبد الله بن همّام بن امريء القيس بن ربيعة، وفد على النبي صلّى الله عليه وسلم.
ومن بني عجل: صعصعة بن صوحان، وزيد بن صوحان؛ من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فهذه عبد القيس وبطونها وجماهيرها.
النمر بن قاسط
النمر بن قاسط بن هنّب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن
(3/309)

نزار. فمن ولد النمر بن قاسط: تيم الله، وأوس مناة، وعبد مناة، وقاسط، ومنبّه، بنو النمر بن قاسط.
أوس مناة بن النمر، منهم صهيب بن سنان بن مالك، صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام. كان أصابه سباء في الروم ثم وافوا به الموسم فاشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه؛ وقد كان النعمان بن المنذر استعمل أباه سنانا على الأبلّة. ومنهم: حمران بن أبان، الذي يقال له مولى عثمان بن عفان.
ومن تيم الله: الضّحيان بن النمر، وهو رئيس ربيعة قبل بني شيبان، وإنما سمي الضّحيان لأنه كان يجلس لهم وقت الضحى فيقضي بينهم، وقد ربع ربيعة أربعين سنة. وأخوه عوف بن سعد، ومن ولده ابن القريّة البليغ، واسمه أيوب بن زيد، وكان خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجّاج. ومنهم ابن الكيّس النّسابة، وهو عبيد بن مالك بن شراحيل بن الكيّس. فهذا النمر بن القاسط.
تغلب بن وائل
تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. فمن بطون تغلب: الأراقم، وهم: جشم، وعمرو، وثعلبة ومعاوية، والحارث، بنو بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب؛ وإنما سموا الأراقم لأن عيونهم كعيون الأراقم.
ومن بطون تغلب: كليب وائل الذي يقال فيه: «أعز من كليب وائل» وهو كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم؛ وأخوه مهلهل بن ربيعة.
ومن بني كنانة بن تيم بن أسامة: إياس بن عينان بن عمرو بن معاوية، قاتل عمير ابن الحباب، وله يقول زفر بن الحارث:
ألا يا كلب غيرك أرجفوني ... وقد ألصقت خدّك بالتّراب «1»
(3/310)

ألا يا كلب فانتشري وسحّي ... فقد أودى عمير بن الحباب «1»
رماح بني كنانة أقصدتني ... رماح في أعاليها اضطراب «2»
ومن بني حارثة بن ثعلبة بن بكر بن حبيب: الهذيل بن هبيرة، وهو الذي تقول فيه نهيشة بنت الجراح البهراني تعيّر قضاعة:
إذا ما معشر شربوا مداما ... فلا شربت قضاعة غير بول
فإمّا أن تقودوا الخيل شعثا ... وإمّا أن تدينوا للهذيل «3»
وتتّخذوه كالنّعمان ربا ... وتعطوه خراج بني الدّميل
الدّميل: ابن لخم.
ومن عدي بن معاوية بن غنم بن تغلب: فارس العصا، وهو الأخنس ابن شهاب.
ومن بني الفدوكس بن عمرو بن الحارث بن جشم: الأخطل الشاعر النصراني ومنهم: قبيصة بن والق، له هجرة، قتله شبيب الحروريّ، وكان جوادا كريما، فقال شبيب حين قتله: هذا أعظم أهل الكوفة جفنة! قال له أصحابه: أتطري المنافقين؟
فقال: إن كان منافقا في دينه فقد كان شريفا في دنياه.
ومن الأوس بن تغلب: كعب بن جعيل. الذي يقول فيه جرير:
وسمّيت كعبا بشرّ العظام ... وكان أبوك يسمّى الجعل «4»
وكان محلّك من وائل ... محلّ القراد من است الجمل «5»
فهذه تغلب، ليس لها بطون ينسب إليها كما ينسب إلى بطون بكر بن وائل، لأن بكرا جمجمة، وتغلب غير جمجمة.
(3/311)

بكر بن وائل
القبائل من بكر بن وائل: يشكر بن بكر بن وائل، وعجل، وحنيفة- ابنا لجيم ابن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل-، وشيبان وذهل وقيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل وأمهم البرشاء من تغلب.
يشكر بن بكر
منهم الحارث بن حلّزة الشاعر، ومنهم شهاب بن مذعور بن حلّزة، وكان من علماء الأنساب؛ ومنهم سويد بن أبي كاهل الشاعر.
عجل بن لجيم
منهم حنظلة بن ثعلبة بن سيّار، كان سيّد بني عجل يوم ذي قار؛ ومنهم الفرات ابن حيّان، له صحبة مع النبي صلّى الله عليه وسلم؛ ومنهم إدريس بن معقل جدّ أبي دلف؛ ومنهم شبابة بن المعتمر بن لقيط، صاحب الدّيوان؛ ومنهم الأغلب الراجز؛ ومنهم أبجر بن جابر بن شريك، وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
حنيفة بن لجيم
ولد له الدّيل، وعدي وعامر. فمن بني الدّيل بن حنيفة: قتادة بن مسلمة، كان سيدا شريفا؛ ومنهم ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة، ومنهم: هوذة بن علي بن ثمامة، الذي يقول فيه أعشى بكر:
من ير هوذة يسجد غير متّئد «1» ... إذا تعصّب فوق التاج أو وضعا «2»
ومن بني الديل بن حنيفة: شمر بن عمرو، الذي قتل المنذر بن ماء السماء يوم عين أباغ؛ ومنهم بنو هفّان بن الحارث بن ذهل بن الديل، وبنو عبيد بن ثعلبة، ويربوع
(3/312)

ابن ثعلبة بن الديل. وبنو أبي ربيعة في شيبان، سيدهم هانيء بن قبيصة.
شيبان بن ثعلبة بن عكابة
منهم جسّاس بن مرة بن ذهل بن شيبان، قاتل كليب بن وائل: وهمام بن مرة بن ذهل بن شيبان؛ وقيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وهو ذو الجدّين، وابنه بسطام ابن قيس، فارس بني شيبان في الجاهلية، وقد ربع الذّهلين واللهازم اثني عشر مرباعا ومنهم: هانيء بن قبيصة بن هانيء بن مسعود بن المزدلف عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل ابن شيبان، الذي أجار عيال النعمان بن المنذر وماله عن كسرى، وبسببه كانت وقعة ذي قار، ومنهم مصقلة بن هبيرة، كان سيدا شريفا، وفيه يقول الفرزدق:
وبيت أبي قابوس مصقلة الذي ... بنى بيت مجد اسمه غير زائل
وفيه يقول الأخطل:
دع المغمّر لا تقتل بمصرعه ... وسل بمصقلة البكريّ ما فعلا
بمتلف ومفيد لا يمنّ ولا ... يعنّف النفس فيما فاته عذلا
إنّ ربيعة لا تنفكّ صالحة ... ما دافع الله عن حوبائك الأجلا «1»
ومن ذهل بن شيبان: عوف بن محلّم الذي يقال فيه: «لا حرّ بوادي عوف» والضحاك بن قيس الخارجي، والمثنّى بن حارثة، ويزيد بن رزيم؛ ومنهم الغضبان بن القبعثري، ويزيد بن مسهر أبو ثابت، الذي ذكره الأعشى؛ والحوفزان، وهو الحارث بن شريك، ومطر بن شريك؛ ومن ولده: معن بن زائدة؛ وشبيب الحروري.
ذهل بن ثعلبة بن عكابة
منهم: الحارث بن وعلة، وكان سيدا شريفا، ومن ولده: الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة صاحب راية ربيعة بصفّين مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى
(3/313)

عنه، وله يقول علي:
لمن راية سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل قدّمها حضين تقدّما
ومنهم القعقاع بن شور بن النعمان، كان شريفا؛ ومنهم دغفل بن حنظلة العلّامة، كان أعلم أهل زمانه. وهؤلاء من بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة، أمهم رقاش، وإليها ينسبون، ومنها يقال: الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرّقاشي.
قيس بن ثعلبة بن عكابة
منهم الحارث بن عباد بن ضبيعة بن ثعلبة بن حارثة؛ كان على جماعة بكر ابن وائل يوم قضّة، فأسر مهلهل بن ربيعة وهو لا يعرفه فخلّى سبيله. ومنهم: مالك بن مسمع بن شيبان بن ثعلبة، يكنى أبا غسان. ومنهم الأعشى، أعشى بكر، وهو من بني تيم اللّات من قيس بن ثعلبة بن عكابة؛ ومن بني تيم اللات أيضا: مطر بن فضّه، وهو الجعد بن قيس، كان شريفا سيدا، وهو الذي أسر خاقان الفارسي بالقادسية، ومن ولده عبيد الله بن زياد بن ظبيان.
سدوس
من شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة، منهم: خالد بن المعمّر ومجزأة بن ثور، وأخوه شقيق بن ثور، وابن أخيه سويد بن منجوف بن ثور، وعمران بن حطّان.
اللهازم
وهم: عنزة بن أسد بن ربيعة؛ وعجل بن لجيم. وتيم الله. وقيس بنا ثعلبة بن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل، وهم حلفاء.
والذهلان: شيبان وذهل، ابنا ثعلبة بن عكابة. وأم عجل بن لجيم يقال لها حذام، وفيها يقول لجيم:
(3/314)

ألا أبلغ بني الطّمّاح عنا ... ودعمياّ فكيف وجدتمونا
وولد زهر بن إياد حذافة، رهط أبي دواد الشاعر.
وأما أنمار بن نزار بن معد، فلا عقب له إلا ما يقال في بجيلة وخثعم، فإنه يقال إنهما ابنا أنمار بن نزار، وتأبى ذلك بجيلة وخثعم ويقولون: إنما تزوّج إراش بن عمرو بن الغوث ابن أخي الأزد بن الغوث، سلامة بنت أنمار، فولدت له أنمار بن إراش، فنحن ولده. وقال حسان بن ثابت؛
ولدنا بني العنقاء وابن محرّق
أراد بالعنقاء: ثعلبة بن عمرو مزيقياء، سمّي بالعنقاء لطول عنقه؛ ومحرّق هو الحارث بن عمرو مزيقياء، وكان أول الملوك أحرق الناس بالنار؛ والولادة التي ذكرها حسان، أن هندا بنت الخزرج بن حارثة كانت عند العنقاء، فولدت له ولده كلهم؛ وكانت أختها عند الحارث بن عمرو. فولدت له أيضا.
انقضى نسب بني نزار بن معد.
القبائل المشتبهة
الدّئل في كنانة؛ والدئل بن حنيفة في بكر بن وائل، منهم: قتادة بن سلمة، وهوذة بن علي، صاحب التاج الذي يمدحه أعشى بكر بن وائل.
سدوس؛ في ربيعة، وهو سدوس بن شيبان بن بكر بن وائل، منهم: سويد بن منجوف؛ وسدوس، مرفوعة السين، في تميم، وهو سدوس بن دارم.
محارب بن فهر بن مالك في قريش؛ ومحارب بن خفصة في قيس؛ ومحارب بن عمرو بن وديعة في عبد القيس.
غاضرة في بني صعصعة بن معاوية؛ وغاضرة في ثقيف.
تيم بن مرة في قريش رهط أبي بكر، تيم بن غالب بن فهر في قريش أيضا، وهم
(3/315)

بنو الأدرم؛ وتيم بن عبد مناة بن أد بن طابخة في مضر؛ وتيم بن ذهل في ضبة؛ وتيم في قيس بن ثعلبة؛ وتيم في شيبان.
تيم الله بن ثعلبة بن عكابة؛ وفي النمر بن قاسط، وتيم الله في ضبة.
كلاب بن مرة في قريش، وكلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة في قيس.
عدي بن كعب من قريش، رهط عمر بن الخطاب؛ وعدي بن عبد مناة من الرّباب، رهط ذي الرّمة؛ وعدي في فزارة؛ وعدي في بني حنيفة.
ذهل بن ثعلبة بن عكابة؛ وذهل بن شيبان؛ وذهل بن مالك في ضبّة.
ضبيعة في ضبة؛ وضبيعة في عجل؛ وضبيعة في قيس بن ثعلبة، وهم رهط الأعشى.
مازن في تيم؛ ومازن في قيس عيلان، وهم رهط عتبة بن غزوان؛ ومازن في صعصعة بن معاوية؛ ومازن في شيبان.
سهم في قريش؛ وسهم في باهلة.
سعد بن ذبيان؛ وسعد في بكر في هوازن، أظآر «1» رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ وسعد في عجل؛ وسعد بن زيد مناة في تميم.
جشم في معاوية بن بكر، وجشم في ثقيف، وجشم في الأراقم.
بنو ضمرة في كنانة، وبنو ضمرة في قشير.
دودان في بني أسد، ودودان في بني كلاب.
سليم في قيس عيلان، وسليم في جذام من اليمن.
جديلة في ربيعة، وجديلة في طيء، وجديلة في قيس عيلان.
الخزرج في الأنصار، والخزرج في النمر بن قاسط.
وأسد بن خزيمة بن مدركة، وأسد بن ربيعة بن نزار.
شقرة في ضبة، وشقرة في تميم.
(3/316)

ربيعة: ربيعة الكبرى، وهو ربيعة بن مالك بن زيد مناة، ويلقب ربيعة الجوع، وربيعة الوسطى، وهو ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة؛ وربيعة الصغرى، وهو ربيعة بن مالك بن حنظلة. وكل واحد منهم عم الآخر.
مفاخرة ربيعة
قال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه؛ خبّروني عن حيّ من أحياء العرب فيهم أشد الناس، وأسخى الناس، وأخطب الناس، وأطوع الناس في قومه، وأحلم الناس، وأحضرهم جوابا. قالوا: يا أمير المؤمنين، ما نعرف هذه القبيلة، ولكن ينبغي لها أن تكون في قريش. قال: لا. قالوا: ففي حمير وملوكها. قال: لا. قالوا: ففي مضر.
قال: لا. قال مصقلة بن رقيّة العبدي: فهي إذا في ربيعة ونحن هم. قال: نعم. قال جلساؤه: ما نعرف هذا في عبد القيس إلا أن تخبرنا به يا أمير المؤمنين. قال: نعم؛ أما أشد الناس فحكيم بن جبل، كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقطعت ساقه فضمّها إليه حتى مر به الذي قطعها فرماه بها فجدله عن دابته، ثم جثا إليه فقتله واتكأ عليه، فمر به الناس فقالوا له: يا حكيم، من قطع ساقك؟ قال: وسادي هذا. وأنشأ يقول:
يا ساق لا تراعي إن معي ذراعي أحمي بها كراعي «1» وأما أسخى الناس، فعبد الله بن سوّار، استعمله معاوية على السند، فسار إليها في أربعة آلاف من الجند، وكانت توقد معه نار حيثما سار، فيطعم الناس؛ فبينما هو ذات يوم إذ أبصر نارا، فقال: ما هذه؟ قالوا: أصلح الله الأمير، اعتل بعض أصحابنا فاشتهى خبيصا فعملنا له. فأمر خبازه أن لا يطعم الناس إلا الخبيص، حتى صاحوا وقالوا: أصلح الله الأمير، ردّنا إلى الخبز واللحم! فسمي مطعم الخبيص.
وأما أطوع الناس في قومه، فالجارود بشر بن العلاء؛ إنه لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم وارتدت العرب، خطب قومه فقال: أيها الناس، إن كان محمد قد مات فإن الله حيّ
(3/317)

لا يموت؛ فاستمسكوا بدينكم، فمن ذهب له في هذه الرّدّة دينار أو درهم أو بعير أو شاة فله عليّ مثلاه! فما خالفه منهم رجل.
أما أحضر الناس جوابا فصعصعة بن صوحان، دخل على معاوية في وفد أهل العراق، فقال معاوية: مرحبا بكم يأهل العراق! قدمتم أرض الله المقدسة؛ منها المنشر وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير، يبرّ كبيركم ويرحم صغيركم؛ ولو أن الناس كلها ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء! فأشار الناس إلى صعصعة، فقام فحمد الله وصلى على النبي صلّى الله عليه وسلم، ثم قال: أما قولك يا معاوية إنا قدمنا الأرض المقدّسة: فلعمري ما الأرض تقدس الناس، ولا يقدّس الناس إلا أعمالهم؛ وأما قولك منها المنشر وإليها لمحشر، فلعمري ما ينفع قربها ولا يضر بعدها مؤمنا؛ وأما قولك لو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء، فقد ولدهم خير من أبي سفيان: آدم صلوات الله عليه؛ فمنهم الحليم والسفيه، والجاهل والعالم.
وأما أحلم الناس [فالأشجّ العبديّ] ، فإن وفد عبد القيس قدموا على النبي صلّى الله عليه وسلم بصدقاتهم وفيهم الأشج، ففرّقه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو أول عطاء فرقه في أصحابه؛ ثم قال: يا أشج، ادن مني. فدنا منه، فقال: إن فيك خلتين يحبهما الله: الأناة، والحلم! وكفى برسول الله صلّى الله عليه وسلم شاهدا؛ ويقال: إنّ الأشج لم يغضب قط.
جمرات العرب
وهم بنو نمير بن عامر بن صعصعة؛ وبنو الحارث بن كعب بن علة بن جلد؛ وبنو ضبة بن أدّ بن طابخة؛ وبنو عبس بن بغيض. وإنما قيل لهذه القبائل جمرات لأنها تجمعت في أنفسها ولم يدخلوا معهم غيرهم. والتجمير: التجميع؛ ومنه قيل:
جمرة العقبة، لاجتماع الحصى فيها؛ ومنه قيل: لا تجمّروا المسلمين فتفتنوهم وتفتنوا نساءهم. يعني: لا تجمعوهم في المغازي.
وأبو عبيدة قال في كتاب التاج أطفئت جمرتان من جمرات العرب: بنو ضبة لأنها
(3/318)

صارت إلى الرّباب فحالفتها؛ وبنو الحارث؛ لأنها صارت إلى مذحج فحالفتها؛ وبقيت بنو نمير إلى الساعة لم تحالف ولم يدخل بينها أحد.
وقال شاعرهم يرد على جرير:
نمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا
وإني إذ أسبّ بها كليبا ... فتحت عليهم للخسف بابا
فلولا أن يقال هجا نميرا ... ولم نسمع لشاعرها جوابا
رغبنا عن هجاء بني كليب ... وكيف يشاتم الناس الكلابا
أنساب اليمن
قحطان بن عابر- وعابر. هو هود النبي صلّى الله عليه وسلم- ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام ابن نوح عليه السّلام بن لمك بن متّوشلخ بن أخنوخ- وهو إدريس النبي عليه السّلام- ابن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث- وهو هبة الله- ابن آدم أبي البشر صلّى الله عليه وسلم.
فولد قحطان: يعرب- وهو المرعف- وسبأ، والمسلف، والمرداد، وودقلي، وتكلا، وأبيمال، وعوبال، وأزال، وهدورام، وهو جرهم، وأوفير، وهويلا، وروح، وإرم، ونوبت؛ فهؤلاء ولد قحطان فيما ذكر عبد الله بن ملاذ.
وقال الكلبي محمد بن السائب: ولد قحطان: المرعف- وهو يعرب-، ولأي، وجابر، والمتلمّس، والعاصي، والمتغشم، وعاصب، ومعوذ، وشيم، والقطامي، وظالم، والحارث، ونباتة. فهلك هؤلاء إلا ظالما، فإنه كان يغزو بالجيوش.
وقال الكلبي: ولد قحطان أيضا: جرهما، وحضرموت. فمن أشراف حضر موت بن قحطان: الأسود بن كبير، وله يقول الأعشى قصيدته التي أولها؛ ما بكاء الكبير بالأطلال
(3/319)

ومنهم مسروق بن وائل، وفيه يقول الأعشى:
قالت قتيلة: من مدحت فقلت: مسروق بن وائل فولد يعرب بن قحطان يشجب؛ وولد يشجب سبأ. وولد سبأ حميرا، وكهلان، وصيفيّا، وبشرا، ونصرا، وأفلح، وزيدان، والعود، ورهما، وعبد الله، ونعمان، ويشجب، وشدّادا، وربيعة، ومالكا، وزيدا. فيقال لبني سبإ كلهم: السّبئيون، إلا حميرا وكهلان. فإن القبائل قد تفرّقت منهما. فإذا سألت الرجل: ممن أنت؟ فقال:
سبئي. فليس بحميري ولا كهلاني.
حمير
حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. فولد حمير بن سبأ: مالكا والهميسع، وزيدا، وأوسا، وعريبا، ووائلا، ودرميّا، وكهلان، وعميكرب، ومسروحا، ومرة. رهط معد يكرب بن النعمان القيل الذي كان بحضرموت.
فمن بطون حمير: معدان بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب. وملحان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل، رهط عامر الشعبي الفقيه. وعداد بن ملحان: وشيبان في همدان. فمن كان منهم باليمن فهو حميري، ويقال له شيباني.
ومن بطون حمير: شرعب بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس. وإليه تنسب الرماح الشرعبية.
ومن بطون حمير: الدرون، وقد يقال لهم الأذواء. وأيضا. رمدد، فمنهم: بنو فهد، وعبد كلال، وذو كلاع- وهو يزيد بن النعمان، وهو ذو كلاع الأكبر. يقال:
تكلّع الشيء. إذا تجمّع- وذو رعين، وهو شراحيل بن عمرو القائل:
فإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ذو أصبح: واسمه الحارث بن مالك بن زيد بن الغوث. وهو أول من عملت له
(3/320)

السياط الأصبحية. ومن ولده: أبرهة بن الصبّاح كان ملك تهامة، وأمه ريحانة بنت أبرهة الأشرم ملك الحبشة. وابنه أبو شمر، قتل مع عليّ بن أبي طالب يوم صفّين.
وأبو رشد بن كرب بن أبرهة، كان سيد حمير بالشام زمن معاوية. ومنهم يزيد بن مفرّغ الشاعر.
ذو يزن، واسمه عامر بن أسلم بن زيد بن الغوث بن قطن بن عريب ومنهم:
النعمان بن قيس بن سيف بن ذي يزن الذي نفى الحبشة عن اليمن- وجاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه اشترى حلّة ببضع وعشرين قلوصا فأعطاها إلى ذي يزن- وإلى ذي يزن تنسب الرماح اليزنية.
ذو جدن: وهو علس بن الحارث بن زيد بن الغوث، ومن ولده علقمة بن شراحيل. ذو قيفان الذي كانت له صمصامة عمرو بن معد يكرب، وقد ذكره عمرو في شعره حيث يقول:
وسيف لابن ذي قيفان عندي ... تخيّر نصله من عهد عاد
حضور بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية. وهم في همدان.
فمن حضور: شعيب بن ذي مهزم، النبيّ الذي قتله قومه. فسلّط الله عليهم بختنصر فقتلهم، فلم يبق منهم أحد فاصطلت حضور؛ ويقال: فيهم نزلت: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ. لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ. قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ، فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
«1» فيقال إن قبر شعيب هذا النبي في جبل باليمن في حضور يقال له ضين، ليس باليمن جبل فيه ملح غيره، وفيه فاكهة الشام، ولا تمرّ به هامّة من الهام.
(3/321)

الأوزاع
وهم: مرثد بن زيد بن زرعة بن سبأ بن كعب، وهم في همدان إلّا جرش بن أسلم بن زيد بن الغوث، الأصغر بن أسعد بن عوف.
شجيج بن عديّ بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو.
وصيفي بن سبأ، الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن تبّع، وهو أسعد أبو كرب.
التبابعة
تبّع الأصغر أسعد أبو كرب، واسمه تبان بن ملكيكرب، وهو تبع الأكبر ابن قيس بن زيد بن عمرو، ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار.
وتبع بن الرائش بن قيس بن صيفي. وملكيكرب تبع الأكبر، يكنى أبا مالك، وله يقول الاعشي:
وخان الزمان أبا مالك ... وأيّ امرىء لم يخنه الزّمن
ومن بني صيفي بن سبأ: بلقيس، وهي بلقمة بنت آل شرخ بن ذي جدن بن الحارث بن قيس بن سبأ الأصغر.
ومنهم: حمير التبابعة. وهم تسعة، منهم تبع الأصغر، وتبع الأكبر؛ ومنهم المثامنة، وهم ثمانية رهط ولاة العهود بعد الملوك؛ وهم الثمامنة، أربعة آلاف؛ والقيل الذي يكلم الملك فيسمع كلامه ولا يكلم غيره؛ ومنهم أبو فريقيش بن قيس بن صيفي الذي افتتح إفريقية فسميت به، ويومئذ سميت البرابرة؛ وذلك أنهم قالوا إنه قال لهم: ما أكثر بربرتكم.
قضاعة
هو قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير، واسم قضاعة:
عمرو.
(3/322)

فمن قبائل قضاعة وبطونها وجماهيرها: كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة؛ وذلك أن وبرة ولد له: كلب، وأسد، ونمر، وذئب، وثعلب، وفهد، وضبع، ودب، وسيد، وسرحان. فمن أشراف كلب: الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة، وهو الذي تزوّج عثمان بن عفان ابنته نائلة بنت الفرافصة؛ ومنهم زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة.
ومن أسلافهم في الإسلام دحية بن خليفة الكلبي، وهو الذي كان جبريل عليه السلام ينزل في صورته.
ومنهم حسان بن مالك بن جذيمة.
ومن قضاعة: القين بن جسر بن شبع اللات بن أسد بن وبرة؛ فمن أشراف القين: دعج بن كثيف، وهو الذي أسر سنان بن حارثة المرّي؛ ومنهم نديما جذيمة، وهما مالك وعقيل ابنا فارج، ولهما يقول المنخّل:
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل
ومنهم سعد بن أبي عمر وكان سيد بني القين ورئيسهم.
ومن قضاعة: تنوخ، وهم ثلاثة أبطن: منهم بنو تيم الله بن أسد بن وبرة، ومنهم مالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن ثعلبة بن مالك بن فهم، ومنهم أذينة الذي يقول فيه الأعشي:
أزال أذينة عن ملكه ... وأخرج من قصره ذا يزن
ومن بني قضاعة: جرم وهو عمرو بن علّاف بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وإلى علاف تنسب الرحال العلافية، وقال الشاعر:
مجوف علافيّ ونطع ونمرق «1»
ومن جرم: الرّعل بن عروة وكان شريفا، ومنهم عصام بن شهبر بن الحارث
(3/323)

وكان شاعرا شجاعا، وله يقول النابغة:
فإنّي لا ألومك في دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام
وله قيل:
نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما
وجعلته ملكا هماما
ولجرم أربعة من الولد: قدامة، وجدة، وملكان، وناجية؛ فمن بني قدامة: كنانة ابن صريم الذي كان يهاجي عمرو بن معد يكرب، ووعلة بن عبد الله بن الحارث الذي قتل الحارث بن عبد المدان.
ومنهم بنو شنّ، وهم باليمامة مع بني هزّان بن عنزة؛ ومنهم أبو قلابة الفقيه عبد الله بن زيد؛ والمساور بن سوار، ولي شرطة الكوفة لمحمد بن سليمان.
ومن بني جدة بن جرم: بنو راسب، وهم بنو الخزرج بن جدة بن جرم.
ومن قضاعة: سليح، وهو عمرو بن حلوان، بن عمران.
ومن بني سعد بن سليح: الضّجاعمة الذين كانوا ملوك الشام قبل غسّان.
ومن بني النمر بن وبرة خشين، منهم أبو ثعلبة الخشني صاحب النبي صلّى الله عليه وسلم ومن بني النمر بن وبرة: غاضرة وعاتية ابنا سليم بن منصور.
ومن بني أكثم بن النمر: مشجعة بن الغوث: منهم معاوية بن حجار، الذي يقال له ابن قارب، وهو الذي قتل داود بن هبولة السّليحي، وكان ملكا.
بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة؛ فولد بهراء: أهود، وقاسطا، وعبدة وقسرا، وعديّا، بطون كلها.
ومنهم قيس وشبيب، بطنان عظيمان، ومنهم المقداد بن عمرو صاحب النبي صلّى الله عليه وسلم، وهو الذي يقال له المقداد بن الأسود؛ لأن الأسود بن عبد يغوث كان تبنّاه، وقد انتسب المقداد إلى كندة؛ وذلك أن كندة سبته في الجاهلية فأقام فيهم وانتسب إليهم.
(3/324)

ومن قضاعة: بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة؛ منهم المجدّر بن ذياد قاتل أبي البختري العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى في يوم بدر وهو يقول:
بشّر بيتم من أبيه البختري ... أو بشّرن بمثلها منّي أبي
أنا الّذي أزعم أصلي من بلي ... أضرب بالهنديّ حتى ينثني
وفيهم بنو إراشة بن عامر؛ منهم كعب بن عجرة الأنصاري صاحب النبي عليه الصلاة والسلام، وسهل بن رافع صاحب الصاع.
وفيهم بنو العجلان بن الحارث: منهم ثابت بن أرقم شهد بدرا وهو الذي قتل طليحة في الردّة.
ومنهم بنو واثلة بن حارثة أخي بني عجلان: منهم النعمان بن أعصر، شهد بدرا.
ومن قضاعة: مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وهو الذي تنسب إليه الإبل المهرية.
ومنهم: كرز بن روعان، من بني المنسم الذي صار إلى معد يكرب بن جبلة الكندي، وهو الذي يقول:
تقول بنيّتي لما رأتني ... أكرّ عليهم وأذبّ وحدي «1»
لعمرك إن ونيت اليوم عنهم ... لتنقلبنّ مصروعا بخدّ «2»
ومنهم ذهبن بن قرضم بن العجيل، وهو الذي كان وفد إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وكتب له كتابا وردّه إلى قومه.
جهينة بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. منهم: سويد بن عمرو بن جذيمة بن سبرة بن خديج بن مالك بن عمرو بن ثعلبة بن رفاعة بن مضر بن مالك ابن غطفان بن قيس بن جهينة، وكان شريفا.
ومن قضاعة: نهد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. منهم الصّعق،
(3/325)

وهو جشم بن عمرو بن سعد، وكان سيد نهد في زمانه، وكان قصيرا أسود دميما، وكان النعمان قد سمع شرفه فأتاه؛ فلما نظر إليه نبت عنه عينه، فقال: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه!» فقال: أبيت اللعن! إن الرجال ليست بمسوك يستقي فيها الماء، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إذا نطق نطق ببيان، وإن صال صال بجنان. قال: صدقت! ثم قال له: كيف علمك بالأمور؟ قال: أبغض منها المقبول، وأبرم المسحول، «1» وأحيلها حتى تحول، وليس لها بصاحب، من لم ينظر في العواقب.
ومنهم: ودعة بن عمرو صاحب بسبس، طليعة رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث: منهم خالد بن عرفطة، ولاه سعد بن أبي وقاص ميمنة الناس يوم القادسية. ومنهم عروة بن حزام صاحب عفراء ومنهم رزاح ابن ربيعة أخو قصيّ لأمه، وهو الذي أعان قصيّا حتى غلب على البيت. ومنهم جميل ابن عبد الله بن معمر بن نهيك صاحب بثينة.
وبنو الحارث بن سعد. إخوة عذرة.
فهؤلاء بطون قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة. وهؤلاء أولاد حمير بن سبأ.
كهلان بن سبأ
الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان.
فمن قبائل الأزد: الأنصار، والأوس، والخزرج: ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر، وأمهما قيلة.
هؤلاء الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة- وهو العنقاء- ابن عمرو بن ثعلبة- وهو المزيقيا- ابن عامر، وهو ماء السماء.
فمن بطون الأوس والخزرج وجماهيرها: عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس وهم بنو السّميعة، بها يعرفون- وهم عوف [وحبيب] وثعلبة ولوذان، بنو عمرو ابن عوف بن مالك بن الأوس.
(3/326)

ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. منهم: سويد بن الصامت قتله المجذّر بن ذياد في الجاهلية، فوثب ابنه علي المجذّر فقتله في الإسلام، فقتله النبي عليه الصلاة والسلام.
عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
منهم: سعد بن معاذ الذي اهتزلموته العرش، بدري، حكم في بني قريظة والنضير، وعمرو أخو سعد بن معاذ، شهد بدرا وقتل يوم أحد. والحارث بن أنس، شهد بدرا وقتل يوم أحد، وعمار بن زياد قتل يوم بدر، وأسيد بن الحضير بن سماك، شهد العقبة وبدرا؛ وربيعة بن زيد شهد العقبة وبدرا.
ربيعة بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن خزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. منهم: رفاعة بن قيس، قتل يوم أحد. وسلمة بن سلامة بن وقش، شهد بدرا وقتل يوم أحد. وأخوه عمرو بن سلامة، قتل يوم أحد، ورافع بن يزيد، بدري.
زعورا بن جشم بن الحارث بن خزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. منهم:
مالك بن التّيّهان أبو الهيثم، نقيب بدري عقبي؛ وأخوه عتبة بن التيهان، بدري قتل يوم أحد.
خطمة هو عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس. منهم: عدي بن خرشة، وعمرو بن خرشة، وأوس بن خالد، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وعبد الله بن يزيد الأنصاري، ولي الكوفة لابن الزبير.
واقف: هو مالك بن امريء القيس بن مالك بن الأوس. منهم: هلال بن أمية، وعائشة بن نمير الذي ينسب إليه بئر عائشة بالمدينة، وهرم بن عبد الله السلمي بن امريء القيس بن مالك بن الأوس. ومنهم: سعد بن خيثمة بن الحرث، بدري عقبي نقيب، قتل يوم أحد.
(3/327)

عامرة: هم أهل رابخ بن مرة بن مالك بن الأوس. منهم: وائل بن زيد بن قيس بن عمارة، وأبو القيس بن الأسلت.
الخزرج
فمن بطون الخزرج: النجار بن ثعلبة بن عمرو بن خزرج: غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. منهم: أبو أيوب خالد بن زيد، بدري. وثابت ابن النعمان؛ وسراقة بن كعب؛ وعمارة بن حزم؛ وعمرو بن حزم؛ بدري عقبي؛ وزيد بن ثابت صاحب القرآن والفرائض؛ بدري؛ ومعاذ ومعوّذ وعوف بنو الحارث ابن رفاعة. وأمهم عفراء، بها يعرفون، شهدوا بدرا؛ وأبو أمامة أسعد بن زرارة؛ نقيب عقبي بدري؛ وحارثة بن النعمان، بدري.
مبذول: اسمه عامر بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن خزرج. منهم:
حبيب بن عمرو، قتل يوم اليمامة، وأبو عمرة، وهو بشير بن عمرو، قتل مع علي بن أبي طالب بصفين. والحرث بن الصمة، بدري. وسهل بن عتيك، بدري.
حديلة: هو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج.
أمه حديلة وبها يعرفون. منهم: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن معاوية. وأبو حبيب بن زيد، بدري.
مغالة: هو عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. منهم: حسان بن ثابت بن المنذر ابن حرام شاعر النبي عليه الصلاة والسّلام، وأبو طلحة وهو زيد بن سهل بن الأسود ابن حرام.
ملحان بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن خزرج. منهم: سليم بن ملحان، وحرام بن ملحان، بدريان، قتلا يوم بئر معونة.
غنم بن عدي بن النجار. منهم: صرمة بن أنس بن صرمة صاحب النبي صلّى الله عليه وسلم.
ومحرز بن عامر، بدري. وعامر بن أمية، بدري، قتل يوم أحد. وأبو حكيم وهو
(3/328)

عمرو بن ثعلبة، بدري. وأبو خارجة وهو عمرو بن قيس، بدري. وابنه سبرة أبو سليط، بدري. وثابت بن خنساء، بدري. قتل يوم أحد، وأبو الأعور وهو كعب بن الحرث، بدري. وأبو زيد أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ وبنو الحسحاس الذين ذكرهم حسان في قوله:
ديار من بني الحسحاس قفر
مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن خزرج. منهم: حبيب بن زيد، قطع مسليمة جسده، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعثه إليه؛ وعبد الرحمن بن كعب من الذين تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع، بدري، وقيس بن أبي صعصعة، بدري، وغزيّة بن عمرو، عقبي.
بنو الحارث بن الخزرج. منهم: عبد الله بن رواحة الشاعر، بدري عقبي نقيب.
وخلاد بن سويد، بدري، قتل يوم قريظة. وسعد بن الربيع، بدري عقبي نقيب، قتل يوم أحد. وخارجة بن زيد، بدري عقبي نقيب قتل يوم أحد. وابنه زيد بن خارجة الذي تكلم بعد موته. وثابت بن قيس بن شماس، خطيب النبي صلّى الله عليه وسلم، قتل يوم اليمامة وهو على الأنصار؛ وبشير بن سعد، بدري عقبي. وأبو النعمان بن بشير. وزيد بن أرقم. وابن الأطنابة الشعر. ويزيد بن الحارث الشاعر، بدري. وأبو الدرداء وهو عويمر بن زيد. وعبد الله بن زيد الذي أري الأذان. وسبيع بن قيس، بدري. وعامر بن كعب الشاعر.
بنو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج. منهم: أبو مسعود عقبة بن عمرو، بدري عقبي، وعبد الله بن الربيع، بدري. وأبو سعيد الخدري وهو سعد بن مالك.
بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج. منهم سعد بن عبادة بن دليم، كان من النقباء، وهو الذي دعا إلى نفسه يوم سقيفة بني ساعدة. والمنذر بن عمرو، بدري عقبي نقيب، قتل يوم بئر معونة. وأبو دجانة وهو سماك بن أوس بن خرشة. وقيس بن سعد. وأبو أسيد وهو مالك بن ربيعة قتل يوم اليمامة. ومسلمة بن مخلد.
(3/329)

سالم بن عوف بن الخزرج. منهم: الرّمق بن زيد الشاعر، جاهلي. ومالك بن العجلان بن زيد بن سالم سيد الأنصار الذي قتل الفطيون.
القوقل: هو غنم بن عمرو بن عوف بن الخزرج. منهم: عبادة بن الصامت، بدري نقيب. ومالك بن الدّخشم، بدري. والحارث بن خزيمة، بدري.
بنو بياضة بن عامر بن زريق. منهم: زياد بن لبيد، بدري. وفروة بن عمرو، بدري عقبي. وخالد بن قيس، بدري. وعمرو بن النعمان رأس الخزرج يوم بعاث.
وابنه النعمان صاحب راية المسلمين بأحد.
العجلان بن زيد بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج؛ ومن بني العجلان: عبد الله بن نضلة بن مالك بن العجلان البدري، قتل يوم أحد. وعياش بن عبادة بن نضلة. ومليل بن وبرة، بدري. وعصمة بن الحصين بن وبرة بدري. وأبو خيثمة، وهو مالك بن قيس.
الحبلي: وهو سالم بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج؛ سمي الحبلي لعظم بطنه. منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين؛ وابنه عبد الله بن عبد الله، شهد بدرا وقتل يوم اليمامة. وأوس بن خولي، بدري.
بنو زريق بن عامر بن زريق بن حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج.
منهم: ذكوان بن عبد قيس، بدري عقبي قتل يوم أحد. وأبو عبادة سعد بن عثمان، بدري. وعتبة بن عثمان بدري. والحرث بن قيس، بدري. وأبو عياش بن معاوية فارس جلوة، بدري. ومسعود بن خلدة، بدري. ورفاعة بن رافع، بدري. وأبو رافع بن مالك، أول من أسلم من الأنصار.
بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن شاردة بن جشم بن الخزرج. منهم: جابر ابن عبد الله صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام. ومعاذ بن الصّمّة، بدري. وخراش بن الصمة، شهد بدرا بفرسين. وعتبة بن أبي عامر، بدري. ومعاذ بن عمرو بن
(3/330)

الجموح، بدري، وهو الذي قطع رجل أبي لهب. وأخوه معوذ بن عمرو، قتلا يوم بدر. وأبو قتادة واسمه النعمان بن ربعي. وكعب بن مالك الشاعر وأبو مالك بن أبي كعب الذي يقول:
لعمر أبيها ما تقول حليلتي ... إذا فرّ عنها مالك بن أبي كعب
وبشر بن عبد الرحمن؛ والزبير بن حارثة؛ وأبو الخطاب وهو عبد الرحمن بن عبد الله؛ ومعن بن وهب- هؤلاء الخمسة شعراء- وعبد الله بن عتيك، قاتل ابن أبي الحقيق. هذا نسب الأنصار.
خزاعة
هو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر؛ وإنما قيل لهم خزاعة؛ لأنهم انخزعوا «1» من ولد عمرو بن عامر في إقبالهم من اليمن؛ وذلك أن بني مازن من الأزد لما تفرّقت الأزد من اليمن في البلاد- نزل بنو مازن على ماء بين زبيد ورمع يقال له غسان؛ فمن شرب منه فهو غساني؛ وأقبل بنو عمرو فانخزعوا من قومهم فنزلوا مكة؛ ثم أقبل أسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة فانخزعوا، فسموا خزاعة، وافترق سائر الأزد، فالأنصار وخزاعة وبارق والهجن وغسان: كلها من الأزد، فجميعهم من عمرو بن عامر، وذلك أن عمرو بن عامر ولد له حفنة والحارث وهو محرّق، لأنه أول من عذّب بالنار، وثعلبة العنقاء، وهو أبو الأنصار، وحارثة، وهو أبو خزاعة، وأبو حارثة، ومالك، وكعب، ووداعة، وهو في همدان، وعوف، وذهل، وهو وائل، وعمران. فلم يشرب أبو حارثة ولا عمران ولا وائل من ماء غسان، فليس يقال لهم غسان.
بطون من خزاعة
حليل بن حبشيّة بن سلول بن كعب بن ربيعة بن خزاعة. وهو كان صاحب البيت قبل قريش، منهم المحترش بن حليل بن حبشية- الذي باع مفتاح الكعبة من
(3/331)

قصي بن كلاب-، وهلال بن حليل، وكرز بن علقمة- الذي قفا أثر النبي صلّى الله عليه وسلم حتى دخل الغار، وهو الذي أعاد معالم الحرم في زمن معاوية فهي إلى اليوم-، وطارق ابن باهية الشاعر.
قمير بن حبشية بن سلول بن كعب بن ربيعة بن خزاعة. فمن بني قمير: بسر بن سفيان الذي كتب إليه النبي صلّى الله عليه وسلم، وجلجلة بن عمرو الذي ذكره أبو الكنود في شعره، ومن ولده قبيصة بن ذؤيب بن جلجلة، ومالك بن الهيثم بن عوف.
كليب بن حبشية بن سلول بن كعب بن ربيعة بن خزاعة؛ منهم: السفّاح ابن عبد مناة الشاعر، وخراش بن أبي أمية حليف بني مخزوم، وهو الذي حجم النبي عليه الصلاة والسّلام.
ضاطر بن حبشية بن سلول بن كعب بن ربيعة بن خزاعة. منهم: حفص بن هاجر الشاعر، وقرة بن إياس الشاعر. وكان ابنه يحيى بن قرة سيد قومه- وطلحة بن عبيد الله بن كريز بن الحدادية الشاعر، واسمه قيس بن عمرو.
حرام بن عمر بن حبشية بن سلول بن كعب بن ربيعة بن خزاعة. منهم أكثم ابن أبي الجون، وسلمان بن صرد بن الجون، ومعتب بن الأكوع الشاعر. وأم معبد: وهي عاتكة بنت خليف التي نزل بها النبي صلّى الله عليه وسلم في مهاجرته إلى المدينة.
غاضرة بن عمرو بن حبشية بن سلول بن كعب بن ربيعة بن خزاعة. منهم:
عمران بن حصين صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام؛ وسعيد بن سارية، ولي شرطة علي بن أبي طالب. وأبو جمعة جدّ كثيّر عزة. وجعدة وأبو الكنود ابنا عبد العزى.
مليح بن خزاعة، منهم: عبد الله بن خلف، قتل مع عائشة يوم الجمل. وأخوه سليمان بن خلف، كان مع عليّ يوم الجمل، وابنه طلحة بن عبد الله بن خلف يقال له طلحة الطلحات، وهو أجود العرب في الإسلام، وعمرو بن سالم الذي يقول:
لا همّ إنّي ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا «1»
(3/332)

ومنهم كثيّر عزة الشاعر، كنيته أبو عبد الرحمن.
عدي بن خزاعة. منهم: بديل بن ورقاء الذي كتب إليه النبي صلّى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، وابنه عبد الله بن بديل، ونافع بن بديل، قتل يوم بئر معونة، ومحمد بن ضمرة كان شريفا، والحيسمان بن عمرو الذي جاء بقتلى أهل بدر إلى مكة وأسلم بعد ذلك.
سعد بن كعب بن خزاعة؛ منهم: مطرود بن كعب الذي رثى بني عبد مناف، وعمرو بن الحمق صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام؛ وأبو مالك القائد وهو أسد بن عبد الله؛ والحصين بن نضلة، كان سيد أهل تهامة، مات قبل الإسلام؛ والحرث بن أسد، صاحب النبي صلّى الله عليه وسلم.
المصطلق بن سعد بن خزاعة؛ منهم جويرية بنت الخزرج زوج النبي عليه الصلاة والسّلام.
وإخوة خزاعة وهم ينسبون في خزاعة: أسلم بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن عامر؛ منهم: بريدة بن الحصيب صاحب النبيّ عليه الصلاة والسّلام. وسلمة بن الأكوع صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام.
وملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر. ومنهم ذو الشمالين، وهو عمير ابن عبد عمرو، شهد بدرا مع النبي صلّى الله عليه وسلم؛ ومالك بن الطّلاطلة، كان من المستهزئين من النبي صلّى الله عليه وسلم؛ ونافع بن الحارث ولي مكة لعمر بن الخطاب.
مالك بن أفصى بن عمرو بن عامر؛ منهم: عويمر بن حارثة؛ وسليمان بن كثير، من نقباء بني العباس، قتله أبو مسلم بخراسان.
سلامان بن أسلم بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن عامر، منهم: جرهد بن رزاح كان شريفا، وأبو بردة صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام.
فرغت خزاعة
(3/333)

بارق والهجن
ولد عدي بن حارثة بن عامر: سعدا- وهو بارق-، وعمرا- وهم الهجن- فخزاعة وبارق والهجن: من بني حارثة بن عمرو بن عامر.
فمن بارق: سراقة بن مرداس الشاعر وجعفر بن أوس الشاعر، ومنهم النعمان بن خميصة، جاهلي شريف. وبارق والهجن لا يقال لهما غسان؛ وغسان ماء بالمشلّل، فمن شرب منه من الأزد فهو غساني، ومن لم يشرب منه فليس بغساني؛ وقال حسان:
إما سألت فإنّا معشر نجب ... الأزد نسبتنا والماء غسّان
ومن الهجن: عرفجة بن هرثمة الذي جنّد الموصل، وعداده في بارق؛ ومنهم ربعة وملادس وثعلبة وشبيب وألمع، بنو الهجن.
حجر بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امريء القيس بن مازن بن الأزد؛ ومنهم: أبو شجرة بن حجنة، هاجر مع النبي صلّى الله عليه وسلم؛ ومنهم: صيفي بن خالد ابن سلمة بن هريم.
والعتيك: هو ابن الأزد بن عمران بن عمرو؛ منهم: المهلّب بن أبي صفرة، واسم أبي صفرة ظالم بن سراقة: وجديع بن سعيد بن قبيصة. ومن العتيك: عمرو بن الأشرف، قتل مع عائشة يوم الجمل؛ وابنه زياد بن عمرو، وكان شريفا؛ وثابت قطنة الشاعر. ويقال إن العتيك: ابن عمران بن عمرو بن أسد بن خزيمة. فهؤلاء بنو عمران بن عمرو بن عامر؛ وهم: الحجر، والأزد، والعتيك.
ومن بطون الأزد:
بنو ماسخة بن عبد الله بن مالك بن النصر بن الأزد، إليهم تنسب القسي الماسخية، كان أول من رمي بها بنو زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر من الأزد. ومنهم: حممة بن رافع: وفيهم: بنو النمر بن عثمان بن النصر بن هوازن؛ ومنهم: أبو الكنود صاحب ابن مسعود، قتل يوم
(3/334)

الفجار؛ وأبو الجهم بن حبيب، كان واليا لأبي جعفر: وأبو مريم، وهو حذيفة بن عبد الله، صاحب رايتهم يوم رستم، والحارث بن حصيرة الذي يحدّث عنه، ومخلد بن الحسن، كان فارسا بخراسان.
وفهم بن زهران بطن وحدّان بطن، وزيادة بطن. ومعولة، بنو شمس بن عمرو ابن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن هوازن.
فمن بني حدّان: صبرة بن شيبان، كان رأس الأزد يوم الجمل، وقتل يومئذ.
ومن بني معولة بن شمس: الجلندي بن المستكين صاحب عثمان، وابنه جيفر.
وكتب النبي عليه الصلاة والسّلام إلى جيفر وعبيد ابني الجلندي، ومنهم الغطريف الأصغر والغطريف الأكبر من بني دهمان بن نصر بن زهران، ومنهم سبالة، وحدروج، ورسن بنو عمرو بن كعب بن الغطريف، بطون كلهم، وبنو جعثمة بن يشكر بن ميسر بن صعب بن دهمان.
بنو راسب بن مالك بن ميدعان بن مالك بن نصر بن الأزد، منهم: عبد الله بن وهب ذو الثفنات، رئيس الخوارج، قتله علي بن أبي طالب يوم النّهروان. ومن الناس من ينسب بني راسب في قضاعة.
ثمالة، وهو عوف بن أسلم بن أبجر بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد. وثمالة منزلهم قريب من الطائف، وهم أهل رويّة وعقول، ومنهم: محمد بن يزيد النّحوي المعروف بالمبّرد صاحب الروضة، وقال فيه بعض الشعراء:
سألنا عن ثمالة كلّ حي ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت: محمد بن يزيد منهم ... فقالوا الآن زدت بهم جهاله
بنو لهب بن أبجر بن كعب بن الحارث بن كعب، وهم أعيف كل حيّ في العرب- العائف: الذي يزجر الطير- ولهم يقول كثيّر عزة:
تيّممت لهبا أبتغي العلم عندهم ... وقد ردّ علم العائفين إلى لهب
(3/335)

دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران، ومنهم حممة بن الحارث بن رافع، كان سيد دوس في الجاهلية، وكان أسخى العرب، وهو مطعم الحاج بمكة، ومنهم أبو هريرة صاحب النبيّ عليه الصلاة والسلام، واسمه عمير بن عامر. ومنهم جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، وجهضم بن عوف بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، ومنهم الجراميز، جمع جرموز، والقراديس، جمع قردوس، والقسامل، جمع قسملة، والأشاقر، جمع أشقر، وهم بنو عائذ بن دوس، وفيهم يقول الأعجم:
قالوا الأشاقر تهجوكم فقلت لهم ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا
وهم من الحسب الزاكي بمنزلة ... كطحلب الماء لا أصل ولا ورق
لا يكبرون وإن طالت حياتهم ... ولو يبول عليهم ثعلب غرقوا
عكّ بن عدثان بن عبد الله بن زهران. وعكّ أخو دوس بن عدثان بن عبد الله ابن زهران عند من نسبهم إلى الأزد، ومن قال غير ذلك، فهو عكّ بن عدثان أخو معد بن عدثان. وفي عكّ: قرن، وهو بطن كبير، منهم مقاتل بن حكيم، كان من نقباء بني هاشم بخراسان.
غسان، وهم بنو عمرو بن مازن، وفيهم: صريم، وبنو نفيل، وهم الصّبر، سموا بذلك لصبرهم في الحرب، وفي بني صريم شقران ونمران ابنا عمرو بن صريم، وهما بطنان في غسان.
وبنو عنزة بن عمرو بن عوف بن عمرو بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد.
منهم: الحارث بن أبي شمر الأعرج، ملك غسان الذي يقال فيه الجفني، وليس بجفني ولكن أمّه من بني جفنة. ومن بني عمرو بن مازن: عبد المسيح بن عمرو بن ثعلبة صاحب خالد بن الوليد، ومنهم عبد المسيح الجهبذ، ومنهم سطيح الكاهن، وهو ربيعة بن ربيعة.
ومن بني غسّان: بنو جفنة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امريء القيس بن مازن بن الأزد؛ ومنهم: ملوك غسان بالشام، وهم سبعة وثلاثون
(3/336)

ملكا، ملكوا ستمائة سنة وست عشرة سنة إلى أن جاء الإسلام.
بجيلة، وهم عبقر والغوث وصهيب، ووداعة وأشهل؛ نسبوا إلى أمّهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة؛ وهم بنو أنمار بن إراس بن عمرو بن الغوث، أخو الازد بن الغوث. منهم: جرير بن عبد الله صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام، وكان يقال لجرير: يوسف هذه الأمّة؛ لحسنه. وفيهم يقول الشاعر:
لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيله
ومنهم: الضّبين بن مضر الذي وقع ببني كنانة، ومنهم القاسم بن عقيل أحد بني عائذة بن عامر بن قداد. كان شريفا. وهو الذي ابتدأ منافرة بجيلة وقضاعة.
وفي بجيلة قسر بن عبقر منهم: خالد بن عبد الله القسري صاحب العراق.
ومنهم بنو أحمس، وهم بنو علقة بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث؛ وبنو زيد بن الغوث بن أنمار؛ وبنو دهن بن معاوية بن أسلم بن أحمس رهط عمار الدّهني.
ومن قبائل بجلة: هدم، وهديم، وأحمس، وعادية، وعديّة، وقينان، وعرينة بن زيد.
خثعم- هو: خثعم بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث. ففي خثعم: عفرس، وناهس، وشهران، فيها الشرف والعدد.
فمن بني شهران: بنو قحافة بني عامر بن ربيعة؛ منهم: أسماء بنت عميس، ومالك بن عبد الله الذي قاد خيل خثعم إلى النبي صلّى الله عليه وسلم.
ومن ربيعة بن عفرس: نفيل بن حبيب دليل الحبشة على الكعبة، وهو القائل:
وكلهم يسائل عن نفيل ... كأنّ عليّ للحبشان دينا
وما كانت دلالتهم بزين ... ولكن كان ذاك عليّ شينا «1»
فإنّك لو رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصّب ما رأينا
(3/337)

إذا لم تفرحي أبدا بشيء ... ولم تأسي على ما فات عينا «1»
حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وحصب حجارة ترمى علينا
ومن خثعم: عثعث بن قحامة، وهو الذي هزم همدان ومذحج. وله يقول الشاعر:
وجرثومة لم يدخل الذلّ وسطها ... قريبة أنساب كثير عديدها «2»
ململمة فيها فوارس عثعث ... بنوه وأبناء الأقيصر جيدها
ومنهم حمران الذي يقول:
أقسمت لا أموت إلّا حرّا ... وإن وجدت الموت طعما مرا
أخاف أن أخدع أو أغرّا
ويقال إن خثعم اسمه أفتل، وإنما خثعم جمل كان لهم نسبوا إليه.
همدان
وهو همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخبار بن مالك بن زيد بن كهلان؛ فولدت همدان: حاشدا وبكيلا؛ ومنهما تفرقت همدان.
فمن بطون همدان شبام، وهو عبد الله بن أسعد بن حاشد.
ومنهم ناعط وهو ربيعة بن مرثد بن حاشد بن جشم بن حاشد. ومنهم وداعة بن عمرو بن عامر، رهط مسروق بن الأجدع؛ ومن الناس من يزعم أنه وداعة بن عمرو بن عامر بن الأزد، ولكنهم انتسبوا إلى همدان ومن همدان: بنو السّبيع بن الصعب بن معاوية بن كبير بن مالك بن جشم بن حاشد؛ منهم: سعيد بن قيس بن زيد بن حرب بن معد يكرب بن سيف بن عمرو السبيعيّ؛ ومن بني ناعط: الحارث بن عميرة الذي يمدحه أعشى همدان بقوله:
(3/338)

إلى ابن عميرة تخدي بنا ... على أنها القلص الضّمّر «1»
ومن بني بكيل بن جشم بن خوان بن نوف بن همدان: بنو جوب- وهم الجوبيون- ابن شهاب بن مالك بن معاوية بن صعب بن دومان بن بكيل. وبنو أرحب بن دعام بن مالك بن معاوية بن صعب. وبنو شاكر، وهم أبو ربيعة بن مالك بن معاوية بن صعب، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الجمل: لو تمت عدّتهم ألفا لعبد الله حق عبادته. وكان إذا رآهم تمثل بقول الشاعر:
ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان سنّي فتحة الباب»
كالهندوانيّ لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجّاب «3»
وقال فيهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
لهمدان أخلاق ودين يزينهم ... وبأس إذا لاقوا وحسن كلام
فلو كنت بوّابا على باب جنّة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
ومن أشراف همدان: مالك بن حريم الدّلانيّ، وكان فارسا شاعرا؛ ومنهم محمد بن مالك الخيواني، وكان يجير قريشا في الجاهلية على اليمن؛ وفي همدان: جشم، وهم رهط أعشى همدان؛ وفيهم خيوان، وهو مالك بن زيد بن جشم بن حاشد؛ وفيهم دألان بن سابقة بن ناشج بن دافع؛ منهم مالك بن حريم الذي يقول:
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
متى تجمع القلب الذّكيّ وصارما ... وأنفا حميّا تجتنبك المظالم
ومنهم: أرحب بن دعام بن مالك بن معاوية بن صعب بن دومان بن بكيل.
منهم: أبو رهم بن مطعم الشاعر، هاجر إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وهو ابن خمسين ومائة سنة.
وفي همدان: إلهان بن مالك، وهو أخو همدان بن مالك، ومنهم: حوشب. قتل بصفين مع معاوية.
(3/339)

كندة
كندة بن عفير بن عديّ بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان.
فمن بطون كندة: الرائش بن الحارث بن معاوية بن كندة؛ منهم: شريح بن الحارث القاضي؛ ومنهم معاوية الأكرمين الذي مدحهم الأعشى؛ ومنهم الأشعث بن قيس بن معد يكرب؛ والصبّاح بن قيس وشرحبيل بن السّمط، ولي حمص؛ وحجر ابن عديّ الأدبر صاحب علي، وهو الذي قتله معاوية صبرا.
ومنهم: بنو مرة بن حجر، لهم مسجد بالكوفة؛ ومنهم: الأسود بن الأرقم؛ ويزيد بن فروة الذي أجار خالد بن الوليد يوم قطع نخل بني وليعة؛ وفي كندة معاوية الولّادة. سمي بذلك لكثرة ولده؛ ومنهم حجر الفرد، سمي بذلك لجوده، وأهل اليمن يسمون الجواد: الفرد، ومنهم معاوية مقطّع النّجد، كان لا يتقلد أحد معه سيفا إلا قطع نجاده.
فمن بني حجر الفرد الملوك الأربعة: مخوس، ومشرح، وجمد، وأبضعة؛ وأختهم العمرّدة، بنو معد يكرب بن وليعة بن شرحبيل بن حجر الفرد؛ وهم الذي يقول فيهم الشاعر:
نحن قتلنا بالنّجير أربعه ... مخوس مشرحا وجمدا أبضعه
ومن بني امريء القيس بن معاوية: رجاء بن حيوة الفقيه، وامرؤ القيس بن السّمط. ومن أشراف بني الحرث بن معاوية بن ثور: امرؤ القيس الشاعر ابن حجر ابن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن ثور؛ وهم ملوك كندة؛ ومنهم: حجر بن الحارث بن عمرو، وهو ابن أم قطام بنت عوف ابن محلم الشيباني.
ومن بطون كندة: السّكاسك والسكون. ابنا أشرس بن كندة؛ ومنهم معاوية
(3/340)

ابن حديج؛ قاتل محمد بن أبي بكر؛ ومنهم الجون بن يزيد، وهو أول من عقد الحلف بين كندة وبين بكر بن وائل؛ ومنهم حصين بن نمير السّكوني، صاحب الجيش بعد مسلم بن عقبة صاحب الحرّة.
ومن السّكون: تجيب؛ وهما عدي وسعد ابنا أشرس بن شبيب بن السكون وأمهما تجيب بنت ثوبان بن مذحج، إليها ينسبون.
فمن أشراف تجيب: ابن غزالة الشاعر، جاهلي، وهو ربيعة بن عبد الله؛ وحارثة بن سلمة، كان على السكون يوم محيّاة، وهو يوم اقتتلت معاوية بن كندة وكنانة بن بشر الذي ضرب عثمان يوم الدار.
والسّكاسك بن أشرس بن كندة، منهم الضّحاك بن رمل بن عبد الرحمن؛ وحويّ بن مانع الذي زعم أهل الشام أنه قتل عمّار بن ياسر؛ ويزيد بن أبي كبشة صاحب الحجاج. انقضى نسب كندة.
مذحج
ومن بني أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان: مالك بن أدد، وهو مذحج وطّيء بن أدد والأشعر ابن أدد.
وقال ابن الكلبي: إن مذحج بن أدد هو ذو الأنعام، وله ثلاثة نفر: مالك بن مذحج وطيء بن مذحج والأشعر بن مذحج.
فمن قبائل مذحج: سعد العشيرة بن مالك بن أدد؛ وولده الحكم بن سعد العشيرة، وهو قبيل كبير؛ منهم الجراح بن عبد الله الحكمي، قتله الترك أيام عمر ابن عبد العزيز، وهم موالي أبي نواس. وفي بعضهم يقول:
يا شقيق النّفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنّم
(3/341)

وإنما سمي سعد العشيرة؛ لأنه لم يمت حتى ركب معه من ولده وولد ولده ثلاثمائة رجل؛ ومنهم عمير بن بشر، ومنهم بندقة بن مظة.
ومن بطون سعد العشيرة: جعف بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد؛ وصعب ابن سعد العشيرة، دخل في جعف وجزء بن سعد العشيرة فمن ولد جزء بن سعد العدل، والجمد؛ وكان العدل على شرطة تبع، وكان إذا أراد قتل رجل قال:
يجعل على يدي عدل. وهو قول الناس: فلان على يدي عدل، إذا كان مشرفا على الهلاك.
ومن أشراف جعف: أبو سبرة، وهو يزيد بن مالك: كان وفد إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فدعا له: ومنهم شراحيل بن الأصهب، كان أبعد العرب غارة كان يغزو من حضرموت إلى البلقاء في مائة فارس من بني أبيه؛ فقتله بنو جعدة ففيه يقول نابغة بني جعدة.
أرحنا معداّ من شراحيل بعد ما ... أراها مع الصّبح الكواكب مظهرا
وعلقمة الحرّاب أدرك ركضنا ... بذي الرّمث إذ صام النّهار وهجّرا «1»
وعلقمة الحزاب كان رأس بني جعف بعد شراحيل. ومن بني جعف: زحر ابن قيس صاحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومنهم الأشعر بن أبي حمران الذي يقول فيه:
أريد دعاء بني مازن ... وراق المعلّى بياض اللّبن «2»
خليلان مختلف بيننا ... أريد العلاء ويبغي السّمن
ومنهم: عبيد الله بن مالك الفاتك الجعفي.
ومن بني سعد العشيرة: أود؛ وزبيد، واسمه منبّه؛ وهما ابنا صعب بن سعد العشيرة وزبيد الأصغر، وهو منبه الأصغر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن زبيد بن صعب بن سعد العشيرة. ومنهم: أبو المغراء الشاعر، ومنهم الزعافر وهو
(3/342)

عامر بن حرب بن سعد بن منبه بن أود: ومنهم عبد الله بن إدريس الفقيه، ومنهم الأفوه الشاعر، واسمه صلاءة بن عمرو، ومنهم: بنو رمّان بن كعب بن أود، من ولده عافية بن يزيد القاضي، وبنو قرن لهم مسجد بالكوفة.
زبيد بن صعب بن سعد العشيرة. واسمه منبّه وهو زبيد الأكبر. من ولده زبيد الأصغر، وهو زبيد بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن زبيد بن صعب.
ومن بني زبيد الأصغر: عمرو بن معد يكرب، وعاصر ابن الأصقع الشاعر، ومعاوية بن قيس بن سلمة، وهو الأفكل، وكان شريفا، وإنما سمي الأفكل لأنه كان إذا غضب أرعد؛ ويقال: الافكل من بني زبيد الأكبر. ومنهم: الحارث بن عمرو بن عبد الله بن قيس بن أبي عمرو بن ربيعة بن عاصم بن عمرو بن زبيد الأصغر. فهذه سعد العشيرة.
ومن مذحج: جنب، وصداء، ورهاء؛ فمن بني جنب: منبه، والحارث، والغليّ وشيحان، وشمران، وهفّان. فهؤلاء الستة- وهم جنب- بنو يزيد بن حرب بن علة ابن خالد بن مالك بن أدد؛ وإنما قيل لهم جنب؛ لأنهم جانبوا أخاهم صداء وحالفوا سعد العشيرة؛ وحالفت صداء بني الحارث بن كعب. فمن جنب أبو طبيان الجنبيّ الفقيه. ومنهم: معاوية الخير بن عمرو بن معاوية صاحب لواء مذحج. وهو الذي أجار مهلهل بن ربيعة التغلبي على بكر بن وائل، فتزوج ابنة مهلهل. وفي ذلك يقول مهلهل بن ربيعة أخو كليب وائل:
هان على تغلب بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جشم
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم «1»
لو بأبانين جاء يخطبها ... رمّل ما أنف خاطب بدم «2»
وقوله: وكان الحباء من أدم، أي انه ساق إليها في مهرها قبة من أدم.
(3/343)

صداء بن يزيد بن حرب بن علة بن جلد بن مالك بن أدد، وهم حلفاء بني الحارث بن كعب بن مذحج.
رهاء بن منبّه بن علة بن جلد بن مالك. ومنهم: هزّان بن سعد بن قيس بن سرمح، كان من أشراف أهل الشام.
بنو الحارث بن كعب بن حرب بن علة بن جلد بن مالك بن أدد، وهو بيت مذحج. منهم: زعبل، بطن في بني الحارث، وهو الذي يقال فيه: لا يكلم زعبل.
وكان شريفا. ومنهم المحجّل بن حزن. ومنهم بنو حماس بن ربيعة. منهم النجاشي واسمه قيس بن عمرو. وفيهم بنو المعقل بن كعب بن ربيعة. ومنهم مرثد ومريثد ابنا سلمة بن المعقل، قيل لهم المراثد. ومنهم المأمون بن معاوية اجتمعت عليه مذحج ومزاحم بن كعب. ومنهم اللجلاج، وأخوه مسهر الذي فقأ عين عامر بن الطّفيل يوم فيف فيف الريح، وعبد يغوث بن الحارث الشاعر قتيل التّيم يوم الكلاب، وهو القائل:
أقول وقد شدّوا لساني بنسعة ... ألا يال تيم أطلقوا من لسانيا «1»
وتضحك مني شيخة عبشميّة ... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا «2»
ومنهم بنو قنان بن سلمة. منهم: الحصين ذو الغصّة بن مرثد بن شدّاد بن قنان، وهو رأس بني الحارث، عاش مائة سنة، وكان يقال لبنيه: فوارس الأرباع، قتلته همدان؛ من ولده: كثير بن شهاب بن الحصين.
ومنهم: محمد بن زهرة بن الحارث.
وفي بني الحارث بن كعب: الضّباب؛ منهم هند بن أسماء الذي قتل المنتشر البلهلي.
وفيهم: بنو الدّيّان. فيهم زياد بن النضر صاحب علي. والربيع بن زياد، ولي
(3/344)

خراسان أيام معاوية. والنابغة الشاعر، واسمه يزيد بن أبان. هؤلاء بنو الحارث بن كعب.
الضّباب في بني الحارث بن كعب: مفتوحة الضاد، وفي عامر بن صعصعة:
مكسورة الضاد.
ومن بطون مذحج: مسلية بن عامر بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك. فولد مسلية، كنانة وأسدا: منهما تفرقت مسلية.
كنانة وأسد ابنا مسلية. فمن بني كنانة بن مسلية: بنو صبح وثعلبة ابنا ناشرة، وأمهما حبابة بها يعرفون. منهم أبيّ بن ربيعة بن صبح الذي يقول له عمرو بن معد يكرب:
تمنّاني ليقتلني أبيّ ... وددت وأينما مني ودادي
ومن بني حبابة: عامر بن إسماعيل القائد، وابن الحبابة الشاعر، جاهلي ومن مذحج النّخع بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد.
فمن بطون النخع: عمرو، بطن؛ وصهبان، بطن؛ ووهبيل، بطن؛ وعامر، بطن؛ وجذيمة، بطن؛ وحارثة، بطن؛ وكعب، بطن.
فمن بني جذيمة سعد بن مالك بن جلد بن النخع: الأشتر، واسمه مالك بن الحارث؛ وثابت بن قيس بن أبي المنقّع.
ومن بني حارثة بن سعد بن مالك بن النخع: إبراهيم بن يزيد الفقيه، والحجاج ابن أرطاة.
ومن بني وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع: سنان بن أنس الذي قتل الحسين ابن علي؛ وشريك بن عبد الله القاضي.
ومن بني صهبان بن سعد بن مالك بن النخع: كميل بن زياد صاحب علي بن أبي طالب، قتله الحجاج.
وفي النخع: جشم، وبكر. فمن بني جشم: العريان بن الهيثم بن الأسود.
(3/345)

ومن بني بكر بن عوف بن النّخع: يزيد بن المكفف. وعلقمة بن قيس. وأخوه أبيّ بن قيس، قتل مع عليّ بصفين. وأخوهما يزيد بن قيس. وابنه الأسود بن يزيد العابد.
ومن مذحج: عنس بن مالك بن أدد. فولد عنس: سعدا الأكبر، وسعدا الأصغر، ومالكا، وعمرا، ومخامرا، ومعاوية، وعريبا، وعتيكا، وشهابا، والقرّية، وياما.
فمن بني مالك بن عنس: الأسود بن كعب الذي تنبأ باليمن.
ومن بني يام بن عنس: عمّار بن ياسر صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام.
ومن بني سعد الأكبر: الأسود بن كعب: تبناه سعد الأكبر، وكان كاهنا.
ومن أشراف عنس: عامر بن ربيعة، شهد بدرا مع النبي صلّى الله عليه وسلم وهو حليف لقريش.
ومن بطون مذحج: مراد بن مالك بن مذحج بن أدد، ويسمى يحابر.
فمن بطون مراد: ناجية وزاهر وأنعم. فمن بني ناجية بن مراد: فروة بن مسيك، كان واليا لرسول الله صلّى الله عليه وسلم على نجران.
ومن بني زاهر بن مراد: قيس بن هبيرة بن عبد يغوث. ومنهم أويس الفرني بن عمرو بن مالك بن عمرو بن سعد بن عمرو بن عصوان بن قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد، وهو الذي يقال أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال فيه: يدخل بشفاعته الجنة مثل ربيعة ومضر. وكان من التابعين، وقد أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وفي ناجية بن مراد: بنو غطيف بن عبد الله بن ناجية، ويقال إنهم من الأزد.
وهانيء بن عروة المقتول مع مسلم بن عقيل.
وفي ناجية بن مراد: بنو جمل بن كنانة بن ناجية، منهم: هند بن عمرو، قتله عمرو بن اليثربيّ يوم الجمل، وقال فيّ ذلك:
لمن يجهلني ابن اليثربي ... قتلت علباء وهند الجمليّ
وابنا لصوحان على دين علي
(3/346)

ومن بني زاهر بن مراد: قيس بن هبيرة بن عبد يغوث، وهو قيس بن مكشوح.
طيء
هو طيء بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان أخو مذحج، ويقال ابن مذحج في رواية ابن الكلبي؛ فولد طيء الغوث وفطرة والحارث.
فمن بطون طيء: جديلة وهم بنو جندب وبنو حور، وأمهما جديلة وبها يعرفون، وهي جديلة طيء. فأما بنو حور بن جديلة فسهليون وليسوا من الجبليين، وأما بنو جندب بن جديلة فهم من الجبليين، وفيهم الشّرف والعدد، وفيهم الثعالب، وهم بنو ثعلبة بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب.
فمن بني ثعلبة بن جدعاء: المعلي بن تيم بن ثعلبة بن جدعاء، عليه نزل امرؤ القيس بن حجر الشاعر؛ إذ قتل أبوه حجر بن الحارث، وقال في المعلى:
كأنّي إذ نزلت على المعلىّ ... نزلت على البواذخ من شمام «1»
فما ملك العراق على المعلى ... بمقتدر ولا ملك الشّآم
أقرّحشا امريء القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظّلام
فسمّي بنو تيم بن ثعلبة: مصابيح الظلام.
فمن ثعلبة بن جدعاء: الحر بن مشجعة بن النعمان، كان رئيس جديلة يوم مسيلمة الكذاب؛ ومنهم أوس بن حارثة بن لأم سيد طيء؛ ومنهم حاتم بن عبد الله الجواد؛ وابنه عدي بن حاتم، وفد على النبي صلّى الله عليه وسلم فألقى له وسادة وأجلسه عليها وجلس هو على الأرض. قال عدي: فما رمت حتى هداني الله للإسلام، وسرّني ما رأيت من إكرام رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وفي بني عمرو بن الغوث بن طيء: ثعل، بطن؛ ونبهان، بطن؛ وبولان، بطن؛
(3/347)

وسلامان، بطن؛ وهنيّ، بطن.
فمن هنيّ: إياس بن قبيصة: وأبو زبيد الشاعر، واسمه حرملة بن المنذر. ومن بني سلامان: بنو بحتر، بطن طيء، ومن بني بحتر معترض بن صالح، اجتمعت عليه جديلة والغوث.
ومن بني ثعل: عمرو بن عبد المسبّح. كان أرمى العرب، وإياه يعني امرؤ القيس بقوله:
ربّ رام من بني ثعل ... مخرج كفّيه من قتره «1»
وأدرك النبي عليه الصلاة والسّلام وهو ابن خمس ومائة سنة، فأسلم.
ومن بني ثعل: أبو حنبل الذي يعد في الأوفياء نزل به امرؤ القيس ومدحه ومنهم زيد الخيل، وفد على النبي صلّى الله عليه وسلم فسماه زيد الخير، وقال: «ما بلغني عن أحد إلا رأيته دون ما بلغني، إلا زيد الخيل» .
وفي طيء: سدوس. وهي مضمومة السين، والتي في ربيعة مفتوحة السين.
الأشعر
هو الأشعر بن أدد أخو مذحج- ويقال: ابن مذحج، في رواية ابن الكلبي- فولد الأشعر: الجماهر، والأرغم، والأدغم، والأنعم، وجدّة، وعبد شمس، وعبد الثّريا.
فمن بطون الأشعريين: مراطة، وصنامة، وأسد، وسهلة، وعكابة، والشراعبة، وعسامة، والدعالج.
ومن أشراف الأشعريين: أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس، صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام، ومنهم مالك بن عامر بن هانيء بن خفاف، وفد على النبي صلّى الله عليه وسلم وشهد القادسية، وهو أول من عبر دجلة يوم المدائن، وقال في ذلك:
(3/348)

امضوا فإنّ البحر بحر مأمور ... والأوّل القاطع منكم مأجور
قد خاب كسرى وأبوه سابور ... ما تصنعون والحديث مأثور
وابنه سعد بن مالك، كان من أشراف أهل العراق، ومنهم: السائب بن مالك، كان على شرطة المختار وهو الذي قوي أمره؛ ومنهم: أبو مالك الأشعري، زوّجه النبي عليه الصلاة والسّلام إحدى نساء بني هاشم وقال لها: «ما رضيت أن زوجتك رجلا هو وقومه خير مما طلعت عليه الشمس!» وقال النبي عليه الصلاة والسّلام: «يا بني هاشم، زوّجوا الأشعريين وتزوجوا إليهم؛ فإنهم في الناس كصرة المسك وكالأترج الذي إن شممته ظاهرا وجدته طيبا، وإن اختبرت باطنه وجدته طيبا» .
فهؤلاء بنو أدد، وهم مذحج وطيء والأشعر، بنو أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
لخم
هو مالك بن عدى بن الحارث بن مرة بن أدد. فولدت لخم: جزيلة، ونمارة؛ ومنهما تفرقت بطون لخم.
فمن بني نمارة: بنو الداري، وهو هانيء بن حبيب بن نمارة. منهم تميم الداري صاحب النبي عليه الصلاة والسّلام.
وفي نمارة الأجود، وهم بنو مازن بن عمرو بن زياد بن نمارة رهط الطرمّاح بن حكيم الشاعر؛ ويقال إن الطرماح من طيء- ومنهم: قصير بن سعد صاحب جذيمة الأبرش.
ومن بني نمارة: ملوك الحيرة اللّخميون. رهط النعمان بن المنذر بن امريء القيس ابن النعمان.
وفي جزيلة بن لخم بطون كثيرة، منهم: إراش، وحجر، ويشكر وأدب، وخالفة- وهو راشدة- وغنم، وجديس، بطن عظيم.
(3/349)

وفي جزيلة بن لخم أيضا العمرّط، وفيهم عباد الحيري منهم رهط عدي بن زيد العبادي. وفيهم بنو منارة، وفيهم جدس بن إدريس بن جزيلة بن لخم منهم مالك بن ذعر بن حجر بن جزيلة بن لخم؛ يقال إنه الذي استخرج يوسف بن يعقوب- صلوات الله وسلامه عليه- من الجب.
جذام
هو جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد. فولد جذام حراما وحشم؛ ومنهما تفرقت جذام.
فمن بني حشم بن جذام: بنو عتيب بن أسلم بن خالد بن شنوءة بن تديل ابن حشم بن جذام، وهم الذين ينسبون في بني شيبان.
وفي حرام بن جذام بنو غطفان، وأفصى، ابنا سعد بن إياس بن حرام؛ وفيهما عدد جذام وشرفها؛ ويقال إن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان هو هذا.
فمن بني أفصى بن سعد: روح بن زنباع، وزير عبد الملك بن مروان؛ وقيس بن زيد، وفد علي النبي صلّى الله عليه وسلم.
ومن بني غطفان بن سعد: عنبس، ونضرة، وأبامة، وعبدة، وحرب، وريث، وعبد الله، بطون كلهم؛ فانتسب ريث وعبد الله في غطفان بن قيس، وغيرهم في جذام.
عاملة
هم بنو الحارث بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، ولد الحارث الزهد ومعاوية وأمهما عاملة بنت مالك بن ربيعة بن قضاعة، فنسبا إلى أمهما؛ ويقال عاملة هو الحارث نفسه.
فمن بني معاوية بن عاملة: شعل، وسلبة، وعجل، بطون كلهم.
فمن أشراف عاملة قوّال بن عمر؛ وشهاب بن برهم، وكان سيدا؛ وهمام بن
(3/350)

معقل، وكان شريفا مع مسلمة بن عبد الملك؛ ومنهم عدي بن الرقاع الشاعر؛ ومنهم قعيسيس الذي أسر عدي بن حاتم الطائي فأخذه منه شعيب بن الربيع الكلبي فأطلقه بغير فداء.
فهؤلاء بنو عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ؛ وهم لخم وجذام وعاملة، بنو عدي بن الحارث؛ وكندة بن عفير بن عدي بن الحارث.
خولان
هو خولان بن عمرو بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مرة بن أدد. فولد خولان، حبيبا، وعمرا، والأصهب، وقيسا، ونبتا، وبكرا، وسعدا؛ منهم أبو مسلم عبد الرحمن بن مشكم الفقيه.
جرهم
هو من القبائل القديمة، وهو جرهم بن يقطن بن عابر. وعند عابر تجتمع يمن ومضر؛ لأن مضر كلها بنو فالغ بن عابر، واليمن كلها بنو قحطان بن عابر.
حضرموت
هو ابن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قصيّ بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير.
منهم: ذو مرحب، وذو نحو؛ ومنهم الأعدل؛ ومنهم: بنو مرثد، وبنو ضجع، وبنو حجر، وبنو رحب، وبنو أقرن، وبنو قليان.
قول الشعوبية وهم أهل التسوية
ومن حجة الشعوبية على العرب أن قالت: إنا ذهبنا إلى العدل والتسوية، وأن الناس كلهم من طينة واحدة وسلالة رجل واحد.
(3/351)

واحتججنا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: المؤمنون إخوة، تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. وقوله في حجة الوداع، وهي خطبته التي ودع فيها أمّته وختم نبوّته: «أيها الناس، إنّ الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء. كلّكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجميّ فضل إلا بالتقوى» .
وهذا القول من النبي عليه الصلاة والسلام موافق لقول الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«1» فأبيتم إلا فخرا وقلتم لا تساوينا العجم وإن تقدّمتنا إلى الإسلام، ثم صلت حتى تصير كالحنى، وصامت حتى تصير كأوتار، ونحن نسامحكم ونجيبكم إلى الفخر بالآباء الذي نهاكم عنه نبيكم صلّى الله عليه وسلم، إذ أبيتم إلا خلافه، وإنما نجيبكم إلى ذلك لاتباع حديثه وما أمر به صلّى الله عليه وسلم، فنرد عليكم حجتكم في المفاخرة، ونقول: أخبرونا إن قالت لكم العجم هل تعدون الفخر كله أن يكون ملكا أو نبوّة؟ فإن زعمتم أنه ملك قالت لكم: وإن لنا ملوك الأرض كلها من الفراعنة والنماردة والعمالقة والأكاسرة والقياصرة، وهل ينبغي لأحد أن يكون له مثل ملك سليمان الذي سخّرت له الإنس والجن والطير والريح، وإنما هو رجل منا؟ أم هل كان لأحد مثل ملك الإسكندر الذي ملك الأرض كلها وبلغ مطلع الشمس ومغربها وبنى ردما من حديد ساوى به بين الصّدفين، «2» وسجن وراءه خلقا من الناس تربى على خلق الأرض كلها كثرة؛ يقول الله عز وجل: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
«3» فليس شيء أدل على كثرة عددهم من هذا، وليس لأحد من ولد آدم مثل آثاره في الأرض؛ ولو لم يكن له إلا منارة الإسكندرية الذي أسسها في قعر البحر وجعل في رأسها مرآة يظهر البحر كله في زجاجتها. وكيف ومنا ملوك الهند الذين كتب أحدهم إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف
(3/352)

ملك، والذي تحته بنت ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل، والذي له نهران ينبتان العود والفوه «1» والجوز والكافور، الذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلا- إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئا. أما بعد، فإني أردت أن تبعث إليّ رجلا يعلمني الإسلام ويوقفني على حدوده والسّلام.
وإن زعمتم أنه لا يكون الفخر إلا بنبوّة فإن منا الأنبياء والمرسلين قاطبة من لدن آدم ما خلا أربعة: هودا وصالحا وإسماعيل وحمدا؛ ومنا المصطفون من العالمين: آدم ونوح، وهما العنصران اللذان تفرع منهما البشر: فنحن الأصل وأنتم الفرع، وإنما أنتم غصن من أغصاننا، فقولوا بعد هذا ما شئتم وادّعوا. ولم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض [لها] ملوك تجمعها، ومدائن تضمها، وأحكام تدين بها، وفلسفة تنتجها، وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات: مثل صنعة الديباج، وهي أبدع صنعة؛ ولعب الشطرنج، وهي أشرف لعبة، ورمانة القبان التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل؛ ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون، والأسطرلاب الذي يعدل به النجوم ويدرك به علم الأبعاد ودوران الأفلاك، وعلم الكسوف [وغير ذلك من الآثار المتقنة] ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها، ويضم قواصيها، ويقمع ظالمها، وينهى سفيهها؛ ولا كان لها قط نتيجة في صناعة، ولا أثر في فلسفة، إلا ما كان من الشعر وقد شاركتها فيه العجم، وذلك أن للروم أشعارا عجيبة قائمة الوزن والعروض؛ فما الذي تفخر به العرب على العجم؟ فإنما هي كالذئاب العادية، والوحوش النافرة، يأكل بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض، فرجالها موثقون في حلق الأسر، ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل، فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي وقد وطئن كما توطأ الطريق المهيع، فخر بذلك شاعر فقال:
والحق ركب المردفات عشيّة
فقيل له: ويحك! وأي فخر لك أن تلحق بالعشي وقد نكحن وامتهنّ؟
(3/353)

وقال جرير يعيّر بني دارم بغلبة قيس عليهم يوم رحرحان:
وبرحرحان غداة كبّل معبد ... نكحت نساؤكم بغيّر مهور
وقال عنترة لامرأته:
إنّ الرّجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى سير الرّكاب وأجنب
ويكون مركبك القعود ورحله ... وابن النّعامة عند ذلك مركبي «1»
أراد بابن النعامة: باطن القدم.
وسبي ابن هبولة الغسّاني امرأة الحارث بن عمرو الكندي. فلحقه الحارث فقتله وارتجع المرأة وقد كان نال منها، فقال لها: هل كان أصابك؟ قالت: نعم والله، فما اشتملت النساء على مثله! فأوثقها بين فرسين ثم استحضرهما «2» حتى قطعاها؛ وقال في ذلك:
كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الودّ عهدها خيتعور «3»
إنّ من غرّه النساء بودّ ... بعد هند لجاهل مغرور
وسبت بنو سليم ريحانة أخت عمرو بن معد يكرب فارس العرب، فقال فيها عمرو:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع
وفيها يقول:
إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وأغار الحوفزان على بني سعد بن زيد مناة، فاحتمل الزرقاء من بني ربيع بن الحارث، فأعجبته وأعجبها؛ فوقع بها، ثم لحقه قيس بن عاصم، فاستنقذها وردّها إلى أهلها بعد أن وقع بها.
(3/354)

فهذا كان شأن العرب والعجم في جاهليتها. فلما أتى الله بالإسلام كان للعجم شطر الإسلام؛ وذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلم بعث إلى الأحمر والأسود من بني آدم، وكان أوّل من تبعه حرّ وعبد واختلف الناس فيهما، فقال قوم: أبو بكر وبلال، وقال قوم:
عليّ وصهيب.
ولما طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم صهيبا على المهاجرين والأنصار فصلى بالناس وقيل له: استخلف. فقال: ما أجد من أستخلف. فذكر له الستة من أهل حراء، فكلهم طعن «1» عليه، ثم قال: لو أدرك سالما مولى أبي حذيفة حيا لما شككت فيه. فقال في ذلك شاعر العرب:
هذا صهيب أمّ كلّ مهاجر ... وعلا جميع قبائل الأنصار
لم يرض منهم واحد لصلاتنا ... وهم الهداة وقادة الأخيار
هذا ولو كان المثرّم سالم ... حياّ لنال خلافة الأمصار
ما بال هذي العجم تحيا دوننا ... إن الغويّ لفي عمى وخسار «2»
وقال بجير يعيّر العرب باختلافها في النسب واستلحاقها للأدعياء:
زعمتم بأن الهند أولاد خندف ... وبينكم قربى وبين البرابر
وديلم من نسّل ابن ضبّة باسل ... وبرجان من أولاد عمرو بن عامر
فقد صار كلّ الناس أولاد واحد ... وصاروا سواء في أصول العناصر
بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم ... وأولى بقربانا ملوك الأكاسر «3»
أتطمع في صهري دعياّ مجاهرا ... ولم تر سترا من دعيّ مجاهر
وتشتم لؤما رهطه وقبيله ... وتمدح جهلا طاهرا وابن طاهر
وقد ذكرت هذا الشعر تامّا في كتاب النساء والأدعياء والنجباء.
وقال الحسن بن هانيء على مذهب الشعوبية:
(3/355)

وجاورت قوما ليس بيني وبينهم ... أواصر إلا دعوة وبطون «1»
إذا ما دعا باسمي العريف أجبته ... إلى دعوة ممّا عليّ يهون
لأزدعمان بالمهلّب نزوة ... إذا افتخر الأقوام ثم تلين «2»
وبكر يرى أن النّبوة أنزلت ... على مسمع في البطن وهو جنين
وقالت تميم لا نرى أنّ واحدا ... كأحنفنا حتّى الممات يكون
فلا لمت قيسا بعدها في قتيبة ... إذا افتخروا إنّ الفخار فنون
ردّ ابن قتيبة على الشعوبية
قال ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب:
وأمّا أهل التسوية فإن منهم قوما أخذوا ظاهر بعض الكتاب والحديث، فقضوا به ولم يفتشوا عن معناه، فذهبوا إلى قوله عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«3» وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
«4» وإلى قول النبي عليه الصلاة والسّلام في خطبته في حجة الوداع: أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء. ليس لعربي على عجمي فخر إلا بالتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب.
وقوله: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.
وإنما المعنى في هذا أن الناس كلهم من المؤمنين سواء في طريق الأحكام والمنزلة عند الله عز وجل والدار الآخرة.
لو كان الناس كلهم سواء في أمور الدنيا ليس لأحد فضل إلا بأمر الآخرة، لم يكن في الدنيا شريف ولا مشروف ولا فاضل ولا مفضول؛ فما معنى قوله صلّى الله عليه وسلم «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وقوله صلّى الله عليه وسلم: «اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» . وقوله صلّى الله عليه وسلم في قيس بن عاصم: «هذا سيد الوبر» . «5» وكانت العرب تقول: لا يزال الناس بخير ما
(3/356)

تباينوا فإذا تساووا هلكوا. تقول: لا يزالون بخير ما كان فيهم أشراف وأخيار، فإذا جملوا كلهم جملة واحدة هلكوا.
وإذا ذمّت العرب قوما قالوا: سواسية كأسنان الحمار. وكيف يستوي الناس في فضائلهم والرجل الواحد لا تستوي في نفسه أعضاؤه ولا تتكافأ مفاصله، ولكن لبعضها الفضل على بعض، وللرأس الفضل على جميع البدن بالعقل والحواس الخمس.
وقالوا: القلب أمير الجسد. ومن الأعضاء خادمة، ومنها مخدومة.
قال ابن قتيبة: ومن أعظم ما ادعت الشعوبية فخرهم على العرب بآدم عليه السّلام وبقول النبي عليه الصلاة والسّلام: «لا تفضّلوني عليه، فإنما أنا حسنة من حسناته» . ثم فخرهم بالأنبياء أجمعين وأنهم من العجم غير أربعة: هود وصالح وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسّلام؛ واحتجوا بقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
«1» ثم فخروا بإسحاق بن إبراهيم، وأنه لسارة، وأنّ إسماعيل لأمة تسمى هاجر. وقال شاعرهم:
في بلدة لم تصل عكل بها طنبا ... ولا خباء، ولا عك وهمدان «2»
ولا لجرم ولا بهراء من وطن ... لكنها لبني الأحرار أوطان
أرض يبنّي بها كسرى مساكنه ... فما بها من بني اللّخناء إنسان
فبنو الأحرار عندهم: العجم؛ وبنو اللخناء عندهم: العرب؛ لأنهم من ولد هاجر وهي أمة، وقد غلطوا في هذا التأويل، وليس كل أمة يقال لها اللخناء إنما اللخناء من الإماء الممتهنة في رعي الإبل وسقيها وجمع الحطب، وإنما أخذ من اللخن، وهو نتن الريح؛ يقال: لخن السقاء، إذا تغير ريحه؛ فأما مثل هاجر التي طهرها الله من كل دنس وارتضاها للخليل فراشا، وللطّيّبين إسماعيل ومحمد أمّا، وجعلهما سلالة- فهل يجوز لملحد فضلا عن مسلم أن يسميها لخناء!
(3/357)

رد الشعوبية على ابن قتيبة
قال بعض من يرى رأي الشعوبية فيما يردّ به على ابن قتيبة في تباين الناس وتفاضلهم، والسيد منهم والمسّود.
إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم، ولا السيد منهم والمسود، والشريف والمشروف؛ ولكنا نزعم أنّ تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم، ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم؛ ألا ترى أنه من كان دنيء الهمة، ساقط المروءة، لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها، ومن أمية في أرومتها، ومن قيس في أشرف بطن منها؛ إنما الكريم من كرمت أفعاله، والشريف من شرفت همته؛ وهو معنى حديث النبي عليه الصلاة والسّلام: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وقوله في قيس بن عاصم: «هذا سيد أهل الوبر» . إنما قال فيه لسؤدده في قومه بالذب عن حريمهم، وبذله رفده لهم: ألا ترى أن عامر بن الطفيل كان في أشرف بطن في قيس يقول:
وإني وإن كنت ابن سيّد عامر ... وفارسها المشهور في كلّ موكب
فما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب «1»
وقال آخر:
إنّا وإن كرمت أوائلنا ... لسنا على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبنى ونفعل مثل ما فعلوا
وقال قس بن ساعدة: لأقضينّ بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي ولا يردّها أحد بعدي: أيما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم، فلا لؤم عليه، وأيما رجل ادّعى كرما دونه لؤم فلا كرم له.
ومثله قول عائشة أم المؤمنين: كل كرم دونه لؤم فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه
(3/358)

كرم فالكرم أولى به. تعني بقولها، أن أولى الأشياء بالإنسان طبائع نفسه وخصالها، فإذا كرمت فلا يضره لؤم أوّليته، وإن لؤمت فلا ينفعه كرم أوّليته.
وقال الشاعر:
نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكر والإقداما
وصيّرته ملكا هماما
وقال آخر:
مالي عقلي وهمّتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي
إن انتمى منتم إلى أحد ... فإنّني منتم إلى أدبي «1»
وتكلم رجل عند عبد الملك بن مروان بكلام ذهب فيه كل مذهب، فأعجب عبد الملك ما سمع منه، فقال: ابن من أنت يا غلام؟ قال: ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي نلت بها هذا المقعد منك! قال: صدقت!.
وقال النبي عليه الصلاة والسّلام: «حسب الرجل ماله، وكرمه دينه» .
وقال عمر بن الخطاب: إن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك دين فلك كرم.
وما رأيت أعجب من ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب؛ إنه ذهب فيه كل مذهب من فضائل العرب، ثم ختم كتابه بمذهب الشعوبية، فنقض في آخره كل ما بنى في أوله؛ فقال في آخر كلامه؛ وأعدل القول عندي أن الناس كلهم لأب وأمّ، خلقوا من تراب، وأعيدوا إلى التراب، وجروا في مجرى البول، وطرأ عليهم الأقذار؛ فهذا نسبهم الأعلى الذي يرتدع به أهل العقول عن التّعظّم والكبرياء، والفخر بالآباء، ثم إلى الله مرجعهم فتنقطع الأنساب، وتبطل الأحساب، إلا من كان حسبه التقوى، أو كانت ماتّته «2» طاعة الله.
(3/359)

قول الشعوبية في مناكح العرب
قالت الشعوبية: إنما كانت العرب في الجاهلية ينكح بعضهم نساء بعض في غاراتهم بلا عقد نكاح ولا استبراء من طمث، فكيف يدري أحدهم من أبوه.
وقد فخر الفرزدق ببني ضبة حين يبتزّون العيال في حروبهم في سبيّة سبوها من بني عامر بن صعصعة فقال:
فظلّت وظلّوا يركبون هبيرها ... وليس لهم إلا عواليهم ستر
والهيبر: المطمئن من الأرض؛ وإنما أراد هاهنا فرجها.
وهو القائل في بعض ما يفخر به:
ومنا التّميمي الذي قام أيره ... ثلاثين يوما ثم قد زادها عشرا
باب المتعصبين للعرب
قال أصحاب العصبية من العرب: لو لم يكن منا على المولى عتاقة ولا إحسان إلا استنقاذنا له من الكفر وإخراجنا له من دار الشرك إلى دار الإيمان كما في الأثر: إن قوما يقادون إلى حظوظهم بالسواجير. «1» كما قال: عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل.
على أنّا تعرّضنا للقتل فيهم: فمن أعظم عليك نعمة ممن قتل نفسه لحياتك؟ فالله أمرنا بقتالكم، وفرض علينا جهادكم ورغبنا في مكاتبتكم.
وقدّم نافع بن جبير بن مطعم رجلا من أهل الموالي يصلي به، فقالوا: له في ذلك؛ فقال: إنما أردت أن أتواضع لله بالصلاة خلفه.
وكان نافع بن جبير هذا إذا مرّت به جنازة قال: من هذا؟ فإذا قالوا قرشي؛ قال: واقوماه! وإذا قالوا: عربي؛ قال: وابلدتاه! وإذا قالوا: مولى؛ قال: هو مال
(3/360)

الله، يأخذ ما شاء ويدع ما شاء.
قال: وكانوا يقولون لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة: حمار، أو كلب أو مولى.
وكانوا لا يكنونهم بالكنى، ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب، ولا يمشون في الصف معهم، ولا يتقدمونهم في الموكب، وإن حضروا طعاما قاموا على رؤسهم، وإن أطمعوا المولى لسنّه وفضله وعلمه أجلسوه في طرف الخوان؛ لئلا يخفى على الناظر أنه ليس من العرب، ولا يدعونهم يصلون على الجنائز إذا حضر أحد من العرب، وإن كان الذي يحضر غريرا؛ وكان الخاطب لا يخطب المرأة منهم إلى أبيها ولا إلى أخيها، وإنما يخطبها إلى مواليها؛ فإن رضي زوّج وإلا ردّ، فإن زوّج الأب والأخ بغير رأي مواليه فسخ النكاح، وإن كان قد دخل بها كان سفاح غير نكاح.
وقال زياد: دعا معاوية الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب فقال إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت، وأراها قد طعنت على السلف، وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان؛ فقد رأيت أن أقتل شطرا وأدع شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق؛ فما ترون؟
فقال الأحنف: أرى أن نفسي لا تطيب؛ أخي لأمي وخالي ومولاي، وقد شاركناهم وشاركونا في النسب. فظننت أني قد قتلت عنهم؛ وأطرق.
فقال سمرة بن جندب: اجعلها إلىّ أيها الأمير، فأنا أتولى ذلك منهم وأبلغ منه.
فقال: قوموا حتى أنظر في هذا الأمر.
قال الأحنف: فقمنا عنه وأنا خائف، وأتيت أهلي حزينا؛ فلما كان بالغداة أرسل إليّ، فعلمت أنه أخذ برأيي وترك رأي سمرة.
وروي أن عامر بن عبد القيس في نسكه وزهده وتقشفه وإخباته وعبادته كلّمه حمران مولى عثمان بن عفان عند عبد الله بن عامر صاحب العراق في تشنيع عامر على عثمان وطعنه عليه، فأنكر ذلك، فقال له حمران: لا كثّر الله فينا مثلك! فقال له عامر: بل كثّر الله فينا مثلك! فقيل له: أيدعو وتدعو له؟ قال: نعم، يكسحون
(3/361)

طرقنا، ويخرزون خفافنا، ويحركون ثيابنا. فاستوى ابن عامر جالسا، وكان متكئا، فقال: ما كنت أظنك تعرف هذا الباب، لفضلك وزهادتك. فقال: ليس كل ما ظننت أني لا أعرفه، لا أعرفه.
وقالوا: إن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد لما وجّه أخاه عبد العزيز إلى قتال الأزارقة، هزموه وقتلوا صاحبه مقاتل بن مسمع، وسبوا امرأته أم حفص بنت المنذر ابن الجارود العبدي، فأقاموها في السوق حاسرة بادية المحاسن، وغالوا فيها وكانت من أكمل الناس كمالا وحسنا، فتزايدت فيها العرب والموالي وكانت العرب تزيد فيها على العصبية، والموالي تزيد فيها على الولاء، حتى بلّغتها العرب عشرين ألفا، ثم تزايدوا فيها حتى بلّغوها تسعين ألف، فأقبل رجل من الخوارج من عبد القيس من خلفها بالسيف فضرب عنقها، فأخذوه ورفعوه إلى قطري بن الفجاءة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا استهلك تسعين ألفا من بيت المال وقتل أمة من إماء المؤمنين.
فقال له: ما تقول؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت هؤلاء الإسماعيلية والإسحاقية قد تنازعوا عليها حتى ارتفعت الأصوات واحمرت الحدق، فلم يبق إلا الخبط بالسيوف، فرأيت أن تسعين ألفا في جنب ما خشيت من الفتنة بين المسلمين هينة. فقال قطري:
خلّوا عنه، عين من عيون الله أصابتها. قالوا: فأقد منه. قال: لا أقيد من وزعه «1» الله. ثم قدم هذا العبدي بعد ذلك البصرة، فإذا النعمان بن الجارود يستجديه بذلك السبب، فوصله وأحسن إليه.
قال: أبو عبيدة: مر عبد الله بن الأهتم بقوم من الموالي وهم يتذاكرون النحو، فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده. قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن صفوان وخاقان ومؤمل بن خاقان.
الأصمعي قال: قدم أبو مهدية الأعرابي من البادية فقال له رجل: أبا مهدية أتتوضئون بالبادية؟ قال: والله يا ابن أخي لقد كنا نتوضأ فتكفينا التوضئة الواحدة
(3/362)

ثلاثة الأيام والأربعة، حتى دخلت علينا هذه الحمراء- يعني الموالي- فجعلت تليق استاهها بالماء كما تلاق»
الدواة.
ونظر رجل من الأعراب إلى رجل من الموالي يستنجي بماء كثير، فقال له: إلى كم تغسلها ويلك! أتريد أن تشرب بها سويقا! وكان عقيل بن علقمة المرّي أشدّ الناس حميّة في العرب، وكان ساكنا في البادية، وكان يصهر إليه الخلفاء؛ وقال لعبد الملك بن مروان وخطب إليه ابنته الجرباء: جنّبني هجناء ولدك. وهو القائل:
كنّا بنو غيظ رجالا فأصبحت ... بنو مالك غيظا وصرنا لمالك
لحى الله دهرا ذعذع المال كلّه ... وسوّد أشباه الإماء العوارك «2»
وقال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى وكان جائرا شديد العصبية: من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: ثم من؟ قلت: محمد بن سيرين. قال:
فما هما؟ قلت: موليان.
قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وسعيد ابن جبير، وسليمان بن يسار. قال: فما هؤلاء؟ قلت موالي.
فتغير لونه، ثم قال: فمن أفقه أهل قباء؟ قلت ربيعة الرأي، وابن أبي الزناد، قال: فما كانا؟ قلت من الموالي.
فاربدّ وجهه، ثم قال: فمن كان فقيه اليمن؟ قلت: طاوس، وابنه وهمام بن منبه.
قال: فما هؤلاء؟ قلت: من الموالي.
فانتفخت أوداجه فانتصب قاعدا، [ثم] قال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت:
عطاء بن عبد الله الخراساني. قال: فما كان عطاء هذا؟ قلت: مولى.
(3/363)

فازداد وجهه تربّدا واسودّ اسوادادا حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟
قلت: مكحول. قال: فما كان مكحول هذا؟ قلت: مولى.
فازداد تغيّظا وحنقا؛ ثم قال: فمن كان فقيه الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران.
قال: فما كان؟ قلت: مولى.
قال: فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ قلت: فو الله لولا خوفه لقلت: الحكم بن عيينة، وعمار بن أبي سليمان، ولكن رأيت فيه الشر، فقلت:
إبراهيم، والشعبي. قال: فما كانا؟ قلت: عربيان. قال: الله أكبر! وسكن جأشه.
وذكر عمرو بن بحر الجاحظ، في كتاب الموالي والعرب: أن الحجاج لما خرج عليه ابن الأشعث وعبد الله بن الجارود، ولقي ما لقي من قراء أهل العراق وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه، الفقهاء والمقاتلة والموالي من أهل البصرة؛ فلما علم أنهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، أحب أن يسقط ديوانهم ويفرق جماعتهم حتى لا يتألفوا ولا يتعاقدوا، فأقبل على الموالي وقال: أنتم علوج «1» وعجم، وقراكم أولى بكم.
ففرقهم وفض جمعهم كيف أحب وصيّرهم كيف شاء، ونقش على يد كل رجل منهم اسم البلدة التي وجّهه إليها؛ وكان الذي تولى ذلك منهم رجل من بني سعد بن عجل ابن لجيم، يقال له خراش بن جابر؛ وقال شاعرهم:
وأنت من نقش العجليّ راحته ... وفرّ شيخك حتى عاذ بالحكم
يريد: الحكم بن أيوب الثقفي عامل الحجاج على البصرة.
وقال آخر، وهو يعني أهل الكوفة، وقد كان قاضيهم رجلا من الموالي يقال له:
نوح بن درّاج:
إنّ القيامة فيما أحسب اقتربت ... إذ كان قاضيكم نوح بن درّاج
(3/364)

لو كان حيا له الحجّاج ما بقيت ... صحيحة كفّه من نقش حجّاج
وقال آخر:
جارية لم تدر ما سوق الإبل ... أخرجها الحجاج من كنّ وظلّ «1»
لو كان عمرو شاهدا وابن جبل ... ما نقشت كفاك من غير جدل
ويروى أن أعرابيا من بني العنبر دخل على سوّار القاضي فقال: إن أبي مات وتركني وأخا لي- وخط خطّين- ثم قال: وهجينا- ثم خط خطا ناحية- فكيف يقسم المال؟ فقال له سوار: هاهنا وارث غيركم؟ قال: لا. قال: فالمال بينكم أثلاثا. قال:
ما أحسبك فهمت عني، إنه تركني وأخي وهجينا، فكيف يأخذ الهجين كما آخذ أنا وكما يأخذ أخي؟ قال: أجل. فغضب الأعرابي ثم أقبل على سوّار فقال: ما علمت والله، إنك قليل الخالات بالدهناء. «2» قال سوار: لا يضرّني ذلك عند الله تعالى شيئا.
تم الجزء الثالث من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه؛ ويليه- إن شاء الله تعالى الجزء الرابع. وأوله: كتاب العسجدة: في كلام الأعراب.
(3/365)