Advertisement

العقد الفريد 005

الجزء الخامس
كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه رحمه الله: قد مضى قولنا في التوقيعات والفصول والصدور والكتابة؛ وهذا كتاب ألفناه في أخبار الخلفاء وتواريخهم وأيامهم وأسماء كتّابهم وحجّابهم.
[المصطفى صلّى الله عليه وسلم]
نسب المصطفى صلّى الله عليه وسلم
روى أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف عن أشياخه: هو محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وأمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب.
مولد النبي صلّى الله عليه وسلم
قالوا: ولد رسول الله صلّى الله عليه وسلم عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول؛ وقال بعضهم: لليلتين خلتا منه؛ وقال بعضهم: بعد الفيل بثلاثين يوما؛ فهذا جمع ما اختلفوا في مولده.
وأوحى الله إليه وهو ابن أربعين عاما، وأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا؛ وقال ابن عباس: أقام بمكة خمس عشرة، وبالمدينة عشرا؛ والمجمع عليه أنه أقام بمكة ثلاث عشرة وبالمدينة عشرا.
(5/3)

اليوم والشهر الذي هاجر فيه صلّى الله عليه وسلم
هاجر إلى المدينة يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول.
مات يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول، اليوم والشهر الذي هاجر فيه، صلّى الله عليه وسلم، وجعلنا ممن يرد حوضه، وينال مرافقته في أعلى عليين من درجات الفردوس، وأسأل الله الذي جعلنا من أمّته ولم نره أن يتوفانا على ملته، ولا يحرمنا رؤيته في الدنيا والآخرة.
صفة النبي صلّى الله عليه وسلم
ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم أبيض مشربا حمرة، ضخم الرأس، أزج «1» الحاجبين، عظيم العينين، أدعج «2» ، أهدب، شثن «3» الكفين والقدمين، إذا مشى تكفأ كأنما ينحطّ في صبب ويمشي في صعد كأنما يتقلّع من صخر، إذا التفت التفت جميعا، ليس بالجعد «4» القطط ولا السّبط؛ ذا وفرة إلى شحمة أذنيه، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتطامن، عرفه أطيب من ريح المسك الأذفر، لم تلد النساء قبله ولا بعده مثله، بين كتفيه خاتم النّبوّة كبيض الحمام، لا يضحك إلا تبسّما، في عنفقته شعرات بيض لا تكاد تبين.
وقال أنس بن مالك: لم يبلغ الشيب الذي كان برسول الله صلّى الله عليه وسلم عشرين شعرة؛ وقيل له: يا رسول الله، عجل عليك الشيب! قال: «شيبتي هود وأخواتها» .
هيئة النبي صلّى الله عليه وسلم
كان صلّى الله عليه وسلم يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض، ويمشي في الأسواق، ويلبس
(5/4)

العباءة، ويجالس المساكين، ويقعد القرفصاء ويتوسّد يده، ويلعق أصابعه ويقضي من نفسه، ولا يأكل متكئا، ولم ير قط ضاحكا ملء فيه وكان يقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد، ولو دعيت إلى ذراع «1» لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع «2» لقبلت» .
شرف بيت النبي صلّى الله عليه وسلم
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «أنا سيّد البشر ولا فخر، وأنا أفصح العرب، وأنا أوّل من يقرع باب الجنة، وأنا أوّل من ينشقّ عنه التراب؛ دعا لي إبراهيم، وبشّر بي عيسى، ورأت أمّي حين وضعتني نورا أضاء لها ما بين المشرق والمغرب» .
وقال صلّى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم أفراقا فجعلني في خيرهم فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت؛ فأنا خيركم بيتا وخيركم نسبا» .
وقال صلّى الله عليه وسلم: «أنا ابن الفواطم والعواتك من سليم، واسترضعت في بني سعد بن بكر» .
وقال: «نزل القرآن بأعرب اللغات، فلكل العرب فيه لغة ولبني سعد بن بكر سبع لغات» .
وبنو سعد بن بكر بن هوازن أفصح العرب، فهم من الأعجاز، وهي قبائل من مضر متفرّقة، وكانت ظئر «3» النبي صلّى الله عليه وسلم التي أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب من بني ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن.
وإخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وخذامة بنت
(5/5)

الحارث، وهي التي أتي بها النبيّ صلّى الله عليه وسلم في أسرى حنين فبسط لها رداءه ووهب لها أسرى قومها.
والعواتك من سليم ثلاث: عاتكة بنت مرة بن هلال ولدت هاشما وعبد شمس ونفلا؛ وعاتكة بنت الأوقص بن هلال، ولدت وهب بن عبد مناف بن زهرة؛ وعاتكة بنت هلال بن فالج.
وقال عليّ للأشعث إذ خطب إليه: أغرك ابن أبي قحافة إذ زوّجك أمّ فروة؟
وإنها لم تكن من الفواطم من قريش ولا العواتك من سليم.
أبو النبي صلّى الله عليه وسلم
عبد الله بن عبد المطلب، ولم يكن له ولد غيره صلّى الله عليه وسلم، وتوفى وهو في بطن أمه، فلما ولد كفله جدّه عبد المطلب إلى أن توفى فكفله عمّه أبو طالب، وكان أخا عبد الله لأمه وأبيه، فمن ذلك كان أشفق أعمام النبيّ صلّى الله عليه وسلم وأولاهم به.
أعمامه وعماته
وأما أعمام النبي صلّى الله عليه وسلم وعماته، فإن عبد المطلب بن هاشم كان له من الولد لصلبه عشرة من الذكور وستّ من الإناث، وأسماء بنيه: عبد الله، والد النبي عليه الصلاة والسلام؛ والزبير؛ وأبو طالب، واسمه عبد مناف؛ والعباس؛ وضرار؛ وحمزة؛ والمقوّم؛ وأبو لهب، واسمه عبد العزى؛ والحارث والغيداق، واسمه حجل، ويقال نوفل.
أسماء بناته عمات النبي صلّى الله عليه وسلم: عاتكة، والبيضاء، وهي أم حكيم وبرّة؛ وأميمة؛ وأروى؛ وصفية.
(5/6)

ولد النبي صلّى الله عليه وسلم
ولد له من خديجة: القاسم، والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم.
وولد له من مارية القبطية: إبراهيم، فجميع ولده من خديجة، غير إبراهيم.
أزواجه صلّى الله عليه وسلم
وأزواجه صلّى الله عليه وسلم: أوّلهن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ولم يتزوج عليها حتى ماتت؛ ثم تزوّج سودة بنت زمعة، وكانت تحت السكران بن عمرو، وهو من مهاجرة الحبشة، فمات ولم يعقب فتزوّجها النبي صلّى الله عليه وسلم بعده، ثم تزوج عائشة بنت أبي بكر بكرا، ولم يتزوج بكرا غيرها، وهي ابنة ست، وابتنى عليها وهي ابنة تسع، وتوفى عنها وهي ابنة ثمان عشرة سنة، وعاشت بعده إلى أيام معاوية، وماتت سنة ثمان وخمسين وقد قاربت السبعين، ودفنت ليلا بالبقيع وأوصت إلى عبد الله بن الزبير، وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمي وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم أرسله إلى كسرى، ولا عقب له، ثم تزوج زينب بنت خزيمة، من بني عامر بن صعصعة، وكانت تحت عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، أول شهيد كان ببدر، ثم تزوّج زينب بنت جحش الأسدية، وهي بنت عمة النبي صلّى الله عليه وسلم، وهي أول من مات من أزواجه في خلافة عمر، ثم تزوّج أم حبيبة- واسمها رملة- ابنة أبي سفيان، وهي أخت معاوية وكانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي، فتنصر ومات بأرض الحبشة، وتزوّج أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، وكانت تحت أبي سلمة، فتوفى عنها وله منها أولاد، وبقيت إلى سنة تسع وخمسين وتزوّج ميمونة بنت الحارث من بني عامر بن صعصعة، وكانت تحت أبي سبرة بن أبي رهم العامري، وتزوّج صفيّة بنت حييّ بن أخطب النّضرية، وكانت تحت رجل من يهود خيبر، يقال له كنانة فضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنقه وسبى أهله، وتزوّج جويرية بنت الحارث، وكانت من سبى بني المصطلق، وتزوّج خولة بنت حكيم، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلم، وتزوّج امرأة يقال لها عمرة، فطلقها ولم يبن بها، وذلك
(5/7)

أن أباها قال له: وأزيدك أنها لم تمرض قط! فقال: ما لهذه عند الله من خير! فطلقها، وتزوّج امرأة يقال لها: أميمة بنت النعمان، فطلقها قبل أن يطأها، وخطب امرأة من بني مرة بن عوف، فرده أبوها وقال: إن بها برصا! فلما رجع إليها وجدها برصاء!
كتاب النبي صلّى الله عليه وسلم وخدّامه
كتاب الوحي لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: زيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن ربيعة الأسدي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ارتد ولحق بمكة مشركا.
وحاجبه: أبو أنسة مولاه.
وخادمه: أنس بن مالك الأنصاري، ويكنى أبا حمزة.
وخازنه على خاتمه: معيقيب بن أبي فاطمة.
ومؤذّناه: بلال، وابن أم مكتوم.
وحراسه: سعد بن زيد الأنصاري، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص.
وخاتمة فضة، وفصه حبشي، مكتوب عليه: محمد رسول الله، في ثلاثة أسطر:
محمد، سطر؛ ورسول؛ سطر؛ والله، سطر.
وفي حديث أنس بن مالك خادم النبي صلّى الله عليه وسلم: وبه تختّم أبو بكر وعمر، وتختم به عثمان ستة أشهر، ثم سقط منه في بئر ذي أروان «1» ، فطلب فلم يوجد.
وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم وسنه
توفي صلّى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحفر له تحت فراشه في بيت عائشة، وصلّى عليه المسلمون جميعا بلا إمام الرجال ثم النساء ثم الصبيان، ودفن ليلة الأربعاء في جوف الليل، ودخل القبر عليّ، والفضل وقثم ابنا
(5/8)

العباس، وشقران مولاه، ويقال: أسامة بن زيد: وهم تولوا غسله وتكفينه وأمره كلّه، وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية «1» ليس فيها قميص ولا عمامة؛ واختلف في سنّه. فقال عبد الله بن عباس وعائشة، وجرير بن عبد الله، ومعاوية: توفي وهو ابن ستين سنة. وقال عروة ابن الزبير وقتادة: اثنتين وستين سنة.
[أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه]
نسب أبي بكر الصدّيق وصفته رضي الله عنه
هو عبد الله بن أبي قحافة، واسم أبي قحافة: عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة.
وأمّه أمّ الخير ابنة صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
وكاتبه عثمان بن عفان؛ وحاجبه: رشيد مولاه، وقيل كتب له زيد بن ثابت أيضا؛ وعلى أمره كله وعلى القضاء عمر بن الخطاب، وعلى بيت المال أبو عبيدة بن الجراح ثم وجهه إلى الشام؛ ومؤذنه سعد القرظ مولى عمار بن ياسر.
قيل لعائشة: صفي لنا أباك. قالت: كان أبيض، نحيف الجسم، خفيف العارصين، أجنأ «2» ، لا يستمسك إزاره، معروق الوجه، غائر العينين، ناتيء الجبهة، عاري الأشاجع، أفرع.
وكان عمر بن الخطاب أصلع، وكان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم.
وقال أبو جعفر الأنصاري: رأيت أبا بكر كأن لحيته ورأسه جمر الغضى.
وقال أنس بن مالك: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم المدينة وليس في أصحابه أشمط «3» غير أبي بكر، فغلفها بالحناء والكتم «4» .
(5/9)

وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ، فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وكان نقش خاتم أبي بكر:
نعم القادر الله.
خلافة أبي بكر رضي الله عنه
شعبة بن سعد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في مرضه:
«مروا أبا بكر فليصل بالناس فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر. ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: مه! إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» .
أبو جعدة عن الزبير قال: قالت حفصة يا رسول الله، إنك مرضت فقدمت أبا بكر. قال: لست الذي قدّمه، ولكن الله قدمه.
أبو سلمة عن إسماعيل بن مسلم عن أنس قال: صلّى أبو بكر بالناس ورسول الله صلّى الله عليه وسلم مريض ستة أيام.
النضر بن إسحاق عن الحسن قال: قيل لعلي: علام بايعت أبا بكر؟ فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يمت فجأة، كان يأتيه بلال في كل يوم في مرضه يؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي الناس، وقد تركني وهو يرى مكاني؛ فلما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم رضي المسلمون لدنياهم من رضيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم لدينهم، فبايعوه وبايعته.
ومن حديث الشعبي قال: أوّل من قدم مكة بوفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر: عبد ربّه بن قيس بن السائب المخزومي؛ فقال له أبو قحافة: من ولي الأمر بعده؟ قال: أبو بكر ابنك. قال: فرضي بذلك بنو عبد مناف؟ قال: نعم. قال: لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله!
(5/10)

جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبو سفيان غائب في مسعاة أخرجه فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلما انصرف لقي رجلا في بعض طريقه مقبلا من المدينة، فقال له: مات محمد؟ قال: نعم، قال: فمن قام مقامه؟ قال: أبو بكر. قال أبو سفيان: فما فعل المستضعفان: عليّ والعباس؟ قال: جالسين. قال: أما والله لئن بقيت لهما لأرفعنّ من أعقابهما؛ ثم قال إني أرى غبرة لا يطفئها إلا دم! فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقّتها ويقول:
بني هاشم لا تطمع الناس فيكم ... ولا سيّما تيم بن مرّة أو عديّ
فما الأمر إلا فيكم وإليكم ... وليس لها إلا أبو حسن عليّ
فقال عمر لأبي بكر: إن هذا قد قدم، وهو فاعل شرا، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم يتألّفه على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة! ففعل، فرضي أبو سفيان وبايعه.
سقيفة بني ساعدة
أحمد بن الحارث عن أبي الحسن عن أبي معشر عن المقبري: أن المهاجرين بينما هم في حجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد قبضه الله إليه، إذ جاء معن بن عديّ وعويم بن ساعدة، فقالا لأبي بكر: باب فتنة إن يغلقه الله بك؛ هذا سعد بن عبادة والأنصار يريدون أن يبايعوه. فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، حتى جاءوا سقيفة بني ساعدة، وسعد على طنفسة «1» متكئا على وسادة، وبه الحمّى، فقال له أبو بكر: ماذا ترى أبا ثابت؟ قال: أنا رجل منكم. فقال حباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجريّ في الأنصاري شيئا رد عليه، وإن عمل الأنصاري في المهاجري شيئا ردّ عليه، وإن لم تفعلوا، فأنا جذيلها «2» المحكّك وعذيقها «3» المرجّب، لنعيدنّها جذعة «4» ! قال عمر: فأردت أن أتكلم، وكنت زوّرت كلاما في
(5/11)

نفسي، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فما ترك كلمة كنت زوّرتها في نفسي إلا تكلم بها، وقال:
نحن المهاجرون؛ أوّل الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأمسّهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم رحما؛ وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين، نصرتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله به؛ فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين. يعني عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح.
فقال عمر: يكون هذا وأنت حي؟ ما كان أحد ليؤخّرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
ثم ضرب على يده فبايعه، وبايعه الناس وازدحموا على أبي بكر، فقال الأنصار:
قتلتم سعدا! فقال عمر: اقتلوه قتله الله فإنه صاحب فتنة! فبايع الناس أبا بكر، وأتوا به المسجد يبايعونه، فسمع العباس وعلى التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال علي: ما هذا؟ قال العباس: ما رؤي مثل هذا قط ما قلت لك.
ومن حديث النعمان بن بشير الأنصاري: لما ثقل رسول الله صلّى الله عليه وسلم تكلم الناس فيمن يقوم بالأمر بعده، فقال قوم: أبو بكر، وقال قوم: أبي بن كعب. قال النعمان بن بشير: فأتيت أبيا فقلت: يا أبيّ، الناس قد ذكروا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم يستخلف أبا بكر أو إياك، فانطلق حتى تنظر في هذا الأمر، فقال: إن عندي في هذا أمر من رسول الله صلّى الله عليه وسلم شيئا ما أنا بذاكره حتى يقبضه الله إليه. ثم انطلق وخرجت معه حتى دخلنا على النبي صلّى الله عليه وسلم بعد الصبح، وهو يحسو حسوا في قطعة مشعوبة «1» ، فلما فرغ
(5/12)

أقبل على أبيّ فقال: هذا ما قلت لك قال: فأوص بنا. فخرج يخط برجليه حتى صار على المنبر ثم قال:
يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون، وأصبحت الأنصار كما هي لا تزيد، ألا وإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام فمن ولي من أمرهم شيئا فليقبل من محسنهم ويعف عن مسيئهم.
ثم دخل، فلما توفي، قيل لي: هاتيك الأنصار مع سعد بن عبادة يقولون: نحن أولى بالأمر. والمهاجرون يقولون: لنا الأمر دونكم! فأتيت أبيا فقرعت بابه، فخرج إليّ ملتحفا، فقلت: ألا أراك قاعدا ببيتك مغلقا عليك بابك، وهؤلاء قومك في بني ساعدة ينازعون المهاجرين، فأخرج إلى قومك فخرج، فقال:
إنكم والله ما أنتم من هذا الأمر في شيء، وإنه لهم دونكم؛ يليها من المهاجرين رجلان، ثم يقتل الثالث، وينزع الأمر فيكون ههنا- وأشار إلى الشام- وإن هذا الكلام لمبلول بريق رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ثم أغلق بابه ودخل.
ومن حديث حذيفة قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: «إنّي لا أدري ما بقائي فيكم؛ فاقتدوا باللذين من بعدي- وأشار إلى أبي بكر وعمر- واهتدوا بهدى عمّار، وما حدثكم ابن مسعود فصدّقوه.
الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر
عليّ، والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة! فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر:
أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلّى الله عليه وسلم
(5/13)

حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي.
ومن حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة، وذلك لستة أشهر من موت أبيها صلّى الله عليه وسلم، فأرسل علي إلى أبي بكر، فأتاه في منزله فبايعه، وقال: والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئا فاستبددت به دوننا، وما ننكر فضلك.
وأما سعد بن عبادة فإنه رحل إلى الشام.
أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي قال: «بعث عمر رجلا إلى الشام، فقال: ادعه إلى البيعه واحمل له بكل ما قدرت عليه، فإن أبى فاستعن الله عليه، فقدم الرجل الشام، فلقيه بحوران في حائط، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا! قال فإني أقاتلك! قال وإن قاتلتني! قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فأنا خارج. فرماه بسهم فقتله.
ميمون بن مهران عن أبيه قال: رمي سعد بن عبادة في حمّام بالشام فقتل. سعيد ابن أبي عروبة عن ابن سيرين قال: رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده فمات، فبكته الجن، فقالت:
وقتلنا سيّد الخزرج ... سعد بن عبادة
ورميناه بسهمين ... فلم نخطيء فؤاده
فضائل أبي بكر رضي الله عنه
محمد بن المنكدر قال: نازع عمر أبا بكر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إن الله بعثني بالهدى ودين الحقّ إلى الناس كافة فقالوا: جميعا كذبت. وقال أبو بكر صدقت!» .
وهو صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وجليسه في الغار، وأول من صلّى معه وآمن به واتّبعه.
(5/14)

وقال عمر بن الخطاب: أبو بكر سيدنا. وأعتق سيدنا، يريد بلالا، وكان بلال عبدا لأمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكان من مولدي مكة، أبوه رباح، وأمه حمامة.
وقيل للنبي صلّى الله عليه وسلم. من أول من قام معك في هذا الأمر؟ قال: حرّ وعبد؛ يريد بالحرّ أبا بكر، وبالعبد بلالا. وقال بعضهم: عليّ وخبّاب.
أبو الحسن المدائني قال: دخل هارون الرشيد مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فبعث إلى مالك بن أنس فقيه المدينة، فأتاه وهو واقف بين قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمنبر؛ فلما قام بين يديه وسلم عليه بالخلافة، قال: يا مالك، صف لي مكان أبي بكر وعمر من رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا. فقال: مكانهما منه يا أمير المؤمنين كمكان قبريهما من قبره. فقال: شفيتني يا مالك.
الشعبي عن محمد أبي سلمة، أن عليا سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: على الخبير سقطت. كانا والله إمامين صالحين مصلحين، خرجا من الدنيا خميصين «1» .
وقال علي بن أبي طالب: سبق رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وثنّى أبو بكر وثلّث عمر؛ ثم خبطتنا فتنة عمياء [يعفو الله فيها] عمن يشاء.
وقالت عائشة. توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهدّها، أشرأبّ النفاق، وارتدت العرب؛ فو الله ما طاروا في نقطة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام.
عمرو بن عثمان عن أبيه عن عائشة أنه بلغها أن أناسا ينالون من أبيها. فأرسلت إليهم، فلما حضروا قالت:
إن أبي والله لا تعطوه الأيدي، ذاك طود منيف وظل ممدود، أنجح «2» إذ
(5/15)

أكديتم «1» ، وسبق إذ ونيتم، سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا، وكهفها «2» كهلا، يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب صدعها ويلمّ شعثها، فما برحت شكيمته في ذات الله تشتد، حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون، وكان وقيد الجوانح غزير الدمعة، شجيّ النشيج، وأصفقت «3» إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزؤن به، والله يستهزيء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، فأكبرت ذلك رجالات قريش فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا قناة؛ حتى ضرب الحقّ بجرانه، وألقى بركه «4» ، ورست أوتاده. فلما قبض الله نبيّه ضرب الشيطان رواقه، ومدّ طنبه؛ ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله؛ فقام الصّديق حاسرا مشمّرا، فردّ نشر الإسلام على غرّه وأقام أوده بثقافه، فابذعرّ «5» النفاق بوطئه، وانتاش «6» الناس بعدله، حتى أراح الحقّ على أهله، وحقن الدماء في أهبها؛ ثم أتته منيته؛ فسدّ ثلمته نظيره في المرحمة، وشقيقه في المعدلة؛ ذلك ابن الخطاب، لله درّ أم حفلت له ودرّت عليه! ففتح الفتوح، وشرّد الشرك، وبعج «7» الأرض فقاءت أكلها، ولفظت جناها، ترأمه ويأباها، وتريده ويصدف عنها، ثم تركها كما صحبها؛ فأروني ما ترتابون؟ وأي يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
الليث بن سعد عن الزهري قال: أهدي لأبي بكر طعام وعنده الحرث بن كلدة، فأكلا منه؛ فقال الحرث: أكلنا سمّ سنة، وإني وإياك لميتان عند رأس الحول! فماتا جميعا في يوم واحد عند انقضاء السنة، وإنما سمّته يهود كما سمت النبي صلّى الله عليه وسلم بخيبر في ذراع الشاة؛ فلما حضرت النبي صلّى الله عليه وسلم الوفاة قال: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى
(5/16)

قطعت أبهري» ! وهذا مثل ما قال الله تعالى: ... ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
»
والأبهر والوتين: عرقان في القلب إذا انقطع أحدهما مات صاحبه.
الزهري عن عروة عن عائشة قالت: اغتسل أبو بكر يوم الاثنين لسبع خلون من جمادي الآخرة، وكان يوما باردا، فحمّ خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر أن يصلي بالناس؛ وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ؛ وغسلته امرأته أسماء بنت عميس وصلى عليه عمر بن الخطاب بين القبر والمنبر، وكبّر أربعا.
الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح فبلغ ذلك عمر فنهاهنّ، فأبين فقال لهشام بن الوليد: أخرج إليّ بنت أبي قحافة.
فأخرج إليه أمّ فروة؛ فعلاها بالدّرّة «2» ضربا، فتفرّق النوائح.
وقالت عائشة وأبوها يغمض، رضي الله عنه:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل
قالت عائشة: فنظر إليّ وقال: ذاك رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ثم أغمي عليه، فقالت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
فنظر إليّ كالغضبان وقال: قولي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
«3» . ثم قال: انظروا ملاءتين خلقين فاغسلوهما وكفّنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
عروة بن الزبير والقاسم بن محمد، قالا: أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ فلما توفى حفر له وجعل رأسه بين كتفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ورأس عمر عند حقوي أبي بكر، وبقي في البيت موضع قبر؛ فلما حضرت الوفاة الحسن بن
(5/17)

علي، أوصى بأن يدفن مع جده في ذلك الموضع؛ فلما أراد بنو هاشم أن يحفروا له منعهم مروان- وهو والي المدينة في أيام معاوية- فقال أبو هريرة: علام تمنعه أن يدفن مع جده؟ فأشهد لقد سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» قال له مروان: لقد ضيّع الله حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا لم يروه غيرك. قال: أنا والله لقد قلت ذلك؛ لقد صحبته حتى عرفت من أحبّ ومن أبغض، ومن نفى ومن أقرّ، ومن دعا له ومن دعا عليه.
قال: وسطح قبر أبي بكر كما سطّح قبر النبي صلّى الله عليه وسلم، ورشّ بالماء.
هشام بن عروة عن أبيه: أن أبا بكر صلّي عليه ليلا ودفن ليلا.
ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة، ولها مات النبيّ صلّى الله عليه وسلم.
وعاش أبو قحافة بعد أبي بكر أشهرا وأياما، ووهب نصيبه في ميراثه لولد أبي بكر وكان نقش خاتم أبي بكر: نعم القادر الله.
ولما قبض أبو بكر سجّي بثوب، فارتجّت المدينة من البكاء، ودهش القوم كيوم قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول:
«رحمك الله أبا بكر! كنت والله أول القوم إسلاما، وأصدقهم إيمانا، وأشدهم يقينا وأعظمهم غنى، وأحفظهم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأحدبهم على الإسلام، وأحماهم عن أهله، وأنسبهم برسول الله خلقا وفضلا وهديا وسمتا؛ فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيرا؛ صدّقت رسول الله حين كذّبه الناس وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا وسمّاك الله في كتابه صدّيقا فقال:
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
«1» ، يريد محمدا ويريدك؛ كنت والله للإسلام حصنا، وللكافرين ناكبا، لم تفلل «2» حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن
(5/18)

نفسك؛ كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف، ولا تزيله القواصف؛ كنت كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ضعيفا في بدنك؛ قويّا في دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في الأرض، كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع ولا هوى، فالضعيف عندك قوي، والقويّ عندك ضعيف، حتى تأخذ الحق من القوي وتردّه للضعيف، فلا حرمك الله أجرك، ولا أضلّنا بعدك.
القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي توفي فيه، فقالت:
يا أبت، اعهد إليّ خاصّتك، وأنفذ رأيك في عامتك، وانقل من دار جهازك إلى دار مقامك؛ إنك محضور ومنصل بي لوعتك، وأرى تخاذل أطرافك، وانتقاع لونك؛ فإلى الله تعزيتي عنك، ولديه ثواب حزني عليك؛ أرقأ فلا أرقأ «1» وأشكو فلا أشكى.
قال: فرفع رأسه وقال:
يا أمه، هذا يوم يخلّى لي عن غطائي، وأشاهد جزائي، إن فرحا فدائم، وإن ترحا فمقيم، إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم، حين كان النكوص إضاعة، والخزل «2» تفريطا، فشهيدي الله ما كان بقلبي إلا إياه؛ فتعلقت بصحفتهم وتعللت بدرّة لقحتهم، وأقمت صلاي معهم، لا مختالا أشرا، ولا مكاثرا بطرا، ولم أعد سدّ الجوعة، ووري العورة «3» ، وقواته القوام؛ من طوى ممعض «4» تهفو منه الأحشاء، وتجف له الأمعاء، واضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض «5» إلى الماء المعيف الآجن؛ فإذا أنا متّ فردّي إليهم صحفتهم وعبدهم ولقحتهم ورحاهم، ودثارة ما فوقي اتقيت بها البرد، ودثارة ما تحتي اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوها قطع السعف.
(5/19)

قال: ودخل عليه عمر فقال: يا خليفة رسول الله لقد كلفت القوم بعدك تعبا، ووليتهم نصبا، فهيهات من شق غبارك فكيف اللحاق بك.
استخلاف أبي بكر لعمر
عبد الله بن محمد التيمي عن محمد بن العزيز، أن أبا بكر الصديق حين حضرته الوفاة كتب عهده وبعث به مع عثمان بن عفان ورجل من الأنصار ليقرآه على الناس فلما اجتمع الناس قاما فقالا: «هذا عهد أبي بكر فإن تقرّوا به نقرأه، وإن تنكروه نرجعه» فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا عهد أبي بكر بن أبي قحافة عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب، أمّرت عليكم عمر بن الخطاب، فإن عدل واتقى فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن بدّل وغيّر، فالخير أردت، ولا يعلم الغيب إلا الله.
قال أبو صالح: أخبر محمد بن وضاح، قال: حدثني محمد بن رمح بن مهاجر التّجيبي، قال: حدثني الليث بن سعد عن علوان عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، أنه دخل على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه، فأصابه مفيقا، فقال: أصبحت بحمد الله بارئا.
قال أبو بكر: أتراه؟
قال: نعم.
قال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولمّا لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي؛ إني ولّيت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم من ذلك أنفه، يريد أن يكون له الأمر من دونه، ورأيتم الدنيا مقبلة ولن تقبل، وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألمنّ الاضطجاع على الصوف الأذربيّ «1» ،
(5/20)

كما يألم أحدكم الاضطجاع على شوك السعدان، والله لأن يقدّم أحدكم فيضرب عنقه في غير حدّ، خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، ألا وإنكم أول ضال بالناس غدا فتصدونهم عن الطريق يمينا وشمالا، يا هادي الطريق جرت، إنما هو الفجر أو البحر.
قال: فقلت له: خفّض عليك يرحمك الله، فإن هذا يهيضك «1» على ما بك؛ إنما الناس في أمرك بين رجلين: إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل خالفك فهو يشير عليك برأيه، وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت إلا الخير، ولم تزل صالحا مصلحا، مع أنك لا تأسى على شيء من الدنيا.
فقال: أجل، إني لا آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وودت أني تركتهن، وثلاث تركتهن وودت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنهن:
فأما الثلاث التي فعلتهن ووددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء؛ وإن كانوا أغلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرّقت الفجاءة السلمى، وأني قتلته سريحا أو خليته نجيحا «2» ، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قدفت الأمر في عنق أحد الرجلين، فكان أحدهما أميرا وكنت له وزيرا. يعني بالرجلين: عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح.
وأما الثلاث التي تركتهن ووددت أني فعلتهن: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا ضربت عنقه، فإنه يخيل إليّ أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه؛ ووددت أني يوم سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة أقمت بذي القصّة «3» ؛ فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن انهزموا كنت بصدد لقاء أو مدد؛ ووددت أني وجهت خالد بن الوليد
(5/21)

إلى الشام، ووجّهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فأكون قد بسطت يديّ كلتيهما في سبيل الله.
وأما الثلاث التي وددت أني سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنهن: فإني وددت أني سألته:
لمن هذا الأمر من بعده؟ فلا ينازعه أحد؛ وأني سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ فلا يظلموا نصيبهم منه؛ ووددت أني سألته عن بنت الأخ والعمة، فإن في نفسي منهما شيئا.
[عمر بن الخطاب]
نسب عمر بن الخطاب وصفته
أبو الحسن علي بن محمد قال: هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهاشم هو ذو الرمحين.
قال أبو الحسن: كان عمر رجلا آدم مشربا حمرة طويلا أصلع، له حفافان حسن الخدين والأنف والعينين، غليظ القدمين والكفين، مجدول اللحم، حسن الخلق، ضخم الكراديس «1» ، أعسر يسر «2» ، إذا مشى كأنه راكب.
ولي الخلافة يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من التاريخ.
وطعن لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من التاريخ، فعاش ثلاثة أيام، ويقال سبعة أيام.
معدان بن أبي حفصة، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة في رواية الشعبي؛ ولها مات أبو بكر، ولها مات النبي صلّى الله عليه وسلم.
(5/22)

فضائل عمر بن الخطاب
أبو الأشهب عن الحسن، قال: عاتب عيينة عثمان، فقال له: كان عمر خيرا لنا منك، أعطانا فأغنانا وأخشانا فأتقانا.
وقيل لعثمان: مالك لا تكون مثل عمر؟ قال: لا أستطيع أن أكون مثل لقمان الحكيم.
القاسم بن عمر قال: كان إسلام عمر فتحا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة.
وقيل إن عمر خطب امرأة من ثقيف، وخطبها المغيرة؛ فزوجوها المغيرة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «ألا زوّجتم عمر، فإنه خير قريش أوّلها وآخرها، إلا ما جعل الله لرسوله؟» .
الحسن بن دينار عن الحسن، قال: ما فضل عمر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه كان أطولهم صلاة وأكثرهم صياما، ولكنه كان أزهدهم في الدنيا وأشدّهم في أمر الله.
وتظلم رجل من بعض عمال عمر وادعى أنه ضربه وتعدّى عليه، فقال: اللهم إني لا أحل لهم أشعارهم ولا أبشارهم «1» ؛ كل من ظلمه أميره فلا أمير عليه دوني. ثم أقاده «2» منه.
عوانة عن الشعبي قال: كان عمر يطوف في الأسواق، ويقرأ القرآن، ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم.
وقال المغيرة بن شعبة وذكر عمر، فقال: كان والله له فضل يمنعه من أن يخدع، وعقل يمنعه من أن ينخدع.
وقال عمر: لست بخبّ ولا الخب «3» يخدعني.
(5/23)

عكرمة عن ابن عباس، قال: بينما أنا أمشي مع عمر بن الخطاب في خلافته وهو عامد لحاجة له وفي يده الدّرّة «1» وأنا أمشي خلفه وهو يحدث نفسه ويضرب وحشي «2» قدميه بدرّته، إذ التفت إليّ فقال: يا ابن عباس، أتدري ما حملني على مقالتي التي قلت يوم توفى رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ قلت: لا. قال: الذي حملني على ذلك أني كنت أقرأ هذه الآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
«3» ؛ فو الله إن كنت لأظن أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سيبقى في أمته حتى يشهد علينا بأحنف أعمالنا؛ فهو الذي دعاني إلى ما قلت.
ابن دأب قال: قال ابن عباس: خرجت أريد عمر في خلافته، فألفيته راكبا على حمار قد أرسنه بحبل أسود، وفي رجليه نعلان مخصوفتان. وعليه إزار قصير، وقميص قصير قد انكشفت منه ساقاه؛ فمشيت إلى جنبه وجعلت أجبذ الإزار عليه، فجعل يضحك ويقول: إنه لا يطيعك. حتى أتى العالية، فصنع له قوم طعاما من خبز ولحم فدعوه إليه، وكان عمر طائما، فجعل ينبذ «4» إليّ الطعام ويقول: كل لي ولك! ومن حديث ابن وهب عن الليث بن سعد، أن أبا بكر لم يكن يأخذ من بيت المال شيئا ولا يجري عليه من الفيء درهما، إلا أنه استلف منه مالا، فلما حضرته الوفاة أمر عائشة بردّه. وأما عمر بن الخطاب فكان يجري على نفسه درهمين كل يوم. فلما ولي عمر بن عبد العزيز قيل له: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب! قال:
كان عمر لا مال له، وأنا مالي يغنيني. فلم يأخذ منه شيئا.
أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال عمر وقام على الرّدم «5» : أين حقّك يا أبا سفيان مما هنا؟ قال: ما تحت قدميك إليّ. قال: طالما كنت قديم الظلم! ليس لأحد فيما وراء قدمي حق، وإنما هي منازل الحاج
(5/24)

قال الأصمعي: وكان رجل من قريش قد تقدم صدر من داره عن قدمي عمر، فهدمه وأراد أن يغوّر البئر، فقيل له: البئر للناس منفعة. فتركها.
قال الأصمعي: إذا ودع الحاج ثم بات خلف قدمي عمر، لم أر عليه أن يرجع يقول: قد خرج من مكة.
مقتل عمر
أبو الحسن: كان للمغيرة بن شعبة غلام نصراني يقال له فيروز أبو لؤلؤة، وكان نجارا لطيفا، وكان خراجه ثقيلا، فشكا إلى عمر ثقل الخراج وسأله أن يكلم مولاه أن يخفف عنه من خراجه، فقال له: وكم خراجك؟ قال: ثلاثة دراهم في كل شهر. قال: وما صناعتك؟ قال نجار. قال: ما أرى هذا ثقيلا في مثل صناعتك.
فخرج مغضبا فاستلّ خنجرا محدود الطرفين، وكان عمر قد رأى في المنام ديكا أحمر ينقره ثلاث نقرات؛ فتأوّله رجل من العجم يطعنه ثلاث طعنات، فطعنه أبو لؤلؤة بخنجره ذلك في صلاة الصبح ثلاث طعنات، إحداها بين سرته وعانته، فخرقت الصفاق «1» ، وهي التي قتلته؛ وطعن في المسجد معه ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فأقبل رجل من بني تميم يقال له حطان، فألقى كساء عليه ثم احتضنه فلما علم العلج «2» أنه مأخوذ طعن نفسه وقدّم عمر صهيبا يصلي بالناس، فقرأ بهم في صلاة الصبح: قل هو الله أحد، في الركعة الأولى؛ وقل يا أيها الكافرون، في الركعة الثانية؛ واحتمل عمر إلى بيته، فعاش ثلاثة أيام ثم مات، وقد كان استأذن عائشة أن يدفن في بيتها مع صاحبيه، فأجابته وقالت: والله لقد كنت أردت ذلك المضجع لنفسي، ولأوثرنّ به اليوم على نفسي! فكانت ولاية عمر عشر سنين.
صلى عليه صهيب بين القبر والمنبر، ودفن عند غروب الشمس.
(5/25)

كاتبه: زيد بن ثابت وكتب له معيقيب أيضا.
وحاجبه: يرفأ مولاه.
وخازنه: يسار.
وعلى بيت ماله: عبد الله بن أرقم.
وقال الليث بن سعد: كان عمر أوّل من جنّد الأجناد، ودوّن الدواوين، وجعل الخلافة شورى بين ستّة من المسلمين، وهم: علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد ابن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف؛ ليختاروا منهم رجلا يولونه أمر المسلمين، وأوصى أن يحضر عبد الله بن عمر معهم، وليس له من أمر الشورى شيء.
أمر الشورى في خلافة عثمان بن عفان
صالح بن كيسان قال: قال ابن عباس: دخلت على عمر في أيام طعنته وهو مضطجع على وسادة من أدم «1» ، وعنده جماعة من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم؛ فقال له رجل؛ ليس عليك بأس! قال:
لئن لم يكن عليّ اليوم ليكونن بعد اليوم. وإن للحياة لنصيبا من القلب، وإن للموت لكربة، وقد كنت أحبّ أن أنجّي نفسي وأنجو منكم، وما كنت من أمركم إلا كالغريق يرى الحياة فيرجوها ويخشى أن يموت دونها، فهو يركض بيديه ورجليه، وأشدّ من الغريق الذي يرى الجنة والنار وهو مشغول. ولقد تركت زهرتكم كما هي ما لبستها فأخلقتها، وثمرتكم يانعة في أكمامها ما أكلتها، وما جنيت ما جنيت إلا لكم، وما تركت ورائي درهما ما عدا ثلاثين أو أربعين درهما.
ثم بكى وبكى الناس معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أبشر، فو الله لقد مات رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو عنك راض، ومات أبو بكر وهو عنك راض، وإن المسلمين رضوان عنك.
(5/26)

قال: المغرور والله من غررتموه؛ أما والله لو أن لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطّلع.
داود بن أبي هند عن قتادة قال: لما ثقل عمر قال لولده عبد الله: ضع خدّي على الأرض. فكره أن يفعل ذلك، فوضع عمر خدّه على الأرض وقال: ويل لعمر، ولأمّ عمر، إن لم يعف الله عنه! أبو أمية بن يعلى عن نافع قال: قيل لعبد الله بن عمر: تغسّل الشهداء؟ قال: كان عمر أفضل الشهداء، فغسّل وكفن وصلّي عليه.
يونس عن الحسن وهشام بن عروة عن أبيه قالا: لما طعن عمر بن الخطاب قيل له:
يا أمير المؤمنين، لو استخلفت! قال:
إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني، وإن استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير مني؛ ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة. ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيّك يقول: إن سالما ليحبّ الله حبّا لو لم يخفه ما عصاه.
قيل له: فلو أنك عهدت إلى عبد الله، فإنه لها أهل في دينه وفضله وقديم إسلامه؟
قال: بحسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن أمّة محمد-[ولوددت أني نجوت من هذا الأمر كفافا لا لي ولا عليّ.
ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أولّي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحق- وأشار إلى عليّ- ثم رأيت أن لا أتحمّلها حيّا وميّتا؛ فعليكم بهؤلاء الرهط الذين قال فيهم النبي صلّى الله عليه وسلم: إنهم من أهل الجنة. منهم: سعيد بن زيد بن
(5/27)

عمرو بن نفيل، ولست مدخله فيهم؛ ولكن الستة: علي، وعثمان ابنا عبد مناف؛ وسعد، وعبد الرحمن بن عوف خال رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ والزبير حواريّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وابن عمته، وطلحة الخير؛ فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوكم واليا فأحسنوا مؤازرته.
فقال العباس لعليّ: لا تدخل معهم. قال: أكره الخلاف. قال: إذن ترى ما تكره! فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا والزبير وعبد الرحمن، ثم قال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وإني لا أخاف الناس عليكم، ولكني أخافكم على الناس؛ وقد قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو عنكم راض، فاجتمعوا إلى حجرة عائشة بإذنها، فتشاوروا واختاروا منكم رجلا، وليصلّ بالناس صهيب ثلاثة أيام، ولا يأت اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضركم عبد الله مشيرا ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فأمضوا أمركم. ومن لي بطلحة؟ فقال سعد: أنا لك به إن شاء الله.
ثم قال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن الله قد أعزّ بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلا من الأنصار وكونوا مع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم.
وقال للمقداد بن الأسود الكندي: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم.
وقال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن وطلحة إن حضر، بيت عائشة، واحضر عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، وقم على رءوسهم؛ فإن اجتمع خمسة على رأي واحد وأبي واحد فاشدخ «1»
(5/28)

رأسه بالسيف، وإن اجتمع أربعة فرضوا وأبي اثنان فاضرب رأسيهما، فإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكّموا عبد الله بن عمر؛ فإن لم يرضوا بعبد الله فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين، إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. وخرجوا.
فقال عليّ لقوم معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم فلن يؤمّركم أبدا.
وتلقاه العباس فقال له: عدلت عنا؟ قال له وما أعلمك؟ قال: قرن بي عثمان ثم قال ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا إن رضي فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف؛ فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون فلو كان الآخران معي ما نفعاني.
فقال العباس: لم أدفعك في شيء إلا رجعت إلي مستاخرا بما أكره: أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن تسأله: فيمن هذا الأمر؟ فأبيت؛ وأشرت عليك بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن تعاجل الأمر، فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم، فأبيت؛ فاحفظ عني واحدة: كل ما عرض عليك القوم فأمسك، إلى أن يولوك؛ واحذر هذا الرهط؛ فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا.
فلما مات عمر واخرجت جنازته، تصدى علي وعثمان، أيهما يصلي عليه؛ فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الإمرة!، لستما من هذا في شيء؛ هذا صهيب استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام. فصلى عليه صهيب.
فلما دفن عمر جمع المقداد بن الأسود أهل الشورى في بيت عائشة بإذنها، وهم خمسة معهم ابن عمر، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة فحجبهم؛ وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما «1» سعد وأقامهما، وقال: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا من أهل الشورى!
(5/29)

فتنافس القوم في الأمر، وكثر بينهم الكلام، كل يرى أنه أحق بالأمر؛ فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها! لا والذي ذهب بنفس عمر، لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمر بها عمرو أو أجلس في بيتي.
فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه، ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم فلم يجبه أحد؛ فقال. فأنا أنخلع منها. قال عثمان. أنا أول من رضي؟ فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول. عبد الرحمن أمين في الأرض، أمين في السماء. فقال القوم:
رضينا. وعليّ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن: قال. أعطني موثقا لتؤثرنّ الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألو الأمة نصحا. قال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من نكل، وأن ترضوا بما أخذت لكم فتوثق بعضهم من بعض وجعلوها إلى عبد الرحمن، فخلا بعلي فقال: إنك أحقّ بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك، ولم تبعد؛ فمن أحق بها بعدك من هؤلاء؟ قال:
عثمان. ثم خلا بعثمان فسأله عن مثل ذلك؛ فقال: علي. ثم خلا بسعد فقال: عثمان. ثم خلا بالزبير فقال: عثمان، فقال عمار بن ياسر لعبد الرحمن: إن أردت.
أبو الحسن قال: لما خاف عليّ بن أبي طالب عبد الرحمن بن عوف والزبير وسعدا أن يكونوا مع عثمان، لقي سعدا ومعه الحسن والحسين، فقال له: أسألك برحم ابنيّ هذين من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وبرحم عمي حمزة منك ألّا تكون مع عبد الرحمن ظهيرا عليّ لعثمان؛ فإني أولي إليك بما لا يدلي به عثمان.
ثم دار عبد الرحمن لياليه تلك على مشايخ قريش يشارهم، فكلهم يشير بعثمان؛ حتى إذا كان في الليلة التي استكمل في صبيحتها الأجل، أتى منزل المسور بن مخرمة بعد هجعة من الليل، فأيقظه فقال: ألا أراك إلا نائما ولم أذق في هذه الليالي نوما! فانطلق فادع لي الزبير وسعدا. فدعا بهما؛ فبدأ بالزبير في مؤخرة المسجد، فقال له: خلّ ابني عبد مناف لهذا الأمر. فقال: نصيبي لعليّ. فقال لسعد: أنا وأنت كلالة «1» ، فاجعل نصيبك لي فأختار. قال: أما إن اخترت نفسك فنعم، وأما إن
(5/30)

اخترت عثمان فعليّ أحبّ إليّ منه. قال: يا أبا إسحق، إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجعل إليّ الخيار ما أردتها؛ إني رأيت كأني في روضة خضراء كثيرة العشب؛ فدخل فحل لم أر قطّ فحلا أكرم منه، فمرّ كأنه سهم لا يلتفت إلى شيء مما في الروضة حتى قطعها؛ ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج من الروضة، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه «1» يلتفت يمينا وشمالا ويمضي قصد الأولين، حتى خرج من الروضة؛ ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة؛ ولا والله لا أكون البعير الرابع؛ ولا يقوم بعد أبي بكر وعمر أحد فيرضى الناس عنه! ثم أرسل المسوّر إلى عليّ فناجاه طويلا، وهو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم أرسل المسور إلى عثمان فناجاه طويلا حتى فرق بينهما أذان الصبح.
فلما صلوا الصبح جمع إليه الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين والأنصار، وإلى أمراء الأجناد، حتى ارتج المسجد بأهله؛ فقال: أيها الناس إن الناس قد أحبوا أن تلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم. فقال عمار بن ياسر: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليا. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا، قلنا: سمعنا وأطعنا! قال ابن أبي سرح إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ربيعة صدق؛ إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا! فشتم عمار ابن أبي سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين! فتكلم بنو هاشم وبنو أمية.
فقال عمار: أيها الناس، إن الله أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه فأنّى تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم؟
فقال له رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن الناس.
(5/31)

فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت؛ فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا.
ودعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال أعمل بمبلغ علمي وطاقتي.
ثم دعا عثمان فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه، وسيرة الخليفتين من بعده؟ فقال: نعم! فبايعه؛ فقال علي: حبوته محاباة، ليس ذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا؛ أما والله ما ولّيت عثمان إلا ليردّ الأمر إليك، والله كلّ يوم هو في شأن.
فقال عبد الرحمن: يا عليّ لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت وشاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحدا. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.
فقال المقداد: أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون! فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: لئن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين.
ثم قال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم؛ إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول إن أحدا أعلم منه، ولا أقضى بالعدل، ولا أعرف بالحق؛ أما والله لو أجد أعوانا! فقال له عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله فإني أخشى عليك الفتنة! قال: وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه عثمان، فقيل له: إن الناس قد بايعوا عثمان. فقال: أكل قريش رضوا به؟ قالوا: نعم. فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت عن رأس أمرك. قال طلحة: فإن أبيت أتردّها؟ قال: نعم. قال: أكل الناس بايعوك؟
قال: نعم. قال: قد رضيت، لا أرغب عما اجتمعت الناس عليه. وبايعه.
وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد، قد أصبت إذا بايعت عثمان، ولو
(5/32)

بايعت غيره ما رضيناه. قال: كذبت يا أعور! لو بايعت غيره لبايعته وقلت هذه المقالة.
وقال عبد الله بن عباس: ما شيت عمر بن الخطاب يوما، فقال لي: يا بن عباس، ما يمنع قومكم منكم وأنتم أهل البيت خاصة؟ قلت: لا أدري! قال: لكني أدري؛ إنكم فضلتموهم بالنبوة، فقالوا: إن فضلوا بالخلافة مع النبوة لم يبقوا لنا شيئا، وإنّ أفضل النصيبين بأيدكم، بل ما إخالها إلا مجتمعة لكم وإن نزلت على رغم قريش.
فلما أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلة «1» من أصحاب محمد، قيل لعبد الرحمن: هذا عملك! قال: ما ظننت هذا! ثم مضى، ودخل عليه وعاتبه، وقال: إنما قدّمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فخلفتهما وحابيت أهل بيتك وأوطأتهم رقاب المسلمين. فقال: إن عمر كان يقطع قرابته في الله، وأنا أصل قرابتي في الله. قال عبد الرحمن: لله عليّ ألا أكلّمك أبدا! فلم يكلمه أبدا حتى مات. ودخل عليه عثمان عائدا»
له في مرضه، فتحوّل عنه إلى الحائط ولم يكلمه.
ذكروا أن زيادا أوفد ابن حصين على معاوية، فأقام عنده ما أقام، ثم إن معاوية بعث إليه ليلا فخلا به، فقال له: يا ابن حصين، قد بلغني أن عندك ذهنا وعقلا؛ فأخبرني عن شيء أسألك عنه قال: سلني عما بدا لك. أخبرني ما الذي شتّت أمر المسلمين وفرّق أهواءهم وخالف بينهم؟ قال: نعم، قتل النّاس عثمان قال: ما صنعت شيئا. قال: فمسير عليّ إليك وقتاله إياك. قال: ما صنعت شيئا قال: فمسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إياهم قال ما صنعت شيئا. قال: ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين. قال: فأنا أخبرك، إنه لم يشتت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم ولا خالف بينهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر؛ وذلك أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فعمل بما أمره الله به ثم قبضه
(5/33)

الله إليه، وقدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأمر دينهم، فعمل بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وسار بسيره حتى قبضه الله، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر، فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، ورجاها له قومه، وتطلعت إلى ذلك نفسه: ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف. وقال المغيرة بن شعبة: إني لعند عمر بن الخطاب ليس عنده أحد غيري، إذ أتاه آت فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يزعمون أن الذي فعل أبو بكر في نفسه وفيك لم يكن له، وأنه كان بغير مشورة ولا مؤامرة؟ وقالوا تعالوا نتعاهد ألا نعود إلى مثلها. قال عمر: وأين هم؟ قال: في دار طلحة. فخرج نحوهم وخرجت معه وما أعلمه يبصرني من شدّة الغضب، فلما رأوه كرهوه وظنوا الذي جاء له، فوقف عليهم وقال: أنتم القائلون ما قلتم؟ والله لن تتحابوا حتى يتحابّ الأربعة: الإنسان والشيطان، يغويه وهو يلعنه؛ والنار والماء يطفئها وهي تحرقه؛ ولم يأن لكم بعد وقد آن ميعادكم ميعاد المسيح متى هو خارج. قال: فتفرقوا فسلك كل واحد منهم طريقا؛ قال المغيرة:
ثم قال لي: أدرك ابن أبي طالب فاحبسه عليّ. فقلت: لا يفعل أمير المؤمنين وهو مغدّ «1» ، فقال: أدركه وإلا قلت لك يا بن الدباغة. قال: فأدركته فقلت له: قف مكانك لإمامك واحلم، فإنه سلطان وسيندم وتندم. قال: فأقبل عمر فقال: والله ما خرج هذا الامر إلا من تحت يدك. قال عليّ: اتق أن لا تكون الذي نعطيك فنفتنك. قال: وتحب أن تكون هو؟ قال: لا، ولكننا نذكرك الذي نسيت. فالتفت إليّ عمر فقال: انصرف فقد سمعت منا عند الغضب ما كفاك. فتنحيت قريبا، وما وقفت إلا خشية أن يكون بينهما شيء فأكون قريبا، فتكلما كلاما غير غضبانين ولا راضين ثم رأيتهما يضحكان وتفرّقا؛ وجاءني عمر، فمشيت معه وقلت: يغفر الله لك، أغضبت؟ قال: فأشار إلى عليّ وقال: أما والله لولا دعابة فيه ما شككت في ولايته وإن نزلت على رغم أنف قريش.
(5/34)

العتبي عن أبيه: أن عتبة بن أبي سفيان قال: كنت مع معاوية في دار كندة، إذ أقبل الحسن والحسين ومحمد، بنو علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين إن لهؤلاء القوم أشعارا وأبشارا، وليس مثلهم كذب، وهم يزعمون أن أباهم كان يعلم. فقال:
إليك من صوتك فقد قرب القوم، فإذا قاموا فذكرني بالحديث، فلما قاموا قلت: يا أمير المؤمنين ما سألتك عنه من الحديث؟ قال: كل القوم كان يعلم وكان أبوهم من أعلمهم. ثم قال: قدمت على عمر بن الخطاب، فإني عنده إذ جاءه عليّ وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخلوا وهم يتدافعون ويضحكون، فلما رآهم عمر نكس «1» ، فعلموا أنه على حاجة، فقاموا كما دخلوا؛ فلما قاموا أتبعهم بصره فقال: فتنة أعوذ بالله من شرّهم، وقد كفاني الله شرهم! قال: ولم يكن عمر بالرجل يسأل عما لا يفسّر؛ فلما خرجت جعلت طريقي على عثمان؛ فحدثته الحديث وسألته الستر، قال: نعم، على شريطة. قلت: هي لك. قال:
تسمع ما أخبرك به وتسكت إذا سكتّ. قلت: نعم. قال: ستة يقدح بينهم زناد الفتنة، يجري الدم منهم على أربعة. قال: ثم سكت، وخرجت إلى الشام، فلما قدمت على عمر فحدث من أمره ما حدث- فلما مضت الشورى- ذكرت الحديث؛ فأتيت بيت عثمان وهو جالس وبيده قضيب فقلت: يا أبا عبد الله، تذكر الحديث الذي حدثتني؟ قال: فأزم «2» على القضيب عضّا؛ ثم أقلع عنه وقد أثر فيه، فقال: ويحك يا معاوية! أي شيء ذكرتني! لولا أن يقول الناس: خاف أن يؤخذ عليه، لخرجت إلى الناس منها! قال: فأبى قضاء الله إلا ما ترى.
ومما نقم الناس على عثمان: أنه آوى طريد رسول الله صلّى الله عليه وسلم الحكم بن أبي العاص- ولم يؤوه أبو بكر ولا عمر- وأعطاه مائة ألف؛ وسيّر أبا ذرّ إلى الرّبذة، وسيّر عامر ابن عبد قيس من البصرة إلى الشام؛ وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف؛ وتصدّق رسول الله صلّى الله عليه وسلم بمهزون- موضع سوق المدينة- على
(5/35)

المسلمين، فأقطعها الحرث بن الحكم أخا مروان؛ وأقطع فدك مروان، وهي صدقة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ وافتتح أفريقية؛ فأخذ خمس الفيء فوهبه لمروان؛ فقال عبد الرحمن بن حسل الجمحي:
فأحلف بالله ربّ الأنا ... م ما ترك الله شيئا سدى
ولكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلى بك أو تبتلى
فإنّ الأمينين قد بيّنا ... منارا لحقّ عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة ... وما تركا درهما في هوى
وأعطيت مروان خمس العبا ... د هيهات شأوك ممّن شأى
[عثمان]
نسب عثمان وصفته
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس: وأمها [أمّ حكيم] البيضاء ابنة عبد المطلب بن هاشم عمة النبي صلّى الله عليه وسلم.
وكان عثمان أبيض مشربا صفرة، كأنه فضة وذهب؛ حسن القامة، حسن الساعدين، سبط «1» الشعر، أصلع الرأس، أجمل الناس إذا اعتمّ، مشرف الأنف، عظيم الأرنبة، كثير شعر الساقين والذراعين، ضخم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين.
ولما أسنّ شدّ أسنانه بالذهب، وسلسل بوله فكان يتوضأ لكل صلاة.
ولي الخلافة منسلخ ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
وقتل يوم الجمعة صبيحة عيد الأضحى سنة خمس وثلاثين.
وفي ذلك يقول حسان:
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا «2»
لتسمعنّ وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
(5/36)

فكانت ولايته اثنتي عشرة سنة وستة عشر يوما، [ومات] وهو ابن أربع وثمانين سنة.
وكان على شرطته- وهو أول من اتخذ صاحب شرطة- عبيد الله بن قنفذ، وعلى بيت المال، عبد الله بن أرقم، ثم استعفاه؛ وكاتبه مروان، وحاجبه حمران مولاه.
فضائل عثمان
سالم بن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: أصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك، فاشترى عثمان طعاما على ما يصلح العسكر، وجهز به عيرا «1» ؛ فنظر النبي صلّى الله عليه وسلم إلى سواد مقبل. فقال: هذا جمل أشقر قد جاءكم بميرة. فأنيخت الركائب «2» ، فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يديه إلى السماء وقال: اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارض عنه! وكان عثمان حليما سخيا محبّبا إلى قريش، حتى كان يقال:
أحبّك والرحمن ... حبّ قريش لعثمان
وزوّجه النبي صلّى الله عليه وسلم رقية ابنته، فماتت عنده؛ فزوّجه أم كلثوم ابنته أيضا.
الزهري عن سعيد بن المسيّب، قال: لما ماتت رقية جزع عثمان عليها، وقال: يا رسول الله، انقطع صهري منك! قال: إن صهرك مني لا ينقطع، وقد أمرني جبريل أن أزوّجك أختها بأمر الله.
عبد الله بن عباس قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم في هذا البيت، فرآني ضجيعا لأم كلثوم، فاستعبر، فقلت: والذي بعثك بالحق ما أضجعت عليه أنثى بعدها! فقال: ليس لهذا استعبرت؛ فإن الثياب للحي وللميت الحجر؛ ولو كن يا عثمان عشرا لزوّجتكهن واحدة بعد واحدة.
(5/37)

وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان، فأبى منها؛ فشكاه عمر إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: «سيزوّج الله ابنتك خيرا من عثمان، ويزوّج عثمان خيرا من ابنتك» ! فتزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلم حفصة، وزوّج ابنته عثمان بن عفان.
ومن حديث الشعبي أن النبي عليه السلام دخل عليه عثمان فسوّى ثوبه عليه، وقال:
«كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة» .
مقتل عثمان بن عفان
الرياشي عن الأصمعي قال: كان القواد الذين ساروا إلى المدينة في أمر عثمان أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلويّ، وحكيم بن جبلة العبدي، والأشتر النخعي، وعبد الله بن بديل الخزاعي، فقدموا المدينة فحاصروه، وحاصره معهم قوم من المهاجرين والأنصار حتى دخلوا عليه فقتلوه والمصحف بين يديه، وهو يقرأ يوم الجمعة صبيحة النحر، وأرادوا أن يقطعوا رأسه ويذهبوا به، فرمت نفسها عليه امرأتاه: نائلة بنت الفرافصة، و [رملة] ابنة شيبة بن ربيعة، فتركوه وخرجوا.
فلما كان ليلة السبت انتدب لدفنه رجال، منهم جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو الجهم بن حذيفة، وعبد الله بن الزبير، فوضعوه على باب صغير، وخرجوا به إلى البقيع، ومعهم نائلة بنت الفرافصة بيدها السراج، فلما بلغوا به البقيع منعهم من دفنه فيه رجال من بني ساعدة، فردّوه إلى حشّ كوكب، فدفنوه فيه. وصلى عليه جبير بن مطعم؛ ويقال: حكيم بن حزام؛ ودخلت القبر نائلة بنت الفرافصة، وأم البنين بنت عيينة، زوجتاه، وهما دلّتاه في القبر.
والحش: البستان. وكان حش كوكب اشتراه عثمان، فجعله أولاده مقبرة للمسلمين.
يعقوب بن عبد الرحمن، عن محمد بن عيسى الدمشقي، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب، عن محمد بن شهاب الزهري، قال: قلت لسعيد بن المسيب: هل
(5/38)

أنت مخبري كيف قتل عثمان: ما كان شأن الناس وشأنه، ولم خذله أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم؟
فقال: قتل عثمان مظلوما، ومن قتله كان ظالما، ومن خذله كان معذورا.
قلت: وكيف ذاك؟
قال: إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا ما يولّي بني أمية، ممن لم يكن له من رسول الله صلّى الله عليه وسلم صحبة، وكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، فكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم؛ فلما كان في الحجج الآخرة استأمر بني عمه فخرجوا، فولاهم وأمرهم بتقوى الله وولى عبد الله بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه. ومن قبل ذلك كانت من عثمان هناة إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فكانت هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لابن مسعود، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان بما نال عمار بن ياسر، وجاء أهل مصر يشكون من ابن سرح، فكتب إليه عثمان كتابا يتهدد، فأبى ابن سرح أن يقبل ما نهاه عثمان عنه، وضرب رجلا ممن أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل إلى المدينة، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح؛ فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة: قد تقدم إليك أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت أن تعزله، فهذا قد قتل منهم رجلا؛ فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه عليّ وكان متكلّم القوم. فقال: إنما سألوك رجلا مكان رجل، وقد ادّعوا قبله دما؛ فاعزله عنهم، واقض بينهم، وإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم:
اختاروا رجلا أولّه عليكم مكانه. فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر فقالوا:
استعمل علينا محمد بن أبي بكر. فكتب عهده وولّاه، وأخرج معهم عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح، فخرج محمد ومن معه؛ فلما كان
(5/39)

على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة، إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط الأرض خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد: ما قصتك وما شأنك؟ كأنك هارب أو طالب! فقال: أنا غلام أمير المؤمنين، وجّهني إلى عامل مصر. فقالوا: هذا عامل مصر معنا. قال: ليس هذا أريد. وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه فأتي به؛ فقال له: غلام من أنت؟ قال: فأقبل مرة يقول: غلام أمير المؤمنين، ومرة: غلام مروان؛ حتى عرفه رجل منهم أنه لعثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر. قال: بماذا؟ قال: برسالة. قال: معك كتاب؟ قال:
لا. ففتشوه فلم يوجد مع شيء إلا إداوة «1» قد يبست فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقّوا الإداوة، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم، فإذا فيه:
إذا جاءك محمد وفلان فاحتل لقتلهم، وأبطل كتابهم، وقرّ على عملك حتى يأتيك رأيي، واحتبس من جاء يتظلم منك، ليأتيك في ذلك رأيي إن شاء الله.
فلما قرءوا الكتاب فزعوا وعزموا على الرجوع إلى المدينة، وختم محمد الكتاب بخواتم القوم الذين أرسلوا معه، ودفعوا الكتاب إلى رجل منهم، وقدموا المدينة، فجمعوا عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام، وأقرءوهم الكتاب فلم يبق أحد في المدينة إلا حنق على عثمان، وازداد من كان منهم غاضبا لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر، غضبا وحنقا؛ وقام أصحاب النبي عليه السلام فلحقوا منازلهم، ما منهم أحد إلا وهو مغتمّ بما قرءوا في الكتاب، وحاصر الناس عثمان، وأجلب عليه محمّد بن أبي بكر بني تيم وغيرهم وأعانه طلحة بن عبيد الله على ذلك، وكانت عائشة تحرّضه كثيرا، فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار، ونفر من
(5/40)

أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كلّهم بدريّ؛ ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير، وقال له عليّ: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم. والبعير بعيرك؟ قال: نعم والخاتم خاتمك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت الكتاب؟ قال: لا! وحلف بالله: ما كتبت الكتاب، ولا أمرت به، ولا وجهت الغلام إلى مصر قطّ. وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان، فشكّوا في أمر عثمان، وسألوه أن يدفع إليهم مروان؛ فأبى؛ وكان مروان عنده في الدار؛ فخرج أصحاب محمد من عنده غضابا، وشكوا في أمر عثمان وعلموا أنه لا يحلف باطلا، إلا أن قوما قالوا: لا نبريء عثمان، إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نمتحنه ونعرف أمر هذا الكتاب، وكيف يأمر بقتل رجال من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم بغير حق! فإن يك عثمان كتبه عزلناه، وإن يك مروان كتبه على لسانه نظرنا في أمره. ولزموا بيوتهم، وأبي عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل، وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء؛ فأشرف عليهم؛ فقال: أفيكم عليّ؟ قالوا: لا.
قال: فيكم سعد؟ قالوا: لا. فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليا، فبعث إليه ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح من سببها عدة من موالي بن هاشم وبني أمية حتى وصل إليه الماء؛ فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا. وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه. وبعث الزبير ولده، وبعث طلحة ولده على كره منه، وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أبناءهم ليمنعوا الناس أن يدخلوا على عثمان، وسألوه إخراج مروان. ورمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشجّ قنبر مولى عليّ، وخشي محمد بن أبي بكر أن تغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيرونها فأخذ بيدي رجلين فقال لهما: إذا جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن والحسين كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن مروا بنا حتى نتسوّر «1» عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد.
(5/41)

فتسوّر محمد بن أبي بكر وصاحباه من دار رجل من الأنصار. ويقال: من دار عمرو ابن حزم الأنصاري، ومما يدل على ذلك قول الأحوص:
لا ترثينّ لحزميّ ظفرت به ... طرّا ولو طرح الحزمي في النار
الباخسين «1» بمروان بذي خشب ... والمدخلين على عثمان في الدار
فدخلوا عليه وليس معه إلا امرأته نائلة بنت الفرافصة؛ والمصحف في حجره، ولا يعلم أحد ممن كان معه، لأنهم كانوا على البيوت، فتقدّم إليه محمد [ابن أبي بكر] وأخذ بلحيته. فقال له عثمان: أرسل لحيتي يا بن أخي، فلو رآك أبوك لساءه مكانك! فتراخت يده عن لحيته، وغمز الرجلين فوجآه بمشاقص «2» معهما حتى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا؛ وخرجت امرأته فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل! فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحا؛ فأكبّوا عليه يبكون.
وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة: فخرجوا وقد ذهبت عقولهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا؛ فاسترجعوا؛ وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسين وضرب صدر الحسن، وشتم محمد ابن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير؛ ثم خرج عليّ وهو غضبان، يرى أن طلحة أعان عليه، فلقيه طلحة فقال: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين؟ فقال عليك وعليهما لعنة الله! يقتل أمير المؤمنين ورجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم بدريّ ولم تقم بينة ولا حجة؟ فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل. فقال: لو دفع مروان قتل قبل أن تثبت عليه حجة! وخرج عليّ فأتى منزله؛ وجاءه القوم كلهم يهرعون إليه:
أصحاب محمد وغيرهم، يقولون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فقال: ليس ذلك إلا لأهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة. فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا، فقالوا: ما نرى أحدا أولى بها منك، فمدّ يدك نبايعك. فقال: أين طلحة والزبير؟ فكانا. أول من بايعه، طلحة بلسانه، وسعد بيده.
(5/42)

فلما رأى ذلك عليّ خرج إلى المسجد فصعد المنبر؛ فكان أول من صعد طلحة فبايعه بيده، وكانت أصبعه شلّاء، فتطير منها عليّ، وقال: ما أخلقه أن ينكث! ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي جميعا؛ ثم نزل، ودعا الناس، وطلب مروان فهرب منه.
وخرجت عائشة باكية تقول: قتل عثمان مظلوما! فقال لها عمار: أنت بالأمس تحرضين عليه، واليوم تبكين عليه! وجاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر. وأخبرته بما صنع محمد بن أبي بكر؛ فدعا عليّ بمحمد، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: لم تكذب؛ وقد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله، فذكر لي أبي، فقمت وأنا تائب، والله ما قتلته ولا أمسكته! فقالت امرأة عثمان:
صدق، ولكنه أدخلهما.
المعتمر عن أبيه عن الحسن، أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحية عثمان، فقال له: يا ابن أخي؛ لقد قعدت مني مقعدا ما كان أبوك ليقعده! وفي حديث آخر أنه قال: يابن أخي، لو رآك أبوك لساءه مكانك! فاسترخت يده. وخرج محمد فدخل عليه رجل والمصحف في حجره، فقال له: بيني وبينك كتاب الله! فخرج وتركه، ثم دخل عليه آخر، فقال: بيني وبينك كتاب الله! فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده، فقطعها؛ فقال: أما إنها أول يد خطّت المفصّل «1» .
القوّاد الذين أقبلوا إلى عثمان
الأصمعي عن أبي عوانة قال: كان القواد الذين أقبلوا إلى عثمان: علقمة بن عثمان، وكنانة بن بشر، وحكيم بن جبلة، والأشتر النخعي، وعبد الله بن بديل.
وقال أبو الحسن: لما قدم القواد قالوا لعليّ: قم معنا إلى هذا الرجل. قال: لا
(5/43)

والله لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتابا قط. قال: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، وخرج عليّ من المدينة.
الأعمش عن عيينة عن مسروق قال: قالت عائشة: مصتموه موص «1» الإناء حتى تركتموه كالثوب الرخيض «2» ، نقيّا من الدنس؛ ثم عدوتم فقتلتموه! قال مروان:
فقلت لها: هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه! فقالت: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت إليهم بسواد في بياض، حتى جلست في مجلسي هذا.
فكانوا يرون أنه كتب على لسان عليّ، وعلى لسانها، كما كتب أيضا على لسان عثمان مع الأسود إلى عامل مصر؛ فكان اختلاق هذه الكتاب كلها سببا للفتنة.
وقال أبو الحسن: أقبل أهل مصر عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوى، وأهل البصرة عليهم حكيم بن جبلة العبدي، وأهل الكوفة عليهم الأشتر- واسمه مالك بن الحارث النخعي- في أمر عثمان، حتى قدموا المدينة.
قال أبو الحسن: لما قدم وفد أهل مصر، دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا؟ قال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت؛ وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل، وينقش الخاتم على الخاتم. قالوا: قد أحل الله دمك! وحصروه في الدار، فأرسل عثمان إلى الأشتر فقال: ما يريد الناس مني؟ قال: واحدة من ثلاث ليس عنها بدّ.
قال: ما هي؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرهم، فتقول: هذا أمركم فقلّدوه من شئتم؛ وإما أن تقتص من نفسك؛ فإن أبيت [هاتين] فالقوم قاتلوك. قال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سر بلنيه الله فتكون سنة من بعدي، كلما كره القوم إمامهم خلعوه: وأما أن أقتص من نفسي فو الله لقد علمت أن صاحبي بين
(5/44)

يدي قد كانا يعاقبان، وما يقوى بدني على القصاص؛ وأما أن تقتلوني، فلئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا، ولا تصلون بعدي جميعا أبدا.
وقال أبو الحسن: فو الله لن يزالوا على النوى «1» جميعا وإن قلوبهم مختلفة.
وقال أبو الحسن: أشرف عليهم عثمان وقال: إنه لا يحل سفك دم امريء مسلم إلا في إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس؛ فهل أنا في واحدة منهن؟ فما وجد القوم له جوابا. ثم قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان على أحد ومعه تسعة من أصحابه أنا أحدهم فتزلزل الجبل حتى همت أحجاره أن تتساقط، فقال: اسكن أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: اللهم نعم. قال: شهدوا لي ورب الكعبة.
قال أبو الحسن: أشرف عليهم عثمان فقال: السلام عليكم. فما ردّ أحد عليه السلام، فقال: أيها الناس، إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في القبر فضعوها فما وجد القوم له جوابا؛ ثم قال: أستغفر الله إن كنت ظلمت وقد غفرت إن كنت ظلمت! يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعا وطاعة أن يكفّ يده ويلقي سلاحه.
فألقى القوم أسلحتهم.
ابن أبي عروبة عن قتادة، أن زيد بن ثابت دخل على عثمان يوم الدار، فقال: إن هذه الأنصار بالباب وتقول: إن شئت كنا أنصار الله مرتين! قال: لا حاجة لي في ذلك؛ كفوا.
ابن أبي عروبة عن يعلى بن حكيم عن نافع، أن عبد الله بن عمر لبس درعه وتقلد سيفه يوم الدار، فعزم عليه عثمان أن يخرج ويضع سلاحه ويكف يده، ففعل.
(5/45)

محمد بن سيرين قال: قال سليط: نهانا عثمان عنهم، ولو أذن لنا عثمان فيهم لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا.
ما قالوا في قتلة عثمان
العتبي: قال رجل من بني ليث: لقيت الزبير قادما، فقلت: أبا عبد الله، ما بالك؟
قال: مطلوب مغلوب، يغلبني ابني ويطلبني ذنبي! قال: فقدمت المدينة فلقيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: أبا إسحق، من قتل عثمان؟ قال: قتله سيف سلّته عائشة، وشحذه طلحة، وسمّه علي! قلت: فما حال الزبير؟ قال: أشار بيده، وصمت بلسانه.
وقالت عائشة: قتل الله مذمّما بسعيه على عثمان- تريد محمدا أخاها- وأهرق دم ابن بديل على ضلالته، وساق إلى أعين بني تميم هوانا في بيته، ورمى الأشتر بسهم من سهامه لا يشوى: قال: ما منهم أحد إلا أدركته دعوة عائشة.
سفيان الثوري قال: لقي الأشتر مسروقا فقال له: أبا عائشة، مالي أراك عضبان على ربك من يوم قتل عثمان بن عفان؟ لو رأيتنا يوم الدار ونحن كأصحاب عجل بني إسرائيل.
وقال سعد بن أبي وقاص لعمار بن ياسر: لقد كنت عندنا من أفاضل أصحاب محمد، حتى [إذا] لم يبق من عمرك إلا ظمء «1» الحمار فعلت وفعلت! يعرض له بقتل عثمان، قال عمار: أي شيء أحب إليك: مودة على دخل أو هجر جميل قال: هجر جميل! قال: فلله عليّ أن لا أكلّمك أبدا! دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت: يا أبا عبد الله لو رأيتني يوم الجمل قد نفذت النصال هودجي حتى وصل بعضها إلى جلدي! قال لها المغيرة: وددت والله أن بعضها كان قتلك! قالت يرحمك الله! ولم تقول هذا؟ قال: لعلها تكون كفّارة في سعيك على عثمان! قالت: أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله أني أردت قتله، ولكن
(5/46)

علم الله أني أردت أن يقاتل فقوتلت، وأردت أن يرمى فرميت، وأردت أن يعصى فعصيت؛ ولو علم مني أني أردت قتله لقتلت.
وقال حسان بن ثابت لعلي: إنك تقول: ما قتلت عثمان ولكن خذلته، ولم آمر به ولكن لم أنه عنه. فالخاذل شريك القاتل، والساكت شريك القائل.
أخذ هذا المعنى كعب بن جعيل التغلبي وكان مع معاوية يوم صفين، فقال في علي بن أبي طالب:
وما في عليّ لمستحدث ... مقال سوى عصمة المحدثينا
وإثاره لأهالي الذنوب ... ورفع القصاص عن القاتلينا
إذا سيل عنه زوى وجهه ... وعمّى الجواب على السائلينا «1»
فليس براض ولا ساخط ... ولا في النهاة ولا الآمرينا
ولا هو ساه ولا سرّه ... ولا آمن بعض ذا أن يكونا
وقال رجل من أهل الشام في قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه:
خذلته الأنصار إذ حضر المو ... ت وكانت ثقاته الأنصار
ضربوا بالبلاء فيه مع النّا ... س وفي ذاك للبرية عار
حرمة بالبلاء من حرمة الله ... ووال من الولاة وجار
أين أهل الحياء إذ منع الما ... ء فدته الأسماع والأبصار
من عذيري من الزبير ومن طلحة ... هاجا أمرا له إعصار «2»
تركوا الناس دونهم عبرة العجل ... فشبت وسط المدينة نار
هكذا زاغت اليهود عن الحقّ ... بما زخرفت لها الأحبار
ثم وافى محمد بن أبي بكر ... جهارا وخلفه عمّار
وعليّ في بيته يسأل النا ... س ابتداء وعنده الأخبار!
(5/47)

باسطا للتي يريد يديه ... وعليه سكنة ووقار
يرقب الأمر أن يزفّ إليه ... بالذي سبّبت له الأقدار
قد أرى كثرة الكلام قبيحا ... كل قول يشينه إكثار
وقال حسان يرثي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه:
من سره الموت صرفا لا مزاح له ... فليأت مأسدة في دار عثمانا «1»
صبرا فدى لكم أمّي وما ولدت ... قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا
لعلكم أن تروا يوما بمغيظة ... خليفة الله فيكم كالذي كانا
إني لمنهم وإن غلبوا وإن شهدوا ... ما دمت حيّا وما سمّيت حسّانا «2»
يا ليت شعري وليت الطّير تخبرني ... ما كان شأن عليّ وابن عفّانا
لتسمعنّ وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
في مقتل عثمان بن عفان
أبو الحسن عن مسلمة عن ابن عون قال: كان ممن نصر عثمان سبعمائة، فيهم الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير؛ ولو تركهم عثمان لضربوهم حتى يخرجوهم من أقطارها.
أبو الحسن عن جبير بن سيرين قال: دخل ابن بديل على عثمان وبيده سيف، وكانت بينهما شحناء «3» ، فضربه بالسيف، فاتقاه بيده، فقطعها، فقال: أما إنها أول كف خطّت المفصّل.
أبو الحسن قال: يوم قتل عثمان يقال له يوم الدار. وأغلق على ثلاث من القتل:
غلام أسود كان لعثمان، وكنانة بن بشر، وعثمان.
(5/48)

أبو الحسن قال: قال سلامة بن روح الخزاعي لعمرو بن العاص: كان بينكم وبين الفتنة باب فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ قال: أردنا أن نخرج الحق من حفيرة الباطل، وأن يكون الناس في الحق سواء.
مجالد عن الشعبي قال: كتب عثمان إلى معاوية: أن امددني. فأمدّه بأربعة آلاف مع يزيد بن أسد بن كرز البجلي. فتلقاه الناس بقتل عثمان، فانصرف، فقال: لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها مختلفا إلا قتلته؛ لأن الخاذل والقاتل سواء.
قيس بن رافع قال: قال زيد بن ثابت: رأيت عليّا مضطجعا في المسجد، فقلت.
أبا الحسن، إن الناس يرون أنك لو شئت رددت الناس عن عثمان. فجلس ثم قال:
والله ما أمرتهم بشيء ولا دخلت في شيء من شأنهم. قال: فأتيت عثمان فأخبرته، فقال:
وحرّق قيس عليّ البلا ... د حتى إذا اضطرمت أجذما «1»
الفضل عن كثير عن سعيد المقبري قال. لما حصروا عثمان ومنعوه الماء، قال الزبير: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ
«2» ! ومن حديث الزهري قال: لما قتل مسلم بن عقبة أهل المدينة يوم الحرّة، قال عبد الله بن عمر: بفعلهم في عثمان وربّ الكعبة! ابن سيرين عن ابن عباس قال: لو أمطرت السماء دما لقتل عثمان لكان قليلا له! أبو سعيد مولى أبي حذيفة قال: بعث عثمان إلى أهل الكوفة: من كان يطالبني بدينار أو درهم أو لطمة فيأت يأخذ حقه أو يتصدق، فإن الله يجزي المتصدقين.
قال: فبكى بعض القوم، وقالوا: تصدّقنا! ابن عون عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم أشدّ على عثمان من طلحة!
(5/49)

أبو الحسن قال: كان عبد الله بن عباس يقول: ليغلبنّ معاوية وأصحابه عليا وأصحابه؛ لأن الله تعالى يقول: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
«1» .
أبو الحسن قال: كان ثمامة الأنصاري عاملا لعثمان، فلما أتاه قتله بكى وقال:
اليوم انتزعت خلافة النّبوّة من أمّة محمد، وصار الملك بالسيف، فمن غلب على شيء أكله.
أبو الحسن: عن أبي مخنف عن نمير بن وعلة عن الشعبي، أن نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان بن عفان كتبت إلى معاوية كتابا مع النعمان بن بشير، وبعثت إليه بقميص عثمان مخضوبا بالدماء، وكان في كتابها:
«من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان؛ أما بعد، فإني أدعوكم إلى الله الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر ونصركم على العدوّ، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة؛ وأنشدكم الله، وأذكّركم حقّه وحق خليفته أن تنصروه بعزم الله عليكم؛ فإنه قال: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
«2» . وإن أمير المؤمنين بغي عليه، ولو لم يكن لعثمان عليكم إلا حقّ الولاة، [ثم أتي إليه ما أتي] لحقّ على كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره فكيف وقد علمتم قدمه في الإسلام، وحسن بلائه، وأنه أجاب [داعي] الله وصدّق كتابه واتّبع رسوله، والله علم به إذ انتخبه فأعطاه شرف الدنيا وشرف الآخرة.
وإني أقص عليكم خبره؛ إني شاهدة أمره كلّه. إن أهل المدينة حصروه في داره، ويحرسونه ليلهم ونهارهم قياما على أبوابه بالسلاح، يمنعونه كل شيء قدروا عليه، حتى منعوه الماء؛ فمكث هو ومن معه خمسين ليلة، وأهل مصر قد أسندوا
(5/50)

أمرهم إلى علي، ومحمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر، وطلحة والزبير، فأمروهم بقتله؛ وكان معهم من القبائل: خزاعة، وسعد بن بكر، وهذيل، وطوائف من جهينة ومزينة وأنباط يثرب؛ فهؤلاء كانوا أشدّ الناس عليه.
ثم إنه حصر فرشق بالنّبل والحجارة، فجرح ممن كان في الدار ثلاثة نفر معه، فأتاه الناس يصرخون إليه ليأذن لهم في القتال، فنهاهم وأمرهم أن يردوا إليهم نبلهم، فردّوها عليهم، فما زادهم ذلك في القتل إلا جرأة، وفي الأمر إلا إغراقا؛ فحرّقوا باب الدار؛ ثم جاء [ثلاثة] نفر من أصحابه فقالوا: إن [في المسجد] ناسا يريدون أن يأخذوا أمر الناس بالعدل، فاخرج إلى المسجد يأتوك. فانطلق فجلس فيه ساعة وأسلحة القوم مظلة عليه من كل ناحية، فقال: ما أرى اليوم أحدا يعدل! فدخل الدار، وكان معه نفر ليس على عامتهم سلاح فلبس درعه وقال لأصحابه: لولا أنتم ما لبست اليوم درعي. فوثب عليه القوم فكلمهم ابن الزبير، وأخذ عليهم ميثاقا في صحيفة وبعث بها إلى عثمان: عليكم عهد الله وميثاقه أن لا تقربوه بسوء حتى تكلموه وتخرجوا. فوضع السلاح، ولم يكن إلا وضعه ودخل عليه القوم يقدمهم محمد ابن أبي بكر، فأخذوا بلحيته ودعوه باللقب؛ فقال: أبا عبد الله وخليفته عثمان.
فضربوه على رأسه ثلاث ضربات، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات، وضربوه على مقدم الجبين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم؛ فسقطت عليه وقد أثخنوه وبه حياة، وهم يريدون أن يقطعوا رأسه فيذهبوا به، فأتتني ابنة شيبة بن ربيعة فألقت بنفسها معي [عليه] ، فوطئنا وطأ شديدا، وعرّينا من حلينا، وحرمة أمير المؤمنين أعظم؛ فقتلوا أمير المؤمنين في بيته مقهورا على فراشه، وقد أرسلت إليكم بثوبه عليه دمه، وإنه والله إن كان أثم من قتله لما سلم من خذله، فانظروا أين أنتم من الله، وأنا أشتكي على ما مسنا إلى الله عز وجل، وأستصرخ بصالحي عباده؛ فرحم الله عثمان ولعن قتلته وصرعهم في الدنيا مصارع الخزي والمذلة، وشفى منهم الصدور» .
فحلف رجال من أهل الشام ألا يمسوا غسلا حتى يقتلوا عليا أو تفنى أرواحهم
(5/51)

وقال الفرزدق في قتل عثمان:
إنّ الخلافة لمّا أظعنت ظعنت ... عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا «1»
صارت إلى أهلها منهم ووارثها ... لما رأى الله في عثمان ما انتهكوا
السّافكي دمه ظلما ومعصية ... أيّ دم لا هدوا من غيّهم سفكوا
وقال حسان:
إن تمس دار بني عثمان خاوية ... باب صريع وبيت محرق خرب «2»
فقد يصادف باغي الخير حاجته ... فيها ويأوي إليها المجد والحسب
يا معشر الناس أبدوا ذات أنفسكم ... لا يستوي الحقّ عند الله والكذب
تبرؤ عليّ من دم عثمان
قال علي بن أبي طالب على المنبر: والله لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا دخلتها أبدا، ولئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لا دخلتها أبدا.
وأشرف عليّ من قصر له بالكوفة، فنظر إلى سفينة في دجلة فقال: والذي أرسلها في بحره مسخرة بأمره، ما بدأت في أمر عثمان بشيء، ولئن شاءت بنو أمية لأباهلنّهم «3» عند الكعبة خمسين يمينا ما بدأت في حق عثمان بشيء. فبلغ هذا الحديث عبد الملك بن مروان، فقال: إني لأحسبه صادقا.
وقال معبد الخزاعي: لقيت عليا بعد الجمل، فقلت له إني سائلك عن مسألة كانت منك ومن عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غدا إن شاء الله. قال: سل عما بدا لك. قلت: أخبرني، أي منزلة وسعتك إذ قتل عثمان ولم تنصره؟ قال: إنّ عثمان كان إماما، وإنه نهى عن القتال وقال: من سلّ سيفه فليس مني! فلو قاتلنا دونه عصينا.
قال: فأي منزلة وسعت عثمان إذ استسلم حتى قتل؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم،
(5/52)

إذ قال لأخيه: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
«1» . قلت: فهلا وسعتك هذه المنزلة يوم الجمل؟ قال: إنا قاتلنا يوم الجمل من ظلمنا، قال الله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
«2» . فقاتلنا نحن من ظلمنا، وصبر عثمان؛ وذلك من عزم الأمور.
ومن حديث بكر بن حماد: أنّ عبد الله بن الكواء سأل عليّ بن أبي طالب يوم صفين، فقال له: أخبرني عن مخرجك هذا تضرب الناس بعضهم ببعض، أعهد عهده إليك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أم رأي ارتأيته؟
قال عليّ: اللهم إني كنت أول من آمن به، فلا أكون أول من كذب عليه؛ لم يكن عندي فيه عهد من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولو كان عندي فيه عهد من رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما تركت أخا تيم وعديّ على منابرها، ولكن نبينا صلّى الله عليه وسلم كان نبيّ رحمة، مرض أياما وليالي، فقدّم أبا بكر على الصلاة، وهو يراني ويرى مكاني، فلما توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم، رضيناه لأمر دنيانا إذ رضيه رسول الله لأمر ديننا، فسلمت له وبايعت، وسمعت وأطعت؛ فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأقيم الحدود بين يديه؛ ثم أتنه منيته، فرأى أن عمر أطوق «3» لهذا الأمر من غيره، وو الله ما أراد به المحاباة ولو أرادها لجعلها في أحد ولديه، فسلمت له وبايعت، وأطعت وسمعت؛ فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأقيم الحدود بين يديه: ثم أتته منيته، فرأى أنه من استخلف رجلا فعمل بغير طاعة الله عذبه الله به في قبره، فجعلها شورى بين ستة نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكنت أحدهم، فأخذ عبد الرحمن مواثيقنا وعهودنا على أن يخلع نفسه وينظر لعامّة المسلمين؛ فبسط يده إلى
(5/53)

عثمان فبايعه؛ اللهم إن قلت إني لم أجد في نفسي فقد كذبت، ولكنني نظرت في أمري فوجدت طاعتي قد تقدمت معصيتي، ووجدت الأمر الذي كان بيدي قد صار بيد غيري، فسلمت وبايعت، وأطعت وسمعت: فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني، وأقيم الحدود بين يديه، ثم نقم الناس عليه أمورا فقتلوه، ثم بقيت اليوم أنا ومعاوية، فأرى نفسي أحقّ بها من معاوية؛ لأني مهاجري وهو أعرابي، وأنا ابن عمّ رسول الله وصهره، وهو طليق ابن طليق» .
قال له عبد الله بن الكواء: صدقت، ولكن طلحة والزبير، أما كان لهما في هذا الأمر مثل الذي لك؟
قال: إن طلحة والزبير بايعاني في المدينة، ونكثا بيعتي بالعراق؛ فقاتلتهما على نكثهما ولو نكثا بيعة أبي بكر وعمر لقاتلاهما على نكثهما كما قاتلتهما. قال: صدقت.
ورجع إليه.
واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن صفوان على مكة، فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان قاعد عند أصل المنبر، فنال من طلحة والزبير، فلما نزل قال لأبان: أرضيتك من المدهنين «2» في أمر أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكنك سؤتني، حسبي أن يكونا بريئين من أمره.
وعلى هذا المعنى قال إسحاق بن عيسى: أعيذ عليّا بالله أن يكون قتل عثمان وأعيذ عثمان أن يكون قلته عليّ! وهذا الكلام على مذهب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيّا أو قتله نبيّ.
سعيد بن جبير عن أبي الصهباء، أن رجالا ذكروا عثمان، فقال رجل من القوم:
(5/54)

إني أعرف لكم رأي عليّ فيه فدخل الرجل على عليّ فنال من عثمان، فقال على: دع عنك عثمان، فو الله ما كان بأشرّنا، ولكنه ولي فاستأثر، فحرمنا فأساء الحرمان.
وقال عثمان بن حنيف: إني شهدت مشهدا اجتمع فيه علي وعمار ومالك الأشتر وصعصعة، فذكروا عثمان، فوقع فيه عمار، ثم أخذ مالك فحذا حذوه، ووجه عليّ يتمعّر «1» ، ثم تكلم صعصعة. فقال: ما على رجل يقول: كان والله أول من وليّ فاستأثر، وأول من تفرقت عنه هذه الأمة! فقال علي: إليّ أبا اليقظان. لقد سبقت عثمان سوابق لا يعذّبه الله بها أبدا.
محمد بن حاطب قال: قال لي عليّ يوم الجمل، انطلق إلى قومك فأبلغهم كتبي وقولي. فقلت إن قومي إذا أتيتهم يقولون: ما قول صاحبك في عثمان؟ فقال:
أخبرهم أن قولي في عثمان أحسن القول؛ إن عثمان كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتّقوا وأحسنوا، والله يحبّ المحسنين.
جرير بن حازم عن محمد بن سيرين قال: ما علمت أنّ عليا اتّهم في دم عثمان حتى بويع، فلما بويع اتهمه الناس.
محمد بن الحنفية قال: إني عن يمين علي يوم الجمل، وابن عباس عن يساره، إذ سمع صوتا، فقال: ما هذا؟ قالوا: عائشة تلعن قتلة عثمان. فقال عليّ: لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل والبحر والبر.
ما نقم الناس على عثمان
ابن دأب قال: لما أنكر الناس على عثمان ما أنكروا، من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلّة الأكابر من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم، قالوا لعبد الرحمن بن عوف: هذا عملك واختيارك لأمة محمد! قال: لم أظن هذا به! ودخل على عثمان فقال له: إني إنما قدّمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، وقد خالفتهما. فقال: عمر كان
(5/55)

يقطع قرابته في الله، وأنا أصل قرابتي في الله، فقال له: لله عليّ أن لا أكلّمك أبدا! فمات عبد الرحمن وهو لا يكلّم عثمان.
ولما رد عثمان الحكم بن أبي العاص طريد النبي صلّى الله عليه وسلم وطريد أبي بكر وعمر إلى المدينة، تكلم الناس في ذلك، فقال عثمان: ما ينقم الناس مني؟ إني وصلت رحما وقرّبت قرابة.
حصين بن زيد بن وهب قال: مررنا بأبي ذرّ بالرّبذة، فسألناه عن منزله، فقال:
كنت بالشام، فقرأت هذه الآية وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
«1» فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب. فقلت:
إنها لفينا وفيهم فكتب إليّ عثمان: أقبل. فلما قدمت ركبتني الناس كأنهم لم يروني قط، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال: لو اعتزلت فكنت قريبا! فنزلت هذا المنزل، فلا أدع قولي، ولو أمّروا عليّ عبدا حبشيا لأطعت.
الحسن بن أبي الحسن عن الزبير بن العوام في هذه الآية: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
«2» . قال: لقد نزلت وما ندري من يختلف لها. فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، فلم جئت إلى البصرة؟ قال: ويحك إننا ننظر ولا نبصر! أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: إن ناسا كانوا عند فسطاط «3» عائشة وأنا معهم بمكة، فمرّ بنا عثمان، فما بقي أحد من القوم إلا لعنه غيري؛ فكان فيهم رجل من أهل الكوفة، فكان عثمان على الكوفي أجرأ منه على غيره، فقال: يا كوفي، أتشتمني؟ فلما قدم المدينة كان يتهدده؛ قال: فقيل له: عليك بطلحة. قال: فانطلق معه حتى دخل على عثمان، فقال عثمان: والله لأجلدنه مائة سوط! قال طلحة: والله لا تجلده مائة إلا أن يكون زانيا. قال: والله لأحرمنّه عطاءه! قال: الله يرزقه.
ومن حديث ابن أبي قتيبة عن الأعمش عن عبد الله بن سنان قال: خرج علينا ابن
(5/56)

مسعود ونحن في المسجد وكان على بيت مال الكوفة، و [أمير] الكوفة الوليد بن عقبة ابن أبي معيط، فقال: يا أهل الكوفة، فقدت من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب من أمير المؤمنين ولم يكتب لي بها براءة. قال: فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك، فنزعه عن بيت المال.
ومن حديث الأعمش يرويه أبو بكر بن أبي شيبة قال: كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة، فقالوا: من يذهب بها إليه؟ قال عمار: أنا. فذهب بها إليه، فلما قرأها قال: أرغم الله أنفك، قال: وبأنف أبي بكر وعمر. قال: فقام إليه فوطئه حتى عشي عليه، ثم ندم عثمان، وبعث إليه طلحة والزبير يقولان له: اختر إحدى ثلاث: إما أن تعفو، وإما أن تأخذ الأرش «1» ، وإما أن تقتص. فقال: والله لا قبلت واحدة منها حتى ألقى الله! قال أبو بكر: فذكرت هذا الحديث للحسن بن صالح، فقال: ما كان على عثمان أكثر مما صنع.
ومن حديث الليث بن سعد قال: مرّ عبد الله بن عمر بحذيفة، فقال: لقد اختلف الناس بعد نبيهم، فما منهم أحد إلا أعطى من دينه، ما عدا هذا الرجل.
وسئل سعد بن أبي وقاص عن عثمان، فقال: أما والله لقد كان أحسننا وضوءا وأطولنا صلاة، وأتلانا لكتاب الله، وأعظمنا نفقة في سبيل الله ثم ولي فأنكروا عليه شيئا، فأتوا إليه أعظم مما أنكروا.
وكتب عثمان إلى أهل الكوفة حين ولاهم سعيد بن العاص: أما بعد، فإني كنت وليتكم الوليد بن عقبة غلاما حين ذهب شرهه وثاب حلمه، وأوصيته بكم ولم أوصكم به، فلما أعيتكم علانيته طعنتم في سريرته؛ وقد وليتكم سعيد بن العاص وهو خير عشيرته، وأوصيكم به خيرا، فاستوصوا به خيرا.
وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه، وكان عامله على الكوفة، فصلى بهم الصبح
(5/57)

ثلاث ركعات وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: وان شئتم زدتكم! فقامت عليه البينة بذلك عند عثمان، فقال لطلحة: قم فاجلده. قال لم أكن من الجالدين. فقام إليه عليّ فجلده.
وفيه يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحقّ بالعذر
ليزيدهم خيرا ولو قبلوا ... لجمعت بين الشّفع والوتر «1»
مسكوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري
ابن دأب قال: لما أنكر الناس على عثمان ما أنكروا، اجتمعوا إلى علي وسألوه أن يلقى لهم عثمان، فأقبل حتى دخل عليه فقال: إن الناس ورائي قد كلموني أن أكلمك؛ والله ما أدري ما أقول لك؛ ما أعرف شيئا تنكره، ولا أعلمك شيئا تجهله، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك؛ وما نبصّرك من عمى، وما نعلّمك من جهل، وإن الطريق لبيّن واضح، تعلم يا عثمان أن أفضل الناس عند الله إمام عدل هدي وهدى، فأحيا سنة معلومة، وأمات بدعة مجهولة؛ وأن شر الناس عند الله إمام ضلالة ضلّ وأضلّ، فأحيا بدعة مجهولة، وأمات سنة معلومة؛ وإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالإمام الجائر يوم القيامة ليس معه ناصر ولا له عاذر، فيلقى في جهنم فيدور دور الرحى «2» ، يرتطم في غمرة النار إلى آخر الأبد. وأنا أحذرك أن تكون إمام هذه الأمّة المقتول، [فإنه يقال: يقتل في هذه الأمة إمام] يفتح به باب القتل والقتال إلى يوم القيامة يمرج بهم أمرهم ويمرجون. فخرج عثمان، ثم خطب خطبته التي أظهر فيها التوبة.
وكان عليّ كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان، أرسل ابنه الحسن إليه، فلما أكثر
(5/58)

عليه قال له: إن أباك يرى أن أحدا لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل، فكف عنا! فلم يبعث عليّ ابنه في شيء بعد ذلك.
وذكروا أن عثمان صلى العصر ثم خرج إلى عليّ يعوده في مرضه ومروان معه، فرآه ثقيلا؛ فقال: أما والله لولا ما أرى منك ما كنت أتكلم بما أريد أن أتكلم به، والله ما أدري أي يوميك أحبّ إليّ أو أبغض، أيوم حياتك أو يوم موتك! أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتا يعدّك كنفا «1» ، ويتخذك عضدا «2» ؛ ولئن مت لأفجعن بك؛ فحظي منك حظ الوالد المشفق من الولد العاق: إن عاش عقه، وإن مات فجعه! فليتك جعلت لنا من أمرك علما نقف عليه ونعرفه، إمّا صديق مسالم، وإمّا عدوّ معان، ولم تجعلني كالمختنق بين السماء والأرض، لا يرقى بيد، ولا يهبط برجل! أما والله لئن قتلتك لا أصيب منك خلفا، ولئن قتلتني لا تصيب مني خلفا: وما أحب أن أبقى بعدك!. قال مروان: إي والله، وأخرى، إنه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسر رماحنا وتقطع سيوفنا؛ فما خير العيش بعد هذا؟ فضرب عثمان في صدره وقال: ما يدخلك في كلامنا؟ فقال عليّ: إني والله في شغل عن جوابكما، ولكني أقول كما قال أبو يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
«3» .
وقال عبد الله بن العباس: أرسل إليّ عثمان فقال لي: اكفني ابن عمّك! فقلت: إن ابن عمي ليس بالرجل يرى له ولكنه يرى لنفسه، فأرسلني إليه بما أحببت. قال: قل له فليخرج إلى ماله بينبع، فلا أغتم به ولا يغتم بي فأتيت عليا فأخبرته، فقال: ما اتّخذني عثمان إلا ناصحا. ثم أنشد يقول:
فكيف به أنّي أداوي جراحه ... فيدوى فلا مل الدواء ولا الداء
أما والله إنه ليختبر القوم، فأتيت عثمان، فحدّثته الحديث كله إلا البيت الذي أنشده وقوله إنه ليختبر القوم؛ فأنشد عثمان:
(5/59)

فكيف به أنّي أداوي جراحه ... فيدوى فلا ملّ الدواء ولا الداء
وجعل يقول: يا رحيم انصرني! يا رحيم انصرني! يا رحيم انصرني! قال: فخرج عليّ إلى ينبع، فكتب إليه عثمان حين اشتدّ الأمر:
أمّا بعد، فقد بلغ السيل الزّبى «1» وجاوز الحزام الطّبيين، وطمع فيّ من كان يضعف عن نفسه:
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب
فأقبل إليّ على أيّ أمريك أحببت، وكن لي أو عليّ، صديقا كنت أو عدوّا.
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولمّا أمزّق
[علي بن أبي طالب رضي الله عنه]
خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال: لما قتل عثمان بن عفان، أقبل الناس يهرعون إلى علي بن أبي طالب، فتراكمت عليه الجماعة في البيعة، فقال: ليس ذلك إليكم، إنما ذلك لأهل بدر ليبايعوا. فقال: أين طلحة والزبير وسعد؟ فأقبلوا فبايعوا، ثم بايعه المهاجرون والأنصار، ثم بايعه الناس، وذلك يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكان أول من بايعه طلحة، وكانت أصبعه شلّاء «2» ، فتطير منها عليّ وقال: ما أخلقه أن ينكث! فكان كما قال عليّ رضي الله عنه.
نسب علي بن أبي طالب
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف؛ وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
(5/60)

صفته
كان أصلع بطينا حمش الساقين «1» .
صاحب شرطته: معقل بن قيس الرياحي، ومالك بن حبيب اليربوعي.
وكاتبه سعيد بن نمران، وحاجبه: قنبر مولاه.
وقتل يوم الجمعة بالكوفة، وهو خارج إلى المسجد لصلاة الصبح، لسبع بقين من شهر رمضان، فكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وصلى عليه ولده الحسن، ودفن برحبة الكوفة، ويقال: في لحف «2» الحيرة، وعمى قبره.
واختلف في سنه، وقال الشعبي: قتل عليّ رحمه الله وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
وولد عليّ بمكة في شعب بني هاشم.
فضائل علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه
أبو الحسن قال: أسلم عليّ وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو أول من شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبيّ بعدي.
وبهذا الحديث سمت الشيعة علي بن أبي طالب الوصيّ؛ وتأولوا فيه أنه استخلفه على أمته؛ إذ جعله منه بمنزلة هارون من موسى؛ لأنّ هارون كان خليفة موسى على قومه إذا غاب عنهم.
وقال السيد الحميري رحمه الله تعالى:
(5/61)

إني أدين بما دان الوصيّ به ... وشاركت كفّه كفّي بصفّينا
وجمع النبي صلّى الله عليه وسلم فاطمة وعليا والحسن والحسين، فألقى عليهم كساءه وضمهم إلى نفسه؛ ثم تلا هذه الآية إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«1» . فتأولت الشيعة الرجس هنا بالخوض في غمرة الدنيا وكدورتها.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله؛ ويحبه الله ورسوله، لا يمسي حتى يفتح الله له. فدعا عليا، وكان أرمد، فتفل «2» في عينيه وقال: اللهم قه داء الحرّ والبرد. فكان يلبس كسوة الصيف في الشتاء، وكسوة الشتاء في الصيف، ولا يضرّه.
أبو الحسن قال: ذكر عليّ عند عائشة فقالت: ما رأيت رجلا أحبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم منه، ولا رأيت امرأة كانت أحبّ إليه من امرأته.
وقال عليّ بن أبي طالب: أنا أخو رسول الله صلّى الله عليه وسلم وابن عمّه، لا يقولها بعدي إلا كذاب.
الشعبي قال: كان عليّ بن أبي طالب في هذه الأمة مثل المسيح بن مريم في بني إسرائيل: أحبّه قوم فكفروا في حبه، وأبغضه قوم فكفروا في بغضه! وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما.
أبو الحسن قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقسم بيت المال في كل جمعة حتى لا يبقى منه شيئا؛ ثم يفرش له ويقيل «3» فيه، ويتمثل بهذا البيت:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه
(5/62)

كان علي بن أبي طالب إذا دخل بيت المال ونظر إلى ما فيه من الذهب والفضة قال:
ابيضّي واصفرّي وغرّي غيري ... إني من الله بكلّ خير
ودخل رجل على الحسن بن أبي الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد، أنهم يزعمون أنك تبغض عليّا؟ قال: فبكى الحسن حتى اخضلّت لحيته، ثم قال: كان علي بن أبي طالب سهما صائبا من مرامي الله على عدوه، وربانيّ هذه الأمة وذا فضلها وسابقتها، وذا قرابة قريبة من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لم يكن النّومة «1» عن رسول الله، ولا الملولة في ذات الله، ولا السّروقة «2» لمال الله؛ أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة، وأعلام بينة، ذلك عليّ بن أبي طالب يا لكع.
يوم الجمل
أبو اليقظان قال: قدم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعائشة أم المؤمنين البصرة؛ فتلقاهم الناس بأعلى المربد، حتى لو رموا بحجر ما وقع إلا على رأس إنسان؛ فتكلم طلحة، وتكلمت عائشة، وكثر اللغط؛ فجعل طلحة يقول: أيها الناس، أنصتوا! وجعلوا يرهجون ولا ينصتون، فقال: أف! أف! فراش نار وذباب طمع! وكان عثمان بن حنيف الأنصاري عامل عليّ بن أبي طالب على البصرة، فخرج إليهم في رجاله ومن معه؛ فتواقفوا حتى زالت الشمس، ثم اصطلحوا وكتبوا بينهم كتابا: أن يكفوا عن القتال حتى يقدم عليّ بن أبي طالب، ولعثمان بن حنيف دار الإمارة، والمسجد الجامع، وبيت المال؛ فكفّوا.
ووجه علي بن أبي طالب الحسن ابنه، وعمار بن ياسر، إلى أهل الكوفة يستنفرانهم، فنفر معهما سبعة آلاف من أهل الكوفة؛ فقال عمار: أما والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لتتبعوه أو تتبعوها.
(5/63)

وخرج علي في أربعة آلاف من أهل المدينة، فيهم ثمانمائة من الأنصار، وأربعمائة ممن شهد بيعة الرضوان مع النبي صلّى الله عليه وسلم. وراية عليّ مع ابنه محمد بن الحنفية، وعلى ميمنته الحسن، وعلى ميسرته الحسين، وعلى الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرّجالة محمد ابن أبي بكر، وعلى المقدمة عبد الله بن عباس؛ ولواء طلحة والزبير مع عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى الخيل طلحة بن عبيد الله وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير؛ فالتقوا بموضع قصر عبيد الله بن زياد في النصف من جمادي الآخرة يوم الخميس، وكانت الوقعة يوم الجمعة.
وقالوا: لمّا قدم علي بن أبي طالب البصرة، قال لابن عباس: ائت الزبير ولا تأت طلحة؛ فإن الزبير ألين، وأنت تجد طلحة كالثور عاقصا «1» بقرنه يركب الصعوبة «2» ويقول هي أسهل؛ فأقرئه السلام وقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز، وأنكرتني بالعراق! فما عدا ما بدا؟.
قال ابن عباس: فأتيته فأبلغته، فقال: قل له: بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وانفراد واحد، وأمّ مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف، نحلّ ما أحلّت، ونحرّم ما حرّمت.
وقال علي بن أبي طالب: ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى أدركه ابنه عبد الله فلفته عنا.
وقال طلحة لأهل البصرة وسألوه عن بيعة علي، فقال: أدخلوني في حشّ ثم وضعوا اللجّ على قفيّ فقالوا بايع وإلا قتلناك. قوله اللج: يريد السيف، وقوله قفي:
لغة طي، وكانت أمه طائية.
وخطبت عائشة أهل البصرة يوم الجمل فقالت: أيها الناس، صه صه!
(5/64)

الموعظة؛ لا يتّهمني إلا من عصى ربّه؛ ومات رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين سحري ونحري؛ فأنا إحدى نسائه في الجنة، [له] ادّخرني ربي وسلّمني من كل بضع «1» ، وبي ميز بين منافقكم ومؤمنكم، وبي أرخص لكم في صعيد الأبواء؛ ثم أبي ثالث ثلاثة من المؤمنين، وثاني اثنين في الغار، وأول من سمّي صدّيقا؛ مضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم راضيا عنه، وطوّقه طوق الإمامة؛ ثم اضطرب حبل الدين فمسك أبي بطرفيه، ورتق «2» لكم أثناءه، فوقم «3» النفاق، وأغاض نبع الردة، وأطفأ ما حشّت «4» يهود؛ وأنتم يومئذ جحظ العيون، تنظرون، وتسمعون الصيحة، فرأب الثّأي «5» ، وأوذم «6» العطلة، وانتاش «7» من الهوّة، واجتحى «8» دفين الداء، حتى أعطن «9» الوارد، وأورد الصادر، وعلّ الناهل، فقبضه الله واطئا على هامات النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين، فانتظمت طاعتكم بحبله؛ ثم ولّى أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه، بعيد ما بين اللابتين 1»
، عركة «11» للأذاة بجنبه، يقظان الليل في نصرة الإسلام؛ فسلك مسلك السابقة، ففرق شمل الفتنة وجمع أعضاد ما جمع القرآن، وأنا نصب المسئلة عن مسيري هذا، لم ألتمس إثما، ولم أؤرّث «12» فتنة أوطئكموها. أقول قولي هذا صدقا وعدلا وإعذارا وإنذارا، وأسأل الله أن يصلي على محمد، وأنه يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين.
وكتبت أمّ سلمة زوج النبيّ صلّى الله عليه وسلم إلى عائشة أم المؤمنين إذ عزمت على الخروج إلى الجمل:
(5/65)

من أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم، إلى عائشة أم المؤمنين: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، إنك سدّة بين رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأمته، وحجاب مضروب على حرمته، قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه «1» وسكّر خفارتك فلا تبتذليها. فالله من وراء هذه الأمة، ولو علم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن النساء يحتملن الجهاد عهد إليك، أما علمت أنه قد نهاك عن الفراطة «2» في البلاد فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع؟ جهاد النساء؛ غضن الأطراف، وضم الذيول، وقصر الوهازة. ما كنت قائلة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصّة «3» قعودا من منهل إلى منهل؟ وغدا تردين على رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ وأقسم لو قيل لي: يا أمّ سلمة ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى رسول الله صلّى الله عليه وسلم هاتكة حجابا ضربه عليّ فاجعليه سترك، ووقاعة البيت حصنك؛ فإنك أنصح ما تكونين لهذه الأمة ما قعدت عن نصرتهم؛ ولو أني حدثتك بحديث سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلم لنهشتني نهش الرقشاء «4» المطرقة والسلام.
فأجابتها عائشة:
من عائشة أم المؤمنين إلى أم سلمة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فما أقبلني لوعظك، وأعرفني لحق نصيحتك، وما أنا بمعتمرة «5» بعد تعريج، ولنعم المطلع مطلع فرقت فيه بين فئتين متشاجرتين من المسلمين، فإن أقعد ففي غير حرج، وإن أمض فإلى ما لا غنى بي عن الازدياد منه، والسلام.
وكتبت عائشة إلى زيد بن صوحان إذا قدمت البصرة:
من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان: سلام عليك؛ أما بعد، فإن أباك كان رأسا في الجاهلية، وسيدا في الإسلام وإنك من أبيك بمنزلة المصلّي
(5/66)

من السابق، يقال: كاد أو لحق؛ وقد بلغك الذي كان في الإسلام من مصاب عثمان ابن عفان؛ ونحن قادمون عليك، والعيان أشفى لك من الخبر. فإذا أتاك كتابي هذا فثبّط «1» الناس عن علي بن أبي طالب، وكن مكانك حتى يأتيك أمري، والسلام.
فكتب إليها:
من زيد بن صوحان إلى عائشة أم المؤمنين، سلام عليك؛ أما بعد، فإنك أمرت بأمر وأمرنا بغيره: أمرت أن تقرّي في بيتك، وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة؛ فتركت ما أمرت به؛ وكتبت تنهيننا عما أمرنا به، والسلام.
وخطب علي رضي الله عنه بأهل الكوفة يوم الجمل إذا أقبلوا إليه مع الحسن بن علي، فقام فيهم خطيبا فقال:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآخر المرسلين؛ أما بعد؛ فإن الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلم إلى الثقلين كافة، والناس في اختلاف؛ والعرب بشرّ المنازل، مستضعفون لما بهم، فرأب الله به الثأي، ولأم به الصدع، ورتق به الفتق، وأمّن به السبيل، وحقن به الدماء، وقطع به العداوة الموغرة للقلوب، والضغائن المشحنة «2» للصدور؛ ثم قبضه الله تعالى مشكورا سعيه. مرضيا عمله، مغفورا ذنبه، كريما عند الله نزله؛ فيا لها مصيبة عمت المسلمين، وخصت الأقربين، وولي أبو بكر، فسار فينا بسيرة رضا، رضي بها المسلمون؛ ثم ولي عمر، فسار بسيرة أبي بكر رضي الله عنهما؛ ثم ولي عثمان، فنال منكم ونلتم منه؛ ثم كان من أمره ما كان، فأتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتموني فقلتم: لو بايعتنا! فقلت: لا أفعل، وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم كفي فجذبتموها، وقلتم: لا نرضى إلا بك، ولا نجتمع إلا عليك، وتداككتم عليّ تداكك «3» الإبل الهيم «4» على حياضها يوم ورودها، حتى
(5/67)

ظننت أنكم قاتليّ وأن بعضكم قاتل بعضا فبايعتموني، وبايعني طلحة والزبير، ثم ما لبثا أن استأذناني إلى العمرة، فسارا إلى البصرة فقاتلا بها المسلمين، وفعلا بها الأفاعيل وهما يعلمان والله أني لست بدون من مضى، ولو أشاء أن أقول لقلت؛ اللهم إنهما قطعا قرابتي، ونكثا بيعتي وألّبا عليّ عدوّي؛ اللهم فلا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما عملا وأمّلا! وأملى علي بن محمد عن مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب، عن أبي الأسود عن أبيه، قال: خرجت مع عمران بن حصين وعثمان بن حنيف إلى عائشة فقلنا: يا أمّ المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك هذا: عهد عهده إليك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أم رأى رأيتيه؟ قالت: بل رأي رأيته حين قتل عثمان بن عفان، إنا نقمنا عليه ضربه بالسوط، ومواضع من الحمى حماها، وإمرة سعيد الوليد، فعدوتم عليه فاستحللتم منه الثلاث الحرم: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام؛ بعد أن مصتموه كما يماص «1» الإناء فغضبنا لكم من سوط عثمان؛ ولا نغضب لعثمان من سيفكم؟! قلنا: ما أنت وسيفنا وسوط عثمان، وأنت حبيس رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟
أمرك أن تقرّي في بيتك، فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض! قالت: وهل أحد يقاتلني أو يقول غير هذا؟ قلنا: نعم. قالت: ومن يفعل ذلك؟ هل أنت مبلغ عني يا عمران؟ قال: لست مبلغا عنك حرفا واحدا. قلت: لكني مبلّغ عنك، فهات ما شئت قالت: اللهم اقتل مذمّما قصاصا بعثمان، وارم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى، وأدرك عمارا بخفره «2» بعثمان.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن الأحنف بن قيس، قال: قدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فانطلقت فأتيت طلحة والزبير، فقلت:
إني لا أرى هذا إلا مقتولا، فمن تأمراني به كما ترضيانه لي؟ قالا: نأمرك بعليّ.
قلت: فتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. قال: ثم انطلقت حتى أتيت مكة، فبينما
(5/68)

نحن بها إذ أتانا قتل عثمان، وبها عائشة أم المؤمنين فانطلقت إليها فقلت: من تأمريني أن أبايع، قالت: علي بن أبي طالب. قلت: أتأمريني به وترضينه لي؟ قالت: نعم.
قال: فمررت على عليّ بالمدينة فبايعته، ثم رجعت إلى البصرة وأنا أرى أن الأمر قد استقام، فما راعنا إلا قدوم عائشة أمّ المؤمنين، وطلحة والزبير، قد نزلوا جانب الخريبة «1» ، قال: فقلت: ما جاء بهم؟ [قالوا] : قد أرسلوا إليك يستنصرونك على دم عثمان؛ إنه قتل مظلوما. قال: فأتاني أفظع أمر لم يأتني قط؛ قلت: إن خذلان هؤلاء ومعهم أم المؤمنين وحواريّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم لشديد! وإن قتال ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد أن أمروني ببيعته لشديد، قال: فلما أتيتهم قالوا: جئناك نستصرخك على دم عثمان، قتل مظلوما! قال: فقلت: يا أم المؤمنين، أنشدك الله أقلت لك: من تأمريني به وترضينه لي؟ فقلت: عليّ! قالت بلى، ولكنه بدل. قلت: يا زبير، يا حواريّ رسول الله، ويا طلحة، نشدتكما بالله، أقلت لكما من تأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما: عليّ! قالا: بلى، ولكنه بدّل. قال: والله لا أقاتلكم ومعكم أمّ المؤمنين، ولا أقاتل عليّا ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولكن اختاروا مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تفتحوا لي باب الجسر فألحق بأرض الأعاجم حتى يقضي الله من أمره ما يقضي، وإما أن ألحق بمكة فأكون بها، أو أعتزل فأكون قريبا. قالوا: نأتمر ثم نرسل إليك قال: فائتمروا. وقالوا: نفتح له باب الجسر فيلحق به المفارق والخاذل! أو يلحق بمكة فيفحشكم في قريش ويخبرهم بأخباركم! اجعلوه ههنا قريبا حيث تنظرون إليه. فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين، واعتزل معه زهاء ستة آلاف من بني تميم.
مقتل طلحة
أبو الحسن قال: كانت وقعة الجمل يوم الجمعة في النصف من جمادي الآخرة، التقوا فكان أول مصروع فينا طلحة بن عبيد الله، أتاه سهم غرب «2» فأصاب ركبته
(5/69)

فكان إذا أمسكوه فتر الدم، وإذا تركوه انفجر؛ فقال لهم: اتركوه، فإنما هو سهم أرسله الله! حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: قال طلحة يوم الجمل:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... طلبت رضا بني حزم برغمي «1»
اللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى! ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة قال: لما رأى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عبيد الله، قال: لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان! فانتزع «2» له سهما فقتله.
ومن حديث سفيان الثوري قال: لما انقضى يوم الجمل خرج عليّ بن أبي طالب في ليلة ذلك اليوم ومعه مولاه وبيده شمعة يتصفح وجوه القتلى، حتى وقف على طلحة ابن عبيد الله في بطن واد متعفرا، فجعل يمسح الغبار عن وجهه ويقول: أعزز عليّ يا أبا محمد أن أراك متعفرا تحت نجوم السماء وفي بطون الأودية، إنا لله وإنا إليه راجعون! أشقيت نفسي، وقتلت معشري! إلى الله أشكو عجري وبجري «3» ! ثم قال: والله إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم:
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
«4» . وإذا لم نكن نحن فمن هم؟
أبو إدريس عن ليث بن طلحة عن مطرف أن علي بن أبي طالب أجلس طلحة يوم الجمل ومسح الغبار عن وجهه وبكى عليه! ومن حديث سفيان، أن عائشة ابنة طلحة كانت ترى في نومها طلحة، وذلك بعد موته بعشرين يوما؛ فكان يقول لها: يا بنيّة، أخرجيني من هذا الماء الذي يؤذيني! فلما
(5/70)

انتبهت من نومها جمعت أعوانها ثم نهضت فنبشته، فوجدته صحيحا كما دفن لم تنحسر له شعرة، وقد اخضر جنبه كالسلق من الماء الذي كان يسيل عليه، فلفته في الملاحف واشترت له عرصة بالبصرة فدفنته فيها وبنت حوله مسجدا. قال: فلقد رأيت المرأة من أهل البصرة تقبل بالقارورة من البان فتصبها على قبره حتى تفرغها، فلم يزلن يفعلن ذلك حتى صار تراب قبره مسكا أذفر.
ومن حديث الخشنى قال: لما قتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل، وجدوا في تركته ثلاثمائة بهار «1» من ذهب وفضة- والبهار مزود من جلد عجل.
وقع قوم في طلحة عند عليّ بن أبي طالب، فقال: أما والله لئن قلتم فيه إنه لكما قال الشاعر:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر
كأنّ الثّريّا علّقت في يمينه ... وفي خدّه الشّعري وفي الآخر البدر «2»
مقتل الزبير بن العوّام
شريك عن الأسود بن قيس قال: حدثني من رأى الزبير يوم الجمل يقعص الخيل بالرمح قعصا، فنوّه به عليّ: أبا عبد الله، أتذكر يوما أتانا النبي صلّى الله عليه وسلم وأنا أناجيك فقال: أتناجيه، والله ليقاتلنّك وهو ظالم لك! قال: فصرف الزبير وجه دابته وانصرف.
قال أبو الحسين: لما انحاز الزبير يوم الجمل، مرّ بماء لبني تميم؛ فقيل للأحنف بن قيس: هذا الزبير قد أقبل. قال: وما أصنع به أن جمع بين هذين الغزيين «3» وترك الناس وأقبل؟ - يريد بالغزيّين: المعسكرين-، وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي؛ فلما سمع كلامه قام من مجلسه واتبعه حتى وجده بوادي السباع نائما
(5/71)

فقتله، وأقبل برأسه إلى علي بن طالب، فقال عليّ: أبشر بالنار! سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: بشروا قاتل الزبير بالنار! فخرج عمرو بن جرموز وهو يقول:
أتيت عليّا برأس الزّبير ... وكنت أحسبها زلفه
فبشّر بالنّار قبل العيان ... فبئس بشارة ذي التحفه
ومن حديث ابن أبي شيبة قال: أقبل رجل بسيف الزبير إلى الحسن بن علي فقال:
لا حاجة لي به، أدخله إلى أمير المؤمنين. فدخل به إلى عليّ فناوله إياه وقال: هذا سيف الزبير. فأخذه عليّ، فنظر إليه مليا، ثم قال: رحم الله الزبير! لطالما فرّج الله به الكرب عن وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وقالت امرأة الزبير ترثيه:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم الهياج وكان غير معرّد «1»
يا عمرو لو نبّهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة المعتمّد
وقال جرير ينعي علي بن مجاشع قتل الزبير رضي الله تعالى عنه:
إني تذكّرني الزبير حمامة ... تدعو ببطن الواديين هديلا «2»
قالت قريش ما أذلّ مجاشعا ... جارا وأكرم ذا القتيل قتيلا
لو كنت حرّا يا ابن قين مجاشع ... شيّعت ضيفك فرسخا أو ميلا
أفبعد قتلكم خليل محمّد ... ترجو القيون مع الرسول سبيلا «3»
هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: دعاني أبي يوم الجمل فقمت عن يمينه، فقال: إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وما أراني إلا سأقتل مظلوما، وإن أكبر همي ديني، فبع مالي ثم اقض ديني؛ فإن فضل شيء فثلثه لولدك، وإن
(5/72)

عجزت عن شيء يا بني فاستعن مولاي. قلت: ومن مولاك يا أبت؟ قال: الله! قال عبد الله بن الزبير: فو الله ما بقيت بعد ذلك في كربة من دينه أو عسرة إلا قلت: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه! فيقضيه، قال: فقتل الزبير ونظرت في دينه، فإذا هو ألف ألف ومائة ألف. قال: فبعث ضيعة له بالغابة «1» بألف ألف وستمائة ألف، ثم ناديت: من كان له قبل الزبير شيء فليأتنا نقضه. فلما قضيت دينه أتاني إخوتي فقالوا: اقسم بيننا ميراثنا. قلت: والله لا أقسم حتى أنادي أربع سنين بالمواسم: من كان له على الزبير شيء فليأتنا نقضه. فلما مضت الأربع سنين أخذت الثلث لولدي؛ ثم قسمت الباقي، فصار لكل امرأة من نسائه- وكان له أربع نسوة- في ربع الثمن ألف ألف ومائة ألف، فجميع ما ترك مائة ألف ألف وسبعمائة ألف ألف.
ومن حديث ابن أبي شيبة قال: كان عليّ يخرج مناديه يوم الجمل يقول: لا يسلبنّ قتيل، ولا يتّبع مدّبر، ولا يجهز على جريح.
قال: وخرج كعب بن ثور من البصرة قد تقلد المصحف في عنقه؛ فجعل ينشره بين الصفين ويناشد الناس في دمائهم، إذ أتاه سهم فقتله وهو في تلك الحال، لا يدري من قتله.
وقال علي بن أبي طالب يوم الجمل للأشتر- وهو مالك بن الحرث- وكان على الميمنة: احمل. فحمل فكشف من بإزائه، وقال لهاشم بن عقبة أحد بني زهرة بن كلاب، وكان على الميسرة، أحمل. فحمل فكشف من بإزائه؛ فقال علي لأصحابه:
كيف رأيتم ميسرتي وميمنتي.
ومن حديث الجمل
الخشني عن أبي خاتم السجستاني قال: أنشدني الأصمعي عن رجل شهد الجمل يقول:
(5/73)

شهدت الحروب وشيبنني ... فلم تر عيني كيوم الجمل
أضرّ على مؤمن فتنة ... وأفتك منه لخرق بطل «1»
فليت الظعينة في بيتها ... وليتك عسكر لم ترتحل
وكان جملها يدعى عسكرا، حملها عليه يعلى بن منية، وهبة لعائشة وجعل له هودجا من حديد، وجهز من ماله خمسمائة فارس بأسلحتهم وأزودتهم وكان أكثر أهل البصرة مالا. وكان بن أبي طالب يقول: بليت بأنضّ «2» الناس، وأنطق الناس وأطوع الناس في الناس، يريد بأنضّ الناس: يعلى بن منية، وكان أكثر الناس ناضا، ويريد بأنطق الناس: طلحة بن عبيد الله، وأطوع الناس في الناس: عائشة أم المؤمنين.
أبو بكر بن أبي شيبة عن مخلد بن عبيد عن التميمي قال: كانت راية عليّ يوم الجمل سوداء، وراية أهل البصرة كالجمل.
الأعمش عن رجل سماه قال: كنت أرى عليا يوم الجمل يحمل فيضرب بسيفه حتى ينثني، ثم يرجع فيقول: لا تلوموني ولوموا هذا! ثم يعود ويقوّمه.
ومن حديث أبي بكر بن أبي شيبة قال: قال عبد الله بن الزبير، التقيت مع الأشتر يوم الجمل، فما ضربته ضربة حتى ضربني خمسة أو ستة، ثم جر برجلي فألقاني في الخندق، وقال: والله لولا قربك من رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما اجتمع فيك عضو إلى آخر.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: أعطت عائشة الذي بشرّها بحياة ابن الزبير إذ التقى مع الأشتر يوم الجمل، أربعة آلاف.
سعيد عن قتادة قال: قتل يوم الجمل مع عائشة عشرون ألفا، منهم ثمانمائة من بني ضبة.
وقالت عائشة: ما أنكرت رأس جملي حتى فقدت أصوات بني عديّ.
(5/74)

وقتل من أصحاب عليّ خمسمائة رجل، لم يرعف منهم إلا علباء بن الهيثم وهند الجملي، قتلهما ابن اليثربي، وأنشأ يقول:
إني لمن يجهلني ابن اليثربيّ ... قتلت علباء وهند الجملي
عبد الله بن عون عن أبي رجاء قال: لقد رأيت الجمل حينئذ وهو كظهر القنفذ من النبل، ورجل من بني ضبة آخذ بخطامه «1» وهو يقول:
نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل ... الموت أحلى عندنا من العسل
ننعي ابن عفّان بأطراف الأسل
غندر قال: حدثنا شعبة بن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة- وكان مع علي بن أبي طالب يوم الجمل- والحارث بن سويد- وكان مع طلحة والزبير- وتذاكرا وقعة الجمل؛ فقال الحارث بن سويد: والله ما رأيت مثل يوم الجمل لقد أشرعوا رماحهم في صدورنا، وأشرعنا رماحنا في صدورهم، ولو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت؛ يقول هؤلاء: لا إله إلا الله والله أكبر ويقول هؤلاء: لا إله إلا الله والله أكبر، فو الله لوددت أني لم أشهد ذلك اليوم وأني أعمى مقطوع اليدين والرجلين.
وقال عبد الله بن سملة: والله ما يسرني أني غبت عن ذلك اليوم، ولا عن مشهد شهده عليّ بن أبي طالب، بحمر النّعم.
علي بن عاصم عن حصين قال: حدثني أبو جميلة البكاء قال: إني في الصف مع عليّ بن أبي طالب. إذ عقر بأم المؤمنين جملها؛ فرأيت محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر يشتدان بين الصفين أيهما يسبق إليها، فقطعا عارضة الرحل واحتملاها في هودجها.
ومن حديث الشعبي قال: من زعم أنه شهد الجمل من أهل بدر إلا أربعة فكذّبه:
(5/75)

كان عليّ وعمار في ناحية، وطلحة والزبير في ناحية.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثني خالد بن مخلد عن يعقوب عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بديل إلى عائشة وهي في الهودج، فقال؛ يا أم المؤمنين، أنشدك بالله، أتعلمين أني أتيتك يوم قتل عثمان، فقلت لك: إن عثمان قد قتل فما تأمرينني؟ فقلت لي الزم عليا! فو الله ما غير ولا بدل، فسكتت، ثم أعاد عليها فسكتت، ثلاث مرات؛ فقال: اعقروا الجمل! فعقروه، فنزلت أنا وأخوها محمد بن أبي بكر فاحتملنا الهودج حتى وضعناه بين يدي عليّ فسرّ به، فأدخل في منزل عبد الله بن بديل.
وقالوا: لما كان يوم الجمل ما كان وظفر علي بن أبي طالب حتى دنا من هودج عائشة، كلمها بكلام، فأجابته: ملكت فأسجح «1» ! فجهزها عليّ بأحسن الجهاز، وبعث معها أربعين امرأة؛ وقال بعضهم: سبعين امرأة، حتى قدمت المدينة.
عكرمة عن ابن عباس قال: لما انقضى أمر الجمل، دعا علي بن أبي طالب بآجرّتين فعلاهما، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أنصار المرأة، وأصحاب البهيمة، رغا فجئتم، وعقر فهربتم، نزلتم شرّ بلاد، [أقربها من الماء] وأبعدها من السماء، بها مغيض «2» كل ماء، ولها شر أسماء، هي البصرة، والبصيرة، والمؤتفكة، وتدمر. أين ابن عباس؟ قال: فدعيت له من كل ناحية، فأقبلت إليه، فقال: إيت هذه المرأة فلترجع إلى بيتها التي أمرها الله أن تقرّ فيه. قال: فجئت فاستأذنت عليها، فلم تأذن لي، فدخلت بلا إذن، ومددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها، فقالت: تالله يا بن عباس ما رأيت مثلك، تدخل بيتنا بلا إذننا، وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا! فقلت: والله ما هو بيتك، وما بيتك إلا الذي أمرك الله أن تقرّي فيه فلم تفعلي! إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى
(5/76)

بلدك الذي خرجت منه. قالت: رحم الله أمير المؤمنين ذاك: عمر بن الخطاب! قلت: نعم، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قالت: أبيت أبيت! قلت: ما كان إباؤك إلا فواق»
ناقة بكيئة «2» ، ثم صرت ما تحلين ولا تمرّين، ولا تأمرين ولا تنهين! قال: فبكت حتى علا نشيجها، ثم قالت: نعم أرجع، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلد أنتم فيه! فقلت: أما والله ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أماّ، وجعلنا أباك لهم صدّيقا. قالت: أتمنّ علي برسول الله يا بن عباس؟ قلت: نعم نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا! قال ابن عباس: فأتيت عليا فأخبرته، فقبّل بين عيني وقال: بأبي ذرّيّة بعضها من بعض والله سميع عليم.
ومن حديث ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب: أنّ قاضيا من قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت رؤيا أفظعتني. قال:
وما رأيت؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم معهما نصفين. قال: فمع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس. قال عمر بن الخطاب وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
«3» . فانطلق، فو الله لا تعمل لي عملا أبدا. قال: فبلغني أنه قتل مع معاوية بصفّين.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: أقبل سليمان بن صرد، وكانت له صحبة مع النبي صلّى الله عليه وسلم، إلى عليّ بن أبي طالب بعد وقعة الجمل؛ فقال له: تنأنأت «4» وتزحزت وتربصت، فكيف رأيت الله صنع؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الشّوط بطين «5» ، وقد بقي من الأمور ما تعرف به عدوّك من صديقك.
(5/77)

وكتب عليّ بن أبي طالب إلى الأشعث بن قيس بعد الجمل، وكان واليا لعثمان على أذربيجان:
سلام عليك؛ أما بعد، فلولا هنات كنّ منك لكنت أنت المقدّم في هذا الأمر قبل الناس، ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله، وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، وقد كان طلحة والزبير أول من بايعني ثم نكثا بيعتي من غير حدث ولا سبب، وأخرجا أمّ المؤمنين فساروا إلى البصرة وسرت إليهم فيمن بايعني من المهاجرين والأنصار، فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه فأبوا، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقيا، وأمرت أن لا يذفّ «1» على جريح، ولا يتّبع منهزم، ولا يسلب قتيل، ومن ألقى سلاحه وأغلق بابه فهو آمن، واعلم أنّ عملك ليس لك بطعمة، إنما هو أمانة في عنقك، وهو مال من مال الله وأنت من خزّاني عليه حتى تؤدّيه إليّ إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله.
فلما بلغ الأشعث كتاب عليّ قام فقال:
أيها الناس؛ إنّ عثمان بن عفان ولأني أذربيجان، فهلك وقد بقيت في يدي؛ وقد بايع الناس عليّا، وطاعتنا له واجبة، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما كان، وهو المأمون على ما غاب عن ذلك المجلس، ثم جلس.
قولهم في أصحاب الجمل
أبو بكر بن أبي شيبة قال: سئل عليّ عن أصحاب الجمل: أمشركون هم؟ قال:
من الشرك فرّوا. قال: فمنافقون هم؟ قال: إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا.
قال: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا! ومرّ علي بقتلي الجمل فقال: اللهم اغفر لنا ولهم. ومعه محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر؛ فقال أحدهما لصاحبه: أما تسمع ما يقول؟ قال: أسكت لا يزيدك.
(5/78)

وكيع عن مسعد عن عبد الله بن رباح عن عمار قال: لا تقولوا: كفر أهل الشام؛ ولكن قولوا: فسقوا وظلموا.
وسئل عمار بن ياسر عن عائشة يوم الجمل، فقال: أما والله إنا لنعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتتبعونه أم تتبعونها!.
وقال عليّ بن أبي طالب يوم الجمل: إن قوما زعموا أن البغي كان منا عليهم، وزعمنا أنه منهم علينا؛ وإنما اقتتلنا على البغي ولم نقتتل على التكفير.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: أول ما تكلمت به الخوارج يوم الجمل قالوا: ما أحلّ لنا دماءهم وحرّم علينا أموالهم! فقال عليّ: هي السّنة في أهل القبلة. قالوا: ما ندري ما هذا؟ قال: فهذه عائشة رأس القوم، أتتساهمون عليها؟ قالوا: سبحان الله! أمنا.
قال: فهي حرام؟ قالوا: نعم. قال: فإنه يحرم من أبنائها ما يحرم منها.
قال: ودخلت أمّ أوفى العبادية على عائشة بعد وقعة الجمل فقالت لها: يا أم المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار! قالت:
فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الاكابر عشرين ألفا في صعيد واحد؟ قالت:
خذوا بيد عدوّة الله! وماتت عائشة في أيام معاوية وقد قاربت السبعين؛ وقيل لها: تدفنين مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ قالت: لا، إني أحدثت بعده حدثا، فادفنوني مع إخوتي بالبقيع.
وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم قال لها: يا حميراء، كأني بك ينبحك كلاب الحوأب، تقاتلين عليا وأنت له ظالمة.
والحوأب: قرية في طريق المدينة إلى البصرة، وبعض الناس يسمونها الحوّب، بضم الحاء وتثقيل الواو؛ وقد زعموا أنّ الحوأب: ماء في طريق البصرة، قال في ذلك بعض الشيعة:
إني بحبّ آل محمد ... وبني الوصيّ شهودهم والغيّب
وأنا البريء من الزبير وطلحة ... ومن التي نبحت كلاب الحوأب
(5/79)

أخبار عليّ ومعاوية
كتب علي بن أبي طالب إلى جرير بن عبد الله، وكان وجّهه إلى معاوية في أخذ بيعته؛ فأقام عنده ثلاثة أشهر يماطله بالبيعة، فكتب إليه عليّ:
سلام عليك؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخيّره بين حرب مجلية أو سلم مخزية، فإن اختار الحرب فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين، وإن اختار السّلم فخذ بيعته وأقبل إليّ.
وكتب عليّ إلى معاوية بعد وقعة الجمل:
سلام عليك؛ أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام؛ لأنه بايعني [القوم] الذين بايعوا أبا بكر، وعمر، وعثمان، على ما بويعوا عليه؛ فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إماما كان ذلك لله رضا، وإن خرج عن أمرهم خارج ردّوه إلى ما خرج عنه، فإن أبي قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولّى، وأصلاه جهنّم وساءت مصيرا.
وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتهما، وكان نقضهما كردّتهما فجاهدتهما بعد ما أعذرت إليهما، حتى جاء الحقّ وظهر أمر الله وهم كارهون؛ فادخل فيما دخل فيه المسلمون؛ فإن أحب الأمور إليّ قبولك العافية. وقد أكثرت في قتلة عثمان، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكمت القوم إليّ، حملتك وإياهم على كتاب الله؛ وأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن. ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدنّني أبرأ قريش من دم عثمان.
واعلم أنك من الطلقاء «1» الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا يدخلون في الشورى؛ وقد بعثت إليك والي من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة؛ فبايعه، ولا قوة إلا بالله.
(5/80)

فكتب إليه معاوية:
سلام عليك: أما بعد، فلعمري لو بايعك الذين ذكرت وأنت بريء من دم عثمان، لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنك أغريت بدم عثمان [المهاجرين] وخذّلت [عنه] الأنصار، فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف، وقد أبي أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين، وإنما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحقّ فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام، ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، [لأن أهل البصرة أطاعوك ولم يطعك أهل الشام] ؛ ولا حجتك عليّ كحجتك على طلحة والزبير، لأنهما بايعاك ولم أبايعك أنا، فأما فضلك في الإسلام، وقرابتك من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلست أدفعه! فكتب إليه عليّ:
أما بعد، فقد أتانا كتابك، كتاب امريء ليس له بصر يهديه، ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده فاتبعه؛ زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خفوري «1» لعثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا؛ وما كان الله ليجمعهم على ضلالة، ولا ليضربهم بالعمى وما أمرت فلزمتني خطيئة الأمر، ولا قتلت فأخاف على نفسي قصاص القاتل.
وأما قولك إن أهل الشام هم حكام أهل الحجاز، فهات رجلا من أهل الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة، فإن سمّيت كذّبك المهاجرون والأنصار، ونحن نأتيك به من قريش الحجاز.
وأما قولك ادفع إليّ قتلة عثمان، فما أنت وذاك؟ وههنا بنو عثمان، وهم أولى بذلك منك، فإن زعمت أنك أقوى على طلب دم عثمان منهم فارجع إلى البيعة التي لزمتك وحاكم القوم إليّ.
(5/81)

وأما تمييزك بين أهل الشام والبصرة، وبينك وبين طلحة والزبير، فلعمري فما الأمر هناك إلا واحد، لأنها بيعة عامة، لا يتأنى فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار. وأما قرابتي من رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقدمي في الإسلام؛ فلو استطعت دفعه لدفعته! وكتب معاوية إلى علي:
أما بعد: فإنك قتلت ناصرك، واستنصرت واترك «1» ، وايم الله لأرمينّك بشهاب تذكيه الريح ولا يطفئه الماء؛ فإذا وقع وقب «2» ، وإذا مسّ ثقب، فلا تحسبنّي كسحيم، أو عبد القيس، أو حلوان الكاهن.
فأجابه علي:
أما بعد، فو الله ما قتل ابن عمك غيرك، وإني أرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه وأعظم من خطيئته؛ وإن السيف الذي ضربت به أهلك لمعي دائم؛ والله ما استحدثت دينا، ولا استبدلت نبيا، وإني على المنهاج الذي تركتموه طائعين، وأدخلتم فيه كارهين.
وكتب معاوية [مع أبي مسلم الخولاني] إلى علي بن أبي طالب [قبل مسيره إلى صفين] .
أما بعد، فإن الله اصطفى محمدا وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى خلقه، واختار له من المسلمين أعوانا أيده بهم وكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في الإسلام وأنصحهم لله ولرسوله، الخليفة، وخليفة الخليفة، والخليفة الثالث؛ فكلّهم حسدت، وعلى كلهم بغيت؛ عرفنا ذلك في نظرك الشّزر، وتنفسك الصعداء، وإبطائك عن الخلفاء؛ وأنت في كل ذلك تقاد كما يقاد
(5/82)

البعير المخشوش «1» حتى تبايع وأنت كاره؛ ولم تكن لأحد منهم أشدّ حسدا منك لابن عمك عثمان، وكان أحقهم أن لا تفعل ذلك به، في قرابته؛ وصهره فقطعت رحمه وقبّحت محاسنه، وألّبت عليه الناس، حتى ضربت إليه آباط «2» الإبل، وشهر عليه السلام في حرم الرسول، فقتيل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة «3» ؛ لا تؤدّي عن نفسك في أمره بقول، ولا فعل برّ، وأقسم قسما صادقا: لو قمت في أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه، ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ولمحا ذلك عنك ما كانوا يعرفونك به، من المجانبة لعثمان والبغي عليه؛ وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفان ظنين: إيواؤك قتلة عثمان، فهم بطانتك وعضدك وأنصارك؛ وقد بلغني أنك تنتفي من دمه، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به، ثم نحن أسرع الناس إليك، وإلا فليس لك ولا لأصحابك عندنا إلا السيف، والذي نفس معاوية بيده، لأطلبنّ قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر، حتى تقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله!.
فأجابه علي:
أما بعد، فإن أخا خولان قدم عليّ بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلّى الله عليه وسلم، وما أنعم الله به عليه من الهدى والوحى؛ فالحمد لله الذي صدقه الوعد وتمم له النصر، ومكنه في البلاد، وأظهره على الأعادي من قومه الذين أظهروا له التكذيب، ونابذوه بالعداوة، وظاهروا على إخراجه وإخراج أصحابه، وألّبوا عليه العرب، وحزّبوا الأحزاب، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.
وذكرت أن الله اختار [له] من المسلمين أعوانا أيده بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم في الإسلام، وأنصحهم لله ولرسوله، الخليفة، وخليفة الخليفة من بعده.
(5/83)

ولعمري إن كان مكانهما في الإسلام لعظيما، وإن كان المصاب بهما لجرحا في الإسلام شديدا، فرحمهما الله وغفر لهما. وذكرت أن عثمان كان في الفضل تاليا؛ فإن كان محسنا فسيلقي ربا شكورا يضاعف له الحسنات، ويجزيه الثواب العظيم؛ وإن يك مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب [أن] يغفره.
ولعمري إني لأرجو إذا الله أعطى [الناس على قدر فضائلهم في] الإسلام [ونصيحتهم لله ولرسوله] أن يكون سهمنا أهل البيت أوفر نصيب: وايم الله ما رأيت ولا سمعت بأحد كان أنصح لله في طاعة الله ورسوله، ولا أنصح لرسول الله في طاعة الله، ولا أصبر على البلاء والأذى في مواطن الخوف- من هؤلاء النفر من أهل بيته؛ الذين قتلوا في طاعة الله: عبيدة بن الحرث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وجعفر وزيد يوم مؤتة؛ وفي المهاجرين خير كثير، جزاهم الله بأحسن أعمالهم.
وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي إياهم والبغي عليهم؛ فأما البغي فمعاذ الله أن يكون، وأما الكراهة لهم فو الله ما أعتذر للناس من ذلك؛ وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه، فقد عمل عثمان بما قد علمت وعمل به الناس ما قد بلغك، وقد علمت أني كنت من أمره في عزلة إلا أن تجنّي فتجنّ ما شئت؛ وأما ذكرك قتلة عثمان وما سألت من دفعهم إليك، فإني نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينه، فلم يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك.
وإن لم تنزع عن غيّك لتعرفنّهم عما قليل يطلبونك ولا يكلّفونك أن تطلبهم في سهل ولا جبل، ولا برّ ولا بحر؛ وقد كان أبوك أبو سفيان أتاني حين قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: ابسط يدك أبايعك، فأنت أحقّ الناس بهذا الأمر. فكنت أنا الذي أبيت عليه، مخافة الفرقة بين المسلمين لقرب عهد الناس بالكفر؛ فأبوك كان أعلم بحقّي منك؛ فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك وإلا فنستعين الله عليك.
(5/84)

وكتب عبد الرحمن بن الحكم إلى معاوية:
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... كتابا من أخي ثقة يلوم
فإنك والكتاب إلى عليّ ... كدابغة وقد حلم الأديم «1»
يوم صفين
أبو بكر بن أبي شيبة قال: خرج عليّ بن أبي طالب من الكوفة إلى معاوية في خمسة وتسعين ألفا، وخرج معاوية من الشام في بضعة وثمانين ألفا، فالتقوا بصفين؛ وكان عسكر علي يسمى الزحزحة، لشدّة حركته؛ وعسكر معاوية يسمى الخضرية، لاسوداده بالسلاح والدروع.
أبو الحسن قال: كانت أيام صفين كلها موافقة ولم تكن هزيمة بين الفريقين إلا على حامية ثم يكرّون.
أبو الحسن قال: كان منادي عليّ يخرج كل يوم وينادي: أيها الناس، لا تجهزنّ علي جريح، ولا تتّبعنّ مولّيا «2» ، ولا تسلبنّ قتيلا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن.
أبو الحسن قال: خرج معاوية إلى عليّ يوم صفين، ولم يبايعه أهل الشام بالخلافة، وإنما بايعوه على نصرة عثمان والطلب بدمه؛ فلما كان من أمر الحكمين ما كان، بايعوه بالخلافة؛ فكتب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص يدعوه إلى القيام معه في دم عثمان:
سلام عليك؛ أما بعد، فإن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى من قريش الذين أثبتوا حقه، واختاروه على غيره؛ و [قد] نصره طلحة والزبير، وهما شريكاك في الأمر [والشورى] ، ونظيراك في الإسلام؛ وخفّت لذلك أمّ المؤمنين، فلا تكره ما رضوا، ولا تردّ ما قبلوا، وإنما نريد أن نردها شورى بين المسلمين والسلام.
(5/85)

فأجابه سعد:
أما بعد، فإن عمر رضي الله عنه لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة، فلم يكن أحد أولى بها من صاحبه إلا باجتماعنا عليه، غير أن عليا كان فيه ما فينا، ولم يكن فينا ما فيه، ولو لم يطلبها ولزم بيته لطلبته العرب ولو بأقصى اليمن؛ وهذا الأمر قد كرهنا أوله، وكرهنا آخره؛ وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما، والله يغفر لأم المؤمنين ما أتت.
وكتب معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة:
أما بعد، فإنما أنت يهودي بن يهودي، إن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك؛ وإن ظفر أبغض الفريقين إليك قتلك ونكّل بك؛ وقد كان أبوك أوتر «1» قوسه ورمى غرضه، فأكثر الحز وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثم مات طريدا بحوران.
فأجابه قيس:
أما بعد، فأنت وثني، ابن وثني دخلت في الإسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك، ولم تحذر نفاقك؛ ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه وأعداء الدين الذي دخلت فيه! والسلام.
وخطب عليّ بن أبي طالب أصحابه يوم صفين، فقال:
أيها الناس، إن الموت طالب لا يعجزه هارب، ولا يفوته مقيم؛ اقدموا ولا تنكلوا «2» ، فليس عن الموت محيص «3» ، والذي نفس ابن أبي طالب بيده: إن ضربة سيف أهون من موت الفراش.
(5/86)

أيها الناس، اتقوا السيوف بوجوهكم، والرماح بصدوركم، وموعدي وإياكم الراية الحمراء «1» .
فقال رجل من أهل العراق: ما رأيت كاليوم خطيبا يخطبنا، يأمرنا أن نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بصدورنا، ويعدنا راية بيننا وبينها مائة ألف سيف.
قال أبو عبيدة في التاج: جمع علي بن أبي طالب رياسة بكر كلها يوم صفين لحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة، وجعل ألويتها تحت لوائه، وكانت له راية سوداء يخفق ظلّها إذا أقبل، فلم يغن أحد في صفين غناءه؛ فقال فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
لمن راية سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل قدّمها حضين تقدّما
يقدّمها في الصفّ حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر السّمّ والدّما
جزى الله عني والجزاء بكفه ... ربيعة خيرا، ما أعفّ وأكرما
وكان من همدان في صفين [بلاء] حسن، فقال فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
لهمدان أخلاق ودين يزينهم ... وبأس إذا لاقوا وحسن كلام
فلو كنت بوّابا على باب جنّة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
أبو الحسن قال: كان عليّ بن أبي طالب يخرج كل غداة لصفين في سرعان الخيل «2» ، فيقف بين الصفين ثم ينادي: يا معاوية، علام يقتتل الناس؟ ابرز اليّ أو أبرز إليك، فيكون الأمر لمن غلب. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل! فقال له معاوية: أردتها يا عمرو! والله لا رضيت عنك حتى تبارز عليّا. فبرز إليه متنكرا؛ فلما غشيه عليّ بالسيف رمى بنفسه إلى الأرض وأبدى له سوءته فضرب عليّ وجه فرسه وانصرف عنه؛ فجلس معه معاوية يوما فنظر إليه يضحك؛ فقال عمرو:
(5/87)

أضحك الله سنك؛ ما الذي أضحكك؟ قال: من حضور ذهنك يوم بارزت علياّ إذ اتّقيته بعورتك؛ أما والله لقد صادفت منّانا كريما؛ ولولا ذلك لخرم رفغيك «1» بالرمح. قال عمرو بن العاص: أما والله إني عن يمينك إذ دعاك إلى البراز، فاحولّت عيناك، وربا سحرك «2» وبدا منك ما أكره ذكره لك.
وذكر عمرو بن العاص عند علي بن أبي طالب؛ فقال فيه علي: عجبا لابن النابغة يزعم أني بلقائه أعافس «3» وأمارس، أما وشرّ القول أكذبه، إنه يسأل فيلحف ويسأل فيبخل؛ فإذا احمر البأس وحمى الوطيس وأخذت السيوف مأخذها من هام الرجال، لم يكن له هم إلا نزعه ثيابه ويمنح الناس استّه أغصه الله وترّحه.
مقتل عمار بن ياسر
العتبي قال: لما التقى الناس بصفين، نظر معاوية إلى هاشم بن عتبة، الذي يقال له المرقال لقول النبي صلّى الله عليه وسلم أرقل ليمون، وكان أعور، والراية بيده وهو يقول:
أعور يبغي نفسه محلّا ... قد عالج الحياة حتى ملّا
لا بدّ أن يفلّ أو يفلّا
فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا عمرو، هذا المرقال؛ والله لئن زحف بالراية زحفا إنه ليوم أهل الشام الأطول، ولكني أرى ابن السوداء إلى جنبه- يعني عمّارا- وفيه عجلة في الحرب، وأرجو أن تقدمه إلى الهلكة.
وجعل عمار يقول: أبا عتبة تقدّم، فيقول: يا أبا اليقظان، أنا أعلم بالحرب منك، دعني أزحف بالراية زحفا. فلما أضجره وتقدم، أرسل معاوية خيلا فاختطفوا عمارا، فكان يسمى أهل الشام قتل عمار فتح الفتوح.
(5/88)

أبو بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن العوّام بن حوشب عن أسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد قال: إني لجالس عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار، كل واحد منهما يقول: أنا قتلته! فقال لهما عبد الله بن عمرو بن العاص:
ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول له: «تقتلك الفئة الباغية» !.
أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أم سلمة قالت:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «تقتل عمّارا الفئة الباغية» .
أبو بكر قال: حدثنا علي بن حفص عن أبي معشر عن محمد بن عمارة قال: ما زال جدّي خزيمة بن ثابت كافّا سلاحه يوم صفين، حتى قتل عمار، فلما قتل سلّ سيفه وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «تقتل عمّارا الفئة الباغية» . فما زال يقاتل حتى قتل.
أبو بكر عن غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم «1» طوالا، أخذ الحربة بيده ويده ترعد، وهو يقول:
والذي نفسي بيده، لقد قاتلت بهذه الحربة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاث مرات، وهذه الرابعة؛ والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات «2» هجر، لعرفت أنّا على حق وأنهم على باطل. ثم جعل يقول: صبرا عباد الله، الجنة تحت ظلال السيوف.
أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن حبيب عن أبي البختريّ قال: لما كان يوم صفين واشتدّت الحرب، دعا عمار بشربة لبن وشربها، وقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لي: إن آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن.
أبو ذرّ عن محمد بن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدته أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم قالت: لما بني رسول الله صلّى الله عليه وسلم مسجده بالمدينة أمر باللبن يضرب وما
(5/89)

يحتاج إليه؛ ثم قام رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فوضع رداءه؛ فلما رأى ذلك المهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يعملون ويرتجزون ويقولون:
لئن قعدنا والنّبيّ يعمل ... ذاك إذا لعمل مضلّل
قالت: وكان عثمان بن عفان رجلا نظيفا متنظفا، فكان يحمل اللبنة ويجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كفيه ونظر إلى ثوبه، فإذا أصابه شيء من التراب نفضه؛ فنظر إليه عليّ رضي الله عنه فأنشده:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها راكعا وساجدا «1»
وقائما طورا وطورا قاعدا ... ومن يرى عن التراب حائدا
فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجزها وهو لا يدري من يعني؛ فسمعه عثمان فقال: يا بن سمية، ما أعرفني بمن تعرّض. ومعه جريدة، فقال: لتكفّنّ أو لأعترضنّ بها وجهك! فسمعه النبي صلّى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل حائط، فقال: عمّار جلدة ما بين عينيّ وأنفي، فمن بلغ ذلك منه؟ وأشار بيده فوضعها بين عينيه، فكف الناس عن ذلك، وقالوا لعمار: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قرآن. فقال أنا أرضيه كما غضب. فأقبل عليه فقال يا رسول الله، مالي ولأصحابك؟ قال: ومالك ولهم؟ قال: يريدون قتلي،. يحملون لبنة [لبنة] ويحملون عليّ لبنتين. فأخذ به وطاف به في المسجد وجعل يمسح وجهه من التراب ويقول: يا ابن سمية، لا يقتلك أصحابي؛ ولكن تقتلك الفئة الباغية.
فلما قتل بصفين وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال معاوية:
هم قتلوه؛ لأنهم أخرجوه إلى القتل! فلما بلغ ذلك عليا قال: ونحن قتلنا أيضا حمزة، لأنّا أخرجناه.
من حرب صفين
أبو الحسن قال: كانت أيام صفين كلها موافقة، ولم تكن هزيمة في أحد الفريقين إلا على حامية ثم يكرّون.
(5/90)

أبو بكر بن أبي شيبة قال: انقضت وقعة صفين عن سبعين ألف قتيل: خمسين ألفا من أهل الشام، وعشرين ألفا من أهل العراق.
ولما انصرف الناس من صفين قال عمرو بن العاص:
شبّت الحرب فأعددت لها ... مشرّف الحارك محبوك الثّبج «1»
يصل الشرّ بشّر فإذا ... وثب الخيل من الشرّ معج «2»
جرشع أعظمه جفرته ... فإذا ابتلّ من الماء خرج «3»
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص:
فإن شهدت جمل مقامي ومشهدي ... بصفّين يوما شاب منها الذّوائب
عشيّة جا أهل العراق كأنهم ... سحاب خريف صفّعته الجنائب «4»
وجئناهم تترى كأن صفوفنا ... من البحر مدّ موجه متراكب
إذا قلت قد ولّوا سراعا بدت لنا ... كتائب منهم فارجحنّت كتائب
فدارت رحانا واستدارت رحاهم ... سراة النهار ما تولّى المناكب
وقالوا لنا: إنا نرى أن تبايعوا ... علياّ فقلنا: بل نرى أن نضارب
وقال السيد الحميري وهو رأس الشيعة، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقى له وسادا بمسجد الكوفة:
إني أدين بما دان الوصيّ به ... وشاركت كفّه كفّي بصفّينا
في سفك ما سفكت منها إذا احتضروا ... وأبرز الله للقسط الموازينا
تلك الدّماء معا يا ربّ في عنقي ... ثم اسقني مثلها آمين آمينا
آمين! من مثلهم في مثل حالهم ... في فتية هاجروا في الله شارينا
ليسوا يريدون غير الله ربّهم ... نعم المراد توخّاه المريدونا
(5/91)

وقال النجاشي يوم صفين، وكتب بها إلى معاوية:
يأيها الملك المبدي عداوته ... انظر لنفسك أيّ الأمر تأتمر
فإن نفست على الأقوام مجدهم ... فابسط يديك فإنّ الخير مبتدر
واعلم بأنّ عليّ الخير من نفر ... شمّ العرانين لا يعلوهم بشر «1»
نعم الفتى أنت إلّا أن بينكما ... كما تفاضل ضوء الشمس والقمر
وما إخالك إلّا لست منتهيا ... حتى ينالك من أظفاره ظفر
خبر عمرو بن العاص
سفيان بن عيينة قال: أخبرني أبو موسى الأشعري قال: أخبرني الحسن قال: علم معاوية والله، إن لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر، فقال له يا عمرو، اتبعني. قال لماذا؟
للآخرة؟ فو الله ما معك آخرة؛ أم للدنيا؟ فو الله لا كان حتى أكون شريكك فيها! قال: فأنت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها «2» . فكتب له مصر وكورها وكتب في آخر الكتاب: وعلى عمرو السمع والطاعة. قال عمرو: واكتب:
إن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا. قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا.
قال عمرو: حتى تكتب. قال: فكتب، والله ما يجد بدا من كتابتها! ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرا في مصر، وعمرو يقول له:
إنما أبايعك بها ديني! فقال عتبة: ائتمن الرجل بدينه، فإنه صاحب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وكتب عمرو إلى معاوية:
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل ... به منك دنيا، فانظرن كيف تصنع؟
وما الدين والدّنيا سواء وإنّني ... لآخذ ما تعطى ورأسي مقنّع
فإن تعطني مصرا فأربح صفقة ... أخذت بها شيخا يضرّ وينفع
(5/92)

وقالوا: لما قدم عمرو بن العاص على معاوية وقام معه في شأن علي بعد أن جعل له مصر طعمة. قال له: إن بأرضك رجلا له شرف واسم، والله إن قام معك استهويت به قلوب الرجال؛ وهو عبادة بن الصامت. فأرسل إليه معاوية، فلما أتاه وسّع له بينه وبين عمرو بن العاص، فجلس بينهما، فحمد الله معاوية وأثنى عليه، وذكر فضل عبادة وسابقته، وذكر فضل عثمان وما ناله، وحضّه على القيام معه؛ فقال عبادة: قد سمعت ما قلت، أتدريان لم جلست بينكما في مكانكما؟ قالا: نعم، لفضلك وسابقتك وشرفك. قال: لا والله، ما جلست بينكما لذلك، وما كنت لأجلس بينكما في مكانكما؛ ولكن بينا نحن نسير مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في غزاة تبوك، إذ نظر إليكما تسيران وأنتما تتحدّثان، فالتفت إلينا فقال: إذا رأيتموهما اجتمعا ففرّقوا بينهما؛ فإنما لا يجتمعان على خير أبدا! وأنا أنهاكما عن اجتماعكما؛ فأمّا ما دعوتماني إليه من القيام معكما، فإنّ لكما عدوّا هو أغلظ أعدائكما عليكما، وأنا كامن من ورائكم في ذلك العدو، إن اجتمعتم على شيء دخلت فيه.
أمر الحكمين
أبو الحسن قال: لما كان يوم الهرير، وهو أعظم يوم بصفين، زحف أهل العراق على أهل الشام فأزالوهم عن مراكزهم، حتى انتهوا إلى سرادق»
معاوية، فدعا بالفرس وهمّ بالهزيمة، ثم التفت إلى عمرو بن العاص وقال له: ما عندك؟ قال: تأمر بالمصاحف فترفع في أطراف الرماح، ويقال: هذا كتاب الله يحكم بيننا وبينكم ...
فلما نظر أهل العراق إلى المصاحف، ارتدعوا واختلفوا: قال بعضهم: نحاكمهم إلى كتاب الله، وقال بعضهم: لا نحاكمهم، لأنا على يقين من أمرنا ولسنا على شك.
ثم أجمع رأيهم على التحكيم، فهمّ عليّ أن يقدّم أبا الأسود الدؤني، فأبى الناس عليه؛ فقال له ابن عباس: اجعلني أحد الحكمين، فو الله لأفتلنّ لك حبلا لا ينقطع
(5/93)

وسطه، ولا ينشر طرفاه، فقال علي: لست من كيدك ولا من كيد معاوية في شيء؛ لا أعطيه إلا السيف حتى يغلبه الحق. قال: وهو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يغلبك الباطل. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك تطاع اليوم وتعصي غدا، وإنه يطاع ولا يعصى!.
فلما انتشر عن علي أصحابه قال: لله بلاء ابن عباس، إنه لينظر إلى الغيب بستر رقيق.
قال: ثم اجتمع أصحاب البرانس «1» - وهم وجوه أصحاب علي- على أن يقدّموا أبا موسى الأشعري- وكان مبرنسا- وقالوا: لا نرضى بغيره. فقدّمه عليّ، وقدّم معاوية عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو: إنك قد رميت برجل طويل اللسان قصير الرأي، فلا ترمه بعقلك كله.
فأخلي لهما مكان يجتمعان فيه. فأمهله عمرو بن العاص ثلاثة أيام، ثم أقبل إليه بأنواع من الطعام يشهّيه بها، حتى إذا استبطن أبو موسى ناجاه عمرو فقال له: يا أبا موسى، إنك شيخ أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم، وذو فضلها وذو سابقتها؛ وقد ترى ما وقعت فيه هذه الأمّة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها؛ فهل لك أن تكون ميمون هذه الأمّة فيحقن الله بك دماءها، فإنه يقول في نفس واحدة وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
«2» . فكيف بمن أحيا أنفس هذا الخلق كله؟
قال له: وكيف ذلك؟
قال: تخلع أنت عليّ بن أبي طالب، وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان؛ ونختار لهذه الأمّة رجلا لم يحضر في شيء من الفتنة ولم يغمس يده فيها.
قال له: ومن يكون ذلك؟
(5/94)

وكان عمرو بن العاص قد فهم رأي أبي موسى في عبد الله بن عمر؛ فقال له:
عبد الله بن عمر.
فقال: إنه لكما ذكرت، ولكن كيف لي بالوثيقة منك؟
فقال له: يا أبا موسى، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
«1» ؛ خذ من العهود والمواثيق حتى ترضى.
ثم لم يبق عمرو بن العاص عهدا ولا موثقا ولا يمينا مؤكدة حتى حلف بها، حتى بقي الشيخ مبهوتا، وقال له: قد أجبت! فنودى في الناس بالاجتماع إليهما فاجتمعوا.
فقال له عمرو: قم فأخطب الناس يا أبا موسى، فقال: قم أنت اخطبهم. فقال:
سبحان الله! أنا أتقدّمك وأنت شيخ أصحاب محمد! والله لا فعلت أبدا. قال: أو عسى في نفسك امر! - فزاده أيمانا وتوكيدا، حتى قام الشيخ فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، إني قد اجتمعت أنا وصاحبي على أن أخلع أنا عليّ بن أبي طالب، ويعزل هو معاوية بن أبي سفيان؛ ونجعل هذا الأمر لعبد الله بن عمر؛ فإنه لم يحضر في فتنة، ولم يغمس يده في دم امريء مسلم. ألا وإني قد خلعت عليّ بن أبي طالب كما أختلع سيفي هذا! ثم خلع سيفه من عاتقه وجلس، وقال لعمرو: قم. فقام عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
أيها الناس، إنه قد كان من رأي صاحبي ما قد سمعتم، وإنه قد أشهدكم أنه خلع عليّ بن أبي طالب كما يخلع سيفه؛ وأنا أشهدكم أني قد أثبتّ معاوية بن أبي سفيان كما أثبت سيفي هذا!
(5/95)

وكان قد خلع سيفه قبل أن يقوم إلى الخطبة، فأعاده على نفسه؛ فاضطرب الناس وخرجت الخوارج.
وقال أبو موسى لعمرو: لعنك الله! فإنّ مثلك كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث! فقال عمرو: لعنك الله! فإن مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.
وخرج أبو موسى من فوره ذلك إلى مكة مستعيذا بها من عليّ، وحلف أن لا يكلمه أبدا؛ فأقام بمكة حينا حتى كتب إليه معاوية:
سلام عليك؛ أما بعد، فلو كانت النية تدفع الخطأ، لنجا المجتهد وأعذر الطالب؛ والحق لمن نصب «1» له فأصابه، وليس لمن عرض له فأخطأه؛ وقد كان الحكمان إذا حكما على عليّ لم يكن له الخيار عليهما، وقد اختاره القوم عليك، فاكره منهم ما كرهوا منك، وأقبل إلى الشام، فإني خير لك من على؛ ولا قوّة إلا بالله.
فكتب إليه أبو موسى:
سلام عليك؛ أما بعد، فإني لم يكن مني في علي، إلا ما كان من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت ما عند الله، وأراد به عمرو ما عندك، وقد كان بيني وبينه شروط وشورى عن تراض، فلما رجع عمرو رجعت؛ أما قولك إن الحكمين إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما؛ فإنما ذلك في الشاة والبعير والدينار والدرهم، فأما أمر هذه الأمة فليس لأحد فيما تكره حكم، ولن يذهب الحقّ عجز عاجز ولا خدعة فاجر، وأما دعاؤك إياي إلى الشام فليس لي رغبة عن حرم إبراهيم.
فبلغ عليا كتاب معاوية إلى أبي موسى الأشعري، فكتب إليه:
سلام عليك؛ أما بعد، فإنك امرؤ ضلّلك الهوى، واستدرجك الغرور، [فإنه من استقال الله أقاله] ، حقق بك حسن الظنّ لزومك بيت الله الحرام غير حاج ولا
(5/96)

قاطن، فاستل الله يقلك [عثرتك] فإن الله يغفر ولا يغفل، وأحب عباده إليه التوابون. وكتبه سماك بن حرب.
فكتب إليه أبو موسى:
سلام عليك؛ فإنه والله لولا أني خشيت أن يرفعك مني منع الجواب إلى أعظم مما في نفسك، لم أجبك؛ لأنه ليس لي عندك عذر ينفعني ولا قوّة تمنعني، وأما قولك ولزومي بيت الله الحرام غير حاج ولا قاطن، فإني اعتزلت أهل الشام وانقطعت عن أهل العراق، وأصبت أقواما صغّروا من ذنبي ما عظّمتم، وعظّموا من حقي ما صغّرتم؛ إذ لم يكن لي منكم وليّ ولا نصير.
وكان عليّ بن أبي طالب إذ وجه الحكمين قال لهما: إنما حكمنا كما بكتاب الله فتحييا ما أحيا القرآن، وتميتا ما أمات. فلما كاد عمرو بن العاص على أبي موسى، اضطرب الناس على عليّ واختلفوا، وخرجت الخوارج، وقالوا لا حكم إلا لله! فجعل علي يتمثل بهذه الأبيات:
لي زلة إليكم فأعتذر ... سوف أكيس بعدها وأنشمر «1»
وأجمع الأمر الشتيت المنتشر
أبو الحسن قال: لما قدم أبو الأسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة، قال له معاوية: بلغني يا أبا الأسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين؛ فما كنت تحكم به؟ قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين وأبناء المهاجرين وألف من الأنصار وأبناء الأنصار ثم ناشدتهم الله: آلمهاجرون وأبناء المهاجرين أولى بهذا الأمر أو الطلقاء؟ قال له معاوية: لله أبوك! أيّ حكم كنت تكون لو حكّمت!
(5/97)

احتجاج علي وأهل بيته في الحكمين
أبو الحسن قال: لما انقضى أمر الحكمين واختلف أصحاب علي، قال بعض الناس: ما منع أمير المؤمنين أن يأمر بعض أهل بيته فيتكلم؟ فإنه لم يبق أحد من رؤساء العرب إلا وقد تكلم. قال: فبينما عليّ يوما على المنبر إذ التفت إلى الحسن ابنه فقال: قم يا حسن فقل في هذين الرجلين: عبد الله بن قيس وعمرو ابن العاص. فقام الحسن، فقال:
«أيها الناس، إنكم قد أكثرتم في هذين الرجلين، وإنما بعثا ليحكما بالكتاب دون الهوى، فحكما بالهوى دون الكتاب؛ ومن كان هكذا لم يسم حكما، ولكنه محكوم عليه؛ وقد أخطأ عبد الله بن قيس إذ جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة، أنه خالف أباه، إذ لم يرضه لها ولا جعله من أهل الشورى؛ وأخرى، أنه لم يستأمر في نفسه؛ وثالثة، أنه لم يجتمع عليه المهاجرون والأنصار الدين يعقدون الإمارة ويحكمون بها على الناس. وأما الحكومة فقد حكّم النبي عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بما يرضي الله به ولا شك، ولو خالف لم يرضه رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
ثم جلس، فقال لعبد الله بن عباس: قم. فقام عبد الله بن عباس، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أيها الناس، إن للحق أهلا أصابوه بالتوفيق، والناس بين راض به وراغب عنه، فإنه بعث عبد الله بن قيس يهدي إلى ضلالة، وبعث عمرو بضلالة إلى هدى فلما التقيا رجع عبد الله بن قيس عن هداه، وثبت عمرو على ضلالة؛ وايم الله لئن كانا حكما بما سارا به لقد سار عبد الله وعلي إمامه، وسار عمرو ومعاوية إمامه، فما بعد هذا من غيب ينتظر.
فقال عليّ لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قم. فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
(5/98)

أيها الناس، إن هذا الأمر كان النظر فيه إلى علي والرضا إلى غيره، فجئتم إلى عبد الله بن قيس مبرنسا فقلتم، لا نرضى إلا به. وايم الله ما استفدنا به علما، ولا انتظرنا منه غائبا، وما نعرفه صاحبا، وما أفسدا بما فعلا أهل العراق، وما أصلحا أهل الشام، ولا رفعا حقّ علي، ولا وضعا باطل معاوية، ولا يذهب الحقّ رقية «1» راق، ولا نفخة شيطان، ونحن اليوم على ما كنا عليه أمس.
احتجاج عليّ على أهل النهروان
قالوا: إن عليا لما اختلف عليه أهل النهروان والقرى وأصحاب البرانس، ونزلوا قرية يقال لها حروراء، وذلك بعد وقعة الجمل، فرجع إليهم علي بن أبي طالب فقال لهم: يا هؤلاء، من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء. قال: فليبرز إلي. فخرج إليه ابن الكواء، فقال له عليّ: يا بن الكواء، ما أخرجكم علينا بعد رضاكم بالحكمين، ومقامكم بالكوفة؟ قال: قاتلت بنا عدواّ لا نشك في جهاده، فزعمت أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، فبينما نحن كذلك، إذ أرسلت منافقا، وحكّمت كافرا، وكان مما شكك في أمر الله أن قلت للقوم حين دعوتهم: كتاب الله بيني وبينكم، فإن قضى عليّ بايعتكم، وإن قضى عليكم بايعتموني. فلولا شكّك لم تفعل هذا والحقّ في يدك. فقال عليّ: يا بن الكواء، إنما الجواب بعد الفراغ؛ أفرغت فأجيبك؟ قال: نعم. قال علي: أما قتالك معي عدّوا لا تشك في جهاده فصدقت، ولو شككت فيهم لم أقاتلهم؛ وأما قتلانا وقتلاهم، فقد قال الله في ذلك ما يستغنى به عن قولي؛ وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا، ومعاوية حكّم عمرا، أتيت بأبي موسى مبرنسا، فقلت: لا نرضى إلا أبا موسى! فهلا قام إلى رجل منكم فقال: يا علي، لا تعط هذه الدنية فإنها ضلالة؟ وأما قولي لمعاوية: إن جرّني إليك كتاب الله تبعتك، وإن جرك إليّ تبعتني؛ زعمت أني لم أعط ذلك إلا من شك، فقد علمت أن أوثق ما في يديك هذا الأمر، فحدّثني ويحك عن
(5/99)

اليهودي والنصراني ومشركي العرب، أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشام؟
قال: بل معاوية وأهل الشام أقرب.
قال علي: أفرسول الله صلّى الله عليه وسلم كان أوثق بما في يديه من كتاب الله أو أنا؟
قال: بل رسول الله.
قال: أفرأيت الله تبارك وتعالى حين يقول: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
«1» ؛ أما كان رسول الله يعلم أنه لا يؤتي بكتاب هو أهدى مما في يديه؟ قال: بلى. قال: فلم أعطى رسول الله القوم ما أعطاهم؟ قال: إنصافا وحجة. قال: فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول الله. قال ابن الكواء: فإني أخطأت، هذه واحدة، زدني.
قال علي: فما أعظم ما نقمتم عليّ؟ قال تحكيم الحكمين؛ نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهما شكا وتبذيرا.
قال علي: فمتى سمّي أبو موسى حكما: حين أرسل، أو حين حكم؟ قال: حين أرسل قال: أليس قد سار وهو مسلم، وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل الله؟ قال: نعم.
قال عليّ: فلا أرى الضلال في إرساله. فقال ابن الكواء: سمّي حكما حين حكم قال: نعم، إذا فإرساله كان عدلا، أرأيت يابن الكواء لو أن رسول الله بعث مؤمنا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب الله فارتدّ على عقبه كافرا، كان يضرّ نبيّ الله شيئا؟ قال: لا. قال علي: فما كان ذنبي إن كان أبو موسى ضلّ، هل رضيت حكومته حين حكم، أو قولّه إذ قال؟
قال ابن الكواء: لا، ولكنك جعلت مسلما وكافرا يحكمان في كتاب الله.
(5/100)

قال عليّ: ويلك يا ابن الكوّاء! هل بعث عمرا غير معاوية؟ وكيف أحكمّه وحكمه على ضرب عنقي؟ إنما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك، وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان في أمر الله؛ أرأيت لو أن رجلا مؤمنا تزوج يهودية أو نصرانية فخافا شقاق بينهما، ففزع الناس إلى كتاب الله وفي كتابه: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها
«1» ، فجاء رجل من اليهود ورجل من النصارى ورجل من المسلمين الذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله، فحكما.
قال ابن الكواء: وهذه أيضا، أمهلنا حتى ننظر. فانصرف عنهم علي، فقال له صعصعة بن صوحان: يا أمير المؤمنين، ائذن لي في كلام القوم. قال: نعم ما لم تبسط يدا. قال: فنادى صعصعة ابن الكواء؛ فخرج إليه فقال: أنشدكم بالله يا معشر الخارجين، أن لا تكونوا عارا على من يغزو لغيره، وأن لا تخرجوا بأرض تسمّوا بها بعد اليوم، ولا تستعجلوا ضلال العام خشية ضلال عام قابل. فقال ابن الكواء: إنّ صاحبك لقينا بأمر قولك فيه صغير، فأمسك.
قالوا: إن عليا خرج بعد ذلك إليهم فخرج إليه ابن الكواء، فقال له علي: يا ابن الكواء إنه من أذنب في هذا الدين ذنبا يكون في الإسلام حدثا استتبناه من ذلك الذنب بعينه، وإن توبتك أن تعرف هدى ما خرجت منه، وضلال ما دخلت فيه.
قال ابن الكواء: إننا لا ننكر أنا قد فتنّا. فقال له عبد الله بن عمرو بن جرموز:
أدركنا والله هذه الآية الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
«2» . وكان عبد الله من قراء أهل حروراء، فرجعوا فصلوا خلف عليّ الظهر، وانصرفوا معه إلى الكوفة، ثم اختلفوا بعد ذلك في رجعتهم ولام بعضهم بعضا، فقال زيد بن عبد الله الراسي، وكان من أهل حروراء، يشككهم:
شككتم ومن أرسى ثبيرا مكانه ... ولو لم تشكّوا ما انثنيتم عن الحرب
وتحكيمكم عمرا على غير توبة ... وكان لعبد الله خطب من الخطب
(5/101)

فأنكصّه للعقب لمّا خلا به ... فأصبح يهوي من ذرى حالق صعب «1»
وقال الرياحي:
ألم تر أنّ الله أنزل حكمه ... وعمرو وعبد الله مختلفان
وقال مسلم بن يزيد الثقفي، وكان من عباد حروراء:
وإن كان ما عبناه عيبا فحسبنا ... خطايا بأخذ النّصح من غير ناصح
وإن كان عيبا فاعظمنّ بتركنا ... عليّا على أمر من الحقّ واضح
ونحن أناس بين بين وعلنا ... سررنا بأمر غبّه غير صالح
ثم خرجوا على عليّ فقتلهم بالنهروان.
خروج عبد الله بن عباس على عليّ
قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان عبد الله بن عباس من أحبّ الناس إلى عمر بن الخطاب، وكان يقدّمه على الأكابر من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم، ولم يستعمله قط، فقال له يوما: كدت أستعملك، ولكن أخشى أن تستحل الفيء «2» على التأويل! فلما صار الأمر إلى عليّ استعمله على البصرة، فاستحل الفيء على تأويل قول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى
واستحله من قرابته من رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وروى أبو مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن عبد الرحمن بن عبيد قال: مرّ ابن عباس على أبي الأسود الدؤلي، فقال له: لو كنت من البهائم لكنت جملا ولو كنت راعيا ما بلغت المرعى فكتب أبو الأسود الدؤلي إلى عليّ:
أما بعد، فإنّ الله جعلك واليا مؤتمنا، وراعيا مسئولا، وقد بلوناك رحمك الله
(5/102)

فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحّا للأمة؛ توفّر لهم فيئهم، وتكف نفسك عن دنياهم فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي بشيء في أحكامهم. وابن عمك قد أكل ما تحت يديه من غير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هنالك، واكتب إليّ برأيك، فما أحببت أتّبعه إن شاء الله، والسلام.
فكتب إليه عليّ:
أما بعد، فمثلك نصح الإمام والأمة، [وادّى الأمانة] ووالي على الحق، وفارق الجور؛ وقد كتبت لصاحبك بما كتبت إليّ فيه [من أمره] ، ولم أعلمه بكتابك إليّ، فلا تدع إعلامي ما يكون بحضرتك، مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب لله عليك، والسلام.
وكتب عليّ إلى ابن عباس:
أما بعد، فإنه قد بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت الله، وأخزيت أمانتك، وعصيت إمامك، وخنت المسلمين. بلغني أنك جردت «1» الأرض وأكلت ما تحت يدك، فارفع إليّ حسابك، واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس والسلام.
فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإن كل الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي ضابط، وعليه حافظ، فلا تصدق عليّ الظنين، والسلام.
فكتب إليه عليّ: أما بعد، فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية: من أين أخذته؟ وما وضعت منها: أين وضعته؟ فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك إياه، فإن المتاع بما أنت رازمه «2» قليل، وتباعته وبيلة لا تبيد، والسلام.
فلما رأى أن عليا غير مقلع عنه كتب إليه: أما بعد، فإنه بلغني تعظيمك عليّ
(5/103)

مرزئة مال بلغك أني رزأته «1» أهل هذه البلاد، وأيم الله لأن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض من عقيانها «2» ومخبئها، وبما على ظهرها من طلاعها «3» ذهبا، أحبّ إليّ من أن ألقى الله وقد سفكت دماء هذه الأمة لأنال بذلك الملك والإمرة. ابعث إلى عملك من أحببت، فإني ظاعن، والسلام.
فلما أراد عبد الله المسير من البصرة دعا أخواله بني هلال بن عامر بن صعصعة ليمنعوه، فجاء الضحاك بن عبد الله الهلالي فأجاره، ومعه رجل منهم يقال له عبد الله بن رزين، وكان شجاعا بئيسا «4» ؛ فقالت بنو هلال: لا غنى بنا عن هوازن فقالت هوازن: لا غنى بنا عن سليم. ثم أتتهم قيس، فلما رأى اجتماعهم له حمل ما كان في بيت مال البصرة، وكان فيما زعموا ستة آلاف ألف، فجعله في الغرائر.
قال: فحدثني الأزرق اليشكري، قال: سمعت أشياخنا من أهل البصرة قالوا: لما وضع المال في الغرائر ثم مضى به، تبعته الأخماس كلها بالطفّ «5» ، على أربعة فراسخ من البصرة، فواقفوه، فقالت لهم قيس: والله لا تصلون إليه ومنا عين تطرف. فقال صبرة [بن شيمان] ، وكان رأس الأزد: والله إن قيسا لإخوتنا في الإسلام، وجيراننا في الدار، وأعواننا على العدوّ وإن الذي تذهبون به من المال لو ردّ عليكم لكان نصيبكم منه الأقلّ، وهو [غدا] خير لكم من المال. قالوا: فما ترى؟ قال:
انصرفوا عنهم.
فقال بكر بن وائل وعبد القيس: نعم الرأي رأي صبرة واعتزلوهم.
فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم حتى نقاتلهم عليه. فقال الأحنف بن قيس: أنتم والله أحق أن لا تقاتلوهم عليه، وقد ترك قتالهم من هو أبعد منكم رحما! قالوا:
والله لنقاتلنهم! فقال: والله لا أساعدكم على قتالهم. وانصرف عنهم.
(5/104)

فقدموا عليهم ابن مجاعة فقاتلهم، فحمل عليه الضحاك بن عبد الله فطعنه في كتفه فصرعه، فسقط إلى الأرض بغير قتل. وحمل سلمة بن ذؤيب السعدي على الضحاك فصرعه أيضا، وكثرت بينهم الجراح من غير قتل.
فقال الأخماس الذين اعتزلوا: والله ما صنعتم شيئا، اعتزلتم قتالهم وتركتموهم يتشاجرون. فجاؤا حتى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: والله إن هذا للؤم قبيح، لنحن أسخى أنفسا منكم حين تركنا أموالنا لبني عمكم وأنتم تقاتلونهم عليها، خلوا عنهم وأرواحهم، فإن القوم فدحوا «1» . فانصرفوا عنهم.
ومضى معه ناس من قيس، فيهم الضحاك بن عبد الله، وعبد الله بن رزين، حتى قدموا الحجاز فنزل مكة، فجعل راجز لعبد الله بن عباس يسوق له في الطريق ويقول:
صبّحت من كاظمة القصر الخرب ... مع ابن عباس بن عبد المطلب «2»
وجعل ابن عباس يرتجز ويقول:
آوي إلى أهلك يا رباب ... آوي فقد حان لك الإياب
وجعل أيضا يرتجز ويقول:
وهنّ يمشين بنا هميسا ... إن يصدق الطير ننك لميسا «3»
فقال له: يا أبا العباس، أمثلك يرفث «4» في هذا الموضع؟ قال: إنما الرفث ما يقال عند النساء.
قال أبو محمد: فلما نزل مكة اشترى من عطاء بن جبير مولى بني كعب من جواريه ثلاث مولدات حجازيات يقال لهن: شادن، وحوراء، وفتون، بثلاثة آلاف دينار.
(5/105)

وقال سليمان بن أبي راشد عن عبد الله بن عبيد عن أبي الكنود، قال: كنت من أعوان عبد الله بالبصرة، فلما كان من أمره ما كان أتيت عليا فأخبرته فقال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ
«1» .
ثم كتب علي إليه:
أما بعد، فإني كنت أشركتك في أمانتي، [وجعلتك شعاري وبطانتي] ، ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك، لمواساتي وموازرتي، وأداء الأمانة [إليّ] ؛ فلما رأيت الزمان قد كلب على ابن عمك، والعدوّ قد حرب، وأمانة الناس قد خزيت، وهذه الأمة قد فنكت [وشغرت] ، قلبت لابن عمّك ظهر المجن «2» ، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان وخنته مع من خان، فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة إليه أدّيت؛ كأنك لم تكن على بينة من ربّك، و [كأنك] إنما كنت [تكيد] أمة محمد عن دنياهم، و [تنوي] غرّتهم عن فيتهم، فلما أمكنتك الفرصة في خيانة الأمة، أسرعت الغدرة، وعاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، وانقلبت بها إلى الحجاز، كأنك إنما حزت على أهلك ميراثك من أبيك وأمك؛ سبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟ أما تخاف الحساب؟ أما تعلم أنك تأكل حراما، وتشرب حراما، وتشتري الإماء وتنكحهم بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين في سبيل الله التي أفاء الله عليهم؟
فاتق الله وأدّ إلى القوم أموالهم: فإنك والله لئن لم تفعل وأمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك: فو الله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة، ولما تركتهما حتى آخذ الحق منهما، والسلام.
فكتب إليه ابن عباس:
أما بعد، فقد بلغني كتابك تعظّم عليّ أمانة المال الذي أصبت من بيت مال
(5/106)

البصرة، ولعمري إنّ حقي في بيت مال الله أكثر من الذي أخذت! والسلام.
فكتب إليه عليّ:
أما بعد، فإن العجب كل العجب منك إذ ترى لنفسك في بيت مال الله أكثر مما لرجل من المسلمين؛ قد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل وادعاءك ما لا يكون، ينجيك من الإثم ويحلّ لك ما حرم الله عليك؛ عمرك الله! إنك لأنت البعيد، وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا، وضربت بها عطنا «1» ، تشتري المولدات من المدينة والطائف، وتختارهن على عينك، وتعطي بهن مال غيرك؛ وإني أقسم بالله وربك ربّ العزة ما أحب أن ما أخذت من أموالهم حلال لي أدعه ميراثا لعقبى، فما بال اغتباطك به تأكله حراما. ضحّ رويدا، فكأنك قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيّع التوبة والظالم الرجعة! فكتب إليه ابن عباس:
والله لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملّته إلى معاوية يقاتلك به.
فكفّ عنه عليّ.
مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه
سفيان بن عيينة قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج بالليل إلى المسجد، فقال أناس من أصحابه: نخشى أن يصيبه بعض عدوّه، ولكن تعالوا نحرسه.
فخرج ذات ليلة فإذا هو بنا، فقال: ما شأنكم؟ فكتمناه، فعزم علينا، فأخبرناه، فقال: تحرسوني من أهل السماء أو من أهل الأرض؟ قلنا: من أهل الأرض. قال: إنه ليس يقضى في الأرض حتى يقضى في السماء! التميمي بإسناد له قال: لما تواعد ابن ملجم وصاحباه بقتل عليّ ومعاوية وعمرو
(5/107)

ابن العاص، دخل ابن ملجم المسجد في بزوغ الفجر الأول، فدخل في الصلاة تطوّعا، ثم افتتح في القراءة وجعل يكرر هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
«1» فأقبل ابن أبي طالب بيده مخفقة «2» وهو يوقظ الناس للصلاة ويقول: أيها الناس، الصلاة الصلاة. فمرّ بابن ملجم وهو يردّد هذه الآية، فظن عليّ أنه ينسى فيها، ففتح عليه فقال.. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
«3» ثم انصرف علي وهو يريد أن يدخل الدار، فاتبعه فضربه على قرنه «4» ، ووقع السيف في الجدار فأطار فدرة «5» من آخره، فابتدره الناس فأخذوه، ووقع السيف منه، فجعل يقول: أيها الناس، احذروا السيف فإنه مسموم! قال: فأتي به علي، فقال: احبسوه ثلاثا وأطعموه واسقوه، فإن أعش أر فيه رأيي، وإن أمت فاقتلوه ولا تمثّلوا به، فمات من تلك الضربة، فأخذه عبد الله بن جعفر فقطع يديه ورجليه، فلم يفزع، ثم أراد قطع لسانه ففزع؛ فقيل له: لم لم تفزع لقطع يديك ورجليك وفزعت لقطع لسانك؟ قال: إني أكره أن تمرّ بي ساعة لا أذكر الله فيها! ثم قطعوا لسانه وضربوا عنقه.
وتوجه الخارجي الآخر إلى معاوية فلم يجد إليه سبيلا.
وتوجه الثالث إلى عمرو فوجده قد أغفل تلك الليلة فلم يخرج إلى الصلاة، وقدّم مكانه رجلا يقال له خارجة فضربه الخارجي بالسيف وهو يظنه عمرو بن العاص، فقتله؛ فأخذه الناس فقالوا: قتلت خارجة! قال: أو ليس عمرا؟ قالوا له: لا! قال:
أردت عمرا وأراد الله خارجة! وفي الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لعلي: ألا أخبرك بأشد الناس عذابا يوم القيامة؟
قال: أخبرني يا رسول الله. قال: فإن أشد الناس عذابا يوم القيامة: عاقر ناقة ثمود، وخاضب لحيتك بدم رأسك!
(5/108)

وقال كثيّر عزة.
ألا إنّ الأئمة من قريش ... ولاة العهد أربعة سواء
عليّ والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء «1»
فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيّب لا يرى عنهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء
قال الحسن بن علي صبيحة الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
حدثني أبي البارحة في هذا المسجد، فقال: يا بني، إني صليت البارحة ما رزق الله، ثم نمت نومة فرأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فشكوت إليه ما أنا فيه من مخالفة أصحابي وقلة رغبتهم في الجهاد، فقال لي: ادع الله أن يريحك منهم. فدعوت الله! قال الحسن صبيحة تلك الليلة: أيها الناس، إنه قتل فيكم الليلة رجل كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يبعثه فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا ينثني حتى يفتح الله له، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم.
خلافة الحسن بن علي
ثم بويع للحسن بن علي- أمه فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم- في شهر رمضان سنة أربعين من التاريخ، فكتب إليه ابن عباس:
إن الناس قد ولّوك أمرهم بعد علي؛ فاشدد عن يمينك وجاهد عدوك، واستر من الظّنين ذنبه بما لا يثلم دينك، واستعمل أهل البيوتات، تستصلح بهم عشائرهم ...
ثم اجتمع الحسن بن علي ومعاوية بمسكن من أرض السواد من ناحية الأنبار، واصطلحا، وسلم الحسن الأمر إلى معاوية، وذلك في شهر جمادي الأولى سنة إحدى وأربعين، ويسمى عام الجماعة.
(5/109)

فكانت ولاية الحسن سبعة أشهر وسبعة أيام.
ومات الحسن في المدينة سنة تسع وأربعين، وهو ابن ست وأربعين سنة؛ وصلى عليه سعيد بن العاص وهو والي المدينة، وأوصى أن يدفن مع جده في بيت عائشة، فمنعه مروان بن الحكم، فردوه إلى البقيع.
وقال هريرة لمروان: علام تمنع أن يدفن مع جده؟ فلقد أشهد أني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة» فقال له مروان: لقد ضيّع حديث نبيه إذ لم يروه غيرك. قال: أما إنك إذ قلت ذلك: لقد صحبته حتى عرفت من أحبّ ومن أبغض، ومن نفى ومن أقرّ، ومن دعا له ومن دعا عليه! ولما بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ خرّ ساجدا لله، ثم أرسل إلى ابن عباس وكان معه في الشام، فعزاه وهو مستبشر، وقال له. ابن كم سنة مات أبو محمد؟ فقال له:
سنه كان يسمع في قريش، فالعجب من أن يجهله مثلك.
قال: بلغني أنه ترك أطفالا صغارا.
قال: كل ما كان صغيرا يكبر، وإن طفلنا لكهل، وإنّ صغيرنا لكبير! ثم قال:
ما لي أراك يا معاوية مستبشرا بموت الحسن بن علي؟ فو الله لا ينسأ في أجلك، ولا يسدّ حفرتك؛ وما أقلّ بقاءنا بعده! ثم خرج ابن عباس؛ فبعث إليه معاوية ابنه يزيد، فقعد بين يديه فعزّاه واستعبر لموت الحسن، فلما ذهب أتبعه ابن عباس بصره وقال: إذا ذهب آل حرب ذهب الحلم من الناس.
[معاوية]
خلافة معاوية
ثم اجتمع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين، وهو عام الجماعة؛ فبايعه أهل الأمصار كلها، وكتب بينه وبين الحسن كتابا وشروطا، ووصله بأربعين ألفا.
(5/110)

وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة، أنه قال له: والله لأجيزنّك بجائزة ما أجزت بها أحدا قبلك، ولا أجيز بها أحدا بعدك! فأمر له بأربعمائة ألف.
هو: معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
وكنيته أبو عبد الرحمن.
وأمه هند ابنة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.
ومات معاوية بدمشق يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين- وصلّى عليه الضحاك بن قيس- وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، ويقال: ابن ثمانين سنة.
كانت ولايته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة وعشرين يوما.
صاحب شرطته: يزيد بن الحارث العبسي، وعلى حرسه- وهو أوّل من اتخذ حرسا- رجل من الموالي يقال له المختار، وحاجبه سعد مولاه، وعلى القضاء أبو إدريس الخولاني.
وولد له عبد الرحمن وعبد الله، من فاختة بنت قرظة؛ أما عبد الرحمن فمات صغيرا، وأما عبد الله فمات كبيرا، وكان ضعيفا، ولا عقب له من الذكور؛ وكان له بنت يقال لها عاتكة، تزوّجها يزيد بن عبد الملك، وفيها يقول الشاعر:
يا بيت عاتكة الذي أتغزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل
ويزيد بن معاوية، وأمّه ابنة بحدل، كلبية.
فضائل معاوية
ذكر عمرو بن العاص معاوية، فقال: احذروا قرم قريش وابن كريمها من يضحك عند الغضب، ولا ينام إلا على الرضا، ويتناول ما فوقه من تحته.
سئل عبد الله بن عباس عن معاوية، فقال: سما بشيء أسرّه، واستظهر بشيء أعلنه، فحاول ما أسر بما أعلن فناله، وكان حلمه قاهرا لغضبه، وجوده غالبا على منعه، يصل ولا يقطع، ويجمع ولا يفرّق، فاستقام له أمره وجرى إلى مدته.
(5/111)

قيل: فأخبرنا عن ابنه. قال: كان في خير سبيله، وكان أبوه قد أحكمه؛ وأمره ونهاه، فتعلق بذلك وسلك طريقا مطلّلا له.
وقال معاوية: لم يكن في الشباب شيء إلا كان مني فيه مستمتع، غير أني لم أكن صرعة»
ولا نكحة «2» ولا سبّا.
قال الأصمعي: السّب: كثير السباب.
ميمون بن مهران قال: كان أول من جلس بين الخطبتين معاوية، وأول من وضع شرف العطاء ألفين معاوية.
وقال معاوية: لا زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم: يا معاوية، إذا ملكت فأحسن.
العتبي عن أبيه قال: قال معاوية لقريش: ألا أخبركم عني وعنكم؟ قالوا: بلى.
قال: فأنا أطير إذا وقعتم، وأقع إذا طرتم، ولو وافق طيراني طيرانكم سقطنا جميعا.
وقال معاوية: لو أنّ بيني وبين الناس عشرة ما انقطعت أبدا. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها.
وقال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية قطّ إلا في أمر واحد: طلبت رجلا من عمالي كسر عليّ الخراج فلجأ إليه، فكتبت إليه: إنّ هذا فساد عملي وعملك.
فكتب إليّ:
إنه لا ينبغي لنا أن نسوس الناس سياسة واحدة؛ لا نلين جميعا فيمرح الناس في المعصية، ولا نشتدّ جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للشدّة والفظاظة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة.
(5/112)

أخبار معاوية
قدم معاوية المدينة بعد عام الجماعة، فدخل دار عثمان بن عفان، فصاحت عائشة ابنة عثمان وبكت ونادت أباها؛ فقال معاوية: يا ابنة أخي، إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا ذلّا تحته حقد، ومع كل إنسان سيفه ويرى موضع أصحابه، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني ابنة عمّ أمير المؤمنين، خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس! القحذمي قال: لما قدم معاوية المدينة قال:
أيها الناس، إنّ أبا بكر رضي الله عنه لم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان فنال منها ونالت منها، وأما أنا فمالت بي وملت بها، وأنا ألينها فهي أمّي وأنا ابنها، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم. ثم نزل.
قال جويرية بن أسماء: نال بسر بن أرطأة من علي بن أبي طالب عند معاوية، وزيد بن عمر بن الخطاب جالس، فعلا بسرا ضربا حتى شجه؛ فقال معاوية: يا زيد، عمدت إلى شيخ [من] فريش سيد أهل الشام فضربته! وأقبل على بسر وقال:
تشتم عليا وهو جدّه، وأبوه الفاروق، على رءوس الناس! أفكنت تراه يصبر على شتم عليّ؟
وكانت أمّ زيد: أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب.
ولما قدم معاوية مكة، وكان عمر قد استعمله عليها دخل على أمه هند، فقالت له: يا بني إنه قلّما ولدت حرّة مثلك، وقد استعملك هذا الرجل فاعمل بما وافقه، أحببت ذلك أم كرهته؟
ثم دخل على أبيه أبي سفيان، فقال له: يا بني، إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخّرنا، فرفعهم سبقهم، وقصّر بنا تأخّرنا، فصرنا أتباعا وصاروا قادة؛
(5/113)

وقد قلدوك جسيما من أمرهم، فلا تخالفنّ رأيهم، فإنك تجري إلى أمد لم تبلغه، ولو قد بلغته لتنفست فيه! قال معاية: فعجبت من اتفاقهما في المعنى على اختلافهما في اللفظ.
العتبى عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قدم الشام على حمار ومعه عبد الرحمن بن عوف على حمار، فتلقاهما معاوية في موكب نبيل، فجاوز عمر حتى أخبر، فرجع إليه، فلما قرب منه نزل [إليه] فأعرض عنه عمر، فجعل يمشي إلى جنبه راجلا، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتعبت الرجل! فأقبل عليه عمر، فقال: يا معاوية، أنت صاحب الموكب آنفا مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذلك؟
قال: لأنا في بلاد لا نمتنع فيها من جواسيس العدو، فلا بد لهم مما يرهبهم من هيبهة السلطان، فإن أمرتني بذلك أقمت عليه، وإن نهيتني عنه انتهيت.
قال: لئن كان الذي قلت حقا فإنه رأي أريب «1» ، ولئن كان باطلا فإنها خدعة أديب، وما آمرك به ولا أنهاك عنه.
فقال عبد الرحمن بن عوف: لحسن ما صدر هذا الفتى عما أوردته فيه.
قال: لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشمناه.
وقال معاوية لابن الكواء. يا ابن الكواء، أنشدك الله ما علمك فيّ؟ قال: أنشدني الله، ما أعلمك إلا واسع الدنيا ضيّق الآخرة! ولما مات الحسن بن علي، حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقيل له: إن ههنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخذ رأيه. فأرسل إليه وذكر له ذلك، فقال: إن فعلت لأخرجنّ من المسجد ثم لا أعود إليه! فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد، فلما مات لعنه على المنبر
(5/114)

وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا. فكتبت أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم إلى معاوية:
إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله.
فلم يلتفت إلى كلامها.
وقال بعض العلماء لولده: يا بنيّ، إن الدنيا لم تبن شيئا إلا هدمه الدين، وإن الدّين لم يبن شيئا فهدمته الدنيا، ألا ترى أن قوما لعنوا عليا ليخفضوا منه فكأنما أخذوا بناصيته جرّا إلى السماء! ودخل صعصعة بن صوحان على معاوية ومعه عمرو بن العاص جالس على سريره، فقال: وسّع له على ترابيّة فيه! فقال صعصعة: إني والله لترابي، منه خلقت، وإليه أعود، ومنه أبعث؛ وإنك لمارج «1» من مارج من نار! العتبي عن أبيه: قال معاوية يوما لعمرو بن العاص: ما أعجب الأشياء؟ قال: غلبة من لا حقّ له ذا الحق على حقه. قال معاوية: أعجب من ذلك أن يعطى من لا حقّ له ما ليس له بحقّ من غير غلبة! وقال معاوية: أعنت على عليّ بأربعة، كنت أكتم سرّي، وكان رجلا يظهره؛ وكنت في أصلح جند وأطوعه، وكان في أخبث جند وأعصاه؛ وتركته وأصحاب الجمل وقلت: إن ظفروا به كانوا أهون عليّ منه، وإن ظفر بهم اغتر بها في دينه! وكنت أحبّ إلى قريش منه؛ فيالك من جامع إليّ ومفرّق عنه! العتبي قال: أراد معاوية أن يقدم ابنه يزيد على الصائفة «2» ، فكره ذلك يزيد، فأبى معاوية إلا أن يفعل، فكتب إليه يزيد يقول:
(5/115)

نجيّ لا يزال يعد ذنبا ... لتقطع وصل حبلك من حبالي «1»
فيوشك أن يريحك من أذاتي ... نزولي في المهالك وارتحالي
وتجهز للخروج، فلم يتخلف عنه أحد، حتى كان فيمن خرج أبو أيوب الأنصاري صاحب النبي صلّى الله عليه وسلم.
قال العتبي: وحدثني أبو إبراهيم قال: أرسل معاوية إلى ابن عباس، قال: يا أبا العباس، إن أحببت خرجت مع ابن أخيك فيأنس بك ويقرّبك، وتشير عليه برأيك؛ ولا يدخل الناس بينك وبينه فيشغلوا كل واحد منكما عن صاحبه؛ وأقلّ من ذكر حقك، فإنه إن كان لك فقد تركته لمن هو أبعد منا حبا، وإن لم يكن لك فلا حاجة بك إلى ذكره، مع أنه صائر إليك، وكل آت قريب، ولتجدنّا إذا كان ذلك خيرا لكم منا.
فقال ابن عباس: والله لئن عظمت عليك النعمة في نفسك لقد عظمت عليك في يزيد، وأما ما سألتني من الكف عن ذكر حقي، فإني لم أغمد سيفي وأنا أريد أن أنتصر بلساني. ولئن صار هذا الأمر إلينا ثم وليكم من قومي مثلي كما ولينا من قومك مثلك، لا يرى أهلك إلا ما يحبون.
قال: فخرج يزيد، فلما صار على الخليج «2» ثقل أبو أيوب الأنصاري فأتاه يزيد عائدا، فقال: ما حاجتك أبا أيوب؟ فقال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها، ولكن قدّمني ما استطعت في بلاد العدو، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «يدفن عند سور القسطنطينية رجل صالح؛ أرجو أن أكون هو! ... » .
فلما مات أمر يزيد بتكفينه، وحمل على سريره، ثم أخزج الكتائب، فجعل قيصر يرى سريرا يحمل والناس يقتتلون فأرسل إلى يزيد: ما هذا الذي أرى؟
(5/116)

قال: صاحب نبينا، وقد سألنا أن نقدمه في بلادك، ونحن منفذون وصيته أو تلحق أرواحنا بالله.
فأرسل إليه: العجب كل العجب! كيف يدهّي «1» الناس أباك وهو يرسلك فتعمد إلى صاحب نبيك فتدفنه في بلادنا، فإذا ولّيت أخرجناه إلى الكلاب؟
فقال يزيد: إني والله ما أردت أن أودعه بلادكم حتى أودع كلامي آذانكم، فإنك كافر بالذي أكرمت هذا له، ولئن بلغني أنه نبش من قبره أو مثّل به لا تركت بأرض العرب نصرانيا إلا قتلته، ولا كنيسة إلا هدمتها! فبعث إليه قيصر: أبوك كان أعلم بك، فوحقّ المسيح لأحفظنّه بيدي سنة فلقد بلغني أنه بنى على قبره قبّة يسرج فيها إلى اليوم.
طلب معاوية البيعة ليزيد
أبو الحسن المدائني قال: لما مات زياد، وذلك سنة ثلاث وخمسين، أظهر معاوية عهدا مفتعلا فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده، وإنما أراد أن يسهل بذلك بيعة يزيد، فلم يزل يروض الناس لبيعته سبع سنين، ويشاور، ويعطي الأقارب ويداني الأباعد، حتى استوثق له من أكثر الناس فقال؛ لعبد الله بن الزبير: ما ترى في بيعة يزيد؟
قال: يا أمير المؤمنين إني أناديك ولا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تتقدم، وتفكّر قبل أن تندّم، فإن النظر قبل التقدّم، والتفكر قبل التندم.
فضحك معاوية وقال: ثعلب رواغ! تعلمت السجع عن الكبر، في دون ما سجعت به على ابن أخيك ما يكفيك.
ثم التفت إلى الأحنف فقال: ما ترى في بيعة يزيد؟
(5/117)

قال: نخافكم إن صدّقناكم، ونخاف الله إن كذبنا.
فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه، فوفد عليه من كل مصر قوم، وكان فيمن وقد عليه من المدينة محمد بن عمرو بن حزم، فخلا به معاوية وقال له: ما ترى في بيعة يزيد؟
فقال: يا أمير المؤمنين، ما أصبح اليوم على الأرض أحد هو أحب إليّ رشدا من نفسك سوى نفسي، وإن يزيد أصبح غنيا في المال، وسطا في الحسب، وإن الله سائل كلّ راع عن رعيته، فاتق الله وانظر من تولّي أمة محمد.
فأخذ معاوية بهر «1» حتى تنفس الصعداء وذلك في يوم شات، ثم قال: يا محمد، إنك امرؤ ناصح قلت برأيك، ولم يكن عليك إلا ذاك. قال معاوية: إنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، فابني أحبّ إليّ من أبنائهم؛ اخرج عني! ثم جلس معاوية في أصحابه وأذن للوفود فدخلوا عليه وقد تقدّم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد، فكان أول من تكلم الضحاك بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لا بد للناس من وال بعدك، والأنفس يغدى عليها ويراح، وإن الله قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
«2» ، ولا ندري ما يختلف به العصران؛ ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن معدنه وقصد «3» سيرته، من أفضلنا حلما وأحكمنا علما، فولّه عهدك، واجعله لنا علما بعدك، فإنا قد بلونا الجماعة والألفة، فوجدناها أحقن للدماء، وآمن للسبل، وخيرا في العاقبة والآجلة.
ثم تكلم عمرو بن سعيد فقال:
أيها الناس، إن يزيد أمل تأملونه، وأجل تأمنونه، طويل الباع، رحب الذراع إذا صرتم إلى عدله وسعكم، وإن طلبتم رفده أغناكم؛ جدع قارح «4» ، سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع فقرع، فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه.
فقال: اجلس أبا أمية، فلقد أوسعت وأحسنت.
(5/118)

ثم قام يزيد بن المقنّع فقال:
أمير المؤمنين هذا- وأشار إلى معاوية- فإن هلك فهذا- وأشار إلى يزيد- فمن أبي فهذا- وأشار إلى سيفه:
فقال معاوية: اجلس فإنك سيد الخطباء.
ثم تكلم الأحنف بن قيس فقال:
يا أمير المؤمنين، أنت أعلم بيزيد في ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله رضا، ولهذه الأمة، فلا تشاور الناس فيه؛ وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة.
قال: فتفرق الناس ولم يذكروا إلا كلام الأحنف.
قال: ثم بايع الناس ليزيد بن معاوية، فقال رجل وقد دعي إلى البيعة: اللهم إني أعوذ بك من شرّ معاوية.
فقال له معاوية: تعوّذ من شرّ نفسك، فإنه أشدّ عليك، وبايع.
قال: إني أبايع وأنا كاره للبيعة.
قال له معاوية: بايع أيها الرجل، فإن الله يقول: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
«1» .
ثم كتب إلى مروان بن الحكم عامله على المدينة أن ادع أهل المدينة إلى بيعة يزيد؛ فإن أهل الشام والعراق قد بايعوا.
فخطبهم مروان فحضّهم على الطاعة وحذّرهم الفتنة، ودعاهم إلى بيعة يزيد، وقال: سنة أبي بكر الهادية المهدية.
فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر: كذبت، إن أبا بكر ترك الأهل والعشيرة وبايع لرجل من بني عدي رضي دينه وأمانته، واختاره لأمة محمد صلّى الله عليه وسلم.
فقال مروان: أيها الناس، إن هذا المتكلم هو الذي أنزل الله فيه: وَالَّذِي قالَ
(5/119)

لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي
«1» .
فقال له عبد الرحمن: يا بن الزرقاء، أفينا تتأوّل القرآن؟
وتكلم الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر وأنكروا بيعة يزيد، وتفرق الناس.
فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فخرج معاوية إلى المدينة في ألف، فلما قرب منها تلقاه الناس، فلما نظر إلى الحسين قال: مرحبا بسيد شباب المسلمين، قرّبوا دابة لأبي عبد الله.
وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر: مرحبا بشيخ قريش وسيّدها وابن الصدّيق.
وقال لابن عمر: مرحبا بصاحب رسول الله وابن الفاروق.
وقال لابن الزبير: مرحبا بابن جواريّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وابن عمته، ودعا لهم بدوابّ فحملهم عليها، وخرج حتى أتى مكة فقضى حجّه.
ولما أراد الشخوص أمر بأثقاله «2» فقدّمت، وأمر بالمنبر فقرّب من الكعبة، وأرسل إلى الحسين وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن الزبير، فاجتمعوا وقالوا لابن الزبير: اكفنا كلامه. فقال: علي أن لا تخالفوني. قالوا: لك ذلك. ثم أتوا معاوية، فرحب بهم وقال لهم قد علمتم نظري لكم، وتعطفي عليكم، وصلتي أرحامكم؛ ويزيد أخوكم وابن عمّكم، وإنما أردت أن أقدّمه باسم الخلافة وتكونوا أنتم تأمرون وتنهون: فسكتوا، وتكلم ابن الزبير، فقال:
نخيّرك بين إحدى ثلاث، أيّها أخذت فهي لك رغبة وفيها خيار: إن شئت فاصنع فينا ما صنعه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قبضه الله ولم يستخلف [أحدا، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر] ؛ فدع هذا الأمر حتى يختار الناس لأنفسهم؛ وإن شئت فما صنع أبو بكر، عهد إلى رجل من قاصية قريش وترك من ولده ومن رهطه
(5/120)

الأذنين، من كان لها أهلا؛ وإن شئت فما صنع عمر، صيّرها إلى ستة نفر من قريش يختارون رجلا منهم، وترك ولده وأهل بيته، وفيهم من لو وليها لكان لها أهلا.
قال معاوية: هل غير هذا؟
قال: لا.
ثم قال للآخرين: ما عندكم؟
قالوا: نحن على ما قال ابن الزبير.
فقال معاوية: إني أتقدم إليكم وقد أعذر من أنذر إني قائل مقالة، فأقسم بالله لئن ردّ عليّ رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يضرب رأسه، فلا ينظر امرؤ منكم إلا إلى نفسه، ولا يبقي إلا عليها.
وأمر أن يقوم على رأس كل رجل منهم رجلان بسيفيهما، فإن تكلم بكلمة يرد بها عليه قوله قتلاه، وخرج وأخرجهم معه حتى رقي المنبر، وحف به أهل الشام واجتمع الناس، فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار، قالوا: إن حسينا وابن أبي بكر وابن عمر وابن الزبير لم يبايعوا ليزيد، وهؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم: لا نبرم أمرا دونهم، ولا نقضي أمرا إلا عن مشورتهم؛ وإني دعوتهم فوجدتهم سامعين مطيعين، فبايعوا وسلّموا وأطاعوا. فقال أهل الشام: وما يعظم من أمر هؤلاء؟ ائذن لنا فنضرب أعناقهم، لا نرضى حتى يبايعوا علانية: فقال معاوية: سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالشرّ، وأحلى دماءهم عندهم! أنصتوا، فلا أسمع هذه المقالة من أحد. ودعا الناس إلى البيعة فبايعوا، ثم قرّبت رواحله فركب ومضى.
فقال الناس للحسين وأصحابه: قلتم لا نبايع، فلما دعيتم وأرضيتم بايعتم! قالوا: لم نفعل.
قالوا: بلى، قد فعلتم وبايعتم، أفلا أنكرتم؟
(5/121)

قالوا: خفنا القتل، وكادكم بنا وكادنا بكم «1» .
وفاة معاوية
عن الهيثم بن عدي قال: لما حضرت معاوية الوفاة ويزيد غائب، دعا الضحاك بن قيس الفهري، ومسلم بن عقبة المري، فقال:
أبلغا عني يزيد وقولا له: انظر إلى أهل الحجاز، فهم أصلك وعترتك؛ فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن قعد عنك فتعاهده، وانظر أهل العراق، فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله، فإنّ عزل عامل واحد أهون من سلّ مائة ألف سيف، [ثم] لا تدري على من تكون الدائرة؛ ثم انظر إلى أهل الشام، فاجعلهم الشعار دون الدثار «2» ؛ فإن رابك من عدوّك ريب فارمه بهم، ثم اردد أهل الشام إلى بلدهم ولا يقيموا في غيره فيتأدّبوا بغير أدبهم؛ لست أخاف عليك إلا ثلاثة: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر. فأما الحسين ابن علي فأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه؛ وأما ابن الزبير فإنه خبّ ضب «3» ، فإن ظفرت به فقطّعه إربا إربا؛ وأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذه «4» الورع، فخلّ بينه وبين آخرته يخلّ بينك وبين دنياك.
ثم أخرج إلى يزيد بريدا بكتاب يستقدمه ويستحثه، فخرج مسرعا، فتلقاه يزيد فأخبره بموت معاوية، فقال يزيد:
جاء البريد بقرطاس يخبّ به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم ... قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأنّ أغبر من أركانها انقلعا
ثمّ انبعثنا إلى خوص مزمّمة ... نرمي الفجاج بها ما نأتلي سرعا «5»
(5/122)

فما نبالي إذا بلّغن أرحلنا ... ما مات منهنّ بالموماة أو ظلعا
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه ... كذاك كنّا جميعا قاطنين معا
أغرّ أبلج يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا
لا يرقع الناس ما أوهى ولو جهدوا ... أن يرقعوه، ولا يوهون ما رقعا
قال محمد بن عبد الحكم: قال الشافعي: سرق هذين البيتين من الأعشى.
ابن دأب قال: لما هلك معاوية خرج الضحاك بن قيس الفهري وعلى عاتقه ثياب حتى وقف إلى جانب المنبر، ثم قال:
أيها الناس، إن معاوية كان إلف العرب وملكها؛ فأطفأ الله به الفتنة وأحيا به السنة، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها ومخلّون بينه وبين ربه؛ فمن أراد حضوره صلاة الظهر فليحضره.
وصلّى عليه الضحاك بن قيس الفهري، ثم قدم يزيد من يومه ذلك، فلم يقدم أحد على تعزيته حتى دخل عليه عبد الله بن همام السلولي فقال:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا مقة ... واشكر حباء الذي بالملك حاباكا «1»
لارزء أعظم في الأقوام قد علموا ... ممّا رزئت ولا عقبي كعقباكا «2»
أصبحت راعي أهل الأرض كلّهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
فافتتح الخطباء الكلام.
ثم دخل يزيد فأقام ثلاثة أيام لا يخرج للناس، ثم خرج وعليه أثر الحزن، فصعد المنبر، وأقبل الضحاك فجلس إلى جانب المنبر، وخاف عليه الحصر، فقال له يزيد:
يا ضحاك، أجئت تعلّم بني عبد شمس الكلام؟ ثم قام خطيبا فقال:
(5/123)

الحمد لله الذي ما شاء صنع، من شاء أعطى ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع. إن معاوية بن أبي سفيان كان حبلا من حبال الله، مدّه ما شاء أن يمدّه، ثم قطعه حين شاء أن يقطعه، وكان دون من قبله، وخيرا ممن يأتي بعده، ولا أزكّيه وقد صار إلى ربه، فإن يعف عنه فبرحمته، وإن يعذبه فبذنبه؛ وقد وليت بعده الأمر، ولست أعتذر من جهل، ولا أني عن طلب؛ وعلى رسلكم، إذا كره الله شيئا غيّره وإذا أراد شيئا يسّره.
[يزيد بن معاوية]
خلافة يزيد بن معاوية وسنه وصفته
هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف؛ وأمّه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دلجة بن قنافة أحد بني حارثة بن جناب، وكنيته أبو خالد.
وكان آدم جعدا مهضوما، أحور العين، بوجهه آثار جدري، حسن اللحية خفيفها. ولي الخلافة في رجب سنة ستين. ومات في النصف من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين، ودفن بحوّارين خارجا من المدينة. وكانت ولايته أربع سنين وأياما.
وكان على شرطته: حميد بن حريث بن بحدل. وكاتبه وصاحب أمره: سرجون بن منصور. وعلى القضاء: أبو إدريس الخولاني. وعلى الخراج: مسلمة بن حديدة الأزدي.
أولاد يزيد «1»
معاوية، وخالد، وأبو سفيان، أمّهم فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة؛ وعبد الله، وعمر، وأمهما أمّ كلثوم ابنة عبد الله بن عباس.
وكان عبد الله ولده ناسكا، وولده خالد عالما، لم يكن في بني أمية أزهد من هذا ولا أعلم من هذا.
(5/124)

الأصمعي عن أبي عمرو قال: أعرق الناس في الخلافة عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: أبوها خليفة، وجدّها معاوية خليفة، وأخوها معاوية بن يزيد خليفة، وزوجها عبد الملك بن مروان خليفة، وأربّاؤها: الوليد وسليمان وهشام، خلفاء.
مقتل الحسين بن علي
عليّ بن عبد العزيز قال: قرأ عليّ أبو عبيد القاسم بن سلام وأنا أسمع، فسألته:
نروي عنك كما قريء عليك؟ قال: نعم، قال أبو عبيد: لما مات معاوية بن أبي سفيان وجاءت وفاته إلى المدينة، وعليهما يومئذ الوليد بن عتبة، فأرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فدعاهما إلى البيعة ليزيد، فقالا: بالغد إن شاء الله على رءوس الناس. وخرجا من عنده، فدعا الحسين برواحله فركبها وتوجه نحو مكة على المنهج الأكبر، وركب ابن الزبير برذونا «1» له وأخذ طريق العرج حتى قدم مكة؛ ومر حسين حتى أتى على عبد الله بن مطيع وهو على بئر له، فنزل عليه، فقال للحسين: يا أبا عبد الله، لا سقانا الله بعدك ماء طيبا، أين تريد؟ قال: العراق! قال:
سبحان الله! لم؟ قال: مات معاوية، وجاءني أكثر من حمل صحف. قال لا تفعل أبا عبد الله، فو الله ما حفظوا أباك وكان خيرا منك، فكيف يحفظونك؟ وو الله لئن قتلت لا بقيت حرمة بعدك إلا استحلّت! فخرج حسين حتى قدم مكة، فأقام بها هو وابن الزبير.
قال: فقدم عمرو بن سعيد في رمضان أميرا على المدينة والموسم، وعزل الوليد بن عتبة؛ فلما استوى على المنبر رعف «2» ، فقال أعرابيّ: مه! جاءنا والله بالدم! قال:
فتلقاه رجل بعمامته، فقال: مه! عم الناس والله! ثم قام فخطب، فناولوه عصا لها شعبتان، فقال: تشعب الناس والله! ثم خرج إلى مكة، فقدمها قبل التروية «3» بيوم.
(5/125)

ووفدت الناس للحسين يقولون: يا أبا عبد الله، لو تقدّمت فصليت بالناس فأنزلتهم بدارك! إذ جاء المؤذن فأقام الصلاة، فتقدّم عمرو بن سعيد فكبر، فقيل للحسين: اخرج أبا عبد الله إذ أبيت أن تتقدّم. فقال: الصلاة في الجماعة أفضل. قال:
فصلى، ثم خرج، فلما انصرف عمرو بن سعيد بلغه أنّ حسينا قد خرج، فقال:
اطلبوه، اركبوا كل بعير بين السماء والأرض فاطلبوه! قال: فعجب الناس من قوله هذا، فطلبوه، فلم يدركوه.
وأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمدا ليردّا حسينا، فأبى حسين أن يرجع وخرج بابني عبد الله بن جعفر معه.
ورجع عمرو بن سعد إلى المدينة، وأرسل إلى ابن الزبير ليأتيه، فأبى أن يأتيه، وامتنع ابن الزبير برجال من قريش وغيرهم من أهل مكة، قال: فأرسل عمرو بن سعد لهم جيشا من المدينة، وامّر عليهم عمرو بن الزبير أخا عبد الله بن الزبير، وضرب على أهل الديوان البعث الى أهل مكة وهم كارهون للخروج، فقال: إما أن تأتوني بأدلّاء وإما أن تخرجوا. قال: فبعثهم إلى مكة، فقاتلوا ابن الزبير، فانهزم عمرو بن الزبير وأسره أخوه عبد الله فحبسه في السجن.
وقد كان بعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى أهل الكوفة ليأخذ بيعتهم، وكان على الكوفة حين مات معاوية، فقال:
يأهل الكوفة، ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم أحبّ إلينا من ابن بنت بحدل.
قال: فبلغ ذلك يزيد؛ فقال: يأهل الشام، أشيروا عليّ، من أستعمل على الكوفة؟ فقالوا: ترضى من رضي به معاوية؟ قال: نعم. قيل له: فإنّ الصك بإمارة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتب في الديوان. فاستعمله على الكوفة، فقدمها قبل أن يقدم حسين.
وبايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة، وخرجوا معه يريدون
(5/126)

عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق انسل منهم ناس، حتى بقي في شرذمة قليلة. قال: فجعل الناس يرمونه بالآجرّ من فوق البيوت؛ فلما رأى ذلك دخل دار هانيء بن عروة المرادي، وكان له شرف ورأي؛ فقال له هانيء: إن لي من ابن زياد مكانا، وإني سوف أتمارض، فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه. قال: فبلغ ابن زياد أنّ هانيء بن عروة مريض يقيء الدم، وكان شرب المغرة «1» فجعل يقيئها، فجاء ابن زياد يعوده وقال هانيء: إذا قلت لكم اسقوني، فاخرج إليه فاضرب عنقه- يقولها لمسلم بن عقيل- فلما دخل ابن زياد وجلس، قال هانيء: اسقوني! فتثبّطوا عليه، فقال: ويحكم! اسقوني ولو كان فيه نفسي! قال: فخرج ابن زياد ولم يصنع الآخر شيئا. قال: وكان أشجع الناس ولكن أخذ بقلبه.
وقيل لابن زياد ما أراده هانيء، فأرسل إليه، فقال: إني شاك لا أستطيع. فقال:
ائتوني به وإن كا شاكيا. فأسرجت له دابة فركب ومعه عصا. وكان أعرج، فجعل يسير قليلا قليلا، ثم يقف ويقول: ما أذهب إلى ابن زياد، حتى دخل على ابن زياد فقال له: يا هانيء، أما كانت يد زياد عندك بيضاء؟ قال بلى: قال: ويدي؟ قال:
بلى. ثم قال له هانيء: قد كانت له عندي ولأبيك وقد آمنتك في نفسك ومالك.
قال: اخرج. فخرج، فتناول العصا من يده وضرب بها وجهه حتى كسرها، ثم قدّمه فضرب عنقه.
وأرسل إلى مسلم بن عقيل، فخرج إليهم بسيفه؛ فما زال يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح، فأسروه.
وأتي به ابن زياد فقدمه ليضرب عنقه. فقال له: دعني حتى أوصي. فقال له:
أوص. فنظر في وجوه الناس، فقال لعمر بن سعد: ما أرى قريشا هنا غيرك فادن مني حتى أكلمك. فدنا منه، فقال له هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش؟ إن حسينا ومن معه- وهم تسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة- في الطريق؛
(5/127)

فارددهم واكتب لهم بما أصابني. ثم ضرب عنفه، فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال لي؟ قال اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذلك قال: وما هو؟ قال: قال لي: إن حسينا أقبل [ومن معه] وهم تسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة؛ فارددهم واكتب إليه بما أصابني.
فقال له ابن زياد: أما والله- إذ دللت عليه- لا يقاتله أحد غيرك! قال: فبعث معه جيشا وقد جاء حسينا الخبر وهم بشراف «1» ، فهمّ بأن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل، فقالوا: ترجع وقد قتل أخونا وقد جاءك من الكتب ما تثق به؟ فقال الحسين لبعض أصحابه: والله مالي على هؤلاء من صبر.
قال: فلقيه الجيش على خيولهم وقد نزلوا بكربلاء؛ فقال حسين: أي أرض هذه؟ قالوا: كربلاء. قال: أرض كرب وبلاء!.
وأحاطت بهم الخيل، فقال الحسين لعمر بن سعد: يا عمر، اختر مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تتركني أرجع كما جئت، وإما أن تسيّرني إلى يزيد فأضع يدي في يده، وإما أن تسيّرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت!.
فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهمّ أن يسيّره إلى يزيد، فقال له شمر بن ذي الجوشن: أمكنك الله من عدوّك فتسيّره! لا، إلا أن ينزل على حكمك فأرسل إليه بذلك؛ فقال الحسين: أنا أنزل على حكم ابن مرجانة؟ والله لا أفعل ذلك أبدا! قال: وأبطأ عمر عن قتاله، فأرسل ابن زياد إلى شمر بن ذي الجوشن، وقال له:
إن تقدم عمر وقاتل، وإلا فاتركه وكن مكانه.
قال: وكان مع عمر بن سعد ثلاثون رجلا من أهل الكوفة؛ فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاث خصال، فلا تقبلوا منها شيئا؟ فتحولوا مع الحسين فقاتلوا [معه] .
(5/128)

ورأى رجل من أهل الشام عبد الله بن حسن بن علي وكان من أجمل الناس فقال:
لأقتلن هذا الفتى! فقال له رجل: ويحك! ما تصنع به؟ دعه. فأبى، وحمل عليه فضربه بالسيف فقتله، فلما أصابته الضربة قال: يا عماه! قال: لبيك صوتا قل ناصره، وكثر واتره «1» ! وحمل الحسين على قاتله فقطع يده، ثم ضربه ضربه أخرى فقتله، ثم اقتتلوا.
علي بن عبد العزيز قال: حدثني الزبير قال: حدثني محمد بن الحسن قال: لما نزل عمر بن سعد بالحسين وأيقن أنهم قاتلوه، قام في أصحابه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد نزل بي ما ترون من الأمر، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واشمعلّت «2» ، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء الأخنس «3» عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحق لا يعمل به، والباطل لا ينهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله فإني لا أرى الموت إلا سعادة، و [لا] الحياة مع الظالمين إلا ذلا وبرما «4» ! وقتل الحسين رضي الله عنه يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بالطّف من شاطيء الفرات بموضع يدعى كربلاء.
وولد لخمس ليال من شعبان سنة أربع من الهجرة.
وقتل وهو ابن ست وخمسين سنة، وهو صابغ بالسواد، قتله سنان بن أبي أنس، وأجهز عليه خولة بن يزيد الأصبحي من حمير، وحزّ رأسه وأتى به عبيد الله وهو يقول:
أوقر ركابي فضّة وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجّبا
خير عباد الله أمّا وأبا
(5/129)

فقال له عبيد الله بن زياد: إذا كان خير الناس أما وأبا وخير عباد الله، فلم قتلته؟ قدّموه فاضربوا عنقه! فضربت عنقه.
روح بن زنباع عن أبيه عن الغاز بن ربيعة الجرشي قال: إني لعند يزيد بن معاوية إذ أقبل زحر بن قيس الجعفي حتى وقف بين يدي يزيد، فقال: ما وراءك يا زحر؟
فقال:
أبشرك يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، قدم علينا الحسين في سبعة عشر رجلا من أهل بيته، وستين رجلا من شيعته، فبرزنا إليهم وسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير أو القتال، فأبوا إلا القتال، فغدونا عليهم مع شروق الشمس، فأحطناهم من كل ناحية، حتى أخذت السيوف مأخذها من هام الرجال فجعلوا يلوذون منا بالآكام والحفر كما يلوذ الحمام من الصقر، فلم يكن إلا نحر جزور أو قوم»
قائم، حتى أتينا على آخرهم: فهاتيك أجسامهم مجزّرة «2» ، وهامهم مرمّلة «3» ، وخدودهم معفّرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الريح بقاع سبسب، زوّارهم العقبان والرخم «4» ! قال: فدمعت عينا يزيد، وقال: لقد كنت أقنع من طاعتكم بدون قتل الحسين.
لعن الله ابن سمية! أما والله لو كنت صاحبه لتركته، رحم الله أبا عبد الله وغفر له.
علي بن عبد العزيز عن محمد بن الضحاك بن عثمان الخزاعي عن أبيه، قال: خرج الحسين إلى الكوفة ساخطا لولاية يزيد بن معاوية، فكتب يزيد إلى عبيد الله ابن زياد وهو واليه بالعراق:
إنه بلغني أن حسينا سار إلى الكوفة، وقد ابتلي به زمانك بين الأزمان، وبلدك بين البلدان، وابتليت به من بين العمال، وعنده تعتق أو تعود عبدا.
(5/130)

فقتله عبيد الله وبعث برأسه وثقله «1» إلى يزيد، فلما وضع الرأس بين يديه تمثل بقول حصين بن الحمام المري:
يفلّقن هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
فقال له علي بن الحسين، وكان في السبي: كتاب الله أولى بك من الشعر، يقول الله: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
«2» .
فغضب يزيد وجعل يعبث بلحيته، ثم قال: غير هذا من كتاب الله أولى بك وبأبيك، قال الله. وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
«3» ما ترون يا أهل الشام في هؤلاء.
فقال له رجل: لا تتخذ من كلب سوء جروا.
قال النعمان بن بشير الأنصاري: انظر ما كان يصنعه رسول الله صلّى الله عليه وسلم بهم لو رآهم في هذه الحالة فاصنعه بهم.
قال: صدقت، خلوا عنهم واضربوا عليهم القباب وأمال عليهم المطبخ وكساهم وأخرج إليهم جوائز كثيرة، وقال: لو كان بين ابن مرجانة وبينهم نسب ما قتلهم: ثم ردّهم إلى المدينة.
الرياشي قال: أخبرني محمد بن أبي رجاء قال: أخبرني أبو معشر عن يزيد بن زياد عن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: أتي بنا يزيد بن معاوية بعد ما قتل الحسين ونحن اثنا عشر غلاما. وكان أكبرنا يومئذ علي بن الحسين، فأدخلنا عليه، وكان كل واحد منا مغلولة يده إلى عنقه، فقال لنا: أحرزت «4» أنفسكم عبيد أهل
(5/131)

العراق، وما علمت بخروج أبي عبد الله ولا بقتله.
أبو الحسن المدائني عن إسحاق عن إسماعيل بن سفيان عن أبي موسى عن الحسن البصري، قال: قتل مع الحسين ستة عشر من أهل بيته، والله ما كان على الأرض يومئذ أهل بيت يشبّهون بهم. وحمل أهل الشام بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلم سبايا على أحقاب «1» الإبل. فلما أدخلن على يزيد، قالت فاطمة ابنة الحسين: يا يزيد، أبنات رسول الله صلّى الله عليه وسلم سبايا؟ قال: بل حرائر كرام، ادخلي على بنات عمك تجديهن قد فعلن ما فعلن، قالت فاطمة: فدخلت إليهن، فما وجدت فيهن سفيانية إلا متلدّمة «2» تبكي، وقالت بنت عقيل بن أبي طالب ترثي الحسين ومن أصيب معه:
عيني أبكي بعبرة وعويل ... واندبي إن ندبت آل الرسول
ستة كلهم لصلب عليّ ... قد أصيبوا وخمسة لعقيل
ومن حديث أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم، قالت: كان عندي النبي صلّى الله عليه وسلم ومعي الحسين، فدنا من النبي صلّى الله عليه وسلم، فأخذته، فبكى فتركته، فدنا منه، فأخذته، فبكى فتركته؛ فقال له جبريل: أتحبه يا محمد؟ قال: نعم! قال: أما إنّ أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها! فبسط جناحه، فأراه منها، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم.
محمد بن خالد قال: قال إبراهيم النخعي: لو كنت فيمن قتل الحسين ودخلت الجنة لاستحييت أن أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابن لهيعة عن أبي الأسود قال: لقيت رأس الجالوت «3» ، فقال: إن بيني وبين داود سبعين أبا، وإن اليهود إذا رأوني عظموني وعرفوا حقي وأوجبوا حفظي؛ وإنه ليس بينكم وبين نبيكم إلا أب واحد قتلتم ابنه!
(5/132)

ابن عبد الوهاب عن يسار بن عبد الحكم قال: انتهب عسكر الحسين فوجد فيه طيب، فما تطيبت به امرأة إلا برصت «1» .
جعفر بن محمد عن أبيه قال: بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلم الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وهم صغار، ولم يبايع قطّ صغير إلّا هم.
عليّ بن عبد العزيز عن الزبير عن مصعب بن عبد الله قال: حجّ الحسين خمسة وعشرين حجة ملبيا ماشيا.
وقيل لعليّ بن الحسين: ما كان أقلّ ولد أبيك، قال العجب كيف ولدت له! كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء؟
يحيى بن إسماعيل عن الشعبي أن سالما قال: قيل لأبي عبد الله بن عمر: إن الحسين توجه إلى العراق. فلحقه على ثلاث مراحل من المدينة- وكان غائبا عند خروجه- فقال: أين تريد؟ فقال: أريد العراق. وأخرج إليه كتب القوم، ثم قال: هذه بيعتهم وكتبهم. فناشده الله أن يرجع، فأبى، فقال: أحدّثك بحديث ما حدّثت به أحدا قبلك: إن جبريل أتى النبي صلّى الله عليه وسلم يخيره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وإنكم بضعة «2» منه، فو الله لا يليها أحد من أهل بيته أبدا؛ وما صرفها الله عنكم إلا لما هو خير لكم؛ فارجع، فأنت تعرف غدر أهل العراق وما كان يلقي أبوك منهم. فأبى، فاعتنقه وقال: استودعتك الله من قتيل.
وقال الفرزدق: خرجت أريد مكة، فإذا بقباب مضروبة وفساطيط، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: للحسين. فعدلت إليه فسلمت عليه، فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من العراق. قال كيف تركت الناس؟ قلت: القلوب معك، والسيوف عليك، والنصر من السماء!
(5/133)

تسمية من قتل مع الحسين بن عليّ رضي الله عنهما من أهل بيته ومن أسر منهم
قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن أبي معشر قال: قتل الحسين بن علي، وقتل معه عثمان بن علي، وأبو بكر بن علي، وجعفر بن علي، والعباس بن علي. وكانت أمهم أم البنين بنت حرام الكلابية، وإبراهيم بن علي، لأم ولد له، وعبد الله بن حسن، وخمسة من بني عقيل بن أبي طالب، وعون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، وثلاثة من بني هاشم، فجميعهم سبعة عشر رجلا.
وأسر اثنا عشر غلاما من بني هاشم: فيهم محمد بن الحسين، وعلي بن الحسين وفاطمة بنت الحسين؛ فلم تقم لبنى حرب قائمة حتى سلبهم الله ملكهم.
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: جنّبني دماء أهل هذا البيت، فإني رأيت بني حرب سلبوا ملكهم لما قتلوا الحسين.
حديث الزهريّ في قتل الحسين رضي الله عنه
حدثنا أبو محمد عبد الله بن ميسرة قال: حدثنا محمد بن موسى الحرشي قال: حدثنا حماد بن عيسى الجهني عن عمر بن قيس، قال: سمعت ابن شهاب الزهري يحدث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ...
قال حماد بن عيسى: وحدثني به عباد بن بشر عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم، قال: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» .
وقالا: قال الزهري: خرجت مع قتيبة أريد المصيصة «1» ، فقدمنا على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وإذا هو قاعد في إيوان له، وإذا سماطان «2» من الناس على
(5/134)

باب الإيوان فإذا أراد حاجة قالها للذي يليه، حتى تبلغ المسألة باب الإيوان، ولا يمشي أحد بين السماطين؛ قال الزهري: فجئنا فقمنا على باب الإيوان؛ فقال عبد الملك للذي عن يمينه: هل بلغكم أي شيء أصبح في بيت المقدس ليلة قتل الحسين بن علي؟ قال: فسأل كلّ واحد منهما صاحبه حتى بلغت المسألة الباب، فلم يرد أحد فيها شيئا. قال الزهري: فقلت: عندي في هذا علم. قال: فرجعت المسألة رجلا عن رجل حتى انتهت إلى عبد الملك. قال: فدعيت، فمشيت بين السماطين، فلما انتهيت إلى عبد الملك سلمت عليه: فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، قال: فعرفني بالنسب، وكان عبد الملك طلّابة للحديث، فعرّفته، فقال: ما أصبح ببيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي بن أبي طالب؟ - وفي رواية علي بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد الله عن أبي معشر عن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص عن الزهري، أنه قال: الليلة التي قتل في صبيحتها الحسين بن علي؟ - قال الزهري: نعم، حدّثني فلان- لم يسمّه لنا- أنه لم يرفع تلك الليلة التي صبيحتها قتل الحسين بن علي بن أبي طالب، حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم عبيط «1» .
قال عبد الملك: صدقت، حدّثني الذي حدّثك، وإني وإياك في هذا الحديث لغريبان. ثم قال لي: ما جاء بك؟ قلت: جئت مرابطا. قال: الزم الباب. فأقمت عنده، فأعطاني مالا كثيرا. قال: فاستأذنته في الخروج إلى المدينة، فأذن لي ومعي غلام لي، ومعي مال كثير في عيبة «2» ، ففقدت العيبة، فاتهمت الغلام، فوعدته وتوعّدته، فلم يقرّ لي بشيء. قال: فصرعته وقعدت على صدره، ووضعت مرفقي على صدره، وغمزته «3» غمزة وأنا لا أريد قتله، فمات تحتي.
وسقط في يدي، فقدمت المدينة فسألت سعيد بن المسيب، وأبا عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، فكلهم قال: لا نعلم لك توبة!
(5/135)

فبلغ ذلك عليّ بن الحسين، فقال: عليّ به. فأتيته فقصصت عليه القصة، فقال: إنّ لذنبك توبة: ضم شهرين متتابعين، وأعتق رقبة مؤمنة، وأطعم ستين مسكينا. ففعلت.
ثم خرجت أريد عبد الملك وقد بلغه أني أتلفت المال، فأقمت ببابه أياما لا يؤذن لي بالدخول، فجلست إلى معلم لولده، وقد حذق ابن لعبد الملك عنده، وهو يعلّمه ما يتكلم به بين يدي أمير المؤمنين إذا دخل عليه، فقلت لمؤدّبه: ما تأمل من أمير المؤمنين أن يصلك به؛ فلك عندي ذلك على أن تكلّم الصبيّ إذا دخل على أمير المؤمنين، فإذا قال له: سل حاجتك، يقول له: حاجتي أن ترضى عن الزهري. ففعل، فضحك عبد الملك وقال: أين هو؟ قال: بالباب. فأذن لي فدخلت، حتى إذا صرت بين يديه، قلت: يا أمير المؤمنين، حدّثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» .
وقعة الحرّة
أبو اليقظان قال: لما حضرت معاوية الوفاة دعا يزيد، فقال: إن لك من أهل المدينة يوما، فإذا فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفنا نصيحته.
فلما كان سنة ثلاث وستين، قدم عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة عاملا عليها ليزيد بن معاوية، وأوفد على يزيد وفدا من رجال المدينة، فيهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، ومعه ثمانية بنين، فأعطاه مائة ألف، وأعطى بنيه كلّ رجل منهم عشرة آلاف، سوى كسوتهم وحملانهم «1» ؛ فلما قدم عبد الله بن حنظلة المدينة، أتاه الناس فقالوا: ما وراءك؟
قال: أتيتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم! قالوا: فإنه قد بلغنا أنه أكرمك وأجازك وأعطاك!
(5/136)

قال: قد فعل، وما قبلت ذلك منه إلا أن أتقوى به عليه. أي على قتال يزيد.
وحضّ الناس على يزيد، فأجابوه، فكتب عثمان بن محمد إلى يزيد بما أجمع عليه أهل المدينة من الخلاف، فكتب إليهم يزيد بن معاوية.
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ ف إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
«1» وإني قد لبستكم فأخلقتكم ورفعتكم على رأسي، ثم على عيني، ثم على فمي، ثم علي بطني؛ والله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقلّ بها عددكم، وأترككم بها أحاديث؛ تنتسخ أخباركم مع أخبار عاد وثمود! فلما أتاهم كتابه حمي القوم، فقدّمت الأنصار عبد الله بن حنظلة على أنفسهم وقدّمت قريش عبد الله بن مطيع؛ ثم أخرجوا عثمان بن محمد بن أبي سفيان من المدينة، ومروان بن الحكم، وكلّ من كان بها من بني أمية؛ وكان عبد الله بن عباس بالطائف، فسأل عنهم فقيل له: استعملوا عبد الله بن مطيع على قريش، وعبد الله بن حنظلة على الأنصار. فقال: أميران! هلك القوم! ولما بلغ يزيد ما فعلوا، أمر بقبة فضربت له خارجا عن قصره، وقطع «2» البعوث على أهل الشام، فلم تمض ثالثة حتى توافت «3» الحشود، فقدّم عليهم مسلم بن عقبة المري، فتوجه إليهم- وقد عمد أهل المدينة فأخرجوا إلى كل ماء لهم بينهم وبين الشام فصبّوا فيه زقاّ من قطران وغوّروه «4» ؛ فأرسل الله عليهم المطر، فلم يستقوا شيئا حتى وردوا المدينة.
قال أبو اليقظان وغيره: إن يزيد بن معاوية ولى مسلم بن عقبة وهو قد اشتكى، فقال له: إن حدث بك حدث فاستعمل حصين بن نمير.
(5/137)

فخرج حتى قدم المدينة، فخرج إليه أهلها في عدة وهيئة وجموع كثيرة لم ير مثلها؛ فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم؛ فأمر مسلم بن عقبة بسريره فوضع بين الصفين وهو عليه مريض وأمر مناديا ينادي: قاتلوا عن أميركم أو دعوه فجدّ الناس في القتال، فسمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة، فإذا قد اقتحم عليهم بنو حارثة أهل الشام وهم على الجدّ، فانهزم الناس، وعبد الله بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه يغط نوما، فلما فتح عينيه فرأى ما صنعوا أمر أكبر بنيه! فتقدم حتى قتل، فلم يزل يقدم واحدا واحدا حتى أتي على آخرهم، ثم كسر غمد سيفه، وقاتل حتى قتل! ودخل مسلم بن عقبة المدينة، وتغلب على أهلها، ثم دعاهم إلى البيعة على أنهم خول «1» ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم؛ فبايعوا حتى أتي بعبد الله بن زمعة، فقال له: بايع على أنك خول لأمير المؤمنين يحكم في مالك ودمك وأهلك! قال: لن أبايع على أني بزعم أمير المؤمنين يحكم في دمي ومالي وأهلي. فقال مسلم بن عقبة: اضربوا عنقه. فوثب مروان بن الحكم فضمّه إليه وقال: نبايعك على ما أحببت. فقال: لا والله لا أقيلها إياه أبدا؛ إن تنّحي وإلّا فاقتلوهما جميعا، فتركه مروان، وضرب عنقه.
وهرب عبد الله بن مطيع حتى لحق بمكة، فكان بها حتى قتل مع عبد الله بن الزبير في أيام عبد الملك بن مروان، وجعل يقاتل أهل الشام وهو يقول:
أنا الذي فررت يوم الحرّه ... والشّيخ لا يفرّ إلّا مرّة
فاليوم أجزي كرّة بفرّه ... لا بأس بالكرّة بعد الفرّه
أبو عقيل الدّورقي قال: سمعت أبا نضرة يحدث، قال: دخل أبو سعيد الخدري يوم الحرّة في غار، فدخل عليه رجل من أهل الشام، وفي عنق أبي سعيد السيف،
(5/138)

فوضع أبو سعيد السيف وقال: بؤ «1» بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين! فقال: أبو سعيد الخدريّ أنت؟ قال: نعم. قال: فاستغفر لي! قال:
غفر الله لك.
وأمر مسلم بن عقبة بقتل معقل بن سنان الأشجعي صبرا، ومحمد بن أبي الجهم العدويّ صبرا.
وكان جميع من قتل يوم الحرة من قريش والأنصار ثلاثمائة رجل وستة رجال، ومن الموالي وغيرهم أضعاف هؤلاء.
وبعث مسلم بن عقبة برءوس أهل المدينة إلى يزيد، فلما ألقيت بين يديه جعل يتمثل بقول ابن الزبعرى يوم أحد:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحا ... ولقالوا ليزيد لا فشل
فقال له رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين! قال: بلى نستغفر الله. قال: والله لا ساكنتك أرضا أبدا. وخرج عنه.
ولما انقضى أمر الحرّة توجه مسلم بن عقبة بمن معه من أهل الشام إلى مكة يريد ابن الزبير وهو ثقيل، فلما كان بالأبواء «2» حضره أجله. فدعا حصين بن نمير، فقال له: إني أرسلت إليك، فلا أدري أقدّمك على هذا الجيش، أو أقدمك فأضرب عنقك! قال: أصلحك الله، أنا سهمك، فارم بي حيث شئت. قال: إنك اعرابي جلف «3» جاف، وإنّ هذا الحي من قريش لم يمكنهم أحد قط من أذنه إلا غلبوه على رأيه، فسر بهذا الجيش، فإذا لقيت القوم، فإياك أن تمكنهم من أذنك، لا يكن إلا على الوقاف «4» ، ثم الثقاف «5» ، ثم الانصراف.
(5/139)

ومات مسلم بن عقبة لا رحمه الله، ومضى حصين بن نمير بجيشه ذلك، فلم يزل محاصرا لأهل مكة حتى مات يزيد، لا رحمه الله؛ وذلك خمسون يوما ونصب المجانيق على الكعبة وأحرقها يوم الثلاثاء لخمس خلون من ربيع الأوّل سنة أربع وستين، وفيها مات يزيد بن معاوية بحوّارين.
وفاة يزيد بن معاوية
مات يزيد بن معاوية بحوّارين من بلاد حمص، وصلى عليه ابنه معاوية بن يزيد ابن معاوية ليلة البدر في شهر ربيع الأول. وأم يزيد: ميسون بنت بحدل الكلبي.
ومات وهو ابن ثمان وثلاثين سنة. وكانت ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما.
خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية
واستخلف معاوية بن يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، ومات بعد أبيه بأربعين يوما، ولم يزل مريضا طول ولايته، لا يخرج من بيته، فلما حضرته الوفاة قيل له: لو عهدت إلى رجل من أهل بيتك واستخلفت خليفة! قال: لم أنتفع بها حيّا فلا أقلّدها ميتا؛ لا يذهب بنو أمية بحلاوتها وأتجرّع مرارتها؛ ولكن إذا متّ فليصلّ عليّ الوليد بن عتبة، وليصل بالناس الضحاك بن قيس، حتى يختار الناس لأنفسهم. فلما مات صلى عليه الوليد بن عتبة، وصلى بالناس الضحاك بن قيس بدمشق، حتى قامت دولة بني مروان.
فتنة ابن الزبير
قال عليّ بن عبد العزيز: حدّثنا أبو عبيد عن حجاج عن أبي معشر، قال: لما مات مسلم بن عقبة سار حصين بن نمير، حتى أتى مكة وابن الزبير بها، فدعاهم إلى الطاعة فلم يجيبوه، فقاتلهم، وقاتله ابن الزبير؛ فقتل المنذر بن الزبير يومئذ ورجلان من
(5/140)

إخوته، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، والمسور بن مخرمة؛ وكان حصين بن نمير قد نصب المجانيق «1» على أبي قبيس وعلى قعيقعان «2» ، فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت؛ فأسند ابن الزبير ألواحا من ساج على البيت، وألقى عليها الفرش والقطائف «3» ، فكان إذا وقع عليها الحجر»
نبا عن البيت، فكانوا يطوفون تحت تلك الألواح، فإذا سمعوا أصوات الحجر حين يقع على الفرش والقطائف كبّروا؛ وكان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا «5» في ناحية، فكلما جرح رجل من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط، فجاء رجل من أهل الشام بنار في طرف سنانه، فأشعلها في الفسطاط، وكان يوما شديد الحرّ، فتمزق الفسطاط، فوقعت النار على الكعبة فاحترق الخشب والسقف، وانصدع الركن واحترقت الأستار وتساقطت إلى الأرض.
قال: ثم اقتتلوا مع أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة.
قال أبو عبيد: احترقت الكعبة يوم السبت لست خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين، فجلس أهل مكة في جانب الحجر ومعهم ابن الزبير، وأهل الشام يرمونهم بالنبل والحجارة، فوقعت نبلة بين يدي ابن الزبير، فقال: في هذه خير! فأخذها فوجد فيها مكتوبا: مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة خلت من ربيع الأول. فلما قرأ ذلك قال: يا أهل الشام، يا أعداء الله، ومحرقي بيت الله، علام تقاتلون وقد مات طاغيتكم! فقال حصين بن نمير: موعدك البطحاء «6» الليلة أبا بكر.
فلما كان الليل، خرج ابن الزبير بأصحابه، وخرج حصين بأصحابه إلى البطحاء،
(5/141)

ثم ترك كلّ واحد منهما أصحابه، وانفردا فنزلا؛ فقال حصين: يا أبا بكر، أنا سيد أهل الشام لا أدافع، وأرى أهل الحجاز قد رضوا بك؛ فتعال أبايعك الساعة ويهدر كل شيء أصبناه يوم الحرّة، وتخرج معي إلى الشام، فإني لا أحب أن يكون الملك بالحجاز. فقال: لا والله لا أفعل، ولا آمن من أخاف الناس وأحرق بيت الله وانتهك حرمته! قال: بل فافعل على أن لا يختلف عليك اثنان. فأبى ابن الزبير؛ فقال له حصين: لعنك الله ولعن من زعم أنك سيد، والله لا تفلح أبدا! اركبوا يا أهل الشام. فركبوا وانصرفوا.
أبو عبيد عن الحجّاج عن أبي معشر قال: حدّثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير، قال: غلب حصين بن نمير على مكة كلها إلا الحجر، قال: فو الله إني لجالس عنده ومعه نفر من القرشيين: عبد الله بن مطيع، والمختار بن أبي عبيد، والمسور بن مخرمة، والمنذر بن الزبير، إذ هبّت رويحة «1» ؛ فقال المختار: والله إني لأرى في هذه الرويحة النصر، فاحملوا عليهم. فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة، وقتل المختار رجلا، وقتل ابن مطيع رجلا. ثم جاءنا على أثر ذلك موت يزيد بعد حريق الكعبة بإحدى عشرة ليلة.
وانصرف حصين بن نمير وأصحابه إلى الشام، فوجدوا معاوية بن يزيد قد مات ولم يتسخلف، وقال: لا أتحملها حيا وميتا.
فلما مات معاوية بن يزيد، بايع أهل الشام كلهم ابن الزبير، إلا أهل الأردن؛ وبايع أهل مصر أيضا ابن الزبير، واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس الفهري على أهل الشام. فلما رأى ذلك رجال بني أمية وناس من أشراف أهل الشام ووجوههم، منهم روح بن زنباع وغيره، قال بعضهم لبعض: إنّ الملك كان فينا أهل الشام، فانتقل عنا إلى الحجاز؛ لا نرضى بذلك؛ هل لكم أن تأخذوا رجلا منا فينظر في هذا الأمر. فقال [روح بن زنباع] : استخيروا الله. قال: فرأى القوم أنه غلام
(5/142)

حدث السنّ فخرجوا من عنده وقالوا: هذا حدث. فأتوا عمرو بن سعيد بن العاص، فقالوا له: ارفع رأسك لهذا الأمر. فرأوه حدثا، فجاءوا إلى خالد بن يزيد ابن معاوية، فقالوا له: ارفع رأسك لهذا الأمر. فرأوه حدثا حريصا على هذا الأمر؛ فلما خرجوا من عنده قالوا: هذا حدث. فأتوا مروان بن الحكم، فإذا عنده مصباح، وإذا هم يسمعون صوته بالقرآن، فاستأذنوا ودخلوا عليه، فقالوا: يا أبا عبد الملك، ارفع رأسك لهذا الأمر. فقال: استخيروا الله، واسألوا أن يختار لأمّة محمد صلّى الله عليه وسلم خيرها وأعدلها. فقال له روح بن زنباع: إن معي أربعمائة من جذام، فأنا آمرهم أن يتقدّموا في المسجد غدا، ومر أنت ابنك عبد العزيز أن يخطب الناس ويدعوهم إليه؛ فإذ فعل ذلك تنادوا من جانب المسجد: صدقت، صدقت! فيظنّ الناس أنّ أمرهم واحد ...
فلما اجتمع الناس، قام عبد العزيز فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما أحد أولى بهذا الأمر من مروان كبير قريش وسيدها، والذي نفسي بيده، لقد شابت ذراعاه من الكبر. فقال الجذاميون: صدقت صدقت! فقال خالد بن يزيد: أمر دبّر بليل.
فبايعوا مروان بن الحكم، ثم كان من أمره مع الضحاك بن قيس بمرج راهط ما سيأتي ذكره بعد هذا في دولة بني مروان.
دولة بني مروان ووقعة مرج راهط
أبو الحسن قال: لما مات معاوية بن يزيد، اختلف الناس بالشام، فكان أول من خالف من أمراء الأجناد النعمان بن بشير الأنصاري، وكان على حمص فدعا لابن الزبير، فبلغ خبره زفر بن الحرث الكلابي وهو بقنّسرين، فدعا إلى ابن الزبير أيضا بدمشق سرا، ولم يظهر ذلك لمن بها من بني أمية وكلب؛ وبلغ ذلك حسان بن مالك ابن بحدل الكلبي وهو بفلسطين؛ فقال لروح بن زنباع: إني أرى أمراء الأجناد يبايعون
(5/143)

لابن الزبير، وأبناء قيس بالأردن كثير، وهم قومي، فأنا خارج إليها وأقم أنت بفلسطين، فإنّ جل أهلها قومك من لخم وجذام، فإن خالفك أحد فقاتله بهم.
فأقام روح بفلسطين، وخرج حسان إلى الأردن، فقام ناتل بن قيس الجذامي فدعا إلى ابن الزبير، وأخرج روح بن زنباع من فلسطين، ولحق بحسان بالأردن فقال حسان: يا أهل الأردن، قد علمتم أن ابن الزبير في شقاق ونفاق وعصيان لخلفاء الله.
ومفارقة لجماعة المسلمين؛ فانظروا رجلا من بني حرب فبايعوه فقالوا: اختر لنا من شئت من بني حرب، وجنّبنا هذين الرجلين الغلامين: عبد الله وخالدا ابني يزيد بن معاوية؛ فإنا نكره أن يدعو الناس إلى شيخ، ونحن ندعو إلى صبيّ. وكان هوى حسان في خالد بن يزيد، وكان ابن أخته؛ فلما رموه بهذا الكلام أمسك، وكتب إلى الضحاك بن قيس كتابا يعظم فيه بني أمية وبلاءهم عنده، ويذم ابن الزبير ويذكر خلافه للجماعة، وقال لرسوله: اقرأ الكتاب على الضحاك بمحضر بني أمية وجماعة الناس. فلما قرأ كتاب حسان، تكلم الناس فصاروا فرقتين، فصارت اليمانية مع بني أيمة، والقيسية زبيرية، ثم اجتلدوا «1» بالنعال، ومشى بعضهم إلى بعض بالسيوف، حتى حجر بينهم خالد بن يزيد، ودخل الضحاك دار الإمارة فلم يخرج ثلاثة أيام.
وقدم عبيد الله بن زياد فكان مع بني أمية بدمشق، فخرج الضحاك بن قيس إلى المرج- مرج راهط- فسعكر فيه، وأرسل إلى أمراء الأجناد فأتوه، إلا ما كان من كلب؛ ودعا مروان إلى نفسه، فبايعته بنو أمية، وكلب، وغسان، والسكاسك وطيّ؛ فعسكر في خمسة آلاف، وأقبل عباد بن يزيد من حوران في ألفين من مواليه وغيرهم من بني كلب، فلحق بمروان وغلب يزيد بن أبي نمس على دمشق فأخرج منها عامل الضحاك، وأمر مروان برجال وسلاح كثير.
وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد، فقدم عليه زفر بن الحرث من قنسرين وأمده النعمان بن بشير بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، فتوافوا عند الضحاك بمرج
(5/144)

راهط، فكان الضحاك في ستين ألفا، ومروان في ثلاثة عشر ألفا، أكثرهم رجالة، وأكثر أصحاب الضحاك ركبان؛ فاقتتلوا بالمرج عشرين يوما، وصبر الفريقان، وكان على ميمنة الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العقيلي، وعلى ميسرته بكر بن أبي بشير الهلالي: فقال عبيد الله بن زياد لمروان: إنك على حق، وابن الزبير ومن دعا إليه على الباطل، وهم أكثر منا عددا وعددا، ومع الضحاك فرسان قيس؛ واعلم أنك لا تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة، وإنما الحرب خدعة، فادعهم إلى الموادعة، فإذا أمنوا وكفّوا عن القتال فكرّ عليهم. فأرسل مروان السّفراء إلى الضحاك يدعوه إلى الموادعة ووضع الحرب حتى ننظر. فأصبح الضحاك والقيسية قد أمسكوا عن القتال، وهم يطمعون أن يبايع مروان لابن الزبير، وقد أعد مروان أصحابه، فلم يشعر الضحاك وأصحابه إلا والخيل قد شدت عليهم، ففزع الناس إلى راياتهم من غير استعداد وقد غشيتهم الخيل، فنادى الناس: أبا أنيس، أعجز بعد كيس «1» ، وكنية الضحاك: أبو أنيس، فاقتتل الناس، ولزم الناس راياتهم، فترجّل مروان وقال: قبح الله من ولاهم اليوم ظهره حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين. فقتل الضحاك بن قيس، وصبرت قيس عند راياتها يقاتلون، فنظر رجل من بني عقيل إلى ما تلقى قيس عند راياتها من القتل، فقال: اللهم العنها من رايات! واعترضها بسيفه، فجعل يقطعها، فإذا سقطت الراية تفرق أهلها، ثم انهزم الناس فنادى منادي مروان: لا تتبعوا من ولّاكم اليوم ظهره.
فزعموا أن رجالا من قيس لم يضحكوا بعد يوم المرج، حتى ماتوا جزعا على من أصيب من فرسان قيس يومئذ، فقتل من قيس يومئذ ممن كان يأخذ شرف العطاء، ثمانون رجلا، وقتل من بني سليم ستمائة، وقتل لمروان ابن يقال له عبد العزيز، وشهد مع الضحاك يوم مرج راهط عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان، فلما انهزم الناس، قال له عبيد الله بن زياد: ارتدف «2» خلفي. فارتدف، فأراد عمرو بن سعيد أن يقتله،
(5/145)

فقال له عبيد الله بن زياد: ألا تكف يا لطيم الشيطان؟
وقال زفر بن الحارث وقد قتل ابناه يوم المرج:
لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لمروان صدعا بيّنا متنائيا «1»
فلم تر مني زلة قبل هذه ... فراري وتركي صاحبيّ ورائيا
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا
أنترك كلبا لم تنلها رماحنا ... وتذهب قتلى راهط وهي ماهيا
وقد تنبت الخضراء في دمن الثّرى ... وتبقى حزازات النّفوس كما هيا
فلا صلح حتى تدعس الخيل بالقنا ... وتثأر من أبناء كلب نسائيا «2»
فلما قتل الضحاك وانهزم الناس: نادى مروان أن لا يتّبع أحد، ثم أقبل إلى دمشق فدخلها، ونزل دار معاوية بن أبي سفيان دار الإمارة؛ ثم جاءته بيعة الأجناد فقال له أصحابه: إنا لا نتخوف عليك إلا خالد بن يزيد، فتزوّج أمّه؛ فإنك تكسره بذلك- وأمه ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة- فتزوجها مروان، فلما أراد الخروج إلى مصر قال لخالد: أعرني سلاحا إن كان عندك. فأعاره سلاحا.
وخرج إلى مصر، فقاتل أهلها وسبى بها ناسا كثيرا، فافتدوا منه ثم قدم الشام.
فقال له خالد بن يزيد: ردّ عليّ سلاحي. فأبى عليه، فألح عليه خالد، فقال له مروان، وكان فحاشا: يا بن رطبة الاست! قال: فدخل إلى أمه فبكى عندها وشكا إليها ما قاله مروان على رءوس أهل الشام، فقالت له: لا عليك، فإنه لا يعود إليك بمثلها.
فلبث مروان بعد ما قال لخالد ما قال أياما، ثم جاء إلى أم خالد فرقد عندها فأمرت جواريها فطرحن عليه الوسائد ثم غطته حتى قتلته، ثم خرجن فصحن وشققن ثيابهن: يا أمير المؤمنين! يا أمير المؤمنين!
(5/146)

ثم قام عبد الملك بالأمر بعده، فقال لفاخته أم خالد: والله لولا أن يقول الناس إني قتلت بأبي امرأة لقتلتك بأمير المؤمنين.
وولد مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بمكة.
ومات بالشام لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وصلى عليه ابنه عبد الملك بن مروان. وكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية عشر يوما. وكان على شرطته يحيى بن قيس الشيباني. وكاتبه سرجون بن منصور الرومي.
وحاجبه أبو سهل الأسود مولاه.
ولاية عبد الملك بن مروان
هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، ويكنى؛ أبا الوليد ويقال له أبو الأملاك؛ وذلك أنه ولي الخلافة أربع من ولده: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام. وكان تدمى لثته فيقع عليها الذباب، فكان يلقب: أبا الذباب.
أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية.
وله يقول ابن قيس الرقيات:
أنت ابن عائشة التي ... فضلت أروم نسائها «1»
لم نلتفت للداتها ... ومضت على غلوائها
ولدت أغرّ مباركا ... كالشمس وسط سمائها
وبويع عبد الملك بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين.
ومات بدمشق للنصف من شوال سنة ست وثمانين؛ وهو ابن ثلاث وستين سنة، فصلى عليه الوليد بن عبد الملك.
(5/147)

وولد عبد الملك بالمدينة سنة ثلاث وعشرين، ويقال سنة ست وعشرين، ويقال ولد لسبعة أشهر.
وكان على شرطته: ابن أبي كبيشة السكسكي، ثم أبو نائل بن رباح بن عبيدة الغساني ثم عبد يزيد الحكمي، وعلى حرسه: الريان.
وكاتبه على الخراج والجند: سرجون بن منصور الرومي، وكاتبه على الرسائل:
أبو زرعة مولاه، وعلى الخاتم: قبيصة بن ذؤيب، وعلى بيوت الأموال والخزائن:
رجاء بن حيوة.
وحاجبه أبو يوسف مولاه.
ومات عبد الملك سنة ست وثمانين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وصلى عليه الوليد ابنه.
وكانت ولايته منذ اجتمع عليه ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر.
ودفن خارج باب المدينة.
وفي أيام عبد الملك حوّلت الدواوين إلى العربية عن الرومية والفارسية حوّلها من الرومية سليمان بن عسد مولى خشين، وحوّلها عن الفارسية صالح بن عبد الرحمن مولى عتبة، امرأة من بني مرة، ويقال حوّلت في زمن الوليد.
ابن وهب عن ابن لهيعة قال: كان معاوية فرض للموالي خمسة عشر، فبلغهم عبد الملك عشرين، ثم بلغهم خمسة وعشرين، ثم قام هشام فأتم للأبناء منهم ثلاثين.
وكتب عبد الله بن عمر إلى عبد الملك بن مروان ببيعته لما قتل ابن الزبير، وكان كتابه إليه يقول:
لعبد الملك بن مروان من عبد الله بن عمر، سلام عليك؛ فاني أقررت لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم. وبيعة نافع مولاي على مثل ما بايعتك عليه.
(5/148)

وكتب محمد بن الحنفية ببيعته لما قتل ابن الزبير، وكان في كتابه:
إني اعتزلت الأمة عند اختلافها، فقعدت في البلد الحرام الذي من دخله كان آمنا، لأحرز ديني، وأمنع دمي، وتركت الناس قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا
«1» . وقد رأيت الناس قد اجتمعوا عليك، ونحن عصابة من أمتنا لا نفارق الجماعة؛ وقد بعثت إليك منا رسولا ليأخذ لنا منك ميثاقا، ونحن أحق بذلك منك، فإن أبيت فأرض الله واسعة، والعاقبة للمتقين.
فكتب إليه عبد الملك: قد بلغني كتابك بما سألته من الميثاق لك وللعصابة التي معك، فلك عهد الله وميثاقه أن لا تهاج في سلطاننا، غائبا ولا شاهدا ولا أحد من أصحابك ما وفوا ببيعتهم، فإن أحببت المقام بالحجاز فأقم، فلن ندع صلتك وبرّك؛ وإن أحببت المقام عندنا فاشخص إلينا، فلن ندع مواساتك؛ ولعمري لئن ألجأناك إلى الذهاب في الأرض خائفا لقد ظلمناك وقطعنا رحمك؛ فاخرج إلى الحجاج فبايع، فإنك أنت المحمود عندنا دينا ورأيا، وخير من ابن الزبير وأرضي وأتقى.
وكتب إلى الحجاج بن يوسف:
لا تعرض لمحمد ولا لأحد من أصحابه.
وكان في كتابه:
جنّبني دماء بني عبد المطلب؛ فليس فيها شفاء من الحرب «2» ؛ وإني رأيت بني حرب سلبوا ملكهم لما قتلوا الحسين بن علي.
فلم يتعرض الحجاج لأحد من الطالبيين في أيامه.
أبو الحسن المدائني قال: كان يقال: معاوية أحلم، وعبد الملك أحزم.
(5/149)

وخطب الناس عبد الملك فقال: أيها الناس إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف- يريد عثمان بن عفان- ولا بالخليفة المداهن- يريد معاوية بن أبي سفيان- ولا بالخليفة المأفون «1» - يريد يزيد بن معاوية- فمن قال برأسه كذا، قلنا بسيفنا كذا! ثم نزل.
وخطب عبد الملك على المنبر فقال: أيها الناس، إن الله حد حدودا، وفرض فروضا؛ فما زلتم تزدادون في الذنب ونزداد في العقوبة، حتى اجتمعنا نحن وأنتم عند السيف! أبو الحسن المدائني قال: قدم عمر بن أبي طالب على عبد الملك، فسأله أن يصيّر إليه صدقة علي، فقال عبد الملك متمثلا بأبيات ابن أبي الحقيق:
إني إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السّامع للقائل
واعتلج الناس بآرائهم ... نقضي بحكم عادل فاصل «2»
لا نجعل الباطل حقاّ ولا ... نرضى بدون الحقّ للباطل
لا، لعمري لا نخرجها من ولد الحسين إليك. وأمر له بصلة، ورجع.
وقال عبد الملك بن مروان لأيمن بن خريم: إن أباك وعمك كانت لهما صحبة؛ فخذ هذا المال فقاتل ابن الزبير. فأبى، فشتمه عبد الملك، فخرج وهو يقول:
فلست بقاتل رجلا يصلّي ... على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعليّ إثمي ... معاذ الله عن سفه وطيش
وقال أيمن بن خريم أيضا:
إنّ للفتنة هيطا بيّنا ... فرويد الميل منها يعتدل «3»
فإذا كان عطاء فانتهز ... وإذا كان قتال فاعتزل
إنما يوقدها فرسانها ... حطب النار فدعها تشتعل
(5/150)

وقال زفر بن الحارث لعبد الملك بن مروان: الحمد لله الذي نصرك على كرّه من المؤمنين. فقال أبو زعيزعة: ما كره ذلك إلا كافر. فقال زفر: كذبت، قال الله لنبيه: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
«1» .
وبعث عبد الملك بن مروان إلى المدينة حبيش بن دلجة القيني في سبعة آلاف فدخل المدينة وجلس على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فدعا بخبز ولحم فأكل، ثم دعا بماء فتوضأ على المنبر، ثم دعا جابر بن عبد الله صاحب النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: تبايع لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين بعهد الله عليك وميثاقه، وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه في الوفاء، فإن خنتنا فهراق «2» الله دمك على ضلاله. قال: أنت أطوق لذلك مني، ولكن أبايعه على ما بايعت عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الحديبية، على السمع والطاعة.
ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك إلى الربذة، وقدم على أثره من الشام رجلان مع كل واحد منهما جيش، ثم اجتمعوا جميعا في الرّبذة، وذلك في رمضان سنة خمس وستين وأميرهم ابن دلجة.
وكتب ابن الزبير إلى العباس بن سهل الساعدي بالمدينة أن يسير إلى حبيش بن دلجة، فصار حتى لقيه بالربذة.
وبعث الحراث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهو عامل ابن الزبير على البصرة، مددا إلى العباس بن سهل: حنيف بن السّجف في تسعمائة من أهل البصرة، فساروا حتى انتهوا إلى الربذة.
فبات أهل البصرة وأهل المدينة يقرءون القرآن ويصلّون، وبات أهل الشام في المعازف والخمور؛ فلما أصبحوا غدوا على القتال، فقتل حبيش بن دلجة ومن معه، فتحصن منهم خمسمائة رجل من أهل الشام على عمود الربذة، وهو الجبل الذي عليها،
(5/151)

وفيهم يوسف أبو الحجاج، فأحاط بهم عياش بن سهل، فطلبوا الأمان، فقال [لهم عياش] انزلوا على حكمي. فنزلوا على حكمه، فضرب أعناقهم أجمعين. ثم رجع عياش بن سهل إلى المدينة.
وبعث عبد الله بن الزبير ابنه حمزة عاملا على البصرة، فاستضعفه القوم فبعث أخاه مصعب بن الزبير، فقدم عليهم فقال: يا أهل البصرة، بلغني أنه لا يقدم عليكم أمير إلا لقّبتموه، وإني ألقب لكم نفسي: أنا القصاب.
خبر المختار بن أبي عبيد
ثم أرسل عبد الله بن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة أميرا على الكوفة؛ ثم عزله وأرسل المختار بن أبي عبيد؛ وأرسل عبد الملك عبيد الله بن زياد إلى الكوفة؛ فبلغ المختار إقبال عبيد الله بن زياد، فوجه إليهم إبراهيم بن الاشتر في جيش، فالتقوا بالجازر، وقتل عبيد الله بن زياد، وحصين بن نمير، وذو الكلاع، وعامة من كان معهم، وبعث برءوسهم إلى عبد الله بن الزبير.
أبو بكر بن أبي شيبة قال حدّثنا شريك بن عبد الله عن أبي الجويرية الحرمي قال:
كنت فيمن سار إلى أهل الشام يوم الجازر مع إبراهيم بن الأشتر فلقيناهم بالزاب، فهبت الريح لنا عليهم فأدبروا، فقتلناهم عشيتنا وليلتنا حتى أصبحوا؛ فقال إبراهيم إني قتلت البارحة رجلا فوجدت عليه ريح طيب، فالتمسوه، فما أراه إلا ابن مرجانة. فانطلقنا، فإذا هو والله معكوس في بطن الوادي.
ولما التقى عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن الأشتر بالزاب، قال: من هذا الذي يقاتلني؟ قيل له: إبراهيم بن الأشتر. قال: لقد تركته أمس صبيا يلعب بالحمام! قال: ولما قتل ابن زياد بعث المختار برأسه إلى علي بن الحسين بالمدينة، قال الرسول: فقدمت به عليه انتصاف النهار وهو يتغدّى، قال: فلما رآه قال: سبحان الله! ما اغتر بالدنيا إلا من ليس لله في عنقه نعمة؛ لقد أدخل رأس أبي عبد الله على
(5/152)

ابن زياد وهو يتغدى، وقال يزيد بن مفرّغ:
إنّ الذي عاش ختّارا بذمّته ... ومات عبدا: قتيل الله بالزّاب «1»
ثم إن المختار كتب كتابا إلى ابن الزبير، وقال لرسوله: إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى ابن الزبير، فأت المهدي- يعني محمد بن الحنفية- فاقرأ عليه السلام، وقل له: يقول لك أبو إسحق: إني أحبك وأحب أهل بيتك! قال: فأتاه، فقال له ذلك، فقال: كذبت وكذب أبو إسحق، وكيف يحبني ويحب أهل بيتي، وهو يجلس عمر ابن سعد على وسائده وقد قتل الحسين؟ فلما قدم عليه رسوله وأخبره، قال المختار لأبي عمرو صاحب حرسه: استأجر لي نوائح يبكين الحسين على باب عمر بن سعد.
ففعل، فلما بكين قال عمر لابنه حفص: يا بني، ائت الأمير فقل له: ما بال النوائح يبكين الحسين على بابي؟ فأتاه فقال له ذلك، فقال: إنه أهل أن يبكى عليه! فقال:
أصلحك الله، انهنّ عن ذلك! قال: نعم. ثم دعا أبا عمرو صاحب حرسه، فقال له:
اذهب إلى عمر بن سعد فأتني برأسه! فأتاه فقال له: قم إليّ أبا حفص. فقام إليه وهو ملتحف بملحفة، فجلله بالسيف فقتله، وجاء برأسه إلى المختار ثم قال: ائتوني بابن عمر. فلما حضره قال: أتعرف هذا؟ قال: نعم، رحمه الله! قال: أتحب أن نلحقك به؟ قال: لا خير في العيش بعده! فأمر به فضرب عنقه.
ثم إن المختار لما قتل ابن مرجانة وعمر بن سعد، جعل يتبع قتلة الحسين بن علي ومن خذله فقتلهم أجمعين، وأمر الحسينية وهم الشيعة أن يطوفوا في أزقة المدينة بالليل ويقولوا: يا ثارات الحسين! فلما أفناهم ودانت له العراق- ولم يكن صادق النية ولا صحيح المذهب، وإنما أراد أن يستأصل الناس- فلما أدرك بغيته أظهر للناس قبح نيته، فادّعى أن جبريل ينزل عليه ويأتيه بالوحي من الله؛ وكتب إلى أهل البصرة:
(5/153)

بلغني أنكم تكذبونني وتكذبون رسلي، وقد كذبت الأنبياء من قبلي ولست بخير من كثير منهم! فلما انتشر ذلك عنه، كتب أهل الكوفة إلى ابن الزبير وهو بالبصرة فخرج إليه، وبرز إليه المختار، فأسلمه إبراهيم بن الأشتر ووجوه أهل الكوفة، فقتله مصعب وقتل أصحابه.
أبو بكر بن أبي شيبة قال: قيل لعبد الله بن عمر: إن المختار ليزعم أنه يوحى إليه! قال: صدق، الشياطين يوحون إلى أوليائهم!.
وقتل مصعب من أصحاب المختار ثلاثة آلاف، ثم حج في سنة إحدى وسبعين فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير ومعه وجوه أهل العراق، فقال: يا أمير المؤمنين قد جئتك بوجوه أهل العراق، ولم أدع لهم نظيرا؛ فأعطهم من المال. قال: جئتني بعبيد أهل العراق لأعطيهم من مال الله! وددت أن لي بكل عشرة منهم رجلا من أهل الشام صرف الدينار بالدرهم! فلما انصرف مصعب ومعه الوفد من أهل العراق، وقد حرمهم عبد الله بن الزبير ما عنده، فسدت قلوبهم؛ فراسلوا عبد الملك بن مروان حتى خرج إلى مصعب فقتله.
علي بن عبد العزيز عن حجّاج عن أبي معشر، قال: لما بعث مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير فوضع بين يديه، قال: ما من شيء حدّثنيه كعب الأحبار إلا قد رأيته، غير هذا؛ فإنه قال لي: يقتلك شابّ من ثقيف. فأراني قد قتلته! وقال محمد بن سيرين لما بلغه هذا الحديث: لم يعلم ابن الزبير أن أبا محمد قد خبيء له.
ولما قتل مصعب المختار بن أبي عبيد ودانت له العراق كلها، والكوفة والبصرة، قال فيه عبد الله بن قيس برقيات:
(5/154)

كيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشام غارة شعواء «1»
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء «2»
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء
وتزوّج مصعب لما ملك العراق، عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين؛ ولم يكن لهما نظير في زمانهما.
وقتل مصعب امرأة المختار، وهي ابنة النعمان بن بشير الأنصاري، فقال فيها عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
إنّ من أعظم المصائب عندي ... قتل حوراء غادة عيطبول «3»
قتلت باطلا على غير ذنب ... إنّ لله درّها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول
مقتل عمرو بن سعيد الأشدق
أبو عبيد عن حجاج عن أبي معشر، قال: لما قدم مصعب بوجوه أهل العراق على أخيه عبد الله بن الزبير فلم يعطهم شيئا، أبغضوا ابن الزبير، وكاتبوا عبد الملك بن مروان، فخرج يريد مصعب بن الزبير فلما أخذ في جهازه وأراد الخروج، أقبلت عاتكة ابنة يزيد بن معاوية في جواريها وقد تزينت بالحلى، فقالت: يا أمير المؤمنين، لو قعدت في ظلال ملكك ووجهت إليه كلبا من كلابك لكفاك أمره! فقال:
هيهات، أما سمعت قول الأول:
قوم إذا ما غزوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
فلما أبى عليها وعزم بكت وبكى معها جواريها، فقال عبد الملك: قاتل الله ابن أبي ربيعة، كأنه ينظر إلينا حيث يقول:
(5/155)

إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها نظم در يزينها «1»
نهته فلما لم تر النّهي عاقه ... بكت فبكى مما دهاها قطينها «2»
ثم خرج يريد مصعب، فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل أغلق عمرو بن سعيد دمشق وخالف عليه، قيل له: ما تصنع؟ أتريد العراق وتدع دمشق؟ أهل الشام أشدّ عليك من أهل العراق! فرجع مكانه فحاصر أهل دمشق حتى صالح عمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده وأن له مع كل عامل عاملا، ففتح له دمشق، وكان بيت المال بيد عمرو بن سعيد، فأرسل إليه عبد الملك أن أخرج للحرس أرزاقهم فقال:
إذا كان لك حرس فإن لنا حرسا أيضا! فقال عبد الملك: أخرج لحرسك أيضا أرزاقهم! فلما كان يوم من الأيام أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار أن ائتني أبا أمية حتى أدبر معك أمورا. فقالت له امرأته. يا أبا أمية، لا تذهب إليه؛ فإنني أتخوّف عليك منه! فقال: أبو الذباب! والله لو كنت نائما ما أيقظني! قالت: والله ما آمنه عليك، وإني لأجد ريح دم مسفوح. فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه فشجها، فخرج وخرج معه أربعة آلاف من أبطال أهل الشام الذين لا يقدر على مثلهم مسلّحين، فأحدقوا بخضراء دمشق وفيها عبد الملك، فقالوا: يا أبا امية، إن رابك ريب فأسمعنا صوتك، قال: فدخل فجعلوا يصيحون: أبا أمية أسمعنا صوتك، وكان معه غلام أسحم شجاع، فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم:
ليس عليه بأس. فقال له عبد الملك: أمكرا عند الموت أبا أمية؟ خذوه. فأخذوه.
فقال له عبد الملك: إني أقسمت إن أمكنتني منك يد أن أجعل في عنقك جامعة «3» ، وهذه جامعة من فضة أريد أن أبرّ بها قسمي! قال: فطرح في رقبته الجامعة، ثم طرحه إلى الأرض بيده فانكسرت ثنيته «4» ؛ فجعل عبد الملك ينظر إليه، فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين، عظم انكسر! قال: وجاء المؤذنون فقالوا: الصلاة
(5/156)

يا أمير المؤمنين. لصلاة الظهر، فقال لعبد العزيز بن مروان: اقتله حتى أرجع إليك من الصلاة. فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه، قال له عمرو، أنشدتك بالرحم يا عبد العزيز أن لا تقتلني من بينهم! فجاء عبد الملك فرآه جالسا، فقال: مالك لم تقتله؟ لعنك الله ولعن أماّ ولدتك! ثم قال: قدّموه إليّ. فأخذ الحربة بيده فقال:
فعلتها يا بن الزرقاء، فقال له عبد الملك: إني لو علمت أنك تبقى ويصلح لي ملكي لفديتك بدم الناظر «1» ، ولكن قلّما اجتمع فحلان في ذود «2» إلا عدا أحدهما على الآخر. ثم رفع إليه الحربة فقتله، وقعد عبد الملك يرعد، ثم أمر به فأدرج في بساط وأدخل تحت السرير. وأرسل إلى قبيصة بن ذؤيب الخزاعي فدخل عليه، فقال: كيف رأيك في عمرو بن سعيد الأشدق؟ قال- وأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب عنقه يا أمير المؤمنين! قال: جزاك الله خيرا، ما علمت إنك لموفّق، قال قبيصة: اطرح رأسه وانثر على الناس الدنانير يتشاغلون بها. ففعل.
وافترق الناس، وهرب يحيى بن سعيد بن العاص حتى لحق بعبد الله بن الزبير بمكة فكان معه.
وأرسل عبد الملك بن مروان بعد قتله عمرو بن سعيد إلى رجل كان يستشيره ويصدر عن رأيه إذا ضاق عليه الأمر، فقال له: ما ترى ما كان من فعلي بعمرو بن سعيد؟ قال: أمر قد فات دركه «3» . قال: لتقولنّ. قال: حزم لو قتلته وحييت أنت! قال: أو لست بحيّ؟ قال: هيهات، ليس بحيّ من أوقف نفسه موقفا لا يوثق منه بعهد ولا عقد. قال: كلام لو تقدّم سماعه فعلي لأمسكت! ولما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عمرو بن سعيد، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
(5/157)

أيها الناس، إنّ عبد الملك بن مروان قتل لطيم الشيطان كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
«1» .
مقتل مصعب بن الزبير
فلما استقرّت البيعة لعبد الملك بن مروان أراد الخروج إلى مصعب بن الزبير، فجعل يستنفر أهل الشام فيبطئون عليه، فقال له الحجاج بن يوسف: سلّطني عليهم، فو الله لأخرجنّهم معك! قال له: قد سلطتك عليهم. فكان الحجاج لا يمرّ على باب رجل من أهل الشام قد تخلف عن الخروج إلا أحرق عليه داره. فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا.
وسار عبد الملك حتى دنا من العراق، وخرج مصعب بأهل البصرة والكوفة، فالتقوا بين الشام والعراق؛ وقد كان عبد الملك كتب كتبا إلى رجال من وجوه أهل العراق يدعوهم فيها إلى نفسه ويجعل لهم الأموال، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر بمثل ذلك، على أن يخذلوا مصعبا إذا التقوا؛ فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب: إنّ عبد الملك قد كتب إليّ هذا الكتاب، وقد كتب إلى أصحابي بمثل ذلك، فادعهم الساعة فاضرب أعناقهم. قال: ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي أمرهم. قال:
فأخرى ... قال: ما هي؟ قال: احبسهم حتى يستبين لك ذلك. قال: ما كنت لأفعل. قال: فعليك السلام، والله لا تراني بعد في مجلسك هذا أبدا. وقد كان قال له: دعني أدعو أهل الكوفة بما شرطه الله. فقال: لا والله، قتلتهم أمس وأستنصر بهم اليوم. قال: فما هو إلا أن التقوا فحوّلوا وجوههم وصاروا إلى عبد الملك؛ وبقي مصعب في شرذمة قليلة، فجاءه عبيد الله بن زياد بن ظبيان- وكان مع مصعب- فقال: أين الناس أيها الأمير؟ فقال: قد غدرتم يا أهل العراق. فرفع عبيد الله السيف ليضرب مصعبا، فبدره مصعب فضربه بالسيف على البيضة «2» ، فنشب السيف في
(5/158)

البيضة؛ فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان فضرب مصعبا بالسيف فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك بن مروان وهو يقول:
نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم
قال: فلما نظر عبد الملك إلى رأس مصعب خرّ ساجدا، فقال عبد الله بن ظبيان؛ وكان من فتّاك العرب: ما ندمت على شيء قطّ ندمي على عبد الملك بن مروان إذ أتيته برأس مصعب فخرّ ساجدا أن لا أكون ضربت عنقه، فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد! وقال في ذلك عبيد الله بن زياد بن ظبيان.
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت فأدمنت البكا لأقاربه
فأوردتها في النار بكر بن وائل ... والحقت من قد خرّ شكرا بصاحبه
الرياشي عن الأصمعي قال: لما أتي عبد الملك برأس مصعب بن الزبير، نظر إليه مليا. ثم قال: متى تلد قريش مثلك! وقال: هذا سيد شباب قريش.
وقيل لعبد الملك: أكان مصعب يشرب الطلاء «1» ؟ فقال: لو علم مصعب أنّ الماء يفسد مروءته لما شربه! ولما قتل مصعب دخل الناس على عبد الملك يهنئونه، ودخل معهم شاعر فأنشده:
الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها..
عنك، ويأبى الله إلا سوقها ... إليك، حتى قلّدوك طوقها
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقالوا: كان مصعب أجلّ الناس، وأسخى الناس، وأشجع الناس؛ وكان تحته عقيلتا قريش: عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين.
(5/159)

ولما قتل مصعب خرجت سكينة بنت الحسين تريد المدينة، فأطاف بها أهل العراق، وقالوا: أحسن الله صحابتك يا أبنة رسول الله! فقالت: لا جزاكم الله عني خيرا، ولا أخلف عليكم بخير من أهل بلد! قتلتم أبي وجدّي وعمي وزوجي! أيتمتموني صغيرة، وأرملتموني كبيرة! ولما بلغ عبد الله بن الزبير قتل مصعب، صعد المنبر فجلس عليه، ثم سكت فجعل لونه يحمّر مرة ويصفرّ مرة؛ فقال رجل من قريش لرجل إلى جنبه: ماله لا يتكلم، فو الله إنه للخطيب اللبيب. فقال له الرجل: لعله يريد أن يذكر مقتل سيّد العرب فيشتدّ ذلك عليه، وغير ملوم! ثم تكلم فقال:
الحمد لله الذي له الخلق والأمر، و [ملك] الدنيا والآخرة يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء «1» .
أمّا بعد: فإنه لم يعزّ من كان الباطل معه ولو كان معه الأنام طراّ، ولم يذلّ من كان الحقّ معه ولو كان فردا؛ ألا وإنّ خبرا من العراق أتانا فأحزننا وأفرحنا؛ فأمّا الذي أحزننا؛ فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه، ثم يرعوي ذوو الألباب إلى الصبر وكريم الأجر، وأمّا الذي أفرحنا فإن قتل مصعب له شهادة ولنا ذخيرة.
أسلمه الطّغام»
، الصم الآذان، أهل العراق، وباعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه، فإن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وابن عمه، وكانوا الخيار الصالحين؛ إنّا والله لا نموت حتف «3» أنوفنا كما يموت بنو مروان، ولكن قعصا «4» بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف، فإن تقبل الدنيا عليّ لم آخذها مأخذ الأشر «5» البطر «6» ، وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرف الزائل العقل.
(5/160)

ولما توطد لابن الزبير أمره وملك الحرمين والعراقين، أظهر بعض بني هاشم الطعن عليه؛ وذلك بعد موت الحسن والحسين؛ فدعا عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية وجماعة من بني هاشم إلى بيعته، فأبوا عليه، فجعل يشتمهم ويتناولهم على المنبر، وأسقط ذكر النبي صلّى الله عليه وسلم من خطبته، فعوتب في ذلك، فقال: والله ما يمنعني من ذكره علانية أني لأذكره سرا وأصلي عليه، ولكن رأيت هذا الحي من بني هاشم إذا سمعوا ذكره سرا وأصلي عليه، ولكن رأيت هذا الحي من بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبت أعناقهم، وأبغض الأشياء إليّ ما يسرّهم، ثم قال لتبايعنّ أو لأحرقنّكم بالنار! فأبوا عليه، فحبس محمد بن الحنفية في خمسة عشر من بني هاشم في السجن، وكان السجن الذي حبسهم فيه يقال له سجن عارم «1» ؛ فقال في ذلك كثيّر عزة- وكان ابن الزبير يدعى العائذ، لأنه عاذ بالبيت-:
تخبّر من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عارم «2»
سميّ النّبيّ المصطفى وابن عمّه ... وفكّاك أغلال وقاضي مغارم
وكان أيضا يدعى المحل، لإحلاله القتال في الحرم، وفي ذلك يقول رجل من الشعراء في رملة بنت الزبير:
ألا من لقلب معنى غزل ... بذكر المحلة أخت المحلّ
ثم إن المختار بن أبي عبيد وجّه رجالا يثق بهم من الشيعة يكمنون النهار ويسيرون الليل، حتى كسروا سجن عارم واستخرجوا منه بني هاشم؛ ثم ساروا بهم إلى مأمنهم.
وخطب عبد الله بن الزبير بعد موت الحسن والحسين، فقال:
أيها الناس، إن فيكم رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، قاتل أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأفتى بتزويج المتعة.
(5/161)

وعبد الله بن عباس في المسجد؛ فقام وقال لعكرمة: أقم وجهي نحوه يا عكرمة.
ثم قال هذا البيت:
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي فؤادي وعقلي منهما نور
وأما قولك يا ابن الزبير: إني قاتلت أم المؤمنين، فأنت أخرجتها وأبوك وخالك، وبنا سمّيت أمّ المؤمنين، فكنّا لها خير بنين، فتجاوز الله عنها، وقاتلت أنت وأبوك عليا؛ فإن كان عليّ مؤمنا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وإن كان كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزّحف؛ وأما المتعة فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم رخّص فيها فأفتيت بها، ثم سمعته ينهى عنها [فنهيت عنها] وأول مجمر «1» سطع في المتعة مجمر آل الزبير.
مقتل عبد الله بن الزبير
أبو عبيد عن حجاج عن أبي معشر قال: لما بايع الناس عبد الملك بن مروان بعد قتل مصعب بن الزبير ودخل الكوفة، قال له الحجاج: إني رأيت في المنام كأني أسلخ ابن الزبير من رأسه إلى قدميه. فقال له عبد الملك: أنت له فاخرج إليه. فخرج إليه الحجاج في ألف وخمسمائة حتى نزل الطائف، وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا «2» بعد رسل، حتى توافى إليه الناس قدر ما يظن أنه يقوى على قتال ابن الزبير، وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين؛ فسار الحجاج من الطائف حتى نزل مني، فحج بالناس وابن الزبير محصور، ثم نصب الحجاج المجانيق على أبي قبيس وعلى قعيقعان ونواحي مكة كلها يرمي أهل مكة بالحجارة. فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها ابن الزبير، جمع ابن الزبير من كان معه من القرشيين؛ فقال: ما ترون؟
فقال رجل من بني مخزوم من آل بني ربيعة: والله لقد قاتلنا معك حتى لا نجد مقيلا، ولئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت وإنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا
(5/162)

فنأخذ الأمان لأنفسنا، وإما أن تأذن لنا فنخرج. فقال ابن الزبير: لقد كنت عاهدت الله لا يبايعني أحد فأقبله بيعته إلا ابن صفوان، فقال له ابن صفوان: أمّا أنا فإني أقاتك معك حتى أموت بموتك، وإنها لتأخذني الحفيظة أن أسلمت في مثل هذه الحالة! قال له رجل آخر: اكتب إلى عبد الملك بن مروان. فقال له: كيف أكتب:
من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان؟ فو الله لا يقبل هذا أبدا؛ أم أكتب: لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير؟ فو الله لأن تقع الخضراء «1» على الغبراء «2» أحبّ إليّ من ذلك! فقال عروة بن الزبير وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين قد جعل الله لك أسوة. قال: من هو؟ قال: حسن بن عليّ، خلع نفسه وبايع معاوية. فرفع ابن الزبير رجله فضرب بها عروة حتى ألقاه عن السرير، وقال: يا عروة، قلبي إذا مثل قلبك، والله لو قبلت ما يقولون ما عشت إلا قليلا وقد أخذت الدنيّة، وإن ضربة بسيف في عزّ خير من لطمة في ذل.
فلما أصبح دخل عليه بعض نسائه- وهي أم هاشم بنت منصور بن زياد الفزارية- فقال لها: اصنعي لنا طعاما. فصنعت له كبدا وسناما، فأخذ منهما لقمة فلاكها ثم لفظها «3» ؛ ثم قال: اسقوني لبنا. فأتي بلبن، فشرب منه، ثم قال: هيئوا لي غسلا! فاغتسل ثم تحنط وتطيّب، ثم نام نومة وخرج.
ودخل على أمه أسماء ابنة أبي بكر ذات النطاقين «4» ، وهي عمياء وقد بلغت مائة سنة، فقال: يا أماه، ما ترين؟ قد خذلني الناس وخذلني أهل بيتي! فقالت: لا يلعبنّ بك صبيان بني أمية: عش كريما ومت كريما! فخرج فأسند ظهره إلى الكعبة ومعه نفر يسير فجعل يقاتلهم ويهزمهم وهو يقول:
ويلمّه! يا له فتحا لو كان له رجال! فناداه الحجاج: قد كان لك رجال فضيّعتهم!
(5/163)

وجعل ينظر إلى أبواب المسجد والناس يهجمون عليه، فيقول: من هؤلاء؟ فيقال له: أهل مصر. قال: قتلة عثمان! فحمل عليهم، وكان فيهم رجل من أهل الشام، يقال له خلبوب، فقال لأهل الشام. أما تستطيعون إذا ولى «1» ابن الزبير أن تأخذوه بأيديكم؟ قالوا: ويمكنك أنت أن تأخذه بيدك؟ قال: نعم. قالوا: فشأنك. فأقبل وهو يريد أن يحتضنه، وابن الزبير يرتجز ويقول:
لو كان قرني واحدا كفيته
فضربه ابن الزبير بالسيف فقطع يده، فقال خلبوب: حس! قال ابن الزبير: اصبر خلبوب.
قال: وجاءه حجر من حجارة المنجنيق، فأصاب قفاه، فسقط؛ فاقتحم أهل الشام عليه، فما همّوا بقتله حتى سمعوا جارية تبكي وتقول: وا أمير المؤمنيناه! فحزّوا رأسه وذهبوا به إلى الحجاج.
وقتل معه: عبد الله بن صفوان، وعمارة بن حزم، وعبد الله بن مطيع.
قال أبو معشر: وبعت الحجاج برءوسهم إلى المدينة، فنصبوها للناس، فجعلوا يقرّبون رأس ابن صفوان إلى رأس ابن الزبير كأنه يسارّه ويلعبون بذلك؛ ثم بعث برؤسهم إلى عبد الملك بن مروان.
فخرجت أسماء إلى الحجاج فقالت له: أتأذن لي أن أدفنه، فقد قضيت أربك منه؟ قال: لا! ثم قال لها: ما ظنّك برجل قتل عبد الله بن الزبير؟ قالت: حسيبه «2» الله! فلما منعها أن تدفنه قالت. أما إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: يخرج من ثقيف رجلان: الكذاب والمبير! فأما الكذاب فالمختار، وأما المبير «3» فأنت. فقال الحجاج: اللهم مبير لا كذاب.
(5/164)

ومن غير رواية أبي عبيد قال: لما نصب الحجاج المجانيق لقتال عبد الله بن الزبير، أظلتهم سحابة فأرعدت وأبرقت وأرسلت الصواعق؛ ففزع الناس وأمسكوا عن القتال، فقام فيهم الحجاج فقال: أيها الناس، لا يهولنّكم هذا؛ فإني أنا الحجاج ابن يوسف وقد أصحرت «1» لربي، فلو ركبنا عظيما لحال بيننا وبينه ولكنها جبال تهامة لم تزل الصواعق تنزل بها. ثم أمر بكرسي فطرح له، ثم قال: يا أهل الشام، قاتلوا على أعطيات أمير المؤمنين. فكان أهل الشام إذا رموا الكعبة يرتجزون ويقولون هذا:
خطّارة مثل الفنيق المزبد ... يرمى بها عواذ أهل المسجد «2»
ويقولون أيضا: درّي عقاب «3» ، بلبن وأشخاب «4» . فلما رأى ذلك ابن الزبير خرج إليهم بسيفه فقاتلهم حينا، فناداه الحجاج: ويلك يا بن ذات النطاقين! اقبل الأمان وادخل في طاعة أمير المؤمنين، فدخل على أمه أسماء، فقال لها: سمعت رحمك الله ما يقول القوم، وما يدعونني إليه من الأمان؟ قالت: سمعتهم لعنهم الله، فما أجهلهم واعجب منهم إذ يعيّرونك بذات النطاقين؛ ولو علموا ذلك لكان ذلك أعظم فخرك عندهم. قال: وما ذاك يا أماه؟
قالت: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بعض أسفاره مع أبي بكر فهيأت لهما سفرة، فطلبا شيئا يربطانها بها فما وجداه، فقطعت من مئزري لذلك ما احتاجا إليه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أما إن لك به نطاقين في الجنة! فقال عبد الله: الحمد لله حمدا كثيرا، فما تأمريني به، فإنهم قد أعطوني الأمان؟
قالت: أرى أن تموت كريما ولا تتبع فاسقا لئيما، وأن يكون آخر نهارك أكرم من أوّله.
(5/165)

فقبّل رأسها وودعها، وضمته إلى نفسها، ثم خرج من عندها فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس، إن الموت قد تغشّاكم سحابه، وأحدق بكم ربابه «1» ، واجتمع بعد تفرّق، وارجحنّ بعد تمشّق، ورجس «2» نحوكم رعده، وهو مفرغ عليكم ودقه «3» ، وقائد إليكم البلايا تتبعها المنايا، فاجعلوا السيوف لها غرضا، واستعينوا عليها بالصبر. وتمثل بأبيات، ثم اقتحم يقاتل وهو يقول:
قد جدّ أصحابك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب لها على ساق
ثم جعل يقاتل وحده ولا يهدّه شيء، كلما اجتمع عليه القوم فرّقهم وذادهم، حتى أثخن بالجراحات ولم يستطع النهوض، فدخل عليه الحجاج فدعا بالنطع فحز رأسه هو بنفسه في داخل مسجد الكعبة، لا رحم الله الحجاج! ثم بعث برأسه إلى عبد الملك بن مروان، وقتل من أصحابه من ظفر به؛ ثم أقبل فاستأذن على أمه أسماء بنت أبي بكر ليعزيها، فأذنت له، فقالت له: يا حجاج، قتلت عبد الله؟ قال: يا بنة أبي بكر، إني قاتل الملحدين. قالت: بل قاتل المؤمنين الموحدين. قال لها: كيف رأيت ما صنعت بابنك؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، ولا ضير أن أكرمه الله على يديك، فقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل! هشام بن عروة عن أبيه قال: كان عثمان استخلف عبد الله بن الزبير على الدار يوم الدار، فبذلك ادّعى ابن الزبير الخلافة.
محمد بن سعيد قال: لما نصب الحجاج راية الأمان وتصرّم الناس عن ابن الزبير، قال لعبد الله بن صفوان: قد أقلتك بيعتي وجعلتك في سعة «4» ، فخذ لنفسك أمانا.
(5/166)

فقال: مه! والله ما أعطيتك إياها حتى رأيتك أهلا لها، وما رأيت أحدا أولى بها منك، فلا تضرب هذه الصلعة فتيان بني أمية أبدا. وأشار إلى رأسه. قال: فحدثت سليمان بن عبد الملك حديثه فقال: إن كنت لأراه أعرج جبانا!.
فلما كانت الليلة التي قتل في صباحها ابن الزبير، أقبل عبد الله بن صفوان وقد دنا أهل الشام من المسجد فاستأذن، فقالت الجارية: هو نائم! فقال أو ليلة نوم هذه؟
أيقظيه! فلم تفعل، فأقام ثم استأذن، فقالت: هو نائم! فانصرف، ثم رجع آخر الليل وقد هجم القوم على المسجد؛ فخرج إليه فقال: والله ما نمت منذ عقلت الصلاة نومي هذه الليلة وليلة الجمل! ثم دعا بالسواك «1» فاستاك متمكنا، ثم توضأ متمكنا، ولبس ثيابه؛ ثم قال: أنظرني حتى أودع أمّ عبد الله فلم يبق شيء! وكان يكره أن يأتيها فتعزم عليه أن يأخذ الأمان؛ فدخل عليها وقد كفّ بصرها فسلم، فقالت: من هذا؟
فقال: عبد الله! فتشمّمته ثم قالت: يا بنيّ، مت كريما! فقال لها: إن هذا قد أمّنني.
يعني الحجاج. قالت: يا بنيّ لا ترض الدنية، فإن الموت لا بدّ منه! قال: إني أخاف أن يمثّل بي. قالت: إن الكبش إذا ذبح لم يأ [لم] من السلخ! قال: فخرج فقاتل قتالا شديدا، فجعل يهزمهم ثم يرجع ويقول: يا له فتحا لو كان له رجال. لو كان المصعب أخي حيا.
فلما حضرت الصلاة صلى صلاته، ثم قال: أين باب أهل مصر؟ حنقا لعثمان فقاتل حتى قتل، وقتل معه عبد الله بن صفوان.
وأتي برأسه الحجاج وهو فاتح عينيه وفاه، فقال: هذا رجل لم يكن يعرف القتل ولا ما يصير إليه؛ فلذلك فتح عينيه وفاه.
هشام بن عروة عن أبيه، أن عبد الله بن الزبير كان أول مولود ولد في الإسلام، فلما ولد كبّر النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، ولما قتل كبّر الحجاج بن يوسف، وأهل الشام معه؛ فقال ابن عمرو: ما هذا؟ قالوا: كبّر أهل الشام لقتل عبد الله بن الزبير! قال:
(5/167)

الذين كبّروا لمولده خير من الذين كبروا لقتله.
أيوب عن أبي قلابة قال: شهدت ابنة أبي بكر غسّلت ابنها ابن الزبير بعد شهر، وقد تقطعت أوصاله وذهب برأسه، وكفّنته، وصلت عليه.
هشام بن عروة قال: قال عبد الله بن عباس للجائز به: جنّبني خشبة ابن الزبير.
فلم يشعر ليلة حتى عثر فيها، فقال: ما هذا؟ فقال: خشبة ابن الزبير. فوقف ودعا له، وقال: لئن علتك رجلاك لطالما وقفت عليهما في صلاتك! ثم قال لأصحابه: أما والله ما عرفته إلا صوّاما قوّاما، ولكنني ما زلت أخاف عليه منذ رأيته تعجّبه بغلات معاوية الشّهب «1» . قال: وكان معاوية قد حج فدخل المدينة وخلفه خمس عشرة بغلة شهباء عليها رحائل «2» الأرجوان، فيها الجواري عليهن الجلابيب والمعصفرات «3» ، ففتن الناس.
أولاد عبد الملك بن مروان
الوليد، وسليمان بن العبسية، ويزيد، وهشام، وأبو بكر، ومسلمة، وسعد الخير وعبد الله، وعنبسة، والحجاج، والمنذر، ومروان الأكبر، ومروان الأصغر- ولم يعقب مروان الأكبر- ويزيد، ومعاوية، درج «4» .
وفاة عبد الملك بن مروان
توفي عبد الملك بن مروان بدمشق للنصف من شوال سنة ست وثمانين وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه الوليد بن عبد الملك؛ وولد عبد الملك في المدينة في دار مروان سنة ثلاث وعشرين.
(5/168)

وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان عامله على المدينة أن يدعو الناس إلى البيعة لابنيه الوليد وسليمان؛ فبايع الناس غير سعيد بن المسيب، فإنه أبى وقال: لا أبايع وعبد الملك حيّ، فضربه هشام ضربا مبرّحا وألبسه المسوح «1» ، وأرسله إلى ثنية «2» بالمدينة يقتلونه عندها ويصلبونه؛ فلما انتهوا به إلى الموضع ردوه، فقال سعيد: لو علمت أنهم لا يصلبونني ما لبست لهم التّبّان «3» . وبلغ عبد الملك خبره فقال: قبح الله هشاما؛ مثل سعيد بن المسيب يضرب بالسياط! إنما كان ينبغي له أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى يضرب عنقه.
وقال للوليد: إذا أنا متّ فضعني في قبري ولا تعصر عليّ عينيك عصر الأمة، ولكن شمّر وائتزر، والبس جلد النمر؛ فمن قال برأسه كذا، فقل بسيفك كذا!
ولاية الوليد بن عبد الملك
ثم بويع للوليد بن عبد الملك في النصف من شوال سنة ست وثمانين. وأم الوليد ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسي.
وكان على شرطته كعب بن حماد، ثم عزله وولى أبا نائل بن رباح بن عبدة الغساني.
ومات الوليد يوم السبت في النصف من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وهو ابن أربع وأربعين، وصلى عليه سليمان. وكانت ولايته عشر سنين غير شهور.
ولد الوليد
عبد العزيز، ومحمد، وعنبسة، ولم يعقبوا؛ وأمهم أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان؛ والعباس، وبه كان يكنى، ويقال إنه كان أكبرهم؛ وعمر، وبشر، وروح،
(5/169)

وتمام، ومبشر، وحزم، وخالد، ويزيد، ويحيى، وإبراهيم، وأبو عبيدة، ومسرور، ومنصور، ومروان، ومحمد، وصدقة، لأمهات أولاد. وأم أبي عبيدة فرارية، وكان أبو عبيدة ضعيفا.
وولي الخلافة من ولد الوليد: إبراهيم، شهرين ثم خلع وولي يزيد الكامل شهرا ثم مات. وكان تمام ضعيفا، هجاه رجل فقال:
بنو الوليد كرام في أرومتهم ... نالوا المكارم طرّا غير تمّام»
ومسرور بن الوليد كان ناسكا، وكانت عنده بنت الحجاج. وكان بشر من فتيانهم، وروح من غلمانهم، والعباس من فرسانهم؛ وفيه يقول الفرزدق:
إنّ أبا الحارث العباس نائله ... مثل السّماك الذي لا يخلف المطرا «2»
وكان تحته بنت قطريّ بن الفجاءة، سباها وتزوجها، وله منها المؤمل، والحارث؛ وكان عمرو من رجالهم، كان له تسعون ولدا، ستون منهم كانوا يركبون معه إذا ركب.
وقال رجل من أهل الشام: ليس من ولد الوليد أحد إلا ومن رآه يحسب أنه من أفضل أهل بيته.
ولو وزن بهم أجمعين عبد العزيز لرجحهم، وفيه يقول جرير:
وبنو الوليد من الوليد بمنزل ... كالبدر حفّ بواضحات الأنجم
وعبد العزيز بن الوليد، أراد أبوه أن يبايع له سليمان، فأبى عليه سليمان.
وحدث الهيثم بن عدي عن ابن عباس، قال: لما أراد الوليد أن يبايع لابنه عبد العزيز بعد سليمان، أبى ذلك سليمان وشنع عليه؛ وقيل للوليد: لو أمرت الشعراء أن يقولوا في ذلك، لعله كان يسكت فيشهد عليه بذلك. فدعا الأقبيل القيني فقال له:
(5/170)

ارتجز بذلك وهو يسمع. فدعا سليمان فسايره، والأقبيل خلفه، فرفع صوته وقال:
إنّ وليّ العهد لابن أمّه ... ثم ابنه وليّ عهد عمّه
قد رضي الناس به فسمّه ... فهو يضمّ الملك في مضمّه
يا ليتها قد خرجت من فمّه
فالتفت إليه سليمان، وقال: ابن الخبيثة! من رضي بهذا؟
أخبار الوليد
أبو الحسن المدائني قال: كان الوليد أسنّ ولد عبد الملك، وكان يحبه، فتراخى في تأديبه لشدة حبه إياه فكان لحّانا «1» .
وقال عبد الملك: أضرنا في الوليد حبّنا له فلم نوجّهه إلى البادية.
وقال الوليد يوما وعنده عمر بن عبد العزيز: يا غلام، ادع لي صالح. فقال الغلام: يا صالحا! فقال له الوليد: انقص ألفا. فقال له عمر بن عبد العزيز: وأنت يا أمير المؤمنين فزد ألفا!.
وكان الوليد عند أهل الشام أفضل خلفائهم وأكثرهم فتوحا وأعظمهم نفقة في سبيل الله، بنى مسجد دمشق، ومسجد المدينة، ووضع المنابر وأعطى المجذومين «2» حتى أغناهم عن سؤال الناس، وأعطى كل مقعد خادما وكلّ ضرير قائدا، وكان يمر بالبقال فيتناول قبضة فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس. فيقول: زد فيها فإنك تربح..
ومرّ الوليد بمعلم كتّاب فوجد عنده صبيّة، فقال: ما تصنع هذه عندك؟ فقال أعلمها الكتابة والقرآن. قال: فاجعل الذي يعلمها أصغر منها سنّا.
وشكا رجل من بني مخزوم دينا لزمه، فقال: نقضه عنك إن كنت لذلك
(5/171)

مستحقا. قال: يا أمير المؤمنين، وكيف لا أكون مستحقا في منزلتي وقرابتي؟ قال:
قرأت القرآن؟ قال. لا! قال: ادن مني. فدنا منه؛ فنزع العمامة عن رأسه بقضيب في يده، ثم قرعه «1» به قرعة، وقال لرجل من جلسائه: ضمّ إليك هذا العلج «2» ولا تفارقه حتى يقرأ القرآن. فقام إليه آخر فقال يا أمير المؤمنين، اقض ديني! فقال له:
أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. فاستقرأه عشرا من الأنفال وعشرا من براءة؛ فقرأ، فقال:
نعم، نقضي دينك وأنت أهل لذلك.
وركب الوليد بعيرا وحاد يحدو بين يديه، والوليد يقول:
يأيها البكر الذي أراكا ... ويحك تعلم الذي علاكا
خليفة الله الذي امتطاكا ... لم يحب بكر مثل ما حباكا
ولاية سليمان بن عبد الملك
أبو الحسن المدائني قال: ثم بويع سليمان بن عبد الملك في ربيع الأول سنة ست وتسعين.
ومات سنة تسع وتسعين بدابق يوم الجمعة لعشر خلون من صفر، وهو ابن ثلاث وأربعين، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وكانت ولايته سنتين وعشرة أشهر ونصفا.
ولد سليمان بن عبد الملك بالمدينة في بني حديلة، ومات بدابق من أرض قنسرين وكان سليمان فصيحا جميلا وسيما، نشأ بالبادية عند أخواله بني عبس.
وكانت ولايته يمنا وبركة، افتتحها بخير وختمها بخير: فأما افتتاحه فيها بخير فردّ المظالم وأخرج المسجونين، وبغزاة مسلمة بن عبد الملك الصائفة حتى بلغ القسطنطينية؛ أما ختمها بخير فاستخلافه عمر بن عبد العزيز.
(5/172)

ولبس يوما واعتم بعمامة، وكانت عنده جارية حجازية، فقال لها: كيف ترين الهيئة؟ فقال: أنت أجمل العرب لولا ... قال: عليّ ذلك لتقولنّ. قالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
أنت خلو من العيوب وممّا ... يكره الناس غير أنك فان!
قال: فتنغص عليه ما كان فيه، فما لبث بعدها إلا أياما حتى توفي رحمه الله! وتفاخر ولد لعمر بن عبد العزيز وولد لسليمان بن عبد الملك، فذكر ولد عمر فضل أبيه وخاله، فقال له ولد سليمان: إن شئت أقلّ وإن شئت أكثر؛ فما كان أبوك إلا حسنة من حسنات أبي.
محمد بن سليمان قال: فعل سليمان في يوم واحد ما لم يفعله عمر بن عبد العزيز في طول عمره: أعتق سبعين ألفا ما بين مملوك ومملوكة وبتّتهم- أي كساهم- والبتّ:
الكسوة.
ولد لسليمان: أيوب، وأمه أم أبان بنت الحكم بن العاص، وهو أكبر ولد سليمان وولي عهده، فمات في حياة سليمان، وله يقول جرير:
إنّ الإمام الذي ترجى فواضله ... بعد الإمام وليّ العهد أيّوب
وعبد الواحد، وعبد العزيز، أمهما أم عامر بنت عبد الله بن خالد بن أسيد وفي عبد الواحد يقول القطامي:
أهل المدينة لا يحزنك حالهم ... إذا تخطّأ عبد الواحد الأجل
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل «1»
ولما مات أيوب وليّ عهد سليمان بن عبد الملك؛ قال ابن عبد الأعلى يرثيه، وكان من خواصه:
ولقد أقول لذي الشماتة إذ رأى ... جزعي ومن يذق الحوادث يجزع
(5/173)

أبشر فقد قرع الحوادث مروتي ... وافرح بمروتك التي لم تقرع «1»
إن عشت تفجع بالأحبّة كلّهم ... أو يفجعوا بك إن بهم لم تفجع
أيّوب من يشمت بموتك لم يطق ... عن نفسه دفعا وهل من مدفع
أخبار سليمان بن عبد الملك
أبو الحسن المدائني قال: لما بلغ قتيبة بن مسلم أنّ سليمان بن عبد الملك عزله عن خراسان واستعمل يزيد بن المهلب، كتب إليه ثلاث صحف، وقال للرسول: ادفع إليه هذه، فإن دفعها إلى يزيد فادفع إليه هذه، فإن شتمني فادفع هذه. فلما سار الرسول إليه دفع الكتاب إليه، وفيه: يا أمير المؤمنين، إنّ من بلائي في طاعة أبيك وأخيك كيت وكيت. فدفع كتابه إلى يزيد، فأعطاه الرسول الكتاب الثاني، وفيه: يا أمير المؤمنين، كيف تأمن ابن رحمة على أسرارك وأبوه لم يأمنه على أمّهات أولاده؟
فلما قرأ الكتاب شتمه وناوله ليزيد، فأعطاه الثالث، وفيه: من قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من اتبع الهدى، أمّا بعد: فو الله لأوثّقن له آخيّة «2» لا ينزعها المهر الأرن «3» ! فلما قرأها قال سليمان: عجلنا على قتيبة! يا غلام، جدّد له عهدا على خراسان.
ودخل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج على سليمان، فقال له سليمان: أترى الحجاج استقرّ في قعر جهنم، أم هو يهوي فيها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجاج يأتي يوم القيامة بين أبيك وأخيك، فضعه من النار حيث شئت! قال: فأمر به إلى الحبس، فكان فيه طول ولايته.
قال محمد بن يزيد الأنصاري: فلما ولى عمر بن عبد العزيز، بعثني فأخرجت من السجن من حبس سليمان ما خلا يزيد بن أبي مسلم فقد ردّ ...
(5/174)

فلما مات عمر بن عبد العزيز ولاه يزيد بن عبد الملك أفريقية وأنا فيها، فأخذت فأتي به إليه في شهر رمضان عند الليل، فقال: محمد بن يزيد؟ قلت: نعم. قال: الحمد لله الذي مكنني منك بلا عهد ولا عقد، فطالما سألت الله أن يمكنني منك! قلت: وأنا والله طالما استعذت بالله منك! قال: فو الله ما أعاذك الله مني، ولو أنّ ملك الموت سابقني إليك لسبقته! قال: فأقيمت صلاة المغرب، فصلى ركعة فثارت عليه الجند فقتلوه، وقالوا لي: خذ إلى الطريق أيّ طريق شئت.
وأراد سليمان بن عبد الملك أن يحجر على يزيد بن عبد الملك، وذلك أنّه تزوّج سعدى بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان فأصدقها عشرين ألف دينار، واشترى جارية بأربعة آلاف دينار؛ فقال سليمان: لقد هممت أن أضرب على يد هذا السفيه، ولكن كيف أصنع بوصية أمير المؤمنين بابني عاتكة: يزيد ومروان؟
وحبس سليمان بن عبد الملك، موسى بن نصير، وأوحى إليه: اغرم «1» ديتك خمسين مرة! فقال موسى: ما عندي ما أغرمه. فقال: والله لتغرمنّها مائة مرة فحملها عنه يزيد بن المهلب، وشكر ما كان من موسى إلى أبيه المهلب أيام بشر بن مروان؛ وذلك أن بشرا هم بالمهلب؛ فكتب إليه موسى يحذّره، فتمارض المهلب ولم يأته حين أرسل إليه.
وكان خالد بن عبد الله القسري واليا على المدينة للوليد ثم أقرّه سليمان؛ وكان قاضي مكة طلحة بن هرم؛ فاختصم إليه رجل من بني شيبة الذين إليهم مفتاح الكعبة يقال له الأعجم، مع ابن أخ له في أرض لهما، فقضى للشيخ على ابن أخيه، وكان متصلا بخالد بن عبد الله، فأقبل إلى خالد فأخبره؛ فحال خالد بين الشيخ وبين ما قضى له القاضي؛ فكتب القاضي كتابا إلى سليمان يشكو له خالدا. ووجّه الكتاب إليه مع محمد بن طلحة؛ فكتب سليمان إلى خالد: لا سبيل لك على الأعجم ولا ولده.
فقدم محمد بن طلحة بالكتاب على خالد وقال لا سبيل لك علينا؛ هذا كتاب أمير
(5/175)

المؤمنين. فأمر به خالد فضرب مائة سوط قبل أن يقرأ كتاب سليمان؛ فبعث القاضي ابنه المضروب إلى سليمان؛ وبعث ثيابه التي ضرب فيها بدمائها؛ فأمر سليمان بقطع يد خالد فكلمه يزيد بن المهلب وقال: إن كان ضربه يا أمير المؤمنين بعد ما قرأ الكتاب تقطع يده، وإن كان ضربه قبل ذلك فعفو أمير المؤمنين أولى بذلك. فكتب سليمان إلى داود بن طلحة بن هرم: إن كان ضرب الشيخ بعد ما قرأ الكتاب الذي أرسلته فاقطع يده، وإن كان ضربه قبل أن يقرأ كتابي فاضربه مائة سوط. فأخذ داود بن طلحة- لما قرأ الكتاب- خالدا فضربه مائة سوط؛ فجزع خالد من الضرب فجعل يرفع يديه؛ فقال له الفرزدق: ضم إليك يديك يا بن النصرانية! فقال خالد: ليهنأ الفرزدق، وضمّ يديه. وقال الفرزدق:
لعمري لقد صبّت على متن خالد ... شآبيب لم يصببن من صيّب القطر «1»
فلولا يزيد بن المهلّب حلّقت ... بكفّك فتخاء الجناح إلى الوكر «2»
فردّت أمّ خالد عليه تقول:
لعمري لقد باع الفرزدق عرضه ... بخسف وصلى وجهه حامي الجمر
فكيف يساوي خالدا أو يشينه ... خميص من التّقوى بطين من الخمر «3»
وقال الفرزدق أيضا في خالد القسري:
سلوا خالدا، لا قدّس الله خالدا ... متى ملكت قسر قريشا تدينها؟
أقبل رسول الله أو بعد عهده؟ ... فتلك قريش قد أغثّ سمينها
رجونا هداه؛ لا هدى الله قلبه ... وما أمّه بالأمّ يهدى جنينها
فلم يزل خالد محبوسا بمكة حتى حج سليمان وكلمه فيه المفضّل بن المهلب؛ فقال سليمان: لاطت «4» بك الرحم أبا عثمان؛ إن خالدا جرّعني غيظا! قال: يا أمير
(5/176)

المؤمنين، هبني ما كان من ذنبه. قال: قد فعلت، ولا بدّ أن يمشي إلى الشام راجلا! فمشى خالد إلى الشام راجلا.
وقال الفرزدق يمدح سليمان بن عبد الملك:
سليمان غيث الممحلين ومن به ... عن البائس المسكين حلّت سلاسله
وما قام من بعد النبيّ محمد ... وعثمان فوق الأرض راع يماثله
جعلت مكان الجور في الأرض مثله ... من العدل إذ صارت إليك محامله
وقد علموا أن لن يميل بك الهوى ... وما قلت من شيء فإنك فاعله
زياد عن مالك، أن سليمان بن عبد الملك قال يوما لعمر بن عبد العزيز: كذبت! قال: والله ما كذبت منذ شددت عليّ إزاري، وإن في غير هذا المجلس لسعة! وقام مغضبا فتجهز يريد مصر! فأرسل إليه سليمان فدخل عليه؛ فقال له: يا بن عمي، إن المعاتبة تشقّ عليّ، ولكن والله ما أهمني أمر قط من ديني ودنياي إلا كنت أوّل من أذكره لك.
وفاة سليمان بن عبد الملك
قال رجاء بن حيوة: قال لي سليمان: إلى من ترى أن أعهد؟ فقلت: إلى عمر بن عبد العزيز! قال: كيف نصنع بوصية أمير المؤمنين بإبني عاتكة من كان منهما حيا؟
قلت: تجعل الأمر بعده ليزيد. قال: صدقت. قال: فكتب عهده لعمر ثم ليزيد بعده.
ولما ثقل سليمان قال: ائتوني بقمص بني أنظر إليها! فأتى بها فنشرها فرآها قصارا، فقال:
إن بنيّ صبية صغار ... أفلح من كان له كبار
فقال له عمر أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
«1» .
(5/177)

وكان سبب موت سليمان بن عبد الملك، أن نصرانيا أتاه وهو بدابق بزنبيل «1» مملوء بيضا وآخر مملوء تينا، فقال: قشّروا. فقشروا، فجعل يأكل بيضة وتينة، حتى أتى على الزنبيلين، ثم أتوه بقعصة مملوءة مخا بسكر، فأكله، فأتخم فمرض فمات.
ولما حج سليمان تأذى بحرّ مكة، فقال له عمر بن عبد العزيز: لو أتيت الطائف! فأتاها، فلما كان بسحق لقيه ابن أبي الزهير، فقال: يا أمير المؤمنين، اجعل منزلك عليّ. قال: كلّ منزلي. فرمى بنفسه على الرمل، فقيل له: يساق إليك الوطاء.
فقال: الرمل أحبّ إليّ. وأعجبه برده، فالزق بالرمل بطنه، قال: فأتى إليه بخمس رمانات فأكلها، فقال: أعندكم غير هذه؟ فجعلوا يأتونه بخمس بعد خمس، حتى أكل سبعين رمانة؛ ثم أتوه بجدي وست دجاجات، فأكلهن؛ وأتوه بزبيب من زبيب الطائف فنثر بين يديه، فأكل عامته «2» ؛ ونعس، فلما انتبه أتوه بالغداء، فأكل كما أكل الناس، فأقام يومه: ومن غد قال لعمر: أرانا قد أضررنا بالقوم. وقال لابن أبي الزهير: اتبعني إلى مكة. فلم يفعل، فقالوا له: لو أتيته! فقال: أقول ماذا؟ أعطني ثمن قراي «3» الذي قربته!؟
العتبي عن أبيه عن الشمردل وكيل آل عمرو بن العاص، قال. لما قدم سليمان بن عبد الملك الطائف، دخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه بستانا لعمرو، قال:
فجال في البستان ساعة، ثم قال: ناهيك بمالكم هذا مالا! ثم ألقى صدره على غصن وقال: ويلك يا شمردل! ما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى والله، عندي جدي كانت تغدو عليه بقرة وتروح أخرى. قال: عجل به ويحك! فأتيته به كأنه عكّة سمن، فأكله وما دعا عمر ولا ابنه، حتى إذا بقي الفخذ قال: هلم أبا حفص. قال:
أنا صائم. فأتى عليه، ثم قال: ويلك يا شمردل! ما عندل شيء تطعمني؟ قلت: بلى والله، دجاجتان هنديتان كأنهما رألا «4» النعام. فأتيته بهما، فكان يأخذ برجل
(5/178)

الدجاجة فيلقي عظامها نقية، حتى أتى عليهما؛ ثم رفع رأسه فقال: ويلك يا شمردل! ما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى، عندي حريرة «1» كأنها قراضة ذهب. قال: عجل بها ويلك! فأتيته بعسّ يغيب فيه الرأس، فجعل يتلقّمها بيده ويشرب، فلما فرغ تجشأ، فكأنما صاح في جب: ثم قال: يا غلام، أفرغت من غذائي؟ قال: نعم. قال:
وما هو؟ قال: ثمانون قدرا! قال: ائتني بها قدرا قدرا. قال: فأكثر ما أكل من كل قدر ثلاث لقم، وأقلّ ما أكل لقمة؛ ثم مسح يده واستلقى على فراشه، ثم أذن للناس؛ ووضعت الخوانات «2» ، وقعد يأكل فما أنكرت شيئا من أكله.
خلافة عمر بن عبد العزيز
المدائني قال: هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. وكنيته أبو حفص.
وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر الخطاب. وولي الخلافة يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين. ومات يوم الجمعة لست بقين من رجب، بدير شمعان من أرض دمشق، سنة إحدى ومائة. وصلى عليه يزيد بن عبد الملك.
علي بن زيد قال. سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: تمت حجة الله على ابن الأربعين. ومات لها.
وكان على شرطته يزيد بن بشير الكناني، وعلى حرسه عمرو بن المهاجر، ويقال أبو العباس الهلالي؛ وكان كاتبه على الرسائل ابن أبي رقية، وكاتبه أيضا إسماعيل بن أبي حكيم، وعلى خاتم الخلافة نعيم بن أبي سلامة، وعلى الخراج والجند صالح بن أبي جبير، وعلى إذنه أبو عبيدة الأسود مولاه.
يعقوب بن داود الثقفي عن أشياخ من ثقيف قال: قريء عهد عمر بالخلافة وعمر في ناحية، فقام رجل من ثقيف يقال له سالم من أخوال عمر، فأخذ بضبعيه «3»
(5/179)

فأقامه؛ فقال عمر: أما والله ما الله أردت بهذا. ولن تصيب بها مني دنيا.
أبو بشر الخراساني قال: خطب عمر بن عبد العزيز الناس حين استخلف، فقال:
أيها الناس، والله ما سألت الله هذا الأمر قط في سر ولا علانية، فمن كان كارها لشيء مما وليته فالآن.
فقال سعيد بن عبد الملك: ذلك أسرع فيما نكره أتريد أن نختلف ويضرب بعضنا بعضا؟ قال رجل: سبحان الله! وليها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم يقولوا هذا؛ ويقوله عمر.
أخبار عمر بن عبد العزيز
بشر بن عبد الله بن عمر قال: كان عمر يخلو بنفسه ويبكي فنسمع نحيبه بالبكاء وهو يقول: أبعد الثلاثة الذين واريتهم بيدي: عبد الملك، والوليد، وسليمان.
وقدم رجل من خراسان على عمر بن عبد العزيز حين استخلف، فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت في منامي قائلا يقول: إذا ولي الأشجّ «1» من بني أمية يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا؛ فولي الوليد، فسألت عنه فقيل لي: ليس بأشج؛ ثم ولي سليمان، فسألت عنه فقيل: ليس بأشج؛ ووليت أنت فكنت الأشج. فقال عمر:
تقرأ كتاب الله؟ قال: نعم. قال: فبالذي أنعم عليك به، أحق ما أخبرتني؟ قال:
نعم. فأمره أن يقيم في دار الضيافة، فمكث نحوا من شهرين، ثم أرسل إليه عمر فقال: هل تدري لم احتبسناك؟ قال: لا. قال: أرسلنا إلى بلدك لنسأل عنك فإذا ثناء صديقك وعدوّك عليك سواء؛ فانصرف راشدا.
وكان عمر بن عبد العزيز لا يأخذ من بيت المال شيئا، ولا يجري على نفسه من الفيء درهما: وكان عمر بن الخطاب يجري على نفسه من ذلك درهمين في كل يوم؛
(5/180)

فقيل لعمر بن عبد العزيز: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب؟ فقال: إن عمر ابن الخطاب لم يكن له مال، وأنا مالي يغنيني!.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على هذا وأشار إلى رجل، قال: فيم؟ قال: أخذ مالي وضرب ظهري. فدعا به عمر فقال ما يقول هذا؟ قال: صدق، إنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك: «وطاعتكم فريضة» قال: كذبت! لا طاعة لنا عليكم إلا في طاعة الله. وأمر بالأرض فردّت إلى صاحبها.
عبد الله بن المبارك عن رجل أخبره، قال: كنت مع خالد بن يزيد بن معاوية في صحن بيت المقدس، فلقينا عمر بن عبد العزيز ولا أعرفه، فأخذ بيد خالد وقال: يا خالد، أعلينا عين؟ قلت: عليكما من الله عين بصيرة وأذن سميعة! قال: فاستلّ يده من يد خالد وأرعد «1» ودمعت عيناه ومضى، فقلت لخالد: من هذا؟ قال: هذا عمر ابن عبد العزيز، وإن عاش فيوشك أن يكون إماما عدلا.
وقال رباح بن عبيدة: اشتريت لعمر قبل الخلافة مطرفا بخمسمائة، فاستخشنه وقال: لقد اشتريته خشنا جدا! واشتريت له بعد الخلافة كساء بثمانية دراهم، فاستلانه وقال: لقد اشتريته ليّنا جدا!.
ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر وعليه ريطة «2» من رياط مصر: فقال: بكم أخذت هذا يا أبا سعيد؟ قال: بكذا وكذا. قال: فلو نقصت من ثمنها ما كان ناقصا من شرفك. قال مسلمة: إن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضل اللّين ما كان بعد الولاية.
وكان لعمر غلام يقال له درهم يحتطب له، فقال له يوما: ما يقول الناس يا درهم؟ قال: وما يقولون؟ الناس كلهم بخير، وأنا وأنت بشر! قال: وكيف ذلك؟
(5/181)

قال: إني عهدتك قبل الخلافة عطرا، لبّاسا، فاره «1» المركب، طيّب الطعام؛ فلما وليت رجوت أن أستريح وأتخلص، فزاد عملي شدة، وصرت أنت في بلاء! قال فأنت حرّ، فاذهب عني ودعني وما أنا فيه حتى يجعل الله لي منه مخرجا! ميمون بن مهران قال: كنت عند عمر، فكثر بكاؤه ومسألته ربّه الموت، فقلت:
لم تسأل الموت وقد صنع الله على يديك خيرا كثيرا: أحيا بك سننا، وأمات بك بدعا قال: أفلا أكون مثل العبد الصالح أقر الله عينه وجمع له أمره قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
«2» ! ولما ولي عمر بن عبد العزيز قال: إن فدك كانت مما أفاه الله على رسوله فسألتها فاطمة رسول الله، فقال لها: ما لك أن تسأليني، ولا لي أن أعطيك! فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصنع فيها حيث أمره الله، ثم أبو بكر وعمر وعثمان، كانوا يضعونها المواضع التي وضعها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان، ووهبها مروان لعبد الملك وعبد العزيز، فقسمناها بيننا أثلاثا: أنا والوليد وسليمان؛ فلما ولي الوليد سألته نصيبه فوهبه لي، وما كان لي مال أحبّ إلي منها؛ وأنا أشهدكم أني قد رددتها إلى ما كانت عليه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وقال عمر: الأمور ثلاثة: أمر استبان رشده فاتبعه؛ وأمر استبان ضرّه «3» فاجتنبه؛ وأمر أشكل أمره عليك فردّه إلى الله.
وكتب عمر إلى بعض عماله: الموالي ثلاثة: مولى رحم، ومولى عتاقة، ومولى عقد؛ فمولى الرحم يرث ويورث، ومولى العتاقة يورث ولا يرث، ومولى العقد لا يرث ولا يورث وميراثه لعصبته.
(5/182)

وكتب عمر إلى عماله: مروا من كان على غير الإسلام أن يضعوا العمائم ويلبسوا الأكسية «1» ولا يتشبّهوا بشيء من الإسلام، ولا تتركوا أحدا من الكفار يستخدم أحدا من المسلمين.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة عامله على العراق: إذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق القادر عليك، واعلم أن ما لك عند الله أكثر مما لك عند الناس.
وكتب عمرو بن عبد العزيز إلى عماله:
مروا من كان قبلكم فلا يبقى أحد من أحرارهم ولا مماليكهم صغيرا ولا كبيرا، ذكرا ولا أنثى، إلا أخرج عنه صدقة فطر رمضان: مدّين من قمح، أو صاعا «2» من تمر، أو قيمة ذلك نصف درهم، فأما أهل العطاء فيؤخذ ذلك من أعطياتهم عن أنفسهم وعيالاتهم، واستعملوا على ذلك رجلين من أهل الأمانة يقبضان ما اجتمع من ذلك ثم يقسمانه في مساكين أهل الحاضرة، ولا يقسم على أهل البادية.
وكتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر: إنّ رجلا شتمك فأردت أن أقتله.
فكتب إليه: لو قتلته لأقدتك به، فإنه لا يقتل أحد بشتم أحد إلا رجل شتم نبيّا.
وكتب رجل من عمال عمر إلى عمر: إنا أتينا بساحرة، فألقيناها في الماء، فطفت على الماء؛ فما ترى فيها؟
فكتب إليه: لسنا من الماء في شيء، إن قامت عليها بينة وإلا فخل سبيلها.
وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن عامله على المدينة في المظالم فيرادّه فيها، فكتب إليه:
(5/183)

إنه يخيّل لي أني لو كتبت لك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إليّ: أذكر أم أنثى؟
ولو كتبت إليك بأحدهما لكتبت إليّ: أصغيرة أم كبيرة؟ ولو كتبت بأحدهما لكتبت: ضائنة «1» أم معزى؟ فإذا كتبت إليك فنفّذ ولا تردّ عليّ، والسلام.
وخطب عمر فقال:
أيها الناس، لا تستصغروا الذنوب، والتمسوا تمحيص ما سلف منها بالتوبة منها؛ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ
»
، وقال عز وجل:
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
«3» .
وقال عمر لبني مروان: أدّوا ما في أيديكم من حقوق الناس ولا تلجئوني إلى ما أكره فأحملكم على ما تكرهون! فلم يجبه أحد منهم، فقال: أجيبوني. فقال رجل منهم: والله لا نخرج من أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا، فنفقر أبناءنا، ونكفر آباءنا، حتى تزايل رءوسنا فقال عمر: أما والله لولا أن تستعينوا عليّ بمن أطلب هذا الحق له لأضرعت «4» خدودكم عاجلا، ولكنني أخاف الفتنة. ولئن أبقاني الله لأردّنّ إلى كل ذي حق حقه إن شاء الله!.
وكان عمر إذا نظر إلى بعض بني أمية قال: إني أرى رقابا سترد إلى أربابها.
ولما مات عمر بن عبد العزيز قعد مسلمة على قبره فقال: أما والله ما أمنت الرّقّ حتى رأيت هذا القبر.
العتبي قال: لما انصرف عمر بن عبد العزيز من دفن سليمان بن الملك تبعه الأمويون، فلما دخل إلى منزله قال له الحاجب: الأمويون بالباب. قال: وما يريدون؟ قال: ما عوّدتهم الخلفاء قبلك. قال ابنه عبد الملك وهو إذ ذاك ابن أربع
(5/184)

عشرة سنة: ائذن لي في إبلاغهم عنك. قال: وما تبلغهم؟ قال: أقول: أبي يقرئكم السلام ويقول لكم إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
«1» .
زياد عن مالك قال: قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه: يا أبت، مالك لا تنفذ الأمور؟ فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق! قال له عمر:
لا تعجل يا بنيّ؛ فإنّ الله ذمّ الخمر في القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعونه جملة ويكون من ذلك فتنة.
ولما نزل بعبد الملك بن عمر بن عبد العزيز الموت قال له عمر: كيف تجدك يا بنيّ؟ قال أجدني في الموت، فاحتسبني، فثواب الله خير لك مني، فقال: يا بني، والله لأن تكون في ميزاني أحبّ إليّ من أن أكون في ميزانك. قال: أما والله لأن يكون ما تحب، أحبّ إليّ من أن يكون ما أحب! ثم مات، فلما فرغ من دفنه وقف على قبره وقال: يرحمك الله يا بنيّ فلقد كنت سارّا مولودا، وبارّا ناشئا، وما أحب أني دعوتك فأجبتني؛ فرحم الله كل عبد، من حر أو عبد، ذكر أو أنثى دعا لك برحمة! فكان الناس يترحمون على عبد الملك ليدخلوا في دعوة عمر؛ ثم انصرف، فدخل الناس يعزونه، فقال: إن الذي نزل بعبد الملك أمر لم نزل نعرفه، فلما وقع لم ننكره! وتوفيت أخت لعمر بن عبد العزيز، فلما فرغ من دفنها دنا إليه رجل فعزاه، فلم يردّ عليه، ثم آخر فلم يردّ عليه؛ فلما رأى الناس ذلك أمسكوا، ومشوا معه فلما دخل الباب أقبل على الناس بوجهه، فقال: أدركت الناس وهم لا يعزّون في المرأة إلا أن تكون أماّ.
وفاة عمر بن عبد العزيز
مرض عمر بن عبد العزيز بأرض حمص، ومات بدير شمعان. فيرى الناس أن يزيد بن عبد الملك سمه. دسّ إلى خادم كان يخدمه، فوضع السم على ظفر إبهامه فلما
(5/185)

استسقى عمر غمس إبهامه في الماء ثم سقاه؛ فمرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك فوقف عند رأسه فقال: جزاك الله يا أمير المؤمنين عنا خيرا؛ فلقد عطفت علينا قلوبا كانت عنا نافرة، وجعلت لنا في الصالحين ذكرا.
زياد عن مالك قال: دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في المرضة التي مات فيها، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال، وتركتهم عالة. ولا بدّ لهم من شيء يصلحهم، فلو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مئونتهم إن شاء الله. فقال عمر أجلسوني. فأجلسوه، فقال:
الحمد لله، أبالفقر تخوّفني يا مسلمة؟ أما ما ذكرت أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال وتركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقا هو لهم، ولم أعطهم حقا هو لغيرهم؛ وأما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي، فإن وصيتي بهم إلى الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين؛ وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى الله فجعل الله له من أمره يسرا ورزقه من حيث لا يتحسب، ورجل غيرّ وفجر «1» فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه. ادعوا لي بنيّ- فدعوهم، وهم يومئذ اثنا عشر غلاما، فجعل يصعّد بصره فيهم ويصوّبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع- ثم قال:
بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم! يا بني، إني قد تركتكم من الله بخير، إنكم لا تمرّون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء الله، يا بنيّ، ميّلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحدا في النار؛ قوموا يا بنيّ عصمكم الله ورزقكم! قال: فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر.
واشترى عمر بن عبد العزيز من صاحب دير شمعان موضع قبره بأربعين درهما ومرض تسعة أيام ومات رضي الله عنه يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى
(5/186)

ومائة، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك.
وقال جرير بن الخطفي يرثي عمر بن عبد العزيز:
ينعى النعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وسرت فينا بحكم الله يا عمرا «1»
فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
أنشد أبو عبيد الأعرابي في عمر بن عبد العزيز:
مقابل الأعراق «2» في الطّيب الطاب ... بين أبي العاص وآل الخطّاب
قال أبو عبيدة: طيّب وطاب، كما يقال: ذيم وذام «3» .
خلافة يزيد بن عبد الملك
ثم ولي يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة.
ومات ببلاد البلقاء «4» يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك؛ وكانت ولايته أربع سنين وشهرا. وفيه يقول جرير:
سربلت سربال ملك غير مغتصب ... قبل الثلاثين إنّ الملك مؤتشب «5»
وكان على شرطته كعب بن مالك العبسي؛ وعلى الحرس غيلان أبو سعيد مولاه؛ وعلى خاتم الخلافة مطر مولاه، وكان فاسقا؛ وعلى الخاتم الصغير بكير أبو الحجاج؛
(5/187)

وعلى الرسائل والجند والخراج صالح بن جبير الهمداني، ثم عزله واستعمل أسامة بن زيد مولى كلب؛ وعلى الخزائن وبيوت الأموال هشام بن مصاد؛ وحاجبه خالد مولاه.
وكان يزيد بن عبد الملك صاحب لهو ولذات، وهو صاحب حبابة وسلّامة «1» ؛ وفي ولايته خرج يزيد بن المهلب.
أسماء ولد يزيد
الوليد، ويحيى، وعبد الله، والغمر، وعبد الجبار، وسليمان، وأبو سفيان، وهاشم، وداود ولا عقب له، والعوّام ولا عقب له «2» .
وكتب يزيد بن عبد الملك إلى عمال عمر بن عبد العزيز:
أما بعد، فإن عمر كان مغرورا، غررتموه أنتم وأصحابكم وقد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج والضريبة؛ فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبّوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا! والسلام.
أبو الحسن المدائني قال: لما ولي يزيد بن عبد الملك، وجه الجيوش إلى يزيد بن المهلب، فعقد لمسلمة بن عبد الملك على الجيش وللعباس بن الوليد على أهل دمشق خاصة؛ فقال له العباس: يا أمير المؤمنين، إن العراق قوم إرجاف «3» ، وقد خرجنا إليهم محاربين، والأحداث تحدث؛ فلو عهدت إلى عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، قال: غدا إن شاء الله.
وبلغ مسلمة الخبر، فأتاه فقال له: يا أمير المؤمنين، أولاد عبد الملك أحب إليك أم أولاد الوليد، قال: ولد عبد الملك، قال: فأخوك أحق بالخلافة أم ابن أخيك؟
(5/188)

قال: بل أخي، إذا لم يكن ولدي، أحقّ بها من أبن أخي. قال: يا أمير المؤمنين، فإن ابنك لم يبلغ؛ فبايع لهشام بن عبد الملك ولايتك الوليد من بعده، قال: غدا إن شاء الله. فلما كان من الغد بايع لهشام ولابنه الوليد من بعده. والوليد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة، فلما انقضى أمر يزيد بن المهلب وأدرك الوليد ندم يزيد على استخلاف هشام، فكان إذا نظر إلى ابنه الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك! قال: ولمال قتل يزيد بن المهلب، جمع يزيد بن عبد الملك العراق لأخيه مسلمة بن عبد الملك؛ فبعث هلال بن أحوز المازني إلى قندابيل «1» في طلب آل المهلب، فالتقوا، فقتل المفضل بن المهلب وانهزم الناس، وقتل هلال بن أحوز خمسة من ولد المهلب ولم يفتش النساء ولم يعرض لهن، وبعث العيال والأسرى إلى يزيد بن عبد الملك.
قال: حدثني جابر بن مسلم قال: لما دخلوا عليه قام كثيرّ بن أبي جمعة الذي يقال له كثيّر عزة، فقال:
حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ عقاب أو عفا لم يثرّب «2»
فعفوا أمير المؤمنين وحسبة ... فما تكتسب من صالح لك يكتب
أساءوا فإن تغفر فإنك قادر ... وأعظم حلم حسبة حلم مغضب
نفتهم فريش عن أباطح مكة ... وذو يمن بالمشرفيّ المشطّب «3»
فقال يزيد: لاطت «4» بك الرّحم، لا سبيل إلى ذلك؛ من كان له قبل آل المهلب دم فليقم! فدفعهم إليهم حتى قتل نحو ثمانين.
قال: وبلغ يزيد بن عبد الملك أن هشاما يتنقّصه، فكتب إليه:
(5/189)

إن مثلي ومثلك كما قال الأول:
تمنّى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
لعلّ الذي يبغي رداي ويرتجي ... به قبل موتي أن يكون هو الرّدي «1»
فكتب إليه هشام: إن مثلي ومثلك كما قال الأول:
ومن لم يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة ... يجدها، ولا يبقى له الدهر صاحب «2»
فكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون ما كان منك، ومكذّبون ما بلغنا عنك، مع حفظ وصية أبينا عبد الملك، وما حضّ عليه من صلاح ذات البين، وإني لأعلم أنك كما قال معن بن أوس:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل
وإني على أشياء منك تريبني ... قديما ولا صلح على ذاك يجمل
ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أيّ كف تبدّل
إذا سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حدّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل «3»
وفي الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل «4»
فلما جاء الكتاب رحل هشام إليه، فلم يزل في جواره إلى أن مات يزيد وهو معه في عسكره مخافة أهل البغي.
محمد بن الغاز قال: حدّثنا أبو سعيد عبد الله بن شيب قال: حدّثني الزبير بن بكار قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا «5» بحبابة كلفا شديدا، فلما توفيت أكبّ عليها
(5/190)

يتشمّمها أياما حتى أنتنت، فأخذها في جهازها، وخرج بين يدي نعشها، حتى إذا بلغ القبر نزل فيه فلما فرغ من دفنها لصق به مسلمة أخوه يعزيه ويؤنسه، فقال: قاتل الله ابن أبي جمعة، كأنه كان يرى ما نحن فيه حيث يقول:
فإن تسل عنك النّفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
وكلّ خليل زارني فهو قائل ... من اجلك هذا ميّت اليوم أو غد!
قال: وطعن «1» في جنازتها فدفناه إلى سبعة عشر يوما.
خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان
ثم بويع هشام بن عبد الملك بن مروان، ويكنى أبا الوليد: وأمّه أم هشام بنت إسماعيل بن هشام المخزومي، يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شعبان سنة خمس ومائة.
ومات بالرصافة يوم الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وصلى عليه الوليد بن يزيد، وكانت خلافته عشرين سنة.
أسماء ولد هشام بن عبد الملك
معاوية، وخلف، ومسلمة، ومحمد، وسليمان، وسعيد، وعبد الله، ويزيد، وهو الأبكم؛ ومروان، وإبراهيم، ويحيي، ومنذر، وعبد الملك، والوليد، وقريش، وعبد الرحمن.
وكان على شرطته: كعب بن عامر العبسي، وعلى الرسائل: سالم مولاه، وعلى خاتم الخلافة: الربيع: مولى لبني الحربش، وهو الربيع بن سابور؛ وعلى الخاتم الصغير: أبو الزبير مولاه، وعلى ديوان الخراج والجند: أسامة بن زيد، ثم عزله وولّى الحثحاث؛ وعلى إذنه غالب بن مسعود مولاه.
(5/191)

أخبار هشام بن عبد الملك
أبو الحسن المدائني قال: كان عبد الملك بن مروان رأى في منامه أن عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي فقلت «1» رأسه فقطعته عشرين قطعة، فغمّه ذلك، فأرسل إلى سعيد بن المسيب فقصها عليه، فقال سعيد:
تلد غلاما يملك عشرين سنة.
وكانت عائشة أمّ هشام حمقاء، فطلقها عبد الملك لحمقها، وولدت هشاما وهي طالق، ولم يكن في ولد عبد الملك أكمل من هشام.
قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك بعد أن سخط «2» على خالد ابن عبد الله القسري وسلط عليه يوسف بن عمر عامله على العراق، فلما دخلت عليه استدناني «3» حتى كنت أقرب الناس إليه فتنفس الصعداء، ثم قال: يا خالد، رب خالد قعد مقعدك هذا أشهى إليّ حديثا منك! فعلمت أنه يريد خالد بن عبد الله القسري، قلت: يا أمير المؤمنين، أفلا تعيده؟ قال: هيهات، إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف «4» فأعجف «5» ، ولم يدع لمراجع مرجعا؛ على أنه ما سألني حاجة قط! فقلت: يا أمير المؤمنين، فلو أدنيته فتفضلت عليه! قال: هيهات، وأنشد:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... عليه بوجه آخر الدّهر تقبل
قال أصبغ بن الفرج: لم يكن في بني مروان من ملوكها أعطر ولا ألبس من هشام؛ خرج حاجّا فحمل ثياب طهره على ستمائة جمل.
ودخل المدينة، فقال لرجل: انظر من في المسجد. فقال: رجل طويل آدم أدلم «6» . قال: هذا سالم بن عبد الله، ادعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين، وإن
(5/192)

شئت أرسل فتؤتى بثيابك. فقال: ويحك! أتيت الله زائرا في رداء وقميص ولا أدخل بهما على هشام! فدخل عليه، فوصله بعشرة آلاف، ثم قدم مكة فقضى حجه، فلما رجع إلى المدينة قيل له: إن سالما شديد الوجع. فدخل عليه وسأله عن حاله.
ومات سالم فصلى عليه هشام وقال: ما أدري بأي الأمرين أنا أسرّ: بحجتي أم بصلاتي على سالم.
قال: ووقف هشام يوما قريبا من حائط فيه زيتون له، فسمع نفض الزيتون، فقال لرجل: انطلق إليهم فقل لهم: التقطوه ولا تنفضوه، فتفقئوا عيونه، وتكسروا غصونه.
وخرج هشام هاربا من الطاعون، فانتهى إلى دير فيه راهب، فأدخله الراهب بستانه، فجعل ينتقي له أطايب الفاكهة والبالغ منها، فقال هشام: يا راهب، هبني بستانك هذا! فلم يجبه، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال: وددت أنّ الناس كلّهم ماتوا غيرك! قال: ولم؟ قال: لعلك أن تشبع! فالتفت هشام إلى الأبرش فقال: أتسمع ما يقول؟ قال الأبرش: بلى، والله ما لقيك حرّ غيره.
العتبي قال: إني لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيم بن محمد بن طلحة، وصاحب حرس هشام، حتى قعدا بين يديه، فقال الحرسيّ «1» : إن أمير المؤمنين جرّاني «2» في خصومة بينه وبين إبراهيم. قال القاضي: شاهديك على الجراية «3» . فقال: أتراني قلت على أمير المؤمنين ما لم يقل وليس بيني وبينه إلا هذه السترة؟ قال: لا، ولكنه لا يثبت الحق لك ولا عليك إلا ببينة. قال: فقام، فلم يلبث حتى قعقعت الأبواب وخرج الحرسي فقال: هذا أمير المؤمنين. قال: فقام القاضي فأشار إليه فقعد، وبسط له مصلى فقعد عليه هو وإبراهيم؛ وكنا حيث نسمع بعض كلامهما ويخفى علينا البعض، قال: فتكلما وأحضرت البينة، فقضى القاضي على
(5/193)

هشام، فتكلم إبراهيم بكلمة فيها بعض الخرق، فقال: الحمد لله الذي أبان للناس ظلمك! فقال هشام: لقد هممت أن أضربك ضربة ينثر منها لحمك عن عظمك! قال: أما والله لئن فعلت لتفعلنّه بشيخ كبير السنّ، قريب القرابة، واجب الحق. قال له: استرها عليّ يا إبراهيم! قال: لا ستر الله عليّ ذنبي إذا يوم القيامة. قال: إني معطيك عليها مائة ألف ... قال إبراهيم: فسترتها عليه طول حياته ثمنا لما أخذت منه، وأذعتها عنه بعد موته تزيينا له.
وذكروا عن الهيثم بن عدي قال: كان سعيد بن هشام بن عبد الملك عاملا لأبيه على حمص، وكان يرمى بالنساء والشراب، فقدم حمصيّ لهشام، فلقيه أبو جعد الطائي في طريق، فقال له: هل ترى أن أعطيك هذه الفرس- فإني لا أعلم بمكان مثلها- على أن تبلغ هذا الكتاب أمير المؤمنين، ليس فيه حاجة بمسألة دينار ولا درهم؟ فأخذها وأخذ الكتاب، فلما قدم على هشام سأله: ما قصة هذا الفرس؟
فأخبره؛ فقال: هات الكتاب، فإذا فيه:
أبلغ إليك أمير المؤمنين فقد ... أمددتنا بأمير ليس عنّينا»
طورا يخالف عمرا في حليلته ... وعند ساحته يسقي الطّلا دينا «2»
فلما قرأ الكتاب بعث إلى سعيد فأشخصه؛ فلما قدم عليه علاه بالخيزرانة وقال: يا بن الخبيثة، تزني وأنت ابن أمير المؤمنين! ويلك! أعجزت أن تفجر فجور قريش؟
أو تدري ما فجور قريش لا أم لك؟ قتل هذا، وأخذ مال هذا؛ والله لا تلي لي عملا حتى تموت! قال: قال: فما ولي له عملا حتى مات.
أحمد بن عبيد قال: أخبرني هشام الكلبي عن أبي محمد بن سفيان القرشيّ عن أبيه قال: كنا عند هشام بن عبد الملك وقد وفد عليه وفد أهل الحجاز، وكان شباب الكتاب إذا قدم الوفد حضروا لاستماع بلاغة خطبائهم، فحضرت كلامهم، حتى قام
(5/194)

محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدويّ، وكان أعظم القوم قدرا، وأكبرهم سنا؛ فقال:
أصلح الله أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت فيك ما قالت؛ وأكثرت وأطنبت؛ والله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى خطيبهم فضلك، وإن أذنت في القول قلت. قال: قل وأوجز. قال: تولاك الله يا أمير المؤمنين بالحسنى؛ وزيّنك بالتقوى؛ وجمع لك خير الآخرة والأولى؛ إن لي حوائج، أفأذكرها؟. قال: هاتها.
قال: كبرت سنّي، ونال الدهر مني؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري، وينفي فقري، فعل. قال: وما الذي ينفي فقرك ويجبر كسرك؟ قال: ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار. قال: فأطرق هشام طويلا ثم قال: يا بن أبي الجهم، بيت المال لا يحتمل ما ذكرت. ثم قال له: هيه! قال: ما هيه؟ أما والله إن الأمر لواحد، ولكنّ الله آثرك لمجلسك؛ فإن تعطنا فحقّنا أديت، وإن تمنعنا نسأل الله الذي بيده ما حويت؛ يا أمير المؤمنين، إن الله جعل العطاء محبة والمنع مبغضة. والله لأن أحبّك أحبّ إليّ من أن أبغضك؛ قال: فألف دينار لماذا؟ قال: أقضي بها دينا قد حمّ قضاؤه! «1» وعناني حمله، وأضرّ بي أهله. قال: فلا بأس، تنفس كربة، وتؤدي أمانة. وألف دينار لماذا؟ قال: أزوّج بها من بلغ من ولدي. قال: نعم المسلك سلكت، أغضضت بصرا، وأعففت ذكرا، وأمّرت «2» نسلا. وألف دينار لماذا؟
قال: أشتري بها أرضا يعيش بها ولدي، وأستعين بفضلها على نوائب «3» دهري، وتكون ذخرا لمن بعدي. قال: فإنا قد أمرنا لك بما سألت. قال: فالمحمود الله على ذلك، وخرج.
فأتبعه هشام بصره، وقال: إذا كان القرشي فليكن مثل هذا، ما رأيت رجلا أوجز في مقال ولا أبلغ في بيان منه، ثم قال: أما والله إنا لنعرف الحق إذا نزل،
(5/195)

ونكره الإسراف والبخل، وما نعطي تبذيرا، ولا نمنع تقتيرا، وما نحن إلا خزّان الله في بلاده، وأمناؤه على عباده، فإذا أذن أعطينا، وإذا منع أبينا، ولو كان كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق، ما جبهنا «1» قائلا، ولا رددنا سائلا؛ ونسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا، فإنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بعباده خبير بصير.
فقالوا يا أمير المؤمنين، لقد تكلمت فأبلغت، وما بلغ كلامه ما قصصت.
قال: إنه مبتديء، وليس المبتديء كالمقتدي.
وذكروا أن العباس بن الوليد وجماعة من بني مروان اجتمعوا عند هشام، فذكروا الوليد بن يزيد وعابوه وذموه، وكان هشام يبغضه، ودخل الوليد، فقال له العباس:
يا وليد، كيف حبّك للروميات، فإن أباك كان مشغوفا بهن؟ قال: كيف لا يكون وهن يلدن مثلك! قال: ألا تسكت يا ابن البظراء؟ قال: حسبك أيها المفتخر علينا بختان أمّك! وقال له هشام: ما شرابك يا وليد؟ قال: شرابك يا أمير المؤمنين ... وقام يخرج، فقال لهم هشام: هذا الذي زعمتموه أحمق.
وقرّب الوليد بن يزيد فرسه فجمع جراميزه «2» ووثب على سرجه، ثم التفت إلى ولد هشام، وقال له: هل يقدر أبوك أن يصنع مثل هذا؟ قال: لأبي مائة عبد يصنعون مثل هذا. فقال الناس: لم ينصفه في الجواب.
العتبي عن أبيه، قال: سمعت معاوية بن عمرو بن عتبة يحدث قال: إني لقاعد بباب هشام بن عبد الملك، وكان الناس يتقرّبون إليه بعيب الوليد بن يزيد، قال فسمعت قوما يعيبونه، فقلت: دعونا من عيب من يلزمنا مدحه، ووضع من يجب علينا رفعه. وكانت للوليد بن يزيد عيون لا يبرحون بباب هشام، فنقلوا إليه
(5/196)

كلامي وكلام القوم، فلم ألبث إلا يسيرا حتى راح إليّ مولى للوليد قد التحف على ألف دينار، فقال لي: يقول لك مولاي: أنفق هذه في يومك وغدا أمامك قال:
فملئت رعبا من هشام وخشيت سطوته، ورماه الله بالعلّة، فدفنّاه لثمانية عشر يوما بعد ذلك اليوم.
فلما قام الوليد بعده دخلت عليه، فقال لي: يا ابن عتبة، أتراني ناسيا قعودك بباب الأحول «1» ، يهدمني وتبنيني، ويضعني وترفعني؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، شاركت قومك في الإحسان، وتفردت دونهم بإحسانك إلى، فلست أحمد لك نفسي في اجتهاد، ولا أعذرها في تقصير، وتشهد بذلك ألسنة الجائزين بنا، ويصدق قولهم الفعال منا. قال: كذلك أنتم لنا آل أبي سفيان، وقد أقطعتك مالي بالبثنيّة «2» وما أعلم لقرشي مثله.
وقال عبد الله بن عبد الحكم فقيه مصر: سمعت الأشياخ يقولون: سنة خمس وعشرين ومائة، أديل من الشرف، وذهبت المروءة. وذلك عند موت هشام بن عبد الملك.
قال أبو الحسن المدائني: مات هشام بن عبد الملك بالذّبحة يوم الأربعاء بالرصافة في ربيع الآخر لست خلون منه سنة خمس وعشرين ومائة، وصلى عليه سلمة بن هشام أو بعض ولده، واشترى له كفر «3» من السوق.
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك
بويع للوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء لستّ خلون من ربيع الآخرة سنة خمس وعشرين ومائة؛ وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف، أخي الحجاج بن يوسف.
(5/197)

وقتل بالبخراء من تدمر على ثلاثة أميال، يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن خميس وثلاثين أو ست وثلاثين. قال حاتم بن مسلم: ابن خمس وأربعين وأشهر.
وكانت ولايته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما.
فأول شيء نظر فيه الوليد أن كتب إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك أن يأتي الرصافة يحصي ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عماله وحشمه «1» ، إلا مسلمة ابن هشام، فإنه كتب إليه أن لا يعرض له ولا يدخل منزله؛ وكان مسلمة كثيرا ما يكلم أباه في الرفق بالوليد. ففعل العباس ما أمره به.
وكتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر، فقدم عليه من العراق، فدفع إليه خالد بن عبد الله القسري، محمدا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزومي، وأمر بقتلهم. فحدّث أبو بشر بن السري قال: رأيتهم حين قدم بهم يوسف بن عمر الحيرة، وخالد في عباءة في شق مخمل، فعذبهم حتى قتلهم.
ثم عكف الوليد على البطالة وحب القيان والملاهي والشراب ومعاشقة النساء، فتعشّق سعدى بنت سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان فتزوجها؛ ثم تعشق أختها سلمى فطلق أختها سعدى وتزوج سلمى، فرجعت سعدى إلى المدينة فتزوجت بشر ابن الوليد بن عبد الملك، ثم ندم الوليد على فراقها وكلف بحبها، فدخل عليه أشعب المضحك، فقال له الوليد: هل لك أن تبلغ سعدى عني رسالة ولك عشرون ألف درهم؟ قال: هاتها. فدفعها إليه، فقبضها وقال: ما رسالتك؟ قال: إذا قدمت المدينة فاستأذن عليها وقل لها: يقول لك الوليد:
أسعدى ما إليك لنا سبيل ... ولا حتى القيامة من تلاق
بلى ولعلّ دهرا أن يؤاتي ... بموت من حليلك أو فراق
(5/198)

فأتاها أشعب فاستأذن عليها، وكان نساء المدينة لا يحتجبن عنه؛ فقالت له: ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟ قال: يا سيدتي، أرسلني إليك الوليد برسالة. قالت: هاتها.
فأنشدها البيتين، فقالت لجواريها: خذن هذا الخبيث ... وقالت: ما جرّأك على مثل هذه الرسالة؟ قال: إنها بعشرين ألفا معجلة مقبوضة! قالت والله لأجلدنك أو لتبلغنّه عني كما أبلغتني عنه. قال: فاجعلي لي جعلا «1» . قالت: بساطي هذا. قال:
فقومي عنه. فقامت عنه، وطوى البساط وضمه، ثم قال: هاتي رسالتك. فقالت له: قل له:
أتبكي على سعدى وأنت تركتها ... فقد ذهبت سعدى، فما أنت صانع
فلما بلّغه الرسالة كظم الغيظ على أشعب، وقال: اختر إحدى ثلاث خصال، ولا بد لك من إحداها: إما أن أقتلك، وإما أن أطرحك للسباع فتأكلك، وإما أن ألقيك من هذا القصر! فقال أشعب، يا سيدي، ما كنت لتعذب عينين نظرتا إلى سعدى! فضحك وخلى سبيله.
وأقامت عنده سلمى حتى قتل عنها، وهو القائل في سلمى:
شاع شعري في سليمى وظهر ... ورواه كلّ بدو وحضر
وتهادته الغواني بينها ... وتغنّين به حتى انتشر
لو رأينا من سليمى أثرا ... لسجدنا ألف ألف للأثر
واتخذناها إماما مرتضى ... ولكانت حجّنا والمعتمر
إنما بنت سعيد قمر ... هل حرجنا أن سجدنا للقمر
وفيها يقول قبل تزوجه لها:
حدّثوا أنّ سليمى ... خرجت يوم المصلّى
فإذا طير مليح ... فوق غصن يتفلّى «2»
(5/199)

قلت يا طير ادن منّي ... فدنا ثم تدلي
قلت هل تعرف سلمى ... قال لا ثمّ تولى
فنكا في القلب كلما ... باطنا ثمّ تخلى «1»
وقال في سلمى قبل تزوجه لها:
لعلّ الله يجمعني بسلمى ... أليس الله يفعل ما يشاء
ويأتي بي ويطرحني عليها ... فيوقظني وقد قضي القضاء
ويرسل ديمة من بعد هذا ... فتغسلنا وليس بنا عناء «2»
وقال فيها بعد تزوجه لها:
أنا في يمنى يديها ... وهي في يسرى يديّه
إنّ هذا لقضاء ... غير عدل يا أخيّه
ليت من لام محبّا ... في الهوى لاقى منيّه
فاستراح الناس منه ... ميتة غير سويّه
قال: ولهج الوليد بالنساء والشراب والصيد، فأرسل إلى المدينة فحملوا له المغنين، فلما قرّبوا إليه أمر أن يدخلوا العسكر ليلا، وكره أن يراهم الناس، فأقاموا حتى أمسوا غير محمد بن عائشة فإنه دخل نهارا، فأمر الوليد بحبسه، فلم يزل محبوسا حتى شرب الوليد يوما فطرب فكلمه معبد، فأمر الوليد بإخراجه، ودعاه فغناه فقال:
أنت ابن مسلنطح البطاح ولم ... تعطف عليك الحنيّ والولج «3»
فرضي عنه؛ وكان سعيد الأحوص ومعبد، قدما على الوليد ونزلا في الطريق على غدير وجارية تستقي، فزاغت، فانكسرت الجرّة، فجلست تغني:
يا بيت عاتكة الذي أتغزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل
(5/200)

فقال: يا جارية، لمن أنت؟ فقالت: كنت لآل الوليد بن عقبة بالمدينة، فاشتراني مولاي، وهو من بني عامر بن صعصعة أحد بني الوحيد من بني كلاب، وعنده بنت عم له، فوهبني لها، فأمرتني أن أستقي لها. فقال لها: فلمن الشعر؟ قالت: سمعت بالمدينة أن الشعر للأحوص والغناء لمعبد. فقال معبد للأحوص: قل شيئا أغني عليه.
فقال:
إنّ زين الغدير من كسر الجرّ ... وغنّى غناء فحل مجيد
قلت: من أنت يا مليحة؟ قالت: ... كنت فيما مضى لآل الوليد
ثم قد صرت بعد عزّ قريش ... في بني عامر لآل الوحيد
وغنائي لمعبد ونشيدي ... لفتى الناس الأحوص الصّنديد «1»
فتضاحكتّ ثم قلت أنا الأحوص ... والشيخ معبد فأعيدي
فأعادت وأحسنت ثم ولت ... تتهادى فقلت أمّ سعيد
يقصر المال عن شراك ولكن ... أنت في ذمّة الإمام الوليد
وأم سعيد كانت للأحوص بالمدينة.
فغنى معبد على الشعر، فقال: ما هذا؟ فأخبراه، فاشتراها الوليد.
قال أبو الحسن: وقال ابن أبي الزناد: إني كنت عند هشام وعنده الزهري، فذكرا الوليد فتنقّصاه وعاباه عيبا شديدا، ولم أعرض لشيء مما كان فيه، فاستأذن فأذن له، فدخل وأنا أعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلا ثم قام؛ فلما مات هشام كتب فيّ، فحملت إليه، فرحب بي وقال: كيف حالك يا بن ذكوان؟ وألطف المسألة، ثم قال:
أتذكر هشاما الأحول وعنده الفاسق الزهري وهما يعيباني؟ فقلت: أذكر ذلك، ولم أعرض لشيء مما كانا فيه. قال: صدقت، أرأيت الغلام الذي كان على رأس هشام قائما؟ قلت: نعم. قال: فإنه نمّ إليّ بما قالاه، وايم الله لو بقي الفاسق الزهري لقتلته.
قلت: قد عرفت الغضب في وجهك حين دخلت. قال: يا بن ذكوان، ذهب الأحول!
(5/201)

قلت: يطيل الله عمرك، ويمتع الأمة ببقائك. ودعا بالعشاء فتعشينا، وجاءت المغرب فصلينا، وجلس فقال: اسقني. فجاءوا بإناء مغطى، وجيء بثلاث جوار، فصففن بيني وبينه حتى شرب، وذهبن فتحدثنا، واستسقى «1» ، فصنعوا مثل ذلك، فما زال كذلك: يستسقي ويتحدث ويصنعون مثل ذلك، حتى طلع الفجر؛ فأحصيت له سبعين قدحا.
علي بن عياش قال: إني عند الوليد بن يزيد في خلافته إذ أتي بشراعة من الكوفة؛ فو الله ما سأله عن نفسه ولا عن مسيره حتى قال له: يا شراعة. أنا والله ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب الله وسنة رسوله. قال: والله لو سألتني عنهما لوجدتني فيهما حمارا. قال: إنما أرسلت إليك لأسألك عن القهوة! قال: دهقانها «2» الخبير، ولقمانها الحكيم، وطبيبها العليم! قال: فأخبرني عن الشراب. قال: يسأل أمير المؤمنين عما بدا له. قال: ما تقول في الماء؟ قال: لا بد لي منه، والحمار شريكي فيه! قال: ما تقول في اللبن؟ قال: ما رأيته قط إلا استحييت من أمي لطول ما أرضعتني به! قال: ما تقول في السويق «3» ؟ قال: شراب الحزين والمستعجل والمريض. قال: فنبيذ التمر؟
قال: سريع الملء، سريع الانفشاش. قال: فنبيذ الزبيب؟ قال: تلهّوا به عن الشراب. قال: ما تقول في الخمر؟ قال: أوّه! تلك صديقة روحي. قال: وأنت والله صديق روحي، فأي المجالس أحب؟ قال: ما شرب الكأس قط على وجه أحسن من السماء.
قال أبو الحسن: كان أبو كامل مضحكا غزلا مغنيا، فغنى الوليد يوما فطرب فأعطاه قلنسوة بردا «4» كانت عليه؛ فكان أبو كامل لا يلبسها إلا في عيد، ويقول:
كسانيها أمير المؤمنين، فأنا أصونها؛ وقد أمرت أهلي إذا متّ أن توضع في أكفاني، وله يقول الوليد:
(5/202)

من مبلغ عني أبا كامل ... أني إذا ما غاب كالهابل
وزادني شوقا إلى قربة ... ما قد مضى من دهرنا الحائل
إني إذا عاطيته مزّة ... ظلت بيوم الفرح الجاذل «1»
قال: وجلس الوليد يوما وجارية تغنيه؛ فأنشدت الوليد:
قينة في يمينها إبريق
فأنشده حماد الراوية:
ثم نادى ألا اصبحوني فقامت ... قينة في يمينها إبريق
فدّمته على عقار كعين الدّيك ... صفّى سلافه الرّاووق «2»
مزّة قبل مزجها، فإذا ما ... مزجت لذّ طعمها من يذوق
وكتب الوليد إلى المدينة فحمل إليه أشعب، فألبسه سراويل جلد قرد له ذنب؛ وقال له: ارقص وغنّ صوتا يعجبني؛ فإن فعلت أعطيتك ألف درهم. فرقص وغنى فأعجبه؛ فأعطاه ألف درهم:
وأنشد الوليد هذا:
علّلاني واسقياني ... من شراب أصفهاني
من شراب الشيخ كسرى ... أو شراب الهرمزان «3»
إنّ بالكأس لمسكا ... أو بكفّي من سقاني
إنما الكأس ربيع ... يتعاطى بالبنان «4»
وقال أيضا:
وصفراء في الكأس كالزعفران ... سباها الدّهاقين من عسقلان
(5/203)

لها حبب كلما صفّقت ... تراها كلمعة برق يماني
وقال أيضا:
ليت حظّي اليوم من كلّ معاش لي وزاد
قهوة أبذل فيها ... طارفي بعد تلادي «1»
فيظلّ القلب منها ... هائما في كلّ وادي
إنّ في ذاك فلاحي ... وصلاحي ورشادي! «2»
وقال:
امدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا بالعطش
إنما الكأس ربيع باكر ... فإذا ما لم نذقها لم نعش
وبلغ الوليد أن الناس يعيبونه ويتنقّصونه بالشراب وطلب اللذات؛ فقال في ذلك:
ولقد قضيت ولم يجلّل لمتي ... شيب على رغم العدا لذّاتي «3»
من كاعبات كالدّمى ومناصف ... ومراكب للصيد والنّشوات «4»
في فتية تأبى الهوان وجوههم ... شمّ الأنوف جحاجح سادات «5»
إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها ... أو يطلبوا لا يدركوا بترات
وقال معاوية بن عمرو بن عتبة للوليد بن يزيد حين تغير له الناس وطعنوا «6» عليه: يا أمير المؤمنين، إنه ينطقني الأنس بك، وتسكتني إليك الهيبة لك، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك؛ أفأسكت مطيعا أم أقول مشفقا؟ قال كلّ مقبول منك ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه. فقتل بعد ذلك، بأيام.
(5/204)

وقال إذ كثر القول فيه:
خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم ... ثباتا يساوي ما حييت عقالا «1»
دعوا لي سليمى مع طلاء وقينة ... وكأس، ألا حسبي بذلك مالا»
أبا لملك أرجو أن أخلّد فيكم ... ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا
ألا ربّ دار قد تحمّل أهلها ... فأضحت قفارا والقفار حلالا «3»
قال إسحاق بن محمد الأزرق: دخلت على منصور بن جمهور الكلبي بعد قتل الوليد بن يزيد، وعنده جاريتان من جواري الوليد، فقال لي: اسمع من هاتين الجاريتين ما يقولان: قالتا: قد حدّثناك. قال: بل حدّثاه كما حدثتماني. قالت إحداهما: كنا أعزّ جواريه عنده، فنكح هذه وجاء المؤذنون يؤذنونه بالصلاة، فأخرجها وهي سكرى جنبة متلثّمة، فصلّت بالناس.
مقتل الوليد بن يزيد
إسماعيل بن إبراهيم قال: حدّثني عبد الله بن واقد الجرمي وكان شهد قتل الوليد، قال: لما أجمعوا على قتله، قلدوا أمرهم يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فخرج يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فأتى أخاه العباس ليلا فشاوره في قتل الوليد، فنهاه عن ذلك، فأقبل يزيد ليلا حتى دخل دمشق في أربعين رجلا، فكسروا باب المقصورة، ودخلوا على واليها فأوثقوه، وحمل يزيد الأموال على العجل إلى باب المضمار، وعقد لعبد العزيز بن الحجاج، ونادى مناديه: من انتدب إلى الوليد فله ألفان، فانتدب معه ألفا رجل وضمّ مع عبد العزيز بن الحجاج يعقوب بن عبد الرحمن، ومنصور بن جمهور، وبلغ الوليد بن يزيد ذلك فتوجه من البلقاء إلى حمص، وكتب إلى العباس بن الوليد أن يأتيه في جند من أهل حمص، وهو منها قريب؛ وخرج الوليد حتى انتهى إلى قصر في برية ورمل من تدمر على أميال، وصبّحت الخيل الوليد بالبخراء؛ وقدم
(5/205)

العباس بن الوليد بغير خيل، فحبسه عبد العزيز بن الحجاج خلفه، ونادى منادي عبد العزيز: من أتى العباس بن الوليد فهو آمن وهو بيننا وبينكم، وظن الناس أن العباس مع عبد العزيز، فتفرقوا عن الوليد، وهجم عليه الناس. فكان أول من هجم عليه السرى بن زياد بن أبي كبشة السكسكي، وعبد السلام اللخمي؛ فأهوى إليه السري بالسيف، وضربه عبد السلام على قرنه «1» ، فقتل.
قال إسماعيل: وحدثني عبد الله بن واقد قال: حدثني يزيد بن أبي فروة مولى بني أمية قال: لما أتي يزيد برأس الوليد بن يزيد، قال لي: انصبه للناس. قلت، لا أفعل:
إنما ينصب رأس الخارج. فحلف لينصبن ولا ينصبه غيري؛ فوضع على رمح ونصب على درج مسجد دمشق؛ ثم قال: اذهب فطف به في مدينة دمشق.
خليفة بن خياط قال: حدثني الوليد بن هشام عن أبيه قال: لما أحاطوا بالوليد أخذ المصحف وقال: أقتل كما قتل ابن عمي عثمان.
أبو الحسن المدائني قال: كان الوليد صاحب لهو وصيد وشراب ولذات، فلما ولي الأمر جعل يكره المواضع التي يراه الناس فيها؛ فلم يدخل مدينة من مدائن الشام حتى قتل، ولم يزل ينتقل ويتصيد حتى ثقل على الناس وعلى جنده، واشتد على بني هشام وأضرّ بهم، وضرب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغرّبه إلى عمان، فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد؛ وحبس يزيد بن هشام وهو الأفقم؛ فرماه بنو هشام وبنو الوليد، وكان أشدّهم قولا فيه يزيد بن الوليد وكان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر النسك.
ولما دفع الوليد خالد بن عبد الله القسري إلى يوسف بن عمر فقتله، غضب له اليمانية وغيرهم؛ فأتت يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فأرادوه على البيعة وخلع الوليد، فامتنع عليهم وخاف أن لا تبايعه الناس؛ ثم لم يزل الناس به حتى بايعوه سرا.
(5/206)

ولما قتل الوليد بن يزيد قام يزيد بن الوليد خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا «1» ، ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك؛ وما بي إطراء نفسي، ولا تزكية عملي، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي؛ ولكني خرجت غضبا لله ودينه، وداعيا إلى كتاب الله وسنة نبيه، حين درست «2» معالم الهدى، وطفيء نور أهل التقوى؛ وظهر الجبان العنيد، المستحل للحرمة، والراكب للبدعة، والمغيّر للسنة؛ فلما رأيت ذلك أشفقت إن غشيتكم ظلمة لا تقلع عنكم، على كثرة من ذنوبكم، وقسوة من قلوبكم؛ وأشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه، فيجيبه من أجابه منكم؛ فاستخرت الله في أمري، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهلي وأهل ولايتي- وهو ابن عمي في نسبي، وكفئي في حسبي- فأراح الله منه العباد، وطّهر منه البلاد، ولاية من الله وعونا، بلا حول [منا] ولا قوة، ولكن بحول الله وقوته وولايته وعونه.
أيها الناس، إن لكم عليّ إن وليت أموركم، أن لا أضع لبنة على لبنة «3» ، ولا حجرا على حجر، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ ثغره، وأقسم بين أهله ما يقوون به؛ فإن فضل رددته إلى أهل البلد الذي يليه ومن هو أحوج إليه؛ حتى تستقيم المعيشة بين المسلمين وتكونوا فيه سواء؛ ولا أجمّركم «4» في بعوثكم فتفتنوا ويفتن أهاليكم؛ فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم به، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدا هو أقوى عليها مني فأردتم بيعته فأنا أول من بايع ودخل في طاعته؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وقال خلف بن خليفة في قتل الوليد بن يزيد: لقتل خالد بن عبد الله:
(5/207)

لقد سكّنت كلب وأسياف مذحج ... صدى كان يزقو ليله غير راقد «1»
تركنا أمير المؤمنين بخالد ... مكبّا على خيشومه غير ساجد «2»
فإن تقطعوا منا مناط قلادة ... قطعنا بها منكم مناط قلائد
وإن تشغلونا عن أذان فإنّنا ... شغلنا الوليد عن غناء الولائد
ولاية يزيد الناقص
ثم بويع يزيد بن الوليد بن عبد الملك في أول رجب سنة ست وعشرين ومائة؛ وأمه ابنة يزدجرد بن كسرى، سباها قتيبة بن مسلم بخراسان وبعث بها إلى الحجاج بن يوسف، فبعث بها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك، فاتخذها، فولدت له يزيد الناقص ولم تلد غيره.
ومات يزيد بن الوليد بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وصلى عليه أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك.
قال عبد العزيز: بويع وهو ابن تسع وثلاثين سنة، ومات ولم يبلغ الأربعين.
وعلى شرطته بكير بن الشماخ اللّخمي، وكاتب الرسائل أبن سليمان بن سعد؛ وعلى الخراج والجند والخاتم الصغير والحرس النصر بن عمرو من أهل اليمن، وعلى خاتم الخلافة عبد الرحمن بن حميد الكلبي، ويقال: قطن مولاه.
وكتب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد بالجزيرة وبلغه عنه تلكّؤ «3» في بيعته.
أما بعد: فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت، والسلام.
(5/208)

ثم قطع إليه البعوث «1» وأمر لهم بالعطاء: فلم ينقص عطاؤه حتى مات يزيد.
ولما بلغ مروان أن يزيد قطع البعوث إليه كتب ببيعته، وبعث وفدا عليهم سليمان ابن علاثة العقيلي، فخرج، فلما قطعوا الفرات لقيهم بريد بموت يزيد، فانصرفوا إلى مروان. والله أعلم.
ولاية إبراهيم بن الوليد المخلوع
العلاء بن يزيد بن سنان قال: حدّثني أبي قال: حضرت يزيد بن الوليد حين حضرته الوفاة، فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك، يسألونك بحق الله لو وليت أمرهم أخاك إبراهيم بن الوليد! فغضب وضرب بيده على جبهته وقال: أنا أولّي إبراهيم؟ ثم قال لي: يا أبا العلاء، إلى من ترى أن أعهد؟ قلت أمر نهيتك عن الدخول في أوله، فلا أشير عليك في الدخول في آخره. قال: فأصابته إغماءة حتى ظننت أنه قد مات، ففعل ذلك غير مرة، ثم خرجت من عنده.
فقعد قطن وافتعل عهدا على لسان يزيد بن الوليد لإبراهيم بن الوليد، ودعا ناسا فأشهدهم عليه. قال: والله ما عهد إليه يزيد ولا إلى أحد من الناس.
وقال يزيد في مرضه لو كان سعيد بن عبد الملك قريبا مني لرأيت فيه رأيي.
وفي رواية أبي الحسن المدائني، قال: لما مرض يزيد قيل له: لو بايعت لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج بعده! فقال له قيس بن هانيء العبسي: اتق الله يا أمير المؤمنين وانظر نفسك وأرض الله في عباده، فاجعل وليّ عهدك عبد الملك بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. فقال يزيد: لا يسألني الله عن ذلك، ولو كان سعيد بن عبد الملك مني قريبا لرأيت فيه رأيي! ... وكان يزيد يرى رأى القدرية «2» ويقول بقول غيلان، فألحت القدرية عليه وقالوا: لا يحل لك إهمال أمر الأمّة، فبايع
(5/209)

لأخيك إبراهيم بن الوليد وليد العزيز من بعده. فلم يزالوا به حتى بايع لإبراهيم بن الوليد ولعبد العزيز من بعده.
ومات يزيد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وكانت ولايته خمسة أشهر واثنى عشر يوما.
فلما قدم مروان نبش يزيد من قبره وصلبه. وكان يقرأ في الكتب القديمة يا مبذر الكنوز، يا سجاد في الأسحار، كانت ولايتك لهم رحمة، وعليهم حجة، نبشوك فصلبوك! وبويع إبراهيم بن الوليد، وأمّه بربرية، فلم يتم له الأمر، وكان يدخل عليه قوم فيسلمون بالخلافة، وقوم يسلمون بالإمرة، وقوم لا يسلمون بخلافة ولا بإمرة، وجماعة تبايع، وجماعة يأبون أن يبايعوا، فمكث أربعة أشهر حتى قدم مروان بن محمد فخلع إبراهيم وقتل عبد العزيز بن الحجاج، وولي الأمر بنفسه.
وفي رواية خليفة بن خياط قال: لما أتى مروان بن محمد وفاة يزيد بن الوليد، دعا قيسا وربيعة، ففرض لستة وعشرين ألفا من قيس، وسبعة آلاف من ربيعة، وأعطاهم أعطياتهم، وولى على قيس إسحاق بن مسلم العقيلي، وعلى ربيعة المساور بن عقبة؛ ثم خرج يريد الشام، واستخلف على الجزيرة أخاه عبد العزيز بن محمد بن مروان، فتلقاه وجوه قيس: الوثيق بن الهذيل بن زفر، ويزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، وأبو الورد بن الهذيل بن زفر، وعاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، في خمسة آلاف من قيس، فساروا معه حتى قدم حلب، وبها بشر ومسرور ابنا الوليد بن عبد الملك، أرسلهما إبراهيم بن الوليد حين بلغه مسير مروان بن محمد، فالتقوا، فانهزم بشر ومسرور من ابن محمد من غير قتال، فأخذهما مروان فحبسهما عنده، ثم سار مروان حتى أتى حمص، فدعاهم للمسير معه والبيعة وولّى العهد الحكم وعثمان ابنى الوليد. ابن يزيد، وهما محبوسان عند إبراهيم بن الوليد بدمشق؛ فبايعوه، وخرجوا معه حتى أتى عسكر سليمان بن هشام بن عبد الملك [فانهزم جند سليمان وفّر
(5/210)

إلى دمشق] بعد قتال شديد؛ وبلغ عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ما لقي سليمان، وهو معسكر في ناحية عين الجرّ «1» ؛ فأقبل إلى دمشق، وخرج إبراهيم بن الوليد من دمشق ونزل بباب الجابية، وتهيأ للقتال ومعه الأموال على العجل، ودعا الناس فخذلوه؛ وأقبل عبد العزيز بن الحجاج وسليمان بن الوليد، فدخلا مدينة دمشق يريدان قتل الحكم وعثمان بن الوليد وهما في السجن؛ وجاء يزيد بن خالد بن عبد الله القسري فدخل السجن فقتل يوسف بن عمر، والحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد، وهما الحملان؛ وأتاهم رسول إبراهيم؛ فتوجه عبد العزيز بن الحجاج إلى داره ليخرج عياله، فثار به أهل دمشق فقتلوه، واحتزوا رأسه فأتوا به أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وكان محبوسا مع يوسف بن عمر وأصحابه، فأخرجوه ووضعوه على المنبر في قيوده، ورأس عبد العزيز بين يديه، وحلّوا قيوده وهو على المنبر، فخطبهم وبايع لمروان، وشتم يزيد وإبراهيم ابني الوليد، وأمر بجثة عبد العزيز فصلبت على باب الجابية منكوسا، وبعث برأسه إلى مروان بن محمد؛ واستأمن أبو محمد لأهل دمشق، فأمّنهم مروان ورضي عنهم؛ وبلغ [ذلك] إبراهيم فخرج هاربا حتى أتى مروان، فبايعه وخلع نفسه، فقبل منه وأمنه، فسار إبراهيم فنزل الرّقة على شاطىء الفرات؛ ثم أتاه كتاب سليمان بن هشام يستأمنه فأمّنه، فأتاه فبايعه. واستقامت لمروان بن محمد.
وكانت ولاية إبراهيم بن الوليد المخلوع أشهرا. قال أبو الحسن: شهرين ونصفا.
ولاية مروان بن محمد بن مروان
ثم بويع مروان بن محمد بن مروان بن الحكم. أمّه بنت إبراهيم بن الأشتر. قال بعضهم: بل كانت أمّه لخباز لمصعب بن الزبير، أولا لابن الأشتر، واسم الخباز:
رزبا؛ وقال بعضهم: كان رزبا عبدا لمسلم بن عمرو الباهلي.
(5/211)

وقال أبو العباس الهلالي حين دخل على أبي العباس السفاح: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النخع، ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وابن عبد المطلب.
وكان مروان بن محمد أحزم بني مروان وأنجدهم وأبلغهم، ولكنه ولي الخلافة والأمر مدبر عنهم.
ودفع إلى مروان أبيات قالها الحكم بن الوليد وهو محبوس، وهي:
ألا فتيان من مضر فيحموا ... أسارى في الحديد مكبّلينا
أتذهب عامر بدمي وملكي ... فلا غثّا أصبت ولا سمينا
فإن أهلك أنا ووليّ عهدي ... فمروان أمير المؤمنينا
فأدّب لاعدمتك حرب قيس ... فتخرج منهم الداء الدّفينا
ألا من مبلغ مروان عني ... وعمّي الغمر طال بذا حنينا
بأني قد ظلمت وطال حبسي ... لدى البخراء في لحف مهينا
وقتل مروان ببوصير من أرض مصر في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
الوليد بن هشام عن أبيه، وعبد الله بن المغيرة عن أبيه، وأبو اليقظان، قالوا: ولد مروان بالجزيرة سنة اثنتين وسبعين، وقتل بقرية من قرى مصر يقال لها بوصير يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وكانت ولايته خمس سنين وستة أشهر وعشرة أيام. وأمّ مروان أمة لمصعب بن الزبير، وقتل وهو ابن ستين سنة.
ولد مروان
عبد الملك، ومحمد، وعبد العزيز، وعبيد الله، وعبد الله، وأبان، ويزيد، ومحمد الأصغر، وأبو عثمان.
وكاتبه عبد الحميد بن يحيى بن سعيد مولى بني عامر بن لؤى، وكان معلما.
(5/212)

وكان على القضاء سليمان بن عبد الله بن علاثة.
وعلى شرطته الكوثر بن عتبة وأبو الأسود الغنوي.
وكان للحرس نوب، في كل ثلاثة أيام نوبة، يلي ذلك صاحب النوبة.
وعلى حجابته صقلا ومقلاص.
وعلى الخاتم الصغير عبد الأعلى بن ميمون بن مهران.
وعلى ديوان الجند عمران بن صالح مولى بني هذيل.
مقتل مروان بن محمد بن مروان
قال: والتقى مروان وعامر بن إسماعيل ببوصير من أرض مصر، فقاتلوهم ليلا، وعبد الله وعبيد الله ابنا مروان واقفان في ناحية في جمع من أهل الشام، فحمل عليهم أهل خراسان فأزالوهم عن مراكزهم، ثم كرّوا عليهم فهزموهم حتى ردّوهم إلى عسكرهم، ورجعوا إلى موقفهم؛ ثم إنّ أهل الشام بدءوهم فحملوا على أهل خراسان فكشفوا كشفا قبيحا، ثم رجعوا إلى أماكنهم وقد مضى عبيد الله وعبد الله، فلم يروا أحدا من أصحابهم، فمضوا على وجوههم وذلك في السحر.
وقتل مروان وانهزم الناس، وأخذوا عسكر مروان وما كان فيه، وأصبحوا فاتبعوا الفلّ «1» ، وتفرّق الناس؛ فجعلوا يقتلون من قدروا عليه، ورجع أهل خراسان عنهم.
فلما كان الغد لحق الناس بعبد الله وعبيد الله ابني مروان، وجعلوا يأتونهما متقطعين العشرة والعشرين وأكثر وأقل؛ فيقولان: كيف أمير المؤمنين؟ فيقول بعضهم: تركناه يقاتلهم. ويقول بعضهم: انحاز وثاب إليه قوم ولا يتبعونه. حتى أتوا
(5/213)

الحرون، فقال، كنت معه أنا ومولى له، فصرع فجررت برجله، فقال: أوجعتني! فقاتلت أنا ومولاه عنه؛ وعلموا أنه مروان فألحوا عليه، فتركته ولحقت بكم. فبكى عبد الله، فقال له أخوه عبيد الله: يا ألأم الناس! فررت عنه وتبكي عليه؟ ومضوا، فقال بعضهم: كانوا أربعة آلاف. وقال بعضهم: كانوا ألفين، فأتوا بلاد النوبة، فأجرى عليهم ملك النوبة ما يصلحهم، ومعهم أم خالد بنت يزيد، وأم الحكم بنت عبيد الله- صبية جاء بها رجل من عسكر مروان حين انهزموا- فدفعها إلى أبيها.
ثم أجمع ابنا مروان على أن يأتيا اليمن، وقالا: نأتيها قبل أن يأتيها المسوّدة «1» فنتحصّن في حصونها وندعو الناس. فقال لهم صاحب النوبة لا تفعلوا إنكم في بلاد السودان وهم في عدد كثير، ولا آمن عليكم؛ فأقيموا. فأبوا، قال: فاكتبوا لي كتابا، فكتبوا له: إنا قدمنا بلادك فأحسنت مثوانا، وأشرت علينا أن لا نخرج من بلادك، فأبينا، وخرجنا من عندك وافرين راضين شاكرين لك بطيب أنفسنا.
وخرجوا فأخذوا في بلاد العدو، فكانوا ربما عرضوا لهم ولا يأخذون منهم إلا السلاح، وأكثر من ذلك لا يعرضون له؛ حتى أتوا بعض بلادهم فتلقاهم عظيمهم فاحتبسهم، فطلبوا الماء فمنعهم، ولم يقاتلهم ولم يخلّهم وعطشهم، وكان يبيعهم القربة بخمسين درهما، حتى أخذ منهم مالا عظيما.
ثم خرجوا فساروا حتى عرض لهم جبل عظيم بين طريقين فسلك عبد الله أحدهما في طائفة، وسلك عبيد الله الآخر في طائفة أخرى، وظنوا أن للجبل غابة يقطعونها ثم يجتمعون عند آخرها، فلم يلتقوا.
وعرض قوم من العدو لعبيد الله وأصحابه فقاتلوهم، فقتل عبيد الله، وأخذت أم الحكم بنته وهي صبية، وقتل رجل من أصحابه، وكفوا عن الباقين وأخذوا سلاحهم.
(5/214)

وتقطع الجيش، يتنكبون «1» العمران، فيأتون الماء فيقيمون عليه الأيام، فتمضى طائفة وتقيم الأخرى، حتى بلغ العطش منهم؛ فكانوا يتحرون الدابة فيقطعون أكراشها فيشربونه، حتى وصلوا إلى البحر بحيال المندب؛ ووافاهم عبد الله وعليه مقرمة «2» قد جاء بها، فكانوا جميعا خمسين أو أربعين رجلا، فيهم الحجاج بن قتيبة ابن مسلم الحرون، وعفان مولى بني هاشم، فعبروا إليهم البحر في السفن، فمشوا إلى المندب، فأقاموا بها شهرا فلم تحملهم، فخرجوا إلى مكة. وقال بعضهم: أعلم بهم العامل، فخرجوا مع الحجاج عليهم ثياب غلاظ وجباب الأكرياء «3» ، حتى وافوا جدة وقد تقطعت أرجلهم من المشي، فمرّوا بقوم فرقّوا لهم فحملوهم، وفارق عبد الله الحجاج بجدة، ثم حجوا وخرجوا من مكة إلى تبالة.
وكان على عبد الله فصّ «4» أحمر كان قد غيّبه حين عبر إلى المندب، فلما أمن استخرجه، وكانت قيمته ألف دينار، وكان يقول وهو يمشي: ليت به دابة! حتى صار في مقرمة تكون عليه بالنهار فيلبسها بالليل؛ فقالوا: ما رأينا مثل عبد الله، قاتل فكان أشد الناس، ومشوا فكان أقواهم؛ وجاعوا فكان أصبرهم وعروا فكان أحسنهم عريا! وبعث وهو بالمندب إلى العدو الذين أخذوا أم الحكم بنت أخيه عبيد الله، ففداها وردّها إليه؛ فكانت معه.
ثم أخذ عبد الله فقدم به على المهدي، فجاءت امرأته بنت يزيد بن محمد بن مروان بن الحكم، فكلمت العباس بن يعقوب كاتب عيسى بن علي وأعطته لؤلؤا، ليكلم فيه عيسى: فكلمه وأعلمه بما أعطته؛ فلم يكلم فيه عيسى بن علي المهديّ؛ وأراد المهدي أن يقتله؛ فقال له عيسى: إن له في أعناقنا بيعة؛ وقد أعطى كاتبي قيمة ثلاثين ألف درهم. فحبسه المهدي.
(5/215)

وكان عبد الله بن مروان تزوج أم يزيد ابنة يزيد بن محمد بن مروان؛ وكانت في الحبس، فلما أخرجهم العباس خرجت إلى مكة فأقامت بها، وقدم عبد الله بن مروان سرّا فتزوجها.
وقال مولى مروان: كنت مع مروان وهو هارب؛ فقال لي يوما: أين عزبت «1» عنا حلومنا في نسائنا؟ ألا زوّجناهم من أكفائهن من قريش فكفينا مؤنتهن اليوم.
وقال بعض آل مروان: ما كان شيء أنفع لنا في هربنا من الجوهر الخفيف الثمن الذي يساوي خمسة دنانير فما دونها: كان يخرجه الصبي والخادم فيبيعه، وكنا لا نستطيع أن نظهر الجوهر الثمين الذي له قيمة كثيرة.
وقال مصعب بن الربيع الخثعمي كاتب مروان بن محمد: لما انهزم مروان وظهر عبد الله بن علي على أهل الشام، طلبت الإذن؛ فأنا عنده جالس وهو متكيء؛ إذ ذكر مروان وانهزامه فقال: أشهدت القتال؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير. قال لي مروان:
احزر «2» القوم. فقلت: إنما أنا صاحب قلم ولست بصاحب حرب. فأخذ يمنة ويسرة فقال لي: هم اثنا عشر ألف رجل.
وقال مصعب: قيل لمروان: قد انتهب بيت المال الصغير! فانصرف يريد بيت المال، فقيل له: قد انتهب بيت المال الأكبر، انتهبه أهل الشام.
وقال أبو الجارود السلمي: حدثني رجل من أهل خراسان قال: لقينا مروان على الزاب، فحمل علينا أهل الشام كأنهم جبال حديد، فجثونا على الرّكب «3» وأشرعنا «4» الرماح، فزالوا عنا كأنهم سحابة، ومنحنا الله أكتافهم وانقطع الجسر مما يليهم حين عبروا، فبقي عليه رجل من أهل الشام، فخرج إليه رجل منا، فقتله الشامي؛ ثم خرج إليه آخر، فقتله؛ حتى والى بين ثلاثة؛ فقال رجل منا: اطلبوا لي
(5/216)

سيفا قاطعا وترسا صلبا. فأعطيناه ومشى إليه، فضربه الشامي فاتّقاه بالترس وضرب رجله فقطعها، وقتله ورجع، فحملناه وكبرنا، فإذا هو عبيد الله الكابلي.
سمر المنصور ذات ليلة، فذكر خلفاء بني أمية وسيرهم، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين، وكانت همتهم مع عظم شأن الملك وجلالة قدره، قصد الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي الله ومساخطه جهلا باستدراج الله وأمنا لمكره؛ فسلبهم الله العز ونقل عنهم النعمة. فقال له صالح ابن علي: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن مروان لما دخل النوبة هاربا فيمن تبعه، سأل ملك النوبة عنهم فأخبر، فركب إلى عبد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه، وأزعجه «1» عن بلده؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك! فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة، فقال:
يا أمير المؤمنين، قدمنا أرض النوبة وقد خبّر الملك بأمرنا، فدخل عليّ رجل أقنى «2» الأنف طوال حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب، فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟
قال: لأني ملك، ويحق على الملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه الله! ثم قال لأي شيء تشربون الخمر وهي محرمة عليكم؟
قلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وغلماننا وأتباعنا، لأن الملك قد زال عنا.
قال: فلم تطئون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟
قلت: يفعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم.
قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وذلك محرّم عليكم؟
(5/217)

قلت: ذهب الملك عنا وقل أنصارنا فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا.
قال: فأطرق مليا وجعل يقلب يده وينكت الأرض ويقول عبيدنا وأتباعنا، وقوم دخلوا في ديننا، وزال الملك عنا!! يردده مرارا، ثم قال: ليس ذلك كذلك: بل أنتم قوم قد استحللتم ما حرم الله، وركبتم ما نهاكم عنه وظلمتم من ملكتم، فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها؛ وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاثة أيام، فتزوّدوا ما احتجتم وارتحلوا عن بلدي.
أخبار الدولة العباسية
الهيثم بن عدي قال: حدثني عيّاش قال: حدثني بكير أبو هاشم مولى مسلمة قال: لم يزل لبني هاشم بيعة سرّ ودعوة باطنة منذ قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ولم نزل نسمع بخروج الرايات السود من خراسان وزوال ملك بني أمية، حتى صار ذلك.
وقيل لبعض بني أمية: ما كان سبب زوال ملككم؟ قال: اختلاف فيما بيننا واجتماع المختلفين علينا! الهيثم بن عدي قال: حدثني غير واحد ممن أدركت من المشايخ أن عليّ بن أبي طالب أصار الأمر إلى الحسن، فأصاره الحسن إلى معاوية، وكره ذلك الحسين ومحمد ابن الحنفية. فلما قتل الحسين بن عليّ صار أمر الشيعة إلى محمد بن الحنفية. وقال بعضهم: إلى عليّ بن الحسين، ثم إلى محمد بن علي ثم إلى جعفر بن محمد. والذي عليه الأكثر أن محمد بن الحنفية أوصى إلى أبي هاشم ابنه: عبد الله بن محمد بن الحنفية، ولم يزل قائما بأمر الشيعة يأتونه ويقوم بأمرهم ويؤدّون إليه الخراج حتى استخلف سليمان ابن عبد الملك، فأتاه وافدا ومعه عدة من الشيعة، فلما كلمه سليمان قال: ما كلمت قط قرشيا يشبه هذا؛ وما نظن الذي كنا نحدّث عنه إلا حقا! فأجازه وقضى حوائجه وحوائج من معه. ثم شخص وهو يريد فلسطين، فلما كان ببلاد لخم وجذام، ضربوا
(5/218)

له أبنية في الطريق ومعهم اللبن المسموم، فكلما مر بقوم قالوا: هل لكم في الشراب! قالوا: جزيتم خيرا! ثم بآخرين فعرضوا عليه فقال: هاتوا. فلما شرب واستقر بجوفه، قال لأصحابه: إني ميت، فانظروا من القوم! فنظروا فإذا هم قد قوّضوا «1» أبنيتهم وذهبوا، فقال: ميلوا بي إلى ابن عمي وما أحسبني أدركه! فأسرعوا حتى أتوا الحميمة «2» من أرض الشراة، وبها محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فنزل بها، فقال: يا بن عمي، إني ميت؛ وقد صرت إليك؛ وأنت صاحب هذا الأمر، وولدك القائم به، ثم أخوه من بعده، والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى تخرج الرايات السود من قعر خراسان، ثم ليغلبنّ على ما بين حضرموت وأقصى أفريقية، وما بين الهند وأقصى فرغانة «3» ، فعليك بهؤلاء الشيعة واستوص بهم خيرا، فهم دعاتك وأنصارك، ولتكن دعوتك خراسان لا تعدوها، لا سيما مرو، واستبطن هذا الحيّ من اليمن فإن كان ملك لا يقوم به فمصيره إلى انتقاض «4» ، وانظر هذا الحي من ربيعة فألحقهم بهم، فإنهم معهم في كل أمر؛ وانظر هذا الحيّ من قيس وتميم فأقصهم إلا من عصم الله منهم، وذلك قليل ثم مرهم أن يرجعوا فليجعلوا اثنى عشر نقيبا، وبعدهم سبعين نقيبا؛ فإن الله لم يصلح أمر بني إسرائيل إلا بهم، وقد فعل ذلك النبي صلّى الله عليه وسلم، فإذا مضت سنة الحمار فوجه رسلك من خراسان، منهم من يقتل ومنهم من ينجو، حتى يظهر الله دعوتكم. قال محمد بن علي: يا أبا هاشم، وما سنة الحمار؟ قال: إنه لم تمض مائة سنة من نبوّة قط إلا انتقض أمرها، لقول الله عز وجل: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ
«5» .
(5/219)

واعلم أن صاحب هذا الأمر من ولدك عبد الله بن الحارثية، ثم عبد الله أخوه.
ولم يكن لمحمد بن علي في ذلك الحين ولد يسمى عبد الله، فولد له من الحارثية ولدان، سمى كل واحد منهما عبد الله، وكنى الأكبر أبا العباس، والأصغر أبا جعفر، فوليا جميعا للخلافة.
ثم مات أبو هاشم وقام محمد بن علي بالأمر بعد، واختلفت الشيعة «1» إليه؛ فلما ولد أبو العباس أخرجه إليهم في خرقة، وقال لهم: هذا صاحبكم. فجلسوا يلحسون أطرافه.
وولد أبو العباس في أيام عمر بن عبد العزيز.
ثم قدم الشيعة على محمد بن علي فأخبروه أنهم حبسوا بخراسان في السجن، وكان يخدمهم فيه غلام من السرّاجين «2» ما رأوا قط مثل عقله وظرفه ومحبته في أهل بيت رسول الله، يقال له أبا مسلم. قال: أحرّ أم عبد؟ قالوا: أما عيسى فيزعم أنه عبد، وأما هو فيزعم أنه حر. قال: فاشتروه وأعتقوه واجعلوه بينكم إذا رضيتموه.
وأعطو محمد بن علي مائتي ألف كانت معهم.
فلما انقضت المائة سنة بعث محمد بن علي رسله إلى خراسان فغرسوا بها غرسا، وأبو مسلم المقدم عليهم؛ وثارت الفتنة في خراسان بين المضرية واليمانية فتمكن أبو مسلم وفرق رسله في كور خراسان يدعو الناس إلى آل الرسول، فأجابوه؛ ونصر بن سيار عامل خراسان لهشام بن عبد الملك، فكان يكتب لهشام بخبرهم، وتمضي كتبه إلى ابن هبيرة صاحب العراق لينفذها إلى أمير المؤمنين، فكان يحبسها ولا ينفذها، لئلا يقوم لنصر بن سيار قائمة عند الخليفة- وكان في ابن هبيرة حسد شديد- فلما طال بنصر بن سيار ذلك ولم يأته جواب من عند هشام، كتب كتابا وأمضاه إلى
(5/220)

هشام على غير طريق ابن هبيرة، وفي جوف الكتاب هذه الأبيات مدرجة»
يقول فيها:
أرى خلل الرّماد وميض جمر ... فيوشك أن يكون لها ضرام «2»
فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها الكلام «3»
فإن لم تطفئوها تجن حربا ... مشمّرة يشيب لها الغلام
فقلت من التّعجّب: ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام؟
فإن كانوا لحينهم نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام
ففرّي عن رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السّلام
فكتب إليه هشام أن احسم ذلك الثّؤلول «4» الذي نجم عندكم. قال نصر:
وكيف لنا بحسمه.
وقال نصر بن سيار يخاطب المضرية واليمانية ويحذّرهم هذا العدوّ الداخل عليهم، بقوله:
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتهم ... فليغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب
ولينصبوا الحرب إنّ القوم قد نصبوا ... حربا يحرّق في حافاتها الحطب
ما بالكم تلقحون الحرب بينكم ... كأنّ أهل الحجا عن رأيهم عزبوا «5»
وتتركون عدوّا قد أظلّكم ... ممّا تأشّب لا دين ولا حسب «6»
قدما يدينون دينا ما سمعت به ... عن الرّسول ولم تنزل به الكتب
فمن يكن سائلا عن أصل دينهم ... فإنّ دينهم أن تقتل العرب
(5/221)

ومات محمد بن علي في أيام الوليد بن يزيد، وأوصى إلى ولده إبراهيم بن محمد؛ فقام بأمر الشيعة، وقدّم عليهم أبو مسلم السرّاج وسليمان بن كثيّر؛ وقال لأبي مسلم:
إن استطعت أن لا تدع بخراسان لسانا عربيّا فافعل، ومن شككت في أمره فاقتله.
فلما استعلى أمر أبي مسلم بخراسان وأجابته الكور كلها، كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد بخبر أبي مسلم وكثرة من تبعه، وأنه قد خاف أن يستولي على خراسان وأن يدعو إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فأتى الكتاب مروان وقد أتاه رسول أبي مسلم بجواب إبراهيم إلى أبي مسلم؛ فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان وهو عامله على دمشق، أن اكتب إلى عاملك بالبلقاء ليسير إلى الحميمة فيأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقا ثم يبعث به إليك، ثم وجّهه إليّ. فحمل إلى مروان، وتبعه من أهله عبد الله ابن علي، وعيسى بن موسى؛ فأدخل على مروان، فأمر به إلى الحبس.
قال الهيثم: حدثني أبو عبيدة قال: كنت آتيه في السجن، ومعه فيه سعيد بن [هشام بن] عبد الملك، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز؛ فو الله إني ذات ليلة في سقيفة «1» السجن بين النائم واليقظان، إذا بمولى لمروان قد استفتح الباب ومعه عشرون رجلا من موالي مروان الأعاجم، ومعهم صاحب السجن، فأصبحنا وسعيد وعبد الله وإبراهيم قد ماتوا.
قال الهيثم: حدّثني أبو عبيدة قال: حدّثني وصيف عبد الله بن عمر بن عبد العزيز الذي كان يخدمه في الحبس: أنه غمّ «2» عبد الله مولاه بمرفقه «3» ، وإبراهيم بن محمد بجراب نورة «4» ، وسعيد بن عبد الملك أخرجه صاحب السجن، فلقيه بعض حرس مروان في ظلمة الليل، فوطئته الخيل وهم لا يعرفون من هو، فمات.
(5/222)

ثم استولى أبو مسلم على خراسان كلها، فأرسل إلى نصر بن سيار، فهرب هو وولده وكاتبه داود، حتى انتهوا إلى الريّ، فمات نصر بن سيار بساوة «1» وتفرّق أصحابه، ولحق داود بالكوفة وولده جميعا.
واستعمل أبو مسلم عماله على خراسان ومرو وسمرقند وأحوازها «2» ؛ ثم أخرج الرايات السود، وقطع البعوث، وجهز الخيل والرجال، عليهم قحطبة بن شبيب، وعامر بن إسماعيل، ومحرز بن إبراهيم في عدّة من القواد، فلقوا من بطوس «3» ، فانهزموا؛ ومن مات في الزحام أكثر ممن قتل، فبلغ القتلى بضعة عشر ألفا.
ثم مضى قحطبة إلى العراق، فبدأ بجرجان وعليها نباته بن حنظلة الكلابي، وكان قحطبة يقول لأصحابه: والله ليقتلن عامر بن ضبارة، وينهزمنّ ابن هبيرة، ولكني أخاف أن أموت قبل أن أبلغ ثأري، وأخاف أن أكون الذي يغرق في الفرات، فإن الإمام محمد بن علي قال لي ذلك قال الهيثم: فقدم قحطبة جرجان فقتل ابن نباتة ودخل جرجان فانتهبها، وقسم- ما أصاب بين أصحابه؛ ثم سار إلى عامر بن ضبارة بأصبهان فلقيه، فقتل ابن ضبارة وقتل أصحابه، ولم ينج منهم إلا الشريد، ولحق فلّهم بابن هبيرة.
وقال قحطبة لما قتل ابن ضبارة: ما شيء رأيته ولا عدوّ قتلته إلا وقد حدّثني به الإمام صلوات الله عليه، إلا أنه حدّثني أني لا أعبر الفرات.
وسار قحطبة حتى نزل بحلوان «4» ووجه أبا عون في نحو من ثلاثين ألفا إلى مروان بن محمد، فأخذ على شهرزور حتى أتى الزّاب، وذلك برأي أبي مسلم.
فحدث أبو عون عبد الملك بن يزيد: قال لي أبو هاشم بكير بن ماهان: أنت والله
(5/223)

الذي تسير إلى مروان، ولتبعثنّ إليه غلاما من مذحج يقال له عامر فليقتلنّه فأمضيت والله عامر بن إسماعيل على مقدمتي، فلقي مروان فقتله.
ثم سار قحطبة من حلوان إلى ابن هبيرة بالعراق، فالتقوا بالفرات، فاقتتلوا حتى اختلط الظلام، وقتل قحطبة في المعركة وهو لا يعرف، فقال بعضهم: غرق في الفرات.
ثم انهزم ابن هبيرة حتى لحق بواسط، وأصبح المسوّدة وقد فقدوا أميرهم، فقدّموا الحسن بن قحطبة. ولما بلغ مروان قتل قحطبة وهزيمة ابن هبيرة قال: هذا والله الإدبار، وإلا فمتى رأيتم ميتا هزم حيّا! وأقام ابن هبيرة بواسط وغلبت المسوّدة على العراق، وبايعوا لأبي العباس عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ووجه عمّه عبد الله بن علي لقتال مروان وأهل الشام، وقدمه على أبي عون وأصحابه؛ ووجه أخاه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة، وأقام أبو العباس بالكوفة حتى جاءته هزيمة مروان بالزاب. وأمضى عبد الله بن علي أبا عون في طلبه، وأقام على دمشق ومدائن الشام يأخذ بيعتها لأبي العباس.
وكان أبو سلمة الخلال. واسمه حفص بن سليمان. يدعى وزير آل محمد، وكان أبو مسلم يدعى أمين آل محمد؛ فقتل أبو العباس أبا سلمة الخلال، واتهمه بحب بني فاطمة وأنه كان يحطب «1» في حبالهم؛ وقتل أبو جعفر أبا مسلم.
وكان أبو مسلم يقول لقواده إذا أخرجهم: لا تكلموا الناس إلا رمزا، ولا تلحظوهم إلا شزرا «2» : لتمتلىء صدورهم من هيبتكم.
(5/224)

مقتل زيد بن علي أيام هشام بن عبد الملك
كتب يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك: إن خالد بن عبد الله أودع زيد بن حسين بن علي بن أبي طالب مالا كثيرا. فبعث هشام إلى زيد فقدم عليه فسأله عن ذلك فأنكر، فاستحلفه فحلف؛ فخلّى سبيله. وأقام عند هشام بعد ذلك سنة، ثم دخل عليه في بعض الأيام، فقال له هشام: بلغني أنك تحدّث نفسك بالخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة! قال: أما قولك إني أحدث نفسي بالخلافة، فلا يعلم الغيب إلا الله؛ وأما قولك إني ابن أمة فهذا إسماعيل صلّى الله عليه وسلم ابن أمة، أخرج الله من صلبه خير البشر محمدا صلّى الله عليه وسلم، وإسحاق ابن حرة، أخرج الله من صلبه القردة والخنازير وعبدة الطاغوت «1» . وخرج زيد مغضبا، فقال زيد: ما أحبّ أحد الحياة إلا ذلّ! قال له الحاجب: لا يسمع هذا الكلام منك أحد. وخرج زيد حتى قدم الكوفة، فقال:
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد «2»
منخرق الخفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد «3»
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
ثم خرج بخراسان، فوجه يوسف بن عمر إليه الخيل وخرج في أثرهم حتى لقيه، فقاتله، فرمي زيد في آخر النهار بنشابة من نحره فمات، فدفنه أصحابه في حمأة كانت قريبة منهم، وتتبّع أصحاب زيد، فانهزم من انهزم وقتل من قتل، ثم أتي يوسف فقيل له: إن زيدا دفن في حمأة. فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام، ثم صلبه في سوق الكناسة «4» ، فقال في ذلك أعور كلب، وكان مع يوسف في جيش أهل الشام:
(5/225)

نصبنا لكم زيدا على جذع نخلة ... وما كان مهديّ على الجذع ينصب
الشيباني قال: لما نزل عبد الله بن علي نهر أبي فطرس «1» ، حضر الناس بابه للإذن، وحضر اثنان وثمانون رجلا من بني أمية، فخرج الآذن فقال: يا أهل خراسان، قوموا. فقاموا سماطين «2» في مجلسه، ثم أذن لبني أمية فأخذت سيوفهم ودخلوا عليه. قال أبو محمد العبدي الشاعر: وخرج الحاجب فأدخلني فسلمت عليه فرد عليّ السلام، ثم قال: أنشدني قولك:
وقف المتيّم في رسوم ديار
فأنشدته حتى انتهيت إلى قولي:
أمّا الدّعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أميّة من دعاة النّار
من كان يفخر بالمكارم والعلا ... فلها يتمّ المجد غير فخار
والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه على المصلى، وبنو أمية على الكراسي فألقى إليّ صرة حرير خضراء فيها خمسمائة دينار، وقال: لك عندنا عشرة آلاف درهم وجارية وبرذون «3» وغلام وتخت ثياب، قال: فوفى والله بذلك كله ثم أنشأ عبد الله بن علي يقول:
حسبت أميّة أن سيرضى هاشم ... عنها ويذهب زيدها وحسينها
كلا وربّ محمّد وإلهه ... حتى تباح سهولها وحزونها «4»
ثم أخذ قلنسوته من رأسه فضرب بها الأرض، فأقبل أولئك الجند على بني أمية فخبطوهم بالسيوف والعمد، وقال الكلبي الذي كان بينهم وكان من أتباعهم: أيها الأمير، إني والله ما أنا منهم! فقال عبد الله بن علي:
(5/226)

ومدخل رأسه لم يدعه أحد ... بين الفريقين حتى لزّه القرن «1»
اضربوا عنقه! ثم أقبل على الغمر فقال: ما أحسب لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا! فقال: أجل. قال: يا غلام، اضرب عنقه، فأقيم من المصلى فضرب عنقه، ثم أمر ببساط فطرح عليهم، ودعا بالطعام فجعل يأكل وأنين بعضهم تحت البساط.
وفي رواية أخرى، قال: لما قدم الغمر بن يزيد بن عبد الملك على أبي العباس السفاح في ثمانين رجلا من بني أمية، وضعت لهم الكراسي، ووضعت لهم نمارق «2» وأجلسوا عليها، وأجلس الغمر مع نفسه في المصلى، ثم أذن لشيعته فدخلوا، ودخل فيهم سديف بن ميمون، وكان متوشحا سيفا، متنكبا قوسا، وكان طويلا آدم «3» ، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيزعم الضّلال بما حبطت أعمالهم أنّ غير آل محمد أولى بالخلافة؟ فلم وبم أيها الناس؟ لكم الفضل بالصحابة، دون حق ذوي القرابة، الشركاء في النسب، الأكفاء في الحسب، الخاصة في الحياة، الوفاة عند الوفاة، مع ضربهم على الأمر جاهلكم، وإطعامهم في اللأواء «4» جائعكم، فكم قصم الله بهم من جبار باغ، وفاسق ظالم، لم يسمع بمثل العباس، لم تخضع له أمّة بواجب حق، أبو رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد أبيه، وجلدة ما بين عينيه، أمينه ليلة العقبة، ورسوله إلى أهل مكة، وحاميه يوم حنين، لا يردّ له رأيا، ولا يخالف له قسما؛ إنكم والله معاشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث ما اختاره الله لكم، تيميّ مرة، وعديّ مرة، وكنتم بين ظهراني قوم قد آثروا العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، وجعلوا الصدقات في الشهوات، والفيء في اللذات والغناء. والمغانم في المحارم، إذ ذكّروا بالله لم يذكروا، وإذا قدّموا بالحق أدبروا، فذلك زمانهم، وبذلك كان يعمل سلطانهم.
(5/227)

فلما كان الغد أذن لهم فدخلوا، ودخل فيهم شبل، فلما جلسوا قام شبل فاستأذن في الإنشاد، فأذن له، فأنشد:
أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العبّاس «1»
طلبوا وتر هاشم فلقوها ... بعد ميل من الزمان وياس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كلّ نخلة وغراس «2»
لقد غاظني وغاظ سوائي ... قربهم من منابر وكراسي
واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس «3»
وقتيلا بجوف حرّان أضحى ... تحجل الطّير حوله في الكناس «4»
نعم شبل الهراش صولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس
ثم قام وقاموا، ثم أذن لهم بعد، فدخلوا ودخل الشيعة، فلما جلسوا قام. سديف بن ميمون، فأنشد:
قد أتتك الوفود من عبد شمس ... مستعدّين يوجعون المطيّا»
غفوة أيّها الخليفة لا عن ... طاعة بل تخوّفوا المشرفيّا «6»
لا يغرّنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضّلوع داء دويّا
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا
ثم قام خلف بن خليفة الأقطع فأنشد:
إن تجاوز فقد قدرت عليهم ... أو تعاقب فلم تعاقب بريّا
أو تعاتبهم على رقّة الدّين ... فقد كان دينهم سامريّا
(5/228)

فالتفت أبو العباس إلى الغمر فقال: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: والله إنّ هذا لشاعر، ولقد قال شاعرنا ما هو أشعر من هذا. قال: وما قال؟ فأنشده:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
فشرق وجه أبي العباس بالدم وقال: كذبت يا بن اللخناء «1» ! إني لأرى الخيلاء في رأسك بعد! ثم قاموا، وأمر بهم فدفعوا إلى الشيعة فاقتسموهم فضربوا أعناقهم، ثم جرّوا بأرجلهم حتى ألقوهم في الصحراء بالأنبار وعليهم سراويلات الوشي، فوقف عليهم سديف مع الشيعة، وقال:
طمعت أميّة أن سيرضى هاشم ... عنها ويذهب زيدها وحسينها
كلا وربّ محمد وإلهه ... حتى يباد كفورها وخئونها
وكان أشدّ الناس على بني أمية عبد الله بن عليّ، وأحنّهم عليهم سليمان بن علي، وهو الذي كان يسميه أبو مسلم: كنف الأمان! وكان يجير كلّ من استجار به.
وكتب إلى أبي العباس:
يا أمير المؤمنين، إنا لم نحارب بني أمية على أرحامهم، وإنما حاربناهم على عقوقهم، وقد دفت إليّ منهم دافّة «2» لم يشهروا سلاحا ولم يكثروا جمعا، فأحب أن تكتب لهم منشور أمان.
فكتب لهم منشور أمان وأنفذه إليهم، فمات سليمان بن عليّ وعنده بضع وثمانون حرمة لبني أمية.
خلفاء بني أمية بالأندلس
عبد الرحمن بن معاوية بن هشام
أوّل خلفاء الأندلس من بني أمية: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ولي الملك يوم الجمعة لعشر خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين ومائة، وهو ابن
(5/229)

ثمان وعشرين سنة. وتوفي في عشرة من جمادي الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة، فكان ملكه اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر، وكان يقال له صقر قريش، وذلك أنّ أبا جعفر المنصور قال لأصحابه: أخبروني عن صقر قريش من هو؟ قالوا: أمير المؤمنين الذي راض الملك، وسكّن الزلازل، وحسم الأدواء، وأباد الأعداء. قال: ما صنعتم شيئا. قالوا: فمعاوية. قال: ولا هذا. قالوا: فعبد الملك بن مروان. قال: ولا هذا. قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟ قال: عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميا مفردا. فمصّر الأمصار، وجند الأجناد، ودوّن الدواوين، وأقام ملكا بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدّة شكيمته «1» ، إنّ معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان وذللا له صعبه، وعبد الملك ببيعة تقدّم له عقدها، وأمير المؤمنين بطلب عشيرته واجتماع شيعته، وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه.
وقالوا لما توطد ملك عبد الرحمن بن معاوية عمل هذه الأبيات وأخرجها إلى وزرائه فاستغربت من قوله إذ صدقها فعله، وهي:
ما حقّ من قام ذا امتعاض ... منتضي الشّفرتين نصلا
فبزّ ملكا وساد عزّا ... ومنبرا للخطاب فصلا «2»
فجاز قفرا وشقّ بحرا ... مساميا لجّة ومحلا «3»
وجنّد الجند حين أودى ... ومصّر المصر حين أجلى «4»
ثم دعا أهله جميعا ... حيث انتأوا أن هلمّ أهلا «5»
فجاء هذا طريد جوع ... شريد سيف أبيد قتلا
فحلّ أمنا ونال شبعا ... وحاز مالا وضمّ شملا
ألم يكن حقّ ذا على ذا ... أوجب من منعم ومولى؟
(5/230)

وكتب أمية بن يزيد عنه كتابا إلى بعض عماله يستقصره فيما فرّط فيه من عمله، فأكثر وأطال الكتاب، فلما لحظه عبد الرحمن أمر بقطعه «1» ، وكتب:
أمّا بعد، فإن يكن التقصير لك مقدّما يعدّ الاكتفاء أن يكون لك مؤخرا، وقد علمت بما تقدّمت، فاعتمد على أيهما أحببت.
وكان ثار عليه ثائر بغربيّ بلدة «2» ، فغزاه به وأسره، فبينما هو منصرف وقد حمل الثائر على بغل مكبولا، نظر إليه عبد الرحمن بن معاوية وتحته فرس له، فقنّع «3» رأسه بالقناة، وقال: يا بغل، ماذا تحمل من الشقاق والنفاق! قال الثائر: يا فرس، ماذا تحمل من العفو والرحمة! فقال له عبد الرحمن: والله لا تذوق موتا على يدي أبدا.
هشام بن عبد الرحمن
ثم ولى هشام بن عبد الرحمن لسبع خلون من جمادي الآخرة سنة اثنتين وسبعين ومائة. ومات في صفر سنة ثمانين ومائة. وكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر.
ومات وهو ابن إحدى وثلاثين سنة.
وهو أحسن الناس وجها، وأشرفهم نفسا، الكامل المروءة، الحاكم بالكتاب والسنة، الذي أخذ الزكاة على حلها، ووضعها في حقها، لم يعرف منه هفوة في حداثته، ولا زلة في أيام صباه، ورآه يوما أبوه وهو مقبل ممتليء شبابا فأعجبه فقال:
يا ليت نساء بني هاشم أبصرنه حتى يعدن فوارك «4» .
وكان هشام يصر الصّرر بالأموال في ليالي المطر والظّلمة، ويبعث بها إلى المساجد فيعطى من وجد فيها؛ يريد بذلك عمارة المساجد.
(5/231)

وأوصى رجل في زمن هشام بمال في فك سبيّة من أرض العدو، فطلبت فلم توجد، احتراسا منه للثغر؛ واستنقاذا لأهل السبي.
الحكم بن هشام
ثم ولي الخلافة الحكم بن هشام في صفر سنة ثمانين ومائة؛ وكانت ولايته ستا وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا. ومات يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين وهو ابن اثنتين وخمسين سنة.
وكانت فيه بطالة إلا أنه كان شجاع النفس، باسط الكف، عظيم العفة متخيرا لأهل عمله ولأحكام رعيته، أورع من يقدر عليه وأفضلهم، فيسلّطهم على نفسه، فضلا عن ولده وسائر خاصته.
وكان له قاض قد كفاه أمور رعيته، بفضله وعدله وورعه وزهده، فمرض مرضا شديدا، واغتم له الحكم غما شديدا؛ فذكر يزيد فتاه: أنه أرق يوما وليلة وبعد عنه نومه وجعل يتململ على فراشه، فقلت: أصلح الله الأمير، إني أراك متململا وقد زال النوم عنك، فلم أدر ما عرض لك! قال: ويحك، إني سمعت نائحة هذه الليلة، وقاضينا مريض، فما أراه إلا قد قضى نحبه، وأين لنا بمثله؟ ومن يقوم للرعية مقامه؟ ثم إن القاضي مات، واستقضى الحكم بعده سعيد بن بشير؛ فكان أقصد الناس إلى الحق، وآخذهم بعدل، وأبعدهم من هوى، وأنقذهم لحكم:
رفع إليه رجل من أهل كورة جيان أن عاملا للحكم اغتصبه جارية وعمل في تصييرها إلى الحكم، فوقعت من قلبه كل موقع، وأن الرجل أثبت أمره عند القاضي، وأتاه ببينة «1» يشهدون على معرفة ما تظلّم منه، وعلى عين الجارية ومعرفتهم بها، وأوجب البينة أن تحضر الجارية؛ فاستأذن القاضي على الحكم، فأذن له فلما دخل عليه قال: إنه لا يتم عدل في العامة دون إفاضته في الخاصة. وحكى له أمر الجارية،
(5/232)

وخيّره في إبرازها إليه، أو عزله عن القضاء! فقال له: ألا أدعوك إلى خير من ذلك؟ تبتاع الجارية من صاحبها بأنفس ثمن وأبلغ ما يسأله فيها. فقال: إن الشهود قد شخصوا من كروة جيان يطلبون الحق في مظانه «1» ، فلما صاروا ببابك تصرفهم دون إنقاذ الحق لأهله! ولعل قائلا أن يقول: باع ما يملك بيع مقتسر على أمره. فلما رأى عزمه أمر بإخراج الجارية من قصره، وشهد الشهود على عينها، وقضى بها لصاحبها.
وكان سعيد بن بشير القاضي إذا خرج إلى المسجد أو جلس في مجلس الحكم، جلس في رداء معصفر «2» وشعر مفرق إلى شحمة أذنيه؛ فإذا طلب ما عنده وجد أورع الناس وأفضلهم.
وكانت للحكم ألف فرس مربوطة بباب قصره على جانب النهر، عليها عشرة عرفاء، تحت يد كل عريف منها مائة فرس لا تندب ولا تبرح، فإذا بلغه عن ثائر في طرف من أطرافه عاجله قبل استحكام أمره، فلا يشعر حتى يحاط به.
وأتاه الخبر: أن جابر بن لبيد يحاصر جيان وهو يلعب بالصولجان في الجسر، فدعا بعريف من أولئك فأشار إليه أن يخرج من تحت يده إلى جابر بن لبيد، ثم فعل مثل ذلك بأصحابه من العرفاء، فلم يشعر ابن لبيد حتى تساقطوا عليه متساوين، فلما رأى ذلك عدوّه سقط في أيديهم وظنوا أن الدنيا قد حشرت لديهم، فولوا مدبرين.
وقال الحكم يوم الهيجاء بعد وقعة الرّبض:
رأيت صدوع الأرض بالسّيف راقعا ... وقدما رأيت الشّعب مذ كنت يافعا
فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة ... أبادرها مستنضي السيف دارعا
وشافه على أرض القضاء جماجما ... كأقحاف شريان الهبيد لوامعا «3»
(5/233)

تنبّئك أني لم أكن عن قراعهم ... بوان وأني كنت بالسيف قارعا «1»
ولما تساقينا سجال حروبنا ... سقيتهم سمّا من الموت ناقعا «2»
وهل زدت أن وفّيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدّرت ومصارعا
قال عثمان بن المثنى المؤدب: قدم علينا عباس بن ناصح من الجزيرة أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم، فاستنشدني شعر الحكم، فأنشدته، فلما انتهيت إلى قوله:
وهل زدت أن وفّيتهم صاع قرضهم
قال: لو جوثي الحكم في حكومة لأهل الربض لقام بعذره هذا البيت.
عبد الرحمن بن الحكم
ثم ولي بعده عبد الرحمن بن الحكم، أندى الناس كفا، وأكرمهم عطفا، وأوسعهم فضلا، في ذي الحجة سنة ست ومائتين: فملك إحدى وثلاثين سنة وخمسة أشهر، ومات ليلة الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة.
وكتب إليه بعض عماله، يسأله عملا رفيعا لم يكن من شاكلته؛ فوقّع في أسفل كتابه:
من لم يصب وجه مطلبه، كان الحرمان أولى به.
محمد بن عبد الرحمن
ثم ولي الملك محمد بن عبد الرحمن، يوم الخميس لثلاث [خلون] من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملك أربعا وثلاثين سنة، وتوفي يوم الجمعة مستهلّ ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وهو ابن سبع وستين سنة.
(5/234)

وكتب عبد الرحمن بن الشمر إلى الأمير محمد بن عبد الرحمن في حياة أبيه عبد الرحمن- وكان يتجنب الوقوف ببابه مخافة نصر الفتى- فلما مات نصر كتب ابن الشمر هذه الأبيات إلى محمد يقول فيها:
لئن غاب وجهي عنك إنّ مودّتي ... لشاهدة في كلّ يوم تسلّم
وما عاقني إلا عدوّ مسلّط ... يذلّ ويقصي من يشاء ويرغم
ولم يستطل إلا بكم وبعزّكم ... ولا ينبغي أن يمنح العزّ مجرم
فمكنتموه فاستطال عليكم ... وكادت بنا نيرانه تتضرّم
كذلك كلب السّوء إن يشبع انبرى ... لمشبعه مستشليا يترمرم «1»
فجمّع إخوانا لصوصا أراذلا ... ومنّاهم أن يقتلونا ويغنموا
رأى بأمين الله سقما فغرّه ... ولم يك يدري أنّه يتقدّم
فنحمد رباّ سرّنا بهلاكه ... فما زال بالإحسان والطّول ينعم
أراد يكيد الله نصر فكاده ... ولله كيد يغلب الكيد، مبرم
بكى الكفر والشّيطان نصرا فأعولا ... كما ضحكت شوقا إليه جهنّم
وكانت له في كلّ شهر جباية ... جباية آلاف تعد وتخّتم
فهل حائط الإسلام يوما يسومهم ... بما اجترموا يوما عليه وأقدموا «2»
وينهبنا أموالهم وهو فاعل ... فإني أرى الدّنيا له تتبسم
ألا أيّها النّاس اسمعوا قول ناصح ... حريص عليكم مشفق وتفهّموا
محمّد نور يستضاء بوجهه ... وسيف بكفّ الله ماض مصمّ
فكونوا له مثل البنين يكن لكم ... أبا حدبا في الرحم بل هو أرحم «3»
فيا بن أمين الله لا زلت سالما ... معافّي فإنا ما سلمت سنسلم
ألست المرجّى من أمية والذي ... له المجد منها الأتلد المتقدّم «4»
(5/235)

وأنت لأهل الخير روح ورحمة ... نعم، ولأهل الشّرّ صاب وعلقم «1»
وحدث بقي بن مخلد الفقيه قال: ما كلمت أحدا من الملوك أكمل عقلا، ولا أبلغ لفظا من الأمير محمد؛ دخلت عليه يوما في مجلس خلافته فافتتح الكلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلّى الله عليه وسلم، ثم ذكر الخلفاء خليفة خليفة؛ فحكى كل واحد منهم بحليته ونعته ووصفه، وذكره مآثره ومناقبه، بأفصح لسان، وأبين بيان، حتى انتهى إلى نفسه فسكت.
وخرج الأمير محمد يوما متنزها إلى الرصافة ومعه هاشم بن عبد العزيز، فكان بها صدر نهاره على لذّاته، فلما أمسى واختلط الظلام رجع منصرفا إلى القصر وبه اختلاط؛ فأخبرني من سمعه وهاشم يقول له: يا سيدي يا بن الخلائف، ما أطيب الدنيا لولا، قال له: لولا ماذا؟ قال: لولا الموت! قال له: يا بن اللخناء لحنت «2» في كلامك؛ وهل ملكنا هذا الملك الذي نحن فيه إلا بالموت، ولولا الموت ما ملكناه أبدا.
وكان الأمير محمد غزّاء لأهل الشرك والخلاف، وربما أوغل في بلاد العدوّ الستة الأشهر أو أكثر، يحرق وينسف، وله في العدوّ وقيعة وادي سليط، وهي من أمهات الوقائع؛ لم يعرف مثلها في الأندلس قبلها، وفيها يقول عباس بن فرناس، وشعره يكفينا من صفتها:
ومختلف الأصوات مؤتلف الزّحف ... لهوم الفلا عبل القبائل ملتفّ «3»
إذا أومضت فيه الصّوارم خلتها ... بروقا تراءى في الجهام وتستخفي «4»
كأنّ ذرّى الأعلام في سيلانه ... فراقد يم قد عجزن عن القذف «5»
(5/236)

وإن طحنت أركانه كان قطبها ... حجى ملك نجد شمائله عفّ
سميّ ختام الأنبياء محمد ... إذا وصف الأملاك جلّ عن الوصف
فمن أجله يوم الثلاثاء غدوة ... وقد نقض الإصباح عقد عرى السجف «1»
بكى جبلا وادي سليط فأعولا ... على النفر العبدان والعصبة الغلف «2»
دعاهم صريخ الحين فاجتمعوا له ... كما اجتمع الجعلان للبعر في قفّ «3»
فما كان إلّا أن رماهم ببعضها ... فولّوا على أعقاب مهزومة كشف «4»
كأنّ مساعير الموالي عليهم ... شواهين جادت للغرانيق بالسّيف»
بنفسي تنانير الوغى حين صمّمت ... إلى الجبل المشحون صفاّ على صفّ
يقول ابن بليوس لموسى وقد ونى ... أرى الموت قدّامي وتحتي ومن خلفي
قتلناهم ألفا وألفا ومثلها ... وألفا وألفا بعد ألف إلى ألف
سوى من طواه النهر في مستلجّه ... فأغرق فيه أو تدأدأ من جرف «6»
المنذر بن محمد
ثم ولي المنذر بن محمد، يوم الأحد لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين. ومات يوم السبت في غزاة له على ببشتر «7» لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو ابن ست وأربعين سنة.
وكان أشدّ الناس شكيمة، وأمضاهم عزيمة؛ ولما ولي الملك بعث إليه أهل طليطلة بجبايتهم كاملة، فردّها عليهم وقال: استعينوا بها في حربكم، فأنا سائر إليكم إن شاء الله.
(5/237)

ثم غزا إلى المارق الموتر عمرو بن حفصون، وهو بحصن قامرة فأحدق به بخيله ورجله، فلم يجد الفاسق منفذا ولا متنفّسا، فأعمل الحيلة، ولاذ بالمكر والخديعة، وأظهر الإنابة والإجابة، وأن يكون من مستوطني قرطبة بأهله وولده، وسأل إلحاق أولاده في الموالي: فأجابه الأمير إلى كل ما سأل، وكتب له الأمانات، وقطعت لأولاده الثياب، وخرزت له الخفاف؛ ثم سأل مائة بغل يحمل عليها ماله ومتاعه إلى قرطبة، فأمر الأمير بها، وطلبت البغال ومضت إلى ببشتر وعليها عشرة من العرفاء، وانحل العسكر عن الحصن بعض الانحلال، وعكف القاضي وجماعة من الفقهاء على تمام الصلح فيما حسبوا فلما رأى الفاسق الفرصة، انتهزها؛ ففسق ليلا وخرج، فلقى العرفاء بالبغال، فقتلهم وأخذ البغال، وعاد إلى سيرته الأولى؛ فعقد المنذر على نفسه عقدا أن لا أعطاه صلحا ولا عهدا إلا أن يلقى بيده، وينزل على عهده وحكمه، ثم غزاه الغزاة التي توفى فيها، فأمر بالبنيان والسكنى عليه. وأن يردّ سوق قرطبة عليه؛ فعاجله أجله عن ذلك.
عبد الله بن محمد
ثم تولى عبد الله بن محمد التقي النقي العابد الزاهد، التالي لكتاب الله، والقائم بحدود الله، يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين فبنى الساباط «1» ، وخرج إلى الجامع والتزم الصلاة إلى جانب المنبر حتى أتاه أجله رحمه الله يوم الثلاثاء لليلة بقيت من صفر سنة ثلاثمائة.
وكانت له غزوات، منها غزاة بلى، التي أنست كل غزاة تقدمتها، وذلك أن المرثد ابن حفصون ألّب عليه كور الأندلس، فنزل حصن بلى «2» ، وخرج إليه الأمير عبد الله بن محمد في أربعة عشر ألفا من أهل قرطبة خاصة، وأربعة آلاف من حشمه ومواليه؛ فبرز إليه الفاسق وقد كردس كراديسه «3» في سفح الجبل، وناهضه الأمير
(5/238)

عبد الله بجمهور عسكره، فلم يكن لهم فيه إلا صدمة صادقة، أزالوهم بها عن عسكرهم، فلم يقدروا أن يتراجعوا إليه؛ ونظر الفاسق إلى معسكر عبد الله الأمير، فإذا بمدد مقبل مثل الليل، في انحدار السيل. لا ينقطع؛ فخشعت نفسه، وعطف إلى الحصن يظهر إخراج من بقي فيه، فثلم «1» ثلمة وخرج منها في خمسة معه، وقد طار بهم جناح الفرار؛ فلما انتهى ذلك إلى أهل عسكره، ولّوا مدبرين لا يلوي أحد على أحد، فعملت الرماح على أكتافهم، والسيوف في طلى «2» أعناقهم، حتى أفنوهم أو كادوا، وكان منهم جماعة قد افترقوا في عسكر الأمير عبد الله، فقعد الأمير في المظلة وأمر بالتقاطهم، وأن لا يمر أحد على أحد منهم إلا قتله. فقتل منهم ألف رجل صبرا بين يدي الأمير.
عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين
ثم ولي الملك القمر الأزهر، الأسد الغضنفر، الميمون النقيبة، «3» المحمود الضريبة، سيد الخلفاء، وأنجب النجباء، عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين، صبيحة هلال ربيع الأول سنة ثلاثمائة، فقلت فيه:
بدا الهلال جديدا ... والملك غضّ جديد
يا نعمة الله زيدي ... ما كان فيه مزيد
وهي عدة أبيات، فتولى الملك وهي جمرة تحتدم، ونار تضطرم، وشقاق ونفاق، فأخمد نيرانها، وسكن زلزالها، وافتتحها عودا كما افتتحها بدءا سميّه عبد الرحمن بن معاوية رحمه الله.
وقد قلت وقيل في غزواته كلها أشعار قد جالت في الأمصار، وشردت في البلدان، حتى أتهمت وأنجدت وأعرقت، ولولا أن الناس متكتفون بما في أيديهم منها
(5/239)

لأعدنا ذكرها أو ذكر بعضها، ولكنا سنذكر ما سبق إلينا من مناقبه التي لم يتقدمه إليها متقدّم ولا أخت لها ولا نظير. فمن ذلك أول غزاة غزاها، وهي الغزاة المعروفة بغزاة المنتلون، افتتح بها سبعين حصنا، كلّ حصن منها قد نكبت عنه الطوائف، وأعيا على الخلائف، وفيها أقول:
قد أوضح الله للإسلام منهاجا ... والناس قد دخلوا في الدّين أفواجا
وقد تزيّنت الدّنيا لساكنها ... كأنما ألبست وشيا وديباجا
يا بن الخلائف إنّ المزن لو علمت ... نداك ما كان منها الماء ثجّاجا «1»
والحرب لو علمت بأسا تصول به ... ما هيّجت من حميّاك الذي اهتاجا «2»
مات النّفاق وأعطى الكفر ذمّته ... وذلّت الخيل إلجاما وإسراجا
وأصبح النصر معقودا بألوية ... تطوي المراحل تهجيرا وإدلاجا «3»
أدخلت في قبّة الإسلام مارقة ... أخرجتها من ديار الشّرك إخراجا «4»
بجحفل تشرق الأرض الفضاء به ... كالبحر يقذف بالأمواج أمواجا
يقوده البدر يسري في كواكبه ... عرمرما كسواد الليل رجراجا «5»
تروق فيه بروق الموت لامعة ... ويسمعون به للرّعد أهزاجا
غادرت في عقوتي جيّان ملحمة ... أبكيت منها بأرض الشّرك أعلاجا «6»
في نصف شهر تركت الأرض ساكنة ... من بعد ما كان فيها الجور قد ماجا
وجدت في الخبر المأثور منصلتا ... من الخلائف خرّاجا وولّاجا «7»
تملا بك الأرض عدلا مثل ما ملئت ... جورا وتوضح للمعروف. منهاجا
يا بدر ظلمتها، يا شمس صبحتها ... يا ليث حومتها إن هائج هاجا «8»
(5/240)

إنّ الخلافة لن ترضى ولا رضيت ... حتى عقدت لها في رأسك التّاجا
ولم يكن مثل هذه الغزاة لملك من الملوك في الجاهلية والإسلام.
وله غزاة مارشن «1» التي كانت أخت بدر وحنين، وقد ذكرناها على وجهها في الأرجوزة التي نظمتها في مغازيه كلها من سنة إحدى وثلاثمائة إلى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وأوقفناها.
ومن مناقبه أن الملوك لم تزل تبني على أقدارها، ويقضى عليها بآثارها، وأنه بنى في المدة القليلة ما لم تبن الخلفاء في المدة الطويلة، نعم: لم يبق في القصر الذي فيه مصانع أجداده ومعالم أوليته بنيّة «2» إلا وله فيها أثر محدث، إما تزييد أو تجديد.
ومن مناقبه أنه أول من سمى أمير المؤمنين من خلفاء بني أمية بالأندلس.
ومن مناقبه التي لا أخت لها ولا نظير، ما أعجز فيه من بعده، وفات فيه من قبله، من الجود الذي لم يعرف لأحد من أجواد الجاهلية والإسلام إلا له؛ وقد ذكرت ذلك في شعري الذي أقول فيه:
يا بن الخلائف والعلا للمعتلي ... والجود يعرف فضله للمفضل
نوّهت بالخلفاء بل أخملتهم ... حتى كأنّ نبيلهم لم ينبل
أذكرت بل أنسيت ما ذكر الألى ... من فعلهم فكأنه لم يفعل
وأتيت آخرهمّ وشأوك فائت ... للآخرين ومدرك للأوّل
ألآن سمّيت الخلافة باسمها ... كالبدر يقرن بالسّماك الأعزل «3»
تأبى فعالك أن تقرّ لآخر ... منهم وجودك أن يكون لأوّل
وهذه الأرجوزة التي ذكرت جميع مغازيه وما فتح الله عليه فيها في كل غزاة، وهي:
(5/241)

سبحان من لم تحوه أقطار ... ولم تكن تدركه الأبصار
ومن عنت لوجهه الوجوه ... فما له ندّ ولا شبيه
سبحانه من خالق قدير ... وعالم بخلقه بصير
وأوّل ليس له ابتداء ... وآخر ليس له انتهاء
أوسعنا إحسانه وفضله ... وعزّ أن يكون شيء مثله
وجلّ أن تدركه العيون ... أو يحوياه الوهم والظّنون
لكنّه يدرك بالقريحة ... والعقل والأبينة الصّحيحة «1»
وهذه من أثبت المعارف ... في الأوجه الغامضة اللّطائف
معرفة العقل من الإنسان ... أثبت من معرفة العيان
فالحمد لله على نعمائه ... حمدا جزيلا وعلى آلائه «2»
وبعد حمد الله والتّمجيد ... وبعد شكر المبديء المعيد
أقول في أيام خير الناس ... ومن تحلّى بالنّدى والباس
ومن أباد الكفر والنّفاقا ... وشرّد الفتنة والشّقاقا
ونحن في حنادس كالليل ... وفتنة مثل غثاء السّيل «3»
حتى تولّى عابد الرّحمن ... ذاك الأعزّ من بني مروان
مؤيّد حكّم في عداته ... سيفا يسيل الموت من ظباته «4»
وصبّح الملك مع الهلال ... فأصبحا ندّين في الجمال
واحتمل التقوى على جبينه ... والدّين والدنيا على يمينه
قد أشرقت بنوره البلاد ... وأنقطع التشغيب والفساد
هذا على حين طغى النفاق ... واستفحل النكّاث والمرّاق «5»
(5/242)

وضاقت الأرض على سكانها ... وأذلت الحرب لظى نيرانها
ونحن في عشواء مدلهمّة ... وظلمة ما مثلها من ظلمه
تأخذنا الصّيحة كلّ يوم ... فما تلذّ مقلة بنوم
وقد نصلي العيد بالنواظر ... مخافة من العدوّ الثائر «1»
حتى أتانا الغوث من ضياء ... طبّق بين الأرض والسماء «2»
خليفة الله الذي أصطفاه ... على جميع الخلق واجتباه
من معدن الوحي وبيت الحكمة ... وخير منسوب إلى الأئمة
تكلّ عن معروفه الجنائب ... وتستحي من جوده السحائب «3»
في وجهه من نوره برهان ... وكفّه تقبيلها قربان
أحيا الذي مات من المكارم ... من عهد كعب وزمان حاتم
مكارم يقصر عنها الوصف ... وغرّة يحسر عنها الطّرف «4»
وشيمة كالصّاب أو كالماء ... وهمّة ترقى إلى السماء «5»
وانظر إلى الرفيع من بنيانه ... يريك بدعا من عظيم شانه
لو خايل البحر ندى يديه ... إذا لجت عفاته إليه «6»
لغاض أو لكاد أن يغيضا ... ولا استحى من بعد أن يفيضا «7»
من أسبغ النّعمى وكانت محقا ... وفتّق الدّنيا وكانت رتقا
هو الذي جمّع شمل الأمه ... وجاب عنها دامسات الظلمة
وجدّد الملك الذي قد أخلقا ... حتى رست أوتاده واستوسقا
وجمّع العدّة والعديدا ... وكثّف الأجناد والحشودا
(5/243)

أول غزاة غزاها أمير المؤمنين عبد الرحمن بن محمد
ثم انتحى جيّان في غزاته ... بعسكر يسعر من حماته
فاستنزل الوحش من الهضاب ... كأنما حطّت من السّحاب
فأذعنت مرّاقها سراعا ... وأقبلت حصونها تداعى»
لمّا رماها بسيوف العزم ... مشحوذة على دروع الحزم
كادت لها أنفسهم تجود ... وكادت الأرض بهم تميد «2»
لولا الإله زلزلت زلزالها ... وأخرجت من رهبة أثقالها
فأنزل الناس إلى البسيط ... وقطع البين من الخليط
وافتتح الحصون حصنا حصنا ... وأوسعّ الناس جميعا أمنا
ولم يزل حتى انتحى جيّانا ... فلم يدع بأرضها شيطانا
فأصبح الناس جميعا أمّه ... قد عقد الإلّ لهم والذّمّه «3»
ثم انتحى من فوره إلبيره ... وهي بكلّ آفة مشهورة «4»
فداسها بخيله ورجله ... حتى توطّا خدّها بنعله
ولم يدع من جنّها مريدا ... بها ولا من إنسها عنيدا «5»
إلّا كساه الذّل والصّغارا ... وعمّه وأهله دمارا
فما رأيت مثل ذاك العام ... ومثل صنع الله للإسلام
فانصرف الأمير من غزاته ... وقد شفاه الله من عداته
وقبلها ما خضعت وأذعنت ... إستجّة وطالما قد صنعت «6»
وبعدها مدينة الشّئيل ... ما أذعنت للصّارم الصّقيل «7»
(5/244)

لمّا غزاها قائد الأمير ... باليمن في لوائه المنصور
فأسلمت ولم تكن بالمسلمه ... وزال عنها أحمد بن مسلمه
وبعدها في آخر الشهور ... من ذلك العام الزكيّ النّور
أرجفت القلاع والحصون ... كأنما ساورها المنون
وأقبلت رجالها وفودا ... تبغي لدى إمامها السّعودا
وليس من ذي عزة وشدّة ... إلا توافوا عند باب السّده «1»
قلوبهم باخعة بالطاعه ... قد أجمعوا الدخول في الجماعة «2»
سنة إحدى وثلاثمائة
ثم غزا في عقب عام قابل ... فحال في شذونة والسّاحل «3»
ولم يدع مريّة الجزيره ... حتى كوى أكلبها الهريره «4»
حتى أناخ بذرى قرمونه ... بكلكل كمدرة الطاحونه «5»
على الذي خالف فيها وانتزى ... يعزى إلى سوادة إذا اعتزى
فسال أن يمهله شهورا ... ثم يكون عبده المأمورا
فأسعف الأمير منه ما سأل ... وعاد بالفضل عليه وقفل «6»
سنة اثنتين وثلاثمائة
كان بها القفول عند الجيئه ... من غزو إحدى وثلثمائه «7»
فلم يكن يدرك في باقيها ... غزو ولا بعث يكون فيها
(5/245)

سنة ثلاث وثلاثمائة
ثمّت أغزى في الثلاث عمّه ... وقد كساه عزمه وحزمه
فسار في جيش شديد الباس ... وقائد الجيش أبو العبّاس
حتى ترقّى بذرى ببشتر ... وجال في ساحتها بالعسكر
فلم يدع زرعا ولا ثمارا ... لهم ولا علفا ولا عقارا
وقطع الكروم منها والشجر ... ولم يبايع علجها ولا ظهر «1»
ثم انثنى من بعد ذاك قافلا ... وقد أباد الزرع والمآكلا
فأيقن الخنزير عند ذاكا ... أن لا بقاء يرتجى هناكا
فكاتب الإمام بالإجابة ... والسّمع والطاعة والإنابة
فأخمد الله شهاب الفتنه ... وأصبح الناس معا في هدنه
وارتعت الشاة معا والذّيب ... إذ وضعت أوزارها الحروب
سنة أربع وثلاثمائة
وبعدها كانت غزاة أربع ... فأيّ صنع ربّنا لم يصنع ...
... فيها، ببسط الملك الأوّاه ... كلتا يديه في سبيل الله
وذاك أن قوّد قائدين ... بالنّصر والتأيبد ظاهرين
هذا إلى الثّغر وما يليه ... على عدوّ الشّرك أو ذويه
وذا إلى شمّ الرّبا من مرسيه ... وما مضى جرى إلى بلنسيه «2»
فكان من وجّهه للساحل ... القرشيّ القائد القنابل «3»
وابن أبي عبدة نحو الشّرك ... في خير ما تعبية وشكّ «4»
فأقبلا بكلّ فتح شامل ... وكلّ ثكل للعدوّ ثاكل
وبعد هذى الغزوة الغرّاء ... كان افتتاح ليلة الحمراء «5»
(5/246)

أغزى بجند نحوها مولاه ... في عقب هذا العام لا سواه
بدرا، فضمّ جانبيه ضمّه ... وغمّها حتى أجابت حكمه
وأسلمت صاحبها مقهورا ... حتى أتى بدر به مأسورا
سنة خمس وثلاثمائة
وبعدها كانت غزاة خمس ... إلى السّواديّ عقيد النّحس
لمّا طغى وجاوز الحدودا ... ونقض الميثاق والعهودا
ونابذ السّلطان من شقائه ... ومن تعدّيه وسوء رائه
أغزى إليه القرشيّ القائدا ... إذ صار عن قصد السبيل حائدا
ثمّت شدّ أزره ببدر ... فكان كالشّفع لهذا الوتر «1»
أحدقها بالخيل والرجال ... مشمّرا وجدّ في القتال
فنازل الحصن العظيم الشّان ... بالرّجل والرّماة والفرسان
فلم يزل بدر بها محاصرا ... كذا على قتاله مثابرا
والكلب في تهوّر قد انغمس ... وضيّق الحلق عليه والنّفس
فافترق الأصحاب عن لوائه ... وفتحوا الأبواب دون رائه
واقتحم العسكر في المدينة ... وهو بها كهيئة الظّعينه «2»
مستسلما للذلّ والصّغار ... وملقيا يديه للإسار
فنزع الحاجب تاج ملكه ... وقاده مكتّفا لهلكه «3»
وكان في آخر هذا العام ... نكب أبي العبّاس بالإسلام
غزا فكان أنجد الأنجاد ... وقائدا من أفحل القوّاد
فسار في غير رجال الحرب ... الضاربين عند وقت الضرب
محاربا في غير ما محارب ... والحشم الجمهور عند الحاجب
(5/247)

واجتمعت إليه أخلاط الكور ... وغاب ذو التّحصيل عنه والنظر «1»
حتى إذا أوغل في العدوّ ... فكان بين البعد والدّنوّ
أسلمه أهل القلوب القاسيه ... وأفردوه للكلاب العاويه
فاستشهد القائد في أبرار ... قد وهبوا نفوسهم للباري
في غير تأخير ولا فرار ... إلا شديد الضرب للكفار
سنة ست وثلاثمائة
قم أقاد الله من أعدائه ... وأحكم النصر لأوليائه
في مبدأ العام الذي من قابل ... أزهق فيه الحقّ نفس الباطل
فكان من رأي الإمام الماجد ... وخير مولود وخير والد
أن احتمي للواحد القهّار ... وفاض من غيظ على الكفّار
فجمع الأجناد والحشودا ... ونفّر السيّد والمسودا
وحشر الأطراف والثّغورا ... ورفض الّلذّة والحبورا «2»
حتى إذا ما وافت الجنود ... واجتمع الحشّاد والحشود
قوّد بدرا أمر تلك الطائفة ... وكانت النفس عليه خائفه
فسار في كتائب كالسّيل ... وعسكر مثل سواد الليل
حتى إذا حلّ على مطنيّه ... وكان فيها أخبث البرّيه «3»
ناصبهم حربا لها شرار ... كأنما أضرم فيها النار
وجدّ من بينهم القتال ... وأحدقت حولهم الرجال
فحاربوا يومهم وباتوا ... وقد نفت نومهم الرّماة
فهم طوال الليل كالطّلائح ... جراحهم تنغل في الجوارح «4»
ثم مضوا في حربهم أيّاما ... حتى بدا الموت لهم زؤاما
(5/248)

لمّا رأوا سحائب المنيّة ... تمطرهم صواعق البليه
تغلغل العجم بأرض العجم ... وانحشدوا من تحت كلّ نجم
فأقبل العلج لهم مغيثا ... يوم الخميس مسرعا حثيثا «1»
بين يديه الرّجل والفوارس ... وحوله الصّلبان والنّواقس
وكان يرجو أن يزيل العسكرا ... عن جانب الحصن الذي قد دمّرا
فاعتاقه بدر بمن لديه ... مستبصرا في زحفه إليه
حتى التقت ميمنة بميسره ... واعتلت الأرواح عند الحنجره
ففاز حزب الله بالعلجان ... وانهزمت بطانة الشيطان
فقتلوا قتلا ذريعا فاشيا ... وأدبر العلج ذميما خازيا
وانصرف الناس إلى القليعة ... فصبّحوا العدوّ يوم الجمعه
ثم التقى العلجان في الطريق ... البنبلونيّ مع الجلّيقي
فأعقدا على انتهاب العسكر ... وأن يموتا قبل ذاك المحضر
وأقسما بالجبت والطاغوت ... لا يهزما دون لقاء الموت «2»
فأقبلوا بأعظم الطّغيان ... قد جلّلوا الجبال بالفرسان
حتى تداعى الناس يوم السبت ... فكان وقتا يا له من وقت
فأشرعت بينهم الرماح ... وقد علا التّكبير والصّياح
وفارقت أغمادها السّيوف ... وفغرت أفواهها الحتوف «3»
والتقت الرجال بالرجال ... وانغمسوا في غمرة القتال
في موقف زاغت به الأبصار ... وقصرت في طوله الأعمار
وهبّ أهل الصبر والبصائر ... فأوعقوا على العدوّ الكافر «4»
(5/249)

حتى بدت هزيمة البشكنس ... كأنّه مختضب بالورس «1»
فانقضّت العقبان والسلالقه ... زعقا على مقدّم الجلالقه «2»
عقبان موت تخطف الأرواحا ... وتشبع السّيوف والرماحا
فانهزم الخنزير عند ذاكا ... وانكشفت عورته هناك
فقتلوا في بطن كلّ وادي ... وجاءت الرّءوس في الأعواد
وقدّم القائد ألف راس ... من الجلاليق ذوي العماس»
فتمّ صنع الله للإسلام ... وعمّنا سرور ذاك العام
وخير ما فيه من السّرور ... موت ابن حفصون به الخنزير
فاتّصل الفتح بفتح ثان ... والنّصر بالنّصر من الرّحمن
وهذه الغزاة تدعى القاضيه ... وقد أتتهم بعد ذاك الداهيه
سنة سبع وثلاثمائة
وبعدها كانت غزاة بلده ... وهي التي أودت بأهل الرّدّة «4»
وبدؤها أنّ الإمام المصطفى ... أصدق أهل الأرض عدلا ووفا
لمّا أتته ميتة الخنزير ... وأنه صار إلى السّعير
كاتبه أولاده بالطاعه ... وبالدّخول مدخل الجماعه
وأن يقرّهم على الولاية ... على ورود الخرج والجبايه
فاختار ذلك الإمام المفضل ... ولم يزل من رأيه التّفضّل
ثم لوى الشيطان رأس جعفر ... وصار منه نافخا في المنخر
فنقض العهود والميثاقا ... واستعمل التّشغيب والنفاقا «5»
(5/250)

وضمّ أهل النّكث والخلاف ... من غير ما كاف وغير وافي
فاعتاقه الخليفة المؤيّد ... وهو الذي يشقي به ويسعد «1»
ومن عليه من عيون الله ... حوافظ من كلّ أمر داه
فجنّد الجنود والكتائبا ... وقوّد القوّاد والمقانبا «2»
ثم غزا في أكثر العديد ... مستصحبا بالنّصر والتأييد
حتى إذا مرّ بحصن بلده ... خلف فيه قائدا في عدّه
يمنعهم من انتشار خيلهم ... وحارسا في يومهم وليلهم
ثمّ مضى يستنزل الحصونا ... ويبعث الطّلاع والعيونا
حتى أتاه باشر من بلده ... يعدو برأس رأسها في صعده «3»
فقدّم الخيل إليها مسرعا ... واحتلّها من يومه تسرّعا
فحفّها بالخيل والرّماة ... وجملة الحماة والكماة «4»
فأطلع الرجل على أنقابها ... واقتحم الجند على أبوابها «5»
فأذعنت ولم تكن بمذعنة ... واستسلمت كافرة لمؤمنه
فقدّمت كفارها للسيف ... وقتّلوا بالحقّ لا بالحيف «6»
وذاك من يمن الإمام المرتضى ... وخير من بقي وخير من مضى
ثم انتحى من فوره بر بشترا ... فلم يدع بها قضيبا أخضرا
وحطّم النّبات والزّروعا ... وهتك الرباع والرّبوعا
فإذ رأى الكلب الذي رآه ... من عزمه في قطع منتواه «7»
(5/251)

ألقى إليه باليدين ضارعا ... وسال أن يبقى عليه وادعا
وأن يكون عاملا في طاعته ... على درور الخرج من جبايته
فوثق الإمام من رهانه ... كيلا يكون في عمى من شانه
وقبل الإمام ذاك منه ... فضلا وإحسانا وسار عنه
سنة ثمان وثلاثمائة
ثم غزا الإمام دار الحرب ... فكان خطبا يا له من خطب
فحشدت إليه أعلام الكور ... ومن له في النار ذكر وخطر «1»
إلى ذوي الديوان والرايات ... وكلّ منسوب إلى الشامات
وكلّ من أخلص للرّحمن ... بطاعة في السر والإعلان
وكلّ من طاوع بالجهاد ... أو ضمه سرج على الجياد
فكان حشدا يا له من حشد ... من كلّ حرّ عندنا وعبد
فتحسب الناس جرادا منتشر ... كما يقول ربّنا فيمن حشر
ثم مضى المظفّر المنصور ... على جبينه الهدى والنّور
أمامه جند من الملائكه ... آخذة لربّها وتاركه
حتى إذا فوّز في العدوّ ... جنّبه الرحمن كل سو «2»
وأنزل الجزية والدواهي ... على الذين أشركوا بالله
فزلزلت أقدامهم بالرّعب ... واستنفروا من خوف نار الحرب
واقتحموا الشّعاب والمكامنا ... وأسلموا الحصون والمدائنا «3»
فما تبقّى من جناب دور ... من بيعة لراهب أو دير
إلا وقد صيّرها هباء ... كالنار إذ وافقت الأباء «4»
وزعزعت كتائب السّلطان ... بكلّ ما فيها من البنيان
فكان من أوّل حصن زعزعوا ... ومن به من العدوّ أوقعوا
(5/252)

مدينة معروفة بوخشمه ... فغادروها فحمة مسخّمه «1»
ثم ارتقوا منها إلى حواضر ... فغادروها مثل أمس الدابر
ثم مضوا والعلج يحتذيهم ... بجيشه يمشي ويقتفيهم
حتى انتهوا منه لوادي ديّ ... ففيه عفّى الرّشد سبل الغيّ
لمّا التقوا بمجمع الجوزين ... واجتمعت كتائب العلجين
من أهل اليون وبنبلونه ... وأهل أرنيط وبرشلونه «2»
تضافر الكفر مع الإلحاد ... واجتمعوا من سائر البلاد
فاضطربوا في سفح طود عال ... وصففّوا تعبية القتال «3»
فبادرت إليهم المقدّمه ... سامية في خيلها المسوّمه
وردّها متصل بردّ ... يمدّه بحر عظيم المدّ «4»
فانهزم العلجان في علاج ... ولبسوا ثوبا من العجاج «5»
كلاهما ينظر حينا خلفه ... فهو يرى في كلّ وجه حتفه
والبيض في آثارهم والسّمر ... والقتل ماض فيهم والأسر «6»
فلم يكن للنّاس من براح ... وجاءت الرءوس في الرّماح
فأمر الأمير بالتّقويض ... وأسرع العسكر في النّهوض
فصادفوا الجمهور لمّا هزموا ... وعاينوا قوّادهم تخرّموا «7»
فدخلوا حديقة للموت ... إذ طمعوا في حصنها بالفوت
فيا لها حديقة ويا لها ... وافت بها نفوسهم آجالها
(5/253)

تحصّنوا إذ عاينوا الأهوالا ... بمعقل كان لهم عقالا
وصخرة كانت عليهم صيلما ... وانقلبوا منها إلى جهنما «1»
تساقوا يستطعمون الماء ... فأخرجت أرواحهم ظماء
فكم لسيف الله من جزور ... في مأدب الغربان والنّسور «2»
وكم به قتلى من القساوس ... تندب للصّلبان والنّواقس
ثم ثنى عنانه الأمير ... وحوله التّهليل والتّكبير
مصمّما بحرب دار الحرب ... قدّامه كتائب من عرب
فداسها وسامها بالخسف ... والهتك والسّفك لها والنّسف
فحرّقوا ومزّقوا الحصونا ... وأسخنوا من أهلها العيونا
فانظر عن اليمين واليسار ... فما ترى إلا لهيب النار
وأصبحت ديارهم بلاقعا ... فما ترى إلا دخانا ساطعا «3»
ونصر الإمام فيها المصطفى ... وقد شفى من العدوّ واشتفى
غزوة سنة تسع وثلاثمائة
وبعدها كانت غزاة طرّش ... سمت إليها جيشه لم ينهش «4»
وأحدقت بحصنها الأفاعي ... وكلّ صلّ أسود شجاع «5»
ثم بنى حصنا عليها راتبا ... يعتور القوّاد فيه دائبا
حتى أنابت عنوة جنّانها ... وغاب عن يافوخها شيطانها
فأذعنت لسيّد السادات ... وأكرم الأحياء والأموات
خليفة الله على عباده ... وخير من يحكم في بلاده
(5/254)

وكان موت بدر ابن أحمد ... بعد قفول الملك المؤيّد
واستحجب الإمام خير حاجب ... وخير مصحوب وخير صاحب
موسى الأغرّ من بني جدير ... عقيد كلّ رأفة وخير
سنة عشر وثلاثمائة
وبعدها غزاة عشر غزوه ... بها افتتاح منتلون عنوه
غزا الإمام في ذوي السّلطان ... يؤمّ أهل النّكث والطّغيان «1»
فاحتلّ حصن منتلون قاطعا ... أسباب من أصبح فيه خالعا
سار إليه وبنى عليه ... حتى أتاه ملقيا يديه
ثم انثنى عنه إلى شذونه ... فعاضها سهلا من الحزونه «2»
وساقها بالأهل والولدان ... إلى لزوم قبّة الإيمان
ولم يدع صعبا ولا منيعا ... إلا وقد أذلهم جميعا
ثم انثنى بأطيب القفول ... كما مضى بأحسن الفصول
سنة إحدى عشر وثلاثمائة
وبعدها غزاة إحدى عشره ... كم نبّهت من نائم في سكره
غزا الإمام ينتحي ببشترا ... في عسكر أعظم بذاك عسكرا
فاحتلّ من ببشتر ذراها ... وجال في شاط وفي سواها «3»
فخرّب العمران من ببشتر ... وأذعنت شاط لربّ العسكر «4»
فأدخل العدّة والعديدا ... فيها ولم يترك بها عنيدا
ثم انتحى بعد حصون العجم ... فداسها بالقضم بعد الخضم «5»
ما كان في سواحل البحور ... منها وفي الغابات والوعور
(5/255)

وأدخل الطّاعة في مكان ... لم يدر قطّ طاعة السّلطان
ثم رمى الثّغر بخير قائد ... وذادهم منها بخير ذائد «1»
به قما الله ذوي الإشراك ... وأنقذ الثّغر من الهلاك»
وانتاش من مهواتها تطيله ... وقد ثوت دماؤها مطلوله «3»
وسهّل الثّغر وما يليه ... من شيعة الكفر ومن ذويه
ثم انثنى بالفتح والنجاح ... قد غيّر الفساد بالصلاح
سنة اثنتي عشر وثلاثمائة
وبعدها غزاة ثنتى عشره ... وكم بها من حسرة وعبره
غزا الإمام حوله كتائبه ... كالبدر محفوفا به كواكبه «4»
غزا وسيف النصر في يمينه ... وطالع السعد على جبينه
وصاحب العسكر والتّدبير ... موسى الأغرّ حاجب الأمير «5»
فدمّر الحصون من تدمير ... واستنزل الوحش من الصّخور «6»
فاجتمعت عليه كلّ الأمّه ... وبايعته أمراء الفتنه
حتى إذا أوعب من حصونها ... وحمّل الحقّ على متونها «7»
مضى وسار في ظلال العسكر ... تحت لواء الأسد الغضنفر
رجال تدمير ومن يليهم ... من كلّ صنف يعتزي إليهم
حتى إذا حلّ على تطيله ... بكت على دمائها المطوله
وعظم ما لاقت من العدوّ ... والحرب في الرّواح والغدوّ
فهمّ أن يديخ دار الحرب ... وأن يكون ردأة في الدّرب «8»
(5/256)

ثم استشار ذا النّهى والحجر ... من صحبه ومن رجال الثّغر
فكلّهم أشار أن لا يدربا ... ولا يجوز الجبل المؤشّبا
لأنه في عسكر قد انخرم ... بندب كلّ العرفاء والحشم
وشنّعوا أنّ وراء الفجّ ... خمسين ألفا من رجال العلج
فقال لا بدّ من الدّخول ... وما إلى حاشاه من سبيل
وأن أديخ أرض بنبلونه ... وساحة المدينة الملعونه
وكان رأيا لم يكن من صاحب ... ساعده عليه غير الحاجب
واستنصر الله وعبّى ودخل ... فكان فتحا لم يكن له مثل «1»
لمّا مضى وجاز الدّروبا ... وادّرع الهيجاء والحروبا «2»
عبّى له علج من الأعلاج ... كتائبا غطّت على الفجاج «3»
فاستنصر الإمام ربّ الناس ... ثم استعان بالنّدى والباس
وعاذ بالرّغبة والدعاء ... واستنزل النّصر من السّماء
فقدم القوّاد بالحشود ... وأتبع المدود بالمدود
فانهزم العلج وكانت ملحمه ... جاوز فيها السّاقة المقدّمه «4»
فقتلوا مقتلة الفناء ... فارتوت البيض من الدّماء
ثم أمال نحو بنبلونه ... واقتحم العسكر في المدينه
حتى إذا جاسوا خلال دورها ... وأسرع الخراب في معمورها
بكت على ما فاتها النّواظر ... إذ جعلت تدقّها الحوافر
لفقد من قتّل من رجالها ... وذلّ من أيتم من أطفالها
فكم بها وحولها من أغلف ... تهمي عليه الدمع عين الأسقف «5»
(5/257)

وكم بها حقّر من كنائس ... بدّلت الأذان بالنّواقس
يبكي لها النّاقوس والصّليب ... كلاهما فرض له النّحيب
وانصرف الإمام بالنّجاح ... والنصر والتأييد والفلاح
ثم ثنى الرّايات في طريقه ... إلى بني ذي النّون من توفيقه
فأصبحوا من بسطهم في قبض ... قد ألصقت خدودهم بالأرض «1»
حتى بدوا إليه بالبرهان ... من أكبر الآباء والولدان
فالحمد لله على تأييده ... حمدا كثيرا وعلى تسديده
سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة
ثم غزا بيمنه أشونا ... وقد أشادوا حولها حصونا «2»
وحفّها بالخيل والرّجال ... وقاتلوهم أبلغ القتال
حتى إذا ما عاينوا الهلاكا ... تبادروا بالطّوع حينذاكا
وأسلموا حصنهم المنيعا ... وسمحوا بخرجهم خضوعا
وقبلهم في هذه الغمزاة ... ما هدمت معاقل العصاة
وأحكم الإمام في تدبيره ... على بني هابل في مسيره
ومن سواهم من ذوي العثيرة ... وأمراء الفتنة المغيره
إذ حبسوا مراقبا عليهم ... حتى أتوا بكلّ ما لديهم
من البنين والعيال والحشم ... وكلّ من لاذ بهم من الخدم
فهبطوا من أجمع البلدان ... وأسكنوا مدينة السّلطان
فكان في آخر هذا العام ... بعد خضوع الكفر للإسلام
مشاهد من أعظم المشاهد ... على يدي عبد الحميد القائد
لمّا غزا إلى بني ذي النون ... فكان فتحا لم يكن بالدّون «3»
(5/258)

إذ جاوزوا في الظلم والطّغيان ... بقتلهم لعامل السّلطان
وحاولوا الدخول في الأذيّة ... حتى غزاهم أنجد البريّه
فعاقهم عن كلّ ما رجوه ... بنقضه كلّ الذي بنوه
وضبطه الحصن العظيم الشّان ... أشنين بالرّجل والفرسان
ثم مضى الليث إليهم زحفا ... يختطف الأرواح منهم خطفا
فانهزموا هزيمة لن ترقدا ... وأسلموا صنوهم محمّدا «1»
وغيره من أوجه الفرسان ... مغرّب في مأتم الغربان
مقطّع الأوصال بالسّنابك ... من بعد ما مزّق بالنّيازك «2»
ثم لجوا إلى طلاب الأمن ... وبذلهم ودائعا من رهن
فقبضت رهانهم وأمّنوا ... وأنغضوا رؤسهم وأذعنوا
ثم مضى القائد بالتّأييد ... والنصر من ذي العرش والتسديد
حتى أتى حصن بني عماره ... والحرب بالتدبير والإداره
فافتتح الحصن وخلّى صاحبه ... وأمن الناس جميعا جانبه
سنة أربع عشرة وثلاثمائة
لم يغز فيها وغزت قوّاده ... واعتورت ببشترا أجناده
فكلهم أبلى وأغنى واكتفى ... وكلّهم شفى الصّدور واشتفى
ثم تلاهم بعد ليث الغيل ... عبد الحميد من بني بسيل «3»
هو الذي قام مقام الضّيغم ... وجاء في غزاته بالصّيلم «4»
برأس جالوت النّفاق والحسد ... من جمّع الخنزير فيه والأسد
فهاكه من صحبه في عدّه ... مصلّيين عند باب السّدّه
(5/259)

قد امتطى مطيّة لا تبرح ... صائمة قائمة لا ترمح «1»
مطية إن يعرها انكسار ... يطلبها النّجّار لا البيطار
كأنه من فوقها أسوار ... عيناه في كلتيهما مسمار «2»
مباشرا للشّمس والرّياح ... على جواد غير ذي جماح
يقول للخاطر بالطّريق ... قول محب ناصح شفيق
هذا مقام خادم الشّيطان ... ومن عصى خليفة الرحمن
فما رأينا واعظا لا ينطق ... أصدق منه في الذي لا يصدق
قفل لمن غرّ بسوء رائه ... يمت إذا شاء بمثل دائه
كم مارق مضى وكم منافق ... قد ارتقى في مثل ذاك الحالق
وعاد وهو في العصى مصلب ... ورأسه في جذعه مركّب
فكيف لا يعتبر المخالف ... لحال من تطلبه الخلائف
أما رآه من هوان يرتع ... معتبرا لمن يرى ويسمع
سنة خمس عشرة وثلاثمائة
فيها غزا معتزما ببشترا ... فجال في ساحتها ودمّرا
ثم غزا طلجيرة عليها ... وهي الشّجى من بين أخدعيها «3»
وامتدّها بابن السّليم راتبا ... مشمّرا عن ساقه محاربا «4»
حتى رأى حفص سبيل رشده ... بعد بلوغ غاية من جهده
فدان للإمام قصدا خاضعا ... وأسلم الحصن إليه طائعا
سنة ست عشرة وثلاثمائة
لم يغز وانتحى ببشترا ... فرمّها بما رأى ودبّرا «5»
(5/260)

واحتلّها بالعزّ والتمكين ... ومحو آثار بني حفصون
وعاضها الصّلاح من فسادهم ... وطهّر القبور من أجسادهم
حتى خلا ملحود كلّ قبر ... من كلّ مرتد عظيم الكفر
عصابة من شيعة الشّيطان ... عدوة لله والسّلطان
فخرمت أجسادها تخرّما ... وأصليت أرواحهم جهنّما «1»
ووجّه الإمام في ذا العام ... عبد الحميد وهو كالضّرغام
إلى ابن داود الذي تقلّعا ... في جبلى شذونة تمنّعا
فحطّه منها إلى البسيط ... كطائر آذن بالسّقوط
ثم أتى به إلى الإمام ... إلى وفيّ العهد والذّمام
سنة سبع عشرة وثلاثمائة
وبعد سبع عشرة وفيها ... غزا بطليوس وما يليها «2»
فلم يزل يسومها بالخسف ... وينتحيها بسيوف الحتف
حتى إذا ما ضمّ جانبيها ... محاصرا ثم بنى عليها
خلّى ابن إسحاق عليها راتبا ... مثابرا في حربه مواظبا
ومرّ يستقصي حصون الغرب ... ويبتليها بوبيل الحرب
حتى قضى منهنّ كلّ حاجه ... وافتتحت أكشونيه وباجه «3»
وبعد فتح الغرب واستقصائه ... وحسمه الأدواء من أعدائه
لجّت بطليوس على نفاقها ... وغزها اللّجاج من مرّاقها «4»
حتى إذا شافهت الحتوفا ... وشامت الرّماح والسّيوفا «5»
دعا ابن مروان إلى السّلطان ... وجاءه بالعهد والأمان
(5/261)

فصار في توسعة الإمام ... وساكنا في قبّة الإسلام
سنة ثمان عشرة وثلاثمائة
فيها غزا بعزمه طليطله ... وامتنعوا بمعقل لا مثل له
حتى بنى جرنكشه بجنبها ... حصنا منيعا كافلا بحربها
وشدّها بابن سليم قائدا ... مجالدا لأهلها مجاهدا
فجاسها في طول ذاك العام ... بالخسف والنّسف وضرب الهام «1»
سنة تسع عشرة وثلاثمائة
ثم أتى ردفا له درّيّ ... في عسكر قضاؤه مقضيّ «2»
فحاصروها عام تسع عشرة ... بكلّ محبوك القوى ذي مرّه
ثم أتاهم بعد بالرّجال ... فقاتلوها أبلغ القتال
سنة عشرين وثلاثمائة
حتى إذا ما سلفت شهور ... من عام عشرين لها ثبور «3»
ألقت يديها للإمام طائعه ... واستسلمت قسرا إليه باخعه
فأذعنت وقبلها لم تذعن ... ولم تقد من نفسها وتمكن
ولم تدن لربّها بدين ... سبعا وسبعين من السّنين
ومبتدا عشرين مات الحاجب ... موسى الذي كان الشّهاب الثاقب
وبرز الإمام بالتأييد ... في عدّة منه وفي عديد
صمدا إلى المدينة اللعينه ... أتعسها الرحمن من مدينه
مدينة الشّقاق والنّفاق ... وموئل الفسّاق والمرّاق»
حتى إذا ما كان منها بالأمم ... وقد ذكا حرّ الهجير واحتدم
(5/262)

أتاه واليها وأشياخ البلد ... مستسلمين للإمام المعتمد
فوافقوا الرّحب من الإمام ... وأنزلوا في البرّ والإكرام
ووجّه الإمام في الظهيره ... خيلا لكي تدخل في الجزيره
جريدة قائدها ذرّيّ ... يلمع في متونها الماذيّ «1»
فاقتحموا في وعرها وسهلها ... وذاك حين غفلة من أهلها
ولم يكن للقوم من دفاع ... بخيل درى ولا امتناع
وفوضى الإمام عند ذلكا ... وقام صنديدا بما هنالكا «2»
حتى إذا ما حل في المدينه ... وأهلها ذليلة مهينه
أقمعها بالخيل والرجال ... من غير ما حرب ولا قتال
وكان من أول شيء نظرا ... فيه وما روى له ودبّرا
تهدّم لبابها والسّور ... وكان ذاك أحسن التدبير
حتى إذا صيّرها براحا ... وعاينوا حريمها مباحا «3»
أقرّ بالتشييد والتأسيس ... في الجبل النامي إلى عمروس «4»
حتى استوى فيها بناء محكم ... فحلّه عامله والحشم
فعند ذاك أسلمت واستسلمت ... مدينة الدماء بعد ما عتت «5»
سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
فيها مضى عبد الحميد ملتئم ... في أهبة وعدّة من الحشم «6»
حتى أتى الحصن الذي تقلّعا ... يحيى بن ذي النون به وامتنعا
فحطّه من هضبات ولب ... من غير تعنيت وغير حرب
(5/263)

إلا بترغيب له في الطاعه ... وفي الدخول مدخل الجماعه
حتى أتى به الإمام راغبا ... في الصّفح عن ذنوبه وتائبا
فصفح الإمام عن جنايته ... وقبل المبذول من إنابته
وردّه إلى الحصون ثانيا ... مسجّلا له عليها واليا
سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
ثم غزا الإمام ذو المجدين ... في مبتدا عشرين واثنتين
في فيلق مجمهر لهام ... مدكدك الرءوس والآكام «1»
جاب الرّبا لزحفه يجيش ... تجيش في حافاته الجيوش
كأنهم جنّ على سعال ... وكلّهم أمضى من الرّئبال «2»
فاقتحموا ملوندة ورومه ... ومن حواليها حصون حيمه «3»
حتى أتاه المارق التّجيبي ... مستجديا كالتائب المنيب
فخصّه الإمام بالترحيب ... والصّفح والغفران للذّنوب
ثم حباه وكساه ووصل ... بشاحج وصاهل لا يمتثل «4»
كلاهما من مركب الخلائف ... في حلية تعجز وصف الواصف «5»
فقال كن منّا وأوطن قرطبه ... نرقيك فيها في أجلّ مرتبه
تكن وزيرا أعظم الناس خطر ... وقائدا تجبي لنا هذا الثّغر
فقال إني ناقه من علّتي ... وقد ترى تغيّري وصفرتي «6»
فإن رأيت سيّدي إمهالي ... حتى أرمّ
من صلاح حالي ... ثم أوافيك على استعجال
بالأهل والأولاد والعيال
(5/264)

وأوثق الإمام بالعهود ... وجعل الله من الشهود
فقبل الإمام من أيمانه ... وردّه عفوا إلى مكانه
ثم أتته ربّة البشاقص ... تدلي إليه بالوداد الخالص
وأنها مرسلة من عنده ... وجدّها متّصل بجدّه
واكتفلت بكلّ بنبلوني ... وأطلقت أسرى بني ذي النون
فأوعد الإمام في تأمينها ... ونكب العسكر من حصونها
ثم مضى بالعزّ والتمكين ... وناصرا لأهل هذا الدّين
في جملة الرايات والعساكر ... وفي رجال الصبر والبصائر
إلى عدا الله من الجلالق ... وعابدي المخلوق دون الخالق
فدمّروا السهول والقلاعا ... وهتكوا الزّروع والرّباعا
وخرّبوا الحصون والمدائنا ... وأقفروا من أهلها المساكنا
فليس في الدّيار من ديّار ... ولا بها من نافخ للنار
فغادروا عمرانها خرابا ... وبدّلوا ربوعها يبابا «1»
وبالقلاع أحرقوا الحصونا ... وأسخنوا من أهلها العيونا «2»
ثم ثنى الإمام من عنانه ... وقد شفى الشجيّ من أشجانه
وامّن القفار من أنجاسها ... وظهّر البلاد من أرجاسها
انتهت الأرجوزة وكمل كتاب العسجدة الثانية من أخبار الخلفاء
(5/265)

كتاب اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجّاج والطالبين والبرامكة
فرش كتاب أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة.
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه رضي الله تعالى عنه:
قد مضى قولنا في أخبار الخلفاء وتواريخهم وأيامهم وما تصرفت به دولهم: ونحن قائلون بعون الله في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة، وماسحون «1» على شيء من أخبار الدولة؛ إذ كان هؤلاء الذين جرّدنا لهم كتابنا هذا، قطب «2» الملك الذي عليه مدار السياسة، ومعادن التدبير، وينابيع البلاغة، وجوامع البيان؛ هم راضوا الصعاب حتى لانت مقاودها، وخزموا «3» الأنوف حتى سكنت شواردها، ومارسوا الأمور، وجرّبوا الدهور، فاحتملوا أعباءها، واستفتحوا مغالقها، حتى استقرّت قواعد الملك، وانتظمت قلائد الحكم، ونفذت عزائم السلطان.
أخبار زياد
كانت سميّة أمّ زياد قد وهبها أبو الخير بن عمرو الكندي للحارث بن كلدة، وكان طبيبا يعالجه، فولدت له على فراشه نافعا، ثم ولدت أبا بكرة، فأنكر لونه.
وقيل: [قيل] له: إنّ جاريتك بغيّ! فانتفى من أبي بكرة ومن نافع، وزوّجها عبيدا: عبدا لابنته، فولدت على فراشه زيادا، فلما كان يوم الطائف نادى منادي رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أيّما عبد نزل فهو حرّ وولاؤه لله ورسوله. فنزل أبو بكرة وأسلم
(5/266)

ولحق بالنبي صلّى الله عليه وسلم؛ فقال الحارث بن كلدة لنافع: أنت ابني فلا تفعل كما فعل هذا.
يريد أبا بكرة؛ فلحق به، فهو ينتسب إلى الحارث بن كلدة.
وكانت البغايا في الجاهلية لهن رايات يعرفن بها وينتحيها الفتيان، وكان أكثر الناس يكرهون إماءهم على البغاء والخروج إلى تلك الرايات؛ يبتغون بذلك عرض «1» الحياة الدنيا، فنهى الله تعالى في كتابه عن ذلك بقوله جل وعز: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَ
«2» يريد في الجاهلية فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
«3» يريد في الإسلام.
فيقال إن أبا سفيان خرج يوما وهو ثمل إلى تلك الرايات، فقال لصاحبة الراية: هل عندك من بغيّ؟ فقالت: ما عندي إلا سمية. قال: هاتيها على نتن «4» إبطيها! فوقع بها، فولدت له زيادا على فراش عبيد.
ووجّه عامل من عمال عمر بن الخطاب زيادا إلى عمر بفتح فتحه الله على المسلمين؛ فأمره عمر أن يخطب الناس به على المنبر، فأحسن في خطبته وجوّد، وعند أصل المنبر أبو سفيان بن حرب وعليّ بن أبي طالب، فقال أبو سفيان لعلي: أيعجبك ما سمعت من هذا الفتى؟ قال: نعم. قال: أما إنه ابن عمك! قال: وكيف ذلك؟
قال: أنا قذفته في رحم أمّه سمية. قال: فما يمنعك أن تدّعيه؟ قال: أخشى هذا القاعد على المنبر- يعني عمر بن الخطاب- أن يفسد عليّ إهابي.
فبهذا الخبر استلحق معاوية زيادا وشهد له الشهود بذلك، وهذا خلاف حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلم في قوله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . «5»
العتبي عن أبيه قال: لما شهد الشهود لزياد، قام في أعقابهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
(5/267)

هذا أمر لم أشهد أوله، ولا علم لي بآخره؛ وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهد الشهود بما سمعتم؛ فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس وحفظ منا ما ضيّعوا؛ وأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو ربيب «1» مشكور، ثم جلس.
وقال زياد: ما هجيت ببيت قطّ أشدّ عليّ من قول الشاعر:
فكّر ففي ذاك إن فكّرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلا بتأمير
عاشت سميّة ما عاشت وما علمت ... أنّ ابنها من قريش في الجماهير
سبحان من ملك عبّاد بقدرته ... لا يدفع الناس أسباب المقادير
وكان زياد عاملا لعليّ بن أبي طالب على فارس، فلما مات علي رضي الله عنه وبايع الحسن معاوية عام الجماعة، بقي زياد بفارس وقد ملكها وضبط قلاعها، فاغتم به معاوية، فأرسل إلى المغيرة بن شعبة، فلما دخل عليه قال: لكل نبأ مستقرّ، ولكل سر مستودع، وأنت موضع سري وغاية ثقتي. فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين إن تستودعني سرك تستودعه ناصحا شفيقا، ورعا رفيقا؛ فما ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال: ذكرت زيادا واعتصامه بأرض فارس ومقامه بها، وهو داهية العرب، ومعه الأموال، وقد تحصن بأرض فارس وقلاعها يدبر الأمور؛ فما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هو قد أعادها جذعة «2» ! قال له المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه؟ قال: نعم. فخرج إليه، فلما دخل عليه وجده وهو قاعد في بيت له مستقبل الشمس؛ فقام إليه زياد ورحّب به وسرّ بقدومه، وكان له صديقا؛ وذلك أن زيادا كان أحد الشهود الأربعة الذين شهدوا على المغيرة، وهو الذي تلجلج «3» في شهادته عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنجا المغيرة وجلد الثلاثة من الشهود، وفيهم أبو بكرة أخو زياد، فحلف [أبو بكرة] أن لا يكلم زيادا أبدا.
فلما تفاوضا في الحديث قال له المغيرة: أعلمت أن معاوية استخفّه الوجل «4» حتى
(5/268)

بعثني إليك؟ ولا نعلم أحدا يمدّ يده إلى هذا الأمر غير الحسن، وقد بايع معاوية، فخذ لنفسك قبل التّوطين فيستغني عنك معاوية. قال: أشر عليّ وارم الغرض الأقصى، فإن المستشار مؤتمن. قال: أرى أن تصل حبلك بحبله وتسير إليه، وتعير الناس أذنا صماء وعينا عمياء! قال: يا ابن شعبة، لقد قلت قولا لا يكون غرسه في غير منبته، ولا مدرة «1» تغذيه، ولا ماء يسقيه، كما قال زهير:
وهل ينبت الخطّيّ إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النّخل «2» ؟
ثم قال: أرى ويقضي الله.
وذكر عمر بن عبد العزيز زيادا فقال: سعى لأهل العراق سعى الأمّ البرة، وجمع لهم جمع الذرّة.
وقال غيره: تشبّه زياد بعمر فأفرط، وتشبّه الحجاج بزياد فأهلك الناس.
وقالوا: الدهاة أربعة: معاوية للرويّة، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لكل صغيرة وكبيرة.
ولما قدم زياد العراق قال: من على حرسكم؟ قالوا: بلج. قال: إنما يحترس من مثل بلج فكيف يكون حارسا.
أخذه الشاعر فقال:
وحارس من مثله يحترس
العتبي قال: كان في مجلس زياد مكتوبا: الشدّة في غير عنف، واللين في غير ضعف. المحسن يجازي بإحسانه، والمسيء يعاقب بإساءته. الأعطيات في أيامها. لا احتجاب عن طارق ليل، ولا صاحب ثغر.
(5/269)

وبعث زياد إلى رجال من بني تميم ورجال من بني بكر، وقال: دلّوني على صلحاء كل ناحية ومن يطاع فيها، فدلوه فضمّنهم الطريق وحدّ لكل رجل منهم حدّا؛ فكان يقول: لو ضاع حبل بيني وبين خراسان عرفت من آخذ به.
وكان زياد يقول: من سقى صبياّ خمرا حددناه، ومن نقب «1» بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه فيه حيا.
وكان يقول: اثنان لا تقاتلوا فيهما العدوّ: الشتاء، وبطون الأودية.
وأول من جمعت له العراق زياد، ثم ابنه عبيد الله بن زياد؛ لم تجتمع لقرشي قط غيرهما.
وعبيد الله بن زياد أول من جمع له العراق وسجستان وخراسان والبحران وعمان، وإنما كان البحران وعمان إلى عمال أهل الحجاز.
وهو أول من عرف العرفاء «2» ، ودعا النقباء، ونكّب «3» المناكب، وحصل الدواوين، ومشي بين يديه بالعمد»
، ووضع الكراسي، وعمل المقصورة، ولبس الزيادي، وربّع الأرباع بالكوفة، وخمّس الأخماس بالبصرة، وأعطى في يوم واحد للمقاتلة والذرية من أهل البصرة والكوفة، وبلغ بالمقاتلة من أهل الكوفة ستين ألفا، ومقاتلة البصرة ثمانين ألفا، والذرية مائة ألف وعشرين ألفا. وضبط زياد وابنه عبيد الله العراق بأهل العراق.
قال عبد الله بن مروان لعباد بن زياد: أين كانت سيرة زياد من سيرة الحجاج؟
قال: يا أمير المؤمنين، إن زيادا قدم العراق وهي جمرة تشتعل فسلّ أحقادهم، وداوى أدواءهم، وضبط أهل العراق بأهل العراق، وقدمها الحجاج؛ فكسر الخراج، وأفسد
(5/270)

قلوب الناس ولم يضبطهم بأهل الشام فضلا عن أهل العراق ولو رام منهم ما رامه زياد لم يفجأك إلا على قعود يوجف «1» به.
وقال نافع لزياد: استعملت أولاد أبي بكرة وتركت أولادي؟ قال: اني رأيت أولادك كزما «2» قصارا، ورأيت أولاد أبي بكرة نجباء طوالا.
ودخل عبد الله بن عامر على معاوية، فقال له: حتى متى تذهب بخراج العراق؟
فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقول هذا لمن هو أبعد مني رحما! ثم خرج فدخل على يزيد فأخبره وشكا إليه، فقال له: لعلك أغضبت زيادا! قال: قد فعلت. قال: فإنه لا يرضى حتى ترضي زيادا عنك! فانطلق ابن عامر فاستأذن على زياد، فأذن له وألطفه، فقال له ابن عامر: إن شئت فصلح بعتاب، وإن شئت فصلح بغير عتاب، فإنه أسلم للصدر ... ، ثم راح زياد إلى معاوية فأخبره وأصبح ابن عامر غاديا إلى معاوية، فلما دخل عليه، قال: مرحبا بأبي عبد الرحمن. ههنا. وأجلسه إلى جنبه فقال له: يا أبا عبد الرحمن:
لنا سياق ولكم سياق ... وقد علمت ذلك الرفاق
الحسن بن أبي الحسن قال: ثقل أبو بكرة، فأرسل زياد إليه أنس بن مالك ليصالحه ويكلمه، فانطلقت معه، فإذا هو مولّ وجهه إلى الجدار، فلما قعد قال له:
كيف تجدك أبا كبرة؟ فقال صالحا: كيف أنت أبا حمزة؟ فقال له أنس: اتق الله أبا بكرة في زياد أخيك؛ فإن الحياة يكون فيها ما يكون؛ فأما عند فراق الدنيا فليستغفر الله أحدكما لصاحبه، فو الله ما علمت إنه لوصول للرّحم؛ هذا عبد الرحمن ابنك على الأبلّة، وهذا داود على مدينة الرّزق، وهذا عبد الله على فارس كلها؛ والله ما أعلمه إلا مجتهدا. قال: أقعدوني. فأقعدوه، فقال: أخبرني ما قلت في آخر كلامك. فأعاد عليه القول، فقال: يا انس، وأهل حروراء قد اجتهدوا، فأصابوا أو
(5/271)

أخطئوا؛ والله لا أكلمه أبدا ولا يصلّي عليّ! فلما رجع أنس إلى زياد أخبره بما قال، وقال له: إنه قبيح أن يموت مثل أبي بكرة بالبصرة، فلا تصلي عليه ولا تقوم على قبره؛ فاركب دوابك والحق بالكوفة. قال: ففعل. ومات أبو بكرة بالغد عند صلاة الظهر، فصلى عليه أنس بن مالك.
وقدم شريح مع زياد من الكوفة لقضاء البصرة، فكان زياد يجلسه إلى جنبه ويقول له: إن حكمت بشيء ترى غيره أقرب إلى الحق منه فأعلمنيه. فكان زياد يحكم فلا يرد شريح عليه، فيقول زياد لشريح: ما ترى؟ فيقول: هذا الحكم، حتى أتاه رجل من الأنصار فقال: إني قدمت البصرة والخطط «1» موجودة، فأردت أن أختط لي، فقال لي بنو عمي وقد اختطوا ونزلوا: أين تخرج عنا؟ أقم معنا واختط عندنا فوّسعوا لي، فاتخذت فيهم دارا وتزوّجت، ثم نزغ «2» الشيطان بيننا، فقالوا لي: اخرج عنا! فقال زياد: ليس ذلك لكم، منعتموه أن يختط والخطط موجودة وفي أيديكم فضل فأعطيتموه، حتى إذا ضاقت الخطط أخرجتموه وأردتم الإضرار به؟ لا يخرج من منزله! فقال شريح: يا مستعير القدر ارددها. فقال زياد: يا مستعير القدر احبسها ولا ترددها! فقال محمد بن سيرين: القضاء بما قال شريح، وقول زياد حسن.
وقال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية إلا في واحدة: طلبت رجلا فلجأ إليه وتحرّم «3» به، فكتب إليه: إن هذا فساد لعملي: إذا طلبت أحدا لجا إليك فتحرم بك، فكتب إليّ: إنه لا ينبغي لنا أن نسوس الناس بسياسة واحدة، فيكون مقامنا مقام رجل واحد؛ ولكن تكون أنت للشدة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة، فيستريح الناس فيما بيننا.
ولما عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه زيادا من كتابة أبي موسى، قال له: أعن
(5/272)

عجز أم عن خيانة؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني كرهت أن أحمل على العامة فضل «1» عقلك.
وكتب الحسن بن عليّ رضي الله عنه إلى زياد في رجل من أهل شيعته قد عرض له زياد وحال بينه وبين جميع ما يملكه، وكان عنوان كتابه: «من الحسن بن عليّ إلى زياد» ؛ فغضب زياد إذ قدّم نفسه عليه ولم ينسبه إلى أبي سفيان، وكتب إليه:
من زياد بن أبي سفيان إلى حسن: أما بعد، فإنك كتبت إليّ في فاسق لا يؤويه إلا الفسّاق، وايم الله لأطلبنه ولو بين جلدك ولحمك، فإنّ أحبّ لحم إليّ أن آكله لحم أنت منه.
فكتب الحسن إلى معاوية يشتكي زيادا، وأدرج كتاب زياد في داخل كتابه. فلما قرأه معاوية أكثر التعجب من زياد، وكتب إليه.
أما بعد، فإن لك رأيين: أحدهما من أبي سفيان، والآخر من سمية؛ فأما الذي من أبي سفيان فحزم وعزم، وأما الذي من سمية فكما يكون رأي مثلها؛ وإن الحسن ابن عليّ كتب إليّ يذكر أنك عرضت لرجل من أصحابه، وقد حجزناه عنك ونظراءه، فليس لك على واحد منهم سبيل ولا عليه حكم؛ وعجبت منك حين كتبت إلى الحسن لا تنسبه إلى أبيه، أفإلى أمه وكلته لا أمّ لك؟ فهو ابن فاطمة الزهراء ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ فالآن حين اخترت له.
وكتب زياد إلى معاوية: إن عبد الله بن عباس يفسد الناس عليّ، فإن أذنت لي أن أتوعّده فعلت. فكتب إليه: إن أبا الفضل وأبا سفيان كانا في الجاهلية في مسلاخ «2» واحد، وذلك حلف لا يحلّه سوء رأيك! واستأذن زياد معاوية في الحج، فأذن له، وبلغ ذلك أبا بكرة، فأقبل حتى دخل على زياد وقد أجلس له بنيه، فسلم عليهم ولم يسلم على زياد، ثم قال: يا بني أخي، إن
(5/273)

أباكم ركب أمرا عظيما في الإسلام بادّعائه إلى أبي سفيان؛ فو الله ما علمت سميّة بغت قط؛ وقد استأذن أمير المؤمنين في الحج، وهو مارّ بالمدينة لا محالة، وبها أمّ حبيبة ابنة أبي سفيان زوج النبي صلّى الله عليه وسلم، ولا بد له من الاستئذان عليها، فإن أذنت له فقعد منها مقعد الأخ من أخته، فقد انتهك من رسول الله صلّى الله عليه وسلم حرمة عظيمة، وإن لم تأذن له فهو عار الأبد. ثم خرج، فقال له زياد: جزاك الله خيرا من أخ فما تدع النصيحة على حال. وكتب إلى معاوية يستقيله، فأقاله.
وكتب زياد إلى معاوية: إني قد أخذت العراق بيميني، وبقيت شمالي فارغة. وهو يعرّض له بالحجاز. فبلغ ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال: اللهم اكفنا شماله! فعرضت له قرحة في شماله فقتلته.
ولما بلغ عبد الله بن عمر موت زياد قال: اذهب إليك ابن سمية، لا يدا رفعت عن حرام ولا دنيا تملّيت «1» .
قال زياد لعجلان حاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: على البيوتات، ثم على الأنساب، ثم على الآداب. قال: فمن تؤخر؟ قال: من لا يعبأ الله بهم. قال: ومن هم؟ قال: الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف، وكسوة الصيف في الشتاء.
وقال زياد لحاجبه: وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: هذا المنادي إلى الله في الصلاة والفلاح، لا تعوجنّه «2» فلا سلطان لك عليه؛ وطارق الليل لا تحجبه فشر ما جاء به، ولو كان خيرا ما جاء في تلك الساعة؛ ورسول الله صاحب الثغر «3» ، فإنه إن أبطأ ساعة أفسد عمل سنة؛ وصاحب الطعام، فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد.
وقال عجلان حاجب زياد: صار لي في يوم واحد مائة ألف دينار وألف سيف قيل له: وكيف ذلك؟ قال: أعطى زياد ألف رجل مائتي ألف دينار وسيفا سيفا، فأعطاني كل رجل منهم نصف عطائه وسيفه.
(5/274)

أخبار الحجاج
دخل المغيرة بن شعبة على زوجته فارعة، فوجدها تتخلل «1» حين انفتلت «2» من صلاة الغداة، فقال لها: إن كنت تتخللين من طعام البارحة، فإنك قذرة، وإن كان من طعام اليوم إنك لنهمة؛ كنت فبنت «3» ! قالت: والله ما فرحنا إذ كنا، ولا أسفنا إذ بنّا؛ وما هو بشيء مما ظننت، ولكني استكت فأردت أن أتخلل للسواك! فندم المغيرة على ما بدر منه، فخرج أسفا، فلقي يوسف بن أبي عقيل، فقال له: هل لك إلى شيء أدعوك إليه؟ قال: وما ذاك؟ قال: إني نزلت الساعة عن سيدة نساء ثقيف، فتزوّجها، فإنها تنجب لك. فتزوّجها فولدت له الحجاج.
ومما رواه عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: إن الحجاج بن يوسف كان يعلّم الصبيان بالطائف، واسمه كليب؛ وأبوه يوسف معلم أيضا. وفي ذلك يقول مالك بن الرّيب:
فماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد
زمان هو العبد المقرّ بذلّه ... يراوح صبيان القرى ويغادي «4»
ثم لحق الحجاج بن يوسف بروح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان، فكان في عديد شرطته، إلى أن شكا عبد الملك بن مروان ما رأى من انحلال العسكر، وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله. فقال روح بن زنباع: يا أمير المؤمنين، إن في شرطتي رجلا لو قلّده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحلهم برحيله وأنزلهم بنزوله. يقال له الحجاج بن يوسف! قال: فإنا قد قلّدناه ذلك. فكان لا يقدر أحد [أن] يتخلف عن الرحيل والنزول، إلا أعوان روح بن زنباع؛ فوقف عليهم يوما
(5/275)

وقد رحل الناس وهم على طعام يأكلون، فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين؟ فقال له: انزل يا ابن اللخناء «1» فكل معنا. فقال: هيهات. ذهب ما هنالك. ثم أمر بهم فجلدوا بالسياط وطوّفهم في العسكر، وأمر بفساطيط «2» روح بن زنباع فأحرقت بالنار؛ فدخل بن زنباع على عبد الملك بن مروان باكيا، فقال له:
مالك؟ فقال يا أمير المؤمنين، الحجاج بن يوسف الذي كان في عديد شرطتي، ضرب عبيدي وأحرق فساطيطي! قال: عليّ به. فلما دخل عليه قال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: ما أنا فعلته يا أمير المؤمنين! قال: ومن فعله؟ قال أنت والله فعلته؛ إنما يدي يدك، وسوطي سوطك؛ وما على أمير المؤمنين أن يخلف على روح بن زنباع للفسطاط فسطاطين وللغلام غلامين، ولا يكسرني فيما قدّمني له؟ فأخلف لروح بن زنباع ما ذهب له وتقدم الحجاج في منزلته، وكان ذلك أول ما عرف من كفايته.
قال أبو الحسن المدائني: كانت أم الحجاج الفارعة بنت هبّار. فقال: كان الحجاج ابن يوسف يضع كل يوم ألف خوان «3» في رمضان وفي سائر الأيام خمسمائة خوان، على كل خوان عشرة أنفس، وعشرة ألوان، وسمكة مشوية طرية، وأرزة بسكر، وكان يحمل في محفّة «4» ويدار به على موائده يتفقدها، فإذا رأى أرزة ليس عليها سكر وسعى الخباز ليجيء بسكرها فأبطأ حتى أكلت الأرزة بلا سكر، أمر به فضرب مائتي سوط؛ فكانوا بعد ذلك لا يمشون إلا متأبّطي خرائط السكر.
قال: وكان يوسف بن عمر والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك يضع خمسمائة خوان، فكان طعام الحجاج لأهل الشام خاصة، وطعام يوسف بن عمر لمن حضره؛ فكان عند الناس أحمد.
العتبي قال: دخل على الحجاج سليك بن سلكة، فقال: أصلح الله الأمير، أعرني سمعك، واغضض عني بصرك، واكفف عني غربك «5» ؛ فإن سمعت خطأ أو زللا
(5/276)

فدونك والعقوبة. فقال: قل. فقال: عصى عاص من عرض العشيرة، فحلّق عليّ اسمي «1» ، وهدمت داري؛ وحرمت عطائي. قال: هيهات، أما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد ... تعدي الصّحاح مبارك الجرب «2»
ولربّ مأخوذ بذنب عشيره ... ونجا المقارف صاحب الذّنب «3»
قال: أصلح الله الأمير، إني سمعت الله قال غير هذا. قال: وما ذاك؟ قال: قال يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ
«4» فقال الحجاج: عليّ بيزيد بن أبي مسلم. فأتى به، فمثل بين يديه، فقال: افكك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطائه، وابن له منزله، ومر مناديا ينادي في الناس: صدق الله وكذب الشاعر:
أتي الحجاج بامرأة عبد الرحمن بن الأشعث بعد دير الجماجم، فقال لحرسيّ قل لها:
يا عدوّة الله، أين مال الله الذي جعلتيه تحت ذيلك؟ فقال: يا عدوة الله، أين مال الله الذي جعلتيه تحت استك؟ فقال له: كذبت، ما هكذا قلت، أرسلها: فخلّى عنها.
الأصمعي قال: ماتت رققة يا لشّجي- والشّجي ربو من الأرض في بطن فلج «5» فشجى به الوادي فسمى شج- فقال الحجاج: إني أراهم قد تضرعوا إذ نزل بهم الموت، فاحفروا في مكانهم. فحفروا، فأمر الحجاج رجلا يقال له عضيدة يخفر البئر، فلما أنبطها «6» حمل منها قربتين إلى الحجاج بواسط، فلما قدم بهما عليه قال: يا
(5/277)

عضيدة لقد تجاوزت مياها عذبا، أخسفت «1» أم أوشلت؟ قال: لا واحد منها، ولكن نبطا بين الماءين. قال: وكيف يكون قدره؟ قال: مرت بنا رفقة فيها خمسة وعشرون جملا، فرويت الإبل وأهلها. قال: أو للإبل حفرتها؟ إنما حفرتها للناس.
إن الإبل ضمر خسف «2» ، ما جشّمت تجشّمت.
بعث عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف واليا على العراق، وأمره أن يحشر الناس إلى المهلب في حرب الأزارقة، فلما أتى الكوفة صعد المنبر متلثما متنكبا قوسه، فجلس واضعا إبهامه على فيه، فنظر محمد بن عمير بن عطارد التميمي، فقال:
لعن الله هذا ولعن من أرسله إلينا؛ أرسل غلاما لا يستطيع أن ينطق عيّا، وأخذ حصاة بيده ليحصبه «3» بها، فقال له جليسه: لا تعجل حتى ننظر ما يصنع. فقام الحجاج فكشف لثامه عن وجهه وقال:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني «4»
صليب العود من سلفي نزار ... كنصل السيف وضّاح الجبين
أخو خمسين مجتمع أشدّي ... ونجّذني مداورة الشّئون «5»
أما والله إني لا أحمل الشر بثقله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله؛ أما والله إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وكأني أرى الدماء بين العمائم واللحى تترقوق:
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم ... قد لفّها الليل بسوّاق حطم «6»
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم»
(5/278)

ألا وإنّ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كبّ «1» كنانته فعجم عيدانها، فوجدني أصلبها عودا، فوجّعني إليكم؛ فإنكم طالما سعيتم في الضلالة، وسننتم سنن البغي؛ أما والله لألحونّكم «2» لحو العصا، ولأعصبنكم عصب السّلمة «3» ، ولأقرعنّكم قرع المروة «4» ، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل؛ والله ما أخلق إلا فريت «5» ، ولا أعد إلا وفيت، ولا أغمز تغماز التين، ولا يقعقع لي بالشّنان «6» .
إياي وهذه الزرافات والجماعات، وقيل وقال وما تقول، وفيم أنتم ونحو هذا؛ ومن وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب ضربت عنقه.
ثم قال: يا غلام، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين. فقرأ عليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم.
فلم يقل أحد شيئا، فقال الحجاج: اسكت يا غلام، هذا أدب ابن نهية؛ والله لأؤدّبنهم غير هذا الأدب أو ليستقيمنّ؛ اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين. فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام.
ثم نزل فأتاه عمير بن ضابيء فقال: أيها الأمير، إني شيخ كبير عليل، وهذا ابني أقوى على الغزو مني. قال: أجيزوا ابنه عنه؛ فإنّ الحدث «7» أحبّ إلينا من الشيخ.
فلما ولي الرجل قال له عنبسة بن سعيد: أيها الأمير، هذا الذي ركض «8» عثمان برجله وهو مقتول. فقال: ردّوا الشيخ. فردّوه، فقال: اضربوا عنقه! فقال فيه الشاعر:
(5/279)

تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابيء ... عميرا، وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثلج أشهبا «1»
ثم قال: دلوني على رجل أوليه الشرطة. فقيل له: أيّ الرجال تريد؟ قال: أريد دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف «2» الخيانة، لا يحنق في الحق على حرّ أو حرّة، يهون عليه سبال «3» الأشراف في الشفاعة. فقيل: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي فأرسل إليه يستعمله، فقال له: لست أقبلها إلا أن تكفيني عيالك وولدك وحاشيتك. فقال الحجاج: يا غلام، ناد: من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت الذمّة منه. قال الشعبي: فو الله ما رأيت قط صاحب شرطة مثله، كان لا يحبس إلا في دين، وكان إذا أتي برجل نقب على قوم، وضع منقبته «4» في بطنه حتى تخرج من ظهره، وكان إذا أتي برجل نباش حفر له قبرا ودفنه فيه حيا، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة أو شهر سلاحا قطع يده؛ فربما أقام أربعين يوما لا يؤتي إليه بأحد، فضم الحجاج إليه شرطة البصرة مع شرطة الكوفة.
ولما قدم عبد الملك بن مروان المدينة نزل دار مروان، فمرّ الحجاج بخالد بن يزيد بن معاوية وهو جالس في المسجد، وعلى الحجاج سيف محلى وهو يخطر متبخترا في المسجد، فقال رجل من قريش لخالد: من هذا التختارة «5» ؟ فقال: بخ بخ! هذا عمرو بن العاص! فسمعه الحجاج: فمال إليه فقال: قلت: هذا عمرو بن العاص! والله ما سرّني أنّ العاص ولدني ولا ولدته ولكن إن شئت أخبرتك من أنا: أنا ابن الأشياخ من ثقيف، والعقائل «6» من قريش، والذي ضرب مائة بسيفه هذا كلهم يشهدون على
(5/280)

أبيك بالكفر وشرب الخمر حتى أقرّوا أنه خليفة. ثم ولّى وهو يقول: هذا عمرو بن العاص.
الأصمعي قال: بعث الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال له: أنت الذي تقول: إنّ الحسن بن عليّ، ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ والله لتأتينّي بالمخرج أو لأضربن عنقك! فقال له: فإن أتيت بالمخرج فأنا آمن؟ قال: نعم. قال له: اقرأ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى
«1» فمن أقرب، عيسى إلى إبراهيم، وإنما هو ابن ابنته، أو الحسن إلى محمد؟ قال الحجاج: فو الله لكأني ما قرأت هذه الآية قط! وولاه قضاء بلده، فلم يزل بها قاضيا حتى مات.
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: كان عبد الملك بن مروان سنان «2» قريش وسيفها رأيا وحزما، وعابدها قبل أن يستخلف ورعا وزهدا؛ فجلس يوما في خاصّته فقبض على لحيته فشمّها مليّا، ثم اجترّ «3» نفسه، ونفخ نفخة أطالها، ثم نظر في وجوه القوم فقال: ما أقول يوم ذي المسألة عن ابن أمّ الحجاج، وأدحض المحتج على العليم بما طوته الحجب؟ أما إنّ تمليكي له قرن بي لوعة يحشها «4» التذكار! كيف وقد علمت فتعاميت، وسمعت فتصاممت، وحمله الكرام الكاتبون! والله لكأني إلف ذي الضّغن على نفسي، وقد نعت الأيام بتصرّفها أنفسا حقّ لها الوعيد بتصرّم الدّول، وما أبقت الشبهة للباقي متعلّقا، وما هو إلا الغل «5» الكامن من النفس بحوبائها «6» ، والغيظ المندمل؛ اللهم أنت لي أوسع، غير منتصر ولا معتذر. يا كاتب، هات الدواة والقرطاس. فقعد كاتبه بين يديه وأملى عليه:
(5/281)

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله، عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أمّا بعد، فقد أصبحت بأمرك برما «1» ، يقعدني الإشفاق، ويقيمني الرجاء، وإذا عجزت في دار السعة وتوسّط الملك وحين المهل واجتماع الفكر أن ألتمس العذر في أمرك؛ فأنا لعمر الله في دار الجزاء وعدم السلطان واشتغال الحامّة «2» والركون إلى الذلة من نفسي والتوقع لما طويت عليه الصحف أعجز؛ وقد كنت أشركتك فيما طوّقني الله عز وجل حمله ولاث «3» بحقوى من أمانته في هذا الخلق المرعيّ، فدللت منك على الحزم والجدّ في إماتة بدعة وإنعاش سنة، فقعدت عن تلك ونهضت بما عاندها، حتى صرت حجة الغائب، وعذر اللاعن والشاهد القائم.
فلعن الله أبا عقيل وما نجل «4» ، فألأم والد وأخبث نسل، فلعمري ما ظلمكم الزمان، ولا قعدت بكم المراتب، فقد ألبستكم ملبسكم، وأقعدتكم على روابي خططكم، وأحلّتكم أعلى منعتكم، فمن حافر وناقل وماتح «5» للقلب المقعدة في القيافي المتهفيهقة «6» ، ما تقدّم فيكم الإسلام ولقد تأخرتم، وما الطائف منا ببعيد يجهل أهله؛ ثم قمت بنفسك، وطمحت بهمّتك، وسرّك انتضاء سيفك، فاستخرجك أمير المؤمنين من أعوان روح بن زنباع وشرطته، وأنت على معاونته يومئذ محسود، فهفا «7» أمير المؤمنين والله يصلح بالتوبة والغفران زلّته، وكأني بك وكأن ما لو لم يكن لكان خيرا مما كان؛ كلّ ذلك من تجاسرك وتحاملك على المخالفة لرأي أمير المؤمنين، فصدعت صفاتنا، وهتكت حجبنا، وبسطت يديك تحفن «8» بهما من كرائم ذوي الحقوق اللازمة والأرحام الواشجة، في أوعية ثقيف؛ فاستغفر الله لذنب ماله عذر، فلئن استقال أمير المؤمنين فيك الرأي، فلقد جالت البصيرة في ثقيف بصالح النبيّ صلّى الله عليه وسلم، إذ ائتمنه على الصدقات وكان عبده، فهرب بها عنه، وما هو إلا اختيار
(5/282)

للثقة، والمطّلب لمواضع الكفاية: فقعد فيه الرجاء كما قعد بأمير المؤمنين فيما نصبك له، فكأنّ هذا ألبس أمير المؤمنين ثوب العزاء، ونهض بعذره إلى استنشاق نسيم الرّوح؛ فاعتزل عمل أمير المؤمنين واظعن عنه باللعنة اللازمة، والعقوبة الناهكة إن شاء الله، إذ استحكم لأمير المؤمنين ما يحاول من رأيه، والسلام.
ودعا عبد الملك مولى له يقال له نباتة، له لسان وفضل رأي، فناوله الكتاب، ثم قال له: يا نباتة، العجل ثم العجل، حتى تأتي العراق، فضع هذا الكتاب في يد الحجاج، وترقب ما يكون منه، فإذا أجبل «1» عند قراءته واستيعاب ما فيه، فاقلعه عن عمله وانقلع معه حتى تأتي به، وهدّن «2» الناس حتى يأتيهم أمري، بما تصفني به في حين انقلاعك، من حبّي لهم السلامة؛ وإن هش للجواب ولم تكتنفه أربة «3» الحيرة، فخذ منه ما يجيب به وأقرره على عمله، ثم اعجل علي بجوابه.
قال نباتة: فخرجت قاصدا إلى العراق، فضمتني الصحارى والفيافي، واحتواني القرّ، وأخذ مني السفر، حتى وصلت؛ فلما وردته أدخلت عليه في يوم ما يحضره فيه الملأ، وعلى شحوب مضنى، وقد توسط خدمه من نواحيه وتدثر بمطرف خز ادكن»
، ولاث به الناس من بين قائم وقاعد؛ فلما نظر إليّ- وكان لي عارفا- قعد، ثم تبسّم تبسّم الوجل، ثم قال: أهلا بك يا نباتة، أهلا بمولى أمير المؤمنين لقد أثّر فيك سفرك، وأعرف أمير المؤمنين بك ضنينا، فليت شعري ما دهمك أو دهمني عنده؟ قال: فسلّمت وقعدت، فسأل: ما حال أمير المؤمنين وخوله؟ ... فلما هدأ أخرجت له الكتاب فناولته إياه، فأخذه مني مسرعا ويده ترعد، ثم نظر في وجوه الناس فما شعرت إلا وأنا معه ليس معنا ثالث، وصار كل من يطيف به من خدمه يلقاه جانبا، لا يسمعون منا الصوت؛ ففك الكتاب فقرأه، وجعل يتثاءب ويردد تثاؤبه، ويسيل العرق على جبينه وصدغيه- على شدة البرد- من تحت قلنسوته من
(5/283)

شدة الفرق «1» ، وعلى رأسه عمامة خزّ خضراء، وجعل يشخص إليّ ببصره ساعة كالمتوهم، ثم يعود إلى قراءة الكتاب ويلاحظني النظر كالمتفهّم، إلا أنه واجم «2» ؛ ثم يعاود الكتاب، وإني لأقول: ما أراه يثبت حروفه؛ من شدة اضطراب يده، حتى استقصى قراءته؛ ثم مالت يده حتى وقع الكتاب على الفراش، ورجع إليه ذهنه، فمسح العرق عن جبينه ثم قال متمثلا:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع «3»
ثم قال: قبح والله منا الحسن يا نباتة، وتواكلتنا عند أمير المؤمنين الألسن، وما هذا إلا سانح فكرة نمقها مرصد يكلب بقصتنا، مع حسن رأي أمير المؤمنين فينا.
يا غلام! فتبادر الغلمان الصيحة، فملىء علينا منهم المجلس، حتى دفأتني «4» منهم الأنفاس، فقال: الدواة والقرطاس. فأتي بداوة وقرطاس، فكتب بيده، وما رفع القلم مستمدا حتى سطر مثل خد الفرس، فلما فرغ قال لي يا نباتة، هل علمت ما جئت به فنسمعك ما كتبنا؟ قلت: لا. قال: إذا حسبك منا مثله. ثم ناولني الجواب، وأمر لي بجائزة فأجزل، وجرّد لي كساء ودعا لي بطعام فأكلت ثم قال: نكلك «5» إلى ما أمرت به من عجلة أو توان، وإني لأحب مقارنتك والأنس برؤيتك. فقلت: كان معي قفل مفتاحه عندك، ومفتاح قفلك عندي، فأحدثت لك العافية بأمرين: فاقفلت المكروه وفتحت العافية، وما ساءني ذلك وما أحب أن أزيدك بيانا، وحسبك من استعجال القيام.
ثم نهضت وقام مودعا لي، فالتزمني وقال: بأبي أنت وأمي، رب لفظة مسموعة ومحتقر نافع؛ فكن كما أظن.
فخرجت مستقبلا وجهي حتى وردت أمير المؤمنين، فوجدته منصرفا من صلاة
(5/284)

العصر، فلما رآني قال: ما احتواك المضجع يا نباتة! فقلت: من خاف من وجه الصباح أدلج «1» . فسلمت وانتبذت عنه فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال: مهيم «2» .
فدفعت إليه الكتاب فقرأه متبسما، فلما مضى فيه ضحك حتى بدت له سنّ سوداء ثم استقصاه فانصرف إليّ فقال: كيف رأيت إشفاقه؟ قال: فقصصت عليه ما رأيت منه فقال: صلوات الله على الصادق الأمين: إن من البيان لسحرا. ثم قذف الكتاب إليّ فقال: اقرأ. فقرأته فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين، المؤيّد بالولاية، المعصوم من خطل القول وزلل الفعل، بكفالة الله الواجبة لذوي أمره؛ من عبد اكتنفته الزّلة «3» ، ومدّ به الصّغار «4» إلى وخيم المرتع، ووبيل المكرع «5» ، من جليل فادح ومعتد قادح؛ والسلام عليك ورحمة الله التي اتسعت فوسعت، وكان بها إلى أهل التقوى عائدا؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، راجيا لعطفك بعطفه.
أما بعد، كان الله لك بالدّعة في دار الزوال، والأمن في دار الزلزال، فإنه من عنيت به فكرتك يا أمير المؤمنين مخصوصا، فما هو إلا سعيد يؤثر، أو شقي يوتر «6» ؛ وقد حجبني عن نواظر السعد لسان مرصد ونافس حقد، انتهز به الشيطان حين الفكرة، فافتتح به أبواب الوسواس بما تحنق به الصدور؛ فواغوثاه استعاذة بأمير المؤمنين من رجيم إنما سلطانه على الذين يتولونه، واعتصاما بالتوكل على من خصه بما أجزل له من قسم الإيمان وصادق السنة، فقد أراد اللعين أن يفتق لأوليائه فتقا نبا عنه كيده، وكثر عليه تحسره، بلية قرع بها فكر أمير المؤمنين ملبسا
(5/285)

وكادحا ومؤرّشا «1» ، ليفلّ من عزمه الذي نصبني، ويصيب تأرا لم يزل به موتورا، وذكر قديم ما منى به الأوائل حتى لحقت بمثله منهم وما كنت أبلوه من خسة أقدار، ومزاولة أعمال، إلى أن وصلت ذلك بالتشرّط لروح بن زنباع. وقد علم أمير المؤمنين بفضل ما اختار الله له تبارك وتعالى من العلم المأثور الماضي، بأن الذي غيّر به القوم من مصانعهم من أشد ما كان يزاوله أهل القدمة «2» الذين اجتبى الله منهم، وقد اعتصموا وامتعضوا من ذكر ما كان، وارتفعوا بما يكون، وما جهل أمير المؤمنين- للبيان موقعه، غير محتج ولا متعدّ- أن متابعة روح بن زنباع طريق الوسيلة لمن أراد من فوقه، وأن روحا لم يلبسني العزم الذي به رفعني أمير المؤمنين عن خوله؛ وقد ألصقتني بروح بن زنباع همة لم تزل نواظرها ترمي بي البعيد، وتطالع الأعلام. وقد أخذت من أمير المؤمنين نصيبا اقتسمه الإشفاق من سخطته والمواظبة على موافقته، فما بقي لنا بعد إلا صبابة إرث، به تجول النفس وتطرف النواظر، ولقد سرت بعين أمير المؤمنين سير المثبّط لمن يتلوه، المتطاول لمن تقدمه، غير مبتّ «3» موجف، ولا متثاقل مجحف؛ ففتّ الطالب، ولحقت الهارب، حتى سادت السنّة، وبادت البدعة، وخشىء الشيطان، وحملت الأديان إلى الجادة العظمى والطريقة المثلى؛ فها أنا ذا يا أمير المؤمنين، نصب المسألة لمن رامني، وقد عقدت الحبوة «4» ، وقرنت الوظيفتين لقائل محتج، أو لائم ملتجّ؛ وأمير المؤمنين ولي المظلوم، ومعقل الخائف؛ وستظهر له المحنة نبأ أمري؛ ولكل نبإ مستقر؛ وما حفنت «5» يا أمير المؤمنين في أوعية ثقيف حتى روي الظمآن، وبطن الغرثان «6» ، وغصّت الأوعية، وانقدّت «7» الأوكية «8» في
(5/286)

آل مروان، فأخذت ثقيف فضلا صار لها، لولاهم للقطته السابلة «1» ؛ ولقد كان ما أنكره أمير المؤمنين من تحاملي، وكان ما لو لم يكن لعظم الخطب فوق ما كان؛ وإن أمير المؤمنين لرابع أربعة: أحدهم ابنة شعيب النبي صلّى الله عليه وسلم؛ إذ رمت بالظن غرض اليقين تفرّسا في النجيّ المصطفى بالرسالة، فحقّ لها فيه الرجاء، وزالت شبهة الشك بالاختبار؛ وقبلها العزيز في يوسف؛ ثم الصدّيق في الفاروق، رحمة الله عليهما؛ وأمير المؤمنين في الحجاج. وما حسد الشيطان يا أمير المؤمنين خاملا، ولا شرق «2» بغير شجى؛ فكم غبطة يا أمير المؤمنين للرجيم أدبر منها وله عواء وقد قلت حيلته، ووهن كيده يوم كيت وكيت؛ ولا أظن أذكر لها من أمير المؤمنين. ولقد سمعت لأمير المؤمنين في صالح- صلوات الله عليه- وفي ثقيف مقالا، هجم بي الرجاء لعذله عليه بالحجة في ردّه، بمحكم التنزيل في لسان ابن عمه خاتم النبيين وسيد المرسلين؛ صلّى الله عليه وسلم. فقد أخبر عن الله عز وجل؛ وحكاية غرّ الملأ من قريش عند الاختيار والافتخار، وقد نفخ الشيطان في مناخرهم، فلم يدعوا خلف ما قصدوا إليه مرمى، فقالوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
«3» . فوقع اختيارهم- عند المباهاة بنفخة الكفر، وكبر الجاهلية، على الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبي مسعود الثقفي؛ فصارا في الافتخار بهما صنوين، ما أنكر اجتماعهما من الأمة منكر في خبر القرآن ومبلّغ الوحي، وإن كان ليقال للوليد في الأمة يومئذ:
ريحانة قريش؛ وما ردّ ذلك العزيز تعالى إلا بالرحمة الشاملة في القسم السابق، فقال عز وجل: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
«4» . وما قدمتني يا أمير المؤمنين ثقيف في الاحتجاج لها، وإن لها مقالا رحبا، ومعاندة قديمة؛ إلا أن هذا من أيسر ما يحتج به العبد المشفق على سيده المغضب، والأمر إلى أمير المؤمنين، عزل أم أقرّ، وكلاهما عدل متبع، وصواب معتقد. والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله.
(5/287)

قال نباتة: فأتيت على الكتاب بمحضر أمير المؤمنين عبد الملك، فلما استوعبته سارقته النظر على الهيبة منه، فصادف لحظي لحظه، فقال: اقطعه ولا تعلمنّ بما كان أحدا. فلما مات عبد الملك فشا عني الخبر بعد موته.
الحجاج وابن المنتشر في ذمي:
محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني قال: دفع إلي الحجاج رجلا ذمّيا «1» ، وأمرني بالتشديد عليه والاستخراج منه، فلما انطلقت به قال لي: يا محمد، إن لك لشرفا ودينا. إني لا أعطى على القسر شيئا، فاستأذني وارفق بي. قال: ففعلت فأدّى إليّ في أسبوع خمسمائة ألف، فبلغ ذلك الحجاج فأغضبه، فانتزعه من يدي ودفعه إلى الذي كان يتولى له العذاب، فدق يديه ورجليه ولم يعطه شيئا. قال محمد ابن المنتشر: فإني لسائر يوما في السوق، إذ صائح بي: يا محمد، فالتفتّ، فإذا أنا به معترضا على حمار مدقوق اليدين والرجلين، فخفت الحجاج إن أتيته وتذمّمت «2» منه، فملت إليه، فقال لي: إنك وليت مني ما ولي هؤلاء، فرفقت بي وأحسنت إليّ، وإنهم صنعوا بي ما ترى، ولي خمسمائة ألف عند فلان، فخذها مكافأة لما أحسنت إليّ. فقلت: ما كنت لآخذ منك على معروفي أجرا، ولا لأرزأك «3» على هذه الحالة شيئا! قال: فأما إذ أبيت فاسمع مني حديثا أحدّثك به، حدّثنيه بعض أهل دينك عن نبيك صلّى الله عليه وسلم: إذا رضي الله عن قوم أنزل عليهم المطر في وقته، وجعل المال في سمحائهم، واستعمل عليهم خيارهم؛ وإذا سخط على قوم أنزل عليهم المطر في غير وقته، وجعل المال في بخلائهم، واستعمل عليهم شرارهم.
فانصرفت، فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجاج، فسرت إليه، فألفيته جالسا على فراشه والسيف مصلت بيده، فقال لي: ادن. فدنوت شيئا، ثم قال لي: ادن فدنوت شيئا، ثم قال لي الثالثة: ادن، لا أبالك! فقلت: ما بي إلى الدنوّ من حاجة،
(5/288)

وفي يد الأمير ما أرى! فضحك وأغمد سيفه. وقال: اجلس، ما كان من حديث الخبيث؟ فقلت له: أيها الأمير، والله ما غششتك منذ استصحبتني ولا كذبتك منذ استخبرتني، ولا خنتك منذ ائتمنتني؛ ثم حدثته؛ فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده أعرض عني بوجهه، وأومأ «1» إلي بيده، وقال: لا تسمّه. ثم قال: إن للخبيث نفسا، وقد سمع الأحاديث.
شيء عن الحجاج:
ويقال: إن الحجاج كان إذا استغرب ضحكا والى بين استغفار، وكان إذا صعد المنبر تلفع بمطرفه «2» ، ثم تكلم رويدا فلا يكاد يسمع، حتى يتزايد في الكلام فيخرج يده من مطرفه، ثم يزجر الزجرة فيقرع بها أقصى من في المسجد.
خالد القسري في شأن الحجاج:
صعد خالد بن عبد الله القسري المنبر في يوم الجمعة وهو إذ ذاك على مكة؛ فذكر الحجاج، فحمد طاعته وأثنى عليه خيرا؛ فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك، يأمره فيه بشتم الحجاج ونشر عيوبه وإظهار البراءة منه:
فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له به فضلا، وكان الله قد علم من غشّه وخبثه ما خفي على ملائكته، فلما أراد الله فضيحته أمره بالسجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم، فلعنوه؛ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلا، وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين من غشه وخبثه على ما خفي عنا؛ فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين، فلعنه، فالعنوه لعنه الله! ثم نزل.
(5/289)

الحجاج وامرأة ابن الأشعث:
ولما أتي الحجاج بامرأة ابن الأشعث قال للحرسي: قل لها: يا عدوّة الله، أين مال الله الذي جعلته تحت ذيلك؟ فقال لها الحرسي: يا عدوّة الله أين مال الله الذي جعلته تحت استك؟ قال الحجاج: كذبت؛ ما هكذا قلت؛ أرسلها. فخلّي سبيلها.
الحجاج وأبو وائل:
أبو عوانة عن عاصم عن أبي وائل قال: أرسل الحجاج إليّ. فقال لي: ما اسمك؟
قلت: ما أرسل الأمير إليّ حتى عرف اسمي! قال لي: متى هبطت هذه الأرض؟
قلت: حين ساكنت أهلها. قال: كم تقرأ من القرآن؟ قلت: أقرأ منه ما إن اتبعته كفاني. قال: إني أريد أن أستعين بك على بعض عملي؟ قلت: إن تستعين بي تستعن بكبير أخرق «1» ضعيف، يخاف أعوان السوء. وإن تدعني فهو أحب إليّ، وإن تقحمني أتقحّم. قال: إن لم أجد غيرك أقحمتك وإن وجدت غيرك لم أقحمك.
قلت وأخرى أكرم الله الأمير: إني ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك؛ والله إني لأتعارّ «2» من الليل فأذكرك فما يأتيني النوم حتى أصبح؛ هذا، ولست لك على عمل! فأعجبه ذلك وقال: هيه! كيف قلت؟ فأعدت عليه الحديث. فقال: إني والله ما أعلم اليوم رجلا على وجه الأرض هو أجرأ على دم مني! قال: فقمت فعدلت عن الطريق عمدا كأني لا أبصر، فقال: اهدوا الشيخ، أرشدوا الشيخ.
الحجاج وابن أبي ليلى:
أبو بكر بن أبي شيبة قال: دخل عبد الرحمن بن أبي ليلى على الحجاج، فقال لجلسائه: إذا أردتم أن تنظروا إلى رجل يسب أمير المؤمنين عثمان فانظروا إلى هذا.
فقال عبد الرحمن: معاذ الله أيها الأمير أن أكون أسبّ عثمان؛ إنه ليحجزني «3» عن
(5/290)

ذلك [ثلاث] آيات في كتاب الله تعالى [قال الله تعالى] : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
»
. فكان عثمان منهم، ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
«2» . فكان أبي منهم ثم قال:
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
«3» . فكنت أنا منهم. قال: صدقت.
ابن أبي ليلى في لعن على وابن الزبير والمختار:
أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى ضربه الحجاج وأوقفه على باب المسجد، فجعلوا يقولون له: العن الكاذبين: عليّ ابن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد. فقال: لعن الله الكاذبين ثم قال: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد- بالرفع- فعرفت حين سكت ثم ابتدأ فرفع، أنه ليس يريدهم.
الحجاج والشعبي:
قال الشعبي: أتي بي الحجاج موثقا، فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن أبي مسلم كاتبه، فقال: إنا لله يا شعبيّ لما بين دفتيك من العلم، وليس اليوم بيوم شفاعة! قلت له: فما المخرج؟ قال: بؤ «4» للأمير بالشرك والنفاق على نفسك، وبالحرى أن تنجو. ثم لقبني محمد بن الحجاج، فقال لي مثل مقالة يزيد: فلما دخلت على الحجاج قال لي: وأنت يا شعبي فيمن خرج عليا وكفر؟ قلت: أصلح الله الأمير، نبا «5» بنا المنزل، وأجدب بنا الجناب «6» ، واستحلسنا «7» الخوف، واكتحلنا السهر، وضاق
(5/291)

المسلك، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء! قال: صدق والله، ما برّوا بخروجهم علينا، ولا قووا؛ أطلقوا عنه. فاحتاج إليّ في فريضة بعد ذلك، فأرسل إليّ فقال: ما تقول في أم وأخت وجد؟ فقلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم: عبد الله بن مسعود، وعليّ، وعثمان وزيد، وابن عباس. قال: فما قال فيها ابن عباس، إن كان لمنقبا «1» . قلت: جعل الجد أبا ولم يعط الأخت شيئا، وأعطى الأمّ الثلث. قال: فما قال فيها ابن مسعود؟ قلت جعلها من ستة، فأعطى الجدّ ثلاثة، وأعطى الأمّ اثنين، وأعطى الأخت سهما. قال: فما قال زيد؟ قلت: جعلها من تسعة، فأعطى الأمّ ثلاثة، وأعطى الجدّ أربعة، وأعطى الأخت اثنين؛ فجعل الجد معها أخا. قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟ قلت: جعلها أثلاثا. قال: فما قال فيها أبو تراب؟ قلت: جعلها من ستة، فأعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الأم اثنين وأعطى الجد سهما، قال: مر القاضي فليمضها على ما أمضاها أمير المؤمنين.
... فبينما أنا عنده إذ جاءه الحاجب فقال له: إن بالباب رسلا. فقال: إيذن لهم.
قال: فدخلوا، وعمائمهم على أوساطهم، وسيوفهم على عواتقهم، وكتبهم بأيمانهم، وجاء رجل من بني سليم يقال له شبابة بن عاصم، فقال له: من أين؟ قال: من الشام، قال:
كيف تركت أمير المؤمنين؟ وكيف تركت حشمه؟ فأخبره، قال: هل وراءك من غيث؟ قال: نعم، أصابتني فيما بيني وبين الأمير ثلاث سحائب. قال: فانعت لي، كيف كان وقع المطر وتباشيره؟ قال: أصابتني سحابة بحوّارين «2» ، فوقع قطر صغار وقطر كبار، فكانت الصغار لحمة للكبار؛ ووقع نشيطا ومتداركا، وهو السّيح «3» الذي سمعت به، فواد سائل، وواد نازح؛ وأرض مقبلة، وأرض مدبرة. وأصابتني سحابة بسراء «4» فلبّدت الدّماث «5» ، وأسالت العزاز «6» ، وأدحضت التلاع، وصدعت
(5/292)

عن الكمأة أماكنها؛ وأصابتني سحابة بالقريتين. فقاءت الأرض بعد الريّ، وامتلأت الأخاديد «1» ، وأفعمت الأودية، وجئتك في مثل وجار «2» الضبع.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من بني أسد، فقال: هل وراءك من غيث؟ قال: لا، كثر والله الإعصار، وأغبرت البلاد، وأيقنّا أنه عام سنة «3» . قال: بئس المخبر أنت.
قال: أخبرتك الذي كان.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من أهل اليمامة، قال: هل وراءك من غيث؟ قال:
نعم، سمعت الروّاد يدعون إلى الماء، وسمعت قائل يقول: هلم ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران، وتشتكي فيها النساء، وتنافش فيها المعزى. قال الشعبي: فلم يدر الحجاج ما قال، فقال له: تبّا لك. إنما تحدّث أهل الشام فأفهمهم. قال: أصلح الله الأمير، أخصب الناس، فكثر التمر والسمن والزبد واللبن، فلا توقد نار يختبز بها؛ وأمّا تشكى النساء، فإنّ المرأة تظل تربق «4» بهمها، وتمخض لبنها، فتبيت: ولها أنين من عضدها وأمّا تنافش «5» المعزى، فإنها ترى من أنواع التّمر وأنواع الشجر ونور النبات، ما يشبع بطونها ولا يشبع عيونها، فتبيت وقد امتلأت أكراشها، ولها من الكظة «6» جرّة، فتبقى الجرّة حتى تستنزل الدرّة.
ثم قال: إيذن. فدخل رجل من الموالي كان من أشدّ الناس في ذلك الزمان، فقال له: هل وراءك من غيث؟ قال: نعم، ولكني لا أحسن أن أقول ما يقول هؤلاء.
قال: فما تحسن؟ قال: أصابتني سحابة بحلوان، فلم أزل أطأ في آثارها حتى دخلت عليك. فقال: لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة، إنك لأطولهم بالسيف خطوة.
(5/293)

عبد الملك والحجاج وابن عمر:
إبراهيم بن مرزوق عن سعيد بن جويرية قال: لما كان عام الجماعة، كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: انظر ابن عمر فاقتد به وخذ عنه. يعني في المناسك، قال: فلما كان عشية عرفة، سار الحجاج بين يدي عبد الله ابن عمر وسالم ابنه، فقال له سالم: إن أردت أن تصيب السّنة «1» اليوم فأوجز الخطبة وعجّل الصلاة. قال:
فقطّب ونظر إلى عبد الله بن عمر، فقال: صدقت. فلما كان عند الزوال مرّ عبد الله بن عمر بسرادقه وقال: الرواح «2» فما لبث أن خرج ورأسه يقطر كأنه قد اغتسل، فلما أفاض «3» الناس رأيت الدم يتحدر من النجيبة «4» التي عليها ابن عمر، فقلت: أبا عبد الرحمن، عقرت النجيبة! قال: أنا عقرت ليس النجيبة. وكان أصابه زج «5» رمح بين أصبعين من قدمه، فلما صرنا بمكة دخل عليه الحجاج عائدا فقال: يا أبا عبد الرحمن، لو علمت من أصابك لفعلت وفعلت، قال له: أنت أصبتني. قال غفر الله لك، لم تقول هذا؟ قال: حملت السلاح في يوم لا يحمل فيه السلاح، وفي بلد لا يحمل فيه السلام.
من أخبار الحجاج:
أبو الحسن المدائني قال: أخبرني من دخل المسجد والحجاج على المنبر وقد ملأ صوته المسجد بأبيات سويد بن أبي كاهل اليشكري حيث يقول:
ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لي موتا لم يطع
ساء ما ظنّوا وقد أبليتهم ... عند غايات المدى كيف أقع «6»
(5/294)

كيف يرجون سقاطي بعدما ... شمل الرأس مشيب وصلع
كتب الوليد إلى الحجاج. أن صف لي سيرتك، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي، وأنمت هواي، فأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفّر لأمانته، وصرفت السيف إلى النّطف «1» المسيء، والثواب إلى المحسن البريء؛ فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب.
الحجاج وقارىء
قرأ الحجاج في سورة هود: قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
«2» ؛ فلم يدر كيف يقرأ: عمل بالضم والتنوين، أو عمل بالفتح؛ فبعث حرسيّا فقال: إيتني بقارىء. فأتى به وقد ارتفع الحجاج عن مجلسه، فحبسه ونسيه حتى عرض الحجاج حبسه بعد ستة أشهر؛ فلما انتهى إليه قال له: فيم حبست؟ قال:
في ابن نوح، أصلح الله الأمير! فأمر بإطلاقه.
عبد الملك والحجاج وأنس:
إبراهيم بن مرزوق قال: حدّثني سعيد بن جويرية قال: خرجت خارجة على الحجاج بن يوسف، فأرسل إلى أنس بن مالك يخرج معه، فأبى، فكتب إليه يشتمه، فكتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان يشكوه وأدرج كتاب الحجاج في جوف كتابه.
قال إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر: بعث إليّ عبد الملك بن مروان في ساعة لم يكن يبعث إليّ في مثلها، فدخلت عليه وهو أشدّ ما كان حنقا وغيظا، فقال: يا إسماعيل: ما أشدّ عليّ أن تقول الرعية: ضعف أمير المؤمنين، وضاق ذرعه في رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم! لا يقبل له حسنة، ولا يتجاوز له عن سيئة، فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين قال أنس بن مالك: خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كتب إليّ يذكر أنّ
(5/295)

الحجاج قد أضرّ به أو أساء جواره. وقد كتبت في ذلك كتابين، كتابا إلى أنس بن مالك، والآخر إلى الحجاج؛ فاقبضهما ثم اخرج على البريد فإذا وردت العراق فابدأ بأنس بن مالك فادفع له كتابي، وقل له: اشتدّ على أمير المؤمنين ما كان من الحجاج إليك، ولن يأتي إليك أمر تكرهه إن شاء الله، ثم ائت الحجاج فادفع إليه كتابه، وقل له: قد اغتررت بأمير المؤمنين غرّة «1» لا أظنه يخطئك شرّها. ثم افهم ما يتكلم به وما يكون منه، حتى تفمني إياه إذا قدمت عليّ إن شاء الله.
قال إسماعيل: فقبضت الكتابين وخرجت على البريد، حتى قدمت العراق فبدأت بأنس بن مالك في منزله، فدفعت إليه كتاب أمير المؤمنين، وأبلغته رسالته؛ فدعا له وجزاه خيرا؛ فلما فرغ من قراءة الكتاب قلت له: أبا حمزة، إنّ الحجاج عامل، ولو وضع لك في جامعة «2» لقدر أن يضرك وينفعك؛ فأنا أريد أن تصالحه. قال: ذلك إليك، لا أخرج عن رأيك. ثم أتيت الحجاج؛ فلما رآني رحب وقال: والله لقد كنت أحبّ أن أراك في بلدي هذا! قلت: وأنا والله قد كنت أحب أن أراك وأقدم عليك بغير الذي أرسلت به إليك! قال: وما ذاك؟ قلت: فارقت الخليفة وهو أغضب الناس عليك! قال: ولم؟ قال: فدفعت إليه الكتاب، فجعل يقرؤه وجبينه يعرق فيمسحه بيمينه، ثم قال: اركب بنا إلى أنس بن مالك. قلت له: لا تفعل، فإني سأتلطف به حتى يكون هو الذي يأتيك- وذلك للذي أشرت عليه من مصالحته- قال: فألقى كتاب أمير المؤمنين، فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أمّا بعد فإنك عبد طمت «3» بك الأمور فطغيت، وعلوت فيها حتى جزت قدرك، وعدوت طورك، وايم الله يا بن المستفرمة «4» بعجم زبيب الطائف، لأغمزنّك «5»
(5/296)

كبعض غمزات الليوث للثعالب، ولأركضنّك ركضة تدخل منها في وجعاء»
أمك؛ اذكر مكاسب آبائك بالطائف، إذ كانوا ينقلون الحجارة على أكتافهم، ويحفرون الآبار في المناهل بأيديهم؛ فقد نسيت ما كنت عليه أنت وآباؤك من الدناءة واللؤم والضراعة؛ وقد بلغ أمير المؤمنين استطالة منك على أنس بن مالك خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، جرأة منك على أمير المؤمنين، وغرّة بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله وعمد إلى غير محبته، ونزل عند سخطته، وأظنك أردت أن تروزه «2» بها لتعلم ما عنده من التغيير والتنكير فيها، فإن سوّغتها مضيت قدما، وإن بغّضتها وليت دبرا. فعليك لعنة الله من عبد أخفس «3» العينين؛ أصلك «4» الرجلين؛ ممسوح الجاعرتين «5» ، وايم الله لو أن أمير المؤمنين علم أنك اجترمت منه جرما وانتهكت له عرضا فيما كتب به إلى أمير المؤمنين، لبعث إليك من يسبحك ظهرا لبطن حتى ينتهي بك إلى أنس بن مالك، فيحكم فيك بما أحب، ولن يخفى على أمير المؤمنين نبؤك «6» ، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون.
قال إسمعيل: فانطلقت إلى أنس فلم أزل به حتى انطلق معي إلى الحجاج؛ فلما دخلنا عليه قال: يغفر الله لك أبا حمزة: عجلت بالأئمة، وأغضبت علينا أمير المؤمنين. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير، فقال: أنس: إنك كنت تزعم أنا الأشرار! والله سمّانا الأناصر، وقلت: إنا من أبخل الناس! ونحن الذين قال الله فيهم: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
«7» وزعمت أنّا أهل نفاق! والله تعالى يقول فينا: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا
«8» فكان المفزع والمشتكى في ذلك
(5/297)

إلى الله وإلى أمير المؤمنين، فتولى من ذلك ما ولاه الله، وعرف من حقنا ما جهلت، وحفظ منا ما ضيّعت؛ وسيحكم في ذلك ربّ هو أرضى للمرضى، وأسخط للمسخط، وأقدر على المغير، في يوم لا يشوب الحقّ عنده الباطل، ولا النور الظلمة، ولا الهدى الضلالة؛ والله لولا أن اليهود أو النصارى رأت من خدم موسى بن عمران أو عيسى ابن مريم يوما واحدا لرأت له ما لم تروا لي في خدمة رسول الله صلّى الله عليه وسلم عشر سنين.
قال: فاعتذر إليه الحجاج وترضاه حتى قبل عذره ورضي عنه، وكتب برضاه وقبوله عذره، ولم يزل الحجاج له معظّما هائبا له حتى هلك، رضي الله عنه.
وكتب الحجاج إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: أصلح الله أمير المؤمنين وأبقاه، وسهل حظه وحاطه ولا أعدمناه، فإن إسماعيل بن أبي المهاجر رسول أمير المؤمنين- أعز الله نصره- قدم عليّ بكتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وجعلني من كل مكروه فداءه، يذكر شتيمتي وتوبيخي بآبائي، وتعييري بما كان قبل نزول النعمة بي من عند أمير المؤمنين، أتم الله نعمته عليه، وإحسانه إليه، ويذكر أمير المؤمنين، جعلني الله فداه، استطالة مني على أنس بن مالك خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، جرأة على أمير المؤمنين، وغرة بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله وعمد إلى غير محبنه ونزل عند سخطته وأمير المؤمنين- أصلحه الله- في قرابته من محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، إمام الهدى وخاتم الأنبياء- أحق من أقال عثرتي وعفا عن ذنبي، فأمهلني ولم يعجلني عند هفوتي للذي جبل عليه من كريم طبائعه، وما قلده الله من أمور عباده؛ فرأى أمير المؤمنين- أصلحه الله- في تسكين ورعيّ وإفراح كربتي، فقد ملئت رعبا وفرقا من سطوته، وفجاءة نقمته، وأمير المؤمنين- أقاله «1» الله العثرات،
(5/298)

وتجاوز له [عن] السيئات، وضاعف له الحسنات، وأعلى له الدرجات- أحق من صفح وعفا، وتغمد «1» وأبقى، ولم يشمت بي عدوا مكبا «2» ولا حسودا مضبا «3» ، ولم يجرّعني غصصا؛ والذي وصف أمير المؤمنين من صنيعته إلي، وتنويهه لي بما أسند إلي من عمله، وأوطاني من رقاب رعيته، فصادق فيه، مجزى بالشكر عليه، والتوسل مني إليه بالولاية والتقرب له بالكفاية.
وقد عاين إسماعيل بن أبي المهاجر رسول أمير المؤمنين وحامل كتابه نزولي عند مسرة أنس بن مالك، وخضوعي لكتاب أمير المؤمنين، وإقلاقه إياي، ودخوله علي بالمصيبة، على ما سيعلمه أمير المؤمنين وينهيه إليه؛ فإن أرى أمير المؤمنين- طوّقني الله شكره، وأعانني على تأدية حقه، وبلّغني إلى ما فيه موافقة مرضاته ومدّ لي في أجله- أمر لي بكتاب من رضاه وسلامة صدره، يؤمّنني به من سفك دمي، ويردّ ما شرد من نومي، ويطمئن به قلبي، [فعل] ؛ فقد ورد عليّ أمر جليل خطبه، عظيم أمره شديد عليّ كربه، أسأل الله أن لا يسخط أمير المؤمنين [علي] ، وأن يبتليه في حزمه وعزمه، وسياسته وفراسته، ومواليه وحشمه، وعماله وصنائعه، ما يحمد به حسن رأيه، وبعد همته، إنه ولي أمير المؤمنين والذابّ عن سلطانه، والصانع له في أمره، والسلام.
فحدث إسماعيل أنه لما قرأ أمير المؤمنين الكتاب، قال: يا كاتب، أفرخ «4» روع أبي محمد. فكتب إليه بالرضا عنه.
سليمان والحجاج:
كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كتبا فلا ينظر له فيها، فكتب:
(5/299)

بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف، سلام على أهل الطاعة من عباد الله، أما بعد؛ فإنك امرؤ مهتوك عنه حجاب الحق، مولع بما عليك لا لك، منصرف عن منافعك، تارك لحظك، مستخف بحق الله وحق أوليائه، لا ما سلف إليك من خير يعطفك، ولا ما عليك لآلك يصرفك في مبهمة من أمرك مغمور منكوس معصوصر «1» عن الحق اعصيصارا، لا تتنكّب «2» عن قبيح، ولا ترعوي «3» عن إساءة، ولا ترجو لله وقارا؛ حتى دعيت فاحشا سبابا، فقس شبرك بفترك، واحذ زمام نعل بحذو مثله فايم الله لئن أمكنني الله منك لأدوسنك دوسة تلين منها فرائصك «4» ، ولأجعلنك شريدا في الجبال. تلوذ بأطراف الشمال، ولأعلقن الرومية الحمراء بثدييها، علم الله ذلك مني وقضى لي به عليّ، فقدما غرّتك العافية. وانتحيت «5» أعراض الرجال؛ فإنك قدرت فبذخت، وظفرت فتعدّيت؛ فرويدك حتى تنظر كيف يكون مصيرك إن كانت بي وبك مدة أتعلق بها.
وإن تكن الأخرى فأرجو أن تئول إلى مذلة ذليلة، وخزية طويلة، ويجعل مصيرك في الآخرة شرّ مصير! والسلام.
فكتب إليه الحجاج: بسم الله الرحمن الرحيم. من الحجاج بن يوسف إلى سليمان بن عبد الملك، سلام على من أتبع الهدى، أما بعد، فإنك كتبت إلي تذكر أني امرؤ مهتوك عني حجاب الحق، مولع بما عليّ لا لي، منصرف عن منافعي، تارك لحظي، مستخف بحق الله وحق وليّ الحق؛ وتذكر أنك ذو مصاولة «6» ؛ ولعمري إنك لصبيّ حديث السن، تعذر بقلة عقلك، وحداثة سنك ويرقب فيك غيرك.
(5/300)

فأما كتابك إليّ فلعمري لقد ضعف فيه عقلك، واستخف به حلمك، فلله أبوك! أفلا انتصرت بقضاء الله دون قضائك، ورجاء الله دون رجائك وأمتّ غيظك وأمنت عدوك، وسترت عنه تدبيرك، ولم تنبّهه فيلتمس من مكايدتك ما تلتمس من مكايدته؟ ولكنك لم تستشفّ «1» الأمور علما، ولم ترزق من أمرك حزما، جمعت أمورا دلّاك فيها الشيطان على أسوأ أمرك، فكان الجفاء من خليقتك، والحمّق من طبيعتك، وأقبل الشيطان بك وأدبر، وحدّثك أنك لن تكون كاملا حتى تتعاطى ما يعيبك، فتحذلقت حنجرتك لقوله، واتسع جوانبها لكذبه، وأما قولك لو ملكك الله لعلّقت زينب ابنة يوسف يثدييها؛ فأرجو أن يكرمها الله بهوانك وأن لا يوفق ذلك لك إن كان ذلك من رأيك؛ مع أني أعرف أنك كتبت إلي والشيطان بين كفيك، فشرّ ممل علي شرّ كاتب راض بالخسف «2» ، فأحر بالحق أن لا يدلك على هدى، ولا يردّك إلا إلى ردى؛ وتحلب فوك للخلافة، فأنت شامخ البصر، طامح النظر تظن أنك حين تملكها لا تنقطع عنك مدتها؛ إنها للقطة الله، أسأل الله أن يلهمك فيها الشكر. مع أني أرجو أن ترغب فيما رغب فيه أبوك وأخوك فأكون لك مثلي لهما، وإن نفخ الشيطان في منخريك فهو أمر أراد الله نزعه عنك وإخراجه إلى من هو أكمل به منك؛ ولعمري إنها النصيحة فإن تقبلها فمثلها قبل، وإن تردّها علي اقتطعتها دونك وأنا الحجاج.
الحجاج والوليد وأم البنين:
قدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك، فدخل عليه وعليه درع وعمامة سوداء وقوس عربية، وكنانة «3» ؛ فبعثت إليه أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان: من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك وأنت في غلالة «4» ؟ فبعث إليها: هذا الحجاج بن
(5/301)

يوسف. فأعادت الرسول إليه تقول: والله لأن يخلو بك ملك الموت أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجاج! فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة «1» ؛ فلا تطلعها على سرك ومكايدة عدوك. فلما دخل الوليد عليها أخبرها بمقالة الحجاج؛ فقالت: يا أمير المؤمنين، حاجتي أن تأمره غدا يأتيني مستلئما «2» . ففعل ذلك؛ فأتاها الحجاج فحجبته، فلم يزل قائما؛ ثم قالت له: إيه يا حجاج! أنت الممتنّ على أمير المؤمنين بقتلك عبد الله بن الزبير وابن الأشعث؟ أما والله لولا أن الله علم أنك من شرار خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة، وقتل ابن ذات النطاقين، أول مولود ولد في الإسلام؛ وأما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ أوطاره منهن؛ فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالأخذ عنك، وإن كن ينفرجن عن مثله فغير قابل لقولك: أما والله لقد نقض نساء أمير المؤمنين الطيب عن غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من الفرق «3» ، قد أظللتك رماحهم، وأثخنك كفاحهم؛ وحين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم؛ فما نجّاك الله من عدو أمير المؤمنين إلا بحبهم إياه، ولله در القائل إذ نظر إليك وسنان غزالة «4» بين كتفيك:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... ربواء تجفل من صفير الصافر «5»
هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في مخالب طائر
صدعت غزالة جمعه بعساكر ... تركت كتائبه كأمس الدابر
ثم قالت: أخرج! فخرج مذموما مدحورا.
(5/302)

عبد الملك والحجاج وعروة ابن الزبير:
كان عروة بن الزبير عاملا على اليمن لعبد الملك بن مروان، فاتصل به أن الحجاج مجمع على مطالبته بالأموال التي بيده وعزله عن عمله؛ ففر إلى عبد الملك وعاذ به تخوّفا من الحجاج واستدفاعا لضرره وشرّه؛ فلما بلغ ذلك الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان:
أما بعد فإن لواذ المعترضين بك، وحلول الجانحين إلى المكث بساحتك، واستلانتهم دمث «1» أخلاقك وسعة عفوك، كالعارض المبرق لأعدائه لا يعدم له شائما، رجاء استمالة عفوك؛ وإذا أدني الناس بالصفح عن الجرائم، كان ذلك تمرينا لهم على إضاعة الحقوق مع كل وال والناس عبيد العصا، هم على الشدة أشدّ استباقا منهم على اللين، ولنا قبل عروة بن الزبير مال من مال الله، وفي استخراجه منه قطع لطمع غيره، فليبعث به أمير المؤمنين إن رأى ذلك، والسلام.
فلما قرأ الكتاب، بعث إلى عروة ثم قال له: إن كتاب الحجاج قد ورد فيك، وقد أبى إلا إشخاصك إليه. ثم قال لرسول الحجاج: شأنك به. فالتفت إليه عروة مقبلا عليه، وقال: أما والله ما ذلّ وخزي من مات، ولكن ذل وخزي من ملكتموه؛ والله لئن كان الملك بجواز الأمر ونفاذ النهي، إن الحجاج لسلطان عليك، ينفذ أموره دون أمورك؛ إنك لتريد الأمر يزينك عاجله ويبقى لك أكرومة «2» آجله، فيجذبك عنه ويلقاه دونك، ليتولى من ذلك الحكم فيه، فيحظى بشرف عفو إن كان، أو يجرم عقوبة إن كانت، وما حاربك من حاربك إلا على أمر هذا بعضه.
قال: فنظر في كتاب الحجاج مرة ورفع بصره إلى عروة تارة، ثم دعا بدواة وقرطاس فكتب إليه:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين رآك مع ثقته بنصيحتك، خابطا في السياسة خبط
(5/303)

عشواء «1» الليل؛ فإنّ رأيك الذي يسولّ لك أن الناس عبيد العصا، هو الذي أخرج رجالات العرب إلى الوثوب عليك، وإذا أحرجت العامة بعنف السياسة، كانوا أوشك وثوبا عليك عند الفرصة، ثم لا يلتفتون إلى ضلال الداعي ولا هداه، إذا رجوا بذلك إدراك الثأر منك؛ وقد وليت العراق قبلك ساسة، وهم يومئذ أحمى أنوفا، وأقرب من عمياء الجاهلية، وكانوا عليهم أصلح منك عليهم، وللشدة واللين أهلون، والإفراط في العفو أفضل من الإفراط في العقوبة، والسلام.
ابن شهاب والحجاج في ضعف بصره:
زكريا بن عيسى عن ابن شهاب قال: خرجنا مع الحجاج حجاجا، فلما انتهينا إلى البيداء وافيا ليلة الهلال هلال ذي الحجة فقال لنا الحجاج: تبصّروا الهلال؟ فأما أنا ففي بصري عاهة. فقال له نوفل بن مساحق: أو تدري لم ذلك أصلح الله الأمير؟
قال: لكثرة نظرك في الدفاتر.
الأصمعي قال: عرضت السجون بعد الحجاج، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يجب على واحد منهم قتل ولا صلب ووجد فيهم أعرابي أخذ يبول في أصل مدينة واسط، فكان فيمن أطلق؛ فأنشأ الأعرابي يقول:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وبلنا لا نخاف عقابا
عدة من قتل الحجاج:
أبو داود المصحفي عن النضر بن شميل، قال: سمعت هشاما يقول: أحصوا من قتل الحجاج صبرا فوجدوهم مائة ألف وعشرين ألفا.
خطبة للحجاج في أهل العراق:
وخطب الحجاج أهل العراق فقال: يا أهل العراق، بلغني أنكم تروون عن نبيكم
(5/304)

أنه قال: «من ملك على عشرة رقاب من المسلمين جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، حتى يفكه العدل أو يوبقه «1» الجور» ! وايم الله إني لأحب إليّ أن أحشر مع أبي بكر وعمر مغلولا من أن أحشر معكم مطلقا.
الحجاج يخطب أهل العراق بعد مرضه:
ومرض الحجاج، ففرح أهل العراق وقالوا: مات الحجاج! مات الحجاج! فلما أفاق صعد المنبر وخطب الناس فقال:
يأهل العراق، يأهل الشقاق والنفاق، مرضت فقلتم: مات الحجاج! أما والله لأحب إليّ أن أموت من أن لا أموت، وهل أرجو الخير كله إلا بعد الموت؟ وما رأيت الله رضى بالخلود في الدنيا، لأحد من خلقه إلا لأبغض خلقه إليه وأهونهم عليه: إبليس؛ ولقد رأيت العبد الصالح يسأل ربه فقال: رب هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
»
ففعل، ثم اضمحل ذلك فكأنه لم يكن.
وله حين أراد الحج واستخلف ولده:
وأراد الحجاج أن يحج، فاستخلف محمدا ولده على أهل العراق، ثم خطب، فقال:
يأهل العراق، يأهل الشقاق والنفاق، إني أردت الحج، وقد استخلفت عليكم محمدا ولدي، وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصي به رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الأنصار؛ فإنه أوصى فيهم أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؛ وإني أوصيته أن يقبل من محسنكم، وأن لا يتجاوز عن مسيئكم! ألا وإنكم قائلون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا خوفي: لا أحسن الله له الصحابة! وأنا أعجل لكم الجواب: فلا أحسن الله عليكم الخلافة! ثم نزل.
(5/305)

وله في وفاة ابنه:
فلما كان غداة الجمعة مات محمد بن الحجاج، فلما كان بالعشي أتاه بريد من اليمن بوفاة محمد أخيه: ففرح أهل العراق، وقالوا: انقطع ظهر الحجاج وهيض «1» جناحه فخرج فصعد المنبر ثم خطب الناس. فقال:
أيها الناس، محمدان في يوم واحد! أما والله ما كنت أحب أنهما معي في الحياة الدنيا لما أرجو من ثواب الله لهما في الآخرة؛ وايم الله ليوشكن الباقي مني ومنكم أن يفنى. والجديد أن يبلى، والحيّ مني ومنكم أن يموت، وأن تدال «2» الأرض منا كما أدلنا منها فتأكل من لحومنا، وتشرب من دمائنا. كما مشينا على ظهرها، وأكلنا من ثمارها، وشربنا من مائها. ثم نكون كما قال الله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
«3» . ثم تمثل بهذين البيتين:
عزائي نبيّ الله من كلّ ميّت ... وحسبي ثواب الله من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله عنّي راضيا ... فإنّ سرور النّفس فيما هنالك
ثم نزل، وأذن للناس فدخلوا عليه يعزونه. ودخل فيهم الفرزدق. فلما نظر إليه قال: يا فرزدق، أما رثيت محمدا ومحمدا؟ قال: نعم أيها الأمير وأنشد:
لئن جزع الحجّاج، ما من مصيبة ... تكون لمحزون أمضّ وأوجعا.. «4»
.. من المصطفى والمنتقى من نقاية ... جناحاه لمّا فارقاه وودّعا
جناحا عتيق فارقاه كلاهما ... ولو نزعا من غيره لتضعضعا «5»
ولو أنّ يومي جمعتيه تتابعا ... على شامخ صعب الذّرى لتصدّعا
سميّا رسول الله سمّاهما به ... أب لم يكن عند الحوادث أخضعا
(5/306)

قال: أحسنت. وأمر له بصلة. فخرج وهو يقول: والله لو كلّفني الحجاج بيتا سادسا لضرب عنقي قبل أن آتيه به. وذلك أنه دخل ولم يهيء شيئا.
قولهم في الحجاج
للعتبي عن أبيه في الحجاج:
الرياشي عن العتبي عن أبيه، قال: ما رأيت مثل الحجاج. كان زيه زيّ شاطر «1» ، وكلامه كلام خارجيّ، وصولته صولة جبار. فسألته عن زيه فقال: كان يرجّل «2» شعره ويخضب أطرافه.
ولأبن مهران فيه:
كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، قال: سألت ميمون بن مهران، فقلت: كيف ترى في الصلاة خلف رجل يذكر أنه خارجي؟ فقال: إنك لا تصلي له، إنما تصلي لله، قد كنا نصلي الحجاج وهو حروري أزرقي! قال: فنظرت إليه، فقال: أتدري ما الحروري الأزرقي؟ هو الذي إن خالفت رأيه سماك كافرا واستحلّ دمك؛ وكان الحجاج كذلك.
ولعمر فيه:
أبو أمية عن أبي مسهر قال: حدثنا هشام بن يحيى عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بمنافقيها، وجئنا بالحجاج لفضلناهم.
الحسن وحانف في شأن الحجاج:
وحلف رجل بطلاق امرأته: أن الحجاج في النار، فأتى امرأته فمنعته نفسها فسأل الحسن بن أبي الحسن البصري، فقال: لا عليك يا بن أخي، فإنه إن لم يكن
(5/307)

الحجاج في النار، فما يضرك أن تكون مع امرأتك على زنى.
علي بن زيد في موت الحجاج:
أبو أمية عن إسحاق بن هشام عن عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن علي بن زيد، قال: لما مات الحجاج أتيت الحسن فأخبرته، فخرّ ساجدا.
لإبراهيم في الحجاج:
علي بن عبد العزيز عن إسحاق عن جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر قال: قلت لإبراهيم: ما ترى في لعن الحجاج؟ قال: ألم تسمع لقول الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«1» ؟ فأشهد أن الحجاج كان منهم.
جابر والحجاج:
وكيع عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: دخلت على الحجاج فما سلمت عليه.
الرقاشي والحسن في الحجاج:
وكيع عن سفيان قال: قال يزيد الرقاشي عند الحسن: إني لأرجو للحجاج. قال الحسن: إني لأرجو أن يخلف «2» الله رجاءك.
أنس وابن سيرين في دراهم الحجاج:
ميمون بن مهران قال: كان أنس وابن سيرين لا يبيعان ولا يشتريان بهذه الدراهم الحجّاجيّة.
قال عبد الملك بن مروان للحجاج: ليس من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه،
(5/308)

فصف لي عيوبك. قال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لابد أن تقول. قال: أنا لجوج «1» حسود حقود. قال: ما في إبليس شر من هذا.
ابن عمر في ولاية الحجاج:
أبو بكر بن أبي شيبة قال: قيل لعبد الله بن عمر: هذا الحجاج قد ولي الحرمين.
قال: إن كان خيرا شكرنا، وإن كان شرا صبرنا.
للحسن في قتال الحجاج:
ابن أبي شيبة قال: قيل للحسن: ما تقول في قتال الحجاج؟ قال: إن الحجاج عقوبة من الله، فلا تستقبلوا عقوبة الله بالسيف.
الحجاج وصلب ماهان:
ابن فضيل قال: حدثنا أبو نعيم قال: أمر الحجاج بماهان أن يصلب على بابه، فرأيته حين رفعت خشبته يسبح ويهلل ويكبر ويعقد بيده، حتى بلغ تسعا وتسعين؛ وطعنه رجل على تلك الحال، فلقد رأينا بعد شهر في يده «2» . قال: وكنا نرى عند خشبته بالليل شبيها بالسراج.
عدة قتلى الحجاج:
أبو داود المصحفي عن النضر بن شميل، قال: سمعت هشاما يقول: أحصوا من قتل الحجاج صبرا فوجدوهم مائة وعشرين ألفا.
من زعم أن الحجاج كان كافرا
ميمون بن مهران عن الأجلح، قال: قلت للشعبي: يزعم الناس أن الحجاج مؤمن.
(5/309)

قال مؤمن بالجبت «1» والطاغوت، كافر بالله.
علي بن عبد العزيز عن إسحاق بن يحيى عن الأعمش، قال: اختلفوا في الحجاج فقالوا: بمن ترضون؟ قالوا: بمجاهد. فأتوه فقالوا: إنا قد اختلفنا في الحجاج.
فقال: أجئتم تسألوني عن الشيخ الكافر؟
محمد بن كثير عن الأوزاعي، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كان الحجاج بن يوسف ينتقض عرى الإسلام عروة عروة.
عطاء بن السائب، قال: كنت جالسا مع أبي البختري والحجاج يخطب، فقال في خطبته:
إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى ابن مريم: قال الله فيه: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
«2» .
فقال أبو البختري: كفر وربّ الكعبة.
ومما كفّرت به العلماء الحجاج، قوله ورأى الناس يطوفون بقبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومنبره؛ إنما يطوفون بأعواد ورمّة «3» .
الشيباني عن الهيثم عن أبي عياش قال: كنا عند عبد الملك بن مروان إذ أتاه كتاب الحجاج يعظم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن ما قامت السموات والأرض إلا بها وأن الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين. وذلك أن الله خلق آدم بيده، وأسجد له الملائكة، وأسكنه جنته، ثم أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل الملائكة رسلا إليه. فأعجب عبد الملك بذلك، وقال: لوددت أن عندي بعض
(5/310)

الخوارج بهذا الكتاب! فانصرف عبد الله بن يزيد إلى منزله، فجلس مع ضيفانه وحدّثهم الحديث، فقال له حوار بن زيد الضبي، وكان هاربا من الحجاج:
توثّق لي منه ثم أعلمني به. فذكر ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال: هو آمن على كل ما يخاف. فانصرف عبد الله إلى حوار فأخبره بذلك، فقال: بالغداة إن شاء الله. فلما أصبح اغتسل ولبس ثوبين، ثم تحنّط وحضر باب عبد الملك، فقال: هذا الرجل بالباب. فقال: أدخله يا غلام. فدخل رجل عليه ثياب بيض يوجد عليه ريح الحنوط، ثم قال: السلام عليكم. ثم جلس؛ فقال عبد الملك: إيت بكتاب أبي محمد يا غلام. فأتاه به، فقال: اقرأ. فقرأ حتى أتى على آخره، فقال حوار: أراه قد جعلك في موضع ملكا وفي موضع نبياّ وفي موضع خليفة؛ فإن كنت ملكا فمن أنزلك؟
وإن كنت نبيا فمن أرسلك؟ وإن كنت خليفة فمن استخلفك؟ أعن مشورة من المسلمين، أم ابتززت الناس أمورهم بالسيف؟
فقال عبد الملك: قد أمناك ولا سبيل إليك، والله لا تجاورني في بلد أبدا؛ فارحل حيث شئت. قال: فإني قد اخترت مصر. فلم يزل بها حتى مات عبد الملك.
علي بن عبد العزيز عن إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، قال: حدّثنا جرير عن مغيرة عن الربيع قال: قال الحجاج في كلام له: ويحكم! أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله إليهم؟ قال: ففهمت ما أراد، فقلت له: لله عليّ ألّا أصلي خلفك صلاة أبدا، ولئن وجدت قوما يقاتلونك لقاتلتك معهم. فقاتل في الجماجم حتى قتل.
قيل للحجاج: كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل لو أدركت بها أربعة [نفر] فتقرّبت إلى الله بدمائهم، قيل: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع، ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما قدم البصرة بسط الناس له أرديتهم.
فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون.
وعبيد الله بن ظبيان، قام فخطب خطبة أوجز فيها، فنادى الناس من أعراض
(5/311)

المسجد: أكثر الله فينا أمثالك! قال: لقد سألتم الله شططا «1» .
ومعبد بن زرارة، كان ذات يوم جالسا على الطريق، فمرّت به امرأة فقالت: يا عبد الله، أين الطريق إلى مكان كذا؟ فغضب وقال: أمثلي يقال له يا عبد الله؟
وأبو سماك الحنفي، أضلّ ناقته فقال: والله لئن لم يردّها عليّ لا صليت له أبدا فلما وجدها قال: علم أنّ يميني كانت برّة «2» ! قال ناقل الحديث: ونسي الحجاج نفسه وهو خامس الأربعة، بل هو أفسقهم وأطغاهم وأعظمهم إلحادا وأكفرهم في كتابه إلى عبد الملك ابن مروان:
إنّ خليفة الله في أرضه أكرم عليه من رسوله إليهم.
وكتابه إليه وبلغه أنه عطس يوما فحمد الله وشمّته أصحابه فردّ عليه ودعا لهم.
فكتب إليه:
بلغني ما كان من عطاس أمير المؤمنين، ومن تشميت أصحابه له وردّه عليهم؛ فيا ليتني كنت معهم فأفوز غوزا عظيما.
الحجاج وأسرى الجماجم:
وكان عبد الملك كتب إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف، «فمن أقرّ منهم بالكفر بخروجه علينا فخلّ سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فاضرب عنقه» ففعل، فلما عرضهم أتي بشيخ وشاب، فقال للشاب: أمؤمن أنت أم كافر؟
قال: بل كافر: فقال الحجاج: لكن الشيخ لا يرضى بالكفر! فقال له الشيخ: أعن نفسي تخادعني يا حجاج؟ والله لو كان شيء أعظم من الكفر لرضيت به! فضحك الحجاج وخلى سبيلهما.
(5/312)

ثم قدّم إليه رجل، فقال له: على دين من أنت؟ قال: على دين إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. فقال: اضربوا عنقه.
ثم قدّم آخر، فقال له: على دين من أنت؟ قال: على دين أبيك الشيخ يوسف! فقال: أما والله لقد كان صوّاما قوّاما، خلّ عنه يا غلام! فلما خليّ عنه انصرف إليه فقال له: يا حجاج، سألت صاحبي: على دين من أنت؟ فقال: على دين إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين؛ فأمرت به فقتل؛ وسألني: على دين من أنت؟ فقلت:
على دين أبيك الشيخ يوسف، فقلت: أما والله لقد كان صوّاما قوّاما؛ فأمرت بتخلية سبيلي؛ والله لو لم يكن لأبيك من السيئات إلا أنه ولد مثلك لكفاه! فأمر به فقتل.
ثم أتي بعمران بن عصام العنزي، فقال: عمران! قال: نعم. قال: ألم أوفدك على أمير المؤمنين ولا يوفد مثلك؟ قال: بلى. قال: ألم أزوّجك مارية بنت مسمع سيدة قومها ولم تكن لها أهلا؟ قال: بلى. قال: فما حملك على الخروج علينا؟ قال: أخرجني باذان. قال: فأين كنت من حجة أهلك؟ قال: أخرجني باذان. فأمر رجلا فكشف العمامة عن رأسه، فإذا هو محلوق؛ قال: ومحلوق أيضا؟ لا أقالني الله إن لم أقتلك! فأمر به فضرب عنقه، فسأل عبد الملك بعد ذلك عن عمران بن عصام، فقيل له:
قتله الحجاج. فقال ولم؟ قال: بخروجه مع ابن الأشعث. قال: ما كان ينبغي له أن يقتله بعد قوله [فيه] :
وبعثت من ولد الأغرّ معتّب ... صقرا يلوذ حمامه بالعوسج «1»
فإذا طبخت بناره أنضجتها ... وإذا طبخت بغيرها لم تنضج
وهو الهزبر، إذا أراد فريسة ... لم ينجها منه صريخ الهجهج «2»
ثم أتي بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله الشّخّير، وسعيد بن جبير؛ وكان الشعبي
(5/313)

ومطرّف يريان التورية، وكان سعيد بن جبير لا يرى ذلك؛ فلما قدّم له الشعبي قال:
أكافر أنت أم مؤمن؟ قال: أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل، وأجدب بنا الجناب «1» ، واستحلسنا «2» الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء. قال الحجاج: صدق والله، ما برّوا بخروجهم علينا ولا قووا، خلّيا عنه.
ثم قدّم إليه مطرّف بن عبد الله، فقال ل: أكافر أنت أم مؤمن؟ قال: أصلح الله الأمير، إن من شق العصا، ونكث البيعة، وفارق الجماعة، وأخاف المسلمين- لجدير بالكفر. فقال: صدق، خليا عنه.
ثم أتي بسعيد بن جبير، فقال له: أنت سعيد بن جبير؟ قال: نعم. قال: لا، بل شقي ابن كسير! قال: أمي أعلم باسمي منك. قال: شقيت وشقيت أمّك. قال:
الشقاء لأهل النار! قال: أكافر أنت أم مؤمن؟ قال: ما كفرت بالله منذ آمنت به.
قال: اضربوا عنقه.
موت الحجاج
مات الحجاج في آخر أيام الوليد بن عبد الملك؛ فتفجّع عليه وولّى مكانه يزيد ابن أبي مسلم كاتب الحجاج، فاكتفى وجاوز؛ فقال الوليد: مات الحجاج ووليت مكانه يزد بن أبي مسلم، فكنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا.
وكان الوليد بن عبد الملك يقول: ألا إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول:
الحجاج جلدة ما بين عيني وأنفي؛ وأنا أقول: إنه جلدة وجهي كله.
عمر بن عبد العزيز وموت الحجاج:
ولما بلغ عمر بن عبد العزيز موت الحجاج خرّ ساجدا؛ وكان يدعو الله أن يكون
(5/314)

موته على فراشه، ليكون أشدّ لعذابه في الآخرة.
يزيد على قبر الحجاج:
أبو بكر بن عياش قال: سمع صياح الحجاج في قبره؛ فأتوا إلى يزيد بن أبي مسلم فأخبروه؛ فركب في أهل الشام فوقف على قبره، فسمع؛ فقال: يرحمك الله يا أبا محمد: فما تدع القراءة حياّ وميتا.
يزيد ورجل في الحجاج:
الرياشي عن الأصمعي قال: أقبل رجل إلى يزيد بن أبي مسلم فقال له: إني كنت أرى الحجاج في المنام، فكنت أقول له: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة، وأنا منتظر ما ينتظره الموحدون. ثم قال: رأيته بعد الحول، فقلت: ما صنع الله بك؟ فقال يا عاضّ بظر أمّه! أما سألتني عن هذا عام أوّل فأخبرتك؟ فقال يزيد ابن أبي مسلم: أشهد أنك رأيت أبا محمد حقا.
وقال الفرزدق: يرثي الحجاج ليرضى بذلك الوليد بن عبد الملك:
ليبك على الحجاج من كان باكيا ... على الدّين من مستوحش الليل خائف
وأرملة لمّا أتاها نعيّه ... فجادت له بالواكفات الذّوارف «1»
وقالت لعبديها أنيخا فعجّلا ... فقد مات راعي ذودنا بالتنائف «2»
فليت الأكفّ الدافنات ابن يوسف ... يقطّعن إذ يحثين فوق السقائف «3»
فما ذرفت عينان بعد محمد ... على مثله إلا نفوس الخلائف «4»
(5/315)

قال ابن عياش: فلقيت الفرزدق في الكوفة، فقلت له: أخبرني عن قولك:
فليت الأكفّ الدافنات ابن يوسف ... يقطّعن.....
ما معناك في ذلك؟ فقال: وددت والله أن أرجلهم تقطع مع أيديهم.
للفرزدق في ابن المهلب:
قال ابن عياش: فلما هلك الوليد واستخلف سليمان استعمل يزيد بن المهلب على العراق وأمره بقتل آل أبي عقيل فقتلهم، فأنشأ الفرزدق يقول:
لئن نفر الحجّاج آل معتّب ... لقوا دولة كان العدو يدالها
لقد أصبح الأحياء منهم أذلة ... وموتاهم في النار كلحا سبالها «1»
وكانوا يرون الدائرات بغيرهم ... فصار عليهم بالعذاب انتقالها
وكنّا إذا قلنا اتّق الله شمّرت ... به عزّة لا يستطاع جدالها «2»
ألكني إلى من كان بالصّين أورمت ... به الهند ألواحا عليها جلالها «3»
هلمّ إلى الإسلام والعدل عندنا ... فقد مات من أرض العراق خبالها
ألا تشكرون الله إذ فك عنكم ... أداهم بالمهديّ صما ثقالها
وشيمت به عنكم سيوف عليكم ... صباح مساء بالعذاب استلالها «4»
وإذ أنتم من لم يقل أنا كافر ... تردّى نهارا عثرة لا يقالها
قال ابن عياش: فقلت للفرزدق: ما أدري بأي قوليك نأخذ؛ أبمدحك في الحجاج حياته؛ أم هجوك له بعد موته؟ قال: إنما نكون مع أحدهم ما كان الله معه؛ فإذا تخلى عنه تخلينا عنه.
(5/316)

لعمر بن عبد العزيز في الحجاج:
ولما مات الحجاج دخل الناس على الوليد يعزّونه ويثنون على الحجاج خيرا، وعنده عمر بن عبد العزيز: فالتفت إليه ليقول فيه ما يقول الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، وهل كان الحجاج إلا رجلا منا؟ فرضيها منه.
أخبار البرامكة
لابن هارون فيهم:
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، حدثني سهل بن هرون، قال: والله إن كانوا سجعوا الخطب، وقرضوا القريض لعيال على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر ابن يحيى؛ ولو كان كلام يتصور درّا، أو يحيله المنطق السري جوهرا، لكان كلامهما والمنتقى من لفظهما؛ ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد وبديهته وتوقيعاته في كتبه- فدمين «1» عييّين، وجاهليين أمّيين؛ ولقد عمّرت معهم وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم؛ وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ولم تكن مقصورة إلا عليهم، ولا انقادت إلا لهم؛ وأنهم محض الأيام، ولباب «2» الكرام وملح الأنام، عتق «3» منظر وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة لفظ، ونزاعة أنفس، واكتمال خصال؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم والمأثور من خصالهم كثير أيام سواهم من لدن آدم أبيهم إلى النفخ في الصور وانبعاث أهل القبور- حاشا أنبياء الله المكرمين، وأهل وحيه المرسلين لما باهت «4» إلا بهم، ولا عوّلت إلا عليهم، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورونق سياقهم، ومعسول مذاقهم، وبهاء إشراقهم، ونقاوة أعراضهم، وتهذيب أغراضهم، واكتمال الخير فيهم- في جنب محاسن الرشيد كالنقطة في البحر، والخردلة في المهمه «5» القفر.
(5/317)

قال سهل بن هارون: إني لأحصّل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في بناء خلا به داخل سرادقه، وهو مع الرشيد بالرقة وهو يعقدها جملا بكفه، إذ عشيته سآمة فأخذته سنة «1» فغلبته عيناه، فقال: ويحك يا سهل! طرق النوم شفري «2» ، وحلت السّنة جفنيّ، فما ذلك؟ قلت: ضيف كريم، إن قريته روّحك وإن منعته عنّتك، وإن طردته طلبك، وإن أقصيته أدركك، وإن غالبته غلبك! قال: فنام أقلّ من فواق «3» بكية، أو نزع ركيّة «4» ؛ ثم انتبه مذعورا، فقال: يا سهل لأمر ما كان! والله لقد ذهب ملكنا، وولى عزّنا، وانتقصت أيام دولتنا! قلت: وما ذاك أصلح الله الوزير؟ قال: كأنّ منشدا أنشدني:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر «5»
فأجبته من غير روية ولا إجالة فكرة:
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
قال: فو الله ما زلت أعرفها منه وأراها ظاهرة فيه إلى الثالث من يومه ذلك فإني لفي مقعدي بين يديه أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه، قد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا سعى إليه حتى ارتمى مكبا عليه، فرفع رأسه فقال: مهلا ويحك! ما اكتتم خير ولا استتر شرّ. قال: قتل أمير المؤمنين جعفرا الساعة! قال: أو قد فعل؟ قال: نعم. قال: فما زاد أن رمى القلم من يده، وقال: هكذا تقوم الساعة بغتة.
قال سهل بن هارون: فلو انكفأت «6» السماء على الأرض ما زاد. فتبرأ منهم الحميم واستبعد عن نسبهم القريب، وجحد ولاءهم المولى واستعبرت لفقدهم الدنيا، فلا لسان يخطر بذكرهم، ولا طرف ناظر يشير إليهم.
(5/318)

يحيى بعد مقتل جعفر:
وضم يحيى بن خالد وقته ذلك الفضل ومحمدا وخالدا بنيه، وعبد الملك ويحيى وخالدا بني جعفر بن يحيى، والعاصي ومزيدا وخالدا ومعمرا بني الفضل بن يحيى، ويحيى وجعفرا وزيدا بني محمد بن يحيى، وإبراهيم ومالكا وجعفرا وعمر ومعمرا بني خالد بن يحيى، ومن لفّ لفهم أو هجس بصدره أمل فيهم.
الرشيد وسهل بعد مقتل جعفر:
[قال سهل] : وبعث إليّ الرشيد، فو الله لقد أعجلت عن النظر، فلبست ثياب أحزاني، وأعظم رغبتي إلى الله إلا راحة بالسيف وألا تعبث بي عبث جعفر، فلما دخلت عليه عرف الذعر في تجرّض «1» ريقي وشخوصي إلى السيف المشهور ببصري فقال: أيها يا سهل، من غمط «2» نعمتي وتعدّى وصيتي وجانب موافقتي أعجلته عقوبتي قال: فو الله ما وجدت جوابها حتى قال: يفرخ روعك ويسكن جأشك وتطيب نفسك وتطمئن حواسّك؛ فإن الحاجة إليك قربت منك، وأبقت عليك بما يبسط منقبضك؛ ويطلق معقولك، فما اقتصر على الإشارة دون اللسان، فإنه الحاكم الفاصل، والحسام الباتر. وأشار إلى مصرع جعفر فقال:
من لم يؤدّبه الجمي ... ل ففي عقوبته صلاحه
قال سهل: والله ما أعلم أني عييت بجواب أحد قط غير جواب الرشيد يومئذ فما عوّلت في الشكر إلا على تقبيل باطن يديه ورجليه.
ثم قال: اذهب فقد أحللتك محلّ يحيى، ووهبتك ما ضمّنته أفنيته «3» وما حواه سرادقه؛ فاقبض الدواوين، وأحص جباءه وجباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله.
(5/319)

قال سهل: فكنت كمن نشر «1» عن كفن وأخرج من حبس؛ وأحصيت حباءهما فوجدته عشرين ألف ألف دينار، ثم قفلت راجعا إلى بغداد.
وفرّق البرد «2» إلى الأمصار بقبض أموالهم وغلاتهم، وأمر بجيفة جعفر وجثته ففصلت على ثلاثة جذوع: رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الصّراة «3» ، وبعض جسده على جذع بالجزيرة، وسائره في جذع على آخر الجسر الثاني مما يلي باب بغداد.
فلما دنونا من بغداد، طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر، واستقبلنا وجهه واستقبلته الشمس؛ فو الله لخلتها تطلع من بين حاجبيه؛ فأنا عن يمينه وعبد الملك بن الفضل الحاجب عن يساره، فلما نظر إليه الرشيد- وكأنما قنأ «4» شعره وطلى بنور بشره- اربدّ «5» وجهه وأغضى بصره؛ فقال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب لم يسعه أمير المؤمنين! قال الرشيد: من يرد غير مائة يصدر بمثل دائه، ومن أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على مثل راحلته؛ عليّ بالنضاحات «6» . فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها وهو يقول: لئن ذهب أثرك لقد بقي خبرك، ولئن حط قدرك لقد علا ذكرك! قال سهل بن هارون: وأمر بضم أموالهم، فوجد من العشرين ألف ألف التي كانت مبلغ جبايتهم، اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها «7» صكوك مختومة تفسيرها رقيما حبوا بها. فما كان منها حباء على غريبة، أو استطراف ملحة؛ تصدق به يحيى وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، فكان ديوان إنفاق واكتساب فائدة.
(5/320)

وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وستمائة ألف وستة وسبعين ألفا، إلى سائر ضياعهم وغلاتهم ودورهم ورياشهم والدقيق والجليل من مواهبهم، فإنه لا يوصف أقلّه، ولا يعرف أيسره إلا من أحصى الأعمال وعرف منتهى الآجال.
وأبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة المهدي؛ فو الله ما علمته عاش ولا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدقا عليه؛ وما رأوا مثل موجدة الرشيد فيما يعلم من ملك قبله على أحد ملكه.
بين أم جعفر والرشيد:
وكانت أم جعفر بن يحيى، وهي فاطمة ابنة محمد بن الحسين بن قحطبة، أرضعت الرشيد مع جعفر؛ لأنه كان ربّي في حجرها وغذي برسلها «1» ، لأن أمه ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها والتبرّك برأيها، وكان آلى وهو في كفالتها أن لا يحجبها، ولا استشفعته لأحد إلا شفعها، وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها، ولا شفعت لأحد لغرض دنيا. قال سهل: فكم أسير فكّت، ومبهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرّجت. واحتجب الرشيد بعد قدومه، فطلبت الإذن عليه من دار الباقونة، ومتّت بوسائلها إليه؛ فلم يأذن لها ولا أمر بشيء فيها؛ فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها محتفية في مشيها، حتى صارت بباب قصر الرشيد؛ فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب، فقال: ظئر «2» أمير المؤمنين بالباب، في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى شفقة أم الواحد! فقال الرشيد:
ويحك يا عبد الملك! أو ساعية؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين حافية! قال أدخلها يا عبد الملك، فربّ كبد غذتها، وكربة فرجتها، وعورة سترتها! قال سهل: فما شككت يومئذ في النجاة بطلبتها، وإسعافها بحاجتها. فدخلت، فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية، قام محتفيا حتى تلقّاها بين عمد المجلس، وأكب على تقبيل رأسها ومواضع
(5/321)

ثدييها؛ ثم أجلسها معه، فقالت: يا أمير المؤمنين، أيعدو علينا الزمان ويجفونا خوفا لك الأعوان، ويحردك «1» عنا البهتان وقد ربيتك في حجري، وأخذت برضاعك الأمان من عدوي ودهري؟ فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد؟ قال سهل: فآيسني من رأفته، بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني من برّه بها أولا، قالت: ظئرك «2» يحيى وأبوك بعد أبيك، ولا أصفه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته، وإشفاقه عليه، وتعرّضه للحتف في شأن موسى أخيه. قال لها: يا أمّ الرشيد، أمر سبق، وقضاء حمّ، وغضب من الله نفذ! قالت: يا أمير المؤمنين، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب، قال: صدقت. فهذا مما لم يمحه الله! فقالت: الغيب محجوب عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟ قال سهل بن هارون: فأطرق الرشيد مليا، ثم قال:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
فقالت بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين، وقد قال الأول:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
هذا بعد قول الله عز وجل: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«3» . فأطرق هرون مليا، ثم قال: يا أمّ الرشيد، أقول،
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدّهر تقبل
فقالت: يا أمير المؤمنين، وأقول:
ستقطع في الدّنيا إذا ما قطعتني ... يمينك، فانظر أيّ كف تبدّل
قال هارون: رضيت! قالت: فهبه لي يا أمير المؤمنين؛ فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
من ترك شيئا لله لم يوجده الله لفقده. فأكب هارون مليا، ثم رفع رأسه يقول: لله
(5/322)

الأمر من قبل ومن بعد! قالت: يا أمير المؤمنين، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
«1» ؛ واذكر يا أمير المؤمنين أليّتك «2» . ما استشفعت إلا شفعتني! قال: واذكري يا أم الرشيد أليّتك لا شفعت لمقترف ذنبا.
قال سهل بن هارون: فلما رأته صرّح بمنعها ولاذ عن مطلبها، أخرجت حقا «3» من زبرجدة خضراء فوضعته بين يديه؛ فقال الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب فأخرجت منه قميصه وذوائبه «4» وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك؛ فقالت: يا أمير المؤمنين، أستشفع إليك وأستعين بالله عليك وبما صار معي من كريم جسدك وطيب جوارحك ليحيى عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا، وبكى أهل المجلس، ومر البشير إلى يحيى وهو لا يظن إلا أن البكاء رحمة له ورجوع عنه، فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحقّ، وقال لها: لحسنا ما حفظت الوديعة! قالت: وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين! فسكت وأقفل الحق ودفعه إليها، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«5» . قالت: والله يقول: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
«6» . ويقول: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ
«7» . قال: وما ذلك يا أم الرشيد؟ قالت: ما أقسمت لي به أن لا تحجبني ولا تجبهني قال: أحب يا أم الرشيد أن تشتريه محكّمة فيه. قالت: أنصفت يا أمير المؤمنين، وقد فعلت غير مستقيلة لك، ولا راجعة عنك. قال: بكم؟ قالت: برضاك عمن لم يسخطك! قال: يا أم الرشيد، أمالي عليك من الحق مثل الذي لهم؟ فتحكّمي في تمنية بغيرهم. قالت: بلى قد
(5/323)

وهبتكه وجعلتك في حلّ منه؟ وقامت عنه، وبقي مبهوتا ما يحير لفظه. قال سهل:
وخرجت فلم تعد، ولا والله ما رأيت لها عبرة ولا سمعت لها أنّة.
قال سهل: وكان الأمين محمد بن زبيدة رضيع يحيى بن جعفر، فمتّ «1» إليه يحيى ابن خالد بذلك، فوعده استيهاب أمّه إياهم وتكلمها فيهم؛ ثم شغله اللهو عنهم، فكتب إليه يحيى، ويقال: إنها لسليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد، وكان منقطعا إلى البرامكة- يقول:
يا ملاذي وعصمتي وعمادي ... ومجيري من الخطوب الشّداد
بك قام الرّجاء في كلّ قلب ... زاد فيه البلاء كلّ مزاد
إنما أنت نعمة أعقبتها ... نعم نفعها لكلّ العباد
وعد مولاك أتممنه فأبهى الدّ ... رّ ما زيد حسنه بانعقاد
ما أظلّت سحائب اليأس إلّا ... كان في كشفها عليك اعتمادي
إن تراخت يداك عني فواقا ... أكلتني الأيام أكل الجراد «2»
وبعث بها الأمين محمد، فبعث بها الأمين محمد إلى أمه زبيدة، فأعطتها هارون وهو في موضع لذته وعند إقبال أريحيّته، وتهيأت للاستشفاع لهم، وعبّأت جواريها ومغنّياتها وأمرتهن بالقيام معها إذا قامت؛ فلما فرغ الرشيد من قراءتها لم ينقض حبوته حتى وقّع في أسفلها: عظم ذنبك أمات خواطر العفو عنك! ورمى بها إلى زبيدة، فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع عنه.
الرشيد وإسحاق بن علي في البرامكة:
وقال بعض الهاشميين: أخبرني إسحاق بن علي بن عبد الله بن العباس، قال: كنت أساير الرشيد يوما والأمين عن يمينه والمأمون عن شماله؛ فاستدناني وقدّمهما أمامه، فسايرته، فجعل يحدثني، ثم بدأ يشاورني في أمر البرامكة، وأخبرني بما أضمر عليه
(5/324)

لهم، فإنهم استوحشوه من أنفسهم، وإني عنده بالموضع الذي لا يكتمني شيئا من أمرهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تنقلني من السّعة إلى الضيق! فقال الرشيد: إلا أن تقول؛ فإني لا أتهمك في نصيحة ولا أخافك على رأي ولا مشورة! فقلت: يا أمير المؤمنين، إني أرى نفاستك عليهم بما صاروا إليه من النعمة والسّعة، ولك أن تأمر وتنهى، وهم عبيد لك بإنباتك إياهم؛ فهل ذلك كلّه إلا بك؟ - قال: وكنت أحطب في حبال البرامكة- فقال لي: فضياعهم ليس لولدي مثلها وتطيب نفسي بذلك لهم! فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الملك لا تحسد، ولا يحقد، ولا ينعم نعمة ثم يفسد نعمته. قال: فرأيته قد كره قولي وزوى «1» وجهه عني.
قال إسحاق: فعلمت أنه سيوقع بهم، ثم انصرفت فكتمت الخبر فلم يسمع به أحد، وتجنبت لقاء يحيى والبرامكة خوفا أن يظن أني أفضي إليهم بسرّه، حتى قتلهم، وكان أشدّ ما كان إكراما لهم؛ وكان قتلهم بعد ست سنين من تاريخ ذلك اليوم.
يحيى ومنكة الهندي:
وكان يحيى بن خالد بن برمك قد اعتلّ قبل النازلة التي نزلت بهم، فبعث إلى منكة الهندي فقال: ماذا ترى في هذه العلة؟ فقال منكة: داء كبير دواؤه يسير، والصبر أيسر؛ وكان متفنّنا. فقال له يحيى: ربما ثقل على السمع «2» خطرة الحق به، وإذا كان ذلك كان الهجر له ألزم من المفاوضة [فيه] . قال منكة: لكنني أرى في الطالع أثرا والأمد فيه قريب، وأنت قسيم في المعرفة، وربما كانت صورة النجم عقيمة لا نتاج لها، ولكن الأخذ بالحزم أوفى لحظّ الطالبين. قال يحيى: الأمور منصرفة إلى العواقب، وما حتم فلا بد أن يقع، والمنعة بمسالمة الأيام نهزة «3» ، فاقصد ما دعوتك له من هذا الأثر الموجود بالمزاج. قال منكة: هي الصفراء مازجتها
(5/325)

مائية البلغم، فحدث لذلك ما يحدث من اللهب عند مماسّة رطوبة الماء من الاشتعال؛ فخذ ماء الرمان فدق فيه إهليلجة «1» سوداء تنهضك مجلسا أو مجلسين، ويسكن ذلك التوقد إن شاء الله.
فلما كان من أمرهم ما كان، تلطّف منكة حتى دخل الحبس، فوجد يحيى قاعدا على لبد، والفضل بين يديه يخدمه، فاستعبر منكة باكيا، وقال: كنت ناديت لو أسرعت الإجابة. قال له يحيى: أتراك كنت علمت من ذلك شيئا جهلته؟ قال: كلا كان الرجاء للسلامة بالبراءة من الذنب أغلب من الشّفق «2» ، وكانت مزايلة القدر الخطير عنا أقل ما تنقض تنهض به التّهمة، فقد كانت نقمة أرجو أن يكون أوّلها صبرا، وآخرها أجرا. قال: فما تقول في هذا الداء؟ قال: منكة: ما أرى له دواء أنفع من الصبر، ولو كان يفدى بمال أو بمفارقة عضو كان ذلك مما يجب. لك. قال يحيى: قد شكرت لك ما ذكرت، فإن أمكنك تعاهدنا فافعل. قال منكة: لو أمكنني تخليف الروح عندك ما بخلت به، فإنما كانت الأيام تحسن بسلامتك.
وكتب يحيى بن خالد في الحبس إلى هارون الرشيد:
من يحيى في حبسه إلى الرشيد:
لأمير المؤمنين، وخليفة المهدّيين، وإمام المسلمين، وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه، وأوبقته «3» عيوبه، وخذله شقيقه، ورفضه صديقه، ومال به الزمان، ونزل به الحدثان «4» ، [فحلّ في الضّيق بعد السعة] وعالج البؤس بعد الدّعة «5» وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل السهاد بعد الهجود «6» ، ساعته شهر، وليلته
(5/326)

دهر، وقد عاين الموت، وشارف الفوت «1» ، جزعا لموجدتك يا أمير المؤمنين، وأسفا على ما فات من قربك، لا على شيء من المواهب؛ لأن الأهل والمال إنما كانا لك، وبك وكانا في يديّ عارية، والعارية مردودة؛ وأما ما أصبت به من ولدي فبذنبه، ولا أخشى عليك الخطأ في أمره، ولا أن تكون تجاوزت به فوق حده.
تفكّر في أمري، جعلني الله فداك، وليمل هواك بالعفو عن ذنب إن كان فمن مثلي الزلل ومن مثلك الإقالة «2» ؛ وإنما أعتذر إليك بإقرار ما يجب به الإقرار حتى ترضي، فإذا رضيت رجوت إن شاء الله أن يتبين لك من أمري وبراءة ساحتي ما لا يتعاظمك بعده ذنب أن تغفره. مدّ الله لي في عمرك وجعل يومي قبل يومك! وكتب إليه بهذه الأبيات:
قل للخليفة ذي الصّنيعة ... والعطايا الفاشيه
وابن الخلائف من قريش ... والملوك العاليه
إنّ البرامكة الذين ... رمو لديك بداهيه
صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلة باديه
فكأنهم ممّا بهم ... أعجاز نخل خاويه «3»
عمّتهم لك سخطة ... لم تبق منهم باقيه
بعد الإمارة والوزا ... رة والأمور الساميه
ومنازل كانت لهم ... فوق المنازل عاليه
أضحوا وجلّ مناهم ... منك الرّضا والعافيه
يا من يودّ لي الرّدى ... يكفيك مني ما بيه «4»
يكفيك ما أبصرت من ... ذلّي وذلّ مكانيه
(5/327)

وبكاء فاطمة الكئيبة ... والمدامع جاريه
ومقالها بتوجّع ... يا سوأتي وشقائيه
من لي وقد غضب الزّما ... ن على جميع رجاليه
يا لهف نفسي لهفها ... ما للزّمان وماليه
يا عطفة الملك الرّضا ... عودي علينا ثانيه
فلم يكن له جواب من الرشيد.
عهد يحيى إلى الرشيد:
واعتلّ يحيى في الحبس، فلما أشفى «1» دعا برقعة فكتب في عنوانها: ينفذ أمير المؤمنين عهد مولاه يحيى بن خالد. وفيها مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم. قد تقدّم الخصم إلى موقف الفصل، وأنت على الأثر، والله حكم عدل، وستقدم فتعلم.
فلما ثقل «2» قال للسبحان: هذا عهدي توصّله إلى أمير المؤمنين، فإنه وليّ نعمتي، وأحق من نفّذ وصيتي.
فلما مات يحيى أوصل السجان عهده إلى الرشيد.
جواب الرشيد:
قال سهل بن هارون: وأنا عند الرشيد إذ وصلت الرقعة إليه، فلما قرأها جعل يكتب في أسفلها ولا أدري لمن الرقعة، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ألا أكفيك؟
قال: كلا، إني أخاف عادة الراحة أن تقوّي سلطان العجز! فيحكم بالغفلة ويقضي بالبلادة! ووقع فيها: الحكم الذي رضيت به في الآخرة لك هو أعدى الخصوم عليك، وهو من لا ينقض حكمه، ولا يردّ قضاؤه. قال: ثم رمى بالصك إليّ فلما
(5/328)

رأيته علمت أنه ليحيى، وأن الرشيد أراد أن يؤثر الجواب عنه.
وقال دعبل يرثي بني برمك:
ولمّا رأيت السيف جلّل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى «1»
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى يوما مفارقة الدّنيا
وقال سليمان الأعمى يرثي بني برمك:
هدا الخالون عن شجوى وناموا ... وعيني لا يلائمها المنام «2»
وما سهرى بأني مستهام ... إذا سهر المحبّ المستهام
ولكنّ الحوادث أرّقتتى ... فبي أرق إذا هجع النّيام
أصبت بسادة كانوا عيونا ... بهم نسقى إذا انقطع الغمام «3»
فقلت وفي الفؤاد ضريم نار ... وللعبرات من عيني انسجام
على المعروف والدنيا جميعا ... ودولة آل برمك السّلام
جزعت عليك يا فضل بن يحيى ... ومن يجزع عليك فلا يلام
هوت بك أنجم المعروف فينا ... وعزّ بفقدك القوم اللثام
وما ظلم الإله أخاك لكن ... قضاء كان سبّبه اجترام «4»
عقاب خليفة الرّحمن فخر ... لمن بالسيف صبّحه الحمام
عجبت لما دها فضل بن يحيى ... وما عجبي وقد غضب الإمام
جرى في الليل طائرهم بنحس ... وصبّح جعفرا منه اصطلام «5»
ولم أر قبل قتلك يا بن يحيى ... حساما قده السيف الحسام
برين الحادثات له سهاما ... فغالته الحوادث والسّهام «6»
(5/329)

ليهن الحاسدين بأنّ يحيى ... أسير لا يضيم ويستضام
وأنّ الفضل بعد رداء عزّ ... غدا ورداؤه ذال ولام «1»
فقل للشّامتين بهم جميعا ... لكم أمثالها عام فعام
أمين الله في الفضل بن يحيى ... رضيعك والرّضيع له ذمام
أبا العبّاس، إنّ لكلّ همّ ... وإن طال انقراض وانصرام
أرى سبب الرّضاء له قبول ... على الله الزّيادة والتّمام
وقد آليت فيه بصوم شهر ... فإن تمّ الرّضا وجب الصّيام
وقد آليت معتزما بنذر ... ولي فيما نذرت به اعتزام
بأن لا ذقت بعدكم مداما ... وموتي أن يفارقني المدام
أألهوا بعدكم وأقرّ عينا؟ ... عليّ اللهو بعدكم حرام
وكيف يطيب لي عيش! وفضل ... أسير دونه البلد الشّآم
وجعفر ثاويا بالجسر أبلت ... محاسنه السمائم والقتام «2»
أمرّ به فيغلبني بكائي ... ولكنّ البكاء له اكتتام
أقول وقمت منتصبا لديه ... إلى أن كاد يفضحني القيام
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لثمنا ركن جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام
وقال بعض الشعراء يغري هارون ببني برمك:
قل للخليفة باكتفائه ... دون الأنام بحسن رائه
إمّا بدأت بجعفر ... فاسق البرامك من إنائه
ما برمكي بعده ... تقف الظنون على وفائه
إني وقصد البرمكيّ ... إلى انتكاث من شقائه «3»
(5/330)

فلقد رفعت لجعفر ... ذكرين قلّا في جزائه
فارفع ليحيى مثله ... ما العود إلا من لحائه
واخضب بصدر مهنّد ... عثنون يحيى من دمائه «1»
ابن المهدي وجعفر وعبد الملك:
إبراهيم بن المهدي قال: قال لي جعفر بن يحيى يوما: إنني استأذنت أمير المؤمنين في الحجامة، وأردت أن أخلو بنفسي وأفرّ من أشغال الناس وأتوحّد، فهل أنت مساعدي؟ قلت: جعلني الله فداك، أنا أسعد بمساعدتك وآنس بمخالاتك. فقال:
بكّر إليّ بكور الغراب. قال: فأتيت عند الفجر الثاني فوجدت الشمعة بين يديه وهو قاعد ينتظرني للميعاد. قال: فصلينا ثم أفضنا في الحديث، حتى أتى وقت الحجامة، فأتى الحجّام، فحجمنا في ساعة واحدة، ثم قدّم إلينا الطعام فطعمنا فلما غسلنا أيدينا خلع علينا ثياب المنادمة وضمخنا بالخلوق «2» ، وظللنا بأسرّ يوم مرّ بنا؛ ثم إنه تذكر حاجة، فدعا الحاجب فقال له: إذا جاء عبد الملك القهرمان «3» فأذن له. فنسي الحاجب وجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي على جلالته وسنّه وقدره وأدبه، فأذن له الحاجب، فما راعنا إلا طلعة عبد الملك بن صالح، فتغيّر لذلك وجه جعفر بن يحيى، وتنغّص عليه ما كان فيه؛ فلما نظر إليه عبد الملك على تلك الحالة، دعا غلامه، فدفع إليه سيفه وسواده وعمامته، ثم جاء فوقف على باب المجلس، فقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم! قال: فجاء الغلام فطرح عليه ثياب المنادمة؛ ودعا بطعام فطعم؛ ثم دعا بالشراب فشرب ثلاثا، ثم قال: ليخفّف عني، فإنه شيء ما شربته قط! فتهلل وجه جعفر فرحا، وقد كان الرشيد حاور عبد الملك على المنادمة فأبى ذلك وتنزّه عنه؛ ثم قال له جعفر بن يحيى: جعلني الله فداك؛ قد تفضلت وتطوّلت «4» ، فهل من
(5/331)

حاجة تبلغها مقدرتي، وتحيط بها نعمتي، فأقضيها لك مكافأة لما صنعت؟ قال: بلى، إن قلب أمير المؤمنين عاتب عليّ، فتسأله الرضا عني. فقال قد رضي عنك أمير المؤمنين! ثم قال [عبد الملك] : وعليّ أربعة آلاف دينار. قال: هي حاضرة، ولكن من مال أمير المؤمنين أحبّ إليّ من مالي. قال: وابني إبراهيم أحبّ أن أشدّ ظهره بمصاهرة أمير المؤمنين. قال: قد زوّجه أمير المؤمنين ابنته عائشة الغالية. قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه بولاية. قال: وقد ولاه أمير المؤمنين مصر! قال: فانصرف عبد الملك ونحن نعجب من إقدام جعفر على الرشيد من غير استئذان، فلما كان الغد وقفنا على باب أمير المؤمنين، ودخل جعفر فلم يلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، وإبراهيم بن عبد الملك فعقد له النكاح، وحملت البدر إلى عبد الملك، وكتب سجل إبراهيم على مصر؛ وخرج جعفر، فأشار إلينا، فلما صار إلى منزله ونحن خلفه نزل ونزلنا بنزوله، فالتفت إلينا فقال: تعلّقت قلوبكم بأول أمر عبد الملك فأحببتم أن تعرفوا آخره وإني لمّا دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه سألني عن أمسي، فابتدأت أحدثه بالقصة من أوّلها إلى آخرها، فجعل يقول أحسن والله! أحسن والله! ثم قال: فما أجبته؟ فجعلت أخبره، وهو يقول في كل شيء: أحسنت! وخرج إبراهيم واليا على مصر.
من أخبار الطالبيين
حفاوة السفاح:
حدّث عبد العزيز بن عبد الله البصري، عن عثمان بن سعيد بن سعد المدني، قال:
لما ولي الخلافة أبو العباس السفاح قدم عليه بنو الحسن بن علي بن أبي طالب، فأعطاهم الأموال وقطع لهم القطائع «1» ، ثم قال لعبد الله بن الحسن: احتكم عليّ.
قال: يا أمير المؤمنين، بألف ألف درهم، فإني لم أرها قط. فاستقرضها أبو العباس من ابن أبي مقرّن الصيرفي، وأمر له بها.
(5/332)

قال عبد العزيز: لم يكن يومئذ بيت مال.
ثم إن أبا العباس أتى بجوهر مروان فجعل يقلبه وعبد الله بن الحسن عنده، فبكى عبد الله، فقال له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: هذا عند بنات مروان وما رأت بنات عمك مثله قط؟ قال: فحباه «1» به، ثم أمر ابن مقرّن الصيرفيّ أن يصل إليه ويبتاعه منه، فاشتراه منه بثمانين ألف دينار. ثم حضر خروج بني حسن فأرسل معهم رجلا من ثقاته، ثم قال له: قم بإنزالهم ولا تأل في إلطافهم؛ وكلما خلوت معهم فأظهر الميل إليهم والتحامل علينا وعلى ناحيتنا، وأنهم أحق بالأمر منا، وأحص لي ما يقولون وما يكون منهم في مسيرهم ومقدمهم.
استيحاش السفاح من ابن حسن:
ومما كان خشن قلب أبي العباس حتى أساء بهم الظن، أنه لما بنى مدينة الأنبار دخلها مع أبي جعفر أخيه وعبد الله بن الحسن، وهو يسير بينهما ويريهما بنيانه وما أقام فيها من المصانع والقصور؛ فظهرت من عبد الله بن الحسن فلتة، فجعل يتمثل بهذه الأبيات:
ألم تر جوشنا قد صار يبني ... قصورا نفعها لبني نفيله «2»
يؤمل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله!
قال: فتغير وجه أبي العباس؛ وقال له أبو جعفر: أتراهما ابنيك أبا محمد والأمر إليهما صائر لا محالة؟ قال: لا والله ما ذهبت هذا المذهب ولا أردته، ولا كانت إلا كلمة جرت على لساني لم ألق لها بالا.
فأوحشت تلك الكلمة أبا العباس.
(5/333)

فلما قدم المدينة عبد الله بن الحسن، اجتمع إليه الفاطميون وجعل يفرّق فيهم الأموال التي بعث بها أبو العباس، فعظم بها سرورهم؛ فقال لهم عبد الله ابن الحسن:
فرحتم؟ قالوا: وما لنا لا نفرح بما كان محجوبا عنا بأيدي بني مروان حتى أتى الله بقرابتنا وبني عمنا فأصاروه إلينا؟ قال لهم: أفرضيتم أن تنالوا هذا من تحت أيدي قوم آخرين؟
فخرج الرجل الذي كان وكله أبو العباس بأخبارهم، فأخبره بما سمع من قولهم وقوله؛ فأخبر أبو العباس أبا جعفر بذلك، فزادت الأمور شرّا.
أبو جعفر وابن حسن:
ثم مات أبو العباس وقام أبو جعفر بالأمر بعده، فبعث بعطاء أهل المدينة وكتب إلى عامله، أن أعط الناس في أيديهم ولا تبعث إلى أحد بعطائه، وتفقّد بني هاشم ومن تخلّف منهم ممن حضر، وتحفظ بمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن. ففعل وكتب: إنه لم يتخلف أحد عن العطاء إلا محمد وابراهيم ابنا عبد الله ابن الحسن، فإنهما لم يحضرا. فكتب أبو جعفر إلى عبد الله بن الحسن، وذلك مبدأ سنة تسع وثلاثين ومائة، يسأله عنهما ويأمره بإظهارهما ويخبره أنه غير عاذره. فكتب إليه عبد الله أنه لا يدري أين هما ولا أين توجها. وأن غيبتهما غير معروفة؛ فلم يلبث أبو جعفر- وكان قد أذكى العيون «1» ووضع الأرصاد «2» - حتى جاءه كتاب من بعض ثقاته يخبره أن رسولا لعبد الله ومحمد وإبراهيم خرج بكتب إلى رجال بخراسان يستدعيهم إليهم؛ فأمر أبو جعفر برسولهم فأتى به وبكتبه، فردها إلى عبد الله بن الحسن بطوابعها، لم يفتح منها كتابا، وردّ إليه رسوله وكتب إليه:
إني أتيت برسولك والكتب التي معه فرددتها إليك بطوابعها، كراهية أن أطّلع منهما على ما يغيّر لك قلبي؛ فلا تدع إلى التقاطع بعد التواصل، ولا إلى الفرقة بعد
(5/334)

الاجتماع، وأظهر لي ابنيك فإنهما سيصيران بحيث تحب من الولاية والقرابة وتعظيم الشرف.
فكتب إليه عبد الله بن الحسن يعتذر إليه ويتنصل في كتابه، ويعلمه أن ذلك من عدوّ أراد تشتيت ما بينهم بعد التئامه. ثم جاءه كتاب ثقة من ثقاته يذكر أن الرسول بعينه خرج بالكتب بأعيانها على طريق البصرة، وأنه نازل على فلان المهلّبي؛ فإن أراده أمير المؤمنين فليضع عليه رصده. فوضع عليه أبو جعفر رصده، فأتي به إليه ومعه الكتب، فحبس الرسول وأمضى الكتب إلى خراسان مع رسول الله من عنده من أهل ثقاته، فقدمت عليه الجوابات بما كره؛ واستبان له الأمر، فكتب إلى عبد الله بن الحسن يقول:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد «1»
أما بعد فقد قرأت كتبك وكتب ابنيك وأنفذتها إلى خراسان، وجاءتني جواباتها بتصديقها، وقد استقرّ عندي أنك مغيّب لابنيك تعرف مكانهما، فأظهرهما لي، فإن لك عليّ أن أعظم صلتهما وجوائزهما وأضعهما بحيث وضعتهما قرابتهما؛ فتدارك الأمور قبل تفاقمها.
فكتب إليه عبد الله بن الحسن:
وكيف أريد ذاك وأنت منّي ... وزندك حين تقدح من زنادي
وكيف أريد ذاك وأنت مني ... بمنزلة النّياط من الفؤاد «2»
وكتب إليه أنه لا يدري أين توجّها من بلاد الله، ولا يدري أين صاروا، وأنه لا يعرف الكتب ولا يشك أنها مفتعلة.
فلما اختلفت الأمور على أبي جعفر، بعث سلم بن قتيبة الباهلي، وبعث معه بمال
(5/335)

وأمره بأمره، وقال له: إني إنما أدخلك بين جلدي وعظمي؛ فلا توطئنّي عشواء «1» ، ولا تخف عني أمرا تعلمه. فخرج سلم بن قتيبة حتى قدم المدينة، وكان عبد الله يبسط له في رخام المنبر في الروضة، وكان مجلسه فيه؛ فجلس إليه وأظهر له المحبة والميل إلى ناحيته؛ ثم قال له حين أنس إليه: إن نفرا من أهل خراسان، وهم فلان وفلان- وسمّى له رجالا يعرفهم ممن كان يكاتب، ممن استقرّ عند أبي جعفر أمرهم- قد بعثوا إليك معي مالا، وكتبوا إليك كتابا فقبل الكتاب والمال، وكان المال عشرة آلاف دينار.
ثم أقام معه ما شاء الله حتى ازداد به أنسا وإليه استنامة «2» ، ثم قال له: إني قد بعثت بكتابين إلى أمير المؤمنين محمد، وإلى وليّ عهده إبراهيم؛ وأمرت أن لا أوصل ذلك إلا في أيديهما، فإن أوصلتني إليهما وأدخلتني عليهما؛ أوصلت إليهما الكتابين والمال، ورحلت إلى القوم بما يثلج صدورهم، وتقبله قلوبهم، فأنا عندهم بموضع الصدق والأمانة، وإن كان أمرهما مظلما؛ وإن لم تكن تعرف مكانهما، لم يخاطروا بدينهم وأموالهم ومهجهم. فلما رأى عبد الله أنّ الأمور تفسد عليه من حيث يرجو صلاحها، [وأنه لا سبيل إلى ما معه] إلا بإيصاله إليهما وإظهارهما له، أوصله- فدفع الكتابين مع أربعين ألف درهم- ثم قال: هذا محمد، وهذا إبراهيم. فقال لهم:
إن من ورائي لم يبعثوني ولهم ورائي غاية، وليس مثلي ينصرف إلى قوم إلا بجملة ما يحتاجون إليه، ومحمد إنما صار إلى هذه الخطة، ووجبت له هذه الدعوة، لقرابته من رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ وهاهنا من هو أقرب من رسول الله رحما وأوجب حقا منه قال:
ومن هو؟ قال: أنت! إلا أن يكون عند ابنك محمد أثر ليس عندك في نفسك! قال:
فكذلك الأمر عندي. قال له: فإن القوم يقتدون بك في جميع أمورهم، ولا يريدون أن يبذلوا دينهم وأموالهم وأنفسهم إلا بحجّة يرجون بها لمن قتل منهم الشهادة؛ فإن أنت خلعت أبا جعفر وبايعت محمدا اقتدوا بك، وإن أبيت اقتدوا بك أيضا في
(5/336)

تركك ذلك؛ ثقة بك؛ لقرابتك من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وموضعك الذي وضعك الله فيه. قال: فإني أفعل! فبايع محمدا وخلع أبا جعفر، وبايعه سلم من بعده، وأخذ كتبه وكتب إبراهيم ومحمد، فخرج فقدم على أبي جعفر وقد حضر الموسم، فأخبره بحقيقة الأمر ويقينه.
فلما دخل أبو جعفر المدينة، أرسل إلى بني الحسن فجمعهم، وقال لسلم: إذا رأيت عبد الله عندي فقم على رأسي وأشر إليّ بالسلاح، ففعل، فلما رآه عبد الله سقط «1» في يده وتغيّر وجهه، قال له أبو جعفر: مالك أبا محمد؟ أتعرفه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فأقلني وصلتك رحم! فقال له أبو جعفر: هل علمت أنك تعرف موضع ولديك، وأنه لا عذر لك؟ وقد باح السر؛ فأظهرهما لي، ولك أن أصل رحمك ورحمهما، وأن أعظم ولا يتهما، وأعطى كلّ واحد منهما ألف ألف درهم، فتراجع عبد الله حتى انكفأ «2» على ظهره، وبنو حسن اثنا عشر رجلا، فأمر بحبسهم جميعا.
وخرج أبو جعفر فعسكر من ليلته على ثلاثة أميال من المدينة، وعبّى «3» على القتال، ولم يشكّ أن أهل المدينة سيقاتلونه في بني حسن، فعبّى ميمنة وميسرة وقلبا، وتهيأ للحرب، وأجلس في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلم عشرين معطيا يعطون العطايا، فلم يتحرّك عليه منهم أحد ثم مضى بهم إلى مكة.
كتاب أبي جعفر إلى محمد بن عبد الله:
فلما انصرف أبو جعفر إلى العراق، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة، فكتب إليه أبو جعفر:
من عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ
(5/337)

وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
«1» ولك عهد الله وميثاقه وذمّة الله وذمّة نبيه إن أنتما أتيتما وتبتما ورجعتما من قبل أن أقدر عليكما وأن يقع بيني وبينكما سفك الدماء- أن أؤمّنكما وجميع ولدكما ومن شايعكما وتابعكما على دمائكم وأموالكم، وأسوّغكم «2» ما أصبتم من دم أو مال، وأعطيكما ألف ألف درهم لكل واحد منكما، وما سألتما من الحوائج؛ وأبوّئكما من البلاد حيث شئتما، وأطلق من الحبس جميع ولد أبيكما، ثم لا أتعقب واحدا منكما بذنب سلف منه أبدا؛ فلا تشمت بنا وبك عدوّنا من قريش؛ فإن أحببت أن تتوثّق من نفسك بما عرضت عليك، فوجّه إليّ من أحببت ليأخذ لك من الأمان والعهود والمواثيق. ما تأمن به وتطمئن إليه إن شاء والسلام.
فأجابه محمد بن عبد الله: من محمد بن عبد الله أمير المؤمنين، إلى عبد الله ابن محمد:
طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ
«3» . وأنا أعرض عليك من الأمان ما عرضت؛ فإنّ الحق معنا، وإنما ادّعيتم هذا الأمر بنا وخرجتم إليه بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا، وإن أبانا عليّا رحمه الله كان الإمام؛ فكيف ورثتم ولاية ولده، وقد علمتم أنه لم يطلب هذا الأمر أحد بمثل نسبنا ولا شرفنا، وأنا لسنا من أبناء الظّئار «4» . ولا من أبناء الطلقاء «5» ؛ وأنه ليس يمتّ أحد بمثل ما نمتّ به من القرابة والسابقة
(5/338)

والفضل، وأنّا بنو أمّ أبي رسول الله صلّى الله عليه وسلم فاطمة بنت عمرو في الجاهلية، وبنو فاطمة ابنته في الإسلام دونكم؛ وإن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيين أفضلهم. ومن السلف أوّلهم إسلاما عليّ بن أبي طالب، ومن النساء أفضلهنّ خديجة بنت خويلد، أول من صلى إلى القبلة منهنّ، ومن البنات فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ولدت الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنة صلوات الله عليهما؛ وإنّ هاشما ولد عليّا مرتين، وإنّ عبد المطلب ولد حسنا مرتين، وإن النبي صلّى الله عليه وسلم ولدني مرتين، وإني من أوسط «1» بني هاشم نسبا وأشرفهم أبا وأمّا، ولم تعرق «2» فيّ العجم، ولم تنازع فيّ أمّهات الأولاد؛ فما زال الله بمنّه وفضله يختار لي الأمّهات في الجاهلية والإسلام، حتى اختار لي في النار. فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، ومن أهونهم عذابا في النار، وأبي خير أهل الجنة، وأبي خير أهل النار؛ فأنا ابن خير الأخيار وابن خير الأشرار؛ فلك الله إن دخلت في طاعتي، وأحببت دعوتي، أن أؤمّنك على نفسك ومالك ودمك وكلّ أمر أحدثته، إلا حدّا من حدود الله، أو حقّ امريء مسلم أو معاهد؛ فقد علمت ما يلزمك في ذلك؛ وأنا أولى بالأمر منك، وأوفى بالعهد؛ لأنك لا تعطي من العهد أكثر مما أعطيت رجالا قبلي؛ فأيّ الأمانات تعطيني؟ أمان ابن هبيرة؟ أو أمان عمك عبد الله بن علي؟ أو أمان أبي مسلم؟ والسلام.
فكتب إليه أبو جعفر المنصور:
من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله بن حسن: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت كلامك؛ فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء، لتضلّ به الغوغاء «3» ، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء؛ لأن الله جعل العم أبا، وبدأ به في القرآن على الوالد الأدنى.
(5/339)

ولو كان اختيار الله لهنّ على قدر قرابتهنّ، لكانت آمنة أقربهنّ رحما، وأعظمهنّ حقا، وأول من يدخل الجنة غدا؛ ولكن اختيار الله لخلقه على قدر علمه الماضي لهنّ؛ فأما ما ذكرت من فاطمة جدّة النبي صلّى الله عليه وسلم وولادتها لك، فإن الله لم يرزق أحدا من ولدها دين الإسلام، ولو أن أحدا من ولدها رزق الإسلام بالقرابة لكان عبد الله ابن عبد المطلب أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة؛ ولكن الأمر لله، يختار لدينه من يشاء، وقد قال جل ثناؤه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
«1» . وقد بعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلم وله عمومة أربعة، فأنزل الله عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
«2» ؛ فدعاهم فأنذرهم؛ فأجابه اثنان، أحدهما أبي، وأبى عليه اثنان، أحدهما أبوك؛ فقطع الله ولايتهما منه، ولم يجعل بينهما إلّا «3» ولا ذمّة ولا ميراثا.
وقد زعمت أنك ابن أخف أهل النار عذابا، وابن خير الأشرار؛ وليس في الشر خيار، ولا فخر في النار، وسترد فتعلم وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«4» .
وأمّا ما فخرت به من فاطمة أمّ عليّ، وأنّ هاشما ولد عليّا مرتين، فخير الأوّلين والآخرين رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يلده هاشم إلا مرة واحدة، ولا عبد المطلب إلا مرة.
وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبا، وأكرمهم أبا وأما، وأنك لم تلدك العجم، ولم تعرق فيك أمّهات الأولاد؛ فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طرّا «5» ، فانظر أين أنت- ويحك- من الله غدا؟ فإنك قد تعديت طورك، وفخرت على من هو خير منك نفسا وأبا وأولا وآخرا؛ فخرت على إبراهيم ولد النبي صلّى الله عليه وسلم، وهل خيار ولد
(5/340)

أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمهات أولاد؟ وما ولد منكم بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم أفضل من عليّ ابن الحسين وهو لأمّ ولد، وهو خير من جدك حسن بن حسن، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن على وجدّته أمّ ولد، وهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر، وهو خير منك، وجدّته أم ولد.
وأما قولك: إنا بنو رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ فإن الله يقول: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ
«1» ؛ ولكنكم بنو ابنته، وهي امرأة لا تحوز ميراثا، ولا ترث الولاية، ولا يحل لها أن تؤمّ؛ فكيف تورث بها إمامة؟ ولقد ظلمها أبوك بكل وجه؛ فأخرجها نهارا، ومرضها سرا، ودفنها ليلا؛ فأبى الناس إلا الشيخين لتفضيلهما؛ ولقد كانت السّنة التي لا اختلاف فيها أن الجدّ أبا الأم والخال والخالة، لا يرثون.
وأما ما فخرت به من عليّ وسابقته، فقد حضرت النبي صلّى الله عليه وسلم الوفاة، فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد فما أخذوه؛ وكان في الستة من أصحاب الشورى، فتركوه كلهم؛ رفضه عبد الرحمن بن عوف، وقاتله طلحة والزبير، وأبي سعد بيعته وأغلق بابه دونه وبايع معاوية بعده؛ ثم طلبها بكل وجه، فقاتل عليها، ثم حكم الحكمين ورضي بهما وأعطاهما عهد الله وميثاقه، فاجتمعا على خلعه واختلفا في معاوية؛ ثم قام جدك الحسن فباعها بخرق ودراهم، ولحق بالحجاز وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمور إلى غير أهلها، وأخذ مالا من غير ولائه؛ فإن كان لكم فيها حق فقد بعتموه وأخذتم ثمنه؛ ثم خرج عمك الحسين على بن مرجانة، فكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه؛ ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان، حتى قتل يحيى بن زياد بأرض خراسان، وقتلوا رجالكم وأسروا الصّبية والنساء وحملوهم كالسبي المجلوب إلى الشام.
(5/341)

حتى خرجنا عليهم، فطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم، وأورثناكم أرضهم وديارهم وأموالهم؛ وأردنا إشراككم في ملكنا، فأبيتم إلا الخروج علينا؛ وظننت ما رأيت ذكرنا أباك وتفضيلنا إياه، لتقدّمه على العباس وحمزة وجعفر، وليس كما ظننت، ولكن هؤلاء سالمون، مسلّم منهم مجتمع بالفضل عليهم، وابتلى بالحرب أبوك، فكانت بنو أمية تلعنه على المنابر كما تلعن أهل الكفر في الصلاة المكتوبة؛ فاحتجينا له، وذكرنا فضله، وعنّفناهم، وظلمناهم فيما نالوا منه.
وقد علمت أن المكرمة في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم وولاية بئر زمزم، وكانت للعباس من بين إخوته، وقد نازعنا فيها أبوك فقضى لنا بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، وقد علمت أنه لم يبق أحد من بعد النبي صلّى الله عليه وسلم من بني عبد المطلب غير العباس وحده، فكان وارثه من بين إخوته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايتنا، وميراث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ميراثنا، والخلافة بأيدينا، فلم يبق فضل ولا شرف في الجاهلية والإسلام إلا والعباس وارثه ومورّثه، والسلام.
مقتل محمد وإبراهيم:
فلما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بالمدينة، بايعه أهل المدينة وأهل مكة، وخرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بالبصرة في شهر رمضان، فاجتمع الناس إليه، فنهض إلى دار الإمارة وبها سفيان بن محمد بن المهلب فسلّم إليه البصرة بغير قتال؛ وأرسل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن إلى الأهواز جيشا فأخذها بعد قتال شديد، وأرسل جيشا إلى واسط فأخذها.
ثم إن أبا جعفر المنصور جهز إليهم عيسى بن موسى، فخرج إلى المدينة، فلقيه محمد بن عبد الله، فانهزم بأصحابه وقتل.
ثم مضى عيسى بن موسى إلى البصرة فلقى إبراهيم بن الحسن فقتله وبعث برأسه إلى أبي جعفر.
(5/342)

كتاب المنصور إلى ابن عبيدة:
وقال رجل من أهل مكة: كنا جلوسا مع عمر بن عبيد بالمسجد، فأتاه رجل بكتاب المنصور على لسان محمد بن عبد الله بن الحسن يدعوه إلى نفسه، فقرأه ثم وضعه؛ فقال الرسول: الجواب! فقال: ليس له جواب؛ قل لصاحبك يدعنا نجلس في الظل ونشرب من هذا الماء البارد حتى تأتينا آجالنا.
المبيضة وأسر إسماعيل ابن علي وأخيه:
مروان بن شجاع مولى بني أمية قال: كنت مع إسماعيل بن علي بفارس أؤدب ولده، فلما لقيته المبيّضة «1» فظفر بهم، أتى منهم بأربعمائة أسير؛ فقال له أخوه عبد الصمد، وكان على شرطته: اضرب أعناقهم! فقال: ما تقول يا مروان؟ فقلت:
أصلح الله الأمير، أول من سنّ قتال أهل القبلة عليّ بن أبي طالب، فرأى أن لا يقتل أسير، ولا يجهز على جريح، ولا يتبع مولّ. قال: خذ بيعتهم وخلّ سبيلهم.
محمد بن علي في قلة إخوته:
قيل لمحمد بن علي بن الحسين: ما أقلّ ولد أبيك! قال: إني لأعجب كيف ولدت له! قيل له: وكيف ذلك؟ قال: إنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة فمتى كان يتفرّغ للنساء.
وصية المنصور لابن موسى في حرب بني عبد الله:
ولما وجه المنصور عيسى بن موسى في محاربة بني عبد الله بن الحسن قال: يا أبا موسى، إذا صرت إلى المدينة فادع محمد بن عبد الله بن الحسن إلى الطاعة والدخول في الجماعة؛ فإن أجابك فاقبل منه، وإن هرب منك فلا تتبعه؛ وإن أبى إلا الحرب فناجزه «2» واستعن بالله عليه، فإذا ظفرت به فلا تخيفن أهل المدينة وعمّهم بالعفو؛ فإنهم الأصل والعشيرة، وذرية المهاجرين والأنصار، وجيران قبر النبي صلّى الله عليه وسلم؛ فهذه
(5/343)

وصيتي إياك، لا كما أوصى بها يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة حين وجهه إلى المدينة وأمره أن يقتل من ظهر إلى ثنيّة الوداع، وأن يبيحها ثلاثة أيام، ففعل، فلما بلغ يزيد ما فعله تمثل بقول ابن الزبعرى في يوم أحد، حيث قال.
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل «1»
ثم اكتب إلى أهل مكة بالعفو عنهم والصفح، فإنهم آل الله وجيرانه وسكان حرمه وأمنه، ومنبت القوم والعشيرة، وعظماء البيت والحرم، لا تلحد فيه بظلم؛ فإنه حرم الله الذي بعث منه محمدا نبيه صلّى الله عليه وسلم، وشرف به آباءنا بتشريف الله إيانا؛ فهذه وصيتي، لا كما أوصى به الذي وجّه الحجاج إلى مكة، فأمره أن يضع المجانيق على الكعبة، وأن يلحد في الحرم بظلم، ففعل ذلك، فلما بلغه الخبر تمثل بقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
عيسى بن موسى ووصيته المنصور:
الرياشي قال: قال عيسى بن موسى: لما وجّهني المنصور إلى المدينة في حرب بني عبد الله بن الحسن، جعل يوصيني ويكثر، فقلت: يا أمير المؤمنين، إلى كم توصيني؟
إني أنا السيف الحسام الهندي ... أكلت جفني وفريت غمدي «2»
فكلّ ما تطلب مني عندي
تفضيل معاوية للحسن:
وقال معاوية يوما لجلسائه: من أكرم الناس أبا وأمّا، وجدّا وجدة، وعمّا وعمة، وخالا وخالة؟ فقالوا: أمير المؤمنين أعلم. فأخذ بيد الحسن بن علي وقال: هذا؛ أبوه
(5/344)

علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة ابنة محمد، وجدّه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وجدّته خديجة، وعمه جعفر، وعمته هالة بنت أبي طالب، وخاله القاسم بن محمد، وخالته زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم.
لسديف في قتل المنصور لابني عبد الله:
الرياشي عن الأصمعي قال: لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بالمدينة، فبايعه أهل المدينة وأهل مكة وخرج إبراهيم أخوه بالبصرة فتغلب على البصرة والأهواز وواسط- قال سديف بن ميمون في ذلك:
إنّ الحمامة يوم الشّعب من حضن ... هاجت فؤاد محبّ دائم الحزن «1»
إنا لنأمل أن ترتدّ ألفتنا ... بعد التباعد والشّحناء والإحن «2»
وتنقضي دولة أحكام قادتها ... فيها كأحكام قوم عابدي وثن
فانهض ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إنّ الخلافة فيكم يا بني حسن
لا عزّ ركن نزار عند نائبة ... إن أسلموك ولا ركن لذي يمن
ألست أكرمهم يوما إذا انتسبوا ... عودا، وأنقاهم ثوبا من الدّرن «3»
وأعظم الناس عند الله منزلة ... وأبعد الناس من عجز ومن أفن «4»
فلما سمع أبو جعفر هذه الأبيات استطير بها، فكتب إلى عبد الصمد بن علي أن يأخذ سديفا فيدفنه حيّا، ففعل.
الرياشي والبغدادي في مقتل سديف:
قال الرياشي: فذكرت هذه الأبيات لأبي جعفر، شيخ من أهل بغداد، فقال:
هذا باطل؛ الأبيات لعبد الله بن مصعب، وإنما كان سبب قتل سديف أنه قال أبياتا
(5/345)

مبهمة، وكتب بها إلى أبي جعفر وهي هذه:
أسرفت في قتل الرّعيّة ظالما ... فاكفف يديك أضلّها مهديّها
فلتأتينّك راية حسنيّة ... جرّارة يقتادها حسنيّها
فالتفت أبو جعفر، فقال لحازم بن خزيمة: تهيأ بهيئة السفر متنكرا، حتى إذا لم يبق إلا أن تضع رجلك في الغرز «1» ائتني، ففعل، فقال: إذا أتيت المدينة فادخل مسجد النبي صلّى الله عليه وسلم، فدع سارية؛ وثانية فإنك تنظر عند الثالثة إلى شيخ آدم يكثر التلفت، طويل كبير، فاجلس معه فتوجع لآل أبي طالب، واذكر شدّة الزمان عليهم، ثلاثة أيام؛ ثم قل في الرابع: من يقول هذه الأبيات؟
أسرفت في قتل الرّعيّة ظالما
قال: ففعل، فقال له الشيخ: إن شئت نبأتك من أنت؟ أنت حازم بن خزيمة، بعثك إليّ أمير المؤمنين لتعرف من قال هذا الشعر؛ فقل له: جعلت فداك، والله ما قلته ولا قاله إلا سديف بن ميمون، فإني أنا القائل وقد دعوني إلى الخروج مع محمد بن عبد الله:
دعوني وقد سالت لإبليس راية ... وأوقد للغاوين نار الحباحب «2»
أبالّليث تعترّون يحمي عرينه ... وتلقون جهلا أسده بالثعالب
فلا نفعتني السّنّ إن لم يؤزكم ... ولا أحكمتني صادقات التجارب «3»
قال: وإذا الشيخ إبراهيم بن هرمة. قال: فقدمت على المنصور فأخبرته الخبر، فكتب إلى عبد الصمد بن علي، وكان سديف في حبسه، فأخذه فدفنه حيا.
(5/346)

ابن عبد الحميد وابن أبي حفصة:
قال الرياشي: سمعت محمد بن عبد الحميد يقول: قلت لابن أبي حفصة: ما أغراك ببني علي؟ قال: ما أحد أحبّ إليّ منهم، ولكني لم أجد شيئا أنفع عند القوم منه.
هشام وزيد بن علي:
لما دخل زيد بن علي بن أبي طالب على هشام، قال: بلغني أنك تحدّث نفسك بالخلافة، ولا تصلح لها لأنك ابن أمة! قال: أما قولك: إني أحدّث نفسي بالخلافة، فلا يعلم الغيب إلا الله. وأما قولك: إني ابن أمة، فهذا إسماعيل بن أمة، أخرج الله من صلبه محمدا صلّى الله عليه وسلم؛ وإسحاق ابن حرّة، أخرج الله من صلبه القردة والخنازير وعبد الطاغوت! وخرج من عنده فقال: ما أحبّ أحد الحياة إلا ذلّ. فقال له الحاجب: لا يسمع هذا الكلام منك أحد.
وقال زيد بن علي عند خروجه من عند هشام بن عبد الملك:
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد «1»
محتفي الرّجلين يشكو الوجا ... تقرعه أطراف مرو حداد «2»
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
ثم خرج بخراسان فقتل وصلب.
وفيه يقول سديف لأبي العباس يغريه ببني أمية حيث يقول:
واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس «3»
يريد إبراهيم الإمام، أخا أبي العباس.
(5/347)

باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه
ابن هشام وشيخ في علي ابن أبي طالب:
عوانة بن الحكم قال: حج محمد بن هشام، ونزلت رفقه، فإذا فيها شيخ كبير قد احتوشه «1» الناس وهو يأمر وينهى؛ فقال محمد بن هشام لمن حوله: تجدون الشيخ عراقيا فاسقا! فقال له بعض أصحابه: نعم، وكوفيا منافقا! فقال محمد، عليّ به. فأتي بالشيخ، فقال له: أعراقيّ أنت؟ قال له: نعم عراقي. قال: وكوفيّ؟ قال: وكوفي.
قال: وترابيّ؟ قال: وترابي، من التراب خلقت، وإليه أصير. قال: أنت ممن يهوى أبا تراب؟ قال: ومن أبو تراب؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قال: أتعني ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وزوج فاطمة ابنته، وأبا الحسن والحسين؟ قال: نعم، فما قولك فيه؟ قال:
قد رأيت من يقول خيرا ويحمد، ورأيت من يقول شرا ويذم. قال: فأيهما أفضل عندك: أهو أم عثمان؟ قال: وما أنا وذاك؟ والله لو أن عليا جاء بوزن الجبال حسنات ما نفعني، ولو جاء بوزنها سيئات ما ضرّني؛ وعثمان مثل ذلك. قال: فاشتم أبا تراب! قال: أو ما ترضى مني بما رضي به من هو خير منك ممن هو خير مني فيمن هو شر من عليّ؟ قال: وما ذاك؟ قال: رضيّ الله وهو خير منك، من عيسى وهو خير مني، في النصارى وهم شر من عليّ، إذ قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
«2» .
حمزة وابن له في علي:
الرياشي قال: انتقص ابن لحمزة بن عبد الله بن الزبير عليا، فقال له أبوه: يا بني إنه والله ما بنت الدنيا شيئا إلا هدمه الدّين، وما بنى الدين شيئا فهدمته الدنيا؛ أما ترى عليا وما يظهر بعض الناس من بغضه ولعنه على المنابر فكأنما والله يأخذون
(5/348)

بناصيته رفعا إلى السماء، وما ترى بني مروان وما يندبون به موتاهم من المدح بين الناس؛ فكأنما يكشفون عن الجيف!
الوليد وشعر الفضل في علي:
قدم الوليد مكة فجعل يطوف بالبيت والفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب يستقي من زمزم وهو يقول:
يأيها السائل عن عليّ ... تسأل عن بدر لنا بدريّ
مردّد في المجد أبطحيّ ... سائلة غرّته مضيّ «1»
فلم ينكر عليه أحد.
لمسلمة في جعفر:
العتبي قال: قيل يوما لمسلمة بن هلال العبدي: خطب جعفر بن سليمان الهاشمي خطبة لم يسمع مثلها قط، وما درينا أوجهه كان أحسن أم كلامه! قال: أولئك قوم بنور الخلافة يشرقون «2» ، وبلسان النبوّة ينطقون.
وكتب عوام صاحب أبي نواس إلى بعض عمال ديار ربيعة:
بحقّ النبيّ بحق الوصيّ ... بحق الحسين بحق الحسن
بحق التي ظلمت حقّها ... ووالدها خير ميت دفن
ترفّق بأرزاقنا في الخرا ... ج بترفيهها وبحطّ المؤن
قال: فأسقط عنه الخراج طول ولايته.
احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ
إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل عن حماد بن زيد قال: بعث إليّ يحيى بن أكثم وإلى
(5/349)

عدّة من أصحابي، وهو يومئذ قاضي القضاة، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أحضر معي غدا مع الفجر أربعين رجلا كلهم فقيه يفقه «1» ما يقال له ويحسن الجواب؛ فسمّوا من تظنّونه يصلح لما يطلب أمير المؤمنين. فسمّينا له عدة، وذكر هو عدة، حتى تم العدد الذي أراد، وكتب تسمية القوم، وأمر بالبكور «2» في السحر، وبعث إلى من لم يحضر، فأمره بذلك؛ فغدونا عليه قبل طلوع الفجر، فوجدناه قد لبس ثيابه وهو جالس ينتظرنا، فركب وركبنا معه حتى صرنا إلى الباب، فإذا بخادم واقف؛ فلما نظر إلينا قال: يا أبا محمد، أمير المؤمنين ينتظرك.
فأدخلنا، فأمرنا بالصلاة فأخذنا فيها، فلم نستتم حتى خرج الرسول فقال: ادخلوا.
فدخلنا فإذا أمير المؤمنين جالس على فراشه، وعليه سواده وطيلسانه «3» والطويلة وعمامته، فوقفنا وسلّمنا، فردّ السلام وأمر لنا بالجلوس، فلما استقرّ بنا المجلس انحدر عن فراشه ونزع عمامته وطيلسانه ووضع قلنسوته «4» ، ثم أقبل علينا فقال: إنما فعلت ما رأيتم لتفعلوا مثل ذلك، وأما الخفّ فمنع من خلعه علة، من قد عرفها منكم فقد عرفها، ومن لم يعرفها فسأعرّفه بها. ومدّ رجله وقال: انزعوا قلانسكم وخفافكم وطيالستكم. قال: فأمسكنا، فقال لنا يحيى: انتهوا إلى ما أمركم به أمير المؤمنين. فتنحينا فنزعنا أخفافنا وطيالستنا وقلانسنا ورجعنا؛ فلما استقر بنا المجلس قال: إنما بعثت إليكم معشر القوم في المناظرة، فمن كان به شيء من الأخبثين «5» لم ينتفع بنفسه ولم يفقه ما يقول؛ فمن أراد منكم الخلاء فهناك. وأشار بيده، فدعونا له. ثم ألقى مسألة من الفقه، فقال: يا محمد، قل، وليقل القوم من بعدك. فأجابه يحيى، ثم الذي يلي يحيى، ثم الذي يليه، حتى أجاب آخرنا، في العلة
(5/350)

وعلة العلة؛ وهو مطرق لا يتكلم، حتى إذا انقطع الكلام التفت إلى يحيى فقال: يا أبا محمد، أصبت الجواب وتركت الصواب في العلة. ثم لم يزل يردّ على كل واحد منا مقالته، ويخطّىء بعضنا ويصوّب بعضنا؛ حتى أتى على آخرنا، ثم قال: إني لم أبعث فيكم لهذا، ولكنني أحببت أن أنبئكم أن أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه والذي يدين الله به. قلنا: فليفعل أمير المؤمنين وفقه الله. فقال: إن أمير المؤمنين يدين الله على أنّ عليّ بن أبي طالب خير خلق الله بعد رسوله صلّى الله عليه وسلم وأولى الناس بالخلافة له. قال إسحاق: فقلت يا أمير المؤمنين، إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في عليّ، وقد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة. فقال يا إسحاق، اختر، إن شئت سألتك أسألك، وإن شئت أن تسأل فقل. قال إسحاق: فاغتنمتها منه، فقلت: بل أسألك يا أمير المؤمنين. قال: سل. قلت: من أين قال أمير المؤمنين إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله وأحقهم بالخلافة بعده؟ قال: يا إسحاق، خبّرني عن الناس: بم يتفاضلون حتى يقال فلان أفضل من فلان؟ قلت:
بالأعمال الصالحة: قال: صدقت، قال: فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم إن المفضول عمل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله- أيلحق به؟ قال: فأطرقت، فقال لي: يا إسحاق، لا تقل نعم؛ فإنك إن قلت نعم أوجدتك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهادا وحجا وصياما وصلاة وصدقة. فقلت أجل يا أمير المؤمنين، لا يلحق المفضول على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم الفاضل أبدا. قال: يا إسحاق، فانظر ما رواه لك أصحابك ومن أخذت عنهم دينك وجعلتهم قدوتك من فضائل عليّ بن أبي طالب؛ فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر، فإن رأيت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل علي، فقل إنه أفضل منه، لا والله، ولكن فقس إلى فضائله ما روي لك من فضائل أبي بكر وعمر، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعلي وحده، فقل إنهما أفضل منه؛ ولا والله، ولكن قس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، فإن وجدتها مثل فضائل عليّ، فقل إنهم أفضل منه؛ لا والله، ولكن قس بفضائل العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم
(5/351)

بالجنة، فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنهم أفضل منه.
قال: يا إسحاق، أيّ الأعمال كانت أفضل يوم بعث الله رسوله؟ قلت:
الإخلاص بالشهادة. قال: أليس السبق إلى الإسلام؟ قلت: نعم. قال: اقرأ ذلك في كتاب الله تعالى يقول: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
«1» ، إنما عنى من سبق إلى الإسلام، فهل علمت أحدا سبق عليّا إلى الإسلام؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن عليا أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم، وأبو بكر أسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم. قال: أخبرني أيهما أسلم قبل، ثم أناظرك من بعده في الحداثة والكمال. قلت: عليّ أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة. فقال: نعم، فأخبرني عن إسلام عليّ حين أسلم: لا يخلو من أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام، أو يكون إلهاما من الله؟ قال: فأطرقت؛ فقال لي: يا إسحاق؛ لا تقل إلهاما فتقدّمه على رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ لأنّ رسول الله لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبريل عن الله تعالى.
قلت: أجل، بل دعاه رسول الله إلى الإسلام. قال: يا إسحاق فهل يخلو رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر الله أو تكلّف ذلك من نفسه؟
قال: فأطرقت، فقال: يا إسحاق، لا تنسب رسول الله إلى التكلف؛ فإن الله يقول:
وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
«2» . قلت: أجل يا أمير المؤمنين، بل دعاه بأمر الله. قال:
فهل من صفة الجبار جل ثناؤه أن يكلّف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم؟ قلت:
أعوذ بالله! فقال: أفتراه في قياس قولك يا إسحاق: «إن عليا أسلم صبيّا لا يجوز عليه الحكم» قد كلف رسول الله صلّى الله عليه وسلم من دعاء الصبيان ما لا يطيقون، فهو يدعوهم الساعة ويرتدّون بعد ساعة، فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء ولا يجوز عليهم حكم الرسول عليه السلام، أترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى الله عزّ وجلّ؟ قلت: أعوذ بالله! قال: يا إسحاق، فأراك إنما قصدت لفضيلة فضّل بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم عليّا على هذا الخلق، أبانه بها منهم ليعرف مكانه وفضله، ولو كان
(5/352)

الله تبارك وتعالى أمره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليا؟ قلت: بلى. قال: فهل بلغك أن الرسول صلّى الله عليه وسلم دعا أحدا من الصبيان من أهله وقرابته- لئلا تقول إن عليا ابن عمه-؟ قلت: لا أعلم ولا أدري فعل أو لم يفعل. قال: يا إسحاق، أرأيت ما لم تدره ولم تعلمه هل تسأل عنه؟ قلت: لا. قال: فدع ما قد وضعه الله عنا وعنك.
قال: ثم أيّ الأعمال كانت أفضل بعد السبق إلى الإسلام؟ قلت: الجهاد في سبيل الله. قال: صدقت، فهل تجد لأحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما تجد لعلي في الجهاد؟ قلت: في أي وقت؟ قال: في أي الأوقات شئت! قلت: بدر؟ قال: لا أريد غيرها؛ فهل تجد لأحد إلا دون ما تجد لعليّ يوم بدر؟ أخبرني: كم قتلى بدر؟ قلت:
نيف وستون رجلا من المشركين. قال: فكم قتل عليّ وحده؟ قلت: لا أدري.
قال: ثلاثة وعشرين، أو اثنين وعشرين؛ والأربعون لسائر الناس. قلت: يا أمير المؤمنين كان أبو بكر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في عريشه «1» . قال: يصنع ماذا؟ قلت:
يدبّر، قال: ويحك! يدبّر دون رسول الله أو معه شريكا، أو افتقارا من رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى رأيه؟ أي الثلاث أحب إليك؟ قلت: أعوذ بالله أن يدبر أبو بكر دون رسول الله صلّى الله عليه وسلم أو يكون معه شريكا، أو أن يكون برسول الله صلّى الله عليه وسلم افتقار إلى رأيه.
قال: فما الفضيلة بالعريش إذا كان الأمر كذلك؟ أليس من ضرب بسيفه بين يدي رسول الله أفضل ممن هو جالس؟ قلت: يا أمير المؤمنين، كلّ الجيش كان مجاهدا.
قال: صدقت، كل مجاهد؛ ولكن الضارب بالسيف المحامي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعن الجالس، أفضل من الجالس؛ أما قرأت كتاب الله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
«2» . قلت: وكان أبو بكر وعمر مجاهدين قال:
فهل كان لأبي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك المشهد؟ قلت: نعم. قال:
(5/353)

فكذلك! سبق الباذل نفسه فضل أبي بكر وعمر، قلت: أجل.
قال: يا إسحاق، هل تقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: اقرأ عليّ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
«1» فقرأت منها حتى بلغت:
يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً
«2» إلى قوله: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
«3» قال: على رسلك؛ فيمن أنزلت هذه الآيات؟ قلت:
في عليّ. قال: فهل بلغك أن عليا حين أطعم المسكين واليتيم والأسير. قال إنما نطعمكم لوجه الله؟ وهل سمعت الله وصف في كتابه أحدا بمثل ما وصف به عليا؟ قلت: لا. قال: صدقت! لأن الله جل ثناؤه عرف سيرته. يا إسحاق، ألست تشهد أن العشرة في الجنة؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال: أرأيت لو أنّ رجلا قال: والله ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا، ولا أدري إن كان رسول الله قاله أم لم يقله: أكان عندك كافرا؟ قلت: أعوذ بالله! قال: أرأيت لو أنه قال: ما أدري هذه السورة من كتاب الله أم لا، كان كافرا؟ قلت: نعم. قال: يا إسحاق، أرى بينهما فرقا. يا إسحاق، أتروي الحديث؟ قلت: نعم. قال: فهل تعرف حديث الطير؟ قلت: نعم. قال: فحدّثني به. قال: فحدّثته الحديث، فقال: يا إسحاق، إني كنت أكلمك وأنا أظنك غير معاند للحق، فأمّا الآن فقد بان لي عنادك؛ إنك توقن أن هذا الحديث صحيح. قلت: نعم؛ رواه من لا يمكنني ردّه. قال: أفرأيت من أيقن أن هذا الحديث صحيح، ثم زعم أن أحدا أفضل من عليّ- لا يخلو من إحدى ثلاثة:
من أن تكون دعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنده مردودة عليه، أو أن يقول عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحب إليه، أو أن يقول إن الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول؛ فأي الثلاثة أحب إليك أن تقول؟ فأطرقت ... ثم قال: يا إسحق، لا تقل منها شيئا؛ فإنك إن قلت منها شيئا استنبتك «4» ؛ وإن كان للحديث عندك
(5/354)

تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله. قلت: لا أعلم، وإن لأبي بكر فضلا. قال:
أجل، لولا أن له فضلا لما قيل إن عليا أفضل منه؛ فما فضله الذي قصدت له الساعة؟ قلت: قول الله عز وجل: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
«1» ؛ فنسبه إلى صحبته. قال: يا إسحاق، أما إني لا أحملك على الوعر من طريقك؛ إني وجدت الله تعالى نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافرا، وهو قوله: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً
«2» . قلت:
إن ذلك صاحب كان كافرا، وأبو بكر مؤمن. قال: فإذا جاز أن ينسب إلى صحبة من رضيه كافرا، جاز أن ينسب إلى صحبة نبيه مؤمنا، وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث. قلت: يا أمير المؤمنين، إن قدر الآية عظيم، إن الله يقول: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
«3» ! قال: يا إسحاق، تأبى الآن إلا أن أخرج إلى الاستقصاء عليك! أخبرني عن حزن أبي بكر: أكان رضا أم سخطا؟ قلت: إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلم خوفا عليه وغما، أن يصل إلى رسول الله شيء من المكروه. قال: ليس هذا جوابي، إنما كان جوابي أن تقول: رضا، أم سخط. قلت: بل كان رضا لله. قال: فكأن الله جل ذكره بعث إلينا رسولا ينهى عن رضا الله عز وجل وعن طاعته! قلت: أعوذ بالله! قال: أوليس قد زعمت أن حزن أبي بكر رضا لله؟ قلت: بلى. قال: أولم تجد أن القرآن يشهد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا تحزن» ، نهيا له عن الحزن؟ قلت: أعوذ بالله! قال: يا إسحاق، إن مذهبي الرفق بك، لعل الله يردّك إلى الحق ويعدك بك عن الباطل، لكثرة ما تستعيذ به. وحدّثني عن قول الله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
«4» ، من عنى بذلك؛ رسول الله أم أبا بكر؟ قلت: بل رسول الله. قال: صدقت!
(5/355)

قال: حدّثني عن قول الله عز وجل: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
«1» إلى قوله: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
«2» . أتعلم من المؤمنون الذين أراد الله في هذا الموضوع؟ قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين؛ قال:
الناس جميعا انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا سبعة نفر من بني هاشم: علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله، والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله، والخمسة محدقون به خوفا من أن يناله من جراح القوم شيء، حتى أعطى الله لرسوله الظّفر؛ فالمؤمنون في هذا الموضع عليّ خاصة، ثم من حضره من بني هاشم، قال: فمن أفضل: من كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، أم من انهزم عنه ولم يره الله موضعا لينزلها عليه؟ قلت: بل من أنزلت عليه السكينة.
قال: يا إسحاق، من أفضل: من كان معه في الغار، أم من نام على فراشه ووقاه بنفسه، حتى تمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما أراد من الهجرة؟ إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليّا بالنوم على فراشه، وأن يقي «3» رسول الله صلّى الله عليه وسلم بنفسه؛ فأمره رسول الله صلّى الله عليه وسلم بذلك، فبكى عليّ رضي الله عنه؛ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عليّ، أجزعا من الموت؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ولكن خوفا عليك؛ أفتسلم يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: سمعا وطاعة وطيبة نفسي بالفداء لك يا رسول الله. ثم أتى مضجعه واضطجع، وتسجّى «4» بثوبه، وجاء المشركون من قريش فحفّوا «5» به، لا يشكّون أنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش رجل ضربة بالسيف، لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطنا بدمه؛ وعليّ يسمع ما القوم فيه من إتلاف نفسه، ولم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار؛ ولم يزل عليّ صابرا محتسبا؛ فبعث الله ملائكته
(5/356)

فمنعته من مشركي قريش حتى أصبح، فلما أصبح قام فنظر القوم إليه فقالوا: أين محمد؟ قال: وما علمي بمحمد أين هو؟ قالوا: فلا نراك إلا مغرّرا بنفسك منذ ليلتنا، فلم يزل على أفضل ما بدأ به يزيد، ولا ينقص، حتى قبضه الله إليه.
يا إسحاق، هل تروي حديث الولاية؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: اروه، ففعلت قال: يا إسحاق، أرأيت هذا الحديث هل أوجب على أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟ قلت: إن الناس ذكروا أن الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين علي، وأنكر ولاء علي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه؛ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» . قال: في أي موضع قال هذا، أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟ قلت: أجل. قال: فإنّ قتل زيد بن حارثة قبل الغدير؛ كيف رضيت لنفسك بهذا؟ أخبرني: لو رأيت ابنا لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي، أيها الناس فاعلموا ذلك؛ أكنت منكرا ذلك عليه: تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟ فقلت: اللهم نعم، قال: يا إسحاق، أفتنزّه ابنك عما لا تنزه عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ ويحكم! لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم «1» ؛ إن الله جل ذكره قال في كتابه: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
«2» . ولم يصلّوا لهم ولا صاموا ولا زعموا أنهم أرباب، ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم؛ يا إسحاق، أتروي حديث: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قد سمعته وسمعت من صحّحه وجحده. قال: فمن أوثق عندك: من سمعت منه فصحّحه، أو من جحده؟
قلت: من صحّحه. قال: فهل يمكن أن يكون الرسول صلّى الله عليه وسلم مزح بهذا القول؟ قلت:
أعوذ بالله! قال: فقال قولا لا معنى له فلا يوقف عليه؟ قلت: أعوذ بالله! قال: أفما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه وأمّه؟ قلت: بلى. قال: فعليّ أخو رسول الله لأبيه وأمّه؟ قلت: لا. قال: أو ليس هارون كان نبيّا وعليّ غير نبيّ؟ قلت: بلى.
(5/357)

قال: فهذان الحالان معدومان في عليّ وقد كانا في هارون؛ فما معنى قوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ؟ قلت له: إنما أراد أن يطّيب بذلك نفس عليّ لمّا قال المنافقون إنه خلّفه استثقالا له. قال: فأراد أن يطيّب نفسه بقول لا معنى له؟ قال:
فأطرقت، قال: يا إسحاق، له معنى في كتاب الله بيّن. قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قوله عز وجل حكاية عن موسى أنه قال لأخيه هارون: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
«1» . قلت: يا أمير المؤمنين، إن موسى خلف هارون في قومه وهو حيّ، ومضى إلى ربه، وإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خلّف عليّا كذلك حين خرج إلى غزاته. قال: كلا، ليس كما قلت؛ أخبرني عن موسى حين خلف هارون: هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل؟ قلت: لا. قال: أو ليس استخلفه على جماعتهم؟ قلت: نعم. قال: فأخبرني عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين خرج إلى عزاته: هل خلف إلا الضعفاء والنساء والصبيان؛ فأنّي يكون مثل ذلك؟ وله عندي تأويل آخر من كتاب الله يدل على استخلافه إياه، لا يقدر أحد أن يحتج فيه، ولا أعلم أحدا احتج به وأرجو أن يكون توفيقا من الله.
قلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: قوله عز وجل حين حكى عن موسى قوله:
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً
«2» «فأنت مني يا عليّ بمنزلة هارون من موسى: وزيري من أهلي، وأخي، شدّ الله به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبح الله كثيرا، ونذكره كثيرا» فهل يقدر أحد أن يدخل في هذا شيئا غير هذا ولم يكن ليبطل قول النبي صلّى الله عليه وسلم وأن يكون لا معنى له؟
قال: فطال المجلس وارتفع النهار؛ فقال يحيى بن أكثم القاضي: يا أمير المؤمنين، قد أوضحت الحق لمن أراد الله به الخير، وأثبت ما يقدر أحد أن يدفعه. قال إسحق: فأقبل علينا وقال: ما تقولون؟ فقلنا: كلنا نقول بقول أمير المؤمنين أعزه
(5/358)

الله، فقال: والله لولا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم قال اقبلوا القول من الناس، ما كنت لأقبل منكم القول؛ اللهم قد نصحت لهم القول، اللهم إني قد أخرجت الأمر من عنقي، اللهم إني أدينك بالتقرب إليك بحب عليّ وولايته!
المساحقي والدعوة إلى المأمون:
وكتب المأمون إلى عبد الجبار بن سعد المساحقي عامله على المدينة، أن اخطب الناس وادعهم إلى بيعة الرضا عليّ بن موسى، فقام خطيبا فقال:
يا أيها الناس هذا الأمر الذي كنتم فيه ترغبون، والعدل الذي كنتم تنتظرون، والخير الذي كنتم ترجون؛ هذا عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، ستة آباءهم ما هم، من خير من يشرب صوب «1» الغمام.
المأمون والرضى:
وقال المأمون لعلي بن موسى: علام تدّعون هذا الأمر؟ قال: بقرابة علي وفاطمة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم. فقال له المأمون: إن لم تكن إلا القرابة فقد خلف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم من أهل بيته من هو أقرب إليه من عليّ، أو من هو في قعدده «2» ، وإن ذهبت إلى قرابة فاطمة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، فإن الأمر بعدها للحسن والحسين، فقد ابتزّهما عليّ حقهما وهما حيّان صحيحان، فاستولى على ما لا حق له فيه.
فلم يجد عليّ بن موسى له جوابا.
(5/359)

باب من أخبار الدولة العباسية
علي ومعاوية في مولود لابن عباس:
روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه افتقد عبد الله بن عباس وقت صلاة الظهر، فقال لأصحابه: ما بال أبي العباس لم يحضر؟ قالوا: ولد له مولود فلما صلى عليّ الظهر قال: انقلبوا بنا إليه. فأتاه فهنّأه فقال له: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب؛ فما سمّيته؟ قال: لا يجوز لي أن أسميه حتى تسمّيه أنت. فأمر به فأخرج إليه، فأخذه فحنّكه «1» ودعا له ورده، وقال: خذه إليك أبا الأملاك، وقد سميته عليّا وكنيته أبا الحسن. قال: فلما قدم معاوية قال لابن عباس: لك اسمه وقد كنّيته أبا محمد. فجرت عليه.
من أخبار علي ابن عبد الله ابن عباس:
وكان عليّ سيدا شريفا عابدا زاهدا، وكان يصلي في كل يوم ألف ركعة، وضرب مرتين، كلتاهما ضربه الوليد، فإحداهما في تزوّجه لبابة بنت عبد الله بن جعفر؛ وكانت عند عبد الملك بن مروان، فعض تفاحة ورمى بها إليها، وكان أبخر «2» ؛ فدعت بسكين، فقال: ما تصنعين به؟ قالت: أميط «3» عنها الأذى! فطلقها، فتزوجها عليّ بن عبد الله بن عباس، فضربه الوليد وقال: إنما تتزوج أمهات أولاد الخلفاء لتضع منهم- لأن مروان بن الحكم إنما تزوج أم خالد بن يزيد ليضع منه- فقال علي بن عبد الله بن عباس: إنما أرادت الخروج من هذه البلدة، وأنا ابن عمها، فتزوجتها لأن أكون لها محرما.
وأما ضربه إياه في المرة الثانية، فإن محمد بن يزيد قال: حدثني من رآه مضروبا يطاف به على بعير ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا علي بن عبد
(5/360)

الله الكذاب! قال: فأتيته فقلت: ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب؟ قال: بلغهم أني أقول: هذا الأمر سيكون في ولدي وو الله ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم، الصغار العيون، العراض الوجوه، الذين كأن وجوههم المجانّ «1» المطرقة.
وفي حديث آخر أن علي بن عبد الله دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه:
أبو العباس، وأبو جعفر؛ فشكا إليه دينا لزمه، فقال له: كم دينك؟ قال: ثلاثون ألفا. فأمر له بقضائه، فشكر له عليه، وقال له وصلت رحما، وأنا أريد أن تستوصي بابنيّ هذين خيرا. قال: نعم. فلما تولى قال هشام لأصحابه: إن هذا الشيخ قد هتر «2» وأسنّ وخولط «3» ، فصار يقول إن هذا الأمر سينقل إلى ولده. فسمعه علي بن عبد الله بن العباس، فقال: والله ليكونن ذلك، وليملكنّ ابناي هذان ما تملكه.
زواج علي بن عبد الله:
قال محمد بن يزيد: وحدثني جعفر بن عيسى بن جعفر الهاشمي قال: حضر علي بن عبد الله مجلس عبد الملك بن مروان، وكان مكرما له، وقد أهديت له من خراسان جارية وفص خاتم وسيف، فقال: يا أبا محمد، إن حاضر الهدية شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحدا. فاختار الجارية، وكانت تسمى سعدى، وهي من سبى الصغد من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان بن علي، وصالح بن علي.
وذكر جعفر بن عيسى أنه لما أولدها سليمان اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدري خرج عليه، فانصرف عليّ من مصلّاه، فإذا بها على فراشه! فقال: مرحبا بك يا أم سليمان: فوقع عليها فأولدها صالحا، فاجتنبت فراشه، فسألها عن ذلك، فقالت:
خفت أن يموت سليمان في مرضه، فينقطع النسب بيني وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ فالآن
(5/361)

إذ ولدت صالحا فبالحري إن ذهب أحدهما بقي الآخر، وليس مثلي وطيئة الرجال.
وزعم جعفر أنه كانت في سليمان رتّة «1» ، وفي صالح مثلها، وأنها موجودة في آل سليمان وصالح.
وصية علي لابنيه سليمان وصالح:
وكان علي يقول: أكره أن أوصى إلى محمد ولدي- وكان سيد ولده وكبيرهم- فاشينه بالوصية. فأوصى إلى سليمان، فلما دفن عليّ جاء محمد إلى سعدى ليلا، فقال:
أخرجي لي وصية أبي قالت: إن أباك أجلّ من أن تخرج وصيته ليلا، ولكن تأتي غدوة إن شاء الله. فلما أصبح غدا عليه سليمان بالوصية، فقال: يا أبي ويا أخي، هذه وصية أبيك. فقال: جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لأثرّب «2» على أبي موته كما لم أثرّب عليه في حياته.
وصاة معاوية في موته:
العتبي عن أبيه عن جده قال: لما اشتكى معاوية شكاته التي هلك فيها، أرسل إلى ناس من جملة بني أمية ولم يحضرها سفيانيّ غيري وغير عثمان بن محمد؛ فقال: يا معشر بني أمية، إني لما خفت أن يسبقكم الموت إليّ سبقته بالموعظة إليكم، لا لأردّ قدرا، ولكن لأبلغ عذرا، إن الذي أخلّف لكم من دنياي أمر ستشاركون فيه وتغلبون عليه، والذي أخلّف لكم من رأي أمر مقصور لكم نفعه إن فعلتموه، مخوف عليكم ضرره إن ضيّعتموه؛ إن قريشا شاركتكم في أنسابكم، وانفردتم دونها بأفعالكم، فقدمكم ما تقدّمتم له، إذ أخر غيركم ما تأخروا عنه؛ ولقد جهل «3» بي فحلمت ونقر «4» لي ففهمت حتى كأني أنظر إلى أبنائكم بعدكم
(5/362)

كنظري إلى آبائهم قبلهم؛ إن دولتكم ستطول، وكلّ طويل مملول؛ وكلّ مملول مخذول، فإذا كان ذلك كذلك، كان سببه اختلافكم فيما بينكم، واجتماع المخلفين عليكم، فيدبر الأمر بضدّ ما أقبل له، فلست أذكر جسيما يركب منكم ولا قبيحا ينتهك فيكم، إلا والذي أمسك عن ذكره أكثر وأعظم؛ ولا معوّل عليه عند ذلك أفضل من الصبر واحتساب الأجر، فيمادكم القوم دولتهم امتداد العنانين في عنق الجواد، حتى إذا بلغ الله بالأمر مداه، وجاء الوقت المبلول بريق النبي صلّى الله عليه وسلم، مع الخلقة المطبوعة على ملالة الشيء المحبوب، كانت الدولة كالإناء «1» المكفأ فعندها أوصيكم بتقوى الله الذي لم يتقه غيركم فيكم، فجعل العاقبة لكم، والعاقبة للمتقين.
قال عمرو بن عتبة: فدخلت عليه يوما آخر فقال: يا عمرو، أوعيت كلامي؟
قلت: وعيت. قال: أعد عليّ كلامي، فلقد كلمتكم وما أراني أمسي من يومكم ذلك.
شبيب وعبد الله:
قال شبيب بن شيبة الأهتمي حججت عام هلك هشام وولي الوليد بن يزيد، وذلك سنة خمس وعشرين ومائة، فبينما أنا مريح ناحية من المسجد، إذ طلع من بعض أبواب المسجد فتى أسمر رقيق السّمرة، موفر الّلمّة «2» ، خفيف الّلحية، رحب الجبهة، أقنى «3» بين القنا، أعين كأن عينيه لسانان ينطقان، يخلق أبّهة الأملاك بزي النساك، تقبله القلوب، وتنبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه والعتق في صورته، والّلب في مشيته؛ فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره، وسبقني فتحرّم بالطواف، فلما سبّع قصد المقام فركع، وأنا أرعاه ببصري، ثم نهض
(5/363)

منصرفا، فكأن عينا أصابته، فكبا «1» كبوة دميت لها أصبعه، فقعد لها القرفصاء، فدنوت منه متوجعا لما ناله، متصلا به، أمسح رجله من عفر التراب، فلا يمتنع علي، ثم شققت حاشية ثوبه فعصبت بها أصبعه وما ينكر ذلك ولا يدفعه، ثم نهض متوكئا عليّ، وانقدت له أماشيه، حتى إذا أتى دارا بأعلى مكة ابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب فدخل واجتذبني فدخلت بدخوله؛ ثم خلى يدي وأقبل على القبلة، فصلى ركعتين أوجز فيهما في تمام، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلّى الله عليه وسلم أتم صلاة وأطيبها، ثم قال: لم يخف عليّ مكانك منذ اليوم ولا فعلك بي؛ فمن تكون يرحمك الله؟ قلت: شبيب بن شيبة التميمي، قال: الأهتمي؟ قلت: نعم. قال: فرحّب وقرّب، ووصف قومي بأبين بيان وأفصح لسان، فقلت له: أنا أجلك- أصلحك الله- عن المسألة، وأحبّ المعرفة! فتبسم وقال: لطف أهل العراق! أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فقلت: بأبي أنت وأمي، ما اشبهك بنسبك وأدلّك على منصبك! ولقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك! قال: فاحمد الله يا أخا بني تميم فإنّا قوم إنما يسعد الله بحبّنا من أحبّه؛ ويشقي ببغضنا من أبغضه، ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ويحب رسوله؛ ومهما ضعفنا عن جزائه قوي الله على أدائه.
فقلت له: أنت توصف بالعلم وأنا من حملته، وأيام الموسم ضيقة، وشغل أهل مكة كثير، وفي نفسي أشياء أحبّ أن أسأل عنها؛ أفتأذن لي فيها جعلت فداك؟ قال:
نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسرّ موضعا، وللأمانة واعيا؛ فإن كنت كما رجوت فافعل. قال: فقدّمت من وثائق القول والأيمان ما سكن إليه، فتلا قول الله: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
«2» .
ثم قال: سل عما بدالك.
(5/364)

قلت: ما ترى فيمن على الموسم؟ وكان عليه يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي خال الوليد؛ فتنفس الصعداء وقال: عن الصلاة خلفه تسألني، أم كرهت أن يتأمّر على آل الله من ليس منهم؟ قلت: عن كلا الأمرين. قال: إن هذا عند الله لعظيم؛ فأما الصلاة ففرض لله تعبّد به خلقه، فأدّ ما فرض الله تعالى عليك في كل وقت مع كلّ أحد وعلى كل حال؛ فإن الذي ندبك لحجّ بيته وحضور جماعته وأعياده لم يخبرك في كتابه بأنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا، رحمة منه لك؛ ولو فعل ذلك بك ضاق الأمر عليك؛ فاسمح يسمح «1» لك.
قال: ثم كررت في السؤال عليه، فما احتجت أن أسأل عن أمر دين أحدا بعده.
ثم قلت: يزعم أهل العلم أنها ستكون لكم دولة. فقال: لا شك فيها، تطلع طلوع الشمس وتظهر ظهورها؛ فنسأل الله خيرها، ونعوذ بالله من شرّها؛ فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها. قلت: أو يتخلف عنها أحد من العرب وأنتم سادتها؟ قال:
نعم، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم، ونأبى إلا طلبا بحقنا، فننصر ويخذلون، كما نصر بأوّلنا أوّلهم، ويخذل بمخالفتنا من خالف منهم قال: فاسترجعت، فقال:
سهل عليك الأمر سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
«2» .
وليس ما يكون لهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم وحفظ أعقابهم وتجديد الصّنيعة عندهم. قلت: كيف تسلم لهم قلوبكم وقد قاتلوكم مع عدوّكم؟ قال: نحن قوم حبّب إلينا الوفاء وإن كان علينا؛ وبغّض إلينا الغدر وإن كان لنا، وإنما يشذّ عنا منهم الأقل؛ فأما أنصار دولتنا ونقباء شيعتنا وأمراء جيوشنا فهم مواليهم، وموالي القوم من أنفسهم؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا بالمحسن عن المسيء، ووهبنا للرجل قومه ومن اتصل بأسبابه؛ فتذهب النّائرة «3» ، وتخبو الفتنة، وتطمئن القلوب.
قلت، ويقال، إنه يبتلي بكم من أخلص لكم المحبة. قال: قد روى: إن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره «4» . قلت: لم أرد هذا. قال: فمه؟ قلت: تعقّون
(5/365)

الوليّ وتحظون العدوّ! قال: من يسعد بنا من الأولياء أكثر، ومن يسلم لنا من الأعداء أقلّ وأيسر؛ وإنما نحن بشر وأكثرنا أذن «1» ، ولا يعلم الغيب إلا الله، وربما استترت عنا الأمور فنقع بما لا نريد وإن لنا لإحسانا يأسو الله به ما نكلم، ويرمّ به ما نثلم، ونستغفر الله مما لا نعلم، وما أنكرت من أن يكون الأمر على ما بلغك، مع الوليّ التعزز والإدلال، والثقة والاسترسال؛ ومع العدو التحرّز والاحتيال، والتذلل والاغتيال، وربما أملّ المدل، وأخلّ المسترسل، وتجانب المتقرّب؛ ومع المقة «2» تكون الثقة؛ على أن العاقبة لنا على عدوّنا، وهي لولينا؛ وإنك لسئول يا أخا بني تميم. قلت: إني أخاف أن لا أراك بعد اليوم! قال: إني لأرجو أن أراك وتراني كما تحب عن قريب إن شاء الله تعالى! قلت: عجّل الله ذلك. قال: آمين. قلت: ووهب لي السلامة منكم فإني من محبيكم! قال: آمين. وتبسم وقال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاث. قلت: وما هي؟ قال: قدح في الدين، أو هتك للملك، أو تهمة في حرمة، ثم قال: احفظ عني ما أقول لك، أصدق وإن ضرّك الصّدق، وانصح وإن باعدك النّصح، ولا تجالس عدوّنا وإن أحظيناه، فإنه مخذول؛ ولا تخذل ولينا، فإنه منصور؛ واصبحنا بترك المماكرة، وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تسخف فيمقتوك، ولا تنقبض فيتحشموك، ولا تبدأ حتى يبدءوك، ولا تخطب الأعمال، ولا تتعرض للأموال؛ وأنا رائح من عشيّتي هذه؛ فهل من حاجة؟
فنهضت لوداعه فودعته، ثم قلت: أترقّب لظهور الأمر وقتا؟ قال: الله المقدّر الموقّت، فإذا قامت النّوحتان بالشام فهما آخر العلامات. قلت: وما هما؟ قال: موت هشام العام، وموت محمد بن علي مستهلّ ذي القعدة، وعليه أخلفت وما بلغتكم حتى أنضيت، قلت: فهل أوصى؟ قال: نعم، إلى ابنه إبراهيم.
قال: فلما خرجت إذا مولى له يتبعني، حتى عرف منزلي، ثم أتاني بكسوة من
(5/366)

كسوته، فقال: يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه. قال: وافترقنا.
قال: فو الله ما رأيته إلا وحرسيان «1» قابضان عليّ يدنياني منه في جماعة من قومي لأبايعه، فلما نظر إليّ اثبتني، فقال: خليا عمن صحّت مودته، وتقدّمت حرمته، وأخذت قبل اليوم بيعته. قال: فأكبر الناس ذلك من قوله، ووجدته على أول عهده لي؛ ثم قال لي: أين كنت عني في أيام أخي أبي العباس؟ فذهبت أعتذر، قال:
أمسك؛ فإن لكل شيء وقتا لا يعدوه، ولن يفوتك إن شاء الله حظّ مودتك وحق مسابقتك، فاختر بين رزق يسعك، أو عمل يرفعك. قلت: أنا حافظ لوصيتك! قال: وأنا لها أحفظ، إنما نهيتك أن تخطب الأعمال ولم أنهك عن قبولها. قلت: الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحبّ إليّ. قال: ذلك لك وهو أجمّ «2» لقلبك وأودع لك، وأعفى إن شاء الله. ثم قال: هل زدت في عيالك بعدي شيئا؟ وكان قد سألني عنهم، فذكرتهم له فعجبت من حفظه.
قلت: الفرس والخادم.
قال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، وفرسك بخيلنا، ولو وسعني لحملت إليك من بيت المال، وقد ضممتك إلى المهدي، وأنا أوصيه بك، فإنه أفرغ لك مني.
الأحوص وأيمن وابن حزم مع الوليد:
قال الأحوص بن محمد الشاعر الأنصاري، من بني عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الذي حمت لحمه الدّبر «3» ، يشبّب بامرأة يقال لها أمّ جعفر، فقال فيها:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور
(5/367)

وكان لأمّ جعفر أخ يقال له أيمن، فاستعدى عليه ابن حزم الأنصاري وهو والي المدينة للوليد بن عبد الملك- وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم- فبعث ابن حزم إلى الأحوص فأتاه، وكان ابن حزم يبغضه؛ فقال: ما تقول فيما يقول هذا؟
قال: وما يقول؟ قال: يزعم أنك تشبّب بأخته وقد فضحته وشهرت أخته بالشعر.
فأنكر ذلك، فقال لهما: قد اشتبه عليّ أمركما، ولكني أدفع إلى كل واحد منكما سوطا، ثم اجتلدا! وكان الأحوص قصيرا نحيفا؛ وكان أيمن طويلا ضخما جلدا، فغلب أيمن الأحوص فضربه حتى صرعه «1» وأثخنه؛ فقال أيمن:
لقد منع المعروف من أمّ جعفر ... أشمّ طويل الساعدين غيور
علاك بمتن السّوط حتى اتّقيته ... بأصفر من ماء الصّفاق يفور «2»
قال: فلما رأى الأحوص تحامل ابن حزم عليه، امتدح الوليد ثم شخص إليه إلى الشام، فدخل عليه فأنشده:
لا ترثينّ لحزميّ رأيت به ... ضرّا، ولو ألقي الحزميّ في النار
الناخسين لمروان بذي خشب ... المدخلين على عثمان في الدار «3»
قال له: صدقت والله، لقد كنا غفلنا عن حزم وآل حزم. ثم دعا كاتبه فقال:
اكتب عهد عثمان بن حيان المرّي على المدينة، واعزل ابن حزم، واكتب بقبض أموال حزم وآل حزم وإسقاطهم أجمعين من الديوان، ولا يأخذوا لأموي عطاء أبدا.
ففعل ذلك، فلم يزالوا في الحرمان للعطاء مع ذهاب الأموال والضياع، حتى انقضت دولة بني أمية وجاءت دولة بن العباس؛ فلما قام أبو جعفر المنصور بأمر الدولة، قدم عليه أهل المدينة، فجلس لهم، فأمر حاجبه أن يتقدم إلى كلّ رجل منهم أن ينتسب له إذا قام بين يديه؛ فلم يزالوا على ذلك يفعلون، حتى دخل عليه رجل قصير قبيح
(5/368)

الوجه، فلما مثل بين يديه قال له: يا أمير المؤمنين، أنا ابن حزم الأنصاري الذي يقول فينا الأحوص:
لا ترثين لحزميّ رأيت به ... ضرا ولو ألقي الحزميّ في النار
الناخسين لمروان بذي خشب ... والمدخلين على عثمان في الدار
ثم قال: يا أمير المؤمنين، حرمنا العطاء منذ سنين، قبضت أموالنا وضياعنا فقال له المنصور: أعد عليّ البيتين. فأعادهما عليه، فقال: أما والله لئن كان ذلك ضرّكم في ذلك الحين لينفعنّكم اليوم! ثم قال: عليّ بسليمان الكاتب. فأتاه أبو أيوب الخوزي، فقال: اكتب إلى عامل المدينة أن يردّ جميع ما اقتطعه بنو أمية من ضياع بني حزم وأموالهم، ويحسب لهم ما فاتهم من عطائهم، وما استغلّ من غلاتهم من يومئذ إلى اليوم؛ فيخلف لهم جميع ذلك من ضياع بني مروان، ويفرض لكل واحد منهم في شرف العطاء- وكان شرف العطاء يومئذ مائتي ألف دينار في السنة- ثم قال: عليّ الساعة بعشرة آلاف درهم تدفع إلى هذا الفتى لنفقته.
فخرج الفتى من عنده بما لم يخرج به أحد ممن دخل عليه.
ذكر خلفاء بني العباس وصفاتهم ووزرائهم وحجابهم
أبو العباس السفاح
ولد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب مستهلّ رجب سنة أربع ومائة.
وبويع له بالكوفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وتوفي بالأنبار لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، فكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر.
(5/369)

وأمه ريطة بنت عبد الله بن عبد الله بن عبد المدان، وكان أبيض طويلا أقنى «1» الأنف حسن الوجه حسن اللحية جعدها.
نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن.
وصلى عليه عمّه عيسى بن علي، ورزق من الولد اثنين: محمد، من أم ولد، ومات صغيرا؛ وابنة سماها ريطة، من أم ولد، تزوجها المهدي وأولدها عليا وعبيد الله.
ووزر له أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال؛ وهو أول من لقب بالوزارة، فقتله أبو العباس واستوزر بعده بن برمك إلى آخر أيامه، وكان حاجبه أبو غسان صالح ابن الهيثم، وقاضيه يحيى بن سعيد الأنصاري.
المنصور
وبويع أبو جعفر المنصور. واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، في اليوم الذي توفي فيه أخوه، لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة.
وكان مولده بالشّراة «2» لسبع خلون من ذي الحجة سنة خمس وتسعين؛ وتوفي بمكة قبل التّروية «3» بيوم، لسبع خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وهو محرم، ودفن بالحجون «4» ، وصلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس؛ وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا ثمانية أيام وكانت سنة ثلاثا وستين سنة.
وأمّه أمة اسمها سلامة، وجنسها بربرية؛ وكان أسمر طوالا نحيف الجسم خفيف العارضين يخضب بالسواد، ونقش خاتمه: «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» .
(5/370)

وتزوج أروى بنت منصور الحميرية، وولدت له: محمدا وهو المهدي، وجعفرا وكانت شرطت عليه ألا يتزوج ولا يتسرّى «1» إلا عن أمرها، وكان قد ابتاع جاريته أم علي وجعلها قيّما في داره على أم موسى وأولادها، فحظيت عند أم موسى وسألته التسرّي بها لما رأت من فضلها، فواقعها فأولدها عليا، وتوفي قبل استكمال سنة؛ ثم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله، فولدت له سليمان وعيسى ويعقوب، ورزق من أمهات الأولاد: صالحا والعالية وجعفرا والقاسم والعباس وعبد العزيز.
ووزر له ابن عطية الباهلي، ثم أبو أيوب المورياني، ثم الربيع مولاه؛ وكان حاجبه عيسى بن روضة مولاه، ثم أبو الحصيب مولاه؛ وكان قاضيه عبد الله بن محمد بن صفوان، ثم شريك بن عبد الله، والحسن بن عمار، والحجاج بن أرطأة.
المهدي
ثم بويع ابنه أبو عبد الله محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، صبيحة اليوم الذي توفي فيه أبوه، لستّ خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة.
وكان مولده بالجميمة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادي الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. وتوفي بماسبذان في المحرّم سنة تسع وستين ومائة، وصلى عليه ابنه الرشيد.
فكانت خلافته عشر سنين وخمسة وأربعين يوما، وكان سنه إحدى وأربعين سنة وثمانية أشهر ويومين.
وكان أسمر طويلا معتدل الخلق جعد الشعر بعينه اليمنى نكتة «2» بياض، نقش خاتمه: «الله ثقة محمد وبه يؤمن» .
(5/371)

وتزوّج ريطة بنت السفاح وأولدها عليا وعبيد الله. وأوّل جارية ابتاعها محياة، فرزق منها ولدا مات قبل استكمال سنة، وكان يبتاع الجواري باسمها وتقربهنّ إليه، وأول من حظي منهنّ عنده رحيم ولدت له العباسة ثم الخيزران فولدت له موسى وهارون والبانوقة، ثم حللة وحسنة، فكانتا مغنيتين محسنتين؛ وتزوج سنة تسع وخمسين ومائة أمّ عبد الله بنت صالح بن علي، أخت الفضل وعبد الله؛ وأعتق الخيزران في السنة وتزوجها.
ووزر له أبو عبد الله معاوية بن عبد الله الأشعري، ثم يعقوب بن داود السلمي، ثم الفيض بن أبي صالح.
واستحجب سلامان الأبرش، واستخلف على القضاء محمد بن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد؛ كانا يقضيان معا في مسجد الرصافة.
الهادي
ثم بويع ابنه أبو محمد موسى الهادي بن المهدي؛ مستهلّ صفر سنة تسع وستين ومائة.
وتوفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة بعيساباذ «1» ؛ وصلى عليه أخوه الرشيد.
وكانت خلافته سنة وشهرين إلا أياما، وكانت سنة ستا وعشرين سنة.
وكان أبيض طويلا جسيما، بشفته العليا تقلّص. نقش خاتمه: «الله ربي» .
وتزوج أمة العزيز فأولدها عيسى، ثم رحيم، فأولدها جعفرا، ثم سعوف فأولدها العباس، واشترى جاريته حسنة بألف درهم- وكانت شاعرة- فرزق منها عدّة بنات، منهم أم عيسى، تزوجها المأمون، وكان له من أمهات الأولاد: عبد الله، وإسحاق وموسى وكان أعمى.
(5/372)

ووزر له الربيع بن يونس، ثم عمر بن بزيع؛ واستحجب الفضل بن الربيع. وولى القضاء: أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم، في الجانب الغربي، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، بالجانب الشرقي.
هارون الرشيد
ثم بويع أخوه أبو محمد هارون الرشيد في اليوم الذي توفي فيه أخوه، يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة. وفي هذه الليلة ولد عبد الله المأمون، ولم يكن في سائر الزمان ليلة ولد فيها خليفة وتوفي فيها خليفة وقام فيها خليفة غيرها.
وكان مولد الرشيد في المحرّم سنة ثمان وأربعين ومائة.
وتوفي في جمادي الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، ودفن بطوس «1» . وصلى عليه ابنه صالح.
فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وستة عشر يوما، وكانت سنه ستا وأربعين سنة وخمسة أشهر؛ ولما أفضت إليه الخلافة سلم عليه عمه سليمان بن المنصور، والعباس بن محمد عم أبيه، وعبد الصمد بن علي عم جدّه؛ فعبد الصمد عم العباس، والعباس عم سليمان، وسليمان عم هارون.
وكان الرشيد أبيض جسيما طويلا جميلا، وقد وخطه الشيب، نقش خاتمه: لا إله إلا الله. وخاتم آخر: كن من الله على حذر.
وتزوج زبيدة، واسمها أمة العزيز، وتكنى أمّ الواحد، وزبيدة لقب لها؛ وهي ابنة جعفر بن المنصور، أولدها محمدا الأمين؛ ثم مراجل، فأولدها عبد الله المأمون؛ وماردة، أولدها محمدا المعتصم؛ ونادر ولدت له صالحا؛ وشجا؛ ولدت له خديجة
(5/373)

ولبابة؛ وسريرة، ولدت محمدا، وبربرية، ولدت له أبا عيسى ثم القاسم، وهو المؤتمن، وسكينة؛ وحث، فولدت له إسحاق وأبا العباس.
ووزر له جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي وقتله، ثم الفضل بن الربيع؛ واستحجب بشر بن ميمون مولاه، ثم محمد بن خالد بن برمك؛ واستخلف على قضاء الجانب الغربي نوح بن دراج، وحفص بن غياث.
الأمين
ثم بويع أبو عبد الله محمد الامين في جمادي الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة.
وقتل يوم الأحد لخمس بقين من المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة.
وكان مولده بالرصافة سنة احدى وسبعين ومائة في شوّال؛ فكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأياما، ضفا له الامر من جملتها سنتين وشهرا، وكانت الفتنة بينه وبين أخيه سنتين.
وكان طويلا جسيما جميلا حسن الوجه بعيد ما بين المنكبين اشقر سبطا صغير العينين، به أثر جدري، نقش خاتمة: «محمد واثق بالله» .
ورزق من الولد موسى من أمّ ولد تدعى نظم. ولقبه: الناطق بالحق؛ وضرب اسمه على الدراهم.
وذكر الصولي قال: حدثني من قرأ على درهم:
كلّ عز ومفخر ... فلموسى المظفّر
ملك خطّ ذكره ... في الكتاب المسطّر
وماتت نظم فاشتدّ جزعه عليها، فدخلت زبيدة معزية له، فقالت:
نفسي فداؤك لا يذهب بك التلف ... ففي بقائك ممّن قد مضى خلف
عوّضت موسى فكانت كلّ مرزئة ... ما بعد موسى على مفقودة أسف
(5/374)

وبايع لابنه موسى في حياته، ولاخيه عبد الله، وأمّه أمّ ولد، ونقش اسمه أيضا على الدراهم.
وكان لجعفر بن موسى الهادي جارية اسمها بذل، فطلبها الامين منه فأبى عليه، وكان شديد الوجد بها؛ فزاره الامين يوما، فسر به وزاد عليه في الشرب حتى ثمل، فانصرف واخذ الجارية، فلما اصبح جعفر ندم على ما جرى ولم يدر ما يصنع فدخل على الامين، فلما مثل بين يديه، قال له: احسنت والله يا جعفر بدفعك بذل إلينا وما احسنّا. وأقر رزقه على عشرين الف الف درهم.
ووزر للامين الفضل بن الربيع إلى اخر ايامه، وكان حاجبه العباس بن الفضل بن الربيع، ثم علي بن صالح صاحب المصلى، ثم السندي بن شاهك.
المأمون
ثم بويع أبو العباس عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بعد قتل أخيه، يوم الخميس لخمس خلون من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان مولده بالياسرية «1» في ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول سنة سبعين ومائة.
وتوفي بالبذندون «2» سنة ثماني عشرة ومائتين لثمان خلون من رجب، ودفن بطرسوس «3» ؛ فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة اشهر وثلاثة عشر يوما، وكان سنه ثمانيا وأربعين سنة وأربعة اشهر إلا أياما.
وكان أبيض تعلوه شقرة، أجنأ «4» أعين، طويل اللحية رقيقها، ضيق الجبين، بخده خال أسود، وكان قد وخطه «5» الشيب. نقش خاتمة. «سل الله يعطك» .
(5/375)

وكان الرشيد حدّ المأمون. وذلك أنه دخل على الرشيد وعنده مغنية تغنيه، فلحنت، فكسر المأمون عينه عند استماعه اللحن، فتغير لون الجارية، وفطن الرشيد لذلك، فقال: اعلمتها بما صنعت؟ قال: لا والله يا مولاي! قال: ولا أو مأت إليها؟
قال: قد كان ذلك، فقال: كن مني بمرأى ومسمع، فإذا خرج إليك امري فانته اليه.
ثم اخذ دواة وقرطاسا وكتب إليه:
يا آخذ اللحن على آل ... قينة عند الطرب
تريد أن تفهمها ... حدّ لغات العرب
أقسم بالله وما ... سطر أهل الكتب
للكلب خير أدبا ... من بعض أهل الادب
إذا قرأت ما كتبت به اليك، فأمر من يضربك عشرين مقرعة «1» جيادا! فدعا المأمون النوابين ثم امرهم ببطحه وضربه، فامتنعوا، فأقسم عليهم؛ فامتثلوا أمره.
ورزق من الولد محمدا الأصغر، وعبيد الله بن أم عيسى بنت موسى الهادي وتزوج بوران بنت الحسن بن سهل، بنى بها سنة عشر ومائتين، ووهب لابيها عشرة آلاف درهم، ولولده الف الف درهم؛ وكان له عدة اولاد من بنين وبنات ووزر له الفضل بن سهل ذو الرياستين ثم الحسن بن سهل، ثم احمد بن ابي خالد الاحول، ثم احمد بن يوسف، ثم ثابت بن يحيى، ثم محمد بن يزداد، واستحجب عبد الحميد بن شبيب، ثم محمدا وعليا ابني صالح مولى المنصور.
المعتصم بالله
ثم بويع اخوه ابو اسحق المعتصم بن الرشيد يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان مولده في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين ومائة.
(5/376)

وتوفي بسرّ من رأى يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول سنة سبع وعشرين ومائتين، وصلى عليه ابنه هارون الواثق.
وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر؛ وأمه وأمّ ولد يقال لها ماردة.
وكان ابيض اصهب اللحية طويلها مربوعها مشرب اللون حمرة؛ نقش خاتمة:
«الله ثقة ابي اسحاق بن الرشيد وبه يؤمن» ؛ وكان شديد البأس، حمل بابا من حديد فيه سبعمائة وخمسون رطلا وفوقه عكام «1» فيه مائتان وخمسون رطلا، وخطا خطا كثيرة؛ وكان يسمى ما بين أصبعي المعتصم: المقطرة «2» ، لشدته؛ وانه اعتمد يوما على غلام فدقه، وذكر الصولي أنه كان يسمى المثمّن، وذلك أنه الثامن من خلفائهم.
ومولده سنة ثمان وسبعين ومائة، وولي الامر في سنة ثمان عشرة ومائتين.
ومات وله ثمان وأربعون سنة، وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية اشهر؛ ورزق من الولد الذكور ثمانية، ومن الإناث ثمانيا؛ وغزا ثمان غزوات وخلف في بيت ماله ثمانية آلاف دينار، ومن الورق ثمانية آلاف درهم.
ووزر له الفضل بن مروان، ثم أحمد بن عمار، ثم محمد بن عبد الملك الزيات، واستحجب وصيفا مولاه، ثم محمد بن حماد بن دنفش.
الواثق
ثم بويع ابنه أبو جعفر هارون الواثق، صبيحة اليوم الذي توفي فيه ابوه يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الاول سنة سبع وعشرين ومائتين.
وكان مولده يوم الاثنين لعشرة بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة وتوفي بسرّ من رأى يوم الأربعاء لستّ بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين
(5/377)

ومائتين، وصلى عليه اخوه المتوكل، فكانت خلافته خمس سنين وتسعة اشهر وثلاثة عشر يوما وكانت سنّه ستا وثلاثين سنة وأربعة اشهر وأياما.
وكان ابيض الى الصفرة، حسن الوجه جسيما، في عينه اليمنى نكتة «1» بياض.
نقش خاتمة: «محمد رسول الله» . وخاتم اخر: «الواثق بالله» .
ورزق من الولد محمد المهتدي، وأمه وأم ولد يقال لها قرب؛ وعبد الله، وأبا العباس أحمد، وأبا اسحق محمدا، وابا اسحق ابراهيم.
ووزر له محمد بن عبد الملك الزيات، وحاجبه اتاح، ثم وصيف مولاه، ثم ابن دنفش؛ وقاضيه ابن أبي داود.
المتوكل
ثم بويع اخوه ابو الفضل جعفر المتوكل يوم الاربعاء لست بقين من ذي الحجة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وكان مولده يوم الاربعاء لاحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ست ومائتين.
وقتل ليلة الاربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، ودفن في القصر الجعفري، وصلى عليه ابنه المنتصر ولي عهده؛ فكانت مدة خلافته اربع عشرة سنة وتسعة اشهر وتسعة ايام؛ وكان سنه أربعين سنة الا ثمانية ايام.
وكان أسمر كبير العينين نحيف الجسم خفيف العارضين. نقش خاتمه: «على إلهي اتكالي» . وكان كثير الولد.
وزر له محمد بن عبد الملك الزيات، ثم محمد بن الفضل الجرجاني، ثم عبيد الله بن يحيى بن خاقان، واستحجب وصيفا التركي، ثم محمد بن عاصم، ثم ابراهيم بن سهل؛ وكان خليفته على القضاء يحيى بن أكثم
(5/378)

المنتصر
ثم بويع ابنه أبو جعفر محمد المنتصر لاربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
وكان مولده يوم الخميس لست خلون من شهر ربيع الاخر سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
ومات ليلة السبت لثلاث خلون من ربيع الاخر سنة. ثمان وأربعين ومائتين.
فكانت خلافته ستة أشهر، وسنه ستة وعشرين سنة إلا ثلاثة أيام.
وكان قصيرا اسمر ضخم الهامة «1» عظيم البطن جسيما، على عينه اليمنى أثر.
نقش خاتمه: «يؤتى الحذر من مأمنه» ، وعلى خاتم آخر: «أنا من آل محمد، الله وليّ ومحمد» .
ورزق من الولد عليا وعبد الوهاب وعبد الله واحمد.
ووزر له احمد بن الخصيب، وحاجبه وصيف، ثم بغا، ثم ابن المرزبان، ثم أوتامش.
المستعين
ثم بويع المستعين أبو العباس احمد بن محمد المعتصم، يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين.
وخلع نفسه- بموافقة المعتز بوساطة أبي جعفر المعروف بابن الكردية- يوم الجمعة لاربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين. وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة اشهر.
(5/379)

وكان مولده يوم الثلاثاء لأربع خلون من رجب سنة احدى وعشرين ومائتين.
وقتل بالقادسية بعد خلعه نفسه بتسعة اشهر، وأمه أم ولد يقال لها مخارق.
وكان مربوعا، احمر الوجه، أشقر، مسمنا «1» ، عريض المنكبين، ضخم الكراديس «2» ، خفيف العارضين، بوجهه أثر جدري، ألثغ بالسين، نقش خاتمه: «في الاعتبار غنى عن الاخبار» .
وزر له احمد بن الخصيب فنكبه، وقلد مكانه ابن يزداد، ثم شجاع بن القاسم كاتب أتامش، وأتامش هذا حاجبه، وكانت سنه احدى وثلاثين سنة الا ثمانية ايام.
المعتز
ثم ولى أبو عبد الله بن المتوكل، يوم الجمعة لاربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكانت الفتنة قبل ذلك بينه وبين المستعين سنة.
وقتل عشية يوم الجمعة لليلة خلت من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.
وكان مولده يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الاخر سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وكانت خلافته منذ بويع له، واجتمعت الكلمة عليه ثلاث سنين وستة اشهر وثلاثة وعشرين يوما، ومنذ بايعه أهل سرّ من رأى إلى ان قتل، اربع سنين وستة أشهر وخمسة عشر يوما، وقتله صالح بن وصيف.
وكان أبيض شديد البياض، ربعة «3» ، حسن الجسم، على خده الايسر خال اسود الشعر. نقش خاتمه: «الحمد لله رب كل شيء وخالق كل شيء» .
(5/380)

وزر لهع جعفر بن محمود الإسكافي، ثم عيسى بن فرخان شاه، ثم احمد بن اسرائيل الانباري.
وحاجبه سماء بن صالح بن وصيف. وكان سنه أربعا وعشرين سنة وشهرين وأياما.
المهتدي
ثم بويع المهتدي أبو عبد الله محمد بن الواثق بسرّ من رأى، يوم الاربعاء لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين.
كان مولده يوم الاحد لخمس خلون من شهر ربيع الاول سنة تسع عشرة ومائتين. وقتل بسرّ من رأى بسهم لحقه يوم الثلاثاء لأربعة عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين؛ فكانت خلافته احد عشر شهرا واربعة عشر يوما.
وكانت سنه سبعا وثلاثين سنة وأربعة اشهر وأحد عشر يوما.
وكان أبيض مشربا حمرة، صغير العينين، أقنى الانف، في عارضيه شيب؛ وخضب لما ولي الخلافة. نقش خاتمه: «من تعدّى الحق ضاق مذهبه» .
وزر له ابو ايوب سليمان بن وهب. وحاجبه باك باك.
المعتمد
ثم بويع أبو العباس احمد المعتمد بن المتوكل، يوم الثلاثاء لاربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين.
وكان مولده يوم الثلاثاء لثمان بقين من المحرم سنة تسع وعشرين ومائتين.
وتوفي ببغداد لاربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين؛
(5/381)

فكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة؛ وكان سنه خمسين وخمسة اشهر واثنين وعشرين يوما.
ومات أخوه ووليّ عهده طلحة الموفق في أيامه، في صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين؛ وكان قد غلب على الامر لميل الناس اليه، وكان المعتمد قد عقد لولده جعفر- ولقبه المفوّض- وبعده لابي احمد طلحة الموفق، فاشتد امر الموفق وقتل صاحب الزنج في سنة سبعين ومائتين ومال الناس اليه واسمه الناصر لدين الله وكان يدعي له على المنبر في ايام المعتمد.
وكان الموفق حبس ابنه أبا العباس المعتضد، فلما حضرته الوفاة أطلقه للقيام بالأمر، وأجرى المعتمد امره على ما كان يجري عليه امر ابيه الموفق، وأفرده بولاية العهد، وامر بكتب الكتب لخلع ابنه المفوّض، وأفرد المعتضد بالعهد وجعله الخليفة بعده.
وكان المعتمد اسمر مربوعا نحيف الجسم حسن العينين مدوّر الوجه، على وجهه أثر جدري. نقش خاتمه: «السعيد من كفي بغيره» .
ووزر له عبيد الله بن يحيى بن خاقان، ثم سليمان بن وهب، ثم الحسن بن مخلد، ثم صاعد بن مخلد، ثم أبو الصقر اسماعيل بن بلبل.
حاجبه موسى بن بغا، ثم جعفر بن بغا، ثم بكتمر
المعتضد
بويع المعتضد ابو العباس احمد بن الموفق في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين.
وكان مولده في جمادي الآخرة سنة ثلاث واربعين ومائتين، وتوفي ببغداد ليلة الثلاث لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وصلى عليه ابو عمر القاضي.
(5/382)

فكانت خلافته تسع سنين وتسعة اشهر وأربعة ايام؛ وكان سنه خمسا وأربعين سنة وتسعة أشهر وأياما.
وأمه ضرار، وكان نحيف الجسم معتدل القامة طويل اللحية اسمر. نقش خاتمه:
«الاضطرار يزيل الاختيار» .
ووزر له عبيد الله بن سليمان بن وهب؛ ثم ابنه القاسم بن عبيد الله.
وحاجبه صالح الأمين
المكتفي
ثم بويع ابنه أبو محمد علي بن المعتضد يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين.
وكان مولده في رجب سنة أربع وستين ومائتين.
وتوفي ببغداد فدفن عند قبر ابيه ليلة الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين.
وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وعشرين يوما؛ وكان سنه احدى وثلاثين سنة وأربعة اشهر وأياما.
وأمه جيجق، وقيل خاضع.
وكان ربعة حسن الوجه أسود الشعر وافر اللحية عريضها، ولم يشب إلى ان مات.
نقش خاتمه: «بالله علي بن أحمد يثق» .
وخلّف في بيت ماله [من الذهب] ستة عشر ألف ألف دينار، ومن الورق ثلاثين ألف ألف درهم.
(5/383)

ووزر له القاسم بن عبيد الله، ثم العباس بن الحسن، ثم الحسن بن أيوب.
وحاجبه خفيف السّمرقندي، ثم سوسن مولاه.
المقتدر
ثم بويع المقتدر وهو أبو الفضل جعفر بن المعتضد في اليوم الذي توفي فيه أخوه يوم الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين وخلع في خلافته دفعتين: الاولى بعد جلوسه بأربعة أشهر وأيام، بابن المعتز، وبطل الامر من يومه؛ والدفعة الثانية بعد احدى وعشرين سنة وشهرين ويومين من خلافته، وخلع نفسه وأشهد عليه، وأجلس القاهر يومين وبعض اليوم الثالث، ووقع الخلف بين العسكرين وعاد المقتدر إلى حاله.
وكان مولده لثمان بقين من شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
وقتل بالشماسية «1» يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة.
فكانت خلافته خمسا وعشرين سنة الا خمسة عشر يوما، وكانت سنة ثمانيا وثلاثين سنة وشهرا وعشرين يوما.
وكان أبيض مشربا بحمرة، حسن الخلق، ضخم الجسم، بعيد ما بين المنكبين جعد الشعر، مدوّر الوجه، قد كثر الشيب في وجهه.
نقش خاتمه: «الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو على كل شيء قدير» .
ووزر له العباس بن الحسن، ثم علي بن محمد بن موسى بن الفرات، ثم عبيد الله بن خاقان، ثم ابو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح، ثم حامد بن العباس، ثم احمد بن عبيد الله الخصيبي، ثم محمد بن علي بن مقلة، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد بن الجراح، ثم عبيد الله بن محمد الكلوذاني، ثم الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن
(5/384)

وهب، ثم الفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات.
واستحجب سوسنا، مولى المكتفي، ونصرا القشوري، وياقوتا المعتضدي، وإبراهيم ومحمدا، ابني رائق.
القاهر
ثم بويع اخوه ابو منصور محمد القاهر بن المعتضد يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة.
وخلع وسمل «1» يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادي الاولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
وكان مولده لخمس خلون من جمادي الاولى سنة سبع وثمانين ومائتين.
وكانت خلافته سنة وستة أشهر وستة ايام وعاش الى ايام المطيع، وكانت سنة.
............ «2»
وكان ربعة أسمر اللون، معتدل القامة، اصهب «3» الشعر.
ووزر له أبو علي محمد بن مقلة، ثم محمد بن القاسم بن عبيد الله، بن أحمد بن عبيد الله الخصيبي.
واستحجب علي بن يلبق مولى يونس، ثم سلامة الطولوني.
الراضي
ثم بويع الراضي ابو العباس احمد بن المقتدر يوم الاربعاء لست خلون من جمادي الاولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
(5/385)

وكان مولده في رجب سنة سبع وتسعين ومائتين.
ومات في بغداد ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الاول من سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ودفن بالرّصافة.
وكانت خلافته ست سنين وثمانية أشهر وعشرة ايام، وكانت سنة احدى وثلاثين سنة وثمانية أشهر وأياما.
وأمه أم ولد يقال لها ظلوم؛ وكان قصير القامة نحيف الجسم اسود الشعر رقيق السمرة في وجهه طول.
نقش خاتمه: «محمد رسول الله» .
ووزر له ابو علي محمد بن مقلة، ثم ابنه ابو الحسين علي بن محمد، ثم عبد الرحمن ابن عيسى بن داود بن الجراح، ثم محمد بن القاسم الكرخي، ثم سليمان بن الحسن بن محمد بن الجراح، ثم الفضل بن جعفر بن الفرات، ثم ابو عبيد الله احمد بن محمد اليزيديّ.
استحجب محمد بن ياقوت؛ ثم دكيا مولاه.
المتقي
ثم بويع اخوه المتقي ابو اسحاق ابراهيم بن المقتدر، يوم الاربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الاول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
وخلع وسمل يوم السبت لثمان خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
وكان مولده في شعبان سنة سبع وتسعين ومائتين.
وكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرا إلا أياما
(5/386)

وكان ابيض تعلوه حمرة، اصهب شعر اللحية، كث اللحية، بفكه الادنى عوج نقش خاتمه: «محمد رسول الله» .
ووزر له احمد بن محمد بن ميمون، ثم اليزيدي، ثم سليمان بن الحسن بن مخلد، ثم ابو اسحاق محمد بن احمد القراريطي. ثم محمد بن القاسم الكرخي، ثم احمد بن عبد الله الاصبهاني، ثم علي بن محمد بن مقلة.
واستحجب سلامة مولي خمارويه بن أحمد الطولونيّ، ثم بدرا الخرشني، ثم عبد الرحمن بن أحمد بن خاقان المفلحي.
المستكفي
ثم بويع أبو القاسم عبد الله بن المستكفي في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بالسندية «1» عقيب كسوف القمر.
وخلع في شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فكانت خلافته سنة واحدة وستة اشهر واياما.
كان مولده مستهل سنتة اثنتين وتسعين ومائتين. وتوفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
وكانت سنه سبعا وأربعين سنة، وأمّه أم ولد يقال لها غصن، وكان أبيض تعلوه حمرة، ضخم الجسم، تام الطول، خفيف العارضين كبير العينين؛ أشهل «2» ، جهوري الصوت. نقش خاتمه «محمد رسول الله» .
وزر له محمد بن علي السر من رائيّ. واستكتب بعده أبا أحمد الفضل بن عبد الله الشيرازي. واستحجب أحمد بن حاقان.
(5/387)

المطيع
ثم بويع المطيع ابو القاسم الفضل بن المقتدر لسبع بقين من شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
وخلع نفسه ببغداد لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وكان مولده في النصف من ذي القعدة سنة احدى وثلاثمائة وتوفي في ... «1»
فكانت خلافته تسعا وعشرين سنة وثلاثة اشهر وعشرين يوما.
وأمه أم ولد تدعى مشعلة. وكان سنه.... «2» .
وكان شديد البياض أسود شعر الرأس واللحية.
وزر له على بن محمد بن مقلة، والناظر في الامور ابو جعفر الضيمري كاتب احمد بن بويه، ثم استولى على اسم الوزارة؛ وكتب للمطيع الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي، ومات، وقام مقامه ابو محمد الحسن بن محمد المهلبي.
وحاجبه عز الدولة بختيار بن معز الدولة.
تم الجزء الخامس من العقد الفريد لابن عبد ربه ويليه- إن شاء الله- الجزء السادس وأوله: كتاب الدرة الثانية، في ايام العرب ووقائعها
(5/388)