Advertisement

العقد الفريد 007

الجزء السابع
كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه
لابن عبد ربه قال أبو عمر احمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في أعاريض الشعر وعلل القوافي، وفسرنا جميع ذلك بالمنظوم والمنثور.
ونحن قائلون بعون الله وإذنه في علم الالحان واختلاف الناس فيه، ومن كرهه، ولأي وجه كره؛ ومن استحسنه، ولاي وجه استحسن؛ وكرهنا ان يكون كتابنا هذا بعد اشتماله على فنون الآداب والحكم والنوادر والامثال، عطلا من هذه الصناعة، التي هي مراد السمع، ومرتع النفس وربيع القلب، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد، وزاد الراكب؛ لعظم موقع الصوت الحسن من القلب، وأخذه بمجامع النفس..
ابن مسلم وابن دأب قال ابو سعيد بن مسلم: قلت لابن دأب: قد أخذت من كل شيء بطرف غير شيء واحد، فلا أدري ما صنعت فيه. فقال: لعلك تريد الغناء؟ قلت: أجل. قال:
أما إنك لو شهدتني وأنا أترنم بشعر كثيّر عزة حيث يقول:
وما مرّ من يوم عليّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلّت
لاسترخت تكّتك «1» ! قال: قلت: أتقول لي هذا! قال: اي والله: وللمهدي أمير المؤمنين كنت أقوله.
(7/3)

فصل في الصوت الحسن
للمفسرين
قال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
«1» : هو الصوت الحسن.
للنبي صلّى الله عليه وسلم
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لابي موسى الاشعري لما أعجبه حسن صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود.
لأهل الطب
وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يسري في الجسم، ويجري في العروق، فيصفو له الدم، ويرتاح له القلب، وتنمو له النفس، وتهتز الجوارح، وتخف الحركات؛ ومن ذلك كرهوا للطفل أن ينوّم على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب.
ليلى الاخيلية والحجاج
وقالت ليلى الاخيلية للحجاج حين سألها عن ولدها وأعجبه ما رأى من شبابه:
إني والله ما حملته سهوا، ولا وضعته يتنا، ولا أرضعته غيلا، ولا أنمته تئقا. تعني لم أنوّمه مستوحشا باكيا؛ وقولها: ما حملته سهوا، تعني في بقايا الحيض؛ ويقال: حملت المرأة وضعا وتضعا، إذ حملت في استقبال الحيض؛ وقولها: ولا وضعته يتنا، تعني منكسا؛ وقولها: ولا أرضعته غيلا، تعني لبنا فاسدا.
(7/4)

للفلاسفة
وزعمت الفلاسفة أن النغم فضلّ بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالالحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس وحنّ إليه الروح؛ ولذلك قال أفلاطون: لا ينبغي ان تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا؛ ألا ترى ان اهل الصناعات كلّها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم، ترنّموا بالالحان، فاستراحت لها أنفسهم.
وليس من احد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه؛ ولو لم يكن من فضل الصوت إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل أو ملبس أو مشرب أو نكاح أو صيد، إلا وفيه معاناة على البدن، وتعب على الجوارح. غيره، لكفى.
وقد يتوصل بالالحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة؛ ذلك أنها تبعث على مكارم الاخلاق، من اصطناع المعروف، وصلة الرحم، والذبّ عن الاعراض، والتجاوز عن الذنوب؛ وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويرق القلب من قسوته، ويتذكر نعيم الملكوت ويمثله في ضميره.
وكان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه يتذكر به نعيم الآخرة!.
لابن أبي داود
وقال أحمد بن أبي داود إن كنت لاسمع الغناء من مخارق عند المعتصم، فيقع علي البكاء!.
حتى إن البهائم لتحنّ إلى الصوت الحسن وتعرف فضله؛ وقال العتابي وذكر رجلا، فقال: والله إن جليسه لطيب عشرته لأطرب من الإبل على الحداء، والنحل على الغناء.
(7/5)

لصاحب الفلاحات
وكان صاحب الفلاحات يقول بأن النحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء، وإن افراخها لتستنزل بمثل الزّجل والصوت الحسن.
قال الراجز:
والطّير قد يسوقه للموت ... إصغاؤه إلى حنين الصّوت
وبعد، فهل خلق الله شيئا اوقع بالقلوب وأشدّ اختلاسا للعقول، من الصوت الحسن، لا سيما إذا كان من وجه حسن، كما قال الشاعر:
ربّ سماع حسن ... سمعته من حسن
مقرّب من فرح ... مبعّد من حزن
لا فارقاني أبدا ... في صحة من بدني
وهل على الارض رعديد «1» مستطار الفؤاد، بتغنّى بقول جرير بن الخطفي:
قل للجبان إذا تأخّر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي
إلا ثاب إليه روحه، وقوي قلبه؟ أم على الأرض بخيل قد تقفّعت «2» أطرافه لؤما، ثم غنى بقول حاتم الطائي:
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إنّ الجواد يرى في ماله سبلا
إلا انبسطت أنامله ورشحت أطرافه؟ أم هل على الارض غريب نازح الدار بعيد المحل، يتغنى بشعر علي بن الجهم:
يا وحشتا للغريب في البلد النّا ... زح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا
يقول في نأويه وغربته ... عدل من الله كلّ ما صنعا
إلا انقطعت كبده حنينا إلى وطنه، وتشوّقا إلى سكنه؟
(7/6)

اختلاف الناس في الغناء
اختلف الناس في الغناء، فاجازه عامة اهل الحجاز، وكرهه عامة أهل العراق.
رأي من اجازه
فمن حجّة من اجازه أن أصله الشعر الذي أمر النبي صلّى الله عليه وسلم به، وحضّ عليه، وندب اصحابه اليه، وتجند به على المشركين؛ فقال لحسان: شنّ الغارة على بني عبد مناف، فو الله لشعرك أشدّ عليهم من وقع السهام في غلس الظلام. و [الشعر] هو ديوان العرب ومقيّد احكامها الشاهد على مكارمها؛ وأكثر شعر حسان بن ثابت يغنى به.
حسان وابنه
قال فرج بن سلام: حدثني الرياشي عن الاصمعي قال: شهد حسان بن ثابت مأدبة لرجل من الأنصار وقد كفّ بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، فكلما قدّم شيء من الطعام قال حسان لابنه عبد الرحمن: أطعام يد أم طعام يدين؟ فيقول له طعام يد.
حتّى قدّم الشّواء، فقال له: هذا طعام يدين. فقبض الشيخ يده؛ فلما رفع الطعام اندفعت قينة تغني لهم بشعر حسان:
انظر خليلي بباب جلّق هل ... تبصر دون البلقاء من أحد «1»
جمال شعثاء إذا هبطن من ال ... منحشّ دون الكثبان فالسّند «2»
قال: فجعل حسان يبكي، وجعل عبد الرحمن يوميء إلى القينة أن ترددّه! قال الاصمعي: فلا أدري ما الذي اعجب عبد الرحمن من بكاء ابيه!.
لعائشة
وقالت عائشة رضي الله عنها: علّموا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم.
(7/7)

النبي صلّى الله عليه وسلم والشريد وأردف النبي صلّى الله عليه وسلم الشريد، فاستنشده من شعر امية، فأنشده مائة قافية، وهو يقول: هيه! استحسانا لها.
فلما أعياهم القدح في الشعر والقول فيه، قالوا: الشعر حسن ولا نرى ان يؤخذ بلحن حسن؛ وأجازوا ذلك في القرآن وفي الاذان؛ فإن كانت الالحان مكروهة فالقرآن والاذان أحق بالتنزيه عنها، وإن كانت غير مكروهة، فالشعر احوج إليها لإقامة الوزن واخراجه على حدّ الخبر؛ وما الفرق بين أن ينشد الرجل:
أتعرف رسما كاطّراد المذانب
مرسلا، أو يرفع بها صوته مرتجلا.
وإنما جعلت العرب الشعر موزونا لمدّ الصوت فيه والدندنة؛ ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور.
النبي صلّى الله عليه وسلم واحتجوا في اباحة الغناء واستحسانه بقول النبي صلّى الله عليه وسلم لعائشة: اهديتم الفتاة إلى بعلها؟ قالت: نعم. قال: فبعثتم معها من يغني؟ قالت: لا. قال: أو ما علمت ان الانصار قوم يعجبهم الغزل، ألا بعثتم معها من يقول؟
أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحيّيكم
ولولا الحبّة السمرا ... ءلم نحلل بواديكم
واحتجوا بحديث عبد الله بن أنس ابن عم مالك، وكان من أفضل رجال الزهري، قال: مر النبي صلّى الله عليه وسلم بجارية في ظل فارع «1» وهي تغني:
(7/8)

هل عليّ ويحكم ... إن لهوت من حرج!
فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: لا حرج إن شاء الله.
والذي لا ينكره اكثر الناس، غناء النصب، وهو غناء الركبان.
عمر بن الخطاب
حدّث عبد الله بن المبارك عن اسامة بن زيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن أبيه، قال: مر بنا عمر بن الخطاب وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصب، فقال: أعيدا عليّ. فأعدنا عليه، فقال: أنتما كحماري العباديّ، قيل له: أي حماريك شرّ؟ قال: ذا، ثم ذا!.
أنس بن مالك وسمع أنس بن مالك أخاه البراء بن مالك يغني، فقال: ما هذا؟ قال: أبيات عربية أنصبها نصبا.
ابن أبي وقاص
ومن حديث الجماني عن حماد بن زيد عن سليمان بن يسار، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في منزل بين مكة والمدينة قد ألقي له مصلّى فاستلقى عليه ووضع إحدى رجليه على الاخرى وهو يتغنى، فقلت: سبحان الله أبا إسحاق! أتفعل مثل هذا وأنت محرم؟ فقال: يا بن أخي، وهل تسمعني أقول هجرا «1» .
عمرو النابغة الجعدي
ومن حديث المفضل عن قرّة بن خالد بن عبد الله بن يحيى، قال: قال عمر بن الخطاب للنابغة الجعدي: أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من غنائك. فاسمعه كلمة
(7/9)

له. قال: وإنك لقائلها؟ قال: نعم. قال: لطالما غنيت بها خلف جمال الخطاب.
ابن جريج وعطاء
عاصم عن جريج، قال: سألت عطاء عن قراءة القرآن على الحان الغناء والحداء، قال: وما بأس ذلك يابن أخي!.
داود عليه السلام
قال، وحدّث عبيد بن عمير الليثي، أنّ داود النبي عليه السلام، كانت له معزفة يضرب بها إذا قرأ الزبور لتجتمع عليه الجنّ والإنس والطير، فيبكي ويبكي من حوله؛ وأهل الكتاب يجدون هذا في كتبهم.
رأي من كرهه
ومن حجة من كره الغناء أن قال: إنه يسعر القلوب، ويستفز العقول، ويستخف الحليم، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهو باطل في أصله. وتأولوا في ذلك قول الله عزّ وجلّ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَيَتَّخِذَها هُزُواً
«1» ، وأخطئوا في التأويل؛ إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السّير والاحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن ويقولون إنها أفضل منه؛ وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا؛ وأعدل الوجوه في هذا أن يكون سبيله سبيل الشعر، فحسنه حسن وقبيحه قبيح.
ابن جامع وسفيان
وقد حدّث ابراهيم بن المنذر الخزاعي أنّ ابن جامع السهمي قدم مكة بمال كثير، ففرّقه في ضعفاء أهلها؛ فقال سفيان بن عيينة: بلغني أنّ هذا السهمي قدم بمال كثير.
قالوا: نعم. قال: فعلام يعطى؟ قالوا: يغني الملوك فيعطونه. قال: وبأي شيء
(7/10)

يغنيهم؟ قالوا: بالشعر. قال: فكيف يقول؟ فقال له فتى من تلاميذه: يقول:
أطوّف بالبيت مع من يطوف ... وأرفع من مئزري المسبل
قال: بارك الله عليه، ما أحسن ما قال! قال: ثم ماذا؟ قال:
وأسجد بالليل حتى الصباح ... وأتلوا من المحكم المنزل
قال: وأحسن أيضا، أحسن الله إليه، ثم ماذا؟ قال:
عسى فارج الهمّ عن يوسف ... يسخّر لي ربّة المحمل
قال: أمسك! أمسك! أفسد آخرا ما أصلح أوّلا! ألا ترى سفيان بن عيينة رحمه الله حسّن الحسن من قوله وقبّح القبيح؟.
وكره الغناء قوم على طريق الزهد في الدنيا ولذاتها، كما كره بعضهم الملاذّ ولبس العباءة، وكره الحوّاريّ «1» ، وأكل الكشكار، وترك البرّ وأكل الشعير، لا على طريق التحريم، فإنّ ذلك وجه حسن ومذهب جميل؛ فإنما الحلال ما أحل الله والحرام ما حرّم الله. يقول الله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
«2» .
وقد يكون الرجل أيضا جاهلا بالغناء او متجاهلا به، فلا يأمر به ولا ينكره.
للحسن البصري
قال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ قال: نعم العون الغناء على طاعة الله، يصل الرجل به رحمه، ويواسي به صديقه. قال الرجل: ليس عن هذا أسألك. قال: وعمّ سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه وينفخ منخريه؛ قال الحسن: والله يابن أخي ما ظننت أنّ عاقلا يفعل هذا بنفسه أبدا! وإنّما أنكر عليه الحسن تشويه وجهه وتعويج فمه؛ وإن كان أنكر
(7/11)

الغناء فإنما هو من طريق أهل العراق، وقد ذكرنا أنهم يكرهونه.
لابن جريج وابن عبيد
قال إسحاق بن عمارة: حدثني ابو المغلس عن أبي الحارث، قال: اختلف في الغناء عند محمد بن ابراهيم والي مكة، فأرسل إلى ابن جريح وإلى عمرو بن عبيد، فأتياه، فسألهما، فقال ابن جريج: لا بأس به، شهدت عطاء بن أبي رباح في ختان ولده وعنده ابن سريج المغني، فكان إذا غنى لم يقل له اسكت، وإذا سكت لم يقل له غنّ، وإذا لحن ردّ عليه. وقال عمرو بن عبيد: أليس الله يقول ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
«1» ، فأيهما يكتب الغناء، الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال؟ فقال ابن جريج: لا يكتبه واحد منهما؛ لانه لغو كحديث الناس فيما بينهم من أخبار جاهليتهم وتناشد أشعارهم.
لابي يوسف
قال اسحاق: وحدثني إبراهيم بن سعد الزمري قال: قال أبو يوسف القاضي: ما أعجب امركم يأهل المدينة في هذه الاغاني! ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها! قال: فغضبت وقلت: قاتلكم الله يأهل العراق! ما أوضح جهلكم وأبعد من السداد رأيكم! متى رأيت أحدا سمع الغناء فظهر منه ما يظهر من سفهائكم هؤلاء الذين يشربون المسكر فيترك أحدهم صلاته، ويطلق امرأته، ويقذف «2» المحصنة من جاراته، ويكفر بربه؛ فأين هذا من هذا؟ من اختار شعرا جيدا ثم اختار جرما حسنا فردّده عليه فأطربه وأبهجه فعفا عن الجرائم، وأعطى الرغائب ... ؟ فقال أبو يوسف: قطعتني! ولم يحر جوابا.
الرشيد والزهري
قال إسحاق: وحدّثني ابراهيم بن سعد الزهري قال: قال لي الرشيد: من بالمدينة
(7/12)

ممن يحرّم الغناء؟ قال: قلت: من قنّعه الله بخزيه، قال: بلغني أنّ مالك بن أنس يحرّمه. قلت: يا أمير المؤمنين، أو لمالك أن يحرّم ويحلل؟ والله ما كان ذلك لابن عمّك محمد صلّى الله عليه وسلم إلا بوحي من ربه، فمن جعل هذا لمالك؟ فشهادتي على أبي أنه سمع مالكا في عرس ابن حنظلة الغسيل يتغنى:
سليمى أزمعت بينا ... فأين بوصلها أينا
ولو سمعت مالكا يحرّمه ويدي تناله لا حسنت أدبه! قال: فتبسم الرشيد.
ابن عمر وابن جعفر
وعن أبي شعيب الحراني عن جعفر بن صالح بن كيسان عن أبيه، قال: كان عبد الله بن عمر يحب عبد الله بن جعفر، فغدا عليه يوما وعنده جارية في حجرها عود، فقال ابن عمر: ما ذاك يا أبا محمد؟.
قال: وما تظن به يا أبا عبد الرحمن؟ فإن أصاب ظنّك فلك الجارية.
قال: ما أراني إلا قد أخذتها، هذا ميزان رومي!.
فضحك ابن جعفر وقال: صدقت، هذا ميزان يوزن به الكلام، والجارية لك؛ ثم قال: هات فغنّت:
أيا شوقا إلى البلد الامين ... وحي بين زمزم والحجون
ثم قال: هل ترى بأسا؟ قال: هل غير هذا؟ قال: لا. قال: فما أرى بذا بأسا.
ابن عمر وابن محرز
وسمع عبد الله بن عمر ابن محرز يغني:
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها بما احتملت ... مني الضلوع لأهلها قبل
فقال له عبد الله بن عمر: قل: إن شاء الله! قال: يفسد المعنى. قال: لا خير في معنى يفسده «إن شاء الله» .
(7/13)

عمر بن عبد العزيز ومغن
حدث محمد بن زكريا الغلابي بالبصرة قال: حدثني ابن الشرفي عن الاصمعي قال سمع عمر بن عبد العزيز راكبا يغني في سفره:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهنّ سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد «1»
وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا في الطخية المتورّد «2»
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الطّراف الممدّد «3»
فقال عمر بن عبد العزيز: وأنا لولا ثلاث لم أحفل متى قام عوّدي: لولا أن أنفر في السرية، وأقسم بالسوية، وأعدل في القضية!.
جرير والاسلمي العابد
قال جرير المدني: مررت بالأسلمي العابد وهو في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصلي فسلمت عليه، فأومأ إليّ وأشار بالجلوس، فجلست، فلما سلم أخذ بيدي وأشار إلى حلقي، وقال: كيف هو؟ قلت: أحسن ما كان قط. قال: أما والله لوددت أنه خلا لي وجهك وأنك أسمعتني:
يا لقومي بحبلك المصروم ... يوم شطّوا وأنت غير ملوم
أصبح الرّبع من أمامة قفرا ... غير مغنى معازف ورسوم
قلت: إذا شئت، قال: في غير هذا الوقت إن شاء الله.
ابن المبارك
وحدث ابو عبد الله المروزي بمكة في المسجد الحرام، قال: حدثنا حسان وسويد صاحبا ابن المبارك، قالا: لما خرج ابن المبارك إلى الشام مرابطا خرجنا معه، فلما
(7/14)

نظر إلى ما فيه القوم من التعبد والغزو والسرايا في كل يوم، التفت إلينا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها، وأيام وليال قد قطعناها في علم الشعر، وتركنا ههنا أبواب الجنة مفتوحة! قال: فبينما هو يمشي ونحن معه في أزقة المصيصة، إذا نحن بسكران قد رفع صوته يغني:
أذلني الهوى فأنا الذّليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل
فأخرج برنامجا من كمه، فكتب البيت؛ فقلنا له: أتكتب بيت شعر سمعته من سكران؟ قال: أما سمعتم المثل: ربّ جوهرة في مزبلة!.
الاوقص المخزومي
قال: وولي الأوقص المخزومي قضاء مكة، فما رؤي مثله في العفاف والنبل، فبينما هو نائم ذات ليلة في علّية له، إذ مر به سكران يتغنى ويلحن في غنائه، فأشرف المخزومي عليه، فقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنيت خطأ: خذه عني! فأصلحه عليه!.
وقال الاوقص المخزومي: قالت لي أمي: أي بنيّ، إنّك خلقت في صورة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالدين، فإن الله يرفع به الخسيسة ويتمّ به النقيصة، فنفعني الله بقولها.
الشعبي وبشر
وحدث عباس بن المفضل قاضي المدينة، قال: حدثني الزبير بن بكار قاضي مكة عن مصعب بن عبد الله قال: دخل الشعبي على بشر بن مروان وهو والي العراق لاخيه عبد الملك بن مروان، وعنده جارية في حجرها عود؛ فلما دخل الشعبي امرها فوضعت العود، فقال له الشعبي: لا ينبغي للامير ان يستحي من عبده. قال: صدقتم:
ثم قال للجارية: هاتي ما عندك. فأخذت العود وغنت:
ومما شجاني أنها يوم ودّعت ... تولت وماء العين في الجفن حائر
(7/15)

فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إليّ التفاتا أسلمته المحاجر
فقال الشعبي: الصغير أكيسهما «1» . يريد الزير، ثم قال: يا هذه، أرخي من يمّك، وشدّي من زيرك «2» . فقال له بشر: وما علمك؟ قال: أظن العمل فيهما. قال:
صدقت، ومن لم ينفعه ظنّه لم ينفعه يقينه.
قرشي ورجل يغني في المسجد
وحدث عن أبي عبد الله البصري قال: غنّى رجل في المسجد الحرام وهو مستلق على قفاه صوتا، ورجل من قريش يصلي في جواره؛ فسمعه خدّام المسجد فقالوا: يا عدو الله، تغني في المسجد الحرام! ورفعوه إلى صاحب الشرطة، فتجوز القرشي في صلاته؛ ثم سلم واتبعه، فقال لصاحب الشرطة: كذبوا عليه أصلحك الله، إنّما كان يقرأ! فقال يا فساق، أتأتوني برجل قرأ القرآن تزعمون انه غنّى خلوا سبيله! فلما خلّوه قال له القرشي: والله لولا انك أحسنت وأجدت ما شهدت لك، اذهب راشدا.
أبو حنيفة وجار له
وكان لابي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، وكان أبو حنيفة يحيي الليل بالقيام، ويحييه جاره الكيال بالشراب، ويغني على شرابه:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فأخذه العسس «3» ليلة فوقع في الحبس، وفقد أبو حنيفة صوته واستوحش له؛ فقال لاهله: ما فعل جارنا الكيال؟ قالوا: أخذه العسس فهو في الحبس. فلما اصبح ابو حنيفة وضع الطويلة على رأسه، وخرج حتى أتى باب عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع في إذنه- وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي الملوك- فأقبل عليه عيسى
(7/16)

بوجهه، وقال: أمر ما جاء بك أبا حنيفة! قال: نعم، أصلح الله الامير، جار لي من الكيالين، أخذه عسس الامير ليلة كذا، فوقع في حبسك. فأمر عيسى باطلاق كل من أخذ في تلك الليلة، إكراما لابي حنيفة؛ فأقبل الكيال على أبي حنيفة متشكرا له، فلما رآه أبو حنيفة قال: أضعناك يا فتى؟ يعرّض له بقصيدته؛ قال: لا والله، ولكنك بررت وحفظت.
الدارمي وتاجر عراقي
: الاصمعي قال: قدم عراقي بعدل «1» من خمر العراق الى المدينة، فباعها كلها إلا السود، فشكا ذلك الى الدارمي، وكان قد تنسك وترك الشعر ولزم المسجد فقال: ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلّها على حكمك؟ قال: ما شئت!! قال: فعمد الدارمي إلى ثياب نسكه! فألقاها عنه وعاد إلى مثل شأنه الاول، وقال شعرا ورفعه إلى صديق له من المغنين، فغنى به وكان الشعر:
قل للمليحة في الخمار الاسود ... ماذا فعلت بزاهد متعبّد «2»
قد كان شمّر للصلاة ثيابه ... حتى خطرت له بباب المسجد
ردّي عليه صلاته وصيامه ... لا تقتليه بحقّ دين محمد
فشاع هذا الغناء في المدينة: وقالوا: قد رجع الدارمي وتعشق صاحبة الخمار الاسود. فلم تبق مليحة بالمدينة الا اشترت خمارا اسود، وباع التاجر جميع ما كان معه؛ فجعل إخوان الدارمي من النساك يلقون الدارمي فيقولون: ماذا صنعت؟
فيقول: ستعلمون نبأه بعد حين. فلما أنفذ العراقي ما كان معه، رجع الدارمي إلى نسكه ولبس ثيابه.
عروة بن أذينة
: وحدث عبد الله بن مسلم بن قتيبة ببغداد، قال: حدثني سهل عن الأصمعي قال:
(7/17)

كان عروة بن أذينة يعدّ ثقة ثبتا في الحديث، روى عنه مالك بن أنس؛ وكان شاعرا لبقا في شعره غزلا، وكان يصوغ الألحان والغناء على شعره في حداثته وينحلها المغنين؛ فمن ذلك قوله، وغنى به الحجازيون:
يا ديار الحيّ بالأجمه ... لم يبيّن رسمها كلمه
وهو موضع صوته، ومنه قوله:
قالت وأبثثتها وجدي وبحت به ... قد كنت عندي تحت السّتر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطّي هواك وما ألقي على بصري
قال: فوقفت عليه امرأة وحوله التلامذة، فقالت: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح، وأنت القائل:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد
لا والله ما قال هذا رجل صالح قط!
القس
: قال: وكان عبد الرحمن الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة، وإنه مر يوما بسلامة وهي تغني، فقام يستمع غناءها، فرآه مولاها فقال له:
هل لك أن تدخل فتسمع؟ فأبى، فلم يزل به حتى دخل، فقال له: أوقفك في موضع بحيث تراها ولا تراك. فغنّته فأعجبته، فقال له مولاها: هل لك في أن أحوّلها إليك؟ فأبى ذلك عليه، فلم يزل به حتى أجابه، فلم يزل يسمعها ويلاحظها النظر حتى شغف بها؛ ولما شعرت لحظه إيّاها غنته:
ربّ رسولين لنا بلّغا ... رسالة من قبل أن يبرحا
لم يعملا خفّا ولا حافرا ... ولا لسانا بالهوى مفصحا
حتى استقلا بجوابيهما ... بالطائر الميمون قد أنجحا
(7/18)

الطرف والطّرف بعثناهما ... فقضيا حاجا وما صرّحا
قال: فأغمي عليه وكاد أن يهلك؛ فقالت له يوما: والله إنّي أحبّك! قال لها: وأنا والله أحبّك! قالت: وأحب أن أضع فمي ... قال: وأنا والله ... قالت: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك [اليوم] عداوة يوم القيامة؛ أما سمعت الله تعالى يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
«1» ؟
ثم نهض وعاد إلى طريقه التي كان عليها، وأنشأ يقول:
قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فأعجب لما تأتي به الأيام «2»
فاليوم أعذرهم وأعلم أنما ... سبل الضلالة والهدى أقسام
وله فيه:
إن سلامة التي ... أفقدتني تجلّدي «3»
لو تراها وعودها ... حين يبدو وتبتدي
للجريرين والغري ... ض وللقرم معبد
خلتهم بين عودها ... والدّساتين واليد
أخبار عبد الله بن جعفر
هو ومعاوية
: حدث سعيد بن محمد العجلي بعمان، حدثني نصر بن علي عن الأصمعي، قال: كان معاوية يعيب على عبد الله بن جعفر سماع الغناء؛ فأقبل معاوية عاما من ذلك حاجا، فنزل المدينة، فمر ليلة بدار عبد الله بن جعفر فسمع عنده غناء على أوتار، فوقف ساعة يستمع، ثم مضى وهو يقول: أستغفر الله! أستغفر الله! فلما انصرف من آخر الليل مر بداره أيضا، فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال الحمد لله!
(7/19)

ثم نهض وهو يقول: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
» .
فلما بلغ ابن جعفر ذلك أعدّ له طعاما ودعاه إلى منزله، وأحضر ابن صيّاد المغني، ثم تقدم إليه يقول: إذا رأيت معاوية واضعا يده في الطعام فحرّك أو تارك وغنّ. فلما وضع معاوية يده في الطعام حرّك ابن صياد أوتاره وغنى بشعر عدي بن زيد وكان معاوية يعجب به.
يا لبينى أوقدي النارا ... إنّ من تهوين قد حارا
ربّ نار بتّ أرمقها ... تقضم الهنديّ والغارا
ولها ظبي يؤجّجها ... عاقد في الخصر زنارا «2» .
قال فأعجب معاوية غناؤه، حتى قبض يده عن الطعام، وجعل يضرب برجله الأرض طربا؛ فقال له عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين؛ إنما هو مختار الشعر يركّب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأسا؟ قال: لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان.
قال: وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام، فأنزله في دار عياله، وأظهر من إكرامه وبرّه ما كان يستحقه؛ فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوجة معاوية؛ فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر، فجاءت إلى معاوية فقالت: هلم فاسمع ما في منزل هذا الذي جعلته بين لحمك ودمك، وأنزلته في حرمك! فجاء معاوية فسمع شيئا حرّكه وأطربه، فقال: والله إنّي لأسمع شيئا تكاد الجبال تخرّ له، وما أظنّه إلا من تلقية الجن! ثم انصرف، فلما كان من آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فأنبه فاختة، وقال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي: ملوك بالنهار، رهبان بالليل! ثم إن معاوية أرق ذات ليلة، فقال لخادمه حديج: اذهب فانظر من عند عبد الله، وأخبره بخروجي إليه. فذهب فأخبره، فأقام كلّ من كان عنده؛ ثم جاء معاوية، فلم
(7/20)

ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان. قال معاوية:
مره يرجع إلى مجلسه. ثم قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان. قال: مره يرجع إلى مجلسه ... حتى لم يبق إلا مجلس رجل، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان، يا أمير المؤمنين! قال له معاوية: فإنّ أذني عليلة، فمره فليرجع إلى موضعه. وكان موضع بديح المغني، فأمره ابن جعفر، فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية: داو أذني من علّتها! فتناول العود ثم غنى:
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم ... بحومانة الدرّاج فالمتثلم «1»
فحرّك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال معاوية: لم حرّكت رأسك يا بن جعفر؟
قال: أريحيّة أجدها يا أمير المؤمنين، لو لاقيت عندها لابليت، ولئن سئلت عندها لأعطيت! وكان معاوية قد خضب «2» ، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا.
وكانت عند معاوية جارية أعزّ جواريه عنده، كانت متولية خضابه، فغناه بديح:
أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيض من قادمات الشعر كالحمم «3»
وجدّدت منك ما قد كان أخلقه ... صرف الزمان وطول الدهر والقدم
فطرب معاوية طربا شديدا وجعل يحرك رجله، فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين سألتني عن تحريك رأسي فأخبرتك، وأنا أسألك عن تحريك رجلك! فقال معاوية:
كلّ كريم طروب. ثم قام وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتيه إذني. فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار، ومائة ثوب من خاص ثيابه، وإلى كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب.
هو ومغنية سمعها
: وعن ابن الكلبي والهيثم بن عدي، قالا: بينا عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة، إذ سمع غناء، فأصغى إليه، فإذا بصوت شجيّ رقيق لقينة تغني:
(7/21)

قل للكرام ببابنا يلجوا ... ما في التصابي على الفتى حرج «1»
فنزل عبد الله عن دابته، ودخل على القوم بلا إذن؛ فلما رأوه قاموا إليه إجلالا ورفعوا مجلسه؛ ثم أقبل عليه صاحب المنزل، فقال: يا بن عم رسول الله دخلت منزلنا بلا إذن، وما كنت لهذا بخليق! فقال عبد الله: لم أدخل إلا بإذن! قال: ومن أذن لك؟ قال: قينتك هذه؛ سمعتها تقول:
قل للكرام ببابنا يلجوا
فولجنا، فإن كنا كراما فقد أذن لنا، وإن كنا لئاما خرجنا مذمومين! فضحك صاحب المنزل، وقال صدقت جعلت فداك! ما أنت إلا من أكرم الأكرمين. ثم بعث عبد الله إلى جارية من جواريه، فقال لها: غني فغنت، فطرب القوم، وطرب عبد الله؛ فدعا بثياب وطيب فكسا القوم وصاحب المنزل وطيّبهم ووهب له الجارية، وقال له: هذه أحذق بالغناء من جاريتك.
أخبار ابن أبي عتيق
هو وعائشة
: ذكر رجل من أهل المدينة أنّ ابن أبي عتيق- وهو عبد الله بن محد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- دخل على عائشة أم المؤمنين- وهي عمته- فوضع رأسه في حجرها- أو على ركبتها- ثم رفع عقيرته يتغني:
ومقيّر حجل جررت برجله ... بعد الهدؤ له قوائم أربع
فاطرب زمان اللهو من زمن الصّبا ... وانزع إذا قالوا أبي لا ينزع
فليأتينّ عليك يوما مرّة ... يبكي عليك مقنّعا لا تسمع
قالت عائشة: يا بنيّ، فاتق ذلك اليوم.
(7/22)

هو وكثير
: حدّث أبو عبد الله محمد بن عرفة بواسط. قال: حدثني أحمد بن [محمد بن] يحيى عن الزبير بن بكار عن سليمان بن عباس السعدي عن السائب راوية كثير قال: قال لي كثير يوما: قم بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث عنده. قال: فجئناه، فوجدناه عنده ابن معاذ المغني، فلما رأى كثيرا، قال لابن أبي عتيق: ألا أغنيك بشعر كثيّر؟ [قال:
بلى] ، فاندفع يغني بشعره حيث يقول:
أبائنة سعدى؟ نعم ستبين! * كما انبتّ من حبل القرين قرين
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
كأنت لم تسمع ولم تر قبلها ... تفرّق أحباب لهنّ حنين
فأخلفن ميعادي وخن أمانتي ... وليس لمن خان الأمانة دين
فالتفت ابن أبي عتيق إلى كثيّر فقال: وللدّين صحبتهن يا بن أبي جمعة؟ ذلك والله أشبه بهن وأدعى للقلوب إليهن، وإنما يوصفن بالبخل والامتناع، وليس بالأمانة والوفاء؛ وابن قيس الرقيات أشعر منك حيث يقول:
حبّذا الادلال والغنج ... والتي في طرفها دعج «1»
والتي إن حدّثت كذبت ... والتي في ثغرها فلج «2»
وخبّروني هل على رجل ... عاشق في قلبه حرج
فقال كثيّر: قم بنا من عند هذا! ثم نهض.
هو وابن جعفر
: وقال عبد الله بن جعفر لابن أبي عتيق، لو غنتك فلانة جاريتي صوتا ما أدركت ذكاتك! قال ابن أبي عتيق: قل لها تفعل وليس عليك إن مت ضمان! فأخذ بيده عبد الله بن جعفر وأدخله منزله، ثم أمر الجارية فخرجت، وقال لها: هات. فغنت:
(7/23)

بهواك صيّرني العذول نكالا ... وجد السبيل إلى المقال فقالا
ونهيت نومي عن جفوني فانتهى ... وأمرت ليلي أن يطول فطالا
قال: فرمى بنفسه ابن أبي عتيق إلى الأرض وقال: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ
«1» .
هو وعبد الملك وابن جعفر
: أبو القاسم جعفر بن محمد قال: لما وصف عبد الله بن جعفر لعبد الملك بن مروان ابن أبي عتيق، وحدّثه عن إقلاله وكثرة عياله. أمره عبد الملك بن مروان أن يبعث به إليه. فأتاه ابن جعفر، فأعلمه بما دار بينه وبين عبد الملك. وبعثه إليه. فدخل ابن أبي عتيق على عبد الملك فوجده جالسا بين جاريتين قائمتين عليه، يميسان «2» كغصني بان بيد كل جارية مروحة تروّح بها عليه، مكتوب بالذهب في المروحة الواحدة:
إنني أجلب الرّيا ... ح وبي يلعب الخجل
وحجاب إذا الحبيب ... ثنى الرأس للقبل
وغياث إذا النّد ... يم تغني أو ارتجل
وفي المروحة الأخرى:
أنا في الكفّ لطيفه ... مسكني قصر الخليفه
أنا لا أصلح إلا ... لظريف أو ظريفه
أو وصيف حسن القدّ ... شبيه بالوصيفه
قال ابن أبي عتيق: فلما نظرت إلى الجاريتين هوّنتا الدنيا عليّ، وأنستاني سوء حالي؛ قلت: إن كانتا من الإنس فما نساؤنا إلا من البهائم! فكلما كررت بصري فيهما تذكرت الجنة، فإذا تذكرت امرأتي- وكنت لها محبا- تذكرت النار! قال: فبدأ عبد الملك يتوجع إليّ بما حكى له ابن جعفر عني، ويخبرني بمالي عنده من جميل
(7/24)

الرأي؛ فأكذبت له كلّ ما حكاه له ابن جعفر عني، ووصفت له نفسي بغاية الملاء والجدة؛ فامتلأ عبد الملك سرورا بما ذكرت له، وغما بتكذيب ابن جعفر؛ فلما عاد إليه ابن جعفر، عاتبه عبد الملك على ما حكاه عني وأخبره بما حلّيت به نفسي؛ فقال: كذب والله يا أمير المؤمنين، وإنّه أحوج أهل الحجاز إلى قليل فضلك، فضلا عن كثيره! ثم خرج عبد الله فلقيني، فقال: ما حملك أن كذّبتني عند أمير المؤمنين؟ قلت: أفكنت تراني تجلسني بين شمس وقمر، ثم أتفاقر عنده! لا والله ما رأيت ذلك لنفسي وإن رأيته لي! فلما أعلم بذلك عبد الله بن جعفر عبد الملك بن مروان، قال: فالجاريتان له! قال: فلما صارتا إليّ زرت عبد الله بن جعفر، فوجدته قد امتلأ فرحا، وهو يشرب، وبين يديه عس «1» فيه عسل ممزوج بمسك وكافور، فقال: مهيم! قلت: قد والله قبضت الجاريتين. قال: فاشرب. فتناولت العس فجرعت منه جرعة، فقال لي: زد؛ فأبيت عليه، فقال لجارية له عنده تغنيه: إن هذا قد حاز اليوم غزالتين من عند أمير المؤمنين؛ فخذي في نعتهما؛ فإنهما كما فلّكت «2» صدورهما. فحركت الجارية العود ثم غنت:
عهدي بها في الحيّ قد جردت ... صفراء مثل المهرة الضامر
قد حجم الثّدي على نحرها ... في مشرق ذي بهجة ناضر
لو أسندت ميتا إلى صدرها ... قام ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميّت الناشر
قال: فلما سمعت الأبيات طربت، ثم تناولت العس فشربت عللا بعد نهل، ورفعت عقيرتي أغني:
سقوني وقالوا لا تغنّ ولو سقوا ... جبال حنين ما سقوني لغنّت
(7/25)

هو وأبو السائب
: قال: وخرج أبو السائب وابن أبي عتيق يوما يتنزهان في بعض نواحي مكة فمال أبو السائب ليبول وعليه طويلته؛ فانصرف دونها، فقال له ابن أبي عتيق: ما فعلت طويلتك؟ قال: ذكرت قول كثيّر:
أرى الإزار على لبنى فأحسده ... إن الإزار على ما ضمّ محسود
فتصدقت بها على الشيطان الذي أجرى هذا البيت على لسانه! فأخذ ابن أبي عتيق طويلته فرمى بها، وقال: أتسبقني أنت إلى برّ الشيطان!
سليمان ومغن
: سمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره، فقال: اطلبوه. فجاءوا به، فقال:
أعد عليّ ما تغنيت به. فغنى واحتفل- وكان سليمان أغير الناس- فقال لأصحابه:
كأنها والله جرجرة «1» الفحل في الشول، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت! وأمر به فخصي.
الفرزدق والأحوص
: وقالوا: إن الفرزدق قدم المدينة، فنزل على الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح صاحب النبي صلّى الله عليه وسلم وهو الذي حمت لحمه الدبر «2» ، فقال [له] الأحوص: ألا أسمعك غناء؟ قال: تغنّ. فغناه:
أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بعود بشامة سقي البشام
بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النّيام «3»
قال الفرزدق: لمن هذا الشعر؟ قال: لجرير. ثم غناه:
(7/26)

إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال: لمن الشعر؟ فقال لجرير: ثم غناه:
أسري لخالدة الخيال ولا أرى ... شيئا ألذّ من الخيال الطارق
إنّ البليّة من يملّ حديثه ... فانقع فؤادك من حديث الوامق
فقال: لمن هذا الشعر؟ فقال: لجرير. قال: ما أحوجه مع عفافه إلى خنوثة شعري، وما أحوجني مع فسوقي إلى رقة شعره! وقال جرير: والله لولا ما شغلت به من هذه الكلاب، لشببت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى أيام شبابها، حنين الجمل إلى عطنه!
الأحوص ومعبد وعقيلة
: وقال الأحوص يوما لمعبد: امض بنا إلى عقيلة حتى نتحدث إليها ونسمع من غنائها وغناء جواريها. فمضيا، فألفيا على بابها معاذ الأنصاري وابن صياد؛ فاستأذنوا عليها، فأذنت لهم إلا الأحوص، فإنها قالت: نحن على الأحوص غضاب، فانصرف الأحوس وهو يلوم أصحابه على استبدادهم بها، وقال:
ضنّت عقيلة عنك اليوم بالزّاد ... وآثرت حاجة الثّاوي على الغادي «1»
قولا لمنزلهما: حيّيت من طلل ... وللعقيق: ألا حيّيت من واد «2»
إنّي وهبت نصيبي من مودّتها ... لمعبد ومعاذ وابن صيّاد
قرشي ومغن في المسجد
: وجعل رجل يترنم في مسجد المدينة، ورجل من قريش يسمع؛ فأخذه بعض القوم فقالوا: يا عدوّ الله؛ أتغني في المسجد الحرام! وذهبوا به إلى صاحب الحكم، واتبعهم.
(7/27)

القرشي فقال لصاحب الحكم: أصلحك الله، إنما كان يقرأ! فأطلق سبيله، فقال له القرشي: والله لولا أنك أحسنت في غنائك وأقمت دارات معبد لكنت عليك أشدّ من الأعوان.
دارات معبد
: والصوت المنسوب إلى دارات معبد، قول أعشى بكر:
هريرة ودّعها وإن لام لائم ... غداة غد أم أنت للبين واجم «1»
ويروى أن معبدا دخل على قتيبة بن مسلم والي خراسان وقد فتح خمس مدائن فجعل يفخر بها عند جلسائه؛ فقال له معبد: والله لقد صغت بعدك خمسة أصوات، إنها لأكثر من الخمس المدائن التي فتحت! والأصوات: الأول:
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
والثاني:
هريرة ودّعها وإن لام لائم ... غداة غد أم أنت للبين واجم
والثالث:
ودّع لبابة قبل أن تترحّلا ... واسبل فإنّ سبيله أن تسبلا
والرّابع:
لعمري لئن شطت بغنمة دارها ... لقد كدت من وشك الفراق أبيح «2»
والخامس:
تغذّ بي الشّهباء نحو ابن جعفر ... سواء عليها ليلها ونهارها «3»
أصل الغناء ومعدنه
قال أبو المنذر بن هشام بن الكلبي: الغناء على ثلاثة أوجه: النصب، والسناد،
(7/28)

والهزج؛ فأما النصب فغناء الركبان والقينات؛ وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج فالخفيف كله، وهو الذي يثير القلوب ويهيج الحليم.
وإنما كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من بلاد العرب ظاهرا فاشيا وهي: المدينة، والطائف، وخيبر، ووادي القرى، ودومة الجندل، واليمامة؛ وهذه القرى مجامع أسواق العرب.
صانع العود
: وقيل إنّ أوّل من صنع العود: لامك بن قابيل بن آدم، وبكى به على ولده.
ويقال إنّ صانعه بطلميوس صاحب المويسيقي، وهو كتاب اللحون الثمانية.
أول من غنى
: وكان أول من غنى في العرب قينتان لعاد يقال لهما الجرادتان، ومن غنائهما.
ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعلّ الله يصبحنا غماما «1»
وإنما غنّتا بهذا اللحن حين حبس عنهما المطر؛ وكانت العرب تسمى القينة:
الكرينة، والعود: الكران؛ والمزهر أيضا هو العود، وهو البربط.
وكان أول من غنى في الإسلام الغناء الرقيق: طويس، وهو علّم ابن سريج، والدلال، ونئومة الضحى؛ وكان يكنى أبا عبد النعيم، ومن غنائه وهو أول صوت غنى به في الإسلام:
قد براني الشوق حتى ... كدت من شوقي أذوب
أخبار المغنين
أولهم: طويس، وكان في أيام عثمان رضي الله عنه.
(7/29)

طويس وأبان
: حدّثنا جعفر بن محمد قال: لما ولى أبان بن عثمان بن عفان المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، قعد في بهو له عظيم، واصطف له الناس، فجاء طويس المغني وقد خضب «1» يديه غمسا، واشتمل على دف له، وعليه ملاءة مصقولة؛ فسلّم ثم قال: بأبي وأمي يا أبان، الحمد لله الذي أرانيك أميرا على المدينة؛ إني نذرت لله فيك نذرا إن رأيتك أن أخضب يدي غمسا وأشتمل على دفي وآتي مجلس إمارتك وأغنيك صوتا! قال:
فقال: يا طويس، ليس هذا موضع ذاك. قال: بأبي أنت وأمي يا بن الطيّب أبحني.
قال: هات يا طويس. فحسر عن ذراعيه وألقى رداءه ومشى بين السماطين «2» وغنى:
ما بال أهلك يا رباب ... خزرا كأنهم غضاب
قال: فصفق أبان بيديه، ثم قام عن مجلسه فاحتضنه وقبّل بين عينيه، وقال:
يلومونني على طويس! ثم قال له: من أسنّ، أنا أو أنت؟ قال: وعيشك لقد شهدت زفاف أمّك المباركة إلى أبيك الطيب! انظر إلى حذقه ورقة أدبه، كيف لم يقل: أمك الطيبة إلى أبيك المبارك.
هو وبكر وسعيد
: وعن الكلبي قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الحج وهو والي المدينة، وخرج الناس معه؛ وكان فيمن خرج: بكر بن إسماعيل الأنصاري، وسعيد بن عبد الرحمن ابن حسان بن ثابت؛ فلما انصرفا راجعين مرّا بطويس المغني، فدعاهما إلى النزول عنده؛ فقال بكر بن إسماعيل: قد البعير إلى منزلك. فقال له سعيد بن عبد الرحمن:
أتنزل على هذا المخنّث؟ فقال: إنما هو منزل ساعة ثم نذهب. واحتمل طويس الكلام عن سعيد، فأتيا منزله، فإذا هو قد نظفه ونجّده، فأتاهما بفاكهة الشام
(7/30)

فوضعها بين أيديهما، فقال له بكر بن إسماعيل، ما بقي منك يا طويس؟ قال: بقي كلّي يا أبا عمرو! قال: أفلا تسمعنا من بقاياك؟ قال: نعم. ثم دخل خيمته؛ فأخرج خريطة، وأخرج منها دبّا، ثم نقر وغنّى:
يا خليلي نابني سهدي ... لم تنم عيني ولم تكد
كيف تلحوني على رجل ... مؤنس تلتذّه كبدي «1»
مثل ضوء البدر صورته ... ليس بالزّمّيلة النكد «2»
من بني آل المغيرة لا ... خامل نكس ولا جحد «3»
نظرت عيني فلا نظرت ... بعده عين إلى أحد
ثم ضرب بالدف الأرض والتفت إلى سعيد بن عبد الرحمن فقال: يا أبا عثمان، أتدري من قائل هذا الشعر؟ قال: لا. قال: قالته خولة ابنة ثابت عمتك، في عمارة ابن الوليد بن المغيرة! ونهض، فقال له بكر: لو لم تقل ما قلته لم يسمعك ما أسمعك.
وبلغت القصة عمر بن عبد العزيز، فأرسل إليهما فسألهما، فأخبراه؛ فقال: واحدة بأخرى والبادي أظلم.
هو والنعمان بن بشير
: الأصمعي قال: حدّثني رجل من أهل المدينة، قال: كان طويس يتغنى في عرس رجل من الأنصار، فدخل النعمان بن بشير العرس، وطويس يتغنى:
أجدّ بعمرة عتبانها ... فتهجر أم شأننا شانها
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها «4»
فقيل له: اسكت! اسكت لأنّ عمرة أمّ النعمان بن بشير؛ فقال النعمان: إنه لم يقل بأسا، إنما قال:
(7/31)

وعمرة بن سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها
هو وابن شريج والدلال ونومة الضحى
: وكان مع طويس بالمدينة، ابن سريج، والدلال، ونومة الضحى؛ ومنه تعلّموا، ثم نجم بعد هؤلاء: سلم الخاسر، وكان في صحبة عبد الله بن عبد الله بن جعفر، وعنه أخذ معبد الغناء، ثم كان ابن أبي السمح الطائي، وكان يتيما في حجر عبد الله بن جعفر، وأخذ الغناء عن معبد، وكان لا يضرب بعود، وإنما يغني مرتجلا، فإذا غنى لمعبد صوتا حققه، ويقول: قال الشاعر فلان، مططه معبد، وخففته أنا. ومن غنائه.
نام صحبي ولم أنم ... لخيال بنا ألمّ
إنّ في القصر غادة ... كحلت مقلتي بدم
معبد والغريض
: وكان معبد والغريض بمكة، ولمعبد أكثر الصناعة الثقيلة.
ولما قدمت سكينة ابنة الحسين عليهما السلام مكة أتاها الغريض ومعبد فغنياها:
عوجي علينا ربّه الهودج ... إنك إلا تفعلي تحرجي «1»
قالت: والله ما لكما مثل إلّا الجدي الحارّ والبارد، لا ندري أيهما أطيب.
الغريض وختان
: قال إسحاق بن إبراهيم: شهد الغريض ختانا لبعض أهله، فقال له بعض القوم:
غنّ. فقال: هو ابن الزانية إن غنّى! قال له مولاه: فأنت والله ابن الزانية، فغنّ.
قال: أكذلك أنا عندك؟ قال: نعم. قال: أنت أعلم. فغن:
وما أنس م الأشياء لا أنس شادنا ... بمكة مكحولا أسيلا مدامعه
(7/32)

تشرّب لون الرازقيّ بياضه ... أو الزعفران خالط المسك رادعه
فلوت الجنّ عنقه فمات. وقال غير إسحاق: بل غنى:
أمن مكتومة الطّلل ... يلوح كأنه خلل
لقد نزلوا قريبا من ... ك لو نفعوك إذ نزلوا
تحاولني لتقتلني ... وليس بعينها حول
ثم نجم ابن طنبورة، وأصله من اليمن، وكان أهزج الناس وأخفهم غناء؛ ومن غنائه:
وفتيان على شرف جميعا ... دلفت لهم بباطية هدور «1»
كأني لم أصد فيهم ببازي ... ولم أطعم بعرصتهم صقوري «2»
فلا تشرب بلا لهو فإنّي ... رأيت الخيل تشرب بالصّفير
ابن طنبورة في مجلس شريف
: ويقال: إنه حضر مجلسا لرجل من الأشراف، إلى أن دخل عليهم صاحب المدينة، فقيل له: غنّ. فغنى:
ويلي من الحييّيه ... ويل ليه! ويل ليه
قد عشّش الحيّة في ... بييتيه بييتيه
فضحك صاحب المنزل ووصله.
ومنهم: حكم الوادي، وكان في صحبة الوليد بن يزيد ويغنى بشعره، ومن غنائه:
خفّ من دار جيرتي ... يا بن داود أنسها
قد دنا الصبح أو بدا ... وهي لم يقض لبسها «3»
(7/33)

فمتى تخرج العرو ... س لقد طال حبسها
خرجت بين نسوة ... أكرم الجنس جنسها
الغزيل
وكان بالشام أيام الوليد بن يزيد، مغنّ يقال له الغزيّل ويكنى أبا كامل، وفيه يقول الوليد بن يزيد:
من مبلغ عنّي أبا كامل ... أني إذا ما غاب كالهابل
ومن غنائه:
امدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا بالعطش
إنما الكأس ربيع باكر ... فإذا ما لم نذقها لم نعش
مغنو الرشيد وزامره
وكان لهارون الرشيد جماعة من المغنين، ومنهم ابراهيم الموصلي وابن جامع السهمي، ومخارق؛ وطبقة اخرى دونهم، منهم زلزل، وعمرو الغزال، وعلّوية. وكان له زامر يقال له برصوما. وكان ابراهيم أشدّهم تصرفا في الغناء، وابن جامع احلالهم نغمة.
لرشيد وبرصوما
فقال الرشيد يوما لبرصوما: ما تقول في ابن جامع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وما أقول في العسل الذي من حيثما ذقته فهو طيب؟ قال: فإبراهيم الموصلي؟ قال: هو بستان فيه جميع الثمار والرياحين. قال: فعمرو الغزال؟ قال: هو حسن الوجه يا امير المؤمنين.
ليوسف في المغنين
قال إسحاق: قلت ليوسف: من أحسن الناس غناء؟ قال: ابن محرز، قلت:
(7/34)

وكيف ذلك؟ قال: إن شئت أجملت وإن فصلت. قلت: أجمل. قال: كان يغني كلّ إنسان بما يشتهي، كأنه خلق من قلب كل إنسان.
وكان إبراهيم اول من وقع الإقاع بالقضيب.
المغنون في بيت ابراهيم
وحدث يحيى بن محمد قال: بينا نحن على باب الرشيد ننتظر الإذن، اذ خرج الآذن فقال لنا: أمير المؤمنين يقرئكم السلام! قال: فانصرفنا، فقال لنا إبراهيم: تصيرون إلى منزلي! قال: فانصرفنا معه، قال: فدخلت دارا لم أر اشرف منها ولا أوسع، وإذا أنا بأفرشة خز مظهرة بالسنجاب، قال: فقعدنا، ثم دعا بقدح كبير فيه نبيذ، وقال:
اسقني بالكبير، إني كبير ... إنما يشرب الصغير صغير
ثم قال:
اسقني قهوة بكوب كبير ... ودع المأكلة للحمير
ثم شرب به، وأمر به فملىء وقال لنا: إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير! ثم أمر بجوار فأحطن بالدار، فما شبهت أصواتهن إلا بأصوات طير في أجمة «1» يتجاوبن.
المأمون وإسحاق الموصلي
وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: لما أفضت الخلافة إلى المأمون، أقام عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء، ثم كان أول من تغنى بحضرته أبو عيسى، ثم واظب على السماع، وسأل عني فجرّحني عنده بعض من حسدني فقال: ذلك رجل يتيه على الخلافة! فقال المأمون: ما أبقى هذا من التيه شيئا. وأمسك عن ذكري، وجفاني كلّ من كان يصلني، لما ظهر من سوء رأيه، فأضرّ ذلك بي، حتى جاءني يوما علّوية،
(7/35)

فقال لي: أتأذن لى اليوم في ذكرك، فإنّي اليوم عنده؟ فقلت: لا، ولكن غنّه بهذا الشعر، فإنه سيبعثه على أن يسألك من أين هذا؟ فينفتح لك ما تريد، ويكون الجواب أسهل عليك من الابتداء. فمضى علوية؛ فلما استقر به المجلس غناه الشعر الذي أمرته به، وهو:
يا مشرع الماء قد سدّت مسالكه ... أما إليك سبيل غير مسدود»
لحائم حار حتى لا حياة له ... مشرّد عن طريق الماء مطرود
فلما سمعه المأمون قال: ويلك! لمن هذا؟ قال: يا سيدي، لعبد من عبيدك جفوته واطرحته! قال: إسحاق! قلت: نعم. قال: ليحضر الساعة. قال إسحاق: فجاءني الرسول، فسرت إليه؛ فلما دخلت قال: ادن. فدنوت؛ فرفع يديه مادّهما؛ فاتكأت عليه؛ فاحتضنني بيديه؛ وأظهر من اكرامي وبرّي ما لو اظهره صديق لي مواس لسرّني.
الرشيد وعبثر
قال: وحدثني يوسف بن عمر المدني قال: حدثني الحارث بن عبيد الله قال:
سمعت إسحاق الموصلي يقول: حضر مسامرة الرشيد ليلة عبثر المغني، وكان فصيحا متأدبا، وكان مع ذلك يغني الشّعر بصوت حسن، فتذاكروا رقة شعر المدنيين، فأنشد بعض جلسائه أبياتا لابن الدمينة حيث يقول:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدّعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
فأعجب الرشيد برقة الابيات، فقال له عبثر: يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الشعر مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، حتى رق وصفا، فصار أصفى من الهواء، ولكن
(7/36)

إن شاء أمير المؤمنين أنشدته ما هو أرق من هذا وأحلى، وأصلب وأقوى، لرجل من أهل البادية. قال: فإني أشاء. قال: وأترنم به يا أمير المؤمنين قال: وذلك لك. فغنى لجرير:
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
راحوا العشيّة روحة مذكورة ... إن حرن حرنا أو هدين هدينا
فرموا بهنّ سواهما عرض الفلا ... إن متن متنا أو حيين حيينا
قال: صدقت يا عبثرة! وخلع عليه واجازه.
زرياب
وكان لابراهيم الموصلي عبد أسود يقال له زرياب، وكان مطبوعا على الغناء علمه ابراهيم؛ وكان ربما حضر به مجلس الرشيد يغني فيه، ثم إنه انتقل إلى القيروان، إلى بني الاغلب، فدخل على زيادة الله بن الاغلب، فغناه بأبيات عنترة الفوارس، حيث يقول:
فان تك أمّي غرابية ... من أبناء حام بها عبتني
فإني لطيف ببيض الظّبا ... وسمر العوالي إذا جئتني
ولولا فرارك يوم الوغى ... لقدتك في الحرب أوقدتني
فغضب زيادة الله، فأمر بصفع قفاه واخراجه، وقال له: إن وجدت في شيء من بلدي بعد ثلاثة ايام ضربت عنقك! فجاز البحر إلى الاندلس، فكان عند الامير عبد الرحمن بن الحكم.
قند
وكان في المدينة في الصدر الاول مغنّ يقال له قند، وهو مولى سعد بن أبي وقاص، وكانت عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها تستظرفه، فضربه سعد، فحلفت
(7/37)

عائشة لا تكلمه حتى يرضى عنه قند، فدخل عليه سعد وهو وجع من ضربه، فاسترضاه، فرضي عنه، وكلمته عائشة.
هو ومروان بن الحكم
وكان معاوية يعقب بين مروان بن الحكم وسعيد بن العاص على المدينة: يستعمل هذا سنة وهذا سنة؛ وكانت في مروان شدة وغلظة، وفي سعيد لين عريكة وحلم وصفح؛ فلقي مروان بن الحكم قندا المغني، وهو معزول عن المدينة وبيده عكازة؛ فلما رآه قال:
قل لقند يشيّع الاظعانا ... ربّما سرّ عيننا وكفانا
قال له قند: لا إله إلا الله، ما اسمجك واليا ومعزولا.
ابن عائشة والحسن
وروي ابن الكلبي عن أبيه قال: كان ابن عائشة من احسن الناس غناء، وأنبههم فيه، وأضيقهم خلقا، إذا قيل له غنّ، يقول: أو لمثلي يقال هذا؟ عليّ عتق رقبة إن غنيت يومي هذا! فإن غنى وقيل له احسنت، قال: لمثلي يقال أحسنت؟ عليّ عتق رقبة إن غنيت سائر يومي هذا. فلما كان في بعض الايام سال وادي العقيق، فجاء بالعجب، فلم يبق بالمدينة مخبّأة ولا شابة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره، وكان فيمن خرج ابن عائشة المغني، وهو معتجر «1» بفضل ردائه؛ فنظر إليه الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب عليهم السلام- وكان فيمن خرج إلى العقيق- وبين يديه أسودان كأنهما ساريتان «2» يمشيان بين يديه أمام دابته؛ فقال لهما: أنتما حرّان لوجه الله إن تفعلا ما آمركما به ولم أقطعكما إربا إربا؛ اذهبا إلى ذلك الرجل المعتجر بفضل ردائه، فخذا بضبعيه «3» فإن فعل ما آمره به وإلا فاقذفا به في العقيق! قال: فمضيا
(7/38)

والحسن يقفوهما، فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بضبعيه؛ فقال: من هذا؟ فقال له الحسن: أنا هذا يا بن عائشة! قال: لبيك وسعديك، وبأبي أنت وأمي! قال: اسمع مني ما أقول، واعلم انك مأسور في أيديهما وهما حرّان [وقد أقسمت] إن لم تغنّ مائة صوت أن يطرحاك في العقيق وهما حرّان، وإن لم يفعلا ذلك لأقطعنّ أيديهما! فصاح ابن عائشة: واويلاه! وأعظم مصيبتاه! قال دع من صياحك وخذ فيما ينفعنا.
قال: اقترح وأقم من يحصي! وأقبل يغني، فترك الناس العقيق وأقبلوا عليه، فلما تمت أصواته مائة، كبّر الناس بلسان واحد تكبيرة واحدة ارتجت لها أقطار المدينة، وقالوا للحسن: صلّى الله على جدّك حيا وميتا؛ فما اجتمع لاهل المدينة؛ وقالوا للحسن:
صلى الله على جدّك حيا وميتا؛ فما اجتمع لاهل المدينة سرور قط إلا بكم أهل البيت! فقال الحسن إنما فعلت هذا بك يابن عائشة لاخلاقك الشّكسة! قال له ابن عائشة: والله ما مرت عليّ مصيبة أعظم منها، لقد بلغت اطراف أعضائي. فكان بعد ذلك إذا قيل له: ما أشدّ ما مر عليك؟ قال: يوم العقيق.
ابن المهدي
وكان ابراهيم بن المهدي- وهو الذي يقال له ابن شكلة- داهيا عاقلا عالما بأيام الناس شاعرا مفلقا، وكان يصوغ فيجيد.
مخالفته على المأمون
ويروى عن ابراهيم انه قد كان خالف على المأمون ودعا إلى نفسه، فظفر به المأمون فعفا عنه، وقال: لما ظفر به المأمون:
ذهبت من الدّنيا كما ذهبت مني ... هوى الدهر بي عنها وأهوى بها عني
فإن أبك نفسي أبك نفسا عزيزة ... وإن أحتبسها أحتبسها على ضنّ «1»
هو والمأمون
فلما فتحت له أبواب الرضا من المأمون، غنى بهما بين يديه؛ فقال له المأمون:
(7/39)

أحسنت والله يا أمير المؤمنين! فقام ابراهيم رهبة من ذلك، وقال: قتلتني والله يا امير المؤمنين! لا والله إن جلست حتى تسمّيني باسمي. قال: اجلس يا ابراهيم. فكان بعد ذلك آثر الناس عند المأمون: ينادمه ويسامره ويغنّيه.
قصة يرويها للمأمون
فحدثه يوما فقال: بينا انا مع أبيك يا أمير المؤمنين بطريقة مكة، إذ تخلفت عن الرفقة وانفردت وحدي، وعطشت وجعلت اطلب الرفقة، فأتيت إلى بئر، فإذا حبشي نائم عندها، فقلت له: يا نائم، قم فاسقني! فقال: إن كنت عطشان فانزل واستق لنفسك. فخطر صوت ببالي، فترنمت به وهو:
كفّناني إن متّ في درع أروى ... واسقياني من بئر عروة ماء «1»
فلما سمع قام نشيطا مسرورا، وقال: والله هذه بئر عروة، وهذا قبره! فعجبت يا امير المؤمنين لما خطر ببالي في ذلك الموضع، ثم قال: أسقيك على أن تغنّيني؟ قلت:
نعم، فلم أزل أغنيه وهو يجبذ «2» الحبل، حتى سقاني وأروى دابّتي، ثم قال: أدلك على موضع العسكر على أن تغنّيني؟ قلت: نعم. فلم يزل يعدو بين يدي وأنا اغنيه حتى أشرفنا على العسكر، فانصرف؛ وأتيت الرشيد فحدثته بذلك، فضحك. ثم رجعنا من حجّنا، فإذا هو قد تلقاني وأنا عديل الرشيد، فلما رآني قال: مغنّ والله! قيل له: أتقول هذا لاخي أمير المؤمنين؟ قال اي لعمر الله، لقد غناني! وأهدى إليّ أقطا «3» وتمرا، فأمرت له بصلة وكسوة، وأمر له الرشيد بكسوة أيضا. فضحك المأمون، وقال: غنّي الصوت. فغنيته فافتتن به، فكان لا يقترح عليّ غيره.
وكان مخارق وعلّوية قد حرّفا القديم كله وصيّرا فيه نغما فارسية؛ فإذا أتاهما الحجازي بالغناء الاول الثقيل، قالا: يحتاج غناؤك إلى فصاده! واسم علوية: يوسف مولى لبني امية.
(7/40)

وكان زلزل أضرب الناس للوتر، لم يكن قبله ولا بعده مثله، ولم يكن يغني، وإنما كان يضرب على ابراهيم وابن جامع وبرصوما. ومن غنائه في المأمون:
ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مميّزة بين الضلالة والرّشد
رأى الله عبد الله خير عباده ... فملّكه، والله أعلم بالعبد
القيني وبعض المغنين على باب يزيد
حدث سعيد بن محمد العجلي عن الاصمعي قال: كان أبو الطمحان القيني، وهو حنظلة بن الشرقي شاعرا مجيدا، وكان مع ذلك فاسقا، وكان قد انتجع يزيد بن عبد الملك، فطلب الإذن عليه أياما فلم يصل، فقال لبعض المغنين: ألا أعطيك بيتين من شعري تغني بهما أمير المؤمنين، فإن سألك من قائلهما فأخبره أني بالباب، وما رزقني الله منه فهو بيني وبينك! قال: هات. فأعطاه هذين البيتين:
يكاد الغمام الغرّ يرعد إن رأى ... محيّا ابن مروان وينهل بارقه
يظلّ فتيت المسك في رونق الضّحى ... تسيل به أصداغه ومفارقه «1»
قال: فغني بهما في وقت أريحيّته، فطرب لهما طربا شديدا، وقال: لله در قائلهما! من هو؟ قال: ابو الطمحان القيني، وهو بالباب يا أمير المؤمنين. قال: وما قصة الدير؟ قال: قيل لابي الطمحان: ما أيسر ذنوبك؟ قال ليلة الدير! قيل له: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت ذات ليلة بدير نصرانية، فأكلت عندها طفيشلا «2» بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت؛ فضحك يزيد وأمر له بألفي درهم، وقال: لا يدخل علينا! فأخذها أبو الطمحان وانسلّ بها، وخيّب المغنّي.
(7/41)

المسدود وزنين ودبيس
أبو جعفر البغدادي قال: حدثني عبد الله بن محمد كاتب بغا عن أبي عكرمة قال:
خرجت يوما إلى المسجد الجامع ومعي قرطاس لا كتب فيه بعض ما استفيده من العلماء، فمررت بباب أبي عيسى بن المتوكل فإذا ببابه المسدود، وكان من احذق الناس بالغناء، فقال: أين تريد يا أبا عكرمة؟ قلت إلى المسجد الجامع، لعلي أستفيد فيه حكمة أكتبها. فقال: أدخل بنا على أبي عيسى. قال: فقلت: مثل أبي عيسى في قدره وجلالته يدخل عليه بغير إذن! قال: فقال للحاجب: اعلم الامير بمكان أبي عكرمة. قال: فما لبث إلا ساعة حتى خرج الغلمان يحملوني حملا؛ فدخلت إلى دار لا والله ما رأيت احسن منها بناء، ولا اظرف فرشا، ولا صباحة وجوه؛ فحين دخلنا نظرت إلى أبي عيسى، فلما أبصرني قال لي: ما يعيش من يحتشم! اجلس، فجلست، فقال: ما هذا القرطاس بيدك؟ قلت: يا سيدي حملته لاستفيد فيه شيئا، وأرجو أن أدرك حاجتي في هذا المجلس. فمكثنا حينا، ثم أتينا بطعام ما رأيت أكثر منه ولا احسن، فأكلنا؛ وحانت مني التفاتة، فإذا أنا بزنين ودبيس؛ وهما من أحذق الناس بالغناء، قال: فقلت: هذا مجلس قد جمع الله فيه كلّ شيء مليح. قال: ورفع الطعام وجيء بالشراب؛ وقامت جارية تسقينا شرابا ما رأيت أحسن منه، في كل كأس لا أقدر على وصفها؛ فقلت: أعزك الله، ما أشبه بقول ابراهيم بن المهدي يصف جارية بيدها خمر:
حمراء صافية في جوف صافية ... يسعى بها نحونا خود من الحور «1»
حسناء تحمل حسناوين في يدها ... صاف من الرّاح في صافي القوارير «2»
وقد جلس المسدود وزنين ودبيس، ولم يكن في ذلك الزمان أحذق من هؤلاء الثلاثة بالغناء؛ فابتدأ المسدود فغنّى:
لما استقلّ بأرداف تجاذبه ... واخضرّ فوق حجاب الدرّ شاربه «3»
(7/42)

وتمّ في الحسن والتامت محاسنه ... ومازجت بدعا فيها غرائبه
وأشرق الورد في نسرين وجنته ... واهتزّ أعلاه وارتجّت حقائبه «1»
كلمته بجفون غير ناطقه ... فكان من ردّه ما قال حاجبه
ثم سكت، فغنى زنين:
الحبّ حلو أمرّته عواقبه ... وصاحب الحبّ صبّ القلب ذائبه «2»
أستودع الله من بالطّرف ودّعني ... يوم الفراق ودمع العين ساكبه
ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي ... ارفق بقلبك قد عزّت مطالبه
وقال:
وعاتبته دهرا فلما رأيته ... إذا ازداد ذلا جانبي عز جانبه
عقدت له في الصدر منّي مودّة ... وخلّيت عنه مبهما لا أعاتبه
ثم سكت، فغنى دبيس:
بدر من الإنس حفّته كواكبه ... قد لاح عارضه واخضرّ شاربه
إن يوعد الوعد يوما فهو مخلفه ... أو ينطق القول يوما فهو كاذبه
عاطيته كدم الاوداج صافية ... فقام يشدو وقد مالت جوانبه «3»
قال أبو عكرمة: فعجبت أنهم غنّوا بلحن واحد وقافية واحدة.
قال أبو عيسى: يعجبك من هذا شيء يا أبا عكرمة؟ فقلت: يا سيدي المنى دون هذا. ثم إن القوم غنّوا على هذا إلى انقضاء المجلس: إذا ابتدأ المسدود تبعه الرجلان بمثل ما غنى؛ فكان مما غنى المسدود:
يا دير حنّة من ذات الأكيراح ... من يصح عنك فإني لست بالصّاحي «4»
(7/43)

يعتاده كل محفيّ مفارقه ... من الدّهان عليه سحق أمساح
ما يدلفون إلى ماء بآنية ... إلّا اغترافا من الغدران بالرّاح
ثم سكت فغنى زنين:
دع البساتين من آس وتفّاح ... واعدل هديت إلى ذات الأكيراح
واعدل إلى فتية ذابت لحومهم ... من العبادة إلّا نضو أشياح
وخمرة عتّقت في دنّها حقبا ... كأنها دمعة في جفن سيّاح «1»
ثم سكت فغنى دبيس:
لا تحفلنّ بقول اللائم اللّاحي ... واشرب على الورد من مشمولة الراح
كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها ... أغناك لألاؤها عن كلّ مصباح
ما زلت أسقي نديمي ثم ألثمه ... والليل ملتحف في ثوب سيّاح
فقام يشدو وقد مالت سوالفه ... يا دير حنّة من ذات الأكيراح
ثم ابتدأ المسدود فغنى:
باحورار العين والدّعج ... واحمرار الخدّ في الضّرج «2»
وبتفّاح الخدود وما ... ضمّ من مسك ومن أرج
كن رقيق القلب إنك من ... قتل من يهواك في حرج
ثم سكت وغنى زنين:
كسرويّ التّيه معتدل ... هاشميّ الدّلّ والغنج
وله صدغان قد عطفا ... ببياض الخدّ كالسّبح «3»
وإذا ما افتر مبتسما ... أطلق الاسرى من المهج
ما لما بي من من فرج ... لا ابتلاني الله بالفرج
(7/44)

ثم سكت وغنى دبيس:
تعمل الأجفان بالدّعج ... عمل الصهباء بالمهج
بأبي ظبي كلفت به ... واضح الخدّين والفلج
مرّ بي في زيّ ذي خنث ... بين ذات الضّال من أمج «1»
قلت قلبي قد فتكت به ... قال ما في الدّين من حرج
ثم سكت وغنى المسدود:
ما يبالي اليوم ما صنعا ... من بقلبي يبدع البدعا
كنت ذا نسك وذا ورع ... فتركت النّسك والورعا
كم زجرت القلب عنك فلم ... يضغ لي بوما ولا نزعا
لا تدعني للهوى غرضا ... إنّ ورد الموت قد شرعا
ثم سكت وغنى دبيس:
اسقني كأسا مصرّدة ... إنّ الليل قد طلعا «2»
قد شربت الحبّ شرب فتى ... لم يدع في كأسه جرعا
ثم ابتدأ أيضا دبيس فغنى:
يقولون في البستان للعين لذة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن «3»
إذا شئت أن تلقي المحاسن كلّها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن
فغضب المسدود لما قطع عليه دبيس، وقال: غن على غير هذه القافية واللحن، ثم نرجع إلى حالنا الاولى: فقال ابو عكرمة: قد أصبت. فابتدأ المسدود فغنى:
أدعوك من قلبي إذا لم أرك ... يا غاية الطرف إذا أبصرك
قضى لك الله فسبحان من ... أحلك القلب ومن قدّرك
لست بناسيك على حالة ... يا ليت ما يذكرني ذكّرك
(7/45)

صيّرني الله على ما أرى ... منك من الهجر ما صبّرك
قال: فقال زنين: وأنا فلابد أن أسلك سبيلكما. قال أبو عكرمة: ثم التفت إلي فقال: ما ترى؟ فقلت. أحسنت والله. فابتدأ يغني:
يا هائم القلب عاص من عذلك ... ما نلت ممن هويته أملك
دعاك داعي الهوى بخدعته ... حتى إذا ما أحببته خذلك
فاحتل لداء الهوى وسطوته ... إنك إن لم تداوه قتلك
ثم ابتدأ المسدود يغني:
شققت جيبي عليك شقا ... وما لجيبي أردت شقا
أردت قلبي فصادفته ... يداي بالجيب قد توقى
مالك رقّي أبيت عتقي ... لولاك ما كنت مسترقا
ثم سكت وغنى زنين:
قد ذبت شوقا ومتّ عشقا ... يا زفرات المحبّ رفقا
ثكلت نفسي وزرت رمسي ... إن كنت للهجر مستحقا
ثم سكت وغنى دبيس:
ظمئت شوقا وبحر عشقي ... يفيض عذبا ولست أسقي
أنا الذي صرت من غرامي ... على فراش السّقام ملقى
فمن زفير ومن شهيق ... ومن دموع تجود سبقا
ثم ابتدأ المسدود فغنى:
ماذا على نجل العيون لو أنهم ... أوموا إليك فسلموا أو عرّجوا «1»
أمنوا مقاساة الهموم وأيقنوا ... أنّ المحبّ إلى الاحبّة يدلج
(7/46)

ثم سكت وغنى دبيس:
هيّا فقد بدأ الصّباح الأبلج ... والشمس والبدر في خدّيك والضّرج «1»
الدر ثغرك لولا ان ذا برد ... والحبر صدغك لولا ان ذا سبج
انضجت قلبي ولو أن الورى لقيت ... قلوبهم منك ما لاقيت ما لهجوا «2»
ثم سكت وابتدأ المسدود فغنى:
يا صاحب المقل المراض ... انظر إليّ بعين راض
إن تجفني متعمّدا ... لتذيقني جرع الحياض «3»
فلطالما امكنتني ... منك المراشف عن تراض «4»
ثم سكت وغنى زنين:
هائم مدنف من الإعراض ... لا سبيل له إلى الإغماض
موثق النوم مطلق الدمع ما يعر ... ف ملجا من الحتوف القواضي
ما يرى جسمه سوى لحظات ... أمرضته من العيون المراض
كن ساخطا واظهر بأنّك راض ... لا تبدين تكرّه الإعراض
وانظر إليّ بمقلة غضبانة ... إن كنت لم تنظر بمقلة راض
وارحم جفونا ما تجفّ من البكا ... في ليلة مسلوبة الإغماض
واحكم فديتك بين جسمي والهوى ... فالحكم منك على الجوارح ماض
ثم ابتدأ المسدود فغنى:
يا ذا الذي حال عن العهد ... ومن يراني منه بالصدّ «5»
بسمرة الخال وما قد حوى ... من حمرة في سالف الخد
(7/47)

إلا تعطفت على عاشق ... منفرد بالبثّ والوجد «1»
ثم سكت وغنى زنين:
أظلّ بكتمان الهوى وكأنما ... ألاقي الذي لاقاه غيري من الوجد
وعيب عليّ الشّوق والوجد والبكا ... ولا أنا بالشكوى أنفّس من جهدي
ثم سكت وغنى دبيس:
تهزّأت بي لما خلوت من الوجد ... ولم ترث لي لا كان عندك ما عندي
وعيب عليّ الشوق والوجد والبكا ... وأنت الذي أجريت دمعي على خدّي
صددت بلا جرم إليك أتيته ... أكان عجيبا لو صددت عن الصدّ «2»
ألا إنّني عبد لطرفك خاضع ... وطرفك مولى لا يرق على عبد
ثم غنى المسدود:
أقمت ببلدة ورحلت عنها ... كلانا عند صاحبه غريب
أقلّ الناس في الدنيا نصيبا ... محبّ قد نأى عنه الحبيب «3»
ثم سكت وغنى زنين:
ويقنعني ممن أحبّ كتابه ... ويمنعنيه، إنه لبخيل
كفى حزنا أن لا أطيق وداعكم ... وقد حان منّي يا ظلوم رحيلي
ثم سكت وغنى دبيس:
يا واحد الحسن الذي لحظاته ... تدعو النّفوس إلى الهوى فتجيب
من وجهه القمر المنير وحسنه ... غصن نضير مشرق وكثيب»
ألناظريك على العيون رقيبة ... أم هل لطرفك في القلوب نصيب
ثم ابتدأ المسدود فغنى:
(7/48)

قلق لم يزل وصبر يزول ... ورضا لم يطل وسخط يطول
لم تسل دمعتي عليّ من الرّحمة حتى رأيت نفسي تسيل
جال في جسمي السّقام فجسمي ... مدنف ليس فيه روح تجول «1»
ينقضي للقتيل حول فينسى ... وأنا فيك كلّ يوم قتيل
ثم سكت وغنى زنين:
ليس إلى تركك من حيلة ... ولا إلى الصبر لقلبي سبيل
فكيفما شئت فكن سيدي ... فإنّ وجدي بك وجد طويل
إن كنت أزمعت على هجرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل
قال أبو عكرمة: فأقبل أبو عيسى على المسدود فقال له غنّ صوتا. فغنى:
يا لجّة الدمع هل للدّمع مرجوع ... أم الكرى من جفون العين ممنوع «2»
ما حيلتي وفؤادي هائم أبدا ... بعقرب الصّدغ من مولاى ملسوع
لا والذي تلفت نفسي بفرقته ... فالقلب من حرّق الهجران مصدوع
ما أرّق العين إلا حبّ مبتدع ... ثوب الجمال على خدّيه مخلوع
قال أبو عكرمة: فو الله الذي لا إله إلا هو، لقد حضرت من المجالس ما لا أحصي، فما رأيت مثل ذلك اليوم. ثم إن أبا عيسى أمر لكل واحد بجائزة وانصرفنا، ولولا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا.
من سمع صوتا فوافقه معناه فاستخفه الطرب
حكي عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال: دخلت على هارون الرشيد فلما رأيته قد أخذ في حديث الجواري وغلبتهنّ على الرجال، غنيته بأبيات التي يقول فيها:
(7/49)

ملك الثّلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكلّ مكان
مالي تطاوعني البريّة كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
ما ذاك إلا أنّ سلطان الهوى ... وبه قوين أعزّ من سلطاني
فارتاح وطرب، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
الموصلي والأمين
: وغنى إبراهيم الموصلي محمد بن زبيدة الأمين بقول الحسن بن هانيء فيه:
رشأ لولا ملاحته ... خلت الدّنيا من الفتن «1»
كلّ يوم يسترقّ له ... حسنه عبدا بلا ثمن
يا أمين الله عش أبدا ... دم على الأيام والزمن
أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن
سنّ للناس القرى فقروا ... فكأنّ البخل لم يكن
قال: فاستخفه الطرب حتى قام من مجلسه وأكبّ على إبراهيم يقبّل رأسه؛ فقام إبراهيم من مجلسه يقبل أسفل رجليه وما وطئتنا من البساط؛ فأمر له بثلاثة آلاف درهم؛ فقال إبراهيم: يا سيدي، قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم! فقال الأمين: وهل ذلك إلا خراج بعض الكور؟ «2» .
جرير والشعراء
: الرياشي عن الأصمعي؛ قال: قدم جرير المدينة، فأتاه الشعراء وغيرهم، وأتاه أشعب فيهم، فسلموا عليه وحادثوه ساعة وخرجوا، وبقي أشعب. فقال له جرير:
أراك قبيحا، وأراك لئيم الحسب؛ ففيم قعودك وقد خرج الناس؟ فقال له: أصلحك الله، إنّه لم يدخل عليك اليوم أحد أنفع لك مني! قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني آخذ
(7/50)

رقيق شعرك فأزيّنه بحسن صوتي. فقال له جرير: فقل. فاندفع يغنيه:
يا أخت ناجية السّلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذّل «1»
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
قال: فاستخف جرير الطرب لغنائه بشعره، حتى زحف إليه واعتنقه وقبّل بين عينيه، وسأله عن حوائجه فقضاها له.
المسور وامرأ
: الزبير بن بكار قال: كان المسور بن مخرمة ذا مال كثير، فأسرع فيه على إخوانه، فذهب فسأل امرأته- وكانت موسرة- فمنعته وبخلت عليه؛ فخرج يريد بعض خلفاء بني أمية منتجعا، فلما كان ببعض الطريق نزل ماء يقال له بلا كث، فقال له غلامه: كيف يقال لهذا الماء؟ قال: يقال له بلا كث، فقال [مغنّيا] :
بينما نحن من بلا كث بالقا ... ع سراعا والعيس تهوي هويّا
خطرت خطرة على القلب من ذكر ... راك وهنا فما استطعت مضيّا
قلت لبّيك إذ دعاني لك الشّو ... ق، وللحاديين كرّا المطيّا
فقال: هن بدن «2» إن لم تكرها رواجع. قال له: قد أشرفن على أمير المؤمنين قال: هن بدن إن لم تكرها رواجع! فانصرف، ودخل المصلى ليلا، فوجد رجال قريش حلقا يتحدثون، فقالوا له: زاد خير! فقال: زاد خير. حتى انتهى إلى داره، فقالت له امرأته: زاد خير! فأنشدها الأبيات، قالت: كل ما أملك في سبيل الله، إن لم أشاطرك مالي! فشاطرته مالها.
عمر الوادي
: وروى أبو العباس قال: حدثت أن عمر الوادي قال: أقبلت من مكة أريد
(7/51)

المدينة، فجعلت أسير في صمد «1» من الأرض، فسمعت غناء من الهواء لم أسمع مثله فقلت: والله لأتوصّلنّ إليه. فإذا هو عبد أسود، فقلت له: أعد ما سمعت. فقال:
والله لو كان عندي قرى أقريك ما فعلت، ولكن أجعله قراك؛ فإني والله ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط وربما غنيته وأنا عطشان فأروى! ثم ابتدأ فغنى:
وكنت متى ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو يعيدها «2»
قال عمر: فحفظته منه، ثم تغنيت به على الحالات التي وصف، فإذا هو كما ذكره.
خالد صامة
: وتحدث الزبيريون عن خالد صامة بأنه كان من أحسن الناس ضربا بعود. قال:
قدمت على الوليد بن يزيد في مجلس ناهيك به مجلسا، فألفيته على سريره، وبين يديه معبد، ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل غزيّل الدمشقي وكانوا يغنّون، حتى بلغت النوبة إليّ، فغنيته:
سرى همّي وهمّ المرء يسري ... وغاب النّجم إلا قيد فتر «3»
لهمّ ما أزال له قرينا ... كأنّ القلب أودع حرّ جمر
على بكر أخي، فارقت بكرا ... وأيّ العيش يصلح بعد بكر
فقال: أعد يا صام. ففعلت، فقال لي: من يقول هذا الشعر؟ قلت: يقوله عروة ابن أذينة يرثي أخاه بكرا. قال الوليد:
وأي عيش يصلح بعد بكر! والله لقد حجّر واسعا، هذا والله العيش الذي نحن فيه، يصلح على رغم أنفه.
(7/52)

سكينة
: وقد قيل: إن سكينة بنت الحسين غنيت بهذا الشعر، فقالت: ومن بكر هذا! هو ذاك الأشتر الذي كان يأتينا؟ لقد طاب كلّ شيء بعده حتى الخبز والزيت!
الرشيد وإسحاق الموصلي
: وعن عبد الصمد بن المعذّل قال: سمعت إسحاق الموصلي يتحدث، قال: حججت مع الرشيد، فلما نزلت المدينة آخيت رجلا كانت له مروءة ومعرفة وأدب، وكان يغنّي، فإنّي ذات ليلة في منزلي إذا أنا بصوته يستأذن عليّ، فظننت أمرا قد حدث ففزع فيه إليّ، فأسرعت نحو الباب فقلت: ما جاء بك؟ قال: دعاني صديق إلى طعام عتيد، ومجلس شراب قد التقى طرفاه، وشواء رشراش «1» ، وحديث ممتع، وغناء مشبع؛ فأجبته وأقمت معه إلى هذا الوقت، فأخذت مني حميا الكأس مأخذها، ثم غنيت بقول نصيب:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الرّكب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب
فكدت أطير طربا، ثم وجدت في الطرب تنغيصا إذا لم يكن معي من يفهم هذا كما فهمته؛ ففزعت «2» إليك لأصفت لك هذه الحال ثم أرجع إلى صاحبي! وضرب بغلته مولّيا فقلت: قف أكلمك. فقال: ما بي إلى الوقوف إليك من حاجة.
معاوية وزيد وسائب خاثر
: وحدث أن معاوية بن أبي سفيان استمع على يزيد ذات ليلة، فسمع عنده غناء أعجبه؛ فلما أصبح قال له: من كان ملهيك البارحة؟ قال: سائل خاثر. قال: فأكثر له من العطاء.
(7/53)

عثمان بن حيان وابن أبي عتيق في تحريم الغناء
: وكان ابن أبي عتيق من نبلاء قريش وظرفائهم؛ فمن ظريف أخباره:
أن عثمان بن حيان المرّي لما دخل المدينة واليا عليها، اجتمع إليه الأشراف من قريش والأنصار، فقالوا له: إنك لا تعمل عملا أحرى ولا أولى من تحريم الغناء والرثاء. ففعل، وأجّلهم ثلاثا؛ فقدم ابن أبي عتيق في الليلة الثالثة، وكان غائبا، فحط رحله بباب سلّامة الزرقاء، وقال: بدأت بك قبل أن أصير إلى منزلي! قالت:
أو ما تدري ما حدث بعدك؟ وأخبرته الخبر؛ فقال: أقيمي إلى السّحر حتى ألقاه.
فلقيه، فأخبره أنه إنما أقدمه حبّ التسليم عليه، وقال له: إن أفضل ما عملت تحريم الغناء والرثاء. فقال: إن أهلك أشاروا عليّ بذلك. فقال: إنهم وفّقوا ووفّقت، ولكني رسول امرأة إليك تقول: قد كانت هذه صناعتي فتبت إلى الله منها، وأنا أسألك أيها الأمير أن لا تحول بينها وبين محاورة قبر النبي صلّى الله عليه وسلم! فقال عثمان: إذا أدعها. فقال: إذا لا تدعك الناس؛ ولكن تدعو بها فتنظر إليها، فإن كان يجوز تركها تركتها. قال: فادع بها. فأمر ابن أبي عتيق فتنقّبت وأخذت سبحة «1» في يدها، وصارت إليه، فحدّثته عن مآثر آبائه، ففكه بها فقال ابن أبي عتيق: أريد أن أسمع الأمير قراءتها. ففعلت؛ فحركه حداؤها. ثم قال له ابن أبي عتيق: فكيف لو سمعتها في صناعتها التي تركتها! فقال له: قل لها فلتغنّ. فغنت:
شددّت خصاص البيت لما دخلته ... بكلّ بنان واضح وجبين «2»
فنزل عثمان عن سريرة ثم جلس بين يديها، وقال: لا والله ما مثلك يخرج عن المدينة! فقال ابن أبي عتيق: يقول الناس: أذن لسلّامة ومنع غيرها! فقال له: قد أذنت لهم جميعا! وذكر لابن أبي عتيق أن المخنثين خصوا، وأنه خصي فلان فيهم- لواحد منهم
(7/54)

كان يعرفه-، فقال ابن أبي عتيق: إنا لله! لئن خصي لقد كان يحسن:
لمن ربع بذات الجي ... ش أمسى دراسا خلقا
ثم استقبل ابن أبي عتيق القبلة، فلما كبّر سلّم، ثم قال لأصحابه: أما إنه كان يحسن خفيفه، فأما ثقيله فلا. ثم كبّر.
سليمان ومغن في عسكره
: وكان سليمان بن عبد الملك مفرط الغيرة، فسمع مغنيا في عسكره، فقال: اطلبوه! فجاءوا به، فقال له: أعد ما تغنّيت به. فأعاد واحتفل، فقال لأصحابه: والله لكأنها جرجرة الفحل في الشول، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت إليه! ثم أمر به فخصي.
ابن هشام ورجل صالح
: وقال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي: روي لنا أن رجلا من الصالحين كان عند إبراهيم بن هشام، فانشده إبراهيم قول الشاعر:
... إذا أنت فينا لمن ينهاك عاصية ... وإذ أجرّ إليكم سادرا رسني «1»
فقام الرجل فرمى بشقّ ردائه وأقبل يسحبه حتى خرج من المجلس، ثم رجع إلى موضعه فجلس؛ فقال له إبراهيم: ما بالك؟ قال: إني كنت سمعت هذا الشعر فاستحسنته، فآليت أن لا أسمعه إلا جررت ردائي كما جر هذا الرجل رسنه!
شاعر ومغن
: ووقف رجل من الشعراء على رجل من المغنّين فأنشده:
إني أتيت إليك من أهلي ... في حاجة يسعى لها مثلي
لا أبتغي شيئا لديك سوى ... «حيّ الحمول بجانب الرّمل»
(7/55)

قال له: انزل!
دهمان المغني
: مرّ دهمان المغني بقوم وعليه رداء يثربي، فقالوا له: بكم أخذت الرداء؟ فقال:
ب ألا إنّ جيراننا ودّعوا
أشعب وهاشمى
: وحدّثني أبو العباس أحمد بن بكر ببغداد قال: حدثني إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: كان يقال قديما: إذا قسا عليك قلب القرشي من تهامة، فغنّه بشعر عمر بن أبي ربيعة وغناء ابن سريج. وكذا فعل أشعب برجل من أهل مكة من بني هاشم، وكان أشعب قد انتجع أهل مكة من المدينة.
قال أشعب: فلما دخلت عليه غنيته بغناء أهل المدينة وأهل العقيق، فلم ينجع ذلك فيه ولم يحرّك من طربه ولا أريحيّته؛ فلما عيل صبري غنيته بغناء ابن سريج المكي وقول ابن أبي ربيعة القرشي:
نظرت إليها بالمحصّب من منى ... ولي نظر لولا التحرّج عارم
فقلت أشمس أم مصابيح راهب ... بدت لك تحت السجف أم أنت حالم «1»
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم
قال: فحرّكت والله من طربه، وكان الذي أردت؛ ثم غنيته لابن أبي ربيعة القرشي أيضا.
ولولا أن يقول لنا قريش ... مقال الناصح الأدنى الشفيق
لقلت إذ التقينا قبليني ... وإن كنا بقارعة الطريق
فقال: أحسن والله! هكذا يطيب التلقّي، لا بالخوف والتوقّي! قال: فلما رأيته قد
(7/56)

طرب للصوتين ولم يندّ لي بشيء، قلت: هو الثالث وإلا فعليه السلام. قال: فغنيته الثالث من غناء ابن سريج قول عمر بن أبي ربيعة، ويقال إنها لجميل:
ما زلت أمتحن الدّساكر دونها ... حتى ولجت على خفيّ المولج «1»
فوضعت كفّي عند مقطع خصرها ... فتنفّست نفسا ولم تتلهّج
قالت: وحقّ أخي وحرمة والدي ... لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسّمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج
فرشفت فاها آخذا بقرونها ... رشف النزيف ببرد ماء الحشرج
فصاح الهاشمي: أوّه! أحسن والله وأحسنت! وأمر لي بألف درهم وثلاثين حلة وخلعة كانت عليه.
وغنى ابن سريج رجلا من بني هاشم بقول جرير:
بعثن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأسهم أعداء وهنّ صديق
وما ذقت طعم العيش منذ نأيتم ... وما ساغ لي بين الجوانح ريق
قال: فخطف من ثوبه ذراعا، وقال: هذا والله العقيان في نحور القيان!
مديني وجارية تغني
: قال: وصحب شيخ من أهل المدينة شابّا في سفينة ومعهم جارية تغني، فقال له:
إن معنا جارية تغني، ونحن نجلّك؛ فإذا أذنت لنا فعلنا. قال: فأنا أعتزل وافعلوا ما شئتم. فتنحّى وغنت الجارية:
حتى إذا الصّبح بدا ضوؤه ... وغابت الجوزاء والمرزم «2»
أقبلت والوطء خفيّ كما ... ينساب من مكمنه الأرقم «3»
فرمى الناسك بنفسه في الفرات وجعل يخبط بيديه ويقول: أنا الأرقم! فأخرجوه
(7/57)

وقالوا: ما صنعت؟ فقال: والله إني أعلم من تأويله ما لا تعلمون!
قاضي مكة ومغنية
: وقال أحمد بن جعفر: حضر قاضي مكة مأدبة لرجل من الأشراف، فلما انقضى الطعام اندفعت جارية تغني:
إلى خالد حتى أنخنا بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل «1»
فلم يدر القاضي ما يصنع من الطرب، حتى أخذ نعليه، ثم جثى على ركبتيه وقال:
اهدوني فإني بدنة.
هاشمي ومغن
: كان رجل من الهاشميين يحب السماع؛ فبعث إلى رجل من المغنين فاقترح عليه صوتا كان كلفا به، فغناه إياه، فطرب الهاشمي وشق ثوبا كان عليه، ثم قال للمغني:
افعل بنفسك مثل ما فعلت بنفسي! قال: أصلحك الله، إنك تجد خلفا من ثوبك، وإني لا أجد خلفا من ثوبي قال: أنا أخلف لك. قال: فأفعل وتفعل؟ قال: أخرجتنا من حد الطرب إلى حد السّوم.
من قرع قلبه صوت فمات منه أو أشرف
يزيد ومغنية
: حدث أبو القاسم إسماعيل بن عبد الله المأمون في طريق الحج من العراق إلى مكة، قال: حدثني أبي، قال: كانت بالمدينة قينة من أحسن الناس وجها وأكملهم عقلا وأفضلهم أدبا، قرأت القرآن وروت الأشعار وتعلمت العربية؛ فوقعت عند يزيد بن عبد الملك، فأخذت بمجامع قلبه، فقال لها ذات يوم: ويحك! أما لك قرابة أو أحد يحسن أن أصطنعه أو أسدي إليه معروفا؟ قالت: يا أمير المؤمنين، أما قرابة فلا،
(7/58)

ولكنّ بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاتي، كنت أحبّ أن ينالهم من خير ما صرت إليه! فكتب إلى عامله بالمدينة في أشخاصهم، وأن يعطي كل رجل منهم عشرة آلاف درهم، وأن يعجل بسراحهم إليه؛ ففعل عامل المدينة ذلك؛ فلما وصلوا إلى باب يزيد استؤذن لهم، فأذن لهم وأكرمهم وسألهم [عن] حوائجهم؛ فأما الاثنان فذكرا حوائجهما فقضاها لهما وأما الثالث فسأله عن حاجته؛ فقال: يا أمير المؤمنين، مالي حاجة! قال: ويحك! ولم؟ ألست أقدر على حوائجك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن حاجتي لا أحسبك تقضيها! قال: ويحك! فسلني، فإنك لا تسألني حاجة أقدر عليها إلا قضيتها. قال: ولي الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم وكرامة، قال: إن رأيت أن تأمر جاريتك فلانة التي أكرمتنا لها أن تغنّيني ثلاثة أصوات أشرب عليها ثلاثة أرطال، فافعل، قال: فتغير وجه يزيد. وقام من مجلسه، فدخل على الجارية فأعلمها؛ قالت: وما عليك يا أمير المؤمنين؟ أفعل ذلك. فلما كان من الغد أمر بالفتى فأحضر، وأمر بثلاثة كراسي من ذهب فألقيت؛ فقعد يزيد على أحدها، وقعدت الجارية على الآخر، وقعد الفتى على الثالث؛ ثم دعا بطعام فتغدّوا جميعا، ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت؛ ثم قال للفتى: قل ما بدا لك وسل حاجتك. قال: تأمرها تغني:
لا أستطيع سلّوا عن مودّتها ... أو يصنع الحبّ بي فوق الذي صنعا
أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا
فامرها فغنّت، فشرب يزيد وشرب الفتى، ثم شربت الجارية؛ ثم أمر بالأرطال فملئت، ثم قال للفتى: سل حاجتك. قال: تأمرها تغني:
تخيّرت من نعمان عود أراكة ... لهند، ولكن من يبلّغه هندا؟
ألا عرّجا بي بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
قال: فغنت بهما، وشرب يزيد ثم الفتى ثم الجارية؛ ثم أمر بالأرطال فملئت؛ ثم قال للفتى: سل حاجتك. قال: يا أمير المؤمنين مرها تغني:
منّا الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرّق بيننا الدهر
(7/59)

والله ما أسلوكم أبدا ... ما لاح نجم أو بدا فجر
قال: فلم تأت على آخر الأبيات حتى خرّ الفتى مغشيا عليه؛ فقال يزيد للجارية:
انظري ما حاله! فقامت إليه فحرّكته، فإذا هو ميت! فقال لها: ابكيه! قالت لا أبكيه يا أمير المؤمنين وأنت حيّ! قال لها: ابكية، فو الله لو عاش ما انصرف إلا بك! فبكته، وأمر بالفتى فأحسن جهازه ودفنه.
عبد الملك وابن جعفر في الغناء
: قال: وحدّث أبو يوسف بالمدينة قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الجذامي عن أبيه، أنّ عبد الله بن جعفر وفد على عبد الملك بن مروان، فأقام عنده حينا؛ فبينا هو ذات ليلة في سمره، إذ تذاكروا الغناء؛ فقال عبد الملك: قبح الله الغناء! ما أوضعه للمروءة، وأجرحه للعرض، وأهدمه للشّرف، وأذهبه للبهاء! وعبد الله ساكت، وإنما عرّض بعبد الله، وأعانه عليه من حضر من أصحابه- فقال عبد الملك: مالك أبا جعفر لا تتكلم؟ قال: ما أقول ولحمي يتمزع وعرضي يتمزق؟ قال: أما إني نبّئت أنك تغني! قال: أجل يا أمير المؤمنين، قال: أفّ لك وتفّ! قال: لا أفّ ولا تفّ، فقد تأتي أنت بما هو أعظم من ذلك، قال: وما هو؟ قال: يأتيك الأعرابي الجافي، يقول الزّور؛ ويقذف المحصنات؛ فتأمر له بألف دينار، وأشتري أنا الجارية الحسناء من مالي، فأختار لها من الشعر أجوده، ومن الكلام أحسنه، ثم تردّده عليّ بصوت حسن؛ فهل بذلك بأس؟ قال: لا بأس، ولكن أخبرني عن هذه الأغاني ما تصنع؟
قال: نعم، اشتريت جارية باثني عشر ألف درهم مطبوعة، فكان بديح وطويس يأتيانها فيطرحان عليها أغانيهما، فعلقت منهما حتى غلبت عليهما؛ فوصفت ليزيد بن معاوية، فكتب إليّ: إمّا أهديتها إليّ، وإمّا بعتها بحكمك. فكتبت إليه: إنها لا تخرج عن ملكي ببيع ولا هبة! فبذل لي فيها ما كنت أحسب أنّ نفسه لا تسخو به، فأبيت عليه.
فبينما هي عندي على تلك الحال، إذ ذكرت لي عجوز من عجائزنا أنّ فتى من
(7/60)

أهل المدينة سمع غناءها فعلقها وشغف بها، وأنه يجيء في كل ليلة مستترا يقف بالباب حتى يسمع غناءها ثم ينصرف؛ فراعيت مجيئه، فإذا الفتى قد أقبل مقنّع الرأس، فأشرفت عليه وقد قعد مستخفيا، فلم أدع بها تلك الليلة، وجعلت أتأمّل موضعه، فبات مكانه الذي هو فيه؛ فلما انشق الفجر اطلعت عليه، فإذا هو في موضعه، فدعوت قيّمة الجواري فقلت لها: انطلقي الساعة فزيّني هذه الجارية وأعجلي بها إليّ. فلما جاءت بها نزلت وفتحت الباب وحرّكته، فانتبه مذعورا؛ فقلت له: لا بأس عليك! خذ بيد هذه الجارية فهي لك، وإن هممت ببيعها فردّها إليّ! فدهش وأخذه الخبل ولبط به «1» ؛ فدنوت من أذنه! فقلت: ويحك! قد أظفرك ببغيتك، فقم فانطلق بها إلى منزلك! فإذا الفتى قد فارق الدنيا، فلم أر شيئا قط أعجب منه! قال عبد الملك: وأنا والله ما سمعت شيئا قط أعجب من هذا ولولا أنك عاينته ما صدّقت به؛ فما صنعت بالجارية؟ قال: تركتها عندي، وكنت إذا ذكرت الفتى لم أجد لها مكانا من قلبي، وكرهت أن أوجّه بها إلى يزيد فيبلغه حالها فيحقد عليّ، فما زالت تلك حالها حتى ماتت!
طريفة وأيوب المغني
: ووقف رجل يقال له طريفة على أيوب المغني فقال:
إني قصدت إليك من أهلي ... في حاجة يسعى لها مثلي
لا أبتغي شيئا لديك سوى ... «حيّ الحمول بجانب الرّمل»
فقال له: انزل، فلك ما طلبت، فنزل، فأخرج عوده ثم غناه بقول امريء القيس:
حيّ الحمول بجانب الرمل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي
فلبط «2» بطريفة، فإذا هو في الأرض منجدل، فلما أفاق قام يمسح التراب عن
(7/61)

وجهه؛ فقيل له: ويحك! ما كانت قصتك؟ قال: ارتفع والله من رجلي شيء حارّ، وهبط من رأسي شيء بارد، فالتقيا وتصادما؛ فوقعت لا أدري ما كانت حالي.
أخبار عنان وغيرها من القيان
حدّث محمد بن زكريا الغلابي بالبصرة قال: حدثنا ابراهيم بن عمر قال: كان الرشيد قد استعرض عنان جارية الناطفي ليشتريها، وقال لها: أنا والله أحبّك! ثم أمسك عن شرائها؛ فجلس ليلة مع سمّاره، فغناه بعض من حضر من المغنين بأبيات جرير حيث يقول:
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا «1»
قال: فطرب الرشيد لها طربا شديدا، وأعجب بالابيات، وقال لجلسائه: هل منكم أحد يجيز هذه الابيات بمثلهنّ، وله هذه البدرة؟ - وبين يديه بدرة من دنانير- قال:
فلم يصنعوا شيئا؛ فقال خادم على رأسه: أنا لك بها يا أمير المؤمنين. قال: شأنك.
فاحتمل البدرة؛ ثم أتى الناطفيّ فقال له: استأذن لي على عنان. فأذنت له، فدخل وأخبرها الخبر؛ فقالت: ويحك! وما الابيات؟ فأنشدها إياها، فقالت له: اكتب:
هيّجت بالقول الذي قد قلته ... داء بقلبي ما يزال كمينا
قد أينعت ثمراته في طينها ... وسقين من ماء الهوى فروينا
كذب الذين تقوّلوا يا سيدي ... إنّ القلوب إذا هوين هوينا
فقالت له: دونك الابيات. فدفع إليها البدرة ورجع إلى هارون، فقال: ويحك! من قالها؟ قال: عنان جارية الناطفي. فقال: خلعت الخلافة من عنقي إن باتت إلا عندي! قال: فبعث إلى مولاها فاشتراها منه بثلاثين ألفا، وباتت بقية تلك الليلة عنده! وقال الاصمعي: ما رأيت الرشيد مبتذّلا قط إلا مرة، كتبت إليه عنان جارية الناطفى رقعة فيها:
(7/62)

كنت في ظلّ نعمة بهواكا ... آمنا لا أخاف جفاكا
فسعى بيننا الوشاة فأقرر ... ت عيون الوشاة بي فهناكا
ولعمري لغير ذا كان أولى ... بك في الحق يا جعلت فداكا
قال: فأخذ الرقعة بيده وعنده ابو جعفر الشطرنجي، فقال: أيكم يشير إلى المعنى الذي في نفسي فيقول فيه شعرا وله عشرة آلاف درهم؟ فظننت أنه وقع بقلبه أمر عنان، فبدر ابو جعفر:
مجلس ينسب السرور إليه ... لمحبّ ريحانه ذكراكا
فقال: يا غلام، بدرة! قال الاصمعي: وقلت:
لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيّتي عن سواكا
قال: أحسنت والله يا أصمعي، لها ولك بهذا البيت عشرون ألفا.
قال جرير:
كلما دارت الزجاجة والكأ ... س أعارته صبوة فبكاكا
فقال: أنا أشعركم حيث أقول:
قد تمنيت ان يغشّين ... الله نعاسا لعلّ عيني تراكا
قلنا له: صدقت والله يا أمير المؤمنين.
الباهلي في امر عنان
وقال بكر بن حماد الباهلي: لما انتهى إليّ خبر عنان، وأنها ذكرت لهارون وقيل إنها من أشعر الناس، خرجت معترضا لها؛ فما راعني إلا الناطفي مولاها قد ضرب على عضدي، فقال لي: هل لك فيما سنح من طعام وشراب ومجالسة عنان؟ فقلت: ما بعد عنان مطلب! ومضينا حتى أتينا منزله، فعقل دابته ثم دخل فقال: هذا بكر شاعر باهلة يريد مجالستك اليوم. فقالت: والله، إني كسلانة! فحمل عليها بالسوط؛ ثم قال
(7/63)

لي: ادخل. فدخلت ودمعها يتحدّر كالجمان في خدها، فطمعت بها؛ فقلت:
هذي عنان أسبلت دمعها ... كالدرّ إذ ينسل من خيطه
ثم قلت: أجيزي. فقالت:
فليت من يضربها ظالما ... تجفّ كفّاه على سوطه
فقلت لها: إن لي حاجة. فقالت: هاتها، فمن سببك أوذينا! قلت لها: بيت وجدته على ظهر كتابي، لم أقرضه ولم أقدر على إجازته. قالت: قل: فأنشدتها:
فما زال يشكو الحبّ حتى حسبنه ... تنفّس من أحشائه فتكلما
قال: فأطرقت ساعة ثم أنشدت:
ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكي دمعا بكيت له دما!
قلت لها: فما عندك في اجازة هذا البيت:
بديع حسن بديع صدّ ... جعلت خدّي له ملاذا
فأطرقت ساعة ثم قالت:
فعاتبوه فعنّفوه ... فأوعدوه، فكان ماذا ... ؟
أبو نواس وعنان
وجلس أبو نواس إلى عنان، فقالت: كيف علمك بالعروض وتقطيع الشعر يا حسن؟ قال: جيد. قالت تقطع هذا البيت:
أكلت الخردل الشا ... ميّ في صفحة خبّاز
فلما ذهب يقطّعه ضحكت به وأضحكت، فأمسك عنها وأخذ في ضروب من الاحاديث؛ ثم عاد سائلا لها، فقال: كيف علمك بالعروض؟ قالت: حسن يا حسن فقال: قطعي هذا البيت:
حوّلوا عنّا كنيستكم ... يا بني حمّالة الحطب
(7/64)

فلما ذهبت تقطّعه ضحك أبو نواس، فقالت: قبحك الله! ما برحت حتى أخذت بثأرك!
المأمون وسوسن المغني وجارية
حدّث أبو عبد الله بن عبد البر المدني قال: حدثني إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: كان للمأمون جماعة من المغنين، وفيهم مغنّ يسمى سوسنا، عليه وسم جمال قال:
فبينما هو عنده يغني إذ تطلعت جارية من جواريه فنظرت إليه فعلقته، فكانت إذا حضر سوسن تسوّي عودها وتغني:
ما مررنا بالسّوسن الغضّ إلا ... كان دمعي لمقلتي نديما
حبّذا أنت والمسمّى به أنت وإن كنت منه أذكى نسيما فإذا غاب سوسن أمسكت عن هذا الصوت وأخذت في غيره؛ فلم تزل تفعل ذلك حتى فطن المأمون، فدعا بها ودعا بالسيف والنّطع «1» ؛ ثم قال: اصدقيني أمرك قالت:
يا أمير المؤمنين، ينفعني عندك الصدق؟ قال لها: إن شاء الله! قالت: يا أمير المؤمنين، اطلعت من وراء الستارة فرأيته فعلقته، فأمسك المأمون عن عقوبتها، وأرسل إلى المغني فوهبها له وقال لا يربنا!.
قال أبو الحسن: وكان الواثق إذا شرب وسكر رقد في موضعه الذي سكر فيه، ومن سكر من ندمائه ترك ولم يخرج؛ فشرب يوما فسكر ورقد، وانقلب أصحابه، إلا مغنيا أظهر التراقد، وبقيت معه مغنية للواثق؛ فلما خلا المجلس وقع المغني في سحاءة «2» ودفعها إليها:
إني رأيتك في المنام كأنني ... مترشّف من ريق فيك البارد
وكأنّ كفّك في يدي وكأنما ... بتنا جميعا في فراش واحد
ثم انتبهت ومنكباك كلاهما ... في راحتيّ وتحت خدّك ساعدي «3»
(7/65)

فأجابته:
خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله منّي برغم الحاسد
وتبيت بين خلاخلي ودمالجي ... وتجول بين مراسلي ومجاسدي «1»
فنكون أنعم عاشقين تعاطيا ... ملح الحديث بلا مخافة راصد
فلما مدت يدها لترمي إليه بالسحاءة، رفع الواثق رأسه فأخذ السحاءة من يدها، وقال لهما: ما هذه؟ فحلفا له أنه لم يجر بينهما قبل هذا كلام ولا كتاب ولا رسول غير اللحظ، إلا ان العشق قد خامرهما. فأعتقها وزوّجها منه، فلما أشهد له وتم النكاح، أقامها الواثق إلى بيت من بعض البيوت، فوقع بها ثم خرج فقال له: أردت أن تكشّخني «2» فيها وهي خادمتي، فقد كشختك فيها وهي زوجتك!.
يزيد ومسلمة في حبابة
: قال: ولما كلف يزيد بحبابة واشتغل بها وأضاع الرعية، دخل عليه مسلمة أخوه فقال: يا أمير المؤمنين، تركت الظهور للعامّة، والشهود للجمعة، واحتجبت مع هذه الأمّة! فارعوي قليلا وظهر للناس؛ فأوصت حبابة إلى الاحوص أن يقول أبياتا يهوّن فيها على يزيد ما قال مسلمة؛ فقال وغنّت بها حبابة:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا ... فقد منع المحزون أن يتجلدا
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجر- من يابس الصخر جلمدا
هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنّان وفنّدا
فلما سمعها ضرب بجربّانه «3» الارض وقال: صدقت صدقت؛ على مسلمة لعنة الله! ثم عاد إلى سيرته الاولى.
(7/66)

يزيد بعد موت حبابة
: وحدث ابن الغاز قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا الهيثم بن أبي بكر قال: كان يزيد بن عبد الملك كلفا بحبابة كلفا شديدا، فلما توفيت أكب عليها أياما يترشفها ويتشممها؛؛ ثم انتنت، فقام عنها وأمر بجهازها؛ ثم خرج بين يدي نعشها؛ حتى إذا بلغ القبر نزل فيه؛ حتى إذا فرغ من دفنها وانصرف لصق إليه مسلمة اخوه يعزيه ويؤنسه؛ فلما أكثر عليه قال: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث يقول:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
وكلّ خليل زارني فهو قاتل ... من اجلك: هذه هامة اليوم أو غد «1»
قال: وطعن في جنازتها، فدفنّاه إلى سبعة عشر يوما.
المعتصم وجارية
وذكر المعتصم جارية كانت غلبت عليه وهو بمصر، ولم يكن خرج بها معه؛ فدعا مغنيا له فقال له: ويحك! اني ذكرت جارية، فأقلقني الشوق إليها؛ فهات صوتا يشبه ما ذكرت لك. فأطرق مليا ثم غنى:
وددت من الشوق المبرّح أنني ... أعار جناحي طائر فأطير
فما لنعيم لست فيه بشاشة ... وما لسرور لست فيه سرور
وإنّ امرأ في بلدة نصف قلبه ... ونصف بأخرى غيرها لصبور
فقال: واد ما عدوت ما في نفسي! وأمر له بجائزة، ورحل من ساعته، فلما بلغ الفرما قال:
غريب في قرى مصر ... يقاسي الهمّ والسّدما «2»
لليلك كان بالميدا ... ن اقصر منه بالفرما
(7/67)

وقال المأمون في قينة له:
لها في لحظها لحظات حتف ... تميت بها وتحيي من تريد
فإن غضبت رأيت الناس قتلي ... وإن ضحكت فأرواح تعود
وتسبي العالمين بمقلتيها ... كأنّ العالمين لها عبيد
وأنشد البحتري في قينة له:
أمازحها فتغضب ثم ترضى ... وفعل جمالها حسن جميل
فإن تغضب فأحسن ذات دلّ ... وإن ترضى فليس لها عديل
وقال المعتز في قينة له:
فأمسيت في ليلين للشّعر والدّجا ... وشمسين من كأس ووجه حبيب
وقال هارون الرشيد في قينة له رحمه الله:
تبدي صدودا وتخفي تحته مقة ... فالنّفس راضية والطرف غضبان «1»
يا من وضعت له خدّي فذلله ... وليس فوقي سوى الرحمن سلطان
وقال ابراهيم الشيباني: القينة لا تخلص محبة لأحد، ولا تؤتى إلا من باب طمع.
وقال علي بن الجهم: قلت لقينة:
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني»
فقالت: تأتي من باب الذهب، وأنشدت:
اجعل شفيعك منقوشا تقدّمه ... فلم يزل مذنبا من ليس بالدّاني «3»
أشعب وقينة
وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة فجلس عندها يوما يطارحها الغناء؛ فلما أراد الخروج قال لها: نوّليني خاتمك أذكرك به. قالت: إنه ذهب، وأخاف ان تذهب؛
(7/68)

ولكن هذ خذ العود، لعلك تعود! وناولته عودا من الأرض!.
وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة يكلف بها وينقطع إذا نظرها، فطلبت منه أن يسلفها دراهم، فانقطع عنها وتجنب دارها، فعلمت له دواء ولقيته به؛ فقال لها: ما هذا؟ قالت: دواء عملته لك تشربه لهذا الفزع الذي بك! قال: اشربيه أنت للطمع، فان انقطع طمعك انقطع فزعي. وأنشأ يقول:
أنا والله أهواك ... ولكن ليس لي نفقه
فإمّا كنت تهويني ... فقد حلّت لي الصّدقه
أبو الحارث وقينة
وقعد أبو الحارث جمّيز إلى قينة بالمدينة صدر نهاره، فجعلت تحدّثه ولا تذكر الطعام؛ فلما طال ذلك به قال: مالي لا أسمع للطعام ذكرا؟ قالت: سبحان الله! أما تستحي؟ أما في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال لها: جعلت فداك، لو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة واحدة لا يأكلان، لبصق كل واحد منهما في وجه صاحبه وافترقا!.
أبو نواس وقينة
وقال الشيباني: كانت بالعراق قينة، وكان أبو نواس يختلف إليها، فتظهر له أنها لا تحب غيره؛ وكان كلما جاءها وجد عندها فتى يجلس عندها ويتحدث إليها؛ فقال فيها:
ومظهرة لخلق الله ودّا ... وتلقى بالتّحيّة والسّلام
أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزّحام
فيامن ليس يكفيها صديق ... ولا خمسون ألفا كلّ عام
أراك بقيّة من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام
(7/69)

ابو نواس وقيان
وقال الشيباني حضر أبو نواس مجلسا فيه قيان؛ فقلن له: ليتنا بناتك. قال: نعم، ونحن على المجوسية.
وقال العتبي: حضرت قينة مجلسا، فتغنت فأجادت، فقام إليها شيخ من القوم فجلس بين يديها، وقال: كل مملوك لي حرّ، وكل امرأة لي طالق، لو كانت الدنيا لي كلها صررا في كمي لقطعتها لك؛ فأما إذا لم يكن فجعل الله كل حسنة لي لك، وكلّ سيئة عليك عليّ. قالت: جزاك الله خيرا، فو الله ما يقوم الوالد لولده بما قمت به لنا. فقام شيخ آخر وقعد بين يديها وقال لها: كل مملوك لي حر، وكل امرأة لي طالق، إن كان وهب لك شيئا ولا حمل عنك ثقلا؛ لانه ماله حسنة يهبها لك، ولا عليك سيئة يحملها عنك؛ فلأيّ شيء تحمدينه؟.
حدّث احمد بن عمر المكي قال: سمعت إسحاق بن ابراهيم الموصلي يقول: كان بالمدينة رجل جعفري، من ولد جعفر بن أبي طالب، وكان يحب الغناء، وكان بالمدينة قينة يقال لها بصيص، وكان الجعفري يتعشّقها، فقال يوما لإخوانه: قوموا معي إلى هذه الجارية حتى نكاشفها، فقد والله أيتمت ولدي، وأرملت نسائي، وأخربت ضيعتي. فقاموا معه، حتى إذا جاءوا إلى بابها دقّه، فخرجت إليه، فإذا هي أملح الناس دلّا وشكلا، فقال لها: يا جارية، أتغنّين:
وكنت أحبكم فسلوت عنكم ... عليكم في دياركم السلام
فاستحيت وخجلت وبكت وقالت: يا جارية، هاتي عودي؛ والله ما أحسن هذا ولكن أحسن غيره. فغنت:
تحمل اهلها منها فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء
قال: فاستحيا والله صاحبنا حتى تصبب عرقا، ثم قال لها: يا سيدتي، أفتحسنين أن تغني:
وأخضع للعتبى إذا كنت ظالما ... وإن ظلموا كنت الذي أتفضل
(7/70)

قالت: والله ما اعرف هذا ولكن غيره. فغنت:
فإن تقبلوا بالود أقبل بمثله ... وأنزلكم منا بأكرم منزل
قال: فدفع الباب ودخل، وأرسل غلامه يحمل إليه حوائجه؛ وقال: لعن الله الاهل والولد والضّيعة!.
خبر الذلفاء
قال أبو سويد: حدثني أبو زيد الاسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك بن مروان، وهو جالس على دكان مبلط بالرخام الاحمر، مفروش بالديباج «1» الأخضر، في وسط بستان ملتف، قد أثمر وأينع؛ واذا بإزاء كل شقّ من البستان ميدان ينبت الربيع قد ازهر وعلى رأسه وصائف. كلّ واحدة منهن احسن من صاحبتها؛ وقد غابت الشمس، فنضرت الخضرة، وأضعفت في حسنها الزهرة، وغنّت الاطيار فتجاوبت، وسفت الرياح على الاشجار فتمايلت؛ [وقد حلي البستان] بأنهار فيه قد شقّقت، ومياه قد تدفقت: فقلت: السلام عليك أيها الامير ورحمة الله وبركاته.
وكان مطرقا، فرفع رأسه وقال: أبا زيد! في مثل هذا الحين يصاب احد حيا؟
قلت: أصلح الله الامير، أو قد قامت القيامة بعد!.
قال: نعم، على أهل المحبة سرا والمراسلة بينهم خفية.
ثم أطرق مليا، ثم رفع رأسه فقال: أبا زيد، ما يطيب في يومنا هذا؟.
قلت: أعز الله الامير، قهوة صفراء، في زجاجة بيضاء، تناولها مقدودة هيفاء، مضمومة لفّاء [مكحولة] دعجاء، أشربها من كفها، وأمسح فمي بفمها!.
فأطرق سليمان مليا لا يحير جوابا، ينحدر من عينه عبرات بلا شهيق؛ فلما رأت
(7/71)

الوصائف ذلك ننحين عنه؛ ثم رفع رأسه فقال: أبا زيد، حللت في يوم فيه انقضاء اجلك ومنتهى مدتك وتصرّم عمرك! والله لاضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك.
قلت: نعم أصلح الله الامير؛ كنت جالسا عند باب اخيك سعيد بن عبد الملك، فإذا انا بجارية قد خرجت إلى باب القصر كالغزال انفلت من شبكة الصياد؛ عليها قميص اسكندراني يتبين منه بياض بدنها، وتدوير سرّتها، ونقش تكتها؛ وفي رجليها نعلان حمراوان، وقد أشرق بياض قدمها على حمرة نعليها؛ مضمومة بفرد ذؤابة تضرب الى حقويها وتسيل كالعثاكيل «1» على منكبيها، وطرّة «2» قد أسبلت على مثنى جبينها، وصدغان قد زينا كأنهما نونان على وجنتيها، وحاجبان قد قوّسا على محجري عينيها، وعينان مملوءتان سحرا، وأنف كأنه قصبة درّ، وفم كأنه جرح يقطر دما؛ وهي تقول: عباد الله، من لي بدواء من لا يشتكي، وعلاج من لا ينتمي؟ طال الحجاب، وأيضا الجواب؛ فالفؤاد طائر، والقلب عازب، والنفس والهة، والفؤاد مختلس، والنوم محتبس؛ رحمة الله على قوم عاشوا تجلّدا، وماتوا تبلّدا؛ ولو كان إلى الصبر حيلة وإلى العزاء سبيل لكان أمرا جميلا!.
ثم أطرقت طويلا، ثم رفعت رأسها؛ فقلت: أيتها الجارية، إنسية أنت أم جنيّة؟
سمائية أم أرضية؟ فقد اعجبني ذكاء عقلك؛ وأذهلني حسن منطقك!.
فسترت وجهها بكمها كأنها لم ترني، ثم قالت: اعذر أيها المتكلم الاريب، فما أوحش الساعة بلا مساعد، والمقاساة لصبّ معاند! ثم انصرفت؛ فو الله- أصلح الله الامير- ما أكلت طيبا إلا غصصت به لذكرها، ولا رأيت حسنا إلا سمج في عيني لحسنها!.
قال سليمان: أبا زيد، كاد الجهل أن يستفزني، والصبا ان يعاودني، والحلم أن
(7/72)

يعزب عني؛ لحسن ما رأيت، وشجو ما سمعت؛ تلك هي الذلفاء التي يقول فيها الشاعر:
إنما الذّلفاء ياقوتة ... أخرجت من كيس دهقان «1»
شراؤها على أخي ألف ألف درهم، وهي عاشقة لمن باعها، والله إني من لا يموت إلا بحزنها، ولا يدخل القبر إلا بغصّتها، وفي الصبر سلوة، وفي توقّع الموت نهية؛ قم أبا زيد فاكتم المفاوضة؛ يا غلام، ثقّله ببدرة. فأخذتها وانصرفت.
قال أبو زيد: فلما أفضت الخلافة إلى سليمان، صارت الذلفاء إليه، فأمر بفسطاط «2» ، فأخرج على دهناء الغوطة، وضرب في روضة خضراء مونقة زهراء ذات حدائق بهجة، تحتها أنواع الزهر الغض، من بين أصفر فاقع، وأحمر ساطع، وأبيض ناصع؛ فهي كالثوب الحرمي وحواشي البرد الاتحميّ «3» يثير منها مرّ الرياح نسيما يربي على رائحة العنبر، وفتيت المسك الاذفر، وكان له مغن ونديم وسمير، يقال له سنان، به يأنس، وإليه يسكن، فأمره ان يضرب فسطاطه بالقرب منه، وقد كانت الذلفاء خرجت مع سليمان إلى ذلك المتنزّه، فلم يزل سنان يومه ذلك عند سليمان، في اكمل سرور، وأتم حبور، إلى أن انصرف مع الليل الى فسطاطه، فنزل به جماعة من اخوانه، فقالوا له: قرانا أصلحك الله قال: وما قراكم؟ قالوا أكل وشرب وسمع.
قال: أما الأكل والشرب فمباحان لكم، وأما السماع فقد عرفتم شدة غيرة أمير المؤمنين ونهيه إياي عنه، إلا ما كان في مجلسه. قالوا: لا حاجة لنا بطعامك وشرابك وإن لم تسمعنا. قال: فاختاروا صوتا واحدا أغنيكموه. قالوا: غنّنا صوت كذا.
قال: فرفع عقيرته يتغنى بهذه الابيات:
محجوبة سمعت صوتي فأرّقها ... في آخر اليل لمّا ظلّها السحر
تثني على الخدّ منها من معصفرة ... والحلي باد على لبّاتها خضر «4»
(7/73)

في ليلة التّمّ لا يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر
لم يحجب الصّوت أجراس ولا غلق ... فدمعها لطروق الصّوت منحدر
لو خلّيت لمشت نحوي على قدم ... يكاد من لينه للمشي ينفطر
فسمعت الذلفاء صوت سنان، فخرجت إلى وسط الفسطاط تستمع؛ فجعلت لا تسمع شيئا من [حسن] خلق ولطافة قدّ، إلا الذي وافق المعنى؛ ومن نعت الليل واستماع الصوت؛ إلا رأت ذلك كله في نفسها ومهبها، فحرك ذلك ساكنا في قلبها، فهملت «1» عيناها، وعلا نشيجبها «2» ، فانتبه سليمان فلم يجدها معه، فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على تلك الحال، فقال لها: ما هذا يا ذلفاء؟ فقالت:
ألا ربّ صوت رائع من مشوّة ... قبيح المحيّا واضع الأب والجدّ
يروعك منه صوته ولعلّه ... إلى أمة يعزى معا وإلى عبد
فقال سليمان: دعيني من هذا فو الله لقد خامر قلبك منه خامر! يا غلام، عليّ بسنان. فدعت الذلفاء خادما لها فقالت: إن سبقت رسول أمير المؤمنين إلى سنان، فحذّره ولك عشرة آلاف درهم وأنت حر لوجه الله تعالى! فخرج الرسول فسبق رسول سليمان؛ فلما أتي به قال: يا سنان، ألم أنهك عن مثل هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين حملني الثمل وأنا عبد أمير المؤمنين وغذيّ نعمته؛ فإن رأى امير المؤمنين أن لا يضيع حظّه من عبده فليفعل. قال: أما حظي منك فلن أضيعه، ولكن ويلك! أما علمت أن الرجل إذا تغنى أصغت المرأة إليه، وأن الحصان إذا صهل ودقت له الفرس، وأن الفحل إذا هدر صغت له الناقة، وأن التيس إذا نبّ «3» استحرمت له الشاة؟ وإياك والعود إلى ما كان منك يطول غمّك.
أبو السمراء وامرأة بالمدينة
قال إسحاق: حدثني أبو السمراء قال: حججت فبدأت بالمدينة، فإني لمنصرف من
(7/74)

قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وإذا بامرأة بفناء المسجد تبيع من طرائف المدينة، وإذا هي في ناحية وحدها وعليها ثوبان خلقان، وإذا هي ترجّع بصوت خفي شجي، فالتفتّ فرأيتها فوقفت، فقالت: هل من حاجة؟ قلت تزيدين في السماع! قالت: وأنت قائم؟
لو قعدت! فقعدت كالخجل، فقالت: كيف علمك بالغناء؟ فقلت: علم لا أحمده، قالت: فعلام أنفخ بغير نار؟ ما منعك من معرفته؟ فو الله إنه لسحوري وفطوري! قلت: وكيف وضعته بهذا الموضع العالي؟ قالت: يا هذا، وهل له موضع يوضع به وهو في علوه في السماء الشاهقة؟ قلت: فكل هؤلاء النسوة اللاتي أرى على مثل رأيك وفي مثل حالك؟ قالت؟: فيهن وفيهن ... ، ولي بينهن قصة. قلت: ومان هي؟ قالت:
كنت أيام شبابي وأنا في مثل هذه الخلقة التي ترى من القبح والدمامة، وكنت أشتهي الجماع شهوة شديدة وكان زوجي شابا وضيئا، وكان لا ينتشر عليّ حتى أتحفه وأطيّبه وأسكره، فأضرّ ذلك بي؛ وكان قد علقته امرأة قصّار «1» تجاورني، فزاد ذلك في غمي؛ فشكوت إلى جارة لي ما أنا فيه، وغلبة امرأة القصار على زوجي؛ فقالت:
أدلّك على ما ينهضه عليك ويرد قلبه إليك! قلت: وابأبي أنت! إذا تكونين أعظم الخلق منة عليّ. قالت: اختلفي إلى مجمع مولى الزبير، فإنه حسن الغناء، فاعلقي من غنائه أصواتا عشرة، ثم غنيّ بها زوجك، فإنه سيجامعك بجوارحه كلها! قالت:
فالتطت بمجمعه، فلم أفارقه حتى رضيني حذاقة ومعرفة؛ فكنت إذا أقبل زوجي اضطجعت ورفعت عقيرتي «2» ثم تغنيت، فإذا غنيت صوتا بت على نيّف، وإن غنيت صوتين بت على اثنين، وان غنيت ثلاثة فثلاثة.
فكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
قال: فضحكت والله حتى أمسكت على بطني، وقلت: يا هذه، ما أظن أنه خلق مثلك! قالت: اخفض من صوتك، قلت: ما كان أعظم منّة من المشورة قالت:
(7/75)

حسبك بها منة، وحسبك بي شاكرة، قلت: ففي قلبك من تلك الشهوة شيء؟ قالت:
لذع في الفؤاد، وأما تلك الغلمة «1» التي كانت تنسيني الفريضة وتقطعني عن النافلة فقد ذهب تسعة أعشارها! فوقفت عليها وقلت: ألك حاجة إن أزم حالك؟ قالت:
لا، أنا في فائت من العيش! فلما نهضت لاقوم قالت: على رسلك، لا تنصرف خائبا! ثم ترنمت بصوت تخفيه من جارتها:
ولي كبد مقروحة، من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح
أبى الناس كلّ الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علّة بصحيح
ابن الجهم وقينة
: أبو بكر بن جامع عن الحسين بن موسى، قال: كتب علي بن الجهم إلى قينة كان يتعشقها:
خفي الله فيمن قد تبلت فؤاده ... وتيّمته دهرا كأنّ به سحرا «2»
دعي الهجر لا أسمع به منك إنما ... سألتك أمرا ليس يعري لكم ظهرا
فكتبت إليه: صدقت، جعلت فداك؛ ليس يعرى لنا ظهرا، ولكنه يملأ لنا بطنا!
أبو بكر الكاتب وقينة ابن حماد
: وكان أبو بكر الكاتب مفتتنا بقينة محمد بن حماد، فأهدى إليها ممسكة، فقال فيها بعض الكتاب:
أهدى إليها قميصا ... ينيكها فيه غيره
فللسعادة حرها ... وللشّقاوة أيره
(7/76)

هاشمي وقينتان ومضحك
: حدث أبو عبد الله بن عبد البر بمصر قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال: كان بالمدينة رجل من بني هاشم، وكان له قينتان، يقال لإحداهما رشا، وللأخرى جؤذر؛ وكان يحب الغناء، وكان بالمدينة مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس أحد؛ فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليضحك به، فلما أتاه قال: ما الفائدة فيك وفي لذتك ولا لذة لي؟ قال له: وما لذتك؟ قال: تحضر لي نبيذا، فإنه لا يطيب لي عيش إلا به. فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ، وأمر أن يطرح فيه سكّر العشر، فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه؛ وتناوم الهاشمي وغمز جواريه عليه، فلما ضاق عليه الأمر واضطر إلى التبرّز قال في نفسه: ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين. وأهل اليمن يسمون الكنف المراحيض فقال لهما: يا حبيبتي، أين المرحاض؟ قالت: إحداهما لصاحبتها: ما يقول: قالت يقول: غنياني:
رحضت فؤادي فخلّيتني ... أهيم من الحبّ في كلّ واد «1»
فاندفعتا تغنيانه؛ فقال في نفسه: ما أراهما فهمتا عني، أظنهما مكيّتين وأهل مكة يسمونها المخارج. قال: يا حبيبتي، أين المخرج؟ قالت إحداهما للأخرى: ما يقول؟
قالت: يقول غنياني:
خرجت بها من بطن مكّة بعد ما ... أصات المنادي للصلاة فأعلما «2»
فاندفعتا تغنيانه؛ فقال في نفسه: لم يفهما والله عني، أظنهما شاميتين، وأهل الشام يسمونها المذاهب؛ فقال لهما: يا حبيبتي، أين المذهب؟ قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت: يقول: غنياني:
ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقا كلّ هذا التّجنّب
فغنتاه الصوت؛ فقال في نفسه: لم يفهما عني، وما أظنهما إلا مدنيتين وأهل المدينة
(7/77)

يسمونها بيت الخلاء؛ فقال لهما: يا حبيبتي، أين بيت الخلاء؟ قالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغني:
خلّى على جوى الأحزان إذ ظعنا ... من بطن مكّة والتسهيد والحزنا «1»
قال: فغنتاه؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما أحسب الفاسقتين إلا بصرتين وأهل البصرة يسمونها الحشوش؛ فقال لهما: أين الحشّ؟ فقالت إحداهما لصاحبتها ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغنيه:
فلقد أوحش الجهيدان منها ... فمناها فالمنزل المعمور «2»
فاندفعتا تغنيانه؛ فقال: ما أراهما إلا كوفيتين. وأهل الكوفة يسمونها الكنف.
قال: يا حبيبتي، أين الكنيف؟ قالت إحداهما لصاحبتها: يعيش سيدنا، هل رأيت أكثر اقتراحا من هذا الرجل؟ ما يقول؟ قالت: يسأل أن نغني.
تكنّفني الهوى طفلا ... فشيّبني وما اكتهلا
قال: فغلبه بطنه، وعلم أنهما تولعان به، والهاشمي يتقطع ضحكا؛ فقال لهما:
كذبتما يا زانيتان، ولكني أعلمكما ما هو. فرفع ثيابه فسلح عليهما، وانتبه الهاشمي فقال له: سبحان الله! أتسلح على وطائي؟ قال: الذي خرج من بطني أعزّ عليّ من وطائك؛ إن هاتين الزانيتين إنما حسبتا أني أسأل عن الحش للضراط، فأعلمتهما ما هو.
قولهم في العود
يزيد وعبيد الله في البربط
: قال يزيد بن عبد الملك يوما وذكر عنده البربط «3» ، فقال: ليت شعري ما هو؟
فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنا أخبرك ما هو: هو محدوب
(7/78)

الظهر، أرسح البطن، له أربعة أوتار إذا حرّكت لم يسمعها أحد إلا حرّك أعطافه وهزّ رأسه! مرّ إسحاق بن إبراهيم الموصلي برجل ينحت عودا. فقال: لمن ترهف هذا السيف؟
ومن قولنا في هذا المعنى:
يا مجلسا أينعت منه أزاهره ... ينسيك أوّله في الحسن آخره
لم يدر هل بات فيه ناعما جذلا ... أو بات في جنة الفردوس سامره «1»
فالعود يخفق مثناه ومثلثه ... والصّبح قد غرّرت فيه عصافره
وللحجارة أهزاج إذا نطقت ... أحيا بها الكبرة المحنيّ ناقره «2»
وحنّ بينهما الكثبان عن نغم ... تبدي عن الصبّ ما تخفي ضمائره «3»
كأنما العود فيما بيننا ملك ... يمشي الهوينا وتتلوه عساكره
كأنه إذ تمطّى وهي تتبعه ... كسرى بن هرمز تقفوه أساوره
ذاك المصون الذي لو كان مبتذلا ... ما كان يكسر بيت الشّعر كاسره
صوت رشيق وضرب لو يراجعه ... سجع القريض إذا ضلّت أساطره «4»
لو كان زرياب حيّا ثم أسمعه ... لمات من حسد إذ لا يناظره
وقال بعض الكتّاب في العود:
وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم
يبدي ضمير سواه في الكلام كما ... يبدي ضمير سواه منطق الكلم
وقال الحمدوني فيه:
وسجّعت رجع صوت بين أربعة ... سرّ الضمائر فيما بينها علن
(7/79)

فولّدت للنّدامى بين نغمتها ... وكفّها فرحا تفصيله حزن
فما تلعثم عنها لفظ مزهرها ... ولا تحير في ألحانها لحن
تهدي إلى كلّ حرّ من طبائعها ... بنانها نغما أثمارها فتن
وترتعي العين منها روض وجنتها ... طورا وتسرح في ألفاظها الأذن
وقال عكاشة بن الحصين:
من كفّ جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرّفت عنّابا «1»
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... تلقي على يدها الشمال حسابا
ومن قولنا في العود:
يا ربّ صوت يصوغه عصب ... نيطت بساق من فوقها قدم
جوفاء مضمومة أصابعها ... مسكّنات تحريكها نغم
أربعة جزّئت لأربعة ... أجزاؤها بالنّفوس تلتحم
أصغرها في القلوب أكبرها ... يبعث منها الشّفاء والسقم «2»
إذ أرنّت بغمز لافظها ... قلت حمام يجيبهنّ حم
لها لسان بكفّ ضاربها ... يعرب عنها وما لهنّ فم
قولهم في المبرّدين في الغناء
قال أبو نواس:
قل لزهير إذا شدا وحدا ... أقلل أو اكثر فأنت مهذار
سخنت من شدّة البرودة حتى صرت عندي كأنك النار وقال أيضا:
لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج بارد حار
(7/80)

وقال أيضا:
قد نضجنا ونحن في الجيش طرّا ... أنضجتنا كواكب الجوزاء «1»
فأصيبوا لنا حسينا ففيه ... عوض من جليد برد الشتاء
لو يغنّي وفوه ملآن خمرا ... لم يضره من برد ذاك الغناء
وله:
وكان أبو المغلس إذ يغنّي ... يحاكي غاطسا في عين شمس
يميل بشدقه طورا وطورا ... كأنّ بشدقه ضربان ضرس
وقال دعبل:
ومغنّ إن تغنّى ... أورث الندمان همّا
أحسن الأقوام حالا ... فيه من كان أصمّا
وقال الحمدوني:
بينما نحن سالمون جميعا ... إذ أتانا ابن سالم مختالا
فتغنّى صوتا فكان خطاء ... ثم ثنّى أيضا فكان محالا
سالنا حاجة على ما تغنى ... فخلعنا على قفاه النّعالا!
ولعباس الخياط:
رأيت نصرا شاديا يضرب ... فقمت من مجلسنا أهرب
لأنه ينبح من عوده ... عليك من أوتاره أكلب
كأنما تسمع في حلقه ... دجاجة يخنقها ثعلب
ما عجبي منه ولكنني ... من الذي يسمعه أعجب
وقال آخر:
ومغنّ يخرى على جلسائه ... ضرب الله شدقه بغنائه
(7/81)

وقال مؤمن في ربيع المغنى، وكان يتغنى وينقر في الدواة:
غناؤك يا ربيع أشدّ بردا ... إذا حمي الهجير من الصّقيع
ونقرك في الدّواة أشدّ منه ... فما يصبو إليك سوى رقيع
أغثنا في المصيف إذا تلظى ... ودعنا في الشّتاء وفي الربيع
باب من الرقائق
وقد جبل أكثر الناس على سوء الاختيار، وقلة التحصيل والنظر مع لؤم الغرائز، وضعف الهمم. وقلّ من يختار من الصنائع أرفعها، ويطلب من العلوم أنفعها. ولذلك كان أثقل الأشياء عليهم وأبغضها إليهم مئونة التحفظ، وأخفها عندهم وأسهلها عليهم إسقاط المروءة.
وقيل لبعضهم: ما أحلى الأشياء كلها؟ قال الارتكاس «1» .
وقيل لعبد الله بن جعفر: ما أطيب العيش؟ قال: هتك الحياء واتباع الهوى.
وقيل لعمرو بن العاص: ما أطيب العيش؟ قال: ليقم من هنا من الأحداث قال:
فلما قاموا، قال: [أطيب] العيش كله إسقاط المروءة.
وأي شيء أثقل على النفس من مجاهدة الهوى ومكابدة الشهوة؟ ومن ذلك كان سوء الاختيار أغلب على طبائع من حسن الاختيار.
المبرد وكتابه الروضة
: ألا ترى أن محمد بن يزيد النحوي- على علمه باللغة ومعرفته باللسان- وضع كتابا سماه بالروضة، وقصد فيه إلى أخبار الشعراء المحدثين، فلم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له، حتى انتهى إلى الحسن بن هانيء- وقلما يأتي له بيت ضعيف، لرقة فطنته، وسبوطة بنيته، وعذوبة ألفاظه- فاستخرج له من البرد أبياتا ما سمعناه ولا رويناها، ولا ندري من أين وقع عليها، وهي:
(7/82)

ألا لا يلمني في العقار «1» جليسي ... ولا يلحني في شربها بعنوس
تعشّقها قلبي فبغّض عشقها ... إليّ من الأشياء كلّ نفيس
وأين هذا الاختيار من اختيار عمرو بن بحر الجاحظ، حين اجتلب ذكره في كتاب الموالي، فقال: ومن الموالي الحسن بن هانيء، وهو من أقدر الناس على الشعر، وأطبعهم فيه؛ ومن قوله:
فجاء بها صفراء بكرا يزفّها ... إليّ عروسا ذات دلّ معتّق
فلما جلتها الكأس أبدت لناظري ... محاسن ليث بالجمال مطوّق
ومن قوله:
ساع بكأس إلى ناس على طرب ... كلاهما عجب في منظر عجب
قامت تريك وشمل الليل مجتمع ... صبحا تولّد بين الماء والعنب
كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب
وجلّ أشعاره في الخمريات بديعة لا نظير لها، فخطرفها كلها وتخطاها إلى التي جانسته في برده، فما أحسبه لحقه هذا الاسم «المبرّد» إلا لبرده؛ وقد تخيّر لأبي العتاهية أشعارا تقتل من بردها، وشنّفها «2» وقرّطها «3» بكلامه، فقال: ومن شعر أبي العتاهية المستظرف عند الظرفاء، المتخير عند الخلفاء، قوله:
يا قرّة العين كيف أمسيت ... أعزز علينا بما تشكّيت
وقوله:
آه من وجدي وكربي ... آه من لوعة حبي»
ما أشدّ الحبّ يا سبحانك اللهمّ ربّي!
(7/83)

من سوء الاختيار
ونظير هذا من سوء الاختيار، ما تخيّره أهل الحذق بالغناء والصانعون للألحان من الشعر القديم والحديث؛ فإنهم تركوا منه الذي هو أرق من الماء، وأصفى من الهواء؛ وكلّ مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، وغنّوا بقول الشاعر:
فلا أنسى حياتي ما ... عبدت الله لي ربا
وقلت لها أنيليني ... فقالت تعرف الذّنبا! «1»
ولو تعلم ما بي لم ... تر الذنب ولا العتبا
وأقلّ ما كان يجب في هذا الشعر، أن يضرب قائله خمسمائة، وصانعه أربعمائة، والمغنّي به ثلاثمائة، والمصغي إليه مائتين! ومثله:
كأنها الشمس إذا ما بدت ... تلك التي قلبي لها يضرب
تلك سليماي إذا ما بدت ... ومن أنا في ودّها أرغب
كأنّ في النفس لها ساحرا ... ذاك الذي علمه المذهب
يعني المذهب الحبي ومثله:
يا خليلي، أنتما عللاني ... بين كرم مزهر وجنان
خبّراني أين حلت منايا ... يا عباد الله لا تكتماني
إنما حلت بواد خصيب ... ينبت الورس مع الزعفران «2»
حلفا بالله لو وجداني ... غرقا في البحر ما أنقذاني
ومثله:
أبصرت سلمى من منى ... يوما فراجعت الصّبا
يا درّة البحر متى ... تشهد سوقا يشترى
ومثله:
يا معشر الناس هذا ... أمر وربّي شديد
لا تعنفي يا فلانه ... فإنّني لا أريد
(7/84)

ومثله:
أرقت فأمسيت لا أرقد ... وقد شفني البيض والخوّد «1»
فصرت لظبي بني هاشم ... كأني مكتحل أرمد
أقلّب أمري لدى فكرتي ... وأهبط طورا فما أصعد
وأصعد طورا ولا علم لي ... على أنني قبلكم أرشد
ومثله:
ما أرجّي من حبيب ... ضنّ عني بالمداد «2»
لو بكفّيه سحاب ... ما ارتوت منه بلادي
أنا في واد ويمسي ... هو لي في غير واد
ليته إذ لم يجد لي ... بالهوى ردّ فؤادي
ومثله:
ما لسلمى تجنّبت ... ما لها اليوم ما لها
إن تكن قد تغضّبت ... أصلح الله حالها
باب من رقائق الغناء
لإسحاق في شعر الراعي
: قال الزبير بن بكار: سألت إسحاق: هل تغني من شعر الراعي شيئا؟ قال: وأين أنت من قوله:
فلم أر مظلوما على حال عزّة ... أقلّ انتصارا باللسان وباليد
سوى ناظر ساج بعين مريضة ... جرت عبرة منها ففاضت بإثمد «3»
(7/85)

لابن الدمينة
: ومن شعر ابن الدمينة، وهو عبد الله بن عبيد الله، والدمينة أمّه، وهو من أرق شعراء المدينة بعد كثيّر عزة وقيس بن الخطيم:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... له بهتة حتى يقال مريب
جرى السّيل فاستبكاني السّيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب
وما ذاك إلّا أن تيقّنت أنه ... يمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا قبلكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طيبكم فيطيب «1»
أيا ساكني شرقيّ دجلة كلّكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب!
ومن قول يزيد بن الطثرية، وغنى به ابن صياد المدني وغيره:
بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله
ومن هابني في كلّ شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله
ومما يغني به من قول جرير:
أتذكر إذ تودّعنا سليمى ... بعود بشامة؟ سقي الشام!
بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النّيام
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام
ومما غنى به نومة الضحى:
يا موقد النار قد أعيت قوادحه ... اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس «2»
ما أوحش الناس في عيني وأقبحهم ... إذا نظرت فلم أبصرك في الناس
ومما يغنّى به من شعر ذي الرّمة، وهو من أرق شعر يغنى به، قوله:
(7/86)

لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى ... تباريح من ذكراك فالموت أروح «1»
وأكثر ما كان يغني به معبد بشعر الأحوص، ومن جيد ما غنّى به له قوله:
كأنّي من تذكر أمّ حفص ... وحبل وصالها خلق رمام
صريع مدامة غلبت عليه ... تموت لها المفاصل والعظام
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السّلام
فإن يكن النكاح أحل شيء ... فإنّ نكاحها مطرا حرام
ومن شعر المتوكل بن عبد الله بن نهشل، وكان كوفيا في عصر معاوية، وهو القائل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... قفي قبل التّفرّق يا أماما
وردّي قبل بينكم السّلاما «2» ... ترجّيها وقد شطت نواها
ومنّتك المنى عاما فعاما «3» ... فلا وأبيك لا أنساك حتى
تحاوب هامتي في القبر هاما
ومما يغنّى به من شعر عدي بن الرقاع:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها «4»
ولقد أصبت من المعيشة لذّة ... ولقيت من شظف الخطوب شدادها «5»
وعلمت حتى ما أسائل عالما ... عن حرف واحدة لكي أزدادها
(7/87)

كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتهنّ
قال ابو عمر احمد بن محمد بن عبد ربه رحمه الله: قد مضى قولنا في الغناء واختلاف الناس فيه.
ونحن قائلون بعون الله تعالى وتوفيقه في النساء وصفاتهن، وما يحمد ويذم من عشرتهن؛ إذ كان كله مقصورا على الحليلة الصالحة والزوجة الموافقة؛ والبلاء كله موكل بالقرينة السوء، التي لا تسكن النفس إلى كريم عشرتها، ولا تقرّ العين برؤيتها.
لعروة بن الزبير قال الاصمعي: حدثني ابن أبي الزناد عن عروة بن الزبير قال: ما رفع احد نفسه بعد الايمان بالله بمثل منكح صدق، ولا وضع أحد نفسه بعد الكفر بالله بمثل منكح سوء! ثم قال: لعن الله فلانة ألفت بني فلان بيضا طوالا، فقلبتهم سودا قصارا.
وفي حكمة سليمان بن داود عليهما السلام: المرأة العاقلة تبني بيتها، والسفيهة تهدمه.
وقال: الجمال كاذب، والحسن مخلف؛ وإنما تستحق المدح المرأة الموافقة.
الرسول صلّى الله عليه وسلم وعكاف.
مكحول، عن عطية بن بشر، عن عكّاف بن وداعة الهلاليّ، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال له؛ يا عكاف، ألك امرأة؟ قال: لا! قال: فأنت إذا من إخوان الشياطين! إن
(7/88)

كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فانكح، فإن من سنّتنا النكاح.
وقالت عائشة: النكاح رقّ «1» ؛ فلينظر أحدكم عند من يرقّ كريمته «2» .
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أوصيكم بالنساء، فإنّهنّ عندكم عوان. يعني أسيرات.
قولهم في المناكح
صعصعة وابن الظرب
خطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الظّرب حكيم العرب ابنته عمرة- وهي ام عامر بن صعصعة- فقال: يا صعصعة، إنك أتيتني تشتري من كبدي، فارحم ولدي، قبلتك أو رددتك، والحسيب «3» كفء الحسيب، والزوج الصالح أب بعد أب، وقد أنكحتك خشية أن لا أجد مثلك؛ أفرّ من السرّ إلى العلانية.. يا معشر عدوان، خرجت بين أظهركم كريمتكم، من غير رغبة ولا رهبة، وأقسم لولا قسم الحظوظ على [قدر] الجدود ما ترك الأول للآخر ما يعيش به.
ابن حجر وابن محلم
العباس بن خالد السهمي قال: خطب عمرو بن حجر إلى عوف بن محلم الشيباني ابنته أمّ أياس، فقال: نعم، أزوّجكما، على أن أسمّي بنيها وأزوّج بناتها. فقال عمرو ابن حجر: اما بنونا فنسميهم بأسمائنا وأسماء آبائنا وعمومتنا، واما بناتنا فننكحهن أكفاءهن من الملوك، ولكني أصدقها عقارا في كندة، وامنحها حاجات قومها، لا تردّ لاحد منهم حاجة! فقبل ذلك منه أبوها، وأنكحه إياها؛ فلما كان بناؤه بها خلت بها أمها فقالت:
أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشّك الذي فيه درجت، إلى
(7/89)

رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي له خصالا عشرا تكن لك ذخرا: أما الاولى والثانية، فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة؛ وأما الثالثة والرابعة، فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح؛ وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتغيص النوم مغضبة؛ وأما السابعة والثامنة، فالاحتفاظ بماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير؛ وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصنّ له أمرا، ولا تفشنّ له سرّا؛ فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره، وإن أفشيت سرّه لم تأمني غدره؛ ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما، والكآبة بين يديه إذا كان فرحا.
فولدت له الحارث بن عمرو، جدّ امرىء القيس الشاعر.
زرارة ولقيط وابنة ذي الجدين
الشيباني قال: حدثنا بعض أصحابنا، ان زرارة بن عدس نظر إلى ابنه لقيط فقال: مالي أراك مختالا؟ كأنك جئتني بابنة ذي الجدّين أو مائة من هجائن «1» النعمان! فقال: والله لا يمسّ رأسي دهن حتى آتيك بهما أو أبلي عذرا! فانطلق حتى اتى ذا الجدين- وهو قيس بن مسعود الشيباني- فوجده جالسا في نادي قومه من شيبان، فخطب إليه ابنته علانية؛ فقال له: هلا ناجيتني؟ قال: ومن أنت؟ قال:
لقيط بن زرارة، قال: لا جرم، لا تبيتن فينا عزبا ولا محروما! فزوّجه وساق عنه المهر، وبنى بها من ليلته تلك.
ثم خرج إلى النعمان، فجاء بمائتين من هجائنه؛ وأقبل إلى أبيه وقد وفى نذره فبعث إليه قيس بن مسعود بابنته مع ولده بسطام بن قيس؛ فخرج لقيط يتلقاها في الطريق ومعه ابن عم له يقال له قراد، فقال لقيط:
(7/90)

هاجت عليّ ديار الحيّ أشجانا ... واستقبلوا من نوى الجيران قربانا «1»
تامت فؤادك لم تقض التي وعدت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا
فانظر قراد وهل في نظرة جزع ... عرض الشقائق؛ هل بيّنت أظعانا
فيهنّ جارية نضح العبير بها ... تكسى ترائبها درّا ومرجانا
كيف اهتديت ولا نجم ولا علم ... وكنت عندي نئوم الليل وسنانا «2»
ولما رحل بها بسطام بن قيس، قالت: مرّوا بي على أبي أودعه! فلما ودعته قال لها:
يا بنية، كوني له امة يكن لك عبدا وليكن أطيب طيبك الماء؛ ثم لا أذكرت ولا أيسرت؛ فإنك تلدين الأعداء، وتقرّبين البعداء! إن زوجك فارس من فرسان مضر، [وإنه يوشك أن يقتل او يموت] ؛ فإذا كان ذلك فلا تخمشي [عليه] وجها، ولا تحلقي شعرا.
فلما قتل لقيط تحملت إلى اهلها، ثم مالت إلى محلّة عبد الله بن دارم فقالت: نعم الأحماء كنتم يا بني دارم، وأنا أوصيكم بالغرائب خيرا، فلم أر مثل لقيط.
ثم لحقت بقومها، فتزوجها ابن عمّ لها، فكانت لا تسلو عن ذكر لقيط، فقال لها زوجها: اي يوم رأيت فيه لقيطا احسن في عينك؟ قالت: خرج يوما يصطاد، فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني مختضبا بالدماء، فضمني ضمة، ولثمني لثمة، فليتني مت ثمة! فخرج زوجها ففعل مثل ذلك، ثم أتاها، فضمها، ولثمها، ثم قال لها: من أحسن، أنا أم لقيط عندك؟ قالت: مرعى ولا كالسعدان.
قيس بن زهير والنمر
أبو الفضل عن بعض رجاله، قال: قدم قيس بن زهير- بعد ما قتل أهل الهباءة- على النمر بن قاسط، فقال:
(7/91)

يا معشر النمر، نزعت إليكم غريبا حزينا، فانظروا لي امرأة اتزوّجها. قد أذلها الفقر، وأدّبها الغنى، لها حسب وجمال.
فزوّجوه على هيئة ما طلب، فقال: إني لا أقيم فيكم حتى أعلمكم اخلاقي: إني غيور فخور نفور؛ ولكني لا أغار حتى أرى، ولا أفخر حتى أفعل، ولا آنف حتى أظلم.
فأقام فيهم حتى ولد له غلام سماه خليفة، ثم بدا له ان يرتحل عنهم، فجمعهم ثم قال:
يا معشر النمر، إن لكم عليّ حقا، وأنا أريد أن أوصيكم، فآمركم بخصال، وأنهاكم عن خصال: عليكم بالاناة، فإن بها تنال الفرصة؛ وسوّدوا من لا تعابون بسؤدده؛ وعليكم بالوفاء، فإن به يعيش الناس؛ وباعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة؛ ومنع ما تريدون منعه قبل القسم؛ وإجارة الجار على الدهر؛ وتنفيس المنازل؛ [عن بيوت اليتامى، وخلط الضيف بالعيال] وأنهاكم عن الرهان، فإني به ثكلت مالكا. وأنهاكم عن البغي، فإنه صرع زهيرا. وعن السرف في الدماء، فإن يوم الهباءة أورثني الذلّ، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق ولا تردّوا الأكفاء عن النساء فتحوجوهنّ إلى البلاء؛ فإن لم تجدوا الأكفاء فخير أزواجهن القبور؛ واعلموا اني اصبحت ظالما مظلوما: ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا، وظلمت بقتلي من لا ذنب له.
الفاكه وزوجته هند في ريبة
كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش، وكان قد تزوج هند ابنة عتبة، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا اذن، فقال يوما في ذلك البيت وهند معه؛ ثم خرج عنها وتركها نائمة، فجاء بعض من كان يغشى البيت. فلما وجد المرأة نائمة ولّى عنها، فاستقبله الفاكه بن المغيرة، فدخل على هند وأنبهها، وقال: من هذا الخارج من عندك؟ قالت: والله ما انتبهت حتى أنبهتني، وما رأيت أحدا قط.
(7/92)

قال: الحقي بأبيك! وخاض الناس في أمرها، فقال لها أبوها: يا بنية العار وإن كان كذبا، أبثيني شأنك، فإن كان الرجل صادقا دسست عليه من يقتله فيقطع عنك العار، وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن. قالت: والله يا أبت إنه لكاذب! فخرج عتبة فقال: إنك رميت ابنتي بشيء عظيم، فإما أن تبيّن ما قلت، وإلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن. قال: ذلك لك. فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش، ونسوة من بني مخزوم. وخرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف.
فلما شارفوا بلاد الكاهن تغيّر وجه هند، وكسف بالها. فقال لها أبوها: أي بنية، ألا كان هذا قبل ان يشتهر في الناس خروجنا؟ قالت: يا أبت، والله ما ذلك لمكروه قبلي، ولكنكم تأتون بشرا يخطيء ويصيب، ولعله ان يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب. فقال لها أبوها: صدقت. ولكني سأخبره لك فصفّر بفرسه، فلما أدلى «1» عمد إلى حبة بر فأدخلها في إحليله، ثم اوكى عليها وسار. فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونحر لهم، فقال له عتبة: إنا أتيناك في أمر، وقد خبأنا لك خبيئة، فما هي؟ قال: برّة في كمرة. قال: أريد أبين من هذا. قال: حبة برّ في إحليل مهر.
قال: صدقت. فانظر في أمر هؤلاء النسوة. فجعل يمسح رأس كل واحدة منهن، ويقول: قومي لشأنك! حتى إذا بلغ إلى هند مسح يده على رأسها، وقال: قومي غير رقحاء ولا زانية، وستدلين ملكا يسمى معاوية.
فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها، فنترت «2» يده من يدها، وقالت [إليك عني!] والله لأحرصنّ أن يكون ذلك الولد من غيرك! فتزوجها أبو سفيان، فولدت له معاوية.
هند وزواجها من أبي سفيان
وذكروا ان هند بنت عتبة بن ربيعة قالت لابيها: يا أبت: إنك زوّجتني من هذا
(7/93)

الرجل ولم تؤامرني في نفسي، فعرض لي معه ما عرض؛ فلا تزوّجني من احد حتى تعرض عليّ امره، وتبيّن لي خصاله، فخطبها سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب. فدخل عليها أبوها وهو يقول:
أتاك سهيل وابن حرب وفيهما ... رضا لك يا هند الهنود ومقنع
وما منهما إلا يعاش بفضله ... وما منهما إلا يضرّ وينفع
وما منهما إلا كريم مرزّأ ... وما منهما إلا أغرّ سميدع «1»
فدونك فاختاري فأنت بصيرة ... ولا تخدعي إن المخادع يخدع
قالت: يا أبت، والله ما أصنع بهذا شيئا، ولكن فسّر لي أمرهما وبيّن لي خصالهما، حتى أختار لنفسي أشدّهما موافقة لي. فبدأ بذكر سهيل بن عمرو، فقال:
أما أحدهما ففي ثروة واسعة من العيش، إن تابعتيه تابعك، وإن ملت عنه حطّ إليك، تحكمن عليه في أهله وماله. واما الآخر فموسّع عليه، منظور إليه، في الحسب الحسيب، والرأي الأريب، مدره أرومته، وعزّ عشيرته. شديد الغيرة، كثير الظّهرة، لا ينام على ضعة، ولا يرفع عصاه عن أهله.
فقالت: يا أبت، الأوّل سيد مضياع للحرّة، فما عست ان تلين بعد إبائها، وتضيع تحت جناحه، إذا تابعها بعلها فأشرت، وخافها أهلها فأمنت، فساء عند ذلك حالها، وقبح عند ذلك دلالها، فإن جاءت بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت؛ فاطو ذكر هذا عني، ولا تسمّه عليّ بعد. وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة، الحرّة العفيفة، وإني للتي لا أريب له عشيرة فتعيره، ولا تصيّره بذعر فتضيره، وإني لأخلاق مثل هذا لموافقة، فزوّجنيه.
فزوجها من أبي سفيان، فولدت له معاوية، وقبله يزيد؛ فقال في ذلك سهيل بن عمرو:
نبّئت هندا تبّر الله سعيها ... تأبّت وقالت وصف أهوج مائق «2»
(7/94)

وما هوجي يا هند إلا سجيّة ... أجرّ لها ذيلي بحسن الخلائق
ولو شئت خادعت الفتى عن قلوصه ... ولاطمت بالبطحاء في كل شارق «1»
ولكنني أكرمت نفسي تكرّما ... ودافعت عنها الذّم عند الخلائق
وإني إذا ما حرّة ساء خلقها ... صبرت عليها صبر آخر عاشق
فإن هي قالت خلّ عني تركتها ... وأقلل بترك من حبيب مفارق
فإن سامحوني قلت أمري إليكم ... وإن أبعدوني كنت في رأس حالق
فلم تنكحي يا هند مثلي وإنّني ... لمن لم يمقني فاعلمي غير وامق «2»
فبلغ أبا سفيان، فقال: والله لو أعلم شيئا يرضي أبا زيد سوى طلاق هند لفعلته! وألح سهيل في تنقيص أبي سفيان، فقال أبو سفيان:
رأيت سهيلا قد تفاوت شأوه ... وفرّط في العلياء كلّ عنان
وأصبح يسمو للمعالي وإنه ... لذو جفنة مغشية وقيان
وشرب كرام من لؤيّ بن غالب ... عراض المساعي عرضة الحدثان
ولكنّه يوما إذا الحرب شمّرت ... وأبرز فيها وجه كلّ حصان «3»
تطأطأ فيها ما استطاع بنفسه ... وقنّع فيها رأسه ودعاني
فأكفيه ما لا يستطاع دفاعه ... وألقيت فيها كلكلي وجراني «4»
سهيل وابن له
قال: وتزوج سهيل بن عمرو امرأة، فولدت له ولدا؛ فبينا هو سائر معه إذ نظر إلى رجل يركب ناقة ويقود شاة، فقال لأبيه: يا أبت، هذه ابنة هذه! يريد الشاة ابنة الناقة! فقال أبوه: يرحم الله هذا! يعني ما كان من فراستها فيه.
(7/95)

الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأم هانىء
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، لو تزوجت أم هانيء بنت أبي طالب، فقد جعل الله لها قرابة، فتكون صهرا أيضا! فخطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: والله أحبّ إليّ من سمعي وبصري ولكن حقه عظيم، وأنا موتمة «1» ؛ فإن قمت بحقه خفت أن أضيّع أيتامي، وإن قمت بأمرهم قصّرت عن حقه! فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناها على ولد في صفره وأرعاها على بعل في ذات يده، ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت جملا لاستثنيتها.
زواج الرسول صلّى الله عليه وسلّم من حفصة
ولما توفيت رقيّة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن عثمان بن عفان، عرض عليه عمر ابنته حفصة؛ فسكت عنه عثمان- وقد كان بلغه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريد أن يزوّجه ابنته الاخرى- فشكا عمر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سكوت عثمان عنه؛ فقال له: سيزوّج الله ابنتك خيرا من عثمان، ويزوّج عثمان خيرا من ابنتك! فتزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلم حفصة، وتزوّج عثمان ابنته.
خطبته صلّى الله عليه وسلّم لخديجة
ولما خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خديجة بنت خويلد بن عبد العزى، ذكرت ذلك لورقة بن نوفل- وهو ابن عمها- فقال: هو الفحل لا يقدع «2» أنفه، تزوّجيه.
وخطب عمر بن الخطاب أمّ كلثوم بنت أبي بكر، وهي صغيرة، فأرسل [عمر] إلى عائشة، فقالت: الأمر إليك. فلما ذكرت ذلك عائشة لأم كلثوم، قالت: لا حاجة لي فيه! فقالت عائشة: أترغبين عن أمير المؤمنين؟ قالت: نعم إنه خشن العيش، شديد على النساء! فأرسلت عائشة إلى المغيرة بن شعبة فأخبرته فقال لها: أنا أكفيك! فأتى
(7/96)

عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني عنك أمر أعيذك بالله منه! قال: ما هو؟ قال:
بلغني أنك خطبت أمّ كلثوم بنت أبي بكر. قال: نعم، أفرغبت بها عني، أم رغبت بي عنها؟ قال: لا واحدة منهما، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف خليفة رسول الله في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك وما نقدر أن نردّك عن خلق من أخلاقك؛ فكيف بها؟ إن خالفتك في شيء فسطوت بها كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك! فقال: كيف لي بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها؛ وأدلك على خير لك منها، أمّ كلثوم بنت عليّ من فاطمة بنت رسول الله؛ تتعلق منها بسبب من رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
علي وعمر في ام كلثوم
وكان علي قد عزل بناته لولد جعفر بن أبي طالب؛ فلقيه عمر فقال: يا أبا الحسن، أنكحني ابنتك ام كلثوم ابنة فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم. قال: قد حبستها لابن جعفر! قال: إنه والله ما على الارض احد يرضيك من حسن صحبتها بما أرضيك به، فأنكحني يا ابا الحسن. قال: قد أنكحتكها يا أمير المؤمنين! فأقبل عمر فجلس في الروضة بين القبر والمنبر، واجتمع إليه المهاجرون والانصار؛ فقال: زفّوني! قالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال: بأمّ كلثوم. فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيام إلا سببي ونسبي» ! وقد تقدمت لي صحبة، فأحببت أن يكون لي معها سبب.
فولدت له أمّ كلثوم زيد بن عمر، ورقية بنت عمر؛ وزيد بن عمر هو الذي لطم سمرة بن جندب عند معاوية إذا تنقّص عليا فيما يقال.
سلمان وعمر في ابنته
وخطب سلمان الفارسي إلى عمر ابنته، فوعده بها؛ فشق ذلك على عبد الله بن عمر، فلقي عمرو بن العاص فشكا ذلك إليه؛ فقال له: فأكفيكه! فلقي سلمان فقال
(7/97)

له: هنيئا لك يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يتواضع لله عز وجل في تزويجك ابنته! فغضب سلمان وقال: لا، والله لا تزوجت إليه أبدا.
زواج بلال وأخيه
وخرج بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع أخيه، إلى قوم من بني ليث، يخطب إليهم لنفسه ولأخيه، فقال: أنا بلال وهذا أخي، كنا ضالّين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، وكنا فقيرين فأغنانا الله؛ فإن تزوّجونا فالحمد لله، وإن تردّونا فالمستعان الله! قالوا: نعم وكرامة! فزوجوهما.
زواج عثمان من نائلة
قالت تماضر امرأة عبد الرحمن بن عوف لعثمان بن عفان: هل لك في ابنة عم لي، بكر جميلة، ممتلئة الخلق، اسيلة الخد «1» ، أصيلة الرأي، تتزوجها؟ قال: نعم.
فذكرت له نائلة بنت الفرافصة الكلبية، فتزوجها وهي نصرانية، فتحنّفت وحملت إليه من بلاد كلب، فلما دخلت عليه قال لها: لعلك تكرهين ما ترين من شيبي؟
قالت: والله يا أمير المؤمنين، إني من نسوة أحب ازواجهن إليهن الكهل! قال: إني قد جزت الكهول، وأنا شيخ! قالت: أذهبت شبابك مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في خير ما ذهبت فيه الاعمار! قال: أتقومين إلينا ام نقوم إليك؟ قالت: ما قطعت إليك أرض السماوة وأريد أن أنثني إلى عرض البيت! وقامت إليه: فقال: لها: انزعي ثيابك.
فنزعتها؛ فقال: حلي مرطك «2» . قالت: أنت وذاك.
قال أبو الحسن: فلم تزل نائلة عند عثمان حتى قتل؛ فلما دخل إليه وقته بيدها، فجذمت «3» أناملها، فأرسل إليها معاوية بعد ذلك يخطبها، فأرسلت إليه: ما ترجو من امرأة جذماء!
(7/98)

وقيل: إنها قالت لما قتل عثمان: إني رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثوب، وقد خشيت أن يبلى حزن عثمان من قلبي! فدعت بفهر فهتمت فاها، وقالت: والله لاقعد أحد مني مقعد عثمان أبدا!.
فاطمة بنت الحسين بن علي وابن عمرو
وكانت فاطمة بنت الحسين بن علي عند حسن بن حسن بن علي، فلما احتضر قال لبعض اهله: كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان إذا سمع بموتي قد جاء يتهادى في ازار له مورد قد أسبله، فيقول: جئت أشهد ابن عمي، وليس يريد إلا النظر إلى فاطمة، فإذا جاء فلا يدخلنّ! قال: فو الله ما هو إلا أن أغمضوه، فجاء عبد الله بن عمرو في تلك الصفة التي وصفها، فمنع ساعة؛ فقال بعض القوم: لا يدخل: وقال بعضهم: افتحوا له، فإن مثله لا يردّ. ففتحوا له، ودخل؛ فلما صرنا إلى القبر قامت عليه فاطمة تبكي، ثم اطلعت إلى القبر فجعلت تصكّ وجهها بيديها حاسرة؛ قال: فدعا عبد الله بن عمرو وصيفا له فقال: انطلق إلى هذه المرأة وقل لها:
يقرئك ابن عمّك السلام، ويقول لك: كفّي عن وجهك؛ فإن لنا به حاجة! فلما بلغها الرسالة أرسلت يديها فأدخلتهما في كميها حتى انصرف الناس.
فتزوجها عبد الله بن عمرو بعد ذلك، فولدت له محمد بن عبد الله؛ وكان يسمى المذهب، لجماله؛ وكانت ولدت من حسن بن حسن، عبد الله بن حسن الذي حارب أبو جعفر ولديه إبراهيم ومحمدا ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن حتى قتلهما.
محمد بن عبد الله ابن عمرو
وعن سلمة بن محارب قال: ما رأيت قرشيا قط كان أكمل ولا اجمل من محمد بن عبد الله بن عمرو الذي ولدته فاطمة بنت الحسين.
وكانت له ابنة ولدها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير: كانت امها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير وأم عروة أسماء
(7/99)

بنت أبي بكر الصديق. وأم محمد فاطمة بنت الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأم فاطمة بنت الحسين أمّ إسحق بنت طلحة بن عبيد الله، وأم عبد الله بن عمرو بن عثمان سودة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب.
شريح والشعبي في نساء تميم
: وعن الهيثم بن عدي الطائي قال: حدثنا مجالد عن الشعبي قال: قال لي شريح: يا شعبي، عليك بنساء بني تميم، فإني رأيت لهن عقولا، قال: وما رأيت من عقولهن؟
قال: أقبلت من جنازة طهرا، فمررت بدورهم فإذا أنا بعجوز على باب دار، والى جنبها جارية كأحسن ما رأيت من الجواري، فعدلت فاستسقيت وما بي عطش؛ فقالت: أي الشراب احب اليك؟ فقلت: ما تيسّر. قالت: ويحك يا جارية! ائتيه بلبن؛ فإني أظن الرجل غريبا! قلت: من هذه الجارية؟ قالت: هذه زينب ابنة جرير، إحدى نساء حنظلة. قلت: فارغة هي أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة. قلت:
زوّجينيها. قالت: إن كنت لها كفئا- ولم تقل كفوا، وهي لغة تميم- فمضيت إلى المنزل فذهبت لاقيل، فامتنعت مني القائلة؛ فلما صليت الظهر أخذت بأيدي اخواني من القرّاء الاشراف: علقمة، والاسود، والمسيب، وموسى بن عرفطة؛ ومضيت أريد عمها، فاستقبل فقال: يا أبا أمية، حاجتك؟ قلت: زينب بنت أخيك. قال: ما بها رغبة عنك! فأنكحنيها، فلما صارت في حبالي ندمت، وقلت: أي شيء صنعت بنساء بني تميم؟ وذكرت غلظ قلوبهن، فقلت: أطلّقها! ثم قلت: لا، ولكن أضمها إليّ، فإن رأيت ما أحب وإلا كان ذلك. فلو رأيتني يا شعبي وقد أقبل نساؤهم يهدينها حتى أدخلت عليّ، فقلت: إن من السّنة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم فيصلي ركعتين فيسأل الله من خيرها ويعوذ به من شرها. فصليت وسلمت، فإذا هي من خلفي تصلي بصلاتي، فلما قضيت صلاتي أتتني جواريها، فأخذن ثيابي وألبسنني ملحفة قد صبغت في عكر العصفر.
فلما خلا البيت دنوت منها فمددت يدي إلى ناحيتها، فقالت: على رسلك أبا أمية! كما أنت! ثم قالت:
(7/100)

الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأصلي على محمد وآله؛ اني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبيّن لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأزدجر عنه ... وقالت: إنه قد كان لك في قومك منكح، وفي قومي مثل ذلك، ولكن إذا قضى الله امرا كان، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به: إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
»
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك.
قال: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت:
الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأصلي على النبي وآله وأسلم، وبعد؛ فإنك قد قلت كلاما إن تثبتي عليه يكن ذلك حظّك، وإن تدعيه يكن حجة عليك؛ أحب كذا وأكره كذا، ونحن جميع فلا تفرقّي، وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها.
وقالت شيئا لم أذكره: كيف محبتك لزيارة الاهل؟ قلت: ما احب ان يملّني أصهاري! قالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك آذن لهم، ومن تكرهه أكرهه؟ قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء.
قال: فبتّ يا شعبي بأنعم ليلة، ومكثت معي حولا لا أرى إلا ما أحب، فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء، فإذا بعجوز تأمر وتنهى في الدار! فقلت:
من هذه؟ قالوا: فلانة ختنك «2» . فسري عني ما كنت اجد، فلما جلست أقبلت العجوز فقالت: السلام عليك أبا أمية. قلت: وعليك السلام، من أنت؟ قالت: انا فلانة ختنك. قلت: قربك الله. قالت: كيف رأيت زوجتك؟ قلت خير زوجة.
فقال لي: أبا أمية، إن المرأة لا تكون أسوأ منها في حالتين: إذا ولدت غلاما، أو حظيت عند زوجها؛ فإن رابك ريب فعليك بالسوط؛ فو الله ما جاز الرجال في بيوتهم شرّا من المرأة المدللة. قلت: أما والله لقد أدّبت فأحسنت الادب، ورضت
(7/101)

فأحسنت الرياضة. قالت: تحبّ ان يزورك ختانك؟ قلت! متى شاءوا. قال: فكانت تأتيني في رأس كل حول توصيني تلك الوصية.
فمكثت معي عشرين سنة لم أعتب عليها في شيء، الا مرة واحدة، وكنت لها ظالما: أخذ المؤذّن في الإقامة بعد ما صليت ركعتي الفجر، وكنت إمامى الحيّ، فإذا بعقرب تدب: فأخذت الإناء فأكفأته عليها؛ ثم قلت: يا زينب؛ لا تتحركي حتى آتي! فلو شهدتني يا شعبي وقد صليت ورجعت فإذا انا بالعقرب قد ضربتها، فدعوت بالسكت والملح؛ فجعلت امغث «1» أصبعها وأقرأ عليها بالحمد والمعوّذتين.
وكان لي جار من كندة يفزع امرأته ويضربها؛ فقلت في ذلك:
كنتم زعمتم أنها ظلمتكم ... كذبتم وبيت الله بل تظلمونها
فإن لا تعدّوا أمّها من نسائكم ... فإنّ أباها والد لن يشينها
وإنّ لها أعمام صدق وإخوة ... وشيخا إذا شئتم تأيّم دونها
قالت النوار: فإذا لا نشاء.
الفرزدق وأمة له
: وقال الفرزدق في امته الزنجية:
يا رب خود من بنات الزنج ... تنقل تنّورا شديد الوهج
أغير مثل القدح الخلنج ... يزداد طيبا بعد طول الهرج «2»
يعلي الهذلي وطلحة الطلحات
وعن الهيثم بن عدي: عن ابن عياش قال: حدثنا يعلى الهذلي قال: كنت بسجستان مع طلحة الطلحات، فلم أر أحدا كان أسخى منه ولا أشرف نفسا؛ فكتب إليّ عمي من البصرة: إني قد كبرت، ومالي كثير، وأكره أن أوكله غيرك فأقدم أزوّجك ابنتي وأصنع بك ما أنت أهله.
(7/102)

قال: فخرجت على بغلة لي تركية، فأتيت البصرة في ثلاثين يوما، ووافيته في صلاة العصر، فوجدته قاعدا على دكانه، فسلمت عليه، فقال لي من أنت؟ قلت له:
ابن اخيك يعلي، قال: وأين ثقلك «1» ؟ قلت: تعجلت إليك حين أتاني كتابك وطربت نحوكم. قال: يابن اخي، أتدري ما قالت العرب؟ قلت: لا. قال: قالت العرب: شر الفتيان المفلس الطروب! قال: فقمت إلى بغلتي فأعددت سرجي عليها، فما قال لي شيئا، ثم قال: إلى أين؟ قلت: إلى سجستان! قال: في كنف الله.
قال: فخرجت فبتّ في الجسر، ثم ذكرت أم طلحة، فانصرفت أسأل عنها حتى أتيت منزلها- وكان طلحة أبرّ الناس بها- فقلت: رسول طلحة، فقالت ائذنوا له.
فدخلت، فقالت: ويحك! كيف ابني؟ قلت: على احسن حال. قالت: فلله الحمد! وإذا بعجوز قد تحدرت، قالت: فما جاء بك؟ قلت: كيت وكيت. قالت: يا جارية.
ائتني بأربعة آلاف درهم! ثم قالت: ائت عمك فابتن بابنته، ولك عندنا ما تحب! قلت: لا والله لا أعود إليه أبدا، قالت: يا جارية ائتني ببغلة رحالتي. ثم قالت، راوح بين هذه وبغلتك حتى تأتي سجستان. قلت: اكتبي بالوصاة بي والحالة التي استقبلتها. فكتبت بوجعها التي كانت فيه، وبعافية الله إياها، وبالوصاة بي؛ فلم تدع شيئا. ثم دفعت حتى أتيت سجستان، فأتيت باب طلحة، وقلت للحاجب: رسول صفية بنت الحرث. وأنا عابس باسر، فدخل؛ فخرج طلحة متوشّحا، وخلفه وصيف يسعى بكرسي، فقمت بين يديه، فقال: ويلك! كيف أمي؟ قلت: بأحسن حالة. قال: انظر كيف تقول؟ قلت: هذا كتابها. قال: فعرف الشواهد والعلامات، قلت: اقرأ كتاب وصيتها. قال: ويحك! ألم تأتني بسلامتها؟ حسبك! فأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال لحاجبه: اكتبه في خاصة أهلي، قال: فو الله ما أتى عليّ الحول حتى تم لي مائة ألف.
قال ابن عياش: فقلت له: هل لقيت عمك بعد ذلك؟ قال لا والله ولا ألقاه أبدا.
(7/103)

السلاماني وقريب له
وعن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: اخبرني موسى السلاماني، مولى الحضرمي، وكان أيسر تاجر بالبصرة، قال: بينا أنا جالس إذ دخل عليّ غلام لي فقال: هذا رجل من أهل أمّك يستأذن عليك- وكانت أمه مولاة لعبد الرحمن بن عوف- فقلت: ائذن له. فدخل شاب حلو الوجه، يعرف في هيئته انه قرشي، في طمرين «1» . فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عبد الحميد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، خال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قلت: في الرحب والقرب. ثم قلت: يا غلام، برّه وأكرمه وألطفه، وأدخله الحمام، واكسه قميصا رقيقا، ومبطنا قوهيا، ورداء عمريا. وحذونا له نعلين حضرميين فلما نظر الشاب في عطفيه وأعجبته نفسه قال: يا هذا، ابغني أشرف أيّم بالبصرة أو أشرف بكربها! قلت: يابن أخي، معك مال؟ قال: أنا مال كما أنا! قلت: يابن أخي، كفّ عن هذا. قال: انظر ما أقوله لك! قلت: فإن أشرف ايّم بالبصرة هند ابنة أبي صفرة. أخت عشرة، وعمة عشرة، وحالها في قومها حالها. وأشرف بكر بالبصرة الملاة بنت زرارة بن اوفى الجرشي قاضي البصرة قال اخطبها علي. قلت: يا هذا، إن أباها قاضي البصرة! قال:
انطلق بنا إليه. فانطلقنا إلى المسجد فتقدم، فجلس الى القاضي، فقال له: من أنت يا بن أخي؟ قال له: عبد الحميد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف خال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال مرحبا بك، ما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قال: ومن ذكرت؟ قال:
الملاة ابنتك. قال: يا بن اخي، ما بها عنك رغبة. ولكنها امرأة يفتات عليها [في] أمرها، فاخطبها إلى نفسها. فقام إليّ، فقلت: ما صنعت؟ قال: قال كذا وكذا.
قلت: ارجع بنا ولا تخطبها. قال: اذهب بنا اليها. فدخلنا دار زرارة، فإذا دار فيها مقاصير، فاستأذنا على أمها، فلقيتنا بمثل كلام الشيخ، ثم قالت: وها هي في تلك الحجرة. قلت له: لا تأتها. قال: أليست بكرا؟ قلت: بلى. قال: ادخل بنا إليها.
فاستأذنا، فأذنت لنا، فوجدناها جالسة وعليها ثوب قوهي رقيق معصفر، تحته
(7/104)

سراويل يرى منه بياض جسدها، ومرط قد جمعته على فخذيها، ومصحف على كرسي بين يديها. فأشرجت «1» المصحف ثم نحته، فسلمنا، فردّت، ثم رحبت بنا، ثم قالت: من أنت؟ قال: أنا عبد الحميد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري خال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! ومدّ بها صوته، قالت: يا هذا؛ إنما يمدّ هذا الصوت للساسانيين! قال موسى: فدخل بعضي في بعض! ثم قالت: ما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قالت: ومن ذكرت؟ قال: ذكرتك! قالت: مرحبا بك يا أخا اهل الحجاز، ما الذي بيدك؟ قال: لنا سهمان بخيبر اعطاناهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- ومدّ بها صوته- وعين بمصر، وعين باليمامة، ومال باليمن. قالت: يا هذا، كل هذا عنا غائب، ولكن ما الذي يحصل بأيدينا منك؟ فإني أظنك تريد أن تجعلني كشاة عكرمة، أتدري من عكرمة؟ قال: لا. قالت: عكرمة بن ربعي. فإنه كان نشأ بالسواد، ثم انتقل الى البصرة وقد تغذي باللبن. فقال لزوجته: اشتري لنا شاة نحتلبها وتصنعين لنا من لبنها شرابا وكامخا. ففعلت وكانت عندهم الشاة إلى ان استحرمت «2» ، فقالت: يا جارية خذي بأذن الشاة وانطلقي بها إلى التيّاس. فانزي عليها! ففعلت فقال التياس: آخذ منك على المنزوة درهما! فانصرفت إلى سيدتها فأعلمتها. فقالت: إنما رأينا من يرحم ويعطي، وأما من يرحم ويأخذ فلم نره! ... ولكن يا أخا أهل المدينة، أردت أن تجعلني كشاة عكرمة. فلما خرجنا قلت له: ما كان أغناك عن هذا! قال: ما كنت أظن أن امرأة تجترىء على مثل هذا الكلام.
ابن علفة وعبد الملك
وعن الاصمعي قال: كان عقيل بن علّفة المري غيورا فخورا، وكان يصهر إليه خلفاء بني أمية، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته لبعض ولده، فقال: جنبني هجناء ولدك.
(7/105)

ابن علفة وأولاده
وكان إذا خرج يمتار خرج بابنته الجرباء معه. فخرج مرة فنزلوا ديرا من أديرة الشام يقال له دير سعد، فلما ارتحلوا قال عقيل:
قضت وطرا من دير سعد وربّما ... علاء عرض ناطحنه بالجماجم «1»
ثم قال لابنه: أجز يا عميس. فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
ثم قال لابنته: يا جرباء أجيزي، فقالت:
كأنّ الري أسقاهم صرخديّة ... عقارا تمشّت في المطا والقوائم «2»
فقال لها: وما يدريك أنت ما نعت الخمر؟ ثم سل السيف وهض إليها، فاستغاثت بأخيها عميس، فانتزعه بسهم فأصاب فخذه، فبرك. ومضوا وتركوه حتى إذا بلغوا ادنى المياه قالوا لهم: إنا أسقطنا جزورا لنا فأدركوه. وخذوا معكم الماء! ففعلوا.
وإذا عقيل بارك وهو يقول:
إنّ بنيّ زمّلوني بالدّم ... من يلق أبطال الرّجال يكلم «3»
ومن يكن درء به يقوّم ... شنشنة أعرفها من أخزم
الشنشنة: الطبيعة. وأخزم: فحل كريم. وهذا مثل للعرب.
عبد الملك وابنة عبد الرحمن
الشيباني عن عوانة قال: خطب عبد الملك بن مروان ابنة عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، فأبت أن تتزوّجه. وقالت: والله لا تزوّجني أبو الذباب! فتزوجها يحيى بن الحكم. فقال عبد الملك: والله لقد تزوجت أفوه أشوه. فقال يحيى: أما إنها أحبت مني ما كرهت منك. وكان عبد الملك ردىء الفم يدمى فيقع عليه الذباب فسمي ابا الذباب.
(7/106)

أخت أبي سفيان
وعن العتبي قال: خطب قريبة ابنة حرب أخت أبي سفيان بن حرب، اربعة عشر رجلا من أهل بدر، فأبتهم وتزوجت عقيل بن أبي طالب. قالت: إن عقيلا كان مع الأحبة يوم قتلوا، وإن هؤلاء كانوا عليهم! ولاحته يوما فقالت: يا عقيل، أين أخوالي؟ أين أعمامي؟ كأن أعناقهم أباريق الفضة! قال لها: إذا دخلت النار فخذي على يسارك.
زياد وسعيد بن العاص في ابنته
وكتب زياد إلى سعيد بن العاص يخطب إليه ابنته، وبعث إليه بمال كثير وهدايا؛ فلما قرأ الكتاب أمر حاجبه بقبض المال والهدايا، وأن يقسمها بين جلسائه؛ فقال الحاجب: إنّها أكثر من ظنك. قال سعيد: أنا أكثر منها! ثم وقّع إلى زياد في أسفل كتابه: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
«1» .
الحسن ورجل يزوج ابنته
وقال رجل للحسن: إن لي بنية، فمن ترى أن أزوجها؟ قال: زوّجها ممن يتقي الله فإن أحبّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
عبد الملك وعمر بن عبد العزيز
وقال عبد الملك بن مروان، لعمر بن عبد العزيز: قد زوّجك أمير المؤمنين ابنته فاطمة، فقال عمر: وصلك الله يا أمير المؤمنين، فقد كفيت المسئلة، وأجزلت في العطية.
وقيل للحسن: فلان خطب إلينا فلانة. قال: أهو موسر من عقل ودين؟ قالوا:
نعم. قال: فزوّجوه.
(7/107)

لحيوة بن شريح
وقال رجل لحيوة بن شريح: إني أريد أن أتزوج. فماذا ترى؟ قال: كم المهر؟
قال: مائة. قال: فلا تفعل؛ تزوّج بعشرة وأبق تسعين، فإن وافقتك ربحت التسعين، وإن لم توافقك تزوجت عشرا؛ فلا بد في عشرة نسوة من واحدة توافقك.
هبنقة القيسي وراغب في الزواج
وقال رجل: أردت النكاح فقلت: لاستشيرن أول من يطلع عليّ ثم أعمل برأيه؛ فكان أول من طلع هبنقة القيسي، وتحته قصبة؛ فقلت له: أريد النكاح، فما تشير [به] علي؟ قال: البكر لك، والثيب «1» عليك، وذات الولد لا تقربها واحذر جوادي لا ينفحك! «2» .
مكثر ومقل في زواج
وعن الاصمعي قال: أخبرني رجل من بني العنبر عن رجل من اصحابه وكان مقلّا؛ فخطب إليه مكثر من مال مقلّ من عقل، فشاور فيه رجلا يقال له ابو يزيد؛ فقال: لا تفعل، ولا تزوّج إلا عاقلا ديّنا؛ فإنه إن لم يكرمها لم يظلمها. ثم شاور رجلا آخر يقال له ابو العلاء، فقال له: زوّجه، فإن ما له لها وحمقه على نفسه.
فزوّجه، فرأى منه ما يكره في نفسه وابنته؛ وأنشده فقال:
ألهفي إذ عصيت أبا يزيد ... ولهفي إذا أطعت أبا العلاء
وكانت هفوة من غير ريح ... وكانت زلقة من غير ماء
زواج معبد بن خالد
المفضل بن محمد الضبي قال: اخبرني مسعر بن كدام عن معبد بن خالد الجدلي قال: خطبت امرأة من بني أسد في زمن زياد- وكان النساء يجلسن لخطّابهن- قال:
(7/108)

فجئت لانظر إليها؛ وكان بيني وبيها رواق: فدعت بجفنة عظيمة من الثريد «1» مكللة باللحم، فأتت على آخرها وألقت العظام نقية، ثم دعت بشنّ عظيم مملوءة لبنا، فشربته حتى أكفأته على وجهه، وقالت: يا جارية ارفعي السجف «2» ، فإذا هي جالسة على جلد أسد، وإذا شابة جميلة؛ فقالت: يا عبد الله، أنا أسدة، من بني أسد، وعليّ جلد أسد، وهذا طعامي وشرابي؛ فعلام ترى؟ فإن أحببت أن تتقدم فتقدم، وإن أحببت أن تتأخر فتأخر! فقلت: أستخير الله في أمري وأنظر! قال: فخرجت ولم أعد!.
جارية لأمية وراغب في زواجها
قال: وحدثنا بعض اصحابنا ان جارية لأمية بن عبد الله بن خالد بن اسيد ذات ظرف وجمال، مرت برجل من بني سعد، وكان شجاعا فارسا، فلما رآها قال: طوبى لمن كانت له امرأة مثلك! ثم إنه أتبعها رسولا يسألها: ألها زوج؟ ويذكره لها؛ فقالت للرسول: ما حرفته؟ فأبلغه الرسول قولها: فقال: ارجع اليها فقل لها:
وسائلة ما حرفتي؟ قلت: حرفتي ... مقارعة الابطال في كلّ شارق
إذا عرضت لي الخيل يوما رأيتني ... أمام رعيل الخيل أحمي حقائقي
وأصبر نفسي حين لا حرّ صابر ... على ألم البيض الرّقاق البوارق
فأنشدها الرسول ما قال، فقالت له: ارجع اليه وقل له: انت أسد فاطلب لنفسك لبوة، فلست من نسائك! وأنشدت هذه الأبيات:
ألا إنما أبغي جوادا بماله ... كريما محيّاه قليل الصدائق
فتى همّه مذ كان خود كريمة ... يعانقها بالليل فوق النمارق «3»
ويشربها صرفا كميتا مدامة ... نداماه فيها كلّ خرق موافق «4»
(7/109)

رجل بين زوجتين
يحيى بن عبد العزيز عن محمد بن الحكم عن الشافعي قال: تزوّج رجل امرأة حديثة على امرأة له قديمة، فكانت جارية الحديثة تمرّ على باب القديمة فتقول:
وما يستوي الرّجلان رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
ثم تعود فتقول:
وما يستوى الثوبان ثوب به البلى ... وثوب بأيدي البائعين جديد
فمرت جارية القديمة على الحديثة فأنشدت:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما القلب إلا للحبيب الأوّل
كم منزل في الارض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
المغيرة وغلام حارثي
وعن الشعبي قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: ما غلبني احد قط إلا غلام من بني الحارث بن كعب، وذلك اني خطبت امرأة من بني الحارث، وعندي شاب منهم، فأصغى إليّ فقال: أيها الامير، لا خير لك فيها! قلت: يا ابن اخي ومالها؟ قال: إني رأيت رجلا يقبّلها! قال: فبرئت منها؛ فبلغني أن الفتى تزوجها قلت: ألم تخبرني انك رأيت رجلا يقبّلها؟ قال: بلى رأيت أباها يقبلها.
أبو سعيد وابن سيرين في الزواج
أبو سعيد قال: صحبت ابن سيرين عشرين سنة، فقال لي يوما: يا أبا سعيد إن تزوجت فلا تتزوج امرأة تنظر في يدها، ولكن تزوج امرأة تنظر في يدك.
(7/110)

صفات النساء وأخلاقهن
لعبدة بن الطبيب
قال أبو عمرو بن العلاء: أعلم الناس بالنساء عبدة بن الطبيب حيث يقول:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... عليم بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهنّ عجيب
وهذه الابيات لعلقمة بن عبدة المعروف بالفحل وأول القصيدة:
طحا بك قلب في الحسان طروب
لمعاذ بن جبل
وعن رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل قال: إنكم ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم وإني اخاف عليكم فتنة السراء؛ وهي النساء، اذا تحلين بالذهب، ولبسن ريط الشام وعصب اليمن، فأتعبن الغني، وكلّفن الفقير ما لا يطاق.
وقال عبد الملك بن مروان، من أراد ان يتخذ جارية للمتعة فليتخذها بربرية ومن أراد للولد فليتخذها فارسية، ومن أراد للخدمة فليتخذها رومية.
لابن هبيرة
وعن أبي الحسن المدائني قال: قال يزيد بن عمر بن هبيرة: اشتروا لي جارية شقّاء مقّاء رسحاء، بعيدة ما بين المنكبين، ممسوحة الفخذين.
قوله: شقاء: يريد كأنها شقة جبل؛ مقاء: طويلة؛ رسحاء: صغيرة العجيزة، أرادها للولد، لان الارسح أفرس من العظيم العجيزة.
وقال عمر بن هبيرة لرجل: ما أنت بعظيم الرأس فتكون سيدا، ولا بأرسح فتكون فارسا.
(7/111)

وقال الاصمعي وذكر النساء: بنات العم اصبر، والغرائب انجب، وما ضرب رؤس الابطال كابن الاعجمية.
يونس ومستشير له في زواج
أبو حاتم عن الاصمعي عن يونس بن مصعب عن عثمان بن ابراهيم بن محمد قال:
أتاني رجل من قريش يستشيرني في امرأة يتزوجا، فقلت: يا ابن أخي، أقصيرة النسب أو طويلته؟ فلم يفهم عني؛ فقلت: يا ابن اخي، إني اعرف في العين إذا عرفت، وأنكر فيها إذا انكرت، واعرف فيها إذا لم تعرف ولم تنكر، أما إذا عرفت فتتحاوص «1» ، واما اذا انكرت فتجحظ «2» ، واما اذا لم تعرف ولم تنكر فتسجو؛ وقد رأيت عينك ساجية؛ فالقصيرة النسب التي إذا ذكرت أباها اكتفت به، والطويلة النسب التي تعرف حتى تطيل في نسبتها؛ فإياك أن تقع في قوم قد أصابوا كثيرا من الدنيا مع دناءة فيهم؛ فتضيع نفسك فيهم.
الوليد وعقائله
وعن العتبي قال كان عند الوليد بن عبد الملك اربع عقائل: لبابة بنت عبد الله بن عباس، وفاطمة بنت يزيد بن معاوية، وزينب بنت سعيد بن العاص، وأمّ جحش بنت عبد الرحمن بن الحرث؛ فكنّ يجتمعن على مائدته ويفترقن فيفخرن فاجتمعن يوما، فقالت لبابة: اما والله إنك لتسويني بهنّ وانك تعرف فضلي عليهن! وقالت بنت سعيد: ما كنت ارى أن للفخر عليّ مجازا، وانا ابنة ذي العمامة إذ لا عمامة غيرها! وقالت بنت عبد الرحمن بن الحارث: ما احبّ بأبي بدلا، ولو شئت لقلت فصدقت وصدّقت! وكانت بنت يزيد بن معاوية جارية حديثة السن، فلم تتكلم؛ فتكلم عنها الوليد فقال نطق من احتاج إلى نفسه، وسكت من اكتفى بغيره؛ اما والله لو
(7/112)

شاءت لقالت: أنا ابنة قادتكم في الجاهلية، وخلفائكم في الاسلام! فظهر الحديث حتى تحدّث به في مجلس ابن عباس، فقال: الله اعلم حيث يجعل رسالته.
للحجاج في نسوته
الشيباني عن عوانة قال: ذكر النساء عند الحجاج، فقال عندي أربع نسوة: هند بنت المهلب، وهند بنت اسماء بن خارجة، وأم الجلاس بنت عبد الرحمن بن أسيد، وأمة الرحمن بنت جرير بن عبد الله البجلي. فأما ليلتي عند هند بنت المهلب فليلة فتى بين فتيان، يلعب ويلعبون؛ وأما ليلتي عند هند بنت اسماء فليلة ملك بين الملوك؛ وأما ليلتي عند ام الجلاس فليلة اعرابي مع اعراب في حديثهم وأشعارهم. وأما ليلتي عند امة الرحمن بنت جرير فليلة عالم بين العلماء والفقهاء.
أبو الحر المخنث
وعن العتبي قال: حدثني رجل من أهل المدينة قال: كان بالمدينة مخنث يدلّ على النساء، يقال له أبو الحر، وكان منقطعا إليّ، فدلني على غير ما امرأة أتزوجها، فلم أرض عن واحدة منهن، فاستقصرته يوما، فقال: والله يا مولاي لادلنّك على امرأة لم تر مثلها قط، فإن لم ترها كما وصفت فاحلق لحيتي! فدلني على امرأة، فتزوجتها، فلما زفت إلي وجدتها اكثر مما وصف، فلما كان في السحر إذا انسان يدق الباب، فقلت:
من هذا قال: أبو الحر، وهذا الحجّام «1» معه فقلت: قد وفر الله لحيتك أبا الحر، الأمر كما قلت!.
للرسول صلّى الله عليه وسلّم في مخنث
ابن بكير عن مالك بن هشام بن عروة عن أبيه: ان مخنّثا كان عند أم سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال لعبد الله بن ابي امية ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسمع: أبا عبد الله، إن
(7/113)

فتح الله لكم الطائف غدا فأنا أدلّك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يدخل عليكن هؤلاء.
قوله: تقبل بأربع وتدبر بثمان، يريد عكن «1» البطن، أنها إذا أقبلت أربع، وإذا أدبرت ثمان.
وضرب البعث على رجل من اهل الكوفة، فخرج إلى اذربيجان، فاقتاد جارية وفرسا، وكان مملكا بابنة عمه، فكتب إليها ليغيرها:
ألا أبلغوا أمّ البنين بأننا ... غنينا وأغنتنا الغطارفة المرد «2»
بعيد مناط المنكبين إذا جرى ... وبيضاء كالتمثال زيّنها العقد
فهذا لأيام العدوّ، وهذه ... لحاجة نفسي حين ينصرف الجند
فلما ورد كتابه قرأته وقالت: يا غلام، هات الدواة. فكتبت إليه تجيبه:
ألا أقره السلام وقل له ... غنينا- ففيقوا- بالغطارفة المرد
بحمد أمير المؤمنين أقرّهم ... شبابا- وأغزاكم- خوالف في الجند
إذا شئت غنّاني غلام مرجّل ... ونازعته من ماء معتصر الورد
وإن شاء منهم ناشىء مدّ كفّه ... إلى كبد ملساء أو كفل نهد «3»
فما كنتم تقضون من حاج أهلكم ... شهودا، قضيناها على النّأي والبعد «4»
فلما ورد كتابها، لم يزد على أن ركب فرسه وأردف الجارية، والحق بها، فكان اول شيء بدأ لها به السلام أن قال: بالله هل كنت فاعلة؟ قالت: الله اجل في قلبي وأعظم، وأنت في عيني أذلّ وأحقر من أن أعصى الله فيك! فكيف ذقت طعم الغيرة؟ فوهب لها الجارية وانصرف إلى بعثه.
(7/114)

معاوية وابن صوحان
وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: أي النساء أشهى إليك؟ قال: المواتية لك فيما تهوى. قال: فأيهنّ أبغض؟ قال: أبعدهنّ مما ترضى. قال: هذا النقد العاجل. فقال صعصعة: بالميزان العادل.
وقال صعصعة لمعاوية: يا أمير المؤمنين، كيف ننسبك إلى العقل وقد غلب عليك نصف إنسان! يريد غلبة امرأته فاختة بنت قرظة عليه؛ فقال معاوية: إنهنّ يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام!.
جرير البجلي وابن الخطاب
وعن سفيان بن عيينة قال: شكا جرير بن عبد الله البجلي الى عمر بن الخطاب ما يلقى من النساء، فقال: لا عليك؛ فإن التي عندي ربما خرجت من عندها فتقول: إنما تريد أن تتصنع لقيان بني عدي.
فسمع كلامهما ابن مسعود، فقال: لا عليكما، فإن ابراهيم الخليل شكا إلى ربه رداءة في خلق سارة، فأوحى الله إليه: أن البسها على لباسها ما لم ترد في دينها وصمة. فقال عمر: إن بين جوانحك لعلما.
الحجاج وابن القرية
وكتب الحجاج إلى أيوب بن القرية: أن اخطب على عبد الملك بن الحجاج امرأة جميلة من بعيد، مليحة من قريب، شريفة في قومها ذليلة في نفسها، مواتية لبعلها.
فكتب إليه: قد أصبتها لولا عظم ثدييها. فكتب إليه: لا يكمل حسن المرأة حتى يعظم ثدياها، فتدفيء الضجيع، وتروي الرضيع.
ابو العباس وابن صفوان
وقال أبو العباس امير المؤمنين لخالد بن صفوان: يا خالد، إن الناس قد أكثروا
(7/115)

في النساء؛ فأيهنّ أعجب إليك؟ قال: أعجبهنّ يا أمير المؤمنين التي ليست بالضّرع الصغير، ولا الفانية الكبير، وحسبك من جمالها ان تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب، اعلاها قضيب، وأسفلها كثيب، كانت في نعمة ثم أصابتها فاقة، فأترفها الغنى وأدّبها الفقر.
ابن صفوان وامرأة
ونظر خالد بن صفوان إلى جماعة في المسجد بالبصرة، فقال ما هذه الجماعة؟
قالوا: على امرأة تدلّ على النساء. فأتاها فقال لها: ابغني امرأة. قالت: صفها لي.
قال: أريدها بكرا كثيّب، أو ثيّبا كبكر، حلوة من قريب، فخمة من بعيد؛ كانت في نعمة فأصابتها فاقة، فمعها أدب النعمة وذل الحاجة، فإذا اجتمعنا كنا أهل دنيا، وإذا افترقنا كنا اهل آخرة. قالت: لقد أصبتها لك. قال: وأين هي؟ قالت: في الرفيف الاعلى من الجنة فاعمل لها!.
لأعرابي في النساء
وسئل اعرابي في النساء، وكان ذا تجربة وعلم بهنّ؛ فقال: أفضل النساء أطولهن إذا قامت، واعظمهن إذا قعدت، وأصدقهن إذا قالت؛ التي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت تبسمت، وإذا صنعت شيئا جوّدت؛ التي تطيع زوجها، وتلزم بيتها؛ العزيزة في قومها، الذليلة في نفسها، الودود الولود، وكل أمرها محمود.
غطفاني وعبد الملك
وقال عبد الملك بن مروان لرجل من غطفان: صف لي أحسن النساء. فقال:
خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين، ردماء «1» الكعبين، مملوءة الساقين، جماء الركبتين، لفّاء الفخذين، مقرمدة الرفغين «2» ، ناعمة الاليتين، منيفة المأكمتين «3» ،
(7/116)

فعمة العضدين، فخمة الذراعين، رخصة الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجّاء الحاجبين، لمياء الشفتين، بلجاء الجبين، شمّاء العرنين «1» شنباء الثغر، حالكة الشعر، غيداء العنق، عيناء العينين، مكسّرة البطن، ناتئة الركب.
فقال: ويحك! وأنّى توجد هذه؟ قال: تجدها في خالص العرب، او في خالص الفرس.
وقال رجل لخاطب: ابغني امرأة لا تؤنس جارا، ولا توهن دارا، ولا تثقب نارا.
يريد: لا تدخل على الجيران، ولا يدخل عليها الجيران، ولا تغري بينهم بالشر.
وفي نحو هذا يقول الشاعر:
من الاوانس مثل الشمس لم يرها ... في ساحة الدار لا بعل ولا جار
وقال الاعشى:
لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ... ولا ترى الشمس إلا دونها الكلل
وقال آخر:
ابغني امرأة بيضاء مديدة، فرعاء جعدة؛ تقوم فلا يصيب قميصها منها إلا مشاشة منكبيها، وحلمتي ثدييها، ورانفتي أليتيها.
وقال الشاعر:
أبت الروادف والثّديّ لقمصها ... مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا
وإذا الرّياح مع العشيّ تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا
ولآخر:
إذا انبطحت فوق الاثافي رفعنها ... بثديين في نحر عريض وكعثب «2»
(7/117)

ونظر عمران بن حطان إلى امرأته، وكانت من أجمل النساء وكان من أقبح الرجال؛ فقال: إني وإياك في الجنّة إن شاء الله! قالت له: كيف ذاك؟ قال: إني أعطيت مثلك فشكرت، وأعطيت مثلي فصبرت.
من أخبار عائشة بنت طلحة
ونظر ابو هريرة إلى عائشة بنت طلحة؛ فقال: سبحان الله! ما احسن ما غذاك اهلك! والله ما رأيت وجها أحسن منك، إلا وجه معاوية على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وكان معاوية من احسن الناس وجها.
ونظر ابن أبي ذئب إلى عائشة بنت طلحة تطوف بالبيت، فقال لها: من أنت؟
فقالت:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفّلا
فقال لها: صان الله ذلك الوجه عن النار! فقيل له: أفتنتك أبا عبد الله؟ قال: لا، ولكن الحسن مرحوم.
وقال يونس: اخبرني محمد بن إسحاق، قال: دخلت على عائشة بنت طلحة، فوجدتها متكئة ولو ان بختية «1» نوخت خلفها ما ظهرت! السرّي بن إسماعيل عن الشعبي، قال: إني لفي المسجد نصف النهار، إذ سمعت باب القصر يفتح؛ فإذا بمصعب بن الزبير ومعه جماعة، فقال: يا شعبي اتبعني.
فاتبعته؛ فأتى دار موسى بن طلحة، فدخل مقصورة، ثم دخل اخرى، ثم قال: يا شعبي اتبعني؛ فاتبعته؛ فإذا امرأة جالسة، عليها من الحليّ والجواهر ما لم أر مثله، ولهي أحسن من الحلي الذي عليها؛ فقال: يا شعبيّ، هذه ليلى التي يقول فيها الشاعر:
وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربي ... إلى اليوم أخفي حبّها وأداجن «2»
وأحمل في ليلى لقوم ضغينة ... وتحمل في ليلى عليّ الضّغائن»
(7/118)

هذه عائشة ابنة طلحة، فقالت له: أما إذ جلوتني عليه فأحسن إليه! فقال: يا شعبي، رح العشية [الى المسجد] فرحت، فقال: يا شعبي، ما ينبغي لمن جليت عليه عائشة بنت طلحة أن ينقص عن عشرة آلاف، فأمر لي بها! وبكسوة، وقارورة غالية، فقيل للشعبي في ذلك اليوم: كيف الحال! قال: وكيف حال من صدر عن الامير ببدرة، وكسوة، وقارورة غالية، ورؤية وجه عائشة بنت طلحة.
زواج عمرو بن حجر من بنت عوف
وكان عمرو بن حجر ملك كندة- وهو جد امريء القيس- أراد ان يتزوج ابنة عوف بن محلّم الشيباني، الذي يقال فيه: «لا حرّ بوادي عوف» لإفراط عزه، وهي أم إياس، وكانت ذات جمال وكمال؛ فوجه إليها امرأة يقال لها عصام، لتنظر إليها وتمتحن ما بلغه عنها: فدخلت على امها امامة ابنة الحرث: فأعلمتها ما قدمت له، فأرسلت إلى ابنتها [فقالت] : أي بنية، هذه خالتك أتت إليك لتنظر إلى بعض شأنك؛ فلا تستري عنها شيئا ارادت النظر اليه، من وجه وخلق، وناطقيها فيما استنطقتك فيه. فدخلت عصام عليها، فنظرت إلى ما لم تر عينها مثله قطّ، بهجة وحسنا وجمالا، وإذا هي أكمل الناس عقلا، وأفصحهم لسانا؛ فخرجت من عندها وهي تقول: «ترك الخداع من كشف القناع» . فذهبت مثلا، ثم اقبلت إلى الحرث، فقال لها: «ما وراءك يا عصام» ؟ فأرسلها مثلا. قالت: «صرّح المخض عن الزبد» . فذهبت مثلا. قال: أخبريني: قالت أخبرك صدقا وحقا:
رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل المضفورة، إن أرسلته خلته السلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد كرم جلالها الوابل، ومع ذلك حاجبان كأنهما خطّا بقلم، أو سوّدا بحمم، قد تقوّسا على مثل عين العبهرة «1» التي لم يرعها قانص ولم يذرعها قسورة، بينهما أنف كحد السيف الصمقول، لم يخنس به قصر، ولم يمعن به طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان، في بياض محض كالجمان،
(7/119)

شق فيه فم كالخاتم، لذيذ المبتسم، فيه ثنايا غرّ، ذوات أشر، وأسنان تبدو كالدر، وريق كالخمر، له نشر الروض بالسحر، يتقلب فيه لسان ذو فصاحة وبيان، يقلّبه به عقل وافر، وجواب حاضر، تلتقي دونه شفتان حمراوان كالورد، يجلبان ريقا كالشهد، تحت ذاك عنق كإبريق الفضة، ركّب في صدر تمثال دمية يتصل به عضدان ممتلئان لحما، مكتنزان شحما، وذراعان ليس فيهما عظم يحس، ولا عرق يجس، ركبت فيهما كفان دقيق قصبهما، ليّن عصبهما، تعقد إن شئت منهما الانامل، وتركّب الفصوص في حفر المفاصل، وقد تربع في صدرها حقان كأنهما رمانتان، [يخرقان عليها نيابها] ، من تحته بطن طوي كطيّ الطباطيّ المدمجة، كسى عكنا كالقراطيس المدرجة، تحيط تلك العكن بسرّة كمدهن العاج المجلوّ، كسى عكنا كالقراطيس المدرجة، تحيط تلك العكن بسرّة كمدهن العاج المجلوّ، خلف ذلك ظهر كالجدول ينتهي الى خصر لولا رحمة الله لا نخزل، تحته كفل يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت، كأنه دعص «1» رمل، لبّده سقوط الطل، يحمله فخذان لفاوان، كأنهما نضيد الجمان، تحملها ساقان خدلّجتان «2» كالبردى وشّيتا بشعر أسود، كأنه حلق الزرد، ويحمل ذلك قدمان كحذو اللسان، تبارك الله، مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما، فأما ما سوى ذلك فتركت أن أصفه غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر.
قال: فأرسل إلى أبيها يخطبها، فكان من أمرهما ما تقدّم ذكره في صدر هذا الكتاب.
صفة المرأة السوء
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إياكم وخضراء الدّمن» . يريد الجارية الحسناء في المنبت السوء.
(7/120)

وفي حكمة داود: «المرأة السوء مثل شرك الصياد، لا ينجو منها إلا من رضي الله عنه» .
الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال عمر بن الخطاب: النساء ثلاثة: هينة عفيفة مسلمة، تعين أهلها على العيش ولا تعين العيش على اهلها. واخرى وعاء للولد. وثالثة غل قمل يلقيه الله في عنق من يشاء من عباده.
وقيل لاعرابي عالم بالنساء: صف لنا شر النساء. قال شرّهنّ النحيفة الجسم القليلة اللحم، الطويلة السقم، المحياض الممراض الصفراء، المشئومة العسراء، السليطة الذّفراء، السريعة الوثبة، كأن لسانها حربة، تضحك من غير عجب، وتقول الكذب، وتدعو على زوجها بالحرب، أنف في السماء، واست في الماء.
وفي رواية محمد بن عبد السلام الخشني قال: إياك وكل امرأة مذكرة منكرة، حديدة العرقوب «1» ؛ بادية الظّنبوب «2» ، منتفخة الوريد، كلامها وعيد، وصوتها شديد؛ تدفن الحسنات، وتفشي السيئات؛ تعين الزمان على بعلها، ولا تعين بعلها على الزمان؛ ليس في قلبها له رأفة، ولا عليها منه مخافة؛ إن دخل خرجت، وان خرج دخلت، وإن ضحك بكت، وإن بكى ضحكت؛ وإن طلقها كانت حرفته، وإن أمسكها كانت مصيبته؛ سفعاء ورهاء «3» ، كثيرة الدعاء قليلة الإرعاء، تأكل لمّا، وتوسع ذما؛ صخوب غضوب، بذيّة دنية؛ ليس تطفأ نارها، ولا يهدأ إعصارها؛ ضيقة الباع، مهتوكة القناع، صبيها مهزول؛ وبيتها مزبول، إذا حدثت تشير بالاصابع، وتبكي في المجامع، بادية من حجابها، نباحة على بابها، تبكي وهي ظالمة، وتشهد وهي غائبة، قد دلّي لسانها بالزور، وسال دمعها بالفجور.
ابن قتيبة بين امرأة وزوجها
نافرت امرأة فضالة زوجها إلى مسلم بن قتيبة، وهو والي خراسان فقالت: أبغضه
(7/121)

والله لخلال فيه. قال: وما هي؟ قالت: قليل الغير، سريع الطيرة، شديد العتاب، كثير الحساب، قد أقبل بخره، وأدبر ذفره، وهجمت عيناه، واضطربت رجلاه، يفيق سريعا، وينطق رجيعا، يصبح حلسا، ويمسي رجسا، إن جاع جزع، وإن شبع جشع.
ومن صفة المرأة السوء يقال: امرأة سمعنّة نظرنّة؛ وهي التي إذا تسمّعت أو تبصّرت فلم تر شيئا تظنّته تظنّيا.
قال أعرابي:
إنّ لنا لكنّه ... سمعنّة نظرنّه
معنّة مفنّه ... كالرّيح حول القنّه
إلّا تره تظنّه
وقال يزيد بن عمر بن هبيرة: لا تنكحنّ برشاء، ولا عمشاء، ولا وقصاء «1» ، ولا لثغاء؛ فيجيئك ولد ألثغ؛ فو الله لولد أعمى أحبّ من ولد ألثغ.
وقال: آخر عمر الرجل خير من أوّله؛ يثوب حلمه، وتثقل حصاته، وتحمد سريرته، وتكمل تجاربه، وآخر عمر المرأة شر من أوله؛ يذهب جمالها، ويذرب لسانها، وتعقم رحمها، ويسوء خلقها.
وعن جعفر بن محمد عليهما السلام: إذا قال لك احد: تزوجت نصفا؛ فاعلم ان شر النصفين ما بقي في يده! وأنشد:
وإن أتوك وقالوا إنها نصف ... فإنّ أطيب نصفيها الذي ذهبا
وقال الحطيئة في امرأته:
أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع «2»
(7/122)

وقال في أمّه:
تنحّي فاجلسي منّي بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا
حياتك ما علمت حياة سوء ... وموتك قد يسرّ الصالحينا
وقال زيد بن عمير في أمته:
أعاتبها حتى إذا قلت اقلعت ... أبى الله إلّا خزيها فتعود
فإن طمثت قادت وإن طهرت زنت ... فهي أبدا يزنى بها وتقود
علامة الحب والبغض
ويقال: إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها، فعلامة ذلك ان تكون عند قربه منها مرتدة الطرف عنه، كأنها تنظر إلى انسان غيره؛ وإذا كانت محبة له، لا تقلع عن النظر إليه.
وقال آخر يصف امرأة لثغاء:
أوّل ما أسمع منها في السّحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
والسوءة السوءاء في ذكر القمر
ولآخر في زوجته:
لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السّوء باق معمّر
فياليتها صارت إلى القبر عاجلا ... وعذّبها فيه نكير ومنكر
عبد الملك وابن زنباع
كان روح بن زنباع أثيرا عند عبد الملك، فقال له يوما: أرأيت امرأتي العبشمية؟
قال: نعم. قال: بماذا شبهتها؟ قال: بمشجب بال قد أسىء صنعه. قال: صدقت، وما صنعت يدي عليها قط إلا كأني وضعتها على الشّكاعي «1» ، وأنا أحب أن تقول ذلك
(7/123)

إلى ابنيها الوليد وسليمان! فقام إليه فزعا فقبل يده ورجله، وقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أن لا تعرّضني لهما! قال: ما من ذلك بد! وبعث من يدعوهما؛ فاعتزل روح وجلس ناحية من البيت؛ فقال لهما [عبد الملك] : أتدريان لم بعثت إليكما؟ إنما بعثت لتعرفا لهذا الشيخ حقّه وحرمته! ثم سكت.
ابن زنباع وزوجه
أبو الحسن المدائني: كان عند روح بن زنباع، هند بنت النعمان بن بشير، وكان شديدة الغيرة، فأشرفت يوما تنظر إلى وفد جذام [إذ] كانوا عنده، فزجرها؛ فقال: والله إني لابغض الحلال من جذام؛ فكيف تخافي على الحرام فيهم.
وقالت له يوما: عجبا منك! كيف يسودك قومك؛ وفيك ثلاث خلال: أنت من جذام. وأنت جبان. وأنت غيور؟ فقال لها: اما جذام فإني في ارومتها، وحسب الرجل ان يكون في ارومة قومه؛ وأما الجبن فإني مالي إلا نفس واحدة، فأنا احوطها؛ فلو كانت لي نفس اخرى جدت بها؛ واما الغيرة فأمر لا أريد ان أشارك فيه، وحقيق بالغيرة من كانت عنده حمقاء مثلك، مخافة أن تأتيه بولد من غيره فتقذفه في حجره! فقالت:
وهل هند إلّا مهرة عربيّة ... سليلة أفراس تجلّلها بغل
فإن أنجبت مهرا عريقا فبالحرى ... وإن يك إقراف فما أنجب الفحل
رجل وامرأة تخطب له
وعن الاصمعي قال: قال ابو موسى: جاءت امرأة إلى رجل تدله على امرأة يتزوجها، فقال:
أقول لها لمّا أتتني تدلّني ... على امرأة موصوفة بجمال
أصبت لها والله زوجا كما اشتهت ... إن احتملت منه ثلاث خصال
فمنهنّ عجز لا ينادي وليده ... ورقّة إسلام وقلّة مال
(7/124)

صفة الحسن
عن ابي الحسن المدائني قال: الحسن أحمر، وقد تضرب فيه الصفرة مع طول المكث في الكن «1» والتضمّخ بالطيب، كما تضرب بيضة الادحيّ واللؤلؤة المكنونة؛ وقد شبه الله عز وجل في كتابه فقال: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
«2» .
وقال الشاعر:
كأنّ بيض نعام في ملاحفها ... إذا اجتلاهنّ قيظ ليله ومد
وقال آخر:
مروزيّ الأديم تغمره الصّف ... رة حينا لا يستحق اصفرار
وجرى من دم الطبيعة فيه ... لون ورد كسا البياض احمرار
وقالت امرأة خالد بن صفوان له: لقد أصبحت جميلا! فقال لها: وما رأيت من جمالي، وما فيّ رداء الحسن ولا عموده ولا برنسه؟ قالت: وكيف ذلك؟ قال: عمود الحسن الشّطاط «3» ، ورداؤه البياض، وبرنسه سواد الشعر.
وقالوا: إن الوجه الرقيق البشرة الصافي الاديم، إذا خجل يحمرّ وإذا فرق يصفر.
ومنه قولهم: ديباج الوجه؛ يريدون تلوّنه.
وقال عديّ بن زيد يصف لون الوجه:
حمرة خلطت صفرة في بياض ... مثل ما حاك حائك ديباجا «4»
وقال: إن الجارية الحسناء تتتلون بلون الشمس، فهي بالضحى بيضاء، وبالعشي صفراء.
(7/125)

وقال الشاعر:
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشيّة كالعراره «1»
وقال ذو الرمة:
بيضاء صفراء قد تنازعها ... لونان من فضة ومن ذهب
ومن قولنا:
بيضاء يحمرّ خدّاها إذا خجلت ... كما جرى ذهب في صفحتي ورق
ومن قولنا:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... درّا يعود من الحياء عقيقا
ومن قولنا:
كم شادن لطف الحياء بوجهه ... فأصاره وردا على وجناته
ومن قولنا:
عقائل كالآرام أما وجوهها ... فدرّ ولكنّ الخدود عقيق
ومن قولهم في الجارية
جميلة من بعيد، مليحة من قريب؛ فالجميلة التي تأخذ بصرك جملة على بعد، فإذا دنت لم تكن كذلك؛ والمليحة التي كلما كرّرت فيها بصرك زادتك حسنا.
وقال بعضهم: الجميلة السمينة، من الجميل، وهو الشحم، والمليحة أيضا من الملحة، وهو البياض، والصبيحة مثل ذلك، يشبهونا بالصبح في بياضه.
(7/126)

المنجبات من النساء
قالوا: أنجب النساء الفروك «1» ، وذلك أن الرجل يغلبها على الشبق، لزهدها في الرجل.
أبو حاتم عن الأصمعي قال: النجيبة التي تنزع بالولد إلى أكرم العرقين.
وقال عمر بن الخطاب: يا بني السائب، إنكم قد أضويتم «2» ، فانكحوا في النزائع «3» .
وقالت العرب: بنات العمّ اصبر، والغرائب أنجب.
والعرب تقول: اغتربوا لا تضووا: أي أنكحوا في الغرائب، فإن القرائب يضوين «4» البنين.
وقالوا: إذا أردت أن يصلب ولد المرأة فأغضبها ثم قع عليها؛ وكذلك الفزعة.
وقال الشاعر:
ممن حملن وهنّ عواقد ... حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل
حملت به في ليلة مزءودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل
قالت أم تأبط شرا: والله ما حملته تضعا ولا وضعا، ولا وضعته يتنا، ولا أرضعته غيلا، ولا أنمته مئقا.
حملته وضعا وتضعا: وهي ان تحمله في مقبل الحيض. ووضعته يتنا: وضعته منكسا، تخرج رجلاه قبل رأسه. وأرضعته غيلا: أرضعته لبنا فاسدا، وذلك ان ترضعه وهي حامل. وأنمته مئقا. اي مغضبا مغتاظا.
(7/127)

ومن امثال العرب قولهم: أنا مئق وأنت نئق، فلا نتفق.
المئق: المغضب المغتاظ. والنئق: الذي لا يحتمل شيئا.
من أخبار النساء
لابن أبي ربيعة في مقتل زوجة المختار
: لما قتل مصعب بن الزبير ابنة النعمان بن بشير الأنصارية، زوجة المختار ابن أبي عبيد، أنكر الناس ذلك عليه وأعظموه؛ لأنه أتى بما نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنه في نساء المشركين؛ فقال عمر بن أبي ربيعة:
إنّ من أعظم الكبائر عندي ... قتل حسناء غادة عطبول «1»
قتلت باطلا على غير ذنب ... إنّ لله درّها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذيول «2»
الخوارج وامرأة أرادوا قتلها
: ولما خرجت الخوارج بالأهواز، أخذوا امرأة فهمّوا بقتلها؛ فقالت لهم: أتقتلون من ينشّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. فأمسكوا عنها.
باب الطلاق
الرشيد والأصمعي
محمد بن الغار قال: حدثني عبد الرحمن بن محمد ابن أخي الأصمعي قال: سمعت عمي يقول: توصّلت بالملح، وأدركت بالغريب.
(7/128)

وقال عمي للرشيد في بعض حديثه: بلغني يا أمير المؤمنين أن رجلا من العرب طلق في يوم خمس نسوة! قال إنما يجوز ملك الرجل على أربع نسوة؛ فكيف طلق خمسا؟ قال: كان لرجل أربع نسوة، فدخل عليهنّ يوما فوجدهنّ متلاحيات متنازعات- وكان شنطيرا «1» ، فقال: إلى متى هذا التنازع؟ ما إخال هذا الأمر إلا من قبلك- يقول ذلك لامرأة منهن- اذهبي فأنت طالق! فقالت له صاحبتها: عجلت عليها بالطلاق، ولو أدّبتها بغير ذلك لكنت حقيقا! فقال لها: وأنت أيضا طالق! فقالت له الثالثة: قبحك الله! فو الله لقد كانتا إليك محسنتين، وعليك مفضلتين! فقال: وأنت أيتها المعدّدة أياديهما طالق أيضا! فقالت له الرابعة، وكانت هلالية وفيها أناة شديدة: ضاق صدرك عن أن تؤدب نساءك إلا بالطلاق! فقال لها: وأنت طالق أيضا! وكان ذلك بمسمع جارة له، فأشرفت عليه وقد سمعت كلامه، فقالت:
والله ما شهدت العرب عليك وعلى قومك بالضعف إلا لما بلوه منكم ووجدوه فيكم، أبيت إلا طلاق نسائك في ساعة واحدة! قال: وأنت أيضا أيتها المؤنّبة المتكلفة طالق، إن أجاز زوجك! فأجابه من داخل بيته: قد أجزت! قد أجزت.
المغيرة وزوجته فارعة
: ودخل المغيرة بن شعبة على زوجته فارعة الثقفية وهي تتخلل حين انفتلت من صلاة الغداة؛ فقال لها: لئن كنت تتخللين من طعامك اليوم إنك لجشعة، وإن كنت تتخللين من طعام البارحة إنك لشبعة، كنت فبنت «2» ، فقالت: والله ما اغتبطنا إذ كنا، ولا أسفنا إذ بنّا، وما هو لشيء مما ذكرت، ولكني استكت «3» فتخللت لسواك؛ فخرج المغيرة نادما على ما كان منه، فلقيه يوسف بن أبي عقيل فقال له:
إني نزلت الآن عن سيدة نساء ثقيف؛ فتزوجها فإنها ستنجب؛ فتزوجها فولدت له الحجاج.
(7/129)

الحسن وعائشة بنت طلحة
: وقال الحسن بن علي بن حسين لامرأته عائشة بنت طلحة: أمرك بيدك! فقالت:
قد كان عشرين سنة بيدك فأحسنت حفظه، فلم أضيعه إذ صار بيد ساعة واحدة؛ وقد صرفته إليك! فأعجبه ذلك منها وأمسكها.
لرجل في طلاق امرأته
: وقال أبو عبيدة: طلق رجل امرأته وقال:
لقد طلّقت أخت بني غلاب ... طلاقا ما أظنّ له ارتدادا
ولم أك كالمعدل أو أويس ... إذا ما طلقا ندما فعادا
قال أبو عبيدة: وطلاق المعدّل وأويس يضرب به المثل.
لآخر في مثله
: ونكح رجل امرأة من عديّ، فلما اهتداها رأت ربع داره أحسن ربع، وشمل عياله أجمع شمل؛ فقالت: أما والله لئن بقيت لهم لأشتّتن أمرهم! وقالت في ذلك:
أرى نارا سأجعلها إرينا ... وأترك أهلها شتّى عزينا
فلما انتهى ذلك إلى زوجها طلقها، وقال في ذلك:
ألا قالت هديّ بني عديّ ... أرى نارا سأجعلها إرينا «1»
فبيني قبل أن تلحي عصانا ... ويصبح أهلنا شتى عزينا
وقيل لابن عباس: ما تقول في رجل طلق امرأته عدد نجوم السماء؟ فقال: يكفيه من ذلك عدد كواكب الجوزاء! وقيل لأعرابي: هل لك في النكاح؟ قال: لو قدرت أن أطلق نفسي لطلقتها.
(7/130)

وعن الزهري قال: قال أبو الدرداء لامرأته: إذا رأيتني غضبت فترضيّني، وإن رأيتك غضبت ترضّيتك، وإلا لم نصطحب! قال الزهري: وهكذا تكون الإخوان.
قال الأصمعي: كنت أختلف إلى أعرابي أقتبس منه الغريب، فكنت إذا استأذنت عليه يقول: يا أمامة ائذني له. فتقول: ادخل. فاستأذنت عليه مرارا فلم أسمعه يذكر أمامة؛ فقلت: يرحكم الله، ما أسمعك تذكر أمامة؛ قال: فوجم وجمة، فندمت على ما كان مني، ثم أنشأ يقول:
ظعنت أمامة بالطلاق ... ونجوت من غلّ الوثاق «1»
بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تبك المآقي «2»
لو لم يرح بطلاقها ... لأرحت نفسي بالإباق
ودواء ما لا تشتهي ... هـ النفس تعجيل الفراق
والعيش ليس يطيب من ... إلفين من غير اتّفاق
وعن الشيباني قال: طلق أبو موسى امرأته وقال فيها:
تجهّزي للطلاق وارتحلي ... فذا دواء المجانب الشرس
ما أنت بالحنّة الودود ولا ... عندك نفع يرجى لملتمس «3»
لليلتي حين بنت طالقة ... ألذّ عندي من ليلة العرس
بتّ لديها بشرّ منزلة ... لا أنا في لذّة ولا أنس
تلك على الخسف لا نظير لها ... وإنني ما يسوغ لي نفسي
ابن زبان والزبير
: أقبل منظور بن زبّان بن سيار الفزاري إلى الزبير فقال: إنما زوّجناك ولم نزوّج عبد الله! قال: ما له؟ قال: إنها تشكوه. قال: يا عبد الله طلّقها! قال عبد الله: هي طالق! قال ابن منظور: أنا ابن قهدم. قال الزبير: أنا ابن صفية أتريد أن يطلق
(7/131)

المنذر أختها؟ قال: لا، تلك راضية بموضعها.
خديجة بين محمد وإبراهيم
: وتزوج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان خديجة بنت عروة ابن الزبير، فذكر لها جماله- وكان يقال له المذهب من حسنه، وكان رجلا مطلاقا- فقالت:
محمد هو الدنيا لا يدوم نعيمها. فلما طلقها خطبها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي؛ فكتب إليها:
أعيذك بالرحمن من عيش شقوة ... وأن تطمعي يوما إلى غير مطمع
إذا ما ابن مظعون تحدّر وسقه ... عليك فبوئي بعد ذلك أو دعي «1»
فردّته ولم تتزوجه.
الحجاج وزواجه بابنة جعفر
: وعن العتبي عن أبيه قال: أمهر الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر تسعين ألف دينار فبلغ ذلك خالد بن يزيد بن معاوية، فأمهل عبد الملك، حتى إذا أطبق الليل دق عليه الباب؛ فأذن له عبد الملك، ودخل عليه فقال له: ما هذا الطروق أبا يزيد؟ قال: أمر والله لم ينتظر له الصبح، هل علمت أن أحدا كان بينه وبين من عادى ما كان بين آل أبي سفيان وآل الزبير بن العوام؟ فإني تزوجت إليهم، فما في الأرض قبيلة من قريش أحبّ إليّ منهم؛ فكيف تركت الحجاج وهو سهم من سهامك يتزوج إلى بني هاشم، وقد علمت ما يقال فيهم في آخر الزمان؟ قال: وصلتك رحم.
وكتب إلى الحجاج يأمره بطلاقها وألا يراجعه في ذلك. فطلقها. فأتاه الناس يعزونه، وفيهم عمرو بن عتبة؛ فجعل الحجاج يقع بخالد ويتنقّصه، ويقول: إنه صيّر الأمر إلى من هو أولى به منه، وإنه لم يكن لذلك أهلا!
(7/132)

فقال له عمرو بن عتبة: إن خالدا أدرك من قبله، وأتعب من بعده، وعلم علما فسلّم الأمر إلى أهله، ولو طلب بقديم لم يغلب عليه، أو بحديث لم يسبق إليه.
فلما سمعه الحجاج استحى، فقال: يا بن عتبة، إنا نسترضيكم بأن نعتب عليكم، ونستعطفكم بأن ننال منكم؛ وقد غلبتم على الحلم فوثقنا لكم به، وعلمنا أنكم تحبون أن تحلموا فتعرّضنا للذي تحبون.
من طلق امرأته ثم تبعتها نفسه
بين العريان وبنت عمران
: الهيثم بن عدي قال: كانت تحت العريان بن الأسود بنت عمّ له، فطلّقها، فتبعتها نفسه؛ فكتب إليها يعرّض لها بالرجوع؛ فكتبت إليه.
إن كنت ذا حاجة فاطلب لها بدلا ... إنّ الغزال الذي ضيّعت مشغول
فكتب إليها:
من كان ذا شغل فالله يكلؤه ... وقد لهونا به والحبل موصول
وقد قضينا من استطرافه طرفا ... وفي الليالي وفي أيّامها طول!
الوليد وزوجته سعدى
: وطلق الوليد بن يزيد امرأته سعدى، فلما تزوجت اشتد ذلك عليه، وندم على ما كان منه؛ فدخل عليه أشعب، فقال له: أبلغ سعدى عني رسالة، ولك مني خمسة آلاف درهم! فقال: عجّلها! فأمر له بها؛ فلما قبضها قال: هات رسالتك. فأنشده:
أسعدى ما إليك لنا سبيل ... ولا حتى القيامة من تلاق؟
بلى، ولعل دهرا أن يؤاتي ... بموت من حليلك أو فراق
فأتاها فاستأذن، فدخل عليها. فقالت له: ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟ فقال: يا سيدتي، أرسلني إليك الوليد برسالة. وأنشدها الشعر؛ فقالت لجواريها: خذن هذا
(7/133)

الخبيث! فقال: يا سيدتي، إنه جعل لي خمسة آلاف درهم! قالت: والله لأعاقبنك أو لتبلغن إليه ما أقول لك. قال: سيدتي، اجعلي لي شيئا، قالت: لك بساطي هذا.
قال: قومي عنه! فقامت عنه وألقاه على ظهره، وقال: هاتي رسالتك. فقالت:
أنشده.
أتبكي على سعدى وأنت تركتها ... فقد ذهبت سعدى فما أنت صانع
فلما بلغه وأنشده الشعر، سقط في يده وأخذته كظمة، ثم سرّي عنه، فقال: اختر واحدة من ثلاث: إما أن نقتلك، وإما أن نطرحك من هذا القصر، وإما أن نلقيك إلى هذه السّباع! فتحير أشعب وأطرق حينا؛ ثم رفع رأسه فقال: يا سيدي، ما كنت لتعذّب عينين نظرتا إلى سعدى! فتبسم وخلى سبيله.
ابن أبي بكر وامرأته
: وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه، عبد الرحمن بن أبي بكر: أمره أبوه بطلاقها، ثم دخل عليه فسمعه يتمثل:
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير شيء تطلّق
فأمره بمراجعتها.
الفرزدق ونوار
: وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه، الفرزدق الشاعر: طلق النّوار، ثم ندم في طلاقها وقال:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت منّي مطلّقة نوار
وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار «1»
فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... بأمر ليس لي فيه خيار
(7/134)

من أخبار النوار
: وكانت النوار بنت عبد الله قد خطبها رجل رضيته، وكان وليّها غائبا، وكان الفرزدق وليّها إلا أنه كان أبعد من الغائب؛ فجعلت أمرها إلى الفرزدق، وأشهدت له بالتفويض إليه؛ فلما توثّق منها بالشهود، أشهدهم أنه قد زوّجها من نفسه! فأبت منه ونافرته إلى عبد الله بن الزبير؛ فنزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله [ابن الزبير] ، ونزلت النوار على زوجة عبد الله بن الزبير، وهي بنت منظور ابن زبان،؛ فكان كل ما أصلح حمزة من شأن الفرزدق نهارا أفسدته المرأة ليلا؛ حتى غلبت المرأة وقضي ابن الزبير على الفرزدق؛ فقال:
أمّا البنون فلم تقبل شفاعتهم ... وشفّعت بنت منظور بن زبّانا
ليس الشّفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وقال الفرزدق في مجلس ابن الزبير:
وما خاصم الأقوام من ذي خصومة ... كورهاء مدنو إليها خليلها «1»
فدونكها يا بن الزبير فإنها ... ملعّنة يوهي الحجارة قيلها
فقال ابن الزبير: إن هذا شاعر، وسيهجوني؛ فإن شئت ضربت عنقه وإن كرهت ذلك؛ فاختاري نكاحه وقرّي. فقرّت واختارت نكاحه، ومكثت عنده زمانا، ثم طلقها وندم في طلاقها.
وعن الأصمعي عن المعتمر بن سليمان عن أبي مخروم عن رواية الفرزدق، قال: قال لي الفرزدق يوما: امض بنا إلى حلقة الحسن، فإني أريد أن أطلق النوار! فقلت له:
إني أخاف أن تتبعها نفسك، ويشهد عليك الحسن وأصحابه. قال: انهض بنا. فجئنا حتى وقفنا على الحسن، فقال [الفرزدق] : كيف أصبحت أبا سعيد؟ قال: بخير، كيف أصبحت يا أبا فراس؟ فقال: تعلمنّ أني طلقت النوار ثلاثا! قال الحسن
(7/135)

وأصحابه: قد سمعنا فانطلقنا، فقال لي الفرزدق: يا هذا، إن في نفسي من النوار شيئا! فقلت: حذرتك! فقال:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت مني مطلّقة نوار
وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أني ملكت بها يميني ... لكان عليّ للقدر الخيار
قيس بن ذريح وطلاق امرأته
: وممن طلق امرأته وتبعتها نفسه، قيس بن الذريح؛ وكان أبوه أمره بطلاقها فطلقها وندم؛ فقال في ذلك:
فواكبدي على تسريح لبنى ... فكان فراق لبنى كالخداع
تكنفّني الوشاة فأزعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع
فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... على أمر وليس بمستطاع
كمغبون يعضّ على يديه ... تبيّن غبنه بعد البياع
وطلق رجل امرأته، فقالت: أبعد صحبة خمسين سنة؟ فقال: مالك عندنا ذنب غيره!
ابن أم الحكم بين رجل وامرأته
: العتبي قال: جاء رجل بامرأة كأنها برج فضة، إلى عبد الرحمن بن أم الحكم وهو على الكوفة، فقال: إن امرأتي هذه شجّتني! فقال لها: أنت فعلت به؟ قالت: نعم، غير متعمّدة لذلك؛ كنت أعالج طيبا، فوقع الفهر من يدي على رأسه؛ وليس عندي عقل، ولا تقوى يدي على القصاص! فقال عبد الرحمن للرجل: يا هذا، علام تحبسها وقد فعلت بك ما أرى؟ قال: أصدقتها أربعة آلاف درهم، ولا تطيب نفسي بفراقها! قال: فإن أعطيتها لك أتفارقها؟ قال: نعم. قال: فهي لك. قال: هي طالق إذا! فقال عبد الرحمن: احبسي علينا نفسك. ثم أنشأ يقول:
(7/136)

يا شيخ ويحك من دلّاك بالعزل ... قد كنت يا شيخ عن هذا بمعتزل
رضت الصّعاب فلم تحسن رياضتها ... فاعمد لنفسك نحو الجلّة الذّلل
في مكر النساء وغدرهنّ
في حكمة داود عليه السلام؛ وجدت من الرجال واحدا في ألف، ولم أجد واحدة في النساء جميعا.
الغنائي والكندي وهند
: وقال الهيثم بن عدي: غزا الغسانيّ الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي، فلم يصبه في منزله، فأخذ ما وجد له واستاق امرأته؛ فلما أصابها أعجبت به، فقالت له: انج، فو الله لكأني أنظر إليه يتبعك فاغرا فاه كأنه بعير آكل مرار! وبلغ الحارث، فأقبل يتبعه حتى لحقه فقتله، وأخذ ما كان معه وأخذ امرأته، فقال لها: هل أصابك؟
قالت: نعم والله ما اشتملت النساء على مثله قط! فأمر بها فأوقفت بين فرسين، ثم استحضرهما حتى تقطعت. ثم قال:
كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الودّ حبّها خيثعور «1»
إن من غرّه النّساء بودّ ... بعد هند لجاهل مغرور»
وقالت الحكماء: لا تثق بامرأة، ولا تغترّ بمال وإن كثر.
وقالوا: النساء حبائل الشيطان.
وقال الشاعر:
تمتّع بها ما ساعفتك، ولا تكن ... جزوعا إذا بانت، فسوف تبين
وصنها وإن كانت تفي لك، إنها ... على مدد الأيام سوف تخون
وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لآخر من طلّابها ستلين
(7/137)

وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين «1»
وإن أسبلت يوم الفراق دموعها ... فليس لعمر الله ذاك يقين
وقالت الحكماء: لم تنه امرأة قط عن شيء إلا فعلته.
وقال طفيل الغنوي:
إنّ النّساء متى ينهين عن خلق ... فإنه واقع لا بدّ مفعول
وعن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: أرسل عبد الله بن همام السلولي شابّا إلى امرأة ليخطبها عليه. فقالت له: فما يمنعك أنت؟ فقال لها: ولي طمع فيك! قالت: ما عنك رغبة! فتزوجها؛ ثم انصرف إلى ابن همام، فقال له: ما صنعت؟ قال والله ما تزوجتني إلا بعد شرط! قال: أو لهذا بعثتك؟ فقال ابن همام في ذلك:
رأت غلاما على شرط الطّلابة لا ... يعيا بإرقاص برديّ الخلاخيل
مبطّنا بدخيس اللحم تحسبه ... مما يصوّر في تلك التّماثيل «2»
أكفا من الكفء في عقد النّكاح وما ... يعيا به حلّ هميان السّراويل
تركتها والأيامى غير واحدة ... فاحبسه عن بيتها يا حابس الفيل
السلولي وامرأة خطبها
: وعن الهيثم بن عدي عن ابن عياش، قال: كان النساء يجلسن لخطابهن، فكانت امرأة من بني سلول تخطب، وكان عبد الله بن همام السلولي يخطبها؛ فإذا دخل عليها تقول له: فداك أبي وأمي! وتقبل عليه تحدثه، وكان شاب من بني سلول يخطبها، فإذا دخل عليها الشاب وعندها عبد الله بن همام قالت للشاب قم إلى النار! وأقبلت بوجهها وحديثها على عبد الله؛ ثم إن الشاب تزوّجها، فلما بلغ ذلك عبد الله بن همام قال:
(7/138)

أودى بحبّ سليمى فاتك لقن ... كحيّة برزت من بين أحجار
إذا رأتني تفدّيني وتجعله ... في النار، يا ليتني المجعول في النار
وله فيها:
ماذا تظنّ سليمى إن ألمّ بها ... مرجّل الرأس ذو بردين مزّاح «1»
حلو فكاهته، خزّ عمامته ... في كفّه من رقى الشيطان مفتاح! «2»
في السراري
إبراهيم عليه السلام وهاجر
: تسرّى الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام هاجر، فولدت له إسماعيل عليه السلام.
وتسرّى النبي عليه الصلاة والسلام مارية القبطية، فولدت له إبراهيم.
ولما صارت إليه صفية بنت حيّ، كان أزواجه يعيّرنها باليهودية، فشكت ذلك إليه، فقال لها: أما إنك لو شئت لقلت فصدقت وصدّقت: أبي إسحاق، وجدّي إبراهيم، وعمي إسماعيل، وأخي يوسف.
هشام وزيد بن علي
: ودخل زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك، فقال له [هشام] : بلغني أنك تحدّث نفسك بالخلافة، ولا تصلح لها، لأنك ابن أمة! فقال له: أما قولك إني أحدّث نفسي بالخلافة فلا يعلم الغيب إلا الله، وأما قولك إني ابن أمة، فإسماعيل ابن أمة، أخرج الله من صلبه خير البشر محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وإسحاق بن حرّة، أخرج الله من صلبه القردة والخنازير.
(7/139)

الرغبة في السراري
: قال الأصمعي: وكان أكثر أهل المدينة يكرهون الإماء، حتى نشأ منهم علي بن الحسين، والقاسم بن محمد [بن أبي بكر] ، وسالم بن عبد الله [بن عمر] ؛ ففاقوا أهل المدينة فقها وعلما وورعا؛ فرغب الناس في السراري.
عبد الملك وابن الحسين في جارية تزوجها
: وتزوج علي بن الحسين جارية له وأعتقها، فبلغ ذلك عبد الملك، فكتب إليه يؤنّبه، فكتب إليه عليّ: إن الله رفع بالإسلام الخسيسة، وأتم به النقيصة وأكرم به من اللؤم؛ فلا عار على مسلم؛ وهذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد تزوج أمته وامرأة عبده! فقال عبد الملك: إن عليّ بن الحسين يشرف من حيث يتّضع الناس.
وقال الشاعر:
لا تشتمنّ امرءا في أن تكون له ... أمّ من الرّوم أو سوادء عجماء
فإنما أمّهات القوم أوعية ... مستودعات، وللأحساب آباء
وقال بعضهم: عجبت لمن لبس القصير كيف يلبس الطويل؛ ولمن أحفى «1» شعره كيف أعفاه، وعجبا لمن عرف الإماء كيف يقدم على الحرائر.
وقالوا: الأمة تشترى بالعين وتردّ بالعيب؛ والحرّة غل «2» في عنق من صارت إليه.
الهجناء
للعرب والفرس
: العرب تسمي العجميّ إذا أسلم: المسلماني؛ ومنه يقال: مسالمة السواد، والهجين
(7/140)

عندهم: الذي أبوه عربي وأمه أعجمية؛ والمذرّع: الذي أمه عربية وأبوه أعجمي وقال الفرزدق:
إذا باهليّ أنجبت حنظليّة ... له ولدا منها؛ فذاك المذرّع
والعجمي: النصراني ونحوه وإن كان فصيحا. والأعجمي: الأخرس اللسان وإن كان مسلما.
ومنه قيل: زياد الأعجم؛ وكان في لسانه لكنة.
والفرس تسمى الهجين: دوشن؛ والعبد: واش ونجاش. ومن تزوّج أمة: نفاش، وهو الذي يكون العهد دونه، وسمي أيضا: بوركان.
والعرب تسمّي العبد الذي لا يخدم إلا ما دامت عليه عين مولاه: عبد العين.
وكان العرب في الجاهلية لا تورث الهجين.
وكانت الفرس تطرح الهجين ولا تعدّه، ولو وجدوا أمّا أمة على رأس ثلاثين أما، ما أفلح [ولدها] عندهم ولا كان آزاد، ولا كان بيدهه مزاد. والآزاد عندهم: الحرّ، والمزاد: الريحان.
وقال ابن الزبير لعبد الرحمن بن أم الحكم:
تبلّغت لمّا أن أتيت بلادهم ... وفي أرضنا أنت الهمام القلمّس «1»
ألست ببغل أمّه عربيّة ... أبوه حمار أدبر الظهر ينخس؟ «2»
وشبه المذرع بالبغل؛ إذ قيل له: من أبوك؟ قال: أمي الفرس! ومما احتجت به الهجناء: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم زوّج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب من المقداد بن الأسود، وزوّج خالدة بنت أبي لهب من عثمان بن أبي العاص الثقفي.
وبذلك احتج عبد الله بن جعفر إذ زوّج ابنته زينب من الحجاج بن يوسف فعيّره
(7/141)

الوليد بن عبد الملك، فقال عبد الله بن جعفر: سيف أبيك زوّجه! والله ما فديت بها إلا خيط رقبتي. وأخرى: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد زوّج ضباعة من المقداد، وخالدة من عثمان بن أبي العاص، ففيه قدوة وأسوة.
وزوّج أبو سفيان ابنته أم الحكم بالطائف في ثقيف.
وقال لهذم الكاتب في عبد الله بن الأهتم وسأله فحرمه:
وما بنو الأهتم إلا كالرّحم ... لا شيء إلا أنهم لحم ودم
جاءت به جذام من أرض العجم ... أهتم سلّاح على ظهر القدم
مقابل في الّلؤم من خال وعمّ
بنو أمية وأولاد الإماء
: وكانت بنو أمية لا تستخلف بني الإماء، وقالوا لا تصلح لهم العرب.
زياد بن يحيى قال: حدّثنا جبلة بن عبد الملك: قالوا: سابق عبد الملك [بين] سليمان ومسلمة؛ فسبق سليمان مسلمة، فقال عبد الملك:
ألم أنهكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرّهان فتدرك!
وما يستوي المرءان، هذا ابن حرّة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرّك
وتضعف عضداه ويقصر سوطه ... وتقصر رجلاه فلا يتحرّك
وأدركه خالاته فنزعنه ... ألا إنّ عرق السّوء لا بدّ يدرك
ثم أقبل عبد الملك على مصقلة بن هبيرة الشيباني فقال: أتدري من يقول هذا؟
قال: لا أدري. قال: يقوله أخوك الشّنّيّ.
قال مسلمة: يا أمير المؤمنين، ما هكذا قال حاتم الطائي. قال عبد الملك: وماذا قال حاتم؟ فقال مسلمة: قال حاتم:
وما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا
فما زادها فينا السّباء مذلّة ... ولا كلّفت خبزا ولا طبخت قدرا
ولكن خلطناها بخير نسائنا ... فجاءت بهم بيضا وجوههم زهرا
(7/142)

وكائن ترى فينا من ابن سبيّة ... إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرا
ويأخذ رايات الطّعان بكفّه ... فيوردها بيضا؛ ويصدرها حمرا
أغرّ إذا اغبرّ اللثام رأيته ... إذ ما سرى ليل الدّجى قمرا بدرا
فقال عبد الملك كالمستحي:
وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
بنو أمية في أولاد الأمهات
: قال الأصمعي: كانت بنو أمية لا تبايع لبني أمهات الأولاد؛ فكان الناس يرون أن ذلك لاستهانة بهم، ولم يكن لذلك، ولكن لما كانوا يرون أن زوال ملكهم على يد ابن أم ولد؛ فلما ولي الناقص ظن الناس أنه الذي يذهب ملك بني أمية على يديه- وكانت أمه بنت يزدجرد بن كسرى- فلم يلبث إلا سبعة أشهر حتى مات؛ ووثب مكانه مروان بن محمد- وأمه كردية- فكانت الرواية عليه. ولم يكن لعبد الملك ابن أسدّ رأيا، ولا أذكى عقلا، ولا أشجع قلبا، ولا أسمح نفسا، ولا أسخى كفّا من مسلمة؛ وإنما تركوه لهذا المعنى.
شيء عن يحيى ابن أبي حفصة
: وكان يحيى بن أبي حفصة أخو مروان بن أبي حفصة يهوديا، أسلم على يد عثمان بن عفان، فكثر ماله، فتزوّج خولة بنت مقاتل بن قيس بن عاصم، ونقدها خمسين ألفا.
وفيه يقول القلاخ:
رأيت مقاتل الطّلبات حلى ... نحور بناته كمر الموالي «1»
فلا تفخر بقيس، إنّ قيسا ... خريتم فوق أعظمه البوالي!
وله فيه:
نبّئت خولة قالت حين أنكحها ... لطالما كنت منك العار أنتظر
(7/143)

أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما ... في فيك مما رجوت التّراب والحجر
لله درّ جياد أنت سائسها ... برذنتها وبها التّحجيل والغرر «1»
فقال مقاتل يردّ عليه:
وما تركت خمسون ألفا لقائل ... عليك- فلا تحفل- مقالة لائم
فإن قلتم زوّجت مولى؛ فقد مضت ... به سنّة قبلي وحبّ الدراهم
ويقال: إن غيره قال ذلك.
باب في الادعياء
زياد بن عبيد
أول دعيّ كان في الإسلام واشتهر، زياد بن عبيد، دعيّ معاوية؛ وكان من قصته انه وجهه بعض عمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على العراق الى عمر بفتح كان، فلما قدم واخبر عمر بالفتح في احسن بيان وأفصح لسان، قال له عمر: أتقدر على مثل هذا الكلام في جماعة الناس على المنبر؟ قال: نعم، وعلى احسن منه، وانا لك أهيب! فأمر عمر بالصلاة جامعة؛ فاجتمع الناس، ثم قال لزياد: قم فاخطب وقص على الناس ما فتح الله على إخوانهم المسلمين. ففعل وأحسن وجوّد، وعند أصل المنبر علي بن ابي طالب، وأبو سفيان بن حرب فقال أبو سفيان لعليّ: أيعجبك ما سمعت من هذا الفتى؟ قال: نعم. قال: أما إنه ابن عمك؟ قال: فكيف ذلك؟ قال: أنا قذفته في رحم أمّه سمية! قال: فما يمنعك أن تدّعيه؟ قال: أخاف هذا الجالس على المنبر- يعني عمر- أن يفسد عليّ إهابي. فلما ولي معاوية استلحقه بهذا الحديث، واقام له شهودا عليه؛ فلما شهد الشهود قام زياد على اعقابهم خطيبا، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: هذا أمر لم اشهد اوله، ولا علم لي بآخره؛ وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهد الشهود بما قد سمعتم، والحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس، وحفظ منا ما ضيّعوا؛ فأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو ربيب مشكور. ثم جلس.
(7/144)

فقال فيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فقد ضاقت بما يأتي اليدان
أتغضب ان يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زان؟
وأشهد أن قربك من زياد ... كقرب الفيل من ولد الاتان
وقال زياد: ما هجيت ببيت قط أشدّ عليّ من قول يزيد بن مفرغ الحميري:
فكّر ففي ذاك إن فكّرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلا بتأمير؟
عاشت سميّة ما عاشت وما علمت ... أنّ ابنها من قريش في الجماهير
سبحان من ملك عبّاد بقدرته ... لا يدفع الناس محتوم المقادير
وكان ولد سمية: زيادا: وأبا بكرة، ونافعا؛ فكان زياد ينسب في قريش، وأبو بكرة في العرب، ونافع في الموالي؛ فقال فيهم يزيد بن مفرغ:
إن زيادا ونافعا وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب
إن رجالا ثلاثة خلقوا ... من رحم أنثى مخالفي النّسب ...
ذا قرشي، فيما يقول، وذا ... مولى وهذا ابن أمه عربي!
وقال بعض العراقيين في ابي مسهر الكاتب:
حمار في الكتابة يدّعيها ... كدعوى آل حرب في زياد
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرّقت ثوبك بالمداد
وقال آخر في دعيّ:
لعين يورث الابناء لعنا ... ويلطخ كلّ ذي نسب صحيح
عبد الله بن حجاج
ولما طالت خصومة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ونصر بن حجاج عند معاوية، في عبد الله بن حجاج، مولى خالد بن الوليد- أمر معاوية حاجبه أن يؤخر أمرهما حتى يحتفل مجلسه، فجلس معاوية وقد تلفّع بمطرف خزّ أخضر، وأمر بحجر فأدني
(7/145)

منه، وألقى عليه طرف المطرف، ثم اذن لهما وقد احتفل المجلس فقال نصر بن حجاج: أخي وابن ابي، عهد إليّ أنه منه. وقال عبد الرحمن: مولاي وابن عبد أبي وامته، ولد على فراشه. فقال معاوية: يا حرسيّ، خذ هذا الحجر- وكشف عنه- فادفعه إلى نصر بن حجاج. وقال يا نصر، هذا مالك في حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . فقال نصر: أفلا أجريت هذا الحكم في زياد يا أمير المؤمنين؟ قال ذاك حكم معاوية وهذا حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وليس في الارض احمى من الادعياء؛ لتستحق بذلك العربية.
قال الشاعر:
دعيّ واحد أجدى عليهم ... من الفي عالم مثل ابن داب
ككلب السّوء يحرس جانبيه ... وليس عدوّه غير الكلاب
للاصمعي في دعي
وقال الأصمعي: استمشى رجل من الادعياء، فدخل عليه رجل من اصحابه فوجد عنده شيحا «1» وقيصوما «2» ؛ فقال له: ما هذا؟ فقال، ورفع صوته: الطبيعة تتوق إليه! يريد أن طبيعته من طباع العرب؛ فقال فيه الشاعر:
يشمّ الشّيح والقيصو ... م كي يستوجب النّسبا
وليس ضميره في الصّد ... ر إلا التّين والعنبا
ابو سعيد المخزومي
وعن اسماعيل بن احمد قال: أرأيت على أبي سعيد الشاعر المخزومي كردوانيا مصبوغا بتوريد، فقلت: أبا سعيد، هذا خز؟ قال: لا ولكنه دعيّ على دعيّ وكان أبو سعيد دعيّا في بني مخزوم؛ وفيه قال الشاعر:
متى تاه على الناس ... شريف يا أبا سعد
(7/146)

فته ما شئت إذ كنت ... بلا أب ولا جدّ
وإذا حظّك في النّسبة بين الحرّ والعبد
وإن قارفك الفحش ... ففي أمن من الحدّ
تزوج ابن عبد العزيز في عبد القيس
وعن احمد بن عبد العزيز قال: نزلت في دار رجل من بني عبد القيس بالبحرين فقال لي: بلغني أنك خاطب؟ قلت نعم. قال: فأنا أزوّجك. قلت له: إني مولى.
قال: اسكت وأنا أفعل! فقال ابو بجير فيهم:
أمن قلة صرتم إلى أن قبلتم ... دعاوة زرّاع وآخر تاجر
وأصهب روميّ وأسود فاحم ... وأبيض جعد من سراة الاحامر
شكولهم شتى وكلّ نسيبكم ... لقد جئتم في الناس إحدى المناكر
متى قال إنّي منكم فمصدّق ... وإن كان زنجيّا غليظ المشافر
أكلّهم وافى النّساء جدوده ... وكلهم أوفى بصدق المعاذر؟
وكلهم قد كان في أوّليّة ... له نسبة معروفة في العشائر؟
على علمكم ان سوف ينكح فيكم ... فجدعا ورغما للأنوف الصّواغر «1»
فهلا أبيتم عفّة وتكرّما ... وهلّا وجلتم من مقالة شاعر؟ «2»
تعيبون أمرا ظاهرا في بناتكم ... وفخركم قد جاز كلّ مفاخر
متى شاء منكم مغرم كان جدّه ... عمارة عبس خير تلك العمائر
وحصن بن بدر أو زرارة دارم ... وزبّان زبّان الرئيس ابن جابر
فقد صرت لا أدري وإن كنت ناسبا ... لعلّ نجارا من هلال بن عامر
وعلّ رجال الترك من آل مذحج ... وعل تميما عصبة من يحابر
وعلّ رجال العجم من آل عالج ... وعل البوادي بدّلت بالحواضر
زعمتم بأنّ الهند أولاد خندف ... وبينكم قربى وبين البرابر
(7/147)

وديلم من نسل ابن ضبة باسل ... وبرجان من أولاد عمرو بن عامر
بنو الاصفر الاملاك أكرم منكم ... وأولى بقربانا ملوك الاكاسر
أأطمع في صهري دعيّا مجاهرا ... ولم نر شرا في دعيّ مجاهر «1»
ويشتم لؤما عرضه وعشيره ... ويمدح جهلا طاهرا وابن طاهر
وقال زرارة بن ثروان، أحد بني عامر بن ربيعة بن عامر:
قد اختلط الأسافل بالأعالي ... وباح الناس واختلط النّجار
وصار العبد مثل أبي قبيس ... وسيق مع المعلهجة العشار «2»
وإنك لن يضيرك بعد حول ... أطرف ناك أمّك أم حمار
وقال عقيل بن علّفة:
وكنا بني غيظ رجالا فأصبحت ... بنو مالك غيظا، وصرنا لمالك
لحي الله دهرا ذغذع المال كلّه ... وسوّد أستاه الإمإ الفوارك «3»
جعفر بن سليمان وولده أحمد
وذكر جعفر بن سليمان بن علي يوما ولده، وأنهم ليسوا كما يحب، فقال له ولده أحمد بن جعفر: عمدت إلى فاسقات المدينة ومكة وإماء الحجاز، فأوعيت فيهم نطفك، ثم تريد أن ينجبن! ألا فعلت في ولدك ما فعل ابوك فيك حين اختار لك عقيلة قومها.
الاشعث وعلي
ودخل الاشعث بن قيس على عليّ بن أبي طالب، فوجد بين يديه صبية تدرج؛ فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال هذه زينب بنت أمير المؤمنين. قال زوّجنيها يا أمير المؤمنين! قال: اعزب، بفيك الكثكث «4» ، ولك الاثلب! أغرّك ابن أبي قحافة حين زوّجك أم فروة؟ إنها لم تكن من الفواطم ولا العواتك من سليم. فقال: قد
(7/148)

زوّجتم أخمل مني حسبا، وأوضع مني نسبا: المقداد بن عمرو، وإن شئت فالمقداد بن الاسود. قال عليّ: ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعله، وهو أعلم بما فعل؛ ولئن عدت إلى مثلها لأسوأنك.
وفي هذا المعنى قال الكميت بن زيد:
وما وجدت بنات بني نزار ... حلائل أسودين وأحمرينا
وما حملوا الحمير على عتاق ... مطهّمة فيلفوا مبغلينا
بني الاعمام انكحنا الأيامى ... وبالآباء سمّينا البنينا
أراد تزويج أبرهة الحبشي في كندة.
عن العتبي: قال: أنشدني أبو إسحاق ابراهيم بن خداش لخالد النجار:
اليوم من هاشم بخ، وأنت غدا ... مولى، وبعد غد حلف من العرب
إن صح هذا فأنت الناس كلّهم ... يا هاشميّ، ويا مولى، ويا عربي
قال: وكان الهيثم بن عديّ فيما زعموا دعيا، فقال فيه الشاعر:
الهيثم بن عديّ من تنقله ... في كلّ يوم له رحل على حسب
إذا اجتدى معشرا من فضل نسبتهم ... فلم ينيلوه عدّاهم إلى نسب
فما يزال له حلّ ومرتحل ... إلى النصارى وأحيانا إلى العرب
إذا نسبت عديّا في بني ثعل ... فقدّم الدال قبل العين في النسب!
وقال بشّار العقيلي:
إنّ عمروا، فاعرفوه ... عربيّ من زجاج
مظلم النّسبة لا يع ... رف إلّا بالسّراج!
وقال فيه:
ارفق بنسبة عمرو، حين تسبه ... فإنه عربيّ من قوارير
ما زال في كير حدّاد يردّده ... حتى بدا عربيّا مظلم النّور
وقال أيضا في أدعياء:
هم قعدوا فانتقوا لهم حسبا ... يدخل بعد العشاء في العرب
(7/149)

والناس قد أصبحوا صيارفة ... أعلم شيء بزائف الحسب
وقال أبو نواس في أشجع بن عمرو:
قل لمن يدّعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من سليمى كواو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو
وقال فيه:
أيا متحيّرا فيه ... لمن يتعجب العجب
لأسماء تعلّمهنّ ... أشجع حين ينتسب
ولا حمد بن أبي الحارث الخراز في حبيب الطائي:
لو أنّك إذ جعلت أباك أوسا ... جعلت الجدّ حارثة بن لام
وسمّيت التي ولدتك سعدى ... فكنت مقابلا بين الكرام!
وله فيه:
أنت عندي عربيّ ... ليس في ذاك كلام
شعر فخذيك وساقي ... ك خزامي وثمام «1»
وضلوع الصدر من ... جسمك نبع وبشام
وقذى عينيك صمغ ... ونواصيك ثغام «2»
لو تحرّكت كذا لا ... نجفلت منك نعام
وظباء سانحات ... ويرابيع عظام «3»
وحمام يتغنّى ... حبّذا ذاك الحمام
أنا ما ذنبي إن ك ... ذّبني فيك الكرام
القفا يشهد أدما ... عرفت فيك الانام
(7/150)

كذّبوا ما أنت إلّا ... عربيّ والسلام!
وقال في المعلى الطائي:
معلّى لست من طيّ ... فإن قبلتك فارهنها
وإبنك فارم في أجأ ... فلا ترغب به عنها
كأنّ دماملا جمعت ... فصوّر وجهه منها
ولآخر:
تعلّمها وإخوته ... فكلّهم بها درب
لقد ربوا عجوزهم ... ولو زيّنتها غضبوا
فيالك عصبة إن حدّ ... ثوا عن أصلهم كذبوا
لهم في بيتهم نسب ... وفي وسط الملا نسب
كما لم تخف سافرة ... وتخفى حين تنتقب
وقال خلف بن خليفة في الادعياء:
فقل للاكرمين بني نزار ... وعند كرائم العرب الشّفاء
أآخر مرّتين سبيتمونا ... وفي الإسلام ما كره السّباء؟
إذا استحللتم هذا وهذا ... فليس لنا على ذاكم بقاء
فلا تأمن على حال دعيّا ... فليس له على حال وفاء
في الباه وما قيل فيه
ذكر عند مالك بن أنس الباه، فقال: هو نور وجهك، ومخّ ساقك؛ فأقل منه أو أكثر.
وقال معاوية: ما رأيت نهما في النساء إلا عرفت ذلك في وجهه.
وقال الحجاج لابن شماخ العكلي: ما عندك للنساء؟ قال: أطيل الظماء «1» ، وأرد فلا أشرب.
(7/151)

وقيل لرؤبة: ما عندك يا أبا الجحّاف؟ قال: يمتد ولا يشتدّ، ويرد ولا يشرب.
وقيل لآخر: ما عندك لهن؟ قال: ما يقطع حجّتها، ويشفي غلمتها «1» .
وقال كسرى: كنت أراني إذا كبرت انهن لا يحببنني، فإذا أنا لا أحبّهن! وأنشد الرياشي لأعرابيّ من بني أسد:
تمنّيت لو عاد شرخ الشباب ... ومن ذا على الدّهر يعطي المنى
وكنت مكينا لدى الغانيات ... فلا شيء عندي لها ممكنا «2»
فأما الحسان فيأبينني ... وأما القباح فآبى أنا
ودخل عيسى بن موسى على جارية، فلم يقدر على شيء، فقال:
النفس تطمع والأسباب عاجزة ... والنفس تهلك بين اليأس والطمع
وخلا ثمامة بن أشرس بجارية له، فعجز؛ فقال: ويحك! ما أوسع حرك! فقالت:
أنت الفداء لمن قد كان يملؤه ... ويستكي الضّيق منه حين يلقاه
وقال آخر لجاريته:
ويعجبني منك عند الجماع ... حياة الكلام وموت النّظر
وقال آخر:
شفاء الحبّ تقبيل ولمس ... وسبح بالبطون على البطون
ورهز تذرف العينان منه ... وأخذ بالذّوائب والقرون
عائشة بنت طلحة
وقالت امرأة كوفية: دخلت على عائشة بنت طلحة، فسألت عنها، فقيل هي مع
(7/152)

زوجها في القيطون؛ فسمعت زفيرا ونخيرا لم يسمع قط مثله. ثم خرجت وجبينها يتفصّد «1» عرقا؛ فقلت لها: ما ظننت ان حرّة تفعل مثل هذا! فقالت: إن الخيل العتاق تشرب بالصفير.
وقيل لاعرابيّ: ما عندك للنساء؟ فأشار إلى متاعه وقال:
وتراه بعد ثلاث عشرة قائما ... نظر المؤذّن شكّ يوم سحاب!
وقال الفرزدق:
أنا شيخ ولي امرأة عجوز ... تراودني على ما لا يجوز
وقالت: رقّ أيرك مذ كبرنا ... فقلت لها: بل اتسع القفيز «2»
وقال الراجز:
لا يعقب التّقبيل إلّا زبّي ... ولا يداوي من صميم الحبّ.
إلا احتضان الرّكب الأزبّ ... ينزع منه الاير نزع الضبّ «3»
روى زياد عن مالك عن محمد بن يحيى بن حسان، ان جدته عاتبت جدّه في قلة اتيانه إياها؛ فقال لها: أما وأنت على قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ قالت:
وما قضاء عمر؟ قال: قضي ان الرجل إذا اتى امرأته عند كلّ طهر فقد أدّى حقها.
قالت: أفترك الناس كلهم قضاء عمر واقمت وأنا وأنت عليه.
وقال اعرابيّ حين كبر وعجز:
عجبت من أيري كيف يصنع ... أدفعه بأصبعي ويرجع
يقوم بعد النّشر ثم يصرع
(7/153)

كثير وعزة
ودخلت عزّة صاحبة كثيّر على ام البنين زوج عبد الملك بن مروان، فقالت لها:
أخبريني عن قول كثير:
قضى كلّ ذي دين فوفى غريمه ... وعزّة ممطول معنّ غريمها
ما هذا الدين الذي طلبك به؟ قالت: وعدته بقبلة فتحرّجت منها. قالت: أنجزيها وعليّ إثمها.
عن أبي البيداء
علي بن عبد العزيز قال: كان ابو البيداء رجلا عنّينا، وكان يتجلد ويقول لقومه:
زوّجوني امرأتين. فقالوا له: إن في واحدة كفاية. قال: أمّا لي فلا. فقالوا: نزوّجك واحدة فإن كفتك وإلا نزوّجك أخرى. فزوّجوه اعرابية؛ فلما دخل بها اقام معها اسبوعا، فلما كان في اليوم السابع اتوه فقالوا له: ما كان من امرك في اليوم الاول؟
قال: عظيم جدّا.. فقالوا: ففي اليوم الثالث؟ قال: لا تسلوني فاستجابت امرأته من وراء الستر فقالت:
كان أبو البيداء ينزو في الوهق ... حتى إذا أدخل في بيت أنق «1»
فيه غزال حسن الدّلّ خرق ... مارسه حتى إذا ارفضّ العرق
انكسر المفتاح وانسدّ الغلق
حماد عجرد وجارية
اهديت جارية إلى حماد عجرد، وهو جالس مع أصحابه على لذة، فتركهم وقام بها إلى مجلس له فافتضها، وكتب إليهم:
قد فتحت الحصن بعد امتناع ... بسنان فاتح للقلاع
(7/154)

ظفرت كفّي بتفريق جمع ... جاءنا تفرقه باجتماع
وإذا شملي وشمل خليلي ... إنما يلتام بعد انصداع
آخر:
لم توافق طباع هذي طباعي ... فأنا وهي دهرنا في صراع
وتحرّيت أن أنال رضاها ... فأبت غير جفوة وامتناع
فتفكّرت لم بليت بهذا؟ ... فإذا أنّ ذا لضعف المتاع!
وقع بين رجل وامرأته شرّ، فجعل يحيل عليها بالجماع، فقالت: فعل الله بك! كلما وقع بيننا شيء جئتني بشفيع لا أقدر على ردّه.
وأقبل رجل إلى علي بن ابي طالب رضي الله عنه، فقال: إن لي امرأة كلما غشيتها تقول: قتلتني قتلتني، قال: اقتلها وعليّ إثمها.
نساء كلب
وقال هشام بن عبد الملك للابرش الكلبي: زوّجني امرأة من كلب. ففعل وصارت عنده، فقال له هشام ودخل عليه: لقد وجدنا في نساء كلب سعة! فقال له الابرش: إن نساء كلب خلقن لرجال كلب.
وقالوا: من ناك لنفسه لم يضعف أبدا ولم ينقطع، ومن فعل ذلك لغيره فذاك الذي يصفي وينقطع.
يعنون: من فعل ذلك ليبلغ اقصى شهوة المرأة ويطلب الذّكر عندها....
وقال الشاعر.
من ناك للذكر أصفى قبل مدّته ... لا يقطع النّيك إلّا كلّ منهوم
في النكاح
وقالوا: من قل جماعه فهو أصحّ بدنا وأطول عمرا ويعتبرون ذلك بذكر
(7/155)

الحيوان، وذلك انه ليس في الحيوان اطول عمرا من البغل، ولا أقصر عمرا من العصافير؛ وهي أكثر سفادا. والله اعلم.
(7/156)

كتاب الجمانة الثانية في المتنبئين والممرورين والبخلاء والطفيليين
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مضى قولنا في النساء والأدعياء، وما قيل في ذلك من الشعر.
ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في كتابنا هذا ذكر المتنبئين والممرورين والبخلاء والطفيليين؛ فإن أخبارهم حدائق مونقة، ورياض زاهرة، لما فيها من طرفة ونادرة، فكأنها أنوار مزخرفة، أو حلل منشرة، دانية القطوف من جاني ثمرتها، قريبة المسافة لمن طلبها؛ فإذا تأملها الناظر، وأصغى إليها السامع، وجدها ملهى للسمع، ومرتعا للنظر، وسكنا للروح، ولقاحا للعقل، وسميرا في الوحدة وأنيسا في الوحشة، وصاحبا في السفر، وأنيسا في الحضر.
المهدي ومدع للنبوة
: قال أبو الطيب اليزيدي: أخذ رجل ادعى النبوّة أيام المهدي، فأدخل عليه فقال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم! قال: وإلى من بعثت؟ قال: أو تركتموني أذهب إلى أحد؟
ساعة بعثت وضعتموني في الحبس! فضحك منه المهدي وخلّى سبيله.
سليمان بن علي وآخر
: ادّعى رجل النبوّة بالبصرة، فأتي به سليمان بن علي مقيّدا، فقال له: أنت نبيّ مرسل؟ قال: أما الساعة فإني مقيد! قال: ويحك! من بعثك؟ قال: أبهذا يخاطب
(7/157)

الأنبياء يا ضعيف؟ والله لولا أني مقيد لأمرت جبريل يدمدمها «1» عليكم! قال:
فالمقيّد لا تجاب له دعوة؟ قال: نعم؛ الأنبياء خاصة إذا قيدت لم يرتفع دعاؤها! فضحك سليمان، وقال له أنا أطلقك وأمر جبريل، فإن أطاعك آمنا بك وصدّقناك.
قال: صدق الله: فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
«2» ! فضحك سليمان، وسأل عنه فشهد عنده أنه ممرور «3» ، فخلى سبيله.
المأمون وآخر
: قال ثمامة بن أشرس: شهدت المأمون أتي برجل ادّعى النبوّة وأنه إبراهيم الخليل، فقال المأمون: ما سمعت أجرأ على الله من هذا. قلت: أكلّمه. قال: شأنك به.
فقلت له: يا هذا، إنّ إبراهيم كانت له براهين. قال: وما براهينه؟ قلت: أضرمت له نار وألقي فيها فصارت بردا وسلاما؛ فنحن نضرم لك نارا ونطرحك فيها، فإن كانت عليك بردا كما كانت على إبراهيم آمنّا بك وصدقناك. قال: هات ما هو ألين عليّ من هذا. قال: براهين موسى. قال: وما كانت براهين موسى؟ قال: عصاه التي ألقاها فصارت حية تسعى تلقف»
ما يأفكون، وضرب بها البحر فانفلق؛ وبياض يده من غير سوء. قال: هذا أصعب؛ هات ما هو ألين من هذا. قلت: براهين عيسى. قال: وما براهين عيسى؟ قلت: كان يحيي الموتى، ويمشي على الماء، ويبريء الأكمه والأبرص. فقال في براهين عيسى جئت بالطامة الكبرى! قلت: لا بدّ من برهان! فقال: ما معي شيء من هذا؛ قد قلت لجبريل: إنكم توجّهوني إلى شياطين، فأعطوني حجة أذهب بها إليهم، وأحتجّ عليهم؛ فغضب وقال: بدأت أنت بالشر قبل كل شيء، اذهب الآن فانظر ما يقول لك القوم. وقال: هذا من الأنبياء لا يصلح إلا للحمر. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا هاج به مرار، وأعلام ذلك فيه. قال:
صدقت؛ دعه.
(7/158)

المهدي وآخر
: ادّعى رجل النبوّة في أيام المهدي، فأدخل عليه؛ فقال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم.
قال: ومتى نبئت؟ قال: وما تصنع بالتاريخ؟ قال: ففي أي المواضع جاءتك النبوّة؟
قال: وقعنا والله في شغل! ليس هذا من مسائل الأنبياء؛ إن كان رأيك أن تصدقني في كل ما قلت لك فاعمل بقولي؛ وإن كنت عزمت على تكذيبي فدعني أذهب عنك! فقال المهدي: هذا ما لا يجوز؛ إذ كان فيه فساد الدين. قال: وا عجبا لك! تغضب لدينك لفساده، ولا أغضب أنا لفساد نبؤتي؟ أنت والله ما قويت عليّ إلا بمعن بن زائدة والحسن بن قحطبة وما أشبههما من قوادك. وعلى يمين المهدي شريك القاضي؛ قال: ما تقول في هذا النبي يا شريك؟ قال [المتنبّيء] : شاورت هذا في أمري وتركت أن تشاورني! قال: هات ما عندك؟ قال: أحاكمك فيما جاء به من قبلي من الرسل. قال: رضيت. قال: أكافر أنا عندك أم مؤمن؟ قال: كافر. قال: فإنّ الله يقول: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ
«1» ؛ فلا تطعني ولا تؤذني؛ ودعني أذهب إلى الضعفاء والمساكين؛ فإنهم أتباع الأنبياء؛ وأدع الملوك والجبابرة؛ فإنهم حطب جهنم! فضحك المهدي وخلى سبيله.
القسري وآخر
: قال خلف بن خليفة: ادّعى رجل النبوّة في زمن خالد بن عبد الله القسري، وعارض القرآن؛ فأتي به خالد؛ فقال له: ما تقول: قال: عارضت في القرآن ما يقول الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
«2» فقلت أنا ما هو أحسن من هذا: إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر، ولا تطع كل ساحر وكافر. فأمر به خالد فضربت عنقه وصلب على خشبة؛ فمرّ به خلف بن خليفة الشاعر، وقال: إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على عود، وأنا ضامن أن لا تعود!
(7/159)

ابن حازم وآخر
: قال: وإني لقاعد على مجلس عبد الله بن خازم وهو على الجسر ببغداد، فإذا بجماعة قد أحاطت برجل ادّعى النبوّة، فقدّم إلى عبد الله؛ فقال له: أنت نبي؟ قال:
نعم. قال: وإلى من بعثت؟ قال: وما عليك؟ بعثت إلى الشيطان! فضحك عبد الله بن حازم وقال: دعوه يذهب إلى الشيطان الرجيم!
ابن أشرس وآخر
: وقال ثمامة بن أشرس: كنت في الحبس، فأدخل علينا رجل ذو هيئة وبزة ومنظر، فقلت له: من أنت جعلت فداك؟ وما ذنبك؟ - وفي يدي كأس دعوت بها لأشربها- قال: جاءوا بي هؤلاء السفهاء لأني جئت بالحق من عند ربي، أنا نبيّ مرسل! قلت: جعلت فداك! معك دليل؟ قال: نعم، معي أكبر الأدلة؛ ادفعوا إليّ امرأة أحبلها لكم، فتأتي بمولود يشهد بصدقي! قال ثمامة: فناولته الكأس وقلت له:
اشرب، صلى الله عليك!
ابن عتاب وآخر
: محمد بن عتاب قال: رأيت بالرقة أيام الرشيد جماعة أحاطت برجل، فأشرفت عليه، فإذا رجل له جهارة «1» وبنية، قلت: ما قصة هذا؟ قالوا: ادّعى النبوّة. قلت:
كذبتم عليه، مثل هذا لا يدّعي الباطل! فرفع رأسه إليّ فقال: وما علمك أنهم قالوا عليّ الباطل؟ قلت له: وأنت نبيّ قال: نعم. قلت له: ما دليلك؟ قال: دليلي أنك ولد زنا! قلت: نبيّ يقذف المحصنات؟ قال: بهذا بعثت! قلت: أنا كافر بما بعثت به! قال: ومن كفر فعليه كفره. فإذا حصاة عائرة «2» جاءت حتى صكت صلعته، قال: ما رماها إلا ابن الزانية، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: ما أردتم بي خيرا حين طرحتموني في يدي هؤلاء الجهال.
(7/160)

المأمون وابن أكثم مع آخر
: ادّعى رجل النبوّة في أيام المأمون، فقال ليحيى بن أكثم: امض بنا مستترين حتى ننظر إلى هذا المتنبيء وإلى دعواه. [قال يحيى] : فركبنا متنكرين ومعنا خادم، حتى صرنا إليه، وكان مستترا بمذهبة، فخرج آذنه وقال: من أنتما؟ فقلنا: رجلان يريدان أن يسلما على يديه. فأذن لهما ودخلا، فجلس المأمون عن يمينه، ويحيى عن يساره؛ فالتفت إليه المأمون فقال له: إلى من بعثت؟ قال: إلى الناس كافة. قال: فيوحى إليك، أم ترى في المنام، أم ينفث في قلبك، أم تناجى، أم تكلم؟ قال: بل أناجى وأكلّم. قال: ومن يأتيك بذلك؟ قال: جبريل، قال: فمتى كان عندك؟ قال: قبل أن تأتيني بساعة! قال: فما أوحى إليك؟ قال: أوحى إليّ أنه سيدخل عليّ رجلان، فيجلس أحدهما عن يميني والآخر عن يساري؛ فالذي عن يساري ألوط خلق الله! قال المأمون: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله! وخرجا يتضاحكان.
ابن عباس ومتنبيء
: تنبأ رجل بالكوفة وأحل الخمر، ولقي ابن عياش، وكان مغرما بالشراب، فقال له: أشعرت أنه بعث نبي يحلّ الخمر؟ قال: إذا لا يقبل منه حتى يبرىء الأكمه والأبرص. وأتى به عامل الكوفة، فاستتابه فأبى أن يتوب ويرجع، فأتته أمّه تبكي، فقال لها: تنحّي ربط الله على قلبك كما ربط على قلب أمّ موسى! وأتاه أبوه يطلب إليه، فقال: له: تنحّ يا آزّر! فأمر به العامل فقتل وصلب.
بعض الكوفيين مع آخر
: وذكر بعض الكوفيين قال: بينا أنا جالس بالكوفة في منزلي، إذ جاءني صديق لي، فقال لي: إنه ظهر في الكوفة رجل يدّعي النبوّة، فقم بنا إليه نكلّمه ونعرف ما عنده. فقمت معه، فصرنا إلى باب داره، فقرعنا الباب وسألنا الدخول عليه، فأخذ علينا العهود والمواثيق إذا دخلنا عليه وكلمناه وسألناه، إن كان على حق اتبعناه، وإن كان على غير ذلك كتمنا عليه ولم نؤذه؛ فدخلنا فإذا شيخ خراساني أخبث من رأيت
(7/161)

على وجه الأرض، وإذا هو أصلع؛ فقال صاحبي وكان أعور: دعني حتى أسائله.
قلت: دونك. قال: جعلت فداك، ما أنت؟ قال: نبي! قال: وما دليلك؟ قال: أنت أعور عينك اليمنى، فأقلع عينك اليسرى تصير أعمى؛ ثم أدعو الله فيردّ عليك بصرك! فقلت لصاحبي: أنصفك الرجل! قال: فاقلع أنت عينيك جميعا! وخرجنا نضحك.
المأمون وآخر
: وأتي المأمون بإنسان متنبيء، فقال له: ألك علامة؟ قال: نعم. علامتي أني أعلم ما في نفسك. قال: قرّبت عليّ؛ ما في نفسي؟ قال له: في نفسك أني كذاب! قال:
صدقت! وأمر به إلى الحبس فأقام به أياما؛ ثم أخرجه فقال: أوحى إليك بشيء؟
قال: لا. قال: ولم؟ قال: لأن الملائكة لا تدخل الحبس! فضحك المأمون وأطلقه.
متنبيء اسمه نوح
: وتنبأ إنسان وسمى نفسه نوحا صاحب الفلك؛ وذكر أنه سيكون طوفان على يديه [يهلك به الناس] إلا من اتبعه، ومعه صاحب له قدر آمن به وصدّقه، فأتي به الوالي فاستتابه فلم يتب، فأمر به فصلب، واستتاب صاحبه فتاب؛ فناداه [المتنبيء] من الخشبة: يا فلان، أتسلمني الآن في مثل هذه الحالة؟ فقال: يا نوح قد علمت أنه لا يصحبك من السفينة إلا الصاري «1» !
المأمون وثمامة مع متنبيء
: قال: وحمل إلى المأمون من أذربيجان رجل قد تنبأ، فقال: يا ثمامة، ناظره.
فقال: ما أكثر الأنبياء في دولتك يا أمير المؤمنين! ثم التفت إلى المتنبيء فقال له: ما شاهدك على النبوّة؟ قال: تحضر لي يا ثمامة امرأتك أنكحها بين يديك، فتلد غلاما ينطق في المهد يخبرك أني نبي! فقال ثمامة: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله!
(7/162)

فقال المأمون: ما أسرع ما آمنت به! قال: وأنت يا أمير المؤمنين ما أهون عليك أن تتناول امرأتي على فراشك! فضحك المأمون وأطلقه.
أخبار الممرورين والمجانين
من أخبار عليان
: قال أبو الحسن: كان بالبصرة ممرور يقال له عليان بن أبي مالك، وكانت العلماء تستنطقه لتسمع جوابه وكلامه، وكان راوية للشعر بصيرا بجيده؛ فذكر عن عبد الله ابن إدريس صاحب الحديث.
قال [ابن إدريس] : أخرجه الصبيان مرة حتى هجم علينا في الدار؛ فقال لي الخادم: هذا عليان قد هجم علينا، والصبيان في طلبه. فقلت: ادفع الباب في وجوه الصبيان، وأخرج إليه طعاما وطبقا عليه رطب مشان «1» وملبقات «2» وأرغفة. فلما وضعه بين يديه حمد الله وأثنى عليه، وقال: هذا رحمة الله- وأشار إلى الطعام- كما أن أولئك من عذاب الله- وأشار إلى الصبيان- ثم جعل يأكل والصبيان يرجمون الباب، وهو يقول: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
«3» ! قال: ابن إدريس: فلما انقضى طعامه قلت له يا عليان، مالك تروي الشعر ولا تقوله؟ قال: إني كالمسنّ: أشحذ ولا أقطع! وكان بصيرا بالشعر، فقلت:
أي بيت تقوله العرب أشعر؟ قال: البيت الذي لا يحجب عن القلب. قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل قول جميل:
ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا ... أسائلكم: هل يقتل الرجل الحبّ؟
قال: فأنشد النصف الأول بصوت ضعيف، وأنشد النصف الآخر بصوت رفيع؛
(7/163)

ثم قال: ألا ترى النصف الأوّل كيف استأذن على القلب فلم يأذن له، والنصف الثاني استأذن على القلب فأذن له؟ قلت: وماذا؟ قال: مثل قول الشاعر:
ندمت على ما كان منذ فقدتني ... كما ندم المغبون حين يبيع
قال: ألا تستطيب قوله «فقدتني» بالله يا ابن إدريس؟ قلت: بلى. فضرب بيده على فخذي وقال: قم يثبت الله لك قرنك! وابن إدريس يومئذ ابن ثمانين سنة.
وحكي عنه ابن إدريس قال: مررت به في مربعة كندة، وهو جالس على رماد وبيده قطعة من جص وهو يخبط بها في الرماد؛ فقلت له: ما تصنع ههنا يا ابن أبي مالك؟ قال: ما كان يصنع صاحبنا. قلت: ومن صاحبك؟ قال: مجنون بني عامر.
قلت: وما كان يصنع؟ قال: أما سمعته يقول:
عشيّة مالي حيلة غير أنني ... بلقط الحصى والجصّ في الدار مولع
قلت: ما سمعته! فرفع رأسه إليّ متضاحكا، فقال: ما يقول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
«1» فأنت سمعته أو رأيته هذا كلام من كلام العرب ولا علم لك به.
قلت: يا بن أبي مالك، متى تقوم القيامة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، غير أنه من مات قامت قيامته.
قلت: فالمصلوب يعذّب عذاب القبر؟ قال: إن حقت عليه كلمة العذاب يعذب، وما يدريك لعل جسده في عذاب من عذاب الله لا تدركه أبصارنا ولا أسماعنا، فإن لله لطفا لا يدرك.
قلت: ما تقول في النبيذ حلال أم حرام؟ قال: حلال. قلت: أتشربه؟ قال إن شربته فقد شربه وكيع، وهو قدوة. قلت: أتقتدي بوكيع في تحليله ولا تقتدي بي
(7/164)

في تحريمه، وأنا أسنّ منه؟ قال: إن قول وكيع مع اتفاق أهل البلد عليه أحبّ إليّ من قولك مع اختلاف أهل البلدة عليك.
قلت: فما تقول في الغناء؟ قال: قد غنى البراء ابن عازب، وعبد الله ابن رواحة؛ وسمع الغناء عبد الله بن عمر، وكان عبد الله بن جعفر ... قلت: أيش كان عبد الله ابن جعفر؟ قال: إنما سألتني عن الغناء ولم تسألني عن ضرب العيدان.
مجنون بالبصرة
: وكان بالبصرة مجنون يأوى إلى دكان خياط، وفي يده قصبة قد جعل في رأسها أكرة «1» ولف عليها خرقة، لئلا يؤذي بها الناس؛ فكان إذا أحرده الصبيان، التفت إلى الخياط وقال له: قد حمي الوطيس، وطاب اللقاء! فما ترى؟ فيقول: شأنك بهم.
فيشدّ عليهم ويقول:
أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
فإذا أدرك منهم صبيا رمى بنفسه إلى الأرض وأبدى له عورته، فيتركه وينصرف؛ ويقول: عورة المؤمن حمى، ولولا ذلك لتلفت نفس عمرو بن العاص يوم صفين! ثم يقول وينادي:
أنا الرجل الضّرب الذي يعرفونني ... خشاش «2» كرأس الحيّة المتوقّد!
ثم يرجع إلى دكان الخياط، ويلقي العصا من يده ويقول:
فألقت عصاها واستقرت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
عليان وتاجر بالبصرة
: وكان بالبصرة رجل من التجار يكنى أبا سعيد، وكانت له جارية تدعى جيرين، وكان بها كلفا، فمر يوما بعليان وقد أحاط به الناس، فقالوا له: هذا أبو سعيد
(7/165)

صاحب جيرين. فناداه: أبا سعيد! قال: نعم. قال: أتحب جيرين؟ قال: نعم. قال:
وتحبك؟ قال: نعم فأنشأ يقول:
نبّئتها عشقت حشّا فقلت لهم ... ما يعشق الحشّ إلا كلّ كنّاس «1»
فضحك الناس من أبي سعيد ومضى.
صباح الموسوس
: ومر ابن أبي الزرقاء صاحب شرطة ابن أبي هبيرة بصباح الموسوس، فقال له:
ابن أبي الزرقاء، أسمنت برذونك، وأهزلت دينك! أما والله إن أمامك عقبة لا يجاوزها إلا المخفّ! فوقف ابن أبي الزرقاء، فقيل له: هو صباح الموسوس. قال: ما هذا بموسوس!
بهلول المجنون
: وقال إبراهيم الشيباني: مررت ببهلول المجنون وهو يأكل خبيصا؛ فقلت:
أطعمني. قال: ليس هو لي، إنما هو لعاتكة بنت الخليفة، بعثته إليّ لآكله لها.
وكان البهلول هذا يتشيع، فقيل له: اشتم فاطمة وأعطيك درهما! فقال: بل أشتم عائشة وأعطني نصف درهم!
أمارات الحمق
: وقال ابن عبد الملك: يعرف حمق الرجل في أربع: لحيته، وشناعة كنيته، وإفراط شهوته، ونقش خاتمه. دخل عليه شيخ طويل العثنون؛ فقال، أما هذا فقد أتاكم بواحدة، فانظروا أين هو من الثلاث. فقيل له: ما كنيتك؟ قال: أبو الياقوت.
قيل: فنقش خاتمك؟ قال: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
«2» ، قيل: أي الطعام تشتهي؟ قال: خلنجبين.
(7/166)

ابن عبد العزيز ومجنون
: وسمع عمر بن عبد العزيز رجلا ينادي: يا أبا العمرين، فقال: لو كان عاقلا لكفاه أحدهما.
وقيل لداود المصاب في مصيبة نزلت به: لا تتهم الله في قضائه. قال: أقول لك شيئا على الأمانة؟ قال: قل. قال: والله ما بي غيره!
من أخبار أبي عتاب
: ودخل أبو عتاب على عمرو بن هذاب وقد كفّ بصره والناس يعزونه، فقال له:
أبا يزيد، لا يسوءك فقدهما، فإنك لو دريت بثوابهما تمنيت أن الله قطع يديك ورجليك ودق عنقك.
ودخل على قوم يعود مريضا لهم، فبدأ يعزّيهم! قالوا: إنه لم يمت! فخرج وهو يقول: يموت إن شاء الله! يموت إن شاء الله.
ووقع بين أبي عتاب وبين ابنه كلام، فقال: لولا أنك أبي، وأسنّ مني لعرفت.
أبو حاتم عن الأصمعي عن نافع قال: كان الغاضريّ من أحمق الناس. فقيل له:
ما رأيت من حمقه؟ فسكت، فلما أكثر عليه قال: قال لي مرة: البحر من حفره؟
وأين ترابه الذي خرج منه؟ وهل يقدر الأمير أن يحفر مثله في ثلاثة أيام.
الشعبي ورجل من النوكي
: ودخل رجل من النّوكى على الشعبي وهو جالس مع امرأته، فقال: أيكم الشعبي؟
فقال [الشعبي] : هذه [وأشار إلى امرأته] ! فقال: ما تقول أصلحك الله في رجل شتمني أول يوم من رمضان، هل يؤجر؟ قال: إن كان قال لك «يا أحمق» فإني أرجو له.
(7/167)

الشعبي ومجنون آخر
: وسأل رجل آخر الشعبيّ فقال: ما تقول في رجل في الصلاة أدخل أصبعه في أنفه فخرج عليها دم، أترى له أن يحتجم؟ فقال الشعبي: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة.
وقال له آخر: كيف تسمي امرأة إبليس؟ قال: ذاك نكاح ما شهدناه.
صوفي في أيام المهدي
: العتبي قال: سمعت أبا عبد الرحمن بشرا يقول: كان في زمن المهدي رجل صوفي، وكان عاقلا عاملا ورعا، فتحمّق ليجد السبيل إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وكان يركب قصبة في كل جمعة يومين: الأثنين والخميس، فإذا ركب في هذين اليومين فليس لمعلم على صبيانه حكم ولا طاعة، فيخرج ويخرج معه الرجال والنساء والصبيان، فيصعد تلّا وينادي بأعلى صوته: ما فعل النبيون والمرسلون، أليسوا في أعلى عليين؟ فيقولون: نعم.
قال: هاتوا أبا بكر الصديق. فأخذ غلام فأجلس بين يديه؛ فيقول: جزاك الله خيرا أبا بكر عن الرعية، فقد عدلت وقمت بالقسط، وخلفت محمدا عليه الصلاة والسلام فأحسنت الخلافة، ووصلت حبل الدين بعد حلّ وتنازع، وفرغت منه إلى أوثق عروة وأحسن الخلافة، ووصلت حبل الدين بعد حلّ وتنازع، وفرغت منه إلى أوثق عروة وأحسن ثقة؛ اذهبوا به إلى أعلى عليين.
ثم ينادي: هاتوا عمر. فأجلس بين يديه غلام، فقال: جزاك الله خيرا أبا حفص عن الإسلام، قد فتحت الفتوح، ووسعت الفيء، وسلكت سبيل الصالحين، وعدلت في الرعية؛ اذهبوا به إلى أعلى عليين بحذاء أبي بكر.
ثم يقول: هاتوا عثمان. فأتي بغلام فأجلس بين يديه، فيقول له: خلطت في تلك السنين، ولكن الله تعالى يقول: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ
(7/168)

عَلَيْهِمْ
«1» ! ثم يقول: اذهبوا به إلى صاحبيه في أعلى عليين! ثم يقول: هاتوا عليّ بن أبي طالب. فأجلس غلام بين يديه، فيقول: جزاك الله عن الأمة خيرا أبا الحسن، فأنت الوصي ووليّ النبي، بسطت العدل وزهدت في الدنيا، واعتزلت الفيء فلم تخمش فيه بناب ولا ظفر، وأنت أبو الذرية المباركة، وزوج الزكية الطاهرة؛ اذهبوا به إلى أعلى عليين الفردوس.
ثم يقول: هاتوا معاوية. فأجلس بين يديه صبيّ، فقال له: أنت القاتل عمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذا الشهادتين، وحجر بن الأدبر الكندي الذي أخلقت وجهه العبادة؛ وأنت الذي جعل الخلافة ملكا، واستأثر بالفيء، وحكم بالهوى، واستنصر بالظلمة؛ وأنت أول من غيّر سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونقض أحكامه، وقام بالبغي، اذهبوا به فأوقفوه مع الظلمة! ثم قال: هاتوا يزيد. فأجلس بين يديه غلام، فقال له: يا قوّاد! أنت الذي قتلت أهل الحرةّ، وأبحت المدينة ثلاثة أيام، وانتهكت حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وآويت الملحدين، وبؤت باللعنة على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتمثلت بشعر الجاهلية.
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل «2»
وقتلت حسينا، وحملت بنات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبايا على حقائب الإبل؛ اذهبوا به إلى الدرك الأسفل من النار.
ولا يزال يذكر واليا بعد وال، حتى بلغ إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: هاتوا عمر. فأتى بغلام فأجلس بين يديه، فقال: جزاك الله خيرا عن الإسلام، فقد أحييت العدل بعد موته، وألفت القلوب القاسية، وقام بك عمود الدين على ساق، بعد شقاق ونفاق؛ اذهبوا به فألحقوه بالصديقين.
ثم ذكر من كان بعده من الخلفاء إلى أن بلغ دولة بني العباس، فسكت فقيل له:
(7/169)

هذا أبو العباس أمير المؤمنين. قال: فبلغ أمرنا إلى بني هاشم؟ ارفعوا حساب هؤلاء جملة واقذفوا بهم في النار جميعا.
من أخبار عيناوة
ومن مجانين الكوفة: عيناوة وطاق البصل. قيل لعيناوة: من أحسن، أنت أو طاق البصل؟ قال: أنا شيء وطاق البصل شيء.
من أخبار طاق البصل
وكان طاق البصل يغني بقيراط ويسكت بدانق، وكان عيناوة جيد القفا، فربما مر به من يعبث فيصفعه، فحشا قفاه خراء وقعد على قارعة الطريق، فإذا صفعه احد قال: شمّ يدك يا فتى! فلم يصفعه أحد بعد ذلك.
رجل وأحمق
ووعد رجل رجلا من الحمقى أن يهدي له نعلا حضرمية، فطال عليه انتظارها فبال في قارورة وأتى الطبيب وقال: انظر في هذا الماء إن كان يهدي إليّ بعض إخواني نعلا مضرمية.
من أخبار مجيبة
وكان بالكوفة امرأة حمقاء يقال لها مجيبة فقفد «1» عيناوة فتى كان أرضعته مجيبة، فقال له لما وجده: كيف لا تكون أرعن ومجيبة أرضعتك؟ فو الله لقد زقّت لي فرخا ما زلت أرى الرعونة «2» في طيرانه!.
هبنقة وجر نفش
ومن المجانين: هبنقة القيسي، وجرنفش السدوسي، واسم هبنقة: يزيد بن ثروان، وكنيته: ابو نافع، وكان يحسن من إبله إلى السمان ويسيء إلى المهازيل، فسئل عن
(7/170)

ذلك فقال إنما اكرم ما أكرم الله، وأهين ما أهان الله.
وشرد بعير له، فجعل بعيرين لمن دلّ عليه، فقيل له: أتجعل بعيرين في بعير؟
قال: إنكم لا تعرفون فرحة من وجد ضالته! وافترس الذئب له شاة، فقال لرجل: خلّصها من الذئب وخذها، فان فعلت فأنت والذئب واحد.
وساوم رجل هبنقة «1» فقال: اشتريتها بستة، وهي خير من سبعة، وأعطيت فيها ثمانية، وإن أردتها بتسعة، وإلا فزن عشرة! وكان باقل الذي يضرب به المثل في العيّ، اشترى شاة بأحد عشر درهما فسئل:
بكم اشتريت الشاة؟ ففتح يديه جميعا وأشار بأصابعه وأخرج لسانه، ليتّم العدد أحد عشر.
الفرزدق والجرنفش
ولما قرّب الفرزدق رأس بغلته من الماء، قال له الجرنفش: نحّ رأس بغلتك حلق الله شأفتك! قال: لماذا عافاك الله؟ قال لانك كذوب الحنجرة زاني الكمرة، فصاح الفرزدق: يا بني سدود. فاجتمعوا إليه، فقال: سوّدوا الجرنفش عليكم، فما رأيت فيكم أعقل منه.
الجرنفش وهبنقة
قال الأصمعي: سوبق بين الجرنفش وهبنقة، أيهما أجنّ وأحمق، فجاء جرنفش بحجارة خفاف من جص، وجاء هبنقة بحجارة ثقال وترس، فبدأ الجرنفش فقبض على حجر. ثم قال: درّي عقاب، بلبن وأشخاب! ثم رفع صوته وقال: الترس! فرمى الترس فأصابه، فانهزم هبنقة، فقيل له: لم انهزمت؟ فقال: إنه قال: الترس! ورمى الترس فلم يخطئه، فلو أنه قال العين ورماها أما كان يصيب عيني؟
(7/171)

ابن المعتمر وامرأة
وتبع داود بن المعتمر امرأة ظنّها من الفواسد، فقال لها: لولا ما رأيت عليك من سيما الخير ما تبعتك. فضحكت المرأة وقالت: إنما يعتصم مثلي من مثلك بسيما الخير.
فأما إذا صارت سيما الخير من سيما الشر فالله المستعان.
بينه وبين اخرى
ووقع داود هذا بجارية، فلما أمعن في الفعل قال لها: أثيّب أم بكر؟ فقالت له:
سل المجرّب.
بين غزوان وأمه
قالت ام غزوان الرقاشي لابنها، وهو يقرأ في المصحف: يا غزوان، لعلك تجد في هذا المصحف حمارا كان أبوك في الجاهلية فقده! فقال: يا أماه، بل اجد فيه وعدا حسنا ووعيدا شديدا.
رجل من النوكى وشيخ في الحمام
ونظر رجل من النوكى إلى شيخ في الحمام وعليه سرّة كأنها مدهن عاج، فقال له:
يا شيخ، دعني اجعل ذكري في سرّتك! فقال له: يابن أخي، وأين يكون استك حينئذ؟
مجانين القصاص
قال ابو دحية القاص: ليس فيّ خير ولا فيكم، فتبلّغوا بي حتى تجدوا خيرا مني.
وقال في قصصه يوما: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا! قالوا: إن يوسف لم يأكله الذئب. قال: فهذا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.
(7/172)

وقال ثمامة بن أشرس، سمعت قاصا ببغداد يقول: اللهم ارزقني الشهادة أنا وجميع المسلمين.
ووقع الذباب على وجهه، فقال: ما لكم، كثّر الله بكم القبور.
قال: ورأيت قاصا يحدّث الناس بقتل حمزة، فقال: ولما بقرت هند عن كبد حمزة واستخرجتها فعضتها ولاكتها ولم تزدردها، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لو ازدردتها ما مستها النار! ثم رفع القاص يديه إلى السماء وقال: اللهم اطعمنا من كبد حمزة.
باب نوكى الاشراف.
ابن زيد مناة
من النوكى المتقدمين: مالك بن زيد مناة بن تميم، لما دخل على امرأته ناجية مغضبا، فلما رأت ما به من الجهل والجفاء قالت: ضع شملتك. قال جسدي أحفظ لها! قالت: اخلع نعليك. قال: رجلاي أحق بهما! فلما رأت ذلك قامت وجلست إليه، فلما شم رائحة الطيّب وثب عليها.
ابن لجيم
ومن النوكى: عجل بن لجيم، قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا في حلبة فجاء سابقا، فقال لابيه: كيف ترى أن أسمّيه يا أبت؟ قال: افقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور.
قال الشاعر:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وأيّ عباد الله أنوك من عجل؟
أليس أبوهم عار عين جواده ... فأضحت به الامثال تضرب في الجهل؟
ومن بني عجل: دغة التي يضرب بها المثل في الحمق، وقد ذكرنا نسبها وخبرها في كتاب الامثال.
(7/173)

عبيد الله بن مروان
ومن نوكى الاشراف: عبيد الله بن مروان عم الوليد بن عبد الملك، بعث إلى الوليد قطيفة حمراء، وكتب إليه: إني قد بعثت إليك قطيفة حمراء. فكتب إليه: قد وصلت القطيفة وأنت والله يا عمّ أحمق أحمق.
معاوية بن مروان
ومنهم معاوية بن مروان، وقف على باب طحان، فرأى حمارا يدور بالرحا وفي عنقه جلجل، فقال للطحان؛ لم جعلت الجلجل في عنق الحمار؟ قال: ربما ادركتني سآمة أو نعاس، فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أنه وقف فصحت به فانبعث.
قال: أفرأيت إن وقف وحرّك رأسه بالجلجل وقال هكذا وهكذا- وحرك رأسه-[فما علمك أنه واقف] ؟ فقال له: ومن لي بحمار يكون عقله مثل عقل الامير؟
وهو القائل وضاع له باز: أغلقوا أبواب المدينة لا يخرج البازي! وأقبل إليه قوم من جيرانه فقالوا: مات جارك أبو فلان، فمر له بكفن! فقال:
ما عندنا اليوم شيء، ولكن عودوا إلينا إذا نبش.
وأقبل إليه رجل أحمق منه، فقال له: تعيرنا أصلحك الله ثوبا نكفن فيه ميتا؟
قال: أخشى أنه ينجسه، فلا تلبسه إياه حتى يغسل ويطهر!
عيينة بن حصن
ومن النوكى الاشراف: عيينة بن حصن، دخل على عثمان بغير اذن، وكانت عنده ابنته، فقال له عثمان، ألا استأذنت! قال: ما ظننت ان هنا من احتاج ان استأذن عليه؛ قال: ادن فتعشّ. فقال: انا صائم. قال: تصوم الليل وتفطر النهار! وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يسميه السفيه المطاع.
أبان بن عثمان
ومن حمقى قريش: ابان بن عثمان بن عفان، قال الشعبي: قدم أبان على معاوية
(7/174)

فقال: يا أمير المؤمنين، زوّجني ابنتك. قال: يا ابن اخي، هما اثنتان: إحداهما عند ابن عامر، والاخرى عند اخيك عمرو. قال: كنت أظن ان لك ثالثة! قال: يا ابن اخي، تخطب إليّ ولا تدري لي بنت ام لا! رحم الله أباك.
معاوية بن مروان أيضا
ومرّ معاوية بن مروان بحقل له فلم ير فيها ما يعجبه؛ فقال: ما كذب من قال: كل حقل لا ترى است صاحبها لا تفلح أبدا، ثم نزل عن دابته وأحدث فيها ثم ركب.
وهو الذي يقول لابي امرأته: ملأتني البارحة ابنتك دما! قال: إنها من نسوة يخبأن ذلك لازواجهن [وقال له أيضا يوما آخر: لقد نكحت ابنتك بعصبة ما رأت مثلها قط! قال] : لو كنت خصيا ما زوجناك، وعلى الذي غرّنا بك لعنة الله!
أبو العاج
وكان ابو العاج واليا بواسط، فأتاه صاحب شرطته بقوّادة، فقال: ما هذه؟
قال: قوادة؛ قال: وما تصنع؟ قال: تجمع بين الرجال والنساء! قال: وإنما جئتني بها لتعرّفها بداري؟ خلّ عنها لعنك الله ولعنها.
الربيع العامري
وكان الربيع العامري واليا باليمامة، فأتى بكلب قد عقر كلبا، فأقاده؛ فقال فيه الشاعر:
شهدت بأنّ الله حقّ لقاؤه ... وأن الربيع العامريّ رقيع
أقاد لنا كلبا بكلب فلم يدع ... دماء كلاب العامريّ تضيع
وقال عوانة: استعمل معاوية رجلا من كلب، فذكر يوما المجوس وعنده النار،
(7/175)

فقال: لعن الله المجوس ينكحون أمّاتهم، والله لو أعطيت مائة الف درهم ما نكحت أمي [فبلغ ذلك معاوية، فقال قبحه الله أترونه لو زادوا فعل، وعزله] .
ثلاثة اخوة من بني عتاب
وكان بالبصرة ثلاثة اخوة من بني عتاب بن أسيد، كان أحدهم يحج عن حمزة ويقول: استشهد قبل أن يحج! وكان الآخر يضحّي عن أبي بكر وعمر، ويقول أخطآ السّنة في ترك الأضحية، وكان الثالث يفطر أيام التشريق «1» عن عائشة، ويقول: غلطت رحمها الله صومها أيام التشريق.
الرشيد ورجل من النوكى
ولعب رجل من النوكى بين يدي الرشيد بالشطرنج، فلما رآه قد استجاد لعبه قال له: يا أمير المؤمنين، ولّني نهر بوق. فقال له: ويلك! أولّيك نصفه، اكتبوا عهده على بوق. قال: فولّني أرمينية. قال: إذا يبطىء على أمير المؤمنين خبرك.
أهل العي والجهل المشبهون بالمجانين
ابن أبي سود
خطب وكيع بن أبي سود وهو والي خراسان، فقال في خطبته: إن الله خلق السموات والارض في ستة أشهر! فقالوا له: بل في ستة أيام! فقال: والله لقد قلتها وأنا أستقلها.
عدي بن زياد
وخطب عدي بن زياد الإيادي فقال في خطبته: أقول لكم ما قال العبد الصالح
(7/176)

لقومه: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
«1» فقالوا له: إن هذا ليس من قول العبد الصالح، إنما هو من قول فرعون! فقال: من قاله فقد أحسن!
ابن ورقاء
وخطب عتاب بن ورقاء الرياحي فقال: أقول لكم كما قال الله في كتابه:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول
والي باليمامة
وخطب وال باليمامة فقال في خطبته: إن الله تبارك وتعالى لا يعاون عباده على المعاصي، وقد اهلك امة عظيمة على ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم. فسمي مقوّم الناقة.
ابن سنان
وبكى حول ابن سنان أولاده وأهله حين ودّعوه وهو يريد مكة حاجا؛ فقال: لا تبكوا، فإني أرجو أن أضحّي عندكم!
كردم السدوسي
ودخل قوم دار كردم السدوسي فقالوا له: أين القبلة في دارك هذه؟ فقال: إنما سكنّاها منذ ستة أشهر.
ودخل كردم السدوسي على رجل، فدعاه إلى الغذاء؛ فقال: قد أكلت. قال: وما أكلت؟ قال: قليل أرز فأكثرت منه!
عناق
وقيل لابي عبد الملك عناق: بأي شيء تزعمون أن أبا علي الاسواري أفضل من
(7/177)

سلام أبي المنذر؟ قال: لانه لما مات سلام ابو المنذر مشى أبو عليّ في جنازته، فلما مات أبو عليّ لم يمش في جنازته!
كردم
ومرض كردم، فقال له عمه: أيّ شيء تشتهي؟ فقال: رأس كبشين! قال: لا يكون. قال: فرأسي كبش! قال: لا يكون: فقال: لست أشتهي شيئا.
ابن طارق
وقال مسعدة بن طارق الذرّاع: إنا لوقوف على حدود دار نقسمها، إذ أقبل عيص سيد بني تميم والمصلي على جنائزهم، ونحن في خصومة لنصلح بينهم؛ فقال:
خبروني عن هذه الدار هل ضم بعضها إلى بعض أحد؟ ... فأنا منذ ستين سنة أفكّر في كلامه فما أدرك له معنى ولا مجازا.
وأقبل كردوم السدوسي إلى قوم ليكسر لهم دورا، فوجد دارا منها فيها زنقة «1» فقال: ليست هذه الدار لكم. فقالوا: بلى، والله ما نازعنا أحد قط فيها. قال:
فليست الزنقة لكم. قالوا: فكسر ما صح عندك أنه لنا ودع الزنقة. فكسر صحن الدار، فقال: عشرون في عشرين مائتان! قالوا: من هذا المعنى لم تكن الزنقة عندك لنا؛ عشرون في عشرين مائتان.
فرضى
وسئل آخر كان ينظر في الفرائض عن فريضة لم يعرفها، فالتمسها في كتابه فلم يجدها؛ فقال: لم يمت هذا الرجل بعد، ولو مات لوجدت فريضته في كتابي.
وعزى قوما فقال: أجركم الله وأعظم أجوركم وأجركم، فقيل له في ذلك، فقال:
مثل قول مروان بن الحكم: بارك الله فيكم وبارك لكم وبارك عليكم.
(7/178)

أبو ادريس السمان
وكان ابو إدريس السمان يكتب: فلا صحبك الله إلا بالعافية، ولا حيا وجهك إلا بالكرامة!
رجل ووكيله
العتبي قال: بعث رجل وكيله إلى رجل من الوجوه يقتضيه ما عليه، فرجع إليه مضروبا؛ فقال: ما لك ويلك؟ قال: سبك فسببته فضربني. قال: وبأي شيء سبني؟
قال: [قال:] : هن الحمار في حر امّ الذي أرسلك! قال له: دعني من افترائه عليّ؛ وأخبرني أنت كيف جعلت لاير الحمار من الحرمة ما لم تجعل لحر امي؟ هلا قلت:
أير الحمار في هن أمّ من ارسلك!
أبو نواس ووراق
وقال أبو نواس: قلت لاحد الوراقين الذين يكتبون بباب البطوني: إيّما أسنّ أنت أم أخوك؟ قال: إذا جاء رمضان استوينا!
المأمون وابن اشرس
قال ثمامة بن أشرس للمأمون: مررت في غبّ مطر والارض ندية والسماء متغيمة والريح شمال، وإذا بشخص أصفر كأنه جرادة، وقد قعد على قارعة الطريق، وحجّام يحجمه على كاهله وأخدعيه بمحاجم كأنها قعاب «1» وقد مص دمه حتى كاد يستفرغه، فقلت: يا شيخ، لم تحتجم في هذا البرد؟ قال: لهذا الصّفار الذي بي.
أبو عتاب وبره بأمه
وقيل لابي عتاب: كيف برّك بأمّك؟ قال: والله ما قرعتها بسوط قط!
(7/179)

النوكى من نساء الأشراف
دغة العجلية، وجهيزة، وشولة، وذراعة، وسارية الليل، وريطة بنت كعب، وهي التي نقضت غزلها أنكاثا، وفيها يقال في المثل: خرقاء وجدت صوفا.
وقال عمرو بن عثمان: شيعت القاضي عبد العزيز بن عبد المطّلب المخزومي قاضي مكة إلى منزله، وبباب المسجد حمقاء تصفق بيديها وتقول:
أرّق عينيّ ضراط القاضي فقال لي: يا أبا حفص، أراها تعني قاضي مكة؟
من حكم المجانين
وقد يأتي لهؤلاء المجانين كلام نادر محكم لا يسمع بمثله، كما قالوا: ربّ رمية من غير رام.
قيل لدغة: أي بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يفيق، والغائب حتى يرجع.
ومن أخبار اهل العي المشبهين بالمجانين
أبو طالب
دخل أبو طالب صاحب الحنطة على هاشمية جارية حمدونة بنت الرشيد، ليشتري طعاما من طعامهم؛ فقال لها: قد رأيت متاعك وقلبته، قالت له: هلا قلت طعامك يا أبا طالب! قال: قد أدخلت يدي فيه فوجدته قد حمي وصار مثل الجيفة، قالت:
يا أبا طالب، الست قد قلّبت الشعير فأعطنا به ما شئت وإن كان فاسدا.
(7/180)

رجلان من النوكى وعبد لهما
قال الأصمعي: كان بين رجلين من النّوكى عبد. فقام أحدهما يضربه، فقال له شريكه: ما تصنع؟ قال: أنا أضرب نصيبي منه! قال: وأنا أضرب حصتي فيه! وقام فضربه؛ فكان من رأى العبد أن سلح عليهما وقال: اقسما هذه على قدر الحصص.
باكية على قبر
ومرّ بعضهم بامرأة قاعدة على قبر وهي تبكي، فقال لها: ما هذا الميّت منك؟
قالت: زوجي! قال: وما كان عمله؟ قالت: كان يحفر القبور! قال: أبعده الله، أما علم أنه من حفر حفرة وقع فيها.
ابن أشرس ورجل من النوكى
وطلب رجل من النّوكى من ثمامة بن أشرس أن يسلفه مالا ويؤخّره به؛ قال:
هاتان حاجتان، وأنا أقضي لك إحداهما. قال: رضيت. قال: أنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك.
امرأة ابي رافع وصيرفي
وكان ابو رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ وآل أبي رافع من فضلاء أهل المدينة وخيارهم، مع بله فيهم وعيّ شديد؛ فمن ذلك: أن امرأة ابي رافع رأته في نومها بعد موته، فقال لها: أتعرفين فلانا الصيرفي؟ قالت له: نعم. قال: فإن لي عليه مائتي دينار.
فلما انتبهت غدت إلى الصيرفي فأخبرته الخبر، وسألته عن المائتي دينار؛ فقال رحم الله أبا رافع، والله ما جرت بيني وبينه معاملة قط! فأقبلت إلى مسجد المدينة، فوجدت مشايخ من آل أبي رافع، كلهم مقبول القول، جائز الشهادة؛ فقصت عليهم الرؤيا، وأخبرتهم خبرها مع الصيرفي وإنكاره لما ادّعاه أبو رافع؛ قالوا: ما كان أبو رافع ليكذب في نوم ولا يقظة! قرّبي صاحبك إلى السلطان، ونحن نشهد لك عليه!
(7/181)

فلما علم الصيرفي عزم القوم على الشهادة لها، وعلم أنهم إن شهدوا عليه لم يبرح حتى يؤدّيها: قال لهم: إن رأيتم أن تصلحوا بيني وبين هذه المرأة على ما ترونه فافعلوا.
قالوا: نعم والصلح خير، ونعم الصلح الشطر؛ فأدّ إليها مائة دينار من المائتين! فقال لهم: أفعل، ولكن اكتبوا بيني وبينها كتابا يكون وثيقة لي. قالوا: وكيف تكون هذه الوثيقة؟ قال: تكتبون لي عليها انها قبضت مني مائة دينار صلحا على المائتي دينار التي ادّعاها ابو رافع عليّ في نومها، وأنها قد أبرأتني منها، وشرطت على نفسها ان لا ترى أبا رافع في نومها مرة اخرى، فيدعي عليّ بغير هذه المائتي دينار، فتجيء بفلان وفلان يشهدان عليّ لها! فلما سمعوا الوثيقة انتبه القوم لانفسهم، وقالوا: قبحك الله وقبح ما جئت به.
عامر بن عبد الله
ومنهم عامر بن عبد الله بن الزبير، أتي بعطائه وهو في المسجد، فقام ونسيه في موضعه؛ فلما أتى البيت ذكره، فقال: يا غلام، ائتني بعطائي الذي نسيت في المسجد! قال: وأين يوجد وقد دخل المسجد بعدك جماعة؟ وبقي أحد يأخذ ما ليس له!؟
وسرقت نعله مرة، فلم يلبس نعلا بعدها حتى مات، وقال: أكره أن أتخذ نعلا يجيء من يسرقها فيأثم! وفي هذا الضرب يقول أبو أيوب السختياني: من أصحابي من أرجو بركته ودعاءه ولا أقبل شهادته.
عابد في بني اسرائيل
قال الأصمعي: كان الشعبي يحدّث انه كان في بني إسرائيل عابد جاهل قد ترهّب في صومعته، وله حمار يرعى حول الصومعة؛ فاطّلع عليه من الصومعة فرآه يرعى، فرفع يده إلى السماء فقال: يا رب، لو كان لك حمار كنت أرعاه مع حماري وما كان
(7/182)

يشق عليّ! فهمّ به نبي كان فيهم في ذلك الزمان، فأوحى الله إليه: دعه، فإنما أثيب كل إنسان على قدر عقله.
ابن سيرين ومجنون
هشام بن حسان قال: أقبل رجل إلى محمد بن سيرين فقال: ما تقول في رؤيا رأيتها! قال: وما رأيت؟ قال كنت أرى ان لي غنما، فكنت أعطي بها ثمانية دراهم، فأبيت من البيع ففتحت عيني فلم أر شيئا، فأغلقتها ومددت يدي؟ وقلت:
هاتوا أربعة. فلم أعط شيئا فقال له ابن سيرين: لعل القوم اطلعوا على عيب في الغنم فكرهوها! قال: يمكن الذي ذكرت.
شعراء المجانين
منهم أبو ياسين الحاسب، وجعيفران، وجرنفش، وأبو حية النميري، وريسيموس، وصالح بن شرزاد الكاتب.
وكان أبو حية أجنّ الناس وأشعر الناس، وهو القائل:
ألا حيّ أطلال الرسوم البواليا ... لبسن البلى مما لبسن الّلياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه أمر لا يملّ التّقاضيا
وهو القائل أيضا:
فلأبعثنّ مع الرّياح قصيدة ... منى مغلغلة إلى القعقاع
ترد المنازل لا تزال غريبة ... في القوم بعد تمتّع وسماع
وهو القائل أيضا:
فأبدت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
وأما جعيفران الموسوس الشاعر، وهو من مجانين الكوفة، فإنه لقى رجلا فأعطاه درهما وقال له: قل شعرا على الجيم فقال:
(7/183)

عادني الهمّ فاعتلج ... كلّ همّ إلى فرج
سلّ عنك الهموم بال ... كأس والراح تنفرج
وهو القائل:
ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه
أضحى لقوم كثير ... فكلهم يدّعيه
هذا يقول بنيّ ... وذا يخاصم فيه
والأمّ تضحك منهم ... لعلمها بأبيه
قال أبو الحسن: استأذن جعيفران على بعض الملوك، فأذن له، وحضر غذاؤه، فتغذى معه؛ فلما كان من الغد استأذن فحجبه، ثم أتاه في الثالثة فحجمه، فنادى بأعلى صوته:
عليك إذن فإنا قد تغذينا ... لسنا نعود، وإن عدنا تعدّينا
يا أكلة ذهبت أبقت حرارتها ... داء بقلبك ما صمنا وصلّينا!
أبو وائل
: العتبي قال: قال أبو وائل لأبي: إن فيّ حماقة، ولكن إن طلبت الشّعر وجدت عندي منه علما. قال: وهل تقول منه شيئا؟ قال: نعم، أقول أجود من قولك، وأنا الذي أقول:
لو أنّ جومل كلّمتني بعد ما ... نسيت جوانحي البكاء وأقبر
لحسبت ميّت أعظمي سيجيبها ... أو أنّ باليها الرّحيم سينشر «1»
قال له أبي: أما الشعر فحسن، إلا أن اسم المرةأ قبيح. قال: الآن اسم المرأة جمل، ولكنني ملحته بحومل! فقال له: إن هذا من الحماقة التي بريء إلينا منها.
قال العتبي: قال أبي وأنشدني أبو وائل:
(7/184)

ما أوجع البين من غريب ... فكيف إن كان من حبيب «1»
يكاد من شوقه فؤادي ... إذا تذكرته يموت
فقال له أبي: إن هذا باء وهذا تاء. قال: لا تنقط أنت شيئا. قلت: يا هذا إن البيت الأول مخفوض وهذا مرفوع. قال: أنا أقول لا تنقط: وهو يشكل! ولما توفيت أم سليمان بن وهب الكاتب، أخي الحسن بن وهب، دخل عليه رجل من نوكى الكتاب يسمى صالح بن شيرزاد، بشعر يرثيها فيه، فأنشده:
لأمّ سليمان علينا مصيبة ... مغلغلة مثل الحسام البواتر
وكنت سراج البيت يا أمّ سالم ... فأمسى سراج البيت وسط المقابر
فقال سليمان: ما نزل بأحد ما نزل بي: ماتت أمي، ورثيت بمثل هذا الشعر ونقل اسمي من سليمان إلى سالم! ومن قول صالح بن شيرزاد هذا:
لا تعدلنّ دواء بالنساء فإن ... كان الضراك فذاك الآذر يطوس «2»
أبو الواسع ومجنون
: ودخل بعض شعراء المجانين على أبي الواسع وحوله بنوه، فاستأذنه في الإنشاد فاستعفى، فلم يزل به حتى أذن له؛ فأنشده شعرا، فلما انتهى فيه إلى قوله:
وكيف تنفى وأنت اليوم رأسهم ... وحولك الغرّ من أبنائك الصّيد «3»
قال له: ليتك تركتنا رأسا برأس.
(7/185)

ابن سيار ومجنون
: وقيل: وفد أعرابي من شعراء المجانين إلى نصر بن سيار بشعر تغزل فيه بمائة بيت، ومدحه ببيتين؛ فقال له: والله ما تركت قافية لطيفة ولا معنى إلا شغلت به نسيبك دون مدحك. قال: سأقول غير هذا. فغدا عليه بشعر يقول فيه:
هل تعرف الدار لأمّ الغمر ... دع ذا وحبّر مدحة في نصر «1»
فقال له نصر: لا ذا ولا ذاك.
وقال بعض العلماء: ما شبّهت تأويل الرافضة في قبح مذهبهم إلا بتأويل رجل من مجانين أهل مكة للشعر؛ فإنه قال: ما سمعت بأكذب من بني تميم؛ زعموا أن قول القائل:
بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل «2»
... زعموا أن هذه أسماء رجال منهم! قال بعض أهل الأدب: قلت له: وما عندك أنت فيه؟ قال: البيت بيت الله، وزرارة الحجر، ومجاشع زمزم جشعت بالماء، وأبو الفوارس هو أبو قبيس جبل مكة! قلت له: فنهشل؟ قال نهشل ... ؟ وفكر فيه ساعة، ثم قال: قد أصبته؛ وهو مصباح الكعبة طويل أسود؛ فذلك النهشل!
من أخبار مجانين دير هزقل
: قال المبرد محمد بن يزيد النحوي: خرجنا من بغداد نريد واسطا، فملنا إلى دير هزقل ننظر إلى المجانين، فإذا المجانين كلهم قد رأونا، ونظرنا إلى فتى منهم قد غسل ثوبه ونظفه وجلس ناحية عنهم؛ فقلنا: إن كان فهذا فوقفنا به، فسلمنا عليه فلم يردّ السلام؛ فقلنا له: ما تجد؟ فقال:
الله يعلم أنني كمد ... لا أستطيع أبثّ ما أجد «3»
(7/186)

نفسان لي نفس تضمّنها ... بلد وأخرى حازها بلد
وأرى المقيمة ليس ينفعها ... صبر وليس بفوقها جلد
وأظنّ غائبتي كشاهدتي ... فكأنّها تجد الذي أجد
فقلت له: أحسنت والله! فأومأ إلى شيء ليرمينا به، وقال: أمثلي يقال له أحسنت! قال: فولينا عنه هاربين، فقال: أسألكم بالله ألا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت قلتم لي أحسنت، وإن أسأت قلتم لي أسأت. قال: فرجعنا ووقفنا، وقلنا له: قل. فأنشأ يقول:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ... ورحّلوها وسارت بالدّمى الإبل «1»
وقلّبت من خلال السّجف ناظرها ... ترنو إليّ ودمع العين منهمل «2»
وودّعت ببنان عقده عنم ... ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل»
ويلي من البين! ماذا حلّ بي وبها ... من نازل البين؟ حلّ البين وارتحلوا «4»
يا راحل العيس عرج كي أودّعهم ... يا راحل العيس في ترحالك الأجل «5»
إني على العهد لم أنقض مودّتهم ... يا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا
قال: فقلنا له: ماتوا! فصاح وقال: وأنا والله أموت: وتربع وتمدد فمات، فما برحنا حتى دفناه.
وقال محمد بن يزيد المبرّد: دخلنا دير هزقل، فإذا بمجنون بيده حجر، وقد تفرّق الناس عنه، وهو يقول: يا معشر إخواني، اسمعوا مني. ثم أنشأ يقول:
وذي نفس صاعد ... يئن بلا عائد
يكرّ على جحفل ... ويضعف عن واحد «6»
(7/187)

وأنشد أبو العباس لمان الموسوس:
له وجنات في بياض وحمرة ... فحافاتها بيض وأوساطها حمر
رقاق يحول الماء فيها كأنها ... زجاج أريقت في جوانبها الخمر
وقال محمد بن يزيد: أصابتنا سحابة جود، ثم أقلعت سريعا، فمر بي مان الموسوس فقال:
لا تظنّ الذي جرى ... مطرا كان ممطرا
إنما ذاك كلّه ... دمع عيني تحدّرا «1»
وتوالت غيومها ... من همومي تفكّرا
هكذا حال من يرى ... من حبيب تغيّرا
وقف مان الموسوس على أبي دلف، فأنشده:
كرات عينك في العدا ... تغنيك عن سلّ السّيوف
فقال أبو دلف: والله ما مدحت قط بمثل هذا البيت! وأمر له بعشرة الآف درهم، فأبى أن يقبضها وقال: نقنع من هذا بنصف درهم في هريسة.
ولمان الموسوس:
من الظباء ظباء همّها السّخب ... وحليها الدّرّ والياقوت والذهب
يا حسن ما سرقت عيني وما انتهبت ... والعين تسرق أحيانا وتنهب
إذا يد سرقت فالحدّ يقطعها ... والحدّ في سرقة العينين لا يجب
أبو الجهم ومبرسم
: ومرّ عليّ بن الجهم بمبرسم قد اجتمع الناس عليه، وتحلّقوا حوله؛ فلما رآه المبرسم قصد نحوه، وأخذ بعنانه، ثم أنشأ يقول:
لا تحلفنّ بمعشر ال ... همج الذين أراهم
(7/188)

فوحقّ من أبلى بهم ... نفسي ومن عافاهم
لو قيس موتاهم بهم ... كانوا هم موتاهم
ثم نظر حوله فرأى جميل الهيئة حسن الوجه، فشق ثيابه وقال:
هذا السعيد لديهم ... قد صار بي أشقاهم
أبو فحمة
قال أبو البحتري الشاعر: كان يبلغني أن ببغدا مجنونا يكنى أبا فحمة، له بديهة حسنة، فتعرضت له، فأتيح لي لقاؤه في بعض سكت بغداد؛ فقلت له: كيف أصبحت أبا فحمة؟ فأنشأ يقول:
أصبحت منك على شفاجرف ... متعرّض لموارد التّلف «1»
وأراك نحوي غير ملتفت ... متحرّفا عن غير منحرف
يا من أطال بهجره كلفي ... أسفي عليك أشدّ من كلفي
قال أبو البحتري: فأخرجت له قبصة نرجس كانت في كمّي فحيّيته بها، فجعل يشمها مليا، ثم أنشأ يقول:
لمّا تزوجت الجنوب بهاطل ... جون هتون زبرج دلّاح «2»
أضحى يلقّحها بوسمي الصّبا ... فاستثقلت حملا بغير نكاح «3»
حتى إذا حان المخاض تفجّرت ... فأتت بولدان بلا أرواح
حاك الربيع لها ثيابا وشّيت ... بيد النّدى وأنامل الأرواح
من أصفر في أزهر قد زانه ... تبر على ورق من الأوضاح
ركّبن في عمد الزّبرجد فاغتدى ... نحو الغزالة ناظرا بملاح
(7/189)

من شعر ماني
: قال الحسن بن هانيء: لقيت مانيا الموسوس، فأنشدني:
شعر حيّ أتاك من لفظ ميت ... صار بين الحياة والموت وقفا
قد برت جسمه الحوادث حتى ... كاد عن أعين البريّة يخفى
لو تأمّلتني لتبصر شخصي ... لم تبيّن من المحاسن حرفا
من شعر جعيفران
: ثم مضيت فأتيت جعيفران الموسوس، وهو شيخ من بني هاشم أرتّ «1» اللسان، وعليه قيد من فضة، وفي عنقه غل من ذهب؛ فقال لي: من أين دببت يا حسن؟
قلت: من بيت مانويه. فقال: في حرام مانويه. فدعا بدواة وقرطاس، وقال لي:
اكتب.
ما غرّد الديك ليلا في دجنّته ... إلا حثثت إليك السير مجهودا «2»
ولا هدت كلّ عين لذّ راقدها ... بنومة في لذيذ العيش ممهودا
إلا امتطيت الدّجا شوقا إليك ولو ... أصبحت في حلق الأقياد مصفودا «3»
أسعى مخاطرة بالنّفس يا أملي ... والليل مدّرع أثوابه السّودا
فلم ترقّ ولم ترث لمكتئب ... زوّدته حركات القلب تزويدا
هيهات لا غدر في جنّ ولا بشر ... من الخلائق إلا فيك موجودا
من شعر عدرد
: ثم قال: خرق رقعة مانويه. فخرقتها ثم مضيت، فلقيت عدرد المصاب وحوله الصبيان، وهو يلطم وجهه ويبكي، وينادي: أيها الناس، الفراق مرّ المذاق! فقلت له: أبا محمد، من أين أقبلت؟ قال: شيعت الحاج. قلت، وما الذي حملك على
(7/190)

تشييعهم؟ فقال: لي فيهم سكن «1» . قلت: فهل قلت فيهم شيئا؟ قال: نعم. وأنشدني:
هم رحلوا يوم الخميس عشيّة ... فودّعتهم لمّا استقلوا وودّعوا
فلما تولّوا ولّت النفس معهم ... فقلت ارجعي قالت إلى أين أرجع؟
إلى جسد ما فيه لحم ولا دم ... وما هو إلا أعظم تتقعقع
وعينان قد أعياهما كثرة الكبا ... وأذن عصت عذّالها ليس تسمع
أديب ذاهب العقل
: أبو بكر الوراق قال: حدّثني صديق لي؛ قال: رأيت رجلا من أهل الأدب قد ذهب عقله بالمحبة، وخلفه دابة له تدور معه، فاستوقفته وقلت له: يا فلان، ما حالك؟ وأين النعمة؟ قال: تغير قلبي فتغيرت النعمة! قلت: بم تغيّر؟ قال: بالحب! ثم بكى وأنشأ يقول:
أرى التجمّل شيئا لست أحسنه ... وكيف أخفي الهوى والدّمع يعلنه «2»
أم كيف صبر محبّ قلبه دنف ... الهجر ينحله والشّوق يحزنه؟ «3»
وإنه حين لا وصل يساعفه ... يهوى السّلوّ، ولكن ليس يمكنه
وكيف ينسى الهوى من أنت همّته ... وفترة اللحظ من عينيك تفتنه؟
فقلت: أحسنت والله! فقال: قف قليلا، فو الله لأطرحنّ في أذنيك أثقل من الرصاص وأخف على الفؤاد من ريش الحواصل! وأنشد:
للحبّ نار على عيني مضرمة ... لم تبلغ النار منها عشر معشار
الماء ينبع منها من محاجرها ... يا للرّجال لماء فاض من نار!
ثم وقف وأنشد:
أعاد الصّدود فأحيا العليلا ... وأبدى الجفاء فصبرا جميلا «4»
(7/191)

وردّ الكتاب ولم يقره ... لئلّا أردّ إليه الرسولا
وأحسب نفسي على ما ترى ... ستلقى من الهجر همّا طويلا
وأحسب قلبي على ما أرى ... سيذهب سنّي قليلا قليلا!
ثم ترك يدي ومضى:
وحكى أبو العباس المبرد قال: دخل عمرو بن مسعدة على المأمون وبين يديه جام «1» زجاج فيه سكر طبرزد وملح جريش؛ قال: فسلمت، فرد وعرض عليّ الأكل؛ فقلت: ما أريد شيئا، هنّأك الله يا أمير المؤمنين، فلقد باكرت بالغداء فإني بتّ جائعا. ثم أطرق ورفع رأسه وهو يقول:
اعرض طعامك وابذله لمن دخلا ... واحلف على من أبى، واشكر لمن أكلا
فلا تكن سابريّ العرض محتشما ... من القليل، فلست الدهر محتفلا «2»
ودعا برطل؛ ودخل رجل من أجلة الفقهاء، فمد يده إليه، فقال؛ والله يا أمير المؤمنين ما شربتها ناشئا، فلا تسقنيها شيخا! فردّ يده إلى عمرو بن مسعدة فأخذها منه، وقال: يا أمير المؤمنين، الله الله! إني عاهدت الله في الكعبة أن لا أشربها أبدا! ففكر طويلا؛ والكأس في يد عمرو بن مسعدة، حتى لقد ظن أنه سيأمر فيها؛ ثم قال:
ردّا عليّ الكأس إنّكما ... لا تعلمان الكأس ما تجدي
لو ذقتما ما ذقت ما امتزجت ... إلا بدمعكما من الوجد «3»
خوفتماني الله ربّكما ... وكخيفتيه رجاؤه عندي
إن كنتما لا تشربان معي ... خوف العقاب شربتها وحدي!
ابن أوس ومان في غلام
: محمد بن يزيد الأسدي قال: حدّثني حبيب بن أوس قال: كنت في غرفة لي على
(7/192)

شاطىء دجلة في وقت الخريف، فإذا بغلام كنت أعرفه بجمال، قد تجرد من ثيابه وألقى نفسه في الدجلة يسبح فيها، وقد احمرّ جلده من برد الماء؛ وإذا مان الموسوس يرمقه ببصره، فلما خرج من الماء قال:
خمش الماء جلده الرطب حتى ... خلته لابسا غلالة خمر «1»
قلت له: لعنك الله يا ماني! أبعد الجهاد والغزو تحبّ غلاما قد بات مؤخرا في الحانات؟ فقال لي: ليس مثلك يخاطب يا أحمق، وإنما يخاطب هذا وأشار إلى السماء، وقال:
بكفّيك تقليب القلوب وإنني ... لفي ترح ممّا ألاقي فما ذنبي؟
خلقت وجوها كالمصابيح فتنة ... وقلت اهجر وها عزّ ذلك من خطب! «2»
فإما أبحت الصبّ ما قد خلقته ... وإما زجرت القلب عن لوعة الحب!
أخذ هذا المعنى يزيد بن عثمان فقال:
أيا ربّ تخلق ما تخلق ... وتنهي عبادك أن يعشقوا؟
إلهي، خلقت حسان الوجوه ... فأيّ عبادك لا يعشق
وقال أبو بكر الموسوس في نصراني:
أبصرت شخصك في نومي يعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا
يا من إذا درس الإنجيل ظلّ له ... قلب الحنيف عن الإسلام منصرفا!
وله فيه:
زنّاره في خصره معقود ... كأنه من كبدي مقدود
أخبار البخلاء
بخل أهل مرو، ولأبن أشرس فيهم
: أجمع الناس على بخل أهل مرو، ثم أهل خراسان.
(7/193)

قال ثمامة بن أشرس: ما رأيت الديك قط في بلدة إلا وهو يدعو الدجاج ويثير الحب إليها ويلطف بها، إلا في مرو، فإني رأيته يأكل وحده، فعلمت أن لؤمهم في المآكل.
ورأيت في مرو طفلا صغيرا في يده بيضة، فقلت له: أعطني هذه البيضة. فقال:
ليس تسع يدك! فعلمت أن اللؤم والمنع فيهم بالطبع المركب والجبلّة «1» المفطورة.
مروزي اشتكى سمالا
: واشتكى رجل مروزيّ ضررا من سعال؛ فدلّوه على سويق اللوز، فاستثقل النفقة ورأى الصبر على الوجع أخف عليه؛ فلم يزل يماطل الأيام ويدافع الأوقات حتى أتيح له بعض الموفقين، فدله على ماء النخالة، وقال له: إنه يجلو الصدر. فأمر بالنخالة فطبخت له وشرب ماءها، فجلا صدره.
ووجده بعضهم، فلما حضر غداؤه أمر به فرفع إلى العشاء وقال لأم عياله اطبخي لأهل بيتنا النخالة، فإني وجدت ماءها يعصم ويجلي الصدر فقالت له زوجته: قد جمع الله لك في هذا الدواء دواء وغذاء!
لابن صبيح
: وقال خاقان بن صبيح: دخلت على رجل ليلا من أهل خراسان فإذا هو قد أتي بمسرجة فيها فتيل رقيق، وقد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح، وقد علق فيها عودا بخيط معقود إلى المسرجة، فإذا غشا المصباح أخرج به رأس الفتيل؛ فقلت: ما بال هذا العود مربوطا؟ فقال: هذا عود قد شرب الدهن، فإذا لم نحفظه وضاع احتجنا إلى غيره فلا نجده إلا عطشان، فإذا كان هذا دأبنا ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفايتنا ليلة.
(7/194)

قال: فبينا أنا أتعجب وأسأل الله العافية، إذ دخل علينا شيخ من أهل مرو ونظر إلى العود فقال: أبا فلان، فررت من شيء ووقعت فيما هو شرّ منه؛ أما علمت أن الشمس والريح تأخذان من سائر الأشياء؟ أو ليس [قد] كان البارحة هذا العود عند إطفاء السراج أروى؛ وهو عند إسراجك الليلة أعطش؟ قد كنت أنا جاهلا مثلك زمانا، حتى وفقني الله إلى ما [هو] أرشد؛ اربط عافاك الله مكان العود إبرة كبيرة أو مسلة صغيرة؛ فإن الحديد أبقى، وهو مع ذلك غير نشاف؛ والعود والقصبة ربما تعلقت بهما العشرة من قطن الفتيلة فتشخص معها؛ وربما كان ذلك سببا لانطفائها! قال الخراساني: ألا وإنك لا تعلم أنك من المسرفين حتى تعمل بأعمال المصلحين.
للجزامي
: قال الأصمعي: قال لي أبو محمد الجزامي، واسمه عبد الله بن كاسب، ونحن في العسكر؛ إن للشيب سهكة «1» وبياض الشعر الأسود هو موته، كما أن سواده حياته، ألا ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت فيها إلا شعر أبيض، والناس لا يرضون منا في هذا العسكر إلا بالعناق والمشامّة والطيب غال ممتنع الجانب، فلست أرى شيئا هو أحسن بنا من اتخاذ مشط صندل؛ فإن ريحه طيّبة، والشعر سريع القبول [منه] ؛ وأقل ما تصنع أن ما ينفي سهك الشيب؛ حتى يكون حال لا لنا ولا علينا.
لابن أشرس
: وكان ثمامة بن أشرس يقول: إياكم وأعداء الخبز أن تأتدموا بها، واعلموا أن أعدي عدوّ له المملوك، فلولا أن الله أعان عليه بالماء لأهلك الحرث والنسل! وكان يقول: كلوا الباقلاء بقشره، فإن الباقلاة تقول: من أكلني بقشري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشري فقد أكلته!
(7/195)

من بخل هشام بن عبد الملك
: ومن البخلاء هشام بن عبد الملك: قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام فأطرفته وحدثته، فقال: سل حاجتك. فقلت: يا أمير المؤمنين، تزيد في عطائي عشرة دنانير. فأطرق حينا وقال: فيم؟ ولم؟ وبم؟ ألعبادة أحدثتها أم لبلاء حسن أبليته في أمير المؤمنين؟ ألا لا يا ابن صفوان، ولو كان لكثر السؤال ولم يحتمله بيت المال! فقلت: وفقك الله يا أمير المؤمنين وسدّد؛ فأنت والله كما قال أخو خزاعة:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة قربى أو صديق توافقه
منعت وبعض المنع حزم وقوّة ... ولم يستلبك المال إلا حقائقه
قيل لخالد بن صفوان: ما حملك على تزيين البخل له؟ قال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.
وخرج هشام بن عبد الملك متنزها ومعه الأبرش الكلبي، فمر براهب في دير، فعدل إليه، فأدخله الراهب بستانا له، وجعل يجتني له أطايب الفاكهة؛ فقال له هشام: يا راهب؛ بعني بستانك! فسكت عنه الراهب، ثم أعاد عليه، فسكت عنه؛ فقال له: مالك لا تجيبني؟ فقال: وددت أن الناس كلهم ماتوا غيرك! قال: لماذا ويحك؟ قال: لعلك أن تشبع! فالتفت هشام إلى الأبرش فقال: أما سمعت ما قال هذا؟ قال: والله إن لقيك حرّ غيره.
من بخل ابن الزبير
: ومن البخلاء عبد الله بن الزبير، وكانت تكفيه أكلة لأيام، ويقول: إنما بطني شبر في شبر، فما عسى أن تكفيه أكلة.
وقال فيه أبو وجرة مولى الزبير:
لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد ... أبقيت فضلا كبيرا للمساكين
فإن تصبك من الأيام جائحة ... لم نبك منك على دنيا ولا دين
(7/196)

ما زلت في سورة الأعراف تدرسها ... حتى فؤادي كمثل الخزّ في الّلين
إنّ امرأ كنت مولاه فضيّعني ... يرجو الفلاح لعبد عين مغبون
وابن الزبير هو الذي قال: أكلتم تمري وعصيتم أمري! فقال فيه الشاعر:
رأيت أبا بكر، وربّك غالب ... على أمره، يبغي الخلافة بالتّمر!
وأقبل إليه أعرابيّ فقال: أعطني وأقاتل عنك أهل الشام. فقال له: اذهب فقاتل، فإن أغنيت أعطيناك! قال: أراك تجعل روحي نقدا ودراهمك نسيئة! وأتاه أعرابي يسأله جملا، ويذكر أن ناقته نقبت «1» ؛ فقال؛ انعلها من النعال السبتية، واخصفها بهلب! قال له الأعرابي: إنما أتيتك مستوصلا ولم آتك مستوصفا؛ فلا حملت ناقة حملتني إليك! قال: إنّ وصاحبها.
من بخل ابن الجهم
: ومن رؤساء أهل البخل محمد بن الجهم، وهو الذي قال: وددت أن عشرة من الفقهاء، وعشرة من الشعراء، وعشرة من الخطباء، وعشرة من الأدباء- تواطئوا على ذمّي، واستهلوا بشتمي، حتى ينشر ذلك عنهم في الآفاق، حتى لا يمتدّ إليّ أمل آمل، ولا ينبسط نحوي رجاء راج.
وقال له أصحابه: إنما نخشى أن نقعد عندك فوق مقدار شهوتك، فلو جعلت لنا علامة نعرف بها وقت استحسانك لقيامنا! قال: علامة ذلك أن أقول: يا غلام، هات الغداء.
وذكر ثمامة بن أشرس محمد بن الجهم فقال: لم يطمع أحد قط في ماله إلا شغله عن الطمع في غيره، ولا شفع في صديق، ولا تكلم في حاجة محرم، إلا ليلقن المسئول حجّة المنع، ويفتح على السائل باب الحرمان!
(7/197)

من بخل ابن أبي حفصة
: ومن البخلاء اللئام مروان بن أبي حفصة الشاعر؛ قال أبو عبيدة عن ابن الجهم قال: أتيت اليمامة فنزلت على مروان بن أبي حفصة، فقدّم إليّ تمرا، وأرسل غلامه بفلس وسكرّجة يشتري زيتا، فأتى الغلام بالزيت، فقال له: خنتني وسرقتني! قال:
وفيم كنت أخونك وأسرقك في فلس؟ قال: أخذت الفلس لنفسك واستوهبت الزيت.
من بخل الصيرفي
: ومن البخلاء: زبيدة بن حميد الصيرفي؛ استلف من بقال على بابه در همين وقيراطا، فمطله بها ستة أشهر، ثم قضاه در همين وثلاث حبات [شعير] ؛ فاغتاظ البقال وقال: سبحان الله! أنت صاحب مائة ألف دينار، وأنا يقال لا أملك مائة فلس، وإنما أعيش بكدي، واستقضي الحبة في بابك والحبتين؛ صاح على بابك حمال، [والمال لم يحضرك] ولا يحضر تلك الساعة وكيلك، فأعنتك وأسلفتك در همين وأربع شعيرات، فتقضيني بعد ستة أشهر در همين وثلاث شعيرات؟ فقال زبيدة: يا مجنون، أسلفتني في الصيف وقضيتك في الشتاء، وثلاث شعيرات شتوية أوزن من أربع صيفية؛ لأن هذه ندية وتلك يابسة، وما أشك أن معك بعد هذا كله فضلا!
للأصمعي في بخيل
: قال الأصمعي: كنت عند رجل من ألأم الناس وأبخلهم، وكان عنده لبن كثير، فسمع به رجل ظريف، فقال: الموت أو أشرب من لبنه! فأقبل مع صاحب له، حتى إذا كان بباب صاحب اللبن، تغاشى وتماوت، فقعد صاحبه عند رأسه يسترجع، فخرج إليه صاحب اللبن؛ فقال ما باله يا سيدي؟ قال: هذا سيد بني تميم، أتاه أمر الله ههنا. وكان قال لي: اسقني لبنا! قال صاحب اللبن: هذا هين موجود؛ ائتني يا غلام بعلبة من لبن. فأتاه به فأسنده صاحبه إلى صدره وسقاه، حتى أتى عليها، ثم
(7/198)

تجشأ، فقال صاحبه لصاحب اللبن: أترى هذه الجشأة راحة الموت؟ قال: أماتك الله وإياه! ومن أمثال العرب في البخل قولهم: ما هو إلا أبنة «1» عصا أو عقدة رشاء «2» ؛ لأن عقدة الرّشاء المبلول لا تكاد تنحل.
قيل لمدنية: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يردّه! قيل لها: فما الذل؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له! قيل لها: فما الشرف؟ قالت: اتخاذ المنن في رقاب الرجال.
والعرب تقول لمن لم يظفر بحاجته وجاء خائبا: جاء فلان على غبيراء الظهر وجاء على حاجبه صوفة، وجاء بخفّي حنين.
وقال أبو عطاء السندي، في يزيد بن عمرة بن هبيرة:
ثلاث حكتهنّ لفرم قيس ... طلبت بها الأخوة والسّناء
رجعن على حواجبهنّ صوف ... وعند الله أحتسب الجزاء
طعام البخلاء
لمروزي وزواره
قال الأصمعي: كان المروزيّ يقول لزوّاره إذا أتوه: هل تغدّيتم اليوم؟ فإن قالوا: نعم. قال: والله لولا انكم تغديتم لاطعمتكم لونا ما أكلتم مثله، ولكن ذهب اول الطعام بشهوتكم! وإن قالوا: لا. قال: والله لولا انكم لم تتغدّوا لسقيتكم أقداحا من نبيذ الزبيب ما شربتم مثله! فلا يصير في أيديهم منه شيء
من نجل ثمامة
وكان ثمامة إذا دخل عليه اصحابه وقد تعشّوا عنده قال لهم: كيف كان
(7/199)

مبيتكم ومنامكم؟ فإن قال احدهم إنه نام ليلته في هدوء وسكون، قال: النفس إذا اخذت قوتها أطمأنت! وإذا قال احدهم إنه لم ينم ليلته قال: إنه من افراط الكظّة «1» والإسراف في البطنة! ثم يقول: كيف كان شربكم للماء؟ فإن قال أحدهم: كثيرا.
قال: التراب الكثير لا يبله إلا الماء الكثير وإن قال: قليلا. قال: ما تركت للماء مدخلا! وكان إذا اطعم اصحابه استلقى على قفاه ثم يتلو قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
«2» .
ودخل عليه رجل وبين يديه طبق فراريج، فغطى الطبق بذيله، وأدخل رأسه في جيبه، وقال للرجل الداخل: ادخل في البيت الآخر حتى أفرغ من بخوري.
أبو جعفر
وشوي لابي جعفر الهاشمي دجاج ففقد فخذا من دجاجة، فأمر فنودي في منزله:
من هذا الذي تعاطى فعقر! والله لا أخبز في التنور شهرا أو تردّ! فقال ابنه الاكبر:
يا أبت، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
سهل بن هارون
وقال دعبل الشاعر: كنا يوما عند سهل بن هرون، فأطلنا الحديث حتى أضرّ به الجوع، فدعا بغذائه، فإذا بصحفة عدمليّة «3» فيها مرق لحم ديك قد هرم، لا تحز فيه السكين، ولا تؤثر فيه الضرس [فأخذ قطعة خبز فقلب بها جميع ما في الصحفة، ففقد الرأس، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام، وقال: أين الرأس؟ قال:
رميت به. قال: لم؟ قال: لم أظنك تأكله ولا تسأل عنه. قال: ولأي شيء ظننت ذلك؟ فو الله إني لا بغض من يرمي برجله فضلا عن رأسه، والرأس رئيس الاعضاء،
(7/200)

وفيه الحواس الخمس، ومنه يصيح الديك! وفيه العين التي يضرب بها المثل في الصفاء، فيقال: شراب مثل عين الديك؛ ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم ير قط عظم أهش من عظم رأسه، فإن كان بلغ من جهلك أن لا تأكله فعندنا من يأكله، انظر أين هو؟ قال: والله ما أدري أين رميته. قال: لكني والله أدري، رميت به في بطنك!
زياد بن عبد الله
وأهدى رجل من قريش لزياد بن عبيد الله وهو على المدينة طعاما فثقل عليه ذلك، فقال: اجمعوا المساكين وأطعموهم إياه! فجمعوا، وكشف عن الطعام، فإذا طعام له بال، فندم على الإرسال للمساكين، وقال للغلام: انطلق إلى هؤلاء المساكين وقل لهم: إنكم تجتمعون في المسجد فتفسون فيه فتؤذون الناس! لا اعلم انه اجتمع فيه منكم اثنان!
عبد الله بن يحيى
وقال: دخلت على عبد الله بن يحيى بن خالد بن أمية، وقوم يأكلون عنده، فمدّ يده إلى رغيف من الخوان فرفعه، وجعل يرطله «1» بيد ويقول: يزعمون أن خبزي صغير، فمن هذا الزاني ابن الزانية الذي يأكل نصف رغيف منه.
قال: ودخلت عليه يوما والمائدة موضوعة، والقوم يأكلون، وقد رفع بعضهم يده، فممدت يدي لآكل، فقال: اجهز على الجرحى، ولا تتعرض للاصحاء! يقول:
تعرّض للدجاجة التي قد نيل منها، والفرخ المأخوذ منه؛ فأما الصحيح فلا تتعرض له. هذا معناه في الجرحى [والاصحاء] .
(7/201)

لجمين في بخيل
وسأل يحيى بن خالد ابا الحارث جمّين عن طعام رجل، فقال: أما مائدته فمقبّبة، وأما صحافه فمخروطة من حب الخردل، وبين الرغيف والرغيف فترة نبي. قال: فمن يحضرها؟ قال: الكرام الكاتبون. قال: فمن يأكل معه؟ قال: الذباب. قال له يحيى:
وأرى ثوبك مخرقا، أفلا يكسوك ثوبا وأنت في صحبته؟ قال: جعلت فداك، والله لو ملك بيتا من بغداد إلى الكوفة مملوءا إبرا، وفي كل ابرة منها خيط، وجاءه يعقوب يسأله إبرة منها يخيط بها قميص يوسف ابنه الذي قدّ من دبر، ومعه جبريل وميكائيل يضمنان عنده، لم يفعل.
لابن مسلمة
أخذ هذا المعنى محمد بن مسلمة، فقال يهجو ابن الاغلب:
لو أنّ قصرك يا ابن أغلب كلّه ... إبر يضيق بهن رب المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قدّ قميصه لم تفعل! «1»
وقيل لجمّين: أتغذيت عند فلان! قال: لا، ولكنني مررت به يتغذى! قيل:
فكيف علمت أنه يتغذى؟ قال رأيت غلمانه ببابه في أيديهم قسى البندق يرمون الذباب في الهواء! وقال أبو الحارث جمّين: دخلت على فلان، فوضع بين أيدينا مائدة- كنا أشوق إلى الطعام إذ رفعت منا إليه إذ وضعت-!
اعرابي على مائدة هشام
وحضر اعرابي سفرة هشام بن عبد الملك، فبينا هو يأكل إذ تعلقت شعرة في لقمة الاعرابي، فقال له هشام: عندك شعرة في لقمنك يا اعرابي! قال: وإنك لتلاحظنني
(7/202)

ملاحظة من يرى الشعرة في لقمتي! والله لا اكلت عندك أبدا! وخرج وهو يقول:
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الاكيل على عمد
وقال آخر:
ولو عليك اتّكالي في الغداء إذا ... لكنت أوّل مقتول من الجوع
يقول عند دعاء الضّيف مبتدئا ... صوت ضعيف وداع غير مسموع
المغيرة وبخله
قال المدائني: كان للمغيرة بن عبد الله الثقفي وهو والي الكوفة، جدي يوضع على مائدته بعد الطعام، لا يمسه هو ولا احد ممن يحضر، فحضر مائدته أعرابيّ، فبسط يده، وأسرع في الأكل، فقال: يا اعرابي، إنك لتأكل الجدي بحرد «1» كأنّ أمه نطحتك، فقال له الاعرابي: أصلحك الله، وانت تشفق عليه كأنّ أمّه أرضعتك! ثم بسط الاعرابي يده إلى بيضة بين يده، فقال: خذها فإنها بيضة العقر! فلم يحضر طعامه بعد ذلك.
أشعب ووالي المدينة
ودخل أشعب على والي المدينة، فحضر طعامه، وكان له جدي على مائدته يتحاماه كل من حضر، فبدر إليه أشعب فمزقه، فقال له: يا أشعب، إن اهل السجن ليس لهم إمام يصلى بهم، فإن رأيت ان تكون لهم إماما تصلي بهم، فإن في ذلك أجرا! فقال: والله ما احبّ هذا الأجر، ولكن زوجتي طالق إن أكلت لحم جدي عندك حتى ألقى الله!
الكندي
قال عمرو بن ميمون: تغدّيت يوما عند الكندي، فدخل عليه رجل كان جارا وصديقا له، فلم يعرض عليه الطعام، ونحن نأكل، فاستحيت أنا منه، فقلت: سبحان
(7/203)

الله، لو دنوت فأصبت معنا! قال: قد والله فعلت. قال الكندي: ما بعد الله شيء! قال: فكنفه والله كتافا لو بسط يده لأكل بعده لكان كافرا! قال: ومررت ببعض طرق الكوفة، فإذا أنا برجل يخاصم جارا له، فقلت: ما بالكما؟ فقال احدهما: إن صديقا لي زارني واشتهى عليّ رأسا، فاشتريته له وتغدينا.
فأخذت عظمامه فوضعتها عند باب داري اتجمل بها عند جيراني، فجاء هذا وأخذها ووضعها على باب داره، يوهم الناس أنه هو الذي أكل الرأس.
بخيل وولده
قال رجل من البخلاء لولده: اشتروا لي لحما، فاشتروا له، وأمر بطبخه حتى تهرّأ، فأكل منه حتى انتهت نفسه [ولم يبق إلا العظم] ، وشرعت إليه عيون ولده، فقال: ما أنا مطعمه أحدا منكم إلا من أحسن صفة أكله! فقال الاكبر: أتعرّقه «1» يا أبت، حتى لا أدع للذرّة فيه مقيلا! قال: لست بصاحبه! فقال الاوسط: أتعرّقه يا أبت حتى لا يدرى ألعامه هو أم لعام أول! قال: لست بصاحبه! فقال الاصغر:
أتعرّقه يا أبت، ثم أدقه دقا، وأسفه سفا؟ قال: أنت صاحبه، وهو لك دونهم.
الثوري
وقال عمرو بن بحر الجاحظ: كان ابو عبد الرحمن الثوري يعجبه الرءوس ويصفها، وكان يسمّي الرأس عرسا لما فيه من الالوان الطيبة، وربما سماه الكامل والجامع؛ ويقول: الرأس شيء واحد، وهو ذو الوان عجيبة وطعوم مختلفة، والرأس فيه الدماغ، وطعمه مفرد، وفيه العينان، وطمعمهما مفرد، والشحمة التي بين أصل الاذن ومؤخر العين، وطعمها مفرد، على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ، وأرطب من الزبد، وأدسم من السلاء؛ وفي الرأس اللسان، وطعمه مفرد، والخيشوم، والغضروف، ولحم الخدين، وكل شيء من هذه طعمه مفرد؛ والرأس سيد البدن،
(7/204)

والدماغ هو معدن العقل، وحاسة الحواس وبه قوام البدن، وفيه يقول الشاعر:
إذا نزعوا رأسي، وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري ...
لاعرابي في الرأس
وقيل لاعرابي: اتحسن أن تأكل الرأس؟ قال: نعم؛ أعض العينين، وأفك لحييه، وأنقي خديه، وأرمي بالدماع إلى من هو أحق مني، وكانوا يكرهون أكل الدماغ، ولذا يقول قائلهم.
ولا أبتغي المخّ الذي في الجماجم
نصيحة ابي عبد الرحمن لابنه
وكان أبو عبد الرحمن يجلس مع ابنه يوم الرأس ويقول له: إياك ونهم الصبيان وبغر»
السباع، واخلاق النوائح، ونهش الاعراب، وكل ما بين يديك، فإنما حظك منه ما قابلك، واعلم أنه إذا كان في الطعام شيء ظريف، من لقمة كريمة، او مضغة شهية، فانما ذلك للشيخ المعظم، والصبي المدلل، ولست بواحد منهما، وقد قالوا.
مدمن اللحم كمد من الخمر؛ أي بنيّ، لا تخضم خضم البراذين، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال، ولا تنهش نهش السباع، وعوّد نفسك الأثرة «2» ، ومجاهدة الهوى والشهوة؛ فإن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة، واحذر سرعة الكظة وسرف البطنة، فقد قال بعض الحكماء: إذا كنت نهما فعدّ نفسك من الزّمنى؛ واعلم أن الشّبع داعية البشم، والبشم داعية السقم، والسقم داعية الموت. ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة؛ لانه قاتل نفسه، وقاتل نفسه الأم من قاتل غيره أي بني، والله ما أدى حق الركوع والسجود ذو كظة ولا خشع لله ذو بطنة، والصوم صحة؛ والوجبات عيش الصالحين أي بني، لأمر ما طالت أعمار الرهبان، وصحت
(7/205)

أبدان الاعراب؛ لله درّ الحارث بن كلدة حيث زعم أن الدواء هو الأزم «1» ، وان الداء كله هو من فضول الطعام؛ فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح الدين والدنيا، والقرب من عيش الملائكة؟ أي بنيّ، ما صار الضبّ أطول شيء عمرا إلا أنه يتبلّغ بالنسيم؛ وما زعم الرسول أن الصوم وجاء «2» إلا انه جعله حاجزا دون الشهوات: فافهم تأديب الله وتأديب الرسول؛ أي بني، قد بلغت تسعين عاما ما نغض لي سنّ، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت وكف انف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول؛ وما لذلك علة إلا التخفف من الزاد؛ فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا أبعد الله غيرك.
ابو الاسود الدؤلي
ومن البخلاء: أبو الأسود الدؤلي: وقفت عليه امرأة وهو في فسطاط وبين يديه طبق تمر، فقالت: السلام عليك! قال ابو الاسود: كلمة مقبولة.
ووقف عليه اعرابي، وهو يأكل فقال الاعرابي: أدخل؟ قال وراءك أوسع لك! قال: الرمضاء احرقت رجلي! قال: بل عليهما تبردان! قال أتأذن لي ان آكل معك؟
قال: سيأتيك ما قدّر لك! قال: تالله ما رأيت رجلا الأم منك. قال: بلى قد رأيت إلا انك نسيت! ثم اقبل ابو الاسود يأكل، حتى [إذا] لم يبق في الطبق الا تميرات يسيرة نبذها له، فوقعت تمرة منها، فأخذها الاعرابي ومسحها بكسائه، فقال ابو الاسود. يا هذا، إن الذي تمسحها به أقذر من الذي تمسحها له. قال: كرهت ان ادعها للشيطان! قال: لا والله، ولا لجبريل وميكائيل ما كنت لتدعها.
الأصمعي قال: مرّ رجل بأبي الاسود الدؤلي وهو يقول: من يعشّي الجائع؟ فقال ابو الاسود: عليّ به، فأتاه بعشاء كثير. وقال: كل حتى تشبع! فلما اكل ذهب ليخرج؛ قال: أين تريد؟ قال: أريد اهلي. قال: لا ادعك تؤذي المسلمين الليلة
(7/206)

بسؤالك! اطرحوه في الادهم «1» ! فبات عنده مكبولا حتى اصبح!
ابن ابي حفصة وضيف
قال الهيثم بن عدي: نزل بابن أبي حفصة ضيف باليمامة، فأخلى له المنزل ثم هرب عنه، مخافة ان يلزمه قراه تلك الليلة؛ فخرج الضيف فاشترى ما يحتاجه، ثم رجع وكتب إليه.
يأيّها الخارج من بيته ... وهاربا من شدّة الخوف
ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع تكن ضيفا على الضّيف!
وقال آخر:
بتّ ضيفا لهشام ... في شرابي وطعامي
وسراجي الكوكب الدّ ... رّيّ في داج الظلام «2»
لا حراما أجد الخ ... بز ولا غير الحرام!
وله:
بت ضيفا لهشام ... فشكا الجوع! عدمته!
وبكى- لا صنع الله ... له- حتى رحمته
وكان شيخ من البخلاء يأتي ابن المقفع، فيلحّ عليه أن يتغدّى عنده في منزله، فيمطله ابن المقفع، فيقول: أتراني أتكلف لك شيئا؟ لا والله، لا أقدم لك إلا ما عندي، فلا تتثاقل عليّ! فلم يزل به حتى أجابه، وأتى به إلى منزله، فإذا ليس عنده إلا كسر يابسة وملح جريش، فقدمه له؛ ووقف سائل بالباب، فقال له: بورك فيك! فألح في السؤال، فقال: والله لئن خرجت إليك لأدقّنّ ساقيك! فقال ابن المقفع للسائل: أرح نفسك وانج والله لو علمت من صدق وعيده ما علمت أنا من صدق وعده ما وقفت ساعة ولا راجعته كلمة.
(7/207)

وانتقل رجل من البخلاء إلى دار فابتاعها، فلما حلها وقف سائل، فقال له: صنع الله لك! ثم وقف ثان، فقال له مثل ذلك، ثم وقف ثالث، فقال له مثل ذلك؛ فقال لابنته: ما أكثر السؤال في هذا المكان! فقالت له: يا أبت، ما تمسكت لهم بهذا القول فما تبالي كثروا ام قلوا؟
الأصمعي: تقول العرب: ما علمتك إلا برما قرونا. البرم: الذي يأكل مع اصحابه ولا يجعل لهم شيئا، والقرون: الذي يأكل تمرتين تمرتين.
حميد الارقط
وألأم اللئام وأبخل البخلاء حميد الارقط، الذي يقال له هجّاء الاضياف؛ وهو القائل في ضيف نزل به وآكله:
ما بين لقمته الاولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور «1»
وله:
تجهّر- كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الزّور ما ضمّت عليه الأنامل
أتانا وما سواه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنه ... من العيّ لما ان تكلم باقل
وله في الاضياف:
لا مرحبا بوجوه القوم إذ دخلوا ... دسم العمائم تحكيها الشياطين
باتوا وجلّة تمر حلّ بينهم ... كأنّ أيديهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنوى عالي معرّسهم ... وليس كلّ النّوى تلقى المساكين «2»
ما قالت الشعراء في طعام البخلاء
فمن اهجى ما قيل في طعام البخلاء قول جرير في بني تغلب:
(7/208)

والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
وقوله فيهم:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار «1»
قوم إذا استنبح الاضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النار
وقال الراعي:
اللاقطين النّوى تحت الشياه كما ... نحت كرادم دهم في مخاليها «2»
فأين هؤلاء من قول الآخر:
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدّى رفعت ستوره
ولآخر:
أبو نوح، أتيت إليه يوما ... فغدّاني برائحة الطعام
وجاء بلحم لا شيء سمين ... فقدّمه على طبق الكلام
فلمّا أن رفعت يدي سقاني ... كئوسا حشوها ريح المدام
فكنت كمن سقى ظمآن آلا ... وكنت كمن تغدّى في المنام «3»
ولآخر:
تراهم خشية الاضياف خرسا ... يصلّون الصلاة بلا أذان
ولحماد بن جعفر:
حديث أبي الصلت ذو خبرة ... بما يصلح المعدة الفاسده
تخوّف تخمة إخوانه ... فعوّدهم أكلة واحده
ولآخر:
(7/209)

أتانا بخبز له حامض ... كمثل الدراهم في رقّته
إذا ما تنفّس حول الخوان ... تطاير في البيت من خفّته
فنحن كظوم له كلنا ... نردّ التنفس من خشيته
فيكلمه اللّحظ من رقّة ... ويأكله الوهم من قلّته
نزل رجل من العرب ببخيل، فقدّم إليه جرادا، فعافه وأمر برفعه، وقال:
لحا الله بيتا ضمّني بعد هجعة ... إليه دجوجي من الليل مظلم
فأبصرت شيخا قاعدا بفنائه ... هو العير إلا أنه يتكلم
أتانا ببرقان الدّبى في إنائه ... ولم يك برقان الدّبى لي مطعم
فقلت له غيّب إناءك واعتزل ... فهذا وهذا لا أبا لك مسلم
ضاف القطامي الشاعر في ليلة ريح ممطرة عجوزا من محارب، فلم تقره شيئا؛ فرحل عنها وقال:
تضيّفت في برد وريح تلفّني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب
إلى حيزبون توقد النار بعدما ... تلفّعت الظّلماء من كلّ جانب
تصلى بها برد العشاء ولم تكن ... تخال وميض النار يبدو لراكب
فما راعها إلا بغام مطيّتي ... تريح بمحسور من الصوت لاغب «1»
فجنّت جنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عاري الأشاجع شاحب «2»
سرى في جليد الليل حتى كأنما ... تخرّم بالأطراف شوك العقارب «3»
تقول وقد قرّبت كوري وناقتي ... إليك فلا تذعر عليّ ركائبي
فسلّمت والتسليم ليس يسرّها ... ولكنه حق على كلّ جانب «4»
فردّت سلاما كارها ثم أعرضت ... كما انحاشت الأفعى مخافة ضارب
فلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحيّ؟ قالت: معشر من محارب
(7/210)

من المشتوين القدّ في كلّ شتوة ... وإن كان عام الناس ليس بناصب
فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن ... عليّ مبيت السّوء ضربة لازب
وقمت إلى مهريّة قد تعوّدت ... يداها ورجلاها حثيث المواكب
ألا إنها نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
وقال الخليل بن أحمد:
كفّاه لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه
فكف عن الخير مقبوضة ... كما نقصت مائة سبعه
وكفّ ثلاثة آلافها ... وتسع مئات لها شرعه
وقال غيره:
وجيرة لا ترى في الناس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يبلغنا ما تنضج النار
وقال احمد بن نعيم السلمي في بني حسان:
إذا احتفلوا للضيف لهوج قدرهم ... جراديم أشباه النّخاعة تبلع «1»
تبلّ جيار الضيف حتى تردّه ... وتصبح من عين استه تتطلّع
ويقريك من أكرهته من سوادهم ... قرى الحيّ أو أدنى لجوع وأبشع
عظاما وأرواثا وبعرا وإن يكن ... لدى القوم نار يشتوي لك ضفدع
ولآخر:
فبتنا كأنهم بينهم أهل مأتم ... على ميّت مستودع بطن ملحد
يحدّث بعض بعضنا بمصابه ... ويأمر بعض بعضنا بالتجلّد! «2»
ولآخر:
ذهب الكرام فلا كرام ... وبقي الغطاريف اللّئام
(7/211)

من لا يقيل ولا يني ... ل، ولا يشمّ له طعام
ولآخر:
صدّق أليّته إن قال مجتهدا ... لا والرغيف، فذاك البرّ من قسمه
فإن هممت به فافتك بخبزته ... فإنّ موقعها من لحمه ودمه
قد كان يعجبني لو أنّ غيرته ... على جرادته كانت على حرمه
ولآخر:
إنّ هذا الفتى يصون رغيفا ... ما إليه لناظر من سبيل
هو في سفرتين من أدم الطّا ... ئف في سلتين في منديل
في جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل
وقال ابو نواس في فضل الرقاشي:
رأيت قدور الناس سودا من الطّلا ... وقدر الرّقاشييّن زهراء كالبدر
يضيق بحيزوم البعوضة صدرها ... ويخرج ما فيها على قلم الظّفر
إذا ما تنادوا للرّحيل سعى بها ... أمامهم الحوليّ من ولد الذرّ
وقال في إسماعيل الكاتب:
خبز إسماعيل كالوش ... ي إذا ما انشقّ يرفا «1»
عجبا من أثر الصن ... عة فيه كيف يخفى
إن رقاءك هذا ... ألطف الأمّة كفا
فإذا قابل بالنّص ... ف من الجردق نصفا «2»
أحكم الصّنعة حتى ... ما يرى مغرز إشفى
ولآخر:
ارفع يمينك من طعامه ... إن كنت ترغب في كلامه
(7/212)

سيان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عطافه
ولآخر:
رأيت الخبز عزّ لديك حتى ... حسبت الخبز في جوف السحاب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذّباب
ولآخر:
يحذر- أن تتخم إخوانه ... إنّ أذى التخمة محذور
ويشتهي أن يؤجروا عنده ... بالصّوم والصائم مأجور
ومن قولنا في نحوه:
لا يفطر الصائم من أكله ... لكنه صوم لمن أفطرا
في وجهه من لؤمه شاهد ... يكفى به الشاهد أن يخبرا
لم يعرف المعروف أفعاله ... قطّ كما لم ينكر المنكرا
وقال آخر:
خليليّ من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن فرعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
كأن عبيد الله لم يلق ماجدا ... ولم يدر أنّ المكرمات تكون
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا ... وفي كل معروف عليك يمين
إذا جئته في حاجة سدّ بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين
باب من اخبار البخلاء
بين بخيلين
الرياشي قال: صاحب رجل رجلا من البخلاء، فقال له: احملني! فقال: ما كنت لا نزل واحملك! قال. ما انت بحاتم حيث يقول:
(7/213)

انخها فأردفها، فإن حملتكما ... فذاك؛ وإن كان العقاب فعاقب «1»
قال: ما فيها محمل، ولابي طاقة على المشي.
وقد قال شاعرهم حاتم:
أماويّ إمّا مانع فمبيّن ... وإما عطاء لا ينهنه الزجر «2»
وقال كثير عزة:
مهين تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما «3»
سأل عبد الرحمن بن حسان بن ثابت من بعض الولاة حاجة، فلم يقضها، فتشفع إليه برجل فقضاها؛ فقال:
ذممت ولم تحمد، وأدركت حاجتي ... تولّى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب المجد رأي مقصّر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرّة ... عصاها، وإن همّت بشرّ أطاعها
احتاج ابو الاسود الدؤلي مرة، فبعث إلى جار له موسر يستسلفه، وكان حسن الظن به، فاعتل عليه ورده؛ فقال:
لا تشعرنّ النّفس يأسا فإنما ... يعيش بجدّ حازم وبليد
ولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكلّ قريب لا ينال بعيد
وكتب إلى آخر يستسلفه، فكتب إليه: المؤنة كثيرة، والفائدة قليلة، والمال مكذوب عليه. فكتب إليه ابو الاسود: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت صادقا فجعلك الله كاذبا! وقال بعض الشعراء في بخيل:
(7/214)

ميّت مات وهو في كنف العي ... ش مقيم في مظلّ عيش ظليل
في عداد الموتى، وفي عامر الدّن ... يا أبو جعفر أخي وخليلي
لم يمت ميتة الحياة ولكن ... مات عن كلّ صالح وجميل
ولآخر:
فأمّا قراه كله فلنفسه ... ومال يزيد كلّه ليزيد «1»
ولآخر:
له يومان: يوم ندى، ويوم ... يسلّ السيف فيه من القراب «2»
فأمّا جوده فعلى النّصارى ... وأمّا بأسه فعلى الكلاب
ولآخر:
قدحت بأظفاري، وأعملت معولي ... فصادفت جلمودا من الصّخر أملسا «3»
تجهّم لمّا قمت في وجه حاجتي ... وأطرق حتى قلت: قد مات أو عسى
فأجمعت أن أنعاه لمّا رأيته ... يفوق فواق الموت حتى تنفّسا
وأنشد أبو جعفر البغدادي للجولديّ:
جاء بدينارين لي صالح ... أصلحه الله وأخزاهما
أدناهما تحمله ذرّة ... وتلعب الريح بأقواهما
بل لو وزنّا لك ظلّيهما ... ثم عمدنا فوزّنّاهما
لكان لا كانا ولا أفلحا ... عليهما يرجح ظلّاهما
ولحماد عجرد:
أورق بخيرك تؤمل للجزيل، فما ... ترجى الثّمار إذا لم يروق العود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إنّ الكريم ترى في الناس عفّته ... حتى يقال غنيّ وهو مجهود «4»
(7/215)

وأنشد:
جاد ابن موسى من دنانيره ... لنا بدينارين إسرارا
كلاهما في الكفّ من خفّة ... لو نفخا من فرسخ طارا
قلت، وقلبي لهما منكر: ... أدّهما للخبر قسطارا «1»
فكان هذا عنده بهرجا ... وكان هذا عنده بارا
ثم وزنّا واحدا منهما ... كان له القسطار مختارا
فكان في كفّة ميزانه ... ينقص قيراطا ودينارا
باب ما قيل في البخلاء
سمع رجل أبا العتاهية ينشد:
فارمي بطرفك حيث شئ ... ت فلن ترى إلّا بخيلا
فقال له: بخّلت الناس كلّهم! قال: فأرني واحدا سمحا! وقال ابن أبي حازم:
وقالوا لو مدحت فتى كريما! فقلت وأين لي بفتى كريم؟
بلوت ومرّ بي خمسون عاما ... وحسبك بالمجرّب من عليم
فلا أحد يعدّ ليوم خير ... ولا أحد يعود على عديم
ولآخر:
لمّا رآنا فرّ بوابه ... وارتدّ من غير يد بابه
كلب له من بغضه حاجب ... يحجبه إن غاب حجّابه
ومن قولنا:
جعل الله رزق كلّ عدوّ ... لي بكفّ لبعض من لا أسمّي
كفّ من لا يهزّ عطفيه يوما ... لمديح، ولا ينال بدمّ
يتلقّى الرجاء منه بوجه ... رائح الخدّ والجبين بسمّ
(7/216)

جئته زائرا، فما زال يشكو ... لي حتى حسبته سيدمّي
ألف الّلوم فيه من كلّ طرف ... معرقا فيه بين خال وعمّ
قد نهاني النّصيح عنه مرارا ... بأبي أنت من نصيح وأمّي
ومن قولنا:
يراعة غرّني منها وميض سنا ... حتى مددت إليه الكفّ مقتبسا «1»
فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا «2»
كأنما صيغ من بخل ومن كذب ... فكان ذاك له روحا وذا نفسا
كلب يهرّ إذا ما جاء زائره ... حتى إذا جاء مهدي تحفة نبسا «3»
ومن قولنا:
صحيفة طابعها الّلوم ... عنوانها بالبخل مختوم
أهداكها والخلف في طيّها ... والمطل والتّسويف واللوم
من وجهه نحس، ومن قربه ... رجس، ومن عرفانه شوم
لا تهتضم إن كنت ضيفا له ... فخبزه في الجوف هاضوم «4»
تكلمه الألحاظ من رقّة ... فهو بلحظ العين مكلوم
لا تأتدم شيئا على أكله ... فإنه بالجوع مأدوم «5»
احتجاج البخلاء
الأصمعي قال: قال أبو الأسود الدؤلي: لو أطعمنا المساكين أموالنا لكنا أسوأ حالا منهم!
(7/217)

وقال لبنيه: لا تطيعوا المساكين في أموالكم، فإنهم لا يقنعون منكم حتى يروكم مثلهم! وقال لهم أيضا: لا تجاودوا الله، فإنه لو شاء أن يغني الناس كلهم لفعل، ولكنه علم أن قوما لا يصلحهم الغنى ولا يصلح لهم إلا الفقر، وقوما لا يصلحهم الفقر ولا يصلح لهم إلا الغنى! وقال سهل بن هارون: لو قسمت في الناس مائة ألف لكان الأكثر لائمي.
ونحوه قول ابن الجهم: منع الجميع أرضى للجميع.
كندي وتغلبي
: وقال رجل من تغلب: أتيت رجلا من كندة أسأله، فقال: يا أخا بني تغلب إني لن أصلك حتى أحرم من هو أقرب إليّ منك، وإني والله لو مكنت من داري لنقضوها طوبة طوبة، والله يا أخا بني تغلب ما بقي بيدي من مالي وأهلي وعرضي إلا ما منعته من الناس.
وقال آخر: من أعطى من الفضول قصّر عن الحقوق.
ابن هارون وسائل
: وقال رجل لسهل بن هارون: هبني ما لا مرزئة عليك فيه، قال: وما ذاك يا ابن أخي؟ قال: درهم واحد! قال: يا ابن أخي لقد هوّنت الدرهم وهو طائع الله في أرضه الذي لا يعصى، والدرهم ويحك عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف دية المسلم! ألا ترى يا ابن أخي إلى أين انتهاء الدرهم الذي هوّنته؟ وهل بيوت المال إلا درهم على درهم.
من وصية لقمان لابنه
: وروي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بنيّ، أوصيك باثنتين ما تزال بخير ما
(7/218)

تمسكت بهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك.
وقال أبو الأسود: إمساكك ما بيدك، خير من طلبك ما بيد غيرك. وأنشد في المعنى:
يلومونني في البخل جهلا وضلّة ... وللبخل خير من سؤال بخيل
ونظيره قول المتلمس:
وحبس المال خير من نفاد ... وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق فإن مالك عريض؟ قال: الدهر أعرض منه! قيل له: كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كله! قال: لا، ولكن أخاف أن لا أموت في أوله!
الجاحظ والخزامي
: وقال الجاحظ للحزامي: أترضى أن يقال لك بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم؛ لأنه لا يقال لي بخيل إلا وأنا ذو مال، فسلّم لي المال وسمّني بأي اسم شئت! فقال: جمع الله لاسم السخاء المال والحمد، وجمع لاسم البخل المال والذم.
قال: بينهما فرق عجيب وبون بعيد: إن في قولهم بخيل، سببا لمكث المال؛ وفي قولهم سخي، سببا لخروج المال عن ملكي؛ واسم البخيل فيه حفظ وذمّ، واسم السخي فيه تضييع وحمد، والمال ناض نافع، ومكرم لأهله، والحمد ريح وسخرية، ومسمعة وطرمذة»
؛ وما أقل غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه، وعري ظهره، وضاع عياله، وشمت به عدوه! وقال محمد بن الجهم: من شأن من استغنى عنك أن لا يقيم عليك، ومن احتاج
(7/219)

إليك أن لا يزول عنك؛ فمن حبك لصديقك وضنك بمودته أن لا تبذل له ما يغنيه عنك، وأن تتلطف له فيما يحوجه إليك وقد قيل في مثل هذا: أجع كلبك يتبعك، وسمّنه يأكلك؛ فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر، وقطع أسبابه من الشكر؛ والمعين على الغدر شريك الغادر، كما أن مزيّن الفجور شريك الفاجر.
من وصية الأسدي لبنيه
: وقال يزيد بن عمر الأسدي لبنيه: يا بنيّ، تعلموا الردّ؛ فإنه أسدّ من العطاء ولأن تعلم بنو تميم أن عند أحدكم مائة ألف درهم، أعظم له في أعينهم من أن يقسمها عليهم؛ ولأن يقال لأحدكم بخيل وهو غني، خير له من أن يقال سخيّ وهو فقير.
وقال الحزامي: يقولون: ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك؛ فما ظنك إن كان أقصر مني، أليس يتخيّل في قميصي؟ وإن كان أطول مني، أليس يصير آية للسابلين، فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة؟ فما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي؛ ومتى يتفق هذا؟
أبو نواس وفقيه
: وقال أبو نواس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، وكان من فقهائهم وعقلائهم، وكان يأكل وحده، فقلت له: لم تأكل وحدك؟ فقال:
ليس عليّ في هذا مسألة؛ إنما المسألة على من أكل مع الجماعة لأنه يتكلف، وأكلي وحدي هو الأصل، وأكلي مع الجماعة تكلّف ما ليس عليّ.
ووقع درهم بيد سليمان بن مزاحم، فجعل يقلبه ويقول. في شق: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ وفي شق آخر: قل هو الله أحد؛ ما ينبغي لهذا أن يكون إلا تعويذة ورقية! ورمي به في الصندوق.
وكان أبو عيسى بخيلا، وكان إذا وقع الدرهم بيده طنّه «1» بظفره وقال: يا درهم
(7/220)

كم من مدينة دخلتها؟ وأيد دوّختها؟ فالآن استقرّ بك القرار، واطمأنت بك الدار! ثم رمى به في الصندوق.
ابن أشرس وسائل
: وقال رجل لثمامة بن أشرس: إن لي إليك حاجة ... قال: وأنا لي إليك حاجة! قال: وما حاجتك إليّ؟ قال: لا أذكرها حتى تضمن قضاءها! قال: قد فعلت. قال:
فإن حاجتي لك أن لا تسألني حاجة! فانصرف الرجل عنه.
وكان ثمامة يقول: ما بال أحدكم إذا قال له الرجل اسقني، أتى بإناء على قدر اليد أو أصغر، وإذا قال أطعمني، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشراب أخوان! أما إنه لولا رخص الماء وغلاء الخبز ما كلبوا على الخبز وزهدوا في الماء؛ الناس أرغب شيء في المأكول إذا كثر ثمنه، أو كان قليلا في منبته؛ ألا ترى الباقلا الأخضر أطيب من الكمثري، والباذنجان أطيب من الكمأة «1» ؛ ولكن أهل التحصيل والنظر قليل، وإنما يشتهون قدر الثمن! وكان يقول: إياكم وأعداء الخبز أن تأتدموا بها، وأعدى عدو له المالح، فلولا أن الله أعان عليه بالماء لأهلك الحرث والنسل.
وكان يقول: كلوا الباقلا بقشره، فإن الباقلّا يقول: من أكلني بقشري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشري فقد أكلته؛ فما حاجتكم أن تصيروا طعاما لطعامكم؟
ابن هبيرة وعقيلي
: الأصمعي قال قد جاء رجل من بني عقيل إلى عمر بن هبيرة، فمتّ إليه بقرابة وسأله أن يعطيه، فلم يعطه شيئا؛ ثم عاد إليه بعد أيام فقال: أنا العقيلي الذي سألتك
(7/221)

منذ أيام! فقال له ابن هبيرة: وأنا الفزاري الذي منعك منذ أيام! فقال معذرة إليك، إني سألتك وأنا أظنك يزيد بن هبيرة المحاربي! قال: ذلك ألأم لك عندي، وأهون بك عليّ؛ نشأ في قومك مثلي فلم تعرفه، ومات مثل يزيد ولم تعلم به! يا حرسيّ، اسفع «1» بيده! ومن أشعار البخلاء التي يتمثلون بها:
وزهّدني في كلّ خير صنعته ... إلى الناس ما جرّبت من قلة الشكر
ولآخر:
ارقع قميصك ما اهتديت لجيبه ... فإذا أضلّك جيبه فاستبدل
ولابن هرمة:
قد يدرك الشّرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
ومن أمثالهم في البخل وخلف الوعد قولهم: تختلف الأقوال إذا اختلفت الإخوان؛ وقولهم:
كلام الليل يمحوه النهار
وقولهم:
بروق الصيف كاذبة الوعود
رسالة سهل بن هارون في البخل
بسم الله الرحمن الرحيم، أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير وجعلكم من أهله؛ قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار. وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عيّابا، فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب، ومن
(7/222)

أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب، وقبيح أن تنهي مرشدا وأن تغري بمشفق.
وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم، وإصلاح فاسدكم، وإبقاء النعمة عليكم، ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم؛ وقد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لكم، ولأنفسنا قبلكم وشهرنا به في الآفاق دونكم؛ ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
«1» ؛ فما كان أحقنا بكم في حرمتنا بكم أن ترعوا حقّ قصدنا بذلك إليكم على ما رعيناه من واجب حقكم، فلا العذر المبسوط بلغتم ولا بواجب الحرمة قمتم، ولو كان ذكر العيوب برّا وفخرا لرأينا في أنفسنا عن ذلك شغلا.
عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي العجين، فهو أطيب لطمعه، وأزيد في ريعه؛ وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أملكوا «2» العجين، فإنه أحد الريعين.
وعبتموني حين ختمت على سدّ عظيم «3» ، وفيه شيء ثمين من فاكهة رطبة نفيسة؛ ومن رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبيّ جشع، وأمة لكعاء، وزوجة مضيعة؛ وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادة القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب- التابع والمتبوع، والسيد والمسود؛ كما لا تستوي مواضعهم في المجالس، ومواقع أسمائهم في العنوان؛ ومن شاء أطعم كلبه الدجاج السمين، وعلف حماره السمسم المقشّر! فعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، وعلى كيس فارغ،
(7/223)

وقال: طينة خير من ظنّة، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم من ختم على شيء! وعبتموني أن قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، ليجتمع مع التأدم باللحم طيب المرق؛ وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا طبخ أحدكم لحما فليزد من الماء، فمن لم يصب لحما أصاب مرقا» .
وعبتموني بخصف «1» النعل، وبتصدير القميص، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه بالنّسك، وأن الترقيع من الحزم، والتفرّق مع التضييع؛ والاجتماع مع الحفظ. وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخصف نعله، ويرقع ثوبه؛ ويلعق أصابعه، ويقول: «لو أهدي إليّ ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت» . وقال عليه الصلاة والسلام: «من لم يستحي من الحلال خفّت مئونته، وقل كبره» ؛ وقالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس الخلق. وبعث زياد رجلا يرتاد له محدّثا، واشترط عليه أن يكون عاقلا، فأتاه به موافقا، فقال له: أكنت به ذا معرفة؟ قال: لا، ولكنني رأيته في يوم قائظ يلبس خلقا ويلبس الناس جديدا؛ فتفرّست فيه العقل والأدب، وقد علمت أن الخلق في موضعه مثل الجديد في موضعه؛ وقد جعل الله لكل شيء قدرا وسما به موضعا؛ كما جعل لك زمان رجالا، ولكل مقام مقالا؛ وقد أحيا الله بالسم، وأمات بالدواء، وأغصّ بالماء؛ وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين؛ وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز، وأمر مالك بن أنس بفرسك النعل؛ وقال عمر بن الخطاب: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة؛ ولبس سالم بن عبد الله بجلد أضحية «2» ؛ وقال رجل لبعض الحكماء: أريد أن أهدي إليك دجاجة. فقال: إن كان لا بد فاجعلها بيوضا.
وعبتموني حين قلت: من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي؛ فلقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية وأشفّ
(7/224)

من الكفاية؛ فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء «1» ، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء؛ فعلمت أن لو كنت سلكت الاقتصاد في أوائله لخرج آخره على كفاية أوّله، ولكان نصيب [العضو] الأول كنصيب الآخر؛ فعبتموني بذاك وشنعتم عليّ؛ وقد قال الحسن وذكر السّرف: أما إنه ليكون في الماء والكلأ؛ فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلأ.
وعبتموني أن قلت: لا يغترّنّ أحدكم بطول عمره، وتقوّس ظهره، ورقة عظمه، ووهن قوته، وأن يرى نحوه أكثر ذريته؛ فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده، وتحويله إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه؛ فلعله أن يكون معمرا؛ وهو لا يدري، وممدودا له في السنّ وهو لا يشعر؛ ولعله أن يرزق الولد على اليأس، أو يحدث عليه من آفات الدهر ما لا يخطر على بال ولا يدركه عقل، فيستردّه ممن لا يردّه، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه؛ أصعب ما كان عليه الطلب، وأقبح ما كان به أن يطلب؛ فعبتموني بذلك وقد قال عمرو بن العاص:
اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.
وعبتموني بأن قلت بأن السرف والتبذير إلى مال المواريث وأموال الملوك [أسرع] وأن الحفظ للمال المكتسب، والغنى المجتلب، وإلى ما يعرض فيه لذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب البدن، واهتمام القلب- أسرع؛ ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر، وطاب نفسا بالذل.
وعبتموني بأن قلت: إن كسب الحلال يضمن الإنفاق في الحلال، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث، وأن الطيب يدعو إلى الطيب، وأن الإنفاق في الهوى حجاز دون الحقوق؛ فعبتم عليّ هذا القول؛ وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا وإلى جنبه تضييع. وقد قال الحسن: إن أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله، فانظروا
(7/225)

فيما ذا ينفقه، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف.
وقلت لكم بالشفقة عليكم وحسن النظر مني لكم: أنتم في دار الآفات، والجوائح غير مأمونات؛ فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقيّة، فاحذروا النقم واختلاف الأمكنة؛ فإن البلية لا تجري في الجميع إلا بموت الجميع؛ و [قد] قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العبد والأمة والشاة والبعير: فرّقوا بين المنايا واجعلوا الرأس رأسين. وقال ابن سيرين [لبعض البحريّين] : كيف تصنعون بأموالكم؟ قالوا: نفرّقها في السفن، فإن عطب بعض سلم بعض، ولولا أن السلامة أكثر؛ ما حملنا أموالنا في البحر. قال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهي صناع.
وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى لسكرا، وللمال لنزوة؛ فمن لم يحفظ الغنى من سكره فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله؛ فعبتموني بذلك؛ وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحد أقصر عقلا من غنيّ أمن الفقر. وسكر الغنى أكثر من سكر الخمر.
وقال الشاعر في يحيى بن خالد بن برمك:
وهوب تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما «1»
وعبتموني حين زعمت أني أقدّم المال على العلم؛ لأن المال به يفاد العلم، وبه تقوم النفس قبل أن يعرف فضل العلم فهو أصل، والأصل أحق بالتفضيل من الفرع؛ فقلتم: كيف هذا؟ وقد قيل لرئيس الحكماء: آلأغنياء أفضل أم العلماء؟ قال: العلماء، قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟
قال: ذلك لمعرفة العلماء بفضل المال، وجهل الأغنياء بحقّ العلم؛ فقلت: حالهما هي القاضية بينهما، وكيف يستوي شيء حاجة العامة إليه، وشيء يغنى فيه بعضهم عن بعض؛ وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج؛ وقال أبو
(7/226)

بكر رضي الله عنه: إني لأبغض أهل بيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد، وكان أبو الأسود الدؤلي يقول لولده: إذا بسط الله لك الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض.
وعبتموني حين قلت: [إن] فضل الغني على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون في البيت، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغنى عنها كانت عدّة، وقد قال الحضين بن المنذر: وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء! قيل له: فما كنت تصنع به؟ قال: لكثرة من كان يخدمني عليه، لأن المال مخدوم؛ وقد قال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن [لك] فيه إلا أنه عزّ في قلبك، وذلّ في قلب عدوّك، لكان الحظ فيه جسيما، والنفع فيه عظيما.
ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتعليم الخلفاء، وتأديب الحكماء لأصحاب اللهو؛ ولستم عليّ تردّون، ولا رأيي تفنّدون، فقدّموا النظر قبل العزم، وادّكروا ما عليكم قبل أن تدركوا ما لكم، والسلام عليكم.
ومن اللؤم: التطفيل، وهو التعرّض للطعام من غير أن يدعى إليه.
أخبار الطفيليين
طفيل العرائس
: أولهم طفيل العرائس، وإليه نسب الطفيليون. وقال لأصحابه: إذا دخل أحدكم عرسا فلا يتلفّت تلفت المريب، وليتخير المجالس؛ وإن كان العرس كثير الزحام فليمض ولا ينظر في عيون الناس، ليظنّ أهل المرأة أنه من أهل الرجل؛ ويظن أهل الرجل أنه من أهل المرأة؛ فإن كان البواب غليظا وقاحا فتبدأ به وتأمره وتنهاه، من غير أن تعنف عليه، ولكن بين النصيحة والإدلال.
قال: يقول الطفيليون: ليس في الأرض عود أكرم من ثلاثة أعواد: عصا موسى، وخشب منبر الخليفة، وخوان الطعام.
(7/227)

أبو العرقين
: وكان أبو العرقين الطفيلي قد نقش في خاتمه: «اللؤم شؤم» ، فقيل له: هذا رأس التطفيل!
طفيلي بالبصرة
: أحمد بن علي الحاسب قال: مرّ طفيليّ بسكة النخع بالبصرة على قوم وعندهم وليمة، فاقتحم عليهم وأخذ مجلسه مع من دعي، فأنكره صاحب المجلس فقالوا له:
لو تأنيت أو وقفت حتى يؤذن لك أو يبعث إليك! قال: إنما اتّخذت البيوت ليدخل فيها، ووضعت الموائد ليؤكل عليها، وما وجهت بهدية فأتوقّع الدعوة، والحشمة قطيعة، وطرحها صلة؛ وقد جاء في الأثر: صل من قطعك، وأعط من حرمك؛ وأنشد:
كلّ يوم أدور في عرصة الدا ... ر أشمّ القتار شمّ الذّباب «1»
فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخان أو دعوة لصحاب
لم أعرّج دون التقحّم لا أر ... هب طعنا أو لكزة البواب
مستهينا بمن دخلت عليهم ... غير مستأذن ولا هيّاب
فتراني ألفّ بالرغم منهم ... كلّ ما قدموه لفّ العقاب «2»
ومنهم أشعب الطماع؛ قيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم أنظر إلى اثنين يتسارّان إلا ظننتهما يأمران لي بشيء! وفيه يقال: «أطمع من أشعب» .
أشعب الطماع
: وقف أشعب إلى رجل يعمل طبقا، فقال له: أسألك بالله ألا ما زدت في سعته طوقا أو طوقين! فقال له: وما معناك في ذلك؟ قال: لعلّ يهدى إليّ فيه شيء!
(7/228)

ساوم أشعب رجلا في قوس عربية، فسأله دينارا فقال له: والله لو أنها إذا رمي بها طائر في جوّ السماء وقع مشويا بين رغيفين، ما أعطيتك بها دينارا! وبينا قوم جلوس عند رجل من أهل المدينة يأكلون عنده حيتانا، إذ استأذن عليهم أشعب؛ فقال أحدهم: إن من شأن أشعب البسط إلى أجل الطعام فاجعلوا كبار هذه الحيتان في قصعة بناحية، ويأكل معنا الصغار. ففعلوا وأذن له، فقالوا له:
كيف رأيك في الحيتان؟ فقال: والله إن لي عليها لحردا شديدا وحنقا، لأن أبي مات في البحر وأكلته الحيتان! قالوا له: فدونك خذ بثأر أبيك! فجلس ومد يده إلى حوت منها صغير، ثم وضعه عند أذنه- وقد نظر إلى القصعة التي فيها الحيتان في زاوية المجلس- فقال: أتدرون ما يقول لي هذا الحوت؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول:
إنه لم يحضر موت أبي ولم يدركه؛ لأن سنه يصغر عن ذلك، ولكن قال لي: عليك بتلك الكبار التي في زاوية البيت، فهي أدركت أباك وأكلته!
أمير وطفيلي
وكان رجل من لامراء يستظرف طفيليا يحضر طعامه وشرابه، وكان الطفيلي اكولا شروبا، فلما رأى الامير كثرة أكله وشربه اطرحه وجفاه، فكتب إليه الطفيلي:
قد قلّ أكلي وقلّ شربي ... وصرت من بابة الامير «1»
فليدع بي وهو في أمان ... أن أشّرب الراح بالكبير
طفيلي في صنيع
وأقبل طفيلي إلى صنيع «2» ، فوجد بابا قد أرتج ولا سبيل إلى الوصول؛ فسأل عن صاحب الصنيع إن كان له ولد غائب او شريك في سفر؟ فأخبر عنه أن له ولد بلد كذا، فأخذ رقا أبيض وطواه وطبع عليه، ثم أقبل متدلّلا فقعقع الباب قعقعة
(7/229)

شديدة واستفتح، وذكر أنه رسول من عند ولد الرجل؛ ففتح له الباب، وتلقاه الرجل فرحا فقال: كيف فارقت ولدي؟ قال: له بأحسن حال، وما أقدر ان اكلمك من الجوع! فأمر بالطعام فقدم إليه، وجعل يأكل؛ ثم قال له الرجل: ما كتب كتابا معك؟ قال: نعم. ودفع إليه الكتاب، فوجد الطين طريا، فقال له: ارى الطين طريا! قال: نعم وأريدك انه من الكدّ ما كتب فيه شيئا! فقال: أطفيلي انت؟ قال: نعم أصلحك الله! قال: كل لا هنأك الله!
اشعب على ثريدة
وقيل لا شعب: ما تقول في ثرده مغمور بالزبد مشققة باللحم؟ قال فأضرب كم؟
قيل له: بل تأكلها من غير ضرب. قال: هذا ما لا يكون، ولكن كم الضرب فأتقدم على بصيرة! وقيل لمزبّد المديني، وقد أكل طعاما كظّه: قيء نقا «1» ولحم جدي! امرأتي طالق لو وجدتهما قيئا لأكلتهما! وقيل لطفيلي: ما أبغض الطعام اليك؟ قال: القريض «2» . قيل له: ولم ذا؟ قال:
لانه يؤخر إلى يوم آخر.
طفيلي وكتبة
ومر طفيلي بقوم من الكتبة في مشربة لهم، فسلم ثم وضع يده يأكل معهم؛ قالوا:
أعرفت فينا احدا؟ قال: نعم، عرفت هذا. وأشار إلى الطعام! فقالوا: قولوا بنا فيه شعرا:
فقال الأول:
لم أر مثل سرطه ومطّه «3»
(7/230)

وقال الثاني:
ولفّه دجاجه ببطه
وقال الثالث:
كأنّ جالينوس تحت إبطه
فقال الاثنان للثالث: أما الذي وصفناه من فعله فمفهوم، فما يصنع جالينوس تحت إبطه؟ قال: يلقمه الجوارش كلما خاف عليه التخمة؛ تهضم بها طعامه!
الجماز وطفيلي
ومرّ طفيلي على جماز؛ فقال له ما تأكل؟ قال: [قيء] كلب في قحف خنزير! ودخل طفيلي على قوم يأكلون فقال: ما تأكلون؟ فقالوا من بغضه: سمّا! فأدخل يده وقال: الحياة حرام بعدكم! ومرّ طفيلي على قوم كانوا يأكلون وقد أغلقوا الباب دونه، فتسوّر عليهم من الجدار وقال: منعتموني من الارض فجئتكم من السماء! وقيل لطفيلي: كم اثنان في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة.
وقيل لآخر: كم كان اصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر؟ قال: كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر درهما.
طفيلي وزنادقة حملوا للمأمون
قال محمد بن احمد الكوفي: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن عن أبيه قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سمّوا له بالبصرة؛ فجمعوا، وأبصرهم طفيلي، فقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع! فانسلّ فدخل وسطهم، ومضى بهم المتوكلون حتى انتهوا بهم إلى زورق قد أعدّ لهم، فدخلوا الزورق، فقال الطفيلي: هي نزهة! فدخل معهم، فلم يكن بأسرع من أن قيّدوا وقيّد معهم الطفيلي، ثم سير بهم إلى بغداد، فأدخلوا على المأمون، فجعل يدعو بأسمائهم رجلا رجلا، فيأمر بضرب رقابهم، حتى
(7/231)

وصل إلى الطفيلي وقد استوفى العدّة، فقال للموكلين: ما هذا؟ قالوا والله ما ندري، غير أنا وجدناه مع القوم، فجئنا به. فقال له المأمون: ما قصتك ويلك؟
قال: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كان يعرف من احوالهم شيئا، ولا مما يدينون الله به؛ إنما انا رجل طفيلي رأيتهم مجتمعين فظننتهم ذاهبين لدعوة! فضحك المأمون وقال: يؤدّب! وكان ابراهيم بن المهدي قائما على رأس المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي ذنبه، واحدّثك عن حديث عجيب عن نفسي. قال: قل يا ابراهيم، قال: خرجت يا أمير المؤمنين من عندك يوما؛ فطفت في سكك بغداد متطرّبا، فانتهيت إلى موضع، فشممت روائح أبازير قدور قد فاح طيبها، فتاقت نفسي إليها وإلى طيب ريحها، فوقفت على خياط فقلت: لمن هذه الدار؟ قال: لرجل من التجار من البزازين. قلت: ما اسمه؟ قال: فلان ابن فلان. فنظرت إلى الدار، فإذا بشباك فيها مطلّ، فنظرت إلى كف قد خرجت من الشباك قابضة على عضد ومعصم، فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكفّ والمعصم عن رائحة القدور، وبقيت باهتا ساعة؛ ثم أدركني ذهني، فقلت للخياط: أهو ممن يشرب؟ قال: نعم، وأحسب ان عنده اليوم دعوة، وليس ينادمه إلا تجار عمل مستورون. فبينا أنا كذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، فقال الخياط: هؤلاء منادموه. فقلت: ما اسماهما وما كنا هما؟ قال: فلان وفلان. فحركت دابتي وداخلتهما، وقلت: جعلت فداكما، قد استبطأكما ابو غلان أعزه الله. وسايرتهما حتى بلغا الباب، فأدخلاني وقدّماني، فدخلنا؛ فلما رآني صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل، أو قادم قدمت عليهما من موضع؛ فرحّب بي، وأجلست في أفضل المواضع؛ فجيء بالمائدة وعليها خبز نظيف، وأتينا بتلك الالوان، فكان طعمها أطيب من ريحها؛ فقلت في نفسي: هذه الالوان قد أكلتها، وبقي الكف والمعصم، كيف اصل إلى صاحبتهما؟ ثم رفع الطعام، وجاءونا بوضوء، فتوضأنا وصرنا إلى بيت المنادمة، فإذا أشكل بيت يا أمير المؤمنين، وجعل صاحب المنزل يلطف بي ويميل عليّ بالحديث. وجعلوا لا يشكون أن ذلك منه على معرفة متقدمة؛ حتى إذا شربنا أقداحا، خرجت علينا جارية كأنها بان،
(7/232)

تنثني كالخيزران فأقبلت فسلمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة فجلست، وأتى بالعود فوضع في حجرها فجسته، فاستبنت في جسّها حذقها، ثم اندفعت تغني:
توهّمها طرفي فأصبح خدّها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها كفّي فآلم كفّها ... فمن مسّ كفي في أناملها عقر
فجعلت يا أمير المؤمنين بلابلي تطرب لحسن شعرها، ثم اندفعت تغني:
أشرت إليها: هل عرفت مدّتي؟ ... فردّت بطرف العين: إني على العهد
فحدت عن الإظهار عمدا لسرّها ... وحادت عن الإظهار أيضا على عمد
فصحت: يا سلام! وجاءني من الطرب ما لا املك نفسي معه؛ ثم اندفعت فغنت الثالث:
أليس عجيبا أن بيتا يضمّني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلم؟
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف يسلّم
فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها ومعرفتها بالغناء، وإصابتها لمعنى الشعر، وأنها لم تخرج عن الفنّ الذي ابتدأت به؛ فقلت: بقي عليك يا جارية! فضربت بعودها الارض وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء! فندمت على ما كان مني، ورأيت القوم كأنهم تغيروا لي؛ فقلت: أما عندكم عود غير هذا؟
قالوا: بلى.
فأتيت بعود، فأصلحت من شأنه، ثم غنيت:
ما للمنازل لا يجبن حزينا ... أصممن أم قدم المدى فبلينا
راحوا العشيّة روحة منكورة ... إن متن متنا أو حيين حيينا
(7/233)

فما أتممته حتى قامت الجارية فأكبّت على رجلي تقبلها، وقالت: معذرة إليك! فو الله ما سمعت أحدا يغني هذا الصوت غناءك! وقام مولاها وأهل المجلس ففعلوا كفعلها، وطرب القوم والله واستحثوا الشراب، فشربوا بالكاسات والطاسات؛ ثم اندفعت أغني:
أبى الله أن تمشي ولا تذكرينني ... وقد سفحت عيناي من ذكرك الدّما
فردّي مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه ذاحل العقل مغرما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما «1»
إلى الله أشكو انها مداريّة ... وإني لها بالودّ ما عشت مكرما
فطرب القوم حتى خرجوا من عقولهم، فأمسكت عنهم ساعة حتى تراجعوا ثم اندفعت أغني الثالث:
هذا محبّك مطويّ على كمده ... حرّى مدامعه تجري على جسده «2»
له يد تسأل الرحمن راحته ... مما جنى، ويد أخرى على كبده
فجعلت الجارية تصيح: هذا الغناء والله يا سيدي لا ما كنا فيه! وسكر القوم، وكان صاحب المنزل حسن الشرب صحيح العقل، فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم، وخلوت معه؛ فلما شربنا اقداحا قال: يا هذا! ذهب ما مضى من أيامي ضياعا إذ كنت لا اعرفك؛ فمن انت يا مولاي؟
ولم يزل يلحّ حتى أخبرته الخبر، فقام وقبّل رأسي وقال: وأنا اعجب يا سيدي أن يكون هذا الادب إلا لمثلك، وأنّى لي أن اجالس الخلفاء ولا اشعر؟
ثم سألني عن قصتي فأخبرته، حتى بلغت خبر الكف والمعصم؛ فقال للجارية:
قومي فقولي لفلانة تنزل ...
(7/234)

ثم لم يزل ينزل جواريه واحدة بعد اخرى، وأنظر إلى كفها ومعصمها وأقول:
ليست هي! حتى قال: والله ما بقي غير زوجتي واختي، والله لا نزلنّهما إليك.
فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداءك، أبدأ بالاخت قبل الزوجة فعساها هي.
فبرزت، فلما رأيت كفّها ومعصمها قلت: هي هذه! فأمر غلمانه فمضوا إلى عشرة مشايخ من جلة جيرانه، فأقبلوا بهم؛ وأمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، فقال للمشايخ: هذه اختي فلانة، أشهدكم اني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي، وامهرتها عنه عشرين ألفا! فرضيت النكاح، فدفع إليها بالبدرة، وفرق الاخرى على المشايخ، وقال لهم: انصرفوا. ثم قال: يا سيدي امهد لك بعض البيوت فتنام مع اهلك! فاحتشمني «1» ما رأيت من كرمه، فقلت: بل احضر عمارية وأحملها إلى منزلي. قال: ما شئت. فأحضرت عمارية وحملتها إلى منزلي؛ فو الله يا أمير المؤمنين، لقد أتبعها من الجهاز ما ضاق عنه بعض بيوتنا؛ فأولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين.
فعجب المأمون من كرم الرجل، وأطلق الطفيليّ وأجازه، وألحق الرجل في أهل خاصته.
طفيلي وقوم يتغدون
ومرّ طفيليّ بقوم يتغدّون، فقال: سلام عليكم معشر اللئام! فقالوا: لا والله، بل كرام. فثنى رجله وجلس، وقال: اللهم اجعلهم من الصادقين واجعلني من الكاذبين!
الفضل بن يحيى وطفيلي
ودخل طفيليّ من اهل المدينة على الفضل بن يحيى وبيده تفاحة، فألقاها إليه وقال:
حيّاك الله يا مدني، أتأكل التحيات؟ قال: أي والله، والزاكيات الطيبات كنت آكلها!
(7/235)

ابراهيم الموصلي وطفيلي
وقال ابراهيم الموصلي في طفيلي كان يصحبه:
نعم النّديم نديم لا يكلّفني ... ذبح الدّجاج ولا ذبح الفراريج
يكفيه لونان من كشك ومن عدس ... وإن يشاء فزيتون بطسّوج «1»
وقال طفيليّ في نفسه:
نحن قوم إذا دعينا أجبنا ... ومتى تنس يدعنا التّطفيل
ونقل: علّنا دعينا فغبنا ... وأتانا فلم يجدنا الرسول!
وقال آخر وأتى طعاما لم يدع إليه، فقيل له: من دعاك؟ فأنشأ:
دعوت نفسي حين لم تدعني ... فالحمد لي لا لك في الدعوة
وكان ذا أحسن من موعد ... مخلفه يدعو إلى الجفوه
ودخل طفيليّ في صنيع رجل من القبط، فقال له: من أرسل إليك؟ فأنشأ:
أزوركم لا أكافيكم بجفوتكم ... إنّ المحبّ إذا ما لم يزر زارا
فقال القبطي: زرزارا! ليس ندري من هو؟ اخرج من بيتي!
طفيلي وزنادقة
ونظر رجل من الطفيليين إلى قوم من الزنادقة يسار بهم إلى القتل: فرأى لهم هيئة حسنة وثيابا نقية، فظنهم يدعون إلى وليمة، فتلطف حتى دخل في لفيفهم وصار واحدا منهم، فلما بلغ صاحب الشرطة قال: أصلحك الله، لست والله منهم، وإنما أنا طفيلي ظننتهم يدعون إلى صنيع فدخلت في جملتهم! فقال: ليس هذا ما ينجيك مني، اضربوا عنقه! فقال: أصلحك الله، إن كنت ولا بدّ فاعلا فأمر السياف ان يضرب بطني بالسيف، فإنه هو الذي ورّطني هذه الورطة! فضحك صاحب الشرطة، وكشف عنه، فأخبروه أنه طفيلي معروف، فخلّى سبيله.
(7/236)

وقال طفيلي:
ألا ليت خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البرنيّ فرسانها الزّبد
فأطلب فيما بينهنّ شهادة ... بموت كريم لا يشقّ له الحد
وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة يطارحها الغناء، فلما أراد الخروج إلى مكة قال لها: ناوليني هذا الخاتم الذي في أصبعك لا ذكرك به! قالت: إنه ذهب، وأخاف ان تذهب؛ ولكن خذ هذا العود، لعلك تعود.
شيخ وحدث
اصطحب شيخ وحدث من الاعراب، فكان لهما قرص في كل يوم، وكان الشيخ متخلع الاضراس بطيء الأكل، فكان الحدث يبطش بالقرص ثم يقعد يشتكي العشق، ويتضور الشيخ جوعا، وكان اسم الحدث جعفرا، فقال الشيخ فيه:
لقد رابني من جعفر أن جعفرا ... يطيش بقرصي ثم يبكي على جمل
فقلت له مسّك الحبّ لم تبت ... سمينا وأنساك الهوى شدّة الأكل
وقال الحدث:
إذا كان في بطني طعام ذكرتها ... وإن جعت يوما لم تكن لي على ذكر
ويزداد حبّي إن شبعت تجدّدا ... وإن جعت غابت عن فؤادي وعن فكري
أشعب وجارية
وكان أشعب يختلف إلى جارية في المدينة، ويظهر لها التعاشق، إلى ان سألته سلفة نصف درهم، فانقطع عنها، وكان إذا لقيها في طريق سلك طريقا أخرى، فصنعت له نشوقا وأقبلت به إليه، فقال لها: ما هذا؟ قالت: نشوق «1» عملته لك لهذا الفزع الذي بك! فقال: اشربيه انت للطمع [الذي بك] ؛ فلو انقطع طمعك انقطع فزعي! وأنشأ يقول:
(7/237)

أخلفي ما شئت وعدي ... وامنحيني كلّ صدّ
قد سلا بعدك قلبي ... فاعشقي من شئت بعدي
إنّي آليت لا أع ... شق من يعشق نقد نقدي!
لأشعب في الغناء
وقيل لاشعب: ما احسن الغناء؟ قال: نشيش «1» المقلى! قيل له. فما اطيب الزمان؟
قال: إذا كان عندك ما تنفق! وكان أشعب يغني:
ألا أخبرت أخبارا ... أتت في زمن الشّدة:
وكان الحبّ في القلب ... فصار الحبّ في المعده
وقال آخر في طفيلي من اهل الكوفة:
زرعنا، فلما تمّم الله زرعنا ... وأوفى عليه منجل بحصاد
بلينا بكفيّ حليف مجاعة ... أضرّ بزرع من دبى وجراد
وقال هشام اخو ذي الرّمة لرجل اراد سفرا: إن لكل رفقة كلبا يشركهم في فضلة الزاد، فإن استطعت ان لا تكون كلب الرفاق فافعل.
أبو نواس وشطار
وخرج ابو نواس متنزها مع شطار من اصحابه، فنزلوا روضة ووضعوا شرابا، فمر بهم طفيليّ، فتطارح عليهم؛ فقال له أبو نواس. ما اسمك؟ قال: ابو الخير.
فرحب به وقعد معهم؛ ثم مرت بهم جارية فسلمت، فردّ عليها، وقال لها: ما اسمك؟
قالت: زانة. قال ابو نواس لاصحابه: اسرقوا الياء من ابو الخير، فأعطوها زانة، فتكون زانية، ويكون ابو الخير ابا الخر كما هو ففعلوا.........
(7/238)

الجاحظ وغيره من صنيع
: الجاحظ قال: دعا أبو عبيد الله الواسطي إلى صنيع، فدعاني، فدعوت أبا الفلوسكيّ، فلما كان من الغد صبح الفلوسكي الجاحظ فقال له: أما تذهب بنا هناك يا أبا عثمان؟ قال: نعم. قال فذهبنا حتى أتينا دار صاحب الصنيع، ولم يكن علينا كسوة رائعة ولا تحتنا دواب فتدخل تجاهنا، فوجدنا البواب ذا غلظ وجفاء، فمنعنا، فانحدرنا في جانب الإيوان ننتظر احد يعلم أبا عبد الله الواسطي بنا؛ فلما أخبر خرج إلينا يتلقانا، فتقدمني الفلوسكي وتقدمه حتى أتى صدر المجلس؛ فقعد فيه؛ ثم قال لي: ههنا عندنا يا أبا عثمان! فلما خلونا ثلاثتنا قلت للفلوسكي: كيف تسمي العرب من أمالت إلي أنفسها؟ قال الفلوسكي: تسميه ضيفا. فقال له الجاحظ: وكيف تسمي من أماله الضيف؟ قال: تسميه ضيفنا. قال الجاحظ: وكيف تسمي من أماله الضيفن؟
قال: ما لمثل هذا عند العرب تسمية. قال الجاحظ: فقلت: قد رضيت أن تكون في منزلة من التطفيل لم تجد لها العرب اسما، ثم تتحكم تحكّم صاحب البيت.
باب من أخبار المحارفين
منهم أبو الشمقمق الشاعر، وكان أديبا ظريفا ومحارفا «1» ، وكان صعلوكا متبرما بالناس، وقد لزم بيته في أطمار مسحوقة، وكان إذا استفتح عليه أحد بابه، خرج فينظر من فروج الباب، فإن أعجبه الواقف فتح له وإلا سكت عنه؛ فأقبل إليه يوما بعض إخوانه الملطفين له، فدخل عليه فلما رأى سوء حاله قال له: أبشر أبا الشمقمق، فإنا روينا في بعض الحديث: «إن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة» . فقال: إن صح والله هذا الحديث كنت أنا في ذلك اليوم بزّازا «2» ! ثم أنشأ يقول:
أنا في حال تعالى الله ... ربّي أيّ حال
ليس لي شيء إذا قي ... ل لمن ذا قلت ذا لي
(7/239)

ولقد أهزلت حتى ... محت الشمس خيالي
ولقد أفلست حتى ... حلّ أكلي لعيالي
وله:
أتراني أرى من الدهر يوما ... لي فيه مطية غير رجلي؟
كلما كنت في جميع فقالوا ... قرّبوا للرّحيل، قرّبت نعلي!
حيثما كنت لا أخلّف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي!
وقال ابو الشمقمق أيضا:
[لو] قد رأيت سريري كنت ترحمني ... الله يعلم مالي فيه تلبيس
والله يعلم مالي فيه شائبة ... إلا الحصيرة والأطمار والدّيس «1»
وقال أيضا:
برزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على احد حجابي
فمنزلي الفضاء، وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع السّحاب
فأنت إذا أردت دخلت بيتي ... عليّ مسلما من غير باب
لأني لم اجد مصراع باب ... يكون من السحاب إلى التراب
ولا انشقّ الثّرى عن عود نحت ... أؤمّل أن أشاريه ببابي
ولا خفت الإباق على عبيدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي «2»
ولا حاسبت يوما قهرمانا ... محاسبة فأغلط في حسابي
وفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدّهر ذا أبدا ودابي
وقال أيضا:
لو ركبت البحار صارت فجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا
فلو أنّي وضعت ياقوتة حمراء ... في راحتي لصارت زجاجا
(7/240)

ولو انّي وردت عذبا فراتا ... عاد لا شكّ فيه ملحا أجاجا
فإلى الله أشتكي وإلى الفضل ... فقد أصبحت بزاتي دجاجا
وقال عمر بن الهدير:
وقفت، فلا أدري إلى أين أذهب ... وأيّ أموري بالعزيمة أركب
عجبت لأقدار عليّ تتابعت ... بنحس فأفنى طول دهري التعجّب
ولما التمست الرّزق فانحلّ حبله ... ولم يصف لي من بحره العذب مشرب
خطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... لدقع الغنى إيّاي إذ جئت ومشجب «1»
فأولدتها الحزن النّقي، فما له ... على الارض غيري والد حين ينسب
فلو تهت في البيداء والليل مسبل ... عليّ دياجيه لما لاح كوكب
ولو خفت شرا فاستترت بظلمة ... لأقبل ضوء الشمس من حيث تغرب
ولو جاد إنسان عليّ بدرهم ... لرحت إلى رحلي وفي الكف عقرب «2»
ولو يمطر الناس الدنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب
ولو لمست كفّاي عقدا منظّما ... من الدّرّ أضحى وهو ودع مثقّب «3»
وإن يقترف ذنبا ببرقة مذنب ... فإنّ برأسي ذلك الذنب يعصب «4»
وإن أر خيرا في المنام فنازح ... وإن أر شرّا فهو مني مقرّب
ولم أغد في أمر أريد نجاحه ... فقابلني إلا غراب وأرنب
أمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب!
وقال آخر:
ليس إغلاقي لبابي أنّ لي ... فيه ما أخشى عليه السّرقا
إنما اغلقته كي لا يرى ... سوء حالي من يمرّ الطرقا
منزل أوطنه الفقر فلو ... يدخل السارق فيه سرقا!
(7/241)

وقال الحسن بن هانىء في هذا المعنى:
الحمد لله ليس لي نشب ... فخفّ ظهري وقلّ زوّاري»
من نظرت عينه إلي فقد ... أحاط علما بما حوت داري
جمري في البيت كامن وعلى ... مدرجة الرائحين أسراري
وقال بعض المحارفين:
لزمتني حرفة ما تنقضي ... أبدا حتى أوارى في الجدث
كلزوم الطوق إلا أنها ... تسجد الدهر والطوق يرث «2»
(7/242)

كتاب الزبرجدة الثانية في بيان طبائع الانسان وسائر الحيوان
قال أحمد بن محمد بن عبد ربه رحمه الله: قد مضى قولنا في المتنبئين، والممرورين والبخلاء، والطفيليين.
ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في طبائع الإنسان وسائر الحيوان، وتفاضل البلدان، والنعمة والسرور؛ إذ لم يكن مدار الدنيا إلا عليها، ولا قوام الأبدان إلا بها؛ وإذ هي نمو الفراسة، وتركيب الغريزة، واختلاف الهمم، وطيب الشيم وتفاضل الطعوم.
وقد تكلم الناس في النعمة والسرور، على تباين أحوالهم، واختلاف هممهم وتفاوت عقولهم، وما يجانس كل رجل منهم في طبعه، ويؤلفه في نفسه، ويميل إليه في وهمه؛ وإنما اختلف الناس في هذا المذهب لاختلاف أنفسهم، فمنهم من نفسه غضبية، فإنما همه منافسة الأكفاء، ومغالبة الأقران، ومكاثرة العشيرة ومنهم من نفسه ملكية، فإنما همه اليقين في العلوم، وإدراك الحقائق، والنظر في العواقب؛ ومنهم من نفسه بهيمية، فإنما همه طلب الراحة، وانهماك النفس على الشهوة من الطعام والشراب والنكاح؛ وعلى هذه الطبيعة البهيمية قسمت الفرس دهرها كلّه، فقالوا: يوم المطر للشرب، ويوم الريح للنوم، ويوم الدجن للصيد، ويوم الصحو للجلوس. وهي أغلب الطبائع على الإنسان، لأخذها بمجامع هواه، وإيثار الراحة وقلة العمل، فمنه قولهم: الرأي نائم والهوى يقظان؛ وقولهم: الهوى إله معبود؛ وقولهم: ربيع القلب ما اشتهى، وقولهم: لا عيش كطيب النفس.
(7/243)

النفس الملكية
قيل لضرار بن عمرو: ما السرور؟ قال: إقامة الحجة وإدحاض الشبهة.
وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: إحياء السنة وإماتة البدعة.
وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: إدراك الحقيقة، واستنباط الدقيقة.
وقال الحجاج بن يوسف لخريم الناعم: ما النعمة؟ قال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا ينتفع بعيش. قال له زدني. قال: فالصحة فأني رأيت المريض لا ينتفع بعيش. قال له: زدني. قال له: الغنى، فإني رأيت الفقير لا ينتفع [بعيش] . قال له: زدني. قال:
فالشباب، فإني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش. قال له: زدني، قال: ما أجد مزيدا.
وقيل لأعرابي: ما السرور؟ قال: الأمن والعافية.
النفس الغضبية
قيل لحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال لواء منشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير.
وقيل للحسن بن سهل: ما السرور؟ قال: توقيع جائز، وأمر نافذ.
وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء، ووضع الأعداء، وطول البقاء، مع الصحة والنماء.
وقيل لزياد: ما السرور؟ قال: من طال عمره، ورأى في عدوه ما يسرّه.
وقيل لأبي مسلم صاحب الدعوة: ما السرور؟ قال: ركوب الهمالجة «1» ، وقتل الجبابرة. وقيل له: ما اللذة؟ قال إقبال الزمان، وعز السلطان.
(7/244)

النفس البهيمية
قيل لامريء القيس: ما السرور؟ قال: بيضاء رعبوبة «1» ، بالطّيب مشبوبة، باللحم مكروبة «2» . وكان مفتونا بالنساء.
وقيل لأعشى بكر: ما السرور؟ قال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية. وكان مغرما بالشراب.
وقيل لطرفة: ما السرور؟ فقال: مطعم هنيّ، ومشرب رويّ، وملبس دفيّ، ومركب وطيّ. وكان يؤثر الخفض والدعة.
وقال طرفة:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وربّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهنّ سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد «3»
وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا في الطّخية المتورّد «4»
وتقصير يوم الدّجن، والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء الممدّد
وسمع هذه الأبيات عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فقال: وأنا والله لولا ثلاث لم أحفل متى قام عودي، لولا أن أعدل في الرعية، وأقسم بالسوية، وأنفر في السرية.
وقال عبد الله بن نهيك:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وربّك لم أحفل متى قام رامس
فمنهنّ سبق العاذلات بشربة ... كأن أخاها مطلع الشمس ناعس
ومنهنّ تقريط الجواد عنانه ... إذا ابتدر الشخص الكميّ الفوارس
(7/245)

ومنهنّ تجريد الكواعب كالدّمى ... إذا ابتزّ عن أكفالهنّ الملابس
وقيل ليزيد بن مزيد: ما السرور؟ قال: قبلة على غفلة. وكان صاحب وصائف.
وقيل لحرقة بنت النعمان: ما كانت لذة أبيك؟ قالت: شرب الجريال «1» ، ومحادثة الرجال.
وقيل لحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال: دار قوراء «2» ، وجارية حوراء، وفرس مرتبط بالفناء.
وقيل للحسن بن هانيء: ما السرور؟ قال: مجالسة الفتيان، في بيوت القيان، ومنادمة الإخوان، على قضب الريحان، وأنشأ يقول:
قلت بالعين لموسى ... ونداماي نيام
يا رضيعي ثدي أمّ ... ليس لي عنه فطام
إنما العيش سماع ... ومدام وندام
فإذا فاتك هذا ... فعلى الدنيا السلام
معاوية وابن جعفر
: وقال معاوية لعبد الله بن جعفر: ما أطيب العيش؟ قال: ليس هذا من مسائلك يا أمير المؤمنين! قال: عزمت عليك لتقولنّ. قال: هتك الحيا، واتباع الهوى.
معاوية وابن العاص
: وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما العيش؟ قال ليخرج من هنا من الأحداث! فخرجوا، فقال: العيش كله في إسقاط المروءة! وقال هشام بن عبد الملك: ألذّ الأشياء كلها جليس مساعد يسقط عني مئونة التحفظ.
قيل لأعرابي: ما السرور؟ قال لبس البالي في الصيف، والجديد في الشتاء.
(7/246)

وقيل لآخر: ما النعيم؟ قال: الماء الحارّ في الشتاء، والبارد في الصيف.
البنيان
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من بني بنيانا فليتقنه» .
وقالت الحكماء: لذة الطعام والشراب ساعة، ولذة الثوب يوم، ولذة المرأة شهر، ولذة البنيان دهر، كلما نظرت إليه تجددت لذته في قلبك، وحسنه في عينك.
وقالوا: دار الرجل جنته في الدنيا.
وقالوا: ينبغي للدار أن تكون أول ما يبتاع وآخر ما يباع.
يحيى وابنه جعفر
: وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر بن يحيى حين اختط داره ليبنيها: هي قميصك إن شئت فضيق وإن شئت فوسع.
الرشيد وعبد الملك
: وقال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح: كيف منزلك بمنبج؟ قال دون منازل أهلي، وفوق منازل أهلها. قال: وكيف ذلك وقدرك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أحتذي مثاله.
الرشيد وابن صالح
: ولما دخل هارون منبجا قال لعبد الملك بن صالح: هذا منزلك؟ قال: هو لأمير المؤمنين ولي به! قال: كيف ماؤه؟ قال: أطيب ماء. قال: كيف هواؤه؟ قال: أفسح هواء.
وذكر عند جعفر بن يحيى الدار الفسيحة الجوّ الطيبة النسيم، فقال رجل عنده: لقد دخلت الطائف فكأني كنت أبشر، وكان قلبي ينضج بالسرور، ولا أجد لذلك علة إلا طيب نسيمها وانفساح هوائها.
(7/247)

وقيل للحسن بن سهل: كيف نزلت الأطراف؟ قال: لأنها منازل الأشراف، ينالون فيها ما أرادوا بالقدرة؛ وينالهم فيها من أرادهم بالحاجة.
قولهم في الدار الضيقة
ما هي إلا قرار حافر؛ وما هي إلا وجار «1» ضبع، وما هي إلا قترة قانص؛ وما هي إلا مفحص «2» قطاة.
وقالوا: ما هي إلا حملة يعسوب «3» برأس سنان.
ومن مات في دار ضيقة قيل فيه: خرج من قبر إلى قبر.
من كره البنيان
كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في بناء بيته، فقال: ابن ما يكنك عن الهواجر وأذى المطر.
وكتب عامل لعمر بن عبد العزيز يستأذنه في بناء مدينة، فكتب إليه: ابنها بالعدل، ونقّ طرقها من الظلم.
ومر عمر بن الخطاب ببناء يبنى بآجر وجص؛ فقال: لمن هذا؟ فقيل: لعامل من عمالك. فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها! وأرسل إليه من يشاطره ماله.
وقيل ليزيد بن المهلب: مالك لا تبني؟ قال: منزلي دار الإمارة أو الحبس! ومر رجل من الخوارج بدار تبنى فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا؟ والخوارج تقول: كل مال لا يخرج بخروجك ويرجع برجوعك فإنما هو كفيل بك.
ولما بنى أبو جعفر داره بالأنبار، دخلها مع عبد الله بن الحسن، فجعل يريه بنيانه فيها وما شيد من المصانع والقصور؛ فتمثل عبد الله بن الحسن بهذه الأبيات:
(7/248)

ألم تر حوشبا أضحى يبنّي ... قصورا نفعها لبني بقيله؟
يؤمّل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله!
وقالوا في الحجاج بن يوسف إذ بنى مدينة واسط: بناها في غير بلده، وأورثها غير ولده.
اللباس
إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه، قال: رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران: رداء وعمامة.
علي بن عاصم عن أبي إسحاق الشيباني قال: مررت بمحمد بن الحنفية واقفا بعرفات، على برذون، وعليه مطرف خزّ أصفر.
الشيباني عن ابن جريج أن ابن عباس كان يرتدي رداء بألف.
أبو حاتم عن الأصمعي أن ابن عون اشترى برنسا، فمر على معاذة العدوية فقالت: مثلك يلبس هذا؟ قال: فذكرت ذلك لابن سيرين فقال: ألا أخبرتها أن تميما الداريّ اشترى حلة بألف يصلي فيها.
أيوب السختياني
: وقال معمر: رأيت قميص أيوب السختياني يكاد يمس الأرض، فسألته عن ذلك، فقال: إن الشهرة كانت فيما مضى في تذييل القميص، وإنها اليوم في تشميره.
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورجل في خلقين
: وفي موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه، أن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة أنمار، فبينا أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: هلمّ يا رسول الله إلى الظل. فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ قال جابر: وعندنا صاحب له نجهزه يذهب يرعى ظهرنا، قال: فجهزته، ثم أدبر يذهب إلى الظّهر،
(7/249)

وعليه ثوبان، قد أخلقا فنظر إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ماله ثوبان غير هذين؟
قلت: بلى يا رسول الله، له ثوبان في العيد كسوته إياهما. قال: فادعه فمره فليلبسهما. قال: فدعوته فلبسهما ثم ولى، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ماله، ضرب الله عنقه! أليس هذا خيرا له؟ فسمعه الرجل، فقال: في سبيل الله يا رسول الله! فقتل الرجل في سبيل الله.
الربيع بن زياد وعلي
: العتبي قال: أصابت الربيع بن زياد الحارثي نشابة «1» على جبينه، فكانت تنتقض عليه في كل يوم، فأتاه عليّ بن أبي طالب عائدا، فقال: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن قال: أجدني لو كان لا يذهب ما بي إلا ذهاب بصري لتمنيت ذهابه! قال له:
وما قيمة بصرك عندك! قال: لو كانت لي الدنيا فديته بها! قال: لا جرم، ليعطينّك الله على قدر ذلك إن شاء الله، إن الله يعطي على قدر الألم والمصيبة، وعنده بعد تضعيف كثير! قال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألا أشكو إليك عاصم بن زياد؟ قال: وماله؟
قال: لبس العباء، وترك الملاء، وغمّ أهله، وأحزن ولده! فقال: عليّ عاصما! فلما أتاه عبس في وجهه، وقال: ويلك يا عاصم، أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره أخذك منها؟ لأنت أهون على الله من ذلك؛ أو ما سمعته يقول: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
«2» ، ثم قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
«3» ؛ وقوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
«4» ؟ أما والله إن ابتذال نعم الله بالفعال، أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال وقد سمعته عز وجل يقول:
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
«5» ، ويقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ
(7/250)

وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
«1» ؛ وإن الله عز وجل خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
«2» ، وقال:
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
«3» . فقال عاصم: فعلام اقتصرت أنت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن وأكل الجشب؟ قال:
إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يشنع على الفقير فقره، قال: فما برح حتى لبس الملاء ونبذ العباء.
لباس الصوف
حماد وفرقد
: قدم حماد بن سلمة البصرة فجاء فرقد السبخي وعليه ثياب صوف، فقال له حماد:
ضع عنك نصرانيّتك هذه، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم، فيخرج علينا وعليه معصفرة، ونحن نرى أن الميتة قد حلت له!
ابن واسع وقتيبة
: قال أبو الحسن المدائني: دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم والي خراسان وعليه مدرعة «4» صوف، فقال له قتيبة: [ما يدعوك إلى لبس هذه؟ فسكت؛ فقال له قتيبة] : أكلمك فلا تجيبني! قال: أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي، أو أقول فقرا فأشكو ربي.
وقال ابن السماك لأصحاب الصوف: والله لئن كان لباسكم وفقا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، ولئن كان مخالفا لها قد هلكتم.
(7/251)

وكان القاسم بن محمد يلبس الخز، وسالم بن عبد الله يلبس الصوف، ومقعدهما واحد في مسجد المدينة. فلا ينكر بعضهما على بعض شيئا.
وقال محمود الوراق في أصحاب الصوف:
تصوّف كي يقال له أمين ... وما يعني التصوّف والأمانه؟
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانه
التزين والتطيب
دخل رجل على محمد بن المنكدر يسأله عن التزين والطيب فوجده قاعدا على حشايا مصبغة، وجارية تغلفه بالغالية؛ فقال له: يرحمك الله، جئت أسألك عن شيء فوجدتك فيه! قال: على هكذا أدركت الناس.
وفي حديث: أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إياكم والشعث، حتى لو لم يجد أحدكم إلا زيتونة فليعصرها وليدّهن بها» .
وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة: «ما لي أراك شعثاء، مرهاء «1» ، سلتاء «2» ؟» .
قالت: يا رسول الله، أو لسنا من العرب؟.
قال: «بلى، ربما أنسيت العرب الكلمة فيعلمنيها جبريل» .
الشعثاء: التي لا تدهن. والمرهاء: التي لا تكتحل. والسلتاء: التي لا تختضب.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «ما نلت من دنياكم إلا النساء والطيب» .
وروى مالك عن يحيى بن سعيد، أن أبا قتادة الأنصاري قال: يا رسول الله، إن لي جمّة «3» ، أفأرجّلها يا رسول الله؟.
قال: «نعم، وأكرمها» .
(7/252)

قال: فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين.
وروى مالك عن زيد بن أسلم، أن عطاء بن يسار أخبره قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية؛ فأشار إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن اخرج فأصلح رأسك ولحيتك! ففعل، ثم رجع؛ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟
وقد تمادحت العرب بحسن الهيئة وطيب الرائحة، فقال النابغة:
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب «1»
يحيّيهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج بين المساحب «2»
يصونون أجسادا قديما نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب
وقال الفرزدق:
بنو دارم قومي ترى حجزاتهم ... عتاقا حواشيها رقاقا نعالها
يجرّون هدّاب اليمان كأنهم ... سيوف جلا الأطباع عنها صقالها
وقال طرفة:
أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كلّ أمون وطمر
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هدّاب الأزر
وقال كثيّر عزة:
أشمّ من الغادين في كلّ حلّة ... يميسون في صبغ من العصب متقن
لهم أزر حمر الحواشي يطونها ... بأقدامهم في الحضرّميّ الملسّن
وقال آخر:
من النفر السمّ الذين إذا اعتزوا ... وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
(7/253)

جلا الإذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدّهان رأسه فهو أنزع «1»
إذا النّفر السّود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا
وقال آخر:
يشبّهون ملوكا في مجلّتهم ... وطول أنضية الأعناق والّلمم «2»
إذا غدا المسك يجري في مفارقهم ... راحو كأنهم مرضى من الكرم
وقال آخر في عليّ بن داود الهاشمي:
أمّا أبوك فذاك الجود نعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود
كأن ديباجتي خدّيه من ذهب ... إذا تعصّب في أثوابه السّود
الرحلة والركوب
عمرو بن العاص ورجل
: سمع عمرو بن العاص رجلا يقول: الرحلة قطعة من العذاب. فقال له: لم تحسن، بل العذاب قطعة من الرحلة.
هارون وزبيدة في طريقها إلى مكة
: ولما مشى هارون إلى مكة ومشت معه زبيدة، كانت تبسط الدرانك «3» أمامهم وتطوى خلفهم؛ فلما أعيا، دعا بخادم له فألقى ذراعه عليه وتأوه، وقال: والله لركوب حمار منهوس خير من المشي على الدرانك.
قال الشاعر:
وما عن رضى صار الحمار مطيّتي ... ولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب
(7/254)

وقال أعرابي:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
الخيل
قد مضى من قولنا في وصف الخيل وفضائلها في كتاب الحروب ما كفى من إعادتها هنا.
البغال
قال مسلمة بن عبد الملك: ما ركب الناس مثل بغلة طويلة العنان، قصيرة العذار «1» ، سفواء «2» العرف، حصاء الذنب، سوطها عنانها، وهمها أمامها.
الفضل وهاشمي
: وعاتب الفضل بن الربيع بعض الهاشميين في ركوب بغلة، فقال: هذا مركب تصاغر عن خيلاء الفرس وارتفع عن ذلة الحمار، وخير الأمور أوساطها.
الحمير
قيل للفضل الرقاشي: إنك لتؤثر الحمير على سائر الدواب! قال: لأنها أرفق وأوفق. قلت: ولم ذلك؟ قال: لا يستدل بالمكان على طول الزمان؛ ثم هي أقل داء، وأيسر دواء، وأخفض مهوى، وأسلم صريعا، وأقل جماحا؛ وأشهر فارها، وأقل تطيرا؛ يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويعدّ مقتصدا وقد أسرف في ثمنه.
وقال جرير بن عبد الله: لا تركب حمارا؛ إن كان حديدا أتعب يديك، وإن كان بليدا أتعب رجليك.
(7/255)

طباع الإنسان وسائر الحيوان
زعم علماء الطب أن في الجسد من الطبائع الأربع اثني عشر رطلا: فللدم منها ستة أرطال، وللمرّة الصفراء والسوداء والبلغم ستة أرطال؛ فإن غلب الدم الثلاث طبائع تغير منه الوجه وورم، ويخرج ذلك إلى الجذام؛ وإن غلب الثلاث طبائع الدم انبث المد، فإذا خاف الإنسان غلبة هذه الطبائع بعضها بعضا فليعدل جسده بالافتصاد، وينقيه بالمشي؛ فإن لم يفعل اعتراه ما وصفنا؛ إمّا جذام «1» وإما مدّ» .
أسأل الله العافية.
ولا بأس بعلاج الجسد في جميع الأزمان، إلا في النصف من تموز إلى النصف من آب؛ فذلك ثلاثون يوما لا يصلح فيها علاج، إلا أن ينزل مرض لا بدّ من مداواته.
جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم قال: الغلام يشب كل سنة أربع أصابع.
في التوراة
: حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه، أنه قرأ في التوراة أن الله عز وجل حين خلق آدم ركب جسده من أربعة أشياء، ثم جعلها وراثة في ولده تنمى في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة: رطب ويابس، وسخن، وبارد؛ قال: وذلك أني خلقته من تراب وماء، وجعلت فيه نفسا [وروحا] ؛ فيبوسة كل جسد من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحراراته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح؛ ثم خلقت للجسد بعد هذا الخلق الأول أربعة أنواع أخر، وهي ملاك الجسد وقوامه بإذني، لا يقوم الجسد إلا بهن، ولا تقوم واحدة إلا بالأخرى: المرّة السوداء، والمرة الصفراء، والدم الرطب الحار، والبلغم البارد؛ ثم
(7/256)

أسكنت بعض هذا الخلق في بعض، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء، ومسكن الرطوبة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء؛ فأيما جسد اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع وكانت كل واحدة فيه وفقا لا تزيد ولا تنقص، كملت صحته، واعتدلت بنيته؛ وإن زادت واحدة منهن غلبتهن وقهرتهن ومالت بهن، ودخل على أخواتها السقم من ناحيتها بقدر ما زادت،؛ وإن كانت ناقصة عنهن؛ ملن بها وعلونها وأدخلن عليها السقم من نواحيهن، لقلتها عنهن حتى تضعف عن طاقتهن وتعجز عن مقاومتهن.
قال وهب بن منبه: وجعل عقله في دماغه، وشرهه في كليته، وغضبه في كبده، وصرامته في قلبه، ورعبه في رئته، وضحكه في طحاله، وحزنه وفرحه في وجهه؛ وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا.
الأصمعي: من لم يخفّ شعره قبل الثلاثين لم يصلع أبدا ومن لم يحمل اللحم قبل الثلاثين لم يحمله أبدا.
للنبي صلّى الله عليه وسلم
: حدث زيد بن أخزم قال: حدثني بشر بن عمر عن أبي الزناد [عن أبيه] عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال: «كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب، ومنه خلق ومنه يركّب» .
وقالت الحكماء: الخنث يعتري الأعراب والأكراد والزنج والمجانين وكل صنف، إلا الخصيان؛ فإنه لا يكون خصي مخنّثا.
وقالوا: كل ذي ريح منتنة وذفر كالتيس وما أشبهه، إذا خصى نقص ريحه وذهب صنانه، غير الإنسان، فإنه إذا خصى زاد نتنه واشتد صنانه وخبث عرقه وريحه.
قالوا: وكل شيء من الحيوان يخصى فإن عظمه يرق، وإذا رق عظمه استرخى
(7/257)

لحمه، إلا الإنسان؛ فإنه إذا خصى طال عظمه وعرض.
وقالوا: الخصي والمرأة لا يصلعان أبدا، والخصي تطول قدمه وتعظم.
وبلغني أنه كان لمحمد بن الجهم برذون «1» رقيق الحافر فخصاه؛ فجاد حافره وحسن.
قالوا: والخصي تلين معاقد عصبه وتسترخي، ويعتريه الاعوجاج والفدع «2» في أصابعه، وتسرع دمعته، ويتخدّد جلده، ويسرع غضبه ورضاه، ويضيق صدره عن كتمان السر.
وزعم قوم أن أعمارهم تطول لترك الجماع كما تطول أعمار البغال.
وقالوا: إن قلة أعمار العصافير من كثرة الجماع.
وقالوا: في الغلمان من لا يحتلم أبدا، وفي النساء من لا تحيض أبدا؛ وذلك عيب.
ومن الناس من لا يسقط ثغره ولا يستبدل منه، منهم عبد الصمد بن علي، ذكروا أنه دخل قبره برواضعه «3» ! وقالوا الضبّ والخنزير لا يلقيان من أسنانهما أبدا.
وقالت الحكماء: إنه ليس شيء من الحيوان يستطيع أن ينظر إلى أديم السماء غير الإنسان، كرمه الله بذلك.
وقالوا: إن الجنين يغتذي بدم الحيض يسيل إليه من قبل السرة؛ ولذلك لا تحيض الحوامل إلا القليل. وقد رأينا من الحوامل من تحيض؛ وذلك لكثرة الدم. وتقول العرب: حملت المرأة سهوا؛ إذا حاضت عليه. وقال الهذلي:
ومبرّإ من كلّ غبّر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
(7/258)

يعني أنها لم تر عليه دم حيض في حملها به.
قالوا: فإذا خرج الولد من الرحم دفعت الطبيعة ذلك الدم الذي كان الجنين يغتذيه إلى الثديين؛ وهما عضوان ناهدان عصبيان يصيّرانه لبنا خالصا سائغا للشاربين.
وقالوا: يعيش الإنسان حيث تعيش النار، ويتلف حيث لا تبقى النار.
وأصحاب المعادن والحفائر إذا هجموا على نفق في بطن الأرض أو مغارة قدّموا شمعة في طرف قناة، فإن عاشت النار وثبتت دخلوا في طلبها، وإلا أمسكوا.
والعرب تتشاءم ببكر ولد الرجل إذا كان ذكرا. وكان قيس بن زهير أزرق بكرا ابن بكرين.
وحدث محمد بن عائشة عن حماد عن قتادة عن عبد الله بن حارث بن نوفل، قال:
بكر البكرين شيطان مخلّد لا يموت إلى يوم القيامة. يعني من الشياطين.
قالوا: وابن المذكّرة من النساء والمؤنث من الرجال أخبث ما يكون، لأنه يأخذ بأخبث خصال أبيه وخصال أمه.
والعرب تذكر أن الغيرى لا تنجب: وقال عمرو بن معديكرب:
ألست تصير إذا ما نسب ... ت بين المغارة والأحمق
وقالت الحكماء: كل امرأة أو دابة تبطيء عن الحمل، إن واقعها الفحل في الأيام التي يجري فيها الماء في العود فإنها تحمل بإذن الله.
وقالت الحكماء: الزنج شرار الخلق وأردؤهم تركيبا، لأن بلادهم سخنت جدا فأحرقتهم في الأرحام، وكذلك من بردت بلاده فلم تنضجه الرحم؛ وإنما فضل أهل بابل لعلة الاعتدال؛ والشمس هي التي شيّطت شعور الزنج فقبّضتها؛ والشعر إن أدنيته من النار تقبّض، فإن زدته شيئا تفلفل، فإن زدته احترق.
(7/259)

وقالوا: أطيب الأمم أفواها الزنج وإن لم تستنّ «1» ، وذلك لرطوبة أفواهها وكثرة الريق فيها؛ وكذلك الكلاب من سائر الحيوان أطيبها أفواها. لكثرة الماء فيها، وخلوف «2» فم الصائم يكون لقلة الريق، وكذلك الخلوف في آخر الليل.
وقالت الحكماء أيضا: كل الحيوان إذا ألقى في الماء سبح: إلا الإنسان والقرد والفرس الأعسر، فإن هذه تغرق ولا تسبح.
قالوا: وليس في الأرض هارب من حرب أو غيرها يستعمل الحضر إلا أخذ على يساره؛ ولذلك قالوا: فمال على وحشيّه، وأنحى على شؤمى يديه.
وقالوا: كل ذي عين من ذوات الأربع، السباع والبهائم الوحشية والإنسية فإنما الأشفار منها بجفنها الأعلى، إلا الإنسان، فإن الأشفار- يعني الهدب.. بجفنيه معا:
الأعلى والأسفل.
وقالوا: كل جلد ينسلخ إلا [جلد] الإنسان، فإن جلده لا ينسلخ.
عمر بين رجلين في غلام
: وحدث أبو حاتم عن الأصمعي قال: اختصم رجلان إلى عمر رضي الله عنه في غلام، كلاهما يدعيه؛ فسأل عمر أمّه؛ فقالت: غشيني أحدهما ثم هرقت دما ثم غشيني الآخر. فدعا عمر بالرجلين فسألهما، فقال أحدهما: أعلن أم أسرّ؟ قال: أسرّ. قال:
اشتركنا فيه! فضربه عمر حتى اضطجع: ثم سأل الآخر، فقال مثل ذلك؛ فقال عمر:
ما كنت أرى مثل هذا يكون، ولقد علمت أن الكلبة يسفدها «3» الكلاب؛ فتؤدي إلى كل كلب نجله.
وركب الناس في أرجلهم، وركب ذوات الأربع في أيديها؛ وكل طائر كفه [في] رجله.
(7/260)

الليث ابن سعد عن ابن عجلان، أن امرأته حملت [له مرّة] ، فأقامت حاملا خمس سنين ثم ولدت، وحملت له مرة أخرى فأقامت حاملا ثلاث سنين ثم ولدت.
وولد الضحّاك بن مزاحم وهو ابن ثلاثة عشرة شهرا.
وقال جويبر: ولد الضحاك لسنتين، [وولد] شعبة لسنتين.
ما نقص من خلقة الحيوان
حدّث أبو حاتم عن أبي عبيدة والأصمعي وأبو زيد قالوا: الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظليم لا مخ له.
وقال زهير:
[كأن الرّحل منها فوق صعل] «1» ... من الظّلمان جؤجؤه هواء
وكذلك طبر الماء والحيتان لا ألسنة لها، ولا أدمغة لها؛ وصفن البعير لا بيضة فيه، والسمكة لا رئة لها، و [لذلك] لا تتنفس، وكل ذي رئة ينتفس.
المشتركات من الحيوان
الراعي بين الورشان والحمامة. والجوامز من الإبل بين العراب والفوالج. والحمير الأخدرية من الأخدر- فرس كان لأردشير كسرى، توحش واجتمع بعانات حمير فضرب فيها- وأعمارها كأعمار الخيل. والزرافة بين الناقة من نوق الحبش وبين البقرة الوحشية وبين الضّبعان، واسمها اشتر كاوبلنك «2» ، [أي بين الجمل والكركند] ، وذلك أن الضبعان ببلاد الحبشة يسفد الناقة فتجيء بولد خلقه بين خلق الناقة والضبعان، فإن كان ولد الناقة ذكرا عرض للمهاة «3» فألقحها زرافة، وسميت
(7/261)

زرافة لأنها جماعة وهي واحدة كأنها جمل وبقرة وضبع؛ والزرافة في كلام العرب:
الجماعة. وقال صاحب المنطق: الكلاب تسفدها الذئاب في أرض سلوق، فيكون منها الكلاب السّلوقية.
الأنعام
حدّث يزيد بن عمرو عن عبد العزيز الباهلي عن الأسود بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما خلق الله دابة أكرم من النعجة» . وذلك أنه ستر حياها دون حيا غيرها.
وحدّث أبو حاتم عن الأصمعي عن أبان بن عمر قال: كان لنا جمل يعرف كشح الحامل من غير أن يشمّها.
وقيل لابنة الخسّ: ما تقولين في مائة من المعز؟ قالت: قنى. قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غنى؟ قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: منى.
والعرب تضرب المثل في الصّرد «1» بالمعزى، فتقول: أصرد من عنز جرباء.
سئل دغفل العلامة عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام.
ومما تقوله الأعراب على ألسنة البهائم: تقول المعزى: الاست جهوى «2» ، والذئب ألوى «3» ، والجلد زقاق «4» ، والشعر دقاق «5» .
والضأن تضع مرة في السنة، وتفرد ولا تتئم، والماعز قد تلد مرتين في السنة وتضع الثلاثة وأكثر وأقل.
والنماء والعدد والبركة في الضأن؛ ونحو هذا الخنازير؛ ربما تضع الأنثى عشرين
(7/262)

خنزيرا، ولا نماء فيها ولا بركة.
ويقال: الجواميس ضأن البقر، والبخت ضأن الإبل، والبراذين ضأن الخيل، والجرذان ضأن الفأر، والدّلدل ضأن القنافذ، والنمل ضأن الذّرّ.
وتقول الأطباء في لحم المعز: إنه يورث الهم، ويحرّك السوداء، ويورث النسيان، ويخبّل الأولاد، ويفسد الدم؛ ولحم الضأن يضرّ بمن يصرع من المرة إضرارا شديدا، حتى يصرعهم في غير أوان الصرع: [وأوان الصرع] الأهلّة وأنصاف الشهور؛ وهذان الوقتان هما وقت مدّ البحر وزيادة الماء؛ ولزيادة القمر إلى أن يصير بدرا اثر بيّن في زيادة الدماغ والدم وجميع الرطوبات، قال الشاعر:
كأن القوم عشّوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم «1»
وفي الماعز أيضا: إنها ترضع من خلفها وهي محفّلة حتى تأتي على كل ما في ضرعها؛ وقال ابن أحمر:
إني وجدت بني أعيا وجاملهم ... كالعنز تعطف روفيها فترتضع
وإذا رعت الماعزة في فضل نبت ما تأكله الضائنة، ولم ينبت ما تأكله الماعزة، لأن الضائنة تقرضه بأسنانها والماعزة تقلعه وتجذبه من أصله. وإذا حملت الماعزة أنزلت اللبن في أوّل الحمل إلى الضرع، والضائنة لا تنزل اللبن إلا عند الولادة؛ ولذلك تقول العرب: رمّدت «2» المعزى فرنّق رنّق، ورمّدت الضأن فربّق ربّق «3» .
وذكور كل شيء أحسن من إناثه، إلا التيوس؛ فإن الصّفايا أحسن منها.
وأصوات ذكور كلّ شيء أجهر وأغلظ، إلا إناث البقر؛ فإنها أجهر أصواتا من ذكورها.
(7/263)

وقرأت في كتاب للروم: إذا أردت أن تعرف ما لون جنين النعجة، فانظر إلى لسانها، فإن الجنين يكون على لونه.
وقرأت فيه: إن الإبل تتحامى أمهاتها [وأخواتها] فلا تسفدها.
وقالوا: كل ثور أفطس، وكل بعير أعلم «1» ، وكل ذباب أقرح «2» .
وقالوا: البعير إذا صعب وخافوه استعانوا عليه حتى يبرك ويعقل، ثم يركبه فحل آخر فيذل؛ وقد يفعل ذلك بالثور.
وقال بعض القصاص: مما فضل الله به الكبش أن جعله مستور العورة من قبل ومن دبر، ومما أهان به التيس أن جعله مهتوك الستر مكشوف القبل والدبر.
وفي مناجاة عزير: اللهم إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن النبات الحبة، ومن البيوت مكة وإيلياء، ومن إيلياء بيت المقدس.
وفي الحديث: «إن الغنم إذا أقبلت اقبلت، وإذا أدبرت أقبلت؛ والإبل إذا أدبرت أدبرت، وإذا أقبلت أدبرت، ولا يأتي نفعها إلا من جانبها الأشأم «3» .
والأقط قد يكون من المعزى. قال امرؤ القيس:
لنا غنم نسوّقها غزار ... كأن قرون جلّتها عصيّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ «4»
النعام
قالوا في الظليم: إن الصيف إذا أقبل وابتدأ بالحمرة ابتدأ لون وظيفيه [بالحمرة، ولا يزالان يتلوّنان ويزدادان حمرة] إلى أن تنتهي حمرة البسرة «5» ولذلك قيل له:
خاضب، وللنعام: خواضب.
(7/264)

وفي الظليم: إن كل ذي رجلين إذا انكسرت إحدى رجليه نهض على الأخرى، والظليم إذا انكسرت إحدى رجليه جثم؛ ولذا قال الشاعر في نفسه وأخيه:
[فإني وإياه كرجلي نعامة ... على ما بنا من ذي غنى وفقير
يقول: لا غنى بواحد منا عن الأخر.
[وقال آخر] :
إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد ... على أختها نهضا ولا دونها صبرا
قالوا: وعلة ذلك أنه لا مخ في عظمه، وكل عظم كسر يجبر، إلا عظما لا مخ فيه.
والظليم يغتذي المرو والصخر فتذيبه قانصته بطبعها حتى يصير كالماء.
وفي النعامة: إنها أخذت من البعير المنسم والوظيف والعنق والخزامة، ومن الطير الريش والجناحين والمنقار؛ فهي لا بعير ولا طائر.
وقال الأحمير السعدي: كنت ممن خلعني قومي وأطلّ السلطان دمي وهربت وتردّدت في البوادي، حتى ظننت أني قد جزت نخل وبار أو قريبا منه، وذلك أني كنت أرى النوى في رجع الذئاب، وكنت أغشى الذئاب وغيرها من بهائم الوحش ولا تنفر مني، لأنها لم تر أحدا قبلي، وكنت أمشي إلى الظبي السمين فآخذه [وعلى ذلك رأيت جميع تلك الوحوش] إلا النعام، فإني لم أره قط إلا نافرا فزعا.
الطير
بلغني عن مكحول أنه قال: كان من دعاء داود النبي عليه السلام: يا رازق النعّاب «1» في عشه. وذلك أن الغراب إذا فقس عن فراخه خرجت بيضاء، فإذا رآها كذلك نفر عنها؛ وتفتح أفواهها فيرسل الله ذبابا يدخل في أفواهها فيكون ذلك غذاءها حتى تسودّ، فإذا اسودّت عاد الغراب إليها فغذاها ورفع الله الذباب عنها!
(7/265)

وقال الرياشي: ليس شيء تغيب أذناه من جميع الحيوان إلا وهو يبيض، وليس شيء تظهر أذناه إلا وهو يلد. قال: وهذا يروى عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قتل أربعة من الطير: الصرد «1» ، والهدهد، والذرّة، والنحلة.
وقالوا: الطير ثلاثة أضرب: بهائم الطير، وهو مالقط الحبوب والبزور؛ وسباع الطير، وهي التي تتغذى باللحم؛ والمشترك، وهو مثل العصفور، يشارك بهائم الطير في أنه ليس بذي مخلب ولا منسر، وإذا سقط العصفور على عود قدّم أصابعه الثلاث وأخّر الدابرة، وسباع الطير تقدم أصبعين وتؤخر أصبعين ويشارك سباع الطير فإنه يلقم فراخه ولا يزقّها، وأنه يأكل اللحم ويصطاد الجراد والنمل.
قالوا: والعصفور شديد الوطء، والفيل خفيف الوطء.
وقال صاحب الفلاحة: العقاب والحدأة يتبدّلان، فيصير العقاب حدأة «2» والحدأة عقابا؛ والأرانب تتبدل فتصير الأنثى ذكرا والذكر أنثى؛ وذكر الغربان لا يحضن، وكذلك ذكر الإوز وذكر الدجاج.
وقال كعب الأحبار: ما ذهب طائر في السماء قط أكثر من اثنى عشر ميلا.
ومن حديث سفيان الثوري عن أنس بن مالك، قال: عمر الذباب أربعون يوما، والبعوضة ثلاثة أيام، والبرغوث خمسة أيام.
قال: والحمام تعجب بالكمّون وتألف الموضع الذي يكون فيه، وكذلك العدس، ولا سيما إذا نقع في عصير حلو، ومما يصلحن عليه ويكثرن أن تدخّن بيوتهن بالعلك، وأيمن مواضعها وأصلحها أن يبنى لها بيت على أساطين خشب ويجعل فيه ثلاث
(7/266)

كوى: كوّة في سمك البيت «1» ، وكوّة من قبل المغرب، وكوّة من قبل المشرق، وباب من قبل الجنوب.
قال: والسذاب «2» إذ ألقي في اللبن تحامته السنانير البرية.
هشام بن محمد قال: حدثني ابن الكلبي قال: أسماء نساء بني نوح صلّى الله عليه وسلّم إذا كتبن في زوايا بيت البرج سلمت الفراخ ونمت وسلمت من الآفات قال هشام: فجربته أنا وغيري فوجدناه كما قال: واسم امرأة سام بن نوح: محلت محم، واسم امرأة حام:
نف نسا، واسم امرأة يافث: فالر.
والطير الذي يخرج من وكره بالليل، البومة والصدى والهامة والضوع والوطواط والخفاش وغراب الليل.
قالوا: وإذا خرج فرخ الحمامة نفخ أبواه في حلقه، لتتسع الحوصلة بعد التحامها وتنفتق؛ فإذا اتسعت زقاه عند ذلك اللعاب، [ثم زقاه صاروج «3» صروح الحيطان ليدبغا به الحوصلة] ، ثم زقاه بعد ذلك الحب.
قال المثنى بن زهير: لم أر شيئا قط في رجل أو امرأة إلا رأيته في الحمام: رأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذكور، ورأيت حمامة لا تقمط «4» إلا بعد شدة الطلب، ورأيت حمامة تتزين للذكر ساعة يريدها، ورأيت حمامة تقمط الذكر، ورأيت ذكرا يقمط كل ما لقي ولا يزاوج، ورأيت ذكرا له أنثيان يحضن مع هذه وهذه. [ويزقّ مع هذه وهذه] .
قالوا: ومن عجائب الخفاش أنه لا يبصر في الضوء الشديد ولا في الظلمة الشديدة وتحبل [الأنثى] وتلد وتحيض وترضع، وتطير بلا ريش، وتحمل ولدها تحت
(7/267)

جناحها، وربما قبضت عليها بفيها، وربما ولدت وهي تطير؛ ولها أذنان وأسنان وجناحان متصلان برجليها.
قالوا: والخطاف يتبع الربيع حيث كان، وتقلع إحدى عينيه فترجع.
البيض
قالوا: والبيض يكون من أربعة أشياء: منه ما يكون من السفاد، ومنه ما يكون من التراب، ومنه ما يكون من نسيم ريح يصل إلى أرحامها، ومنه شيء يعتري الحجل وما شاكله في الطبيعة: فربما كانت الأنثى [منه] على سفالة الريح التي تهب [من شق الذكر] في بعض الزمان فتحتشي لذلك بيضا، وكذلك النخلة التي تكون [بجنب] الفحال «1» وتحت ريحه فتلقم تلك الرائحة وتكتفي بذلك؛ والدجاجة إذا هرمت لم يكن لبيضها محّ وإذا لم يكن لها مح لم يكن لبيضها فرخ، لأن الفرخ يخلق من بياض البيض وغذاؤه الصفرة.
السباع
يقال: إنه ليس في السباع أطيب أفواها من الكلاب، ولا في الوحش أطيب أفواها من الظباء. ويقال: ليس [شيء] أشد بخرا من الأسد والصقر، ولا في السباع أسبح من كلب؛ وليس في الأرض فحل من سائر الحيوان لذكره حجم إلا الإنسان والكلب؛ والأسد لا يأكل الحارّ ولا الحامض، ولا يدنو من النار؛ وكذلك أكثر السباع.
وتقول الروم: الأسد يذعر لصوت الذئب؛ ولا يدنو من المرأة الطامث والأسد إذا بال شغر كما يشغر الكلب وهو قليل الشرب ونجوه كنجو الكلب؛ ودواء عضته كدواء عضة الكلب.
(7/268)

قالوا: والعيون التي تضيء بالليل: عيون الأسد والنمور والأفاعي والسنانير.
وقالوا: ثلاثة من الحيوان ترجع في قيئها: الأسد والكلب والسّنّور.
وقالوا: تمام حمل الكلبة ستون يوما، فإن وضعت قبل ذلك لم تكد أولادها تعيش؛ وإناث الكلاب تحيض كل سبعة أيام يوما، وعلامة ذلك أن يرم ثفر «1» الكلبة، ولا تريد السفاد في ذلك الوقت، وذكور السلوقية تعيش عشرين سنة، وتعيش إناثها اثنتي عشرة سنة؛ وليس يلقي الكلب من أسنانه إلا النابين، والذئاب تسفد»
والكلاب في أرض سلوق، فتكون منها الكلاب السلوقية؛ والكلب من الحيوان يحتلم كما يحتلم الإنسان.
وقالوا في طبع الذئب محبة الدم: ويبلغ بطبعه أن يرى ذئبا مثله قد دمى، فيثب عليه فيمزقه؛ قال الشاعر:
وكنت كذئب السوء لمّا رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدّم
ويقولون: ربما ينام الذئب بإحدى عينيه ويفتح الأخرى؛ قال حميد ابن ثور:
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى الأعادي فهو يقظان نائم «3»
قالوا: والذئب أشد السباع مطالبة، وإذا عجز عوى عواء استغاثة فتسامعت به الذئاب فأقبلت حتى تجتمع على الإنسان أو غيره فتأكله؛ وليس شيء من السباع يفعل ذلك غيرها.
وقضيت الذكر من الأرانب [ربما كان] من عظم، وكذلك قضيب الثعلب والأرنب تنام مفتوحة العين.
وليس لشيء من ذكر الحيوان ثدي في صدره إلا الإنسان والفيل، ولسان الفيل
(7/269)

مقلوب طرفه إلى داخل، وزعمت الهند أن نابي الفيل [هما] قرناه؛ يخرجان مستبطنين حتى يخرقا الحنك ويخرجان منكسين.
وقال صاحب المنطق: ظهر فيل عاش أربعمائة سنة. وحدثني شيخ لنا عن الزيادي قال: رأيت فيلا أيام أبي جعفر قيل إنه سجد لسابور ذي الأكتاف ولأبي جعفر.
والفيلة تضع في سبع سنين.
الحيوان الذي لا يصلح إلا بأمير
الناس والفأر والغرانيق والكراكي والنحل والحشرات.
قتادة عن ابن عمر قال: الفأرة يهودية، ولو سقيتها ألبان الإبل ما شربتها، والفأر أصناف: منها الزّباب، وهو أصم لا يسمع؛ والخلد، وهو أعمى؛ وتقول العرب هو أسرق من زبابة وفأرة البيش، والبيش سم قاتل؛ ويقال: هو قرون السّنبل؛ وله فأرة تغتذيه لا تأكل غيره، وفأرة المسك من غير هذا، وفارة الإبل: أرواحها إذا عرقت.
قالوا: والأفعى إذا نفثت في فيها حمّاض الأترج «1» وأطبقت لحييها الأعلى على الأسفل لم تقتل بعضتها أياما.
قالوا: الثوم والملح وبعر الغنم نافع جدا إذا وضع على موضع لسعة الحية.
والحيات تقتل يريح السذاب والشيح، وتعجب باللفاح «2» والبسباس «3» والبطيخ والخردل والحرف «4» واللبن والخمر.
وليس في الأرض حيوان أصبر على الجوع من الحية، ثم الضب بعدها؛ وإذا هرمت الحية صفر بدنها، وقنعت بالنسيم.
(7/270)

قالوا: وكل شيء يأكل فهو يحرك فكه الأسفل، ما عدا التمساح؛ فإنه يحرك فكه الأعلى.
وبمصر سمكة يقال لها الرعاد، من اصطادها لم تزل يده ترعد ما دامت في شبكته.
والجعل «1» إذا دفنته في الورد سكنت حركته حتى تحسبه ميتا، فإذا دفنته في الروث تحركت ورجعت نفسه! والبعير إذا ابتلع خنفساء قتلته إذا وصلت [إلى] جوفه حية.
والضب يذبح ثم يمكث ليلة، ثم يقرّب من النار فيتحرك.
والأفعى تذبح فتبقى أياما تتحرك، وإذا وطئها أحد نهشته، ويقطع ثلثها الأسفل فتعيش وينبت ذلك المقطوع.
قالوا: وللضب ذكران، وللضبة حران، حكاه أبو حاتم عن الأصمعي؛ ويقال لذكره: النّزك، وأنشد:
سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف في البلاد وناعل «2»
وسامّ أبرض لا يدخل بيتا فيه زعفران.
ومن عضه كلب كلب احتاج أن يستر وجهه من الذباب لئلا يسقط عليه.
وخرطوم الذباب يده ومنه يغني، وفيه يجري الصوت كما يجري الزامر الصوت في القصبة بالنفخ! والسلحفاة إذا أكلت أفعى أكلت سعترا جبليا.
وابن عرس إذا قاتل الحية أكل السذاب «3» .
والكلاب إذا كان في أجوافها داء أكلت سنبل القمح.
والأيل «4» إذا نهشته الحية أكل السراطين قال ابن ماسويه: فلذلك يظن أن
(7/271)

السراطين صالحة لمن نهشته الحية.
قال صاحب المنطق: الحية إذا اشتكت كبدها من وقع الأرانب والثعالب تعالجت بأكل الكمأة حتى تبرأ.
وبعض الناس يعملون من الأوزاغ سما أنفذ من البيش ومن ريق الأفاعي.
وإذا زرع في نواحي الزرع خردل يجتنبه دبى الجراد.
وإذا أخذ المراد اسنج وخلط بعجين ثم طرح للفأر وأكل منه مات وكذلك برادة الحديد.
وإذا أخذ الأفيون والشونيز والبارزذ وقرون الأيل وبابونج وظلف من أظلاف العنز، فخلط ذلك جميعا، ثم يدق وينخل نخلا جيدا ويعجن بخل عتيق ثم يقطع قطعا، فيدخّن بقطعة منه هربت الحيات والهوام والنمل والعقارب من ريحه.
والبعوض تهرب من دخان الكبريت والعلك.
وقالت الحكماء: لحم ابن عرس نافع من الصرع، ولحم القنفذ نافع من الجذام والسل والشنج ووجع الكلى؛ يجفف ويشوى ويطعمه العليل مطبوخا ويضمد به المتشنج.
وعين الأفعى وعين الجراد لا تدوران.
وإنما تنسج من العناكب الأنثى من ساعة تولد.
والقمل يخلق في الرءوس على لون الشعر إن كان أسود أو أبيض أو مصبوغا.
وأم حبين لا تقيم بمكان تكون فيه السرفة، وهي دويبّة يضرب بها المثل في الصنعة، فيقال: أصنع من سرفة «1» .
أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال أبو بكر الهجري: ما من شيء يضر إلا وفيه منفعة.
وقيل لبعض الأطباء إن فلانا يقول: إنما أنا مثل العقرب، أضر ولا أنفع فقال:
(7/272)

ما أقل علمه بها، إنها لتنفع إذا شق بطنها ووضعت على مكان اللدغة، وقد تجعل في جوف فخار مسدود الرأس مطيّن الجوانب، ثم يوضع الفخار في تنور، فإذا صارت العقرب رمادا سقى من ذلك الرماد مثل نصف دانق من به حصاة فتّتها من غير أن يضر سائر الأعضاء، وقد تلسع من به حمى عتيقة فتقلع عنه، وقد تلسع المفلوج فيذهب عنه الفالج، وقد تلقى العقرب في الدهن وتترك فيه حتى يأخذ الدهن منها ويجتذب قواها، فيكون ذلك الدهن مفرّقا للأورام الغليظة.
وقال المأمون: قال لي بختيشوع وسلمويه وابن ماسويه: إن الذباب إذا دلك على [موضع] لسعة الزنبور سكن ألمها؛ فلسعني زنبور، فحككت على موضع لسعته عشرين ذبابة؛ فما سكن إلا في قدر الحين الذي يسكن فيه من غير علاج! فلم يبق في يدي منهم إلا أن قالوا: كان هذا الزنبور حتفا، ولولا هذا العلاج له لقتلك.
وقال محمد بن الجهم: لا تتهاونوا بكثير مما ترون من علاج العجائز، فإن كثيرا منه وقع إليهن من قدماء الأطباء؛ كالذباب يلقى في الإثمد فيسحق معه، فيزيد في نور البصر، ويشد مراكز شعر الأجفان في حافات الجفون.
قالوا: وللسع الأفاعي والحيات ينفع ورق الآس الرطب، يعصر ويسقى من مائة قدر نصف رطل.
مصايد الطير
قال صاحب الفلاحة: من أراد أن يحتال للطير والدجاج حتى يتحيرن ويغشى عليهن فيصيدهن، عمد إلى الحلتيت «1» . أذبه بالماء ثم اجعل فيه شيئا من عسل، وانقع فيه برّا «2» يوما وليلة، ثم ألقه إلى الطير، فإذا لقطه تحير وغشي عليه، فلا يقدر على الطيران إلا أن يسقى لبنا خالطه سمن. قال: وإن عمد إلى طحين برّ غير منخول فعجن بخمر ثم طرح للطير والحجل فأكلن منه تحيرن وأخذن.
(7/273)

ومما يصاد به الكراكيّ وغيرها من الطير، أن يوضع لهنّ في مواقعهن إناء فيه خمر، ويجعل فيه خربق «1» أسود، وينقع فيه شعير، ثم يلقى لهنّ، فإذا أكلن منه أخذهنّ الصائد كيف شاء.
وقال غيره: تصاد العصافير بأيسر حيلة: تؤخذ شبكة في صورة المحبرة [اليهودية المنكوسة] ، ويجعل في جوفها عصفور، فتنقضّ عليه العصافير وتدخل عليه، فما دخل لم يقدر على الخروج، فيصيد الرجل منها في يومه ما شاء وهو وادع.
وقال: ويصاد طير الماء الساكن بالقرعة، وذلك أن تؤخذ قرعة يابسة صحيحة فيرمى بها في الماء، فإنها تتحرّك بتحرّك ذلك الماء، فإذا أبصرها الطير تتحرّك فزع، فإذا كثر ذلك عليه أنس حتى ربما سقط عليها، ثم تؤخذ قرعة مثلها فيقطع رأسها، ويفتق فيها موضع عينين ثم يدخل الصائد رأسه فيها، ويدخل الماء ويمشي رويدا، وكلما دنا من الطائر مدّ يده تحت الماء حتى يقبض عليه ويغمس يده به تحت الماء ويكسر جناحيه، ويخليه فيبقى طافيا على الماء يسبح برجليه ولا يطيق الطيران، وسائر الطير لا تنكر انغماسه في الماء، فإذا فرغ من صيد ما يريد رمى بالقرعة ثم التقطه وحمله.
مصايد السباع
السباع العادية تصاد بالزّبى والمغوّيات «2» ، وهي آبار تحفر في أنشاز «3» الأرض، ولذلك يقال: قد بلغ السيل الزبى.
قال صاحب الفلاحة: ومما تصاد به السباع العادية، أن يؤخذ سمك من سمك البحر الكبار السمان، فتقطع قطعا، ثم تشرح وتكتل كتلا، ثم تؤجج نار في غائط من الأرض تقرب منه السباع، ثم تقذف تلك الكتل فيها واحدة بعد أخرى، حتى ينتشر
(7/274)

دخان تلك النار، وقتار «1» تلك الكتل في تلك الأرض؛ ثم تطرح حول تلك النار قطع من لحم قد جعل فيه الخربق الأسود «2» والأفيون، وتكون تلك النار في موضع لا ترى فيه حتى تقبل تلك السباع لريح القتار وهي آمنة، فتأكل من قطع ذلك اللحم، ويغشى عليها، فيصيدها الكامنون لها كيف شاءوا.
تفاضل البلدان
الأصمعي يرفعه إلى قتادة قال: الدنيا كلها أربعة وعشرون ألف فرسخ، فبلد السودان منها اثنا عشر ألف فرسخ، وبلد الروم ثمانية آلاف فرسخ، وبلد الفرس ثلاثة آلاف فرسخ، وبلد العرب ألف.
الأصمعي قال: جزيرة العرب ما بين نجران إلى العذيب.
وقال غيره: أرض العرب ما بين بحر القلزم وبحر الهند.
قالوا: وسواد البصرة: الأهواز، وفارس؛ وسواد الكوفة: كسكر إلى الزاب إلى عمل حلوان إلى القادسية؛ وهذه كلها من عمل العراق؛ وعمل العراق من هيت إلى الصين والهند والسند، ثم كذلك إلى الري، وخراسان كلها إلى بلد الديلم والجبال؛ وأصفهان سرة العراق، افتتحها أبو موسى الأشعري؛ والجزيرة ليست من عمل العراق، وهي ما بين الدجلة والفرات، والموصل من الجزيرة، ومكة والمدينة ومصر ليست من عمل العراق.
الأصمعي قال: البصرة كلها عثمانية، والكوفة كلها علوية، والشام كلها أموية، والجزيرة خارجية، والحجاز سنية، وإنما صارت البصرة عثمانية من يوم الجمل؛ إذ قاموا مع عائشة وطلحة والزبير؛ فقتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقيل لرجل من أهل البصرة: أتحب عليا؟ قال: كيف أحبّ رجلا قتل من قومي من لدن كانت الشمس هكذا ... إلى أن صارت هكذا ... ثلاثين ألفا.
والكوفة علوية، لأنها وطن علي رضي الله عنه وداره.
(7/275)

والشام أموية، لأنها مركز ملك بني أمية وبيضتهم.
والجزيرة خارجية، لأنها مسكن ربيعة، وهي رأس كل فتنة، وأكثرها نصارى وخوارج، ومنازلهم الخابور، وهو واد بالجزيرة.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لبني تغلب: يا خنازير العرب! والله لئن صار هذا الأمر إليّ لأضعنّ عليكم الجزية! وقال هارون الرشيد ليزيد بن مزيد: ما أكثر الخلفاء في ربيعة! قال: بلى، ولكنّ منابرهم الجذوع! الأعمش عن سليم قال: ذكر عمر بن الخطاب الكوفة فقال: جمجمة العرب، وكنز الإيمان، ورمح الله في الأرض، ومادة الأمصار.
علي بن محمد المديني قال: الكوفة جارية حسناء تصنّع لزوجها، فكلما رآها سرته.
وقال محمد بن عمير بن عطارد: الكوفة سفلت عن الشام ورباها، وارتفعت عن البصرة وعمقها، فهي مريئة مريعة، عذية «1» ندية؛ وإذا أتتنا الشمال هبت على مسيرة شهر على مثل رضراض «2» الكافور، وإذا هبت الجنوب «3» جاءت بريح السواد وورده وياسمينه وأترجّه؛ فماؤها عذب، وعيشها خصب.
قال ابن عياش الهمداني لأبي بكر الهذلي [يوم فاخره] عند أبي العباس- وذكرت عنده الكوفة والبصرة- فقال: إنما مثل الكوفة مثل اللهاة من البدن، يأتيها الماء ببرده وعذوبته؛ ومثل البصرة مثل المثانة يأتيها الماء بعد تغيّر وفساد.
وقال الحجاج: الكوفة بكر حسناء، والبصرة عجوز بخراء «4» أوتيت من كل حلي وزينة.
وقال جعفر بن سليمان: العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق. والمربد عين
(7/276)

البصرة، ودارين عين المربد.
وقال الأصمعي: تذكروا عند زياد الكوفة والبصرة، فقال زياد: لو أضللت البصرة لجعلت الكوفة لمن دلني عليها! وقال حذيفة: أهل البصرة لا يفتحون باب هدى، ولا يغلقون باب ضلالة، وقد رفع الطاعون عن جميع أهل الأرض إلا عن أهل البصرة! ومما نقم على أهل الكوفة أنهم أغدر الناس: طعنوا الحسن بن علي وانتهكوا عسكره، وخذلوا الحسين بن علي بعد أن استدعوه حتى قتل، وشكوا سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب وزعموا أنه لا يحسن أن يصلي، فدعا عليهم أن لا يرضيهم الله عن وال ولا يرضي واليا عنهم، وقد دعا عليهم عليّ بن أبي طالب فقال:
اللهم ارمهم بالغلام الثقفي- يعني الحجاج بن يوسف، وشكوا عمار بن ياسر والمغيرة بن شعبة، وطردوا سعيد بن العاص، وخذلوا زيد بن عليّ، وادعى النبوّة منهم غير واحد، منهم المختار بن أبي عبيد. وكتب المختار إلى الأحنف بلغني أنكم تكذبونني وتكذبون رسلي، وقد كذّبت الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير منهم!
لعبد الله بن عمر في المختار
: وقيل لعبد الله بن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه! قال: صدق؛ الشياطين يوحون إلى أوليائهم.
سكينة وأهل الكوفة
: ولما أرادت سكينة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم الرحيل من الكوفة إلى المدينة بعد قتل زوجها المصعب، حف بها أهل الكوفة وقالوا: أحسن الله صحابتك يا ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! فقالت: لا جزاكم الله خيرا من قوم، ولا أحسن الخلافة عليكم، قتلتم أبي، وجدّي، وأخي، وعمي، وزوجي، أيتمتموني صغيرة، وأيّمتموني كبيرة! «1»
(7/277)

عبد الملك وأهل الكوفة
: ولما دخل عبد الملك بن مروان الكوفة بعد قتل المصعب، أقبل إليه جماعة فقال:
من هؤلاء؟ قالوا أمراؤك أهل الكوفة. قال: قتلة عثمان! قالوا: نعم، وقتلة عليّ! قال: هذه بهذه.
بين الكواء ومعاوية
: قدم عبد الله بن الكواء على معاوية، فقال: أخبرني عن أهل البصرة. قال:
يقبلون ويدبرون شتى. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة. قال: أنظر الناس في صغيرة وأوقفهم في كبيرة. قال: فأخبرني عن أهل المدينة. قال: أحرص الناس على الفتنة وأعجزهم عنها! قال فأخبرني عن أهل مصر. قال: لقمة آكل. قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين حشّين «1» ، قال: فأخبرني عن أهل الشام. قال: جند أمير المؤمنين، ولا أقول فيهم شيئا! قال: لتقولن. قال: أطوع خلق الله لمخلوق، وأعصاهم للخالق، ولا يخشون في السماء ساكنا.
قتادة قال: قيست البصرة في زمن خالد بن عبد الله القسري، فوجدوا طولها فرسخين وعرضها فرسخين.
الأصمعي قال: قال ابن شهاب الزهري: من قدم أرضا فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه، عوفي من وبائها.
الأصمعي قال: دخلت الطائف فكأني كنت أبشر، وكأن قلبي ينضح بالسرور؛ وما أجد لذلك علة إلا انفساخ جوها وطيب نسيمها.
ودخل سليمان بن عبد الملك الطائف فنظر إلى بيادر الزبيب، فقال: ما تلك الجرار السود؟ قيل له: ليست بجرار يا أمير المؤمنين، ولكنها بيادر الزبيب. قال: لله درّ قسيّ، في أي عش أودع فراخه! يريد بقسيّ ثقيفا؛ كذلك كان اسمه.
(7/278)

الأصمعي قال: من أمثال العامة يقولون: حمّى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وطواعين الشام.
الأصمعي قال: ذكروا أن على باب سمرقند مكتوب: بين هذه المدينة وبين صنعاء ألف فرسخ. قال الأصمعي: بين بغداد وأفريقية ألف فرسخ، وبين البصرة والكوفة ثمانون فرسخا، وواسط بينهما متوسطة، فلذلك سميت واسط.
الشامات
أول حدّ الشام من طريق مصر أمج، ثم غزة، ثم الرملة رملة فلسطين، ومدينتها العظمى فلسطين. وعسقلان، وبها بيت المقدس، وفلسطين هي الشام الأولى.
ثم الشام الثانية وهي الأردن، ومدينتها العظمى طبرية، وهي التي على شاطىء البحيرة، والغور واليرموك، وبيسان، فيما بين فلسطين والأردن.
ثم الشام الثالثة الغوطة، ومدينتها العظمى دمشق، ومن سواحلها طرابلس ثم الشام الرابعة، وهي أرض حمص.
ثم الشام الخامسة وهي قنّسرين، ومدينتها العظمى حيث السلطان: حلب، وبين قنسرين وحلب أربعة فراسخ، وساحلها أنطاكية، مدينة عظيمة على شاطىء البحر، في داخلها البساتين والأنهار والمزارع، وهي مدينة حبيب النجار، الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وبها مسجد ينسب إلى حبيب النجار.
ومن ثغور الشام الخامسة: المصيّصة، وطرسوس، ونهرا جيحان وسيحان.
الجزيرة
ثم الجزيرة، وهي ما بين دجلة والفرات، وبها نهران يقال لهما الخابور والبليخ ومخرجهما من رأس العين، [وهي] مدينة عظيمة بالجزيرة في داخلها عين هي عنصر الخابور والبليخ، وعلى الخابور منازل ربيعة، وأكثرها نصارى وخوارج ونصيبين من
(7/279)

الجزيرة، وهي مدينة عظيمة مطلة على جبل الجوديّ. والموصل من الجزيرة أيضا.
والرقة وحران من الجزيرة أيضا.
ومن ثغور الجزيرة في جهة عمّورية من أرض الروم: زبطرة وملطية. وفي جوف الفرات جزائر فيها مدن يقال لها عانة وعانات؛ وعلى شط الفرات مما يلي الجزيرة قرقيسيا، ومما يلي الشام: الرّحبة، رحبة مالك بن طوق.
العراقان
هما البصرة والكوفة، وقد تقدم ذكرهما واختلاف الناس فيهما.
وفيما أحدثت خلفاء بني هاشم بالعراق: الأنبار، وهي مدينة أبي العباس، أول من ولي الخلافة من بني هاشم، ابتناها واتخذها دار خلافته؛ ثم ولي أخوه أبو جعفر المنصور، فانتقل إلى بغداد، وهي مدينة السلام. وابتنى بها الكرخ في جوف بغداد، وهي دار خلافة بني هاشم، حتى قام المعتصم محمد بن هارون، فانتقل منها إلى سامرّا، وتفسير سامرا أن سام بن نوح عليه السلام بناها، وإنما هو بالسريانية، وهي دار الخلافة إلى الآن.
فارس
منها الأهواز، مدينة عظيمة، وبلدها واسع جدا، وهي من سواد البصرة؛ وتستر مدينة يعمل فيها التستري، وهي ملاحف؛ ومدينة يقال لها جور، وإليها ينسب ماء الورد الجوري، ومدينة يقال لها إصطخر، بها تعمل الأكسية الإصطخرية الجياد السود؛ ومدينة يقال لها السوس، بها تعمل الثياب السوسية من الخز وغيره؛ ومدينة يقال لها العسكر، وإليها تنسب الثياب العسكرية؛ ومدينة يقال لها الأفساسار، وبها تعمل الأكسية الأفساسارية الجياد، ومدينة يقال لها دستوا، وبها تعمل الثياب الدستوائية؛ ومدينة يقال لها الدسكرة، دسكرة الملك كانت لكسرى؛ ومدينة يقال لها حلوان، وهي أول الجبال من خراسان وآخر العراق.
(7/280)

خراسان
أول مدنها الري، وهي آخر الجبال من خراسان، وإليها ينسب من الرجال الرازي، ومن خراسان مرو، وهي دار خلافة المأمون، ومنها خرج أبو مسلم صاحب الدعوة، ومن ينسب إليها من الرجال، يقال له مروزي، ومن الثياب مروي؛ ومدينة يقال لها قومس، وإليها تنسب الطيقان «1» القومسية؛ ومدينة يقال لها هراة، إليها ينسب الهروي من الرجال والمتاع؛ ومدينة يقال لها بلخ، وإليها ينسب البلخي، وبها معادن البجادي «2» العتيق، وهو جنس من الفصوص تسميه العامة البزادي؛ ومدينة يقال لها خوارزم، وإليها ينسب الخوارزمي، وهي على شط البحر المحيط؛ وبلخ على شط النهر العظيم، الذي يقال له جيحون بخراسان، ثم جرجان، وهي مدينة عظيمة على شط البحر المحيط، وإليها ينسب الوشى الجرجاني والمتاع، ثم قوهى، وهي مدينة عظيمة إليها ينسب القوهي من الثياب: ثم كابل، وهي مدينة يؤتى منها بالإهليلج «3» الكابليّ، ثم سمرقند، وهي مدينة عظيمة، إليها ينسب السمرقندي من الثياب، وبين بغداد وبينهما مسيرة ستة أشهر، وهي مما يلي كرمان، وهي على بطائح السند. وبلاد السند من آخر خراسان، ما بين المغرب والمشرق من جهة القبلة؛ وآخر مدن خراسان مدينة يقال لها تبّت، وهي من أرض الترك وبها مجمع المسك؛ ومدينة يقال لها فرمانة، وأهلها جنس من العجم يقال لهم الصّغد، وهم الذين يقطعون آذانهم من الحزن إذا مات لهم كبير.
ومن المدن التي في صدر خراسان على الجبال، مدينة يقال لها قرميسين، ثم الدّينور، وإليها ينسب الدينوري؛ ومدينة همذان، مدينة عظيمة؛ وطبرستان مدينة عظيمة، فيها تعمل الأكسية الطبرية؛ ثم قمّ، وهي مدينة عظيمة، منها يؤتى بالزعفران؛ ثم أصبهان، وهي مدينة عظيمة؛ ثم طوس، وهي من ثغور الجبال.
(7/281)

مصر
من ناحية الشام: الفسطاط، وهي مدينة بها منبران ومسجدان، يجمع فيهما العسكر حيث السلطان؛ وعين شمس، بها منبر، وكانت مدينة فرعون، وفيها بنيانه قائم؛ والفرمان، لها منبر؛ والعريش الذي يقال له عريش مصر، له منبر، وهي آخر مصر وأول الشام.
ومن أسفل الأرض: بوصير، لها منبر؛ وتنيس، لها منبر؛ وإليها تنسب الثياب التنيسية، وبها طراز للخليفة؛ وشطا، لها منبر، وإليها ينسب الشطوي؛ ودبيق، لها منبر، وإليها ينسب الدبيقي من الثياب؛ والإسكندرية، لها منبر.
ومن ناحية الحجاز، القلزم، لها مبنر؛ وأيلة، لها منبر.
ومن ناحية الصعيد: القيس وإليها ينسب القيسي من الثياب؛ والصّفن، وإليها تنسب الأكسية الصفنية الحمر، ودلاص، لها منبر، وهي مجمع سحرة مصر؛ والفيوم، مدينة لها منبر، تؤدّي كل يوم ألف دينار؛ وخلف ذلك قوص وبها تكون معادن الذهب والجوهر والزبرجد.
صفة المسجد الحرام
صحنه كبير واسع، ذرعه طولا من باب بني جمع إلى باب بني هاشم الذي يقابل دار العباس بن عبد المطلب، أربعمائة ذراع وأربع أذرع؛ وذرعه عرضا من باب الصفا إلى دار الندوة لاصقا بوجه الكعبة الشرقي، ثلاثمائة ذراع وأربع أذرع؛ وله ثلاث بلاطات محدقة به من جهاته كلها منتظم بعضها ببعض، وهي داخلة في الذرع الذي ذكرت، فوقها سماوتها «1» مذهبة، وحافاتها على عمد رخام بيض، عددها في طوله من الشرق إلى الغرب مع وجه الصحن، خمسون عمودا، وفي عرضه ثلاثون
(7/282)

عمودا، بين كل عمودين مثل عشر أذرع، وجملة عمد المسجد أربعمائة وأربعة وثلاثون عمودا، طول كل عمود منهما عشر أذرع، ودوره ثلاث أذرع، والمذهبة من رؤس العمد ثلاثمائة وعشرون رأسا وسور المسجد كله من داخله مزخرف بالفسيفساء، وأبوابه على عمد رخام ما بين الأربعة إلى الثلاثة إلى الاثنين، وهي ثلاثة وعشرون بابا لا غلق عليها، يصعد عليها في عدة من درج.
صفة الكعبة
وبيت الله الحرام بوسط المسجد، كان ارتفاعه في عهد إبراهيم عليه السلام فيما يقال- والله أعلم- تسع أذرع، وطوله في الأرض ثلاثون ذراعا وعرضه اثنتان وعشرون ذراعا؛ وكان له ثلاثة سقوف؛ ثم بنته قريش في الجاهلية فاقتصرت على قواعد إبراهيم، ورفعته ثماني عشرة ذراعا، ونقصت من طوله في الأرض ست أذرع وشبرا تركته في الحجر، فلما هدمه ابن الزبير ردّه على قواعد إبراهيم ورفعه سبعا وعشرين ذراعا، وفتح له بابين: بابا إلى الشرق، وبابا إلى الغرب، يدخل على الشرقي ويخرج على الغربي، فكان كذلك حتى قتل، فلما تغلب الحجاج على مكة استأذن عبد الملك بن مروان في هدم ما كان ابن الزبير زاده من الحجر في الكعبة، فأذن له، فردّه على قواعد قريش وسدّ الباب الغربي ولم ينقص من ارتفاعه شيئا.
فذرع وجهه القبلي اليوم من الركن الأسود إلى الركن اليماني، عشرون ذراعا؛ ووجهه الجنوبي من الركن العراقي إلى الركن الشامي- وهو الذي يلي الحجر- إحدى وعشرون ذراعا؛ ووجهه الشرقي من الركن العراقي إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود، خمس وعشرون ذراعا؛ ووجهه الغربي من الركن اليماني إلى الركن الشامي، خمس وعشرون ذراعا.
وحول البيت- كله إلا موضع الركن الأسود- درجة مجصصة يكون ارتفاعها عظم الذراع في عرض مثله، وقاية للبيت من السيل؛ وباب البيت في وجهه الشرقي على قدر القامة من الأرض، طوله ست أذرع وعشر أصابع، وعرضه ثلاث أذرع
(7/283)

وثمان عشرة إصبعا، والباب من ساج «1» ، غلظ كل باب ثلاث أصابع، ظاهرها ملبس بالذهب، وباطها بالفضة، في كل باب ستّ عوارض، ولها عروتان يضرب فيهما قفل من ذهب.
وحواجبه كلها مذهبة ما عدا الحاجب الأيمن؛ فإن العلويّ الثائر لما تغلب على مكة قلع ذهبه فترك على حاله؛ وتحت العتبة العليا عتبة مذهبة، والبابان من ورائهما، والعتبة السفلى مستورة بالديباج إلى الأرض، وبين الركن الأسود والباب خمس أذرع أو نحوها، وهو الملتزم فيما يذكر عن ابن عباس.
والحجر الأسود على رأس صخرتين من وجه الأرض، قد نحت من الصخر مقدار ما أدخل فيه الحجر، وأشفت الصخرة الثالثة عليهما مثل أصبعين والحجر أملس مجزّع «2» حالك السواد في قدر الكف المحنيّة قد لزّ من جوانبه بمسامير الفضة، وفيه صدوع، وفي جانب منه صفيحة فضة، حسبتها شظية منه شظيت فجبرت بها، وصخر الركن الأسود أحرش، أكبر من صخرنا قليلا.
وللبيت سقفان: سقف دون سقف، وفيهما أربع روازن «3» ينفذ بعضها إلى بعض للضوء، وللسقف الأسفل ثلاث جوائز من ساج منقشة مذهبة.
وفي داخل البيت في الحائط الغربي قبالة الباب، الجزعة على ست أذرع من قاع البيت، وهي سوداء مخططة ببياض، طولها اثنتا عشرة إصبعا في مثل ذلك وحولها طوق من ذهب عرضه ثلاث أصابع، ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعلها على حاجبه الأيمن حين صلى في البيت.
والحجر بجوفي البيت محجور من الركن العراقي الشامي تحجيرا محنيا غير مرتفع، قد انقطع طرفاه دون الركنين اللذين يليانه بمثل ذراعين، للدخول والخروج، يكون
(7/284)

ما بين موسطة جنبي التحجير والبيت كما بين الركنين، وارتفاع التحجير نصف قامة، وهو ملبس بالرخام من داخله وخارجه وأعلاه، وجعل بين كل رخامتين عمود من رصاص؛ وقاع الحجر كله مفروش بالرخام، ومصب الميزاب فيه، وقبلتها إليه، والميزاب موسطة أعلى جدار الكعبة، وخارجا عنه مثل أربعة أذرع في سعته، وارتفاع حيطانه ثمان أصابع، ملبس ظاهره وباطنه بصفائح الذهب، والصفائح مسمرة بمسامير مروّسة من ذهب.
والبيت كله مستور إلا الركن الأسود، فإن الأستار تفرج عنه مثل القامة ونصف، وإذا دنا وقت الموسم كسي القباطيّ، وهي ديباج أبيض خراساني، فيكون بتلك الكسوة ما كان الناس محرمين، فإذا أحلّ الناس، وذلك يوم النحر حلّ البيت فكسي الديباج الأحمر الخراساني، وفيه دارات مكتوب فيها حمد الله وتسبيحه وتكبيره وتعظيمه، فيكون كذلك إلى العام القابل، ثم يكسى أيضا على حال ما وصفت، فإذا كثرت الكسوة وخشي على البيت من ثقلها خفف منها، فأخذ ذلك سدنة البيت، وهم بنو شيبة.
وذكر بعض المصريين أنه حضر كشف البيت سنة خمس وستين، فرأى ملاطه الزعفران والّلوبان.
وذكر أيضا عن بعض المكيين حديث يرفعونه إلى مشايخهم أنهم نظروا إلى الحجر الأسود إذ هدم ابن الزبير البيت وزاد فيه، فقدّروا طوله ثلاث أذرع، وهو ناصع البياض- فيما ذكروا- إلا وجهه الظاهر؛ واسوداده فيما ذكروه- والله أعلم- لاستلام الجاهلية إياه ولطخه بالدم.
والمقام بشرقي البيت على سبع وعشرين ذراعا منه، وجه المصلّي خلفه مستقبل البيت إلى الغرب، والركن العراقي على يمينه، والباب والركن الأسود على يساره وهو فيما ذكر من رآه حجر غير مربوع يكون ذراعا في ذراع، وفيه أثر قدم إبراهيم عليه السلام، وطول القدم مثل عظم الذراع، والحجر موضوع على منبر لئلا يمرّ به السيل،
(7/285)

فإذا كان وقت الموسم وضع عليه تابوت حديد مثقب لئلا تناله الأيدي.
وحول البيت كله سوار ستّ غلاظ مربعة من حديد مذهبة، ورءوسها مذهبة أيضا، يوقد عليها بالليل للطائفين، بين كل عمود منها والبيت نحو ما بين المقام والبيت.
وزمزم بشرقي الركن الأسود، بينهما مثل الثلاثين ذراعا، وهي بئر واسعة، تنّورها من حجر مطوّق أعلاه بالخشب، وسقفها قبو مزخرف بالفسيفساء على أربعة أركان تحت كل ركن منهما عمودان من رخام متلاصقان، وقد سد ما بين كل ركنين منهما بشرجب «1» خشب، وردّ إلى باب من جهة المشرق، وحول القبو كله مثل البرطلة»
، وبشرقي زمزم بيت مقدر، سقفه مزخرف بالفسيفساء أيضا مقفل عليه، وشرقي هذا البيت بيت كبير مربع له ثلاثة أقباء، وفي كل وجه منه باب.
وحمام المسجد كثير أنيس، يكاد الإنسان أن يطأه بقدمه، لأنسه بالناس؛ وهو في لون حمام الأبرجة عندنا، إلا أنه أقدر منه، وليس منه حمامة تجلس على البيت ولا تطير عليه، ولقد همني ذلك، فرأيتها حين تكاد أن تحاذي البيت وهي مستعلية في طيرانها ذلك، غطست حتى تصير دونه، وأخذت عن يمينه أو يساره، وزرقها ظاهر بارز على البيوت التي في المسجد، إلا بيت الله الحرام فانه نقى ليس فيه ولا عليه أثر، فسبحان معظّمه ومقدّسه ومطهّره، وتعالى علوا كبيرا! وبين باب الصفا- وهو بقبلي البيت- والصفا، الشارع، وهو ببطن الوادي؛ وبعد الشارع فناء كبير فيه الباعة، ثم الصفا في أصل جبل أبي قبيس، قد أحدق به البناء إلا من الوجه الذي يرقى إليها منه، والرقي إليها على ثلاث درج مبنية بالصخر، والواقف على الصفا مستقبل الجوف ينظر إلى البيت من باب الصفا.
والمروة بشرقي المسجد، وهي من الصفا بين المشرق والمغرب، قد أحدق بها البناء
(7/286)

أيضا إلا من وجه المصعد إليها، وهو من أعلى القصور، بينها وبين المسجد الحرام الزقاق الضيق، فالواقف على المروة مستقبل البيت تجاه الفرجة يرى الميزاب وما اتصل به من البيت، وبين الصفا والمروة شبيه بما بين باب السقاية والمسجد الجامع، والساعي بينهما إذا هبط من الصفا يريد المروة سلك في الشارع وهو بطن الوادي، عن يمينه القصور، وعن يساره المسجد؛ ويعترضه بطن واد إذا انصب فيه أرقل «1» حتى يخرج عن آخره، وله علمان أخضران في جانبي الوادي، أحدهما وهو الأوّل خلف باب الصفا لاصق بالسور، والثاني أمامه بائن، عن السور جعلا ليفهم بهما حدّ الوادي الذي يرمل فيه.
ومنى قرية بشرقي مكة، تنحو إلى القبلة قليلا خارجة عن الحرم، على نحو الفرسخ منها؛ وفيها بنيان وسقايات، وأول ما يلقى منها الخارج من مكة إليها، جمرة العقبة، بعد يوم النحر، أيام التشريق؛ وبها مسجد أكبر من جامع قرطبة، وهو مسجد الخيف، له مما يلي المحراب أربع بلاطات معترضة، سقفها من جرائد النخل، وعمدها مجصّصة «2» ، والمنبر على يسار المحراب، والباب الذي يخرج منه الإمام عن يمينه، وفي وسط صحن المسجد منارة، وفي كل جانب منها سقيفة.
والمزدلفة، وهي المشعر الحرام، بين منى وعرفة، وهي من منى على نحو الفرسخين، ولها مسجد مجصّص لا بناء فيه إلا الحائط الذي فيه المحراب، والباب الذي يخرج منه الإمام عن يمينه، وفي الوسط صحن المسجد؛ وليس فيها ساكن.
وعرفة بشرقي منى على نحو الفرسخين منها، ليس بها ساكن ولا بناء، إلا سقايات وقنوات يجري فيها الماء، وليس بمسجدها بنيان إلا الحائط الذي فيه المحراب؛ وموقف الناس يوم عرفة بعرفة في الجبل وما يليه مما تحته؛ والجبل بين المشرق والجوف من مسجدها، وفي الموضع الذي يقف فيه الإمام ماء جار. ومحراب منى وعرفة والمزدلفة إلى نحو المغرب.
(7/287)

صفة مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم
بلاطاته في قبلته معترضة من الشرق إلى الغرب، في كل صف من صفوف عمدها سبعة عشر عمودا، ما بين كل عمودين منها فجوة كبيرة واسعة، والعمد التي في البلاطات القبلية بيض مجصصة شاطّة «1» جدّا، وسائر عمد المسجد رخام؛ والعمد المجصصة على قواعد عظيمة مربعة، ورءوسها مذهبة عليها نجف «2» منقشة مذهبة، ثم السماوات على النجف، وهي أيضا منقشة مذهبة؛ وقبالة المحراب موسطة «3» البلاطات، بلاط مذهب، كله شقت به البلاطات من الصحن إلى أن ينتهي إلى البلاط الذي بالمحراب ولا يشقه، وفي البلاط الذي يلي المحراب تذهيب كثير، وفي وسطه سماء كالترس المقدّر مجوّف كالمحار «4» ، مذهب؛ وقد أخذ وجه السور القبلي من داخل المسجد بإزار رخام من أساسه إلى قدر القامة منه، ولف على الإزار بطوق رخام في غلظ الأصبع، ثم من فوقه إزار دونه في العرض مخلّق بالخلوق، ثم فوقه إزار مثل الأوّل فيه أربعة عشر بابا في صف من الشرق إلى الغرب في تقدير كوى المسجد الجامع بقرطبة، منقشة مذهبة، ثم فوقه إزار رخام أيضا؛ فيه صنيفة سماوية فيها خمسة سطور مكتوبة بالذهب بكتاب ثخين غلظه قدر أصبع، من سور قصار المفصّل، ثم فوقه إزار رخام مثل الأوّل الأسفل، فيه ترسة «5» من ذهب منقشة، وبين كل ترسين منها عمود أخضر في حافاته قضبان من ذهب، ثم فوقه إزار رخام فيه صنيفة منقشة، عرضها مثل عظم الذراع، لها قضبان وأوراق من ذهب، ثم فوقه إزار فسيفساء عريض، ثم السماوات عليه؛ والمحراب في موسطة السور القبلي، على قوسه قصّة من ذهب ناتئة غليظة، في وسطها مرآة مربعة ذكر أنها كانت لعائشة رضي الله عنها.
(7/288)

وقبو المحراب مقدّر جدّا، وفيه دارات بعضها مذهبة وبعضها حمر وسود، وتحت القبو صنيفة ذهب منقشة، تحتها صفائح ذهب مثمنة، فيها جزعة مثل جمجمة الصبي الصغير مسمرة؛ ثم تحتها إلى الأرض إزار رخام مخلّق بالخلوق، فيه الوتد الذي كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتوكأ عليه في المحراب الأوّل عند قيامه من السجود فيما ذكر، والله أعلم.
وعن يمين المحراب باب يدخل منه الإمام ويخرج، وعن يساره باب صغير مشطرج، قد سدّ بعوارض من حديد، وبين هذين البابين والمحراب ممشى مسطح لطيف.
والمقصورة من السور الغربي لاصقة بالباب إلى الفصيل اللاصق بالسور الشرقي، ومن هذا الفصيل يصعد إلى ظهر المسجد، وهي قديمة مختصرة العمل، لها شرفات وأربعة أبواب، وخارج المقصورة قريب منها عن يسار المحراب سرب في الأرض يهبط فيه درج يفضي منها إلى دار عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
والمنبر عن يمين المحراب في أول البلاط الثالث من المحراب في روضة مفروشة من الرخام مجوز حولها به، وله درج، وسمر في أعلاه لوح لئلا يجلس أحد على الدرجة التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجلس عليها، وهو مختصر، ليس فيه من النقوش ودقة العمل ما في منابر زماننا الآن، والجذع أمام المنبر، وشرقي المنبر تابوت يستر به مقعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقبره صلوات الله عليه وسلامه بشرقي المسجد في آخر مسقّفه القبلي مما يلي الصحن، بينه وبين السور الشرقي مثل عشر أذرع، قد حظر حوله بحائط بينه وبين السقف مثل ثلاث أذرع، وله ستة أركان، ولبّس بإزار رخام أكثر من قامة، وما فوق القامة مخلق بالخلوق.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة؛ ومنبري على ترعة من ترع الجنة.
(7/289)

وعلى ظهر المسجد حذاء القبر حجر محجور لئلا يمشى عليه، والبلاطات الجنوبية والغربية أربع، منتظم بعضها فوق بعض في طولها مع وجه الصحن من القبلة إلى الجوف ثمانية عشر عمودا، وحنايا المسجد كلها مما يلي الصحن مشدودة من جهاتها الأربع إلى مناكب العمد بخشب منقش.
وللمسجد ثلاث منارات: اثنتان للجنوب وواحدة للمشرق؛ وحيطان المسجد كلها من داخله مزخرفة بالرخام والذهب والفسيفساء، أولها وآخرها، وله ثمانية عشر بابا، عتبها مذهبة، وهي أبواب عظيمة لا غلق عليها، أربعة منها في الجنوب، وسبعة في الشرق، وسبعة في الغرب.
وقاع المسجد كله مفروش بالحصى وليس له حصر، ووجه سور المسجد كله من خارج منقش بالكذّان «1» ، وكذلك الشرفات.
فينبغي للداخل في المسجد أن يأتي الروضة التي قال فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنها روضة من رياض الجنة» ، فيصلي فيها ركعتين، ثم يأتي قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم من قبل وجهه، فيستدبر القبلة ويستقبل القبر، ويسلم عليه صلّى الله عليه وسلّم، وعلى أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، ولا يلصق بالقبر، فإنه من فعل الجهال، وقد كره ذلك، فإذا فعل ما ذكر استقبل القبلة ودعا بما أمكنه بعد الصلاة على النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وعرّفنا به، ورزقنا شفاعته برحمته، آمين!
صفة مسجد بيت المقدس وما فيه من آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
طول المسجد سبعمائة ذراع وأربع وثمانون ذراعا، وعرضه أربعمائة ذراع وخمس وخمسون ذراعا بذراع الإمام، ويسرج في المسجد ألف وخمسمائة قنديل، وعدّة ما فيه من الخشب ستة آلاف خشبة وتسعمائة خشبة، وعدد ما فيه من الأبواب خمسون بابا،
(7/290)

وعدد ما فيه من العمد ستمائة وأربعة وثمانون عمودا، والعمد التي داخل الصخرة ثلاثون عمدا، والعمد التي خارج الصخرة ثمانية عشر عمودا، وفيه الصخرة الملبسة صفائح الرصاص، عليها ثلاثة آلاف صفيحة، وثلاثمائة واثنتان وتسعون صفيحة، ومن فوق ذلك صفائح النحاس مطلية بالذهب، يكون عليها عشرة آلاف صفيحة، ومائتان وعشر صفائح؛ وجميع ما يسرج في الصخرة من القناديل أربعمائة قنديل وأربعة وستون قنديلا، بمعاليق النحاس وسلاسل النحاس؛ وكان طول صخرة بيت المقدس في السماء اثنى عشر ميلا، وكان أهل أريحاء يستظلون بظلها، وأهل عمواس مثل ذلك؛ وكان عليها ياقوتة حمراء تضيء لأهل البلقاء، وكان يغزل في ضوئها أهل البلقاء.
وفي المسجد ثلاث مقاصير للنساء، طول كل مقصورة ثمانون ذراعا في عرض خمسين ذراعا، وفيه من السلاسل لتعليق القناديل ستمائة سلسلة، طول كل سلسلة ثمان عشرة ذراعا، وفيه من غرابيل النحاس سبعون غربالا، وفيه من الصنوبر التي للقناديل سبع صنوبرات، وفيه من المصاحف الجامعة سبعون مصحفا، وفيه من الكبار التي في الورقة منها جلد، ستة مصاحف على كراسي تجعل فيها؛ وفيه من المحاريب عشرة، ومن القباب خمس عشرة قبة، وفيه أربعة وعشرون جبا «1» للماء، وفيه أربع مناور للمؤذّنين، وجميع سطوح المسجد والقباب والمنارات ملبسة صفائح مذهبة، وله من الخدم بعيالاتهم مائتا مملوك وثلاثون مملوكا، يقبضون الرزق من بيت مال المسلمين؛ ووظيفته في كل شهر من الزيت سبعمائة قسط بالإبراهيمي، وزن القسط «2» رطل ونصف بالكبير؛ ووظيفته في كل عام من الحصر ثمانية آلاف، ووظيفته في كل عام من السّرافة لفتائل القناديل اثنا عشر دينارا ولزجاج القناديل ثلاثة وثلاثون دينارا، ولصناع يعملون في سطوح المسجد في كل عام خمسة عشر دينارا.
(7/291)

آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ببيت المقدس
مربط البراق الذي ركبه النبي صلّى الله عليه وسلّم، تحت ركن المسجد؛ وفي المسجد باب داود عليه الصلاة والسلام وباب سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام وباب حطة التي ذكرها الله تعالى في قوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ
«1» ، وهي قول لا إله إلا الله؛ فقالوا: حنطة، وهم يسخرون، فلعنهم الله بكفرهم؛ وباب محمد صلّى الله عليه وسلّم، وباب التوبة الذي تاب الله فيه على داود، وباب الرحمة التي ذكرها الله تعالى في كتابه: لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
«2» يعني واد جهنم الذي بشرقي بيت المقدس، وأبواب الأسباط أسباط بني إسرائيل وهي ستة أبواب؛ وباب الوليد، وباب الهاشمي، وباب الخضر، وباب السكينة وفيه محراب مريم ابنة عمران رضي الله عنها، الذي كانت الملائكة تأتيها فيه بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء؛ ومحراب زكريا الذي بشرته فيه الملائكة بيحيى وهو قائم يصلي في المحراب، ومحراب يعقوب، وكرسي سليمان صلوات الله عليه، الذي كان يدعو الله عليه، ومغارة إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام التي كان يتخلى فيها للعبادة، والقبة التي عرج النبي صلّى الله عليه وسلّم منها إلى السماء، والقبة التي صلّى فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنبيين، والقبة التي كانت السلسة تهبط فيها زمان بني إسرائيل للقضاء بينهم، ومصلى جبريل عليه السلام، ومصلى الخضر عليه السلام.
فإذا دخلت الصخرة فصلّ في ثلاثة أركانها، وصلّ على البلاطة التي تسامت الصخرة، فإنها على باب من أبواب الجنة.
ومولد عيسى بن مريم على ثلاثة أميال من المسجد، ومسجد إبراهيم عليه السلام وقبره على ثمانية عشر ميلا من المدينة، ومحراب المسجد بغربيه.
(7/292)

فضائل بيت المقدس
ينصب الصراط ببيت المقدس، ويؤتى بجهنم- نعوذ بالله منها- إلى بيت المقدس وتزف الجنة يوم القيامة مثل العروس إلى بيت المقدس، وتزف الكعبة بحاجّها بها إلى بيت المقدس، ويقال لها مرحبا بالزائرة والمزورة؛ ويزف الحجر الأسود إلى بيت المقدس، والحجر يومئذ أعظم من جبل أبي قبيس.
ومن فضائل بيت المقدس أن الله رفع نبيه صلّى الله عليه وسلّم إلى السماء من بيت المقدس، ورفع عيسى ابن مريم عليه السلام إلى السماء من بيت المقدس ويغلب المسيخ الدجال على الأرض كلّها إلا بيت المقدس، وحرم الله على يأجوج ومأجوج أن يدخلوا بيت المقدس، والأنبياء كلهم من بيت المقدس، والأبدال «1» كلهم من بيت المقدس، وأوصى آدم وموسى ويوسف وجميع أنبياء بني إسرائيل صلوات الله عليهم أن يدفنوا ببيت المقدس.
نتف من الأخبار
لابن المغيرة في المرزباني
: فرج بن سلام قال: حدثني سليمان بن المغيرة قال: كنت أجد من أبي أيوب المرزباني رائحة طيبة، ليست برائحة شراب ولا رائحة طيب؛ فقلت له: أخبرني عن هذه الرائحة. فقال: عفص آمر به فيدق وينخل، فألتّه بقطران شامي، ثم آخذ منه كل غداة على إصبعي فأدلك به أسناني وعمورها «2» ، فتطيب نكهتها وتشتد لثتها وعمورها.
الرياشي قال: كانوا إذا أرادوا جارية، مضغت نصف جوزة وأكلتها؛ فلا تزال طيبة النكهة سائر ليلتها.
(7/293)

لابن عبد العزيز في ساحرة
: عبد الصمد بن همام قال: كتب عامل عمان إلى عمر بن عبد العزيز. إنا أتينا بساحرة، فألقيناها في الماء فطفت على الماء. فكتب إليه: لسنا من الماء في شيء، إن قامت عليها بينة وإلا فخلّ عنها!
بين الحسن ورجل
: وقال رجل للحسن: أبا سعيد، الملائكة خير أم الأنبياء؟ قال: قال الله جل ثناؤه:
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
«1» ، وقال: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
«2» ، وقال: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ
«3» .
للضحاك
: العتبي قال: حدثني أبو النصر عن جرير عن الضحاك قال: من سمع الأذان في بيته فقام فصلى فقد أجاب.
أبو حاتم عن العتبي قال: سمي المحرم [محرّما] ، لأنه جعل حراما؛ وصفر لإصفار مكة من أهلها؛ والربيعان؛ للخصب فيهما، والجماديان، لجمود الماء فهما من شدة البرد، ورجب، لترجيب «4» العرب أسنتها؛ وشعبان، لأنه شعب «5» بين رجب ورمضان؛ ورمضان لإرماض الأرض من الحر؛ وشوال، لأن الإبل شالت بأذنابها فيه لحملها؛ وذو القعدة، لقعودهم فيه عن الغزو من أجل الحج؛ وذو الحجة، للحج.
(7/294)

يونس ورؤبة
: الرياشي عن محمد بن سلام عن يونس النحوي قال: قال لي رؤبة وأنا أسأله عن الغريب؛ حتى متى تسألني عن هذه الأباطيل وأزوّقها لك؟ أما ترى الشيب قد أخذ في عارضيك ولحيتك؟
وقال الخليل بن أحمد: إنك لا تعرف خطأ معلمك حتى تجلس عند غيره.
الرياشي عن الأصمعي قال: لا تكون حطمة «1» حتى يكون قبلها بريق تأتي فتحطم.
ومن حديث أبي رافع، عن أبي ذرّ قال: قلت يا رسول الله صلّى الله عليك كم عدد النبيين؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا.
أبو بكر بن عياش عن العجلي عن قتادة قال: طول الدنيا مائة ألف وأربعة وعشرون ألف فرسخ.
ومن حديث عبد الله بن عمر قال: العرش مطوّق بحية، والوحي ينزل في السلاسل.
ومن حديث ابن أبي شيبة: أن العباس بن عبد المطلب، كان أقرب شحمة أذن إلى السماء، وكان إذا طاف بالبيت يشبه الفسطاط العظيم، وإذا مشى بين قوم تحسبه راكبا.
ومن حديث عروة بن الزبير عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: خلق الله الملائكة من نور، والجانّ من نار، وآدم من تراب.
وسأل أعرابيّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: متى القيامة؟
فقال له: وما أعددت لها؟
قال: لا شيء والله، غير أني أحبّ الله ورسوله.
قال: المرء مع من أحب.
(7/295)

رياد عن مالك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: إياكم والشرك الأصغر.
قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟
قال: الرياء! زياد عن مالك قال: إذا لم يكن في الرجل خير لنفسه لم يكن فيه خير لغيره، وإذا رأيت الرجل يستحل مال عدوّه فلا تأمنه على مال صديقه.
وقال بعضهم: سمعت حذيفة يحلف لعثمان في شيء بلغه عنه، ما قاله، ولقد سمعته يقوله؛ فسألته عن ذلك، فقال: يا بن أخي، أشتري ديني بعضه ببعض لئلا يذهب كله! أخذه الشاعر فقال:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
زياد عن مالك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: الغيرة من الإيمان، والمراء من النفاق.
الأصمعي قال: سأل عليّ بن أبي طالب الحسن ابنه رضوان الله عليهما: كم بين الإيمان واليقين؟
قال: أربع أصابع.
قال: وكيف ذلك؟
قال: الإيمان كلّ ما سمعته أذناك وصدّقه قلبك، واليقين ما رأته عيناك فأيقن به قلبك؛ وليس بين العين والأذنين إلا أربع أصابع.
الرياشي قال: ضرب عليّ كرم الله وجهه بيده زانيا فأوجعه إيجاعا شديدا، فقال له عمّ المضروب: بعض هذا الضرب فقد قتلته! فقال علي رضي الله عنه: إنه وتر «1» من ولدها من قبل أبيها وأمّها من النبيين والصالحين إلى آدم!
(7/296)

قال الرياشي: فكنت أعجب من شنعة حدّ الرجم، فلما سمعت شنعة الذنب هان عليّ الحدّ! الأصمعي عن أبي عمرو قال: دم الحيض غذاء المولود.
أقبل أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم [في المسجد] ينشد ضالة له، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا وجدتها! إنما المساجد لما بنيت له! الأصمعي عن أبي عمرو قال: أعرق الناس في الخلافة: عاتكة بنت يزيد بن معاوية؛ أبوها خليفة، وجدّها خليفة، وأخوها معاوية بن يزيد خليفة، وزوجها عبد الملك بن مروان خليفة، وولدها يزيد بن عبد الملك خليفة، وأربّاؤها الوليد وسليمان وهشام، خلفاء.
النبي صلّى الله عليه وسلّم في فتح مكة
: قتادة عن أنس بن مالك قال: أمن النبي صلّى الله عليه وسلّم الناس يوم فتح مكة إلا أربعة، فإنه قال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة؛ وهم: عبد العزى بن يزيد بن خطل، ومقبس بن صبابة الكندي، وعبد الله [بن سعد] بن أبي سرح وسارة؛ فأما عبد العزى فإنه قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، وأما عبد الله [بن سعد] بن أبي سرح: فإنه كان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة، فأتى به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فبايعه وشفع له عنده، وأما مقيس؛ فإنه كان له أخ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقتل خطأ، فبعث مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا من بني فهر، ليأخذ له عقله من الأنصار، فلما اجتمع له العقل «1» أخذه وانصرف مع الفهري، فنام الفهري في بعض الطريق، فوثب عليه مقيس فقتله، ثم أقبل وهو يقول:
شفى النفس من قد مات بالقاع مسندا ... يضرّج ثوبيه دماء الأخادع
قتلت به فهرا، وأغرمت عقله ... سراة بني النجّار أرباب فارع «2»
حللت به نذري وأدركت تؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع! «3»
(7/297)

وأما سارة فإنها كانت مولاة لقريش، فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واشتكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئا؛ ثم أتاها رجل فبعث معها كتابا إلى أهل مكة يتقرّب به إليهم ليحفظ في عياله، وكان عياله بمكة، فأخبر جبريل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، فلحقاها، ففتشاها فلم يقدرا على شيء، فأقبلا راجعين، ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما كذّبنا ولا كذبنا، ارجع بنا إليها! فرجعا إليها، فسلا سيفيهما، ثم قالا: لتدعنّ إلينا الكتاب أو لنذيقنك الموت! فأنكرته، ثم قالت: أدفعه إليكما على أن لا تردّاني إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
فقبلا منها ذلك، فحلّت عقاص «1» رأسها وأخرجت الكتاب من قرن من قرونها؛ فرجعا بالكتاب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فدفعاه إليه؛ فدعا الرجل وقال له: ما هذا الكتاب؟
فقال له: أخبرك يا رسول الله، إنه ليس ممن معك أحد إلا وله بمكة من يحفظه في عياله غيري؛ فكتبت بهذا الكتاب ليكافئوني في عيالي! فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
«2» .
المصعب وقتل مرة
: أمر المصعب بن الزبير رجلا من بني أسد بن خزيمة بقتل مرة بن محكان السعدي، فقال مرة:
بني أسد إن تقتلوني تحاربوا ... تميما إذا الحرب العوان اشمعلّت «3»
ولست وإن كانت إليّ حبيبة ... بباك على الدنيا إذا ما تولّت
(7/298)

لجرير في ابن سعد الأسدي
: كان ابن سعد الأسدي قد تولى صدقات الأعراب لعمر بن عبد العزيز وأعطياتهم، فقال فيه جرير يشكوه إلى عمر:
حرمت عيالا لا فواكه عندهم ... وعند ابن سعد سكّر وزبيب
وقد كان ظني بابن سعد سعادة ... وما الظنّ إلا مخطيء ومصيب
فإن ترجعوا رزقي إليّ فإنه ... متاع ليال والأداء قريب
تحيّا العظام الراجعات من البلى ... وليس لداء الركبتين طبيب
الرسول صلّى الله عليه وسلّم
: لما توجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى تبوك، كان أبو خيثمة فيمن تخلف عنه. فأقبل، وكانت له امرأتان، وقد أعدت كل واحدة منهما من طيّب ثمر بستانها، ومهدت له في ظل حائط؛ فقال: ظل ممدود، وثمرة رطبة طيبة، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الضّح والريح، ما هذا بخير! ثم ركب ناقته ومضى في أثره؛ فقالوا: يا رسول الله، نرى رجلا يرفعه الآل «1» .
فقال: كن أبا خيثمة! فكانه.
الضح: الشمس، تقول العرب في أمثالها: جاء فلان بالضح والريح، إذا أقبل بخير كثير.
نتف من الطب
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تزالون أصحاء ما نزعتم ونزوتم.
بريد: ما نزعتم عن القسيّ، ونزوتم على ظهور الخيل؛ وإنما أراد الحركة، والله أعلم، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: سافروا تصحوا.
(7/299)

وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من ثلاث في غير إفراط:
الأكل، والمشي، والجماع؛ فأما الأكل، فإن الأمعاء تضيق لتركه؛ وأما المشي، فإن من لم يتعاهده أوشك أن يطلبه فلا يجده؛ وأما الجماع، فإنه كالبئر، إن نزحت جمّت «1» ، وإن تركت يخثر «2» ماؤها. وحق هذا كله القصد فيه.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من استقل برأيه فلا يتداوى، فربّ دواء يورث الداء» .
وقالت الحكماء: إياك وشرب الدواء ما حملتك الصحة.
وقالوا: مثل الدواء في البدن مثل الصابون في الثوب: ينقيه ويخلقه.
الأصمعي عن رجل عن عمه، قال: لقيت طبيب كسري شيخا كبيرا قد شدّ حاجبيه بخرقة، فسألته عن دواء المشي «3» ، فقال: سهم يرمى به في جوفك أصاب أم أخطأ.
وفي كتاب التفصيل للهند: الدواء من فوق، والدواء من تحت، والدواء لا من فوق ولا من تحت.
تفسيره: من كان داؤه فوق سرته سقي الدواء، ومن كان داؤه تحت سرته حقن بالدواء، ومن لم يكن له داء لا من فوق ولا من تحت لم يسق الدواء ولم يحقن به.
للنبي صلّى الله عليه وسلّم في السنا
: وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأسماء بنت عميس: بم كنت تستمشين في الجاهلية؟ قالت:
بالشبرم»
. قال: حار حار. ثم قالت: استمشيت بالسنا «5» . قال: لو أن شيئا يرد القدر لردّه السنا.
ومن حديث أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خرج عليهم وهم يتذاكرون الكمأة ويقولون
(7/300)

فيها: جدري الأرض. فقال: إن الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين، وهي شفعا من السم.
وأهدى تميم الداري إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم زبيبا، فلما وضعه بين يديه قال لأصحابه:
كلوا، فنعم الطعام الزبيب، يذهب النصب، ويشد العصب، ويطفيء الغضب، ويصفي اللون، ويطيب النكهة، ويرضى الرب.
وقال طلحة بن عبيد الله: دخلت على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو جالس في جماعة من أصحابه، وفي يده سفرجلة يقلبها، فلما جلست إليه دحرج بها نحوي، وقال: دونكها أبا محمد، فإنها تشد القلب، وتطيب النفس، وتذهب بطخاء «1» الصدر.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أربع من النّشر: شرب العسل نشرة «2» ، والنظر إلى الماء نشرة، والنظر إلى الخضرة نشرة، والنظر إلى الوجه الحسن نشرة» وقال عثمان بن عفان: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: من بلغ الخمسين أمن الأدواء الثلاث: الجنون، والجذام، والبرص.
ومن حديث زيد بن أسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله.
ومن حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: أنزل الدواء الذي أنزل الداء.
ومن حديث زيد بن أسلم أن رجلا أصابه جرح في بعض مغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعا له رجلين من بني أنمار، فقال: أيكما أطبّ؟ فقال له رجل من أصحابه:
في الطب خير؟ قال: إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، يسعط به من
(7/301)

العذرة «1» ، ويلدّ به من ذات الجنب «2» .
يريد القسط الهندي، وهو الذي تسميه العامة: الكست.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها دواء من كل داء إلا السام.
يعني الشونيز.
وفي مسند ابن أبي شيبة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: عليكم بالإثمد «3» عند النوم، فإنه يحدّ البصر، وينبت الشعر.
وفيه أن عبد الله بن مسعود قال: عليكم بالشفاءين: القرآن، والعسل.
الأصمعي قال: ثلاث ربما صرعت أهل بيت عن آخرهم: الجراد، ولحوم الإبل، والفطر. وهو الفقع.
ويقول أهل الطب: إن أردأ الفطر ما ينبت في ظلال الشجر، ولا سيما في ظلال الزيتون، فإنه قتّال.
وقال وهب بن منبه: إذا صام الرجل زاغ بصره، فإذا أفطر على الحلوى رجع إليه بصره.
وأقبل رجل على النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إني كنت في الجاهلية ذا فطنة وذا ذهن، وأنكرت نفسي في الإسلام! فقال له: أكنت تنام في القائلة! قال: نعم.
قال: فعد إلى ما كنت عليه من نوم القائلة.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: عليكم بالشجرة التي كلم الله منها موسى بن عمران، زيت الزيتون فادّهنوا به، فإن فيه شفاء من الباسور.
(7/302)

وقال: في الزيتونة يقول الله: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ
«1» .
وتقول الأطباء: إذا خرج الطعم «2» من قبل ست ساعات فهو من ضرر، وإذا أقام في الجوف أكثر من أربع وعشرين ساعة فهو من ضرر.
معاوية والمغيرة
: دخل المغيرة بن شعبة على معاوية فقال له معاوية: أنكرت من نفسي خصلتين: قلّ طعمي، ورقّ عظمي؛ فإن تدثرت بالثقيل أثقلني، وإن تدثرت بالخفيف أصابني البرد. قال: نم يا أمير المؤمنين بين جاريتين سمينتين، يدفئانك بشحومهما، ويحملان عنك ثقل الدثار بمناكبهما، وأكثر من الألوان، وكل من كلّ لون ولو لقمة؛ فإن ذلك إذا اجتمع كثيره نفع. فدخل عليه بعد ذلك فقال له معاوية: يا أعور، قد جربنا ما قلت فوجدناه موافقا.
التعويذ والرقي
أبو بكر بن أبي شيبة عن عقبة عن شعبة عن أبي عصمة قال: سألت سعيد بن المسيّب عن تعليق التعويذ، قال: لا بأس به.
وكان مجاهد يكتب للصبيان التعويذ ويعلقه عليهم.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: من قال إذا أصبح: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل عين لامة، ومن كل شيطان وهامة؛ لم يضره عين ولا حية ولا عقرب.
وفي مسند ابن أبي شيبة أن خالد بن الوليد كان يفزع في نومه، فشكا ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: أخبرني جبريل أن عفريتا من الجن يكيدك، فقل: أعوذ بكلمات الله التامات المباركات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من
(7/303)

السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر كلّ ذي شر. فقالهن خالد، فذهب ذلك عنه.
وفي مسند ابن أبي شيبة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بينا هو يصلي ذات ليلة، إذ وضع يده على الأرض فلدغته عقرب، فتناول نعله فقتلها؛ فلما انصرف قال: لعن الله العقرب، ما تدع نبيا ولا غيره! ثم دعا بماء وملح فجعله في إناء، ثم صب على إصبعه منه، ومسحها وعوّذها بالمعوّذتين.
وفي مسند ابن أبي شيبة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. والحمة:
السم.
سفيان بن عيينة قال: بينا عبد الله بن مسعود جالسا تعرض عليه المصاحف، إذ أقبلت أعرابية فقال: أبا فلان- لرجل جالس إليه- لقد لدغ مهرك، وتركته كأنه يدور في فلك، فقم فاسترق له. فقال له ابن مسعود: لا تسترق له، واذهب فانفث في منخره الأيمن أربعا، وفي الأيسر ثلاثا، وقل: اذهب الباس يا رب الناس، فإنه لا يذهبه إلا أنت. ففعل، فلم يبرح حتى أكل وشرب وبال وراث.
دخل أبو بكر على عائشة وهي تشكو ويهودية ترقيها، فقال لها: ارقيها بكتاب الله.
الحجامة والكي
قال عبد الله بن عباس: احتجم النبي صلّى الله عليه وسلّم في رأسه من أذى كان به.
وفي مسند ابن أبي شيبة: ان عيينة بن حصن دخل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يحتجم في فأس رأسه، فقال: ما هذا؟ قال: هذا خيرا ما تداويتم به.
وفي مسند ابن أبي شيبة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: خير ما تداويتم به الحجامة «1» والقسط
(7/304)

العربي، ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة «1» .
وفيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: خير يوم تحتجمون فيه، سبعة عشر، وتسعة عشر؛ وأحد وعشرون.
وفيه أنه قال: إن كان في شيء مما تعالجون به خير ففي شرطة من محجم، أو لذعة من نار تواقع أللما، أو شربة من عسل؛ وما أحب أن أكتوي.
السم والسحر
النبي صلّى الله عليه وسلّم والشاة المسمومة
في مسند ابن أبي شيبة: أن يهود خيبر أهدوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شاة مسمومة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اجمعوا لي من ههنا من اليهود. فجمعوا له، فقال لهم: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا: نعم! قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك السم.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني «2» ، فهذا أو ان قطعت أبهري» «3» .
أبو بكر وابن كلدة
الليث بن سعد عن الزهري قال: أهدي لأبي بكر طعام، وعنده الحارس بن كلدة طبيب العرب؛ فأكلا منه، فقال الحارث لأبي بكر: لقد أكلنا والله في هذا الطعام سم سنة، وإني وإياك لميتان عند رأس الحول، فماتا جميعا عند انقضاء السنة.
النبي صلّى الله عليه وسلّم ويهودي ساحر
وفي مسند ابن أبي شيبة: أن رجلا من اليهود سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم فاشتكى لذلك أياما:
(7/305)

فأتاه جبريل فقال له: إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدا وجعلها في مكان كذا. فأرسل عليا رضي الله عنه فاستخرجها وجاء بها فجعل يحلها، فكلما حل عقدة وجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خفة؛ ثم قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كأنما أنشط «1» من عقال.
وفي مسند ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: طبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- والطب: السحر- فبعث إلى رجل فرقاه.
العين
تقول العرب: رجل معين، إذا أخذ بالعين.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لو سبق القدر شيء لسبقته العين! وتقول العرب: إن العين تسرع بالإبل إلى أوصامها «2» ، وبالرجال إلى أسقامها.
ونظر عامر بن أبي ربيعة إلى سهل بن حنيف يستحم، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة! قال: فلبط «3» به، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم عامر بن أبي ربيعة أن يتوضأ له ثم يطهره بمائة، ففعل، فقام سهل بن حنيف كأنما أنشط من عقال.
أبيات في الطب وجدناها في كتاب فرج بن سلام
النافجاء بشيرج ملتوت ... فيه شفاء للرياح مميت
يغلى لذلك حلبة في مائها ... يسقاه مصطحبا وحين يبيبت
وقال:
ليس شيء أنفى عن الجسم ... للريح من الأنجدان والمحروت.
وقال:
في الحرف سبعون دواء وفي الكمّون فيما قبل ستونا «4»
(7/306)

قد قاله هرمس في كتبه ... فلا تدع حرفا وكمّونا
وقال:
بسعتر بر داو كل مبلغم ... وذا المرّة الصّفراء بالرازيانق
وذو المرّة السّوداء ذاك علاجه ... تعاهد فصد العرق من كفّ حاذق
وذو الدّم فليكثر لذاك حجامة ... فما غيرها شيء له بموافق
وقال:
لا تكن عند أكل سخن وبهر ... ودخول الحمام تشرب ماء
فإذا ما اجتنبت ذلك منه ... لم تخف ما حييت في الجوف داء
وقال:
إن أردت الرّقاد في الليل فاجعل ... قطنة عنده على الأذنين
فبه تظهر السلامة للأذ ... نين مما يضرّ بالعينين
وقال:
لا تشرب الماء بعد النّوم من ظمإ ... ولا تبت أبدا من غير منتفض «1»
فجوف من بات من ماء ومن ثقل ... ومن رياح دعا كلّا إلى مرض
وقال:
أحسن في الحمام ماء مسخنا ... وليكن ذلك في البيت السّخن
يسلم البطن من الدّاء ولا ... يعتريه وجع طول الزّمن
(7/307)

وقال:
إن دخلت الحمام فضرب على رأ ... سك بالماء السّخن سبع مرار
فبه تظهر السلامة من كلّ صداع بقدرة الجبار وقال:
لا تجامع، ولا تمطى، ولا تد ... خل- إذا ما شبعت- في الحمام
فهو دفع لكلّ ما يتقيه ال ... مرء من فالج وكلّ سقام
وقال:
ما كان في الرأس أخرجه بغرغرة ... والقيىء يخرج ما في الصدر من عفن «1»
وكلّ ما كان في صلب فذلك لا ... يسيل إلا بأخلاط من الحقن
وقال:
على الريق في البرد احسن ماء مسخّنا ... وفي الصيف ماء باردا حين تصبح
وذلك فيما قيل فيه مصحّة ... وذاك على إدمانه الجسم يصلح
وقال:
إنّ من باكر الغداء وبعد ال ... عصر منه تعاهد للعشاء
فبإذن الإله يبقى صحيحا ... سالما في الحياة من كلّ داء
(7/308)

وقال:
إنّ رأس الطّبّ أن تد ... لك بالزّئبق دلكا ...
... باطن الرّجلين عند النوم ... ينفى السّقم عنكا
وقال:
شجر البراغيث الكريه مشمّه ... يبري بإذن الله من داء الحبن «1»
وقال:
إنّ السّواك ليستحبّ لسنّة ... ولأنه مما يطيب به الفم
لم تخش من حفر إذا أدمنته ... وبه يسيل من الّلهاة البلغم «2»
وقال:
احتجم بين كلّ شهرين ولتل ... ف على أثرة من الأيام
سبعة منك للزّبيب بلا عج ... م تبدّيه قبل كلّ طعام
فهو للعين واللهاة وللحل ... ق أمان لها من الأسقام «3»
وقال:
ولا تغط الرأس في وقت ما ... تخرج من الحمام واخش الضرر
إنّ بخار الرّأس في وقت ما ... وصفته داء يصيب البصر
وقال:
إنّ الجماع على الحمام مصحّة ... ولذاذة تاهت على اللذّات
(7/309)

وقال:
السمك المالح إن لم يكن ... بدّ من الأكل له فانعم ...
... بالطّبخ أكثر زّيته ثم كل ... من قبل مأدوما من المطعم
وقال:
اطل منك الشعر كلّ أربعاء لا يدور
وليكن غسلك بالبا ... رد منه والطّهور
إنه يزعر منه ... شعر الجسم الكثير
إنني طبّ بما يج ... هله الناس خبير «1»
الرسول صلّى الله عليه وسلّم وشاكية من زوجها
وحدّث محمد بن ابراهيم الورّاق قال: حدثني محمد بن عبيد الله بن الحارث بن إسحاق بمصر قال: حدثنا محمد داود بن ناجية قال: حدثنا زياد بن يونس الحضرمي عن محمد بن هلال المدني عن أبيه عن أبي هريرة قال:
جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تشتكي زوجها، فقال: إنها تذكر كثرة الجماع؛ قال: يا رسول الله، أفأزني، قال لا، ولكن إذا جاءنا سبي فتعال حتى نعطيك جارية.
فقدم عليه سبي؛ فجاء إليه فقال له: يا رسول الله، وعدي. فقال له: اختر! فقال له:
اختر لي. فقال: خذ هذه، فإني أراها زرقاء «2» ، فلعلها ... قال: فما لبثنا أن جاءت المرأة فقالت: يا رسول الله، ما زاده الأمر إلا تجدّدا. فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما هذا؟
فقال: يا رسول الله، أفأزني! قال: لا. ثم قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لعلك تكثر
(7/310)

الاطّلاء. قال: نعم. قال: فأقل طلاءك «1» يقلّ جماعك.
قال محمد: قال لي ابن ناجية: وأنا كما تراني شيخ كبير، قد أتى عليّ ثمانون سنة، إذا أحببت الوطء اطّليت في كل خمس عشرة ليلة.
الهدايا
كتب سعيد» بن حميد إلى بعض أهل السلطان في يوم النيروز:
«لألها السيد الشريف، عشت أطوال الأعمار بزيادة من العمر موصولة بقرائنها من الشكر، لا ينقضي حق نعمة حتى يجدد لك أخرى، ولا يمرّ بك يوم إلا كان مقصرا عما بعده، موفيا عما قبله. إني تصفحت أحوال الأتباع الذين تجب عليهم الهدايا إلى السادة [في مثل هذا اليوم] ، فالتمست التأسّي بهم في الإهداء، وإن قصرت بي الحال عن الواجب، [فرأيت] أني إن أهديت نفسي فهو ملك لك، لاحظ فيها لغيرك؛ ورميت بطرفي إلى كرائم مالي، فوجدتها منك، فكنت إن أهديت منها شيئا كالمهدي مالك إليك؛ وفزعت إلى مودتي فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة، فرأيتني إن جعلتها هديتي لم أجدد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا؛ ولم أميز منزلة من الشكر بمنزلة من نعمتك، إلا كان الشكر مقصرا عن الحق، والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة؛ فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك، والإقرار بما يجب لك برّا أتوصل به إليك؛ وقلت في ذلك:
إن أهد مالا فهو واهبه ... وهو الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكري فهو مرتهن ... بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعت ... أن تستضيء بسنّة البدر «2»
(7/311)

وكتب بعض الكتاب إلى بعض الملوك:
النفس لك، والمال منك، والرجاء موقوف عليك، والأمل مصروف نحوك؛ فما عسى أن أهدي إليك في هذا اليوم، وهو يوم سهلت فيه العادة، سبيل الهدايا للسادة؛ وكرهت أن نخيله من سنته، فنكون من المقصرين؛ أو أن ندعى أن في وسعنا ما يفي بحقك علينا، فنكون من الكاذبين؛ فاقتصرنا على هدية تقتضي بعض الحق، وتنفي بعض الجفوة وتقوم عندك مقام أجمل البر؛ ولا زلت أيها الأمير دائم السرور والغبطة، في أتم أحوال العافية، وأعلى منازل الكرامة، تمرّ بك الأعياد الصالحة والأيام المفرحة، فتخلقها وأنت جديد تستقبل أمثالها، فتلقاك ببهائها وجمالها؛ وقد بعثت الرسول بالسكّر لطيبه وحلاوته، وتركت السفرجل لفأله، والدرهم لبغائه على كل من ملكه (1) ؛ ولا زلت حلو المذاق على أوليائك، مرّا على أعدائك، متقدّما عند خلفاء الله الذين تليق بهم خدمتك، وتحسن أفنيتهم بمثلك.
وقد جمعنا في هذه القصيدة ثناء ومسرّة واعتذارا وتهنئة وهي:
عاط في المهرجان كأسا شمولا ... وأطعني ولا تطيعن عذولا
فهو يوم قد كان آباؤك الغ ... رّ يحلّونه محلّا جليلا
إن للصيف دولة قد تقضّت ... وأراك الشتاء وجها جميلا
وتجلّت لك الرياض عن النّو ... ر فكانت عن كل شيء بديلا
فتمتع باللهو، لا زلت جذلا ... ن وطرف الزمان عنك كليلا
لم أجد لي هديّة حين حصّل ... ت كثيرا ملكته وقليلا
يعدل الشكر والثناء، وإن لم ... يك شكري لما أتيت عديلا
فجعلت الذي أطيق من الشك ... ر ما عجزت عنه دليلا
يا لها من هديّة تقنع المه ... دى إليه ولا تعنّي الرسولا
وكتب بعض الشعراء إلى بعض أهل السلطان في المهرجان:
(7/312)

هذه أيام جرت فيها العادة، بإلطاف العبيد للسادة، وإن كانت البضاعة تقصّر عما تبلغه الهمة، فكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب: فجعلت هديتي هذه الأبيات، وهي:
ولمّا أن رأيت ذوي التصابي ... تباروا في هدايا المهرجان
جعلت هدّيتي ردّا مقيما ... على مرّ الحوادث والزمان
وعبدا حين تكرمه ذليلا ... ولكن لا يقرّ على الهوان «1»
يزيدك حين تعطيه خضوعا ... ويرضى من نوالك بالأماني! «2»
وأهدى أبو العتاهية إلى بعض الملوك نعلا وكتب معها:
نعل بعثت بها لتلبسها ... رجل بها تسعى إلى المجد
لو كان يصلح أن أشرّكها ... خدّي جعلت شراكها خدّي «3»
وأهدى عليّ بن الجهم كلبا، وكتب:
استوص خيرا به، فإن له ... عندي يدا لا أزال أحمدها
يدلّ ضيفي عليّ في غسق اللي ... ل إذا النار نام موقدها
أهدى أحمد بن يوسف ملحا مطيّبا إلى إبراهيم بن المهدي، وكتب إليه:
الثقة بك سهّلت السبيل إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم، إلى من لا يغتنم.
وأهدى إبراهيم بن المهدي إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي جراب ملح وجراب أشنان «4» ، وكتب إليه:
لولا أن القلة قصّرت عن بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برّك، ولكن البضاعة قعدت بالهمة، وكرهت أن تطوى صحيفة البر، وليس لي فيها ذكر؛ فبعت بالمبتدإ به
(7/313)

ليمنه وبركته، والمختوم به لطيبه ونظافته؛ وأمّا ما سوى ذلك فالمعبّر عنا فيه كتاب الله تعالى إذ يقول: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ...
«1» إلى آخر الآية.
وكتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له:
لو كانت التحفة على حسب ما يوجبه حقّك، لأجحف بنا أدنى حقوقك؛ ولكنه على قدر ما يخرج الوحشة ويوجب الأنس، وقد بعثت بكذا وكذا.
وكتب رجل إلى المتوكل على الله وقد أهدى إليه قارورة من دهن الأترج:
إن الهدية يا أمير المؤمنين، إذا كانت من الصغير إلى الكبير فكلما لطفت ودقت كانت أبهى وأحسن، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلّت كانت أنفع وأوقع؛ وأرجو أن لا تكون قصرت بي همة أصارتني إليك، ولا أخرّني رشاد دلني عليك، وأقول:
ما قصّرت همة بلغت بها ... بابك يا ذا الندى وذا الكرم
حسبي بودّيك إن ظفرت به ... ذخرا وعزّا يا واحد الأمم
أهدى حبيب بن أوس الطائي إلى الحسن بن وهب قلما، وكتب معه إليه هذه الأبيات:
قد بعثنا إليك أكرمك الله ... بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه إلى ندا كفّك الغمر ... ولا نيلك الكثير الجزيل
فاستجز قلّة الهديّة مني ... فقليل المقلّ غير قليل
ومن قولنا في هذا المعنى وقد أهديت سلة عنب ومعها:
أهديت بيضا وسودا في تلوّنها ... كأنّها من بنات الروم والحبش
عذراء تؤكل أحيانا وتشرب أح ... سيانا فتعصم من جوع ومن عطش
(7/314)

وأهديت حوتين وكتبت معهما:
أهديت أزرق مقرونا بزرقاء ... كالماء لم يغذها شيء سوى الماء
ذكاتها الأخذ، ما تنفكّ طاهرة ... بالبرّ والبحر أمواتا كأحياء «1»
وأهديت طبق ورد ومعه:
ورياحين أهديها لريحانة المنى ... جنتها يد التّخجيل من حمرة الخدّ
وورد به حيّيت غرّة ماجد ... شمائله أذكى نسيما من الورد»
ووشي ربيع مشرق اللون ناضر ... يلوح عليه ثوب وشي من الحمد
بعثت بها زهراء من فوق زهرة ... كتركيب معشوقين خدّا على خدّ
وكتبت على كأس:
اشرب على منظر أنيق ... وامزج بريق الحبيب ريقي
واحلل وشاح الكعاب رفقا ... واحذر على خصرها الرقيق
وقل لمن لام في التّصابي ... إليك! خلّى عن الطريق
وأنشد أحمد بن أبي طاهر في هذا المعنى:
ما ترى في هديّة من فقير ... حيل ما بينه وبين اليسار
ترك المال والهدايا إلى النا ... س، وأهدى غرائب الأشعار
محكمات كأنها قطع الرو ... ض تحلّت أنواره بالبهار «3»
وأنشد ابن يزيد المهلبي في المعتمد.
سيبقى فيك ما يهدي لساني ... إذا فنيت هدايا المهرجان
قصائد تملأ الآفاق مما ... أحلّ الله من سحر البيان
وقال آخر:
جعلت فداك، للنيروز حق ... لكان جميعه لك مسترقا
(7/315)

وأهديت الثناء بنظم شعر ... وكنت لذاك منى مستحقا
لأن هدية الألطاف تفنى ... وإن هدية الأشعار تبقى «1»
وقال حبيب:
فو الله لا أنفكّ أهدي شواردا ... إليك يحمّلن الثناء المنخّلا
ألذّ من السلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقا وأيسر محملا «2»
وقال مروان بن أبي حفصة:
بدولة جعفر حمد الزمان ... لنا بك كلّ يوم مهرجان
جعلت هديتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان
وقال أحمد بن أبي طاهر:
من سنّة الأملاك فيما مضى ... من سالف الدهر وإقباله
هدية العبد إلى ربّه ... في جدّة الدهر وأحواله
فقلت ما أهدى إلى سيدي؟ ... حالي وما خوّلت من حاله
إن أهد نفسي فهي من نفسه ... أو أهد ما لي فهو من ماله
فليس إلا الحمد والشكر وال ... مدح الذي يبقى لأمثاله
وقال الحمدوني وأهدى إليه سعيد بن حميد أضحيّة مهزولة:
لسعيد شويهة ... نالها الضرّ والعجف «3»
فتغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف:
«بأبي من بكفّه ... برء دائي من الدّنف» «4»
فأتاها مطمّعا ... فأتته لتعتلف
ثم ولّى فأقبلت ... تتغنّى من الأسف:
(7/316)

«ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف»
وقال الحمدوني: كتبت إلى الحسن بن إبراهيم، وكان كل سنة يبعث إليّ بأضحية، فتأخرت عني سنة، فكتبت إليه:
سيّدي أعرض عني ... وتناسى الودّ مني
مرّ بي أضحى وأضحى ... أخلفاني فيه ظني
لا يراني فيهما أه ... لا لظلف ولقرن
فتعذّيت بيأس ... ثم ضحّيت بجني
واصطبحت الراح يوما ... ثم أنشدت أغني «1»
لا لجرم صدّ عني ... صدّ عني بالتجنّي
من جارية للمأمون
: أهدت جارية من جواري المأمون تفاحة له، وكتبت إليه:
إني يا أمير المؤمنين لما رأيت تنافس الرعية في الهدايا إليك، وتواتر ألطافهم عليك، فكرت في هدية تخف مؤونتها، وتهون كلفتها، ويعظم خطرها، ويجلّ موقعها؛ فلم أجد ما يجتمع فيه هذا النعت، ويكمل فيه هذا الوصف، إلا التفاح؛ فأهديت إليك منها واحدة في العدد، كثيرة في التصرّف؛ وأحببت يا أمير المؤمنين أن أعرب لك عن فضلها، وأكشف لك عن محاسنها، وأشرح لك لطيف معانيها، وما قالت الأطباء فيها، وتفنّن الشعراء في أوصافها، حتى ترمقها بعين الجلالة، وتلحظها بمقلة الصيانة؛ فقد قال أبوك الرشيد رضي الله عنه: أحسن الفاكهة التفاح، اجتمع فيه الصفرة الدّرّية، والحمرة الخمرية، والشّقرة الذهبية، وبياض الفضة، ولون التبر؛ يلذ بها من الحواس: العين ببهجتها، والأنف بريحها، والفم بطعمها. وقال أرسطاطاليس الفيلسوف عند حضوره الوفاة، واجتمع إليه تلاميذه: التمسوا لي تفاحة أعتصم
(7/317)

بريحها، وأقضى وطري من النظر إليها. وقال إبراهيم بن هانىء: ما علّل المريض المبتلى، ولا سكنت حرارة الثكلى «1» ، ولا ردّت شهوة الحبلى، ولا جمعت فكرة الحيران، ولا سكنت حنقة الغضبان، ولا تحيّت الفتيان في بيوت القيان، بمثل التفاح. والتفاحة يا أمير المؤمنين، إن حملتها لم تؤذك، وإن رميت بها لم تؤلمك؛ وقد اجتمع فيها ألوان قوس قرح، من الخضرة والحمرة والصفرة؛ وقال فيها الشاعر:
حمرة التّفاح مع خضرته ... أقرب الأشياء من قوس قزح
فعلى التفاح فاشرب قهوة ... وآسقنيها بنشاط وفرح
ثم غنّي لكي تطربني ... طرفك الفتّان قلبي قد جرح
فإذا وصلت إليك يا أمير المؤمنين، فتناولها بيمينك، واصرف إليها بغيتك، وتأمل حسنها بطرفك، ولا تخدشها بظفرك، ولا تبعدها عن عينك، ولا تبذلها لخدمك؛ فإذا طال لبثها عندك، ومقامها بين يديك، وخفت أن يرميها الدهر بسهمه، ويقصدها بصرفه، فتذهب بهجتها، وتحيل نضرتها، فكأنها:
هنيئا مريئا غير داء مخامر
والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
للعباس الهمداني
: وكتب العباس الهمداني إلى المأمون في يوم نيروز:
أهدى لك الناس المرا ... كب والوصائف والذّهب «2»
وهدّيتي حلو القصا ... ئد والمدائح والخطب
فاسلم سلمت على الزما ... ن من الحوادث والعطب
فقال المأمون: احملوا إليه كلّ ما أهدي لنا في هذا اليوم!
(7/318)

تمّ الجزء السابع ويليه إن شاء الله الجزء الثامن، وهو الأخير وأوله: كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب
(7/319)