Advertisement

العقد الفريد 008

الجزء الثامن
كتاب الفريدة الثانية في الطعام والشراب
قال الفقيه أبو عمر بن محمد بن عبد ربه: قد مضى في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان والنتف.
ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الطعام والشراب اللذين بهما تنمو الفراسة وهما قوام الأبدان، وعليهما بقاء الأرواح.
قال المسيح عليه الصلاة والسلام في الماء: هذا أبي. وفي الخبز: هذا أمي. يريد أنهما يغذيان الأبدان كما يغذيهما الأبوان.
وهذا الكتاب جزآن: جزء في الطعام، وجزء في الشراب.
فالذي في الطعام منهما متقصّ جميع ما يتم ويتصرف به أغذية الطعام من المنافع والمضار، وتعاهد الأبدان بما يصلحها من ذلك في أقواته وضروب حالاته، واختلاف الأغذية مع اختلاف الأزمنة بما لا يخلي المعدة وما لا يكظّها، فقد جعل الله لكل شيء قدرا.
والذي في الشراب منهما مشتمل على صنوف الأشربة، وما اختلف الناس فيه في الأنبذة «1» ، ومحمود ذلك ومذمومه، فإنا نجد النبيذ قد أجازه قوم صالحون، وقد وضعنا لكل شيء من ذلك بابا فيحتاط كل رجل لنفسه بمبلغ تحصيله، ومنتهى نظره؛ فإن الرائد لا يكذب أهله.
(8/3)

أطعمة العرب
الوشيقة من اللحم: وهو أن يغلى إغلاءة ثم يرفع، يقال منه: وشقت أشق وشقا.
قال الحسن بن هانىء:
حتى رفعنا قدرنا بضرامها ... واللّحم بين موذّم وموشّق «1»
والصفيف مثله، ويقال هو القديد، يقال: صففته أصفه صفّا.
والربيكة: شيء يطبخ من برّ وتمر، ويقال منه: ربكته أربكه ربكا.
والبسيسة: كلّ شيء خلطته بغيره، مثل السويق بالأقط، ثم تلته بالسمن أو بالزيت؛ أو مثل الشعير بالنوى للإبل، ويقال: بسسته أبسّه بسّا.
والعبيثة (بالعين غير معجمة) طعم يطبخ ويجعل فيه جراد؛ وهو الغثيمة أيضا.
والبغيث والغليث: الطعام المخلوط بالشعير؛ فإذا كان فيه الزّؤان فهو المغلوث.
والبكيلة، والبكالة جميعا: وهي الدقيق يخلط بالسويق ثم يبل بماء أو سمن أو زيت، يقال: بكلته أبكله بكلا.
والفريقة: شيء يعمل من اللبن.
فإذا قطعت اللحم صغارا قلت: كتّفته تكتيفا.
أبو زيد قال: إذا جعلت اللحم على الجمر قلت: حسحسته، وهو أن تقشر عنه الرماد بعد أن يخرج من الجمر؛ فإذا أدخلته النار ولم تبالغ في طبخه قلت: ضهّبته وهو مضهّب.
والمضيرة: سميت بذلك لأنها طبخت باللبن الماضر، وهو الحامض. والهريسة، لانها تهرس. والعصيدة «2» ، لأنها تعصد. واللفيتة لأنها تلفت.
(8/4)

والفالوذ- وهو السرطراط، ومن أسماء الفالوذ أيضا: السريط- لأنه يسترط، مثل يزدرد؛ ويقال: لا تكن حلوا فتسترط «1» ، ولا مرّا فتعقي. يقال: أعقى الشيء:
اشتدت مرارته.
الرغيدة: اللبن الحليب يغلى ثم يذرّ عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق لعقا.
الحريرة: الحساء من الدسم والدقيق.
والسخينة: حساء كانت تعمله قريش في الجاهلية فسميت به، قال حسان:
زعمت سخينة أن ستغلب ربّها ... وليغلبن مغالب الغلّاب
والعكيس: الدقيق يصب عليه الماء ثم يشرب. قال منظور الأسدي:
ولما سقيناها العكيس تمذّحت ... خواصرها وازداد رشحا وريدها «2»
أسماء الطعام
الوليمة: طعام العرس. والنّقيعة: طعام الإملاك «3» . والإعذار: طعام الختان والخرس: طعام الولادة. والعقيقة: طعام سابع الولادة. والنقيعة: طعام يصنع عند قدوم الرجل من سفره، ويقال: أنقعت إنقاعا. والوكيرة: طعام يصنع عند البناء يبنيه الرجل في داره. والمأدبة: كل طعام يصنع لدعوة، يقال: آدبت أودب إيدابا، وأدبت أدبا، قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
الآدب: صاحب المأدبة. والجفلى: دعوة العامة. والنّقرى: دعوة الخاصة.
والسّلفة: طعام يعلل به قبل الغداء.
والقفيّ: الطعام الذي يكرم به الرجل يقال منه: قفوته فأنا أقفوه قفوا؛ والقفاوة:
ما يرفع من المرق للإنسان، قال الشاعر:
(8/5)

ونقفي وليد الحيّ إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع «1»
صفة الطعام وفضله
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أكرموا الخبز، فإن الله سخر له السموات والأرض، وكلوا سقط «2» المائدة» .
وقال الحسن البصري: ليس في الطعام سرف. وتلا قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا
«3» .
وقال الاصمعي: الكبادات أربع: العصيدة، والهريسة، والحيس، والسّميذ.
أبو حاتم: والسويق طعام المسافر، والعجلان، والمريض، والنفساء، وطعام من لا يشتهي الطعام.
أبو خالد عن الأصمعي قال: قال أبو صوارة: الأرز الأبيض بالسمن المسلي والسكر الطّبرزذ «4» ، ليس من طعام أهل الدنيا! وقال مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أكل الخبيص يزيد في الدماغ.
وقال الحسن لفرقد: بلغني أنك لا تأكل الفالوذج. قال: يا أبا سعد، أخاف أن لا أؤدي شكره! قال: يا لكع! وهل تؤدي شكر الماء البارد في الصيف والحار في الشتاء؟ أما سمعت قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
«5» .
(8/6)

وسمع الحسن رجلا يعيب الفالوذج، فقال: لباب البرّ بلعاب النحل بخالص السمن؛ ما عاب هذا مسلم! وقال رجل في مجلس الأحنف: ما شيء أبغض إليّ من الزبد والكمأة «1» . فقال الاحنف: ربّ ملوم لا ذنب له.
وقيل لشريح القاضي: أيهما أطيب. اللوزينق أو الجوزينق؟ فقال: لا أحكم على غائب.
ولد لعبد الرحمن بن أبي ليلى مولود فصنع الأجبصة، ودعا الناس، وفيهم مساور الورّاق، فلما أكلوا قال مساور الورّاق:
من لم يدسّم بالثريد سبالنا ... بعد الخبيص فلا هناه الفارس
الرقاشي قال: أخبرنا أبو هفان أن رقبة بن مصقلة طرح نفسه بقرب حماد الراوية في المسجد، فقال له حماد: مالك؟ قال صريع فالوذج. قال له حماد: عند من؟ فطالما كنت صريع سمك مملوح خبيث! قال: عند من حكم في الفرقة وفصل في الجماعة قال: وما أكلت عنده؟ قال: أتانا بالأبيض المنضود، والملوز المعقود، والذليل الرعديد، والماضي المودود.
طعام عبد الأعلى
محمد بن سلام الجمحي قال: قال بلال بن أبي بردة وهو أمير على البصرة للجارود ابن أبي سبرة الهذلي: أتحضر طعام هذا الشيخ؟ يعني عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر؟
قال: نعم. قال: فصفه لي. قال: نأتيه فنجده متصبّحا «2» - يعني نائما- فنجلس حتى يستيقظ، فيأذن لنا فنساقطه الحديث؛ فإن حدثناه أحسن الاستماع، وإن حدثنا أحسن الحديث؛ ثم يدعو بمائدته، وقد تقدّم إلى جواريه وأمهات أولاده أن لا تلطفه واحدة
(8/7)

منهن إلا إذا وضعت مائدته؛ ثم يقبل خبازه فيمثل بين يديه، فيقول: ما عندك اليوم؟ فيقول: عندي كذا، عندي كذا ... فيعدد كل ما عنده، ويصفه؛ يريد بذلك أن يحبس كلّ رجل نفسه وشهوته على ما يريد من الطعام، وتقبل الألطاف من ههنا وههنا، وتوضع على المائدة؛ ثم يؤتى بثريدة شهباء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين من العراق «1» ؛ فنأكل معه، حتى إذا ظن أن القوم قد كادوا يمتلئون، جثا على ركبتيه ثم استأنف الأكل معهم. فقال [ابن] أبي بردة: للَّه درّ عبد الأعلى، ما أربط جأشه على وقع الأضراس.
وحضر أعرابيّ طعام عبد الأعلى، فلما وقف الخباز بين يديه ووصف ما عنده قال:
أصلحك الله، أتأمر غلامك يسقيني ماء، فقد شبعت من وصف هذا الخباز! وقال له عبد الأعلى يوما: ما تقول يا أعرابي، لو أمرت الطباخ فعمل لون كذا، ولون كذا؟ قال: أصلحك الله، لو كانت هذه الصفة في القرآن لكانت موضع سجود.
الفرزدق وابن الحصين
أبو عبيدة قال: مر الفرزدق بيحيى [بن الحصين] بن المنذر الرقاشي فقال له: هل لك أبا فراس في جدي رضيع، ونبيذ من شراب الزبيب؟ قال: وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة «2» .
وقال الأحوص لجرير لما قدم المدينة. ماذا ترى أن نعدّ لك؟ قال: شواء وطلاء «3» وغناء. قال: قد أعدّ لك.
وقال مساور الورّاق في وصف الطعام:
آسمع بنعتي للملوك ولا تكن ... فيما سمعت كميّت الأحياء
إنّ الملوك لهم طعام طيب ... يستأثرون به على الفقراء
(8/8)

إني نعتّ لذيذ عيشي كلّه ... والعيش ليس لذيذه بسواء
ثم اختصصت من اللذيذ وعيشه ... صفة الطعام لشهوة الحلواء
فبدأت بالعسل الشديد بياضه ... شهد تباكره بماء سماء
إني سمعت لقول ربك فيهما ... فجمعت بين مبارك وشفاء
أيام أنت هناك بين عصابة ... حضروا ليوم تنعّم أكفاء
لا ينطقون إذا جلست إليهم ... فيما يكون بلفظة عوراء «1»
متنسمين رياح كلّ هبوبة ... بين النخيل بغرفة فيحاء «2»
فقعدت ثم دعوت لي بمبذرق ... متشمّر يسعى بغير رداء «3»
قد لفّ كمّيه على عضلاته ... قلص القميص مشمّر سعّاء
فأتى بخبز كالملاء منقّط ... فبناه فوق أخاون الشّيزاء «4»
حتى ملاها ثم ترجم عندها ... بالفارسيّة داعيا بوحاء «5»
فإذا القصاع من الخلنج لديهم ... تبدو جوانبها مع الوصفاء
ارفع وضع وهنا وهاك وههنا ... قصف الملوك ونهمة القرّاء
يؤتون ثمّ بلون كلّ طريفة ... قد خالفته موائد الخلفاء
من كلّ فرنيّ وجدي راضع ... ودجاجة مربوبة عشواء
ومصوص درّاج كثير طيّب ... ونواهض يؤتّى بهنّ شواء «6»
وثريدة ملمومة قد سقّفت ... من فوقها بأطايب الأعضاء
وتزيّنت بتوابل معلومة ... وخبيّصات كالجمان نقاء
هذا الثّريد وما سواه تعلّل ... ذهب الثريد بنهمتي وهوائي
ولقد كلفت بنعت جدي راضع ... قد صنته شهرين بين رعاء
(8/9)

قد نال من لبن كثير طيّب ... حتى تفتّق من رضاع الشّاء
من كلّ أحمر لا يقر إذا ارتوى ... من بين رقص دائم ونزاء «1»
متعكّن الجنبين صاف لونه ... عبل القوائم من غذاء رخاء
فإذا مرضت فداوني بلحومها ... إني وجدت لحومهنّ دوائي
ودع الطبيب ولا تثق بدوائه ... ما حالفتك رواضع الأجداء
إنّ الطبيب إذا حباك بشربة ... تركتك بين مخافة ورجاء
وإذا تنطع في دواء صديقه ... لم يعد ما في جونة الرّقّاء»
نعت الطبيب هليلجا وبليلجا ... ونعتّ غيرهما من الأدواء «3»
رطب المشان مجزّعا يؤتى بها ... والرازقيّ فما هما بسواء «4»
وبنانيا زرقا كأنّ بطونها ... قطع الثّلوج نقيّة الأمعاء «5»
ليست بآكلة الحشيش ولا التي ... يبتاعها الخنّاق في الظلماء
باب آداب الأكل والطعام
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الأكل في السوق دناءة» .
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ويشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» .
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «سمّوا إذا أكلتم، واحمدوا إذا فرغتم» . وكان يلعق أصابعه بعد الطعام.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعد الطعام ينفي اللمم» «6» .
ومن الأدب في الوضوء أن يبدأ صاحب البيت فيغسل يده قبل الطعام ويتقدم أصحابه الى الطعام.
(8/10)

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» .
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «أملكوا «1» العجين فإنه أحد الرّيعين» «2» .
وكان فرقد يقول لأصحابه: إذا أكلتم فشدّوا الأزر على أوساطكم، وصغّروا اللقم، وشدّدوا المضغ، ومصوا الماء [مصّا] ، ولا يحل أحدكم إزاره فيتسع معاه، وليأكل كلّ واحد من بين يديه.
وقالوا: كان ابن هبيرة يباكر الغداء؛ فسئل عن ذلك، فقال: إن فيه ثلاث خصال: أما الواحدة فإنه ينشف المرّة، والثانية أنه يطيّب النكهة والثالثة: أنه يعين على المروءة: قيل: وكيف يعين على المروءة؟ قال: إذا خرجت من بيتي وقد تغديت لم أتطلع إلى طعام أحد من الناس.
البطنة وقولهم فيها
قالوا: البطنة تذهب الفطنة.
وقال مسلمة بن عبد الملك لملك الروم: ما تعدّون الأحمق فيكم؟ قال الذي يملأ بطنه من كل ما وجد.
وحضر أبو بكرة سفرة معاوية، ومعه ولده عبد الرحمن، فرآه يلتقم لقما شديدا؛ فلما كان بالعشي راح إليه أبو بكرة، فقال له معاوية: ما فعل آبنك التلقامة «3» ؟ قال:
اعتل، قال: مثله لا يعدم العلة.
ورأى أبو الأسود الدؤلي رجلا يلقم لقما منكرا، فقال [له] : كيف اسمك؟
قال: لقمان. قال: صدق الذي سماك! ورأى أعرابيّ رجلا سمينا، فقال له: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك!
(8/11)

وقعد أعرابي على مائدة المغيرة، فجعل ينهش ويتعرّق، فقال المغيرة: يا غلام ناوله سكينا، قال الاعرابي: كل امرىء سكينه «1» في رأسه.
لأعرابي
قال أعرابيّ: كنت أشتهى ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين [من اللحم، لها جناحان] من العراق: فأضرب فيها كما يضرب وليّ السوء في مال اليتيم! وقال أعرابي:
ألا ليت لي خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البرني فرسانها الزّبد «2»
فأطلب فيما بينهنّ شهادة ... بموت كريم لا يعدّ له لحد
واصطحب شيخ وحدثّ من الأعراب في سفر، وكان لهما قرص في كل يوم وكان الشيخ مخلع الأضراس، وكان الحدث يبطش بالقرص ويقعد يشكو العشق، والشيخ يتضوّر جوعا؛ وكان الحدث يسمى جعفرا، فقال الشيخ فيه:
لقد رابنى من جعفر أنّ جعفرا ... يطيش بقرصي ثمّ يبكي على جمل
فقلت له لو مسّك الحبّ لم تبت ... بطينا ونسّاك الهوى شدّة الأكل
الأصمعي قال: تقول العرب في الرجل الأكول: إنه برم قرون.
البرم: الذي يأكل مع الجماعة ولا يجعل شيئا. والقرون: الذي يأكل تمرتين تمرتين ويأكل أصحابه تمرة تمرة. وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن القران.
وكان عبد الله بن الزبير: إذا قدم التمر إلى أصحابه [قال] : قال عبد الله بن عمر:
إياكم والقران، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عنه.
وقيل لميسرة الأكول: كم تأكل كلّ يوم؟ قال: من مالي أو من مالي غيري؟ قيل
(8/12)

له: من مالك. قال مكّوك «1» . قيل: فمن مال غيرك؟ قال: اخبزوا واطرحوا! وقال رجل من العراق في قينة حفص الكاتب:
قيينة حفص ويلها ... فيها خصال عشره
أوّلها أنّ لها ... وجها قبيح المنظره
ودارها في وهدة ... أوسع منها القنطره
تأكل في قعدتها ... ثورا وتخرى بقره
قال تأبّط شرا: ما أحببت شيئا قطّ حبي ثلاثة: أكل اللحم، وركوب اللحم، وحكّ اللحم باللحم.
وقال أبو اليقظان: كان هلال بن الأسعر التميمي أكولا، فيزعمون أنه أكل فصيلا وأكلت امرأته فصيلا؛ فلما أراد أن يجامعها لم يصل إليها، فقالت له: وكيف تصل إليّ وبيني وبينك بعيران! وكان الواثق، واسمه هارون بن محمد بن هارون، أكولا، وكان مفتونا بحب الباذنجان، وكان يأكل في أكلة واحدة أربعين باذنجانة؛ فأوصى إليه أبوه، وكان وليّ عهده: ويلك! متى رأيت خليفة أعمى؟ فقال للرسول: أعلم أمير المؤمنين أني تصدقت بعينيّ جميعا على الباذنجان!
نهم سليمان بن عبد الملك
وكان سليمان بن عبد الملك من الأكلة، حدث عنه العتبي عن أبيه عن الشمرد وكيل عمرو بن العاص قال: لما قدم سليمان الطائف، دخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه بستانا لعمرو بن العاص، فجال فيه ساعة، ثم قال: ناهيكم بما لكم هذا مالا! ثم ألقى صدره على غصن، وقال: ويلك يا شمردل ما عندك شيء تطعمني؟ قال: بلى، إن عندي جديا كانت تغدو عليه بقرة وتروح أخرى. قال: عجل به. فأتيته به كأنه عكة سمن، فأكله وما دعا عمر ولا ابنه، حتى إذا بقي الفخذ قال: هلم أبا حفص.
(8/13)

قال: إني صائم. فأتى عليه، ثم قال: ويلك يا شمردل! ما عندك شيء تطعمني؟ قال:
بلى والله، عندي خمس دجاجات هنديات كأنهنّ رئلان «1» النعام. قال: فأتيته بهن، فكأن يأخذ برجلي الدجاجة فيلقى عظامها نقية، حتى أتى عليهن؛ ثم قال: يا شمردل، ما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى واللَّه، إن عندي حريرة «2» كأنها قراضة الذهب.
فقال: عجل بها. فأتيته بعسّ يشيب فيه الرأس، فجعل يلاقيها بيده ويشرب؛ فلما فرغ تجشّأ، فكأنما صاح في جب، ثم قال: يا غلام، أفرغت من غذائي؟ قال: نعم قال: وما هو؟ قال: ثمانون قدرا. قال: ائتني بها قدرا قدرا. قال: فأكثر ما أكل من كل قدر ثلاث لقم، وأقلّ ما أكل لقمة؛ ثم مسح يده واستلقى على فراشه، ثم أذن للناس ووضعت المائدة وقعد فأكل مع الناس، فما أنكرت من أكله شيئا.
نهم مزرد
وقال الأصمعي: كنت يوما عند هارون الرشيد، فقدمت إليه فالوذجة، فقال: يا أصمعي، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: حدثني بحديث مزرّد أخي الشماخ. قلت:
نعم يا أمير المؤمنين، إن مزردا كان رجلا جشعا نهما، وكانت أمه تؤثر عيالها بالزاد عليه؛ وكان ذلك مما يضرّ به ويحفظه؛ فذهبت يوما في بعض حقوق أهلها، وخلفت مزردا في بيتها ورحلها، فدخل الخيمة، فأخذ صاعين من دقيق، وصاعا من عجوة، وصاعا من سمن؛ فضرب بعضه ببعض فأكله، ثم أنشأ يقول:
ولما مضت أمّي تزور عيالها ... أغرت على العكم الذي كان يمنع «3»
خلطت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتريّع
ودبّلت أمثال الأثافي كأنها ... رءوس رخال قطّعت لا تجمّع «4»
وقلت لبطني: أبشر اليوم إنه ... حمى أمّنا مما تفيد وتجمع
(8/14)

فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع «1»
قال: فاستضحك هارون حتى أمسك بطنه واستلقى على ظهره، ثم قعد فمدّ يده وقال: خذ، فذا يوم تشبع يا أصمعي! وقال حميد الأرقط- وهو الذي هجا الأضياف- يصف أكل الضيف:
ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور
وقال أيضا:
تجهّز كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الزّور ما ضمّت عليه الانامل
أتانا وما ساواه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنه ... من العيّ لمّا أن تكلّم باقل
وقال:
لا أبغض الضيف ما بي جلّ مأكله ... إلا تنفّجه حولي إذا قعدا «2»
ما زال ينفخ جنبيه وحبوته ... حتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا «3»
وقال:
لا مرحبا بوجوه القوم إذ نزلوا ... دسم العمائم تحكيها الشياطين
ألقيت جلّتنا شطرين بينهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنّوى عالى معرّسهم ... وليس كلّ النوى تلقي المساكين «4»
موت سليمان بن عبد الملك:
أبو الحسن المدائني قال: أقبل نصراني إلى سليمان بن عبد الملك، وهو بدابق، بسلّين، أحدهما مملوء بيضا، والآخر مملوء تينا، فقال: اقشروا. فجعل يأكل بيضة وتينة حتى فرغ من السلين؛ ثم أتوه بقصعة مملوءة مخّا بسكر؛ فأكله، فأتخم ومرض فمات.
(8/15)

عيب الحمية:
والأكلة كلهم يعيبون الحمية، ويقولون، الحمية إحدى العلتين.
وقالوا: من احتمى فهو على يقين من المكروه وهو في شك من العافية! وقالوا: الحمية للصحيح ضارّة وللعليل نافعة.
الحمية وقولهم فيها
قيل لبقراط: مالك تقل الأكل جدا؟
قال: إني إنما آكل لأحيا، وغيري يحيا ليأكل! وأجمعت الأطباء على أن رأس الداء كلّه إدخال الطعام على الطعام.
وقالوا: احذروا إدخال اللحم على اللحم؛ فإنه ربما قتل السباع في القفر.
وأكثر العلل كلها إنما يتولد من فضول الطعام.
والحمية مأخوذة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد، فقال «أتأكل تمرا وأنت أرمد؟» .
ودخل على عليّ رضي الله عنه وهو عليل، وبيده عنقود عنب، فنزعه من يده.
وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم» .
وقيل للحارث بن كلدة طبيب العرب: ما أفضل الدواء؟
قال: الأزم «1» .
يريد قلة الأكل، ومنه قيل للحمية: الأزمة، وللكثير أزمات.
وقيل لآخر: ما أفضل الدواء؟
قال: أن ترفع يدك عن الطعام وأنت تشتهيه.
أبو الأشهب عن أبي الحسن قال: قيل لسمرة بن جندب: إن ابنك إذا أكل طعاما كظّه «2» حتى كاد أن يقتله.
قال: لو مات ما صليت عليه!
(8/16)

عبد الملك ومدعو إلى غدائه:
ودعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغداء، فقال. ما فيّ فضل يا أمير المؤمنين.
قال: لا خير في الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل! فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، ولكن أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين.
وقال الأحنف بن قيس: جنّبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل يكون وصّافا لبطنه وفرجه.
وقيل لبعض الحكماء: أي الطعام أطيب؟
قال: الجوع؛ ما ألقيت إليه من شيء قبله.
وقال رجل من أهل الشام لرجل من أهل المدينة: عجبت منكم أن فقهاءكم أظرف من فقهائنا، ومجانينكم أظرف من مجانيننا! قال: أو تدري من أين ذلك؟
قال: لا أدري.
قال: من الجوع، ألا ترى أن العود إنما صفا صوته لما خلا جوفه!
الثوري في ابنه:
وقال الجاحظ: كان أبو عثمان الثوري يجلس ابنه معه ويقول له: إياك يا بنيّ ونهم الصبيان، وأخلاق النوائح، ونهش الأعراب؛ وكل مما يليك، واعلم أنه إذا كان في الطعام لقمة كريمة، أو مضغة شهيّة، أو شيء مستطرف، فإنما ذلك للشيخ المعظّم، أو للصبي المدلّل، ولست بواحد منهما، وقد قالوا: مد من اللحم كمد من الخمر.
أي بنيّ، عوّد نفسك الأثرة، ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تخضم خضم البراذين، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال؛ فإن الله جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة، واحذر سرعة الكظة، وسرف البطنة؛ فقد قال بعض الحكماء: إذا كنت نهما فعدّ نفسك من الزّمنى؛ واعلم أن الشّبع داعية البشم «1» ، والبشم داعية السقم، والسقم داعية الموت؛ ومن مات هذه الميتة فقد مات
(8/17)

ميتة لئيمة، لأنه قاتل نفسه، وقاتل نفسه ألأم من قاتل غيره.
أي بنيّ، والله ما أدّى حقّ الركوع والسجود ذو كظة، ولا خشع للَّه ذو بطنة، والصوم مصحّة، والوجبات «1» عيش الصالحين.
أي بنيّ، لأمر ما طالت أعمار الهند، وصحت أبدان العرب؛ وللَّه درّ الحارث بن كلدة إذ زعم أن الدواء هو الأزم، فالداء كله من فضول الطعام؛ فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح الدين والدنيا، والقرب من عيش الملائكة! أي بني، لم صار الضب أطول عمرا؟ إلا لأنه يتبلغ بالنسيم؛ ولم قال الرسول عليه الصلاة والسلام: إن الصوم وجاء «2» ؟ إلا لأنه جعله حجابا دون الشهوات؛ فافهم تأديب الله عز وجل، وتأديب رسوله عليه الصلاة والسلام.
أي بني، قد بلغت تسعين عاما ما نغضت لي سنّ، ولا انتشر لي عصب، ولا عرفت ذنين «3» أنف، ولا سيلان عين، ولا سلس بول؛ ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد؛ فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت فلا أبعد الله غيرك!
سياسة الأبدان بما يصلحها
الحجاج وطبييه:
قال الحجاج بن يوسف للباذون طبيبه: صف لي صفة آخذ بها في نفسي ولا أعدوها.
قال له: لا تتزوّج من النساء إلا شابة. ولا تأكل من اللحم إلا فتيّا، ولا تأكله حتى تنعم طبخه، ولا تشرب دواء إلا من علة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، ولا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه، وكل ما أحببت من الطعام واشرب عليه، فإذا
(8/18)

شربت فلا تأكل ولا تحبس الغائط ولا البول، وإذا أكلت بالنهار فنم، وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة.
وسئل يهود خيبر: بم صححتم على وباء خيبر؟
قالوا: بأكل الثوم، وشرب الخمر، وسكنى اليفاع «1» ، وتجنّب بطون الأودية والخروج من خيبر عند طلوع النجم «2» وعند سقوطه.
وقال قيصر لقس بن ساعدة: صف لي مقدار الأطعمة؛ فقال: الإمساك عن غاية الإكثار، والبقيا على البدن عند الشهوة. قال: فما أفضل الحكمة؟ قال: معرفة الإنسان قدره. قال: فما أفضل العقل؟ قال: وقوف الإنسان عند علمه.
عبد الملك وأبو الزعيزعة:
وسأل عبد الملك بن مروان أبا المفوز: هل أتخمت قط؟ قال: لا. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنّا إذا طبخنا أنضجنا، وإذا مضغنا دققنا، ولا نكظّ المعدة ولا نخليها.
وقيل لبزرجمهر: أي وقت فيه الطعام أصلح؟ قال: أما لمن قدر فإذا جاع، و [أما] لمن لم يقدر فإذا وجد! وقال: أربع تهدم العمر وربما قتلن: الحمّام على البطنة. والمجامعة على الامتلاء، وأكل القديد الجافّ، وشرب الماء البارد على الريق.
وقال إبراهيم النظام: ثلاثة أشياء تفسد العقل: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر في البحر.
هارون والأطباء:
الأصمعي قال: جمع هارون من الأطباء أربعة: عراقيا، وروميا، وهنديا، ويونانيا؛ فقال: ليصف لي كلّ واحد منكم الدواء الذي لا داء معه. فقال العراقي:
(8/19)

الدواء الذي لا داء معه حبّ الرشاد الأبيض. وقال الهندي: الهليلج الأسود. وقال الرومي: الماء الحارّ، وقال اليوناني وكان أطبّهم: حب الرشاد الأبيض يولد الرطوبة، والماء الحارّ يرخي المعدة، والهليلج الأسود يرق المعدة؛ ولكن الدواء الذي لا داء معه: أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه.
تدبير الصحة
ثم نذكر بعد هذا من وصف الطعام وحالاته، وما يدخل على الناس من ضروب آفاته، بابا في تدبير الصحة الذي لا تقوم الأبدان إلا به، ولا تنمّى النفوس إلا عليه.
وقد قال الشافعي: العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان؛ ولم نجد بدّا- إذ كانت جملة هذه المطاعم التي بها نمو الغراسة «1» ، وعليها مدار الأغذية تضرّ في حالة وتنفع في أخرى- من ذكر ما ينفع منها ومقدار نفعه، وما يضرّ منها ومبلغ ضرّه؛ وأن نحكم على كل ضرب منها بالأغلب عليه من طبائعه.
وقلما نجد شيئا ينفع في حالة إلا وهو ضار في الأخرى؛ ألا ترى أن الغيث الذي جعله الله رحمة لخلقه، وحياة لأرضه، قد يكون منه السيول المهلكة، والخراب المخيف؟ وأن الرياح التي سخرها الله مبشرات بين يدي رحمته، قد أهلك بها قوما وانتقم من قوم؟ وفي هذا المعنى قال حبيب الطائي:
ولم تر نفعا عند من ليس ضائرا ... ولم تر ضرّا عند من ليس ينفع
قال خالد بن صفوان [يوما] لخادمه: أطعمنا جبنا، فإنه يشهّي الطعام، ويهيج المعدة، وهو حمض العرب. قال: ما عندنا منه شيء. فقال: لا بأس عليك، فإنه يقدح «2» الأسنان، ويشد البطن.
ولما كانت أبدان الناس دائبة التحلل، لما فيها من الحرارة الغريزية من داخل، وحرارة الهواء المحيط بها من خارج- احتاجت إلى أن يخلف عليها ما تحلل، واضطرت لذلك إلى الأطعمة والأشربة، وجعلت فيها قوة الشهوة ليعلم بها وقت
(8/20)

الحاجة منها إليها، ومقدار ما يتناول منها، والنوع الذي يحتاج إليه؛ ولأنه لا يخلف الشيء الذي يتحلل ولا يقوم مقامه إلا مثله، وليس تستطيع القوة التي تحيل الطعام والشراب في بدن الإنسان أن تحيل إلا ما شاكل البدن وقاربه؛ فإذا كان هذا هكذا فلا بد لمن أراد حفظ الصحة أن يقصد لوجهين: أحدهما أن يدخل على البدن الأغذية الموافقة لما يتحلل منه، والأخرى أن ينفي عنه ما يتولد فيه من فضول الأغذية.
ما يصلح لكل طبيعة من الأغذية
وينبغي لك أن تعرف اختلاف طبائع الأبدان وحالاتها، لتعرف بذلك موافقة كلّ نوع من الأطعمة لكل صنف من الناس؛ وذلك أن الأغذية مختلفة؛ منها معتدلة، كالتي يتولد منها الدم الخالص النقيّ؛ ومنها غير معتدلة، كالتي يتولد منها البلغم والمرّة الصفراء والسوداء والرياح الغليظة؛ ومنها لطيفة ومنها غليظة؛ ومنها ما يتولد عنه كيموس «1» لزج وكيموس غير لزج؛ ومنها ما له خاصة منفعة أو مضرة في بعض الأعضاء دون بعض.
وكذلك الأبدان أيضا، منها معتدل مستول عليه في طبيعته الدم الخالص النقي، ومنها غير معتدل يغلب عليه البلغم أو إحدى المرّتين، ومنها متخلخل سريع التحلل، ومنها مستحصف «2» عسر التحلل، ومنها ما يكون في بعض أعضائها دون بعض؛ فقد يجب متى كان المستولي على البدن الدم النقي أن تكون أغذيته قصدا في قدرها، معتدلة في طبائعها؛ ومتى كان الغالب عليه البلغم، فيجب أن تكون مسخنة، أو يغتذي بما يزيد في الحرارة ويقمع في الرطوبة؛ ومتى كان الغالب عليه المرّة السوداء فينبغي له أن يغتذي بالأغذية الحارة الرطبة؛ ومتى كان الغالب عليه المرة الصفراء فيغتذي بالأغذية الباردة الرطبة، ومتى كان بدنه مستحصفا «3» ، عسر التحلل فينبغي أن يغتذي بأغذية يسيرة لطيفة جافة، ومتى كان متخلخلا فينبغي له أن يغتذي بأغذية لزجة، لكثرة ما يتحلل من البدن.
(8/21)

فهذا التدبير ينبغي أن يلتزم، ما لم يكن في بعض أعضاء البدن ألم، فينبغي أن يستعمل النظر في الأغذية الموافقة للعضو الألم؛ لأنا ربما اضطررنا إلى استعمال ما يوافق العضو الألم، وإن كان مخالفا لسائر البدن؛ كما أنه لو كانت الكبد باردة ضيقة المجاري، احتجنا إلى استعمال الأغذية اللطيفة وتجنّب الأغذية الغليظة، وإن كان سائر البدن غير محتاج إليها لضعف أو نحافة؛ لئلا تحدث الغليظة في الكبد سددا؛ وربما كانت الكبد حارة، فتحذر الأغذية الحلوة وإن احتاج إليها [البدن] لسرعة استحالتها إلى المرة الصفراء، وربما كانت المعدة ضعيفة، فتحتاج إلى ما يقوّيها من الأغذية؛ وربما كان يولد الطعام فيها بلغما، فتحتاج إلى ما يجلوه ويقطعه؛ وربما كان يتولد فيها المرة الصفراء سريعا، فتحتاج إلى ما يقمع الصفراء وإلى تجنّب الأشياء المولدة لها؛ وربما كان الطعام يبقى على رأس المعدة طافيا، فيستعمل الأغذية الغليظة الراسبة، ليثقل بثقلها إلى أسفل المعدة؛ وتأمره بحركة يسيرة بعد الطعام، لينحط الطعام عن رأس المعدة. وربما كان فضل الطعام بطيء الانحدار عن المعدة والأمعاء، فتحتاج إلى ما يحدره ويلين البطن؛ وربما كان رأس المعدة حارا قابلا للحار، فيتجنب الأغذية الحارة وإن احتاج إليها سائر البدن.
الحركة والنوم مع الطعام
وينبغي ألا تقتصر على ما ذكرنا دون النظر في مقدار الحركة قبل الطعام، والنوم بعده؛ فمتى كانت الحركة قبل الطعام كثيرة غذيناه بأغذية غليظة لزجة إلى اليبس مما هي بطيئة التحلل، ولم نأمره بالحمية لقلة الحاجة إليها، ومتى لم تكن قبل الطعام حركة، أو كانت يسيرة، فينبغي أن لا يقتصر على الحمية بقلة الطعام ولطافته، دون أن يستعين على تخفيف ما يتولد في البدن من الفضول باستفراغ الأدوية المسهلة، وبالحمّام، وبإخراج الدم؛ ومتى كانت الحركة كافية استعملنا الأغذية المعتدلة في كثرتها، وقدر لطافتها وغلظها؛ ومتى كان النوم بعد الطعام كثيرا احتجنا إلى استعمال أغذية كثيرة غزيرة بالغذاء، لطول الليل وكثرة النوم؛ ومتى كان النوم قليلا احتجنا إلى الطعام الخفيف اللطيف، كالذي يغتذى به في الصيف، لقصر الليل وقلة النوم.
(8/22)

تقدير الطعام وما يقدم منه وما يؤخر
ويجب في الطعام أن يقدر فيه أربعة أنحاء:
أولها: ملاءمة الطعام لبدن المغتذي به في الوقت الذي يغتذي به فيه، كما ذكرنا أيضا أنه متى كان الغالب على البدن الحرارة احتاج إلى الأغذية الباردة، ومتى كان الغالب عليه البرد احتاج إلى الأغذية الحارة، ومتى كان معتدلا احتاج إلى الأغذية المعتدلة المشاكلة له.
والنحو الثاني: تقدير الطعام، بأن يكون على مقدار قوة الهضم، لأنه وإن كان في نفسه محمودا، وكان ملائما للبدن، وكان أكثر من قدر احتمال قوة الهضم، ولم يستحكم هضمه، تولد منه غذاء رديء.
والنحو الثالث: تقديم ما ينبغي أن يقدّم من الطعام، وتأخير ما ينبغي أن يؤخر منه؛ ومثل ذلك أنه ربما جمع الإنسان في أكلة واحدة طعاما يلين البطن وطعاما يحبسه، فإن هو قدم الملين وأتبعه الآخر، سهل انحدار الطعام منه: ومتى قدم الطعام الحابس وأتبعه الملين، لم ينحدر وفسدا جميعا. وذلك أن الملين حال فيما بينه وبين نزول الطعام الحابس، فبقي في المعدة بعد انهضامه، ففسد به الطعام الآخر. ومتى كان الطعام الملين قبل الحابس انحدر الملين بعد انهضامه، وسهل الطريق لانحدار الحابس. وكذلك أيضا لو جمع أحد في أكلة واحدة طعاما سريع الانهضام وآخر بطيء الانهضام، فينبغي له أن يقدّم البطيء الانهضام ويتبعه السريع الانهضام، ليصير البطيء الانهضام في قعر المعدة. لأن قعر المعدة أسخن، وهو أقوى على الهضم، لكثرة ما فيه من أجزاء اللحم المخالطة له، وأعلى المعدة عصبي بارد لطيف ضعيف الهضم، ولذلك إذا طفا الطعام على رأس المعدة لم ينهضم.
والنحو الرابع: أن يتناول الطعام الثاني بعد انحدار الأول وقد قدّم قبله حركة كافية وأتبعه بنوم كاف، استمراءه؛ ومن أخذ الطعام وقد بقي في معدته أو أمعائه بقية من الطعام الأول غير منهضمة، فسد الطعام الثاني ببقية الأوّل.
(8/23)

باب الحركة والنوم مع الطعام
ومن أكل الطعام بعد حركة كافية وأخذه على حاجة من البدن إليه، وافى الطعام الحركة الغريزية قد اشتعلت. ومن تناول طعاما من غير حركة وأخذه مع غير حاجة من البدن إليه، وافى الطعام الحركة الغريزية خامدة بمنزلة النار الكامنة في الزناد.
ومن أتبع الطعام بنوم، بطنت الحرارة الغريزية فيه فاجتمعت في باطن البدن فهضمت طعامه. ومن أتبع الطعام بحركة، انحدر عن معدته غير منهضم وانبث في العروق غير مستحكم، فأحدث سددا وعللا في الكبد والكلى وسائر الأعضاء.
وربما كانت الأطعمة لضعف المعدة تطفو فيها وتصير في أعلاها، فلا تأمره بالنوم حتى ينحدر الطعام عن المعدة بعض الانحدار ويصير في قعر المعدة. وربما أمرنا بحركة يسيرة كما ذكرنا آنفا، لانحدار الطعام عن المعدة بعض الانحدار.
وإن أكثر الشراب منع الطعام من الانهضام، لأنه يحول فيما بين جرم»
المعدة وبين الطعام، وإذا لم تلق المعدة الطعام لم تحله إلى مشاكلة البدن وموافقته، فيبقى فيها غير منهضم. فيجب لذلك على من أخذ الطعام أن يتناول معه من الشراب ما يسكن به حرّ العطش ويصبر على قدر احتماله من العطش، ويصبر حتى ينهضم، ثم يتناول بعد ذلك من الشراب ما أحب، فإنه بعد ذلك يعين على انحدار الطعام وترقيقه لتنفيذه في المجاري الدّقاق.
ويجب أيضا أن يكون أخذه للطعام في وقت حركة الشهوة؛ وذلك أنه إذا تحركت الشهوة ولم يبادر بأخذ الطعام، اجتذبت المعدة من فضول البدن ما إذا صار في المعدة أبطل الشهوة، وأفسد الطعام إذا خالطه.
الأوقات التي يصلح فيها الطعام
أجود الأوقات كلها للطعام الأوقات الباردة. لجمعها الحرارة في باطن البدن فأما الأوقات الحارة فينبغي أن يجتنب أخذ الطعام فيها، لأن حرارة الهواء تجذب الحرارة
(8/24)

الباطنة الغريزية إلى ظاهر البدن ويخلو منها باطنه، فتضعف الحرارة في باطنه عن هضمه. فلذلك كانت القدماء تفضل العشاء على الغداء لما يلحق العشاء من اجتماع الحرارة على باطن البدن، لبرد الليل والنوم، ولأن الحرارة في النوم تبطيء، ويسخن باطن البدن ويبرد ظاهره. واليقظة على خلاف ذلك، لأن الحرارة تنتشر في ظاهر البدن وتضعف في باطنه. والذي يحتاج إلى كثرة الغذاء من الناس من كان الغالب على بدنه الحرارة، وكانت معدته لحرارتها سريعة الانهضام، وكانت كبده لحرارتها سريعة التوليد للمرة الصفراء؛ فلذلك يحتاج إلى الأطعمة الغليظة البطيئة الانهضام ويستمرئها، ويستمريء لحم البقر ولا يستمريء لحم الدجاج وما أشبهه من الأطعمة الخفيفة.
ولا يصلح شيء من هذه إلا في وقت تحرّك الشهوة، فإنه أفضل وقت يؤخذ فيه الطعام؛ وللعادة في هذا حظ عظيم. ألا ترى أنه من اعتاد الغداء فتركه واقتصر على العشاء عظم ضرر ذلك عليه؟ ومن كانت عادته أكلة واحدة فجعلها أكلتين لم يستمريء طعامه، ومن كانت عادته أن يجعل طعامه في وقت من الأوقات فنقله إلى غير ذلك الوقت أضر ذلك به، وإن كان قد نقله إلى وقت محمود؛ فيجب لذلك أن يتبع العادة إذا تقادمت فطالت، وإن كانت ليست بصواب، إذا لم يجد شيئا اضطره إلى نقله؛ لأن العادة طبيعة ثانية كما ذكر الحكيم أبقراط، فإن حدث شيء يدعوه إلى الانتقال عنها فأوفق الأمور في ذلك أن ينقل عنها قليلا قليلا.
وللشهوة أيضا في استمراء الطعام أعظم الحظ؛ لأنها دليل على الموافقة والملاءمة، فمتى كان طعامان متساويان في الجودة، وكانت شهوة المحتاج إليهما إلى أحدهما أميل، رأينا إيثار المشتهي على الآخر، لأنه أوفق للطبيعة، وأسهل عليها في الاستمراء. ومتى كان أحدهما أجود من الآخر، وكانت شهوة المحتاج إليهما أميل إلى أردئهما. اخترناه على الأجود إذا لم نخف منه ضررا لكثير ما ينال منه من المنفعة، لقبول المعدة له واستمرائها إياه.
فقد بان أنه يحتاج في حال الأغذية وجودة تخير الأطعمة إلى معرفة اختلاف الطبائع وحالاتها؛ فقد بينت اختلاف طبائع الأبدان وحالاتها، وما يجب على كل
(8/25)

واحدة منها من أنواع الأطعمة والأشربة؛ وبقي أن نبين اختلاف قوى الأطعمة والأشربة. وأن أصف أنواع الأغذية وأسمّى ما في كل صنف منها إن شاء الله تعالى.
الأطعمة اللطيفة
هي التي يتولد منها دم لطيف، فمنها لباب خبز الحنطة، والحب المقشور، ولحم الفراريج، ولحم الدّراج «1» والطّهيوج «2» والحجل، وفراخ الحجل، وأجنحة الطيور، وما لان لحمه من صغار السمك ولم تكن فيه لزوجة، والقرع، والماش «3» ؛ وما أشبه.
وهذا الجنس من الأطعمة نافع لمن ليست له حركة وكانت الحرارة الغريزية في بدنه ضعيفة ولم يأمن أن يتولد في بدنه كيموس غليظ، أو يتولد في كبده أو طحاله سدد، أو في كلاه، أو في صدره، أو في دماغه، أو في شيء من مفاصله من البلغم.
الاطعمة اللطيفة في نفسها الملطفة لغيرها
هي التي يكون ما يتولد منها لطيفا، ويلطّف ما يلقاه من الكيموس اللزج الغليظ في البدن.
وهذا الجنس من الأطعمة أربعة أصناف: صنف منها حلو لطيف لما فيه من قوة الجلاء، مثل: ماء الشعير، والبطيخ، والتين اليابس، والجوز، والعسل والفستق وما يعمل منه من الناطف.
وهذا الجنس من منفعته من جنس الأول من الأطعمة اللطيفة، إلا أنه أبلغ في تلطيف البدن.
والصنف الثاني حار، حرّيف، كالحرف، والثوم، والكراث، والكرفس
(8/26)

والكرنب، والصّعتر، والنعنع، والرازيانج، والشرب الأصفر اللطيف العتيق الحار.
وهذا كله نافع لمن احتاج إلى فتح السدد التي في الكبد، والطحال، والصدر والدماغ، وتقطيع البلغم وترقيقه.
ولا ينبغي لأحد أن يكثر استعماله، لأنه يرقق الدم أولا ويصيره مائيا، فيقل لذلك غذاء البدن ويضعف، ثم إنه يسخن البدن سخونة مفرطة، فيصير أكثره مرة صفراء، ثم إنه بعد ذلك إذا تمادى مستعمله في استعماله حلل لطيف الدم وترك غليظه، فصار أكثره مرة سوداء، وربما تولد من ذلك حجارة في الكلى؛ ومضرة هذا الصنف أشد ما تكون على من كانت المرة الصفراء غالبة عليه.
والصنف الثالث: يذهب ويلطف بملوحته، كالمري «1» وما لان لحمه وقل شحمه من السمك إذا ملح، والسلق، وماء الجبن، وكلّ ما جعل فيه من الأطعمة الملح، والمري، البورق.
ومنافع هذا الصنف ومضاره قريبة من منافع الأشياء الحريفة ومضارّها، إلا أن هذا الصنف في تنقية المعدة والأمعاء وتليين الطبيعة أبلغ.
والصنف الرابع: يقطع ويلطف بحموضته، كالخل، والسكنجبين، وحماض «2» الأترجّ، وماء الرمان الحاض، وكل ما يتخذ بها من الأطعمة.
وهذا الصنف نافع لمن كانت معدته وسائر بدنه حارا إذا تولد فيه بلغم من غلظ ما يتناول من الأغذية ومن كثرتها.
الاطعمة الغليظة في نفسها الملطفة لغيرها
منها: البصل، والجزر، والفجل، والسلجم «3» ، وما أشبه ذلك.
فهذه الأطعمة في نفسها غليظة وتلطّف ما تلقى من الشيء الغليظ بما فيها من الحدّة
(8/27)

والحرافة؛ وهي تولد كيموسا غليظا، ومتى ما طبخ شيء منها أو شوي ذهب عنه قوة الحرافة والتقطيع، وبقي جرمه غليظا رديئا؛ وقد يتناول للمنفعة بتقطيع هذه الأطعمة وتلطيفها، ويسلم من غلظ جرمها، على إحدى ثلاث جهات: إما أن تطبخ فتلطف، كالذي يفعل بالبصل؛ وإما أن تعصر أو تطبخ ثم يستعمل ماؤها؛ وإما أن تؤكل نيئة فتقطع البلغم، كالذي يفعل بهما جميعا.
الاطعمة الغليظة
الغالب على الأطعمة الغليظة كلها اليبس واللزوجة؛ فمنها شيء يكون اليبس واللزوجة من طبعه، ومنها ما يكتسب اليبس من غيره.
فالذي يكون اليبس من طبعه. العدس، ولحم الأرانب، والبلوط، والشاه بلوط، والكمأة، والباقلي المقلوّ؛ هذه كلها غليظة، لأن اليبس في طبائعها.
وأما الذي يكتسب اليبس من غيره، فالكبود «1» ، والبيض المسلوق، والمشوي وما قلي، واللبن المطبوخ طبخا كثيرا، والضروع، وعصير العنب المطبوخ، لا سيما إن كان العصير غليظا؛ فهذه كلها غليظة، لأن الحرارة بالطبخ أحدثت لها يبسا وانعقادا.
وأما لحوم الإبل، ولحوم التيوس، ولحوم البقر، والكروش، والأمعاء، فإنها غليظة بصلابتها؛ وكذلك الترمس، وثمر الصنوبر، والسلجم «2» ، واللوبيا، وما خبز على الفرن؛ فإن ظاهره غليظ، لما أحدثت به النار من اليبس، وباطنه غليظ، لما فيه من اللزوجة؛ وكذلك كل ما لم يجد عجنه أو خبزه أو إنضاجه من خبز التنور، وكل ما خبز على الطابق بدهن أو غيره، والفطير، والشهد، واللبن، والأدمغة؛ فإنها كلها غليظة، للزوجة فيها طبيعية.
وأما الفالوذج فإنه غليظ للزوجته والانعقاد الحادث له من الطبخ.
(8/28)

وأما الباذنجان فإنه غليظ لليبس وللّزوجة في طبعه.
وأما الخبز فإنه غليظ لاجتماع الحالات الثلاث فيه.
فأما السمك الصلب اللزج فإنه غليظ لاجتماع الصلابة واللزوجة فيه.
وأما الآذان والشّفاه وأطراف العضو، فإنها تولد كيموسا لزجا ليس بالغليظ وقد تولد ما يعرض من الأغذية الباردة عن هضمها وتلطيفها، كالذي يعرض من أكل الفاكهة قبل نضجها، ومن أكل الخيار والقثاء، وشحم الأترج واللبن الحامض.
فهذه الأطعمة الغليظة كلها إن صادفت بدنا حارا كثير التعب قليل الطعام كثير النوم بعيد الطعام انهضمت وغذت البدن غذاء كثيرا نافعا، وقوّته تقوية كثيرة.
وأحمد ما تستعمل هذه الأغذية في الشتاء، لاجتماع الحرارة في باطن البدن وطول النوم؛ ومتى أحس أحد في نومه نقصانا بيّنا وأكلها من يجد الحرارة في بدنه قليلة ولا سيما في معدته، ومن تعبه قليل ونومه بعد الطعام قليل- لم يستحكم انهضامها، وتولد منها في البدن كيموس غليظ حار يابس، يتولد منه سدة في الكبد والطحال؛ فلذلك ينبغي لمن أكل طعاما غليظا من غير حاجة إليه لعلة أو شهوة أن يقلّ منه ولا يعوّده، ولا يدمنه.
وما كان من الأطعمة الغليظة له مع غلظه لزوجة، فهو أغذاها للبدن؛ فإن لم ينهضم فهو أكثرها توليدا للسدد.
الأطعمة المتوسطة بين اللطيفة والغليظة
تصلح لمن كان بدنه معتدلا صحيحا، ولم يكن تعبه كثيرا؛ وأجود الأغذية له المتوسطة، لأنها لا تنهكه ولا تضعفه كاللطيفة، ولا تولد خاما «1» ولا سددا كالغليظة.
(8/29)

وهي كل ما أحكم صنعه من الخبز، ولحوم البقر، والدجاج، والجداء، والحولية من المعز.
وأما لحوم الخرفان والضأن كلها فرطبة لزجة.
وأما لحم فراخ الحمام والقطا فهو يولد دما سخنا وأغلظ من الدم المعتدل.
وأما فراخ الوراشين «1» فإنها مثل فراخ الحمام والقطا «2» والإوز، فأجنحتها معتدلة وسائر البدن كثير الفضول.
وكل ما كثرت حركته من الطير وكان مرعاه في موضع جيد الغذاء صافي الهواء، كان أجود غذاء وألطف؛ وكل ما كان على خلاف ذلك فهو أردأ غذاء وأوسخ.
وكل ما لم يستحكم نضجه من البيض، وخاصة ما ألقي على الماء الحار وأخذ من قبل أن يشتد، فهو معتدل.
وكل ما كان من لحم السمك ليس بصلب ولا كثير اللزوجة، والزهومة «3» ، وما كان مرعاه نقيا من الأوساخ والحمأة، فهو معتدل جيّد الغذاء.
ومن الفواكه التين والعنب إذا استحكم نضجهما على الشجر وأسرعت الانحدار إلى الجوف، كان ما يتولد منها معتدلا، فإن لم تسرع الانحدار فلا خير فيها.
ومن البقول الهندبا، والخس، والهليون.
ومن الأشربة كلها ما كان لونه ياقوتيا صافيا ولم يكن عتيقا جدا.
الأطعمة الحارّة
يحتاج إليها من كان الغالب عليه البرودة، في الأوقات والبلاد الباردين؛ وينبغي أن يتجنبها من كان حارّ البدن، وفي الأوقات الحارّة والبلاد الحارة.
(8/30)

منها: الحنطة المطبوخة، والخبز المتخذ من الحنطة، والحمص، والحلبة، والسمسم، والشهدانج، والعنب الحلو، والكرفس، والجرجير، والفجل، والسلجم، والخردل، والثوم، والبصل، والكراث، والخمر العتيق.
وأسخن الأشربة الحارّة العتيق الأصفر.
الأطعمة الباردة
ينبغي أن يستعملها من كان حارّ البدن، وفي الأوقات الحارّة والبلد الحارّ.
وهي: الشعير وما يتخذ منه، والجاورس، والدّخن، والقرع، والبطيخ، والخيار، والقثاء، والإجاص، والخوخ، والجمار، وما بين الحموضة والعفوصة «1» ، من العنب، والزبيب، والطلع «2» ، والبلح، والخس، والهندبا، والبقلة الحمقاء، والخشخاش، والتفاح، والكمثري، والرمان.
فما كان من الرمان عفصا فهو بارد غليظ، وما كان حامضا فهو بارد لطيف.
فأما الخل فهو بارد لطيف، وهو ضارّ بالعصب.
وما كان أيضا من الشراب عفصا فهو أقل حرارة، وما كان من ذلك حديثا غليظا فهو بارد.
الأطعمة اليابسة
يحتاج إلى الأطعمة اليابسة من كان الغالب على بدنه الرطوبة، وفي الأوقات الرطبة والبلد الرطب.
منها العدس، والكرنب، والسويق، وكل ما يشوى ويطبخ ويقلى، وكل ما أكثر فيه السّذاب والمري والخل والإبزار والخردل، ولحم المسنّ من جميع الحيوان.
(8/31)

الأطعمة الرطبة
يحتاج إلى الأطعمة الرطبة من أفرط عليه اليبس، وفي الأوقات اليابسة والبلاد اليابسة.
وهي: الشعير، والقرع، والبطيخ، والقثّاء، والخيار، والجوز الرطب، والعنب، والنبق، والإجاص، والتوت، والجمار، والخس، والبقلة اليمانية، والقطف «1» ، والباقلي «2» الرطب، والحمص الرطب، واللوبيا الرطبة وكل ما يطبخ بالماء ويسلق به وتقل فيه الإبزار والخل والمري والسذاب، وجميع لحوم صغار الحيوان.
الأطعمة القليلة الفضول
أجنحة الطيور، وأكارع المواشي ورقابها، ما يربى في البر «3» من الحيوان في المواضع الجافة.
الأطعمة الكثيرة الفضول
منها لحم الأوز خلا الأجنحة، والأكباد كلها من جميع الحيوان، والنخاع، والدماغ، والطيور التي في الفيافي والآجام، والحمص الطري، والباقلي الطري، ولحم الضأن، ولحم المراضع من كل الحيوان، ولحم كل ساكن غير سريع النهوض، وما كان من السمك على ما ذكرنا صلبا لزجا.
الأطعمة التي غذاؤها كثير
كل ما غلظ من الأطعمة إذا انهضم غذى كثيرا، وكل ما كان له فضول كان غذاؤه كثيرا.
(8/32)

وقد يحتاج إلى الأطعمة الكثيرة الغذاء من احتاج إلى أن يأخذ طعاما قليلا يغذّي غذاء كثيرا، كالناقة والمسافر، وكالذي يثقل معدته الكثير من الطعام وبدنه يحتاج إلى غذاء كثير.
فمن ذلك لحم البقر، والأدمغة، والأفئدة، وحواصل الطير كلها، والسمك الغليظ اللوح، والسميذ، والباقلي، والحمص، واللوبيا، والترمس، والعدس، والتمر، والبلّوط، والشاة بلّوط «1» ، والسّلجم، تغذو غذاء كثيرا لغلظها- واللبن الحليب، والشراب الأحمر. وغذاء اللبن كله أغلظه وأرقه، أقلّ غذاء.
وأغلظ اللبن لبن البقر ولبن النعاج، وأرقه لبن الاتن «2» وألبان الّلقاح، وألبان الماعز متوسطة بين ذلك.
وأغذى الأشربة النبيذ الأحمر الغليظ الحلو، ثم الغليظ الأسود الحلو، ثم الغليظ الأبيض الحلو، ثم من بعد هذه الأشربة العفصة الغليظة الحلوة وكل ما مال إلى الحمرة والحلاوة كان أغذى، والأبيض أقلها غذاء.
الأطعمة التي غذاؤها قليل
كل ما كان من الأطعمة لطيفا كان غذاؤه قليلا، وكل ما أفرط فيه اليبس أو الرطوبة، أو كثرة الفضل، قل غذاؤه، كالأكارع، والكروش، والمصارين، والشحم، والآذان، والرئة، ولحم الطير كله، وما ملح من الحيوان- قليل الغذاء لليبس الذي فيه- وكذلك الزيتون، والفستق، والجوز، واللوز، والبندق، والغبيرا «3» ، والزّعرور «4» ، والخرّوب، والبطم «5» ، والكمثري العفص، والزبيب العفص؛ فإنما قلّ غذاؤهما للعفوصة.
(8/33)

وأما السمك، والقرع، والرمان، والتوت، والإجاص، والمشمش، فإنما قل لكثرة رطوبتها؛ وغذاؤها غير باق سريع التحلل.
وأما خبز الشعير، والخشكار «1» . والباقلي الرطب؛ وجميع البقول، مثل الكرنب، والسلق، والحماض، والبقلة الحمقاء، والفجل، والخردل، والحرف، والجزر- فقليل الغذاء، لكثرة الفضل فيها.
وأما البصل، والثوم، والكراث؛ فإنها إذا أكلت نيئة لم تغذ، وإذا طبخت غذّت غذاء يسيرا.
وأما التين، والعنب، فإنهما بين ما قل غذاؤه وما كثر غذاؤه.
الأطعمة التي تولد كيموسا جيدا
كل ما كان معتدلا من الأطعمة لم تفرط فيه قوّة ولم يجاوز القدر فيه، ولد دما خالصا نقيا صحيحا، وكل ما كان كذلك فهو موافق لجميع الأبدان وفي جميع الأوقات، وهو لجميع الأبدان المعتدلة في جميع الأوقات، وفي الأوقات المعتدلة أوفق؛ لأن ما تجاوز الاعتدال من الأبدان يحتاج من الأطعمة إلى ما فيه قوّة تجاوز الاعتدال؛ وكذلك الأبدان المعتدلة في الأوقات التي ليست بمعتدلة.
وفي الأطعمة ما هو غليظ وما هو لطيف وما هو بين ذلك، وأجودها لجميع الناس ما كان معتدلا منها، بين الغليظ واللطيف، وما هو بين ذلك.
وقد وصفنا الأطعمة الغليظة واللطيفة والمتوسطة. ومتى يصلح كل صنف منها؛ فبقي علينا أن نخبر بجملة الأطعمة المولدة الكيموس الجيّد، وقسمتها على ما قسمناها.
فمن ذلك خبز الحنطة النقي المحكم الصنعة إن كان من يومه، ولحم الدجاج،
(8/34)

والجداء، وحولية الماعز، وما كان من السمك ليس بصلب ولا كثير اللزوجة، وما لم يكن له زهومة «1» ولم يكن له سمن كثير، وما كان مرعاه فيما ليس فيه أوساخ ولا حمأة ولم يكن سريع العفونة، وكل ما اشتد واستحكم نضجه من البيض، وكل شراب طيب الريح ياقوتي اللون ليست فيه حلاوة- كل ذلك يولد كيموسا «2» معتدلا بين اللطيف والغليظ.
وأما الدراج «3» ، والفراريج وأجنحة جميع الطير، وما صغر من السمك وكان مرعاه على ما وصفنا، وما ألقي عليه من السمك الملح فصار رخصا وذهبت لزوجته، وماء كشك الشعير، والشراب الطيب الرائحة الاحمر- فكل ذلك جيد الكيموس لطيف.
واما اللبن الحليب فإنه جيد الكيموس، إلا ان فيه غلظا؛ ولذلك ربما تجبن في المعدة؛ فلهذه العلة يخلط به العسل والملح، ويرق بالماء.
وأجود اللبن واعدله لبن الماعز؛ لانه ألطف من لبن الضأن والبقر، وأغلظ من لبن الأتن واللّقاح «4» .
وينبغي للبن أن يؤخذ من حيوان صحيح شابّ جيد الغذاء.
ولا يحتلب في وقت ما يضع الحيوان، ولا بعد ذلك بزمان طويل لأن اللبن من الحيوان في وقت ما يضع غليظ، ثم يرق بعد ذلك قليلا قليلا حتى يصير مائيا، فلذلك كان أوّله وآخره رديئا.
وأجود ما يؤخذ من اللبن ساعة يحلب، قبل ان يغيره الهواء؛ لانه سريع الاستحالة.
(8/35)

وأما الخشكار «1» من الخبز الرطب، وكل ما لم تحكم صنعته من الخبز السميذ، وخبز الفرن، ولحم العجل؛ ومن اجزاء الغنم الضرع والكبد والفؤاد، ومن الحبوب الباقلي، ومن الشراب ما كان طيب الرائحة حلوا- فكل ذلك يولد كيموسا غليظا جدّا.
الأطعمة التي تولد كيموسا «2» رديئا
كل ما لم يكن معتدلا من الاغذية لم يولّد دما خالصا صافيا.
والأطعمة الرديئة الكيموس ثلاثة أصناف: منها ما يزيد في البلغم، ومنها ما يزيد في الصفراء، ومنها ما يزيد في السوداء.
وينبغي لجميع الناس ان يجتنبوا الإكثار منها وادمان استعمالها وإن كانوا لها مستمرئين؛ لأنها وإن لم يتبين لها ضرر في عاجل الامر، يجتمع منها في بدن مدمن استعمالها مع طول الزمان كيموس رديء، وكذا امراض رديئة، واولى الناس بتجنّب كل صنف من أصنافها من كان الغالب على بدنه ما يزيد فيه ذلك الصنف.
فأقول: إن كل ما يتخذ من الخبز من دقيق كثير النخالة، أو ما عتق من الحنطة- رديء الكيموس يزيد في السوداء.
ولحم الضأن كله يزيد في البلغم، ولحم الماعز المسن كله يزيد في السوداء، وأردؤه لحم التيوس. ولحم البقر والجزور والارانب والظباء والايايل «3» - كل هذا يزيد في السوداء؛ وشرّ هذه اللحوم لحم الجزور، وبعده لحم التيوس، لا سيما ما لم يخص منها، وبعده لحم المسن من الضأن، وبعده لحم البقر؛ وكل ما خصي من هذه كان أجود غذاء.
(8/36)

وأما لحوم الارانب والظباء والايايل، فهو دون جميع ما ذكرنا من الرداءة. ومن أعضاء الحيوان: الكلى، رديئة الكيموس، لزهومتها وما استفادت من رداءة البول.
والدماغ يزيد في البلغم، وكل البطون يزيد في البلغم، لكثرة الزلال فيها.
والبيض المطجّن «1» يولد غذاء غليظا فاسدا، وكذلك الجبن، ولا سيما ما عتق منها. والعدس يزيد في السوداء.
والدخن»
والجاورس يولدان دما غليظا.
وما صلب لحمه من السمك وغلبت عليه اللزوجة يولد البلغم، فإن ملح وعتق يولد السوداء.
والتين اليابس إن اكثر اكله ولد فضلا عفنا يكثر منه القمل.
والكمثري والتفاح إن اكلا غير نضجين ولدا كيموسا رديئا، وكذلك القثاء والخيار؛ فأما البطيخ والقرع فربما انهضما ولم يحدثا في البدن حدثا رديئا، وربما فسدا في المعدة فولّدا كيموسا رديئا، ولا سيما إن صادفا في المعدة فضلا رديئا؛ فلذلك تعرض الهيضة «3» كثيرا من أكل البطيخ.
والبقول كلها رديئة الكيموس، لكثرة الفضل فيها وقلة الغذاء.
وأما البصل والثوم والكراث والفجل والجوز والسلجم، فرديئة لما فيها من الحرارة والحرافة، وربما زادت في الصفراء، وربما زادت في السوداء أيضا كما ذكرت آنفا، إلا انها إن طبخت وصب ماؤها وطبخت بماء ثان، ذهبت الحرافة والرداءة عنها.
والباذروج «4» يسخّن الدم ويجففه تجفيفا شديدا.
(8/37)

والكرنب «1» يولد السوداء، وكذلك جميع البقول الرديئة.
الاطعمة المتوسطة الكيموس
وهي بين ما يولد الكيموس الجيد وما يولد الكيموس الرديء. فمنها خبز الخشكار، ولحم الخصيان من المعز والضأن.
ومن الأعضاء: اللسان والامعاء والذنب.
ومن الفاكهة: العنب والبطيخ- والمعلق من العنب أجود- والتين، واليابس من الجوز، والشاه بلوط.
ومن البقول الخس، وبعده الهندبا، وبعده الخبازي، وبعده القطف والبقلة الحمقاء اليمانية، والحامض، وما لم يكن فيه حدّة كثيرة من الأصول.
الاطعمة السريعة الانهضام
إنما يسرع الانهضام لاحد وجهين: فالوجه الاول منها إذا كانت الاطعمة غير يابسة كالعدس، ولا صلبة كالترمس، ولا لزجة كالحنطة، ولا خشنة كالسمسم، ولا كريهة كالسذاب، ولا كثيرة الفضول كالأرز، ولا يغلب عليها برد شديد كاللبن الحامض، ولا حرّ شديد كالعسل.
والوجه الثاني لطبيعة البطن المستمرىء لها، وذلك لاحد وجهين: الاول موافقة الأغذية، ومشاكلة الأبدان الطبيعية، كالأطعمة التي يشتهيها ويلذها الإنسان؛ فقد تجد الناس يختلفون في شهواتهم، ويستمرىء كل واحد منهم ما شهوته إليه أميل، وإن كان الذي لا يشتهيه احمد من الذي يشتهيه. والوجه الثاني: لمزاج عارض يصادف من الاطعمة مضادة، كالذي ترى ان من غلب عليه الحر لعلة من العلل، كان للاطعمة الباردة أشد استمراء، لما يطفىء من حرارة البدن، ويعدل البدن؛ ومن غلب عليه البرد
(8/38)

استمرأ الحارّ ولم يستمرىء البارد؛ ومن رطب بدنه كله أو معدته استمرأ الأطعمة الجافة ولم يستمرىء الرطبة؛ وم عرض له اليبس خلاف ذلك.
فقد بان بما ذكرناه ان الاطعمة اللطيفة والمتوسطة في نفسها سريعة الانهضام وقد يجوز ان تكون الاطعمة الغليظة أسرع انهضاما في بعض الابدان أيضا؛ فقشر الخبز المحكم، ولحم الدجاج، والفراريج، والدراج، والحجل، وكبود الاوز، واجنحتها- سريعة الهضم.
وفي الجملة الجناح من كل طائر أسرع انهضاما من سائره، وليس في الطير كلها أسرع انهضاما من المواشي؛ وكل ما كان من الحيوان يابسا فصغيره أسرع انهضاما؛، وكذلك لحم العجاجيل «1» أسرع من لحم البقر، ولحم الجدي الحولي اسرع انهضاما من لحم المسن من الماعز؛ وكل ما كان من الحيوان أرطب فكبيره من قبل أن يسن أسرع انهضاما من صغيره؛ الا ترى ان الحولي من الضأن اسرع انهضاما من الخروف؟ وكل ما كان مرعاه من المواضع اليابسة كان اسرع انهضاما مما مرعاه في المواضع الرطبة؛ وكل ما كان جرمه «2» متخلخلا فهو أسرع انهضاما مما كان جرمه متلزّزا، ولذلك كان الجوز أسرع انهضاما من البندق، والبيض الحارّ أمرأ من البيض البارد، والشراب الحلو أمرأ من العفص «3» .
الاطعمة البطيئة الانهضام
إنما يعسر الانهضام من الطبيعة في الطعام إذا كان يابسا، او صلبا، او لزجا، او متلزّزا «4» ، او كثير الدسم، أو كثير الفضول، أو كريه الطعم، أو الحرافة فيه مفرطة، او البرد، او الحر، او مخالفا للمزاج الطبيعي إذا لم يشته.
(8/39)

فلحم البقر، ولحم الإبل، والكروش، والامعاء، والاوز، والآذان من جميع الحيوان، والجبن، والبيض البارد- عسرة الانهضام، ليبسها وصلابتها.
وكذلك من الطير: الوراشين، والفواخت «1» ، والطواويس، والقوانص من جميع الطير- عسرة الانهضام.
ومن الحبوب: الارز، والتّرمس، والعدس، والدّخن، والجاورس، والبلّوط، والشاه بلّوط.
وأما لحم التيوس وأكارع البقر، فعسرة الانهضام لزهومتها «2» وكراهتها.
وأما لحم الضأن، والكبود من جميع الحيوان، والاوز- فلكثرة الفضول فيها.
وأما الجبن الحامض فلبرده.
وأما الحنطة المصلوفة فللزوجتها وتلززها.
وأما الباقلاء واللوبياء فلكثرة النفخ فيها.
وأما السمسم فلكثرة دهنه.
وأما العنب والتين وسائر الفواكه إذا لم يستحكم نضجها، والاترج والباذورج «3» ، والسلجم، والجوز، والشراب الحديث الغليظ- فلكثرة الفضول فيها.
الاطعمة الضارة للمعدة
السّلق رديء للمعدة، للذعه إياها ولما فيه من الحدة البورقية.
والباذورج والسلجم ما لم يستقص طبخهما، للذع فيهما.
(8/40)

والبقلة اليمانية والقطف، للزوجتهما. فلذلك ينبغي ان يؤكلا بالخل، والمري.
والحلبة رديئة للمعدة للذعها إياها.
والسمسم رديء للمعدة، للزوجته وكثرة دهنه.
واللبن لسرعة استحالته في المعدة.
والعسل ما اكثر منه لذع المعدة وغثاها.
والبطيخ أيضا يغثي، إذا لم ينضج في المعدة ولد كيموسا رديئا: فينبغي بعد أكل البطيخ أن يأكل طعاما كثيرا جيد الكيموس.
والادمغة ايضا كلها رديئة للمعدة، فلذلك ينبغي أن تؤكل بالصعتر والفوذنج البرّي والخردل، والملح، وكذلك المخاخ.
والنبيذ الحديث الغليظ الاسود العفص يسرع الحموضة في المعدة ويغثي.
الاطعمة التي تفسد في المعدة
المشمش، والسمسم، والتوت، والبطيخ- إذا لم يسرع انحدارها عن المعدة وصادفت كيموسا رديئا أسرع إليها الفساد؛ فيجب ان تؤكل قبل الطعام والمعدة نقية ليسرع انحدارها عنها ويسهل الطريق لما يؤكل بعدها من الطعام، فإن أكلت بعد الطعام فسدت لبقائها في المعدة، وأفسدت سائر الطعام بفسادها، وربما بلغ الفساد بها إلى أن تصير بمنزلة السم القاتل.
الاطعمة التي لا يسرع إليها الفساد في المعدة
من كان يفسد طعامه في معدته، فأجود الاطعمة له ما كان غليظا بطيء الانحدار مثل لحم البقر وأكارعها، وما أشبه ذلك مما ذكرناه من الاطعمة الغليظة.
(8/41)

الاطعمة الملينة المسهلة للبطن
كل ما كان من الاطعمة فيه حلاوة او حدّة او ملوحة أو لزوجة؛ فمن ذلك ماء العدس وماء الكرنب، يلينان الطبع، وجرمهما يمسك البطن؛ وكذلك مرقة الهرمة، وخبز الخشكار «1» مع العسل، وزيتون الماء إذا كان قبل الطعام مع مري- ليّن البطن؛ فإذا كان أيضا مع الطعام بلا مري، فإنه يقوي المعدة على دفع الطعام لعفوصته. وكذلك ما عمل بالخل منه- وكل طعام عفص فإنه دابغ للمعدة مقوّ لها- فأما اللبن وماء الجبن فيلينان البطن، ولا سيما إذا خلط بهما الملح.
ولحم الصغير من الحيوان، والسلق، والقطف، والبقلة اليمانية، والقرع، والبطيخ، والتين، والزبيب الحلو؛ والتوت الحلو، والجوز الرطب، والإجاص الرطب والسّكنجبين «2» ، والنبيذ الحلو- ملين للبطن.
الاطعمة التي تحبس البطن
إذا كان الطعام ينحدر عن المعدة قبل انهضامه احتجنا إلى الاطعمة الممسكة الحابسة للبطن.
وكل ما غلب عليه من الاطعمة اليبس او العفوصة او الغلظ، كالسفرجل، والكمثري، وحب الآس، وثمر العوسج، وجرم «3» العدس، والبلّوط، والشاه بلّوط، والنبيذ العفص- يمسك البطن، لعفوصته وقبضه.
والجاورس، والدخن، وسويق الشعير- تمسك البطن بيبوستها.
ولحم الارانب، والكرنب المطبوخ بعد صب مائه الاول عنه ثم يطبخ بماء ثان- فإنه يمسك البطن ليبسه.
(8/42)

واللبن المطبوخ، والجبن- كلاهما يمسك البطن لغلظه؛ وذلك ان يطبخ اللبن حتى تفنى مائيتّه، ويبقى جرمه، وربما ولد سددا في الكبد وحجارة في الكلى.
وأما الاشياء الحامضة، كالتفاح الحامض، والرمان الحامض- فإن صادفت في المعدة كيموسا غليظا قطعته وحدرته ولينت البطن، وإن صادفت المعدة نقية امسكت البطن.
الاطعمة التي تولد السدد
اللبن الغليظ، والجبن- ربما احدثا سددا في الكبد وحجارة في الكلى لمن اكثر استعمالهما وكانت كلاه وكبده مستعدة لقبول الآفات.
وجميع الاطعمة الحلوة رديئة للكبد والطحال، فإذا اكل معها الفوذنج الجبلي والصعتر، والفلفل- فتح سدد الكبد، والطحال.
والرطب، والتمر، وجميع ما يتخذ من الحنطة سوى الخبز الجيد المضغة، والاشربة الحلوة أيضا- تولّد سددا في الكبد، وحجارة في الكلى، وتغلظ الطحال.
الاطعمة التي تجلو المعدة وتفتح السدد
ماء الكشك، كشك الشعير، يجلو المعدة ويفتح السدد.
والحلبة، والبطيخ، والزبيب الحلو، والبقلاء، والحمص الاسود- ينقي الكلى ويفتت الحجارة المتولدة فيها.
والكبر «1» بالخل، والعسل إذا اكل قبل الطعام- فإنه يجلو وينقي المعدة والامعاء، ويفتح السدد.
والسلق أيضا يجلو ويفتح السدد في الكبد، لا سيما إذا اكل بخردل.
(8/43)

والبصل، والثوم، والكراث، والفجل- يقطع ويلطف الكيموس «1» الغليظ.
والتين، رطبه ويابسه، يجلو وينقي الكلى.
واللوز كله! ولا سيما المرّ منه- فإنه يجلو ويلطف ويفتح سدد الكبد والطحال، ويعين على نفث الرطوبة من الصدر والرئة.
والنبيذ اللطيف إذا كانت له حدة وحرافة- يصفي اللون، وينقي العروق من الكيموس الغليظ، وينتفع به من كان يجد في بدنه كيموسا غليظا باردا.
وأما النبيذ الرقيق فإنه يعين على نفث الرطوبة من الرئة، بتقويته الاعضاء وتلطيف ما فيها من الفضل الغليظة، وقد يفعل ذلك النبيذ الحلو.
الاطعمة التي تنفخ
الحمص، والباقلاء، ولا سيما إن طبخ بقشره، فإن طبخ مقشرا او مسحوقا كان أقل نفخا، وإن قلي أيضا كان أقل نفخا، وبعد هذه اللوبياء، والماش، والعدس، والشعير، إذا لم ينعم طبخها.
والنّعناع، والانجذان، والحلتيت «2» ؛ والتين الرطب يولّد نفخا إلا انه ينحل سريعا لسرعة انحداره.
وما استحكم نضجه من التين والعنب كان أقل نفخا، ويابس التين اقل نفخا من رطبه.
(8/44)

واللبن يولّد رياحا في المعدة.
والعسل إذا طبخ ونزعت رغوته قل نفخه.
والنبيذ الحلو العفص يولد نفخا.
ما يذهب النفخ من الاطعمة
كل طعام نافخ إذا احكمت صنعته وأجيد طبخه وإنضاجه قل نفخه، وكل ما قلي منه قل نفخه، وكل ما خلط به الابازير المحللة للرياح، كالكمون، والسذاب والانيسون، والكاشم «1» - يقل نفخه؛ والخل الممزوج بالعسل يلطف الرياح.
كتاب إسحاق بن عمران إلى بعض اخوانه
كتب إسحاق بن عمران المعروف بسمّ ساعة إلى رجل من اخوانه:
اعلمك- رحمك الله- ان الخام والبلغم يظهران على الدم والمرة بعد الاربعين سنة فيأكلانهما، وهما عدوا الجسد وهادماه، ولا ينبغي لمن خلف الاربعين سنة ان يحرك طبيعة من طبائعه غير الخام والبلغم، ويقوّي الدم جاهدا، غير أنه ينبغي له في كل سبع سنين ان يفجر من دمه شيئا، ومن المرة مثل ذلك، لقلة صبره على الطعام اللذيذ والمشروب الرويّ، فتعاهد اصلحك الله ذلك من نفسك، واعلم ان الصحة خير من المال والاهل والولد، ولا شيء بعد تقوى الله سبحانه وتعالى خير من العافية. ومما تأخذ به نفسك وتحفظ به صحتك، ان تلزم ما اكتب به إليك:
في شهر ينير «2» : لا تأكل السلق، واشرب شرابا شديدا كل غداة.
(8/45)

وفي شهر فبرير: لا تأكل السلق.
وفي مارس: لا تأكل الحلواء كلها وتشرب الأفسنتين «1» في الحلاوة.
وفي أبريل: لا تأكل شيئا من الاصول التي تنبت في الأرض، ولا الفجل.
وفي مايه: لا تأكل رأس شيء من الحيوان.
وفي يونيه: تشرب الماء البارد بعد ما تطبخه وتبرده على الريق.
وفي يوليه: تجنب الوطء.
وفي أغشت: لا تأكل الحيتان.
وفي سبتمبر: تشرب اللبن البقري.
وفي أكتوبر: لا تأكل الكراث نيئا ولا مطبوخا.
وفي نبنبر: لا تدخل الحمام.
وفي دجنبر: لا تأكل الارانب.
زعم علماء الطب ان في الجسد من الطبائع الاربع اثني عشر رطلا فللدم منها ستة أرطال، وللمرة والسوداء والبلغم ستة أرطال، فإن غلب الدم والطبائع تغير منه الوجه وورم، وخرج ذلك إلى الجذام؛ وإن غلبت تلك الطبائع الدم أنبتت المرّة.
قال: فإذا خاف الإنسان غلبة هذه الطبائع بعضها بعضا، فليعدل جسده بالاقتصاد وينقيه بالمشي. فإنه إن لم يفعل اعتراه ما وصفناه، إما جذام وإما مرة، نسأل الله العافية.
ولا بأس بعلاج الجسد في جميع الازمان إلا ايام السموم، إلا أن ينزل فيها مرض شديد لا بدّ من مداواته، او يظهر فيها موم «2» ، أو ذات الجنب، فإنه ينبغي للطبيب أن يعانيه «3» بفصاد او شيء خفيف، فإنها ايام ثقيلة، وهي [من] خمسة عشر يوما من تموز إلى النصف من آب، فذلك ثلاثون يوما لا يصلح فيها علاج- وكان
(8/46)

بقراطيس يجعلها تسعة وأربعين يوما- يقطع الغرر والخطر في ايام القيظ، فإذا مضى لا يلول ثلاثة أيام طاب التداوي كله.
وأمر جالينوس في الربيع بالحجامة، والنورة، وأكل الحلاوة وشربها؛ ونهى عن القطانّي «1» ، واللبن الرائب، وعتيق الجبن، والمالح، والفاكهة اليابسة إلا ما كان مصلوقا....
وفي القيظ- وهو زمان المرة الحمراء- يأكل البارد الرطب على قدر قوّة الرجل في طبعه وسنه، وترك الجماع، وأكل الحوت الطري، والفاكهة الرطبة، والبقول؛ ولحم البقر والمعز؛ ومن القطاني العدس، ومن الاشربة المربب بالورد والسّكركة «2» من الشعير، والسكر بالماء المطبوخ، وأكل الكزبرة الخضراء في الاطعمة، وأكل الخيار والبطيخ، ولزوم دهن الورد وماء الورد، ورش الماء وبسط البيت بورق الشجر، ومن الدواء السكر بالمصطكا، يسحقهما مثلا بمثل ويأخذهما على الريق قدر الدرهم أو اكثر قليلا ...
وفي زمان الخريف- وهو زمان السوداء، وهو أثقل الازمنة على اهل تلك الطبيعة- من الطعام والشراب بالحار الرطب، مثل الاحساء بالحلاوة، وأكل العسل وشربه؛ ونهى فيه عن الجماع، وأكل لحم المعز والبقر، وأمر بأكل صنوف حيوان البر والبحر، وحسو البيض، والدهن قبل الحمام، وإتيان النساء على غير شبع في آخر الليل وفي أول النهار، والتماس الولد على الريق من الرجل والمرأة فإن اولاد ذلك الزمان اشد وأقوى تركيبا، من غيرهم، كما قالت الحكماء.
الخمر المحرمة في الكتاب
اجمع الناس على ان الخمر المحرمة في الكتاب خمر العنب، وهي ما غلي وقذف
(8/47)

الزبد من عصير العنب، من غير أن تمسه نار، ولا يزال خمرا حتى يصير خلا، وذلك إذا غلبت عليه الحموضة وفارقتها النشوة؛ لأن الخمر ليست محرّمة العين كما حرمت عين الخنزير، وإنما حرمت لعرض دخل لها، فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالا كما كانت قبل الغليان حلالا، وعينها في كل ذلك واحدة، وإنما انتقلت أعراضها من حلاوة إلى مرارة، ومن مرارة إلى حموضة، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة والعين قائمة، وكما ينتقل طعم الماء بطول المكث فيتغير طعمه وريحه والعين قائمة.
ونظير الخمر فيما يحل ويحرم بعرض: المسك الذي هو دم عبيط «1» حرام، ثم يجف ويجدد رائحة فيصير حلالا طيبا، فهذه الخمر بعينها المجمع على تحريمها؛ وأصحاب النبيذ إنما يدورون حولها ويتعللون أنهم يشربون ما دون المسكر، ولا لذة لهم دون موافقة المسكر كما قال الشاعر:
يدورون حول الشّيخ يلتمسونه ... بأشربة شتى هي الخمر تطلب
وقول القائل:
إياك أعني فاسمعي يا جاره
قيل للاحنف بن قيس: أي الشراب اطيب؟ فقال: الخمر. قيل له: وكيف علمت ذلك وأنت لم تشربها؟ قال: إني رأيت من أحلت له لا يتعدّاها، ومن حرمت عليه إنما يدور حولها! وقال ابن شبرمة:
ونبيذ الزّبيب، ما اشتدّ منه ... فهو للخمر والطّلاء نسيب «2»
(8/48)

وقال عبد اللَّه بن القعقاع:
أتانا بها صفراء يزعم أنّها ... زبيب، فصدقناه وهو كذوب
فهل هي إلا ساعة غاب نحسها ... أصلّي لربي بعدها وأتوب
وقال ابن شبرمة: أتانا الفرزدق، فقال: اسقوني. فقلنا: وما تريد أن نسقيك؟
قال: أقربه إلى الثمانين. يعني حدّ الخمر.
أنواع الشراب
وقال قيصر لقس بن ساعدة: أي الاشربة أفضل عاقبة في البدن؟ قال: ما صفا في العين، واشتدّ على اللسان، وطابت رائحته في الانف من شراب الكرم. قيل له:
فما تقول في مطبوخه؟ فقال: مرعى ولا كالسعدان. قيل له: فما تقول في نبيذ التمر؟ قال: ميت احيا فيه بعض المنعة، ولا يكاد يحيا من مات مرة. قيل له: فما تقول في العسل؟ قال: نعم شراب الشيخ ذي الابردة «1» والمعدة الفاسدة.
الوليد وابن شراعة
علي بن عياش قال: إني عند الوليد بن يزيد في خلافته، إذا أتي بابن شراعة من الكوفة، فو اللَّه ما سأله عن نفسه ولا سفره حتى قال له: يا ابن شرّاعة، إني واللَّه ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب اللَّه ولا سنة رسوله. قال: فو اللَّه لو سألتني عنهما لا لفيتني فيهما حمارا! قال: وإنما أرسلت إليك لأسألك عن القهوة، قال: دهقانها «2» الخبير، وطبيبها العليم! قال: فاخبرني عن الطعام؟ قال: ليس لصاحب الشراب على الطعام حكم، غير ان انفعه واشهاه أمرؤه. قال: فما تقول في الشراب؟ قال: ليسأل أمير المؤمنين عما بدا له. قال: فما تقول في الماء؟ قال: لا بد لي منه! والحمار شريكي فيه. قال: فما تقول في السّويق «3» ؟ قال: شراب الحزين والمستعجل والمريض. قال:
(8/49)

فما تقول في اللبن؟ قال: ما رأيته قط الا استحييت من أمي! من طول ما أرضعتني به قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع الامتلاء سريع الانفشاش. قال: فنبيذ الزبيب؟ قال:
جاموا به على الشراب. قال: ما تقول في الخمر؟ قال: أوّه! تلك صديقة روحي! قال: وانت واللَّه صديق روحي. [ثم] قال: وأيّ المجالس أحسن؟ قال: ما شرب الناس على وجه قط أحسن من السماء!
الرشيد والاصمعي
قال الاصمعي: دخلت على الرشيد وهو في الفرش. منغمس كما ولدته امه؛ فقال لي: يا أصمعي، من أين طرقت اليوم؟ قال: قلت: احتجمت. قال: وأي شيء اكلت عليها؟ قلت: سكباجة «1» وطباهجة «2» . قال: رميتها بحجرها. [ثم] قال: هل تشرب؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين.
اسقني حتى تراني مائلا ... وترى عمران ديني قد خرب
قال: يا مسروق، أي شيء معك؟ قال: ألف دينار. قال: ادفعها إليه!.
آفات الخمر وخبائثها
أول ذلك انها تدهب العقل، وأفضل ما في الإنسان عقله، وتحسن القبيح وتقبح الحسن.
قال أبو نواس:
اسقني حتى تراني ... حسن عندي القبيح
وقال أيضا:
اسقني صرفا حميّا ... تترك الشيخ صبيا
(8/50)

وتريه الغيّ رشدا ... وتريه الرّشد غيا!
وقال أيضا:
عتّقت في الدّنّ حولا ... فهي في رقة ديني «1»
وقال الناطق بالحق:
تركت النّبيذ وأصحابه ... وصرت خدينا لمن عابه»
شراب يضلّ سبيل الرشاد ... ويفتح للشّرّ أبوابه
وإنما قيل لمشارب الرجل: نديم، من الندامة؛ لان معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه؛ فقيل لمن شاربه: نادمه؛ لأنه فعل مثل ما فعله، فهو نديم له؛ كما يقال:
جالسه فهو جليس له؛ والمعاقر: المدمن، كأنه لزم عقر الشيء أي فناءه.
وقال ابو الاسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها
فإن لا تكنها او تكنه فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها «3»
أصحاب الشراب
وقد شهر اصحاب الشراب بسوء العهد. وقلة الحفاظ، وأنهم صديقك ما استغنيت حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب. وما غلب دنانك حتى تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك؛ قال الشاعر:
أرى كلّ قوم يحفظون حريمهم ... وليس لاصحاب النّبيذ حريم
إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم ... وكلّهم رثّ الحبال سئوم
إذا جئتهم حيّوك ألفا ورحّبوا ... وإن غبت عنهم ساعة فذميم
فهذا بياني لم أقل بجهالة ... ولكنّني بالفاسقين عليم
(8/51)

وقال قصيّ بن كلاب لبنيه: اجتنبوا الخمر، فإنها تصلح الأبدان، وتفسد الاذهان.
وقيل لعدي بن حاتم: مالك لا تشرب الخمر؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلي! وقيل له: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: معاذ اللَّه أن أصبح حليم قومي وأمسي سفيههم! وقال يزيد بن الوليد: النشوة تحلّ الحبوة «1» .
وقيل لعثمان بن عفان رضي اللَّه عنه: ما منعك من شرب الخمر في الجاهلية ولا حرج عليك فيها؟ قال: إني رأيتها تذهب العقل جملة، وما رأيت شيئا يذهب جملة ويعود جملة.
وقال أيضا: ما تغنّيت، ولا تفتّيت «2» ، ولا شربت خمرا، ولا مسست فرجي بيدي، بعد أن خططت بها المفصّل «3» .
عبد العزيز بن مروان ونصيب
وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح: هل لك فيما يثمر المحادثة؟ يريد المنادمة. قال: أصلح اللَّه الامير، الشعر مفلفل، واللون مرمد، ولم أقعد إليك بكرم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت أن لا تفرّق بينهما فافعل! وربما ذهبت الكأس بالبيان، وغيرت الخلقة، فيعظم أنف الرجل ويحمّر ويترهّل.
وقال جرير في الأخطل:
(8/52)

وشربت بعد أبي ظهير وابنه ... سكر الدّنان كأنّ انفّك دمل «1»
شبه بالدم في ورمه وحمرته.
وقال آخر في حماد الرواية:
نعم الفتى لو كان يعرف وجهه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد
هدلت مشافره الدّنان، فأنفه ... مثل القدوم يسنّها الحدّاد
وابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد
في أمية بن عبد اللَّه وعبد الملك
ودخل أمية بن عبد اللَّه [بن خالد] بن أسيد على عبد الملك بن مروان وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ فقال: قمت بالليل فأصاب الباب وجهي! فقال عبد الملك:
رأتني صريع الخمر يوما بسوئها ... وللشّاربيها المدمنيها مصارع
[قال] فقلت: لا آخذ اللَّه أمير المؤمنين بسوء ظنه! فقال! بل: آخذك اللَّه بسوء مصرعك!.
وقال حسان بن ثابت:
تقول شعثاء: لو صحوت عن ال ... كأس لا صبحت مثري العدد
أنسي حديث النّدمان في فلق الصّب ... ح وصوت المسامر الغرد
لا أحدس الحدس الجليس ولا ... يخشى نديمي إذا انتشيت يدي
وقال ابن الموصلي:
سلام على سير القلاص مع الرّكب ... ووصل الغواني والمدامة والشّرب «2»
سلام امرىء لم تبق منه بقيّة ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
لعمري لئن نكبت عن منهل الصّبا ... لقد كنت ورّادا لمنهله العذب
(8/53)

ليالي أمشي بين برديّ لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرّطب «1»
الحسن بن زيد وابراهيم بن هرمة
ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لابراهيم بن هرمة: لا تحسبني كمن باع لك دينه رجاء مدحك وخوف ذمّك، فقد رزقني اللَّه بولادة نبيّه الممادح وجنّبني القبائح، وإن من حقه عليّ أن لا أغضي على تقصير في حقّه وإني اقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنّك حدين: حدّ الخمر، وحدّ السكر؛ ولازيدنك لموضع حرمتك بي، فليكن تركك لها للَّه تعن عليه، ولا تجعله للناس فتوكل إليهم، فنهض ابن هرمة وقال:
نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدّبني بآداب الكرام
وقال لي اصطبر عنها ودعها ... لخوف اللَّه لا خوف الأنام
وكيف تصبّري عنها وحبّي ... لها حبّ تمكّن في عظامي
أرى طيب الحلال عليّ خبثا ... وطيب النفس في خبث الحرام
زياد وحارثة ابن بدر
وذكروا ان حارثة بن بدر الغداني كان فارس بني تميم، وكان قد غلب على زياد، وكان الشراب قد غلب عليه؛ فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك، وهو رجل مستهتر بالشراب! فقال لهم: كيف اطّراحي لرجل ما راكبني قط فمست ركبتي ركبته، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت إليه عنقي، ولا سألته عن شيء قط إلا وجدت علمه عنده!.
فلما مات زياد جفاه ولده عبيد اللَّه بن زياد؛ قال له حارثة: أيها الامير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بحالي عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد اللَّه: إن أبا المغيرة قد برع بروعا لا يلحقه معه عيب؛ وأنا حدث، وإنما أنسب إلى من تغلب عليّ، وانت تديم
(8/54)

الشراب، فدع النبيذ وكن أول داخل وآخر خارج. فقال حارثة: أنا لم أدعه للَّه، أفأدعه لك؟ قال: فاختر من عملي ما شئت. قال: ولني رامهرمز؛ فإنها أرض عذية «1» ، أو سرّق؛ فإن بها شرابا وصف لي عنها. فولاه إياها، فلما خرج شيعه الناس، وكتب إليه أنس بن أبي أنيس:
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئا تخونه ... فحظك من ملك العراقين سرّق
وبار تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق «2»
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... ولو قيل يوما حققوا لم يحقّقوا
وقّع حارثة في أسفل كتابه: لا بعد عنك الرشد.
حارثة بن بدر في حرب الازارقة
ولما خرجت الازارقة على اهل البصرة، لاقاهم حارثة بن بدر وتولى حربهم في أصحابه من فرسان بني يربوع، حتى أصيب في تلك الحروب. وقال فيه الشاعر:
فلولا ابن بدر للعراقين لم يقم ... لما قام فيه للعراقين إنسان
إذا قيل من حامي الحقيقة أو مأت ... إليه معد بالأكفّ وقحطان
وقال الشاعر:
شربنا من الذّاذيّ حتى كأننا ... ملوك لهم في كلّ ناحية وفر «3»
فلما اعتلت شمس النهار رأيتنا ... تخلّى الغنى عنا وعاودنا الفقر
وكان أبو الهندي من ولد شبث بن ربعيّ الرياحي من بني يربوع وكان قد غلب
(8/55)

عليه الشراب على كريم منصبه، حتى كاد يبطله، وكان قد ضاف «1» على راع يسمى سالما، فسقاه قدحا من لبن، فكرهه وقال:
سيغني أبا الهنديّ عن وطب سالم ... أبارق كالغزلان بيض نحورها
مفدّمة قزّا كأن رقابها ... رقاب كراك أفزعتها صقورها «2»
فما ذرّ قرن الشمس حتى كأنما ... أرى قرية حولي تزلزل دورها
وكان عجيبا بالجواب، فجلس إليه رجل كان صلب أبوه في جناية، فجعل يعرّض له بالشراب، فقال ابو الهندي: احدهم يبصر القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع المعترض في است ابيه.
ولقيه نصر بن سيار والي خراسان وهو يميد سكرا، فقال له: أفسدت مروءتك وشرفك! قال لو لم أفسد مرؤتي لم تكن أنت والي خراسان!.
ومرض ابو الهندي، فلما وجد فقد الشراب جعل يبكي ويقول:
رضيع المدام فارق الراح روحه ... فظلّ عليها مستهلّ المدامع
أديرا عليّ الكأس إني فقدتها ... كما فقد المفطوم درّ المراضع
وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد ناسكا؛ فاستعدى عليه وعلى ابنه، فهرب منه، وقال فيه ابو الهندي:
قل للسّريّ ابن هند ظلت تواعدنا ... ودارنا أصبحت من داركم صددا
أبا الوليد أما واللَّه لو عملت ... فيك الشّمول لما فارقتها أبدا «3»
ولا نسيت حميّاها ولذّتها ... ولا عدلت بها مالا ولا ولدا «4»
وشرب أبو الهندي في غرفة مع نديم له، فاطّلع منها فإذا بميّت يزفّ به على
(8/56)

شرجع «1» ، فالتفت إلى صاحبه فقال:
اصبب على قلبك من بردها ... إني أرى الناس يموتونا
فكان هذا القول منه [أمارة] على [عدم] اتعاظه بالموت.
وقال عبد الرحمن بن ام الحكم:
وكأس ترى بين الأثافي وبينها ... قذى العين، قد نازعت أمّ أبان «2»
ترى شاربيها حين يعبق ريحها ... يميلان أحيانا ويعتدلان
فما ظنّ ذا الواشي بأروع ماجد ... وعذراء خود حين يلتقيان ...
دعتني اخاها أمّ مرو ولم أكن ... اخاها ولم أرضع لها بلبان
دعتني اخاها بعد ما كان بيننا ... من الامر ما لا يفعل الاخوان
وقال:
لا هنيئا بما شربت مريئا ... ثم قم صاغرا وغير كريم
لا أحبّ النّديم يومض بالعي ... ن إذا ما انثنى لعرس النديم
المأمون وابن مسعدة
وقال ابو العباس المبرد: دخل عمرو بن مسعدة على المأمون، وبين يديه جام «3» زجاج فيه سكر طبزذ وملح جريش؛ قال: فسلمت عليه، فردّ وعرض عليّ الاكل، فقلت: ما أريد شيئا هنأك اللَّه يا أمير المؤمنين، فلقد باكرت الغداء قال: بتّ جائعا؟ ثم أطرق ورفع رأسه وهو يقول:
اعرض طعامك وابذله لمن دخلا ... واعزم على من أبى واشكر لمن أكلا
ولا تكن سابريّ العرض محتشما ... من القليل فلست الدهر محتفلا «4»
(8/57)

ودعا برطل، ودخل شيخ من جلة الفقهاء فمدّ يده إليه، فقال: واللَّه يا امير المؤمنين ما شربتها ناشئا، فلا تسقنيها شيخا. فردّ يده إلى عمرو بن مسعدة، فأخذها منه وقال: يا امير المؤمنين، [اللَّه! اللَّه!] فإني عاهدت اللَّه في الكعبة ان لا أشربها أبدا! ففكر طويلا والكأس في يد عمرو بن مسعدة. فقال:
ردّا عليّ الكأس إنكما ... لا تعلمان الكأس ما تجدي
لو ذقتما ما ذقت ما امتزجت ... إلا بدمعكما من الوجد
خوّفتماني اللَّه ربّكما ... وكخيفتيه رجاؤه عندي
إن كنتما لا تشربان معي ... خوف العقاب شربتها وحدي
المأمون وابن أكثم وابن طاهر
شرب المأمون ويحيى بن أكثم وعبد اللَّه بن، فتغامز المأمون وعبد اللَّه على سكر ابن يحيى، فغمز الساقي، فأسكره، وكان بين أيديهم رزم «1» من ورد ورياحين، فأمر المأمون فشق له لحد في الورد والرياحين، وصيروه فيه، وعمل بيتين في شعر ودعا قينة، فجلست عند رأسه وحرّكت العود وغنت:
ناديته وهو حيّ لا حراك به ... مكفّن في ثياب من رياحين
فقلت قم، قال رجلي لا تطاوعني ... فقلت خذ، قال كفي لا تواتيني
فانتبه يحيى لرنة العود، وقال مجيبا لها:
يا سيّدي وأمير الناس كلّهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدّين
لا أستطيع نهوضا قد وهى جسدي ... ولا أجيب المنادى حين يدعوني
فاختر لبغداد قاض إنني رجل ... الراح يقتلني والعود يحييني!
(8/58)

وعود السكارى
حدثنا ابو جعفر البغدادي قال: كان بالجزيرة رجل يبيع نبيذا في ناجود «1» له وكان بيته من قصب، وكان يأتيه قوم يشربون عنده، فإذا عمل فيهم الشراب قال بعضهم لبعض: أما ترون بيت هذا النّبّاذ من قصب! فيقول بعضهم: عليّ الآجر! ويقول الآخر: علي الجصّ! ويقول الآخر: عليّ اجرة العامل! فإذا اصبحوا لم يعملوا شيئا. فلما طال ذلك على النبّاذ قال:
لنا بيت يهدم كلّ يوم ... ويصبح حين يصبح جذم خصّ «2»
إذا ما دارت الاقداح قالوا ... غدا نبني بآجرّ وجصّ «3»
وكيف يشيّد البنيان قوم ... يمرّون الشتاء بغير قمص!
حارثة بن بدر وزياد
ودخل حارثة بن بدر على زياد وبوجهه أثر فقال له: ما هذا؟ قال. ركبت فرسي الاشقر فصرعني. قال: أما إنك لو ركبت الاشهب ما صرعك.
أراد حارثة بالاشقر: النبيذ! وأراد زياد بالاشهب: اللبن.
وكان قيس بن عاصم يأتيه في جاهليته تاجر خمر، فيبتاع منه، ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفذ ما عنده؛ فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم بشيء، ثم انتهب مال الخمار، وأنشأ يقول:
من تاجر فاجر جاء الاله به ... كأن لحيته أذناب أجمال
جاء الخبيث ببيسانية تركت ... صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال «4»
فلما صحا أخبر بما صنع، وما قال، فآلى ان لا يذوق خمرا أبدا.
(8/59)

وربما بلغت جناية الكأس إلى عقب الرجل ونجله؛ قال المأمون: يا نطف الخمار.
وترائع الظئور، وأشباه الخئولة.
وقال الشاعر:
لمّا رأيت الحظّ حظّ الجاهل ... ولم أر المغبون غير العاقل
رحلت عيسا من كروم بابل ... فبتّ من عقلي على مراحل! «1»
وقال آخر يصف السكر:
أقبلت من عند زياد كالخرف ... أجرّ رجلي بخطّ مختلف
كأنما يكتبان لام الف
وقال آخر يصف السكر:
شربنا شربة من ذات عرق ... بأطراف الزّجاج من العصير
وأخرى بالمروّح، ثم رحنا ... نرى العصفور أعظم من بعير
كأن الدّيك ديك بني تميم ... أمير المؤمنين على السرير
كأنّ دجاجهم في الدّار رقطا ... بنات الرّوم في قمص الحرير
فبتّ أرى الكواكب دانيات ... ينلن أنامل الرّجل القصير
أدافعهن بالكفّين عنّي ... وألثم لبّة القمر المنير «2»
وقال الشاعر:
دع النبيذ تكن عدلا، وإن كثرت ... فيك العيوب، وقل ما شئت يحتمل
هو المشيد بأخبار الرجال؛ فما ... يخفى على الناس ما قالوا وما فعلوا
كم زلّة من كريم ظلّ يشهرها ... من دونها تستر الابواب والكلل
أضحت كنار على علياء موقدة ... ما يستسنّ لها سهل ولا جبل
والعقل عقل مصون لو يباع لقد ... ألفيت بياعه أضعاف ما سألوا
(8/60)

فاعجب لقوم مناهم في عقولهم ... أن يذهبوها بعلّ بعده نهل «1»
قد عقدت بخمار الكأس ألسنهم ... عن الصواب ولم يصبح بها علل
وزرّرت بسنات النوم أعينهم ... كأنّ أحداقها حول وما حولوا
تخال رائحهم من بعد غدوتهم ... حبلى أضرّ بها في مشيها الحبل
فإن تكلّم لم يقصد لحاجته ... وإن مشى قلت مجنون به خبل
وقال:
أخو الشّراب ضائع الصلاة ... وضائع الحرمة والحاجات
وحاله من أقبح الحالات ... في نفسه والعرس والبنات
أفّ له، أف، إلى أفّات ... خمسة آلاف مؤلفات
من حدّ من الاشراف في الخمر وشهر بها
منهم يزيد بن معاوية، وكان يقال له: يزيد الخمور وبلغه أن مسور بن مخرمة يرميه بشرب الخمر، فكتب إلى عامله بالمدينة ان يجلد مسورا حدّ الخمر، ففعل؛ فقال مسور:
أيشربها صرفا بطين دنانها ... أبو خالد ويضرب الحدّ مسور؟ «2»
وممن حدّ في الشراب: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان بن عفان لامه؛ شهد أهل الكوفة عليه انه صلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران ثم التفت إليهم فقال: إن شئتم زدتكم! فجلده عليّ بن ابي طالب بين يدي عثمان وفيه يقول الحطيئة- وكان نديمه أبو زيد الطائي:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحقّ بالعذر
نادى وقد تمت صلاتهم ... ليزيدهم خيرا ولا يدري
(8/61)

ليزيدهم خيرا، ولو قبلوا ... لجمعت بين الشّفع والوتر «1»
كبحوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري!
ومنهم عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، شرب بمصر، فحدّه هناك عمرو بن العاص سرّا؛ فلما قدم على عمر جلده حدّا اخر علانية!.
ومنهم العباس [بن علي] بن عبد اللَّه بن عباس، كان ممن شهر بالشراب ومنادمة الاخطل، وفيه يقول الاخطل:
ولقد غدوت على التّجار بمنبج ... هرّت عواذله هرير الأكلب «2»
لباس أردية الملوك يروقه ... من كلّ مرتقب عيون الرّبرب «3»
ومنهم قدامة بن مظعون، من اصحاب رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم، جلده عمر بن الخطاب بشهادة علقمة الخصي وغيره في الشراب.
ومنهم عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب المعروف بأبي شحمة، حدّه أبوه في الشراب وفي أمر أنكره عليه؛ [فمات تحت حدّه] !.
ومنهم عبد اللَّه بن عروة بن الزبير، حدّه هشام بن إسماعيل المخزومي في الشراب.
ومنهم عاصم بن عمر بن الخطاب، حدّه بعض ولاة المدينة في الشراب.
ومنهم عبد العزيز بن مروان، حده عمرو [بن سعيد] الأشدق.
وممن فضح بالشراب بلال بن أبي بردة الأشعري، وفيه يقول يحيى بن نوفل الحميري:
وأمّا بلال فذاك الذي ... يميل الشراب به حيث مالا
(8/62)

يبيت يمصّ عتيق الشراب ... كمصّ الوليد يخاف الفصالا «1»
ويصبح مضطربا ناعسا ... تخال من السّكر فيه احولالا
ويمشي ضعيفا كمشي النزيف ... تخال به حين يمشي شكالا»
وممن شهر بالشراب عبد الرحمن بن عبد اللَّه الثقفي القاضي بالكوفة، وفضح بمنادمة سعد بن هبّار، وفيه يقول حارثة بن بدر:
نهاره في قضايا غير عادلة ... وليله في هوى سعد بن هبّار
ما يسمع الناس أصواتا لهم عرضت ... إلا دويّا، دويّ النحل في الغار
يدين أصحابه فيما يدينهم ... كأسا بكأس وتكرارا بتكرار
فأصبح الناس اطلاحا أضرّ بهم ... حث المطيّ وما كانوا بسفّار «3»
ومنهم أبو محجن الثقفي، وكان مغرما بالشراب، وقد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مرارا، وشهد القادسية مع سعد، وأبلى فيها بلاء حسنا؛ وهو القائل:
إذا مت فادفّني إلى ظلّ كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة، فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
ثم حلف بالقادسية ألا يشرب خمرا أبدا، وأنشأ يقول:
إن كانت الخمر قد عزّت وقد منعت ... وحال من دونها الإسلام والحرج
فقد أباكرها صهباء صافية ... طورا، وأشربها صرفا وأمتزج «4»
وقد تقوم على رأسي مغنّية ... فيها إذا رفعت من صوتها غنج
فتخفض الصوت أحيانا وترفعه ... كما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج
ومنهم عبد الملك بن مروان، وكان يسمى حمامة المسجد، لاجتهاده في العبادة قبل
(8/63)

الخلافة؛ فلما أفضت إليه الخلافة شرب الطّلاء «1» .
وقال له سعيد بن المسيب: بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت بعدي الطلا؟ فقال:
إي واللَّه، وقتلت النفس!.
ومنهم الوليد بن يزيد، ذهب به الشراب كل مذهب حتى خلع وقتل؛ وهو القائل:
خذوا ملككم لا ثبّت اللَّه ملككم ... ثباتا يساوي ما حييت عقالا «2»
دعوا لي سليمى والنّبيذ وقينة ... وكأسا، ألا حسبي بذلك مالا
أبالملك أرجو أن أخلّد فيكم؟ ... ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا
وسقى قوم أعرابية مسكرا، فقالت: أيشرب نساؤكم مثل هذا؟ قالوا: نعم.
قالت: فما يدري أحدكم من أبوه!.
ومنهم إبراهيم بن هرمة، وكان مغرما بالشراب، وحدّه عليه جماعة من عمال المدينة، فلما الحوا عليه وضاق ذرعه بهم، دخل إلى المهدي بشعره الذي يقول فيه:
له لحظات عن خفافي سريرة ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «3»
لهم تربة بيضاء من آل هاشم ... إذا اسودّ من لؤم التراب القبائل
إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى ... وإن قال: إني فاعل، فهو فاعل
فأعجب المهدي بشعره، وقال: سل حاجتك. قال: تأمر لي بكتاب إلى عامل المدينة أن لا يحدّني على شراب! فقال له: ويلك! كيف نأمر بذلك؟ لو سألتني عزل عامل المدينة وتوليتك مكانه لفعلت. قال: يا أمير المؤمنين لو عزلت عامل المدينة ووليتني مكانه أما كنت تعزلني أيضا وتولي غيري؟ قال: بلى قال: فكنت أرجع إلى سيرتي الاولى [فأحدّ] .. فقال المهدي لوزرائه: ما تقولون في حاجة ابن هرمة، وما
(8/64)

عندكم [فيها] من التلطف؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه يطلب ما لا سبيل إليه.
إسقاط حدّ من حدود اللَّه، قال المهدي: إن عندي له حيلة، إذا أعيتكم حيلته؛ اكتبوا إلى عامل المدينة: من اتاك بابن هرمة سكران فاضرب ابن هرمة ثمانين واضرب الذي يأتيك به مائة! فكان ابن هرمة إذا مشى في أزقة المدينة، يقول: من يشترى مائة بثمانين ... ؟.
وكان بأمج رجل يقال له حميد، وكان مفتونا بالخمر، فهجاه ابن عم له:
حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع «1»
علاه المشيب على شربها ... وكان كريما- فما ينزع
ودخل حميد يوما على عمر بن عبد العزيز، فقال له: من أنت؟ قال: أنا حميد.
قال: حميد الذي....؟ قال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما شربت مسكرا منذ عشرين سنة، فصدّقه بعض جلسائه؛ فقال له: إنما داعبناك.
الفرق بين الخمر والنبيذ
الخمر والنبيذ أول ذلك ان تحريم الخمر مجمع عليه لا اختلاف فيه بين اثنين من الائمة والعلماء، وتحريم النبيذ مختلف فيه بين الاكابر من اصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم والتابعين، حتى لقد اضطر محمد بن سيرين مع علمه وورعه أن يسأل عبيدة السّلماني عن النبيذ، فقال له عبيدة: اختلف علينا فى النبيذ. وعبيدة ممن أدرك أبا بكر وعمر؛ فما ظنك بشيء اختلف فيه الناس وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام متوافرون، فمن بين مطلق له ومحظر عليه، وكل واحد منهم مقيم الحجج لمذهبه والشواهد على قوله؟.
والنبيذ كل ما ينبذ في الدّبّاء «2» والمزفّت فاشتد حتى يسكر كثيره، وما لم يشتد
(8/65)

فلا يسمى نبيذا، كما أنه ما لم يعمل من عصير العنب حتى يشتد لا يسمى خمرا، كما قال الشاعر:
نبيذ إذا مرّ الذّباب بدنّه ... تقطّر أو خرّ الذباب وقيذا «1»
وقيل لسفيان الثوري وقد دعا بنبيذ فشرب منه ووضعه بين يديه: يا أبا عبد اللَّه، أتخشى الذباب أن يقع في النبيذ؟ قال: قبحه اللَّه إن لم يذبّ عن نفسه!.
وقال حفص بن غياث: كنت عند الاعمش وبين يديه نبيذ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث، فسترته، فقال لي: لم سترته؟ فكرهت أن أقول: لئلا يراه من يدخل، فقلت: كرهت أن يقع فيه الذباب. فقال لي: هيهات إنه أمنع من ذلك جانبا!.
ولو كان النبيذ هو الخمر التي حرمها اللَّه في كتابه، ما اختلف في تحريمه اثنان من الأمة.
حدث محمد بن وضّاح قال: سألت سحنونا، فقلت: ما تقول فيمن حلف بطلاق زوجته أن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر التي حرمها اللَّه في كتابه؟ قال:
بانت «2» زوجته منه.
وذكر ابن قتيبة في كتاب الاشربة ان اللَّه تعالى حرّم علينا الخمر بالكتاب، والمسكر بالسنة، فكان فيه فسحة؛ فما كان محرّما بالكتاب فلا يحل منه لا قليل ولا كثير، وما كان محرّما بالسّنة فإن فيه فسحة أو بعضه، كالقليل من الديباج والحرير يكون في الثوب، والحرير محرّم بالسنة؛ وكالتفريط في صلاة الوتر وركعتي الفجر، وهما سنة؛ فلا نقول إن تاركها كتارك الفرائض من الظهر والعصر.
وقد استأذن عبد الرحمن بن عوف رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم في لباس الحرير لبليّة كانت به.
(8/66)

وأذن لعرفجة بن سعد- وكان أصيب أنفه يوم الكلاب- باتخاذ أنف من الذهب.
وقد جعل اللَّه فيما أحلّ عوضا مما حرّم، فحرّم الربا وأحل البيع، وحرم السفاح «1» وأحل النكاح، وحرم الديباج «2» وأحل الوشي، وحرم الخمر وأحل النبيذ غير المسكر؛ والمسكر منه ما أسكرك.
مناقشة ابن قتيبة في قوله في الاشربة
قال في كتابه: فإن قال قائل: إن المنكر هي الشربة المسكرة، اكذبه النظر؛ لان القدح الاخير إنما أسكر بالاول، وكذلك اللقمة الاخيرة إنما اشبعت بالاولى. ومن قال السكر حرام، قال: فإنما ذلك مجاز من القول، وإنما يريد: ما يكون منه السكر حرام، وكذلك التخمة حرام.
وهذا الشاهد الذي استشهد به في تحريمه قليل ما أسكر كثيره، وتشبيهه ذلك بالتخمة- شاهد عليه لا شاهد له؛ لأن الناس مجمعون على أن قليل الطعام الذي تكون منه التخمة، حلال؛ وأن التخمة حرام؛ وكذلك ينبغي ان يكون قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالا، وكثيره حراما، وأن الشربة الاخيرة المسكرة هي المحرّمة.
ومثل الاربعة أقداح التي يسكر منها القدح الرابع، مثل أربعة رجال اجتمعوا على رجل، فشجّه احدهم موضحة «3» ، ثم شجه الثاني منقلة «4» ، ثم شجه الثالث مأمومة «5» ، ثم أقبل الرابع فأجهز عليه؛ فلا نقول إن الاول، هو قاتله، ولا الثاني، ولا الثالث، وإنما قتله الرابع الذي اجهز عليه وعليه القود «6» .
(8/67)

وذكر ابن قتيبة في كتابه: بعد ان ذكر اختلاف الناس في النبيذ وما أدلى به كل قوم من الحجة، فقال: وأعدل القول عندي ان تحريم الخمر بالكتاب، وتحريم النبيذ بالسنة. وكراهية ما تغيّر وخدّر من الاشربة تأديب ...
ثم زعم في هذا الكتاب بعينه أن الخمر نوعان: فنوع منهما أجمع على تحريمه:
وهو خمر العنب من غير ان تمسه نار، لا يحل منه لا قليل ولا كثير؛ ونوع آخر مختلف فيه، وهو نبيذ الزبيب إذا اشتد، ونبيذ التمر إذا صلب، ولا يسمى سكرا إلا نبيذ التمر خاصة.
وقال بعض الناس: نبيذ التمر حل وليس بخمر واحتجوا بقول عمر: فما انتزع بالماء فهو حلال، وما انتزع بغير الماء فهو حرام.
قال ابن قتيبة: وقال آخرون: هو خمر حرام كله. وهذا هو القول عندي؛ لأن تحريم الخمر نزل وجمهور الناس مختلفة، وكلها يقع عليها هذا الإسم في ذلك الوقت.
خمور البلاد
وذكر ان ابا موسى قال: خمر المدينة من البسر والتمر، وخمر اهل فارس من العنب، وخمر اهل اليمن من البتع، وهو نبيذ العسل؛ وخمر الحبشة السكركة وهي من الذرة؛ وخمر التمر يقال له: البتع، والفضيخ.
مم يصنع الخمر
وذكر ان عمر قال: الخمر من خمسة أشياء: من البر، والشعير، والتمر، والزبيب.
والعسل. والخمر ما خامر العقل. ولأهل اليمن أيضا شراب من الشعير يقال له المزر.
ويزعم ههنا ابن قتيبة ان هذه الاشربة كلها خمر، وقال: هذا هو القول عندي. وقد تقدم له في صدر الكتاب ان النبيذ لا يسمى نبيذا حتى يشتدّ ويسكر كثيره، كما أن
(8/68)

عصير العنب لا يسمى خمرا حتى يشتد. وان صدر هذه الامة والائمة في الدين لم يختلفوا في شيء كاختلافهم في النبيذ وكيفيته ...
ثم قال فيما حكم بين الفريقين: أما الذين ذهبوا إلى تحريمه كلّه ولم يفرقوا بين الخمر وبين نبيذ التمر، وبين ما طبخ وبين ما أنقع، فإنهم غلوا في القول جدا، ونحلوا قوما من أصحاب رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم وسلم البدريّين، وقوما من خيار التابعين، وائمة من السلف المتقدمين، شرب الخمر، وزيّنوا ذلك بأن قالوا: شربوها على التأويل وغلطوا في ذلك، فاتهموا نظرهم ونحلوهم الخطأ، وبرّءوا أنفسهم منه.
فعجبت منه كيف يعيب هذا المذهب، ثم يتقلده، ويطعن على قائله ثم يقول به! إلا اني نظرت إلى كتابه، فرأيته قد طال جدا. فاحسبه أنسي في آخره ما ذهب اليه في أوله؛ والقول الاول من قوله هو المذهب الصحيح الذي تأنس إليه القلوب وتقبله العقول، لا قوله الآخر الذي غلط فيه!.
احتجاج المحرمين لقليل النبيذ وكثيره
ذهبوا اجمعون إلى ان ما اسكر كثيره من الشراب فقليله حرام كتحريم الخمر وقال بعضهم: بل هو الخمر بعينها، ولم يفرقوا بين ما طبخ وبين أنقع، وقضوا عليه كله أنه حرام؛ وذهبوا من الاثر إلى حديث رواه عبد اللَّه بن قتيبة عن محمد بن خالد ابن خداش عن ابيه عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر» . وحديث رواه ابن قتيبة عن إسحاق بن راهويه عن المعتمر بن سليمان عن ميمون بن مهدي عن أبي عثمان الانصاري عن القاسم عن عائشة: ان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فالحسوة منه حرام» .
(8/69)

مكاييل العرب
والفرق ستة عشر رطلا. وللعرب أربعة مكاييل مشهورة: أصغرها المدّ وهو رطل وثلث في قول الحجازيين، ورطلان في قول العراقيين. وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتوضأ بالمدّ.
والصاع: وهو أربعة أمداد، خمسة أرطال وثلث في قول الحجازيين، وثمانية أرطال في قول العراقيين. وكان رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يغتسل بالصاع.
والقسط: وهو رطلان وثلثان في قول الناس جميعا.
والفرق: وهو ستة عشر رطلا، ستة أقساط في قول الناس أجمعين.
... وذهبوا إلى حديث رواه ابن قتيبة عن محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة: أن رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل شراب أسكر فهو حرام» . مع أشياء كهذا من الحديث، يطول الكتاب باستقصائها إلا أن هذه أغلظها في التحريم وأبعدها من حيلة المتأوّل.
قالوا: والشاهد على ذلك من النظر، أن الخمر إنما حرّمت لإسكارها وجناياتها على شاربها، ولأنها رجس كما قال اللَّه.
ثم ذكروا من جنايات الخمر ما قد ذكرناه في صدر كتابنا هذا من آفات الخمر وجناياتها، ثم قالوا: والعلة التي لها حرمت الخمر من الإسكار والصداع والصد عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، قائمة بعينها في النبيذ كلّه المسكر، فسبيله سبيل الخمر، لا فرق بينهما في الدليل الواضح والقياس الصحيح؛ كما أن حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم في الفأرة إذا وقعت في السمن: أنه إن كان جامدا ألقيت وألقي ما حولها، وإن كان جاريا أريق السمن؛ فحملت العلماء الزيت ونحوه محمل السمن بالدليل الصحيح.
وعلمت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقصد إلى السمن خاصة بنجس الفأرة، وإنما سئل عن الفأرة تقع في السمن فأفتى فيه، فقاس العلماء الزيت وغيره بالسمن ...
(8/70)

.. وكما أمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار للتنقية من الأذى، فأجازوا كل ما أنقى من الخزف والخرق وغير ذلك، وحملوه محمل الأحجار الثلاثة، ولما حرمت الخمر بعلّة هي قائمة في النبيذ المسكر، حمل النبيذ محمل الخمر في التحريم.
قالوا: ووجدناهم يقولون لمن غلب عليه غنث «1» النفس وصداع الرأس من الخمر: مخمور، وبه خمار، ويقال مثل ذلك في شارب النبيذ، ولا يقولون: منبوذ ولا به نباذ. والخمار مأخوذ من الخمر، كما يقال الكباد في وجع الكبد، والصدار في وجع الصدر.
... وذهبوا في تحريم النبيذ إلى حديث أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أنه نهى أن ينبذ في الدباء والمزفّت «2» .
... وقالوا: لمن أجاز قليل ما أسكر كثيره: إنه ليس بين شارب المسكر وموافقة السكر حد ينتهى إليه ولا يوقف عنده، ولا يعلم شارب المسكر متى يسكر، كما لا يعلم الناس متى يرقد؛ وقد يشرب الرجل من الشراب المسكر قدحين وثلاثة أقداح ولا يسكر، ويشرب منه غيره قدحا واحدا فيسكر؛ لأنه قد يختلف طبع الرجل في نفسه، فيسكر مرة من القدحين، ويشرب مرة أخرى ثلاثة أقداح فلا يسكر.
رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة
«أما بعد فإن الناس كان منهم في هذا الشراب المحرّم أمر ساءت فيه رعة «3» كثير منهم، [وجمعوا مما يغشون به مما حرم اللَّه حراما كثيرا نهوا عنه] عند سفه أحلامهم، وذهاب عقولهم، فاستحلّ به الدم الحرام، والفرج الحرام؛ وأن رجالا
(8/71)

منهم ممن يصيب ذلك الشراب يقولون: شربنا طلاء، فلا بأس علينا في شربه! ولعمري فيما قرّب مما حرّم اللَّه بأسا، وإن في الأشربة التي أحل اللَّه، ومن العسل والسويق، والنبيذ والتمر، لمندوحة عن الأشربة الحرام، غير أن كل ما كان من نبيذ العسل والتمر والزبيب فلا ينبذ إلا في أسقية الأدم التي لازفت فيها، ولا يشرب منها ما يسكر! فإنه بلغنا أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم نهى عن شرب ما جعل في الجرار والدّباء والظروف المزفتة، وقال: «كل مسكر حرام» ؛ فاستغنوا بما أحلّ لكم عما حرّم عليكم؛ وقد أردت بالذي نهيت عنه من شرب الخمر وما ضارع الخمر من الطلاء، وما جعل في الدباء والجرار والظروف المزفتة، وكل مسكر- اتخاذ الحجة عليكم؛ فمن يطع منكم فهو خير له، ومن يخالف إلى ما نهى عنه نعاقبه على العلانية، ويكفينا اللَّه ما أسرّ، فإنه على كل شيء رقيب؛ ومن استخفى بذلك عنا فإن اللَّه أشد بأسا وأشد تنكيلا!» .
احتجاج المحلين للنبيذ كله
قال المحلّون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ: إنما حرّمت الخمر بعينها، خمر العنب خاصة، بالكتاب، وهي معقولة مفهومة، لا يمتري «1» فيها أحد من المسلمين، وإنما حرمها اللَّه تعبّدا، لا لعلة الإسكار كما ذكرتم، ولا لأنها رجس كما زعمتم؛ ولو كان ذلك كذلك لما أحلها اللَّه للأنبياء المتقدمين، والأمم السالفين، ولا شربها نوح بعد خروجه من السفينة، ولا عيسى ليلة رفع، ولا شربها أصحاب محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم في صدر الإسلام.
وأما قولكم إنها رجس، فقد صدقتم في اللفظ وغلطتم في المعنى؛ إذا كنتم أردتم أنها منتنة؛ فإن الخمر ليست منتنة، ولا قذرة ولا وصفها أحد بنتن ولا قذر وإنما جعلها اللَّه رجسا بالتحريم، كما جعل الزنا فاحشة ومقتا «2» ، أي معصية وإثما
(8/72)

بالتحريم؛ وإنما هو جماع كجماع النكاح، وهو عن تراض وبذل، كما أن النكاح عن تراض وبذل؛ وقد يبذل في السفاح ما لا يبذل في النكاح؛ ولذلك سمّى اللَّه تبارك وتعالى المحرّمات كلها خبائث فقال تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
«1» ؛ وسمى المحلّلات كلها طيبات، فقال: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
«2» ؛ وسمى كل ما جاوز أمره أو قصر عنه سرفا، وإن اقتصد فيه.
وقد ذكر الخمر فيما امتنّ به على عباده قبل تحريمها. فقال تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
«3» . ولو أنها رجس على ما تأولتم ما جعلها اللَّه في جنته وسماها لذة للشاربين. وإن قلتم إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا، لأن اللَّه نفى عنها عيوب خمر الدنيا فقال تعالى: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
«4» ، فكذلك قوله في فاكهة الجنة: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ
«5» .
فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا، لأنها تأتي في وقت وتنقطع في وقت، ولأنها ممنوعة إلا بالثمن، ولها آفات كثيرة، وليس في فواكه الجنة آفة.
وما سمعنا أحدا وصف الخمر إلا بضد ما ذكرتم، من طيب النسيم، وذكاء الرائحة. وقال الأخطل:
كأنها المسك نهبى بين أرحلنا ... وقد تضوّع من ناجودها الجاري «6»
وقال آخر:
فتنفّست في البيت إذ مزجت ... كتنفّس الرّيحان في الأنف
وقال أبو نواس:
نحن نخفيها فيأبى ... طيب ريح فتفوح
(8/73)

.. وإنما قوله فيها رجس، كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
«1» أي كفرا إلى كفرهم.
وأما منافعها التي ذكرها اللَّه تعالى في قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
«2» فإنها كثيرة لا تحصى: فمنها أنها تدرّ الدم، وتقوّي المعدة، وتصفي اللون، وتبعث النشاط، وتفتق اللسان، ما أخذ منها بقدر الحاجة ولم يجاوز المقدار، فإذا جاوز ذلك عاد نفعها ضررا.
وقال ابن قتيبة في كتاب الأشربة: كانت بنو وائل تقول: الخمر حبيبة الروح، ولذلك اشتق لها اسم من الروح، فسميت راحا، وربما سميت روحا. وقال إبراهيم النظام:
ما زلت آخذ روح الدّنّ في لطف ... وأستبيح دما من غير مذبوح «3»
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والدّنّ مطّرح، جسم بلا روح
وقد تسمى دما، لأنها تزيد في الدم؛ قال مسلم بن الوليد الأنصاري:
مزجنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منّا الدم الدم
قال ابن قتيبة: وحدّثني الرياشي أن عبيدا راوية الأعشى قال: سألت الأعشى عن قوله:
وسلافة مما تعتّق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها «4»
فقال: شربتها حمراء، وبلتها بيضاء. يريد أن حمرتها صارت دما.
ومن منافع الخمر أنها تزيد في القوّة، وتولد الحرارة، وتهيج الأنفة، وتسخّي البخيل، وتشجع الجبان.
(8/74)

قال حسان بن ثابت:
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء «1»
وقال طرفة:
وإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كلّ أمون وطمرّ»
ثم راحو عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هدّاب الأزر
وقال مسلم بن الوليد:
تصدّ بنفس الخمر عما يغمّه ... وتنطق بالمعروف ألسنة البخل «3»
وقال الحسن بن هانىء:
إذا ما أتت دون الّلهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل
ومن تسخيتها للبخيل المجبول قول بعض المحدثين:
كساني قميصا مرتين إذا انتشى ... وينزعه عني إذا كان صاحيا
فلي فرحة في سكره بقميصه ... وفي الصحو روعات تشيب النواصيا «4»
فيا ليت حظّي من سروري وترحتي ... ومن جوده ألّا عليّ ولا ليا «5»
قالوا: ولولا أن اللَّه تعالى حرّم الخمر في كتابه لكانت سيدة الأشربة؛ وما ظنك بشراب الشربة الثانية منه أطيب من الأولى، والثالثة أطيب من الثانية، حتى يؤدّيك إلى أرفق الأشياء وهو النوم؛ وكل شراب سواها فالشربة الأولى أطيب من الثانية، والثانية أطيب من الثالثة، حتى تمله وتكرهه!
(8/75)

وسقى قوم أعرابيا كئوسا، ثم قالوا: كيف تجدك؟ قال: أجدني أسرّ، وأجدكم تحبّبون إليّ.
وقالوا: ما حرّم اللَّه شيئا إلا عوّضنا ما هو خير منه أو مثله، وقد جعل اللَّه النبيذ عوضا من الخمر، نأخذ منه ما يطيب النفس، ويصفي اللون، ويهضم الطعام، ولا نبلغ منه إلى ما يذهب العقل، ويصدع الرأس، ويغثي النفس، ويشرك الخمر في آفاتها وعظيم خبائثها.
قالوا: وأما قولكم إن الخمر كلّ ما خمر، والنبيذ كله يخمّر فهو خمر، فإن الأسماء قد تتشاكل في بعض المعاني، فتسمى ببعضها لعلة فيها وهي في آخر، ولا يطلق ذلك الاسم على الآخر؛ ألا ترى أن اللبن قد يخمرونه بروبة تلقى فيه، ولا بسمى خمرا؟ وأن العجين قد يخمر فيسمى خميرا ولا يسمى خمرا؟ وأن نقيع التمر يسمى سكرا لإسكاره، ولا يسمى غيره من النبيذ سكرا وإن كان مسكرا؟ وهذا أكثر في كلام العرب من أن يحاط به؛ وقد رأيت اللبن يسكر إسكار كسكر النبيذ، ويقال: قوم ملبونون وقوم روبى، إذا شربوا الرائب فسكروا منه؛ وقال بشر بن أبي حازم:
فأما تميم تميم بن مرّ ... فألفاهم القوم روبى نياما
وأما قولكم: الرجل مخمور، وبه خمار، إذا أصابه صداع من الخمر؛ وقد يقال مثل ذلك لمن أصابه صداع من النبيذ، فيقال: به خمار، ولا يقال به نباذ؛ فإن حجتنا في ذلك أن الخمار إنما يكون مما أسكر من النبيذ، وذلك حرام، لا فرق بينه وبين الخمر عندنا، فيقال فيه: ما يقال في الخمر، وإنما كان شربة «1» النبيذ من أسلافنا يشربون منه اليسير على الغداء والعشاء، ومما لا يعرض منه خمار.
وقد فرقت الشعراء بين النبيذ والخمر، فقال الأقيشر، وكان مغرما بالشراب:
وصبهاء جرجانية لم يطف بها ... حنيف، ولم تنغر بها ساعة قدر «2»
(8/76)

أتاني بها يحيي وقد نمت نومة ... وقد غارت الشّعرى وقد خفق النّسر «1»
فقلت اصطبحها أو لغيري فأهدها ... فما أنا بعد الشّيب ويلك والخمر!
إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنكر عليه الذي أتى ... وإن جرّ أرسان الحياة له الدهر
فأعلمك أن الخمر هي التي لم تغل بها القدور.
أدعياء النسك:
وأما قول بعض الشعراء في شاربي النبيذ وما عابوهم به من قلة الوفاء ونقض العهد، فقد قالوا أقبح من ذلك في تارك النبيذ، قال حيص بيص:
ألا لا يغرنك ذو سجدة ... يظلّ بها دائما يخدع
[كأن بجبهته حيلة ... يسبّح طورا ويسترجع]
وما للتّقى لزمت وجهه ... ولكن ليأتي مستودع
ثلاثون ألفا حواها السّجود ... فليست إلى ربّها ترجع
وردّ أخو الكأس ما عنده ... وما كنت في ردّه أطمع
وقال آخر:
أمّا النّبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء
قوم يورّون عما في نفوسهم ... حتى إذا استمكنوا كانوا هم الدّاء
مشمّرين إلى أنصاف سوقهم ... هم الذّئاب وقد يدعون قرّاء
وقال أعرابيّ:
صلّى فأزعجني وصام فراعني ... نحّ القلوص عن المصلّي الصائم!
وقال:
شمّر ثيابك واستعدّ لقائل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم
(8/77)

وامش الدبيب إذا مشيت لحاجة ... حتى تصيب وديعة ليتيم «1»
وقال بعض الظرفاء:
أظهروا واللَّه سمتا ... وعلى المنقوش داروا «2»
وله صلّوا وصاموا ... وله حجّوا وزاروا
لو يرى فوق الثّريّا ... ولهم ريش لطاروا!
فهؤلاء المراءون بأعمالهم، العاملون للناس والتاركون للناس، هم شرار الخلق وأراذل البرية.
وقد فضل شربة النبيذ عليهم بإرسال الأنفس على السجية، وإظهار المروءة ولست أصف بهذا منهم إلا دينا، فليس في الناس صنف إلا ولهم حشو.
ومن احتجاج المحلين للنبيذ
ما رواه مالك بن أنس في موطئه من حديث أبي سعيد الخدري: أنه قدم من سفر فقدّم إليه لحم من لحوم الأضاحي، فقال: ألم يكن رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم نهاكم عن هذا بعد ثلاثة أيام؟ فقالوا: قد كان بعدك من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فيها أمر. فخرج إلى الناس فسألهم، فأخبروه أن رسول اللَّه قال: «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وادّخروا وتصدقوا؛ وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الدباء والمزفّت، فانتبذوا وكل مسكر حرام؛ وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ولا تقولوا هجرا» . والحديثان صحيحان، رواهما مالك بن أنس وأثبتهما في موطئه، وإنما هو ناسخ ومنسوخ؛ وإنما كان نهيه أن ينتبذ في الدباء والمزفت، نهيا عن النبيذ الشديد؛ لأن الأشربة فيهما تشتد؛ ولا معنى للدباء والمزفت غير هذا. وقوله بعد هذا: «كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكل مسكر حرام» - إباحة لما كان حظر عليهم من النبيذ الشديد. وقوله صلّى اللَّه عليه وسلّم: «كل مسكر حرام» ، ينهاكم بذلك أن تشربوا حتى
(8/78)

تسكروا، وإنما المسكر ما أسكرك، ولا يسمى القليل الذي لا يسكر مسكرا، ولو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكرا، ما أباح لنا منه شيئا: والدليل على ذلك أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم شرب من سقاية العباس، فوجده شديدا، فقطب بين حاجبيه، ثم دعا بذنوب «1» من ماء زمزم فصب عليه، ثم قال: إذا اغتلمت «2» أشربتكم فاكسروها بالماء. ولو كان حراما لأراقه، ولما صب عليه ماء ثم شربه.
وقالوا في قول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «كل مسكر خمر» : هو ما أسكر الفرق «3» منه فملء الكف حرام؛ فإن هذا كله منسوخ، نسخه شربه للصّلب «4» يوم حجة الوداع.
قالوا: ومن الدليل على ذلك أنه كان ينهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر فوفدوا إليه بعد، فرآهم مصفرة ألوانهم، سيئة حالهم؛ فسألهم عن قصتهم، فأعلموه أنه كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم من ذلك؛ فأذن لهم في شربه.
... وأن ابن مسعود قال: شهدنا التحريم وشهدتم، وشهدنا التحليل وغبتم. وأنه كان يشرب الصّلب من النبيذ التمر، حتى كثرت الروايات به عنه وشهرت وأذيعت، وأتبعه عامة التابعين من الكوفيين وجعلوه أعظم حججهم، وقال في ذلك شاعرهم:
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه ... في جوف خابية ماء العناقيد؟ «5»
إني لأكره تشديد الرواة لنا ... فيه، ويعجبني قول ابن مسعود!
وإنما أراد أنهم كانوا يعمدون إلى الرّب الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فيزيدون عليه من الماء قدر ما ذهب منه، ثم يتركونه حتى يغلي ويسكن جأشه، ثم يشربونه.
وكان عمر يشرب على طعامه الصلب، ويقول: يقطع هذا اللحم في بطوننا.
واحتجوا بحديث زيد بن أخزم عن أبي داود عن شعبة عن مسعر بن كدام عن ابن
(8/79)

عون الثقفي عن عبد اللَّه بن شداد عن ابن عباس أنه قال: حرمت الخمر بعينها والسكر من كلّ شراب.
وبحديث رواه عبد الرحمن بن سليمان عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم طاف وهو شاك «1» على بعير ومعه محجن «2» ، فلما مر بالحجر استلمه بالمحجن، حتى إذا انقضى طوافه نزل فصلى ركعتين ثم أتى السقاية «3» فقال:
اسقوني من هذا. فقال له العباس: ألا نسقيك مما يصنع في البيوت؟ قال: لا، ولكن اسقوني مما يشرب الناس. فأتي بقدح من نبيذ فذاقه، فقطّب، وقال: هلمّوا فصبّوا فيه الماء. ثم قال: زد فيه، مرة أو مرتين أو ثلاثا. ثم قال: إذا صنع أحد بكم هذا فاصنعوا به هكذا.
والحديث رواه يحيى بن اليمان عن الثوري عن منصور بن خالد عن سعيد عن ابن مسعود الأنصاري: أنّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم عطش وهو يطوف بالبيت، فأتي بنبيذ من السقاية، فشمّه، فقطب، ثم دعا بذنوب من ماء زمزم، فصبّ عليه ثم شربه، فقال له رجل:
أحرام هذا يا رسول اللَّه؟ فقال: لا.
وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة عمر «4» ، فانتشى، فحدّه عمر؛ وإنما حدّه للسكر لا للشراب.
ودخل عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه على قوم يشربون ويوقدون في الأخصاص؛ فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم، وعن الإيقاد في الأخصاص «5» فأوقدتم.
وهمّ بتأديبهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نهاك اللَّه عن التجسس فتجسست،
(8/80)

ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت! فقال: هاتان بهاتين.
وانصرف وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عمر! وإنما نهاهم عن المعاقرة وعن إدمان الشراب حتى يسكروا، ولم ينههم عن الشراب- وأصل المعاقرة من عقر الحوض، وهو مقام الشاربة- ولو كان عنده ما شربوا خمرا لحدّهم.
وبلغه عن عامل له بميسان أنه قال:
ألا أبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم «1»
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... وصنّاجة تشدو على كلّ منسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلّم «2»
لعلّ أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم
فقال: إي واللَّه، إنه ليسوءني ذلك! فعزله وقال: واللَّه لا عمل لي عملا أبدا! وإنما أنكر عليه المدام، وشربه بالكبير، والصنج، والرقص، وشغله باللهو عما فوّض إليه من أمور الرعية، ولو كان ما شرب عنده خمرا لحدّه.
مالك بن دينار والنبيذ
محمد بن وضاح عن سعيد بن نصر عن يسار عن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار، وسئل عن النبيذ: أحرام هو؟ فقال: انظر ثمن التمر من أين هو، ولا تسأل عن النبيذ أحلال هو أم حرام! وعوتب سعيد بن زيد في النبيذ، فقال: أما أنا فلا أدعه حتى يكون شرّ عملي.
وقيل لمحمد بن واسع: أتشرب النبيذ؟
(8/81)

فقال: نعم.
فقيل: وكيف تشربه؟
فقال: عند غذائي وعشائي، وعند ظمئي.
قيل: فما تركت منه؟
قال: التّكأة «1» ومحادثة الإخوان.
وقال المأمون: اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا سهل عليك فدعه.
وإنما أراد أنه يسهل على شاربه إذا أخذ في الإسكار.
وقيل لسعيد بن أسلم: أتشرب النبيذ؟
فقال: لا.
قيل: ولم؟
قال: تركت كثيره للَّه، وقليله للناس! وكان سفيان الثوري يشرب النبيذ الصلب الذي تحمّر منه وجنتاه.
واحتجوا من جهة النظر، أن الأشياء كلها حلال إلا ما حرّم اللَّه؛ قالوا: فلا نزيل نفس الحلال بالاختلاف ولو كان المحلّلون فرقة من الناس، فكيف وهم أكثر الفرق؟
وأهل الكوفة أجمعون على التحليل، لا يختلفون فيه، وتلوا قول اللَّه عز وجل:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ؟
«2» .
قول وكيع
حدث إسحاق بن راهويه قال: سمعت وكيعا يقول: النبيذ أحلّ من الماء! وعابه بعض الناس في ذلك، وقالوا: كيف يكون أحلّ من الماء، وهو وإن كان حلالا فهو بمنزلة الماء؟
(8/82)

وليس على وكيع في هذا الموضع عيب ولا يرجع عليه فيه كذب! لأن كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم، كما يقولون، هو أشهر من الصبح، وأسرع من البرق، وأبعد من النجم، وأحلى من العسل، وأحرّ من النار.
ابن إدريس الكوفي
ولم يكن أحد من الكوفيين يحرّم النبيذ غير عبد اللَّه بن إدريس، وكان بذلك معيبا.
وقيل لابن إدريس: من خيار أهل الكوفة؟
فقال: هؤلاء الذين يشربون النبيذ! قيل: وكيف وهم يشربون ما يحرم عندك؟
قال: ذلك مبلغهم من العلم.
وكان ابن المبارك يكره شرب النبيذ ويخالف فيه رأي المشايخ وأهل البصرة.
وقال أبو بكر بن عياش: [قلت له] : من أين جئت بهذا القول في كراهيتك النبيذ ومخالفتك أهل بلدك؟
قال: هو شيء اخترته لنفسي.
قلت: فتعيب من شربه؟
قال: لا.
قلت: أنت وما اخترت.
وكان عبد اللَّه بن داود يقول: ما هو عندي وماء الفرات إلا سواء.
وكان يقول: أكره إدارة القدح، وأكره نقبع الزبيب، وأكره المعتّق.
قال: ومن أدار القدح لم تجر شهادته.
وشهد رجل عند سوّار القاضي، فردّ شهادته لأنه كان يشرب النبيذ؛ فقال:
أمّا الشراب فإني غير تاركه ... ولا شهادة لي ما عاش سوّار
(8/83)

حدث شبابة قال: حدثني غسان بن أبي صباح الكوفي عن أبي سلمة يحيى بن دينار عن أبي المظهر الورّاق قال: بينما زيد بن عليّ في بعض أزقّة الكوفة: إذ مرّ به رجل من الشيعة، فدعاه إلى منزله، وأحضر طعاما؛ فتسامعت به الشيعة، فدخلوا عليه حتى غص المجلس بهم، فأكلوا معه، ثم استسقى، فقيل له: أيّ الشراب نسقيك يا بن رسول اللَّه؟
قال: أصلبه وأشدّه.
فأتوه بعسّ من نبيذ، فشرب وأدار العس عليهم فشربوا؛ ثم قالوا: يا بن رسول اللَّه، لو حدثتنا في هذا النبيذ بحديث رويته عن أبيك عن جدّك؛ فإن العلماء يختلفون فيه! قال: نعم حدثني أبي عن جدي أنّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: لتركبنّ طبقة بني إسرائيل حذو القذّة «1» بالقذّة والنعل بالنعل. ألا وإنّ اللَّه ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت، أحل منه الغرفة والغرفتين وحرّم منه الريّ؛ وقد ابتلاكم بهذا النبيذ، أحلّ منه القليل وحرّم منه الكثير.
وكان أهل الكوفة يسمون النبيذ: نهر طالوت؛ وقال فيه شاعرهم:
اشرب على طرب من نهر طالوت ... حمراء صافية في لون ياقوت
من كفّ ساحرة العينين شاطرة ... تربي على سحر هاروت وماروت «2»
لها تماويت ألحاظ إذا نظرت ... فنار قلبك من تلك التّماويت «3»
حديث الحارث بن كلدة طبيب العرب مع كسرى أنوشروان الفارسي
روي أن الحارث بن كلدة الثقفي وفد على كسرى أنوشروان، فأذن له بالدخول،
(8/84)

فانتصب بين يديه، فقال له كسرى: من أنت؟ قال: أنا الحارث بن كلدة. قال:
أعربيّ؟ قال: نعم، من صميمها. قال: فما صناعتك؟ قال: طبيب. قال: وما تصنع العرب بالطبيب مع جهلها، وضعف عقولها، وقلة قبولها، وسوء غذائها، فقال: ذلك أجدر أيها الملك، إذا كانت بهذه الصفة، أن تحتاج إله ما يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل أمشاجها «1» ؛ [فإن العاقل يعرف ذلك من نفسه] .
قال الملك: وكيف لها بأن نعرف ما تورده عليها، ولو عرفت الحق لم تنسب إلى الجهل. قال: الحارث: أيها الملك، إن اللَّه جل اسمه قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق، وأخذ القوم نصيبهم؛ ففيهم ما في الناس من جاهل وعالم، وعاجز وحازم.
قال الملك: فما الذي يحمد من أخلاقهم، ويحفظ من مذاهبهم؟ قال الحارث: لهم أنفس سخية، وقلوب جريّة، وعقول صحية مرضيّة، وأحساب نقية، يمرق الكلام من أفواههم مروق السهم العائر «2» ، ألين من الماء، وأعذب من الهواء؛ يطعمون الطعام، ويضربون الهام، وعزّهم لا يرام، وجارهم لا يضام، ولا يروّع إذا نام؛ لا يقرّون بفضل أحد من الأقوام، ما خلا الملك الهمام، الذي لا يقاس به أحد من الأنام! قال:
فاستوى كسرى جالسا. ثم التفت إلى من حوله فقال: أطرى قومه، فلولا أن تداركه عقله لذمّ قومه، غير أني أراه ذا عمى. ثم أذن له بالجلوس. فقال: كيف بصرك بالطب؟ قال: ناهيك! قال: فما أصل الطب؟ قال: ضبط الشفتين، والرفق باليدين.
قال: أصبت، فما الداء الدويّ «3» ؟ قال: إدخال الطعام على الطعام، هو الذي أفنى البرية، وقتل السباع في البريّة. قال: أصبت. فما الجمرة التي تلهّب منها الأدواء؟ قال:
هي التخمة، إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت. قال: فما تقول في إخراج الدم؟ قال: في نقصان الهلال، في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة، والسرور حاضر. قال: فما تقول في الحمّام؟ قال: لا تدخل الحمام شعبان، ولا تغش
(8/85)

أهلك سكران، ولا تنم بالليل عريان، وارفق بجسمك يكن أرجى لنسلك. قال: فما تقول في شرب الدواء؟ قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، فإذا أحسست بحركة الداء فاحسمه بما يردعه؛ فإن البدن بمنزلة الأرض، إن أصلحتها عمرت، وإن فسدتها خربت. قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه أهناه، وأرقّه أمراه؛ ولا تشرب صرفا يورثك صداعا، ويثير عليك من الداء أنواعا. قال: فأي اللّحمان أحمد؟ قال:
الضأن الفتّي، أسمنه وأبذله، واجتنب أكل القديد والمالح، والمعز والبقر. قال: فما تقول في الفاكهة. قال: كلها في إقبال دولتها واتركها إذا أدبرت وولت وانقضى زمانها؛ وأفضل الفاكهة الرمان والأترجّ، وأفضل البقول الهندبا والخس، وأفضل الرياحين الورد والبنفسج. قال: فما تقول في شرب الماء؟ قال: هو حياة البدن، وبه قوته، وينفع ما شرب منه بقدر، وشربه بعد النوم ضرر. وأفضل المياه مياه الأنهار العظام، أبرده وأصفاه. قال: فما طعمه؟ قال: شيء لا يوصف و [هو] مشتق من الحياة. قال: فما لونه؟ قال: اشتبه على الأبصار لونه، يحكي لون كل شيء يكون فيه. قال: فأخبرني عن أصل الإنسان ما هو؟ قال: أصله من حيث يشرب الماء.
يعني رأسه. قال: فما هو النور تبصر به الأشياء؟ قال: العين مركبة من [ثلاثة] أشياء، فالبياض شحمة، والسواد مائع، [والناظر ريح] . قال: فعلى كم طبع هذا البدن؟ قال: أربع طبائع: على المرة السوداء، وهي باردة يابسة؛ والمرة الصفراء، وهي حارة يابسة؛ والدم، وهو حار رطب؛ والبلغم، وهو بارد رطب قال: فلم لم يكن من طبع واحد؟ قال: لو خلق من شيء واحد لم ينحل ولم يمرض ولم يمت. قال: فمن طبعين ما حال الاقتصار عليهما؟ قال: لم يجز، لأنهما ضدان يقتتلان؛ ولذلك لم يجز من ثلاثة: موافقين ومخالف. قال: فأجمل إلي الحارّ والبارد في أحرف جامعة. قال:
كل حلو حار وكل حامض بارد، وكل حرّيف حار، وكل مر معتدل، وفي المرّ حار وبارد. قال: فما أفضل ما عولج به المرة السوداء. قال: بكل حار لين. قال: فالمرة الصفراء؟ قال: كل بارد ليّن: فالبلغم؟ قال: كل حار يابس. قال: فالدم؟ قال:
إخراجه إذا زاد، وتطفئته إذا سخن بالأشياء الباردة. قال: فالرياح؟ قال: بالحقن اللينة
(8/86)

والأدهان الحارّة اللينة. قال: أفتأمر بالحقن؟ قال: نعم، قرأت في بعض الكتب أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء عنه؛ وعجبت لمن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد! وإن الجاهل كان الجاهل من أكل ما قد عرف مضرته، فيؤثر شهوته على راحة بدنه. قال: فما الحمية؟ قال: الاقتصاد في كل شيء، فإنه إذا أكل فوق المقدار ضيّق على الروح ساحته. قال: فما تقول في إتيان النساء؟ قال: كثرة غشيانهن رديء؛ [وإياك] وإتيان المرأة المولية «1» ، فإنها كالشن «2» البالي، تسقم بدنك وتجذب قوّتك؛ ماؤها سم قاتل، ونفسها موت عاجل، تأخذ منك ولا تعطيك؛ وعليك بإتيان الشباب: فإن الشابة ماؤها عذب زلال، ومعانقتها غنج ودلال، فوها بارد، [وريقها عذب] ، وريحها طيب، ورحمها حرج «3» تزيدك قوّة [إلى قوتك] ونشاطا [إلى نشاطك] . قال: فأي النساء القلب لها أبسط، والعين برؤيتها آنس؟ قال: إن أصبتها مديدة القامة عظيمة الهامة، واسعة الجبين، عريضة الصدر، مليحة النحر، ناهدة الثديين، لطيفة الخصر والقدمين، بيضاء فرعاء، جعدة غضة، تخالها في الظلمة بدرا زاهرا تبسم عن أقحوان باهر، وإن تكشف تكشف عن بيضة مكنونة، وإن تعانق تعانق ما هو ألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأبرد من القند»
، وأعظم من الفردوس والخلد، وأذكى ريحا من الياسمين والورد. قال: فاستضحك كسرى حتى اختلجت كتفاه. قال: فأي الأوقات [إتيانهن] أفضل؟ قال: عند إدبار الليل يكون الجوف أخلى، والنفس أشهى والرحم أدفى. قال: فأي الأوقات ألذ وأطرب؟ قال: نهارا، يزيدك النظر انتشارا! قال كسرى للَّه درك من عربيّ، لقد أعطيت علما، وخصصت به من بين الحمقى، وفطنة وفهما! ثم أمر بإعطائه وصلته، وقضى حوائجه.
ابن أبي الحواري وصالح العباسي
وحضر ابن أبي الحواري بالشام- وكان معروفا بالرقائق والزهد- مائدة صالح
(8/87)

العباس مع فقهاء البلد، فحدثني البحتري عن عبادة، وكان ممن حضر المجلس أنه بعث إليه بقدح نبيذ فشربه، ثم بعث إليه بثان فامتنع من شربه! فأخذه الناس بألسنتهم، وقالوا: شربت المسكر على أخونة هؤلاء وصرت لهم حجة! قال: حسبكم! أردتم أن أكون ممن قال اللَّه تعالى: فيهم يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ
«1» ! فكيف أدعه لكم وأشربه بعين اللَّه!
بين قاض وشارب نبيذ
وقال بعض القضاة لرجل كان يعذله: بلغني أنك تشرب المسكر! فقال: ما أشرب المسكر ولكني أشرب النبيذ الصلب.
ألوان من التزهد
فأين هؤلاء في ترك الرياء والتصنع، من رجل سرقت نعله فلم يشتر نعلا حتى مات، وعوتب في ذلك فقال: أخشى أن أشتري نعلا فيسرقها أحد فيأثم! وآخر لما نظر أهل عرفات قال: ما أظن اللَّه إلا قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم! وآخر أمر له عمر بن الخطاب بكيس، فقال: آخذ الكيس والخيط؟ فقال عمر:
دع الكيس! ورجل سأل ابن المبارك فقال إني قاسمت إخوتي، وبيننا مبرز غير مقسوم وفيّ بطر «2» أفترى لي أن أدخله أكثر مما يدخله شركائي؟
وآخر قال: أفطرت البارحة على رغيف وزيتونة ونصف، أو زيتونة وثلث أو زيتونة وربع، أو ما علم اللَّه من زيتونة أخرى! فقال له بعض من حضر: أجلس يا فتى، إنه بلغنا أن من الورع ما يبغضه اللَّه، وأظنه ورعك هذا!
(8/88)

الأعمش قال: أتاني عبد اللَّه بن سعيد بن أبي بكر فقال لي: ألا تعجب؟ جاءني رجل فقال: دلني على شيء إذا أكلته أمرضني، فقد استبطأت العلة وأحببت أن أعتل فأوجر! فقلت له: سل اللَّه العافية، واستدم النعمة، فإن من شكر على النعمة كمن صبر على البلية. فألح عليّ، فقلت له: كل السمك، واشرب نبيذ الزبيب، ونم في الشمس، واستمرض اللَّه يمرضك إن شاء اللَّه! هارون بن داود قال شرب رجل عند خمار نصراني، فأصبح ميتا؛ فاجتمع عليه الناس وقالوا للخمار: أنت قتلته! قال: لا واللَّه، ولكن قتله استعماله قوله:
وأخرى تداويت منها بها
(8/89)

كتاب اللؤلوءة الثانية في الفكاهات والملح
قال الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، تغمده اللَّه برحمته: قد مضى قولنا في الطعام والشراب وما يتولد منهما، وينسب إليهما.
ونحن قائلون بما ألّفناه في كتابنا هذا من الفكاهات والملح التي هي نزهة النفس، وربيع القلب، ومرتع السمع، ومجلب الراحة، ومعدن السرور.
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عميت» .
وقال علي بن أبي طالب رضوان اللَّه عليه: أجموا «1» هذه القلوب، والتمسوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان، والنفس مؤثرة للهوى، آخذة بالهوينى، جانحة إلى اللهو، أمارة بالسوء، مستوطنة للعجز، طالبة للراحة، نافرة عن العمل، فإن أكرهتها أنضيتها «2» ، وإن أهملتها أرديتها.
ودخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على أبيه وهو ينام نومة الضحى فقال: يا أبت! أتنام وأصحاب الحوائج واقفون ببابك؟ قال: يا بنيّ، إن نفسي مطيتي، فإن أنضيتها قطعتها، ومن قطع المطيّ لم يبلغ الغاية!
(8/90)

أخبار في الضحك
وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يضحك حتى تبدو نواجذه «1» .
وكان محمد بن سيرين يضحك حتى يسيل لعابه.
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا خير فيمن لا يطرب» .
وقال: «كل كريم طروب» .
وقال هشام بن عبد الملك: قد أكلت الحلو والحامض حتى ما أجد لواحد منها طعما، وشممت الطيّب حتى ما أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم حائطا؛ فما وجدت شيئا ألذ من جليس يسقط بيني وبينه مئونة التحفظ.
وقيل لعمرو بن العاص: ما ألذّ الأشياء؟ قال: ليخرج من هاهنا من الأحداث.
فخرجوا، فقال: ألذّ الأشياء إسقاط المروءة! وقيل لمسلمة بن عبد الملك: ما ألذ الأشياء؟ فقال: هتك الحيا، واتّباع الهوى.
وهذه المنزلة من أعمال النفس وهتك الحياة قبيحة، كما أن المنزلة الأخرى من الغلو في الدّين والتعسف في الهيبة قبيحة أيضا؛ وإنما المحمود منها التوسط، وأن يكون لهذا موضعه ولهذا موضعه.
وقال مطوف بن عبد اللَّه لولده: يا بنيّ، إن الحسنة بين السيئتين- يريد بين المجاوزة والتقصير- وخير الأمور أوساطها، وشرّ السير الحقحقة «2» .
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ «3» لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» .
خبر بعض الحواريين
وفي بعض الكتب المترجمة: ان يوحنا وشمعون كانا من الحواريّين، وكانا يوحنا
(8/91)

لا يجلس مجلسا إلا ضحك وأضحك من حوله، وكان شمعون لا يجلس مجلسا إلا بكى وأبكى من حوله؛ فقال شمعون ليوحنا: ما أكثر ضحكك! كأنك قد فرغت من عملك! فقال له يوحنا: ما أكثر بكاءك! كأنك قد يئست من ربك! فأوحى اللَّه إلى المسيح: إن أحبّ السيرتين إليّ سيرة يوحنا.
المسيح ويحيى بن زكريا
وفي بعض الكتب أيضا: أن عيسى ابن مريم لقى يحيى بن زكريا عليهم الصلاة والسلام، فتبسم إليه يحيى، فقال له عيسى: إنك لتبسم تبسم آمن! فقال له يحيى: إنك لتعبس عبوس قانط! فأوحى اللَّه إلى عيسى: إن الذي يفعل يحيى أحبّ إليّ.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: يدخل نعيمان الجنة ضاحكا، لأنه كان يضحكني. وذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دخل عليه وهو أرمد فوجده يأكل تمرا، فقال له: أتأكل تمرا وأنت أرمد؟
فقال: إنما آكل من الجانب الآخر! فضحك النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى بدت نواجذه.
وكانت سويداء «1» لبعض الأنصار تختلف إلى عائشة فتلعب بين يديها وتضحكها، وربما دخل النبي صلّى الله عليه وسلّم على عائشة فيجدها عندها فيضحكان جميعا؛ ثم إن النبي صلّى الله عليه وسلّم فقدها، فقال: يا عائشة، ما فعلت السويداء قالت له: إنها مريضة! فجاءها النبي صلّى الله عليه وسلّم يعودها، فوجدها في الموت! فقال لأهلها: إذا توفيت فآذنوني. فلما توفيت آذنوه، فشهدها وصلى عليها وقال: اللهم إنها حريصة على أن تضحكني، فأضحكها فرحا.
الأصمعي وأبو عبيدة
وقيل لأبي نواس: قد بعثوا إلى أبي عبيدة والأصمعي ليجمعوا بينهما. فقال: أما أبو عبيدة فإن خلوه وسفره قرأ عليهم أساطير الأولين والآخرين، وأما الأصمعي فبلبل في قفص يطربهم بصفيره.
(8/92)

قال ابن إسحق: وقد طرب الصالحون وضحكوا ومزحوا. وإن مدحت العرب رجلا قالوا: هو ضحوك السن، بسّام الثنيات، هش إلى الضيف فإذا ذمّته قالوا: هو عبوس الوجه، جهم المحيّا، كريه المنظر، حامض الدجنة، كأنما وجهه بالخل منضوج، كأنما أسعط «1» خيشومه بالخردل.
وكتب يحيى بن خالد إلى الفضل ابنه وهو بخراسان: يا بنيّ، لا تغفل نصيبك من الكسل! وهذا جزء جامع لكل ما قصدنا إليه من هذا المعنى، لأن بالكسل تكون الراحة، وبالراحة يكون مثاب «2» النشاط، وبالنشاط يصفو الذهن، ويصدق الحس، ويكثر الصواب. قال الشاعر:
إنما للنّاس منّا ... حسن خلق ومزاح
ولنا ما كان فينا ... من فساد وصلاح
ملح هشام بن عروة
الهيثم بن عديّ قال: رأيت هشام بن عروة قد اجتمع إليه أصحاب الحديث يسألونه، فقال لهم: يا قوم، أما ما كان عندي من الحلال والحرام والسنّة فإني لا أستحلّ أن أمنعكموه، وأما ملحي فلا أعطيكموها ولا كرامة.
باب من المفاكهات
حديث عباس بن الأحنف
حدث أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قال: حدثنا محمد بن عامر الحنفي، وكان من سادات بكر بن وائل، وأدركته شيخا كبيرا مملقا، وكان إذا أفاد على إملاقه «3» شيئا
(8/93)

جاد به، وقد كان قديما ولي شرطة البصرة، فحدثني هذا الحديث الذي أذكره، ووقع إليّ من غير ناحيته، ولا أذكر ما بينهما من الزيادة والنقصان، إلا أن معاني الحديث مجموعة فيما أذكر لك:
ذكر أن فتيانا كانوا مجتمعين في نظام واحد، كلهم ابن نعمة، وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه، فذكر ذاكر منهم قال:
كنا قد اكترينا «1» دارا شارعة على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس، وكنا نفلس أحيانا ونوسر أحيانا، على مقدار ما يمكن الواحد من أهله، وكنا لا ننكر أن تقع مئونتنا على واحد منا إذا أمكنه، ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء، فيقوم به أصحابه الدهر الأطول، وكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام ألينه، ودعونا الملهين والملهيات، وكان جلوسنا في أسفل الدار، فإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع منها بالنظر إلى الناس؛ وكنا لا نخلّ بالنبيذ في عسر ولا يسر؛ فإنا لكذلك يوما إذا بفتى يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد. فإذا رجل نظيف، حلو الوجه، سريّ الهيئة، ينيء رواؤه «2» على أنه من أبناء النعم؛ فأقبل علينا فقال: إني سمعت مجتمعكم، وحسن منادمتكم! وصحة ألفتكم، حتى كأنكم أدرجتم جميعا فى قالب واحد: فأحببت أن أكون واحدا منكم فلا تحتشموا.
قال: وصادف ذلك منا إقتارا من القوت؛ وكثرة من النبيذ، وقد كان قال لغلام له: أول ما يأذنون لي أن أكون كأحدهم، هات ما عندك. فغاب الغلام عنا غير كثير، ثم أتانا بسلّة خيزران، فيها طعام المطبخ، من جدي، ودجاج، وفراخ، ورقاق «3» ، وأشنان، ومحلب «4» ، وأخلة «5» ؛ فأصبنا من ذلك، ثم أفضنا في شرابنا.
(8/94)

وانبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق اللَّه إذا حدّث، وأحسنهم استماعا إذا حدّث، وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف؛ ثم أفضينا منه إلى أكرم مخالقة، وأجمل مساعدة؛ وكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه، فيظهر لنا أنه لا يحب غيره، ويرى ذلك في إشراق وجهه؛ فكنا نغني به عن حسن الغناء، ونتدارس أخباره وآدابه؛ فشغلنا ذلك عن تعرّف اسمه ونسبه، فلم يكن منا إلا تعرّف الكنية، فإنا سألناه عنها فقال: أبو الفضل.
فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم بم عرفتكم؟ قلنا: إنا لنحب ذلك.
قال: أحببت جارية في جواركم، وكانت سيدتها ذات حبائب «1» ؛ فكنت أجلس لها في الطريق ألتمس اجتيازها، فأراها؛ حتى أخلقّني الجلوس على الطريق ورأيت غرفتكم هذه، فسألت عن خبرها، فخبرت عن ائتلافكم وتمالئكم، ومساعدة بعضكم بعضا؛ فكان الدخول فيما أنتم فيه أسرّ عندي من الجارية. فسألناه عنها فخبرها، فقلنا له:
نحن نختدعها حتى نظفرك بها! فقال: يا إخواني، إني واللَّه على ما ترون مني من شدة الشغف والكلف بها، ما قدّرت فيها حراما قط ولا تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمنّ اللَّه بثروة فأشتريها! فأقام معنا شهرين، ونحن على غاية الاغتباط بقربه، والسرور بصحبته، إلى أن اختلس منا، فنالنا بفراقه ثكل ممضّ، ولوعة مؤلمة، ولم نعرف له منزلا نلتمسه فيه؛ فكدر علينا من العيش ما كان طاب لنا به، وقبح عندنا ما كان حسن بقربه، وجعلنا لا نرى سرورا ولا غمّا إلا ما ذكرناه، لاتصال السرور بصحبته وحضوره، والغمّ بمفارقته؛ فكنا فيه كما قال الشاعر:
يذكّرنيهم كلّ خير رأيته ... وشرّ، فما أنفك منهم على ذكر
فغاب عنا زهاء عشرين يوما، فبينما نحن مجتازون يوما من الرصافة، إذا به قد طلع في موكب نبيل، وزيّ جليل، فلما بصر بنا انحط عن دابته وانحط غلمانه، ثم
(8/95)

قال: يا إخواني، واللَّه ما هنأني عيش بعدكم، ولست أماطلكم بخبري حتى آتى المنزل، ولكن ميلوا بنا إلى المسجد. فملنا معه، فقال: أعرّفكم أولا بنفسي، أنا العباس بن الأحنف؛ وكان من خبري بعدكم أني خرجت إلى منزلي من عندكم؛ فإذا المسوّدة محيطة بي، فمضي بي إلى دار أمير المؤمنين، فصرت إلى يحيى بن خالد، فقال لي:
ويحك يا عباس! إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء، لقرب مأخذك، وحسن تأتّيك! وإن الذي ندبتك له من شأنك؛ وقد عرفت خطرات الخلفاء، وإني أخبرك أنّ ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين اليوم، وأنه جرى بينهما عتب؛ فهي بدالة المعشوق تأبى أن تعتذر، وهو بعز الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك؛ وقد رمت الأمر من قبلها فأعياني، وهو أحرى أن تستعزّه «1» الصبابة؛ فقل شعرا يسهّل عليه هذه السبيل.
فقضى كلامه.
ثم دعاني إلى أمير المؤمنين، فصرت إليه وأعطيت قرطاسا ودواة، فاعتراني الزّمع «2» وأذهب عني ما أريد الاستحثاث؛ فتعذرت عليّ كلّ عروض «3» ، ونفرت عني كل قافية؛ ثم انفتح لي شيء، والرسل تعنتني؛ فجاءتني أربعة أبيات رضيتها، وقعت صحيحة المعنى، سهلة الألفاظ، ملائمة لما طلب مني؛ فقلت لأحد الرسل: أبلغ الوزير أني قلت أربعة أبيات، فإن كان بها مقنع ووجهت بها. فرجع إليّ الرسول بأن هاتها، ففي أقل منها مقنع. وفي ذهاب الرسول ورجوعه قلت بيتين من غير ذلك الرويّ، فكتبت الأبيات الأربعة في صدر الرقعة، وعقّبت بالبيتين، فقلت:
العاشقان كلاهما متغضّب ... وكلاهما متوجّد متعتّب
صدّت مغاضبة وصد مغاضبا ... وكلاهما مما يعالج متعب
راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيّم قلما يتجنّب
إنّ التجنّب إن تطاول منكما ... دبّ السّلّو له فعزّ المطلب
ثم كتبت تحت ذلك:
(8/96)

لا بدّ للعاشق من وقفة ... تكون بين الهجر والصرم «1»
حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
ثم وجهت بالكتاب إلى يحيى بن خالد، فدفعه إلى الرشيد، فقال: واللَّه ما رأيت شعرا أشبه بما نحن فيه من هذا، واللَّه لكأني قصدت به! فقال له يحيى: وأنت واللَّه يا أمير المؤمنين المقصود به؛ هذا يقوله العباس [ابن الأحنف] في هذه القصة، فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قوله:
راجع من يهوى على رغم
استغرب «2» ضاحكا حتى سمعت ضحكه، ثم قال: إي واللَّه، أراجع على رغم! يا غلام، هات نعلي. فنهض، وأذهله السرور عن أن يأمر لي بشيء؛ فدعاني يحيى وقال:
إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة، وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء. قلت: لكن هذا الخبر ما وقع مني بغاية الموافقة! ثم جاء غلام فسارّه، فنهض وثبت مكاني ثم نهضت بنهوضه؛ فقال لي: يا عباس، أمسيت أنبل الناس! أتدري ما سارّني به هذا الرسول؟ قلت لا. قال: ذكر لي أن ماردة تلقّت أمير المؤمنين لما علمت بمجئيه، ثم قالت: يا أمير المؤمنين، كيف كان هذا؟ فناولها الشعر، وقال: هذا أتى بي إليك! قالت: فمن يقوله؟ قال: عباس بن الأحنف. قالت: فيم كوفىء؟ قال: ما فعلت شيئا بعد. قالت: إذا واللَّه لا أجلس حتى يكافأ! قال: فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم لقيام أمير المؤمنين، وهما يتناظران في صلتك، فهذا كله لك. قلت: ما لي من هذا إلا الصلة! فقال: هذا أحسن من شعرك.
قال: فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير، وأمرت لي ماردة بمال دونه، وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به! وحملت على ما ترون من الظّهر! ثم قال الوزير: من
(8/97)

تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤهل لك هذا المال ضياعا. فاشتريت لي ضياع بعشرين ألف درهم، ودفع إليّ بقية المال.
فهذا الخبر الذي عاقني عنكم، فهلموا حتى أقاسمكم الضيّاع، وأفرق فيكم المال قلنا له: هنأك اللَّه، فكل منا يرجع إلى نعمة من أبيه. فأقسم وأقسمنا فقال:
[فتكونون] أسوتي فيه. فقلنا: أما هذه فنعم. قال: فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها. فمشينا إلى صاحبها، وكانت جارية جميلة حلوة، لا تحسن شيئا، أكثر ما فيها ظرف اللسان وتأدية الرسائل، وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار؛ فلما رأى مولاها ميل المشتري استام بها خمسمائة، فأجبناه بالعجب فحط مائة، ثم قال العباس: يا فتيان، إني واللَّه أحتشم أن أقول بعد ما قلتم، ولكنها حاجة في نفسي، بها يتم سروري، فإن ساعدتم فعلت. قلنا له: قل قال هذه الجارية أنا أعاينها منذ دهر، وأريد إيثار نفسي بها؛ فأكره أن تنظر إليّ بعين من قد ماكس في ثمنها! دعوني أعطيه بها خمسمائة دينار كما سأل! قلنا له: وإنه قد حط مائتين. قال: وإن فعل. قال:
فصادفت من مولاها رجلا حرّا، فأخذ ثلاثمائة وجهزها بالمائتين! فما زال إلينا محسنا حتى فرق الموت بيننا.
حديث المجرّد
قال إسحاق بن إبراهيم: قال لي ابن وهب الشاعر: واللَّه لأحدثنك حديثا ما سمعه مني أحد قط، وهو بأمانة أن يسمعه أحد منك ما دمت حيا. قلت: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها
«1» قال: يا أبا محمد إنه حديث ما طنّ في أذنك أعجب منه! قلت: كم هذا التعقيد بالأمانة؟ آخذه على ما أحببت! قال: بينا أنا بسوق الكيل بمكة بعد أيام الموسم، إذ أنا بامرأة من نساء مكة، معها صبي يبكي، وهي تسكته فيأبى أن يسكت، فسفرت، فأخرجت من فيها كسرة
(8/98)

درهم فدفعتها إلى الصبيّ فسكت؛ فإذا وجه رقيق كأنه كوكب درّي، وإذا شكل رطب ولسان فصيح؛ فلما رأتني أحدّ النظر إليها، قالت: اتبعني! فقلت: إن شريطتي الحلال! قالت: ارجع في حرامك! ومن يريديك على حرام؟ فخجلت، وغلبتني نفسي على رأيي، فتبعتها، فدخلت زقاق العطارين فصعدت درجة وقالت: اصعد! فصعدت، فقالت: أنا مشغولة وزوجي رجل من بني مخزوم، وأنا امرأة من زهرة! ولكن عندي حر ضيّق، عليه وجه أحسن من العافية، في مثل خلق ابن سريج، وترنم معبد، وتيه ابن عائشة؛ أجمع لك هذا كله في بدن واحد بأشقر سليم. قلت: وما أشقر سليم؟ قالت: بدينار واحد يومك وليلتك، فإذا قمت جعلت الدينار وظيفة وتزويجا صحيحا. قلت: فذلك لك إن اجتمع لي ما ذكرت. قال: فصفقت بيدها إلى جاريتها، فاستجابت لها، قالت: قولي لفلانة: البسي عليك ثيابك وعجّلي، وباللَّه لا تمسّي غمرا «1» ولا طيبا، فحسبك بدلالك وعطرك.
قال: فإذا جارية أقبلت ما أحسب أن الشمس وقعت عليها، كأنها دمية، فسلمت وقعدت كالخجلة.
فقالت: لها الأولى: إن هذا الذي ذكرته لك، وهو في هذه الهيئة التي ترين.
قالت: حيّاه اللَّه وقرّب داره. قالت: وقد بذل لك من الصداق دينارا. فقالت: أي أمّ، أخبرتيه بشريطتي؟ قالت: لا واللَّه يا بنية، لقد نسيتها. ثم نظرت إليّ فغمزتني وقالت: أتدري ما شريطتها؟ قلت: لا. قالت: أقول لك بحضورها ما إخالها تكرهه، هي واللَّه أفتك من عمرو بن معد يكرب، وأشجع من ربيعة بن مكدّم، ولست بواصل إليها حتى تسكر وتغلب على عقلها، فإذا بلغت تلك الحال ففيها مطمع. قلت: ما أهون هذا وأسهله! قالت الجارية: وتركت شيئا آخر! قالت: نعم واللَّه، أعلم أنك لن تصل إليها حتى تتجرد لها، وتراك مجرّدا مقبلا ومدبرا. قلت: وهذا أيضا أفعله! قالت: هلمّ دينارك! فأخرجت دينارا فنبذته إليها؛ فصفقت صفقة أخرى، فأجابتها امرأة؛
(8/99)

قالت: قولي لأبي الحسن وأبي الحسين: هلمّا الساعة! فقلت في نفسي: أبو الحسن وأبو الحسين، هو عليّ بن أبي طالب! قال: فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا، فصعدا، فقصت المرأة عليهما القصة، فخطب أحدهما وأجاب الآخر، وأقررت بالتزويج وأقرّت المرأة؛ فدعوا بالبركة ثم نهضا، فاستحييت أن أحمّل المرأة شيئا من المئونة، فأخرجت دينارا آخر فدفعته إليها، وقلت: اجعلي هذا لطيبك. قالت: يا أخي، لست ممن يمسّ طيبا لرجل، إنما أتطيّب لنفسي إذا خلوت. قلت: فاجعلي هذا لغدائنا اليوم. قالت: أما هذا فنعم.
فنهضت الجارية، وأمرت بإصلاح ما يحتاج إليه، ثم عادت، وتغدّينا، وجاءت بأداة وقضيب، وقعدت تجاهي؛ ودعت بنبيذ فأعدّته، واندفعت تغني بصوت لم أسمع مثله قط، فإني ألفت القينات نحوا من ثلاثين سنة، ما سمعت مثل ترنّمها قط؛ فكدت أجنّ سرورا وطربا، فجعلت أريغ «1» أن تدنو مني فتأبى، إلى أن غنّت بشعر لم أعرفه، وهو:
راحوا يصيدون الظّباء، وإنني ... لأرى تصيّدها عليّ حراما!
أعزز عليّ بأن أروّع شبهها ... أو أن تذوق على يديّ حماما!
فقلت: جعلت فداك! من يغنّي هذا؟ قالت: اشترك فيه جماعة، هو لمعبد، وتغنى به ابن سريج وابن عائشة ...
فلما نعي إلينا النهار وجاءت المغرب، تغنّت بصوت لم أفهمه، للشقاء الذي كتب عليّ، فقالت:
كأني بالمجرّد قد علته ... نعال القوم أو خشب السواري «2»
قلت: جعلت فداك! ما أفهم هذا البيت ولا أحسبه مما يتغنى به. قالت: أنا أوّل من تغنى به. قلت: فإنما وهو بيت عابر لا صاحب له؟ قالت: معه آخر ليس هذا وقته، هو آخر ما أتغنى به؟
(8/100)

قال: وجعلت لا أنازعها في شيء إجلالا لها، فلما أمسينا وصلينا المغرب وجاءت العشاء الأخيرة، وضعت القضيب، فقمت فصليت العشاء وما أدري كم صليت، عجلة وشوقا؛ فلما صليت قلت: تأذنين جعلت فداك في الدنوّ منك؟ قالت: تجرّد! وأشارت إلى ثيابها كأنها تريد أن تتجرّد؛ فكدت أن أشق ثيابي عجلة للخروج منها؛ فتجرّدت وقمت بين يديها مكفّرا لها؛ قالت: امض الى زاوية البيت وأقبل وأدبر، حتى أراك مقبلا ومدبرا.
قال: وإذا حصير في الغرفة، عليه طريق إلى زاوية البيت، فخطرت عليه، وإذا تحته خرق «1» إلى السوق، فإذا أنا في السوق قائما مجرّدا منعظا «2» ! وإذا الشيخان الشاهدان قد أعدا لي نعالهما، وكمنا لي في ناحية، فلما هبطت عليهما بادرا إليّ فقطعا نعالهما «3» على قفاي، واستعانا بأهل السوق؛ فضربت واللَّه يا أبا محمد حتى نسيت اسمي؛ فبينا أنا أضرب بنعال مخصوفة وأيد شديدة، إذا صوت يغنّي به من فوق البيت، وهو:
ولو علم المجرّد ما أردنا ... لحاربنا المجرّد بالصحاري
فقلت في نفسي: هذا واللَّه وقت هذا البيت! فنجوت إلى رحلي وما فيّ عظم صحيح؛ فسألت عنها فقيل لي: إنها امرأة من آل أبي لهب! فقلت: لعنها اللَّه ولعن الذي هي منه!
يوم دارة جلجل
قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة ليلا مطر جود، فلما أصبحت ركبت بغلتي وسرت إلى المربد، فإذا أنا بآثار دواب وقد خرجت إلى ناحية البرية، فظننت أنهم قوم خرجوا للنزهة، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة، فاتبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليهم رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير، فإذا فيه نسوة
(8/101)

مستنقعات في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط، ولا يوم دارة جلجل. وانصرفت مستحييا.
فنادينني: يا صاحب البغلة، ارجع نسألك عن شيء.
فرجعت إليهنّ، فقعدن في الماء إلى حلوقهن، ثم قلن: باللَّه إلا ما أخبرتنا ما كان من حديث دارة جلجل.
قلت: حدثني جدّي- أنا يومئذ غلام حافظ- أن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمه، ويقال لها عنيزة؛ وأنه طلبها زمانا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل؛ وذلك أنّ الحيّ تحمّلوا، فتقدم الرجال، وتخلف النساء والخدم والثقل «1» ؛ فلما رأى ذلك امرؤ القيس، تخلف بعد ما سار مع رجال قومه غلوة، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مرّ به النساء وفيهنّ عنيزة، فلما وردن الغدير قلن:
لو نزلنا واغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنا بعض الكلال. فنزلن في الغدير، ونحيّن العبيد، ثم تجرّدن فوقعن فيه، فأتاهنّ امرؤ القيس فأخذ ثيابهنّ، فجمعها وقعد عليها، وقال: واللَّه لا أعطي جارية منكنّ ثوبها ولو قعدت في الغدير يومها، حتى تخرج متجرّدة فتأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه، حتى تعالى النهار وخشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه، فخرجن جميعا غير عنيزة؛ فناشدته اللَّه أن يطرح ثوبها، فأبى، فخرجت؛ فنظر إليها مقبلة ومدبرة.
وأقبلن عليه فقلن له: إنك عذبتنا وحبستنا وأجعتنا! قال: فإن نحرت لكنّ ناقتي أتأكلن معي؟ قلن: نعم، فجرّد سيفه فعرقبها ونحرها، ثم كشطها، وجمع الخدم حطبا كثيرا، فأجّجن نارا عظيمة، فجعل يقطع أطايبها ويلقي على الجمر، ويأكلن ويأكل معهنّ، ويشرب من فضلة كانت معه ويسقيهنّ، وينبذ إلى العبيد من الكباب.
فما أرادوا الرحيل قالت إحداهنّ: أنا أحمل طنفسته «2» . وقالت الأخرى: أنا
(8/102)

أحمل رحله وأنساعه»
. فتقسّمن متاعه وزاده؛ وبقيت عنيزة لم تحمل له شيئا؛ فقال لها: يا بنت الكرام، لا بد أن تحمليني معك؛ فإني لا أطيق المشي، فحملته على غارب «2» بعيرها، فكان يجنح إليها فيدخل رأسة في خدرها فيقبّلها، فإذا امتنعت مال حدجها «3» ، فتقول: عقرت بعيري فانزل! ففي ذلك يقول:
[ألا ربّ يوم لي من البيض صالح ... ولا سيّما يوم بدارة جلجل]
ويوم عقرت للعذارى مطّيتي ... فيا عجبنا من رحلها المتحمّل
فظلّ العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل.
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل «4»
فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلّل
وكان الفرزدق أروى الناس لأخبار امرىء القيس وأشعاره، وذلك أنّ امرأ القيس رأى من أبيه جفوة، فلحق بعمه شرحبيل بن الحارث، وكان مسترضعا في بني دارم فأقام فيهم، وهم رهط الفرزدق.
خبر دعبل وصريع الغواني
حدثنا أبو سويد بن أبي عتاهية عن دعبل بن علي الشاعر قال: بينا أنا ذات يوم بباب الكرخ وأنا سائر، وقد احتوى الفكر على قلبي في أبيات شعر قد نطق بها اللسان من غير اعتقاد جنان، فقلت:
دموع عيني لها انبساط ... ونوم عيني به انقباض
فإذا أنا بجارية فائقة الجمال حوراء الطرف، يقصر عن نعتها الوصف؛ لها وجه زاهر، ونور باهر، فهي كما قال الشاعر:
كأنما أفرغت في قشر لؤلؤة ... في كل جارحة منها لها قمر
(8/103)

وهي تسمعني، فقالت:
هذا قليل لمن دهته ... بلحظها الأعين المراض
فأجبتها:
فهل لمولاي عطف قلب ... أو للّذي في الحشا انقراض؟
فأجابتني فقالت:
إن كنت تبغي الوداد منّا ... فالودّ في ديننا قراض «1»
قال دعبل: فلم أعلمني [قبلها] خاطبت جارية تقطع الأنفاس بعذوبة ألفاظها وتختلس الأرواح ببراعة منطقها، وتذهل الألباب برخيم نغمتها، مع تلاعة جيد «2» ، ورشاقة قدّ، وكمال عقل، وبراعة شكل، واعتدال خلق؛ فحار واللَّه البصر، وذهب اللّب، وجل الخطب، وتلجلج اللسان، وتغللت الرّجلان؛ وما ظنك بالحلفاء «3» إذا دنت من النار؟ ثم ثاب إليّ عقلي، وراجعني حلمي، فذكرت قول بشار:
لا يمنعنّك من مخدّرة ... قول تغلّظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصّعب يمكن بعدما جمحا «4»
هذا لمن حاول ما دون الطمع فيه اليأس منه، فكيف بمن وعد قبل المسألة، وبذل قبل الطلبة؟ فقلت مسمعا لها:
أترى الزمان يسرنّا بتلاق ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق؟
فقالت مجيبة لي في أسرع من نفس:
ما للزّمان يقال فيه وإنما ... أنت الزمان فسرّنا بتلاق!
قال دعبل: فلحظتها ومضيت وتبعتني، وذلك في أيام إملاقي، فقلت: مالي إلا منزل مسلم صريع الغواني، فسرت إلى بابه، فاستوقفتها وناديته، فخرج: فقلت له:
(8/104)

اكمل الخير، معي وجه صبيح، يعدل الدنيا بما فيها، وقد حصل على ضيقة وعسر! فقال: قد شكوت ما كدت أباديك بشكواه! ائت بها. فلما دخلت قال: واللَّه لا أملك غير هذا المنديل! فقلت: هو البغية فناولنيه. فقال: خذه لا بارك اللَّه لك فيه! فأخذته، فبعته بدينار وكسر، فاشتريت لحما وخبزا ونبيذا، وصرت إليه: فإذا هما يتساقطان حديثا كأنه قطع الروض المعطور؛ قال: ما صنعت؟ فأخبرته؛ قال:
كيف يصلح طعام وشراب وجلوس مع وجه نظيف بلا نقل ولا ريحان ولا طيب؟
اذهب فالطف لتمام ما كنت أوّله.
قال: فخرجت فاضطربت في ذلك حتى اتيت به، فألفيت باب الدار مفتوحا، فدخلت؛ فإذا لا يرى لهما ولا لشيء مما أتيت به أثر، فسقط «1» في يدي، وقلت:
أرى صاحب الربع أخذهما! فبقيت متلهفا حائرا، أرجم الظنون وأجيل الفكر سائر يومي؛ فلما أمسيت قلت في نفسي: أفلا أدور في البيت لعل الطلب يوقفني على أثر؟ ففعلت، فوقفت على باب سرداب له، وإذا هما قد هبطا فيه، وأنزلا معهما جميع ما يحتاجان إليه، فأكلا وشربا وتنعّما؛ فلما أحسستهما دليت رأسي ثم ناديت:
مسلم! ويلك! فلم يجبني، حتى ناديت ثلاثا؛ فكان من إجابته لي أن غرّد بصوت يقول فيه:
بتّ في درعها وبات رفيقي ... جنب القلب طاهر الأطراف «2»
ثم قال: دعبل، ويلك! من يقول هذا؟ قلت:
من له من حر امّه ألف قرن ... قد أنافت على علوّ مناف «3»
قال: فضحك، ثم سكتا، واستجلبت كلامهما فلم يجيباني، وأخذا في لذتهما، وبتّ بليلة يقصر عمر الدهر عن ساعة منها طولا وغما! حتى إذا أصبحت ولم أكد، خرج إليّ مسلم، فجعلت أؤنبه، فقال لي: يا صفيق الوجه! منزلي، ومنديلي، وطعامي، وشرابي؛ فما شأنك في الوسط؟ قلت له: حقّ القيادة والفضول واللَّه لا غير! فولى
(8/105)

وجهه إليها وقال: بحياتي إلا أعطيتيه حق قيادته وفضوله! قالت: أما حق قيادته فعرك أذنه، وأما حق فضوله فصفع قفاه! فاستقبلني مسلم فعرك أذني وصفعني، فقلت: ما هذا؟ فقال: جرى الحكم عليك بما جرى لك من العذل والاستحقاق!
الخدم والقيان
الحسين بن الضحاك وشفيع خادم المتوكل
حدثنا عيسى بن أحمد الكاتب قال: قال الحسين بن الضحاك: دخلت على جعفر المتوكل، وشفيع الخادم ينضد وردا بين يديه- ولم يعرف في ذلك الزمان خادم كان أحسن منه ولا أجمل- وعليه ثياب مورّدة، فأمره أن يسقيني ويغمز كفي؛ ثم قال لي:
يا حسين، قل في شفيع. وقد كان حيّا المتوكل بوردة، فجعل المتوكل يشرب ويشمّ الوردة؛ فقلت:
وكالدّرّة الحمراء حيّا بأحمر ... من الورد يمشي في قراطق كالورد «1»
ويغمز كفّي عند كلّ تحيّة ... بكفّيه تستدعي الشجيّ إلى الورد «2»
سقاني بكفّيه وعينيه شربة ... فأذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى اللَّه دهرا لم أبت فيه ليلة ... من الدّهر إلا من حبيب على وعد!
فأمر المتوكل شفيعا أن يسقيني، وبعث معه إلي بتحايا في عبير وشمّامات «3» وروي أن محمد بن عبد الملك الزيات وزير المتوكل كان يتعشق خادما للمتوكل يقال له شفيع، وكان الحسن بن وهب كاتبه كلفا بذلك الخادم: فلقيه الحسن بن وهب يوما، فسأله عن خبره، فأخبره أنه يريد أن يحتجم؛ فلم يبق بالعراق غريبة إلا بعث بها إليه، ولا ظريف من الأشربة إلا أدخله عليه، وكتب إليه بهذه الابيات:
ليت شعري يا أملح الناس عندي ... هل تعالجت بالحجامة بعدي؟
(8/106)

قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي ... ففشا منه بعض ما كنت أبدي
وخلعت العذار فليعلم النا ... س بأني إليك أصفي بودّي «1»
من عذيري من مقلتيك ومن إش ... راق وجه من حول حمرة خدّ
فصادف رسوله رسولا لمحمد بن عبد الملك الزيات الوزير، فرأى رقعة الحسن، فاحتال لها حتى أخذها، وأوصلها إلى محمد بن عبد الملك، فلما قرأها كتب إلى كاتبه الحسن بن وهب:
ليت شعري عن ليت شعرك هذا ... أبهزل تقوله أم بجدّ؟
فلئن كان ما تقول بجدّ ... يا ابن وهب لقد تفتّيت بعدي «2»
وتشبّهت بي وكنت أرى ... أنّي أنا الهائم المتيّم وحدي
لا أرى القصد في الأمور، ولولا ... غمرات الصبا لأبصرت قصدي
سيّدي سيدي، ومولاي من أل ... بسني ذلّة وأخلف وعدي
لا أحبّ الذي يلوم وإن كا ... ن حريصا على صلاحي ورشدي
وأحب الأخ المشارك في الحبّ ... وإن لم يكن به مثل وجدي «3»
كصديقي أبى عليّ وحاشا ... لصديقي من مثل شقوة جدّي
إنّ مولاي عبد عبدي ولولا ... شؤم جدّي لكان مولاي عبدي
فلما التقى ابن الزيات الوزير وكاتبه الحسن بن وهب في بيت الديوان، تداعبا في ذلك، وسأله ابن الزيات أن يتجافى له عنه، فقال له الحسن: طاعتك واجبة في المحبوب والمكروه، ولكن الرئيس أدام اللَّه عزه كان أولى بالفضل! فقال له ابن الزيات: هيهات، هذه علة نفسانية تؤدي إلى التلف، فتنحّ عن نصيبك مني! فقال الحسن: إن كان هذا هكذا سمعنا وأطعنا، وأنشد:
شهيدي على ما في فؤادي من الهوى ... دموع تباري المستهلّ من القطر
فأسلمني من كان بالأمس مسعدي ... وصار الهوى عونا عليّ مع الدّهر
(8/107)

المتوكل وعلي بن الجهم
قال عليّ بن الجهم: دخلت يوما على المتوكل، فقال: يا علي! قلت: لبيك أمير المؤمنين. قال: دخلت الساعة إلى قبيحة، وقد كتبت على خدّها بالمسك اسمي، فو اللَّه ما رأيت سوادا في بياض أحسن منه في ذلك الخدّ؛ فقل فيه شعرا. فقلت: يا أمير المؤمنين، أمظلومة معي؟ قال: نعم. ومظلومة خلف الستارة، فدعت بدواة وبدرت بالقول، فقالت:
وكاتبة بالمسك في الخدّ «جعفرا» ... بنفسي مخطّ المسك من حيث أثرا
لئن أودعت سطرا من المسك خدّها ... لقد أودعت قلبي من الحبّ أسطرا
فيا من لمملوك تملّك مالكا ... مطيعا له فيما أسرّ وأظهرا
ويا من مناها في السرائر جعفر ... سقى اللَّه من صوب الغمامة جعفرا «1»
قال: وأفحمت فلم أنطق، وتغلبت على خواطري فما قدرت على حرف أقوله، فضحك أمير المؤمنين.
الأصمعي والرشيد
الأصمعي قال: دخلت على هارون أمير المؤمنين، وبين يديه جارية حسناء عليها لمّة «2» جعدة، وذؤابة تضرب الحقو منها، وهلال بين عينيها مكتوب عليه بالذهب:
هذا ما عمل في طراز اللَّه! فقال: يا أصمعي، صفها، فأنشأت أقول:
كنانيّة الأطراف سعديّة الحشا ... هلاليّة العينين طائيّة الفم
لها حكم لقمان، وصورة يوسف ... ونغمة داود، وعفّة مريم
فقال: أحسنت واللَّه يا أصمعي؛ فعل عرفت اسمها؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين فقال اسمها دنيا. فأطرقت ساعة ثم قالت.
إنّ دنيا هي التي ... تملك القلب قاهره
(8/108)

ظلموها شطر آسمها ... فهي دنيا وآخره
قال الأصمعي: فأمر لي بعشرة آلاف درهم.
الرشيد وإسحاق الموصلي
إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: دخلت على الرشيد، وعنده جارية، قد أهديت له، ما جنة شاعرة أديبة، وبين يديه طبق فيه ورد، فقال لي: أما ترى حسن هذا الورد ونضرة لونه؟ قلت: بك واللَّه حسن ذلك يا أمير المؤمنين. قال: قل فيه بيتا يشبهه.
فأطرقت ساعة، ثم قلت:
كأنه خدّ موموق يقبّله ... فم الحبيب وقد أبدى به خجلا «1»
فاعترضتني الجارية فقالت:
كأنه لون خدّي حين تدفعني ... كفّ الرشيد لأمر يوجب الغسلا
فقال الرشيد: قم يا إسحاق، فقد حركتني هذه الفاسقة! وحدثنا أيضا قال: كان هارون الرشيد جالسا بين جاريتين من جواريه، فقال لهما: من يبيت عندي هذه الليلة منكما؟ فقالت إحداهما: أنا! فقالت الأخرى: لا، بل أنا! فقال للأولى: ما حجتك فيما ادعيت؟ قالت: قول اللَّه: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
«2» ثم قال للثانية: وما حجتك أنت؟ قالت: قول اللَّه: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
«3» ! فقال: لتقل كل واحدة منكما شعرا في الغزل، فمن كانت أرقّ شعرا باتت عندي. فقالت: الأولى:
أنا التي أمشي كما يمشي الوجي ... يكاد أن يصرعني تغنّجي «4»
من جنة الفردوس كان مخرجي
وقالت الأخرى:
(8/109)

أنا التي لم ير مثلي بشر ... كلامي اللّؤلؤ حين ينثر
أسحر من شئت ولست أسحر ... إن سمع الناس كلامي كفروا «1»
فقال لهما: قد أحسنتما وأجدتما، وما لواحدة منكما فضيلة على صاحبتها، ولكن أبيت بينكما!
الرشيد بين جاريتين
أخبرنا أبو الطيب الكاتب أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان ليلة بين جاريتين:
مدنية، وكوفية؛ فجعلت الكوفية تغمز يديه، والمدنية تغمز رجليه، فجعلت المدنية ترتفع إلى فخذيه، حتى ضربت بيدها إلى متاعه، وحرّكته حتى أنعظ. فقالت الكوفية: نحن شركاءك في البضاعة، وأراك قد انفردت دوننا برأس المال وحدك، فأنيلي منه! فقالت المدنية: حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: «من أحيا أرضا مواتا فهي له ولعقبه» ! قال: فاستقبلتها الكوفية ودفعتها، ثم أخذته بيديها جميعا وقالت: حدثنا الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود أنه قال: «الصيد لمن صاده لا لمن أثاره» !
المتوكل وجارية
أخبرنا الانطاكي: أن المتوكل طلب من محمود الوراق جارية مغنية، وأعطاه بها عشرة آلاف درهم، فأبى فلما مات محمود اشتراها من ميراثه بخمسة آلاف، وقال لها:
كنا أعطينا مولاك بك عشرة آلاف، وقد اشتريناك من ميراثه بخمسة آلاف! قالت:
يا أمير المؤمنين، إذا كانت الخلفاء تتربص بلذاتها المواريث فسنشترى بأرخص مما اشتريت!
الرشيد يقامر جاريته
أخبرنا اسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: لاعب هارون الرشيد جارية من جواريه
(8/110)

على إمرة مطاعة فقمرته «1» . فقال لها: تمنّي! قالت: تقوم فتقطع فردا. فقام فقضى فيها وطره، ثم لاعبها فقمرته، فقال لها: تمنّي! فقالت: المعاودة فغشيها، ثم لاعبته فقمرته. فقالت: قم لميعادك! فقال: لا أقدر على ذلك! قالت: فاكتب لي به عليك كتابا آخذ به متى شئت! قال: ذلك لك. فدعت بدواة وقرطاس، ثم كتبت: هذا «كتاب فلانة على مولاها أمير المؤمنين: إن لي عليك قرضا آخذك به متى شئت وأنى شئت من ليل أو نهار ... وكان على رأسها وصيفة، فقالت: تزيّدي في الكتاب، فإنك لا تأمنين الحدثان! ومن قام بهذا الذكر حق قيامه فهو وليّ ما فيه! فضحك الرشيد حتى استلقى على فراشه، واستظرفها، وأمر بأن تنزل مقصورة وأن يجرى عليها رزق سنيّ، وشغف بها، ويقال: إنها مراجل أم المأمون.
بين الأمين وجلسائه
تنفس محمد بن هارون الأمين يوما في مجلسه أيام الحصار، فالتفت إلى جليس له- وهو محمد بن سلّام صاحب المظالم- فقال له: ويحك يا محمد! أتراني؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول الشاعر:
ذكر الهوى فتنفس المشتاق ... وبدا عليه الذّلّ والإطراق
يا من يصيّرني لأصبر بعده ... الصبر ليس يطيقه العشاق
فقال: لا واللَّه ما نكأتها «2» . ثم التفت إلى جليس له آخر. فقال: ويحك! أتراني؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن الأحنف:
تذكرت بالريحان منك شمائلا ... بالراح عذبا من مقبّلك العذب «3»
فقال: لا واللَّه ما نكأتها ثم التفت إلى كوثر الخادم، فقال: ويحك، أتراني؟
فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن نفيلة الغساني:
إن كان دهر بني ساسان فرقهم ... فإنما الدهر أطوار دهارير «4»
(8/111)

وربما أصبحوا يوما بمنزلة ... تهاب صولتها الأسد المهاصير
قال: صدقت!
علي بن الجهم وجارية
وكتبت جارية عليّ بن الجهم له رقعة، فأجاب فيها:
ما رقعة جاءتك مختومة ... كأنها خدّ على خد
تبدو سوادا في بياض كما ... ذرّ فتيت المسك في الورد
ساهمة الأسطر مصروفة ... عن جهة الهزل الى الجدّ
يا كاتبا أسلمني عتبه ... إليه حسبي منك ما عندي
وكتبت أيضا:
قلب يملّ على لسان ناطق ... ويد تخطّ رسالة من عاشق
مزج المداد بعبرة شهدت له ... من كلّ جارحة بقلب صادق
فيميه تحكى الوساد، لخدّه ... ويساره فوق الفؤاد الخافق «1»
المهدي وجارية
أهدت جارية من جواري المهدي تفاحة إلى المهدي مطيّبة وكتبت فيها:
هديّة مني إلى المهدي ... تفّاحة تقطف من خدّي
محمرّة مصفرّة طيّبت ... كأنها من جنة الخلد
فأجابها المهدي:
تفاحة من عند تفاحة ... جاءت، فماذا صنعت بالفؤاد
واللَّه ما أدري أأبصرتها ... يقظان، أم أبصرتها في الرّقاد
مدام جارية المازني
وكتب بعض الكتّاب إلى مدام- جارية المازني- وبعث إليها بقنينة من مدام «2»
(8/112)

قل لمن يملك الفؤا ... د وإن كان قد ملك
قد شربناك مدّة ... وبعثنا إليك بك
وقال علي بن الجهم: دخلت على أبي عثمان المازني، وعنده جارية كأنها شقّة قمر، وبيدها تفاحة معضوضة؛ فقالت: عرفت ما أراد الشاعر بقوله:
خبّريني من الرسول إليك ... واجعليه من لا ينمّ عليك
قلت: ما أعرفه. قالت: هو هذه. ورمت إلي بالتفاحة؛ فو اللَّه ما وجدت لها جوابا من نظير كلامها.
وقال شيخ من أهل البصرة: لقيت الحسن بن وهب؛ فأردت أن أمتحن سلامة طبعه- ومعي تفاحة- فأريته إياها وسألته أن يصفها؛ فقال لي: نحن على طريق، ولكن مل بنا إلى المسجد. فملنا إليه، فأخذها وقلبها بيده، وقال:
يا ربّ تفاحة خلوت بها ... تشعل نار الهوى على كبدي
قد بتّ في ليلتي أقلّبها ... أشكو إليها تطاول الكمد
لو أنّ تفاحة بكت لبكت ... من رحمة هذه التي بيدي!
عتب جارية على المأمون:
وعد المأمون جارية أن يبيت عندها وأخلفها الوعد، فكتبت إليه:
أرقت عيني ونامت ... عين من هنت عليه
إنّ نفسي فاعذرنها ... أصبحت في راحتيه
رحم اللَّه رحيما ... دلّ عينيّ عليه
فلما قرأ رقعتها ضحك ولم يبت ليلته إلا عندها.
عتب المأمون على جارية
عتب المأمون عى جارية من جواريه وكان كلفا بها- فأعرض عنها وأعرضت عنه، ثم أسلمه الهوى وأقلقه الشوق، حتى أرسل يطلب مراجعتها، وأبطأ عليه
(8/113)

الرسول، فلما رجع أنشأ يقول:
بعثتك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنّا
وناجيت من أهوى وكنت مقرّبا ... فيا ليت شعري عن دنوّك ما أغنى
ونزّهت طرفا في محاسن وجهها ... ومتّعت باستظراف نغمتها أذنا
أرى أثرا منها بعينيك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا!
فيا ليتني كنت الرسول وكنتني ... وكنت الذي يقصى وكنت أنا المدني
ثم إن المأمون أقبل مسترضيا لها، فسلم عليها فلم تردّ عليه السلام، وكلمها فلم تجبه، فأنشأ يقول:
تكلّم، ليس يوجعك الكلام ... ولا يؤذي محاسنك السلام
أنا المأمون والملك الهمام ... ولكني بحبّك مستهام
يحقّ عليك أن لا تقتليني ... فيبقى النّاس ليس لهم إمام!
كتبت امرأة عمر بن عبد العزيز إلى عمر لما اشتغل عنها بالعبادة:
ألا أيّها الملك الذي قد ... سبى عقلي وهام به فؤادي
أراك وسعت كل الناس عدلا ... وجرت عليّ من بين العباد
وأعطيت الرعيّة كلّ فضل ... وما أعطيتني غير السّهاد!
فصرف؟؟؟ إليها.
الرشيد وزبيدة وجارية
قعد الرشيد يوما عند زبيدة. وعندها جواريها، فنظر إلى جارية واقفة عند رأسها، فأشار إليها أن تقبّله، فاعتلّت بشفتيها، فدعا بدواة وقرطاس فوقع فيه:
قبّلته من بعيد ... فاعتلّ من شفتيه
ثم ناولها القرطاس، فوقعت فيه:
فما برحت مكاني ... حتى وثبت عليه!
فلما قرأ ما كتبت استوهبها من زبيدة، فوهبتها له، فمضى بها وأقام معها أسبوعا لا يدرى مكانهما، فكتبت إليه زبيدة:
(8/114)

وعاشق صبّ بمعشوقه ... كأنما قلباهما قلب
روحاهما روح ونفساهما ... نفس، كذا فليكن الحبّ
الأمين ووعد جارية
حدث أبو جعفر قال: بينا محمد بن زبيدة الأمين يطوف في قصر له، إذ مر بجارية له سكرى، وعليها كساء خزّ تسحب أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على ما ترى، ولكن إذا كان في غد إن شاء اللَّه! فلما كان من الغد مضى إليها فقال لها: الوعد! فقالت يا أمير المؤمنين، أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار؟ فضحك وخرج إلى مجلسه فقال: من بالباب من شعراء الكوفة؟ فقيل له: مصعب، والرقاشي، وأبو نواس. فأمر بهم فأدخلوا عليه. فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل واحد منكم شعرا يكون آخره.
كلام الليل يمحوه النهار
فأنشأ الرقاشي يقول:
متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صبّا مستهاما ... فتاة لا تزور ولا تزار «1»
إذا استنجزت منها الوعد قالت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال مصعب:
أتعذلني وقلبك مستطار ... كئيب لا يقرّ له قرار
بحبّ مليحة صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار «2»
ولما أن مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار
فقلت لها عديني منك وعدا ... فقالت: في غد منك المزار
فلما جئت مقتضيا أجابت: ... كلام الليل يمحوه النهار
(8/115)

وقال أبو نواس:
وخود أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زيّن السّكر الوقار»
وهزّ المشي أردافا ثقالا ... وغصنا فيه رمان صغار
وقد سقط الرّدا عن منكبيها ... من التخميش وانحلّ الإزار
فقلت الوعد سيّدتي، فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
فقال له: أخزاك اللَّه! أكنت معنا ومطلعا علينا؟ فقال يا أمير المؤمنين عرفت ما في نفسك، فأعربت عما في ضميرك. فأمر له بأربعة آلاف درهم، ولصاحبيه بمثلها.
وقال بعض الورّاقين:
غضبت من قبلة بالكره جدت بها ... فها أنا جئت فاقتصيّه أضعافا
لم يأمر اللَّه إلا بالقصاص فلا ... تستجوري ما رآه اللَّه إنصافا! «2»
بين الرشيد وماردة
عتبت ماردة على هارون الرشيد، فكانت تظهر له الكراهة وتضمر المحبة، فقال فيها:
تبدي صدودا وتخفى تحته صلة ... فالنفس راضية والطّرف غضبان
يا من وضعت له خدّي فذلله ... وليس فوقي سوى الرحمن سلطان
حديث الحسن بن هانىء مع الأسود
أو بكر الورّاق قال: قال الحسن بن هانىء: حججت مع الفضل بن الربيع، حتى إذا كنا ببلاد فزارة- وذلك إبّان الربيع- نزلنا منزلا بإزاء ماء لبنى تميم، ذا روض أريض «3» ، ونبت غريض «4» ، تخضع لبهجته الزرابي «5» المبثوثة، والنمارق «6» المصفوفة، فقرّت بنضرتها العيون، وارتاحت إلى حسنها القلوب، وانفرجت لبهائها الصدور، فلم نلبث أن أقبلت السماء فانشق غمامها، وتدانى من الأرض ركامها، حتى إذا كانت كما
(8/116)

قال أوس بن حجر حيث يقول:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح «1»
همت برذاذ، ثم بطش، ثم برش، ثم بوابل، ثم أقلعت وقد غادرت الغدران مترعة تتدفق، والقيعان تتألق، رياض مونقة، ونوافح من ريحها عبقة فسرّحت طرفي راتعا منها في أحسن منظر، ونشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر.
قال: فلما انتهينا إلى أوائلها، إذا نحن نجباء على بابه جارية مشرقة، ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر، أشعرت حماليقه «2» فترة وملئت سحرا، فقلت لزميلي:
استنطقها. قال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قلت: استسقها. فاستسقاها، فقالت: نعم ونعمى عين، وإن نزلتم ففي الرحب والسعة! ثم مضت تتهادى كأنها خوط بان «3» ، أو قضيب خيزران، فراعني ما رأيت منها؛ ثم أتت بالماء فشربت منه، وصببت باقيه على يدي.
ثم قلت: وصاحبي أيضا عطشان! فأخذت الإناء فذهبت، فقلت لصاحبي: من الذي يقول:
إذا بارك اللَّه في ملبس ... فلا بارك اللَّه في البرقع «4»
يريك عيون الدّمى غرّة ... ويكشف عن منظر أشنع
قال: وسمعت كلامي، فأتت وقد نزعت البرقع ولبست خمارا أسود، وهي تقول:
ألا حيّ ربعي معشر قد أراهما ... أقاما، فما أن يعرفا مبتغاهما
هما استسقيا ماء على غير ظمأة ... ليستمتعا باللّحظ ممن سقاهما
فشبّهت كلامها بعقد درّ وهى فانتثر، فنغمة عذبة رقيقة رخيمة، لو خوطب بها صمّ الصلاب لانبجست، مع وجه يظلم من نوره ضياء العقول، وتتلف من روعته مهج النفوس، وتخف في محاسنه رزانة الحليم، ويحار في بهائه طرف البصير؛ فرقت
(8/117)

وزلت، واستبطرت وأكملت، فلو جنّ إنسان من الحسن جننت؛ فلم أتمالك أن خررت ساجدا فأطلت من غير تسبيح.
فقالت: ارفع رأسك غير مأجور؛ لا تذمّ بعدها برقعا، فلربما انكشف عما يصرف الكرى، ويحلّ القوى، ويطيل الجوى، من غير بلوغ إرادة، ولا درك طلبة، ولا قضاء وطّر؛ ليس إلا للحين المجلوب، والقدر المكتوب، والأهل المكذوب! فبقيت واللَّه معقول اللسان عن الجواب، حيران لا أهتدي لطريق، فالتفت إليّ صاحبي فقال: ما هذا الجهد بوجه برقت لك منه بارقة لا تدري ما تحته؟ أما سمعت قول ذي الرمّة:
على وجه ميّ مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا!
فقالت: أمّا ذهبت إليه فلا أبالك، واللَّه لأنا بقول الشاعر:
منعّمة حوراء يجري وشاحها ... على كشح مرتجّ الروادف أهضم «1»
لها أثر صاف وعين مريضة ... وأحسن إبهام وأحسن معصم
خزاعيّة الأطراف سعدية الحشا ... فزاريّة العينين طائيّة الفم
... أشبه من قولك الآخر، ثم رفعت ثيابها حتى بلغت بها نحرها. وجاوزت منكبيها، فإذا قضيب فضة قد أشرب ماء الذهب، يهتز مثل كثيب نقا، وصدر كالوذيلة «2» عليه كالرمانتين، وخصر لو رمت عقده لانعقد، منطوي الاندماج، على كفل رجراج، وسرّة مستديرة، يقصر فهمي عن بلوغ نعتها، من تحتها أرنب جاثم، جبهته أسد خادر، وفخذان مدملجان، وساقان خدلّجان «3» يخرسان الخلاخيل، وقدمان كأنهما لسانان.
ثم قالت: أعارا ترى لا أبالك؟
قلت: لا واللَّه، ولكن سبب القدر المتاح، ومقرّبي من الموت الذباح، يضيق على الضريح، ويتركني جسدا بغير روح!
(8/118)

فخرجت عجوز من الخباء فقالت له: امض لشأنك، فإن قتيلها مطلول لا يودى، وأسير مكبول لا يفدى! فقالت لها: دعيه، فإنّ له مثل قولا غيلان:
وإن لم يكن إلا تعلّل ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها
فولّت العجوز وهي تقول:
وما نلت منها غير أنك نائك ... بعينيك عينيها وأيرك خائب
فنحن كذلك حتى ضرب الطبل للرحيل، فانصرفت بكمد قاتل، وكرب خابل، وأنا أقول:
يا حسرتا مما يجن فؤادي ... أزف الرحيل بعبرتي وبعادي
فلما قضينا حجنا وانصرفنا راجعين، مررنا بذلك المنزل وقد تضاعف حسنه، وتمت بهجته؛ فقلت لصاحبي: امض بنا إلى صاحبتنا! فلما أشرفنا على الخيام، وصعدنا ربوة ونزلنا وهدة، إذا هي تتهادى بين خمس ما تصلح أن تكون خادما لأدناهنّ، وهنّ يجنين من نور ذلك الزهر.
فلما رأيننا وقفنا وقلنا: السلام عليكنّ. فقالت من بينهنّ: وعليك السلام، ألست صاحبي؟ قلت: بلى! قلن: وتعرفينه؟ قالت: نعم! وقصت عليهنّ القصة ما خرمت حرفا.
قلن لها: ويحك! ما زوّديته شيئا يعلل به! قالت: بلى زوّدته لحدا ضامرا، وموتا حاضرا! فانبرت لها أنضرهنّ خدّا، وأرشقهنّ قدّا، وأسحرهنّ طرفا، وأبرعهنّ شكلا؛ فقالت: واللَّه ما أحسنت بدءا، ولا أجملت عودا، ولقد أسأت في الردّ، ولم تكافئيه على الودّ: فما عليك لو أسعفته بطلبته، وأنصفته في مودّته، وإنّ المكان لخال، وإن معك من لا ينم عليك؟
(8/119)

فقالت: أما واللَّه لا أفعل من ذلك شيئا أو تشركيني في حلوه ومره! قالت لها: تلك إذا قسمة ضيزى «1» . تعشقين أنت وأناك أنا! قالت أخرى منهنّ: قد أطلتن الخطاب في غير أدب، فسلن الرجل عن نيته، وقصده وبغيته، فلعله لغير ما أنتن فيه قصد.
فقلن: حيّاك اللَّه وأنعم عينا، ممن تكون؟ وممن أنت، وما تعاني؟ وإلام قصدت؟
فقلت: أمّا الاسم فالحسن بن هانىء، من اليمن، ثم من سعد العشيرة؛ وخير شعراء السلطان الأعظم، ومن يدنى مجلسه؛ ويتّقى لسانه، ويرهب جانبه؛ وأمّا قصدي فتبريد غلة، وإطفاء لوعة قد أحرقت الكبد وأذابتها! قالت: لقد أضفت إلى حسن المنظر كرم المخبر، وأرجو أن يبلغك اللَّه أمنيتك، وتنال بغيتك! ثم أقبلت عليهنّ فقالت: ما واحدة منكنّ غير ملتمسة مرغّبة؛ فتعالين نشترك فيه ونتقارع عليه، فمن واقعتها القرعة منا كانت هي البادئة! فاقترعن فوقعت القرعة على المليحة التي قامت بأمري ...
فعلّق إزار على باب الغار، وأدخلت فيه وأبطأت عليّ؛ وجعلت أتشوّف لدخول إحداهنّ عليّ، إذ دخل عليّ أسود كأنه سارية، وبيده شيء كالهراوة قد أنعظ بمثل رأس الحنيذ! قلت: ما تريد؟ قال: أنيكك! ثم صحت بصاحبي وكان متأنّيا مع الجواري؛ فو اللَّه ما تخلصت منه حتى خرجنا من الغار، وإذا هنّ يتضاحكن ويتهادين إلى الخيمات! فقلت لصاحبي: من أين أقبل الأسود؟ قال: كان يرعى غنما إلى جانب الغار، فدعونه فوسوسن إليه شيئا فدخل عليك. فقلت: أتراه كان يفعل بي شيئا؟ فقال:
(8/120)

أتراك خلصت منه! فانصرفت وأنا أخزى الناس.
قال إسماعيل: فقلت: ناكك واللَّه الأسود! فقال: مالك أبعدك اللَّه! فو اللَّه لقد كتمت هذا الحديث مخافة هذا التأويل، حتى ضاق به صدري فرأيتك موضعا له! فبحقي عليك إن أذعته! قال إسماعيل: فما فهت به حتى مات.
خبر ذي الرمة
قال أبو صالح الفزاري: ذكرنا ذا الرّمة، فقال عصمة بن عبد الملك- شيخ منا قد بلغ عشرين ومائة سنة-: إياي فاسألوا عنه؛ كان من أظرف الناس، آدم، خفيف العارضين، حسن الضحك، حلو المنطق، وإذا أنشد جشّ صوته، وإذا راجعك لم تسأم حديثه وكلامه.
وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم مسعود، وهشام وأوفى، وكانوا يقولون القصيدة فيزيد عليها الابيات فتذهب له.
فجمعني وإياه مرتبع، فأتاني يوما، فقال لي: هيا: [يا عصمة] ؛ إنّ مية منقرية، وبنو منقر أخبث حيّ، وأقفى للأثر، فهل عندك ناقة نردار عليها مية؟ قلت: واللَّه إنّ عندي الجؤذر. قال: عليّ بها.
فركبنا جميعا وخرجنا حتى أشرفنا على بيوت الحيّ، وإذا ببيت فيه ناحية، والقوم خلوف «1» ، والنساء في الرحال، فعرفن ذا الرمّة فتقوّض «2» النساء إلى مية؛ وجئنا ثم أنخنا، ثم دنونا، فسلمنا وقعدنا نتحدّث؛ فإذا هي جارية أملود «3» ، واردة «4»
(8/121)

الشعر، بيضاء تغمرها صفرة، وعليها ثوب أصفر، وطاق أخضر؛ فقلن: أنشدنا يا ذا الرمّة؛ فقال: أنشدهنّ يا عصمة. فأنشدتهنّ:
نظرت إلى أظعان ميّ كأنها ... ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأعربت العينان والصدر كاتم ... بمغرورق تمت عليه سواكبه
بكا وامق خاف الفراق ولم تجل ... جوائلها أسراره ومغايبه
فقالت ظريفة منهنّ: لكن الآن فلنجل. قال: فنظرت إليها مية متكرهة، ثم مضيت في القصيدة، حتى انتهيت إلى قوله:
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح ... على القلب آبته جميعا عوازبه
فقالت [لها] الظريفة: قتلته قاتلك اللَّه! قالت مية: ما أصحه وهنيئا له! فتنفس ذو الرمّة تنفسا ظننت معه أنّ فؤاده قد انصدع؛ ومضيت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
وقد حلفت باللَّه ميّة ما الذي ... أقول لها إلا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني اللَّه من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
فالتفتت إليه [ميّة] فقالت: خف عواقب اللَّه! ومضيت في القصيدة حتى انتهيت إلى قوله:
إذا راجعتك القول ميّة أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الثّوب سالبه
فيا لك من خدّ أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلّل جادبه «1»
فقالت الظريفة: أما هذه فقد راجعتك، وقد بدا لك الوجه منها، فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت مية إليها فقالت: قاتلك اللَّه، ما أنكر ما تجيبين به! فتحدثن ساعة، ثم قالت الظريفة للنساء: إن لهذين شأنا، فقمن بنا [عنهما.
فقامت، وقمن معها] وقمت معهنّ: فجلست في بيت أراهما منه، فما رأيته برح من مقعده ولا قعدته؛ فسمعتها قالت له: كذبت واللَّه! ولا أدري ما قال لها.
(8/122)

فلبثت قليلا ثم جاءني ومعه قارورة فيها دهن ومعه قلائد، فقال: هذا دهن طيب أتحفنا به، وهذه قلائد للجؤذر؛ ولا واللَّه ما أقلدهن بعيرا أبدا! وشدّ بهن ذوائب سيفه، وانصرفنا؛ فكنا نختلف إليها حتى انقضى الربيع ودعا الناس المصيف؛ فأتاني فقال: هيا عصمة، رحلت ولم يبق إلا الآثار والرسوم من الديار! وأنشدني:
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
المأمون ويحيى بن أكثم
خرج المأمون في يوم عيد وقد ركب الجند أمامه، ومعه يحيى بن أكثم يضاحكه ويحادثه، وإذ نظر إلى غلام من الجند في غاية الفراهة «1» ، عليه ثوب حرير أخضر، وثوب موشى مزرّر بالذهب، فالتفت إلى يحيى بن أكثم فقال له: يا يحيى، ما تقول في هذه البضاعة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا لقبيح من إمام مثلك مع فقيه مثلي! قال: فمن الذي يقول:
قاض يرى الحدّ في الزّناء ولا ... يرى على من يلوط من باس «2»
فقال: دعبل الذي يقول:
ولا أرى الجور ينقضي وعلى العامّة وال لآل عباس قال: ينفى إلى السند، وإنما داعبناك. ثم أنشأ المأمون يقول:
أيها الراكب ثوبا ... هـ حرير وحديد
جئت للعبد وفي وج ... هك للأعين عيد
أنت جندي ولكن ... فيك للحسن جنود
الفضل والأمين
الفضل بن الربيع قال: قعد المخلوع للناس يوما وعليه طيلسان «3» أزرق، وتحته
(8/123)

لبد أبيض، فوقّع في ثمانمائة قصة، فو اللَّه لقد أصاب فما أخطأ، وأسرع فما أبطأ؛ ثم قال لي: يا فضل، أتراني لا أحسن التدبير والسياسة، ولكني وجدت شمّ الآس، وشرب الكاس، واستلقاء من غير نعاس، أشهى إليّ من ذلك!
أبو عيسى وأبو نواس
قال ابن قتيبة: خرج أبو عيسى جبريل بن أبي عيسى إلى متنزه له بالقفص «1» ، ومعه الحسن بن هانىء، في آخر شعبان: فلما كان اليوم الذي أوفى به الشهر ثلاثين يوما، قيل له: إن هذا يوم شك، وبعض أهل العلم يصومه. فقال: لا عليك، ليس الشك حجة على اليقين، حدثنا أبو جعفر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. ثم قال لابن أبي عيسى:
لو شئت لم نبرح من القفص ... نشربها حمراء كالحصّ «2»
نسرق هذا اليوم من شهرنا ... واللَّه قد يعفو عن اللّصّ!
أبو نواس في مجلس شراب
وذكروا أن أبا عيسى خرج إلى القفص متنزها ومعه الحسن بن هانىء، فحمله وخلع عليه، فأقام فيها أسبوعا، ثم قال له: بحياتي صف مجلسنا والأيام كلها. فقال في ذلك:
يا طيبنا بقصور القفص مشرفة ... بها الدّساكر والأنهار تطّرد
لمّا أخذنا بها الصّهباء صافية ... كأنّها النار وسط الكأس تتقد
جاءتك من بيت خمّار بطينتها ... صفراء مثل شعاع الشمس ترتعد
وقام كالبدر مشدودا قراطقهه ... ظبي يكاد من التّهييف ينعقد «3»
فصبّها من فم الإبريق، فانبعثت ... مثل اللسان جرى وآستمسك الجسد
(8/124)

فلم نزل في صباح السبت نأخذها ... والليل يأخذها حتى بدا الأحد
واستشرقت غرّة الإثنين واضحة ... والجدي معترض والطّالع الأسد «1»
وفي الثلاثاء أعملنا المطيّ بها ... صهباء ما قرعتها بالمزاج يد
والأربعاء صفا فيه النّعيم لنا ... والكأس تضحك في حافاتها الزّبد
ثمّ الخميس وصلناه بليلته ... وتمّ فيه لنا بالجمعة العدد
يا حسننا وبحار القصف تغمرنا ... في لجّة الليل والأوتار تجتلد
في مجلس حوله الأشجار محدقة ... وفي جوانبه الأطيار تغترد
لا نستخف بساقينا لعزّته ... ولا يردّ عليه حكمه أحد
عند الهمام أبي عيسى الذي كملت ... أخلاقه، فهي كالأوراق تنتقد
أبو عيشونة الخياط
أبو جعفر البغدادي قال: حدثنا أبو محمد الدمشقي قال: مررت ذات ليلة أيام فتنة المستعين، والقمر يزهر بباب الشام، فإذا أنا بشيخ غليظ اصلع نشوان، قد توشح في إزار أحمر، ومال على شقة الأيمن، وفي يده خوصة يشمها ويقول:
عشرون ألف فتى ما منهم أحد ... إلّا كألف فتى مقدامة بطل
أضحت مزاودهم مملوءة نشبا ... ففرّغوها وأوكوها على الأمل «2»
فقلت له: أحسنت، للَّه أنت! فقال: أتحب رقيقة؟ فقلت: ما أحوجني إليها.
فقال:
إنما هيّج البلا ... يوم عضّ السّفرجلا
وعلا الورد وجنتي ... هـ فأبدى التّخجّلا
يفضح البدر في الكما ... ل إذا البدر أكملا
(8/125)

ولقد قام لحظ عي ... ني على القلب بالقلى
قلت له: أبو من أعزك اللَّه؟ قال: أبو عيشونة الخياط، شهدت حروب ابن زبيدة كلها، وجاريت الفتيان في غاية كل ميدان، واعترف لي كلّ فاتك، وأذعن لي كل شاطر، ونزلت تلك الدار عشرين سنة- وأومأ إلى سجن بغداد- ثم تنفس الصعداء، وقال: أنا الذي أقول:
لي فؤاد مستهام ... وجفون لا تنام
ودموع اخر الدّه ... ر لعينيّ سجام «1»
وحبيب كلّما خا ... طبته قال سلام
فإذا ما قلت زرني ... قال لي: ذاك حرام!
ثم بكى، فلما أفاق قلت: ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي ولي حبيب بالبصرة علقته وهو ابن سبع عشرة سنة، ثم غبت عنه ثلاثا وثلاثين سنة، فلما عيل صبري خرجت إلى البصرة فطفت في شوارعها حتى رأيته، فما رأيت وجها أحسن منظرا ولا أزهى منه. ثم أنشأ يقول:
مردّة في كمده ... معذّب في سهده «2»
خلا به السّقم، فما ... أسرعه في جسده
يرحمه لما بدا ... من ضرّه ذو حسده.
ثم ودعني ومضيت.
جارية في الطواف
وحدث أبو الفضل قال: إني بالطواف أمام الحجر، إذا سمعت حنينا يخرج من بين الأستار، وإذا بقائل يقول:
عفا اللَّه عمّن يحفظ الودّ جهده ... ولا كان عفو اللَّه للنّاقض العهد
(8/126)

وضعت على الأستار خدّي ذليلة ... ليجمعني مع من وضعت له خدّي
قال: فرفعت الأستار، فإذا جارية منفردة، كأنها شمس تجلت عنها غمامة؛ فقلت: يا هذه، لو سألت اللَّه الجنة مع هذا التضرع والبكاء ما حرمك إياها! قال:
فسترت وجهها وقالت: سبحان من خلق فسوّى، ولم يهتك العلانية والنجوى «1» ؛ أما واللَّه إني لفقيرة إلى رحمة ربي، وقد سألته أكبر الأمرين عندي، رجاء فضله، واتكالا على عفوه! ثم ولت عني، فاستعذت باللَّه من الشيطان الرجيم.
مسلم بن عبد اللَّه وزبان
حدث مسلم بن عبد اللَّه بن مسلم بن جندب قال: خرجت أنا وزبّان السواق إلى العقيق، فلقينا نسوة نازلات من العقيق، لهن جمال وشارة، وفيهنّ جارية حسّانة العينين «2» ، فلما رآها زبان قال لي: يابن الكرام، دم أبيك واللَّه في ثيابها فلا تطلب أثرا بعد عين! وأنشد قول [أبيه] أبي مسلم بن جندب:
ألا يا عباد اللَّه، هذا أخوكم ... قتيل، فهل منكم له اليوم ثائر؟
خذوا بدمي إن متّ كلّ مليحة ... مريضة جفن العين والطرف ساحر
قال: فقالت لي الجارية: أنت ابن جندب؟ قلت: نعم. قالت: فاغتنم نفسك واحتسب أباك: فإن قتيلنا لا يودى وأسيرنا لا يفدى.
الزبير بن بكار عن عبد اللَّه بن مسلم بن جندب قال: قلت:
تعالوا أعينوني على الليل إنه ... على كل عين لا تنام طويل
قال: فطرقني عيسى بن طلحة؛ قال: إني سمعت قولك فجئت أعينك! فقلت:
يرحمك اللَّه، أغفلت الإجابة حتى أتى اللَّه بالفرج.
(8/127)

مي صاحبة ذي الرمة
أبو المهلهل الخزاعي قال: ارتحلت إلى الدهناء، فسألت عن ميّ صاحبة ذي الرمّة، فدفعت إلى خيمة فيها عجوز هيفاء «1» ، فسلمت عليها وقلت: أين منزل ميّ؟
فقالت: ها أنا ميّ. فقلت: عجبا من ذي الرمّة وكثرة قوله فيك! قالت: لا تعجب، فإني سأقوم بعذره. ثم قالت: فلانة. فخرجت من الخيمة جارية ناهد»
عليها برقع؛ فقالت لها؛ أسفري. فلما أسفرت تحيرت لما رأيت من حسنها وجمالها. فقالت: علقني ذو الرمّة وأنا في سنّ هذه، وكلّ جديد إلى بلى. قلت: عذرته واللَّه! واستنشدتها من شعره، فأنشدتني.
ما يكتب على العصائب وغيرها
أبو الحسن قال: دخلت على هارون الرشيد وعلى رأسه جوار كالتماثيل، فرأيت عصابة منظمة بالدر والياقوت مكتوبا عليها بصفائح الذهب:
ظلمتني في الحبّ يا ظالم ... واللَّه فيما بيننا حاكم
قال: ورأيت في عصابة أخرى:
مالي رميت فلم تصبك سهامي ... ورميتني فأصبتني يا رامي؟
قال: ورأيت على أخرى:
وضع الخدّ للهوى عزّ
قال: ورأيت في صدر أخرى هلالا مكتوبا عليه:
أفلتّ من حور الجنان ... وخلقت فتنة من يراني
قال إسحاق بن ابراهيم: دخلت على الامين محمد بن زبيدة، وعلى رأسه وصائف
(8/128)

في قراطق «1» مفروجة، بيد وصيفة منهن مروحة مكتوب عليها:
بي طاب العيش في الصيف، وبي طاب السّرور ... ممسكي ينفى أذى الحرّ إذا اشتد الحرور «2»
النّدى والجود في وجه أمين اللَّه نور «3» ... ملك أسلمه الشّبه وأخلاه النّظير
وفي عصابة:
ألا باللَّه قولوا يا رجال ... أشمس في العصابة أم هلال
وفي أخرى:
أتهوون الحياة بلا جنون ... فكفوا عن ملاحظة العيون
وكتبت ورد جارية الماهاني على عصابتها، وكانت تجيد الغناء مع فصاحتها وبراعتها:
تمت وتم الحسن في وجهها ... فكلّ شيء ما سواها محال
للناس في الشهر هلال ولي ... في وجهها في كلّ يوم هلال
وكتبت في عصابتها بيتين من شعر الحسن بن هانىء، وهما:
يا راميا ليس يدري ما الذي فعلا ... عليك عقلي، فإنّ السهم قد قتلا «4»
أجريته في مجاري الرّوح من بدني ... فالنفس في تعب والقلب قد شغلا
قال علي بن الجهم: خرجت علينا عالج جارية خالصة، كأنها خوط بان وهي تميس في رقة، وعلى طرّتها مكتوب بالغالية، وكانت من مجان أهل بغداد مع علمها بالغناء:
يا هلالا من القصور تجلّى ... صام طرفي لمقلتيك وصلّى
لست أدري ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلّى «5»
(8/129)

لو تفرّغت لاستطالة ليلى ... ولرعي النجوم كنت محلا
قال: وخرجت إلينا منال وعليها درع خام، على جانبه الأيمن مكتوب:
كتب الطرف في فؤادي كتابا ... هو بالشوق والهوى مختوم
وعلى الأيسر مكتوب:
كان طرفي على فؤادي بلاء ... إنّ طرفي على فؤادي مشوم
قال: وكان على عصابة ظبي، جارية سعيد الفارسي، مكتوب بالذهب:
العين قارئة لما كتبت ... في وجنتيّ أنامل الشجن «1»
قال: وحدثني الحسن بن وهب قال: كتبت شعب على قلنسوة جاريتها شكل:
لم ألق ذا شجن يبوح بحبّه ... إلا حسبتك ذلك المحبوبا
حذرا عليك، وإنني بك واثق ... ألّا ينال سواي منك نصيبا
وكتب شفيع، خادم المتوكل، على عاتق قبائه الأيمن:
بدر على غصن نضير ... شرق الترائب بالعبير «2»
وعلى عاتقه الأيسر:
خطّت صحيفة وجهه ... في صفحة القمر المنير
وكتبت وصيف، جارية الطائي، على عصابتها:
فما زال يشكو الحبّ حتى حسبته ... تنفّس في أحشائه وتكلما
فأبكي لديه رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعا بكيت له دما
وكان على عصابة مزاج، وهي من مواجن أهل بغداد وفتّاكها:
قالوا عليك دروع الصبر قلت لهم ... هيهات إنّ سبيل الصبر قد ضاقا
ما يرجع الطرف عنها حين يبصرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
وكتبت عنان جارية الناطفي على عصابتها:
الكفر والسّحر في عيني إذا نظرت ... فاغرب بعينيك يا مغرور عن عيني
فإنّ لي سيف لحظ لست أغمده ... من صنعة اللَّه لا من صنعة القين
(8/130)

وكتبت حدائق في كفها بالحناء:
ليس حسن الخضاب زين كفّي ... حسن كفي زين لكلّ خضاب
قال: وخرجت علينا جارية حمدان، وقد تقلدت سيفا محلى، وعلى رأسها قلنسوة مكتوب عليها:
تأمّل حسن جارية ... يحار بوصفها البصر
مذكّرة مؤنثّة ... فهي أنثى وهي ذكر
وعلى حمائل سيفها مكتوب بالذهب:
لم يكفه سيف بعينيه ... يقتل من شاء بحديه
حتى تردّى مرهفا صارما ... فكيف أبقى بين سيفيه
فلو تراه لابسا درعه ... يخطر فيها بين صفيه
علمت أن السيف من طرفه ... أقتل من سيف بكفيه
وكتبت واجد على منطقة جاريتها منصف الكوفية:
تكّتي من غمزة العين ... إذا ما مست تنحلّ «1»
وفؤادي رقّ حتى ... كاد من صدري ينسلّ
بعض ما بي يصدع القلب. فما ظنّك بالكل ومن قولي فيما كتبت على كأس مذهبة:
اشرب على منظر أنيق ... وامزج بريق الحبيب ريقي
واحلل وشاح الكعاب رفقا ... واحذر على خصرها الدقيق «2»
وقل لمن لام في التّصابي ... إليك خلّي عن الطريق
وقف صريع الغواني بباب محمد بن منصور فاستسقى، فأمر وصيفا له فأخرج إليه خمرا في كأس مذهبة، فلما نظر إليها في راحته قال:
ذهب في ذهب را ... ح بها غصن لجين
(8/131)

فأتت قرّة عيني ... من يدي قرة عين
قمر يحمل شمسا ... مرحبا بالقمرين
لا جرى بيني ولا ... بينهما طائر بين
وبقينا ما بقينا ... أبدا متفقين
في غبوق وصبوح ... لم نبع نقدا بدين «1»
محمد بن اسحاق قال: حدثني أحمد بن عبد اللَّه قال: رأيت على مروحة مكتوبا:
الحمد للَّه ووحده ... وللخيفة بعده
وللمحبّ إذا ما ... حبيبه بات عنده
وقال: ورأيت في مجلس سريرا مكتوبا عليه بالذهب:
أشهى وأعذب من راح ومن ورد ... إلفان قد وضعا خدّا على خدّ
وضمّ أحدهما أحشاء صاحبه ... حتى كأنهما للقرب في عقد
هذا يبوح بما يلقاه من حزن ... وذاك يظهر ما يخفي من الوجد «2»
وفي عصابة أخرى:
وإن يحجبوها بالنهار فمن لهم ... بأن يحجبوا بالليل عني خيالها
قال أبو عبيدة: ورأيت [جارية] على جبينها مكتوبا:
كتبت في جبينها ... بعبير على قمر
في سطور ثلاثة: ... لعن اللَّه من عذر
وتناولت كفّها ... ثم قلت اسمعي الخبر
كلّ شيء سوى الخيا ... نة في الحبّ يغتفر
قال الأصمعي: رأيت على باب الرشيد وصائف على عصابة واحدة منهن مكتوبا:
نحن حور نواعم ... من أراض مقدّسه
(8/132)

أحسن اللَّه رزقنا ... ليس فينا منحسه
فاتق اللَّه يا فتى ... لا تدعني موسوسه
الكرماني والمأمون
وقال أبو جعفر الكرماني يوما للمأمون: أتأذن لي في دعابة؟ قال: هاتها ويحك، فما العيش إلا فيها؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنك ظلمتني وظلمت غسان ابن عباد.
قال: وكيف ذلك ويلك؟ قال: رفعت غسان فوق قدره، ووضعتني دون قدري، إلا أنك لغسان أشدّ ظلما. قال: وكيف؟ قال: لأنك أقمته مقام هر، وأقمتني مقام رخمة. فاستظرف ذلك منه ورفع درجته.
بين عطاء وعبد الملك
أبو زيد قال: كان عطاء بن أبي رباح مع ابن الزبير، وكان أملح الناس جوابا فلما قتل ابن الزبير أمّنه عبد الملك بن مروان، فقدم عليها فسأل الإذن، فقال عبد الملك: لا أريده يضحكني، قد أمّنته فلينصرف.
قال أصحابه: فنحن نتقدم اليه ألا يفعل. فأذن له عبد الملك، فدخل وسلم عليه وبايعه، ثم ولّى، فلم يصبر عبد الملك أن صاح به: يا عطاء، أما وجدت أمّك اسما إلا عطاء؟ قال: قد واللَّه استنكرت من ذلك ما استنكرته يا أمير المؤمنين لو كانت سمتني باسم المباركة صلوات اللَّه عليها مريم! فضحك عبد الملك، وقال: اخرج.
هارون ولاعب شطرنج
لعب رجل بين يدي هارون بالشطرنج، فلما رآه قد استجاد لعبه وفاوضه الكلام قال: ولّني نهر بوق. قال: بل أوليك نصفه؛ اكتبوا عهده على بوق. قال: فولّني على أرمينية. قال: أخشى أن يبطىء عليّ خبرك. قال: فغيرها. قال: لا أريد أن أبعدك عن نفسي.
(8/133)

سعد بن الرابية وزياد
اختصم إلى زياد بنو راسب وبنو طفاوة في غلام ادعوه، وأقاموا جميعا البينة عند زياد؛ فأشكل على زياد أمره، فقال سعد الرابية من بني عمرو بن يربوع أصلح اللَّه الأمير، قد تبين لي في هذا الغلام القضاء؛ ولقد شهدت البينة لبني راسب والطفاوة، فولني الحكم بينهما. قال: وما عندك في ذلك؟ قال: أرى أن يلقى في النهر، فإن رسب فهو لبني راسب، وإن طفا فهو لبني الطفاوة، فأخذ زياد نعليه وقام وقد غلبه الضحك، ثم أرسل إليه: إني أنهاك عن المزاح في مجلسي. قال: أصلح اللَّه الأمير، حضرني أمر خفت أن أنساه. فضحك زياد وقال: لا تعودن.
أفصح أهل البصرة وأجملهم
أبو زيد قال: لم يكن بالبصرة أفصح لسانا ولا أظهر جمالا من الحسن بن أبي الحسن البصري، وزرعة بن أبي حمزة الهلالي.
المتوكل وعبادة المخنث
قال: وأخبرني الوليد بن عبيد البحتري الشاعر قال: كنا عند المتوكل يوما وبين يديه عبادة المخنث، فأمر به فألقي في بعض البرك في الشتاء، فابتل وكاد يموت بردا؛ قال: أخرج من البركة وكسي، وجعل في ناحية في المجلس، فقال له: يا عبادة، كيف أنت؟ وما حالك؟ قال: يا أمير المؤمنين، جئت من الآخرة! فقال له:
كيف تركت أخي الواثق؟ قال: لم أجز بجهنم! فضحك المتوكل وأمر له بصلة.
نوادر أشعب
قال أشعب: فيّ وفي أبي الزناد عجب؛ كنت أنا وهو في كفالة عائشة بنت عثمان، فما زال يعلو وأسفل حتى بلغنا غايتنا هذه! قيل لأشعب: لو أنك حفظت الحديث حفظك هذه النوادر لكان أولى بك. قال:
قد فعلت: قالوا له: فما حفظت من الحديث؟ قال: حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي
(8/134)

صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كان فيه خصلتان كتب عند اللَّه خالصا مخلصا» . قالوا إن هذا حديث حسن؛ فما هاتان الخصلتان؟ قال: نسى نافع واحدة! ونسيت أنا الأخرى! وقال أشعب: رأيت رؤيا نصفها حق ونصفها باطل. قالوا كيف ذلك؟ قال:
رأيتني أحمل بدرة «1» ، فمن شدة ثقلها عليّ كنت اسلح في ثيابي، ثم انتهيت، فإذا أنا بالسلح ولا بدرة! ساوم أشعب رجلا بقوس، فقال: أقلّ ثمنها دينار. قال أشعب: واللَّه لو أنك إذا رميت بها طائرا في السماء وقع مشويا بين رغيفين، ما اشتريتها منك بدينار أبدا! وقيل لأشعب: خففت صلاتك. قال: لأنها صلاة لا يخالطها رياء! وضرب الحجاج أعرابيا سبعمائة سوط، وهو يقول عند كل سوط: شكرا لك يا رب! فلقيه أشعب فقال: أتدري لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط؟ قال: ما أدري.
قال: لكثرة شكرك؛ اللَّه تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«2» فقال:
يا ربّ لاشكر فلا تزدني ... أسأت في شكرك فاعف عني
باعد ثواب الشاكرين مني
وسأل رجل أشعب أن يسلفه ويؤخّره، فقال هاتان حاجتان، فإذا قضيت لك إحداهما فقد أنصفت. قال الرجل: رضيت. قال: فأنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك! أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي القعقاع قال: رأيت أشعب في السوق يبيع قطيفه «3» ويقول للمشتري: أريد أن أبرأ إليك من عيب. قال: وما ذاك؟ قال:
يحترق تحتها من دفن فيها.
قال أشعب: من بال ولم يضرط كتب من الكاظمين الغيظ.
وقيل لأشعب: هل خلق خلق أطمع منك؟ قال: نعم، أمّي، فإني كنت إذا جئتها
(8/135)

بفائدة قد أعطيتها قالت: ما جئت به؟ فأتهجى لها الشيء حرفأ حرفا! ولقد أهدي لنا مرة غلام، فقالت: ما أهدي لنا؟ قلت: «غين» ؛ قالت: ثم ماذا؟ قلت: «لام» ، قالت: ثم ماذا؟ قلت: «ألف» ، قالت: ثم ماذا؟ قلت: «ميم» ؛ فأغمى عليها وجعلت تضرط، ولو أجملت لها الحروف لماتت فرحا! وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم أنظر إلى اثنين يتسارّان إلا حسبت أنهما يأمران لي بشيء! ونظر أشعب إلى شيخ قبيح الوجه، فقال: ألم ينهكم سليمان بن داود عن أن تخرجوا بالنهار! ومر أشعب على رجل نجار يعمل طبقا، فقال له: زد فيه طوقا واحدا تتفضل به علي! قال: وما يدخل عليك؟ قال: لعل يوما يهدى إليّ فيه شيء! قال الأصمعي، أخبرني هارون بن زكريا عن أشعب قال: أدركت الناس يقولون قتل عثمان.
قال الأصمعي: وعاش أشعب إلى زمان المهدي ورأيته.
نوادر أبي محمد الأعمش
دخل رجل على الأعمش يسأله عن مسألة، فردّ عليه فلم يسمع؛ فقال له: زدني في السماع. قال: ما ذلك لك ولا كرامة. قال: فبيني وبينك رجل من المسلمين قال: فخرجا إلى الطريق، فمر بهما شريك القاضي؛ فقال [الأعمش] : إني حدثت هذا بحديث فلم يسمع، فسألني أن أزيده في السماع لأنه ثقيل السمع، وزعم أن ذلك واجب له، فأبيت. قال له شريك: عليك أن تزيده، لأنك تقدر أن تزيد في صوتك؛ ولا يقدر أن يزيد في سمعه! أتت ليلة الشك من رمضان، فكثر الناس عند الأعمش يسألونه عن الصوم فضجر، ثم بعث إلى بيته فجيء إليه برمانة، فشقها ووضعها بين يديه، فكان إذا نظر
(8/136)

الى رجل قد أقبل يريد أن يسأله، تناول حبة فأكلها، فيكفي الرجل السؤال ونفسه الردّ! قال رقبة بن مصقلة: سفه علينا الأعمش يوما، فقالت امرأته من وراء ستر:
احملوا عنه، فواللَّه ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يلطم كريّه «1» أو يشتم رفيقه.
طلبت بنت الأعمش من الأعمش حاجة، فحجبها بالردّ، فقالت: واللَّه ما أعجب منك، ولكني أعجب من قوم زوّجوك! ودخل رقبة بن مصقلة على الأعمش، فقال: واللَّه إنا لنأتيك فما تنفعنا، ونتخلف عنك فما تضرّنا، وإن الوقوف إليك لذلّ، وإن تركك لحسرة؛ تسأل الحكمة فكأنما تسعط «2» الخردل، وما أشبهك إلا بالصماخيفون «3» ، فإنه كريه الشربة نافع للمعدة! فرفع الأعمش رأسه وقال: من هذا المتكلم؟ فقيل له: رقبة بن مصقلة فنكس رأسه.
وقال رجل من تلاميذ الأعمش: صنعت للأعمش طعاما ثم دعوته، فمضى معي وأنا أقوده، حتى سقطت رجله في حفرة يعملها الصبيان للكرة، فقال: ما هذا؟ قلت حفرة يعملها الصبيان للكرة. قال: لا. ولكنك حفرتها لتقع رجلي فيها! واللَّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما! قال: فحملت الطعام إليه، ثم صنعت له بعد ذلك طعاما ودعوته إليه، فقال: ادخل بنا الحمام قبل ذلك. فأدخلته الحمام، فلما جئت لأصبّ الماء الحارّ على رأسه، قال: ما دعاك إلى هذا أردت أن تسلخ قفاي! واللَّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما! قال: فحملت الطعام إليه! وكثر الشعر على الأعمش، فقلت له: لم لا تأخذ من شعرك؟ قال: لا أجد حجّاما يسكت حتى يفرغ. قلنا له: فإنا نأتيك بحجام ونتقدّم إليه أن يسكت حتى يفرغ. قال: فافعلوا!
(8/137)

قال: فأتيناه بحجام واعذرنا إليه ألا يتكلم حتى ينقضي أمره فبدأ الحجام بحلقه، فلما أمعن في حلقه سأله عن مسألة، فنفض ثيابه وقام بنصف رأسه محلوقا حتى دخل بيته، ثم جئناه بغير، فقال: لا واللَّه لا أخرج إليه حتى تحلفوه! فحلّفناه ألّا يسأله عن شيء؛ فخرج إليه.
نوادر محمد بن مطروح الأعرج
ولمحمد بن مطروح الأعرج من التبرم والملح والضجر والترفّع ما هو أحسن من هذا وأوقع.
قال له رجل يوما: ما تقول يرحمك اللَّه في رجل مات يوم الجمعة، أيعذب عذاب القبر؟ قال: يعذّب يوم السبت! وقال له آخر: أتجد في بعض الحديث أنّ جهنم تخرب؟ قال: ما أشقاك إن اتكلت على خرابها! واستسقى بالناس يوما فأسرع بالصلاة قبل أن يتوافى الناس: فلما انصرف تلقاه بعض الوزراء فقال له: أسرعت أبا عبد اللَّه. قال: ليس علينا أن ننتظر حتى تشربوا وتأكلوا! وكانت لقومس الكاتب منه منزلة وجوار، وكان يتحفه ويتفقده بما أمكنه من الهدايا، وكانت صلاته معه في الجامع، والأعرج صاحب الصلاة، فإذا حضرت الصلاة ولم يحضر قومس، قال لبعض القومة: أنت يا شيطان، كلّم هؤلاء الكلاب لا يقيمون الصلاة حتى يأتي ذلك الخنزير.
فكان برّه في حبس الصلاة عليه برّا العقوق خير منه.
وكان يجلس إليه خصي لزرياب، قد حج وتنسك ولزم الجامع، فيتحدّث في مجلسه بأخبار زرياب، ويقول: كان أبو الحسن رحمة اللَّه يقول كذا وكذا. فقال له
(8/138)

الأعرج: من أبو الحسن هذا؟ قال: زرياب. قال: بلغني أنه كان أخرق الناس لاست خصيّ! وسأله مرة وقال له: ما تقول في الكبش الأعرج، أيجوز في الأضحية؟ قال:
نعم، والخصيّ أيضا مثلك!
نوادر شتى
وسمع أبو يعقوب الخريميّ منصور بن عمار صاحب المجالس، يقول في دعائه:
اللهم اغفر لأعظمنا ذنبا، وأقسانا قلبا، وأقربنا بالخطيئة عهدا، وأشدّنا على الدنيا حرصا! فقال له: امرأتي طالق إن كنت دعوت إلا لإبليس! الأصمعي قال: حدّثنا بعض شيوخنا عن ابن طاوس قال: أقبلت إلى عبد اللَّه بن الحسن. فأدخلني بيتا قد نجّد بالرهاوى والميساني، وكل فرشة شريفة؛ قال: فبسطت نطعا وجلست عليه، وابناه محمد وإبراهيم صبيّان يلعبان، فلما نظرا إليّ قال أحدهما لصاحبه: «ميم» . فقال الآخر: «جيم» . فقلت أنا: «نون، واو، نون» فاستغربا ضحكا، وخرجا إلى أبيهما.
أبو زيد قال: سكر حائك من الزّطّ، فحلف بالطلاق ليغنّيه أبو علي الأشرس، فمضى معه جماعة إلى أبي علي، فأخبروه، وقالوا: سكر فابتلي، وحلف بالطلاق لتغنّينّه، فأقبل على الحائك فقال: «يا مردسبز، يا مردخش، يا مردتر، إياك أن تعود!» .
قال أبو زيد: تفسيره: يا سمين أخضر، يا سمين طيب، يا سمين رطب.
وكان شيخ من البخلاء يأتي ابن المقفع، فألح عليه يسأله الغداء عنده، وفي كل ذلك يقول له: أترى أنك تراني أتكلف لك شيئا؟ لا واللَّه، لا أقدم لك إلا ما عندي! فأجابه يوما، فلما أتاه إذا ليس عنده ولا في منزله إلا كسرة يابسة وملح جريش؛ ووقف سائل بالباب، فقال له: بورك فيك! فألحّ عليه بالسؤال، فقال له:
(8/139)

لئن خرجت إليك لأدقّنّ ساقيك! فقال ابن المقفع للسائل: أنت واللَّه لو علمت من صدق وعيده ما علمت من صدق موعوده، لم ترادّه كلمة ولا وقفت طرفة عين! مرّ برقبة بن مصقلة رجل زاهد غليظ الرقبة، فقال: هذا رجل زاهد والعلامات فيه بخلاف ذلك. فقال له رجل: أكلّمه بذلك أصلحك اللَّه! لئلا يكون غيبة؟ قال:
كلمه حتى يكون نميمة! قال شريك بن عبد اللَّه القاضي: سبع من العجائب: عمياء منتقبة «1» ، وسوداء مختضبة، وخصيّ له امرأة، ومخنث يؤمّ قوما، وشيعيّ أشعريّ، ونخعيّ مرجي، وعربيّ أشقر، ثم قال شريك: من المحال عربيّ أشقر.
قالوا: كانت في أبي عمرو وضرار بن عمرو ثلاثة من المحال: كان كوفيا معتزلا، وكان من بني عبد اللَّه بن غطفان ويرى رأي الشعوبية، ومحال أن يكون عربي شعوبيا، ومات وهو ابن سبعين سنة ...
وقيل لشريح القاضي: أيهما أطيب: اللوزينق أو الجوزينق «2» ؟ فقال: لا أحكم على غائب! وسأل رجل عمر بن قيس عن الحصاة من حصى المسجد يجدها الإنسان في ثوبه أو خفه أو جبهته! فقال له: ارم بها. فقال الرجل: زعموا أنها تصيح حتى تردّ إلى المسجد. قال: دعها تصبح حتى ينشقّ حلقها! قال الرجل: أولها حلق؟ قال: فمن أين تصيح؟
وسئل عامر الشعبي عن المسجد الخراب أيجامع فيه؟ قال: نعم ويخرأ فيه؟
الأصمعي قال: ولي رجل قضاء الأهواز، فأبطأت عليه أرزاقه وليس عنده ما يضحّي به ولا ما ينفق؛ فشكا ذلك إلى امرأته، وأخبرها ما هو فيه من الضيق، وأنه
(8/140)

لا يقدر على أضحية؛ فقالت له: لا تغتم، فإنّ عندي ديكا عظيما قد سمّنته، فإذا كان يوم الأضحى ذبحناه. فبلغ جيرانه الخبر، فأهدوا له ثلاثين كبشا وهو في المصلى لا يعلم؛ فلما صار إلى منزله ورأى ما فيه من الأضاحي، قال لامرأته: من أين هذا؟
قالت: أهدى لنا فلان، وفلان، وفلان ... حتى سمت له جماعة. فقال لها: يا هذه، تحفّظي بديكنا هذا، فلهو أكرم على اللَّه من إسحاق بن إبراهيم؛ إنه فدى ذلك بكبش واحد، وفدى ديكنا هذا بثلاثين كبشا!
نوادر أبي دلامة
خرج أبو دلامة مع المهدي في مصاد لهم، فعنّ لهم ظبي، فرماه المهدي فأصابه، ورمى عليّ بن سليمان فأخطأ وأصاب الكلب؛ فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قل.
فقال:
قد رمى المهديّ ظبيا ... شكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما ك ... لّ امرىء يأكل زاده!
وكتب أبو دلامة إلى عيسى بن موسى، وهو والي الكوفة رقعة فيها هذه الأبيات:
إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة اللَّه الرحيم
وأمّا بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبّح من غريم
لزوم ما علمت بباب داري ... لزوم الكلب أصحاب الرقيم
له مائة عليّ ونصف أخرى ... ونصف النصف في صكّ قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... حبوت بها شيوخ بني تميم
ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده محمد بن الجهم وزيره، وكان المهديّ يستثقله، فقال لأبي دلامة: واللَّه لا تبرح مكانك حتى تهجو أحد الثلاثة! فهمّ أبو دلامة بهجاء ابن الجهم، خاف شرّه، فرأى أن هجاء نفسه أقل ضررا عليه، فقال:
ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة كان قردا ... وخنزيرا إذا وضع العمامه
(8/141)

وإن لبس العمامة كان فيها ... كثور لا تفارقه الكمامه
وعرض أبو دلامة ليزيد بن مزيد، وهو قادم من الريّ، فأخذ بعنان فرسه وأنشد:
إنّي نذرت لئن رأيتك سالما ... بقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلّينّ على النبيّ محمّد ... ولتملأنّ دراهما حجري!
فقال له: أما الصلاة على محمد فصلى اللَّه على محمد، وأما الدراهم فإلى أن أرجع إن شاء اللَّه. فقال له: لا تفرّق بينهما، لا فرّق اللَّه بينك وبين محمد في الجنة! فاقترضها من أصحابه وصبّها في حجره حتى أثقلته.
ودخل أبو دلامة على المهدي فأسمعه مديحا، فأعجبه وقال له: سل حاجتك! قال:
كلب صيد أصطاد به. قال: قد أمرنا لك بكلب تصطاد به. قال: وغلام يقود الكلب. قال: قد أمرنا لك بغلام. قال: وخادم تطبخ لنا الصيد. قال: وأمرنا لك بخادم. قال: ودار نأوي إليها. قال: وأمرنا لك بدار. قال: بقي الآن المعاش. قال:
قد أقطعناك ألف جريب «1» عامرة وألف جريب غامرة. قال: وما الغامرة؟ قال: التي لا تعمر. قال: فأنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألفا من فيافي بني أسد! قال: فإنّا نجعلها عامرة كلها. قال: فيأذن أمير المؤمنين في تقبيل يده. قال: أما هذه فدعها، قال: ما منعتني شيئا أيسر على أمّ عيالي فقدا منه!
المضحكات
خاطب يزكيه وسيط:
أبو الحسن المدائني قال: خطب رجل من بني كلاب امرأة، فقالت أمها: دعني حتى أسأل عنك. فانصرف الرجل فسأل عن أكرم الحيّ عليها؛ فدلّ على شيخ منهم كان يحسن التوسط في الأمر، فأتاه يسأله أن يحسن عليه الثناء، وانتسب له فعرفه؛
(8/142)

ثم إن العجوز غدت عليه فسألته عن الرجل، فقال: أنا أعرف الناس به. قالت:
فكيف لسانه؟ قال: مدره «1» قومه وخطيبهم! قالت: فكيف شجاعته؟ قال: منيع الجار حامي الذمار! قالت: فكيف سماحته؟ قال: ثمال «2» قومه وربيعهم! وأقبل الفتى، فقال الشيخ: ما أحسن واللَّه ما أقبل! ما انثنى ولا انحنى. ودنا الفتى فسلّم، فقال: ما أحسن واللَّه ما سلّم! ما جأر ولا خار. ثم جلس، فقال: ما أحسن واللَّه ما جلس! ما دنا ولا نأى. وذهب الفتى ليتحرّك فضرط، فقال الشيخ: ما أحسن واللَّه ما ضرط! ما أظنّها ولا أغنّها، ولا بربرها ولا قرقرها. ونهض الفتى خجلا، فقال: ما أحسن واللَّه ما نهض! [ما انفتل ولا انخزل. وأسرع الفتى، فقال: ما أحسن واللَّه ما خطا] ! ما ازورّ ولا اقطوطى «3» فقالت العجوز: حسبك يا هذا! وجّه إليه من يردّه، فو اللَّه لو سلح في ثيابه لزوّجناه!
خاطب من أهل المجون:
وخطب رجل امرأة، فجعل يخطبها وينعظ، فضرب رأس ذكره بيده وقال: مه! إليك يساق الحديث.
لأبي تمام في غلام وحمار:
أبو سويد قال: كان لحبيب بن أوس حمار حصان، وغلام مؤنّث، فإذا نزل أخذ الحمار ينهق والغلام يمجن في كلامه؛ فقلنا له: إنما أنت فضيحة، فهل قلت فيهما شيئا؟ قال:
لي حمار وغلام ... وهما مختلفان
أير ذا ينعظ للنّي ... ك وذا رخو العنان
لو بهذا عفّ هذا ... لاستراح الثّقلان
(8/143)

محمد بن الحجاج البزّاز- وكان راوية بشار- قال: قال بشار ذات يوم، وهو يعبث، وكان مات له حمار قبل ذلك، قال: رأيت حماري البارحة في النوم، فقلت له: ويلك! مالك متّ؟ قال: إنك ركبتني يوم كذا وكذا، فمررنا على باب الأصبهاني، فرأيت أتانا «1» عند بابه، فعشقتها فمت! وأنشد:
سيّدي خذ لي أمانا ... من أتان الأصبهاني
إنّ بالباب أتانا ... فضلت كلّ أتان
تيّمتني يوم رحنا ... بثناياها الحسان
وبغنج ودلال ... سلّ جسمي وبراني
ولها خدّ أسيل ... مثل خدّ الشيقران
فبها متّ ولو عش ... ت إذا طال هواني!
فقال له رجل من القوم: يا أبا معاذ، ما الشيقران؟ قال: هو شيء يتحدّث به الحمير. فإذا لقيت حمارا فاسأله.
وقيل لأعرابي وهو واقف على ركيّة «2» مالحة: كيف هذا الماء؟ قال: يخطيء القلب، ويصيب الاست.
وأخذ رجل شرب، فأتى به الوالي فقال: استنكهوه. فقالوا: إن نكهته لا تبين عنه. قال: فقيئوه. فقال الشارب: فإن لم أقيء شرابا فمن يضمن لي عشائي؟
رافق أعرابي أعرابيا في سفر فقال: أنا واللَّه أشتهي كشكيّة «3» . ومدّ بها صوته فضرط، فقال له صاحبه: ما نفختك يا بن عمّ! أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته وصار آدر، فدخلوا ليهنئوه، فقال: الذي جاء شرّ من الذي ذهب.
أبو حاتم قال: رمي رجل أعور بنشابة، فأصابت عينه الصحيحة، فقال: أمسينا وأمسى الملك للَّه.
(8/144)

وقال رجل للجماز: ولدت امرأتي لستة أشهر. فقال: لقد كان إناؤها ضاريا.
قالوا: أتي الحجاج بسفط قد أصيب في بعض خزائن كسرى، مقفل؛ فأمر بالقفل فكسر، فإذا فيه سفط «1» آخر مقفل؛ فقال الحجاج: من يشتري مني هذا السفط بما فيه؟ فتزايد فيه أصحابه، حتى بلغ خمسة آلاف دينار، فأخذه الحجاج ونظر فيه فقال: ما عسى أن يكون فيه إلا حماقة من حماقات العجم! ثم أنفذ البيع وعزم على المشتري أن يفتحه ويريه ما فيه؛ ففتحه بين يديه، فإذا فيه رقعة مكتوب فيها: من أراد أن تطول لحيته فليمشطها من أسفل.
الزبير بن بكار قال: جاءت امرأة إلى ابن الزبير تستعدي على زوجها وتزعم أنه يصيب جاريتها؛ فأمر به فأحضر، فسأله عما ادعت، فقال: هي سوداء وجاريتها سوداء، وفي بصري ضعف، ويضرب الليل برواقه «2» ، فأنا آخذ من دنا مني.
قال: وخطب رجل خطبة نكاح وأعرابي حاضر، فقال: الحمد للَّه، أحمده وأستعينه وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. حي على الصلاة، حي على الفلاح. فقال الأعرابي: لا تقم الصلاة، فإني على غير وضوء.
وقال: سمعت أبا موسى عيسى الضّمريّ يقول: دخلت الحمام فإذا بأعمى قد ركب أعمى؛ فقال له: ما هذا؟ قال: ظلمات بعضها فوق بعض.
قال العوّام بن حوشب: قال لي عيسى بن موسى: من أرضعتك؟ قلت: ما أرضعني إلا أمي. قال: قد علمت أن ذلك الوجه القبيح لا يصبر عليه سوى أمّك.
وكان رجل مقيت «3» قد تنسّك وتشبه بالحسن البصري، فشهد جنازة، فوقف على
(8/145)

القبر وإلى جانبه رجل مليح، فضحك، فقال له الناسك: ما أعددت لهذه الحفرة يا فلان؟ قال: قذفك فيها الساعة.
ودخل أعرابي الحمام فضرط، فقال نبطيّ كان في الحمام: صبحان اللَّه. فقال له الأعرابي: يا بن اللخناء، ضرطتي أفصح من تسبيحك.
وقيل لأعرابي: مالك لا تجاهد؟ قال: واللَّه إني أبغض الموت على فراشي، فكيف أسعى إليه ركضا.
شهادة أعرابي:
واستشهد أعرابيّ على رجل وامرأة زنيا، فقيل له، أرأيته داخلا وخارجا كالمرود في المكحلة؟ فقال: واللَّه لو كنت جلدة استها ما رأيت هذا.
وجد منبوذ بضفّة العراق وعند رأسه مائة دينار، ورقعة مكتوب فيها: أنا ابن الشقي وابن الشقية، وابن القدح والرطليّة، وابن البغي والبغيّة، من كفّلني فله هذه الميّة.
السندي بن شاهك والحجام:
السندي بن شاهك قال: بعث إليّ المأمون بريدا وأنا بخراسان، فطويت المراحل حتى أتيت باب أمير المؤمنين وقد هاج بي الدم، فوجدته نائما، فأعلمت الحاجب بقصتي وقدّمت إليه عذري وما هاج بي من الدم، وانصرفت إلى منزلي فقلت:
أحضروا إليّ الحجّام. قالوا: هو محموم. قلت: فهاتوا حجاما غيره ولا يكون فضوليا. فأتوني به، فما هو إلا أن دارت يده على وجهي حتى قال: جعلت فداك! هذا وجه لا أعرفه، فمن أنت؟ قلت: السندي بن شاهك. قال: ومن أين قدمت، فإني أرى أثر السفر عليك؟ قلت: من خراسان. قال: وأيّ شيء أقدمك؟ قلت:
وجه إليّ أمير المؤمنين بريدا ... ولكن إذا فرغت فسأخبرك بالقصة على وجهها.
قال: وتعرّفني بالمنازل والسكك التي جئت عليها؟ قلت: نعم.
(8/146)

قال: فما هو إلا أن فرغ حتى دخل رسول اللَّه أمير المؤمنين ومعه كركي «1» ، فقال: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام وهو يعذرك فيما هاج بك من الدم، وقد أمرك بالتخلف في منزلك إلى أن تغدو عليه إن شاء اللَّه، ويقول: ما أهدي إلينا اليوم غير هذا الكركي. فشأنك به. قال: فالتفت السندي إلى جلسائه فقال: ما يضع بهذا الكركي؟ فقال الحجام: يطبخ سكباجا «2» . قال السندي: يصنع كما قال. وحلف على الحجام الّا يبرح؛ فحضر الغذاء فتغدّينا وهو ينظر، ثم قدّم الشراب، فلما دارت الأقدام قلت: يعلّق الحجام من العقبين»
! ثم قلت: جعلت فداك! سألني عن المنازل والسكك «4» التي قدمت عليها وأنا مشغول في ذلك الوقت؛ وأنا أقصها عليك [الآن] فاستمع: خرجت من خراسان وقت كذا، فنزلت كذا ... يا غلام، اضرب! فضربه عشرة أسواط؛ ثم قلت: وخرجت منه إلى مكان كذا ... يا غلام، أوجع! فضربه عشرة أسواط أخرى؛ ولم يزل يضربه لكل سكة عشرة، حتى انتهى إلى سبعين سوطا فالتفت إليّ الحجام وقال: يا سيدي، سألتك باللَّه، إلى أين تريد أن تبلغ؟ قلت: إلى بغداد. قال: لست تبلغ حتى تقتلني. قلت: فأتركك على ألّا تعود؟ قال: واللَّه لا أعود أبدا. قال: فتركته، وأمرت له بسبعين درهما: فلما دخلت على المأمون أخبرته الخبر؛ فقال: وددت أنك بلغت به إلى أن تأتي على نفسه.
فتوى أبي ضمضم:
أتت جارية أبا ضمضم فقالت: إن هذا قبّلني. فقال قبّليه، فإنّ اللَّه يقول:
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
«5» .
وارتفع رجلان إلى أبي ضمضم، فقال أحدهما: أبقاك اللَّه، إن هذا قتل ابني.
(8/147)

قال: هل لابنك أم؟ قال: نعم. قال: ادفعها إليه حتى يولدها لك ولدا مثل ولدك، ويربيه حتى يبلغ مثل ولدك، ويبرأ به إليك.
حيطة أعمى:
وكان بالمدينة أعمى يكنى أبا عبد اللَّه، أتى يوما يغتسل من عين، فدخل بثيابه؛ فقيل له: بللت ثيابك. قال: تبتلّ عليّ أحبّ إليّ من أن تجف على غيري.
طبع الناسك:
وفي كتاب الهند أن ناسكا كان له سمن في جرّة معلقة على سريره، ففكر يوما وهو مضطجع على سريره وبيده عكاز؛ فقال: أبيع الجرة بعشرة دراهم، فأشتري بها خمس أعنز، فأدهن في كل سنة مرتين؛ حتى تبلغ ثمانين وأبيعهن، فأبتاع بكل عشرة بقرة، ثم ينمى المال بيدي، فأبتاع العبيد والإماء، ويولد لي ولد فآخذ به في الأدب، فإن عصاني ضربته بهذه العصا. وأشار بالعصا فأصاب الجرة، فانكسرت وانصبّ السمن على وجهه ورأسه.
شهادة الحمير:
الزبير قال: حدثنا بكار بن رباح قال: كان بمكة رجل يجمع بين الرجال والنساء ويحمل لهم الشراب، فشكي إلى عامل مكة، فنفاه إلى عرفات، فبنى بها منزلا وأرسل إلى إخوانه فقال: ما منعكم أن تعاودوا ما كنتم فيه؟ قالوا: وأين بك وأنت في عرفات؟ قال: حمار بدرهم وقد صرتم على الأمن والنزهة. ففعلوا فكانوا يركبون إليه حتى فسدت أحداث مكة؛ فأعادوا شكايته إلى والي مكة. فأرسل إليه فأتي به، فقال: يا عدوّ اللَّه! طردتك فصرت تفسد في المشعر الحرام قال: يكذبون عليّ أصلح اللَّه الأمير. فقالوا: أصلحك اللَّه، الدليل على صحة ما نقول أن تأمر بجمع حمير مكة فترسل بها أمناء إلى عرفات فيرسلوها، فإن تهتد إلى منزله دون المنازل كعادتها فنحن غير مبطلين. فقال الوالي: إن في هذا لدليلا وشاهدا عدلا.
(8/148)

فأمر بحمير من حمر مكة التي للكراء فأرسلت، فصارت إلى منزله كما هي بغير دليل، فأعلمه بذلك أمناؤه، فقال: ما بعد هذا شيء، جرّدوه! فلما نظر إلى السياط قال: لا بد أصلحك اللَّه من ضربي؟ قال: نعم يا عدوّ اللَّه. قال: واللَّه ما في ذلك شيء هو أشدّ عليّ من أن يشمت بنا أهل العراق ويضحكون منا ويقولون: أهل مكة يجيزون شهادة الحمير! قال: فضحك الوالي وخلّى سبيله.
هنأ رجل رجلا في أعرابية. فقال: باليمن والبركة، وشدّة الحركة، والظفر في المعركة.
وصف حمار:
الهيثم بن عدي قال: بينا أنا بكناسة الكوفة. إذا برجل مكفوف البصر قد وقف على نخاس يسوق الدواب، فقال له: أبغني حمارا لا بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إذا خلا له الطريق تدفق، وإذا كثر الزحام توفق، وإن أقللت علفه صبر، وإن أكثرته شكر، وإذا ركبته هام، وإن ركبه غيري نام. قال له النخاس: يا عبد اللَّه اصبر، فإذا مسخ اللَّه القاضي حمارا أصبت حاجتك إن شاء اللَّه!
وصف فرس:
قال: ودخل رجل السوق في شراء فرس، فقال له النخاس: صفه لي. فقال:
أريده حسن القميص، جيّد الفصوص «1» ، وثيق العصب، نقي القصب، يشير بأذنيه ويتشوّف برأسه، ويخطر بيده، ويدحو «2» برجليه، كأنه موج في لجة، أو سيل في حدور، أو منحطّ من جبل! فقال له النخاس: نعم، كذلك كان صلوات اللَّه عليه! قال: إنما أصف لك فرسا. قال: ما حسبتك إلا في وصف نبيّ منذ اليوم.
هجاء أبي نخيلة لليمن:
قال ودخل ابن نخيلة اليمن، فلم ير بها أحدا حسنا، ورأى نفسه- وكان قبيحا-
(8/149)

أحسن من بها فقال:
لم أر غيري حسنا ... منذ دخلت اليمنا
ففي حر امّ بلدة ... أحسن ما فيها أنا!
كناس الكوفة:
محمد بن إسحاق قال: قال سفيان بن عيينة: دخلت الكوفة في يوم فيه رذاذ من مطر، فإذا أنا بكنّاس فتح كنيفا ووقف على رأس البئر وهو يقول:
بلد طيّب ويوم مطير ... هذه روضة وهذا غدير
ثم قال لصاحبه: انزل فيها. فأبى عليه؛ فنزل وهو يقول:
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النّزولا
كناس آخر:
الأصمعي قال: بينا أنا سائر بالفيفاء، إذ سمعت صوتا يقول «1» :
جنّبوني ديار هند وسعدى ... ليس مثلي يحلّ دار الهوان
قال: فالتفتّ يمنة وشمالا، فإذا الصوت خارج من حشّ؛ فأقبلت حتى وقفت «2» عليه، فإذا بكناس وبيده فأس؛ فقلت: يا سبحان اللَّه! أنت تكنس عذرة وتقول:
ليس مثلي يحل دار الهوان
فأنّى ذلك؟ وأيّ هو ان أكثر مما أنت فيه؟ قال: فرفع رأسه إليّ وقال:
لا تلمني فإنني نشوان ... أنا في الملك ما سقتني الدّنان
فقلت: ما هو إلا كقول الآخر:
من قرّ عينا بعيشه نفعه
(8/150)

ولعلي بن الجهم:
أعظم ذنبي عندكم ودّي ... فليت هذا ذنبكم عندي
يا حسرتا أهلك وجدا بمن ... لا يعرف الشكوى من الوجد
خبر الجعدين:
حماد الراوية قال: أتيت مكة، فجلست في حلقة منها فيها عمر بن أبي ربيعة القرشي، وإذا هم يتذاكرون العذريين وعشقهم وصبابتهم، فقال عمر بن أبي ربيعة، أحدّثكم عن بعض ذلك.
كان لي خليل من عذرة، [يقال له الجعد بن مهجع، و] يكنى أبا مسهر وكان مشتهرا بأحاديث النساء، يشبّب بهن وينشد فيهن، على أنه كان لا عاهر الخلوة، ولا حديث السلوة؛ وكان يوافي الموسم في كل سنة، فإذا أبطأ ترجمت له الأخبار، واستوقفت له السّفّارة «1» .
وإنه غاب عني ذات سنة خبره، حتى قدم وفد عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، فإذا رجل يتنفس الصعداء؛ فقال: عن أبي مسهر تسأل؟ قلت: نعم. قال: هيهات هيهات! أصبح واللَّه أبو مسهر لا حيّا يرجى، ولا ميتا ينسى، ولكنه كما قال الشاعر:
لعمرك ما هذا الغرام بتاركي ... صحيحا ولا أقضي به فأموت
فقلت: وما الذي به؟ قال: مثل الذي بك من انهما ككما في الضلال، وجرّكما أذيال الخسران، كأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار! قلت: ما أنت منه يابن أخي؟ قال:
أخوه. قلت: واللَّه [ما يمنعك أن تسلك مسلكه الذي سلك إلا] أنك وأخاك كالوشي والبجاد «2» ، لا يرقعك ولا ترقعه! ثم انطلقت وأنا أقول:
أرائحة حجّاج عذرة روحة ... ولما يرح في القوم جعد بن مهجع
(8/151)

خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... ومهما يقل أسمع وإن قلت يسمع
ألا ليت شعري أي خطب أصابه ... فلي زفرات هجن ما بين أضلع
فلا يبعدنك اللَّه خلا فإنني ... سألقى كما لاقيت في الحبّ مصرعي
قال: فلما حججت ووقفت بعرفات، إذا به قد أقبل، وقد تغير لونه وساءت هيئته، وما عرفته إلا بناقته؛ فأقبل [فأدنى ناقته من ناقتي] حتى خالف بين أعناقهما، ثم اعتنقني وجعل يبكي، فقلت له: ما الذي دهاك؟ قال: برح الخفاء وكشف الغطاء ثم أنشد يقول:
لئن كانت عديلة ذات مطل ... لقد علمت بأنّ الحبّ داء «1»
[ألم تنظر إلى تغيير جمسي ... وأنّي لا يفارقني البكاء]
وإنك لو تكلفت الذي بي ... لزال السّتر وانكشف الغطاء
وإن معاشري ورجال قومي ... حتوفهم الصّبابة واللقاء
إذا العذريّ مات بحتف أنف ... فذاك العبد تحكيه الرّشاء
فقلت: يا أبا مسهر، إنها ساعة عظيمة، تضرب فيها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها، فلو دعوت اللَّه كنت قمنا أن تظفر بحاجتك، وتنصر على عدوّك فجعل يدعو، حتى إذا مالت الشمس للغروب، وهم الناس أن يفيضوا سمعته يهينم بشيء، فأصغيت مسمعا، فجعل يقول:
يا ربّ كلّ غدوة وروحه ... من محرم يشكو الصّبا ونوحه «2»
أنت حسيب الخلق يوم الدوحه
فقلت له وما يوم الدوحة؟ قال: سأخبرك إن شاء اللَّه، ولو لم تسلني. فيممنا نحو المزدلفة، فأقبل عليّ وقال: إني رجل ذو مال كثير، من نعم وشاء، وإني خشيت على مالي عام أوّل التلف، فأتيت أخوالي كلبا، فأوسعوا لي عن صدر المجلس وسقوني
(8/152)

جمة البئر «1» ، وكنت منهم في خير أخوال؛ ثم إني عزمت على مواقعة إبلي بماء لهم يقال له الحوادث؛ فركبت يوما فرسي، وعلقت معي شرابا أهداه إلي بعض الكلبيين، فانطلقت؛ حتى إذا كنت بين الحي ومرعى النعم، رفعت لي دوحة عظيمة، فقلت: لو نزلت تحت هذه الشجرة ثم تروّحت مبردا! ففعلت، فشددت فرسي ببعض أغصانها، ثم جلست تحتها، فإذا بغبار [قد] سطع من ناحية الحي، ثم تبينت، فبدت لي شخوص ثلاثة، فإذا فارس يطرد مسحلا «2» وأتانا، فلما قرب مني إذا عليه درع أصفر وعمامة خز سوداء؛ فما لبث أن لحق المسحل فطعنه فصرعه، ثم ثنى طعنة للأتان، وأقبل وهو يقول:
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل «3»
فقلت له: إنك قد تعبت وأتعبت، فلو نزلت، فثنى رجله ونزل وشدّ فرسه ببعض أغصان الشجرة؛ ثم أقبل حتى جلس، فجعل يحدثني حديثا ذكرت به قول الشاعر:
وإنّ حديثا منك لو تبذلينه ... جنى النحل في ألبان عوذ مطافل «4»
فبينا هو كذلك، إذ نكت بالسوق على ثنيتيه، فما ملكت نفسي أن قبضت على السوط وقلت: مه! فقال: ولم؟ قلت: إني خائف أن تكسرها؛ إنهما رقيقتان عذبتان.
قال: فرفع عقيرته وجعل يقول:
إذا قبّل الإنسان آخر يشتهي ... ثناياه لم يأثم وكان له أجر
وقال: ما هذا الذي جعلت في سرجك؟ قلت: شراب أهداه إليّ بعض أهلك.
فهل لك فيه؟ قال: ما نكرهه إذا كره. فأتيته به، فوضعته بيني وبينه، فلما شرب منه شيئا نظرت إلى عينيه كأنهما عينا مهاة قد أضلت ولدها؛ ثم رفع عقيرته يتغنى:
(8/153)

إنّ العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا الّلبّ حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق اللَّه إنسانا
ثم قمت لأصلح من أمر فرسي، فرجعت وقد حسر العمامة عن رأسه؛ وإذا غلام كأنّ وجهه دينار هرقلي، فقلت: سبحانك اللهم! ما أعظم قدرتك! قال: فكيف؟
قلت: ذلك مما راعني من نورك، وبهرني من جمالك! قال: وما الذي يروعك من زرق العيون وحبيس التراب، ثم لا تدري أينعم بعدك أم يبأس؟ قلت: لا يصنع اللَّه بك إلا خيرا.
ثم قام إلى فرسه، فلما أقبل برقت لي بارقة من تحت الدرع، فإذا ثدي كأنه حقّ «1» عاج، قلت: نشدتك اللَّه، امرأة أنت؟ قالت: إي واللَّه، وتكره العهر، وتحب الغزل! قلت: وأنا واللَّه كذلك! فجلست واللَّه تحدثني ما أنكر من أمرها شيئا، حتى مالت على الدوحة سكرى؛ فاستحسنت واللَّه يا ابن أبي ربيعة الغدر، وزيّن في عيني؛ ثم إن اللَّه عصمني؛ فما لبثت أن انتبهت مذعورة، فلاثت عمامتها برأسها، وأخذت الرمح، وجالت في متن فرسها؛ فقلت: مضيت ولم تزوّديني منك زادا! فأعطتني بنانها فشممت واللَّه منها كالنبات الممطور زهر «2» الثلج؛ ثم قلت: أين الموعد؟ قالت: إن لي إخوة شرسا «3» وأبا غيورا، واللَّه لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك! ثم مضت فكان واللَّه آخر العهد بها إلى يومي هذا، وهي التي بلّغتني هذا المبلغ وأحلّتني هذا المحل! قال: فدخلتني له رقّة؛ فلما انقضى الموسم شددت على ناقتي وشدّ على ناقته، وحملت غلاما لي على بعير، وحملت عليه قبة حمراء من أدم كانت لأبي ربيعة،
(8/154)

وأخذت معي ألف دينار، ومطرف «1» خزّ؛ ثم خرجنا حتى أتينا بلاد كلب، فإذا الشيخ في نادي الحيّ، فسلمت عليه، فقال: وعليك السلام، من أنت؟ فقلت: عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي. قال: المعروف غير المنكور، فما الذي جاء بك؟ قلت:
جئتك خاطبا، قال: أنت الكفء لا يرغب عن وصله، والرجل الذي لا يردّ عن حاجته. قال: قلت: إني لم آتك لنفسي وإن كنت في موضع الرغبة، ولكنني أتيتكم لابن أختكم العذري. قال: واللَّه إنه لكفء الحسب، كريم النسب؛ غير أن بناتي لم يعرفن هذا الحي من قريش.
قال: فعرف الجزع من ذلك في وجهي؛ فقال: أما إني أصنع في ذلك ما لم أصنعه قط لغيرك؛ أخيّرها في نفسها، فهي وما اختارت. فقلت: خيّرها. فأرسل إليها:
إن من الأمر كذا وكذا، فالرأي رأيك.
فقالت: ما كنت لأستبدّ برأي دون رأي القرشي، خياري ما اختار. قال: قد ردّت الأمر إليك. فحمدت اللَّه وصليت على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقلت: قد زوجتها العذريّ [الجعد بن] مهجع. وأصدقتها عنه الألف دينار، وجعلت تكرمتها العبد والبعير والقبّة، وكسوت الشيخ المطرف، فسرّ به، وسألته أن يبني بها من ليلته، فأجابني إلى ذلك؛ فضربت القبة في وسط الحيّ، وأهديت إليه ليلا، وبت عند الشيخ في خبر مبيت، فلما أصبحت غدوت فقمت بباب القبة، فخرج إليّ وقد تبين الجذل فيه، فقلت: كيف كنت بعدي أبا مسهر؟ قال: أبدت لي كثيرا مما كانت تخفيه يوم رأيتها. فقلت: أقم عند أهلك بارك اللَّه لك! ثم انطلقت إلى أهلي وأنا أقول:
كفيت الفتى العذريّ ما كان نابه ... ومثلي لأثقال النّوائب يحمل «2»
أما استحسنت منّي المكارم والعلا ... إذا صرّحت أنّي أقول وأفعل
(8/155)

زواج المأمون ببوران
حدث أبو محمد الشعبي الورّاق- وكان عند باب خراسان عند باب الجسر الأول- عن حماد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلي، قال:
بينا أنا ذات يوم عند المأمون وقد خلا وجهه وطابت نفسه، إذ قال لي: يا إسحاق، هذا يوم خلوة وطيب. فقلت: طيّب اللَّه عيش أمير المؤمنين، ودام سروره وفرحه! فقال: يا غلمان، خذوا علينا الباب وأحضروا الشراب. قال: ثم أخذ بيدي وأدخلني في مجلس غير المجالس التي كنا فيها، وإذا قد نصبت الموائد، وأصلح ما كان يحتاج إليه الحال، حتى كأنه شيء قد كان تقدّم فيه؛ قال: فأكلنا وأخذنا في الشراب، فأقبلت السّتيرات «1» من كل ناحية بضروب من الغناء وصنوف من اللهو؛ فلم نزل على ذلك إلى آخر النهار.
فلما غربت الشمس قال لي: يا إسحق، خير أيام الفتى أيام الطرب! قلت: هو واللَّه ذاك يا أمير المؤمنين. قال: فإني فكّرت في شيء فهل لك فيه؟ قلت: لا أتأخر عن رأي أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه! قال: لعلنا نباكر الصبوح في غدوتنا هذه، وقد عزمت على دخلة إلى الحرم، فكن بمكانك ولا ترم «2» ، فإني أوافيك عن قريب.
قلت: السمع والطاعة. ثم نهض إلى دار السلام، فما عرف له خبر إلى أن ذهب من الليل عامّته.
قال إسحاق: وكان المأمون من أشغف خلق اللَّه بالنساء، وأشدّهم ميلا إليهن واستهتارا بهنّ، وعلمت أن النبيذ قد غلب عليه، وأنهن قد أنسينه أمري وما كان تقدم إليّ ووعدني من رجوعه، فقلت في نفسي: هو في لذته وأنا ههنا في غير شيء، وفيّ بقية، وعندي صبية كنت قد اشتريتها؛ ونفسي متطلعة إلى افتضاضها. فقمت مسرعا عند ذكرها، فقال الخدم: على أيّ عزمت وإلى أين تريد؟ قلت: أريد الانصراف. قالوا: فإن طلبك أمير المؤمنين؟ قلت هو في سروره قد شغله الطرب.
(8/156)

ولذة ما هو فيه عن طلبي، وقد كان بيني وبينه موعد قد جاز وقته، ولا وجه لجلوسي.
قال: وكنت مقدّم الأمر في دار المأمون، مقبول القول فيه، لا أعارض في شيء، إذا أو مأت إليه؛ فخرجت مبادرا إلى باب الدار، فلقيني غلمان الدار وأصحاب النوبة «1» ، فقالوا: إن غلمانك قد انصرفوا، وكانوا قد جاءوك بدابة، فلما علموا بمبيتك انصرفوا. فقلت: لا ضير، أنا أتمشى إلى البيت وحدي. قالوا: نحضرك دابة من دواب النوبة؟ قلت: لا حاجة لي في ذلك. قالوا: فنمضي بين يديك بمشعل؟
قلت: لا، ولا أريد أيضا.
وأقبلت نحو البيت، حتى إذا صرت ببعض الطريق أحسست بحرقة البول، فعدلت إلى بعض الأزقة، لئلا يجوز أحد من العوام فيراني أبول على الطريق؛ فبلت، حتى إذا قمت إلى المسح ببعض الحيطان، إذا بشيء معلق من تلك الدار إلى الزقاق، فما تمالكت أن تمسّحت، ثم دنوت إلى ذلك الشيء لأعرف ما هو، فإذا بزنبيل «2» كبير معلق بأربعة مقابض، ملبس ديباجا «3» ، وفيه أربعة أحبل ابريسم، فلما نظرت إليه وتبينته قلت: واللَّه إن لهذا لسببا، وإن له لأمرا. فأقمت ساعة أتروّى في أمري وأفكر فيه، حتى إذا طال ذلك بي قلت: واللَّه لأتجاسرنّ ولأجلسنّ فيه كائنا ما كان ...
ثم لففت رأسي بردائي وجلست في جوف الزنبيل، فلما أحس من كان على ظهر الحائط بثقله، جذبوا الزنبيل إليهم حتى انتهوا إلى رأس الحائط، فإذا بأربع جوار، فقلن: انزل بالرحب والسعة، أصديق أم جديد؟ فقلت: لا، بل جديد! فقلن: يا جارية، هاتي الشمعة. فابتدرت إحداهن إلى طست فيه شمعة، وأقبلت بين يديّ، حتى نزلت إلى دار نظيفة، فها من الحسن والظّرف ما حرت له، ثم أدخلتني إلى
(8/157)

مجالس مفروشة، ومناصّ «1» مرصوصة، [فيها من] صنوف الفرش ما لم أر مثله إلا في دار الخليفة.
فجلست في أدنى مجلس من تلك المجالس، فما شعرت بعد ذلك إلا بضجة وجلبة، وستور قد رفعت في ناحية من نواحي الدار، وإذا بوصائف يتسابقن في أيدي بعضهنّ الشمع، وبعضهنّ المجامر يبخرن فيها العود والندّ؛ وبينهن جارية كأنها تمثال عاج، تتهادى بينهن كالبدر الطالع، بقدّ يزري على الغصون؛ فما تمالكت عند رؤيتها أن نهضت، فقالت: مرحبا بك من زائر أتى وليست تلك عادته. وجلست، ورفعت مجلسي عن الموضع الذي كنت فيه، فقالت: كيف كان ذا واللَّه لي ولك، ولا علم كان وقع إليّ؛ فما السبب؟ قال: قلت: انصرفت من عند بعض إخواني، وظننت أني على وقت، فخرجت في وقت ضيق، وأخذني البول فأخذت إلى هذا الطريق، فعدلت إلى هذا الزقاق، فوجدت زنبيلا معلقا، فحملني النبيذ فجلست فيه، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه، وإن كان صوابا فاللَّه ألهمنيه قالت: لا ضير إن شاء اللَّه، وأرجو أن تحمد عواقب أمرك؛ فما صناعتك؟ قلت: بزّاز «2» . قالت: وأين مولدك؟ قلت: بغداد. قالت: ومن أيّ الناس أنت؟ قلت: من أماثلهم وأوساطهم.
قالت: حيّاك اللَّه وقرّب دارك! ... قالت: فهل رويت من الأشعار شيئا؟ قلت:
شيئا يسيرا. قالت: فذاكرنا بشيء مما حفظت قلت: جعلت فداك. إن للداخل دهشة، وفيّ انقباض؛ ولكن تبتدئين بشيء من ذلك، فالشيء يأتي بالمذاكرة. قالت:
لعمري لقد صدقت، فهل تحفظ لفلان قصيدته التي يقول فيها كذا وكذا ... ؟
ثم أنشدتني لجماعة من الشعراء، القدماء والمحدثين، من أحسن أشعارهم، وأجود أقاويلهم، وأنا مستمع أنظر من أي أحوالها أعجب، من ضبطها، أم من حسن لفظها، أم من حسن أدبها، أم من حسن [روايتها و] جودة ضبطها للغريب، أم من
(8/158)

اقتدارها على النحو ومعرفة أوزان الشعر؟ ثم قالت: أرجو أن يكون ذهب عنك بعض ما كان من الحصر والانقباض والحشمة «1» . فقلت: إن شاء اللَّه لقد كان ذلك.
قالت: فإن رأيت أن تنشدنا من بعض ما تحفظ فافعل.
قال: فاندفعت أنشد لجماعة من الشعراء؛ فاستحسنت نشيدي وأقبلت تسألني عن أشياء في شعري كالمختبرة لي، وأنا أجيبها بما أعرف في ذلك، وهي مصغية إليّ، ومستحسنة لما آتى به؛ حتى أتيت على ما فيه مقنع؛ قالت: واللَّه ما قصّرت ولا توهمت في عوام التجار وأبناء السوقة مثل ما معك؛ فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟ قلت: قد نظرت أيضا في شيء من ذلك. فقالت: يا جارية أحضرينا ما عندك. فما غابت عنا حينا حتى قدّمت إلينا مائدة لطيفة، قد جمع عليها غرائب الطعام السري؛ فقالت: إن الممالجة أول الرضاع، فتقدمت، فأقبلت أعذّر بعض التعذير، وهي معي تقطع وتضع بين يديّ، وأنا أغتنم ما أرى من ظرفها وحسن أدبها، حتى رفعت المائدة.
وأحضرت آنية النبيذ، فوضعت بين يديّ صينية وقدح ومغسل، وبين يديها مثل ذلك، وفي وسط المجلس من صنوف الرياحين وغرائب الفواكه ما لم أره اجتمع لأحد إلا لوليّ عهد أو سلطان، وقد عبّيء أحسن تعبئة، وهيّيء أحسن تهيئة. قال إسحاق: فتثاقلت عن الشراب لتكون هي المبتدئة، فقالت: مالي أراك متوقفا عن الشراب؟ قلت: انتظارا لك، جعلت فداك! فسكبت قدحا آخر فشربت.
ثم قالت: هذا أوان المذاكرة، فإن المذاكرة بالأخبار وذكر أيام الناس مما يطرب. قلت: لعمري إن هذا لمن أوقاته. فاندفعت، فقلت: بلغني أنه كذا وكذا ... وكان رجل من الملوك يقال له فلان بن فلان ... وكان من قصته كذا وكذا ... ، حتى مررت بعدة أخبار حسان من أخبار الملوك، وما لا يتحدث به إلا عند ملك أو خليفة؛ فسرّت بذلك سرورا شديدا، ثم قالت: واللَّه لقد حدّثتني
(8/159)

بأحاديث حسان، ولقد كثر تعجبي من أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا، وإنما هذا من أحاديث الملوك، وما لا يتحدّث به إلا عند ملك أو خليفة. فقلت:
جعلت فداك، كان لي جار ينادم بعض الملوك، وكان حسن المعرفة كثير الحفظ؛ فكان ربما تعطل عن نوبته التي كان يذهب فيها إلى دار صاحبه؛ لشغل يمنعه من ذلك، أو لأمر يقطع، فأمضى إليه، وأعزم عليه، وأصيّره إلى منزلي؛ فربما أخبرني من هذه الأحاديث شيئا، إلى أن صرت من خاصة أخدانه وممن كان لا يفارقه؛ فما سمعت مني فمنه أخذته، وعنه استفدته. فقالت: يجب أن يكون هذا كذا. ولعمري لقد حفظت فأحسنت الحفظ، وما هذا إلا لقريحة جيدة وطبع كريم. قال إسحاق:
وأخذنا في الشراب والمذاكرة: أبتديء الحديث، فإذا فرغت ابتدأت هي في آخر، حتى قطعنا بذلك عامة الليل، والندّ «1» وفائق البخور يجدّد، وأنا في حالة لو توهمها المأمون أو تأملها لاستطار سرورا وفرحا.
ثم قالت لي: يا فلان- وكنت قد غيرت عليها اسمي وكنيتي- واللَّه إني لأراك كاملا، وإنك في الرجال لفاضل، وإنك لوضيء الوجه، مليح الشكل، بارع الأدب؛ وما بقي عليك إلا شيء واحد حتى تكون قد برّزت وبرعت. فقلت: وما هو يا سيدتي، دفع اللَّه الأسواء عنك؟ قالت: لو كنت تحرّك بعض الملاهي، أو تترنم ببعض الأشعار. فقلت: واللَّه [إني كنت] قديما أشتهيه، وطالما كلفت به وحرصت عليه، فلم أرزقه ولا يعلق بي شيء منه؛ فلما طال عنائي به، وكلما تقدمت في طلبه كنت منه أبعد وعنه أذهب، تركته وأعرضت عنه، وإن في قلبي من ذلك لحرقة، وإني لمستهتر به مائل إليه، وما أكره أن أسمع في مجلسي هذا من جيّده شيئا؛ لتكمل ليلتي ويطيب عيشي! قالت: كأنك قد عرّضت بنا. قلت: لا واللَّه ما هو تعريض، وما هو إلا تصريح؛ وأنت بدأت بالفضل، وأنت أولى من أتمّ ما بدأ به.
فقالت: يا جارية: عود. فأحضرت عودا، فأخذته، فما هو إلا أن جسّته حتى ظننت أن الدار قد سارت بي وبمن فيها، واندفعت تغني، مع صحة أداء وجودة صوت.
(8/160)

فقلت: واللَّه لقد جمع اللَّه لك خلال «1» الفضل، وحباك بالكمال الرائع، والعقل الزائد، والأخلاق المرضية، والأفعال السنية. فقالت: أما تعرف لمن هذا الصوت ومن غنّى به؟ قلت: لا واللَّه. قالت: الغناء لإسحاق، والشعر لفلان، وكان سببه كذا وكذا ... فقلت: هذا واللَّه أحسن من الغناء.
فلم تزل تلك حالها في كل صوت تغنيه، ومع ذلك تشرب وأشرب؛ حتى إذا كان عند انشقاق الفجر، جاءت عجوز كأنها داية «2» لها، فقالت: أي بنية، إن الوقت قد حضر، فإذا شئت فانهضي. فلما سمعت مقالها نهضت؛ فقالت: عزمت؟ قلت: إي واللَّه. فقالت: مصاحبا للسلامة، [عزمت] عليك لتسترنّ ما كنا فيه، فإن المجالس بالأمانة. فقلت جعلت فداك، أفأحتاج إلى وصية في ذلك؟
فودعتها وودعتني، وقالت: يا جارية، بين يديه. فأتي بي باب في ناحية الدار ففتح لي وأخرجت منه إلى طريق مختصرة، وبادرت البيت، فصليت ووضعت رأسي، فما انتبهت إلا ورسل الخليفة على الباب؛ فقمت فركبت فسرت إليه، فلما مثلت بين يديه قال لي: يا إسحاق، جفوناك بما كنا ضمنّاه لك، وتشاغلنا عنك. فقلت: يا سيدي، ليس شيء آثر عندي وأسرّ إلى قلبي من سرور يدخل على أمير المؤمنين فإذا كمل سروره وطاب عيشه فعيشنا يطيب وسرورنا يتصل بسروره. ثم قال: ما كانت حالتك؟ قلت: يا سيدي كنت اشتريت من السوق صبية، وكنت متعلق القلب بها، فلما تشاغل أمير المؤمنين عني، وقد كانت فيّ بقية طالبتني نفسي بها، فمضيت مسرعا وأحضرتها، وأحضرت نبيذا فسقيتها وشربت معها، وغلب عليّ السكر فقطعت عما أردت، وذهب بي النوم إلى أن أصبحت. فقال لي: ما أكثر ما يتهيأ على الناس من هذا. فهل لك في مثل ما كنا فيه أمس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين وهل أحد يمتنع من ذلك؟ قال: فإذا شئت [فانهض بنا] فنهض ونهضت، فصرنا إلى المجلس الذي كنا
(8/161)

فيه بالأمس، على مثل حالنا وأفضل، حتى إذا كان ذلك الوقت وثب قائما، ثم قال يا إسحاق، لا ترم «1» ، فإني أجيئك، وقد عزمت على الصبحة. فما هو إلا أن فارقني حتى تصوّر لي ما كنت فيه، فإذا هو شيء لا يصبر عنه إلا جاهل فنهضت. فقال لي الغلمان: اللَّه اللَّه. وإنه أنكر علينا تخليتك وطالبنا بك، وقال، لم تركتموه؟ ولا نحسبك إلا تحب الإيقاع بنا. فقلت: واللَّه لا نال أحدكم بسببي مكروه أبدا. ولكن أبادر بحاجتي، واللَّه لا كان لي حبس ولا تريّث، وأمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه إذا دخل أبطأ، وأنا موافيكم قبل خروجه إن شاء اللَّه.
قال: فمضيت، فما شعرت إلا وأنا في الزقاق، فوافيت الزنبيل على ما كان عليه فأقعدت فيه وأصعدت، وصرت إلى الموضع [الذي كنت فيه البارحة] ، فلم ألبث إلا هنيهة وإذا بها قد طلعت، فقالت: ضيفنا؟ قلت: إي واللَّه. قالت: أو قد عاودت؟ قلت: نعم، وأظنّ أني قد أثقلت. فقالت: مادح نفسه يقرئك السلام فقلت:
هفوة، فمني بالصفح، قالت: قد فعلنا فلا تعد، قلت: إن شاء اللَّه.
ثم جلست، وأخذنا فيما كنا فيه من المذاكرة والإنشاد والشرب، ولم نزل على تلك الحال وأفضل، وقد أنست وانبسطت بعض الانبساط، وهي مع ذلك لا تزال تقول:
لو كنت على ما أنت عليه أحكمت من تلك الصنعة شيئا، لقد تناهيت وبرعت.
فأقول: واللَّه لقد حرصت على ذلك وجهدت فيه فما رزقته ولا قدرت عليه. ثم قلت: جعلت فداك، لا تخلينا مما كان من فضلك البارحة. فأخذت في الأغاني، وكلما مر صوت طيب قالت: أتدري لمن هذا؟ فأقول: لا! فتقول: لإسحاق! فأقول: وإسحاق هكذا في الحذق! فتقول. بخ إسحاق في هذا البيت بديع الصوت، وعميق الغناء. فأقول: سبحان اللَّه! لقد أعطي إسحاق هذا ما لم يعطه أحد! فتقول:
لو سمعت هذا منه لكنت أشدّ استحسانا له وكلفا به.
حتى إذا كان ذلك الوقت وجاءت العجوز، نهضت وودعتها، وبادرت جارية ففتحت الباب فخرجت منه.
(8/162)

وبادرت المنزل فتوضأت للصلاة وصليت الصبح، ووضعت رأسي فنمت، فما انتبهت إلا ورسل أمير المؤمنين يطلبونني؛ فركبت إلى الدار فما هو إلا أن مثلت بين يديه فقال لي: يا إسحاق، أبيت إلا مكافأة لنا ومعاملة بمثل ما عاملناك. قلت: لا واللَّه يا أمير المؤمنين، ما إلى ذلك ذهبت، ولا إليه قصدت، ولكنني ظننت أن أمير المؤمنين تشاغل عني بلذته وأغفل أمري، وجاء الشيطان فأذكرني أمر الجارية، فبادرت، فقال: وكان من أمرك ماذا؟ قلت: قضيت الحاجة وفرغت [من] الأمر.
فقال: قد انقضى ما كان بقلبك منها وواحدة بواحدة والبادي أظلم. فقلت: أنا يا أمير المؤمنين ألوم وأظلم، والمعذرة إليك فقال: لا تثريب عليك، هل لك في مثل حالنا الأول؟ قلت: إي واللَّه! قال: فانهض بنا. فقمنا حتى صرنا إلى الموضع الذي كنا فيه، فأخذنا في لذتنا؛ حتى إذا كان الوقت قال لي: يا إسحق ما عزمت؟ قلت لا عزم لي يا أمير المؤمنين! قال: عزمت عليك لتجلسنّ حتى أخرج إليك لتصطبح؛ فإني عازم على الصبوح وقد نغّصت عليّ منذ يومين! قلت: إن شاء اللَّه! وقام، فما هو إلا أن توارى، حتى قمت وقعدت، وجالت وساوسي، وجعلت أفكر في مجلسي معها وأفكر فيها، وفي الخروج عن طاعة المأمون وما يخرجني من سخطه وموجدته؛ فسهل [عليّ] كلّ صعب إذ فكرت في أمرها؛ فقمت مبادرا، فاجتمع عليّ جند الدار فقالوا: أين تريد؟ فقلت اللَّه اللَّه! إن لي قصة، وأنا معلّق القلب ببعض من في منزلي، وأحتاج إلى مطالعتهم في بعض الأمر. فقالوا: ليس إلى تركك سبيل! فلم أزل أرفق بهذا، وأقبّل رأس هذا، ووهبت لواحد خاتمي، ولآخر ردائي، حتى تركوني؛ فلما خرجت عن جملتهم لم أرتد عنها جاسرا حتى وافيت الزنبيل وصعدت السطح وصرت إلى الموضع؛ فلما رأتني قالت: ضيفنا؟ قلت: نعم.
قالت: جعلتها دار مقام! قلت: جعلت فداك، حق الضيافة ثلاثة أيام، فإن عدت بعدها فأنت في حل من دمي! قالت: واللَّه لقد أتيت بحجة.
ثم جلسنا، وأخذنا في مثل حالنا الأول من الشرب والإنشاد، والمذاكرة، حتى إذا علمت أن الوقت قد قارب، فكرت في قصتي، وأن المأمون لا يفارقني على هذا
(8/163)

وانني لا اتخلص منه إلا بشرح قصتي وأكشف له عن حالي، وعلمت أني إن قلت له ذلك طالبني بمعرفة الموضع والمسير إليه، مع ما كان غلب عليه من الميل إلى النساء؛ فقلت لها: أتأذنين في ذكر شيء خطر ببالي؟ قالت: قل ما بدا لك. قلت: جعلت فداك، إني أراك ممن يقول بالغناء، ويعجب به وبالأدب ولي ابن عم هو أحسن مني وجها، وأشرف قدرا، وأكثر أدبا، وأعز معرفة، وأنا تلميذ من تلاميذه، وحسنة من حسنانه؛ وهو أعرف الناس بغناء إسحق! قالت: طفيلي ومقترح! لم ترض أن سمحنا لك ثلاثة أيام، حتى طلبت أن تأتي معك بآخر؟ فقلت لها: جعلت فداك، ذكرته لتكوني أنت المحكمّة، فإن أذنت وأردت ذلك وإلا فلا أذكره. فقالت: إن كان ابن عمك هذا على ما ذكرت فلا نكرة أن نعرفه، فقلت: هو واللَّه أكثر مما وصفت! فقالت: إن شئت فالليلة الآتية أئت به.
ثم حضر الوقت فنهضت حتى وافيت منزلي، وإذا برسل الخليفة قد هجموا على منزلي وأصحاب الشرطة؛ فلما بصروا بي سحبت على ما بي بحالتي تلك، حتى انتهوا بي إلى الدار؛ فإذا المأمون جالس على كرسي وسط الدار، مغتاظ حرد»
؛ فقال:
أخروجا عن الطاعة؟ قلت: لا واللَّه يا أمير المؤمنين، إنه كانت لي قصة أحتاج فيها إلى الخلوة. فأومأ إلى من كان واقفا فتنحّوا، فلما خلونا قلت: كان من خبري كذا وكذا، وفعلت وصنعت ...
فو اللَّه ما فرغت من حديثها حتى قال: يا إسحق، أتدري ما تقول؟ فقلت: إي واللَّه! إني لأدري! فقال: ويحك! كيف لي مشاهدة ما شاهدت؟ قلت: ما إلى ذلك سبيل! قال: لا بد أن تتلطف وتوصّلني إليها؛ فهذا ما بقي لي صبر عنه! قلت: واللَّه إني قد تفكرت في قصتها وفيما قدمت عليه من عصيانك، وعلمت أنه لا ينجيني إلا الصدق وكشف الحال، وعلمت أنك تطالبني به أشدّ مطالبة فقدّمت لها ذكرك، ووعدتني في أمرك بكذا وكذا. قال: أحسنت واللَّه لولا ذلك لنا لك مني كلّ مكروه! قلت: فالحمد للَّه الذي سلّم.
(8/164)

ثم نهض ونهضت إلى مجلسنا، وأخذنا في لذتنا، وهو مع ذلك يقول: يا إسحق، صف لي حالها، واشرح لي أمرها! فقطعنا يومنا في مذاكرتها إلى أن مضى النهار، فلما أن مضى من الليل هدأة «1» جعل يقول: ما جاء الوقت! وأنا أقول بقي قليل؛ والقلق غالب عليه، حتى جاء الوقت، فنهضنا وخرجنا من بعض أبواب القصر؛ معنا غلام، وهو على حمار وأنا على حمار. فلما صرنا بالقرب من منزلها نزلنا، ثم سلمنا الحمارين للغلام، وقلنا له:
انصرف، فإذا كان الفجر فكن ههنا بالحمارين وأقبلنا نمشي متنكرين وأنا أقول:
يجب أن تظهر برّي بحضرتها وإكرامي. وتطرح نخوة «2» الخلافة وتجبّر الملك، بل كن كأنك تبع لي! وهو يقول: نعم أو يحتاج أن توصيني؟ ثم قال: ويحك يا إسحق! فإن قلت لي غنّ كيف أصنع؟ قلت: أنا أكفيك وأدفعها عنك برفق.
فلما صرنا إلى الزقاق إذا بزنبيلين «3» معلقين بثمان حبال، فقعد كل منا في واحد وجذبتا الجواري، وإذا نحن في السطح؛ وبادرن بين أيدينا حتى انتهينا إلى المجلس، فأقبل المأمون يتأمل الفرش والدار والزّي، ويتعجب عجبا شديدا؛ ثم قعدت في موضعي الذي كنت أقعد فيه، وقعد المأمون دوني في المرتبة، ثم أقبلت فسلمت، فما تمالك أن بهت من حسنها، فقالت حيّا اللَّه ضيفنا! فو اللَّه ما أنصفت ابن عمك، ألا رفعت مجلسه؟ فقلت ذلك إليك، جعلت فداءك! فقالت [له] : ارتفع فديتك فأنت جديد، وهذا قد صار من أهل البيت، ولكل جديد لذة! فنهض المأمون حتى صار في صدر المجلس، ثم أقبلت عليه تذاكره وتناشده وتمازحه، وهو يأخذ معها في كل فن، ويفخمها قال ثم التفتت إلي وقالت: وفيت بوعدك وصدقت في قولك ووجب شكرك على صنيعك! قال: ثم أحضر نبيذ وأخذنا في الشراب، وهي مع ذلك مقبلة عليه وهو مقبل عليها، ومسرورة به
(8/165)

ومسرور بها؛ فقالت لي: ابن عمك هذا من أبناء التجار؟ قلت: نعم، فديتك نحن لا نعرف إلا التجارة! قالت وإنكما فيها لغريبان! ثم قالت: موعدك! فقلت: لعمري إنه لمجيب، ولكن حتى نسمع شيئا. قالت: لك ذاك. فأخذت العود فغنت صوتا، فشربنا عليه رطلا؛ ثم غنت بصوت كان المأمون يقترحه عليّ، فشربنا عليه رطلا.
فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال، داخله الفرح والارتياح وقال: يا إسحق؛ فو اللَّه لقد رأيته ينظر إليّ نظر الأسد إلى فريسته؛ فنهضت وقلت: لبّيك يا أمير المؤمنين! قال: غنني بهذا الصوت! فلما رأتني قمت بين يديه وأخذت العود ووقفت بين يديه أغنيه، علمت أنه الخليفة وأني إسحق؛ فنهضت فقالت؛ ههنا! وأو مأت إلى كلة «1» مضروبة، فدخلتها؛ ثم فرغت من ذلك الصوت وشرب رطلا، وقال لي: ويحك يا إسحق! انظر من ربّ هذه الدار! فخرجت إلى تلك العجوز فسألتها عن صاحب الدار فقالت: الحسن بن سهل. قلت: ومن هذه؟ قالت: بوران ابنته فرجعت وأعلمته.
قال؛ ثم انصرفنا، فقال لي: يا إسحق، اكتم هذا الأمر ولا تتفوّه به. ومضينا إلى دار الخلافة؛ فلما كان الصباح وحضر الحسن بن سهل على عادته، قال له المأمون:
ألك بنت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال ما اسمها؟ قال: بوران. قال: فإني أخطبها إليك قال هي أمتك يا أمير المؤمنين، وأمرها إليك قال فإني قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألف دينار: فإذا قبضت المال فاحملها إلينا.
ثم تزوجها، وكانت أحظى نسائه عنده، وآثرهن لديه؛ وكنت أستر هذا الحديث إلى أن مات المأمون.
[قال إسحق] : فما اجتمع لأحد ما اجتمع لي في تلك الأربعة الأيام، إذ كنت أنصرف من مجلس أمير المؤمنين إلى مجلسها، وو اللَّه ما رأيت من الرجال وملوكهم
(8/166)

وخلفائهم أحدا يفي بالمأمون، ولا شاهدت من النساء امرأة كبوران في عقلها؛ وأما معرفتها وأدبها فما أظن من يتهيّأ له أن يقف من العلوم على ما وقفت عليه ولقد سألت بعض من يتولى خدمتها من العجائز: ما حملها على ما أرى؟ فقالت: إنها تفعل ذلك منذ كذا وكذا سنة، ولقد عاشرت الظرفاء والملاح والأدباء أكثر من أن يقع عليه إحصاء، ولم يكن جرى بينها وبين أحد مكروه ولا خنا «1» ولا كلمة قبيحة؛ ولم يكن مذهبها في ذلك إلا حب الأدب والمذاكرة، ومعاشرة الظرفاء وأهل المروءة والأقدار والنّبل والأخطار، لا لريبة تظهر، ولا لحالة تنكر. قال: فو اللَّه لقد تضاعف قدرها عندي، وعظم خطرها في نفسي، وعلمت شرف همتها وفضلها.
فهذا خبر بوران صحيحا على الحقيقة، وسبب تزوّج المأمون بها.
فتى من بني حنيفة وجارية
قال هشام بن الكلبي والهيثم بن عدي: إن ناسا من بني حنيفة خرجوا يتنزهون إلى جبل لهم، فرأى فتى منهم في طريقه جارية، فرمقها وقال لأصحابه: لا أنصرف واللَّه حتى أرسل إليها وأخبرها بحبي لها! فطلبوا إليه أن يكف فأبى، وأقبل يراسل الجارية؛ وتمكن حبها من قلبه، فانصرف أصحابه وأقام الفتى في ذلك الجبل، فمضى إليها ليلة متقلدا سيفا وهي بين أخوين لها نائمة، فأيقظها؛ فقالت: انصرف لئلا ينتبه أخواي فيقتلاك! فقال: الموت أهون واللَّه مما أنا فيه، ولكن أعطيني يدك أضعها على قلبي وأنصرف! فأعطته يدها، فوضعها على قلبه وانصرف؛ فلما كانت الليلة الثانية، أتاها وهي على مثل تلك الحال، فأيقظها، فقالت له مثل مقالها الأوّل، فقال:
لك اللَّه إن أمكنتني من شفتيك أرشفهما أن أنصرف! فأمكنته فرشفهما ثم انصرف؛ فوقع في قلبها من حبه مثل ما كان به ...
وفشا خبرهما في الحيّ، فقال أهل الجارية: ما مقام هذا الفاسق في هذا الجبل؟
(8/167)

امضوا بنا إليه الليلة! فبعثت إليه الجارية: إن القوم سيأتونك الليلة، فاحذر على نفسك! فلما أمسى قعد على مرقاة ومعه قوسه وسهمه، ووقع بالحيّ في الليل مطر، فاشتغلوا عنه؛ فلما كان آخر الليل وانقشع السحاب وطلع القمر، اشتاقته الجارية فخرجت تريده ومعها صاحبة لها من الحي كانت تثق بها؛ فنظر الفتى إليهما فظن أنهما يطلبانه، فرمى فما أخطأ قلب الجارية، فوقعت ميتة، وصاحت الأخرى ورجعت؛ فانحدر الفتى من الجبل فإذا الجارية ميتة، فقال:
نعب الغراب بما كره ... ت ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتها ... فاصبر وإلا فانتحر
ثم وجأ بمشاقصه «1» في أوداجه حتى مات؛ فجاء أهل المرأة فوجدوهما ميّتين، فدفنوهما في قبر واحد!
باب اللغز
كانت في أبي عطاء السندي لثغة قبيحة، فاجتمع يوما في مجلس بالكوفة فيه حماد الراوية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان، وبكر بن مصعب؛ فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: ما بقي شيء إلا وقد تهيأ في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي! فأرسلوا إليه، فأقبل يقول: مرهبا مرهبا! هياكم اللَّه! وقد كان قال أحدهم. من يحتال لأبي عطاء حتى يقول: جرادة، وزج «2» ؟ وشيطان! فقال حماد الراوية: أنا! فقال: يا أبا عطاء؛ كيف علمك باللغز؟ قال: هسن، يريد: حسن، فقال له:
فما صفراء تكنى أمّ عوف ... كأنّ سويقتيها منجلان «3»
قال: زرارة. فقال: أصبت، ثم قال:
(8/168)

أتعرف مسجدا لبني تميم ... فويق الميل دون بني أبان؟
قال: في بني سيتان. فقال: أصبت، ثم قال:
فما اسم حديدة في الرمح ترمى ... دوين الصدر ليست بالسنان؟
فقال: ززّ. فقال: أصبت.
وقال المأمون يصف خاتما:
وأبيض أمّا جسمه فمدور ... نقيّ وأمّا رأسه فمعار
ولم يكتسب إلا ليسكن وسطه ... مؤنثة لم تكس قطّ خمار
لها أخوات أربع هنّ مثلها ... ولكنها الصّغرى وهن كبار
وقال آخر في أرنب:
لهوت بذات رأس والتياث ... كرفع الإصبعين على الثلاث «1»
إذا السّبّابة ارتفعت مع الخن ... صر اجتمع الثلاث بلا انتكاث
لهوت بها تطير بلا جناح ... وتنسب في الذّكور وفي الإناث
وقال:
ربّ ثور رأيت في حجر نمل ... وقطاة تحمّل الأثقالا
ونسور تمشي بغير رءوس ... لا ولا ريش تحمل الأبطالا
وعجوز رأيت في بطن كلب ... جعل الكلب للأمير جمالا
وغلام رأيته صار كلبا ... ثم من بعد ذاك صار غزالا
وأتان رأيت واردة الما ... ء زمانا وما تذوق بلالا
وعقاب تطير من غير ريش ... وعقاب مقيمة أحوالا
الثور: النمل الذي يخرج التراب من الجحر العظيم بفيه. والقطاة: موضع الردف من الفرس. والنسور: بطون الحوافر. والعجوز: السيف. وبطن الكلب: الجلد الذي
(8/169)

يعمل منه غمد السيف. وصار كلبا: ضم كلبا، أخذه من صار يصور، من قول اللَّه:
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
«1» والأتان: الصخرة. والعقاب التي تطير من غير ريش: البكرة.
والمقيمة أحوالا: اللواء.
وقال آخر في البيضة:
ألا قل لأهل الرأي والعلم والأدب ... وكلّ بصير بالأمور أخي أرب «2»
ألا خبروني أي شيء رأيتم ... من الطير في أرض الأعاجم والعرب
قديم حديث قد بدا وهو حاضر ... يصاد بلا صيد وإن جدّ في الطّلب
ويؤكل أحيانا طبيخا وتارة ... قليّا ومشويّا إذا دسّ في اللهب
وليس له لحم وليس له دم ... وليس له عظم وليس له عصب
وليس له رجل وليس له يد ... وليس له رأس وليس له ذنب
ولا هو حيّ لا ولا هو ميّت ... ألا خبروني إنّ هذا هو العجب
وقال غيره:
إني رأيت عجوزا بين حاجبها ... ونابها حبشيّ قائم رجل «3»
له ثلاثون عينا بين مرفقه ... وبين عاتقه في رجله قزل «4»
في ظهره حيّة حمراء قانية ... في ظهره رجل في ظهره رجل
العجوز: الناقة. والحبشي الذي بين حاجبها ونابها: الأسود الحابس بالخطام.
وقوله: له ثلاثون عينا بين عاتقه ومرفقه: مثاقيل كانت مصورة في عضده. وقوله:
في ظهره حية حمراء قانية: كان عليه برنس فيه تصاوير بعضها داخل في بعض.
وقال آخر في القلم:
فلا هو يمشي لا ولا هو مقعد ... وما إن له رأس ولا كفّ لامس
(8/170)

ولا هو حيّ لا ولا هو ميّت ... ولكنّه شخص يرى في المجالس
يزيد على سمّ الأفاعي لعابه ... يدبّ دبيبا في الدّجى والحنادس
يفرّق أوصالا لصمت يجبنه ... وتفري به الأوداج تحت القلانس
إذا ما رأته العين تحقر شأنه ... وهيهات يبدو النّقس عند الكرادس «1»
وقال آخر فيه:
ضئيل الرّواء كبير العناء ... من البحر في المنصب الأخضر
عليه كهيئة مرّ الشجا ... ع في دعص محنية أعفر «2»
إذا رأسه صح لم ينبعث ... وحاد السبيل ولم يبصر
وإن مدية صدعت رأسه ... جرى جري صائب لم يقصر
يقضي لبانته مقبلا ... ويحسمه هيئة المزبر «3»
جريء بكفّ فتى كفّه ... تسوق الثراء إلى المقتر
أبيات من الشعر المحدث
ماء النعيم بوجهه متحيّر ... والصّدغ منه كمعطف للرّائي «4»
وكأنما نهكت قوى أجفانه ... بالراح أوقد شيب بالإغفاء
لو باشر الماء القراح بكفّه ... لجرت أنامله بنبع الماء
وقال المؤمّل:
عجبت لمن يطيّبني بمسك ... وبي يتطيّب المسك الفتيت
خلا خيل النّساء لها وجيب ... ووسواسي وخلخالي صموت «5»
(8/171)

ولو أنّ النّساء غنين يوما ... عن المسك الذكيّ كما غنيت
لأصبح كل عطّار فقيرا ... قليلا ماله ما يستبيت «1»
(8/172)