Advertisement

الفرج بعد الشدة للتنوخي 001



الكتاب: الفرج بعد الشدة للتنوخي
المؤلف: المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم داود التنوخي البصري، أبو علي (المتوفى: 384هـ)
تحقيق: عبود الشالجى
الناشر: دار صادر، بيروت
عام النشر: 1398 هـ - 1978 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْبَابُ الأَوَّلُ
مَا أَنْبَأَنَا بِهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، مِنْ ذِكْرِ الْفَرَجِ بَعْدَ الْبُؤْسِ وَالامْتِحَانِ
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَهُوَ الْحَقُّ الْيَقِينُ: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {1} وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ {2} الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ {3} وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ {4} فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا {6} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ {7} وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ {8} } [الشَّرْح: 1-8] .
فَهَذِهِ ال { [كلهَا مفصحة بإذكار الله عز وَجل رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام منَّته عَلَيْهِ، فِي شرح صَدره بعد الْغم والضيق، وَوضع وزره عَنهُ، وَهُوَ الْإِثْم، بعد إنقاض الظّهْر، وَهُوَ الإثقال، أَي أثقله فنقض الْعِظَام، كَمَا ينْتَقض الْبَيْت إِذا صَوت للوقوع، وَرفع، جلّ جَلَاله، ذكره، بعد أَن لم يكن، بِحَيْثُ جعله الله مَذْكُورا مَعَه، والبشارة لَهُ، فِي نَفسه عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِي أمته، بِأَن مَعَ الْعسر الْوَاحِد يسرين، إِذا رَغِبُوا إِلَى الله تَعَالَى رَبهم، وَأَخْلصُوا لَهُ طاعاتهم ونياتهم.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَبَّاس، أَو عَن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ
(1/59)

السَّلَام، أَنه قَالَ: لَا يغلب الْعسر الْوَاحِد يسرين، يُرِيد أَن الْعسر الأول هُوَ الثَّانِي، وَأَن الْيُسْر الثَّانِي هُوَ غير الأول، وَذَلِكَ أَن الْعسر معرفَة، فَإِذا أُعِيد، فَالثَّانِي هُوَ الأول، لِأَن الْألف وَاللَّام لتعريفه، وَيسر، بِلَا ألف وَلَام، ونكرة، فَإِذا أُعِيد، فَالثَّانِي غير الأول، وَهَذَا كَلَام الْعَرَب، فَإِذا بدأت بِالِاسْمِ النكرَة، ثمَّ أعادته، أعادته معرفَة بِالْألف وَاللَّام، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ: قد جَاءَنِي الرجل الَّذِي تعرفه، فَأَخْبرنِي الرجل بِكَذَا وَكَذَا، فَالثَّانِي هُوَ الأول، فَإِذا قَالُوا: جَاءَنِي رجل، وَأَخْبرنِي رجل بِكَذَا، وَجَاءَنِي رجل، فَأَخْبرنِي رجل بِكَذَا وَكَذَا، فَالثَّانِي غير الأول، وَلَو كَانَ الثَّانِي، فِي هَذَا الْموضع، هُوَ الأول لقالوا: فَأَخْبرنِي الرجل بِكَذَا وبكذا، كَمَا قَالُوا فِي ذَلِك الْموضع.
وَقَالَ الله تَعَالَى:] سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [سُورَة الطَّلَاق: 7] .
وَقَالَ:، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطَّلَاق: 2-3] .
وَقَالَ تَعَالَى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْبَقَرَة: 259] .
(1/60)

فَأخْبر الله تَعَالَى: أَن الَّذِي مر على قَرْيَة، استبعد أَن يكْشف الله تَعَالَى عَنْهَا، وَعَن أَهلهَا، الْبلَاء، لقَوْله: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الْبَقَرَة: 259] ، فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه. . . إِلَى آخر الْقِصَّة، فَلَا شدَّة أَشد من الْمَوْت والخراب، وَلَا فرج أفرج من الْحَيَاة والعمارة، فَأعلمهُ الله عز وَجل، بِمَا فعله بِهِ، أَنه لَا يجب أَن يستبعد فرجا من الله وصنعا، كَمَا عمل بِهِ، وَأَنه يحيي الْقرْيَة وَأَهْلهَا، كَمَا أَحْيَاهُ، فَأرَاهُ بذلك، آيَاته، ومواقع صنعه.
وَقَالَ عز وَجل: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: 36] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يُونُس: 12] .
وَقَالَ عز وَجل: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {22} فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يُونُس: 22-23] .
وَقَالَ تَعَالَى، فِي مَوضِع آخر: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {63} قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ {64} } [الْأَنْعَام: 63-64] .
(1/61)

وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ {13} وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ {14} } [إِبْرَاهِيم: 13-14] .
وَقَالَ عز وَجل: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ {5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ {6} } [الْقَصَص: 5-6] .
وَقَالَ عز وَجل: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ} [النَّمْل: 62] .
وَقَالَ جلّ من قَائِل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غَافِر: 60] .
وَقَالَ عز من قَائِل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [الْبَقَرَة: 186] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ {156} أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ {157} } [الْبَقَرَة: 155-157] .
وَقَالَ جلّ جَلَاله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ {173} فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ {174} } [آل عمرَان: 173-174] .
وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، أَنه قَالَ: عجبا لمكروب غفل عَن خمس، وَقد عرف مَا جعل الله لمن قالهن، قَوْله تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ {156} أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ {157} } [الْبَقَرَة: 155-157] .
وَقَوله تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
(1/62)

فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ {173} فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمرَان: 173-174] .
وَقَوله: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ {44} فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} [غَافِر: 44-45] .
وَقَوله: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ {87} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ {88} } [الْأَنْبِيَاء: 87-88] .
وَقَوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا
(1/63)

فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {147} فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ {148} } [آل عمرَان: 147-148] .
وري عَن الْحسن أَيْضا، أَنه قَالَ: من لزم قِرَاءَة هَذِه الْآيَات فِي الشدائد، كشفها الله عَنهُ، لِأَنَّهُ قد وعد , وَحكم فِيهِنَّ، بِمَا جعله لمن قالهن، حكمه لَا يبطل، ووعده لَا يخلف ".
(1/64)

قصَّة آدم عَلَيْهِ السَّلَام
وَقد ذكر الله تَعَالَى، فِيمَا اقتصه من أَخْبَار الْأَنْبِيَاء، وشدائد ومحنا، استمرت على جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، وضروبا جرت عَلَيْهِم من الْبلَاء، وأعقبها بفرج وتحفيف، وتداركهم فِيهَا بصنع جليل لطيف.
فَأول ممتحن رَضِي، فأعقب بصنع خَفِي، وأغيث بفرج قوي، أول الْعَالم وجودا، آدم أَبُو الْبشر، صلى الله عَلَيْهِ، كَمَا ذكر، فَإِن الله خلقه فِي الْجنَّة، وَعلمه الْأَسْمَاء كلهَا، وأسجد لَهُ مَلَائكَته، وَنَهَاهُ عَن أكل الشَّجَرَة، فوسوس لَهُ الشَّيْطَان، وَكَانَ مِنْهُ مَا قَالَه الرَّحْمَن فِي مُحكم كِتَابه: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى {121} ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى {122} } [طه: 121-122] .
هَذَا بعد أَن أهبطه الله إِلَى الأَرْض، وأفقده لذيذ ذَلِك الْخَفْض، فانتقضت عَادَته، وغلظت محنته، وَقتل أحد ابنيه الآخر، وَكَانَا أول أَوْلَاده.
فَلَمَّا طَال حزنه وبكاؤه، واتصل استغفاره ودعاؤه، رحم الله عز وَجل تذلُّله وخضوعه، واستكانته ودموعه، فَتَابَ عَلَيْهِ وهداه، وكشف مَا بِهِ ونجاه.
فَكَانَ آدم عَلَيْهِ السَّلَام، أول من دَعَا فَأُجِيب، وامتحن فأثيب، وَخرج من ضيق وكرب، إِلَى سَعَة ورحب، وسلى همومه، وَنسي غمومه، وأيقن بتجديد الله عَلَيْهِ النعم، وإزلته عَنهُ النقم، وَأَنه تَعَالَى إِذا استرحم رحم.
فأبدله تَعَالَى بِتِلْكَ الشدائد، وعوضه من الابْن الْمَفْقُود، وَالِابْن الْعَاق الْمَوْجُود، نَبِي الله شِيث صلى الله عَلَيْهِ، وَهُوَ أول الْأَوْلَاد البررة بالوالدين ووالد النَّبِيين
(1/65)

وَالصَّالِحِينَ، وَأَبُو الْمُلُوك الجبارين، الَّذِي جعل الله ذُريَّته هم البَاقِينَ، وخصهم من النعم بِمَا لَا يُحِيط بِهِ وصف الواصفين.
وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن من الشَّرْح لهَذِهِ الْجُمْلَة والتبيان، بِمَا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْمَكَان، وَرُوِيَ فِيهِ من الْأَخْبَار، مَا لَا وَجه للإطالة بِهِ والإكثار.

قصَّة نوح عَلَيْهِ السَّلَام
ثمَّ نوح عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِنَّهُ امتحن بِخِلَاف قومه عَلَيْهِ، وعصيان ابْنه لَهُ، والطوفان الْعَام، واعتصام ابْنه بِالْجَبَلِ، وتأخره عَن الرّكُوب مَعَه، بركوب السَّفِينَة وَهِي تجْرِي بهم فِي موج كالجبال، وأعقبه الله الْخَلَاص من تِلْكَ الْأَهْوَال، والتمكن فِي الأَرْض، وتغييض الطوفان، وَجعله شَبِيها لآدَم، لِأَنَّهُ أنشأ ثَانِيًا جَمِيع الْبشر مِنْهُ، كَمَا أنشأهم أَولا من آدم عَلَيْهِ السَّلَام، فَلَا ولد لآدَم إِلَّا من نوح.
قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ {75} وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ {76} وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ {77} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ {78} } [الصافات: 75-78] .
{وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الْأَنْبِيَاء: 76] .
(1/66)

قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام
ثمَّ إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا دفع إِلَيْهِ من كسر الْأَصْنَام، وَمَا لحقه من قومه، من محاولة إحراقه، فَجعل الله تَعَالَى عَلَيْهِ النَّار بردا وَسلَامًا، وَقَالَ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الْأَنْبِيَاء: 51] ، ثمَّ اقْتصّ قصَّته، إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ {68} قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ {69} وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ {70} وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ {71} وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ {72} وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الْأَنْبِيَاء: 68-73] .
ثمَّ مَا كلفه الله تَعَالَى إِيَّاه، من مُفَارقَة وَطنه بِالشَّام، لما غارت عَلَيْهِ سارة، من أم وَلَده هَاجر، فَهَاجَرَ بهَا وبابنه مِنْهَا إِسْمَاعِيل الذَّبِيح عَلَيْهِمَا السَّلَام، فأسكنهما بواد غير ذِي زرع، نازحين عَنهُ، بعيدين مِنْهُ، حَتَّى أنبع الله تَعَالَى لَهما المَاء، وتابع عَلَيْهِمَا الآلاء، وَأحسن لإِبْرَاهِيم فيهمَا الصنع، والفائدة والنفع، وَجعل لإسماعيل النَّسْل وَالْعدَد، والنبوة وَالْملك، هَذَا بعد أَن كلف سُبْحَانَهُ إِبْرَاهِيم أَن يَجْعَل ابْنه إِسْمَاعِيل بسبيل الذّبْح، قَالَ الله تَعَالَى فِيمَا اقتصه من ذكره فِي { [الصافات:] فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ {101} فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ {102} فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ {103} وَنَادَيْنَاهُ
(1/67)

أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ {104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ {106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ {107} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ {108} سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ {109} } [سُورَة الصافات: 101-109] .
فَلَا بلَاء أعظم من بلَاء يشْهد الله تَعَالَى أَنه بلَاء مُبين، وَهُوَ تَكْلِيف الْإِنْسَان، أَن يَجْعَل بسبيل الذّبْح ابْنه، وتكليفه , وتكليف الْمَذْبُوح، أَن يؤمنا ويصبرا، ويسلما ويحتسبا، فَلَمَّا أديا مَا كلفا من ذَلِك، وَعلم الله عز وَجل مِنْهُمَا صدق الْإِيمَان، وَالصَّبْر وَالتَّسْلِيم والإذعان، فدى الابْن بِذبح عَظِيم وجازى الْأَب بِابْن آخر على صبره، وَرضَاهُ بِذبح ابْنه الَّذِي لم يكن غَيره، قَالَ الله عز وَجل: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112] ، إِلَى قَوْله: {لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 113] ، وخلصهما بصبرهما وتسليمهما من تِلْكَ الشدائد الهائلة.
وَقد ذهب قوم إِلَى أَن إِبْرَاهِيم إِنَّمَا كلف ذبح ابْنه فِي الْحَقِيقَة، لَا على مَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك أَن الَّذِي كلفه أَن يَجْعَل ابْنه بسبيل الذّبْح، لَا أَن يذبحه فِي الْحَقِيقَة، وَاسْتدلَّ الْحسن الْبَصْرِيّ على أَن إِسْمَاعِيل هُوَ الذَّبِيح، لَا إِسْحَاق، وَأَن الْمَأْمُور بِهِ كَانَ الذّبْح فِي الْحَقِيقَة، بقوله تَعَالَى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] ، فحصلت لإِبْرَاهِيم الْبُشْرَى، بِأَنَّهُ سيرزق إِسْحَاق، وَأَن إِسْحَاق سيرزق يَعْقُوب، وَلَا يجوز للنَّبِي أَن يشك فِي بِشَارَة الله تَعَالَى، فَلَو كَانَ إِسْحَاق هُوَ الذَّبِيح، مَا صَحَّ أَن يَأْمُرهُ بذَبْحه قبل خُرُوج يَعْقُوب من ظَهره، لِأَنَّهُ كَانَ إِذا أَمر بذلك، علم أَن الْبُشْرَى الأولة، تمنع من ذبح إِسْحَاق
(1/68)

قبل ولادَة يَعْقُوب، وَكَانَ لَا يَصح تَكْلِيفه ذبح من يعلم أَنه لَا يَمُوت أَو يخرج من ظَهره من لم يخرج بعد، وَمَتى وَقع التَّكْلِيف على هَذَا، لم يكن فِيهِ ثَوَاب، وَفِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 106] .
دَلِيل على عظم ثَوَاب إِبْرَاهِيم، وَصِحَّة الْأَمر بِالذبْحِ، يبين قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] ، أَي: استسلما لأمر الله، وهما لَا يشكان فِي وُقُوع الذّبْح على الْحَقِيقَة حَتَّى فدَاه الله تبَارك وَتَعَالَى، فَهَذَا دَلِيل على أَن الذَّبِيح غير إِسْحَاق، وَلم يكن لإِبْرَاهِيم ولد غير إِسْحَاق، إِلَّا إِسْمَاعِيل صلى الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.

قصَّة لوط عَلَيْهِ السَّلَام
وَمن هَذَا الْبَاب قصَّة لوط عَلَيْهِ السَّلَام، لما نهى قومه عَن الْفَاحِشَة، فعصوه، وكذبوه، وتضييفه الْمَلَائِكَة، فطالبوه فيهم بِمَا طالبوه، فَخسفَ الله بهم أَجْمَعِينَ، ونجى لوطا، وأثابه ثَوَاب الشَّاكِرِينَ، وَقد نطق بِهَذَا كَلَام الله الْعَظِيم فِي مَوَاضِع من الذّكر الْحَكِيم.
(1/69)

قصَّة يَعْقُوب ويوسف عَلَيْهِمَا السَّلَام
وَيَعْقُوب ويوسف عَلَيْهِمَا السَّلَام، فقد أفرد الله تَعَالَى بِذكر شانهما، وعظيم بلواهما وامتحانهما، { [محكمَة، بَين فِيهَا كَيفَ حسد إخْوَة يُوسُف، يُوسُف، على الْمَنَام الَّذِي بشره الله تَعَالَى فِيهِ بغاية الْإِكْرَام، حَتَّى طرحوه فِي الْجب، فخلصه الله تَعَالَى مِنْهُ، بِمن أدلى الدَّلْو، ثمَّ استعبد، فَألْقى الله تَعَالَى فِي قلب من صَار إِلَيْهِ إكرامه، واتخاذه ولدا، ثمَّ مراودة امْرَأَة الْعَزِيز إِيَّاه عَن نَفسه، وعصمة الله لَهُ مِنْهَا، وَكَيف جعل عاقبته بعد الْحَبْس، إِلَى ملك مصر، وَمَا لحق يَعْقُوب من الْعَمى لفرط الْبكاء، وَمَا لحق إخْوَة يُوسُف من التسرق، وَحبس أحدهم نَفسه، حَتَّى يَأْذَن لَهُ أَبوهُ، أَو يحكم الله لَهُ، وَكَيف أنفذ يُوسُف إِلَى أَبِيه قَمِيصه، فَرده الله بِهِ بَصيرًا، وَجمع بَينهم، وَجعل كل وَاحِد مِنْهُم بالباقين وبالنعمة مَسْرُورا.
(1/70)

قصَّة أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام
وَأَيوب عَلَيْهِ السَّلَام، وَمَا امتحن بِهِ من الأسقام وَعظم اللأواء، والدود والأدواء، وَجَاء الْقُرْآن بِذكرِهِ، ونطقت الْأَخْبَار بشرح أمره، قَالَ الله تَعَالَى:] وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ {83} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ {84} } [سُورَة الْأَنْبِيَاء: 83-84] .
1: 71 1 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ
(1/71)

أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " لَمَّا عَافَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ فَجَعَلَ يَأْخُذُهُ، وَيَجْعَلُهُ فِي ثَوْبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَيُّوبُ أَمَا تَشْبَعُ؟ قَالَ: وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ؟
(1/72)

قِصة يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام
وَيُونُس عَلَيْهِ السَّلَام، وَمَا اقْتصّ الله تَعَالَى من قصَّته فِي غير مَوضِع من كِتَابه، ذكر فِيهَا التقام الْحُوت لَهُ، وتسبيحه فِي بَطْنه، وَكَيف نجاه الله عز وَجل، فأعقبه بالرسالة والصنع.
قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {139} إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {140} فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ {141} فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ {142} فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ {143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ {144} فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ {145} وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ {146} وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ {147} } [الصافات: 139-147] .
قَالَ صَاحب الْكتاب: «أَو» هَا هُنَا ظَاهرهَا الشَّك، وَقد ذهب إِلَى ذَلِك قوم، وَهُوَ خطأ، لِأَن الشَّك، لَا يجوز على الله تَعَالَى، الْعَالم لنَفسِهِ، الْعَارِف بِكُل شَيْء قبل كَونه، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ الْوَجْه، أَنه قَالَ: أَو يزِيدُونَ، بل يزِيدُونَ، وَقَالَ: كَانَت الزِّيَادَة ثَلَاثِينَ ألفا، وَرُوِيَ عَن ابْن جُبَير ونوف الشَّامي أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَت الزِّيَادَة سبعين ألفا، فقد ثَبت أَن «أَو» هُنَا، بِمَعْنى «بل» وَقد ذهب إِلَى هَذَا، الْفراء، وَأَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ آخَرُونَ:
(1/73)

إِن «أَو» هَا هُنَا، بِمَعْنى «وَيزِيدُونَ» .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ {87} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ {88} } [الْأَنْبِيَاء: 87-88] ، قَالَ بعض الْمُفَسّرين: معنى {لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الْأَنْبِيَاء: 87] : «لن نضيِّق عَلَيْهِ» .
وَهَذَا مثله قَوْله: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطَّلَاق: 7] ، أَي: ضيق عَلَيْهِ، وَمثل قَوْله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39] .
وَقد جَاءَ «قدر» بِمَعْنى «ضيق» فِي الْقُرْآن، فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وَمن هَذَا قيل للْفرس الضّيق الخطو: فرس أقدر، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يهرب من الله تَعَالَى نَبِي من أنبيائه، والأنبياء لَا يكفرون.
وَمن ظن أَن الله تَعَالَى لَا يقدر عَلَيْهِ، أَي: لَا يُدْرِكهُ، أَو أَنه يعجز الله هربا، فقد كفر، والأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام، أعلم بِاللَّه سُبْحَانَهُ، من أَن يَظُنُّوا فِيهِ هَذَا الظَّن الَّذِي هُوَ كفر.
وَقد رُوِيَ أَن من أدام قِرَاءَة قَوْله عز وَجل: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الْأَنْبِيَاء: 87] الْآيَة إِلَى قَوْله: {الْمُؤْمِنِينَ} [الْأَنْبِيَاء: 88] ، فِي الصَّلَاة، وَغَيرهَا، فِي أَوْقَات شدائده، عجل الله لَهُ مِنْهَا فرجا ومخرجا.
وَأَنا أحد من واصلها فِي نكبة عَظِيمَة لحقتني، يطول شرحها وَذكرهَا عَن هَذَا الْموضع، وَكنت قد حسبت، وهددت بِالْقَتْلِ، فَفرج الله عني، وأطلقت فِي الْيَوْم التَّاسِع من يَوْم قبض عَليّ فِيهِ.
(1/74)

قصَّة مُوسَى بن عمرَان عَلَيْهِ السَّلَام
ومُوسَى بن عمرَان عَلَيْهِ السَّلَام، فقد نطق الْقُرْآن بِقِصَّتِهِ فِي غير مَوضِع، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ {7} فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ {8} وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ {9} وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ {10} وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ {11} وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ {12} فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ {13} } [الْقَصَص: 7-13] .
فَلَا شدَّة أعظم من أَن يبتلى النَّاس بِملك يذبح أَبْنَاءَهُم، حَتَّى أَلْقَت أم مُوسَى ابْنهَا فِي الْبَحْر مَعَ طفوليته، وَلَا أعظم من حُصُول طِفْل فِي الْبَحْر، فكشف الله , تبَارك اسْمه , ذَلِك عَنهُ، بالتقاط آل فِرْعَوْن لَهُ، وَمَا أَلْقَاهُ فِي قُلُوبهم من الرقة عَلَيْهِ، حَتَّى استحيوه، وَتَحْرِيم المراضع عَلَيْهِ حَتَّى ردُّوهُ إِلَى أمه، وكشف عَنْهَا الشدَّة من فِرَاقه، وَعنهُ الشدَّة فِي حُصُوله فِي الْبَحْر.
وَمعنى وَقَوله تَعَالَى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [الْقَصَص: 8] ، أَي: يصير عَاقِبَة أمره مَعَهم إِلَى
(1/75)

عَدَاوَة لَهُم، وَهَذِه لَام الْعَافِيَة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب ... وكلكم يصير إِلَى ذهَاب
وَقد علم أَن الْولادَة لَا يقْصد بهَا الْمَوْت، وَالْبناء لَا يقْصد بِهِ الخراب، وَإِنَّمَا عَافِيَة الْأَمر فيهمَا تصير إِلَى ذَلِك.
وعَلى الْوَجْه الأول، قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الْأَعْرَاف: 179] أَي: إِن عَاقِبَة أَمرهم، وفعلهم، واختيارهم لنفوسهم، يصيرهم إِلَى جَهَنَّم، فيصيرون لَهَا، لِأَن الله عز وَجل، لم يخلقهم ليقصد تعذيبهم بالنَّار فِي جَهَنَّم، عز الله عَن هَذَا الظُّلم.
وَجعل الله عَاقِبَة أَمر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، من تِلْكَ الشدائد، وشدائد بعْدهَا، إِذْ أرْسلهُ إِلَى فِرْعَوْن، لتخليص بني إِسْرَائِيل، وقصصه الَّتِي قبلهَا، وَحَدِيثه إِذْ خرج خَائفًا يترقب، فَهَذِهِ شدَّة أُخْرَى كشفها الله تَعَالَى عَنهُ من تِلْكَ الشدائد، وشدائد بعْدهَا نالته يَأْتِي ذكرهَا أَن بَعثه نَبيا , وأنقذ بِهِ بني إِسْرَائِيل من الشدائد الَّتِي كَانُوا فِيهَا مَعَ فِرْعَوْن، فَقَالَ عز وَجل، فِي تَمام هَذِه الْقِصَّة: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ {20} فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {21} } [الْقَصَص: 20-21] ، فَهَذِهِ شدَّة أُخْرَى كشفها الله عز وَجل.
قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ {22} وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ
(1/76)

امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ {23} فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ {24} } [الْقَصَص: 22-24] ، فَهَذِهِ شدَّة أُخْرَى، لحقته بالاغتراب، وَالْحَاجة إِلَى الِاضْطِرَاب فِي الْمَعيشَة والاكتساب، فوفق الله تَعَالَى لَهُ شعيبا، قَالَ الله عز وَجل، فِي تَمام هَذِه الْقِصَّة: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الْقَصَص: 25] .
ثمَّ أخبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْقِصَّة، كَيفَ زوجه شُعَيْب ابْنَته، بعد أَن اسْتَأْجرهُ ثَمَانِي حجج، وَأَنه خرج بأَهْله من عِنْد شُعَيْب، فَرَأى النَّار، فَمضى يقتبس مِنْهَا، فَكَلمهُ الله تَعَالَى، وَجعله نَبيا، وأرسله إِلَى فِرْعَوْن، فَسَأَلَهُ أَن يُرْسل مَعَه أَخَاهُ هَارُون، فَشد الله تَعَالَى عضده بِهِ، وَجعله نَبيا مَعَه، فَأَي فرج أحسن من فرج أَتَى رجلا خَائفًا، هَارِبا، فَقِيرا، قد أجر نَفسه ثَمَانِي حجج، بِالنُّبُوَّةِ وَالْملك؟ قَالَ الله تَعَالَى فِي { [الْأَعْرَاف:] وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [سُورَة الْأَعْرَاف: 127] ، فَهَذِهِ شدَّة لحقت بني إِسْرَائِيل، فكشفها الله عَنْهُم، قَالَ سُبْحَانَهُ: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ {128} قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي
(1/77)

الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ {129} } [الْأَعْرَاف: 128-129] .
وَقَالَ تَعَالَى، فِي تَمام هَذِه الْقِصَّة، فِي هَذِه ال { [، بعد آيَات:] وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [سُورَة الْأَعْرَاف: 137] ، فَأخْبر تَعَالَى عَن صنعه لَهُم، وفلقه الْبَحْر حَتَّى عبروه يبسا، وإغراقه فِرْعَوْن لما اتبعهم.
وكل هَذِه أَخْبَار عَن محن عَظِيمَة انجلت بمنح جليلة، لَا يُؤدى شكر الله عَلَيْهَا، وَيجب على الْعَاقِل تأملها، ليعرف كنه تفضل الله عز وَجل بكشف شدائده وإغاثته، بإصلاح كل فَاسد لمن تمسك بِطَاعَتِهِ، وأخلص فِي خَشيته، وَأصْلح من نِيَّته، فسلك هَذِه السَّبِيل، فَإِنَّهَا إِلَى النجَاة من المكاره، أوضح طَرِيق، وَهدى دَلِيل.

قصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود
وَذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فِي: وَالسَّمَاء ذَات البروج أَصْحَاب الْأُخْدُود، وروى قوم من أهل الْملَل الْمُخَالفَة لِلْإِسْلَامِ عَن كتبهمْ أَشْيَاء من ذَلِك، فَذكرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى: أَن أَصْحَاب الْأُخْدُود كَانُوا دعاة إِلَى الله، وَأَن ملك بلدهم، أضرم لَهُم نَارا، وطرحهم فِيهَا، فَاطلع الله تَعَالَى على صبرهم، وخلوص نياتهم فِي دينه وطاعته، فَأمر النَّار أَن لَا تحرقهم، فشوهدوا فِيهَا قعُودا، وَهِي تضطرم عَلَيْهِم، وَلَا تحرقهم، ونجوا مِنْهَا، وَجعل الله دَائِرَة السوء على الْملك، وأهلكه.
(1/78)

قصَّة دانيال عَلَيْهِ السَّلَام
وَذكر هَؤُلَاءِ الْقَوْم: أَن نَبيا، كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل بعد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِزَمَان طَوِيل، يُقَال لَهُ: دانيال، وَأَن قومه كذبوه، فَأَخذه ملكهم، فقذفه إِلَى أَسد مجوعة فِي جب، فَلَمَّا اطلع الله تَعَالَى على حسن اتكاله عَلَيْهِ، وَصَبره طلبا لما لَدَيْهِ، أمسك أَفْوَاه الْأسد عَنهُ، حَتَّى قَامَ على رءوسها برجليه، وَهِي مذللة، غير ضارة لَهُ، فَبعث الله تَعَالَى إرميا من الشَّام، حَتَّى تخلص دانيال من هَذِه الشدَّة، وَأهْلك من أَرَادَ إهلاك دانيال.
وعضدت روايتهم، أَشْيَاء رَوَاهَا أَصْحَاب الحَدِيث، مِنْهَا
مَا حدّثنَاهُ عَليّ بن أبي الطّيب الْحسن بن عَليّ بن مطرف الرامَهُرْمُزِي، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الدُّنْيَا الْقرشِي، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْأَعْلَى الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: إِن لم أكن سمعته
(1/79)

من شُعَيْب بن صَفْوَان، فحدثنا بعض أَصْحَابنَا عَنهُ، عَن الْأَجْلَح الْكِنْدِيّ، عَن عبد الله بن أبي الهديل قَالَ: ضرى بخت نصر أسدين، فألقاهما فِي جب، وجا بدانيال فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِمَا، فَلم يهيجاه، فَمَكثَ مَا شَاءَ الله، ثمَّ اشْتهى مَا يَشْتَهِي الآدميون، من الطَّعَام وَالشرَاب، فَأوحى الله إِلَى إرميا، وَهُوَ بِالشَّام، أَن أعد طَعَاما وَشَرَابًا لدانيال، فَقَالَ: يَا رب، أَنا بِالْأَرْضِ المقدسة، ودانيال بِأَرْض بابل من أَرض الْعرَاق، فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ أَن أعد مَا أمرناك بِهِ، فَإنَّا سنرسل إِلَيْك من يحملك، وَيحمل مَا أَعدَدْت فَفعل، فَأرْسل الله إِلَيْهِ من حمله، وَحمل مَا أعد، حَتَّى وقف على رَأس الْجب.
فَقَالَ دانيال: من هَذَا؟ قَالَ: أَنا إرميا.
قَالَ: مَا جَاءَ بك؟ قَالَ: أَرْسلنِي إِلَيْك رَبك.
قَالَ: وذكرني؟
(1/80)

قَالَ: نعم.
قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي لَا ينسى من ذكره، وَالْحَمْد لله الَّذِي لَا يخيب من رجاه , وَالْحَمْد لله الَّذِي من توكل عَلَيْهِ كَفاهُ، وَالْحَمْد لله الَّذِي من وثق بِهِ لم يكله إِلَى غَيره، وَالْحَمْد لله الَّذِي يَجْزِي بِالْإِحْسَانِ إحسانا، وبالسيئات غفرانا، وَالْحَمْد لله الَّذِي يَجْزِي بِالصبرِ نجاة، وَالْحَمْد لله الَّذِي يكْشف ضرنا، بعد كربنا، وَالْحَمْد لله الَّذِي هُوَ ثقتنا، حِين تسوء ظنوننا بأعمالنا، وَالْحَمْد لله الَّذِي هُوَ رجاءنا، حِين تَنْقَطِع الْحِيَل منا.
(1/81)

الشدائد الَّتِي جرت على نَبينَا مُحَمَّد صلوَات الله عَلَيْهِ
وَقد ذكر الله تَعَالَى فِي مُحكم كِتَابه، الشدَّة الَّتِي جرت على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى آله الأخيار، فِيمَا اقتصه من قصَّة الْغَار، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التَّوْبَة: 40] .
وروى أَصْحَاب الحَدِيث، مَا يطول إِعَادَته بألفاظه وَأَسَانِيده، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما خَافَ أَن يلْحقهُ الْمُشْركُونَ، حِين سَار عَن مَكَّة مُهَاجرا، دخل الْغَار هُوَ أَبُو بكر الصّديق، فاستخفى فِيهِ، فَأرْسل الله عنكبوتا فنسج فِي الْحَال على بَاب الْغَار، وحمامة عششت، وباضت، وفرخت للْوَقْت، فَلَمَّا انْتهى الْمُشْركُونَ إِلَى الْغَار، رَأَوْا ذَلِك، فَلم يشكوا أَنه غَار لم يدْخلهُ حَيَوَان مُنْذُ حِين، وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبا بكر، ليريان أَقْدَامهم، ويسمعان كَلَامهم، فَلَمَّا انصرفوا، وأبعدوا، وَجَاء اللَّيْل، خرجا، فسارا نَحْو الْمَدِينَة، فورداها سَالِمين.
وروى أَصْحَاب الحَدِيث أَيْضا، من شرح حَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،
(1/82)

فِي المحن الَّتِي لحقته من شقّ الفرث عَلَيْهِ، ومحاولة أبي جهل، وَشَيْبَة وَعتبَة ابْني ربيعَة، وَأبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب وَالْعَاص بن وَائِل، وَعقبَة بن أبي
(1/83)

معيط، وَغَيرهم، قَتله، وَمَا كَانُوا يكاشفونه بِهِ، من السب والتكذيب، والاستهزاء والفدع والتأنيب، ورميهم إِيَّاه بالجنون، وقصدهم إِيَّاه غير دفْعَة بأنواع الْأَذَى والعضيهة والافتراء، وحصرهم إِيَّاه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَجَمِيع بني هَاشم فِي الشّعب، وتخويفهم إِيَّاه، وتدبيرهم أَن يقتلوه، حَتَّى بعد، وَبَيت عليا عَلَيْهِ السَّلَام على فرَاشه، مَا يطول اقتصاصه، وَيكثر شَرحه، ثمَّ أعقبه الله تَعَالَى من ذَلِك بالنصر والتمكين، وإعزاز الدَّين، وإظهاره على كل دين، وقمع الجاحدين وَالْمُشْرِكين، وَقتل أُولَئِكَ الْكَفَرَة المارقين والمعاندين، وَغَيرهم من المكذبين الْكَاذِبين، الَّذين كَانُوا عَن الْحق ناكثين،
(1/84)

وبالدين مستهزئين، وَلِلْمُؤْمنِينَ مناصبين متوعدين، وَلِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مكاشفين محاربين، وأذل من بَقِي مِنْهُم بعز الْإِسْلَام بعد أَن عاذ بإظهاره، وأضمر الْكفْر فِي إسراره، فَصَارَ من الْمُنَافِقين الملعونين، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.
(1/85)

أَخْبَار جَاءَت فِي آيَات الْقُرْآن
وَهِي تجْرِي فِي هَذَا الْبَاب وتنضاف إِلَيْهِ
1: 86 2 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ الشُّعَيْثِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ
(1/86)

حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطَّلَاق: 2-3] ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُمْ
1: 87 3 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ بَنِي فُلانٍ أَغَارُوا عَلَيَّ، فَذَهَبُوا بِإِبِلِي وَابْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ آلَ مُحَمَّدٍ، لكَذَا وَكَذَا أَهل، مَا فِيهِمْ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ، فَسَلِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.
(1/87)

فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهَا.
فَقَالَتْ: نِعْمَ مَا رَدَّكَ إِلَيْهِ.
فَمَا لَبِثَ أَنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ إِبِلَهُ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ.
فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِمَسْأَلَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَالرَّغْبَةِ فِيهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطَّلَاق: 2-3] .
1: 88 4 - وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَرَسِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي
(1/88)

شَأْنٍ} [الرَّحْمَن: 29] ، قَالَ: سُئِلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيَرْفَعُ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ» .
أَخبرني مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر الْكَاتِب، قَالَ: أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، أَبُو عمر، قَالَ: حَدثنَا بشر بن مُوسَى الْأَسدي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر الْأَسدي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم، قَالَ: سَمِعت سعيد بن عَنْبَسَة يَقُول: بَيْنَمَا رجل جَالس وَهُوَ يعبث بالحصى ويحذف بهَا، إِذْ رجعت حَصَاة مِنْهَا فَصَارَت فِي أُذُنه، فجهد بِكُل حِيلَة، فَلم يقدر على إخْرَاجهَا، فَبَقيت الْحَصَاة فِي أُذُنه دهرا تؤلمه، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم جَالس، إِذْ سمع قَارِئًا يقْرَأ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النَّمْل: 62] . . . . . الْآيَة
(1/89)

، فَقَالَ الرجل: يَا رب أَنْت الْمُجيب، وَأَنا الْمُضْطَر، فاكشف ضرّ مَا أَنا فِيهِ، فَنزلت الْحَصَاة من أُذُنه.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقد لقِيت أَنا أَبَا عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَعْرُوف بِغُلَام ثَعْلَب، وبالزاهد، وحملت عَنهُ، وَأَجَازَ لي جَمِيع مَا يَصح عِنْدِي من رواياته، وَلم أسمع هَذَا الْخَبَر مِنْهُ، إِلَّا أَنه قد دخل فِي الْإِجَازَة
حَدثنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن خِدَاش، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه زيد , عَن أَبِيه أسلم: أَن أَبَا عُبَيْدَة حصر، فَكتب إِلَيْهِ عمر: مهما نزل بامرئ من شدَّة، يَجْعَل لَهُ الله بعْدهَا فرجا، وَلنْ يغلب عسر يسرين، فَإِنَّهُ يَقُول: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمرَان: 200]
1: 90 5 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ:
(1/90)

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ: أَنَّ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَلا أَعْلَمُ إِلا أَنَّ أَنَسًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالظُّلُمَاتِ، حِينَ نَادَاهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، {لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الْأَنْبِيَاء: 87] ، فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ تَحُفُّ بِالْعَرْشِ.
فَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتُ ضَعِيفٍ مَكْرُوبٍ، مِنْ بِلادِ غُرْبَةٍ.
فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ذَاكَ عَبْدِي يُونُسُ، الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ، وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ.
قَالُوا: يَا رَبِّ، أَفَلا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ، فَتُنَجِّيهِ مِنَ الْبَلاءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بِالْعَرَاءِ.
قَالَ أَبُو صَخْرٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدِ بْنُ قُسَيْطٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُ بِهَذَا
(1/91)

الْحَدِيثِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: طُرِحَ بِالْعَرَاءِ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْيَقْطِينَةَ.
قُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَا الْيَقْطِينَةُ؟ قَالَ: شَجَرَةُ الدُّبَّاءِ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَيَّأَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَرْوِيَةً وَحْشِيَّةً تَأْكُلُ مِنْ حَشِيشِ الأَرْضِ، فَتَجِيءُ، فَتَفْشِجُ لَهُ، وَتَرْوِيهِ مِنْ لَبَنِهَا كُلَّ عَشِيَّةٍ بُكْرَةً، حَتَّى نَبَتَ، يَعْنِي لَحْمَهُ.
وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، قَبْلَ الإِسْلامِ، فِي ذَلِكَ، بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ:
فَأَنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ ... مِنَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ أُلْفِيَ ضَاحِيًا
1: 92 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ
(1/92)

إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ: لَمَّا ابْتَلَعَ الْحُوتُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَهْوَى بِهِ إِلَى قَرَارِ الأَرْضِ، فَسَمِعَ يُونُسُ تَسْبِيحَ الْحَصَى فِي الظُّلُمَاتِ، ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ، بَطْنِ الْحُوتِ، وَظُلُمَاتِ اللَّيْلِ وَظُلْمَةِ الْبَحْرِ، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ {أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الْأَنْبِيَاء: 87] ، {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] ، قَالَ: كَهَيْأَةِ الْفَرْخِ الْمَمْعُوطِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ رِيشٌ
(1/93)

أَبو الْحسن بن أبي اللَّيْث الْكَاتِب يُطلق من حَبسه على إِثْر دُعَاء دَعَا بِهِ
حَدثنِي فَتى من الْكتاب البغدادين، يعرف بِأبي الْحسن بن أبي اللَّيْث، وَكَانَ أَبوهُ من كتاب الجيل، ويتصرف مَعَ لشكرورز بن سهلان الديلمي، أحد الْأُمَرَاء، كَانَ فِي عَسْكَر معز الدولة، قَالَ:
(1/94)

قَرَأت فِي بعض الْكتب، إِذا دهمك أَمر تخافه، فَبت وَأَنت طَاهِر، على فرَاش طَاهِر، وَثيَاب كلهَا طَاهِرَة، واقرأ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، إِلَى آخر ال { [، سبعا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى إِلَى آخر السُّورَة، سبعا، ثمَّ قل: اللَّهُمَّ اجْعَل لي فرجا ومخرجا من أَمْرِي، فَإِنَّهُ يَأْتِيك فِي اللَّيْلَة الأولة أَو الثَّانِيَة، وَإِلَى السَّابِعَة، آتٍ فِي مَنَامك، يَقُول لَك: الْمخْرج مِنْهُ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فحبست بعد هَذَا بسنين، حبسة طَالَتْ حَتَّى أَيِست من الْفرج، فَذَكرته يَوْمًا وَأَنا فِي الْحَبْس، فَفعلت ذَلِك، فَلم أر فِي اللَّيْل الأولة، وَلَا الثَّانِيَة، وَلَا الثَّالِث شَيْئا، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الرَّابِعَة، فعلت ذَلِك على الرَّسْم، فَرَأَيْت فِي مَنَامِي، كَأَن رجلا يَقُول لي: خلاصك على يَد عَليّ بن إِبْرَاهِيم.
فَأَصْبَحت من غَد مُتَعَجِّبا، وَلم أكن أعرف رجلا يُقَال لَهُ عَليّ بن إِبْرَاهِيم، فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْمَيْنِ، دخل إِلَيّ شَاب لَا أعرفهُ، فَقَالَ لي: قد كفلت بِمَا عَلَيْك، فَقُمْ، وَإِذا مَعَه رَسُول إِلَى السجان بتسليمي إِلَيْهِ، فَقُمْت مَعَه، فَحَمَلَنِي إِلَى منزلي، وسلمني فِيهِ، وَانْصَرف.
فَقلت لَهُم: من هَذَا؟ فَقَالُوا: رجل بزاز من أهل الأهواز، يُقَال لَهُ عَليّ بن إِبْرَاهِيم، يكون
(1/95)

فِي الكرخ، قيل لنا إِنَّه صديق الَّذِي حَبسك، فطرحنا أَنْفُسنَا عَلَيْهِ، فتوسط أَمرك، وَضمن مَا عَلَيْك، وأخرجك.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: فَلَمَّا كَانَ بعد سِنِين، جَاءَنِي عَليّ بن إِبْرَاهِيم هَذَا، وَهُوَ معاملي فِي الْبَز، مُنْذُ سِنِين كَثِيرَة، فذاكرته بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ: نعم، كَانَ هَذَا الْفَتى قد حَسبه عَبدُوس بن أُخْت أبي عَليّ الْحسن بن إِبْرَاهِيم النَّصْرَانِي، خَازِن معز الدولة، وطالبه بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم، كَانَت عَلَيْهِ من ضَمَانه، وَكَانَ عَبدُوس لي صديقا، فَجَاءَنِي من سَأَلَني خطابه فِي أَمر هَذَا الرجل، وَجرى الْأَمر على مَا عرفتك.
(1/96)

اللَّهُمَّ اجْعَل لي من أَمْرِي فرجا ومخرجا
وَمَا أعجب هَذَا الْخَبَر، فَإِنِّي قد وجدته فِي عدَّة كتب، بأسانيد، وَبِغير أَسَانِيد، على اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ، وَالْمعْنَى قريب، وَأَنا أذكر أَصَحهَا عِنْدِي: وجدت فِي كتاب مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ، الَّذِي سَمَّاهُ: (كتاب الْآدَاب الحميدة والأخلاق النفسية) ، حَدثنِي مُحَمَّد بن عمَارَة الْأَسدي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يزِيد، قَالَ: أَنبأَنَا أنيس بن عمرَان النافعي أَبُو زيد، عَن روح بن الْحَارِث بن حبش الصَّنْعَانِيّ، عَن أَبِيه، عَن جده، أَنه قَالَ لِبَنِيهِ: يَا بني، إِذا دهمكم أَمر، أَو كربكم، فَلَا يبيتن أحد مِنْكُم، إِلَّا وَهُوَ طَاهِر، على فرَاش طَاهِر، فِي لِحَاف طَاهِر، وَلَا تبيتن مَعَه امْرَأَة، ثمَّ ليقْرَأ: وَالشَّمْس وَضُحَاهَا، سبعا، وَاللَّيْل إِذا يغشي، سبعا، ثمَّ ليقل: اللَّهُمَّ اجْعَل لي من أَمْرِي فرجا ومخرجا، فَإِنَّهُ يَأْتِيهِ آتٍ فِي أول لَيْلَة، أَو فِي الثَّالِثَة، أَو فِي الْخَامِسَة، وَأَظنهُ قَالَ: أَو فِي السَّابِعَة، فَيَقُول لَهُ: الْمخْرج مِمَّا أَنْت فِيهِ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ أنيس: فَأَصَابَنِي وجع لم أدر كَيفَ أزيله، فَفعلت أول لَيْلَة هَكَذَا، فَأَتَانِي اثْنَان فَجَلَسَ أَحدهمَا عِنْد رَأْسِي، وَالْآخر عِنْد رجْلي، ثمَّ قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: جسه، فلمس جَسَدِي كُله، فَلَمَّا انْتهى إِلَى مَوضِع من رَأْسِي،
(1/97)

قَالَ: احجم هَاهُنَا، وَلَا تحلق، وَلَكِن اطله بغرا، ثمَّ الْتفت إِلَى أَحدهمَا، أَو كِلَاهُمَا، فَقَالَا لي: كَيفَ لَو ضممت إِلَيْهِمَا وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.
قَالَ: فَلَمَّا أَصبَحت سَأَلت أَي شَيْء الغرا؟ فَقيل لي: الخطمي، أَو شَيْء تسْتَمْسك بِهِ المحجمة، فاحتجمت، فبرئت، وَأَنا لَيْسَ أحدث بِهَذَا الحَدِيث أحدا، إِلَّا وجد فِيهِ الشِّفَاء بِإِذن الله تَعَالَى، وأضم إِلَيْهَا التِّين وَالزَّيْتُون.
(1/98)

من يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه
وَوجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي عبد الْوَاحِد بن نصر، عَن أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْعَبَّاس، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سَاعِدَة بن أبي الْوَلِيد بن أَحْمد بن أبي دؤاد، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن رَبَاح، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبد الله أَحْمد بن أبي دؤاد، قَالَ: حَدثنَا الواثق، قَالَ: حَدثنَا المعتصم:
(1/99)

أَن قوما ركبُوا الْبَحْر، فَسَمِعُوا هاتفا يَهْتِف بهم، من يعطيني عشرَة آلَاف دِينَار حَتَّى أعلمهُ كلمة، إِذا أَصَابَهُ غم، أَو أشرف على هَلَاك، فَقَالَهَا، انْكَشَفَ ذَلِك عَنهُ.
فَقَامَ رجل من أهل الْمركب، مَعَه عشرَة آلَاف دِينَار، فصاح: أَيهَا الْهَاتِف أَنا أُعْطِيك عشرَة آلَاف ينار، وَعَلمنِي.
فَقَالَ: ارْمِ بِالْمَالِ فِي الْبَحْر، فَرمى بِهِ، وَهُوَ بدرتان فيهمَا عشرَة آلَاف دِينَار.
فَسمع الْهَاتِف يَقُول: إِذا أَصَابَك غم، أَو أشرفت على هلكة، فاقرأ:] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا {3} } [سُورَة الطَّلَاق: 2-3] .
فَقَالَ جَمِيع من فِي الْمركب للرجل: لقد ضيعت مَالك.
فَقَالَ: كلا، إِن هَذِه لعظة مَا أَشك فِي نَفعهَا.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، كسر بهم الْمركب، فَلم ينج مِنْهُم أحد غير ذَلِك الرجل، فَإِنَّهُ وَقع على لوح.
فَحدث بعد ذَلِك، قَالَ: طرحني الْبَحْر على جَزِيرَة، فَصَعدت أَمْشِي فِيهَا، فَإِذا بقصر منيف، فدخلته، فَإِذا فِيهِ كل مَا يكون فِي الْبَحْر من الْجَوَاهِر وَغَيرهَا، وَإِذا بِامْرَأَة لم أر قطّ أحسن مِنْهَا.
فَقلت لَهَا: من أَنْت وَأي شَيْء تعملين هَاهُنَا؟ قَالَت: أَنا بنت فلَان بن فلَان التَّاجِر بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ أبي عَظِيم التِّجَارَة، وَكَانَ لَا يصبر عني، فسافر بِي مَعَه فِي الْبَحْر، فانكسر مركبنا، فاختطفت، حَتَّى حصلت فِي هَذِه الجزيرة، فَخرج إِلَى شَيْطَان من الْبَحْر، يتلاعب بِي سَبْعَة أَيَّام، من غير أَن يطأني، إِلَّا أَنه يلامسني، وَيُؤْذِينِي، ويتلاعب بِي
(1/100)

ثمَّ ينظر إِلَيّ، ثمَّ ينزل إِلَيّ الْبَحْر سَبْعَة أَيَّام، وَهَذَا يَوْم موافاته، فَاتق الله فِي نَفسك واخرج قبل موافاته، وَإِلَّا أَتَى عَلَيْك.
فَمَا انْقَضى كَلَامهَا حَتَّى رَأَيْت ظلمَة هائلة، فَقَالَت: قد وَالله جَاءَ، وسيهلكك.
فَلَمَّا قرب مني، وَكَاد يَغْشَانِي، قَرَأت الْآيَة، فَإِذا هُوَ قد خر كقطعة جبل، إِلَّا أَنه رماد محترق.
فَقَالَت الْمَرْأَة: هلك وَالله، وكفيت أمره، من أَنْت يَا هَذَا الَّذِي منَّ الله عَليّ بك؟ فمت أَنا وَهِي، فانتخبنا ذَلِك الْجَوْهَر، حَتَّى حملنَا كل مَا فِيهِ من نَفِيس وفاخر، ولزمنا السَّاحِل نهارنا أجمع، فَإِذا كَانَ اللَّيْل، رَجعْنَا إِلَى الْقصر.
قَالَ: وَكَانَ فِيهِ مَا يُؤْكَل، فَقلت لَهَا: من أَيْن لَك هَذَا؟ فَقَالَت: وجدته هَا هُنَا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام رَأينَا مركبا بعيد، فلوحنا إِلَيْهِ، فَدخل، فحملنا، فسلمنا الله تَعَالَى إِلَى الْبَصْرَة، فوصفت لي منزل أَهلهَا، فأتيتهم.
فَقَالُوا: من هَذَا؟ فَقلت: رَسُول فُلَانَة بنت فلَان.
فارتفعت الواعية، وَقَالُوا: يَا هَذَا لقد جددت علينا مصابنا.
فَقلت: اخْرُجُوا، فَخَرجُوا.
فَأَخَذتهم حَتَّى جِئْت بهم إِلَى ابنتهم، فكادوا يموتون فَرحا، وسألوها عَن خَبَرهَا، فقصته عَلَيْهِم.
وسألتهم أَن يزوجوني بهَا، فَفَعَلُوا، وحصلنا ذَلِك الْجَوْهَر رَأس مَال بيني وَبَينهَا.
وَأَنا الْيَوْم أيسر أهل الْبَصْرَة، وَهَؤُلَاء أَوْلَادِي مِنْهَا.
(1/101)

المعلي بن أَيُّوب الْكَاتِب يتَخَلَّص من الْفضل ابْن مَرْوَان بِدُعَاء دَعَا بِهِ
وَذكر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، فِي كِتَابه، كتاب الوزراء، أَن المعلي بن عبد الله بن الْمُعَلَّى بن أَيُّوب، حَدثهُ عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ لي المعلي بن أَيُّوب: أَعْنَتَنِي الْفضل بن مَرْوَان، وَنحن فِي بعض الْأَسْفَار وطالبني بِعَمَل طَوِيل
(1/102)

يعْمل فِي مُدَّة بعيدَة، واقتضانيه فِي كل يَوْم مرَارًا، إِلَى أَن أَمرنِي عَن المعتصم بِاللَّه أَن لَا أَبْرَح إِلَّا بعد الْفَرَاغ مِنْهُ.
فَقَعَدت فِي ثِيَابِي، وَجَاء اللَّيْل، فَجعلت بَين يَدي نفاطة، وَطرح غلماني
(1/103)

أنفسهم حَولي، وَورد عَليّ هم عَظِيم، لأنني قلت: مَا تجاسر على أَن يُوكل بِي إِلَّا وَقد وقف على سوء رَأْي فِي من المعتصم.
فَإِنِّي لجالس، وذقني عَليّ يَدي، وَقد مضى اللَّيْل، وَأَنا متفكر، فحملتني عَيْنَايَ، فَرَأَيْت كَأَن شخصا قد مثل بَين يَدي، وَهُوَ يَقُول: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {63} قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} [الْأَنْعَام: 63-64] .
ثمَّ انْتَبَهت، فَإِذا أَنا بمشعل قد أقبل من بعيد، فَلَمَّا قرب مني كَانَ وَرَاءه مُحَمَّد بن حَمَّاد دنقش صَاحب الحرس، وَقد أنكر نفاطتي، فجَاء يعرف
(1/104)

سَببهَا، فَأَخْبَرته خبري.
فَمضى إِلَى المعتصم، فَأخْبرهُ، فَإِذا الرُّسُل يطلبوني، فَدخلت إِلَيْهِ، وَهُوَ قَاعد، وَلم يبْق بَين يَدَيْهِ من الشع إِلَّا أَسْفَله.
فَقَالَ لي: مَا خبرك؟ فشرحته لَهُ.
فَقَالَ: ويلي على النبطي، يمتهنك، وَأي يَد لَهُ عَلَيْك، أَنْت كاتبي، كَمَا هُوَ كاتبي، انْصَرف.
فَلَمَّا وليت، ردني، واستدناني، ثمَّ قَالَ لي: تمْضِي مديدة، ثمَّ ترى فِيهِ مَا تحب.
قَالَ: فَانْصَرَفت، وبكرت إِلَى الْفضل على عادتي، لم أنكر شَيْئا.
(1/105)

ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل
وحَدثني أَبُو الْفضل مُحَمَّد عبد الله بن الْمَرْزُبَان الشِّيرَازِيّ الْكَاتِب، فِي المذاكرة، فِي خبر طَوِيل، لست أقوم على حفظه: أَن رجلا كَانَت بَينه وَبَين رجل مُتَمَكن من أَذَاهُ عَدَاوَة، فخافه خوفًا شَدِيدا، وأهمه أمره، وَلم يدر مَا يصنع.
فَرَأى فِي مَنَامه، كَانَ قَائِلا يَقُول لَهُ: اقْرَأ فِي كل يَوْم، فِي إِحْدَى رَكْعَتي صَلَاة الْفجْر، ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل إِلَى آخر السُّورَة.
قَالَ: فقرأتها، فَمَا مَضَت إِلَّا شهور، حَتَّى كفيت أَمر ذَلِك الْعَدو، وأهلكه الله تَعَالَى، فَأَنا أقرؤها إِلَى الْآن.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: دفعت أَنا إِلَى شدَّة لحقتني شَدِيدَة، من عَدو، فاستترت مِنْهُ، فَجعلت دأبي قِرَاءَة هَذِه السُّورَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة من صَلَاة الْفجْر، فِي كل يَوْم، وَأَنا أَقرَأ فِي الأولة مِنْهَا: ألم نشرح لَك صدرك إِلَى آخر السُّورَة، لخَبر كَانَ بَلغنِي أَيْضا فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ بعد شهور، كفاني الله أَمر ذَلِك الْعَدو، وأهلكه الله من غير سعي لي فِي ذَلِك، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَأَنا أقرؤها فِي رَكْعَتي الْفجْر إِلَى الْآن.
(1/106)

إِذا ضَاقَ بك الصَّدْر ففكر فِي ألم نشرح
وَأما الْخَبَر فِي: ألم نشرح لَك صدرك، فَإِن أَبَا بكر بن شُجَاع، الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ، الَّذِي كَانَ يخلفني على الْعيار فِي دَار الضَّرْب بسوق الأهواز، فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة، وَكَانَ خَازِن الْمَسْجِد الْجَامِع بهَا، وَكَانَ شَيخا مُحدثا ثِقَة نبيلا، من أُمَنَاء القَاضِي الْأَحْنَف، وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي الشَّوَارِب، حَدثنَا بِإِسْنَاد لَهُ ذكره، لم أحفظه، وَلَا الْمَتْن بِلَفْظِهِ، وَبعد عَن يَدي إِخْرَاجه من الأَصْل، وَقد تحريت مقاربة اللَّفْظ بجهدي، وَلَعَلَّه يزِيد أَو ينقص: أَن بعض الصَّالِحين، ألح عَلَيْهِ الْغم، وضيق الصَّدْر، وَتعذر الْأُمُور، حَتَّى كَاد يقنط، فَكَانَ يَوْمًا يمشي، وَهُوَ يَقُول:
أرى الْمَوْت لمن أَمْسَى ... على الذل لَهُ أصلح
فَهَتَفَ بِهِ هَاتِف، يسمع صَوته، وَلَا يرى شخصه، أَو أرِي فِي النّوم، أَنا الشاك، كَأَن قَائِلا يَقُول:
أَلا يأيها الْمَرْء ... الَّذِي الْهم بِهِ برح
إِذا ضَاقَ بك الْأَمر ... ففكر فِي ألم نشرح
(1/107)

قَالَ: فواصلت قرَاءَتهَا فِي صَلَاتي، فشرح الله صَدْرِي، وأزال همي وكربي، وَسَهل أَمْرِي، أَو كَمَا قَالَ: وحَدثني غَيره بِهَذِهِ الْخَبَر، على قريب من هَذَا، وَزَادَنِي فِي الشّعْر:
فَإِن الْعسر مقرون ... بيسرين فَلَا تَبْرَح
وَقد ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، فِي كِتَابه: (كتاب الْفرج بعد الشدَّة) الْبَيْتَيْنِ المتصلين فَقَط، وَقَالَ فِي الآخر مِنْهُمَا: إِذا أعضلك الْأَمر، وَلم يذكر لَهما خَبرا، ويروى أَيْضا: إِذا لج بك الْأَمر.
وروى غَيره الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين لأبي الْعَتَاهِيَة، فِي غير حَدِيث لَهُ.
(1/108)

الْبَاب الثَّانِي
مَا جَاءَ فِي الْآثَار من ذكر الْفرج بعد اللأواء وَمَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى كشف نَازل الشدَّة وَالْبَلَاء
أفضل الْعِبَادَة انْتِظَار الْفرج من الله تَعَالَى
1: 109 7 - أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَهْمِ التَّنُوخِيُّ، أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصِّلْحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ.
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ،
(1/109)

قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَلُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى» .
1: 110 8 - أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ الأَنْطَاكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «انْتِظَارُ الْفَرَجِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَةٌ» .
1: 110 9 - أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ
(1/110)

بْنُ حَسَنٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْمَكِّيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْتِظَارُ الْفَرَجِ عِبَادَةٌ»
1: 111 10 - حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَامِرٍ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي انْتِظَارُ الْفَرَجِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»
1: 111 11 - أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الأَعْرَجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ
(1/111)

سَعْدَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَالْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»
(1/112)

اشتدي أزمة تنفرجي
1: 113 12 - أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبَشِّرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي
حَدثنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن الْجَعْد، قَالَ: أَخْبرنِي شُعْبَة، عَن عَمْرو بن مرّة،
(1/113)

قَالَ: سَمِعت أَبَا وَائِل يحدث عَن كرْدُوس بن عَمْرو، وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ الْكتب: إِن الله عز وَجل يَبْتَلِي العَبْد وَهُوَ يُحِبهُ، ليسمع تضرعه
(1/114)

22

النَّصْر مَعَ الصَّبْر والفرج مَعَ الكرب
1: 115 13 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهْرَةُ بْنُ عَمْرٍو التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: «أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَنْتَفِعُ بِهِنَّ؟» قَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
(1/115)

" احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، فَإِذَا سَأَلْتَ، فَسَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ جَهَدَ الْعِبَادُ أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالصِّدْقِ وَالْيَقِينِ، فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ، خَيْرًا كَثِيرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
(1/116)

المعونة على قدر المئونة
1: 117 14 - أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الضَّيْفِ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ فِرَاسِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْمَعُونَةَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَأْتِي الْعَبْدَ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ، وَإِنَّ الصَّبْرَ يَأْتِي عَلَى قَدْرِ شِدَّةِ الْبَلاءِ.
وَرُبَّمَا قَالَ: إِنَّ الْفَرَجَ يَأْتِي مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى قَدْرِ شِدَّةِ الْبَلاءِ
(1/117)

من كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته
1: 118 15 - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ وَهْبُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَازِنِيُّ، لَفْظًا مِنْ حِفْظِهِ، فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ، بِبَنِي سَدُوسٍ الْبَاطِنَةِ، بِحَضْرَةِ قَبْرِ مُجَاشِعٍ وَمُجَالِدٍ السُّلَمِيِّ، صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْقُرْبِ مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ،
(1/118)

قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ فَكَّ عَنْ مَكْرُوبٍ، فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةٍ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ
(1/119)

إِن الله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه
1: 120 16 - أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الْخَوْلانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ.
وَأَنْبَأَنَا نَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَكِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
قَالَ أَبِي: وَأَنْبَأَنَا ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ:
(1/120)

حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، وَأَبِي سَوْرَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَتَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَادَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»
1: 121 17 - أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُغِيثٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَقِيلُ عَنْ ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ
(1/121)

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، جَاءَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، فِي كِتَابِ السُّنَنِ، الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ عَنْهُ، مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ، بِاخْتِلافٍ فِي اللَّفْظِ، وَلَيْسَ غَرَضِي جَمْعُ طُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ، فَآتِي بِهَا مُسْتَقْصَاةً
(1/122)

من أَكثر الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل هم فرجا
1: 123 18 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ النَّطَّاحُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ زِيَادٍ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَكْثَرَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
1: 123 19 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ:
(1/123)

حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ الْحَارِثِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَوْلُ لَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، دَوَاءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءً، أَيْسَرُهَا الْهَمُّ»
أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: أخبرنَا وَكِيع، أَن الْقَاسِم بن إِسْمَاعِيل أَبَا الْمُنْذر السورمي حَدثهُ، قَالَ: حَدثنَا نصر بن زِيَاد، قَالَ: كنت عِنْد جَعْفَر بن مُحَمَّد، فَأَتَاهُ سُفْيَان بن سعيد الثَّوْريّ، فَقَالَ: يَابْنَ رَسُول الله، حَدثنِي، قَالَ: يَا سُفْيَان، إِذا اسْتَبْطَأَتْ الرزق، فَأكْثر من الاسْتِغْفَار، وَإِذا ورد عَلَيْك أَمر تكرههُ، فَأكْثر من لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَإِذا أنعم الله عَلَيْك، فَأكْثر من الْحَمد لله 27
(1/124)

قصَّة الثَّلَاثَة انطبقت عَلَيْهِم صَخْرَة ونجتهم أَعْمَالهم
1: 125 20 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ صَالِحٍ الصَّالِحِيُّ أَبُو الْفَرَجِ، مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، صَاحِبِ الْمُصَلَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَهْمِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ طلابٍ الْمَشْغَرَائِيُّ، مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى غَوْطَةِ دِمَشْقَ يُقَالُ لَهَا: مَشْغَرَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " بَيْنَمَا ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَسِيرُونَ، إِذْ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى
(1/125)

غَارٍ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَسَدَّتِ الْغَارَ، فَقَالُوا: تَعَالَوْا فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا بِأَفْضَلِ عَمَلِهِ.
فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ جَمِيلَةٌ، وَكُنْتُ أَهْوَاهَا، فَدَفَعْتُ إِلَيْهَا مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَمَّا جَلَسْتُ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ الْمَرْأَةِ، قَالَتِ: اتَّقِ اللَّهَ يَابْنَ عَمِّ، وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ.
فَقُمْتُ عَنْهَا، وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ، أَنِّي فَعَلْتُ هَذَا خَشْيَةً مِنْكَ، وَابْتِغَاءَ مَا عِنْدَكَ، فَأَفْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ عَنْهُمْ ثُلُثُ الصَّخْرَةِ.
وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، كُنْتُ أَغْدُو عَلَيْهِمَا بِصبُوحِهِمَا، وَأَرُوحُ عَلَيْهِمَا بِغبُوقِهِمَا، فَغَدَوْتُ عَلَيْهِمَا يَوْمًا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَنْصَرِفَ عَنْهُمَا، فَيَفْقِدَا غَدَاءَهُمَا، فَوَقَفْتُ حَتَّى اسْتَيْقَظَا، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِمَا غَدَاءَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَكَ، وَخَشْيَةً مِنْكَ، فَأَفْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ الثُّلُثُ الثَّانِي.
وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ، أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا، فَلَمَّا دَفَعْتُ إِلَيْهِ أَجْرَهُ، قَالَ: عَمَلِي بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَتَرَكَ عَلَيَّ أَجْرَهُ، وَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمٌ يُؤْخَذُ فِيهِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، وَمَضَى، فَابْتَعْتُ لَهُ بِأَجْرِهِ غَنَمًا، وَلَمْ أَزَلْ أُنَمِّيهَا وَأَرْعَاهَا، وَهِيَ تَزِيدُ وَتَكْثُرُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ، أَتَانِي، فَقَالَ لِي: يَا هَذَا إِنَّ لِي عِنْدَكَ أَجْرًا، عَمِلْتُ كَذَا وَكَذَا فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ: خُذْ هَذِهِ الْغَنَمَ، فَهِيَ لَكَ، فَقَالَ: تَمْنَعُنِي مِنْ أَجْرِي، وَتَهْزَأُ بِي، فَقُلْتُ: خُذْهَا فَهِيَ لَكَ، فَأَخَذَهَا وَدَعَا لِي، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ هَذَا خَشْيَةً
(1/126)

مِنْكَ، وَابْتِغَاءَ مَا عِنْدَكَ، فَأَفْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ عَنْهُمْ بَاقِي الصَّخْرَةِ، وَخَرَجُوا يَمْشُونَ، وَذُكِرَ الْحَدِيثُ كَذَا، قَالَ مُؤَلِّفُ هَذَا الْكِتَابِ: هَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ، رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الأَنْصَارِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِدَّةُ طُرُقٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي أَلْفَاظِهِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَلَيْسَ غَرَضِي هُنَا، جَمْعُ طُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ، فَأَسْتَقْصِي مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ.
إِلا أَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، غَلَطًا لَا بُدَّ مِنْ تَبْيِينِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَجَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَبْيَنَ مِنْ هَذَا، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ، فَحَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الأَثْرَمُ، الْمُقْرِئُ الْبَغْدَادِيُّ، بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ
(1/127)

وَثَلاثِ مِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " انْطَلَقَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوا، فَانْحَدَرَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى نَحْوِ الرِّوَايَةِ الأُولَى
(1/128)

لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين
1: 129 21 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ وَأُحَدِّثُكُمْ بِشَيْءٍ، إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرْبٌ أَوْ بَلاءٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَدَعَا بِهِ، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ؟» فَقِيلَ لَهُ: بَلَى.
قَالَ: دُعَاءُ ذِي النُّونِ، لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
(1/129)

دُعَاء الْمَرِيض
وجدت فِي كتاب أَلفه مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ، وَسَماهُ: (كتاب الْآدَاب الحميدة والأخلاق النفسية) : حَدثنَا ابْن بشار، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي عدي، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي، قَالَ: كَانَ بِأبي الْحَصَاة، فَكَانَ يلقى، من شدَّة مَا بِهِ، الْبلَاء.
قَالَ حميد: فَانْطَلَقت إِلَى بَيت الْمُقَدّس، فَلَقِيت أَبَا الْعَوام، فشكوت إِلَيْهِ الَّذِي بِأبي، وأخبرته خَبره.
فَقَالَ: مره فَليدع بِهَذِهِ الدعْوَة: رَبنَا الَّذِي فِي السَّمَاء عَرْشه، رَبنَا الَّذِي فِي السَّمَاء تقدس اسْمه، أَمرك مَاض فِي السَّمَاء وَالْأَرْض، وكما رحمتك فِي السَّمَاء، فاجعلها فِي الأَرْض، اغْفِر لنا ذنوبنا وخطايانا، إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم، اللَّهُمَّ أنزل رَحْمَة من رحمتك، وشفاء من شفائك، على مَا بفلان من وجع.
قَالَ: فَدَعَا بِهِ، فأذهبه الله تَعَالَى عَنهُ.
(1/130)

كَلِمَات الْفرج
1: 131 22 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَلِمَاتُ الْفَرَجِ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبُّ الأَرَضِينَ السَّبْعُ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
(1/131)

دعوات المكروب
1: 132 23 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ
1: 132 24 - أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُكْرَمٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(1/132)

عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ هِلالٍ مَوْلَى غَفْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: عَلَّمَتْنِي أُمِّي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، شَيْئًا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ تَقُولَهُ عِنْدَ الْكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي، لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا
1: 133 25 - أَخْبَرَنِي مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(1/133)

عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ هِلالٍ مَوْلَى غَفْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي، لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا
حَدَّثَنَا بِالْمَوْصِلِ، فِي مَجْلِسِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ يَسْمَعُ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالثّمدِيِّ، وَهُوَ يَخْلُفُنِي يَوْمَئِذٍ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَعْمَالِي عَلَى الْقَضَاءِ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَسِنُّهُ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ اسْتَدْعَاهُ مِنْهَا لِعُلُوِّ إِسْنَادِهِ، وَعَمِلَ لَهُ مَجْلِسًا بِحَضْرَتِهِ، حَدَّثَ فِيهِ، وَأَحْضَرَنِي وَجَمَاعَةً مَخْصُوصِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، حَتَّى سَمِعَ مِنْهُ، وَسَمِعْنَا مَعَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَرِيعَةَ الأَزْدِيُّ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانٍ
(1/134)

الْبَصْرِيَّانِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ بِي كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ، أَنْ أَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، عَزَّ اللَّهُ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ.
وَأَخْبَرَنِي الْقَاضِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْكُدَيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي
(1/135)

سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
1: 136 27 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا نَزَلَ بِي كَرْبٌ، أَنْ أَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
1: 136 28 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَيُوفِ صَعْبٌ، أَوْ صعيبٌ الْعَنْزِيُّ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: " مَنْ أَصَابَهُ هَمٌّ، أَوْ غَمٌّ، أَوْ سَقَمٌ، أَوْ شِدَّةٌ، أَوْ ذُلٌّ، أَوْ لأْوَاءٌ، فَقَالَ:
(1/136)

اللَّهُ رَبِّي، لَا شَرِيكَ لَهُ، كَشَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ
1: 137 29 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْجُهَنِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَصَابَ مُسْلِمًا قَطُّ، هَمٌّ، أَوْ حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي فِي يَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَجَلاءَ حُزْنِي، وَذِهَابَ هَمِّي، إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ كَرْبَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا ".
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَتَعَلَّمُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ»
1: 137 30 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الصَّفَّارُ أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ
(1/137)

بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ فَقِيهٍ مِنْ أَهْلِ الأُرْدُنِّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا أَصَابَهُ غَمٌّ أَوْ كَرْبٌ يَقُولُ: حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ الْعِبَادِ، حَسْبِيَ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، حَسْبِيَ الرَّزَّاقُ مِنَ الْمَرْزُوقِ، حَسْبِيَ اللَّهُ الَّذِي هُوَ حَسْبِي، حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلِ، حَسْبِيَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
1: 138 31 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْخَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا كَرَبَنِي أَمْرٌ، إِلا تَمَثَّلَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ: تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ. . . إِلَى آخِرِ الآيَةِ
1: 138 32 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ
(1/138)

الْبَجَلِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ، أَوْ غَمٌّ، قَالَ: يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ
1: 139 33 - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْبُهْلُولِ التَّنُوخِيُّ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا نَزَلَ بِهِ غَمٌّ أَوْ كَرْبٌ، قَالَ: يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ
1: 139 34 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ،
(1/139)

عَنْ نُعَيْمِ بْنِ مُوَرِّعٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: دُعَاءُ مُوسَى حِينَ تَوَجَّهَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَدُعَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَدُعَاءُ كُلِّ مَكْرُوبٍ: كُنْتَ وَتَكُونُ، حَيًّا لَا تَمُوتَ، تَنَامُ الْعُيُونُ، وَتَنْكَدِرُ النُّجُومُ، وَأَنْتَ حَيٌّ قَيُّومٌ، لَا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ
(1/140)

دُعَاء الْفرج
دُعَاء الْفرج، أعطانيه أَبُو الْحَمد دَاوُد بن النَّاصِر لدين الله واسْمه أَحْمد بن الْهَادِي للحق يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بطباطبا ابْن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، وَقَالَ لي: إِن أَهله يتوارثونه، وَهُوَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ السَّلَام: يَا من تحل بِهِ عقد المكاره، ويفل حد الشدائد، وَيَا من يلْتَمس بِهِ الْمخْرج، وَيطْلب مِنْهُ روح الْفرج، أَنْت الْمَدْعُو فِي الْمُهِمَّات، والمفزع فِي الملمات، لَا ينْدَفع مِنْهَا إِلَّا مَا دفعت، وَلَا ينْكَشف مِنْهَا إِلَّا مَا كشفت، قد نزل بِي مَا قد علمت، وَقد كادني ثقله، وألم بِي مَا بهظني حمله، وبقدرتك أوردته عَليّ، وبسلطانك وجهته إِلَيّ، وَلَا مصدر لما أوردت، وَلَا كاشف لما وجهت، وَلَا فاتح لما أغلقت، وَلَا ميسر لما عسرت، وَلَا مُعسر لما يسرت، فصل اللَّهُمَّ على مُحَمَّد، وعَلى آل مُحَمَّد، وَافْتَحْ لي بَاب الْفرج بطولك، واحبس عني سُلْطَان الْهم بحولك، وأنلني حسن النّظر فِيمَا شَكَوْت، وأذقني حلاوة الصنع فِيمَا سَأَلت، وهب لي من لَدُنْك فرجا هنيا عَاجلا، وصلاحا فِي جَمِيع أَمْرِي سنيا شَامِلًا، وَاجعَل لي من عنْدك فرجا قَرِيبا، ومخرجا رحبا، وَلَا تشغلني بالاهتمام عَن تعاهد فروضك، وَاسْتِعْمَال سنتك، فقد ضقت ذرعا بِمَا عراني، وتحيرت فِيمَا نزل بِي ودهاني، وضعفت عَن حمل مَا قد أثقلني هما، وتبدلت بِمَا أَنا فِيهِ قلقا وغما، وَأَنت الْقَادِر على كشف مَا قد وَقعت فِيهِ، وَدفع مَا منيت بِهِ، فافعل بِي ذَلِك يَا سَيِّدي ومولاي، وَإِن لم أستحقه، وأجبني إِلَيْهِ وَإِن لم أستوجبه، يَا ذَا الْعَرْش الْعَظِيم (ثَلَاث مَرَّات) .
(1/141)

دُعَاء آخر لِلْفَرجِ
وَأَعْطَانِي دُعَاء آخر لِلْفَرجِ، وَقَالَ لي: إِن أَهله بصعدة، يتوارثونه عَن أهل الْبَيْت عَلَيْهِم السَّلَام: لَا إِلَه إِلَّا الله حَقًا حَقًا، لَا إِلَه إِلَّا الله تعبدا وَرقا، لَا إِلَه إِلَّا الله إِيمَانًا وصدقا، يَا منزل الرَّحْمَة من معادنها، ومنشئ الْبركَة من أماكنها، أَسأَلك أَن تصلي على مُحَمَّد، عَبدك وَنَبِيك، وخيرتك من خلقك وصفيك، وعَلى آله مصابيح الدجى، وأئمة الْهدى، وَأَن تفرج عني فرجا عَاجلا، وتنيلني صلاحا لجَمِيع أَمْرِي شَامِلًا، وَتفعل بِي، فِي ديني ودنياي، مَا أَنْت أَهله، يَا كاشف الكرب، يَا غَافِر الذَّنب، يَا الله، يَا رب.
(1/142)

اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا
حَدثنِي أَيُّوب بن الْعَبَّاس بن الْحسن الَّذِي كَانَ وَزِير المكتفي، وَلَقِيت أَيُّوب بالأهواز فِي حُدُود سنة خمسين وَثَلَاث مائَة، من حفظه، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن همام، بِإِسْنَاد لست أحفظه: أَن أَعْرَابِيًا شكى إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام شدَّة لحقته، وضيقا فِي الْحَال، وَكَثْرَة من الْعِيَال.
فَقَالَ لَهُ: عَلَيْك باستغفار، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: اسْتَغْفرُوا ربكُم، إِنَّه كَانَ غفارًا. . . الْآيَات.
فَعَاد إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد استغفرت كثيرا، وَمَا أرى فرجا مِمَّا أَنا فِيهِ.
قَالَ: لَعَلَّك لَا تحسن أَن تستغفر.
قَالَ: عَلمنِي.
قَالَ: أخْلص نيتك، وأطع رَبك، وَقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أستغفرك من كل ذَنْب، قوي عَلَيْهِ بدني بعافيتك، أَو نالته يَدي بِفضل نِعْمَتك، أَو بسطت إِلَيْهِ يَدي بسابغ رزقك، أَو اتكلت فِيهِ، عِنْد خوفي مِنْهُ، على أناتك، أَو وثقت فِيهِ بِحِلْمِك، أَو عولت فِيهِ على كرم عفوك، اللَّهُمَّ إِنِّي أستغفرك من كل ذَنْب خُنْت فِيهِ أمانتي، أَو بخست فِيهِ نَفسِي، أَو قدمت فِيهِ لذتي، أَو آثرت فِيهِ شهوتي، أَو سعيت فِيهِ لغيري، أَو استغويت فِيهِ من تَبِعنِي، أَو غلبت فِيهِ بِفضل حيلتي، أَو أحلّت فِيهِ عَلَيْك يَا مولَايَ، فَلم تؤاخذني على فعلي، إِذْ كنت، سُبْحَانَكَ، كَارِهًا لمعصيتي، لَكِن سبق علمك فِي باختياري، واستعمالي مرادي
(1/143)

وإيثاري، فَحملت عني، لم تدخلني فِيهِ جبرا، وَلم تحملنِي عَلَيْهِ قهرا، وَلم تظلمني شَيْئا، يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ، يَا صَاحِبي عِنْد شدتي، يَا مؤنسي فِي وَحْدَتي، وَيَا حافظي عِنْد غربتي، يَا وليي فِي نعمتي، وَيَا كاشف كربتي، وَيَا سامع دَعْوَتِي، وَيَا رَاحِم عبرتي، وَيَا مقيل عثرتي، يَا إلهي بالتحقيق، يَا ركني الوثيق، يَا رجائي فِي الضّيق، يَا مولَايَ الشيق، وَيَا رب الْبَيْت الْعَتِيق، أخرجني من حلق الْمضيق، إِلَى سَعَة الطَّرِيق، وَفرج من عنْدك قريب وثيق، واكشف عني كل شدَّة وضيق، واكفني مَا أُطِيق وَمَا لَا أُطِيق، اللَّهُمَّ فرج عني كل هم وكرب، وأخرجني من كل غم وحزن، يَا فارج الْهم، وَيَا كاشف الْغم، وَيَا منزل الْقطر، وَيَا مُجيب دَعْوَة الْمُضْطَر، يَا رَحْمَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ورحيمها، صل على خيرتك مُحَمَّد النَّبِي، وعَلى آله الطيبين الطاهرين، وَفرج عني مَا ضَاقَ بِهِ صَدْرِي، وَعيلَ مَعَه صبري، وَقلت فِيهِ حيلتي، وضعفت لَهُ قوتي، يَا كاشف كل ضرّ وبلية، وَيَا عَالم كل سر وخفية، يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ، وأفوض أَمْرِي إِلَى الله، إِن الله بَصِير بالعباد، وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه، عَلَيْهِ توكلت، وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم.
قَالَ: الْأَعرَابِي: فاستغفرت بذلك مرَارًا، فكشف الله عز وَجل عني الْغم والضيق، ووسع عَليّ فِي الرزق، وأزال عني المحنة.
(1/144)

لَا أُبَالِي على أَي حَالَة أَصبَحت
1: 145 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي السَّوْدَاءِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: قَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا أُبَالِي عَلَى أَيِّ حَالَةٍ أَصْبَحْتُ، عَلَى مَا أُحِبُّ، أَوْ عَلَى مَا أَكْرَهُ، وَذَلِكَ أَنِّي لَا أَدْرِي الْخَيْرُ فِيمَا أُحِبُّ، أَوْ فِيمَا أَكْرَهُ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بن سعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة، عَن الْأَعْمَش، عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: إِن لم يكن لنا خير فِيمَا نكره، لم يكن لنا خير فِيمَا نحب
(1/145)

حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو روح، رجل من أهل مرو، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: مر مُحَمَّد بن عَليّ، على مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، فَقَالَ: مَا لي أَرَاك مغموما؟ فَقَالَ أَبُو حَازِم: ذَلِك لدين فدحه.
قَالَ: مُحَمَّد بن عَليّ: أفتح لَهُ فِي الدُّعَاء؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: لقد بورك لعبد فِي حَاجَة أَكثر فِيهَا دُعَاء ربه، كَانَت مَا كَانَت
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو روح، قَالَ: قَالَ: ابْن عُيَيْنَة: مَا يكره العَبْد، خير لَهُ مِمَّا يحب، لِأَن مَا يكره، يهيجه على الدُّعَاء، وَمَا يحب، يلهيه عَنهُ 36
(1/146)

دُعَاء دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام
قَالَ: ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نصر التمار، قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد بن عبد الْعَزِيز التنوخي، قَالَ: دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام: سُبْحَانَ الله مستخرج الدُّعَاء بالبلاء، سُبْحَانَ الله مستخرج الشُّكْر بالرخاء 37

مَا أقرب النَّعيم من الْبُؤْس
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْعَبْدي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار الْعَطَّار، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عبد الصَّمد الْعمي، قَالَ: سَمِعت مَالك بن دِينَار، يَقُول فِي مَرضه، وَهُوَ من آخر كَلَام سمعته يتَكَلَّم بِهِ: مَا أقرب النَّعيم من الْبُؤْس، يعقبان، ويوشكان زوالا 38
(1/147)

عُبَيْدُكَ بِفَنَائِكَ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد التَّمِيمِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شيخ مولى لعبد الْقَيْس، عَن طَاوس، قَالَ: إِنِّي لفي الْحجر ذَات لَيْلَة، إِذْ دخل عَليّ بن الْحُسَيْن عَلَيْهِمَا السَّلَام، فَقلت: رجل صَالح من أهل بَيت الْخَيْر، لأستمعن إِلَى دُعَائِهِ اللَّيْلَة، فصلى، ثمَّ سجد، فأصغيت بسمعي إِلَيْهِ، فَسَمعته يَقُول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سَائِلك بفنائك.
قَالَ: طَاوس: فحفظتهن، فَمَا دَعَوْت بِهن فِي كرب، إِلَّا فرج الله عني.
(1/148)

ذبح عجلا بَين يَدي أمه فخبل
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، بالموصل، بِحَضْرَة عضد الدولة، قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو خَليفَة الْفضل بن الْحباب الجُمَحِي القَاضِي، وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حبَان الْأنْصَارِيّ، البصريان، قَالَا: حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، قَالَ: حَدثنِي حَمَّاد بن سَلمَة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عمرَان الجوفي، عَن نوف الْبكالِي: أَن نَبيا أَو صديقا ذبح عجلا بَين يَدي أمه، فخبل، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك ذَات يَوْم، تَحت شَجَرَة فِيهَا وكر طير، إِذْ وَقع فرخ طَائِر فِي الأَرْض، وتغبر فِي التُّرَاب، فَأَتَاهُ الطَّائِر، فَجعل يطير فَوق رَأسه، فَأخذ النَّبِي أَو الصّديق الفرخ، فمسخه من التُّرَاب، وَأَعَادَهُ فِي وَكره، فَرد الله عز وَجل عَلَيْهِ عقله.
(1/149)

الغمرات ثمَّ ينجلين
1: 150 أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ أَبِي الْعَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ، وَفِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: مَا أَحْسَنُ شَيْءٍ؟ فَقَالَ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْيِهِ، وَعَمْرٌو سَاكِتٌ.
فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَمْرُو؟ قَالَ: الْغَمَرَاتُ ثُمَّ يَنْجَلِينَ
(1/150)

طول الْغُمَّة يطْمع فِي انْقِضَائِهَا
كتب سعيد بن حميد، إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، كتابا من الاستتار، قَالَ فِيهِ: وَأَرْجُو أَن يكْشف الله، بالأمير أعزه الله، هَذِه الْغُمَّة الطَّوِيل مداها، الْبعيد مُنْتَهَاهَا، فَإِن طولهَا، قد أطمع فِي انْقِضَائِهَا، وتراخي أَيَّامهَا، قد سهل سَبِيل الأمل لفنائها.
(1/151)

رقْعَة أبي الْفرج الببغاء إِلَى القَاضِي التنوخي مؤلف الْكتاب يتوجع لَهُ فِي محنته
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: ولحقتني محنة غَلِيظَة من السُّلْطَان، فَكتب إِلَيّ أَبُو الْفرج عبد الْوَاحِد بن نصر بن مُحَمَّد المَخْزُومِي الْكَاتِب الشَّاعِر النصيّ، الْمَعْرُوف بالببغاء رقْعَة، يتوجع لي فِيهَا، نسختها: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، مُدَدُ النعم، أَطَالَ الله بَقَاء سيدنَا القَاضِي، بغفلات المسار وَإِن طَالَتْ، أَحْلَام، وساعات المحن، وَإِن قصرت بشوائب الْهم، أَعْوَام، وأحظانا بالمواهب، من ارتبطها بالشكر، وانهضنا بأعباء المصائب، من قاومها بِعَدَد الصَّبْر، إِذْ كَانَ أَولهَا بالعظة مذكرا، وَآخِرهَا بمضمون الْفرج مبشرا، وَإِنَّمَا يتعسف ظلم الْفِتْنَة، ويتمسك بتفريط الْعَجز، ضالّ الْحِكْمَة، من كَانَ بِسنة الْغَفْلَة مغمورا، وبضعف الْمِنَّة والرأي مقهورا، وَفِي انتهاز فرص الحزم مفرطا، ولمرصي مَا اخْتَارَهُ الله تَعَالَى فِيهِ متسخطا.
وَسَيِّدنَا القَاضِي، أدام الله تأييده، أنور بَصِيرَة، وأطهر سريرة، وأكمل حزما، وأنفذ مضاء وعزما، من أَن يتسلط الشَّك على يقينه أَو يقْدَح اعْتِرَاض الشّبَه فِي مروءته وَدينه، فَيلقى مَا اعْتَمدهُ الله من طَارق الْقَضَاء المحتوم، بِغَيْر واجبه من فرض الرِّضَا وَالتَّسْلِيم، وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّمَا تعظم المحنة إِذا تجاوزت،
(1/152)

وَضعف التَّنْبِيه من الله جلّ ذكره إِلَى وَاجِب الْعقُوبَة، وَيصير مَجِيء السُّلْطَان، أدام الله عزه، بهَا، وجوب الْحجَّة، وشغلت الألسن عَن مَحْمُود الثَّنَاء مِنْهَا بمذموم اللائمة، فَإِذا خلت من هَذِه الصِّفَات المليمة، والشوائب المذمومة، كَانَت، وَإِن رَاع ظَاهرهَا، بِصِفَات النعم أولى، وبأسماء الْمنح أَحَق وَأَحْرَى، وَمَتى أعمل ذُو الْفَهم الثاقب، والفكر الصائب، مثله أعزه الله، بكامل عقله، وزائد فَضله، فِيمَا يسامح بِهِ الدُّنْيَا من مرتجع هباتها، وتمد لَهُ من خدع لذاتها، علم أَن أسعد أَهلهَا فِيهَا ببلوغ الآمال، أقربهم فِيمَا خوله من التَّغَيُّر والانتقال، فصفاؤها مشوب بالكدر، وأمنها مروع بالحذر، لِأَن انْتِهَاء الشَّيْء إِلَى حَده، ناقل لَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إِلَى ضِدّه، فتكاد المحنة، بِهَذِهِ الْقَاعِدَة، لاقترانها من الْفرج بفسيح الرَّجَاء، وانتهاء الشدَّة مِنْهَا إِلَى مستجد الرخَاء، أَن تكون أَحَق بأسماء النعم، وَأدْخل فِي أَسبَاب الْمَوَاهِب وَالْقسم، وبالحقيقة، فَكل وَارِد من الله تَعَالَى على العَبْد، وَإِن جهل مواقع الحكم مِنْهُ، وساءه استتار عواقب الْخيرَة بمفارقة مَا نقل عَنهُ، غير خَال من مصلحَة، بِتَقْدِيم عَاجل، وادخار آجل.
وَهَذَا وصف مَا ذكر الله بِهِ سيدنَا القَاضِي، أدام الله تأييده، إِذْ كَانَ للمثوبة مُفِيدا، وللفرج ضَامِنا، وبالحظ مبشرا، وَإِلَى المسرة مُؤديا، وبأفضل مَا عوده الله جلّ اسْمه عَائِدًا، وَهُوَ، أدام الله كِفَايَته، يتنجز ذَلِك بمستحكم الثِّقَة، ووجاهة الدُّعَاء وَالرَّغْبَة، ووسائط الصَّبْر والمعونة، وَلَعَلَّه أَن يكون إِلَيْهِ أقرب من وُرُود رقعتي هَذِه عَلَيْهِ، بقدرة الله ومشيئته، وَلَوْلَا الْخَوْف من الإطالة، والتعرض للإضجار والملالة، بِإِخْرَاج هَذِه الرقعة عَن مَذْهَب الرّقاع، وإدخالها بِذكر مَا نطق بِهِ نَص الْكتاب، من ضَمَان الْيُسْر بعد الْعسر، وَمَا وَردت بِهِ فِي هَذَا الْمَعْنى، الْأَمْثَال السائرة، والأشعار المتناقلة، فِي جمة الرسائل وحيز المصنفات،
(1/153)

لأودعتها نبذا من ذَلِك، لكني آثرت أَن لَا أعدل بهَا عَمَّا افتتحتها بِهِ، واستخدمتها لَهُ، مُقْتَصرا على اسْتغْنَاء سيدنَا القَاضِي، أدام الله تأييده، عَن ذَلِك، بمرشد حفظه، ووفور فَضله، ومأثور نباهته ونبله، وَالله يبلغهُ ويبلغنا فِيهِ نِهَايَة الآمال، وَلَا يخليه، فِي طول الْبَقَاء، من مواد السَّعَادَة والإقبال، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل.

حسن الظَّن بِاللَّه أقرب إِلَى الْفرج
قَالَ: بعض الصَّالِحين: اسْتعْمل فِي كل بلية تطرقك حسن الظَّن بِاللَّه عز وَجل، فِي كشفها، فَإِن ذَلِك أقرب بك إِلَيّ الْفرج.

الصَّبْر على قدر الْبلَاء
وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام، أَنه قَالَ: أفضل عمل الممتحنين، انْتِظَار الْفرج من الله عز وَجل، وَالصَّبْر على قدر الْبلَاء.
وَعنهُ: الصَّبْر كَفِيل بالنجاح، والمتوكل لَا يخيب ظَنّه.
(1/154)

قد ينجلي المكروب عَمَّا يسر
وَكَانَ يُقَال: الْعَاقِل لَا يذل بِأول نكبة، وَلَا يفرج بِأول نعْمَة، فَرُبمَا أقلع المحبوب عَمَّا يضر، وَأجلى الْمَكْرُوه عَمَّا يسر.
شكا عبد الله بن طَاهِر، إِلَى سُلَيْمَان بن يحيى بن معَاذ كَاتبه، بلَاء خافه وتوقعه.
فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، لَا يغلبن على قَلْبك، إِذا اغتممت، مَا تكره دون مَا تحب، فَلَعَلَّ الْعَاقِبَة تكون بِمَا تحب، وَتُوفِّي مَا تكره، فَتكون كمن يستسلف الْغم وَالْخَوْف.
قَالَ: أما أَنَّك قد فرجت عني مَا أَنا فِيهِ.
(1/155)

لماذا أصبح الاسْتِغْفَار سنة فِي الاسْتِسْقَاء
بَلغنِي أَن النَّاس قحطوا بِالْمَدِينَةِ، فِي سنة من خلَافَة عمر بن الْخطاب، فَخرج بهم مستسقيا، فَكَانَ أَكثر قَوْله الاسْتِغْفَار.
فَقيل لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو دَعَوْت.
فَقَالَ: أما سَمِعْتُمْ قَوْله عز وَجل: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا {10} يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا {11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا {12} } [نوح: 10-12] .
فَصَارَ الاستكثار من الاسْتِغْفَار فِي الاسْتِسْقَاء سنة إِلَى الْيَوْم.
(1/156)

أَقْوَال الْحُكَمَاء فِي الصَّبْر
يحْكى عَن أنوشروان، أَنه قَالَ: جَمِيع المكاره فِي الدُّنْيَا، تَنْقَسِم على ضَرْبَيْنِ، فَضرب فِيهِ حِيلَة، فالاضطراب دواؤه، وَضرب لَا حِيلَة فِيهِ، فالاصطبار شفاؤه.
كَانَ بعض الْحُكَمَاء يَقُول: الْحِيلَة فِيمَا لَا حِيلَة فِيهِ، الصَّبْر.
وَكَانَ يُقَال: من اتبع الصَّبْر، اتبعهُ النَّصْر.
وَمن الْأَمْثَال السائرة: الصَّبْر مِفْتَاح الْفرج، من صَبر قدر، ثَمَرَة الصَّبْر الظفر، عِنْد اشتداد الْبلَاء يَأْتِي الرخَاء.
وَكَانَ يُقَال: تضايقي تنفرجي.
وَكَانَ يُقَال: إِذا اشْتَدَّ الخناق انْقَطع.
وَكَانَ يُقَال: خف المضار، من خلل المسار، وارج النَّفْع، من مَوضِع الْمَنْع، واحرص على الْحَيَاة، بِطَلَب الْمَوْت، فكم من بَقَاء سَببه استدعاء الفنان.
وَمن فنَاء سَببه إِيثَار الْبَقَاء، وَأكْثر مَا يَأْتِي الْأَمْن من قبل الْفَزع.
وَالْعرب تَقول: إِن فِي الشَّرّ خيارا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: مَعْنَاهُ، أَن بعض الشَّرّ أَهْون من بعض.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ، إِذا أصابتك مُصِيبَة، فَاعْلَم أَنه قد يكون أجل مِنْهَا، فلتهن عَلَيْك مصيبتك.
(1/157)

قَالَ بعض الْحُكَمَاء: عواقب الْأُمُور، تتشابه فِي الغيوب، فَرب مَحْبُوب فِي مَكْرُوه، ومكروه فِي مَحْبُوب، وَكم مغبوط بِنِعْمَة هِيَ داؤه، ومرحوم من دَاء هُوَ شفاؤه.
وَكَانَ يُقَال: رب خير من شَرّ، ونفع من ضرّ.
وَرُوِيَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا، قَالَ: يَابْنَ آدم، لَا تحمل هم يَوْمك الَّذِي لم يَأْتِ، على يَوْمك الَّذِي أَتَى، فَإِنَّهُ إِن يكن فِي عمرك، يأتك الله فِيهِ بمحبتك، وَاعْلَم أَنَّك لن تكسب شَيْئا سوى قوتك، إِلَّا كنت فِيهِ خَازِنًا لغيرك بعد موتك.
وَقَالَ ودَاعَة السَّهْمِي، فِي كَلَام لَهُ: اصبر على الشَّرّ إِن قدحك، فَرُبمَا أجلى عَمَّا يفرحك، وَتَحْت الرغوة اللَّبن الصَّرِيح.

شُرَيْح القَاضِي يحمد الله على الْمُصِيبَة أَربع مَرَّات
قَالَ شُرَيْح: إِنِّي لأصاب بالمصيبة، فَأَحْمَد الله عز وَجل عَلَيْهَا أَربع مَرَّات، أَحْمَده إِذْ لم تكن أعظم مِمَّا هِيَ، وأحمده إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْر عَلَيْهَا، وأحمده إِذْ وفقني للاسترجاع، لما أَرْجُو فِيهِ من الثَّوَاب، وأحمده إِذْ لم يَجْعَلهَا فِي ديني.
(1/158)

من سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج
وَيُشبه هَذَا مَا رُوِيَ عَن بزرجمهر بن البختكان الْحَكِيم، الَّذِي كَانَ وَزِير أنوشروان، فَإِنَّهُ حَبسه عِنْد غَضَبه، فِي بَيت كالقبر ظلمَة وضيقا، وصفده بالحديد، وَألبسهُ الحش من الصُّوف، وَأمر أَن لَا يُزَاد فِي كل يَوْم، على قرصين خبْزًا شَعِيرًا، وكف ملح جريش، ودورق مَاء، وَأَن تحصى أَلْفَاظه، فتنقل إِلَيْهِ، فَأَقَامَ بزرجمهر شهورا، لَا تسمع لَهُ لَفْظَة.
فَقَالَ أنوشروان: أدخلُوا إِلَيْهِ أَصْحَابه، ومروهم أَن يسألوه، ويفاتحوه فِي الْكَلَام، واسمعوا مَا يجْرِي بَينهم، وعرفونيه.
فَدخل إِلَيْهِ جمَاعَة من المختصين، كَانُوا، بِهِ، فَقَالُوا لَهُ: أَيهَا الْحَكِيم، نرَاك فِي هَذَا الضّيق، وَالْحَدِيد، وَالصُّوف، والشدة الَّتِي وَقعت فِيهَا، وَمَعَ هَذَا، فَإِن سحنة وَجهك، وَصِحَّة جسمك، على حَالهمَا، لم تتغيرا، فَمَا السَّبَب فِي ذَلِك؟ فَقَالَ: إِنِّي عملت جوارشا من سِتَّة أخلاط، آخذ مِنْهُ كل يَوْم شَيْئا، فَهُوَ الَّذِي أبقاني على مَا ترَوْنَ.
قَالُوا: فصفه لنا، فَعَسَى أَن نبتلى بِمثل بلواك، أَو أحد من إِخْوَاننَا، فنستعمله وَنصفه لَهُ.
(1/159)

قَالَ: الْخَلْط الأول: الثِّقَة بِاللَّه عز وَجل، والخلط الثَّانِي: علمي بِأَن كل مُقَدّر كَائِن، والخلط الثَّالِث: الصَّبْر خير مَا اسْتَعْملهُ الممتحنون، والخلط الرَّابِع: إِن لم أَصْبِر أَنا فَأَي شَيْء أعمل، وَلم أعين على نَفسِي بالجزع، والخلط الْخَامِس: قد يُمكن أَن أكون فِي شَرّ مِمَّا أَنا فِيهِ، والخلط السَّادِس: من سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج.
قَالَ: فَبلغ كسْرَى كَلَامه، فَعَفَا عَنهُ.
(1/160)

يَأْتِي الله بالفرج عِنْد انْقِطَاع الأمل واستبهام الْحِيَل
فصل لبَعض كتاب زَمَاننَا، وَهُوَ عَليّ بن نصر بن عَليّ الطَّبِيب: وكما أَن الله جلّ وَعلا يَأْتِي بالمحبوب، من الْوَجْه الَّذِي قدر وُرُود الْمَكْرُوه مِنْهُ، وَيفتح بفرج، عِنْد انْقِطَاع الأمل، واستبهام وُجُوه الْحِيَل، ليحض سَائِر خلقه، بِمَا يُرِيهم من تَمام قدرته، على صرف الرَّجَاء إِلَيْهِ، وإخلاص آمالهم فِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ، وَأَن لَا يزووا وُجُوههم فِي وَقت من الْأَوْقَات عَن توقع الرّوح مِنْهُ، فَلَا يعدلُوا بآمالهم على أَي حَال من الْحَالَات، عَن انْتِظَار فرج يصدر عَنهُ، وَكَذَلِكَ أَيْضا، يسرهم فِيمَا ساءهم، بِأَن كفاهم بمحنة يسيرَة، مَا هُوَ أعظم مِنْهَا، وافتداهم بملمة سهلة، مِمَّا كَانَ أنكى فيهم لَو لحقهم.
قَالَ إِسْحَاق العابد: رُبمَا امتحن الله العَبْد، بمحنة يخلصه بهَا من الهلكة، فَتكون تِلْكَ المحنة، أجل نعْمَة.
قَالَ: وَسمعت أَن من احْتمل المحنة، وَرَضي بتدبير الله تَعَالَى فِي النكبة، وصبر على الشدَّة، كشف لَهُ عَن مَنْفَعَتهَا، حَتَّى يقف على المستور عَنهُ من مصلحتها.
وَقَالَ عبد الله بن المعتز: مَا أوطأ رَاحِلَة الواثق بِاللَّه، وآنس مثوى الْمُطِيع لله.
(1/161)

حكى بعض النَّصَارَى، أَن بعض الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، قَالَ: المحن تَأْدِيب من الله، وَالْأَدب لَا يَدُوم، فطوبى لمن تصبر على التَّأْدِيب، وَتثبت عِنْد المحنة، فَيجب لَهُ لبس إكليل الْغَلَبَة، وتاج الْفَلاح، الَّذِي وعد الله بِهِ محبيه، وَأهل طَاعَته.
قَالَ إِسْحَاق: احذر الضجر، إِذا أصابتك أسنة المحن، وأعراض الْفِتَن، فَإِن الطَّرِيق الْمُؤَدِّي إِلَى النجَاة صَعب المسلك.
قَالَ: بزرجمهر: انْتِظَار الْفرج بِالصبرِ، يعقب الِاغْتِبَاط.
(1/162)

حسن الظَّن بِاللَّه لَا يخيب
فصل آخر، لبَعض كتاب زَمَاننَا، وَهُوَ عَليّ بن الْحسن بن نصر بن بشر الطَّبِيب: كَمَا أَن الرَّجَاء مَادَّة الصَّبْر، والمعين عَلَيْهِ، فَكَذَلِك عِلّة الرَّجَاء ومادته، حسن الظَّن بِاللَّه، الَّذِي لَا يجوز أَن يخيب، فَإنَّا قد نستقري الكرماء، فنجدهم يرفعون من أحسن ظَنّه بهم، ويتحوبون من تخييب أمله فيهم، ويتحرجون من إخفاق رَجَاء من قصدهم، فَكيف بأكرم الأكرمين، الَّذِي لَا يعوزه أَن يمنح مؤمليه، مَا يزِيد على أمانيهم فِيهِ، وَأَعْدل الشواهد بمحبة الله جلّ ذكره، لتمسك عَبده برحابه، وانتظار الرّوح من ظله ومآبه، أَن الْإِنْسَان لَا يَأْتِيهِ الْفرج وَلَا تُدْرِكهُ النجَاة، إِلَّا بعد إخفاق أمله فِي كل مَا كَانَ يتَوَجَّه نَحوه بأمله ورغبته، وَعند انغلاق مطالبه، وَعجز حيلته، وتناهي ضره ومحنته، ليَكُون ذَلِك باعثا لَهُ على صرف رجائه أبدا إِلَى الله عز وَجل، وزاجرا لَهُ على تجَاوز حسن ظَنّه بِهِ.
(1/163)

يدْرك الصبور أَحْمد الْأُمُور
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود: الْفرج وَالروح، فِي الْيَقِين وَالرِّضَا، والهم والحزن، فِي الشَّك والسخط.
وَكَانَ يَقُول: الصبور، يدْرك أَحْمد الْأُمُور.
قَالَ: أبان بن تغلب: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: من أفضل آدَاب الرِّجَال، أَنه نزلت بأحدهم جَائِحَة، اسْتعْمل الصَّبْر عَلَيْهَا، وألهم نَفسه الرَّجَاء لزوالها، حَتَّى كَأَنَّهُ لِصَبْرِهِ يعاين الْخَلَاص مِنْهَا والغناء، توكلا على الله عز وَجل، وَحسن ظن بِهِ، فَمَتَى لزم هَذِه الصّفة، لم يلبث أَن يقْضِي الله حَاجته، ويزيل كربته، وينجح طلبته، وَمَعَهُ دينه وَعرضه ومروءته.
(1/164)

رب حَيَاة سَببهَا طلب الْمَوْت وَمَوْت سَببه طلب الْحَيَاة
روى الْأَصْمَعِي، عَن أَعْرَابِي، أَنه قَالَ: خف الشَّرّ من مَوضِع الْخَيْر، وارج الْخَيْر مَوضِع الشَّرّ، فَرب حَيَاة سَببهَا طلب الْمَوْت، وَمَوْت سَببه طلب الْحَيَاة، وَأكْثر مَا يَأْتِي الْأَمْن من نَاحيَة الْخَوْف.
قَالَ: مؤلف هَذَا الْكتاب: مَا أقرب هَذَا الْكَلَام، من قَول قطري بن الْفُجَاءَة الْخَارِجِي، ذكره أَبُو تَمام الطَّائِي، فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالحماسة:
لَا يركنن أحد إِلَى الإحجام ... يَوْم الوغى متخوفا لحمام
فَلَقَد أَرَانِي للرماح دريئة ... من عَن يَمِيني مرّة وأمامي
حَتَّى خضبت بِمَا تحدر من دمي ... أحناء سرجي أَو عنان لجامي
ثمَّ انصرفت وَقد أصبت وَلم أصب ... جذع البصيرة قارح الْإِقْدَام
فَهَذَا من أحب الْمَوْت، طلبا لحياة الذّكر.
(1/165)

وَقد أفْصح بِهَذَا الْحصين بن الْحمام المري، حَيْثُ يَقُول:
تَأَخَّرت أستبقي الْحَيَاة فَلم أجد ... لنَفْسي حَيَاة مثل أَن أتقدما
وَهَذَا كثير متسع، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا نَحن فِيهِ بسبيل، فنستوعبه ونستوفيه، وَلَكِن الحَدِيث ذُو شجون، وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكر، ونعود إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ.
(1/166)

أَقْوَال فِي تهوين المصائب
قَالَ: بعض عقلاء التُّجَّار: مَا أَصْغَر الْمُصِيبَة بالأرباح، إِذا عَادَتْ بسلامة الْأَرْوَاح.
وَكَأَنَّهُ من قَول الْعَرَب: إِن تسلم الجلة فالسخل هدر.
وَمن كَلَامهم: لَا تيأس أَرض من عمرَان، وَإِن جفاها الزَّمَان.
والعامة تَقول: نهر جرى فِيهِ المَاء، لابد أَن يعود إِلَيْهِ.
وَقَالَ تيمسطوس: لم يتفاضل أهل الْعُقُول وَالدّين، إِلَّا فِي اسْتِعْمَال الْفضل فِي حَال الْقُدْرَة وَالنعْمَة، وابتذال الصَّبْر فِي حَال الشدَّة والمحنة.
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: الْعَاقِل يتعزى فِيمَا نزل بِهِ من الْمَكْرُوه بأمرين، أَحدهمَا السرُور بِمَا بَقِي لَهُ، وَالْآخر رَجَاء الْفرج مِمَّا نزل بِهِ، وَالْجَاهِل يجزع فِي محنته بأمرين، أَحدهمَا استكثار مَا أُدي إِلَيْهِ، وَالْآخر تخوفه مِمَّا هُوَ أَشد مِنْهُ.
(1/167)

كَلِمَات فِي الصَّبْر على المحنة
وَكَانَ يُقَال: المحن آدَاب الله عز وَجل لخلقه، وتأديب الله يفتح الْقُلُوب، والأسماع، والأبصار.
وَوصف الْحسن بن سهل المحن، فَقَالَ: فِيهَا تمحيص من الذَّنب، وتنبيه من الْغَفْلَة، وَتعرض للثَّواب بِالصبرِ، وتذكير بِالنعْمَةِ، واستدعاء للمثوبة، وَفِي نظر الله عز وَجل وقضائه الْخِيَار.
وَبَلغنِي هَذَا الْخَبَر على وَجه آخر: قرئَ على أبي بكر الصولي، وَأَنا حَاضر أسمع، بِالْبَصْرَةِ فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، فِي كِتَابه: (كتاب الوزراء) : حَدثكُمْ أَبُو ذكْوَان الْقَاسِم بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: سَمِعت أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن صول الْكَاتِب، يصف الْفضل بن سهل، وَيذكر تقدمه، وَعلمه، وَكَرمه، وَكَانَ مِمَّا حَدثنِي
(1/168)

بِهِ: أَنه برِئ من عِلّة كَانَ فِيهَا، فَجَلَسَ للنَّاس، وهنوه بالعافية، فَلَمَّا فرغ النَّاس من كَلَامهم، قَالَ الْفضل: إِن فِي الْعِلَل لنعما لَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يجهلها: تمحيص للذنب، وَتعرض لثواب الصَّبْر، وإيقاظ من الْغَفْلَة، وإذكار بِالنعْمَةِ فِي حَال الصِّحَّة، واستدعاء للمثوبة، وحض على الصَّدَقَة، وَفِي قَضَاء الله وَقدره بعد، الْخِيَار.

إِنَّمَا يبتلى الصالحون
وَكتب مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة، إِلَى عبد الله بن عَبَّاس، حِين سيره ابْن الزبير
(1/169)

عَن مَكَّة، إِلَى الطَّائِف: أما بعد، فَإِنَّهُ بَلغنِي أَن ابْن الزبير سيرك إِلَى الطَّائِف، فأحدث الله عز وَجل لَك بذلك أجرا، وَحط بِهِ عَنْك وزرا، يَابْنَ عَم، إِنَّمَا يبتلى الصالحون، وتعد الْكَرَامَة للْأَخْبَار، وَلَو لم تؤجر إِلَّا فِيمَا تحب، لقل الْأجر، وَقد قَالَ: الله تَعَالَى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [الْبَقَرَة: 216] عزم الله لنا وَلَك، بِالصبرِ على الْبلَاء، وَالشُّكْر على النعماء، وَلَا أشمت بِنَا وَبِك الْأَعْدَاء، وَالسَّلَام.
(1/170)

النِّعْمَة والعافية تبطران الْإِنْسَان
وَكتب بعض الْكتاب إِلَى صديق لَهُ فِي محنة لحقته: إِن الله تَعَالَى ليمتحن العَبْد، ليكْثر التَّوَاضُع لَهُ، والاستعانة بِهِ، ويجدد الشُّكْر على مَا يوليه من كِفَايَته، وَيَأْخُذ بِيَدِهِ فِي شدته، لِأَن دوَام النعم والعافية، يبطران الْإِنْسَان، حَتَّى يعجب بِنَفسِهِ، ويعدل عَن ذكر ربه، وَقد قَالَ الشَّاعِر:
لَا يتْرك الله عبدا لَيْسَ يذكرهُ ... مِمَّن يؤدبه أَو من يؤنبه
أَو نعْمَة تَقْتَضِي شكرا يَدُوم لَهُ ... أَو نقمة حِين ينسى الشُّكْر تنكبه

كَلِمَات فِي الشُّكْر على الْعَافِيَة وَالصَّبْر على الشدَّة
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْخَيْر الَّذِي لَا شَرّ فِيهِ، هُوَ الشُّكْر مَعَ الْعَافِيَة، وَالصَّبْر عِنْد المحنة، فكم من منعم عَلَيْهِ غير شَاكر، وَكم مبتلى بمحنة وَهُوَ غير صابر.
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي، فِي كِتَابه: (كتاب الْفرج بعد الشدَّة والضيقة) كَانَ ابْن شبْرمَة إِذا نزلت بِهِ شدَّة، يَقُول: سَحَابَة ثمَّ تنقشع.
وَقَالَ فِي كِتَابه هَذَا، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، قَالَ: قَالَ بعض
(1/171)

الْحُكَمَاء: آخر الْهم، أول الْفرج، وَكَانَ جَعْفَر يَقُول: قد وَجَدْنَاهُ كَذَلِك.
وَقد ذكر هَذَا الْخَبَر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، فِي كِتَابه: (كتاب الْفرج بعد الشدَّة) عَن الْمَدَائِنِي، هَكَذَا.
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه: (كتاب الْفرج بعد الشدَّة) ، فَقَالَ:
1: 172 37 - حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: لأَنْ أَكُونَ فِي شِدَّةٍ، أَتَوَقَّعُ بَعْدَهَا رَخَاءً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ فِي رَخَاءٍ، أَتَوَقَّعُ بَعْدَهُ شِدَّةً
(1/172)

لَو كَانَ الْعسر فِي كوَّة لجاء يسران فأخرجاه
وَذكر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِغَيْر إِسْنَاد، أَنه قَالَ: «لَو كَانَ الْعسر فِي كوَّة، لجاء يسران، فأخرجاه» .
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: كَانَ لي فِي هَذَا الحَدِيث، خبر طريف، وَذَلِكَ أَنِّي كنت قد لجأت إِلَى البطيحة، هَارِبا من نكبة لحقتني، واعتصمت بأميرها معِين الدولة أبي الْحُسَيْن عمرَان بن شاهين السّلمِيّ، على مَا كَانَ يَقُول رَحمَه
(1/173)

الله، فألفيت هُنَاكَ جمَاعَة من معارفي، بِالْبَصْرَةِ وواسط، خَائِفين على نُفُوسهم، قد هربوا من ابْن بَقِيَّة، الَّذِي كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت وزيرا، ولجئوا إِلَى البطيحة، فَكُنَّا نَجْتَمِع فِي الْمَسْجِد الْجَامِع بشقشى الَّذِي بناه معز الدولة أَبُو الْحُسَيْن، فنتشاكى أحوالنا، ونتمنى الْفرج مِمَّا نَحن فِيهِ من الْخَوْف والشدة والشقاء.
فَقَالَ لي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الله بن جيشان الصلحي التَّاجِر، وَكَانَ هَذَا فِي يَوْم الْجُمُعَة لتسْع لَيَال خلون من جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَلَاث مائَة:
1: 174 38 - حَدَّثَنِي فِي هَذَا الْيَوْمِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَنِيفٍ، وَكَانَ أَحَدَ خُلَفَاءِ الْحُجَّابِ فِي دَارِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَهُوَ شَيْخٌ مَشْهُورٌ، مُلازِمٌ الآنَ خِدْمَةَ مُعِينِ الدَّوْلَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ دَخَلَ الْعُسْرُ كُوَّةً، جَاءَ يُسْرَانِ فَأَخْرَجَاهُ» فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ بَدِيهًا:
إِنَّا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ رَسُولِ ... اللَّهِ فِيمَا أُفِيدَ مِنْ أَدَبِهِ
لَوْ دَخَلَ الْعُسْرُ كُوَّةَ لأَتَى ... يُسْرَانِ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنْ ثُقْبِهِ
(1/174)

فَمَا مَضَى عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ، إِلا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِّي، وَعَنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ حَضَرَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، مِنَ الْمُمْتَحنِينَ، وَرَدَّنَا إِلَى عَوَائِدِهِ عِنْدَنَا، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ
1: 175 وَجَدْتُ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا، فَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ، مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ ابْنِ الْبُهْلُولِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْجَعْدِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَوْ أَنَّ الْعُسْرَ دَخَلَ فِي جُحْرٍ، لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا {6} } [الشَّرْح: 5-6] .
وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ بِإِسْنَادِهِ
1: 175 40 - وَأَخْبَرَنِي أَبِي: قَالَ: قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ،
(1/175)

قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْظُرُ إِلَى حَجَرٍ بِحِيَالِ وَجْهِهِ، فَقَالَ: لَوْ جَاءَتِ الْعُسْرَةُ حَتَّى تَدْخُلَ هَذَا الْحَجَرَ، لَجَاءَتِ الْيُسْرَةُ حَتَّى تُخْرِجَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا {6} } [الشَّرْح: 5-6]
(1/176)

كَلِمَات فِي انفراج المحن
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، فِي كِتَابه (كتاب الْفرج بعد الشدَّة) ، بِغَيْر إِسْنَاد: أَن عليا عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَ: عِنْد تناهي الشدَّة، تكون الفرجة، وَعند تضايق الْبلَاء، يكون الرخَاء، وَمَعَ الْعسر، يكون الْيُسْر.
وَذكر عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام، أَنه قَالَ: مَا أُبَالِي بالعسر رميت، أَو باليسر، لِأَن حق الله تَعَالَى فِي الْعسر الرِّضَا وَالصَّبْر، وَفِي الْيُسْر الْحَمد وَالشُّكْر.
قَالَ: مؤلف هَذَا الْكتاب: حَدثنِي بعض الشِّيعَة، بِغَيْر إِسْنَاد، قَالَ: قصد أَعْرَابِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: إِنِّي ممتحن، فعلمني شَيْئا أنتفع بِهِ.
فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي إِن للمحن أوقاتا، وَلها غايات، فاجتهاد العَبْد فِي محنته قبل إِزَالَة الله تَعَالَى إِيَّاهَا، زِيَادَة فِيهَا، يَقُول الله عز وَجل: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] ، وَلَكِن، اسْتَعِنْ بِاللَّه، واصبر، وَأكْثر من الاسْتِغْفَار، فَإِن الله عز وَجل وعد الصابرين خيرا، وَقَالَ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا {10} يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا {11} وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا {12} } [نوح: 10-12] ، فَانْصَرف الرجل.
فَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ السَّلَام:
إِذا لم يكن عون من الله للفتى ... فَأول مَا يجني عَلَيْهِ اجْتِهَاده
(1/177)

الْوَزير المهلبي يَجِيئهُ الغياث من الله تَعَالَى
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد المهلبي، وَفِي وزارته، قَالَ: كنت فِي وَقت من الْأَوْقَات، يَعْنِي فِي أول أمره قد دفعت إِلَى شدَّة شَدِيدَة، وَخَوف عَظِيم، لَا حِيلَة لي فيهمَا، فأقمت يومي قلقا، وهجم اللَّيْل، فَلم أعرف الغمض، فلجأت إِلَى الصَّلَاة وَالدُّعَاء، وَأَقْبَلت على الْبكاء فِي سجودي، والتضرع وَمَسْأَلَة الله عز وَجل، تَعْجِيل الْفرج لي، وأصبحت من غَد، على قريب من حَالي، إِلَّا أَنِّي قد سكنت قَلِيلا، فَلم يَنْسَلِخ الْيَوْم حَتَّى جَاءَنِي الغياث من الله تَعَالَى، وَفرج عني مَا كنت فِيهِ، على أفضل مَا أردْت، فَقلت:
بعثت إِلَى رب العطايا رِسَالَة ... توسل لي فِيهَا دُعَاء مناصح
فجَاء جَوَاب بالإجابة وانجلت ... بهَا كرب ضَاقَتْ بِهن الجوانح
(1/178)

عِنْد تناهي الشدَّة تكون الفرجة
أخبرنَا أَبُو عبيد الله مُحَمَّد بن عمرَان بن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أخبرنَا السكن بن سعيد، عَن مُحَمَّد بن عباد، عَن ابْن الْجراح الْكَلْبِيّ، عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ عَمْرو بن أحيحة الأوسي يَقُول: عِنْد تناهي الشدَّة، تكون الفرجة، وَعند تضايق الْبلَاء، يكون الرخَاء، وَلَا أُبَالِي أَي الْأَمريْنِ نزل بِي عسر أم يسر، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَزُول بِصَاحِبِهِ.
(1/179)

الْمَنْصُور العباسي يحول بَين الإِمَام الصَّادِق وَبَين الْحَج
أَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خلفية أبي على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي، قَالَ: حَدثنِي عمي الْفضل بن مُحَمَّد اليزيدي، قَالَ: أَرَادَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْحَج، فَمَنعه الْمَنْصُور، فَقَالَ: الْحَمد لله الْكَافِي، سُبْحَانَ الله الْأَعْلَى، حسبي الله وَكفى، لَيْسَ من الله منجى، مَا شَاءَ الله قضى، لَيْسَ وَرَاء الله مُنْتَهى، توكلت على الله رَبِّي وربكم، مَا من دَابَّة إِلَّا وَهُوَ آخذ بناصيتها، إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم، اللَّهُمَّ إِن هَذَا عبد من عبيدك، خلقته كَمَا خلقتني، لَيْسَ لَهُ عَليّ فضل، إِلَّا مَا فضلته عَليّ بِهِ، فَاكْفِنِي شَره، وارزقني خَيره، واقدح لي فِي قلبه الْمحبَّة، واصرف عني أَذَاهُ، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، سُبْحَانَ الله رب الْعَرْش الْعَظِيم، وَصلى الله على مُحَمَّد النَّبِي وعَلى آله وَسلم كثيرا حُمَيْدُ بْنُ حَمَّادٍ.
قَالَ: فَأذن لَهُ الْمَنْصُور فِي الْحَج.
(1/180)

الْبَاب الثَّالِث
من بشر بفرج من نطق فال وَنَجَا من محنة بقول أَو دُعَاء أَو ابتهال
أعرابية ذهب الْبرد بزرعها فعوضت خيرا
أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي بِالْبَصْرَةِ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع عَن البرقي، قَالَ: رَأَيْت امْرَأَة بالبادية، وَقد جَاءَ الْبرد فَذهب بزرع كَانَ لَهَا، فجَاء النَّاس يعزونها، فَرفعت طرفها إِلَى السَّمَاء، وَقَالَت: اللَّهُمَّ أَنْت المأمول لأحسن الْخلف، وبيدك التعويض عَمَّا تلف، فافعل بِنَا مَا أَنْت أَهله، فَإِن أرزاقنا عَلَيْك، وآمالنا مصروفة إِلَيْك.
قَالَ: فَلم أَبْرَح، حَتَّى جَاءَ رجل من الأجلاء، فَحدث بِمَا كَانَ، فوهب لَهَا خمس مائَة دِينَار.
(1/181)

المعتضد يتَخَلَّص من سجنه ويبطش بالوزير إِسْمَاعِيل بن بلبل
وحَدثني أبي فِي المذاكرة، من لَفظه وَحفظه، وَلم أكتبه عَنهُ فِي الْحَال، وعلق بحفظي، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَلَعَلَّ اللَّفْظ يزِيد أَو ينقص، عَن أبي مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن حمدون، لَا أَظن إِلَّا أَنه هُوَ سَمعه مِنْهُ أَو حَدثهُ من سَمعه من عبد الله بن أَحْمد بن حمدون، نديم المعتضد بِاللَّه، عَن المعتضد، أَنه قَالَ:
(1/182)

لما ضرب إِسْمَاعِيل بن بلبل بيني وَبَين أبي الْمُوفق، فأوحشه مني، حَتَّى حَبَسَنِي الحبسة الْمَشْهُورَة، وَكنت أَتَخَوَّف الْقَتْل صباحا وَمَسَاء، وَلَا آمن أَن يرفع إِسْمَاعِيل عني، مَا يزِيد فِي غيظ الْمُوفق عَليّ، فيأمر بقتلي.
فَكنت كَذَلِك، حَتَّى خرج الْمُوفق إِلَى الْجَبَل، فازداد خوفي.
وأشفقت أَن يحدثه عني إِسْمَاعِيل بكذب، فَيجْعَل غيبته طَرِيقا إِلَيْهِ، فَلَا يكشفه، وَيَأْمُر بقتلي، فَأَقْبَلت على الدُّعَاء، والتضرع إِلَى الله، والابتهال فِي تخليصي.
وَكَانَ إِسْمَاعِيل يجيئني فِي كل يَوْم، مراعيا خبري، يريني أَن ذَلِك خدمَة لي.
(1/183)

فَدخل إِلَى يَوْمًا: وَبِيَدِي الْمُصحف، وَأَنا أَقرَأ، فتركته، وَأخذت أحادثه.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، أَعْطِنِي الْمُصحف لأتفاءل لَك بِهِ، فَلم أجبه بِشَيْء.
فَأخذ الْمُصحف، ففتحه، فَكَانَ فِي أول سطر مِنْهُ: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الْأَعْرَاف: 129] ، فاسود وَجهه، واربد، وخلط الْوَرق.
وفتحه الثَّانِيَة، فَخرج {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [الْقَصَص: 5] إِلَى قَوْله: {يَحْذَرُونَ} [الْقَصَص: 6] ، فازداد قلقا واضطرابا.
وفتحه الثَّالِث: فَخرج {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النُّور: 55] .
فَوضع الْمُصحف من يَده، وَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، أَنْت وَالله الْخَلِيفَة، بِغَيْر شكّ، فَمَا حق بشارتي؟ فَقلت: الله، الله، فِي أَمْرِي، احقن دمي، أسأَل الله أَن يبقي أَمِير الْمُؤمنِينَ، والأمير النَّاصِر، وَمَا أَنا وَهَذَا؟ وَمثلك فِي عقلك، لَا يُطلق مثل هَذَا القَوْل بِمثل هَذَا الِاتِّفَاق، فَأمْسك عني.
(1/184)

وَمَا زَالَ يحدثني، ويخرجني من حَدِيث، ويدخلني فِي غَيره، إِلَى أَن جرى حَدِيث مَا بيني وَبَين أبي، فَأقبل يحلف لي بأيمان غَلِيظَة، أَنه لم يكن لَهُ فِي أَمْرِي صنع، وَلَا سِعَايَة بمكروه، فصدقته، وَلم أزل أخاطبه بِمَا تطيب بِهِ نَفسه، خوفًا من أَن تزيد وحشته، فيسرع فِي التَّدْبِير لتلفي، إِلَى أَن انْصَرف.
ثمَّ صَار إِلَي بعد ذَلِك، وَأخذ فِي التنصل والاعتذار، وَأَنا أظهر لَهُ التَّصْدِيق وَالْقَبُول، حَتَّى سكن، وَلم يشك أَنِّي معترف بِبَرَاءَة ساحته.
فَمَا كَانَ بأسرع من أَن جَاءَ الْمُوفق من الْجَبَل، وَقد اشتدت عَلَيْهِ، وَمَات، فَأَخْرجنِي الغلمان من الْحَبْس، فصيروني مَكَانَهُ، وَفرج الله عني، وقاد الْخلَافَة إِلَيّ، ومكنني من عدوي إِسْمَاعِيل بن بلبل، فأنفذت حكم الله فِيهِ
(1/185)

قَالَ الواثق: لَا أترك من يرجو الْفرج يَمُوت فِي حبسي
وحَدثني عَليّ بن هِشَام الْكَاتِب، قَالَ: سَمِعت أَبَا عبد الله الباقطائي، يَقُول: سَمِعت عبيد الله بن سُلَيْمَان، يَقُول فِي وزارته: قَالَ: لي أبي: كنت يَوْمًا فِي حبس مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات،
(1/186)

فِي خلَافَة الواثق، آيس مَا كنت من الْفرج، وَأَشد محنة وغما، حَتَّى وَردت عَليّ رقْعَة أخي الْحسن بن وهب، وفيهَا شعر لَهُ:
محن أَبَا أَيُّوب أَنْت محلهَا ... فَإِذا جزعت من الخطوب فَمن لَهَا
إِن الَّذِي عقد الَّذِي انْعَقَدت بِهِ ... عقد المكاره فِيك يحسن حلهَا
فاصبر فَإِن الله يعقب فُرْجَة ... ولعلها أَن تنجلي ولعلها
وَعَسَى تكون قريبَة من حَيْثُ لَا ... ترجو وتمحو عَن جديدك ذلها
قَالَ: فتفاءلت بذلك، وقويت نَفسِي، فَكتبت إِلَيْهِ:
صبرتني ووعظتني وأنالها ... وستنجلي بل لَا أَقُول لَعَلَّهَا
ويحلها من كَانَ صَاحب عقدهَا ... ثِقَة بِهِ إِذْ كَانَ يملك حلهَا
قَالَ: فَلم أصل الْعَتَمَة ذَلِك الْيَوْم، حَتَّى أطلقت، فصليتها فِي دَاري، وَلم يمض يومي ذَاك، حَتَّى فرج الله عني، وأطلقت من حبسي.
وَرُوِيَ أَن هَاتين الرقعتين وقعتا بيد الواثق، الرسَالَة وَالْجَوَاب، فَأمر بِإِطْلَاق
(1/187)

سُلَيْمَان، وَقَالَ وَالله، لَا تركت فِي حبسي من يَرْجُو الْفرج، وَلَا سِيمَا من خدمني، فَأَطْلقهُ على كره من ابْن الْجراح الزيات لذَلِك
(1/188)

بَين الْحسن الْبَصْرِيّ وَالْحجاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ
وحَدثني بعض شُيُوخنَا، بِإِسْنَاد ذهب عني حفظه، وَبَلغنِي عَن صَالح بن مِسْمَار، فَجمعت بَين الْخَبَرَيْنِ: أَن الْحسن الْبَصْرِيّ دخل على الْحجَّاج بواسط، فَلَمَّا رَأْي بناءه، قَالَ: الْحَمد لله، أَن هَؤُلَاءِ الْمُلُوك لَيرَوْنَ فِي أنفسهم عبرا، وَأَنا لنرى فيهم عبرا، يعمد أحدهم إِلَى قصر فيشيده، وَإِلَى فرش فيتخذه، وَقد حف بِهِ ذُبَاب طمع، وفراش نَار، ثمَّ يَقُول: أَلا فانظروا مَا صنعت، فقد رَأينَا، يَا عَدو الله، مَا صنعت، فَمَاذَا يَا أفسق الفسقة، وَيَا أفجر الفجرة، أما أهل السَّمَاء فلعنوك، وَأما أهل الأَرْض فمقتوك.
ثمَّ خرج وَهُوَ يَقُول: إِنَّمَا أَخذ الله الْمِيثَاق على الْعلمَاء، ليبيننه للنَّاس، وَلَا يكتمونه.
فاغتاظ الْحجَّاج غيظا شَدِيدا، ثمَّ قَالَ: يَا أهل الشَّام، هَذَا عبيد أهل الْبَصْرَة يَشْتمنِي فِي وَجْهي فَلَا يُنكر عَلَيْهِ أحد، على بِهِ، وَالله لأقتلنه.
فَمضى أهل الشَّام، فأحضروه، وَقد أعلم بِمَا قَالَ:، فَكَانَ فِي طَرِيقه يُحَرك شَفَتَيْه بِمَا لَا يسمع.
(1/189)

فَلَمَّا دخل على الْحجَّاج، رأى السَّيْف والنطع بَين يَدَيْهِ وَهُوَ متغيظ، فَلَمَّا وَقعت عَلَيْهِ عين الْحجَّاج، كَلمه بِكَلَام غليظ، ورفق بِهِ الْحسن، ووعظه.
فَأمر الْحجَّاج بِالسَّيْفِ والنطع فرفعا، ثمَّ لم يزل الْحسن يمر فِي كَلَامه إِلَى أَن دَعَا الْحجَّاج بِالطَّعَامِ، فأكلا، وبالوضوء فَتَوَضَّأ، وبالغالية فغلفه بِيَدِهِ، ثمَّ صرفه مكرما.
وَقَالَ صَالح بن مِسْمَار: قيل لِلْحسنِ بن أبي الْحسن: بِمَ كنت تحرّك شفتيك؟ قَالَ: قلت: يَا غياثي عِنْد دَعْوَتِي، وَيَا عدتي فِي ملمتي، وَيَا رَبِّي عِنْد كربتي، وَيَا صَاحِبي فِي شدتي، وَيَا وليي فِي نعمتي، وَيَا إلهي، وإله إِبْرَاهِيم، وَإِسْمَاعِيل، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، والأسباط، ومُوسَى، وَعِيسَى، وَيَا رب النَّبِيين كلهم أَجْمَعِينَ، وَيَا رب كهيعص، وطه، وطس، وَيس، وَرب الْقُرْآن الْحَكِيم يَا كَافِي مُوسَى فِرْعَوْن، وَيَا كَافِي مُحَمَّد الْأَحْزَاب، صل على مُحَمَّد وَآله الطيبين الطاهرين الْأَخْبَار، وارزقني مَوَدَّة عَبدك الْحجَّاج، وخيره، ومعروفه، واصرف عني أَذَاهُ، وشره، ومكروهه، ومعرته.
فكفاه الله تَعَالَى شَره بمنه وَكَرمه.
قَالَ: صَالح: فَمَا دَعونَا بهَا فِي شدَّة إِلَّا فرج عَنَّا.
(1/190)

دُعَاء دَعَا بِهِ الْحسن بن الْحسن فَفرج الله عَنهُ
وجدت فِي بعض الْكتب، بِغَيْر إِسْنَاد: كتب الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى صَالح بن عبد الله الْمُزنِيّ، عَامله على الْمَدِينَة، أَن أنزل الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم، فَاضْرِبْهُ فِي مَسْجِد رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خمس مائَة سَوط.
قَالَ: فَأخْرجهُ صَالح إِلَى الْمَسْجِد، ليقْرَأ عَلَيْهِم كتاب الْوَلِيد بن عبد الْملك، ثمَّ ينزل فَيضْرب الْحسن، فَبَيْنَمَا هُوَ يقْرَأ الْكتاب، إِذْ جَاءَ عَليّ بن الْحُسَيْن عَلَيْهِمَا السَّلَام، مبادرا يُرِيد الْحسن، فَدخل وَالنَّاس مَعَه إِلَى الْمَسْجِد، وَاجْتمعَ النَّاس، حَتَّى انْتهى إِلَى الْحسن، فَقَالَ لَهُ: يَابْنَ عَم، ادْع بِدُعَاء الكرب.
فَقَالَ: وَمَا هُوَ يَابْنَ عَم؟ قَالَ: قل: لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم، لَا إِلَه الله الْعلي الْعَظِيم، سُبْحَانَ الله رب السَّمَوَات السَّبع، وَرب الْعَرْش الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.
قَالَ: وَانْصَرف عَليّ، وَأَقْبل الْحسن يكررها دفعات كَثِيرَة.
فَلَمَّا فرغ صَالح من قِرَاءَة الْكتاب وَنزل عَن الْمِنْبَر، قَالَ للنَّاس: أرى سحنة رجل مظلوم، أخروا أمره حَتَّى أراجع أَمِير الْمُؤمنِينَ، وأكتب فِي أمره.
فَفعل ذَلِك، وَلم يزل يُكَاتب، حَتَّى أطلق.
قَالَ: وَكَانَ النَّاس يدعونَ، ويكررون هَذَا الدُّعَاء، وحفظوه.
قَالَ: فَمَا دَعونَا بِهَذَا الدُّعَاء فِي شدَّة إِلَّا فرجهَا الله عَنَّا بمنه.
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن سعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا شريك، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، قَالَ: كتب الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى عُثْمَان بن حَيَّان المري: خُذ الْحسن بن الْحسن، فاجلده مائَة جلدَة، وَقفه للنَّاس يَوْمًا، وَلَا أَرَانِي إِلَّا قَاتله.
قَالَ: فَبعث إِلَيْهِ فجيء بِهِ وبالخصوم بَين يَدَيْهِ.
فَقَامَ إِلَيْهِ عَليّ بن الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: يَا أخي تكلم بِكَلِمَات الْفرج يفرج الله عَنْك.
قَالَ: مَا هن؟ قَالَ: قل: لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَكِيم الْكَرِيم، لَا إِلَه إِلَّا الله الْعلي الْعَظِيم،
(1/194)

سُبْحَانَ الله رب السَّمَوَات السَّبع، وَرب الْعَرْش الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.
قَالَ: فَقَالَهَا، فأنفذ، فَرده، وَقَالَ: أَنا أكاتب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِعُذْرِهِ، فَإِن الشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر، بِأَعْلَى وَأثبت من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس
(1/195)

مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَثْرَم الْمُقْرِئ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمد بن الرّبيع اللجمي الجرار الْكُوفِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بن عَليّ، يَعْنِي الْجعْفِيّ، عَن وَالِده، عَن قدامَة، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، قَالَ: حَدثنِي أَبُو مُصعب، قَالَ: كتب عبد الْملك إِلَى عَامله بِالْمَدِينَةِ هِشَام بن إِسْمَاعِيل: أَن حسن بن حسن، كَاتب أهل الْعرَاق، فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا، فَابْعَثْ إِلَيْهِ الشَّرْط، فليأتوا بِهِ.
قَالَ: فَأتي بِهِ، فَسَأَلَهُ عَن شَيْء.
فَقَامَ إِلَيْهِ عَليّ بن الْحُسَيْن عَلَيْهِمَا السَّلَام، فَقَالَ: يَابْنَ عَم، قل كَلِمَات الْفرج، لَا إِلَه إِلَّا الله رب السَّمَوَات السَّبع، وَرب الْعَرْش الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، قَالَ: فَقَالَهَا.
ثمَّ إِن الْأَمِير نظر إِلَى وَجهه، فَقَالَ: أرى وَجها قد قرف بكذبة، خلوا سَبيله فلأراجعنَّ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ 69
(1/196)

دُعَاء يُنجي من المحنة
حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنِي ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، عَن الْفضل بن يَعْقُوب، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفرْيَابِيّ، قَالَ: لما أَخذ أَبُو جَعْفَر إِسْمَاعِيل بن أُميَّة، أَمر بِهِ إِلَى الْحَبْس، فَرَأى فِي طَرِيقه على حَائِط مَكْتُوبًا: يَا وليي فِي نعمتي، وَيَا صَاحِبي فِي وَحْدَتي، وَيَا عدتي فِي كربتي، قَالَ: فَلم يزل يكررها حَتَّى خلى سَبيله، فاجتاز بذلك الْحَائِط فَإِذا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء مَكْتُوب 70
(1/197)

أَجَارَ حَيَّة فَأَرَادَتْ قَتله فخلصه جميل صنعه
ويروى: أَن حَيَّة استجارت بِرَجُل من الْعباد، من رجل يُرِيد قَتلهَا، قَالَ: فَرفع ذيله، وَقَالَ: ادخلي، فتطوقت على بَطْنه.
وَجَاء رجل بِسيف، وَقَالَ لَهُ: يَا رجل، حَيَّة هربت مني السَّاعَة، أردْت قَتلهَا، فَهَل رَأَيْتهَا؟ قَالَ: مَا أرى شَيْئا.
فَلَمَّا أجارها، وَانْصَرف من يُرِيد قَتلهَا، قَالَت لَهُ الْحَيَّة: لَا بُد من قَتلك.
فَقَالَ لَهَا الرجل: لَيْسَ غنى عَن هَذَا؟ قَالَت: لَا.
قَالَ: فأمهليني، حَتَّى آتِي سفح جبل، فأصلي رَكْعَتَيْنِ، وأدعو الله تَعَالَى، وأحفر لنَفْسي قبرا، فَإِذا نزلته، فافعلي مَا بدا لَك.
قَالَت: افْعَل.
فَلَمَّا صلى، ودعا، أوحى الله إِلَيْهِ: إِنِّي قد رحمتك، فاقبض على الْحَيَّة، فَإِنَّهَا تَمُوت فِي يدك، وَلَا تَضُرك.
فَفعل ذَلِك، وَعَاد إِلَى مَوْضِعه، وتشاغل بِعبَادة ربه.
وروى هَذَا الْخَبَر، جَعْفَر العابد، برامهرمز، على غير هَذِه السِّيَاقَة، إِلَّا أَن الْمَعْنى مُتَقَارب، فاوردت مَا بَلغنِي من ذَلِك، فَقَالَ:
(1/198)

قَرَأت فِي كتب الْأَوَائِل، أَن حَيَّة أفلتت من يَد طَالب لَهَا ليقتلها، وَأَنَّهَا سَأَلت الرجل أَن يخبأها، فخبأها فِي فَمه، وأنكرها للطَّالِب لَهَا.
وحَدثني عبد الله بن الْحَارِث بن السراج الوَاسِطِيّ، قَالَ: حَدثنِي بعض أَصْحَاب أبي مُحَمَّد سهل بن عبد الله التسترِي، عَنهُ، قَالَ: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، رجل فِي صحراء قريبَة من جبل، يعبد الله تَعَالَى، إِذْ مثلت لَهُ حَيَّة، فَقَالَت لَهُ: قد أرهقني من يُرِيد قَتْلِي، فأجرني، أجارك الله فِي ظله، يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله.
قَالَ لَهَا: وَمِمَّنْ أجيرك؟ قَالَت: من عَدو يُرِيد قَتْلِي.
قَالَ: وَمِمَّنْ أَنْت؟ قَالَت: من أهل لَا إِلَه إِلَّا الله.
قَالَ: فَأَيْنَ أخبيك؟ قَالَت: فِي جوفك، إِن كنت تُرِيدُ الْمَعْرُوف.
فَفتح فَاه، وَقَالَ: ادخلي، فَفعلت.
فَلَمَّا جَاءَ الطَّالِب، قَالَ لَهُ: رَأَيْت حَيَّة تسْعَى؟ فَقَالَ العابد: مَا أرى شَيْئا، وَصدق فِي ذَلِك.
فَقَالَ لَهُ الطَّالِب: الله.
فَقَالَ: الله.
فَتَركه، وَمضى، ثمَّ قَالَ لَهَا: اخْرُجِي الْآن.
فَقَالَت: إِنِّي من قوم لَا يكافئون على الْجَمِيل إِلَّا بقبيح.
ثمَّ سَاق الحَدِيث على قريب مِمَّا تقدم.
(1/199)

وَوَقع إِلَيّ الْخَبَر بقريب من هَذَا الْمَعْنى، على خلاف هَذِه السِّيَاقَة:
قرئَ على أبي الْعَبَّاس الْأَثْرَم، الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ، وَهُوَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمَّاد بن إِبْرَاهِيم بن ثَعْلَب، فِي منزله بِالْبَصْرَةِ، فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَأَنا حَاضر أسمع، حَدثكُمْ عَليّ بن حَرْب الطَّائِي الْموصِلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر بن الْمُنْذر الطَّائِي العابد بمهروبان، قَالَ: كنت عِنْد سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَالْتَفت إِلَى شيخ حَاضر، فَقَالَ لَهُ: حدث الْقَوْم بِحَدِيث الْحَيَّة.
فَقَالَ الرجل: حَدثنِي عبد الْجَبَّار، أَن حميد بن عبد الله خرج إِلَى متعبده، فمثلت بَين يَدَيْهِ حَيَّة، وَقَالَت لَهُ: أجرني أجارك الله فِي ظله.
قَالَ: وَمِمَّنْ أجيرك؟ قَالَت: من عَدو يُرِيد قَتْلِي.
قَالَ: فَأَيْنَ أخبئك؟ قَالَت: فِي جوفك.
فَفتح فَاه، فَمَا اسْتَقَرَّتْ، حَتَّى وافاه رجل بِسيف مُجَرّد، فَقَالَ لَهُ: يَا حميد أَيْن الْحَيَّة؟ قَالَ: مَا أرى شَيْئا.
فَذهب الرجل، فأطلعت الْحَيَّة رَأسهَا، وَقَالَت: يَا حميد أتحس الرجل؟
(1/200)

فَقَالَ: لَا، قد ذهب، فاخرجي.
قَالَت: اختر مني إِحْدَى خَصْلَتَيْنِ، إِمَّا أَن أنكتك فأقتلك، أَو أفرث كبدك، فَتَرْمِيه من دبرك قطعا.
فَقَالَ: وَالله، مَا كافيتني.
فَقَالَت: قد عرفت العدواة الَّتِي بيني وَبَين أَبِيك آدم قَدِيما، وَلَيْسَ معي مَال فأعطيك وَلَا دَابَّة فأحملك عَلَيْهَا.
فَقَالَ: أمهليني، حَتَّى آتِي سفح الْجَبَل، وأحفر لنَفْسي قبرا.
قَالَت لَهُ: افْعَل.
فَبينا هُوَ يسير إِذْ لقِيه فَتى حسن الْوَجْه، طيب الرّيح، حسن الثِّيَاب، فَقَالَ لَهُ: يَا شيخ، مَا لي أَرَاك مستسلما للْمَوْت، آيسا من الْحَيَاة؟ قَالَ: من عَدو فِي جوفي يُرِيد هلاكي.
فاستخرج من كمه شَيْئا فَدفعهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: كُله.
قَالَ: فَفعلت ذَلِك، فَوجدت مغصا شَدِيدا، ثمَّ ناولني شَيْئا آخر، فَإِذا بالحية سَقَطت من جوفي قطعا.
فَقلت لَهُ: من أَنْت يَرْحَمك الله؟ فَمَا أحد أعظم عَليّ منَّة مِنْك، فَقَالَ: أَنا الْمَعْرُوف، إِن أهل السَّمَاء رَأَوْا غدر هَذِه الْحَيَّة بك، فسألوا الله عز وَجل، أَن يعيذك، فَقَالَ لي الله تَعَالَى: يَا مَعْرُوف، أدْرك عَبدِي، فإياي أَرَادَ بِمَا صنع 71
(1/201)

أهْدر عبد الْملك دَمه فَدَعَا فَأَمنهُ وَأحسن إِلَيْهِ
بَلغنِي أَنه جنى رجل جِنَايَة على عهد عبد الْملك بن مَرْوَان، فأهدر دَمه وَدم من يؤويه، وَأمر بِطَلَبِهِ، فتحاماه النَّاس كلهم.
فَكَانَ يسيح فِي الْجبَال والبراري، وَلَا يذكر اسْمه، فيضاف الْيَوْم واليومين، فَإِذا عرف طرد وَلم يدع أَن يسْتَقرّ.
قَالَ الرجل: فَكنت أسيح يَوْمًا فِي بطن وَاد، فَإِذا بشيخ أَبيض الرَّأْس واللحية، عَلَيْهِ ثِيَاب بَيَاض، وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، فقنت إِلَى جنبه.
فَلَمَّا سلم انْفَتَلَ إِلَيّ، وَقَالَ لي: من أَنْت؟ قلت: رجل أخافني السُّلْطَان، وَقد تحاماني النَّاس، فَلم يجرني أحد من خلق الله تَعَالَى، فَأَنا أسيح فِي هَذِه البراري، خَائفًا على نَفسِي.
قَالَ: فَأَيْنَ أَنْت عَن السَّبع؟ قلت: وَأي سبع؟ قَالَ: تَقول: سُبْحَانَ الله الْإِلَه الْوَاحِد، الَّذِي لَيْسَ غَيره أحد، سُبْحَانَ الدَّائِم الَّذِي لَيْسَ يعادله شَيْء، سُبْحَانَ الدَّائِم الْقَدِيم، الَّذِي لَا ند لَهُ وَلَا عديل، سُبْحَانَ الَّذِي يحيي وَيُمِيت، سُبْحَانَ الَّذِي هُوَ كل يَوْم شَأْن، سُبْحَانَ الَّذِي خلق مَا يرى، وَمَا لَا يرى، سُبْحَانَ الَّذِي علم كل شَيْء بِغَيْر تَعْلِيم، اللَّهُمَّ
(1/202)

إِنِّي أَسأَلك بِحَق هَذِه الْكَلِمَات وحرمتهن، أَن تفعل بِي كَذَا وَكَذَا، وأعادهن عَليّ، فحفظتهن.
قَالَ الرجل: وفقدت صَاحِبي، فَألْقى الله تَعَالَى الْأَمْن فِي قلبِي، وَخرجت من وقتي مُتَوَجها إِلَى عبد الْملك، فوقفت بِبَابِهِ، واستأذنت عَلَيْهِ، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ، قَالَ: أتعلمت السحر؟ قلت: لَا، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن كَانَ من شأني كَذَا وَكَذَا، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة.
فأمنني، وَأحسن إِلَيّ.
(1/203)

يَا كاشف الضّر بك اسْتَغَاثَ من اضْطر
وَأَخْبرنِي صديق لي: أَن بعض أَصْحَابنَا من الْكتاب، دفع إِلَى محنة صعبة، فَكَانَ من دُعَائِهِ: يَا كاشف الضّر، بك اسْتَغَاثَ من اضْطر.
قَالَ: وَقد رَأَيْته نقش ذَلِك على خَاتمه، وَكَانَ يردد الدُّعَاء بِهِ، فكشف الله محنته عَن قريب.
(1/205)

سُلَيْمَان بن وهب يتَخَلَّص من حَبسه بِدُعَاء صَادف استجابة
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام، قَالَ: سَمِعت أَبَا عبد الله حمد بن مُحَمَّد القنائي، ابْن أُخْت الْحسن بن مخلد.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: قَالَ لي أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن عَليّ بن عِيسَى، فِي كَلَام جرى بَيْننَا، غير هَذَا، طَوِيل: كَانَ حمد بن مُحَمَّد هَذَا، ابْن الْجراح عمَّة الْحسن بن مخلد، وَكَانَ أبي عرفني أَنه أَشَارَ على المقتدر بِاللَّه، وَقد استشاره
(1/206)

فِيمَن يقلده الوزارة، قَالَ: فأسميت لَهُ حمد بن مُحَمَّد هَذَا، وَأَبا عِيسَى أَخا أبي صَخْرَة، وَأَبا زنبور، وَمُحَمّد بن عَليّ بن الْحسن المادرائيين.
(1/207)

قَالَ: سَمِعت عبيد الله بن سُلَيْمَان بن وهب، يَقُول: كَانَ المتَوَكل، أَغيظ النَّاس على إيتاخ، وَذكر حَدِيثا طَويلا، وصف فِيهِ كَيفَ قبض المتَوَكل على إيتاخ وابنيه بِبَغْدَاد، لما رَجَعَ من الْحَج، بيد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُصعب، قَالَ فِيهِ قَالَ: سُلَيْمَان بن وهب: سَاعَة قبض على إيتاخ بِبَغْدَاد،
(1/208)

قبض عَليّ بسر من رأى، وسلمت إِلَى عبيد الله بن يحيى.
وَكتب المتَوَكل إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، بِدُخُول سر من رأى، ليتقوى بِهِ على الأتراك، لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه بضعَة عشر ألفا، ولكثرة الطاهرية، بخراسان، وَشدَّة شوكتهم.
فَلَمَّا دخل إِسْحَاق سامراء، أَمر المتَوَكل بتسليمي إِلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا عدوي، ففصل لَحْمه عَن عظمه، هَذَا كَانَ يلقاني فِي أَيَّام المعتصم، فَلَا يبدأني بِالسَّلَامِ، فأبدأه بِهِ لحاجتي إِلَيْهِ، فَيرد عَليّ كَمَا يرد الْمولى على عَبده، كل مَا دبره إيتاخ، فَعَن رَأْيه.
فأخذني إِسْحَاق، وقيدني بِقَيْد ثقيل، وألبسني جُبَّة صوف، وحبسني فِي
(1/209)

كنيف، وأغلق عَليّ خَمْسَة أَبْوَاب، فَكنت لَا أعرف اللَّيْل من النَّهَار.
فأقمت على ذَلِك عشْرين يَوْمًا، لَا يفتح عَليّ الْبَاب إِلَّا دفْعَة وَاحِدَة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة، يدْفع إِلَى فِيهَا خبز وملح جريش، وَمَاء حَار، فَكنت آنس بالخنافس، وَبَنَات وردان، وأتمنى الْمَوْت من شدَّة مَا أَنا فِيهِ.
فَعرض لي لَيْلَة من اللَّيَالِي، أَن أطلت الصَّلَاة، وسجدت، فتضرعت إِلَى الله تَعَالَى، ودعوته بالفرج، وَقلت فِي دعائي: اللَّهُمَّ، إِن كنت تعلم أَنه كَانَ لي فِي دم نجاح بن سَلمَة صنع، فَلَا تخلصني مِمَّا أَنا فِيهِ، وَإِن كنت تعلم أَنه لَا صنع لي فِيهِ، وَلَا فِي الدِّمَاء الَّتِي سفكت، فَفرج عني.
فَمَا استتممت الدُّعَاء، حَتَّى سَمِعت صَوت الأقفال تفتح، فَلم أَشك أَنه الْقَتْل، ففتحت الْأَبْوَاب، وَجِيء بالشمع، وحملني الفراشون، لثقل حديدي.
فَقلت لحاجبه: سَأَلتك بِاللَّه، اصدقني عَن أَمْرِي.
فَقَالَ: مَا أكل الْأَمِير الْيَوْم شَيْئا، لِأَنَّهُ أغْلظ عَلَيْهِ فِي أَمرك، وَذَلِكَ أَن
(1/210)

أَمِير الْمُؤمنِينَ وبخه بسببك، وَقَالَ: سلمت إِلَيْك سُلَيْمَان بن وهب تسمنه أَو تستخرج مَاله؟ فَقَالَ الْأَمِير: أَنا صَاحب سيف، وَلَا أعرف المناظرة على الْأَمْوَال ووجوهها، وَلَو قرر أمره على شَيْء لطالبته بِهِ.
فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْكتاب بالاجتماع عِنْد الْأَمِير لمناظرتك، وإلزامك مَالا يُؤْخَذ بِهِ خطك، وتطالب بِهِ، وَقد اجْتَمعُوا، واستدعيت لهَذَا.
قَالَ: فَحملت إِلَى الْمجْلس، فَإِذا فِيهِ مُوسَى بن عبد الْملك، صَاحب ديوَان الْخراج، وَالْحسن بن مخلد، صَاحب ديوَان الضّيَاع، وَأحمد بن إِسْرَائِيل الْكَاتِب، وَأَبُو نوح عِيسَى بن إِبْرَاهِيم، كَاتب الْفَتْح بن خاقَان،
(1/211)

وَدَاوُد بن الْجراح، صَاحب الزِّمَام، فطرحت فِي آخر الْمجْلس.
فشتمني إِسْحَاق أقبح شتم، وَقَالَ: يَا فَاعل، يَا صانع، تعرضني لاستبطاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَالله، لأفرقن بَين لحمك وعظمك، ولأجعلن بطن الأَرْض أحب إِلَيْك من ظهرهَا، أَيْن الْأَمْوَال؟ .
فاحتججت بنكبة ابْن الزيات لي.
فبدرني الْحسن بن مخلد، فَقَالَ: أخذت من النَّاس أَضْعَاف مَا أدّيت، وعادت يدك إِلَى كتبة إيتاخ، فَأخذت ضيَاع السُّلْطَان، واقتطعها لنَفسك، وحزتها سَرقَة إِلَيْك، وَأَنت تغلها ألفي ألف دِرْهَم، وتتزيا بزِي الوزراء، وَقد بقيت عَلَيْك من تِلْكَ المصادرة جملَة لَام تؤدها، وَأخذت الْجَمَاعَة تواجهني بِكُل قَبِيح، إِلَّا مُوسَى بن عبد الْملك، فَإِنَّهُ كَانَ ساكتا لصداقة كَانَت بيني وَبَينه.
فَأقبل من بَينهم على إِسْحَاق، وَقَالَ: يَا سَيِّدي، أتأذن لي فِي الْخلْوَة بِهِ لأفصل أمره؟ قَالَ: افْعَل.
فاستدناني، فَحملت إِلَيْهِ، فسارني، وَقَالَ: عَزِيز عَليّ يَا أخي حالك، وَبِاللَّهِ لَو كَانَ خلاصك بِنصْف مَا أملكهُ لفديتك بِهِ، وَلَكِن صُورَتك قبيحة، وَمَا أملك إِلَّا الرَّأْي، فَإِن قبلت مني، رَجَوْت خلاصك، وَإِن
(1/212)

خالفتني، فَأَنت، وَالله، هَالك.
قَالَ: فَقلت: لَا أخالفك.
قَالَ: الرَّأْي أَن تكْتب خطك بِعشْرَة آلَاف ألف دِرْهَم، تؤديها فِي عشرَة أشهر، عِنْد انْقِضَاء كل شهر ألف ألف دِرْهَم، وتترفه عَاجلا مِمَّا أَنْت فِيهِ.
فَسكت سكُوت مبهوت، فَقَالَ لي: مَا لَك؟ .
فَقلت لَهُ: وَالله، مَا أرجع إِلَى ربعهَا، إِلَّا بعد بيع عقاري، وَمن يَشْتَرِي مني وَأَنا منكوب، وَكَيف يتوفر لي الثّمن وَأَنا على هَذِه الْحَالة؟ .
فَقَالَ: أَنا أعلم أَنَّك صَادِق، وَلَكِن احرس نَفسك عَاجلا بِعظم مَا تبذله، ويطمع فِيهِ من جهتك، وَأَنا من وَرَاء الْحِيلَة لَك فِي شَيْء أميل بِهِ رَأْي الْخَلِيفَة من جهتك، يعود إِلَى صلاحك، وَالله الْمعِين، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَلَا تتعجل الْمَوْت، وَلَو لم تستفد إِلَّا الرَّاحَة مِمَّا أَنْت فِيهِ يَوْمًا وَاحِدًا، لكفى.
قَالَ: فَقلت: لست أتهم ودك وَلَا رَأْيك، وَأَنا أفعل مَا تَقول.
فَأقبل على الْجَمَاعَة، وَقَالَ: يَا سادتي، إِنِّي قد أَشرت عَلَيْهِ أَن يكْتب خطه بِشَيْء لَا يطيقه، فضلا عَمَّا هُوَ أَكثر مِنْهُ، ورجوت أَن نعاونه بِأَمْوَالِنَا وجاهنا، ليمشي أمره، وَقد واقفته ليكتب بِكَذَا وَكَذَا.
فَقَالُوا: الصَّوَاب لَهُ أَن يفعل هَذَا.
فَدَعَا لي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس، وَأخذ خطي بِالْمَالِ على نجومه، فَلَمَّا أَخذه، قَامَ قَائِما، وَقَالَ لإسحاق: يَا سَيِّدي، هَذَا رجل قد صَار عَلَيْهِ للسُّلْطَان، أعزه الله، مَال، وسبيله أَن يرفه، وتحرس نَفسه، وينقل من هَذِه الْحَال
(1/213)

ويغير زيه، يرد جاهه، بإنزاله دَارا كَبِيرَة، وإخدامه بفرش وَآلَة حَسَنَة، وإخدامه خداما بَين يَدَيْهِ، وَيُمكن من لِقَاء من يُؤثر لقاءه من معامليه، وَمن يحب لقاءه من أَهله وَولده وحاشيته، ليجد فِي حمل المَال الْحَال عَلَيْهِ، قبل مَحَله، ونعينه نَحن، وَيبِيع أملاكه، ويرتجع ودائعه مِمَّن هِيَ عِنْده.
فَقَالَ إِسْحَاق: السَّاعَة أفعل ذَلِك، وأبلغه جَمِيع مَا ذكرت، وَأمكنهُ مِنْهُ، ونهضت الْجَمَاعَة.
فَأمر إِسْحَاق بفك حديدي، وإدخالي الْحمام، وَجَاءَنِي بخلعة حَسَنَة، وَطيب، وبخور، فاستعملته، واستدعاني، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ، نَهَضَ إِلَيّ، وَلم يكن فِي مَجْلِسه أحد، وَاعْتذر إِلَى مِمَّا خاطبني بِهِ، وَقَالَ: أَنا صَاحب سيف، ومأمور، وَقد لَحِقَنِي الْيَوْم من أَجلك سَماع كل مَكْرُوه، حَتَّى امْتنعت عَن الطَّعَام غما بِأَن أبتلى بقتلك، أَو يعتب الْخَلِيفَة عَليّ من أَجلك، وَإِنَّمَا خاطبتك بذلك، لإِقَامَة عذر عِنْد هَؤُلَاءِ الأشرار، ليبلغوا الْخَلِيفَة ذَلِك، وَجَعَلته وقاية لَك من الضَّرْب وَالْعَذَاب، فشكرته، وَقلت مَا حضرني من الْكَلَام.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، حولني إِلَى دَار كَبِيرَة، وَاسِعَة، حَسَنَة، مفروشة، ووكل بِي فِيهَا، على إِحْسَان عشرَة وإجلال، فاستدعت كل من أريده، وتسامع بِي أَصْحَابِي، فجاءوني وَفرج الله عني.
وَمَضَت سَبْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقد أَعدَدْت ألف ألف دِرْهَم، مَال النَّجْم
(1/214)

الأول، وَأَنا أتوقع أَن يحل، فأطالب، فأؤديه، فَإِذا بمُوسَى بن عبد الْملك قد دخل إِلَيّ، فَقُمْت إِلَيْهِ، فَقَالَ: أبشر.
فَقلت: مَا الْخَبَر يَا سَيِّدي؟ .
فَقَالَ: ورد كتاب عَامل مصر، بمبلغ مَال مصر لهَذِهِ السّنة مُجملا فِي مبلغ الْحمل والنفقات، إِلَى أَن ينفذ حسابه مفصلا، فَقَرَأَ عبيد الله ذَلِك على المتَوَكل، فَوَقع إِلَى ديواني بِإِخْرَاج الْعبْرَة لمصر، ليعرف أثر الْعَامِل، فأخرجت ذَلِك من ديوَان الْخراج والضياع، لِأَن مصر تجْرِي فِي ديوَان الْخراج والضياع وَينفذ حِسَابهَا إِلَى الديوانين، كَمَا قد علمت، وَجعلت سنتك الَّتِي توليت فِيهَا عمالة مصر، مصدرة، وأوردت بعْدهَا السنين النَّاقِصَة عَن سنتك، تلطفا فِي خلاصك، وَجعلت أَقُول: النُّقْصَان فِي سنة كَذَا عَن سنة كَذَا وَكَذَا الَّتِي صدرناها، كَذَا وَكَذَا ألفا.
فَلَمَّا قَرَأَ عبيد الله الْعَمَل على المتَوَكل، قَالَ: فَهَذِهِ السّنة الوافرة، من كَانَ يتَوَلَّى عمالتها؟ .
فَقلت أَنا: سُلَيْمَان بن وهب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ المتَوَكل: فَلم لَا يرد إِلَيْهَا؟
(1/215)

فَقلت: وَأَيْنَ سُلَيْمَان بن وهب؟ ذَاك مقتول بالمطالبة، قد استصفي وافتقر.
فَقَالَ: تزَال عَنهُ الْمُطَالبَة، ويعان بِمِائَة ألف دِرْهَم، ويعجل إِخْرَاجه.
فَقلت: وَترد ضيَاعه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ليرْجع جاهه.
قَالَ: وَيفْعل ذَلِك، وَقد تقدم إِلَى عبيد الله بِهَذَا، واستأذنته فِي إخراجك، فَأذن لي، فَقُمْ بِنَا إِلَى الْوَزير، وَقد كَانَ دخل إِلَى إِسْحَاق برسالة الْخَلِيفَة بإطلاقي.
فَخرجت من وقتي، وَلم أؤد من مَال النَّجْم الأول حَبَّة وَاحِدَة، ورددته إِلَى مَوْضِعه.
وَجئْت إِلَى عبيد الله، فَوَقع لي بِمِائَة ألف دِرْهَم مَعُونَة على سَفَرِي، وَدفع إِلَيّ عهدي على مصر، فَخرجت إِلَيْهَا.
(1/216)

دَعْوَة مستجابة
حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْأَهْوَازِي أحد شُهُود أبي بهَا.
عَن مسرور بن عبد الله الأستادي، قَالَ: حزبني أَمر ضقت بِهِ ذرعا، فَأتيت يحيى بن خَالِد الْأَزْرَق، وَكَانَ مستجاب الدعْوَة، فرآني مكروبا قلقا، فَقَالَ لي: مَا شَأْنك؟ فَقلت: دفعت إِلَى كَيْت وَكَيْت.
فَقَالَ لي: اسْتَعِنْ بِالصبرِ، فَإِن الله وعد الصابرين خيرا.
فَقلت لَهُ: ادْع لي، فحرك شَفَتَيْه بِشَيْء لَا أعلم مَا هُوَ، فَانْصَرَفت على جملتي من القلق، فَلَمَّا أَصبَحت أَتَانِي الْفرج بِإِذن الله تَعَالَى.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَيحيى بن خَالِد هَذَا، هُوَ جد عبد الله بن مُحَمَّد بن يحيى الْأَهْوَازِي الْكَاتِب، وَعبد الله هَذَا جدي لأمي.
(1/222)

دُعَاء لشفاء الْعِلَل
حَدثنِي عبد الله بن أَحْمد بن داسة الْبَصْرِيّ، قَالَ: اعتللت عِلّة شَدِيدَة، أَيِست فِيهَا من نَفسِي، على شدَّة كنت فِيهَا، فعادني بعض أَصْحَاب أبي مُحَمَّد سهل بن عبد الله التسترِي، فَقَالَ: كَانَ أَبُو مُحَمَّد سهل، يَدْعُو الله فِي علله، بِدُعَاء مَا دَعَا بِهِ أحد إِلَّا عوفي.
فَقلت: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: قل: اللَّهُمَّ اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، وَعَافنِي من بلائك.
قَالَ: فواصلت الدُّعَاء بذلك، فعوفيت.
(1/223)

غُلَام نازوك وَكتاب الْعَطف
حَدثنِي أَبُو الْحسن احْمَد بن يُوسُف الْأَزْرَق، بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، عَن أبي الْحُسَيْن بن البواب الْمُقْرِئ، قَالَ: كَانَ يصحبنا على الْقُرْآن، رجل مَسْتُور صَالح، يكنى أَبَا أَحْمد، وَكَانَ يكْتب كتب الْعَطف للنَّاس، فَحَدثني يَوْمًا، قَالَ: بقيت يَوْمًا بِلَا شَيْء، وَأَنا جَالس فِي دكاني، وَقد دَعَوْت الله أَن يسهل قوتي، فَمَا استتممت الدُّعَاء، حَتَّى فتح بَاب دكاني غُلَام أَمْرَد، حسن الْوَجْه جدا، فَسلم عَليّ وَجلسَ.
فَقلت لَهُ: مَا حَاجَتك؟ فَقَالَ: أَنا عبد مَمْلُوك، وَقد طردني مولَايَ، وَغَضب عَليّ، وَقَالَ: انْصَرف عني إِلَى حَيْثُ شِئْت، وَمَا أَعدَدْت لنَفْسي من أطرحها عَلَيْهِ فِي مثل هَذَا الْوَقْت، وَلَا أعرف من أقصده، وَقد بقيت متحيرا فِي أَمْرِي، وَقيل لي إِنَّك تكْتب كتب الْعَطف، فَاكْتُبْ لي كتابا.
فَكتب لَهُ الْكتاب الَّذِي كنت أكتبه، وَهُوَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم،
(1/224)

الْحَمد لله رب الْعَالمين إِلَى آخر ال { [، والمعوذتين، وَسورَة الْإِخْلَاص، و: الْكُرْسِيّ، و] لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الْحَشْر: 21] . . . إِلَى آخر ال { [، وكتبت آيَات الْعَطف، وَهِي:] لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [سُورَة الْأَنْفَال: 63] . . . الْآيَة، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الرّوم: 21] إِلَى آخر الْآيَة، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمرَان: 103] إِلَى آخر الْآيَة.
وَقلت لَهُ: خُذ هَذِه الرقعة، فشدها على عضدك الْأَيْمن، وَلَا تعلقهَا عَلَيْك إِلَّا وَأَنت طَاهِر.
فَأَخذهَا وَقَامَ وَهُوَ يبكي، وَطرح بَين يَدي دِينَارا عينا، فداخلتني لَهُ رَحْمَة، فَصليت رَكْعَتَيْنِ، ودعوت لَهُ أَن يَنْفَعهُ الله بِكِتَاب، وَيرد عَلَيْهِ قلب
(1/225)

مَوْلَاهُ، وَجَلَست.
فَمَا مَضَت إِلَّا ساعتان، وَإِذا بِأبي الْجُود، خَليفَة عَجِيب، غُلَام نازوك، وَكَانَ خَلِيفَته على الشرطة، قد جَاءَنِي، فَقَالَ لي: أجب الْأَمِير نازوك، فارتعت.
فَقَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك، وأركبني بغلا، وَجَاء بِي إِلَى دَار نازوك، فتركني فِي الدهليز وَدخل.
(1/226)

فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، أدخلت، فَإِذا نازوك جَالس فِي دست عَظِيم، وَبَين يَدَيْهِ الغلمان قيَاما سماطين، نَحْو ثَلَاث مائَة غُلَام وَأكْثر، وكاتبه الْحُسَيْن جَالس بَين يَدَيْهِ، وَرجل آخر لَا أعرفهُ.
فارتعت، وأهويت لأقبل الأَرْض، فَقَالَ: مَه، عافاك الله، لَا تفعل، هَذَا من سنَن الجبارين، وَمَا نُرِيد نَحن هَذَا، اجْلِسْ يَا شيخ، وَلَا تخف، فَجَلَست.
فَقَالَ لي: جَاءَك الْيَوْم غُلَام أَمْرَد، فَكتبت لَهُ كتابا للْعَطْف؟ قلت: نعم.
قَالَ: اصدقني عَمَّا جرى بَيْنكُمَا، حرفا، حرفا.
فأعدته عَلَيْهِ، حَتَّى لم أدع كلمة، وتلوت عَلَيْهِ الْآيَات الَّتِي كتبتها.
فَلَمَّا بلغت إِلَيّ قَول الْغُلَام: أَنا عبد مَمْلُوك، وَمَا أَعدَدْت لنَفْسي من أقصده فِي هَذِه الْحَال، وَلَا أعرف أحدا ألجأ إِلَيْهِ، وَقد طردني مولَايَ، بَكَيْت لما تداخلني من رَحْمَة لَهُ، وأريته الدِّينَار الَّذِي أعطانيه، فَدَمَعَتْ عينا نازوك وتجلد، وَاسْتوْفى الحَدِيث.
وَقَالَ: قُم يَا شيخ، بَارك الله عَلَيْك، وَمهما عرضت لَك من حَاجَة، أَو لِجَار لَك، أَو صديق فسلنا إِيَّاهَا، فَإنَّا نقضيها، وَأكْثر عندنَا وانبسط فِي هَذِه الدَّار، فَإنَّك غير مَحْجُوب عَنْهَا، فدعوت لَهُ وَخرجت.
فَلَمَّا صرت خَارج بَاب الْمجْلس، إِذا بِغُلَام قد أَعْطَانِي قرطاسا فِيهِ ثَلَاث مائَة دِرْهَم، فَأَخَذته وَخرجت.
فَلَمَّا صرت فِي الدهليز، إِذا بالفتي، فَعدل بِي إِلَى مَوضِع وأجلسني.
(1/227)

فَقلت: مَا خبرك؟ فَقَالَ: أَنا غُلَام الْأَمِير، وَكَانَ قد طردني، وَغَضب عَليّ، فَلَمَّا أَن جئْتُك، واحتبست عنْدك، طلبني، فَرَجَعت مَعَ رسله.
فَقَالَ لي: أَيْن كنت؟ فصدقته الحَدِيث، فَلم يصدقني، وَأمر بإحضارك، فَلَمَّا اتفقنا فِي الحَدِيث، وَخرجت السَّاعَة، أحضرني، وَقَالَ: يَا بني، أَنْت السَّاعَة من أجل غلماني عِنْدِي، وأمكنهم من قلبِي، وأخصهم بِي، إِذْ كنت لما غضِبت عَلَيْك مَا غَيْرك ذَلِك عَن محبتي، وَالرَّغْبَة فِي خدمتي، وَطلب الْحِيَل فِي الرُّجُوع إِلَيّ , وانكشف لي أَنَّك مَا أَعدَدْت لنَفسك، بعد الله، سواي، وَلَا عرفت وَجها تلجأ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا غَيْرِي، فَمَا ترى بعد هَذَا إِلَّا كل مَا تحب، وسأعلي منزلتك، وأبلغ بك أَعلَى مَرَاتِب نظرائك، وَلَعَلَّ الله سُبْحَانَهُ اسْتَجَابَ فِيك دُعَاء هَذَا الرجل الصَّالح، ونفعك بِالْآيَاتِ، فَبِأَي شَيْء كافأت الرجل؟ .
فَقلت: مَا أَعْطيته غير ذَلِك الدِّينَار.
فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، قُم إِلَى الخزانة، فَخذ مِنْهَا مَا تُرِيدُ، وأعطه.
فَأخذت مِنْهَا هَذَا القرطاس، وجئتك بِهِ، فَخذه، وَأَعْطَانِي أَيْضا خمس مائَة دِرْهَم، وَقَالَ لي: الزمني، فَإِنِّي أحسن إِلَيْك.
فَجِئْته بعد مديدة، فَإِذا هُوَ قَائِد جليل، وَقد بلغ بِهِ نازوك تِلْكَ الْمنزلَة، فوصلني بصلَة جليلة، وَصَارَ لي عدَّة على الدَّهْر وذخيرة.
(1/228)

جور أبي عبد الله الْكُوفِي
حَدثنِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد المهندس، قَالَ: حَدثنِي أَبُو مَرْوَان الجامدي، قَالَ: ظَلَمَنِي أَحْمد بن عَليّ بن سعيد الْكُوفِي، وَهُوَ يتقلد وَاسِط لناصر الدولة، وَقد تقلد إمرة الْأُمَرَاء بِبَغْدَاد، وَكنت أحد من ظلم، فظلمني، وَأخذ من ضيعتي بالجامدة نيفا وَأَرْبَعين كرا أرزا، بِالنِّصْفِ من حق الرَّقَبَة، بِغَيْر
(1/230)

تَأْوِيل وَلَا شُبْهَة، سوى مَا أَخذه بِحَق بَيت المَال، وظلم فِيهِ أَيْضا، فتظلمت إِلَيْهِ، وكلمته، فَلم يَنْفَعنِي مَعَه شَيْء، وَكَانَ الْكر الْأرز بِالنِّصْفِ، إِذْ ذَاك، بِثَلَاثِينَ دِينَارا.
فَقلت لَهُ: قد أَخذ مني سَيِّدي مَا أَخذ، وَالله، مَا أهتدي أَنا وعيالي، إِلَى مَا سوى ذَلِك، وَمَا لي مَا أقوتهم بِهِ بَاقِي سنتي، وَلَا مَا أعمر بِهِ ضيعتي، وَقد طابت نَفسِي أَن تطلق لي من جملَته عشرَة أكرار، وجعلتك من الْبَاقِي فِي حل.
فَقَالَ: مَا إِلَى هَذَا سَبِيل.
فَقلت: فخمسة أكرار.
فَقَالَ: لَا أفعل.
فَبَكَيْت، وَقبلت يَده، ورققته، وَقلت: هَب لي ثَلَاثَة أكرار، وَتصدق عَليّ بهَا، وَأَنت من الْجَمِيع فِي حل.
فَقَالَ: لَا وَالله، وَلَا أرزة وَاحِدَة.
فتحيرت، وَقلت: فَإِنِّي أتظلم مِنْك إِلَى الله تَعَالَى.
فَقَالَ لي: كن على الظلامة، يكررها دفعات، وَيكسر الْمِيم، بِلِسَان أهل الْكُوفَة.
فَانْصَرَفت منكسر الْقلب، مُنْقَطع الرَّجَاء، فَجمعت عيالي، وَمن زلنا نَدْعُو عَلَيْهِ ليَالِي كَثِيرَة، فهرب من وَاسِط فِي اللَّيْلَة الْحَادِيَة عشرَة من أَخذه الْأرز، فَجئْت إِلَى البيدر، والأرز مطروح، فَأَخَذته، وَحَمَلته إِلَى منزلي، وَمَا عَاد الْكُوفِي بعْدهَا إِلَى وَاسِط، وَلَا أَفْلح.
(1/231)

من طريف مَا اتّفق لِابْنِ مقلة فِي نكبته الَّتِي أدته إِلَى الوزارة
وحَدثني غير من الْكتاب، عَمَّن سمع أَبَا عَليّ بن مقلة، لما عَاد من فَارس وزيرا، يحدث، قَالَ: من طريف مَا اتّفق لي فِي نكبتي هَذِه الَّتِي أدتني إِلَى الوزارة، أنني أَصبَحت
(1/232)

وَأَنا مَحْبُوس مُقَيّد فِي حجرَة من دَار ياقوت، أَمِير فَارس، وَقد لَحِقَنِي من الْيَأْس من الْفرج وضيق الصَّدْر مَا أقنطني وَكَاد يذهب بعقلي، وَكُنَّا، أَنا وَفُلَان محبوسين، مقيدين، فِي بَيت وَاحِد من الْحُجْرَة، إِلَّا أَنا على سَبِيل ترفيه وإكرام.
فَدخل علينا كَاتب لياقوت، وَكَانَ كثيرا مَا يجيئنا برسالته، فَقَالَ: الْأَمِير يقرئكما السَّلَام، ويتعرف أخباركما، ويعرض عَلَيْكُمَا قَضَاء حَاجَة إِن كَانَت لَكمَا.
فَقلت لَهُ: تقْرَأ عَلَيْهِ السَّلَام، وَتقول لَهُ: قد، وَالله، ضَاقَ صَدْرِي، واشتهيت أَن أشْرب على غناء طيب، فَإِن جَازَ أَن يسامحنا بذلك سرا، ويتخذ بِهِ منَّة عَليّ ويدا، تفضل بذلك.
فَقَالَ لي الْمَحْبُوس الَّذِي كَانَ معي: يَا هَذَا، مَا فِي قُلُوبنَا فضل لذَلِك.
فَقلت لِلْكَاتِبِ: أد عني مَا قلت لَك.
(1/233)

قَالَ: السّمع وَالطَّاعَة , وَمضى، وَعَاد فَقَالَ: الْأَمِير يَقُول لَك: نعم، وكرامة وعزازة، أَي: وَقت شِئْت.
فَقلت: السَّاعَة.
فَلم تمض إِلَّا سَاعَة، حَتَّى جَاءُوا بِالطَّعَامِ، فأكلنا، وبالمشام والفواكه والنبيذ، وصف الْمجْلس، فَجَلَست أَنا والمحبوس الَّذِي معي فِي القيدين.
وَقلت لَهُ: تعال، حَتَّى نشرب، ونتفاءل بِأول صَوت تغنيه الْمُغنيَة، فِي سرعَة الْفرج مِمَّا نَحن فِيهِ فَلَعَلَّهُ يَصح الفأل.
فَقَالَ: أما أَنا فَلَا أشْرب، فَلم أزل أرْفق بِهِ حَتَّى شرب، فَكَانَ أول صَوت غنته الْمُغنيَة:.
تواعد للبين الخليط لينبتوا ... وَقَالُوا لراعي الذود موعدك السبت
وَلَكنهُمْ بانوا وَلم أدر بَغْتَة ... وأفظع شَيْء حِين يفجؤك البغت
قَالَ أَبُو عَليّ: ذكر الْمبرد فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالكامل، الْبَيْت الأول، وَرَوَاهُ لمُحَمد بن يسير.
فَقَالَ لي: مَا هَذَا مِمَّا يتفاءل بِهِ، وَأي معنى فِيهِ، مِمَّا يدل على فرجنا؟ فَقلت: مَا هُوَ إِلَّا فأل مبارك، وَأَنا أَرْجُو أَن يفرق الله بَيْننَا وَبَين هَذِه الْحَالة الَّتِي نَحن عَلَيْهَا، وَيبين الْفرج وَالصَّلَاح، يَوْم السبت.
قَالَ: وأخذنا فِي شربنا يَوْمنَا، وسكرنا، وانصرفت الْمُغنيَة، وَمَضَت الْأَيَّام.
فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت، وَقد مضى من النَّهَار ساعتان، إِذا بياقوت قد دخل علينا، فارتعنا، وَقمت إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيهَا الْوَزير، الله، الله، فِي أَمْرِي،
(1/234)

وَأَقْبل إِلَى مسرعا، وعانقني، وأجلسني، وَأخذ يهنيني بالوزارة، فبهت، وَلم يكن عِنْدِي علم بِشَيْء من الْأَمر، وَلَا مُقَدّمَة لَهُ.
فَاخْرُج إِلَى كتابا ورد عَلَيْهِ من القاهر بِاللَّه، يُعلمهُ فِيهِ بِمَا جرى على المقتدر، ومبايعة النَّاس لَهُ بالخلافة، ويأمره بِأخذ الْبيعَة على من بِفَارِس من الْأَوْلِيَاء، وَفِيه تَقْلِيده إيَّايَ الوزارة، ويأمره بطاعتي، وَسلم إِلَيّ أَيْضا كتابا من القاهر، يَأْمُرنِي فِيهِ بِالنّظرِ فِي أَمْوَال فَارس، والأولياء بهَا، واستصحاب مَا يمكنني من المَال، وتدبير أَمر الْبَلَد بِمَا أرَاهُ، والبدار إِلَى حَضرته، وَأَنه اسْتخْلف لي، إِلَى أَن أحضر، الكلوذاني.
فحمدت الله كثيرا، وشكرته، وَإِذا الْحداد وَاقِف، فتقدمت إِلَيْهِ بفك قيودي وقيود الرجل، وَدخلت الْحمام، وأصلحت أَمْرِي وَأمر الرجل، وَخرجت،
(1/235)

فَنَظَرت فِي الْأَعْمَال وَالْأَمْوَال، وجمعت مَالا جَلِيلًا فِي أَيَّام يسيرَة، وقررت أُمُور الْبَلَد، وسرت، واستصحبت الرجل معي إِلَى الحضرة، حَتَّى جَلَست هَذَا الْمجْلس، وَفرج الله عَنَّا.
(1/236)

أَبُو أَيُّوب يرفع شكواه إِلَى الله تَعَالَى برقعة يعلقها فِي الْمِحْرَاب
قَالَ: مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كِتَابه (كتاب الوزراء) : وجدت بِخَط أبي عَليّ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الْكَاتِب، حَدثنِي أَحْمد بن أبي الْأَصْبَغ، قَالَ: وجهني عبيد الله بن يحيى، إِلَى أبي أَيُّوب، ابْن أُخْت أبي الْوَزير، أَيَّام تقلد أبي صَالح عبد الله بن مُحَمَّد بن يزْدَاد الوزارة، وَكَانَ ابْن يزْدَاد،
(1/237)

يقْصد أَبَا أَيُّوب ويعاديه.
فَقَالَ لي عبيد الله: القه، وَسَهل عَلَيْهِ الْأَمر، وَقل لَهُ: أَرْجُو أَن يَكْفِيك الله شَره.
فوصلت إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَقد علق فِي محرابه رقْعَة، فأنكرتها، وَأديت إِلَيْهِ الرسَالَة.
فَقَالَ لي: قل لَهُ: جعلت فدَاك، لست أغتم بِشَيْء، لِأَن أمره قريب، وَقد رفعت فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى قصَّة إِذْ أعجزني المخلوقون، أما ترَاهَا معلقَة فِي الْقبْلَة؟ فكاد يغلبني الضحك، فضبطت نَفسِي، وانصرفت إِلَى عبيد الله، فَحَدَّثته الحَدِيث، فَضَحِك مِنْهُ.
قَالَ: فوَاللَّه، مَا مَضَت بِابْن يزْدَاد إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى سخط عَلَيْهِ وَصرف.
فاتفق لأبي أَيُّوب الْفرج، وَنزل بِابْن يزْدَاد الْمَكْرُوه، فِي مثل الْمدَّة الَّتِي تخرج فِيهَا التوقيعات فِي الْقَصَص.
(1/238)

أَبُو نصر الوَاسِطِيّ يتظلم إِلَى الإِمَام مُوسَى الكاظم برقعة علقها على قَبره
قَالَ: مؤلف الْكتاب: وَأَنا شاهدت مثل هَذَا، وَذَلِكَ أَن أَبَا الْفرج مُحَمَّد ابْن الْعَبَّاس بن فسانجس، لما ولي الوزارة أظهر من الشَّرّ على النَّاس، وَالظُّلم لَهُم، بِخِلَاف مَا كَانَ يقدر فِيهِ، وَكنت أحد من ظلمه، فَإِنَّهُ أَخذ ضيعتي بالأهواز، وأقطعها بالحقين، وأخرجها عَن يَدي.
(1/239)

فأصعدت إِلَى بَغْدَاد متظلما إِلَيْهِ من الْحَال، فَمَا أنصفني، على حرمات كَانَت بيني وَبَينه، وَكنت أتردد إِلَى مَجْلِسه، فَرَأَيْت فِيهِ شَيخا من شُيُوخ الْعمَّال، يعرف بِأبي نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ، أحد من كَانَ يتَصَرَّف فِي عمالات بنواحي الأهواز، وَكَانَ صديقا لي، فَسَأَلته عَن أمره، فَذكر أَن الْحسن بن بختيار، أحد قواد الديلم، ضمن أَعمال الْخراج والضياع بنهر تيرى، وَبهَا منزل أبي نصر هَذَا، وَأَنه طَالبه بظُلْم لَا يلْزمه، فَبعد عَن الْبَلَد، فكبس دَاره، وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا، وَكَانَ فِيمَا أَخذ، عهد ضيَاعه كلهَا، وَأَنه حضر للوزير مُحَمَّد بن الْعَبَّاس متظلما مِنْهُ، فَلَمَّا عرف الْحسن بن بختيار ذَلِك، أنفذ بالعهد إِلَى الْوَزير، وَقَالَ لَهُ: قد أهديت إِلَيْك هَذِه الضّيَاع، فَقبل الْوَزير مِنْهُ ذَلِك، وَكتب إِلَى وَكيله فِي ضيعته بالأهواز، فَأدْخل يَده فِي ضياعي، وَقد تظلمت إِلَيْهِ، فَلم ينصفني.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، دخلت المشهد بمقابر قُرَيْش، فزت مُوسَى بن
(1/240)

جَعْفَر، وَعدلت إِلَى مَوضِع الصَّلَاة لأصلي، فَإِذا بِقصَّة معلقَة، بِخَط أبي نصر هَذَا، وَقد كتبهَا إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر، يتظلم فِيهَا من مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، ويشرح أمره، ويتوسل فِي الْقِصَّة، بِمُحَمد، وَعلي، وَفَاطِمَة، وَالْحسن وَالْحُسَيْن، وَبَاقِي الْأَئِمَّة عَلَيْهِم السَّلَام، أَن يَأْخُذ لَهُ بِحقِّهِ من مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، ويخلص لَهُ ضيَاعه.
فَلَمَّا قَرَأت الورقة، عجبت من ذَلِك عجبا شَدِيدا، وَوَقع عَليّ الضحك، لِأَنَّهَا قصَّة إِلَى رجل ميت، وَقد علقها عِنْد رَأسه، وَكنت عرفت أَبَا نصر بِمذهب الإمامية الاثنى عشرِيَّة، فَظَنَنْت أَنه مَعَ هَذَا الِاعْتِقَاد كَانَ أكبر قَصده أَن يشنع على الْوَزير بالقصة عِنْد قبر مُوسَى بن جَعْفَر عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَ كثير الزِّيَارَة لَهُ، أَيَّام وزارته، وَقبلهَا، وَبعدهَا، ليعلم أَن الرجل على مذْهبه، فيتذمم من ظلمه، ويرهب الدُّعَاء فِي ذَلِك الْمَكَان، فَانْصَرَفت.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، كنت فِي المشهد، وَجَاء الْوَزير، فرأيته يُلَاحظ الرقعة، فَعلمت أَنه قد قَرَأَهَا، وَمضى على هَذَا الحَدِيث مُدَّة، وَمَا رهب الْقِصَّة،
(1/241)

وَلَا أنصف الرجل.
وامتدت محنة الرجل شهورا، ورحل مُحَمَّد بن الْعَبَّاس إِلَى الأهواز، للنَّظَر فِي أَبْوَاب المَال، وَتَقْرِير أَمر الْعمَّال، وأقمت أَنا بِبَغْدَاد، لِأَنَّهُ لم يكن أنصفني، وَلَا طمعت فِي إنصافه إيَّايَ لَو صحبته، وَانْحَدَرَ أَبُو نصر فِي جملَة من انحدر مَعَه.
فَلَمَّا صَار بالمأمونية قَرْيَة حِيَال سوق الأهواز، وَهُوَ يُرِيد دُخُولهَا من غَد ورد من بَغْدَاد كتاب إِلَى بختكين التركي مولى معز الدولة، الْمَعْرُوف بآزاذرويه، وَكَانَ يتقلد الْحَرْب وَالْخَرَاج، وبالأهواز وكورها، فَقبض عَلَيْهِ، وَقبض على أَمْوَاله، وَقَيده، وَمضى أَبُو نصر إِلَى ضيَاعه، فَأدْخل يَده فِيهَا، وكفي مَا كَانَ من أَمر الْوَزير، واستقرت ضيَاعه فِي يَده إِلَى الْآن.
وأقمت أَنا سِنِين أتظلم من تِلْكَ المحنة الَّتِي ظَلَمَنِي فِيهَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس، فَمَا أنصفني أحد، وأيست، وَخرجت تِلْكَ الضَّيْعَة من يَدي، فَمَا عَادَتْ إِلَى الْآن.
وَصَحَّ لأبي نصر، بِقِصَّتِهِ، مَا لم يَصح لي، وَكَانَت محنته ومحنتي وَاحِدَة، ففاز هُوَ بتعجيل الْفرج بهَا، من حَيْثُ لم يغلب على ظَنِّي أَن أطلب الْفرج مِنْهُ.
(1/242)

أَحْمد بن أبي خَالِد، يبلغهُ أَن جَارِيَة لَهُ توطئ فرَاشه غَيره
قَالَ: مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء: إِن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي.
قَالَ: كنت أكتب لِأَحْمَد بن أبي خَالِد، فَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا، فرأيته مطرقا، مفكرا، مغموما، فَسَأَلته عَن الْخَبَر.
فَأخْرج إِلَيّ رقْعَة، فَإِذا فِيهَا أَن حظية من أعز جواريه عِنْده، يُخَالف إِلَيْهَا، وتوطئ فرَاشه غَيره، وَيسْتَشْهد فِي الرقعة، بخادمين كَانَا ثقتين عِنْده.
وَقَالَ لي: دَعَوْت الخادمين، فَسَأَلتهمَا عَن ذَلِك، فأنكرا، فتهددتهما، فأقاما على الْإِنْكَار، فضربتهما، وأحضرت لَهما آلَة الْعَذَاب، فاعترفا بِكُل مَا فِي الرقعة على الْجَارِيَة، وَإِنِّي لم أذق أمس وَلَا الْيَوْم طَعَاما، وَقد هَمَمْت بقتل الْجَارِيَة.
فَوجدت بَين يَدَيْهِ مُصحفا، ففتحته لأتفاءل بِمَا يخرج فِيهِ، فَكَانَ أول مَا وَقعت عَيْني عَلَيْهِ: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] الْآيَة، فشككت فِي صِحَة الحَدِيث، وأريته مَا خرج بِهِ الفأل.
(1/243)

وَقلت: دَعْنِي أتلطف فِي كشف هَذَا.
قَالَ: افْعَل.
فخلوت بالخادمين منفردين، ورفقت بِأَحَدِهِمَا، فَقَالَ: النَّار وَلَا الْعَار، وَذكر أَن امْرَأَة ابْن أبي خَالِد، أَعطَتْهُ ألف دِينَار، وَسَأَلته الشَّهَادَة على الْجَارِيَة، وأحضرني الْكيس مَخْتُومًا بِخَاتم الْمَرْأَة، وأمرته أَن لَا يذكر شَيْئا إِلَّا بعد أَن يُوقع بِهِ الْمَكْرُوه، ليَكُون أثبت للْخَبَر، ودعوت الآخر، فاعترف بِمثل ذَلِك أَيْضا.
فبادرت إِلَى أَحْمد بالبشارة، فَمَا وصلت إِلَيْهِ، حَتَّى جَاءَتْهُ رقْعَة الْحرَّة، تعلمه أَن الرقعة الأولى كَانَت من فعلهَا، غيرَة عَلَيْهِ من الْجَارِيَة، وَأَن جَمِيع مَا فِيهَا بَاطِل، وَأَنَّهَا حملت الخادمين على ذَلِك، وَأَنَّهَا تائبة إِلَى الله تَعَالَى من هَذَا الْفِعْل وَأَمْثَاله.
فَجَاءَتْهُ بَرَاءَة الْجَارِيَة من كل وَجه فسر بذلك، وَزَالَ عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ، وَأحسن إِلَى الْجَارِيَة.
(1/244)

سَبَب خُرُوج أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُدبر إِلَى الشَّام
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الشَّاهِد، الْمُقْرِئ، الْمَعْرُوف بِغُلَام ابْن مُجَاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو خازم القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُدبر، قَالَ: كَانَ بَدْء خروجي إِلَى الشَّام، أَن المتَوَكل خرج يتنزه بالمحمدية، فَخَلا بِهِ
(1/247)

الْكتاب هُنَاكَ، فأحكموا على الْقِصَّة وَأَنا لَا أعلم، ثمَّ بعثوا إِلَيّ، وَأَنا لَا أَدْرِي، فَحَضَرت وهم مجتمعون، فَقَالُوا لي: وَكَانَ الْمُخَاطب لي مُوسَى بن عبد الْملك.
فَقَالَ لي: قد جرت أَسبَاب أوجبت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمر أَن تخرج إِلَى الرقة، فكم تحْتَاج لنفقتك؟ فَقلت: أما خروجي، فالسمع وَالطَّاعَة لأمير الْمُؤمنِينَ، وَأما الَّذِي أحتاج إِلَيْهِ للنَّفَقَة، فَهُوَ ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم.
فَمَا بَرحت، حَتَّى دفعت إِلَيّ، وَقَالُوا: اخْرُج السَّاعَة.
فَقلت: أودع أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالُوا: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل.
فَقلت: أصلح من شأني.
فَقَالُوا: وَلَا هَذَا، وَأخذ مُوسَى يعرض لي، أَن السُّلْطَان قد سخط عَليّ، وَأَن الصَّوَاب الْخُرُوج، وَترك الْخلاف.
وَأَقْبل يَقُول: إِن السُّلْطَان إِذا سخط على الرجل، فَالصَّوَاب لذَلِك الرجل أَن يَنْتَهِي إِلَى أمره كُله، وَأَن لَا يُرَاجِعهُ فِي شَيْء، وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن التباعد عَن السُّلْطَان، لَهُ فِيهِ الْحَظ.
فَقلت: يَكْفِي الله ويلطف.
(1/248)

فوكلوا بِي جمَاعَة، حَتَّى خرجت من الْبَلَد، وَأَنا فِي حَالَة، الْأسر عِنْدِي أحسن مِنْهَا وَأطيب، وحثوا بِي السّير.
فَلَمَّا قاربت الرقة، وَأَرَدْت الدُّخُول إِلَيْهَا، أدركنا اللَّيْل، فَإِذا بأعرابي فِي نَاحيَة عني، وَمَعَهُ إبل يحدوها، وَيَقُول:
كم مرّة حفت بك المكاره ... خار لَك الله وَأَنت كَارِه
قَالَ: وَلم يزل يُكَرر ذَلِك، فحفظته، وتبركت بالفأل، وَدخلت الرقة، فَلم أقِم بهَا إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة، حَتَّى ورد كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْخرُوجِ إِلَى الشَّام للتعديل، وأجرى على مائَة ألف دِرْهَم، وَذكر أَن هَذَا عمل جليل، كَانَ الْمَأْمُون خرج فِيهِ بِنَفسِهِ، لجلالته وَعظم خطره، وَأَنه رَآنِي أَهلا لَهُ.
فَخرجت، فَرَأَيْت كل مَا أحب، حَتَّى لَو بذلت لي الْعرَاق بأسرها، على فِرَاق تِلْكَ النَّاحِيَة، مَا سمحت نفسا بذلك، فَللَّه الْحَمد والْمنَّة.
وَذكر هَذَا الْخَبَر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو خازم القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي جدك أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُدبر، وَكَانَ جده لأمه، وحَدثني أَنه لم يره قطّ، أَن المتَوَكل خرج إِلَى المحمدية سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ متنزها، فَأَتَانِي رَسُوله، وأحضرني، فَحَضَرت، فَوجدت عبيد الله بن يحيى،
(1/249)

وَالْحسن بن مخلد، وَأحمد بن الخصيب، وَجَمَاعَة من الْكتاب حضورا.
فَقَالَ لي عبيد الله بن يحيى: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لَك: قد فسد علينا أَمر الرقة، ثمَّ ذكر نَحوا من الحَدِيث الأول، إِلَّا أَنه لم يكن فِيهِ إِطْلَاق ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، بل قَالَ: فَخرجت وَمَا أقدر على نَفَقَة، ففكرت فِيمَن أقصده، واستعين بِمَالِه، فَمَا ذكرت غير الْمُعَلَّى بن أَيُّوب، وَكَانَت بيني وَبَينه وَحْشَة، فَكتبت إِلَيْهِ رقْعَة حملت نَفسِي على الصعب فِيهَا، فَوجه إِلَيّ خَمْسَة آلَاف دِينَار، فتحملت بهَا. . . ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث، على سِيَاقَة الْخَبَر الأول، إِلَّا أَنه قَالَ: إِن الَّذِي أجري عَلَيْهِ، لما أَمر بِالْخرُوجِ للتعديل، فِي كل شهر مائَة ألف وَعشْرين ألف دِرْهَم.
قَالَ: فشخصت إِلَيْهَا، وَلَو أَعْطَيْت الْآن بقصري فِيهَا، سر من رأى كلهَا، مَا سمحت نفسا بذلك.
وَكَانَ قصره بالرملة، وَكَانَ جَلِيلًا.
(1/250)

بَين الْحسن بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان
1: 251 أَخْبَرَنِي أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ، فِيمَا أَجَازَ لِي رِوَايَتَهُ عَنْهُ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِنْ حَدِيثٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ الصَّقْرِ بْنِ ثَوْبَانَ، مُسْتَمْلِي بُنْدَارٍ، وَكَتَبَهُ لَنَا بِخَطِّهِ، وَنَقَلْتُهُ أَنَا مِنْ أَصْلِ أَبِي طَالِبٍ، الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ بِخَطِّ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَوِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلامُ، وَدَعَا بِضِبَارَةِ سِيَاطٍ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَخَذَ السِّيَاطَ فَرَمَى بِهَا، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ شَبَابِ قُرَيْشٍ وَدَعَا بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِهَا عَلَى زَمَانِكَ، فَلَمَّا
(1/251)

خَرَجَ تَبِعَهُ الْحَاجِبُ، فَقَالَ لَهُ: يَابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّا نَخْدُمُ هَذَا السُّلْطَانَ، وَلَسْنَا نَأْمَنُ بَادِرَتَهُ، وَقَدْ رَأَيْتُكَ تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ بِشَيْءٍ، فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: أُعْلِمُكَ، عَلَى أَنْ لَا تُعْلِمَ أَحَدًا مِنْ آلِ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: إِذَا وَقَعْتَ فِي شِدَّةٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، أَوْ خِفْتَ مِنْ سُلْطَانٍ، فَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ جَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَعَزَّ جَارُكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فُلانٍ، وَأَتْبَاعِهِ، وَأَشْيَاعِهِ، مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، أَنْ يُفْرِطُوا عَلَيَّ، أَوْ أَنْ يَطْغَوْا
(1/252)

لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم
1: 253 أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو طَالِبٍ إِجَازَةً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَتَهُ إِلَى زَوْجِهَا، خَلا بِهَا، فَقَالَ لَهَا: إِذَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ فَظِيعٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، أَوِ الْمَوْتِ، فَاسْتَقْبِلِيهِ بِقَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ الْحَسَنُ: فَبَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ، فَقُلْتُهُنَّ، فَلَمَّا مَثُلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: لَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أُرِيدُ قَتْلَكَ، وَالْيَوْمُ مَا أَحَدٌ أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ، فَسَلْ حَوَائِجَكَ
(1/253)

دُعَاء يَعْقُوب الَّذِي نَالَ بِهِ الْفرج
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي المثني بن عبد الْكَرِيم، قَالَ: حَدثنِي زَافِر بن سُلَيْمَان، عَن يحيى بن سليم، قَالَ: بَلغنِي أَن ملك الْمَوْت، اسْتَأْذن ربه عز وَجل، أَن يسلم على يَعْقُوب، فَأذن لَهُ، فَأَتَاهُ، فَسلم عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب: بِالَّذِي خلقك، أقبضت روح يُوسُف؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أعلمك كَلِمَات لَا تسْأَل الله بهَا شَيْئا إِلَّا أَعْطَاك.
قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: قل يَا ذَا الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَنْقَطِع أبدا، وَلَا يُحْصِيه غَيره.
فَقَالَهَا، فَمَا طلع الْفجْر من غده، حَتَّى أَتَاهُ البشير بالقميص.
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدثنِي أَبُو غَسَّان مَالك بنى ضيغم، عَن إِبْرَاهِيم بن خَلاد الْأَزْدِيّ، قَالَ:
(1/254)

نزل جِبْرِيل على يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام، فشكي إِلَيْهِ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الشوق إِلَى يُوسُف، فَقَالَ: أَلا أعلمك دُعَاء، إِن دَعَوْت بِهِ فرج الله عَنْك؟ قَالَ: بلي.
قَالَ: قل: يَا من لَا يعلم كَيفَ هُوَ، إِلَّا هُوَ، وَيَا من لَا يبلغ قدرته غَيره، فرج عني.
فَقَالَهَا، فَأَتَاهُ البشير بالقميص.
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُون بن عبد الله، قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد بن عَامر الضبعِي، عَن المعمر بن سُلَيْمَان، قَالَ: لَقِي يَعْقُوب رجل، فَقَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوب، مَا لي لَا أَرَاك كَمَا كنت؟ قَالَ: طول الزَّمَان، وَكَثْرَة الأحزان.
قَالَ: قل: اللَّهُمَّ اجْعَل لي من كل هم همني وكربني من أَمْرِي، فِي ديني ودنياي، وآخرتي، فرجا ومخرجا، واغفر لي ذُنُوبِي، وَثَبت رجاءك فِي قلبِي، واقطعه عَمَّن سواك، حَتَّى لَا يكون لي رَجَاء إِلَّا إياك.
قَالَ: دَاوُد بن رشيد، حَدثنِي الْوَلِيد بن مُسلم، عَن خُلَيْد بن دعْلج،
(1/255)

عَن الْحسن بن أبي الْحسن، قَالَ: لَو عري من الْبِلَاد أحد، لعري مِنْهُ آل يَعْقُوب، مسهم الْبلَاء ثَمَانُون سنة.
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي مُدْلِج بن عبد الْعَزِيز، عَن شيخ من قُرَيْش: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام هَبَط على يَعْقُوب صلى الله عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوب، تملق إِلَى رَبك.
فَقَالَ: يَا جِبْرِيل، كَيفَ أَقُول؟ فَقَالَ: قل: يَا كثير الْخَيْر، يَا دَائِم الْمَعْرُوف.
فَأوحى الله إِلَيْهِ، لقد دعوتني بِدُعَاء، لَو كَانَ ابناك ميتين، لأنشرتهما لَك.
1: 256 43 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا زَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَخٌ مُؤَاخٍ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لِيَعْقُوبَ:
(1/256)

مَا الَّذِي أَذْهَبَ بَصَرَكَ، وَقَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي قَوَّسَ ظَهْرِي، فَالْحُزْنُ عَلَى بنْيَامِينَ، وَأَمَّا الَّذِي أَذْهَبَ بَصَرِي، فَالْبُكَاءُ عَلَى يُوسُفَ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَمَا تَسْتَحْيِي، تَشْكُونِي إِلَى عَبْدِي.
قَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، ارْحَمِ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ، أَذْهَبْتَ بَصَرِي، وَقَوَّسْتَ ظَهْرِي، أرْدِدْ عَلَيَّ رَيْحَانَتِي يُوسُفَ، أَشُمَّهُ ثُمَّ افْعَلْ بِي مَا شِئْتَ.
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِؤُكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ: أَبْشِرْ، وَلْيَفْرَحْ قَلْبُكَ، فَوَعِزَّتِي لَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ، لأَنْشَرْتُهُمَا لَكَ، فَاصْنَعْ طَعَامًا لِلْمَسَاكِينِ وَادْعُهُمْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ، الأَنْبِيَاءَ وَالْمَسَاكِينَ، وَإِنَّ الَّذِي ذَهَبَ بِبَصَرِكَ، وَقَوَّسَ ظَهْرَكَ، وَسَبَّبَ صُنْعَ إِخْوَةِ يُوسُفَ بِهِ مَا صَنَعُوا، أَنَّكُمْ ذَبَحْتُمْ شَاةً، فَأَتَاكُمْ رَجُلٌ صَائِمٌ، فَلَمْ تُطْعِمُوهُ.
فَكَانَ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الْغَدَاءَ، أَمَرَ مُنَادِيَهُ، فَنَادَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْغَدَاءَ مِنَ الْمَسَاكِينَ فَلْيَتَغَدَّ مَعَ يَعْقُوبَ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا أَمَرَ مُنَادِيَهُ، فَنَادَى: مَنْ كَانَ صَائِمًا مِنَ الْمَسَاكِينَ فَلْيُفْطِرْ مَعَ يَعْقُوبَ.
(1/257)

كَلِمَات الْفرج الَّتِي دَعَا بهَا يُوسُف
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِم بن هَاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا الْخطاب بن عُثْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن عمر، عَن رجل من أهل الْكُوفَة: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام دخل على يُوسُف السجْن، فَقَالَ لَهُ: يَا طيب! مَا الَّذِي أدْخلك هَا هُنَا؟ قَالَ: أَنْت أعلم.
قَالَ: فَلَا أعلمك كَلِمَات الْفرج؟ قَالَ: بلي.
قَالَ: قل: اللَّهُمَّ، يَا شَاهدا غير غَائِب، وَيَا قَرِيبا غير بعيد، وَيَا غَالِبا غير مغلوب، اجْعَل لي من أَمْرِي هَذَا فرجا ومخرجا، وارزقني من حَيْثُ لَا أحتسب
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي أَزْهَر بن مَرْوَان الرقاشِي، قَالَ: حَدثنِي قزعة بن
(1/258)

سُوَيْد، عَن أبي سعيد مُؤذن الطَّائِف: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام: أَتَى يُوسُف، فَقَالَ: يَا يُوسُف، اشْتَدَّ عَلَيْك الْحَبْس؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: قل: اللَّهُمَّ اجْعَل لي من كل مَا أهمني، وحزبني، من أَمر دنياي وآخرتي، وفرجا ومخرجا، وارزقني من حَيْثُ لَا أحتسب، واغفر لي ذُنُوبِي، وَثَبت رجاءك فِي قلبِي، واقطعه عَمَّن سواك، حَتَّى لَا أَرْجُو أحدا غَيْرك
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، ثال حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد بن مُوسَى، قَالَ: حَدثنِي عبد الْعَزِيز الْقرشِي، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان، عَن غَالب الْقطَّان قَالَ: لما اشْتَدَّ كرب يُوسُف، وَطَالَ سجنه، واتسخت ثِيَابه، وشعث رَأسه، وجفاه النَّاس، دَعَا عِنْد ذَلِك، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك مَا لقِيت من ودي وعدوي، أما ودي، فباعوني، وَأما عدوي، فحبسني، اللَّهُمَّ اجْعَل لي فرجا ومخرجا.
فَأعْطَاهُ الله عز وَجل ذَلِك.
(1/259)

إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ الزَّاهِد فِي حبس الْحجَّاج بن الْجراح يُوسُف الثَّقَفِيّ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن مَحْبُوب، قَالَ: قَالَ الْفَيْض بن إِسْحَاق، قَالَ: الفضيل بن عِيَاض، قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: لما حبست الحبسة الْمَشْهُورَة، أدخلت السجْن، فأنزلت على أنَاس فِي قيد وَاحِد، وَمَكَان ضيق، لَا يجد الرجل إِلَّا مَوضِع مَجْلِسه، وَفِيه يَأْكُلُون، وَفِيه يَتَغَوَّطُونَ، وَفِيه يصلونَ.
قَالَ: فجيء بِرَجُل من أهل الْبَحْرين، فَأدْخل علينا، فَلم نجد مَكَانا، فَجعلُوا يتبرمون بِهِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا، فَإِنَّمَا هِيَ اللَّيْلَة.
فَلَمَّا دخل اللَّيْل، قَامَ يُصَلِّي، فَقَالَ: يَا رب، مننت عَليّ بِدينِك، وعلمتني كتابك، ثمَّ سلطت عَليّ شَرّ خلقك، يَا رب، اللَّيْلَة، اللَّيْلَة، لَا أصبح فِيهِ.
فَمَا أصبحا حَتَّى ضربت أَبْوَاب السجْن: أَيْن البحراني، أَيْن البحراني؟ فَقَالَ كل منا: مَا دعِي السَّاعَة، إِلَّا ليقْتل، فخلي سَبيله.
فجَاء، فَقَامَ على بَاب السجْن، فَسلم علينا، وَقَالَ: أطِيعُوا الله لَا يضيعكم.
(1/260)

أَبُو سعد الْبَقَّال فِي حبس الْحجَّاج بن الْجراح يُوسُف الثَّقَفِيّ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي أَبُو نصر الْمُؤَدب، عَن أبي عبد الرَّحْمَن الطَّائِي، قَالَ: أخبرنَا أَبُو سعد الْبَقَّال، قَالَ: كنت مَحْبُوسًا فِي ديماس الْحجَّاج، ومعنا إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، فَبَاتَ فِي السجْن، فَأتي رجل، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاق، فِي أَي شَيْء حبست؟ فَقَالَ: جَاءَ العريف، فتبرأ مني، وَقَالَ: إِن هَذَا كثير الصَّوْم وَالصَّلَاة، وأخاف أَنه يرى رَأْي الْخَوَارِج.
فَإنَّا لنتحدث مَعَ مغيب الشَّمْس، ومعنا إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، إِذْ دخل علينا رجل السجْن، فَقُلْنَا: يَا عبد الله، مَا قصتك، وأمرك؟
(1/261)

فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَلَكِنِّي أخذت فِي رَأْي الْخَوَارِج، وَوَاللَّه، إِنَّه لرأي مَا رَأَيْته قطّ، وَلَا أحببته، وَلَا أَحْبَبْت أَهله، يَا هَؤُلَاءِ، ادعوا لي بِوضُوء، فدعونا لَهُ بِهِ، ثمَّ قَامَ فصلى أَربع رَكْعَات، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم، أَنِّي كنت على إساءتي وظلمي، وإسرافي على نَفسِي، لم أجعَل لَك ولدا، وَلَا شَرِيكا، وَلَا ندا، وَلَا كُفؤًا، فَإِن تعذب فَعدل، وَإِن تعف، فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك يَا من لَا تغلطه الْمسَائِل، وَلَا يشْغلهُ سمع عَن سمع، وَيَا من لَا يبرمه إلحاح الملحين، أَن تجْعَل لي فِي سَاعَتِي هَذِه، فرجا ومخرجا مِمَّا أَنا فِيهِ، من حَيْثُ أَرْجُو، وَمن حَيْثُ لَا أَرْجُو، وَخذ لي بقلب عَبدك الْحجَّاج، وسَمعه، وبصره، وَيَده وَرجله، حَتَّى لَا تخرجني فِي سَاعَتِي هَذِه، فَإِن قلبه، وناصيته بِيَدِك، يَا رب، يَا رب.
قَالَ: وَأكْثر، فوالذي لَا إِلَه غَيره، مَا انْقَطع دعاؤه، حَتَّى ضرب بَاب السجْن وَقيل أَيْن فلَان؟ فَقَامَ صاحبنا، فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، إِن تكن الْعَافِيَة، فوَاللَّه، لَا أدع الدُّعَاء لكم، وَإِن تكن الْأُخْرَى، فَجمع الله بَيْننَا وَبَيْنكُم، فِي مُسْتَقر رَحمته.
قَالَ: فَبَلغنَا من الْغَد، أَنه خلي سَبيله 89
(1/262)

سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد بن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا كثير بن هِشَام، عَن الحكم بن هِشَام الثَّقَفِيّ، قَالَ: أخْبرت أَن رجلا أَخذ أَسِيرًا، فألقي فِي جب، وَأُلْقِي على رَأس الْجب صَخْرَة، فتلقن فِيهِ: قل: سُبْحَانَ الله الْحَيّ القدوس، سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، فَأخْرج من غير أَن يكون أخرجه إِنْسَان.
(1/263)

يَا عَزِيز يَا حميد يَا ذَا الْعَرْش الْمجِيد
قَالَ: مؤلف هَذَا الْكتاب، وَقد ذكر القَاضِي هَذَا الْخَبَر فِي كِتَابه، قَالَ:
حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن سعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَان الْحِمْيَرِي، قَالَ: سَمِعت أَبَا بلج الْفَزارِيّ، قَالَ: أُتِي الْحجَّاج بن يُوسُف، بِرَجُل كَانَ جعل على نَفسه، إِن ظفر بِهِ، أَن يقْتله، قَالَ: فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ، تكلم بِكَلَام، فخلى سَبيله.
فَقيل لَهُ: أَي شَيْء قلت؟ فَقَالَ: قلت: يَا عَزِيز، يَا حميد، يَا ذَا الْعَرْش الْمجِيد، اصرف عني مَا أُطِيق، وَمَا لَا أُطِيق، واكفني شَرّ كل جَبَّار عنيد.
(1/264)

دُعَاء النَّبِي صلوَات الله عَلَيْهِ فِي كل هم
1: 265 44 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ، دُعَاءً يَدْعُو بِهِ فِي كُلِّ هَمٍّ، وَكَانَ عَلِيٌّ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ، وَهُوَ: يَا كَائِنًا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، يَا مُكَوِّنَ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَا كَائِنًا بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، افْعَلْ بِي كَذَا وَكَذَا
(1/265)

الدُّعَاء الَّذِي خلص عَمْرو السَّرَايَا من العلج
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن البهلول التنوخي، قَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن عِيسَى، ابْن بنت دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن الْحَارِث الْبَصْرِيّ، عَن عَمْرو السَّرَايَا، قَالَ: كنت أغير فِي بِلَاد الرّوم وحدي، فَبينا أَنا ذَات يَوْم نَائِم، إِذْ ورد عَليّ علج، فحركني بِرجلِهِ، فانتبهت.
فَقَالَ لي: يَا عَرَبِيّ، اختر، إِن شِئْت مسايفة، وَإِن شِئْت مطاعنة، وَإِن شِئْت مصارعة.
فَقلت: أما المسايفة والمطاعنة، فَلَا بَقينَا لَهما، وَلَكِن مصارعة، فَنزل، فَلم ينهنهني أَن صرعني، وَجلسَ على صَدْرِي، وَقَالَ: أَي قتلة تُرِيدُ أَن أَقْتلك؟ فَذكرت الدُّعَاء، فَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء، فَقلت: أشهد أَن كل معبود مَا دون عرشك، إِلَى قَرَار الْأَرْضين، بَاطِل غير وَجهك الْكَرِيم، فقد ترى مَا أَنا فِيهِ، فَفرج عني، وأغمي عَليّ، فَأَفَقْت، فَرَأَيْت الرُّومِي قَتِيلا إِلَى جَانِبي.
قَالَ إِسْحَاق ابْن بنت دَاوُد، فَسَأَلت الْحَارِث الْبَصْرِيّ، عَن الدُّعَاء، فَقَالَ:
(1/266)

سَأَلت عَنهُ عَمْرو السَّرَايَا، فَقلت لَهُ: بِاللَّه يَا عَمْرو مَا قلت؟ قَالَ: قلت: اللَّهُمَّ رب إِبْرَاهِيم، وَإِسْمَاعِيل، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، وَرب جِبْرِيل، وَمِيكَائِيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالزَّبُور، وَالْقُرْآن الْعَظِيم، ادرأ عني شَره، فدرأ عني شَره.
قَالَ: إِسْحَاق ابْن بنت دَاوُد: فحفظته وَقلت أعلمهُ النَّاس، فَوَجَدته نَافِذا، وَهُوَ الْإِخْلَاص بِعَيْنِه.
(1/267)

تخلص من الْقَتْل بِدُعَاء دَعَا بِهِ
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا جرير بن حَفْص، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد زِيَاد، فَأتي بِرَجُل يحمل، مَا يشك فِي قَتله، فحرك الرجل شَفَتَيْه بِشَيْء مَا نَدْرِي مَا هُوَ، فخلى سَبيله.
فَقلت للرجل: مَا قلت؟ قَالَ: قلت: اللَّهُمَّ رب إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب، وَرب جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل، ومنزل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان الْعَظِيم، ادرأ عني شَرّ زِيَاد، فدرأه عني.
(1/268)

هَارُون الرشيد يَأْمر بقتل فَتى علوي فينجيه الله تَعَالَى
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي عِيسَى بن عبد الْعَزِيز الظَّاهِرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد الله قَالَ: أَمر الرشيد بعض خدمه، فَقَالَ: إِذا كَانَ اللَّيْل، فصر إِلَى الْحُجْرَة الْفُلَانِيَّة، فافتحها، وَخذ من رَأَيْت فِيهَا، فأت بِهِ مَوضِع كَذَا وَكَذَا، من الصَّحرَاء الْفُلَانِيَّة، فَإِن ثمَّ قليبا محفورا، فارم بِهِ، وطمه بِالتُّرَابِ، وَليكن مَعَك فلَان الْحَاجِب.
قَالَ: فجَاء الْغُلَام إِلَى بَاب الْحُجْرَة، ففتحه، فَإِذا فِيهَا غُلَام كَالشَّمْسِ الطالعة، فجذبناه جذبا عنيفا.
فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ الله، فَأَنِّي ابْن رَسُول الله، فَالله، الله، أَن تلقي الله بدمي، فَلم يلْتَفت إِلَى قَوْله، وَأخرجه إِلَى الْموضع.
فَلَمَّا أشرف الْفَتى على التّلف، وَشَاهد القليب، قَالَ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّك على رد
(1/270)

مَا لم تفعل، أقدر مِنْك على رد مَا فعلت، فَدَعْنِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وامض لما أمرت بِهِ.
فَقَالَ لَهُ: شَأْنك وَمَا تُرِيدُ.
فَقَامَ الفتي، فَصلي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فيهمَا: يَا خَفِي اللطف، أَغِثْنِي فِي وقتي هَذَا، والطف بِي بلطفك الْخَفي.
فَلَا وَالله مَا استتم دعاءه، حَتَّى هبت ريح وغبرة، حَتَّى لم ير بَعضهم بَعْضًا، فوقعوا لوجوههم، وَاشْتَغلُوا بِأَنْفسِهِم عَن الْفَتى، ثمَّ سكنت الرّيح والغبرة، وطلبنا الْفَتى، فَلم يُوجد، وقيوده مرمية.
فَقَالَ الْحَاجِب لمن مَعَه: هلكنا وَالله، سيقع لأمير الْمُؤمنِينَ أَنا أطلقناه، فَمَاذَا نقُول لَهُ؟ إِن كذبناه لم نَأْمَن أَن يبلغهُ خبر الْفَتى فيقتلنا، وَلَئِن صدقناه، ليجعلن لنا الْمَكْرُوه.
فَقَالَ لَهُ الآخر: يَقُول الْحَكِيم: إِن كَانَ الْكَذِب يُنجي، فالصدق أَرْجَى وأنجى.
فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُم: مَا فَعلْتُمْ فِيمَا تقدّمت بِهِ إِلَيْكُم؟ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، الصدْق أولى مَا اتبع فِي جَمِيع الْأُمُور، ومثلي لَا يجترئ أَن يكذب بحضرتك، وَإنَّهُ كَانَ من الْخَبَر كَيْت وَكَيْت.
فَقَالَ الرشيد: لقد تَدَارُكه اللطف الْخَفي، وَالله، لأجعلنها فِي مُقَدمَات دعائي، امْضِ لشأنك، واكتم مَا جرى.
(1/271)

يَا سامع كل صَوت يَا بارئ النُّفُوس بعد الْمَوْت
حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَمْرو بن البخْترِي الْبَزَّاز، فِي جَامع الْمَنْصُور، فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفضل بن إِسْحَاق الدوري، عَن مُحَمَّد بن الْحسن، عَن أبي سَلمَة عبد الله مَنْصُور، قَالَ: حزن رجل حزنا شَدِيدا، على شَيْء لحقه، وَأمر أهمه وأقلقه، فألح فِي الدُّعَاء، فَهَتَفَ بِهِ هَاتِف: يَا هَذَا، قل: يَا سامع كل صَوت، يَا بارئ النُّفُوس بعد الْمَوْت، وَيَا من لَا تغشاه الظُّلُمَات، وَيَا من لَا يشْغلهُ شَيْء عَن شَيْء.
قَالَ: فَدَعَا بهَا، فَفرج الله عَنهُ، وَلم يسْأَل الله تِلْكَ اللَّيْلَة حَاجَة، إِلَّا أعطَاهُ.
(1/272)

لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن هَاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَان بن عَمْرو، عَن أبي يحيى إِسْحَاق العدواني، قَالَ: كُنَّا بِإِزَاءِ آزرمهر، عِنْد مَدِينَة الكرج، وَقد زحف إِلَيْنَا فِي ثَمَانِينَ فيلا، فَكَادَتْ تنقض الصُّفُوف، وتشتت الْخُيُول، وَكَانَ أميرنا مُحَمَّد بن الْقَاسِم، فَنَادَى عمرَان بن النُّعْمَان أَمِير أهل حمص، وأمراء الأجناد، فنهضوا، فَمَا اسْتَطَاعُوا، فَلَمَّا أعيته الْأُمُور، نَادَى مرَارًا: لَا حول وَلَا قُوَّة
(1/273)

إِلَّا بِاللَّه، فكشف الله الفيلة، وسلط عَلَيْهَا الْحر، فأنضحها، فَفَزِعت إِلَى المَاء، فَمَا اسْتَطَاعَ سواسها، وَلَا أَصْحَابهَا، حَبسهَا، وحملت خَيْلنَا، وَكَانَ الْفَتْح بِإِذن الله تَعَالَى
حَدَّثَنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِم بن هَاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَان بن عَمْرو، عَن الْأَشْيَاخ: أَن حبيب بن مسلمة كَانَ يسْتَحبّ إِذا لَقِي الْعَدو، أَو ناهض حصنا، أَن يَقُول: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.
ثمَّ إِنَّه ناهض يَوْمًا حصنا، فَانْهَزَمَ الرّوم، وتحصنوا فِي حصن آخر لَهُم، أعجزه، فَقَالَهَا، فانصدع الْحصن.
(1/274)

الَّذِي كَفاك الأمس يَكْفِيك غدك
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: بَلغنِي أَن بعض الْمُلُوك، نفي وزيرا لَهُ، لموجدة وجدهَا عَلَيْهِ، فَاغْتَمَّ لذَلِك غما شَدِيدا، فَبينا هُوَ يسير، إِذْ أنْشدهُ رجل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ:
أحسن الظَّن بِرَبّ عودك ... حسنا أمس وَسوى أودك
إِن رَبًّا كَانَ يَكْفِيك الَّذِي ... كَانَ بالْأَمْس سيكفيك غدك
فَسرِّي عَن الوزيرٌ، وَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
(1/275)

لَا تيأسن كَأَن قد فرج الله
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن السراج، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي رَجَاء، مولى بني هَاشم، قَالَ: أصابني هم شَدِيد، لأمر كنت فِيهِ، فَرفعت مقْعدا لي، كنت جَالِسا عَلَيْهِ، فَإِذا برقعة مَكْتُوبَة فَنَظَرت فِيهَا، فَإِذا فِيهَا مَكْتُوب:
يَا صَاحب الْهم إِن الْهم مُنْقَطع ... لَا تيأسن كَأَن قد فرج الله
قَالَ: فَذهب عني مَا كنت فِيهِ من الْغم، وَلم ألبث أَن فرج الله عني، فَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر.

كن للمكاره بالعزاء مقطعا
حَدثنِي أَبُو بكر الثَّقَفِيّ، قَالَ: قَالَ بَعضهم: أصابني هم ضقت بِهِ ذرعا، فَنمت، فَرَأَيْت كَأَن قَائِلا يَقُول:
كن للمكاره بالعزاء مقطعا ... فَلَعَلَّ يَوْمًا لَا ترى مَا تكره
ولربما ابتسم الوقور من الْأَذَى ... وضميره من حره يتأوه
(1/276)

الْوَزير مُحَمَّد بن الْقَاسِم يلاقي عَاقِبَة ظلمه
حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحسن، الشَّاهِد الْمَعْرُوف بالجراحي، من حفظه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن بن أبي الطَّاهِر مُحَمَّد بن الْحسن الْكَاتِب، صَاحب الْجَيْش، قَالَ: قبض عَليّ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عبيد الله، فِي أَيَّام وزارته للقاهر بِاللَّه، وعَلى أبي، فحبسنا فِي حجرَة ضيقَة، وأجلسنا على التُّرَاب، وشدد علينا، وَكَانَ يخرجنا فِي كل يَوْم، فَيُطَالب أبي بِمَال المصادرة، وأضرب أَنا بِحَضْرَة أبي، وَلَا يضْرب هُوَ، فلاقينا من ذَلِك أمرا شَدِيدا صعبا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، قَالَ: لي أبي: إِن هَؤُلَاءِ الموكلين، قد صَارَت لَهُم بِنَا حُرْمَة، فتوصل إِلَى مُكَاتبَة أبي بكر الصَّيْرَفِي، وَكَانَ صديقا لأبي - حَتَّى
(1/277)

ينفذ إِلَيْنَا بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، نفرقها فيهم، فَفعلت ذَلِك، فأنفذ إِلَيْنَا بِالْمَالِ من يَوْمه.
فَقلت للموكلين، فِي عشي ذَلِك الْيَوْم: قد وَجَبت لكم علينا حُقُوق، فَخُذُوا هَذِه الدَّرَاهِم، فانتفعوا بهَا، فامتنعوا.
فَقلت: مَا سَبَب امتناعكم؟ فوروا عَن ذَلِك.
فَقلت: إِمَّا قبلتم، وَإِمَّا عرفتمونا السَّبَب الَّذِي لأَجله امتناعكم.
فَقَالُوا: نشفق عَلَيْكُم، ونستحي من ذَلِك.
فَقَالَ لَهُم أبي: اُذْكُرُوهُ على كل حَال.
قَالُوا: قد عزم الْوَزير على قتلكما اللَّيْلَة، وَلَا نستحسن أَخذ شَيْء مِنْكُمَا مَعَ هَذَا.
فقلقت، وَدخلت إِلَى أبي بِغَيْر تِلْكَ الصُّورَة، فَقَالَ: مَا لَك؟ فَأَخْبَرته بالْخبر، وَقلت لأبي: مَا أصنع بِالدَّرَاهِمِ؟ فَقَالَ: ردهَا على أبي بكر، فرددتها عَلَيْهِ.
وَكَانَ أبي يَصُوم تِلْكَ الْأَيَّام كلهَا، فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس، تطهر، وَصلى الْمغرب، فَصليت مَعَه، وَلم يفْطر، ثمَّ أقبل على الصَّلَاة وَالدُّعَاء، إِلَى أَن صلى الْعشَاء الْآخِرَة، ثمَّ دَعَاني.
فَقَالَ: اجْلِسْ يَا بني إِلَى جَانِبي، جاثيا على ركبتك، فَفعلت، وَجلسَ هُوَ كَذَلِك.
ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: يَا رب، مُحَمَّد بن الْقَاسِم ظَلَمَنِي وحبسني على مَا ترى، وَأَنا بَين يَديك، وَقد استعديت إِلَيْك، وَأَنت أحكم الْحَاكِمين، فاحكم بَيْننَا، لَا يزِيد عَن ذَلِك.
(1/278)

ثمَّ صَاح بهَا إِلَى أَن ارْتَفع صَوته، وَلم يزل يكررها بصياح ونداء واستغاثة، إِلَى أَن ظَنَنْت أَنه قد مضى ربع اللَّيْل.
فوَاللَّه مَا قطعهَا حَتَّى سَمِعت الْبَاب يدق، فَذهب عَليّ أَمْرِي، وَلم أَشك فِي أَنه الْقَتْل.
وَفتحت الْأَبْوَاب، فَدخل قوم بشموع، فتأملت، وَإِذا فيهم سَابُور، خَادِم القاهر، فَقَالَ: أَيْن أَبُو طَاهِر؟ فَقَامَ إِلَيْهِ أبي، فَقَالَ: هَا أنذا.
فَقَالَ: أَيْن ابْنك؟ فَقَالَ: هوذا.
فَقَالَ: انصرفا إِلَى منزلكما، فخرجنا، فَإِذا هُوَ قد قبض على مُحَمَّد بن الْقَاسِم، وحدره إِلَى دَار القاهر.
وعاش مُحَمَّد بن الْقَاسِم فِي الاعتقال ثَلَاثَة أَيَّام، وَمَات.
(1/279)

طَاهِر بن الْحُسَيْن يحمل الدَّرَاهِم فِي كمه ويفرقها على الْفُقَرَاء
لما خرج طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى محاربة عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، جعل ذَات يَوْم فِي كمه دَرَاهِم، يفرقها فِي الْفُقَرَاء، ثمَّ سَهَا عَنْهَا، فأرسلها، فتبددت، فتطير بذلك، واغتم غما شَدِيدا، حَتَّى تبين فِي وَجهه، فأنشده شَاعِر كَانَ فِي عسكره:
هَذَا تفرق جمعهم لَا غَيره ... وذهابه مِنْكُم ذهَاب الْهم
شَيْء يكون الْهم بعض حُرُوفه ... لَا خير فِي إِمْسَاكه فِي الْكمّ
قَالَ: فسلا طَاهِر، وَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
(1/281)

الْهَادِي يتهدد يحيى الْبَرْمَكِي ويتوعده بِكُل عَظِيمَة
انْصَرف يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، من عِنْد الْهَادِي، وَقد ناظره فِي تسهيل خلع الْعَهْد على هَارُون، فَحلف لَهُ يحيى أَنه فعل، وَجهد فِيهِ، فَامْتنعَ عَلَيْهِ هَارُون.
فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: كذبت، وَوَاللَّه لَأَفْعَلَنَّ بك وأصنعن، وتوعده بِكُل عَظِيمَة، وَصَرفه.
فجَاء إِلَى بَيته، فَكلم بعض غلمانه بِشَيْء، فَأَجَابَهُ بِمَا غاظه، فَلَطَمَهُ يحيى، فَانْقَطَعت حَلقَة خَاتمه، وطاح الفص، فَاشْتَدَّ ذَلِك على يحيى، وَتَطير مِنْهُ، واغتم، فَدخل عَلَيْهِ السياري الشَّاعِر، وَقد أخبر بالقصة، فأنشده فِي الْحَال:
(1/282)

أخلاك من كل الهموم سُقُوطه ... وأتاك بالفرج انفراج الْخَاتم
قد كَانَ ضَاقَ ففك حَلقَة ضيقه ... فاصبر فَمَا ضيق الزَّمَان بدائم
قَالَ: فَمَا أَمْسَى حَتَّى ارْتَفَعت الواعية بِمَوْت مُوسَى الْهَادِي، وَصَارَ الْأَمر إِلَى هَارُون الرشيد، فَأعْطَاهُ مائَة ألف دِرْهَم.
(1/283)

مُوسَى بن عبد الْملك، صَاحب ديوَان الْخراج يَمُوت وَهُوَ على صهوه جَوَاده
قَالَ أَبُو عَليّ القنائي، قَالَ لي جدي: بكرت يَوْمًا إِلَى مُوسَى بن عبد الْملك، وَحضر دَاوُد بن الْجراح، فَوقف إِلَى جَانِبي، فَقَالَ لي: كَانَ لي أمس خبر طريف، انصرفت من عِنْد مُوسَى بن عبد الْملك، فَوجدت فِي منزلي امْرَأَة من شرائف النِّسَاء، فشكته إِلَيّ، وَقَالَت: قد حاول أَن يَأْخُذ ضيعتي الْفُلَانِيَّة، وَأَنت تعلم أَنَّهَا عمدتي فِي معيشتي، وَأَن فِي عنقِي صبية أيتاما، فَأَي شَيْء تدبر فِي أَمْرِي، أَو تُشِير عَليّ؟ .
(1/284)

فَقلت: من مَعَك وَرَاء السّتْر؟ فَقَالَت: مَا معي أحد.
فَقلت: أما التَّدْبِير فِي أَمرك، فَمَا لي فِيهِ حِيلَة، وَأما المشورة، فقد قَالَ النبطي: لَا تبع أَرْضك من إقدام الرجل السوء، فَإِن الرجل السوء يَمُوت، وَالْأَرْض تبقى، فدعَتْ لي، وانصرفت.
فَمَا انْقَضى كَلَامه، حَتَّى خرج مُوسَى، فَقَالَ لدواد: يَا أَبَا سُلَيْمَان، لَا تبع أَرْضك من إقدام الرجل الرَّدِيء، فَإِنَّهُ يَمُوت، وَالْأَرْض تبقى.
فَقَالَ لي دَاوُد: أسمعت؟ هَذَا وَالله الْمَوْت، أَيْن أهرب؟ أَيْن أمضي؟ مَا آمنهُ وَالله على نَفسِي، وَلَا على نعمتي، فأشر عَليّ بِمَا أصنع، قبل نَفاذ طريقنا، ونزولنا مَعَه إِلَى الدِّيوَان.
فَقلت: وَالله، مَا أَدْرِي.
فَرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي أمره، وشره، وضره، فَإنَّك تعلم قصتي، وَأَنِّي مَا أردْت بِمَا قلت إِلَّا الْخَيْر، وَاشْتَدَّ قلقه وبكاؤه ودعاؤه.
وقربنا من الدِّيوَان، فَقَالَ مُوسَى، وَهُوَ على دَابَّته: مَتى حدث هَذَا الْجَبَل الْأسود فِي طريقنا؟ وَمَال على سَرْجه حَتَّى سقط، وأسكت.
فَحمل إِلَى منزله، وَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
(1/285)

يَا ذَا الْعَرْش اصْنَع كَيفَ شِئْت فَإِن أرزاقنا عَلَيْك
ذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه: قَالَ: أَبُو سعيد، وَأَنا أَحْسبهُ يَعْنِي الْأَصْمَعِي: نزلت بحي من كلب مجدبين، قد توالت عَلَيْهِم السنون، فَمَاتَتْ الْمَوَاشِي، ومنعت الأَرْض من إِخْرَاج النَّبَات، وَأَمْسَكت السَّمَاء قطرها، فَجعلت أنظر إِلَى السحابة ترْتَفع من نَاحيَة الْقبْلَة سَوْدَاء مُتَقَارِبَة، حَتَّى تطبق الأَرْض، فيتشوف لَهَا أهل الْحَيّ ويرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ، ثمَّ يعدلها الله عَنْهُم مرَارًا.
فَلَمَّا كثر ذَلِك، خرجت عَجُوز مِنْهُم، فعلت نشزا من الأَرْض، ثمَّ نادت بِأَعْلَى صَوتهَا: يَا ذَا الْعَرْش، اصْنَع كَيفَ شِئْت فَإِن أرزاقنا عَلَيْك.
فَمَا نزلت من وَضعهَا، حَتَّى تغيمت السَّمَاء غيما شَدِيدا، وأمطروا مَطَرا كَاد أَن يغرقهم، وَأَنا حَاضر.
(1/286)

يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج وخليفته فِي الظُّلم وَالْبَغي
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: وَجه سُلَيْمَان بن عبد الْملك، حِين ولي الْخلَافَة، مُحَمَّد بن يزِيد إِلَى الْعرَاق، فَأطلق أهل السجون، وَقسم الْأَمْوَال، وضيق على يزِيد بن أبي مُسلم كَاتب الْحجَّاج، فظفر بِهِ يزِيد بأفريقية لما وَليهَا فِي شهر رَمَضَان عِنْد الْمغرب، وَفِي يَده عنقود عِنَب.
فَجعل مُحَمَّد يَقُول: اللَّهُمَّ احفظ لي إطلاقي الأسرى، وإعطائي الْفُقَرَاء.
(1/287)

فَقَالَ لَهُ يزِيد حِين دنا مِنْهُ: مُحَمَّد بن يزِيد؟ مَا زلت أسأَل الله أَن يظفرني بك.
قَالَ لَهُ: وَمَا زلت أسأَل الله، أَن يجيرني مِنْك.
قَالَ: وَالله، مَا أجارك، وَلَا أَعَاذَك مني، وَوَاللَّه لأَقْتُلَنك قبل أَن آكل هَذِه الْحبَّة الْعِنَب، وَوَاللَّه لَو رَأَيْت ملك الْمَوْت يُرِيد قبض روحك، لسبقته إِلَيْهَا.
فأقيمت الصَّلَاة، فَوضع يزِيد الْحبَّة الْعِنَب من يَده، وَتقدم، فَصلي بهم.
وَكَانَ أهل أفريقية قد أَجمعُوا على قَتله، فَلَمَّا ركع، ضربه رجل مِنْهُم على رَأسه بعمود حَدِيد، فَقتله.
وَقيل لمُحَمد: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت، فَمضى سالما.
ذكره القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه بِغَيْر إِسْنَاد، وَلم يعزه إِلَى الْمَدَائِنِي، وَجَاء بِهِ على خلاف هَذَا اللَّفْظ، وَالْمعْنَى وَاحِد، إِلَّا أَنه جعل بدل مُحَمَّد بن يزِيد، وضاحا، صَاحب عمر بن عبد الْعَزِيز، وبدلا من سُلَيْمَان بن عبد الْملك، عمر بن عبد الْعَزِيز، وَلم يذكر الدُّعَاء فِي خَبره. . وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، على غير هَذَا، حَدَّثَنِيهِ عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن زِيَاد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو همام الصَّلْت بن مُحَمَّد الخاركي، قَالَ: حَدَّثَنَا
(1/288)

مسلمة بن عَلْقَمَة، عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن يزِيد، قَالَ: إِن سُلَيْمَان بن عبد الْملك، أنفذ مُحَمَّد بن يزِيد إِلَى ديماس الْحجَّاج، وَفِيه يزِيد الرقاشِي، وَيزِيد الضَّبِّيّ، وعابدة من أهل الْبَصْرَة، فأنطلق كل من فِيهِ، غير يزِيد بن أبي مُسلم.
فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان، قَالَ مُحَمَّد: كنت مُسْتَعْملا على أفريقية، إِذْ قدم يزِيد بن أبي مُسلم، أَمِيرا، فِي خلَافَة يزِيد بن عبد الْملك.
قَالَ مُحَمَّد: فعذبني عذَابا شَدِيدا، حَتَّى كسر عِظَامِي، فَأتي بِي يَوْمًا
(1/289)

فِي كسَاء، أحمل عِنْد الْمغرب.
فَقلت لَهُ: ارْحَمْنِي.
فَقَالَ: التمس الرَّحْمَة من عِنْد غَيْرِي، وَلَو رَأَيْت ملك الْمَوْت عِنْد رَأسك، لبادرته إِلَى نَفسك، اذْهَبْ حَتَّى أصبح لَك.
فدعوت الله، وَقلت: اللَّهُمَّ اذكر مَا كَانَ مني فِي أهل الديماس، اذكر يزِيد الرقاشِي، وَفُلَانًا وَفُلَانًا، واكفني شَرّ يزِيد بن أبي مُسلم، وسلط عَلَيْهِ من لَا يرحمه، وَاجعَل ذَلِك من قبل أَن يرْتَد إِلَيّ طرفِي، وَجعلت أحبس طرفِي رَجَاء الْإِجَابَة.
فَدخل عَلَيْهِ نَاس من البربر، فَقَتَلُوهُ، ثمَّ أطلقوني، فَقَالُوا لي: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت.
فَقلت لَهُم: اذْهَبُوا واتركوني، فَإِنِّي أَخَاف إِن انصرفت، أَن يظنّ أَن هَذَا من عَمَلي.
فَذَهَبُوا، وتركوني.
حَدَّثَنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي مُحدث
(1/290)

عَن أُميَّة بن خَالِد عَن وضاح بن خَيْثَمَة، قَالَ: أَمرنِي عمر بن عبد الْعَزِيز بِإِخْرَاج من فِي السجْن، فأخرجتهم إِلَّا يزِيد بن أبي مُسلم، فَنَذر دمي، فَإِنِّي لبإفريقية، إِذْ قيل لي: قد قدم يزِيد بن أبي مُسلم، فهربت مِنْهُ، فَأرْسل فِي طلبي، فَأخذت، وَأتي بِي إِلَيْهِ.
(1/291)

فَقَالَ: وضاح؟ قلت: وضاح.
فَقَالَ: أما وَالله، طالما سَأَلت الله أَن يمكنني مِنْك.
فَقلت: وَأَنا وَالله لطالما سَأَلت الله أَن يعيذني مِنْك.
فَقَالَ: وَالله، مَا أَعَاذَك مني، وَوَاللَّه، لأَقْتُلَنك، وَلَو سابقني إِلَيْك ملك الْمَوْت، لسبقته.
ثمَّ استدعى بِالسَّيْفِ والنطع، فجيء بهما، وكتفت، وأقعدت فِيهِ، لتضرب عنقِي، وَقَامَ قَائِم على رَأْسِي بِالسَّيْفِ مَشْهُورا، فأقيمت الصَّلَاة فَخرج يزِيد وَصلى بهم، فَلَمَّا خر سَاجِدا، أَخَذته سيوف الْجند، وأطلقت.
حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن مُحَمَّد السَّرخسِيّ أَبُو بكر، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب، عَن الزبير بن بكار، قَالَ: كَانَ وضاح حاجبا لعمر بن عبد الْعَزِيز، فَلَمَّا حضرت عمر الْوَفَاة أَمر بِإِخْرَاج كل من فِي الْحَبْس، إِلَّا يزِيد بن أبي مُسلم.
وَذكر الحَدِيث.
(1/292)

عواقب مَكْرُوه الْأُمُور خِيَار
حَدثنِي أَبُو طَالب عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْفضل بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَمَّاد دنقش، مولى الْمَنْصُور وَصَاحب حرسه، وَكَانَ مُحَمَّد بن حَمَّاد يحجب الرشيد والمعتصم، وَأحمد بن مُحَمَّد أحد القواد بسر من رأى مَعَ صَالح بن وصيف، وَولي الشرطة بهَا للمهتدي، وَأحمد بن مُحَمَّد بن الْفضل، يكني أَبَا عِيسَى، وَكَانَ أحد أُمَنَاء الْقُضَاة بِبَغْدَاد، قَالَ: قَالَ: لي القَاضِي أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن مُحَمَّد التنوخي، قَالَ: حَدثنِي القَاضِي أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن إِسْحَاق بن البهلول التنوخي الْأَنْبَارِي، قَالَ:
(1/293)

حَدثنِي أَبُو عبد الله بن أبي عَوْف الْبزورِي، قَالَ: دخلت على أبي الْعَبَّاس بن ثوابة، وَكَانَ مَحْبُوسًا، فَقَالَ لي: احفظ عني.
قلت: نعم.
فَقَالَ:
عواقب مَكْرُوه الْأُمُور خِيَار ... وَأَيَّام سوء لَا تدوم قصار
وَلَيْسَ بباق بؤسها وَنَعِيمهَا ... إِذا كرّ ليل ثمَّ كرّ نَهَار
قَالَ: فَلم تمض إِلَّا أَيَّام يسيرَة، حَتَّى أطلق من حَبسه.
وَقد ذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي، فِي كِتَابه، هذَيْن الْبَيْتَيْنِ، بِغَيْر إِسْنَاد، وَلم يذكر الْقِصَّة، وَلَا سَبَب الشّعْر.
(1/294)

لَا تيأس فَإِن الْيَأْس كفر
حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله العلاف، الْمَعْرُوف بالمستعيني، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْأنْصَارِيّ، قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود، عَن بعض تجار الْمَدِينَة، قَالَ: كنت أختلف إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد، وَكنت لَهُ خليطا، وَكَانَ يعرفنِي بِحسن حَال، فتغيرت حَالي، فَأَتَيْته فَجعلت أَشْكُو إِلَيْهِ، فَأَنْشَأَ يَقُول:
فَلَا تجزع وَإِن أعسرت يَوْمًا ... فقد أَيسَرت فِي الزَّمن الطَّوِيل
قَالَ: فَخرجت من عِنْده، وَأَنا أغْنى النَّاس.
حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفضل أَحْمد بن سُلَيْمَان القَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا طَاهِر بن يحيى بن الْحسن بن جَعْفَر بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِمَا السَّلَام، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن عَليّ بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، قَالَ:
(1/295)

جَاءَ رجل إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد، فَشَكا إِلَيْهِ الْإِضَافَة، فأنشده جَعْفَر بن مُحَمَّد:
فَلَا تجزع إِذا أعسرت يَوْمًا ... فكم أرضاك باليسر الطَّوِيل
وَلَا تيأس فَإِن الْيَأْس كفر ... لَعَلَّ الله يُغني عَن قَلِيل
وَلَا تَظنن بِرَبِّك غير خير ... فَإِن الله أولى بالجميل
قَالَ الرجل: فَذهب عني مَا كنت أجد.
وروى القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه «كتاب الْفرج بعد الشدَّة» هَذَا الشّعْر بِغَيْر خبر، وَلَا إِسْنَاد، وَنسبه إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِمَا السَّلَام، وروى الْبَيْت الأول كَمَا رَوَاهُ ابْن الْجراح أبي سعد فِي الْخَبَر الَّذِي رويت قبل هَذَا، وَقَالَ بعده:
فَإِن الْعسر يتبعهُ يسَار ... وَقيل الله أصدق كل قيل
ثمَّ جَاءَ بالبيتين الثَّانِي وَالثَّالِث، كَمَا جَاءَا فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ، وَزَاد بعد ذَلِك بَيْتا خَامِسًا، وَهُوَ:
وَلَو أَن الْعُقُول تَسوق رزقا ... لَكَانَ المَال عِنْد ذَوي الْعُقُول
(1/296)

عبيد الله بن زِيَاد يشْتم رجلا من الْقُرَّاء ويتهدده
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، فِي كِتَابه: أَن الْمَدَائِنِي روى عَن مُحَمَّد بن الزبير التَّمِيمِي، أَن عبيد الله بن زِيَاد، أُتِي بِرَجُل من الْقُرَّاء فشتمه وَقَالَ لَهُ: أحروري أَنْت؟ .
فَقَالَ الرجل: لَا وَالله، مَا أَنا بحروري.
فَقَالَ: وَالله، لَأَفْعَلَنَّ بك، ولأصنعن، انْطَلقُوا بِهِ إِلَى السجْن، فَانْطَلقُوا بِهِ.
فَسَمعهُ ابْن زِيَاد يهمهم، فَرده، وَقَالَ لَهُ: مَا قلت؟ فَقَالَ: غن لي بيتان من الشّعْر قلتهما.
فَقَالَ: إِنَّك لفارغ الْقلب، أَنْت قلتهما، أم شَيْء سمعته؟ قَالَ: بل قلتهما، وهما:
عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إِنَّه ... لَهُ كل يَوْم فِي خليقته أَمر
إِذا اشْتَدَّ عسر فارج يسرا فَإِنَّهُ ... قضى الله أَن الْعسر يتبعهُ يسر
فَسكت ابْن زِيَاد سَاعَة، ثمَّ قَالَ: قد أَتَاك الْفرج، خلوا سَبيله.
(1/297)

أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، قَالَ:، أَخْبرنِي عَليّ بن دبيس الْكَاتِب، عَن أَحْمد بن الْحَارِث الخراز، عَن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي، عَن مُحَمَّد بن الزبير التَّمِيمِي، فَذكر نَحوه.
(1/298)

عَليّ بن الْحسن بن يزِيد كَاتب الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون يتحدث عَن أَيَّام فاقته
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه،
قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن بَيَان، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن الْفُرَات، قَالَ: كنت أتولى ماسبذان، وَكَانَ صَاحب الْبَرِيد بهَا عَليّ بن يزِيد، وَكَانَ قَدِيما يكْتب للْعَبَّاس بن الْمَأْمُون، فَحَدثني: أَن الْعَبَّاس غضب عَلَيْهِ وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ يملكهُ، حَتَّى إِنَّه بَقِي بسر من رأى لَا يملك شَيْئا، إِلَّا برذونه، بسرجه ولجامه، ومبطنة، وطيلسانا، وقميصا، وشاشية، وَأَنه كَانَ يركب فِي أول النَّهَار، فَيلقى من يُرِيد لقاءه، ثمَّ ينْصَرف، فيبعث
(1/299)

ببرذونه إِلَيّ الْكِرَاء، فيكسب عَلَيْهِ مَا يعلفه، وَمَا يُنْفِقهُ هُوَ وَغُلَامه.
فاتفق فِي بعض الْأَيَّام أَن الدَّابَّة لم تكسب شَيْئا، فَبَاتَ هُوَ وَغُلَامه طاويين، قَالَ: ونالنا من الْغَد مثل ذَلِك.
فَقَالَ غلامي: يَا مولَايَ، نَحن نصبر، وَلَكِن الشَّأْن فِي الدَّابَّة، فَإِنِّي أَخَاف أَن تعطب.
قلت: فَأَي شَيْء أعمل؟ لَيْسَ إِلَّا السرج، واللجام، وثيابي، وَإِن بِعْت من ذَلِك شَيْئا، تعطلت عَن الْحَرَكَة، وَطلب التَّصَرُّف.
قَالَ: فَانْظُر فِي أَمرك.
فَنَظَرت، فَإِذا بحصيري خلق، ومخدتي لبنة مغشاة بِخرقَة، أدعها تَحت رَأْسِي، ومطهرة خزف للطهور، فَلم أجد غير منديل دبيقي خلق قد بَقِي مِنْهُ الرَّسْم.
فَقلت للغلام: خُذ هَذَا المنديل، فبعه، واشتر علفا للدابة، وَلَحْمًا بدرهم، واشوه، وجئ بِهِ، فقد قرمت إِلَى أكل اللَّحْم.
فَأخذ المنديل، وَمضى، وَبقيت فِي الدَّار وحدي، وفيهَا شاهمرج قد جَاع لجوعنا، فَلم أشعر إِلَّا بعصفور قد سقط فِي المطهرة الَّتِي فِيهَا المَاء للطهور، عطشا، فَشرب، فَنَهَضَ إِلَيْهِ الشاهمرج، فناهضه، فلضعفه مَا قصر عَنهُ،
(1/300)

وطار العصفور، ووقف الشاهمرج، فَعَاد العصفور إِلَى المطهرة، فبادره الشاهمرج فَأَخذه بحمية، فابتلعه.
فَلَمَّا صَار فِي حوصلته، عَاد إِلَى المطهرة، فتغسل، وَنشر جناحيه وَصَاح، فَبَكَيْت، وَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء، وَقلت: اللَّهُمَّ، كَمَا فرجت عَن هَذَا الشاهمرج، فرج عَنَّا، وارزقنا من حَيْثُ لَا نحتسب.
فَمَا رددت طرفِي، حَتَّى دق بَابي، فَقلت: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا إِبْرَاهِيم بن يوحنا، وَكيل الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون.
فَقلت: ادخل، فَدخل، فَلَمَّا نظر إِلَى صُورَتي، قَالَ: مَا لي أَرَاك على هَذِه الصُّورَة، فكتمته خبري.
فَقَالَ لي: الْأَمِير يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَقد اصطبح الْيَوْم، وذكرك وَقد أَمر لَك بِخمْس مائَة دِينَار، وَأخرج الْكيس فَوَضعه بَين يَدي.
فحمدت الله تَعَالَى، ودعوت للْعَبَّاس، ثمَّ شرحت لَهُ قصتي، وأطفته فِي دَاري وبيوتي، وحدثته بِحَدِيث الدَّابَّة، وَمَا تقاسيه من الضّر، والمنديل، والشاهمرج، وَالدُّعَاء، فتوجع لي، وَانْصَرف.
وَلم يلبث أَن عَاد، فَقَالَ لي: صرت إِلَى الْأَمِير، وحدثته بحديثك كُله، فَاغْتَمَّ بذلك، وَأمر لَك بِخمْس مائَة دِينَار أُخْرَى، قَالَ: تأثث بِتِلْكَ، وَأنْفق هَذِه، إِلَى أَن يفرج الله.
وَعَاد غلامي، وَقد بَاعَ المنديل، واشتري مِنْهُ مَا أردته، فأريته الدَّنَانِير، وحدثته الحَدِيث، ففرح حَتَّى كَاد أَن تَنْشَق مرارته.
وَمَا زَالَ صنع الله يتعاهدنا.
(1/301)

وَيَوْم الوشاح من تعاجيب رَبنَا
قَالَ: الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، وَجَاء بِهِ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه عَن الْمَدَائِنِي بِغَيْر إِسْنَاد، واللفظان متقاربان: إِن أعرابية كَانَت تخْدم نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَت كثيرا مَا تتمثل:
وَيَوْم الوشاح من تعاجيب رَبنَا ... أَلا أَنه من ظلمَة الْكفْر نجاني
فَقيل لَهَا: إِنَّك تكثرين من التمثل بِهَذَا الْبَيْت، وَإِنَّا نظنه لأمر، فَمَا هُوَ؟ قَالَت: أجل، كنت عسيفة على قوم بالبادية.
قَالَ: مؤلف هَذَا الْكتاب: العسيف: الْأَجِير.
فَوضعت جَارِيَة مِنْهُم وشاحا، فمرت عِقَاب، فاختطفته وَنحن لَا نَدْرِي، ففقدنه، وقلن أَيْن هُوَ؟ أَنْت صاحبته، فَحَلَفت، واعتذرت، فأبين قبُول قولي وعذري، واستعدين بِالرِّجَالِ، فَجَاءُوا ففتشوني، فَلم يَجدوا شَيْئا.
فَقَالَ بَعضهم: احتملته فِي فرجهَا.
فأرادوا أَن يفتشوا فَرجي، فَمَا ظنكم بِامْرَأَة تخَاف ذَلِك.
فَلَمَّا خفت الشَّرّ، رفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء فَقلت: يَا رباه، أَغِثْنِي، فمرت الْعقَاب فَطَرَحته بَيْننَا، فَنَدِمُوا، وَقَالُوا: ظلمنَا المسكينة، وَجعلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى، فَمَا وَقعت فِي كربَة إِلَّا ذكرت ذَلِك، وَهُوَ يَوْم الوشاح، فرجوت الْفرج.
1: 304 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
(1/304)

أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَغْشَانَا تَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ:
وَيَوْمُ السِّخَابِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... عَلَى أَنَّهُ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ نَجَّانِي
فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ: وَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ. . إِلا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: قَالَتْ عَجُوزٌ مِنْهُنَّ لَا رِعَةَ لَهَا: فَتِّشُوا مَالَهَا، أَيْ: فَرْجَهَا، فَأَشْرَفْتُ عَلَى الْفَضِيحَةِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: يَا غَيَّاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ، فَمَا أَتْمَمْتُهَا، حَتَّى جَاءَ غُرَابٌ
(1/305)

فَرَمَى السِّخَابَ بَيْنَنَا، فَلَوْ رَأَيْتِهِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ حَوَاليَّ، يَقُولُونَ: اجْعَلِينَا فِي حِلٍّ، فَنَظَّمْتُ ذَلِكَ فِي بَيْتٍ، فَأَنَا أُنْشِدُهُ لِئَلا أَنْسَى النِّعْمَةَ، فَأَتْرُكَ شُكْرَهَا
(1/306)

بَين يحيى الْبَرْمَكِي وَالْفضل بن الرّبيع
ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ:
حَدثنِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن سعد، عَن أَبِيه عبد الله بن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن نمير الْخُزَاعِيّ، قَالَ: صَار الْفضل بن الرّبيع إِلَى الْفضل بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي فِي حَاجَة
(1/307)

لَهُ، فَلم يرفع لَهُ رَأْسا، وَلَا قضى حَاجته، فَقَامَ مغضبا، فَلم يدع بدابته، وَلَا اكترث لَهُ، ثمَّ أتبعه رجلا، فَقَالَ: انْظُر مَا يَقُول، فَإِن الرجل يُنبئ عَمَّا فِي نَفسه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع إِذا اضْطجع على فرَاشه، وَإِذا خلا بعرسه، وَإِذا اسْتَوَى على سَرْجه، قَالَ: الرجل: فاتبعته، فَلَمَّا اسْتَوَى على سَرْجه، عض على شَفَتَيْه، وَقَالَ:
عَسى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانه ... بدور زمَان وَالزَّمَان يَدُور
فيعقب روعات سُرُورًا وغبطة ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور
فَلم يكن بَين ذَلِك، وَبَين أَن سخط الرشيد على البرامكة، واستورز الْفضل بن الرّبيع، إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة.
وحَدثني بِهَذَا الْخَبَر، أبي، على مثل هَذَا الْإِسْنَاد، وَلم أحفظه، لِأَنِّي لم أكتبه عَنهُ فِي الْحَال، فَقَالَ فِي الْبَيْت الأول:
عَسى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانه ... بعثرة دهر وَالزَّمَان عثور
وَقَالَ فِي الْبَيْت الثَّانِي:
فتدرك حاجات وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور
وَزَاد فِيهِ أَن الْفضل بن يحيى بن خَالِد رده فَقضى حَوَائِجه.
أخبرنيه مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر الصولي، عَن مَيْمُون بن هَارُون، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن نمير الْخُزَاعِيّ، وَذكره، وَقد دخل فِيمَا أجَازه لي الصولي.
وَقُرِئَ على أبي بكر الصولي بِالْبَصْرَةِ، فِي كِتَابه «كتاب الوزراء» سنة خمس
(1/308)

وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَأَنا حَاضر أسمع، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمد بن يزِيد بن مُحَمَّد , يَعْنِي: المهلبي، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن إِسْحَاق، قَالَ: دخل الْفضل بن الرّبيع على يحيى بن خَالِد، فَلم يُوسع لَهُ، وَلَا هش بِهِ، ثمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بك يَا أَبَا الْعَبَّاس؟ قَالَ: رقاع معي.
فَرده عَن جَمِيعهَا، فَوَثَبَ الْفضل وَهُوَ يَقُول:
عَسى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانه ... بعثرة دهر وَالزَّمَان عثور
فتدرك آمال وتحوى رغائب ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور
فَرده يحيى، وَوَقع لَهُ بِجَمِيعِ مَا أَرَادَ.
(1/309)

دُعَاء للشفاء من الْعِلَل
وَأَخْبرنِي عَليّ بن عبد الله الوارق، الْمَعْرُوف بِابْن أبي لُؤْلُؤ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي سعيد بن أبي أَيُّوب، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ، عَن عبد الله بن جَعْفَر: أَن رجلا أَصَابَهُ مرض شَدِيد، مَنعه من الطَّعَام وَالشرَاب وَالنَّوْم، فَبينا هُوَ ذَات لَيْلَة ساهرا، إِذْ سمع وجبة شَدِيدَة فِي حجرته، فَإِذا هُوَ كَلَام، فوعاه، فَتكلم بِهِ، فبرأ مَكَانَهُ، وَهُوَ اللَّهُمَّ أَنا عَبدك، وَبِك أملي، فَاجْعَلْ الشِّفَاء فِي جَسَدِي، وَالْيَقِين فِي قلبِي، والنور فِي بَصرِي، وَالشُّكْر فِي صَدْرِي، وذكرك بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، مَا بقيت، على لساني، وارزقني مِنْك، رزقا غير مَحْظُور وَلَا مَمْنُوع.
(1/310)

الْبَاب الرَّابِع
من استعطف غضب السُّلْطَان بصادق لفظ واستوقف مكروهه بموقظ بَيَان أَو وعظ
بَين الْمَأْمُون وَعَمْرو بن مسْعدَة
قرئَ على أبي بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي بِالْبَصْرَةِ، وَأَنا حَاضر أسمع، فِي كِتَابه الوزراء سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَقَالَ:
حَدثنِي عَليّ بن مُحَمَّد النَّوْفَلِي: أَن الْمَأْمُون ذكر عَمْرو بن مسْعدَة، فاستبطأه فِي أَشْيَاء، وَقَالَ: أيحسب عَمْرو أَنِّي لَا أعرف أخباره، وَمَا يجبي إِلَيْهِ، وَمَا يُعَامل بِهِ النَّاس، بلي وَالله، ثمَّ يظنّ أَنه لَا يسْقط عَليّ مِنْهُ شَيْء؟ ، وَكَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد حَاضرا لذَلِك، فَمضى إِلَى عَمْرو، فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ الْمَأْمُون.
فَنَهَضَ من سَاعَته، وَدخل إِلَى الْمَأْمُون، فَرمي بِسَيْفِهِ، وَقَالَ: أَنا عَائِذ بِاللَّه من سخط أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأَنا أقل من أَن يشكوني إِلَى أحد، أَو يسر عَليّ ضغنا
(1/311)

يظْهر مِنْهُ بِكَلَامِهِ مَا ظهر.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: وَمَا ذَاك؟ فَأخْبرهُ بِمَا بلغه.
فَقَالَ: لم يكن الْأَمر كَذَلِك، وَإِنَّمَا جرى معنى أوجب ذكر مَا ذكرت، فقدمته قبل أَن أخْبرك بِهِ، وَكَانَ ذَلِك عزمي، وَمَا لَك عِنْدِي إِلَّا مَا تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ظَنك، وَسكن مِنْهُ حَتَّى شكره، وَجعل مَاء الْحَيَاة يَدُور فِي وَجهه.
فَلَمَّا دخل أَحْمد بن أبي خَالِد إِلَى الْمَأْمُون، قَالَ: لَهُ: أَشْكُو إِلَيْك من بحضرتي من خدمي وَأَهلي، أما لمجلسي حق وَلَا حُرْمَة ليكتم مَا يجْرِي فِيهِ، حَتَّى يُؤدى إِلَى عَمْرو بن مسْعدَة؟ فَإِنَّهُ قد أبلغ أَشْيَاء قلتهَا فِيهِ واتهمت فِيهَا بعض بني هَاشم مِمَّن كَانَ حَاضرا، وَذَلِكَ أَن عمرا دخل عَليّ، وَأعَاد مَا كَانَ، فاعتذرت لَهُ بِعُذْر لم يبن الْحق نسجه، وَلم يتسق القَوْل مني فِيهِ، وَإِن لِسَان الْبَاطِل، لعي الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَمَا نعش الْبَاطِل أحدا , قَالَ لَهُ أَحْمد: لَا يتهم أَمِير الْمُؤمنِينَ أحدا، أَنا أخْبرت عمرا.
قَالَ: وَمَا دعَاك إِلَى ذَلِك؟ قَالَ: الشُّكْر لله، وَلَك لاصطناعك، والنصح لَك والمحبة لتَمام نِعْمَتك على أوليائك وخدمك، وَقد علمت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحب استصلاح الْأَعْدَاء والبعداء، فَكيف بالأولياء والقرباء، ولاسيما مثل عَمْرو، فِي مَوْضِعه من الدولة، وموقعه من الْخدمَة، ومكانه من رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ، فخبرته بِمَا أنكرهُ عَلَيْهِ، ليقوم أود نَفسه، ويتلافى مَا فرط مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْعَيْب لَو أفشيت كلَاما فِيهِ لأمير الْمُؤمنِينَ سر، أَو قدح على السُّلْطَان، أَو نقض تَدْبِير لَهُ.
فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنت وَالله يَا أَحْمد، إِذْ كفيتني مخاضة الظَّن، وصدقتني عَن نَفسك، وأزلت التُّهْمَة عَن غَيْرك.
(1/312)

الْمَنْصُور العباسي يحْشر العلويين جَمِيعًا إِلَى الْكُوفَة ويتهددهم
1: 313 46 - أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَرَجِ الأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السَّلُولِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ رُشَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ سَعِيدُ بْنُ خُثَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْفُورَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِبَاخمْرَى، حُشِرْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يُتْرَكْ مِنَّا فِيهَا مُحْتَلِمٌ، حَتَّى قَدِمْنَا الْكُوفَةَ، فَمَكَثْنَا فِيهَا شَهْرًا نَتَوَقَّعُ الْقَتْلَ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا الرَّبِيعُ الْحَاجِبُ، فَقَالَ: أَيْنَ هَؤُلاءِ الْعَلَوِيَّةُ؟ أَدْخِلُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ أَنَا إِلَيْهِ، وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا صِرْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ لِي: أَنْتَ الَّذِي تَعْلَمُ الْغَيْبَ أَنْتَ الَّذِي تَعْلَمُ الْغَيْبَ؟
(1/313)

قُلْتُ: لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ.
قَالَ: أَنْتَ الَّذِي يُجْبَى إِلَيْكَ هَذَا الْخَرَاجُ؟ قُلْتُ: إِلَيْكَ يُجْبَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْخَرَاجُ.
قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ دَعَوْتُكُمْ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَهْدِمَ رِبَاعَكُمْ، وَأُغَوِّرَ قُلْبَكُمْ، وَأَعْقِرَ نَخْلَكُمْ، وَأُنْزِلَكُمْ بِالسَّرَاةِ، فَلا يَجِيئُكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ لَكُمْ مَفْسَدَةٌ.
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَإِنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَإِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَأَنْتَ مِنْ ذَلِكَ السَّنْخِ.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ أَعِدْ، فَأَعَدْتُ.
فَقَالَ: مِثْلُكَ فَلْيَكُنْ زَعِيمَ الْقَوْمِ، قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَوَهَبْتُ لَكُمْ جرمَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، حَدِّثْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثْتَنِي بِهِ عَنْ أَبِيكَ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قُلْتُ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «صِلَةُ الرَّحِمِ، تُعَمِّرُ الدِّيَارِ، وَتُطِيلُ الأَعْمَارِ، وَتُكْثِرُ الْعمَّارَ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا» قَالَ: لَيْسَ هَذَا.
1: 314 47 - فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
(1/314)

وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " الأَرْحَامُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: صِلْ مَنْ وَصَلَنِي، وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي " قَالَ: لَيْسَ هَذَا.
1: 315 48 - قُلْتُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ " قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ.
1: 315 49 - قُلْتُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ، كَانَ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ ثَلاثُ سِنِينَ، فَوَصَلَ رَحِمَهُ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثَلاثِينَ سَنَةً» قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ أَرَدْتُ، أَيُّ الْبِلادِ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ؟ فَوَاللَّهِ، لأَصِلَنَّ رَحِمِي الْيَوْمَ.
قُلْنَا: الْمَدِينَةُ.
قَالَ: فَسَرَّحَنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَفَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، مَئُونَتَهُ
(1/315)

بَين الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق والمنصور العباسي
وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، على خلاف هَذِه السِّيَاقَة، وجدته فِي بعض الْكتب بِغَيْر إِسْنَاد: إِن معَاذًا، مولى إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس رَحِمهم الله، قَالَ: كنت قَائِما على رَأس مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، مولَايَ، ورزام، مولى مُحَمَّد بن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، يحدثه، وَكَانَ كَاتبه إِذْ ذَاك، قَالَ: وجهني مُحَمَّد بن خَالِد الْقَسرِي، لآتيه بِجَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، من الْمَدِينَة، إِلَى الْمَنْصُور.
(1/316)

فَلَمَّا صررنا بالنجف، نزل عَن رَاحِلَته، وأسبغ الْوضُوء، واستقبل الْقبْلَة، وَصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ رفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَأَنا بِالْقربِ مِنْهُ، فَسَمعته يَقُول: اللَّهُمَّ بك أستفتح، وَبِك أستنجح، وَبِمُحَمَّدٍ عَبدك وَرَسُولك أتوجه، اللَّهُمَّ إِنِّي أدرأ بك فِي نَحره، وَأَعُوذ بك من شَره , اللَّهُمَّ سهل لي حزونته، وذلل لي صعوبته، وَأَعْطِنِي من الْخَيْر أَكثر مِمَّا أَرْجُو، واكفني من الشَّرّ أَكثر مِمَّا أَخَاف، ثمَّ جَاءَ فَركب وَمضى.
فَلَمَّا قيل لأبي جَعْفَر: إِنَّه بِالْبَابِ، أَمر بالستور فَرفعت، وبالأبواب ففتحت، ثمَّ خرج إِلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فِي منتصف الدَّار فعانقه أَبُو جَعْفَر، وَأخذ بِيَدِهِ يماشيه مُقبلا عَلَيْهِ، حَتَّى انْتهى إِلَى مَجْلِسه، فأجلسه فِيهِ، ثمَّ أقبل عَلَيْهِ الْمَنْصُور يسائله، وَأَقْبل جَعْفَر يَدْعُو لَهُ ويفديه.
ثمَّ إِن الْمَنْصُور قَالَ لَهُ: عرفت مَا كَانَ من أَمر هذَيْن الرجلَيْن، يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيم ابْني عبد الله بن الْحسن، وَمَا كَانَ من بري بهما، وَقد استترا، وَخفت أَن يشقا الْعَصَا، ويلقيا بَين أهل هَذَا الْبَيْت شرا لَا يصلح أبدا، فَأَخْبرنِي بخبرهما، ودلني عَلَيْهِمَا.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: قد وَالله نهيتهما فَلم يقبلا، وكرهت أَن أطلع على شَيْء من أمورهما، وَمَا زلت مائلا إِلَيْك، وحاطبا فِي حبلك، ومواظبا على طَاعَتك.
فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: صدقت، وَلَكِنَّك تعلم، أَنِّي أعلم، أَن علم أَمرهمَا عنْدك، وَلنْ أقنع إِلَّا أَن تُخبرنِي بخبرهما وَأَمرهمَا.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أتلو عَلَيْك آيَة من كتاب الله عز وَجل، فِيهَا مُنْتَهى علمي بهما.
قَالَ: هَات، على اسْم الله.
فَتلا عَلَيْهِ: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [الْحَشْر: 12] .
(1/317)

فَخر الْمَنْصُور سَاجِدا، وَقَالَ: حَسبك.
وَلم يسْأَله بعد ذَلِك عَن شَيْء من أَمرهمَا.
وَرُوِيَ لي هَذَا الْخَبَر على وَجه آخر، حَدَّثَنَا بِهِ عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي عِيسَى بن أبي حَرْب الصفار، والمغيرة بن مُحَمَّد، قَالَا: حَدَّثَنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن الْفضل بن الرّبيع، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن الْفضل بن الرّبيع، عَن الْفضل بن الرّبيع، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حج أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة، قَالَ لي: ابْعَثْ إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد من يأتيني بِهِ بَغْتَة، قتلني الله إِن لم أَقتلهُ، فَأَمْسَكت عَنهُ، رَجَاء أَن ينساه، فَأَغْلَظ لي فِي الثَّانِيَة.
فَقلت: جَعْفَر بن مُحَمَّد بِالْبَابِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذنت لَهُ.
فَلَمَّا دخل، قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
فَقَالَ: لَا سلم الله عَلَيْك، يَا عَدو الله، تلحد فِي سلطاني، وتبغيني الغوائل فِي ملكي، قتلني الله إِن لم أَقْتلك.
(1/318)

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن سُلَيْمَان أعطي فَشكر، وَإِن أَيُّوب ابْتُلِيَ فَصَبر، وَإِن يُوسُف ظلم فغفر، وَأَنت من ذَلِك السنخ ففكر طَويلا.
ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: أَنْت عِنْدِي، يَا أَبَا عبد الله، البريء الساحة، السَّلِيم النَّاحِيَة، الْقَلِيل الغائلة، جَزَاك الله عَن ذِي رَحِمك، أفضل مَا يَجْزِي ذَوي الْأَرْحَام عَن أرحامهم.
ثمَّ تنَاول يَده، فأجلسه على مفرشه، واستدعى بالمنفحة، والمنفخة مدهن كَبِير فِيهِ غَالِيَة، فغلفه بِيَدِهِ، حَتَّى قطرت لحيته.
ثمَّ قَالَ لَهُ: فِي حفظ الله وَفِي كلاءته، يَا ربيع، ألحق أَبَا عبد الله جائزته وَكسوته.
قَالَ: الرّبيع: فتبعته، فَلَمَّا لحقته، قلت لَهُ: إِنِّي رَأَيْت مَا لم تَرَ، وَسمعت مَا لم تسمع، وَرَأَيْت بعد ذَلِك مَا قد رَأَيْت، وَقد رَأَيْتُك تحرّك شفتيك بِشَيْء، فَمَا الَّذِي قلت؟ فَقَالَ: نعم، إِنَّك رجل منا أهل الْبَيْت، وَلَك محبَّة ومودة، اعْلَم أنني قلت: اللَّهُمَّ احرسني بِعَيْنِك الَّتِي لَا تنام، واكنفني بركنك الَّذِي لَا يرام، وأدركني بِرَحْمَتك، واعف عني بقدرتك، لَا أهلك وَأَنت رجائي، رب، كم من نعْمَة أَنْعَمت بهَا عَليّ بن الْحسن، قل لَك عِنْدهَا شكري فَلم تحرمني، وَكم من بلية ابتليتني بهَا، قل لَك عِنْدهَا صبري فَلم تخذلني، فيا من قل عِنْد نعمه شكري فَلم يحرمني، وَيَا من قل عِنْد بليته صبري فَلم يخذلني، يَا من
(1/319)

رَآنِي على الْخَطَايَا فَلم يهتكني، يَا ذَا الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَنْقَضِي أبدا، وَيَا ذَا النعماء الَّتِي لَا تحصى عددا، صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد، بك أدرأ فِي نَحره، وَأَعُوذ بك من شَره، اللَّهُمَّ أَعنِي على ديني بدنياي، وعَلى آخرتي بتقواي، واحفظني فِيمَا غبت عَنهُ، وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين، يَا من لَا تضره الذُّنُوب، وَلَا تنقصه الْمَغْفِرَة، اغْفِر لي مَا لَا يَضرك، وَأَعْطِنِي مَا لَا ينْقصك، إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب، أَسأَلك فرجا قَرِيبا، وصبرا جميلا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، والعافية من جَمِيع البلايا، وشكر الْعَافِيَة.
(1/320)

بَين مُوسَى الْهَادِي وَأحد كِتَابه
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، فِي كِتَابه «الوزراء» : أَن مُوسَى الْهَادِي، سخط على بعض كِتَابه، وَلم يسمه، فَجعل يقرعه، ويؤنبه، ويتهدده، ويتوعده.
فَقَالَ لَهُ الْكَاتِب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن اعتذاري إِلَيْك فِيمَا تقرعني بِهِ رد عَلَيْك، وإقراري بِمَا بلغك عني، يُوجب ذَنبا لم أجنه، وَلَكِنِّي أَقُول كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
إِذا كنت ترجو فِي الْعقَاب تشفيا ... فَلَا تزهدن عِنْد التجاوز فِي الْأجر
فصفح عَنهُ، وَأمر بترك التَّعَرُّض لَهُ، وَأحسن إِلَيْهِ، وَصَرفه مكرما.
(1/321)

ابْن مقلة ينفذ من سجنه رقْعَة إِلَى الْوَزير ابْن الْفُرَات
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام بن عبد الله الْكَاتِب، عَن أبي عبد الله زنجي الْكَاتِب، قَالَ: لما نكب أَبُو الْحسن بن الْفُرَات، أَبَا عَليّ بن مقلة، فِي وزارته الثَّالِثَة، لم أَدخل إِلَيْهِ فِي الْحَبْس، وَلَا كاتبته متوجعا لَهُ، وَلَا راسلته بِحرف، خوفًا من أَن يرقى ذَلِك إِلَى ابْن الْفُرَات.
وَكَانَت بيني وَبَين ابْن الْجراح مقلة مَوَدَّة، فَلَمَّا طَال مكثه فِي الْحَبْس، كتب إِلَيّ رقْعَة لَطِيفَة، أَولهَا:
(1/322)

ترى حرمت كتب الأخلاء بَينهم ... أبن لي، أم أصبح الود غاليا؟
فَمَا كَانَ لَو ساءلتنا كَيفَ حَالنَا ... وَقد دهمتنا نكبة هِيَ مَا هيا
صديقك من راعاك عِنْد شَدِيدَة ... وكل ترَاهُ فِي الرخَاء مراعيا
فهبك عدوي، لَا صديقي، فَرُبمَا ... يكَاد الأعادي يرحمون الأعاديا
ثمَّ أتبع ذَلِك بِكَلَام عَاتَبَنِي فِيهِ، وَيذكر أَنه أنفذ إِلَيّ، فِي طي رقعته، رقْعَة إِلَى الْوَزير، وسألني عرضهَا عَلَيْهِ، فِي وَقت خلْوَة لَا يكون فِيهَا ابْنه أَبُو أَحْمد المحسن.
فَقَرَأت الرقعة الَّتِي للوزير، فَكَانَ فِيهَا: أقصرت أَطَالَ الله بَقَاء الْوَزير، وَفعل بِهِ وصنع، عَن الاستعطاف وَعَن الشكوى، حَتَّى تناهت بِي المحنة والبلوى، فِي النَّفس وَالْمَال، والجسم وَالْحَال، إِلَى مَا فِيهِ شِفَاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، حَتَّى أفضت بِي، إِلَى الْحيرَة والتبلد، وبعيالي إِلَى الهتكة والتلدد، وَمَا أَقُول إِن حَالا أَتَاهَا الْوَزير، أيده الله، فِي أَمْرِي، إِلَّا بِحَق وَاجِب، وَظن صَادِق غير كَاذِب، إِلَّا أَن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، وَالِاعْتِرَاف يزِيل الاقتراف، وَرب الْمَعْرُوف يؤثره أهل الْفضل وَالدّين، وَالْإِحْسَان إِلَى الْمُسِيء،
(1/323)

من أَفعَال الْمُتَّقِينَ، وعَلى كل حَال، فلي ذمام وَحُرْمَة، وتأميل وخدمة، إِن كَانَت الْإِسَاءَة تضيعها، فرعاية الْوَزير، أيده الله، تحفظها، فَإِن رأى الْوَزير، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، أَن يلحظ عَبده بِعَين رأفته، وينعم بإحياء مهجته، ويتخلصها من الْعَذَاب الشَّديد، والجهد الجهيد، وَيجْعَل لَهُ من معروفه نَصِيبا، وَمن الْبلوى فرجا قَرِيبا، فعل، إِن شَاءَ الله.
فأقامت الرقعة فِي كمي أَيَّامًا، لَا أتمكن من عرضهَا، إِلَى أَن رسم لي الْوَزير ابْن الْفُرَات، كتب رقْعَة إِلَى جَعْفَر بن الْقَاسِم، عَامله على فَارس، فِي مُهِمّ، وَأَن أحررها بَين يَدَيْهِ، وأعرضها عَلَيْهِ، فَأمرنِي بتحريرها وَقد خلا، فاغتنمت خلوته من كل أحد، فَقلت لَهُ: قد عرف الْوَزير، أيده الله، مَا بيني وَبَين ابْن مقلة، من الْعشْرَة والإلفة الَّتِي جمعتنَا عَلَيْهَا خدمته، وَوَاللَّه، مَا كاتبته وَلَا راسلته، وَلَا قضيت لَهُ حَقًا بمعونة وَلَا غَيرهَا، مُنْذُ سخط الْوَزير، أيده الله، عَلَيْهِ، وَهَذِه رقعته إِلَيّ تدل على ذَلِك، وَيسْأل عرض رقْعَة لَهُ على الْوَزير، أيده الله، وَهِي معي، فَإِن أذن عرضتها عَلَيْهِ.
فَقَالَ: هَاتِهَا.
فناولته إِيَّاهَا، قَالَ: فَقَرَأَ رقعته إِلَيّ، ثمَّ قَالَ: هَات رقعته إِلَيّ.
فَقلت: أسأَل الْوَزير، أيده الله، أَن يكتم ذَلِك عَن سَيِّدي أبي أَحْمد، يَعْنِي: المحسن ابْنه، فَإِنِّي أخافه.
(1/324)

فَقَالَ: أفعل.
فَلَمَّا قَرَأَ رقْعَة ابْن مقلة إِلَيْهِ، قَالَ: وَالله، يَا أَبَا عبد الله، لقد تناهى هَذَا الرجل فِي السّعَايَة على دمي، وَمَالِي، وَأَهلي، لقد صَحَّ عِنْدِي أَنه قَالَ: لما أسلم إِلَيّ حَامِد: لَو علمت أَن ابْن الْفُرَات سَيبقى بعد صرفه يَوْمًا وَاحِدًا مَا سعيت عَلَيْهِ، وَالله، لقد كنت أَدْعُو الله فِي حبسي، أَن لَا يمكنني مِنْهُ، وَلَا من الباقطائي، أما هُوَ فلإحساني الْعَظِيم، كَانَ، إِلَيْهِ، فَلم أحب أَن أتمكن مِنْهُ فأشفي غيظي وأفسد إحساني إِلَيْهِ , وَأما الباقطائي، فلقبيح إساءته إِلَيّ، وَلِأَنَّهُ شيخ من شُيُوخ الْكتاب، وَخفت الْعَار بِمَا لعَلي كنت أعامله بِهِ لَو حصل فِي يَدي، فَلم تجب دَعْوَتِي فِيهِ، وأجيبت فِي الباقطائي، والآن فوحق مُحَمَّد وَآله عَلَيْهِم السَّلَام، لَا جرى على ابْن مقلة مَكْرُوه بعد هَذَا، وَأَنا أتقدم الْيَوْم بِأَخْذِهِ من المحسن، وإنفاذه مَعَ سُلَيْمَان بن الْحسن إِلَى فَارس، وأجريه مجْرَاه فِي الْأَمر بحراسة نَفسه، وَبَاقِي حَاله، وَأَزِيدك، يَا أَبَا عبد الله، مَا لَا أحسبك فهمته.
فَقلت: وَمَا هُوَ؟ فَإِنِّي لم أزل أستفيد الْفَوَائِد من الْوَزير، أيده الله،
(1/325)

تعلما وإنعاما.
فَقَالَ: قد بقيت لَهُ بَقِيَّة وافرة من حَاله، لولاها، لَكَانَ لَا يقدر أَن يَقُول قولا سديدا، وَلَا يتفرغ قلبه لنظم شعر، وبلاغة نثر.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أخرجه من الْمحبس، وأنفذه إِلَى فَارس، هُوَ وَسليمَان بن الْحسن، فسلما.
(1/326)

كَيفَ تخلص طريح بن إِسْمَاعِيل الثَّقَفِيّ من الْمَنْصُور
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأمَوِي، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن شبيب، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن حَمْزَة بن أبي عُيَيْنَة المهلبي، عَن أَبِيه، عَن طريح بن إِسْمَاعِيل الثَّقَفِيّ، أَنه دخل على أبي جَعْفَر، فِي الشُّعَرَاء، فَقَالَ لَهُ: لَا حياك الله، وَلَا بياك، أما اتَّقَيْت الله حَيْثُ تَقول فِي الْوَلِيد:
لَو قلت للسيل دع طريقك والموج ... عَلَيْهِ كالهضب يعتلج
لساخ وارتد أَو لَكَانَ لَهُ ... إِلَى طَرِيق سواهُ منعرج
فَقَالَ طريح: قد علم الله أنني أردْت الله بِهَذَا وعنيته، وَقلت ذَلِك، ويدي ممدوة إِلَيْهِ عز وَجل.
فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: يَا ربيع، أما ترى هَذَا التَّخَلُّص؟ 119
(1/327)

الْمَأْمُون يعْفُو عَن الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك وَيمْتَنع عَن استخدامه
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، وَمُحَمّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان، وَأَلْفَاظهمْ تزيد وتنقص.
وَأَخْبرنِي بِبَعْضِه مُحَمَّد بن خلف، وَكِيع، من آخِره، وقصة وُصُوله إِلَى الْمَأْمُون، وَلم يذكر مَا قبل ذَلِك، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه، وَلم يقل وَكِيع عَن أَبِيه، وَاللَّفْظ فِي الْخَبَر لِابْنِ أبي الْأَزْهَر، وَحَدِيثه، ثمَّ قَالَ: كنت بَين يَدي الْمَأْمُون قَائِما، فَدخل ابْن البواب الْحَاجِب، برقعة فِيهَا أَبْيَات، فَقَالَ لَهُ: أتأذن فِي إنشادها؟ قَالَ: هَات، فَأَنْشد:
(1/328)

أجرني فَإِنِّي قد ظمئت إِلَى الْوَعْد ... مَتى ينجز الْوَعْد الْمُؤَكّد بالعهد
أُعِيذك من خلف الملول وَقد ترى ... تقطع أنفاسي عَلَيْك من الوجد
رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه وَالله أعلم بِالْعَبدِ
أَلا إِنَّمَا الْمَأْمُون للنَّاس عصمَة ... مُمَيزَة بَين الضَّلَالَة والرشد
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَحْسَنت يَا عبد الله وظنها لَهُ.
فَقَالَ: بل أحسن قَائِلهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: وَمن هُوَ قَائِلهَا؟ قَالَ: عَبدك الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك.
فقطب، وَقَالَ لَا حَيا الله من ذكرت، وَلَا بياه، وَلَا قربه، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل:
أعيني جودا وابكيا لي مُحَمَّدًا ... وَلَا تذخرا دمعا عَلَيْهِ وأسعدا
فَلَا تمت الْأَشْيَاء بعد مُحَمَّد ... وَلَا زَالَ شَمل الْملك فِيهِ مبددا
وَلَا فَرح الْمَأْمُون بالعيش بعده ... وَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا طريدا مشردا
هَذَا بِذَاكَ، وَلَا شَيْء لَهُ عندنَا.
فَقَالَ ابْن البواب: فَأَيْنَ فضل أَمِير الْمُؤمنِينَ، وسعة حلمه، وعادته فِي
(1/329)

الْعَفو؟ فَأمر بإحضاره.
فَلَمَّا حضر، سلم، فَرد عَلَيْهِ السَّلَام ردا خفِيا، ثمَّ قَالَ: أَخْبرنِي عَنْك، هَل عرفت، يَوْم قتل أخي - هاشمية قتلت، أَو هتكت؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَمَا معنى قَوْلك؟ :
وَمِمَّا شجى قلبِي وكفكف عبرتي ... محارم من آل النَّبِي استحلت
ومهتوكة بالخلد عَنْهَا سجوفها ... كعاب كقرن الشَّمْس حِين تبدت
إِذا خفرتها روعة من مُنَازع ... لَهَا المرط عاذت بالخضوع ورنت
وسرب ظباء من ذؤابة هَاشم ... هتفن بِدَعْوَى خير حَيّ وميت
أرد يدا مني إِذا مَا ذكرته ... على كبد حرى وقلب مفتت
فَلَا بَات ليل الشامتين بغبطة ... وَلَا بلغت آمالها من تمنت
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة فقدتها بعد أَن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني.
فَدَمَعَتْ عينا الْمَأْمُون، وَقَالَ قد عَفَوْت عَنْك وَأمرت لَك بإدرار أرزاقك عَلَيْك، وإعطائك مَا فَاتَ مِنْهَا، وَجعلت عُقُوبَة ذَنْبك، امتناعي عَن استخدمك.
(1/330)

بَين المعتصم وَالْحُسَيْن بن الضَّحَّاك
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن يحيى الصولي، إجَازَة، وَقد ذكره أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه الْكَبِير، كتاب الأغاني، الَّذِي أجَازه لي فِي جملَة مَا أجَاز، فِي أَخْبَار الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك، قَالَ: غضب عَليّ المعتصم فِي شَيْء جرى على النَّبِيذ، وَقَالَ وَالله لأؤدبنه، وحجبني، فَكتب إِلَيْهِ:
غضب الإِمَام أَشد من أدبه ... وَقد استجرت وعذت من غَضَبه
أَصبَحت معتصما بمعتصم ... أثنى عَلَيْهِ الله فِي كتبه
لَا وَالَّذِي لم يبْق لي سَببا ... أَرْجُو النجَاة بِهِ سوى سَببه
مَا لي شَفِيع غير رَحمته ... وَلكُل من أشفى على عطبه
إِلَّا كريم طباعه وَبِه ... أَرْجُو الَّذِي أرجوه فِي نسبه
فَلَمَّا قُرِئت عَلَيْهِ، الْتفت إِلَى الواثق، وَقَالَ: وبمثل هَذَا الْكَلَام يستعطف الْكِرَام، مَا هُوَ إِلَّا أَن سَمِعت أَبْيَات حُسَيْن هَذِه، حَتَّى زَالَ مَا فِي نَفسِي عَلَيْهِ.
فَقَالَ الواثق: هُوَ حقيق أَن يهب لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَنبه، ويتجاوز عَنهُ،
(1/331)

فَرضِي عني، وَأمر بإحضاري.
قَالَ: الصولي: فَحَدثني الْحُسَيْن بن يحيى، أَن هَذِه الأبيات إِنَّمَا كتب بهَا إِلَى المعتصم لِأَنَّهُ بلغه عَنهُ أَنه مدح الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون، وَتمنى لَهُ الْخلَافَة، فَطلب، فاستتر، وَكتب بِهَذِهِ الأبيات إِلَى المعتصم على يَدي الواثق، فأوصلها، وشفع لَهُ، فَرضِي عَنهُ، وأمنه، فَظهر، ثمَّ استدعاه، فَدخل عَلَيْهِ، وهجا الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون، فَقَالَ:
خل اللعين وَمَا اكْتسب ... لَا زَالَ مُنْقَطع السَّبَب
يَا عرة الثقلَيْن لَا ... دينا رعيت وَلَا حسب
حسد الإِمَام مَكَانَهُ ... جهلا هداك على العطب
وَأَبُوك قدمه لَهَا ... لما تخير وانتخب
مَا تَسْتَطِيع سوى التنفس ... والتجرع للكرب
لَا زلت عِنْد أَبِيك منتقص ... الْمُرُوءَة وَالْأَدب
(1/332)

الشّعبِيّ يروي قصَّة دُخُوله على الْحجَّاج
وجدت بِخَط القَاضِي أبي جَعْفَر أَحْمد بن البهلول الْأَنْبَارِي، قَالَ الشّعبِيّ: كنت فِيمَن خرج مَعَ ابْن الْأَشْعَث، على الْحجَّاج، فَلَمَّا هزم، هربت، فَأتيت يزِيد بن أبي مُسلم، وَكَانَ لي صديقا، وَذكرت لَهُ أَمْرِي.
فَقَالَ: يَا عَامر، أَنا أَخُوك الَّذِي تعرف، وَوَاللَّه، مَا أَسْتَطِيع نفعك عِنْد الْحجَّاج، وَمَا أرى لَك إِلَّا أَن تمثل بَين يَدَيْهِ، فتقر بذنبك، فَإِن الْحجَّاج لَيْسَ مِمَّن يكذب، فاصدقه، واستشهدني على مَا بدا لَك.
قَالَ الشّعبِيّ: فَمَا شعر الْحجَّاج، إِلَّا وَأَنا قَائِم بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ: عَامر؟ قلت: نعم , أصلح الله الْأَمِير.
قَالَ: ألم أقدم الْعرَاق، فوجدتك خاملا، فشرفتك، وأوفدتك إِلَى
(1/333)

أَمِير الْمُؤمنِينَ، وأثبتك عريف قَوْمك، واستشرتك؟ قلت: بلي.
قَالَ: فَمَا الَّذِي أخرجك عَليّ، وَأَيْنَ كنت فِي هَذِه الْفِتْنَة؟ قلت: أصلح الله الْأَمِير، أوحش الجناب، وأحزن بِنَا الْمنزل، فاستشعرنا الْخَوْف، واكتحلنا السهر، واستحلسنا الْبلَاء، وفقدنا صَالح الإخوان، وشملتنا فتْنَة، لم نَكُنْ فِيهَا بررة أتقياء، وَلَا فجرة أقوياء، وَمَا أعْتَذر أَلا أكون سعيت، وَهَذَا يزِيد بن أبي مُسلم، يشْهد لي بذلك، وَأَنِّي كنت أكتب إِلَيْهِ بعذري.
فَقَالَ ابْن أبي مُسلم: صدق، أعز الله الْأَمِير.
فَقَالَ الْحجَّاج: هَذَا عَامر، ضرب وُجُوهنَا بِسَيْفِهِ، وأتانا يعْتَذر بِالْبَاطِلِ، ردوا عَلَيْهِ عطاءه.
وَعَفا عَنهُ.
(1/334)

من قصَص مُلُوك الْفرس
أ - بَين كسْرَى أبرويز ومغنيه
وجدت فِي بعض الْكتب، عَن ابْن خرداذبه، قَالَ: غضب أبرويز الْملك على بعض أَصْحَابه، من جرم عَظِيم، فحبسه زَمَانا، ثمَّ ذكره، فَقَالَ للسجان: هَل يتعاهده أحد؟ .
فَقَالَ: أَيهَا الْملك، الفلهند الْمُغنِي وَحده، فَإِنَّهُ كَانَ يُوَجه إِلَيْهِ فِي كل يَوْم بسلة من طَعَام.
فَقَالَ كسْرَى أبرويز للفلهند: غضِبت على فلَان، وحبسته، فَقَطعه النَّاس غَيْرك، فَإنَّك كنت تتعاهده بِالْبرِّ فِي كل يَوْم.
فَقَالَ: أَيهَا الْملك، إِن الْبَقِيَّة الَّتِي بقيت لَهُ عنْدك، فابقت روحه فِي جسده، أبقت لَهُ عِنْدِي مِقْدَار سلة من طَعَام.
فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنت، وَقد وهبت لَك ذَنبه، وَأطْلقهُ للْوَقْت.
(1/335)

ب - الفلهند يحرم الْملك أبرويز من شطر لذته
حَدثنِي الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن الجنائني، قَالَ: قَرَأت فِي بعض كتب الْفرس أَن أبرويز الْملك كَانَ معجبا بغناء الفلهند مغنيه، فَنَشَأَ للفلهند غُلَام أحسن غناء مِنْهُ ـ فَأدْخلهُ إِلَى أبرويز يتحفه بِهِ، ويتقرب إِلَيْهِ بذلك، فاستطابه أبرويز وَغلب على قلبه حَتَّى قدمه على الفلهند، فحسده الفلهند، فَقتله.
وَبلغ أبرويز ذَلِك، فَغَضب عَلَيْهِ غَضبا شَدِيدا، واستدعى الفلهند، فَقَالَ لَهُ: يَا كلب، علمت أَن شطر لذتي فِي الْغناء كَانَ فِيك، وشطرها كَانَ فِي غلامك، فَقتلته لتذهب شطر لذتي، وَالله لأَقْتُلَنك، وَأمر بِهِ فجر ليقْتل.
فَقَالَ: أَيهَا الْملك، اسْمَع مني كلمة، ثمَّ اعْمَلْ مَا شِئْت.
قَالَ: قل.
قَالَ: إِذا كَانَت لذتك شطرين، وَقد أبطلت أَنا بِالْجَهْلِ أَحدهمَا، وَتبطل أَنْت على نَفسك الشّطْر الثَّانِي بِطَاعَة الْغَضَب، فَإِن جنايتك على نَفسك، أعظم من جنايتي عَلَيْك.
فَقَالَ أبرويز: مَا نطقت بِهَذَا الْكَلَام، فِي مثل هَذَا الْمقَام، إِلَّا لما فِي أَجلك من التَّأْخِير، وَلما يُرِيد الله تَعَالَى إسعادي بِهِ من الالتذاذ بغنائك، وَقد عَفَوْت عَنْك.
وَأطْلقهُ.
(1/336)

ج - صَاحب الْمَائِدَة يصب مَا فِي الغضارة على رَأس الْملك
حَدثنِي الْحسن بن مُحَمَّد الجنائني، قَالَ: قَرَأت فِي بعض كتب الْفرس المنقولة إِلَى الْعَرَبيَّة، أَن ملكا من مُلُوكهمْ قدم إِلَيْهِ صَاحب مائدته غضارة إسفيذباج فنقطت مِنْهَا نقطة على ساعد الْملك، فَأمر بقتْله.
فَقَالَ لَهُ الرجل: أعيذ الْملك بِاللَّه أَن يقتلني ظلما بِغَيْر ذَنْب قصدته.
فَقَالَ لَهُ الْملك: قَتلك وَاجِب، ليتعظ بك غَيْرك، فَلَا تهمل الْحُرْمَة.
فَأخذ الرجل الغضارة، فصبها بأسرها على رَأس الْملك، وَقَالَ: أَيهَا الْملك، كرهت أَن يشيع عَنْك أَنَّك قتلتني ظلما، فَفعلت هَذَا لأستحق الْقَتْل، فيزول عَنْك قبح الأحدوثة بظُلْم الخدم، فشأنك الْآن وَمَا تُرِيدُ.
فَقَالَ الْملك: مَا أحصن الْأَجَل! وَعَفا عَنهُ.
(1/337)

الْغَلَط الَّذِي لَا يتلافى
وجدت فِي بعض الْكتب: أَن رجلَيْنِ أُتِي بهما إِلَى بعض الْوُلَاة، وَقد ثَبت على أَحدهمَا الزندقة، وعَلى الآخر شرب الْخمر، فَسلم الْوَالِي الرجلَيْن إِلَى بعض أَصْحَابه، وَقَالَ لَهُ: اضْرِب عنق هَذَا، وأومى إِلَى الزنديق، وحد هَذَا، وأومى إِلَى الشَّارِب.
وَقَالَ: خذهما.
فَلَمَّا ذهب بهما ليخرجا، قَالَ شَارِب الْخمر: أَيهَا الْأَمِير، سلمني إِلَى غير هَذَا ليحدني، فلست آمن أَن يغلط فَيضْرب عنقِي، وَيحد صَاحِبي، والغلط فِي هَذَا لَا يتلافى.
فَضَحِك مِنْهُ الْأَمِير، وخلى سَبيله، وَضرب رَقَبَة الزنديق.
(1/338)

الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر يعْفُو عَن الحصني وَيحسن إِلَيْهِ
وجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي، عَن أبي مُحَمَّد الْحسن بن طَالب، كَاتب عِيسَى بن فرخان شاه، قَالَ: حَدثنِي عِيسَى بن فرخان شاه، قَالَ: لما وليت ديار مصر، لم يزل وجوهها يصفونَ لي مُحَمَّد بن يزِيد الْأمَوِي الحصني بِالْفَضْلِ، وينشدوني قصيدته الَّتِي أجَاب بهَا عبد الله بن طَاهِر، لما فَخر بِأَبِيهِ، ويذكرون قصَّته مَعَه لما دخل عبد الله الشَّام، وأشرف
(1/339)

الحصني على الْهَلَاك خوفًا مِنْهُ، كَيفَ كفي أمره بِلَا سَبَب، وَكَيف أحسن إِلَيْهِ، وَأقرهُ فِي حصنه، فَكنت أتفقد أمره فِي ضيعته، وَأحسن إِلَيْهِ فِي مُعَامَلَته، وَكَانَت كتبه ترد عَليّ بالشكر بِأَحْسَن عبارَة.
فَلَمَّا خرجت لتصفح كور عَمَلي، وأحوال الرّعية والعمال بالنواحي، وَردت الكورة الَّتِي فِيهَا حصن مُحَمَّد بن يزِيد فِي نَاحيَة مِنْهَا، فَخرج مُسْتَقْبلا لي، وراغبا إِلَى فِي النُّزُول عَلَيْهِ.
فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، قَالَ لي: لم أَشك، مَعَ فضلك، أَنَّك لَا تتجاوزني، وَلم آمن أَن يعارضك ظن، يصور لَك أَن عدولك عني، إبْقَاء عَليّ، وإشفاق من نِسْبَة السُّلْطَان إياك إِلَى إِيثَار لذتك فِي لقائي، فتطويني، فَحملت نَفسِي على خلاف مَا كنت أحب أَن يشيع لَك، من ابتدائي بِالْقَصْدِ قبل رغبتي إِلَيْك فِيهِ، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل لَك السَّبق إِلَى المكرمة.
وسرهنا إِلَى حصنه، وأوقفني على الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة فِي الْخَبَر وَالشعر إِلَى أَن دَخَلنَا حصنه، فَلم أجد فِيهِ أهبة للنزول بِهِ، وَرَأَيْت أدبا ومروءة، وَسبق بِمَا حضر من الْقرى، وَلم ينقبض من إِحْضَار مَا أعددته فِي سفرتنا، وَوجدت خدمته كلهَا تَدور على جَارِيَة سَوْدَاء اللَّوْن، خَفِيفَة الْحَرَكَة، يدل نشاطها على اعتيادها الطراق، إِلَى أَن رفع الطَّعَام، وَحضر الشَّرَاب، فَحَضَرت السَّوْدَاء فِي
(1/340)

غير الزي الأول، وَجَلَست تغني، فأنكرتها، حَتَّى استثبته فِيهَا، فوصف لي قديم حرمتهَا، وَقَالَ: هِيَ كَانَت طليعتي يَوْم قصدني عبد الله بن طَاهِر.
فاستفتحني لمسألته عَن الْخَبَر، فَسَأَلته.
فَقَالَ: لما بَلغنِي إِجْمَاع عبد الله بن الطَّاهِر على الْخُرُوج لطلب نصر بن شبث، الْخَارِجِي كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت، بِنَفسِهِ، أيقنت بِالْهَلَاكِ، وَخفت أَن يقرب مني، فتنالني مِنْهُ بادرة مَكْرُوه، وَلم أَشك فِي ذهَاب النِّعْمَة، وَإِن سلمت النَّفس لما بلغه من إجَابَتِي إِيَّاه، عَن قصيدته الَّتِي فَخر بهَا، وأنشدنيها:
مدمن الإغضاء مَوْصُول ... ومديم العتب مملول
ومدين الْبيض فِي تَعب ... وغريم الْبيض ممطول
وأخو الْوَجْهَيْنِ حَيْثُ رمى ... بهواه فَهُوَ مَدْخُول
وَقَلِيل من يبرزه ... فِي يَد التَّهْذِيب تَحْصِيل
فاتئد تلق النجاح بِهِ ... واعتساف الْأَمر تضليل
واغض عَن عيب أَخِيك يدم ... لَك حَبل مِنْهُ مَوْصُول
(1/341)

من يرد حَوْض الردى صردا ... لَا يَسعهُ الرّيّ تَعْلِيل
من بَنَات الرّوم لي سكن ... وَجههَا للشمس إكليل
عتبت والعتب من سكن ... فِيهِ تَكْثِير وتقليل
أقصري عَمَّا لهجت بِهِ ... ففراغي عَنْك مَشْغُول
سائلي عَمَّا تسائلني ... قد يرد الْخَبَر مسئول
أَنا من تعرفن نسبته ... سلفي الغر البهاليل
مُصعب جدي نقيب بني ... هَاشم، وَالْأَمر مَجْهُول
وحسين رَأس دعوتهم ... وَدُعَاء الْحق مَقْبُول
سل بهم تنبيك نجدتهم ... مشرفيات مصاقيل
كل غضب مشرب عللا ... وجراز الْحَد مفلول
وَأبي من لَا كفاء لَهُ ... من يسامي مجده قُولُوا
صَاحب الرَّأْي الَّذِي حصلت ... رَأْيه الْقَوْم المحاصيل
حل مِنْهُم بالذرى شرفا ... دونه عز وتبجيل
(1/342)

تفصح الأنباء عَنهُ إِذا ... أسكت الأنباء مَجْهُول
سل بِهِ وَالْخَيْل ساهمة ... حوله جرد أبابيل
إِذْ علت من فَوْقه يَده ... نوطها أَبيض مصقول
وبربات الْخُدُور وَقد ... جعلت تبدو الخلاخيل
من ثنى عَنهُ الْخُيُول ... بِأَكْنَافِهَا الخطية الشول
أبطن المخلوع كلكله ... وحواليه المغاويل
فثوى والترب مضجعه ... غال عَنهُ ملكه غول
قاد جَيْشًا نَحْو قَاتله ... ضَاقَ عَنهُ الْعرض والطول
من خُرَاسَان مصممهم ... كليوث ضمهَا غيل
وهبوا لله أنفسهم ... لَا معازيل وَلَا ميل
ملك تحْتَاج سطوته ... ونداه الدَّهْر مبذول
قطعت عَنهُ تمائمه ... وَهُوَ مرهوب ومأمول
وتره يسْعَى إِلَيْهِ بِهِ ... وَدم يجنيه مطلول
قَالَ: وَكنت لما بلغتني القصيدة، امتعضت للعربية، وأنفت أَن يفخر عَلَيْهَا رجل من الْعَجم، لِأَنَّهُ قتل ملكا من مُلُوكهَا بِسيف أَخِيه، لَا بِسَيْفِهِ، فيفخر عَلَيْهَا هَذَا الْفَخر، وَيَضَع مِنْهَا هَذَا الْوَضع، فَرددت على قصيدته
(1/343)

وَلم أعلم أَن الْأَيَّام تجمعنا، وَلَا أَن الزَّمَان يضطرني إِلَى الْخَوْف مِنْهُ، فَقلت:
لَا يرعك القال والقيل ... كلما بلغت تهويل
مَا هوى لي حَيْثُ أعرفهُ ... بهوى غَيْرك مَوْصُول
أَيْن لي عدل إِلَى بدل ... أبديل مِنْك مَقْبُول
إِذْ عدمت الْعدْل مِنْك وَإِذ ... أَنا فِيك الدَّهْر معدول
حمليني كل لائمة ... كل مَا حملت مَقْبُول
واحكمي مَا شِئْت واحتكمي ... فحرامي فِيك تَحْلِيل
وَالَّذِي أَرْجُو النجَاة بِهِ ... مَا لقلبي عَنْك تَحْويل
مَا لداري مِنْك مقفرة ... وضميري مِنْك مأهول
أيخون الْعَهْد ذُو ثِقَة ... لَا يخون الْعَهْد مسئول
وأخو حبيك فِي تَعب ... مُطلق مرا ومغلول
مَا فراغي عَنْك مشتغل ... بل فراغي بك مَشْغُول
وبدت يَوْم الْوَدَاع لنا ... غادة عيطاء عطبول
حاسرا أَو ذَات مقنعة ... ذَات تَاج فِيهِ إكليل
أَي عطفيها بِهِ انصرفت ... أرج بالمسك مَعْلُول
تتعاطى شدّ معجرها ... ونطاق الخصر محلول
(1/344)

بأداليل لَهَا قتل ... حبذا تِلْكَ الأداليل
فبنفسي دمج مشطتها ... ومثانيها الْمَرَاسِيل
سبقت بالدمع مقلتها ... فلهَا بالدمع تَفْصِيل
ورمت بِالسحرِ من كثب ... فدفين الدَّاء مقتول
لاحظت بِالسحرِ عابثة ... فحسام الصَّبْر مفلول
شملنا إِذْ ذَاك مُجْتَمع ... وَجَنَاح الْبَين مشكول
ثمَّ ولت كي تودعنا ... كحلها بالدمع مغسول
لَا تخَاف الدَّهْر طَائِره ... فأذاه عَنْك مَعْقُول
أَيهَا النازي مطيته ... لأغاليطك تَحْصِيل
قد تأولتم على جِهَة ... وَلنَا فِي ذَاك تَأْوِيل
إِن دليلاك يَوْم غَدا ... بك فِي الْحِين لضليل
قَاتل المخلوع مقتول ... وَدم الْقَاتِل مطلول
قد يخون الرمْح عَامله ... وَسنَان الرمْح مصقول
وينال الْوتر طَالبه ... بعْدهَا تسلو المثاكيل
سَار أوحل فمتبع ... بِالَّتِي يكبو لَهَا الْفِيل
لَا تنجيه مذاهبه ... نهر بوشنج وَلَا النّيل
(1/345)

ومدين الْقَتْل مُرْتَهن ... بدماء الْقَوْم مقتول
بأخي المخلوع طلت يدا ... لم يكن فِي بَاعهَا طول
وبنعماه الَّتِي سلفت ... فعلت تِلْكَ الأفاعيل
وبراع غير ذِي شفق ... جالت الْخَيل الأبابيل
يَابْنَ بَيت النَّار موقدها ... مَا لحاديه سَرَاوِيل
أَي مجد فِيك نعرفه ... أَي جد لَك بهْلُول
من حُسَيْن أَو أَبوك وَمن ... مُصعب غالتهم غول
وزريق إِذْ تخلفه ... نسب عمرك مَجْهُول
تِلْكَ دَعْوَى لَا نناقشها ... وأبوّات مراذيل
أسرة لَيست مباركة ... غَيرهَا الشم البهاليل
مَا جرى فِي عود أثلتكم ... مَاء مجد فَهُوَ مَدْخُول
قدحت فِيهِ أسافله ... وأعاليه مَجَاهِيل
إِن خير القَوْل أصدقه ... حِين تصطك الْأَقَاوِيل
كن على منهاج معرفَة ... لَا تغرنك الأباطيل
إِن للإصعاد منحدرا ... فِيهِ للهاوي أهاويل
ولريب الدَّهْر عَن عرض ... بالردي عل وتنهيل
يعسف الصعبة رائضها ... وَلها بالعسف تدليل
ويخون الرمْح حامله ... وَسنَان الرمْح مصقول
(1/346)

وينال الثأر طَالبه ... بَعْدَمَا تسلو المثاكيل
مُضْمر حقدا ومنصله ... مغمد فِي الجفن مسلول
قَالَ: فَلَمَّا قرب عبد الله بن طَاهِر مني، استوحشت من الْمقَام خوفًا على نَفسِي، وَرَأَيْت بعدِي وتسليمي حرمي عارا بَاقِيا، وَلم يكن لي إِلَى هربي بِالْحرم سَبِيل، فأقمت على أتم خوف مستسلما للاتفاق، حَتَّى إِذا كَانَ الْيَوْم الَّذِي قيل إِنَّه ينزل فِيهِ الْعَسْكَر بِهَذِهِ النواحي أغلقت بَاب حصني، وأقمت هَذِه الْجَارِيَة السَّوْدَاء ربيئة تنظر لي على مرقب من شرف الْحصن، وأمرتها أَن تعرفنِي الْموضع الَّذِي ينزل فِيهِ الْعَسْكَر قبل أَن يفجأني، ولبست ثِيَاب الْمَوْت أكفانا، وتطيب، وتحنطت.
فَلَمَّا رَأَتْ الْجَارِيَة الْعَسْكَر يقْصد حصني، نزلت فعرفتني، فَلم يرعني إِلَّا دق بَاب الْحصن فَخرجت، فَإِذا عبد الله بن طَاهِر، وَاقِف وَحده، مُنْفَرد عَن أَصْحَابه، فَسلمت عَلَيْهِ سَلام خَائِف، فَرد عَليّ بن الْحسن غير مستوحش، فأومات إِلَى تَقْبِيل رجله فِي الركاب، فَمنع ألطف منع وَأحسنه، وَنزل على دكان على بَاب الْحصن.
ثمَّ قَالَ: ليسكن روعك، فقد أَسَأْت الظَّن بِنَا، وَلَو علمنَا أَنا بزيارتنا لَك نروعك مَا قصدناك.
ثمَّ أَطَالَ الْمَسْأَلَة، حَتَّى رأى الثِّقَة مني قد ظَهرت، فَسَأَلَنِي عَن سَبَب مقَامي فِي الْبر، وإيثاري إِيَّاه على الْحَاضِرَة، ورفاهة عيشها، وَعَن حَال ضيعتي ومعاملتي فِي ناحيتي، فأجبته بِمَا حضر لي.
(1/347)

حَتَّى إِذا لم يبْق من التأنيس شَيْء أفْضى إِلَى مساءلتي عَن حَدِيث نصر بن شبث، وَكَيف الطَّرِيق إِلَى الظفر بِهِ، فَأَخْبَرته بِمَا حضرني.
ثمَّ أقبل عَليّ وَقد انبسطت فِي محادثته كل الانبساط، فَقَالَ: أحب أَن تنشدني القصيدة الَّتِي فِيهَا: يَابْنَ بَين النَّار موقدها مَا لحاديه سَرَاوِيل فَقلت: أصلح الله الْأَمِير، قد أربت نِعْمَتك على مِقْدَار همتي، فَلَا تكدرها بِمَا ينغصها.
فَقَالَ: إِنَّمَا أُرِيد الزِّيَادَة فِي تأنيسك، بِأَن لَا تراني متحفظا مِمَّا خفت، وعزم على فِي إنشادها، عزم مجد، فَقلت: يُرِيد أَن تطرأ على سَمعه، فيثور مَا فِي نَفسه، فيوقع بِي.
وَلم أجد من إنشادها بدا، فَأَنْشَدته القصيدة، فَلَمَّا فرغت مِنْهَا، عَاتَبَنِي عتابا سهلا، فَكَانَ مِنْهُ أَن قَالَ: يَا هَذَا، مَا حملك على تكلّف إجَابَتِي؟ فَقلت: الْأَمِير أصلحه الله، حَملَنِي على ذَلِك بقوله:
وَأبي من لَا كفاء لَهُ ... من يسامي مجده قُولُوا
فَقلت: كَمَا تَقول الْعَرَب، وتفتخر السوقة على الْمُلُوك، وَكنت لما بلغت إِلَى قولي:
يَا ابْن بَيت النَّار موقدها ... مَا لحاديه سَرَاوِيل
قَالَ لي: يَابْنَ مسلمة، لقد أحصينا فِي خَزَائِن ذِي اليمينين بعد مَوته،
(1/348)

أَلفَيْنِ وَثَلَاث مائَة سَرَاوِيل من صنوف الثِّيَاب، مَا أصلح فِي أَحدهَا تكة، سوى مَا اسْتعْمل فِي اللّبْس، على أَن النَّاس يقلون اتِّخَاذ السراويلات فِي كساهم.
فاعتذرت إِلَيْهِ بِمَا حضرني من القَوْل فِي هَذَا، وَفِي جَمِيع مَا تضمنته القصيدة، فَقبل القَوْل، وَبسط الْعذر، وَأظْهر الصفح.
وَقَالَ: قد دللتنا على مَا احتجنا إِلَيْهِ، من معرفَة أَمر نصر بن شبث، أفتستحسن الْقعُود عَنَّا فِي حربه.
وَلَا يكون لَك فِي الظفر بِهِ أثر يشاكل إرشادك لوجوه مطالبه؟ فاعتذرت إِلَيْهِ بِلُزُوم ضيعتي ومنزلي، وعجزي عَن السّفر للقصور عَن آلَته.
فَقَالَ: نكفيك ذَلِك، وتقبله منا، ودعا بِصَاحِب دوابه، فَأمره بإحضار خَمْسَة مراكب من الْخَيل الهماليج بسروجها ولجمها المحلاة، وبثلاث دَوَاب من دَوَاب الشاكرية، وَخَمْسَة أبغل من بغال الثّقل، وَأمر صَاحب كسوته بإحضار خَمْسَة تخوت من أَصْنَاف الثِّيَاب الفاخرة، وَأمر خازنه بإحضار خمس بدر دَرَاهِم، فأحضر جَمِيع ذَلِك، وَوضع على الدّكان الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جَالِسا بِبَاب الْحصن.
ثمَّ قَالَ لي: كم مُدَّة تأخرك عَنَّا إِلَى أَن تلْحق بِنَا؟ فقربت الْموعد، فَقَامَ ليركب، فابتدرت إِلَى يَده لأقبلها، فَمَنَعَنِي، وَركب، وَسَار الْجَيْش مَعَه، وَمَا ترك أحدا ينزل، وَكفى الله مئونتهم، وَخرجت السَّوْدَاء، فنقلت الثِّيَاب والبدر، وَأخذ الغلمان الكراع، وَمَا لقِيت عبد الله بعْدهَا.
قَالَ: عِيسَى بن فرخان شاه: فأقمت عِنْد مُحَمَّد بن يزِيد يومي وليلتي،
(1/349)

فأضافني أحسن ضِيَافَة، وَكَانَت مذاكرته لي، وأدبه، ألذ إِلَيّ من كل شَيْء، فَأسْقطت عَنهُ جَمِيع خراجه فِي تِلْكَ السّنة، وانصرفت.
وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، بِخِلَاف هَذَا، فَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنِي ابْن الدهقانة النديم، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْفضل الْخُرَاسَانِي، وَكَانَ من وُجُوه قواد طَاهِر، وَابْنه عبد الله، وَكَانَ أديبا، عَاقِلا، فَاضلا: لما قَالَ عبد الله قصدته الَّتِي فَخر فِيهَا بمآثر أَبِيه وَأَهله، وبقتل المخلوع، عَارضه مُحَمَّد بن يزِيد الْأمَوِي الحصني، وَهُوَ رجل من ولد مسلمة بن عبد الْملك، فأفرط فِي السب، وَتجَاوز الْحَد فِي قبح الرَّد، فَكَانَ فِيمَا قَالَ:
يَابْنَ بَيت النَّار موقدها ... مَا لحاديه سَرَاوِيل
من حُسَيْن وَأَبُوك وَمن ... مُصعب غالتهم غول
نسب فِي الْفَخر مؤتشب ... وأبوات أراذيل
قَاتل المخلوع مقتول ... وَدم الْمَقْتُول مطلول
وَهِي قصيدة طَوِيلَة.
(1/350)

فَلَمَّا ولي عبد الله مصر، ورد إِلَيْهِ تَدْبِير الشَّام، علم الحصني أَنه لَا يفلت مِنْهُ إِن هرب، وَلَا ينجو من يَده حَيْثُ حل، فَثَبت مَكَانَهُ، وأحرز حرمه، وَترك أَمْوَاله وكل مَا يملكهُ فِي مَوْضِعه، وَفتح بَاب حصنه، وَهُوَ يتَوَقَّع من عبد الله أَن يُوقع بِهِ.
قَالَ: فَلَمَّا شارفنا بَلَده، وَكُنَّا على أَن نصبحه دَعَاني عبد الله فِي اللَّيْل، فَقَالَ: بت عِنْدِي، وَليكن فرسك معدا، فَفعلت، فَلَمَّا كَانَ فِي السحر، أَمر غلمانه وَأَصْحَابه أَن لَا يرحلوا حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَركب هُوَ أَنا وَخَمْسَة من خَواص غلمانه، وَسَار حَتَّى صبح الحصني، فَرَأى بَابه مَفْتُوحًا، وَرَآهُ جَالِسا مسترسلا، فقصده وَسلم عَلَيْهِ، وَنزل عِنْده.
وَقَالَ: مَا أجلسك هَاهُنَا، وحملك على أَن تفتح بابك، وَلم تتحصن من هَذَا الْجَيْش الْمقبل، وَلم تتنح عَن عبد الله بن طَاهِر، مَعَ علمك بِمَا فِي نَفسه مِنْك، وَمَا بلغه عَنْك؟ فَقَالَ: إِن الَّذِي قلت لم يذهب عني، وَلَكِنِّي تَأَمَّلت أَمْرِي، وَعلمت أَنِّي قد أَخْطَأت عَلَيْهِ خَطِيئَة حَملَنِي عَلَيْهَا نزق الشَّبَاب، وغرة الحداثة، وَأَنِّي إِن هربت مِنْهُ لم أفته، فباعدت الْحرم، واستسلمت بنفسي وَبِكُل مَا أملك، فَإنَّا أهل بَيت قد أسْرع فِينَا الْقَتْل، ولي بِمن مضى من أَهلِي أُسْوَة، وَأَنا واثق بِأَن الرجل إِذا قتلني، وَأخذ مَالِي، شفى غيظه، فَلم يتَجَاوَز ذَلِك إِلَى الْحرم، وَلَا لَهُ فِيهِنَّ أرب، وَلَا يُوجب جُرْمِي إِلَيْهِ أَكثر مِمَّا بذلته.
فوَاللَّه، مَا أَجَابَهُ عبد الله إِلَّا بدموعه تجْرِي على لحيته، ثمَّ قَالَ لَهُ: أتعرفني؟ قَالَ: لَا وَالله.
قَالَ: أَنا عبد الله بن طَاهِر، وَقد أَمن الله روعك، وحقن دمك، وصان حَرمك، وحرس نِعْمَتك، وَعَفا عَن ذَنْبك، وَمَا تعجلت إِلَيْك وحدي، إِلَّا
(1/351)

لتأمن، قبل هجوم الْجَيْش، وَلِئَلَّا يخالط عفوي عَنْك، روعة تلحقك.
فبكي الحصني، وَقَامَ فَقبل يَده، فضمه عبد الله إِلَيْهِ، وَأَدْنَاهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ: أما إِنَّه لَا بُد من العتاب، يَا أخي، جعلني الله فدَاك، قُلْتُ شعرًا فِي قومِي أَفْخَر بهم، وَلم أطعن فِيهِ على نسبك، وَلَا ادعيت فضلا عَلَيْك، وفخرت بقتل رجل هُوَ وَإِن كَانَ من قَوْمك، فَهُوَ من الَّذين ثأرك عِنْدهم، وَقد كَانَ يسعك السُّكُوت، وَإِن لم يسعك، أَن لَا تغرق وَلَا تسرف.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، قد عَفَوْت فاجعله عفوا لَا يخالطه تَثْرِيب، وَلَا يكدر صَفوه تأنيب.
قَالَ: قد فعلت، فَقُمْ بِنَا ندخل إِلَى مَنْزِلك، حَتَّى توجب علينا حَقًا وذماما بالضيافة.
فَقَامَ مَسْرُورا فأدخلنا منزله، وأتانا بِالطَّعَامِ فأكلنا، وَجَلَسْنَا نشرب فِي مستشرف لَهُ، وَأَقْبل الْجَيْش، فَأمرنِي أَن أتلقاهم فأرحلهم، وَلَا يتنزل أحد مِنْهُم إِلَّا فِي الْمنزل، وَكَانَ على ثَلَاثَة فراسخ من الْحصن، فَنزلت، فرحلتهم، وَأقَام عِنْده إِلَى الْعَصْر، ثمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ، فَكتب لَهُ بتسويغه خراجه ثَلَاث سِنِين.
ثمَّ قَالَ لَهُ: إِن نشطت، فَالْحق بِنَا إِلَى مصر، وَإِلَّا فأقم بمكانك.
فَقَالَ: أتجهز، وَألْحق بالأمير.
فَفعل، وَلحق بِنَا، فَلم يزل مَعَ عبد الله، لَا يُفَارِقهُ، حَتَّى رَحل إِلَى الْعرَاق، فودعه، وَأقَام بِبَلَدِهِ.
(1/352)

وحَدثني أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، بِهَذَا الْخَبَر، من لَفظه وَحفظه، وَبِخِلَاف هَذَا، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو دلف هَاشم بن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو أَحْمد عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، قَالَ: لما قَالَ أبي قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
وَأبي من لَا نَظِير لَهُ ... من يسامي مجده قُولُوا
وَذكر أبياتا من القصيدة، قَالَ: الحصني الْأمَوِي قصيدة أَولهَا:
لَا يرعك القال والقيل ... كلما بلغت تمحيل
وَذكر أبياتا من القصيدة يشتمه فِيهَا، فَلَمَّا ولي تِلْكَ النواحي، علم المسلمي أَنه لَا يفوتهُ، فَأَقَامَ بِبَلَدِهِ، فَلَمَّا قرب أبي من حصن مسلمة، أَمر الْجَيْش فنزلوا على فَرسَخ مِنْهُ، وَنزع من مَوْضِعه، مَعَ عدَّة من غلمانه، فجَاء إِلَى الْحصن، فابتدأه وَهُوَ على بَاب دَاره، فَسلم، وَنزل.
فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن مسلمة الْقرشِي الحصني.
قَالَ: الَّذِي هجوت آل طَاهِر.
قَالَ: نعم أعزّك الله.
قَالَ: فَلم فعلت ذَلِك، فوَاللَّه مَا فَخر الْقَوْم إِلَّا بِقَتْلِهِم رجلا من قبيل قتلكم وأفناكم، فَمَا دخولك فِي هَذَا؟ قَالَ: أطت الرَّحِم وَإِن كَانَت مَقْطُوعَة، ولحقتني الرَّحْمَة وَالْحمية،
(1/353)

وَهُوَ أَمرنِي أَن أَقُول، إِذْ قَالَ: من يسامي مجده قُولُوا قَالَ: فَذَكرنَا مَا عندنَا.
قَالَ: فَلم لم تستتر من عبد الله بن طَاهِر وَقد أظلك؟ قَالَ: علمت أَنِّي لَا أفوته، فجدت بنفسي، وصنت حرمي.
قَالَ: أتعرفني؟ قَالَ: أما فِي الْحَقِيقَة، فَلَا، وَلَكِنِّي أَظُنك من قواده.
قَالَ: لَا، بل أَنا هُوَ، وَإِنَّمَا سبقت إِلَيْك لِئَلَّا تراع، وَقد أمنك الله، وَأمن حَرمك، فسلني حاجاتك.
قَالَ: أما أَنا أَيهَا الْأَمِير، فقد أجبتني عَن قولي بفعلك، وأكذبت شعري بِفَضْلِك، وَمَا لي بعْدهَا حَاجَة، فَإِنِّي فِي كفاف من معيشتي.
فَاحْتمل لَهُ خراجه، وَقَالَ لَهُ: إِن شِئْت فأقم ببلدك، وَإِن شِئْت فَكُن معي.
قَالَ: بل أقيم ببلدي، وأزور الْأَمِير إِذا نشط لي.
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك.
(1/354)

الْبَاب الَّذِي بَين الله وَالنَّاس لَا يغلق
وحَدثني عبد الله بن أَحْمد بن داسة، الْمُقْرِئ الْبَصْرِيّ، قَالَ: سَمِعت أَن بعض الْجند، اغتصب امْرَأَة نَفسهَا من الطَّرِيق، فَعرض لَهُ الْجِيرَان يمنعونه مِنْهَا، فَقَاتلهُمْ هُوَ وغلمانه حَتَّى تفَرقُوا، وَأدْخل الْمَرْأَة إِلَى دَاره، وغلق الْأَبْوَاب، ثمَّ راودها عَن نَفسهَا، فامتنعت، فأكرهها، ولحقها مِنْهُ شدَّة، حَتَّى جلس مِنْهَا مجْلِس الرجل من الْمرْآة.
فَقَالَت لَهُ: يَا هَذَا، اصبر حَتَّى تغلق الْبَاب الَّذِي بَقِي عَلَيْك أَن تغلقه.
قَالَ: أَي بَاب هُوَ؟ قَالَت: الْبَاب الَّذِي بَيْنك وَبَين الله.
فَقَامَ عَنْهَا، وَقَالَ اخْرُجِي، قد فرج الله عَنْك.
فَخرجت، وَلم يتَعَرَّض لَهَا.
(1/355)

بَين الْوَلِيد بن يزِيد وطريح بن إِسْمَاعِيل الثَّقَفِيّ
أخبرنَا أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ، عَن الْمَدَائِنِي، قَالَ: كَانَ الْوَلِيد بن يزِيد، وَهُوَ ولي الْعَهْد، يكرم طريح بن إِسْمَاعِيل الثَّقَفِيّ،
(1/356)

ويدني مَجْلِسه، وَجعله أول دَاخل وَآخر خَارج من عِنْده، فاستفرغ مديحه كُله فِيهِ، فحسده النَّاس من أهل بَيت الْوَلِيد، وَقدم حَمَّاد الرِّوَايَة، فِي تِلْكَ الْأَيَّام إِلَى الشَّام.
فَقَالُوا لَهُ: قد ذهب طريح بالأمير كل مَذْهَب، فَمَا لنا مَعَه ليل وَلَا نَهَار.
فَقَالَ حَمَّاد: اطْلُبُوا لي من ينشده بَيْتَيْنِ من الشّعْر فِي خلْوَة لأسقط مَنْزِلَته عِنْده.
فطلبوا إِلَى الْخصي الَّذِي كَانَ يقوم على رَأس الْوَلِيد، وَجعلُوا لَهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، على أَن ينشد بَيْتَيْنِ من الشّعْر، على خلْوَة، فَإِذا سَأَلَهُ عَنْهُمَا وَعَن قائلهما، قَالَ لَهُ: طريح، فأجابهم الْخصي إِلَى ذَلِك، وَتعلم الْبَيْتَيْنِ.
فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم دخل طريح على الْوَلِيد، وَدخل النَّاس، وجلسوا طَويلا، ثمَّ نهضوا، وَبَقِي طريح مَعَ الْوَلِيد بغدائه فتغديا، ثمَّ إِن طريحا خرج، فَركب إِلَى منزله، وَبَقِي الْوَلِيد وَحده فِي مَجْلِسه لَيْسَ مَعَه أحد، فاستقلي على فرَاشه، فاغتنم الْخصي خلوته، فأنشده الْبَيْتَيْنِ، وهما:
سيري ركابي إِلَى من تسعدين بِهِ ... فقد أَقمت بدار الْهون مَا صلحا
سيري إِلَى سيد سمح خلائقه ... ضخم الدسيعة قرم يحمل المدحا
فأصغى الْوَلِيد إِلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: من يَقُول هَذَا يَا غُلَام؟
(1/357)

قَالَ: يَقُوله طريح.
فامتلا غيظا وغضبا، ثمَّ قَالَ: والهف أم لم تلدني، قد جعلته أول دَاخل عَليّ، وَآخر خَارج عني، وَيَزْعُم أَن هشاما يحمل الْمَدْح، وَأَنِّي لَا أحملها.
ثمَّ قَالَ: عَليّ بالحاجب.
فجَاء، فَقَالَ لَهُ: لَا أعلم أَنَّك أَذِنت لطريح، وَلَا أرَاهُ فِي بسيط الأَرْض، فَإِذا جادلك فِي ذَلِك، فاخبطه بِالسَّيْفِ.
فَلَمَّا صليت الْعَصْر، جَاءَ طريح فِي السَّاعَة الَّتِي كَانَ يُؤذن لَهُ فِيهَا، فَدَنَا من الْبَاب ليدْخل، فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب: وَرَاءَك.
فَقَالَ: مَا لَك، هَل دخل على ولي الْعَهْد أحد بعدِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن سَاعَة وليت من عِنْده، دَعَاني، فَأمرنِي أَن لَا آذن لَك، وَإِن جادلتني فِي الْإِذْن خبطتك بِالسَّيْفِ.
فَقَالَ لَهُ: لَك عشرَة آلَاف دِرْهَم، وأدخلني.
فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب: وَالله، لَو أعطيني خراج الْعرَاق مَا أَذِنت لَك، وَمَا لَك خير فِي الدُّخُول، فَارْجِع.
فَقَالَ: وَيحك، هَل تعلم من دهاني عِنْده؟ قَالَ: لَا وَالله، لقد دخلت عَلَيْهِ، وَمَا عِنْده أحد، وَلَكِن الله تَعَالَى يحدث مَا يَشَاء، فِي اللَّيْل وَالنَّهَار.
فَرجع طريح، وَأقَام بِبَاب الْوَلِيد سنة، لَا يخلص إِلَيْهِ، وَلَا يقدر على الدُّخُول عَلَيْهِ، وَأَرَادَ الرُّجُوع إِلَى وَطنه وَقَومه.
(1/358)

ثمَّ قَالَ: وَالله، إِن هَذَا مني لعجز، أرجع من غير أَن ألقِي ولي الْعَهْد، فَأعْلم من دهاني عِنْده؟ وَرَأى أُنَاسًا كَانُوا أَعدَاء لَهُ، قد فرحوا بِمَا كَانَ من أمره، وَلم يزل يلطف بالحاجب، حَتَّى قَالَ لَهُ: أما إِذْ أطلت الْمقَام، فَأَنا أكره أَن تَنْصَرِف على حالك هَذِه، وَلَكِن الْأَمِير، إِذا كَانَ يَوْم كَذَا وَكَذَا، وَدخل الْحمام، ثمَّ أَمر بسريره فأبرز، وَلَيْسَ عَلَيْهِ يؤمئذ حجاب، فَإِذا كَانَ ذَلِك الْيَوْم حضرت، فَدخلت عَلَيْهِ، وظفرت بحاجتك، وَيكون لي أَنا عذر.
فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم دخل الْحمام، وأبرز سَرِيره، وَجلسَ عَلَيْهِ، وَأذن للنَّاس فَدَخَلُوا، وَبعث الْحَاجِب إِلَى طريح، فَأقبل.
فَلَمَّا رَآهُ الْوَلِيد من بعيد، صرف وَجهه عَنهُ، وَكره أَن يردهُ من بَين النَّاس، فَسلم، فَلم يرد عَلَيْهِ، فَأَنْشَأَ طريح يَقُول:
نَام الخلي من الهموم وَبت فِي ... ليل أكابده وهم مضبع
وسهرت لَا أسرِي وَلَا فِي لَذَّة ... أرقي وأعقد مَا لقِيت المضجع
أبغي وُجُوه مخارجي من تُهْمَة ... أزمت عَليّ وسد مِنْهَا المطلع
جزعا لمغضبة الْوَلِيد وَلم أكن ... من قبل ذَاك من الْحَوَادِث أجزع
يَابْنَ الخلائف إِن سخطك لامرئ ... أمسيت عصمته بلَاء مفظع
فلأنزعن عَن الَّذِي لم تهوه ... إِن كَانَ لي وَرَأَيْت ذَلِك منزع
فاعطف فدَاك أبي عَليّ تعطفا ... وفضيلة فَعَسَى الْفَضِيلَة تَنْفَع
فَلَقَد كَفاك وَزَاد مَا قد نالني ... إِن كنت لي ببلاء ضرّ تقنع
سمة لذاك عَليّ جسم شاحب ... باد تحسره ولون أسفع
(1/359)

إِن كنت فِي ذَنْب عتبت فإنني ... عَمَّا كرهت لنازع متضرع
ويئست مِنْك فَكل عسر باسط ... يَده إِلَيّ وكل يسر أقطع
من بعد أخذي من حبالك بِالَّذِي ... قد كنت أَحسب أَنه لَا يقطع
أرمضتني حَتَّى انْقَطَعت وسددت ... عني الْوُجُوه وَلم يكن لي مدفع
وَدخلت فِي حرم الذمام وحاطني ... خفر أخذت بِهِ وعهد مولع
أفهادم مَا قد بنيت وخافض ... شرفي وَأَنت بِغَيْر ذَلِك أوسع
أَفلا خشيت شمات قوم فيهم ... شنف وأنفسهم عَليّ تقطع
وفضلت فِي الْحسب الأشم عَلَيْهِم ... وصنعت فِي الأقوام مَا لم يصنع
فَكَأَن أنفهم بِكُل صنعية ... أسديتها وَجَمِيل فعل يجدع
ودوا لَو أَنهم ينَال أكفهم ... شلل وَأَنَّك عَن صنيعك تنْزع
أَو تستليم فيجعلونك أُسْوَة ... وَأبي الملام لَك الندى والمصنع
فَقَالَ لَهُ: زعمت أَن هشاما يحمل الْمَدْح، وَأَنا لَا أحملها؟ فَأنْكر.
فَدَعَا الْخصي، وكشف عَن الصُّورَة، فاعترف الْخصي، بِمَا كَانَ قد رشي، حَتَّى أنْشد الْبَيْتَيْنِ بِحَضْرَة الْوَلِيد، فَرضِي عَنهُ، وأجزل عطاءه، وعوضه مَا فَاتَهُ، ورده إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
(1/360)

بَين الجاحظ وَأحمد بن أبي دؤاد
وجدت فِي بعض الْكتب: أُتِيَ بالجاحظ، إِلَى أَحْمد بن أبي دؤاد، بعد نكبة مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات مُقَيّدا فِي جُبَّة صوف.
فَقَالَ لَهُ ابْن أبي دؤاد: وَالله يَا عَمْرو مَا علمتك إِلَّا متناسيا للنعمة، جاحدا للصنيعة، معددا للمثالب، مخفيا للمناقب، وَإِن الْأَيَّام لَا تصلح مثلك، لفساد طويتك، وَسُوء اختبارك.
فَقَالَ لَهُ الجاحظ: خفض عَلَيْك، فوَاللَّه، لِأَن تكون الْمِنَّة لَك عَليّ، خير من أَن تكون لي عَلَيْك، وَلِأَن أُسِيء وتحسن، أحسن فِي الأحدوثة من أَن أُسِيء وتسيء، وَلِأَن تَعْفُو فِي حَال قدرتك، أجمل بك من أَن تنتقم.
فَقَالَ لَهُ ابْن أبي دؤاد: مَا علمتك إِلَّا كثير تزويق اللِّسَان، قد جعلت لسَانك أَمَام قَلْبك، ثمَّ اضطغنت فِيهِ النِّفَاق، اغرب قبحك الله.
فأنهض فِي قيوده، ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام، الْحَقْهُ، فَخذ قيوده، وصر بِهِ إِلَى الْحمام، واحمل إِلَيْهِ خلعة يلبسهَا، واحمله إِلَى منزل فِيهِ فرش وَآلَة وقماش تزاح فِيهِ علله، وادفع إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم لنفقته، إِلَى أَن أصلح من خلته، فَفعل ذَلِك كُله.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، رُؤِيَ الجاحظ متصدرا فِي مجْلِس ابْن أبي دؤاد، وَعَلِيهِ خلعة من ثِيَابه، وطويلة من قلانسه، وَهُوَ مقبل عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، يَقُول: هَات يَا أَبَا عُثْمَان.
(1/361)

الرشيد يمْضِي مَا تعهد بِهِ وزيره جَعْفَر الْبَرْمَكِي فِي مجْلِس أنس
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنِي يحيى بن عَليّ المنجم، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: لم أر قطّ مثل جَعْفَر بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، كَانَت لَهُ فتوة، وظرف، وأدب، وَحسن غناء، وَضرب بالطبل، وَكَانَ يَأْخُذ بأجزل حَظّ، من كل فن.
فَحَضَرت بَاب الرشيد يَوْمًا، وَكَانَ الرشيد نَائِما، فوافي جَعْفَر، فَقلت لَهُ إِنَّه نَائِم، فَرجع، وَقَالَ سر بِنَا إِلَى الْمنزل، حَتَّى نخلو جَمِيعًا بَقِيَّة يَوْمنَا، فأغنيك، وتغنيني، ونأخذ فِي شَأْننَا، من وقتنا.
فَقلت: نعم.
فسرنا إِلَى مَجْلِسه، فطرحنا ثيابنا، ودعا بِالطَّعَامِ، فأكلنا، وَأمر بِإِخْرَاج الْجَوَارِي، وَقَالَ: ليبرزن، فَلَيْسَ عندنَا من نحتشمه.
فَلَمَّا رفع الطَّعَام، وَجِيء بِالشرابِ، دَعَا بقميص حَرِير فلبسه، ودعا لي بِمثلِهِ، ودعا بخلوق، فتخلق، وخلقني، وَجعل يغنيني، وأغنيه.
وَكَانَ قد دَعَا بالحاجب، فَتقدم إِلَيْهِ أَن لَا يَأْذَن لأحد من النَّاس كلهم، وَإِن جَاءَ رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَأعلمهُ أَنِّي مَشْغُول، واحتاط فِي ذَلِك، وَتقدم
(1/362)

فِيهِ إِلَى جَمِيع الْحجاب والخدم.
ثمَّ قَالَ: إِن جَاءَ عبد الْملك، فأذنوا لَهُ، يَعْنِي رجلا كَانَ يأنس بِهِ، ويمازحه، ويحضره خلواته، ثمَّ أَخذنَا فِي شَأْننَا.
فَبَيْنَمَا نَحن على سارة، إِذْ رفع السّتْر، فَإِذا عبد الْملك بن طالح الْهَاشِمِي قد أقبل، وَغلط الْحَاجِب، فَلم يفرق بَينه وَبَين عبد الْملك الَّذِي يأنس بِهِ جَعْفَر.
وَكَانَ عبد الْملك هَذَا من جلالة الْقدر والتقشف، على حَالَة مَعْرُوفَة، حَتَّى إِنَّه كَانَ يمْتَنع من منادمة الْخَلِيفَة، على اجْتِهَاد من الْخَلِيفَة أَنْت يشرب مَعَه قدحا وَاحِد، فَلم يفعل، ترفعا.
فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ مُقبلا، أقبل كل وَاحِد منا ينظر إِلَى صَاحبه، وَكَاد جَعْفَر أَن تَنْشَق مرارته غيظا.
وَفهم الرجل حَالنَا، فَأقبل نحونا، حَتَّى صَار إِلَى الرواق الَّذِي نَحن فِيهِ، فَنزع قلنسوته، فَرمى بهَا مَعَ طيلسانه جانبا، ثمَّ قَالَ: أطمعونا شَيْئا.
فَدَعَا لَهُ جَعْفَر بِطَعَام، وَهُوَ منتفخ غيظا وغضبا، فَأكل، ثمَّ دَعَا برطل، فشربه.
ثمَّ أقبل إِلَى الْمجْلس الَّذِي كُنَّا فِيهِ، فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب، ثمَّ قَالَ: أشركونا فِيمَا أَنْتُم فِيهِ.
(1/363)

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: ادخل، فَدخل فَدَعَا لَهُ بقميص حَرِير وخلوق، فَلبس، وتخلق، ثمَّ دَعَا برطل، ورطل حَتَّى شرب ثَلَاثَة أَرْطَال، ثمَّ انْدفع يغنينا، فَكَانَ، وَالله، أحسننا غناء.
فَلَمَّا طابت نفس جَعْفَر، وسري عَنهُ مَا كَانَ بِهِ، الْتفت إِلَيْهِ، وَقَالَ: ارْفَعْ حوائجك.
فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مَوضِع حوائج.
فَقَالَ: أقسم عَلَيْك، لتفعلن.
وَلم يزل يلح عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: لَهُ: أَمِير الْمُؤمنِينَ وَاجِد عَليّ كَمَا قد علمت، فَأحب أَن تترضاه.
قَالَ: فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رَضِي عَنْك، فهات حوائجك، كَمَا أَقُول لَك.
قَالَ: عَليّ دين فادح.
قَالَ: كم مبلغه؟ قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم.
قَالَ: هَذِه أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم، فَإِن أَحْبَبْت قبضهَا، قبضتها السَّاعَة، فَإِنَّهُ لَا يَمْنعنِي من إعطائك إِيَّاهَا، إِلَّا أَن قدرك يجل عِنْدِي أَن يصلك مثلي، وَلَكِنِّي ضَامِن لَهَا، حَتَّى تحمل لَك فِي غَد، من مَال أَمِير الْمُؤمنِينَ، فسل أَيْضا.
قَالَ: تكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى يُنَوّه باسم ابْني.
قَالَ: ولاه أَمِير الْمُؤمنِينَ مصر، وزوجه ابْنَته الغالية، ومهرها عَنهُ ألفي
(1/364)

ألف دِرْهَم.
قَالَ: إِسْحَاق: فَقلت فِي نَفسِي، قد سكر الرجل، يَعْنِي جَعْفَر.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، حضرت دَار الرشيد، فَإِذا بِجَعْفَر بَين يَدَيْهِ، وَوجدت فِي الدَّار جلبة، فَإِذا بِأبي يُوسُف القَاضِي ونظرائه، وَقد دعِي بهم، ثمَّ دعِي بِعَبْد الْملك وَابْنه، فدخلا على الرشيد.
فَقَالَ الرشيد لعبد الْملك: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ واجدا عَلَيْك، وَقد رَضِي عَنْك، وَأمر لَك بأَرْبعَة آلَاف ألف دِرْهَم، فَخذهَا من جَعْفَر السَّاعَة.
ثمَّ دَعَا بِابْنِهِ، وَقَالَ: اشْهَدُوا عَليّ أنني قد زَوجته ابْنَتي الغالية، ومهرتها عَنهُ ألفي ألف دِرْهَم، ووليته مصر.
فَلَمَّا خرج جَعْفَر سَأَلته عَن الْخَبَر، فَقَالَ: بكرت إِلَى دَار الرشيد، فحكيت لَهُ جَمِيع مَا جرى حرفا حرفا، ووصفت لَهُ دُخُول عبد الْملك وَمَا صنع، فَعجب مِنْهُ، وسر بِهِ.
فَقلت لَهُ: وَقد ضمنت لَهُ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ ضمانا.
فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فأعلمته.
فَقَالَ: نفي لَهُ بضمانك، وَأمر بإحضاره، فَكَانَ مَا رَأَيْت.
(1/365)

الرشيد يرضى عَن فرج الرخجي ويعيده إِلَى عمالة الأهواز
ذكر ابْن عَبدُوس فِي كِتَابه (الوزراء) ، قَالَ: كَانَ الرشيد قد قلد فرجا الرخجي الأهواز، فاتصلت السعايات بِهِ عِنْده، وَكَثُرت الشكايات مِنْهُ، وتظلم الرّعية، وادعي عَلَيْهِ أَنه اقتطع مَالا عَظِيما، فَصَرفهُ بِمُحَمد بن أبان الْأَنْبَارِي وَقبض عَلَيْهِ.
وَحدث للرشيد سفر، فأشخصه مَعَه، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق دَعَا بِهِ، فَقَالَ مطر بن سعيد، كَاتب فرج: فَلَمَّا أَمر بإحضاره، حضر وَأَنا مَعَه، وَلست أَشك فِي الْإِيقَاع بِهِ، وَإِزَالَة نعْمَته، فوقفت بِبَاب مضرب الرشيد، وَدخل فرج، وَنحن نتوقعه أَن يخرج منكوبا، إِذْ خرج وَعَلِيهِ الْخلْع، فتضاعفت النِّعْمَة عِنْدِي، وسرت مَعَه إِلَى منزله.
فَلَمَّا خلا سَأَلته عَن خَبره، فَقَالَ: دخلت عَلَيْهِ وَوَجهه إِلَى الْحَائِط، وظهره إِلَيّ، فَلَمَّا أحس بِي، شَتَمَنِي أقبح شتم، وتوعدني أَشد توعد.
(1/367)

ثمَّ قَالَ: يَابْنَ الفاعلة، رفعتك فَوق قدرك، وائتمنتك، فخنتني، وسرقت مَالِي، وَفعلت، وصنعت، وَالله، لَأَفْعَلَنَّ بك، ولأصنعن.
فَلَمَّا سكت، قلت: القَوْل مَا قَالَه أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي إنعامه، وَأكْثر مِنْهُ، وَحلفت لَهُ بأيمان الْبيعَة وَغَيرهَا، أَنِّي ناصحت وَمَا سرقت، ووفرت وَمَا خُنْت، واستقصيت حُقُوقه من غير ظلم، وَلَكِنِّي كنت إِذا حضر وَقت الغلات، جمعت التُّجَّار وناديت عَلَيْهَا، فَإِذا تقررت العطايا أنفذت البيع، وَجعلت لي مَعَ التُّجَّار حِصَّة، فَرُبمَا ربحت، وَرُبمَا وضعت، إِلَى أَن اجْتمع لي من ذَلِك وَغَيره، فِي عدَّة سِنِين، عشرُون ألف ألف دِرْهَم، فاتخذت أزجا كَبِيرا، وأودعته المَال، وسددته عَلَيْهِ فَخذهَا، وحول وَجهك إِلَى عَبدك، وكررت عَلَيْهِ الْأَيْمَان، بأيمان الْبيعَة على صدقي.
فَقَالَ لي: بَارك الله لَك فِي مَالك، ارْجع إِلَى عَمَلك.
(1/368)

بَين ثُمَامَة بن أَشْرَس وَالْفضل بن سهل وَزِير الْمَأْمُون
وَذكر ابْن عَبدُوس أَيْضا فِي كتاب (الوزراء) ، عَن ثُمَامَة بن أَشْرَس، أَنه قَالَ: اجْتمع النَّاس، وَجلسَ لَهُم الْفضل بن سهل، على فرش مُرْتَفعَة، فَقَامَ خَطِيبًا، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، وَذكر النَّبِي فصلى عَلَيْهِ، ثمَّ ابْتَدَأَ بالوقيعة فِي عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ، وَذكر أَنه كَانَ يَدعِي على الرشيد، فِي حِكَايَة حَكَاهَا، دُخُول بَيت القيان، وَهُوَ كَاذِب فِي ذَلِك، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يفعل هَذَا الْفِعْل، وَيدخل المواخير والدساكر، وَلَا يرفع نَفسه عَن ذَلِك، وَلَا يصون عرضه.
(1/369)

قَالَ ثُمَامَة: ثمَّ أقبل عَليّ، فَقَالَ: وَإِن أَبَا معن، ليعلم ذَلِك، وَيعرف صِحَة مَا أَقُول، فَتركت تشييع كَلَامه بالتصديق، وأطرقت إِلَى الأَرْض، ودخلتني عصبية الْعَرَبيَّة لِابْنِ مَالك.
ثمَّ عَاد إِلَى تهجين عبد الله، والتوسع فِي الدَّعَاوَى عَلَيْهِ، ثمَّ أقبل عَليّ ثَانِيَة، وَقَالَ: إِن ثُمَامَة ليعرف ذَلِك، فَسكت، وأطرقت، وَإِنَّمَا كَانَ يُرِيد مني تشييع كَلَامه بالتصديق.
فَلَمَّا رأى إعراضي عَن مساعدته ترك الإقبال عَليّ، وَأخذ فِي خطبَته، حَتَّى فرغ من أربه فِي أَمر عبد الله بن مَالك.
فَلَمَّا تفرق النَّاس عَنهُ، وانصرفت، علمت أَنِّي قد تعرضت لموجدة الْفضل، وَهُوَ الْوَزير، وحالي عِنْده حَالي.
فَلَمَّا حصلت فِي منزلي، جَاءَنِي بعض إخْوَانِي مِمَّن كَانَ فِي نَاحيَة الْفضل، فَأَخْبرنِي أَن يحيى بن عبد الله، وَغَيره، قَالُوا: مَاذَا صنع أَبُو معن، يخاطبه الْوَزير، فَيعرض عَنهُ مرّة بعد أُخْرَى.
فَقلت: أَنا وَالله، بالموجدة عَلَيْهِ، أعزه الله، أَحَق، لِأَنَّهُ قَامَ فِي ذَلِك الْجمع، وَقد حضر كل شرِيف ومشروف، فَلم يستشهد بِي فِي خطبَته، وَمَا أجراه فِي كَلَامه، إِلَّا فِي مَوضِع رِيبَة، أَو ذكر نبوة، وَدَار مقين ومغنية، وَمَا أقدر أَن أشهد إِلَّا أَن أكون مَعَ الْقَوْم ثَالِثا.
فَقَالُوا: صدقت، وَالله، يَا أَبَا معن، بئس الْموضع وضعك.
فَرجع كَلَامي إِلَيْهِ، فَقَالَ: صدق وَالله ثُمَامَة، وَهُوَ بالمعتبة أَحَق.
واندفعت عني موجدته، وَمَا كَانَ بِي إِلَّا مَا داخلني من الحمية لعبد الله بن مَالك.
(1/370)

بَين الْأمين وَإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأمَوِي الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه، وَوجدت فِي بعض الْكتب بِإِسْنَاد غير هَذَا، لَيْسَ لي بِسَمَاع، فَجمعت بَين الْخَبَرَيْنِ، على أتم اللَّفْظ، قَالَ: جرى بَين الْأمين، وَبَين عَمه إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، كَلَام، وهما على النَّبِيذ، فَوجدَ الْأمين على إِبْرَاهِيم، وَبَانَتْ لإِبْرَاهِيم الوحشة مِنْهُ، فَانْصَرف إِبْرَاهِيم إِلَى منزله قلقا، وحجبه الْأمين عَنهُ.
وَبلغ إِبْرَاهِيم ذَلِك، فَبعث إِلَى الْأمين بألطاف، ورقعة يعْتَذر فِيهَا، فَرد الْأمين الْهَدِيَّة، وَلم يجب إِبْرَاهِيم عَن الرقعة.
فَوجه إِبْرَاهِيم إِلَيْهِ وصيفة مليحة مغنية، كَانَ رباها، وَعلمهَا الْغناء، وَبعث مَعهَا عودا مَعْمُولا من الْعود الْهِنْدِيّ، مكللا بالجوهر، وألبسها حلَّة منسوجة بِالذَّهَب، وَقَالَ أبياتا، وغنى فِيهَا، وَألقى عَلَيْهَا الأبيات حَتَّى حَفظتهَا، وَأخذت الصَّوْت، وأحكمت الصَّنْعَة فِيهِ.
(1/371)

فوقفت الْجَارِيَة بَين يَدي الْأمين، وَقَالَت: عمك وَعَبْدك، يَقُول. . . . واندفعت تغني:
هتكت الضَّمِير برد اللطف ... وكشفت هجرك لي فانكشف
فَإِن كنت تنكر شَيْئا جرى ... فَهَب للعمومة مَا قد سلف
وجد لي بالصفح عَن زلتي ... فبالفضل يَأْخُذ أهل الشّرف
فَقَالَ لَهَا الْأمين: أَحْسَنت يَا صبية، مَا أسمك؟ قَالَت: هَدِيَّة.
قَالَ: أفأنت كاسمك، أم عَارِية؟ قَالَت: أَنا كاسمي، وَبِه سماني آنِفا، لما أهداني إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فسر بهَا الْأمين، وَبعث إِلَى إِبْرَاهِيم، فَأحْضرهُ، وَرَضي عَنهُ، وَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِينَار.
(1/372)

وَال مستعطف خير من وَال مُسْتَأْنف
ووقف أَحْمد بن عُرْوَة بَين يَدي الْمَأْمُون، لما عَزله عَن الأهواز، فَقَالَ لَهُ: أخربت الْبِلَاد، وَقتلت الْعباد، لَأَفْعَلَنَّ بك وأصنعن.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا تحب أَن يَفْعَله الله بك إِذا وقفت بَين يَدَيْهِ، وَقد قرعك بذنوبك؟ قَالَ: الْعَفو، والصفح.
قَالَ: فافعل بعبدك، مَا تحب أَن يَفْعَله الله بك.
قَالَ: قد فعلت، ارْجع إِلَى عَمَلك، فوال مستعطف، خير من وَال مُسْتَأْنف.
(1/373)

وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ
رُوِيَ أَن غُلَاما لِلْحسنِ بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام، جني جِنَايَة توجب الْعقَاب، فَقَالَ: اضْرِبُوهُ.
فَقَالَ: يَا مولَايَ، والكاظمين الغيظ، قَالَ: خلوا عَنهُ.
قَالَ: يَا مولَايَ، وَالْعَافِينَ عَن النَّاس.
قَالَ: قد عَفَوْت عَنْك.
قَالَ: وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ.
قَالَ: أَنْت حر لوجه الله تَعَالَى، وَلَك ضعف مَا كنت أُعْطِيك.
(1/374)

عبد الْملك بن مَرْوَان يسْقط حدا من حُدُود الله تَعَالَى
حكى الْأَصْمَعِي، قَالَ: أُتِي عبد الْملك بن مَرْوَان، بِرَجُل قد قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بِسَرِقَة يقطع فِي مثلهَا، فَأمر بِقطع يَده.
فَأَنْشَأَ الرجل يَقُول:
يَدي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أُعِيذهَا ... بعفوك من عَار عَلَيْهَا يشينها
فَلَا خير فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي نعيمها ... إِذا مَا شمال فارقتها يَمِينهَا
فَقَالَ: هَذَا حَدَّثَنَا من حُدُود الله تَعَالَى، وَلَا بُد من إِقَامَته عَلَيْك.
فَقَالَت أم لَهُ كَبِيرَة السن: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، كادي، وكاسبي، وَابْني، وواحدي، فهبه لي.
فَقَالَ لَهَا: بئس الكاد كادك، وَبئسَ الكاسب كاسبك، لابد من إِقَامَة حُدُود الله عز وَجل.
فَقَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اجْعَلْهُ من ذنوبك الَّتِي تستغفر الله مِنْهَا.
فَقَالَ: خلوه، فَأطلق.
(1/375)

وَمن العناء رياضة الْهَرم
وَذكر ابْن الْجراح عَبدُوس فِي كتاب الوزراء: أَن عَاملا للمنصور على فلسطين كتب إِلَيْهِ: أَن بعض أَهلهَا وثب عَلَيْهِ، واستغوى جمَاعَة مِنْهُم، وعاث فِي الْعَمَل.
فَكتب إِلَيْهِ الْمَنْصُور: أَن قَيده، وأنفذه إِلَيّ، فأنفذه.
فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ، قَالَ: الْمَنْصُور: أَنْت المتوثب على عَامل أَمِير الْمُؤمنِينَ، لأبرين لحمك من عظمك، وَكَانَ شَيخا كَبِيرا، ضئيل الصَّوْت، فَقَالَ:
أتروض عرسك بَعْدَمَا هرمت ... وَمن العناء رياضة الْهَرم
فَلم يفهم الْمَنْصُور مَا قَالَ، فَقَالَ: مَا يَقُول يَا ربيع؟ قَالَ: إِنَّه يَقُول:
العَبْد عبد كم وَالْمَال مالكم ... فَهَل عذابك عني الْيَوْم مَصْرُوف
قَالَ: يَا ربيع قد عَفَوْت عَنهُ، خلوا سَبيله، وَأحسن إِلَيْهِ.
(1/376)

أول مائَة ألف أعطيها شَاعِر فِي أَيَّام بني الْعَبَّاس
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن مُوسَى، قَالَ: رَأَيْت مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، وَقد دخل عَليّ الْمهْدي، بعد وَفَاة معن بن زَائِدَة، فِي جمَاعَة من الشُّعَرَاء مِنْهُم سلم الخاسر، وَغَيره، فأنشده مديحا فِيهِ.
فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟
(1/377)

قَالَ: شاعرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَعَبْدك، مَرْوَان بن أبي حَفْصَة.
فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: أَلَسْت الْقَائِل فِي معن بن زَائِدَة:
أَقَمْنَا بِالْيَمَامَةِ بعد معن ... مقَاما لَا نُرِيد بِهِ زوالا
وَقُلْنَا أَيْن نَذْهَب بعد معن ... وَقد ذهب النوال فَلَا نوالا
فقد ذهب النوال كَمَا زعمت، فَلم جِئْت تطلب نوالنا؟ لَا شَيْء لَك عندنَا، جروا بِرجلِهِ، فجروا بِرجلِهِ حَتَّى أخرج.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل، تلطف حَتَّى دخل مَعَ الشُّعَرَاء، وَإِنَّمَا كَانَت الشُّعَرَاء، تدخل على الْخُلَفَاء فِي كل عَام مرّة، فَمثل بَين يَدَيْهِ، فَأَنْشد، رَابِع أَو خَامِس شَاعِر، قصيدته الَّتِي أَولهَا:
طرقتك زائرة فحي خيالها ... بَيْضَاء تخلط بالجمال دلالها
قادت فُؤَادك فاستقاد وَمثلهَا ... قاد الْقُلُوب إِلَى الصِّبَا فأمالها
قَالَ: فأنصت الْمهْدي يستمع مِنْهُ، إِلَى أَن بلغ مِنْهَا إِلَى قَوْله:
هَل تطمسون من السَّمَاء نجومها ... بأكفكم أَو تسترون هلالها
أَو تجحدون مقَالَة عَن ربه ... جِبْرِيل بلغَهَا النَّبِي فَقَالَهَا
شهِدت من الْأَنْفَال آخر آيَة ... بتراثهم فأردتم إِبْطَالهَا
(1/378)

قَالَ: فَرَأَيْت الْمهْدي، وَقد زحف من صدر مُصَلَّاهُ، حَتَّى صَار على الْبسَاط، إعجابا مِنْهُ بِمَا سمع.
ثمَّ قَالَ: كم بَيت هم؟ قَالَ: مائَة بَيت.
فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم، فَكَانَت أول مائَة ألف أعطيها شَاعِر فِي أَيَّام بني الْعَبَّاس.
وَمَضَت الْأَيَّام، وَولي هَارُون الْخلَافَة، فَرَأَيْت مَرْوَان وَقد دخل فِي جملَة الشُّعَرَاء، فأنشده قصيدة امتدحه بهَا.
فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: عَبدك، وشاعرك، مَرْوَان بن أبي حَفْصَة.
فَقَالَ: أَلَسْت الْقَائِل فِي معن؟ وأنشده الْبَيْتَيْنِ اللَّذين أنشدهما الْمهْدي.
ثمَّ قَالَ: خُذُوا بِيَدِهِ فأخرجوه، فَلَا شَيْء لَهُ عندنَا، فَأخْرج أقبح إِخْرَاج.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، تلطف حَتَّى دخل، فأنشده:
لعمرك مَا أنسى غَدَاة المحصب ... إِشَارَة سلمى بالبنان المخضب
وَقد صدر الْحجَّاج إِلَّا أقلهم ... مصَادر شَتَّى موكبا بعد موكب
قَالَ: فَأَعْجَبتهُ القصيدة، فَقَالَ: كم هِيَ؟ قَالَ: سَبْعُونَ بَيْتا، فَأمر لَهُ بِعَدَد أبياتها ألوفا.
فَصَارَ ذَلِك رسما لَهُ عِنْدهم إِلَى أَن مَاتَ.
(1/379)

الرشيد يرضى عَن العتابي الشَّاعِر
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي الْحسن بن عَليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مهرويه، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: غضب الرشيد على العتابي، وحجبه، فَدخل سرا مَعَ المتظلمين، بِغَيْر إِذن، فَمثل بَين الرشيد، فَقَالَ بَين الرشيد، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد أدبني النَّاس لَك، ولنفسي فِيك، وردني ابتلاؤهم إِلَى شكرك، وَمَا مَعَ ذكرك قناعة بِأحد غَيْرك، ولعمري لنعم الصائن كنت لنَفْسي، لَو أعانني الصَّبْر عَلَيْك، وَلذَلِك أَقُول:
(1/380)

أخضني الْمقَام الْغمر إِن كَانَ غرني ... سنا خلب أَو زلت القدمان
أتتركني جَدب الْمَعيشَة مقترا ... وَكَفاك من مَاء الندى يكفان
وتجعلني سهم المطامع بَعْدَمَا ... بللت يَمِيني بالندي ولساني
قَالَ: فَرضِي عَنهُ، وخلع عَلَيْهِ، وَأمر لَهُ بجائزة سنية، فَمَا رَأَيْت العتابي أنشط مِنْهُ فِي ذَلِك الْيَوْم، وَلَا أفرح، وَلَا أبسط لِسَانا مِنْهُ يَوْمئِذٍ.
قَالَ: أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ: فِي الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين غناء لمخارق، ثَانِي ثقيل بالوسطى، وَقيل إِن فِيهِ للواثق ثَانِي ثقيل آخر.
(1/381)

الْمَأْمُون يصفح عَن دعبل الْخُزَاعِيّ الشَّاعِر ويصله
قرئَ على أبي بكر الصولي، سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، بِالْبَصْرَةِ، وَأَنا أسمع: حَدثكُمْ هرون بن عبد الله المهلبي، سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: لما هجا دعبل الْمَأْمُون، قَالَ لَهُم: أسمعوني مَا قَالَ: فأنشدوه هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من أَبْيَات، وهما:
إِنِّي من الْقَوْم الَّذين سيوفهم ... قتلت أَخَاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهدفَقَالَ الْمَأْمُون: قبحه الله، مَا أبهته، مَتى كنت خامل الذّكر، وَفِي حجر الْخلَافَة ربيت، وبدرها غذيت، خَليفَة، وأخو خَليفَة، وَابْن خَليفَة.
ثمَّ وجد فِي طلب دعبل، حَتَّى ظفر بِهِ، فَلم يشك أحد فِي أَنه قَاتله.
فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ: يَا دعبل، واستنقذوك من الحضيض الأوهد.
(1/382)

فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد عَفَوْت عَمَّن هُوَ أعظم منى جرما.
فَقَالَ: صدقت، لَا بَأْس عَلَيْك، أَنْشدني «مدارس آيَات» .
فَقَالَ: أنشدها وَأَنا آمن؟ قَالَ: نعم.
فأنشده إِيَّاهَا، فَجعل الْمَأْمُون يبكي، لما بلغ قَوْله:
بَنَات زِيَاد فِي الْقُصُور مصونة ... وَبنت رَسُول الله فِي الفلوات
ثمَّ وَصله وأمنه.
(1/383)

الْمَأْمُون يهب عَمْرو بن مسْعدَة سِتَّة آلَاف ألف دِرْهَم فيهبها عَمْرو لأحد أَتْبَاعه
قرئَ على أبي بكر الصولي، وَأَنا أسمع، فِي كِتَابه (كتاب الوزراء) ، حَدثكُمْ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدثنِي سعد بن يَعْقُوب النَّصْرَانِي، قَالَ: أَمر الْمَأْمُون مُحَمَّد بن يزْدَاد، وَأحمد بن أبي خَالِد، أَن يناظرا عَمْرو بن مسْعدَة، فِي مَال الأهواز، فناظراه، فَتحصل عَلَيْهِ سِتَّة عشر ألف ألف دِرْهَم، فأعلما الْمَأْمُون بذلك.
فَقَالَ: اقبلا مِنْهُ كل حجَّة، وكل تعلق، وكل ادِّعَاء.
فَقَالَا: قد فعلنَا.
فَقَالَ: عودا.
فعادا، فَتعلق عَمْرو بن مسْعدَة بأَشْيَاء لَا أصل لَهَا، فَسقط من المَال عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم، وَبَقِي سِتَّة آلَاف ألف دِرْهَم وَاجِبَة عَلَيْهِ، لَا حجَّة لَهُ فِيهَا، وَأخذ خطه بذلك.
فأحضر الْمَأْمُون عمرا، بعد خروجهما، فَقَالَ لَهُ: هَذِه رقعتك؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: وَهَذَا المَال وَاجِب عَلَيْك؟ قَالَ: نعم.
(1/384)

قَالَ: خُذ رقعتك، فقد وهبته لَك.
فَقَالَ: أما إِذْ تفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بِهِ، فَإِنَّهُ وَاجِب على أَحْمد بن عُرْوَة، وأشهدك أَنِّي قد وهبته لَهُ.
فاغتاظ الْمَأْمُون، وَخرج عَمْرو وَقد عرف غيظ الْمَأْمُون، وَعلم خطأه فِي عمله، فلجأ إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد، فَأعلمهُ بذلك، وَكَانَ يختصه.
فَقَالَ: لَا عَلَيْك، وَدخل إِلَى الْمَأْمُون.
فَلَمَّا رَآهُ الْمَأْمُون، قَالَ: أَلا تعجب يَا أَحْمد من عَمْرو، وهبنا لَهُ سِتَّة آلَاف ألف دِرْهَم، بعد أَن تجاوزنا لَهُ عَن أضعافها، فَوَهَبَهَا بَين يَدي لِأَحْمَد بن عُرْوَة، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يباريني، ويصغر معروفي؟ فَقَالَ لَهُ أَحْمد: أَو قد فعل ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: نعم.
قَالَ: لَو لم يفعل هَذَا، لوَجَبَ أَن يسْقط حَاله.
قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَو اسْتَأْثر بِهِ على أَحْمد بن عُرْوَة، وَأخذ أَحْمد بأَدَاء هَذَا المَال، لَكَانَ قد أخرجه من مَعْرُوفك صفرا، وَلما كَانَت نِعْمَتك على عَمْرو، نعْمَة على أَحْمد، وهما خادماك، فَكَانَ الأجمل أَن يتضاعف مَعْرُوفك عِنْدهمَا، فقصد عَمْرو ذَلِك، فَصَارَ المَال تفضلا مِنْك على عَمْرو، وعَلى أَحْمد بن عُرْوَة، وَمَعَ ذَلِك، فَأَنت سيد عَمْرو لَا يعرف سيدا غَيْرك، وَعَمْرو سيد أَحْمد، فاقتدى فِي أَمر أَحْمد بِمَا فعلت فِي أمره، وَأَرَادَ أَيْضا أَن ينتشر
(1/385)

فِي مُلُوك الْأُمَم، أَن خَادِمًا من خدمك اتَّسع قلبه لهبة هَذَا المَال، من فضل إحسانك إِلَيْهِ، فيزيد فِي جلالة الدولة، وجلالة قيمتهَا، فيكسر ذَلِك الْأَعْدَاء الَّذين يكاثرونك.
فَسرِّي عَن الْمَأْمُون، وَزَالَ مَا بِقَلْبِه على عَمْرو. . 140

الْمَأْمُون يصفح عَن الْفضل بن الرّبيع
وَقُرِئَ على أبي بكر الصولي، بِالْبَصْرَةِ، وَأَنا أسمع، فِي كتاب (الوزراء) ، خبر فِيهِ ذكر الْفضل بن الرّبيع، وظفر الْمَأْمُون بِهِ، وعفوه عَنهُ، وَقُرِئَ بعقبه: حَدثكُمْ عون بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد بن هريم، قَالَ: لما ظفر الْمَأْمُون بِالْفَضْلِ بن الرّبيع، وَمثل بَين يَدَيْهِ، قَالَ لَهُ: يَا فضل، أَكَانَ من حَقي عَلَيْك، وَحقّ آبَائِي، ونعمتهم عنْدك، وَعند أَبِيك، أَن تثلبني، وتشتمني، وتحرض على دمي؟ أَتُحِبُّ أَن أفعل بك مَعَ الْقُدْرَة، مَا أردته بِي؟
(1/386)

فَقَالَ لَهُ الْفضل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن عُذْري يحقدك إِذا كَانَ وَاضحا جميلا، فَكيف إِذا عفته الْعُيُوب، وقبحته الذُّنُوب، فَلَا يضيق عني من عفوك مَا وسع غَيْرِي مِنْهُ، فَأَنت، وَالله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
صفوح عَن الإجرام حَتَّى كَأَنَّهُ ... من الْعَفو لم يعرف من النَّاس مجرما
وَلَيْسَ يُبَالِي أَن يكون بِهِ الْأَذَى ... إِذا مَا الأذي لم يغش بالكره مُسلما
قَالَ: الصولي: وَالشعر لِلْحسنِ بن رَجَاء.

جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث يهدئ من غضب الرشيد
غضب الرشيد على جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث، غَضبا شَدِيدا، من كَلَام جرى بَينهمَا، فخاف جَعْفَر أَن يستفزه الْغَضَب، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّمَا تغْضب لله عز وَجل، فَلَا تغْضب لَهُ بِمَا لَا يغْضب بِهِ لنَفسِهِ، فانعطف لَهُ الرشيد.
(1/387)

بَين هِشَام بن عبد الْملك وَإِبْرَاهِيم بن أبي عبلة
أحضر هِشَام بن عبد الْملك، إِبْرَاهِيم بن أبي عبلة، الَّذِي تقلد ديوَان الْخَاتم لمروان بن مُحَمَّد، فَقَالَ لَهُ: إِنَّا قد عرفناك صَغِيرا، وخبرناك كَبِيرا، وَأُرِيد أَن أخلطك بحاشيتي، وَقد وليتك خراج مصر، فَاخْرُج إِلَيْهَا.
فأبي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: لَيْسَ الْخراج من عَمَلي، وَلَا لي بِهِ معرفَة.
فَغَضب هِشَام عَلَيْهِ غَضبا شَدِيدا، حَتَّى خَافَ إِبْرَاهِيم باردته، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتأذن لي فِي الْكَلَام.
فَقَالَ: قل.
قَالَ: إِن الله تَعَالَى، قَالَ: إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها، وأشفقن مِنْهَا، فوَاللَّه مَا أكرهها، وَلَا غضب عَلَيْهَا فِي إبائها، وَلَقَد ذمّ الْإِنْسَان لما قبلهَا.
فَقَالَ لَهُ هِشَام: أَبيت إِلَّا رفقا، أَعْفَاهُ، وَرَضي عَنهُ.
(1/388)

صَاحب ديوَان الْخراج يسرق توقيع الْخَلِيفَة من يَد الرَّسُول
استسلف مُوسَى بن عبد الْملك من بَيت مَال الْخَاصَّة، مَالا، إِلَى أجل قريب، وَضمن للمتوكل أَن يردهُ فِي الْأَجَل.
فجَاء الْأَجَل وَلم يحمل المَال، فَغَضب المتَوَكل من مدافعته، وَقَالَ لِعبيد الله بن يحيى بن خاقَان، وَقع إِلَيْهِ عني برد المَال الْيَوْم، وضيق عَلَيْهِ فِي الْمُطَالبَة، وأنفذ التوقيع مَعَ عتاب بن عتاب، ومره أَن يُطَالِبهُ، فَإِن أخر أَدَاء المَال، طَالبه، وضربه بالمقارع فِي ديوَان الْخراج بِحَضْرَة النَّاس، وَأَن لَا يرفع عَنهُ المقارع، حَتَّى يصحح المَال.
(1/389)

فبادر بعض الخدم إِلَى مُوسَى، فَأخْبرهُ بذلك، فَجَلَسَ ينظر فِي وُجُوه يرد مِنْهَا المَال.
وَصَارَ إِلَيْهِ عتاب بالتوقيع مَخْتُومًا، وَكَانَ يَوْمًا شَدِيد الْحر، وَقد انتصف النَّهَار، ومُوسَى فِي خيش، فِي حجرَة من ديوانه، وَفِيه مروحة، يتناوبها فراشان يروحانه، فَدخل عتاب، وَفِي يَد مُوسَى كتاب طَوِيل يقرأه،
(1/390)

فَجَلَسَ، وأكب مُوسَى على الْكتاب يتشاغل بِهِ عَن خطاب عتاب، وَأصَاب عتاب برد المروحة والخيش، فَنَامَ واستثقل.
وَكَانَ عتاب قد أخرج التوقيع حِين جلس، فَوَضعه على دَوَاة مُوسَى، فغمز مُوسَى بعض غلمانه فَأخذ الْكتاب فغيبه.
وَمَا زَالَ عتاب ينَام مرّة وينتبه أُخْرَى، ومُوسَى يعْمل، إِلَى أَن اتقضت الهاجرة، وَقد توجه لمُوسَى بعض المَال، وأنفذ أَصْحَابه لقبضه.
فَقَالَ لَهُ عتاب: انْظُر فِيمَا جِئْنَا لَهُ.
قَالَ: قل أصلحك الله فيمَ جِئْت؟ قَالَ: فِيمَا تضمن التوقيع.
قَالَ: وَأي توقيع؟ قَالَ: الَّذِي أوصلته إِلَيْك من أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: مَتى؟ قَالَ: السَّاعَة وَضعته على الدواة.
فَقَالَ لَهُ: قد نمت نومان، وأظن أَنَّك رَأَيْت فِي نومك شَيْئا.
فَطلب عتاب التوقيع، فَلم يجده، فَقَالَ: سرق وَالله التوقيع، يَا أَصْحَاب الْأَخْبَار، اكتبوا.
فَقَالَ مُوسَى: يَا أَصْحَاب الْأَخْبَار، اكتبوا، كذب فِيمَا ادَّعَاهُ، مَا أوصل إِلَيّ توقيعا، وَأَنْتُم حاضرون، فَهَل رَأَيْتُمُوهُ أوصل إِلَى توقيعا؟ قُم فَانْظُر لَعَلَّك يَا أَبَا مُحَمَّد ضيعت التوقيع فِي طريقك.
فَانْصَرف عتاب إِلَى عبيد الله فَأخْبرهُ بذلك.
(1/391)

فَدخل عبيد الله إِلَى المتَوَكل، فحدثه، فَضَحِك، وَقَالَ: أحضروا مُوسَى السَّاعَة، فَحَضَرَ.
فَقَالَ لَهُ المتَوَكل: يَا مُوسَى، سرقت التوقيع من عتاب؟ قَالَ: إِي وَالله يَا سَيِّدي خمنت أَن فِيهِ مَكْرُوها، ونام عتاب من قبل أَن يوصله إِلَيّ، فَأمرت من سَرقه، وَقد أَعدَدْت نصف المَال، والساعة أحملهُ إِلَى صَاحب بَيت مَال الْخَاصَّة، وأحمل الْبَاقِي بعد خَمْسَة أَيَّام، وأتبع ذَلِك بتضرع.
فأنفذ المتَوَكل مَعَه من قبض مِنْهُ ذَلِك، وَانْصَرف وَقد رَضِي عَنهُ.
(1/392)

صَاحب الشرطة لَا يصلح أَن يكون نديما للخليفة
دَعَا الواثق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي إِلَى منادمته، فَامْتنعَ، فتلاحيا فِي ذَلِك، إِلَى أَن تغير الواثق على إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَأمر بحجبه عَنهُ.
فَكتب إِلَيْهِ إِسْحَاق: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَو أطلقتني الحشمة الَّتِي عقد بهَا لساني عَن الانبساط لتغيره عَليّ، لَقلت: مَا لي فِيمَا عقده عَليّ قلب أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَنْب، إِذْ كَانَ يوقيني من امتهان الْعَامَّة إيَّايَ.
فَرمى الواثق كِتَابه إِلَى ابْن أبي دؤاد.
فَقَالَ لَهُ ابْن أبي دؤاد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا على من كَانَت هَذِه همته فِيمَا يرد على أَمِير الْمُؤمنِينَ عيب، وَهُوَ يجد من إِسْحَاق عوضا فِي المنادمة، وَلَا يجد مِنْهُ عوضا فِي شرطته.
فَرضِي عَنهُ الواثق، وأعفاه من المنادمة، وَمنع من حجبه، وأجراه على رسمه، وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
(1/393)

الرشيد يرضى عَن نصر بن مَالك
لما عزل الرشيد نصر بن مَالك، بسعي البرامكة، أمره أَن يلْزم بَيته، وَلَا يخرج مِنْهُ، فَكتب إِلَى الرشيد: قد قبضني سوء رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي، عَن الِاعْتِذَار بِحجَّة، أَو نشر دلَالَة تنبئ بِخِلَاف مَا قرفت بِهِ عِنْده، فَمَا أهتدي إِلَى وَجه طلب الِاعْتِذَار، وَمَا يجرأني على الْإِبَانَة عَمَّا لَا أعلمهُ إِلَّا حسن رَأْيه أعزه الله، واطلاعه على قلقي بضميره، فَإِنِّي عبد نعْمَته، وغذي إحسانه، إِن أسبغا عَليّ، وَفِي شكري لَهما، وَإِن أزيلا عني، اعتصمت مِنْهُمَا الرُّجُوع إِلَى الْحُرْمَة، وَلُزُوم فَائِدَة يتطول بهَا عَليّ، من تطول على أَمِير الْمُؤمنِينَ برد مِيرَاثه من الْخلَافَة عَلَيْهِ.
فَوَقع الرشيد على ظهر رقعته: نصر بن مَالك، أولى من ردَّتْ عَلَيْهِ النِّعْمَة، إِذا كَانَ معترفا بسمتها، وبالغا بالشكر حق قيمتهَا، فَمَا شكرني أحد من أوليائي كشكره، فليهنه مَا أوليناه من رَأينَا، ومنحناه من برنا.
وَأظْهر الرِّضَا عَنهُ، وولاه ولَايَة أخرجه إِلَيْهَا.
(1/394)

بَين الْحجَّاج ويوسف بن عبد الله بن عُثْمَان
ذكر أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، عَن ابْن أبي عقبَة، عَن أَبِيه، قَالَ: لما أَمن الْحجَّاج النَّاس، أَتَاهُ يُوسُف بن عبد الله بن عُثْمَان، وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان قد كتب لَهُ أَمَانًا.
فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: ثكلتك أمك.
قَالَ: وَأبي مَعَ أُمِّي.
قَالَ: أَيْن ألقتك الأَرْض بعدِي؟ قَالَ: مَا قُمْت مقَاما، مُنْذُ لم ترني، أوسع من مقَام قمته السَّاعَة، إِن الله استعملك علينا، فأبينا، فأبي علينا، فَعَفَا عَنهُ.
فَقَالَ الفرزدق ذَلِك:
وَلَو لم ينل حَبل الْخَلِيفَة يوسفا ... لمج نجيعا من دم الْجوف أحمرا
(1/395)

بَين زِيَاد وَأحد قعدة الْخَوَارِج
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: أرسل زِيَاد إِلَى رجل من قعدة الْخَوَارِج، من بني تَمِيم، فاستدعاه، فَأَتَاهُ خَائفًا.
فَقَالَ لَهُ زِيَاد: مَا مَنعك من إتياني؟ فَقَالَ لَهُ: قدمت علينا، فَقلت لَا أعدكم خيرا وَلَا شرا إِلَّا وفيت بِهِ وأنجزته، وَقلت: من كف يَده وَلسَانه لم أعرض لَهُ، فكففت يَدي ولساني، وَجَلَست فِي بَيْتِي، فَأمر لَهُ بصلَة، فَخرج وَالنَّاس لَا يَشكونَ فِي أَنه يقْتله.
فَقَالُوا لَهُ: مَا قَالَ لَك الْأَمِير؟ فَقَالَ: مَا كلكُمْ أَسْتَطِيع أَن أخبرهُ بِمَا كَانَ بَيْننَا، وَلَكِنِّي وصلت إِلَى رجل لَا يملك لنَفسِهِ ضرا وَلَا نفعا، فرزق الله مِنْهُ خيرا.
(1/396)

الْحجَّاج يحبس رجلا لِأَنَّهُ شكا إِلَيْهِ أَخَاهُ مُحَمَّدًا عَامل الْيمن
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: قدم رجل من أهل الْيمن، على الْحجَّاج، يشكو أَخَاهُ، مُحَمَّد بن يُوسُف، فصادف الْحجَّاج على الْمِنْبَر، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَشَكا أَخَاهُ مُحَمَّدًا، فَأمر بِهِ الْحجَّاج، فحبس.
فَلَمَّا نزل عَن الْمِنْبَر، استدعاه وَهُوَ متغيظ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا جرأك على أَن ترفع على أخي؟ فَقَالَ لَهُ: أَنا بِاللَّه، أعز من أَخِيك بك.
فَقَالَ الْحجَّاج: خلوا سَبيله.
(1/397)

الْحجَّاج يَأْمر بتعذيب آزاد مرد
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، عَن أبي المضرحي، وَقد وجدته أَنا، فِي غير مَوضِع، عَن الْمَدَائِنِي، بِمَا يقرب من هَذِه الْعبارَة: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي الحرمي، عَن الزبير، قَالَ: أَمر الْحجَّاج مُحَمَّد بن الْمُنْتَشِر بن الأجدع الْهَمدَانِي، ابْن أخي مَسْرُوق، أَن يعذب آزاد مرد بن الفرند، فَأَخذه مُحَمَّد.
فَقَالَ لَهُ آزاد مرد: أرى لَك يَا مُحَمَّد، شرفا، ودينا، وَإِنَّا من أهل بَيت لَا نعطي على الذل شَيْئا، فارفق بِي، وَاسْتَأْذَنَ فِي.
فَقَالَ: أفعل.
فرفهه مُحَمَّد، وأكرمه، فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَيْهِ، فِي كل جُمُعَة، ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم.
فَغَضب الْحجَّاج، وَأمر معد، صَاحب الْعَذَاب، أَن يَأْخُذهُ من مُحَمَّد، فَأَخذه معد من مُحَمَّد، فَعَذَّبَهُ، ودق يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، فَلم يُعْطه شَيْئا.
فَقَالَ مُحَمَّد: فَإِنِّي لأسير، بعد ثَلَاثَة أَيَّام، إِذا بِهِ مُعْتَرضًا على بغل، مدقوق الْيَد وَالرجل.
(1/398)

فصاح بِي: يَا مُحَمَّد.
فَكرِهت أَن آتيه، فَيبلغ الْحجَّاج، فأقع مَعَه فِي مَكْرُوه، ثمَّ تذممت أَن لَا أدنو مِنْهُ، فدنوت.
فَقلت: حَاجَتك؟ فَقَالَ: إِنَّك وليت مني مثل هَذَا، فأحسنت، ولي عِنْد فلَان مائَة ألف دِرْهَم، فَخذهَا مِنْهُ برسالتي إِلَيْهِ.
فَقلت: وَالله، لَا أخذت مِنْك شَيْئا، وَأَنت على هَذِه الْحَال.
فَقَالَ: أما إِذْ أَبيت، فاستمع مني، أحَدثك حَدِيثا سمعته من أهل دينك، عَن نبيك، سمعتهم يَقُولُونَ، إِنَّه قَالَ: إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بالعباد خيرا، أمطرهم الْمَطَر فِي أَوَانه، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم خيارهم، وَجعل المَال فِي سمحائهم، وَإِذا أَرَادَ بهم شرا، أمطرهم الْمَطَر فِي غير أَوَانه وَاسْتعْمل عَلَيْهِم شرارهم، ومول بخلاءهم، ثمَّ مضى.
وأتيت منزلي، فَمَا وضعت ثِيَابِي حَتَّى أَتَانِي رَسُول الْحجَّاج، وَقد بلغه مَا جرى.
فخفته خوفًا شَدِيدا، وَوَقعت فِي أَمر عَظِيم، فَأَتَيْته وَقد اخْتَرَطَ سَيْفه، وَهُوَ فِي حجره منتضى.
فَقَالَ لي: ادن.
فَقلت: مَا بِي دنو، وَفِي حجر الْأَمِير السَّيْف.
فَضَحِك، وَقَالَ: مَا قَالَ لَك الْخَبيث؟ فَقلت لَهُ: وَالله مَا غششتك مُنْذُ استنصحتني، وَلَا خنتك مُنْذُ ائتمنتني، وَلَا كذبتك مذ صدقتني، وأخبرته بِمَا قَالَ.
فَلَمَّا أردْت ذكر الرجل الَّذِي عِنْده المَال، صرف وَجهه عني، وَقَالَ: لَا تسمه، لقد سمع عَدو الله الْأَحَادِيث، انْصَرف راشدا.
فَانْصَرَفت آمنا، وَقد زَالَ خوفي.
(1/399)

الْمَأْمُون يرضى عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، وَالْحُسَيْن بن يحيى، عَن حَمَّاد بن إِسْحَاق الْموصِلِي، عَن أَبِيه، قَالَ: أَبُو الْفرج، وَأَخْبرنِي يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، عَن أَبِيه، عَن إِسْحَاق، قَالَ: أَقَامَ الْمَأْمُون بعد دُخُوله بَغْدَاد عشْرين شهرا، وَلم يسمع حرفا من الأغاني، ثمَّ كَانَ أول من تغنى بِحَضْرَتِهِ أَبُو عِيسَى بن الرشيد أول مرّة، ثمَّ واظب على السماع متسترا، متشبها بالرشيد فِي أول أمره، فَأَقَامَ الْمَأْمُون كَذَلِك أَربع سِنِين، ثمَّ ظهر للندماء والمغنين.
قَالَ: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي: وَكَانَ حِين أحب السماع، سَأَلَ عني، فجرحت بِحَضْرَتِهِ، وَقَالَ الطاعن عَليّ: مَا يَقُول أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي رجل يتيه على الْخُلَفَاء، مَا بَقِي هَذَا من التيه شَيْئا إِلَّا اسْتَعْملهُ.
فَأمْسك عَن ذكري، وجفاني من كَانَ يصلني لسوء رَأْيه فِي، فأضر ذَلِك بِي، حَتَّى جَاءَنِي عُلْوِيَّهُ يَوْمًا، فَقَالَ لي: أتأذن لي فِي ذكرك
(1/402)

بِحَضْرَة الْمَأْمُون، فَإنَّا قد دعينا الْيَوْم.
فَقلت: لَا، وَلَكِن غنه بِهَذَا الشّعْر، فَإِنَّهُ يَبْعَثهُ على أَن يَسْأَلك لمن هُوَ؟ فَإِذا سَأَلَك انْفَتح لَك مَا تريده، وَكَانَ الْجَواب أسهل عَلَيْك من الِابْتِدَاء.
قَالَ: هَات، فألقيت عَلَيْهِ لحني فِي شعري:
يَا سرحة المَاء قد سدت موارده ... أما إِلَيْك طَرِيق غير مسدود
لحائم حام حَتَّى لَا حيام بِهِ ... مشرد عَن طَرِيق المَاء مطرود
قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ: والغناء فِيهِ لإسحاق الْموصِلِي، رمل بالوسطى، عَنهُ، وَعَن عَمْرو بن بانة.
رَجَعَ الحَدِيث، قَالَ: فَمضى عُلْوِيَّهُ، فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ الْمجْلس، غناهُ بالشعر، الَّذِي أمره بِهِ إِسْحَاق.
فَقَالَ الْمَأْمُون: وَيلك يَا عُلْوِيَّهُ، لمن هَذَا الشّعْر؟ .
فَقَالَ: يَا سَيِّدي لعبد من عبيدك، جفوته، واطرحته، من غير ذَنْب.
فَقَالَ: إِسْحَاق تَعْنِي؟ قَالَ: نعم.
فَقَالَ: يحضر السَّاعَة.
قَالَ إِسْحَاق: فَجَاءَنِي رَسُول الْمَأْمُون، فصرت إِلَيْهِ، فَلَمَّا دخلت إِلَيْهِ استدناني، فدنوت مِنْهُ، فَرفع يَدَيْهِ إِلَيّ مادهما، فانكببت عَلَيْهِ، فاحتضنني بيدَيْهِ، وَأظْهر من بري وإكرامي، مَا لَو أظهره صديق مؤانس لصديق، لسر بِهِ.
(1/403)

وَقد ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن هَذَا الْخَبَر، فِي كِتَابه بِغَيْر إِسْنَاد، وبأقل من هَذَا الشَّرْح، والمعني مُتَقَارب.
(1/404)