Advertisement

الفرج بعد الشدة للتنوخي 004

إِسْحَاق المصعبي تحركه رقاع أَصْحَاب الأرباع بِبَغْدَاد
حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن داسة الْبَصْرِيّ رَحمَه الله، قَالَ: حَدثنِي أَبُو يحيى بن مكرم، القَاضِي الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كَانَ فِي جواري، رجل يعرف بِأبي عُبَيْدَة، حسن الْأَدَب، كثير الرِّوَايَة للْأَخْبَار، وَكَانَ قَدِيما ينادم إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي، فَحَدثني: أَن إِسْحَاق استدعاه ذَات لَيْلَة، فِي نصف اللَّيْل.
قَالَ: فهالني ذَلِك، وأفزعني، لما كنت أعرفهُ مِنْهُ، من زعارة الْأَخْلَاق، وَشدَّة الْإِسْرَاع إِلَى الْقَتْل، وَخفت أَن يكون قد نقم عَليّ شَيْئا فِي الْعشْرَة، أَو بلغ عني بَاطِلا، فأحفظه، فيسرع إِلَى قَتْلِي، قبل كشف حَالي.
فَخرجت طَائِر الْعقل، حَتَّى أتيت دَاره، فأدخلت إِلَى بعض دور الْحرم، فَاشْتَدَّ جزعي، وَذهب عَليّ أَمْرِي.
فانتهي بِي إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي حجرَة لَطِيفَة، فَسمِعت فِي دهليزها بكاء امْرَأَة ونحيبها، وَدخلت، فَإِذا هُوَ جَالس على كرْسِي، وَبِيَدِهِ سيف مسلول، وَهُوَ مطرق، فأيقنت بِالْقَتْلِ.
فَسلمت، ووقفت، فَرفع رَأسه وَقَالَ: اجْلِسْ أَبَا عُبَيْدَة، فسكن روعي، وَجَلَست.
فَرمى إِلَيّ رِقَاعًا كَانَت بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ: اقْرَأ هَذِه
(4/5)

فَقَرَأت جَمِيعهَا، فَإِذا رقاع أَصْحَاب الشَّرْط فِي الأرباع، يُخبرهُ كل وَاحِد مِنْهُم بِخَبَر يَوْمه، وَمَا جرى فِي عمله، وَفِي جَمِيعهَا ذكر كبسات وَقعت على نسَاء وجدن على فَسَاد، من بَنَات الوزراء، والأمراء، والأجلاء، الَّذين بادوا، أَو ذهبت مَرَاتِبهمْ، ويستأذنون فِي أمرهن.
فَقلت: قد وقفت على هَذِه الرّقاع، فَمَا يَأْمُرنِي بِهِ الْأَمِير أعزه الله؟ فَقَالَ: وَيحك يَا أَبَا عُبَيْدَة، هَؤُلَاءِ النَّاس الَّذين ورد ذكر حَال بناتهم، كلهم كَانُوا أجل مني، أَو مثلي، وَقد أفْضى بهم الدَّهْر فِي حرمهم إِلَى مَا قد سَمِعت، وَقد وَقع لي أَن بَنَاتِي بعدِي، سيبلغن هَذَا الْمبلغ، وَقد جمعتهن، وَهن خمس، فِي هَذِه الْحُجْرَة، لأقتلهن السَّاعَة، وأستريح، ثمَّ أدركتني رقة البشرية، وَالْخَوْف من الله تَعَالَى، فَأَرَدْت أَن أشاورك فِي إِمْضَاء الرَّأْي، أَو شَيْء تُشِير بِهِ عَليّ فِيهِنَّ.
فَقلت: أصلح الله الْأَمِير، إِن آبَاء هَؤُلَاءِ النِّسَاء اللواتي قَرَأت رقاع أَصْحَاب الْأَخْبَار بِمَا جرى عَلَيْهِنَّ، أخطأوا فِي تدبيرهن، لأَنهم خلفوا عَلَيْهِنَّ النعم، وَلم يحفظوهن بالأزواج، فخلون بِأَنْفُسِهِنَّ، ونعمهن، ففسدن، وَلَو كَانُوا جعلوهن فِي أَعْنَاق الْأَكفاء، مَا جرى مِنْهُنَّ هَذَا.
وَالَّذِي أرى أَن تستدعي فلَانا الْقَائِد، فَلهُ خَمْسَة بَنِينَ، كلهم جميل
(4/6)

الْوَجْه، حسن اللّبْس والنشوة، فَتزَوج كل وَاحِدَة من بناتك، وَاحِدًا مِنْهُم، فتكفى الْعَار وَالنَّار، وَتَكون قد أخذت بِأَمْر الله عز وَجل، والحزم، ويراك الله تَعَالَى قد أردْت طَاعَته فِي حفظهن، فيحفظك فِيهِنَّ.
فَقَالَ: امْضِ السَّاعَة إِلَيْهِ، فقرر مَعَه مَا يكون لنا فِيهِ الْمصلحَة، وافرغ لي مَعَه من هَذَا الْأَمر.
قَالَ: فمضيت إِلَى الرجل، وقررت الْأَمر مَعَه، وَأخذت الفتيان، وأباهم، وَجئْت إِلَى دَار إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وعقدت النِّكَاح لَهُم، على بَنَات إِسْحَاق، فِي خطْبَة وَاحِدَة، وَجعل إِسْحَاق بَين يَدي كل وَاحِد مِنْهُم، خَمْسَة آلَاف دِينَار عينا، وشيئًا كثيرا من الطّيب، وَالثيَاب، وَحمل كلا مِنْهُم على فرس بمركب ذهب، وَأَعْطَانِي كل وَاحِد من الْأزْوَاج مَالا مِمَّا دفع إِلَيْهِ، وَأمر لي إِسْحَاق بِخمْس مائَة دِينَار، وخلعة، وَطيب.
وأنفذ إِلَيّ أُمَّهَات الْبَنَات هَدَايَا وأموالًا جليلة، وشكرنني على تَخْلِيص بناتهن من الْقَتْل، وانقلبت تِلْكَ الْغُمَّة فَرحا.
فعدت إِلَى دَاري، وَمَعِي مَا قِيمَته ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَأكْثر.
(4/7)

مَا خَابَ من اسْتَشَارَ
وَحكى مُحَمَّد بن عَبدُوس الجهشياري، فِي كتاب الوزراء: أَن الْمَنْصُور لما حج، بعد تَقْلِيد الْمهْدي الْعَهْد، وتقديمه فِيهِ على عِيسَى بن مُوسَى، دفع عَمه عبد الله بن عَليّ، إِلَى عِيسَى بن مُوسَى، ليعتقله، وَأمره سرا بقتْله، وَكَانَ يُونُس بن أبي فَرْوَة يكْتب لعيسى بن مُوسَى.
فعزم عِيسَى على قتل عبد الله بن عَليّ، ثمَّ تعقب الرَّأْي، فَدَعَا بِيُونُس، فخبره بالْخبر، وشاوره.
فَقَالَ لَهُ يُونُس: نشدتك الله أَن لَا تفعل، فَإِنَّهُ يُرِيد أَن يقْتله بك، ويقتلك بِهِ، لِأَنَّهُ أَمرك بقتْله سرا، ويجحدك ذَلِك فِي الْعَلَانِيَة، وَلَكِن استره حَيْثُ لَا يطلع عَلَيْهِ أحد، فَإِن طلبه مِنْك عَلَانيَة، دَفعته إِلَيْهِ، وَإِيَّاك أَن ترده إِلَيْهِ سرا أبدا، بعد أَن قد ظهر حُصُوله فِي يدك عَلَانيَة، فَفعل عِيسَى ذَلِك وَانْصَرف الْمَنْصُور من حجه، وَعِنْده أَن عِيسَى قد قتل عبد الله، فَدس إِلَى عمومته، من يُشِير عَلَيْهِم بمسألته فِي أخيهم عبد الله، فجاءوه يسألونه ذَلِك، فَدَعَا بِعِيسَى بن مُوسَى، وَسَأَلَهُ عَنهُ بحضرتهم.
فَدَنَا مِنْهُ عِيسَى بن مُوسَى، وَقَالَ لَهُ، فِيمَا بَينه وَبَينه: ألم تَأْمُرنِي بقتْله؟
(4/8)

قَالَ: معَاذ الله، مَا أَمرتك بذلك، كذبت.
ثمَّ أقبل على عمومته، فَقَالَ: هَذَا قد أقرّ بقتل عبد الله، وَادّعى عَليّ أَنِّي أَمرته بذلك، وَقد كذب، فشأنكم بِهِ.
قَالَ: فَوَثَبُوا عَلَيْهِ ليقتلوه، فَلَمَّا رأى صُورَة أمره، صدق أَبَا جَعْفَر، وأحضر عبد الله، فسلمه إِلَيْهِ بِمحضر من الْجَمَاعَة.
فَكَانَ عِيسَى يشْكر ليونس بن أبي فَرْوَة ذَلِك، مُدَّة عمره.
(4/9)

مَنْصُور بن زِيَاد يجْحَد نعْمَة يحيى الْبَرْمَكِي
وَذكر فِي هَذَا الْكتاب: دَعَا الرشيد صَالحا صَاحب الْمصلى، حِين تنكر للبرامكة، فَقَالَ لَهُ: اخْرُج إِلَى مَنْصُور بن زِيَاد، فَقل لَهُ: قد صحت عَلَيْك عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم، فاحملها إِلَيْنَا فِي هَذَا الْيَوْم، وَانْطَلق مَعَه، فَإِذا دَفعهَا إِلَيْك كَامِلَة قبل مغيب الشَّمْس، وَإِلَّا فاحمل رَأسه إِلَيّ، وَإِيَّاك ومراجعتي فِي شَيْء من أمره.
قَالَ صَالح: فَخرجت إِلَى مَنْصُور بن زِيَاد، وعرفته الْخَبَر.
فَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، ذهبت، وَالله، نَفسِي، ثمَّ حلف أَنه لَا يعرف مَوضِع ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم، فَكيف عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم.
فَقَالَ لَهُ صَالح: فَخذ فِي عَمَلك.
فَقَالَ لَهُ: امْضِ بِي إِلَى منزلي، حَتَّى أوصِي، فَمضى مَعَه، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دخل منزله، حَتَّى ارْتَفع الصياح من مَنَازِله وَحجر نِسَائِهِ، فأوصى، وَخرج وَمَا فِيهِ دم.
فَقَالَ لصالح: امْضِ بِنَا إِلَى أبي عَليّ يحيى بن خَالِد، لَعَلَّ الله أَن يأتينا بفرج من عِنْده، فَمضى مَعَه إِلَى يحيى وَهُوَ يبكي.
فَقَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَك؟ فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، فقلق يحيى لأَمره، وأطرق مفكرًا، ثمَّ دَعَا بخازنه،
(4/10)

فَقَالَ لَهُ: كم عنْدك من المَال؟ قَالَ: خَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم.
فَقَالَ لَهُ: أحضرنيها، فأحضرها.
ثمَّ وَجه إِلَى الْفضل ابْنه، يَقُول لَهُ: إِنَّك أعلمتني، فدَاك أَبوك، أَن عنْدك ألفي ألف دِرْهَم، تُرِيدُ أَن تشتري بهَا ضَيْعَة، وَقد وجدت لَك ضَيْعَة يبْقى لَك ذكرهَا، وتحمد ثَمَرَتهَا، فَوجه إِلَيّ بِالْمَالِ، فَوجه بِهِ.
ثمَّ قَالَ للرسول: امْضِ إِلَى جَعْفَر، وَقل لَهُ: ابْعَثْ، فدَاك أَبوك، إِلَيّ ألف ألف دِرْهَم، لحق لزمني، فَوجه بهَا.
ثمَّ قَالَ لصالح: هَذِه ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم، ثمَّ أطرق إطراقةً، لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده شَيْء.
ثمَّ رفع رَأسه إِلَى خَادِم لَهُ، فَقَالَ: امْضِ إِلَى دَنَانِير، فَقل لَهَا: وَجْهي إِلَيّ بِالْعقدِ الَّذِي كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وهبه لَك.
قَالَ: فجَاء بِهِ فَإِذا بِعقد فِي عظم الذِّرَاع، فَقَالَ لصالح: اشْتريت هَذَا لأمير الْمُؤمنِينَ بِمِائَة وَعشْرين ألف دِينَار، فوهبه لدنانير، وَقد حسبته بألفي ألف دِرْهَم، وَهَذَا تَمام حَقك، فَانْصَرف، وخل عَن صاحبنا، فَلَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ.
قَالَ صَالح: فَأخذت ذَلِك، ورددت منصورًا معي، فَلَمَّا صرت بِالْبَابِ، أنشأ مَنْصُور يَقُول متمثلًا:
وَمَا بقيا عليّ تركتماني ... وَلَكِن خفتما صَرَدَ النبال
فَقَالَ صَالح: مَا على وَجه الأَرْض أنبل من هَذَا الَّذِي خرجنَا من عِنْده،
(4/11)

وَلَا سَمِعت بِمثلِهِ فِيمَا مضى من الدَّهْر، وَلَا على وَجه الأَرْض أَخبث سريرة، وَلَا أكفر لنعمة، وَلَا أدنأ طبعا من هَذَا الَّذِي لَا يشْكر من أعطَاهُ، وَوزن عَنهُ هَذَا المَال الْعَظِيم.
قَالَ: وصرت إِلَى الرشيد، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وطويت عَنهُ مَا تمثل بِهِ مَنْصُور، خوفًا أَن يقْتله إِذا سمع ذَلِك.
فَقَالَ الرشيد: قد علمت أَنه إِن نجا فَإِنَّمَا ينجو بِأَهْل هَذَا الْبَيْت، أطلق الرجل، واقبض المَال، واردد العقد، فَإِنِّي لم أكن أهب هبة، وَترجع إِلَى مَالِي.
قَالَ صَالح: فَلم أطب نفسا إِلَّا بتعريف يحيى مَا قَالَه مَنْصُور، فَرَجَعت إِلَيْهِ وأطنبت فِي شكره، وَوصف مَا كَانَ مِنْهُ.
وَقلت لَهُ: وَلَكِنَّك أَنْعَمت على غير شَاكر قَابل أكْرم فعل، بألأم قَول.
قَالَ: فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ، فَجعل، وَالله، يطْلب لَهُ المعاذير، وَيَقُول: يَا أَبَا عَليّ إِن المنخوب الْقلب، رُبمَا سبقه لِسَانه، بِمَا لَيْسَ فِي ضَمِيره.
وَقد كَانَ الرجل فِي حَال عَظِيمَة.
فَقلت: وَالله، مَا أَدْرِي من أَي أمريك أعجب، من أَوله، أَو من آخِره، ولكنني أعلم أَن الدَّهْر لَا يخلف مثلك أبدا.
(4/12)

درس فِي الْمُرُوءَة وَالْكَرم
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه (الوزراء) : حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن الْوَلِيد، قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن عِيسَى القمي، وَكَانَ ضَامِنا لأعمال الْخراج والضياع بِبَلَدِهِ، فَبَقيت عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار.
وألح الْمَأْمُون فِي مُطَالبَته، حَتَّى قَالَ لعَلي بن صَالح، حَاجِبه: طَالبه بِالْمَالِ، وأنظره ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن أحضر المَال قبل انْقِضَائِهَا، وَإِلَّا فَاضْرِبْهُ بالسياط، حَتَّى يُؤَدِّيهَا أَو يتْلف.
وَكَانَت بَين عَليّ بن عِيسَى وغسان بن عباد عَدَاوَة، فَانْصَرف عَليّ بن عِيسَى من دَار الْمَأْمُون آيسًا من نَفسه، لَا يقدر على شَيْء من المَال.
فَقَالَ لَهُ كَاتبه: لَو عرجت على غَسَّان، وأخبرته بخبرك، لرجوت أَن
(4/13)

يعينك على أَمرك.
فَقَالَ: على مَا بيني وَبَينه؟ قَالَ: نعم، فَإِن الرجل أريحي كريم.
قَالَ: فَحَملته حَاله على قبُول ذَلِك، فَدخل إِلَى غَسَّان، فَقَامَ إِلَيْهِ، وتلقاه بجميل، ووفاه حَقه.
فَقَالَ لَهُ: إِن الْحَال الَّذِي بيني وَبَيْنك، لَا يُوجب مَا أبديته من تكرمتي.
فَقَالَ: ذَاك حَيْثُ تقع المنافسة عَلَيْهِ والمضايقة فِيهِ، وَالَّذِي بيني وَبَيْنك بِحَالهِ، ولدخول دَاري حُرْمَة توجب لَك عَليّ بُلُوغ مَا ترجوه، فَإِن كَانَت لَك حَاجَة فاذكرها، فَقص كَاتبه عَلَيْهِ قصَّته.
فَقَالَ غَسَّان: أَرْجُو أَن يَكْفِيهِ الله تَعَالَى وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا.
فَمضى عَليّ بن عِيسَى، آيسًا من نَفسه، كاسف البال، نَادِما على قَصده، وَقَالَ لكَاتبه لما انْصَرف: مَا أفدتني بِقصد غَسَّان إِلَّا تعجل المهانة والذل.
وتشاغل فِي طَرِيقه بلقاء بعض إخوانه، وَعَاد إِلَى دَاره، فَوجدَ على بَابه بغالًا عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ ألف دِينَار، مَعَ رَسُول غَسَّان بن عباد، فأبلغه سَلَامه، وعرفه غمه بِمَا دفع إِلَيْهِ، وَسلم إِلَيْهِ المَال، وَتقدم إِلَيْهِ بِحُضُور دَار الْمَأْمُون من غَد ذَلِك الْيَوْم.
فبكر عَليّ بن عِيسَى، فَوجدَ غَسَّان بن عباد قد سبقه إِلَيْهَا، فَلَمَّا وصل النَّاس إِلَى الْمَأْمُون، مثل غَسَّان بن عباد بَين الصفين، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن لعَلي بن عِيسَى حُرْمَة وخدمة، وسالف أصل، ولأمير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ سالف إِحْسَان، وَقد لحقه من الخسران فِي ضَمَانه مَا قد تعارفه النَّاس، وَقد جرى عَلَيْهِ من جدة الْمُطَالبَة، وشدتها، والوعيد بِضَرْب السِّيَاط إِلَى أَن يتْلف، مَا حيره، وقطعه
(4/14)

عَن الاحتيال فِيمَا عَلَيْهِ من المَال، فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن يجريني على حسن عَادَته فِي كرمه، ويشفعني فِي بعض مَا عَلَيْهِ، ويضعه عَنهُ، فعل.
قَالَ: فَلم يزل بِهِ بِهَذَا وَنَحْوه، حَتَّى حطه النّصْف، وَاقْتصر مِنْهُ على عشْرين ألف دِينَار.
قَالَ غَسَّان: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجدد عَلَيْهِ الضَّمَان، ويشرفه بخلع.
فَأَجَابَهُ الْمَأْمُون إِلَى ذَلِك.
قَالَ: فَيَأْذَن أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن أحمل الدواة إِلَيْهِ، ليوقع بذلك، وَيبقى شرف حملهَا عَليّ وعَلى عَقبي.
قَالَ: افْعَل.
فَفعل، وَخرج عَليّ بن عِيسَى، والتوقيع مَعَه بذلك، وَعَلِيهِ الْخلْع.
فَلَمَّا وصل إِلَى منزله، رد الْعشْرين ألف دِينَار، إِلَى غَسَّان، وشكره.
فَردهَا غَسَّان، وَقَالَ: إِنِّي لم أستحطها لنَفْسي، وَإِنَّمَا أَحْبَبْت توفيرها عَلَيْك، واستحططتها لَك، وَلَيْسَ، وَالله، يعود شَيْء من المَال إِلَى ملكي أبدا.
وَعرف عَليّ بن عِيسَى، مَا فعله مَعَه غَسَّان، فَلم يزل يَخْدمه إِلَى آخر الْعُمر.
(4/15)

الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة
وجدت فِي بعض كتبي بِغَيْر إِسْنَاد.
حضر الشّعبِيّ، عِنْد مُصعب بن الزبير، وَهُوَ أَمِير الْكُوفَة، وَقد أُتِي بِقوم، فَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم، فَأخذُوا ليقتلوا.
فَقَالَ لَهُ الشّعبِيّ: أَيهَا الْأَمِير، إِن أول من اتخذ السجْن كَانَ حكيمًا، وَأَنت على الْعقُوبَة، أقدر مِنْك على نَزعهَا.
فَأمر مُصعب بِحَبْس الْقَوْم، ثمَّ نظر فِي أَمرهم بعدن فَوَجَدَهُمْ برَاء، فَأَطْلَقَهُمْ.
(4/16)

مَا صحب السُّلْطَان أَخبث من عمر بن فرج الرخجي
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء، حُكيَ عَن أبي عبد الله أَحْمد ابْن أبي داؤد، أَنه قَالَ: مَا صحب السُّلْطَان أرجل، وَلَا أَخبث من عمر بن فرج الرخجي، غضب عَلَيْهِ المعتصم يَوْمًا وهم بقتْله، وَأمر بإحضاره، فَجَاءُوا بِهِ وَقد نزف دَمه.
فَقَالَ المعتصم: السَّيْف، يَا غُلَام، فَجعلت ركبتا عمر تصطكان.
فَقلت: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يسْأَله عَن ذَنبه، فَلَعَلَّهُ أَن يخرج مِنْهُ بِعُذْر.
فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن الفاعلة، أَمرتك فِي ولد أبي طَالب أَن تتعرف خبر مَنَازِلهمْ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَلم فعلت ذَلِك؟ قَالَ عمر: إِنَّمَا فعلت ذَلِك لِأَنَّهُ بَلغنِي عَن وَاحِد مِنْهُم أَن أهل قُم يكاتبونه،
(4/17)

فَأَرَدْت أَن أعلم مَا فِي الْكتب الْوَارِدَة عَلَيْهِ.
وَجعل عمر فِي خلال ذَلِك يلمس الْبسَاط الَّذِي كَانَ تَحت المعتصم، فَزَاد ذَلِك فِي غَضَبه.
وَقَالَ: يَا ابْن الفاعلة، مَا شغلك مَا أَنْت فِيهِ عَن لمس الْبسَاط، كَأَنَّك غير مكترث بِمَا أريده بك؟ فَقَالَ: لَا وَالله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن العَبْد يعْنى من أَمر سَيّده، بِكُل شَيْء، على جَمِيع الْأَحْوَال، فَإِنِّي استخشنت هَذَا الْبسَاط، وَلَيْسَ هُوَ من بسط الْخلَافَة.
فَقَالَ لَهُ: وَيلك، هَذَا الْبسَاط ذكر مُحَمَّد بن عبد الْملك أَنه قَامَ علينا بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.
فَقَالَ: يَا سَيِّدي عِنْدِي خير مِنْهُ قِيمَته سبع مائَة دِينَار.
قَالَ: فَذهب عَن المعتصم، وَالله، ذَلِك الْفَوْر الَّذِي كَانَ بِهِ، وَسكن غَضَبه.
قَالَ: وَجه السَّاعَة من يحضرهُ.
فجَاء ببساط قد قَامَ عَلَيْهِ، فِيمَا أَظن، بِأَكْثَرَ من خَمْسَة آلَاف دِينَار، وَاسْتَحْسنهُ المعتصم، واستلانه.
وَقَالَ: هَذَا، وَالله، أحسن من بساطنا، وأرخص، وَقد أخذناه مِنْك بِمَا قَامَ عَلَيْك.
وَوَاللَّه مَا برح ذَلِك الْيَوْم، حَتَّى نادمه، وخلع عَلَيْهِ.
(4/18)

مُصعب بن الزبير يعْفُو عَن أحد أسراه ويجعله من ندمائه
وقرأت فِي بعض الْكتب: أَن مُصعب بن الزبير، أَخذ رجلا من أَصْحَاب الْمُخْتَار بن أبي عبيد، فَأمر يضْرب عُنُقه.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، مَا أقبح بك أَن أقوم يَوْم الْقِيَامَة إِلَى صُورَتك هَذِه الْحَسَنَة، ووجهك هَذَا الْجَمِيل الَّذِي يستضاء بِهِ، فأتعلق بك، ثمَّ أَقُول: يَا رب، سل مصعبًا فيمَ قتلني؟ فَقَالَ لَهُ مُصعب: قد عَفَوْت عَنْك.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير اجْعَل مَا وهبت لي من حَياتِي فِي خفض عَيْش، فَإِنَّهُ لَا عَيْش لفقير.
فَقَالَ: ردوا عَلَيْهِ عطاءه، وَأَعْطوهُ مائَة ألف دِرْهَم.
(4/20)

قَالَ: أشهد الله، أَنِّي قد جعلت نصفهَا لِابْنِ قيس الرقيات.
قَالَ: لم؟ قَالَ لقَوْله:
إنّما مُصعب شهَاب من الله ... تجلّت عَن وَجهه الظلماء
ملكه ملك رَحْمَة لَيْسَ فِيهِ ... جبروت مِنْهُ وَلَا كبرياء
يتّقي الله فِي الْأُمُور وَقد أَفْلح ... من كَانَ همّه الاتّقاء
فَضَحِك مُصعب، وَقَالَ: أرى فِيك للصنيعة موضعا، وَجعله من ندمائه، وَأحسن صلته.
(4/21)

عمَارَة بن حَمْزَة فِي كرمه وكبريائه
وَحكي أَنه قيل للفضل بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، قد أفسدت جودك بكبرك، فَقَالَ: وَالله مَا لي حِيلَة فِي النُّزُوع عَنهُ، وَمَا كَانَ سَبَب حُصُوله فِي إِلَّا أنني حملت نَفسِي عَلَيْهِ، لما رَأَيْت من عمَارَة بن حَمْزَة، فتشبهت بِهِ، فَصَارَ طبعا، وَلَا أقدر على الإقلاع عَنهُ.
وَذَلِكَ إِن أبي كَانَ يضمن فَارس من الْمهْدي، فَحلت عَلَيْهِ ألف ألف دِرْهَم.
وَكَانَ الْمهْدي قد سَاءَ رَأْيه فِيهِ، فحرك ذَلِك مَا كَانَ فِي نَفسه، وَأمر أَبَا عون عبد الْملك بن يزِيد، أَن يَأْخُذ أبي، فيطالبه بِالْمَالِ، فَإِن غربت الشَّمْس فِي يَوْمه ذَاك، وَلم يصحح جَمِيعه، أَو بَقِي دِرْهَم مِنْهُ، أَتَاهُ بِرَأْسِهِ من غير أَن يَسْتَأْذِنهُ أَو يُرَاجِعهُ.
قَالَ: فَأَخذه أَبُو عون، فاستدعاني، وَقَالَ: يَا بني، قد ترى مَا نَحن فِيهِ، فَلَا تدعوا فِي مَنَازِلكُمْ شَيْئا إِلَّا أحضرتموه.
(4/22)

قَالَ: فجمعنا كل مَا فِي مَنَازلنَا، من صَامت وَغَيره، فَلم يبلغ عشر المَال.
فَقَالَ: يَا بني، إِن كَانَت لنا حِيلَة فِي الْحَيَاة، فَمن قبل عمَارَة بن حَمْزَة، وَإِلَّا فَأَنا مقتول العشية، فألقه، وأذكر لَهُ الصُّورَة.
فمضيت إِلَى بَابه، فاستؤذن لي عَلَيْهِ.
فَدخلت، وَهُوَ مُضْطَجع قد غاص فِي فرش لَهُ، مَا يكَاد يبين إِلَّا وَجهه، فوَاللَّه مَا تحرّك، وسلمت، فَأَوْمأ إِلَيّ بِالْجُلُوسِ، فَجَلَست بَعيدا مِنْهُ، فَلم يعرني الطّرف.
فَانْكَسَرت نَفسِي، وَقلت: أَي خير عِنْد من هَذَا لقاؤه، وَهَذَا عنون أمره، فَأَمْسَكت لَا أَتكَلّم، مفكرًا فِي الْكَلَام، أَو الْقيام، فَقَالَ: اذكر حَاجَة إِن كنت أتيت لَهَا.
فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، فوَاللَّه مَا أجابني بِحرف، أَكثر من قَوْله: امْضِ، فَإِن الله يَكْفِيك.
فَقُمْت متحيرًا، أجر رجْلي، لَا أَشك فِي أَنه قد آيسني، وَقلت: إِن عدت إِلَى أبي بِهَذَا الْجَواب مَاتَ غمًا قبل ضرب الْعُنُق.
فتوقفت سَاعَة، لَا أَدْرِي مَا أصنع، ثمَّ قلت: على كل حَال، أمضي إِلَيْهِ فأونسه، فَإِن كَانَت لَهُ حِيلَة أُخْرَى شرعنا فِيهَا قبل انصرام النَّهَار.
فَجئْت، فَوجدت على الْبَاب بغالًا كَثِيرَة محملة.
فَقلت لمن مَعهَا: من أَنْتُم؟ قَالُوا: أنفذنا عمَارَة إِلَيْكُم بِمَال على هَذِه البغال.
فَدخلت، فَعرفت أبي بِمَا جرى لي، وأخذنا المَال فصححناه، وَمَا صليت الْعَصْر حَتَّى عرف الْمهْدي الصُّورَة، وَأَفْرج عَن أبي وَكَانَ ذَلِك سَبَب رِضَاهُ عَنهُ، وَصَلَاح نِيَّته لَهُ.
فَلَمَّا كَانَ بعد شَهْرَيْن، ورد لنا من فَارس مَال عَظِيم كثير، فَقَالَ لي أبي:
(4/23)

خُذ هَذَا المَال، وامض بِهِ إِلَى عمَارَة، واشكره، ورده عَلَيْهِ.
فَحملت المَال على بغال، ومضيت بِهِ إِلَى بَابه.
فوقفت، حَتَّى استؤذن لي، فَدخلت، وَهُوَ على فرشه، فَمَا زادني على مَا عاملني بِهِ أَولا، وَلَا نقصني.
فشكرته عَن أبي، ودعوت لَهُ، وعرفته إحضاري المَال، وَسَأَلته الْأَمر بِقَبْضِهِ.
فَقَالَ لي: أَكنت قسطارًا لأَبِيك، أقْرضهُ، وأرتجع مِنْهُ؟ فَقلت: لَا، وَلَكِن أحييته، وحقنت دَمه، ومننت عَلَيْهِ، وَمَا أحب أَن يتغنمك، فَلَمَّا حصل لَهُ المَال، أنفذه.
فَقَالَ: أما إِذْ رده أَبوك، فقد وهبته لَك، خُذْهُ وَانْصَرف.
فَقُمْت، وَقد أَعْطَانِي مَا لم يُعْط أحد أحدا.
فَجئْت إِلَى أبي فعرفته مَا جرى، فَقَالَ: لَا وَالله، يَا بني، مَا تطيب لَك بِهِ نَفسِي كُله وَلَكِن خُذ مِنْهُ مِائَتي ألف دِرْهَم، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِي أول مَال جَاءَنِي كثيرا مجتمعًا، وَهِي أصل نعمتي.
فتعلمت من عمَارَة الْجُود وَالْكبر مَعًا، فصارا لي طبعا.
(4/24)

الهائم الراوية يقتل أسودًا مصابًا بداء الْكَلْب
وحَدثني الهائم الراوية، قَالَ: كنت أَسِير من الشَّام، أُرِيد الْعرَاق، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى قَرْيَة فِي بعض الطَّرِيق، لَقِيَنِي خراساني مَعَه مخلاة.
فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُ؟ فَقلت: بَغْدَاد.
فَقَالَ: أَنا رفيقك، فاصطحبنا وسرنا إِلَى قَرْيَة خراب على شاطئ الْفُرَات فِي بَريَّة الشَّام.
فَرَأَيْنَا على بَاب الْقرْيَة رجلا أسود، مُنكر الْخلقَة، عُريَانا، لَا يواريه شَيْء أَلْبَتَّة، فَعدا مجفلًا عَنَّا.
فَدَخَلْنَا الْقرْيَة، وَجَلَسْنَا فِي دَار خراب على شاطئ الْفُرَات، وأخرجنا زادًا كَانَ مَعنا، وأقبلنا نَأْكُل.
فَرَأَيْنَا الْحِجَارَة تجيئنا متداركة، حَتَّى خفنا أَن نهلك بهَا، وَمَا تمالكنا أَن نقوم إِلَّا بِجهْد.
(4/25)

وتأملنا أمرنَا، فَرَأَيْنَا الْأسود يرجمنا، فطلبناه، وطلبنا.
فَلَمَّا تداخلنا، رام الْأسود أَن يقبض عَليّ، فزغت مِنْهُ، فَقبض على الْخُرَاسَانِي، وَكَانَ الْخُرَاسَانِي أيدًا، فَمَا زَالا يتعاركان سَاعَة طَوِيلَة، ثمَّ انكب الْأسود على كتف الْخُرَاسَانِي فعضه.
فصاح الْخُرَاسَانِي: يَا بغدادي أدركني، فقد قتلني.
فدنوت من خلف الْأسود فقبضت على خصيتيه، ولكمتها لكمات شَدِيدَة فَخر مغشيًا عَلَيْهِ، وَقَامَ الْخُرَاسَانِي، فَجَلَسَ على صَدره، وخنقه بِيَدِهِ حَتَّى تلف.
وسرنا، والخراساني يَصِيح من ألم العضة، حَتَّى انتهينا إِلَى حِيَال قَرْيَة عامرة.
فصحنا بملاح، فَقدم زورقه لنعبر إِلَى الْقرْيَة، فَطرح الْخُرَاسَانِي نَفسه على الشط كالتالف.
فشجعته، وَقلت لَهُ: مَالك؟ وَأي شَيْء قدر عضة؟ فَقَالَ: وَيحك انْظُر إِلَيْهَا، فَنَظَرت إِلَيْهَا، فَإِذا هِيَ قد أخذت كتفه كلهَا، واسودت، واحمر بدنه كُله.
فَحَملته أَنا والملاح، حَتَّى حصلناه فِي الزورق، وعبرنا، فَلَمَّا صرنا بِقرب الشط، تلف، فأخرجناه مَيتا.
فَاجْتمع أهل الْقرْيَة وسألوا عَن شَأْنه، فحدثتهم الحَدِيث.
(4/26)

فَقَالُوا: قد فتحتم فتحا، وَقد سلمك الله أَنْت، وأراحنا من ذَلِك العَبْد هَذَا عبد آل فلَان، أَصَابَهُ دَاء الْكَلْب وتغرب فِي تِلْكَ الخرابات، وَقد قتل خلقا بالعض.
قَالَ: وتبادر قوم مِنْهُم يُرِيدُونَ الْموضع للأسود، وسرت أَنا فِي طريقي، وحمدت الله تَعَالَى على سلامتي من الْأسود.
(4/27)

أَبُو جَعْفَر بن شيرزاد
كَانَ لداره أَرْبَعَة عشر بَابا حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن شيرزاد، قَالَ: حَدثنِي خَالِي، وَابْن عَم أبي، أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن يحيى بن شيرزاد، قَالَ: لما سعي عَليّ عِنْد بجكم، حَتَّى صرفني عَن كتبته، ونكبني، وألزمني
(4/28)

بِمِائَتي ألف دِينَار، فأديت أَكْثَرهَا من غير أَن أبيع شَيْئا من أملاكي الظَّاهِرَة.
فَلَمَّا قاربت وفاءها، استحضرني أَحْمد بن عَليّ الْكُوفِي كَاتبه وَكَانَت لَهُ مُرُوءَة، وَأخذ يخاطبني بِكَلَام طَوِيل، هُوَ تقدمة واعتذار لشَيْء يُرِيد أَن يخاطبني بِهِ.
فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي مَا تُرِيدُ؟ وَمَا بك حَاجَة إِلَى التَّسَبُّب، فَإِنِّي بمودتك واثق.
فَقَالَ: إِن هَذَا الرجل، يَعْنِي بجكم، قد رَجَعَ عَلَيْك فِي صلحك، وطمع فِيك، وطالبني أَن آخذ مِنْك مِائَتي ألف دِينَار أُخْرَى، وَوَاللَّه، مَا هَذَا عَن رَأْيِي، وَلَا لي فِيهِ مدْخل، وَلَا هُوَ من فعلي وَلَو قدرت على إِزَالَته عَنْك لفَعَلت.
قَالَ: فَأخذت أَحْلف لَهُ أَنِّي لَا أهتدي إِلَيْهَا، وَلَا إِلَى عشرهَا، وَأَن النكبة قد استنفدت مَالِي، وَلم يبْق لي شَيْء، إِلَّا دَاري، وضيعتي، وَأَنا أسميهما، وَلَا أكتم شَيْئا مِنْهُمَا، وَأخرج لَهُ عَنْهُمَا، ليهب لي روحي.
قَالَ: فطال الْخطاب بَيْننَا، فَلَمَّا قَامَ فِي نَفسه صدقي، فكر طَويلا.
ثمَّ قَالَ: يَا سَيِّدي، هَذَا رجل أعجمي، وَعِنْده أَن وَرَاءَك أَضْعَاف هَذَا المَال، وَأَن فِيك من الْفضل مَا يصلح لقلب دولته عَلَيْهِ، وَأَنت، وَالله، مَعَه فِي طَرِيق الْقَتْل، إِلَّا أَن يَكْفِيك الله عز وَجل، وَوَاللَّه، مَا أحب أَن يجْرِي مثل هَذَا
(4/29)

على يَدي، وَلَا فِي أيامي، فيلزمني عاره إِلَى الْأَبَد، وأجسره على قتل كِتَابه، فدبر خلاصك.
فتحيرت، ثمَّ سكنت، وَقلت لَهُ: تُعْطِينِي مِيثَاقك، وتحلف لي أَن سرك فِي محبَّة خلاصي كعلانيتك، حَتَّى أَقُول لَك مَا عِنْدِي؟ فَفعل.
فَحَلَفت لَهُ أَنِّي قد صدقته، وأنني لَا أمتنع مِمَّا يجريه عَليّ من بعد هَذَا الْيَمين، وَلَو شَاءَ مني أَن أفتح دواتي، وأكتب بَين يَدَيْهِ.
وَقلت لَهُ: أَنْت وقتك مقبل، ووقتي مُدبر، وَأَنت فارغ الْقلب، وَأَنا ذاهل بالمحنة، فدبر أَمْرِي الْآن كَيفَ شِئْت، فَإِنَّهُ ينفتح لَك بِهَاتَيْنِ الخلتين، مَا قد استبهم عَليّ.
قَالَ: ففكر، ثمَّ قَالَ: أَنا إِن آيست هَذَا الرجل من مَالك، لم آمنهُ على دمك، وَإِن أطمعته فِي مَالك، وَلَيْسَ لَك مَا تعلله بِهِ، أدَّت بك الْمُطَالبَة إِلَى التّلف، وَلَكِن الصَّوَاب عِنْدِي أَن أطمعه فِي ضيعتك، وأصف لَهُ جلالتها فأشتريها لَهُ مِنْك، وَأَقُول لَهُ: إِن ضيَاع السوَاد الخراجية، قد أجمع شُيُوخ الْكتاب بالحضرة، قَدِيما وحديثًا، على أَن كل مَا كَانَ مِنْهُ غَلَّته دِرْهَم، فَقيمته أَرْبَعَة دَرَاهِم، وَأَبُو جَعْفَر يَقُول: إِن غلَّة الضَّيْعَة، بعد الْخراج، خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار، وَإنَّهُ يضمنهَا بذلك، حَاصِلا، خَالِصا، بعد الْخراج والمؤن، وَيُقِيم بذلك كفلاء، فاشترها مِنْهُ بِمِائَتي ألف دِينَار كملًا، وَيحصل لعقبك ملك جليل، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُؤَدِّي بَاقِي المصادرة الأولى، وَتصير ضَامِنا للضيعة، فأدفعها إِلَيْك، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَأَنا أحتال بحيلة فِي أَن
(4/30)

يكون الْكتاب عِنْدِي، فَلَا أسلمه إِلَيْهِ، فَلَعَلَّ حَادِثَة تحدث، وَترجع إِلَيْك ضيعتك، وَتَكون بالعاجل قد تخلصت، وَسلم دمك أَربع سِنِين.
قَالَ: فَعلمت أَنه قد نصحني، وآثر خلاصي، وأجبت.
فَدخل إِلَى بجكم، وَلم يزل مَعَه فِي محادثات، إِلَى أَن تقرر الْأَمر على مَا قاولني عَلَيْهِ، وأحضر الشُّهُود، وَكتب عَليّ الْكتاب بالابتياع، وَالْكتاب بِالْإِجَارَة.
وَقَالَ لي: ألوجه أَن تقيم كفلاء بِبَقِيَّة المصادرة الأولى، فقد استأذنته فِي صرفك إِلَى مَنْزِلك، وَإِذا انصرفت، فانضم، وَلَا يراك أحد، وَكن متحذرًا، وَلَا تظهر أَنَّك مستتر، فتغريه بك.
قَالَ: فشكرته، وأقمت الكفلاء بِالْمَالِ، إِلَى أَيَّام مَعْلُومَة، فصرفني.
فعدت إِلَى دَاري، وَكنت متحذرًا، أَجْلِس فِي كل يَوْم، فَيدْخل إِلَيّ بعض النَّاس، بِمِقْدَار مَا يعلم أَنِّي بداري، فَإِذا كَانَ نصف النَّهَار، خرجت إِلَى منَازِل إخْوَانِي، وأقمت يَوْمًا عِنْد هَذَا، وَيَوْما عِنْد الآخر، وراعيت أَخْبَار دَاري، أتوقع أَن يجيئها من يكبسها، فَأَكُون بِحَيْثُ لَا يعرف خبري، فأنجو.
فطال ذَلِك، والسلامة مستمرة، وَانْحَدَرَ بجكم إِلَى وَاسِط، فأنست بِالْجُلُوسِ والاستقرار فِي دَاري.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام، ضَاقَ صَدْرِي ضيقا لَا أعرف سَببه، وَاسْتَوْحَشْت، وفكرت فِي أَمْرِي، وَقلت: إِن كبست على غَفلَة، فَمَاذَا أصنع؟ قَالَ: وَكَانَ لداري أَرْبَعَة عشر بَابا، إِلَى أَرْبَعَة عشر سكَّة، وشارعًا، وزقاقًا نَافِذا، وَمِنْهَا عدَّة أَبْوَاب لَا يعرف جِيرَانهَا أَنَّهَا تُفْضِي إِلَى دَاري، وأكثرها عَلَيْهِ الْأَبْوَاب الْحَدِيد.
(4/31)

قَالَ: فتراءى لي، أَن أرْسلت إِلَى غلماني الْمُقَاتلَة، وَكَانُوا مُتَفَرّقين عني، قد صرفتهم لِئَلَّا يصير لي حَدِيث، فجاءوني، وَاجْتمعَ مِنْهُم، وَمن أَوْلَادهم، نَحْو ثلث مائَة غُلَام.
فَقلت لَهُم: إِذا كَانَ اللَّيْلَة فاحضروا جَمِيعًا بسلاحكم، وبيتوا عِنْدِي لَيْلًا، وَأقِيمُوا نَهَارا، إِلَى أَن أدبر أَمْرِي.
قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِك، وفرقتهم فِي الْحجر المقاربة للمجلس الَّذِي كنت أَجْلِس فِيهِ، وَقلت: إِن كبست، فشاغلوا عني من يطلبني، لأنجو.
قَالَ: وَكنت أدبر كَيفَ أعمل فِي قلب الدولة، أَو استصلاح بجكم، فَلم يَقع لي الرَّأْي، وَلَا أجد إِلَى ذَلِك طَرِيقا.
وَكنت أوصيت بوابي، أَن يغلق بَابي الْمَعْلُوم للنَّاس، وَلَا يَفْتَحهُ لأحد من خلق الله، إِلَّا بأَمْري.
وأجلست غُلَاما كَانَ يحجبني فِي أَيَّام الدولة، وَمَعَهُ عشرُون غُلَاما بسلاح خلف الْبَاب، وأمرته أَن لَا يفتح لأحد.
فَمَا مضى لهَذَا إِلَّا يَوْمَانِ أَو ثَلَاثَة، حَتَّى جَاءَنِي حاجبي، وَقَالَ: قد دق الْبَاب.
فَقلت: من الطارق؟ فَقَالَ: أَنا غُلَام مُحَمَّد بن ينَال الترجمان، وَهُوَ وَأَبُو بكر النَّقِيب بِالْبَابِ، يستأذنان على سيدنَا بِالدُّخُولِ.
(4/32)

فَقلت فِي نَفسِي: بلية وَالله.
وَأمرت الغلمان، فَاجْتمعُوا بأسرهم، متسلحين، فِي بَيت لَهُ قبَّة كَبِيرَة، كنت جَالِسا فِي أحد أروقته، وأمرتهم أَن لَا ينبسوا بِكَلِمَة.
وَقلت للحاجب: اصْعَدْ إِلَى السَّطْح، فَانْظُر مَا ترى، وَأَخْبرنِي بِهِ، فَفعل.
وَعَاد، فَقَالَ: رَأَيْت الشَّارِع مملوءًا بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال، وَقد أحاطوا بِالدَّار من جنبات كَثِيرَة، وَلما رأوني أراقبهم تنحيت.
فصاح بِي الترجمان، قَائِلا: كلمني، وَمَا عَلَيْك بَأْس.
فأخرجت رَأْسِي، فَقَالَ: وَيحك، مَا جِئْنَا لمكروه، وَمَا جِئْنَا إِلَّا لبشارة، فَعرف سيدنَا بذلك.
فَقلت: لَيْسَ هُوَ فِي الدَّار، وَلَكِن أراسله، ثمَّ أخبر الْأَمِير أيده الله، فِي غَد، برَسُول إِلَى دَاره.
فَقَالَ: أَنا هَاهُنَا وَاقِف سَاعَة، إِلَى أَن يرى رَأْيه.
ففكرت، وَقلت: هَذِه حِيلَة للقبض عَليّ، لَا شكّ فِي ذَلِك.
ثمَّ رجعت، فَقلت: يجوز أَن يكون بجكم، قد تغير على الْكُوفِي، وَلَا يجد لخدمته غَيْرِي، واعترضني الطمع، وَكَاد أَن يفْسد رَأْيِي.
ثمَّ قلت للغلمان: إِن قلت لكم اخْرُجُوا، فضعوا على أبي بكر النَّقِيب، والترجمان أَيْدِيكُم، فاخرجوا وخذوا رأسيهما، وَلَا تستأذنوا الْبَتَّةَ، فَأَجَابُوا.
فَقلت: احْذَرُوا أَن تخالفوا فَأهْلك.
فَقَالُوا: نعم.
ثمَّ قلت للحاجب: اطلع السَّطْح، وَقل لَهُ: إِنِّي على حَال من اختلال الْفرش وَالْكِسْوَة، لَا أحب مَعَه دُخُول أحد إِلَيّ، فَإِن رضيت أَن تدخل أَنْت وَأَبُو بكر النَّقِيب فَقَط، وَإِلَّا فَأَنا أصلح أَمْرِي وأجيء إِلَى دَارك اللَّيْلَة.
(4/33)

قَالَ: فَعَاد الْغُلَام، وَقَالَ: كَلمته، فَقَالَ: رَضِينَا بذلك.
فَقلت: يَا فلَان، اخْرُج، وَاحْذَرْ أَن يفتح الْبَاب كُله فَتدخل الْجَمَاعَة، وَأرى أَن تَقول لَهُ، أَن يتباعد عَن الْبَاب إِلَى الشَّارِع قَلِيلا، وَينزل، ويقصده هُوَ وَأَبُو بكر النَّقِيب فَقَط، وَاجعَل فِي الدهليز نفسين يمسكان الْبَاب من نقاوة الغلمان.
فَقَالَ: نعم.
ثمَّ قُمْت بنفسي، فأغلقت بَاب حَدِيد كَانَ بَين صحن الدَّار والدهليز، وَجعلت خَلفه جمَاعَة غلْمَان بِالسِّلَاحِ.
وَقلت: قل لَهما أَن يدخلا، وَافْتَحْ من الْبَاب الَّذِي على الشَّارِع قَلِيلا فَإِن ازْدحم النَّاس، وتكاثروا، فَهِيَ حِيلَة، فَدَعْهُمْ يدْخلُونَ، وَصَحَّ: مَا هَذَا؟ فَأعْلم أَنَّهَا حِيلَة، فَأخْرج من بعض الْأَبْوَاب، أما هم فيفضون إِلَى هَذَا الْبَاب، وَهُوَ مقفل، ووراءه الغلمان.
وَإِن حضرا وحيدين، فَقل لَهما: الشَّرْط أَن أقفل الْبَاب من وَرَاء ظهريكما بَيْنكُمَا وَبَين أصحابكما، ثمَّ افْتَحْ الْبَاب الَّذِي يَلِي الشَّارِع، حَتَّى يدخلَانِ، ثمَّ اقفله، وارم مفاتيحه من تَحت الْبَاب الثَّانِي إِلَيْنَا إِلَى الصحن، ودق هَذَا الْبَاب، فَإِنِّي وَاقِف وَرَاءه، لأتقدم بفتحه، فيدخلان.
فَفعل الْحَاجِب ذَلِك، وَحصل أَبُو بكر النَّقِيب والترجمان فِي الدهليز وحيدين.
فَلَمَّا سَمِعت صَوت قفل الْبَاب الْخَارِجِي، وَأَنا عِنْد الْبَاب الداخلي، ودق الْحَاجِب الْبَاب الثَّانِي، وَرمى بالمفتاح، عدت إِلَى مجلسي، فَجَلَست فِيهِ، ونحيت من كنت أقمته وَرَاء الْبَاب الثَّانِي بِالسِّلَاحِ، وأعدت عَلَيْهِم الْوَصِيَّة بِقَتْلِهِمَا إِن صحت: يَا غلْمَان اخْرُجُوا.
(4/34)

ثمَّ تقدّمت إِلَى غُلَام لي كَانَ وَاقِفًا بِلَا سلَاح، أَن يفتح الْبَاب، ويدخلهما، فَفعل ذَلِك.
وألقيت نَفسِي على الْفراش كَأَنِّي عليل، ودخلا، فَلم أوفهما الْحق، وأخفيت كَلَامي، كَمَا يفعل العليل.
فَقَالَا: أيش خبرك؟ فَقلت: أَنا مُنْذُ أَيَّام عليل، وارتعت بحضوركما.
فَأخذ الترجمان يحلف أَنه مَا حضر إِلَّا ليردني إِلَى منزلتي، واستكتابي لبجكم، فشكرته على ذَلِك.
وَقلت: أَنا تائب من التَّصَرُّف، وَلَا أصلح لَهُ.
فَقَالَ: قد أَمرنِي الْأَمِير بمخاطبتك فِي الْخُرُوج إِلَيْهِ، إِلَى وَاسِط، لتقرير هَذَا الْأَمر، وَلَا يجوز أَن أكتب إِلَيْهِ بِمثل هَذَا عَنْك، وَلَكِن إِذا كنت زاهدًا فِي الْحَقِيقَة، فَاخْرُج إِلَيْهِ، وأحدث بخدمته عهدا، واستعفه، فَإِنَّهُ لَا يجبرك.
فَقلت: هَل كاتبني بِشَيْء توصله إِلَيّ.
فَقَالَ: لَا، وَلكنه اقْتصر على مَا كتب بِهِ إِلَيّ، لعلمه بمودتي لَك، وَلِئَلَّا يفشو الْخَبَر.
فَقلت: تقفني على كِتَابه إِلَيْك.
فَقَالَ: لم أحملهُ معي.
فَعلمت أَنه قد كُوتِبَ بِالْقَبْضِ عَليّ، وَأَنه يتَوَصَّل بالحيلة لتحصيلي.
فَقلت: أَنا عليل كَمَا ترى، وَلَا فضل فِي للسَّفر، وَلَكِن تجيب الْأَمِير أَطَالَ الله بَقَاءَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة، وَأَنِّي أخرج بعد أُسْبُوع، إِذا استقللت قَلِيلا.
فَقَالَ: يقبح هَذَا، وَالْوَجْه أَن تخرج.
فَقلت: لَا أقدر.
(4/35)

فراجعني، وراجعته، إِلَى أَن قَالَ: لَا بُد من خُرُوجك.
فَقلت: إِنِّي لَا أخرج.
فَقَالَ: تخرج طَائِعا أَو كَارِهًا.
فَجَلَست، وَظهر فِي أثر الاحتداد مَعَ الْقُدْرَة، وَقلت: إِنِّي لَا أخرج، وَلَا كَرَامَة لَك، فاجهد جهدك، وَذَهَبت لأصيح بالغلمان.
وَكَانَ أَبُو بكر النَّقِيب خبيثًا، فَقَالَ: أسأَل سيدنَا بِاللَّه الْعَظِيم أَن لَا يتَكَلَّم بِحرف، ويدعني وَهَذَا الْأَمر.
ثمَّ أَخذ بيد الترجمان وقاما إِلَى نَاحيَة فِي الْمجْلس بعيدَة، لَا أسمع مَا يجْرِي بَينهمَا، فأطالا السرَار، ثمَّ جَاءَا إِلَيّ.
فَأخذ أَبُو بكر يعْتَذر إِلَيّ مِمَّا جرى، ويخاطبني باللين، وَيَقُول: فَبعد كم يخرج سيدنَا؟ حَتَّى نقتنع بوعده، وننصرف.
فَقلت: بعد عشرَة أَيَّام.
فَقَالَ: قد رَضِينَا.
فَأخذ الترجمان ينزق عَليّ فِي الْكَلَام، وَأَبُو بكر يغمزه، ويرفق بِهِ.
فَلَمَّا بلغا إِلَى قريب من الدهليز، رَجَعَ أَبُو بكر، وجر الترجمان، مَعَه وَقَالَ: هَذَا لَيْسَ يعرفك حق معرفتك، وَعِنْده أَنه يقدر يَسْتَوْفِي عَلَيْك الْحجَّة، فبالله إِلَّا مَا عَرفته مَا كَانَ فِي نَفسك أَن تعمله بِنَا، لَو اسْتَوْفَيْنَا عَلَيْك الْمُطَالبَة، لِئَلَّا أقع فِي مَكْرُوه مَعَه وَمَعَ الْأَمِير.
فَقلت فِي نَفسِي: أَنا أُرِيد الْهَرَب السَّاعَة، فَمَا معنى مساترتي لَهما مَا أردْت أَن أَفعلهُ، وَلم لَا أظهره ليَكُون أهيب فِي نفوسهما؟ فَقلت للغلام الَّذِي كَانَ وَاقِفًا على رَأْسِي بِلَا سلَاح: امْضِ إِلَى أَصْحَابنَا،
(4/36)

وَقل لَهُم أَن يخرجُوا، وَلَا يعملوا مَا كنت قلت لَهُم.
فَمضى الْغُلَام، وَفتح الْبَاب عَلَيْهِم، وَقَالَ: اخْرُجُوا، وَلَا تحدثُوا على الْقَوْم حَادِثَة، فَخرج الْقَوْم بِالسِّلَاحِ.
فَقلت: هَؤُلَاءِ أعددتهم لدفعكما عَن نَفسِي، إِن رمتما قسري على مَا لَا أوثره.
قَالَ: فَمَاتَ الترجمان فِي جلده، واصفر وتحير.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: أَنْت تظن أَنَّك بِالْجَبَلِ، وَلَيْسَ تعلم بَين يَدي من أَنْت الْآن؟ عرفت أَن الرَّأْي كَانَ فِي يَدي، لَا فِي يدك؟ وَالله، لَو زِدْت فِي الْمَعْنى، لخرج هَؤُلَاءِ فَأخذُوا رَأسك ورأسي.
فَقلت: معَاذ الله، وَلَكِن كَانُوا يمنعوكما من أذاي.
ثمَّ قلت للغلمان: كونُوا مَعَهُمَا، إِلَى أَن يخرجَا، وتغلقوا الْأَبْوَاب خلفهمَا، فَفَعَلُوا.
وَقمت فِي الْحَال فَلبِست خفًا وإزارًا على صُورَة النِّسَاء، واستصحبت جمَاعَة من عَجَائِز دَاري، وَخرجت مَعَهُنَّ من بَاب من تِلْكَ الْأَبْوَاب الْخفية، متحيرًا، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد.
فقصدت عدَّة مَوَاضِع، كلما قصدت موضعا، علمت أَنه لَا يحملني، فأتجاوزه، إِلَى أَن كدني الْمَشْي، وَقربت من الرصافة، فَعَن لي أَن أقصد خَالَة المقتدر، وأطرح نَفسِي عَلَيْهَا.
فصرفت جَمِيع من كَانَ معي، إِلَّا وَاحِدَة، وقصدت دَار الْخَالَة، وَدخلت دهليزها.
(4/37)

فَقَامَ إِلَيّ الْخَادِم، وَقَالَ: من أَقُول؟ فَقَالَت الْعَجُوز: امْرَأَة لَا تحب أَن تسمي نَفسهَا، فَدخل وَإِذا بالخالة قد خرجت إِلَى الدهليز.
فَقَالَت لَهَا الامرأة: يَا ستي، تأمرين الْخَادِم بالانصراف، فَأَمَرته، فَانْصَرف.
فَكشفت وَجْهي، وَقلت: يَا ستي، الله، الله فِي دمي، اشتريني، فَقَالَت: يَا أَبَا جَعْفَر، مَا الْخَبَر؟ فَقلت: أدخليني، أحَدثك.
فَقَالَت: كن مَكَانك، فَإِنِّي قد علمت أَنَّك مَا جئتني إِلَّا مستترًا.
ثمَّ دخلت، فأبطأت، حَتَّى قلت: قد كرهت دخولي، وستخرج إِلَيّ من يصرفني، وتعتذر، وهممت بالانصراف.
وَإِذا بهَا قد خرجت، ثمَّ قَالَت: أرعبتك بالانتظار، وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا عَن احْتِيَاط لَك، فَادْخُلْ.
فَدخلت فَإِذا دارها الأولى، على عظمها، فارغة، مَا فِيهَا أحد.
فسلكت بِي، وبالمرأة الْعَجُوز، إِلَى مَوضِع من الدَّار، فَدخلت إِلَى حجرَة، فأقفلتها بِيَدِهَا، ومشت بَين أَيْدِينَا، حَتَّى انْتَهَت بِنَا إِلَى سرداب، فأنزلتنا فِيهِ، ومشينا فِيهِ طَويلا، وَهِي بَين أَيْدِينَا، حَتَّى صعدت مِنْهُ إِلَى دَرَجَة طَوِيلَة، أفضت بِنَا إِلَى دَار فِي نِهَايَة الْحسن والسرو، وفيهَا من الْفرش، والآلات، كل شَيْء حسن.
وَقَالَت: إِنَّمَا احْتبست عَنْك، حَتَّى أصلحت لَك هَذِه الدَّار، وأخليت الأولى، حَتَّى لَا يراك الَّذين كَانُوا فِيهَا، فَيعرف خبرك، فعرفني قصتك.
فَذَكرتهَا لَهَا، من أَولهَا إِلَى آخرهَا.
فَقَالَت: اجْلِسْ هَاهُنَا مَا شِئْت، فوَاللَّه، إِنَّك تسرني بذلك، فاحفظ
(4/38)

نَفسك من أَن ينتشر خبرك من جهتك، فَلَيْسَ معي من جهتي من يدْخل عَلَيْك أَو يخرج مِنْك، فتهلك نَفسك، وتهلكني، فَإنَّك تعلم أَن هَذَا الرجل ظَالِم جَاهِل، لَا يعرف حق مثلي.
فَقلت: مَا معي غير هَذِه الْعَجُوز، وَلست أدعها تخرج.
فَقَالَت: هَذَا هُوَ الصَّوَاب.
فأقمت عِنْدهَا مُدَّة، فَكَانَت تجيئني كل يَوْم، وتعرفني أَخْبَار الدُّنْيَا، وتحادثني سَاعَة، وتنصرف، وَتحمل إِلَيّ كل شَيْء فاخر، من الْمَأْكُول، والمشروب، والبخور، وَأَخْدَم بِمَا لم أخدم بِمثلِهِ فِي أَيَّام دَوْلَتِي.
فَلَمَّا كَانَ فِي غَدَاة يَوْم بعد حصولي عِنْدهَا، قَالَت: يَا أَبَا جَعْفَر، أَنْت وَحدك، وَلَيْسَ يصلح أَن يخدمك كل أحد، وَقد حملت إِلَيْك هَذِه الْجَارِيَة، وأومأت إِلَى وصيفة كَانَت مَعهَا، فِي نِهَايَة الْحسن وَالْجمال، فاستخدمها، وَإِنَّهَا تَقول مقَام فراشة، وَقد أَهْدَيْتهَا لَك، وَإِن احتجت إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الرِّجَال، صلحت لذَلِك أَيْضا.
فَقبلت ذَلِك، وشكرتها، ودعوت لَهَا.
وتأملت الْجَارِيَة، فَإِذا هِيَ تغني أحسن غناء وأطيبه، فَكَانَ عيشي مَعهَا أطيب من عيشي أَيَّام الدولة.
وَمضى على استتاري نَحْو شَهْرَيْن، لَا يخرج من عِنْدِي أحد، وَلَا يدْخل إِلَيّ غير الْجَارِيَة.
فَقلت لَهَا يَوْمًا: قد تطلعت نَفسِي إِلَى معرفَة الْأَخْبَار، وإنفاذ هَذِه الْعَجُوز إِلَى من تتعرف ذَلِك مِنْهُ.
فَقَالَت: افْعَل، واحتفظ جهدك.
فَكتبت مَعَ الْعَجُوز كتابا إِلَى وَكيل لي أَثِق بِهِ، آمره أَن يتعرف لي الْأَخْبَار،
(4/39)

وَيكْتب إِلَيّ بهَا مَعَ الْعَجُوز.
ورسمت لَهُ أَن ينفذ طيورًا مَعَ غُلَام أسميته لَهُ وَكنت بِهِ واثقًا من دون سَائِر غلماني، ويأمره بالْمقَام بواسط، وَالْمُكَاتبَة على الطُّيُور فِي كل يَوْم بالأخبار، وَأَن يكْتب عني إِلَى جمَاعَة بواسط، كنت أَثِق بهم، بِأَن يمدوا الْغُلَام بالأخبار.
ورسمت للعجوز أَن لَا تعرف الْوَكِيل موضعي، لِئَلَّا يظْهر شَيْء من الْأَمر، وَيَقَع الْوَكِيل، وَيُطَالب بِي، فَيدل عَليّ.
فَعَاد الْجَواب إِلَيّ، بِمَا عِنْده من الْأَخْبَار، وَأَنه لَا يَنْقَضِي يَوْمه، حَتَّى ينفذ الْغُلَام والطيور.
فأمهلته عشرَة أَيَّام، ثمَّ رددت الْعَجُوز، فأنفذ لي على يَدهَا، كتبا وَردت على الطُّيُور، فقرأتها، وَمضى على ذَلِك مُدَّة.
فَأَصْبَحت يَوْمًا وَأَنا على نِهَايَة النشاط، وَالسُّرُور، والانبساط، من غير سَبَب أعرفهُ، فَقلت للعجوز: امْضِي إِلَى فلَان، واعرفي هَل ورد عَلَيْهِ كتاب من وَاسِط؟ فمضت الْعَجُوز إِلَى الْوَكِيل، فَهِيَ عِنْده، إِذْ سقط عَلَيْهِ طَائِر بِكِتَاب، فَحله، وَسلمهُ إِلَيْهَا، من غير أَن يقف عَلَيْهِ.
فجاءتني بِهِ، فَإِذا هُوَ من الْغُلَام الْمُرَتّب بواسط، بتاريخ يَوْمه، وَأَكْثَره رطب، كتب فِي الْحَال يذكر فِيهِ وُرُود الْأَخْبَار إِلَى وَاسِط، بقتل الأكراد لبجكم، وَأَن النَّاس قد اختلطوا وماجوا.
(4/40)

فَقبلت الأَرْض شكرا لله عز وَجل، وكتبت فِي الْحَال إِلَى الْكُوفِي رقْعَة أشكره فِيهَا على جميله، وأعرفه أَنِّي مَا طويت خبري عَنهُ إِلَى الْآن، إِلَّا إشفاقًا عَلَيْهِ من أَن يسْأَل عني، فَيكون مَتى حلف أَنه لَا يعرف خبري، صَادِقا، وَأَن أقل حُقُوق مَا عاملني بِهِ، أَن أعرفهُ مَا يجب أَن يتحرز مِنْهُ، وَذكرت لَهُ مَا ورد من الْخَبَر، وأشرت عَلَيْهِ بالاستتار.
وأنفذت رقعتي إِلَيْهِ بذلك، طي رقعتي إِلَى الْوَكِيل، وأمرته أَن يمْضِي بهَا فِي الْوَقْت إِلَيْهِ.
وَقلت للعجوز: إِذا مضى الْوَكِيل فارجعي أَنْت، وَلَا تقعدي فِي دَار الْوَكِيل.
فَعَادَت، وعرفتني أَن الْوَكِيل توجه إِلَى الْكُوفِي.
فَلَمَّا كَانَ بَين العشاءين من ذَلِك الْيَوْم رَددتهَا إِلَى الْوَكِيل، وَقلت لَهَا: اطرقي بَابه، فَإِن كَانَ فِي بَيته، على حَال سَلامَة فادخلي، وَإِن بَان لَك أَنه معتقل، أَو أَن دَاره مُوكل بهَا، فانصرفي وَلَا تدخلي.
فَعَادَت إِلَيّ برقعة الْوَكِيل، وطيها رقْعَة من أبي عبد الله الْكُوفِي.
وَفِي رقْعَة الْوَكِيل: إِنَّه حِين أوصل الرقعة إِلَى الْكُوفِي، بَان لَهُ فِي وَجهه الِاضْطِرَاب، وَإنَّهُ مَا صلى الْعَصْر فِي ذَلِك الْيَوْم، حَتَّى امْتَلَأَ الْبَلَد بِأَن الْكُوفِي قد استتر، وَأَن بجكم قد حدثت بِهِ حَادِثَة لَا نَدْرِي مَا هِيَ، وَقد عدت بعد الْعَصْر إِلَى دَار الْكُوفِي، فَوَجَدتهَا مغلقة، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أحد، وَإِنِّي قد أنفذت جَوَاب الْكُوفِي طي رقعتي.
وقرأت رقْعَة الْكُوفِي، فَإِذا هُوَ يشكرني، وَيَقُول: قد علمت أَن مثلك يَا سَيِّدي لَا يفتعل مثل هَذَا الْخَبَر، وَلَا يضيع مروءته، وَأَن مثله يجوز أَن يكون صَحِيحا، وَقد تشاغل الَّذين مَعَ الْأَمِير بالهرب، عَن أَن يكتبوا لي بالحادث، وَكتب بِهِ من رتبته أَنْت، كَمَا ذكرت فِي رقعتك، فَأوجب الرَّأْي أَن أستظهر لنَفْسي، فَإِن كَانَ الْخَبَر صَحِيحا، وَهُوَ عِنْدِي صَحِيح، فَالرَّأْي معي، وَإِن
(4/41)

كَانَ بَاطِلا، فَلَا يضرني ذَلِك عِنْد صَاحِبي إِن كَانَ حَيا، لِأَنَّهُ يتصورني جَبَانًا لَا غير، فَيكون أسلم فِي العاجل.
وَقد أنفذت إِلَيْك، يَا سَيِّدي، طي رقعتي هَذِه، الْكِتَابَيْنِ اللَّذين كتبتهما عَلَيْك فِي ضيعتك بالابتياع وَالْإِجَارَة، ابْتِغَاء إتْمَام مودتك، ولتعلم صدقي فِيمَا كنت توسطته، ونصحي فِيمَا عاملتك بِهِ، فَإِن كَانَ موت الرجل صَحِيحا، فقد رجعت إِلَيْك ضيعتك، وَإِن كَانَ بَاطِلا فَإِنَّهُ لَا يسألني عَنْهُمَا، وَلَا يذكرهما، وَإِن ذكرهمَا جحدت أَنِّي تسلمتهما، وقضيت حَقك بذلك، وأعدت نِعْمَتك عَلَيْك.
قَالَ: وَإِذا بالكتابين فِي طي الرقعة، فمزقتهما فِي الْحَال.
ولبست من عِنْد الْخَالَة، خفًا، وإزارًا، بعد أَن عرفتها الصُّورَة، وَخرجت مَعَ الْعَجُوز، وَجئْت إِلَى دَاري فدخلتها من بعض أَبْوَابهَا الْخفية.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، قوي الْخَبَر بقتل بجكم، ففتحت بَابي، وَفرج الله عني المحنة.
فَلَمَّا كَانَ الْعشَاء، أَتَانِي رَسُول الْخَالَة، وَمَعَهُ الْجَارِيَة، وَقَالَ: سيدتي تقرئك السَّلَام، وَتقول لَك: لم تدع جاريتك عندنَا؟ قَالَ: وَإِذا هِيَ قد حملت مَعهَا، كل مَا كَانَت قد أخدمتنيه من فرش، وَآله، وَغير ذَلِك، من أَشْيَاء كَثِيرَة جليلة الْمِقْدَار.
وَقَالَت: هَذَا جهاز الْجَارِيَة، وَأحب أَن تقبله مني.
فقبلته، ورددت الرَّسُول شاكرًا، وَقد من الله عَليّ بِالْعودِ إِلَى أحسن حَال.
(4/42)

تَعْذِيب الْعمَّال المطالبين بضربهم بالمقارع وَوضع الْحِجَارَة على أكتافهم
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كِتَابه (كتاب الوزراء) ، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عَليّ بن بَيَان، قرَابَة ابْن بسطَام، قَالَ: قَالَ لي سُلَيْمَان بن سهل البرقي، وَكَانَ أستاذ أبي الْعَبَّاس بن بسطَام.
انصرفت من بعض الْأَعْمَال، فألفيت عمر بن فرج يتقلد الدِّيوَان، وَكَانَ فِي نَفسه عَليّ شَيْء، فأخفيت نَفسِي، وسترت أَصْحَابِي.
فطلبني، وأذكى الْعُيُون عَليّ، فَلم يصلوا إِلَيّ، فَأمر أَن يعْمل لي مُؤَامَرَة تشْتَمل على ثَلَاث مائَة ألف.
وَكَانَت بيني وَبَين نجاح بن سَلمَة مَوَدَّة، فَأَنا فِي عَشِيَّة من العشايا، فِي استتاري، إِذْ وَردت عَليّ رقْعَة نجاح يَأْمُرنِي بالمصير إِلَيْهِ.
فَلَمَّا صرت إِلَيْهِ، قَالَ لي: صر إِلَى عمر بن فرج، وَسلم عَلَيْهِ، وعرفه أَنِّي قد بعثت بك إِلَيْهِ.
قَالَ: فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، انْظُر مَا تَقول، فَإِنَّهُ قد نذر دمي، فَكيف أمضي إِلَيْهِ هَكَذَا؟
(4/43)

فَقَالَ: نعم، اعْلَم أَنه قَالَ لي الْيَوْم، إِن فلسطين قد انغلقت علينا، وفسدت، مَعَ جلالتها، وَقد أكلهَا الْعمَّال، وَإنَّهُ فِي طلب من يَكْفِيهِ أمرهَا، ويحفظ مَالهَا، وَلَيْسَ يعرف من يُرْضِي كِفَايَته.
فَقلت لَهُ: إِن أردْت الْكِفَايَة، فَهَذَا سُلَيْمَان بن سهل، وَفِيه من الْكِفَايَة وَالْإِخْلَاص وَالْجد، مَا لَا يشك فِيهِ، فَلم عطلته، وأخفته؟ فَقَالَ: كَيفَ لي بِهِ؟ فَقلت: تؤمنه، وتزيل مَا عَلَيْهِ من الْمُطَالبَة، وتقلده فلسطين، فَإِنَّهُ يَكْفِيك، ويوفر عَلَيْك، ويجملك فِيمَا يتَصَرَّف لَك فِيهِ، وَأَنا أبْعث بِهِ إِلَيْك.
فَقَالَ: ابْعَثْ بِهِ إِلَيّ، وَهُوَ آمن.
فصر إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يعرض لَك إِلَّا بِمَا تحب.
فبكرت إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي ديوانه، فَلَمَّا دخلت صحن الدَّار، رَأَيْت الْعمَّال على أكتافهم الْحِجَارَة، والمقارع تأخذهم، فهالني مَا رَأَيْت.
(4/44)

فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ، سلمت عَلَيْهِ، وَقلت: إِنِّي كنت خَادِم أبي الْفضل، أَعنِي فرج الرخجي، وَأحد صنائعه.
فَقَالَ: لَوْلَا مَا تمت بِهِ من هَذِه الْخدمَة، لَكُنْت أحد هَؤُلَاءِ الَّذين تراهم.
ثمَّ رفع مُصَلَّاهُ، وَأخرج الْكتب بولايتي فلسطين، وَسلمهَا إِلَيّ، وَأَمرَنِي بكتمان أَمْرِي عَن النَّاس، والاستعداد للمسير.
فَأخذت الْكتب، وشخصت إِلَى هُنَاكَ، فأرضيته، وقضيت حق نَفسِي.
(4/45)

الله يَجْزِي سعيد الْخَيْر نائلة
حَدثنِي أَبُو الْفرج، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو دلف هِشَام بن مُحَمَّد بن هَارُون بن عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ، وَمُحَمّد بن الْحسن الْكِنْدِيّ، قَالَا: حَدثنَا الْخَلِيل بن أَسد، قَالَ: أَخْبرنِي الْعمريّ، عَن الْهَيْثَم بن عدي، عَن الْحسن بن عمَارَة، عَن الحكم بن عُيَيْنَة: أَن حَارِثَة بن بدر الغداني، كَانَ قد سعى فِي الأَرْض فَسَادًا، فَنَذر أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِ دَمه، فَاسْتَجَارَ بأشراف النَّاس، فَلم يجره أحد.
فَقيل لَهُ: عَلَيْك بِسَعِيد بن قيس الْهَمدَانِي، فَلَعَلَّهُ أَن يجيرك.
(4/46)

فَطلب سعيدًا، فَلم يجده، فَجَلَسَ فِي طلبه، حَتَّى جَاءَ، فَأخذ بلجام دَابَّته، وَقَالَ: أجرني، أجارك الله.
قَالَ: مَالك وَيحك؟ قَالَ: قد نذر أَمِير الْمُؤمنِينَ دمي.
فَقَالَ: أقِم مَكَانك، وَانْصَرف إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَوَجَدَهُ قَائِما يخْطب على الْمِنْبَر.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله، ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا؟ قَالَ: أَن يقتلُوا، أَو يصلبوا، أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف، أَو ينفوا من الأَرْض.
قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِلَّا من تَابَ.
قَالَ: إِلَّا من تَابَ.
قَالَ: فَهَذَا حَارِثَة بن بدر قد جَاءَنَا تَائِبًا، وَقد أجرته.
قَالَ: أَنْت رجل من الْمُسلمين، وَقد أجرنا من أجرته.
ثمَّ قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر: أَيهَا النَّاس، إِنِّي كنت قد نذرت دم حَارِثَة بن بدر، فَمن لقِيه فَلَا يعرض لَهُ.
فَانْصَرف إِلَيْهِ سعيد، فَأعلمهُ، وكساه، وَحمله، وَأَجَازَهُ، فَقَالَ فِيهِ حَارِثَة شعرًا:
الله يَجْزِي سعيد الْخَيْر نائلة ... أَعنِي سعيد بن قيس قرم هَمدَان
أنقذني من شفا غبراء مظلمةٍ ... لَوْلَا شَفَاعَته ألبست أكفاني
قَالَت تَمِيم بن مرّ لَا تخاطبه ... وَقد أَبَت ذَلِكُم قيس بن عيلان
قَالَ الْحسن بن الْهَيْثَم: لم يكن يروي الْحسن بن عمَارَة، من هَذَا الشّعْر، غير هَذِه الأبيات، فَأخذت الشّعْر كُله من حَمَّاد الراوية، وَقلت لَهُ: مِمَّن أَخَذته؟
(4/47)

فَقَالَ: من سماك بن حَرْب، وَهُوَ:
أساغ فِي الْحلق ريقًا كنت أجرضه ... وَأظْهر الله سرّي بعد كتمان
إنّي تداركني عفّ شمائله ... آباؤه حِين ينمي خير قحطان
وَذكر بَقِيَّة الشّعْر والْحَدِيث، وَلم يكن مِمَّا يدْخل فِي كتابي هَذَا، فَلم أسقه.
(4/48)

فَإِن نلتني حجاج فاشتف جاهدًا
وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ لي الكراني، عَن الْخَلِيل بن أَسد، عَن الْعمريّ، عَن عَطاء , عَن عَاصِم بن الْحدثَان، قَالَ: كَانَ ابْن نمير الثَّقَفِيّ، يشبب بِزَيْنَب بنت يُوسُف بن الحكم، وَكَانَ الْحجَّاج أَخُوهَا يتهدده، وَيَقُول: لَوْلَا أَن يَقُول قَائِل، لَقطعت لِسَانه.
فهرب إِلَى الْيمن، ثمَّ ركب بَحر عدن، وَقَالَ فِي هربه:
أَتَتْنِي عَن الحجّاج وَالْبَحْر بَيْننَا ... عقارب تسري والعيون هواجع
فضقت بهَا ذرعًا وأجهشت خيفة ... وَلم آمن الحجّاج وَالْأَمر قَاطع
وحلّ بِي الخطبُ الَّذِي جَاءَنِي بِهِ ... سميع فَلَيْسَتْ تستقرّ الأضالع
فبتّ أدير الْأَمر والرأي لَيْلَتي ... وَقد أخضلت خدّي الدُّمُوع الهوامع
(4/49)

فَلم أر لي خيرا من الصَّبْر إنّه ... أعفّ وَأَحْرَى إِذْ عرتني الفواجع
وَمَا أمنَتْ نَفسِي الَّذِي خفت شرّه ... وَلَا طَابَ لي مَا حبّبته الْمضَاجِع
إِلَى أَن بدا لي رَأس إسبيل طالعًا ... وإسبيل حصن لم تنله الْأَصَابِع
فلي عَن ثَقِيف إِن هَمَمْت بنجوةٍ ... مهامه تعفى بينهنّ الهجارع
وَفِي الأَرْض ذَات الْعرض عَنْك ابْن يُوسُف ... إِذا شِئْت منأى لَا أَبَا لَك وَاسع
فَإِن نلتني حجّاج فاشتف جاهدًا ... فإنّ الَّذِي لَا يحفظ الله ضائع
قَالَ: فَطَلَبه الْحجَّاج، فَلم يقدر عَلَيْهِ، ثمَّ طَال على النميري مقَامه هَارِبا، واشتاق إِلَى وَطنه فجَاء حَتَّى وقف على رَأس الْحجَّاج.
فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: يَا نميري، أَنْت الْقَائِل:
فَإِن نلتني حجّاج فاشتف جاهدًا
فَقَالَ: بل أَنا أَقُول:
أَخَاف من الحجّاج مَا لست خَائفًا ... من الْأسد الْعِرْبَاض لم يثنه ذعر
أَخَاف يَدَيْهِ أَن تنَال مفاصلي ... بأبيض عضبٍ لَيْسَ من دونه ستر
وَأَنا الَّذِي أَقُول:
فها أَنا قد طوّفت شرقًا ومغربًا ... وأبت وَقد دوّخت كلّ مَكَان
فَلَو كَانَت العنقاء عَنْك تطير بِي ... لختلك إِلَّا أَن تصدّ تراني
قَالَ: فَتَبَسَّمَ الْحجَّاج، وأمنه، وَقَالَ: لَا تعاود إِلَى مَا تعلم، وخلى سَبيله
(4/50)

أسود راجل رزقه عشرُون درهما بز فِي كرمه معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْقرشِي، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن نعيم الْبَلْخِي، أَبُو يُونُس، قَالَ: حَدثنِي مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، وَكَانَ لي صديقا، قَالَ: كَانَ الْمَنْصُور قد طلب معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ طلبا شَدِيدا، وَجعل فِيهِ مَالا.
فَحَدثني معن بِالْيمن، أَنه اضْطر لشدَّة الطّلب أَن قَامَ فِي الشَّمْس، حَتَّى لوحت وَجهه، وخفف من عارضيه ولحيته، وَلبس جُبَّة صوف غَلِيظَة، وَركب جملا من جمال النقالة، وَخرج عَلَيْهِ ليمضي إِلَى الْبَادِيَة، وَقد كَانَ أبلى فِي الْحَرْب بَين يَدي ابْن هُبَيْرَة بلَاء حسنا، فغاظ الْمَنْصُور، وجد فِي طلبه.
(4/51)

قَالَ معن: فَلَمَّا خرجت من بَاب حَرْب، تَبِعنِي أسود، مُتَقَلِّدًا سَيْفا، حَتَّى إِذا غبت عَن الحرس، قبض على خطام الْجمل، فأناخه، وَقبض عَليّ.
فَقلت: مَالك؟ فَقَالَ: أَنْت طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقلت: وَمن أَنا حَتَّى يطلبني أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: أَنْت معن بن زَائِدَة.
فَقلت: يَا هَذَا اتَّقِ الله، وَأَيْنَ أَنا من معن بن زَائِدَة.
فَقَالَ: دع عَنْك هَذَا، فَأَنا وَالله أعرف بك مِنْك.
فَقلت لَهُ: فَإِن كَانَت الْقِصَّة كَمَا تَقول، فَهَذَا جَوْهَر حَملته معي بأضعاف مَا بذل الْمَنْصُور لمن جَاءَ بِي، فَخذه، وَلَا تسفك دمي.
فَقَالَ: هاته، فَأَخْرَجته إِلَيْهِ.
فَنظر إِلَيْهِ سَاعَة، وَقَالَ: صدقت فِي قِيمَته، وَلست قابله حَتَّى أَسأَلك عَن شَيْء، فَإِن صدقتني أطلقتك.
فَقلت: قل.
قَالَ: إِن النَّاس قد وصفوك بالجود، فَأَخْبرنِي هَل وهبت قطّ مَالك كُله؟ قلت: لَا.
قَالَ: فنصفه؟ قلت: لَا.
قَالَ: فثلثه؟
(4/52)

قلت: لَا، حَتَّى بلغ الْعشْر.
فَاسْتَحْيَيْت، فَقلت: أَظن أَنِّي قد فعلت ذَلِك.
قَالَ: مَا أَرَاك فعلته، وَأَنا وَالله راجل، ورزقي مَعَ أبي جَعْفَر عشرُون درهما، وَهَذَا الْجَوْهَر قِيمَته آلَاف دَنَانِير، وَقد وهبته لَك، ووهبتك لنَفسك، ولجودك الْمَأْثُور بَين النَّاس، ولتعلم أَن فِي الدُّنْيَا أَجود مِنْك فَلَا تعجبك نَفسك، ولتحقر بعْدهَا كل شَيْء تعمله، وَلَا تتَوَقَّف عَن مكرمَة، ثمَّ رمى العقد فِي حجري، وخلى خطام الْبَعِير، وَانْصَرف.
فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، قد وَالله فضحتني، ولسفك دمي أَهْون عَليّ مِمَّا فعلته، فَخذ مَا دَفعته إِلَيْك، فَإِنِّي عَنهُ غَنِي.
فَضَحِك، وَقَالَ: أردْت أَن تكذبني فِي مقالي هَذَا، وَالله لَا أَخَذته، وَلَا آخذ لمعروف ثمنا أبدا، وَتَرَكَنِي وَمضى.
فوَاللَّه لقد طلبته بعد أَن أمنت، وضمنت لمن جَاءَنِي بِهِ مَا شَاءَ، فَمَا عرفت لَهُ خَبرا، وَكَأن الأَرْض ابتلعته.
(4/53)

سَبَب رضَا الْمَنْصُور عَن معن بن زَائِدَة
قَالَ: وَكَانَ سَبَب رضَا الْمَنْصُور عَن معن بن زَائِدَة، أَنه لم يزل مستترًا، حَتَّى يَوْم الهاشمية، ووثب الْقَوْم على الْمَنْصُور وكادوا يقتلونه، فَوَثَبَ معن وَهُوَ متلثم، وانتضى سَيْفه، فقاتل، وأبلى بلَاء حسنا، وذب الْقَوْم عَنهُ، والمنصور رَاكب على بغلة ولجامها بيد الرّبيع.
فَقَالَ لَهُ: تَنَح، فَإِنِّي أَحَق بِلِجَامِهَا فِي هَذَا الْوَقْت.
فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: صدق، ادفعه إِلَيْهِ، فَأَخذه، وَلم يزل يُقَاتل، حَتَّى انكشفت تِلْكَ الْحَال.
فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: من أَنْت لله أَبوك؟ فَقَالَ: أَنا طلبتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، معن بن زَائِدَة.
فَقَالَ: قد أمنك الله على نَفسك وَمَالك، وَمثلك يصطنع، ثمَّ أَخذه مَعَه، وخلع عَلَيْهِ، وحباه، وقربه.
ثمَّ دَعَا بِهِ يَوْمًا، فَقَالَ: إِنِّي قد أهلتك لأمر، فَانْظُر كَيفَ تكون فِيهِ؟ فَقَالَ: كَمَا تحب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فولاه الْيمن، وَتوجه إِلَيْهَا، فَبسط فيهم السَّيْف، حَتَّى اسْتَووا.
(4/54)

قَالَ مَرْوَان: وَقدم معن بن زَائِدَة بعقب ذَلِك على الْمَنْصُور، فَقَالَ لَهُ، بعد كَلَام طَوِيل: قد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَنْك شَيْء، لَوْلَا مَكَانك عِنْده، ورأيه فِيك، لغضب عَلَيْك.
فَقَالَ: وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فوَاللَّه مَا تعرضت لسخطك، فَقَالَ: عطاءك مَرْوَان بن حَفْصَة، لقَوْله فِيك:
معن بن زَائِدَة الَّذِي زيدت بِهِ ... شرفًا إِلَى شرف بَنو شَيبَان
إِن عدّ أيّام الفعال فإنّما ... يوماه يَوْم ندى وَيَوْم طعان
فَقَالَ: وَالله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا أَعْطيته مَا بلغك، لهَذَا الشّعْر، وَلَكِن لقَوْله:
مَا زلتَ يَوْم الهاشميّة مُعْلنا ... بِالسَّيْفِ دون خَليفَة الرَّحْمَن
فمنعت حوزته وَكنت وقاءه ... من وَقع كلّ مهنّد وَسنَان
قَالَ: فاستحيا الْمَنْصُور، وَقَالَ: إِنَّمَا أَعْطَيْت لمثل هَذَا القَوْل؟ فَقَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَوْلَا مَخَافَة الشنعة، لأمكنته من مَفَاتِيح بيُوت الْأَمْوَال، وأبحته إِيَّاهَا.
فَقَالَ الْمَنْصُور: لله دَرك من أَعْرَابِي، مَا أَهْون عَلَيْك مَا يعز على النَّاس وَأهل الحزم.
(4/55)

قطن بن مُعَاوِيَة الْغلابِي يستسلم للمنصور
أَخْبرنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شبة، قَالَ: أَخْبرنِي أَيُّوب بن عمر بن أبي عُثْمَان، عَن أبي سَلمَة الْغِفَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا قطن بن مُعَاوِيَة الْكلابِي، قَالَ: كنت مِمَّن سارع إِلَى إِبْرَاهِيم، فاجتهدت مَعَه، فَلَمَّا قتل، طلبني الْمَنْصُور، فاستخفيت مِنْهُ، فَقبض على أَمْوَالِي ودوري.
وَلَحِقت بالبادية، فجاورت فِي بني نضر بن مُعَاوِيَة، وَبني كلاب، من بني فَزَارَة، ثمَّ بني سليم، ثمَّ تنقلت فِي بوادي قيس، أجاورهم.
حَتَّى ضقت ذرعًا بالاستخفاء، فأزمعت الْقدوم على أبي جَعْفَر، وَالِاعْتِرَاف لَهُ، فَقدمت الْبَصْرَة، وَنزلت فِي طرف مِنْهَا.
ثمَّ أرْسلت إِلَى أبي عَمْرو بن الْعَلَاء، وَكَانَ لي ودا، فشاورته فِي الْأَمر الَّذِي أزمعت عَلَيْهِ، فَلم يقبل رَأْيِي.
وَقَالَ: إِذا يقتلك، وَأَنت الْمعِين على نَفسك.
فَلم ألتفت إِلَيْهِ، وشخصت إِلَى بَغْدَاد، وَقد بنى أَبُو جَعْفَر مدينته، ونزلها،
(4/56)

وَلَيْسَ من النَّاس أحد يركب فِيهَا، مَا خلا الْمهْدي.
فَنزلت خَانا، ثمَّ قلت لغلماني: إِنِّي ذَاهِب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، فأمهلوا ثَلَاثًا، فَإِن جِئتُكُمْ، وَإِلَّا فانصرفوا.
ومضيت حَتَّى دخلت الْمَدِينَة، فَجئْت إِلَى دَار الرّبيع، وَالنَّاس ينتظرونه، وَهُوَ حِينَئِذٍ ينزل دَاخل الْمَدِينَة، فِي الدَّار الشارعة على قصر الذَّهَب.
فَلم يلبث أَن خرج يمشي، وَقَامَ إِلَيْهِ النَّاس، وَقمت مَعَهم، فَسلمت عَلَيْهِ، فَرد عَليّ السَّلَام.
وَقَالَ: من أَنْت؟ قلت: قطن بن مُعَاوِيَة.
فَقَالَ: انْظُر مَا تَقول؟ فَقلت: أَنا هُوَ.
قَالَ: فَأقبل على مسودة كَانُوا مَعَه، وَقَالَ: احتفظوا بِهِ.
قَالَ: فَلَمَّا حرست، لحقتني الندامة، وَذكرت رَأْي أبي عَمْرو.
وَدخل الرّبيع، فَلم يطلّ حَتَّى خرج خصي، فَأخذ بيَدي، فَأَدْخلنِي قصر الذَّهَب، ثمَّ أَتَى بِي إِلَى بَيت، فَأَدْخلنِي إِلَيْهِ، وأغلق الْبَاب عَليّ، وَانْطَلق.
فاشتدت ندامتي، وأيقنت بالبلاء، وَأَقْبَلت على نَفسِي ألومها.
فَلَمَّا كَانَ وَقت الظّهْر، أَتَانِي الْخصي بِمَاء، فَتَوَضَّأت، وَصليت، وأتاني بِطَعَام، فَأَخْبَرته بِأَنِّي صَائِم.
(4/57)

فَلَمَّا كَانَ وَقت الْمغرب، أَتَانِي بِمَاء، فَتَوَضَّأت، وَصليت، وأرخى عَليّ اللَّيْل سدوله، فأيست من الْحَيَاة، وَسمعت أَبْوَاب الْمَدِينَة تغلق، فَامْتنعَ عني النّوم.
فَلَمَّا ذهب صدر من اللَّيْل، أَتَانِي الْخصي، فَفتح عني، وَمضى بِي، فَأَدْخلنِي صحن دَار، ثمَّ أدناني من ستور مسدولة.
فَخرج علينا خَادِم، وأدخلنا، فَإِذا أَبُو جَعْفَر وَحده، وَالربيع قَائِم نَاحيَة.
فأكب أَبُو جَعْفَر هنيهة، مطرقًا، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: هيه.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَنا قطن بن مُعَاوِيَة.
فَقَالَ: وَالله لقد جهدت عَلَيْك جهدي، حَتَّى من الله عَليّ بك.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد وَالله جهدت عَلَيْك جهدي، وعصيت أَمرك، وواليت عَدوك، وحرصت على أَن أسلبك ملكك، فَإِن عَفَوْت فَأهل ذَلِك أَنْت، وَإِن عَاقَبت فبأصغر ذُنُوبِي تقتلني.
قَالَ: فَسكت هنيهة، ثمَّ قَالَ: أعد، فَأَعَدْت مَقَالَتي.
قَالَ: فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد عَفا عَنْك.
قَالَ: فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أصير وَرَاء بابك فَلَا أصل إِلَيْك، وضياعي ودوري مَقْبُوضَة، فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يردهَا عَليّ، فعل.
قَالَ: فَدَعَا بِدَوَاةٍ، ثمَّ أَمر خَادِمًا لَهُ أَن يكْتب بإملائه، إِلَى عبد الْملك بن أَيُّوب النميري، وَهُوَ يَوْمئِذٍ على الْبَصْرَة: أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رَضِي عَن قطن بن مُعَاوِيَة، وَقد رد عَلَيْهِ ضيَاعه ودوره وَجَمِيع مَا قبض عَلَيْهِ، فَاعْلَم ذَلِك وأنفذه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَالَ: ثمَّ ختم الْكتاب، وَدفعه إِلَيّ، فَخرجت من سَاعَتِي، لَا أَدْرِي أَيْن
(4/58)

أذهب، فَإِذا الحرس بِالْبَابِ، فَجَلَست إِلَى جَانب أحدهم.
فَلم ألبث أَن خرج الرّبيع، فَقَالَ: أَيْن الرجل الَّذِي خرج آنِفا؟ فَقُمْت إِلَيْهِ.
فَقَالَ: انْطلق أَيهَا الرجل، فقد، وَالله، سلمت، ثمَّ انْطلق بِي إِلَى منزله، فعشاني، وفرش لي.
فَلَمَّا أَصبَحت، ودعته، وأتيت غلماني فأرسلتهم يكترون لي.
فَوجدت صديقا لي من الدهاقين، من أهل ميسَان، قد اكترى سميرية لنَفسِهِ، فَحَمَلَنِي مَعَه.
فَقدمت على عبد الْملك بن أَيُّوب بِكِتَاب أبي جَعْفَر، فأقعدني عِنْده، فَلم أقِم حَتَّى رد عَليّ جَمِيع مَا اصطفي لي.
وَأَخْبرنِي بِهَذَا الْخَبَر أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْأَنْبَارِي، الْمَعْرُوف بأبن
(4/59)

زنجي، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي سعيد، قَالَ: حَدثنَا ابْن دُرَيْد، وَذكر بِإِسْنَادِهِ مثله.
(4/60)

الْمَأْمُون يغْضب على إِبْرَاهِيم الصولي ثمَّ يرضى عَنهُ
أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته من حَدِيثه، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن سعيد الصُّوفِي، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن صَالح بن النطاح، قَالَ: لما عزم الْمَأْمُون على الفتك بِالْفَضْلِ بن سهل، وَندب إِلَيْهِ عبد الْعَزِيز بن عمرَان الطَّائِي، ومؤنسًا الْبَصْرِيّ، وَخلف الْمصْرِيّ، وَعلي بن أبي سعيد السلميتي، وسراج الْخَادِم، أنهِي الْخَبَر إِلَى الْفضل، فَعَاتَبَهُ عَلَيْهِ.
(4/61)

فَلَمَّا قتل الْفضل، قيل لِلْمَأْمُونِ: إِنَّه عرفه من جِهَة إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي، فَطَلَبه، فاستتر.
وَكَانَ إِبْرَاهِيم عرف هَذَا الْخَبَر من جِهَة عبد الْعَزِيز بن عمرَان، وَكَانَ الْفضل قد استكتب إِبْرَاهِيم لعبد الْعَزِيز، فَعلمه مِنْهُ، فَأخْبر الْفضل.
وَتحمل إِبْرَاهِيم بِالنَّاسِ على الْمَأْمُون، وجرد فِي أمره هِشَام الْخَطِيب، الْمَعْرُوف بالعباسي، لِأَنَّهُ كَانَ جريئًا على الْمَأْمُون، وَلِأَنَّهُ رباه، وشخص إِلَى خُرَاسَان، فِي فتْنَة إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي، فَلم يجبهُ إِلَى مَا سَأَلَ.
فَلَقِيَهُ إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس، مستترًا، وَسَأَلَهُ عَمَّا عمل فِي حَاجته؟ فَقَالَ لَهُ هِشَام: قد وَعَدَني فِي أَمرك بِمَا تحب.
فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: أَظن الْأَمر على خلاف هَذَا.
قَالَ: لم؟ قَالَ: لِأَن محلك عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ أجل من أَن يعد مثلك شَيْئا ويؤخره، وَلَكِنَّك سَمِعت فِي مَا لَا تحب، فَكرِهت أَن تغمني بِهِ، فَقلت لي هَذَا القَوْل، فَأحْسن الله، على كل الْأَحْوَال، جزاءك.
فَمضى هِشَام إِلَى الْمَأْمُون، فَعرفهُ خبر إِبْرَاهِيم فَعجب من فطنته، وَعَفا عَنهُ.
(4/62)

الْأَمِير سيف الدولة يصفح عَن أحد أَتْبَاعه وَيُعِيد إِلَيْهِ نعْمَته
حَدثنِي عبد الله بن أَحْمد بن مَعْرُوف، أَبُو الْقَاسِم، قَالَ: كنت بِمصْر، وَكَانَ بهَا رجل يعرف بالناضري، من تناء حلب، قد قبض سيف الدولة على ضيعته، وصادره.
فهرب مِنْهُ إِلَى كافور الإخشيدي، فَأجرى عَلَيْهِ جراية سابغة فِي كل شهر.
وَكَانَ يجْرِي على جَمِيع من كَانَ يَقْصِدهُ، من الجرايات الَّتِي تسمى الرَّاتِب، وَكَانَ مَالا عَظِيما قدره فِي السّنة خمس مائَة ألف دِينَار، لأرباب النعم، وأجناس النَّاس، لَيْسَ لأحد من الْجَيْش، وَلَا من الْحَاشِيَة، وَلَا من المتصرفين فِي الْأَعْمَال، شَيْء مِنْهَا.
قَالَ: فَجرى يَوْمًا ذكر هَذَا الناضري بِحَضْرَة كافور، وَقيل لَهُ بِأَنَّهُ بغاء، وَكَثُرت عَلَيْهِ الْأَقَاوِيل فِي ذَلِك، فَأمر بِقطع جرايته.
فَرفع إِلَيْهِ قصَّة يشكو فِيهَا انْقِطَاع مادته، وَيسْأل التوقيع بإجرائه على رسمه.
(4/63)

فَأمر فَوَقع على ظهرهَا: قد صَحَّ عندنَا أَنَّك رجل تصرف مَا نجريه عَلَيْك فِيمَا يكره الله عز وَجل، من فَسَاد نَفسك، وَمَا نرى أَن نعينك على ذَلِك، فَالْحق بِحَيْثُ شِئْت، فَلَا خير لَك عندنَا بعْدهَا.
قَالَ: فَخرج التوقيع إِلَى الرجل، فغمه ذَلِك، وَعمل محضرًا أَدخل فِيهِ خطّ خلق كثير مِمَّن يعرفهُ، أَنه مَسْتُور، وَمَا قرف قطّ ببغاء.
وَكتب رقْعَة إِلَى كافور، يحلف فِيهَا بِالطَّلَاق وَالْعتاق والأيمان الغليظة، أَنه لَيْسَ ببغاء، وَاحْتج بالمحضر، وَجعل الرقعة طي الْمحْضر.
وَقَالَ فِيهَا: إِنَّه لم يكن يدْفع إِلَيْهِ مَا يدْفع لأجل حفظه فرجه أَو هتكه، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ مُنْقَطع، وغريب، وهارب، ومفارق نعْمَة، وَإِن الله عز وَجل أقدر على قطع أرزاق مرتكبي الْمعاصِي، وَمَا فعل ذَلِك بهم، بل رزقهم، وأمهلهم، وَأمرهمْ بِالتَّوْبَةِ، وَإنَّهُ إِن كَانَ مَا قذف بِهِ صَحِيحا، فَهُوَ تائب إِلَى الله عز وَجل مِنْهُ، وَسَأَلَهُ رد رسمه إِلَيْهِ، وَرفع الْقِصَّة إِلَى كافور.
قَالَ: فَمَا أَدْرِي إِلَى أَي شَيْء انْتهى أمره، إِلَّا أَنه صَار فضيحة وتحدث النَّاس بحَديثه.
وَاتفقَ خروجي من مصر، عقيب ذَلِك، إِلَى حَضْرَة سيف الدولة، فَلَقِيته بحلب، وَجَرت أَحَادِيث المصريين، وَكَانَ يتشوق أَن يسمع حَدِيث صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ، وَيُعْجِبهُ أَن يذكر لَهُ.
(4/64)

قَالَ: فَقلت: من عَجِيب مَا جرى بهَا آنِفا، أَنه كَانَ بهَا رجل يُقَال لَهُ الناضري، وقصصت الْقِصَّة عَلَيْهِ.
فَضَحِك من ذَلِك ضحكًا عَظِيما، وَقَالَ: هَذَا المشئوم بلغ إِلَى مصر؟ فَقلت: نعم.
فَقَالَ لي مُحَمَّد الأسمر النديم: اعْلَم أَن هَذَا الرجل صديقي جدا، وَقد هلك، وافتقر، وَفَارق نعْمَته، فَأحب أَن تخاطب الْأَمِير فِي أمره، عقيب مَا جرى آنِفا، لأعاونك، فَلَعَلَّ الله عز وَجل أَن يفرج عَنهُ.
فَقلت: أفعل.
وَأخذ سيف الدولة يسألني عَن الْأَمر، فَأَعَدْت شَرحه، وَعَاد، فَضَحِك.
فَقلت: أَطَالَ الله بَقَاء مولَايَ الْأَمِير، قد سررت بِهَذَا الحَدِيث، وَيجب أَن يكون لَهُ ثَمَرَة، إِمَّا لي، وَإِمَّا للرجل الَّذِي تركته فضيحة بحلب، بِمَا أخْبرت من قصَّته، زِيَادَة على فضيحته بِمصْر.
فَقَالَ: إِمَّا لَك، فَنعم، وَإِمَّا لَهُ، فَلَا يسْتَحق، فَإِنَّهُ فعل وصنع، وَجعل يُطلق القَوْل فِيهِ.
قَالَ: فَقلت لَهُ: فوائدي من مَوْلَانَا مُتَّصِلَة، وَلست أحتاج مَعَ إنعامه، وترادف إحسانه، إِلَى التَّسَبُّب فِي الْفَوَائِد، وَلَكِن إِن رأى أَن يَجْعَلهَا لهَذَا المفتضح المشئوم.
فَقَالَ: تنفذ إِلَيْهِ سفتجة بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم.
قَالَ: فشكرته الْجَمَاعَة، وخاطبته فِي أَن يَأْذَن لَهُ بالعودة إِلَى وَطنه، ويؤمنه.
قَالَ: فَكتب أَمَانًا لَهُ مؤكدًا، وَأذن لَهُ فِي الْعود.
قَالَ: فغمزني الأسمر فِي الإستزادة.
فَقلت: أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا الْأَمِير، إِن الثَّلَاثَة آلَاف دِرْهَم لَو أنفذت إِلَى
(4/65)

مصر، إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْعود، مَا كفته لمن يحملهُ على نَفسه، لِأَن أَكثر أهل مصر بغاءون، وَقد ضايقوه فِي الناكة، وغلبوه باليسار، فَلَا يصل هُوَ إِلَى شَيْء إِلَّا بالغرم الثقيل.
قَالَ: فأعجبه ذكر أهل مصر بذلك، فَقَالَ: كَيفَ قلت هَذَا يَا أَخ؟ فَقلت: إِن المياسير من أهل مصر، لَهُم العبيد العلوج، يأتونهم، لكل وَاحِد مِنْهُم عدَّة غلْمَان، والمتوسطون، يدعونَ العلوج، والزنوج، الْمَشْهُورين بكبر الأيور، وينفقون عَلَيْهِم أَمْوَالهم، وَلَا يصل الْفَقِير المتجمل إِلَيْهِم.
وَلَقَد بَلغنِي أَيْضا، وَأَنا بِمصْر، أَن رجلا من البغائين بهَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ حكاكه، فَطلب من يَأْتِيهِ، فَلم يقدر عَلَيْهِ، فَخرج إِلَى قَرْيَة، ذكر أَنَّهَا قريبَة من مصر، فَأَقَامَ بهَا.
فَكَانَ إِذا اجتاز بِهِ المجتازون، استغوى مِنْهُم من يختاره لهَذَا الْحَال، فَحَمله على نَفسه.
فَكَانَ يعِيش بالمجتاز بعد المجتاز، ويتمكن من إرضائه بِمَا لَا يُمكنهُ فِي مصر.
فَعَاشَ بذلك بُرْهَة، حَتَّى جَاءَ يَوْمًا بغاء آخر، فسكن مَعَه فِي الْموضع، فَكَانَ إِذا جَاءَ الْغُلَام الَّذِي يصلح لهَذَا الشَّأْن، تنافسا عَلَيْهِ، ففسد على الأول أمره.
فجَاء إِلَى الثَّانِي، فَقَالَ: يَا هَذَا، قد أفسدت أَمْرِي، وأبطلت عَمَلي، وَإِنَّمَا خرجت من مصر، لأجل المنافسة فِي الناكة، وَلَيْسَ لَك أَن تقيم معي هَاهُنَا.
فَقَالَ لَهُ الثَّانِي: سَوَاء العاكف فِيهِ والباد، وَمَا أَبْرَح من هَاهُنَا.
فَقَالَ لَهُ الأول: بيني وَبَيْنك شَيخنَا ابْن الأعجمي الْكَاتِب، رَئِيس البغائين
(4/66)

بِمصْر، وجذبه إِلَى حَضرته، فتحاكما إِلَيْهِ.
فَقَالَ: إِنِّي لما كنت اشْتَدَّ بِي أَمْرِي الَّذِي تعرفه، وَمَنَعَنِي فقري من اتِّخَاذ الناكة بِمصْر، عدلت إِلَى الْموضع الْفُلَانِيّ، فَعمِلت كَذَا، وقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، فجَاء هَذَا، وصنع، وقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، وَشرح لَهُ أمره، فَإِن رَأَيْت أَن تحكم بيني وَبَينه، فاحكم.
فَحكم ابْن العجمي للْأولِ، وَمنع الثَّانِي من الْمقَام، وَقَالَ لَهُ: لَيْسَ لَك أَن تفْسد عَلَيْهِ عمله وناحيته، فاطلب لنَفسك موضعا آخر.
فَكيف يُمكن للناضري، أيد الله مَوْلَانَا الْأَمِير، أَن يَسْتَغْنِي بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم أمرت لَهُ بهَا فِي بلد هَذِه عزة الناكة فِيهِ، وَكَثْرَة البغائين؟ هَذَا لَو كَانَ مُقيما، فَكيف وَقد أَنْعَمت عَلَيْهِ بِالْإِذْنِ فِي الْمسير، وَيحْتَاج إِلَى بغال يركبهَا فِي الطَّرِيق بِأُجْرَة، وَنَفَقَة، وديون عَلَيْهِ يَقْضِيهَا، ومؤن.
قَالَ: فَضَحِك ضحكًا شَدِيدا من حِكَايَة البغائين، وَحكم ابْن العجمي بَينهمَا، وَكَانَ هَذَا من مشهوري كُتّاب مصر.
قَالَ: فاجعلوها خَمْسَة آلَاف دِرْهَم.
قَالَ: فَقلت أَنا والأسمر: فَيَعُود الرجل، أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا الْأَمِير، وَقد أنفقها فِي الطَّرِيق، إِلَى سوء المنقلب؟ وَكَانَ يُعجبهُ أَن يماكس فِي الْجُود، فيجود مَعَ الْمَسْأَلَة، بِأَكْثَرَ مِمَّا يؤمل مِنْهُ، وَلَكِن مَعَ السُّؤَال، وَالدُّخُول عَلَيْهِ مدْخل المزاح فِي ذَلِك، والطيبة، واقتضاء الْغُرَمَاء بَعضهم لبَعض فِي ذَلِك، وَمَا شابهه.
فَقَالَ: قد طولتم عَليّ فِي أَمر هَذَا الْفَاعِل الصَّانِع، أطْلقُوا لَهُ عَن
(4/67)

ضيعته بأسرها، ووقعوا لَهُ بذلك إِلَى الدِّيوَان، وَعَن مستغله، ومروا من فِي دَاره، بِالْخرُوجِ عَنْهَا، وتقدموا لَهُ بِأَن تفرش أحسن من الْفرش الَّذِي نهب لَهُ مِنْهَا لما سخط عَلَيْهِ.
قَالَ: فأكبت الْجَمَاعَة، يقبلُونَ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، ويحلفون أَنهم مَا رَأَوْا، وَلَا سمعُوا، بِمثل هَذَا الْكَرم قطّ، وَيَقُولُونَ: هَذَا مَعَ سوء رَأْيك فِي الرجل، وَسُوء حَدِيثه، فَمَا على وَجه الأَرْض بغاء أقبل على صَاحبه بِسَعْد، مثل هَذَا.
قَالَ: فَضَحِك، ونفذت الْكتب والتوقيعات بِمَا ذكره ورسمه.
فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة، وَأَنا بحلب، جَاءَ الرجل، وَعَاد إِلَى نعْمَته.
(4/68)

رُبمَا تجزع النُّفُوس من الْأَمر لَهُ فُرْجَة كحل العقال
أَخْبرنِي أَبُو بكر أَحْمد بن كَامِل القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو شبيل عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن وَاقد، قَالَ: حَدثنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، قَالَ: خرجت هَارِبا من الْحجَّاج إِلَى مَكَّة، فَبينا أَنا أَطُوف بِالْبَيْتِ، إِذا أَعْرَابِي ينشد:
يَا قَلِيل العزاء فِي الْأَحْوَال ... وَكثير الهموم والأوجال
لَا تضيقنّ فِي الْأُمُور فقد ... يكْشف غماؤها بِغَيْر احتيال
صبّر النَّفس عِنْد كلّ ملمّ ... إنّ فِي الصَّبْر رَاحَة الْمُحْتَال
ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فرجةٌ كحلّ العقال
(4/69)

فَقلت: مَه؟ فَقَالَ: مَاتَ الْحجَّاج.
قَالَ: فَلَا أَدْرِي بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ كنت أسر، بقوله: فُرْجَة، بِفَتْح الْفَاء، أَو بِمَوْت الْحجَّاج.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر بِغَيْر إِسْنَاد فِي بعض الْكتب، وَفِيه: أَن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سمع أَعْرَابِيًا ينشد هَذِه الأبيات:
يَا قَلِيل العزاء فِي الْأَهْوَال ... وَكثير الهموم والأوجال
لَا تضيقنّ فِي الْأُمُور فقد ... تكشف غماؤها بِغَيْر احتيال
صبّر النَّفس عِنْد كلّ مهمّ ... إنّ فِي الصَّبْر حِيلَة الْمُحْتَال
ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحلّ العقال
قيل: والفرجة: من الْفرج، والفرجة: فُرْجَة الْحَائِط.
وَوجدت بِخَط أبي عبد الله بن مقلة، فِي كتاب الأبيات السائرة: قَالَ
(4/70)

أُميَّة بن أبي الصَّلْت:
ربّما تكره النُّفُوس من الشَّيْء ... لَهَا فُرْجَة كحلّ العقال
وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه: روى الْمَدَائِنِي، عَن الْأَصْمَعِي، عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء، قَالَ: كنت مستخفيًا من الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ، فَسمِعت قَائِلا يَقُول: مَاتَ الْحجَّاج
ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحلّ العقال
وَقَالَ القَاضِي: وَوجدت أَنا فِي كتاب الْمَدَائِنِي، كتاب الْفرج بعد الشدَّة والضيقة، هَكَذَا: حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عدنان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى، عَن يُونُس بن حبيب، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: كنت هَارِبا من الْحجَّاج بن يُوسُف، فصرت إِلَى الْيمن، فَسمِعت منشدًا ينشد:
ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فُرْجَة كحلّ العقال
فاستطرفت قَوْله: فُرْجَة، فَأَنا كَذَلِك، إِذْ سَمِعت قَائِلا يَقُول: مَاتَ الْحجَّاج، فَلم أدر بِأَيّ الْأَمريْنِ كنت أَشد فَرحا، بِمَوْت الْحجَّاج، أَو بذلك الْبَيْت.
وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عمر
(4/71)

مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الزَّاهِد، الْمَعْرُوف بِغُلَام ثَعْلَب، قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى، ثَعْلَب، عَن أبي مَنْصُور ابْن أخي الْأَصْمَعِي، عَن أبي عَمْرو ابْن الْعَلَاء، قَالَ: كنت مستخفيًا من الْحجَّاج، وَذَلِكَ أَن عمي كَانَ عَاملا لَهُ، فهرب، فهم بأخذي.
فَبينا أَنا على حَال خوفي مِنْهُ، إِذْ سَمِعت منشدًا ينشد:
ربّما تجزع النُّفُوس من الْأَمر ... لَهَا فُرْجَة كحل العقال
وَذكر الحَدِيث، وَزَاد فِيهِ: أَن ثعلبًا قَالَ: إِن أَبَا عَمْرو كَانَ يقْرَأ: إِلَّا من اغترف غرفَة، وفرجةً، بِفَتْح الْفَاء، شَاهد فِي هَذِه الْقِرَاءَة.
(4/72)

الْوَلِيد بن عبد الْملك يعْفُو عَن القمير التغلبي
وَذكر أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي، فِي كِتَابه، بِغَيْر إِسْنَاد، أَن القمير التغلبي، قَالَ فِي الْوَلِيد بن عبد الْملك
أتنسى يَا وليد بلَاء قومِي ... بمسكَنَ والزبيريّون صيد
أتنسانا إِذا استغنيتَ عنّا ... وتذكرنا إِذا صلّ الْحَدِيد
فَطَلَبه الْوَلِيد، فهرب مِنْهُ.
فَلَمَّا ضَاقَتْ بِهِ الْبِلَاد، وَاشْتَدَّ بِهِ الْخَوْف، أَتَى دمشق مستخفيًا، حَتَّى حضر عشَاء الْوَلِيد، فَدخل مَعَ النَّاس.
فَلَمَّا أكل النَّاس بعض الْأكل، عرف القمير رجل إِلَى جَانِبه، فَأخْبر الْوَلِيد.
فَدَعَا بالقمير، وَقَالَ لَهُ: يَا عَدو الله، الْحَمد لله الَّذِي أمكنني مِنْك بِلَا عقد وَلَا ذمَّة، أَنْشدني مَا قلت.
فَتَلَكَّأَ، ثمَّ أنْشدهُ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: مَا ظَنك بِي؟ فَقَالَ: إِنِّي قلت فِي نَفسِي، إِن أمهلت حَتَّى أَطَأ بساطه، وآكل طَعَامه، فقد أمنت، وَإِن عوجلت قبل ذَلِك فقد هَلَكت، وَقد أمهلت حَتَّى وطِئت بساطك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وأكلت طَعَامك، فقد أمنت.
(4/73)

فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: فقد أمنت، فَانْصَرف راشدًا.
فَلَمَّا ولى، تمثل الْوَلِيد قَائِلا:
شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يستقاد لَهُم ... وَأعظم النَّاس أحلامًا إِذا قدرُوا
(4/74)

مزنة امْرَأَة مَرْوَان الجعديّ تلجأ إِلَى الخيزران جَارِيَة الْمهْدي
حَدثنِي طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الْمُقْرِئ، الشَّاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله الحرمي بن أبي الْعَلَاء، كَاتب القَاضِي أبي عمر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن طَالب الديناري، قَالَ: حَدثنِي الْفضل بن الْعَبَّاس بن يَعْقُوب بن سعيد بن الْوَلِيد بن سِنَان بن نَافِع، مولى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: مَا أتيت زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ الْهَاشِمِي، قطّ، فَانْصَرَفت من عِنْدهَا إِلَّا بِشَيْء وَإِن قل.
وَكَانَ لَهَا وصيفة يُقَال لَهَا: كتاب، فعلقتها.
فَقلت لأبي: أَنا، وَالله، مَشْغُول الْقلب بِكِتَاب، جَارِيَة زَيْنَب.
فَقَالَ لي: يَا بني اطلبها مِنْهَا، فَإِنَّهَا لَا تمنعك إِيَّاهَا.
فَقلت: قد كنت أحب أَن تكون حَاضرا لتعينني عَلَيْهَا.
(4/75)

فَقَالَ: لَيْسَ بك إِلَيّ، وَلَا إِلَى غَيْرِي من حَاجَة.
فَغَدَوْت إِلَيْهَا، فَلَمَّا انْقَضى السَّلَام، قلت: جعلني الله فدَاك، فَكرت فِي حَاجَة، فَسَأَلت أبي أَن يحضر كَلَامي إياك فِيهَا، لأستعين بِهِ، فأسلمني، فَقَالَت: يَا بني، إِن حَاجَة لَا تقضى لَك حَتَّى تحضر أَبَاك فِيهَا، لحَاجَة عَظِيمَة الْقدر.
ثمَّ قَالَت: مَا هِيَ؟ فَقلت: كتاب، وصيفتك، أحب أَن تهبيها لي.
فَقَالَت: أَنْت صبي أَحمَق، اقعد، حَتَّى أحَدثك حَدِيثا، أحسن من كل كتاب على وَجه الأَرْض، وَأَنت من كتاب على وعد.
فَقلت: هَاتِي، جعلني الله فدَاك.
فَقَالَت: كنت، من أول أمس، عِنْد الخيزران، ومجلسي ومجلسها، إِذا اجْتَمَعنَا، فِي عتبَة بَاب الرواق، وبالقرب منا فِي صدر الْمَكَان، برذعة، ووسادتان، ومسانيد، عَلَيْهَا سبنية، لأمير الْمُؤمنِينَ.
وَهُوَ كثير الدُّخُول إِلَيْهَا وَالْجُلُوس عِنْدهَا، فَإِذا جَاءَ جلس فِي ذَلِك الْموضع، وَإِذا انْصَرف، طرحت عَلَيْهِ السبنية إِلَى وَقت رُجُوعه، فَإنَّا لجُلُوس، إِذْ دخلت عَلَيْهَا إِحْدَى جواريها، فَقَالَت: يَا ستي، بِالْبَابِ امْرَأَة مَا رَأَيْت أحسن مِنْهَا وَجها، وَلَا أَسْوَأ حَالا، عَلَيْهَا قَمِيص مَا يستر بعضه موضعا من بدنهَا، إِلَّا انْكَشَفَ مِنْهَا مَوضِع آخر غَيره، تستأذن عَلَيْك.
(4/76)

فالتفتت إِلَيّ، وَقَالَت: مَا تَرين؟ فَقلت: تسألين عَن اسْمهَا، وحالها، ثمَّ تأذنين لَهَا على علم، فَقَالَت الْجَارِيَة: قد وَالله جهدت بهَا كل الْجهد، أَن تفعل، فَمَا فعلت، وأرادت الِانْصِرَاف، فمنعتها.
فَقلت للخيزران: وَمَا عَلَيْك أَن تَأْذَنِي لَهَا، فَأَنت مِنْهَا بَين ثَوَاب ومكرمة، فَأَذنت لَهَا.
فَدخلت امْرَأَة على أَكثر مِمَّا وصفت الْجَارِيَة، وَهِي مستخفية، حَتَّى صَارَت إِلَى عضادة الْبَاب، مِمَّا يليني، وَكنت متكئة.
فَقَالَت: السَّلَام عَلَيْكُم، فَرددْنَا عَلَيْهَا السَّلَام.
ثمَّ قَالَت للخيزران: أَنا مزنة امْرَأَة مَرْوَان بن مُحَمَّد.
قَالَت: فَلَمَّا وَقع اسْمهَا فِي أُذُنِي، استويت جالسة، ثمَّ قلت: مزنة؟ قَالَت: نعم.
قلت: لَا حياك الله، وَلَا قربك، الْحَمد لله الَّذِي أَزَال نِعْمَتك، وأدال عزك، وصيرك نكالًا وعبرة، أتذكرين يَا عدوة الله، حِين أَتَاك عَجَائِز أهل بَيْتِي يسألنك أَن تكلمي صَاحبك فِي إِنْزَال إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد من خشبته، فلقيتيهن ذَلِك اللِّقَاء، وأخرجتيهن ذَلِك الْإِخْرَاج، الْحَمد لله الَّذِي أَزَال نِعْمَتك.
(4/77)

فَضَحكت، وَالله، الْمَرْأَة، حَتَّى كَادَت تقهقه، وبدا لَهَا ثغر، مَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ قطّ.
وَقَالَت: أَي بنت عَم، أَي شَيْء أعْجبك من حسن صنع الله بِي على ذَلِك الْفِعْل، حَتَّى أردْت أَن تتأسي بِي، وَالله، لقد فعلت بنساء أهل بَيْتك، مَا فعلت، فأسلمني الله إِلَيْك جائعة، ذليلة، عُرْيَانَة، فَكَانَ هَذَا مِقْدَار شكرك لله تَعَالَى على مَا أولاك فِي، ثمَّ قَالَت: السَّلَام عَلَيْكُم.
ثمَّ ولت خَارِجَة تمشي خلاف المشية الَّتِي دخلت بهَا.
فَقلت للخيزران: إِنَّهَا مخبأة من الله عز وَجل، وهدية مِنْهُ إِلَيْنَا، وَوَاللَّه، يَا خيزران، لَا يتَوَلَّى إخْرَاجهَا مِمَّا هِيَ فِيهِ أحد غَيْرِي.
ثمَّ نهضت على أَثَرهَا، فَلَمَّا أحست بِي أسرعت، وأسرعت خلفهَا، حَتَّى وافيتها عِنْد السّتْر، ولحقتني الخيزران، فتعلقت بهَا.
وَقلت: يَا أُخْت، المعذرة إِلَى الله، عز وَجل، وَإِلَيْك، فَإِنِّي ذكرت، بمكانك، مَا نالنا من الْمُصِيبَة بصاحبنا، فَكَانَ مني مَا وددت أَنِّي غفلت عَنهُ، وَلم أملك نَفسِي.
وَأَرَدْت معانقتها، فَوضعت يَدهَا فِي صَدْرِي، وَقَالَت: لَا تفعلي، يَا أُخْت، فَإِنِّي على حَال، أصونك من الدنو مِنْهَا.
فرددناها، وَقلت للجواري: ادخلن مَعهَا الْحمام.
وَقلت للمواشط: اذهبن مَعهَا، حَتَّى تصلحن حفافها، وَمَا تحْتَاج إِلَى
(4/78)

إِصْلَاحه من وَجههَا.
فمضت، ومضين مَعهَا، ودعونا بكرسي، وَجَلَسْنَا أَنا والخيزران عَلَيْهِ، فِي صحن الدَّار، نَنْتَظِر خُرُوجهَا.
فَخرجت إِلَيْنَا إِحْدَى المواشط وَهِي تضحك.
فَقلت لَهَا: مَا يضحكك؟ فَقَالَت: يَا ستي، إِنَّا لنرى من هَذِه الْمَرْأَة عجبا.
فَقلت: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَت: نَحن مَعهَا فِي انتهار، وزجر، وخصومة، مَا تفعلين أَنْت، وَلَا ستنا، مثله إِذا خدمناكما.
فَقلت للخيزران: حَتَّى تعلمين، وَالله، يَا أُخْتِي أَنَّهَا حرَّة رئيسة، والحرة لَا تحتشم من الْأَحْرَار.
وَخرجت إِلَيْنَا جَارِيَة أعلمتنا أَنَّهَا قد خرجت من الْحمام، فوجهت إِلَيْهَا الخيزران أَصْنَاف الْخلْع، فتخيرت مِنْهَا مَا لبسته، وبعثنا إِلَيْهَا بِطيب كثير، فتطيبت، ثمَّ خرجت إِلَيْنَا.
فقمنا جَمِيعًا، فعانقناها، فَقَالَت: الْآن، نعم.
ثمَّ جِئْنَا إِلَى الْموضع الَّذِي يجلس فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، فأقعدناها فِيهِ.
ثمَّ قَالَت الخيزران: إِن غداءنا قد تَأَخّر، فَهَل لَك فِي الطَّعَام؟ فَقَالَت: وَالله مَا فيكُن من هِيَ أحْوج إِلَيْهِ مني.
فدعونا بِالطَّعَامِ، فَجعلت تَأْكُل، وتضع بَين أَيْدِينَا، حَتَّى كَأَنَّهَا فِي منزلهَا.
فَلَمَّا فَرغْنَا من الْأكل، قَالَت لَهَا الخيزران: من لَك مِمَّن تعنين بِهِ؟ قَالَت؛ مَا لي وَرَاء هَذَا الْحَائِط أحد من خلق الله تَعَالَى.
(4/79)

فَقَالَت لَهَا الخيزران: فَهَل لَك فِي الْمقَام عندنَا، عَليّ أَن نخلي لَك مَقْصُورَة من المقاصير، ويحول إِلَيْهَا جَمِيع مَا تحتاجين إِلَيْهِ، ويستمتع بَعْضنَا بِبَعْض؟ فَقَالَت: مَا درت إِلَّا على أقل من هَذَا الْحَال، وَإِذ قد تفضل الله، عز وَجل، عَليّ بكما، وبهذه النِّعْمَة، فَلَا أقل من الشُّكْر لأمير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، لكل نعْمَة، ولكما، فافعلي مَا بدالك، وَمَا أَحْبَبْت.
فَقَامَتْ الخيزران، وَقمت مَعهَا، وأقمناها مَعنا، ودخلنا نطوف بالمقاصير، فَاخْتَارَتْ، وَالله، أوسعها، وأحسنها.
فملأتها الخيزران، بالجواري، والوصائف، والخدم، والفرش، والآلات، ثمَّ قَالَت: ننصرف عَنْك، وَعَلَيْك بمنزلك، حَتَّى تصلحيه، فخلفناها فِي الْمَقْصُورَة، وانصرفنا إِلَى موضعنا.
فَقَالَت الخيزران: إِن هَذِه امْرَأَة رئيسة، وَقد عضها الْفقر، وَلَيْسَ يمْلَأ عينهَا إِلَّا المَال، ثمَّ بعثت إِلَيْهَا بِخَمْسَة آلَاف دِينَار، وَمِائَة ألف دِرْهَم.
وَأرْسلت إِلَيْهَا: تكون هَذِه فِي خزانتك، ووظيفتك، ووظيفة حشمك، قَائِمَة فِي كل يَوْم، مَعَ وظيفتنا.
ثمَّ لم نَلْبَث أَن دخل علينا الْمهْدي، فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، لَك، وَالله، عِنْدِي حَدِيث طريف.
فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَحَدَّثته بالْخبر.
فَلَمَّا قلت لَهُ مَا كَانَ مني، من الْوُثُوب عَلَيْهَا، وإسماعها، اقشعر، واصفر.
ثمَّ قَالَ: يَا زَيْنَب، هَذَا مِقْدَار شكرك لِرَبِّك عز وَجل، وَقد أمكنك من عَدوك، وأظفرك بِهِ، على هَذَا الْحَال الَّذِي تَصِفِينَ؟ وَالله، لَوْلَا مَكَانك مني، لحلفت أَن لَا أُكَلِّمك أبدا، أَيْن الْمَرْأَة؟ قَالَت: فوفيته خَبَرهَا، فَالْتَفت إِلَى الخيزران، يصوب فعلهَا، وجزاها خيرا.
(4/80)

ثمَّ قَالَ لخادم بَين يَدَيْهِ: احْمِلْ إِلَيْهَا عشرَة آلَاف دِينَار، ومائتي ألف دِرْهَم، وَبَلغهَا سلامي، وأعلمها أَنه لَوْلَا خوفي من احتشامها لسرت إِلَيْهَا مُسلما عَلَيْهَا، ومخبرًا لَهَا بسروري بهَا، فَقل لَهَا: أَنا أَخُوك، وَجَمِيع مَا ينفذ فِيهِ أَمْرِي، فأمرك فِيهِ نَافِذ مَقْبُول.
قَالَت زَيْنَب: فَإِذا هِيَ قد وَردت إِلَيْنَا مَعَ الْخَادِم، وعَلى رَأسهَا دواج ملحم، حَتَّى جَلَست.
فلقيها الْمهْدي أحسن لِقَاء، فأقعدها عِنْده سَاعَة، تحادثه، ثمَّ انصرفت إِلَى مقصورتها.
فَهَذَا الحَدِيث يَا بني، خير لَك من كتاب.
قَالَ: فَأَمْسَكت.
فَقَالَت لي: قد اغتممت؟ فَقلت لَهَا: مَا أغتم، مَا أبقاك الله عز وَجل لي.
فَقَالَت: اللَّيْلَة توافيك كتاب.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، أنفذت بهَا إِلَيّ، وَمَعَهَا مَا يُسَاوِي أَضْعَاف ثمنهَا من كل صنف من الْحلِيّ، وَالرَّقِيق، وَغير ذَلِك.
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، هَذَا الْخَبَر، فَقَالَ: روى أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه، قَالَ: كنت ألفت زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، أكتب عَنْهَا
(4/81)

أَخْبَار أَهلهَا، وَكَانَت لَهَا وصيفة يُقَال لَهَا: كتاب.
فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ، على خلاف فِي الْأَلْفَاظ يسير، وَالْمعْنَى وَاحِد، لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة، إِلَّا فِي ذكر المَال، فَإِنَّهُ ذكر أَن الَّذِي حَملته الخيزران خمس مائَة ألف دِرْهَم، وَأَن الَّذِي حمله الْمهْدي، ألف ألف دِرْهَم.
وَأَنه لما أَتَاهَا رَسُول الْمهْدي، جَاءَت، فَقَالَت: مَا عَليّ من أَمِير الْمُؤمنِينَ حشمة، وَمَا أَنا إِلَّا من خدمه.
وَأَن زَيْنَب قَالَت فِي أول الْخَبَر: أتذكرين يَا عدوة الله حِين جَاءَك عَجَائِز أَهلِي يسألنك مَسْأَلَة صَاحبك بِالْإِذْنِ لنا فِي دفن صاحبنا إِبْرَاهِيم الإِمَام، فَوَثَبت عَلَيْهِنَّ.
وَوجدت فِي كتاب آخر، هَذَا الْخَبَر، بِمثل هَذَا الْمَعْنى، على خلاف فِي الْأَلْفَاظ، مِنْهَا مَا وجدته فِي كتاب القَاضِي أبي جَعْفَر بن البهلول التنوخي الْأَنْبَارِي، حَكَاهُ عَن الْفضل بن الْعَبَّاس بِمثل هَذَا الْمَعْنى، بِغَيْر إِسْنَاد مُتَّصِل.
(4/82)

فر من إِسْحَاق المصعبي فَوجدَ كنزًا
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أبي الْحُسَيْن عبد الله بن مُحَمَّد الباقطائي، قَالَ: كُنَّا نتعلم، وَنحن أَحْدَاث، فِي ديوَان إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري، ومعنا فَتى من الْكتاب، لَهُ خلق جميل، يعرف بِأبي غَالب.
فزور جمَاعَة من الْكتاب تزويرًا بِمَال أَخَذُوهُ، فَوقف إِسْحَاق على الْخَبَر، فطلبهم، فظفر ببعضهم، فَقطع أَيْديهم، وهرب الْبَاقُونَ.
وَكَانَ فِيمَن هرب، الْفَتى الَّذِي كنت ألزم مَجْلِسه، فَغَاب سِنِين كَثِيرَة، حَتَّى مَاتَ إِسْحَاق.
فَبينا أَنا ذَات يَوْم فِي بعض شوارع بَغْدَاد، فَإِذا بِهِ.
فَقلت: أَبُو غَالب؟ فَقَالَ: نعم، وَإِذا تَحْتَهُ دَابَّة فاره، بسرج محلى، وَثيَاب حَسَنَة.
فَقلت: عرفني حالك؟ قَالَ: فِي الْمنزل.
فسرت مَعَه، فاحتبسني ذَلِك الْيَوْم عِنْده، وَرَأَيْت لَهُ مُرُوءَة حَسَنَة، فَسَأَلته عَن خَبره.
فَقَالَ: لما طلبنا إِسْحَاق، استترت، فَلَمَّا بَلغنِي مَا عَامل بِهِ من كَانَ معي فِي الْجِنَايَة، ضَاقَتْ عَليّ بَغْدَاد، فَخرجت على وَجْهي، خوفًا من عُقُوبَة إِسْحَاق، إِن ظفر بِي.
وَلم أزل مستخفيًا، إِلَى أَن أتيت ديار مصر، أطلب التَّصَرُّف، فَتعذر عَليّ، وتفرق من كَانَ معي، إِلَّا غُلَام وَاحِد.
(4/83)

فرقت حَالي جدا، حَتَّى بِعْت مَا فِي الْبَيْت عَن آخِره، على قلته.
فَأَصْبَحت يَوْمًا، فَقَالَ لي غلامي: أَي شَيْء نعمل الْيَوْم؟ مَا مَعنا حَاجَة.
فَقلت: خُذ مبطنتي بعها، وأشتر لنا مَا نحتاج إِلَيْهِ.
فَخرج الْغُلَام، وَبقيت فِي الدَّار وحدي، أفكر فِيمَا دفعت إِلَيْهِ من الغربة والوحدة، والعطلة، والضيقة، والشدة، وَتعذر الْمَعيشَة وَالتَّصَرُّف، وَكَيف أصنع، وَمِمَّنْ أقترض، فكاد عَقْلِي أَن يَزُول.
فَبينا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بجرذ قد خرج من كوَّة فِي الْبَيْت، وَفِي فَمه دِينَار، فَوَضعه ثمَّ عَاد، فَمَا زَالَ كَذَلِك، حَتَّى أخرج ثَمَانِينَ دِينَارا، فصفها، ثمَّ جعل يتقلب عَلَيْهَا، ويتمرغ، ويلعب.
ثمَّ أَخذ دِينَارا وَدخل إِلَى الكوة، فَخَشِيت إِن تركته أَن يردهَا جَمِيعهَا إِلَى الْموضع الَّذِي أخرجهَا مِنْهُ، فَقُمْت، وَأخذت الدَّنَانِير، وشددتها.
وَجَاء الْغُلَام، وَمَعَهُ مَا قد ابتاعه، فتغدينا، وَقلت لَهُ: خُذ هَذَا الدِّينَار، فابتع لنا فأسًا.
فَقَالَ: مَا نصْنَع بِهِ؟ فَحَدَّثته الحَدِيث، وأريته الدَّنَانِير، وَقلت لَهُ: قد عزمت على أَن أقلع الكوة.
فَفعل مَا أَمرته بِهِ، وأفضى بِنَا الْحفر إِلَى برنية فِيهَا سَبْعَة آلَاف دِينَار.
فأخذتها وأصلحت الْموضع كَمَا كَانَ، وَخرجت إِلَى بَغْدَاد، بعد أَن أخذت بِالْمَالِ سفاتج، وَتركت بعضه معي.
(4/84)

وأنفذت الْغُلَام بالسفاتج إِلَى بَغْدَاد، وأقمت، حَتَّى ورد عَليّ كتاب الْغُلَام بِصِحَّة السفاتج، وَتَحْصِيل المَال فِي بَيْتِي، وَكَانَ إِسْحَاق قد مَاتَ.
فانحدرت إِلَى بَغْدَاد، وابتعت بِالْمَالِ كُله ضَيْعَة، ولزمتها، فأثمرت، ونمت، وَتركت التَّصَرُّف.
(4/85)

أَبُو أُميَّة الْفَرَائِضِي يخلص رجلا من الْقَتْل
وَحكى أَبُو أُميَّة الْفَرَائِضِي، قَالَ: كنت فِي الْوَفْد الَّذِي وَفد على أبي جَعْفَر من أهل الْبَصْرَة، فَلَمَّا مثلنَا بَين يَدَيْهِ، دَعَا بِرَجُل، فَكَلمهُ، ثمَّ أَمر بِضَرْب عُنُقه، فجذب ليقْتل.
فَقلت فِي نَفسِي: يقتل رجل من الْمُسلمين، وَأَنا حَاضر فَلَا أَتكَلّم؟ فَقُمْت، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رَأَيْت أَن تَأمر بالكف عَن قتل هَذَا، حَتَّى أخْبرك بِشَيْء سَمِعت الْحسن يَقُوله.
فَأمر بالكف عَنهُ، وَقَالَ: قل.
قلت: سَمِعت الْحسن يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم: " إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة، جمع الله الْأَوَّلين والآخرين، فِي صَعِيد وَاحِد، ينفذهم الْبَصَر، وَيسْمعهُمْ الْمُنَادِي، ثمَّ يقوم مُنَاد من قبل الله تَعَالَى، فَيَقُول: أَلا من كَانَ لَهُ على الله حق فَليقمْ، فَلَا يقوم إِلَّا من عَفا ".
فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: الله الشَّاهِد عَلَيْك، أَنَّك سَمِعت الْحسن يَقُول ذَلِك؟ قلت: نعم، سمعته يَقُوله، فَعَفَا عَن الرجل، وَأطْلقهُ، فَانْصَرف الرجل وَهُوَ يحمد الله على السَّلامَة.
(4/86)

الْمهْدي يحْتَج على شريك برؤيا رَآهَا فِي الْمَنَام
وَحكى الْحسن بن قَحْطَبَةَ، قَالَ: استؤذن لِشَرِيك بن عبد الله القَاضِي، على الْمهْدي، وَأَنا حَاضر، فَقَالَ: عَليّ بِالسَّيْفِ، فأحضر.
قَالَ الْحسن: فاستقبلتني رعدة لم أملكهَا، وَدخل شريك، فَسلم، فانتضى الْمهْدي السَّيْف، وَقَالَ: لَا سلم الله عَلَيْك يَا فَاسق.
فَقَالَ شريك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن لِلْفَاسِقِ عَلَامَات يعرف بهَا، شرب الْخُمُور، وَسَمَاع المعازف، وارتكاب الْمَحْظُورَات، فعلى أَي ذَلِك وجدتني؟ قَالَ: قتلني الله إِن لم أَقْتلك.
قَالَ: وَلم ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَدمِي حرَام عَلَيْك؟ قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام، كَأَنِّي مقبل عَلَيْك أُكَلِّمك، وَأَنت تكلمني من قفاك، فَأرْسلت إِلَى الْمعبر، فَسَأَلته عَنْهَا، فَقَالَ: هَذَا رجل يطَأ بساطك، وَهُوَ يسر خِلافك.
فَقَالَ شريك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن رُؤْيَاك لَيست رُؤْيا يُوسُف بن يَعْقُوب عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَإِن دِمَاء الْمُسلمين لَا تسفك بالأحلام.
(4/87)

فَنَكس الْمهْدي رَأسه، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ: أَن أخرج، فَانْصَرف.
قَالَ الْحسن: فَقُمْت فلحقته، فَقَالَ: أما رَأَيْت صَاحبك، وَمَا أَرَادَ أَن يصنع؟ فَقلت: اسْكُتْ، لله أَبوك، مَا ظَنَنْت أَنِّي أعيش حَتَّى أرى مثلك.
(4/88)

إِن من الْبَيَان لسحرًا
وَحكى الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ أَحْمد بن أبي داؤد: مَا رَأَيْت رجلا قطّ نزل بِهِ الْمَوْت، وعاينه، فَمَا أدهشه، وَلَا أذهله، وَلَا أشغله عَمَّا كَانَ أَرَادَهُ، وَأحب أَن يَفْعَله، حَتَّى بلغه، وخلصه الله تَعَالَى من الْقَتْل، إِلَّا تَمِيم بن جميل الْخَارِجِي، فَإِنَّهُ كَانَ تغلب على شاطئ الْفُرَات، فَأخذ، وَأتي بِهِ إِلَى المعتصم بِاللَّه.
فرأيته بَين يَدَيْهِ، وَقد بسط لَهُ النطع وَالسيف، فَجعل تَمِيم ينظر إِلَيْهِمَا، وَجعل المعتصم يصعد النّظر فِيهِ، ويصوبه.
وَكَانَ تَمِيم رجلا جميلًا، وسيمًا، جسيمًا، فَأَرَادَ المعتصم أَن يستنطقه، لينْظر أَيْن جنانه وَلسَانه، من منظره ومخبره.
فَقَالَ لَهُ المعتصم: يَا تَمِيم، تكلم، إِن كَانَ لَك حجَّة أَو عذر فأبده.
فَقَالَ: أما إِذْ أذن أَمِير الْمُؤمنِينَ بالْكلَام، فَأَقُول: الْحَمد لله الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه، وَقد خلق الْإِنْسَان من طين، ثمَّ جعل نَسْله من سلالة من مَاء مهين، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، جبر الله بك صدع الدَّين، وَلم شعث الْمُسلمين، وأخمد بك شهَاب الْبَاطِل، وأوضح نهج الْحق، إِن الذُّنُوب تخرس الْأَلْسِنَة، وتعمي الأفئدة، وأيم الله، لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الْحجَّة، وَكبر الجرم،
(4/89)

وساء الظَّن، وَلم يبْق إِلَّا عفوك، أَو انتقامك، وَأَرْجُو أَن يكون أقربهما مني وأسرعهما إِلَيّ، أولاهما بإمامتك، وأشبههما بخلافتك، وَأَنت إِلَى الْعَفو أقرب، وَهُوَ بك أشبه وأليق، ثمَّ تمثل بِهَذِهِ الأبيات:
أرى الْمَوْت بَين السَّيْف والنطع كامنًا ... يلاحظني من حَيْثُمَا أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك الْيَوْم قاتلي ... وأيّ امْرِئ مِمَّا قضى الله يفلت
وَمن ذَا الَّذِي يُدْلِي بعذرٍ وَحجَّة ... وَسيف المنايا بَين عَيْنَيْهِ مصلت
يعزّ على الْأَوْس بن تغلب موقفٌ ... يهزّ عليّ السَّيْف فِيهِ وأسكت
وَمَا جزعي من أَن أَمُوت وإنّني ... لأعْلم أنّ الْمَوْت شَيْء موقّت
ولكنّ خَلْفي صبية قد تَركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أَرَاهُم حِين أنعى إِلَيْهِم ... وَقد خمشوا حرّ الْوُجُوه وصوّتوا
فَإِن عِشْت عاشوا سَالِمين بغبطة ... أذود الْأَذَى عَنْهُم وَإِن متّ موّتوا
فكم قَائِل لَا يبعد الله دَاره ... وَآخر جذلان يسرّ ويشمت
قَالَ: فَتَبَسَّمَ المعتصم، ثمَّ قَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إِن من الْبَيَان لسحرًا» .
ثمَّ قَالَ: يَا تَمِيم كَاد وَالله أَن يسْبق السَّيْف العذل، اذْهَبْ، فقد غفرت لَك الهفوة، وتركتك للصبية، ووهبتك لله ولصبيتك.
ثمَّ أَمر بفك قيوده، وخلع عَلَيْهِ، وَعقد لَهُ على ولَايَة على شاطئ الْفُرَات، وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِينَار.
(4/90)

سقى معن بن زَائِدَة أسراه مَاء فَأَطْلَقَهُمْ لأَنهم أَصْبحُوا أضيافه
وَحكي أَن معن بن زَائِدَة، جِيءَ إِلَيْهِ بِثَلَاث مائَة أَسِير، فَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم، وأحضر السياف، والنطع.
فَقدم وَاحِد مِنْهُم، فَقتل، ثمَّ قدم غُلَام مِنْهُم، وَكَانَ لَهُ فهم وبلاغة.
فَقَالَ: يَا معن، لَا تقتل أسراك وهم عطاش.
فَقَالَ: اسقوهم مَاء، فَشَرِبُوا.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، أتقتل أضيافك؟ فَقَالَ: خلوا عَنْهُم، فأطلقوا كلهم.
(4/91)

فَتى بغدادي قدم للْقَتْل وَسُئِلَ مَا يَشْتَهِي فَطلب رَأْسا حارًّا ورقاقًا
وَحكى مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: حضرت الْعرض فِي مجْلِس الْجَانِب الشَّرْقِي بِبَغْدَاد، أَيَّام نازوك، فَأخْرج خَليفَة نازوك على الْمجْلس جمَاعَة، فَقتل بَعضهم.
ثمَّ أخرج غُلَاما حدث السن، مليح المنظر، فرأيته لما وقف بَين يَدي خَليفَة نازوك، تَبَسم.
فَقلت: يَا هَذَا، أحسبك رابط الجأش، لِأَنِّي أَرَاك تضحك فِي مقَام يُوجب الْبكاء، فَهَل فِي نَفسك شَيْء تشتهيه؟ فَقَالَ: نعم، أُرِيد رَأْسا حارًّا ورقاقًا.
فَسَأَلت صَاحب الْمجْلس أَن يُؤَخر قَتله إِلَى أَن أطْعمهُ ذَلِك، وَلم أزل ألطف
(4/92)

بِهِ، إِلَى أَن أجَاب، وَهُوَ يضْحك مني، وَيَقُول: أَي شَيْء ينفع هَذَا، وَهُوَ يقتل؟ قَالَ: وأنفذت من أحضر الْجَمِيع بِسُرْعَة، واستدعيت الْفَتى، فَجَلَسَ يَأْكُل غير مكترث بِالْحَال، والسياف قَائِم، وَالْقَوْم يقدمُونَ، فَتضْرب أَعْنَاقهم.
فَقلت: يَا فَتى، أَرَاك تَأْكُل بِسُكُون، وَقلة فكر.
فَأخذ قشة من الأَرْض، فَرمى بهَا، رَافعا يَده، وَقَالَ وَهُوَ يضْحك: يَا هَذَا، إِلَى أَن تسْقط هَذِه إِلَى الأَرْض مائَة فرج.
قَالَ: فوَاللَّه، مَا استتم كَلَامه، حَتَّى وَقعت صَيْحَة عَظِيمَة، وَقيل: قد قتل نازوك.
وأغارت الْعَامَّة على الْموضع، فَوَثَبُوا بِصَاحِب الْمجْلس، وكسروا بَاب الْحَبْس، وَخرج جَمِيع من كَانَ فِيهِ.
فاشتغلت أَنا عَن الْفَتى، وَجَمِيع الْأَشْيَاء، بنفسي، حَتَّى ركبت دَابَّتي مهرولًا، وصرت إِلَى الجسر، أُرِيد منزلي.
فوَاللَّه، مَا توسطت الطَّرِيق، حَتَّى أحسست بِإِنْسَان قد قبض على إصبعي بِرِفْق، وَقَالَ: يَا هَذَا، ظننا بِاللَّه، عز وَجل، أجمل من ظَنك، فَكيف رَأَيْت لطيف صنعه.
فَالْتَفت، فَإِذا الْفَتى بِعَيْنِه، فهنأته بالسلامة، فَأخذ يشكرني على مَا فعلته، وَحَال النَّاس والزحام بَيْننَا، وَكَانَ آخر عهدي بِهِ.
(4/93)

أشرف يحيى الْبَرْمَكِي على الْقَتْل فخلصه إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي وَزِير الْهَادِي
وَحكي: أَن مُوسَى الْهَادِي كَانَ قد طَالب أَخَاهُ هَارُون أَن يخلع نَفسه من الْعَهْد، ليصيره لِابْنِهِ من بعده، وَيخرج هَارُون من الْأَمر، فَلم يجب إِلَى ذَلِك.
وأحضر يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، ولطف بِهِ، وداراه، ووعده ومناه، وَسَأَلَهُ أَن يُشِير على هَارُون بِالْخلْعِ، فَلم يجب يحيى إِلَى ذَلِك، ودافعه مُدَّة.
فتهدده وتوعده، وَجَرت بَينهمَا فِي ذَلِك خطوب طَوِيلَة، وأشفى يحيى مَعَه على الْهَلَاك، وَهُوَ مُقيم على مدافعته عَن صَاحبه.
إِلَى أَن اعتل الْهَادِي، علته الَّتِي مَاتَ مِنْهَا، واشتدت بِهِ، فَدَعَا يحيى، وَقَالَ لَهُ: لَيْسَ يَنْفَعنِي مَعَك شَيْء، وَقد أفسدت أخي عَليّ، وقويت نَفسه، حَتَّى امْتنع مِمَّا أريده، وَوَاللَّه لأَقْتُلَنك، ثمَّ دَعَا بِالسَّيْفِ والنطع، وأبرك يحيى، ليضْرب عُنُقه.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان الْحَرَّانِي: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن ليحيى
(4/94)

عِنْدِي يدا، أُرِيد أَن أكافئه عَلَيْهَا، فَأحب أَن تهبه لي اللَّيْلَة، وَأَنت فِي غَد تفعل بِهِ مَا تحب.
فَقَالَ لَهُ: مَا فَائِدَة لَيْلَة؟ فَقَالَ: إِمَّا أَن يَقُود صَاحبه إِلَى إرادتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَو يعْهَد فِي أَمر نَفسه وَولده، فَأَجَابَهُ.
قَالَ يحيى: فأُقمت من النطع، وَقد أيقنت بِالْمَوْتِ، وأيقنت أَنه لم يبْق من أَجلي إِلَّا بَقِيَّة اللَّيْلَة، فَمَا اكتحلت عَيْنَايَ بغمض إِلَى السحر.
ثمَّ سَمِعت صَوت القفل يفتح عَليّ، فَلم أَشك أَن الْهَادِي قد استدعاني للْقَتْل، لما انْصَرف كَاتبه.
وَانْقَضَت اللَّيْلَة، وَإِذا بخادم قد دخل إِلَيّ، وَقَالَ: أجب السيدة.
فَقلت: مَا لي وللسيدة؟ فَقَالَ: قُم، فَقُمْت، وَجئْت إِلَى الخيزران.
فَقَالَت: إِن مُوسَى قد مَاتَ، وَنحن نسَاء، فَادْخُلْ، فَأصْلح شَأْنه، وأنفذ إِلَى هَارُون، فجِئ بِهِ.
فأدخلت، فَإِذا بِهِ مَيتا، فحمدت الله تَعَالَى على لطيف صنعه، وتفريج مَا كنت فِيهِ، وبادرت إِلَى هَارُون، فَوَجَدته نَائِما، فأيقظته.
فَلَمَّا رَآنِي، عجب، وَقَالَ: وَيحك مَا الْخَبَر؟ قلت: قُم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى دَار الْخلَافَة.
فَقَالَ: أَو قد مَاتَ مُوسَى؟ قلت: نعم.
فَقَالَ: الْحَمد لله، هاتوا ثِيَابِي، فَإلَى أَن لبسهَا، جَاءَنِي من عرفني أَنه
(4/95)

ولد لَهُ ولد من مراجل، وَلم يكن عرف الْخَبَر، فَسَماهُ عبد الله، وَهُوَ الْمَأْمُون وَركب، وَأَنا مَعَه، إِلَى دَار الْخلَافَة.
وَمن الْعجب أَن تِلْكَ اللَّيْلَة، مَاتَ فِيهَا خَليفَة، وَجلسَ خَليفَة، وَولد خَليفَة.
(4/96)

رمي من أَعلَى القلعة أَولا وَثَانِيا فنجا وَسلم
وَحكى الشريف أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر الْعلوِي الزيدي، قَالَ: لما حصلت مَحْبُوسًا بقلعة خست بنواحي نيسابور، من فَارس، حِين حَبَسَنِي عضد الدولة بهَا، كَانَ صَاحب القلعة الَّذِي أسلمت إِلَيْهِ يؤنسني بِالْحَدِيثِ.
فَحَدثني يَوْمًا: أَن هَذِه القلعة كَانَت فِي يَد رجل كَانَ رَاعيا بِهَذِهِ الْبِلَاد، ثمَّ صَار قائدًا، واحتوى عَلَيْهَا، فَصَارَت لَهُ معقلًا، وانضم إِلَيْهِ اللُّصُوص، فَصَارَ يُغير بهم على النواحي، فَيخْرجُونَ، ويقطعون الطَّرِيق، وينهبون الْقرى، ويفسدون، ويعودون إِلَى القلعة، فَلَا تمكن فيهم حِيلَة، إِلَى أَن قصدهم أَبُو الْفضل ابْن العميد، وحاصرهم مُدَّة، وافتتحها، وَسلمهَا إِلَى عضد الدولة.
قَالَ: فَكَانَ فِي محاصرة أبي الْفضل لَهُم، رُبمَا نزلُوا وحاربوه، فظفر مِنْهُم
(4/97)

فِي وقْعَة كَانَت بَينه وَبينهمْ بِنَحْوِ خمسين رجلا، فَأَرَادَ قَتلهمْ قتلةً يرهب بهَا من فِي القلعة.
قَالَ: وَهِي على جبل عَظِيم، حياله بِالْقربِ مِنْهُ جبل آخر أعظم مِنْهُ، وَعَلِيهِ نزل أَبُو الْفضل.
فَأمر بالأسارى، فَرمي بهم من رَأس الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ القلعة، فيصل الْوَاحِد مِنْهُم إِلَى الْقَرار قطعا، قد قطعته الأضراس الْخَارِجَة فِي الْجَبَل وَالْحِجَارَة.
فَفعل ذَلِك بجميعهم، حَتَّى بَقِي غُلَام حِين بقل وَجهه، فَلَمَّا طرح وصل إِلَى الأَرْض سالما، فَمَا لحقه مَكْرُوه، وَقد تقطع حَبل كِتَافِهِ، فَقَامَ الْغُلَام يمشي فِي قَيده طَالبا الْخَلَاص.
فَكبر الديلم، وَأهل عَسْكَر أبي الْفضل تعظامًا للصورة، وَكبر أهل القلعة.
فاغتاظ أَبُو الْفضل، وَأمر برد الْغُلَام، فَنزل من جَاءَ بِهِ، فَأمر أَن يكتف ويرمى ثَانِيَة.
فَسَأَلَهُ من حضر أَن يعْفُو عَن الْغُلَام، فَلم يفعل، وألحوا عَلَيْهِ، فَحلف أَنه لَا بُد أَن يطرحه ثَانِيَة، فأمسكوا.
وَطرح الْغُلَام، فَلَمَّا بلغ الْقَرار قَامَ يمشي سالما، وارتفع من التَّكْبِير والتهليل أَضْعَاف مَا ارْتَفع أَولا.
فَقَالَ الْحَاضِرُونَ: هَل بعد هَذَا شَيْء؟ وسألوه الْعَفو عَنهُ، وَبكى بَعضهم.
فاستحى أَبُو الْفضل وَعجب، وَقَالَ: ردُّوهُ آمنا، فَردُّوهُ.
فَأمر بقيوده ففكت، وبثياب فطرحت عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أصدقني عَن سريرتك مَعَ الله، عز وَجل، الَّتِي نجاك بهَا هَذِه النجَاة.
(4/98)

فَقَالَ: مَا أعلم لي حَالا توجب هَذَا، إِلَّا أَنِّي كنت غُلَاما أمردًا، مَعَ أستاذي فلَان، الَّذِي هُوَ أحد من قتل السَّاعَة، وَكَانَ يَأْتِي مني الْفَاحِشَة، ويخرجني مَعَه، فنقطع الطَّرِيق، ونخيف السَّبِيل، ونقتل الْأَنْفس، وننهب الْأَمْوَال، ونهتك الْحرم، ونفجر بِهن، ونأخذ كل مَا نجد، لَا أعرف غير هَذَا.
فَقَالَ لَهُ أَبُو الْفضل: كنت تَصُوم وَتصلي؟ قَالَ: مَا كنت أعرف الصَّلَاة، وَلَا صمت قطّ، وَلَا فِينَا من يَصُوم.
فَقَالَ لَهُ: وَيلك، فَمَا هَذَا الْأَمر الَّذِي نجاك الله بِهِ، فَهَل كنت تَتَصَدَّق؟ قَالَ: وَمن كَانَ يجئنا حَتَّى نتصدق عَلَيْهِ؟ قَالَ: ففكر، وَاذْكُر شَيْئا، إِن كنت فعلته لله عز وَجل، وَإِن قل.
ففكر الْغُلَام سَاعَة، ثمَّ قَالَ: نعم، سلم إِلَيّ أستاذي مُنْذُ سِنِين، رجلا كَانَ أسره فِي بعض الطرقات، بعد أَن أَخذ جَمِيع مَا مَعَه، وَصعد بِهِ إِلَى القلعة.
وَقَالَ لَهُ اشْتَرِ نَفسك بِمَال تستدعيه من بلادك وَأهْلك، وَإِلَّا قتلتك.
فَقَالَ الرجل: مَا أملك من الدُّنْيَا كلهَا غير مَا أَخَذته مني.
فَعَذَّبَهُ أَيَّامًا وَهُوَ لَا يذعن بِشَيْء.
ثمَّ جد بِهِ يَوْمًا فِي الْعَذَاب جدا شَدِيدا، فَحلف الرجل بِاللَّه تَعَالَى، وبالطلاق، وبأيمان غَلِيظَة، أَنه لَا يملك من الدُّنْيَا إِلَّا مَا أَخذه مِنْهُ، وَأَنه لَيْسَ لَهُ فِي بَلَده إِلَّا نَفَقَة جعلهَا لِعِيَالِهِ، قدرهَا نَفَقَة شهر، إِلَى أَن يعود إِلَيْهِم، وَأَن الصَّدَقَة الْآن تحل لَهُ وَلَهُم، واستسلم الرجل للْمَوْت.
فَلَمَّا وَقع فِي نفس أستاذي أَنه صَادِق، قَالَ: انْزِلْ بِهِ، وامض إِلَى الْموقع الْفُلَانِيّ، فاذبحه، وجئني بِرَأْسِهِ.
فَأخذت الرجل، وحدرته من القلعة، فَلَمَّا رَآنِي أعسفه، قَالَ لي: إِلَى أَيْن تمْضِي بِي؟ وَأي شَيْء تُرِيدُ مني؟ فعرفته مَا أَمرنِي بِهِ أستاذي، فَجعل يبكي، ويلطم، ويتضرع، ويسألني أَن لَا أفعل، ويناشدني الله عز وَجل، وَذكر لي
(4/99)

أَن لَهُ بَنَات أطفالًا، لَا كَاد لَهُم وَلَا كاسب سواهُ، وخوفني بِاللَّه عز وَجل، وسألني أَن أطلقهُ.
فأوقع الله تَعَالَى رَحْمَة لَهُ فِي قلبِي، فَقلت لَهُ: إِن لم أرجع إِلَيْهِ برأسك قتلني، ولحقك فقتلك.
فَقَالَ: يَا هَذَا أطلقني أَنْت، وَلَا تعد إِلَى صَاحبك إِلَّا بعد سَاعَة، وأعدو أَنا فَلَا يلحقني، وَإِن لَحِقَنِي، كنت أَنْت قد برأت من دمي، وَصَاحِبك لَا يقتلك مَعَ محبته لَك، فَتكون قد أجرت فِي.
فازدادت رَحْمَتي لَهُ، فَقلت لَهُ: خُذ حجرا، فَأَضْرب بِهِ رَأْسِي، حَتَّى يسيل دمي، وأجلس هَا هُنَا، حَتَّى أعلم أَنَّك قد صرت على فراسخ، ثمَّ أَعُود أَنا إِلَى القلعة.
فَقَالَ: لَا أستحسن أَن أكافئك على خلاصي بِأَن أشجك.
فَقلت: لَا طَرِيق إِلَى خلاصك، وخلاص نَفسِي، إِلَّا هَكَذَا.
فَفعل، وَتَرَكَنِي، وطار عدوا، وَجَلَست فِي موضعي، حَتَّى وَقع لي أَنه صَار على فراسخ كَثِيرَة، وَجئْت إِلَى أستاذي غريقًا بدمائي.
فَقَالَ: مَا بالك، وَأَيْنَ الرَّأْس؟ فَقلت: سلمت إِلَيّ شَيْطَانا، لَا رجلا، مَا هُوَ إِلَّا أَن حصل معي فِي الصَّحرَاء حَتَّى صارعني، فطرحني إِلَى الأَرْض، وشدخني بِالْحِجَارَةِ، كَمَا ترى، وطار يعدو، فَغشيَ عَليّ، فَمَكثت فِي موضعي إِلَى الْآن، فَلَمَّا رقأ دمي، وَرجعت قوتي، جئْتُك.
فَأنْزل خلقا وَرَاءه، فعادوا من غَد، وفتشوا عَلَيْهِ، فَمَا وقفُوا لَهُ على أثر، فَإِن يكن الله تَعَالَى، قد خلصني لشَيْء فعلته، فَلهَذَا.
(4/100)

قَالَ: فَجعله أَبُو الْفضل رَاجِلا على بَابه برزق لَهُ قدر، واصطنعه.
قَالَ لي الشريف: وحَدثني بِهَذَا الْخَبَر جمَاعَة مِمَّن كَانُوا فِي القلعة، وَغَيرهم مِمَّن شاهدوا الْقِصَّة، وَمِنْهُم من أخبر عَمَّن شَاهدهَا، وَوجدت الْخَبَر بعده شَائِعا بِفَارِس.
(4/101)

سقط من علو ألف ذِرَاع ونهض سالما
وَقَرِيب من هَذَا مَا حَدثنِي بِهِ الشريف أَبُو الْحسن، أيده الله، قَالَ: كَانَ رجل بِالْكُوفَةِ، سَمَّاهُ، وأنسيت أَنا اسْمه، مَشْهُور بهَا، يَجِيء إِلَى إِصْبَع خفان، وَهُوَ بِنَاء قديم مَشْهُور بنواحي الْكُوفَة، كالقائم، يُقَال إِنَّه كَانَ مرقبًا للأكاسرة على الْعَرَب، وَهُوَ مجوف، وَفِي دَاخله دَرَجَة، فيصعدها إِلَى أَن يسمو فِيهِ على تسعين ذِرَاعا، ثمَّ لَا يبْقى مَوضِع صعُود لأحد، وَهُنَاكَ سطيح حراس المنارة، وَيقف الْإِنْسَان فِيهِ، وَله منافذ يرى مِنْهَا الْبر، وَتَكون المنافذ إِلَى أَسْفَل صدر الْقَائِم فِيهِ، وعَلى بَاقِي الْبناء قبَّة كالبيضة، لَا يصل إِلَيْهَا من يكون هُنَاكَ، كَمَا تكون رُءُوس المنائر.
(4/102)

وَكَانَ هَذَا الرجل يخرج نَفسه من بعض المنافذ، ويقلب فَيصير فَوق الْبَيْضَة بحذق ولطف قد تعودهما، وَكَانَ قد جعل قَدِيما فَوق الْبَيْضَة حجر مدور كالرحى، لَهُ سفود حَدِيد، لَا يعرف الْغَرَض من تصييره هُنَاكَ لطول الزَّمَان، فيقلب الرجل نَفسه من النافذة، فيقعد فَوق تِلْكَ الرَّحَى، وَكَانَ الْقَائِم مَبْنِيا على حرف النجف، وَطوله إِلَى بطن النجف أَكثر من ألف ذِرَاع أَو نَحوه، فَيصير الرجل عَالِيا علوا عَظِيما، ويعجب النَّاس من ذَلِك، وَيَأْخُذهُ عَلَيْهِ مِنْهُم الْبر.
وَإِن رجلا أَتَاهُ وَهُوَ متنبذ، فَأعْطَاهُ شَيْئا ليصعد للقائم، فَفعل ذَلِك جَارِيا على عَادَته، فلغلبة النَّبِيذ عَلَيْهِ لم يتحرز التَّحَرُّز التَّام لما أخرج نَفسه من أحد المنافذ لينقلب على الرَّحَى، فاضطرب جِسْمه وعلق بالرحى، وَجَاء ليركبه، فانقلع الرَّحَى مَعَه، وهويا جَمِيعًا من ذَلِك الْعُلُوّ المفرط إِلَى بطن النجف، ولثقل الْحجر، وَأَن الرجل لم يكن تَحْتَهُ، مَا سبق الْحجر إِلَى الأَرْض، فتقطع قطعا، وَدخلت الرّيح فِي ثِيَاب الرجل، وَرَآهُ النَّاس فصاحوا، وَكَبرُوا عجبا، وَالرِّيح تحمل الرجل على مهل، حَتَّى طرحته فِي قَرَار النجف، فَقَامَ يمشي، مَا أَصَابَهُ شَيْء أَلْبَتَّة، حَتَّى صعد من مَوضِع سهل أمكنه الصعُود مِنْهُ إِلَى إِصْبَع خفان.
وحَدثني أَن هَذَا شَائِع ذائع بِالْكُوفَةِ، لم يكن فِي عمره، وَلَكِن أخبر بِهِ جمَاعَة كَبِيرَة من شُيُوخ الْكُوفَة.
(4/103)

بَين الْمهْدي وَيَعْقُوب بن دَاوُد
وَقُرِئَ على أبي بكر الصولي، وَأَنا حَاضر أسمع، حَدثكُمْ الْحسن الْعَنْبَري، قَالَ: أَمر الْمهْدي بِيَعْقُوب بن دَاوُد الْكَاتِب، بعد أَن نكبه، أَن يُؤْتى بِهِ إِلَيْهِ، فجَاء، وَقد انتضى لَهُ السَّيْف.
فَقَالَ: يَا يَعْقُوب.
قَالَ: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، تَلْبِيَة مكروب لموجدتك، شَرق بِغَضَبِك.
فَقَالَ: ألم أرفع قدرك وَأَنت خامل، وأسير ذكرك وَأَنت غافل، وألبسك من نعم الله ونعمي، مَا لم أجد عنْدك طَاقَة لحمله، وَلَا قيَاما بشكره، فَكيف رَأَيْت الله أظهر عَلَيْك، ورد كيدك إِلَيْك؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن كنت قلت هَذَا بِعلم ويقين، فَأَنا معترف، وَإِن كَانَ بسعاية الساعين، فَأَنت بِمَا فِي أَكْثَرهَا عَالم، وَأَنا عَائِذ بكرمك، وعميم شرفك.
فَقَالَ: لَوْلَا مَا سبق لَك من رعايتي لاستحقاقك، لألبستك من الْمَوْت قَمِيصًا، اذْهَبُوا بِهِ إِلَى المطبق.
فَذَهَبُوا بِهِ وَهُوَ يَقُول: الِاخْتِلَاط رحم، وَالْوَفَاء كرم، وَمَا على الْعَفو يذم، وَأَنت بالمحاسن جدير، وَأَنا بِالْعَفو خليق.
فَلم يزل مَحْبُوسًا، حَتَّى أطلقهُ الرشيد.
(4/104)

قَالَ الصولي: وَلما أوقع الْمهْدي بِيَعْقُوب بن دَاوُد، أحضر إِسْحَاق بن الْفضل بن عبد الرَّحْمَن الربعِي الْهَاشِمِي.
فَقَالَ لَهُ: أتزعم أَنكُمْ الكبراء من ولد عبد الْمطلب، لِأَن الْحَارِث أَبَاكُم أكبر وَلَده، وَلذَلِك صرت أَحَق بالخلافة مني؟ فَقَالَ إِسْحَاق: على من قَالَ هَذَا، أَو نَوَاه، لعنة الله، وَإِذا صَحَّ عَليّ هَذَا، فاقتلني.
فَقَالَ: يَعْقُوب بن دَاوُد، قَالَ لي هَذَا عَنْك.
فَقلت فِي نَفسِي: يَعْقُوب قد قتل، وَلم أَشك فِي ذَلِك، فقد أمنت من أَن يبهتني.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن واجهني يَعْقُوب بِهَذَا فقد اعْترفت بِهِ.
فأحضر يَعْقُوب مُقَيّدا، فَقَالَ لَهُ: أما أَخْبَرتنِي عَن إِسْحَاق بِكَذَا؟ قَالَ إِسْحَاق: فأحسست، وَالله، بِالْمَوْتِ، إِلَى أَن قَالَ يَعْقُوب: وَالله، مَا قلت لَك هَذَا قطّ.
قَالَ: بلَى وَالله.
قَالَ: لَا وَالله، فاغتاظ الْمهْدي.
فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب: إِن أذكرتك القَوْل فِي هَذَا، تزيل التُّهْمَة عني؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: أَتَذكر يَوْم شاورتني فِي أَمر مصر، فأشرت عَلَيْك بِإسْحَاق.
فَقلت: ذَاك يزْعم أَنه أولى بالخلافة مني، وَقد كَانَ مبارك التركي حَاضرا ذَلِك، فَاسْأَلْهُ، فَذكر الْمهْدي ذَلِك.
ثمَّ أقبل الْمهْدي يوبخ يَعْقُوب على أَفعاله، وَيَعْقُوب يقوم بِالْحجَّةِ.
إِلَى أَن قَالَ لَهُ يَعْقُوب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَتَذكر حَيْثُ أَعْطَيْتنِي عهد الله وميثاقه، وَذمَّة رَسُوله، وَذمَّة آبَائِك، أَن لَا تقتلني، وَلَا تحبسني، وَلَا تضربني
(4/105)

أبدا، وَلَو قتلت مُوسَى وَهَارُون.
قَالَ: فَوَثَبَ الْمهْدي من مَجْلِسه، ورد يَعْقُوب إِلَى حَبسه، وَخرجت أَنا.
(4/106)

جَزَاء الْخِيَانَة
وَحكى أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق التنوخي: أَن رجلا أَمْسَى فِي بعض محَال الْجَانِب الغربي من مَدِينَة السَّلَام، وَمَعَهُ دَرَاهِم لَهَا قدر.
فخاف على نَفسه من الطَّائِف، أَو من بلية تقع عَلَيْهِ، فَصَارَ إِلَى رجل من أهل الْموضع، وَسَأَلَهُ أَن يبيته عِنْده، فَأدْخلهُ.
فَلَمَّا تَيَقّن أَن مَعَه مَالا، حدث نَفسه بقتْله، وَأخذ المَال.
وَكَانَ لَهُ ابْن شَاب، فنومه بحذاء الرجل، فِي بَيت وَاحِد، وَلم يعلم ابْنه مَا فِي نَفسه، وَخرج من عِنْدهمَا، وَقد عرف مكانهما، وطفئ السراج.
فَقدر أَن الابْن انْتقل من مَوْضِعه إِلَى مَوضِع الضَّيْف، وانتقل الضَّيْف إِلَى مَوضِع الابْن، وَجَاء أَبوهُ يطْلب الضَّيْف، فصادف الابْن فِيهِ، وَهُوَ لَا يشك أَنه الضَّيْف، فخنقه، فاضطرب، وَمَات.
وانتبه الضَّيْف باضطرابه، وَعرف مَا أُرِيد بِهِ، فَخرج هَارِبا، وَصَاح فِي الطَّرِيق، ووقف الْجِيرَان على خَبره، وأغاثوه، وَخَرجُوا إِلَيْهِ.
وَأخذ الرجل، فقرر، فَأقر بقتل وَلَده، فحبس، وَأخذ المَال من دَاره، فَرد على الضَّيْف، وَسلم.
(4/107)

الخائن لَا يؤتمن
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقد جرى فِي عصرنا مثل هَذَا، فَحَدثني مُبشر الرُّومِي، قَالَ: لما خرج معز الدولة فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَانْهَزَمَ نَاصِر الدولة من بَين يَدَيْهِ، أنفذني مولَايَ، لأَكُون بِحَضْرَتِهِ، وحضرة أبي جَعْفَر الصَّيْمَرِيّ كَاتبه، وأوصل كتبه إِلَيْهِمَا.
فَسمِعت حَاشِيَة الصَّيْمَرِيّ، يتحدثون: أَنه جَاءَ إِلَيْهِ ركابي من ركابيته، وَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، إِن قتلت لَك نَاصِر الدولة، أَي شَيْء تُعْطِينِي؟ قَالَ لَهُ: ألف دِينَار.
قَالَ: فَأذن لي أَن أمضي وأحتال فِي اغتياله، فَأذن لَهُ.
فَمضى إِلَى أَن دخل عسكره، وَعرف مَوضِع مبيته من خيمته، فرصد الْغَفْلَة حَتَّى دَخلهَا لَيْلًا، وناصر الدولة نَائِم، وبالقرب من مرقده شمعة مشتعلة، وَفِي الْخَيْمَة غُلَام نَائِم.
فَعرف مَوضِع رَأسه من المرقد، ثمَّ أطفأ الشمعة، واستل سكينًا طَويلا مَاضِيا كَانَ فِي وَسطه، وَأَقْبل يمشي فِي الْخَيْمَة، ويتوقى أَن يعثر بالغلام، وَهُوَ يُرِيد مَوضِع نَاصِر الدولة.
فَإلَى أَن وصل إِلَيْهِ انْقَلب نَاصِر الدولة من الْجَانِب الَّذِي كَانَ نَائِما عَلَيْهِ، إِلَى الْجَانِب الآخر، وزحف فِي الْفراش، فَصَارَ رَأسه على الْجَانِب الآخر من
(4/108)

المخاد والفراش، وَبَينه وَبَين الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ مَسَافَة يسيرَة.
وَبلغ الركابي إِلَى الْفراش، وَهُوَ لَا يظنّ إِلَّا أَنه فِيهِ وَأَنه فِي مَكَانَهُ.
فوجأ الْموضع بالسكين بِجَمِيعِ قوته، وَعِنْده أَنه قد أثبتها فِي صدر نَاصِر الدولة، وَتركهَا فِي موضعهَا، وَخرج من تَحت أطناب الْخَيْمَة.
وَصَارَ فِي الْوَقْت إِلَى عَسْكَر معز الدولة، فوصل إِلَيْهِ، فَأخْبرهُ أَنه قتل نَاصِر الدولة، وطالب بالجعالة، فاستشرحه كَيفَ صنع، فشرحه.
فَقَالَ لَهُ: اصبر حَتَّى يرد جواسيسي بِصِحَّة الْخَبَر.
فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْمَيْنِ ورد الجواسيس بأخبار عَسْكَر نَاصِر الدولة، وَمَا يدل على سَلَامَته وَأَن إنْسَانا أَرَادَ أَن يغتاله، فَكَانَ كَيْت وَكَيْت، وَذكر لَهُ خبر السكين.
فأحضر معز الدولة الركابي، وَسلمهُ إِلَى أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد الصَّيْمَرِيّ، الْهِلَالِي، فِيمَا سَمِعت إِذْ ذَاك، وَقَالَ لَهُ: اكْفِنِي أَمر هَذَا الركابي، فَإِن من تجاسر على الْمُلُوك لم يجز أَن آمنهُ على نَفسِي.
فغرقه الصميري سرا.
(4/109)

أَرَادَ ابْن المعتز قتل يحيى بن عَليّ المنجم فَلم يمهله الْقدر
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: كَانَ يحيى بن عَليّ المنجم قد نَاقض أَبَا الْعَبَّاس عبد الله بن المعتز، فِي أشعار جرت بَينهمَا، فِي تَفْضِيل مَا بَين الْعَرَب والعجم، والطالبيين والعباسيين، واشتدت الْحَال بَينهمَا، إِلَى أَن بادأه يحيى بالعداء والهجاء، وَذَلِكَ طَوِيل مَشْهُور، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره.
فَلَمَّا بُويِعَ ابْن المعتز، وأطاعه الْجَيْش، وَجلسَ للنَّظَر فِي الْأُمُور، وَأَشَارَ أهل يحيى عَلَيْهِ بالهرب، وهم هُوَ بِهِ خوفًا من الْقَتْل، أَتَتْهُ رسل ابْن المعتز يطلبونه لِلْبيعَةِ، فَدخل إِلَيْهِ وَهُوَ آيس من الْحَيَاة، فَبَايعهُ، وثار الشَّرّ فِي وَجهه حَتَّى خَافَ أَن يبادره، ثمَّ انْصَرف لاشتغال ابْن المعتز عَنهُ بإحكام الْبيعَة، وَعمل يحيى على التواري وَإِسْلَام النِّعْمَة.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، انْتقض أَمر ابْن المعتز، وكفي يحيى أمره.
وَحكى الصولي فِي كِتَابه كتاب الوزراء قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن إِسْمَاعِيل الجليس، قَالَ: دخل يحيى بن عَليّ المنجم، إِلَى عبد الله بن المعتز،
(4/110)

مُتَقَلِّدًا سَيْفا، وَمَعَهُ ابناه، فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة.
فَقَالَ لَهُ، قَلِيلا قَلِيلا، وَمن حوله يسمع: لَا سلم الله عَلَيْك، يَا كلب، أَلَسْت الهاجي سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والفاخر بعجمك على أَهله؟ وَالله، لأطعمن الطير لحمك.
قَالَ: وَخفت أَن يعجل فيأمر بِهِ، فَجعلت أومئ إِلَى الِانْتِظَار بِهِ، فَسلم، وَلَا أَحسب ذَلِك إِلَّا لِأَنَّهُ كَانَ يعد لَهُ مَا الْقَتْل مَعَه رَاحَة.
ثمَّ قَالَ: كلاب غذتهم نعمتنا، وأشادت بذكرهم خدمتنا، سعوا بِالْبَاطِلِ علينا، وجحدوا إحساننا، وهجوا نَبينَا عَلَيْهِ السَّلَام، حَتَّى إِذا أظلهم الْعَذَاب، وأسلمتهم الحراب، تحَصَّنُوا بالرفض، ومدحوا أهلنا، وأخص النَّاس بِنَا، لتنصرهم علينا طَائِفَة منا، وليتألفوا قلوبًا نفرت عَنْهُم وَلم يعلم الْجَاهِل الْكَافِر، أننا وَبني عمنَا من آل أبي طَالب، لَو افترقنا فِي كل شَيْء تَجْتَمِع النَّاس عَلَيْهِ، مَا افترقنا فِي أَن الثالب لسيدنا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَافِر، والفاخر عَلَيْهِ فَاجر، وَأَنا جَمِيعًا نرى قَتله، ونستحل دَمه.
فَمَا زلنا نسكن مِنْهُ ونحتال للْعُذْر عَنهُ وَجها، وَهُوَ لَا يقبل، ويعنفنا، وَيَقُول: لَيْسَ بِمُسلم من خَالف قولي هَذَا.
وأنشدني يحيى بن عَليّ، لنَفسِهِ، بعد أَن قتل ابْن المعتز:
نفخت فِي غير فَحم ... يَا قَاطعا كلّ رحم
لمّا تألّيت بغيًا ... أَن تطعم الطير لحمي
حميت مِنْك فَصَارَ ... الْمُبَاح مَا كنت تَحْمِي
فَاذْهَبْ إِلَى النَّار فازحم ... سكّانها أيّ زحم
(4/111)

قَالَ الصولي: وَلما ولي أَبُو الْحسن بن الْفُرَات الوزارة الأولى، دخل عَلَيْهِ يحيى بن عَليّ فأنشده قصيدة، يهنيه بهَا، وَذكرهَا الصولي، فَمِنْهَا مِمَّا يدْخل فِي هَذَا الْمَعْنى، قَوْله:
وَلَيْسَ وزارة الْخُلَفَاء نهبًا ... وَلَيْسَ خلَافَة الرَّحْمَن عاره
تجلّت غبرة كنّا أصبْنَا ... بهَا والمسلمون على إباره
فأعقبنا الزَّمَان رضى بسخطٍ ... وأبدلنا الْحَلَاوَة بالمراره
(4/112)

الْحجَّاج بن خَيْثَمَة ينصح الْحسن بن سهل
حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الْوراق الْمَعْرُوف بالصيرفي، ابْن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَثْرَم الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ بِالْبَصْرَةِ فِي الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة بِكِتَاب المبيضة لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبيد الله بن عمار، فِي خبر أبي السَّرَايَا الْخَارِج بالطالبيين بعد مقتل الْأمين، وَشرح غَلَبَة الطالبيين وَأَصْحَاب أبي السَّرَايَا على الْكُوفَة، وَالْبَصْرَة، وَأكْثر السوَاد، والحرمين، واليمن، والأهواز، وَغير ذَلِك، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان النَّوْفَلِي، قَالَ: لما انْصَرف الطالبيون عَن الْبَصْرَة، تفَرقُوا، فتوارى بَعضهم بِبَغْدَاد وَبَعْضهمْ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ فِيمَن توارى زيد بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، فَطَلَبه الْحسن طلبا شَدِيدا حَتَّى دلّ على مَوْضِعه، فَأرْسل إِلَيْهِ من هجم عَلَيْهِ فَأتى بِهِ، ثمَّ جلس مَجْلِسا عَاما من أَجله، ودعا بِهِ، فأنبه، ووبخه، وَقَالَ: قتلت النَّاس، وسفكت دِمَاء الْمُسلمين، وَفعلت، وَفعلت.
ثمَّ أقبل على من حَضَره من النَّاس والهاشميين وَغَيرهم، وَقَالَ: مَا ترَوْنَ فِيهِ؟ فأمسكوا جَمِيعًا.
(4/113)

وانبرى لَهُ قثم بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان، فَقَالَ: أرى أَيهَا الْأَمِير أَن تضرب عُنُقه، وَدَمه فِي عنقِي.
فَأمر بِهِ الْحسن، فَشد رَأسه بالحبل، وانتضي لَهُ السَّيْف، وَلم يبْق إِلَّا أَن يُومِئ بِالضَّرْبِ، فَيضْرب.
إِذْ صَاح الْحجَّاج بن خَيْثَمَة، وَهِي أمه، وَقد حضر الْمجْلس ذَلِك الْيَوْم، قَالَ: وَهُوَ رجل من أهل الْبَصْرَة لَهُ قدر، وَأمه أُخْت عبيد الله بن سَالم مولى بلقين، وَكَانَ الرشيد جعل إِلَيْهِ أَمر الصواري والبارجات، وَكَانَت لَهُ فِي نَفسه هيأة وَحَال وسرو، فَاحْتمل أَن يُولى هَذَا، وَكَانَت حَاله، بعد، حَالا حَسَنَة، وَقدره غير وضيع.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، إِن رَأَيْت أَن لَا تعجل، وَأَن تَدعُونِي إِلَيْك، فَإِن لَك عِنْدِي نصيحة.
فَفعل الْحسن، وَأمْسك الَّذِي بِيَدِهِ السَّيْف، واستدناه.
فَلَمَّا دنا، قَالَ: أَيهَا الْأَمِير، أَتَاك بِمَا تُرِيدُ فعله أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَكَانَ قد عهد إِلَيْك، إِذا ظَفرت بِهَذَا الرجل أَن تقتله، واستأمرت بِهِ بعد ظفرك بِهِ، فأمرك بذلك؟ قَالَ: لَا ذَا وَلَا ذَا.
قَالَ: أتقتل ابْن عَم أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن غير أمره، وَلَا استطلاع رَأْيه فِيهِ؟ قَالَ: ثمَّ حَدثهُ بِحَدِيث عبد الله بن الْأَفْطَس، وَأَن الرشيد حَبسه عِنْد جَعْفَر بن يحيى، فأقدم عَلَيْهِ، فَقتله من غير أمره، وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ، مَعَ هَدَايَا النيروز، وَأَن الرشيد لما أَمر مَسْرُورا الْكَبِير بقتل جَعْفَر، قَالَ لَهُ: إِذا سَأَلَك
(4/114)

عَن ذَنبه الَّذِي أَقتلهُ من أَجله، فَقل لَهُ: إِنَّمَا أَقْتلك بِابْن عمي ابْن الْأَفْطَس الَّذِي قتلته من غير أَمْرِي.
ثمَّ قَالَ الْحجَّاج لِلْحسنِ: أفتأمن أَيهَا الْأَمِير حَادِثَة تحدث بَيْنك وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ فيحتج عَلَيْك بِمثل مَا احْتج بِهِ الرشيد على جَعْفَر؟ فجزاه خيرا، وَأمر أَن يرفع عَن زيد السَّيْف، وَأَن يرد إِلَى محبسه فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى ظهر أَمر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، فجد أهل بَغْدَاد بالْحسنِ بن سهل فأخرجوه مِنْهَا.
قَالَ: وَكَانَ حَبسه عِنْد الطّيب بن يحيى، وَكَانَ صَاحب حرسه، قَالَ: وَحبس مَعَه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْجَعْفَرِي، أَخا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد صَاحب الْبَصْرَة، فضيق عَلَيْهِمَا محبسهما حَتَّى جَعلهمَا فِي سفينة، وأطبق عَلَيْهَا ألواحًا، وَجعل لَهَا فتحا يدْخل مِنْهُ الطَّعَام وَالشرَاب، وَعِنْدَهُمَا دن مَقْطُوع الرَّأْس يحدثان فِيهِ، فَإِذا كَاد يمتلئ، أخرج فَرمي مَا فِيهِ، ثمَّ رد.
فَلم يزل ذَلِك حَالهمَا، حَتَّى بَايع الْمَأْمُون لعَلي بن مُوسَى الرِّضَا، فَكتب إِلَى الْحسن فِي إطلاقهما، فَفعل الْحسن ذَلِك.
(4/115)

يحيى الْبَرْمَكِي يغري الرشيد بِجَعْفَر بن الْأَشْعَث
وَحدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن الْأَثْرَم، فِي هَذَا الْكتاب، فِي خبر مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس بن عمار، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن النَّوْفَلِي، وَهُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن الْحَارِث بن نَوْفَل، قَالَ: حَدثنِي أبي، أَن بَدْء سعي يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، على مُوسَى بن جَعْفَر، كَانَ سَببه وضع الرشيد ابْنه مُحَمَّدًا فِي حجر جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث، فسَاء ذَلِك يحيى، وَقَالَ: إِذا مَاتَ الرشيد، وأفضى الْأَمر إِلَى وَلَده مُحَمَّد انْقَضتْ دَوْلَتِي، ودولة وَلَدي، وتحول الْأَمر إِلَى جَعْفَر وَولده، وَقد كَانَ عرف مَذْهَب جَعْفَر فِي التَّشَيُّع، فأظهر لَهُ إِنَّه على مذْهبه، فَلَمَّا أنس بِهِ جَعْفَر، أفْضى إِلَيْهِ بِجَمِيعِ أمره، وَذكر لَهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي مُوسَى بن جَعْفَر.
وَكَانَ الرشيد يرْعَى لَهُ مَوْضِعه، وَمَوْضِع أَبِيه من الْخُلَفَاء، فَكَانَ يقدم فِي
(4/116)

أمره وَيُؤَخر، وَيحيى لَا يألو أَن يحطب عَلَيْهِ، إِلَى أَن دخل يَوْمًا على الرشيد، وَجرى بَينهمَا حَدِيث، فمت جَعْفَر بخدمته وخدمة أَبِيه، فَأمر لَهُ بِعشْرين ألف دِينَار، فَأمْسك يحيى أَيَّامًا، ثمَّ قَالَ للرشيد: قد كنت أخْبرك عَن جَعْفَر ومذهبه، فأكذب عَنهُ، وَهَا هُنَا أَمر فِيهِ الْفَصْل، إِنَّه لَا يصير إِلَيْهِ مَال إِلَّا أخرج خمسه فَوجه بِهِ إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر، وَلست أَشك أَنه فعل ذَلِك فِي الْعشْرين ألف دِينَار الَّتِي أمرت لَهُ بهَا.
فَأرْسل الرشيد إِلَى جَعْفَر لَيْلًا يستدعيه، وَقد كَانَ جَعْفَر عرف سِعَايَة يحيى عَلَيْهِ، مساسًا للعداوة، فَلَمَّا طرق جعفرًا رَسُول الرشيد لم يشك أَنه سمع من يحيى فِيهِ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ مَاء، ودعا بمسك وكافور، وتحنط بهما، وَلبس بردة، وَأَقْبل إِلَى الرشيد، فَلَمَّا دنا مِنْهُ ليخاطبه، شم مِنْهُ رَائِحَة الكافور، وَرَأى الْبردَة، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جَعْفَر؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد علمت أَنه يسْعَى عَليّ عنْدك، فَلَمَّا جَاءَنِي رَسُولك فِي هَذِه السَّاعَة، علمت أَنَّك أرْسلت إِلَيّ لتقتلني.
قَالَ: كلا، وَلَكِن أخْبرت أَنَّك تبْعَث إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر من كل مَا يصير إِلَيْك بخمسه، وَأَنَّك قد فعلت ذَلِك فِي الْعشْرين ألف دِينَار، وأحببت أَن أعلم ذَلِك.
(4/117)

فَقَالَ جَعْفَر: الله أكبر، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مر بعض خدمك يذهب فيأتيك بهَا بخاتمها.
فَقَالَ الرشيد لبَعض الخدم: خُذ خَاتم جَعْفَر وَانْطَلق حَتَّى تَأتي بِهَذَا المَال، وأسمى لَهُ جَارِيَته الَّتِي مَاله عِنْدهَا، فَدفعت إِلَيْهِ الْبَدْر بخواتمها، فَأتى بهَا إِلَى الرشيد.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا أول مَا تعرف بِهِ كذب من سعى بِي إِلَيْك.
فَقَالَ: صدقت، انْصَرف آمنا، فَإِنِّي لَا أقبل فِيك، بعد هَذَا قَول أحد.
(4/118)

هَب مجرم قوم لوافدهم
حَدثنَا عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: بَلغنِي عَن الْعُرْيَان بن الْهَيْثَم، عَن أَبِيه.
أَن عبيد الله بن زِيَاد، وَجهه إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة، رَسُولا فِي حَاجته فَدخل، فَإِذا خارجي بَين يَدي يزِيد يخاطبه.
فَقَالَ لَهُ الْخَارِجِي فِي بعض مَا خاطبه: يَا شقي.
فَقَالَ: وَالله لأَقْتُلَنك، فَرَآهُ يُحَرك شَفَتَيْه.
فَقَالَ: مَاذَا الَّذِي تَقول؟ قَالَ: أَقُول:
عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إنّه ... لَهُ كلّ يَوْم فِي خليقته أَمر
إِذا اشتدّ عسر فارج يسرا فإنّه ... قضى الله أنّ الْعسر يتبعهُ الْيُسْر
فَقَالَ: أَخْرجَاهُ، فاضربا عُنُقه.
وَدخل الْهَيْثَم بن الْأسود، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأخْبر بِالْأَمر.
فَقَالَ: كفا عَنهُ قَلِيلا، حَتَّى أَدخل، فَدخل.
(4/119)

فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَب مجرم قوم لوافدهم.
فَقَالَ: هُوَ لَك.
فَأخذ الْهَيْثَم بِيَدِهِ، فَأخْرجهُ، والخارجي يَقُول: الْحَمد لله، تَعَالَى على الله، فأكذبه، وغالب الله، فغلبه.
(4/120)

ضراوة الْحجَّاج على الْقَتْل
قتل الْحجَّاج عَامَّة يَوْمه الأسرى من أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنَا رجل كَانَ من أُسَارَى الْحجَّاج، من أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث يَوْم الزاوية، قَالَ: جعل الْحجَّاج، يقتل عَامَّة الأسرى، وَبقيت منا جمَاعَة قَليلَة، وَأتي بِرَجُل ليضْرب عُنُقه، فَقَالَ: يَا حجاج، وَالله لَئِن كُنَّا أسأنا فِي الْفِعْل، فَمَا أَحْسَنت فِي الْعقُوبَة، وَإِن كُنَّا لؤمنا فِي الْجِنَايَة، فَمَا كرمت فِي الْعَفو.
فَقَالَ: ردُّوهُ، فَرد.
فَقَالَ: أَخْبرنِي كَيفَ قلت؟ فَأَعَادَ الْكَلَام.
فَقَالَ الْحجَّاج: صدقت، وَالله، أُفٍّ لهَذِهِ الْجِيَف، أما كَانَ فِيهَا أحد ينبهنا كَمَا نبهنا هَذَا؟ أطْلقُوا عَنهُ، وَعَن بَاقِي الأسرى.
فأطلقوا.

قتل جَمِيع أسراه إِلَّا وَاحِدًا
وَذكر الْمَدَائِنِي فِي كِتَابه، قَالَ: أُتِي الْحجَّاج بِقوم مِمَّن خَرجُوا عَلَيْهِ، فَأمر بهم فَقتلُوا، وأقيمت الصَّلَاة، وَقد بَقِي مِنْهُم رجل وَاحِد.
فَقَالَ الْحجَّاج لعنبسة: انْصَرف بِهَذَا مَعَك، واغد بِهِ عَليّ.
(4/121)

قَالَ عَنْبَسَة: فَخرجت بِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق، قَالَ لي: هَل فِيك خير يَا فَتى؟ قلت: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: إِنِّي، وَالله الْعَظِيم، مَا خرجت على الْمُسلمين قطّ وَلَا استحللت قِتَالهمْ، وَعِنْدِي ودائع وأموال، فتخلى عني، حَتَّى آتِي أَهلِي فأرد على كل ذِي حق حَقه، وَأَجْعَل لَك عهد الله عز وَجل، أَنِّي أرجع إِلَيْك من غَد.
فتعجبت مِنْهُ، وتضاحكت بِهِ.
فمضينا سَاعَة، فَأَعَادَ القَوْل عَليّ، فَقلت لَهُ: إذهب، فَذهب.
فَلَمَّا توارى عني شخصه، أسقط فِي يَدي، فَأتيت أَهلِي وَأَخْبَرتهمْ الْخَبَر، فَقَالُوا: لقد اجترأت على الْحجَّاج.
وَبت بأطول لَيْلَة، فَلَمَّا طلع الْفجْر، إِذا أَنا بِهِ قد جَاءَ.
فَقلت: أرجعت؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، جعلت الله عز وَجل، لَك كَفِيلا، ثمَّ لَا أرجع؟ قَالَ: فَانْطَلَقت بِهِ إِلَى الْحجَّاج.
فَقَالَ: أَيْن أسيرك؟ فَقلت: بِالْبَابِ، أصلح الله الْأَمِير، وَقد كَانَت لي وَله قصَّة.
قَالَ: مَا هِيَ؟ فَأَخْبَرته الْخَبَر، وأدخلته عَلَيْهِ.
فَقَالَ لي: أَتُحِبُّ أَن أهبه لَك؟ قلت: نعم.
قَالَ: هُوَ لَك.
فَأَخْرَجته معي، وَقلت لَهُ: خُذ أَي طَرِيق شِئْت، فَرفع طرفه إِلَى السَّمَاء، وَقَالَ: الْحَمد لله، وَانْصَرف، وَمَا كلمني بِكَلِمَة.
فَقلت فِي نَفسِي: هَذَا مَجْنُون.
(4/122)

فَلَمَّا كَانَ من غَد، أَتَانِي، فَقَالَ: يَا هَذَا، جَزَاك الله خيرا، وَالله مَا جهلت مَا صنعت، وَلَكِنِّي كرهت أَن أشرك فِي حمد الله تَعَالَى أحدا.

احْتج لقَتله بأتفه حجَّة فخلصه الله مِنْهُ بِأَهْوَن سَبِيل
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد السَّرخسِيّ الْمُؤَدب، قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب، عَن أبي نصر ابْن أُخْت الْأَصْمَعِي، عَن خَاله الْأَصْمَعِي، قَالَ: جلس الْحجَّاج يَوْمًا يَأْكُل، وَمَعَهُ على الْمَائِدَة مُحَمَّد بن عُمَيْر بن عُطَارِد ابْن حَاجِب بن زُرَارَة التَّمِيمِي، وحجار بن أبجر الْعجلِيّ، فَأقبل فِي وسط الطَّعَام على مُحَمَّد بن عُمَيْر، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، يَدْعُوك قُتَيْبَة بن مُسلم إِلَى نصرتي يَوْم رستقباذ، فَتَقول: هَذَا أَمر لَا نَاقَة لي فِيهِ وَلَا جمل!! يَا حرسي
(4/123)

خُذ بِيَدِهِ، فَاضْرب عُنُقه.
فجذب سَيْفه، وَأخذ بيد مُحَمَّد بن عُمَيْر فأقامه.
وحانت من الْحجَّاج التفاتة، فَنظر إِلَى حجار بن أبجر يتبسم، فدخلته العصبية، وَكَانَ مَكَان حجار من ربيعَة، كمكان مُحَمَّد بن عُمَيْر من مُضر.
فَقَالَ الْحجَّاج: يَا حرسي، شم سَيْفك.
وَجِيء بفرنية، فَقَالَ للخباز: إجعلها مِمَّا يَلِي مُحَمَّدًا، فَإِن اللَّبن يُعجبهُ.
(4/124)

أَمر الْخَلِيفَة بِضَرْب عُنُقه ثمَّ لم يلبث أَن عَفا عَنهُ
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء: حَدثنِي الباقطائي، قَالَ: انْصَرف إِلَيْنَا يَوْمًا أَحْمد بن إِسْرَائِيل، وَهُوَ فِي نِهَايَة القلق والاغتمام وَكَأَنَّهُ ميت.
فَسَأَلته عَن خَبره، فَذكر أَن رجلا يعرف بالقاسم بن شعْبَان الحائك صَار إِلَى بَاب المستعين بِبَغْدَاد، وَعَلِيهِ جُبَّة صوف، وعمامة صوف، وخفان أَحْمَرَانِ، وَفِي يَده عكاز معقد، فصاح: معتز يَا مَنْصُور، وَأَن من على بَاب الْعَامَّة تعلقوا بِهِ، وَأدْخل الدَّار، فَسئلَ عَن خَبره، فَادّعى عَليّ أَنِّي أَمرته بِهَذَا، وَأَن يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ، فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِضَرْب عنقِي، فاستوهبت مِنْهُ، وَعرف أَمر الْحَائِط، فَعرف أَنه علم، وَحمل عَليّ بِمَا قَالَه، فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى أنطاكية.
ثمَّ عَاد مَعنا، واستقام أمره.
(4/125)

حسن ظَنّه بِاللَّه أَنْجَاهُ من الْقَتْل وَأطْلقهُ من السجْن
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: حبس رجل قد وَجب عَلَيْهِ حد، فَلَمَّا رفع خَبره، أَمر بِضَرْب عُنُقه.
قَالَ الْمخبر: فَدخلت إِلَى الْحَبْس إِلَى رجل بيني وَبَينه صُحْبَة، لأعرف خَبره، فَرَأَيْت الَّذِي أَمر بِضَرْب عُنُقه يلْعَب بالنرد.
فَقلت للَّذي دخلت عَلَيْهِ، وَأَنا لَا أعلم أَن قد أَمر بِضَرْب عنق ذَلِك الرجل: مَا أفرغ قلب هَذَا، يلْعَب بالنرد وَهُوَ مَحْبُوس.
فَقَالَ: إِن أطرف من هَذَا أَنه قد أَمر بِضَرْب عُنُقه، وَقد عرف بذلك، فَهُوَ ذَا ترى حَاله.
قَالَ: فازددت تَعَجبا، وفطن الرجل لما نَحن فِيهِ، فَأخذ بِيَدِهِ فصًا من فصوص النَّرْد فرفعه، وَقَالَ: إِلَى أَن يسْقط هَذَا إِلَى الأَرْض، مائَة ألف فرج، وَرمى بالفص من يَده.
قَالَ: فَخرجت، وَأَنا متعجب مِنْهُ، مفكر فِي قَوْله.
فَمَا أمسينا ذَلِك الْيَوْم، حَتَّى شغب الْجند، وَفتحت السجون، وَخرج من كَانَ فِيهَا، وَالرجل فيهم، وَسلمهُ الله تَعَالَى من الْقَتْل.
(4/126)

الْبَاب التَّاسِع
من شَارف الْمَوْت بحيوان مهلك رَآهُ فَكف الله ذَلِك بِلُطْفِهِ ونجاه
آلى على نَفسه أَن لَا يَأْكُل لحم فيل أبدا
حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد الشَّاهِد الْمَعْرُوف بِابْن الطَّبَرِيّ، قَالَ: حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد الْخُلْدِيِّ الصُّوفِي، قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم الْخَواص الصُّوفِي، رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ: ركبت الْبَحْر مَعَ جمَاعَة من الصُّوفِيَّة، فَكسر بِنَا الْمركب، فنجا منا قوم على لوح من خشب الْمركب.
فوقفنا على سَاحل لَا نَدْرِي فِي أَي مَكَان هُوَ، فَأَقَمْنَا فِيهِ أَيَّامًا لَا نجد مَا نقتاته،
(4/129)

فأحسسنا بِالْمَوْتِ، وأيقنا بتلفنا من الْجُوع لَا محَالة.
فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض: تَعَالَوْا نجْعَل لله تَعَالَى على أَنْفُسنَا أَن نَدع لَهُ شَيْئا، فَلَعَلَّهُ أَن يَرْحَمنَا فيخلصنا من هَذِه الشدَّة.
فَقَالَ بَعْضنَا: أَصوم الدَّهْر كُله.
وَقَالَ الآخر: أُصَلِّي كل يَوْم كَذَا وَكَذَا رَكْعَة.
وَقَالَ بَعْضنَا: أدع لذات الدُّنْيَا، إِلَى أَن قَالَ كل وَاحِد مِنْهُم شَيْئا، وَأَنا سَاكِت.
فَقَالُوا: قل أَنْت الآخر شَيْئا.
فَلم يجر على لساني إِلَّا أَن قلت: أَنا لَا آكل لحم فيل أبدا.
فَقَالُوا: مَا هَذَا القَوْل فِي مثل هَذَا الْحَال؟ فَقلت: وَالله، لم أتعمد هَذَا، وَلَكِنِّي مُنْذُ بدأتم فعاهدتم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَأَنا أعرض على نَفسِي أَشْيَاء كَثِيرَة فَلَا تطاوعني بِتَرْكِهَا، وَلَا خطر ببالي شَيْء أَدَعهُ لله تَعَالَى، وَلَا مر على قلبِي غير الَّذِي لفظت بِهِ، وَمَا أجري هَذَا على لساني إِلَّا لأمر.
فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، قَالَ أَحَدنَا: لم لَا نطوف هَذِه الأَرْض مُتَفَرّقين فنطلب قوتًا، فَمن وجد شَيْئا أنذر بِهِ البَاقِينَ، والموعد هَذِه الشَّجَرَة.
قَالَ: فتفرقنا فِي الطّواف، فَوَقع بَعْضنَا على ولد فيل صَغِير، فلوح بَعْضنَا لبَعض فَاجْتَمَعْنَا، فَأَخذه أَصْحَابنَا، واحتالوا فِيهِ حَتَّى شووه وقعدوا يَأْكُلُون.
فَقَالُوا لي: تقدم وكل مَعنا.
فَقلت: أَنْتُم تعلمُونَ أَنِّي مُنْذُ سَاعَة تركته لله عز وَجل، وَمَا كنت لأرجع فِيهِ، وَلَعَلَّ ذَلِك قد جرى على لساني من ذكري لَهُ، هُوَ سَبَب موتِي من بَيْنكُم، لِأَنِّي مَا أكلت شَيْئا مُنْذُ أَيَّام، وَلَا أطمع فِي شَيْء آخر، وَلَا يراني الله عز وَجل أنقض عَهده، وَلَو مت جوعا، فاعتزلتهم وَأكل أَصْحَابِي.
وَأَقْبل اللَّيْل، فأويت إِلَى أصل شَجَرَة كنت أَبيت عِنْدهَا، وتفرق أَصْحَابِي للنوم.
(4/130)

فَلم يكن إِلَّا لَحْظَة، وَإِذا بفيل عَظِيم قد أقبل وَهُوَ ينعر، والصحراء تتدكدك بنعيره وَشدَّة سَعْيه، وَهُوَ يطلبنا.
فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض: قد حضر الْأَجَل، فتشهدوا، فأخذنا فِي الاسْتِغْفَار وَالتَّسْبِيح، وَطرح الْقَوْم نُفُوسهم على وُجُوههم.
فَجعل الْفِيل يقْصد وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْهُم، فيتشممه من أول جسده إِلَى آخِره، فَإِذا لم يبْق مِنْهُ موضعا إِلَّا شمه، شال إِحْدَى قوائمه فوضعها عَلَيْهِ ففسخه.
فَإِذا علم أَنه قد تلف، قصد إِلَى آخر فَفعل بِهِ مثل فعله بِالْأولِ.
إِلَى أَن لم يبْق غَيْرِي، وَأَنا جَالس منتصب أشاهد مَا جرى وَأَسْتَغْفِر الله عز وَجل وأسبح.
فقصدني الْفِيل، فحين قرب مني، رميت بنفسي على ظَهْري فَفعل بِي من الشم كَمَا فعل بِأَصْحَابِي، ثمَّ عَاد فشمني دفعتين أَو ثَلَاثًا، وَلم يكن فعل ذَلِك بِأحد مِنْهُم غَيْرِي، وروحي فِي خلال ذَلِك تكَاد تخرج فَزعًا.
ثمَّ لف خرطومه عَليّ، وشالني فِي الْهَوَاء، فظننته يُرِيد قَتْلِي، فجهرت بالاستغفار.
ثمَّ لفني بخرطومه فجعلني فَوق ظَهره، فانتصبت جَالِسا، وَاجْتَهَدت فِي حفظ نَفسِي بموضعي.
وَانْطَلق الْفِيل، يُهَرْوِل تَارَة، وَيسْعَى تَارَة، وَأَنا تَارَة أَحْمد الله تَعَالَى على تَأْخِير الْأَجَل وأطمع فِي الْحَيَاة، وَتارَة أتوقع أَن يثور بِي فَيَقْتُلنِي، فأعاود الاسْتِغْفَار، وَأَنا أقاسي فِي خلال ذَلِك من الْأَلَم والجزع لشدَّة سرعَة سعي الْفِيل أمرا عَظِيما.
فَلم أزل على ذَلِك، إِلَى أَن طلع الْفجْر وانتشر ضوءه، فَإِذا بِهِ قد لف خرطومه عَليّ.
فَقلت: قد دنا الْأَجَل وَحضر الْمَوْت، وَأَكْثَرت من الاسْتِغْفَار.
فَإِذا بِهِ قد أنزلني عَن ظَهره بِرِفْق، وَتَرَكَنِي على الأَرْض، وَرجع إِلَى الطَّرِيق
(4/131)

الَّتِي جَاءَ مِنْهَا، وَأَنا لَا أصدق.
فَلَمَّا غَابَ عني، حَتَّى لَا أسمع لَهُ حسا، خَرَرْت سَاجِدا لله تَعَالَى، فَمَا رفعت رَأْسِي حَتَّى أحسست بالشمس.
فَإِذا أَنا على محجة عَظِيمَة، فمشيت نَحْو فرسخين، فانتهيت إِلَى بلد كَبِير، فدخلته.
فَعجب أَهله مني، وسألوني عَن قصتي، فَأَخْبَرتهمْ بهَا، فزعموا أَن الْفِيل قد سَار بِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مسيرَة أَيَّام، واستطرفوا سلامتي.
فأقمت عِنْدهم حَتَّى صلحت من تِلْكَ الشدَّة الَّتِي قاسيتها، وتندى بدني، ثمَّ سرت عَنْهُم مَعَ التُّجَّار، فركبت فِي مركب، وَرَزَقَنِي الله السَّلامَة، إِلَى أَن عدت إِلَى بلدي.
(4/132)

لقْمَة بلقمة
حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن بكر الْخُزَاعِيّ البسطامي، صَاحب ابْن دُرَيْد، وَكَانَ زوج ابْنَته الغرانقة، وَكَانَ شَيخا من أهل الْأَدَب والْحَدِيث، قد استوطن الأهواز سِنِين، وَكَانَ ملازمًا لأبي رَحمَه الله، يتفقده ويبره، قَالَ: كَانَ لامْرَأَة ابْن، فَغَاب عَنْهَا غيبَة طَوِيلَة، وأيست مِنْهُ.
فَجَلَست يَوْمًا تَأْكُل، فحين كسرت اللُّقْمَة وأهوت بهَا إِلَى فِيهَا وقف بِالْبَابِ سَائل يستطعم، فامتنعت من أكل اللُّقْمَة، وحملتها مَعَ تَمام الرَّغِيف فتصدقت بهَا، وَبقيت جائعة يَوْمهَا وليلتها.
فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام يسيرَة حَتَّى قدم ابْنهَا، فَأَخْبرهَا بشدائد عَظِيمَة مرت بِهِ.
وَقَالَ: أعظم مَا جرى عَليّ أَنِّي كنت مُنْذُ أَيَّام أسلك فِي أجمة فِي الْموضع الْفُلَانِيّ، إِذْ خرج عَليّ أَسد، فَقبض عَليّ من على ظهر حمَار كنت رَاكِبه، وغار الْحمار، ونشبت مخالب الْأسد فِي مرقعة كَانَت عَليّ، وَثيَاب تحتهَا وجبة، فَمَا وصل إِلَى بدني كَبِير شَيْء من مخالبه، إِلَّا أَنِّي تحيرت ودهشت وَذهب أَكثر عَقْلِي، وَهُوَ يحملني حَتَّى أدخلني أجمة كَانَت هُنَاكَ، وبرك عَليّ يفترسني.
فَرَأَيْت رجلا عَظِيم الْخلق، أَبيض الْوَجْه وَالثيَاب، قد جَاءَ حَتَّى قبض على الْأسد من غير سلَاح، وشاله وخبط بِهِ الأَرْض.
(4/133)

وَقَالَ: قُم يَا كلب، لقْمَة بلقمة، فَقَامَ الْأسد يُهَرْوِل، وثاب إِلَيّ عَقْلِي.
فطلبت الرجل، فَلم أَجِدهُ، وَجَلَست بمكاني سَاعَات، إِلَى أَن رجعت إِلَيّ قوتي، ثمَّ نظرت إِلَى نَفسِي، فَلم أجد بهَا بَأْسا، فمشيت حَتَّى لحقت بالقافلة الَّتِي كنت فِيهَا، فتعجبوا لما رأوني، فحدثتهم حَدِيثي، وَلم أدر مَا معنى قَول الرجل: لقْمَة بلقمة.
فَنَظَرت الْمَرْأَة، فَإِذا هُوَ وَقت أخرجت اللُّقْمَة من فِيهَا، فتصدقت بهَا.
(4/134)

كفى بالأجل حارسًا
وجدت فِي دفتر عَتيق، أعطانيه أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف الْأَزْرَق رَحمَه الله، وَأَخْبرنِي أَنه بِخَط عَمه أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن البهلول الْأَنْبَارِي رَحمَه الله، أَحَادِيث من النَّوَادِر عَن ابْن زنبور، مِمَّا صَار إِلَيْنَا، وَلم أسمعهُ مِنْهُ، وَكَانَ فِيهَا حَدِيث يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، قَالَ: حَدثنَا الْحَارِث بن مرّة، قَالَ: حَدثنَا يزِيد الرقاشِي، قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْخضر، وَكَانَ أحد أُمَنَاء القَاضِي بِبَغْدَاد، ويخلف الْقُضَاة الْغَيْب بِحَضْرَة قَاضِي الْقُضَاة وَغَيرهم، قَالَ: حَدثنِي صديق لي أَثِق بِهِ، قَالَ: خرجت إِلَى الحائر فِي أَيَّام الحنبلية، أَنا وَجَمَاعَة متخفين، فَلَمَّا صرنا فِي أجمة بنقيا، قَالَ لي رَفِيق فيهم: يَا فلَان، إِن نَفسِي تُحَدِّثنِي أَن السَّبع يخرج، فيفترسني من دون الْجَمَاعَة، فَإِن كَانَ ذَلِك فَخذ حماري وَمَا عَلَيْهِ فأده إِلَى عيالي.
فَقلت: هَذَا استشعار رَدِيء، يجب أَن تتعوذ بِاللَّه مِنْهُ، وتضرب عَن الْفِكر فِيهِ.
فَمَا مضى على هَذَا إِلَّا شَيْء يسير حَتَّى خرج الْأسد، فحين رَآهُ الرجل سقط عَن حِمَاره، فَأَخذه وَدخل بِهِ الأجمة.
(4/135)

وسقت أَنا الْحمار، وأسرعت مَعَ الْقَافِلَة، وَبَلغت الحائر، وزرنا، ورجعنا إِلَى بَغْدَاد.
فاسترحت فِي بَيْتِي أَيَّامًا، ثمَّ أخذت الْحمار وَجئْت بِهِ إِلَى منزله، لأسلمه إِلَى عِيَاله، فدققت الْبَاب، فَخرج إِلَيّ الرجل بِعَيْنِه.
فحين رَأَيْته طَار عَقْلِي وَشَكَكْت فِيهِ، فعانقني، وَبكى وبكيت.
فَقلت: حَدثنِي حَدِيثك.
فَقَالَ: إِن السَّبع سَاعَة أَخَذَنِي جرني إِلَى الأجمة، ثمَّ سَمِعت صَوت شَيْء، وَرَأَيْت الْأسد قد خلاني وَمضى، ففتحت عَيْني، فَإِذا الَّذِي سَمِعت صَوت خِنْزِير، وَإِذا السَّبع لما رَآهُ عنّ لَهُ أَن يتركني، وَمضى فصاده وبرك عَلَيْهِ يفترسه وَأَنا أشاهده، إِلَى أَن فرغ مِنْهُ، ثمَّ خرج من الأجمة وَغَابَ عني.
فسكنت، وتأملت حالتي، فَوجدت مخاليبه قد وصلت إِلَى فَخذي وصُولا قَلِيلا، وقوتي قد عَادَتْ.
فَقلت: لأي شَيْء جلوسي هَاهُنَا؟ فَقُمْت أَمْشِي فِي الأجمة، أطلب الطَّرِيق، فَإِذا بجيف نَاس، وبقر، وغنم، وَعِظَام باليات، وآثار من قد فرسهم الْأسد.
فَمَا زلت أتخطاهم، حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى رجل قد أكل الْأسد بعض جسده، وَبَقِي أَكْثَره، وَهُوَ طري، وَفِي وَسطه هميان قد تخرق بعضه وَظَهَرت مِنْهُ دَنَانِير.
فتقدمت، فجمعتها، وَقطعت الْهِمْيَان، وَأخذت جَمِيع مَا فِيهِ، وتتبعتها، حَتَّى لم يبْق مِنْهَا شَيْء.
وقويت نَفسِي، وأسرعت فِي الْمَشْي، وَطلبت الجادة فَوَقَعت عَلَيْهَا، واستأجرت حمارا، وعدت إِلَى بَغْدَاد، وَلم أمض إِلَى الزِّيَارَة، لِأَنِّي خشيت أَن تسبقوني، فتذكروا خبري لأهلي، فَيصير عِنْدهم مأتم، فسبقتكم، وَأَنا أعالج
(4/136)

فَخذي، وَإِذا من الله عَليّ بالعافية عدت إِلَى الزِّيَارَة.
وَقد حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث، غير وَاحِد من أهل بَغْدَاد، بقريب من هَذِه الْعبارَة.
وَبَلغنِي عَن أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن مقلة، أَنه كَانَ قَالَ: كنت بالموصل مَعَ المتقي لله وَأَنا وزيره إِذْ ذَاك فَأَتَانِي سَلامَة، أَخُو نجح الطولوني، بفيج مَعَه كتب، فَقَالَ: اسْمَع مَا يَقُول هَذَا، فَإِنَّهُ طريف.
فدعوته، وَقلت: قل.
فَقَالَ: خرجت من بَغْدَاد أريدكم، وَمَعِي رَفِيق لي، فيج من أهل بلد،
(4/137)

فَأَعْطَانِي لما صرنا بَين تكريت وَالسّن دَرَاهِم كَانَت مَعَه، وَقَالَ لي: إِن نَفسه تحدثه أَن الْأسد يخرج فيفترسه.
وَذكر قَرِيبا من هَذَا الحَدِيث.
(4/138)

ألجأته الضرورات إِلَى ركُوب الْأسد
حَدثنِي أَبُو جَعْفَر أصبغ بن أَحْمد، وَكَانَ يحجب أَبَا مُحَمَّد المهلبي رَحمَه الله، قبل وزارته، فَلَمَّا ولي الوزارة كَانَ يصرفهُ فِي الاستحثاث على الْعمَّال، وَفِي الْأَعْمَال الَّتِي يتَصَرَّف فِيهَا الْعمَّال الصغار، قَالَ: كنت بشيراز مَعَ أبي الْحسن عَليّ بن خلف بن طناب، وَهُوَ يتَوَلَّى عمالتها يَوْمئِذٍ.
فجَاء مستحث من الْوَزير، يُطَالِبهُ بِحمْل الْأَمْوَال، وَكَانَ أحد الْعمَّال الأكابر، وَقد كُوتِبَ بإكرامه.
فَأحْضرهُ أول يَوْم طَعَامه وَشَرَابه، فَامْتنعَ من مؤاكلته، وَذكر أَن لَهُ عذرا.
فَقَالَ: لَا بُد أَن تَأْكُل.
(4/139)

فَأكل بأطراف أَصَابِعه، وَلم يخرج يَده من كمه.
فَلَمَّا كَانَ فِي غَد، قَالَ عَليّ بن خلف لحاشيته: ليدعه كل يَوْم وَاحِد مِنْكُم، فَكَانُوا يَدعُونَهُ، وَيدعونَ بَعضهم بَعْضًا، فَكَانَت صورته فِي الْأكل وَاحِدَة.
فَقَالُوا: لَعَلَّ بِهِ برصًا أَو جذامًا.
إِلَى أَن بلغت النّوبَة إِلَيّ، فدعوته، ودعوت الْحَاشِيَة، وَجَلَسْنَا نَأْكُل، وَهُوَ يَأْكُل مَعنا على هَذِه الصُّورَة، فَسَأَلته إِخْرَاج يَده والانبساط فِي الْأكل، فَامْتنعَ عَن إِخْرَاج يَده.
فَقلت لَهُ: يلحقك تنغيص بِالْأَكْلِ هَكَذَا، فأخرجها على أَي شَيْء كَانَ بهَا، فَإنَّا نرضى بِهِ.
قَالَ: فكشفها، فَإِذا فِيهَا وَفِي ذراعه أَكثر من خمسين ضَرْبَة، بَعْضهَا مندمل، وَبَعضهَا فِيهِ بَقِيَّة، وَعَلَيْهَا أدوية، وَهِي على أقبح منظر.
فَأكل مَعنا غير محتشم، وَقدم الشَّرَاب فشربنا، فَلَمَّا أَخذ مِنْهُ الشَّرَاب، سألناه عَن سَبَب تِلْكَ الضربات.
فَقَالَ: هُوَ أَمر طريف أَخَاف أَن لَا أصدق فِيهِ.
فَقلت: لَا بُد أَن تتفضل بذلك.
فَقَالَ: كنت عَام أول قَائِما بِحَضْرَة الْوَزير، فَسلم إِلَيّ كتابا إِلَى عَامل دمشق، ومنشورًا، وَأَمرَنِي بالشخوص إِلَيْهِ، وإرهاقه بالمطالبة بِحمْل الْأَمْوَال، ورسم لي أَن أخرج على طَرِيق السماوة لأتعجل، وَكتب إِلَى عَامل هيت بإنفاذي مَعَ خفارة.
فَلَمَّا حصلت بهيت، استدعى الْعَامِل جمَاعَة من عدَّة من أَحيَاء الْعَرَب،
(4/140)

وسلمني إِلَيْهِم، وَأَعْطَاهُمْ مَالا على ذَلِك، وَأشْهد عَلَيْهِم بتسلمي، واحتاط فِي أَمْرِي.
وَكَانَت هُنَاكَ قافلة تُرِيدُ الْخُرُوج مُنْذُ مُدَّة، وتتوقى الْبَريَّة، فأنسوا بِي، وسألوني أَن آخذ مِنْهُم لنَفْسي مَالا، وللخفراء الْأَعْرَاب مَالا، وأدخلهم فِي الخفارة، ويسيرون معي، فَفعلت ذَلِك، فصرنا قافلة عَظِيمَة.
وَكَانَ معي من غلماني مِمَّن يحمل السِّلَاح نَحْو عشْرين غُلَاما، وَفِي حمالي الْقَافِلَة والتجار جمَاعَة يحملون السِّلَاح أَيْضا.
فرحلنا عَن هيت، وسرنا فِي الْبَريَّة ثَلَاثَة أَيَّام بليالها، فَبينا نَحن نسير إِذْ لاحت لنا خيل.
فَقلت للأعراب: مَا هَذِه الْخَيل؟ فَمضى مِنْهُم قوم إِلَيْهِم ثمَّ عَادوا كالمنهزمين.
فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ قوم من بني فلَان بَيْننَا وَبينهمْ شَرّ وقتال، وَنحن طلبتهم، وَلَا ثبات لنا مَعَهم، وَلَا يمكننا خفارتكم مَعَهم، وركضوا منصرفين، وَبَقينَا متحيرين، فَلم أَشك أَنهم كَانُوا من أهلهم، وَأَنَّهُمْ فعلوا ذَلِك بمواطأة علينا.
فَجمعت الْقَافِلَة، وشجعت أَهلهَا وغلماني، وضممت بَعْضهَا إِلَى بعض، وأمرتهم بِحمْل السِّلَاح، وَلأمة الْحَرْب، فصرنا حول الْقَافِلَة من خَارِجهَا متساندين إِلَيْهَا كالدائرة.
وَقلت لمن معي: لَو كَانَ هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ أَمْوَالنَا وَيدعونَ جمالنا لننجو عَلَيْهَا كَانَ هَذَا أسهل، وَلَكِن الْجمال وَالدَّوَاب أول مَا تُؤْخَذ، ونتلف نَحن فِي الْبَريَّة ضَيْعَة وعطشًا، فاعملوا على أَن نُقَاتِل، فَإِن هزمناهم سلمنَا، وَإِن قتلنَا كَانَ أسهل من الْمَوْت بالعطش.
فَقَالُوا: نَفْعل.
وغشينا الْقَوْم، فقاتلناهم من انتصاف النَّهَار إِلَى أَن حجز اللَّيْل بَيْننَا، وَلم يقدروا علينا، وقتلنا عدَّة خيل، وجرحنا مِنْهُم جمَاعَة، وَمَا ظفروا منا بِعَوْرَة، وَبَاتُوا بِالْقربِ منا حنقين علينا.
(4/141)

وتفرق النَّاس للْأَكْل وَالصَّلَاة، وَاجْتَهَدت بهم أَن يجتمعوا، ويبيتوا تَحت السِّلَاح، فخالفوني، وَكَانُوا قد كلوا وتعبوا، ونام أَكْثَرهم.
فغشيتنا الْخَيل، فَلم يكن عندنَا امْتنَاع، فوضعوا فِينَا السيوف، وَكنت أَنا الْمَطْلُوب خَاصَّة، لما شاهدوه من تدبيري الْقَوْم برأيي، وَعَلمُوا أَنِّي رَئِيس الْقَافِلَة، فقطعوني بِالسُّيُوفِ، ولحقتني هَذِه الْجِرَاحَات كلهَا، وَفِي بدني أضعافها.
قَالَ: وَقد كشف لنا عَن أَكثر جسده، فَإِذا بِهِ أَمر عَظِيم هالنا، وَلم نره فِي بشر قطّ.
قَالَ: وَكَانَ فِي أَجلي تَأْخِير، فرميت نَفسِي بَين الْقَتْلَى، لَا أَشك فِي تلفي، وَسَاقُوا الْجمال والأمتعة وَالْأسَارَى.
فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، أَفَقْت، فَوجدت فِي نَفسِي قُوَّة، والعطش قد اشْتَدَّ بِي، فَلم أزل أتحامل، حَتَّى قُمْت أطلب فِي الْقَافِلَة سطيحة قد أفلتت، أشْرب مِنْهَا، فَلم أجد شَيْئا.
وَرَأَيْت الْقَتْلَى والمجروحين الَّذين هم فِي آخر رَمق، وَسمعت من أنينهم مَا أَضْعَف نَفسِي، وأيقنت بالتلف.
وَقلت: غَايَة مَا أعيش إِلَى أَن تطلع الشَّمْس.
فتحاملت أطلب شَجَرَة أَو محملًا قد أفلت، لأجعله ظلًا لي من الشَّمْس إِذا طلعت.
فَإِذا أَنا قد عثرت بِشَيْء لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فِي الظلمَة، فَإِذا أَنا منبطح عَلَيْهِ بطولي وَطوله.
فثار من تحتي، وعانقته، وَقدرته رجلا من الْأَعْرَاب، فَإِذا هُوَ أَسد.
فحين علمت ذَلِك طَار عَقْلِي، وَقلت: إِن استرخيت افترمني، فعانقت
(4/142)

رقبته بيَدي، ونمت على ظَهره، وألصقت بَطْني بظهره، وَجعلت رجْلي تَحت مخصاه وَكَانَت دمائي تجْرِي، فحين داخلني ذَلِك الْفَزع الْعَظِيم رقأ الدَّم، وعلق شعر الْأسد بأفواه أَكثر الْجِرَاحَات، فَصَارَ سدادًا لَهَا، وعونًا على انْقِطَاع الدَّم، لِأَنِّي حصلت كالملتصق عَلَيْهِ.
وَورد على الْأسد مني، أطرف مِمَّا ورد عَليّ مِنْهُ وَأعظم، وَأَقْبل يجْرِي تحتي كَمَا تجْرِي الْفرس تَحت الرَّاكِب الْقوي، وَأَنا أحس بروحي تخرج، وأعضائي تتقصف من شدَّة جريه، وَلم أَشك أَنه يقْصد أجمة بِالْقربِ فيلقيني إِلَى لبوته فتفترسني.
فَجعلت أضبط نَفسِي مَعَ ذَلِك وأؤمل الْفرج، وأدافع الْمَوْت عَاجلا، وَكلما هم أَن يربض ركضت خصاه برجلي فيطير، وَأَنا أعجب من نَفسِي ومطيتي، وأدعو الله عز وَجل، وَأَرْجُو الْحَيَاة مرّة، وَمرَّة آيس من نَفسِي.
إِلَى أَن ضَرَبَنِي نسيم السحر، فَقَوِيت نَفسِي، وَأَقْبل الْفجْر يضيء، فتذكرت طُلُوع الشَّمْس فَجَزِعت، ودعوت الله تَعَالَى، وتضرعت إِلَيْهِ.
فَمَا كَانَ بأسرع من أَن سَمِعت صَوتا ضَعِيفا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، ثمَّ قوي، فشبهته بِصَوْت ناعورة، والأسد يجْرِي، وَقَوي الصَّوْت، فَلم أَشك فِي أَنه ناعورة.
ثمَّ صعد الْأسد إِلَى تل، فَرَأَيْت مِنْهُ بَيَاض مَاء الْفُرَات وَهُوَ جَار، وناعورة تَدور، والأسد يمشي على شاطئ الْفُرَات بِرِفْق، إِلَى أَن وجد مشرعة، فَنزل مِنْهَا إِلَى المَاء، وَأَقْبل يسبح ليبعد.
(4/143)

فَقلت لنَفْسي: مَا قعودي، لَئِن لم أتخلص هُنَا، لَا تخلصت أبدا.
فَمَا زلت أرْفق بِهِ، حَتَّى تخلصت، وَسَقَطت عَنهُ، وسبحت منحدرًا، وَأَقْبل هُوَ يشق المَاء عرضا.
فَمَا سبحت إِلَّا قَلِيلا، حَتَّى وَقعت عَيْني على جَزِيرَة، فقصدتها، وحصلت فِيهَا، وَقد بطلت قوتي، وَذهب عَقْلِي، فطرحت نَفسِي عَلَيْهَا كالتالف.
فَلم أحس إِلَّا بَحر الشَّمْس قد أنبهني، فَرَجَعت أطلب شَجَرَة رَأَيْتهَا فِي الجزيرة، لأستظل بهَا من الشَّمْس، فَرَأَيْت الْأسد مقعيًا على شاطئ الْفُرَات حِيَال الجزيرة، فَقل فزعي مِنْهُ.
وأقمت مستظلًا بِالشَّجَرَةِ، أشْرب من ذَلِك المَاء، إِلَى الْعَصْر، فَإِذا أَنا بزورق منحدر، فَصحت بهم، فوقفوا فِي وسط المَاء.
فَقلت: يَا قوم، احْمِلُونِي مَعكُمْ، وارحموني.
فَقَالُوا: أَنْت دسيس اللُّصُوص.
فأريتهم جراحاتي، وَحلفت لَهُم أَنه مَا فِي الجزيرة بعلمي أحد سواي، وأومأت لَهُم إِلَى الْأسد، وَقلت لَهُم: قصتي طريفة، وَإِن تجاوزتموني كُنْتُم أَنْتُم قد قتلتموني، فَالله، الله، فِي أَمْرِي، فوقفوا، فَأتوا، فحملوني.
فَلَمَّا حصلت فِي الزورق، ذهب عَقْلِي، فَمَا أَفَقْت إِلَّا فِي الْيَوْم الثَّانِي، فَإِذا عَليّ ثِيَاب نظاف، وَقد غسلت جراحاتي، وَجعل فِيهَا الزَّيْت والأدوية، وَأَنا بِصُورَة الْأَحْيَاء.
فَسَأَلَنِي أهل الزورق عَن حَالي، فحدثتهم.
وبلغنا إِلَى هيت، فأنفذت إِلَى الْعَامِل من عرفه خبري، فَجَاءَنِي من حَملَنِي إِلَيْهِ.
وَقَالَ: مَا ظَنَنْت أَنَّك أفلت، فَالْحَمْد لله على السَّلامَة.
وَقَالَ لي: كَيفَ هَذَا الَّذِي جرى لَك؟ فَحَدَّثته الحَدِيث من أَوله إِلَى آخِره، فتعجب عجبا شَدِيدا، وَقَالَ: بَين الْموضع الَّذِي قطع علكيم الطَّرِيق، وَبَين الْموضع الَّذِي حملك أهل الزورق مِنْهُ
(4/144)

مَسَافَة أَرْبَعِينَ فرسخًا على غير محجة.
فأقمت عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ أَعْطَانِي نَفَقَة، وثيابًا، وزورقًا، فَجئْت إِلَى بَغْدَاد، فَمَكثت أعالج جراحاتي عشرَة أشهر حَتَّى صرت هَكَذَا.
ثمَّ خرجت وَقد افْتَقَرت، وأنفقت جَمِيع مَا كَانَ فِي بَيْتِي، فَلَمَّا قُمْت بَين يَدي الْوَزير، رق لي، وَأطلق لي مَالا، وأخرجني إِلَيْكُم.
(4/145)

القرد وَامْرَأَة القراد
حَدثنِي عَليّ بن نظيف الْمُتَكَلّم، الْمَعْرُوف بشهدانجة، وَسَعِيد بن عبد الله السَّمرقَنْدِي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ، عَمَّن حَدثهمَا: إِنَّه بَات فِي سطح خَان، فِي بعض الْأَسْفَار، وَمَعَهُمْ قراد، وَمَعَهُ قرد، وَامْرَأَته، فباتا فِي خَان.
قَالَ: فَلَمَّا نَام النَّاس، رَأَيْت القرد قد قلع المسمار الَّذِي فِي السلسلة، وَمَشى نَحْو الْمَرْأَة، فَلم أعلم مَا يُرِيد.
فَقُمْت، فرآني القرد، فَرجع إِلَى مَكَانَهُ، فَجَلَست، فَفعل ذَلِك دفعات، وفعلته.
فَلَمَّا طَال عَلَيْهِ الْأَمر، جَاءَ إِلَى خرج القراد، ففتحه، وَأخرج مِنْهُ صرة دَرَاهِم، خمنت أَن فِيهَا أَكثر من مائَة دِرْهَم، فَرمى بهَا إِلَيّ.
فعجبت من أمره، وَقلت: أمسك، لأنظر مَا يفعل، فَأَمْسَكت.
فجَاء إِلَى الْمَرْأَة، فمكنته من نَفسهَا، فوطأها.
فاغتممت بتمكيني إِيَّاه من ذَلِك، وحفظت الصرة.
فَلَمَّا كَانَ من غَد، صَاح القراد، يطْلب مَا ذهب مِنْهُ.
وَقَالَ لصَاحب الخان: قردي يعرف من أَخذ الصرة، فاضبط بَاب الخان، وأقعد أَنا وَأَنت والقرد، وَيخرج النَّاس، فَمن علق بِهِ القرد فَهُوَ خصمي، فَفعل ذَلِك.
وَأَقْبل النَّاس يخرجُون والقرد سَاكِت لَا يتَكَلَّم، وَخرجت فَمَا عرض لي، فوقفت
(4/146)

خَارج الخان أنظر مَا يجْرِي، فَلَمَّا لم يبْق إِلَّا يَهُودِيّ، فَخرج، فعلق بِهِ القرد.
فَقَالَ القراد: هَذَا خصمي، وجذبه ليحمله إِلَى صَاحب الشرطة، فَلم أستحل السُّكُوت.
فَقلت: يَا قوم لَيْسَ الْيَهُودِيّ صَاحبكُم، والصرة معي، ولي قصَّة عَجِيبَة فِي أَخذهَا، وأخرجتها، وقصصت عَلَيْهِم الْقِصَّة.
فحملنا إِلَى صَاحب الشرطة، وَحَضَرت الرّفْقَة، فعرفوا صَاحب الشرطة محلي، ومنزلتي، ويساري، وَأَقْبل القراد يحيد عَن قرده.
فَمَا بَرحت حَتَّى أَمر صَاحب الشرطة بقتل القرد، وَطلبت الْ#مَرْأَة، فهربت، وَسلم الْيَهُودِيّ.
(4/147)

تمكن مِنْهُ السَّبع ثمَّ تخلص مِنْهُ بِأَهْوَن سَبِيل
حَدثنِي الْحسن بن صافي، مولى مُحَمَّد بن المتَوَكل القَاضِي، قَالَ: حَدثنِي غُلَام لي أَثِق بِهِ، قَالَ: أصعدت من وَاسِط، مَاشِيا، أُرِيد بَغْدَاد، فَلَمَّا صرت بَين دير العاقول والسيب، وَأَنا وحدي، فِي يَوْم صَائِف لَهُ ريح شَدِيدَة، رَأَيْت بالبعد مني غيضة عَظِيمَة، قد خرج مِنْهَا سبع.
فحين رَآنِي وحدي أقبل يُهَرْوِل نحوي، فَذهب عَليّ أَمْرِي وأيقنت بِالْهَلَاكِ، وخدر بدني كُله، وَربا لساني فِي فمي، وتحيرت.
إِلَّا أَنِّي أخذت منديلًا، فَجَعَلته فِي رَأس قَصَبَة كَانَت معي، وظننت أَنِّي أفزعه بذلك.
فَأَنا فِي تِلْكَ الْحَالة من الْإِيَاس، وَقد بَقِي بيني وَبَينه مِقْدَار مائَة ذِرَاع، إِذْ قلعت الرّيح أصل حشيش يُقَال لَهُ: بارق عينه، وَصَارَ يلتف بالشوك حَتَّى بَقِي كالكارة الْعَظِيمَة، وَالرِّيح تدحرجه نَحْو السَّبع، وَقد تمكنت مِنْهُ، وَصَارَ لَهَا هفيف شَدِيد.
فحين رأى السَّبع ذَلِك وَسمع الصَّوْت رَجَعَ منصرفًا وَقد فزع فَزعًا شَدِيدا.
(4/148)

وَبَقِي يحول وَجهه فِي كل عشر خطوَات أَو أَكثر، فَإِذا رأى ذَلِك الأَصْل فِي أَثَره يتدحرج زَاد فِي الجري.
وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن بعد عني بعدا كثيرا، وَدخل الغيضة.
وعادت إِلَيّ نَفسِي ومضيت فِي طريقي، وسلمت.
(4/149)

قتل فيلًا بِالْقَبْضِ على خرطومه
حَدثنِي القَاضِي أَبُو بكر أَحْمد بن سيار، قَالَ: حَدثنِي شيخ من أهل التيز ومكران رَأَيْته بعمان، ووجدتهم يذكرُونَ ثقته، ومعرفته بالبحر، وَأَنه دخل الْهِنْد والصين، قَالَ: كنت بِبَعْض بِلَاد الْهِنْد، وَقد خرج على ملكهَا خارجي، فأنفذ إِلَيْهِ الجيوش، فَطلب الْأمان فَأَمنهُ.
فَسَار ليدْخل إِلَى بلد الْملك، فَلَمَّا قرب، أخرج الْملك جَيْشًا لتلقيه، وَخرجت الْعَامَّة تنظر دُخُوله، فَخرجت مَعَهم.
فَلَمَّا بَعدنَا فِي الصَّحرَاء، وقف النَّاس ينتظرون طُلُوع الرجل، وَهُوَ راجل، فِي عدَّة من رِجَاله، وَعَلِيهِ ثوب حَرِير ومئزر، وَفِي وَسطه مدية معوجة الرَّأْس، وَهِي من سلَاح الْهِنْد، وَتسَمى عِنْدهم: حزى.
فتلقوه بالإكرام وَمَشوا مَعَه، حَتَّى انْتهى إِلَى فيلة عَظِيمَة قد أخرجت للزِّينَة وَعَلَيْهَا الفيالون، وفيهَا فيل عَظِيم يختصه الْملك لنَفسِهِ، ويركبه فِي بعض الْأَوْقَات.
فَقَالَ لَهُ الفيال، لما قرب مِنْهُ: تَنَح عَن طَرِيق فيل الْملك، فَسكت عَنهُ، فَأَعَادَ الفيال عَلَيْهِ القَوْل، فَسكت.
فَقَالَ: يَا هَذَا، احذر على نَفسك، وتنح عَن طَرِيق فيل الْملك.
(4/150)

فَقَالَ لَهُ الْخَارِجِي: قل لفيل الْملك يتَنَحَّى عَن طريقي.
فَغَضب الفيال، وأغرى الْفِيل بِكَلَام كَلمه بِهِ، فَغَضب الْفِيل، وَعمد إِلَى الْخَارِجِي فلف خرطومه عَلَيْهِ، فَقبض الْخَارِجِي بِيَدِهِ على الخرطوم.
وشاله الْفِيل إشالة عَظِيمَة وَالنَّاس يرَوْنَ، وَأَنا فيهم، وخبط بِهِ الأَرْض، فَإِذا بِهِ قد انتصب قَائِما على قَدَمَيْهِ فَوق الأَرْض وَلم ينح يَده عَن الخرطوم.
فَزَاد غضب الْفِيل، فأشاله أعظم من تِلْكَ وَعدا ثمَّ رمى بِهِ الأَرْض، فَإِذا هُوَ قد حصل عَلَيْهَا مستويًا على قَدَمَيْهِ منتصبًا قَابِضا على الخرطوم.
وَسقط الْفِيل كالجبل الْعَظِيم مَيتا، لِأَن قَبضه على الخرطوم تِلْكَ الْمدَّة مَنعه من التنفس فَقتله.
قَالَ: فَوكل بِهِ، وَحمل إِلَى الْملك، وَحدث بالصورة، فَأمر بقتْله.
فَاجْتمع القحاب، وَهن النِّسَاء الفواجر، يفعلن ذَلِك بِالْهِنْدِ ظَاهرا عِنْد البد، تقربًا إِلَى الله بذلك عِنْدهم.
قَالَ: وَهن الْعُدُول هُنَاكَ، يشهدن فِي الْحُقُوق، ويقمن الشَّهَادَة، فَيقطع بهَا حاكمهم فِي سَائِر الْأُمُور، وَعِنْدهم إنَّهُنَّ لما كن يبذلن أَنْفسهنَّ عِنْد البد بِغَيْر أجر، صرن فِي حكم الزهاد والعباد.
فَقَالَ القحاب للْملك: يجب أَن تستبقي مثل هَذَا الرجل فَلَا يقتل، فَإِن فِيهِ جمالًا للْملك، وَيُقَال: إِن للْملك خَادِمًا قتل الْفِيل الْعَظِيم بقوته وحيلته، من غير سلَاح.
فَعَفَا عَنهُ الْملك، وخلع عَلَيْهِ، واستخدمه.
(4/151)

قتلوا شبلا فَاجْتمع عَلَيْهِم بضعَة عشر سبعا
وَحدث سعيد بن يُوسُف بن عبد الله السَّمرقَنْدِي الْحَنَفِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر الْوَكِيل على أَبْوَاب الْقُضَاة بالأهواز، قَالَا: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن سهل الشَّاهِد الوَاسِطِيّ القَاضِي، قَالَ: أَخْبرنِي وكيلان كَانَا فِي ضيعتي بنواحي الجامدة، ونهر جَعْفَر، قَالَا: خرجنَا مَعَ صناع عندنَا، إِلَى أجمة نقطع قصبًا، فَرَأَيْنَا شبلًا كالسنور، فَقتله أحد قطاع الْقصب.
فَقَالَ الْبَاقُونَ: قتلنَا، السَّاعَة يَجِيء السَّبع واللبوة، فَإِذا لم يرياه طلبانا، وَنحن نبيت فِي الصَّحرَاء بَين الْقصب، فيفرسانا.
قَالَ: فَمَا كَانَ بأسرع من أَن سمعنَا صَوت السَّبع، فطرنا على وُجُوهنَا، واجتمعنا فِي دَار خراب خَارج الأجمة، وعلونا سطحها، وَكَانَ فِيهَا غرفَة عَلَيْهَا بَاب كُنَّا نأوي إِلَيْهَا لَيْلًا.
فَلَمَّا رأى السَّبع وَلَده قَتِيلا قصدنا فَصَارَ فِي صحن الدَّار الخراب، وَكَانَ بَين يَدي الغرفة صحنين، فَأخذ السَّبع يطفر ليصير مَعنا، فَمَا قدر على ذَلِك.
فولى، وَعلا أكمة فِي الصَّحرَاء، وَصَاح، فَجَاءَتْهُ اللبوة، فطفرت تُرِيدنَا، فَمَا قدرت.
(4/152)

فاجتمعا، فصاحا، فجاءهما عدَّة من السبَاع، وطفروا، فَمَا قدرُوا علينا، فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى اجْتمع بضعَة عشر سبعا، وَكلما جَاءَ وَاحِد حاول أَن يطفر إِلَيْنَا فَلَا يبلغنَا، وَنحن كالموتى خوفًا أَن يصل إِلَيْنَا وَاحِد مِنْهُم.
فينما نَحن كَذَلِك إِذْ اجْتمعت السبَاع كلهَا كالحلقة، وَجعلت أفواهها فِي الأَرْض، وصاحت صَيْحَة وَاحِدَة، فَرَأَيْنَا حُفْرَة قد احتفرت فِي التُّرَاب من أنفاسها.
فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى جَاءَ سبع أسود هزيل، منجرد الشّعْر، لطيف.
فَلَقِيته السبَاع كلهَا، وبصبصت بَين يَدَيْهِ، وَحَوله، وَجَاء يقدمهَا وَهِي خَلفه حَتَّى رآنا فِي الغرفة، وَرَأى الْموضع، ثمَّ جمع نَفسه، فَإِذا هُوَ فِي الصحن، بَين يَدي الغرفة.
وَكُنَّا قد أغلقنا الْبَاب، فَاجْتَمَعْنَا كلنا خَلفه لندافعه عَن الدُّخُول.
فَلم يزل يدْفع الْبَاب بمؤخره حَتَّى كسر بعض ألواحه وَأدْخل عَجزه إِلَيْنَا.
فَعمد أَحَدنَا إِلَى ذَنبه فَقَطعه بمنجل كَانَ مَعنا.
فصاح صَيْحَة مُنكرَة وهرب، وَرمى بِنَفسِهِ إِلَى الأَرْض، فَلم يزل يخمش السبَاع وينهشها ويقطعها بمخالبه، حَتَّى قتل مِنْهَا غير وَاحِد.
وتهاربت السبَاع الْبَاقِيَة من بَين يَدَيْهِ، وهام فِي الصَّحرَاء يتبع أَثَرهَا، ونزلنا نَحن لما لم يبْق مِنْهَا شَيْء، فلحقنا بالقرية، وخبرناهم خبرنَا.
فَقَالَ لنا شيخ مِنْهُم: هَذَا السَّبع مثل الجرذ الْعَتِيق، إِذا قطع ذَنبه أكل الفار.
(4/153)

افترس السَّبع صَاحب الدَّين وَسلم الْغَرِيم
وَحدث قَاضِي الْقُضَاة أَبُو السَّائِب عتبَة بن عبيد الله الهمذاني، قَالَ: كَانَ رجل من أهل أذربيجان لَهُ على رجل دين، فهرب مِنْهُ وطالت غيبته.
فلقي صَاحب الدَّين الْمَدِين، بعد مُدَّة فِي الصَّحرَاء مُنْفَردا، فَقبض عَلَيْهِ وطالبه.
فَحلف لَهُ بِاللَّه تَعَالَى أَنه مُعسر، وَسَأَلَهُ الِانْتِظَار، وَقَالَ لَهُ: لَو أَنِّي أيسر النَّاس مَا تمكنت هُنَا من من دفع شَيْء إِلَيْك.
فَأبى عَلَيْهِ، وَأخرج قيدا كَانَ مَعَه ليقيده حَتَّى لَا يهرب.
فتضرع إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ أَن لَا يفعل، وَبكى، فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك.
فقيده بالقيد، وَمَشى إِلَى قَرْيَة بِقرب الْموضع الَّذِي التقيا فِيهِ، فجاءاها مسَاء وَقد أغلق أَهلهَا بَاب سورها، واجتهدا فِي فَتحه لَهما، فَأبى أهل الْقرْيَة ذَلِك عَلَيْهِمَا.
فباتا فِي مَسْجِد خراب على بَاب الْقرْيَة، وَأدْخل صَاحب الدَّين رجله فِي حَلقَة من حلقتي الْقَيْد، لينتبه إِذا أَرَادَ الْهَرَب.
فجَاء السَّبع، وهما نائمان، فَقبض على صَاحب الدَّين فافترسه، وجره فانجر
(4/154)

الْغَرِيم مَعَه، لمَكَان الْحلقَة فِي إِحْدَى رجلَيْهِ.
فَلم يزل ذَلِك حَاله إِلَى أَن فرغ السَّبع من أكل صَاحب الدَّين، وشبع، وَانْصَرف، وَترك الْمَدِين وَقد تجرح بدنه، وَبقيت ركبة الْغَرِيم فِي الْقَيْد.
فحملها الرجل مَعَ قَيده إِلَى أهل الْقرْيَة، وَأخْبرهمْ الْخَبَر، فحلوا قَيده وَسَار لحَال سَبيله.
(4/155)

الأفعى الَّتِي أخربت الضَّيْعَة
وحَدثني أَبُو جَعْفَر مَسْعُود بن عبد الله الضَّبِّيّ، شيخ من التناء الْبَصرِيين، كَانَ قد انْتقل عَنْهَا إِلَى قَرْيَة لَهُ، وضيعة، بِقرب نهر الدَّيْر، فاستوطنها، قَالَ: كَانَ فِي هَذَا الْبُسْتَان، وَأَشَارَ إِلَى بُسْتَان بِجَانِب دَاره كَثِيرَة الْأَشْجَار، أَفْعَى تسمى الجراب، لِأَنَّهَا كَانَت بِقدر الجراب الْكَبِير، طولا، وسعة، وانتفاخًا.
فكثرت جناياتها، حَتَّى أخربت عَليّ الضَّيْعَة، فانتقلت عَنْهَا إِلَى الْجَانِب الآخر من النَّهر، وَبَطلَت ضيعتي، وَصَارَ هَذَا الْبُسْتَان كالأجمة، لَا يقدر أحد على دُخُوله.
وَطلبت حَوَّاء من الْبَصْرَة ليصيده، وبذلت على ذَلِك مَالا جزيلًا.
فجَاء الحواء فتبخر بدخنة مَعَه، فظهرت الأفعى، فحين رَآهَا هاله أمرهَا، وقصدته الأفعى فنهشته، فَتلف فِي الْحَال.
فَصَارَ لي حَدِيث بذلك، وشاع الْخَبَر، فَامْتنعَ الحواءون من الْمَجِيء، وتغربت أَنا عَن الضَّيْعَة والقرية، وَبَطلَت معيشتي مِنْهُمَا.
فَكنت يَوْمًا جَالِسا فِي الْجَانِب الآخر من النَّهر، إِذْ جَاءَنِي رجل فَسلم عَليّ.
وَقَالَ: بَلغنِي خبر أَفْعَى عنْدك، قد قتل فلَانا الحواء، وأخرب عَلَيْك ضيعتك، فجئتك لتدلني عَلَيْهِ حَتَّى آخذه.
(4/156)

فَقلت: مَا أحب تعريضك لهَذَا، وَقد صَار لي بِتَلف ذَلِك الحواء حَدِيث.
فَقَالَ: إِن ذَلِك الحواء كَانَ أخي، وَأَنا أُرِيد أَن آخذ بثأره، وأريح النَّاس من هَذَا الملعون، أَو اللحاق بأخي.
قلت: فَتشهد على نَفسك أهل الْأَنْهَار الْمُجَاورَة، أَن هَذَا باختيارك، لَا بِمَسْأَلَة مني، فَفعل، وأريته الْبُسْتَان.
فَقَالَ: أُرِيد شَيْئا آكله، فجئناه بِطَعَام فَأكل، ثمَّ أخرج دهنًا كَانَ مَعَه، فطلى بِهِ جَمِيع بدنه.
وَقَالَ لغلام كَانَ مَعَه: انْظُر هَل بَقِي مَوضِع من غير مَا أطليه؟ فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: لَا.
فَجَلَست أَنا فَوق السَّطْح الَّذِي فِي دَاري، أنظر مَا يفعل، فَأخْرج دخنة فبخر بهَا، فَمَا كَانَ بأسرع من أَن ظهر الأفعى كَأَنَّهُ دن أسود.
فحين قرب من الحواء هرب، فَتَبِعَهُ الحواء، فَلحقه وَقبض عَلَيْهِ.
فَالْتَفت الأفعى فعض يَده، فَتَركه الحواء فَأَفلَت، وَذهب عَلَيْهِ أمره، فجئناه وحملناه، فَمَاتَ فِي اللَّيْل.
وانقلبت النَّاحِيَة بِحَدِيث الأفعى.
وَمضى على هَذَا مُدَّة، فجَاء رجل يشبه الرجلَيْن، وسألني عَمَّا سَأَلَني عَنهُ الأخوان، فَأَخْبَرته بالْخبر.
فَقَالَ: الرّجلَانِ أخواي، وَلَا بُد لي من الْأَخْذ بثأرهما، أَو اللحاق بهما.
قَالَ: فأشهدت عَلَيْهِ، وأريته الْموضع، وصعدت بِهِ السَّطْح، فَأكل وَشرب أقداحًا كَثِيرَة، وَأخرج دهنًا كَانَ مَعَه، وطلى بِهِ دفعات كَثِيرَة كل بدنه، وكل مرّة يسْأَل غُلَامه.
فَيَقُول: هَل بَقِي مَوضِع لَا دهن فِيهِ؟ فَيَقُول لَهُ الْغُلَام: لَا.
(4/157)

فَيَقُول للغلام: أعد الطلاء عَليّ، فيعيده الْغُلَام.
حَتَّى لم يبْق فِي جسده مَوضِع إِلَّا وَقد طلاه، وَأعَاد الطلاء ثَلَاث مَرَّات، وَصَارَ الدّهن ينقط من بدنه.
وبخر بدخنة، فَخرج الأفعى، فَطَلَبه الحواء وَأخذ يحاربه، وتمكنت يَد الحواء من قَفاهُ، فانثنى عَلَيْهِ فعض إبهامه.
وبادر الحواء فخرم فَاه، وَجعله فِي سلة، وَأخرج سكينًا مَعَه فَقطع إِبْهَام نَفسه، وأغلى زيتًا وكواها بِهِ، وخر كالتالف.
فحملناه إِلَى الْقرْيَة، فَإِذا بصبي من غلماني قد جَاءَ وَمَعَهُ ليمونة، وَكَانَ الليمون إِذْ ذَاك قَلِيلا بِالْبَصْرَةِ جدا، وَعِنْدِي مِنْهُ شَجَرَة وَاحِدَة.
فحين رأى الحواء الليمون، قَالَ: هَذَا يَا سَيِّدي عنْدكُمْ مَوْجُود؟ قلت: نعم.
قَالَ: أَغِثْنِي بِكُل مَا تقدر عَلَيْهِ مِنْهُ، فَإنَّا نعرفه فِي بلدنا يقوم مقَام الدرياق.
فَقلت: أَيْن بلدك؟ قَالَ: عمان.
فَأَتَيْته بِكُل مَا كَانَ عِنْدِي مِنْهُ، فَأقبل يعضه ويسرع فِي أكله، وَعمد إِلَى بعضه فاستخرج مَاءَهُ، وَأَقْبل يتحسى مِنْهُ، ويطلي بِهِ الْموضع، وَأصْبح من غَد وَهُوَ صَالح.
فَسَأَلته عَن خَبره، فَقَالَ: مَا خلصني بعد الله عز وَجل، إِلَّا مَاء الليمون، وأظن أَن أخوي لَو اتّفق لَهما تنَاوله مَا تلفا.
قلت: فَذَلِك الدّهن الَّذِي انطليت مِنْهُ، مَا هُوَ؟ قَالَ: الطلق، الَّذِي إِذا طرح مَعَه النَّار على الْجِسْم حِين لَا يكون فِيهِ خلل، مَا ضرت النَّار الْجِسْم، وَأما تلف إخْوَانِي، فَلِأَن بعض أبدانهم خلا من الطلاء، أَو جف عَنهُ.
(4/158)

فَقلت: وَكَيف تمكن الأفعى مِنْك؟ قَالَ: لطول الْوَقْت، وَإِلَى أَن قيدته، جف بعض الدّهن، فَتمكن مني، وَلَوْلَا الليمون لتلفت.
فَقَالَ: فتعلمت مِنْهُ اسْتِخْرَاج مَاء الليمون، وَكنت أول من استخرجه بِالْبَصْرَةِ، وَنبهَ النَّاس على مَنَافِعه، وجربته فِي الطبيخ فَوَجَدته طيبا، وتداوله النَّاس.
قَالَ: ثمَّ أخرج الأفعى، وَقطع رَأسه، وذنبه، وأغلاه فِي طنجير، واستخرج دهنه فِي قَوَارِير، وَانْصَرف.
(4/159)

مفلوج لسعته عقرب جرارة فَعُوفِيَ
حَدثنِي عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن مهْدي، الْمَعْرُوف بِأبي أَحْمد بن أبي سَلمَة، الشَّاهِد، الْفَقِيه، الْمُتَكَلّم العسكري، فِي سنة خمس وَخمسين وَثَلَاث مائَة بعسكر مكرم: إِنَّه شَاهد رجلا مفلوجًا، حمل من أَصْبَهَان، إِلَى عَسْكَر مكرم ليعالج، فَطرح على بَاب خَان فِي جواره، فِي الْجَانِب الشَّرْقِي مِنْهَا، وَقد هجر، وَفرغ، لِكَثْرَة العقارب الجرارات فِيهِ.
وَطلب لَهُ مَوضِع آخر يسكنهُ، فَلم يُوجد إِلَّا فِي هَذَا الخان، فأنزله غلمانه
(4/160)

فِيهِ، وهم لَا يعلمُونَ حَاله، وَأَنه أخلي لِكَثْرَة الجرارات فِيهِ.
وَصعد أَصْحَاب الرجل إِلَى السَّطْح لَيْلًا، وتركوه، لما وصف لَهُم أَن المفلوج لَا يجوز أَن يبيت فِي السَّطْح.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد وجدوه جَالِسا، وَكَانَ طريحًا ملقًى لَا يُمكنهُ أَن يَنْقَلِب من جنب إِلَى جنب، ووجدوا لِسَانه فصيحًا وَكَانَ متكسرًا بِالْعِلَّةِ، حَتَّى إِن الرجل مَشى فِي يَوْمه ذَلِك.
فأحضر بعض أهل الطِّبّ وَسَأَلَهُ عَن خَبره، ففتشه، فَوجدَ أثر لسع الجرارة فِي إِبْهَام رجله الْيُسْرَى.
فَقَالَ لَهُ: انْتقل السَّاعَة من هَذَا الخان، فَإِنَّهُ مَشْهُور بِكَثْرَة الجرارات، وَقد لسعتك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فأبرأتك، وعشت بِشَيْء مَا عَاشَ أحد بِهِ قطّ، وَقَامَت حَرَارَتهَا بِبرد الفالج فأزالته، وَلم تتجاوزه فتقتلك، وسيعقب ذَلِك حِدة شَدِيدَة وحرارة، فاصبر لَهَا حَتَّى أعالجك باليسير من الرُّطُوبَة فَلَا ترجع إِلَيْك برودة الفالج، وانتقل لِئَلَّا تلسعك أُخْرَى فتتلف.
وانتقل الرجل، وتعاهده الطَّبِيب، فَحم المفلوج من غَد، وتلطف فِي علاجه حَتَّى برأَ.
(4/161)

قضى لَيْلَة فِي الْجب بجوار أَفْعَى
وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: كنت أتصرف مَعَ الْمُخْتَار بن الْغَيْث بن حمدَان أحد قواد بني عقيل، فَسَار وَأَنا فِي جملَته، مَعَ تكين الشيرزادي، لما تغلب على الْموصل، يطْلب نَاصِر الدولة، وَسَار الْعَسْكَر سيرًا عجلًا، فتقطع النَّاس.
وَكَانَت تحتي حجرَة، فصرت فِي أخريات النَّاس، ثمَّ انْقَطَعت عَن الْعَسْكَر حَتَّى صرت وحدي.
ثمَّ أوردت الدَّابَّة مَاء كَانَ فِي الطَّرِيق، فَحم، وَلم يُمكنهُ أَن يسير خطْوَة وَاحِدَة.
فَخفت أَن يدركني من يسلبني نعمتي ويأسرني، فَنزلت عَن الدَّابَّة أَمْشِي، وَفِي عنقِي سيف بحمائل، والمقرعة فِي يَدي.
فسرت عدَّة فراسخ، حَتَّى صعدت جبل سنجار، وَكنت أحتاج أَن أَمْشِي فِيهِ نَحْو الفرسخ، ثمَّ أنزل إِلَى سنجار،
(4/162)

فجنني اللَّيْل، واستنفذ الْمَشْي جلدي، وَاسْتَوْحَشْت، وَخفت الوحوش فِي الْجَبَل، فطلبت موضعا أسكن فِيهِ لَيْلَتي، فَلم أجد.
وَرَأَيْت جِبَابًا كَثِيرَة منقورة فِي أَرض الْجَبَل، فطلبت أقربها قعرًا، ورميت فِيهِ حجرا، فَظَنَنْت أَن قَعْره قامة أَو نَحْوهَا، فرميت بنفسي فِيهِ.
وَكَانَ الْبرد شَدِيدا، فَنمت لَيْلَتي وَأَنا لَا أَعقل من التَّعَب والجوع.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، انْتَبَهت، وَعِنْدِي أَن الْجب محفور كالآبار، وَأَنِّي أَضَع رجْلي فِي جوانبه، فأتسلق وأطلع، فتأملته، فَإِذا هُوَ محفور كالتنور، رَأسه ضيق، وأسفله وَاسع شَدِيد السعَة، وجوانبه منقوشة، فَقُمْت فِي الْجب فَإِذا هُوَ أَعلَى من قامتي.
فتحيرت فِي أَمْرِي، فَلم أدر كَيفَ أعمل، وَكَيف السَّبِيل إِلَى الصعُود.
وطلعت الشَّمْس، وأضاء الْجب، فَإِذا فِيهِ أَفْعَى مدور كالطبق وَقد سدر من الْبرد، فَلَيْسَ ينتشر، وَلم يَتَحَرَّك من مَكَانَهُ، فتجنبت مَكَانَهُ.
وهممت أَن أجرد السَّيْف وأقطع الأفعى، ثمَّ قلت: أتعجل شرا لَا أَدْرِي عاقبته، وَلَا مَنْفَعَة لي فِي قَتله، لِأَنِّي سأتلف فِي هَذِه الْبِئْر، وَهِي قَبْرِي، فَمَا معنى قتل الأفعى؟ أَدَعهُ، فَلَعَلَّهُ أَن يَبْتَدِئ بالنهش، فأتعجل التّلف، وَلَا أرى نَفسِي تخرج بِالْجُوعِ والعطش.
فأقمت يومي كُله على ذَلِك، والأفعى لم تتحرك وَأَنا أبْكِي وأنوح على نَفسِي، وَقد يئست من الْحَيَاة.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أَصبَحت، وَقد ضعفت، فَحَمَلَنِي حب الْحَيَاة على الْفِكر فِي الْخَلَاص، فَقُمْت، وجمعت من حِجَارَة رقيقَة كَانَت فِي الْجب شَيْئا كثيرا،
(4/163)

وعبيتها فِي وسط الْجب، وعلوتها لتنال يَدي طرف الْجب وأحمل نَفسِي إِلَى رَأسه.
فحين جعلت رجْلي على الْحِجَارَة، تدكدكت وانهارت، لرقتها وملاستها.
فَلم أزل أُعِيد تعبيتها وركوبها، وتنزلق من تَحت رجْلي، وَأَنا متشاغل بذلك يومي كُله، وَجَاء اللَّيْل فَلم يمكنني أَن أقوم من الْجُوع والضعف، وانكسرت نَفسِي، ثمَّ حَملَنِي النّوم.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد فَكرت فِي حِيلَة أُخْرَى، وَوَقع لي أَن شددت المقرعة بعلائقها فِي حمائل السَّيْف، ودليت المقرعة إِلَى دَاخل الْجب، ورميت السَّيْف إِلَى رَأس الْجب، وَأَمْسَكت المقرعة بِإِحْدَى يَدي، فَحصل جفن السَّيْف فَوق الْجب مُعْتَرضًا لرأسه، وحمائله فِي المقرعة، وَهِي مدلاة إِلَيّ.
ثمَّ أَمْسَكت السَّيْف، وسللته، وَلم أزل أقلع من أَرض الْجب مَا يُمكن قلعه ونحته من تُرَاب قَلِيل، ثمَّ عبيت ذَلِك بالرضراض وَالْحِجَارَة الرقَاق وَجعلت بَين كل سافين مِنْهَا تُرَابا، ثمَّ رددت السَّيْف إِلَى جفْنه، وعلوت الرضراض، وتعلقت على السَّيْف الْمُعْتَرض، وطفرت، فَصَارَ السَّيْف مُعْتَرضًا تَحت صَدْرِي، وَظَهَرت يداي من الْجب، فحصلت جوانبه تَحت إبطي، وأشلت نَفسِي، فَإِذا أَنا قد خرجت من الْجب، بعد أَن اعوج السَّيْف، وَكَاد يندق وَيدخل فِي بَطْني لثقلي عَلَيْهِ.
فَوَقَعت خَارج الْجب، مغشيًا عَليّ من هول مَا نالني، وَوجدت أسناني قد
(4/164)

اصطكت، وقوتي قد بطلت عَن الْمَشْي، فَمَا زلت أحبو وأطلب المحجة حَتَّى وقفت عَلَيْهَا.
ورآني قوم مجتازون، فَأخذُوا بيَدي، وَقَوي قلبِي فمشيت حَتَّى دخلت سنجار آخر النَّهَار، وَقد بلغت روحي إِلَى حد التّلف.
فَدخلت مَسْجِدا، فطرحت نَفسِي فِيهِ وَأَنا لَا أَشك فِي الْمَوْت، وَحَضَرت صَلَاة الْمغرب، وَاجْتمعَ أهل الْمَسْجِد فِيهِ، وسألوني عَن خبري، فَلم يكن فِي فضل للْكَلَام.
فحملوني إِلَى بَيت أحدهم، وَلم يزَالُوا يصبون فِي حلقي المَاء، ثمَّ المرق والثريد، إِلَى أَن فتحت عَيْني بعد الْعَتَمَة، فتكلمت، وَبت لَيْلَتي وَأَنا بِحَال عَظِيمَة من الْأَلَم.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد دخلت الْحمام، وأقمت عِنْدهم أَيَّامًا حَتَّى قويت.
ثمَّ أخرجت نَفَقَة كَانَت معي، فاستأجرت مِنْهَا مركوبًا، وَلَحِقت بصاحبي، وَسلم الله عز وَجل.
(4/165)

سقط طِفْل من القنطرة فالتقطه الْعقَاب ثمَّ نجا سالما
وَحكى أَبُو مُحَمَّد يحيى بن فَهد الْأَزْدِيّ رَحمَه الله، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي ديسم بن إِبْرَاهِيم بن شاذلويه، المتغلب، كَانَ، بِأَذربِيجَان، لما ورد حَضْرَة سيف الدولة يستنجده على الْمَرْزُبَان بن مُحَمَّد بن مُسَافر السلار لما هَزَمه عَنْهَا، قَالَ: رَأَيْت بِنَاحِيَة أذربيجان نَهرا يُقَال لَهُ: الرس، شَدِيد جرية المَاء جدا، وَفِي أرضه حِجَارَة كَثِيرَة، بَعْضهَا ظَاهر على المَاء، وَبَعضهَا يغطيه المَاء، وَلَيْسَ للسفن فِيهِ مَسْلَك، وَله أجراف هائلة لَا مشاريع فِيهَا، وَعَلِيهِ قنطرة يجتاز عَلَيْهَا السابلة.
(4/166)

قَالَ: وَكنت مجتازًا عَلَيْهَا بعسكري، فَلَمَّا صرت فِي وسط القنطرة، رَأَيْت امْرَأَة تمشي وَقد حملت ولدا طفْلا فِي القماط، فزحمها بغل فطرحت نَفسهَا على القنطرة، وَسقط الطِّفْل من يَدهَا إِلَى النَّهر، فوصل إِلَى المَاء بعد سَاعَة، لبعد مَا بَين القنطرة وصفحة المَاء، ثمَّ غاص، وَارْتَفَعت الضجة فِي الْعَسْكَر، ثمَّ رَأينَا الصَّبِي قد طفا على وَجه المَاء، وَسلم من تِلْكَ الْحِجَارَة.
وَكَانَ الْموضع كثير العقبان، وَلها أوكار فِي أجراف ذَلِك النَّهر، وَمِنْه يصاد فراخها.
فحين ظهر الطِّفْل فِي قماطه، صَادف ذَلِك عقَابا طائرًا، فَرَآهُ، فَظَنهُ طعمة، فانقض عَلَيْهِ، وَشَبك مخالبه فِي القماط، وطار بِهِ، وَخرج إِلَى الصَّحرَاء.
فطمعت فِي تَخْلِيص الطِّفْل، فَأمرت جمَاعَة أَن يركضوا وَرَاء الْعقَاب، فركضوا، وتتبعت نَفسِي مُشَاهدَة الْحَال، فركضت.
وَإِذا الْعقَاب قد نزل إِلَى الأَرْض، وابتدأ يمزق قماط الصَّبِي ليفترسه، فحين رَأَوْهُ، صاحوا بأجمعهم، وقصدوه، فأدهشوه عَن استلاب الصَّبِي، فطار وَتَركه على الأَرْض.
فلحقنا الصَّبِي، وَإِذا هُوَ سَالم، مَا وصل إِلَيْهِ جرح، وَهُوَ يبكي.
فكببناه، حَتَّى خرج المَاء من جَوْفه، وحملناه إِلَى أمه حَيا، سالما.
(4/167)

قصَّة ابْن التمساح
وَحكى أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر الْكَاتِب الْمَعْرُوف بالحاتمي، قَالَ: رَأَيْت بِمصْر رجلا يعرف بِابْن التمساح، فَسَأَلت جمَاعَة من أهل مصر، من الْعَامَّة، عَن ذَلِك.
فَقَالُوا: هَذَا وطئ التمساح أمه، فولدته.
فَكَذبت ذَلِك، وبحثت عَن الْخَبَر، فَأَخْبرنِي جمَاعَة من عقلاء مصر، أَن التمساح بهَا يَأْخُذ النَّاس من المَاء فيفترسهم.
وَرُبمَا أَخذهم وَهُوَ شبعان، فَيحمل الْمَأْخُوذ بِيَدِهِ على صَدره، حَتَّى يَجِيء بِهِ إِلَى أجراف أَسْفَل مصر بمسافة، وَهِي جبال حِجَارَة فِيهَا مغارات إِلَى النّيل، لَا يصل إِلَيْهَا الْمَاشِي وَلَا سالك المَاء لبعدها عَن الْجِهَتَيْنِ.
فيتسلق التمساح إِلَى بعض المغارات، فيودع بهَا الْإِنْسَان الَّذِي أَخذه، حَيا أَو مَيتا بِحَسب الِاتِّفَاق ويمضي.
فَإِذا جَاع وَلم يظفر بِشَيْء، عَاد إِلَى الْموضع فيفترس الْإِنْسَان الَّذِي خبأه هُنَاكَ.
قَالَ: فَكَانَ قد قبض على امْرَأَة فِي بعض الْأَوْقَات، فَجَعلهَا فِي المغارة، فَذكرت الْمَرْأَة: أَنَّهَا حينما اسْتَقَرَّتْ فِي المغارة، وَانْصَرف التمساح، رَأَتْ هُنَاكَ رجلا حَيا، وآثار جمَاعَة قد افترسهم التمساح.
وَأَنَّهَا سَأَلت الرجل عَن أمره، فَذكر أَن التمساح تَركه هُنَاكَ مُنْذُ يَوْمَيْنِ.
قَالَت: وَأخذ الرجل يؤانسني بِالْحَدِيثِ، إِلَى أَن طالبني بنفسي.
فَقلت: يَا هَذَا اتَّقِ الله.
فَقَالَ: التمساح قد مضى، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَلَعَلَّ أَن تجتاز بِنَا
(4/168)

سفينة قبل عودته فنطرح أَنْفُسنَا إِلَيْهَا.
فوعظته، فَلم يلْتَفت إِلَى كَلَامي، واغتصبني نَفسِي، فواقعني.
وَمَا نزل حَتَّى جَاءَ التمساح، فَأَخذه من فَوقِي، وَمضى، فَبَقيت كالميتة فَزعًا.
فَأَنا كَذَلِك، إِذْ سَمِعت وَقع حوافر الْخَيل، وَصَوت أَقْدَام كثيرين، فأخرجت رَأْسِي من الْغَار، وَصحت واستغثت، فَاطلع أحدهم.
وَقَالَ: مَا أَنْت؟ فَقلت: حَدِيثي طريف، أرموا لي حبلًا أتخلص بِهِ إِلَيْكُم.
فرموا لي حبلًا، فشددت نَفسِي، واستظهرت جهدي، وأطراف الْحَبل فِي أَيْديهم.
فَقلت: اجذبوني.
فجذبوني، فصرت مَعَهم على ظهر المغارة، بعد أَن توهنت، وتسلخت يَدي.
فسألوني عَن خبري، فَأَخْبَرتهمْ، فأركبوني شَيْئا، وأدخلوني الْبَلَد، فَلَمَّا كَانَ وَقت عَادَة حيضي، تَأَخَّرت عني، ثمَّ ظهر الْحمل، فَولدت ابْني هَذَا بعد تِسْعَة أشهر.
وكرهت أَن أخبر كل أحد بِهَذَا الحَدِيث، فنسبت ذَلِك إِلَى التمساح، وأستتر أَمْرِي بذلك.
(4/169)

أَبُو الْقَاسِم الْعلوِي يواجه الْأسد
وحَدثني أَبُو الْقَاسِم بن الأعلم الْعلوِي الْكُوفِي، الفيلسوف، قَالَ: خرجت من بَغْدَاد، أُرِيد الْكُوفَة، فَلَمَّا صرت فِيمَا بَينهَا وَبَين حمام أعين قَرْيَة قريبَة من الْكُوفَة أفضيت إِلَى أجمة هُنَاكَ.
وَكنت قد تقدّمت الرّفْقَة، وَأَنا رَاكب حمارا، وورائي بمسافة قريبَة غُلَام لي مَمْلُوك رَاكب بغلًا، فسرنا حَتَّى أبعدنا عَن الرّفْقَة.
فَلَمَّا دخلت الأجمة، رَأَيْت مسناة دقيقة فِي وسط الأجمة، وَعَلَيْهَا المسلك، يُوصل إِلَيْهَا من هبوط.
فرمت النُّزُول إِلَيْهَا، فَوقف الْحمار تحتي، فضربته ضربا شَدِيدا، فَلم أَجِدهُ يبرح.
فَالْتَفت إِلَى كفله، لأتأمل قوائمه، فَرَأَيْت أسدًا قَائِما، وَبَينه وَبَين قَوَائِم الْحمار نَحْو ذِرَاع أَو أقل، وَإِذا الْحمار قد شم رَائِحَته، فأصابته رعدة شَدِيدَة، ورسخت قوائمه فِي الأَرْض، وَلم يَتَحَرَّك.
(4/170)

فَلم أَشك فِي التّلف، وَأَن الْأسد سيمد يَده، فيجذبني من على الْحمار، فغمضت عَيْني لِئَلَّا أرى كَيفَ أحصل فِي مخالبه، وَأَقْبَلت أَتَشهد، وأقرأ، وَأَنا مَعَ ذَلِك أجد عَقْلِي ثَابتا، ومتصورًا لهيأة الْأسد، وَلم يفدني التغميض شَيْئا.
ثمَّ ذكرت فِي الْحَال حِكَايَة كنت أسمعها، أَن الْأسد لَا يفترس الْإِنْسَان وَهُوَ مواجه لَهُ، فاستدرت وَفتحت عَيْني فِي عَيْنَيْهِ، وَأَقْبَلت أَتَشهد خفِيا، والأسد فاتح فَاه، وَأَنا أتأمل أَسْنَانه، وَتصل إِلَى أنفي من فَمه رَوَائِح مُنْتِنَة.
فَإِنِّي لكذلك إِذْ لَحِقَنِي الصَّبِي الْمَمْلُوك على البغلة، وَمَعَهُ رجل رَاكب دَابَّة، ووراءهما قوم مشَاة.
فحين رأى الْمَمْلُوك تِلْكَ الْحَالة، جزع جزعًا شَدِيدا، وَصَاح بِأَعْلَى صَوته: يَا معاشر الْمُسلمين أدركونا، فقد افترس الْأسد مولَايَ الْعلوِي.
فحين سمع الْأسد الصياح من وَرَائه انزعج، والتفت، فَرَأى الصَّبِي قَرِيبا إِلَيْهِ، فتناوله من أَعلَى السرج، وعار الْبَغْل وَحصل الصَّبِي فِي فَم الْأسد، كالفأرة فِي فَم السنور، وَأَنا كالميت إِلَّا أَنِّي أحصل مَا أرى من ذَلِك.
وَأَقْبل الْأسد يحمل على رَاكب الدَّابَّة، والمشاة، وَالصَّبِيّ فِي فَمه، فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَدخل الأجمة.
فَقلت فِي نَفسِي: قد فداني الله عز وَجل بمملوكي، وخلص نَفسِي بِيَسِير من مَالِي، فَمَا وُقُوفِي؟ فرميت بنفسي عَن الْحمار، وفررت أعدو على المسناة، فتلقاني قوم قد جَاءُوا من الْكُوفَة، وَرَأَوا حيرتي، وفزعي، فسألوني عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرتهمْ.
فتقدموا يطْلبُونَ الْأسد، وقويت نَفسِي، فزدت فِي الْعَدو، إِلَى أَن خرجت من الأجمة، ولحقني الرّفْقَة الَّتِي كنت فِيهَا، وَقد عقلوا البغلة الَّتِي كَانَت تَحت مملوكي، وَسَاقُوا الْحمار، فركبته، وَدخلت الْكُوفَة.
(4/171)

وَكَانَ هَذَا الْخَبَر يَوْم الثُّلَاثَاء غرَّة شهر الْمحرم سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، فَصمت يومي، واعتقدت أَن أَصوم كل ثلاثاء، أبدا، وَأَنا أصومه إِلَى الْآن.
وَجَاءَنِي أَبُو عَليّ عمر بن يحيى الْعلوِي، مهنئًا بالسلامة، وبقدومي، وَكَانَ خبري شاع.
وَقَالَ لي فِي جملَة كَلَامه: كَيفَ خفت الْأسد؟ أَو مَا علمت أَن لحومنا معاشر بني فَاطِمَة مُحرمَة على السبَاع؟ فَقلت لَهُ: مثل سيدنَا، أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، لَا يَقُول مثل هَذَا، وَمَا الَّذِي كَانَ يؤمنني أَن يكون هَذَا الحَدِيث بَاطِلا فأتلف، وَكَيف كَانَت نَفسِي، مَعَ طبع البشرية، تطمئِن فِي مثل ذَلِك الْوَقْت، إِلَى هَذَا الحَدِيث؟ قَالَ: كَيفَ يكون هَذَا الحَدِيث بَاطِلا، مَعَ مَا روينَاهُ من خبر زَيْنَب الكذابة مَعَ عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا عَلَيْهِمَا السَّلَام؟ قَالَ: فَقلت لَهُ: بلَى، قد رويت ذَلِك، وَلَكِن لم يخْطر فِي فكري من هَذَا شَيْء فِي تِلْكَ الْحَال.
قَالَ مؤلف الْكتاب: فَقلت أَنا لأبي الْقَاسِم بن الأعلم، وَمَا خبر زَيْنَب الكذابة؟ فَإِنِّي لم أسمعهُ.
قَالَ: هَذَا خبر مَشْهُور عِنْد الشِّيعَة، بِإِسْنَاد لَهُم لَا أحفظه، وَذَلِكَ: أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا زَيْنَب ادَّعَت أَنَّهَا علوِيَّة، فجيء بهَا إِلَى عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا عَلَيْهِمَا السَّلَام، فَدفع نَسَبهَا.
فخاطبته بِكَلَام دفعت فِيهِ نسبه، ونسبته إِلَى مثل مَا نَسَبهَا إِلَيْهِ من الادعاء، وَكَانَ ذَلِك بِحَضْرَة السُّلْطَان.
فَقَالَ الرِّضَا: أخرج أَنا وَهَذِه الْمَرْأَة إِلَى بركَة السبَاع، فَإِنِّي رويت عَن آبَائِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن لُحُوم ولد فَاطِمَة صلوَات الله عَلَيْهَا مُحرمَة على السبَاع، فَمن أَكلته السبَاع فَهُوَ دعِي.
(4/172)

فَقَالَت الْمَرْأَة: لَا أرْضى بِهَذَا، وَدفعت الْخَبَر، فأجبرها السُّلْطَان على ذَلِك.
فَقَالَت: فلينزل قبلي.
فَنزل الرِّضَا بِمحضر من خلق عَظِيم، فَلَمَّا رَأَتْهُ السبَاع، أقعت على أذنابها، فَدَنَا مِنْهَا، وَلم يزل يمسح رَأس كل وَاحِد مِنْهَا ويمر بِيَدِهِ إِلَى ذَنبه، والسبع يبصبص لَهُ، حَتَّى أَتَى على آخرهَا، ثمَّ ولى، فَصَعدَ من الْبركَة.
وكرهت الْمَرْأَة النُّزُول، وأبته، فأجبرت على ذَلِك، فحين نزلت وثب عَلَيْهَا السبَاع، فافترسوها ومزقوها، فَعرفت بِزَيْنَب الكذابة.
(4/173)

أعَان الفيلة على قتل ثعبان فكافئوه بِمَا أغناه
وَحدث عبد الله بن مُحَمَّد بن خرسان السيرافي، الْمُقِيم، كَانَ، بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، قَالَ ذكر جمَاعَة من شُيُوخ الْبَحْرين الَّذين ترددوا إِلَى بِلَاد الْهِنْد، أَنهم سمعُوا هُنَاكَ حِكَايَة مستفيضة، أَن رجلا كَانَ معاشه صيد الفيلة قَالَ: استخفيت مرّة فِي شَجَرَة كَبِيرَة عالية كَثِيرَة الْوَرق فِي غيضة كَانَت تجتاز بهَا الفيلة، من شرائع المَاء الَّتِي تردها إِلَى مراتعها.
فاجتاز بِي قطيع مِنْهَا، وَكَانَت عادتي أَن أدع القطعان تجوز حَتَّى تبلغ آخر فيل مِنْهَا، فأرميه بِسَهْم مَسْمُوم فِي بعض مقاتله، فتجفل الفيلة، فَإِذا مَاتَ الْفِيل الْمَجْرُوح، نزلت فاقتلعت أنيابه وسلخت جلده، وَأخذت ذَلِك فَبِعْته فِي الْبِلَاد.
فَلَمَّا اجتاز بِي هَذَا القطيع، رميت آخر فيل كَانَ فِيهِ، فَخر، فاضطربت الفيلة، وأسرعت عَنهُ.
فَإِذا أعظمها قد عَاد فَوقف عَلَيْهِ، وَتَأمل السهْم وَالْجرْح، وَرجعت مَعَه الفيلة، ووقفت بوقوفه، فَمَا زَالَ قَائِما والفيل الْمَجْرُوح يضطرب إِلَى أَن مَاتَ.
فَضَجَّ ذَلِك الْفِيل ضَجِيجًا عَظِيما، وضجت الفيلة مَعَه وانتشرت فِي الغيضة، ففتشتها شَجَرَة شَجَرَة، فأيقنت بِالْهَلَاكِ.
وانْتهى الْفِيل الْأَعْظَم إِلَى الشَّجَرَة الَّتِي أَنا فِيهَا، فَلَمَّا رَآنِي أحتك بِالشَّجَرَةِ،
(4/174)

فَإِذا هِيَ قد انْكَسَرت، على عظمها وضخامتها، وَسَقَطت أَنا والشجرة إِلَى الأَرْض، فَلم أَشك فِي أَن الْفِيل يدومني.
وَإِذا بِهِ قد جَاءَ حَتَّى وقف يتأملني، وأحجمت الفيلة عني.
فَلَمَّا رأى الْفِيل الْعَظِيم قوسي وسهامي، لف خرطومه عَليّ بِرِفْق، وشالني من غير أَذَى، حَتَّى وضعني على ظَهره، وَرجع يُرِيد الطَّرِيق الَّتِي كَانَ أقبل مِنْهَا، وهرول، وهرولت الفيلة خَلفه، حَتَّى بلغ المَاء، والفيلة مَعَه.
فَإِذا قد خرج عَلَيْهَا ثعبان عَظِيم ينْفخ، فتأخرت الفيلة، وأشال الْفِيل الْأَعْظَم خرطومه، فلفه عَليّ، وأنزلني، وَتَرَكَنِي على الأَرْض، وَأخذ يُومِئ بخرطومه إِلَى الثعبان بِرِفْق وتملق.
فسددت سَهْما إِلَى الثعبان، ورميته، فَأَصَبْته، وتابعت رميه، فَانْصَرف مثخنًا.
فَتقدم إِلَيْهِ الْفِيل فداسه، ثمَّ عَاد إِلَيّ، فأخذني بخرطومه، وَجَعَلَنِي على ظَهره وَأَقْبل يُهَرْوِل، والفيلة خَلفه.
فجَاء بِي إِلَى غيضة لم أكن أعرفهَا، أعظم من الَّتِي أَخَذَنِي مِنْهَا، وَأبْعد بعدة فراسخ، وفيهَا فيلة ميتَة، لَا يحصيها إِلَّا الله تَعَالَى، وأكثرها قد بلي جسده وَبقيت عِظَامه.
(4/175)

فَمَا زَالَ يتتبع الأنياب ويجمعها، ويومئ إِلَى فيل فيل، حَتَّى لم يدع هُنَاكَ نابًا إِلَّا جمعه، وأوقر تِلْكَ الفيلة، ثمَّ أركبني على ظَهره، وَأخذ بِي فِي طَرِيق الْعِمَارَة، واتبعته الفيلة.
فَلَمَّا شَارف الْقرى وقف، وَأَوْمَأَ إِلَى الفيلة فطرحت أحمالها، حَتَّى لم يبْق مِنْهَا شَيْء، ثمَّ أنزلني بخرطومه بِرِفْق، وَتَرَكَنِي عِنْد الأنياب، وَقد صَارَت تَلا عَظِيما هائلًا.
فَجَلَست عِنْدهَا مُتَعَجِّبا من سلامتي، وَرجع الْفِيل يُرِيد الصَّحرَاء، وَرجعت الفيلة بِرُجُوعِهِ، وَأَنا لَا أصدق بسلامتي، وَلَا بِمَا شاهدت من عظم فطنة الْفِيل.
فَلَمَّا غَابَتْ الفيلة عني، مشيت، إِلَى أقرب الْقرى إِلَيّ، واستأجرت خلقا كثيرا، حَتَّى خَرجُوا معي، وحملوا تِلْكَ الأنياب، فِي أَيَّام، إِلَى الْقرْيَة.
وَمَا زلت أبيعها فِي تِلْكَ المدن، حَتَّى حصل لي مَال عَظِيم، كَانَ سَبَب يساري وغناي عَن صيد الفيلة.
(4/176)

حلف بِالطَّلَاق أَن لَا يبيت بمناذر فَكَانَ ذَلِك سَببا لإنقاذ شخص من براثن الْأسد
وَحكى سعد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْأَزْدِيّ، الشَّاعِر، الْمَعْرُوف بالوحيد، قَالَ: حَدثنِي مَرْوَان بن شُعَيْب الْعَدوي، من عدي ربيعَة، قَالَ: وَهُوَ بنهر تل هوارا، وَكَانَ من أَهلهَا، قَالَ: كنت فِي حداثتي شَدِيد الْقُوَّة والأيد، وَكَانَت بنيته لما حَدثنِي، تدل على ذَلِك مِنْهُ، وَكنت عِنْد زَوْجَة لي من عبد الْقَيْس فِي مناذر، وَهِي قريبَة من تل هوارا، على أَرْبَعَة فراسخ، وَعِنْدِي قوم من أهل هواره، وَنحن نشرب.
فتفاخرنا إِلَى أَن انتهينا إِلَى تَجْرِيد السيوف، فحجز بَيْننَا مَشَايِخ الْقرْيَة، وَبدر لساني، فَحَلَفت بِالطَّلَاق أَن لَا أَبيت بمناذر.
(4/177)

فَخرجت مِنْهَا أُرِيد منزلي بتل هوارا، وَمَعِي سَيفي وجحفتي، وَكَانَ ذَلِك فِي اللَّيْل.
فسرت فِي الطَّرِيق وحدي، وَبَلغت أجمة لَا بُد من سلوكها، فَلَمَّا سرت فِيهَا قَلِيلا، سَمِعت صياحًا شَدِيدا من ورائي، فجردت سَيفي، وَرجعت أطلب الصَّوْت.
فَوجدت الْأسد قد افترس رجلا، وَهُوَ الَّذِي صَاح، ورأيته فِي فَم الْأسد عرضا بثيابه.
فَصحت بالأسد، فَرمى بِالرجلِ، وَرجع إِلَيّ، فقاتلته سَاعَة، ثمَّ وثب عَليّ وثبة شَدِيدَة، فلطئت بِالْأَرْضِ، وجمعت نَفسِي فِي جحفتي، فلشدة وثبته جاوزني، فَصَارَ ورائي، فأسرعت الْوُثُوب نَحوه، وبعجته بِالسَّيْفِ فِي فَمه، وَكَانَ سَيْفا مَاضِيا، فَدخل فِي فَمه وَخرج من لبته، فَخر صَرِيعًا يضطرب، فتداركته بضربات كَثِيرَة حَتَّى تلف.
وعدت إِلَى الرجل، فَوَجَدته يتنفس وَلَا يعقل، فَحَملته إِلَى الجادة، وَكَانَت لَيْلَة مُقْمِرَة.
وتأملت الرجل، فَإِذا هُوَ تَاجر من تل هوارا، أعرفهُ، فَلم تطب نَفسِي بِتَرْكِهِ أصلا، فَجَعَلته عِنْد الجادة، وعدت فَأخذت رَأس السَّبع، وَحَمَلته وَالرجل،
(4/178)

وحصلتهما فِي صبيغة كَانَت عَليّ.
والصبيغة إِزَار أَحْمَر يتشح بِهِ عرب تِلْكَ النَّاحِيَة.
وَكَانَ الْأسد فِي خلال قتالي إِيَّاه قد ضرب فَخذي بكفه، فأحسست بِهِ فِي الْحَال كغرزة الإبرة، لما كنت فِيهِ من الهول.
فَلَمَّا حصلت أَمْشِي حَامِلا رَأس الْأسد وَالرجل، أحسست بالألم، وَرَأَيْت الدَّم يجْرِي، وقوتي تضعف، فَصَبَرت نَفسِي حَتَّى بلغت تل هوارا وَقد أَصبَحت.
فَأنْكر أهل الْقرْيَة حَالي، وَحَال الْجرْح، فسألوني عَن خبري، فألقيت الصبيغة الَّتِي فِيهَا الرجل وَالرَّأْس، فاستهلوا الْحَال لما حدثتهم بهَا.
وفتشوا الرجل، فوجدوا فِي بدنه خدوشًا يسيرَة، فَأَخَذُوهُ، ورمت أَن أَمْشِي إِلَى بَيْتِي، فَلم أقدر، حَتَّى حملت، وَمَكَثت فِي بَيْتِي زَمَانا، وَكنت أعالج نَفسِي من تِلْكَ الْجراح مُدَّة.
وعولج الرجل فبرأ قبلي بأيام، وَهُوَ حَيّ إِلَى الْآن، يسميني مولَايَ، ومعتقي، وجراحي أَنا، لصعوبتها تنْتَقض عَليّ فِي أغلب الْأَوْقَات.
قَالَ سعد بن مُحَمَّد: وَأرَانِي الْجرْح، فَكَانَ عَظِيم الْفَتْح، قَالَ: فَلم أعلم سَببا لسكرنا وعربدتنا، إِلَّا أَنه سَبَب النجَاة لذَلِك الرجل.
(4/179)

حِيلَة ابْن عرس فِي قتل الأفعى
وَحكى سعد بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ، قَالَ: حَدثنِي رجل يعرف بِعَبْد الْعَزِيز بن الْحسن الْأَزْدِيّ من تجار القصباء بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: كنت يَوْمًا فِي القصباء، وَقد أخرج من النَّهر قصب رطب، فَعمل كالقباب، على الْعَادة فِيمَا يُرَاد تجفيفه من الْقصب، وَكَانَ يَوْمًا صائفًا.
وكدني الْحر، فَدخلت إِحْدَى تِلْكَ القباب الْقصب، وَهِي تكون بَارِدَة جدا، وَعَادَة التُّجَّار أَن يستكنوا بهَا، فَنمت فِي الْقبَّة، فلبردها استثقلت فِي النّوم.
فانتبهت بعد الْعَصْر، وَقد انْصَرف النَّاس من القصباء، وَهِي فِي مَوضِع بِالْبَصْرَةِ، فِي أَعْلَاهَا، مَعْرُوف، بِهِ صحراء وبساتين.
فاستوحشت للوحدة، وعملت على الْقيام، فَإِذا بأفعى فِي غلظ السَّاق أَو الساعد، طَوِيل، متدور على بَاب الْقبَّة كالطبق.
فَلم أجد سَبِيلا إِلَى الْخُرُوج، ويئست من نَفسِي، وتحيرت، وَجَزِعت جزعًا شَدِيدا، وَأخذت فِي التَّشَهُّد، وَالتَّسْبِيح، والفزع إِلَى الله تَعَالَى.
فَإِنِّي لكذلك، إِذْ جَاءَ ابْن عرس من بعيد، فَلَمَّا رأى الأفعى، وقف يتأمله ثمَّ رَجَعَ من حَيْثُ جَاءَ، وَغَابَ قَلِيلا، ثمَّ جَاءَ وَمَعَهُ ابْن عرس آخر، فوقفا جَمِيعًا، الْوَاحِد عَن يَمِين الْقبَّة، وَالْآخر عَن يسارها، وَصَارَ الْوَاحِد عِنْد رَأس الأفعى، وَالْآخر عِنْد ذنبها، والأفعى غافل عَنْهُمَا، ثمَّ وثبا فِي حَال وَاحِدَة، وَإِذا رَأسه وذنبه فِي فَم كل وَاحِد مِنْهُمَا.
فاضطرب، فَلم يفلت مِنْهُمَا، وجراه حَتَّى بعدا عَن عَيْني، فَخرجت من الْقبَّة سالما.
(4/180)

ألْقى نَفسه على نَبَات البردي فَوَقع على أَسد
وَحدث سعد بن مُحَمَّد، الوحيد أَيْضا، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ الْأنْصَارِيّ الْمُقْرِئ بالرملة، وَكَانَ فَارِسًا فاتكًا شجاعًا جلدا، قَالَ: خرجت فِي قافلة من الرملة، صَاحبهَا ابْن الْحداد، وَأَنا على مهر لي، وَعلي سلاحي.
فَبَلغنَا فِي لَيْلَة مظْلمَة إِلَى وَادي غارا، وَهُوَ وَاد عميق جدا، عمقه نَحْو فَرسَخ، فِي بَطْنه مَاء يجْرِي، وَعَلِيهِ شجر كثير، وَهُوَ مَشْهُور بالسباع، وَالطَّرِيق على جنبة من جنباته فِي مضيق.
فازدحمت الْقَافِلَة، فَسقط جمل عَلَيْهِ حمل بز، فَرَأَيْت صَاحبه يلطم ويبكي، وَكَانَ مُوسِرًا.
فَدَعَاهُ ابْن الْحداد، وَقَالَ لَهُ: أَنْت رجل مُوسر، فَمَا هَذَا الْجزع؟ فَقَالَ لَهُ: فِي الْحمل الْبَز الَّذِي سقط، عشرَة آلَاف دِينَار عينا.
فحط ابْن الْحداد الْقَافِلَة، ونادى: من ينزل الْوَادي، ويتخلص لنا الْحمل أَو المَال الَّذِي فِيهِ، وَله ألف دِينَار، فَلم يَجْسُر أحد على ذَلِك.
فَلَمَّا كرر النداء جِئْته، وَقلت: تعجل لي الدَّنَانِير.
فَقَالَ: لَا، وَلَكِن أكتب لَك بهَا السَّاعَة كتابا، وَأشْهد من فِي الْقَافِلَة،
(4/181)

فَإِذا صَار الْجمل وَحمله مَعَ مَا فِيهِ من المَال عِنْدِي، فَالْمَال لَك.
فكتبنا كتابا بذلك، وأشهدنا عَلَيْهِ، وأعطيتهم دَابَّتي ورحلي، ثمَّ أخذت سَيْفا، وجحفةً، وشمعةً مشتعلة، ورمت النُّزُول إِلَى الْوَادي.
فَرَأَيْت منزلا غرني، فاستعجلت سلوكه، فَنزلت سَاعَة، حَتَّى صرت على جَانب من الْوَادي مشجر، فَإِذا فِيهِ أثر الرُّعَاة وَالْغنم، ثمَّ لم أجد طَرِيقا إِلَى أَسْفَل، وَكَانَ سبيلي أَن أرجع، وأرتاد النُّزُول من جِهَة أُخْرَى.
فَحَمَلَنِي ضيق الْوَقْت، والحرص على الدَّنَانِير، أَن جعلت أتوغل، وَأَنْتَقِلَ من شَجَرَة إِلَى شَجَرَة، وَمن حجر إِلَى حجر، حَتَّى حصلت فِي جنب الْوَادي على صَخْرَة ملساء بارزة كالرف، لَيْسَ لَهَا إِلَى أَسْفَل طَرِيق أَلْبَتَّة.
فاطلعت بالشمعة، فَإِذا بيني وَبَين الْقَرار عشرُون ذِرَاعا، وَفِي أَسْفَل الْوَادي بردي كثيف يجْرِي بَينه المَاء، وَله خرير شَدِيد.
فأجمعت على أَن ألقِي نَفسِي، فأطفأت الشمعة، وشددتها بحمائل السَّيْف مَعَ الْجحْفَة، وألقيت ذَلِك فِي مَوضِع عَلمته عَن يَمِيني، ثمَّ جمعت نَفسِي فَوَثَبت فِي وسط البردي.
فَوَقَعت على شَيْء ثار من تحتي ونفضني، وَصَاح صَيْحَة عَظِيمَة مَلأ بهَا الْوَادي، وَإِذا هُوَ أَسد، فشق البردي وسعى هَارِبا، فَوقف بإزائي من جَانب الْوَادي الآخر.
فطلبت سَيفي وجحفتي حَتَّى أخذتهما، ووقفت أنْتَظر أَن يمْضِي الأدس فأطلب الْجمل، فَأقبل يُرِيدنِي.
فمشيت بَين يَدَيْهِ فِي البردي، وَهُوَ فِي أثري يَخُوض المَاء، ويشق البردي، وَأَنا أخاتله من مَوضِع إِلَى مَوضِع.
(4/182)

وطلع الْقَمَر، فَأَبْصَرت بِنَاء خفِيا، فقصدته، فَإِذا هُوَ بَيت رحى يديرها المَاء، فَدخلت فِيهِ.
ثمَّ فَكرت، فَقلت: هُنَا مألف الْأسد، والساعة يجيئني، فَجئْت إِلَى شَجَرَة كَبِيرَة، فقطعتها بِالسَّيْفِ من نصف سَاقهَا، وجررتها من ورائي، وجذبت سَاقهَا، وَدخلت إِلَى بَيت الرَّحَى، فَامْتَلَأَ الْبَاب بهَا، وفضلت عَنهُ بِشَيْء كثير، وَجَلَست، وسَاق الشَّجَرَة فِي يَدي.
فَمَا كَانَ إِلَّا مِقْدَار جلوسي، حَتَّى أحسست بالأسد يزحم الشَّجَرَة يُرِيد الدُّخُول إِلَيّ.
قَالَ: فاستندت إِلَى الْحَائِط، وَأَمْسَكت سَاق الشَّجَرَة أدافعه بهَا، حَتَّى ملني ومللته، ثمَّ ربض بِإِزَاءِ الْبَاب إِلَى أَن أَسْفر الصُّبْح، فَلَمَّا كَادَت أَن تطلع الشَّمْس مضى.
فأقمت إِلَى أَن انبسطت الشَّمْس، حَتَّى أمنته، ثمَّ خرجت، فَمَا زلت أطلب أثر الْجمل حَتَّى انْتَهَيْت إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ قد تقطع من أثر السقطة، والعدلان مطروحان، وَكَانُوا أمروني بفتقهما، واستخراج المَال، وَحمله، إِن لم أقدر على تَخْلِيص الْجمل وَحمل العدلين، فَفعلت ذَلِك.
وحملت المَال على ظَهْري، وَطلبت المصعد، وَقد علا الضُّحَى، فَصَعدت فِيهِ.
فَلَمَّا حصلت بِرَأْس الْوَادي، إِذا ببادية مجتازين، فقصدوني، فمانعتهم بِالسَّيْفِ عَن نَفسِي، فَلم أطقهم، وضربوني بِالسُّيُوفِ.
فَقلت لشيخ رَأَيْته كالرئيس لَهُم: لي الذمام على مَا معي حَتَّى أصدقك، وأنفعك نفعا كثيرا.
فَقَالَ: أصدقني، وَلَك الذمام.
(4/183)

فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ، فَأخذُوا المَال، وَسَارُوا بِي مَعَهم، حَتَّى وقفُوا على العدلين، فاحتملوهما.
وَضرب الشَّيْخ بِيَدِهِ فِي المَال، فَحَثَا مِنْهُ ثَلَاث حثيات فَقلت: هَذَا لَا يَنْفَعنِي إِن لم تبلغني مأمني.
فَأَنَاخَ جملا فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَسَار بِي سيرًا حثيثًا، حَتَّى أَرَانِي الْقَافِلَة على بعد، ثمَّ أنزلني، وَقَالَ: الْحق برفقتك، فَمَا عَلَيْك من أحد بَأْس.
فمشيت حَتَّى لحقت الْقَافِلَة، وَقد خبأت تِلْكَ الدَّنَانِير فِي سراويلي، فعرفتهم أَن المَال أَخَذته الْبَادِيَة، وكتمت مَا أعطوني، وأريتهم آثَار الضَّرْب، فصدقوني، وَلم يفتشوني.
فركبت دَابَّتي وسرت مَعَهم، فَدَخَلْنَا طبرية، فشكوا إِلَى أميرها أبي عُثْمَان بن عقيل، فَأسْرى إِلَى الْأَعْرَاب، فارتجع مِنْهُم أَكثر المَال، ورده إِلَى صَاحبه.
وَكنت أَنا، لما دَخَلنَا طبرية، فَارَقْتهمْ، وَدخلت إِلَى دمشق، ثمَّ لحقوني بهَا.
وَبَلغنِي مَا رد عَلَيْهِم، فَقلت لصَاحب المَال: قد بذلت مهجتي، وأفلت من الْأسد، وَالْمَوْت، مرَارًا، وَمن الْأَعْرَاب، حَتَّى وصل إِلَيْك بعض مَالك، فَلَا أقل من أَن توصل إِلَيّ بعض مَا وَعَدتنِي، فَأَعْطَانِي مِائَتي دِينَار.
فأضفتها إِلَى مَا أعطانيه الْأَعْرَاب، فَإِذا الْجَمِيع سِتّمائَة دِينَار، مَعَ السَّلامَة من تِلْكَ الشدائد والأهوال.
(4/184)

كَيفَ نجا من الْأسد والثعبان
وَحكي أَن رجلا وَفد على هِشَام بن عبد الْملك، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لقد رَأَيْت فِي طريقي عجبا.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنا أَسِير بَين جبلي طي، إِذْ نظرت فَإِذا عَن يَمِيني أَسد كالبغل، وَعَن يساري ثعبان كالجراب، وهما مقبلان عَليّ.
قاصدان نحوي.
فَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء، وَقلت:
يَا دَافع الْمَكْرُوه قد تراهما ... فنجّني يَا ربّ من أذاهما
وَمن أَذَى من كادني سواهُمَا ... لَا تجعلن شلوي من قراهما
قَالَ: فقربا مني، حَتَّى وصلا إِلَيّ، فتشمماني، حَتَّى لم أَشك فِي الْمَوْت، ثمَّ صَدرا عني، ونجوت.
(4/185)

قضى لَيْلَة مَعَ الْأسد فِي حجرَة مغلقة الْبَاب
بَلغنِي عَن قَاضِي الْقُضَاة الْمَعْرُوف بِأبي السَّائِب، وَلم أسمع ذَلِك مِنْهُ، قَالَ: وافيت من همذان أُرِيد الْعرَاق، وَأَنا فَقير، وزرت قبر الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ.
فَلَمَّا انصرفت أُرِيد قصر ابْن هُبَيْرَة، قيل لي: إِن الأَرْض مسبعَة، وأشير عَليّ أَن ألحق بقرية فِيهَا حصن سميت لي، فآوى إِلَيْهَا قبل الْمسَاء.
وَكنت مَاشِيا، فأسرعت فِي الْمَشْي، إِلَى أَن وافيت الْقرْيَة، فَوجدت بَاب الْحصن مغلقًا.
فدققت الْبَاب، فَلم يفتح لي، وتوسلت للقائمين بحراسته، بِمن انصرفت من زيارته.
فَقَالُوا: قد أَتَانَا مُنْذُ أَيَّام من ذكر مثل مَا ذكرت، فأدخلناه، وآويناه، فَدلَّ علينا اللُّصُوص، وَفتح لَهُم بَاب الْحصن لَيْلًا، وأدخلهم، فسلبونا، وَلَكِن الْحق بذلك الْمَسْجِد، وَكن فِيهِ، لِئَلَّا تمسي فيأتيك السَّبع.
فصرت إِلَى الْمَسْجِد، فَدخلت بَيْتا كَانَ فِيهِ، وَجَلَست.
فَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ رجل على حمَار، منصرفًا من الحائر، فَدخل الْمَسْجِد، وَشد حِمَاره فِي غلق الْبَاب، وَدخل إِلَيّ.
وَكَانَ مَعَه كراز فِيهِ مَاء، وَخرج، فَأخْرج مِنْهُ سِرَاجًا فأصلحه، ثمَّ أخرج قداحة، فقدح، وأوقد، وَأخرج خبزه، وأخرجت خبزي، واجتمعنا على الْأكل.
فَمَا شعرنَا إِلَّا والسبع قد حصل فِي الْمَسْجِد فَلَمَّا رَآهُ الْحمار، دخل إِلَى الْبَيْت الَّذِي كُنَّا فِيهِ، فَدخل السَّبع وَرَاءه، فَخرج الْحمار وجذب بَاب الْبَيْت بالرسن،
(4/186)

فأغلقه علينا وعَلى السَّبع، وصرنا محبوسين فِيهِ، فحصلنا فِي أَخبث مُحَصل.
وقدرنا أَن السَّبع لَيْسَ يعرض لنا، بِسَبَب السراج، وَأَنه إِذا طفئ، أكلنَا، أَو أَخذنَا.
وَمَا طَال الْأَمر أَن فني مَا كَانَ فِي السراج من الدّهن، وطفئ، وحصلنا فِي الظلمَة، والسبع مَعنا، فَمَا كَانَ عندنَا من حَاله شَيْء إِلَّا إِذا تنفس، فَإنَّا كُنَّا نسْمع نَفسه.
وراث الْحمار من فزعه، فَمَلَأ الْمَسْجِد رَوْثًا، وَمضى اللَّيْل وَنحن على حَالنَا، وَقد كدنا نتلف فَزعًا.
ثمَّ سمعنَا صَوت الْأَذَان من دَاخل الْحصن، وبدا ضوء الصُّبْح، فرأيناه من شقوق الْبَاب.
وَجَاء الْمُؤَذّن من الْحصن، فَدخل الْمَسْجِد، فَلَمَّا رأى رَوْث الْحمار، لعن وَشتم، وَحل رسن الْحمار من الغلق، فَمر يطير، من الْفَزع، فِي الصَّحرَاء، لعلمه بِمَا قد أفلت مِنْهُ.
وَفتح الْمُؤَذّن بَاب الْبَيْت ينظر من فِيهِ، فَوَثَبَ السَّبع إِلَيْهِ، فدقه، وَحمله إِلَى الأجمة، وقمنا نَحن، وانصرفنا سَالِمين.
(4/187)

أَخذه الْأسد فِي الْمَكَان الَّذِي أَخذ فِيهِ أَبَاهُ
بَلغنِي عَن أبي عَليّ مُحَمَّد بن عَليّ بن مقلة الْكَاتِب، قَالَ: كنت عِنْد أبي عَليّ الْعلوِي بِالْكُوفَةِ، إِذْ دخل عَلَيْهِ غُلَام لَهُ، فَقَالَ: يَا مولَايَ، أَخذ الْأسد فلَانا وكيلك.
فانزعج، وَقَالَ: أَيْن أَخذه؟ فَقَالَ: فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا، وَأدْخلهُ الأجمة الْفُلَانِيَّة.
فَقَالَ أَبُو عَليّ: لَا إِلَه إِلَّا الله، فِي هَذَا الْيَوْم بِعَيْنِه، أَخذ الْأسد أَبَاهُ، وَأدْخلهُ هَذِه الأجمة بِعَينهَا، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة، واغتم، فسليناه، فَعَاد إِلَى شَأْنه فِي المحادثة.
فَأَنا قَاعد عِنْده أحدثه، إِذْ دخل عَلَيْهِ غلمانه مبادرين، فَقَالُوا: قد وافى فلَان، يعنون ذَلِك الْوَكِيل، فَأذن لَهُ، فَدخل.
فَرَحَّبَ بِهِ أَبُو عَليّ، وَسَأَلَهُ عَن خَبره، فَقَالَ: نعم، أَخَذَنِي الْأسد، كَمَا شاهدوني، وَكنت رَاكِبًا، فَحَمَلَنِي بِفِيهِ، كَمَا تحمل السنور بعض أَوْلَادهَا، إِلَّا أَنه مَا كلمني، وأدخلني الأجمة، وَقد زَالَ عَقْلِي.
وَلم أعلم من أَمْرِي شَيْئا، إِلَّا أنني أَفَقْت فَلم أره، وَوجدت أعضائي سَالِمَة، وَوجدت حَولي من الجماجم وَالْعِظَام أمرا عَظِيما، فَلم يزل عَقْلِي وقوتي يثوبان إِلَيّ إِلَى أَن قُمْت، ومشيت.
(4/188)

فَعَثَرَتْ بِشَيْء تأملته، فَإِذا هُوَ هميان، فَأَخَذته، وشددت بِهِ وسطي، ومشيت إِلَى أَن بَعدت عَن الْموضع، فوصلت إِلَى شَبيه بوهدة، فَجَلَست فِيهَا، وغطيت نَفسِي بِمَا أمكنني من الْقصب بَقِيَّة لَيْلَتي.
فَلَمَّا طلعت الشَّمْس أحسست بِكَلَام المجتازين، وحوافر بغالهم، فَخرجت وعرفتهم قصتي، وَركبت بغل أحدهم.
فَلَمَّا بَعدت عَن الأجمة، وَأمنت على نَفسِي، فتحت الْهِمْيَان، فَإِذا فِيهِ رقْعَة بِخَط أبي، بِأَصْل مَا كَانَ فِي الْهِمْيَان من الدَّنَانِير، وَبِمَا أنفقهُ، فَإِذا هُوَ هميان أبي الَّذِي كَانَ فِي وَسطه لما افترسه السَّبع.
فحسبت المصروف، ووزنت الْبَاقِي، فَإِذا هِيَ بِإِزَاءِ مَا بَقِي من الأَصْل، مَا نقصت شَيْئا.
قَالَ: وَأخرج الْهِمْيَان، وفتحه، وَأخرج الرقعة، فَقَالَ أَبُو عَليّ: نعم، هَذَا خطّ أَبِيك.
وَعَجِبت الْجَمَاعَة من ذَلِك.
(4/189)

نجا من الْأسد وافترس مَمْلُوكه
وَبَلغنِي عَن رجل من أهل الأنبار، قَالَ: خرجت إِلَى ضَيْعَة لي فِي ظَاهر الأنبار، رَاكِبًا دَابَّة لي، وَمَعِي مَمْلُوك لي أسود فِي نِهَايَة الشجَاعَة.
فَلَمَّا صرنا فِي بعض الطَّرِيق، بِالْقربِ من الْموضع الَّذِي أَنا طَالبه، إِذْ نشأت سَحَابَة، فأمطرت، وَكَانَ الْمسَاء قد أدركنا، فملنا إِلَى قباب كَانَت فِي الطَّرِيق للسابلة، فلجأنا إِلَيْهَا، فقوي الْمَطَر حَتَّى منعنَا من الْحَرَكَة، فَأَشَارَ الْغُلَام عَليّ بالمبيت.
فَقلت لَهُ: نَخَاف اللُّصُوص وَيلك.
فَقَالَ لي: تخَاف وَأَنا مَعَك؟ قلت: فالسبع؟ قَالَ: نصير الدَّابَّة دَاخل الْقبَّة، وَأَنت تَلِيهَا، وَأَنا عِنْد الْبَاب، وَأَشد وسطي بالحبل الَّذِي مَعنا، وَأَشد طرفه برجلك، حَتَّى لَا يأخذني النّوم، فَإِن جَاءَ الْأسد، أَخَذَنِي دُونك.
وَمَا زَالَ يحسن لي ذَلِك الرَّأْي حَتَّى أطعته، وملنا إِلَى إِحْدَى القباب، ودخلناها، وَفعل مَا قَالَ.
فوَاللَّه مَا مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، حَتَّى جَاءَ الْأسد، فَأخذ الْأسود فدقه، واحتمله، وجر رجْلي المشدودة مَعَه فِي الْحَبل.
(4/190)

فَلم يزل يجرني على الشوك وَالْحِجَارَة، إِلَى أَن صَار بِي إِلَى أجمته، وَأَنا لَا أَعقل شَيْئا من أَمْرِي، وَلَا أحس بِأَكْثَرَ مَا يجْرِي، وَلَا تَمْيِيز لي يُؤَدِّي بِي إِلَى الِاجْتِهَاد فِي حل الْحَبل من رجْلي.
ثمَّ رمى بالأسود، وربض عَلَيْهِ، وَمَا زَالَ يَأْكُل مِنْهُ، حَتَّى شبع، وَترك مَا فضل مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي من حس الْحَيَاة غير النّظر فَقَط، ثمَّ مضى، فَنَامَ بِالْقربِ من مَكَاننَا.
وَبقيت زَمَانا على تِلْكَ الْحَال، ثمَّ سكن روعي، وَرجعت إِلَيّ نَفسِي، لطول مكث الْأسد فِي نَومه، فحللت رجْلي من الْحَبل، وَقمت أدب، فَعَثَرَتْ بِشَيْء لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَخَذته، فَإِذا هميان ثقيل، فشددته على وسطي، وَخرجت من الأجمة، وَقد قَارب الصُّبْح أَن يسفر.
وصرت إِلَى الْقبَّة الَّتِي فِيهَا دَابَّتي، فَإِذا هِيَ واقفة بِحَالِهَا، فأخرجتها، وركبتها، وانصرفت إِلَى منزلي، وَفتحت الْهِمْيَان، فَوجدت فِيهِ جملَة دَنَانِير.
فحمدت الله تَعَالَى على السَّلامَة وَبَقِي الرعب فِي قلبِي، والتألم فِي بدني، مُدَّة.
(4/191)

الْبَاب الْعَاشِر
فِيمَن اشْتَدَّ بلاؤه بِمَرَض ناله فعافاه الله سُبْحَانَهُ بأيسر سَبَب وأقاله
دُعَاء يشفي من الوجع
4: 192 54 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، مِنْ حِفْظِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، أَخْبَرَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعًا بِي، قَدْ كَادَ يُبْطِلُنِي، فَقَالَ لِي: يَا
(4/192)

عُثْمَانُ، ضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، مِنْ شَرِّ هَذَا الْوَجَعِ، وَمِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ، سَبْعَ مَرَّاتٍ "، قَالَ: فَقُلْتُهَا، فَشَفَانِي اللَّهُ
(4/193)

وَجَأَ نَفْسَهُ بِسِكِّينٍ فَعُوفِيَ مِنْ مَرَضِهِ
حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد الْوراق، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الطوسي، قَالَ: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الضَّحَّاك، عَن أَبِيه، وَمُحَمّد بن سَلام، عَن أبي جعدة، قَالَ: برص أَبُو عزة الجُمَحِي الشَّاعِر، فَكَانَت قُرَيْش لَا تؤاكله، وَلَا تجالسه، فَقَالَ: الْمَوْت خير من هَذِه الْحَيَاة.
فَأخذ حَدِيدَة، وَدخل بعض شعاب مَكَّة، فطعن بهَا فِي معده.
والمعد: مَوضِع عَقبي الرَّاكِب من الدَّابَّة.
(4/194)

قَالَ أَبُو جعدة: فمرت الحديدة بَين الْجلد والصفاق، فَسَالَ مِنْهُ مَاء أصفر، وَبرئ لوقته، فَقَالَ:
ألّلهمّ ربّ وائلٍ ونهد ... والمهمهات وَالْجِبَال الجرد
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَالَّذِي فِي كتاب الطوسي: لَا هم، وَهُوَ الصَّوَاب عِنْدِي.
وربّ من يرْعَى بَيَاض نجد ... أَصبَحت عبدا لَك وَابْن عبد
أبرأتني من وضحٍ فِي جلدي ... من بعد مَا طعنت فِي معدّي
(4/195)

يَا قديم الْإِحْسَان لَك الْحَمد
حَدثنَا أَبُو الْحسن أَحْمد بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن البهلول التنوخي، قَالَ: كَانَ ينزل بِبَاب الشَّام من الْجَانِب الغربي من بَغْدَاد رجل مَشْهُور بالزهد وَالْعِبَادَة، يُقَال لَهُ: لَبِيب العابد، لَا يعرف إِلَّا بِهَذَا.
وَكَانَ النَّاس ينتابونه، وَكَانَ صديقا لأبي، فَحَدثني لَبِيب، قَالَ: كنت مَمْلُوكا روميًا لبَعض الْجند، فرباني، وَعَلمنِي الْعَمَل بِالسِّلَاحِ، حَتَّى صرت رجلا، وَمَات مولَايَ بعد أَن أعتقني.
فتوصلت إِلَى أَن حصلت رزقه لي، وَتَزَوَّجت بامرأته، وَقد علم الله أنني لم أرد بذلك إِلَّا صيانتها، فأقمت مَعهَا مُدَّة.
ثمَّ اتّفق أَنِّي رَأَيْت يَوْمًا حَيَّة دَاخِلَة فِي جحرها، فَأَمْسَكت ذنبها، فانثنت عَليّ، فنهشت يَدي، فشلت.
وَمضى على ذَلِك زمَان طَوِيل، فشلت يَدي الْأُخْرَى، لغير سَبَب أعرفهُ، ثمَّ جَفتْ رجلاي، ثمَّ عميت، ثمَّ خرست.
وَكنت على ذَلِك الْحَال، ملقى، سنة كَامِلَة، لم تبْق لي جارحة صَحِيحَة، إِلَّا سَمْعِي، أسمع بِهِ مَا أكره، وَأَنا طريح على ظَهْري، لَا أقدر على الْكَلَام، وَلَا على الْحَرَكَة، وَكنت أسْقى وَأَنا رَيَّان، وأترك وَأَنا عطشان، وأهمل وَأَنا جَائِع، وَأطْعم وَأَنا شبعان.
فَلَمَّا كَانَ بعد سنة، دخلت امْرَأَة إِلَى زَوْجَتي، فَقَالَت: كَيفَ أَبُو عَليّ، لَبِيب؟
(4/196)

فَقَالَت لَهَا زَوْجَتي: لَا حَيّ فيرجى، وَلَا ميت فيسلى.
فأقلقني ذَلِك، وآلمني ألمًا شَدِيدا، وبكيت، ورغبت إِلَى الله عز وَجل فِي سري بِالدُّعَاءِ.
وَكنت فِي جَمِيع تِلْكَ الْعِلَل لَا أجد ألمًا فِي جسمي، فَلَمَّا كَانَ فِي بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم، ضرب عَليّ جسمي ضربانًا عَظِيما كَاد يتلفني، وَلم أزل على ذَلِك الْحَال، إِلَى أَن دخل اللَّيْل وانتصف، فسكن الْأَلَم قَلِيلا، فَنمت.
فَمَا أحسست إِلَّا وَقد انْتَبَهت وَقت السحر، وَإِحْدَى يَدي على صَدْرِي، وَقد كَانَت طول هَذِه السّنة مطروحة على الْفراش لَا تنشال أَو تشال.
ثمَّ وَقع فِي قلبِي أَن أتعاطى تحريكها، فحركتها، فتحركت، فَفَرِحت بذلك فَرحا شَدِيدا، وَقَوي طمعي فِي تفضل الله عز وَجل عَليّ بالعافية.
فحركت الْأُخْرَى فتحركت، فقبضت إِحْدَى رجْلي فانقبضت، فرددتها فَرَجَعت، فَفعلت مثل ذَلِك مرَارًا.
ثمَّ رمت الانقلاب من غير أَن يقلبني أحد، كَمَا كَانَ يفعل بِي أَولا، فَانْقَلَبت بنفسي، وَجَلَست.
ورمت الْقيام فأمكنني، فَقُمْت وَنزلت عَن السرير الَّذِي كنت مطروحًا عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي بَيت من الدَّار.
فمشيت ألتمس الْحَائِط فِي الظلمَة، لِأَنَّهُ لم يكن هُنَاكَ سراج، إِلَى أَن وَقعت على الْبَاب، وَأَنا لَا أطمع فِي بَصرِي.
فَخرجت من الْبَيْت إِلَى صحن الدَّار، فَرَأَيْت السَّمَاء وَالْكَوَاكِب تزهر، فكدت أَمُوت فَرحا.
وَانْطَلق لساني بِأَن قلت: يَا قديم الْإِحْسَان، لَك الْحَمد.
ثمَّ صحت بِزَوْجَتِي، فَقَالَت: أَبُو عَليّ؟ فَقلت: السَّاعَة صرت أَبُو عَليّ؟ أسرجي، فأسرجت.
(4/197)

فَقلت: جيئيني بمقراض، فَجَاءَت بِهِ، فقصصت شاربًا لي كَانَ بزِي الْجند.
فَقَالَت زَوْجَتي: مَا تصنع؟ السَّاعَة يعيبك رفقاؤك.
فَقلت: بعد هَذَا لَا أخدم أحدا غير رَبِّي.
فَانْقَطَعت إِلَى الله عز وَجل، وَخرجت من الدَّار، وَطلقت الزَّوْجَة، ولزمت عبَادَة رَبِّي.
وَقَالَ أَبُو الْحسن: وَخبر هَذَا الرجل مَعْرُوف مَشْهُور، وَكَانَت هَذِه الْكَلِمَة: يَا قديم الْإِحْسَان لَك الْحَمد، صَارَت عَادَته، يَقُولهَا فِي حَشْو كَلَامه.
وَكَانَ يُقَال: إِنَّه مجاب الدعْوَة، فَقلت لَهُ يَوْمًا: إِن النَّاس يَقُولُونَ إِنَّك رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَنَامك، فَمسح يَده عَلَيْك، فبرئت.
فَقَالَ: مَا كَانَ لعافيتي سَبَب غير مَا عرفتك.
(4/198)

أَبْرَأ أَبُو بكر الرَّازِيّ غُلَاما ينفث الدَّم بإطعامه الطحلب
حَدثنِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عَليّ الْخلال الْبَصْرِيّ، أحد أَبنَاء الْقُضَاة، قَالَ: حَدثنِي بعض أهل الطِّبّ الثِّقَات: أَن غُلَاما من بَغْدَاد قدم الرّيّ وَهُوَ ينفث الدَّم، وَكَانَ لحقه ذَلِك فِي طَرِيقه.
فاستدعى أَبَا بكر الرَّازِيّ الطَّبِيب الْمَشْهُور بالحذق، صَاحب الْكتب المصنفة، فوصف لَهُ مَا يجد.
فَأخذ الرَّازِيّ مجسه، وَرَأى قارورته، واستوصف حَاله، مُنْذُ ابْتِدَاء ذَلِك بِهِ، فَلم يقم لَهُ دَلِيل على سل وَلَا قرحَة، وَلم يعرف الْعلَّة، فاستنظر الرجل ليفكر فِي الْأَمر.
فَقَامَتْ على العليل قِيَامَته , وَقَالَ: هَذَا إِيَاس لي من الْحَيَاة، لحذق الطَّبِيب، وجهله بِالْعِلَّةِ، فازداد مَا بِهِ.
وَولد الْفِكر للرازي أَن عَاد إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن الْمِيَاه الَّتِي شربهَا فِي طَرِيقه، فَأخْبرهُ أَنه شرب من مستنقعات وصهاريج.
فَقَامَ فِي نفس الرَّازِيّ، لحدة الخاطر وجودة الذكاء، أَن علقَة كَانَت فِي المَاء وَقد حصلت فِي معدته، وَأَن ذَلِك النفث من فعلهَا.
(4/199)

فَقَالَ لَهُ: إِذا كَانَ غَدا جئْتُك بعلاجك، وَلَا أنصرف من عنْدك حَتَّى تَبرأ بِإِذن الله تَعَالَى، وَلَكِن بِشَرْط أَن تَأمر غلمانك يطيعونني فِيمَا آمُرهُم بِهِ.
قَالَ: نعم.
وَانْصَرف الرَّازِيّ، وَجمع ملْء مركنين كبيرين من طحلب، وأحضرهما من غَد مَعَه، وَأرَاهُ إيَّاهُمَا.
وَقَالَ لَهُ: ابلع جَمِيع مَا فِي هذَيْن المركنين، فَبَلع الرجل شَيْئا يَسِيرا، ثمَّ وقف.
فَقَالَ لَهُ: ابلع.
فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيع.
فَقَالَ للغلمان: خذوه، فنيموه، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِك، وفتحوا فَاه، وَأَقْبل الرَّازِيّ يُدِير الطحلب فِي حلقه، ويكبسه كبسًا شَدِيدا ويطالبه ببلعه، شَاءَ أَو أَبى، ويتهدده بِالضَّرْبِ، إِلَى أَن بلع كَارِهًا أحد المركنين، وَهُوَ يستغيث فَلَا يَنْفَعهُ مَعَ الرَّازِيّ شَيْء.
إِلَى أَن قَالَ لَهُ العليل: السَّاعَة أقذف مَا فِي بَطْني، فَزَاد الرَّازِيّ فِيمَا يكبسه فِي حلقه.
فذرعه الْقَيْء، فقذف، فَتَأمل الرَّازِيّ قذفه، فَإِذا فِيهِ علقَة، وَإِذا بهَا لما وصل إِلَيْهَا الطحلب، دبت إِلَيْهِ بالطبع، وَتركت موضعهَا، فَلَمَّا قذف العليل، خرجت مَعَ الطحلب، ونهض العليل معافى.
(4/200)

أُصِيب بوجع فِي الْمعدة وشفاه لحم جرو سمين
وَحكى الْحسن بن مُحَمَّد السطوي، غُلَام كَانَ يخْدم أبي رَحمَه الله، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحسن الصيدلاني البناتاذري، خَليفَة القَاضِي أبي الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد التنوخي على الْقَضَاء ببناتاذر، قَالَ: كَانَ عندنَا بسوق الْأَرْبَعَاء، من بناتاذر، غُلَام حدث من أَوْلَاد التناء، لحقه وجع فِي معدته شَدِيد، بِلَا سَبَب يعرفهُ، وَكَانَت تضرب عَلَيْهِ فِي أَكثر الْأَوْقَات ضربانًا عَظِيما، حَتَّى كَاد يتْلف، وَقل أكله، وَنحل جِسْمه.
فَحمل إِلَى الأهواز، فعولج بِكُل شَيْء، فَمَا نجع فِيهِ دَوَاء، فَرد إِلَى بَيته وَقد يئس مِنْهُ.
فاستدعى وَالِده طَبِيبا حاذقًا، وَأرَاهُ وَلَده، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: اقعد واشرح لي حالك، مُنْذُ حَال الصِّحَّة، فشرحها.
وطاوله فِي الحَدِيث، إِلَى أَن قَالَ لَهُ العليل: إِنِّي دخلت بستانًا لنا، وَكَانَ
(4/201)

فِي بَيت الْبَقر مِنْهُ، رمان كثير، قد جمع للْبيع، فَأكلت مِنْهُ رمانات عدَّة.
فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: كَيفَ كنت تَأْكُل؟ قَالَ: كنت أعض رَأس الرمانة بفمي، وأرمي بِهِ، وأكسرها، وآكلها، قطعا قطعا.
فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: فِي غَد أعالجك، وتبرأ بِإِذن الله تَعَالَى، وَخرج.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، جَاءَهُ بِقدر إسفيذباج، قد طبخها بِلَحْم جرو سمين، وَقَالَ للعليل: كل هَذَا.
فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذا أكلت عرفتك.
قَالَ: فَأكل العليل.
فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: امتل من الطَّعَام، فَفعل، ثمَّ أطْعمهُ بطيخًا كثيرا، ثمَّ تَركه سَاعَة، وسقاه فقاعًا قد خلط بِمَاء حَار وشبث.
ثمَّ قَالَ: أَتَدْرِي أَي شَيْء أكلت؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
قَالَ: أكلت لحم كلب، فحين سمع الْغُلَام ذَلِك، انْدفع فقذف جَمِيع مَا فِي بَطْنه.
فَأمر الطَّبِيب بِعَيْنيهِ وَرَأسه فأُمسكا، وَأَقْبل يتَأَمَّل الْقَذْف، إِلَى أَن طرح
(4/202)

الْغُلَام شَيْئا أسود، كالنواة الْكَبِيرَة، يَتَحَرَّك.
فَأَخذه الطَّبِيب، وَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ رَأسك، فقد بَرِئت، وَفرج الله تَعَالَى عَنْك.
فَرفع الْغُلَام رَأسه، وَانْقطع الْقَذْف، وسقاه الطَّبِيب شَيْئا يقطع الغثيان، وصب على رَأسه مَاء ورد، وَسكن نَفسه، ثمَّ أَخذ ذَلِك الشَّيْء الَّذِي يشبه النواة، فَأرَاهُ إِيَّاه، فَإِذا هُوَ قراد.
وَقَالَ لَهُ: إِنِّي قد زكنت أَن الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ الرُّمَّان، كَانَ فِيهِ قردان من الْبَقر، وَأَنه قد دخلت وَاحِدَة مِنْهُنَّ فِي رَأس إِحْدَى الرمانات الَّتِي اقتلعت رءوسها بفيك، فَنزل القراد إِلَى حلقك، وعلق بمعدتك يمتصها.
وَعلمت أَن القراد يهش إِلَى لحم الْكَلْب، فأطعمتك إِيَّاه، وَقلت: إِن صَحَّ ظَنِّي، فسيتعلق القراد بِلَحْم الْكَلْب، تعلقًا يخرج مَعَه إِن قذفت، فتبرأ، وَإِن لم يكن مَا ظَنَنْت صَحِيحا، فَمَا يَضرك من أكل لحم الْكَلْب.
فَلَمَّا أحب الله تَعَالَى من عافيتك صَحَّ حدسي، فَلَا تعاود بعد هَذَا إِدْخَال شَيْء فِي فِيك لَا ترى مَا فِيهِ.
وبريء الْغُلَام، وَصَحَّ جِسْمه.
(4/203)

ذكاء طَبِيب أهوازي
وَحدثنَا الْحسن غلامنا، عَن ابْن الصيدلاني هَذَا، قَالَ: كَانَ لي أكار حدث، فانتفخ ذكره انتفاخًا عَظِيما واحمر، وَضرب عَلَيْهِ ضربانًا شَدِيدا، فَلم يكن ينَام اللَّيْل، وَلَا يهدأ النَّهَار، وعولج فَلم يكن إِلَى برئه سَبِيل.
قَالَ: فجَاء مطبب من الأهواز، يُرِيد الْبَصْرَة، فَسَأَلته أَن ينظر إِلَيْهِ.
فَقَالَ لي: قل لَهُ يصدقني عَن خَبره فِي أَيَّام صِحَّته، وَإِلَى الْآن، قَالَ: فحدثه.
فَقَالَ لَهُ: مَا صدقتني، وَمَا لي إِلَى علاجك سَبِيل، إِلَّا أَن تصدقني.
فَقَالَ لي الْغُلَام: إِن صدقتك يَا أستاذ، فَأَنا آمن من جهتك على نَفسِي؟ قلت: نعم.
فَقَالَ: أَنا غُلَام حدث، وعزب، فوطئت حمارا لي فِي الصَّحرَاء ذكرا.
فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: الْآن علمت أَنَّك قد صدقت، والساعة تَبرأ.
ثمَّ أَمر بِهِ فأُمسك إمساكًا شَدِيدا، وَأخذ ذكره بِيَدِهِ، فجسه جسًا شَدِيدا، والغلام سَاكِت.
إِلَى أَن جس مِنْهُ موضعا، فصاح الْغُلَام، فَأخذ الطَّبِيب خيط إبريسم، فَشد الْموضع شدًا شَدِيدا، وَلم يزل يمرخ إحليل الْغُلَام بِيَدِهِ، ويسلته، إِلَى أَن
(4/204)

ندت مِنْهُ حَبَّة شعير من نقب ذكر الْغُلَام، وَقد كَبرت وجرحت الْموضع، فَسَالَ مِنْهُ شَيْء يسير كَمَاء اللَّحْم.
فَأعْطَاهُ مرهمًا، وَقَالَ لَهُ: اسْتعْمل هَذَا أَيَّامًا فَإنَّك تَبرأ، وَتب إِلَى الله تَعَالَى من هَذَا الْفِعْل.
فَاسْتعْمل الْغُلَام ذَلِك المرهم، فبرئ.
(4/205)

شج رَأسه فَمَرض ثمَّ شج بعْدهَا فصلح
وحَدثني أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبيد الله الدقاق، الْمَعْرُوف بِابْن العسكري، شيخ مجرب ثِقَة، كَانَ ينزل فِي درب الشاكرية من نهر الْمُعَلَّى، فِي الْجَانِب الشَّرْقِي من بَغْدَاد، فِي المذاكرة، قَالَ: كَانَ أبي إِذا جلس يفتش فِي دفاتره، وَأَنا صبي، أجيء فآخذ مِنْهَا الشَّيْء بعد الشَّيْء، أستحسنه، فألعب بِهِ.
وَكنت أرى فِي دفاتره دفترًا فِيهِ خطوط حمر، فأستحسنه وأطلبه فيمنعني مِنْهُ، حَتَّى بلغت مبلغ الرِّجَال.
فَجَلَسَ يَوْمًا يفتش كتبه، فَرَأَيْت الدفتر، فأغفلت أبي وأخذته، ففتحته أقرؤه، فَإِذا هُوَ مولدِي، وَقد عمله بعض المنجمين.
فَوجدت فِيهِ، أنني إِذا بلغت أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة، كَانَ عَليّ فِيهَا قطع.
فَالْتَفت أبي فَرَأى الدفتر معي، فصاح وَأَخذه مني، وَنظر إِلَى أَي مَوضِع
(4/206)

بلغت، فتوقف وَأخذ يضعف ذَلِك فِي نَفسِي لِئَلَّا أغتم.
وَمَضَت السنون، فَلَمَّا بلغت السّنة الَّتِي ذكرهَا المنجم، ركبت مهْرا لي، وَخرجت من دَار الضَّرْب، وَأبي فِيهَا، وَكَانَ إِلَيْهِ الْعيار، فبلغت إِلَى ساباط بدرب سِيمَا، بدرب الديزج.
فنفر الْمهْر من كلب كَانَ فِي الطَّرِيق رابضًا، فَضرب رَأْسِي حَائِطا كَانَ فِي الساباط، فَوَقَعت عَن الْمهْر مغشيًا عَليّ.
ثمَّ حملت إِلَى دَار الضَّرْب، وأحضر طَبِيب، وَقد انتفخ مَوضِع الضَّرْبَة من رَأْسِي إنتفاخًا عَظِيما، فَأَشَارَ بفصدي، ففصدت فَلم يخرج لي دم.
فَحملت إِلَى بيتنا، وَلم أَشك فِي أَنِّي ميت لشدَّة مَا لَحِقَنِي، فاعتللت، وضعفت نَفسِي خوفًا مِمَّا ذكرته من حكم المنجم.
فَكنت يَوْمًا جَالِسا مُسْتَندا إِلَى سَرِير، وَقد أَيِست من الْحَيَاة، إِذْ حَملتنِي عَيْنَايَ، فخفق رَأْسِي، فَضرب درابزين السرير، فشج الْموضع المنتفخ، فَخرج مِنْهُ أَرْطَال دم، فخف مَا بِي فِي الْحَال، فصلحت، وبرئت، وعشت إِلَى الْآن.
وَكَانَ لَهُ يَوْم حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة وشهور، على مَا أَخْبرنِي.
(4/207)

الْقطيعِي الطَّبِيب وذكاؤه وَمَكَارِم أخلاقه
وحَدثني أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الصلحي الْكَاتِب، قَالَ: رَأَيْت بِمصْر طَبِيبا مَشْهُورا يعرف بالقطيعي، وَكَانَ يُقَال: إِنَّه يكْسب فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم، من جرايات يجريها عَلَيْهِ قوم من رُؤَسَاء الْعَسْكَر، وَمن السُّلْطَان، وَمَا يَأْخُذهُ من الْعَامَّة.
قَالَ: وَكَانَ لَهُ دَار قد جعلهَا شبه البيمارستان، من جملَة دَاره، يأوي إِلَيْهَا ضعفاء الأعلة، يعالجهم، وَيقوم بأودهم وأدويتهم، وأغذيتهم، وَخدمَتهمْ، وَينْفق أَكثر كَسبه فِي ذَلِك.
قَالَ أَبُو الْحسن: فأسكت بعض فتيَان الرؤساء بِمصْر، وأسماه لي فَذهب عني اسْمه، وَكنت هُنَاكَ، فَحمل إِلَيْهِ أهل الطِّبّ، وَفِيهِمْ الْقطيعِي، فَأَجْمعُوا على مَوته، إِلَّا الْقطيعِي، وَعمل أَهله على غسله وَدَفنه.
فَقَالَ الْقطيعِي: دَعونِي أعَالجهُ، فَإِن برِئ، وَإِلَّا فَلَيْسَ يلْحقهُ أَكثر من الْمَوْت الَّذِي أجمع هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ.
فَخَلَّاهُ أَهله مَعَه، فَقَالَ؛ هاتم غُلَاما جلدا ومقارع، فَأتي بذلك.
(4/208)

فَأمر بِهِ فَمد، وَضرب عشر مقارع من أَشد الضَّرْب، ثمَّ جس مجسه، وضربه عشرا أُخْرَى شَدِيدَة أَيْضا، ثمَّ جس مجسه، وضربه عشرا أُخْرَى.
ثمَّ جس مجسه، وَقَالَ للطب: أَيكُون للْمَيت نبض يضْرب؟ فَقَالُوا: لَا.
قَالَ: فجسوا نبض هَذَا.
فجسوه، فَإِذا بِهِ يَتَحَرَّك، فَضرب عشر مقارع أُخْرَى، فصاح.
فَقطع الضَّرْب عَنهُ، فَجَلَسَ العليل يجس بدنه، ويتأوه، وَقد ثَابت إِلَيْهِ قوته.
فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: مَا تَجِد؟ قَالَ: أَنا جَائِع.
قَالَ: أطعموه السَّاعَة، فجاءوه بِمَا أكله، وقمنا وَقد رجعت قوته، وَبرئ.
فَقَالَ لَهُ الطِّبّ: من أَيْن لَك هَذَا؟ قَالَ: كنت مُسَافِرًا فِي قافلة فيهم أَعْرَاب يخفروننا، فَسقط مِنْهُم فَارس عَن فرسه، فأسكت، فَعمد شيخ مِنْهُم إِلَيْهِ، فَضَربهُ ضربا عَظِيما، فَمَا رفع عَنهُ الضَّرْب حَتَّى أَفَاق، فَعلمت أَن ذَلِك الضَّرْب جلب عَلَيْهِ حرارة أزالت سكتته.
فقست عَلَيْهِ أَمر هَذَا العليل.
(4/209)

مَرِيض بالاستسقاء تشفيه أَكلَة جَراد
حَدثنِي بعض المتطببين بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مَنْصُور بن مَارِيَة، كَاتب أبي مقَاتل صَالح بن مرداس الْكلابِي، أَمِير حلب، وَكَانَ أَبُو مَنْصُور من رُؤَسَاء أهل الصراة الَّذين يضْربُونَ الْمثل بنعمتهم وترفههم، وَكَانَ ثِقَة أديبًا، وَقد شاهدته أَنا، وَلم أسمع مِنْهُ هَذِه الْحِكَايَة، قَالَ: أَخْبرنِي أحد شُيُوخنَا، قَالَ: كَانَ بعض أهلنا قد استسقى، فأيس من حَيَاته، وَحمل إِلَى بَغْدَاد، فشوور أهل الطِّبّ فِيهِ، فوصفوا لَهُ أدوية كثارًا، فعرفوا أَنه قد تنَاولهَا بأسرها،
(4/210)

فَلم تنجع، فأيسوا مِنْهُ، وَقَالُوا: لَا حِيلَة لنا فِي برئه.
فَلَمَّا سمع العليل ذَلِك، قَالَ لمن مَعَه: دَعونِي الْآن أتزود من الدُّنْيَا، وآكل مَا أشتهي، وَلَا تقتلوني قبل أَجلي بالحمية.
فَقَالُوا: كل مَا تُرِيدُ.
فَكَانَ يجلس على دكان بِبَاب الدَّار، وَمهما رأى مَا يجتاز بِهِ على الطَّرِيق، شراه، وَأكله.
فَمر بِهِ رجل يَبِيع جَرَادًا مطبوخًا، فَاشْترى مِنْهُ عشرَة أَرْطَال، وأكلها بأسرها.
فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، انحل طبعه، وتواتر قِيَامه، حَتَّى قَامَ فِي ثَلَاثَة أَيَّام أَكثر من ثلث مائَة مجْلِس، وَضعف، وَكَاد يتْلف.
ثمَّ انْقَطع الْقيام، وَقد زَالَ كل مَا فِي جَوْفه، وعادت بَطْنه إِلَى حَالهَا فِي الصِّحَّة، وثابت إِلَيْهِ قوته، وَبرئ.
فَخرج برجليه فِي الْيَوْم الْخَامِس، يتَصَرَّف فِي حَوَائِجه، فَرَآهُ أحد الطِّبّ، فَعجب من أمره، وَسَأَلَهُ عَن الْخَبَر، فَعرفهُ.
فَقَالَ: لَيْسَ من شَأْن الْجَرَاد أَن يفعل هَذَا، وَلَا بُد أَن يكون فِي الْجَرَاد الَّذِي فعل هَذَا خاصية، فَأحب أَن تدلني على الَّذِي باعك الْجَرَاد، فَلم يزَالُوا فِي طلبه حَتَّى وجدوه.
فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: من أَيْن لَك هَذَا الْجَرَاد؟ فَقَالَ: أَنا أصيده، وَأجْمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، وأطبخه، وأبيعه.
فَقَالَ: من أَيْن تصيده؟ فَذكر قَرْيَة بِالْقربِ من بَغْدَاد.
(4/211)

فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب: أُعْطِيك دِينَارا، وَتَدَع شغلك، وتجيء معي إِلَى الْموضع.
قَالَ: نعم، فَخَرَجَا وَعَاد الطَّبِيب من غَد، فَذكر أَنه رأى الْجَرَاد يرْعَى فِي صحراء أَكثر نباتها حشيشة يُقَال لَهَا: مازريون، وَهِي دَوَاء الاسْتِسْقَاء.
وَإِذا دفع إِلَى العليل مِنْهَا وزن دِرْهَم، أسهله إسهالًا يزِيل الاسْتِسْقَاء، وَلَكِن لَا يُؤمن أَن لَا ينظبط، وَلَا يقف، فيقتله الذرب، والعلاج بهَا خطر جدا، وَهِي مَذْكُورَة فِي الْكتب الطبية، وَلكنهَا لفرط خطرها لَا يصفها الْأَطِبَّاء، فَلَمَّا وَقع الْجَرَاد على هَذِه الحشيشة، وانطبخت فِي معدته، ثمَّ طبخ الْجَرَاد، ضعف فعلهَا بطبخين اجْتمعَا عَلَيْهَا، وَقضى أَن تنَاولهَا هَذَا بالِاتِّفَاقِ، وَقد تعدلت بِمِقْدَار مَا يدْفع طبعه دفعا لَا يَنْقَطِع، فبرأ.
(4/212)

مَرِيض بالاستسقاء يبرأ بعد أَن طعم لحم أَفْعَى
وَحدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن طرطى الوَاسِطِيّ، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَليّ عمر بن يحيى الْعلوِي الْكُوفِي، قَالَ: كنت فِي بعض حججي فِي طَرِيق مَكَّة، فَاسْتَسْقَى رجل كَانَ مَعنا من أهل الْكُوفَة، وَثقل فِي علته.
وسل الْأَعْرَاب قطارًا من الْقَافِلَة كَانَ هَذَا العليل على جمل مِنْهُ، ففقد، وجزعنا عَلَيْهِ، وعَلى القطار، وَكُنَّا رَاجِعين إِلَى الْكُوفَة.
فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة، جَاءَ العليل إِلَى دَاري معافى، فَسَأَلته عَن قصَّته وَسبب عافيته.
فَقَالَ: إِن الْأَعْرَاب لما سلوا القطار، ساقوه إِلَى محلهم، وَكَانَ على فراسخ يسيرَة من المحجة، فأنزلوني، وَرَأَوا صُورَتي، فطرحوني فِي أَوَاخِر بُيُوتهم.
وتقاسموا مَا كَانَ فِي القطار، فَكنت أزحف وأتصدق من الْبيُوت مَا آكله، وتمنيت الْمَوْت، وَكنت أَدْعُو الله تَعَالَى بِهِ أَو بالعافية.
فرأيتهم يَوْمًا وَقد عَادوا من ركوبهم، وأخرجوا أفاعي قد اصطادوها، فَقطعُوا رءوسها وأذنابها، واشتووها، وأكلوها.
فَقلت: هَؤُلَاءِ يَأْكُلُون هَذِه فَلَا تَضُرهُمْ بِالْعَادَةِ الَّتِي قد مرنوا عَلَيْهَا، ولعلي
(4/213)

إِذا أكلت مِنْهَا شَيْئا أَن أتلف فَأَسْتَرِيح مِمَّا أَنا فِيهِ.
فَقلت لبَعْضهِم: أَطْعمنِي من هَذِه الْحَيَّات، فَرمى إِلَيّ وَاحِدَة مِنْهَا مشوية، فِيهَا أَرْطَال، فَأَكَلتهَا بأسرها، وأمعنت، طلبا للْمَوْت، فأخذني نوم عَظِيم، فانتبهت وَقد عرقت عرقًا عَظِيما، فاندفعت طبيعتي، فَقُمْت فِي بَقِيَّة يومي وليلتي أَكثر من مائَة مجْلِس، إِلَى أَن سَقَطت طريحًا وجوفي يجْرِي.
فَقلت: هَذَا طَرِيق الْمَوْت، فَأَقْبَلت أَتَشهد، وأدعو الله تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة.
فَلَمَّا أَضَاء الصُّبْح، تَأَمَّلت بَطْني، فَإِذا هِيَ قد ضمرت جدا، وَزَالَ عَنْهَا مَا كَانَ بهَا، فَقلت: أَي شَيْء يَنْفَعنِي هَذَا، وَأَنا ميت؟ فَلَمَّا أضحى النَّهَار، انْقَطع الْقيام، وَوَجَبَت صَلَاة الظّهْر، فَلم أحس بِقِيَام، وجعت، فَجئْت لأزحف على الْعَادة، فَوجدت بدني خَفِيفا، وقوتي صَالِحَة، فتحاملت ومشيت، وَطلبت مِنْهُم مَأْكُولا فأطعموني، وقويت، وَبت فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة معافى لَا أنكر شَيْئا من أَمْرِي.
فأقمت أَيَّامًا، إِلَى أَن وثقت من نَفسِي بِأَنِّي إِن مشيت نجوت، فَأخذت الطَّرِيق مَعَ بَعضهم، إِلَى أَن صرت على المحجة، ثمَّ سلكتها، منزلا، منزلا، إِلَى الْكُوفَة مشيًا.
(4/214)

القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن بن أبي عمر يحزن لمَوْت يزِيد المائي
حَدثنِي أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمَرْزُبَان الشِّيرَازِيّ الْكَاتِب: قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر الجعابي الْحَافِظ، قَالَ: دخلت يَوْمًا على القَاضِي أبي الْحُسَيْن بن أبي عمر، وَهُوَ مغموم، فَقلت: لَا يغم الله قَاضِي الْقُضَاة، مَا هَذَا الْحزن الَّذِي أرَاهُ بِهِ؟ قَالَ: مَاتَ يزِيد المائي.
فَقلت: يبقي الله قَاضِي الْقُضَاة، وَمن يزِيد المائي، حَتَّى إِذا مَاتَ اغتم عَلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاة، هَذَا الْغم كُله؟ فَقَالَ: وَيحك، مثلك يَقُول هَذَا فِي رجل كَانَ أوحد زَمَانه فِي صناعته، وَقد مَاتَ وَمَا ترك أحدا يُقَارِبه فِي حذقه، وَهل فَخر الْبلدَانِ إِلَّا بِكَثْرَة رُؤَسَاء الصَّنَائِع، وحذاق أهل الْعُلُوم فِيهَا؟ فَإِذا مضى رجل لَا مثيل لَهُ فِي صناعَة لَا
(4/215)

بُد للنَّاس مِنْهَا، فَهَل يدل هَذَا إِلَّا على نُقْصَان الْعَالم وانحطاط الْبلدَانِ.
ثمَّ أقبل يعدد فضائله، والأشياء الطريفة الَّتِي عالج بهَا، والعلل الصعبة الَّتِي زَالَت بتدبيره، فَذكر من ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة، مِنْهَا: قَالَ: أَخْبرنِي مُنْذُ مُدَّة رجل من جلة أهل الْبَلَد، أَنه كَانَ حدث بابنة لَهُ عِلّة طريفة، فكتمت أمرهَا، ثمَّ أطلع عَلَيْهَا أَبوهَا، فكتمها هُوَ مديدة، ثمَّ انْتهى أَمر الْبِنْت إِلَى حد الْمَوْت.
قَالَ: وَكَانَت الْعلَّة، أَن فرج الصبية كَانَ يضْرب عَلَيْهَا ضربانًا عَظِيما لَا تنام مَعَه اللَّيْل وَلَا النَّهَار، وتصرخ أعظم صُرَاخ، وَيجْرِي فِي خلال ذَلِك مِنْهُ دم يسير كَمَاء اللَّحْم، وَلَيْسَ هُنَاكَ جرح يظْهر، وَلَا ورم.
قَالَ: فَلَمَّا خفت المأثم، أحضرت يزِيد، فشاورته.
فَقَالَ: أتأذن لي فِي الْكَلَام، وتبسط عُذْري فِيهِ.
فَقلت لَهُ: نعم.
قَالَ: لَا يمكنني أَن أصف لَك شَيْئا، دون أَن أشاهد الْموضع بعيني، وأفتشه بيَدي، وأسائل الْمَرْأَة عَن أَسبَاب لَعَلَّهَا كَانَت الجالبة لِلْعِلَّةِ.
قَالَ: فلعظم الصُّورَة، وبلوغها حد التّلف، أمكنته من ذَلِك.
فَأطَال المسائلة، وحدثها بِمَا لَيْسَ من جنس الْعلَّة، بعد أَن جس الْموضع من ظَاهره، وَعرف بقْعَة الْأَلَم، حَتَّى كدت أَن أثب بِهِ، ثمَّ صبرت، وَرجعت إِلَى مَا أعرفهُ عَن سيرته، فَصَبَرت على مضض.
إِلَى أَن قَالَ: تَأمر من يمْسِكهَا، فَفعلت.
فَأدْخل يَده فِي الْموضع دُخُولا شَدِيدا، فصاحت الْجَارِيَة، وأغمي عَلَيْهَا، وانبعث الدَّم، وَأخرج يَده وفيهَا حَيَوَان أقل من الخنفساء، فَرمى بِهِ.
فَجَلَست الْجَارِيَة فِي الْحَال، وَقَالَت: يَا أَبَة، استرني، فقد عوفيت.
فَأخذ يزِيد الْحَيَوَان بِيَدِهِ، وَخرج من الْموضع، فلحقته، فأجلسته.
(4/216)

وَقلت: أَخْبرنِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِن تِلْكَ المسائلة الَّتِي لم أَشك من أَنَّك أنكرتها، إِنَّمَا كَانَت لأطلب دَلِيلا أستدل بِهِ على سَبَب الْعلَّة.
إِلَى أَن قَالَت لي الصبية: إِنَّهَا فِي يَوْم من الْأَيَّام، جَلَست فِي بَيت دولاب الْبَقر، فِي بُسْتَان لكم، ثمَّ حدثت الْعلَّة بهَا، من غير سَبَب تعرفه، فِي غَد ذَلِك الْيَوْم.
فتخيلت أَنه قد دب فِي فرجهَا من القراد الَّذِي يكون على الْبَقر، وَفِي بيُوت الْبَقر قراد، قد تمكن من أول دَاخل الْفرج، فَكلما امتص الدَّم من مَوْضِعه ولد الضربان، وَأَنه إِذا شبع، خف الضربان، لانْقِطَاع مصه، ونقط من الْجرْح الَّذِي يمتص مِنْهُ إِلَى خَارج الْفرج.
فَقلت: أُدخل يَدي، وأفتش.
فأدخلت يَدي، فَوجدت القراد كَمَا حدست، فَأَخْرَجته، وَهَذَا هُوَ الْحَيَوَان، وَقد تَغَيَّرت صورته لِكَثْرَة مَا امتص من الدَّم، مَعَ طول الْأَيَّام.
قَالَ: فتأملنا الْحَيَوَان، فَإِذا هُوَ قراد، وبرئت الْمَرْأَة.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَلم يذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه هَذَا الْخَبَر، وَلَعَلَّه اعْتقد أَنه مِمَّا لَا يجب إِدْخَاله فِيهِ.
(4/217)

زمنة مقعدة يشفيها الحنظل
حَدثنِي المؤمل بن يحيى بن هَارُون، شيخ نَصْرَانِيّ يكنى بِأبي نصر، كَانَ ينزل بِبَاب الشَّام، رَأَيْته فِي سنة خمسين وثلثمائة، قَالَ: حَدثنِي قُرَّة بن السراج الْعقيلِيّ، وَكَانَ ينزل، إِذا جَاءَ من الْبَادِيَة، بشارع دَار الرَّقِيق بِالْقربِ من درب سُلَيْمَان، قَالَ: كَانَ عندنَا بالبادية، جَارِيَة بَالغ، زمنة، مقعدة سِنِين، وَمن عادتنا أَن نَأْخُذ الحنظل فنقور رءوسه، ونملأه بِاللَّبنِ الحليب، ونرد على كل وَاحِدَة رَأسهَا، وندفنها فِي الرماد الْحَار، حَتَّى تغلي، فَإِذا غلت، حسا كل وَاحِد منا من الحنظلة مَا فِي رَأسهَا من اللَّبن، فتسهله، وَتصْلح بدنه.
قَالَ: وَقد كُنَّا أَخذنَا فِي سنة من السنين، ثَلَاث حناظل، لثَلَاثَة أنفس، يشربونها، وَجَعَلنَا اللَّبن فِيهَا على الصّفة الْمَارَّة، فرأتها الْجَارِيَة الزمنة.
فلتبرمها من الْحَيَاة، وضجرها من الزمانة، خالفتنا إِلَى الحناظل الثَّلَاث، فحستها كلهَا، وَعلمنَا بذلك بعد أَن رَأينَا من قِيَامهَا مَا جزعنا مِنْهُ، وأيسنا من حَيَاتهَا، وخشينا أَن تعدينا، فأبعدناها عَن الْبيُوت.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، انْقَطع قِيَامهَا، فمشت برجلها إِلَى أَن عَادَتْ إِلَى الْبيُوت لَا قلبة بهَا، وَعَاشَتْ بعد ذَلِك سِنِين، وَتَزَوَّجت، وَولدت.
(4/218)

اشْترى الرشيد لطبيبه ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم
وَحدث جِبْرِيل بن بختيشوع، قَالَ: كنت مَعَ الرشيد، بالرقة، وَمَعَهُ الْمَأْمُون وَمُحَمّد، وَكَانَ الرشيد رجلا كثير الْأكل وَالشرب، فَأكل فِي بعض الْأَيَّام أَشْيَاء خلط فِيهَا، وَدخل المستراح، فَغشيَ عَلَيْهِ فِيهِ.
فَأخْرج وَقد قوي عَلَيْهِ الغشي، حَتَّى لم يشك غلمانه فِي مَوته، وَحضر ابناه، وشاع عِنْد الْخَاصَّة والعامة خَبره.
وَأرْسل إِلَيّ، فَجئْت، فجسست عرقه، فَوجدت نبضًا خَفِيفا، وَأخذت عرقًا فِي رجله فَكَانَ كَذَلِك، وَقد كَانَ قبل ذَلِك بأيام يشكو امتلاءً وحركة الدَّم.
فَقلت لَهُم: إِنَّه لم يمت، وَالصَّوَاب أَن يحجم السَّاعَة.
فَقَالَ كوثر الْخَادِم، لما يعرف من أَمر الْخلَافَة وإفضائها إِلَى صَاحبه مُحَمَّد: يَا ابْن الفاعلة، تَقول أحجموا رجلا مَيتا؟ لَا يقبل قَوْلك وَلَا كَرَامَة.
فَقَالَ الْمَأْمُون: الْأَمر قد وَقع، وَلَيْسَ يضر أَن نحجمه.
وأحضر الْحجام، فتقدمت، وَقلت لَهُ: ضع محاجمك، فَفعل، فَلَمَّا مصها رَأَيْت الْموضع قد احمر، فطابت نَفسِي بذلك، وَعلمت أَنه حَيّ.
فَقلت للحجام: اشرط، فَشرط، فَخرج الدَّم، فسجدت شكرا لله تَعَالَى، وَجعل كلما خرج الدَّم، تحرّك رَأسه، وأسفر لَونه، إِلَى أَن تكلم.
(4/219)

فَقَالَ: أَيْن أَنا؟ فطيبت نَفسه، وغديناه بصدر دراج، وسقيناه نبيذًا، وَمَا زلت أسعطه بالطيب فِي أَنفه، حَتَّى تراجعت إِلَيْهِ قوته، وَأدْخل الْخَاصَّة والقواد إِلَيْهِ، فَسَلمُوا عَلَيْهِ من بعد، لما كَانَ قد شاع من خَبره، ثمَّ تكاملت قوته، ووهب الله لَهُ الْعَافِيَة.
فَلَمَّا برأَ من علته، دَعَا صَاحب حرسه، وحاجبه، وَصَاحب شرطته، فَسَأَلَ صَاحب الحرس عَن غَلَّته فِي كل سنة، فَعرفهُ أَنَّهَا ألف ألف دِرْهَم، وَسَأَلَ صَاحب شرطته عَن غَلَّته، فَعرفهُ أَنَّهَا خمس مائَة ألف دِرْهَم.
ثمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيل: كم غلتك؟ فَقلت: خَمْسُونَ ألف دِرْهَم.
فَقَالَ: مَا أنصفناك، حَيْثُ غلات هَؤُلَاءِ وهم يحرسوني، ويحجبوني عَن النَّاس، على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَتَكون غلتك مَا ذكرت، وَأمر بإقطاعي مَا قِيمَته ألف ألف دِرْهَم.
فَقلت: يَا سَيِّدي مَا لي حَاجَة إِلَى الإقطاع، وَلَكِن تهب لي مَا أَشْتَرِي بِهِ ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم، فَفعل، وَتقدم بمعاونتي على ابتياعها.
فابتعت بهباته، وجعالاته، ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم، فَجَمِيع مَا أمتلكه ضيَاع لَا إقطاع فِيهَا.
(4/220)

لسعته عقرب فَعُوفِيَ
وحَدثني أَبُو جَعْفَر طَلْحَة بن عبيد الله بن قناش الطَّائِي، الْجَوْهَرِي، الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: كَانَ فِي درب مهرويه، بالجانب الشَّرْقِي بِبَغْدَاد، قَدِيما، رجل من كبراء الحجرية، وَكَانَ متشببًا بِغُلَام من غلمانه، رباه صَغِيرا.
فاعتل الْغُلَام عِلّة من بلسام، وَهُوَ الَّذِي تسميه الْعَامَّة: البرسام، فَبلغ إِلَى دَرَجَة قبيحة، وَزَالَ عقله.
فَتَفَرَّقُوا عَنهُ يَوْمًا، وَهُوَ فِي مَوضِع فِيهِ خيش، ووكلوا صَبيا بمراعاته، فَسَمِعُوا صياح الْفَتى الْمُوكل بِهِ، فبادروا إِلَيْهِ.
فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى مَا قد أَصَابَهُ.
فَإِذا عقرب قد نزل من الْمسند على رَأس العليل، فلسعته فِي عدَّة مَوَاضِع، فَإِذا بِهِ قد فتح عَيْنَيْهِ وَهُوَ لَا يشكو ألمًا.
فَسَأَلُوهُ عَن حَاله، فَطلب مَا يَأْكُل، فأطعموه، وبرأ.
فلاموا طبيبه، فَقَالَ: علام تَلُومُونَنِي، لَو أَمرتكُم أَن تلسعوه بعقرب، أَكُنْتُم تَفْعَلُونَ؟
(4/222)

ابرأته مضيرة لعقت فِيهَا أَفْعَى
حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ، الْمَعْرُوف بِابْن حمدون، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الرَّازِيّ الْفَقِيه رَحمَه الله، قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر بن قَارون الرَّازِيّ، وَكَانَ تلميذًا لأبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب، قَالَ أَبُو بكر بن حمدون: وَقد رَأَيْت هَذَا الرجل بِالريِّ، وَكَانَ يحسن علومًا كَثِيرَة، مِنْهَا الحَدِيث، وَيَرْوِيه، ويكتبه النَّاس عَنهُ، ويوثقونه، وَلم أسمع هَذَا مِنْهُ، قَالَ الْمُؤلف رَحمَه الله: وَلم يتهيأ لي مَعَ كَثْرَة ملاقاتي أَبَا بكر الرَّازِيّ الْفَقِيه رَحمَه الله، أَن أسمع هَذَا الْخَبَر مِنْهُ، قَالَ ابْن قَارون: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب، بعد رُجُوعه من عِنْد أَمِير خُرَاسَان، لما استدعاه ليعالجه من عِلّة صعبة، قَالَ: اجتزت فِي طريقي إِلَى نيسابور، ببسطام، وَهِي النّصْف من طَرِيق نيسابور إِلَى الرّيّ.
قَالَ: فاستقبلني رئيسها، فأنزلني دَاره، وخدمني أتم خدمَة وسألني أَن أَقف على ابْن لَهُ بِهِ استسقاء.
فَأَدْخلنِي إِلَى دَار قد أفردها لَهُ، فشاهدت العليل، وَلم أطمع فِي برئه، فَسَأَلَنِي
(4/223)

أَبوهُ عَن السِّرّ فِي حَاله، فصدقته، وآيسته من حَيَاة ابْنه.
وَقلت لَهُ: مكنه من شهواته، فَإِنَّهُ لَا يعِيش.
ثمَّ خرجت إِلَى خُرَاسَان، فأقمت بهَا سنة كَامِلَة، وعدت، فاستقبلني الرجل أَبُو الصَّبِي فَلم أَشك فِي وَفَاته، وَتركت مساءلته عَن ابْنه، فَإِنِّي كنت نعيته إِلَيْهِ، وخشيت من تثقيلي عَلَيْهِ، فأنزلني دَاره، وَلم أجد عِنْده مَا يدل على ذَلِك، وكرهت مسائلته عَن ابْنه لِئَلَّا أجدد عَلَيْهِ حزنا.
فَقَالَ لي بعد أَيَّام: تعرف هَذَا الْفَتى؟ وَأَوْمَأَ إِلَى شَاب حسن الْوَجْه والسحنة، صَحِيح الْبدن، كثير الدَّم وَالْقُوَّة، قَائِم مَعَ الغلمان يخدمنا.
فَقلت: لَا.
فَقَالَ: هَذَا ابْني الَّذِي آيستني مِنْهُ عِنْد مضيك إِلَى خُرَاسَان.
فتحيرت، وَقلت لَهُ: عرفني سَبَب برئه.
فَقَالَ: إِنَّه كَانَ بعد قيامك من عِنْدِي، فطن أَنَّك آيستني مِنْهُ.
فَقَالَ لي: لست أَشك أَن هَذَا الرجل، وَهُوَ أوحد زَمَانه فِي الطِّبّ، قد آيسك مني، وَالَّذِي أَسأَلك، أَن تمنع هَؤُلَاءِ، يَعْنِي: غلماني الَّذين كنت قد أخدمته إيَّاهُم، فَإِنَّهُم أترابي، وَإِذا رَأَيْتهمْ معافين، وَقد علمت أَنِّي ميت، تجدّد على قلبِي الْهم وَالْمَرَض، حَتَّى يعجل لي الْمَوْت، فأرحني من هَذَا بِأَن لَا أَرَاهُم، وأفرد لخدمتي دايتي.
فَفعلت مَا سَأَلَ، وَكَانَ يحمل إِلَى الداية فِي كل يَوْم مَا تَأْكُله، وَكَانَت الداية تَأتيه بِمَا يطْلب من غير حمية.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة، حمل إِلَى الداية مضيرةً لتأكل مِنْهَا، فتركتها بِحَيْثُ يَقع عَلَيْهَا نظر ابْني، وَمَضَت فِي شغل لَهَا.
(4/224)

فَذكرت بعد أَن عَادَتْ، أَن ابْني قد نهاها عَن أكل مَا فِي الغضارة، ووجدتها قد ذهب كثير مِمَّا كَانَ فِيهَا، وَبَقِي بعضه متغير اللَّوْن.
قَالَت: فَقلت لَهُ: مَا السَّبَب؟ فَقَالَ: رَأَيْت أَفْعَى عَظِيمَة قد خرجت من مَوضِع ودبت إِلَيْهَا وأكلت مِنْهَا ثمَّ قذفت فِيهَا، فَصَارَ لَوْنهَا كَمَا تَرين، فَقلت: أَنا ميت، وهوذا يلحقني ألم شَدِيد، وَمَتى أظفر بِمثل هَذَا؟ وَجئْت، فَأكلت من الغضارة مَا اسْتَطَعْت، لأموت عَاجلا وأستريح، فَلَمَّا لم أستطع زِيَادَة أكل رجعت حَتَّى جِئْت إِلَى فِرَاشِي، وَجئْت أَنْت.
قَالَت: وَرَأَيْت أَنا المضيرة على يَده وفمه فَصحت.
فَقَالَ: لَا تعلمي أبي شَيْئا، وادفني الغضارة بِمَا فِيهَا، لِئَلَّا يأكلها إِنْسَان فَيَمُوت، أَو حَيَوَان فيلسع إنْسَانا فيقتله، فَفعلت مَا قَالَ، وَخرجت إِلَيْك.
قَالَ: فَلَمَّا عَرفتنِي ذَلِك، ذهب عَليّ أَمْرِي، وَدخلت إِلَى ابْني، فَوَجَدته نَائِما.
فَقلت: لَا توقظيه، حَتَّى نَنْظُر مَا يكون من أمره.
فَأَتَيْته آخر النَّهَار، وَقد عرق عرقًا شَدِيدا، وَهُوَ يطْلب المستحم، فأنهضناه إِلَيْهِ، فَانْدفع بَطْنه، فَقَامَ من ليلته، وَمن غده، أَكثر من مائَة مجْلِس، فازداد يأسنا مِنْهُ، وَقل الْقيام، إِلَّا أَنه اسْتمرّ أَيَّامًا، ثمَّ انْقَطع الْقيام، وَقد صَار بَطْنه مثل بطُون الأصحاء، فَطلب فراريج، فَأكل، إِلَى أَن صَار كَمَا ترى.
فعجبت من ذَلِك، وَذكرت أَن الْحُكَمَاء الْأَوَائِل قَالَت: إِن المستسقي إِذا أكل من لحم حَيَّة عتيقة مزمنة لَهَا مئون سِنِين، برأَ، وَلَو قلت لَك: إِن هَذَا
(4/225)

علاجه، لظَنَنْت أَنِّي أدافعك، وَمن أَيْن يعلم كم عمر الْحَيَّة إِذا وجدت، فَسكت عَنْهَا.
(4/226)

الْبَاب الْحَادِي عشر
من امتحن من اللُّصُوص بسرق أَو قطع فعوض من الارتجاع وَالْخلف بأجمل صنع
قَاطع طَرِيق يرد على الْقَافِلَة مَا أَخذ مِنْهَا
حَدثنِي عَليّ بن شيراز بن سهل القَاضِي بعسكر مكرم رَحمَه الله، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الخصيبي ابْن بنت ابْن الْمُدبر، بِبَغْدَاد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن دعبل بن عَليّ الشَّاعِر الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: لما قلت:
مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة
قصدت بهَا أَبَا الْحسن عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، وَهُوَ بخراسان، ولي عهد الْمَأْمُون، فوصلت إِلَيْهِ، وأنشدته إِيَّاهَا، فاستحسنها، وَقَالَ: لَا تنشدها أحدا حَتَّى آمُرك.
واتصل خبري بالمأمون، فأحضرني، وسألني عَن خبري، ثمَّ قَالَ لي: يَا دعبل، أَنْشدني:
مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة.
فَقلت: لَا أعرفهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ: يَا غُلَام، أحضر أَبَا الْحسن عَليّ بن مُوسَى، فَلم يكن بأسرع من أَن حضر.
(4/227)

فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحسن، سَأَلت دعبلًا عَن: مدارس آيَات , فَذكر أَنه لَا يعرفهَا.
فَالْتَفت إِلَيّ أَبُو الْحسن، وَقَالَ: أنْشدهُ يَا دعبل.
فأنشدت القصيدة، وَلم يُنكر الْمَأْمُون ذَلِك، إِلَى أَن بلغت إِلَى بَيت فِيهَا، وَهُوَ:
وَآل رَسُول الله هلبٌ رقابهم ... وَآل زِيَاد غلّظ القصرات
فَقَالَ: وَالله لأهلبنها.
ثمَّ تممتها إِلَى آخرهَا، فاستحسنها، وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وَأمر لي عَليّ بن مُوسَى بقريب مِنْهَا.
فَقلت: يَا سَيِّدي، أُرِيد أَن تهب لي ثوبا يَلِي بدنك، أتبرك بِهِ، وأجعله كفنًا.
فوهب لي قَمِيصًا قد ابتذله، ومنشفة، وَأَظنهُ قَالَ: وَسَرَاويل.
قَالَ: ووصلني ذُو الرئاستين، وحملني على برذون أصفر، وَكنت أسايره فِي يَوْم مطير، وَعَلِيهِ ممطر خَز، فَأمر لي بِهِ، ودعا بِغَيْرِهِ فلبسه، وَقَالَ: إِنِّي آثرتك بِهِ، لِأَنَّهُ خير الممطرين، قَالَ: فَأعْطيت بِهِ ثَمَانِينَ دِينَارا، فَلم تطب نَفسِي بِبيعِهِ.
وقضيت حَاجَتي، وكررت رَاجعا إِلَى الْعرَاق.
فَلَمَّا صرت بِبَعْض الطَّرِيق، خرج علينا أكراد يعْرفُونَ بالماريخان، فسلبوني، وسلبوا الْقَافِلَة، وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم مطير.
فاعتزلت فِي قَمِيص خلق قد بَقِي عَليّ، وَأَنا متأسف، من جَمِيع مَا كَانَ عَليّ، على الْقَمِيص والمنشفة اللَّذين وهبهما لي عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا، إِذْ مر بِي وَاحِد من
(4/228)

الأكراد، وَتَحْته البرذون الْأَصْفَر الَّذِي حَملَنِي عَلَيْهِ ذُو الرياستين، وَعَلِيهِ الممطر الْخَزّ، ثمَّ وقف بِالْقربِ مني، وابتدأ ينشد:
مدارس آيَات. . . . . . . . . .
، ويبكي.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك، عجبت من لص كردِي يتشيع، ثمَّ طمعت فِي الْقَمِيص والمنشفة.
فَقلت: يَا سَيِّدي لمن هَذِه القصيدة؟ فَقَالَ: مَا أَنْت وَذَاكَ، وَيلك.
فَقلت لَهُ: فِيهِ سَبَب أخْبرك بِهِ.
فَقَالَ: هِيَ أشهر من أَن يجهل صَاحبهَا.
قلت: فَمن هُوَ؟ قَالَ: دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ، شَاعِر آل مُحَمَّد، جزاه الله خيرا.
فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، أَنا، وَالله، دعبل، وَهَذِه قصيدتي.
فَقَالَ: وَيلك، مَا تَقول؟ فَقلت: الْأَمر أشهر من ذَلِك، فسل أهل الْقَافِلَة، تخبر بِصِحَّة مَا أَخْبَرتك بِهِ.
فَقَالَ: لَا جرم، وَالله، لَا يذهب لأحد من أهل الْقَافِلَة خلالة فَمَا فَوْقهَا.
ثمَّ نَادَى فِي النَّاس: من أَخذ شَيْئا فليرده على صَاحبه، فَرد على النَّاس أمتعتهم، وَعلي جَمِيع مَا كَانَ معي، مَا فقد أحد عقَالًا.
(4/229)

ثمَّ رحلنا إِلَى مأمننا سَالِمين.
قَالَ رَاوِي هَذَا الْخَبَر عَن دعبل: فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث عَليّ بن بهزاد الْكرْدِي فَقَالَ لي: ذَاك، وَالله، أبي الَّذِي فعل هَذَا.
(4/230)

قَاطع طَرِيق يتفلسف
وحَدثني عبد الله بن عمر بن الْحَارِث الوَاسِطِيّ السراج، الْمَعْرُوف بِأبي أَحْمد الْحَارِثِيّ، قَالَ: كنت مُسَافِرًا فِي بعض الْجبَال، فَخرج علينا ابْن سباب الْكرْدِي، فَقطع علينا، وَكَانَ بزِي الْأُمَرَاء، لَا بزِي القطاع.
فقربت مِنْهُ لأنظر إِلَيْهِ وأسمع كَلَامه، فَوَجَدته يدل على فهم وأدب، فداخلته فَإِذا بِرَجُل فَاضل، يروي الشّعْر، وَيفهم النَّحْو، فطمعت فِيهِ، وعملت فِي الْحَال أبياتًا مدحته بهَا.
فَقَالَ لي: لست أعلم إِن كَانَ هَذَا من شعرك، وَلَكِن اعْمَلْ لي على قافية هَذَا الْبَيْت ووزنه شعرًا السَّاعَة، لأعْلم أَنَّك قلته، وأنشدني بَيْتا.
قَالَ: فَعمِلت فِي الْحَال إجَازَة لَهُ ثَلَاثَة أَبْيَات.
فَقَالَ لي: أَي شَيْء أَخذ مِنْك؟ لأرده إِلَيْك.
قَالَ: فَذكرت لَهُ مَا أَخذ مني، وأضفت إِلَيْهِ قماش رَفِيقَيْنِ كَانَا لي.
فَرد جَمِيع ذَلِك، ثمَّ أَخذ من أكياس التُّجَّار الَّتِي نهبها، كيسًا فِيهِ ألف دِرْهَم، فوهبه لي.
قَالَ: فجزيته خيرا، ورددته عَلَيْهِ.
فَقَالَ لي: لم لَا تَأْخُذهُ؟ فوريت عَن ذَلِك.
(4/231)

فَقَالَ: أحب أَن تصدقني.
فَقلت: وَأَنا آمن؟ فَقَالَ: أَنْت آمن.
فَقلت: لِأَنَّك لَا تملكه، وَهُوَ من أَمْوَال النَّاس الَّذين أَخَذتهَا مِنْهُم السَّاعَة ظلما، فَكيف يحل لي أَن آخذه؟ فَقَالَ لي: أما قَرَأت مَا ذكره الجاحظ فِي كتاب اللُّصُوص، عَن بَعضهم، قَالَ: إِن هَؤُلَاءِ التُّجَّار خانوا أماناتهم، وَمنعُوا زَكَاة أَمْوَالهم، فَصَارَت أَمْوَالهم مستهلكة بهَا، واللصوص فُقَرَاء إِلَيْهَا، فَإِذا أخذُوا أَمْوَالهم، وَإِن كَرهُوا أَخذهَا، كَانَ ذَلِك مُبَاحا لَهُم، لِأَن عين المَال مستهلكة بِالزَّكَاةِ، وَهَؤُلَاء يسْتَحقُّونَ أَخذ الزَّكَاة، بالفقر، شَاءَ أَرْبَاب الْأَمْوَال أم كَرهُوا.
قلت: بلَى، قد ذكر الجاحظ هَذَا، وَلَكِن من أَيْن يعلم إِن هَؤُلَاءِ مِمَّن استهلكت أَمْوَالهم الزَّكَاة؟ فَقَالَ: لَا عَلَيْك، أَنا أحضر هَؤُلَاءِ التُّجَّار السَّاعَة، وأريك بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح أَن أَمْوَالهم لنا حَلَال.
ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه: هاتوا التُّجَّار، فَجَاءُوا.
فَقَالَ لأَحَدهم: مُنْذُ كم أَنْت تتجر فِي هَذَا المَال الَّذِي قَطعنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سنة.
قَالَ: فَكيف كنت تخرج زَكَاته؟ فتلجلج، وَتكلم بِكَلَام من لَا يعرف الزَّكَاة على حَقِيقَتهَا فضلا عَن أَن يُخرجهَا.
ثمَّ دَعَا آخر، فَقَالَ لَهُ: إِذا كَانَ مَعَك ثلث مائَة دِرْهَم، وَعشرَة دَنَانِير، وحالت عَلَيْك السّنة، فكم تخرج مِنْهَا لِلزَّكَاةِ؟ فَمَا أحسن أَن يُجيب.
ثمَّ قَالَ لآخر: إِذا كَانَ مَعَك مَتَاع للتِّجَارَة، وَلَك دين على نفسين، أَحدهمَا مَلِيء، وَالْآخر مُعسر، ومعك دَرَاهِم، وَقد حَال الْحول على الْجَمِيع، كَيفَ تخرج زَكَاة ذَلِك؟
(4/232)

قَالَ: فَمَا فهم السُّؤَال، فضلا عَن أَن يتعاطى الْجَواب.
فصرفهم، ثمَّ قَالَ لي: بَان لَك صدق حِكَايَة أبي عُثْمَان الجاحظ؟ وَأَن هَؤُلَاءِ التُّجَّار مَا زكوا قطّ؟ خُذ الْآن الْكيس.
قَالَ: فَأَخَذته، وسَاق الْقَافِلَة لينصرف بهَا.
فَقلت: إِن رَأَيْت أَيهَا الْأَمِير أَن تنفذ مَعنا من يبلغنَا المأمن، كَانَ لَك الْفضل.
فَفعل ذَلِك.
(4/233)

القَاضِي التنوخي وَالِد الْمُؤلف والكرخي قَاطع الطَّرِيق
وحَدثني أبي رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لما كنت مُقيما بالكرخ، أتقلد الْقَضَاء بهَا، وبالمرج وأعمالها، كَانَ بوابي رجل من أهل الكرخ، لَهُ ابْن، هُوَ ابْن عشر سِنِين أَو نَحْوهَا، وَكَانَ يدْخل دَاري بِلَا إِذن، ويمرح مَعَ غلماني، وَأهب لَهُ فِي الْأَوْقَات دَرَاهِم وثيابًا، وأحمله، وأرقصه، كَمَا يفعل النَّاس بأولاد غلمانهم.
ثمَّ صرفت عَن الكرخ، ورحلت، وَلم أعرف للرجل وَلَا لوَلَده خَبرا.
وَمَضَت السنون، فأنفذني أَبُو عبد الله البريدي من وَاسِط، برسالة إِلَى أبي
(4/234)

بكر بن رائق، فَلَقِيته بحدود العاقول، وانحدرت أُرِيد واسطًا.
وَقد كَانَ قيل لي قبل إصعادي، أَن فِي الطَّرِيق لصًّا يعرف بالكرخي، مستفحل الْأَمر.
وَكنت خرجت من وَاسِط، بطالع اخترته، على مُوجب تَحْويل مولدِي لتِلْك السّنة، وَقد استظهرت عِنْد نَفسِي، وكفاني الله تَعَالَى، فِي إصعادي، أَمر اللص، فَلم أر لَهُ أثرا.
فَلَمَّا انحدرت إِلَى وَاسِط، وَكُنَّا فِي بعض الطَّرِيق، خرج علينا اللُّصُوص فِي سفن عدَّة، بقسي، ونشاب، وَسلَاح شَاك، وهم نَحْو مائَة نفس، كالعسكر الْعَظِيم.
وَكَانَ معي غلْمَان يرْمونَ، فَحَلَفت أَن من رمى مِنْهُم بِسَهْم، ضَربته إِذا صرت فِي الْبَلَد مائَة مقرعة، وَذَلِكَ أَنِّي خفت أَن يقصدنا اللُّصُوص، ثمَّ لَا يرضون إِلَّا بقتلي.
قَالَ: وبادرت فَأخذت ذَلِك السِّلَاح الَّذِي كَانَ مَعَهم، فرميت جَمِيعه فِي المَاء، واستسلمت لِلْأَمْرِ طلبا للسلامة.
(4/235)

وَجَلَست أفكر فِي الطالع الَّذِي خرجت بِهِ، فَإِذا لَيْسَ مَا يُوجب، عِنْدهم، الْقطع عَليّ، وَالنَّاس قد أديروا إِلَى الشاطئ، وَأَنا فِي جُمْلَتهمْ، حَيْثُ تفرغ سفنهم، وينقل مَا فِيهَا إِلَى الشط، وهم يخبطون بِالسُّيُوفِ، وَكنت فِي وسط الكار، وَمَا انْتهى الْأَمر إِلَيّ.
فَجعلت أعجب من حُصُول الْقطع، وَأَن الطالع لَا يُوجِبهُ، وَلست أتهم علمي مَعَ هَذَا.
فَأَنا كَذَلِك، وَإِذا بسفينة فِيهَا رئيسهم قد طرح على زبزبي كَمَا يطْرَح على سفن التُّجَّار، ليشرف على مَا يُؤْخَذ مِنْهَا.
فحين رَآنِي، منع أَصْحَابه من انتهاب شَيْء من زبزبي، وَصعد إِلَيّ وَحده، فتأملني طَويلا، ثمَّ انكب وَقبل يَدي، وَكَانَ متلثمًا، فَلم أعرفهُ.
قَالَ: فارتعت، وَقلت: يَا هَذَا مَا لَك؟ فسفر، وَقَالَ: أما تعرفنِي يَا سَيِّدي؟ فتأملته، وَأَنا جزع، فَلم أعرفهُ.
فَقلت: لَا وَالله.
فَقَالَ: بلَى، أَنا عَبدك، ابْن فلَان الْكَرْخِي حاجبك، وَأَنا الصَّبِي الَّذِي ربيتني فِي دَارك، وَكنت تحملنِي على عُنُقك، وتطعمني بِيَدِك.
(4/236)

فتأملته، فَإِذا الْخلقَة خلقته، إِلَّا أَن اللِّحْيَة غيرته فِي عَيْني، فسكن خاطري، وَقلت: يَا هَذَا، كَيفَ بلغت إِلَى هَذَا الْحَال؟ قَالَ: يَا سَيِّدي، نشأت، فَلم أتعلم غير معالجة السِّلَاح، وَجئْت إِلَى بَغْدَاد أطلب الدِّيوَان، فَمَا قبلني أحد، فانضاف إِلَيّ هَؤُلَاءِ الرِّجَال، وَطلبت قطع الطَّرِيق وَلَو كَانَ السُّلْطَان أنصفني، ونزلني بِحَيْثُ أستحق من الشجَاعَة، وانتفع بخدمتي، مَا كنت أفعل هَذَا بنفسي.
قَالَ: فَأَقْبَلت عَلَيْهِ أعظه، وأخوفه الله، ثمَّ خشيت أَن يشق ذَلِك عَلَيْهِ، فَيفْسد رعايته لي، فأقصرت.
ثمَّ قَالَ: يَا سَيِّدي، لَا يكون بعض هَؤُلَاءِ قد أَخذ مِنْك شَيْئا؟ قلت: مَا ذهب منا إِلَّا سلَاح رميته أَنا إِلَى المَاء، وشرحت لَهُ الصُّورَة.
فَضَحِك، وَقَالَ: قد وَالله أصَاب القَاضِي، فَمن فِي الكار مِمَّن تعنى بِهِ حَتَّى أطلقهُ؟ قلت: كلهم عِنْدِي بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، فَلَو أفرجت عَن الْجَمِيع كَانَ أحسن بك.
فَقَالَ: وَالله، لَوْلَا أَن أَصْحَابِي قد تفَرقُوا بِمَا أخذُوا، لفَعَلت، وَلَكنهُمْ لَا يطيعوني فِي رده، وَلَكِنِّي لَا أدع مَا بَقِي من السفن فِي الكار أَن يُؤْخَذ مِنْهَا شَيْء، فجزيته خيرا.
فَصَعدَ إِلَى الشط، وأصعد جَمِيع أَصْحَابه، وَمنع أَن يُؤْخَذ شَيْء من بَاقِي السفن، فَمَا تعرض لَهَا أحد، ورد على قوم ضعفاء أَشْيَاء كَثِيرَة كَانَت أخذت مِنْهُم، وَأطلق الكار.
وَسَار معي فِي أَصْحَابه، إِلَى أَن صَار بيني وَبَين المأمن شَيْء يسير ثمَّ وَدعنِي، وَانْصَرف فِي أَصْحَابه.
(4/237)

ابْن حمدي اللص الْبَغْدَادِيّ وفتوته وظرفه
وحَدثني عبد الله بن عمر الْحَارِثِيّ، قَالَ: حَدثنِي بعض التُّجَّار البغداديين، قَالَ: خرجت بسلع لي، ومتاع من بَغْدَاد أُرِيد واسطًا، وَكَانَ البريدي بهَا، وَالدُّنْيَا مفتتنة جدا.
فَقطع عَليّ، وعَلى الكار الَّذِي كنت فِيهِ، لص كَانَ فِي الطَّرِيق، يُقَال لَهُ: ابْن حمدي، يقطع قَرِيبا من بَغْدَاد، فأفقرني، وَكَانَ مُعظم مَا أملكهُ معي، فسهل عَليّ الْمَوْت، وطرحت نَفسِي لَهُ.
وَكنت أسمع بِبَغْدَاد، أَن ابْن حمدي هَذَا، فِيهِ فتوة، وظرف، وَأَنه إِذا قطع، لم يعرض لأرباب البضائع الْيَسِيرَة، الَّتِي تكون دون الْألف دِرْهَم، وَإِذا أَخذ مِمَّن حَاله ضَعِيفَة شَيْئا، قاسمه عَلَيْهِ، وَترك شطر مَاله فِي يَدَيْهِ، وَأَنه لَا يفتش امْرَأَة،
(4/238)

وَلَا يسلبها، وحكايات كَثِيرَة مثل ذَلِك.
فأطمعني ذَلِك فِي أَن يرق لي، فَصَعدت إِلَى الْموضع الَّذِي هُوَ جَالس فِيهِ، وخاطبته فِي أَمْرِي، وبكيت، ورققته، ووعظته، وَحلفت لَهُ أَن جَمِيع مَا أملكهُ قد أَخذه، وَأَنِّي أحتاج إِلَى أَن أَتصدق من بعده.
فَقَالَ لي: يَا هَذَا، الله بَيْننَا وَبَين هَذَا السُّلْطَان الَّذِي أحوجنا إِلَى هَذَا، فَإِنَّهُ قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إِلَى هَذَا الْفِعْل، ولسنا فِيمَا نفعله نرتكب أمرا أعظم مِمَّا يرتكبه السُّلْطَان.
وَأَنت تعلم أَن ابْن شيرزاد بِبَغْدَاد يصادر النَّاس ويفقرهم، حَتَّى أَنه يَأْخُذ الْمُوسر المكثر، فَلَا يخرج من حَبسه، إِلَّا وَهُوَ لَا يَهْتَدِي إِلَى شَيْء غير الصَّدَقَة، وَكَذَلِكَ يفعل البريدي بواسط وَالْبَصْرَة، والديلم بالأهواز.
وَقد علمت أَنهم يَأْخُذُونَ أصُول الضّيَاع، والدور، وَالْعَقار، ويتجاوزون ذَلِك إِلَى الْحرم وَالْأَوْلَاد، فَاحْسبْ أننا نَحن مثل هَؤُلَاءِ، وَأَن وَاحِدًا مِنْهُم صادرك.
فَقلت: أعزّك الله، ظلم الظلمَة، لَا يكون حجَّة، والقبيح لَا يكون سنة، وَإِذا وقفت أَنا وَأَنت، بَين يَدي الله عز وَجل، أترضى أَن يكون هَذَا جوابك لَهُ؟ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، وَلم أَشك فِي أَنه يقتلني، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: كم أَخذ مِنْك؟ فصدقته.
فَقَالَ: أحضروه، فأحضر، فَكَانَ كَمَا ذكرت، فَأَعْطَانِي نصفه.
فَقلت لَهُ: الْآن، قد وَجب حَقي عَلَيْك، وَصَارَ لي بإحسانك إِلَيّ حُرْمَة.
فَقَالَ: أجل.
فَقلت: إِن الطَّرِيق فَاسد، وَمَا هُوَ إِلَّا أَن أتجاوزك حَتَّى يُؤْخَذ هَذَا مني أَيْضا، فأنفذ معي من يوصلني إِلَى المأمن.
(4/239)

قَالَ: فَفعل ذَلِك، وسلمت بِمَا أفلت معي، فَجعل الله فِيهِ الْبركَة، وأخلف.
(4/240)

قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق فتخلص بِخَاتم عقيق
حَدثنِي الْحسن بن صافي، مولى ابْن المتَوَكل القَاضِي، وَكَانَ أَبوهُ يعرف بِغُلَام ابْن مقلة قَالَ: لما حصل المتقي لله بالرقة، وَمَعَهُ أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ، ابْن مقلة، وزيره، كاتبني بِأَن أخرج إِلَيْهِ، فَخرجت، وَمَعِي جمَاعَة من أَسبَابه، وَأَسْبَاب الْخَلِيفَة إِلَى هيت.
وَضم إِلَيْنَا ابْن فتيَان خفراء، يؤدونا إِلَى الرقة، ورحلت من هيت، ومعنا الخفراء والغلمان، وَمن انحدر مَعنا من هيت، فصرنا نَحوا من مِائَتي مقَاتل.
فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الرَّابِع من مسيرنا، وَنحن فِي الْبر الأقفر، وَقد نزلنَا نستريح، إِذا بسواد عَظِيم من بعيد، لَا نعلم مَا هُوَ، فَلم نزل نرقبه إِلَى أَن بَان لنا، وَإِذا هُوَ نَحوا من مائَة مَطِيَّة، على كل مَطِيَّة رجلَانِ.
فجمعنا أَصْحَابنَا ورجالنا، وَقرب الْقَوْم منا وأناخوا جمَالهمْ وعقلوها، وَأخذُوا جحفهم، وسلوا سيوفهم، وتقدمهم رَئِيس لَهُم، فَقَالَ لنا: يَا معشر الْمُسَافِرين، لَا يسلن أحد مِنْكُم سَيْفا، وَلَا يَرْمِي بِسَهْم، فَمن فعل ذَلِك فَهُوَ مقتول.
ففشل كل من كَانَ مَعنا، وَقَاتل قوم منا قتالًا ضَعِيفا، وخالطنا الْأَعْرَاب، وَأخذُوا جمَاعَة منا، وأخذونا، وَجَمِيع مَا كَانَ مَعنا، فأقتسموه، وتركونا مطرحين فِي الشَّمْس.
(4/241)

فَإِذا بِي قد عريت، وَبَقِي عَليّ خلق لَا أتوارى مِنْهُ بِشَيْء، وَلَيْسَ معي مَاء أشربه، وَلَا ظهر أركبه، وَلَيْسَ بيني وَبَين الْمَوْت إِلَّا سَاعَات يسيرَة، فَقَامَتْ عَليّ الْقِيَامَة، وَاشْتَدَّ جزعي، وَلم يكن لي حِيلَة، فأيست من الْحَيَاة.
فَأَنا كَذَلِك، إِذْ وجدت شستجة، كَانَ لي فِيهَا خَاتم عقيق، كَبِير الفص، كثير المَاء، فَأَخَذته، وَوَقع لي فِي الْحَال وَجه الْحِيلَة، فَجَعَلته فِي قطن، وخبأته معي وقصدت رَئِيس الْقَوْم، وَهُوَ الَّذِي تولى أَخذ مَالِي، وَعرف موضعي وقدري.
فَقلت لَهُ: قد رَأَيْت عَظِيم مَا أَخَذته مني، وَأَنا خَادِم الْخَلِيفَة أَطَالَ الله بَقَاءَهُ، وَقد خرجت لأمر كَبِير من خدمته، وَقد فزت بِمَا أَخَذته مني، فَمَا قَوْلك فِي أَمر آخر أعظم مِمَّا أَخَذته، أعاملك بِهِ، وأسديه إِلَيْك حَلَالا لَا يجْرِي مجْرى الغصوب، على أَن تؤمنني على نَفسِي، وَترد عَليّ من ثِيَابِي مَا يسترني، وَترد عَليّ من دوابي دَابَّة، وتسقيني مَاء، وتسيرني حَتَّى أحصل فِي مأمني؟ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قلت: تُعْطِينِي أمانك، وعهودك، ومذامك، على الْوَفَاء، فَفعل.
فانفردت بِهِ، وَجعلت يَدي مُقَابلَة للشمس، وأريته الْخَاتم، وأقمت فصه فِي شُعَاع الشَّمْس، فكاد يخطف بَصَره، وَرَأى مَا لم ير مثله.
وَقَالَ: استره، وَقل لي خَبره.
فَقلت: هَذَا خَاتم الْخلَافَة، وفصه هَذَا ياقوت أَحْمَر، وَهُوَ الَّذِي يتداوله الْخُلَفَاء مُنْذُ الْعَهْد الطَّوِيل، وَيعرف بِالْجَبَلِ، وَلَا يقوم أَمر الْخُلَفَاء إِلَّا بِهِ، وَقد كَانَ مخبوءًا بِبَغْدَاد، فَأمرنِي الْخَلِيفَة أَن أحملهُ إِلَيْهِ فِي جملَة مَا حَملته، وَحَيْثُ حصل
(4/242)

هَذَا الْخَاتم من بِلَاد الله، تشبث الْخُلَفَاء إِلَى أَخذه بِكُل ثمن، وَإِن حصل عنْدك حَتَّى تمْتَنع من بَيْعه إِلَّا بِمِائَة ألف دِينَار، وَلم يقدروا عَلَيْك، لأعطوك إِيَّاهَا، والرأي أَن تَأْخُذهُ، وتنفذه إِلَى نَاحيَة الشَّام، وتخفي حُصُول الْخَاتم فِي يدك، فَإِنِّي إِذا حضرت بِحَضْرَة الْخَلِيفَة، وعرفته خَبره، جاءتك رسله بالرغائب، حَتَّى يرتجع مِنْك بِأَيّ ثمن احتكمت.
فَقَالَ: إِذا خُذ من ثِيَابك مَا تُرِيدُ.
فَأخذت من ثِيَابِي مَا احتجت إِلَيْهِ، وَأخذ الْخَاتم فخبأه فِي جيبه، وأركبني رَاحِلَة موطأة، وَأَعْطَانِي إداوتين كبيرتين مَاء، وَسَار معي، وَالنَّاس قد هَلَكُوا من الْعَطش.
وَلم يزل يسير معي، إِلَى أَن بلغنَا إِلَى حصن فِي الْبَريَّة، يعرف بالزيتونة، من بِنَاء هِشَام بن عبد الْملك، وَفِيه رجل من بني أُميَّة، يكنى بِأبي مَرْوَان، مَعَه فِي الْحصن نَحوا من مِائَتي رجل.
فَلَمَّا حصلت عِنْده، انْصَرف الْأَعرَابِي، وَعرفت أَبَا مَرْوَان خبري فِي الْقطع وَمن أَنا، فأعظم أَمْرِي، وأكرمني، وأنفذ معي من أَصْحَابه من بَلغنِي الرقة سالما
(4/243)

سرق مَاله بِالْبَصْرَةِ واستعاده بواسط
حَدثنِي مُحَمَّد بن عمر بن شُجَاع الْمُتَكَلّم، ويلقب بجنيد، قَالَ: حَدثنِي رجل من الدقاقين، فِي دَار الزبير بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: أورد عَليّ رجل غَرِيب، سفتجة بِأَجل، فَكَانَ يتَرَدَّد عَليّ، إِلَى أَن حل ميعاد السفتجة.
ثمَّ قَالَ لي: دعها عنْدك حَتَّى آخذها مُتَفَرِّقَة، فَكَانَ يَجِيء فِي كل يَوْم فَيَأْخُذ بِقدر نَفَقَته إِلَى أَن نفدت، وَصَارَ بَيْننَا معرفَة، وَألف الْجُلُوس عِنْدِي، وَكَانَ يراني أخرج من كيسي من صندوق لي، فَأعْطِيه مِنْهُ.
فَقَالَ لي يَوْمًا: إِن قفل الرجل، صَاحبه فِي سَفَره، وأمينه فِي حَضَره، وخليفته على حفظ مَاله، وَالَّذِي يَنْفِي الظنة عَن أَهله وَعِيَاله، فَإِن لم يكن وثيقًا تطرقت الْحِيَل عَلَيْهِ، وَأرى قفلك هَذَا وثيقًا، فَقل لي مِمَّن ابتعته، لأبتاع مثله.
فَقلت: من فلَان بن فلَان الأقفالي، فِي جوَار بَاب الصفارين.
(4/244)

قَالَ: فَمَا شَعرت يَوْمًا، وَقد جِئْت إِلَى دكاني، فطلبت صندوقي لأخرج مِنْهُ شَيْئا من الدَّرَاهِم، فَحَمله الْغُلَام إِلَيّ، ففتحته، فَإِذا لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الدَّرَاهِم.
فَقلت لغلامي، وَكَانَ غير مُتَّهم عِنْدِي: هَل أنْكرت من الدرابات شَيْئا؟ قَالَ: لَا، فَقلت: فتش، هَل ترى فِي الدّكان نقبًا؟ قَالَ: لَا.
فَقلت: فَمن السّقف حِيلَة؟ قَالَ: لَا.
قلت: فَاعْلَم أَن الدَّرَاهِم قد ذهبت.
فقلق الْغُلَام، فسكنت، وَقمت لَا أَدْرِي مَا أصنع، وَتَأَخر الرجل عني، فَلَمَّا غَابَ اتهمته، وَذكرت مَسْأَلته عَن القفل.
فَقلت للغلام، أَخْبرنِي كَيفَ تفتح دكاني وتغلقه؟ قَالَ: رسمي أَن ادرب درابتين درابتين، والدرابات فِي الْمَسْجِد، فأحملها فِي دفعات، اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، فأشرجها، ثمَّ أقفل، وَكَذَلِكَ عِنْدَمَا أفتحها.
فَقلت: البارحة، وَالْيَوْم، فعلت ذَلِك؟ قَالَ: نعم.
فَقلت: فَإِذا مضيت لِترد الدرابات، أَو تحضرها، على من تدع الدّكان؟ قَالَ: خَالِيا.
قلت: فَمن هُنَا دهيت.
(4/245)

ومضيت إِلَى الصَّانِع الَّذِي ابتعت مِنْهُ القفل، فَقلت: جَاءَك إِنْسَان مُنْذُ أَيَّام، وَاشْترى مِنْك مثل هَذَا القفل؟ قَالَ: نعم، رجل من صفته كَيْت وَكَيْت، فَأَعْطَانِي صفة صَاحِبي.
فَعلمت أَنه احتال على الْغُلَام وَقت الْمسَاء، لما انصرفت أَنا، وَمضى الْغُلَام يحمل الدرابات، فَدخل هُوَ إِلَى الدّكان، فَاخْتَبَأَ فِيهِ، وَمَعَهُ مِفْتَاح القفل الَّذِي اشْتَرَاهُ، وَالَّذِي يَقع على قفلي، وَأَنه أَخذ الدَّرَاهِم، وَجلسَ طول ليلته خلف الدرابات.
فَلَمَّا جَاءَ الْغُلَام، وَفتح درابتين، وَحملهَا ليرفعها، خرج، وَأَنه مَا فعل ذَلِك، إِلَّا وَقد خرج إِلَى بَغْدَاد.
فَسلمت دكاني إِلَى الْغُلَام، وَقلت لَهُ: من سَأَلَ عني فَعرفهُ أَنِّي خرجت إِلَى ضيعتي.
قَالَ: فَخرجت، وَمَعِي قفلي ومفتاحه، وَقلت: أبتدئ بِطَلَب الرجل بواسط.
فَلَمَّا صعدت من السميرية، طلبت خَانا فِي الكتبيين بواسط، لأنزله، فأرشدت إِلَيْهِ، فَصَعدت، فَإِذا بقفل مثل قفلي سَوَاء على بَيت.
فَقلت لقيم الخان: هَذَا الْبَيْت من ينزله؟ فَقَالَ: رجل قدم من الْبَصْرَة أمس.
فَقلت: أَي شَيْء صفته؟ فوصف لي صفة صَاحِبي، فَلم أَشك أَنه هُوَ، وَأَن الدَّرَاهِم فِي بَيته.
فاكتريت بَيْتا إِلَى جَانِبه، ورصدت الْبَيْت، حَتَّى انْصَرف قيم الخان، وَقمت ففتحت القفل بمفتاحي، فحين دخلت الْبَيْت، وجدت كيسي بِعَيْنِه، فَأَخَذته،
(4/246)

وَخرجت وأقفلت الْبَاب، وَنزلت فِي الْوَقْت إِلَى السَّفِينَة الَّتِي جِئْت فِيهَا، وأرغبت الملاح، وانحدرت إِلَى الْبَصْرَة.
فَمَا أَقمت بواسط إِلَّا ساعتين من نَهَار، وَرجعت إِلَى منزلي بِمَالي بِعَيْنِه.
(4/247)

وضع السَّيْف على عُنُقه ثمَّ نجا سالما
وحَدثني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: حَدثنِي أكار بنهر سابس، قَالَ: خرجت من نهر سابس، إِلَى مَوضِع فِي طرف الْبَريَّة، يُقَال لَهُ: كرخ راذويه، أُرِيد أَعمال سقِِي الْفُرَات.
فبلغني أَن رجلا يقطع الطَّرِيق وَحده، وحذرت مِنْهُ.
فَلَمَّا خرجت من الْقرْيَة، رَأَيْت رجلا تدل فراسته على شدته ونجدته، وَفِي يَده زقاية، فجسرني على الطَّرِيق.
قَالَ: فترافقنا، حَتَّى انتهينا إِلَى سِقَايَة فِي الْبَريَّة، فَخرج علينا اللص متحزمًا، متسلحًا، فصاح بِنَا.
فَطرح رفيقي كارة كَانَت على ظَهره، وَأخذ زقايته، وبادر إِلَى اللص.
فَلَمَّا دَاخله اللص ليضربه، ضرب بعصاه يَد اللص، فعطل اللص الضَّرْبَة، وَضرب الزقاية فقطعها، ثمَّ ضرب بِسَيْفِهِ رجل الرجل فأقعده، ثمَّ وشحه بِالسَّيْفِ
(4/248)

حَتَّى قَتله، وَحمل عَليّ ليقتلني.
فَقلت لَهُ: مَا حاربتك، وَلَا امْتنعت عَلَيْك من أخذك ثِيَابِي، فلأي شَيْء تقتلني؟ فَقَالَ: استكتف فاستكتفت، فكتفني بتكتي ثمَّ حمل الثِّيَاب وَانْصَرف.
فَبَقيت متحيرًا، مشفيًا على التّلف، بالعطش، وَالشَّمْس، والوحوش، فَمَا زلت أتمطى فِي التكة حَتَّى قطعتها، وَقمت أَمْشِي إِلَى أَن جنني اللَّيْل.
فَرَأَيْت فِي الصَّحرَاء، على بعد، ضوء نَار خفِيا، فقدرته فِي قَرْيَة، فقصدته، فَإِذا هُوَ يخرج من قبَّة فِي الصَّحرَاء، فقربت مِنْهَا، واطلعت، فَإِذا اللص جَالس فِي الْقبَّة، يشرب نبيذًا، وَمَعَهُ امْرَأَة.
فَلَمَّا بصر بِي صَاح، وَتَنَاول سَيْفه وَخرج إِلَيّ، فَمَا زلت أناشده الله، وأحلف لَهُ أنني مَا علمت أَنه هُوَ، وَلَا قصدته عمدا، وَإِنَّمَا رَأَيْت النَّار فقصدتها، فَلم يعبأ بِقَوْلِي.
وحلفته الْمَرْأَة أَن لَا يقتلني بحضرتها، فجذبني إِلَى نهر جَاف قريب من الْقبَّة، وطرحني تَحْتَهُ، وجرد سَيْفه ليقتلني.
فَسمع صَوت الْأسد قَرِيبا مِنْهُ، فارتعدت يَده، وَسكت، وَأخذ يسكتني، فأنست بالسبع وزدت فِي الصياح.
فَمَا شَعرت إِلَّا والسبع قد تنَاوله من على صَدْرِي وهرول فِي الصَّحرَاء.
(4/249)

فَقُمْت، وَأخذت السَّيْف، وَجئْت إِلَى الْقبَّة، فَلم تشك الْمَرْأَة أنني هُوَ، فَقَالَت: قتلته؟ فَقلت: الله عز وَجل قَتله، لَا أَنا، وقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، وسألتها عَن شَأْنهَا.
فَقَالَت: أَنا امْرَأَة من أهل الْقرْيَة الْفُلَانِيَّة، أسرني هَذَا الرجل، وخبأني فِي هَذَا الْموضع، وَهُوَ يتَرَدَّد إِلَيّ فِي كل لَيْلَة.
فأرهبتها، فدلتني على دفائن لَهُ فِي الصَّحرَاء، فأخذتها، وحملت الْمَرْأَة، وَبَلغت الْقرْيَة، وسلمتها إِلَى أَهلهَا.
وفزت بِمَال عَظِيم أغناني عَن مقصدي، وعدت إِلَى بلدي.
(4/250)

كَيفَ استعاد التَّاجِر الْبَصْرِيّ مَاله
وحَدثني أَيْضا، قَالَ: حَدثنِي ابْن الدنانيري التمار الوَاسِطِيّ، قَالَ: حَدثنِي غُلَام لي قَالَ: كنت ناقدًا بالأبلة، لرجل تَاجر، فاقتضيت لَهُ فِي الْبَصْرَة نَحْو خمس مائَة دِينَار عينا وورقًا، ولففتها فِي فوطة، وأشفيت على الْمصير إِلَى الأبلة.
فَمَا زلت أطلب ملاحًا، حَتَّى رَأَيْت ملاحًا مجتازًا فِي خيطية خَفِيفَة فارغة، فَسَأَلته أَن يحملني، فسهل عَليّ الْأُجْرَة، وَقَالَ: أَنا رَاجع إِلَى منزلي بالأبلة، فَانْزِل معي، فَنزلت، وَجعلت الفوطة بَين يَدي.
وسرنا إِلَى أَن تجاوزنا مسماران، فَإِذا رجل ضَرِير على الشط، يقْرَأ أحسن قِرَاءَة تكون.
(4/251)

فَلَمَّا رَآهُ الملاح كبر، فصاح هُوَ بالملاح: احملني، فقد جنني اللَّيْل، وأخاف على نَفسِي، فشتمه الملاح.
فَقلت لَهُ: احمله، فَدخل إِلَى الشط فَحَمله، فَلَمَّا حصل مَعنا رَجَعَ إِلَى قِرَاءَته، فخلب عَقْلِي بطيبها.
فَلَمَّا قربنا من الأبلة، قطع الْقِرَاءَة، وَقَامَ ليخرج فِي بعض المشارع فِي الأبلة، فَلم أر الفوطة، فَقُمْت وَاقِفًا، واضطربت، وَصحت.
فاستغاث الملاح، وَقَالَ: السَّاعَة تقلب الخيطية، وخاطبني خطاب من لَا يعلم حَالي.
فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، كَانَت بَين يَدي فوطة فِيهَا خمس مائَة دِينَار.
فَلَمَّا سمع الملاح ذَلِك، بَكَى، وَلَطم، وتعرى من ثِيَابه، وَقَالَ: أَدخل الشط ففتش، وَلَا لي مَوضِع أخبئ فِيهِ شَيْئا فتتهمني بسرقته، ولي أَطْفَال، وَأَنا ضَعِيف، فَالله، الله فِي أَمْرِي، وَفعل الضَّرِير مثل ذَلِك.
وفتشت الخيطية فَلم أجد شَيْئا، فرحمتهما، وَقلت: هَذِه محنة لَا أَدْرِي كَيفَ التَّخَلُّص مِنْهَا، وَخَرجْنَا، فَعمِلت على الْهَرَب، وَأخذ كل وَاحِد منا طَرِيق، وَبت فِي بَيْتِي، وَلم أمض إِلَى صَاحِبي، وَأَنا بليلة عَظِيمَة.
فَلَمَّا أَصبَحت، عملت على الْهَرَب إِلَى الْبَصْرَة، لأستخفي فِيهَا أَيَّامًا، ثمَّ أخرج إِلَى بلد شاسع.
فانحدرت، فَخرجت فِي مشرعة بِالْبَصْرَةِ، وَأَنا أَمْشِي وأتعثر وأبكي قلقًا على فِرَاق أَهلِي وَوَلَدي، وَذَهَاب معيشتي وجاهي، إِذْ أعترضني رجل.
فَقَالَ: يَا هَذَا، مَا بك؟ فَقلت: أَنا فِي شغل عَنْك، فاستحلفني، فَأَخْبَرته.
(4/252)

فَقَالَ: امْضِ إِلَى السجْن ببني نمير، واشتر مَعَك خبْزًا كثيرا، وشواءً جيدا، وحلوى، وسل السجان أَن يوصلك إِلَى رجل مَحْبُوس، يُقَال لَهُ: أَبُو بكر النقاش، وَقل لَهُ: أَنا زَائِره، فَإنَّك لَا تمنع، وَإِن منعت، فَهَب للسجان شَيْئا يَسِيرا فَإِنَّهُ يدْخلك إِلَيْهِ، فَإِذا رَأَيْته فَسلم عَلَيْهِ وَلَا تخاطبه حَتَّى تجْعَل بَين يَدَيْهِ مَا مَعَك، فَإِن أكل وَغسل يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلك عَن حَاجَتك، فَأخْبرهُ خبرك، فَإِنَّهُ سيدلك على من أَخذ مَالك، ويرتجعه لَك.
فَفعلت ذَلِك، ووصلت إِلَى الرجل، فَإِذا هُوَ شيخ مثقل بالحديد.
فَسلمت عَلَيْهِ، وطرحت مَا معي بَين يَدَيْهِ، فَدَعَا رُفَقَاء كَانُوا مَعَه فَأَقْبَلُوا يَأْكُلُون مَعَه، فَلَمَّا استوفى وَغسل يَدَيْهِ.
قَالَ: من أَنْت، وَمَا جَاءَ بك؟ فشرحت لَهُ قصتي.
فَقَالَ: امْضِ السَّاعَة لوقتك، وَلَا تتأخر، إِلَى بني هِلَال، فاقصد الدَّرْب الْفُلَانِيّ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى آخِره، فَإنَّك تشاهد بَابا شعثًا، فافتحه وادخل بِلَا اسْتِئْذَان، فستجد دهليزًا طَويلا يُؤَدِّي إِلَى بَابَيْنِ، فَادْخُلْ الْأَيْمن مِنْهُمَا، فسيدخلك إِلَى دَار فِيهَا بَيت فِيهِ أوتاد وبواري، وعَلى كل وتد إِزَار ومئزر، فانزع ثِيَابك، وعلقها على الوتد، واتزر بالمئزر واتشح بالإزار، واجلس، فسيجيء قوم يَفْعَلُونَ كَمَا فعلت، إِلَى أَن يتكاملوا، ثمَّ يُؤْتونَ بِطَعَام فَكل مَعَهم، وتعمد أَن تفعل كَمَا يَفْعَلُونَ فِي كل شَيْء.
فَإِذا أَتَوا بالنبيذ فَاشْرَبْ مَعَهم أقداحًا يسيرَة، ثمَّ خُذ قدحًا كَبِيرا، فاملأه،
(4/253)

وقم، وَقل: هَذَا ساري لخالي أبي بكر النقاش، فسيضحكون ويفرحون، وَيَقُولُونَ: هُوَ خَالك؟ فَقل: نعم، فسيقومون وَيَشْرَبُونَ لي، فَإِذا تَكَامل شربهم لي، وجلسوا، فَقل لَهُم: خَالِي يقْرَأ عَلَيْكُم السَّلَام، وَيَقُول لكم: بحياتي يَا فتيَان، ردوا على ابْن أُخْتِي المئزر الَّذِي أخذتموه أمس من السَّفِينَة بنهر الأبلة، فَإِنَّهُم يردونه عَلَيْك.
فَخرجت من عِنْده، فَفعلت مَا قَالَ لي، وَجَرت الصُّورَة، على مَا ذكر، سَوَاء بِسَوَاء، وَردت الفوطة عَليّ بِعَينهَا، وَمَا حل شدها.
فَلَمَّا حصلت لي، قلت لَهُم: يَا فتيَان، هَذَا الَّذِي فعلتموه هُوَ قَضَاء لحق خَالِي، وَأَنا لي حَاجَة تخصني.
فَقَالُوا: مقضية.
فَقلت: عرفوني كَيفَ أخذتهم الفوطة؟ فامتنعوا، فأقسمت عَلَيْهِم بحياة أبي بكر النقاش.
فَقَالَ لي وَاحِد مِنْهُم: تعرفنِي؟ فتأملته، فَإِذا هُوَ الضَّرِير الَّذِي كَانَ يقْرَأ.
وَإِنَّمَا كَانَ يتعامى حِيلَة ومكرًا.
وَأَوْمَأَ إِلَى آخر، وَقَالَ: أتعرف هَذَا؟ فتأملته، فَإِذا هُوَ الملاح بِعَيْنِه.
فَقلت: أخبراني كَيفَ فعلكما؟ فَقَالَ الملاح: أَنا أدور فِي المشارع فِي أول أَوْقَات الْمسَاء، وَقد سبقت المتعامي فأجلسته حَيْثُ رَأَيْت، فَإِذا رَأَيْت من مَعَه شَيْء لَهُ قدر، ناديته وأرخصت عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَحَمَلته، فَإِذا بلغ إِلَى الْقَارئ، وَصَاح بِي، شتمته، حَتَّى لَا يشك الرَّاكِب فِي بَرَاءَة الساحة، فَإِن حمله الرَّاكِب فَذَاك، وَإِن لم يحملهُ رققته حَتَّى يحملهُ، فَإِذا حمله، وَجلسَ هَذَا يقْرَأ قِرَاءَته الطّيبَة، ذهل الرجل كَمَا ذهلت أَنْت، فَإِذا بلغنَا إِلَى مَوضِع نَكُون قد خلينا فِيهِ رجلا متوقعًا لنا، يسبح حَتَّى يلاصق
(4/254)

السَّفِينَة، وعَلى رَأسه قوصرة، فَلَا يفْطن الرَّاكِب، فيستلب هَذَا الرجل المتعامى، بخفة، الشَّيْء الَّذِي قد عينا عَلَيْهِ، فيلقيه إِلَى الرجل الَّذِي عَلَيْهِ القوصرة، فيأخذها ويسبح إِلَى الشط، فَإِذا أَرَادَ الرَّاكِب النُّزُول، وافتقد مَا مَعَه، عَملنَا كَمَا رَأَيْت، فَلَا يتهمنا، ونتفرق، فَإِذا كَانَ الْغَد، اجْتَمَعنَا واقتسمنا مَا أخذناه، وَالْيَوْم كَانَ يَوْم الْقِسْمَة، فَلَمَّا جِئْت برسالة خَالك أستاذنا، سلمنَا إِلَيْك الفوطة، قَالَ: فأخذتها، وانصرفت
(4/255)

صَادف دَرْء السَّيْل درءًا يصدعه
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، قَالَ: حَدثنِي بعض إخْوَانِي: أَنه كَانَ بِبَغْدَاد رجل يطْلب التلصص فِي حداثته، ثمَّ تَابَ وَصَارَ بزازًا.
قَالَ: فَانْصَرف لَيْلَة من دكانه، وَقد أغلقه، فجَاء لص متزي بزِي صَاحب الدّكان، فِي كمه شمعة صَغِيرَة، ومفتاح، فصاح بالحارس، وَأَعْطَاهُ الشمعة فِي الظلمَة، وَقَالَ: أشعلها وجئني بهَا، فَإِن لي فِي هَذِه اللَّيْلَة فِي دكاني شغلًا.
فَحَضَرَ الحارس وأشعل الشمعة، وَركب اللص المفاتيح على الأقفال فَفَتحهَا، وَدخل الدّكان.
فجَاء الحارس بالشمعة مشعلة، فَأَخذهَا مِنْهُ وَهُوَ لَا يتَبَيَّن وَجهه، وَجعلهَا بَين يَدَيْهِ، وَفتح سفط الْحساب، وَأخرج مَا فِيهِ، وَجعل ينظر فِي الدفاتر، ويوري بِيَدِهِ أَنه يحْسب، والحارس يطالعه فِي تردده، وَلَا يشك فِي أَنه صَاحب الدّكان.
إِلَى أَن قَارب السحر، فاستدعى اللص الحارس، وَكَلمه من بعيد، وَقَالَ لَهُ: أطلب لي حمالًا.
فجَاء بحمال، فَحمل عَلَيْهِ من مَتَاع الدّكان أَربع رزم مثمنة، وأقفل الدّكان، وَانْصَرف وَمَعَهُ الْحمال، وَأعْطى الحارس دِرْهَمَيْنِ، فَلَمَّا أصبح النَّاس، جَاءَ صَاحب الدّكان ليفتحه، فَقَامَ إِلَيْهِ الحارس يَدْعُو لَهُ، وَيَقُول: فعل الله بك وصنع كَمَا أَعْطَيْتنِي البارحة الدرهمين.
فَأنْكر الرجل مَا سَمعه، وَلم يرد جَوَابا، وَفتح دكانه، فَوجدَ سيلان الشمعة،
(4/256)

وحسابه مطروحًا، وفقد الرزم الْأَرْبَع، فاستدعى الحارس، وَقَالَ لَهُ: من كَانَ الَّذِي حمل معي الرزم البارحة من دكاني؟ فَقَالَ لَهُ الحارس: أليست استدعيت مني حمالًا، فجئتك بِهِ، فحملها مَعَك؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِنِّي كنت ناعسًا متنبذًا، وَأُرِيد الْحمال، فجئني بِهِ، فَمضى الحارس فَجَاءَهُ بالحمال، فأغلق الرجل الدّكان، وَأخذ الْحمال مَعَه، وَمَشى، وَقَالَ: إِلَى أَيْن حملت الرزم البارحة، فَإِنِّي كنت متنبذًا.
قَالَ: إِلَى المشرعة الْفُلَانِيَّة، واستدعيت فلَانا الملاح، فركبت مَعَه.
فَصَعدَ الرجل المشرعة، فَسَأَلَ عَن الملاح فَدلَّ عَلَيْهِ وَركب مَعَه.
وَقَالَ: أَيْن أوصلت الْيَوْم أخي الَّذِي كَانَ مَعَه الْأَرْبَع رزم؟ قَالَ: إِلَى المشرعة الْفُلَانِيَّة.
قَالَ: أطرحني إِلَيْهَا، فطرحه.
قَالَ: وَمن حملهَا مَعَه؟ قَالَ: فلَان الْحمال.
فَدَعَا بِهِ، ولطفه، وَقَالَ: أَيْن حملت الرزم الْأَرْبَع البارحة؟ واستدله بِرِفْق وَأَعْطَاهُ شَيْئا، فجَاء بِهِ إِلَى بَاب غرفَة، فِي مَوضِع بعيد عَن الْبَلَد، قريب من الصَّحرَاء، فَوجدَ الْبَاب مقفلًا.
واستوقف الْحمال إِلَى أَن فش القفل وَفتح الْبَاب، وَدخل، فَوجدَ الْأَرْبَع رزم بِحَالِهَا، وَإِذا فِي الْبَيْت بركان مُعَلّق على حَبل، فلق الرزم فِيهِ، ودعا الْحمال فحملها.
(4/257)

فحين خرج من الغرفة، استقبله اللص، وَفهم الْأَمر، فَاتبعهُ إِلَى الشط، فجَاء إِلَى المشرعة، ودعا الملاح ليعبر.
فَدَعَا الْحمال من يحط عَنهُ، فجَاء اللص، فحط عَنهُ، كَأَنَّهُ مجتاز مُتَطَوّع، فَأدْخل الرزم إِلَى السَّفِينَة مَعَ صَاحبهَا، ثمَّ جعل البركان على كتفه، وَقَالَ للتاجر: يَا أخي أستودعك الله، فقد استرجعت رزمك، فدع كسائي.
فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ: انْزِلْ وَلَا خوف عَلَيْك.
فَنزل مَعَه، فاستتابه، ووهب لَهُ شَيْئا، وَصَرفه.
(4/258)

قصَّة الْأَخَوَيْنِ عَاد وَشَدَّاد
وَحكى عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن العبقسي الشَّاعِر، قَالَ: حَدثنِي شَاعِر كَانَ يعرف بِغُلَام أبي الْغَوْث، قَالَ: كنت من أهل قَرْيَة من نواحي الشَّام، أسكنها أَنا وأسلافي، فَكُنَّا نطحن أقواتنا فِي رحى مَاء على فراسخ من الْبَلَد، يخرج إِلَيْهَا أهل الْبَلَد وَأهل الْقرى الْمُجَاورَة بغلاتهم، فتكثر، فَلَا يتَمَكَّن من الطَّحْن إِلَّا الْأَقْوَى فالأقوى.
فمضيت مرّة وَمَعِي غلَّة، وحملت معي خبْزًا وَلَحْمًا مطبوخًا يَكْفِينِي لأيام، وَكَانَ الزَّمَان شاتيًا، لأقيم على الرَّحَى، حَتَّى يخف النَّاس فأطحن فِيهَا، على عادتي تِلْكَ.
فَلَمَّا صرت عِنْد الرَّحَى، حططت أعدالي، وَجَلَست فِي مَوضِع نزه، وفرشت سفرتي لآكل.
واجتاز بِي رجل عَظِيم الْخلقَة، فدعوته ليَأْكُل، فَجَلَسَ فَأكل كلما كَانَ فِي سفرتي، حَتَّى لم يدع فِيهَا شَيْئا، وَلَا أُوقِيَّة وَاحِدَة.
فعجبت من ذَلِك عجبا شَدِيدا بَان لَهُ فِي، فَأمْسك، وغسلنا أَيْدِينَا.
فَقَالَ لي: على أَي شَيْء مقامك هُنَا؟ فَقلت: لأطحن هَذِه الْغلَّة.
فَقَالَ لي: فَلم لَا تطحنها الْيَوْم، فَأَخْبَرته بِسَبَب تعذر ذَلِك عَليّ.
قَالَ: فثار كَالْجمَلِ، حَتَّى شقّ النَّاس وهم مزدحمون على الرَّحَى، وَهِي
(4/259)

تَدور، فَجعل رجله عَلَيْهَا فوقفت وَلم تدر.
فَعجب النَّاس، وَقَالَ: من فِيكُم يتَقَدَّم؟ فجَاء رجل أيد شَدِيد، فَأخذ بِيَدِهِ، وَرمى بِهِ كالكرة، وَجعله تَحت رجله الْأُخْرَى، فَمَا قدر أَن يَتَحَرَّك.
وَقَالَ: قدمُوا غلتي إِلَى الطَّحْن وَإِلَّا كسرت الرَّحَى، وَكسرت عِظَام هَذَا.
فَقَالُوا: يَا هَذَا هَات الْغلَّة، فَجئْت بهَا، فَطحنت، وفرغت مِنْهَا، وجعلتها فِي الأعدال.
وَقَالَ لي: قُم.
قلت: إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى مَنْزِلك.
قلت: لَا أسلك الطَّرِيق وحدي، فَإِنَّهُ مخوف، وَلَكِن أَصْبِر حَتَّى يفرغ أهل قريتي، وأرجع مَعَهم.
فَقَالَ: قُم وَأَنا مَعَك، ولسنا نَخَاف، بِإِذن الله عز وَجل، شَيْئا.
فَقلت فِي نَفسِي: من كَانَت تِلْكَ الْقُوَّة قوته يجب أَن آنس بِهِ، فَقُمْت، وحملت الْغلَّة على الْحمير، وسرنا إِلَى أَن جِئْنَا إِلَى قريتي، وَلم نلق فِي طريقنا بَأْسا.
فَلَمَّا دخلت إِلَى بَيْتِي، خرج وَالِدي وإخوتي، وعجبوا من سرعَة ورودي بالغلة، وَرَأَوا الرجل، فسألوني عَن الْقِصَّة، فَأَخْبَرتهمْ.
وَسَأَلنَا الرجل أَن يُقيم فِي ضيافتنا، فَفعل، فذبحنا لَهُ بقرة، وأصلحنا لَهُ سكباجًا، وَقدم إِلَيْهِ، فَأكل الْجَمِيع بِنَحْوِ الْمِائَة رَطْل خبْزًا.
فَقَالَ لَهُ أبي: يَا هَذَا، مَا رَأَيْت مثلك قطّ، فَأَي شَيْء أَنْت؟ وَمن أَيْن معاشك؟ قَالَ: أَنا رجل من النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة، وَأُسَمِّي شَدَّاد، وَكَانَ لي أَخ أَشد بدنًا وَقَلْبًا مني، وأسمه عَاد، وَكُنَّا نبذرق القوافل من قريتنا إِلَى مَوَاضِع كَثِيرَة، وَلَا نستعين
(4/260)

بِأحد، وَتخرج علينا الرِّجَال الْكَثِيرَة، فألقاهم أَنا وَأخي فَقَط فنهزمهم، فاشتهر أمرنَا، حَتَّى كَانَ إِذا قيل قافلة عَاد وَشَدَّاد، لم يعرض لَهَا أحد، فَمَكثْنَا كَذَلِك سِنِين كَثِيرَة.
فخرجنا مرّة أَنا وَأخي، نسير قافلة قد خفرناها، فَلَمَّا صرنا بالفلاة، رَأينَا سوادًا مُقبلا نحونا، فأستطرفنا أَن يقدم علينا أحد، ثمَّ بَان لنا شخص رجل أسود، على نَاقَة حَمْرَاء، ثمَّ خالطنا.
وَقَالَ: هَذِه قافلة عَاد وَشَدَّاد؟ قُلْنَا: نعم.
فترجل ودعانا للبراز، فانتضينا سُيُوفنَا وانقضضنا عَلَيْهِ، فَضرب سَاق أخي بِالسَّيْفِ ضَرْبَة أقعدته، وَعدا عَليّ، فَقبض على كَتِفي، فَمَا أطقت الْحَرَكَة.
فكتفني، ثمَّ كتف أخي، وطرحنا على النَّاقة كالزاملتين، ثمَّ ركبهَا وَسَار بعد أَن أَخذ من الْقَافِلَة مَا كَانَ فِيهَا من عين، وورق، وحلي، وشيئًا من الزَّاد، وأوقر الرَّاحِلَة بذلك.
وَسَار بِنَا على غير محجة، فِي طَرِيق لَا نعرفه، بَقِيَّة يَوْمنَا وليلتنا وَبَعض الثَّانِي، حَتَّى أَتَى جبلا لَا نعرفه، فأوغل فِيهِ، وَبلغ إِلَى وَجه مِنْهُ فدخله، فَانْتهى إِلَى مغارات، فَأَنَاخَ الرَّاحِلَة، ثمَّ رمى بِنَا عَنْهَا، وَتَركنَا فِي الكتاف.
وَجَاء إِلَى مغارة على بَابهَا صَخْرَة عَظِيمَة لَا يقلعها إِلَّا الْجَمَاعَة، فنحاها عَن الْبَاب واستخرج مِنْهَا جَارِيَة حسناء، فَسَأَلَهَا عَن خَبَرهَا، وجلسا يأكلان مِمَّا جَاءَ بِهِ من الزَّاد، ثمَّ شربا، فَقَالَ لَهَا: قومِي، فَقَامَتْ، وَدخلت الْغَار.
ثمَّ جَاءَ إِلَى أخي، فذبحه وَأَنا أرَاهُ، وسلخه، وَأكله وَحده، حَتَّى لم يدع مِنْهُ إِلَّا عِظَامه.
(4/261)

ثمَّ استدعى الْجَارِيَة، فَخرجت، وَجعلا يشربان، فَلَمَّا توَسط شربه، جرني، فَلم أَشك أَنه يُرِيد ذبحي، فَإِذا هُوَ قد طرحني فِي غَار من تِلْكَ المغارات، وَحل كتافي، وأطبق الْبَاب بصخرة عَظِيمَة، فأيست من الْحَيَاة، وَعلمت أَنه قد أدخرني لغد.
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل، لم أحس إِلَّا بِامْرَأَة تكلمني، فَقلت لَهَا: مَا بالك؟ فَقَالَت: إِن هَذَا العَبْد قد سكر ونام، وَهُوَ يذبحك فِي غَد كَمَا ذبح صَاحبك، فَإِن كَانَت لَك قُوَّة فاجهد فِي دفع الصَّخْرَة واخرج فاقتله، وأنج بِي وبنفسك.
فَقلت: وَمن أَنْت؟ قَالَت: أَنا امْرَأَة من الْبَلَد الْفُلَانِيّ، ذَات نعْمَة، خرجت أُرِيد أَهلا لي فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ، فَخرج علينا هَذَا الْعَدو لله، فَأهْلك الْقَافِلَة الَّتِي كنت فِيهَا، ورآني فأخذني غصبا، وَأَنا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا شهرا، على هَذِه الصُّورَة، يرتكب مني الْحَرَام، وأشاهد ذبحه للنَّاس وَأكله لَهُم، وَلَا يُوصف لَهُ إِنْسَان بِشدَّة بدن إِلَّا قَصده، حَتَّى يَقْهَرهُ، ثمَّ يَجِيء بِهِ فيأكله، ويعتقد أَن شدته تنْتَقل إِلَيْهِ، وَإِذا خرج حَبَسَنِي فِي الْغَار، وَخلف عِنْدِي مَأْكُولا وَمَاء لأيام، وَلَو اتّفق أَنه يحتبس عني، فضل يَوْم، مت جوعا وعطشًا.
فَقلت: إِنَّنِي مَا أُطِيق قلع الصَّخْرَة.
قَالَت: وَيلك، فجرب نَفسك.
قَالَ: فَجئْت إِلَى الصَّخْرَة فاعتمدت عَلَيْهَا بقوتي، فتحركت، فَإِذا قد وَقع تَحت الصَّخْرَة حَصَاة صَغِيرَة، وَقد صَارَت الصَّخْرَة مركبة تركيبًا صَحِيحا، وَذَلِكَ لما أَرَادَهُ الله تَعَالَى من خلاصي.
فَقلت: أَبْشِرِي، وَلم أزل أجتهد، حَتَّى زحزحت الصَّخْرَة شَيْئا أمكنني الْخُرُوج مِنْهُ، فَخرجت.
(4/262)

فَأخذت سيف الْأسود، واعتمدت بكلتي يَدي فَضربت سَاقيه، فَإِذا قد أبنت أَحدهمَا وَكسرت الْأُخْرَى، فانتبه، ورام الْوُثُوب فَلم يقدر، فضربته الْأُخْرَى على حَبل عَاتِقه فَسقط، وضربته أُخْرَى فأبنت رَأسه.
وعمدت إِلَى المغارات فَأخذت كلما وجدت فِيهَا من عين، وورق، وجوهر، وثوب فاخر خَفِيف الْحمل، وَأخذت زادًا لأيام، وَركبت رَاحِلَته، وأردفت الْمَرْأَة، وَلم أزل أسلك فِي طرق لَا أعرفهَا، حَتَّى وَقعت على محجة، فسلكتها، فأفضت بِي إِلَى بعض الْقرى، فَسلمت الرَّاحِلَة إِلَى الْمَرْأَة، وأعطيتها نَفَقَة تكفيها إِلَى بَلَدهَا، وسيرتها مَعَ خفراء، وعدت إِلَى بلدي بِتِلْكَ الْفَوَائِد الجليلة.
وعاهدت الله تَعَالَى، أَن لَا أتعرض للطريق، وَلَا للخفارة أبدا.
وَأَنا الْآن آكل من ضيَاع اشْتَرَيْتهَا من ذَلِك المَال، وأقوم بعمارتها، وأعيش من غَلَّتهَا، إِلَى الْآن
(4/263)

قارع سبعين من قطاع الطَّرِيق وانتصف مِنْهُم
وَحكى سعد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْأَزْدِيّ، الشَّاعِر الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالوحيد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ الْكرْدِي، رجل رَأَيْته بعسكر عمرَان بن شاهين قَصده من عِنْد حسنويه بن الْحُسَيْن الْكرْدِي، فَقبله، وأجرى عَلَيْهِ، وَكَانَ شجاعًا نجدًا، فَحَدثني، قَالَ: خرجنَا مرّة بالجبال، فِي أَيَّام موسم الْحَج، عددنا سَبْعُونَ رجلا، من فَارس وراجل، فاعترضنا الْحَاج الخراسانية، وكمنا لَهُم.
وَكَانَ لنا عين فِي الْقَافِلَة، فَعَاد وعرفنا أَن فِي الْقَافِلَة رجلا من أهل شاش وفرغانة مَعَه أثنى عشر حملا بزًا، وَجَارِيَة فِي قبَّة عَلَيْهَا حلي ثقيل، فَجعلنَا أَعيننَا عَلَيْهِ، حَتَّى وثبنا عَلَيْهِ، وَهُوَ وجاريته فِي عمارية.
(4/264)

قَالَ: فقطعنا قطاره وكتفناه، وَأَدْخَلْنَاهُ وَمَا مَعَه بَين الْجبَال، ووقعنا على مَا مَعَه، وفرحنا بِالْغَنِيمَةِ.
وَكَانَ للرجل برذون أصفر يُسَاوِي مِائَتي دِرْهَم، فَلَمَّا رآنا نُرِيد القفول، قَالَ: يَا فتيَان، هنأكم الله بِمَا أَخَذْتُم، وَلَكِنِّي رجل حَاج، بعيد الدَّار، فَلَا تتعرضوا لسخط الله بمنعي من الْحَج، وَأما المَال فَيذْهب وَيَجِيء، وتعلمون، أَنه لَا نجاة لي إِلَّا على هَذَا البرذون، فاتركوه لي، فَلَيْسَ يبين ثمنه فِي الْغَنِيمَة الَّتِي أخذتموها، فتشاورنا على ذَلِك.
فَقَالَ شيخ فِينَا مجرب: لَا تردوه عَلَيْهِ، واتركوه مكتوفًا هُنَا، فَإِن كَانَ فِي أَجله تَأْخِير، فسيقيض الله لَهُ من يحل كِتَافِهِ، وَكنت فِيمَن عزم على هَذَا.
وَقَالَ بَعْضنَا: مَا مِقْدَار دَابَّة بِمِائَتي دِرْهَم حَتَّى نمنعها رجلا حَاجا، فَلَا حَاجَة لنا فِيهَا، وَجعلُوا يرققون قُلُوب البَاقِينَ حَتَّى سمحنا بذلك، فأطلقناه، وَلم نَدع عَلَيْهِ إِلَّا ثوبا يستر عَوْرَته.
فَقَالَ: يَا فتيَان، قد مننتم عَليّ، وأحسنتم إِلَيّ، ورددتم دَابَّتي، وأخشى إِذا أَنا سرت أَن يَأْخُذهَا غَيْركُمْ، فأعطوني قَوس ونشابي، أذب بهَا عَن نَفسِي وَعَن فرسي.
فَقُلْنَا: إِنَّا لَا نرد سِلَاحا على أحد.
فَقَالَ بَعْضنَا: وَمَا مِقْدَار قَوس قِيمَته دِرْهَمَانِ، وَمَا نخشى من مثل هَذَا؟ فأعطيناه قوسه ونشابه، وَقُلْنَا لَهُ: انْصَرف، فشكرنا، ودعا لنا، وَمضى حَتَّى غَابَ عَن أَعيننَا.
فَمَا كدنا نسير، وَالْجَارِيَة تبْكي، وَتقول: أَنا حرَّة، وَلَا يحل لكم أَن تأخذوني.
فَنحْن فِي هَذَا، وَإِذا بِالرجلِ قد كرّ رَاجعا، وَقَالَ: يَا فتيَان، أَنا لكم نَاصح، فَإِنَّكُم قد أَحْسَنْتُم إِلَيّ، وَلَا بُد لي من مكافأتكم على إحسانكم، بنصيحتي لكم.
فَقُلْنَا: وَمَا نصيحتك؟
(4/265)

فَقَالَ: دعوا مَا فِي أيدكم، وَانْصَرفُوا سَالِمين بِأَنْفُسِكُمْ، وَلكم الْفضل، فَإِنَّكُم مننتم على رجل وَاحِد، وَأَنا أَمن على سبعين رجلا، وَإِذا هُوَ قد انقلبت عَيناهُ فِي وَجهه، وَخرج الزّبد من أشداقه، وَصَارَ كَالْجمَلِ الهائج.
فهزأنا بِهِ، وضحكنا عَلَيْهِ، وَلم نلتفت إِلَى كَلَامه، فَأَعَادَ علينا النَّصِيحَة، وَقَالَ: يَا قوم قد مننت عَلَيْكُم، فَلَا تجْعَلُوا لي إِلَى أرواحكم سَبِيلا.
فَزَاد غيظنا عَلَيْهِ، فقصدناه، وحملنا عَلَيْهِ، فانحاز منا، وَرمى بِخمْس نشابات، كَانَت بِيَدِهِ، فَقتل بهَا منا خَمْسَة، وَاحِدًا، وَاحِدًا.
وَقَالَ: إِن جماعتكم تَمُوت على هَذَا، إِن لم تخلوا عَمَّا فِي أَيْدِيكُم.
فَلم نزل ندافعه، وَيقتل منا، حَتَّى قتل ثَلَاثِينَ رجلا، وَبَقِي مَعَه نشاب فِي جعبته.
فَقُلْنَا: أما ترَوْنَ وَيحكم أَنه لم يخط لَهُ سهم وَاحِد؟ وأحجمت الْجَمَاعَة عَنهُ، وأفرجنا عَن الْجمال والقبة، فَصَارَ القطار فِي حوزته.
فتنكس وَنحن نرَاهُ، ففتق عدلا بِسيف أخرجه من رَحْله، وَأخرج مِنْهُ جعبة نشاب، وأراناها، فَلَمَّا رَأينَا مَا صَار إِلَيْهِ من النشاب يئسنا مِنْهُ وولينا عَنهُ.
فَقَالَ: يَا فتيَان، سألتكم هَذَا فَلم تُجِيبُونِي إِلَيْهِ فَمن نزل عَن دَابَّته فَهُوَ آمن، وَمن أحب أَن يكون فَارِسًا، فَهُوَ بِشَأْنِهِ أبْصر.
فشددنا عَلَيْهِ، فَقتل منا جمَاعَة، فاضطررنا إِلَى أَن ترجلنا، فحاز دوابنا وَحده، وساقها قَلِيلا.
ثمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: أطالبكم بحكمكم، من رمى سلاحه فَهُوَ آمن، وَمن تمسك بِهِ فَهُوَ أبْصر، فرمينا سِلَاحنَا.
فَقَالَ: امضوا سَالِمين آمِنين، فَأخذ جَمِيع السِّلَاح وَالدَّوَاب، وَإِنَّا لندعوها
(4/266)

بأسمائها، فتشذ عَنهُ، فيرميها فيصرعها، حَتَّى قتل مِنْهَا جمَاعَة، وفاتتنا الْغَنِيمَة، وَالسِّلَاح.
وَكَانَ ذَلِك سَبَب تَوْبَتِي، أَنَفَة لما لحقنا مِنْهُ، وَأَنا على ذَلِك الْحَال إِلَى الْيَوْم.
(4/267)

الْبَاب الثَّانِي عشر
فِيمَن أَلْجَأَهُ الْخَوْف إِلَى هرب واستتار فأبدل بأمن ومستجد نعم ومسار
يحيى بن طَالب الْحَنَفِيّ يبارح وَطنه مدينا وَيعود إِلَيْهِ مُوسِرًا
أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى الصولي، فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته عَنهُ، بَعْدَمَا سمعته مِنْهُ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الْغلابِي، قَالَ: غَنِي الرشيد يَوْمًا بِهَذَا الشّعْر:
أَلا هَل إِلَى شمّ الخزامى ونظرةٍ ... إِلَى قرقرى قبل الْمَمَات سَبِيل
فيا أَثلَاث القاع من بطن توضحٍ ... حنيني إِلَى أظلالكنّ طَوِيل
أُرِيد نهوضًا نحوكم فيصدّني ... إِذا رمته دينٌ عليّ ثقيل
قَالَ مؤلف الْكتاب: وَوجدت الشّعْر فِي غير هَذِه الرِّوَايَة:
(4/268)

وَيَا أَثلَاث القاع قد ملّ صحبتي ... صَحَابِيّ فَهَل فِي ظلّكنّ مقيل
أحدّث نَفسِي عَنْك أَن لست رَاجعا ... إِلَيْك فحزني فِي الْفُؤَاد دخيل
رَجَعَ للْحَدِيث.
فَاسْتحْسن الرشيد الشّعْر، وَسَأَلَ عَن قَائِله، فَعرف أَنه ليحيى بن طَالب الْحَنَفِيّ اليمامي.
فَقَالَ: حَيّ هُوَ أم ميت؟ فَقَالَ بعض الْحَاضِرين: هُوَ حَيّ كميت.
قَالَ: وَلم؟ قَالَ: هرب من الْيَمَامَة، لدين عَلَيْهِ ثقيل، فَصَارَ إِلَى الرّيّ.
فَأمر الرشيد أَن يكْتب إِلَى عَامله بِالريِّ، يعرفهُ ذَلِك، وَأَن يدْفع إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَأَن يحمل إِلَى الْيَمَامَة على دَوَاب الْبَرِيد، وَكتب إِلَى عَامله بِالْيَمَامَةِ بِقَضَاء دينه.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، قَالَ الرشيد لمن حَضَره: إِن الْكتب وَردت بامتثال مَا أمرت بِهِ.
وَعَاد يحيى إِلَى وَطنه مُوسِرًا، وَقد قضي دينه عَنهُ، من غير سعي مِنْهُ فِي ذَلِك.
(4/269)

العتابي يُؤَدب الْأمين والمأمون
ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كِتَابه (كتاب الوزراء) ، قَالَ: حَدثنِي عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد، يَعْنِي الخصيبي، قَالَ: حَدثنِي يَمُوت بن المزرع، قَالَ: كَانَ العتابي، يَقُول بالاعتزال، فاتصل ذَلِك بالرشيد، وَكثر عَلَيْهِ فِي أمره، فَأمر فِيهِ بِأَمْر غليظ، فهرب إِلَى الْيمن، وَكَانَ مُقيما فِيهَا على خوف وتوق.
فاحتال يحيى بن خَالِد، إِلَى أَن أسمع الرشيد شَيْئا من خطبه ورسائله، فاستحسنها الرشيد، وَسَأَلَ عَن الْكَلَام لمن هُوَ؟ فَقَالَ يحيى: هُوَ كَلَام العتابي، وَإِن رَأَيْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن يحضر حَتَّى يسمع الْأمين والمأمون، وَيَضَع لَهما خطبًا، لَكَانَ فِي ذَلِك صلاحًا لَهما.
(4/270)

فَأَمنهُ الرشيد، وَأمر بإحضاره.
وَلما اتَّصل خبر ذَلِك بالعتابي، قَالَ يمدح يحيى بن خَالِد:
مَا زلت فِي سَكَرَات الْمَوْت مطّرحًا ... قد غَابَ عنّي وَجه الأَرْض من خبلي
فَلم تزل دائبًا تسْعَى لتنقذني ... حَتَّى أختلست حَياتِي من يَد الْأَجَل
(4/271)

لماذا قتل أَبُو سَلمَة الْخلال
وَذكر فِي بعض كتب الدولة: أَن أَبَا سَلمَة الْخلال، لما قوي الدعاة، وشارفوا الْعرَاق، وَقد ملكوا خُرَاسَان وَمَا بَينهَا وَبَين الْعرَاق، استدعى بني الْعَبَّاس، فصيرهم فِي منزله بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ لَهُ سرداب، فَجعل فِيهِ جَمِيع من كَانَ حَيا فِي ذَلِك الْوَقْت من ولد عبد الله ابْن الْعَبَّاس، وَفِيهِمْ السفاح، والمنصور، وَعِيسَى بن مُوسَى، وَهُوَ يُرَاعِي الْأَخْبَار.
وَكَانَ الدعاة يؤمرون بِقَصْدِهِ إِذا ظَهَرُوا وغلبوا على الْكُوفَة، ليعرفهم الإِمَام، فيسلمون الْأَمر إِلَيْهِ.
فَلَمَّا أوقع قَحْطَبَةَ بِابْن هُبَيْرَة الْوَقْعَة الْعَظِيمَة على الْفُرَات، وغرق قَحْطَبَةَ، وَانْهَزَمَ ابْن هُبَيْرَة، وَلحق بواسط، وتحصن بهَا، وَدخل ابْنا قَحْطَبَةَ الْكُوفَة
(4/272)

بالعسكر كُله، قَالُوا لأبي سَلمَة: أخرج إِلَيْنَا الإِمَام، فدافعهم، وَقَالَ: لم يحضر الْوَقْت الَّذِي يجوز فِيهِ ظُهُور الإِمَام، وأخفى الْخَبَر عَن بني الْعَبَّاس، وَعمل على نقل الْأَمر عَنْهُم، إِلَى ولد فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهُم، وَكَاتب جمَاعَة مِنْهُم، فتأخروا عَنهُ.
وساء ظن بني الْعَبَّاس بِهِ، فاحتالوا حَتَّى أخرجُوا مولى لَهُم أسود كَانَ مَعَهم فِي السرداب، وَقَالُوا لَهُ: اعرف لنا الْأَخْبَار، فَعَاد إِلَيْهِم، وعرفهم أَن قَحْطَبَةَ غرق، وَأَن ابْن هُبَيْرَة انهزم، وَأَن ابْني قَحْطَبَةَ قد دخلا الْكُوفَة بالعسكر مُنْذُ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالُوا: اخْرُج وَتعرض لِابْني قَحْطَبَةَ، وأعلمهما بمكاننا، ومرهما بِأَن يكبسا الدَّار علينا ويخرجانا.
فَخرج الْمولى، وَكَانَ حميد بن قَحْطَبَةَ عَارِفًا بِهِ، فتعرض لَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أعظم رُؤْيَته، وَقَالَ: وَيلك مَا فعل سادتنا، وَأَيْنَ هم؟ فخبره بخبرهم، وَأدّى إِلَيْهِ رسالتهم.
فَركب فِي قِطْعَة من الْجَيْش، وَأَبُو سَلمَة غافل، فجَاء حَتَّى ولج الدَّار، وَأرَاهُ الْأسود السرداب، فَدخل وَمَعَهُ نفر من الْجَيْش، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
فَقَالُوا: وَعَلَيْكُم السَّلَام.
فَقَالَ: أَيّكُم ابْن الحارثية؟ وَكَانَت أم أبي الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد بن
(4/273)

عَليّ بن عبد الله، وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، الَّذِي يُقَال لَهُ الإِمَام، لما بَث الدعاة، قَالَ لَهُم: إِن حدث بعدِي حدث، فالإمام ابْن الحارثية الَّذِي مَعَه الْعَلامَة، وَهِي: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ {5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [الْقَصَص: 5-6] .
قَالَ: فَلَمَّا قَالَ ابْن قَحْطَبَةَ: أَيّكُم ابْن الحارثية؟ ابتدره أَبُو الْعَبَّاس، وَأَبُو جَعْفَر، كِلَاهُمَا يَقُول: أَنا ابْن الحارثية.
فَقَالَ ابْن قَحْطَبَةَ: فأيكما مَعَه الْعَلامَة؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: فَعلمت أَنِّي قد أخرجت من الْأَمر، لِأَنَّهُ لم يكن معي عَلامَة.
فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ} [الْقَصَص: 5] وتلا الْآيَة.
فَقَالَ لَهُ حميد بن قَحْطَبَةَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، مد يدك أُبَايِعك، فَبَايعهُ.
ثمَّ انتضى سَيْفه، وَقَالَ: بَايعُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَبَايعهُ أخوته، وبنوا عَمه، وعمومته، وَالْجَمَاعَة الَّذين كَانُوا مَعَه فِي السرداب.
وَأخرجه إِلَى الْمِنْبَر بِالْكُوفَةِ، وَأَجْلسهُ عَلَيْهِ، فحصر أَبُو الْعَبَّاس عَن الْكَلَام، فَتكلم عَنهُ عَمه دَاوُد بن عَليّ، فَقَامَ دونه على الْمِنْبَر بمرقاة، وَجَاء أَبُو سَلمَة،
(4/274)

وَقد استوحش وَخَافَ.
فَقَالَ حميد: يَا أَبَا سَلمَة، زعمت أَن الإِمَام لم يقدم بعد؟ فَقَالَ أَبُو سَلمَة: إِنَّمَا أردْت أَن أدافع بخروجهم إِلَى أَن يهْلك مَرْوَان، فَإِن كَانَت لَهُ كرة لم يَكُونُوا قد عرفُوا فيهلكوا، وَإِن هلك مَرْوَان أظهرت أَمرهم على ثِقَة.
فأظهر أَبُو الْعَبَّاس قبُول هَذَا الْعذر مِنْهُ، وَأَقْعَدَهُ إِلَى جَانِبه، ثمَّ دبر عَلَيْهِ بعد مُدَّة حَتَّى قَتله.
وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر على غير هَذَا السِّيَاق، فَقَالُوا: قدم أَبُو الْعَبَّاس السفاح وَأَهله على أبي سَلمَة سرا، فَستر أَمرهم، وعزم على أَن يَجْعَلهَا شُورَى بَين ولد عَليّ وَالْعَبَّاس، حَتَّى يختاروا مِنْهُم من أَرَادوا.
ثمَّ خَافَ أَن لَا يتَّفق على الْأَمر، فعزم على أَن يعدل بِالْأَمر إِلَى ولد الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله عَنْهُم، وهم ثَلَاثَة: جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن، وَعبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ، وَعمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن.
وَوجه بكتب إِلَيْهِم مَعَ رجل من مواليهم من سَاكِني الْكُوفَة.
فَبَدَأَ بِجَعْفَر بن مُحَمَّد، فَلَقِيَهُ لَيْلًا، فَأعلمهُ أَنه رَسُول أبي سَلمَة، وَأَن مَعَه كتابا إِلَيْهِ.
فَقَالَ: مَا أَنا وَأَبُو سَلمَة، وَهُوَ شيعَة لغيري؟ فَقَالَ لَهُ الرَّسُول: تقْرَأ الْكتاب، وتجيب عَنهُ بِمَا رَأَيْت.
فَقَالَ جَعْفَر لِخَادِمِهِ، قرب مني السراج، فقربه، فَوضع عَلَيْهِ كتاب أبي سَلمَة، فأحرقه.
فَقَالَ: أَلا تجيب عَنهُ؟
(4/275)

فَقَالَ: الْجَواب مَا رَأَيْت.
ثمَّ أَتَى عبد الله بن الْحسن، فَقبل كِتَابه، وَركب إِلَى جَعْفَر.
فَقَالَ جَعْفَر: مرْحَبًا بك أَبَا مُحَمَّد، لَو أعلمتني لجئتك.
فَقَالَ: إِنَّه أَمر يجل عَن الْوَصْف.
فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هَذَا كتاب أبي سَلمَة يدعوني فِيهِ إِلَى الْأَمر، ويراني أَحَق النَّاس بِهِ، وَقد جَاءَ بِهِ شِيعَتِنَا من خُرَاسَان.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: وَمَتى صَارُوا شيعتك؟ أَنْت وجهت أَبَا مُسلم إِلَى خُرَاسَان، وأمرته بِلبْس السوَاد؟ أتعرف أحدا مِنْهُم باسمه وَنسبه؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: كَيفَ يكونُونَ شيعتك، وَأَنت لَا تعرف أحدا مِنْهُم، وَلَا يعرفونك؟ فَقَالَ عبد الله: هَذَا الْكَلَام كَانَ مِنْك لشَيْء.
فَقَالَ جَعْفَر: قد علم الله تَعَالَى أَنِّي أوجب النصح على نَفسِي لكل مُسلم، فَكيف أدخره عَنْك، فَلَا تمنين نَفسك الأباطيل، فَإِن هَذِه الدولة ستتم لهَؤُلَاء الْقَوْم، وَمَا هِيَ لأحد من ولد أبي طَالب، وَقد جَاءَنِي مثل مَا جَاءَك.
فَانْصَرف غير رَاض بِمَا قَالَه لَهُ.
وَأما عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن، فَرد عَلَيْهِ الْكتاب، وَقَالَ: لَا أعرف من كتبه.
قَالَ: وَأَبْطَأ أَبُو سَلمَة على أبي الْعَبَّاس وَمن مَعَه، فَخرج أَصْحَابه يطوفون بِالْكُوفَةِ، فلقي حميد بن قَحْطَبَةَ، وَمُحَمّد بن صول أحد مواليهم، فعرفاه،
(4/276)

لِأَنَّهُ كَانَ يحمل إِلَيْهِم كتب مُحَمَّد بن عَليّ وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، فَسَأَلَاهُ عَن الْخَبَر، فأعلمهما أَن الْقَوْم قد قدمُوا، وَأَنَّهُمْ فِي سرداب يعرف ببني أود، فصارا إِلَى الْموضع، فسلما عَلَيْهِم.
وَقَالا: أيكما عبد الله؟ فَقَالَ الْمَنْصُور وَأَبُو الْعَبَّاس: كِلَانَا عبد الله.
فَقَالَ: أيكما ابْن الحارثية؟ فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أَنا.
فَقَالَا: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، ودنوا فَبَايعُوهُ.
وأحضروه إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع، فَصَعدَ على الْمِنْبَر، فحصر، وَتكلم عَنهُ عَمه دَاوُد بن عَليّ، وَقَامَ دونه بمرقاة.
(4/277)

أَمِير الْبَصْرَة العباسي يحمي أمويًا
أخبرنَا أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: أَخْبرنِي، طَارق بن الْمُبَارك عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَنِي رَسُول عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن عتبَة، فَقَالَ لي: يَقُول لَك عَمْرو: قد جَاءَت هَذِه الدولة وَأَنا حَدِيث السن، كثير الْعِيَال، منتشر الْأَمْوَال، فَمَا أكون فِي قَبيلَة إِلَّا وَشهر أَمْرِي، وَقد عزمت على أَن أفدي حرمي بنفسي، وَأَنا صائر إِلَى بَاب الْأَمِير سُلَيْمَان بن عَليّ، فصر إِلَيّ.
فوافيته، فَإِذا عَلَيْهِ طيلسان مطبق أَبيض، وَسَرَاويل وشي مشدود.
(4/278)

فَقلت: سُبْحَانَ الله، مَا تصنع الْحَادِثَة بِأَهْلِهَا، أَيهَا الْإِنْسَان تلقى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين تُرِيدُ لقاءهم وَعَلَيْك مثل هَذَا؟ قَالَ: وَالله، مَا ذهب عَليّ ذَلِك، وَلَكِن لَيْسَ عِنْدِي ثوب، إِلَّا وَهُوَ أشهر من هَذَا.
فأعطيته طيلساني، وَأخذت طيلسانه، ولويت سراويله إِلَى ركبته، فَدخل، ثمَّ خرج مَسْرُورا.
فَقلت: حَدثنِي بِمَا جرى بَيْنك وَبَين الْأَمِير.
قَالَ: دخلت إِلَيْهِ، وَلم يرني قطّ، فَقلت: أَيهَا الْأَمِير، لفظتني الْبِلَاد إِلَيْك، ودلني فضلك عَلَيْك، فإمَّا قبلتني غانمًا، وَإِمَّا رددتني سالما.
فَقَالَ: من أَنْت؟ فانتسبت إِلَيْهِ.
فَقَالَ: مرْحَبًا، أقعد فَتكلم، غانمًا مَسْرُورا، ثمَّ اقبل عَليّ، وَقَالَ: مَا حَاجَتك يَابْنَ أخي؟ فَقلت: إِن الْحرم اللواتي أَنْت أقرب النَّاس إلَيْهِنَّ، قد خفن بخوفنا، وَمن خَافَ خيف عَلَيْهِ.
فوَاللَّه مَا أجابني إِلَّا بدموعه تسيل على خديه، وَقَالَ: يَابْنَ أخي، يحقن الله دمك، ويحفظك فِي حَرمك، ويوفر عَلَيْك مَالك، وَالله، لَو أمكنني ذَلِك فِي جَمِيع أهلك لفَعَلت، وَلَكِن كن متواريًا كظاهر، وآمنًا كخائف، ولتأتني رقاعك.
قَالَ: وَكَانَ، وَالله، يكْتب إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يكْتب الرجل إِلَى ابْن عَمه.
(4/279)

قَالَ: فَلَمَّا فرغ من كَلَامه، رددت عَلَيْهِ طيلسانه، فَقَالَ: مهلا، إِن ثيابنا إِذا خرجت عَنَّا، لم تعد إِلَيْنَا.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر، بِإِسْنَاد لَيْسَ هُوَ لي، بِرِوَايَة عَن الْعُتْبِي، قَالَ: حَدثنَا طَارق بن الْمُبَارك الذِّرَاع الْبَصْرِيّ، وَلم يتجاوزه، قَالَ: قدم جدك عَمْرو بن مُعَاوِيَة الْبَصْرَة، حِين نكب بَنو أُميَّة، قَالَ: فَجعل لَا ينزل بحي، إِلَّا أجهزوه واشتهر.
فَقَالَ لي: أذهب بِنَا أَضَع يَدي فِي يَد هَذَا الرجل، يَعْنِي سُلَيْمَان بن عَليّ، وَذكر نَحوه.
وَقَالَ فِي آخِره: فَلَمَّا صَار عَمْرو إِلَى منزله، دفعت إِلَيْهِ ثَوْبه، وَطلبت ثوبي، فردهما عَليّ جَمِيعًا، وَقَالَ: إِنَّا لم نَأْخُذ ثَوْبك لنحبسه، وَلم نعطك ثوبنا لترده.
(4/280)

عبد الْملك بن مَرْوَان يُؤمن ابْن قيس الرقيات ويحرمه الْعَطاء
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، إجَازَة فِي كِتَابه: الأغاني الْكَبِير، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي، وَأَبُو عبد الله الحرمي بن أبي الْعَلَاء وَغَيرهمَا، قَالُوا: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْبَصِير الْبَرْبَرِي، مولى قيس بن عبد الله بن الزبير، عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ عبيد الله بن قيس الرقيات: خرجت مَعَ مُصعب بن الزبير، حِين بلغه خُرُوج عبد الْملك بن مَرْوَان، فَلَمَّا نزل مُصعب مسكن، وَتبين الْغدر مِمَّن مَعَه، دَعَاني، ودعا بِمَال، فَمَلَأ المناطق مِنْهُ، وألبسنيها.
وَقَالَ: امْضِ حَيْثُ شِئْت، فَإِنِّي مقتول.
فَقلت: لَا وَالله، لَا أروح حَتَّى آتِي سَبِيلك، فأقمت مَعَه حَتَّى قتل.
ومضيت إِلَى الْكُوفَة، فَأول بَيت دَخلته إِذا فِيهِ امْرَأَة مَعهَا بنتان كَأَنَّهُمَا
(4/281)

ظبيتان، فرقيت فِي دَرَجَة لَهَا إِلَى مستشرف، فَقَعَدت فِيهِ.
قَالَ: فأصعدت لي مَا أحتاج إِلَيْهِ من الطَّعَام، وَالشرَاب، والفرش، وَالْمَاء، وَالْوُضُوء.
فأقمت كَذَلِك عِنْدهَا أَكثر من حولن تقوم بِكُل مَا يصلحني، وتغدو عَليّ فِي كل صباح، فتسألني عَن حوائجي، فَمَا سَأَلتنِي من أَنا، وَلَا أَنا سَأَلتهَا من هِيَ؟ وَأَنا فِي أثْنَاء ذَلِك أسمع الصياح فِي، والجعل.
فَلَمَّا طَال بِي الْمقَام، وفقدت الصياح والجعل، وغرضت بمكاني، جَاءَت إِلَيّ فِي الصَّباح تَسْأَلنِي الْحَاجة، فأعلمتها أَنِّي قد غرضت بموضعي، وأحببت الشخوص إِلَى أَهلِي.
فَقَالَت لي: يَأْتِيك مَا تحْتَاج إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَالَ: فَلَمَّا أمسيت، وَضرب اللَّيْل برواقه، رقت إِلَيّ، وَقَالَت: إِن شِئْت فَنزلت، وَقد أعدت راحلتين، عَلَيْهِمَا جَمِيع مَا أحتاج إِلَيْهِ، ومعهما عبد، وأعطت العَبْد نَفَقَة الطَّرِيق، وَقَالَت: العَبْد والراحلتان لَك.
فركبت، وَركب معي العَبْد، حَتَّى أتيت مَكَّة، فدققت بَاب منزلي، فَقَالُوا: من أَنْت يَا هَذَا؟ فَقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات، فولولوا، وَبكوا، وَقَالُوا: لم يرْتَفع طَلَبك إِلَّا فِي هَذَا الْوَقْت.
فتوقفت عِنْدهم حَتَّى أسحرت، ونهضت، فَقدمت الْمَدِينَة، وَمَعِي العَبْد، فَجئْت إِلَى عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُم، وَهُوَ يعشي
(4/282)

أَصْحَابه، فَجَلَست مَعَهم، وَجعلت أتعاجم، وَأَقُول: بناريناواي طيار.
فَلَمَّا خرج أَصْحَابه، كشفت لَهُ عَن وَجْهي، فَقَالَ: ابْن قيس؟ فَقلت: عائذًا بك.
فَقَالَ: وَيحك، مَا أجدهم فِي طَلَبك، وأحرصهم على الظفر بك، وَلَكِنِّي أكتب إِلَى أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، وَهِي زَوْجَة الْوَلِيد بن عبد الْملك، وَعبد الْملك أرق شَيْء عَلَيْهَا.
فَكتب إِلَيْهَا يسْأَلهَا التشفع إِلَى عَمها عبد الْملك.
فَلَمَّا وَصلهَا الْكتاب، دخلت على عَمها، فَسَأَلَهَا: هَل من حَاجَة؟ قَالَت: نعم، لي حَاجَة.
فَقَالَ: قد قضيت كل حَاجَة لَك، إِلَّا ابْن قيس الرقيات.
فَقَالَت: لَا تستثنين عَليّ.
فَنفخ بِيَدِهِ، فَأصَاب حر وَجههَا، فَوضعت يَدهَا على خدها.
فَقَالَ لَهَا: ارفعي يدك، فقد قضيت كل حَاجَة لَك وَإِن كَانَت ابْن قيس الرقيات.
فَقَالَت: حَاجَتي أَن تؤمنه، فقد كتب إِلَيّ يسألني أَن أَسأَلك ذَلِك.
قَالَ: هُوَ آمن، فمريه يحضر الْمجْلس العشية.
فَحَضَرَ، وَحضر النَّاس، حِين بَلغهُمْ، مجْلِس عبد الْملك.
قَالَ: فَأخر الْإِذْن لِابْنِ قيس، وَأذن للنَّاس، فَدَخَلُوا، وَأخذُوا مجَالِسهمْ، ثمَّ أذن لَهُ.
فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ، قَالَ عبد الْملك: يَا أهل الشَّام أتعرفون من هَذَا؟ قَالُوا: لَا.
(4/283)

قَالَ: هَذَا ابْن قيس الرقيات، الَّذِي يَقُول:
كَيفَ نومي على الْفراش ولمّا ... تَشْمَل الشَّام غارةٌ شعواء
تذهل الشَّيْخ عَن بنيه وتبدي ... عَن خدام العقيلة الْعَذْرَاء
فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اسقنا دم هَذَا الْمُنَافِق.
قَالَ: الْآن، وَقد أمنته، وَصَارَ فِي منزلي وعَلى بساطي؟ قد أخرت الْإِذْن لَهُ لتقتلوه، فَلم تَفعلُوا.
فاستأذنه ابْن قيس، أَن ينشده مديحه، فَأذن لَهُ، فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
عَاد لَهُ من كَثِيرَة الطَّرب ... فعينه بالدموع تنسكب
كوفيّة نازح محلّتها ... لَا أُمَم دارها وَلَا صَعب
والله مَا إِن صبَّتْ إليّ وَلَا ... يعرف بيني وَبَينهَا نسب
إِلَّا الَّذِي أورثت كَثِيرَة فِي الْقلب ... وللحبّ { [ٌ عجب
حَتَّى قَالَ فِيهَا:
إنّ الأغرّ الَّذِي أَبوهُ أَبُو ... الْعَاصِ عَلَيْهِ الْوَقار والحجب
يعتدل التَّاج فَوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذَّهَب
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: يَابْنَ قيس، تمدحني بالتاج، كَأَنِّي من الْعَجم، وَتقول فِي مُصعب ابْن الزبير:
إنّما مصعبٌ شهابٌ من الله ... تجلّت عَن وَجهه الظلماء
ملكه ملك رأفةٍ لَيْسَ فِيهِ ... جبروت مِنْهُ وَلَا كبرياء
(4/284)

أما الْأمان فقد سبق لَك، وَلَكِن، وَالله، لَا تَأْخُذ مَعَ الْمُسلمين عَطاء أبدا.
وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، عَن حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه: أَن عبيد الله بن قيس الرقيات، مَنعه عبد الْملك بن مَرْوَان عطاءه من بَيت المَال، وَطَلَبه ليَقْتُلهُ، فَاسْتَجَارَ بِعَبْد الله بن جَعْفَر، وقصده، فالتقاه نَائِما.
وَكَانَ ابْن قيس صديقا لسائب خاثر، فَطلب الْإِذْن على ابْن جَعْفَر، فَتعذر، فجَاء بسائب خاثر ليستأذن لَهُ.
قَالَ سائب خاثر: فَجئْت من قبل رجْلي عبد الله بن جَعْفَر، ونبحت نباح الجرو الصَّغِير، فانتبه وَلم يفتح عَيْنَيْهِ، ورفسني بِرجلِهِ.
قَالَ: فَدرت إِلَى عِنْد رَأسه، ونبحت نباح الْكَلْب الْهَرم، فانتبه وَفتح عَيْنَيْهِ.
فَقَالَ: مَالك، وَيلك؟ فَقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات بِالْبَابِ.
فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذنت لَهُ، وَدخل، فَرَحَّبَ بِهِ عبد الله وقربه، فَعرفهُ ابْن قيس خَبره.
فَدَعَا بظبية فِيهَا دَنَانِير، وَقَالَ لي: عد لَهُ مَا فِيهَا.
فَجعلت أعد لَهُ، وأطرب، وَأحسن صوتي بجهدي، حَتَّى عددت لَهُ ثَلَاث مائَة دِينَار، وَسكت.
فَقَالَ عبد الله: لماذا سكت، وَيلك؟ مَا هَذَا وَقت قطع الصَّوْت الْحسن.
(4/285)

فَجعلت أعد مَا فِي الظبية، وفيهَا ثَمَان مائَة دِينَار، فَدَفعهَا إِلَيْهِ.
فَلَمَّا قبضهَا الْتفت إِلَى ابْن جَعْفَر، وَقَالَ لَهُ: تسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَمْرِي؟ قَالَ: نعم، إِذا دخلت عَلَيْهِ، ثمَّ إِنَّه دَعَا لَهُ بِطَعَام، فَأكل أكلا فَاحِشا، وَركب ابْن جَعْفَر، فَدخل مَعَه إِلَى عبد الْملك، فَلَمَّا قدم الطَّعَام جعل يسيء الْأكل.
فَقَالَ عبد الْملك، لِابْنِ جَعْفَر: من هَذَا؟ قَالَ هَذَا رجل لَا يجوز أَن يكون كَاذِبًا إِن اُسْتُبْقِيَ، وَإِن قتل كَانَ أكذب النَّاس.
قَالَ: كَيفَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَقُول:
مَا نقموا من بني أميّة إِلَّا ... أنّهم يحلمون إِن غضبوا
فَإِن قتلته بِغَضَبِك عَلَيْهِ أكذبكم فِيمَا مدحكم بِهِ.
قَالَ: فَهُوَ آمن، وَلَكِن لَا أعْطِيه عَطاء من بَيت المَال.
قَالَ: أحب أَن تهب لي عطاءه، كَمَا وهبت لي دَمه.
قَالَ: قد فعلت، وَأمر لَهُ بذلك.
(4/286)

هِشَام بن عبد الْملك وَحَمَّاد الراوية
عَن حَمَّاد الراوية، قَالَ: كَانَ انقطاعي إِلَى يزِيد بن عبد الْملك، جعل هِشَام يجفوني دون سَائِر أَهله من بني أُميَّة، فِي أَيَّام يزِيد.
فَلَمَّا مَاتَ يزِيد، وأفضت الْخلَافَة إِلَى هِشَام خفته، وَمَكَثت فِي بَيْتِي سنة، لَا أخرج إِلَّا إِلَى من أَثِق بِهِ من إخْوَانِي سرا.
فَلَمَّا لم أسمع أحدا يذكرنِي، أمنت، فَخرجت فَصليت الْجُمُعَة عِنْد بَاب الْفِيل، فَإِذا بشرطيين قد وَقفا عَليّ.
وَقَالا: يَا حَمَّاد أجب الْأَمِير يُوسُف بن عمر.
فَقلت فِي نَفسِي: من هَذَا كنت أحذر، ثمَّ قلت للشرطيين: هَل لَكمَا أَن تدعاني آتِي بَيْتِي، فأودع أَهلِي، وداع من لَا يرجع إِلَيْهِم أبدا، ثمَّ أصير مَعَكُمَا؟ فَقَالَا: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل.
فاستسلمت فِي أَيْدِيهِمَا، وصرت إِلَى الْأَمِير وَهُوَ فِي الإيوان الْأَحْمَر، فَسلمت عَلَيْهِ، فَرد عَليّ السَّلَام، وَرمى إِلَيّ كتابا فِيهِ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم،
(4/287)

من عبد الله هِشَام أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يُوسُف بن عمر، أما بعد، فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا، فَابْعَثْ إِلَى حَمَّاد الراوية من يَأْتِيك بِهِ من غير أَن يروع وَلَا يتعتع، وادفع إِلَيْهِ خمس مائَة دِينَار، وجملًا مهريًا، يسير عَلَيْهِ اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة إِلَى دمشق، فَأخذت الْخمس مائَة دِينَار، وَإِذا جمل مرحول، فَجعلت رجْلي فِي الغرز، وسرت اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة، حَتَّى دانيت دمشق.
وَنزلت على بَاب هِشَام، واستأذنت عَلَيْهِ، فَأذن لي، فَدخلت عَلَيْهِ فِي دَار قوراء، مفروشة بالرخام، وَبَين كل رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كَذَلِك، وَهِشَام جَالس على طنفسة حَمْرَاء، وَعَلِيهِ ثِيَاب خَز حمر، وَقد تضمخ بالمسك والعنبر، وَبَين يَدَيْهِ مسك مفتوت فِي أواني ذهب، يقلبه بِيَدِهِ، فتفوح رَائِحَته.
فَسلمت عَلَيْهِ، فَرد عَليّ، واستدناني، فدنوت مِنْهُ، حَتَّى قبلت رجله.
وَإِذا جاريتان لم أر مثلهمَا، فِي أذن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حلقتان فيهمَا لؤلؤتان تتوقدان.
قَالَ: أَتَدْرِي فيمَ بعثت إِلَيْك؟ قلت: لَا.
قَالَ: بعثت إِلَيْك بِسَبَب بَيت خطر فِي بالي، لم أدر من قَائِله.
قلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ:
ودعوا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينةٌ فِي يَمِينهَا إبريق
(4/288)

فَقلت: هَذَا يَقُوله عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ، فِي قصيدة لَهُ.
قَالَ: أنشدنيها، فَأَنْشَدته:
بكّر العاذلون فِي وضح الصُّبْح ... يَقُولُونَ لي أما تستفيق
ويلومون فِيك يَا ابْنة عبد الله ... وَالْقلب عنْدكُمْ موثوق
لست أَدْرِي إِذْ أَكْثرُوا العذل فِيهَا ... أعدوّ يلومني أم صديق
ودعوا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينةٌ فِي يَمِينهَا إبريق
قدّمته على عقار كعين ... الديك صفّى خلالها الراووق
قَالَ: فطرب، ثمَّ قَالَ: أَحْسَنت يَا حَمَّاد، وَالله، يَا جَارِيَة: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بِثلث عَقْلِي.
وَقَالَ: أعد.
فأعدته، فاستخفه الطَّرب حَتَّى نزل عَن فرَاشه، ثمَّ قَالَ لِلْجَارِيَةِ الْأُخْرَى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بِثلث عَقْلِي.
فَقلت: إِن سقيت الثَّالِثَة افتضحت.
ثمَّ قَالَ: سل حوائجك.
قلت: كائنة مَا كَانَت؟
(4/289)

قَالَ: نعم.
قلت: إِحْدَى الجاريتين.
قَالَ: هما لَك بِمَا عَلَيْهِمَا ومالهما.
ثمَّ قَالَ للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سَقَطت مِنْهَا وَلم أَعقل حَتَّى أَصبَحت، فَإِذا بالجاريتين عِنْد رَأْسِي، وَإِذا عشرَة من الخدم مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم بدرة.
وَقَالَ لي أحدهم: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول لَك: خُذ هَذَا فَانْتَفع بِهِ فِي سفرك.
فأخذتها، والجاريتين، وانصرفت.
(4/290)

أكل على مائدته فَأمْضى لَهُ الْأمان
عَن عبد الله بن عمرَان أبي فَرْوَة، قَالَ: كَانَ عبد الله بن الْحجَّاج الثَّعْلَبِيّ من أَشْرَاف قيس، وَكَانَ مَعَ ابْن الزبير، فَلَمَّا قتل، دخل عبد الله بِصفة أَعْرَابِي على عبد الْملك بن مَرْوَان لَيْلًا وَهُوَ يتعشى مَعَ النَّاس، فَجَلَسَ وَأكل مَعَهم، ثمَّ وثب فَقَالَ:
منع الْقَرار فَجئْت نَحْوك هَارِبا ... جيشٌ يجرّ ومقنبٌ يتلمّع
فَقَالَ: أَي الأخابيث أَنْت؟ فَقَالَ:
ارْحَمْ أصيبية هديت كأنّهم ... حجلٌ تدرّج بالسريّة جوّع
فَقَالَ: أجاع الله بطونهم، فَأَنت أجعتهم، فَقَالَ:
(4/291)

مالٌ لَهُم مِمَّا يضنّ جمعته ... يَوْم القليب فحيز عَنْهُم أجمع
فَقَالَ: كسب سوء خَبِيث، فَقَالَ:
وَلَقَد وطِئت بني سعيد وَطْأَة ... وَابْن الزبير فعرشه متضعضع
وَأرى الَّذين رجوا تراث محمّد ... أفلت نجومهم ونجمك يسطع
فَقَالَ: الْحَمد لله على ذَلِك، فَقَالَ:
أدنو لترحمني وَتقبل تَوْبَتِي ... وأراك تدفعني فَأَيْنَ المدفع
فَقَالَ: إِلَى النَّار، فَقَالَ:
ضَاقَتْ ثِيَاب الملبسين فأولني ... عرفا وألبسني فثوبك أوسع
قَالَ: فَرمى إِلَيْهِ بمطرف خَز كَانَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ عبد الله: أمنت وَالله.
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: كن من شِئْت إِلَّا عبد الله بن الْحجَّاج.
فَقَالَ: أَنا، وَالله، هُوَ، وَقد أمنتني، أكلت طَعَامك، ولبست ثِيَابك، فَأَي خوف عَليّ.
فَقَالَ: مَا هداك إِلَّا جدك، وأمضى لَهُ الْأمان.
(4/292)

الْفضل بن الرّبيع يتحدث عَمَّا لَاقَى أَيَّام استتاره من الْمَأْمُون
حَدثنِي عَليّ بن هِشَام أبي قِيرَاط الْكَاتِب، بواسط، فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاث مائَة، من لَفظه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ بن مقلة، قبل وزارته الأولى، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عِيسَى مُحَمَّد بن سعيد الديناري، عَن أبي أَيُّوب سُلَيْمَان بن وهب عَن أبي طالوت كَاتب ابْن طَاهِر، قَالَ: سَمِعت الْفضل بن الرّبيع، يَقُول: لما استترت من الْمَأْمُون، أخفيت نَفسِي حَتَّى عَن عيالي وَوَلَدي، وَكنت أنتقل وحدي.
فَلَمَّا اقْترب الْمَأْمُون من بَغْدَاد، ازْدَادَ حذري، وخوفي على نَفسِي، فتشددت فِي الِاحْتِيَاط والتواري، وأفضيت إِلَى منزل بزاز كنت أعرفهُ فِي درب بِبَاب الطاق، وشدد الْمَأْمُون فِي طلبي فَلم يعرف لي خَبرا.
فتذكرني يَوْمًا، فاغتاظ على إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وجد بِهِ فِي طلبي، فَأَغْلَظ لَهُ، فَخرج إِسْحَاق من حَضرته، وجد بأصحاب الشَّرْط، وأوقع ببعضهم المكاره، ونادى فِي الْجَانِبَيْنِ، من جَاءَ بِهِ فَلهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم وإقطاع غَلَّته
(4/293)

ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فِي السّنة، وَإِن من وجد بعد النداء ضرب خمس مائَة سَوط وهدمت دَاره وَأخذ مَاله وَحبس طول الدَّهْر، فَنُوديَ بذلك عشيًا.
فَمَا شَعرت، إِلَّا وَصَاحب الدَّار قد دخل عَليّ وَأَخْبرنِي الْخَبَر، وَقَالَ: وَالله، مَا أقدر بعد هَذَا على سترك، وَلَا آمن من زَوْجَتي، وجاريتي، وَغُلَامِي، وَأَن تشره نُفُوسهم إِلَى المَال، فيدلون عَلَيْك، وَأهْلك بهلاكك، وَإِن صفح الْخَلِيفَة عَنْك، لم آمن من أَن تتهمني بِأَنِّي دللت عَلَيْك، فَيكون ذَلِك أقبح وأشنع، وَلَيْسَ الرَّأْي لي وَلَك إِلَّا أَن تخرج عني.
فورد عَليّ ذَلِك أعظم مورد، وَقلت: إِذا جَاءَ اللَّيْل خرجت عَنْك.
قَالَ: وَمن يُطيق الصَّبْر على هَذَا الضَّرَر إِلَى اللَّيْل، فَإنَّك إِن وجدت عِنْدِي قبل اللَّيْل أهلكتني وأهلكت نَفسك، وَهَذَا وَقت حَار، وَقد طَال عهد النَّاس بك، فَقُمْ وتنكر واخرج.
فَقلت: كَيفَ أتنكر؟ فَقَالَ: تَأْخُذ أَكثر لحيتك، وتغطي رَأسك وَبَعض وَجهك، وتلبس قَمِيصًا ضيقا، وَتخرج.
فَقلت: أفعل.
فجَاء بمقراض فَأخذت أَكثر لحيتي، وتنكرت، وَخرجت من عِنْده فِي أول أَوْقَات الْعَصْر، وَأَنا ميت خوفًا.
فمشيت فِي الشَّارِع، حَتَّى بلغت الجسر، فَوَجَدته قد رش، وَهُوَ خَال من النَّاس، متزلق.
(4/294)

فَلَمَّا توسطته، إِذا أَنا بِفَارِس من الْجند الَّذين كَانُوا فِي دَاري فِي أَيَّام وزارتي، قد قرب مني، فعرفني، وَقَالَ: طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَعدل إِلَيّ ليقْبض عَليّ.
فلحلاوة النَّفس دَفعته ودابته، فزلق، وَوَقع فِي بعض السفن الَّتِي فِي الجسر، وتعادى النَّاس لخلاصه، وظنوا أَنه زلق بِنَفسِهِ.
وتشاغل عني بهم، وزدت أَنا فِي الْمَشْي، وَلم أعد لِئَلَّا يُنكر حَالي من يراني، إِلَى أَن عبرت الجسر وَدخلت درب سُلَيْمَان.
فَوجدت امْرَأَة على بَاب دَار مَفْتُوح، فَقلت لَهَا: يَا امْرَأَة، أَنا خَائِف من الْقَتْل، فأجيريني واحقني دمي.
فَقَالَت: ادخل، وأومأت إِلَى غرفَة، فصعدتها.
فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، إِذا بِالْبَابِ يدق، ففتحته، وَإِذا زَوجهَا قد دخل، فتأملته، فَإِذا هُوَ صَاحِبي على الجسر، وَهُوَ مشدود الرَّأْس يتأوه من شجة لحقته، وثيابه مغموسة بِالدَّمِ.
وَسَأَلته الْمَرْأَة عَن خَبره، فَأَخْبرهَا بالقصة، وَقَالَ لَهَا: قد زمنت دَابَّتي وأنفذتها لتباع فِي سوق اللَّحْم، وَقد فَاتَنِي الْغنى، وَجعل يَشْتمنِي، وَهُوَ لَا يعلم بوجودي مَعَه فِي الدَّار، وَأَقْبَلت الْمَرْأَة تترفق بِهِ إِلَى أَن هدأ.
فَلَمَّا صليت الْمغرب، وَأَقْبل الظلام، صعدت الْمَرْأَة إِلَيّ، وَقَالَت: أَظُنك صَاحب الْقِصَّة مَعَ هَذَا الرجل.
فَقلت: نعم.
(4/295)

فَقَالَت: قد سَمِعت مَا عِنْده، فَاتق الله فِي نَفسك واخرج، فدعوت لَهَا.
فَنزلت، ففتحت الْبَاب فتحا رَفِيقًا، وَقَالَت: اخْرُج، وَكَانَت الدرجَة فِي الدهليز، فأفضيت إِلَى الْبَاب، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى آخر الدَّرْب وجدت الحراس قد أغلقوه، فتحيرت.
ثمَّ رَأَيْت رجلا يفتح بَابا بمفتاح رومي، فَقلت: هَذَا رومي، وَهُوَ مِمَّن يقبل مثلي.
فدنوت مِنْهُ وَقلت: استرني، سترك الله.
فَقَالَ: ادخل، فَدخلت، فرأيته رجلا فَقِيرا وحيدًا، فأقمت لَيْلَتي عِنْده، وَبكر من غَد، وَعَاد نصف النَّهَار وَمَعَهُ حمالان يحمل أَحدهمَا حَصِيرا ومخدة، وجرار، وكيزان، وغضائر جددًا، وَقدرا جَدِيدا، وَيحمل الآخر خبْزًا وَفَاكِهَة، وَلَحْمًا، وثلجًا، فَدخل، وَترك ذَلِك كُله عِنْدِي، وأغلق الْبَاب.
فَنزلت، وعذلته، وَقلت لَهُ: لم كلفت نَفسك هَذَا؟ فَقَالَ: أَنا رجل مزين، وأخاف أَن تستقذرني، وَقد أفردت لَك هَذَا، فاطبخ أَنْت وأطعمني فِي غضارة أجيء بهَا من عِنْدِي، فشكرته على ذَلِك، وأقمت عِنْده ثَلَاثَة أَيَّام.
فَلَمَّا كَانَ آخر الْيَوْم الثَّالِث، ضَاقَ صَدْرِي، فَقلت لَهُ: يَا أخي الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَقد أَحْسَنت وأجملت، وَأُرِيد الْخُرُوج.
فَقَالَ: لَا تفعل، فَإِنِّي وحيد، وَلست مِمَّن يطْرق، وخبرك لَا يخرج من عِنْدِي أبدا، فأقم إِلَى أَن يفرج الله عَنْك، فلست أتثاقل بك.
فأبيت للحين، وَخرجت على وَجْهي أُرِيد منزل عَجُوز بِبَاب التِّبْن من
(4/296)

موالينا، فدققت الْبَاب عَلَيْهَا، فَخرجت، فَلَمَّا رأتني بَكت، وحمدت الله على رؤيتي، وأدخلتني الدَّار.
فَلَمَّا كَانَ فِي السحر، وَأَنا نَائِم، بكرت الْعَجُوز فغمزت عَليّ بعض أَصْحَاب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَمَا شَعرت إِلَّا بِإسْحَاق نَفسه، فِي خيله وَرجله، قد أحَاط بِالدَّار، ثمَّ كبسها واستخرجني مِنْهَا، حَتَّى أوقفني بَين يَدي الْمَأْمُون حافيًا حاسرًا.
فَلَمَّا رَآنِي سجد طَويلا ثمَّ رفع رَأسه، وَقَالَ: يَا فضل، أَتَدْرِي لم سجدت؟ فَقلت: نعم، شكرا لله تَعَالَى الَّذِي أظفرك بعدو دولتك، المغري بَيْنك وَبَين أَخِيك.
قَالَ: مَا أردْت هَذَا، وَلَكِنِّي سجدت شكرا لله على مَا ألهمنيه من الْعَفو عَنْك، فَحَدثني بخبرك؟ فشرحته لَهُ من أَوله إِلَى آخِره.
فَأمر بإحضار الْعَجُوز مولاتنا، وَكَانَت فِي الدَّار تنْتَظر الْجَائِزَة، فَقَالَ لَهَا: مَا حملك على مَا فعلت، مَعَ إنعامه وإنعام أَهله عَلَيْك؟ قَالَت: رَغْبَة فِي المَال.
قَالَ: هَل لَك زوج أَو ولد أَو أَخ؟ قَالَت: لَا، فَأمر بضربها مائَة سَوط، وتخليدها فِي السجْن.
ثمَّ قَالَ لإسحاق: أحضر السَّاعَة الجندي، وَامْرَأَته، والمزين، فَحَضَرُوا فِي مجْلِس وَاحِد، فاستثبتني فيهم، فعرفته أَنهم الْقَوْم بأعيانهم.
فَسَأَلَ الجندي عَن السَّبَب الَّذِي حمله على فعله، فَقَالَ: الرَّغْبَة فِي المَال،
(4/297)

وَوَاللَّه، إِنَّه الَّذِي أثبتني فِي الْجَيْش، وَلَكِنِّي رغبت فِي المَال العاجل.
فَقَالَ: أَنْت بِأَن تكون حجامًا أولى بِأَن تكون من أوليائنا، وَأمر بِأَن يسلم للمزينين فِي الدَّار، ويوكل بِهِ من يعسفه حَتَّى يتَعَلَّم الْحجامَة.
وَأمر باستخدام زَوجته قهرمانة فِي دور حرمه، وَقَالَ: هَذِه الْمَرْأَة عَاقِلَة أديبة.
وَأمر بِتَسْلِيم دَار الجندي وقماشه إِلَى المزين، وَأَن يَجْعَل رزقه لَهُ، وَيجْعَل جنديًا مَكَان ذَلِك الجندي، وأطلقني إِلَى دَاري.
فَرَجَعت إِلَيْهَا آخر النَّهَار، آمنا، مطمئنًا.
وَوجدت الْخَبَر بِخِلَاف هَذَا فِي كتاب الوزراء لِابْنِ عَبدُوس، فَإِنَّهُ ذكر: أَن الْفضل ابْن الرّبيع استتر، فطال استتاره، واستعجمت عَلَيْهِ الْأَخْبَار، فَغير زيه، وَخرج فِي السحر، وَكَانَ استتر بِنَاحِيَة الحربية من الْجَانِب الغربية.
فَمشى وَهُوَ لَا يدْرِي أَيْن يقْصد، لحيرته، وَبعد عَهده بالطرق، فأداه الْمَشْي إِلَى الجسر، وَقد أَسْفر الصُّبْح، فأيقن بالعطب، وَقصد منزلا لرجل كَانَت بَينه وَبَينه مَوَدَّة، بسويقة نصر.
فَلَمَّا صَار بِبَعْض المشارع، سمع النداء عَلَيْهِ، ببذل عشرَة آلَاف دِرْهَم، فتخفى حَتَّى جاوزه الركْبَان والمنادي، وَمَشى.
فَرَآهُ رجل، فانتبه لَهُ، وَقَالَ: يَا فضل، وَكَانَ فِي أحد جَانِبي الطَّرِيق الَّذِي الْفضل فِيهِ، فأمه إِلَى الْجَانِب الَّذِي كَانَ فِيهِ، ليقْبض عَلَيْهِ، فَاعْتَرَضتهُ
(4/298)

حمير وجمال عَلَيْهَا جص.
وَنظر الْفضل يَمِينا وَشمَالًا، فَلم يجد مذهبا، وبصر بدرب، فدخله، فَوَجَدَهُ لَا ينفذ، وَوجد فِي صَدره بَابا مَفْتُوحًا، فهجم على الْمنزل، وَفِيه امْرَأَة، فاستغاث بهَا، فَأَجَارَتْهُ، وبادرت إِلَى الْبَاب فأغلقته، وناشدها الله أَن تستره إِلَى اللَّيْل، فَأَمَرته بالصعود إِلَى غرفَة لَهَا، فَلم يسْتَقرّ بِهِ الْقعُود حَتَّى دق الْبَاب، فَلَمَّا فتح الْبَاب، دخل الرجل الَّذِي رَآهُ، وعزم على الْقَبْض عَلَيْهِ، وَإِذا الْمنزل لَهُ.
فَقَالَ لزوجته: فَاتَنِي السَّاعَة عشرَة آلَاف دِرْهَم.
قَالَت لَهُ: وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ لَهَا: مر بِي الْفضل، فمددت يَدي لأقبض عَلَيْهِ، فابتلعته الأَرْض.
فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: الْحَمد لله، عز وَجل، الَّذِي كَفاك أمره وَأبقى دينك عَلَيْك، وَلم تكن سَببا لسفك دَمه، أَو مَكْرُوه يلْحقهُ.
فَلَمَّا خرج، صعدت إِلَيْهِ، فَقَالَت: قد سَمِعت، وَمَا هَذَا الْمَكَان لَك بِموضع، فَخرج إِلَى بعض منَازِل معامليه، فَلَمَّا صَار إِلَيْهِ، نبه الْعَامِل عَلَيْهِ، وأسلمه إِلَى طالبيه، فَحمل إِلَى الْمَأْمُون، فَلَمَّا رَآهُ، وَسَأَلَهُ عَن خَبره، شرح لَهُ قصَّته، فَأمر للْمَرْأَة بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَقَالَ للرسول: قل لَهَا، يَقُول لَك الْفضل: هَذَا جَزَاء لَك على مَا فعلته من الْجَمِيل، فَردَّتهَا، وأبت قبُولهَا، وَقَالَت: لست آخذ على شَيْء فعلته لله عز وَجل، جَزَاء، إِلَّا مِنْهُ.
(4/299)

وَمَا قتل الْأَحْرَار كالعفو عَنْهُم
حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر بن شُجَاع، الْمُتَكَلّم الْبَغْدَادِيّ، الملقب بجنيد، قَالَ: حَدثنَا الْفضل بن ماهان السيرافي، وَكَانَ مَشْهُورا بسلوك أقاصي بِلَاد الْبَحْر، قَالَ؛ قَالَ لي رجل من بعض بياسرة الْهِنْد، والبيسر هُوَ الْمَوْلُود على مِلَّة الْإِسْلَام هُنَاكَ، قَالَ: كَانَ فِي أحد بِلَاد الْهِنْد ملك حسن السِّيرَة، وَكَانَ لَا يَأْخُذ وَلَا يُعْطي مُوَاجهَة، وَإِنَّمَا كَانَ يقلب يَده إِلَى وَرَاء ظَهره.
فَيَأْخُذ وَيُعْطِي بهَا، إعظامًا للْملك، وَهِي سنة لَهُم هُنَاكَ ولأولادهم.
وَإنَّهُ توفّي، فَوَثَبَ رجل من غير أهل المملكة، فاحتوى على ملكه، وهرب ابْن لَهُ كَانَ يصلح للْملك خوفًا على نَفسه من المتغلب.
ورسوم مُلُوك الْهِنْد، أَن الْملك إِذا قَامَ عَن مَجْلِسه، لأي حَاجَة عرضت لَهُ، كَانَت عَلَيْهِ صدرة، قد جمع فِيهَا كل نَفِيس وفاخر من اليواقيت والجواهر، مَضْرُوب فِي الإبريسم فِي الصدرة، وَيكون فِيهَا من الْجَوَاهِر مَا إِن لَو أَرَادَ أَن يُقيم بهَا ملكا أَقَامَهُ.
قَالَ: وَيَقُولُونَ: لَيْسَ بِملك من إِذا قَامَ عَن مَجْلِسه وَلَيْسَت مَعَه، حَتَّى إِذا حدثت عَلَيْهِ حَادِثَة وهرب بهَا أمكنه إِقَامَة ملك مِنْهَا.
فَلَمَّا حدثت على الْملك تِلْكَ الْحَادِثَة، أَخذ ابْنه صدرته وهرب بهَا.
فَحكى عَن نَفسه: أَنه مَشى ثَلَاثَة أَيَّام، قَالَ: وَلم أطْعم طَعَاما، وَلم تكن معي فضَّة وَلَا ذهب، فأبتاع بِهِ مَأْكُولا، وَلم أقدر على إِظْهَار مَا معي، وأنفت أَن أستطعم.
(4/300)

قَالَ: فَجَلَست على قَارِعَة الطَّرِيق، فَإِذا رجل هندي، مقبل وعَلى كتفه كارة، فحطها وَجلسَ حذائي.
فَقلت: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: الرستاق الْفُلَانِيّ.
قلت: وَأَنا الآخر كَذَلِك.
قَالَ؛ فنصطحب؟ قلت: نعم.
فصحبته طَمَعا فِي أَن يعرض عَليّ شَيْئا من مأكوله، فَلم يفعل، وَلم تطب نَفسِي أَن أبدأه بالسؤال.
فَلَمَّا فرغ قَامَ يمشي، فمشيت مَعَه، وَبت مَعَه، طَمَعا فِي أَن تحمله المؤانسة على الْعرض عَليّ، فَعمل بِاللَّيْلِ كَمَا عمل بِالنَّهَارِ.
قَالَ: وأصبحنا فِي غَد، فمشينا، فعاملني بِمثل ذَلِك أَرْبَعَة أَيَّام، فَصَارَ لي سَبْعَة أَيَّام لم أذق فِيهَا شَيْئا.
فَأَصْبَحت فِي الثَّامِن ضَعِيفا مهووسًا لَا قدرَة لي على الْمَشْي، فعدلت عَن الطَّرِيق، وَفَارَقت الرجل، فَرَأَيْت قوما يبنون، وقيمًا عَلَيْهِم، فَقلت للقيم: استعملني مثل هَؤُلَاءِ بِأُجْرَة تعطينيها عشيًا.
فَقَالَ: نعم، ناولهم الطين.
فَقلت: عجل لي أُجْرَة يَوْم، فَفعل، فابتعت بهَا مَا أَكلته.
وَقمت أناولهم الطين، فَكنت، لعادة الْملك، أقلب يَدي إِلَى ظَهْري وأعطيهم الطين، فَكَمَا أذكر أَن ذَلِك خطأ يُنَبه عَليّ ويسفك دمي، أبادر بتلافي ذَلِك،
(4/301)

فأرد يَدي بِسُرْعَة من قبل أَن يفطنوا بِي.
قَالَ: فلمحتني امْرَأَة قَائِمَة، فَأخْبرت سيدتها بخبري، وَكَانَت صَاحِبَة الْبناء، وَقَالَت: لَا بُد أَن يكون هَذَا من أَوْلَاد الْمُلُوك.
قَالَ: فَلَمَّا انْقَضى النَّهَار، وَانْصَرف الصناع، فَأَرَدْت الِانْصِرَاف مَعَهم.
تقدّمت إِلَى الْقيم أَن يحبسني عَن الْمُضِيّ مَعَ الصناع، فاحتبسني.
فجاءتني بالدهن وَالْعُرُوق لأغتسل بهما، وَهَذَا مُقَدّمَة إكرامهم، وَسنة لعظمائهم، فتغسلت بذلك، وجاءوني بالأرز وَالسمن وَالسكر، فطعمت، وَعرضت الْمَرْأَة عَليّ نَفسهَا بِالتَّزْوِيجِ، فأجبت، وعقدت العقد، وَدخلت بهَا من لَيْلَتي، وأقمت مَعهَا أَربع سِنِين، تُعْطِينِي من مَالهَا، وتنفق عَليّ، وَكَانَت لَهَا نعْمَة.
فَأَنا ذَات يَوْم جَالس على بَاب دارها، وَإِذا بِرَجُل من بلدي، فاستدعيته، فجَاء، فَقلت لَهُ: من أَيْن أَنْت؟ فَقَالَ: من بلد كَذَا وَكَذَا، فَذكر بلدي.
فَقلت: مَا جِئْت تصنع هَاهُنَا؟ قَالَ: كَانَ فِينَا ملك، حسن السِّيرَة، فَمَاتَ، فَوَثَبَ على ملكه رجل لَيْسَ من أهل المملكة، وَكَانَ للْملك الأول ابْن يصلح للْملك، فخاف على نَفسه فهرب، وَإِن الْملك المتغيب أَسَاءَ عشرَة الرّعية، فوثبنا عَلَيْهِ فقتلناه، وانتشرنا فِي الْبِلَاد نطلب ابْن الْملك المتوفي، لنجلسه مَكَان أَبِيه، فَمَا عرفنَا لَهُ خَبرا.
فَقلت: أتعرفني؟ قَالَ: لَا.
قلت: أَنا طلبتكم.
قَالَ: وأعطيته العلامات، فَعلم صِحَة مَا قلته لَهُ، فَكفر لي.
(4/302)

فَقلت: أكتم أمرنَا إِلَى أَن ندخل النَّاحِيَة.
قَالَ: أفعل.
فَدخلت إِلَى الْمَرْأَة، فأعلمتها بالْخبر، وحدثتها بأَمْري كُله، وأعطيتها الصدرة.
وَقلت: هَذِه قيمتهَا كَذَا وَكَذَا، وَمن حَالهَا كَذَا وَكَذَا، وَأَنا مَاض مَعَ الرجل، فَإِن كَانَ مَا ذكره صَحِيحا، فَإِن الْعَلامَة أَن يجيئك رَسُولي فيذكر الصدرة، فانهضي إِلَيّ، وَإِن كَانَت مكيدة كَانَت الصدرة لَك.
قَالَ: وَمضى مَعَ الرجل، فَكَانَ الْأَمر صَحِيحا، فأنفذ إِلَى زَوجته من حملهَا إِلَيْهِ، فَجَاءَت.
فحين اجْتمع شَمله، واستقام أمره، أَمر البنائين فبنوا لَهُ دَار ضِيَافَة عَظِيمَة، وَأمر أَن لَا يجوز فِي عمله مجتاز إِلَّا حمل إِلَيْهَا، فيضاف فِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام، ويزود لثَلَاثَة أَيَّام أخر، فَكَانَ يفعل ذَلِك، وَهُوَ يُرَاعِي الرجل الَّذِي صَحبه فِي سَفَره، وَيقدر أَن يَقع فِي يَده.
فَلَمَّا كَانَ بعد حول، استعرض النَّاس، وَكَانَ يستعرضهم فِي كل يَوْم، فَلَا يرى الرجل، فيصرفهم، فَلَمَّا كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم، رأى الرجل بَينهم.
فحين وَقعت عينه عَلَيْهِ، أعطَاهُ ورقة تنبول، وَهَذِه عَلامَة غَايَة الْإِكْرَام،
(4/303)

وَنِهَايَة رُتْبَة الإعظام، إِذا فعله الْملك بِإِنْسَان من رَعيته.
فحين فعل ذَلِك بِالرجلِ، كفر لَهُ، وَقبل الأَرْض، فَأمر الْملك بتغيير حَاله، وإحسان ضيافته.
ثمَّ استدعاه، فَقَالَ لَهُ: أتعرفني؟ فَقَالَ: كَيفَ لَا أعرف الْملك، وَهُوَ من عظم شَأْنه، وعلو سُلْطَانه، بِحَيْثُ هُوَ.
قَالَ: لم أرد هَذَا، أتعرفني قبل هَذَا الْحَال؟ قَالَ: لَا.
فَذكره الْملك بالقصة، وَمنعه إِيَّاه من الطَّعَام فِي السّفر.
قَالَ: فبهت الرجل.
فَقَالَ الْملك: ردُّوهُ إِلَى الدَّار، وزيدوا فِي إكرامه، وَحضر الطَّعَام فأطعم.
فَلَمَّا أَرَادَ النّوم، قَالَ الْملك لزوجته: اذهبي إِلَى هَذَا الرجل فاغمزيه.
قَالَ: فَجَاءَت الْمَرْأَة، فَلم تزل تغمزه إِلَى أَن نَام، فَجَاءَت إِلَى الْملك،
(4/304)

وَقَالَت: إِنَّه قد نَام.
قَالَ: لَيْسَ هَذَا نوم، حركوه، فحركوه، فَإِذا هُوَ ميت.
قَالَ: فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة: أَي شَيْء هَذَا؟ قَالَ: فساق لَهَا حَدِيثه مَعَه، وَقَالَ: وَقع فِي يَدي، فتناهيت فِي إكرامه، والهند لَهُم أكباد عَظِيمَة، وأفهام طريفة، فأدخلت عَلَيْهِ حسرة عَظِيمَة إِذْ لم يحسن إِلَيّ، فَقتلته، وَقد كنت أتوقع مَوته قبل هَذَا بِمَا توهمه واستشعره من الْعلَّة فِي نَفسه، لفرط الْحَسْرَة.
(4/305)

الْبَاب الثَّالِث عشر
فِيمَن نالته شدَّة فِي هَوَاهُ فكشفها الله عَنهُ وَملكه من يهواه
رأى الْقطع خيرا من فضيحة عاتق
حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن بكر البسطامي، غُلَام ابْن دُرَيْد وصهره، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن دُرَيْد، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن عُثْمَان العلى عَن أبي خَالِد عَن الْهَيْثَم بن عدي، قَالَ: كَانَ لعَمْرو بن دويرة السحيمي أَخ قد كلف بابنة عَم لَهُ كلفًا شَدِيدا، وَكَانَ أَبوهَا يكره ذَلِك ويأباه.
فَشَكَاهُ إِلَى خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، أَمِير الْعرَاق، أَنه يسيء جواره، فحبسه، ثمَّ سُئِلَ خَالِد فِي أَمر الْفَتى، فَأَطْلقهُ، فَبَقيَ الْفَتى كلفًا بابنة عَمه، وَهُوَ ناء عَنْهَا مُدَّة.
ثمَّ زَاد مَا فِي نَفسه، فَحَمله الْحبّ على أَن تسور الْجِدَار عَلَيْهَا، وَحصل مَعهَا.
(4/306)

فأحس بِهِ أَبوهَا، فَقبض عَلَيْهِ، وأتى بِهِ خَالِد بن عبد الله، وَادّعى عَلَيْهِ اللصوصية، وَأَتَاهُ بِجَمَاعَة شهدُوا على أَنهم وجدوه فِي بَيته لَيْلًا، قد دخل للتلصص.
فَسَأَلَ خَالِد الْفَتى، فاعترف أَنه دخل ليَسْرِق، وَمَا سرق شَيْئا، يدْفع بذلك الفضيحة عَن ابْنة عَمه، فَأَرَادَ خَالِد أَن يقطعهُ.
فَرفع عَمْرو أَخُوهُ إِلَى خَالِد رقْعَة فِيهَا:
أخالد قد والله أوطيت عشوة ... وَمَا العاشق الْمَظْلُوم فِينَا بسارق
أقرّ بِمَا لم يَأْته غير أنّه ... رأى الْقطع خيرا من فضيحة عاتق
وَمثل الَّذِي فِي قلبه حلّ قَلبهَا ... فمنّ لتجلو الهمّ عَن قلب عاشق
وَلَوْلَا الَّذِي قد خفت من قطع كفّه ... لألفيت فِي أمريهما غير نَاطِق
إِذا مدّت الغايات للسبق فِي العلى ... فَأَنت ابْن عبد الله أوّل سَابق
قَالَ: فَأرْسل خَالِد مولى لَهُ يسْأَل عَن الْخَبَر، ويفحص جلية الْأَمر، فَأَتَاهُ بِصَحِيح مَا قَالَه عَمْرو فِي شعره.
فأحضر أَبَا الْجَارِيَة، وَأمره بتزويجها من الْفَتى، فَامْتنعَ، وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ كُفْء لَهَا.
(4/307)

فَقَالَ لَهُ خَالِد: وَالله، إِنَّه لكفء لَهَا، إِذْ بذل يَده عَنْهَا، وَإِن لم تزَوجه طَائِعا لأزوجنه وَأَنت كَارِه.
فَزَوجهُ الْعم، وسَاق خَالِد الْمهْر من عِنْده، فَكَانَ يُسمى العاشق، إِلَى أَن مَاتَ.
وجدت فِي كتاب العمرين، لمُحَمد بن دَاوُد الْجراح الْكَاتِب، وَهُوَ رِسَالَة كتب بهَا إِلَى أبي أَحْمد يحيى بن عَليّ بن المنجم، فِيمَن يُسمى من الشُّعَرَاء: عمرا، فَقَالَ: عَمْرو بن دويرة البَجلِيّ، سحيمي، كُوفِي، أَخْبرنِي أَحْمد بن أبي عَلْقَمَة، عَن دعيل بن عَليّ، وَذكر أَبُو طَالب بن سوَادَة، عَن مُحَمَّد بن الْحسن الْجَعْفَرِي، عَن الْحسن بن يزِيد الْقرشِي، عَن أبي بكر الْوَالِبِي، قَالَ: كَانَ لعَمْرو بن دويرة، أَخ قد كلف بابنة عَم لَهُ. . وَذكر نَحوه، إِلَّا أَنه أَتَى فِي الشّعْر بِزِيَادَة بَيت، وَهُوَ بعد الْبَيْت الَّذِي أَوله:
أقرّ بِمَا لم يَأْته
:
وَمثل الَّذِي فِي قلبه حلّ قَلبهَا ... فَكُن أَنْت تجلو الْهم عَن قلب وامق
وأخبرنيه مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن الْقرشِي، قَالَ: أَخْبرنِي الحرمي بن أبي الْعَلَاء، عَن الزبير بن بكار، فَذكره مَعَ الْبَيْت الزِّيَادَة.
(4/308)

من مَكَارِم المقتدر
حَدثنِي أَبُو الْعَلَاء صاعد بن ثَابت بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن خداهي النَّصْرَانِي الْكَاتِب، الَّذِي كَانَ خَليفَة الوزراء، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن بن مَيْمُون الْأَفْطَس، الَّذِي كَانَ وَزِير المتقي، وَلما
(4/309)

دخل أَبُو عبد الله البريدي بَغْدَاد، مُتَقَلِّدًا الوزارة الثَّانِيَة للمتقي، قبض عَلَيْهِ وأحدره لِلْبَصْرَةِ.
فَلَمَّا وردهَا البريدي مُنْهَزِمًا، أطلقهُ، وَأحسن إِلَيْهِ، وَأَمرَنِي بإنزاله بِالْقربِ مني، وإيناسه بملازمتي، وأفتقاده بالدعوات، فَفعلت، فَكُنَّا متلازمين لَا نكاد نفترق.
وَوَجَدته أحلى النَّاس حَدِيثا، وَأَحْسَنهمْ أدبًا، وأعمهم فضلا، وَلم أر قطّ أَشد تغزلًا، وَلَا تهالكًا فِي الْعِشْق مِنْهُ.
فَحَدثني يَوْمًا، قَالَ: عشقت مغنية فِي القيان عشقًا شَدِيدا، فراسلت مولاتها فِي بيعهَا، فاستامت فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.
وَكنت أعرف من نَفسِي الْملَل، فَخَشِيت أَن أشتريها فأملها، فدافعت بذلك، وَمَضَت أَيَّام، وَكَانَت هِيَ تَأتي إِلَى عِنْدِي، وَكَانَ يمْضِي لي مَعهَا أطيب عَيْش.
فَانْصَرَفت من عِنْدِي يَوْمًا، وَكَانَ المقتدر بِاللَّه أَمر أَن تشترى لَهُ مغنيات، وَأَنا لَا أعلم، وَكَانَت الْجَارِيَة حَسَنَة الْوَجْه جَيِّدَة الْغناء، فَحملت إِلَى المقتدر فِي جملَة جوَار، فَأمر بشرائهن كُلهنَّ، فاشتريت فِي جملتهن.
وأنفذت من غَد أستدعيها من سيدتها، فَأخْبرت بالْخبر، فَقَامَتْ عَليّ الْقِيَامَة، وَدخل إِلَى قلبِي من الْأَلَم، والاحتراق، والقلق، أَمر مَا دخل مثله قطّ فِي قلبِي، فضلا عَن عشق.
وَزَاد الْأَمر عَليّ، حَتَّى انْتهى بِي إِلَى حد الوسواس، فامتنعت عَن النّظر فِي أَمر دَاري، وتشاغلت بالبكاء، وَلم يكن لي سَبِيل إِلَى العزاء.
(4/310)

وَكنت أكتب، حِينَئِذٍ، لأم المتقي لله، وَهُوَ حدث، فتأخرت عَنْهُم أَيَّامًا، وأخللت بأمرهما، وَأَنا متوفر تِلْكَ الْأَيَّام على الطّواف فِي الصَّحَارِي، لَا آكل، وَلَا أشْرب، وَلَا أتشاغل بِأَكْثَرَ من الْبكاء والهيمان.
فَأنْكر المتقي وَأمه تأخري، فاستدعاني المتقي، وخاطبني فِي شَيْء من أمره، فوجدني لَا أَعقل وَلَا أحصل مَا يَقُوله، وَلَا أفهمهُ.
فَسَأَلَنِي عَن سَبَب اختلالي، فصدقته، وبكيت بَين يَدَيْهِ، وَسَأَلته أَن يسْأَل أَبَاهُ بيع الْجَارِيَة عَليّ، أَو هبتها لي.
فَقَالَ: مَا أجسر على هَذَا.
قَالَ: وَزَاد عَليّ الْأَمر، وَبَطلَت.
وَبلغ أم المتقي الْخَبَر، فراسلتها أسألها مِثْلَمَا سَأَلت أبنها، فرثت لي، وحملت نَفسهَا على أَن خاطبت السيدة أم المقتدر فِي أَمْرِي.
فَقَالَت لَهَا أم المقتدر: مَا الْعجب من الرجل، فَإِن الَّذِي فِي قلبه من الْعِشْق قد أعماه عَن الرَّأْي بل الْعجب مِنْك، كَيفَ وَقع لَك أَنه يجوز أَن يَقُول أحد للخليفة: انْزِلْ عَن جاريتك لرجل يعشقها.
فراسلتني أم المتقي بِمَا جرى، فَزَاد مَا بِي من القلق.
وَكنت لَا ألْقى أحدا من الرؤساء فِي الدولة، كالوزير، وحاشية الْخَلِيفَة، إِلَّا وأقصدهم، وأبكي بَين أَيْديهم، وأحدثهم حَدِيثي، وأسألهم مَسْأَلَة الْخَلِيفَة فِي تَسْلِيم الْجَارِيَة إِلَيّ، إِمَّا بِبيع، أَو هبة.
فَمنهمْ من يُنكر عَليّ ويوبخني، وَمِنْهُم من يرثي لي ويعذرني، وَمِنْهُم من يُشِير عَليّ بالإمساك، وَمِنْهُم من يَقُول: إِذا علم الْخَلِيفَة هَذَا، وَأَنَّك تتعرض لحرمه، كَانَ فِي هَذَا إِتْلَاف نَفسك، وَأَنا ملازم أَبْوَابهم، وَتركت خدمَة صَاحِبي.
إِلَى أَن طَال عَليّ الْأَمر وعَلى المتقي وَأمه، لعدم ملازمتي الْبَاب وَوضعت
(4/311)

من محلي، وَبَطل أَمر دَاري وضيعتي، وَأُمُور صَاحِبي.
إِلَى أَن طَال هَذَا على المتقي وَأمه، فطلبا كَاتبا يصرفاني بِهِ.
وَبَلغنِي الْخَبَر، وَقد كنت أَيِست من الْجَارِيَة، فعذلت نَفسِي، وَقلت: لَيْسَ بعد هَذَا الصّرْف إِلَّا الْفقر والنكبة، وَذَهَاب الْخَيْر وَالنَّفس، وَلَو كنت اشْتريت هَذِه الْجَارِيَة، لَكُنْت الْآن قد مللتها، فَلم أفقر نَفسِي، وَلم أقطع تصرفي؟ وَأَقْبَلت أعظ نَفسِي، وأسليها لَيْلَتي كلهَا، إِلَى أَن طاوعتني على الصَّبْر.
وباكرت دَار المتقي، وبدأت فِي النّظر فِي أُمُوره، وَرَأَوا مني خلاف مَا تقدم، فسروا بذلك، وَقَالُوا: أَنْت أحب إِلَيْنَا من الْغَرِيب نستأنفه، فضمنت لَهُم الْمُلَازمَة وتمشية الْأُمُور.
فأقمت على ذَلِك مُدَّة، ثمَّ اشْتقت إِلَى الشّرْب، وَقد كنت فقدته وهجرته مُنْذُ فقدت الْجَارِيَة إِلَى ذَلِك الْيَوْم.
فَقلت للغلام: قُم، امْضِ، وَأصْلح لنا مَجْلِسا للشُّرْب، وادع أَصْحَابنَا أَعنِي أصدقائي الَّذين يعاشرونني، للرواح إِلَيّ، وَلَا تدع غناء، فَلَمَّا انْقَضى شغلي عدت إِلَى دَاري، وَاجْتمعَ أصدقائي، فصوبوا رَأْيِي، وَجَلَسْنَا نشرب، ونتحدث، وَنَلْعَب بالشطرنج.
فَقَالُوا: لَو دَعَوْت لنا مغنيًا.
فَقلت: أَخَاف أَن أذكر بِهِ أَمْرِي مَعَ الْجَارِيَة.
فجلسوا عِنْدِي إِلَى أَن صليت الْعشَاء الْآخِرَة، وَانْصَرفُوا، وَجَلَست وحدي أشْرب الْقدح بعد الْقدح إِلَى أَن مَضَت قِطْعَة من اللَّيْل، وَإِذا أَنا ببابي يدق دقًا عنيفًا.
(4/312)

فَقَالَ بوابي: من هَذَا؟ قَالُوا: خدم من دَار الْخَلِيفَة أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقُمْت، وَلم أَشك أَن حَدِيثي قد اتَّصل بِهِ فَأنكرهُ، وَقَالَ: مثل هَذَا لَا يصلح أَن يكون كَاتبا لحُرْمَة، وَلَا مُدبرا أَمر غُلَام حدث، وَقد أَمر بِالْقَبْضِ عَليّ.
فَقُمْت أَمْشِي لأخرج من بَاب آخر كَانَ لي، وأستتر، فَإِذا الخدم قد دخلُوا، وَمَعَهُمْ بغلة عَلَيْهَا عمارية، وشموع، وَإِذا قد أنزلوا من العمارية جاريتين، إِحْدَاهمَا عشيقتي، فبهت.
فَقَالَ لي أحد الخدم، وَهُوَ كالرئيس عَلَيْهِم: مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يُقْرِئك السَّلَام، وَيَقُول: عرفت خبرك مَعَ الْجَارِيَة فِي هَذِه السَّاعَة، فرحمتك، وَقد وهبتها لَك مَعَ جَمِيع مَالهَا، وَتركهَا الْخَادِم وَمضى.
وَدخلت مَعهَا عدَّة أحمال عَلَيْهَا الأثقال من صنوف الثِّيَاب، والفرش، والآلات، والقماش، وعدة جوَار، وَتركُوا ذَلِك عِنْدِي، وَانْصَرفُوا.
فَأخذت بيد معشوقتي، وأدخلتها الْمجْلس، فَلَمَّا رَأَتْ الشَّرَاب والمجلس معبأ، قَالَت: سلوت عني، وشربت بعدِي.
فَحَلَفت لَهَا أَنِّي مَا شربت نبيذًا مُنْذُ فارقتها إِلَّا فِي هَذَا الْيَوْم، وحدثتها حَدِيثي بِطُولِهِ.
وَقلت لَهَا: مَا السَّبَب فِي مجيئك؟ وَمَا جرى؟ فَقَالَ: اعْلَم أَن الْخَلِيفَة لم يرني، مُنْذُ اعترضني وَأمر بشرائي، إِلَّا اللَّيْلَة، وَكَانَ قد اتَّصل مزح السيدة معي، فَإِنَّهَا كَانَت استدعتني مُنْذُ مُدَّة، وَسَأَلتنِي عَن خبري مَعَك، فَأَخْبَرتهَا.
ثمَّ قَالَت: هَل تحبينه؟
(4/313)

فَقلت: نعم، حبا شَدِيدا.
فتعجبت من ذَلِك، وَقَالَت: ثقلنا عَلَيْك وعَلى محبوبك، وَلَكِن يكون الْخَيْر إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ووعدتني الْجَمِيل التَّام، والوعد الْحسن.
فَلَمَّا كَانَ هَذِه اللَّيْلَة، قعد الْخَلِيفَة يشرب مَعَ الْجَوَارِي والسيدة حَاضِرَة، فاستدعيت، وغنيت.
فَقَالَ لي الْخَلِيفَة: إِن كنت تحسنين الصَّوْت الْفُلَانِيّ، فغنيه، وَكَانَ صَوْتك عَليّ، فغنيته، وتمثلت لي صُورَتك، وَذكرت شربي مَعَك، فَلم أملك دموعي، حَتَّى جرت.
فَقَالَ المقتدر: مَا هَذَا؟ فتحيرت، وَجَزِعت، وَنظرت إِلَى السيدة، فَضَحكت، وَضحك الْجَوَارِي.
فَقَالَ المقتدر: مَا الْقِصَّة؟ فدافعته السيدة.
فَقَالَ: بحياتي أصدقيني.
فَقَالَت: على أَن لَا تؤذي الْجَارِيَة، وَلَا غَيرهَا.
فَقَالَ: نعم، وحياتك.
فَحَدَّثته الحَدِيث، فَلَمَّا اسْتَوْفَاهُ، قَالَ لي: يَا جَارِيَة، الْأَمر هَكَذَا؟ إِنَّمَا بَكَيْت من عشق ابْن مَيْمُون؟ فَسكت.
فَقَالَ: إِن صدقتني وَهبتك لَهُ.
فَقلت: نعم.
فَأقبل على أمه، فَقَالَ: مَا هُوَ بِكَثِير إِن وهبتها لخادم لنا.
فَقَالَت: قد، وَالله، أردْت أَن أَسأَلك هَذَا، وَلَكِن إِن تفضلت بِهِ ابْتِدَاء مِنْك، كَانَ أحسن.
فَقَالَ لبَعض الخدم: خُذ هَذِه الْجَارِيَة، وَجَمِيع مَا كَانَ سلم إِلَيْهَا فِي حُجْرَتهَا من جوَار، وقماش، واحمله إِلَى دَار ابْن مَيْمُون، كَاتب ابْني إِبْرَاهِيم،
(4/314)

وَأقرهُ سلامي، وعرفه أَنِّي قد وهبت ذَلِك كُله لَهُ.
فَلَمَّا قُمْت، تصايحوا: قد جَاءَ فرجك، وَبَلغت مناك، فَقُمْت إِلَى حُجْرَتي، وجمعت مَا ترى، وَحَمَلته إِلَيْك.
قَالَ: فَشَكَرت الله عز وَجل على ذَلِك، وَجَلَست مَعهَا، وَمَا شيل مَا فِي مجلسي، حَتَّى اجْتَمَعنَا، وَجَلَست مَعهَا فِيهِ، وغنت.
وبكرت من غَد نشيطًا، مَسْرُورا، أشكر السيدة، وَأم المتقي، وأدعو لَهما، وأقامت الْجَارِيَة عِنْدِي، إِلَى أَن مَاتَت.
(4/315)

فَارق جَارِيَته ثمَّ أجتمع شملهما
حَدثنِي عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن الصروي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كَانَ بِبَغْدَاد رجل من أَوْلَاد النعم، ورث من أَبِيه مَالا جَلِيلًا، وَكَانَ يتعشق جَارِيَة، وَأنْفق عَلَيْهَا شَيْئا كثيرا، ثمَّ اشْتَرَاهَا، وَكَانَت تحبه ويحبها، فَلم يزل ينْفق مَاله عَلَيْهَا إِلَى أَن أفلس.
فَقَالَت لَهُ الْجَارِيَة: يَا هَذَا، قد بَقينَا كَمَا ترى، فَلَو طلبت معاشًا نقتات مِنْهُ.
قَالَ: فَلم يجد لَهُ صناعَة غير الْغناء، إِذْ كَانَ الْفَتى من محبته لِلْجَارِيَةِ، وإحضاره المغاني إِلَيْهَا، ليزيدوها فِي صنعتها، قد تعلم الضَّرْب والغناء، وَخرج صَالحا فِي طبقَة الْغناء والحذق فِيهِ.
فَشَاور بعض معارفه، فَقَالَ: مَا أعرف لَك معاشًا أصلح من أَن تغني للنَّاس، وَتحمل جاريتك إِلَيْهِم فتأخذ على هَذَا الْكثير، ويطيب عيشك.
فَأَنف من ذَلِك، وَعَاد إِلَيْهَا، فَأَخْبرهَا بِمَا أُشير عَلَيْهِ بِهِ، وأعلمها أَن الْمَوْت أشهى عِنْده من هَذَا، فَصَبَرت مَعَه على الشدَّة مُدَّة.
ثمَّ قَالَت: قد رَأَيْت لَك رَأيا.
فَقَالَ: قولي.
قَالَت: تبيعني، فَإِنَّهُ يحصل لَك من ثمني مَا تعيش بِهِ عَيْشًا صَالحا، وتخلص من هَذِه الشدَّة، وأحصل أَنا فِي نعْمَة، فَإِن مثلي لَا يَشْتَرِيهَا إِلَّا ذُو نعْمَة.
فحملها إِلَى سوق النخاسين، فَكَانَ أول من اعترضها فَتى هاشمي من أهل الْبَصْرَة، ظريف، قد ورد بَغْدَاد للعب والتمتع، فاشتراها بِأَلف
(4/316)

وَخمْس مائَة دِينَار عينا.
قَالَ الرجل: فحين لفظت بِالْبيعِ، وقبضت الثّمن، نَدِمت، واندفعت فِي بكاء عَظِيم، وحصلت الْجَارِيَة فِي أقبح من صُورَتي، وجهدت فِي الْإِقَالَة، فَلم يكن إِلَى ذَلِك سَبِيل.
فَأخذت الدَّنَانِير فِي الْكيس، وَأَنا لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن أذهب، لِأَن بَيْتِي موحش مِنْهَا، وَورد عَليّ من اللَّطْم والبكاء مَا هوسني.
فَدخلت مَسْجِدا، وَجَلَست فِيهِ أبْكِي، وأفكر فِيمَا أعمل، فحملتني عَيْني، فَتركت الْكيس تَحت رَأْسِي كالمخدة، ونمت.
فَمَا شَعرت إِلَّا بِإِنْسَان قد جذبه من تَحت رَأْسِي فانتبهت فَزعًا، فَإِذا بِإِنْسَان قد أَخذ الْكيس، وَمر يعدو، فَقُمْت لعدو وَرَاءه، فَإِذا رجْلي مشدودة بخيط فِي وتد مَضْرُوب فِي آخر الْمَسْجِد، فَإلَى أَن تخلصت من ذَلِك، غَابَ الرجل عَن عَيْني.
فَبَكَيْت، ولطمت، ونالني أَمر أَشد من الأول، وَقلت: قد فَارَقت من أحب، وبعته، لأستغني بِثمنِهِ عَن الصَّدَقَة، فقد صرت الْآن فَقِيرا، مفارقًا لمن أحب.
فَجئْت إِلَى دجلة، ولففت وَجْهي برداء كَانَ على راسي، وَلم أكن أحسن أسبح، ورميت بنفسي فِي المَاء لأغرق.
فَظن الْحَاضِرُونَ أَن ذَلِك لغلط وَقع عَليّ، فَطرح قوم نُفُوسهم خَلْفي، فأخذوني، وسألوني عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرتهمْ، وَبقيت مِنْهُم بَين رَاحِم ومستجهل.
إِلَى أَن خلا بِي شيخ مِنْهُم، فَأخذ يعظني، وَيَقُول: يَا هَذَا، ذهب مَالك، فَكَانَ مَاذَا حَتَّى تتْلف نَفسك، أَو مَا علمت أَن فَاعل هَذَا فِي نَار جَهَنَّم، وَلست أول من افْتقر بعد غنى، فَلَا تفعل وثق بِاللَّه تَعَالَى.
ثمَّ قَالَ لي: أَيْن مَنْزِلك؟
(4/317)

فَقلت: فِي الْموضع الْفُلَانِيّ.
فَقَالَ: قُم معي إِلَيْهِ، وَمَا فارقني حَتَّى حَملَنِي إِلَى منزلي، وَمَا زَالَ يؤنسني، ويعظني، إِلَى أَن بَان لَهُ السّكُون فِي، فشكرته.
وَانْصَرف، فكدت أَن أقتل نَفسِي لوحشة منزلي عَليّ، ثمَّ ذكرت النَّار وَالْآخِرَة، فَخرجت من بَيْتِي هَارِبا، إِلَى بعض أصدقائي القدماء فِي حَال سعادتي، فَأَخْبَرته خبري، فَبكى رقة لي، وَأَعْطَانِي خمسين درهما.
وَقَالَ: اقبل رَأْيِي، واخرج السَّاعَة من بَغْدَاد، وَاجعَل هَذِه نَفَقَة لَك إِلَى حَيْثُ وجدت قَلْبك يساعدك إِلَى قَصده، وَأَنت من أَوْلَاد الْكتاب، وخطك جيد، وأدبك صَالح، فاقصد بعض الْعمَّال، وأطرح نَفسك عَلَيْهِ، فَأَقل مَا فِي الْأَمر أَن تصير محررًا بَين يَدَيْهِ، وتعيش مَعَه، وَلَعَلَّ الله أَن يصنع لَك صنعا.
فَعمِلت على هَذَا، وَجئْت إِلَى الكتبيين، وَقد قوي فِي نَفسِي أَن أقصد وَاسِط، وَكَانَ لي فِيهَا أقَارِب، فأجعلهم ذَرِيعَة لي إِلَى التَّصَرُّف مَعَ بعض عمالها.
فحين جِئْت إِلَى الكتبيين، إِذا بزلال مقدم، وخزانة كَبِيرَة، وقماش كثير ينْقل إِلَى الزلَال، وَإِلَى الخزانة.
فَسَأَلت: من يحملني إِلَى وَاسِط؟ فَقَالَ أحد ملاحي الزلَال: نَحن نحملك بِدِرْهَمَيْنِ إِلَى وَاسِط، وَلَكِن هَذَا
(4/318)

الزلَال لرجل هاشمي من أهل الْبَصْرَة، وَلَا يمكنا من حملك مَعَه على هَذِه الصُّورَة، وَلَكِن تلبس ثِيَاب الملاحين، وتجلس مَعنا كَأَنَّك وَاحِد منا.
فحين رَأَيْت الزلَال، وَسمعت أَنه لرجل هاشمي، من أهل الْبَصْرَة، طمعت أَن يكون مُشْتَرِي جاريتي، فأتفرج بسماعها إِلَى وَاسِط.
فَدفعت الدرهمين إِلَى الملاح، وعدت فاشتريت لي جُبَّة من جباب الملاحين فلبستها، وبعت تِلْكَ الثِّيَاب الَّتِي كَانَت عَليّ، وأضفتها إِلَى مَا معي من النَّفَقَة، واشتريت خبْزًا وإدامًا، وَجَلَست فِي الزلَال.
فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى رَأَيْت جاريتي بِعَينهَا، وَمَعَهَا جاريتان تخدمانها، فحين رَأَيْتهَا سهل عَليّ مَا كَانَ بِي، وَمَا أَنا عَلَيْهِ.
وَقلت: أسمع غناءها، وأراها، من هَاهُنَا إِلَى الْبَصْرَة، واعتمدت على أَن أجعَل قصدي إِلَى الْبَصْرَة، وطمعت فِي أَن أداخل مَوْلَاهَا، فأصير أحد ندمائه.
وَقلت: وَلَا تخليني هِيَ من الْموَاد، فَإِنِّي واثق بهَا.
وَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَ الْفَتى الَّذِي اشْتَرَاهَا رَاكِبًا، وَمَعَهُ عدَّة ركبان، فنزلوا فِي الزلَال وانحدروا.
فَلَمَّا صَارُوا بكلواذى، أخرج الطَّعَام، فَأكل هُوَ وَالْجَارِيَة، وَأكل الْبَاقُونَ على سطح الزلَال، وأطعموا الملاحين.
ثمَّ أقبل على الْجَارِيَة، فَقَالَ لَهَا: إِلَى كم هَذِه المدافعة عَن الْغناء، وَهَذَا الْحزن والبكاء، مَا أَنْت أول من فَارق مَوْلَاهُ، فَعلمت مَا عِنْدهَا من أَمْرِي.
ثمَّ ضربت ستارة فِي جَانب الزلَال، واستدعى الَّذين فِي سطحه، وَجلسَ مَعَهم خَارج الستارة، فَسَأَلت عَنْهُم، فَإِذا هم إخْوَته، وأخرجوا الصواني، ففرقوها عَلَيْهِم، وأحضروا النَّبِيذ.
وَمَا زَالُوا يترفقون بالجارية، إِلَى أَن استدعت الْعود، فأصلحته، وجست
(4/319)

أوتاره، ثمَّ اندفعت تغني، من الثقيل الأول بِإِطْلَاق الْوتر فِي مجْرى الْوُسْطَى
بَان الخليط بِمن عرفت فأدلجوا ... عمدا لقتلك ثمَّ لم يتحرّجوا
وغدت كأنّ على ترائب نحرها ... جمر الغضا فِي ساجة يتأجّج
قَالَ: ثمَّ غلبها الْبكاء، وَقطعت الْغناء، وتنغص على الْفتية سرورهم.
وَوَقعت أَنا مغشيًا عَليّ، فَظن الْقَوْم أَنِّي قد صرعت، فَأذن بَعضهم فِي أُذُنِي، وصب عَليّ المَاء، فَأَفَقْت بعد سَاعَة.
وَمَا زَالُوا يداورونها، ويرفقون بهَا، ويسألونها الْغناء، إِلَى أَن أصلحت الْعود، واندفعت تغني فِي الثقيل التاني:
فوقفت أنسب بالذين تحملّوا ... وكأنّ قلبِي بالشفار يقطّع
فَدخلت دَارهم أسائل عَنْهُم ... وَالدَّار خَالِيَة الْمنَازل بلقع
(4/320)

ثمَّ شهقت فَكَادَتْ تتْلف، وارتفع لَهَا بكاء عَظِيم، وصعقت أَنا، فتبرم بِي الملاحون، وَقَالُوا: كَيفَ حملنَا هَذَا الْمَجْنُون مَعنا.
فَقَالَ بَعضهم: إِذا بَلغْتُمْ بعض الْقرى فأخرجوه وأريحونا مِنْهُ.
فَجَاءَنِي أَمر عَظِيم، أعظم من كل شَيْء دفعت إِلَيْهِ، وَوضعت فِي نَفسِي التصبر، وَالْحِيلَة فِي أَن أعلمها بمكاني من الزلَال، لتمنع من إخراجي.
وبلغنا إِلَى قرب الْمَدَائِن، فَقَالَ صَاحب الزلَال: اصعدوا بِنَا إِلَى الشط، فطرحوا إِلَى الشط، وَخرج الْجَمَاعَة، وَقد كَانَ الْمسَاء قد قرب، وَصعد أَكثر الملاحين يَتَغَوَّطُونَ، فَخَلا الزلَال، وَكَانَ الْجَوَارِي فِيمَن صعد إِلَى مستراح ضرب لَهُنَّ.
فمضيت سَارِقا نَفسِي حَتَّى صرت خلف الستارة، فغيرت طَريقَة الْعود عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ، إِلَى طَريقَة أُخْرَى، وَرجعت إِلَى موضعي من الزلَال.
وَفرغ الْقَوْم من حاجاتهم فِي الشط، ودافعوا وَالْقَمَر منبسط.
فَقَالُوا لَهَا: بِاللَّه يَا ستي غنينا شَيْئا، وَلَا تنغصي علينا عيشنا.
فَأخذت الْعود فجسته، فشهقت شهقة كَادَت تتْلف، وَقَالَت: وَالله، قد أصلح هَذَا الْعود مولَايَ، على طَريقَة من الضَّرْب كَانَ بهَا معجبًا، وَكَانَ يضْربهَا معي، وَوَاللَّه إِنَّه مَعنا فِي الزلَال.
فَقَالَ لَهَا صَاحبهَا: وَالله، لَو كَانَ مَعنا مَا امتنعنا من عشرته، فَلَعَلَّهُ أَن يخف بعض مَا بك، فننتفع بغنائك.
فَقَالَت: مَا أَدْرِي مَا تَقولُونَ، هُوَ، وَالله، مَعنا.
(4/321)

فَقَالَ الرجل للملاحين: وَيحكم، حملتم مَعنا إنْسَانا غَرِيبا؟ فَقَالُوا: لَا.
فَأَشْفَقت أَن يَنْقَطِع السُّؤَال، فَصحت: نعم، هوذا أَنا.
فَقَالَت: كَلَام مولَايَ، وَالله، وَجَاء بِي الغلمان إِلَى الرجل.
فَلَمَّا رَآنِي عرفني، وَقَالَ: وَيحك، مَا هَذَا الَّذِي أَصَابَك؟ وَمَا أداك إِلَى هَذِه الْحَال؟ فصدقته عَن أَمْرِي، وبكيت، وَعلا نحيب الْجَارِيَة من خلف الستارة، وبكا هُوَ وَإِخْوَته بكاء شَدِيدا، رقة لنا.
ثمَّ قَالَ: يَا هَذَا، وَالله، مَا وطِئت هَذِه الْجَارِيَة، وَلَا سَمِعت مِنْهَا غناء قبل هَذَا الْيَوْم، وَأَنا رجل موسع عَليّ وَالْحَمْد لله، وقدمت إِلَى بَغْدَاد لسَمَاع الْغناء، وَطلب أرزاقي من الْخَلِيفَة، وَقد بلغت من الْأَمريْنِ مَا أردْت.
فَلَمَّا عولت على الرُّجُوع إِلَى وطني، أَحْبَبْت أَن أستصحب معي مغنية من بَغْدَاد، فاشتريت هَذِه الْجَارِيَة، لأضمها إِلَى عدَّة مغنيات عِنْدِي بِالْبَصْرَةِ.
وَإِذ كنتما على هَذِه الْحَالة، فَأَنا، وَالله، أغتنم المكرمة وَالثَّوَاب فيكما، وَأشْهد الله تَعَالَى على أَنِّي إِذا صرت إِلَى الْبَصْرَة أعْتقهَا وأزوجك إِيَّاهَا، وَأجْرِي عَلَيْكُمَا مَا يكفيكما، على شريطة إِن أجبتني إِلَيْهَا.
قلت: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَن تحضرها عِنْدِي مَتى أردنَا الْغناء، تغني بحضورك وتنصرف بانصرافك إِلَى دَار أفرغها لَكمَا، وقماش أعطيكما إِيَّاه.
قلت: يَا سَيِّدي، وَكَيف أمنع من هُوَ الْمُعْطِي، وأبخل على من يرد حَياتِي عَليّ، بِهَذَا الْمِقْدَار، وَأخذت أقبل يَده، فَمَنَعَنِي.
ثمَّ أَدخل رَأسه إِلَى الْجَارِيَة، وَقَالَ: يرضيك هَذَا؟ فَأخذت تَدْعُو لَهُ، وتشكره.
فاستدعى غُلَاما لَهُ، وَقَالَ لَهُ: خُذ بيد هَذَا الرجل، وَغير ثِيَابه، وبخره،
(4/322)

وَقدم لَهُ مَا يَأْكُلهُ، وَجِئْنَا بِهِ، فأخذني الْغُلَام، وَفعل بِي ذَلِك، وعدت، فَتركت بَين يَدي صينية.
فاندفعت الْجَارِيَة تغني بنشاط، واستدعت النَّبِيذ، وشربت، وشربنا، وَأخذت أقترح عَلَيْهَا الْأَصْوَات الْجِيَاد، فتضاعف سرُور الرجل بهَا.
وَمَا زلنا على ذَلِك أَيَّامًا، حَتَّى وصلنا نهر معقل، وَنحن سكارى، فَشد الزلَال فِي الشط.
وأخذتني بولة المَاء فِي اللَّيْل، فَصَعدت على ضفة نهر معقل لأبول، فَحَمَلَنِي السكر على النّوم.
وَدفع الزلَال وَأَنا لَا أعلم، وَأَصْبحُوا فَلم يجدوني، ودخلوا الْبَصْرَة، وَلم أنتبه أَنا إِلَّا بحمي الشَّمْس، فَجئْت إِلَى الشط، فَلم أر لَهُم عينا وَلَا أثرا.
وَكنت قد أجللت الرجل أَن أسأله بِمن يعرف؟ وَأَيْنَ دَاره من الْبَصْرَة؟ واحتشمت غلمانه أَن أسألهم، فَبَقيت على شاطئ نهر معقل، كأول يَوْم بدأت بِي المحنة، وَكَأن مَا كنت فِيهِ مَنَام.
فاجتازت بِي سمارية، فَقَعَدت فِيهَا، وَدخلت إِلَى الْبَصْرَة، وَمَا كنت دَخَلتهَا قطّ، فَنزلت خَانا، وَبقيت متحيرًا، لَا أَدْرِي مَا أعمل، وَلم يتَوَجَّه لي معاش.
إِلَى أَن اجتاز بِي إِنْسَان أعرفهُ، فتبعته لأكشف لَهُ حَالي، ثمَّ أنفت من ذَلِك، وَدخل الرجل إِلَى منزله، فعرفته، وَجئْت إِلَى بقال كَانَ على بَاب الخان الَّذِي نزلته، فأعطيته دانقًا، وَأخذت مِنْهُ ورقة، وَجَلَست أكتب رقْعَة إِلَى الرجل.
(4/323)

فَاسْتحْسن الْبَقَّال خطي، وَرَأى رثاثة زيي، فَسَأَلَنِي عَن أَمْرِي، فَأَخْبَرته أَنِّي رجل ممتحن فَقير، قد تعذر عَليّ التَّصَرُّف، وَمَا بَقِي معي شَيْء، وَلم أشرح لَهُ أَكثر من هَذَا.
فَقَالَ لي: تعْمل معي كل يَوْم بِنصْف دِرْهَم، وطعامك وكسوتك عَليّ، وتضبط حِسَاب دكاني؟ فَقلت: نعم.
فَقَالَ: اصْعَدْ.
فخرقت الرقعة، وصعدت، فَجَلَست مَعَه، أدبر أمره، وضبطت دخله وخرجه، وَكَانَ غلمانه يسرقونه، فأديت لَهُ الْأَمَانَة.
فَلَمَّا كَانَ بعد شهر، رأى الرجل دخله زَائِدا، وخرجه نَاقِصا، فحمدني.
وَبقيت مَعَه كَذَلِك شهرا آخر، ثمَّ جعل رِزْقِي فِي كل يَوْم درهما.
وَلم يزل حَالي مَعَه يقوى، إِلَى أَن حَال الْحول، وَقد بَان لَهُ الصّلاح فِي أمره، فدعاني إِلَى أَن أَتزوّج بابنته، ويشاركني، فَفعلت.
وَدخلت بِزَوْجَتِي، ولزمت الدّكان، وحالي يقوى، إِلَّا أنني فِي خلال ذَلِك، منكسر النَّفس، ميت النشاط، ظَاهر الْحزن.
وَكَانَ الْبَقَّال رُبمَا شرب، فيجرني إِلَى مساعدته، فأمتنع، وَأظْهر لَهُ أَن ذَلِك بِسَبَب حزني على موتى لي.
واستمرت بِي الْحَال على هَذَا سنتَيْن وَأكْثر.
فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام، رَأَيْت النَّاس يجتازون بفاكهة، وَلحم، ونبيذ، اجتيازًا مُتَّصِلا، فَسَأَلت عَن ذَلِك؟
(4/324)

فَقيل لي: الْيَوْم الشعانين، يخرج فِيهِ أهل الظّرْف واللعب، بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، والقيان إِلَى الأبلة، فيرون النَّصَارَى، وَيَشْرَبُونَ، ويفرحون.
فدعتني نَفسِي إِلَى التفرج، وَقلت: لعَلي أصل إِلَى أَصْحَابِي، أَو أَقف لَهُم على خبر، فَإِن هَذَا من مظانهم.
فَقلت لحمي: أُرِيد أَن أنظر إِلَى هَذَا المنظر.
فَقَالَ: شَأْنك وَمَا تُرِيدُ، فَأصْلح لي طَعَاما، وَشَرَابًا، وَسلم إِلَيّ غُلَاما وسفينةً.
فَخرجت وَركبت السَّفِينَة، وبدأت بِالْأَكْلِ، ثمَّ قدمت آنِية الشَّرَاب، وَجَلَست أشْرب حَتَّى وصلت البلة، وأبصرت النَّاس وَقد ابتدءوا يَنْصَرِفُونَ.
فَإِذا بالزلال بِعَيْنِه، فِي أوساط النَّاس، سائرًا فِي نهر الأبلة، فتأملته، فَإِذا أَصْحَابِي على سطحه، وَمَعَهُمْ عدَّة مغنيات.
فحين رَأَيْتهمْ لم أتمالك فَرحا، فطرحت إِلَيْهِم، فحين رأوني عرفوني، فكبروا، وأخذوني إِلَيْهِم، وسلموا عَليّ.
وَقَالُوا: وَيحك، أَنْت حَيّ؟ وعانقوني، وفرحوا بِي، وسألوني عَن قصتي، فَأَخْبَرتهمْ بهَا، من أَولهَا إِلَى آخرهَا، على أتم شرح.
فَقَالُوا: إِنَّا لما فقدناك فِي الْحَال، وَقع لنا أَنَّك بالسكر وَقعت فِي المَاء فغرقت، وَلم نشك فِي ذَلِك، فخرقت الْجَارِيَة ثِيَابهَا، وَكسرت الْعود، وجزت شعرهَا، وبكت، ولطمت، فَمَا منعناها من شَيْء من هَذَا.
(4/325)

ووردنا الْبَصْرَة، فَقُلْنَا لَهَا: مَا تحبين أَن نعمل مَعَك؟ فقد كُنَّا وعدنا مَوْلَاك وَعدا، تَمْنَعنَا الْمُرُوءَة من استخدامك بعده فِي حَال أَو سَماع.
فَقَالَت: يَا مولَايَ لَا تمنعني من الْقُوت الْيَسِير، وَلبس الثِّيَاب السوَاد، وَأَن أصنع قبرًا فِي بَيت من الدَّار، وأجلس عِنْده، وَأَتُوب من الْغناء، فمكناها من ذَلِك، فَهِيَ جالسة عِنْده إِلَى الْآن.
وأخذوني مَعَهم، فحين دخلت، ورأيتها بِتِلْكَ الصُّورَة، ورأتني، شهقت شهقةً عَظِيمَة، فَمَا شَككت فِي تلفهَا، وأعتنقتها، فَمَا افترقنا سَاعَة طَوِيلَة.
ثمَّ قَالَ لي مَوْلَاهَا: خُذْهَا.
فَقلت: بل تعتقها وَتَزَوَّجنِي بهَا، كَمَا وَعَدتنِي.
فَفعل ذَلِك، وَدفع لنا ثيابًا كَثِيرَة، وفرشًا، وقماشًا، وَحمل إِلَيّ خمس مائَة دِينَار.
وَقَالَ: هَذَا قدر مَا أردْت أَن أجريه عَلَيْكُم فِي كل شهر من أول شهر دخولي إِلَى الْبَصْرَة، وَقد اجْتمع فِي طول هَذِه الْمدَّة، والجراية فِي كل شهر غير هَذَا، وَشَيْء آخر لكسوتك، وَكِسْوَة الْجَارِيَة، وَالشّرط فِي المنادمة وَسَمَاع الْجَارِيَة من وَرَاء الستارة بَاقٍ، وَقد وهبت لَك الدَّار الْفُلَانِيَّة، وَهَذِه مفاتيحها.
فَأخذت المفاتيح، وأتيت إِلَى الدَّار، فَوَجَدتهَا مفروشة بأنواع الْفرش، وَإِذا بذلك الْفرش والقماش الَّذِي أَعْطيته فِيهَا، وَالْجَارِيَة.
فسررت بذلك سُرُورًا عَظِيما، وَجئْت إِلَى الْبَقَّال، فَحَدَّثته حَدِيثي، وَطلقت ابْنَته، ووفيتها صَدَاقهَا.
وأقمت مَعَ الْجَارِيَة سِنِين، وصرت رب ضَيْعَة ونعمة، وَصَارَ حَالي إِلَى
(4/326)

قريب مِمَّا كنت عَلَيْهِ أَولا.
وَأَنا أعيش كَذَلِك مَعَ جاريتي، إِلَى الْآن.
(4/327)

أَمِير الْبَصْرَة يجمع بَين متحابين
روى أَبُو روق الهزاني، عَن الرياشي: أَن بعض أهل النعم بِالْبَصْرَةِ، اشْترى جَارِيَة، وَأحسن تأديبها وَتَعْلِيمهَا، وأحبها حبا شَدِيدا، وَأنْفق عَلَيْهَا حَتَّى أملق، ومسّهما الضّر الشَّديد، والفقر المبيد.
فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: قد تَرين مَا صرنا إِلَيْهِ من الْفقر، وَوَاللَّه، لموتي وَأَنت معي، أَهْون عَليّ مِمَّا أذكرهُ لَك، ويسوءني أَن أَرَاك على غير الْحَالة الَّتِي تسرني فِيك، وَنِهَايَة الْأَمر بِنَا، أَن تحل بأحدنا منيته، فَيقْتل الآخر نَفسه عَلَيْهِ، فَإِن رَأَيْت أَن أبيعك لمن يحسن إِلَيْك، فَيغسل عَنْك مَا أَنْت فِيهِ، وأتفرج أَنا بِمَا لَعَلَّه يصير إِلَيّ من الشَّيْء من ثمنك، ولعلك تحصلين عِنْد من تتوصلين إِلَى نفعي مَعَه.
فَقَالَت: وَالله لموتي وَأَنا على تِلْكَ الْحَالة، أَهْون عَليّ من انتقالي إِلَى غَيْرك، وَلَكِن أفعل مَا بدا لَك.
وَقَالَت لَهُ الْجَارِيَة: إِنِّي لأرثي لَك يَا مولَايَ، مِمَّا أرى بك من سوء الْحَال، فَلَو بعتني فانتفعت بثمني، فَلَعَلَّ الله أَن يصنع لَك صنعا جميلًا، وأقع أَنا بِحَيْثُ يحسن حَالي، فَيكون ذَلِك أصلح لكل وَاحِد منا.
فَخرج، وعرضها للْبيع، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أحد أصدقائه، مِمَّن لَهُ رَأْي، أَن
(4/328)

يحملهَا إِلَى عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَكَانَ أَمِير الْبَصْرَة يَوْمئِذٍ، فَأَعْجَبتهُ.
فَقَالَ لمولاها: كم شراؤها عَلَيْك؟ قَالَ: بِأَلف دِينَار، وَقد أنفقت عَلَيْهَا أَكثر من مائَة ألف دِرْهَم.
قَالَ: أما مَا أنفقت عَلَيْهَا، فَغير محتسب لَك، لِأَنَّك أنفقته فِي لذاتك، وَأما ثمنهَا، فقد أمرنَا لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم، وَعشرَة سفاط ثِيَاب، وَعشرَة رُءُوس من الْخَيل، وَعشرَة من الرَّقِيق، أرضيت؟ قلت: نعم، رضيت، فَأمر بِالْمَالِ فأحضر.
فَلَمَّا قبض الْمولى الثّمن، وَأَرَادَ الِانْصِرَاف، استعبر كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه باكيًا، وأنشأت الْجَارِيَة تَقول:
هَنِيئًا لَك المَال الَّذِي قد حويته ... وَلم يبْق فِي كفّي إِلَّا التفكّر
أَقُول لنَفْسي وَهِي فِي كرباتها ... أقلّي فقد بَان الحبيب أَو أكثري
إِذا لم يكن لِلْأَمْرِ عِنْدِي حِيلَة ... وَلم تجدي شَيْئا سوى الصَّبْر فاصبري
قَالَ: فَاشْتَدَّ بكاء الْمولى، وَعلا نحيبه، ثمَّ أنشأ يَقُول:
فلولا قعُود الدَّهْر بِي عَنْك لم يكن ... يفرّقنا شَيْء سوى الْمَوْت فاعذري
أروح بهمّ فِي الْفُؤَاد مبرّح ... أُنَاجِي بِهِ قلبًا طَوِيل التفكّر
(4/329)

عَلَيْك سَلام لَا زِيَارَة بَيْننَا ... وَلَا وصل إِلَّا أَن يَشَاء ابْن معمر
فَقَالَ لَهُ ابْن معمر: قد شِئْت يَا هَذَا، خُذ جاريتك، بَارك الله لَك فِيهَا وَفِيمَا صَار إِلَيْك من المَال، وانصرفا راشدين، فوَاللَّه، لَا كنت سَببا فِي فرقة محبين.
فَأَخذهَا وَأخذ المَال وَالْخَيْل وَالرَّقِيق وَالثيَاب، وأثرى وَحسنت حَاله.
وَأَخْبرنِي الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي رَحمَه الله على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سعيد، أَن الزبير حَدثهمْ، قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي بكر المؤملي، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن أبي عُبَيْدَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر، قَالَ: كَانَت لفتى من الْعَرَب جَارِيَة جميلَة، وَكَانَ بهَا معجبًا، يجد بهَا وجدا شَدِيدا، فَلم يزل ينْفق عَلَيْهَا حَتَّى أملق وَاحْتَاجَ، وَجعل يسْأَل إخوانه، فَقَالَت الْجَارِيَة. . . وَذكر بَقِيَّة الْخَبَر على قريب مِمَّا رَوَاهُ الرياشي، والألحان فِي الشّعْر على مَا رَوَاهُ الزبير.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر مَذْكُورا بقريب من هَذِه الْأَلْفَاظ، فِي كتاب أَخْبَار المتيمين للمدائني، وَقد زَاد فِيهِ، أَن الْجَارِيَة كَانَت قينة، وَلم يذكر الشّعْر الأول.
(4/330)

من مَكَارِم جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي
وحَدثني أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالأصبهاني، إملاء من حفظه، قَالَ: حَدثنِي الْحُسَيْن بن يحيى المرداسي، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: لما دخل الرشيد الْبَصْرَة حاجًّا، كنت مَعَه، فَقَالَ لي جَعْفَر بن يحيى: يَا أَبَا مُحَمَّد، قد وصفت لي جَارِيَة مغنية حسناء محسنة، تبَاع، وَذكر أَن مَوْلَاهَا مُمْتَنع من عرضهَا إِلَّا فِي دَاره، وَقد عزمت على أَن أركب مستخفيًا، فأعترضها، أفتساعدني؟ فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.
فَلَمَّا كَانَ فِي نصف النَّهَار حضر النخاس، فَأعْلم بِحُضُورِهِ، فَخرج جَعْفَر بعمامة وطيلسان ونعل عَرَبِيَّة، وَأَمرَنِي فَلبِست مثل ذَلِك، وركبنا حِمَارَيْنِ قد أسرجا بسروج التُّجَّار، وَركب النخاس مَعنا، وطلبنا الطَّرِيق.
فَلم يزل النخاس يسير بَين أَيْدِينَا، حَتَّى أَتَيْنَا بَابا شاهقًا يدل على نعْمَة قديمَة، فقرع النخاس الْبَاب، وَإِذا بشاب حسن الْوَجْه، عَلَيْهِ أثر ضرّ باد، وقميص غليظ خشن، فَفتح لنا الْبَاب، وَقَالَ لنا: انزلوا يَا سادة، فَدَخَلْنَا.
فَأخْرج لنا الرجل قِطْعَة حَصِير خلق، ففرشها لنا، فَجَلَسْنَا عَلَيْهَا.
(4/331)

فَقَالَ لَهُ النخاس: أخرج الْجَارِيَة، فقد حضر المُشْتَرِي.
فَدخل الْبَيْت، وَإِذا الْجَارِيَة قد خرجت فِي الْقَمِيص الغليظ الَّذِي كَانَ على الْفَتى بِعَيْنِه، وَهِي فِيهِ، مَعَ خشونته، كَأَنَّهَا فِي الْحلِيّ وَالْحلَل، لحسن وَجههَا، وَفِي يَدهَا عود.
فَأمرهَا جَعْفَر بِالْغنَاءِ، فَجَلَست، وَضربت ضربا حسنا، واندفعت تغني:
إِن يمس حبلك بعد طول تواصلٍ ... خلقا وَيُصْبِح بَيتكُمْ مَهْجُورًا
فَلَقَد أَرَانِي والجديد إِلَى بلَى ... دهرًا بوصلك رَاضِيا مَسْرُورا
جذلًا بِمَا لي عنْدكُمْ لَا أَبْتَغِي ... بَدَلا بوصلك خلة وعشيرا
كنت المنى وأعزّ من وطئ الْحَصَى ... عِنْدِي وَكنت بِذَاكَ مِنْك جَدِيرًا
ثمَّ غلبها الْبكاء حَتَّى منعهَا من الْغناء، وَسَمعنَا من الْبَيْت نحيب الْفَتى، وَقَامَت الْجَارِيَة تتعثر فِي أذيالها، حَتَّى دخلت الْبَيْت، وَارْتَفَعت لَهما ضجة بالبكاء والشهيق، حَتَّى ظننا أَنَّهُمَا قد مَاتَا، وهممنا بالانصراف.
فَإِذا بالفتى قد خرج وَعَلِيهِ ذَلِك الْقَمِيص بِعَيْنِه، فَقَالَ: أَيهَا الْقَوْم، أعذروني فِيمَا أَفعلهُ وأقوله.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: قل.
فَقَالَ: أشهد الله تَعَالَى، وأشهدكم، أَن هَذِه الْجَارِيَة حرَّة لوجه الله تَعَالَى، وأسألكم أَن تزوجوني بهَا.
قَالَ: فتحير جَعْفَر أسفا على الْجَارِيَة، ثمَّ قَالَ لَهَا: أتحبين أَن أزَوجك.
من مَوْلَاك؟ قَالَت: نعم.
(4/332)

فقرر الصَدَاق، وخطب، وَزوجهَا بِهِ، ثمَّ أقبل على الْفَتى، وَقَالَ لَهُ: مَا حملك على هَذَا؟ فَقَالَ: حَدِيثي طَوِيل، إِن نشطت لَهُ حدثتك بِهِ.
فَقَالَ: لَا أقل من أَن نَسْمَعهُ، فَلَعَلَّنَا أَن نبسط عذرك.
فَقَالَ: أَنا فلَان ابْن فلَان، وَكَانَ أبي من وُجُوه أهل هَذَا الْبَلَد، ومياسيره، وَهَذَا عَارِف بذلك، وَأَوْمَأَ إِلَى النخاس.
وأسلمني أبي إِلَى الْكتاب، وَكَانَت لأمي صبية قريب سني من سنّهَا، وَهِي جاريتي هَذِه، وَكَانَت معي فِي الْمكتب، تتعلم مَا أتعلم، وتنصرف معي.
فبلغت، ثمَّ بطلت من الْكتاب، وتعلمت الْغناء، فَكنت لمحبتي لَهَا أتعلمه مَعهَا، وَتعلق قلبِي بهَا، وأحببتها حبًّا شَدِيدا.
وَبَلغت أَنا أَيْضا، فخطبني وُجُوه أهل الْبَصْرَة لبناتهن، فخيرني أبي، فأظهرت لَهُ الزّهْد فِي التَّزْوِيج، ونشأت متوفرًا على الْأَدَب، متقلبًا فِي نعم أبي، غير متعرض لما يتَعَرَّض لَهُ الْأَحْدَاث، لتَعلق قلبِي بالصبية، ورغبة أهل الْبَلَد تزداد فِي، وَعِنْدهم أَن عفتي لصلاح، وَمَا كَانَت إِلَّا لتَعلق قلبِي بالجارية، وَأَن شهوتي لَا تتعداها لأحد.
وَبلغ حذقها فِي الْغناء إِلَى مَا قد سمعتموه، فعزمت أُمِّي على بيعهَا، وَهِي لَا تعلم مَا فِي نَفسِي مِنْهَا، فأحسست بِالْمَوْتِ، واضطررت إِلَى أَن حدثت أُمِّي عَن الصُّورَة، فَحدثت أبي، فَاجْتمع رأيهما على أَن وهبا لي الْجَارِيَة، وجهزاها
(4/333)

كَمَا يُجهز أهل البيوتات بناتهن، وجليت عَليّ، وَعمل لنا عرس حسن، ونعمت مَعهَا دهرًا طَويلا.
ثمَّ مَاتَ أبي، وَخلف لي مَالا كثيرا، فَلم أحسن أَن أرب نعْمَته، وأسأت التَّدْبِير فِيهَا، وأسرعت فِي الْأكل وَالشرب والقيان، وَأَنا مَعَ ذَلِك أجذر فِي الْيَوْم الْوَاحِد بِخَمْسِينَ دِينَارا أَو أَكثر.
فَأوجب ذَلِك أَن تلفت النِّعْمَة، وأفضت الْحَال إِلَى نقض الدَّار وَبيع مَا فِيهَا، حَتَّى صرت إِلَى مَا ترى، وَأَنا على هَذَا مُنْذُ سِنِين.
فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْوَقْت، وَبَلغنِي دُخُول الْخَلِيفَة، ووزيره، وَأهل مَمْلَكَته، الْبَصْرَة، قلت لَهَا: يَا ستي، اعلمي أَن شبابك قد بلي، وَأَن عمرك فِي الشَّقَاء يَنْقَضِي، وَبِاللَّهِ، إِن نَفسِي تالفة من فراقك، وَلَكِنِّي أُؤْثِر تلفهَا مَعَ وصولك إِلَى نعْمَة ورفاهية، فدعيني أعرضك، لَعَلَّ أَن يشتريك بعض هَؤُلَاءِ الأكابر، فتحصلي مَعَه فِي رغد عَيْش، فَإِن مت بعْدك فَذَاك الَّذِي أوثر، وَيكون كل وَاحِد منا قد تخلص من الشَّقَاء، وَإِن حكم الله تَعَالَى عَليّ بِالْبَقَاءِ، صبرت على قَضَائِهِ.
فَبَكَتْ من ذَلِك، وقلقت، ثمَّ قَالَت: افْعَل مَا تحب.
فَخرجت إِلَى هَذَا النخاس، فأطلعته على أَمْرِي، وَقد كَانَ يسمع غناءها أَيَّام نعمتي، وَعرف حَالهَا وحالي، وأعلمته أَنِّي لَا أعرضها إِلَّا عِنْدِي، فَإِنَّهَا، وَالله، مَا طرقت رجلهَا خَارج بَاب الدَّار قطّ، وقصدت بذلك أَن يَرَاهَا المُشْتَرِي، وَلَا تدخل بيُوت النَّاس، وَلَا إِلَى السُّوق، وَإِنَّهَا لم يكن لَهَا مَا تلبسه إِلَّا قَمِيصِي هَذَا، وَهُوَ مُشْتَرك بَيْننَا، ألبسهُ أَنا إِذا خرجت لأبتاع الْقُوت، وتتشح هِيَ بإزارها، وَإِذا جِئْت إِلَى الْبَيْت، ألبستها إِيَّاه، وأتشح أَنا بالإزار.
(4/334)

فَلَمَّا حصل من يعترضها، وَخرجت فغنتكم، لَحِقَنِي من القلق والبكاء لفراقها أَمر عَظِيم، فَدخلت إِلَيّ، وَقَالَت: يَا هَذَا، مَا أعجب أَمرك، أَنْت مللتني، وَأَرَدْت بيعي وفراقي، وتبكي هَذَا الْبكاء؟ فَقلت لَهَا: يَا هَذِه، إِن فِرَاق نَفسِي أسهل عَليّ من فراقك، وَإِنَّمَا أردْت أَن تتخلصي من هَذَا الشَّقَاء.
فَقَالَت: وَالله، لَو ملكتُ مِنْك مَا ملكتَ مني، مَا بِعْتُك أبدا، وأموت جوعا وعريًا، فَيكون الْمَوْت هُوَ الَّذِي يفرق بَيْننَا.
فَقلت: أَتُرِيدِينَ أَن تعلمي صدق قولي؟ قَالَت: نعم.
قلت: هَل لَك أَن أخرج السَّاعَة إِلَى المُشْتَرِي فأعتقك بَين يَدَيْهِ وأتزوجك، ثمَّ أَصْبِر مَعَك على مَا نَحن فِيهِ إِلَى أَن يَأْذَن الله تَعَالَى بفرج أَو موت؟ فَقَالَت: إِن كَانَ قَوْلك صَادِقا، فافعل مَا بدا لَك من هَذَا، فَمَا أُرِيد غَيره.
فَخرجت إِلَيْكُم فَكَانَ مني مَا قد علمْتُم، فاعذروني.
فَقَالَ جَعْفَر الْوَزير: أَنْت مَعْذُور، ونهض، ونهضت مَعَه، والنخاس مَعنا.
فَلَمَّا قدم حِمَاره ليركب، دَنَوْت مِنْهُ، وَقلت: يَا سُبْحَانَ الله، مثلك فِي جودك، يرى مثل هَذِه المكرمة، فَلَا ينتهز الفرصة فِيهَا؟ وَالله، لقد تقطع قلبِي عَلَيْهِمَا.
فَقَالَ: وَيحك، وقلبي، وَالله، كَذَلِك، وَلَكِن غيظي من فَوت الْجَارِيَة إيَّايَ يَمْنعنِي من التكرم عَلَيْهِ.
فَقلت: وَأَيْنَ الرَّغْبَة فِي الثَّوَاب؟ فَقَالَ: صدقت وَالله.
(4/335)

ثمَّ الْتفت إِلَى النخاس، فَقَالَ: كم كَانَ الْخَادِم سلم إِلَيْك عِنْد ركوبنا، لتشتري بِهِ الْجَارِيَة؟ فَقَالَ: ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.
فَقَالَ: أَيْن هِيَ؟ فَقَالَ: مَعَ غلامي.
فَقَالَ لي وللنخاس: خذاها وادفعاها إِلَى الْفَتى، وقولا لَهُ: يكتسي ويركب ويجيئني، لأحسن إِلَيْهِ وأستخدمه.
فرجعنا إِلَى الْفَتى، فَإِذا هُوَ يبكي، فَقلت لَهُ: قد عجل الله فرجك، اعْلَم أَن الَّذِي خرج من عنْدك هُوَ الْوَزير جَعْفَر بن يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، وَقد أَمر لَك بِهَذَا، وَهُوَ يَقُول لَك كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: فَصعِقَ، حَتَّى قلت قد تلف، ثمَّ أَفَاق، فَأقبل يَدْعُو لجَعْفَر، ويشكرني.
وَكنت قد ركبت فلحقت بالوزير، وأعلمته، فَحَمدَ الله عز وَجل على مَا وهبه لَهُ، وَعَاد إِلَى دَاره وَأَنا مَعَه.
فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء، جِئْنَا إِلَى الرشيد، فَأقبل يسْأَل جَعْفَر خَبره فِي يَوْمه، وَهُوَ يُخبرهُ، إِلَى أَن قصّ عَلَيْهِ حَدِيث الْفَتى وَالْجَارِيَة.
فَقَالَ لَهُ الرشيد: فَمَا عملت مَعَه؟ فَأخْبرهُ.
فاستصوب رَأْيه، وَقَالَ: وقّع لَهُ برزق سلطاني فِي رسم أَرْبَاب النعم، فِي كل شهر كَذَا وَكَذَا، واعمل بِهِ بعد ذَلِك مَا شِئْت.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، جَاءَنَا الْفَتى رَاكِبًا بِثِيَاب حَسَنَة، وهيأة جميلَة، فَإِذا
(4/336)

بِهِ من أحلى النَّاس كلَاما، وأتمهم أدبًا.
فَحَملته إِلَى جَعْفَر، وأوصلته إِلَى مَجْلِسه، فَأمر بتسهيل وُصُوله إِلَيْهِ، وخلطه بحاشيته، وَوَقع لَهُ عَن الْخَلِيفَة بِمَا رسم لَهُ، وَعَن نَفسه بِشَيْء آخر.
وشاع حَدِيثه فِي الْبَصْرَة، وَفِي أهل الْعَسْكَر، فَلم يبْق فيهم متغزل، وَلَا متظرف، إِلَّا أهْدى لَهُ شَيْئا جَلِيلًا، فَمَا خرجنَا من الْبَصْرَة إِلَّا وَهُوَ رب نعْمَة صَالِحَة.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر، على خلاف هَذَا، مَا ذكره أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن جُمْهُور الْعمي الْبَصْرِيّ الْكَاتِب، فِي كتاب (السمار والندامى) : أَن الرشيد لما حج وَمَعَهُ إِبْرَاهِيم الْموصِلِي،. . . فَأخْبرنَا بالْخبر على قريب مَا روينَاهُ وَذَكَرْنَاهُ، وَأَن الْجَارِيَة بدأت وغنت بِصَوْت من صناعَة إِبْرَاهِيم، وَهُوَ:
نمّت عليّ الزفرة الصاعدة ... وملّني الْعَائِد والعائدة
يَا ربّ كم فرّجت من كربَة ... عنّي فهذي المرّة الْوَاحِدَة
وَأَن الَّذِي حضر لتقليب الْجَارِيَة، الرشيد وجعفر بن يحيى متنكرين، ومعهما إِبْرَاهِيم الْموصِلِي والنخاس، وَأَنَّهُمْ انصرفوا، وَقَطعُوا الثّمن بِمِائَة ألف دِرْهَم،
(4/337)

ثمَّ عَادوا وَالْمَال مَعَهم، فَأمروا بِإِعَادَة التقليب، فَخرجت الْجَارِيَة، فغنت بِصَوْت، الْغناء فِيهِ لإِبْرَاهِيم، وَهُوَ:
وَمن عَادَة الدُّنْيَا بأنّ صروفها ... إِذا سرّ مِنْهَا جَانب سَاءَ جَانب
وَمَا أعرف الأيّام إِلَّا ذميمة ... وَلَا الدَّهْر إِلَّا وَهُوَ للثأر طَالب
ثمَّ ذكر بَقِيَّة الحَدِيث على قريب من هَذَا، وَفِي الْخَبَر الأول زيادات، لَيست فِي خبر ابْن جُمْهُور.
(4/338)

من مَكَارِم يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي
وَبَلغنِي خبر لجَعْفَر بن يحيى، مَعَ جَارِيَة، يُقَارب هَذَا الْخَبَر، أَخْبرنِي بِهِ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي رَضِي الله عَنهُ، على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن الصَّلْت الْحمانِي، قَالَ: حَدثنَا مُفْلِح وسنبر النخاسان، قَالَا: أرسل إِلَيْنَا جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي، يطْلب جَارِيَة قوالة، ذَات أدب وظرف، على صفة ذكرهَا وَحدهَا، فَمَا زلنا نحرص على طلبَهَا، ونتواصف من يعرف عَنْهَا مثل ذَلِك.
وَإِلَى جانبنا شيخ من أهل الْكُوفَة يسمع كلامنا، فَأقبل علينا، وَقَالَ: عِنْدِي بغية الْوَزير، فانهضوا إِن شِئْتُم لتنظروا إِلَيْهَا.
قَالَ: فنهضنا مَعَه، حَتَّى إِذا وصلنا إِلَى دَاره، وجدناها ظَاهِرَة الاختلال، وَوجدنَا فِيهَا مسحًا خلقا، وَثَلَاث قصبات عَلَيْهَا مسرجة، فارتبنا بقوله لنا،
(4/339)

لما ظهر من سوء حَاله.
ثمَّ أخرج إِلَيْنَا جَارِيَة كَأَنَّهَا، وَالله، فلقَة قمر، تتثنى كالقضيب، فاستقرأناها، فَقَرَأت آيَات من الْقُرْآن، حركت منا مَا كَانَ سَاكِنا، وأتبعتها بقصيدة مليحة، شوقتنا، وأطربتنا.
فَقُلْنَا لَهَا: أصانعة؟ وأشرنا إِلَى يَدهَا.
فَقَالَت: نعم، تعلمت الْعَمَل بِالْعودِ وَأَنا صَغِيرَة.
فَقُلْنَا: فغنينا بِهِ.
فَقَالَت: سُبْحَانَ الله، هَل يصلح أَن أستجيب لذَلِك إِلَّا لمولى مَالك إِن دَعَاني إِلَيْهِ أَجَبْته.
قَالَ: وَرَاح الرَّسُول إِلَى جَعْفَر، فَأخْبرهُ بِمَا شَاهده.
فَلم يَتَمَالَك جَعْفَر، لما سمع بِصفة الْجَارِيَة، حَتَّى استنهض الرَّسُول إِلَى مجْلِس الشَّيْخ، وَهُوَ يتبعهُ، حَتَّى عاينه، وَسَأَلَهُ إخْرَاجهَا إِلَيْهِ.
فَلَمَّا رَآهَا جَعْفَر أعجب بهَا قبل أَن يستنطقها، ثمَّ إِنَّه استنطقها، فَأخذت بِمَجَامِع قلبه.
فَقَالَ لمولاها: قل مَا شِئْت؟ فَقَالَ الشَّيْخ: لست أحدث أمرا حَتَّى أستأذنها، وَلَوْلَا الضّر الَّذِي نَحن فِيهِ لما عرضتها، لَكِن حَالي كَمَا يُشَاهِدهُ الْوَزير من فقر، وضر، وَدين كثير قد فدحني، وَمن أَجله فَارَقت وطني، وَعرضت على البيع ثَمَرَة فُؤَادِي.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: مَا مقدارها فِي نَفسك إِن أردْت بيعهَا؟
(4/340)

فَقَالَ: ثَلَاثُونَ ألف دِينَار.
فَقَالَ جَعْفَر: فَهَل لَك أَن تأمرها بِأَن تغنينا؟ فَأقبل الشَّيْخ عَلَيْهَا فاستدناها، وأمرها أَن تغني، فَأخذت الْعود، وأصلحته، ثمَّ استعبرت، وغنت بِصَوْت، الْغناء من صَنْعَة إِبْرَاهِيم:
وَمن عَادَة الأيّام أنّ صروفها ... إِذا سرّ مِنْهَا جَانب سَاءَ جَانب
وَمَا أعرف الأيّام إِلَّا ذميمةً ... وَلَا الدَّهْر إِلَّا وَهُوَ بالثأر طَالب
قَالَ: ثمَّ أَنَّهَا أَلْقَت الْعود من يَدهَا، وصرخت، وصرخ الشَّيْخ، وَجعلا ينتحبان.
ثمَّ إِن الشَّيْخ أقبل على جَعْفَر وَمن مَعَه، وَقَالَ: أشهدكم أَنِّي قد أعتقتها، وَجعلت عتقهَا صَدَاقهَا، وَالله، لَا ملكهَا أحد أبدا.
فَغَضب جَعْفَر، وَأَقْبل من حضر على الشَّيْخ يؤنبونه ويستجهلونه، وَيَقُولُونَ لَهُ: ضيعت هَذَا المَال الْجَلِيل، وعجلت، وجهلت.
فَقَالَ الشَّيْخ: النَّفس أولى أَن يبْقى عَلَيْهَا من المَال، والرازق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَعَاد جَعْفَر إِلَى أَبِيه فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ من الرجل وَالْجَارِيَة.
فَقَالَ لَهُ أَبوهُ: فَمَا صنعت بهما؟ قَالَ: تركتهما وانصرفت.
فَقَالَ لَهُ: وَيحك، مَا أنصفت يَا وَلَدي، أَو مَا أنفت على نَفسك أَن تفرق بَين متحابين مثلهمَا، مقترين، فقيرين، أَو تَنْصَرِف عَنْهُمَا، وَلَا تجبر حَالهمَا؟ أرضيت أَن يكون الْكُوفِي أسمح مِنْك.
ودعا بِغُلَام، فَحمل مَعَه إِلَى الشَّيْخ ثَلَاثِينَ ألف دِينَار على بغال.
(4/341)

فَلَمَّا وصل المَال إِلَى الشَّيْخ قبله وَأَخذه، وَحمد الله عز وَجل، ودعا لجَعْفَر ولوالده، وَعَاد بِالْمَالِ وَالْجَارِيَة إِلَى منزله بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ فَرح مسرور، وَقد فرج الله عَنهُ.
(4/342)

أَيْن نوال ابْن جَعْفَر من نوال ابْن معمر
وَوجدت فِي بعض كتبي: أَن عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو غَسَّان، قَالَ: أَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا، قَالَ: اشْترى عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب رَضِي الله عَنْهُمَا جَارِيَة من مولدات أهل مَكَّة، كَانَ يتعشقها غُلَام من أَهلهَا، وَقدم فِي أمرهَا إِلَى الْمَدِينَة، فَنزل قَرِيبا من منزل عبد الله بن جَعْفَر، ثمَّ جعل يلطف عبد الله بطرائف مَكَّة، حَتَّى عرفت الْجَارِيَة أَنه ورد.
وَجعلت الْجَارِيَة تراسله، فأدخلته لَيْلَة فِي إصطبل دَوَاب عبد الله بن جَعْفَر، فعثر عَلَيْهِ السائس، فَأعْلم عبد الله بن جَعْفَر، وَأَتَاهُ بِهِ.
فَقَالَ لَهُ: مَالك، قبحك الله، أبعد تحرمك بِنَا تصنع مثل هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّك ابتعت الْجَارِيَة، وَكنت لَهَا محبًا، وَكَانَت تَجِد بِي مثل ذَلِك.
قَالَ: فَدَعَا بالجارية، وسألها، فَجَاءَت بِمثل قصَّة الْفَتى.
فَقَالَ لَهُ: خُذْهَا، فَهِيَ لَك.
فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بقريب، عشق عبد السَّلَام بن أبي سُلَيْمَان، مولى مُسلم، جَارِيَة لآل طَلْحَة، يُقَال لَهَا: رواح، وَرَجا أَن يَفْعَلُوا بِهِ مِثْلَمَا فعل ابْن جَعْفَر بالفتى الْمَكِّيّ، فَلم يفعل الطلحيون ذَلِك، فَسَأَلَ فِي ثمنهَا، حَتَّى اجْتمع لَهُ، فاشتراها مِنْهُم.
فَقَالَ عبد السَّلَام فِي ذَلِك:
(4/343)

وَأَيْنَ فَلَا تعدل نوال ابْن جَعْفَر ... وَأَيْنَ لعمري من نوال ابْن معمر
يطير لَدَى الجنّات هَذَا لفضله ... ويرفضّ هَذَا فِي الْجَحِيم المسعّر
(4/344)

ابْن أبي حَامِد صَاحب بَيت المَال يحسن إِلَى رجل من المتفقهة
وَقد كَانَ فِيمَا يُقَارب عصرنا مثل هَذَا، وَهُوَ مَا حَدثنِي بِهِ أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو أَحْمد مُحَمَّد بن أَحْمد الْجِرْجَانِيّ الْفَقِيه، قَالَ: كُنَّا ندرس على أبي إِسْحَاق الْمروزِي الشَّافِعِي، وَكَانَ يدرس عَلَيْهِ مَعنا فَتى من أهل خُرَاسَان، لَهُ وَالِد هُنَاكَ، وَكَانَ يُوَجه إِلَيْهِ فِي كل سنة، مَعَ الْحَاج، قدر نَفَقَة السّنة.
فَاشْترى جَارِيَة، فَوَقَعت فِي نَفسه، وألفها، وألفته، وَكَانَت مَعَه سِنِين.
وَكَانَ رسمه أَن يستدين فِي كل سنة، دينا، بِقدر مَا يعجز من نَفَقَته، فَإِذا جَاءَ مَا أنفذه أَبوهُ إِلَيْهِ، قضى دينه، وَأنْفق الْبَاقِي مُدَّة ثمَّ عَاد إِلَى الِاسْتِدَانَة.
فَلَمَّا كَانَ سنة من السنين، جَاءَ الْحَاج، وَلَيْسَ مَعَهم نَفَقَة من أَبِيه.
فَسَأَلَهُمْ عَن سَبَب ذَلِك، فَقَالُوا لَهُ: إِن أَبَاك أعتل عِلّة عَظِيمَة صعبة، واشتغل بِنَفسِهِ، فَلم يتَمَكَّن من إِنْفَاذ شَيْء إِلَيْك.
(4/345)

قَالَ: فقلق الْفَتى قلقًا شَدِيدا، وَجعل غرماؤه يطالبونه كالعادة، فِي قَضَاء الدَّين وَقت الْمَوْسِم، فاضطر، وَأخرج الْجَارِيَة إِلَى النخاسين، فعرضها.
وَكَانَ الْفَتى ينزل بِالْقربِ من منزلي، وَكُنَّا نصطحب إِلَى منزل الْفَقِيه، وَلَا نكاد نتفارق.
فَبَاعَ الْجَارِيَة بِأَلف دِرْهَم وَكسر، وعزم على أَن يفرق مِنْهَا على غُرَمَائه قدر مَالهم، ويتمون بِالْبَاقِي.
وَكَانَ قلقًا، موجعًا، متحيرًا، عِنْد رجوعنا من النخاسين.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل إِذا ببابي يدق، فَقُمْت ففتحته، فَإِذا بالفتى.
فَقلت: مَالك؟ فَقَالَ: قد امْتنع عَليّ النّوم، وَقد غلبتني وَحْشَة الْجَارِيَة، والشوق إِلَيْهَا.
وَوَجَدته من القلق على أَمر عَظِيم، حَتَّى أنْكرت عقله، فَقلت: مَا تشَاء؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَقد سهل عَليّ أَن ترجع الْجَارِيَة إِلَى ملكي، وأبكر غَدا فَأقر لغرمائي بمالهم، وأحبس فِي حبس القَاضِي، إِلَى أَن يفرج الله تَعَالَى عني، ويجيئني من خُرَاسَان مَا أَقْْضِي بِهِ ديني فِي الْعَام الْمقبل، وَتَكون الْجَارِيَة فِي ملكي.
فَقلت لَهُ: أَنا أكفيك ذَلِك فِي غَد إِن شَاءَ الله، وأعمل فِي رُجُوع الْجَارِيَة إِلَيْك، إِذا كنت قد وطنت نَفسك على هَذَا.
قَالَ: فبكرنا إِلَى السُّوق، فسألنا عَمَّن اشْترى الْجَارِيَة.
فَقَالُوا: امْرَأَة من دَار أبي بكر بن أبي حَامِد، صَاحب بَيت المَال.
(4/346)

فَجِئْنَا إِلَى مجْلِس الْفَقِيه، فشرحت لأبي إِسْحَاق الْمروزِي بعض حَدِيث الْفَتى، وَسَأَلته أَن يكْتب رقْعَة إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، يسْأَله فِيهَا فسخ البيع، وَالْإِقَالَة، وَأخذ الثّمن، ورد الْجَارِيَة، فَكتب رقْعَة مُؤَكدَة فِي ذَلِك.
فَقُمْت، وَأخذت بيد الْخُرَاسَانِي صديقي، وَجِئْنَا إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، فَإِذا هُوَ فِي مجْلِس حافل، فأمهلنا حَتَّى خف، ثمَّ دَنَوْت أَنا والفتى، فعرفني، وسألني عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي، فَقلت: هَذِه رقعته خَاصَّة فِي حَاجَة لَهُ.
فَلَمَّا قَرَأَهَا، قَالَ لي: أَنْت صَاحب الْجَارِيَة؟ قلت: لَا، وَلكنه صديقي هَذَا، وأومأت إِلَى الْخُرَاسَانِي، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وَسبب بيع الْجَارِيَة.
فَقَالَ: وَالله، مَا أعلم أَنِّي ابتعت جَارِيَة فِي هَذِه الْأَيَّام، وَلَا ابتيعت لي.
فَقلت: إِن امْرَأَة جَاءَت وابتاعتها، وَذكرت أَنَّهَا من دَارك.
قَالَ: يجوز.
ثمَّ قَالَ: يَا فلَان، فَجَاءَهُ خَادِم، فَقَالَ لَهُ: امْضِ إِلَى دور الْحرم، فاسأل عَن جَارِيَة اشْتريت أمس، فَلم يزل يدْخل وَيخرج من دَار إِلَى دَار، حَتَّى وَقع عَلَيْهَا، فَرجع إِلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ: أعثرت عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: أحضرها، فأحضرها.
فَقَالَ لَهَا: من مَوْلَاك؟ فأومأت إِلَى الْخُرَاسَانِي.
فَقَالَ لَهَا: أفتحبين أَن أردك عَلَيْهِ؟ فَقَالَت: وَالله، لَيْسَ مثلك يَا مولَايَ من يخْتَار عَلَيْهِ، وَلَكِن لمولاي عَليّ حق التربية.
فَقَالَ: هِيَ كيسة عَاقِلَة، خُذْهَا.
(4/347)

قَالَ: فَأخْرج الْخُرَاسَانِي الْكيس من كمه، وَتَركه بِحَضْرَتِهِ.
فَقَالَ للخادم: امْضِ إِلَى الْحرم، وَقل لَهُنَّ: مَا كنتن وعدتن بِهِ هَذِه الْجَارِيَة من إِحْسَان، فعجلنه السَّاعَة.
قَالَ: فجَاء الْخَادِم بأَشْيَاء لَهَا قدر وَقِيمَة، فَدَفعهَا إِلَيْهَا.
ثمَّ قَالَ للخراساني: خُذ كيسك فَاقْض مِنْهُ دينك، ووسع بباقيه على نَفسك وعَلى جاريتك، والزم الْعلم، فقد أجريت عَلَيْك فِي كل شهر قفيز دَقِيق، ودينارين، تستعين بهَا على أَمرك.
قَالَ: فوَاللَّه مَا انْقَطَعت عَن الْفَتى، حَتَّى مَاتَ أَبُو بكر بن أبي حَامِد.
(4/348)

ابْن أبي حَامِد صَاحب بَيت المَال يحسن إِلَى صيرفي
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وجدت هَذَا الْخَبَر مستفيضًا بِبَغْدَاد، وأخبرت بِهِ على جِهَات مُخْتَلفَة، وَهَذَا أبينها، وأصحها إِسْنَادًا، إِلَّا أنني أذكر بعض الطّرق الْأُخْرَى الَّتِي بلغتني: حَدثنِي أَحْمد بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي شيخ من دَار الْقطن بِبَغْدَاد، قَالَ: كَانَ لأبي بكر بن أبي حَامِد مكرمَة طريفة، وَهِي أَن رجلا يعرف بِعَبْد الْوَاحِد بن فلَان الصَّيْرَفِي، بَاعَ جَارِيَته، وَكَانَ يهواها، على أبي بكر بن أبي حَامِد، يَعْنِي صَاحب بَيت المَال، بِثَلَاث مائَة دِينَار.
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل، استوحش لَهَا وَحْشَة شَدِيدَة، ولحقه من الهيمان، والقلق، وَالْجُنُون، والأسف على فراقها، مَا مَنعه من النّوم، ولحقه من الْبكاء والسهر، مَا كَادَت تخرج نَفسه مَعَه.
فَلَمَّا أصبح خرج إِلَى دكانه يتشاغل بِالنّظرِ فِي أمره، فَلم يكن لَهُ إِلَى ذَلِك سَبِيل.
وَزَاد عَلَيْهِ القلق والشوق، فَأخذ ثمن الْجَارِيَة، وَجَاء إِلَى أبي بكر بن أبي حَامِد، فَدخل عَلَيْهِ، ومجلسه حافل، فَسلم، وَجلسَ فِي أخريات النَّاس، إِلَى أَن تقوضوا.
(4/349)

فَلَمَّا لم يبْق غَيره، أنكر ابْن أبي حَامِد حَاله، فَقَالَ لَهُ: إِن كَانَت لَك حَاجَة فاذكرها.
فَسكت، وَجَرت دُمُوعه، وشهق.
فرفق بِهِ ابْن أبي حَامِد، وَقَالَ لَهُ: قل، عافاك الله، وَلَا تستح.
فَقَالَ لَهُ: بِعْت أمس، جَارِيَة كَانَت لي، وَكنت أحبها، واشتريت لَك، أَطَالَ الله بَقَاءَك، وَقد أحسست بِالْمَوْتِ أسفا على فراقها.
وَأخرج الثّمن فَوَضعه بِحَضْرَتِهِ، وَقَالَ لَهُ: أَنا أَسأَلك أَن ترد عَليّ حَياتِي، بِأخذ هَذِه الدَّنَانِير، وإقالتي من البيع.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ ابْن أبي حَامِد، وَقَالَ لَهُ: لما كَانَت بِهَذَا الْمحل من قَلْبك لم بعتها؟ فَقَالَ: أَنا رجل صيرفي، وَكَانَ رَأس مَالِي ألف دِينَار، فَلَمَّا اشْتَرَيْتهَا، تشاغلت بهَا عَن لُزُوم الدّكان، فَبَطل كسبي، وَكنت أنْفق عَلَيْهَا من رَأس المَال نَفَقَة لَا يحتملها حَالي، فَلَمَّا مَضَت مُدَّة، خشيت الْفقر، وَنظرت، فَإِذا أَنا لم يبْق معي من رَأس المَال إِلَّا الثُّلُث أَو أقل، وَصَارَت تطالبني من النَّفَقَة، بِمَا لَو أطعتها فِيهِ، ذهبت هَذِه الْبَقِيَّة، وحصلت على الْفقر.
فَلَمَّا منعتها، ساءت أخلاقها ونغصت عيشي، فَقلت أبيعها، وأدير ثمنهَا فِيمَا أختل من حَالي، وتستقيم عيشتي، وأستريح من أذاها، وأتصبر على فراقها، وَلم أعلم أَنه يلحقني هَذَا الْأَمر الْعَظِيم، وَقد آثرت الْآن الْفقر، وَأَن تحصل الْجَارِيَة عِنْدِي، أَو أَن أَمُوت، فَهُوَ أسهل عَليّ مِمَّا أَنا فِيهِ.
فَقَالَ ابْن أبي حَامِد: يَا فلَان، فجَاء خَادِم أسود.
فَقَالَ لَهُ: أخرج الْجَارِيَة الَّتِي اشْتريت لنا بالْأَمْس.
قَالَ: فأخرجت جاريتي.
(4/350)

فَقَالَ: يَا بني، إِن مثلي لَا يطَأ قبل الِاسْتِبْرَاء، وَوَاللَّه، مَا وَقعت عَيْني على الْجَارِيَة، مُنْذُ اشْتريت، إِلَّا السَّاعَة، وَقد وهبتها لَك فَخذهَا، وَخذ دنانيرك، بَارك الله لَك فيهمَا.
ثمَّ قَالَ للخادم: هَات ألف دِرْهَم، فجَاء بهَا.
فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: قد كنت عولت على أَن أكسوك، فجَاء من أَمر مَوْلَاك مَا رَأَيْت وَلم أر من الْمُرُوءَة مَنعه مِنْك، فَخذي هَذِه الدَّرَاهِم، واتسعي بهَا فِي نَفَقَتك، وَلَا تحملي مَوْلَاك مَا لَا يُطيق، فتحصلين عِنْد من لَا يعرف قدرك كمعرفته، وَلَك عَليّ ألف دِرْهَم فِي كل سنة، يَجِيء مَوْلَاك فيأخذها لَك، إِذا شكرك، وَرَضي طريقتك.
قَالَ: فَقَامَ الرجل، وَقبل يَدَيْهِ، وَجعل يبكي، وَيَدْعُو لَهُ.
وَلم يزل المَال واصلًا إِلَيْهِ فِي كل سنة، حَتَّى مَاتَ ابْن أبي حَامِد.
(4/351)

الْحسن بن سهل يحسن إِلَى الفسطاطي التَّاجِر
وَيُشبه هَذَا الحَدِيث، مَا وجدته فِي كتاب أعطانيه أَبُو الْحُسَيْن عبد الْعَزِيز بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن حَاجِب النُّعْمَان، وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَاتب الْوَزير المهلبي على ديوَان السوَاد، وَذكر إِنَّه نسخه من كتاب أعطَاهُ إِيَّاه أَبُو الْحُسَيْن الخصيبي، وَكَانَ فِيهِ إصلاحات بِخَط ابْن مابنداذ.
اشْترى الْحسن بن سهل، من الفسطاطي التَّاجِر، جَارِيَة بِأَلف دِينَار، فَحملت إِلَى منزل الْحسن، وَكتب للفسطاطي بِثمنِهَا.
فَأخذ الْكتاب إِلَى من أَحَالهُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ، وَانْصَرف إِلَى منزله، فَوَجَدَهُ مفروشًا نظيفًا، وَفِيه ريحَان قد عبي تعبية حَسَنَة، ونبيذ قد صفي.
فَقَالَ: مَا هَذَا؟
(4/352)

فَقيل لَهُ: جاريتك الَّتِي بعتها السَّاعَة، قد أعدت لَك هَذَا لتنصرف إِلَيْهَا، فبعتها قبل انصرافك.
قَالَ: فَقَامَ الفسطاطي، فَرجع إِلَى الْحسن.
وأحضر الْحسن الْجَارِيَة، فَرَأى زيًا حسنا، ونظافةً، وتزينت بزينة لم تَرَ من مثلهَا، مَعَ مَا رأى فِيهَا من الْحسن وَالْجمال، والبهاء والكمال، فَهُوَ يجيل الْفِكر وَالنَّظَر فِيهَا، إِذْ رَجَعَ الفسطاطي إِلَيْهِ، وَهُوَ كَالْمَجْنُونِ المخبول، وَقَالَ: أَقلنِي بيع الْجَارِيَة، أقالك الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
فَقَالَ: مَا إِلَى هَذَا سَبِيل، وَمَا دخلت قطّ دَارنَا جَارِيَة، فَخرجت مِنْهَا.
قَالَ: أَيهَا الْأَمِير، إِنَّه الْمَوْت الْأَحْمَر.
قَالَ: وَمَا ذَاك؟ فَقص عَلَيْهِ قصَّته، وحبه لَهَا، وتلهفه عَلَيْهَا، وَأَنه لم يقدر على فراقها وَأَن النَّدَم قد لحقه، والشوق قد تمكن من فُؤَاده، وَأَنه إِن دَامَ ذَلِك عَلَيْهِ، كَانَ فِيهِ تلف نَفسه، وَبكى، وَلم يزل يتَضَرَّع لَهُ.
فرق لَهُ الْحسن، وأحضر الْجَارِيَة من سَاعَته، وَقَالَ لَهَا: هَل لَك فِي مَوْلَاك رَغْبَة؟ فَقَالَت: أَيهَا الْأَمِير، فِي مثله يرغب، فَرد الْجَارِيَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ لَهُ: خُذ هَذِه الْألف دِينَار، لَك هبة، لَا يرجع إِلَى ملكي مِنْهَا دِينَار وَاحِد.
فَأخذ الفسطاطي الْجَارِيَة وَالدَّنَانِير، وَقَالَ: الْجَارِيَة حرَّة لوجه الله تَعَالَى، وَهَذِه الْألف دِينَار صَدَاقهَا، ثمَّ كتب كتابها.
وَعَاد إِلَى منزله، وَجلسَ مَعَ جَارِيَته على مَا أعدته لَهُ.
(4/353)

الأشتر وجيداء
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: حَدثنِي جَعْفَر بن قدامَة، قَالَ: حَدثنِي أَبُو العيناء، قَالَ: كنت أجالس مُحَمَّد بن صَالح بن عبد الله بن مُوسَى بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، وَكَانَ قد حمل إِلَى المتَوَكل أَسِيرًا، فحبسه مُدَّة، ثمَّ أطلقهُ المتَوَكل، وَكَانَ أَعْرَابِيًا فصيحًا، فَحَدثني يَوْمًا قَالَ: حَدثنِي نمير بن مخلف الْهِلَالِي، وَكَانَ حسن الْوَجْه جدا، قَالَ: كَانَ منا فَتى يُقَال لَهُ بشر بن عبد الله، وَيعرف بالأشتر، وَكَانَ يهوى جَارِيَة من قومه، يُقَال لَهَا: جيداء، وَكَانَت ذَات زوج.
وشاع خَبره فِي حبها، فَمنع مِنْهَا، وضيق عَلَيْهِ، حَتَّى لم يقدر أَن يلم بهَا.
فَجَاءَنِي ذَات يَوْم، وَقَالَ: يَا أخي، قد بلغ مني الوجد، وضاق عَليّ سَبِيل الصَّبْر، فَهَل تساعدني على زيارتها؟ قلت: نعم فركبت، وسرنا، حَتَّى نزلنَا قَرِيبا من حيها، فكمن فِي مَوضِع.
فَقَالَ لي: اذْهَبْ إِلَى الْقَوْم فَكُن ضيفًا لَهُم، وَلَا تذكر شَيْئا من أمرنَا،
(4/354)

حَتَّى ترى راعية لجيداء صفتهَا كَذَا وَكَذَا، فأعلمها خبري، وواعدها بوعد.
فمضيت وَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ، وَلَقِيت الراعية فخاطبتها، فمضت إِلَى جيداء، وعادت إِلَيّ، فَقَالَت: قل لَهُ: موعدك اللَّيْلَة عِنْد الشجيرات.
فَلَمَّا كَانَ الْوَقْت الَّذِي وعدتنا فِيهِ، إِذا بجيداء قد أَقبلت، فَوَثَبَ الأشتر إِلَيْهَا، فَقبل بَين عينيها.
فَقُمْت موليا عَنْهُمَا، فَقَالَا: نقسم عَلَيْك إِلَّا مَا رجعت، فوَاللَّه، مَا بَيْننَا مَا نستره عَنْك، فَرَجَعت، وَجَلَسْنَا نتحدث.
فَقَالَ لَهَا: يَا جيداء، أما فِيك حِيلَة لنتعلل اللَّيْلَة؟ فَقَالَت: لَا وَالله، إِلَّا أَن نعود إِلَى مَا تعرف من الْبلَاء والشدة.
فَقَالَ: مَا من ذَلِك بُد، وَلَو وَقعت السَّمَاء على الأَرْض.
فَقَالَت: هَل فِي صَاحبك هَذَا من خير؟ فَقلت: إِي وَالله.
فخلعت ثِيَابهَا، ودفعتها إِلَيّ، وَقَالَت: البسها، وَأَعْطِنِي ثِيَابك، فَفعلت.
فَقَالَت: اذْهَبْ إِلَى بَيْتِي، فَإِن زَوجي سيأتيك بعد الْعَتَمَة، وَيطْلب مِنْك الْقدح ليحلب فِيهِ الْإِبِل، فَلَا تَدْفَعهُ إِلَيْهِ من يدك، فَهَذَا فعلي بِهِ، ودعه بَين يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ سيذهب ويحلب، ثمَّ يَأْتِيك بِهِ ملآن لَبَنًا، وَيَقُول: هاك غبوقك، فَلَا تَأْخُذهُ مِنْهُ، حَتَّى تطيل نكدك عَلَيْهِ، ثمَّ خُذْهُ، أَو دَعه حَتَّى يَضَعهُ هُوَ، ثمَّ لست ترَاهُ حَتَّى تصبح.
قَالَ: فَذَهَبت، وَفعلت مَا أَمرتنِي بِهِ، وَجَاءَنِي بالقدح، فَلم آخذه مِنْهُ،
(4/355)

وأطلت عَلَيْهِ النكد، ثمَّ أهويت لآخذه، وأهوى ليضعه، فاختلفت أَيْدِينَا، فانكفأ الْقدح.
فَقَالَ: إِن هَذَا لطماح مفرط، وَضرب بِيَدِهِ إِلَى سَوْطه، ثمَّ تناولني بِهِ، وَضرب ظَهْري، فَجَاءَت أمه، وَأُخْته، فانتزعوني من يَده، بعد أَن زَالَ عَقْلِي، وهممت أَن أجأه بالسكين.
فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْدِي، لم ألبث إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى دخلت أم جيداء، تؤنبني، وتكلمني، فلزمت الصمت والبكاء.
فَقَالَت: يَا بنية، اتقِي الله، وأطيعي بعلك، وَأما الأشتر فَلَا سَبِيل لَك إِلَيْهِ، وَهَا أَنا أبْعث إِلَيْك بأختك لتؤنسك، وَمَضَت.
ثمَّ بعثت إِلَيّ بالجارية، فَجعلت تكلمني، وَتَدْعُو على من ضَرَبَنِي، وَأَنا سَاكِت، ثمَّ اضطجعت إِلَى جَانِبي.
فشددت يَدي على فمها، وَقلت: يَا جَارِيَة، إِن أختك مَعَ الأشتر، وَقد قطع ظَهْري بِسَبَبِهَا، وَأَنت أولى بسترها مني، وَإِن تَكَلَّمت بِكَلِمَة فضحتها، وَأَنا لست أُبَالِي.
فاهتزت مثل الْقَضِيب فَزعًا، فطمنتها، وطيبت قَلبهَا، فَضَحكت، وَبَات معي مِنْهَا أظرف النَّاس، وَلم نزل نتحدث حَتَّى برق الصُّبْح، فَخرجت، وَجئْت إِلَى صَاحِبي.
فَقَالَت جيداء: مَا الْخَبَر؟ فَقلت: سَلِي أختك عَن الْخَبَر، فلعمري إِنَّهَا عَالِمَة بِهِ، وَدفعت إِلَيْهَا ثِيَابهَا،
(4/356)

وأريتها ظَهْري، فَجَزِعت، وبكت، وَمَضَت مسرعة، وَجعل الأشتر يبكي، وَأَنا أحدثه بقصتي، وارتحلنا.
(4/357)

أقسم أَن يغسل يَده أَرْبَعِينَ مرّة إِذا أكل زيرباجة
حَدثنِي أَبُو الْفرج أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن النَّرْسِي من أهل بَاب الشَّام بِبَغْدَاد، وَقد كَانَ خلف أَبَا الْحسن عَليّ بن أبي طَالب بن البهلول التنوخي على الْقَضَاء بهيت، وَمَا عَلمته إِلَّا ثِقَة، قَالَ: سَمِعت فلَان التَّاجِر، يحدث أبي، وأسمى التَّاجِر، وأنسيته أَنا، قَالَ: حضرت عِنْد صديق لي من البزازين، وَكَانَ مَشْهُورا، فِي دَعْوَة، فَقدم فِي جملَة طَعَامه، زيرباجة، وَلم يأكلها، فامتنعنا من أكلهَا.
فَقَالَ: أحب أَن تَأْكُلُوا مِنْهَا، وتعفوني من أكلهَا، فَلم ندعه حَتَّى أكل.
فَلَمَّا غسلنا أَيْدِينَا، انْفَرد يغسل يَده، ووقف غُلَام يعد عَلَيْهِ الْغسْل، حَتَّى قَالَ لَهُ: قد غسلت يدك أَرْبَعِينَ مرّة، فَقطع الْغسْل.
(4/358)

فَقُلْنَا لَهُ: مَا سَبَب هَذَا؟ فَامْتنعَ، فألححنا عَلَيْهِ.
فَقَالَ: مَاتَ أبي وسني نَحوا من عشْرين سنة، وَخلف عَليّ حَالا صَغِيرَة، وأوصاني قبل مَوته بِقَضَاء دُيُون عَلَيْهِ، وملازمة السُّوق، وَأَن أكون أول دَاخل إِلَيْهِ، وَآخر خَارج مِنْهُ، وَأَن أحفظ مَالِي.
فَلَمَّا مَاتَ، قضيت دينه، وحفظت مَا خَلفه لي، ولزمت الدّكان، فَرَأَيْت فِي ذَلِك مَنَافِع كَثِيرَة.
فَبينا أَنا جَالس يَوْمًا وَلم يتكامل السُّوق، وَإِذا بِامْرَأَة راكبة على حمَار، وعَلى كفله منديل دبيقي، وخادم يمسك بالعنان، فَنزلت عِنْدِي.
فأكرمتها، وَوَثَبْت إِلَيْهَا، وسألتها عَن حَاجَتهَا، فَذكرت ثيابًا.
فَسمِعت، وَالله، نَغمَة، مَا سَمِعت قطّ أحسن مِنْهَا، وَرَأَيْت وَجها لم أر مثله، فَذهب عني عَقْلِي، وعشقتها فِي الْحَال.
فَقلت لَهَا: تصبرين حَتَّى يتكامل السُّوق، وآخذ لَك مَا تريدين، فَفعلت، وَأخذت تحادثني، وَأَنا فِي الْمَوْت عشقًا لَهَا.
وَخرج النَّاس، فَأخذت لَهَا مَا أَرَادَت، فجمعته، وَركبت وَلم تخاطبني فِي ثمنه بِحرف وَاحِد، وَكَانَ مَا قِيمَته خَمْسَة آلَاف دِرْهَم.
فَلَمَّا غَابَتْ عني أَفَقْت، وأحسست بالفقر، فَقلت: محتالة، خدعتني بِحسن وَجههَا، ورأتني حَدثا، فاستغرتني، وَلم أكن سَأَلتهَا عَن منزلهَا، وَلَا طالبتها بِالثّمن، لدهشتي بهَا.
فكتمت خبري لِئَلَّا أفتضح، وأتعجل الْمَكْرُوه، وعولت على غلق دكاني،
(4/359)

وَبيع كل مَا فِيهَا، وأوفي النَّاس ثمن مَتَاعهمْ، وأجلس فِي بَيْتِي مُقْتَصرا على غلَّة يسيرَة من عقار كَانَ خَلفه لي أبي.
فَلَمَّا كَانَ بعد أُسْبُوع، إِذا بهَا قد باكرتني، وَنزلت عِنْدِي، فحين رَأَيْتهَا أنسيت مَا كنت فِيهِ وَقمت لَهَا.
فَقَالَت: يَا فَتى، تأخرنا عَنْك، وَمَا شككنا أَنا قد روعناك، وظننت أَنا قد احتلنا عَلَيْك.
فَقلت: قد رفع الله قدرك عَن هَذَا.
فاستدعت الْمِيزَان، فوفتني دَنَانِير قدر مَا قلت لَهَا عَن ثمن الْمَتَاع، وأخرجت تذكرة بمتاع آخر.
فأجلستها أحادثها، وأتمتع بِالنّظرِ إِلَيْهَا إِلَى أَن تَكَامل السُّوق، وَقمت، وَدفعت إِلَى كل إِنْسَان مَا كَانَ لَهُ، وَطلبت مِنْهُم مَا أَرَادَت، فأعطوني، فجئتها بِهِ، فَأَخَذته وانصرفت، وَلم تخاطبني فِي ثمنه بِحرف.
فَلَمَّا غَابَتْ عني نَدِمت، وَقلت: المحنة هَذِه، أعطتني خَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَأخذت مني مَتَاعا بِأَلف دِينَار، والآن إِن لم أقع لَهَا على خبر، فَلَيْسَ إِلَّا الْفقر، وَبيع مَتَاع الدّكان، وَمَا قد ورثته من عقار.
وتطاولت غيبتها عني أَكثر من شهر وَأخذ التُّجَّار يشددون عَليّ فِي الْمُطَالبَة، فعرضت عقاري، وأشرفت على الهلكة.
فَأَنا فِي ذَلِك، وَإِذا بهَا قد نزلت عِنْدِي، فحين رَأَيْتهَا زَالَ عني الْفِكر فِي المَال، ونسيت مَا كنت فِيهِ، وَأَقْبَلت عَليّ تحادثني، وَقَالَت: هَات الطيار، فوزنت لي بِقِيمَة الْمَتَاع دَنَانِير.
(4/360)

فَأخذت أطاولها فِي الْكَلَام، فبسطتني، فكدت أَمُوت فَرحا وسرورًا، إِلَى أَن قَالَت: هَل لَك زَوْجَة؟ فَقلت: لَا وَالله يَا سيدتي، وَمَا أعرف امْرَأَة قطّ، وبكيت.
فَقَالَت: مَا لَك؟ قلت: خير، وهِبْتُهَا ثُمَّ قُمْتُ وَأَخَذْتُ بِيَدِ الْخَادِمِ الَّذِي كَانَ مَعَهَا، وَأَخْرَجْتُ لَهُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَتَوَسَّطَ الأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَ سِتَّهُ.
فَضَحِك، وَقَالَ: إِنَّهَا هِيَ، وَالله، أعشق مِنْك لَهَا، وَمَا بهَا حَاجَة إِلَى مَا اشترته مِنْك، وَإِنَّمَا تجيئك محبَّة لمطاولتك، فخاطبها بِمَا تُرِيدُ، فَإِنَّهَا تقبله، وتستغني عني.
فعدت، وَكنت قلت لَهَا: إِنِّي أمضي لأنقد الدَّنَانِير، فَلَمَّا عدت، قَالَت: نقدت الدَّنَانِير؟ وضحكت، وَقد كَانَت رأتني مَعَ الْخَادِم.
فَقلت لَهَا: يَا ستي، الله، الله، فِي دمي، وخاطبتها بِمَا فِي نَفسِي مِنْهَا، فأعجبها ذَلِك، وَقبلت الْخطاب أحسن الْقبُول.
وَقَالَت: الْخَادِم يجيئك برسالتي بِمَا تعْمل عَلَيْهِ، وَقَامَت وَلم تَأْخُذ مني شَيْئا، فوفيت النَّاس أَمْوَالهم، وحصلت ربحا وَاسِعًا، واغتممت خوفًا من انْقِطَاع السَّبَب بيني وَبَينهَا، وَلم أنم لَيْلَتي قلقًا وخوفًا.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام جَاءَنِي الْخَادِم، فأكرمته، ووهبت لَهُ دَنَانِير لَهَا صُورَة، وَسَأَلته عَنْهَا.
فَقَالَ: هِيَ، وَالله، عليلة من شوقها إِلَيْك.
فَقلت: فاشرح لي أمرهَا؟
(4/361)

فَقَالَ: هَذِه صبية ربتها السيدة أم أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتدر بِاللَّه، وَهِي من أخص جواريها عِنْدهَا، وأحضاهن، وأحبهن إِلَيْهَا.
وَإِنَّهَا اشتهت رُؤْيَة النَّاس، وَالدُّخُول وَالْخُرُوج، فتوصلت حَتَّى صَارَت القهرمانة، وَصَارَت تخرج فِي الْحَوَائِج، فترى النَّاس.
وَقد، وَالله، حدثت السيدة بحديثك، وسألتها أَن تزَوجهَا مِنْك، فَقَالَت: لَا أفعل، أَو أرى الرجل، فَإِن كَانَ يستحقك، وَإِلَّا لَا أدعك واختيارك.
وتحتاج إِلَى أَن تتحيل فِي إدخالك إِلَى الدَّار بحيلة، إِن تمت وصلت إِلَى تَزْوِيجهَا، وَإِن انكشفت ضربت عُنُقك، فَمَا تَقول؟ فَقلت: أَصْبِر على هَذَا.
فَقَالَ: إِذا كَانَ اللَّيْلَة، فأعبر إِلَى المخرم، وادخل الْمَسْجِد الَّذِي بنته السيدة على شاطئ دجلة، وعَلى حَائِطه الْأَخير مِمَّا يَلِي دجلة، اسْمهَا مَكْتُوب بالآجر الْمَقْطُوع، فَبت فِيهِ.
قَالَ أَبُو الْفرج بن النَّرْسِي: وَهُوَ الْمَسْجِد الَّذِي قد سد بَابه الْآن سبكتكين، الْحَاجِب الْكَبِير، مولى معز الدولة، الْمَعْرُوف بجاشنكير، وأضافه إِلَى ميدان
(4/362)

دَاره، وَجعله مصلى لِغِلْمَانِهِ.
قَالَ الرجل: فَلَمَّا كَانَ قبل الْمغرب مضيت إِلَى المخرم، فَصليت فِي الْمَسْجِد العشاءين، وَبت فِيهِ.
فَلَمَّا كَانَ وَقت السحر، إِذا بطيار لطيف قد قدم، وخدم قد نزلُوا وَمَعَهُمْ صناديق فارغة، فجعلوها فِي الْمَسْجِد، وَانْصَرفُوا، وَبَقِي وَاحِد مِنْهُم، فتأملته، فَإِذا هُوَ الْوَاسِطَة بيني وَبَينهَا.
ثمَّ صعدت الْجَارِيَة واستدعتني، فَقُمْت، وعانقتها، وَقبلت يَدهَا، وقبلتني قبلات كَثِيرَة، وضمتني، وبكيت، وبكت.
وتحدثنا سَاعَة، ثمَّ أجلستني فِي وَاحِد من الصناديق، وَكَانَ كَبِيرا، وأقفلته.
وَأَقْبل الخدم يتراجعون بِثِيَاب، وَمَاء ورد، وعطر، وَأَشْيَاء قد أحضروها من مَوَاضِع، وَهِي تفرق فِي بَاقِي الصناديق، وتقفل، ثمَّ حملت الصناديق فِي الطيار، وَانْحَدَرَ.
فلحقني من النَّدَم أَمر عَظِيم، وَقلت: قتلت نَفسِي لشَهْوَة لَعَلَّهَا لَا تتمّ، وَلَو تمت مَا ساوت قتل نَفسِي، وَأَقْبَلت أبْكِي، وأدعو الله عز وَجل، وَأَتُوب، وأنذر النذور، إِلَى أَن حملت الصناديق بِمَا فِيهَا، ليجاز بهَا فِي دَار الْخَلِيفَة، وَحمل صندوقي خادمان أَحدهمَا الْوَاسِطَة بيني وَبَينهَا.
وَهِي كلما اجتازت بطَائفَة من الخدم الموكلين بِأَبْوَاب الْحرم، قَالُوا: نُرِيد نفتش الصناديق، فتصيح على بَعضهم، وتشتم بَعضهم، وتداري بَعضهم.
إِلَى أَن انْتَهَت إِلَى خَادِم ظننته رَئِيس الْقَوْم، فخاطبته بخضوع وذلة، فَقَالَ لَهَا: لَا بُد من فتح الصناديق وَبَدَأَ بصندوقي فأنزله.
(4/363)

فحين أحسست بذلك ذهب عَقْلِي، وَغَابَ عَليّ أَمْرِي، وبلت فِي الصندوق فرقا، فَجرى بولِي حَتَّى خرج من خلله.
فَقَالَت: يَا أستاذ، أهلكتني، وأهلكت التُّجَّار، وأفسدت علينا مَتَاعا بِعشْرَة آلَاف دِينَار فِي الصندوق مَا بَين ثِيَاب مصبغات، وقارورة فِيهَا أَرْبَعَة أمنان من مَاء زَمْزَم، قد انقلبت وَجَرت على الثِّيَاب، والساعة تستحيل ألوانها.
فَقَالَ: خذي صندوقك، أَنْت وَهُوَ، إِلَى لعنة الله، ومري.
فَحمل الخادمان صندوقي، وأسرعا بِهِ، وتلاحقت الصناديق.
فَمَا بَعدنَا سَاعَة حَتَّى سَمعتهَا تَقول: ويلاه، الْخَلِيفَة، فَعِنْدَ ذَلِك مت، وَجَاءَنِي مَا لم أحتسبه.
فَقَالَ لَهَا الْخَلِيفَة: والك، يَا فُلَانَة، أَي شَيْء فِي صناديقك؟
(4/364)

فَقَالَت: ثِيَاب للسيدة.
فَقَالَ: افتحيها حَتَّى أَرَاهَا.
فَقَالَت: يَا مولَايَ، السَّاعَة تفتحها ستنا بَين يَديك.
فَقَالَ: مري، هوذا أجي.
فَقَالَت للخدم: أَسْرعُوا، وَدخلت حجرَة، ففتحت صندوقي، وَقَالَت: اصْعَدْ تِلْكَ الدرجَة، فَفعلت، وَأخذت بعض مَا فِي تِلْكَ الصناديق، فَجَعَلته فِي صندوقي، وأقفلته.
وَجَاء المقتدر، فَحملت الصناديق إِلَى بَين يَدَيْهِ، ثمَّ عَادَتْ إِلَيّ، فطيبت نَفسِي، وقدمت لي طَعَاما وَشَرَابًا، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وأقفلت الْحُجْرَة، وَمَضَت.
فَلَمَّا كَانَ من غَد جَاءَتْنِي، فَصَعدت إِلَيّ، وَقَالَت: السَّاعَة تَجِيء السيدة لتراك، فَانْظُر كَيفَ تكون؟ فَمَا كَانَ بأسرع من أَن جَاءَت السيدة، فَجَلَست على كرْسِي، وَفرقت جواريها، وَلم يبْق مَعهَا غير وَاحِدَة مِنْهُنَّ، ثمَّ أنزلتني الْجَارِيَة.
فحين رَأَيْت السيدة قبلت الأَرْض، وَقمت فدعوت لَهَا.
فَقَالَت لجاريتها: نعم مَا اخْتَرْت لنَفسك هُوَ، وَالله، كيس، عَاقل، ونهضت.
فَقَامَتْ مَعهَا صَاحِبَتي وتبعتها، وَأَتَتْ إِلَيّ بعد سَاعَة، وَقَالَت:
(4/365)

أبشر فقد، وَالله، وَعَدتنِي أَن تزَوجنِي بك، وَمَا بَين أَيْدِينَا عقبَة إِلَّا الْخُرُوج.
فَقلت: يسلم الله تَعَالَى.
فَلَمَّا كَانَ من غَد حَملتنِي فِي الصندوق، وَخرجت كَمَا دخلت، وَكَانَ الْحِرْص على التفتيش أقل، وَتركت فِي الْمَسْجِد الَّذِي حملت مِنْهُ فِي الصندوق، وَقمت بعد سَاعَة، ومضيت إِلَى منزلي، وتصدقت، ووفيت بنذري.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، جَاءَنِي الْخَادِم برقعتها، بخطها الَّذِي أعرفهُ، وكيس فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار عينا، وَهِي تَقول فِي رقعتها: أَمرتنِي السيدة بإنفاذ هَذَا الْكيس من مَالهَا إِلَيْك، وَقَالَت: اشْتَرِ ثيابًا، ومركوبًا، وَغُلَامًا يسْعَى بَين يَديك، وَأصْلح بِهِ ظاهرك، وتجمل بِكُل مَا تقدر عَلَيْهِ، وتعال يَوْم الموكب إِلَى بَاب الْعَامَّة، وقف حَتَّى تطلب، وَتدْخل على الْخَلِيفَة، وتتزوج بِحَضْرَتِهِ.
فأجبت على الرقعة، وَأخذت الدَّنَانِير، واشتريت مِنْهَا مَا قَالُوهُ، واحتفظت بِالْبَاقِي.
وَركبت بغلتي يَوْم الموكب إِلَى بَاب الْعَامَّة، ووقفت، وَجَاءَنِي من استدعاني، فَأَدْخلنِي على المقتدر، وَهُوَ على السرير، والقضاة، والهاشميون، والحشم، قيام، فداخلتني هَيْبَة عَظِيمَة، فَخَطب بعض الْقُضَاة، وزوجني، وَخرجت.
فَلَمَّا صرت فِي بعض الممرات، عدل بِي إِلَى دَار عَظِيمَة، مفروشة بأنواع الْفرش الفاخر، والآلات، والخدم، فأجلست، وَتركت وحدي، وَانْصَرف من أجلسني.
(4/366)

فَجَلَست يومي لَا أرى من أعرف، وخدم يدْخلُونَ وَيخرجُونَ، وَطَعَام عَظِيم ينْقل، وهم يَقُولُونَ: اللَّيْلَة تزف فُلَانَة، اسْم زَوْجَتي، إِلَى زَوجهَا، هَاهُنَا.
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل أثر الْجُوع فِي، وأقفلت الْأَبْوَاب، وأيست من الْجَارِيَة، فَبَقيت أَطُوف فِي الدَّار، إِلَى أَن وَقعت على المطبخ، فَإِذا قوم طباخون جُلُوس، فاستطعمت مِنْهُم، فَلم يعرفوني، وظنوا أَنِّي بعض الوكلاء، فقدموا إِلَيّ زيرباجة، فَأكلت مِنْهَا، وغسلت يَدي بأشنان كَانَ فِي المطبخ، وَأَنا مستعجل لِئَلَّا يفْطن بِي، وظننت أَنِّي قد نقيت من رِيحهَا، وعدت إِلَى مَكَاني.
فَلَمَّا انتصف اللَّيْل إِذا بطبول، وزمور، والأبواب تفتح، وصاحبتي قد أهديت إِلَيّ، وَجَاءُوا بهَا فجلوها عَليّ، وَأَنا أقدر أَن ذَلِك فِي النّوم، وَلَا أصدق فَرحا بِهِ، وَقد كَادَت مرارتي تَنْشَق فَرحا وسرورًا، ثمَّ خلوت بهَا، وَانْصَرف النَّاس.
فحين تقدّمت إِلَيْهَا وقبلتها، رفستني فرمت بِي عَن المنصة، وَقَالَت: أنْكرت أَن تفلح يَا عَامي، أَو تصلح يَا سفلَة، وَقَامَت لتخرج.
فتعلقت بهَا، وَقبلت يَديهَا ورجليها، وَقلت: عرفيني ذَنبي، واعملي بعده مَا شِئْت.
(4/367)

فَقَالَت: وَيلك، تَأْكُل، وَلَا تغسل يدك؟ وَأَنت تُرِيدُ أَن تختلي بمثلي؟ فَقلت: اسمعي قصتي، واعملي مَا شِئْت بعد ذَلِك.
فَقَالَت: قل.
فقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، فَلَمَّا بلغت أَكْثَرهَا، قلت: وَعلي، وَعلي، وَحلفت بأيمان مُغَلّظَة، لَا أكلت بعد هَذَا زيرباجة، إِلَّا غسلت يَدي أَرْبَعِينَ مرّة.
فَأَشْفَقت، وتبسمت، وصاحت: يَا جواري، فجَاء مِقْدَار عشر جواري ووصائف، فَقَالَت: هاتم شَيْئا للْأَكْل.
فَقدمت إِلَيْنَا مائدة حَسَنَة، وألوان فاخرة، من مَوَائِد الْخُلَفَاء، فأكلنا جَمِيعًا، واستدعت شرابًا، فشربنا، أَنا وَهِي، وغنى لنا بعض أُولَئِكَ الوصائف.
وقمنا إِلَى الْفراش، فَدخلت بهَا، وَإِذا هِيَ بكر، فافتضضتها، وَبت بليلة من ليَالِي الْجنَّة، وَلم نفترق أسبوعًا، لَيْلًا وَنَهَارًا، إِلَى أَن انْقَضتْ وَلِيمَة الْأُسْبُوع.
فَلَمَّا كَانَ من غَد، قَالَت لي: إِن دَار الْخَلِيفَة لَا تحْتَمل الْمقَام فِيهَا أَكثر من هَذَا، وَمَا تمّ لأحد أَن يدْخل فِيهَا بعروس غَيْرك، وَذَلِكَ لعناية السيدة بِي، وَقد أعطتني خمسين ألف دِينَار، من عين وورق، وجوهر، وقماش، ولي بِخَارِج الْقصر أَمْوَال وذخائر أضعافها، وَكلهَا لَك، فَاخْرُج، وَخذ مَعَك مَالا، واشتر لنا دَارا حَسَنَة، عَظِيمَة الاتساع، يكون فِيهَا بُسْتَان حسن، وَتَكون كَثِيرَة الْحجر،
(4/368)

وَلَا تضيق على نَفسك، كَمَا تضيق نفوس التُّجَّار، فَإِنِّي مَا تعودت أسكن إِلَّا فِي الْقُصُور، وَاحْذَرْ من أَن تبْتَاع شَيْئا ضيقا، فَلَا أسْكنهُ، وَإِذا ابتعت الدَّار، فعرفني، لأنقل إِلَيْك مَالِي، وجواري، وَأَنْتَقِلَ إِلَيْك.
فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة.
فَسلمت إِلَيّ عشرَة آلَاف دِينَار، فأخذتها، وأتيت إِلَى دَاري، واعترضت الدّور، حَتَّى ابتعت مَا وَافق اخْتِيَارهَا، فَكتبت إِلَيْهَا بالْخبر، فنقلت إِلَيّ تِلْكَ النِّعْمَة بأسرها، وَمَعَهَا مَا لم أَظن قطّ أَنِّي أرَاهُ، فضلا عَن أَنِّي أملكهُ، وأقامت عِنْدِي كَذَا وَكَذَا سنة، أعيش مَعهَا عَيْش الْخُلَفَاء، وأتجر فِي خلال ذَلِك، لِأَن نَفسِي لم تسمح لي بترك تِلْكَ الصَّنْعَة، وَإِبْطَال الْمَعيشَة، فتزايد مَالِي وجاهي، وَولدت لي هَؤُلَاءِ الشَّبَاب، وَأَوْمَأَ إِلَى أَوْلَاده، وَمَاتَتْ رَحمهَا الله، وَبَقِي عَليّ مضرَّة الزيرباجة، إِذا أكلتها، غسلت يَدي أَرْبَعِينَ مرّة.
(4/369)

إِسْحَاق الْموصِلِي يتطفل ويقترح
حَدثنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني رَحمَه الله تَعَالَى، إملاء من حفظه، وكتبته عَنهُ فِي أصُول سماعاتي مِنْهُ، وَلم يحضرني كتابي، فأنقله مِنْهُ، فأثبته من حفظي، وتوخيت أَلْفَاظه بجهدي، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: غَدَوْت يَوْمًا، وَأَنا ضجر من مُلَازمَة دَار الْخلَافَة، والخدمة فِيهَا، فركبت بكرَة، وعزمت على أَن أَطُوف الصَّحرَاء، وأتفرج بهَا.
فَقلت لغلماني: إِن جَاءَ رَسُول الْخَلِيفَة، فعرفوه أَنِّي بكرت فِي مُهِمّ لي، وأنكم لَا تعرفُون أَيْن تَوَجَّهت.
ومضيت، وطفت مَا بدا لي، ثمَّ عدت وَقد حمي النَّهَار، فوقفت فِي شَارِع المخرم، فِي الظل، عِنْد جنَاح رحب فِي الطَّرِيق، لأستريح.
فَلم ألبث أَن جَاءَ خَادِم يَقُود حمارا فارهًا، عَلَيْهِ جَارِيَة راكبة، تحتهَا منديل دبيقي، وَعَلَيْهَا من اللبَاس الفاخر مَا لَا غَايَة وَرَاءه، وَرَأَيْت لَهَا قوامًا حسنا، وطرفًا فاتنًا، وشمائل ظريفة، فحدست أَنَّهَا مغنية.
فَدخلت الدَّار الَّتِي كنت وَاقِفًا عَلَيْهَا، وعلقها قلبِي فِي الْوَقْت علوقًا شَدِيدا، لم أستطع مَعَه البراح.
فَلم ألبث إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى أقبل رجلَانِ شابان جميلان، لَهما هيأة تدل على قدرهما، راكبان، فَاسْتَأْذَنا، فَأذن لَهما، فَحَمَلَنِي حب الْجَارِيَة على أَن نزلت
(4/372)

مَعَهُمَا، وَدخلت بدخولهما، فظنا أَن صَاحب الدَّار دَعَاني، وَظن صَاحب الدَّار أَنِّي مَعَهُمَا.
فَجَلَسْنَا، فَأتي بِالطَّعَامِ فأكلنا، وبالشراب فَوضع، وَخرجت الْجَارِيَة، وَفِي يَدهَا عود، فرأيتها حسناء، وَتمكن مَا فِي قلبِي مِنْهَا، وغنت غناء صَالحا، وشربنا.
وَقمت قومة للبول، فَسَأَلَ صَاحب الْمنزل من الفتيين عني، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا لَا يعرفاني، فَقَالَ: هَذَا طفيلي، وَلكنه ظريف، فأجملوا عشرته.
وَجئْت، فَجَلَست، وغنت الْجَارِيَة فِي لحن لي:
ذكرتك إِذْ مرّت بِنَا أمّ شادن ... أَمَام المطايا تستريب وتطمح
من المولعات الرمل أدماء حرّة ... شُعَاع الضُّحَى فِي متنها يتوضّح
فأدته أَدَاء صَالحا، ثمَّ غنت أصواتًا فِيهَا من صنعتي:
الطلول الدوارس ... فارقتها الأوانس
أوحشت بعد أَهلهَا ... فَهِيَ قفر بسابس
فَكَانَ أَثَرهَا فِيهِ أصلح من الأول، ثمَّ غنت أصواتًا من الْقَدِيم والمحدث، وغنت فِي أضعافها من صنعتي، فِي شعري:
قل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عَنْك جانبا
(4/373)

قد بلغت الَّذِي أردْت ... وَإِن كنت لاعبا
واعترفنا بِمَا أدّعيت ... وَإِن كنت كَاذِبًا
فَكَانَ أصلح مَا غنته، فاستعدته مِنْهَا لأصححه لَهَا، فَأقبل عَليّ رجل مِنْهُم، فَقَالَ: مَا رَأَيْت طفيليًا أصفق مِنْك وَجها، لم ترض بالتطفيل حَتَّى اقترحت، وَهَذَا تَصْدِيق للمثل: طفيلي ويقترح، فأطرقت، وَلم أجبه، وَجعل صَاحبه يكفه عني، فَلَا يكف.
ثمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاة، وتأخرت، فَأخذت الْعود وشددت طبقته، وأصلحته إصلاحًا محكمًا، وعدت إِلَى موضعي، فَصليت، وعادوا، وَأخذ الرجل فِي عربدته عَليّ، وَأَنا صَامت.
وَأخذت الْجَارِيَة الْعود، وجسته، فأنكرت حَاله، وَقَالَت: من مس عودي؟ فَقَالُوا: مَا مَسّه أحد.
قَالَت: بلَى، وَالله، قد مَسّه حاذق مُتَقَدم، وَشد طبقته، وَأَصْلحهُ إصْلَاح مُتَمَكن من صَنعته.
فَقلت لَهَا: أَنا أصلحته.
قَالَت: بِاللَّه عَلَيْك، خُذْهُ، فَاضْرب بِهِ.
فَأَخَذته، وَضربت بِهِ مبدأ عجيبًا، فِيهِ نقرات محركة، فَمَا بَقِي فِي الْمجْلس أحد إِلَّا وثب فَجَلَسَ بَين يَدي.
وَقَالُوا: بِاللَّه عَلَيْك يَا سيدنَا، أتغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم نَفسِي أَيْضا، أَنا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، وَإِنِّي، وَالله، لأتيه على الْخَلِيفَة، وَأَنْتُم تشتموني الْيَوْم، لِأَنِّي تملحت مَعكُمْ بِسَبَب
(4/374)

هَذِه الْجَارِيَة، وَوَاللَّه، لَا نطقت بِحرف، وَلَا جَلَست مَعكُمْ، أَو تخْرجُوا هَذَا المعاند.
ونهضت لأخرج، فتعلقوا بِي، فَلم أرجع، فلحقتني الْجَارِيَة، فتعلقت بِي، فلنت، وَقلت: لَا أَجْلِس، حَتَّى تخْرجُوا هَذَا البغيض.
فَقَالَ لَهُ صَاحبه: من هَذَا كنت أَخَاف عَلَيْك، فَأخذ يعْتَذر.
فَقلت: أَجْلِس، وَلَكِنِّي، وَالله، لَا أنطق بِحرف وَهُوَ حَاضر، فَأخذُوا بِيَدِهِ، فأخرجوه.
فَبَدَأت أُغني الْأَصْوَات الَّتِي غنتها الْجَارِيَة من صنعتي، فطرب صَاحب الْبَيْت طَربا شَدِيدا، وَقَالَ: هَل لَك فِي أَمر أعرضه عَلَيْك؟ فَقلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تقيم عِنْدِي شهرا، وَالْجَارِيَة لَك بِمَا لَهَا من كسْوَة.
فَقلت: أفعل.
فأقمت عِنْده ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لَا يعرف أحد أَيْن أَنا، والمأمون يطلبني فِي كل مَوضِع، فَلَا يعرف لي خَبرا.
فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، سلم إِلَيّ الْجَارِيَة وَالْخَادِم، وَجئْت بهَا إِلَى منزلي، وَكَانَ أهل منزلي فِي أقبح صُورَة لتأخري عَنْهُم.
وَركبت إِلَى الْمَأْمُون من وقتي، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ لي: يَا إِسْحَاق، وَيحك، أَيْن كنت؟ فَأَخْبَرته بخبري.
فَقَالَ: عَليّ بِالرجلِ السَّاعَة، فدللتهم على بَيته، فأحضر، فَسَأَلَهُ الْمَأْمُون عَن الْقِصَّة، فَأخْبرهُ بهَا.
فَقَالَ: أَنْت ذُو مُرُوءَة، وسبيلك أَن تعان عَلَيْهَا، فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم.
(4/375)

وَقَالَ: لَا تعاشر ذَلِك المعربد السّفل.
فَقَالَ: معَاذ الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، وَقَالَ لي: أحضر الْجَارِيَة، فأحضرته إِيَّاهَا، فغنته.
فَقَالَ لي: قد جعلت لَهَا نوبَة كل يَوْم ثلاثاء، تغنيني من وَرَاء الستارة، مَعَ الْجَوَارِي، وَأمر لَهَا بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.
فربحت، وَالله، بِتِلْكَ الرّكْبَة، وأربحت.
(4/376)

أَنْت طَالِق إِن لم تَكُونِي أحسن من الْقَمَر
وَوجدت فِي بعض الْكتب: أَن عِيسَى بن مُوسَى، كَانَ يحب زَوجته حبا شَدِيدا، فَقَالَ لَهَا يَوْمًا: أَنْت طَالِق، إِن لم تَكُونِي أحسن من الْقَمَر.
فَنَهَضت، واحتجبت عَنهُ، وَقَالَت: قد طلقتني، فَبَاتَ بليلة عَظِيمَة.
فَلَمَّا أصبح غَدا إِلَى الْمَنْصُور، وَأخْبرهُ الْخَبَر، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن تمّ طَلاقهَا، تلفت نَفسِي غمًا، وَكَانَ الْمَوْت أحب إِلَيّ من الْحَيَاة.
وَظهر للمنصور مِنْهُ جزع شَدِيد، فأحضر الْفُقَهَاء، واستفتاهم، فَقَالَ جَمِيع من حضر، قد طلقت، إِلَّا رجلا من أَصْحَاب أبي حنيفَة، فَإِنَّهُ سكت.
فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: مَا لَك لَا تَتَكَلَّم؟ فَقَالَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم،] وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {1} وَطُورِ سِينِينَ {2} وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ {3} لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [سُورَة التِّين: 1-4] فَلَا شَيْء أحسن من الْإِنْسَان.
فَقَالَ الْمَنْصُور لعيسى بن مُوسَى: قد فرج الله تَعَالَى عَنْك، وَالْأَمر كَمَا قَالَ، فأقم على زَوجتك.
وراسلها أَن أطيعي زَوجك، فَمَا طلقت.
(4/377)

مَا ثَمَانِيَة وَأَرْبَعَة وَاثْنَانِ
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن بشار الْأَنْبَارِي، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عبيد، عَن الْهَيْثَم بن عدي، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، قَالَ: قدم علينا عمر بن هُبَيْرَة الْكُوفَة، فَأرْسل إِلَى عشرَة، أَنا أحدهم، من وُجُوه أهل الْكُوفَة، فسمرنا عِنْده.
ثمَّ قَالَ: يحدثني كل رجل مِنْكُم أُحدوثةً، وابدأ أَنْت يَا أَبَا عَمْرو.
فَقلت: أصلح الله الْأَمِير، أحديث الْحق، أم حَدِيث الْبَاطِل؟ فَقَالَ: بل حَدِيث الْحق.
فَقلت: إِن أمرء الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ، آلي ألية، أَن لَا يتَزَوَّج بِامْرَأَة حَتَّى يسْأَلهَا عَن ثَمَانِيَة، وَأَرْبَعَة، واثنين، فَجعل يخْطب النِّسَاء، فَإِذا سَأَلَهُنَّ عَنْهَا، قُلْنَ: أَرْبَعَة عشر.
(4/378)

فَبينا هُوَ يسير فِي اللَّيْل، وَإِذا هُوَ بِرَجُل يحمل ابْنة لَهُ صَغِيرَة، كَأَنَّهَا الْقَمَر لتمه، فَأَعْجَبتهُ.
فَقَالَ لَهَا: يَا جَارِيَة، مَا ثَمَانِيَة، وَأَرْبَعَة، وَاثْنَانِ؟ فَقَالَت: أما الثَّمَانِية: فأطباء الكلبة، وَأما الْأَرْبَعَة: فأخلاف النَّاقة، وَأما الِاثْنَان: فثديا الْمَرْأَة.
فَخَطَبَهَا من أَبِيهَا، فَزَوجهُ مِنْهَا، واشترطت هِيَ عَلَيْهِ، أَن تسأله لَيْلَة يَأْتِيهَا، عَن ثَلَاث خِصَال، فَجعل لَهَا ذَلِك، على نَفسه، وعَلى أَن يَسُوق لَهَا مائَة من الْإِبِل، وَعشرَة أعبد، وَعشر وصائف، وَثَلَاثَة أَفْرَاس، فَفعل ذَلِك.
ثمَّ إِنَّه بعث عبدا لَهُ إِلَى الْمَرْأَة، وَأهْدى إِلَيْهَا نحيًا من سمن، ونحيًا من عسل، وحلةً من قصب.
فَنزل العَبْد بِبَعْض الْمِيَاه، فنشر الْحلَّة، ولبسها، فتعلقت بشجرة فانشقت، وَفتح النحيين، وَأطْعم أهل المَاء مِنْهُمَا.
ثمَّ قدم على حَيّ الْمَرْأَة وهم خلوف، فَسَأَلَهَا عَن أَبِيهَا، وَأمّهَا، وأخيها، وَدفع إِلَيْهَا هديتها.
فَقَالَت: أعلم مَوْلَاك، أَن أبي ذهب يقرب بَعيدا، وَيبعد قَرِيبا، وَأَن أُمِّي ذهبت تشق النَّفس نفسين، وَأَن أخي يُرَاعِي الشَّمْس، وَأَن سماءكم
(4/379)

انشقت، وَأَن وعائيكما نضبا.
فَقدم الْغُلَام على مَوْلَاهُ، وَأخْبرهُ بِمَا قَالَت.
فَقَالَ: أما قَوْلهَا: ذهب أبي يقرب بَعيدا، وَيبعد قَرِيبا، فَإِن أَبَاهَا ذهب يحالف قوما على قومه.
وَأما قَوْلهَا: ذهبت أُمِّي تشق النَّفس نفسين، فَإِن أمهَا ذهبت تقبل امْرَأَة.
وَأما قَوْلهَا: إِن أخي يُرَاعِي الشَّمْس، فَإِن أخاها فِي سرح لَهُ يرعاها، فَهُوَ ينْتَظر وجوب الشَّمْس ليروح.
وَأما قَوْلهَا: إِن سماءكم انشقت، فَإِن الْحلَّة الَّتِي بعثت بهَا مَعَك انشقت.
وَأما قَوْلهَا: إِن وعائيكما نضبا، فَإِن النحيين الَّذين بعثت بهما نقصا، فأصدقني.
فَقَالَ: يَا مولَايَ، إِنِّي نزلت بِمَاء من مياه الْعَرَب، فسألوني عَن نسبي، فَأَخْبَرتهمْ أَنِّي ابْن عمك، ونشرت الْحلَّة فلبستها، وتجملت بهَا، فعلقت بشجرة، فانشقت، وَفتحت النحيين، فأطعمت مِنْهُمَا أهل المَاء.
فَقَالَ: أولى لَك.
ثمَّ سَاق مائَة من الْإِبِل، وَخرج نَحْوهَا، وَمَعَهُ الْغُلَام، فَنزلَا منزلا.
فَقَامَ الْغُلَام ليسقي، فعجز، فأعانه امْرُؤ الْقَيْس، فَرمى بِهِ الْغُلَام فِي الْبِئْر، وَانْصَرف حَتَّى أَتَى الْمَرْأَة بِالْإِبِلِ، فَأخْبرهُم أَنه زَوجهَا.
فَقيل لَهَا: قد جَاءَ زَوجك.
فَقَالَت: وَالله، لَا أَدْرِي أهوَ زَوجي أم لَا، وَلَكِن انحروا لَهُ جزورًا،
(4/380)

وأطعموه من درتها وذنبها، فَفَعَلُوا، فَأكل مَا أطعموه.
فَقَالَت: اسقوه لَبَنًا حازرًا وَهُوَ الحامض، فَشرب.
فَقَالَت: أفرشوا لَهُ عِنْد الفرث وَالدَّم، ففرشوا لَهُ، فَنَامَ.
فَلَمَّا أَصبَحت، أرْسلت إِلَيْهِ: إِنِّي أُرِيد أَن أَسأَلك.
فَقَالَ: سَلِي عَمَّا بدا لَك.
فَقَالَت: مِم تختلج شفتاك؟ فَقَالَ: لتقبيلي فَاك.
فَقَالَت: مِم يختلج كشحاك؟ قَالَ: لالتزامي إياك.
فَقَالَت: مِم يختلج فخذاك؟ فَقَالَ: لتوركي إياك.
فَقَالَت: عَلَيْكُم بِالْعَبدِ، فشدوا أَيْدِيكُم بِهِ، فَفَعَلُوا.
قَالَ: وَمر قوم، فَاسْتَخْرَجُوا امرء الْقَيْس من الْبِئْر، فَرجع إِلَى حيه، وَاسْتَاقَ مائَة من الْإِبِل، وَأَقْبل إِلَى امْرَأَته.
فَقيل لَهَا: قد جَاءَ زَوجك.
فَقَالَت: وَالله، مَا أَدْرِي أهوَ زَوجي أم لَا، وَلَكِن أنحروا لَهُ جزورًا، وأطعموه من كرشها وذنبها، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَتَوْهُ بذلك، قَالَ: أَيْن الكبد والسنام والملحة، وأبى أَن يَأْكُل.
(4/381)

فَقَالَت: أسقوه لَبَنًا حازرًا، فَأبى أَن يشرب، وَقَالَ: أَيْن الضَّرْب والزبد؟ فَقَالَت: افرشوا لَهُ عِنْد الفرث وَالدَّم، فَأبى أَن ينَام، وَقَالَ: افرشوا لي فَوق التلعة الْحَمْرَاء، واضربوا لي عَلَيْهَا خباء.
ثمَّ أرْسلت إِلَيْهِ تَقول: هَات شرطي عَلَيْك فِي الْمسَائِل الثَّلَاث، فَأرْسل إِلَيْهَا سَلِي عَمَّا شِئْت.
فَقَالَت: مِم تختلج شفتاك؟ قَالَ: لشربي المشعشعات.
قَالَت: مِم يختلج كشحاك؟ قَالَ: للبسي الحبرات.
قَالَت: فمم يختلج فخذاك؟ قَالَ: لركوبي السابقات.
فَقَالَت: هَذَا هُوَ زَوجي، فَعَلَيْكُم بِهِ، واقتلوا العَبْد، فَقَتَلُوهُ، وَأَقْبل امْرُؤ الْقَيْس على الْجَارِيَة.
فَقَالَ ابْن هُبَيْرَة: لَا خير فِي سَائِر الحَدِيث اللَّيْلَة، بعد حَدِيثك يَا أَبَا عَمْرو، وَلنْ يأتينا أحد بِأَعْجَب مِنْهُ، فقمنا، وانصرفنا، وَأمر لي بجائزة.
(4/382)

أَخْبَار قيس ولبنى
وجدت فِي كتاب الأغاني الْكَبِير، لأبي الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، الَّذِي أجَاز لي رِوَايَته، فِي جملَة مَا أجَازه لي، أَخْبَار قيس بن ذريح اللَّيْثِيّ، فَقَالَ فِي صدرها: أَخْبرنِي بِخَبَر قيس بن ذريح ولبنى امْرَأَته، جمَاعَة من مَشَايِخنَا، فِي قصَص مُتَّصِلَة ومتقطعة، وأخبار منظومة ومنثورة، فألفت جَمِيع ذَلِك ليتسق حَدِيثه، إِلَّا مَا جَاءَ مُنْفَردا، وَحسن إِخْرَاجه عَن جملَة النّظم، فَذَكرته على حِدته.
فَمِمَّنْ أخبرنَا بِخَبَرِهِ أَحْمد بن عبد الْعَزِيز الْجَوْهَرِي، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شبة، وَلم يتجاوزه إِلَى غَيره، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَيُّوب عَن ابْن قُتَيْبَة.
وَالْحسن بن عَليّ، عَن مُحَمَّد بن أبي السّري، عَن هِشَام مُحَمَّد الْكَلْبِيّ، وعَلى رِوَايَته أَكثر الْمعول.
وَنسخت أَيْضا من أخباره الْمَنْظُومَة، أَشْيَاء ذكرهَا القحذمي، عَن رِجَاله، وخَالِد بن كُلْثُوم عَن نَفسه، وَمن روى عَنهُ، وخَالِد بن جميل.
ونتفًا حَكَاهَا اليوسفي صَاحب الرسائل، عَن أَبِيه، عَن أَحْمد بن حَمَّاد، عَن جميل، عَن ابْن أبي جنَاح الكعبي، وحكيت كل مُتَّفق فِيهِ مُتَّصِلا، وكل مُخْتَلف فِي مَعَانِيه مَنْسُوبا إِلَى رَاوِيه، قَالُوا جَمِيعًا:
(4/383)

كَانَ منزل فِي ظَاهر الْمَدِينَة لذريح، وَهُوَ أَبُو قيس، وَكَانَ هُوَ وَأَبوهُ من حَاضِرَة الْمَدِينَة.
فَمر قيس فِي بعض حَوَائِجه، ذَات يَوْم، بحي من بني كَعْب بن خُزَاعَة، والحي خلوف، فَوقف على خباء لبنى بنت الْحباب الْكَعْبِيَّة، واستسقى مَاء، فسقته، وَخرجت إِلَيْهِ بِهِ، وَكَانَت امْرَأَة مديدة الْقَامَة، شهلاء، حلوة المنظر وَالْكَلَام، فَلَمَّا رَآهَا وَقعت فِي نَفسه، وَشرب من المَاء.
فَقَالَت لَهُ: أتنزل عندنَا؟ قَالَ: نعم، فَنزل بهم، وَجَاء أَبوهَا، فَنحر لَهُ وأكرمه.
وَانْصَرف قيس، وَفِي قلبه من لبنى حر لَا يطفأ، فَجعل ينْطق بالشعر فِيهَا حَتَّى شاع خَبره، وَرُوِيَ شعره فِيهَا.
وأتاها يَوْمًا آخر، وَقد اشْتَدَّ وجده بهَا، فَسلم، فظهرت لَهُ، وَردت سَلَامه، ورحبت بِهِ، فَشكى إِلَيْهَا مَا يجد بهَا، وَمَا يلقى من حبها، فَبَكَتْ وَشَكتْ إِلَيْهِ مثل ذَلِك، فَعرف كل وَاحِد مِنْهُمَا، مَا لَهُ عِنْد صَاحبه.
ثمَّ انْصَرف إِلَى أَبِيه، فَأعلمهُ بِحَالهِ، وَسَأَلَهُ أَن يُزَوجهُ إِيَّاهَا، فَأبى عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا بني عَلَيْك بِإِحْدَى بَنَات عمك، فهن أَحَق بك، وَكَانَ ذريح كثير المَال، وَأحب أَن لَا يخرج مَاله إِلَى غَرِيبَة.
فَانْصَرف قيس، وَقد سَاءَهُ مَا خاطبه بِهِ أَبوهُ، فَأتى أمه وشكى ذَلِك إِلَيْهَا، واستعان بهَا على أَبِيه، فَلم يجد عِنْدهَا مَا يحب.
(4/384)

فَأتى الْحُسَيْن بن عَليّ، سَلام الله عَلَيْهِمَا، فَشكى مَا بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: أَنا أكفيك.
فَمضى مَعَه إِلَى أبي لبنى، فَلَمَّا بصر بِهِ، وثب إِلَيْهِ، وأعظمه، وَقَالَ: يَابْنَ رَسُول الله، مَا جَاءَ بك إِلَيّ؟ أَلا بعثت إِلَيّ فآتيك؟ قَالَ: قد جئْتُك خاطبًا ابْنَتك لبنى، لقيس بن ذريح، وَقد عرفت مَكَانَهُ مني.
فَقَالَ: يَابْنَ بنت رَسُول الله، مَا كنت لأعصي لَك أمرا، وَمَا بِنَا عَن الْفَتى رَغْبَة، وَلَكِن أحب الْأَمريْنِ إِلَيْنَا، أَن يخطبها ذريح علينا، وَأَن يكون ذَلِك عَن أمره، فَإنَّا نَخَاف أَن يسمع أَبوهُ بِهَذَا، فَيكون عارًا ومسبة علينا.
فَأتى الْحُسَيْن سَلام الله عَلَيْهِ ذريحًا، وَقَومه مجتمعون، فَقَامُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ مثل قَول الْخُزَاعِيّ.
فَقَالَ: يَا ذريح، أَقْسَمت عَلَيْك بحقي، إِلَّا خطبت لبنى لابنك قيس.
فَقَالَ: السّمع وَالطَّاعَة لأمرك.
وَخرج مَعَه فِي وُجُوه قومه، حَتَّى أَتَى حَيّ لبنى، فَخَطَبَهَا ذريح من أَبِيهَا على ابْنه قيس، فَزَوجهُ بهَا، وزفت إِلَيْهِ.
فَأَقَامَ مَعهَا مُدَّة، لَا يُنكر أَحدهمَا من صَاحبه شَيْئا.
(4/385)

وَكَانَ قيس أبر النَّاس بِأُمِّهِ، فألهته لبنى وعكوفه عَلَيْهَا عَن بعض ذَلِك، فَوجدت أمه فِي نَفسهَا، وَقَالَت: لقد شغلت هَذِه الْمَرْأَة ابْني عَن بري.
وَلم تَرَ للْكَلَام موضعا حَتَّى مرض قيس مَرضا شَدِيدا، فَلَمَّا برِئ، قَالَت أمه لِأَبِيهِ: لقد خشيت أَن يَمُوت قيس وَلم يتْرك خلفا، وَقد حرم الْوَلَد من هَذِه الْمَرْأَة، وَأَنت ذُو مَال، فَيصير مَالك إِلَى الْكَلَالَة، فَزَوجهُ غَيرهَا، لَعَلَّ الله عز وَجل يرزقه ولدا، وألحت عَلَيْهِ فِي ذَلِك.
فأمهل ذريح حَتَّى اجْتمع قومه، ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا قيس، إِنَّك اعتللت هَذِه الْعلَّة وَلَا ولد لَك، وَلَا لي سواك، وَهَذِه الْمَرْأَة لَيست بولود، فَتزَوج إِحْدَى بَنَات عمك لَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يهب لَك ولدا تقر بِهِ عَيْنك وأعيننا.
فَقَالَ قيس: لست متزوجًا غَيرهَا أبدا.
فَقَالَ أَبوهُ: يَا بني، فَإِن مَالِي كثير، فتسر بالإماء.
فَقَالَ: وَلَا أسوءها بِشَيْء أبدا.
قَالَ أَبوهُ: فَإِنِّي أقسم عَلَيْك إِلَّا طَلقتهَا.
فَأبى، وَقَالَ: الْمَوْت، وَالله، أسهل عَليّ من ذَلِك، وَلَكِنِّي أخيرك خصْلَة من خِصَال.
فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تتَزَوَّج أَنْت، فَلَعَلَّ الله عز وَجل أَن يرزقك ولدا غَيْرِي.
فَقَالَ: مَا فِي فضل لذَلِك.
قَالَ: فَدَعْنِي أرحل عَنْك بأهلي، وأصنع مَا كنت صانعًا، لَو كنت مت فِي علتي هَذِه.
فَقَالَ: وَلَا هَذَا.
قَالَ: فأدع لبنى عنْدك، وأرتحل عَنْك إِلَى أَن أسلوها، فَإِنِّي مَا تحب
(4/386)

نَفسِي أَن أعيش، وَتَكون لبنى غَائِبَة عني أبدا، وَأَن لَا تكون فِي حبالي.
فَقَالَ: لَا أرْضى بذلك، أَو تطلقها، وَحلف لَا يكنه سقف بَيت أبدا، حَتَّى يُطلق لبنى.
وَكَانَ يخرج فيقف فِي حر الشَّمْس، وَيَجِيء قيس فيقف إِلَى جَانِبه، فيظله بردائه، وَيصلى هُوَ بَحر الشَّمْس، حَتَّى يفِيء الْفَيْء عَنهُ، وينصرف إِلَى لبنى، فيعانقها، ويبكي، وتبكي مَعَه.
وَتقول لَهُ: يَا قيس، لَا تُطِع أَبَاك، فتهلك، وتهلكني مَعَك.
فَيَقُول لَهَا: مَا كنت لأطيع أحدا فِيك أبدا.
فَيُقَال: إِنَّه مكث كَذَلِك سنة، ثمَّ طَلقهَا لأجل وَالِده، فَلم يطق الصَّبْر عَنْهَا.
قَالَ ابْن جريج: أخْبرت أَن عبد الله بن صَفْوَان لَقِي ذريحًا أَبَا قيس، فَقَالَ لَهُ: مَا حملك على أَن فرقت بَين قيس ولبنى، أما علمت أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: مَا أُبَالِي فرقت بَين الرجل وَامْرَأَته، أَو مشيت إِلَيْهِمَا بِالسَّيْفِ.
وروى هَذَا الحَدِيث، إِبْرَاهِيم بن يسَار الرَّمَادِي، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: قَالَ الْحُسَيْن بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام لذريح بن سنة، أبي قيس: أحل لَك أَن فرقت بَين قيس ولبنى، أما أَنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: مَا أُبَالِي فرقت بَين الرجل وَامْرَأَته، أَو مشيت إِلَيْهِمَا بِالسَّيْفِ.
قَالَ أَبُو الْفرج: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن خلف، وَكِيع، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن معِين، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، قَالَ: حَدثنَا
(4/387)

ابْن جريج، قَالَ: أخبرنَا عمر بن أبي نصر، عَن لَيْث بن عَمْرو، أَنه سمع قيس بن ذريح يَقُول ليزِيد بن سُلَيْمَان: هجرني أبواي، اثْنَتَيْ عشرَة سنة، أَسْتَأْذن عَلَيْهِمَا، فيرداني، حَتَّى طَلقتهَا.
قَالُوا: فَلَمَّا بَانَتْ لبنى مِنْهُ، بطلاقه إِيَّاهَا، وَفرغ من الْكَلَام، لم يلبث حَتَّى استطير عقله، ولحقه مثل الْجُنُون، وَجعل يبكي وينشج أحر نشيج، وَبَلغهَا الْخَبَر، فَأرْسلت إِلَى أَبِيهَا ليحملها، وَقيل: أَقَامَت حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا، وَقيس يدْخل إِلَيْهَا، فَأرْسلت إِلَى أَبِيهَا ليحملها، فَأقبل أَبوهَا بهودج على نَاقَة، وَمَعَهُ إبل، ليحمل أثاثها.
فَلَمَّا رأى قيس ذَلِك، أقبل على جاريتها، وَقَالَ: وَيحك، مَا دهاني فِيكُم؟ فَقَالَت: لَا تَسْأَلنِي، وسل لبنى.
فَذهب ليلم بخبائها، فَمَنعه قَومهَا، وَأَقْبَلت عَلَيْهِ امْرَأَة من قَومهَا، وَقَالَت: وَيحك تسْأَل، كَأَنَّك جَاهِل أَو متجاهل، هَذِه لبنى ترحل اللَّيْلَة أَو غَدا.
فَسقط مغشيًا عَلَيْهِ، ثمَّ أَفَاق، وَبكى بكاء كثيرا، ثمَّ أنشأ يَقُول:
وإنّي لمفنٍ دمع عَيْني بالبكا ... حذار الَّذِي قد كَانَ أَو هُوَ كَائِن
وَقَالُوا غَدا أَو بعد ذَاك بليلة ... فِرَاق حبيب لم يبن وَهُوَ بَائِن
وَمَا كنت أخْشَى أَن تكون منيّتي ... بكفّيك إِلَّا أنّ مَا حَان حائن
قَالَ أَبُو الْفرج: فِي هَذِه الأبيات غناء، وَلها أَخْبَار قد ذكرت فِي أَخْبَار الْمَجْنُون قيس بن الملوح، مَجْنُون بني عَامر، ثمَّ ذكر أَبُو الْفرج بعد هَذَا عدَّة قطع من شعر قيس بن ذريح.
ثمَّ قَالَ: قَالُوا: فَلَمَّا ارتحل بهَا أَبوهَا إِلَى قَومهَا، أتبعهَا مَلِيًّا، ثمَّ علم أَن
(4/388)

أَبَاهَا يسوءه أَن يسير مَعهَا، ويمنعه ذَلِك، فَوقف ينظر إِلَيْهَا ويبكي، حَتَّى غَابُوا عَن عَيْنَيْهِ، فكر رَاجعا، فَنظر إِلَى أثر خف بَعِيرهَا، فأكب عَلَيْهِ يقبله، وَرجع يقبل مَوضِع مجلسها، وَأثر قدميها، فليم على ذَلِك، وعنفه قومه فِي تَقْبِيل التُّرَاب، فَقَالَ:
وَمَا أَحْبَبْت أَرْضكُم وَلَكِن ... أقبّل إِثْر من وطئ الترابا
لقد لاقيت من كلفي بلبنى ... بلَاء مَا أسيغ لَهُ شرابًا
إِذا نَادَى الْمُنَادِي باسم لبنى ... عييت فَمَا أُطِيق لَهُ جَوَابا
ثمَّ ذكر أَبُو الْفرج قطعا من شعر قيس، وأخبارًا من أخباره منشورة، بأسانيد مُفْردَة على الْإِسْنَاد الَّذِي رويته عَنهُ هَهُنَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَوَاضِع من الحَدِيث الَّذِي جمع فِيهِ من أسانيده، وأتى بسياقة يطول عَليّ أَن أذكرها فِي كتابي هَذَا، جُمْلَتهَا عَظِيم مَا لحق قيس من التململ، والسهر، والحزن، والأسفار، والبكاء الْعَظِيم، والجزع المفرط، وإلصاق خَدّه بِالْأَرْضِ على آثارها، وَخُرُوجه فِي أَثَرهَا، وشم رائحتها، وعتابه نَفسه فِي طَاعَة أَبِيه على طَلاقهَا.
ثمَّ اعتل عِلّة أشرف مِنْهَا على الْمَوْت، فَجمع لَهُ أَبوهُ فتيات الْحَيّ يعللنه، ويحدثنه، طَمَعا فِي أَن يسلو عَن لبنى، ويعلق بِوَاحِدَة مِنْهُنَّ، فيزوجه مِنْهَا، فَلم يفعل، وقصة لَهُ مَعَ طَبِيب أحضر لَهُ، وَقطع شعر كَثِيرَة لقيس فِي خلال ذَلِك.
ثمَّ إِن أَبَا لبنى شكا قيسا إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَذكر تعرضه لَهَا بعد الطَّلَاق.
فَكتب مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان بن الحكم بهدر دَمه إِن تعرض لَهَا، فَكتب مَرْوَان بذلك إِلَى صَاحب المَاء.
(4/389)

ثمَّ إِن أَبَاهَا زَوجهَا، فَبلغ ذَلِك قيسا، فَاشْتَدَّ جزعه، وَجعل يبكي أَشد بكاء، وأتى حِلَّةَ قَومهَا، فَنزل عَن رَاحِلَته، وَجعل يتَعَمَّد فِي موضعهَا، ويمرغ خَدّه على ترابها، ويبكي أحر بكاء، ثمَّ قَالَ قصيدته الَّتِي رَوَاهَا أَبُو الْفرج، الَّتِي أَولهَا:
إِلَى الله أَشْكُو فقد لبنى كَمَا شكا ... إِلَى الله فقد الْوَالِدين يَتِيم
وَذكر بعد هَذَا أَخْبَارًا لَهُ مَعهَا، واجتماعات عفيفة كَانَت بَينهمَا، بحيل طريفة، ووجدها بِهِ، وبكاءها فِي طَلاقهَا، وإنكار زَوجهَا، الَّذِي تزَوجهَا بعد قيس، ذَلِك عَلَيْهَا، ومكاشفتها لَهُ، وَعلة أُخْرَى لحقت قيسا، واشتهارهما، وافتضاحهما، وَمَا لحق قيسا ولبنى من الخبل، واختلال الْعقل، وَقطع شعر كَثِيرَة لقيس أَيْضا فِي خلال ذَلِك، وَأَن قيسا مضى إِلَى ابْن أبي عَتيق، فَمضى بِهِ إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة، ومدحه وشكى إِلَيْهِ مَا جرى عَلَيْهِ، فرق لَهُ، ورحمه، وَأخذ لَهُ كتاب أَبِيه بِأَن يُقيم حَيْثُ أحب، وَلَا يعْتَرض لَهُ أحد، وأزال مَا كتب بِهِ إِلَى مَرْوَان، من هدر دَمه، وَقطع شعر كَثِيرَة أُخْرَى لقيس فِي خلال ذَلِك، وأخبار مُفْردَة، ومفصلة.
ثمَّ قَالَ: وَقد اخْتلف فِي أَكثر أَمر قيس ولبنى، وَذكر كلَاما يَسِيرا فِي ذَلِك، والجميع فِي نَيف وَعشْرين ورقة.
(4/390)

وَذكر القحذمي: أَن ابْن أبي عَتيق، صَار إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ، وَجَمَاعَة من قُرَيْش وَقَالَ لَهُم: إِن لي حَاجَة أحب أَن تقضوها، وَأَنا أستعين بجاهكم وَأَمْوَالكُمْ عَلَيْهَا.
قَالُوا: ذَلِك مبذول لَك منا، فَاجْتمعُوا بِيَوْم وعدهم فِيهِ، فَمضى بهم إِلَى زوج لبنى، فَلَمَّا رَآهُمْ، أعظم مَسِيرهمْ إِلَيْهِ، وأكبره.
فَقَالُوا: قد جئْنَاك بأجمعنا فِي حَاجَة لِابْنِ أبي عَتيق.
فَقَالَ: هِيَ مقضية كائنة مَا كَانَت.
فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَتيق: قد قضيتها كائنة مَا كَانَت؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: تهب لي الْيَوْم لبنى زَوجتك، وَتُطَلِّقهَا ثَلَاثًا.
قَالَ: فَإِنِّي أشهدكم أَنَّهَا طَالِق ثَلَاثًا.
فاستحيا الْقَوْم، وَاعْتَذَرُوا، وَقَالُوا: وَالله، مَا عرفنَا حَاجته، وَلَو علمنَا أَنَّهَا هَذِه، مَا سألناك إِيَّاهَا.
قَالَ ابْن أبي عَائِشَة: فَعوضهُ الْحُسَيْن بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام عَن ذَلِك مائَة ألف دِرْهَم.
وَحمل ابْن أبي عَتيق، لبنى مَعَه، فَلم تزل عِنْده، حَتَّى انْقَضتْ عدتهَا، وَسَأَلَ الْقَوْم أَبَاهَا، فَزَوجهَا قيسا، وَلم تزل مَعَه حَتَّى مَاتَ.
فَقَالَ قيس يمدح ابْن أبي عَتيق:
جزى الرَّحْمَن أفضل مَا يجازي ... على الْإِحْسَان خيرا من صديق
فقد جرّبت إخْوَانِي جَمِيعًا ... فَمَا ألفيت كَابْن أبي عَتيق
(4/391)

سعى فِي جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فِيهِ عَن الطَّرِيق
وأطفأ لوعة كَانَت بقلبي ... أغصّتني حَرَارَتهَا بريقي
قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْن أبي عَتيق: يَا حَبِيبِي، أمسك عَن هَذَا الحَدِيث، فَمَا سَمعه أحد إِلَّا ظنني قوادًا.
(4/392)

عشق جَارِيَة زَوجته فوهبتها لَهُ
وَوجدت فِي بعض كتبي: قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن حَمْزَة: كَانَت لزوجتي جَارِيَة حَسَنَة الْوَجْه، فعلقتها، وَعلمت زَوْجَتي بذلك، فحجبتها عني، فَاشْتَدَّ مَا بِي من الوجد عَلَيْهَا، وقاسيت شدَّة شَدِيدَة.
فَبينا أَنا ذَات لَيْلَة نَائِم، ومولاتها زَوْجَتي إِلَى جَانِبي، إِذْ رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن الْجَارِيَة حيالي، وَأَنا أبْكِي، إِذْ لَاحَ لي إِنْسَان فأنشدني:
وقفت حيالك أذري الدُّمُوع ... وأخلط بالدمع منّي دَمًا
وأشكو الَّذِي بِي إِلَى عاذلي ... وَلَا خير فِي الحبّ أَن يكتما
رضيت بِمَا لَيْسَ فِيهِ رضَا ... بِتَسْلِيم طرفك إِن سلّما
فتهت عليّ وأقصيتني ... وأعزز عليّ بِأَن أرغما
قَالَ: فانتبهت فَزعًا مَرْعُوبًا، ودعوت بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس، وَجَلَست فِي فِرَاشِي، وكتبت الشّعْر.
فَقَالَت لي زَوْجَتي: مَاذَا تصنع؟ فقصصت عَلَيْهَا الْقِصَّة والرؤيا.
فَقَالَت: هَذَا كُله من حب فُلَانَة؟ قد وهبتها لَك.
(4/393)

بِاللَّه يَا طرفِي الْجَانِي على كَبِدِي
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ إجَازَة، قَالَ: أَخْبرنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنَا معبد الصَّغِير الْمُغنِي، مولى عَليّ بن يَقْطِين، قَالَ: كنت مُنْقَطِعًا إِلَى البرامكة، فَبَيْنَمَا أَنا ذَات يَوْم فِي منزلي، وَإِذا بَابي يدق، فَخرج غلامي ثمَّ رَجَعَ إِلَيّ.
فَقَالَ: على الْبَاب فَتى ظَاهر الْمُرُوءَة، يسْتَأْذن عَلَيْك.
فَأَذنت لَهُ، فَدخل عَليّ شَاب، مَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ وَجها، وَلَا أنظف ثوبا، وَلَا أجمل زيًا، عَلَيْهِ أثر السقم ظَاهر.
فَقَالَ لي: يَا سَيِّدي أَنا مُنْذُ مُدَّة أحاول لقاءك، وَلَا أجد إِلَيْهِ سَبِيلا، ولي إِلَيْك حَاجَة.
قلت: مَا هِيَ؟ فَأخْرج إِلَيّ ثلث مائَة دِينَار، فوضعها بَين يَدي.
ثمَّ قَالَ: أَسأَلك أَن تقبلهَا، وتصنع فِي بَيْتَيْنِ قلتهما لحنًا تغنيني بِهِ.
فَقلت لَهُ: هاتهما، فأنشدني:
بالله يَا طرفِي الْجَانِي على كَبِدِي ... لتطفئنّ بدمعي لوعة الْحزن
أَولا تؤخّر حَتَّى يحجبوا سكني ... فَلَا أرَاهُ وَلَو أدرجت فِي كفني
(4/394)

قَالَ: فصنعت فيهمَا لحنًا، ثقيل أول، مُطلق فِي مجْرى الْوُسْطَى، ثمَّ غنيته إِيَّاه، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى ظننته قد مَاتَ.
ثمَّ أَفَاق، فَقَالَ: أعد فديتك.
قلت: أخْشَى أَن تَمُوت.
فَقَالَ: هَيْهَات، هَيْهَات، أَنا أَشْقَى من ذَلِك، فأعد عَليّ.
وَمَا زَالَ يخضع ويتضرع، حَتَّى أعدته، فَصعِقَ صعقة أَشد من الأولى، حَتَّى ظَنَنْت نَفسه قد فاظت، فَلَمَّا أَفَاق، رددت عَلَيْهِ الدَّنَانِير.
وَقلت لَهُ: خُذ دنانيرك، وَانْصَرف عني، فقد قضيت حَاجَتك، وَبَلغت وطرًا مِمَّا أردته، وَلست أحب أَن أشارك فِي دمك.
فَقَالَ: لَا حَاجَة لي فِي الدَّنَانِير، وَهَذِه مثلهَا لَك، وَأخرج ثلث مائَة دِينَار أُخْرَى.
وَقَالَ: أعد عَليّ الصَّوْت مرّة أُخْرَى، وحلال لَك دمي.
فَقلت: لَا وَالله، إِلَّا على شَرط.
قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قلت: تقيم عِنْدِي، وتتحرم بطعامي وتشرب أقداحًا من النَّبِيذ تشد قَلْبك، وتسكن بعض مَا بك، وتحدثني بقصتك.
فَقَالَ: أفعل.
فَأخذت الدَّنَانِير، ودعوت بِطَعَام، فَأصَاب مِنْهُ، وبالنبيذ، فَشرب أقداحًا، وغنيته بِشعر غَيره فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ يشرب ويبكي.
ثمَّ قَالَ: الشَّرْط، أعزّك الله، فغنيته صَوته، فَجعل يبكي أحر بكاء، وينتحب.
فَلَمَّا رَأَيْت مَا بِهِ قد خف عَمَّا كَانَ يلْحقهُ، والنبيذ قد شدّ من قوته، كررت عَلَيْهِ صَوته مرَارًا، ثمَّ قلت لَهُ: حَدثنِي حَدِيثك.
(4/395)

فَقَالَ: أَنا رجل من أهل الْمَدِينَة، خرجت يَوْمًا متنزهًا فِي ظَاهرهَا، وَقد سَالَ العقيق، فِي فتية وأقران، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل مَا خرجنَا نَحن لَهُ، فجلسن قَرِيبا منا.
وَنظرت بَينهُنَّ إِلَى فتاة كَأَنَّهَا قضيب بَان قد طله الندى، تنظر بعينين، مَا ارْتَدَّ طرفهما إِلَّا بِنَفس من يلاحظهما، فأطلنا وأطلن، حَتَّى تفرق النَّاس.
وانصرفنا، وَقد أبقت بقلبي جرحا بطيئًا اندماله، فسرت إِلَى منزلي وَأَنا وقيذ.
وَخرجت من غَد إِلَى العقيق، وَلَيْسَ فِيهِ أحد، فَلم أر لَهَا أثرا، ثمَّ جعلت أتتبعها فِي طرق الْمَدِينَة وأسواقها، فَكَأَن الأَرْض ابتلعتها، وسقمت، حَتَّى يئس مني أَهلِي.
فأعلمت زَوْجَة أبي بذلك، فَقَالَت: لَا بَأْس عَلَيْك، هَذِه أَيَّام الرّبيع قد أَقبلت، وَهِي سنة خصب، والساعة يَأْتِي الْمَطَر، فَتخرج وَأخرج مَعَك، فَإِن النسْوَة سيجئن، فَإِذا رَأَيْتهَا اتبعتها، حَتَّى أعرف موضعهَا، ثمَّ أصل بَيْنكُمَا، وأسعى لَك فِي تَزْوِيجهَا.
قَالَ: فَكَأَن نَفسِي اطمأنت، وَرجعت، وَجَاء الْمَطَر، وسال العقيق، وَخرجت
(4/396)

مَعَ إخْوَانِي إِلَيْهِ، وَزَوْجَة أبي مَعنا، فَجَلَسْنَا مَجْلِسنَا الأول، فَمَا كُنَّا والنسوة إِلَّا كفرسي رهان، فأومأت إِلَى زَوْجَة أبي، فَجَلَست قَرِيبا مِنْهَا.
وَأَقْبَلت على إخْوَانِي، فَقلت لَهُم: أحسن وَالله الْقَائِل، إِذْ يَقُول:
رمتني بِسَهْم أقصد الْقلب وانثنت ... وَقد غادرت جرحا بِهِ وندوبا
فَأَقْبَلت على صويحباتها، وَقَالَت: أحسن وَالله الْقَائِل، وَأحسن من أَجَابَهُ حَيْثُ يَقُول:
بِنَا مثل مَا تَشْكُو فصبرًا لعلّنا ... نرى فرجا يشفي السقام قَرِيبا
قَالَ: فَأَمْسَكت عَن الْجَواب، خوفًا أَن يظْهر مني مَا يفضحني وَإِيَّاهَا، وانصرفنا.
وتبعتها زَوْجَة أبي، حَتَّى عرفت بَيتهَا، وَصَارَت إِلَيّ، وَأخذت بيَدي، ومضينا إِلَيْهَا، وتزاورنا، وتلاقينا على حَال مراقبة ومخالسة.
حَتَّى ظهر مَا بيني وَبَينهَا، فحجبها أَهلهَا، وتشدد عَلَيْهَا أَبوهَا، فَلم أقدر عَلَيْهَا.
فشكوت إِلَى أبي شدَّة مَا نالني، وَشدَّة مَا ألْقى، وَسَأَلته خطبتها.
فمضيت أَنا وَأبي ومشيخة قومِي إِلَى أَبِيهَا، فخطبوها، فَقَالَ: لَو كَانَ بَدَأَ بِهَذَا من قبل أَن يشهرها، لأسعفناه بحاجته وَبِمَا ألتمس، لكنه قد فضحها، فَلم أكن لأحقق قَول النَّاس فِيهَا بتزويجه إِيَّاهَا، فَانْصَرَفت على يأس مِنْهَا وَمن نَفسِي، قَالَ معبد: فَسَأَلته أَن ينزل بقربي، فَأَجَابَنِي، وَصَارَت بَيْننَا عشرَة.
ثمَّ جلس جَعْفَر بن يحيى يَوْمًا للشُّرْب، فَأَتَيْته، فَكَانَ أول صَوت غنيته بِشعر الْفَتى، فطرب عَلَيْهِ طَربا شَدِيدا، وَقَالَ: وَيحك لمن هَذَا الصَّوْت؟
(4/397)

فَحَدَّثته فَأمر بإحضار الْفَتى، فأحضر فِي وقته، فاستعاده الحَدِيث، فَأَعَادَهُ.
فَقَالَ لَهُ: هِيَ فِي ذِمَّتِي، حَتَّى أزَوجك بهَا فطابت نَفسِي وَنَفس الْفَتى، وَأقَام مَعنا ليلتنا حَتَّى أصبح.
وَغدا جَعْفَر إِلَى الرشيد، فحدثه الحَدِيث، فَعجب مِنْهُ، وَأمر بإحضارنا جَمِيعًا، وَأمر بِأَن أغنيه الصَّوْت، فغنيته، وَشرب عَلَيْهِ، وَسمع حَدِيث الْفَتى.
فَأمر من وقته، بِأَن يكْتب إِلَى عَامل الْحجاز، بإشخاص الرجل وَابْنَته، وَسَائِر أَهله إِلَى حَضرته.
فَلم تمض إِلَّا مَسَافَة الطَّرِيق، حَتَّى أحضر، فَأمر الرشيد بإحضاره إِلَيْهِ، فأوصل، وخطب إِلَيْهِ الْجَارِيَة للفتى، فَأَجَابَهُ، فَزَوجهُ إِيَّاهَا، وَحمل الرشيد إِلَيْهِ ألف دِينَار مهرهَا، وَألف دِينَار لجهازها، وَألف دِينَار لنفقته، فِي طَرِيقه، وَأمر للفتى بألفي دِينَار.
وَكَانَ الْمَدِينِيّ بعد ذَلِك من جملَة ندمائه.
(4/398)

بِهِ من غير دائه وَهُوَ صَالح
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن مزِيد بن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: سرت إِلَى سر من رأى بعد قدومي من الْحَج، فَدخلت إِلَى الواثق بِاللَّه، فَقَالَ: بِأَيّ شَيْء أطرفتني من الْأَحَادِيث الَّتِي استفدتها من الْأَعْرَاب وأشعارهم؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ جلس إِلَيّ فَتى من الْأَعْرَاب فِي بعض الْمنَازل، فحاورني، فَرَأَيْت مِنْهُ أحلى مَا رَأَيْت من الفتيان، منْظرًا، وحديثًا، وظرفًا، وأدبًا.
فاستنشدته، فأنشدني:
سقى الْعلم الْفَرد الَّذِي فِي ظلاله ... غزالان مكتنّان مؤتلفان
إِذا أمنا ألتفّا بجيد تواصلٍ ... وطرفاهما للريب مسترقان
أردتهما ختلًا فَلم أستطعهما ... ورميًا ففاتاني وَقد قتلاني
ثمَّ تنفس تنفسًا، ظَنَنْت أَنه قد قطع حيازيمه.
فَقلت لَهُ: مَا لَك بِأبي أَنْت؟ فَقَالَ: وَرَاء هذَيْن الجبلين شجني، وَقد حيل بيني وَبَين الْمُرُور بِهَذِهِ الْبِلَاد، ونذروا دمي، فَأَنا أتمتع بِالنّظرِ إِلَى هذَيْن الجبلين، تعللًا بهما، إِذا قدم الْحَاج، ثمَّ يُحَال بيني وَبَين ذَلِك.
فَقلت لَهُ: زِدْنِي مِمَّا قلت، فأنشدني:
(4/399)

إِذا مَا وَردت المَاء فِي بعض أَهله ... حُضُور فعرّض بِي كأنّك مازح
فَإِن سَأَلت عنّي حُضُور فَقل لَهَا ... بِهِ غيرٌ من دائه وَهُوَ صَالح
فَأمرنِي الواثق، فَكتبت الشعرين.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام دَعَاني، فَقَالَ لي: قد صنع بعض عَجَائِز دَارنَا فِي أحد الشعرين لحنًا، فاسمعه، فَإِن ارتضيته أظهرناه، وَإِن رَأَيْت فِيهِ مَوضِع إصْلَاح أصلحناه.
ثمَّ غَنِي لنا بِهِ من وَرَاء الستارة، فَكَانَ فِي غَايَة الْجَوْدَة، وَكَذَلِكَ كَانَ يصنع إِذا وضع لحنًا.
فَقلت لَهُ: أحسن، وَالله، صانعه، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ: بحياتي؟ فَقلت: إِي وحياتك، وَحلفت لَهُ بِمَا وثق بِهِ.
فَأمر لي برطل، فَشَربته، ثمَّ أَخذ الْعود، فغناه ثَلَاث مَرَّات، وسقاني عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَرْطَال، وَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام، دَعَاني، فَقَالَ: قد صنع بعض عَجَائِز دَارنَا فِي الشّعْر الآخر لحنًا، وَأمر فغني بِهِ، فَكَانَ حَالي مثل الْحَال فِي الشّعْر الأول، وَحلفت لَهُ على جودته، فغناه ثَلَاث مَرَّات، وسقاني ثَلَاثَة أَرْطَال، وَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
ثمَّ قَالَ: هَل قضيت حق حَدِيثك؟ فَقلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَطَالَ الله بَقَاءَك، وَأتم نعْمَته عَلَيْك.
فَقَالَ: وَلَكِنَّك لم تقض حق الْأَعرَابِي، وَلَا سَأَلتنِي معونته على أمره؟ وَقد سبقت مسألتك، وكتبت بِخَبَرِهِ إِلَى صَاحب الْحجاز، وأمرته بتجهيزه، وخطبة
(4/400)

الْمَرْأَة لَهُ، وَحمل صَدَاقهَا إِلَى قَومهَا عَنهُ من مالنا، فَفعل.
فَقبلت يَده، وَقلت: السَّبق إِلَى المكارم لَك، وَأَنت أولى بهَا من غَيْرك من سَائِر النَّاس.
قَالَ: أَبُو الْفرج: وصنعة الواثق فِي الشعرين جَمِيعًا من الرمل.
(4/401)

عمر بن أبي ربيعَة والجعد بن مهجع العذري
وحَدثني أَبُو الْفرج الْقرشِي، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: نسخت من كتاب مُحَمَّد بن مُوسَى بن حَمَّاد، قَالَ: ذكر الرياشي قَالَ: قَالَ حَمَّاد الراوية: أتيت فِي مَكَّة، إِلَى حَلقَة فِيهَا عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي، فتذاكرنا العذريين، وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة: كَانَ لي صديق من بني عذرة يُقَال لَهُ: الْجَعْد بن مهجع، وَكَانَ أحد بني سلامان، وَكَانَ يلقى من الصبابة، مثل الَّذِي أَلْقَاهُ بِالنسَاء، على أَنه كَانَ لَا عاهر الْخلْوَة، وَلَا سريع السلوة.
وَكَانَ يوافي الْمَوْسِم فِي كل سنة، فَإِذا غَابَ عَن وقته، ترجحت عَنهُ الْأَخْبَار، وتوكفت لَهُ الْأَسْفَار، حَتَّى يقدم.
فغمني ذَات سنة إبطاؤه، حَتَّى قدم حَاج عذرة، فَأتيت الْقَوْم أنْشد صَاحِبي، فَإِذا غُلَام قد تنفس الصعداء، وَقَالَ: عَن أبي المسهر تسْأَل؟ قلت: نعم، وإياه أردْت.
(4/402)

فَقَالَ: هَيْهَات، هَيْهَات، أصبح، وَالله، أَبُو المسهر، لَا ميئوس مِنْهُ فيهمل، وَلَا مرجو فيعلل، أصبح، وَالله، كَمَا قَالَ الْقَائِل:
لعمري مَا حبّي لأسماء تاركي ... أعيش وَلَا أَقْْضِي بِهِ فأموت
فَقلت: مَا الَّذِي بِهِ؟ فَقَالَ: مثل الَّذِي بك، من تهتككما فِي الضلال، وجركما أذيال الخسار، كأنكما لم تسمعا بجنة وَلَا نَار.
فَقلت: وَمن أَنْت مِنْهُ، يَابْنَ أخي؟ قَالَ: أَخُوهُ.
فَقلت لَهُ: يَابْنَ أخي، مَا مَنعك أَن تسلك مسلكه من الْأَدَب، وَأَن تركب مِنْهُ مركبه إِلَّا أَنَّك وإياه كالبجاد وَالْبرد، لَا ترقعه وَلَا يرقعك.
ثمَّ صرفت وَجه نَاقَتي، وَأَنا أَقُول:
أرائحة حجّاج عذرة وجهة ... ولمّا يرح فِي الْقَوْم جعد بن مهجع
خليلان نشكو مَا نلاقي من الْهوى ... مَتى مَا يقل أسمع وَإِن قلت يسمع
أَلا لَيْت شعري أيّ شَيْء أَصَابَهُ ... فلي زفرات هجن مَا بَين أضلعي
فَلَا يبعدنك الله خلًّا فإنّني ... سألقى كَمَا لاقيت فِي الحبّ مصرعي
ثمَّ انْطَلَقت حَتَّى وقفت موقفا من عَرَفَات، فَبينا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بِإِنْسَان قد تغير لَونه، وَسَاءَتْ هيأته، فأدنى نَاقَته من نَاقَتي، ثمَّ خَالف بَين أعناقهما، وعانقني وَبكى، حَتَّى اشْتَدَّ بكاؤه.
فَقلت: مَا وَرَاءَك؟ فَقَالَ: برح العذل، وَطول المطل، ثمَّ أنشأ يَقُول:
(4/403)

لَئِن كَانَت عديّة ذَات لبّ ... لقد علمت بِأَن الحبّ دَاء
ألم تنظر إِلَى تَغْيِير جسمي ... وأنّي لَا يفارقني الْبكاء
وأنّي لَو تكلّفني سواهَا ... لخفّ الْكَلم وانكشف الغطاء
وأنّ معاشري وَرِجَال قومِي ... حتوفهم الصبابة والّلقاء
إِذا العذريّ مَاتَ خليّ ذرعٍ ... فَذَاك العَبْد يبكيه الرشاء
فَقلت: يَا أَبَا المسهر، إِنَّهَا سَاعَة تضرب إِلَيْهَا أكباد الْإِبِل من شَرق الأَرْض وغربها، فَلَو دَعَوْت الله تَعَالَى، كنت مؤملًا لَك أَن تظفر بحاجتك.
قَالَ: فتركني، وَأَقْبل على الدُّعَاء، فَلَمَّا تدلت الشَّمْس للغروب، وهم النَّاس أَن يفيضوا، سمعته يتَكَلَّم بِشَيْء، فأصغيت إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ يَقُول:
يَا ربّ كلّ غدْوَة وروحة ... من محرمٍ يشكو الضنا ولوحه
أَنْت حسيب الْخطب يَوْم الدوحة فَقلت: وَمَا يَوْم الدوحة؟ فَقَالَ: وَالله لأخبرنك وَلَو لم تَسْأَلنِي، ثمَّ أقبل عَليّ، وَقَالَ: أَنا رجل ذُو مَال من نعم وَشاء، وَذُو المَال لَا يصدره القل، وَلَا يرويهِ الثماد.
وَأَنِّي خشيت عَام أول على مَالِي التّلف، وقطر الْغَيْث أَرض كلب، فانتجعت أخوالًا لي مِنْهُم، فأوسعوا لي عَن صدر الْمجْلس، وسقوني جمة المَاء، وَكنت مَعَهم فِي خير أخوال.
(4/404)

ثمَّ إِنِّي عزمت على مرافقة إبلي بِمَاء لَهُم، فركبت فرسي، وسمطت خَلْفي شرابًا كَانَ أهداه إِلَيّ بَعضهم، ثمَّ مضيت.
حَتَّى إِذا كنت قَرِيبا من الْحَيّ ومرعى الْغنم، رفعت لي دوحة عَظِيمَة، فَنزلت عَن فرسي، وشددته بِبَعْض أَغْصَانهَا، وَجَلَست فِي ظلها.
فَبينا أَنا كَذَلِك إِذْ سَطَعَ غُبَار فِي نَاحيَة الْحَيّ، ثمَّ رفعت لي شخوص ثَلَاثَة، ثمَّ نظرت فَإِذا بِفَارِس يطرد مسحلًا وأتانًا، فتأملته، فَإِذا عَلَيْهِ درع أصفر، وعمامة خَز سَوْدَاء، وَإِذا فروع شعره تضرب خصريه، فَقلت: غُلَام، حَدِيث عهد بعرس، أعجلته لَذَّة الصَّيْد، فَترك ثَوْبه، وَلبس ثوب امْرَأَته.
فَمَا كَانَ إِلَّا يَسِيرا، حَتَّى طعن المسحل، وثنى بطعنة للأتان، فصرعهما، وَأَقْبل رَاجعا نحوي، وَهُوَ يَقُول:
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرّك لأمين على نابل
فَقلت: إِنَّك تعبت، وأتعبت فرسك، فَلَو نزلت.
فَثنى رجله، فَنزل، وَشد فرسه بِغُصْن من أَغْصَان الشَّجَرَة، وَألقى رمحه، وَأَقْبل حَتَّى جلس، فَجعل يحدثني حَدِيثا ذكرت بِهِ قَول أبي ذُؤَيْب:
وإنّ حَدِيثا مِنْك لَو تبذلينه ... جنى النَّحْل فِي ألبان عوذٍ مطافل
(4/405)

وَقمت إِلَى فرسي، فأصلحت من أمره، ثمَّ رجعت وَقد حسر الْعِمَامَة عَن رَأسه، وَإِذا غُلَام كَأَن وَجهه الدِّينَار المنقوش.
فَقلت: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، مَا أعظم قدرتك، وَمَا أحسن صنعتك؟ فَقَالَ لي: مِم ذَلِك؟ فَقلت: لما راعني من جمالك، وَمَا بهرني من نورك.
فَقَالَ: وَمَا الَّذِي يروعك من حبيس التُّرَاب، وأكيل الدَّوَابّ؟ وَمَا يدْرِي أينعم بعد ذَلِك، أم يبتئس.
قلت: لَا يصنع الله بك إِلَّا خيرا.
ثمَّ تحدثنا سَاعَة، فَأقبل عَليّ، فَقَالَ: مَا الَّذِي سمطت فِي سرجك؟ قلت: شرابًا، أهداه إِلَيّ بعض أَهلِي، فَهَل لَك فِيهِ من أرب؟ فَقَالَ: أَنْت وَذَاكَ.
فَأتيت بِهِ، فَشرب مِنْهُ، وَجعل، وَالله، ينكت بِالسَّوْطِ أَحْيَانًا على ثناياه، فيتبين لي أثر السَّوْط فِيهِنَّ.
فَقلت: مهلا، إِنَّنِي أَخَاف أَن تكسرهن.
فَقَالَ: وَلم؟ قلت: لِأَنَّهُنَّ رقاق عَذَاب.
قَالَ: ثمَّ رفع صَوته يُغني:
إِذا قبّل الْإِنْسَان آخر يَشْتَهِي ... ثناياه لم يَأْثَم وَكَانَ لَهُ أجرا
فَإِن زَاد زَاد الله فِي حَسَنَاته ... مَثَاقِيل يمحو الله عَنهُ بهَا الوزرا
قَالَ: ثمَّ قَامَ إِلَى فرسه، فَأصْلح من أمره، ثمَّ رَجَعَ، فبرقت لَهُ بارقة تَحت
(4/406)

الدرْع، فَإِذا ثدي كَأَنَّهُ حق عاج.
فَقلت: ناشدتك الله: أمْرَأَة أَنْت؟ فَقَالَت: نعم وَالله، إِلَّا أَنَّهَا تكره الْعَار، وتحب الْغَزل، ثمَّ جَلَست، فَجعلت تشرب معي، وَمَا أفقد من أنسنا شَيْئا، حَتَّى نظرت إِلَى عينيها، كَأَنَّهُمَا عينا مهاة مَذْعُورَة، فوَاللَّه، مَا راعني إِلَّا ميلها تَحت الدوحة سكرى.
فزين الشَّيْطَان لي، وَالله، الْغدر، وَحسنه فِي عَيْني، ثمَّ إِن الله عز وَجل عصمني مِنْهُ، فَجَلَست مِنْهَا حجرَة.
ثمَّ انْتَبَهت فزعة مَذْعُورَة، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت فِي متن فرسها، وَقَالَت: جَزَاك الله عَن الصُّحْبَة خيرا.
فَقلت: أَلا تزوديني مِنْك زادًا؟ فناولتني يَدهَا، فَقَبلتهَا، فشممت، وَالله، مِنْهَا ريح الشَّبَاب المطلول، فَذكرت قَول الشَّاعِر:
كأنّها إِذْ تقضّى النّوم وانتبهت ... سيّابة مَا لَهَا عين وَلَا أثر
فَقلت: وَأَيْنَ الْموعد؟ فَقَالَت: إِن لي أخوة شوسًا، وَأَبا غيورًا، وَوَاللَّه، لِأَن أسرك، أحب إِلَيّ من أَن أَضرّك، وانصرفت.
فَجعلت أتبعهَا بَصرِي حَتَّى غَابَتْ، فَهِيَ، وَالله، يَا ابْن أبي ربيعَة، أحلتني هَذَا الْمحل، وأبلغتني هَذَا الْمبلغ.
(4/407)

فَقَالَ: يَا أَبَا المسهر، إِن الْغدر بك مَعَ مَا تذكر لمليح، فَبكى، وَاشْتَدَّ بكاؤه.
فَقلت: لَا تبك، فَمَا قلت لَك مَا قلت إِلَّا مازحًا، وَلَو لم أبلغ حَاجَتك إِلَّا بِمَالي وروحي لسعيت فِي ذَلِك حَتَّى أقدر عَلَيْهِ.
فَقَالَ لي: جزيت خيرا.
فَلَمَّا انْقَضى الْمَوْسِم، شددت على نَاقَتي، وَشد على نَاقَته، ودعوت غلامي فَشد على بعير لَهُ، وحملت عَلَيْهِ قبَّة من أَدَم حَمْرَاء، كَانَت لأبي ربيعَة المَخْزُومِي، وحملت معي ألف دِينَار، ومطرف خَز، وانطلقنا، حَتَّى أَتَيْنَا بِلَاد كلب.
فسألنا عَن أبي الْجَارِيَة، فوجدناه فِي نَادِي قومه، وَإِذا هُوَ سيد الْقَوْم، وَالنَّاس حوله، فوقفت على الْقَوْم، وسلمت، فَرد الشَّيْخ السَّلَام.
ثمَّ قَالَ: من الرجل؟ قلت: عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي.
فَقَالَ: الْمَعْرُوف غير الْمُنكر، فَمَا الَّذِي جَاءَ بك؟ قلت: جِئْت خاطبًا.
قَالَ: الكفؤ وَالرَّغْبَة.
قلت: إِنِّي لم آتٍ لنَفْسي من غير زهادة فِيك، وَلَا جَهَالَة بشرفك، وَلَكِنِّي أتيت فِي حَاجَة ابْن أختكم هَذَا العذري.
فَقَالَ: وَالله، إِنَّه لكفي الْحسب، رفيع النّسَب، غير أَن بَنَاتِي لم ينفقن إِلَّا فِي هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش، فوجمت لذَلِك.
وَعرف التَّغَيُّر فِي وَجْهي، فَقَالَ: إِنِّي صانع بك مَا لم أصنع بغيرك.
قلت: مثلي من شكر، فَمَا ذَاك؟ قَالَ: أخيرها، وَهِي وَمَا اخْتَارَتْ.
(4/408)

قلت: مَا انصفتني، إِذْ تخْتَار لغيري، وتولي الْخِيَار غَيْرك.
فَأَشَارَ إِلَيّ العذري، أَن دَعه يخيرها، قَالَ: فَأرْسل إِلَيْهَا: أَن من الْأَمر كَذَا وَكَذَا.
فَأرْسلت إِلَيْهِ: مَا كنت أستبد بِرَأْي دون الْقرشِي، وَالْخيَار فِي قَوْله وَحكمه.
فَقَالَ لي: إِنَّهَا قد ولتك أمرهَا، فَاقْض مَا أَنْت قَاض.
فَقلت: اشْهَدُوا أَنِّي قد زوجتها من الْجَعْد بن مهجع، وأصدقتها هَذِه الْألف دِينَار، وَجعلت تكرمتها العَبْد، وَالْبَعِير، والقبة، وكسوت الشَّيْخ هَذَا الْمطرف، وَسَأَلته أَن يَبْنِي الرجل عَلَيْهَا من ليلته.
فَأرْسل إِلَى أمهَا، فَأَبت، وَقَالَت: أتخرج ابْنَتي كَمَا تخرج الْأمة؟ قَالَ الشَّيْخ: فعجلي فِي جهازها.
فَمَا بَرحت، حَتَّى ضربت الْقبَّة فِي وسط الْحَرِيم، وَأهْديت إِلَيْهِ لَيْلًا، وَبت أَنا عِنْد الشَّيْخ.
فَلَمَّا أَصبَحت، أتيت الْقبَّة، فَصحت بصاحبي، فَخرج إِلَيّ، وَقد أثر السرُور فِيهِ.
فَقلت: إيه.
فَقَالَ: أبدت، وَالله، كثيرا مِمَّا كَانَت تخفيه عني يَوْم لقيتها، فسألتها عَن ذَلِك، فأنشأت تَقول:
كتمت الْهوى لمّا رَأَيْتُك جازعًا ... وَقلت فَتى بعض السرُور يُرِيد
وَأَن تطّرحني أَو تَقول فتية ... يضرّ بهَا برح الْهوى فتعود
فورّيت عمّا بِي وَفِي دَاخل الحشا ... من الوجد برح فاعلمنّ شَدِيد
فَقلت: أقِم على أهلك، بَارك الله لَك فيهم، وَانْطَلَقت، وَأَنا أَقُول:
كفيت الْفَتى العذريّ مَا كَانَ نابه ... وإنّي لأعباء النوائب حمّال
(4/409)

أما استحسنت منّي المكارم والعلى ... إِذا طرحت أنّي لمالي بذّال
فَقَالَ العذري:
إِذا مَا أَبُو الْخطاب خلّى مَكَانَهُ ... فأف لدُنْيَا لَيْسَ من أَهلهَا عمر
فَلَا حيّ فتيَان الحجازين بعده ... وَلَا سقيت أَرض الحجازين بالمطر
(4/410)

رَضِي أَن يَمُوت بعد أَن يتمتع بحبيبته أسبوعًا وَاحِدًا
أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، الْمَعْرُوف بِابْن لنكك، فِي رِسَالَة لَهُ، فِي فضل الْورْد على النرجس، فَقَالَ فِيمَن سمى بنته
(4/411)

من سَائِر الْعَرَب وردة: فَمنهمْ شُرَحْبِيل بن مَسْعُود التنوخي، وعائد الطَّائِي، وَهِي الَّتِي كَانَ دَاوُد بن سعد التَّمِيمِي عَاشِقًا لَهَا، فَاسْتقْبل النُّعْمَان بن الْمُنْذر، فِي يَوْم بؤسه، وَقد خرج يريدها، وَهُوَ لَا يعلم بِيَوْم النُّعْمَان.
فَقَالَ لَهُ: مَا حملك على استقبالي فِي يَوْم بؤسي؟ فَقَالَ: شدَّة الوجد، وَقلة الصَّبْر.
فَقَالَ: أَو لست الْقَائِل؟
وددت وَكَاتب الْحَسَنَات أنّي ... أقارع نجم وردة بِالْقداحِ
على قَتْلِي بأبيض مشرفيّ ... وكوني لَيْلَة حَتَّى الصَّباح
مَعَ الْحَسْنَاء وردة إنّ قلبِي ... من الحبّ المبرّح غير صَاح
فَإِن تكن القداح عليّ تلقى ... ذبحت على القداح بِلَا جنَاح
وَإِن كَانَت عَلَيْهِ بيمن جدّي ... لهوت بكاعب خود رَبَاح
قَالَ: نعم.
قَالَ: فَإِنِّي مخيرك إِحْدَى اثْنَتَيْنِ، فاختر لنَفسك.
قَالَ: مَا هما أَبيت اللَّعْن؟ قَالَ: أخلي سَبِيلك، أَو أمتعك سَبْعَة أَيَّام، ثمَّ أَقْتلك.
قَالَ: بِمَا تمتعني؟ قَالَ: بوردة.
قَالَ: قبلت الثَّانِي.
فساق النُّعْمَان مهرهَا إِلَى عَمها، وَجمع بَينهمَا، فَلَمَّا انْقَضتْ الْأَيَّام، أقبل
(4/412)

على النُّعْمَان، وَهُوَ يَقُول:
إِلَيْك ابْن مَاء المزن أَقبلت بَعْدَمَا ... مَضَت لي سبع من دخولي على أَهلِي
مَجِيء مقرّ لاصطناعك شاكرٍ ... مننت عَلَيْهِ بالكريم من الْفِعْل
لِتَقضي فِيهِ مَا أردْت قَضَاءَهُ ... من الْعَفو، أهل الْعَفو، أَو عَاجل الْقَتْل
فَإِن كَانَ عفوٌ كنت أفضل منعم ... وَإِن تكن الْأُخْرَى فَمن حكمٍ عدل
فَأحْسن جائزته، وخلى سَبيله، وَأَنْشَأَ النُّعْمَان يَقُول:
لم ينل مَا نَالَ دَاوُد ... بن سعد بن أنيس
إِذْ حوى من كَانَ يهوى ... وَنَجَا من كلّ بوس
وكذاك الطير يجْرِي ... بسعود ونحوس
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَوجدت كتابا لِأَحْمَد بن أبي طَاهِر، سَمَّاهُ: كتاب فَضَائِل الْورْد على النرجس، أكبر قدرا، وأغزر فَائِدَة من كتاب ابْن لنكك، فَوَجَدته قد ذكر فِيهِ هَذَا الْخَبَر.
قَالَ: وَمِمَّنْ سمى ابْنَته وردة، شُرَحْبِيل بن مَسْعُود التنوخي، وَهُوَ صَاحب الْعين، على مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة من تيماء الْيمن.
وَسليمَان بن صرد، أَمِير الْجَيْش الَّذِي يُقَال لَهُم: التوابون، الَّذين توَلّوا الطّلب بِدَم الْحُسَيْن عَلَيْهِ السَّلَام، وَقتل عبيد الله بن زِيَاد.
وسمى عَائِد الطَّائِي بنته وردة، وَهِي الَّتِي كَانَ دَاوُد بن سعد التَّمِيمِي، عَاشِقًا لَهَا. . . . وسَاق الْخَبَر كَمَا ذكره.
(4/413)

إِبْرَاهِيم بن سيابة يشكو فَلَا يُجَاب
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي حبيب بن نصر المهلبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أبي سعد، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن نصر الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الطلحي، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن يحيى بن معَاذ، قَالَ: قدم على نيسابور إِبْرَاهِيم بن سيابة، يَعْنِي الشَّاعِر الْبَصْرِيّ، الَّذِي كَانَ جده حجامًا، فَأعْتقهُ بعض بني هَاشم، فَصَارَ مولى لَهُم، فأنزلته عَليّ، فَجَاءَنِي لَيْلَة من اللَّيَالِي وَهُوَ مكروب، وَقد هام، فَجعل يَصِيح بِي، يَا أَبَا أَيُّوب؟ فَخَشِيت أَن يكون قد غَشيته بلية، فَقلت لَهُ: مَا تشَاء؟ فَقَالَ:
أعياني الشادن الربيب
فَقلت لَهُ: مَاذَا يَقُول؟ ، فَقَالَ:
أَشْكُو إِلَيْهِ فَلَا يُجيب
فَقلت: دَاره، وداوه، فَقَالَ:
من أَيْن أبغي شِفَاء دائي ... وإنّما دائي الطَّبِيب
(4/416)

فَقلت: فَلَا، إِذن، إِلَى أَن يفرج الله تَعَالَى، فَقَالَ:
يَا ربّ فرّج إِذن وعجّل ... فإنّك السَّامع الْمُجيب
ثمَّ انْصَرف.
(4/417)

عزل عَن الرافقة فولي دمشق
قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب أَخْبَار الوزراء وَالْكتاب، أَخْبرنِي جَعْفَر بن أَحْمد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس بن الْفُرَات، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ بن يُونُس، قَالَ: لما سلمت عمل دمشق إِلَى أبي المغيث الرافقي، سَأَلَني أَن أكتب لَهُ عَلَيْهِ، فَفعلت، فَلَمَّا تآنست أَنا وَهُوَ، حَدثنِي أول خَبره فِي تقلد النَّاحِيَة.
فَقَالَ لي: كنت قصدت عِيسَى بن مُوسَى، ابْن عمي، وَهُوَ يتقلد حمص، فقلدني ربع فامية، فأقمت إِلَى أَن قدم ابْن عَم لَهُ، وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ مني، فصرفني، فَانْصَرَفت عَنهُ إِلَى الرافقة، وَمَعِي شَيْء مِمَّا كسبته.
وَكَانَت لابنَة عَم لي، جَارِيَة نفيسة، قد ربتها، وعلمتها الْغناء، وَكنت
(4/418)

أدعوها، فألفتها، وَوَقعت من قلبِي موقعًا عَظِيما، وَاشْتَدَّ حبي لَهَا، فَعمِلت على أَن أبيع منزلي وأبتاعها، وناظرت مولاتها فِي ذَلِك، فَحَلَفت أَنَّهَا لَا تنقص ثمنهَا عَن ثَلَاثَة آلَاف دِينَار.
فَنَظَرت، فَإِذا أَنا أفتقر، وَلَا تفي حَالي بِثمنِهَا، فَقَامَتْ قيامتي، وَاشْتَدَّ وجدي، وانحدرت إِلَى سر من رأى، أطلب تَصرفا، أَو مَا بِهِ شراؤها.
وَكَانَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق الطاهري، وَأَبوهُ، يرجيان لي، فقصدت مُحَمَّدًا، وَمَعِي دَوَاب، وَبَقِيَّة من حَالي، فأقمت عَلَيْهِ مُدَّة لم يسنح لي فِيهَا تصرف، فاشتدت بِي رقة الْحَال، فانحدرت إِلَى بَغْدَاد، أقصد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري، فوردت فِي زورق.
وفكرت فِي أَمْرِي، وعَلى من أنزل، فَلم أَثِق بِغَيْر مُحَمَّد بن الْفضل الجرجرائي، لمودة كَانَت بيني وَبَينه، فقصدته، وَنزلت عَلَيْهِ، وَوَقع ذَلِك مِنْهُ أجل موقع، وفاتشني عَن أَمْرِي، وسألني عَن حَالي، فَذكرت لَهُ قصتي مَعَ الْجَارِيَة.
فَقَالَ: وَالله، لَا تَبْرَح من مجلسك حَتَّى تقبض ثمنهَا، وَأمر خادمه، فأحضر كيسًا فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، وسلمت إِلَيّ، وتأبيت عَلَيْهِ، فَحلف أيمانًا مُؤَكدَة أَن أقبلها.
وَقَالَ: إِن اتسعت لقضائه، واحتجت إِلَيْهِ، لم أمتنع من أَخذه مِنْك،
(4/419)

فَأخذت الْكيس وشكرته، وتشاغلنا بالشرب.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، أَتَى رَسُول إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري يطلبني، فصرت إِلَيْهِ، فاحتفى بِهِ، وأكرمني، وَقَالَ: مَا ظَنَنْت أَنَّك توافي بَلَدا أحله، فتنزل غير دَاري.
فَقلت: وَالله، مَا وافيت إِلَّا قَاصِدا الْأَمِير، وَلَكِن دوابي تَأَخَّرت، فتوقعت وُرُودهَا، لأصير إِلَى بَاب الْأَمِير عَلَيْهَا.
فَدَعَا بكتب وَردت من مُحَمَّد بن عبد الْملك، وفيهَا كتاب من أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم، بولايتي دمشق، وَأرَانِي كتابا يُعلمهُ فِيهِ، مَا جنى عَليّ بن إِسْحَاق من قتل رَجَاء بن أبي الضَّحَّاك بِدِمَشْق، وَأَن أَمِير الْمُؤمنِينَ رأى تقليدك، وَطلبت بسر من رأى، فَذكر لَهُ أَنَّك انحدرت إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَأمر بِتَسْلِيم كتبك إِلَيّ، وَدفع مائَة ألف دِينَار لَك مَعُونَة على خُرُوجك، وأحضر المَال، ووكل بِي من يستحثني على البدار.
فورد عَليّ من السرُور مَا أدهشني، وودعته، وَخرجت إِلَى مُحَمَّد بن الْفضل، فعرفته مَا جرى، وودعته أَيْضا، وأخرجت دنانيره، فرددتها عَلَيْهِ، فَحلف بأيمان غَلِيظَة عَظِيمَة، لَا عَادَتْ إِلَى ملكه أبدا.
وَقَالَ: إِن جَلَست فِي عَمَلك واتسعت، لم أمتنع أَن أقبل مِنْك غير هَذَا.
(4/420)

فشخصت، ومررت بالرافقة وابتعت الْجَارِيَة، وَبَلغت مناي بملكها، واجتزت بحمص، بِابْن عمي، وَأَنا أجل مِنْهُ عملا، وَدخلت عَمَلي، فَصنعَ الله سُبْحَانَهُ، ووسع.
(4/421)

أَيْن اخْتَبَأَ الْأَسدي
وَوجدت فِي كتاب المتيمين للمدائني: أَن رجلا من بني أَسد، علق امْرَأَة من هَمدَان بِالْكُوفَةِ، وشاع أَمرهمَا، فَوضع قوم الْمَرْأَة عَلَيْهِ عيُونا، حَتَّى أخبروا أَنه قد أَتَاهَا فِي منزلهَا، فَأتوا دارها، واحتاطوا بهَا.
فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِك، وَلم تَجِد للرجل مهربًا، وَكَانَت الْمَرْأَة بادنة، فَقَالَت لَهُ: مَا أرى لَك موضعا أستر لَك من أَن أدْخلك خلف ظَهْري، وتلزمني، فأدخلته بَينهَا وَبَين الْقَمِيص، ولزمها من خلفهَا.
وَدخل الْقَوْم، فَدَارُوا فِي الدَّار، حَتَّى لم يتْركُوا موضعا إِلَّا فتشوه، فَلَمَّا لم يَجدوا الرجل، اسْتَحْيوا من فعلهم، وأغلظت الْمَرْأَة عَلَيْهِم، وعنفتهم، فَخَرجُوا.
وَأَنْشَأَ الرجل يَقُول:
فحبّك أشهاني وحبّك قادني ... لهمدان حَتَّى أَمْسكُوا بالمخنّق
فَجَاشَتْ إليّ النَّفس أوّل مرّة ... فَقلت لَهَا لَا تفرقي حِين مفرقي
رويدك حَتَّى تنظري عمّ تنجلي ... عماية هَذَا الْعَارِض المتألّق
(4/422)

جميل وبثينة
ذكر الْهَيْثَم بن عدي، أَن جمَاعَة من بني عذرة حدثوه: أَن جميل بثينة حضر ذَات لَيْلَة عِنْد خباء بثينة، حَتَّى إِذا صَادف مِنْهَا خلْوَة تنكر، ودنا مِنْهَا، وَكَانَت اللَّيْلَة ظلماء، ذَات غيم ورعد وريح.
فَحذف بحصاة، فأصابت بعض أترابها، فَفَزِعت، وَقَالَت: مَا حذفني فِي هَذِه اللَّيْلَة إِلَّا الْجِنّ.
ففطنت بثينة أَن جميلًا فعل ذَلِك، فَقَالَت لتربها: أَلا فانصرفي يَا أخية إِلَى مَنْزِلك حَتَّى تنامي، فَانْصَرَفت، وَبقيت مَعَ بثينة أم الْحُسَيْن، ويروى أم الجسير، بنت مَنْظُور، وَكَانَت لَا تكتمها.
فَقَامَتْ إِلَى جميل، فأدخلته الخباء مَعهَا، وتحدثوا جَمِيعًا، ثمَّ اضطجعوا، وَذهب بِهِ النّوم حَتَّى أَصْبحُوا.
وجاءهم غُلَام زَوجهَا بصبوح من اللَّبن، بعث بِهِ إِلَيْهَا، فرآها نَائِمَة، وَنظر جميلًا، فَمضى لوجهه، حَتَّى خبر سَيّده.
(4/423)

وَكَانَت ليلى رَأَتْ الْغُلَام والصبوح مَعَه، وَقد عرفت خبر جميل وبثينة، فاستوقفته كَأَنَّهَا تسأله عَن حَاله، وطاولته الحَدِيث، وَبعثت بِجَارِيَة لَهَا، وَقَالَت: حذري جميلًا وبثينة.
فَجَاءَت الْجَارِيَة ونبهتها، فَلَمَّا تبينت بثينة أَن الصُّبْح قد أَضَاء، وَالنَّاس قد انتشروا، ارتاعت لذَلِك.
وَقَالَت: يَا جميل نَفسك، فقد جَاءَ غُلَام بعلي بصبوح من اللَّبن، فرآنا نائمين.
فَقَالَ جميل، وَهُوَ غير مكترث:
لعمرك مَا خوّفتني من مَخَافَة ... عليّ وَلَا حذّرتني مَوضِع الحذر
وَأقسم مَا تلفى لي الْيَوْم غرّة ... وَفِي الكفّ منّي صارم قَاطع ذكر
فأقسمت عَلَيْهِ أَن يلقِي نَفسه تَحت النضد، وَقَالَت: إِنَّمَا أَسأَلك خوفًا على نَفسِي من الفضيحة، لَا خوفًا عَلَيْك، فَفعل ذَلِك، ونامت، وأضجعت أم الْحُسَيْن إِلَى جَانبهَا، وَذَهَبت خَادِم ليلى إِلَيْهَا، فَأَخْبَرتهَا الْخَبَر، فَتركت العَبْد يمْضِي إِلَى سَيّده، فَمضى والصبوح مَعَه، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَأَيْت بثينة مُضْطَجِعَة، وَجَمِيل إِلَى جنبها.
فجَاء زَوجهَا إِلَى أَخِيهَا وأبيها، فعرفهما الْخَبَر، وَجَاءُوا بأجمعهم إِلَى بثينة، وَهِي نَائِمَة، فكشفوا عَنْهَا الثَّوْب، فَرَأَوْا أم الْحُسَيْن إِلَى جَانبهَا نَائِمَة.
فَخَجِلَ زَوجهَا، وَسَب عَبده، وَقَالَت ليلى لأَبِيهَا وأخيها: قبحكما الله،
(4/424)

فِي كل يَوْم تفضحان الْمَرْأَة فِي فنائكما، ويلكما، هَذَا لَا يجوز.
فَقَالَا: إِنَّمَا فعل هَذَا زَوجهَا.
فَقَالَت: قبحه الله وإياكما، فَجعلَا يسبان زَوجهَا، وَانْصَرفُوا.
وَأقَام جميل تَحت النضد إِلَى اللَّيْل، ثمَّ ودعها وَانْصَرف.
(4/425)

الْعُمر أقصر مُدَّة من أَن يضيع فِي الْحساب
حَدثنِي الْحسن بن صافي مولى ابْن المتَوَكل القَاضِي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد اللَّيْثِيّ الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن كردويه، قَالَ: كَانَ لي صديق من أهل راذان، عَظِيم النِّعْمَة والضيعة، فَحَدثني، قَالَ: تزوجت فِي شَبَابِي امْرَأَة من آل وهب، ضخمة النِّعْمَة، حَسَنَة الْخلقَة وَالْأَدب، كَثِيرَة الْمُرُوءَة، ذَات جوَار مغنيات، فعشقتها عشقًا مبرحًا، وَتمكن لَهَا من قلبِي أَمر عَظِيم، وَمكث عيشي بهَا طيبا مُدَّة طَوِيلَة.
ثمَّ جرى بيني وَبَينهَا بعض مَا يجْرِي بَين النَّاس، فَغضِبت عَليّ، وهجرتني، وأغلقت بَاب حُجْرَتهَا من الدَّار دوني، ومنعتني الدُّخُول إِلَيْهَا، وراسلتني بِأَن أطلقها.
فترضيتها بِكُل مَا يمكنني، فَلم ترض، ووسطت بَيْننَا أَهلهَا من النِّسَاء، فَلم ينجع.
فلحقني الكرب وَالْغَم، والقلق والجزع، حَتَّى كَاد يذهب بعقلي، وَهِي مُقِيمَة على حَالهَا.
فَجئْت إِلَى بَاب حُجْرَتهَا، وَجَلَست عِنْده مفترشًا التُّرَاب، وَوضعت خدي على العتبة، أبْكِي وأنتحب، وأتلافاها، وأسألها الرِّضَا، وَأَقُول كلما يجوز أَن يُقَال فِي مثل هَذَا، وَهِي لَا تكلمني، وَلَا تفتح الْبَاب، وَلَا تراسلني.
ثمَّ جَاءَ اللَّيْل، فتوسدت العتبة إِلَى أَن أَصبَحت، وأقمت على ذَلِك ثَلَاثَة
(4/426)

أَيَّام بلياليها، وَهِي مُقِيمَة على الهجران.
فأيست مِنْهَا، وعذلت نَفسِي، ووبختها، ورضتها على الصَّبْر، وَقمت من بَاب حُجْرَتهَا، عَاملا على التشاغل عَنْهَا.
ومضيت إِلَى حمام دَاري، فأمطت عَن جَسَدِي الْوَسخ الَّذِي كَانَ لحقه، وَجَلَست لأغير ثِيَابِي وأتبخر.
فَإِذا بِزَوْجَتِي قد خرجت إِلَيّ، وجواريها الْمُغَنِّيَات حواليها، بآلاتهن يغنين، وَمَعَ بَعضهنَّ طبق فِيهِ أوساط، وسنبوسج، وَمَاء ورد، وَمَا أشبه ذَلِك.
فحين رَأَيْتهَا استطرت فَرحا، وَقمت إِلَيْهَا، وأكببت على يَديهَا ورجليها.
وَقلت: مَا هَذَا يَا ستي؟
(4/427)

فَقَالَت: تعال، حَتَّى نَأْكُل وَنَشْرَب، ودع السُّؤَال.
وَجَلَست وَقدم الطَّبَق، فأكلنا جَمِيعًا، ثمَّ جِيءَ بِالشرابِ، واندفع الْجَوَارِي بِالْغنَاءِ، وأخذنا فِي الشَّرَاب، وَقد كَاد عَقْلِي يَزُول سُرُورًا.
فَلَمَّا توسطنا أمرنَا، قلت لَهَا: يَا ستي، أَنْت هجرتيني بِغَيْر ذَنْب كَبِير أوجب مَا بلغته من الهجران، وترضيتك بِكُل مَا فِي الْمقدرَة، فَمَا رضيت، ثمَّ تفضلت ابْتِدَاء بِالرُّجُوعِ إِلَى وصالي بِمَا لم تبلغه آمالي، فعرفيني مَا سَبَب هَذَا؟ قَالَت: كَانَ الْأَمر فِي سَبَب الهجر ضَعِيفا كَمَا قلت: وَلَكِن تداخلني من التجني مَا يتداخل المحبوب، ثمَّ اسْتمرّ بِي اللجاج، وَأرَانِي الشَّيْطَان أَن الصَّوَاب فِيمَا فعلته، فأقمت على مَا رَأَيْت.
فَلَمَّا كَانَ السَّاعَة، أخذت دفترًا كَانَ بَين يَدي وتصفحته، فَوَقَعت عَيْني مِنْهُ على قَول الشَّاعِر:
الْعُمر أقصر مدّة ... من أَن يضيّع فِي الْحساب
فتغنّمي ساعاته ... فمرورها مرّ السَّحَاب
قَالَت: فَعلمت أَنَّهَا عظة لي، وَأَن سبيلي أَن لَا أَسخط الله عز وَجل بإسخاط زَوجي، وَأَن لَا أسْتَعْمل اللجاج، فأسوءك، وأسوء نَفسِي، فجئتك لأترضاك، وأرضيتك.
فانكببت على يَديهَا ورجليها، وَصفا مَا كَانَ بَيْننَا.
(4/428)