Advertisement

الفرج بعد الشدة للتنوخي 005

الْبَاب الرَّابِع عشر
مَا اختير من ملح الْأَشْعَار فِي أَكثر مَا تقدم من الْأَمْثَال وَالْأَخْبَار
قَالَ لَقِيط بن زُرَارَة التَّمِيمِي:
قد عِشْت فِي النَّاس أطوارًا على خلقٍ ... شتّى وقاسيت فِيهَا اللّين والقطعا
كلا لبست فَلَا النّعماء تبطرني ... وَلَا تخشّعت من لأوائها جزعا
لَا يمْلَأ الهول صَدْرِي قبل وقعته ... وَلَا أضيق بِهِ ذرعًا إِذا وَقعا
مَا سدّ لي مطلعٌ ضَاقَتْ ثنيّته ... إِلَّا وجدت وَرَاء الضّيق متّسعا
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ:
(5/5)

وإنّي صبرت النّفس بعد ابْن عنبسٍ ... وَقد لجّ من مَاء الشئون لجوج
لأُحسب جلدا أَو ليستاء حاسدٌ ... وللشرّ بعد القارعات فروج
ويروى لأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِ السَّلَام:
إنّي أَقُول لنَفْسي وَهِي ضيّقةٌ ... وَقد أَنَاخَ عَلَيْهَا الدّهر بالعجب
صبرا على شدَّة الأيّام إنّ لَهَا ... عُقبى وَمَا الصّبر إِلَّا عِنْد ذِي الْحسب
سيفتح الله عَن قربٍ بنافعةٍ ... فِيهَا لمثلك راحاتٌ من التّعب
ويروى لعُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ، وَقيل إِنَّه لغيره:
خليليّ لَا والله مَا من ملحّةٍ ... تدوم على حيّ وَإِن هِيَ جلّت
فَإِن نزلت يَوْمًا فَلَا تخضعن لَهَا ... وَلَا تكْثر الشّكوى إِذا النّعل زلّت
فكم من كريمٍ قد بلي بنوائبٍ ... فصابرها حتّى مَضَت وأضمحلّت
وَكَانَت على الأيّام نَفسِي عزيزةٌ ... فلمّا رَأَتْ صبري على الذلّ ذلّت
وَأنْشد مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان متمثلًا:
فَلَا تيأسن واستغن بالله إنّه ... إِذا الله سنّى حلّ عقدٍ تيسّرا
(5/6)

وَلأبي دهبل الجُمَحِي من قصيدة:
وإنّي لمحجوبٌ غَدَاة أزورها ... وَكنت إِذا مَا جِئْتهَا لَا أعرّج
عَسى كربَة أمسيت فِيهَا مُقِيمَة ... يكون لنا مِنْهَا نجاءٌ ومخرج
فيكبت أعداءٌ ويجذل آلفٌ ... لَهُ كبدٌ من لوعة الْبَين تلعج
ولحارثة بن بدر الغداني:
وَقل للفؤاد إِن نزا بك نزوةً ... من الهمّ أفرخ أَكثر الروع باطله
ولتوبة بن الْحمير الْعقيلِيّ:
وَقد تذْهب الْحَاجَات يطْلبهَا الْفَتى ... شعاعًا وتخشى النفّس مَا لَا يضيرها
(5/7)

ولجرير بن الخطفى:
يعافي الله بعد بلَاء جهدٍ ... وينهض بعد مَا يبْلى السّقيم
ولزياد بن عَمْرو من بني الْحَارِث بن كَعْب، وَقيل لزياد بن عَمْرو الغداني وَقيل لزِيَادَة بن زيد العذري:
إِذا مذهبٌ سدّت عَلَيْك فروجه ... فإنّك لاقٍ لَا محَالة مذهبا
وَلَا تجعلن كرب الخطوب إِذا عرت ... عَلَيْك رتاجًا لَا يزَال مضبّبا
وَكن رجلا جلدا إِذا مَا تقلّبت ... بِهِ صيرفيّات الْأُمُور تقلّبا
وَلغيره، وَلم يسم قَائِلا:
نَوَائِب الدَّهْر أدّبتني ... وإنّما يوعظ اللبيب
قد ذقت حلوًا وذقت مرًّا ... كَذَاك عَيْش الْفَتى ضروب
مَا مرّ بؤسٌ وَلَا نعيمٌ ... إِلَّا ولي فيهمَا نصيب
(5/8)

وَقَرِيب مِنْهُ مَا أَنْشدني أبي رَحمَه الله تَعَالَى، عَن ابْن دُرَيْد، عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي الْأَصْمَعِي، عَن عَمه:
كأنّ قوما إِذا مَا بدّلوا نعما ... بنكبةٍ لم يَكُونُوا قبلهَا نكبوا
وَمثله، أَو يُقَارِبه لغيره، مُفْرد:
إنّ الْبُطُون إِذا جاعت، مَتى شبعت ... كأنّما لم يُقَاس الْجُوع طاويها
وَذكر أَبُو تَمام الطَّائِي فِي كتاب الحماسة، لجَابِر بن تغلب الطَّائِي:
كأنّ الْفَتى لم يعر يَوْمًا إِذا اكتسى ... وَلم يَك صعلوكًا إِذا مَا تموّلا
وَلم يَك فِي بؤسٍ إِذا بَات لَيْلَة ... يناغي غزالًا ساجي الطّرف أكحلا
ولسعيد بن مضاء الْأَسدي وَقيل إِنَّه للْإِمَام عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ:
فَمَا نوب الْحَوَادِث باقياتٌ ... وَلَا البؤسى تدوم وَلَا النَّعيم
كَمَا يمْضِي سرورك وَهُوَ جمٌّ ... كَذَلِك مَا يسوءك لَا يَدُوم
(5/9)

فَلَا تهْلك على مَا فَاتَ وجدا ... وَلَا تفردك بالأسف الهموم
وَقَرِيب مِنْهُ لكثير عزة، فِي مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَلَيْهِ السَّلَام، لما حَبسه ابْن الزبير، من أَبْيَات:
تحدّت من لاقيت أنّك عائذٌ ... بل العائذ الْمَظْلُوم فِي سجن عَارِم
وَمَا رونق الدُّنْيَا بباقٍ لأَهْلهَا ... وَمَا شدّة الدُّنْيَا بضربة لَازم
لهَذَا وَهَذَا مدّةٌ سَوف تَنْقَضِي ... وَيُصْبِح مَا لاقيته حلم حالم
ولبعض الْأَعْرَاب، قريب مِنْهُ:
كأنّك لم تعدم من الدَّهْر لذّةً ... إِذا أَنْت أدْركْت الَّذِي كنت تطلب
وللأضبط بن قريع التَّمِيمِي من أَبْيَات:
لكلّ ضيق من الْأُمُور سعه ... والليّل وَالصُّبْح لَا بَقَاء مَعَه
لَا تحقرنّ الوضيع علّك أَن ... تَلقاهُ يَوْمًا والدهر قد رَفعه
قد يجمع المَال غير آكله ... وَيَأْكُل المَال غير من جمعه
(5/10)

قد يقطع الثَّوْب غير لابسه ... ويلبس الثَّوْب غير من قطعه
قد يرفع الْبَيْت غير ساكنه ... ويسكن الْبَيْت غير من رَفعه
فارض من الله مَا أَتَاك بِهِ ... من قرّ عينا بعيشه نَفعه
وصل حبال الْبعيد إِن وصل ... الْحَبل وأقص الْقَرِيب إِن قطعه
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب، ولي من هَذَا الروي، وَقَرِيب من هَذَا الْمَعْنى، أَبْيَات وَهِي:
اصبر فَلَيْسَ الزَّمَان مصطبرًا ... وكلّ أحداثه فمنقشعه
كم من فَقير غناهُ فِي شبعٍ ... قد نَالَ خفضًا فِي عيشه ودعه
وَكم جليلٍ جلّت مصائبه ... ثمَّ تلافاه بعد من وَضعه
فَعَاد بالعزّ آمنا جذلًا ... وَعَاد أعداؤه لَهُ خضعه
وأنشدنا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى الْمَعْرُوف بثعلب:
ربّ ريحٍ لِأُنَاس عصفت ... ثمّ مَا إِن لَبِثت أَن ركدت
وكذاك الدَّهْر فِي أَفعاله ... قدمٌ زلّت وَأُخْرَى ثبتَتْ
بالغٌ مَا كَانَ يَرْجُو دونه ... ويدٌ عمّا استحقّت قصرت
وَكَذَا الأيّام من عاداتها ... أنّها مفسدةٌ مَا أصلحت
(5/11)

ثمّ تَأْتِيك مقاديرٌ بهَا ... فترى مصلحَة مَا أفسدت
وللحسين بن مطير الْأَسدي:
إِذا يسّر الله الْأُمُور تيسّرت ... ولانت قواها واستقاد عسيرها
فكم طامعٍ فِي حَاجَة لَا ينالها ... وَكم آيسٍ مِنْهَا أَتَاهُ بشيرها
وَكم خائفٍ صَار المخيف ومقترٍ ... تموّل والأحداث يحلو مريرها
وَقد تغدر الدُّنْيَا فيمسي غنيّها ... فَقِيرا ويغنى بعد عسرٍ فقيرها
وَكم قد رَأينَا من تكدّر عيشة ... وَأُخْرَى صفا بعد انكدارٍ غديرها
ولمسكين الدَّارمِيّ:
وإنّي لأرجو الله حتّى كأنّني ... أرى بجميل الظنّ مَا الله صانع
(5/12)

وأنشدني مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر بن الْحُسَيْن، قَالَ: أَنْشدني الْحسن بن أبي الْخضر، قَالَ: أنشدنا ثَعْلَب:
إِلَى الله كلّ الْأَمر فِي الْخلق كلّه ... وَلَيْسَ إِلَى الْمَخْلُوق شَيْء من الْأَمر
إِذا أَنا لم أقبل من الدَّهْر كلّما ... تكرّهت مِنْهُ طَال عتبي على الدَّهْر
ووسّع صَدْرِي للأذى كَثْرَة الْأَذَى ... وَقد كنت أَحْيَانًا يضيق بِهِ صَدْرِي
وصيّرني يأسي من النَّاس راجيًا ... لحسن صَنِيع الله من حَيْثُ لَا أَدْرِي
وَأَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي رَحمَه الله على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: أخبرنَا وَكِيع، مُحَمَّد بن خلف القَاضِي، أَن طَلْحَة بن عبيد الله أخبرهُ، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن شبيب، قَالَ: أَنْشدني الثَّوْريّ، وَذكر الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين، ثمَّ بَيْتا ثَالِثا، وَهُوَ:
وعوّدت نَفسِي الصَّبْر حَتَّى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إِلَى الصَّبْر
ثمَّ ذكر الْبَيْتَيْنِ الآخرين على نَحْو ذَلِك.
وَقَالَ آخر:
(5/13)

إِذا ضَاقَ صَدْرِي بالأمور تفرّجت ... لعلمي بأنّ الْأَمر لَيْسَ إِلَى الْخلق
وَقَالَ آخر:
يضيق صَدْرِي بغمّ عِنْد حادثةٍ ... وربّما خير لي فِي الغمّ أَحْيَانًا
وربّ يَوْم يكون الغمّ أوّله ... وَعند آخِره روحًا وريحانا
مَا ضقت ذرعًا بغمٍّ عِنْد نائبةٍ ... إِلَّا ولي فرجٌ قد حلّ أَو حانا
وأنشدني مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، قَالَ: أنشدنا ثَعْلَب، عَن الزبير:
لَا أَحسب الشَّرّ جارًا لَا يفارقني ... وَلَا أحزّ على مَا فَاتَنِي الودجا
وَمَا لقِيت من الْمَكْرُوه نازلةً ... إِلَّا وثقت بِأَن ألْقى لَهَا فرجا
وَأَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، خَليفَة أبي رَحمَه الله على الْقَضَاء بهَا، قَالَ: أنشدنا أَحْمد بن عمر الْحَنَفِيّ، قَالَ: أنشدنا الرياشي، قَالَ: أنشدنا القحذمي، فَذكر الْبَيْت الأول، ثمَّ قَالَ:
(5/14)

وَلَا تراني لما قد فَاتَ مكتئبًا ... وَلَا تراني بِمَا قد نلْت مبتهجا
ثمَّ ذكر الْبَيْت الثَّالِث.
ولبعض الْأَعْرَاب:
وقلّ وَجه يضيق إِلَّا ... ودونه مَذْهَب فسيح
من روّح الله عَنهُ هبّت ... من كلّ وَجه إِلَيْهِ ريح
قرئَ على أبي بكر الصولي، بِالْبَصْرَةِ، فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، فِي كِتَابه: كتاب الوزراء، وَأَنا أسمع، حَدثَك الْحُسَيْن بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنِي البيمارستاني، قَالَ: أنشدت أَبَا الْعَبَّاس إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي، وَهُوَ فِي مَجْلِسه بديوان الضّيَاع:
ربّما تكره النُّفُوس من الْأَمر ... لَهُ فرجةٌ كحلّ العقال
فَنكتَ بقلمه، ثمَّ قَالَ:
ولربّ نازلةٍ يضيق بهَا الْفَتى ... ذرعًا وَعند الله مِنْهَا الْمخْرج
ضَاقَتْ فلمّا استحكمت حلقاتها ... فرجت وَكَانَ يظنّها لَا تفرج
(5/15)

أَنْشدني أَحْمد بن عبد الله الْوراق، قَالَ: أنشدنا أَحْمد بن الْقَاسِم بن نصر أَخُو أبي اللَّيْث الْفَرَائِضِي، قَالَ: أنشدنا دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ، قصيدته: مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة، فَذكر القصيدة إِلَى آخرهَا وفيهَا مَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب:
فلولا الَّذِي أَرْجُو فِي الْيَوْم أَو غدٍ ... تقطّع قلبِي إثرهم حسرات
فيا نفس طيبي، ثمَّ يَا نفس أَبْشِرِي ... فَغير بعيدٍ كلّما هُوَ آتٍ
وَلَا تجزعي من دولة الْجور إنّني ... كأنّي بهَا قد آذَنت بشتات
عَسى الله أَن يرتاح لِلْخلقِ إنّه ... إِلَى كلّ حيّ دَائِم اللّحظات
ولعلي بن الجهم من قصيدة:
غير اللَّيَالِي بادياتٌ عوّد ... وَالْمَال عَارِية يفاد وينفد
ولكلّ حالٍ معقبٌ ولربّما ... أجلى لَك الْمَكْرُوه عمّا يحمد
(5/16)

لَا يؤيسنّك من تفرّج كربةٍ ... خطبٌ رماك بِهِ الزَّمَان الأنكد
صبرا فإنّ الْيَوْم يتبعهُ غدٌ ... وَيَد الْخَلِيفَة لَا تطاولها يَد
كم من عليلٍ قد تخطّاه الردى ... فنجا وَمَات طبيبه والعوّد
وَلغيره فِي مثله:
قد يصحّ الْمَرِيض من بعد يأسٍ ... كَانَ مِنْهُ وَيهْلك العوّاد
ويصاد القطا فينجو سليما ... بعد هلكٍ وَيهْلك الصيّاد
ولعَبْد الله بن المعتز من أَبْيَات:
وَكم نعمةٍ لله فِي صرف نقمةٍ ... ومكروه أَمر قد حلا بعد إمرار
وَمَا كلّ مَا تهوى النُّفُوس بنافعٍ ... وَمَا كلّ مَا تخشى النُّفُوس بضرّار
وَله مُفْرد:
ولربّما انْتفع الْفَتى بضرار من ... يَنْوِي الضرار وضرّه من ينفع
وَقَرِيب مِنْهُ:
(5/17)

ربّما خير للفتى ... وَهُوَ للخير كَارِه
وَأَتَاهُ السرُور من ... حَيْثُ تَأتي المكاره
أَنْشدني أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن شهرام الْكَاتِب وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، وأخبراني أَن فِيهِ لحنًا من الرمل:
فَلَا تيأسن من فرجةٍ أَن تنالها ... لعلّ الَّذِي ترجوه من حَيْثُ لَا ترجو
وَقَالَ آخر:
أَتَى من حَيْثُ لَا ترجوه صنعٌ ... وتأبى أَن تهمّ بِهِ الظنون
وَحَيْثُ تراك تيأس فارج خيرا ... فإنّ الْغَيْب محتجبٌ مصون
فَكُن أَرْجَى لأمر لَيْسَ ترجو ... من المرجوّ أقرب مَا يكون
وَقَالَ آخر:
وَإِذا تصبك خصاصةٌ فأرج الْغنى ... وَإِلَى الَّذِي يُعْطي الرغائب فأرغب
(5/18)

وأنشدني أبي رَحمَه الله لِعبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر:
أَرَاهَا تمخّض بالمعضلات ... فيا لَيْت شعري مَا الزبده
أَلا إنّ زبدتها فرجةٌ ... تحلّ العقال من العقده
وَلأبي إِسْحَاق إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم الملقب بِأبي الْعَتَاهِيَة:
إنّما الدُّنْيَا هباتٌ ... وعوارٍ مستردّه
شدّةٌ بعد رخاءٍ ... ورخاءٌ بعد شدّه
وَله أَيْضا:
النَّاس فِي الدَّين وَالدُّنْيَا ذَوُو درجٍ ... وَالْمَال مَا بَين موقوفٍ ومختلج
من ضَاقَ عَنْك فأرض الله واسعةٌ ... فِي كلّ وَجه مضيقٍ وَجه منفرج
قد يدْرك الراقد الْهَادِي برقدته ... وَقد يخيب أَخُو الروحات والدلج
خير الْمذَاهب فِي الْحَاجَات أنجحها ... وأضيق الْأَمر أدناه من الْفرج
(5/19)

ويروى لَهُ، والقافية كلهَا وَاحِدَة، وَهَذَا هُوَ الإيطاء، وَأَبُو الْعَتَاهِيَة يرْتَفع عَنهُ، فإمَّا أَن يكون الشّعْر لغيره مِمَّن جهل هَذَا الْعَيْب، أَو لَهُ وَجه لَا أعلمهُ، وأوله:
يَا صَاحب الهمّ إنّ الهمّ منقطعٌ ... أبشر بِذَاكَ فإنّ الْكَافِي الله
الْيَأْس يقطع أَحْيَانًا بِصَاحِبِهِ ... لَا تيأسنّ كَأَن قد فرّج الله
الله حَسبك ممّا عذت مِنْهُ بِهِ ... وَأَيْنَ أمنع ممّن حَسبه الله
هنّ البلايا، وَلَكِن حَسبنَا الله ... والله حَسبك، فِي كلٍّ لَك الله
هوّن عَلَيْك، فإنّ الصَّانِع الله ... وَالْخَيْر أجمع فِيمَا يصنع الله
يَا نفس صبرا على مَا قدّر الله ... وسلّمي تسلمي، فالحاكم الله
يَا ربّ مستصعب قد سهّل الله ... وربّ شرّ كثير قد وقى الله
إِذا بَكَيْت فثق بالله وَارْضَ بِهِ ... إنّ الَّذِي يكْشف الْبلوى هُوَ الله
الْحَمد لله شكرا لَا شريك لَهُ ... مَا أسْرع الْخَيْر جدًّا إِن يشا الله
ولمحمد بن حَازِم الْبَاهِلِيّ، فِي مثل هَذَا:
(5/20)

طُوبَى لمن يتولّى الله خالقُهُ ... وَمن إِلَى الله يلجأ يكفه الله
وربّ حاذر أَمر يستكين لَهُ ... ينجو وَخيرته مَا قدّر الله
وَمن دَعَا الله فِي اللأواء أنقذه ... وكلّ كرب شَدِيد يكفه الله
وليحيى بن خَالِد بن برمك، من أَبْيَات:
أَلا يَا بَائِعا دينا بدنيا ... غرورٍ لَا يَدُوم لَهَا نعيم
سينقطع التلذّذ عَن أنَاس ... أداموه وتنقطع الهموم
وأنشدني أبي، القَاضِي أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي الْفَهم التنوخي رَحمَه الله، من قصيدة لسالم بن عَمْرو الخاسر:
إِذا أذن الله فِي حَاجَة ... أَتَاك النجاح على رسله
وقرّب مَا كَانَ مستبعدًا ... وردّ الْغَرِيب إِلَى أَهله
فَلَا تسْأَل النَّاس من فَضلهمْ ... وَلَكِن سل الله من فَضله
وَوجدت بِخَط عمي القَاضِي أبي جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي الْفَهم
(5/21)

التنوخي، مَكْتُوبًا:
إِذا أذن الله فِي حَاجَة ... أَتَاك النجاح بهَا ويركض
وَإِن عَاق من دونهَا عائق ... أَتَى دونهَا عَارض يعرض
ولعَبْد الله بن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب من أَبْيَات:
لَا تعجلنّ فربّما ... عجل الْفَتى فِيمَا يضرّه
والعيش أحلى مَا يعود ... على حلاوته مُمرُّه
ولربّما كره الْفَتى ... أمرا عواقبه تسرّه
وَلغيره:
كم مرّة حفّت بك المكاره ... خار لَك الله وَأَنت كَارِه
وَلغيره:
(5/22)

ربّ أَمر تزهق النَّفس لَهُ ... جاءها من خلل الْيَأْس الْفرج
لَا تكن من وَجه روحٍ آيسًا ... ربّما قد فرجت تِلْكَ الرتج
بَيْنَمَا الْمَرْء كئيبٌ موجعٌ ... جَاءَهُ الله بروحٍ فابتهج
ربّ أَمر قد تضايقت لَهُ ... فأتاك الله مِنْهُ بالفرج
وَقَالَ آخر:
إِذا الحادثات بلغن المدى ... وكادت تذوب لهنّ المهج
وجلّ الْبلَاء وقلّ العزاء ... فَعِنْدَ التناهي يكون الْفرج
ولبعضهم مُفْرد:
البؤسُ يعقبه النَّعيم وربّما ... لاقيت مَا ترجوه فِيمَا ترغب
وأنشدني عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحسن العبقسي الْمَعْرُوف بالصوري، لنَفسِهِ:
إِذا أذن الله فِي حَاجَة ... أَتَاك النجاح بِغَيْر احتباس
فيأتيك من حَيْثُ لَا ترتجي ... مرادك بالنجع بعد الْإِيَاس
(5/23)

ولمحمد بن حَازِم الْبَاهِلِيّ:
وارحل إِذا أجدبت بلادٌ ... مِنْهَا إِلَى الخصب وَالربيع
لعلّ دهرًا غَدا بنحسٍ ... بكرّ بالسعد فِي الرُّجُوع
وَوجدت فِي بعض الْكتب مَنْسُوبا إِلَى أبي تَمام الطَّائِي:
وَمَا من شدّة إِلَّا سَيَأْتِي ... لَهَا من بعد شدّتها رخاء
وأنشدني الْأَمِير أَبُو الْفضل جَعْفَر بن المكتفي بِاللَّه، قَالَ: أَنْشدني بعض أَصْحَابنَا، وَلم يسم قَائِلا، وَأَخْبرنِي بعض الشُّعَرَاء: أَن الْبَيْت الأول لقيس بن الخطيم، وَوَجَدته وَحده فِي كتاب الْأَمْثَال السائرة مَنْسُوبا إِلَى قيس بن الخطيم:
وكلّ شَدِيدَة نزلت بقومٍ ... سَيَأْتِي بعد شدّتها رخاء
فإنّ الضغط قد يحوي وعَاء ... ويتركه إِذا فرغ الْوِعَاء
(5/24)

وَمَا ملئ الْإِنَاء وسدّ إِلَّا ... ليخرج مِنْهُ مَا امْتَلَأَ الْإِنَاء
وأنشدت:
مَتى تصفو لَك الدّنيا بخيرٍ ... إِذا لم ترض مِنْهَا بالمزاح
ألم تَرَ جَوْهَر المصفّى ... ومخرجه من الْبَحْر الأجاج
وربّ مخيفةٍ فجأت بهولٍ ... جرت بمسرّةٍ لَك وابتهاج
وربّ سلامةٍ بعد امتناعٍ ... وربّ إقامةٍ بعد اعوجاج
ولمحمد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي عُيَيْنَة المهلبي، من أَبْيَات، وَمُحَمّد هَذَا، هُوَ وَالِد أبي خَالِد يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي، نديم المتَوَكل:
إنّي لرحّال إِذا الهمّ برك ... رحب اللّبان عِنْد ضيق المعترك
عسري على نَفسِي ويسري مُشْتَرك ... لَا تهْلك النَّفس على شيءٍ هلك
وَلَيْسَ فِي الهمّ لما فَاتَ دَرك ... وَلم يدم شيءٌ على دور الْفلك
ربّ زمانٍ ذلّه أرْفق بك ... لَا عَار إِن ضامك دهرٌ أَو فتك
فقد يعود بالّذي تهواه لَك ... كم قد رَأينَا سوقةً صَار ملك
وَقَالَ آخر:
(5/25)

لكل غمّ فرجٌ عَاجل ... يَأْتِيك فِي المصبح والممسى
لَا تتّهم ربّك فِيمَا مضى ... وهوّن الْأَمر تطب نفسا
ولعَبْد الله بن المعتز:
سَوَاء على الأيّام حفظٌ وإغفال ... وتارك سعيٍ واحتيالٌ ومحتال
وَلَا همّ إِلَّا سَوف يفتح قفله ... وَلَا حَال إِلَّا بعْدهَا للفتى حَال
وَقَالَ آخر:
جزعت كَذَا ذُو الهمّ يجزع قلبه ... أَلا ربّ يأسٍ جَاءَ من بعده فرج
كأنّك بالمحبوب قد لَاحَ نجمه ... وَذُو الهمّ من بَين المضايق قد خرج
وَأنْشد لأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ:
لَا تكره الْمَكْرُوه عِنْد نُزُوله ... إنّ المكاره لم تزل متباينه
كم نعْمَة لَا تستقلّ بشكرها ... لله فِي جنب المكاره كامنه
(5/26)

حَدثنَا عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا قَالَ: أَنْشدني رجل من قُرَيْش:
ألم تَرَ أنّ ربّك لَيْسَ تحصى ... أياديه الحديثة والقديمه
تسلّ عَن الهموم فَلَيْسَ شيءٌ ... يُقيم وَلَا همومك بالمقيمه
لعلّ الله ينظر بعد هَذَا ... إِلَيْك بنظرة مِنْهُ رحيمه
وأنشدني مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن الْحسن بن طرخان، قَالَ: أَنْشدني أَبُو الْحسن عَليّ بن هَارُون بن عَليّ بن يحيى المنجم، لنَفسِهِ من أَبْيَات كتب بهَا إِلَى عَليّ بن خلف بن طناب، فَعمِلت فِيهِ صَوتا:
بيني وَبَين الدَّهْر فِيك عتاب ... سيطول إِن لم يمحه الإعتاب
يَا غَائِبا بمزاره وَكتابه ... هَل يرتجى من غَيْبَتِك إياب
لَوْلَا التعلّل بالرجاء تقطّعت ... نفسٌ عَلَيْك شعارها الأوصاب
لَا يأس من فرج الْإِلَه فربّما ... يصل القطوع وَيقدم الغيّاب
وَلآخر غَيره:
(5/27)

فَلَا تيأس وَإِن أعسرت يَوْمًا ... فقد أَيسَرت فِي الزَّمن الطَّوِيل
وَقَالَ آخر:
فَلَا تيأس وَإِن صحّت ... عزيمتهم على الدلج
فإنّ إِلَى غَدَاة غدٍ ... سَيَأْتِي الله بالفرج
فَتُصْبِح عيسهم عرجًا ... وَقد كَانَت بِلَا عرج
وَقَالَ آخر:
ربّما يطلع التفرّج فِي الْكُرْبَة ... كالبدر من خلال السَّحَاب
وتزول الهموم فِي قدر الزرّ ... تفرّى عَن عُرْوَة الجلباب
وَقَالَ آخر:
رميت بالهمّ لمّا أَن رميت بِهِ ... وَلم أُقم غَرضا للهمّ يرميني
وَلست آيس من روح وَمن فرجٍ ... وَمن لطائف صنعٍ سَوف تكفيني
وكلّ مَا كَانَ من دهري إليّ شوى ... مَا سلّم الله من أحداثه ديني
وَقَالَ آخر:
(5/28)

وَكم من ضيقةٍ ركدت بغمّ ... فَكَانَ عقيبها فرج مفاجي
وأضيق مَا يكون الْأَمر أدنى ... وَأقرب مَا يكون إِلَى انفراج
ولعلي بن جبلة:
عَسى فرجٌ يكون عَسى ... نعلّل نفسنا بعسى
فَلَا تقنط وَإِن لاقيت ... همًّا يقبض النفسا
فأقرب مَا يكون الْمَرْء ... من فرج إِذا يئسا
حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْشدني الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن، وَذكر الْبَيْت الأول، وَالثَّالِث، وَلم يذكر الثَّانِي، وَلَا سمى قَائِلا.
وَقَالَ آخر:
لعمرك مَا الْمَكْرُوه من حَيْثُ تتقي ... وتخشى وَلَا المحبوب من حَيْثُ تطمع
وَأكْثر خوف النَّاس لَيْسَ بكائنٍ ... فَمَا دَرك الهمّ الَّذِي لَيْسَ ينفع
وَقَالَ آخر:
رضيت بالله إِن أعْطى شكرت وَإِن ... يمْنَع قنعت وَكَانَ الصَّبْر من عددي
(5/29)

إِن كَانَ عنْدك رزق الْيَوْم فاطّرحن ... حمل الهموم فَعِنْدَ الله رزق غَد
وَلأبي يُوسُف البنهيلي الْكَاتِب، عَم المفجع الشَّاعِر، وَهُوَ من قَرْيَة من أَعمال النهروانات، من قصيدة:
لَا الْبُؤْس يبْقى وَلَا النَّعيم وَلَا ... حَلقَة ضيقٍ، ستفرج الحلقه
صبرا على الدَّهْر فِي تجوّره ... كم فتح الصَّبْر مرّة غلقه
وَقَالَ آخر:
جَدِيد همّك يبليه الجديدان ... فاستشعر الصَّبْر إنّ الدَّهْر يَوْمَانِ
يَوْم يسوء فيتلوه فيذهبه ... يومٌ يسرّ وكلٌّ زائلٌ فان
وَقَالَ آخر:
لَا تعجّل همًّا بِمَا لَيْسَ تَدْرِي ... إِن ترَاخى، يكون أَو لَا يكون
وَقَالَ آخر:
(5/30)

عادني الهمّ واعتلج ... كلّ همّ إِلَى فرج
وَقَالَ آخر:
لعمرك مَا يدْرِي الْفَتى كَيفَ يتّقي ... نَوَائِب هَذَا الدَّهْر أم كَيفَ يحذر
يرى الشَّيْء ممّا يتّقي فيخافه ... وَمَا لَا يرى مِمَّا يقي الله أَكثر
وَقَالَ آخر:
الهمّ فضلٌ وَالْقَضَاء مغالب ... وصروف أيّام الْفَتى تتقلّب
والبؤس يتبعهُ النَّعيم وربّما ... لاقيت مَا ترجوه فِيمَا ترهب
وَلَا تيأسنّ وَإِن تضايق مذهبٌ ... فِيمَا تحاول أَو تعذّر مطلب
وَانْظُر إِلَى عُقبى الْأُمُور فَعندهَا ... لله عَادَة فرجةٍ تترقّب
ولبعض الْأَعْرَاب:
فَلَا تحسبن سجن الْيَمَامَة دَائِما ... كَمَا لم يدم عَيْش بسفح ثبير
(5/31)

ولحوط بن ذياب الْأَسدي:
تعلّمني بالعيش عرسي كأنّما ... تعلّمني الشَّيْء الَّذِي أَنا جاهله
وَلآخر:
يعِيش الْفَتى بالفقر يَوْمًا وبالغنى ... وكلّ كَأَن لم يلقه حِين يذهب
كأنّك لم تعدم من الدَّهْر لذّة ... إِذا أَنْت أدْركْت الَّذِي كنت تطلب
تخطي النُّفُوس مَعَ العيان ... وَقد تصيب مَعَ التظنّه
كم من مضيق بالفضاء ... ومخرج بَين الأسنّة
ولسليمان بن المُهَاجر البَجلِيّ، من أَبْيَات:
إنّ المساءة قد تسرّ وربّما ... كَانَ السرُور بِمَا كرهت جَدِيرًا
وللبحتري:
(5/32)

لَا ييأس الْمَرْء أَن ينجّيه ... مَا يحْسب النَّاس أنّه عطبه
إنّ سرّك الْأَمر قد يسوءوكم ... نوّه يَوْمًا بخامل لقبه
وَلأبي الْعَتَاهِيَة:
ولربّما استيأست ثمَّ أَقُول: لَا ... إنّ الَّذِي ضمن النجاح كريم
وأنشدني بعض إخْوَانِي لسَعِيد بن حميد، وَقَالَ: فِيهِ لحن من الرمل:
يومٌ عَلَيْك مباركٌ ... مَا عِشْت فِي فَرح وَطيب
عَاد الحبيب لوصله ... وحجبت عَن عين الرَّقِيب
وَكَذَا الزَّمَان يَدُور ... بالأفراح من بعد الكروب
فَاشْرَبْ شرابًا نَقله ... تَقْبِيل سالفة الحبيب
ودع الهموم فإنّها ... تنأى عَن الصَّدْر الرحيب
لَا بدّ من فرجٍ قريب ... يَأْتِيك بالعجب العجيب والكمد
(5/33)

وحَدثني عَليّ بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْأنْصَارِيّ الخطمي، قَالَ: سَمِعت برامهرمز فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَلَاث مائَة، مغنيًا يُقَال لَهُ ابْن هاني، يُغني على الطنبور:
علّل همومك بالمنى ... ترجى إِلَى أجل قريب
لَا بدّ من صنعٍ قريب ... يَأْتِيك بالعجب العجيب
لَا تيأسنّ وَإِن ألح ... الدَّهْر من فرج قريب
روّح فُؤَادك بِالرِّضَا ... ترجع إِلَى روح وَطيب
قَالَ: فَسَأَلته من قَائِلهَا، فَقَالَ: عبيد الله بن عبيد الله بن طَاهِر.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقَرِيب من الْبَيْت الْأَخير:
حرّك مناك إِذا اغتممت ... فإنّهنّ مراوح
وحَدثني الْحُسَيْن بن عَليّ بن مُحَمَّد، وَيعرف أَبوهُ بالبغدادي النديم، قَالَ: سَمِعت عبد الْوَاحِد بن حَمْزَة الْهَاشِمِي، من ولد إِبْرَاهِيم الإِمَام، يُغني على الطنبور، وَكَانَ حاذقًا طيبا، لحنًا من الرمل:
لَيْسَ لي صَبر وَلَا جلد ... قد براني الهمّ والسّهد
من ملمّاتٍ تؤرّقني ... مَا لَهَا من كثرةٍ عدد
ولعلّ الله يكشفها ... فيزول الْحزن والكمد
(5/34)

وأنشدني مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن الْحسن بن طرخان، لنَفسِهِ، وَقَالَ: لي فِيهِ لحن من الرمل:
هاكها صرفا تلالًا ... لم يدنّسها المزاج
واترك الهمّ لشانيك ... فللهمّ انفراج
ثمَّ وجدت بعد ذَلِك، أَن إِسْحَاق الْموصِلِي، ذكر فِي كِتَابه كتاب الأغاني الْمَعْرُوف بشجا، أبياتًا لم يسم قَائِلهَا، وَذكر أَن فِيهَا للغريض لحنًا من الثقيل الثَّانِي بالبنصر، فِي مجْراهَا:
يَا أَبَا وهب صفيّي ... كلّ ضيق لانفراج
اسْقِنِي صهباء صرفا ... لم تدنّس بمزاج
وَقَالَ آخر:
رضيت بالله إِن أعْطى شكرت وَإِن ... يمْنَع منعت وَكَانَ الصَّبْر من عددي
إِن كَانَ عنْدك رزق الْيَوْم فاطّرحن ... عَنْك الهموم فَعِنْدَ الله رزق غَد
(5/35)

وَقَالَ آخر:
سهّل على نَفسك الأمورا ... وَكن على مرّها صبورا
فَإِن ألمّت صروف دهرٍ ... فَلَا تكن عِنْدهَا ضجورا
فكم رَأينَا أَخا همومٍ ... أعقب من بعْدهَا سُرُورًا
فربّ عسرٍ أَتَى بيسرٍ ... فَصَارَ معسوره يَسِيرا
وأنشدني أَبُو الْفرج الْقرشِي الْمَعْرُوف بالأصبهاني، لنَفسِهِ، من قصيدة:
تعزّ وَلَا تأسى عليّ وتيأس ... فجدّي محظوظ وأمري مقبل
لعلّ اللَّيَالِي أَن تعود كعهدنا ... وتجمعنا حالٌ تسرّ وتجذل
ويعقب هَذَا الْبُؤْس نعمى، وهمّنا ... سرورٌ، وبلوانا سراحٌ معجّل
وأنشدني سعيد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالوحيد، لنَفسِهِ:
إنّ الزَّمَان عزور ... لَهُ صروف تَدور
فاصبر فربّ اغتمامٍ ... يَأْتِيك مِنْهُ حبور
وربّ همٍّ تفرّى ... فلاح مِنْهُ سرُور
(5/36)

قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: ولي فِي محنة لحقتني، فكشفها الله تَعَالَى عني بتفضله:
هوّن على قَلْبك الهموم فكم ... قاسيت همًّا أدّى إِلَى فَرح
مَا الشرّ من حَيْثُ تتّقيه وَلَا ... كلّ مفضٍ إِلَى ترح
وأنشدني الْأمَوِي، أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، لنَفسِهِ من قصيدة، أَولهَا:
هَل مشتكى لغريب الدَّار ممتحن ... أَو رَاحِم لوثيق الْأسر مُرْتَهن
يَقُول فِيهَا:
كأنّ جلدي سجنٌ فَوق أعظمه ... وَالروح محبوسة للهمّ فِي الْبدن
فَالْحَمْد لله حمد الصابرين على ... مَا سَاءَنِي من قضاياه وأفجعني
لعلّ دهري بعد الْيَأْس يسعفني ... بِمَا أحبّ وَمَا أَرْجُو ويعقبني
وَأَن أنال المنى يَوْمًا وَإِن طويت ... من فَوق جثماني الْأَثْنَاء من كفني
وأنشدني لنَفسِهِ من قصيدة أَولهَا:
لقد بكر الناعي فوثّب أَن رأى ... ارتياعي لخطبٍ عزّ فِيهِ التجمّل
وَيَقُول فِيهَا:
(5/37)

وَمَا زَالَ هَذَا الدَّهْر يَأْتِي بأضربٍ ... تسرّ وتبكي كلّها تتنقّل
فَلَا حزنٌ يبْقى على ذِي كآبة ... وَلَا فرحٌ يحظى بِهِ من يؤمّل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ قصيدة مِنْهَا:
فِي ذمّة الله من سَارَتْ بسيرهم ... مسرّتي وَأقَام الْخَوْف والحرق
لَئِن أَسَاءَ بِنَا دهرٌ قضى شططًا ... وأرهق النَّفس همّ حكمه رهق
لقد أناب بعتبى بعد معتبةٍ ... لجّت عوائقها وامتدّت العلق
وَقَالَ آخر:
يَا قارع الْبَاب ربّ مجتهدٍ ... قد أدمن القرع ثمَّ لم يلج
وربّ مستولج على مهلٍ ... لم يشق فِي قرعه وَلم يهج
علام يسْعَى الْحَرِيص فِي طلب ... الرزق بطول الرواح والدلج
وَهُوَ وَإِن كفّ عَنهُ طَالبه ... الرزق، وَإِن عاج مِنْهُ لم يعج
فاطو على الهمّ كشح مصطبرٍ ... فآخر الهمّ أوّل الْفرج
وأنشدني أبي رحمه الله، قال: أنشدت لبعضهم:
(5/38)

اصحب الدُّنْيَا مياومةً ... وادفع الأيّام تنْدَفع
وَإِذا مَا ضيقةٌ عرضت ... فالقها بِالصبرِ تتّسع
وَقَرِيب مِنْهُ، مَا أنشدناه عَليّ بن هَارُون بن عَليّ بن يحيى المنجم، وَلم يسم قَائِلا:
أدرج الأيّام تندرج ... وبيوت الهمّ لَا تلج
ربّ أَمر عزّ مطلبه ... هوّنته سَاعَة الْفرج
وَلابْن دُرَيْد من قصيدة:
كَمَا لم يكن عصر الغضارة لابثًا ... كَذَلِك عصر الْبُؤْس لَيْسَ بلابث
وأنشدني أَبُو الْفرج عبد الْوَاحِد بن نصر بن مُحَمَّد المَخْزُومِي الْبَصْرِيّ الْكَاتِب الْمَعْرُوف بالببغاء، لنَفسِهِ:
تنكّب مَذْهَب الهمج ... وعذ بِالصبرِ تبتهج
فإنّ مظلّم الأيّام ... محجوجٌ بِلَا حجج
تسامحنا بِلَا شكر ... وتمنعنا بِلَا حرج
ولطف الله فِي إتيانها ... فتح من اللجج
(5/39)

فَمن ضيق إِلَى سَعَة ... وَمن غمّ إِلَى فرج
وأنشدني أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن أَحْمد بن الْحجَّاج الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ، لنَفسِهِ من قصيدة:
فسلّ عَنْك الهموم مصطبرًا ... وَكن لما كَانَ غير منزعج
كلّ مضيق يتلوه متّسع ... وكلّ همّ يُفْضِي إِلَى فرج
وَلغيره:
تشفّع بالنبيّ فكلّ عبد ... يُجَاب إِذا تشفّع بالنبيّ
وَلَا تحرج إِذا مَا ضقت يَوْمًا ... فكم لله من لطفٍ خفيّ
وَإِن ضَاقَتْ بك الْأَسْبَاب يَوْمًا ... فثق بِالْوَاحِدِ الْفَرد العليّ
كتب أَبُو مُحَمَّد المهلبي، وَهُوَ وَزِير، إِلَى أبي، كتابا بِخَطِّهِ، فَرَأَيْت فِيهِ
(5/40)

كلَاما يَسْتَوْفِيه، ويتمثل عَقِيبه بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
لَئِن درست أَسبَاب مَا كَانَ بَيْننَا ... من الودّ مَا شوقي إِلَيْك بدارس
وَمَا أَنا من أَن يجمع الله بَيْننَا ... بِأَحْسَن مَا كنّا عَلَيْهِ بآيس
وَلغيره، مُفْرد:
وَقد يجمع الله الشتيتين بَعْدَمَا ... يظنّان كلّ الظنّ أَن لَا تلاقيا
أَنْشدني عبيد الله بن مُحَمَّد الصروي، لنَفسِهِ، من أَبْيَات:
وَمَا أَنا من بعد ذَا آيسٌ ... بِأَن يَأْذَن لله لي فِي اجْتِمَاع
وأتعس جدّ النَّوَى باللقا ... وأرغم بِالْقربِ أنف الزماع
وَأنْشد أَبُو الْعَتَاهِيَة:
الدَّهْر لَا يبْقى على حالةٍ ... لَا بُد أَن يقبل أَو يدبر
فَإِن تلقّاك على وهلةٍ ... فاصبر فإنّ الدَّهْر لَا يصبر
(5/41)

وَقَالَ آخر:
إِذا ضيّقت أمرا ضَاقَ جدًّا ... وَإِن هوّنت مَا قد عزّ هانا
فَلَا تهْلك لما قد فَاتَ غمًّا ... فكم شَيْء تصعّب ثمّ لانا
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: إِن هَذَا المصراع الْأَخير، يشبه قَول بشار بن برد، وَهُوَ من أحسن مَا قيل فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ يدْخل فِي مَضْمُون هَذَا الْكتاب، فِي بَاب من نالته شدَّة فِي هَوَاهُ:
لَا يؤيسنّك من مخدّرةٍ ... قَول تغلّظه وَإِن جرحا
عسر النِّسَاء إِلَى مياسرةٍ ... والصعب يُمكن بَعْدَمَا جمحا
ولبشار خبر مَعَ الْمهْدي، فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه.
وَأخذ الْمَعْنى أَبُو حَفْص الشطرنجي، نديم المتَوَكل، فَقَالَ:
عرّضنّ للَّذي تحبّ بحبٍّ ... ثمَّ دَعه يروضه إِبْلِيس
صابر الحبّ لَا يصدّك عَنهُ ... من حبيبٍ تجهّمٌ وعبوس
فلعلّ الزَّمَان يدنيك مِنْهُ ... إنّ هَذَا الْهوى نعيمٌ وبوس
وَأَخْبرنِي من أَنْشدني الشّعْر، أَن فِيهِ لحنًا من خَفِيف الرمل بالوسطى، لبَعض المغنين فِي زمن المتَوَكل.
(5/42)

وَفِي هَاتين القطعتين، معنى من القَوْل بديع، نحته علية بنت الْمهْدي، حَيْثُ تَقول: وَلها فِيهِ لحن مَشْهُور، على مَا وجدت أَبَا الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ يذكرهُ فِي كِتَابه الأغاني الْكَبِير، وَقد ظرفه:
تحبّب فإنّ الحبّ دَاعِيَة الحبّ ... فكم من بعيد الدَّار مستوجب الْقرب
تبيّن فَإِن حدّثت أنّ أَخا هوى ... نجا سالما فارج النجَاة من الحبّ
إِذا لم يكن فِي الحبّ سخطٌ وَلَا رضى ... فَأَيْنَ حلاوات الرسائل والكتب
وللعباس بن الْأَحْنَف، فِي غير هَذَا الْمَعْنى، وَلكنه من هَذَا الْبَاب:
أما تحسبيني أرى العاشقين؟ ... بلَى، ثمَّ لست أرى لي نظيرا
لعلّ الَّذِي بيدَيْهِ الْأُمُور ... سَيجْعَلُ فِي الكره خيرا كثيرا
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقيل لي إِن فِي الْبَيْت الأول مِنْهُمَا لحنًا ثَانِي ثقيل مُطلقًا.
وَوجدت فِي بعض الْكتب، الْبَيْت الثَّانِي مِنْهُمَا غير مَنْسُوب إِلَى أحد، وَقد جعل قبله بَيْتا، وَهُوَ:
تعزّ وهوّن عَلَيْك الخطوب ... عساك ترى بعد هَذَا سُرُورًا
وَوجدت فِي كتاب أبي الْقَاسِم الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن إِسْمَاعِيل السكونِي:
حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، قَالَ: أنشدنا أَحْمد بن يحيى، قَالَ: أنشدنا ابْن الْأَعرَابِي:
تعزّ وهوّن عَلَيْك الأمورا ... عساك ترى بعد هَذَا سُرُورًا
(5/43)

فإنّ الَّذِي بيدَيْهِ الْأُمُور ... سَيجْعَلُ فِي الكره خيرا كثيرا
وأنشدنيهما أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، وَقَالَ لي: فيهمَا لعريب، من الثقيل الثَّانِي لحنًا.
وَقَالَ آخر:
قرّبت لي أملًا فَأصْبح حسرة ... ووعدتني وَعدا فَصَارَ وعيدا
فلأصبرنّ على شقائي فِي الْهوى ... فلربّما عَاد الشقّي سعيدا
وَقَالَ آخر:
لعلّك أَن تلاقي فِي ليالٍ ... وأيّام من الدُّنْيَا بَقينَا
حبيبًا نازحًا أمسيت مِنْهُ ... على يأسٍ وَكنت بِهِ ضنينا
وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني: قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَسدي، قَالَ:
(5/44)

حَدثنِي مُحَمَّد بن صَالح بن شيخ بن عميرَة، عَن أَبِيه، قَالَ: حجب طل الْخَادِم عَن علية بنت الْمهْدي، فَقَالَت: وصحفت اسْمه فِي أول بَيت:
أيا سروة الْبُسْتَان طَال تشوّقي ... فَهَل لي إِلَى ظلٍّ لديك سَبِيل
مَتى يلتقي من لَيْسَ يقْضى خُرُوجه ... وَلَيْسَ لمن يهوى إِلَيْهِ سَبِيل
عَسى الله أَن يرتاح من كربَة لنا ... فَيلقى اغتباطًا خلّة وخليل
وَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف، ويروى لمُحَمد بن دنقش حَاجِب المعتصم بِاللَّه:
قَالُوا لنا إنّ بالقاطول مشتانا ... وَنحن نأمل صنع الله مَوْلَانَا
وَالنَّاس يأتمرون الرَّأْي بَينهم ... والله فِي كلّ يَوْم مُحدث شانا
وأنشدنيهما أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، لفضل الشاعرة، وَقَالَ لي: فيهمَا لعريب لحن، ولغيرها عدَّة ألحان.
وأنشدني سعيد بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ، الْمَعْرُوف بالوحيد، لنَفسِهِ:
كَانَت على رغم النَّوَى أيّامنا ... مَجْمُوعَة النشوات والأطراب
وَلَقَد عتبت على الزَّمَان لبينهم ... ولعلّه سيمنّ بالإعتاب
وَمن اللَّيَالِي إِن علمت أحبّة ... وَهِي الَّتِي تَأْتِيك بالأحباب
(5/45)

وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ:
إِن راعني مِنْك الصدود ... فلعلّ أيّامي تعود
إِذْ لَا تناولنا يَد ... النعماء إِلَّا مَا نُرِيد
ولعلّ عَهْدك بالهوى ... يحيى فقد تحيى العهود
فالغصن ييبس تَارَة ... وتراه مخضرًّا يميد
إِنِّي لأرجو عطفةً ... يبكي لَهَا الواشي الحسود
فرجا تقرّ بِهِ الْعُيُون ... فينجلي عَنْهَا السهود
وحَدثني عَليّ بن الْحسن، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْشدني مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب:
وحَدثني الْحُسَيْن بن الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى الواثقي، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَليّ بن مقلة، ينشد، فِي نكبته عقيب الوزارة الأولى، والإلحاقات من رِوَايَة الواثقي:
إِذا اشْتَمَلت على الْيَأْس الْقُلُوب ... وضاق لما بِهِ الصَّدْر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنّت ... وأرست فِي أماكنها الخطوب
وَلم تَرَ لانكشاف الضرّ وَجها ... وَلَا أغْنى بحيلته الأريب
أَتَاك على قنوطك مِنْهُ غوثٌ ... يمنّ بِهِ الْقَرِيب المستجيب
وكلّ الحادثات وَإِن تناهت ... فموصولٌ بهَا فرجٌ قريب
(5/46)

وَقَالَ آخر:
فِي كلّ بلوى تصيب الْمَرْء عافيةٌ ... مَا لم يصب بوفاةٍ أَو بِذِي عَار
وكلّ خطبٍ يلاقي حدّه جللٌ ... مَا لم يكن يَوْم يلقى فِيهِ فِي النَّار
وأنشدني الْفضل بن أَحْمد بن الْفضل الحنائي، قَالَ: أَنْشدني الْأَمِير أَبُو مُحَمَّد جَعْفَر بن وَرْقَاء الشَّيْبَانِيّ لنَفسِهِ.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب:
وَرَأَيْت أَنا أَبَا مُحَمَّد، وأنشدني أَشْيَاء، وَحدث بأخبار، وَلم أسمع هَذَا مِنْهُ:
الْحَمد لله على مَا قضى ... فِي المَال لمّا حفظ المهجه
وَلم تكن من ضيقَة هَكَذَا ... إِلَّا وَكَانَت بعْدهَا فرجه
وحَدثني عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْشدني الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن:
لعَمْرو بنّيّ اللّذين أراهما ... جزوعين إنّ الشَّيْخ غير جزوع
إِذا مَا اللَّيَالِي أَقبلت بإساءة ... رجونا بِأَن تَأتي بِحسن صَنِيع
(5/47)

وحَدثني عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: قَالَ رجل من قُرَيْش:
حلبنا الدَّهْر أشطره ومرّت ... بِنَا عقب الشدائد والرخاء
فَلَا تأسف على دنيا تولّت ... وَلَا تفزع إِلَى غير الدُّعَاء
هِيَ الأيّام تكلمنا وتأسو ... وَتَأْتِي بالسعادة والشقاء
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: الْبَيْت الأول وَالثَّالِث من هَذِه الأبيات، لعَلي بن الجهم بن بدر من بني سامة بن لؤَي، لما حَبسه المتَوَكل، من قصيدة مَشْهُورَة، أَولهَا:
توكّلنا على ربّ السَّمَاء ... وسلّمنا لأسباب الْقَضَاء
وَهِي نَيف وَعِشْرُونَ بَيْتا، وَقد رَوَاهَا النَّاس لَهُ، وَمَا روى أحد مِنْهُم الْبَيْت الثَّانِي، وَلَا علمت أحدا جَاءَ بِهِ، غير ابْن أبي الدُّنْيَا.
وَقَالَ آخر:
عَسى فرجٌ من حَيْثُ جَاءَت مكارهي ... يَجِيء بِهِ من جَاءَنِي بالمكاره
عَسى منقذٌ مُوسَى بِحسن اقتداره ... وَقد طرحته أمّه فِي بحاره
سيرتاح لي ممّا أعاني بفرجةٍ ... فينتاشني مِنْهَا بِحسن اخْتِيَاره
وَقَالَ آخر:
(5/48)

وَمَا نبالي إِذا أَرْوَاحنَا سلمت ... بِمَا فقدناه من مالٍ وَمن نشب
فَالْمَال مكتسبٌ والعزّ مرتجعٌ ... إِذا النُّفُوس وقاها الله من عطب
ولمحمود الْوراق:
إِذا منّ بالسرّاء عمّ سرورها ... وَإِن مسّ بالضرّاء أعقبها الْأجر
وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا لَهُ فِيهِ منَّة ... تضيق بهَا الأوهام وَالْوَصْف وَالشُّكْر
وَقَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب:
لَئِن عداني عَنْك الدَّهْر يَا أملي ... وسلّ جسمي بالأسقام والعلل
وشتّ شَمل تصافينا وإلفتنا ... فالدهر ذُو غيرٍ والدهر ذُو دوَل
فَالْحَمْد لله حمد الصابرين على ... مَا سَاءَ من حَادث يوهي قوى الأمل
قد استكنت لصرف الدَّهْر والتحفت ... عليّ مِنْك غواشي الْخَوْف والوجل
واعتضت مِنْك بسقمٍ شَأْنه جلل ... وَمن وصالك بالهجران والملل
وَبعد أمني من غدرٍ ومقليةٍ ... غدرًا تصرّح بالألفاظ وَالرسل
وَمن لقائك لقيا الطبّ أرحمهم ... فظٌّ، وأرفقهم مدنٍ إِلَى الْأَجَل
وَلست آيس من رَجَعَ الْوِصَال وَلَا ... عود العوافي، وَلَا أَمن من السبل
قَالَ: ولي أَبْيَات أَيْضا من قصيدة، فِي محنة لحقتني، فكشفها الله تَعَالَى بِلُطْفِهِ عني:
(5/49)

أما للدهر من حكم رضيّ ... يدال بِهِ الشريف من الدنيّ
فتستعلي الرُّءُوس على الذنابى ... وينتصف الذكيّ من الغبيّ
وَأَقُول فِيهَا:
وَمن عاصاه دمعٌ فِي بلاءٍ ... فَلَيْسَ بكاء عَيْني بالعصيّ
وَمَا أبْكِي لوفرٍ لم يفره ... زمانٌ خَان عهد فَتى وفيّ
وَلَا آسى على زمنٍ تقضّى ... بعيشٍ ناضرٍ غضٍّ نديّ
وَلَكِن من فِرَاق سراة قومٍ ... عهدتهموا شموسًا فِي النديّ
وَمن حدثٍ يفوّتني الْمَعَالِي ... على عهدٍ بهَا حدثٍ فتيّ
وأنّ يَدي تقصّر عَن هَلَاك ... العدوّ وَعَن مكافاة الوليّ
وَمَا تغني الْحَوَادِث إِن ألمّت ... سوى قلبٍ عَن الدُّنْيَا سخيّ
وصبر لَيْسَ تنزحه اللَّيَالِي ... كنزح الدَّلْو صَافِيَة الركيّ
وَلَيْسَ بأيس من كَانَ يخْشَى ... ويرجو الله من صنع قويّ
قَالَ: ولي قصيدة قلتهَا بالأهواز، لما صرفت فِي الدفعة الأولى من تقليدي الْقَضَاء، بالأهواز، وقبضت ضَيْعَة من ضياعي، فَخرجت إِلَى بَغْدَاد أطلبها، وَبَلغنِي عَن أَعدَاء لي، إِظْهَار شماتة بِالْحَال، وتعصب للصارف:
لَئِن أشمت الْأَعْدَاء صرفي ومحنتي ... فَمَا صرفُوا فضلي وَلَا ارتحل الْمجد
مقامٌ وترحالٌ وقبضٌ وبسطةٌ ... كَذَا عَادَة الدُّنْيَا وأخلاقها النكد
(5/50)

وَمَا زلت جلدا فِي الملمّات قبلهَا ... وَلَا غرو فِي الأحيان أَن يغلب الْجلد
فكم لَيْث غابٍ شرّدته ثعالبٌ ... وَكم من حسامٍ فلّه غيلَة غمد
وَكم جيفةٍ تعلو وترسب درّةٌ ... ومنحسة تقوى إِذا ضعف السعد
ألم تَرَ أنّ الْغَيْث يجْرِي على الربى ... فيحظى بِهِ إِن جاد صيّبه الوهد
وَكم فرج والخطب يعتاق نيله ... يَجِيء على يأس إِذا ساعد الجدّ
لقد أقْرض الدَّهْر السرُور فَإِن يكن ... أَسَاءَ اقْتِضَاء فالقروض لَهَا ردّ
فكم فرحةٍ تَأتي على إِثْر ترحةٍ ... وَكم رَاحَة تطوى إِذا اتَّصل الكدّ
وَكم منحة من محنة تستفيدها ... ومكروه أمرٍ فِيهِ للمرتجي رفد
على أنّني أَرْجُو لكشف الَّذِي عرا ... مليكًا لَهُ فِي كلّ نائبة رفد
فَيمْنَع منّا الْخطب، والخطب صاغرٌ ... وتمسي عُيُون الدَّهْر عنّا هِيَ الرمد
ونعتاض باللقيا من الْبَين أعصرًا ... مضاعفةً تبقى ويستهلك الْبعد
ونضحي مراحى قد غنينا عَن الْغنى ... بيا راهبي نَجْرَان مَا صنعت هِنْد
ولي أَيْضا من قصيدة فِي محنة أُخْرَى:
أعيا دواي أساته ودواءهم ... فَغَدَوْت لَا أَرْجُو سوى المتطوّل
ربٌّ عَلَيْهِ فِي الْأُمُور توكّلي ... هُوَ عدّتي فِي النائبات وموئلي
سيتيح مِمَّا قد أقاسي فُرْجَة ... فيغيثني مِنْهُ بِحسن تفضّل
(5/51)

وَقَالَ آخر:
فصبرًا أَبَا جَعْفَر إنّه ... مَعَ الصَّبْر نصرٌ من الصَّانِع
فَلَا تيأسن أَن تنَال الَّذِي ... تؤمّل من فَضله الْوَاسِع
وَقَالَ آخر:
وَإِذا ضَاقَ زمانٌ بامرئ ... كَانَ فِيهِ عِنْد ضيق متّسع
وَقَالَ آخر:
قد ينعم الله بالبلوى وَإِن عظمت ... ويبتلي الله بعض الْقَوْم بِالنعَم
ولمحمود الورّاق:
صابر الدَّهْر على كرّ النوائب ... من كنوز البرّ كتمان المصائب
والبس الدَّهْر على علاته ... تَجِد الدَّهْر مليئًا بالعجائب
وأنشدني الوحيد لنَفسِهِ:
عَلَيْك رَجَاء الله ذِي الطول والعطف ... بجملة مَا تبدي من الْأَمر أَو تخفي
فقد خلق الأيّام دَائِرَة بِنَا ... تقلّبنا من كرّ صرفٍ إِلَى صرف
(5/52)

فكم فرجٍ لله يَأْتِي مرفرفًا ... على خافق الأحشاء فِي تلف مشف
فَلَا تمكنن من طرفك الْيَأْس والأسى ... لعلّ الَّذِي ترجوه فِي مرجع الطّرف
وصبرًا جميلًا إنّ لله عَادَة ... مجرّبة، إتباعه العسف باللّطف
وَقَالَ ابْن بسام:
أَلا ربّ ذلٍّ سَاق للنَّفس عزّةً ... وَيَا ربّ نفسٍ للتعزّز ذلّت
تبَارك رزّاق البريّة كلّها ... على مَا رَآهُ، لَا على مَا استحقّت
فكم حاصلٍ فِي الْقَيْد وَالْبَاب دونه ... ترقّت بِهِ أَحْوَاله وتعلّت
تشوب القذى بالصفو والصفو بالقذى ... وَلَو أَحْسَنت فِي كلّ حَال لملّت
سأصدق نَفسِي إنّ فِي الصدْق رَاحَة ... وأرضى بدنياي، وَإِن هِيَ قلّت
وَإِن طرقتني الحادثات بنكبةٍ ... تذكّرت مَا عوفيت مِنْهُ فقلّت
وَمَا محنةٌ إِلَّا ولله نعمةٌ ... إِذا قابلتها أَدْبَرت واضمحلّت
وأنشدني أَبُو الْفرج المَخْزُومِي الْمَعْرُوف بالببغاء، لنَفسِهِ:
كل الْأُمُور إِلَى من ... بِهِ تتمّ الْأُمُور
(5/53)

وأفزع إِلَيْهِ إِذا لم ... يجرك عَجزا مجير
وكلّ صعبٍ عسيرٍ ... عَلَيْهِ سهل يسير
وَلآخر:
أيّها الْإِنْسَان صبرا ... إنّ بعد الْعسر يسرا
اشرب الصَّبْر وَإِن كَانَ ... من الصَّبْر أمرّا
وَقَالَ آخر:
كأنّك بالأيّام قد زَالَ بؤسها ... وأعطتك مِنْهَا كلّ مَا كنت تطلب
فترجع عَنْهَا رَاضِيا غير ساخطٍ ... وتحمدها من بعد مَا كنت تعتب
وحَدثني الْحسن بن صافي مولى ابْن المتَوَكل القَاضِي، قَالَ: قَرَأت على حَائِط مَسْجِد مَكْتُوبًا بالفحم:
لَيْسَ من شدّة تصيبك إِلَّا ... سَوف تمْضِي وسوف تكشف كشفا
لَا يضق ذرعك الرحيب فإنّ ... النَّار يَعْلُو لهيبها ثمَّ تطفا
كم رَأينَا من كَانَ أشفى على الهلك ... فوافت نجاته حِين أشفى
وَقَالَ آخر:
(5/54)

الدَّهْر خدنٌ مصافٍ ذُو مخادعةٍ ... لَا يَسْتَقِيم على حالٍ لإِنْسَان
حلوٌ ومرٌّ وجمّاعٌ وَذُو فرقٍ ... يخالط السوء مِنْهُ فرط إِحْسَان
وَقَالَ آخر:
لَئِن قدّمت قبلي رجالٌ، لطالما ... مشيت على رُسُلِي وَكنت المقدّما
ولكنّ هَذَا الدَّهْر يعقب صرفه ... فيبرم منقوضًا وينقض مبرما
وأنشدني أَبُو الْفرج الببغاء لنَفسِهِ:
كم كربةٍ ضَاقَ صَدْرِي عَن تحمّلها ... فملت عَن جلدي فِيهَا إِلَى الْجزع
ثمَّ استكنت فأدّتني إِلَى فرجٍ ... لم يجر بالظنّ فِي يأس وَلَا طمع
وأنشدني سيدوك الوَاسِطِيّ لنَفسِهِ من قصيدة:
أَبى الله إِلَّا أَن يغِيظ عباده ... بجلسته تَحت الشراع المطنّب
إِلَى أَن يَمُوت الْمَرْء يَرْجُو ويتّقي ... وَلَا يعلم الْإِنْسَان مَا فِي المغيّب
(5/55)

وأنشدني سعد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْأَزْدِيّ، الْمَعْرُوف بالوحيد لنَفسِهِ:
يَا نفس كوني لروح الله ناظرة ... فإنّه للأماني طيّب الأرج
كم لَحْظَة لَك مخلوس تقلّبها ... كَانَت مدى لَك بَين الْيَأْس والفرج
وأنشدني طَلْحَة بن مُحَمَّد الْمُقْرِئ الشَّاهِد، قَالَ: أَنْشدني نفطويه، وَلم يسم قَائِلا:
أتيأس أَن يساعدك النجاح ... فَأَيْنَ الله وَالْقدر المتاح
هِيَ الأيّام والنعمى ستجزي ... يَجِيء بهَا غدوٌّ أَو رواح
وَقَالَ آخر:
إِذا اشتدّ عسرٌ فأرج يسرا فإنّه ... قضى الله أنّ الْعسر يتبعهُ الْيُسْر
عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إنّه ... لَهُ كلّ يَوْم فِي خليقته أَمر
فَكُن عِنْدَمَا يَأْتِي بِهِ الدَّهْر حازمًا ... صبورًا فإنّ الحزم مفتاحه الصَّبْر
فكم من همومٍ بعد طولٍ تكشّفت ... وَآخر معسور الْأُمُور لَهُ يسر
(5/56)

وَقَالَ آخر:
وَأكْثر مَا تلقى الْأَمَانِي كواذبًا ... فَإِن صدقت جَازَت بصاحبها القدرا
وَآخر إِحْسَان اللَّيَالِي إساءة ... على أنّها قد تتبع الْعسر اليسرا
وَلأبي صَفْوَان القديدي الْبَصْرِيّ من أَبْيَات إِلَى إِبْرَاهِيم ابْن الْمُدبر لما عزل عَن الْبَصْرَة:
لَا تجزعنّ فإنّ الْعسر يتبعهُ ... يسرٌ وَلَا بؤس إِلَّا بعده ريف
وللمقادير وَقت لَا تجاوزه ... وكلّ أَمر على الأقدار مَوْقُوف
وربّ من كَانَ معزولًا فيعزل من ... ولّي عَلَيْهِ وللأحوال تصريف
فكم عزيزٍ رَأينَا بَات محتجبًا ... فَصَارَ يحجب عَن قوم بِهِ خيفوا
وَقَالَ أَبُو الشبل عَاصِم بن وهب التَّمِيمِي، البرجمي، الْبَصْرِيّ من قصيدة:
من ذَا رَأَيْت الزَّمَان أيسره ... فَلم يشب يسره بتعسير
أم هَل ترى عسرة على أحد ... دَامَت فَلم تنكشف بتيسير
(5/57)

وجدت بِخَط أبي الْحُسَيْن بن أبي الْبَغْل الْكَاتِب:
لَيْسَ لما لَيست لَهُ حِيلَة ... إِلَّا عزاء النَّفس وَالصَّبْر
وَخير أعوان أخي محنةٍ ... صبرٌ إِذا ضَاقَ بِهِ الصَّدْر
والمرء لَا يبْقى على حَالَة ... والعسر قد يتبعهُ الْيُسْر
وَقَالَ آخر:
صبرا قَلِيلا فإنّ الدَّهْر ذُو غيرٍ ... مَا دَامَ عسرٌ على حالٍ وَلَا يسر
قد يرحم الْمَرْء من تَغْلِيظ محنته ... وَلَيْسَ يعلم مَا يخبي لَهُ الْقدر
والدهر حلوٌ ومرٌّ فِي تصرّفه ... خير وشرٌّ وَفِيه الْعسر واليسر
أَنْشدني مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، وَأَخْبرنِي أَن فِيهِ لحنًا من المهجوع قَدِيما:
كن عَن همومك معرضًا ... وكل الْأُمُور إِلَى القضا
وأبشر بطول سلامةٍ ... تسليك عمّا قد مضى
(5/58)

وأنشدني عَليّ بن أبي طَالب بن أبي جَعْفَر بن البهلول التنوخي، قَالَ: أنشدنا جدي القَاضِي أَبُو جَعْفَر، لنَفسِهِ:
فصبرًا وإمهالًا فكلّ ملمّة ... سيكشفها الصَّبْر الْجَمِيل فأمهل
وأنشدنا، قَالَ: أَنْشدني جدي القَاضِي أَبُو جَعْفَر، لنَفسِهِ أَيْضا:
وَقد يأمل الْإِنْسَان مَا لَا يَنَالهُ ... ويأتيه رزق الله من حَيْثُ ييأس
وأنشدني أَيْضا، قَالَ: أَنْشدني جدي القَاضِي أَبُو جَعْفَر، لنَفسِهِ:
إِذا استصغرت من دنياك حَالا ... ففكّر فِي صروف كنت فِيهَا
وأحدث شكر من نجّاك مِنْهَا ... وأبدلها بنعمى ترتضيها
وَقَالَ آخر:
الدَّهْر إِعْرَاض وإقبال ... وكلّ حَال بعْدهَا حَال
وَصَاحب الأيّام فِي غفلةٍ ... وَلَيْسَ للأيّام إغفال
مَا أحسن الصَّبْر وَلَا سيّما ... بالحرّ إِن حَالَتْ بِهِ الْحَال
وأنشدني مُحَمَّد بن بشير مولى الأزد لنَفسِهِ:
(5/59)

إنّي رَأَيْت وللأيّام تجربةٌ ... للصبر عَاقِبَة محمودة الْأَثر
فاصبر على مضض الإدلاج فِي السحر ... وَفِي الرواح إِلَى الْحَاجَات وَالْبكْر
لَا يعجزنك وَلَا يضجرك مطلبها ... فالنجح يتْلف بَين الْعَجز والضجر
وقلّ من كَانَ فِي أَمر يحاوله ... واستنجد الصَّبْر إِلَّا فَازَ بالظفر
5: 60 وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الأشْنَاندَانِيُّ عَنِ التَّوَّزِيِّ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الأَشْتَرَ دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ:
(5/60)

حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمَالِكِيُّ، قَالَ: دَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدَءُوبٌ بِاللَّيْلِ، وَدَءُوبٌ بِالنَّهَارِ، فَانْفَتَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَهُوَ يَقُولُ: اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الإِدْلاجِ فِي السَّحَرِ ... وَفِي الرَّوَاحِ إِلَى الْحَاجَاتِ وَالْبَكَرِ
لَا تَضْجَرَنَّ وَلا يُحْزِنْكَ مَطْلَبُهَا ... فَالنُّجْحُ يَتْلَفُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالضَّجَرِ
إِنِّي رَأَيْتُ وَفِي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ... لِلصَّبْرِ عَاقِبَةً مَحْمُودَةَ الأَثَرِ
وَقَلَّ مَنْ لَجَّ فِي شَيْءٍ يُطَالِبُهُ ... وَاسْتَشْعَرَ الصَّبْرَ إِلا فَازَ بِالظَّفَرِ
5: 61 وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَارِقٍ، قَالَ:
(5/61)

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبَّةَ بْنِ جُوَيْنٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ لِي: يَا حَبَّةُ، مَا لِي أَرَاكَ أَصْبَحْتَ مَهْمُومًا؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَيَّ لأَمْرٍ مُحَاوَلَةٌ.
فَقَالَ: لَا تَضْجَرْ، أَمَا عَلِمْتَ مَا قُلْتُ فِي الصَّبْرِ.
فَقُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ:
اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الإِدْلاجِ فِي السَّحَرِ ... وَفِي الرَّوَاحِ إِلَى الْحَاجَاتِ وَالْبَكَرِ
وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الأَبْيَاتِ
وَقَالَ آخر، وَفِيه صَنْعَة:
قد فرّج الله من الهجر ... ونلت مَا آمل بِالصبرِ
فِي سَاعَة الْيَأْس أَتَانِي المنى ... كَذَاك تَأتي دوَل الدَّهْر
وَقَالَ آخر:
مَا أحسن الصَّبْر فِي الدُّنْيَا وأجمله ... عِنْد الْإِلَه وأنجاه من الكرب
(5/62)

من شدّ كفًّا بصبرٍ عِنْد نائبة ... ألوت يَدَاهُ بحبلٍ غير منقضب
وَقَالَ آخر:
مَا أحسن الصَّبْر فِي مواطنه ... وَالصَّبْر فِي كلّ موطن حسن
حَسبك من حسنه عواقبه ... عَاقِبَة الصَّبْر مَا لَهَا ثمن
وَقَالَ آخر:
إِن خفت من خطبٍ ألمّ فبعده ... فرجٌ يرجّى عِنْده وَيخَاف
فأصبر على قحم النوائب مِثْلَمَا ... صبرت لَهَا آباؤك الْأَشْرَاف
وأنشدت لعَمْرو بن معد يكرب الزبيدِيّ:
صبرت على اللّذات لمّا تولّت ... وألزمت نَفسِي الصَّبْر حتّى استمرّت
وَكَانَت على الأيّام نَفسِي عزيزةٌ ... فلمّا رَأَتْ صبري على الذلّ ذلّت
فَقلت لَهَا يَا نفس عيشي كَرِيمَة ... لقد كَانَت الدُّنْيَا لنا ثمَّ ولّت
وَمَا النَّفس إِلَّا حَيْثُ يَجْعَلهَا الْفَتى ... فَإِن أُطمعت تاقت وَإِلَّا تسلّت
فكم غمرةٍ دافعتها بعد غمرةٍ ... تجرّعتها بِالصبرِ حتّى تولّت
(5/63)

أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: أَنْشدني الْحسن بن الْقَاسِم الْمُؤَدب، قَالَ: أنشدنا مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن بشار الْأَنْبَارِي، لأبي الْعَتَاهِيَة:
الدَّهْر لَا يبْقى على حَالَة ... لَا بدّ أَن يقبل أَو يدبرا
فَإِن تلقّاك بمكروهه ... فاصبر فإنّ الدَّهْر لن يصبرا
ولعلي بن الجهم:
هِيَ النَّفس مَا حمّلتها تتحمّل ... وللدهر أيّام تجور وتعدل
وعاقبة الصَّبْر الْجَمِيل جميلَة ... وَأفضل أَخْلَاق الرِّجَال التجمّل
وللواثق بِاللَّه:
هِيَ الْمَقَادِير تجْرِي فِي أعنّتها ... فاصبر فَلَيْسَ لَهَا صَبر على حَال
يَوْمًا تريك وضيع الْقَوْم مرتفعًا ... إِلَى السَّمَاء وَيَوْما تخْفض العالي
ولسعيد بن حميد الْكَاتِب:
لَا تعتبنّ على النوائب ... فالدهر يرغم كلّ عَاتب
واصبر على حدثانه ... إنّ الْأُمُور لَهَا عواقب
مَا كلّ من أنكرته ... وَرَأَيْت جفوته تعاتب
(5/64)

ولكلّ صَافِيَة قذى ... ولكلّ خَالِصَة شوائب
والدهر أولى مَا صبرت ... لَهُ على رنق المشارب
كم نعمةٍ مطويّةٍ ... لَك بَين أثْنَاء النوائب
ومسرّة قد أَقبلت ... من حَيْثُ تنْتَظر المصائب
وَوجدت بِخَط أبي الْحُسَيْن بن أبي الْبَغْل الْكَاتِب، من أَبْيَات؛ وَلم أَجِدهُ نسبه إِلَى نَفسه:
فصبرًا على حُلْو الْقَضَاء ومرّه ... فإنّ اعتياد الصَّبْر أدعى إِلَى الْيُسْر
وَخير الْأُمُور خيرهنّ عواقبًا ... وَكم قد أَتَاك النَّفْع من جَانب الضرّ
وَمن عصم الله الرِّضَا بِقَضَائِهِ ... وَمن لطفه توفيقه العَبْد للصبر
ثمَّ وجدت فِي كتاب أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي، الَّذِي أَلفه فِيمَن رثى مَا لَا يرثى مثله، وَعَلِيهِ تَرْجَمَة بِخَط الصولي: مراثي الْبَهَائِم، والنبات، والأعضاء، وَغير ذَلِك، قصيدة نَسَبهَا اليزيدي إِلَى ابْن أبي الْبَغْل، وَذكر بِخَطِّهِ أَيْضا، أَنه عَارض بهَا فِي سنة ثَمَان وَثَلَاث مائَة قصيدة يرثي بهَا سنورًا لَهُ لما حبس، وَهِي تزيد على مائَة وَخمسين بَيْتا، وَهِي حَسَنَة، كَثِيرَة الحكم، فاخترت مِنْهَا مَا يجْرِي مجْرى الأبيات الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّمَة، لِأَنِّي وَجدتهَا فِيهَا، وَبعدهَا:
وإنّي لأرجو الله يكْشف محنتي ... وَيسمع للمظلوم دَعْوَة مضطرّ
فيرأب مَا أثأى، ويعطف مَا ألتوى ... ويعدل مَا استوحى وَيجْبر من كسري
(5/65)

لقد عجمتني الحادثات مثقّفًا ... إِذا ضاقه همٌّ ثناه إِلَى الصَّبْر
وَمَا حزني أَن كرّ دهري بصرفه ... عليّ وَلَكِن أَن يفوت لَهُ وتري
فَإِن فَاتَنِي وتري فأيسر فَائت ... إِذا أَنا عوّضت الثَّوَاب من الوفر
ولطف كفايات الْإِلَه مبشّري ... بنيل الَّذِي أمّلت لَا بيدٍ صفر
فَإِن يهل الْبَحْر أمرأً فَهُوَ آملٌ ... بُلُوغ الْغنى فِيمَا يهول من الْبَحْر
وربّ مضيقٍ فِي الفضاء ووارطٍ ... رأى مخرجا بَين المثقّفة السمر
وَوجدت بِخَطِّهِ أَيْضا لبَعض الشُّعَرَاء:
لَيْسَ لمن لَيست لَهُ حِيلَة ... مَوْجُودَة خير من الصَّبْر
وَالصَّبْر مرٌّ لَيْسَ يقوى بِهِ ... غير رحيب الذرع والصدر
ألق فضول الهمّ عَن جانبٍ ... وافزع إِلَى الله من الْأَمر
وَذكر إِسْحَاق الْموصِلِي فِي كتاب شجا أَن فِي الأول مَعَ بَيْتَيْنِ ذكرهمَا غير هَذَا الثَّانِي وَالثَّالِث، لحن من الثقيل الأول، بِإِطْلَاق الْوتر فِي مجْرى البنصر.
وَقَالَ آخر:
وَمَا التحف الْفَتى بِالصبرِ إِلَّا ... وكفّت عَنهُ أَيدي النائبات
(5/66)

وَذُو الصَّبْر الْجَمِيل يُفِيد عزًّا ... وَيكرم فِي الْحَيَاة وَفِي الْمَمَات
وَوجدت بِخَط القَاضِي أبي جَعْفَر بن البهلول التنوخي لبَعض الشُّعَرَاء:
الصَّبْر مِفْتَاح مَا يرجّى ... وكلّ خير بِهِ يكون
فاصبر وَإِن طَالَتْ اللَّيَالِي ... فربّما طاوع الحرون
وربّما نيل باصطبارٍ ... مَا قيل هَيْهَات أَن يكون
وَلأبي الْحُسَيْن الأطروش الْمصْرِيّ من أَبْيَات:
مَا زلت أدمغ شدّتي بتصبّري ... حَتَّى استرحت من الأيادي والمنن
فاصبر على نوب الزَّمَان تكرّمًا ... فكأنّ مَا قد كَانَ مِنْهَا لم يكن
حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ؛ حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن الحنطبي، قَالَ: قَالَ هِشَام بن عبد الذمارِي: أثاروا قبرًا بذمار فَأَصَابُوا فِيهِ حجرا مَكْتُوب فِيهِ:
(5/67)

اصبر لدهرٍ نَالَ مِنْك ... فَهَكَذَا مَضَت الدهور
فَرح وحزن مرّة ... لَا الْخَوْف دَامَ وَلَا السرُور
وَقَالَ آخر:
اصبر على الدَّهْر إِن أَصبَحت منغمسًا ... بالضيق فِي لججٍ تهوي إِلَى لجج
فَإِن تضايق أَمر عَنْك مرتتجًا ... فاطلب لنَفسك بَابا غير مرتتج
لَا تيأسنّ إِذا مَا ضقت من فرجٍ ... يَأْتِي بِهِ الله فِي الروحات والدلج
فَمَا تجرّع كأس الصَّبْر معتصمٌ ... بالله إِلَّا أَتَاهُ الله بالفرج
وأنشدنيهما أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الهُجَيْمِي بِالْبَصْرَةِ، وَقد أَتَت عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ مائَة سنة وَثَلَاث سِنِين، قَالَ: أنشدت لبَعْضهِم: وَجعل أَولهَا: لَا تيأسن، وَالثَّانِي: فَإِن تضايق، وَالثَّالِث: فاصبر على الدَّهْر، وَالرَّابِع فَمَا تجرع.
وَقَالَ آخر:
وألزمت نَفسِي الصَّبْر فِي كلّ محنةٍ ... فَعَادَت بإحسانٍ وخيرٍ عواقبه
وَمن لم ينط بِالصبرِ والرفق قلبه ... يكن غَرضا أودت بنبل جوانبه
(5/68)

وَقَالَ آخر:
وإنّي لأغضي مقلتيّ على القذى ... وألبس ثوب الصَّبْر أَبيض أبلجا
وإنّي لأدعو الله وَالْأَمر ضيّقٌ ... عليّ فَمَا ينفكّ أَن يتفرّجا
وَكم من فَتى سدّت عَلَيْهِ وجوهه ... أصَاب لَهَا فِي دَعْوَة الله مخرجا
ولمحمد بن يسير:
إنّ الْأُمُور إِذا انسدّت مسالكها ... فالصبر يفرج مِنْهَا كلّما رتجا
لَا تيأسنّ وَإِن طَالَتْ مُطَالبَة ... إِذا استعنت بصبر أَن ترى فرجا
أخلق بِذِي الصَّبْر أَن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أَن يلجا
وَقَرِيب مِنْهُ لمدرك بن مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ على مَا وجدته فِي كتاب:
مُسْتَعْمل الصَّبْر مقرونٌ بِهِ الْفرج ... يبْلى فيصبر والأشياء ترتتج
حَتَّى إِذا بلغت مَكْنُون غايتها ... جاءتك تزهر فِي ظلمائها السرج
فاصبر، وَدم، واقرع الْبَاب الَّذِي طلعت ... مِنْهُ المكاره فالمغرى بِهِ يلج
(5/69)

بقدرة الله فأرض الله وارج بِهِ ... فَعَن إِرَادَته الغمّاء تنفرج
وَوجدت فِي نُسْخَة عتيقة من شعر أبي عبد الرَّحْمَن العطوي، هَذِه الأبيات منسوبة إِلَيْهِ، وفيهَا أَلْفَاظ مُخْتَلفَة، فَأَلْحَقْتهَا تَحت الرِّوَايَة الأولى المنسوبة إِلَى مدرك.
وَوجدت فِي هَذِه النُّسْخَة لأبي عبد الرَّحْمَن العطوي، أبياتًا مِنْهَا:
يَنُوب الْخطب أوّله غليل ... وَآخره شِفَاء من غليل
وَكم من خلّة كَانَت إِلَى مَا ... يَجِيش عنانه أهْدى سَبِيل
وَكم غادٍ مسيف ضمّ أَهلا ... ومالٍ موبق قبل المقيل
وكلّ منيخةٍ بِفنَاء قومٍ ... من الْأَحْدَاث فَهِيَ إِلَى رحيل
كلا نجمي صروفٍ الدَّهْر خيرا ... وشرًّا لابسٌ ثوب الأفول
وَقَالَ آخر:
لقّ الْحَوَادِث تَسْلِيمًا وَلَا ترع ... واصبر فَلَيْسَ بمغنٍ شدّة الْجزع
من صَاحب الدَّهْر لَاقَى من تصرّفه ... مَا لَا يَدُوم على يأس وَلَا طمع
(5/70)

حينا يسرّ وَأَحْيَانا يسوء فَلَا ... هَذَا بباقٍ وَلَا هَذَا بمنقطع
وَكتب إِلَيّ أَبُو أَحْمد عبد الله بن عمر بن الْحَارِث الْمَعْرُوف بالحارثي، جَوَابا، قصيدة مِنْهَا:
قلّ من سرّه رضى الدَّهْر إِلَّا ... سَاءَهُ سخطه بِمَا لَا يُطَاق
وَكَذَا عَادَة الزَّمَان شتات ... والتئامٌ وإلفةٌ وافتراق
وَلأبي أَحْمد يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، إِلَى أبي عَليّ مُحَمَّد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقَان لما ولي الوزارة، من أَبْيَات:
لقد كذبت فِيك العدوّ ظنونه ... وَقد صدقت فِيك الصّديق المواعيد
وَقد تحسن الأيّام بعد إساءةٍ ... وَإِن كَانَ فِي الْأَمر المؤجّل تبعيد
(5/71)

وأنشدني بعض شعراء قُرَيْش، وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحسن الجُمَحِي من أهل الباين، بلد قريب من سيراف، لأبي صَخْر الْهُذلِيّ، وَقَالَ لي: فِيهِ لحن من الرمل مزموم قديم:
بيد الَّذِي شغف الْفُؤَاد بِهِ ... فرج الَّذِي ألْقى من الهمّ
كربٌ بقلبي لَيْسَ يكشفه ... إِلَّا مليكٌ عَادل الحكم
وَلأبي تَمام الطَّائِي:
أآلفة النحيب كم افتراقٍ ... أظلّ فَكَانَ دَاعِيَة اجْتِمَاع
وَلَيْسَت فرحة إِلَّا وَجَاءَت ... لموقوف على ترح الْوَدَاع
وأنشدني أَحْمد بن الْحسن بن سخت الْبَغْدَادِيّ، وَيعرف بالجصاص، وبابن بنت هرثمة، قَالَ: أنشدنا أَحْمد القطربلي، وغنانا فِيهِ، وَهُوَ من أَبْيَات ذكرهَا ابْن بنت هرثمة:
ولله لطفٌ يرتجى ولعلّه ... سيعقبنا من كسر أَيدي النَّوَى جبرا
وَقَالَ آخر:
(5/72)

وربّ أَمر مرتج بَابه ... عَلَيْهِ أَن فتح أقفال
ضَاقَتْ بِذِي الْحِيلَة فِي فَتحه ... حيلته والمرء محتال
ثمَّ تلقّته مفاتيحه ... من حَيْثُ لَا يخطره البال
ولعبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، من أَبْيَات، جَوَابا:
دَعَوْت مجيبًا يَا أَبَا الْفضل سَامِعًا ... وَيَا رب مدعوّ وَلَيْسَ بسامع
فأوقعت شكواك الزَّمَان وَصَرفه ... إِلَيْهِ بحقّ فِي أحقّ المواقع
فصبرًا قَلِيلا كلّ هَذَا سينجلي ... وَيدْفَع عَنْك السوء أقدر رَافع
فَمَا ضَاقَ أمرٌ قطّ إِلَّا وجدته ... يؤول إِلَى أَمر من الْخَيْر وَاسع
ولمحمد بن حَازِم الْبَاهِلِيّ:
إِذا نابني خطبٌ فزعت لكشفه ... إِلَى خالقي من دون كلّ حميم
وإنّ من اسْتغنى وَإِن كَانَ مُعسرا ... على ثقةٍ بالله غير ملوم
أَلا ربّ عسرٍ قد أَتَى الْيُسْر بعده ... وغمرة كرب فرّجت لكظيم
هُوَ الدَّهْر يومٌ يَوْم بؤسٍ وشدّةٍ ... وَيَوْم سرورٍ للفتى ونعيم
وَله:
أَلا ربّ أمرٍ قد تربت وحاجةٍ ... لَهَا تَحت أحناء الضلوع غليل
فَلم تلبث الْأَيَّام أَن عَاد عسرها ... ليسرٍ وَنجم والأمور تحول
(5/73)

وَقَالَ آخر:
اصبر على مضض الزَّمَان ... وَإِن رمى بك فِي اللجج
فلعلّ طرفك لَا يعود ... إِلَيْك إِلَّا بالفرج
وَقَالَ آخر:
كن لما لَا ترجو من الْأَمر أَرْجَى ... مِنْك يَوْمًا لما لَهُ أَنْت راجي
إنّ مُوسَى مضى ليقبس نَارا ... من شُعَاع أَضَاء وَاللَّيْل داجي
فانثنى رَاجعا وَقد كلّم الله ... وناجاه وَهُوَ خير مناجي
وَكَذَا الْأَمر حِين يشتدّ بِالْمَرْءِ ... مؤدّ لسرعة الإنفراج
حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر بن داسه الْبَصْرِيّ، بهَا، قَالَ: حَدثنَا أَبُو حَاتِم الْمُغيرَة بن مُحَمَّد المهلبي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بشر مُحَمَّد بن خَالِد البَجلِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو فَزَارَة العكلي، عَن الْقَاسِم بن معن المَسْعُودِيّ، قَالَ: أُتِي الْحجَّاج بِعَبْد الله بن وهيب النَّهْدِيّ، فَقَالَ لَهُ: أَنْت الْقَائِل؟
فيا صَاحِبي رحلي عَسى أَن أراكما ... كَمَا كنتما إنّ الزَّمَان يَنُوب
فَلَا تيأسا من فرحة بعد ترحة ... وللدهر أمرٌ حادثٌ وخطوب
سيرحمنا مولى شعيبٍ وصالحٍ ... وأرحامنا ندلي بهَا فتخيب
وَذكر بَقِيَّة الشّعْر وَالْخَبَر.
(5/74)

أَنْشدني أَبُو الْعَبَّاس هبة الله بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، لجده أبي أَحْمد يحيى بن عَليّ، من قصيدة:
خَافَ من فقرٍ تعجّله ... والغنى أولى بمنتظره
لَيْسَ منكورًا وَلَا عجبا ... أَن يعود المَاء فِي نهره
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: الْبَيْت الأول كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من قَول الله عز وَجل: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا} [الْبَقَرَة: 268] ، وَالثَّانِي: من الْمثل الْمَشْهُور على أَلْسِنَة الْعَامَّة.
وَكتب أَبُو عَليّ بن مقلة، فِي نكبته، إِلَى زنجي الْكَاتِب، رقْعَة يشكو فِيهَا عظم محنته، وَيَقُول: إِن فرط يأسه من زَوَالهَا، قد كَاد يتْلف نَفسه.
فَكتب إِلَيْهِ زنجي، فِي جملَة الْجَواب:
أَلا أيّها الشاكي الَّذِي قَالَ مفصحًا ... لقد كَاد فرط الْيَأْس أَن يتْلف المهج
رويدك لَا تيأس من الله واصطبر ... عَسى أَن يوافينا على غَفلَة فرج
(5/75)

وأنشدني أَبُو الْفرج المَخْزُومِي، الْمَعْرُوف بالببغاء، لنَفسِهِ:
صبرت وَلم أَحْمد على الصَّبْر شيمتي ... لأنّ مآلي لَو جزعت إِلَى الصَّبْر
ولله فِي أثْنَاء كلّ ملمّةٍ ... وَإِن آلمت، لطفٌ يحضّ على الشُّكْر
وَكم فرجٍ واليأس يحجب دونه ... أَتَاك بِهِ الْمَقْدُور من حَيْثُ لَا تَدْرِي
وأنشدني مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر الْكَاتِب لنَفسِهِ:
مَا قادني طمع يَوْمًا إِلَى طبعٍ ... وَلَا ضرعت إِلَى خلقٍ من الْبشر
وَلَا اعتصمت بِحَبل الصَّبْر مُعْتَمدًا ... على الْمُهَيْمِن إِلَّا فزت بالظفر
وأنشدني الوحيد لنَفسِهِ:
إنّي وَإِن عصبت بالعيش نائبةٌ ... فسبّطتني بَين الْيَأْس والطمع
لَا أستدمّ إِلَى صَبر أجرّعه ... وَلَا أسرّ زمَان السوء بالجزع
(5/76)

وأنشدني أَبُو الْفرج المَخْزُومِي الْمَعْرُوف بالببغاء، لنَفسِهِ:
لَا تستكن لطوارق النوب ... والق الخطوب بِوَجْه محتسب
فدنوّ مَا ترجوه من فرجٍ ... يَأْتِي بِحَسب تكاثف الكرب
كم خائفٍ من هلكة سَببا ... نَالَ النجَاة بذلك السَّبَب
وأنشدني أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، الْمَعْرُوف بالحاتمي، لنَفسِهِ:
من صَاحب الصَّبْر اقتدر ... أولى بفوزٍ من صَبر
إِن ساءك الزَّمَان سرّ ... الصَّبْر عنوان الظفر
وَلغيره:
كم نكبةٍ فِي حشاها نعْمَة ويدٍ ... لله يُنجي بهَا من هول مطّلع
وَكم فزعت إِلَى الأيّام ثمَّ أَتَت ... تمدّ أيديها نحوي من الْفَزع
إِذا بَدَت نكبةٌ فالحظ أواخرها ... تنظر إِلَى فرج للكرب متّسع
وقريء على حَائِط مَكْتُوب:
يَا معمل الوجناء بالهجر ... وقاطع السبسب والقفر
وهاربًا من زمنٍ جائرٍ ... يجني الملمّات على الحرّ
(5/77)

اصبر فَمَا استشفعت فِي مطلبٍ ... لسامعٍ خيرا من الصَّبْر
وَابْشَرْ فإنّ الْيُسْر يَأْتِي الْفَتى ... أقنط مَا كَانَ من الْيُسْر
وأنشدني سعد بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالوحيد، لنَفسِهِ:
لَا يوحشنّك من جميل تصبّرٍ ... خطبٌ فإنّ الصَّبْر فِيهِ أحزم
الْعسر أكْرمه ليسرٍ بعده ... وَلأَجل عين ألف عين تكرم
لم تشك منّي عسرة ألبستها ... لؤمًا وَلَا خورًا على مَا تحكم
الْمَرْء يكره بؤسه ولعلّه ... تَأتيه مِنْهُ سَعَادَة لَو يعلم
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ:
كَانَت إِلَيْك من الْحَوَادِث زلّة ... فاصبر لَهَا فلعلّها تستنفر
إنّا لنمتهن الخطوب بصبرنا ... والخطب ممتهنٌ لمن لَا يصبر
ولربّ ليلٍ بتّ فِيهِ بكربةٍ ... وَغدا بفرحتها الصَّباح الأنور
وَقَالَ آخر:
أدّبتني طوارق الْحدثَان ... فتجافيت عَن ذنُوب زماني
كَيفَ أَشْكُو من الزَّمَان صروفًا ... أظهرت لي جَوَاهِر الإخوان
(5/78)

فتبيّنت مِنْهُم الْخَيْر والشرّ ... وَأهل الْوَفَاء والخذلان
وتوكّلت فِي أموري على الله ... اللّطيف الْمُهَيْمِن المنّان
وتيقّنت أنّه سَوف يَكْفِينِي ... خطوب الدهور والأزمان
ثمَّ يمحو باليسر عسرًا وبالنعمة ... ضرًّا كَمَا أَتَى فِي الْقُرْآن
إِن تصبّرت وانتظرت غياث ... الله وافى كاللّمح بالأجفان
هُوَ عوني فِي كلّ خطب ملمٍّ ... عدمت فِيهِ نصْرَة السُّلْطَان
ورجائي إِن خَابَ منّي رجائي ... فِي جَمِيع الإخوان والخلان
وَقَالَ آخر:
إِن أكن خبت إِن سَأَلت فَمَاذَا ... لَك فِي مطلب الْكَرِيم بِعَارٍ
يحرم اللَّيْث صَيْده وَهُوَ مِنْهُ ... بَين حدّ الأنياب والأظفار
ويزلّ السهْم السديد عَن الْقَصْد ... وَمَا تِلْكَ زلّة الإسوار
لَيْسَ كلّ الأقطار تروى من الْغَيْث ... وَإِن عمّها بصوب القطار
إِن يخنّي رشاء دلوي فقد ... أحكمت إكرابه بِعقد مغار
أَو يعد فَارغًا إليّ فَمَا ... ألقيت إِلَّا إِلَى الْمِيَاه الغزار
إِن أَسَاءَ الزَّمَان لي فَلَقَد ... أَحْسَنت صبرا وَمَا أَسَاءَ اخْتِيَاري
وَعَسَى فُرْجَة تفتّح نحوي ... نَاظر النَّصْر بعد طول انْتِظَار
مَا لقِيت الْإِعْسَار بِالصبرِ إِلَّا ... بشّرتني وجوهه باليسار
(5/79)

وللقاضي أبي الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي الْفَهم التنوخي من قصيدة:
صبرا فَسَوف تحقّق الآمال ... وتحول عمّا ساءنا الْأَحْوَال
إِن كَانَ قد ظفر الصدود بوصلنا ... فلسوف يظفر بالصدود وصال
فالدهر لَا يبْقى على حدثانه ... ولكلّ شَيْء نقلة وَزَوَال
وَله من قصيدة قَالَهَا فِي الحداثة:
إِن سَاءَ يومٌ من الأيّام سرّ غدٌ ... أَو سدّ بَاب سبيلٍ فتّحت سبل
وَهَكَذَا الدَّهْر ألوانًا تصرّفه ... بالشرّ وَالْخَيْر يجْرِي حِين ينْتَقل
وَأنْشد سعد بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ الْمَعْرُوف بالوحيد الْبَصْرِيّ لنَفسِهِ:
بَين البلاءين فرق صرفه نعم ... غرٌّ وَبَعض الظما خير من الرنق
وَفِي الخطوب إِذا أَلْقَت كلاكلها ... صنعٌ عوائده الْإِمْسَاك للرمق
كم موثقٍ مدّ عنقًا نَحْو ضاربه ... بصارم كشعاع الشَّمْس مؤتلق
حَتَّى أَتَى فرج بعد الْقنُوط لَهُ ... حَالَتْ يميناه بَين السَّيْف والعنق
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ:
يراع الْفَتى للخطب تبدو صدوره ... فيأسى وَفِي عقباه يَأْتِي سروره
(5/80)

ألم تَرَ أنّ اللَّيْل لمّا تراكمت ... دجاه بدا وَجه الصَّباح ونوره
فَلَا تصحبنّ الْيَأْس إِن كنت عَالما ... لبيبًا فإنّ الدَّهْر شتّى أُمُوره
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ:
أتحسب أنّ الْبُؤْس للمرء دائمٌ ... وَلَو دَامَ شَيْء عدّه النَّاس فِي الْعجب
لقد عرّفتك الحادثات نفوسها ... وَقد أدّبت إِن كَانَ ينفعك الْأَدَب
وَلَو طلب الْإِنْسَان من صرف دهره ... دوَام الَّذِي يخْشَى لأعياه مَا طلب
ولمحمد بن غياث:
خبوّ النَّجْم يَتْلُو اشتعالٌ ... وَنقص الْبَدْر يُؤذن بالتمام
وأكمل مَا تكون الشَّمْس حسنا ... إِذا رفعت لَهَا سجف الْغَمَام
وللقاسم بن يُوسُف الْكَاتِب، من قصيدة:
فَإِن تفقدوا يومكم نعْمَة ... فَفِي غدكم نعْمَة زَائِدَة
(5/81)

عَسى أَن تَدور صروف الزَّمَان ... بِحسن الْخلَافَة والعائدة
ولإبراهيم بن الْمهْدي وَهُوَ فِي استتاره من الْمَأْمُون، قصيدة، مِنْهَا:
ولله نَفسِي إنّ فيّ لعبرة ... وَفِي الدَّهْر نقض للعرى بعد إبرام
غَدَوْت على الدُّنْيَا مليكًا مسلّطًا ... ورحت وَمَا أحوي بهَا قيس إِبْهَام
وَهل لَيْلَة فِي الدَّهْر إِلَّا أرى بهَا ... قد أثبت أقدامًا وزلّ بأقدام
كَذَاك رَأينَا الدَّهْر يقدم صرفه ... على كلّ نفسٍ بَين بؤسٍ وإنعام
فيرفع أَقْوَامًا وَكَانُوا أذلّة ... ويهوي من الصَّيْد الْكِرَام بِأَقْوَام
فيسقيهم شربين سخنًا وباردًا ... بكأسين شتّى من هوان وإكرام
وكائن ترى من معدمٍ بعد ثروة ... وَآخر يُؤْتى ثروةً بعد إعدام
وَله فِي هَذَا الاستتار قصيدة مِنْهَا:
سُبْحَانَ مقتدرٍ ملك السَّمَاء لَهُ ... وَالْأَرْض يملك أَعْلَاهَا وأسفلها
يختصّ من نعمٍ من شَاءَ من بشرٍ ... بِمَا يَشَاء وعمّن شَاءَ حوّلها
أضحت حياتك فِي بؤس تكابده ... بعد النَّعيم كَذَاك الدَّهْر بدّلها
عدمت بَاقِي حَيَاة قد شجيت بهَا ... فَمَا على الْجهد أبقاها وأطولها
(5/82)

فِي فَتْرَة من مرير الْعَيْش مفظعة ... قد كنت من قبل ريب الدَّهْر أجهلها
حَتَّى إِذا هِيَ حلّت بِي أعترضت لَهَا ... صبرا عَلَيْهَا فإنّي لست أحفلها
مستنظرًا نعْمَة لَا شَيْء يحجبها ... عَن الْعباد إِذا الرَّحْمَن أرسلها
فربّ مسهلة فِي الأَرْض صعّبها ... وصعبة مِنْهُ ولّت حِين سهّلها
لكنّ فِي ثنيها تَأتي حوادث لَو ... لَا الله مِنْهَا لفاضت مهجتي وَلها
وَقَالَ آخر:
إنّي لأعْلم أنّ حبّك قاتلي ... وَالنَّفس تفرق أَن يحلّ بهَا الردى
لَا تيأسنّ فقد يفرّق دائبًا ... شَمل الْجَمِيع وَيجمع المتبدّدا
وَعَسَى اللَّيَالِي بالوصال رواجعٌ ... فَيَعُود دهري مصلحًا مَا أفسدا
وَقَالَ آخر:
اصبر سينكشف القناع ... إنّ الْأُمُور لَهَا انْقِطَاع
(5/83)

وَلها من الْفرج اتّساع ... ولكلّ مَا ارْتَفع اتّضاع
وَإِذا تضايقت الْأُمُور ... تَلا تضايقها اتّساع
حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ، الْمَعْرُوف بِأبي عمر بن نيزك الْعَطَّار، الشَّاعِر، قَالَ: بت لَيْلَة، حرج الصَّدْر، ضيقه، فَرَأَيْت فِي مَنَامِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِ، وَهُوَ ينشدني أبياتًا فِي الْفرج، فانتبهت وَلم يبْق فِي حفظي مِنْهَا إِلَّا قَوْله:
وَحميد مَا يرجوه ذُو أملٍ ... فرجٌ يعجلّه لَهُ صَبر
وَلأبي الْحُسَيْن بن أبي الْبَغْل الْكَاتِب:
إِلَى الله أَشْكُو مَا أُلَاقِي من الْأَذَى ... وحسبي بالشكوى إِلَيْهِ تروّحا
هُوَ الفارج الغمّاء بعد اشتدادها ... ومعقب عسر الْأَمر يسرا ومسرحا
أَطَالَ يَدي بعد المذلّة فأعتلت ... ودافع عنّي مَا كرهت وزحزحا
لَئِن عرضت لي نكبة بعد أنعمٍ ... توالت ففاتت أَن تعدّ وتشرحا
فَمَا أَنا من تَجْدِيد صنعٍ بيائسٍ ... وَلَا كَانَ، ممّا كَانَ، إِذْ كَانَ، أصلحا
وَمَا يقف الْإِنْسَان فِي طيّ دهره ... كمرّ اللَّيَالِي مسعفاتٍ وجنّحا
(5/84)

وَله:
إِن كَانَ هَذَا الْأَمر قد سَاءَنِي ... لطال مَا قد سرّني الدَّهْر
وَالْأَمر فِي مَعْنَاهُمَا واحدٌ ... لذاك شكرٌ وَلذَا صَبر
حَتَّى أرى الأقدار قد فرّجت ... وكلّ عسرٍ فَلهُ يسر
وَله:
إِن يَأْذَن الله فِيمَا بتّ آمله ... أَتَى النجاح حَدِيثا غير مطلول
مَا لي سوى الله مأمولٌ لنائبةٍ ... والله أكْرم مأمولٍ وَمَسْئُول
وَله:
حزنت وَذُو الأحزان يحرج صَدره ... أَلا ربّ حزنٍ جَاءَ من بعده فرج
كأنّك بالمحبوب قد لَاحَ نجمه ... وَذي الْعسر من بَين المضايق قد خرج
وَلابْن الرُّومِي:
لعلّ اللَّيَالِي بعد شحطٍ من النَّوَى ... ستجمعنا فِي ظلّ تِلْكَ المآلف
نعم إنّ للأيّام بعد انصرافها ... عواطف من إحسانها المتضاعف
(5/85)

وَله:
لكلّ خيرٍ وشرّ ... دون العواقب غيب
وربّ جِلْبَاب همّ ... لَهُ من الصنع جيب
وأنشدني أَبُو عَليّ أَحْمد بن الْمَدَائِنِي بالهائم الراوية، وَلم يعرف قَائِله:
أَقُول قَول حكيمٍ ... فاعرف بفهمك شَرحه
كم فرجةٍ إِثْر ضيقٍ ... وفرحةٍ بعد ترحه
فالعسر يعقب يسرا ... والهمّ يكْسب فرحه
والعيش فَاعْلَم ثَلَاث ... غنى، وَأمن، وصحّه
ولمؤلف هَذَا الْكتاب:
قل لمن أودى بِهِ التَّرَحِ ... كلّ غمّ بعده فَرح
لَا تضق ذرعًا بنازلةٍ ... وأرمها بِالصبرِ تنفسح
غالط الأيّام مُجْتَهدا ... كلّ مَا قد حلّ منتزح
وأزح بِالرَّاحِ طارقها ... فجلاء الْكُرْبَة الْقدح
وألق بالمزج المريح أَذَى ... حدّها إِن شِئْت تسترح
(5/86)

وَوجدت بِخَط عبيد الله بن أَحْمد الْكَاتِب، النَّحْوِيّ، الملقب بجخجخ: أنشدنا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أنشدنا عبد الرَّحْمَن ابْن أخي الْأَصْمَعِي، عَن عَمه للنابغة الشَّيْبَانِيّ:
وكائن ترى من ذِي هموم ففرّجت ... وَذي غربَة عَن دَاره سيئوب
وَهُوَ من أَبْيَات، لَا يذكر بَاقِيهَا مؤلف هَذَا الْكتاب.
ولبعض الشُّعَرَاء:
لَا يرعك الشرّ إِن ظَهرت ... بتهاويل مخايله
ربّ أَمر سرّ آخِره ... بَعْدَمَا ساءت أَوَائِله
ولكشاجم من قصيدة:
لَيْسَ إِلَّا تيقّني أنّ إِيرَاد ... اللَّيَالِي من بعده إصدار
(5/87)

ووراء الأسى سرورٌ وَبعد ... الْعسر يسرٌ وَتَحْت ليلٍ نَهَار
وَأَخْبرنِي الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن خَلاد الرامَهُرْمُزِي، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن سعيد الدِّمَشْقِي، أَن الزبير حَدثهُ، قَالَ: أَنْشدني إِسْحَاق، قَالَ: أَنْشدني الْفضل بن الرّبيع:
فَلَا تجزع وَإِن أعسرت يَوْمًا ... فقد أَيسَرت فِي الزَّمن الطَّوِيل
وَلَا تَظنن بربّك ظنّ سوءٍ ... فإنّ الله أولى بالجميل
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقد رويت فِي الْجُزْء الأول مِنْهُ، فِي أَخْبَار وَجب أَن تكْتب هُنَاكَ، مَا رُوِيَ من أَن هَذِه الأبيات للحسين بن عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِمَا، وَمَا رُوِيَ أَيْضا إنَّهُمَا لجَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِم السَّلَام.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن وهيب الْحِمْيَرِي، قصيدة أَولهَا:
(5/88)

هَل الهمّ إِلَّا فُرْجَة تتفرّج ... لَهَا معقب يحدي إِلَيْهَا ويزعج
أَبى لي إغضاء الجفون على القذى ... يقيني بِأَن لَا عسر إِلَّا مفرّج
أخطّط فِي ظهر الْحَصِير كأنّني ... أَسِير يخَاف الْقَتْل والهمّ يفرج
وَيَا ربّما ضَاقَ الْقَضَاء بأَهْله ... وَأمكن من بَين الأسنّة مخرج
وَله أَيْضا:
أجارتنا إنّ التعفّف بالياس ... وصبرًا على استدرار دنيا بإبساس
جديران أَن لَا يبدءا بمذلّةٍ ... كَرِيمًا وَأَن لَا يحوجاه إِلَى النَّاس
ولي مقلةٌ تَنْفِي القذى عَن جفونها ... وَتَأْخُذ من إيحاش دهرٍ بإيناس
أجارتنا إنّ القداح كواذبٌ ... وَأكْثر أَسبَاب النجاح مَعَ الياس
وللنابغة الذبياني من قصيدة:
فَلَا تحسبنّ الْخَيْر لَا شرّ بعده ... وَلَا تحسبنّ الشرّ ضَرْبَة لازب
وأنشدني عَليّ بن مُحَمَّد السّري الْهَمدَانِي، وَكتبه لي بِخَطِّهِ، قَالَ: أنشدنا
(5/89)

عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، قَالَ: أَنْشدني الأول عَن ابْن الْأَعرَابِي، لبَعض شعراء تنوخ:
أَلا لَا تموتنّ اغتمامًا وحسرةً ... وهمًّا إِذا مَا سارح الْقطر أجدبا
وصبرًا فإنّ الجدب لَيْسَ بدائم ... كَمَا لم يدم عشب لمن كَانَ معشبا
وجدت فِي كتاب الأبيات السائرة، لعيينة بن الْمنْهَال، قَالَ جبلة العذري: قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: هُوَ جبلة بن حُرَيْث العذري، من عذرة، وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لَا يتَعَلَّق بكتابي مِنْهَا إِلَّا مَا ذكرته:
استقدر الله خيرا وارضينّ بِهِ ... فَبَيْنَمَا الْعسر إِذْ دارت مياسير
وَفِي غير هَذَا الْكتاب، لبَعض الشُّعَرَاء:
(5/90)

أما علمت بأنّ الْعسر يتبعهُ ... يسرٌ كَمَا الصَّبْر مقرون بِهِ الْفرج
وَقَالَ آخر:
إِذا مَا الْبَين أحرجني ... فَلَيْسَ على النَّوَى حرج
دعِي لومي على صلتي ... سيقطع بَيْننَا حجج
سأركب كلّ مظْلمَة ... أفرّجها فتنفرج
غَدا للبين موعدنا ... فإنّ إِلَى غدٍ فرج
وَقد بَلغنِي على وَزنهَا، وإعرابها، وقافيتها، أَبْيَات لأبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب عَلَيْهِم السَّلَام، وَهِي:
دنا التهجير والدلج ... وقصدي للمنى لحج
ولي همٌّ يؤرّقني ... عليّ لبحره لجج
أطاف عليّ فِي وضحٍ ... عَلَيْهِ من البلا نهج
أَقُول لنَفس مكتئبٍ ... عَلَيْهِ من الردى ثبج
رضَا، مَا دمت سَالِمَة ... فإنّ الْعَيْش مندمج
(5/91)

وَلَا تستحقبي شبها ... فَرَحَّبَ الحقّ منبلج
وزور القَوْل منمحقٌ ... إِذا دارت بِهِ الْحجَج
وعاذلةٍ تعاتبني ... وجنح اللَّيْل معتلج
فَقلت: رويد معتبتي ... لكلّ ملمّة فرج
ذَرِينِي خلف قاضية ... تضايق بِي وتنفرج
أسرّك أَن أكون رفعت ... حَيْثُ الْأَمر والمهج
وأنّي بتّ يصهرني ... بحرّ جهنمٍ وهج
فَأدْرك مَا قصدت بِهِ ... وَيبقى الْعَار والحرج
إِذْ أكدت حبائله ... فلي فِي الأَرْض منعرج
وَوجدت كتابا قد جمع فِيهِ شعر صَاحب الزنج، الْخَارِج بِالْبَصْرَةِ، نسب إِلَيْهِ فِيهِ من هَذَا الشّعْر سِتَّة أَبْيَات، أَولهَا: وعاذلة تعاتبني.
وَأَخْبرنِي أبي، أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي الْفَهم التنوخي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر يَمُوت بن المزرع بن يَمُوت بن مُوسَى الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، وَكَانَ ابْن أُخْت الجاحظ، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي، قَالَ: حَدثنَا قبيصَة بن حَاتِم المهلبي، عَن أَبِيه، قَالَ: كتب حَفْص بن عمر هزارمرد إِلَى
(5/92)

الْمَنْصُور، يُخبرهُ بِأَنَّهُ وجد فِي بعض خانات المولتان بِبِلَاد الْهِنْد، مَكْتُوبًا: يَقُول عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب سَلام الله عَلَيْهِم، انْتَهَيْت إِلَى هَذَا الْموضع، بعد أَن مشيت حَتَّى انتعلت الدِّمَاء، وَأَنا أَقُول:
عَسى مشربٌ يصفو فيروي ظماءةً ... أَطَالَ صداها المشرب المتكدّر
عَسى بالجنوب العاريات ستكتسي ... وَذي الغلبات المستذلّ سينصر
عَسى جَابر الْعظم الكسير بِلُطْفِهِ ... سيرتاح للعظم الكسير فَيجْبر
عَسى صورًا أَمْسَى لَهَا الْجور دافنًا ... يتاح لَهَا عدلٌ يَجِيء فتظهر
عَسى الله، لَا تيأس من الله، إنّه ... يهون عَلَيْهِ مَا يجلّ وَيكبر
فَكتب إِلَيْهِ الْمَنْصُور: قَرَأت كتابك، والأبيات، وَأَنا وَعبد الله، وَأَهله، كَمَا قيل:
نحاول إذلال الْعَزِيز لأنّه ... رمانا بظلمٍ واستمرّت مرائره
(5/93)

فَإِن بلغك لعبد الله خبر، فأعطه الْأمان، وَأحسن إِلَيْهِ.
وَأَخْبرنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي الحرمي، قَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن مُحَمَّد النَّخعِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن المهلبي، عَن عَمه، قَالَ: كتب حَفْص بن عمر، أَو قَالَ عمر بن حَفْص هزارمرد، إِلَى الْمَنْصُور، فَذكر مثله، إِلَّا أَنه لم يَأْتِ بِالْبَيْتِ الَّذِي أَوله: عَسى صورًا. .
وَأَخْبرنِي أبي، قَالَ: وجدت بِخَط أبي يعلى، وَكَانَ عَالما بِأُمُور الطالبيين وأخبارهم وأنسابهم، وأشعارهم، أبياتًا للقاسم بن إِبْرَاهِيم، أَولهَا:
يُقَابل هَذَا أيّها المتحيّر ... وَإِن قَالَ فِيك الْقَائِلُونَ فَأَكْثرُوا
وَقد أضيفت إِلَى هَذِه الأبيات.
وَقد ذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن، هَذَا الْخَبَر فِي كِتَابه، بِغَيْر إِسْنَاد، على نَحْو هَذِه الرِّوَايَات إِلَّا أَنه زَاد شَيْئا، فَقَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: رُوِيَ لنا عَن الْعُتْبِي، قَالَ: حَدثنِي بعض مَشَايِخنَا، قَالَ: أتيت السَّنَد، فَدخلت خَانا، فَإِنِّي لأدور فِيهِ، إِذْ قَرَأت كتابا فِي بعض بيوته: يَقُول عَليّ بن مُحَمَّد. . . . وَذكر الْقِصَّة، والأبيات الْخَمْسَة، وَلم يذكر مَا كتب بِهِ إِلَى الْمَنْصُور، وَلَا جَوَابه، وَقَالَ فِي آخِره: فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث بعض أَوْلَاد البختكان، فَقَالَ لي:
(5/94)

كنت عَاملا بِالشَّام، على السراة، فَدخلت كَنِيسَة فِيهَا لِلنَّصَارَى، مَوْصُوفَة، أنظر إِلَيْهَا، فَإِذا بَين التصاوير مَكْتُوب: يَقُول صَالح بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، نزلت هَذِه الْكَنِيسَة يَوْم كَذَا من شهر كَذَا من سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وَأَنا مكبل بالحديد مَحْمُول إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ هِشَام، وَأَنا أَقُول:
مَا أنسدّ بابٌ وَلَا ضَاقَتْ مذاهبه ... إِلَّا أَتَانِي وشيكًا بعده الْفرج
قَالَ: وَكَانَ بَين ذَلِك، وَبَين أَن نزل صَالح بن عَليّ، على تِلْكَ الْكَنِيسَة بِعَينهَا لمحاربة مَرْوَان بن مُحَمَّد، أَربع عشرَة سنة.
وروى القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، عَن صديق لَهُ أنْشدهُ:
إنّي رَأَيْت مغبّة الصَّبْر ... تُفْضِي بصاحبها إِلَى الْيُسْر
لَا بدّ من عسرٍ وَمن يسرٍ ... بهما تَدور دوائر الدَّهْر
وكما يلذّ الْيُسْر صَاحبه ... فكذاك فليصبر على الْعسر
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، قَالَ: وجد فِي عذبة سيف أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب، سَلام الله عَلَيْهِ وتحياته، رقْعَة فِيهَا:
غنى النَّفس يَكْفِي النَّفس حَتَّى يكفّها ... وَإِن أعسرت حَتَّى يضرّ بهَا الْفقر
(5/95)

فَمَا عسرة فاصبر لَهَا إِن لقيتها ... بدائمة حَتَّى يكون لَهَا يسر
وَمن لم يُقَاس الدَّهْر لم يعرف الأسى ... وَفِي غير الأيّام مَا وعد الدَّهْر
وَأنْشد فِي كِتَابه:
وَمَا الدَّهْر إِلَّا مَا ترَاهُ فموسرٌ ... يصير إِلَى عسرٍ وَذُو فاقة يثري
وَأنْشد فِي كِتَابه أَيْضا، وَوجد فِي بعض كتبي عَن ابْن دُرَيْد، قَالَ: أنشدنا الْعَبَّاس بن الْفرج الرياشي، وَلم يسم قَائِلا:
لعمرك مَا كلّ التعطّل ضائر ... وَلَا كلّ شغل فِيهِ للمرء منفعه
إِذا كَانَت الأرزاق فِي الْقرب والنوى ... عَلَيْك سَوَاء فاغتنم لذّة الدعه
وَإِن ضقت يَوْمًا يفرج الله مَا ترى ... أَلا ربّ ضيق فِي عواقبه سعه
وأنشدني فِي كِتَابه أَيْضا، لأبي يَعْقُوب الخريمي:
يَقُولُونَ صبرا، والتصبّر شيمتي ... ألم تعلمُوا أنّ الْكَرِيم صبور
هَل الدَّهْر إِلَّا نكبة وسلامة ... وَإِلَّا فبؤس مرّة وحبور
(5/96)

وأنشدني القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، عَن صديق لَهُ، وَكَانَ بعض الْفُقَهَاء يتَمَثَّل بِهِ:
وكلّ كرب وَإِن طَالَتْ بليّته ... يَوْمًا تفرّج غمّاه فتنكشف
وَأنْشد أَيْضا فِي كِتَابه، وَلم يسم قَائِلا:
مِفْتَاح بَاب الْفرج الصَّبْر ... وكلّ عسرٍ بعده يسر
والدهر لَا يبْقى على حالةٍ ... وكلّ أَمر بعده أَمر
وَالْكرب تفنيه اللَّيَالِي الَّتِي ... أَتَى عَلَيْهَا الْخَيْر والشرّ
حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا ابْن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْشدني أَحْمد بن يحيى، قَوْله:
مِفْتَاح بَاب الْفرج الصَّبْر ... وكلّ عسرٍ مَعَه يسر
وَذكر الأبيات، إِلَّا أَنه قَالَ فِي الثَّانِي: وَالْأَمر يَأْتِي بعد الْأَمر، وَقَالَ فِي الثَّالِث: يفنى عَلَيْهَا الْخَيْر وَالشَّر، وَزَاد فِيهَا رَابِعا، وَهُوَ:
وَكَيف تبقى حَال من حَاله ... يسْرع فِيهَا النَّفْع والضرّ
(5/97)

قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه: كَانَ بعض إخْوَانِي يتَمَثَّل كثيرا بِبَيْت لهدبة، وَهُوَ:
عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ ... يكون وَرَاءه فرج قريب
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَتَمام هَذَا الشّعْر:
فَيَأْمَن خائفٌ ويفكّ عانٍ ... وَيَأْتِي أَهله النائي الْغَرِيب
وَقد ذكرتهما فِيمَا تقدم من كتابي هَذَا، فِي قصَّة يَعْقُوب بن دَاوُد، لما أطلقهُ الرشيد، ثمَّ وجدتهما مَعَ بَيْتَيْنِ آخَرين، فِي غير هَذَا الْمَعْنى، فِي كتاب الْأَمْثَال، لعيينة بن الْمنْهَال، فَقَالَ: قَالَ هدبة بن الخشرم: فَذكر الْبَيْتَيْنِ، مَعَ بَيْتَيْنِ غَيرهمَا، ليسَا فِي هَذَا الْمَعْنى، وهما:
فيا لَيْت الرِّيَاح مسخّرات ... بحاجتنا تصبّح أَو تؤوب
فتخبرنا الشمَال إِذا أتتنا ... وتخبر أهلنا عنّا الْجنُوب
وَذكر أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، فِي كِتَابه الْمُجَرّد، فِي الأغاني، أَن فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ، لحنين: هزجًا، وخفيف رمل، لعريب.
وروى القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، لناجم الْبَصْرَة، يَعْنِي الخائن صَاحب الزنج:
(5/98)

الْحَمد لله شكرا لَا انْقِضَاء لَهُ ... إنّ الزَّمَان لذُو جمعٍ وتفريق
قد ينْقل الْمَرْء من ضيق إِلَى سَعَة ... ويسلس الْأَمر يَوْمًا بعد تعويق
والدهر يَأْتِي على كلٍّ بأجمعه ... وَلَيْسَ من سعةٍ تبقى وَلَا ضيق
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، وَلم ينْسبهُ إِلَى أحد:
أَلا فاصطبر مَا دَامَ فِي النَّفس مسكةٌ ... عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله فِي غَد
وإنّ امْرأ ربّ السَّمَاء وَكيله ... حريٌّ بِحسن الظنّ غير مبعّد
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وأنشدنيه مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يحيى بن عَليّ بن يحيى المنجم، فَجعل أَوله: سأصبر مَا دَامَت بنفسي مسكةٌ وَقَالَ لي: إِن فِيهَا لحنًا قَدِيما من الثقيل الثَّانِي، يُغْنِيه.
(5/99)

وَأنْشد أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه، وَلم يسم قَائِلا:
خلقان لَا أرْضى فعالهما ... تيه الْغنى ومذلّة الْفقر
فَإِذا غنيت فَلَا تكن بطرًا ... وَإِذا افْتَقَرت فته على الدَّهْر
واصبر فلست بواجدٍ خلقا ... أدنى إِلَى فرج من الصَّبْر
وَأنْشد أَيْضا فِي كِتَابه، وَلم ينْسبهُ إِلَى قَائِله:
إِذا تضايق أمرٌ فانتظر فرجا ... فأضيق الْأَمر أدناه من الْفرج
وَوجدت فِي بعض الْكتب: أَن أَبَا الْعَبَّاس ثعلبًا، أنْشد هَذَا الْبَيْت، وبيتًا قبله، وَهُوَ:
النَّسْل من واحدٍ والشكل مختلفٌ ... والدهر فِيهِ بَنو الدُّنْيَا على درج
وأنشدناه أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، عَن الْأَخْفَش، قَالَ: أنشدنا الْمبرد:
النَّاس من واحدٍ والشكل مختلفٌ
وَذكر الْبَيْتَيْنِ.
حَدثنِي عَليّ بن أبي الطّيب، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْجراح، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن، قَالَ: رَأَيْت مَجْنُونا قد أَلْجَأَهُ الصّبيان إِلَى مَسْجِد، فجَاء حَتَّى قعد فِي زَاوِيَة، فَتَفَرَّقُوا عَنهُ، فَقَامَ وَهُوَ يَقُول:
إِذا تضايق أَمر فانتظر فرجا
وَذكر الْبَيْت وَحده.
(5/100)