Advertisement

الكامل في اللغة والأدب 003

المجلد الثالث
تابع
لبكر بن النطاح يمدح مالك بن علي الخزاعي
...
بسم الله الرحمن الرحيم
باب 1
قال أبو العباس: وهذا باب اشترطنا أن نخرج فيه من حزن إلى سهل ومن جد إلى هزل، ليستريح القارئ، ويدفع عن مستمعه الملال. ونحن ذاكرون ذلك إن شاء الله.
بكر بن النظاح يمدح مالك بن علي الخزاعي
قال بكر بن النطاح في كلمة يمدح فيها2 مالك بن علي الخزاعي:
عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى، فقالت قم فجئنا بكوكب
فقلت لها هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب3
فلو أنني أصبحت في جود مالك ... وعزته ما نال ذلك مطلبي4
فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأسياف تغلب
__________
1 هذا العنوان ثابت في الاصل. س, وهو ساقط من ر.
2 ر: "مدح". وما أثبته عن الأصل. س.
3 قال في اللسان: "العنقاء: طائر ضخم ليس بالعقاب. وقيل العنقاء المغرب. كلمة لا اصل لها, يقال إنها طائر عظيم لا ترى إلا في الدهور. ثم كثر ذلك حتى سموا الداهية عنقاء مغربا ومغربة". مادة-عنق.
4 في س. هذا البيت قبل سابقه.
(3/3)

للخليع يمدح عاصماً الغساني
وقال الخليع1 في كلمة له2 يمدح بها عاصماً الغساني:
أقول ونفسي بين شوقي وحسرة ... وقد شخصت عيني ودمعي على خدي3
أريحي بقتل من تركت فؤاده ... بلحظته بين التأسف والجهد
فقالت: عذاب الهوى4 قبل ميتة ... وموت إذا أقرحت قلبك من بعدي5
لقد فطنت للجور فطنة عاصم ... لصنع الأيادي الغر في طلب الحمد
سأشكوك في الأشعار غير مقصر ... إلى عاصم ذي المكرمات وذي المجد
لعل فتى غسان يجمع بيننا ... فتأمن نفسي منكم لوعة الصد
__________
1 الخليع لقب الحسين بن الضحاك. أحد شعراء الدولة العباسية.
2 كلمة "له" ساقطة من ر.
3 شخصت عيني: ارتفع جفنها من كثرة السهاد
4 ر: "في الهوى". وما أثبته عن الأصل. س.
5 يقال: قرح قلب الرجل من الحزن وأقرحة غيرة
(3/3)

لأبي العتاهية في العتاب
وقال إسماعيل بن القاسم:1
إن السلام وإن البشر من رجل ... في مثل ما أنت فيه ليس يكفيني
هذا زمان ألح الناس فيه على ... زهو الملوك وأخلاق المساكين
أما علمت جزاك الله صالحة ... عني وزادك خيراً يا ابن يقطين
أني أريدك للدنيا وعاجلها ... ولا أريدك يوم الدين للدين
__________
1 هو المكنى أبا العتاهية.
(3/4)

ليزيد بن محمد يمدح إسحاق بن إبراهيم
وقال يزيد بن محمد بن المهلب1 المهلبي في كلمة يمدح بها إسحاق بن إبراهيم:
إن أكن مهدياً لك الشعر2 إني ... لابن بيت تهدى له الأشعار
غير أني أراك من أهل بيت ... ما على الحر أن يسودوه عار
وقال في كلمة أخرى له:3
وإذا جددت فكل شيء نافع ... وإذا حددت فكل شيء ضائر4
وإذا أتاك مهلبي في الوغى ... والسيف في يده فنعم الناصر
__________
1 من س.
2 كذا في الاصل. س. وفي ر:"المدح".
3 كلمة له ساقطة من ر. س.
4 حددت: منعت, يقال: حده حدا. منعه عنه خيرا كان أم شرا. وجددت. أي رزقت الجد. وهو الحظ.
(3/4)

في مقتل مصعب بن الزبير
وقال عبد الله بن الزبير لما أتاه قتل مصعب بن الزبير: اشهده المهلب بن أبي صفرة? قالوا: لا. كان المهلب في وجوه الخوارج. قال: أفشهده عباد بن الحصين الحبطي? قالوا: لا. قال: أفشهده عبد الله بن خازم السلمي? قالوا: لا. فمثل عبد الله بن الزبير.
فقلت لها عيثي جعار وجرري ... بلخم امرئ لم يشهد اليوم ناصره1
جعار: اسم من أسماء الضبع. وهي صفة غالبة، لأنه يقال لها: جاعرة، فهذا في بابه كفساق، ولكاع، وحلاق، للمنية. وقد فسرنا هذا الباب مستقصى على وجوهه الأربعة.
__________
1 من أبيات الكتاب 38: 2وينسب إلى النابغة الجعدي.
(3/5)

ابنة جارية همام بن مرة
ويروى أن ابنة جارية لهمام بن مرة بن ذهب بن شيبان قالت له يوماً:
أهمام بن مرة حن قلبي ... إلى اللائي يكن مع الرجال
فقال: يا فساق! أردت صفيحة1 ماضية. فقالت:
أهمام بن مرة حن قلبي ... إلى صلعاء مشرقة القذال2
فقال: يا فجار! أردت بيضة حصينة3، فقالت:
أهمام بن مرة حن قلبي ... إلى أير أسد به مبالي
قال: فقتلها.
__________
1 الصفيحة: واحدة الصفائح, وهي السيوف العريضة.
2 القذال في الاصل: جماع مؤخر الرأس من الإنسان والفرس.
3 البيضة من الحديد. تلبس على الرأس تقيه السلاح.
(3/5)

من أخبار سعيد بن سلم الباهلي وما قيل فيه من الشعر
قال أبو العباس: قال أبو الشمقمق - وهو مروان بن محمد، وزعم التوزي عن أبي عبيدة قال: أبو الشمقمق ومنصور بن زياد ويحيى بن سليم الكاتب. من
(3/5)

أهل خراسان، من بخارية عبيد الله بن زياد، وكان أبو الشمقمق ربما لحن، ويهزل كثيراً ويجد، فيكثر صوابه - قال يمدح مالك بن علي الخزاعي ويذم سعيد بن سلم الباهلي:
قد مررنا بمالك فوجدنا ... هـ جواداً إلى المكارم ينمي1
ما يبالي أتاه ضيف مخف ... أم أتاه يأجوج من خلف ردم2
فارتحلنا إلى سعيد بن سلم ... فإذا ضيفه من الجوع يرمي3
وإذا خبزه عليه "سيكفيكهم" الله ما بدا ضوء نجم
وإذا خاتم النبي سليما ... ن داود قد علاه بختم
فارتحلنا من عند هذا بحمد ... وارتحلنا من عند هذا بذم
وقال عبد الصمد بن المعذل يرثي سعيد بن سلم:
كم يتيم جبرته بعد يتم ... وفقير بعثته بعد عدم4
كلما عضت الحوادث نادى ... رضي الله عن سعيد بن سلم
وقال سعيد بن سلم: عرض لي أعرابي فمدحني فبلغ5. فقال:
ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة ... سعيد بن سلم ضوء كل بلاد
لنا سيد أرثى على كل سيد ... جواد حثا في وجه كل جواد6
قال: فتأخرت عن بره قليلاً. فهجاني فبلغ7. فقال:
لكل أخي مدح ثواب يعده ... وليس لمدح الباهلي ثواب
مدحت ابن سلم والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب8
__________
1 ر: "كريما". وما أثبته عن الأصل. س.
2 ر: "أم اتقه". أأثببته عن الأصل. س.
3 ر: "فانتهينا".
4 ر: "كم صغير".
5 س: "أبلغ".
6 أي حثا التراب في وجوه الأجواد, وذلك كنايه عن تقصيرهم.
7 س: "أبلغ".
8 الصفوان الحجر الأملس.
(3/6)

وقال أبو الشمقمق:
قال لي الناس زر سعيد بن سلم ... قلت للناس لا أزور سعيدا
وأميري فتى خزاعة بالبص ... رة قد عمها سماحاً وجودا
ولنعم الفتى سعيد ولكن ... مالك أكرم البرية عودا
فقال سعيد: لوددت أنه لم يكن ذكرني مع مالك، [وأنه] 1 أخذ مني أمنيته.
وقال أبو الشمقمق أيضاً:
هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد
والله لو ملك البحار بأسرها2 ... وأتاه سلم في زمان مدود
يبغيه منها شربة لطهور ... لأبى وقال: تيممن بصعيد
ومثله قول لآخر:
لو أن قصرك يا ابن يوسف كله ... إبر يضيف بها فضاء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قد قميصه لم تفعل
وقال مسلم بن الوليد:
ديونك لا يقضى الزمان خريمها ... وبخلك بخل الباهلي سعيد
سعيد بن سلم ألأم الناس كلهم ... وما قومه من لؤمه ببعيد3
يزيد له فضل ولكن مزيداً ... تدارك منا مجده بيزيد
خزيمة لا بأس به غير أنه ... لمطبخه قفل وباب حديد
__________
1 تكملة من س.
2 س: "لو ملك البحور".
3 ر: "من نجله". وما أثبته عن الأصل. س.
(3/7)

وقال عبد الصمد بن المعذل، يرثي عمرو بن سعيد، وكان عمرو هلك بعيد1 سعيد بيسير:
رزينا أبا عمرو فقلنا: لنا عمرو ... سيكفيك ضوء البدر غيبوبة البدر
وكان أبو عمرو معاراً حياته2 ... بعمرو فلما مات أبو عمرو
وقال أمير المؤمنين الرشيد يوماً لسعيد بن سلم: يا سعيد، من بيت قيس في الجاهلية? قال: يا أمير المؤمنين، بنو فزارة، قال: فمن بيتهم في الإسلام? قال: يا أمير المؤمنين، الشريف3 من شرفتموه، قال: صدقت أنت وقومك.
وحدثني علي بن القاسم بن علي بن سليمان الهاشمي، قال: حدثني رجل من أهل مكة، قال: رأيت في منامي سعيد بن سلم في4، حياته وفي5 نعمته، وكثرة عدد ولده، وحسن مذهبه، وكمال مروءته، فقلت في نفسي: ما أجل ما أعطيه سعيد بن سلم! فقال لي قائل: وما ذخره الله له في الآخر أكثر.
وكان سعيد إذا استقبل السنة التي يستقبل6 فيها عدد سنيه أعتق نسمة وتصدق بعشرة آلاف درهم، فقيل لمديني: إن سعيد بن سلم اشترى نفسه من ربه7 بعشرة آلاف درهم. فقال: إذاً لا يبيعه.
__________
1 ر: "وهلك عمرو بعد". وما أثبته عن الأصل. س.
2 ر: "حياته". بفتح التاء.
3 كلمة الشريف ساقطة من ر.
4 ر: "أريت سعيد بن سلم في النوم".
5 تكملة من ر. س.
6 ر:"يستأنف". وما أثبته عن الأصل. س.
7 كذا في الأصل, س وفي ر:" إن سعيد يشتري نفسه.......".
(3/8)

مما قالته العرب في ذم باهلة
وقال أحمد بن يوسف الكاتب لولد سعيد:
أبني سعيد إنكم من معشر ... لا يعرفون كرامة الأضياف
(3/8)

قوم لباهلة بن يعصر إن هم ... نسبوا حسبتهم لعبد مناف
قرنوا الغداء إلى العشاء وقربوا ... زاداً لعمر أبيك ليس بكاف
وكأنني لما حططت إليهم ... رحلي نزلت بأبرق العزاف1
ينا كذاك أتاهم كبراؤهم ... يلحون في التبذير والإسراف
وأنشدني المازني:
سل الله ذا المن من فضله ... ولا تسألن أبا وائله
فما سأل الله عبد له ... فخاب ولو كان من باهله
[قال أبو الحسن: وزادني بعض أصحابنا:
ترى الباهلي على خبزه ... إذا رامه آكل آكله]
وأنشدني رجل2 من عبد القيس:
أباهلي ينبحني كلبكم ... وأسدكم ككلاب العرب
ولو قيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لؤم هذا النسب
وحدثني علي بن القاسم قال: حدثني أبو قلابة الجزمي قال: حججنا مرة مع أبي جزء بن عمرو بن سعيد، قال: وكنا في ذراه3، وهو إذ ذاك بهي وضي، فجلسنا في المسجد الحرام إلى أقوام4 من بني الحارث بن كعب، لم نر أفصح منهم، فرأوا هيئة أبي جزء وإعظامنا إياه مع جماله، فقال قائل منهم له: أمن أهل بيت الخليفة أنت? قال: لا، ولكن رجل من العرب، قال: ممن الرجل? قال. رجل5 من مضر، قال: أعرض ثوب الملبس! من أيها عافاك الله? قال: رجل
__________
1 العزاف. بتشديد الزاي: جبل من جبال الدهناء.
2 ر: "وأنشد أبو العباس لرجل". وما أثبته عن الاصل, س.
3 ذراه: كنفه.
4 ر: "قوم".
5 ساقطة من ر.
(3/9)

من قيس، قال أين يراد بك، صر إلى فصيلتك التي تؤويك! قال: رجل م بني سعد بن قيس، قال. اللهم غفراً! من أيها عافاك الله? قال: رجل من بني يعصر، قال: من أيها? قال: رجل من باهلة، قال: قم عنا! قال أبو قلابة: فأقبلت على الحارثي فقلت: أتعرف هذا? قال: هذا، ذكر أنه باهلي، قال1: فقلت: هذا أمير ابن أمير ابن أمير ... قال: حتى عددت خمسة.
هذا أبو جزء أمير، بن عمرو - وكان أميراً - بن سعيد - وكان أميراً - بن سليم - وكان أميراً - بن قتيبة - وكان أميراً.
فقال الحارثي: الأمير أعظم أم الخليفة? فقلت: بل2 الخليفة. قال: أفالخليفة أعظم أم النبي? قلت: بل النبي. قال: والله لو عددت له في النبوة أضعاف ما عددت في الإمرة3 ثم كان باهلياً ما عبأ الله به شيئاً. قال: فكادت نفس أبي جزء تفيض4، فقلت له5: انهض بنا، فإن هؤلاء أسوأ الناس أدباً6.
[قال أبو الحسن: يقال للرجل إذا سئل عن شيء فأجاب عن غيره أعرض ثوب الملبس أي أبدي غير ما يراد منه] .
وحدثت أن أعرابياً لقي رجلاً من الحجاج. فقال له: ممن الرجل? قال: باهلي. قال: أعيذك بالله من ذلك. قال: أي والله، وأنا مع ذلك مولى لهم.
فأقبل الأعرابي يقبل يديه ويتمسح به، قال له الرجل: ولم تفعل ذاك? قال: لأني أثق بأن الله عز وجل لم يبتلك بهذا في الدنيا إلا وأنت من أهل الجنة.
__________
1 ساقطة من ر.
2 ساقطة من ر.
3 ر: "الإمارة".
4 ر: "تخرج".
5 ساقطة من ر.
6 ر: "آدابا"
(3/10)

في مجلس قتيبة بن مسلم الباهلي
ويزعم الرواة1: أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند أفضى2 إلى أثاث لم
__________
1 ر: "الرقاشي".
2 يريد اتسع وسار عريضا.
(3/10)

ير مله، وإلى آلات لم ير مثلها1، فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليه، ويعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت، وفي صحنها قدور ترتقي بالسلالم، فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي قد أقبل. والناس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير. فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لقتيبة: ائذن لي في معاتبته. قال: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يأذن له - وكان عبد الله يضعف، وكان قد تسور حائطاً إلى امرأة قبل ذاك - فأقبل على الحضين بن المنذر2 فقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان? قال: أجل، أسن عمك عن تسور الحيطان، قال: أرأيت هذه القدور? قال: هي أعظم من ألا ترى. قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها! قال: أجل، ولا عيلان، لو كان رآها سمي شعبان، ولم يسم عيلان، قال له عبد الله: يا أبا ساسان، أتعرف الذي يقول:
عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه, وأعرف الذي يقول:
خيبة من يخيب على غني ... وباهلة بن يعصر والركاب
يريد يا خيبة من يخيب. قال. أفتعرف الذي يقول:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل3
قال: نعم4. وأعرف الذي يقول:
قوم قتيبة أمهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
قال: أما الشعر فأراك ترويه. فهل5 تقرأ من القرآن شيئاً? قال أقرأ منه الكثر الأطيب: {هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً} 6 [الإنسان:1] قال7: فأغضبه. فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى
__________
1 ر: "لم يسمع بمثلها".
2 من س.
3 ر: "وقد عرقت".
4 كذا في الأصل. س. وفي ر: "أعرف هذا".
5 ر: "ولكن هل تقرأ من القرآن شيئاً".
6 سورة الإنسان آية: 1.
7 كلمة "قال" ساقطة من الأصل.
(3/11)

من غيره. قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى. ثم قال على رسله: وما يكون! تلد غلاماً على فراشي فيقال: فلان بن الحضين، كما يقال: عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله فقال: لا يبعد الله غيرك.
[قال أبو العباس] 1: الحضين2 بن المنذر بن الحارث بن وعلة. وكان الحضين بيده لواء علي بن أبي طالب رحمه الله على ربيعة، وله يقول القائل:
لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين تقدما
__________
1 من س.
2 ر: "هذا الحضين".
(3/12)

للأعشى يمدح هودة بن علي
وللحارث بن وعلة يقول الأعشى - وكان قصده فلم يحمده، فعرج1 عنه إلى هوذة بن علي ذي التاج. وهوذة من بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والحارث بن وعلة من بني رقاش، وهي امرأة، وأبوهم مالك بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، فقال الأعشى يذكر الحارث بن وعلة وهوذة بن علي:
أتيت حريثاً زائراً عن جنابة ... فكان حريث عن عطائي جامدا
إذا ما رأى ذا حاجة فكأنما ... يرى أسداً في بيته وأساودا
لعمرك ما أشبهت وعلة في الندى ... شمائله ولا أباه مجالدا
وإن امرأ قد زرته قبل هذه ... بجو لخير منك نفساً ووالدا
تضيفته يوماً فقرب مجلسي ... وأصفدني على الزمانة قائدا
وأمتعني على العشا بوليدة ... فأبت بخير منك يا هوذ حامدا
يرى جمع ما دون الثلاثين قصرة ... ويعدو على جمع الثلاثين واحدا
وهي كلمة.
__________
1 ر: "وعرج".
(3/12)

قوله: "أتيت حريثاً" يريد الحارث، تصغيره على لفظه1: حويرث.
وهذا التصغير الآخر يقال له تصغير الترخيم، وهو أن تحذف الزوائد من الاسم ثم تصغر حروفه الأصلية، فتقول في تصغير أحمد: حميد لأنه من الحمد، وفي الحارث: حريث، لأنه من الحرث، وفي غضبان: غضيب، لأنه من الغضب، لأن الألف والنون زائدتان. وكذلك ذوات الأربعة، تقول في تصغير قنديل على لفظه قنيديل، فإن صغرته مرخماً حذفت الياء فقلت: قنيدل، فعلى هذا مجرى الباب.
وقوله: عن جنابة، يقول: عن غربة وبعد. يقال: هم نغم الحي لجارهم جار الجنابة، أي الغربة. يقال: رجل جنب، ورجل جانب، أي غريب، قال الله جل وعز: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} 2. وقال الحطيئة:
والله ما مغشر لاموا امرأ جنباً ... في آل لأي بن شماس بأكياس
وقال علقمة بن عبدة:
فلا تحرمني نائلاً عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب
فمن قال للواحد: جنب قال للجميع: أجناب، كقولك: عنق وأعناق، وطنب وأطناب، ومن قال للواحد: جانب، قال للجميع: جناب، كقوله: راكب وركاب، وضارب وضراب. قالت الخنساء:
إبكي أخالك لأيتام وأرملة ... وابكي أخاك إذا جاورت أجنابا
وإن كان من الجنابة التي تصيب الرجل قلت: رجل جنب، ورجلان جنب وكذلك المرأة والجميع، وقد يجوز، وليس بالوجه، رجلان جنبان، وامرأة جنبة، وقوم أجناب.
وقوله:
يرى أسداً في بيته وأساودا
__________
1 س: "على اللفظ".
2 سورة النساء: آية 36.
(3/13)

يريد جمع أسود سالخ، وأسود ههنا نعت، ولكنه غالب، فلذلك جرى ههنا مجرى الأسماء، لأنه يدل على الحية، وأفعل، إذا كان نعتاً بنفسه فجمعه: فغل، نحو: أحمر وحمر، وأسود وسود، وإذا كان نعتاً فأجري مجرى الأسماء فجمعه: أفاعل نحو أساود، وأجادل، وأداهم، إذا أردت القيد، لأنه نعت غالب يجري مجرى الأسماء، وإن أردت أدهم - الذي هو نعت محض - قلت: دهم، قال الأشهب بن رميلة:
أسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حرد دماء الأساود
فأجراه مجرى الأسماء، نحو: الأصاغر، والأكابر، والأحامد.
وقوله:
لعمرك ما أشبتهت وعلة في الندى ... شمائله.....................
فإنه جعل: شمائله، بدلاً من وعلة، والتقدير: ما أشبهت شمائل وعلة.
والبدل على أربعة أضرب: فواحد منها أن يبدل أحد الاسمين من الآخر إذا رجعا إلى واحد، ولا تبالي أمعرفتين كانا أم معرفة ونكرة، وتقول: مررت بأخيك زيد، لأن زيداً رأسه. لما قلت: ضربت زيداً، أردت أن تبين موضع الضرب منه.
فمثل الأول قول الله تبارك وتعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} 1. وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ} 2. و {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} 3.
ومثل البدل الثاني قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} 4
__________
1 سورة الفاتحة: 6 – 7.
2 سورة الشورى 52 ,53.
3 سورة العلق 15, 16.
4 سورة آل عمران 97.
(3/14)

من، في موضع خفض، لأنها بدل من الناس، ومثله، إلا أنه أعيد حرف الخفض: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} 1.
والبدل الثالث مثل ما ذكرنا في البيت، أبدل: "شمائله" منه، وهي غيره، لاشتمال المعنى عليها، ونظير ذلك: أسألك عن زيد أمره. لأن السؤال عن الأمر وتقول على هذا: سلب زيد ثوبه، فالثوب غيره، ولكن به وقع السلب، كما وقعت المسألة عن خبر زيد، ونظير ذلك من القرآن: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} 2. لأن المسألة إنما كانت عن القتال: هل يكون في الشهر الحرام? وقال الشاعر وهو الأخطل3:
إن السيوف غدوها ورواحها ... تركت هوازن مثل قرن الأعضب4
وبدل رابع، لا يكون مثله في القرآن ولا في الشعر، وهو أن يغلط المتكلم فيستدرك5 غلطه، أو ينسى فيذكر فيرجع إلى حقيقة ما يقصد له، وذلك قوله: مررت بالمسجد دار زيد، أراد أن يقول: مررت بدار زيد، فإما نسي، وإم غلط، فاستدرك فوضع الذي قصد له في موضع الذي غلط فيه.
وقوله: بجو فهي قصبة اليمامة.
وقوله: تضيفته يوماً: إنما هو تفعلته، من الضيافة، يقال: ضفت الرجل، أي نزلت به، وأضافي، أي أنزلني.
وقوله: وأصفدني: يقول: أعطاني، وهو الإصفاد، والصفد الاسم، والإصفاد المصدر، قال النابغة:
فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد
ويقال: صفدت الرجل فو مصفود، من القيد، ولا يقال في القيد: أصفدت، ولكن صفدته صفداً، واسم القيد الصفد، قال الله جل وعز: {مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} 6. كقولك: جمل وأجمال، وصنم وأصنام.
__________
1 سورة الأعراف 75.
2 سورة البقرة 217.
3 من س.
4 الأغضب: الكبش المكسور القرن.
5 ر: "فيدرك".
6 سورة ص 38.
(3/15)

وقوله: فتى لو يباري الشمس، يقول: يعارض، يقال: انبرى لي فلان، أي اعترض [لي1] في المعنى، وفلان يباري الريح، من هذا أي يعارض الريح بجوده، فهذا غير مهموز. فأما: بارأت الكري فهو مهموز، لأنه من أبرأني وأبرأته. ويقال: برأ فلان من مرضه، برئ يا فتى؛ والمصدر منهما البرء فاعلم، وبريت القلم غير مهموز، الله البارئ المصور. ويقال: ما برأ الله مثل فلان، مهموز، وقولك: البرية، أصله من الهمز، ويختار فيه تخفيف الهمز، ولفظ التخفيف والبدل واحد، وكذلك يختار في النبي التخفيف، ومن جعل التخفيف لازماً قال في جمعه: أنبياء، كما يفعل بذوات الياء والواو، وتقول: وصي وأوصياء، وتقي وأتقياء، وشقي وأشقياء، ومن همز الواحد قال في الجميع: نباء، لأنه غير معتل، كما تقول: حكيم وحكماء، وعليم وعلماء وأنبياء لغة القرآن والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال العباس بن مرداس السلمي:
يا خاتم النباء إنك مرسل ... بالحق كل هدى السبيل هداكاً 2
وقوله:
أو القمر الساري لألقى المقالدا
إنما سكن3 الياء ضرورة، وإنما جاز ذلك لأن هذه الياء تسكن في الرفع والخفض، فإذا احتاج الشاعر إلى إسكانها في النصب قاس هذه الحركة على الحركتين: الضمة والكسرة الساقطتين، فشبهها بهما، فجعلها كالألف التي في: مثنى التي هي على هيئة واحدة في جميع الإعراب، قال النابغة:
ردت عله أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة يا مسحاة في الثأد4
فأسكن الياء في: أقاصيه. وقال رؤبة:
كأن أيديهن بالقاع القرق5 ... أيدي جوار يتعاطين الورق 6
__________
1 تكملة من س.
2 س: "كل هدى السماء".
3 ر: "فأسكن".
4 الثأد: الثرى.
5 القاع والقاعة ما انبسط من الأرض. والقرق: القاع لا حجارة فيه.
6 من زيادات ر: "والورق هو ورق الشجر, يضرب بالعصا فيتناثر فتلتقطه الجواري بسرعة لعطف الإبل وغيرها".
(3/16)

وقال:
سوى مساحيهن تقطيط الحقق1
[ويروى: تقطيط، بالنصب، وهو أجود، لأن بعده:
تفليل ما قارعن من سمر الطرق
والطرق: جمع طرقة2] .
وقال آخر:
كفى بالنأي من أسماء كاف ... وليس لحبها ما عشت شاف
وأما قوله:
وأمتعني على العشا بوليدة ... فأبت بخير منك يا هوذ حامدا
فإنه كان يتحدث عنه، ثم أقبل عليه يخاطبه، وترك تلك المخاطبة.
والعرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد، ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب. قال الله جل وعز: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} 3. كانت المخاطبة للأمة، ثم صرفت4 إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخباراً عنهم. وقال عنترة:
شطت مزار العاشقين فأصبحت ... عسراً علي طلابك ابنة محرم
فكان يحدث5 عنها ثم خاطبها. ومثل ذلك قول جرير:
وترى العواذل يبتدرن ملامتي ... فإذا أردن سوى هواك عصينا
وقال الآخر:
فدى لك والدي وسراة قومي ... ومالي إنه منه أتاني
وهذا كثير جداً.
وقوله:
يرى جمع ما دون الثلاثين قصرة
أي قليلاً، من الاقتصار. ويروى: ويغدو، ويعدو جميعاً.
__________
1 المساحي هنا: الحوافر, على التشبيه.
2 ما بين العلامتين من زيادات ر. وتفليل: تكسير. ما قارعن. ما ضربن بها. والطرق: حجارة طارقة بعضها فوق بعض.
3 سورة يونس22.
4 كذا في الأصل. س. وفي ر: "انصرفت"
5 ر: "يتحدث".
(3/17)

من أخبار هوذة بن علي
وكان هوذة بن علي ذا قدر علي، وكان1 له خرزات فتجعل على رأسه، تشبهاً بالملوك.
وحدثني التوزي عن أبي عبيدة، قال: ما تتوج معدي قط، إنما كانت التيجان لليمن، قال: فسألته عن قول الأعشى لهوذة2:
من ير هوذة يسجد غير متب ... إذا تعمم فوق التاج أو وضعا
قال: إنما كانت خرزات تنظم له3.
وكتب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إلى هوذة، كما كتب إلى الملوك.
وكانت بنو حنيفة بن لجيم أصحاب اليمامة، ويقول بعض النسابين:
إن عبيد بن حنيفة كان أتى اليمامة وهي صحراء، فاختطها، فجعل يركض حواليها برمحه في الأرض على ما أصاب من النخل، وأنهم أكلوا ما أصابوا تحته من التمر، فلما طلع لهم التمر لم يهتدوا لصعود النخل، فأقبلوا يجدونه، حتى فكروا فأعدوا له السلالم، فلما عمرت اليمامة جعلت العرب تنجعهم لموضع التمر فيجاورون العزيز منهم، وكان يقال لمن دخلها من هؤلاء: السواقط؛ ممن كانوا.
ويقال إن اليمامة والبحرين والقريتين ومواضع هناك كانت لطسم وجديس، والخبر في ذلك مشهور بزرقاء اليمامة، وقد ذكر ذلك الأعشى في قوله:
__________
1 ر: "وكانت".
2 ساقطة من ر.
3 ذكر ابن الأثير أن كسرى أنو شروان لما دخل علية هوذة بن على أعجب به. فدعا بعقد من در فعقد على رأسه, ومن ثم سمى هوذة ذا التاج. نقله الموصفى.
(3/18)

[ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقاً كما نطق الذئبي إذ سجعا] 1
قالت أرى رجلاً في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفي أية صنعا
وكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل غسان يزجي الموت والشرعا2
وحدثني التوزي عن أبي عبيدة والأصمعي عن أبي عمرو قال: قال لي رجل من أهل القريتين: أصبت ههنا دراهم، وزن الدرهم ستة دراهم وأربعة دوانيق، من بقايا طسم وجديس، فخفت السلطان فأخفيتها.
وقد ذكر ذلك زهير في قوله:
عهدي بهم يوم باب القريتين وقد ... زال الهماليج بالفرسان واللجم3
فاستبدلت بعدنا داراً يمانية ... ترعى الخريف فأدنى دارها ظلم4
__________
1 ما بين العلامتين من زيادات ر. والذئبي هو سطيح الكاهن, وهو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي, وكان ضعيفا منبسطا لا يقدر أن يقعد "من شرح ديوان الأعشى 74".
2 الشرع: الأوتار. واحده شرعة.
3 ر: "عهد بها", وما أثبته رواية الديوان 150, والأصل, س. وباب القريتين, التي في طريق مكة, وهي قرية كانت لطسم وجديس, والهماليج: جمع الهملاج, وهي الدالة في سيرها سرعة ويخترة, يريد بها هنا الأبل.
4 يمانية: ناحية اليمن, وظلم: اسم جبل.
(3/19)

لجرير يهجو بني حنيفة
وقال جرير يهجو بن حنيفة:
هجاني الناس م الأحياء كلهم ... حتى حنيفة تفسو في مناحيها1
أصحاب بخل وحيطان ومزرعة ... سيوفهم خشب فيها مساحيها
دلت وأعطت يداً للسلم صاغرة ... من بعد ما كاد سيف الله يفنيها
صارت حنيفة أثلاثاً فثلثهم ... أضحوا عبيداً وثلث من مواليها
قوله: مناحيها، المنحاة: مقام السانية على الحوض، والحائط: البستان.
وقوله:
__________
1 زيادات ر: "تعبر بنو حنيفة بالفسو, لأن بلادهم بلاد نخل, فيأكلون ويحدث في أجوافهم الرياح والقراقير".
(3/19)

من بعدما كاد سيف الله يفنيها
يعني خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم في وقعته بسلمة الكذاب. وللنسابين بعد هذا قول منكر.
وقال جرير:
ابني حنيفة نهنهوا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا 1
أبني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا
__________
1 نهنهوا سفهاءكم: كفوهم وازجروهم.
(3/20)

لعمارة بن عقيل يهجو بني حنيفة
وقال عمارة بن عقيل:
بل أيها الراكب الماضي لطيته ... بلغ حنيفة وانشر فيهم الخبرا
أكان مسلمة الكذاب قال لكم ... لن تدركوا المجد حتى تغضبوا مضرا
مهلاً حنيفة إن الحرب إن طرحت ... عليكم بركها أسرعتم الضجرا
البرك: الصدر، إذا فتحت الباء ذكرت، وإن أردت التأنيث كسرت الباء، قلت: بركة، قال الجعدي:
ولوحا ذراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب1
وزعم الأصمعي أن زياداً كان يقال له: أشعر بركا لأنه كان أشعر الصدر.
وغير الأصمعي زعم2 أن هذا كان يقال للوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية.
__________
1 الجؤجؤ: الصدر. أو مجتمع رءوس عظام الصدر, والمنكب: مجتمع العضد والكتف. ورهله: استرخاؤه من السمن.
2 كذا في الأصل. س. وفي ر: "يزعم".
(3/20)

من أخبار الوليد بن عقبة وشعره
وذكروا أن عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي قال يوماً: ألا تعجبون لهذا، أشعر بركاً! يولي مثل هذا المصر! والله ما يحسن أن يقضي في تمرتين. فبلغ ذلك الوليد فقال على المنبر: أنشد الله رجلاً سماني أشعر بركاً إلا قام! فقام عدي بن حاتم فقال: أيها الأمير، إن لذي يقوم فيقول: أنا سميتك أشعر بركاً لجريء، فقال: إجلس يا أبا طريف? فقد برأك الله منها. فجلس وهو يقول: والله ما برأني الله منها.
وكانت أم الوليد بن عقبة أم عثمان بن عفان رحمهما الله، وهي أروى بنت كريز بن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وأمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، ومن ثم قال الوليد لعلي بن أبي طالب رحمه الله: أنا ألقى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمي من حيث تلقاه بأبيك.
وكان يقال للبيضاء بنت عبد المطلب: قبة الديباج. واسمها أم حكيم وذلك قيل لعثمان وللوليد1: يا ابن أروى، ويا ابن أم حكيم.
وقال الوليد لبني هاشم لهذا النسب2 حين قتل عثمان رحمه الله:
بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
بني هاشم كيف الهوادة بيننا ... وعند علي درعه ونجائبه
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه
وهذا القول باطل. وكان عروة بن الزبير إذا ذكر مقتل عثمان يقول: كان علي أتقى لله من أن يقتل عثمان3 وكان عثمان أتقى لله من أن يقتله علي4.
__________
1 كذا في الأصل: س. وفي ر: "أو للوليد".
2 كذا في الأصل س. وفي ر: "السبب".
3 ر: "من أن يعين في قتل عثمان".
4 ر: "من أن يعين في قتل".
(3/21)

وقال الوليد بن عقبة:
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر1
ومالي لا أبكي وتبكي أقاربي ... وقد حجبت عنا فصول أبي عمرو!
__________
1 ر: "التجوني" صوابه في الأصل. س. منسوب إلي تجيب. قبيلة.
(3/22)

لليلى الأخيلية ترثي عثمان بن عفان
وقال ليلى الأخيلية، أنشدنيه الرياشي عن الأصمعي:
أبعد عثمان ترجو الخير أمته ... وكان آمن من يمشي على ساق
خليفة الله أعطاهم وخولهم ... ما كان من ذهب جم وأوراق
فلا تكذب بوعد الله وارض به ... ولا توكل على شيء بإشفاق
ولا تقولن لشيء: سوف أفعله ... قد قدر الله ما كل امرئ لاق
لآخر يرثيه أيضاً
وقال آخر:
ألا قل لقوم شاربي كأس علقم ... بقتل إمام بالمدينة محرم
قتلتم أمين الله في غير ردة ... ولا حد إحصان ولا قتل مسلم
تعالوا ففاتونا فإن كن قتله ... لواحدة منها يحل لكم دمي2
وإلا فأعظم الشامتين قد أتيتم ... ومن يأت ما لم يرضه الله بظلم
فلا يهنين الشامتين مصابه ... فحظهم من قتله حرب جرهم3
وأنشدني الرياشي عن الأصمعي:
[قال أبو الحسن: هذا الشعر لابن الغريرة الضبي:]
لعمر أبيك فلا تذهلن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان سرا طويلا
__________
1 ر: "التجوني" صوابه في الأصل. س. منسوب إلي تجيب. قبيلة.
2 ففاتونا, فحاكمونا, وفي ر: "فحل", على الفعل الماضي, وما أثبته عن الأصل.
3 نقل المرصفى عن الطبري أن الشعر لحنات بن يزيد المجاشعى عم الفرزدق.
(3/22)

ومثله قول الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ... ودعا فلم أر مثله مخذولا
فتفرقت من بعد ذاك عصاهم ... شققاً وأصبح سيفهم مسلولا1
قوله: محرماً يريد في الشهر الحرام، وكان قتل في أيام التشريق. رحمه الله.
__________
1 شققا: جمع شقة: بالكسر, وهي الشطبة.
(3/23)

لأيمن بن خريم يرثيه أيضاً
وقال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي. وكانت له صحبة:
تفاقد الذابحو عثمان ضاحية1 ... أي قتيل حرام ذبحوا ذبحوا
ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ولم ... يخشوا على مطمح الكف الذي طمحوا
فأي سنة جور سن أولهم ... وباب جور على سلطانهم فتحوا
ماذا أرادوا أضل الله سعيهم ... من سفح ذاك الدم الزاكي الذي سفحوا
فاستوردتهم سيوف المسلمين على ... تمام ظمء كما يستورد النضح2
إن الذين تولوا قتله سفهاً ... لقوا3 أثاماً وخسراناً فما ربحوا
الظمء: ما بين الشربتين وقوله: ضحوا بعثمان: إنما أصله فعل في الضحى، قال زهير:
ضحوا قليلاً على كثبان أسنمة ... ومنهم بالقسوميات معترك4
أي نزلوه ضحى. ويقال: بيتوا ذاك. أي فعلوه ليلاً. قال الله جل وعز: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} 5. وأنشد أبو عبيدة:
__________
1 ضاحية: علانية.
2 استوردتم: من استورد الماء, أى ورده, يريد درات سيوفهم دم عثمان على عطشها.
3 رواية الديوان 165:
وعرسوا ساعة في كثب أسمنة.
4 وما أورده المبرد, هي رواية الاصمعي أسمنة: موضع بعينه.. كذلك القسوميات, مواضع, والمعترك المزدحم.
5 النساء: 108.
(3/23)

أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بأمر نكر
لأنكح أيمهم منذراً ... وهل ينكح العبد حر لحر!
وقوله:
من سفح ذاك الدم الزاكي الذي سفحوا
أي من صب ذاك الدم، يقال: سفحت دمه وسفكت دمه. قال الله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً} 1.
وقوله: على تمام ظمء فهذا مثل، وأصل الظمء: أن تشرب الإبل يوماً ثم تغب يوماً لا ترد الماء، فما بين الشربتين ظمء، فيكون الظمء يومين، فيقال له: الربع، كما يقال في الحمى، لأنهم يعتدون بيومي شربها. والخمس: أن تظمأ ثلاثة أيام، والنضح: الحوض.
والأثام: الهلاك، قال الله عز ذكره: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} ، ثم فسر فقال: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} 2. فجزم "يضاعف" لأنه بدل من قوله: "يلق أثاما" إذا كان إياه في المعنى، وأنشدني أبو عبيدة:
جزى الله آبن عروة إذ لحقنا ... عقوقاً والعقوق من الأثام
وقوله: على مَطْمَح الكف يقول: على رفعها وإبعادها، يقال: طمح بصره، إذا ارتفع فأبعد النظر، قال امروء القيس:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا
__________
1 سورة الأنعام: 145.
2 سورة الفرقان 68, 69.
(3/24)

باب في التشبيه
مدخل
...
باب في التشبيه
قال أبو العباس: وهذا باب طريف نصل به هذا الباب الجامع الذي ذكرناه وهو بعض ما مر للعرب من التشبه المصيب, وللمحدثين1 بعدهم.
فأحسن ما جاء بإجماع الرواة-: ما مر لامرئ القيس في كلام مختصر, أي بيت واحد، من تشبيه شيء في حالتين مختلفتين2 بشيئين مختلفين، وهو قوله:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي3
فهذا مفهوم المعنى، فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطباً العناب وكأنه يابساً الحشف! قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهوماً، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيا، قال الله جل وعز، وله المثل الأعلى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} 4، علماً بأن المخاطبين يعلمون5 وقت السكون ووقت الاكتساب.
ومن تمثيل امرئ القيس العجيب قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب6
ومن ذلك قوله:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل7
__________
1 ر: "والمحدثين": وما أثبته في الأصل, س.
2 ساقطة من ر.
3 الحشف البالي: ردئ النمر, قال شارح الديوان 38: "وإنما خص قلوب الطير جاءت بقلوبها إلى أفراخها".
4 سورة القصص.
5 ر: "يعرفون".
6 الجزع: خرز فيه بياض وسواد. شبه عيون الوحش لما فيهن من السواد والبياض بالخرز. وجعله غير مثقب, لأن ذلك أصفى له وأتم لحسنه.
7 تعرضت: أي أرتك عرضها. أي ناحيتها, والوشاح المفصل: الذي جعل بين كل خرزتين فيه لؤلؤة. والأثناء: جمع ثنى.
(3/25)

وقد أكثروا في الثريا1 فلم يأتوا بمن يقارب هذا المعنى. ولا بما يقارب سهولة هذه الألفاظ.
ومن أعجب التشبيه قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقوله:
خطاطيف جحن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع2
وقوله:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ومن عجيب التشبيه قول ذي الرمة:
وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق 3
وقوله:
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه ... على عصويها سابري مشبرق4
وتأويله5 أنه يصف ماء قديماً لا عهد له بالوراد6، فقد اصفر واسود فقال:
وماء قديم العهد بالناس7 آجن ... كأن الدبا ماء الغضا فيه تبصق 8
__________
1 ر: "وقد أكثر الناس في الثريا".
2 الخطاطيف: جمع خطاف, وهو حديدة معقوفة الراس. ونوازع: جواذب, يقول: ولك خطاطيف أجر بها إليك. فليس عنك مهرب.
3 الاعتساف: السير على غير هدى, وابن الماء: طير من الطيور محلق على مرتفع "من شرح ديوانه 401"
4 العصوان: عرقوبا الدلو, والعرقويان: خشبتان.
5 ر: "وتأويل هذا".
6 ر: "بالواردة".
7 ر: قديم العهد بالإنس", وما أثبته هو رواية الديوان والأصل: س.
8 آجن, متغير الطعم واللون. والدبا. الجراد. والغضا: شجر له هدب إذا أكلته الإبل اشتكت بطونها.
(3/26)

وقد أجاد علقمة بن عبدة الفحل في وصف الماء الآجن. حيث يقول:
إذا وردت ماء كأن جمامه ... من الأجن حناء معاً وصبيب
فقال ذو الرمة في وصف هذا الماء، فقرن بتغيره بعد مطلبه، فقال:
فأدلى غلامي دلوه يبتغي بها ... شفاء الصدى والليل أدهم أبلق
يريد أن الفجر قد نجم فيه. فجاءت - يعني الدلو - بنسج العنكبوت، كأنه على عصويها سابري مشبرق. والسابري: الرقيق من الثياب والدروع1 والمشبرق: الممزق. وأنشد أبو زيد:
لهونا بسربال الشباب ملاوة2 ... فأصبح سربال الشباب شبارقا
ومن التشبيه العجيب قول ذي الرمة في صفة الظليم:
شخت الجزارة مثل البيت سائره ... من المسوح خدب شوقب خشب
الشخت: الضئيل اليابس الضعيف. والجزارة القوام. وقوله: مثل البيت سائره من المسح: يعني إذا مد جناحيه. وإنما أخذه من قول علقمة بن عبدة:
صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم
الصعل: الصغير الرأس. الخرقاء: التي لا تحسن شيئاً، فهي تفسد ما عرضت له. قال الحطيئة:
هم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصناع
والمهجوم: المهدوم. وفي الخبر أنه لما قتل بسطام بن قيس لم يبق بيت في بكر بن وائل إلا هجم، أي هدم. والخدب: الضخم. والشوقب الطويل. والخشب: الذي ليس بلين على من نزل به.
ومن التشبيه المصيب قوله في صفة روضة:
__________
1 قال صاحب اللسان: "الدروع السابرية منسوبة إلى سابور". واستشهد ببيت ذي الرمة.
2 الملاوة: الحين من الدهر.
(3/27)

قرحاء حواء أشراطية وكفت ... فيها الذهاب وحفتها البراعيم
قرحاء. يريد الأنوار. وقوله: حواء يقول: تضرب إلى السواد لشدة ريها وخضرتها، وكذلك قال المفسرون1 في قوله الله جل وعز: {مُدْهَامَّتَانِ} 2. تضربان إلى الدهمة، لشدة خضرتهما وريهما.
وقوله: أشراطية ليس مما قصدنا له. ولكنه مما يجري فنفسره، ومعناه أنها مطرت بنوء الشرطين3.
وحدثني الزيادي: قال: سمعت الأصمعي - وسئل بحضرتي، أو سألته عن قوله: أشراطية - فقال: باستة واست عرسه! وذاك أن الأصمعي كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر الأنواء، لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا". لأن الخبر في هذا بعينه. "مطرنا بنوء كذا وكذا"، وكان لا يفسر ولا ينشد شعراً فيه هجاء، وكان لا يفسر شعراً يوافق تفسيره شيئاً من القرآن، هكذا يقول أصحابه، وسئل عن قول الشماخ:
طوى ظمأها في بيضة القيظ4 بعدما ... جرى في عنان الشعر بين الأماعز5
فأبى أن يفسر في عنان الشعربين.
وقوله6: الذهاب7 فهي الأمطار اللينة الدائمة، ويقال: إنها أنجع المطر في النبت، وكذلك العهاد، وأنشد الأصمعي:
أمير عم بالنعماء حتى ... كأن الأرض جللها العهاد8
والبراعين، واحدها9 برعومة، وهي أكمة الروض قبل أن تتفتق، يقال
__________
1 ر: "وكذا المفسرون يقولون".
2 سورة الرحمن 64.
3 الشرطان: مثنى شرط بالتحريك وهي من الحمل قرناه.
4 ر: "بيضة الصيف".
5 طوى ظمأها: فقطع بها مقدار ظمأها في السير. والظمء: ما بين الشربتين, يريد أنه سار بها فلم يوردها الماء, وبيضة اليقظ: شدته. وقوله: "جرى فى عنلن الشعريين الاماعز" جعل للشعريين الصور والغميصاء- وهما كوكبان يطلعان في القيظ- عناناه طرفاه محيطان براس الأماعز, وهى الأمكنة الغليظة "من رغبة الآمل".
6 ر: "وأما قوله".
7 الذهاب: جمع ذهبة.
8 جمع عهدة.
9 ر: "واحدتها".
(3/28)

لواحدها: كم1، وكمام، فمن قال: كمام، فمن قال: كمام، فجمعه أكمة، مثل صمام وأصمة، وزمام وأزمة، ومن قال: كم، فالجماع أكمام، قال الله عز وجل {وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} 2.
ومن ذلك قول الآخر، أحسبه توبة بن الحمير.
[قال أبو الحسن: يقال إنه لمجنون بني عامر، وهو الصواب] :
كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح3
قطاة غرها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
[لها فرخان قد غلقا بكر ... فعشهما تصفقه الرياح] 4
فلا بالليل نالت ما ترجي ... ولا بالصبح كان لها براح5
وقد قال الشعراء قبله فلم يبلغوا هذا المقدار.
وقال الشيباني6 للحجاج:
هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
فهذا يجوز أن يكون في الخفقان وفي الذهاب البتة.
ومن التشبيه المحمود قول الشاعر:
طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماء7 ... تقلب طرفها حذر الصقور
وهذا غاية في صفة الجبان.
__________
1 الكم: وعاء الطلع وغطاء النور.
2 سورة الرحمن 11.
3 ر: "تعالحه", وفى نهاية الأبيات. و"يروى: "تجاذبه", فهذا غاية الاضطراب".
4 غلقا: من الغلق. وهو الحبس.
5 البيتان الواقعان بين العلامتين من زيادات ر.
6 هو عمران بن حطان
7 بنت الماء: ما يصاد من طير الماء إذا نظرت إلى صقر قلبت عينها حذرا منه.
(3/29)

ونصب عيني بنت ماء على الذم، وتأويله: إنه إذا قال: جاءني عبد الله الفاسق الخبيث فليس يقوله1 إلا وقد عرفه بالفسق والخبث2 فنصبه أعني وما أشبهه من الأفعال، نحو أذكر، وهذا أبلغ في الذم، أن يقيم الصفة مقام الإسم، وكذلك المدح. وقول الله تبارك وتعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} بعد قوله: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} 3. إنما هو على هذا. ومن زعم أنه أراد: "ومن المقيمين الصلاة" فمخطئ في قول البصريين، لأنهم لا يعطفون الظاهر على المضمر المخفوض، ومن أجازه من غيرهم فعلى قبح، كالضرورة. والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب. وقرأ حمزة: {الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} 4، وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطر إليه شاعر، كما قال:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقرأ عيسى بن عمر: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} 5. أراد: وامرأته في جيدها حبل من مسد، فنصب حمالة على الذم. ومن قال إن امرأته مرتفعة بقوله: {سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} : فهو يجوز. وليس بالوجه أن يعطف المظهر المرفوع على المضمر حتى يؤكد، نحو: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} 6 [المائدة: 24] و: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} 7، فأما قوله: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} 8.فإنه لما طال الكلام وزيدت9 فيه لا احتمل الحذف وهذا على قبحه جائز في الكلام10، أعني: ذهبت وزيد، وأذهب وعمرو، قال جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأب له لينالا
وقال ابن أبي ربيعة:
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الملا تعسفن رملا11
__________
1 ر: "يقول".
2 ر: "بالخبث والفسق".
3 سورة النساء 162.
4 سورة النساء 1
5 سورة المسد 4.
6 سورة المائدة 21.
7 سورة البقرة 35.
8 سورة الأنعام 148.
9 ر: "وزادت", وما أثبته عن الأصل, س.
10 لفظ "في الكلام" ساقط من ر.
11 الملا: الفلاة.
(3/30)

ومما ينصب على الذم قول النابغة الذبياني1:
لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا علي الأقارع2
أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع3
وقال عروة بن الورد العبسي:
سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور
والعرب تنشد قول حاتم الطائي رفعاً ونصباً:
إن كنت كارهة معيشتنا ... هاتا فحلي في بني بدر
الضربين، لدى أعنتهم ... والطاعنين وخيلهم تجري
وإنما خفضوهما على النعت، وربما رفعوهما على القطع والابتداء.
وكذلك قول الخرنق بنت هفان القيسي، من بني قيس بن ثعلب:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزر
وكل ما كان من هذا فعلى هذا الوجه4.
وإن لم يرد مدحاً ولا ذماً قد استقر له فوجهه النعت. وقرأ بعض القراء: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} 5.
وأكثر ما تنشد العرب بيت ذي الرمة نصباً، لأنه لما ذكر ما يحن إليه ويصبو إلى قربه أشاد بذكر ما قد كان يبغي، فقال:
ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
وفي هذه القصيدة من التشبيه المصيب قوله:
__________
1 ساقط من ر.
2 البطل: ضد الحق. والأقارع: هم بنو قريع بن عوف بن كعب.
3 تجادع: تشاتم, وفى ر: "تخادع".
4 كذا فى الأصل. س, وفى ر: "فعلى هذا أكثر إنشاده".
5 سورة المؤمنون 14.
(3/31)

بيضاء في دعج، صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب1
وفيها من التشبيه المصيب قوله2:
تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كما ... أن المريض إلى عاده الوصب3
والخشاش4: ما كان في عظم الأنف، وما كان في المارن فهو برة، يقال: أبريت الناقة، فهي مبراة، قال الشماخ - وهذا من التشبيه العجيب:
فقربت مبراة تخال ضلوعها ... من الماسخيات القسي المؤطرا 5
وماسخة، من نصر6 بن الأزد، وإليهم تنسب7 القسي الماسخية. وأحسن ما قيل في صفة الضلوع واشتباكها قول الراعي:
وكأنما انتطحت على أثباجها ... فدر بشابة قد يممن وعولا8
الفادر: المسن من الوعل.
وذو الرمة أخذ ذلك من المثقب العبدي، قال المثقب9:
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين
ومن التشبيه المستحسن قول علقمة بن عبدة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم10
فهذا حسن جداً.
وقال أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي الرياحي، من بني رياح بن يربوع. وكان شبث سيد بني يربوع بالكوفة:
مفدمة قزا كأن رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرعد
__________
1 الدعج: سواد العين. والنعج: البياض الخالص. ورواية الديوان 5: "كحلاء فى برج", والبرج: سعة فى بياض العين.
2 ساقطة من ر.
3 النسعة والنسع: سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره, وأن من الأنين.
4 ر: "الخشاش" بحذف الواو.
5 أصل الإطر: عطف الشئ تقبض على أحد طرفيه فتعوجه. وفى ر: "الموترا", والموتر: المشدود.
6 ر: "نصر من الأزد".
7 ر: "نسبت".
8 الأثباج: جمع ثبج, وهو معظم الظهلر. وفيه محانى الضلوع. وشابة: جبل بعينه. يممن: قصدن, وخفف في البيت للشعر.
9 ر: "أخذ ذلك المعنى من قول المثقب العبدي".
10 الشرف: ما ارتفع من الأرض وأشرف على ما حوله. مفدم: مغطى بالفدام, وهو من وصف الإبريق. وسب الكتان, يريدسبائب الكتان, والسبائب: جمع سبيبة, وهي شقة بيضاء. ملثوم, من اللثام, وهو ما يوضع على الفم, واستعاره للإبريق.
(3/32)

من أخبار أبي الهندي
وكان أبو الهندي قد غلب عليه الشراب، على كرم منصبه، وشرف أسرته حتى كاد يبطله.
وكان عجيب الجواب، فجلس إليه رجل مرة يعرف ببرزين المناقير، وكان أبوه صلب في خرابة، والخرابة عندهم: سوق الإبل خاصة. فأقبل يعرض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى الذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في أست أبيه.
وفي الخرابة يقول الراجز:
والخارب اللص يحب الخاربا ... وتلك قربى مثل أن تناسبا
أن تشبه الضارئب الضرائبا1
وقال الآخر:
إيت الطريق واجتنب أرماما ... إن بها أكتل أو رزاما2
خويربين ينقفان الهاما3
[زاد أبو الحسن: * لم يتركا لمسلم طعاما]
نصب "خُوَيْرِبَيْن" على أعني لا يكون غير ذلك، لأنه إنما أثبت أحدهما بقوله: أو.
__________
1 الضرائب: جمع ضريبة, وهى السجية والطبيعة.
2 أرمام جبل بعينه, وأكتل ورزام: لصان من لصوص البادية.
3 نقف الهامة: شجها حتى يخرج الدماغ.
(3/33)

ومر نصر بن سيار الليثي بأبي الهندي وهو يميل سكراً، فقال له: أفسدت شرفك! فقال أبو الهندي: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان.
وحج به نصر بن سيار مرة، فلما ورد الحرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله ومحل حرمه1، فدع لي الشراب حتى ينفر الناس، واحتكم علي، ففعل. فلما كان يوم النفر أخذ الشراب فوضعه بين يديه، وأقبل يشرب ويبكي، ويقول:
رضيع مدام فارق الراح روحه ... فظل عليها مستهل المدامع
أديرا علي الكأس إني فقدتها ... كما فقد المفطوم در المراضع
وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد ناسكاً فاستعدى عليه وعلى ابنه، فهربا منه، فهربا منه، وقال أبو الهندي:
قل للسري أبي قيس: أتوعدنا ... ودارنا أصبحت من داركم صددا2
أبا الوليد أما والله لو عملت ... فيك الشمول لما حرمتها أبدا
ولا نسيت حمياها ولذتها ... ولا عدلت بها مالاً ولا ولدا
ثم نرجع إلى التشبيه، وربما عرض الشيء المقصود غيره، فيذكر للفائدة تقع فيه، ثم يعاد إلى أصل الباب.
قال أبو العباس: وقال عروة بن حزام العذري:
كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان
ويقال: إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها، فآية ذلك أن تكون عند قربه منها مرتدة النظر عنه كأنما تنظر إلى إنسان وراء3، وإذا كانت محبة له لا تقلع عن النظر إليه، وإذا نهض نظرت من ورائه إلى شخصه حتى يزول عنها، فقال رجل: أردت أن أعلم كيف حالي عند امرأتي، فالتفت وقد نهضت من بين يديها فإذا هي تكلح4 في قفاي.
__________
1 ر: "ومحمل "وفوده"".
2 داركم صددا, منصوب على الظرفية, أي القريبة.
3 ر: "من ورائه", وما أثبته عن الأصل.
4 التكليح: التكشير في عبوس.
(3/34)

وقال الفرزدق في هذا المعنى، والنوار تخاصمه عند عبد الله بن الزبير بن العوام:
فدونكها يا ابن الزبير فإنها ... مولعة يوهي الحجارة قيلها
إذا جلست عند الإمام كأنما1 ... ترى رفقة من خلفها تستحيلها
قوله: مولعة. يقول: كأنها2 مولعة بالنظر مرة ههنا ومرة ههنا. وقوله: ترى رفقة يقال: رفقة ورفقة. ومعنى تستحيلها: تتبين حالاتها.
قال حميد بن ثور:
إذا خرجت تستحيل الشخوص3 ... من الخوف تسمع ما لا ترى4
ومن عجيب التشبيه قول جرير فيما يكنى ذكره:
ترى الصبيان عاكفة عليها ... كعنفقة الفرزدق حين شابا5
ويقال: إن الفرزدق حين أنشد النصف الأول ضرب بيده إلى عنفقته توقعا لعجز البيت.
ومن التشبيه الحسن قول جرير في صفة6 الخيل:
يشتفن للنظر البعيد كأنما ... إرنانها ببوائن الأشطان
قوله: يشتفن ويتشوفن في معنى واحد. وقوله: كأنما إرنانها ببوائن الأشطان، أراد شدة صهيلها. يقول: كأنما يصهلن في آبار واسعة تبين أشطانها عن نواحيها.
ونظر ذلك قول النابغة الجعدي:
ويصهل في مثل جوف الطوي ... صهيلاً يبين للمعرب
__________
1 ر: "كأنها", وما أثبته عن الأصل: س.
2 ساقطة من ر.
3 كذ1افي الأصل س, وفى ر: "مروعة تستحيل الشخوص" وهي رواية الديوان 47.
4 وفى زبادات طبعة المرصفى: قوله: مروعة" يقول: كل شئ يدنينى من الظفر بها يروعها وبنفها.
5 العنفقة: ما بين الذقن وطرف الشفة السفلى من الشعر.
6 قال المرصفى: "هذا خطأ, صوابه قول الفرزدق يهجو جريرا ويمدح بنى تغلب, وهو فى ديوانه 882.
(3/35)

المعرب: العالم بالخيل العراب.
ومن حشن التشبيه قول عنترة:
غادرن نضلة في معرك ... يجر الأسنة كالمحتطب1
يقول: طعن وغودرت الرماح فيه، فظل يجرها، كأنه حامل حطب.
ومن التشبيه المتجاوز المفرط، قول الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فجعلت المهتدي يأتم به، وجعلته كنار في رأس علم، والعلم: الجبل، قال جرير:
إذا قطعن علماً بدا علم
وقال الله جل ثناؤه: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ} 2.
ومن هذا الضرب من التشبيه قول العجاج:
تقضي البازي إذا البازي كسر
والتقضي: الإنقاض، وإنما أراد سرعتها، والعرب تبدل كثيراً الياء من أحد التضعيفين، فيقولون: تظنيت والأصل: تظننت، لأنه تفعلت من الظن، وكذلك: تقضيت؛ من الإنقضاض، أي تقضضت، وكذلك تسريت، ومثل هذا كثير.
__________
1 الضمير فى "غادرن" يعود إلى الخيل ولم يجر لها ذكر. ونضلة بن الأشتر قتله ورد بن حابس العبسي, قال المرصفى.
2 سورة الرحمن 24.
(3/36)

ومن تشبيه المحدثين
ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول بشار:
كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين إن نفع الحذار
(3/36)

[يروعه السرار بكل أمر ... مخافة أن يكون به السرار] 1
وفي هذه القصيدة:
جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار
أقول وليلتي تزداد طولاً! ... أما لليل بعدهم نهار
وقال الحسن بن هانئ في صفة الخمر:
فإذا ما لمستها فهباء ... تمنع اللمس ما يبيح العيونا
درس الدهر ما تحسم منها ... وتبقى لبابها المكنونا
فهي بكر كأنها كل شيء ... يتمنى مخير أن يكونا
في كؤوس كأنهن نجوم ... جاريات، بروجها أيدينا
طالعات مع السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا
فهذه قطعة من التشبيه غاية، على سخف كلام المحدثين.
وقال الحنفي: وهو إسحاق بن خلف في صفة السيف:
ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاح2
وكأنما در الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري في مدحه يزيد بن مزيد:
يمضى المنايا كما تمضي أسنته ... كأن في سرجه بدرا وضرغاما3
__________
1 مابين العلامتين من زيادات ر: والسرار: آخر ليلة من الشهر. وهى التى يستتر فيها القمر ويختفي.
2 ر: "فكأنما" وما أثبته عن الأصل.
3 ر: "تمضى", وما أثبته عن الأصل.
(3/37)

وقال دعبل بن علي في صفة المصلوب1:
لم أر صفاً مثل صف الزط ... تسعين منهم صلبوا في خط2
من كل عال جذعه بالشط ... كأن في جذعه المشتط3
أخو نعاس جد في التمطي ... قد خامر النوم ولم يغط4
وقال يزيد المهلبي في مثله5:
قام ولما يستعن بساقه ... آلف مثواه على فراقه
كأنما يضحك في أشداقه
أراد بياض الشريط في فيه.
وقال أعرابي في صفة مصلوب، وهو الأخطل:
[قال أبو الحسن: الأخطل الذي يعني رجل محدث من أهل البصرة، ويعرف بالأخيطل، ويلقب ببرقوقا، وذكر أبو الحسن أن أبا العباس كان يدلس به] .
كأنه عاشق قد مد سفحته ... يوم الفراق إلى توديعه مرتحل
أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتميه من الكسل6
[وقال مسلم بن الوليد:
وضعت حيث ترتاب الرياح به ... وتحسد الطير فيه أضبع البلد] 7
وقال حبيب بن أوس [قال أبو الحسن: يعني به إسحاق بن إبراهيم الطاهري] :
__________
1 ر: "مصلوب".
2 الزط: جيل أسود من السند أو الهند.
3 كذا في الأصل, ويريد بالمشتط الطويل, وفي ر: "المشتط".
4 الغطيط: صوت نفس النائم.
5 في زيادات ر: "وقال آخر في صفة مصلوب, وهو يزيد المهلبي", وما أثبته من الأصل.
6 اللوثة: الاسترخاء والبطء.
7 ما بين العلامتين من زيادات.
(3/38)

قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التقليص مبتسما1
وقال أيضاً في رجل ينسبه إلى الدعوة2:
وتنقل من معشر في معشر ... فكأن أمك أو أباك الزئبق
يقال: زئبق، وزئبر، مهموزان، ودرهم مزأبق، وثوب مزأبر3.
ومن إفراط التشبيه قول أبي خراش الهذالي يصف سرعة أبيه في العدو:
كأنهم يسعون في إثر طائر ... خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر جنح الليل فهو مهابد ... يحث الجناح بالتبسط والقبض
وقال أوس بن حجر [قال أبو الحسن: أهل الكوفة يرونها لعبيد بن الأبرص] :
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من ماء أدكن في الحانوت نضاح
أو من معتقة ورهاء نشوتها ... أو من أنابيب رمان وتفاح4
وقال ابن عبدل يهجو رجلاً بالبخر:
نكهت علي نكهة أخدري ... شتيم شابك الأنياب ورد5
وفي هذا الشعر:
فما يدنو إلى فيه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند6
يرين حلاوة ويخفن موتاً ... وشيكاً إن هممن له بورد
__________
1 التقليص: التقبض. وفي ر: "من شدة التعبس".
2 في زيادات ر: "وهو إسحاق بن إبراهيم الطاهري" ودفعها المرصفي, وقال: هو عتبة بن أبي عاصم, وكان قد ضمها مجلس لم يتكلم فيه حتى انصرف أبو تمتم, فأخذ يتشدق بهجائه, فبلغ أبا تمام, فقال كلمة منها هذا البيت.
3 الزئير: ما يعلو الثوب الجديد مثل ما يعلو الخز.
4 الاغتباق: شرب العشى. والأدكن: ما تعلوه الدكنة, وهي لون بين الحمرة والسواد أراد به الزق. والورهاء: الريح التي في هبوبها خرق وعجرفة. والنشوة: الرائحة الطيبة.
5 النكهة: ريح الفم. والأخدري من وصف الحمار الوحشى.
6 القند: عسل قصب السكر.
(3/39)

الذباب: الواحد من الذبان، وأدنى العدد فيه أذبة، والكثير الذبان؛ ولكنه ذكر واحداً ثم خبر عن سائر الجنس، والأسد أنتن السباع فماً، كما أن الصقر أنتن الطير فماً.
قال بعض المحدثين في رجل يهجوه، والمهجو داود بن بكر، وكان ولي الأهواز وفارس، والشعر لأبي الشمقمق:
وله لحية تيس ... وله منقار نسر
وله نكهة ليث ... خالطت نحهة صقر
وقال عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن عائشة:
من يكن إبطه كآباط ... ذا الخلق فإبطاي في عداد الفقاح1
لي إبطان يرميان جليسي ... بشبيه السلاح2 أو بالسلاح
فكأني من نتن هذا وهذا ... جالس بين مصعب وصباح
يعني مصعب بن عبد الله الزبيري، وصباح بن خاقان المنقري - وكانا جليسين - لا يكادان يفترقان، وصديقين متواصلين، لا يكادان يتصارمان.
فحدثت أن أحمد بن هشام لقيهما يوماً، فقال: أما سمعتما ما قال فيكما هذا? يعني إسحاق بن الموصلي، فقالا: ما قال فينا إلا خيراً، قال: قال:
لام فيها مصعب وصباح ... فعصينا مصعباً وصباحا
وأبينا غير سعي إليها ... فاسترحنا منهما واستراحا
قال: ما قال إلا خيراً، ولكن3 المكروة ما قال فيك، إذ يقول:
وصافية تعشي العيون رقيقة ... رهينة عام في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الروية موهناً ... من الليل حتى انجاب كل ظلام4
فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العي نحكي أحمد بن هشام
__________
1 الفقاح: جمع فقحة. وهي حلقة الدبر.
2 السلاح: العذرة.
3 ساقطة من ر.
4 الموهن نحو نصف الليل.
(3/40)

واعمل أن للتشبيه حداً؛ لأن الأشياء1 تشابه من وجوه، وتباين من وجوه؛ فإنما ينظر إلى التشبيه من أين وقع2، فإذا شبه الوجه بالشمس والقمر فإنما يراد به الضياء والرونق، ولا يراد به3 العظم والإحراق. قال الله جل وعز: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} 4، والعرب تشبه النساء ببيض النعام، تريد نقاءه ورقة لونه5، قال الراعي:
كأن بيض نعام في ملاحفها ... إذا اجتلاهن قيظ ليله ومد6
وقيل للأوسية - وهي امرأة حكيمة في7 العرب - بحضرة عمر بن الخطاب رحمه الله: أي منظر أحسن? فقالت: قصور بيض، في حدائق خضر، فأنشد عمر بن الخطاب لعدي بن زيد:
كدمى العاج في المحاريب ... أو كالبيض في الروض زهره مستنير
وقال آخر:
كالبيض في الأدحي يلمع بالضحى8 ... فالحسن حسن والنعيم نعيم
وقال جرير:
ما استوصف الناس من شيء يروقهم9 ... إلا رأوا أم نوح فوق ما وصفوا
كأنها مزنة غراء رائحة ... أو درة ما يواري ضوءها الصدف10
المزنة: السحابة البيضاء خاصة، وجمعها مزن، قال الله جل وعز: {أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} 11, فالمرأة تشبه بالسحابة لتهاديها وسهولة مرها، قال الأعشى:
__________
1 ر: "فالأشياء", وما أثبته عن الأصل.
2 ر: "من حيث وقع".
3 ساقطه من ر.
4 سورة الصافات 49.
5 ر: "ونعمة لونه".
6 الملاحف: الأغطية, والومد: ندى يجئ في صميم الحر, من قبل البحر مع سكون الريح.
7 كذا في الأصل, وفي ر, س: "من العرب".
8 الأدحى: مبيض النعام تدحوه برجلها, ثم تبيض فيه.
9 ر: "عن شئ بروقهم", وما أثبته عن الاصل, س.
10 ر: "لا يوارى لونها".
11 سورة الواقعة 69.
(3/41)

كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل
الريث: الإبطاء، فهذا ما تلحقه العين منها، فأما الخفة فهي كأسرع مار، وإن خفي ذلك على البصر، قال الله جل وعز: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} 1.
والعرب تشبه المرأة بالشمس، والقمر، والغصن، والكثيب2، والغزال، والبقرة الوحشية، والسحابة البيضاء، والدرة، والبيضة؛ وإنما تقصد من كل شيء إلى شيء.
قال ذو الرمة:
ومية أحسن الثقلين جيداً3 ... وسالفة وأحسنهم قذالا4
فلم أر مثلها نظراً وعيناً ... ولا أم الغزال ولا الغزالا
تريك بياض غرتها ووجهاً ... كقرن الشمس أفتق ثم زالا5
أصاب خصاصة فبدا كليلاً ... كلا وانغل سائره انغلالا6
الجيد: العنق، والسالفة: ناحية العنق، والقذالان: ناحيتا القفا من الرأس.
وقوله: أفتق ثم زالا، يقال: أفتق السحاب، إذا انكشف انكشافة فكانت منه7 فرجة يسيرة بين السحابتين. تقول العرب: دام علينا الغيم ثم أفتقنا، وإذا نظر إلى الشمس والقمر من فتق السحاب فهو أحسن ما يكون وأشده استنارة.
وقوله: كلا يريد في سرعة ما بدا ثم غاب.
__________
1 سورة النمل 88.
2 كلمة "الكثيب", ساقطة من ر, وهي في الأصل, س.
3 الديوان: "خدا".
4 الديوان: "أحسنه".
5 الديوان: "تريك بياض لبتها".
6 أصاب قرن الشمس خصاصة, أي تقف السحاب فبدا منها كليلا, أي ضعيفا, ليس مبين الضوء, وانغل: دخل, والانغلال: الدخول, يقول: دخل في الحساب. "من شرح الديوان".
7 ر. "صفه" وما أثبته عن الأصل, س.
(3/42)

وقال الله عز وجل: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} 1، وقال تبارك وتعالى: {كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} 2.
والمكنون: المصون، يقال: كننت الشي، إذا صنته. وأكننته، إذا أخفيته، فهذا المعروف، قال الله تبارك وتعالى: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} 3 [البقرة: 235] وقد يقال: كننته، أخفيته.
وقد قال جرير في يزيد بن عبد الملك، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن سفيان:
الحزم والجود والإيمان قد نزلوا ... على يزيد أمين الله فاحتلفوا4
ضخم الدسيعة والإيمان، غرته ... كالبدر ليلة كاد الشهر ينتصف5
وقال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم6
وقال ابن أبي ربيعة:
أبصرتها ليلة ونسوتها ... يمشين بين المقام والحجر
يرفلن في الريط والمروط كما ... تمشي الهويني سواكن البقر7
فهذه تشبيهات غريبات مفهومة.
وقال أبو عبد الرحمن العطوي8:
قد رأينا الغزال والغصن النجمين ... شمس الضحى وبدر الظلام
فوحق البيان يعضده البر ... هان ماقط ألد الخصام
__________
1 سورة الرحمن 58.
2 سورة الواقعة 23.
3 سورة البقرة 235.
4 احتلفوا, بالحاء المهملة, من الحلف, أي تحالفوا, وفي س: "اختلفوا" تصحيف.
5 الدسعبة: العطية. سميت دسيعة لدفع المعطى إياها مرة واحدة كما يدفع البعير جربه دفعة واحدة.
6 الوعساء: الأرض اللينة, وجلاجل: جبل بعينه.
7 الريط: جمع ريطة, وهي الملاءة غير ذات لعفين كلها نسيج واحد. والمروط: جمع مرط, وهو كساء من صوف أو كتان.
8 س: وقال أحد الشعراء المكلمين المحدثين.
(3/43)

ما رأينا سوى الحبيبة شيئاً1 ... جمع الحسن كله في نظام
فهي تجري مجرى الأصالة في الرأ ... ي ومجرى الأرواح في الأجسام
البرهان: الحجة، قال الله عز وجل: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 2 أي حججكم. والماقط: موضع الحرب، فضربه مثلاً لموضع المناظرة والمحاجة. والألد: الشديد الخصومة، قال الله تبارك وتعالى: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً} 3، وقال: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} 4.
وقالت ليلى الأخيلية5:
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... بنجد ولم يطلع مع المتغور
ولم يقدع الخصم الألد ويملأ ال ... جفان سديفاً يوم نكباء صرصر6
السديف: شقق السنام.
__________
1 ر: "سوى المليحة".
2 سورة البقرة 111.
3 سورة مريم 97.
4 سورة البقرة 204.
5 من كلمة ترثى بها توبة بن الحمير.
6 لم يقدع: لم يكف.
(3/44)

الرياح ومواقعها
والنكباء: الريح بين الريحين، لأن الرياح أربع، وما بين كل ريحين نكباء، فهي ثمان في المعنى.
فما بين مطلع سهيل إلى مطلع الفجر جنوب، وإنما تأتي الجنوب من قبل اليمن، قال جرير:
وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من جبل الريان أحيانا1
وإذا هبت من تلقاء الفجر فهي الصبا تقابل القبلة، فالعرب تسميها القبول، قال الشاعر2:
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر
__________
1 الريان: جبل من بلاد طيئ, وفى ر: "من قبل الريان".
2 هو أبو صخر الهذلي.
(3/44)

وإذا أتت من قبل الشأم فهي شمال، قال الفرزدق:
مستقبلين شمال الشأم تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
وهي تقابل الجنوب، وكذلك قال امرؤ القيس:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
وإذا جاءت من دبر البيت الحرام فهي الدبور، وهي تهب بشدة، والعرب تسميها محوة، عن أبي زيد، لأنها تمحو السحاب. ومحوة معرفة لا تنصرف، فأما الأصمعي فزعم أن محوة من أسماء الشمال. وأنشدا جميعاً:
قد بكرت محوة بالعجاج ... فدمرت بقية الرجاج
الرجاج: حاشية الإبل وضعافها. وقال الأعشى:
لها زجل كحفيف الحصا ... د صادف بالليل ريحاً دبورا
ولهذه الرياح أسماء كثيرة، وأحكام في العربية، لأن بعضهم يجعلها نعوتاً، وبعضهم يجعلها أسماء، وكذلك مصادرها تحتاج إلى الشرح والتفسير، ونحن ذاكرون ذلك في عقب هذا الباب، إن شاء الله.
يقال: جنبت الريح جنوباً، وشملت شمولاً، ودبرت دبوراً، وصبت صبواً، وسمت سموماً، وحرت حروراً، مضمومات الأوائل.
فإذا أردت الأسماء فتحت أوائلها، فقلت: جنوب، وشمول، وسموم، ودبور، وحرور.
ولم يأت من المصادر شيء مفتوح الأول، إلا أشياء يسيرة، قالوا: توضأت وضوءاً حسناً، وتطهرت طهوراً، وأولعت بالشيء ولوعاً، وإن عليه لقبولا، ووقدت النار وقوداً، وأكثرهم يجعل الوقود الحطب، والوقود المصدر.
ويقال: الشمال، على لغات ست، يقال: شمال، وشمأل، وشمال، وشمل وشمل، وشامل، غير مهموز.
(3/45)

ويقال للشمال: الجربياء، قال ابن أحمر:
بجو من قساً ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به بالحنينا1
ويقال للجنوب: الأزيب.
ويقال للصبا: القبول، وبعضهم يجعله للجنوب، وهو في الصبا أشهر، بل هو القول الصحيح. والإير، والهير، والأير، والهير، قال الشاعر:
مطاعيم أيسار إلى الهير هبت
فهذا يدل على أنه الصبا، وذاك أنهم إنما يتمدحون بالإطعام في المشتاة2. وشدة الزمان، كما قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتفر
الجفلى: العامة، والنقرى: الخاصة، والآدب: صاحبة المأدبة. يقال: مأدبة ومأدبة للدعوة. وفي الحديث: "إن القرآن مأدبة الله".
قال أهل العلم: معناه مدعاة الله، وليس من الأدب. وأكثر المفسرين قالوا القول الأول، وكلاهما في العربية جائز ويدل على القول الأول قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أنا الجفنة الغراء"، أي التي يجتمع الناس عليها ويدعون إليه، ويقال في الدعوة: أدبه يأدبه أدباً، إذا دعاه، قال الشاعر:
وما أصبح الضحاك إلا كخالع ... عصانا فأرسلنا المنية تأدبه
وقولنا في الرياح: إنها تكو أسماء ونعوتاً نفسره إن شاء الله.
يقول أكثر العرب: هذه ريح جنوب، وريح شمال، وريح دبور، فتجعل جنوباً، وشمالاً، ودبوراً، وسائر الرياح نعوتاً. قال الأعشى:
لها زجل كحفيف الحصا ... د صادف بالليل ريحاً دبورا
__________
1 قسا: موضع بالعالية, وذفر, من ذفر الطيب, وهو اشتداد رائحته, والخزامي: نوع من العشب, طويل العيدان, صغير الورق.
2 ر: "المشتى".
(3/46)

وقال زهير:
مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح شمال لضاحي مائه حبك1
وقال جرير:
ريح خريق شمال أو يمانية
فهذا يكون على النعت أجود، لأنه أوضحه بيمانية، ولا تكون اليمانية إلا نعتاً، لأنها منسوبة؛ فأما الخريق فهي الشديدة من كل ريح، قال حميد بن ثور:
بمثوى حرام والمطي كأنه ... قناً مسند هبت لهن خريق
والبليل: الباردة من كل ريح2. وأصل ذلك الشمال.
__________
1 مكلل: محاط, وضاحى مائه: ظاهره, وحبك: جمع حبيكة, وهي الطريقة, يصف ما أحاط به النبت, وقد ضربته الريح فأظهرت فيه تكسرا.
2 ر: "الرياح".
(3/47)

لجرير في بني مجاشع
قل جرير يعير بني مجاشع لخذلانهم الزبير بن العوام، في كلمة يقول فيها:
إني تذكرني الزبير حمامة ... تدعو بأعلى الأيكتين هديلا
يا لهف نفسي إذ يغرك حبلهم ... هلا اتخذت على القيون كفيلا
قالت قريش ما أذل مجاشعاً ... جاراً وأكرم ذا القتيل قتيلا!
أفبعد مترككم خليل محمد ... ترجو القيون مع الرسول سبيلا!
أفتى الندى وفتى الطعان غررتم ... وأخا الشمال إذا تهت بليلا
ويرى أن أحيحة بن الجلاح الأنصاري - وكان يبخل - كان3 إذا هبت الصبا طلع من أطمه4 فنظر إلى احية هبوبها. ثم يقول لها هبي هبوبك. فقد أعددت لك ثلثمائة وستين صاعاً من عجوة. أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات، فيرد علي منها ثلاثاً، أي لصلابتها، بعد جهد ما يلوك منها اثنتين.
__________
1 ساقطة من ر.
2 الأطم: الحصن ببنى الحجارة.
(3/47)

من أخبار لبيد بن ربيعة
وكان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب شريفاً في الجاهلية والإسلام. قد نذر ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم حتى تنقضي. فهبت في الإسلام1، وهو بالكوفة مقتر مملق، فعلم بذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف - وكان واليها لعثمان بن عفان، وكان أخاه لأمه. وأمهما أروى بنت2 كريز بن حبيب بن ربيعة بن شمس3. وأم أروى البيضاء بنت عبد المطلب - فخطب الناس وقال: إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل، وما وكد على نفسه. فأعينوا أخاكم. ثم نزل فبعث إليه بمائة ناقة4 وبعث الناس، فقضى نذره. ففي ذلك تقول ابنة لبيد:
إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا5
__________
1 ر: "بالإسلام".
2 ر: "ابنة".
3 حاشية الأصل: "غلط أبو العباس بتقديم حبيب وتأخير ربيعة".
4 زيادات ر: "وأبيات يقول فيها:
أرى الجزار تشحذ مديتاه ... إذا هبت رياح أبي عقيل
طويل الباع ابيض جعفري ... كريم المجد كالسيف الصقيل
وفي أبن الجعفري بما لديه ... على العلآت والمال القليل
فلما أتته قال: جزى الله الأمير خيرا. قد عرف الأمير أني لا أقول شعرا, ولكن اخرجي يابنية. فخرجت خمايبة, فقال لها: أجيبي الأمير, فأقبلت وأدبرت.
5 بعده في زيادات ر:
طويل الباع أبيض عبشميا ... اعان على مووءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إن الكريم له معاد ... وظني بابن أروى أن يعودا
فقال لها لبيد: أحسنت يابنية. لولا أنك سألت. فقالت: إن الملوك لا يستحى من منسألتهم. فقال لها: يابنية, وأنت في هذا أشعر"
(3/48)

ومن جعل الشمال، والجنوب أسماء لم يصرفها إذا سمي بشيء منها رجل، لأنك إذا سميت رجلاً مذكراً باسم مؤنث على أربعة أحرف فصاعداً لا علامة للتأنيث فيه لم تصرفه في المعرفة، وصرفته في النكرة، نحو عناق، وأتان، وعقرب، وإن كان نعتاً انصرف. لأنك إذا سميت رجلاً مذكراً بنعت مؤنث لا علامة فيه صرفته. لأنه مذكر نعت به المؤنث. نحو حائض، وطالق، ومتئم، ومرضع.
وإذا ذكرنا من الباب شيئاً فما لم نذكره منه فعلى مجراه ومنهاجه. قال الشاعر. فجعل ما وصفنا أسماء:
حالت وحيل بها وغير آيها ... طول البلى تجري به الريحان 1
ريح الشمال مع الجنوب وتارة ... رهم الربيع وصائب التهتان2
وقد أنشدوا بيت زهير:
ريح الجنوب لضاحي مائه حبك
وقولنا: لا علامة فيه للتأنيث، لتعرف كيف حكم علامات التأنيث، لأن ذلك إنما يكون على ضربين: فما كانت فيه ألف التأنيث مقصورة أو ممدودة فغير منصرف في معرفة ولا نكرة لمذكر كان أو مؤنث. فالمقصور نحو حبلى، وسكرى، وما أشبه ذلك. والممدود نحو حمراء، وصفراء، وصحراء، وما أشبه ذلك.
فإن كانت مدودة لغير التأنيث انصرف إذا كان لمذكر في المعرفة والنكرة، زائداً كان أو أصلياً. فالأصلي نحو سقاء، وغذاء، وحذاء، ورداء - والزائدة، نحو علباء، وحرباء، وقوباء يا فتى. ومن قال: قوباء يا فتى - أنث ولم يصرف، لأن الأولى ملحقة، وهذه للتأنيث، فأما الألف المقصورة التي لغير التأنيث، فإن كانت أصلية انصرفت في المذكر. نحو ملهى، ومغزى، ومشترى.
وإن كانت زائدة لغير التأنيث انصرفت في النكرة، ولم تنصرف في المعرفة، نحو أرطى، وعلقى، فيمن جعل الواحدة علقاة.
__________
1 حالت: أتى عليها حول. حيل بها: أي أحيلت عما كانت عليه. والآى: جمع أية.
2 الرهم: جمع رهمة. وهو المطر الضعيف.
(3/49)

وأما ما كانت فيه هاء التأنيث فهو منصرف في النكرة، وغير منصرف في المعرفة، لمذكر كان أو مؤنث، عربياً كان أو أعجمياً.
فهذه جملة هذا الباب، فأما قياسه وشرحه فقد أتينا عليه في الكتاب المقتضب.
ويقال1 في أكثر الكلام: هبت جنوباً، وهبت شمالاً، فيستغنى2 عن ذكر الريح، وهذا مما يؤكد أنها نعوت، لأن الحال إنما بابها أن تقع فيما يكون وصفاً3 قال جرير:
هبت شمالاً فذكر ما ذكرتكم ... عند الصفاة إلى شرقي حورانا
وقال الآخر:
فأي حي إذا هبت شآمية ... واستدفأ الكلب بالمأسور ذي الذئب
المأسور، يعني قتباً4. وإنما الأسر الشد بالقد5 حتى يحكم، وإنما قيل الأسير من ذا، لأنه كان يشد بالقد، ثم قالت العرب لكل محكم شديد أسير6 قال الله تبارك وتعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} 7.
وقوله: ذي الذئب. يعني الفضول التي وسعته وأسبغته. يقال: غبيط مذأب أي ذو ذئب، أي موسع، والغبيط: مركب من مراكب النساء.
__________
1 ر: "تقول".
2 ر: "فتستغنى".
3 ر: "تعتا".
4 القتب: رحل على قدر السنام.
5 القد: سير يقد من جلد غير مدبوغ.
6 ر: "شديد الأسر".
7 سورة الإنسان 28.
(3/50)

لأوس بن حجر
قال أوس بن حجر: في شدة البرد وغلبة الشمال، يرثي فضالة بن كلدة الأسدي:
والحافظ الناس في قحوط إذا ... لم يرسلوا تحت عائذ ربعا
وعزت الشمأل الرياح وقد ... أمسى كميع الفتاة ملتفعا1
__________
1 الكميع: الضجيج.
(3/50)

وكانت الكاعب الممنعة ... الحسناء في زاد أهلها سبعا
تحوط، وقحوط، وكحل، وحجرة، أسماء للسنة المجدبة. والعائذ: الحديثة النتاج، فتنحر أولادها في السنة المجدبة إبقاء على ألبانها وشحومها. والربع الذي ينتج في الربيع، والهبع: الذي ينتج في الصيف. يقال: ما له هبع ولا ربع. وإنما سمي: هبعاً، لأن الربع أسن منه فيمشي مع أمهاته1، ولا يلحقهن الهبع إلا باجتهاد فيستعين بعنقه في المشي، يقال إذا فعل ذلك: هبع يهبع.
ويقال للريح الشمال: نسع، ومسع، قال الهذلي:
قد حال دون دريسيه مؤوبة ... نسع لها بعضاه الأرض تهزير2
الدريسان: ثوبان خلقان. ومؤوبة، مفعلة، من التأويب، وهو سير النهار لا تعريج فيه. قال أبو عبيدة: هو سير النهار، والإسناد: سير الليل لا تغريس فيه، وأنشد لسلامة بن جندل:
يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب
وإنما يعني ريحاً. وقوله: نسع: أي شمال. والعضاه: شجر ضخام3 فبعض العرب يقول للواحدة: عضاهة، وللجميع: عضاة. على وزن دجاجة ودجاج، وبعضهم يقول للواحدة: عضة، فيقول في الجمع عضوات. وعضهات. فتكون من الواو ومن الهاء قال الشاعر:
هذا طريق يأزم المآزما ... وعضوات تقطع اللهازما4
ونظير عضة، سنة؛ على أن الساقط الهاء في قول بعض العرب، والواو في قول بعضهم، تقول في جمعها سنوات. وسانيت الرجل. وبعضهم يقول: سهات. وأكريته مسانهة.
__________
1 كذا في الأصل. س. وفي ر: "أمهاتها".
2 للمنتخل. دبوان الهذليين: 16.
3 ر: "شجرة ضخمة".
4 المآزم: جمع مأزم, وهو الطريق بين جبلين, واللهازم: جمع لهزمة وهي ماتحت الأذن من أعلى اللحيين.
(3/51)

وهذا الحرف في القرآن يقرأ على ضروب. فمن قرأ: {لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ} 1 فوصل بالهاء - هو مأخوذ من: سانهت، التي هي سنيهة. ومن جعله من الواو قال في الوصل: لم يتسن وانظر2. فإذا وقف قال: {لَمْ يَتَسَنَّه} فكانت الهاء زائدة لبيان الحركة. بمنزلة الهاء في قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} 3. و {كِتَابِيَهْ} 4. و {حِسَابِيَهْ} 5. والمعنى واحد. وتأويله: لم تغيره السنون. ومن لم يقصد إلى السنة، قال: لم يتأسن. والآسن: المتغير، قال الله جل وعز: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} 6، ويقال: أسن في هذا المعنى، كما يقال: رجل حاذر وحذر.
ويقال للريح الجنوب: النعامى. قال أبو ذؤيب:
مرته النعامى فلم يعترف ... خلاف النعامى من الشأم ريحا
ومعنى مرته استرته. وفي الحديث: "ما هبت الريح الجنوب إلا أسال الله بها وادياً".
وقال رجل يمدح رجلاً:
فتى خلقت أخلاقه مطمئنة ... له نفحات ريحهن جنوب
يريد أن الجنوب تأتي بالمطر والندى.
والعرب تكره الدبور، وفي الحديث أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
وقلما يكون بالدبور المطر، لأنها تجفل السحاب، ويكون فيها الرهج والغبرة.
ولا تهب إلا أقل ذاك بشدة، فتكاد تقلع البيوت وتأتي على الزروع.
__________
1 ر: "في قول بعضهم".
2 سورة البقرة 259.
3 سورة الأنعام 90.
4 سورة الحاقة 19.
5 سورة الحاقة 20.
6 سورة محمد 15.
(3/52)

لرجل في الهداء
وقال رجل يهجو رجلاً:
(3/52)

لو كنت ريحاً كانت الدبورا ... أو كنت غيماً لم تكن مطيرا
أو كنت ماء لم تكن طهوراً ... أو كنت مخاً كنت ريرا
أو كنت برداً كنت زمهريرا
الرير: المخ الرقيق، يقال: مخ رير ورار، في معنى واحد، وقال السليك:
يصيدك قافلاً والمخ رار
وقال آخر:
لو كنت ماء لم تكن بعذب ... أو كنت سيفاً كنت غير عضب
أو كنت لحماً كنت لحم كلب ... أو كنت عيراً كنت غير ندب1
__________
1 الندب: الخفيف السريع.
(3/53)

للسليك يرثي فرسه
فأما قول السليك فإنه يرثي فرسه، وكان يقال له النحام، فقال:
كأن قوائم النحام لما ... تحمل صحبتي أصلاً محار
على قرماء عالية شواه ... كأن بياض غرته خمار
وما يدريك ما فقري إليه ... إذا ما القوم ولوا أو أغاروا
ويحضر فوق جهد الحضر نصاً ... يصيدك قافلاً والمخ رار
قوله:
كأن قوائم النحام محار
المحارة: الصدفة، يريد الملاسة، وأنه قد ارتفعت قوائمه للموت. والأصل: جمع أصيل، والأصيل، والأصيل العشي، يقال: أصيل وأصل، مثل قضيب وقضب، وجمع أصل آصال، وهو جمع الجمع، وتقديره: عنق وأعناق، وطنب وأطناب. ويقال في جمع أصيلة أصائل، مثل خليفة وخلائف، قال الأعشى:
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل1
__________
1 وصدره.
يوما بأطيب منها نشر رائحتة
(3/53)

وقال أبو ذؤيب:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
وقرماء، ممدودة: اسم موضع. وشواه: قوائمه. وقد فسرناه قبل هذا. وقوله: ولوا أو أغاروا إذا طلبوا أو هربوا. وقوله: يصيدك أي يصيد لك، يقال: صدتك ظبياً، قال الله عز وجل: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} 1. أي كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك ووزنتك، لأنه قد قال تعالى أولاً: {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} 2.
فأما ما جاء في الحديث من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند الهبوب: "اللهم اجعلها رياحاً ولاتجعلها ريحاً"، فإن العرب تقول: لا تلقح السحاب إلا من رياح. وتصديق ذلك قول الله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} 3. وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا هبت بحرية ثم تذاءبت" قال الشاعر:
تسح إذا تذاءبت الرياح
يقول: إذا تقابلت، يقال: تذاءبت الرياح، وتناوحت، أي تقابلت، وتناوح الشجر، إذا قابل بعضه بعضاً، وإنما سميت النائحة نائحة، لأنها تقابل صاحبتها.
فإذا خلصت الريح عندهم دبوراً فهي من جنس البوار، وإذا خلصت شمالاً شتوية فهي من آيات الجدب، ومن ثم تقول العرب: فلا يطعم في الشمال، كما تقول: يطعم في المحل. قال أوس بن حجر: وعزت الشمأل الرياح أي غلبتها، فكانت أقوى منها، فلم تدع لها موضعاً وقوله: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} 4 أي غلبني في المخاطبة والخصومة، ومن أمثال العرب: من عز بر وتأويله: من غلب استلب5، قالت الخنساء:
كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذا الناس إذ ذاك م عز بز
__________
1 سورة المطففين 3.
2 سورة المطففين 2
3 سورة الروم 48.
4 سورة ص 23.
5 ر: "سلب".
(3/54)

بين غنوي وفزاري
قال أبو العباس: وحدثني عمرو بن بحر الجاحظ قال: رأيت رجلاً من غنى يفاخر رجلاً نم بني فزارة، ثم أحد بني بدر بن عمرو، وكان الغنوي متمكناً
(3/54)

من لسانه؛ وكان الفزاري بكيئاً1 فقال2 الغنوي: ماؤنا من بين الرقم إلى كذا، وهم جيراننا فيه، فنحن أقصر منهم رشاء، وأعذب منهم ماء، لنا ريف السهور ومعاقل الجبال. وأرضهم سبخة، ومياههم أملاح، وأرشيتهم طوال، والعرب3 من عز بز، فبعزنا ما تخيرنا عليهم، وبذلهم ما رضوا منا4 بالضيم.
وقوله: كان الفزاري بكيئاً يقول: غير قادر على الكلام، وأصل ذلك في الحلب، يقال ناقة غزيرة وناقة بكيء، وهي ضد الغزيرة، أي قليلة اللبن، ودهين وصمرد، في معنى، يقال: بكأت الشاة والناقة، وبكؤت، قال الشاعر:
فإذا ما حاردت أو بكؤت ... فض عن خاتم أخرى طينها5
وقال سلامة بن جندل:
يقول محبسها أدنى لمرتعها ... ولو تداعى ببكء كل محلوب6
يقول: إن نحبس الإبل على ضر ونقاتل عنها فهو أدنى بأن تعز فترتع فيما تستقبل، وإن ذهبت ألبانها، لأنا إن أطردناها7 وهربنا طمع فينا واستذللنا، ويقال في الكلام: رجل عيي بكي.
قال أبو العباس: وهذا لغنوي: إذا قابل8 بقبيلته آل بدر فقد أعظم الفرية، وبلغ في البهت، وأشمت العدو بجمهور قيس، وصار بهم إلى قول9 الأخطل:
وقد سرني من قيس عيلان أنني ... رأيت بني العجلان سادوا بني بدر
__________
1 ر: "بكيا". وما أثبته عن الأصل.
2 ر: "قال" وما أثبته عن الأصل.
3 ر: "والعرب عن عز بز", س: "والعرب إذا ذاك من عز بز", وما أثبته عن الأصل.
4 كذا في الأصل. س. وفي ر: "عنا".
5 هو عدى بن زيد, وقيله:
ولنا باطية مملوءة ... جونة يتبعها برزينها
البرزين: إناء يتخذ من قشر الطلع, والحد داء في القوائم, إذا مشى البعير نفض قوائمه, فضرب بهن الأرض كثيرا, وانظر اللسان 4: 123. 18:196.
6 ر: "وإن تداعى".
7 أطردناها: أمرنا بطردها. وفي ر: "طردناها".
8 ر: "حاول".
9 ر: "إلى ما قال".
(3/55)

وكان زياد يقول - وهو الغاية في السياسة - أوصيكم بثلاثة: العالم1 والشريف، والشيخ، فوالله لا أوتى بوضيع سب شريفاً، أو شاب وثب بشيخ، أو جاهل امتهن2 عالماً إلا عاقبت وبالغت.
__________
1 ر: "بالعالم".
2 ر: "امتحن".
(3/56)

لعمارة بن عقيل يهجو بني أسد
وقال عمارة لبني أسد بن خزيمة:
يا أيها السائلي عمداً لأخبره ... بذات نفسي وأيدي الله فوق يدي
إن تستقم أسد ترشد وإن شغبت ... فلا يلم لائم إلا بني أسد
إني رأيتكم يعصى كبيركم ... وتكنعون إلى ذي الفجرة النكد1
فباعد الله كل البعد داركم ... ولا شفاكم من الأضغان والحسد
فرأى عصيانهم الكبير من إقبح العيب، وأدله على ضغن بعضهم لبعض، وحسد2 بعضهم بعضاً، والوضيع ينقلب إلى الشريف، لأنه يرى مقاولته فخراً، والاجتراء عليه ربحاً، كما أن مقاولة الشريف للئيم ذل وضعة. قال الشاعر:
إذا أنت قاولت اللئيم فإنما ... يكون عليك الفضل حين تقاوله3
ولست كمي يرضى بما غيره الرضا ... ويمسح رأس الذئب والذئب آكله
وسنشبع هذا المعنى إن شاء الله.
وفي هذا الشعر بيت يقدم في باب الفتك، وهو:
فلا تقربن أمر الصريمة بامرئ ... إذا رام أمراً عوقته عواذله
[وقل للفؤاد إن ترى بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله] 4
الصريمة: العزيمة.
__________
1 تكنعون: تخضعون, والفجرة: الفجور, والنكد: اللثيم.
2 ر: "وحسد" بسكون السين, والصحح ما أثبته عن الأصل.
4 ر: "يكون عليك العتب".
4 ما بين العلامتين من زيادات ر. وأفرخ: أي أخرج روعك وفزعك.
(3/56)

وقد امتنع قوم من الجواب تنبلاً، ومواضعهم تنبئ عن ذلك، وامتنع قوم عياً بلا اعتلال، وامتنع قوم عجزاً1، واعتلوا بكرهة السفه، وبعضهم معتل برفعة نفسه2 عن خصمه، وبعضهم كان يسبه الرجل الركيك من العشيرة فيعرض عنه3 ويسب سيد قومه، وكانت الجاهلية ربما فعلته بقى الذحول4، قال الراجز:
إن بجيلاً كلما هجاني ... ملت على الأغطش أو أبان
أو طلحة الخير فتى الفتيان ... أولاك قوم شأنهم كشاني
ما بلت من أعراضهم كفاني ... وإن سكت عرفوا إحساني
وقال أحد المحدثين:
إني إذا هو كلب الحي قلت له ... إسلم، وربك مخنوق على الجرر
قوله: إسلم فاستأنف بألف الوصل، لأن النصف الأول موقوف عليه.
قال الشاعر:
ولا يبادر في الشتاء وليدنا5 ... القدر ينزلها بغير جعال
الجعال: الذي تنزل6 به البرمة، وربما توقيت به حرارتها.
قال الراجز:
لا نسب اليوم ولا خلة ... إتسع الخرق على الراقع
وهذا كثير غير معيب.
وفي مثل اختيار النبيل لتكافؤ الأغراض7 قول الأخطل:
__________
1 ر: "عجزوا". وما أثبته عن الأصل. س.
2 ر. س: "برفعة نفسه",وهذه رواية الأصل.
3 كلمة "عنه" ساقطة من ر.
4 الذحول: "جمع ذحل" وهو الثأر.
5 ر: "وليدها".
6 ر: "الذى بوضع فيه البرمة". وما أثبته عن الأصل. س.
7 ر: "لتتكافأ". وما أثبته عن الأصل. س.
(3/57)

شفى النفس قتلى من سليم وعامر ... ولم يشفها قتلى غني ولا جسر
ولا جشم شر القبائل إنها ... كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
ولو ببني ذبيان بلت رماحنا ... لقرت بهم عيني وباء بهم وتري
وقال رجل من المحدثين، وهو حمدان بن بان اللاحقي:
أليس من الكبائر أن وغداً ... لآل معذل يهجو سدوسا
هجا عرضاً لهم غضاً جديداً ... وأهدف عرض والده اللبيسا
وقال آخر:
اللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا
قوم إذا جر جاني قومهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
اللؤم داء لوبر يقتلون به ... لا يقتلون بداء غيره أبدا1
وقال رجل من المحدثين2:
أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق3 عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل
وقال آخر:
نبئت كلباً هاب رميي له ... ينبحني من موضع نائي
لو كنت من شيء هجوناك أو ... لو بنت للسامع والرائي
فعد عن شتمي فإني امرؤ ... حلمني قلة أكفائي
__________
1 ر: "اللؤم".
2 ر: "وقال أحد المحدثين", وفي الزيادات: "هو دعبل".
3 ز: "عقيق عرضك".
(3/58)

وقال آخر1:
فلو أني بليت بهاشمي ... خؤولته بنو عبد المدان
صبرت على عداوته ولكن ... تعالي فانظري بمن ابتلاني
__________
1 زيادات ر: "هو دعيل".
(3/59)

من أخبار ذوي الحلم
ووقف رجل عليه مقطعات على الأحنف بن قيس يسبه - وكان عمرو بن الأهتم جعل له ألف درهم على أن يسفه الأحنف - فجعل لا يألوا أن يسبه سباً يغضب، والأحنف مطرق لا يكلمه1، فلما رآه لا يكلمه أقبل الرجل يعض إبهامه2، ويقول: يا سوأتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه!.
وفعل ذلك آخر، فأمسك عنه الأحنف، فأكثر الرجل، إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء؛ فأقبل على الرجل، فقال له: يا هذا! إن غداءنا قد حضر، فانهض بنا إليه إن شئت، فإنك مذ اليوم تحدر بجمل ثفال.
والثفال من الإبل: البطيء الثقي الذي لا يكاد ينبعث.
وعدت على الأحنف سقطة في هذا الباب، وهو أن عمرو بن الأهم دس عليه رجلاً ليسفهه. فقال له: يا أبا بحر3، ما كان أبوك في قومه? قال: كان من أوسطهم، لم يسدهم، ولم يتخلف عنهم، فرجع إليه ثانية، ففطن الأحنف أنه من قبل عمرو، فقال: ما كان مال أبيك? فقال: كانت له صرمة4 يمنح منها ويقري، ولم يك أهتم سلاحاً5.
__________
1 لفظ "لا يكلمه" ساقط من ر.
2 ر: "إيهامه".
3 ر: "أبا بحر".
4 الصرمه: القطعة من الإبل لم تبلغ السنين.
5 السلاح: كثير السلح. يعرض بأبي عمرو.
(3/59)

وجعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه - ولم تكن في موضع مرضي إنما كانت من عنزة، ثم من بني جلان1 - فأتاه الرجل، وهو بمصر أميراً عليهم، فقال: أردت أن أعرف أم الأمير. فقال: نعم، كان امرأة2، من عنزة، ثم من بني جلان، تسمى ليلى، وتلقت النابغة، إذهب فخذ ما جعل لك.
وقال له مرة المنذر بن الجارود: أي رجل أنت لولا أمك! قال: فإني أحمد الله إليك، إني فكرت فيها3 البارحة، فأقبلت أنقلها في قبائل العرب، فما خطرت لي عبد القيس ببال4.
ودخل عمرو مكة فرأى قوماً من قريش قد جلسوا حلقة، فلما رأوه رموه بأبصارهم، فعدل إليهم فقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري! قالوا: أجل، كنا نمثل5 بينك وبين أخيك هشام أيكما أفضل? فقال عمرو: إن لهشام علي أربعة: أمه ابنة هشام بن الغميرة، وأمي من قد عرفتم، وكان أحب إلى أبيه مني، وقد عرفتم معرفة الوالد بالولد، وأسلم قبلي واستشهد وبقيت.
قال أبو العباس: وقد أكثر الناس في الباب الذي ذكرناه، وإنما نذكر من الشيء وجوهه ونوادره.
قال رجل لرجل من آل الزبير كلاماً أقذع له فيه، فأعرض الزبيري عنه، ثم دار كلام فسب الزبيري علي بن الحسين، فأعرض عنه، فقال له الرجل الزبيري: ما يمنعك من جوابي? فقال علي: ما منعك من جواب الرجل!.
__________
1 تكملة من الأصل. س.
2 ر: "وخذ".
3 ر: "في هذا".
4 ر: "على بال".
5 ر: "نميل".
(3/60)

وقد روي قول القائل: لو قلت واحدة لسمعت عشراً، فقال له: ولكنك لو عقلت عشراً ما سمعت واحدة.
وقال الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فأجوز ثم أقول لا يعنيني
وقال رجل لرجل - وسبه فلم يلتفت إليه: إياك أعني، فقال له الرجل: وعنك أعرض.
فأما قول الشعبي للرجل ما قال فمن غير هذا الباب، وإنما مخرجه الديانة، وذاك أن رجلاً سب الشعبي بأمور قبيحة نسبه إليها، فقال له1 الشعبي: إن كنت كاذباً فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي.
وقال أبو العباس: قال رجل لأبي بكر الصديق رحمه الله: لأسبنك سباً يدخل معك قبرك، فقال: معك والله يدخل لا معي.
[ويحدث ابن عائشة عن أبيه: أن رجلا من أهل الشام دخل المدينة، فقال: رأيت رجلاً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا أحسن لباساً ولا أفره مركباً منه، فسألت عنه، فقيل لي: الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال: أنا ابن ابنه، فقلت له: فيك وبك وبأبيك، أسبهما. فقال: أحسبك غريباً! قلت: أجل. فقال: إن لنا منزلاً واسعاً ومعونة على الحاجة ومالا نواسي منه. فانطلقت وما أجد على وجه الأرض أحب إلي منه] 2.
__________
1 ساقطة من ر.
2 ما بين العلامتين من زيادات ر.
(3/61)

قال أبو العباس: ويتصل بهذا الباب ذكر من رغب برجل عن إرث رجل لا يشاكله، وولاية رجل لا يشابهه. قال الشاعر1:
بكت دار بشر شجوها أن تبدلت ... هلال بن قعقاع ببشر بن غالب
وما هي إلا كالعروس تنقلت ... على رغمها من هاشم في محارب2
__________
1 هو إسماعيل بن عمار بن عيينة الأسدى, نسبه أبو تمام إليه في الحماسة ص 1513- بشرح المرزوقي.
2 قال المرزوقي: شجوها. انتصب على أنه مفعول به. والشاعر يفضل بشرا على هلال, يقول: إن الدار التي كان يستوطنها بشر لما رحل عنها وصار فيها بدلا منه هلال – بكت وتحسر. وحق لها ذلك, فما هي فى استبدالها إلا كعروس زوجت من بنى هاشم ثم انتقلت إلى محارب. ومحارب: قبيلة فيها ضعة وخمول.
(3/62)

للفرزدق حين ولي ابن هبيرة العراق
وقال الفرزدق حين ولي العراق عمر بن هبيرة الغزاري بعقب مسلمة بن عبد الملك1:
راحت بمسلمة البغال عشية2 ... فارعي فزارة لا هناك المرتع!
ولقد علمت إذا فزارة أمرت3 ... أن سوف يطمع في الإمارة أشجع4
فأرى الأمور تنكرت أعلامها5 ... حتى أمية عن عزارة تنزع
عزل ابن بشر وابن عمرو قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقع
فلما ولي خالد بن عبد الله القسري على عمر بن هبيرة. قال رجل6 من بني أسد يجيب الفرزدق:
عجب الفرزدق من فزارة أن رأى ... عنها أمية بالمشارق تنزع
__________
1 ديوانه 508: "حين عزل عبد الملك بن بشر بن مروان عن البصرة وسعيد بن عمرو بن الحارث بن الحكم ابن ابي العاص عن الكوفة. وسار مسلمة من العراق إلى الشام, وولى العراق عمر بن هبيرة الفزاري". مع اختلاف في ترتيب الأبيات.
2 الديوان:
ومضت لمسلمة الركاب مودعا
3 الديوان: "لئن فزارة أمرت".
4 ر: "يطمع".
5 الديوان:
إن القيامة قد دنت أشراطها
6 نسبها الموفى إلى إسماعيل بن عمار الأسدى.
(3/62)

فلقد رأى عجباً وأحدث بعده ... أمر تضج له القلوب وتفرع
بكت المنابر من فزارة شجوها ... فاليوم من قسر تذوب وتجزع
وملوك خندف أسلمونا للعدى1 ... لله در ملوكنا ما تصنع!
كانوا كتاركة بنيها جانبا ... سفها وغيرهم تصون وترضع
__________
1 ر: "ذللتنا للعدى".
(3/63)

للفرزدق أيضاً في هجاء عمرو بن هبيرة
قال أبو العباس: وكان الفرزدق هجاء لعمر بن هبيرة عند ولايته العراق. وفي ذلك يقول ليزيد بن عبد الملك:
أمير المؤمنين وأنت بر ... أمين لست بالطبع الحريص
أأطعمت العرقا ورافديه ... فزارياً أحذ يد القميص1
تفهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم قومه أكل الخبيص
ولم يكن قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص
قوله: لست بالطبع الحريص. فالطبع: الشديد الطمع الذي لا يفهم لشدة طمعه. وإنما أخذ هذا من طبع السيف، يقال: طبع السيف. يا فتى! وهو سيف طبع، إذا ركبه الصدأ حتى يغطي عليه. والمثل من هذا في الذي طبع على قلبه وإنما هو تغطية وحجاب. يقال: طبع الله على قلب فلان. كما قال جل وعز: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} . هذا الوقف. ثم قال: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} 2 وكذلك: رين على قلبه. وغين على قلبه؛ فالرين يكون من أشياء تألف عليه فتغطيه. قال الله جل وعز: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 3. وأما غين على قلبه. فهي غشاوة تعتريه، والغينة: القطعة من الشجر الملتف تغطي ما تحتها، قال الشاعر:
كأني بين خافيتي عقاب ... أصاب حمامة في يوم غين4
__________
1 ر: "أأطعمت". وما أثبته عن الأصل. س.
2 سورة البقرة 7. وفي ر: "طبع الله على قلوبهم". وهو مخالف للتلاوة.
3 سورة المطففين 14.
4 نسبه المرصفى إلى رجل من تغلب يصف فرسا. وذكر قبله:
فداء خالتي وفدا صديقي ... وأهلي كلهم لبني قعين
فأنت حبوتني بعنان طرف ... شديد الشد ذي بذل وصون
(3/63)

وقال بعضهم: أراد في التفاف من الظلمة. وقال آخرون: أراد في يوم غيم، فأبدل من الميم نوناً، لاجتماع الميم والنون في الغنة. كما يقال للحية: أيم، وأين، واستجازت الشعراء أن تجمع الميم والنون في القوافي، لما ذكرت لك من اجتماعهما في الغنة. قال الراجز:
بني إن البر شيء هين ... ألمنطق اللين والطعيم
وقال آخر1:
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني2
لمثل هذا ولدتني أمي
والعراقان: البصرة والكوفة. والرافدان: دجلة والفرات.
وقوله: أحذ يد القميص، الأحد: الخفيف. قال طرقة:
وأتلع نهاض أحد ململم3
وإنما نسبه بالخفة في يده إلى السرقة4.
وقوله: تفهق أي امتلأ مالاً5. يقال: بئر تفهق وغدير يفهق إذا امتلأ ماء. قال الراجز:
لا ذنب لي قد قلت للقوم استقوا ... والقوم في عرض غدير يفهق
وقال الأعشى فيمدحه المحلق بن حنتم. أحد بني أبي بكر بن كلاب:
نفى الذم عن رهط المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق
__________
1 نقل المرصفى عن ابن سيده. أنه أبو جهل بن هشام.
2 البازل من لاأبل: ما استكمل السنه الثامنة. وطعن في التاسعة. فإذا جاوز البزول قيل بازل عام أو عامين, وكذلك ما زاد, فإذا قيل ذلك للرجل فإنه يراد استكمال شبابه, قالة المرصفي.
3 رواية البيت بتمامه. كما في ديوانه 56 – مجموعة العقد الثمين.
وأروع نباض أحد ململم ... كمرداة صخر من صفيح مصمد
4 ر: "السرق".
5 ر: "ماء".
(3/64)

هكذا في رواية أبي عبيدة.
وقوله:
ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص
كانت بنو فزارة ترمى بغشيان الإبل. ولذلك قال ابن دارة:
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
(3/65)

للفرزدق أيضاً في حبس عمر بن هبيرة
فلما عزل ابن هبيرة وحبسه خالد بن عبد الله القسري. قال الفرزدق:
لعمري لئن نابت فزارة نوبة ... لمن حدث الأيام تحسبها قسر
لقد حبس القسري في سجن واسط ... فتى شيظميا ما ينهنهه الزجر
فتى لم ترببه النصارى لم يكن ... غذاء له لحم الخنازير والخمر
قوله: فتى 1شيظيماً"1، الشيظمي: الطويل. قال ذو الرمة:
إذا ما رمينا رمية في مفازة ... عراقيبها بالشيظمي المواشك2
يريد حادياً يسوقها وقوله: ما ينهنهه الزجر. يقول: ما يحركه.
وقوله: فتى لم ترببه النصارى ينبه به على أم خالد، وكانت نصرانية رومية، وكان أبوه استلبها في يوم عيد للروم، فأولادها خالداً وأسداً. ولذلك يقول الفرزدق:
ألا قطع الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد
وكيف يؤم الناس من كانت أمه ... تدين بأن الله ليس بواحد!
بنى بيعة فيها النصارى لأمه ... ويهدم من كفر منار المساجد
وقال:
عليك أمير المؤمنين بخالد ... وأصحابه لا طهر الله خالدا
بنى بيعة فيها الصليب لأمه ... ويهدم من بغض الصلاة المساجدا
__________
1 ساقط من ر.
2 ديوانه 426. والمواشك: السريع.
(3/65)

وكان سبب هدم خالد منار المساجد حتى حطها عن دور الناس أنه بلغه شعر لرجل من الموالي، موالي الأنصار، وهو:
ليتني في المؤذنين حياتي ... إنهم يبصرون من في السطوح
فيشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كل ذات دل مليح
فحطها عن دور الناس. ويروى عنه فيما روي من عتوه أنه استعفي من بيعة بناها لأمه. فقال لملأ من المسلمين: قبح الله دينهم، إن كان شراً من دينكم!.
(3/66)

للفرزدق عند هروبه من سجن ابن هبيرة
وقال الفرزدق لابن هبيرة حين1 نقب له السجن وهرب، فسار2 تحت الأرض هو وابنه حتى نفذا3:
لما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعد ما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا4
خرجت ولم يمنن عليك طلاقة ... سوى ربد التقريب من نسل أعوجا5
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أشرف من الفرزدق! هجاني أميراً، ومدحني أسيراً.
قوله: حيث أدلجا. تقول: أدلجت، إذا سرت6 في أول الليل. وادلجت، إذا سرت من آخره في السحر. قال زهير:
__________
1 ر: "حيث".
2 ر: "وسار".
3 وانظر أيضا خبر هذه الأبيات بتفصيل أوسع في الديوان 141.
4 ر: "حيث أدلجا". وهذه رواية الاصل والديوان.
5 ر: الديوان: "من آل أعوجا".
6 ر: "من".
(3/66)

بكرن بكورا وادلجن بسحرة ... فهن لوادي الرس كاليد للفم
وأعوج: فرس كان لغني، وقالوا، كان لبني كلاب. ولا ينكر هذا، لأن خبيبة1 بنت رياح الغنوية، ولدت بني جعفر بن كلاب. فلعله أن يكون صار إلى بني جعفر بن كلاب من غني.
والعرب تنسب الخيل الجياد إلى أعوج، وإلى الوجيه، ولاحق، والغراب، واليحموم، وما أشبه هذه الخيل من المتقدمات. قال زيد الخيل:
جلبنا الخيل من أجإ وسلمى ... تخب نزائعا خبب الذئاب2
جلبنا كل طف أعوجي ... وسلهبة كخافية العقاب3
ثم نرجع إلى التشبيه المصيب؛ قال امرؤ القيس في طول الليل:
كأن الثرا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
فهذا في ثبات الليل وإقامته. والمصام: المقام. وقيل للممسك عن الطعام: صائم، لثباته على ذلك، ويقال: صام النهار: إذا قامت الشمس. قال امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا
وقال النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
والأمراس: جمع مرس، وهو الحبل. قال أبو زبيد يرثي غلامه ويذكر تعرضه للحرب4:
إما تقارن بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس5
__________
1 ر: "حبيبة". وما أثبته عن الاصل.
2 النزائع: جمع نزيعة, وهي التي تنزع إلى وطنها وتحن إليه.
3 السلهية, والسهلب ايضا الفرس الطويل.
4 ر: "وتعرض للحرب فقتل".
5 ر: "إما تعلق". وما أثبته رواية الأصل. س.
(3/67)

وقال في ثبات الليل:
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
المغار: الشديد الفتل. يقال: أغرت الحبل: إذا شددت فتله. ويذبل: جبل بعينه.
وقال أيضاً:
كأن أباناً في أفانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل
أبان جبل. وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض. قال المهلهل1 - وكان نزل في آخر حربهم، حرب البسوس، في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج. وجنب حي من أحيائهم وضيع - فخطبت ابنته ومهرت أدما. فلم يقدر على الامتناع، فزوجها، وقال:
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم2
لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرج من أنف خاطب بدم
وقوله: في أفانين ودقه يريد ضروباً من ودقه. والودق: المطر. قال الله تبارك وتعالى: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} 3.
وقال عامر بن جوين الطائي:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
وقوله:
كبير أناس في بجاز مزمل
يريد مزملاً بثيابه. قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ, قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً} 4. وهو المتزمل بثيابه5. والتاء مدغمة في الزاي. وإنما وصف
__________
1 ر: "مهلهل".
2 الأراقم: قبائل من تغلب: ويريد بالحباء هنا المهر. والادم: الجلد.
3 سورة النور 43.
4 سورة المزمل 1/2
5 ساقطة من ر.
(3/68)

امرؤ القيس الغيث. فقال قوم: أراد أن المطر قد خنق الجبل فصار له كاللباس على الشيخ المتزمل. وقال آخرون: إنما أراد ما كساه المطر من خضرة النبت. وكلاهما حسن. وذكر الودق لأن تلك الخضرة من عمله.
وقال الراجز يصف غيماً:
أقبل في المستن من ربابه ... أسنمة الآمال في سحابه
أراد أن ذلك السحاب، ينبت ما تأكله الإبل، فتصير شحومها في أسنمتها.
والرباب سحاب دوين المعظم من السحاب، قال المازني1:
كأن الرباب دوين السحاب ... نعام يعلق بالأرجل
وقوله جل وعز: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} 2. أي أعصر عنباً فيصير إلى هذه الحال.
وقال زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
الفنا: شجر بعينه، يثمر ثمراً أحمر ثم يتفرق في هيئة النبق الصغار، فهذا من أحسن التشبيه. وإنما وصف ما يسقط من أنماطهن إذا نزلن.
والعهن: الصوف الملون في قول أكثر أهل اللغة. وأما الأصمعي فقال: كل صوف عهن. وكذلك قال أهل اللغة: الحنتم الخزف الأخضر. وقال الأصمعي: كل خزف حنتم. قال القرشي3:
من مبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
__________
1 نقل المرصفي من الأغاني أنه زهير بن عروة بن جلهمة.
2 سورة يوسف 36.
3 نسبة المرصفي إلى النعمان بن عدي بن نضلة.
(3/69)

وقال جرير:
ما في مقام ديار تغلب مسجد ... وبها كنائس حنتم ودنان
والتشبيه جار كثيراً في كلام العرب، حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم، لم يبعد.
قال الله عز وجل وله المثل الأعلى: {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} 1. وقال: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} 2. وقد اعترض معترض من الجهالة الملحدين، في هذه الآية. فقال: إنما يمثل الغائب بالحاضر، ورؤوس الشياطين لم نرها، فكيف يقع التمثيل بها! وهؤلاء في هذا القول كما قال الله جل وعز: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} 3. وهذه الآية قد جاء تفسيرها على ضربين4: أحدهما، أن شجراً يقال له الأستن5، منكر الصورة يقال لثمره: رؤوس الشياطين، وهو الذي ذكره النابغة في قوله:
تحيد عن أستن سود أسافله6
وزعم الأصمعي أن هذا الشجر يسمى الصوم.
والقولم الآخر - وهو الذي يسبق إلى القلب - أن الله جل ذكره شنع صورة الشياطين في قلوب العباد. فكان7 ذلك أبلغ من المعاينة، ثم مثل هذه الشجرة مما تنفر منه كل نفس.
__________
1 سورة النور 35.
2 سورة الصافات 65.
3 سورة يونس 39.
4 ر: "في ضربين". وما أثبته عن الأصل. س.
5 نقل المرصفي عن أبي حنيفة الدينوري أنالأستن شجر يفشو في منابته ويكثر, إذا نظر إليه الناظر من بعيد شبهه بشخوص الناس.
6 بقيته:
مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما
7 ر: "وكان".
(3/70)

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك
قال أبو العباس: وحدثت في إسناد متصل أن أبا النجم العجلي أنشد هشاماً1:
والشمس قد صارت كعين الأحول
لما ذهب به الروي عن الفكر في عين هشام، فأغضبه، فأمر بطرده، فطرد2. فأمل أبو النجم رجعته. فكان3 يأوي المسجد4، فأرق هشام5 ذات ليلة، فقال لحاجبه: ابغني رجلاً عربياً فصيحاً يحادثني وينشدني. فطلب له ما طلب، فوقف على أبي النجم، فأتى. فلما دخل به إليه قال: أين تكون منذ أقصيناك? قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك? قال: رجلين. كلبياً وتغلبياً. أتغدى عند أحدهما، وأتعشى عند الآخر، فقال له: مالك من الولد? قال: ابنتان. قال: أزوجتهما? قال: زوجت إحداهما. قال: فيم أوصيتها? قال قلت لها ليلة أهديتها:
سبي الحماة وابهتي عليها ... وإن أبت فازدلفي إليها
ثم اقترعي بالود مرفقيها6 ... وجددي الحلف به عليها
لا تخبري الدهر بذاك ابنيها
قال: أفأوصيتها بغير هذا? قال: نعم، قالت:
أوصيت من برة قلباً حمرا ... بالكلب خيراً والحماة شرا
لا تسأمي نهكاً لها وضرا ... والحي عميهم بشر طرا
وإن كسوك ذهباً ودرا ... حتى يروا حلو الحياة مرا
__________
1 ر: "هشام بن عبد الملك". من أرجوزيته التي مطلعها.
الحمد لله العلى الأجلل
2 ساقطة من ر.
3 ر: "وكان".
4 ر: "المساجد".
5 ر: "أرق هشام ليلة".
6 الد: الوتد.
(3/71)

قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بنتي كولده، قال: فما حال الأخرى? قال: قد درجت بين بيوت الحي، وتنفعنا1 في الرسالة والحاجة، قال: فما قلت فيها? قال: قلت:
كأن ظلامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيان
الرأس قمل كله وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خيطان
فهي التي يذعر منها الشيطان
قال: فقال هشام: يا غلام2، ما فعلت بالدنانير المختومة التي أمرتك بقبضها? قال: ها هي عندي، ووزنها خمسمائة، قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين، أفلا تراه قال:
فهث التي يذعر منها الشيطان
وإن لم يره، لما قرر فيالقلوب من نكارته وشناعته! وقال آخر:
وفي البقل إن لم يدفع الله شره ... شياطين يعدو بعضهن على بعض
وزعم أهل اللغة أن كل متمرد من جن أو إنس أو سبع3 أو حية4 يقال له شيطان، وأن قولهم: تشيطن إنما معناه تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: {شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ} 5 قال الراجز:
أبصرتها تلتهم الثعبانا ... شيطانة تزوجت شيطانا
وقال امرؤ القيس:
أتوعدني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال!
والغول: لم يخبر صادق قط أنه رآها.
ثم نرجع إلى تفسير شعر أبي النجم6:
__________
1 ر: "ونعتنا".
2 ر: "لحالجيه".
3 ر: "رجل".
4 ساقطة من ر.
5 سورة الأنعام
6 ر: "وأول أبي النجم".
(3/72)

قوله:
سبي الحماة وابهتي عليها
إنما يريد: ابهتيها، فوضع ابهتي في موضع اكذبي فمن ثم وصلها بعلى.
والذي يستعمل في صلة الفعل اللام، لأنها لام الإضافة، تقول: لزيد ضربت ولعمرو أكرمت والمعنى: عمراً أكرمت، وإنما1 تقديره: إكرامي لعمرو، وضربي لزيد، فأجرى الفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول، لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام. كما قال الله جل وعز: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ} 2. وإن أخر المفعول فهو عربي3 حسن، والقرآن محيط بجميع4 اللغات الفصيحة، قال الله جل وعز: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} 5 والنحويون يقولون في قوله جل ثناؤه: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} 6: إنما هو: ردفكم. وقال كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
وحروف الخفض يبدل بعضها من بعض، إذا وقع الحرفان في معنى في بعض المواضع، قال الله جل ذكره: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} 7، أي على ولكن الجذوع إذا أحاطت دخلت في، لأنها للوعاء، يقال: فلان في النخل. أي قد أحاط به. قال الشاعر8:
هم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
وقال الله جل وعز: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} 9 أي عليه. وقال تبارك وتعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} 10 أي: بأمر الله. وقال ابن الطثرية:
__________
1 ر: "فإنما".
2 سورة يوسف 43.
3 ر: "فعربي".
4 ر: "بكل".
5 سورة الزمر 12.
6 سورة النحل 72.
7 [طه: 71]
8 هو سويد بن أبي كاهل. اللسان:4:267. وبأجدع. أي بأنف أجدع.
9 سورة الطور 38.
10 سورة الرعد 11.
(3/73)

غدت من عليه تنفض الطل بعدما ... رأت حاجب الشمس استوى فترفعا
وقال الآخر:
غدت من عليه بعدما تم خمسها ... تصل وعن قيض بزيزاء مجهل1
أي من عنده.
وقال العامري2:
إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
وهذا كثير جداً.
وقوله:
وإن أبت فازدلفي إليها
يقول: تقربي، ومن ذا سميت المزدلفة، قال العجاج:
ناج طواه الأين مما وجفا ... طي الليالي زلفا فزلفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا
يقال3: زلفة وزلف، كقولك: غرفة وغرف.
وقوله:
بالكلب خيراً والحماة شرا
كلام معيب عند النحويين، وبعضهم لا يجيزه، وذلك لأنه4 عطف على عاملين: على الباء5 وعلى الفعل. ومن قال هذا قال: ضربت زيداً في الدار، والحجرة عمراً.
قال أبو العباس: وكان أبو الحسن الأخفش يراه ويقرأ: {وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ
__________
1 لمزاحم العقيلي في وصف القطا, اللسلن 13:406. وقال في شرحة: "قال ابن السكيت في قولة: "من عليه": من فوقه. يعني من فوق الفرخ. ومعنى: "تصل" ,أي هي يابسة من العطش".
2 حاشية الأصل: "هو القحيف العقيلي".
3 ر: "تقول".
4 ر: "وذاك أنه".
5 ر: "بالباء".
(3/74)

الرِّيَاحِ آيَاتٌ} 1. فعطف على إن وعلى في. وقال عدي بن زيد:
أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا
فعطف على كل وعلى الفعل.
وأما قوله:
غدت من عليه بعد ما تم خمسها
فالخمس: ظمء من أظمائها، وهو أن ترد ثم تغب ثلاثاً، ثم ترد، فيبتدأ بيومي وردها مع ظمئها، فيقال: خمس، والربع كحمى الربع.
وقوله: تصل أي تسمع لأجوافها صليلاً من يبس العطش، يقال: المسمار يصل في الباب، إذا أكره فيه، قال جرير يخاطب الزبير بمرثيته في هجائه الفرزدق:
لو كنت حين غررت بين بيوتنا ... لسمعت من وقع الحديد صليلا
ويقال للحمار: المصلصل، إذا أخرج صوته من جوفه حاداً خفياً.
قال الأعشى:
عنتريس تعدو إذا حرك السو ... ط كعدو المصلصل الجوال2
وقال المفسرون في قوله عز وجل: {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} 3 [الحجر: 26] ، قالوا4: هو الطين الذي قد جف، فإذا قرعه شيء كان له صليل. وتفسير ذلك عند العرب التقن5 الذي يذهب عنه الماء في الغدران فيتشقق ثم ييبس.
والقيض: قشر البيضة6 الأعلى؛ والذي يلبس البيضة فيكون ما بينها وبين قشرها الأعلى، يقال له: الغرقئ، يقال: ثوب كأنه غرقئ البيض7.
والزيزاء: ما ارتفع من الأرض، وهو ممدود منصرف في المعرفة والنكرة، إذا كان لمذكر، كالعلباء والحرباء، وسنذكر هذا في غير هذا الموضع مفسراً، على أنا قد استقصيناه في الكتاب المقتضب.
__________
1 سورة الجاثية 5. بنصب "آيات". وهي قراءة حمزة والكسائي والباقون بالرفع وانظر الكشاف 4: 225.
2 ديوانه 8 قال في شرحه: "عنتريس: صلبة قوية, أخذه بالعرندسة. إذا أخذه بالجفاء والغلط, والمصلصل: الصافي الصوت: قال: وليس هذا بالوصف الجيد".
3 سورة الحجر 26.
4 ر: "قال".
5 التقن: اسم للطين الذي يذهب عنه الماء.
6 ر: "البيض".
7 ر: "بيض".
(3/75)

والمجهل: الصحراء التي يجهل فيها، فلا يهتدى لسبيلها.
ويقال للشيء إذا غب وتغيرت رائحته، صل واصل، فهو صال ومصل، ويقال: نتن وأنتن. ويقال: خم وأخم، وذاك إذا كان مستوراً حتى يفسد. ويقال إذا عتق اللحم فتغير: خنز وخزن، وبيت طرفة أحسن ما ينشد:
ثم لا يخنز فينا لحمها ... إنما يخنز لحم المدخر
ويقال لرب البيت وربة البيت اللذين ينزل بهما الضيف: هي أم مثواه، وهو أبو مثواه، وأنشد أبو عبيدة:
من أم مثوى كريم قد نزلت بها ... إن الكريم على علاته يسع
وفي كتاب الله جل وعز: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} ، معناه عند العرب إضافته.
ومن التشبيه المطرد على ألسنة العرب ما ذكروا في سير الناقة وحركة قوائمها، قال الراجز:
كأنها ليلة غب الأزرق ... وقد مددنا باعها للسوق
خرقاء بين السلمين ترتقي
قوله: ليلة غب الأزرق، إنما يعني موضعاً، وأحسبه ماء، لأنهم يقولون: نطفة زرقاء، وهي الصافية، قال زهير:
فلما وردنا الماء زرقاً جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم1
وقال آخر:
فألقت عصا التسيار عنها وخيمت ... بأرجاء عذب الماء زرق محافر
وقوله:
وقد مددنا باعها للسوق
__________
1 ديوانه 13: الجمام: ما أجتمع من الماء الواحدة جم وجمة, وضعن. أي أقمن, والحاضر. الذين حضروا الماء. والمتخيم. المقيم من شرح الديوان.
(3/76)

يقول: استفرغنا ما عندها في1 السير، يقال: تبوعت وانباعت، إذا مدت باعها.
وقوله:
خرقاء بين السلمين ترتقي
يقول: لكثرة حركة الخرقاء وقلة حذقها بالصعود.
وقال الآخر:
كأنها نائحة تفجع ... تبكي بشجو وسواها الموجع2
وقال الشماخ:
كأن ذراعيها ذراعا مدلة ... بعيد السباب حاولت أن تعذرا3
من البيض أعطافاً إذا اتصلت دعت ... فراس بن غنم أو لقيط بن يعمرا4
بها شرق من زعفران وعنبر ... أطارت من الحسن الرداء المحبرا5
تقول وقد بل الدموع خمارها ... أبى عفتي ومنصبي أن أعيرا
كأن بذفراها مناديل قارفت ... أكف رجال يعصرون الصنوبرا
كأن ابن آوى موثق تحت غرضها ... إذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا
شبه يديها بيدي مدلة بجمال ومنصب قد سابت وأقبلت تعتذر وتشير بيديها، فوصف جمالها الذي به تدل؛ ومنصبها المتصل بمن ذكرته.
وقوله:
أطارت من الحسن الرداء المحبرا
__________
1 ر: "من السير".
2 ر: "لشجو".
3 ديوانه 29. قال في شرح الديوان: شبه ذراعيها وهيي تتذرع في سيرها بذراعي امرأة مدلة أهلها ببراءة ساحتها وقوله: "بعيد السباب". أي في عقب المسابة قامت تعتذر إلى الناس".
4 قال في شرح الديوان: "البيض: جمع بيضاء. وهي نقية العرض من الدنس. والأعطاف: الجوانب واتصلت: انتسبت, وفراس: رجل عزيز. بالفتح. وهو ابن تغلب. ولقيط بن يعمر رجل أيضا عزيز. و: أو" بمعنى الواو. أي أنها شريفة النسب. فهي لا تقصر عن نفي ما رميت به".
5 الديوان: "لها شرق". والشرق: الضمح. وأطارت: رميت. والمحبر: المزين. أي أنها مدلة بجمالها فلا تختمر فتستر شيئاً عن الناظر, لأنها تبتهج بكل ما في وجهها ورأسها. "من شرح الديوان".
(3/77)

يقول: هي مدلة بجمالها، فلا تختمر فتستر شيئاً عن الناظر، لأنها تبتهج بكل ما في وجهها ورأسها.
وقد كشف هذا المعنى عمر بن أبي ربيعة المخزومي حيث يقول:
فلما تواقفنا وسلمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغ أكل فأوضعا
وقربن أسباب الهوى لمقتل ... يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا
فقلت لمطريهن ويحك إنما ... ضررت فهل تستطيع نفعاً فتنفعا1
قوله:
كأن بذفراها مناديل قارفت ... أكف رجال يعصرون الصنوبرا2
يقول: لسواد الذفرى، وهذا من كرمها، قال أوس بن حجر:
كأن كحيلاً معقداً أو عنية ... على رجع ذفراها من الليت واكف3
وهذا معنى يسأل عنه، لأن الليتين صفحتا العنق. والذفرى في أعلى القفا، فيكف يكف على الذفرى من الليت! والمعنى إنما هو كأن كحيلاً معقداً أو عنية واكف على رجع ذفراها.
وقوله: من الليت كقولك: كموضع دجلة من بغداد، إنما هو للحد بينهما، لا أنه وكف من شيء على شيء: وأما قوله:
كأن ابن آوى موثق تحت غرضها ... إذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا 4
يقول: ليست تستقر، فكأن ابن آوى يكلمها بنابيه أو يخلبها بظفره، فهي لا تستقر. وقال أوس بن حجر:
__________
1 ما بين العلامتين من زيادات ر.
2 الذفري: من نصف المقذ إلى أصول الأذنين. وقارفت: قاريت. وبعصرون الصنوبر: يستخرجون ما فيه. "من شرح الديوان".
3 زيادات ر "الكحيل: القطران. والعنية: ضرب منه".
4 موثق: مكتوف. ويكلم: يجرح. وظفر ,أصابها بأظافيره.
(3/78)

كأن هراً جنيباً تحت غرضتها ... والتف ديك برجليها وخنزير1
والغرض والغرضة واحد، وهو حزام الرحل.
وقال آخر:
كأن ذراعيها ذراعا بذية ... مفجعة لاقت خلائل عن عفر2
سمعن لها واستفرغت في حديثها ... فلا شيء يفري باليدين كما تفري
قال أبو العباس: أنشدنيهما عبد الصمد بن المعذل، وأنشدنيه سعيد بن سلم3. ولو قيل إن هذا من أبلغ ما قيل في هذا الوصف ما كان ذلك بعيداً، وصفها بأنها بذية، وقد فجعت بما أسمعت ونيل منها؛ ولقيت خلائلها بعد زمان وتلك الشكوى كامنة فيها، وأصغين لها فتسمعن4.
والفري: الشق، يقال: فرى أوداجه، أي قطع، وفريت الأديم. وإذا قلت: أفريت، فمعناه أصلحت. وقول الحجاج: إني والله ما أهم إلا مضيت ولا أخلق إلا فريت. يقول: إذا قدرت قطعت. يقال: فريت القربة والمزادة، فهما مفريتان، قال ذو الرمة5:
كأنه من كلى مفرية سرب
وقال امرؤ القيس:
كأن الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها حذف أعسرا6
__________
1 ديك: "ديك بحقوبها".
2 الخلائل: جمع خليلة, وهن اللائي أصفين الود.
3 ما بين العلامتين من زيادات ر.
4 ر: "إليها يتسمعن".
5 ديوانه, وصدره:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
والكلى: جمع كلية, وهي رقعة تكون في أصل عروة المزادة.
6 ديوانه 64, قال في شرحه: "يقول إذا سارت فرقت الحصى إلي كل جهة لشدة سيرها, وشبه فعلها ذلك برمي الأعسر, وهوالذي يرمي برجله اليسرى. وخصه لأن رميه لا يذهب مستمكا. وكذلك الحصى إذا رمت الناقة به. ومعنى "نجلته" فرقته به. والخذف: بالحصى ونحوها, فإن كان بالعصا وشبهها فهو الحذف. بالحاء غير معجمة.
(3/79)

كأن صليل المرو حين تشذه ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا1
قوله: حذف أعسرا يريد أنه يذهب على غير قصد. وقوله: صليل زيوف يقال: إن الزائف2 شديد الصوت صافيه.
وقال آخر:
كأن يديها يدا ماتح3 ... أتى يوم ورد لغب زرودا
يخاف العقاب وفي نفسه ... إذا هو أنهل ألا يعودا
يقول: هذا الساقي يخاف العقاب إن قصر، ولا عودة له إليه ثانية، فهو يستقي4 سقية في مرة واحدة.
وقد أكثروا في هذا، فمن الإفراط في السرعة قول ذي الرمة:
كأنه كوكب في إثر عفرية ... مسوم في سواد الليل منقضب
يقال: عفرية وعفرية في معنى واحد، والتاء في عفريت زائدة، وهو ملحق بقنديل، يقال: فلان [عفرية زبنية. والزبنية: المنكر، وجمعه زبانية، وأصله من الحركة، يقال: زبنه، إذا دفعه، ويقال] 5: عفرية نفرية، على التوكيد، [وعفريت نفريت، ويقال: عفارية، ولم يتبع بنفارية] 6.
ومن الإفراط قول الحطيئة:
__________
1 قال في شرح الديوان, "شبه صوت الحجارة إذا رميت بها ووقوع بعضها على بعض بصوت الدراهم الزيوف, إذا انتقدها الصيرف وقلبها. والزيوف: الرديئة. واحدها زائف وزيف. وإنما خصها لأن صوتها أشد من صوت غيرها لكثرة نحاسها. والصليل: الصوت. والمرو: الحجارة. ومعنى "تشده" تفرقه. وعبقر: موضع باليمين. وكانت دراهمه زيوفا".
2 ر:"الزيف".
3 الماتح: المستقى بالدلو من أعلى البئر. وزرود: اسم رمال بطريق الحاج من الكوفة.
4 ر: "فهي تستقي".
5 مابين العلامتين من زيادات نسخة ر.
6 مابين العلامتين من زيادات ر.
(3/80)

وإن نظرت يوماً بمؤخر عينها ... إلى علم بالغور قالت له ابعد
ومن الإفراط قوله:
بأرض ترى فرخ الحبارى كأنه ... بها راكب موف على ظهر قردد1
ومن ذلك قوله:
وكادت على الأطواء أطواء ضارج ... تساقطني والرحل من صوت هدهد
وقال آخر:
مروح برجليها إذا هي هجرت ... ويمنعها من أن تطير زمامها
وقال الشماخ:
مروح تغتلي في البيد حرف ... تكاد تطير من رأي القطيع
وكذلك الأعرابي الذي يقول:
لو ترسل الريح لجئنا قبلها
وقد مضى خبره.
وأملح ما قيل في هذا المعنى وأجوده قول امرئ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
فجعله للوحش كالقيد.
وحدثت أن رجلاً نظر إلى ظبية ترود، فقال له أعرابي: أتحب أن تكون لك? قال: نعم، قال: فأعطني أربع دراهم حتى أردها إليك، ففعل، فخرج يمحص2 في إثرها، فجدت وجد، حتى أخذ بقرنيها، فجاء بها، وهو يقول:
وهي على البعد تلوي خدها ... تريغ شدي وأريغ شدها
كيف ترى عدو غلام ردها
__________
1 القردد: ما غلظ من الأرض.
2 يقال: محص الظى في عدوه يمحص محصا: أسرع وعدا عدوا شديدا, وفي ر: "يفحص".
(3/81)

قال أبو العباس: ومن حلو التشبيه وقريبه، وصريح الكلام وبلغيه1 قول ذي الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جللته المظلمات الحنادس2
الحندس: اشتداد الظلمة، وهو توكيد لها، يقال: ليل حندس، وليل أليل، كما يقال: ليل3 مظلم.
وقال الشماخ في صفة الفرس:
مفج الحوامي عن نسور كأنها ... نوى القسب ترت عن جريم ملجلج
قوله: مفج الحوامي يريد مفرق الحوامي، فالحوامي: نواحي الحافر. والنسور، واحدها نسر، وهي نكتة في داخل الحافر، ويحمد الفرس إذا صلب ذلك منه، ولذلك شبه بنوى القسب4، وترت: سقطت. والجريم: المصروم، والملجلج: الذي قد لجلج مضغاً في الفم، ثم قذف لصلابته.
وقوله: مفج ليس يريد الذي هو شديد التفرقة، ولكن الانفصال عن النسر، فإنه إن اتسع واستوى أسفله فذلك الرحح5، وهو مذموم في الخيل، وكذلك إن ضاق وصغر قيل له: مضطر، وكان عيباً قبيحاً. قال حميد الأرقط:
لا رحح فيها ولا اضطرار ... ولم يقلب أرضها البيطار6
[ولا لحبليه بها حبار]
الحبار: الأثر] 7. ويروى: ولم يقلم8، وتأويل ذلك: أن حوافرها
__________
1 ساقطة من ر.
2 يقول: هذا الرمل حقف كأوراك العذارى. جللته: لبسته. الخنادس. الليالي المظلمة. والخندس: الظلام."من شرح الديوان".
3 ر: "وليل أليل مظلم". س: "وليل أليل. وهويم. كما يقال: ليل مظلم". وما أثبته عن الأصل.
4 القسب: التمر اليابس يتفتت في الفم. ونواه أصلب النوى.
5 الرحح: انبساط الحافر في رقة.
6 ر: "ولم يقلم".
7 ما بين العلامتين من زيادات ر.
8 ر: "ولم يقلب".
(3/82)

لا تتشعث فيقلمها البيطار، لأنها إذا كانت كذلك ذهب منها شيء بعد شيء فمحقها. وقال علقمة بن عبدة:
لا في شظاها ولا أرساغها عنت ... ولا السنابك أفناهن تقليم1
وإنما يحمد الحافر المقعب، وهو الذي هيئته كهيئة القعب، وإن كان كذلك قيل: حافر وأب2. قال ابن الخرع3:
لها حافر مثل قعب الوليد ... يتخذ الفأر فيه مغارا
يريد: لو دخل الفأر فيه لصلح، كقول القائل: فأتى بحفنة يقعد عليها عشرة، أي لو عقد عليها عشرة لصلح. وقال الراجز:
وأب حمت نسوره الأوقارا
[يقال: حافر موقور، وهو أن يصيبه داء يشبه الرهصة] 4 وفي كل حافر حاميتان. وهما حرفاه من5 عن يمين وشمال، ومقدمه السنبك، ومؤخره الدابرة.
مثل قوله: عن جريم ملج قول علقمة بن عبدة:
سلاءة كعصا النهدي غل بها ... ذو فيئة من نوى قران معجوم6
شبهها بالشوكة من شوك النخل؛ لأن الفرس الأنثى يخمد منها أن يدق صدرها وينخرط على امتلاء إلى مؤخرها، والحمام يحمد منهن أن يعرض الصدر ثم ينخرط إلى ذنبه ضموراً، فيقال في صفته: كأنه جلم.
وقوله: كعصا النهدي، يريد في الصلابة، كما قال:
وكل كميت كالهراوة صلدم
وقوله: ذو فيئة من نوى قران يقول: ذو رجعة، يقول: مضغته الإبل فلم
__________
1 رواية المفضليات 4.3: "ولا أرساغها عتب", والعتب: العيب. والشظى: عظم لاصق بالركبة. والسنابك: مقاديم الحوافر, يقول: هي وافيه السنبك لم تاكلة الأرض.
2 حافر وأب: صلب قوي.
3 هو عوف بن عطية بن الخرع. من بني تيم من عبد مناة.
4 ما بين العلامتين تكملة من س وزيادات ر.
5 ساقطة من ر.
6 السلاءة: شوكة النخل.
(3/83)

تكسره ثم بعرته صحاحاً. ومعجوم: ممضوغ، يقال: عجمته أعجمه عجماً1 إذا مضغته، فالعجم، ويقال للنوى من كل شيء: العجم، متحرك الجيم2، قال الأعشى:
وجذعانها كلقيط العجم
وقال النابغة:
فظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق، غير ذي أود
ومثل البيت الأول قول عقبة بن سبق العنزي:
له بين حواشيه ... نسور كنوى القسب
فهذا تشبيه مقارب جداً.
ومن التشبيه الحسن قول الشاعر3:
كأن المتن والشرخين منه ... خلاف النصل سيط به مشيج
يريد سهماً رمي به فأنفذ الرمية وقد اتصل به دمها، والمتن: متن السهم، وشرخ كل شيء: حده، فأراد شرخي الفوق، وهما حرفاه. والمشيج: اختلاط الدم بالنطفة، وهذا أصله، قال الشماخ:
طوت أحشاء مرتجة لوقت ... على مشج سلالته مهين
وقال الله جل وعز: {مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} 4. وفي الحديث: "اقتلوا مسان المشركين واستبقوا شرخهم" 5، أي الشباب، لأن الشرخ الحد، قال حسان بن ثابت:
__________
1 ساقطة من ر. وهي في الأصل. س.
2 ر: "العين" وهما بمعنى.
3 في زيادات ر: "هو الشماخ". والبيت ليس في ديوانه, وهو معمر بن الداخل الهذلى, ديوان الهذليين 104.3, وروايته:
كأن الريش والفوقين منه ... خلاف النصل سيط به مشيح
وهو أيضا بهذه الرواية في 195.12 من غير نسبة.
4 سورة الإنسان.
5 أورده ابن الأثير في النهاية 210:2وقال في شرحه: "أراد بالشيوخ الرجال, المسان هو هل الجلد والقوة على القتال. ولم يرد الهرمي. والشرخ: الصغار الذين لم يدركو".
(3/84)

إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
قال أبو العباس: وأنشدنا عمرو بن مرزوق. قال أنشدنا شعبة. قال: أنشدنا سماك بن حرب في هذا الحديث:
إن شرخ الشباب تألفه البيض ... وشيب القذال شيء زهيد
فأما قول الشنفرى:
كأن لها في الأرض نسياً تقصه ... على أمها وإن تحدثك تبلت
فإنما أراد شدة استحيائها، يقول: لا ترفع رأسها، كأنها تطلب شيئاً في الأرض.
والنسي على ضربين: أحدهما ما تقادم عهده حتى ينسى، والآخر ما أضله أهله فيطلب ويطمع فيه. وتقصه: تتبعه، قال الله جل وعز: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} 1 أي اتبعي أثره، والأم: القصد.
وقوله: وإن تحدثك تبلت، تقطع الحديث لاستحيائها.
وأنشد بشار بن برد الأعمى قول كثير:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكف تلين2
قال: فقال: الله أبو صخر! جعلها عصا، ثم يعتذر لها! والله لو جعلها عصا من مخ3 أو زبد لكان قد نجنها بالعصا، ألا قال كما قلت:
وبيضاء المحاجر من معد ... كأن حديثها قطع الجنان
إذا قامت لسبحتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران4
والخيزرانة: كل غصن لين يتثنى، ويقال للمردي: خيزرانة؛ إذا كان تثنى إذا اعتمد عليه، قال النابغة:
__________
1 سورة القصص 11.
2 قبله.
قد جعل الأعداء ينتقصوننا ... وتطمع فينا ألسن وعيون
3 ر: "من مخ".
4 السبحة: صلاة النافلة.
(3/85)

يظل من خوفه الملاح معتصماً1 ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد2
الأين: الإعياء، والنجد: العرق3.
وقد عاب بعض الناس قول كثير:
فما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها4
بمنخرق من بطن واد كأنما ... تلاقت به عطارة تجارها
بأطيب من أردان عزة موهناً ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
وحكى الزبيريون أن امرأة مدينية عرضت لكثير فقالت: أأنت القائل هذين البيتين? قال: نعم، قالت: فض الله فاك! أرأيت لو أن زنجية بخرت أردانها بمندل رطب أما كانت تطيب! ألا قلت كما قال سيدك5 امرؤ القيس:
ألم تر أني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب6
قوله: جثجاثها وعرارها الجثجاث: ريحانة طيبة الريح برية؛ من أحرار البقل؛ قال جرير يهجو خالد عينين العبدي:
كم عمة لك يا خليد وخالة ... خضر نواجذها من الكراث
نبتت بمنبته فطاب لريحها ... ونأت عن القيصوم والجثجاث
وإنما هجاه بالكراث، لأن عبد القيس يسكنون البحرين، والكراث من أطعمتهم، والعامة يسمونه الركل والركال، قال أحد العبديين:
ألا حبذا الأحسا وططيب ترابها ... وركالها غاد علينا ورائح7
__________
1 ر: "معتمدا", وما أثبته رواية الأصل والديوان.
2 الملاح: صاحب السفينة. والخيزرانة: السكان, وهو ذنب السفينة.
3 النجد: العرق والكرب.
4 الحزن: موضع لبنى يربوع. فيه رياض كثيرة.
5 ساقطة من ر.
6 قبله:
خليلي مرا بي على أم جندب ... لنقضي لبانات الفؤاد المعذب
وانظر تفصيل الخبر في الأغاني 57:14 طبعة الساسي. والموشح للمرزابي 151-153.
7 الإحساء: مدينة بالبحرين.
(3/86)

وقول كثير: وعرارها فالعرار البهار البري، وهو حسن الصفرة طيب الريح، قال الأعشى:
بيضاء ضحوتها وصفـ ... ـراء العشية كالعراره1
وقوله: موهناً يريد بعد هديء من الليل2، يقال: أتانا بعد هديء من الليل، وبعد وهن من الليل3، أي بعد دخولنا في الليل، وأنشد أبو زيد:
هبت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي
والمندل: العود. يقال له: المندل والمندلي. قال الشاعر4:
أمن زينب ذي النار ... قبيل الصبح ما تخبو
إذا ما خمدت يلقى ... عليها المندل الرطب
قال أبو العباس: ذي معناه ذه يقال: ذا عبد الله، وذي أمة الله، وذة أمة الله، وته أمة الله، وتا أمة الله؛ فإذا قلت: هذا عبد الله: فالإسم ذا وها للتنبيه. وعلى هذا القول5: هذي أمة الله [وهذه أمة الله] 6. وإن شئت أسكنت في الوصل فقلت: هذه أمة الله. وإذا قلت: هذهي أمة الله. فالياء زائدة. لأن هذه الهاء لما كانت في لفظ المضمر شبهوها به في زيادة الياء. نحو: مررت بهي يا فتى! ولا7 يجوز أن تضم الهاء في هذه على قول من قال: مررت بهو، لأن هاء الإضمار أصلها الضم. تقول: رأيتهو يا فتى، ورأيتهم يا فتى! وهذه الهاء ليست من هذه، إنما هي مشبهة وتقول: هاته هند، وهاتي هند، وهاتا هند، على زيادة ها للتنبيه. قال جرير:
__________
1 العرار: شجر له نور أصفر قدر شبر, وقبله:
ياجارتي ما كنت جاره ... بانت لتحزننا عفاره
ترضيك من دل ومن ... حسن مخالطه غراره
وانظر ديوانه 111.
2 من الليل. ساقط من ر.
3 "من الليل". ساقط من ر.
4 ينسب البيتان لعمر بن أبي ربيعة. وهما في ملحق: ديوانه 478.
5 ر: "تقول"
6 تكملة من نسخة الاصل.
7 ر: "لا يجوز" بدون الواو.
(3/87)

هذي التي جدعت تيماً معاطسها ... ثم اقعدي بعدها يا تيم أو قومي1
وقال عمران بن حطان:
وليس لعيشنا هذا مهاه ... وليست دارنا هاتا بدار
قال أبو العباس: النحويون يثبتون الهاء في الوصل فيقولون: مهاه. وتقديره: فعال. ومعناه اللمع والصفاء2. يقال: وجه له مهاه يا فتى! والأصمعي يقول: مهاة. تقديرها حصاة. يجعل الهاء زائدة. وتقديرها في قوله3 فعلة والمهاة: البلورة. والمهاة: البقرة والوحشية، وجمعها المها.4.
فإذا صغرت: ذه قلت: تيا، كأنك صغرت تا. ولا تصغر ذه على لفظها، لأنك إذا صغرت ذا قلت: ذيا. فلو صغرت ذي فقلت: ذيا، لالتبس المؤنث بالمذكر، فصغروا ما يخالف فيه المؤنث المذكر.
وهذه، المبهمة يخالف تصغيرها تصغير سائر الأسماء. وسنذكر ذلك فيباب نفرده له إن شاء الله.
عاد القول إلى التشبيه.
أنشدتني5 أم الهيثم في صفة جمل:
كأن صوت نابه بنابه ... صرير خطاف على كلابه
أرادت الصريف، وهو أن يحك أحد نابيه بالآخر.
__________
1 يهجو التيم. وقبله:
ما بين تيم وإسماعيل من نسب ... إلا القرابة بين الزنج والروم
إن ابن تيم لمنسوب لوالده ... داني القرابة من حام ويحموم
وانظر ديوانه 489-450.
2 ر: "والبهاء".
3 "في قوله" ساقط من ر.
4 زيادات ر:"حكى يعقوب بن السكيت: "مهاة". من أسماء الشمس. وأنشد:
ثم تجلى الظلام رب رحيم ... بمهاة ضياؤها منشور
5 ر: "وأنشدتني".
(3/88)

وقوله: صرير خطاف على كلابه فالخطاف ما تدور عليه البكرة. والكلاب ما وليه.
وقد قال النابغة:
مقذوفة بدخيس النخض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد
القعو: ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب، فإن كان من حديد فهو خطاف. وإن دارت على حبل فذلك الحبل يسمى الدرك.
وقوله: مقذوفة يقول: مرمية باللحم. والدخيس: الذي قد ركب بعضه بعضاً. والنخض: اللحم. وبازلها: نابها. ومعنى بزل، وفطر، واحد: وهو أ، ينشق الناب. قال ذو الرمة:
كأن على أنيابها كل سدفة ... صياح البوازي من صريف اللوائك1
يقول: مما تلوكه. ويقال في الغضب: تركت فلاناً يصرف نابه عليك ويحرق ويحرق. ورأيته يعض عليك الأرم، قال زهير في مدح حصن بن حذيفة2:
أبي الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله3
وقال آخر:
نبئت أحماء سليمى أنما ... ظلوا غضاباً يعلوكون الأرما
وقال بعض النحويين: يعني الشفاة. وقال بعضهم: يعني الأصابع.
فأما قولهم: عض على ناجذه وهو آخر الأسنان، فيكون على وجهين: أحدهما أنه قد احتنك وبلغ، والآخر: أن يكون للإطراق والتشدد.
ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا لقيتم القوم فاجمعوا القلوب وعضوا على النواجذ، فإن ذلك ينبي4 السيوف عن الهام.
__________
1 السدفة: بقية من سواد الليل, فشبه أنيابه بأصوات البزاة, يقول: لاك يلوك, إذا مضغ "من شرح ديوانه".
2 زيادات ر:"ابن بدر الفزاري".
3 أفضى: سار إلى الفضاء. وقبله:
من مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لأمر بحاوله
4 ر: "يثني".
(3/89)

ثم نعود إلى التشبيه.
قال الراجز1:
كأنها حين بناها الباس2 ... جنية في رأسها أمراس
بها سكون وبها شماس3 ... يخرج منها الحجر الكباس
يمر لا يحبسه حباس ... لا نافذ الطعن ولا تراس
يصف المنجنيق. والأمراس: الحبال، والواحد مرس4. والكباس: الضخم. يقال: هامة كبساء يا فتى؛ ورأس أكبس. والحباس: الذي من شأنه أن يحبس. يقال: رجل ضارب للذي يضرب، كثيراً كان منه ذلك أو قليلاً، فإذا قلت: ضراب وقتال، فإنما يكثر الفعل، ولا يكون للقليل.
قال الراجز:
أخضر من معدن ذي قساس ... كأنه في الحيد ذي الأضراس
يرمى به في البلد الدهاس
يصف معولاً. وذو قساس: معدن للحديد الجيد، وهو يقرب من بلاد بني أسد. والحيد: ما أشرف من الجبل أو غير ذلك، يقال للطنف حيد، وهو الذي يسميه أهل الحضر الإفريز؛ يقال طنف حائطك، ويقال للناتئ في وسط الكتف: حيد وعير، وكذا الناتئ في القدم. وقوله: ذي الأضراس يريد الموضع الضرس الخشن ذا الحجارة. فيقول: هذا المعوللحدته يقع في الخشونة فيهدمها كما يهدم الدهاس. والدهاس: ما لآن من الرمل. قال دريد بن الصمة في يوم حنين: أين مجتلد القوم? فقالوا: بأوطاس5. فقال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس6، ولا لين دهس!
__________
1 زيادات ر: "هو أبو النجم".
2 ر: "تناهي".
3 الشماس والشموس. شرود الدابة نفارها.
4 ر: "مرسية".
5 أوطاس: موضع في ديار هوازن.
6 الحزن: ما غلظ من الارض. والضرس: الشديد خشونة.
(3/90)

وقال العجاج يصف حماراً:
كأن في فيه إذا ما شحجا ... عوداً دوين اللهوات مولجا1
هذا يصف العير2 الوحشي الذي قد أسن3 تراه لا يشتد نهيقه، وكأنه يعالجه علاجاً. قال الشماخ:
إذا رجع التعشير شجاً كأنه ... بناجذه من خلف قارحه شجي4
فأما قول عنترة:
بركت على ماء الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم
فإنما يصف الناقة ويذكر حنينها. يقال إنه يخرج منها كأشجى صوت، فإنما شبهه بالزمير، وأراد القصب الذي يزمر به. قال الأصمعي: هو الذي يقال له بالفارسية ناي. قال الراعي يصف الحادي:
زجل الحداء كأن في حيزومه ... قصبا ومقنعة الحنين عجولا
المقنع: الرافع رأسه، في هذا الموضع، ويقال في غيره: الذي يحط رأسه استخذاء وندماً؛ قال الله جل وعز: {مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ} 5. ومن قال هو الرافع رأسه: فتأويله عندنا أن يتطاول فينظر ثم يطأطئ رأسه، فهو بعد يرجع إلى الإغضاء والإنكسار.
والبعير يحن كأشد الحنين إلى ألافه إذا أخذ من القطيع. قال: وأكثر ما يحن عند العطش. قال الشاعر6:
وتفرقوا بعد الجميع لنية ... لا بد أن يتفرق الجيران
لا تصبر الإبل الجلاد تفرقت ... بعد الجميع ويصبر الإنسان
__________
1 الشحيج: صوت البغل والحمار إذا أسن.
2 ر: "هذا يوصف به العير". وما أثبته عن الأصل. س.
3 ر: "إذا أسن".
4 التعشير: نهيق الحمار.
5 سورة إبراهيم 43.
6 هو مالك بن الصمصامة الجعدي.
(3/91)

وقال آخر:
وهل ريبة في أن تحن نجيبة ... إلى إلفها أو أن يحن نجيب!
وإذا رجعت الحنين كان ذلك أحسن صوت يهتاج له المفارقون، كما يهتاجون لنوح الحمام، ولالتياح البروق.
وقال عوف1 بن محلم، وسمع نوح حمامة:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح2
أفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زماناً والفؤاد صحيح
ولوعا فشطت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد قريح!
وكل مطوقة عند لعرب حمامة، كالدبسي والقمري والورشان، وما أشبه ذلك؛ قال حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنما3
إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة ... أو النخل من تثليث أو بيلملما
مطوقة خطباء تسجع كلما4 ... دنا الصيف وانجال الربيع فأنجما
محلاة طوق لم يكن من تميمة ... ولا ضرب صواغ بكفيه درهما
تغنت على غصن عشاء فلم تدع ... لنائحة في شجوها متلوما
إذا حركته الريح أو مال ميلة ... تغنت عليه مائلاً ومقوما
عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحاً ولم تفغر بمنطقها فما!
__________
1 قال المرصفي: الشعر لأبي كبير الهذلي. لا لعوف, وإنما ذكر لعبد الله بن طاهر العندليب. فالتفت إلي ابن محلم وقال: هل سمعت بأشجى من هذا؟ فقال: لا والله أبا كبير حيث يقول. وذكر الأبيات.
2 ر: "ميال". وما أثبته عن الأصل. س.
3 من قصيدة طويلة في ديوانه 1-3مطلعها:
سل الربع أني يممت أم سالم ... وهل عادة للربع أن يتكلما.
4 الديوان "تصدح".
(3/92)

فلما أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما
وقال ابن الرقاع وذكر حمامة:
[قال أبو الحسن الأخفش: الصحيح أنه لنصيب] :
ومما شجاني أنني كنت نائماً ... أعلل من برد الكرى بالتنسم
إلى أن بكت ورقاء في غصن أيكة ... تردد مبكاها بحسن الترنم1
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بليلى2 شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهاج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
أما قول حميد دعت ساق حر فإنما حكى صوتها، ويقال للواحد ذكراً كان أو أنثى: حمامة، والجمع الحمام، والحمامات، فإذا كان ذكراً قلت هذا حمامة، وإذا كانت أنثى قلت هذه حمامة. وكذلك هذا بطة وهذه بطة. ويقال بقرة للذكر والأنثى، ودجاجة لهما، فإذا قلت: ثور، أو ديك بينت الذكر، واستغنيت عن تقديم التذكير.
ويقال للحمامة: تغنت وناحت، وذاك أنه صوت حسن غير مفهوم، فيشبه مرة بهذا ومرة بهذا، قال قيس بن معاذ:
ولو لم يشقني الظاعنون لشاقني ... حمائم ورق في الديار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح ما تجري لهن دموع
وقوله: وانجال الربيع يقال؛ انجال عنا، أي أقلع، ومثل ذلك أنجم عنا. وإن قلت: أثجم فمعناه لزم ووقع، فهو خلاف أنجم. وإن قلت: انجاب فمعناه انشق. يقال: المجوب للحديدة التي يثقب بها المسيب. ويقال: جبت البلاد أي دخلتها وطوقتها. وفي القرآن: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} 3 أي شقوه.
وقوله: لم يكن من تميمة التميمة المعاذة وقد مضى هذا.
__________
1 ما بين العلامتين من زيادات ر.
2 ر: "سعدي" وما أثبته عن الأصل.
3 سورة الفجر 9.
(3/93)

وقوله: وما تفغر بمنطقها فما. يقول: لم تفتح. يقال: فغرفاه. إذا فتحه1.
وقوله:
ولا عربياً شاقه صوت أعجما
يقول: لم أفهم ما قالت، ولكني استحسنت صوتها واستحزنته، فحننت له.
ويروى أن بعض الصالحين كان يسمع الفارسية تنوح ولا يدري ما تقول. فيبكيه ذلك ويرققه. ويذكر به غي ما قصدت له.
قال أبو العباس: وحدثت أن بعض المحدثين2 سمع غناء بخراسان بالفارسية فلم يدر ما هو. غير أنه شوقه لشجاه وحسنه. فقال في ذلك:
حمدتك ليلة شرفت وطابت ... أقام سهادها ومضى كراها
سمعت بها غناء كان أولى ... بأن يقتاد نفسي من غناها
الغناء، الأول: المدود من الصوت. والذي ذكره بعد في القافية: من المال مقصور:
ومسمعه يحار السمع فيها ... ولا تصممه لا يصمم صداها3
مرت أوتارها فشفت وشاقت ... فلو يسطيع حاسدها فداها
ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنى ... بحب الغانيات وما يراها
[وقال عبد بني الحسحاس:
وراهن ربي مثل ما قد ورينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا] 4
__________
1 زيادات ر: "حكى ثعلب: "فغر فاه" و"فغر نفسه". وكذلك شجى فاه. وشجى نفسه".
2 هو أبو تمام.
3 قال المرصفي: يدعو لها بطول العمر. والعرب تقول: أصم الله صداه. تريد أهلكه. وإذا مات قالت: صم صداه. والصدى: ما تسمعه عقيب صياحك راجع إليك من جبل أو مكان مرتفع.
4 ما بين العلامتين من زيادات ر.
(3/94)

قال أبو العباس: والشيء يذكر بالشيء وإن كان دونه فنجري لاحتواء الباب والمعنى عليهما.
وفي شعر حميد هذا ما هو أحكم مما ذكرنا وأوعظ، وأحرى أن يمثل به الأشراف، وتسود به الصحف، وهو قوله:
أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما
ولا يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
ويروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "كفى بالسلامة داء".
ثم نرجع إلى التشبيه.
قال أبو العباس: والعرب تشبه على أربعة أضرب: فتشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه: وهو أخشن الكلام.
فمن التشبيه المفرط المتجاوز، قولهم للسخي: هو كالبحر. وللشجاع: هو كالأسد. وللشريف: سما حتى بلغ النجم. ثم زادوا فوق ذلك. من ذاك قول بعضهم وهو بكر بن النطاح، يقوله لأبي دلف القاسم بن عيسى:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البر صار البر أندى من البحر
ولو أن خلق الله في مسك فارس1 ... وبارزه كان الخلي من العمر
وقد قيل: أن امرأة عمران بن حطان قالت له: أما زعمت أنك لم تكذب في شعر قط! قال: أو فعلت? قالت: أنت القائل:
فهناك مجزأة بن ثور ... كان أشجع من أسامة
أفيكون رجل أشجع من الأسد! قال: فقال: أنا رأيت مجزأة بن ثور فتح مدينة، والأسد لا يفتح مدينة.
__________
1 المسك: الجلد.
(3/95)

ومن عجيب التشبيه في إفراط، غير أنه خرج من كلام جيد وعني به رجل جليل، فخرج من باب الاحتمال إلى باب الاستحسان، ثم جعل لجودة ألفاظه وحسن رصفه، واستواء نظمه، في غاية ما يستحسن قول النابغة يعني حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح1
ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل ... نجوم السماء والأديم صحيح
فعما قليل ثم جاء نعيه ... فظل ندي الحي وهو ينوح
ومن تشبيههم المتجاوز الجيد النظم ما قد2 ذكرناه، وهو قول أبي الطمحان القيني:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه3
ويروى عن الأصمعي أنه رأى رجلاً يختال في أزير4 في يوم قر في مشيته. فقال له: ممن أنت يا مقرور? فقال: أنا ابن الوحيد، أمشي الخيزلى5، ويدفئني حسبي.
وقيل لآخر في هذه الحال: أما يوجعك البرد? فقال: بلى والله، ولكن أذكر حسبي فأدفأ.
وأصوب منهما قول العريان الذي سئل في يوم قر عما يجد، فقال: ما علي منه كبير مؤونة6. فقيل: وكيف ذلك7 ? فقال: دام بي العري، فاعتاد بدني ما تعتاده وجوهكم!
__________
1 جنوح: مصدر جنح إليه, إذا مال وسكن.
2 ساقطة س ر.
3 الجزع: ضرب من الخرر, وقيل: هو الخرز اليملني, الذي فيه بياض وسواد, تشبهبه الأعين.
4 الأزير: تصغير إزار, قال المرصفي: يريد أنه يختال في إزار قصير.
5 الخيزلي: مشيه فيها تبختر وتثاقل وتراجع وتفكك.
6 ر: "وقيل".
7 ساقطة من ر.
(3/96)

ومن التشبيه القاصد1 الصحيح، قول النابغة:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع2
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع3
يسهد من نوم العشاء سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طوراً وطوراً تراجع4
فهذه صفة الخائف المهموم. ومثل ذلك قول الآخر5:
تبيت الهموم الطارقات يعدنني ... كما تعتري الأوصاب رأس المطلق
والمطلق هو الذي ذكره النابغة في قوله:
تطلقه طوراً وطوراص تراجع
وذاك أن المنهوش إذا ألح الوجع به تارة، وأمسك عنه تارة، فقد قارب أن يوأس من برئه.
وإنما ذكر خوفه من النعمان وما يعتريه من لوعة، في إثر لوعة، والفترة بينهما، والخائف لا ينام إلا غراراً، فلذلك شبهه بالملدوغ المسهد.
وقوله:
لحلي النساء في يديه قعاقع
لأنهم كانوا يعلقون حلي النساء على الملدوغ. يزعمون أن ذلك من أسباب البرء، لأنه يسمع تقعقعها النوم فلا ينام، فيدب السم فيه. ويسهد لذلك.
وقال الآخر:
__________
1 القاصد: المستقيم الواضح القريب.
2 راكس والضواجع: موضعان في بلاد غطفان.
3 من المساورة, وهي المواثبة. والضئيلة: الحية الدقيقة. والرقش: جمع رقشاء, وهي الحية التي فيها نقط سود وبيض.
4 تناذرها الراقون, أي أنذر بعضهم بعضا ألا يتعرض لها.
5 هو شأس بن نهار العبدي.
(3/97)

كأن فجاج الأرض وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل
يؤتى إليه أن كل ثنية ... تيممها ترمي إليه بقاتل1
يقال لكل مستطيل كفة. يقال كفة الثوب لحاشيته، وكفة الحابل، إذا كانت مستطيلة. ويقال لكل شيء مستدير كفة، ويقال: ضعه في كفة الميزان، فهذه جملة هذا وكفة الحابل، يعني صاحب الحبالة التي ينصبها للصيد.
وأما التشبيه البعيد الذي لا يقوم بنفسه، فكقوله:
بل لو رأتني أخت جيراننا ... إذ أنا في الدار كأني حمار
فإما أراد الصحة، فهذا بعيد، لأن السامع إنما يستدل عليه بغيره. وقال الله جل وعز وهذا البين الواضح: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} 2 والسفر الكتاب، وقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ} 3 في أنهم قد تعاموا عنها. وأضربوا عن حدودها وأمرها ونهيها، حتى صاروا كالحمار الذي يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها.
وهجا مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة قوماً من رواة الشعر بأنهم لا يعلمون ما هو، على كثرة استكثارهم روايته، فقال:
زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر
والتشبيه كما ذكرنا من أكثر كلام الناس. وقد وقع على ألسن الناس من التشبية المستحسن عندهم, وعن أصل أخذوه أن يشبهوا4 عين المرأه في الكحل بعين الظبية5 أو البقرة الوحشية، والأنف بحد السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضة، والساق بالجمار6. فهذا كلام جار على الألسن.
__________
1 يؤتى إليه. أي يجئ إليه في وهمه.
2 سورة الجمعة 5.
3 الزوامل: جمع زاملة. وهي البعير بحمل المتاع والطعام. والغرائر: جمع الغرارة, وهي الأوعية, التي تسمى الجوالق.
4 ر: "أن شبهوا. وما أثبته عن الأصل. س."
5 ر: "الظبى".
6 الجمارة: شحمة بيضاء في رأس النخلة وفي س "الجمار".
(3/98)

وقد قال سراقة بن مالك بن جعشم: فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وساقاه ناديتان في غرزه كأنهما جمارتان، فأرده فوقعت في مقنب1 من خيل الأنصار، فقرعوني بالرماح، وقالوا: أين تريد?
وقال كعب بن مالك الأنصاري: وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سر تبلج وجهه فصار كأنه البدر.
وعين الإنسان مشبهة بعين الظبي والبقرة في كلامهم المنثور، وشعرهم المنظوم، من جاري ما تكلمت به العرب، وكثر في أشعارها، قال الشاعر2:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك رقيق3
وقال ذو الرمة:
أرى فيك من خرقاء يا ظبية اللوى ... مشابه جنبت اعتلاق الحبائل
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولونك إلا أنها غير عاطل4
وقال آخر5:
فلم ترعيني مثل سرب رأيته ... خرجن علينا من زقاق ابن واقف
طلعن بأعناق الظباء أعين ال ... جآذر وامتدت بهن الروادف6
ويقال للخطيب: كأن لسانه مبرد. فهذا الجاري في الكلام، كما يقال للطويل: كأنه رمح. ويقال للمهتز للكرم: كأنه غصن تحت بارح.
ومن عجيب7 التشبيه قول القائل:
لعينك يوم البين أسرع واكفاً ... من الفنن الممطور وهو مروح8
وذاك أن الغصن يقع المطر في ورقه فيصير منها في مثل المداهن، فإذا هبت به الريح لم تلبثه أن تقطره.
__________
1 المقنب: جماعة الخيل والفرسان.
2 هو مجنون بني عامر. وقبله:
وياشبه ليلى لو تلبثت ساعة ... لعل فؤادي من جواه يفيق
3 ر: "دقيق". وما أثبته عن الأصل. س.
4 ما بين العلامتين من زيادات ر.
5 ر: "الآخر". ونسبه المرصفي إلى هدبة بن خشرم العذرى.
6 في البيت إقواء.
7 ر: "من مليح".
8 نسبه القالي في أماليه "70:1" إلى أبي حية النميري. ورواه: "لعيناك". والفنن: الغصن. وجمعه أفنان.
(3/99)

طرائف من تشبيهات المحدثين
ثم نذكر بعد هذا طرائف من تشبيه المحدثين وملاحاتهم، فقد شرطناه في أول الباب، إن شاء الله.
قال أبو العباس: ومن أكثرهم تشبيهاً، لاتساعه في القول، وكثرة ثقبه1، واتساع مذهبه2 الحسن بن هانئ، قال في مديحه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك:
وكنا إذا ما الحائن الجد غره ... سنا برق غاو أو ضجيج رعاد
تردى له الفضل بن يحيى بن خالد ... بماضي الظبا أزهاه طول نجاد
أما خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قناً وجياد
فما هو إلا الدهر يأتي بصرفه ... على كل من يشقى به ويعادي
قوله: الحائن الجد يقال: حان الرجل، إذا دنا موته، ويقال: رجل حائن، والمصدر الحين. والجد: الحظ، والجد والجدة، مفتوحان، فإذا أردت المصدر من جددت في الأمر، قلت: أجد جداً مكسور الجيم، ويقال: جددت النخل أجده جداً وجداداً3 إذا صرمته. ويقال: جذذته جذاً. وتركت الشيء جذاذاً، إذا قطعته قعاً. ويروى هذا البيت لجرير على وجهين:
آل المهلب جذ الله دابرهم ... أضحوا رماداً فلا أصل ولا طرف
ويروى جد، وقرأ بعض القراء: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} 4 فأما قوله: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} 5 فلم يقرأ بغيره. ويقال: كم جذاذ نخلك. أي كم تصرم منها. ويروى من قول الله جل وعز: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} 6 عن أنس بن
__________
1 كذا في س والأصل, وفي ر: "تفننه".
2 ر: "مذاهبه".
3 تكملة من س.
4 سورة هود 108.
5 سورة الأنبياء.
6 سورة الجن 3.
(3/100)

مالك: "غنى ربنا". وقرأ سعيد بن جبير: "جدا ربنا". ولو قرأ قارئ "جدا ربنا" على معنا: جد ربنا لم يقرأ به لتغير الخط، وكذا قراءة سعيد مخالفة الخط1.
وهذا الشعر ينشد بالكسر:
أجدك لم تغتمض ليلة ... فترقدها مع رقادها
ومثله2:
أجدك لم تسمع وصاة محمد ... رسول الإله حين أوصى وأشهدا
لأن معناه أجداً منك، على التوقيف، وتقديره في النصب: أتجد جداً، ويقال: امرأة جداء، إذا كانت لا ثدي لها، فكأنه قطع منها، لأن أصل الجد القطع، ويقال: بلدة جداء، إذا لم تكن بها مياه. قال الشاعر:
وجداء ما يرجى بها ذو هوادة ... لعرف ولا يخشى السماة ربيبها3
القرابة والهوادة في المعنى واحدة. قال أبو الحسن: السماة هم الصادة نصف النهار، وروي عن بعض أصحابنا، عن المازني قال: إنما سمي سامياً بالمسماة، وهو خف يلبسه لئلا يسمع الوحض وطأه، وهو عندي من سما للصيد.
ينشد هذا البيت:
أبى حبي سليمى أن يبيدا ... وأصبح حبلها خلقاً جديد
يقول: أصبح خلقاً مقطوعاً، لأن جديداً في معنى مجدود أي مقطوع، كما تقول: قتيل ومقتول وجريح ومجروح.
__________
1 ما بين العلامتين زيادات من ر.
2 زيادات ر: "قول الأعشى". والبيت في ديوانه 103. وروايته: "نبي الغله".
3 البين في الكتاب 1: 294: 1442. ونسبه إلى العنبري, وروايته.
وجداء يرجى بها ذو قراية ... لعطف وما يخشى السماة ربيبها
إلى العنبري.
(3/101)

ويقال في غير هذا المعنى: رجل مجدود، إذا كان ذا خطر وحظ1، وفي الدعاء "ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، أي من كان له حظ في دنياه لم يدفع ذلك عنه ما يريد الله به. ولو قال قائل: ولا ينفع ذا الجد منك الجد - يريد الاجتهاد - لكان وجهاً.
وقوله: سنا برق غاو والسنا: من الضياء مقصور. قال الله جل وعز: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} 2. والسناء: من المجد ممدود. وقال الشاعر:
وهم قوم كرام الحي طراً ... لهم خول إذا ذكر السناء
وضربه الحسن3 ههنا مثلاً وجمع الرعد فقال: رعاد، كقولك: كلب وكلاب، وكعب وكعاب.
وقوله: بماضي الظبي. ظبة كل شيء حده، يقال: وخزه بظبة السيف، يراد بذلك حد طرفه.
وقوله: أزهاه طول نجاد، النجاد: حمائل السيف، وأزهاه: رفعه وأعلاه، والرجل يمدح بالطول، فلذلك يذكر طول حماله. قال مروان بن أبي حفصة يمدح المهدي:
قصرت حمائله عليه فقلصت ... ولقد تأنق قينها فأطالها
وقال الحسن بن هانئ يمدح محمداً الأمين:
سبط البنان إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسماط قيام4
وقال جرير للفرزدق:
تعالوا ففاتونا ففي الحكم مقنع ... إلى الغر من أهل البطاح الأكارم
فإني لأرضى عبد شمس وما قضت ... وأرضى الطوال البيض من آل هاشم
__________
1 ر: "أي حظ".
2 سورة النور 43.
3 يريد الحسن بن هانئ.
4 غمر الجماجم. أي فرع القوم وعلاهم بطول قامته.
(3/102)

وقال الآخر:
لما التقى الصفان واختلف القنا ... نهالا وأسباب المنايا نهالها
تبين لي أن القماءة ذلة ... وأن أشداء الرجال طوالها
وقوله: أمام خميس، الخميس ههنا: الجيش، وكذلك قال ربيئة أهل خيبر، لما أطل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم: محمد الخميس، أي والجيش. وقال الشاعر، وهو طرفة:
وأي خميس لا أفأنا تهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دما
أفأنا: رددنا. يقال: أفاءه يفيء إذا رد. والأرجوان: الأحمر1. قال الشاعر:
عشية غادرت خيلي حميداً ... كأن عليه حلة أرجوان
والجياد: الخيل. وفي القرآن: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} 2.
ومن تشبيهه3 الجيد في هذا الشعر الذي ذكرنا قوله:
ترى الناس أفواجاً إلى باب داره ... كأنهما رجلا دبى وجراد4
فيوم لإلحاق الفقير بذي الغنى ... ويوم رقاب بوكرت لحصاد
ومن التشبيه الجيد قوله5:
فكأني بما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما
وكان سبب هذا الشعر أن الخليفة تشدد عليه من شرب الخمر، وحبسه من أجل ذلك حبساً طويلاً، فقال:
__________
1 الأرجوان: صبغ أحمر شديد الحمرة.
2 سورة ص 21.
3 أي الحسن بن هانئ.
4 الدبا: مقصور قبل أن يطير.
5 زيادات ر:"أي الحسن بن هانئ".
(3/103)

أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلا شميما
نالني بالملام فيها إمام ... لا أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما
كبر حظي منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما
فكأني بما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما1
لم يطق حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألا يقيما
فهذا المعنى لم يسبقه إليه أحد.
قال: وحدثت أن العماني2 الراجز أنشد الرشيد في صفة فرس:
كأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلماً محرفا3
فعلم القوم كلهم أنه قد لحن، ولم يهتد منهم أحد لإصلاح البيت إلا الرشيد. فإنه قال له: قل: تخال أذنيه إذا تشوفا. والراجز وإن كان لحن فقد أحسن التشبيه.
ويروي أن جريراً دخل إلى الوليد، وابن الرقاع4 العاملي عنده ينشده القصيدة التي يقول فيها:
غلب المساميح الوليد سماحة ... وكفى قريش المعضلات وسادها
قال جرير: فحسدته على أبيات منها، حتى أنشد في صفة الظبية:
تزجي أغن كأن إبرة روقه
قال: فقلت في نفسي: وقع والله، ما يقدر أن يقول أو يشبه به، قال: فقال:
__________
1 القعدي: من يرى رأي القعد, وهم الخوارج الذين يرون القعود والتحكيم ولا يخرجون إلى القتال.
2 العماني: هو محمد بن ذؤيب بن محجن البصري.
3 قادمة: واحدة القوائم, وهن أربع ريشات في مقدم الجناح. واللواتي بعدهن المناكب إلى أسفل الجناح.
4 هو الوليد بن عبد الملك, وابن الرقاع هو عدي.
(3/104)

قلما أصاب من الدواة مدادها
قال: فما قدرت حسداً له أن أقيم حتى انصرفت.
ومن التشبيه1 الحسن الذي نستطرفه قوله:
تعاطيكها كف كأن بنانها ... إذا اعترضتها العين صف مداري
ومن التشبيه المليح قوله:
وكأن سلمى إذ تودعنا2 ... وقد اشرأب الدمع أن يكفا3
رشأ تواصين القيان به ... حتى عقدن بأذنه شنفا4
وفي هذا الشعر من التشبيه5 الجيد قوله:
خير فؤادك أو ستخبره ... قسماً لينتهين أو حلفا
الحب ظهر أنت راكبه ... فإذا صرفت عنانه انصرفا
ومن التشبيه الجيد قوله6:
إليك رمت بالقوم خوص كأنما ... جماجمها فوق الحجاج قبور
__________
1 ر: "تشبيهه".
2 ر: "كأن سعدي" وما أثبته عن الأصل, س.
3 زيادات ر: "يقال: اشرأب لأن يكلمني" إذا تهيأ لكلالمك. واشرأب الدمع, إذا تهيأ للوكف".
4 الرشأ: الظبي إذا قوى وأشتد, وتواصين, أوصى بعضهم بعضا.
5 ساقط من ر.
6 من كلمة يمدح بها الخصيب, أمير مصر, وقيله:
ومازلت توليه النصيحة يافعا ... إلى أن بدا في العارضين قتير
إذا غاله أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفاة تشير
(3/105)

وله أيضاً:
سأرحل من قود المهارى شملة ... مسخرة ما تستحث بحادي1
مع الريح ما راحت فإن هي أعصفت ... نهور برأس كالعلاة وهادي2
العلاة: السندان، قال جرير:
أيفخر بالمحمم قين ليلى ... وبالكير المرقع والعلاة
وقال الحسن بن هانئ في صفة السفينة:
بنيت على قدر ولاءم بينها ... طبقان من قير ومن ألواح
فكأنها والماء ينطح صدرها ... والخيزرانة في يد الملاح
جون من العقبان يبتدر الدجى ... يهوي بصوت واصطفاق جناح
وقال في شعر آخر، يصف الخمر، ويذكر صفاءها ورقتها، وضياءها وإشراقها:
إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا3
فأما قوله:
بنينا على كسرى سماء مدامة ... جوانبها محفوفة بنجوم
فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذاً لاصطفاني دون كل نديم
__________
1 قود المهاري. القود: جمع قوداء, وهي الطويلة الظهر والعتق, والمهري: المنسوبة إلي مهرة بن حيدان. أي حي من العرب.
2 النهوز, مبالغة من النهز, وهو الدفع.
3 قبله.
وقلت لساقيها أجزها فلم يكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا
فجوزها عني سلافا ترى لها ... إلي الافق الاعلى شعاعا مطنبا
(3/106)

فإنما كانت صورة كسرى في الإناء. وقوله:
جوانبها محفوفة بنجوم
فإنما يريد ما تطوق به من الزبد.
وقد قال في أخرى.
[أول الشعر من غير الأم1:
ودار ندامى خلفوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضعاث ريحان جني ويابس
حبست بها صحبي فألفت شملهم ... وإني على أمثال تلك لحابس] 2
أقمنا بها يوماً ويوماً وليلة ... ويوماً له يوم الترحل خامس
تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها3 كسرى وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسي الفوارس
فللخمر ما ذرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
العسجدية: منسوبة إلى العسجد، وهو الذهب.
وقال المثقب العبدي:
قالت ألا تشتري ذاكم ... إلا بما شئنا ولم يوجد
إلا ببدري ذهب خالص ... كل صباح آخر المسند
من مال من يجني ويجني له ... سبعون قنطاراً من العسجد
وقوله: تدريها أي تختلها. يقال: دريت الصيد. إذا ختلته. قال الأخطل:
__________
1 الأم هنا أصل الكتاب.
2 ما بين العلامتين من زيادات ر.
3 قراراتها: منصوب على الظرفية.
(3/107)

وإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني ... بسهمك والرامي يصيد وما يدري
وقال الحسن بن هانئ:
ما حطك الواشون من رتبة ... عندي ولا ضرك مغتاب1
كأنما أثنوا ولم يعلموا2 ... عليك عندي بالذي عابوا
وهذا المعنى عندي مأخوذ من قول النعمان بن المنذر لحجل بن نضلة، وقد ذكر معاوية بن شكل، فقال: أبيت اللعن! إنه لقعو الأليتين، مقبل النعلين، فجج الفخذين، مشاء بأقراء، تباع إماء، قتال ظبآء. فقال النعمان: أردت أن تذيمه فمدهته.
قوله: مقبل النعلين، يقول: لنعله قبال. ينسبهإلى الترفه. وتباع إماء، وقتال ظباء، من ذلك.
والقعو: ما تدور فيه البكرة إذا كان من خشب.
وقوله: تذيمه معناه تذمه. يقال: ذمه يذمه ذماً وذامه يذيمه ذيماً، وذأمه يذأمه ذأما. والمعنى واحد، قال الله تبارك وتعالى: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً} 3.وقال الحارث بن خالد المخزومي لعبد الملك:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها
وقوله: فمدهته يريد مدحته. فأبدل من الحاء هاء، لقرب المخرج، وبنو سعد بنزياد مناة بن تميم كذلك تقول: ولخم ومن قاربها.
قال رؤبة:
لله در الغانيات المدَّه4 ... سبحن واسترجعن من تألهي5
يريد المدح، وفي هذه الأرجوزة:
__________
1 ر: "ما اغتابوا". وهذه رواية الاصل.
2 ر: "كأنهم".
3 سورة الأعراف 18.
4 المده: اللاتي يمتدحن بالجمال.
5 استرجعن: قلن: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
(3/108)

براق أصلاد الجبين الأجله1
يريد الأجلح، والعرب تقول: جلح الرجل جلحاً، وجله يجله جلهاً، وجلي يجلي جلى، والمعنى واحد، قال العجاج:
مع الجلا ولائح القتير
ومثل بيت الحسن وكلام النعمان قول عمرو بن معد يكرب:
كأن محرشاً في بيت سعدي ... يعل بعيبها عندي شفيع2
وفي قصيدة الحسن هذه:
إن جئت لم تأت وإن لم أجئ ... جئت، فهذا منك لي داب!
كأنما أنت وإن كنت لا ... تكذب في الميعاد كذاب
وهذا كلام طريف.
ومن حسن تشبيه المحدثين قول بشار بن برد العقيلي3:
وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا4
وتخال ما جمعت عليه ... بنانها ذهباً وعطرا
وهذا التشبيه الجامع.
ونظيره في جمع شيئين لمعنيين ما ذكرت لك من قول مسلم بن الوليد:
كأن فيسرجه بدراً وضرغاما
ومن حسن التشبيه من قول المحدثين قول عباس بن الأحنف:
__________
1 أي لا شعر فوق جبينه. تشبيها بالحجر الصلد.
2 يعل, من العل, وهو السقية الثانية.
3 ساقطة من ر.
4 قبلها:
حوراء إن نظرت إليك ... سقتك بالعينين خمرا
وكان رجع حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
(3/109)

أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق1
فهذا حسن في هذا جداً.
ومن حسن ما قالوا في التشبيه قول إسماعيل بن القاسم، أبي العتاهية للرشيد:
أمين الله أمنك خير أمن ... عليك من التقى فيه لباس
تساس من السماء بكل فضل ... وأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
وقد أخذ هذا المعنى علي بن جبلة، فقال في مدحه حميد بن عبد الحميد، وزاد في الشرح والترتيب، فقال:
يرتق ما يفتق أعداؤه ... وليس يأسو فتقة آسي2
فالناس حسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الراس
والعرب تختصر في التشبيه، وربما أومأت به إيماء، قال أحد الرجاز:
بتنا بحسان ومعاه تئط3 ... ما زلت أسعى بينهم وألتبط4
حتى إذا كاد الظلام يختلط5 ... جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط!
يقول في لون الذئب، واللبن إذا جهد6 وخلط بالماء ضرب إلى الغبرة، وأنشد الأصمعي:
وتشربه محضاً وتسقي عيالها ... سجاجاً كأقراب الثعالب أورقا
__________
1 الذبالة: الفتيلة.
2 الرتق: ضد الفتق, وهو لأم الفتق وإصلاحة.
3 تثط: من الأطيط, وهو صوت الامعاء من الجوع.
4 الالتباط: العدو والوثوب.
5 ر: "كان الظلام". وما أثبته من الأصل. س.
6 جهد اللبن: "أخرج زبده كله".
(3/110)

السجاج: الرقيق الممذوق. والقربان: الجنبان، والواحد قرب، والجميع أقراب1، من ذلك قول عمر بن الخطاب رحمه الله لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد شاور في رجل جنى جناية، وجاء قومه يشفعون له، فشفع له قوم آخرون، فقال له عمر: يا رسول الله، أرى أن توجع قربيه، فقال القوم: يا رسول الله، إنك لن تشتد على أمتك بقول عمر: فنزل إليه جبرائيل عليه السلام فقال له ثلاثاً: يا محمد، القول قول عمر، شد الإسلام بعمر. فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضرب الرجل.
والأورق: لون بين الخضرة والسواد، يقال: جمل أورق بين الورقة، وهو الأم ألوان الإبل عند العرب وأطيبها لحماً.
ومن مليح التشبيه للمحدثين2 قول عبد الصمد بن المعدل في صفة العقرب:
تبرز كالقرنين حين تطلعه ... تزحله مراً ومراً ترجعه3
في مثل صدر السبت خلق تفظعه ... أعصل خطار تلوح شعه4
أسود كالسبجة فيه مبضعه ... لا تصنع الرقشاء ما لا يصنعه5
وفي هذه الأرجوزة أيضاً:
بات بها حين حبيش يتبعه ... وبات جذلان وثيراً مضعه6
ذا سنة آمن ما يروعه ... حتى دنت منه لحتف تزمعه
فاظت تجم سمها وتجمعه ... يا بؤس للمودعه ما يودعه7
فشرعت أم الحمام إصبعه ... أنحت عليه كالشهاب تلذعه8
__________
1 ساقطة من ر.
2 ساقطة من ر.
3 تزحله: تنحيه.
4 السبت: الجلد المدبوغ. وخلق. مخلوق. يريد ذنبها. تفظعه: تراه فضيعا. أعصل. من العصل, وهو الالتواء في الشئ. وخطار: كثير الحركة يمينا وشمالا. "من رغبة الآمل".
5 السبجة: بردة من صوف فيها سواد وبياض, والرقشاء: الحية فيها نقط سود وبيض.
6 حبيش هنا: اسم اللديغ, والحين: الهلاك., ووثيرا, من الوثارة. وهي لين الفراش.
7 فاظت: أخرجت سمها.
8 شرعة: دنت.
(3/111)

عطك سربال حرير تخلعه ... فكل خل ظاهر تفجعه1
يزداد من بغت الحمام جزعه ... واليأس من تيسيره توقعه
وكذلك قال يزيد بن ضبة أو يزيد بن الصمة2.
قال أبو الحسن: شك العباس في أنه لأحدهما، أعني هذا البيت:
وكنهم بانوا ولم أدر بغتة ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت3
ومن أحسن التشبيه ومليحه قول رجل يهجو رجلاً برثاثة الحال:
يأتيك في جبة محرقة ... أطول أعمار مثلها يوم
وطيلسان كالآل يلبسه ... على قميص كأنه غيم
والتشبيه كثير، وهو باب كأنه لا آخر له، وإنما ذكرنا منه شيئاً لئلا يخلو هذا الكتاب من شيء من المعاني.
ونختم ما ذكرنا من أشعار المحدثين ببيتين أو ثلاثة من الشعر الجيد، ثم نأخذ في غير هذا الباب إن شاء الله. قال طفيل:
تقريبه المرطى والجون معتدل ... كأنه سبد بالماء مغسول
السبد: طائر بعينه. وقد قالوا: الخصفة التي توضع عند البئر، وهو بالطائر أشبه، وإنما أراد العرق في هذا الوقت. وخير الخيل ما لم يسرع عرقه ولم يبطئ، فإذا جاء ف وقته شمله.
قال الراجز:
كأنه والطرف منه سامي ... مشتمل جاء من الحمام
وقال الأعشى:
__________
1 العط: شق الثوب وغيره من غير أن يبين.
2 تكملة من س, وفي ر: "أو للعرجم", ولعله: "أو للعرجى".
3 حاشية الاصل: "في غيرها الموضع إنه لمحمد بن عبد الله بن نمير الثقفي".
(3/112)

يعادي النحوص ومسحلها ... وعفوهما قبل أن يستجم
النحوص، جماعها نحص، وهي التي لم تحمل في عامها. والمسحل: العير. والعفو: الولد وجمعه عفاء، فاعلم؛ وهو أسعى له إذا لم يكن لعامه. ويستحم: يعرق. وفي حديث أم زرع: مضجعه كمسل الشطبة1 وتكفيه ذراع التجفرة2، ومعناه أنه خميص البطن، وهذا تمدح به العرب وتستحسنه، فأما قول متمم بن نويرة:
فتى غير مبطان العشيات أروعا3
فإما أراد أنه لا يستعجل بالعشاء لانتظاره الضيف؛ كما قال:
وضيف إذا أرغى طروقاً بعيره ... وعان نآه الغل حتى تكنعا4
وقالوا في قول الخنساء:
يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس
قالوا: أرادت بطلوع الشمس وقت الغارة، وبغروب الشمس وقت الأضياف.
وقال رجل لبعض أهله5: والله ما أنت بعظيم الرأس فتكون سيداً، ولا بأرسح6 فتكون فارساً: وقال رجل من بني أسد لرجل من قيس: والله ما فتقت فتق السادة، ولا مطلت مطل الفرسان.
__________
1 الشطبة: السعفة التي تشطب من الجريد.
2 التجفرة: ما بلغ أربعة أشهر من ولد الشاة.
3 المبطان: العظيم البطن من كثرة الأكل. وصدره:
لقد كفن المنهال تحت ردائه
4 قال الأصمعي: إذا ضل الرجل أرغى بعيره. أي حمله على الرغاء لتجيبه الغبل برغائها, أو تنبح لرغائه الكلاب فيقصد الحي". والعاني: الاسير, والطروق. الإتيان ليلا. وتكنع الأسير: تقبض واجتمع.
5 ر: "لابن له".
6 الأرسخ: قليل لحم الفخذين والأليتين.
(3/113)

فهذه كلها نعوت قد عرفت لقوم حتى كأنها سمات لهم، وكانوا يقولون: ينبغي أن يكون الفارس1 مهفهف الخصرين2، متوقد العينين، حمش الذراعين3. وأنشد الأصمعي:
كأنما ساعداه ساعد ذيب
قالوا: ومن نعت السيد أن يكون لحيماً، ضخم الهامة، جهير الصوت، إذا خطا أبعد، وإذا تؤمل ملأ العين؛ لأن حقه أن يكون في صدر مجلس، أو ذروة منبر، أو منفرداً في موكب.
وكانوا يقولون في نعت السيد: يملأ العين جمالاً، والسمع مقالاً.
وقال أبو علي دعبل بن علي في رجل نسبه إلى السؤدد، يقوله لمعاذ بن جبل بن سعيد الحميري، وهو من ولد حميد بن عبد الرحمن الفقيه:
فإذا جالسته صدرته ... وتنحيت له في الحاشيه4
وإذا سايرته قدمته ... وتأخرت مع المستأنيه5
وإذا ياسرته صادفته ... سلس الخلق سليم الناحيه6
وإذا عاسرته صادفته ... شرس الرأي أبياً داهيه7
فاحمد الله على صحبته ... وأسأل الرحمن منه العافيه
وهذا المعنى قد أجمله جرير في قوله:
بشر أبو مروان إن عاسرته ... عير وعند يساره ميسور8
__________
1 ر: "ينبغي للفارس ان يكون".
2 مهفهف الخصرين: ضامرهما.
3 حمش الذراعين. دقيقهما.
4 حاشية كل شئ طرفه وجانبه.
5 المستأنية: المتمهلة البطيئة.
6 ياسرته: لاينته وساهلته.
7 شرس الرأي: سيئ الخلق.
8 هو بشر بن مروان, أخو عبد الملك بن مروان.
(3/114)

باب تجتمع فيه طرائف من حسن الكلام، وجيد الشعر، وسائر الأمثال، ومأثور الأخبار، إن شاء الله.
الحجاج بن يوسف والوليد بن عبد الملك

كان الحجاج بن يوسف يستثقل زياد بن عمرو العتكي، فلما أثنت الوفود عل الحجاج عند الوليد بن عبد الملك، والحجاج حاضر، قال زياد بن عمرو: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم؛ فلم يكن أحد بعد أخف على قلب الحجاج منه.
(3/115)

لابن قيس الرقيات في معاتبة المهلب
ولزياد يقول ابن قيس الرقيات في معاتبته المهلب بن أبي صفرة:
أبلغا جاري المهلب عني ... كل جار مفارق لا محاله
إن جاراتك اللواتي بتكريت ... لتنبيذ رجلهن مقاله1
لو تعلقن من زياد بن عمرو ... بحبال لما ذممن حباله
غلبت أمه أباه عليه ... فهو كالكابلي أشبه خاله2
ولقد غالني يزيد وكانت ... في يزيد خيانة ومغاله3
عتكي كأنه ضوء بدر ... يحمد الناس قوله وفعاله
__________
1 تكريت: بلد بين بغداد والموصل.
2 قال المرصفي: "يريد أن شهوة أمه سبقت شهوة أبيه فسرت أعراقها فيه" فلم يشبه أباه في صلابة عوده ونجابته. والكابلي: منسوب إلي كابل, وهو ثغور طخارستان, نسبة إلي العجم".
3 المغالة: الخيانة.
(3/115)

نبذ من أقوال الحكماء
وقال أسماء بن خارجة الفزاري: لا أشاتم رجلاً، ولا أرد سائلاً، إنما هو كريم أسد خلته، وأو لئيم اشتري عرضي منه.
وقال سهل بن هارون: يجب على كل ذي مقالة أن يبدأ بحمد الله وقبل استفتاحها، كما بدئ بالنعمة قبل استحقاقها.
وكان يقول عند التعزية: التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.
وأراد رجل الحج، فأتى شعبة بن الحجاج يودعه، فقال له شعبة: أما إنك إن لم تر الحلم ذلاً، والسفه أنفاً! سلم لك حجك.
وقال أويس القرني: إن حقوق الله لم تترك عند مسلم درهما.
(3/115)

لدعبل يذم رجلاً
وقال دعبل بن علي الخزاعي يذم رجلاً:
رأيت أبا عمران يبذل عرضه ... وخبز أبي عمران في أحرز الحرز
يحن إلى جاراته بعد شبعه ... وجاراته غرثى تحن إلى الخبز
(3/116)

لبعض آل المهلب
وقال آخر1:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهم2 ... ولا تكف يد عن حرمة الجار3
__________
1 نسبه أبو تمام في الحماسه 90:4 إلي بعض آل الهلب. وقال التبريزي في شرحه: "هو عبد الله بن عبد الرحمن, ولقبه ابو الأنوار".
2 القبس: الشعلة من النار, والقابس: طالب النار.
3 زيادات ر: أظن تمامه:
حتى إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار
قامت بأحمرها تبدي مشافره ... كانه رئة في كف جزار
والبيت الاول للأخطل, وروايته في ديوانه "قوم إذا استنبح...."
(3/116)

لرجل من طيئ وكان قتل رجلاً من بني أسد
وقال رجل من طيئ، وكان رجل منهم، يقال له زيد، من ولد عروة بن زيد الخيل، قتل رجلاً من بني أسد يقال له زيد، ثم أقيد به بعد:
علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم ... بأبيض مصقول الغرار يمان
فإن تقتلوا زيداً بزيد فإنما ... أقادكم السلطان بعد زمان
[قال أبو الحسن، وأنشدنا غيره:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض من ماء الحديد يمان]
(3/116)

لشمعل التغلبي حين ضربه عبد الملك بن مروان
قال: كلم شمعل التغلبي عبد الملك كلاماً لم يرضه، فرماه عبد الملك بالجرز1 فخدش وهشم، فقال شمعل:
أمن جذبه بالرجل مني تباشرت ... عداتي، فلا عيب علي ولا سخر
فإن أمير المؤمنين وسيفه ... لكالدهر، لا عار بما فعل الدهر!
وقال الحجاج بن يوسف: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد.
وقال زياد: كفى بالبخيل عاراً أن اسمه لم يقع في حمد قط، وكفى بالجواد مجداً أن اسمه لم يقع في ذم قط.
وقال آخر:
ألا ترين وقد قطعتني عذلا ... ماذا من الفضل بين البخل والجود!
لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إما نوالا وإما حسن مردود
إلا يكن ورق يوماً أراج به ... للخابطين فإني لين العود
قوله: إلا يكن ورق يريد المال، وضربه مثلاً. ويقال: أتى فلان فلاناً يختبط ما عنده. والاختباط: ضرب الشجر ليسقط الورق، فجعل الخابط الطالب، والورق المال، كما قال زهير:
وليس مانع ذي قربى ولا رحم ... يوماً ولا معدماً من خابط ورقا
__________
1 الجرز: عمود من حديد.
(3/117)

بخل الحطيئة
ويروى أن ضيفاً نزل بالحطيئة، وهو يرعى غنماً له، وفي يده عصاً، فقال
الضيف: يا راعي الغنم [ما عندك?] 1، فأومأ إليه الحطيئة بعصاه، وقال: عجراء من سلم2، فقال الرجل: إني ضيف، فقال الحطيئة: للضيفان أعددتها!.
__________
1 تكملة من س.
2 العجراء: التي فيها عقد. والسلم: شجر من العضاه.
(3/118)

متفرقات من شعر دعبل
وقال دعبل:
وابن عمران يبتغي عربياً ... ليس يرضى البنات للأكفاء
إن بدت حاجة له ذكر الضيـ ... ـف وينساه عند وقت الغداء
وقال أيضاً:
أضياف سالم في خفض وفي دعة ... وفي شراب ولحم غير ممنوع
وضيف عمرو وعمرو يسهران معاً ... عمرو لبطنته والضيف للجوع
وقال أيضاً:
ما يرحل الضيف عني بعد تكرمة ... إلا برفد وتشييع ومعذرة
وقال أيضاً:
لم يطيقوا أن يسمعوا وسمعنا ... وصبرنا على رحى الأسنان
صوت مضغ الضيوف أحسن عندي ... من غناء القيان بالعيدان
وقال القرشي من بني أمية:
إذا ما وترنا لم ننم عن تراتنا ... ولم نك أوغالاً نقيم البواكيا3
ولكننا نمضي الجياد شوازباً ... فنرمي بها نحو التارت المراميا4
__________
3 وترنا: قتل منا قتيل, والترات: جمع ترة. وهي النسل, والأوغال: جمع وغل, وهو النذل الضعيف من الرجال.
4 الشوازب من الخيل: الضوامر.
(3/118)

لجرير يفتخر ويهجو الأخطل وقومه
وقال جرير:
إن الذي حرم الخلافة تغلباً ... جعل النبوة والخلافة فينا1
مضر أبي وأبو الملوك وهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا!
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا2
إن الفرزدق إذ تحنف كارهاً ... أضحى لتغلب والصليب خدينا3
ولقد جزعت إلى النصارى بعدما ... لقي الصليب من العذاب مهينا
هل تشهدون من المشاعر مشعراً ... أو تسمعون من الأذان أذينا4!
قال أبو العباس: حدثني عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، قال: لما بلغ الوليد قوله:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا
قال الوليد: أما والله لو قال: "لو شاء ساقكم"، لفعلت ذاك به، ولكنه قال: "لو شئت" فجعلني شرطياً له.
ويروى أن بلالاً5 قعد يوماً ينظر بين الخصوم، ورجل منهم ناحياً يتمثل قول الأخطل على غير معرفة6:
وابن المراغة حابس أعياره ... مرمى القصية ما يذقن بلالاً7
__________
1 الخرز: ضيقو الجفون, يصفهم بأنهم ينظرون بمؤخر عيونهم حقدا وغيظا وعداوة.
2 القطين: الخدم والمماليك.
3 تحنف: تنسك وتأله.
4 الأذين: المؤذن.
5 هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري القاضي.
6 في هجاء جرير.
7 المراغة في الأصل: الموضع تتمرغ فيه الدواب, وتقال أيضا للأتيان التي لا تمتنع من الفحول. والأعيار: جمع عير, وهو الحمار والقصية: الموضع المتنحى البعيد. والبلال: ما بل الحلق من ماء غيره.
(3/119)

فسمعه بلال، فلما تقدم مع خصمه قال له بلال: أعد علي1 إنشادك، فغمزه بعض الجلساء، فقال الرجل: إني والله ما أدري من قاله، ولا فيمن قيل? فقال بلال: أجل، هو أسير من ذاك، هلما فاحتجا.
وقال جرير:
مررت على الديار فما رأينا ... كدار بين تلعة والنظيم
عرفت المنتأى وعرفت منها ... مطايا القدر كالحدأ الجثوم2
وقال آخر:
لقد تبلت فؤادك إذ تولت ... ولم تخش العقوبة في التولي3
عرفت الدار يوم وقفت فيها ... بريح المسك تنفح في المحل
__________
1 ساقطة من ر.
2 جثوم: جمع جاثمة, من جثم الطائر إذا لصق بالأرض فلم يبرح.
3 تبلت فؤادك: أسقمته وأدنفته.
(3/120)

باب من أخبار الخوارج
في بيعتهم لعبد الله بن وهب الراسبي
قال أبو العباس: ذكر أهل العلم من الصفرية أن الخوارج1 لما عزموا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي من الأزد، تكره ذلك، فأبوا من سواه، ولم يريدوا غيره. فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم، استبيتوا الرأي، أي دعوه يغب2.
وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الدبري.
قوله: استبينوا الرأي يقول: دعوا رأيكم تأتي عليه ليلة ثم تعقبوه، يقال: بيت فلان كذا كذا، إذا فعله ليلاً، وفي القرآن: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} 3، أي أداروا ذلك بينهم ليلاً، وأنشد أبو عبيدة:
أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بأمر نكر
لأنكح أيمهم منذراً ... وهل ينكح العبد حر لحر!
والرأي الدبري: الذي يعرض4 بعد وقوع الشيء، كما قال جرير5:
ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبرا
وكان عبد الله بن وهب ذا رأي وفهم، ولسان وشجاعة، وإنما لجأوا إليه وخلعوا معدان الإيادي، لقول معدان:
__________
1 من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا. سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين, أم كان بعدهم علي التابعين بإحسان, والأئمة في كل زمان. والصفرية: طائفة من الخوارج, تابعوا زياد بن الأصفر, ويقال لهم: الزيادية أيضا. الملل والنحل للشهرستاني 123:1
2 يغب: أي يبيت.
3 سورة النساء 108.
ر: "ليلا بينهم".
4 ر: "من بعد".
5 في هجاء الفرزدق وقومه من بني مجاشع.
(3/121)

سلام على من بايع الله شارياً1 ... وليس على الحزب المقيم سلام
فبرئت منه الصفرية، وقالوا: خالفت، لأنك برئت من القعد2. والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب، ومن ذي المعصية الظاهرة.
__________
1 شاريا, أي بائعا نفسه في طاعة الله.
2 القعد: طائفة من الخوارج يرون التحكيم حقا, غير أنهم قعدوا عن الخروج على الناس.
(3/122)

شأنهم مع واصل بن عطاء
وحدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة، فأحسوا الخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم - وكانوا قد أشرفوا على العطب - فقالوا: شأنك. فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت وأصحابك? قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله، ويفهموا1 حدوده. فقالوا: قد أجرناكم، قال: فعلمونا. فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين، فإنكم إخواننا! قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} 2، فأبلغونا مأمننا. فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فساروا بجمعهم3 حتى بلغوهم المأمن.
__________
1 ر: "ويعرفا".
2 سورة التوبة 6.
3 ر: "بأجمعهم".
(3/122)

مناظرة عبد الله بن عباس لهم
وذكر أهل العلم من غير وجه أن علياً رضي الله تعالى عنه لما وجه إليهم عبد الله بن عباس رحمة الله عليه، ليناظرهم، قال لهم: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين? قالوا: قد كان للمؤمنين أميراً، فلما حكم في دين الله خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له. فقال ابن عباس: ما ينبغي1 لمؤمن لم يشب إيمانه أن يقر على نفسه بالكفر! قالوا: إنه قد حكم، قال: إن الله عز وجل قد أمرنا بالتحكيم في قتل صيد، فقال عز وجل: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} 2، فكيف في إمامه قد أشكلت على المسلمين! فقالوا: إنه قد حكم عليه فلم يرض، فقال: إن الحكومة كالإمامة، ومتى فسق الإمام وجبت معصيته، وكذلك الحكمان
__________
1 ر: "لا ينبغي".
2 سورة المائدة 95.
(3/122)

لما خالفا نبذت أقاويلهما فقال بعضهم لبعض: لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم، فإن هذا من القوم الذين قال الله عز وجل فيهم: {هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} 1، وقال عز وجل: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً} 2.
__________
1 سورة الزخرف 58.
2 سورة مريم 97.
(3/123)

الفتوى فيمن أصاب صيداً وهو محرم
والشيء يذكر بالشيء. وجاء في الحديث أن رجلاً أعرابياً1 أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني أصبت ظبياً وأنا محرم، فالتفت عمر إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال: قل، فقال عبد الرحمن: يهدي شاة، فقال عمر: أهد شاة. فقال الأعرابي: والله ما درى أمير المؤمنين ما فيها حتى استفتى غيره! فخفقه عمر رضوان الله عليه بالدرة، وقال: أتقتل في الحرم وتغمص الفتيا! إن الله عز وجل قال: {حْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} 2، فأنا عمر بن الخطاب، وهذا عبد الرحمن بن عوف.
وفي هذا الحديث ضروب من الفقه؛ منها ما ذكروا أن عبد الرحمن بن عوف قال أولاً، ليكون قول الإمام حكماً قاطعاً ومنها أنه رأى أن الشاة مثل الظبية، كما قال الله عز وجل: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وأنه لم يسأله: أخطأ قتلته3 أم عمداً? وجعل الأمرين واحداً. ومنها أنه لم يسأله: أقتلت صيداً قبله وأنت محرم? لأن قوماً يقولون: إذا أصاب ثانية لم يحكم عليه، ولكنا نقول له4: اذهب فاتق الله، لقول الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} 5.
__________
1 نقل المرصفي عن ابن الأثير أنه قبيصة بن هانئ أحد التابعين.
2 سورة المائدة 95.
3 ر: "قتله". وما أثبته عن الأصل.
4 كلمة "له" ساقطة من ر.
5 سورة المائدة 95.
(3/123)

قول قطري بن الفجاءة لأبي خالد القناني ورد أبي خالد عليه
من طريف أخبار الخوارج قول قطري بن الفجاءة المازني لأبي خالد القناني وكان من قعد الخوارج:
(3/123)

أبا خالد إنفر فلست بخالد1 ... وما جعل الرحمن عذراً لقاعد
أتزعم أن الخارجي على الهدى ... وأنت مقيم بين لص وجاحد!
فكتب إليه أبو خالد:
لقد زاد الحياة إلي حباً ... بناتي، إنهن من الضعاف
أحاذر أن يرين الفقر بعدي ... وأن يشربن رنقاً بعد صاف2
وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كوم عجاف3
ولولا ذاك قد سومت مهري ... وفي الرحمن للضعفاء كاف
أبانا من لنا إن غبت عنا ... وصار الحي بعدك في اختلاف4!
__________
1 ر: "يا انفر", وما أثبته عن الأصل. س.
2 الرنق: الكدر.
3 العجاف: جمع عجفاء. وهي الهزيلة التي ذهب سمنها.
4 ما بين العلامتين من زيادات ر.
(3/124)

من أخبار عمران بن حطان وأشعاره
هذا خلاف ما قال عمران بن حطان، أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهب بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وكان1 رأس القعد من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم، قال: لما قتل أبو بلال، وهو مرداس بن أدية وهي جدته، وأبوه حدير، وهو أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، قال عمران بن حطان:
لقد زاد الحياة إلى بغضاً ... وحباً للخروج أبو بلال
أحاذر أن أموت على فراشي ... وأرجو الموت تحت ذرا العوالي
ولو أني علمت بأن حتفي ... كحتف أبي بلال لم أبالي
فمن يك همه الدنيا فإني ... لها والله رب البيت قال
وفيه يقول:
يا عين بكي لمرداس ومصرعه ... يا رب مرداس اجعلني كمرداس
__________
1 ر: "وقد كان".
(3/124)

تركتني هائماً أبكي لمرزئتي ... في منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما الناس بعد يا مرداس بالناس
إما شربت بكأس دار أولها ... على القرون فذاقوا جرعة الكاس
فكل من لم يذقها شارب عجلاً ... منها بأنفاس ورد بعد أنفاس
وكان من حديث عمران بن حطان فيما حدثني العباس بن الفرج الرياشي عن محمد بن سلام أنه لما أطرده الحجاج كان ينتقل في القبائل، فكان إذا نزل في حي انتسب نسباً يقرب منه، ففي ذلك يقول:
نزلنا في نبي سعد بن زيد ... وفي عك وعامر عوبثان1
وفي لخم وفي أدد بن عمرو ... وفي بكر وحي بني العدان
ثم خرج حتى نزل عند روح بن زنباع الجذامي، وكان روح يقرع الأضياف، وكان مسامراً لعبد الملك بن مروان أثيراً عنده2، فانتمى له من الأزد.
وفي غير هذا الحديث أن عبد الملك ذكر روحاً فقال: من أعطي مثل ما أعطي أبو زرعة! أعطي فقه أهل الحجاز، ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام.
رجع الحديث: وكان روح بن زنباع لا يسمع شعراً نادراً ولا حديثاً غريباً عند عبد الملك فيسأل عنه عمران بن حطان إلا عرفه وزاد فيه، فذكر ذلك لعبد الملك، فقال: إن لي جاراً من الأزد ما أسمع من أمير المؤمنين خبراً ولا شعراً إلا عرفه وزاد فيه، فقال: خبرني ببعض أخباره، فخبره وأنشده، فقال: إن اللغة عدنانية، وأني لأحسبه عمران بن حطان؛ حتى تذاكروا ليلة قول عمران بن حطان يمدح ابن ملجم لعنه الله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حيناً فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا3
فلم يدر عبد الملك لمن هو، فرجع روح إلى عمران بن حطان، فسأله عنه.
__________
1 في الأصل: "عوثبان", وما أثبته عن ر. وهو يوافق ما في القاموس.
2 أثيرا: مكرما.
3 زيادات ر: "قلبه الفقيه الطبري" فقال:
ياضربة من شقى ما أراد بها ... إلا ليهدم من ذي العرش بنيانا
إني لأذكره يوما فألعنه ... إيها والعن عمران بن حطانا
قال محمد بن أحمد الطبيب يرد على عمران بن حطان:
ياضربة من غدور صار ضاربها ... أشقى البرية عند الله إنسانا
إذا تفكرت فيه ظلت ألعنه ... وألعن الكلب عمران بن حطانا
(3/125)

فقال عمران: هذا يقوله عمران بن حطان، يمدح به عبد الرحمن بن ملجم، قاتل علي بن أبي طالب، فرجع روح إلى عبد الملك فأخبره، فقال له عبد الملك: ضيفك عمران بن حطان، إذهب فجئني به، فرجع إليه، فقال: إن أمير المؤمنين قد أحب أن يراك، قال عمران: قد أردت أن أسألك ذلك فاستحييت منك، فامض فإني بالأثر، فرجع روح إلى عبد الملك فأخبره، فقال له1 عبد الملك: أما إنك سترجع فلا تجده! فرجع وقد ارتحل عمران، وخلف رقعة فيها:
يا روح كم من أخي مثوى نزلت به ... قد ظن ظنك نم لخم وغسان
حتى إذا جفته فارقت منزله ... من بعد ما قيل عمران بن حطان
قد كنت جارك حولاً ما تروعني ... فيه روائع من إنس ومن جان
حتى أردت بي العظمى فأدركني ... ما أدرك الناس من خوف ابن مروان
فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له ... في النائبات خطوباً ذات ألوان
يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني
وكنت مستغفراً يوماً لطاغية ... كنت المقدم في سري وإعلاني
لكن أبت لي آيات مطهرة ... عند الولاية في طه وعمران
ثم ارتحل حتى نزل بزفر بن الحارث الكلابي، أحد بي عمرو بن كلاب. فانتسب له أوزاعياً وكان عمران يطيل الصلاة، وكان غلمان من بني عامر يضحكون منه، فأتاه رجل يوماً ممن رآه عند روح بن زنباع فسلم عليه، فدعاه زفر فقال: من هذا? فقال: رجل من الأزد، رأيته ضيفاً لروح بن زنباع، فقال له زفر: يا هذا، أأزدياً2 مرة وأوزاعياً مرة! إن كنت خائفاً أمناك3، وإن كنت فقيراً جبرناك. فلما أمسى هرب وخلف في منزله رقعة فيها:
__________
1 كلمة "له" ساقطة من ر.
2 ر: "أزديا؟ "
3 ر: "آمناك".
(3/126)

إن التي أصبحت يعيا بها زفر ... أعيت عياء على روح بن زنباع
قال أبو العباس: أنشدن1 الرياشي:
أعيا عياها على روح بن زنباع
وأنكره كما أنكرناه، لأنه قصر الممدود، وذل كفي الشعر جائز، ولا يجوز مد المقصور:
ما زال يسألني حولاً لأخبره ... والناس من بين مخدوع وخداع
حتى إذا انقعطت عني وسائله ... كف السؤال ولم يولع بإهلاعي
فاكفف كما كف عني إنني رجل ... إما صميم وإما فقعة القاع
واكفف لسانك عن لومي ومسألتي ... ماذا تريد إلى شيخ لأوزاع!
أما الصلاة فإني لست تاركها2 ... كل امرئ للذي يعني به ساع
أكرم بروح بن زنباع وأسرته ... قوم دعا أوليهم للعلا داع
جاوزتهم سنة فيما أسر به ... عرضي صحيح ونومي غير تهجاع
فاعمل فإنك منعي بواحدة ... حسب اللبيب بهذا الشيب من ناع
ثم ارتحل حتى أتى عمان، فوجدهم يعظمون أمر أبي بلال ويظهرونه، فأظهر أمره فيهم، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى عامل3 عمان، فارتحل عمران هارباً، حتى أتى قوماً من الأزد، فلم يزل فيهم حتى مات، وفي نزوله بهم يقول:
نزلنا بحمد الله في خير منزل ... نسر بما فيه من الإنس والخفر
نزلنا بقوم يجمع لله شملهم ... وليس لهم عود سوى المجد يعتصر
من الأزد إن الأزد أكرم أسرة4 ... يمانية قربوا إذا نسب البشر
فأصبحت فيهم آمناً لا كمعشر ... أتوني فقالوا من ربيعة أو مضر
أم الحي قحطان? فتلكم سفاهة ... كما قال روح لي وصاحبه زفر5
وما منهما إلا يسر بنسبة ... تقربني منه وإن كان ذا نفر
فنحن بنو الإسلام والله واحد ... وأولى عباد الله بالله من شكر
__________
1 ر: "أنشدنيه".
2 ر: "غير تاركها".
3 ر: "أهل".
4 ر: "معشر".
5 ر: "لي روح".
(3/127)

قوله:
يا روح كم من أخي مثوى نزلت به
قد مر تفسيره. يقال: هذا أبو مثواي، وللأنثى: هذه أم مثواي، ومنزل الإضافة1، وما أشبهها المثوى، وكذلك قال المفسرون في قول الله عز وجل: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} 2، أي إضافته. ويقال من هذا: ثوى يثوي ثوياً كقولك: مضى يمضي مضياً، ويقال: ثواء، ومضاء، كما قال الشماخ:
طال الثواء على رسم بيمؤود ... أودى وكل جديد مرة مودي
وقوله:
فيه روائع من إنس ومن جان
الواحدة رائعة، يقال: راعني يروعني روعاً، أي أفزعني، قال الله تعالى ذكره: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} 3. ويكون الرائع الجميل، يقال: جمال رائع، يكون ذلك في الرجل والفرس وغيرهما، وأحسب الأصل فيهما واحداً؛ أنه يفرط حتى يروع، كما قال الله جل ثناؤه: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} 4، للإفراط في ضيائه. والرائع؛ مهموز، وكذلك كل فعل من الثلاثة مما عينه واو أو ياء، إذا كانت معتلة ساكنة، تقول: قال يقول: وباع يبيع، وخاف يخاف، وهاب يهاب، يعتل اسم الفاعل فيهمز موضع العين، نحو قائل، وبائع، وخائف، وصائب، فإن صحت العين في الفعل، صحت في اسم الفاعل، نحو: عور الرجل فهو عاور، وصيد فهو صائد، والصيد: داء يأخذ في الرأس والعينين والشؤون. وإنما صحت في عور وحول وصيد لأنه منقول من أحوال وأعور. وقد أحكمنا تفسير هذا الكتاب المقتضب.
وقوله:
يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني
__________
1 ر: "الضيافة".
2 سورة يوسف 21.
3 سورة هود 74.
4 سورة النور 43.
(3/128)

يريد أن يوماً يمان، ولولا أن الشعر لا يصلح بالنصب لكان النصب جائزاً، على معنى أتنقل يوماً كذا ويوماً كذا، والرفع حسن جميل. وهذا الشعر ينشد نصباً:
أفي السلم أعياراً جفاء وغلظة ... وفي الحرب أمصال النساء العوارك1!
العوارك، هن الحوائض، وكذلك قوله:
أفي الولائم أولاداً لواحدة ... وفي المحافل أولاداً لعلات!
قال: العلات، سميت لأن الواحدة تعل بعد صاحبتها، وهو من العلل، وهو الشرب الثاني، أي يختلفون ويتحولون في هذه الحالات. ومن كلام العرب: أتميمياً مرة وقيسياً أخرى! وكذلك إن لم تستفهم وأخبرت قلت: تميمياً مرة علم الله وقيسياً أخرى، أي تنتقل، ومن ثم قال له زفر بن الحارث: أزدياً مرة وأوزاعياً أخرى? والرفع على أنت جيد بالغ.
وقوله:
لو كنت مستغفراً يوماً لطاغية
يكون على وجهين: لنفس طاغية، والآخر للمذكر، وزاد الهاء للتوكيد للمبالغة، كما يقال: رجل راوية وعلامة ونسابة، وكلاهما وجه. ويقال: جاءت طاغية الروم، تريد الجماعة الطاغية، كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تقتلك الفئة الباغية".
وقوله: عند الولاية إذا فتحت فهو مصدر الولي وفي القرآن المجيد: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} 2. والولاية مكسورة، نحو السياسة والرياضة والإيالة، وهي الولاية، وأصله من الإصلاح، يقال:آله يؤوله أولاً، إذا أصلحه. قال عمر بن الخطاب: قد ألنا وإيل علينا؛ تأويل ذلك: قد ولينا وولي علينا. وهذه كلمة جامعة، يقول: قد ولينا فعلمنا ما يصلح الوالي، وولي علينا فعلمنا ما يصلح الرعية.
__________
1 الأعيار: جمع عير, وهو الحمار. والبيت من شواهد الكتاب 1-172
2 سورة الأنفال 72.
(3/129)

وقوله:
حتى إذا ما انقضت مني وسائله
وهي الذريعة والسبب، يقال: قد توسلت إلى فلان، قال رؤبة بن العجاج:
والناس إن فصلتهم فصائلا ... كل إلينا يبتغي الوسائلا
وقوله: ولم يولع بإهلاعي، أي بإفزاعي وترويعي، والهلع من الجبن عند ملاقاة الأقران، يقال: نعوذ باله من الهلع، ويقال: رجل هلوع، إذا كان لا يصبر على خير ولا شر، حتى يفعل في كل واحد منهما غير الحق، قال الله عز وجل1: {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً, إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً, وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} 2. وقل الشاعر:
ولي قلب سقيم ليس يصحو ... ونفس ما تفيق من الهلاع
وقوله:
إما صميم وإما فقعة القاع
الصميم: الخالص من كل شيء، يقال: فلان من صميم قومه، أين من خالصهم. وقال جرير لهشام بن عبد الملك:
وتنزل من أمية حيث تلقى ... شؤون الرأس مجتمع الصميم
وقوله: إما فقعة القاع يقال لمن لا أصل له، هو فقعة بقاع، وذلك لأن الفقعة لا عروق لها ولا أغصان، والفقعة الكمأة البيضاء، ويقال: حمام فقيع لبياضه، ومن ذا قول الشاعر:
قوم إذا نسبوا يكون أبوهم ... عند المناسب فقعة في قرقر3
وقال بعض القرشيين:
إذا ما كنت متخذاً خليلاً ... فلا تجعل خليلك من تميم
بلوت صميمهم والعبد منهم ... فما أدنى العبيد من الصميم!
__________
1 ر: "وهو أصدق القائلين".
2 سورة المعارج 19-21.
3 القرقر: الأرض المطمئنة اللينة.
(3/130)

وقوله:
نسر بما فيه من الإنس والخفر
فأصل الخفر شدة الحياء، يقال: امرأة خفرة، إذا كانت مستترة لاستحيائها، قال ابن نمير الثقفي:
تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
وقوله:
من الأزد إن الأزد أكرم أسرة
يقول: عصابة وقبيلة، ويقال للرجل: من أي أسرة أنت? وأصل هذا من الاجتماع، يقال للقتب: مأسور، وقد مضى تفسيره.
وينشد:
يمانية قربوا إذا نسب البشر
يريد قربوا وهذا جائز في كل شيء مضموم أو مكسور إذا لم يكن من حركات الإعراب، تقول في الأسماء في فخذ، وفي عضد، عضد، وتقول في الأفعال: كرم عبد الله، أي كرم، وقد علم الله، أي علم الله، قال الأخطل1:
فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل ... من الإبل دبرت صفحتاه وكاهله2
وقال آخر:
عجبت لمولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان
ولا يجوز في ضرب ولا في حمل أن يسكن، لخفة الفتحة.
وقوله:
أتوني فقالوا من ربيعة أو مضر
يقول: أمن ربيعة أم من مضر? ويجوز في الشعر حذف ألف الاستفهام، لأن أم التي جاءت بعدها تدل عليها، قال ابن أبي ربيعة:
__________
1 يهجو كعب بن جعيل.
2 البازل من الإبل: ما دخل في التاسعة. ودبرت. من الدبر, وهو الجرح في ظهر الدابة. والصفحتان: الجانبان.
(3/131)

لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان
يريد: أبسبع? وقال التميمي:
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر!
الرواية على وجهين: أحدهما: أمن ربيعة أم مضر، أم الحي قحطان? يريد أذا أم ذا? والأملح1 في الرواية: من ربيعة أو مضر، أم الحي قحطان، لأن ربيعة أخو مضر، فأراد من أحد هذين أم الحي قحطان? لأنه إذا قال: أزيد عندك أم عمرو? فالجواب: نعم أو لا، لأن المعنى أحد هذين2 عندك، ومعنى الأول: أيهما عندك?.
ويروى - وحدثنيه المازني - أن صفية بنت عبد المطلب أتاها رجل، فقال لها: أين الزبير? قالت: وما تريد إليه? قال: أريد أن أباطشه! فقالت: ها هو ذاك، فصار إلى الزبير فباطشه. فغلبه الزبير، فمر بها مفلولاً3 فقالت صفية:
كيف رأيت زبرا
...
أأقطاً أو تمرا
أم قرشياً صقرا
لم تشكك بين الأقط والتمر، فتقول: أيهاما هو? ولكنها أرادت، أرأيته طعاماً أم قرشياً صقراً? أي أحد هذين رأيته أم صقراً? ولو قالت: أأقطاً أم تمراً? لكان4 محالاً على هذا الوجه.
وقوله:
وما منهما إلا يسر بنسبة
معناه وما منها واحد، فحذف لعلم المخاطب، قال الله جل اسمه: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} 5. أي وإن أحد ومعنى إن معنى ما، قال الشاعر6:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريج فمنهما تارة.
__________
1 ر: "والأصلح".
2 ر: "لأن أحد هذين عندك".
3 مفلولا: مهزوما.
4 ر: "كان".
5 سورة النساء 159.
6 هو تميم بن أبي بن مقبل.
(3/132)

وقوله:
فنحن بنو الإسلام والله واحد ... وأولى عباد الله بالله من شكر
يقول: انقطعت الولاية إلا ولاية الإسلام، لأن ولاية الإسلام قد قاربت بين الغرباء. وقال الله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} 1. وقال عز وجل فباعد به بين القرابة: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} 2. وقال نهار بن توسعة اليشكري:
دعي القوم ينصر مدعيه ... ليلحقه بذي الحسب الصميم
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
__________
1 سورة الحجرات 15.
2 سورة هود 46.
(3/133)

أول من حكم من الخوارج
ويقال فيما يروى من الأخبار إن أول من حكم عروة بن أدية - وأدية جدة له في الجاهلية1 - وهو عروة بن حدير، أحد بني ربيعة بن حنظلة. وقال قوم: بل أول من حكم رجل يقال له سعيد من بني محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. ولم يخلفوا في إجماعهم على عبد الله بن وهب الراسبي، وأنه امتنع عليهم، وأومأ إلى غيره، فلم يقتنعوا إلا به، فكان إمام القوم، وكان يوصف بالرأي.
__________
1 ر: "جدة له جاهلية".
(3/133)

أول سيف سل من سيوفهم
فأما أول سيف سل من سيوف الخوارج فسيف عروة بن أدية. وذلك أنه أقبل على الأشعث فقال: ما هذه الدنية1 يا أشعث! وما هذا التحكيم? أشرط أوثق من شرط الله عز وجل! ثم شهر عليه السيف، والأشعث مول، فضرب به عجز البغلة، فشبت البغلة فنفرت اليمانية - وكان جل أصحاب علي صلوات الله عليه - فلما رأى ذلك الأحنف قصد هو وجارية بن قدامة ومسعود بن فدكي بن أعبد، وشبث بن ربعي الرياحي إلى الأشعث. فسألوه الصفح، ففعل.
__________
1 ر: "الدنيئة".
(3/133)

وكان عروة بن أدية نجا من حرب النهروان، فلم يزل باقياً مدة من خلافة معاوية، ثم أتي به زياد ومعه مولى له، فسأله عن أبي بكر وعمر، فقال خيراً، ثم سأله فقال: ما تقول في أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأبي تراب علي بن أبي طالب? فتولى عثمان ست سنين من خلافته، ثم شهد عليه بالكفر! وفعل في أمر علي مثل ذلك إلى أن حكم، ثم شهد عليه بالكفر! ثم سأله عن معاوية، فسبه سباً قبيحاً! ثم سأله عن نفسه? فقال: أولك لزنية وآخرك لدعوة، وأنت بعد عاص لربك! ثم أمر به فضربت عنقه، ثم دعا مولاه فقال: صف لي أموره? فقال: أأطنب أم أختصر? فقال: بل اختصر. فقال: ما أتيته بطعام بنهار قط، ولا فرشت له فراشاً بليل قط.
(3/134)

مناظرة علي بن أبي طالب لهم
وكان سبب تسميتهم الحرورية أن علياً رضوان الله عليه، لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس رحمه الله إياهم، كان فيما1 قال لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم: إن هذه مكيدة ووهن، وأنهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني، ثم سألوني التحكيم، أفعلمتم أنه كان منكم أحد أكره لذلك مني? قالوا: الله نعم قال: فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه، فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله عز وجل، فمتى2 خالفاه فأنا وأنتم من ذلك براء، وانتم3 تعلمون أن حكم الله لا يعدوني? قالوا: اللهم نعم - وفيهم من ذلك الوقت ابن الكواء، وهذا من قبل أن يذبحوا عبد الله بن حباب? فإما ذبحوه بكسكر في الفرقة الثالثة - فقالوا: حكمت في دين الله برأينا، ونحن مقرون بأنا قد كفرنا، ونحن تائبون! فاقرر بمثل ما أقررنا وتب ننهض معك إلى الشأم، فقال: أما تعلمون أن الله جل ثناؤه قد أمر بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأته4، فقال تبارك وتعالى: {فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} 5. وفي صيد أصيب في الحرم، كأرنب تساوي ربع درهم6، فقال عز وجل: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} 7? فقالوا: إن عمراً لما أبى عليك
__________
1 ر: "فكان مما".
2 ر: "فإن".
3 ر: طأو أنتم".
4 ر: "وامرأة".
5 سورة النساء 35.
6 ر: "يساوي ربع دينار".
7 سورة المائدة 95.
(3/134)

أن تقول في كتابك: "هذا ما كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين" محوت اسمك من الخلافة، وكتبت علي بن أبي طالب. فقال لهم رضي الله عنه: لي برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوة، حيث أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب: "هذا كتاب كتبه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو" فقال: لو أقررت1 بأنك رسول الله ما خالفتك2، ولكني أقدمك لفضلك، ثم قال: اكتب: "محمد بن عبد الله"، فقال لي: "يا علي امح رسول الله"، فقلت: يا رسول الله، لا تسخو نفسي بمحو اسمك من النبوة، فقال عليه السلام: "فقفني 3 عليه" فمحاه بيده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال: "اكتب محمد بن عبد الله"، ثم تبسم إلي فقال: "يا علي، أما إنك ستسام مثلها فتعطي". فرجع معه منهم ألفان من حروراء4، وقد كانوا تجمعوا بها، فقال لهم علي صلوات الله عليه: ما نسميكم? ثم قال: أنتم الحرورية، لاجتماعكم بحروراء.
والنسب إلى مثل حروراء حروراوي، فاعلم، وكذلك كل ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة لكنه نسب إلى البلد بحذف الزوائد، فقيل:الحروري.
__________
1 ر: "أقررنا".
2 ر: "ما خلفناك".
3 ر: "قفني".
4 حروراء: قرية من الكوفه.
(3/135)

للصلتان العبدي
وقال الصلتان العبدي في كلمة له:
أرى أمة شهرت سيفها ... وقد زيد في سوطها الأصبحي
بنجدية وحرورية ... وأزرق يدعو إلى أزرقي
فملتنا أننا المسلمون ... على دين صديقنا والنبي
وفي هذا الشعر مما يستحسن قوله:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... مر الغداة وكر العشي1
أذا ليلة عرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي
__________
1 ر: مرور الليالي وكر العشى
(3/135)

قوله:
وقد زيد في سوطها الأصبحي
فإنه تسمى هذه السياط التي يعاقب بها السلطان الأصبحية، وتنسب إلى ذي أصبح الحميري، وكان ملكاً من ملوك حمير، وهو أول من اتخذها، وهو جد مالك بن أنس الفقيه رضي الله عنه.
والنجدية تنسب إلى نجدة بن عويمر، وهو عامر الحنفي، وكان رأساً ذا مقالة مفردة1 من مقالات الخوارج، وقد بقي من أهلها قوم كثير. وكان نجدة يصلي بمكة بحذاء عبد الله بن الزبير في جمعه في كل جمعة، وعبد الله يطلب الخلافة، فيمسكان عن القتال من أجل الحرم.
__________
1 ر: "منفردة".
(3/136)

للراعي في عبد الملك بن مروان
قال الراعي يخاطب عبد الملك:
إني حلفت على يمين برة ... لا أكذب اليوم الخليفة قيلا
ما إن أتيت أبا خبيب وافداً ... يوماً أريد ببيعتي تبديلا
ولا أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغي الهدى فيزيدني تضليلا
من نعمة الرحمن لا من حيلتي ... إني أعد له علي فضولا
وفي هذه القصيدة:
أخذوا العريف فقطعوا حيزومه ... بالأصبحية قائما مغلولا1
قوله:
وأزرق يدعو إلى أزرقي
يريد من كان من أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي، وكان نافع شجاعاً مقدماً في فقه الخوارج، وله ولعبد الله بن عباس مسائل كثيرة، وسنذكر جملة منها في هذا الكتاب، إن شاء الله.
__________
1 العريف: القيم بأمور القبيلة.
(3/136)

وقوله:
على دين صديقنا والنبي
فالعرب تفعل هذا، وهو في الواو جائز، أن تبدأ بالشيء والمقدم غيره1، قال الله عز اسمه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} 2، وقال: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} 3، وقال: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} 4. وقال حسان بن ثابت:
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير
يعني بني هاشم
ومن كلام العرب: ربيعة ومضر وقيس وخندف وسليم وعامر، وأصحاب نافع بن الأزرق هم ذوو الحد والجد5. وهم الذي أحاطوا بالبصرة حتى ترحل أكثر أهلها منها، وكان الباقون على الرحلة6، فقلد المهلب حربهم، فهزمهم إلى الفرات، ثم هزمهم إلى الأهواز، ثم أخرجهم عنها إلى فارس، ثم أخرجهم إلى كرمان، وفي ذلك يقول شاعر منهم في هذه الحرب التي صاحبها الزنج7 بالبصرة، يرثي البلد، ويذكر المنقبة التي كانت لهم:
[قال الأخفش: أنشدنيه يزيد المهلبي لنفسه:]
سقى الله مصراً خف أهلوه من مصر ... وماذا الذي يبقى على عقب الدهر8!
ولو كنت فيه إذ أبيح حريمه ... لمت كريماً أو صدرت على عذر
أبيح فلم أملك له غير عبرة ... تهيب بها أن حاردت لوعة الصدر9
__________
1 ر: "وغيرة المقدم".
2 سورة التغابن 2
3 سورة الرحمن33.
4 سورة آل عمران 43.
5 الحد, بفتح الحاء: البأس والنفاذ في النجدة, والجد بالكسر: الجتهاد والسرعة في الأمر, قاله المرصفي.
6 ر: "الترحل".
7 صاحب الزنج: رجل ظهر أيام المهتدى بالله, وزعم أنه من ولد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب, ودعا الناس إلى طاعتة, واستمال عددا كبيرا من الزنوج, يستعين بهم على العبث والفساد, سنة 27
8 عقب الدهر: نوبه وأرزاؤه
9 العبرة: الدمعة.
(3/137)

ونحن رددنا أهلها إذ ترحلوا ... وقد نظمت خيل الأزرق بالجسر
ومن يخش أطراف المنايا فإننا ... لسنا لهن السابغات من الصبر
فإن كريه الموت عذب مذاقه ... إذا ما مزجناه بطيب من الذكر
وما رزق الإنسان مثل منية ... أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر
وفي هذا الشعر:
ليشكو بنو العباس نعمى تجددت ... فقد وعد الله المزيد على الشكر
لقد جنبتكم أسرة حسدتكم ... فسلت على الإسلام سيفاً من الكفر
وقد نغصتهم جولة بعد جولة ... يبيتون فيها المسلمين على ذعر
وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
ألا طرقت من أهل بثنة طارقه1 ... على أنها معشوقة الدل عاشقه
تبيت وأرض السوس بيني وبينها ... وسولاف رستاق حمته الأزارقه2
إذا نحن شئنا صادفتنا عصابة ... حرورية أضحت من الدين مارقه
__________
1 ر: "بيبة".
2 سولاف: قرية من أرض خوزستان. والرستاق اسم للسواد والقرى.
(3/138)

من أخبارهم يوم النهروان
وكان مقدار من أصاب علي صلوات الله عليه منهم بالنهروان ألفين وثماني مائة، في أصح الأقاويل، وكان عددهم ستة آلاف، وكان منهم بالكوفة زهاء ألفين ممن يسر أمره ولم يشهد الحرب، فخرج منهم رجل بعد أن قال علي رضوان الله عليه: ارجعوا وادفعوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتلة وشرك في دمه! ثم حمل منهم رجل على صف علي، وقد قال علي: لا تبدأوهم بقتال، فقتل من أصحاب علي ثلاثة وهو يقول:
أقتلهم ولا أرى عليا ... ولو بدا أوجره الخطيا
فخرج إليه علي صلوات الله عليه فقتله، فلما خالطه السيف، قال: حبذا الروحة إلى الجنة! فقال عبد الله بن وهب: ما أدري أإلى الجنة أم إلى النار! فقال
(3/138)

رجل من سعد: إما حضرت اغتراراً بهذا، وأراه قد شك! فانخزل بجماعة من أصحابه، ومال ألف إلى ناحية أبي أيوب الأنصاري، وكان رحمه الله على ميمنة علي، وجعل الناس يتسللون، وقد قال علي وقيل له: إنهم يريدون الجسر. فقال: لن يبلغوا النطفة، وجعل الناس يقولون له في ذلك، حتى كادوا يشكون، ثم قالوا: قد رجعوا يا أمير المؤمنين، فقال: والله ما كذبت ولا كذبت، ثم خرج إليهم في أصحابه، وقد قال لهم: إنه والله ما يقتل منكم عشرة ولا يفلت منكم عشرة، فقتل من أصحابه تسعة، وأفلت منهم ثمانية.
وقال أبو العباس: وقيل أول من حكم ولفظ بالحكومة ولم يشد بها رجل من بني سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر، ثم1 من بني صريم، يقال له الحجاج بن عبد الله، ويعرف بالبرك، وهو الذي ضرب معاوية على أليته، فإنه لما سمع بذكر الحكمين قال: أيحكم في دين الله! فسمعه سامع فقال: طعن والله فأنفذ.
وأول من حكم بين الصفين رجل من بني يشكر بن بكر بن وائل، فإنه كان في أصحاب علي، فحمل على رجل منهم فقتله غيلة، ثم مرق بين الصفين فحكم، وحمل على أصحاب معاوية، فكثروه، فرجع إلى ناحية عل صلوات الله عليه، فحمل على رجل منهم، فخرج إليه رجل من همدان فقتله، فقال شاعر همدان:
ما كان أغنى اليشكري عن التي ... تصلى بها جمراً من النار حاميا
غداة ينادي والرماح تنوشه ... خلعت علياً بادياً ومعاويا2
وجاء في الحديث، أن عليا رضي الله عنه تلي بحضرته: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً, الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} 3، فقال علي: أهل حروراء منهم.
وروي عن علي صلوات الله عليه أنه خرج في غداة يوقظ الناس للصلاة في المسجد، فمر بجماعة تتحدث، فسل وسلموا عليه، فقال وقبض على لحيته: ظننت أن فيكم أشقاها، الذي يخضب هذه من هذه. وأومأ بيده إلى هامته ولحيته.
__________
1 كلمة"ثم" ساقطة من ر.
2 تنوخم: تناله.
3 سورة الكهف 104,103.
(3/139)

من شعر علي بن أبي طالب
ومن شعر علي بن أبي طالب رحمه الله الذي لا اختلاف فيه أنه قاله، وأنه كان يردده، أنهم لما ساموه أن يقر بالكفر ويتوب حتى يسيروا معه إلى الشام، فقال: أبعد صحبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والرفقة في الدين أرجع كافراً!:
يا شاهد الله علي فاشهد ... أني على دين النبي أحمد
من شك في الله فإني مهتدي
ويروى:
أني توليت ولي أحمد
(3/140)

في تقسيم غنائم خيبر
ويروى أن رجلاً أسود شديد بياض الثياب، وقف على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقسم غنائم خيبر - ولم تكن إلا لمن شهد الحديبية - فأقبل ذلك الأسود على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: ماعدلت منذ اليوم! فغضب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى رئي الغضب في وجهه. فقال عمر بن الخطاب: ألا أقتله يا رسول الله? فقال رسول الله: "إنه سيكون لهذا ولأصحابه نبأ".
وفي حديث آخر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: "ويحك! فمن يعدل إذا لم أعدل?" ثم قال لأبي بكر: "اقتله" فمضى ثم رجع، فقال: يا رسول الله، رأيته راكعاً، ثم قال لعمر: "اقتله", فمضى ثم رجع، فقال: يا رسول الله رأيته ساجداً، ثم قال لعلي: "اقتله", فمضى ثم رجع، فقال: يا رسول الله لم أره، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لو قتل هذا ما اختلف اثنان في دين الله".
قال أبو العباس: وحدثني إبراهيم بن محمد التميمي قاضي البصرة في إسناد ذكره، أن علياً رضي الله عنه وجه إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذهبة من اليمن، فقسمها أرباعاً فأعطى ربعاً للأقرع بن حابس المجاشعي، وربعاً لزيد الخيل الطائي، وربعاً لعيينة بن حصن الفزاري، وربعاً لعلقمة بن علاقة الكلابي. فقام إليه رجل
(3/140)

مضطرب الخق غائر العينين، ناتئ الجبهة، فقال: رأيت قسمة ما أريد بها وجه الله!، فغضب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تورد خداه، ثم قل: "أيأمنني الله عز وجل على أهل الأرض ولا تأمنوني? "! فقام إليه عمر فقال: ألا أقتله يا رسول الله? فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنه سيكون من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تنظر في النصل 1 فلا ترى شيئاً، وتنظر في الرصاف 2 فلا ترى شيئاً، وتتمارى في الفوق" 3.
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من ضئضئ هذا" أي من جنس هذا. يقال: فلان من ضئضئ صدق، في محتد صدق4، وفي مركب صدق. وقال جرير للحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، وهو ابن عم الحجاج، وكان عامله على البصرة:
أقبلن من ثهلان أو وادي حيم ... على قلاص مثل خيطان السلم5
إذا قطعن علما بدا علم ... حتى أنخناها إلى باب الحكم
خليفة الحجاج غير المتهم ... في ضئضئ المجد وبحبوح الكرم
ويقال: مرق السهم من الرمية، إذا نفذ منها، وأكثر ما يكون ذلك ألا يعلق به من دمها شيء، وأقطع ما يكون السيف إذا سبق الدم. قال امرؤ القيس بن عابس الكندي:
وقد أختلس الضربـ ... ـة لا يدمى لها نصلي
فأما ما وضعه الأصمعي في كتاب الاختيار. فعلى غلط وضع.
__________
1 النصل: حديدة السهم والسيف.
2 الرصاف: عصب يشد على سنخ النصل.
3 الفوق: مشق رأس السهم.
4 ر: "ومن مجتد".
5 الخيطان: جمع خوط, وهي الأغصان.
(3/141)

من أخبار واصل بن عطاء
وذكر الأصمعي أن الشعر لإسحاق بن سويد الفقيه، وهو لأعرابي لا يعرف المقالات التي يميل إليها أهل الأهواء، أنشد الأصمعي:
(3/141)

برئت من الخوارج لست منهم ... من الغزال منهم وابن باب
ومن قوم إذا ذكروا عليا ... يردون السلام على السحاب
ولكني أحب بكل قلبي ... وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حباً ... به أرجو غداً حسن الثواب
فإن قوله: من الغزال منهم يعني واصل بن عطاء، وكان يكنى أبا حذيفة، وكان معتزلياً، ولم يكن غزالاً، ولكنه كان يلقب بذلك، لأنه كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيجعل صدقته لهن، وكان طويل العنق. ويروى عم عمرو بن عبيد، أنه نظر إليه من قبل أن يكلمه، فقال: لا يفلح هذا ما دامت عليه هذه العنق!.
وقال بشار بن برد يهجو واصل بن عطاء:
ماذا منيت بغزال له عنق ... كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا1
عنق الزرافة ما بالي وبالكم ... تكفرون رجالاً أكفروا رجلا!
ويروى: لا بل2، كأنه لا يشك فيه، أن بشاراً كان يتعصب للنار على الأرض ويصوب رأي إبليس - لعنه الله - في امتناعه من السجود لآدم عليه السلام، ويروى له:
الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار
فهذا ما يرويه المتكلمون.
وقتله المهدي على الإلحاد، وقد روى قوم أن كتبه فتشت فلم يصب فيها شيء مما كان يرمى به وأصيب له كتاب فيه: إني أردت هجاء آل سليمان بن علي،
__________
1 النقنق: الظليم. والدو: الفلاة الواسعة. ومثل: أي أيام.
2 قال الملرصفي: هذه عبارة سخيفة, يريد أن السبب في هجائه ليس ما ذكره بشار من نسبه الكفر إلى أصحابه, إذ نسبوه إلي واصل, وإنما السبب ما بلغه من إنكار واصل قوله يفضل النار وبصوب رأي إبليس. وكلمة" كأنه لا شك فيه" معترضة.
(3/142)

فذكرت قرابتهم من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمسكت عنهم1. [إلا أني قلت:
دينار آل سليمان ودرهمهم ... كبابليين حفاً بالعفاريت
لا يرجيان ولا يرجى نوالهما ... كما سمعت بهاروت وماروت] 2
وحدثني المازني قال: قال رجل لبشار: أتأكل اللحم وهو مباين لديانتك? - يذهب به3 إلى أنه ثنوي - قال: فقال بشار: ليسوا يدرون أن هذا4 اللحم يدفع عني شر هذه الظلمة.
وكان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء، ولا يفطن بذلك5 لاقتداره وسهولة ألفاظه ففي ذلك يقول شاعر من المعتزلة، يمدحه بإطالته الخطب واجتنابه الراء، على كثرة ترددها في الكلام، حتى كأنها ليست فيه:
عليم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيب يغلب الحق باطله
وقال آخر:
ويجعل البر قمحاً في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطراً والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر
ومما حكي6 عنه قوله وذكر بشاراً: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسياً أو عقيلياً.
فقال: هذا الأعمى ولم يقل بشاراً، ولا ابن برد، ولا الضرير. وقال: من أخلاق الغالية ولم يقل المغيرية ولا المنصورية. وقال: لبعثت إليه، ولم
__________
1 د: "منهم".
2 ما بين العلامتين من زيادات ر.
3 كلمة "به" ساقطة من ر.
4 كلمة "هذا" ساقطة من ر.
5 ر: "بذاك".
6 ر: "يحكى".
(3/143)

يقل: لأرسلت إليه، وقال: على مضجعه، ولم يقل: على فراشه، ولا مرقده، وقال: يبعج، ولم يقل: يبقر، وذكر بني عقيل، لأن بشاراً كان يتوالى إليهم، وذكر بني سدوس، لأنه كان نازلاً فيهم.
واجتناب الحروف شديد.
وقال: لما سقطت ثنايا عبد الملك بن مروان في الطست1 قال: والله لولا الخطبة والنساء ما حفلت بها.
قال: وخطب الجمحي، وكان منزوع إحدى الثنيتين، وكان يصفر إذا تكلم، وأجاد2 الخطبة، وكانت لنكاح، فرد عليه زيد بن علي بن الحسين كلاماً جيداً، إلا أنه فضله بتمكين3 الحروف وحسن مخارج الكلام.
فقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يذكر ذلك:
صحت مخارجها وتم حروفها ... فله بذاك مزية ولا تنكر
المزية: الفضيلة.
وأما قوله: ابن باب فهو4 عمرو بن عبيد بن باب، وهو5 مولى بني العدوية، من بني مالك بن حنظلة، فهذان معتزليان وليسا من الخوارج، ولكن قصد إسحاق بن سويد إلى أهل البدع والأهواء، ألا تراه ذكر الرافضة معهما.
فقال:
ومن قوم إذا ذكروا علياً ... أشاروا بالسلام على السحاب
ويروى:
يردون السلام على السحاب
__________
1 ساقطة من ر.
2 ر: "فأجاد".
3 ر: "يتمكن".
4 ر: "فإنه".
5 ر: "وكان".
(3/144)

مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه
ثم نرجع إلى ذكر الخوارج. قال أبو العباس: فلما قتل علي بن أبي طالب أهل النهروان، وكان بالكوفة زهاء ألفين من الخوارج؛ ممن لم يخرج مع عبد الله بن وهب، وقوم ممن استأمن إلى أبي أيوب الأنصاري، فتجمعوا وأمروا عليهم رجلاً من طيئ، فوجه إليهم علي رجلاً، وهم بالنخيلة، فدعاهم ورفق بهم، فأبوا، فعاودهم فأبوا، فقتلوا جميعاً، فخرجت طائفة منهم نحو مكة، ووجه1 معاوية من يقيم للناس حجهم، فناوشه هؤلاء الخوارج، فبلغ ذلك معاوية ووجه معاوية بسر بن أرطأة، أحد بن عامر بن لؤي، فتوافقوا وتراضوا بعد الحرب بأن يصلي بالناس رجل من بني شيبة، لئلا يفوت الناس الحج، فلما انقضى نظرت الخوارج في أمرها، فقالوا: إن علياً ومعاوية قد أفسدا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقه! وقال رجل من أشجع: والله ما عمرو دونهما، وإنه لأصل هذا الفساد، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أقتل علياً، فقالوا: وكيف لك به? قال: أغتاله. فقال الحجاج بن عبد الله الصريمي - وهو البرك: وأنا أقتل معاوية، وقال زاذويه مولى بني العنبر بن عمرو بن تميم: وأنا أقتل عمراً. فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة، فجعلوا تلك الليلة ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، فخرج كل واحد منهم إلى ناحية، فأتى ابن ملجم الكوفة، فأخفى فسه وتزوج امرأة يقال لها قطام بنت علقمة من تيم الرباب، وكانت ترى رأي الخوارج - والأحاديث تختلف وإنما يؤثر صحيحها - ويروى في بعض الحديث2 أنها قالت: لا أقتنع منك إلا بصداق أسميه لك، وهو ثلاثة آلاف درهم، وعبد وأمة، وأن تقتل علياً. فقال لها: لك ما سألت، وكيف3 لي به? قالت تروم ذلك غيلة، فإن سلمت أرحت الناس من شر، وأقمت مع أهلك، وإن أصبت خرجت4 إلى الجنة ونعيم لا يزول، فأنعم لها5، وفي ذلك يقول6:
ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم7
__________
1 ر: "فوجه".
2 ر: "الأحاديث".
3 ر: "فكيف".
4 ر: "سرت".
5 أي قال لها نعم.
6 قال المرصفي: بل قائله ابن أبي مياس المرادي.
7 قبله:
ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم
(3/145)

فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
وقد ذكروا أن القاصد إلى معاوية يزيد بن ملجم، والقاصد إلى عمرو آخر من بني ملجم، وأن أباهم نهاهم. فلما عصوه قال: استعدوا للموت، وأن أمهم حضتهم على ذلك. والخبر الصحيح ما ذكرت لك أول مرة.
فأقام ابن ملجم، فيقال: إن امرأته قطام لامته، وقالت: ألا تمضي لما قصدت له1! لشد ما أحببت أهلك! قال: إني قد وعدت صاحبي وقتاً بعينه وكان هنالك رجل من أشجع. يقال له شبيب، فواطأه بعد الرحمن.
ويروى أن الأشعث نظر إلى عبد الرحمن متقلداً سيفاً في بني كندة، فقال: يا عبد الرحمن، أرني سيفك. فأراه إياه2، فرأى سيفاً جديداً، فقال: ما تقلدك هذا3 السيف وليس بأوان حرب! فقال: إني أردت أن أنحر به جزور القرية! فركب الأشعث بغلته، وأتى علياً صلوات الله عليه فخبره. وقال له: قد عرفت بسالة ابن ملجم وفتكه، فقال علي: ما قتلني بعد.
ويروى أن علياً رضوان الله عليه كان يخطب مرة ويذكر أصحابه، وابن ملجم تلقاء المنبر، فسمع وهو يقول: والله لأريحنهم منك! فلما انصرف علي صلوات الله إلى بيته أتي به ملبباً، فأشرف عليهم، فقال: ما تريدون? فخبروه بما سمعوا، فقال: ما قتلني بعد؛ فخلوا عنه.
ويروى أن علياً كان يتمثل إذا رآه ببيت عمرو بن معدي كرب في قيس بن مكشوح المرادي والمكشوح هبيرة، وإنما سمي بذلك لأنه ضرب على كشحه:
أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
__________
1 كلمة "له" ساقطة من ر.
2 كلمة "إياه" ساقطة من ر.
3 كلمة "هذا" ساقطة من ر.
(3/146)

فينتفي من ذلك، حتى أكثر عليه، فقال له المرادي: إن قضي شيء كان. فقيل لعلي: كأنك قد عرفت وعرفت ما يريد بك، أفلا تقتله? فقال: كيف أقتل قاتلي.
فلما كان ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، خرج ابن ملجم وشبيب الأشجعي، فاعتورا الباب الذي يدخل منه علي رضي الله عنه، وكان علي يخرج1 مغلساً، ويوقظ الناس للصلاة، فخرج كما كان يفعل، فضربه شبيبل فأخطأه، وأصاب سيفه الباب، وضربه ابن ملجم على صلعته، فقال علي: فزت ورب الكعبة! شأنكم بالرجل. فيروى عن بعض من كان في المسجد2 من الأنصار قال: سمعت كلمة علي، ورأيت بريق السيف. فأما ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بقطيفة، فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، وكان المغيرة أيداً، فقعد على صدره. وأما شبيب فانتزع السيف منه رجل من حضرموت، وصرعه وقعد على صدره. وكثر الناس، فجعلوا يصيحون: عليكم صاحب السيف، فخاف الحضرمي أن يكبوا عليه ولا يسمعوا عذره فرمى بالسيف، وانسل شبيب بين الناس فدخل بابن ملجم3 على علي رضوان الله عليه، فأومر فيه، فاختلف الناس في جوابه. فقال علي: إن أعش فالأمر لي4، وإن5 أصب فالأمر لكم، فإن آثرتم أن تقتصوا فضربة بضربة، وأن تعفوا أقرب للتقوى. وقالوا قوم: بل قال: وإن أصب فاقتلوه في مقتله فأقام علي يومين، فسمع ابن ملجم الرنة من الدار، فقال له من حضره: أي عدو الله! إنه لا بأس على أمير المؤمنين، فقال: أعلى من تبكي أم كلثوم6 ? أعلي? أما والله لقد اشتريت سيفي بألف درهم، وما زلت أعرضه، فما يعيبه أحد إلا أصلحت ذلك العيب، ولقد سقيته7 السم حتى لفظه، ولقد ضربته ضربة لو قسمت على من بالمشرق لأتت عليهم.
ومات علي صلوات الله ورضوانه عليه ورحمته في آخر اليوم الثالث. فدعا عبد الرحمن بالحسن8 رضي الله عنه. فقال: إن لك عندي سراً. فقال الحسن
__________
1 ساقطة من ر.
2 ر: "بالمسجد".
3 ساقط من ر.
4 ر: "إي".
5 "وإن أصبت فاضربوه ضربة في مقتله".
6 هي أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب, زوج عمر بن الخطاب.
7 ر: "أسقيته".
8 ر: "فدعا به الحسن".
(3/147)

رضوان الله عليه: أتدرون ما يريد? يريد أن يقرب من وجهي فيعض أذني فيقطعها، فقال: أما والله لو أمكنني منها لاقتلعتها من أصلها! فقال الحسن: كلا والله. لأضربنك ضربة تؤديك إلى النار، فقال: لو علمت أن هذا في يدك1 ما اتخذت إلهاً غيرك، فقال عبد الله بن جعفر: يا أبا محمد، ادفعه إلي أشف نفسي إنك يا ابن أخي لتكحل عمك بملمولين2 مضاضين3، وقال قوم: بل قطع يديه ورجليه، وقال قوم: بل قطع رجليه، وهو في ذلك يذكر الله عز وجل. ثم عمد إلى لسانه فشق ذلك عليه، فقيل له: لم تجزع من قطع يديك ورجليك ونراك قد جزعت من قطع لسانك! فقال: نعم، أحببت أن لا يزال فمي يذكر الله رطباً، ثم قتله.
ويروى أن عليا رضي الله عنه أتي بابن ملجم وقيل له: إنا قد سمعنا من هذا كلاماً ولا4 نأمن قتله لك? ثم قال علي رضوان الله عليه:
اشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا5
ولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا
والشعر إنما يصح بأن تحذف اشدد فتقول:
حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا
ولكن الفصحاء من العرب يزيدون ما عليه المعنى، ولا يعتدون به في الوزن، ويحذفون من الوزن، علماً بأن المخاطب يعلم ما يريدونه. فهو إذا قال: حيازيمك للموت، فقد أضمر أشدد فأظهره، ولم يعتد.
قال: وحدثني أبو عثمان المازني قال: فصحاء العرب ينشدون كثيراً:
__________
1 ر: "في يديك".
2 الملمول: الحبل يكتحل به.
3 أي جارين.
4 ر: "فلا".
5 الحيزوم: ما اشتمل عليه الصدر, يقال للرجل: اشدد حيازيمك, أي وطن نفسك على الأمر.
(3/148)

لسعد بن الضباب إذا غدا ... أحب إلينا منك فا فرس حمر1
وإنما الشعر:
لعمري لسعد بن الضباب إذا غدا
وأما الحجاج بن عبد الله الصريمي - وهو البرك - فإنه ضرب معاوية مصلياً، فأصاب مأكمته2، وكان معاوية عظيم الأوراك, فقطع منه عرقا يقال له3 عرق النكاح, فلم يولد لمعاوية بعد ذلك ولد. فلما أخذ قال: الأمان والبشارة، قتل علي في هذه الصبيحة، فاستؤني به حتى جاء الخبر، فقطع معاوية يده ورجله، فأقام بالبصرة، ثم بلغ4 زياداً أنه قد ولد له، فقال: أيولد له وأمير المؤمنين لا يولد له! فقتله. هذا أحد الخبرين.
ويروى أن معاوية قطع يديه ورجليه، وأمر باتخاذ المقصورة، فقيل لابن عباس بعد ذلك: ما تأويل المقصورة? فقال: يخافون أن يبهظهم5 الناس.
وأما زاذويه، فإنه أرصد لعمرو، واشتكى عمرو بطنه، فلم يخرج للصلاة. فخرج6 خارجة7، وهو رجل من بني سهم بن عمرو بن هصيص، رهط عمرو بن العاص، فضربه زاذويه فقتله، فلما دخل به على عمرو فرآههم يخاطبونه بالإمرة قال: أو ما قتلت عمراً! قيل: لا، قتلت خارجة، فقال: أردت عمراً وأراد الله خارجة8.
__________
1 لامرئ القيس بن حجر. ديوانه 139.
2 المأكمة: واحدة المأكمتين, وهما اللحمتان اللتان على رءوس الوركين.
3 كلمة "له" ساقطة من ر.
4 ر:"فبلغ".
5 يبهظهم: يغلبهم.
6 ر: "دخرج".
7 هو خارجة بن حذافة, له صحبة.
8 ر: "والله أراد".
(3/149)

لأبي زبيد الطائي يرثي علي بن أبي طالب
وقال أبو زبيد الطائي يرثي علي بن أبي طالب صلوات الله عليه:
إن الكرام على ما كان من خلق ... رهط امرئ خاره للدين مختار
طب بصير بأضغان الرجال ولم ... يعدل بخبر رسول الله أخبار
(3/149)

وقطرة قطرت إذ حان موعدها ... وكل شي له وقت ومقدار
حتى تنصلها في مسجد طهر ... على إمام هدى إن معشر جاروا
حمت ليدخل جنات أبو حسن ... وأوجبت بعده للقاتل النار
قوله خاره يعني1: اختاره، وهو فعله واختاره افتعله كما تقول: قدر عليه، واقتدر عليه.
وقوله: بصير بأضغان الرجال، فهي أسرارها ومخبآتها. قال الله تعالى: {فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} 2. والخبر: العالم.
ويروى أن علياً رضوان الله عليه مر بيهودي يسأل مسلماً عن شيء من أمر الدين، فقال له علي: اسألني ودع الرجل، فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت خبر، أي عالم، قال علي عليه السلام: أن تسأل عالماً أجدى عليك3.
وقوله: حتى تنصلها، يريد استخرجها.
وقوله: حمت، معناه قدرت.
__________
1 ر: "إنما هو".
2 سورة محمد 73.
3 ر: "أجى لك".
(3/150)

للكميت في رثائه أيضا
قال الكميت:
والوصي الذي أمال التجوبي ... به عرش أمة لانهدام
قتلوا يوم ذاك إذ قتلوه ... حكماً لا كغابر الحكام
الإمام الزكي والفارس المعلم ... تحت العجاج غير الكهام
راعياً كان مسجحاً ففقدنا ... هـ وفقد المسيم هلك السوام1
وله: الوصي فهذا شيء كانوا يقولنه ويكثرون فيه. قال ابن قيس الرقيات:
نحن منا النبي أحمد الصديـ ... ـق منا التقي والحكماء
__________
1 مسجحا: سهلا.
(3/150)

وعلي وجعفر ذو الجناحين ... هناك الوصي والشهداء
وقال كثير لما حبس عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية في خمسة عشرة رجلاً من أله في سجن عارم:
تخبر من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المحبوس في سجن عارم
وصي النبي المصطفى وابن عمه ... وفكاك أعناق وقاضي مغارم
أراد ابن وصي النبي. والعرب تقيم المضاف إليه في هذا الباب مقام المضاف، كما قال الآخر:
صبحن من كاظمة الخص الخرب ... يحملن عباس بن عبد المطلب
يريد ابن عباس رضي الله عنه.
وقال الفرزدق لسليمان بن عبد الملك:
ورثتم ثياب المجد فهي لبوسكم ... عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم
يريد ابني عبد مناف.
(3/151)

لأبي الأسود الدؤلي في آل البيت
وقال أبو الأسود:
أحب محمداً حباً شديداً ... وعباساً وحمزة والوصيا
أحبهم لحب الله حتى ... أجيء إذا بعثت على هويا
هوى أعطيته منذ استدارت ... رحى الإسلام لم يعدل سويا1
يقول الأرذلون بنو قشير: ... طوال الدهر ما تنسى عليا!
بنو عم النبي وأقربوه ... أحب الناس كلهم إليا
فإن يك حبهم رشدا أصبه ... وليس بمخطئ إن كان غيا2
__________
1 زيادات: "السوي والسواء: الذي قد سوى الله خلقه, لا زمانة به ولاداء, وفي القرآن: "بشر سويا" وتقول: ساويت ذاك بهذا الأمر, أي جعلته مثلا له.
2 زيادات ر: "ويروى: وليست".
(3/151)

وكان بنو قشير عثمانية، وكان أبو الأسود نازلاً فيهم، فكانوا يرمونه بالليل، فإذا أصبح شكا ذلك، فشكاهم مرة، فقالوا له1: ما نحن نرميك ولكن الله يرميك! فقال: كذبتم والله، لو كان الله يرميني لما أخطأني.
قال: وكان نقش خاتمه:
يا غالبي حسبك من غالب ... إرحم علي بن أبي طالب
وقوله: غير الكهام فالكهام: الكليل من الرجال والسيوف، يقال: سيف كهام. وقوله:
راعياً كان مسجداً فقدناه ... وفقد المسيم هلك السوام
فالمسيم الذي يسيم إبله أو غنمه ترعى، وكذلك كل شيء من الماشية، فجعل الراعي للناس كصاحب الماشي الذي يسيمها ويسوسها ويصلحها، ومتى لم يرجع أمر الناس إلى واحد فلا نظام لهم، ولا اجتماع لأمورهم.
قال ابن قيس الرقيات:
أيها المشتهي فناء قريش ... بيد الله عمرها والفناء
إن تودع من البلاد قريش ... لا يكن بعدهم لحي بقاء
لو تقفى ويترك الناس كانوا ... غنم الذئب غاب عنها الرعاء
وقال الحميري يعني علياً رضوان الله عليه:
كان المسيم ولم يكن إلا لمن ... لزم الطريقة واستقام مسيما
ولما سمع علي صلوات الله عليه نداءهم لا حكم إلا لله قال: كلمة عادلة يراد بها جور. إنما يقولون: لا إمارة، ولا بد من إمارة برة أو فاجرة.
ورووا إن عليا عليه السلام لما أوصى إلى الحسن في وقف أمواله وأن يجعل فيها ثلاثة من مواليه وقف فيها عين أبي نيزر2 والبغيبغة فهذا3 غلط، لأن وقفه هذين4 الموضعين لسنتين من خلافته.
__________
1 كلمة "له" ساقطة من ر.
2 كذا ضبط في الأصل. بفتح النون, وفي حاشية عن الصحاح: "نبرز" بكسر النون.
3 ر: "وهذا".
4 ر: "لهذين".
(3/152)

وقف عين أبي نيزر
حدثنا أبو ملحم محمد بن هشام في إسناد ذكره أخوه أبو نيزر، وكان أبو نيزر من أبناء بعض ملوك الأعاجم، قال: وصح عندي بعد أنه من ولد النجاشي - 1يعني أبا نيزر - فرغب في الإسلام صغيراً، فأتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلم. وكان معه في بيوته، فلما توفي رسول الله صار مع فاطمة وولدها عليهم السلام. قال أبو نيزر: جاءني علي بن أبي طالب وأنا أقوم بالضيعتين: عين أبي نيزر والبغيبغة2، فقال لي: هل عندك طعام? فقلت: طعام لا أرضاه لأمير المؤمنين، قرع من قرع الضيعة صنعته بإهالة سنخة3، فقال: علي به، فقام إلى الربيع وهو جدول فغسل يده، ثم أصاب من ذلك شيئاً، ثم رجع إلى الربيع، فغسل يديه بالرمل حتى أنقاهما، ثم ضم يديه، كل واحدة منهما إلى أختها، وشرب بهما حساً4 من ماء الربيع، ثم قال: يا أبا نيزر، إن الأكف أنظف الآنية. ثم مسح ندى ذلك الماء على بطنه، وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله. ثم أخذ المعول5 وانحدر في العين، فجعل يضرب، وأبطأ عليه المساء. فخرج وقد تفضج جبينه عرقا6ً. فانتكف العرق عن جبينه. ثم أخذ المعول وعاد إلى العين، فأقبل يضرب فيها، وجعل يهمهم7 فانثالث8 كأنها عنق جزور، فخرج مسرعاً، فقال: أشهد الله أنها صدقة، علي بدواة وصحيفة، قال: فعجلت بهما إليه، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغيبغة، على فقراء أهل المدينة وابن السبيل ليقي الله بها وجهه حر النار يوم القيامة، لا تباعا ولا توهبا حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن أو الحسين فهما طلق9 لهما، وليس لأحد غيرهما.
قال محمد بن هشام: فركب الحسين رضي الله عنه دين، فحمل إليه معاوية بعين أبي نيزر مائتي ألف دينار، فأبى أن يبيع، وقال: إنما تصدق بها أبي ليقي الله بها وجهه حر النار، ولست بائعها بشيء.
__________
1 ساقطة من ر.
2 البغيبغة: عين لآل رسول الله صلى الله علية وسلم غزيرة الماء كثيرة النخل.
3 الإهالة: ما أذيب من الشحم والسنخة: المتغيرة الريح.
4 حسا: جمع حسوة, وهي الشربة ملء الفم.
5 المعول: الفأس العظيمة ينقر بها في الصخور.
6 تفضج جبينة عرقا: سال.
7 بهمهم, من الهمهمة, وهي ترديد الصوت في الصدر.
8 يقال انثال الرمل انثيالا, إذا تبع بعضة بعضا, وهو هنا علي الإستعارة.
9 طلق: أي حلال.
(3/153)

كتاب معاوية إلى مروان بن الحكم
وتحدث الزبيريون أن معاوية كتب إلى مروان بن الحكم، وهو والي المدينة، أما بعد، فإن أمير المؤمنين أحب أن يرد الألفة، ويسل السخيمة، ويصل الرحم، فإذا ورد عليك1 كتابي هذا2 فاخطب إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم على يزيد ابن أمير المؤمنين، وارغب له في الصداق.
فوجه مروان إلى عبد الله بن جعفر، فقرأ عليه كتاب معاوية3 وأعلمه بما في رد الألفة من صلاح ذات البين، اجتماع الدعوة. فال عبد الله: إن خالها الحسين بينبع، وليس ممن يفتات عليه بأمر، فأنظرني إلى أن يقدم، وكانت أمها زينب بنت علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. فلما قدم الحسين ذكر ذلك له عبد الله بن جعفر. فقام من عنده فدخل إلى الجارية، فقال: يا بنية، إن ابن عمك القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب أحق بك، ولعلك ترغبين في كثرة الصداق وقد نحلتك البغيبغات، فلما حضر القوم للإملاك4 تكلم مروان بن الحكم، فذكر معاوية وما قصده من صلة الرحمن وجمع الكلمة، فتكلم الحسين فزوجها من القاسم بن محمد. فقال له مروان: أغدراً يا حسين? فقال: أنت بدأت، خطب أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام عائشة بنت عثمان بن عفان، واجتمعنا لذلك، فتكلمت أنت فزوجتها من عبد الله بن الزبير. فقال مروان: ما كان ذلك. فالتفت الحسين إلى محمد بن حاطب فقال: أنشدك الله، أكان ذاك? قال: اللهم نعم. فلم تزل هذه الضيعة في أيدي5 بني عبد الله بن جعفر، من ناحية أم كلثوم، يتوارثونها، حتى ملكها أمير المؤمنين المأمون. فذكر ذلك له، فقال: كلا، هذا وقف علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، فانتزعها من أيديهم، وعوضهم عنها، وردها إلى ما كانت عليه.
__________
1 ر: "وصل إليك".
2 كلمة "هذا" ساقطة من ر.
3 في لاأصل: "أمير المؤمنين", وما أثبته عن ر.
4 الإملاك: عقد النكاح.
5 ر: "يدي".
(3/154)

حديث علي مع الخوارج في أول خروجهم عليه
قال أبو العباس: رجع الحديث إلى ذكر الخوارج أمر علي بن أبي طالب رحمه الله.
قال: ويروى1 أن علياً في أول خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي، وقد كان وجهه إليهم، وزياد بن النضر الحارثي مع عبد الله بن العباس، فقال لصعصعة: بأي القوم رأيتهم أشد إطاقة? فقال: بزيد بن قيس الأرحبي، فركب علي إليهم إلى حروراء. فجعل يتخللهم، حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس، فصلى فيه ركعتين، ثم خرج فاتكأ على قوسه وأقبل على الناس، ثم قال: هذا مقام من فلج2 فيه فلج يوم القيامة. أنشدكم الله، أعلمتم أحداً منكم كان أكره للحكومة مني! قالوا: اللهم لا. قال: أفعلمتم أنكم أكرهتموني، حتى قبلتها? قالوا: اللهم نعم. قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني? قالوا: إنا أتينا ذنباً عظيماً، فتبنا إلى الله، فتب إلى الله منه واستغفره نعد لك. فقال علي: إني أستغفر من كل ذنب. فرجعوا معه، وهم ستة آلاف. فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن علياً رجع عن التحكيم ورآه ضلالاً، وقالوا: إنما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمن الكراع3، ويجبى المال، فينهض إلى الشام. فأتى الأشعث بن قيس علياً عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالاً والإقامة عليها كفراً، فخطب علي الناس فقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب ومن رآها ضلالاً فهو أضل. فخرجت الخوارج من المسجد، فحكمت. فقيل لعلي: إنهم خارجون عليك، فقال لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيفعلون. فوجه إليهم عبد الله بن العباس، فلما صار إليهم رحبوا به وأكرموه. فرأى منهم جباهاً قرحة4 لطول السجود، وأيدياً كثفنات5 الإبل، وعليهم6 قمص مرحضة7، وهم مشمرون، فقالوا: ما جاء بك يا أبا العباس? فقال: جئتكم من
__________
1 ر: "يروى".
2 فلج: انتصر.
3 الكراع: اسم جماعة الخيل.
4 قرحة: بها قروح.
5 ثفنات الإبل: ما يصيب الارض منها إذا بركت.
6 ر: "وعليهم".
7 قمص مرحضة مغسولة, من أرحض الثوب, غسله.
(3/155)

عند صهر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وابن عمه، وأعلمنا برب وسنة نبيه، ومن عند المهاجرين والأنصار. قالوا: إنا أتينا عظيماً حين حكمنا الرجال في دين الله، فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا. فقال ابن عباس: نشدتكم الله إلا ما صدقتم أنفسكم! أما علمتم أن الله أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم، وفي شقاق رجل وامرأته? فقالوا: اللهم نعم، فقال: فأنشدكم الله فهل1 علمتم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين أهل الحديبية? قالوا: نعم، ولكن علياً محا نفسه من إمارة المسلمين، قال ابن عباس: ليس ذلك بمزيلها عنه. وقد محا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسمه من النبوة، وقد أخذ علي على الحكمين ألا يجورا، وإن يجورا فعلي أولى من معاوية وغيره. قالوا: إن معاوية يدعي مثل دعوى علي، قال فأيهما رأيتموه أولى فولهوه، قالوا: صدقت، قال ابن عباس. ومتى2 جار الحكمان فلا طاعة لهما ولا قبول لقولهما. قال: فاتبعه منهم ألفان وبقي أربعة آلاف، فصلى بهم صلواتهم ابن الكواء، وقال: متى كانت حرب فرئيسكم شبث بن ربعي الرياحي، فلم يزالوا على ذلك يومين، حتى أجمعوا على البيعة لعبد الله بن هب الراسبي، قال: ومضى القوم إلى النهروان3، وكانوا أرادوا المضي إلى المدائن.
__________
1 ر: "هل".
2 ر: "متى".
3 زيادات ر: "قال الأخفش: كذا كان يقول المبرد: "النهروان. بكسر النون والراء, وإنما هو النهروان" بالفتح, وأنشد للطرماح: "قل في شط نهروان" بفتح النون.
(3/156)

خبرهم من عبد الله بن خباب وقتلهم له
قال أبو العباس: فمن طريف أخبارهم أنهم أصابوا مسلماً ونصرانياً، فقتلوا المسلم وأوصلوا بالنصراني، فقالوا: احفظوا ذمة نبيكم1.
ولقيهم عبد الله بن خباب وفي عنقه مصحف، ومعه امرأته وهي حامل، فقالوا له2: إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا أن نقتلك. فقال3: ما أحيا القرآن فأحيوه وما أماته فأميتوه. فوثب رجل منهم على رطبة فوضعها في فيه، فصاحوا به فلفظها تورعاً، وعرض لرجل منهم خنزير فضربه الرجل فقتله،
__________
1 س: "احفظو ذمة نبيكم".
2 كلمة "له" سلقطة من ر, وهي في الأصل, س.
3 ر, س:"قال".
(3/156)

فقالوا: هذا فساد في الأرض، فقال عبد الله بن خباب: ما علي منكم بأس، إني لمسلم، قالوا له: حدثنا عن أبيك? قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، فكن عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل".
قالوا: فما تقول في أبي بكر وعمر? فأثنى خيراً، فقالوا: ما1 تقول في علي أمير المؤمنين قبل التحكيم، وفي عثمان ست سنين? فأثنى خيراً، قالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم? قال: أقول إن علياً أعلم بالله منكم2، وأشد توقياً على دينه، وأبعد3 بصيرة، قالوا: إنك لست تتبع الهدى، إنما تتبع الرجال عل أسمائها.
ثم قربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه، فامذقر دمه، أي جرى مستطيلاً على دقة.
وساموا رجلاً نصرانياً بنخلة له، فقال: هي لكم، فقالوا: ما كنا لنأخذها إلا بثمن. قال: ما أعجب هذا? أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منا جنى نخلة?.
__________
1 ر: "فما تقول".
2 ر: "أعلم بكتاب الله".
3 ر:"وأنفذ".
(3/157)

غيلان بن خرشة ونيله منهم
ومن طريف أخبارهم أن غيلان بن خرشة الضبي سمر ليلة عند زياد ومعه جماعة، فذكر أمر الخوارج، فأنحى عليهم غيلان، ثم انصرف بعد ليل إلى منزله فلقيه أبو بلال مرداس بن أدية. فقال له: يا غيلان، قد بلغني ما كان منك الليلة عند هذا الفاسق، من ذكر هؤلاء القوم الذين شروا أنفسهم وابتاعوا آخرتهم بدنياهم! ما يؤمنك أن يلقاك رجل منهم، أحرص والله على الموت منك على الحياة، فينفذ حضنيك1 برمحه? فقال غيلان: لن يبلغك أني ذكرتهم بعد الليلة.
__________
1 الحضنان: ناحيتا الإنسان. والجمع أحضان.
(3/157)

مرداس بن أدية وزياد
ومرداس تنتحله جماعة من أهل الأهواء، لقشفه وبصيرته، وصحة عبادته، وظهور ديانته وبيانه، تنتحله المعتزلة، وتزعم أنه خرج منكراً لجور السلطان، داعياً
(3/157)

إلى الحق، وتحتج له بقوله لزياد حيث قال على المنبر: والله لآخذن المحسن منكم بالمسيء، والحاضر منكم بالغائب، والصحيح بالسقيم، والمطيع بالعاص1، فقام إليه مرداس فقال: قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان، وما هكذا ذكر الله عز وجل عن نبيه إبراهيم عليه السلام، إذ يقول: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} 2 وأنت تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي، ثم خرج في عقب هذا اليوم.
والشيع تنتحله، وتزعم أنه كتب إلى الحسين بن علي صلوات الله عليه: إني لست أرى رأي الخوارج، وما أنا إلا على دين أبيك.
__________
1 ساقطة من ر.
2 سورة النجم 37-41.
(3/158)

آراء الفقهاء في مذهب الخوارج
وهذا رأي قد استهوى جماعة من الأشراف. يروى أن المنذر بن الجارود كان يرى رأي الخوارج. وكان يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف يراه. وكان صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق يراه. وكان عدة من الفقهاء ينسبون إليه ولعل هذا يكون باطلاً1، منهم عكرمة مولى ابن عباس. وكان يقال لك في مالك بن أنس.
ويروي الزبيريون: أن مالك بن أنس المديني2 كان يذكر ثمان وعلياً وطلحة والزبير، فيقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر3.
__________
1 ساقطة من ر.
2 حاشية س: "قد يتوهم من هذا الكلام من لا معرفة له بالأخبار والتواريخ أن المذكور هنا مالك بن أنس الفقيه المدني المشهور صاحب المذهب. وليس الأمر كذلك. وهذا تقصير أو قصور من أبي العباس, حيث أبهم في موضع البيان, لأن مالكا المذكور هنا هو مالك بن أنس بن مالك بن مسمع البكري. ثم البصري. أحد رؤساء أهل البصرة. وأعظم فقهائها في زمانه. لشرف بيته وتقدمة في معرفة كل فن, وشهرة وزهده وكثرة تهجده, لكنه كان متهما برأي الخوارج. ولم يوقف لأمره على حقيقته, الله أعلم أي ذلك كان. وأما الإمام مالك بن أنس المدني الأصبحي الحميري فهو الذهب الأبريز صفاء. والكبريت الأحمر عزة".
3 الثريد الأعفر: الأبيض. ليس بالشديد البياض. يريد الثريد الممتلئ بالإدام, قاله المرصفي.
(3/158)

فأما أبو سعيد الحسن البصري فإنه كان ينكر الحكومة، ولا يرى رأيهم وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان فترحم عليه ثلاثاً، ولعن قتلته ثلاثاً، ويقول: لو لم نلعنهم للعنا، ثم يذكر علياً فيقول: لم يزل أمير المؤمنين علي رحمه الله يتعرفه1 النصر، ويساعده الظفر، حتى حكم، فلم تحكم والحق معك! ألا تمضي قدماً، لا أبالك، وأنت على الحق!
قال أبو العباس: وهذه كلمة فيها جفاء، والعرب تستعملها عند الحث على أخذ الحق والإغراء، وربما استعملتها الجفاة من الأعراب عند المسألة والطلب، فيقول القائل للأمير والخليفة: انظر في أمر رعيتك لا أبالك! وسمع سليمان بن عبد الملك رجلاً من الأعراب في سنة جدبة2 يقول:
رب العباد مالنا ومالكا ... قد كنت تسقينا فما بدا لكا
أنزل علينا الغيث لا أبالكا
فأخرجه سليمان أحسن مخرج، فقال: أشهد أنه لا أبا له ولا ولد ولا صاحبة [وأشهد أن الخلق جميعاً عباده] 3.
وقال رجل من بني عامر بن صعصعة أبعد من هذه الكلمة لبعض قومه:
أبني عقيل لا أبا لأبيكم ... أيي وأي بني كلام أكرم
وقال رجل من طيء، أنشده أبو زيد الأنصاري:
يا قرط قرط حيي لا أبالكم ... يا قرط إني عليكم خائف حذر
أأن روى مرقس واصطاف أعنزه ... من التلاع التي قد جادها المطر
قلتم له اهج تميماً لا أبالكم ... في كف عبدكم عن ذاكم قصر
فإن بيت تميم ذو سمعت به ... فيه تنمت وأرست عزها مضر
__________
1 س: "يتعرفه".
2 ر: "جديبة".
3 تكملة من ر.
(3/159)

قوله: "يا قرط قرط حيي" نصبهما معاً أكثر على ألسنة العرب، وتأويلهما: أنهم أرادوا "يا قرط حيي" فأقحموا" قرطاً" توكيداً، وكذلك لجرير1:
يا تيم تيم عدي لا أبالكم ... لا يلقينكم في سوءة عمر
ومثله لعمر بن لجا2:
يا زيد زيد اليعملات الذبل ... تطاول الليل عليك فانزل3
فإن لم ترد التوكيد والتكرير لم يجز إلا رفع الأول: "يا زيد زيد اليعملات" و"يا تيم تيم عدي"، كما تقول: "يا زيد أخا عمرو" على النعت. ومثل الأول في التوكيد "يا بؤس للحرب" فأقحم اللام توكيداً، لأنها توجب الإضافة. وعلى هذا جاء "لا أبالك" و"لا أبا لزيد" ولولا الإضافة لم تثبت الألف في الأب؛ لأنك تقول؛ رأيت أباك، فإذا أفردت: هذا أب صالح، وإنما كانت "لا أباك" كما قال الشاعر:
أبالموت الذي لا بد أني ... ملاقي لا أباك تخوفيني
وقال آخر:
وقد مات شماخ ومات مزرد ... وأي كريم لا أباك يخلد!
وقوله: "أأن روى مرقس" "مرقس" رجل. وروى: استقى لأهله، يقال: فلان راوية أهله، إذا كان يستقي لأهله، والتي على البعير والحمار مزادة4 فإذا كبرت وعظمت وكانت من ثلاثة آدمة5 فهي المثلثة. وأصغر منها السطيحة6، وأصغرهن الطبع7:
__________
1 قال المرصفي: "يهجو عمر بن لجأ التيمي", وقبله كما في الديوان 285:
أتبتغي التيم عذرا بعد ما غدروا ... لايقبل الله من تيم إذا اعتذروا
لا تمنعون لكم عرسا وما لكم ... إلا بغيركم ورد ولا صدر
2 قال المرصفي: هذا غلط, وصوابه: لعبد الله بن رواحة الخزرجي يقوله لزيد بن أرقم.
3 اليعملات: جمع يعملة وهي الناقة السريعة. والذبل: الضوامر.
4 المزاده هي التي تكون من جلدبن يزاد بينهما نصف جلد.
5 آدمه:جمع أديم, وهو الجلد.
6 السطيحة: التي تكون من جلدين, يقابل أحدهما بالأخر.
7 الطبع, قال المرصفي: لم أر أحدا من أهل اللغة ذكره إلا في الأسقية, وإنما هو لملْ السقا.
(3/160)

وقوله: "واصطاف أعنزه"، يريد "افتعلت"، من الصيف، أي أصابت البقل فيه.
والتلعة: ما ارتفع من الأرض في مستقر المسيل إذا تجافى السيل عن متنه، وجمعه بلاع.
وقوله: "ذو سمعت به" يريد الذي، وكذلك تفعل طيئ، تجعل ذو في معنى "الذي"، قال زيد الخيل لبني فزارة، وذكر عامر بن الطفيل فقال:
إني أرى في عامر ذو ترون
وقال عارق الطائي:
فإن لم يغير بعض ما قد فعلتم ... لأنتجين للعظم ذو أنا عارقه1
يريد الذي.
ومن ظرفاء المحدثين اليمانية من يعمل هذا اعتماداً لإيثار لغة قومه.
قال الحسن بن هانئ الحكمي:
حب المدامة ذو سمعت به ... لم يبق في لغيرها فضلا
وقال حبيب بن أوس الطائي:
أنا ذو عرفت فإن عرتك جهالة ... فأنا المقيم قيامة العذال
وقال الحسن بن وهب الحارثي:
عللاني بذكرها عللاني ... واسقياني أو لا فمن تسقيان
أنا ذو لم يزل يهون على الند ... مان إن عز جانب الندمان
ويكون العزيز في ساعة الروع ... بصدق الطعان يوم الطعان
__________
1 لأنتجين: لأقصدن. وعارقه, من عرق العظم يعرقه, بالضم عرقا, أخذ اللحم عنه بأسنانه نهشا, وبهذا البيت سهي عارقا.
(3/161)

ثم نرجع إلى ذكر الخوارج1:
قال أبو العباس: وكان في جملة الخوارج لدد واحتجاج، على كثرة خطبائهم وشعرائهم، ونفاذ بصيرتهم، وتوطين أنفسهم على الموت، فمنهم الذي طعن فأنفذه الرمح فجعل يسعى فيه إلى قاتله وهو يقول: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} 2.
ويروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لما وصفهم قال: "سيماهم التحليق 3 يقرأون القرآن لا تجاوز تراقيهم، علامتهم رجل مخدج اليد" 4.
وفي حديث عبد الله بن عمرو: "رجل يقال له عمرو ذو الخويصرة"، أو "الخنيصرة".
وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه نظر إلى رجل ساجد، إلى أن صلى النبي عليه السلام، فقال: "ألا رجل يقتله "? فحسر أبو بكر عن ذراعه وانتضى السيف وصمد نحوه، ثم رجع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أأقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله? فقال النبي عليه السلام: "ألا رجل يفعل "? ففعل عمر مثل ذلك، فلما كان في الثالثة قصد له علي بن أبي طالب عليه السلام فلم يره، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لو قتل لكان أول فتنة وآخرها".
__________
1 ر: "عاد الحديث إلى ذكر الخوارج".
2 سورة طه 84.
3 سيماهم التحليق, أي علامتهم حلق الرءوس.
4 مخدج اليد: ناقصها.
(3/162)

حديث المخدج
ويروى عن أبي مريم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ذكر المخدج عند النبي عليه السلام، فقال أبو مريم: والله إن كان معنا لفي المسجد وكان فقيراً، وكان يحضر طعام علي إذا وضعه للمسلمين، ولقد كسوته ترساً لي، فلما خرج القوم إلى حروراء قلت: والله لأنظرن إلى عسكرهم، فجعلت أتخللهم حتى
(3/162)

صرت إلى ابن الكواء وشبث بن ربعي، ورسل علي تناشدهم، حتى وثب رجل من الخوارج على رسول لعلي، فضرب دابته بالسيف، فحمل الرجل سرجه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم انصرف القوم إلى الكوفة، فجعلت أنظر إلى كثرتهم كأنما ينصرفون من عيد، فرأيت المخدج، كان مني قريباً، فقلت: أكنت مع القوم? فقال: أخذت سلاحي أريدهم، فإذا بجماعة من الصبيان قد عرضوا لي فأخذوا سلاحي، وجعلوا يتلاعبون بي فلما كان يوم النهر قال علي: اطلبوا المخدج. فطلبوه فلم يجدوه، حتى ساء ذلك علياً، وحتى قال رجل: لا والله يا أمير المؤمنين، ما هو فيهم، فقال علي: والله ما كذبت ولا كذبت، فجاء رجل فقال: قد أصبناه يا أمير المؤمنين، فخر علي ساجداً، وكان إذا أتاه ما يسر به من الفتوح سجد وقال: لو أعلم شيئاً أفضل منه لفعلته، ثم قال: سيماه أن يده كالثدي، عليها شعرات كشارب السنور، ايتوني بيده المخدجة، فأتوه بها، فنصبها.
(3/163)

من أخبار نافع بن الأزرق
ويروى عن أبي الجلد أنه نظر إلى نافع بن الأزرق الحنفي وإلى نظره وتوغله وتعمقه، فقال: إني لأجد لجهنم سبعة أبواب، وإن أشدها حراً للخوارج، فاحذر أن تكون منهم.
قال: وكان نافع بن الأزرق ينتجع عبد الله بن العباس فيسأله، فله عنه مسائل من القرآن وغيره، قد رجع إليه في تفسيرها، فقبله وانتحله، ثم غلبت عليه الشقوة، ونحن ذاكرون منها صدراً إن شاء الله.
حدث أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي النسابة، عن أسامة بن زيد، عن عكرمة، قال: رأيت عبد الله بن العباس وعنده نافع بن الأزرق وهو يسأله، ويطلب منه الإحتجاج باللغة، فسأله عن قول الله جل ثناؤه: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} 1، فقال ابن عباس: وما جمع، فقال: أتعرف ذلك العرب? فقال ابن عباس: أما سمعت قول الراجز:
__________
1 سورة الإنشقاق 17.
(3/163)

إن لنا قلائصاً حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا
هذا قول ابن عباس: وهو الحق الذي لا يقدح فيه قادح، ويعرض القول فيحتاج المبتدئ إلى أن يزداد في التفسير.
قوله: "حقائقا" إنما بنى الحقة من الإبل - وهي التي قد استحقت أن يحمل عليها - على "فعلية" مثل "حقيقة" ولذلك جمعها على "حقائق" ويقال: "استوسق" القوم، إذا اجتمعوا.
وروى أبو عبيدة في هذا الإسناد - وروى ذلك غيره، وسمعناه من غير وجه - أنه سأله عن قوله عز وجل: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} 1 فقال ابن عباس: هو الجدول، فسأله عن الشواهد، فأنشده:
سلماً ترى الدالج منها أزورا ... إذا يعج في السري هرهرا
السلم: الدلو الذي له عروة واحدة، وهو دلو السقائين، وهو الذي ذكره طرفة فقال:
لها مرفقان أفتلان كأنما ... أمرا بسلمى دالج متشدد2
والدالج: الذي يمشي بالدلو بين البئر والحوض، وأصحاب الحديث ينشدون: "تر الدالي منه أزورا" وهذا خطأ لا وجه له.
وروى أبو عبيدة وغيره: أن نافعاً سأل ابن عباس عن قوله: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} 3: ما الزنيم? قال: هو الدعي الملزق، أما سمعت قول حسان بن ثابت:
زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع
ويزعم أهل اللغة أن اشتقاق ذلك من الزنمة التي بحلق الشاة، كما يقولون لمن دخل في قوم ليس منهم: زعنفة4، وللجمع زعانف، والزعنفة: الجناح من أجنحة السمك.
__________
1 سورة مريم 24.
2 أفتلان, من القتل, وهو اندماج مرفق الناقة.
3 سورة القلم 3.
4 زيادات ر:" الأم:زعنفة بالكسر".
(3/164)

قال أبو الحسن الأخفش: كذا قال زعنفة، والناس كلهم يقولون: زعنفة بكسر الزاي، وهو الوجه.
ويروى عن غير أبي عبيدة أنه سأله عن قوله جل اسمه: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} 1، قال: الشدة بالشدة، فسأله عن الشاهد فأنشده:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرتعن ساقها الحرب شمرا
قال أبو العباس: وقرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير قصيدة جرير التي يهجو فيها آل المهلب بن أبي صفرة، ويمدح هلال بن أحوز المازني، ويذكر الوقعة التي كانت لهم عليهم بالسند في سلطان يزيد فن عبد الملك، بسبب خروج يزيد بن المهلب عليه:
أقول لها من ليلة ليس طولها ... كطول الليالي ليت صبحك نورا
أخاف على نفس ابن أحوز2 إنه ... جلا حمماً فوق الوجوه فأسفرا
جعلت لقبر للخيار ومالك ... وقبر عدي في المقابر أقبرا3
وأطفأت نيران المزون وأهلها ... وقد حاولوها فتنة أن تسعرا4
فلم تبق منهم راية يعرفونها ... ولم تبق من آل المهلب عسكرا
ألا رب سامي الطرف من آل مازن ... إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا
فهذا نظير ذلك. والمزون: عمان. قال الكميت:
__________
1 سورة القيامة 29.
2 زيادات ر:"قال الشيخ أبو يعقوب: الذي رويت في شعر جرير:
حذرارا على نفس ابن أحوز إنه ... جلا كل وجه من معد فأسفرا
3 زيادات ر عن الشيخ أبي يعقوب: "وقوله: "عدى" يعني عدي بن أرطاة الفزاري. قتله معاوية بن يزيد بن مهلب بواسطة. وكان عامل عمر بن عبد العزيز رحمه الله". وفيها الخيار أيضا "ويروى: للخيار بواسط. الخيار: موضع بعمان فيه قبر الخيار بن سبرة المحاشعي. وواسط بها قبر عدي بن أرطاة الفزاري".
4 زيادات ر: "المزون عمان بالفارسية".
(3/165)

فأما الأزد أزد أبي سعيد ... فأكره أن أسميها المزونا
وقال آخر يعني الحرب:
فإن شمرت لك عن ساقها ... فويهاً حذيف ولا تسأم1
ويروى عن أبي عبيدة من غير وجه أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أرأيت نبي الله سليما صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع اخوله الله وأعطاه، كيف عني بالهدهد على قلته وضؤولته? فقال له ابن عباس: إنه احتاج إلى الماء، والهدهد قناء2، والأرض له كالزجاجة، يرى باطنها من ظاهرها، فسأل عنه لذلك، قال ابن الأزرق: قف يا وقاف، كيف يبصر ما تحت الأرض، والفخ يغطى له بمقدار إصبع من تراب فلا يبصره حتى يقع فيه! فقال ابن عباس: ويحك يا ابن الأزرق! أما علمت أنه إذا جاء القدر عشي البصر.
ومما سأله عنه: {الم, ذَلِكَ الْكِتَابُ} 3، فقال ابن عباس: تأويله: هذا القرآن.
هكذا جاء، ولا أحفظ عليه شاهداً عن ابن عباس، وأنا أحسبه أنه لم يقبله إلا بشاهد، وتقديره عند النحويين: إذا قال: "ذلك الكتاب" أنهم قد كانوا وعدوا كتاباً؛ هكذا التفسير، كما قال جل ثناؤه: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} 4؛ ويعني بذلك اليهود، وقال: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} 5، فمعناه: هذا الكتاب الذي كنتم تتوقعونه. وبيت خفاف بن ندبة على ذلك يصح معناه. وكان من خبره أنه غزا مع معاوية بن عمرو-أخي الخنساء- مرة وفزارة، فعمد ابنا حرملة: دريد وهاشم المريان عمد معاوية، فاستطرد له أحدهما، فحمل عليه
__________
1 زيادات ر: "تقول: "ويها لزيد" إذا زجرته عن الشئ فأغريته به. وواها له, إذا تعجبت منه. وحذيف. يريد "حذيفة" فرخم".
2 قناء: عالم بمواضع الماء من الأرض, مأخوذ من القناة. وهي كطيمة تحفر تحت الارض. قاله المرصفي.
3 سورة البقرة 1.
4 سورة البقرة 89.
5 سورة البقرة 146.
(3/166)

معاوية، فطعنه، وحمل الآخر على معاوية فطعنه متمكناً، وكان صميم الخيل1، فلما تنادوا معاوية: قال خفاف بن ندبة - وهي أمه، وكانت حبشية، وأبوه عمير، وهو أحد2 بني سليم بن منصور -: قتلني الله إن رمت3 حتى أثأر به، فحمل على مالك بن حمار - وه سيد بن شمخ بن فزارة - فطعنه فقتله، فقال خفاف بن ندبة:
وإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمداً على عيني تيممت هالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتي ... لأبني مجداً أو لأثأر هالكا4
أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافاً إنني أنا ذلكا
يريد: أنا ذلك الذي سمعت به. هذا تأويل هذا.
وقوله: "يأطر متنه" أي يثني. يقال: أطرت القوس آطرها أطراً، وهي مأطورة. وعلوى: فرسه.
ومما سأله عنه قوله عز وجل: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} 5"، فقال ابن عباس: غير مقطوع، فقال: هل تعرف ذلك العرب? فقال: قد عرفه أخو بني يشكر حيث يقول:
وترى خلفهن من سرعة الرجـ ... ـع منيناً كأنه إهباء6
قال أبو العباس: منين، يعني الغبار، وذلك أنها تقطعه قطعاً وراءها.
والمنين: الضعيف المؤذن بانقطاع، أنشدني التوزي عن أبي زيد:
يا ريها إن سلمت يميني ... وسلم الساقي الذي يليني
ولم تخني عقد المنين
__________
1 صميم الخيل: قال المرصفي: "يريد بالخيل الفرسان, وصميمها: عميدها الذي تعتمد عليه, من الصميم, وهو العظم الذي به قوام العضو".
2 لفظ "هو" ساقط من ر.
3 رمت: برحت.
4 خام: جبن وضعف.
5 سورة فصلت 8.
6 يصف خيلا. والرجع: رد الدابة يديها في السير. وأهباء: جمع هبوة, يريد كأنه أهباء الزوبعة ترتفع في الجو قاله المرصفي.
(3/167)

يريد الحبل الضعيف، فهذا هو المعروف. ويقال: منين وممنون، كقتيل ومقتول، وجريح ومجروح. وذكر التوزي في كتاب الأضداد أن المنين يكون القوي، فجعله1 "فعيلا" من "المنة"، والمعروف هو الأول.
وقال غير ابن عباس: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} لا يمن عليهم فيكدر عندهم.
ويروى من غير وجه أن ابن الأزرق أتى ابن عباس يوماً2 فجعل يسأله3 حتى أمله، فجعل ابن عباس يظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة على ابن عباس، وهو يومئذ غلام، فسلم وجلس، فقال له ابن عباس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك? فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر!
بحاجة نفس لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذراً والمقالة تعذر
تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر
ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا نأيها يسلي ولا أنت تصبر
وأخرى أتت من دون نعم ومثلها ... ونهى ذا النهى لو يرعوي أو يفكر
إذا زرت نعماً لم يزل ذ قرابة ... لها كلما لاقيته يتنمر
عزيز عليه أن أمر ببابها ... مسر لي الشحناء والبغض مظهر
ألكني إليها بالسلام فإنه ... يشهر إلمامي بها وينكر
بآية ما قالت غداة لقيتها ... بمدفع أكنان أهذا المشهر!
قفي فانظري يا أسم هل تعرفينه ... أهذا المغيري الذي كان يذكر!
فقالت: نعم، لا شك غير لونه ... سرى الليل يحيي نصه والتهجر4
لئن كان إياه لقد حل بعدنا ... عن العهد، والإنسان قد يتغير
رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر
__________
1 ر: "يجعله".
2 ساقطة من ر.
3 ر: "يسائله".
4 النص: ضرب من السير, والتهجر: السير في الهجارة.
(3/168)

حتى أتمها، وهي ثمانون بيتاً، فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس! أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهاً فتسمعه! فقال: تالله ما سمعت سفهاً، فال ابن الأزرق: أما أنشدك:
رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيخزى وأما بالعشي فيخسر
فقال: ما هكذا قال، إنما قال "فيضحى وأما بالعشي فيخصر" قال: أو تحفظ الذي قال? قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه، ولو شئت أن أردها لرددتها، قال: فارددها، فأنشده إياها كلها1.
وروى الزبيريون أن نافعاً قال له: ما رأيت أروى منك قط. فقال له ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من علي.
وقوله: فيضحى يقول: يظهر للشمس، ويخصر، يقول: في البردن2، فإذا ذكر العشي فقد دل على عقيب العشي، قال الله تبارك وتعالى: {وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} 3، والضح: الشمس، وليس من: "ضحيت"، يقال: "جاء فلان بالضح والريح" يراد به الكثرة، قال علقمة:
أغر أبرزه للضح راقبه ... مقلد قضب الريحان مفغوم
له فغمة، أي رائحة طيبة، يعني إبريقاً فيه شراب؛ وفي الحديث: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما توجه إلى تبوك جاء أبو خيثمة، وكانت له امرأتان، وقد أعدت كل واحدة منهما من طيب ثمر بستانه، ومهدت له في ظل، فقال: أظل ممدود، وثمرة طيبة، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله في الضح والريح! ما هذا بخير! فركب ناقته ومضى في أثره، وقد قيل لرسول الله في نفر تخلفوا، أبو خيثمة أحدهم، فجعل لا يذكر له أحد منهم إلا قال: "دعوه فإن يرد الله به خيراً يلحقه بكم"، فقيل ذات يوم: يا رسول الله، ترى رجلاً يرفعه الآل، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كن أبا خيثمة"، فكانه.
وإذا انبسطت الشمس فهو الضحى مقصور، فإذا امتد النهار وبينهما مقدار ساعة أو نحو ذلك فذلك الضحاء، ممدود مفتوح الأول.
__________
1 ساقط من ر.
2 البردان: الغداة والعشي.
3 سورة طه 119.
(3/169)

الحجاج وامرأة من الخوارج
وذكرت الرواة أن الحجاج أتي بامرأة من الخوارج، وبحضرته يزيد بن أبي مسلم مولاه، وكان يستسر برأي الخوارج، فكلم الحجاج المرأة فأعرضت عنه، فقال لها يزيد بن أبي مسلم: الأمير، ويلك، يكلمك! فقالت: بل الويل والله لك يا فاسق الردي.
والردي عند الخوارج: هو الذي يعلم الحق من قولهم ويكتمه.
(3/170)

عبد الملك بن مروان ورجل من الخوارج
وذكروا أن عبد الملك بن مروان أتي برجل منهم فبحثه فرأى منه ما شاء فهماً ثم بحثه، فرأى ما شاء إبراً ودهياً1، فرغب فيه، فاستدعاه2 إلى الرجوع عن مذهبه، فرآه مستبصراً محققاً، فزاده في الإستدعاء فقال له: لتغنك الأولى عن الثانية، وقد قلت فسمعت، فاسمع أقل، قال له: قل. فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة، فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته: لقد كان يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم، وأنا3 أولى بالجهاد منهم. ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة وقرر في قلبي من الحق. فقلت له: لله الآخرة والدنيا، وقد سلطنا4 الله في الدنيا، ومكن لنا فيها، وأراك لست تجيب بالقبول5، والله لأقتلنك إن لم تطع.
فأنا في ذلك إذ دخل علي بابني مروان.
قال أبو العباس: كان مروان أخا يزيد لأمه، أمهما عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وكان أبياً عزيز النفس، فدخل به في هذا الوقت على عبد الملك باكياً لضرب المؤدب إياه، فشق ذلك على عبد الملك، فأقبل الخارجي، فقال له: دعه يبكي6؛ فإنه أرحب لشدقه، وأصح لدماغه، وأذهب لصوته، وأحرى ألا تأبى
__________
1 الأرب: البصر بالأمور, والدهى, مصدر دهى, كرضي, إذ كان صاحبه عاقلا مجربا.
2 كذا في الأصل, س, وفي ر: "واستدعاء".
3 ر: "وأبى".
4 ر: "سلطني".
5 ر: "بالقول".
6 ر: "يبك" وكلاهما جائز.
(3/170)

عليه عينه إذا حضرته طاعة الله1، فاستدعى عبرتها. فأعجب ذلك من قوله عبد الملك، فقال معجباً: أما يشغلك ما أنت فيه وبعرضه عن هذا! فقال ما ينبغي أن يشغل المؤمن عن قول الحق شيء، فأمر عبد الملك بحبسه، وصفح عن قتله، وقال بعد يعتذر إليه: لولا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك.
ثم قال عبد الملك: من شككني ووهمني حتى مالت بي عصمة الله فغير بعيد أن يستهوي من بعدي. وكان عبد الملك من الرأي والعلم بموضع.
__________
1 ر: "طاعة ربه".
(3/171)

وفود رجل من أهل الكتاب على معاوية
وتزعم الرواة أن رجلاً من أهل الكتاب وفد على معاوية، وكان موصوفاً بقراءة الكتب، فقال له معاوية: أتجد نعتي في شيء من كتب الله? قال: إي والله، لو كنت في أمة لوضعت يدي عليك من بينهم. قال: فكيف تجدني? قال: أجدك أول من يحول الخلافة ملكاً، والخشنة ليناً، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم، قال معاوية: فسري عني، ثم قال: لا تقبل هذا مني، ولكن من نفسك، فاجتب1 هذا الخبر. قال: ثم يكون ماذا? قال: ثم يكون منك رجل شراب للخمر، سفاك للدماء، يحتجن الأموال2، ويصطنع الرجال، ويجنب3 الخيول، ويبيح حرمة الرسول4، قال: ثم ماذا? قال: ثم تكون فتنة5 تتشعب بأقوام حتى يفضى الأمر بها إلى رجل أعرف نعته6، يبيع الآخرة الدائمة بحظ من الدنيا مخسوس، فيجتمع عليه من آلك وليس منك، لا يزال لعدوه قاهراً، وعلى من ناوأه7 ظاهراً، ويكون له قرين8 مبير9 لعين قال: أفتعرفه إن رأيته? قال:
__________
1 ر: فاختبر, ويقال: اجتبيت الخراج اجتباء, أي جمعته.
2 احتجن الشئ أخذه وحبسه.
3 يجنب الخيل: يقودها إلى ما يركب منها اختيالا وعجبا بها.
4 قال المرصفي: ذلك ما كان من قتل الحسين ومن معه من فتيان بني هاشم وإهانة آل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".
5 هي الفتنة التي وقعت بعد موت معاوية بن يزيدةبن معاوية, وافتراق الناس فرقتين, فريق يدعو إلى ابن الزبير. وفريق يدعو إلى بني أمية.
6 قال المرصفي: "يريد به عبد الملك بن مروان: ولم يذكر معاوية بن يزيد ولا مروان لقصر مدتهما".
7 ناوأه: عاداه.
8 يريد به الحجاج بن يوسف, وقاله المرصفي.
9 مبير: مهلك, وفي س:"مبين".
(3/171)

شد ما. فأراه من بالشام من بني أمية، فقال: ما أراه ههنا، فوجه به إلى المدينة مع ثقات من رسله، فإذا عبد الملك بن مروان يسعى مؤتزراً في يده طائر، فقال للرسل: ها هو ذا! ثم صاح به: إلي أبو من? قال: أبو الوليد، قال: يا أبا الوليد، إن بشرتك ببشارة تسرك ما تجعل لي? قال: وما مقدارها من السرور حتى نعلم مقدارها من الجعل? قال: أن تملك الأرض، قال: ما لي من مال، ولكن أرأيت1 إن تكلفت لك جعلاً، أأنال ذلك قبل وقته? قال: لا، قال: فإن حرمتك، أتؤخره عن وقته? قال: لا، قال فحسبك ما سمعت.
فذكروا أن معاوية كان يكرم عبد الملك ليجعلها يداً عنده يجازيه بها في مخلفته في وقته.
وكان عبد الملك من أكثر الناس علماً، وأبرعهم أدباً، وأحسنهم في شبيبته والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} .
__________
1 ر: "رأيت".
(3/172)

صديق عبد الملك بن مروان
قال أبو العباس: وحدثني ابن عائشة عن حماد بن سلمة في إسناد ذكره: أن عبد الملك كان له صديق، وكان من أهل الكتاب، يقال له يوسف، فأسلم، فقال له عبد الملك يوماً، وهو في عنفوان نسكه، وقد مضت جيوش يزيد بن معاوية مع مسلم بن عقبة المري، من مرة غطفان، تريد المدينة ألا ترى خيل عدو الله قاصدة لحرم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ? فقال له يوسف: جيشك والله إلى حرم رسول الله أعظم من جيشه، فنفض عبد الملك ثوبه ثم قال: معاذ الله! قال له يوسف: ما قلت شاكاً ولا مرتاباً، وإني لأجدك بجميع أوصافك. قال له عبد الملك: ثم ماذا? قال: ثم يتداولها رهطك. قال: إلى متى? قال: إلى أن تخرج الرايات السود من خراسان.
(3/172)

حديث ابن جعدبة للمنصور
قال: وحدثت عن ابن جعدبة، قال: كنت عند أمير المؤمنين المنصور، في اليوم الذي أتاه فيه خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: فغمه
(3/172)

ذلك، حتى امتنع من الغداء في وقته، وطال عليه فكره، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحدثك حديثاً: كنت مع مروان بن محمد، وقد قصده عبد الله بن علي، [قال] 1: فإنا لكذلك إذ نظر إلى الأعلام السود من بعد، فقال: ما هذه البخت المجللة2 ? قلت: هذه أعلام القوم، قال: فمن تحتها? قلت: عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، قال: وأيهم عبد الله? قلت3: الفتى المعروق4 الطويل، الخفيف العارضين، الذي رأيته في وليمة كذا يأكل فيجيد، فسألتني عنه فنسبته لك، فقلت: إن هذا الفتى لتلقامة5، قال: قد عرفته؛ والله لوددت أ، علي بن أبي طالب مكانه. قال: فقال لي المنصور: الله لسمعت هذا من مروان بن محمد? قلت: والله لقد سمعته منه، قال: يا غلام، هات الغداء.
__________
1 تكملة من س.
2 البخت: جمع بختي, وهي الأبل الطويلة الاعناق. والمجلله: المغطاة بما يزينها.
3 ر: "فقلت".
4 المعروق: القليل اللحم.
5 التلقامة: الكثير الأكل.
(3/173)

قتال أهل النخيلة
قال أبو العباس: وكان أهل النخيلة جماعة بعد أهل النهروان، ممن فارق عبد الله بن وهب، وممن لجأ إلى راية أبي أيوب، وممن كان أقام بالكوفة، فقال: لا أقاتل علياً، ولا أقاتل معه، فتواصوا فيما بينهم وتعاضدوا، وتأسفوا على خذلانهم أصحابهم، فقام منهم قائم يقال له المستورد، من بني سعد بن زيد مناة، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد، ثم قال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتانا بالعدل تخفق راياته، مقلباً مقالته، مبلغاً عن ربه، ناصحاً لأمته، حتى قبضه الله وذكر أن الله عز جل قرن الصلاة بالزكاة، "فرأى تعطيل إحداهما طعناً"1 على الأخرى، لا بل على جميع منازل الدين ثم قبضه الله إليه موفوراً، ثم قام بعده2 الفاروق، ففرق بين الحق والباطل، مسوياً بين الناس في إعطائه، لا مؤثراً لأقاربه،
__________
1 ر: "فرأى أن تعطيل إحداهما طعن على الأخرى". وما أثبته عن الأصل. س.
2 ساقطة من ر.
(3/173)

ولا محكماً في دين ربه، وها أنتم تعلمون ما حدث، والله يقول: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} 1، فكل أجاب وبايع.
فوجه إليهم علي بن أبي طالب عبد الله بن العباس داعياً، فأبوا، فسار إليهم، فقال له عفيف بن قيس: يا أمير المؤمنين، لا تخرج في هذه الساعة؛ فإنها ساعة نحس لعدوك عليك؛ فقال له علي: توكلت على الله وحده، وعصيت رأي كل متكهن. أنت تزعم أنك تعرف وقت الظفر من وقت الخذلان، {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 2، ثم سار إليهم فطحنهم جميعاً، لم يفلت منهم إلا خمسة، منهم المستورد، وابن جوين الطائي، وفروة بن شريك الأشجعي، وهم الذين ذكرهم الحسن البصري، فقال: دعاهم إلى دين الله فجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً، فسار إليهم أبو حسن فطحنهم طحناً.
وفيهم يقول عمران بن حطان:
إني أدين بما دان الشراة به ... يوم النخيلة عند الجوسق الخرب3
وقال الحميري يعارض هذا المذهب:
إني أدين بما دان الوصي به ... يوم النخيلة من قتل المحلينا
وبالذي دان يوم النهر دنت به ... وشاركت كفه كفي بصفينا
تلك الدماء معاً يا رب في عنقي ... ومثلها فاسقني آمين آمينا
__________
1 سورة النساء 95.
2 سورة هود 56.
3 الجوسق الخرب: بظاهر الكوفة عند النخيلة, والبيت في معجم البلدان "17:3" من أبيات نسبها إلى قيس بن الأصم الضبي.
(3/174)

مناظرة أهل النخيلة لابن عباس
وكان أصحاب النخيلة قالوا لابن عباس: إن كان1 علي على حق لم يشكك فيه، وحكم مضطراً؛ فما باله حيث ظفر لم يسب! فقال لهم ابن عباس: قد سمعتم الجواب في التحكيم، فأما قولكم في السباء، أفكنتم سابين أمكم عائشة! فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وقالوا: أمسك عنا غرب لسانك يا ابن عباس! فإنه طلق ذلق، غواص على موضع الحجة. ثم خرج المستورد بعد ذلك بمدة على المغيرة بن شعبة، وهو والي الكوفة، فوجه إليه معقل بن قيس الرياحي، فدعاه المستورد إلى المبارزة، وقال له: علام يقتل الناس بيني وبينك? فقال له معقل: النصف سألت، فأقسم عليه أصحابه، فقال: ما كنت لآبى عليه، فخرج إليه فاختلفا ضربتين، فخر كل واحد منهما ميتاً.
__________
1 ر: "إذ كان".
(3/174)

المستورد التيمي
وكان المستورد كثير الصلاة شديد الاجتهاد، وله آداب يوصي بها، وهي محفوظة عنه.
كان يقول: إذا أفضيت بسري إلى صديقي فأفشاه لم ألمه، لأني كنت أولى بحفظه.
وكان يقول: لا تفش إلى أحد سراً، وإن كان مخلصاً، إلا على جهة المشاورة.
وكان يقول: كن أحرص على حفظ سر صاحبك منك على حقن دمك.
وكان يقول: أول ما يدل عليه عائب الناس معرفته بالعيوب، ولا يعيب إلا معيب.
وكان يقول: المال غير باق عليك فاشتر من الحمد ما يبقى عليك.
وكان يقول: بذل المال في حقه استدعاء للمزيد من الجواد.
وكان يكثر أن يقول: لو ملكت الأرض بحذافيرها، ثم دعيت إلى أن أستفيد بها خطيئة ما فعلت.
(3/175)

الخوارج ومعاوية
قال: وخرجت الخوارج، واتصل خروجها، وإنما نذكر منهم من كان ذا خبر طريف، واتصلت به حكم من كلام وأشعار.
فأول من خرج بعد قتل علي بن أبي طالب عليه السلام حوثرة الأسدي، فإنه كان متنحياً بالبندنيجين1، فكتب إلى حابس الطائي يسأله أن يتولى أمر
__________
1 البندنيجين. بلظ المثنى: بلد طرف النهروان من أعمال بغداد.
(3/175)

الخوارج حتى يسير إليه بجمعه، فيتعاضدا على مجاهدة معاوية، فأجابه فرجعا إلى موضع أصحاب النخيلة، ومعاوية بالكوفة حيث دخلها مع الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، بعد أن بايعه الحسن والحسين عليهما السلام وقيس بن سعد بن عبادة.
ثم خرج الحسن يريد المدينة، فوجه إليه معاوية وقد تجاوز في طريقه يسأله أن يكون المتولي لمحاربتهم، فقال الحسن: والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، ولا أحسب ذلك يسعني، أفأقاتل عنك قوماً أنت والله أولى بالقتال منهم! فلما رجع الجواب إليه جيشاً "أكثره أهل الكوفة"1 ثم قال لأبيه أبي حوثرة: قم فاكفني2 أمر أبنك فصار إليه أبوه فدعاه إلى الرجوع, فأبى فأداره, فصمم، فقال له: يا بني أجيئك بابنك فلعلك تراه فتحن إليه? فقال: يا أبت، أنا والله إلى طعنة نافذة أتقلب فيها على كعوب الرمح أشوق مني إلى ابني! فرجع إلى معاوية فأخبره الخبر3، فقال: يا أبا حوثرة، عتا4 هذا جداً!.
فلما نظر حوثرة إلى أهل الكوفة قال: يا أعداء الله، أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه، واليوم تقاتلون مع معاوية لتشدوا سلطانه!.
فخرج إليه أبوه فدعاه إلى البراز، فقال: يا أبت، لك في عيري مندوحة، ولي في غيرك عنك مذهب، ثم حمل على القوم وهو يقول:
أكرر على هذي الجموع حوثره ... فعن قليل ما تنال المغفرة
فحمل عليه رجل من طيئ5 فقتله، فرأى أثر السجود قد لوح جبهته، فندم على قتله، ثم انهزم القوم جميعاً.
وأنا أحسب أن قول القائل:
وأجرأ من رأيت بظهر عيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب
__________
1 ر: جيشا أكثرهم من أهل الكوفة.
2 ر: "اكفني امر ابنك".
3 ساقطة من ر.
4 عتا: استكبر.
5 نقل المرصفي عن ابن الأثير أنه عبد الله بن عوف قائد ذلك الجيش.
(3/176)

إنما أخذه من كلام المستورد، قال رجل للمستورد. أريد أن أرى رجلاً عياباً، قال: ألتمسه بفضل معايب فيه.
وقال العباس بن الأحنف يعاتب من اتهمه بإفشاء سره:
تعتبت تطلب ما استحق ... بها لهجر منك ولا تقدر
وماذا يضيرك من شهرتي1 ... إذا كان سرك لا يشهر
أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر
ولو لم تكن في بقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر
__________
1 ر: "يضرك" بتشديد الراء.
(3/177)

من أخبار مقتل الإمام علي، ووصيته لأبنائه
ويروى من حديث محمد بن كعب القرظي قال: قال عمار بن ياسر، خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة ذات العشيرة فلما قفلنا نزلنا منزلاً، فخرجت أنا وعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه ننظر إلى قوم يعتملون، فنعسنا فنمنا، فسفت علينا الريح التراب، فما نبهنا إلا كلام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لعلي: "يا أبا تراب - لما عليه من التراب - أتعلم من أشقى الناس "? فقال: خبرني يا رسول الله? فقال: "أشقى الناس اثنان: أحمر ثمود الذي عقر الناقة، وأشقاها الذي يخضب هذه" - ووضع يده على لحيته – "من هذا"، ووضع يده على قرنه.
ويروى عن عياض بن خليفة الخزاعي قال: تلقاني عل صلوات الله عليه في الغلس، فقال لي: من أنت? قلت: عياض بن خليفة الخزاعي، فقال: ظننتك أشقاها الذي يخضب هذه من هذا ووضع يده على لحيته وعلى قرنه.
ويروى: أنه كان يقول كثيراً - قال أبو العباس: أحسبه عند الضجر بأصحابه -: ما يمنع أشقاها أن يخضب هذه من هذا!
(3/177)

ويروى عن رجل من ثقيف أنه خرج الناس يعلفون دوابهم بالمدائن، وأراد علي أمير المؤمنين المسير إلى الشأم، فوجه معقل بن قيس الرياحي ليرجعهم إليه، وكان ابن عم لي في آخر من خرج فأتيت الحسن بن علي عليه السلام ذات عشية، فسألته أن يأخذ لي كتاب أمير المؤمنين إلى معقل بن قيس في الترفيه1 عن ابن عمي، فإنه في آخر من خرج، فقال: تغدو علينا والكتاب مختوم إن شاء الله تعالى، فبت ليلتي ثم أصبحت والناس يقولون: قتل أمير المؤمنين الليلة، فأتيت الحسن، وإذا به في دار علي عليه السلام، فقال: لولا ما حدث لقضينا حاجتك، ثم قال: حدثني أبي عليه السلام البارحة في هذا المسجد فقال: يا بني، إني صليت ما رزق الله، ثم نمت نومة، فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فشكوت إليه ما أنا فيه من مخالفة أصحابي وقلة رغبتهم في الجهاد، فقال: ادع الله أن يريحك منهم، فدعوت الله. قال الحسن:ثم خرج إلى الصلاة فكان ما قد علمت.
وحدثت من غير وجه أن علياً لما ضرب ثم دخل منزله اعترته غشية ثم أفاق. فدعا الحسن والحسين، فقال:أوصيكما بتقوى الله والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا. ولا تأسفا على شيء فاكما منها. اعملا الخير، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً. ثم دعا محمداً فقال: أما سمعت ما أوصيت به أخويك? قال: بلى. قال: فإني أوصيك به. وعليك ببر أخويك وتوقيرهما ومعرفة فضلهما. ولا تقطع أمراً دونهما. ثم أقبل عليهما فقال: أوصيكما به خيراً، فإنه شقيقكما وابن أبيكما. وأنتما تعلمان أن أباكما كان يحبه، فأحباه. فلما قضى علي كرم الله وجهه، قالت أم العريان:
وكنا قبل مهلكه زماناً ... نرى نجوى رسول الله فينا
قتلتم خير من ركب المطايا ... وأكرمهم ومن ركب السفينا
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فلا قرت عيون الشامتينا
__________
1 الترفيه: التنفس.
(3/178)

ويروى أن عبد الرحمن بن ملجم بات تلك الليلة عند الأشعث بن قيس بن معدي كرب، وأن حجر بن عدي سمع الأشعث يقول له: فضحك الصبح، فلما قالوا: قتل أمير المؤمنين. قال حجر بن عدي للأشعث. أنت قتلته يا أعور! ويروى أن الذي سمع ذاك أخو الأشعث، عفيف بن قيس، وأنه قال لأخيه: عن أمرك كان هذا يا أعور!
وأخبار الخوارج كثيرة طويلة. وليس كتابنا هذا1 مفرداً لهم، ولكنا2 نذكر من أمورهم ما فيه معنى وأدب، أو شعر مستطرف، أو كلام من خطبة معروفة مختارة.
__________
1 ساقطة من ر.
2 "لكنا".
(3/179)

الخوارج وزياد
خرج قريب بن مرة الأزدي وزحاف الطائي - وكانا مجتهدين بالبصرة في أيام زياد، واختلف الناس في أمورهما: أيهما كان الرئيس - فاعترضا الناس. فلقيا شيخاً ناسكاً من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، فقتلاه، وكان يقال له: رؤبة الضبعي، وتنادى الناس، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد وفي يده السيف، فناداه الناس من ظهور البيوت: الحرورية الحرورية! انج بنفسك. فنادوه: لسنا قربة الله من الخير، وزحاف، لا عفا الله عنه، ركباها عشواء مظلمة يريد اعتراضهما الناس ثم جعلا لا يمران بقبيلة إلا قتلا من وجدا، حتى مرا ببني علي بن سود من الأزد، وكان فيهم مائة يجيدون الرمي، فرموهم رمياً شديداً، فصاحوا: يا بني علي! البقيا، لا رماء بيننا، فقال رجل من بني علي:
لا شيء للقوم سوى السهام ... مشحوذة في غلس الظلام1
فعرد عنهم2 الخوارج، وخافوا الطلب، فاشتقوا مقبرة بني يشكر، حتى نفذوا إلى مزينة، ينتظرون من يلحق بهم من مضر وغيرها، فجاءهم ثمانون،
__________
1 شحذ السيف: إجلاؤه.
2 عرد الرجل تعريدا, إذا عدا فزعا.
(3/179)

وخرجت إليهم بنو طاحية بن سود وقبائل مزينة وغيرها، فاستقتل الخوارج فقتلوا عن آخرهم.
ثم غدا الناس إلى زياد فقال: ألا ينهى كل قوم سفهاءهم! يا معشر الأزد، لولا أنكم أطفأتم هذه النار لقلت: إنكم أرثتموها. فكانت القبائل إذا أحست بخارجية فيهم شدتهم وثاقاً1. وأتت بهم زياداً. فكان هذا أحد ما يذكر من صحة تدبيره.
وله أخرى في الخوارج، أخرجوا معهم امرأة فكفر بها فقتلها. ثم عراها. فلم تخرج النساء بعد على زياد، وكن إذا دعين إلى الخروج قلن: لولا التعرية لسارعنا.
__________
1 ساقطة من ر.
(3/180)

قتل مصعب لامرأة المختار
ولما قتل مصعب بن الزبير بنت النعمان بن بشير الأنصارية، امرأة المختار - وليس هذا من أخبار الخوارج - أنكره الخوارج غاية الإنكار، ورأوه قد أتى بقتل النساء أمراً عظيماً، لأنه أتى ما نهى عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سائر نساء المشركين. وللخواص منهن أخبار، فقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:
إن من أعظم الكبائر عندي ... قتل حسناء غادة عطبول1
قتلت باطلاً عل غير ذنب ... إن لله درها من قتيل!
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول2
قال: وكان3 الخوارج أيام ابن عامر أخرجوا معهم امرأتين، يقال لأحدهما كحيلة، والأخرى قطام، فجعل أصحاب ابن عامر يغيرونهم ويصيحون بهم: يا أصحاب كحيلة وقطام! يعرضون لهم بالفجور، فتناديهم الخوارج بالدفع والردع، ويقول قائلهم: لا تقف ما ليس لك به علم.
__________
1 العطبول: المرأة التامة الخلق.
2 المحصنات: العفيفات.
3 ر: "وكانت".
(3/180)

ويروى عن ابن عباس في هذه الآية: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} 1، قال: أعياد المشركين. وقال ابن مسعود: الزور: الغناء. فقيل لابن عباس: أو ما هذا في الشهادة بالزور! فقال: لا، إنما آية شهادة الزور {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} 2.
__________
1 سورة الفرقان 22.
2 سورة الإسراء 36.
(3/181)

عبد الله بن زياد والخوارج
عاد الحديث إلى أمر الخوارج.
وكانت1 من المجتهدات من الخوارج - ولو قلت: من المجتهدين، وأنت تعني امرأة كان أفصح، لأنك تريد رجالاً ونساء هي إحداهم، كما قال الله عز وجل: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} 2 وقال جل ثناؤه: {إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ} 3 - البلجاء وهي امرأة من بني حرام بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، من رهط سجاح، التي كانت تنبأت - وسنذكر خبرها في موضعه إن شاء الله - وكان مرداس بن حدير أبو بلال، وهو أحد بني ربيعة بن حنظلة تعظمه الخوارج، وكان مجتهداً كثير الصواب في لفظه، فلقيه غيلان بن خرشة الضبي، فقال: يا أبا بلال! إني سمعت الأمير البارحة عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء، وأحسبها ستؤخذ، فمضى إليها أبو بلال، فقال لها: إن الله قد وسع على المؤمنين في التقية4 فاستتري؛ فإن هذا المسرف على نفسه، الجبار العنيد قد ذكرك، قالت: إن يأخذني فهو أشقى بي، فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي.
فوجه إليها عبيد الله بن زياد، فأتي بها فقطع يديها ورجليها، ورمى بها في السوق، فمر أبو بلال والناس مجتمعون، فقال: ما هذا? فقالوا: البلجاء، فعرج إليها فنظر، ثم عض على لحيته، وقال لنفسه: لهذه أطيب نفساً عن بقية الدنيا منك يا مرداس.
__________
1 ر: "وكان".
2 سورة التحريم 12
3 سورة الشعراء 171.
4 التقية: حفظ النفس بما يستطاع من المكروه.
(3/181)

ثم إن عبيد الله تتبع الخوارج فحبسهم، وحبس مرداساً، فرأى صاحت السجن شدة اجتهاده وحلاوة منطقه فقال له: إني أرى لك مذهباً حسناً، وإني لا أحب أن أوليك معروفاً؛ إن تركتك تنصرف ليلاً إلى بيتك، أتدلج1 إلي? قال: نعم. فكان يفعل ذلك به.
ولج عبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم، فكلم في بعض الخوارج فلج وأبى، وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم2. لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع3.
فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلاً من الشرط، فقال ابن زياد: ما أدري ما أصنع بهؤلاء! كلما أمرت رجلاً بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله! لأقتلن من في حبسي منهم. فأخرج السجان مرداساً إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداساً الخبر، فلما كان السحر تهيأ للرجوع، فقال له أهله: اتق الله في نفسك، فإنك إن رجعت قتلت؛ فقال: إني ما كنت لألقى الله غادراً. فرجع إلى السجان فقال: إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك، فقال: أعلمت ورجعت?!
__________
1 الإدلاج: السير من آخلر الليل.
2 بنجم: يطلع.
3 اليراع: القصب الفارسي.
(3/182)

من أخبار مرداس أبي بلال
ويروى أن مرداساً مر بأعرابي يهنأ1 بعيراً له، فهرج2 البعير، فسقط مرداس مغشياً عليه، فظن الأعرابي أنه قد صرع، فقرأ في أذنه، فلما أفاق قال له الأعرابي: قرأت في أذنك، فقال له مرداس: ليس بي ما خفته علي، ولكني رأيت بعيرك هرج من القطران، فذكرت به قطران جهنم، فأصابني ما رأيت، فقال: لا جرم، والله لا فارقتك أبداً!
وكان مرداس قد شهد صفين مع علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. وأنكر التحكيم، وشهد النهر ونجا فيمن نجا، فلما خرج من حبس ابن زياد
__________
1 يهنا بعيرا: يطلية بالهناء, وهو القطران.
2 هرج: تعب وتحير.
(3/182)

ورأى جد ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج، فقال لأصحابه: أنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفصل1. والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفاً، ولا نقاتل إلا من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلاً، منهم حريث بن حجل، وكهمس بن طلق الصريمي، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثاً، فأبى فولوا أمرهم مرداساً، فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري - وكان له صديقاً، فقال له: يا أخي2، أين تريد? قال أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة. فقال له: أعلم بكم أحد? قال: لا، قال: فارجع، قال أو تخاف علي مكروهاً? قال: نعم، وأن يؤتى بك! قال: فلا تخف، فإني لا أجرد سيفاً، ولا أخيف أحداً، ولا أقاتل إلا من قاتلني. ثم مضى حتى نزل آسك - وهو ما بين رامهرمز - وأرجان - فمر به مال يحمل لابن زياد، وقد قارب أصحابه الأربعين، فحط ذلك المال، فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، ورد الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم: إنما قبضنا أعطياتنا. فقال بعض أصحابه: فعلام تدع الباقي! فقال: إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم.
ولأبي بلال أشعار في الخروج اخترت منها قوله:
أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى ... ومن خاض في تلك الحروب المهالكا3
أحب بقاء أو أرجي سلامة ... وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا!
فيا رب سلم نيتي وبصيرتي ... وهب لي التقى حتى ألاقي أولئكا
قوله: "وقد قتلوا" ولم يذكر أحداً، فإنما فعل ذلك لعلم الناس أنه يعني مخالفيه، وإنما يحتاج الضمير إلى ذكر قبله ليعرف، فلو قال رجل: ضربته، لم يجز، لأنه لم يذكر أحداً قبل ذكره الهاء، ولو رأيت قوما ًيلتمسون الهلال فقال قائل4: هذا هو، لم يحتج إلى تقدمة الذكر؛ لأن المطوب معلوم، وعلى هذا قال
__________
1 الفصل: قول الحق.
2 لفظ: "ياأخي" من ر.
3 ابن وهب: هو عبد الله بن وهب الراسبي.
4 ر: "قوم".
(3/183)

علقمة بن عبدة في افتتاح قصيدته:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
لأنه قد علم أنه يريد حبيبة له.
وقوله: حتى ألاقي ولم يحرك الباء، فقد مضى شرحه مستقصى.
ويروى أن رجلاً من أصحاب ابن زياد قال: خرجنا في جيش نريد خراسان، فمررنا بآسك، فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلاً، فصاح بنا أبو بلال: أقاصدون لقتالنا أنتم? - وكنت أنا وأخي قد دخلنا زرباً - فوقف أخي ببابه فقال: السلام عليكم، فقال مرداس: وعليكم السلام، فقال لأخي: أجئتم لقتالنا? فقال له: لا، إنما نريد خراسان، قال: فأبلغوا من لقيكم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروع أحداً. ولكن هرباً من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا، ثم قال: أندب إلينا أحد? قلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي، قال: فمتى ترونه يصل إلينا? قلنا: يوم كذا وكذا، فقال أبو بلال: حسبنا الله ونعم الوكيل! وجهز عبيد الله أسلم بن زرعة في أسرع وقت، ووجه إليهم في ألفين، وقد تتام صحاب مرداس أربعين رجلاً، فلما صار إليهم أسلم صاح به أبو بلال: اتق الله يا أسلم؛ فإنا لا نريد قتالاً، ولا نحتجن فيئاً. فما الذي تريد? قال: أريد أن أردكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذن يقتلنا، قال: وإن قتلكم! قال: تشركه في دمائنا، قال: إني أدين الله1 بأنه محق وأنكم مبطلون، فصاح به حريث بن حجل: أهو محق وهو يطيع الفجرة، وهو أحدهم، ويقتل بالظنة، ويخص بالفيء، ويجوز في الحكم! أما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة براء، وأنا أحد قتلته، ولقد وضعت في بطنه دراهم كانت معه! ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه من غير قتال. وكان معبد، أحد الخوارج، قد كاد
__________
1 ر: "أدين بأنه محق".
(3/184)

يأخذه. فلما ورد على ابن زياد غضب عليه غضباً شديداً، وقال: ويلك! أتمضي في ألفين فتهزم لحملة أربعين! وكان أسلم يقول: لأن يذمني ابن زياد حياً أحب إلي من أن يمدحني ميتاً!
وكان إذا خرج إلى السوق أو مر بصبيان صاحوا به: أبو بلال وراءك! وربما صاحوا به: يا معبد خذه، حتى شكا ذلك إلى ابن زياد، فأمر ابن زياد الشرط أن يكفوا الناس عنه، ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك؛ من بني تيم اللآت بن ثعلبة، في كلمة له:
فلما أصبحوا صلوا وقاموا ... إلى الجرد العتاق مسومينا1
فلما استجمعوا حملوا عليهم ... فظل ذوو الجعائل يقتلونا
بقية يومهم حتى أتاهم ... سواد الليل فيه يراوغونا
يقول بصيرهم لما أتاهم ... بأن القوم ولوا هاربينا
أألفا مؤمن فيما زعمتم ... ولكن الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة غير شك ... على الفئة الكثيرة ينصرونا
ثم ندب لهم عبيد الله بن زياد الناس، فاختار عباد بن أخضر وليس بابن في أربعة آلاف، فنهد لهم. ويزعم أهل العلم أن القوم قد كانوا تنحوا عن داربجرد من أرض فارس، فصار إليهم عباد وكان التقاؤهم في يوم جمعة، فناداه أبو بلال: اخرج إلي يا عباد، فإني أريد أن أحاورك. فخرج إليه، فقال: ما الذي تبغي? قال: أن آخذ بأقفائكم فأردكم إلى الأمير عبيد الله بن زياد قال: أو غير ذلك! قال: أن ترجع، فإنا لا نخيف سبيلا، ولا نذعر مسلماً، ولا نحارب إلا من حاربنا، ولا نجبي إلا ما حمينا. فقال له عباد. الأمر ما قلت لك. فقال له حريث بن حجل: أتحاول أن ترد فئة من المسلمين إلى جبار عنيد! قال لهم: أنتم أولى بالضلال منه، وما من ذاك بد!
__________
1 مسومين: معلمين بعلامات يعرفون بها في الحرب.
(3/185)

وقدم القعقاع بن الباهلي من خراسان يريد الحج. فلما رأى الجمعين قال: ما هذا? قالوا: الشراة. فحمل عليهم. ونشبت الحرب، فأخذ القعقاع أسيراً، فأتي به بلال، فقال: ما أنت? قال: لست من أعدائك، وإنما قدمت للحج فجهلت وغررت، فأطلقه، فرجع إلى عباد فأصلح من شأنه. ثم حمل عليهم ثانية، وهو يقول:
أقاتلهم وليس علي بعث ... نشاطاً ليس هذا بالنشاط
أكر على الحروريين مهري ... لأحملهم على وضح الصراط
فحمل عليه حريث بن حجل السدوسي وكهمس بن طلق الصريمي، فأسراه فقتلاه ولم يأتيا به أبا بلال، فلم يزل القوم يجتلدون حتى جاء وقت الصلاة، صلاة يوم الجمعة، فناداهم أبو بلال: يا قوم، هذا وقت الصلاة، فوادعونا حتى نصلي وتصلوا. قالوا: لك ذاك، فرمى القوم أجمعون أسلحتهم وعمدوا للصلاة، فأسرع عباد ومن معه والحرورية مبطئون، فهم من بين راكع وقائم وساجد في الصلاة وقاعد، حتى مال عليهم عباد ومن معه، فقتلوهم جميعاً. وأتي برأس أبي بلال.
وتروي الشراة أن مرداساً أبا بلال، لما قعد على أصحابه وعزم على الخروج، رفع يديه وقال: اللهم إن كان ما نحن فيه حقاً فأرنا آية. قال1: فرجف البيت. وقال آخرون: فارتفع السقف.
فروى أهل العلم أن رجلاً من الخوارج ذكر ذلك لأبي العالية الرياحي يعجبه من الآية، ويرغبه في مذهب القوم، فقال أبو العالية: كاد الخسف ينزل بهم، ثم أدركتهم نظرة الله.
فلما فرع من أولئك الجماعة أقبل بهم فصلبت رؤوسهم، وفيهم داود بن شبث، وكان ناسكاً، وفيهم حبيبة النصري من قيس، وكان مجتهداً.
__________
1 ساقطة من ر.
(3/186)

فيروى عن عمران بن حطان أنه قال: قال لي حبيبة: لما عزمت على الخروج فكرت في بناتي، فقلت ذات ليلة: لأمسكن عن تفقدهن حتى أنظر، فلما كان في جوف الليل استسقت بنية لي، فقالت: يا أبت اسقني، فلما أجبها، فأعادت، فقامت أخية لها أسن منها، فسقتها. فعلمت أن الله عز وجل غير مضيعهن، فأتممت عزمي.
وكان في القوم كهمس، وكان من أبر الناس بأمه، فقال لها: يا أمه! لولا مكانك لخرجت، فقالت: يا بني، قد وهبتك لله، ففي ذلك يقول عيسى بن فاتك الحبطي:
ألا في الله لا في الناس شالت ... بداود وإخوته الجذوع
مضوا قتلاً وتمزيقاً وصلباً ... تحوم عليهم طير وقوع
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع
وقال عمران بن حطان:
يا عين بكي لمرداس ومصرعه ... يا رب مرداس اجعلني كمرداس
تركتني هائماً أبكي لمرزئتي ... في منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
إما شربت بكأس دار أولها ... على القرون فذاقوا جرعة الكاس
فكل من لم يذقها شارب عجلاً ... منها بأنفاس ورد بعد أنفاس
(3/187)

عباد بن أخضر المازني
قال أبو العباس: ثم إن عباد بن أخضر المازني لبث دهراً في المصر، موصوفاً بما كان منه، فلم يزل على ذلك حتى ائتمر به جماعة من الخوارج أن يفتكوا به، فذمر بعضهم بعضاً على ذلك1. فجلسوا له في يوم جمعة وقد أقبل على بغلة
__________
1 ذمره: لامه.
(3/187)

له، وابنه رديفه. فقام إليه رجل منهم، فقال: أسألك عن مسألة. قال: قل. قال: أرأيت رجلاً قتل رجلاً بغير حق، وللقاتل جاه وقدر وناحية من السلطان، ألولي ذلك المقتول أن يفتك به إن قدر عليه? قال: بل يرفعه إلى السلطان. قال: إن السلطان لا يعدي عليه لمكانه منه وعظيم جاهه عنده. قال: أخاف عليه إن فتك به فتك به السلطان. قال: دع ما تخافه من ناحية السلطان، أتلحقه تبعة فيما بينه وبين الله? قال: لا. قال: فحكم هو وأصحابه وخبطوه بأسيافهم. ورمى عباد ابنه فنجا. وتنادى الناس قتل عاد! فاجتمع الناس فأخذوا أفواه الطرق، وكان مقتل عباد في سكة بني مازن عند مسجد بني كليب فجاء معبد بن أخضر أخو عباد - وهو معبد بن علقمة، وأخضر زوج أمهما - في جماعة من بني مازن، فصاحوا بالناس: دعونا وثأرنا. فأحجم الناس وتقدم المازنيون، فحاربوا الخوارج حتى قتلوهم جميعاً، لم يفلت منهم أحد إلا عبيدة بن هلال، فإنه خرق خصاً ونفذ منه. ففي ذلك يقول الفرزدق:
لقد أدرك الأوتار غير ذميمة ... إذا ذم طلاب التراث الأخاضر
هم جردوا الأسياف يوم ابن أخضر ... فنالوا التي ما فوقها نال ثائر
أفادوا به أسداً لها في اقتحامها ... إذا برزت نحو الحروب بصائر1
ثم ذكر بني كليب لأنه قتل بحضرة مسجدهم ولم ينصروه، فقال في كلمته هذه:
كفعل كليب إذ أخلت بجارها ... ونضر اللئيم معتم وهو حاضر2
وما لكليب حين تذكر أول ... وما لكليب حين تذكر آخر
وقال معبد بن أخضر:
سأحمي دماء الأخضريين إنه ... أبى الناس إلا أن يقولوا ابن أخضرا
__________
1 أقادوا أسدا. قتلوهم به.
2 يقال: اعتم الرجل في الشئ, إذا أبطأ فيه.
(3/188)

عروة بن أدبة
وكان مقتل عباد وعبيد الله بن زياد بالكوفة. وخليفته على البصرة عبيد الله بن أبي بكرة. فكتب إليه يأمره ألا يدع أحداً يعرف بهذا الرأي إلا حبسه وجد في
(3/188)

طلبه ممن تغيب منهم. فجعل عبيد الله بن أبي بكرة يتتبعهم فيأخذهم، فإذا شفع إليه في أحد منهم كفله إلى أن يقدم ابن زياد، حتى أتي بعروة بن أدية فأطلقه، وقال: أنا كفيلك. فلما قدم عبيد الله بن زياد أخذ من في الحبس1 منهم فقتلهم جميعاً. وطلب الكفلاء بمن كفلوا به منهم، فكل من جاءه بصاحبه أطلقه، وقتل الخارجي، ومن لم يأت بمن كفل به منهم قتله، ثم قال لعبيد الله بن أبي بكرة: هات عروة بن أدية، قال: لا أقدر عليه، قال: إذاً والله أقتلك فإنك كفيله، فلم يزل يطلبه حتى دل عليه في سرب2 العلاء بن سوية المنقري، فكتب بذلك إلى عبيدة الله بن زياد. فقرأ عليه الكاتب: إنا أصبناه في شرب فتهانف به عبيد الله بن زياد، وكان كثير المحاورة، عاشقاً للكلام الجيد، مستحسناً للصواب منه؛ لا يزال يبحث عن عذره، فإذا سمع الكلمة الجيدة عرج عليها. ويروى أنه قال في عقب مقتل الحسين بن علي عليه السلام لزينب بنت علي رحمهما الله - وكانت أسن من حمل إليه منهن، وقد كلمته فأفصحت وأبلغت، وأخذت من الحجة - فقال لها: إن تكوني بلغت في الحجة حاجتك فقد كان أبوك خطيباً وشاعراً، فقالت: ما للنساء والشعر3! وكان مع هذا ألكن يرتضخ4 لغة فارسية. وقال لرجل مرة، واتهمه برأي الخوارج: أهروري منذ اليوم! رجع الحديث: فقال للكاتب: صحفت والله ولؤمت، إنما هو "في سرب العلاء بن سوية". ولوددت أنه كان ممن يشرب النبيذ.
فلما أقيم عروة بن أدية بين يديه حاوره. وقد اختلف في خبره5. وأصحه عندنا أنه قال: لقد6 جهزت أخاك علي. فقال: والله لقد كنت به ضنيناً، وكان لي عزاً، ولقد أردت له ما أريد7 لنفسي، فعزم عزما فمضى عليه، وما
__________
1 ر: "السجن".
2 السرب: الطريق والمسلك.
3 س: "وللشعر".
4 يرتضخ: يميل إليها في نطقه.
5 ر: "وقد اختلف الناس في خبره".
6 كلمة "لقد" ساقطة من ر.
7 ر: "مأريده".
(3/189)

أحب لنفسي إلا المقام وترك الخروج، قال له أفأنت على رأيه? قال: كنا1 نعبد رباً واحداً. قال: أما لأمثلن بك! قال له: اختر لنفسك من القصاص ما شئت. فأمر به فقطعوا يديه ورجليه، ثم قال له: كيف ترى? قال: أفسدت علي دنياي وأفسدت عليك آخرتك ثم أمر فقتل، ثم صلب على باب داره. ثم دعا مولاه فسأله عنه. فأجابه جواباً قد2 مضى ذكره.
قوله: فتهانف. حقيقته: تضاحك به ضحك هزء. وقل ابن أبي ربيعة المخزومي:
ولقد قالت لجارات لها ... وتعرت ذات يوم تبترد
أكما ينعتني تبصرنني ... عمركن الله أم لا يقتصد!
فتهانفن وقد قلن لها ... حسن في كل عين من تود
حسد حملنه من أجلها ... وقديماً كان في الناس الحسد
__________
1 ر: "كلنا".
2 ساقطة من ر.
(3/190)

أمر زياد مع الخوارج
وكان عبيد الله لا يلبث الخوارج، يحبسهم تارة ويقتلهم تارة، وأكثر ذلك يقتلهم، ولا يتغافل عن أحد منهم، وسبب ذلك أنه أطلقهم من حبس زياد لما ولي بعده، فخرجوا عليه.
فأما زياد فكان يقتل المعلن ويستصلح المسر، ولا يجرد السيف حتى تزول التهمة. ووجه يوماً بحينة بن كبيش الأعرجي إلى رجل من بني سعد يرى رأي الخوارج، فجاءه بحينة فأخذه. فقال: إني أريد أن أحدث وضوءاً للصلاة، فدعني أدخل منزلي1. قال: ومن لي بخروجك? قال: الله عز وجل، فتركه. فدخل فأحدث وضوءاً ثم خرج، فأتى به بحينة زياداً. فلما مثل بين يديه ذكر الله زياد، ثم صلى على نبيه، ثم ذكر
__________
1 ر: "أدخل إلى منزلي".
(3/190)

أبا بكر وعمر وعثمان بخير، ثم قال: قعدت عني فأنكرت ذلك، فذكر الرجل ربه فكمده، ثم ذكر النبي عليه السلام، ثم ذكر أبا بكر وعمر بخير، ولم يذكر عثمان. ثم أقبل على زياد فقال: إنك قد قلت قولاً فصدقه بفعلك، وكان من قولك: ومن قعد عنا لم نهجه. فقعدت. فأمر له بصلة وكسوة وحملان، فخرج الرجل من عند زياد وتلقاه الناس يسألونه، فقال: ما كلكم أستطيع أن أخبره، ولكني دخلت على رجل لا يملك ضراً ولا نفعاً لنفسه، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فرزق الله منه ما ترون.
وكان زياد يبعث إلى الجماعة منه فيقول: أأحسب الذي يمنعكم من إتياني إلا الرجلة1 فيقولون: أجل، فيحملهم ويقول: اغشوني الآن واسمروا عندي. فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فال: قاتل الله زياداً! جمع لهم كما تجمع الذرة2، وحاطهم كما تحوط الأم البرة، وأصلح العراق بأهل العراق، وترك أهل الشام بشأمهم3، وجبى العراق مائة ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف.
قال أبو العباس: وبلغ زياداً عن رجل يكنى أبا الخير، من أهل البأس والنجدة، أنه يرى رأي الخوارج، فدعاه فولاه جندي سابور وما يليا، ورزقه أربعة آلاف درهم في كل شهر، وجعل عمالته في كل سنة مائة ألف، فكان أبو الخير يقول: ما رأيت شيئاً خيراً من لزوم الطاعة والتقلب بين أظهر الجماعة! فلم يزل والياً حتى أنكر منه زياد شيئاً فتنمر لزياد فحبسه، فلم يخرج من حبسه حتى مات.
__________
1 الرجلة: المشي على الرجلين.
2 الذرة: واحدة الذر, وهو النمل الصغار.
3 ر: "في شأمهم".
(3/191)

الرهين المرادي وشعره
وقال الرهين وكان رجلاً من مراد، وكان لا يرى القعود عن الحرب وكان في الدهاء ولمعرفة والشعر والفقه بقول الخوارج، بمنزلة عمران بن حطان، وكان عمران بن حطان في وقته شاعر قعد لصفرية ورئيسهم ومفتيهم.
(3/191)

وللرهين المرادي، ولعمران بن حطان مسائل كثيرة من أبواب العلم في القرآن والآثار، وفي السير والسنن، وفي الغريب، وفي1 الشعر، نذكر طريفها إن شاء الله. قال المرادي:
يا نفس قد طال في الدنيا مرواغتي ... لا تأمنن لصرف الدهر تنقيصا2
إني لبائع ما يفنى لباقية ... إن لم يعقني رجاء العيش تربيصا3
وأسأل الله بيع النفس محتسباً ... حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا
[قال الأخفش: حرقوص: ذو الثدية] .
وابن المنيح ومرداساً وإخوته ... إذ فارقوا زهرة الدنيا مخاميصا4
قال أبو العباس: وهذه كلمة له، وله أشعار كثيرة في مذاهبهم.
وكان زياد ولى شيبان بن عبد الله الأشعري صاحب مقبرة بني شيبان باب عثمان وما يليه، فجد في طلب الخوارج وأخافهم، وكانوا قد5 كثروا، فلم يزل كذلك حتى أتاه ليلة - وهو متكئ بباب داره - رجلان من الخوارج، فضرباه بأسيافهما فقتلاه. وخرج بنون له للإغاثة فقتلوا، ثم قتلهما الناس. فأتي زياد بعد ذلك برجل من الخوارج، فقال: اقتلوه متكئاً كما قتل شيبان متكئاً. فصاح الخارجي: يا عدلاه! يهزأ به.
فأما قول جرير:
ومنا فتى الفتيان والبأس معقل ... ومنا الذي لاقى بدجلة معقلا
فإنه أراد معقل بن قيس الرياحي، ورياح بن يربوع، وجرير من كليب بن يربوع.
وقوله:
ومنا الذي لاقى بدجلة معقلا
__________
1 ر: "والشعر".
2 ر. س: "تنغيصا".
3 التربيص: الانتظار.
4 المخاميص: جمع مخامص, وهو الضامر البطن.
5 ساقطة من ر.
(3/192)

يريد المستورد التيمي، وهو من بني تيم1 بن عبد مناة بن أد، وتميم ابن مر بن أد.
وأما قول ابن الرقيات:
والذي نغص ابن دومة ما تو ... حي الشياطين والسيوف ظماء
فأباح العراق يضربهم بالسيف ... صلتاً وفي الضراب غلاء2
فإنما يريد بابن دومة المختار بن أبي عبيد الثقفي، والذي نغصه مصعب نب الزبير، وكان المختار لا يوقف له على مذهب، كان خارجياً، ثم صار زبيرياً، ثم صار رافضياً في ظاهره.
وقوله: "ما توحي الشياطين"، فإن المختار كان يدعي أنه يلهم ضرباً من السجاعة3 لأمور تكون، ثم يحتال فيوقعها، فيقول للناس: هذا من عند الله عز وجل.
فمن ذلك قوله ذات يوم: لتنزلن من السماء نار دهماء، فلتحرقن دار أسماء. فذكر ذلك لأسماء بن خارجة، فقال: أقد سجع بي أبو إسحاق! هو والله محرق داري! فتركه والدار وهرب من الكوفة.
وقال في بعض سجعه: أما والذي شرع الأديان، وجنب الأوثان، وكره العصيان، لأقلن أزد عمان، وجل قيس عيلان، وتميماً أولياء الشيطان، حاشا النجيب ظبيان! فكان ظبيان النجيب يقول: لم أزل في عمر المختار أتقلب آمناً.
__________
1 ر: "من تميم".
2 الصلت: الماضي في الشئ. والغلاء: مجاوزة القدر في كل شئ.
3 السجاعة: صناعة السجع.
(3/193)

المختار بن عبيد وبعض أخباره
ويروى أن المختار بن أبي عبيد - وكان والياً لابن الزبير على الكوفة - اتهمه ابن الزبير، فولى رجلاً من قريش الكوفة. فلما أطل قال لجماعة من أهلها: اخرجوا إلى هذا المغرور فردوه، فخرجوا إليه، فقالوا: أين تريد? والله لئن دخلت الكوفة ليقتلنك المختار، فرجع.
(3/193)

وكتب المختار إلى ابن الزبير: إن صاحبك جاءنا فلما قاربنا رجع، فما أدري ما الذي رده! فغضب ابن الزبير على القرشي وعجزه ورده إلى الكوفة، فلما شارفها قال المختار: اخرجوا إلى هذا المغرور فردوه. فخرجوا إليه، فقالوا: إنه والله قاتلك، فرجع. وكتب المختار إلى ابن الزبير بمثل كتابه الأول. فلام القرشي، فلما كان في الثالثة فطن ابن الزبير، وعلم بذلك المختار، وكان ابن الزبير قد حبس محمد بن الحنفية مع خمسة عشر رجلاً من بني هاشم، فقال: لتبايعن أو لأحرقنكم، فأبوا بيعته. وكان السجن الذي حبسهم فيه يدعى سجن عارم، ففي ذلك يقول كثير:
تخبر من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عارم
ومن يلق هذا الشيخ بالخيف من منى ... من الناس يعلم أنه غير ظالم
سمي النبي المصطفى وابن عمه ... وفكاك أغلال وقاضي مغارم
وكان عبد الله بن الزبير يدعى العائذ، لأنه عاذ بالبيت، ففي ذلك يقول ابن الرقيات يذكر مصعباً:
بلد تأمن الحمامة فيه ... حيث عاذ الخليفة المظلوم
وكان عبد الله يدعى المحل، لإحلاله القتال في الحرم، وفي ذلك يقول رجل في رملة بنت الزبير:
ألا من لقلب معنى غزل ... بذكر المحلة أخت المحل
وكان عبد الله بن الزبير يظهر البغض لابن الحنفية إلى بغض أهله، وكان يحسده على أيده1، ويقال: إن علياً استطال درعاً فقال: لينقص منها كذا وكذا حلقة، فقبض محمد بن الحنفية بإحدى يديه على ذيلها، وبالأخرى على فضلها، ثم جذبها فقطعه من الموضع الذي حده أبوه، فكان ابن الزبير إذا حدث بهذا الحديث غضب واعتراه له أفكل2.
فلما رأى المختار أن ابن الزبير قد فطن لما أراد كتب إليه: من المختار بن أبي عبيد الثقفي خليفة الوصي محمد بن علي أمير المؤمنين أبي عبد الله بن أسماء، ثم
__________
1 الأيد: القوة.
2 الافكل: اسم للرعدة تعلو الإنسان.
(3/194)

ملأ الكتاب بسبه وسب أبيه. وكان قبل ذلك في وقت إظهاره طاعة ابن الزبير يدس إلى الشيعة، ويعلمهم موالاته أياهم، وخيرهم أنه على رأيهم وحمد مذاهبهم، وأنه سيظهر ذلك عما قليل. ثم وجه جماعة تسير الليل وتكمن النهار، حتى كسروا سجن عارم واستخرجوا منه بني هاشم، ثم ساروا بهم إلى مأمنهم.
وكان من عجائب المختار أنه كتب إلى إبراهيم بن مالك الأشتر يسأله الخروج إلى الطلب بدم الحسين بن علي رضي الله عنهما، فأبى عليه إبراهيم إلا أن يستأذن محمد بن علي بن أبي طالب، فكتب إليه يستأذنه في ذلك1، فعلم محمد أن المختار لا عقد له، فكتب محمد إلى إبراهيم بن الأشتر: إنه ما يسوؤني أن يأخذ الله لحقنا على يدي من شاء2 من خلقه. فخرج معه إبراهيم بن الأشتر، فوجهه3 نحو عبيد الله بن زياد. وخرج يشيعه ماشياً، فقال له إبراهيم: اركب يا أبا إسحاق! فقال: إني أحب أن تغبر قدماي في نصرة آل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فشيعه فرسخين، ودفع إلى قوم من خاصته حماماً بيضاً ضخاماً، وقال: إن رأيتم الأمر لنا فدعوها، وإن رأيتم الأمر علينا فأرسلوها، وقال للناس: إن استقمتم فبنصر الله، وإن حصتم حيصة4 فإني أجد في محكم الكتاب، وفي اليقين والصواب، أن الله مؤيدكم بملائكة غضاب، تأتي في صور الحمام دوين السحاب.
فلما صار ابن الأشتر بخازر5 وبها عبيد الله بن زياد قال: من صاحب الجيش? قيل له: ابن الأشتر، قال: أليس الغلام الذي كان يطير الحمام بالكوفة? قالوا: بلى، قال: ليس بشيء، وعلى ميمنة ابن زياد، حصين6 بن نمير السكوني من كندة ويقال السكوني والسكوني، والسدوسي والسدوسي، كذا كان أبو عبيدة يقول.
[قال أبو الحسن: السكوني أكثر] 7، وعلى ميسرته عمير بن الحباب فارس الإسلام.
__________
1 ساقطة من ر.
2 ر: "من يشاء".
3 ر: "فتوجه".
4 حصتم حيصة: ذهبتم تطلبون الفرار.
5 خازر: نهر بين إربل والموصل.
6 ر: "حضين", وما أثبته عن الأصل.
7 ما بين العلامتين من زيادات ر.
(3/195)

فقال حصين بن نمير لابن زياد: إن عمير بن الحباب غير ناس قتلى المرج1. وإني لا أثق لك به. فقال ابن زياد: أنت لي عدو، قال حصين: ستعلم.
قال ابن الحباب: فلما كان الليلة التي يريد أن نواقع ابن الأشتر في صبيحتها خرجت إليه، وكان لي صديقاً، ومعي رجل من قومي، فصرت إلى عسكره، فرأيته وعليه قميص هروي2 وملاءة، وهو متوشح3 السيف يجوس عسكره فيأمر فيه وينهى، فالتزمته من ورائه، فوالله ما التفت إلي، ولكن قال: من هذا? فقلت: عمير بن الحباب، فقال: مرحباً بأبي المغلس، كن بهذا الموضع حتى أعود إليك، فقلت لصاحبي: أرأيت أشجع من هذا قط! يحتضنه رجل من عسكر عدوه، ولا يدري من هو? فلا يلتفت إليه، ثم عاد إلي وهو في أربعة آلاف، فقال: ما الخبر? فقلت: القوم كثير، والرأي أن تناجزهم، فإنه لا صبر بهذه العصابة القليلة على مطاولة هذا الجمع الكثير، فقال: نصبح إن شاء الله ثم نحاكمهم إلى ظبات السيوف وأطراف القنا، فقلت: أنا منخزل عنك بثلث الناس غداً.
فلما التقوا كانت على أصحاب إبراهيم في أول النهار، فأرسل أصحاب المختار الطير، فتصايح الناس: الملائكة! فتراجعوا، ونكس عمير بن الحباب رايته، ونادى: يا لثأرات المرج! وأنزل بالميسرة كلها، وفيها قيس فلم يعصوه، واقتتل الناس حتى اختلط الظلام، وأسرع القتل في أصحاب عبيد الله بن زياد. ثم انكشفوا ووضع السيف فيهم حتى أفنوا، فقال ابن الأشتر لقد ضربت رجلاً على شاطئ هذا النهر فرجع إلي سيفي، فيه4 راحة المسك. ورأيت إقداماً وجزأة، فصرعته فذهبت يداه قبل المشرق، ورجلاه قبل المغرب، فانظروا.
فأتوه بالنيران، فإذا هو عبيد الله بن زياد.
وقد كان عند المختار كرسي قديم العهد، فغشاه بالديباج، وقال: هذا الكرسي من ذخائر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فضعوه في
__________
1 قتلى المرج, يريد مرج راهط, وقد قتلت يوم ذلك قبائل قيس مقتلة لم تر مثلها. قاله المرصفي.
2 هروي: منسوب على هراة إحدى مدن خراسان.
3 ر: "متشح".
4 ر: "ومنه".
(3/196)

براكاء الحرب، وقاتلوا عليه، فإن محله فيكم محل السكينة في بني إسرائيل. ويقال إنه اشترى ذلك الكرسي من نجار بدرهمين1.
وقوله: في براكاء القتال ويقال: براكاء وبروكاء، وهو موضع اصطدام القوم، وقال الشاعر2:
وليس بمنقذ لك منه إلا ... براكاء القتال أو الفرار
__________
1 ر: "بدرهمين من بخار".
2 حاشية الأصل: "البيت لبشر بن خازم" ويروى:
ولا ينجى من الغمرات إلا
(3/197)

وهذا باب 1 اللام التي للاستغاثة والتي للإضافة
إذا استغثت بواحد أو بجزاعة فاللام مفتوحة، تقول: يا للرجال، ويا للقوم، ويا لزيد! إذا كنت تدعوهم.
وإنما فتحتها لتفصل بين المدعو والمدعو له، ووجب أن تفتحها لأن أصل اللام الخافضة إنما كان الفتح، فكسرت مع المظهر ليفصل بينها وبين لام التوكيد، تقول: إن هذا لزيد، إذا أردت: إن هذا زيد، وتقول: إن هذا لزيد، إذا أردت أنه في ملكه، ولو فتحت لالتبسا2.
فإن وقعت اللام على مضمر فتحتها على أصلها، فقلت: إن هذا لك، وإن هذا لأنت، إذا أردت لام التوكيد ليس ههنا لبس، وذاك أن الأسماء المضمرة على غير لفظ المظهرة، فلهذا أجريتها على الأرض، والاستغاثة إلى أصلها من أجل اللبس.
والمدعو له في بابه، فاللام معه مكسورة، تقول: يا للرجال للماء! ويا للرجال للعجب ويا لزيد للخطب الجليل! قال الشاعر:
يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يبعث لي بعد النبي طربا3
__________
1 ر: "هذا".
2 ر: "لالتبستا".
3 لعبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي.
(3/197)

وقال آخر:
تكنفني الوشاة فأعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع1
وفي الحديث لما طعن العلج - أو العبد - عمر بن الخطاب رضوان الله عليه صاح: يا لله يا للمسلمين!.
وتقول: يا للعجب، إذا كنت تدعو إليه، ويا لغير العجب، كأنك قلت: يا للناس للعجب. وينشد هذا البيت:
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار2
فيا لغير اللعنة، كأنه قال: يا قوم لعنة الله والأقوام كلهم.
وزعم سيبويه أن هذه اللام التي للإستغاثة دليل، بمنزلة الألف التي تبين بالهاء في الوقف إذا أردت أن تسمع بعيداً، فإنما هي للاستغاثة بمنزلة هذه اللام، وذلك قولك: يا قوماه! على غير الندبة، ولكن للاستغاثة ومد الصوت.
والقول كما قال، محلهما عند العرب محل واحد، فإن وصلت حذفت الهاء، لأنها زيدت في الوقف لخفاء الألف، كما تزاد لبيان الحركة، فإذا وصلت أغنى ما بعدها عنها، تقول: يا قوماً تعالوا، ويا زيداً لا تفعل، ولا يجوز أن تقول: يا لزيد وهو مقبل عليك، وكذلك لا يجوز أن تقول: يا زيداه، وهو معك، إنما يقال ذلك للبعيد، أو ينبه به النائم.
فإن قلت: يا لزيد ولعمرو، كسرة اللام في "عمرو" وهو مدعو، لأنك إنما فتحت اللام في "زيد" لتفصل بين المدعو إليه، فلما عطفت على زيد استغنيت عن الفصل، لأنك إذا عطفت عليه شيئاً صار في مثل حاله.
ونظير ذلك الحكاية، يقول الرجل: أرأيت زيداً، فتقول، من "زيداً"? وإنما حكيت قوله ليعلم أنك إنما تستفهمه عن الذي ذكر بعينه، ولا تسأله عن زيد غيره، والموضع موضع رفع، لأنه ابتداء وخبر، فإن قلت: ومن زيد? أو فمن زيد? لم يكن إلا رفعاً، لأنك عطفت على كلامه، فاستغنيت عن الحكاية، لأن العطف لا يكون مستأنفاً.
ونظير هذا الذي ذكرت لك في اللام قول الشاعر:
يبكيك ناء بعيد الدار مغترب ... يا للكهول وللشبان للعجب!
فقد أحكمت كل ما في هذا الباب.
__________
1 نسبة المرصفي إلي قيس بن ذريح وقبله:
فواكبدي وعاودني رداعي ... وكان فراق لبني كالخداع
2 سمعان: بفتح السين وكسرها. وكلامها صحيح.
(3/198)

ثم نعود إلى ذكر الخوارج
خالد بن عباد السدوسي
قال أبو العباس: وذكر لعبد الله بن زياد رجل من بني سدوسي، يقال له خالد بن عباد - أو ابن عبادة - وكان من نساكهم، فوجه إليه فأخذه، فأتاه رجل من آل ثور، فكذب عنه، وقال: هو صهري وهو في ضمني، فخلى عنه، فلم يزل الرجل يتفقده حتى تغيب، فأتى ابن زياد فأخبره، فبعث إلى خالد بن عباد فأخذ، فقال عبيد الله بن زياد: أين كنت في غيبتك هذه? قال: كنت عند قوم يذكرون الله ويذكرون أئمة الجور فيتبرأون منهم! قال: ادللني عليهم1، قال: إذن يسعدوا وتشقى، ولم أكن لأروعهم! قال: فما تقول في أبي بكر وعمر? خيراً، قال: أمير المؤمنين عثمان، أتتولاه وأمير المؤمنين معاوية? قال: إن كانا وليين لله فلست أعاديهما، فأراغه مرات فلم يرجع، فعزم على قتله، فأمر بإخراجه إلى رحبة2 تعرف برحبة الزينبي.
فجعل الشرط يتفادون من قتله، ويروغون عنه توقياً، لأنه كان شاسفاً3، عليه أثر العباد، حتى أتى المثلم بن مسروح الباهلي، وكان من الشرط، فتقدم فقتله، فائتمر به الخوارج ليقتلوه. وكان مغرماً باللقاح4، يتتبعها5 فيشتريها من مظانها، وهم في تفقده، فدسوا إليه رجلاً في هيئة الفتيان، عليه ردع زعفران6
__________
1 ر: "دلني عليهم".
2 الرحبة: الفجوة الواسعة بين الدور.
3 الشاسف: اليابس من الهزل.
4 اللقحة: الناقة التي لها لبن.
5 ر: "يتتبعها".
6 الودع: اللطخ بالطيب والزعفران.
(3/199)

فلقيه بالمربد1 وهو يسأل عن لقحة صفي2، فقال له الفتى: إن كنت تبلغ3 فعندي ما يغنيك عن غيره، فامض معي.
فمضى المثلم على فرسه والفتى أمامه، حتى أتى به بني سعد، فدخل داراً، وقال له: ادخل على فرسك، فلما دخل وتوغل في الدار أغلق الباب، وثارت به الخوارج فاعتوره حريث بن حجل، وكهمس بن طلق الصريمي فقتلاه، وجعلا دراهم كانت معه في بطنه، ودفناه في ناحية الدار، وحكا آثار الدم، وخليا فرسه في الليل، فأصيب من الغد في المربد، وتجسس4 عنه الباهليون فلم يروا له أثراً، فاتهموا به بني سدوس، فاستدوا عليهم السلطان، وجعل السدوسيون يحلفون، وتحامل5 ابن زياد مع الباهليين، فأخذ من السدوسيين أربع ديات، وقال: ما أدري ما أصنع بهؤلاء الخوارج! كلما أمرت بقتل واحد منهم اغتالوا قاتله فلم يعلم بمكانه، حتى خرج مرداس، فلما واقفهم ابن زرعة الكلابي صاح بهم حريث بن حجل: أههنا من بالهة أحد? قالوا: نعم، قال: يا أعداء الله، أخذتم بالمثلم أربع ديات وأنا قتلته6 وجعلت دراهم كانت معه في بطنه، وهو في موضع كذا مدفون، فلما انهزموا صاروا إلى الدار، فصابوا أشلاءه والدراهم، ففي ذلك يقول أبو الأسود الدؤلي:
آليت لا أغدو إلى رب لقحة ... أساومه حتى يعود المثلم7
ثم خرجت خوارج لا ذكر لهم، كلهم قتل، حتى انتهى الأمر إلى الأزارقة.
__________
1 المربد" المكان الذي تحبس فيه الفبل وتصان. ومنه سمي مربد البصر’. وكان موضع سوق اللإبل.
2 الصفي: الناقة الغزيرة اللبن, والجمع صفايا.
3 تبلغ: يريد إن كنت تبلغ بها ثمنا جيدا. قاله المرصفي.
4 ر: "وتحسن".
5 ر: "فتحامل".
6 ر: "وأنا قاتله".
7 بعده كما ذكره المرصفي:
وقال له كوماء حمراء جلدة ... وقاربه في السوم والقتل يكتم
فأصبح قد عمى على الناس أمره ... وقد بات يجري فوق أثوابه الدم
وقد كان فيما كان منه بمعزل ... ولكن حين المرء للمرء مسلم
(3/200)

تفرق الخوارج
ومن ههنا افترقت الخوارج فصارت على أربعة أضرب.
الإباضية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض.
والصفرية، واختلفوا في تسميتهم، فقالوا قوم: سموا بابن صفار1 وقال آخرون - وأكثر المتكلمين عليه -: هم قوم نهكتهم العبادة فاصفرت وجوههم..
ومنهم البيهسية وهم أصحاب بيهس2.
ومنهم الأزارقة، وهم أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي.
وكانوا قبل على رأي واحد، لا يختلفون إلا في الشيء الشاذ من الفروع، كما قال صخر بن عروة: إني كرهت قتال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لسابقته وقرابته، فأما الآن فلا يسعني إلا الخروج، وكان اعتزل عبد الله بن وهب يوم النهر فضللته3 الخوارج بامتناعه من قتال علي.
__________
1 هو عبد الله بن الصفا.
2 هو هيصم بن جابر.
3 ضللته: نسبته إلى الضلال.
(3/201)

الخوارج وابن الزبير
فكان أول أمرهم الذي نستاقه: أن جماعة من الخوارج، منهم نجدة بن عامر الحنفي، عزموا على أن يقصدوا مكة، لما توجه مسلم بن عقبة يريد المدينة لوقعة الحرة، فقالوا: هذا ينصرف عن المدينة إلى مكة، ويجب علينا أن نمنع حرم الله منه، ونمتحن ابن الزبير، فإن كان على رأينا بايعناه، فمضوا لذلك.
فكان أول أمرهم أن أبا الوازع الراسبي - وكان من مجتهدي الخوارج - كان يذمر نفسه ويلومها على القعود، وكان شاعراً، وكان يفعل ذلك بأصحابه، فأتى نافع بن الأزرق وهو في جماعة من أصحابه، يصف لهم جور السلطان - وكان ذا لسان عضب، واحتجاج وصبر على المنازعة - فأتاه أبو الوازع، فقال يا نافع، لقد أعطيت لساناً صارماً وقلباً كليلاً، فلوددت أن صرامة لسانك كانت لقلبك، وكلال قلبك كان للسانك، أتحض على الحق وتقعد عنه، وتقبح الباطل وتقيم عليه! فقال: إلى أن يجتمع1 من أصحابك من تنكي به عدوك، فقال أبو الوازع:
__________
1 ر: "تجمع".
(3/201)

لسانك لا ينكى به القوم إنما ... تنال بكفيك النجاة من الكرب
فجاهد أناساً حاربوا اله واصطبر ... عسى الله أن يخزي غوي بني حرب
ثم قال: والله لا ألومك ونفسي ألوم، ولأغدون غدوة لا أنثني بعدها أبداً. ثم مضى فاشترى سيفاً، وأتى صيقلاً1 كان يذم الخوارج ويدل على عوراتهم، فشاوره في السيف فحمده، فقال: اشحذه، فشحذه، حتى إذا رضيه حكم وخبط به الصقيل وحمل على الناس فتهاربوا منه، حتى أتى مقبرة بني يشكر، فدفع عليه رجل حائط السترة فكرهت ذلك بنو يشكر، خوفاً أن تجعل الخوارج قبره مهاجراً، فلما رأى ذلك نافع وأصحابه جدوا، وخرج في ذلك جماعة، فكان ممن خرج عيسى بن فاتك الشاعر الخطي، من تيم اللات بن ثعلبة، ومقتله بعد خروج الأزارقة.
فمضى نافع وأصحابه من الحرورية قبل الاختلاف إلى مكة، ليمنعوا الحرم من جيش مسلم بن عقبة، فلما صاروا إلى ابن الزبير عرفوه أنفسهم، فأظهر لهم أنه على رأيهم، حتى أتاهم مسلم بن عقبة وأهل الشأم، فدافعوهم إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية، ولم يبايعوا ابن الزبير.
ثم تناظروا فيما بينهم، فقالوا: ندخل إلى هذا الرجل فنظر ما عنده، فإن قدم أبا بكر وعمر، وبرئ من عثمان وعلي، وكفر أباه وطلحة، بايعناه، وإن تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده، فتشاغلنا بما يجدي علينا. فدخلوا على ابن الزبير، وهو متبذل، وأصحابه متفرقون عنه، فقالوا: إنا جئناك لتخبرنا رأيك، فإن كنت عل الصواب بايعناك، وإن كنت إلى غيره دعوناك إلى الحق، ما تقول في الشيخين? قال: خيراً، قالوا: فما تقول في عثمان، الذي أحمى الحمى، وآوى الطريد، وأظهر لأهل مصر شيئاً وكتب بخلافه، وأوطأ آل أبي معيط رقاب الناس وآثرهم بفيء المسلمين? وفي الذي بعده الذي حكم في دين الله الرجال، وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم? وفي أبيك وصاحبه، وقد بايعا علياً وهو إمام عادل مرضي، لم يظهر منه كفر، ثم نكثا بعرض من أعراض الدنيا، وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن2 في بيوتهن? وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى
__________
1 الصيقل: شحاذ السيوف وجلاؤها.
2 يشير على قوله تعالى في سورة الأحزاب 33: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} .
(3/202)

التوبة! فإن أنت قلت كما نقول فلك الزلفة عند الله والنصر على أيدينا، ونسأل الله لك التوفيق، وإن "أبيت خذلك الله وانتصر منك بأيدينا"1.
فقال ابن الزبير: إن الله أمر - وله العزة والقدرة - في مخاطبة أكفر الكافرين وأعتى العتاة بأرفه2 من هذا القول، فقال لموسى ولأخيه - صلى الله عليهما - في فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} 3، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تؤذوا الأحياء بسب الموتى" فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة ابنه، وأبو جهل عدو الله وعدو الرسول، والمقيم على الشرك، والجاد في المحاربة، والمتبغض إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الهجرة، والمحارب له بعدها، وكفى بالشرك ذنباً! وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبي، أن تقولوا: أتبرأ من الظالمين? فإن كانا منهم، دخلا في غمار4 الناس، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني5 بسب أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله جل وعز قال للمؤمن في أبويه: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} 6, وقال جل ثناؤه: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} 7. وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده، وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح، ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج، وأوضح لمنهاج الحق، وأولى بأن يعرف كل صاحبه من عدوه، فروحوا إلي من عشيتكم هذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله.
فلما كان العشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه، فلما رأى ذلك نجدة قال: هذا خروج منابذ لكم، فجلس على رفع من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر، ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته، ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرتها فيها، فجعلها كالماضية، وخبر أنه آوى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
__________
1 كذا وردت العبارة في الأصل. س. وفي ر: "وإن ابيت إلا نصر رأيك الأول. وتصويب أبيك وصاحبه. والتحقيق بعثمان, والتولي على الست التي أحلت دمه. ونقضت......وافدت إمامته, خذلك الله وانتصر من بأيدينا".
2 في ر: "بارأف".
3 سورة طه 44.
4 غمار الناس: جماعتهم.
5 لم تحفظوني: لم تغظبوني.
6 سورة لقمان 15.
7 سورة البقرة 83.
(3/203)

وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح، وأن القوم استعتبوه من أمور، وكان له أن يفعلها أولاً مصيباً، ثم أعتبهم بعد محسناً، وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمن لهم العتبى؛ ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم، فدفعوا الكتاب إليه، فحلف أنه لم يكتبه ولم يأمر به، وقد أمر بقبول اليمنين ممن ليس له مثل سابقته، مع ما أجتمع له من صهر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومكانه من الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه، وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها لحلف عل حق فافتداها بمائة ألف ولم يحلف، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض".
فعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه، وأنا ولي وليه، وعدو عدوه، وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورسول الله يقول عن الله تعالى يوم أحد لما قطعت إصبع طلحة: "سبقته إلى الجنة"، وقال: "أوجب طلحة". وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد، قال: ذاك يوم كله أو جله لطلحة، والزبير حواري رسول الله وصفوته، وقد ذكر أنهما في الجنة، وقال جل وعز: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} 1، وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم، فإن يكن ما سعوا فيه حقاً فأهل ذلك هم، وإن يكن زلة ففي عفو الله تمحيصها، وفيما وفقتهم له من السابقة مع نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومهما ذكرتموهما به فقد بدأتم بأمكم عائشة رضي الله عنها، فإن أبى آب أن تكون له أماً نبذ اسم الإيمان عنه، قال الله جل وعز وقوله الحق: {النبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} 2.
فنظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا عنه.
وكان سبب وضع الحرب بين ابن الزبير وبين أهل الشأم - بعد إذ كان3 حصين بن نمير قد حصر ابن الزبير - أنه أتاهم موت يزيد بن معاوية فتوادع الناس، وقد كان أهل الشأم ضجروا من المقام على ابن الزبير، وحنقت الخوارج في قتالهم، ففي ذلك يقول رجل من قضاعة:
__________
1 سورة الفتح 18.
2 سورة الاحزاب 6.
3 ر: "أن كان".
(3/204)

يا صاحبي ارتجلا ثم املسا ... لا تحسبا لدى الحصين محبسا
إن لدى الأركان ناسناً بؤسا
-[قال الأخفش: حفظي بأساً أبؤسا]-
وبارقات يختلسن الأنفسا ... إذا الفتى حكم يوماً كلسا
قوله: ثم أملسا يريد: تخلصا تخلصاً سهلاً. وكلس، أي جمل وجد.
ولما سمح ابن الزبير للخوارج في القول وأظهر أنه منهم قال رجل يقال له فلان بن همام1، من رهط الفرزدق:
يا ابن الزبير أتهوى عصبة قتلوا ... ظلماً أباك ولما تنزع الشكك
ضحوا بعثمان يوم النحر ضاحية ... ما أعظم الحرمة والعظمى التي انتهكوا!
فقال ابن الزبير: لو شايعتني الترك والديلم على قتال أهل الشأم لشايعتها.
الشكك: جمع شكة، وهي السلاح، قال الشاعر:
ومدججاً يسعى بشكته ... محمرة عيناه كالكلب
فتفرقت الخوارج عن ابن الزبير لما تولى عثمان، فصارت طائفة إلى البصرة، وطائفة إلى اليمامة، وكان رجاء النصري2 وهو الذي جمعهم للمدافعة عن الحرم، فكان فيمن صار إلى البصرة نافع بن الأزرق الحنفي، وبنو الماحوز السليطيون، ورئيسهم حسان بن بحدج3، فلما صاروا إلى البصرة نظروا في أمورهم فأمروا عليهم نافعاً.
__________
1 ر: "قيس بن همام".
2 كذا في الأصل. وفي ر: "النميري".
3 ر: "محرج".
(3/205)

خروج نافع بن الأزرق بقومه إلى الأهواز
ويروى أن أبا الجلد اليشكري قال لنافع يوماً: يا نافع، إن لجهنم سبعة أبواب، وإن أشدها حراً للباب الذي أعد للخوارج، فإن قدرت ألا تكون منهم
(3/205)

فافعل، فأجمع القوم على الخروج، فمضى بهم نافع إلى الأهواز1 في سنة أربع وستين، فأقاموا بها، لا يهيجون أحداً، ويناظرهم الناس.
وكان سبب خروجهم إلى الأهواز أنه لما مات يزيد بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد، وكان في السجن يومئذ أربعمائة رجل من الخوارج، وضعف أمر ابن زياد، فكلم فيهم فأطلقهم، فأفسدوا البيعة عليه، وفشوا في الناس، يدعون إلى محاربة السلطان ويظهرون ما هم عليه، حتى اضطر على عبيد الله أمره، فتحول عن دار الإمارة إلى الأزد، ونشأت الحرب بسببه بين الأزد وربيعة وبين بني تميم، فاعتزلهم الخوارج إلا نفراً منهم من بني تميم، معهم عبس بن طلق الصريمي أخو كهمس فإنهم أعانوا قومهم، فكان عبس الطعان في سعد، والرباب في القلب بحذاء الأزد، وكان حارثة بن بد اليربوعي في حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وفي ذلك يقول حارثة بن بدر للأحنف؛ وهو صخر بن قيس:
سيكفيك عبس أخو كهمس ... مواقفة الأزد بالمربد
وتكفيك عمرو على رسلها ... لكيز بن أقصى وما عددوا
- لكيز هو عبد القيس -
وتكفيك بكراً إذا أقبلت ... بضرب يسيب له الأمرد
فلما قتل مسعود بن عمرو المعني، وتكاف الناس، أقام نافع بن الأزرق بموضعه بالأهواز، ولم يعد إلى البصرة، وطردوا عمال السلطان عنها، وجبوا الفيء.
__________
1 الاهواز: سبع كور بين البصرة وفارس.
(3/206)

خروج نجدة بن عامر على نافع بن الأزرق والرسائل التي دارت بينهما
ولم يزالوا على رأي واحد، يتولون أهل النهر ومرداساً ومن خرج معه، حتى جاء مولى لبني هاشم إلى نافع، فقل له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: كفرت وأحللت بنفسك1، قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني، {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا
__________
1 ر: س: "وأدللت".
(3/206)

تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً} 1، فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم. فشهد نافع أنهم جميعاً في النار، ورأى قتلهم. وقال: الدار دار كفر إلا من اظهر ايمانه, ولا يحل أكل ذبائحهم2, تناكحهم، ولا توارثهم، ومتى جاء منهم جاء فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب، لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقعد بمنزلتهم، والتقية لا تحل، فإن الله تعالى يقول: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} 3، وقال عز وجل فيمن كان على خلافهم: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} 4. فنفر جماعة من الخوارج عنه، منهم نجدة بن عامر، واحتج عليه بقول الله عز وجل: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} 5 وبقوله عز وجل: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} 6، فالقعد منا، والجهاد إذا أمكن أفضل، لقوله جل وعز: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} 7.
ثم مضى نجدة بأصحابه إلى اليمامة وتفرقوا في البلدان.
فلما تتابع8 نافع في رأيه وخالف أصحابه، وكان أبو طالوت سالم بن مطر بالخضارم9 في جماعة قد بايعوه، فلما انخزل نجدة خلعوا أبا طالوت، وصاروا إلى نجدة فبايعوه، ولقي نجدة وأصحابه قوماً من الخوارج بالعرمة10 والعرمة كالسكر11، وجمعها عرم، وفي القرآن المجيد {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} 12، وقل النابغة الجعدي:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
فقال لهم أصحاب نجدة: إن نافعاً قد أكفر13 القعد ورأى الاستعراض، وقتل الأطفال، فانصرفوا مع نجدة، فلما صار باليمامة كتاب إلى نافع.
__________
1 سورة نوح: 26 – 27.
2 س: "لا تحل".
3 سورة النساء 77.
4 سورة المائدة 54.
5 سورة آل عمران 28.
6 سورة غافر 28.
7 سورة النساء 95.
8 التتابع في الشر وهو التهافت عليه.
9 خضارم: اسم واد باليمامة.
10 العرمة: أرض صلبة تتاخم الدهناء.
11 السكر, بكسر فسكون: اسم لما سد به فم النهر.
12 سورة سبأ 16.
13 ر: "كفر".
(3/207)

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فإن عهدي بك وأنت لليتيم كالأب الرحيم، وللضعيف كالأخ البر، لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا ترى معونة ظالم، كذلك كنت أنت وأصحابك. أما تذكر قولك: لولا أني أعلم أن للإمام العادل مثل أجر جميع رعيته ما توليت أمر رجلين من المسلمين? فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء رضوانه، وأصبت من الحق فصه، وركبت مره، تجرد لك الشيطان، ولم يكن أحد أثقل عليه وطأة منك ومن أصحابك، فاستمالك واستهواك واستغواك وأغواك، فغويت فأكفرت الذين عذرهم الله في كتابه من قعد المسلمين وضعفتهم، فقال جل ثناؤه، وقوله الحق ووعده الصدق: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} 1. ثم سماهم أحسن الأسماء، فقال: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} 2. ثم استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتلهم، وقال الله عز ذكره: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 3, وقال في القعد خيراً، وفضل الله من جاهد عليهم. ولا يدفع منزلة أكثر الناس عملاً منزلة من هو دونه، أو ما سمعت قوله عز وجل: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} 4، فجعلهم الله من المؤمنين، وفضل عليهم المجاهدين بأعمالهم، ورأيت ألا تؤدي الأمانة إلى من خالفك، والله يأمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها، فاتق الله وانظر لنفسك، واتق يوماً: {لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً} 5، فإن الله عز ذكره بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل، والسلام.
فكتب إليه نافع:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فقد أتاني كتابك تعظني فيه وتذكرني، وتنصح لي وتزجرني، وتصف ما كنت عليه من الحق، وما كنت أوثره من الصواب، وأنا أسأل الله جل وعز أن يجعلني من الذين يستمعون القول
__________
1 سورة التوبه 91.
2 سورة التوبة 91.
3 سورة الأنعام 164.
4 سورة النساء 95.
5 سورة لقمان 33.
(3/208)

فيتبعون أحسنه، وعبت علي ما دنت به من إكفار القعد وقتل الأطفال واستحلال الأمانة، فسأفسر لك لم ذلك إن شاء الله.
أما هؤلاء القعد فليسوا كمن ذكرت ممن كان بعهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين، لا يجدون إلى الهرب سبيلاً، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقة، وهؤلاء قد فقهوا في الدين، وقرأوا القرآن، والطريق لهم نهج واضح، وقد عرفت ما قال الله عز جل فيمن كان مثلهم، إذ قالوا: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} 1. فقيل لهم: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} 2. وقال: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ} 3، وقال: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} 4، فخبر بتذيرهم، وأنهم كذبوا، الله ورسوله، وقال: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 5. فانظر إلى أسمائهم وسماتهم.
وأما أمر الأطفال فإن نبي الله نوحاً عليه السلام كان أعلم بالله - يا نجدة - مني ومنك، فقال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً} 6، فسماهم بالكفر وهم أطفال، وقبل أن يولدوا، فكيف كان ذلك في قوم نوح ولا نكون نقوله ببني ومنا! والله يقول: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} 7، وهؤلاء كمشركي العرب، لا نقبل منهم جزية، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام.
وأما استغلال أمانات من خالفنا فإن الله عز وجل أحل لنا أموالهم، كما أحل لنا دماءهم، فدماؤهم حلال طلق8، وأموالهم فيء للمسلمين. فاتق الله وراجع نفسك، فإنه لا عذر لك إلا بالتوبة، ولن يسعك خذلاننا، والقعود عنا، وترك ما نهجناه لك من طريقتنا ومقالتنا، والسلام على من أقر بالحق وعمل به.
__________
1 سورة النساء 97.
2 سورة النساء 97.
3 سورة التوبة 81.
4 سورة التوبة 90.
5 سورة التوبة 90.
6 سورة نوح 27,26.
7 سورة القمر 43.
8 الطلق: الحلال.
(3/209)

كتاب نافع إلى ابن الزبير
وكتب نافع إلى عبد الله بن الزبير يدعوه إلى أمره:
(3/209)

أما بعد، فإني أحذرك من الله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} 1. فاتق الله ربك، ولا تتول الظالمين، فإن الله يقول: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} 2. وقد حضرت عثمان يوم قتل، فلعمري لئن قتل مظلوماً لقد كفر قاتلوه وخاذلوه، ولئن كان قاتلوه مهتدين - وإنهم لمهتدون - لقد كفر من يتولاه وينصره ويعضده. ولقد علمت أن أباك وطلحة وعثمان، فكيف3 ولاية قاتل متعمد ومقبول في دين واحد! ولقد ملك علي بعده فنفى الشبهات، وأقام الحدود، وأجرى الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقائقها، فيما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة، ثم خلعاه ظالمين له، وإن القول فيك وفيهما لكما قال ابن عباس: إن يكن علي في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمناً؛ أما لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمة العدل، ولئن كان كافراً كما زعمتم، وفي الحكم جائراً، لقد بؤتم بغضب من الله لفراركم من الزحف، ولقد كنت له عدواً. ولسيرته عاتباً، فكيف توليته بعد موته! فاتق الله فإنه يقول: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} 4.
__________
1 سورة آل عمران 30.
2 سورة آل عمران 28.
3 ر: "وكيف".
4 سورة المائدة 51.
(3/210)

كتاب نافع إلى المحكمة من أهل البصرة
وكتب نافع إلى من بالبصرة من المحكمة:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة، والدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفار، ترون الظلم ليلاً ونهاراً، وقد ندبكم الله إلى الجهاد فقال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} 1، ولم يجعل لكم في التخلف عذراً في حال من الحال، فقال: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} 2! وإنما عذر الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون ومن كانت إقامته لعلة، ثم فضل عليهم مع ذلك
__________
1 سورة التوبة 36.
2 سورة التوبة 41.
(3/210)

المجاهدين، فقال: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} 1؛ فلا تغتروا ولا تطمئنوا إلى الدنيا، فإنها مرارة مكارة، لذتها نافذة، ونعمتها بائدة، حفت بالشهوات اغتراراً، وأظهرت حبرة2. وأضمرت عبرة، فليس آكل منها أكلة تسره، ولا شارب شربة تؤنفه3؛ إلا دنا بها درجة إلى أجله، وتباعد بها مسافة من أمله، وإنما جعلها الله داراً لمن تزود منها إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، فلن يرضى بها حازم داراً، ولا حليم بها قراراً، فاتقوا الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} 4. والسلام على من اتبع الهدى.
فورد كتابه عليهم، وفي القوم يومئذ أبو بيهس هيصم بن جابر الضبعي، وعبد الله بن إباض المري، من بني مرة بن عبيد. فأقبل أبو بيهس على ابن إباض فقال: إن نافعاً غلا فكفر، وإنك قصرت فكفرت. تزعم أن من خالفنا ليس بمشرك، وإنما هم كفار النعم؛ لتمسكهم بالكتاب، وإقرارهم بالرسول. وتزعم أن مناكحهم ومواريثهم والإقامة فيهم حل طلق5 ? وأنا أقول: إن أعداءنا كأعداء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تحل لنا الإقامة فيهم، كما فعل المسلمون في إقامتهم بمكة، وأحكام المشركين تجري فيهم6، وأزعم أن مناكحهم ومواريثهم تجوز لأنهم منافقون يظهرون الإسلام، وأن حكمهم عند الله حكم المشركين.
فصاروا في هذا الوقت على ثلاثة أقاويل: قول نافع في البراءة والاستعراض واستحلال الأمانة وقتل الأطفال. وقول أبي بيهس الذي ذكرناه. وقول عبد الله بن إباض. وهو أقرب الأقاويل إلى السنة من أقاويل الضلال. والصفرية والنجدية في ذلك الوقت يقولون بقول ابن إباض. وقد قال ابن إباض ما ذكرنا من مقالته.
وأنا أقول: إن عدونا كعدو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكني أحرم مناكحتهم ومواريثهم، لأن معهم التوحيد والإقرار معهم التوحيد والإقرار بالكتاب والرسول عليه السلام، فأرى معهم دعوة المسلمين تجمعهم، وأراهم كفاراً للنعم. وقالت الصفرية ألين من هذا القول في أمر القعد، حتى صار عامتهم قعداً واختلفوا فيهم، وقد ذكرنا ذلك فقال قوم:
__________
1 سورة النساء 95.
2 الحبرة: النعمة وسعة العيش.
3 تؤنقه: تعجبه.
4 سورة البقرة 197.
5 طلق: حلال.
6 ر: "فيها".
(3/211)

سموا صفرية، لأنهم أصحاب ابن صفار، وقال قوم: إنما سموا بصفرة علتهم، وتصديق ذلك قول ابن عاصم الليثي، وكان يرى رأي الخوارج، فتركه وصار مرجئاً:
فارقت نجدت والذين تزرقوا ... وابن الزبير وشيعة الكذاب1
والصفرة الأذان الذين تخيروا ... ديناً بلا ثقة ولا بكتاب
- خفف الهمزة من الآذان ولولا ذلك لانكسر الشعر -
وقال أبو بيهس: الدار دار كفر، والاستعراض فيها جائز، وإن أصيب من الأطفال فلا حرج.
إلى ههنا انتهت المقالة.
__________
1 يعني بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد الثقفي.
(3/212)

مقتل نافع بالأهواز
وتفرقت الخوارج على الأضرب الأربعة التي ذكرنا، وأقام نافع بالأهواز يعترض الناس ويقتل الأطفال، فإذا أجيب إلى المقالة جبا الخراج، وفشا عماله في السواد1، فارتاع لذلك أهل البصرة، فاجتمعوا إلى الأحنف بن قيس، فشكوا ذلك إليه، وقالوا: ليس بيننا وبين العدو إلا ليلتان، وسيرتهم ما ترى، فقال الأحنف: إن فعلهم في مصركم - إن ظفروا به - كفعلهم في سوادكم، فجدوا في جهاد عدوكم، فاجتمع إليه عشرة آلاف، فأتى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وهو ببة2 - فسأله أن يؤمر عليهم، فاختار لهم ابن عبيس3 بن كريز، وكان ديناً شجاعاً، فأمره عليهم وشيعه، فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس فقال: إني ما خرجت لامتيار4، ذهب ولا فضة وإني
__________
1 يريد بالسواد أرض العراق وضياعه.
2 الببة في الأصل: كثرة اللحم وتراكبه. لقب به عبد الله بن الحارث, وكانت أمه ترقصه وتقول:
لأنكحن ببه ... جارية كالقبه
مكرمة محببه ... تحب أهل الكعبه
3 هو ميلم بن عبيس.
4 الأمتيار هنا: جلب الطعام.
(3/212)

لأحارب قوماً إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم، فمن كان شأنه الجهاد فلينهض، ومن أحب الحياة فليرجع. فرجع نفر يسير، ومضى الباقون معه، فلما صاروا بدولاب1 خرج إليهم نافع، فاقتتلوا قتالاً شديداً، حتى تكسرت الرماح، وعقرت الخيل، وكثرت الجراح، والقتلى2، وتضاربوا بالسيوف والعمد، فقتل في المعركة ابن عبيس ونافع بن الأزرق.
وكان ابن عبيس قد تقدم إلى أصحابه فقال: إن أصبت فأميركم الربيع بن عمرو الأجذم الغداني، فلما أصيب ابن عبيس أخذ الربيع الراية، وكان نافع قد استخلف عبيد الله بن الماحوز السليطي، فكان الرئيسان من بني يربوع: رئيس المسلمين من بني غدانة بن يربوع، فاقتتلوا قتالاً شديداً.
وادعى قتل نافع سلامة الباهلي، وقال: لما قتلته وكنت على برذون ورد3، إذا برجل على فرس - وأنا واقف في خمس قيس - ينادي يا صاحب الورد! هلم إلى المبارزة، فوقفت في خمس بني تميم. فإذا به يعرضها علي، وجعلت أتنقل من خمس إلى خمس إلى خمس، وليس يزايلني، فصرت إلى رحلي، ثم رجعت، فرآني فدعاني إلى المبارزة، فلما أكثر خرجت إليه فاختلفنا ضربتين، فضربته فصرعته، فنزلت لسلبه وأخذ رأسه، فإذا امرأة قد رأتني حين قتلت نافعاً، فخرجت لتثأر به، فلم يزل الربيع الأجذم يقاتلهم نيفاً وعشرين يوماً، حتى قال يوماً: أنا مقتول لا محالة، قالوا: وكيف? قال: لأني رأيت البارحة كأن يدي التي أصيبت بكابل انحطت من السماء فاستشلتني، فلما كان الغد قاتل إلى الليل، ثم غاداهم فقتل. فتدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب، إذ لم يكن لهم رئيس، ثم أجمعوا على الحجاج بن باب الحميري فأباها، فقيل له: ألا ترى أن رؤساء العرب بالحضرة، وقد اختاروك من بينهم! فقال: مشؤومة، ما يأخذها أحد إلا قتل، ثم أخذها، فلم يزل يقاتل الخوارج بدولاب، والخوارج أعد بالآلات والدروع والجواشن4، فالتقى الحجاج بن باب وعمران بن الحارث الراسبي، وذلك بعد
__________
1 دولاب: قرية بينها وبين الاهواز أربعة فراسخ.
2 ر: "والقتلى".
3 الورد: لون أحمر يضرب إلى صفرة حسنة في كل شئ.
4 الجواشن: جمع جوشن, وهو الدرع.
(3/213)

أن اقتتلوا زهاء شهر، فاختلفا ضربتين، فسقطا ميتين، فقالت أمر عمران ترثيه:
الله أيد عمراناً وطهره ... وكان عمران يدعو الله في السحر
يدعوه سراً وإعلاناً ليرزقه ... شهادة بيدي ملحادة غدر
ولى صحابته عن حر ملحمة ... وشد عمران كالضرغامة الهصر
قول الربيع: "استشلتني"، أي أخذتني إليها واتنفذتني. يقال: استشلاه واشتلاه. وفي الحديث "إن السارق إذا قطع سبقته يده إلى النار، فإن تاب استشلاها"، قال رؤبة:
إن سليمان اشتلانا ابن علي
وقول الناس: "اشليت كلبي" أي أغريته بالصيد، خطأ، إنما يقال: آسدته وأشليته: دعوته.
وقولها: "بيدي ملحادة" "مفعال" من الإلحاد، كما تقول: رجل معطاة يا فتى، ومحسان، ومكرام، وأدخلت الهاء للمبالغة، كما تدخل في رواية وعلامة ونسابة.
و"غدر" "فعل" من الغدر، ول"فعل" باب نذكره في عقب هذه القصة، إذا فرغنا من خبر هذه الوقعة.
والضرغامة: من أسماء الأسد.
والهصر: الذي يهصر كل شيء، أي يثنيه، قال امرؤ القيس:
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
ولذكرنا الصفرية والأزراقة والبيهسية والإباضية تفسير، لم نسب إلى ابن الأزرق بالأزارقة، وإلى أبي بيهس بالكنية المضاف إليها، ونسب إلى صفر ولم ينسب إلى واحدهم، ونسب إلى ابن إباض فجعل النسب إلى أبيه? وهذا نذكره بعد باب "فعل".
(3/214)

لقطري في يوم دولاب
قال أبو العباس: ومما قيل من الشعر في يوم دولاب قول قطري:
لعمرك إني في الحياة لزاهد ... وفي العيش ما لم ألق أم حكيم1
من الخفرات البيض لم ير مثلها ... شفاء لذي بث ولا لسقيم
لعمرك إني يوم ألطم وجهها ... على نائبات الدهر جد لئيم
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميم
غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم
وكان لعبد القيس أول جدها ... وأحلافها من يحصب وسليم2
وظلت شيوخ الأزد في حومة الوغى ... تعوم وظلنا في الجلاد نعوم3
فلم أر يوماً كان أكثر مقعصاً ... يمج دماً من فائظ وكليم4
وضاربة خدا كريماً على فتى ... أغر نجيب الأمهات كريم
أصيب بدولاب ولم تك موطناً ... له أرض دولاب ودير حميم5
فلو شهدتنا يوم ذاك وخلنا ... تبيح من الكفار كل حريم
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدن عنده ونعيم
قوله: "ولو شهدتنا يوم دولاب" فلم ينصرف "دولاب" فإنما ذاك لأنه أراد البلدة، ودولاب: أعجمي، معرب، وكل ما كان من الأسماء الأعجمية نكرة بغير
__________
1 أم حكيم امرأة من الخوارج كانت مع قطري. وكانت من أجمل النساء وجها, وأحسنهم بدينهم تمسكا. كانت تحمل على الناس وترجز:
أحمل رأسا قد سئمت حمله ... وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عني ثقله
2 يحصب بن مالك بن حمير, وسليم بن منصور. من قيس عيلان, وأصله مصغر وكبر للوزن.
3 في البيت إقواء.
4 المقعص: المطعون. والفائظ. من قولهم: فاظ الرجل إذا مات.
5 دير حميم: موضع بالأهواز.
(3/215)

الألف واللام، فإذا دخلته الألف واللام فقد صار معرباً، وصار على قياس الأسماء العربية، لا يمنعه من الصرف إلا ما يمنع العربي، فدولاب،" فوعال" مثل طومار وسولاف. وكل شيء لا يخص واحداً من الجنس م غيره فهو نكرة، نحو: رجل، لأن هذا الاسم يلحق كل ما كان على بنيته، وكذلك حمل وجبل وما أشبه ذلك، فإن وقع الاسم في كلام العجم معرفة فلا سبيل إلى إدخال الألف واللام عليه، لأنه معرفة، فلا معنى لتعريف آخر فيه، فذلك غير منصرف، نحو فرعون وقارون، وكذلك إسحاق وإبراهيم، ويعقوب.
وقوله:
غداة طفت علماء بكر بن وائل
وهو يريد على الماء، فإن العرب إذا التقت في مثل هذا الموضع لامان استجازوا حذف إحداهما استثقالاً للتضعيف، لأن ما بقي دليل على ما حذف، يقولون، لأن ما بقي دليل على ما حذف، يقولون "علماء بنو فلان" كما قال الفرزدق:
وما سبق القيسي من ضعف حيلة ... ولكن طفت علماء قلفة خالد
وكذلك كل اسم من أسماء القبائل تظهر فيه لام المعرفة فإنهم يجيزون معه حذف النون التي في قولك بنو لقرب مخرج النون من اللام، وذلك قولك: فلان من بلحارث وبلعنبر، وبلهجيم.
وقال آخر نم الخوارج:
يرى من جاء ينظر من دجيل ... شيوخ الأزد طافية لحاها1
وقال رجل منهم:
شمت ابن بدر والحوادث جمة ... والحائرون بنافع بن الأزرق
والموت حتم لا محالة واقع ... من لا يصبحه نهاراً يطرق
فلئن أمير المؤمنين أصابه ... ريب المنون فمن يصبه يغلق
__________
1 دجيل: نهر بالأهواز.
(3/216)

نصب بعد "إن" لأن حرف الجزاء للفعل، فإنما أراد: فلئن أصاب أمير المؤمنين، فلما حذف هذا الفعل وأضمر ذكر أصابه ليدل عليه، ومثله قول النمر بن تولب:
لا تجزعي إن منفساً أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وقال ذو الرمة:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر1
لأن إذا لا يليها إلا الفعل، وهي به أولى.
__________
1 الوصل: واحد الأوصال, وهي المفاصل.
(3/217)

هذا باب فعل
اعلم أن كل اسم على مثال "فعل" مصروف في المعرفة والنكرة إذا كان اسماً أصلياً أو نعتاً، فالأسماء نحو، صرد ونغر وجعل، وكذلك إن كان جمعاً، نحو: ظلم وغرف. وإن سميت بشيء من هذا رجلاً انصرف في المعرفة والنكرة. وأما النعت، فنحو: رجل حطم، كما قال:
قد لفها الليل بسواق حطم
وكذلك مال لبد، وهو الكثير، من قوله جل جلاله: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً} 1.
فإن كان الاسم على "فعل" معدولاً عن "فاعل" لم ينصرف إذا كان اسم رجل في المعرفة، وينصرف في النكرة، وذلك نحو: عمر وقثم، لأنه معدول عن عامر، وهو الاسم الجاري على الفعل، فهذا مما معرفته قبل نكرته، فإذا أريد به مذهب المعرفة جاز أن تبنيه في النداء من كل فعل، لأن المنادى مشار إليه، وذلك قولك: يا فسق، ويا خبث، تريد: يا فاسق ويا خبيث.
وإنما قالت: "بيدي ملحادة غدر" في النداء للضرورة، فنقلته معرفة من النداء، ثم جعلته نكرة لخروجه عن الإشارة، فنعتت به "ملحادة" كما قال الحطيئة:
أجول ما أجول ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع
وهذا لا يقع إلا في النداء، ولكن للشاعر نقله نكرة ونقله معرفة، على حد ما كان له في النداء. فيلحق قولها "غدر" بقوله: رجل حطم، ومال لبد، وما أشبهه. وفعال في المؤنث بمنزلة "فعل" في المذكر، ولو سميت رجلاً "حطماً" لصرفته، من قولك: هذا سائق حطم، لأنه قد وقع نكرة غير معدول، فهو في النعوت بمنزلة "صرد" في الأسماء.
__________
1 سورة البلد.
(3/218)

هذا باب النسب إلى المضاف
النسب إلى العلم المضاف
اعلم أنك إذا نسبت إلى علم مضاف فالوجه أن تنسب إلى الاسم الأول، وذلك قولك في عبد القيس: عبدي، وكذلك في عبد الله بن دارم، فإن كان الاسم الثاني أشهر من الأول جاز النسب إليه، لئلا يقع في النسب التباس من اسم باسم، وذلك قولك في النسب إلى عبد مناف منافي، وإلى أبي بكر بن كلاب بكري.
قد يجوز، وهو قليل، أن تبني له من الاسمين اسماً على مثال الأربعة لينتظم النسب، وذلك قولك في النسب إلى عبد الدار بن قصي عبدري، وفي النسب إلى عبد القيس عبقسي.
(3/219)

النسب إلى المضاف غير العلم
فإن كان المضاف غير علم فالنسب إلى الثاني على كل حال، وذلك قولك في النسب إلى ابن الزبير زبيري، لأن ابن الزبير إنما صار معرفة بالزبير، وكذلك النسب إلى ابن رألان رألاني، فلذلك قالوا في النسب إلى ابن الأزرق أزرقي، وإلى أبي بيهس، بيهسي.
(3/219)

النسب إلى الجماعة
فأما قولهم: "صفري" فإنما أرادوا الصفر الألوان، فنسبوا إلى الجماعة، وحق الجماعة إذا نسب إليها أن يقع النسب إلى واحدها، كقولك: مهلبي، ومسمعي، ولكن جعلوا "صفراً" اسماً للجماعة، ثم نسبوا غليه، ولم يقولوا: أصفري، فينسب إلى واحدها، وإما كان ذلك لأنهم جعلوا الصفر اسماً للجماعة، كما تسمى القبيلة بالاسم الواحد، ألا ترى أن النسب إلى الأنصار، أنصاري لأنه كان علماً للقبيلة وكذلك مدائني. وتقول في النسب إلى الأبناء من بني سعد أبناوي، لأنه اسم للجماعة.
فأما قولهم: "الأزارقة"، فهذا باب من النسب آخر، وهو أن يسمى كل واحد منهم باسم الأب، إذا كانوا ينسبون، ونظيره المهالبة، والمسامعة، والمناذرة.
(3/219)

ويقولون: جاءني النميرون والأشعرون. جعل كل واحد منهم نميراً وأشعر، فهذا يتصل في القبائل، على ما ذكرت لك.
وقد تنسب الجماعة إلى الواحد على رأي أو دين، فيكون له مثل نسب الولادة، كما قالوا أزرقي، لمن كان على رأي ابن الأزرق، كما تقول تميمي وقيسي لمن ولده تميم وقيس، ومن قرأ: {سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} 1، فإنما يريد إلياس عليه السلام ومن كان على دينه، كما قال:
قدني من نصر الخبيبين قد
يريد أبا خبيب ومن معه.
وقد يجتمع الرجال مع الرجل في التثنية إذا كان مجازهما واحداً في أكثر الأمر على لفظ أحدهما، فمن ذلك قولهم: العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومن ذلك قولهم: "الخبيبان" لعبد الله ومصعب، وقد مضى تفسيره.
__________
1 سورة الصافات 130.
(3/220)

عاد القول في الخوارج
الأزارقة وولاة البصرة
...
عاد القول في الخوارج
قال: والأزارقة لا تكفر أحداً من أهل مقالتها في دار الهجرة إلا القاتل رجلاً مسلماً، فإنهم يقولون: المسلم حجة الله، والقاتل قصد لقطع الحجة.
الأزارقة وولاة البصرة
ويروى أن نافعاً مر بمالك بن مسمع في الحرب التي كانت بين الأزد وربيعة وبني تميم، ونافع متقلد سيفاً، فقام إليه مالك فضرب بيده إلى حمالة سيفه وقال: ألا تنصرنا في حربنا هذه! فقال: لا يحل لي، قال: فما بال مؤمني بني تميم ينصرون كفارهم في هذه الحرب! فأمسك عنه، وخرج بعد ذلك بأيام إلى الأهواز، فلما قتل من قتل ممن بخازر من الخوارج في أيام ابن الماحوز كره ببة القتال، وأقام حارثة بن بدر الغداني بإزاء الخوارج، يناوشهم على غير ولاية، وكان يقول: ما عذرنا عند إخواننا من أهل البصرة إن وصل إليهم الخوارج ونحن دونهم! فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير يخبرونه بقعود ببة، ويسألونه أن يولي والياً، فكتب إلى أنس بن مالك أن يصلي بالناس، فصلى بهم أربعين يوماً، وكتب إلى عمر بن عبيد الله بن معمر فولاه البصرة. فلقيه الكتاب وهو يريد الحج، وهو في بعض الطريق، فرجع فأقام بالبصرة، وولى أخاه عثمان محاربة الأزارقة، فخرج إليهم في اثني عشر ألفاً، ولقيه حارقة فيمن كان معه، وعبيد الله بن الماحوز في الخوارج بسوق الأهواز، فلما عبروا إليهم دجيلاً نهض إليهم الخوارج، وذلك قبيل الظهر، فقال عثمان بن عبيد الله لحارثة بن بدر: أما الخوارج إلا ما أرى? فقال له حارثة: حسبك بهؤلاء! فقال: لا جرم، والله لا أتغدى حتى أناجزهم! فقال له حارثة: إن هؤلاء لا يقاتلون بالتعسف، فأبق على نفسك وجندك، فقال: أبيتم يا1 أهل العراق إلا جبنا! وأنت يا حارثة، ما علمك بالحرب? أنت والله بغير هذا أعلم! يعرض له بالشراب. فغضب حارثة، فاعتزل، وحاربهم عثمان يومه إلى أن غابت الشمس، فأجلت الحرب عنه قتيلاً، وانهزم الناس، وأخذ حارثة الراية، وصاح بالناس: أنا حراثة بن بدر، فثاب إليه قومه، فعبر بهم دجيلاً، وبلغ فل عثمان البصرة؛ وخاف الناس الخوارج خوفاً شديداً.
__________
1 ر: "أهل العراق", بحذف النداء.
(3/221)

وعزل ابن الزبير عمر بن عبيد الله، وولى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، المعروف بالقباع، أحد بني مخزوم، وهو أخو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر، فقدم البصرة، فكتب إليه حارثة ابن بدر يسأله الولاية والمدد، فأراد توليته1، فقال له رجل من بكر بن وائل: إن حارثة ليس بذاك، إنما هو رجل شراب2، وفيه يقول رجل من قومه3:
ألم تر أن حارثة بن بدر ... يصلي وهو أكفر من حمار
ألم تر أن للفتيان حظاً ... وحظك في البغايا والقمار
فكتب إليه القباع: تكفيني4 حربهم إن شاء الله.
فقام حارثة يدافعهم.
فقال شاعر من بني تميم يذكر عثمان بن عبيد الله بن معمر ومسلم بن عبيس وحارثة بن بدر:
مضى ابن عبيس صابراً غير عاجز ... وأعقبنا هذا الحجازي عثمان
فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر ... وأبرق والبرق اليماني خوان
فضحت قريشاً غثها وسمينها ... وقيل بنو تيم بن مرة عزلان5
فلولا ابن بدر لعراقين لم يقم ... بما قام فيه للعراقين إنسان
إذا قيل من حام الحقيقة أومأت ... إليه معد بالأنوف وقحطان
قوله: فأرعد، زعم الأصمعي أنه خطأ، وأن الكميت أخطأ في قوله:
أرعد وأبرق يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر
وزعم أن هذا البيت الذي يرى لمهلهل، مصنوع محدث، وهو قوله:
__________
1 ر: "أن يولية".
2 ر: "صاحب".
3 نسبه المرصفي إلى علقمة بن عبد المازني.
4 ر: "تكفي".
5 عزلان: جمع أعزل, وهو من لا سلاح معه.
(3/222)

أنبضوا معجس القسي وأبرقنا كما ترعد الفحول الفحولا1
وأنه لا يقال إلا "رعد وبرق" إذا أوعد وتهدد، وهو "يرعد ويبرق" وكذا يقال: رعدت السماء وبرقت، وأرعدنا وأبرقنا، إذا دخلنا في الرعد والبرق، قال الشاعر:
فقل لأبي قابوس ماشئت فارعد
وروى غير الأصمعي "أرعد" وأبرق على ضعف.
وقوله: و"البرق اليماني خوان"، يريد والبرق اليماني يخون. وأجود النسب إلى اليمن "يمني" ويجوز "يمان" بتخفيف الياء، وهو حسن، وهو في أكثر الكلام، تكون الألف عوضاً من إحدى الياءين، ويجوز "يماني" فاعلم، تكون الألف زائدة وتشدد الياء، قال العباس بن عبد المطلب:
ضربناهم ضرب الأحامس غدوة ... بكل يماني إذا هز صمما2
__________
1 الإنباض: جذب الونر ليرن, ومعجس القوس: مقبضها, أو موضع السهم منها.
2 الأحامس: جمع أحمس, وهو الشديد الصلب في الدين والقتال.
(3/223)

تولية المهلب لقتال الخوارج وأخباره معهم
ثم إن حارثة تفرق الناس عنه أقام بنهر تيرى، فعبرت إليه الخوارج، فهرب وأصحابه يركض، حتى أتى دجيلاً، فجلس في سفينة، واتبعه جماعة من أصحابه، فكانوا معه، وأتاه رجل من بني تميم وعليه سلاحه، والخوارج وراءه وقد توسط حارثة، فصاح به: يا حارث؛ ليس مثلي ضيع، فقال للملاح: قرب، فقرب إلى جرف، ولا فرضة هناك1.
فطفر2 بسلاحه في السفينة، فساخت بالقوم جميعاً. وأقام ابن الماحوز يجبي كور الأهواز ثلاثة أشهر، ثم وجه الزبير بن علي نحو البصرة، فضج الناس إلى الأحنف، فأتى القباع فقال: أصلح الله الأمير! إن هذا العدو قد غلبنا على سوادنا وفيئنا، فلم يبق إلا أن يحصرنا في بلدنا حتى نموت هزلاً، قال: فسموا رجلاً، فقال الأحنف: الرأي لا يخيل3، ما أرى لها إلا المهلب بن أبي صفرة،
__________
1 الجرف: ماأكله السيل من أسفل شقى الوادي والنهر. والفرضة: ثلمة في النهر يسقى منها.
2 طفر: وثب.
3 لا يخيل: لا يشتبه.
(3/223)

فقال: أو هذا رأي جميع أهل البصرة! اجتمعوا إلي في غد. وجاء الزبير حتى نزل الفرات، وعقد الجسر ليعبر إلى ناحية البصرة، فخرج أكثر أهل البصرة إليه.
وقد اجتمع للخوارج أهل الأهواز وكورها، رغبة ورهبة، فأتاه البصريون في السفن وعلى الدواب ورجالة. فاسودت بهم الأرض، فقال الزبير لما رآهم: أبى قومنا إلا كفراً، فقطع1 الجسر، وأقام الخوارج بالفرات بإزائهم، واجتمع الناس عند القباع، وخافوا الخوارج خوفاً شديداً، وكانوا ثلاث فرق، فسمى قوم المهلب، وسمى قوم مالك بن مسمع، وسمى قوم زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي، فصرفهم، ثم اختبر ما عند مالك وزياد، فوجدهما متثاقلين عن ذلك2، وعاد إليه من أشار بهما وقالوا: قد رجعنا عن رأينا، ما نرى لها إلا المهلب، فوجه الحارث إليه فأتاه، فقال له: يا أبا سعيد، قد ترى ما رهقنا3 من هذا العدو، وقد اجتمع أهل مصرك عليك، وقال الأحنف: يا أبا سعيد، إنا والله ما آثرناك بها ولكنا لم نر من يقوم مقامك. فقال الحارث - وأومأ إلى الأحنف - إن هذا الشيخ لم يسمك إلا إيثاراً للدين، وكل من في مصرك ماد عينه إليك، راج أن يكشف الله عز وجل هذه الغمة بك، فقال المهلب: لا حول ولا قوة إلا بالله، إني عند نفسي لدون ما وصفتم، ولست آبياً ما دعوتم4 إليه، على شروط أشترطها. قال الأحنف: قل، قال: على أن أنتخب من أحببت، قال: ذاك لك، قال: ولي إمرة كل بلد أغلب عليه، قال: وذاك لك، قال: ولي فيء كل بلد أظفر به.
قال الأحنف: ليس ذاك لك ولا لنا، إنما هو فيء المسلمين، فإن سلبتهم إياه كنت عليهم كعدوهم، ولكن لك أن تعطي أصحابك من فيء كل بلد تغلب عليه ما شئت، وتنفق "منه ما شئت5 "على محاربة عدوك، فما فضل عنكم كان للمسلمين. فقال المهلب: فمن لي بذلك? قال الأحنف: نحن وأميرك وجماعة أهل مصرك، قال: قد قبلت.
__________
1 ر: "فقطعوا".
2 ر: "عن ذاك".
3 رهقنا: أتعبنا.
4 س: "مما دعوتم".
5 ساقطة من ر.
(3/224)

فكتبوا بذلك كتاباً ووضع على يدي الصلت بن حريث بن جابر الحنفي، وانتخب المهلب من جميع الأخماس، فبلغت نخبته اثني عشر ألفاً، ونظروا ما في بيت المال، فلم يكن إلا مائتي ألف درهم، فعجزت، فبعث المهلب إلى التجار: إن تجارتكم مذ حول قد كسدت، عليكم بانقطاع مواد الأهواز وفارس عنكم، فهلم بايعوني واخرجوا معي أوفكم إن شاء الله حقوقكم، فتاجروه، فأخذ من المال ما يصلح به عسكره، واتخذ لأصحابه الخفاتين والرانات المحشوة بالصوف.
ثم نهض وأكثر أصحابه رجالة، حتى إذا صار بحذاء القوم أمر بسفن فأحضرت وأصلحت، فما ارتفع النهار حتى فرغ منها، ثم أمر الناس بالعبور إلى الفرات، وأمر عليهم ابنه المغيرة، فخرج الناس، فلما قاربوا الشاطئ خاضت إليهم الخوارج، فحاربهم المغيرة ونضحهم1 بالسهام حتى تنحوا، فصار هو وأصحابه على الشاطئ، فحاربوهم فكشفوهم وشغلوهم، حتى عقد المهلب الجسر، وعبر والخوارج منهزمون، فنهى الناس عن اتباعهم. ففي ذلك يقول شاعر من الأزد:
إن العراق وأهله لم يخروا ... مثل المهلب في الحروب فسلموا
أمضى وأيمن في اللقاء نقيبة ... وأقل تهليلاً إذا ما أحجموا
التهليل: التكذيب2 والانهزام.
وأبلى مع المغيرة يومئذ عطية بن عمرو العنبري، وكان من فرسان بني تميم وشجعانهم، فقال عطية:
يدعى رجال للعطاء وإنما ... يدعى عطية للطعان الأجرد
وقال الشاعر:
وما فارس إلا عطية فوقه ... إذا الحرب أبدت عن نواجذها الفما
به هزم الله الأزارق بعدما ... أباحوا من المصرين حلاً ومحرما
فأقام المهلب أربعين يوماً يجبي الخراج بكور دجلة، والخوارج بنهر تيرى، والزبير بن علي منفرد بعسكره عن عسكر ابن الماحوز، فقضى المهلب التجار
__________
1 نضحهم بالسهام: رماهم بها.
2 قال المرصفي: "التكذيب: مصدر كذب في القتال إذا فر ونكس".
(3/225)

وأعطى أصحابه، فأسرع إليه الناس رغبة في مجاهدة الخوارج، ولما في الغنائم، وللتجارات، فكان فيمن أتاه محمد بن واسع الأزدي وعبد الله بن رياح ومعاوية بن قرة المربي - وكان يقول - يعني معاوية -: لو جاء الديلم من ههنا والحرورية من ههنا لحاربت الحرورية - وأبو عمران الجوني، وكان يقول: كان كعب يقول: قتيل الحرورية يفضل قتيل غيرهم بعشرة أنوار.
ثم نهض المهلب إليهم إلى نهر تيرى، فتنحوا عنه إلى الأهواز، وأقام المهلب يجبي مال حواليه من الكور، وقد دس الجواسيس إلى عسكر الخوارج، فإأتوه بأخبارهم ومن في عسكرهم، فإذا حشوة1؛ ما بين قصار وصباغ وداعر وحداد.
فخطب المهلب الناس، فذكر من هناك، وقال للناس: أمثل هؤلاء يغلبونكم على فيئكم! فلم يزل مقيماً حتى فهمهم وأحكم أمره، وقوى أصحابه، وكثرت الفرسان في عسكره، وتتام إليه زهاء عشرين ألفاً.
ثم مضى يؤم سوق الأهواز، فاستخلف أخاه المعارك بن أبي صفرة على نهر تيرى، وفي مقدمته المغيرة بن المهلب، حتى قاربهم المغيرة، فناوشوه، فانكشف عنه بعض أصحابه، وثبت المغيرة بقية يومه وليلته، يوقد النيران، ثم غاداهم القتال، فإذا القوم قد أوقدوا النيران في ثقلة متاعهم، وارتحلوا عن سوق الأهواز، فدخلها المغيرة، وقد جاءت أوائل خيل المهلب، فأقام بسوق الأهواز، وكتب بذلك إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة كتاباً يقول فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم". أما بعد: فإنا منذ خرجنا نؤم هذا العدو في نعم من الله متصلة علينا، ونقمة من الله متتابعة عليهم، نقدم ويحجمون، ونحل ويرتحلون، إلى أن حللنا سوق الأهواز، والحمد لله رب العالمين، الذي من عنده النصر، وهو العزيز الحكيم.
فكتب إليه الحارث: هنيئاً لك أخا الأزد، الشرف في الدنيا، والذخر في الآخرة، إن شاء الله! فقال المهلب لأصحابه: ما أجفى أهل الحجاز! أما ترونه عرف2 اسمي واسم أبي وكنيتي!
__________
1 حشوة الناس: رذالهم.
2 ر: "يعرف".
(3/226)

وكان المهلب يبث الأحراس في الأمن، كما يبثهم في الخوف، ويذكي العيون في الأمصار، كما يذكيها في الصحارى، ويأمر أصحابه بالتحرز، ويخوفهم البيات1، وإن بعد منهم العدو، ويقول: احذروا أن تكادوا كما تكيدون، ولا تقولوا: هزمنا وغلبنا، فإن القوم خائفون وجعون، والضرورة تفتح باب الحيلة، ثم قام فيهم خطيباً فقال: يا أيها الناس؛ إنكم قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج، وأنهم إن قدروا عليكم فتنوكم في دينكم وسفكوا دماءكم. فقاتلوهم على ما قاتل عليه أولهم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، فقد لقيهم قبلكم الصابر المحتسب مسلم بن عبيس، والعجل المفرط عثمان بن عبيد الله، والمعصي المخالف حارثة بن بدر، فقتلوا جميعاً وقتلوا، فالقوهم بجد وحد، فإنما هم مهنتكم وعبيدكم، وعار عليكم، ونقص في أحسابكم وأديانكم أن يغلبكم هؤلاء على فيئكم، ويطأوا حريمكم.
ثم سار يريدهم، وهم بمناذر الصغرى، فوجه عبيد الله بن بشير بن الماحوز رئيس الخوارج رجلاً، فيهم صالح بن مخراق، إلى نهر تيرى، وبها المعارك بن أبي صفرة، فقتلوه وصلبوه، فنمى الخبر إلى المهلب، فوجه ابنه المغيرة، فدخل نهر تيرى وقد خرج واقد منها، فاستنزله ودفنه، وسكن الناس، واستخلف بها، ورجع إلى أبيه وقد حل بسولاف2، والخوارج بها، فواقعهم، وجعل على بني تميم الحريش بن هلال، فخرج رجل من أصحاب المهلب، يقال له عبد الرحمن الإسكاف، فجعل يحض الناس وهو على فرس له صفراء، فجعل يأتي الميمنة والميسرة والقلب، فيحض الناس ويهون أمر الخوارج، ويختال بين الصفين، فقال رجل من الخوارج لأصحابه: يا معشر المهاجرين، هل لكم في فتكة فيها أريحية?
فحمل جماعة منهم على الإسكاف، فقاتلهم وحده فارساً، ثم كبا به فرسه3، فقاتلهم راجلاً، قائماً وباركاً، ثم كثرت به الجراحات، فذبب بسيفه، وجعل يحثو
__________
1 البيات: الإيقاع بالقوم وهم غارون.
2 سولاف: قرية غربي دجيل.
3 كبا به الفرس: أي عثر.
(3/227)

التراب في وجوههم، والمهلب غير حاضر، ثم قتل رحمه الله، وحضر المهلب فأخبر، فقال للحريش وعطية العنبري: أأسلمتما سيد أهل العسكر، لم تعيناه ولم تستنقذاه، حسداً له، لأنه رجل من الموالي! ووبخهما، وحمل رجل من الخوارج على رجل من أصحابه فقتله، فحمل عليه المهلب فطعنه وقتله، ومال الخوارج بأجمعهم على العسكر، فانهزم الناس، وقتلوا سبعين رجلاً، وثبت المهلب، وأبلى المغيرة يومئذ وعرف مكانه، ويقال: حاص المهلب يومئذ حيصة1. وتقول الأزد: بل كان يرد المنهزمة ويحمي أبارهم، فقال رجل من بني منقر بن عبيد بن الحارث بن كعب بن سعد بن مناة بن تميم:
بسولاف أضعت دماء قومي ... وطرت على مواشكة درور
قوله: مواشكة يريد سريعة، ويقال: نحن على وشك رحيل. ويقال: ذميل مواشك، إذا كان سريعاً، قال ذو الرمة:
إذا ما رمينا رمية في مفازة ... عراقيبها بالشيظمي المواشك2
ودرور، فعول من در الشيء، إذا تتابع.
وقال رجل من بني تميم آخر:
تبعنا الأعور الكذاب طوعاً ... يزجي كل أربعة حمارا3
فيا ندمى على تركي عطائي ... معاينة وأطلبه ضمارا
إذا الرحمن يسر لي قفولاً ... فحرق في قرى سولاف نارا
قوله: الأعور الكذاب، يعني المهلب، ويقال: غارت عينه بسهم كان أصابها. وقال: الكذاب لأن المهلب كان فقيهاً، وكان يعلم ما جاء عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قوله: "كل كذب يكتب كذبا إلا ثلاثة: الكذب في الصلح بين الرجلين، وكذب الرجل لامرأته يعدها، وكذب الرجل في الحرب يتوعد ويتهدد".
وجاء عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنما أنت رجل، فخذل عنا، فإنما الحرب خدعة".
__________
1 حاص حيصة: أي جال جولة يطلب بها الفرار.
2 الشيظمي: الطويل الجسم.
3 يزجى: يسوق.
(3/228)

وقال عليه السلام في حرب الخندق لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ، وهما سيدا الحيين، الخزرج والأوس: "إيتيا بني قريظة، فإن كانوا على العهد فأعلنا بذلك، وإن كانوا قد نقضوا ما بيننا فالحنا لي لحناً أعرفه. ولا تفتا في أعضاد المسلمين". فرجعا بغدر القوم فقالا: يا رسول الله عضل والقرة. قال: فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أبشروا فإن الأمر ما تحبون"
قال الأخفش: سألت المبرد عن قولهما: عضل والقارة فقال: هذان حيان كانا في نهاية العداوة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأرادا في الانحراف عنه والغدر به كهاتين القبيلتين.
قال أبو العباس: فكان المهلب ربما صنع الحديث ليشد به من أمر المسلمين ويضعف من أمر الخوارج. فكان حي من الأزد يقال لهم الندب إذا رأوا المهلب رائحاً إليهم قالوا: قد راح المهلب ليكذب! وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كل الفتى ... لو كنت تصدق ما تقول
فبات المهلب في ألفين، فلما أصبح رجع بعض المنهزمة فصار في أربعة آلاف. فخطب أصحابه فقال: والله ما بكم من قلة، وما ذهب عنكم إلا أهل الجبن الضعف والطمع والطبع، فإن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. فسيروا إلى عدوكم على بركة الله.
فقام إليه الحريش بن هلال فقال: أنشدك الله1 أيها الأمير أن تقاتلهم إلا أن يقاتلوك! فإن بالقوم جراحاً وقد أثخنتهم هذه الجولة.
فقبل منه ومضى المهلب في عشرة، فأشرف على عسكر الخوارج، فلم ير منهم أحداً يتحرك فقال الحريش: ارتحل عن هذا الموضع، فارتحل، فعبر دجيلاً، وصار إلى عاقول2 لا يؤتى إلا من وجه واحد. فأقام به وستراح الناس ثلاثاً، وقال ابن قيس الرقيات:
__________
1 أنشدك الله: أي أذكرك الله.
2 العاقول: الأرض لا يهتدى لها.
(3/229)

ألا طرقت من آل بثنة طارقه1 ... على أنها معشوقة الدل عاشقه
تبيت وأرض السوس بيني وبينها ... وسولاف رستاف حمته الأزارقه
إذا نحن شئنا صادفتنا عصابة ... حرورية أضحت من الدين مارقه
أجازت إلينا العسكرين كليهما ... فباتت لنا دون اللحاف معانقه
وقد ذكرنا الضمار ومعناه الغائب. وأصله من قولك: أضمرت الشيء أي أخفيته عنك، ويقال: مال عين، للحاضر. ومال ضمار، للغائب. قال الأعشى:
ومن تضيع له ذمة ... فيجعلها بعد عين ضمارا
وقال أيضاً:
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د تجفي وتقطع منا الرحم
والفعل من هذا أضمر يضمر، والمفعول به مضمر، والفاعل مضمر، والضمار، اسم للفعل في معنى الإضمار. وأسماء الأفعال تشرك المصادر في معانيها، تقول أعطيته عطاء، فيشر كالعطاء الإعطاء في معناه، ويسمى به المفعول. وتقول: كلمته تكليماً وكلاماً في معناه. والمصدر ينعت به الفاعل في قولك: رجل عدل، ورجل كرم، ورجل نوم، ويوم غم وغيم، وينعت به المفعول في قولك: رجل رضحاً، وهذا درهم ضرب الأمير، وجاءني الخلق، تعني المخلوقين.
وقال رجل من الخوارج في ذلك اليوم:
وكائن تركنا يوم سلاف منهم ... أسارى وقتلى في الجحيم مصيرها
قوله: وكائن معناه كم وأصله كاف التشبيه دخلت على أي فصارتا بمنزلة كم، ونظير ذلك له كذا وكذا درهماً، إنما هي ذا دخلت عليها الكاف. والمعنى له كهذا العدد من الدراهم. فإذا قال له كذا كذا درهماً، فهو كناية عن
__________
1 ر: "بيبة": س: "مية".وما أثبته رواية الأصل.
(3/230)

أحد عشر درهماً إلى تسعة عشر، لأنه ضم العددين. فإذا قال: كذا وكذا، فهو كناية عن أحد وعشرين إلى ما جاز فيه العطف بعده. لكن كثرت كأي فخففت، والتثقيل الأصل، قال الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} 1 {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} 2, وقد قرئ بالتخفيف. كما قال الشاعر:
وكائن رددنا عنكم من مدجج ... يجيء أمامك الألف يردي مقنعاً3
وقال آخر:
وكائن ترى يوم الغميصاء من فتى ... أصيب ولم يجرح وقد كان جارحا4
قال أبو العباس: وهذا أكثر على ألسنتهم، لطلب التخفيف، وذلك الأصل، وبعض العرب يقلب فيقول: كيئ يا فتى. فيؤخر الهمزة لكثرة الاستعمال. قال الشاعر:
وكيئ في بني دودان منهم ... غداة الروع معروفاً كمي
قال أبو العباس: فأقام المهلب في ذلك العاقول ثلاثة أيام ثم ارتحل، والخوارج بسلى وسلبرى.
قال الأخفش: سلى وسلبرى بفتح السين فيهما: موضعان بالأهواز، وسلى بكسر السين موضع بالبادية. وكذا ينشد هذا البيت:
كأن غديرهم بجنوب سلى ... نعام قاق في بلد قفار
فنزل قريباً منهم، فقال ابن الماحوز لأصحابه: ما تنتظرون بعدوكم وقد هزمتموهم بالأمس وكسرتم حدهم? فقال له وافد مولى أبي صفرة: يا أمير المؤمنين، إنما تفرق عنهم أهل الضعف والجبن، وبقي أهل النجدة والقوة, فإن
__________
1 سورة الحج 48.
2 سورة آل عمران 146.
3 يردى: يعدو. والمقنع: المغطى بالسلاح.
4 الغميصاء: موضع بالبادية قرب مكة.
(3/231)

أصبتهم لم يكن ظفراً هنيئاً. لأني أراهم لا يصابون حتى يصيبوا. فإن غلبوا ذهب الدين، فقال أصحابه، نافق وافد، فقال ابن الماحوز: لا تعجلوا على أخيكم. فإنه إنما قال هذا نظراً لكم، ثم توجه الزبير بن علي إلى عسكر المهلب لينظر ما حالهم، فأتاهم في مائتين. فحزرهم ورجع. وأمر المهلب أصحابه بالتحارس. حتى إذا أصبح ركب إليهم على تعبية صحيحة، فالتقوا بسلى وسلبرى فتصافوا. فخرج من الخوارج مائة فارس، فركزوا رماحهم بين الصفين واتكأوا عليها. وأخرج إليهم المهلب عدادهم، ففعلوا مثل ما فعلوا، لا يريمون إلا لصلاة حتى أمسوا، فرجع كل قوم إلى معسكرهم ففعلوا هذا ثلاثة أيام.
ثم إن الخوارج تطاردو لهم في اليوم الثالث، فحمل عليهم هؤلاء الفرسان يجولون ساعة. ثم إن رجلاً من الخوارج حمل على رجل فطعنه فحمل عليه المهلب فطعنه، فحمل الخوارج بأجمعهم، كما صنعوا يوم سولاف، فضعضعوا الناس، وفقد المهلب. وثبت المغيرة في جمع أكثرهم أهل عمان. ثم نجم المهلب1 في مائة فارس، وقد انغمست كفاه في الدماء، وعلى رأسه قلنسوة مربعة فوق المغفر2 محشوة قزاً، وقد تمزقت. وإن حشوها ليتطاير. وهو يلهث. وذلك في وقت الظهر، فلم يزل يحارهم إلى الليل. حتى كثر القتل في الفريقين.
فلما كان الغد غاداهم، وقد كان وجه بالأمس رجلاً من طاحية بن سود بن مالك بن فهم بن الأزد يرد المنهزمين، فمر به عامر بن مسمع فرده. فقال: إن الأمير أذن لي، فبعث إلى المهلب فأعلمه، فقال: دعه فلا حاجة لي في مثله من أهل الجبن والضعف، وقد تفرق أكثر الناس، فغاداهم المهلب في ثلاثة آلاف، وقال لأصحابه: ما بكم من قلة، أيعجز أحدكم أن يرمي رمحه ثم يتقدم فيأخذه، ففعل لك رجل من كندة يقال له عياش، وقال المهلب لأصحابه: أعدوا مخالي فيها حجارة. وارموا بها في وقت الغفلة، فإنها تصد الفارس وتصرع الراجل، ففعلوا. ثم أمر منادياً ينادي في أصحابه. يأمرهم بالجد والصبر، ويطمعهم في العدو. ففعل، حتى مر ببني العدوية، من بني مالك بن حنظلة فضربوه. فدعا
__________
1 نجم: ظهر.
2 المغفر: ما يقي الرأس: وهو حلق يتقنع بها المسلح.
(3/232)

المهلب بسيدهم. وهو معاوية بن عمرو، فجعل يركله1 برجله وهذا معروف في الأزد، فقال: أصلح الله الأمير! أعفني من أم كيسان والركبة تسميها الأزد أم كيسان. ثم حمل المهلب وحملوا. فاقتتلوا قتالاً شديداً. فجهد الخوارج، فنادى مناديهم: ألا إن المهلب قد قتل! فركب المهلب برذوناً قصيراً أشهب، وأقبل يركض بن الصفين، وإن إحدى يديه لفي القباء وما يشعر بها، وهو يصيح: أنا المهلب! فسكن الناس مع العصر، فصاح المهلب بابنه المغيرة: تقدم، ففعل، وصاح بذكوان مولاه، قدم رايتك، ففعل. فقال له رجل من ولده: إنك تغرر بنفسك. فذمره2 ثم صاح: يا بني تميم، أآمركم فتعصونني! فتقدم وتقدم الناس، واجتلدوا أشد جلاد. حتى إذا كان مع المساء قتل ابن الماحوز. وانصرف الخوارج، ولم يشعر المهلب بقتله. فقال لأصحابه: ابغوني رجلاً جلداً يطوف في القتلى، فأشاروا عليه برجل من جرم، وقالوا: إنا لم نر رجلاً قط أشد منه، قطوف ومعه النيرا، فجعل إذا مر بجريح من الخوارج قال: كافر ورب الكعبة! فأجهز عليه، وإذا مر بجريح من المسلمين أمر بسقيه وحمله.
وأقام المهلب في عسكره يأمرهم بالاحتراس، حتى إذا كان نصف الليل وجه رجلاً من اليحمد.
[قال الأخفش: اليحمد من الأزد، والخليل من بطن منهم، يقال لهم الفراهيد. والفرهود في الأصل الحمل. فإن نسبت إلى الحي قلت: "فراهيدي"، وإن نسبت إلى الحملان قلت: "فرهودي" لا غير] .
في عشرة، فصاروا إلى عسكر الخوارج. فإذا القوم قد تحملوا إلى أرجان. فرجع إلى المهلب فأعلمه. فقال: أنا لهم الساعة أشد خوفاً، فاحذروا البيات.
قال أبو العباس: ويروى عن شعبة بن الحجاج أن المهلب قال لأصحابه يوماً: إن هؤلاء الخوارج قد يئسوا من ناحيتكم إلا من جهة البيات. فإن كان ذلك
__________
1 الركل: الرفس بالرجل.
2 فذمره: حضه.
(3/233)

فاجعلوا شعاركم حم لا ينصرون. فإن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمر بها ويروى أنه كان شعار أصحاب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
فلما أصبح المهلب غدا على القتلى، فأصاب ابن الماحوز فيهم.
ففي ذلك يقول رجل من الخوارج:
بسلى وسلبرى مصارع فتية ... كرام وجرحى لم توسد خدودها
وقال آخر:
بسلى وسلبرى مصارع فتية ... كرام وعقرى من كميت ومن ورد1
وقال رجل من موالي المهلب: لقد صرعت بحجر واحد ثلاثة. رميت به رجلاً فأصبت أصل أذنه فصرعته، ثم أخذت الحجر فضربت به آخر على هامته فصرعته، ثم صرعت به ثالثاً.
وقال رجل من الخوارج:
أتانا بأحجار ليقتلنا بها ... وهل تقتل الأبطال ويحك، بالحجر!
وقال رجل من أصحاب المهلب في يوم سلى وسلبرى وقتل ابن الماحوز:
ويوم سلى وسلبرى أحاط بهم ... منا صواعق ما تبقي ولا تذرد
حتى تركنا عبيد الله منجدلاً ... كما تجدل جذع مال منقعر
قال أبو العباس: تقول العرب: صاعقة وصواعق. وهو مذهب أهل الحجاز، وبه نزل القرآن، وبنو تميم يقولون: صاقعة وصواقع.
والمنقعر: المنقلع من أصله. قال الله أصدق القائلين: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر} 2.
__________
1 نسبه ابن بري إلى أبي المقدام بيهس بن صهيب بن عامر الجرمي, وهو فارس شاعر كان مع المهلب في هذه الحرب, وله مواقف مشهورة وبلاء حسن. وعقري: جمع عقير, بمعنى معقور, من عقر الفرس, إذا قطع قوائمه. "رغبة الأمل".
2 سورة القمر 20.
(3/234)

ويورى أن رجلاً من الخوراج يوم سلى حمل على رجل من أصحاب المهلب فطعنه، فلما خالطه الرمح صاح: يا أمتاه! فصاح به المهلب: لا كثر الله بمثلك المسلمين! فضحك الخارجي وقال:
أمك خير لك مني صاحبا ... تسقيك محضاً وتعل رائبا
وكان المغيرة بن المهلب إذا نظر إلى الرماح قد تشاجرت في وجهه نكس على قربوس سرجه، وحمل من تحتها فبراها بسيفه، وأثر في أصحابها، حتى تخرمت الميمنة من أجله. وكان أشد ما تكون الحرب أشد ما يكون تبسماً، فكان المهلب يقول: ما شهد معي حرباً قط إلا رأيت البشر في وجهه.
وقال رجل من الخوارج في هذا اليوم:
فإن تلك قتلى يوم سلى تتابعت ... فكم غادرت أسيافنا من قماقم! 1
غداة نكر المشرفية فيهم ... بسولاف يوم المأزق المتلاحم
المأزق: هو يوم تضايق الحرب. والمتلاحم: نعت له. والمشرفية: السيوف. نسبت إلى المشارف من أرض الشام، وهو الموضع الملقب موته الذي قتل به جعفر بن أبي طالب وأصحابه.
[قال الأخفش: كان المبرد لا يهمز "مؤتة". ولم أسمعها من علمائنا إلا بالهمز] .
قال أبو العباس: فكتب المهلب إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة القباع.
__________
1 القماقم: السيد الكثير الخير الواسع الفضل.
(3/235)

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنا لقينا لأزارقة المارقة بحد وجد، فكانت في الناس جولة، ثم ثاب أهل الحفاظ والصبر، بنيات صادقة، وأبدان شداد، وسيوف حداد. فأعقب الله خير عاقبة، وجاوز بالنعمة مقدار الأمل، فصاروا درئة رماحنا، وضرائب سيوفنا1. وقتل الله أميرهم ابن الماحوز، ارجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها، والسلام.
وكتب إليه أهل البصرة يهنئونه، ولم يكتب إليه الأحنف، ولكن قال: اقرأوا عليه السلام، وقولوا له: أنا لك على ما فارقتك عليه. فلم يزل يقرأ الكتب ويلتمس في أضعافها كتاب الأحنف. فلما لم يره قال لأصحابه: أما كتب إلينا? فقال له الرسول: حملني إليك رسالة، وأبلغه. فقال: هذه أحب إلي من هذه الكتب.
واجتمعت الخوارج بأرجان، فبايعوا الزبير بن علي، وهو من بني سليط بن يربوع. من رهط ابن الماحوز. فرأى فيهم انكساراً شديداً وضعفاً بيناً. فقال لهم: اجتمعوا. فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أقبل عليهم فقال: إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر، وهو على الكافرين عقوبة وخزي، وإن يصب منكم أمير المؤمنين فما صار إليه خير مما خلف. وقد أصبتم فيهم2 مسلم بن عبيس وربيعاً الأجذم والحجاج بن باب وحارثة بن بدر. وأشجيتم المهلب. وقتلتم
__________
1 الدرئة: الحلقة يتعلم فيها الرمي والطعن, والضرائب جمع ضريبة. وهي كل ما ضربت بسيفك.
2 ر: "منهم".
(3/236)

أخاه المعارك، والله يقول لإخوانكم من المؤمنين: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} 1، فيوم سلى كان لكم بلاء وتمحيصاً، ويوم سولاف كان لهم عقوبة ونكالاً. فلا تغلبن على الشكر في حينه، والصبر في وقته، وثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض، والعاقبة للمتقين.
ثم تحمل لمحاربة المهلب، فنفحهم2 المهلب نفحة، فرجعوا. فأكمن للمهلب في غمض من غموض الأرض3، يقرب من عسكره، مائة فارس ليغتالوه. فسار المهلب يوماً يطوف بعسكره ويتفقد سواده، فوقف على جبل فقال: إن من التدبير لهذه المارقة أن تكون قد أكمنت في سفح هذا الجبل كميناً. فبعث عشرة فوارس، فاطلعوا على المائة. فلما علموا أنهم قد علموا بهم قطعوا القنطرة ونجوا، وكسفت الشمس، فصاحوا بهم: يا أعداء الله! لو قامت القيامة لجددنا في جهادكم. ثم يئس الزبير من ناحية المهلب، فضرب إلى ناحية أصبهان، ثم كر راجعاً إلى أرجان، وقد جمع جموعاً. وكان المهلب يقول: كأني بالزبير وقد جمع جموعاً، فلا ترهبوهم فتخبث قلوبكم، ولا تغفلوا الاحتراس فيطمعوا فيكم. فجاءوه من أرجان فألفوه مستعداً آخذاً بأفواه الطرق، فحاربوه فظهر عليهم ظهوراً بيناً. ففي ذلك يقول رجل من بني تميم، أحسبه من بني رياح بن يربوع:
سقى الله المهلب كل غيث ... من الوسمي ينتحر انتحارا4
فما وهن المهلب يوم جاءت ... عوابس خيلهم تبغي الغوارا
وقال المهلب يومئذ: ما وقعت في أمر ضيق من الحرب إلا رأيت أمامي رجالاً من بني الهجيم بن عمرو بن تميم يجالدون، وكأن لحاهم أذناب العقاعق5. وكانوا صبروا معه في غير موطن.
__________
1 سورة ىل عمران 140.
2 فنفحهم: دفعهم.
3 الغموض: جمع غمض, وهو المطمئن من الأرض.
4 ينتحر انتحارا, كذا تقول العرب للسحاب إذا أنبعق بماء كثير, قال الراعي:
فمر على منازلهم وألقى ... بها الأثقال وانتحر انتحارا
5 العقاعق: جمع عقعق, وهو طائر ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب.
(3/237)

وقال رجل من بني تميم، من بني عبشمس بن سعد:
ألا يا من لصب مستحن1 ... قريح القلب قد صحب المزونا
لهان على المهلب ما لقينا ... إذا ما راح مسروراً بطينا
يجر السابري ونحن شعث ... كأن جلودنا كسيت طحينا2
المزون: عمان. وهو اسم من أسمائها، قال الكميت:
فأما الأزد أزد أبي سعيد ... فأكره أن أسميها المزونا
وقال جرير:
واطفأت نيران المزن وأهلها ... وقد حاولوها فتنة أن تسعرا
وحمل يومئذ الحريش بن هلال على قيس الإكاف، وكان قيس من أنجد فرسان الخوارج، فطعنه فدق صلبه. وقال:
قيس الإكاف غداة الروع يعلمني ... ثبت المقام إذا لاقيت أقراني
وقد كان فل المهلب يوم سلى وسلبرى صاروا إلى البصرة. ذكروا أن المهلب أصيب، فهم أهل البصرة بالنقلة إلى البادية، حتى ورد كتابه بظفره. فأقام الناس، وتراجع من كان ذهب منهم. فعند ذلك يقول الأحنف بن قيس: البصرة بصرة المهلب. وقدم رجل من كندة يقال له فلان بن أرقم، فنعى ابن عم له، وقال: رأيت رجلاً من الخوارج وقد مكن رمحه من صلبه. فقدم المنعي، فقيل له ذلك. فقال: صدق ابن أرقم، لما أحسسن برمحه بين كتفي صحت: البقية! فرفعه عني، وتلا: {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 3.
__________
1 مستحسن: من الحنين.
2 الثوب السابري: الرقيق.
3 سورة هود 86.
(3/238)

ووجه المهلب بعقب هذه الوقعة رجلاً من الأزد، برأي عبيد الله بن بشير بن الماحو إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة القباع. فلما صار بكربج1 دينار لقيه حبيب وعبد الملك وعلي، بنو بشير بن الماحوز، فقالوا له: ما الخبر? ولا يعرفهم. فقال: قتل الله المارق ابن الماحوز، وهذا رأسه معي. فوثبوا عليه فقتلوه وصلبوه ودفنوا الرأس، فلما ولي الحجاج دخل عليه علي بن بشير، وكان وسيماً جسيماً، فقال: من هذا? فخبر فقتله. ووهب ابنه الأزهر وابنته لأهل الأزدي المقتول، وكانت زين بنت بشير لهم مواصلة، فوهبوهما لها.
__________
1 موضع قريب من الأهواز.
(3/239)

توليه مصعب بن الزبير على البصرة واستقدامه للمهلب
فلم يزل المهلب يقاتل الخوارج في ولاية الحارث القباع، حتى عزل الحارث وولي مصعب بن الزبير، فكتب إليه أن أقدم علي، واستخلف ابنك المغيرة، ففعل، فجمع الناس فقال لهم: إني قد استخلفت عليكم المغيرة، وهو أبو صغيركم رقة ورحمة، وابن كبيركم طاعة وبراً وتبجيلاً، وأخو مثله مواساة ومناصحة، فلتحسن له طاعتكم، وليلن له جانبكم، فوالله ما أردت صواباً قط إلاسبقني إليه. ثم مضى إلى مصعب. وكتب مصعب إلى المغيرة بولايته. وكتب إليه: إنك لم تكن كأبيك، فإنك كاف لما وليتك، فشمر واتزر وجد واجتهد.
ثم شخص المصعب إلى المذار1 فقتل أحمر بن شميط، ثم أتى الكوفة فقتل المختار بن أبي عبيد. وقال للمهلب: أشر علي برجل أجعله بيني وبين عبد الملك فقال: أذكر لك واحداً من ثلاثة: محمد بن عمير بن عطارد الدارمي. أو زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي. أو داود بن قحذم. فقال: أو تكفيني? قال: أكفيك إن شاء الله. فولاه الموصل. فشخص المهلب إليها.
__________
1 المذار: بلد في ميسان بين واسط والبصرة, وهي قصبة ميسان بينها وبين البصرة اربعة ايام.
(3/239)

مشاورة مصعب الناس فيمن يكفيه أمر الخوارج
وصار مصعب إلى البصرة، فسأل: من يستكفي أمر الخوارج وفد إلى أخيه? فشاور الناس، فقال قوم: ول عبيد الله بن أبي بكرة. وقال قوم: ول عمر بن عبيد الله بن معمر. وقال قوم: ليس لهم إلا المهلب فاردده إليهم.
وبلغت المشورة الخوارج. فأداروا الأمر بينهم، فقال قطري بن الفجاءة المازني: إن جاءكم عبيد الله بن أبي بكرة، أتاكم سيد سمح جواد كريم مضيع لعسكره؛ وإن جاءكم عمر بن عبيد الله بن معمر أتاكم شجاع بطل فارس جاد، يقاتل لدينه وملكه، وبطبيعة لم أر مثلها لأحد، فقد شهدته في وقائع فما نودي في القوم لحرب إلا كان أول فارس يطلع حتى يشد على قرنه فيضربه؛ وإن رد المهلب فهو من قد عرفتموه، إن أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الآخر، يمده إذا أرسلتموه، ويرسله إذا مددتموه لا يبدأكم إلا أن تبدأوه، إلا أن يرى فرصة فينتهزها، فهو الليث المبر1 والثعلب الرواغ، والبلاء المقيم.
فولى عليهم عمر بن عبيد الله. وولاه فارس، والخوارج بأرجان، وعليهم الزبير بن علي السليطي. فشخص إليهم فقاتلهم، وألح عليهم حتى أخرجهم عنها فألحقهم بأصبهان فلما بلغ المهلب أن مصعباً ولى عمر بن عبيد الله قال: رماهم بفارس العرب وفتاها.
فجمعوا له وأعدوا واستعدوا، ثم أتوا سابور، فسار إليهم حتى نزل منهم على أربعة فراسخ. فقال له مالك بن حسان الأزدي: إن المهلب كان يذكي العيون، ويخاف البيات، ويرتقب الغفلة، وهو على أبعد من هذه المسافة منهم، فقال له عمر: اسكت خلع الله قلبك! أتراك تموت قبل أجلك! فأقام هناك. فلما كان ذات ليلة بيته الخوارج، فخرج إليهم فحاربهم حتى أصبح، فلم يظفروا منه بشيء. فأقبل على مالك بن حسان فقال: كيف رأيت? قال: قد سلم الله عز وجل، ولم
__________
1 المبر: الغالب.
(3/240)

يكونوا يطمعون من المهلب مثلها. فقال: أما إنكم لو ناصحتموني مناصحتكم المهلب لرجوت أن أنفي هذا لعدو، ولكنكم تقولون: قرشي حجازي بعيد الدار، خيره لغيرنا، فتقاتلون معي تعذيراً.
ثم زحف الخوارج من غد ذلك اليوم، فقاتلهم قتالاً شديداً، حتى ألجأهم إلى قنطرة. فكاثف الناس عليها حتى سقطت، فأقام حتى أصلحها، ثم عبروا، وتقدم ابنه عبيد الله بن عمر - وأمه من بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب - فقاتلهم حتى قتل فقال قطري: لا تقاتلوا عمر اليوم فإنه موتور. ولم يعلم عمر بقتل ابنه؛ حتى أفضى إلى القوم، وكان مع ابنه النعمان بن عباد، فصاح به: يا نعما، أين ابني? فقال: احسبه "أيها الأمير"1 فقد استشهد رحمه الله صابراً مقبلاً غير مدبر، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم حمل على الناس حملة لم ير مثلها. وحمل أصحابه بحملته، فقتلوا في وجههم ذلك تسعين رجلاً من الخوارج، فلما استقروا قال لهم قطري: أما أشرت عليكم بالانصراف! فجعلوه وجوههم حتى خرجوا من فارس.
وتلقاهم في ذلك الوقت الفرز بن مهزم العبدي فسألوه عن خبره، وأراد قتله، فأقبل على قطري فقال: إني مؤمن مهاجر. فسأله عن أقاويلهم، فأجاب إليها، فخلوا عنه، ففي ذلك يقول في كلمة له:
وشدوا وثاقي ثم ألجوا خصومتي2 ... إلى قطري ذي الجبين المفلق
وحاججتهم في دينهم وحججتهم3 ... وما دينهم غير الهوى والتخلق
ثم إنهم تراجعوا وتكانفوا.
__________
1 ساقط من ر.
2 ألجوا: أصله ألجئوا.
3 حاججتهم: نازعتهم.
(3/241)

قال الأخفش: تكانفوا أعان بعضهم بعضاً واجتمعوا وصار بعضهم في كنف بعض.
وعادوا إلى ناحية أرجان، فسار إليهم عمر، وكتب إلى مصعب: أما بعد، فإني قد لقيت الأزارقة. فرزق الله عبيد الله بن عمر الشهادة، ووهب له السعادة. ورزقنا عليهم الظفر. فتفرقوا شذر مذر، وبلغتني عنهم عودة، فيممتهم، وبالله أستعين وعليه أتوكل.
فسار إليهم ومعه عطية بن عمرو ومجاعة بن سعيد، فالتقوا، فألح عليهم حتى أخرجهم. وانفرد عمر1 من أصحابه. فعمد له أربعة عشر رجلاً منهم، من مذكوريهم وشجعانهم وفي يده عمود، فجعل لا يضرب رجلاً منهم ضرة إلا صرعه. فركض إليه قطري على فرس طمرة2. وعمر على مهر فاستعلاه قطري بقة فرسه حتى كاد يصرعه، فبصر به مجاعة فأسرع إليه، فصاحت الخوارج بقطري: يا أبا نعامة! إن عدو الله قد رهقك فانحط قطري عن قربوسه. فطعنه مجاعة، وعلى قطري درعان فهتكهما، وأسرع السنان في رأس قطري، فكشط عنه جلده ونجا.
ارتحل القوم إلى أصبهان فأقاموا بها3 برهة، ثم رجعوا إلى الأهواز، وقد ارتحل عمر بن عبيد الله إلى إصطخر، فأمر مجاعة فجبى الخراج أسبوعاً، فقال له4: كم جبيت? قال: تسعمائة ألف. فقال: هي لك. فقال يزيد بن الحكم الثقفي لمجاعة:
ودعاك دعوة مرهق فأجبته5 ... عمر وقد نسي الحياة وضاعا
فرججت عادية الكتيبة عن فتى6 ... قد كاد يترك لحمه أوزاعا7
__________
1 ساقط من ر.
2 ر: "طمر". والطمرة: الطويلة الخفيفة القوائم.
3 ساقطة من ر.
4 ساقطة من ر.
5 المرهق: الذي ادرك ليقتل.
6 العادية: الخيل تعدو.
7 أوزاعا: قطعا.
(3/242)

وعزل مصعب بن الزبير وولي حمزة بن عبد الله بن الزبير، فوجه المهلب إليهم، فحاربهم فأخرجهم عن الأهواز، ثم رد مصعب والمهلب بالبصرة، والخوارج بأطراف أصبهان والوالي عليها عتاب بن ورقاء الرياحي، فأقام الخوارج هناك شيئاً يجبون القرى. ثم أقبلوا إلى الأهواز من ناحية فارس، فكتب مصعب إلى عمر بن عبيد الله: ما أنصفتنا، أقمت بفارس تجبي الخراج ومثل هذا العدو يحاربك! والله لو قاتلت ثم هربت لكان أعذر لك، وخرج مصعب من البصرة يريدهم. وأقبل عمر بن عبيد الله يريدهم. فتنحى الخوارج إلى السوس، ثم أتوا المدائن، فقتلوا أحمر طيئ، وكان شجاعاً، وكان من فرسان عبيد الله بن الحر، ففي ذلك يقول الشاعر:
تركتم فتى الفتيان أحمر طيئ ... بساباط لم يعطف عليه خليل
ثم خرجوا عامدين إلى الكوفة، فلما خالطوا سوادها، وواليها الحارث بن عبد الله القباع فتثاقل عن الخروج وكان جباناً. فذمره1 إبراهيم بن الأشتر، ولامه الناس، فخرج متحاملاً حتى أتى النخيلة، ففي ذلك يقول الشاعر:
إن القباع سار سيرا نكرا ... يسير يوماً ويقيم شهرا
وجعل يعد الناس بالخروج ولا يخرج. والخوارج يفشون2، حتى أخذوا امرأة فقتلوا أباها بين يديها. وكانت جميلة، ثما أرادوا قتلها، فقالت: أتقتلون من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين! فقال قائل منهم: دعوها. فقالوا: قد فتنتك، ثم قدموها فقتلوها، ثم قربوا أخرى، وهم بحذاء القباع والجسر معقود بينهما، فقطعه القباع، وهو في ستة آلاف، والمرأة تستغيث به وهي تقول3: علام تقتلونني? فوالله ما فسقت ولا كفرت ولا ارتددت! والناس يتفلتون إلى الخوارج، والقباع يمنعهم، فلما خاف أن يعصوه أمر عند ذلك بقطع الجسر، فأقام بين دباها ودبيرى4 خمسة أيام، والخوارج بقربه، وهو يقول للناس في كل يوم: إذا لقيتم العدو غداً فأثبتوا أقدامكم واصبروا، فإن أول الحرب الترامي، ثم إشراع الرماح،
__________
1 الذمر: الحض.
2 ر: "يعيثون".س: يعبثون.
3 ر: "وتقول".
4 دباها ودبيري: قربتان من قرى بغداد.
(3/243)

ثم السلة1، فثكلت رجلاً أمه فر من الزحف! فقال بعضهم لما أكثر عليهم: أما الصفة فقد سمعناها، فمتى يقع الفعل? وقال الراجز:
إن القباع سار سيرا ملسا ... بين دباها ودبيرى خمساً2
فأخذ الخوارج حاجتهم، وكان شأن القباع التحصن منهم، ثم انصرفوا ورجع إلى الكوفة، وصاروا من فورهم إلى أصبهان، فبعث عتاب بن ورقاء إلى الزبير بن علي: أنا ابن عمك، ولست أراك تقصد في انصرافك من كل حرب غيري. فبعث إليه الزبير: إن أدنى الفاسقين وأبعدهم في الحق3 سواء.
وإنما سمي الحارث بن عبيد الله بن أبي ربيعة القباع، لأنه ولي البصرة فعير على الناس مكاييلهم، فنظر إلى مكيال صغير في مرآة العين وقد أحاط بدقيق استكثره، فقال: إن مكيالكم هذا لقباع. والقباع الذي يخفي أو يخفى ما فيه، يقال: انقبع الرجل، إذا استتر، ويقال للقنفذ القبع، وذلك أنه يخنس رأسه.
قال أبو العباس: وأقام الخوارج يغادون عتاب بن ورقاء القتال ويراوحونه، حتى طال عليهم المقام، ولم يظفروا منه بكبير، فلما كثر ذلك عليهم انصرفوا، لا يمرون بقرية بين أصبهان والأهواز إلا استباحوها وقتلوا من فيها.
وشاور المصعب الناس فيهم4، فاجتمع5 رأيهم على المهلب، فبلغ الخوارج مشاورته6، فقال لهم القطري: إن جاءكم عتاب بن ورقاء فهو فاتك يطلع في أول المقنب7 ولا يظفر بكبير، وإن جاءكم عمر بن عبيد الله ففارس يقدم، فإما له وإما عليه، وإن جاءكم المهلب فرجل لا يناجزكم حتى تناجزوه، ويأخذ منكم ولا يعطيكم، فهو البلاء اللازم، والمكروه الدائم.
وعزم المصعب على توجيه المهلب، وأن يشخص هو لحرب عبد الملك، فلما أحس به الزبير بن علي خرج إلى الري، وبها يزيد بن الحارث بن رؤيم. فحاربه
__________
1 السلة: استلال السيوف.
2 الملس: السير الشد.
3: "من الحق".
4 ساقطة من ر.
5 ر: "فأجتمع".
6 ر: "مشورته"
7 المقنب: جماعة الخيل.
(3/244)

ثم حصره. فلما طال عليه الحصار خرج إليه، فكان الظفر للخوارج، فقتل يزيد بن رؤيم، ونادى يومئذ ابنه حوشباً ففر عنه وعن أمه لطيفة، وكان علي بن أبي طالب عليه السلام دخل على الحارث بن رؤيم يعود ابنه يزيد، فقال له: عندي جارية لطيفة الخدمة أبعث بها إليك، فسماها يزيد لطيفة، فقتلت معه يومئذ. وفي ذلك يقول الشاعر:
مواقفنا في كل يوم كريهة ... أسر وأشفى من مواقف حوشب
دعاه يزيد والرماح شوارع ... فلم يستجب بل راغ ترواغ ثعلب
ولو كان شهم النفس أو ذا حفيظة ... رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب
وقد مر خبر عيسى بن مصعب مستقصى. وقال آخر:
نجى حليلته وأسلم شيخه ... نضب الأسنة حوشب بن يزيد
وقال ابن حوشب لبلال بن أبي بردة يعيره بأمه، وبلال مشدود عند يوسف ابن عمر: يا ابن حوراء. فقال بلال وكان جلداً: إن الأمة تسمى حوراء وجيداء ولطيفة.
وزعم الكلبي أن بلالاً كان جلداً حين ابتلي1 قال الكلبي:
ويعجبني أن أرى الأسير جلداً قال وقال خالد بن صفوان له بحضرة يوسف بن عمر: الحمد لله الذي أزال سلطانك وهد ركنك، وغير حالك، فوالله لقد كنت شديد الحجاب، مستخفاً بالشريف، مظهراً للعصبية فقال له بلال: إنما طال لسانك يا خالد لثلاث معك هن علي: الأمر عليك مقبل وهو عني مدبر، وأنت مطلق وأنا مأسور، وأنت في طينتك وأنا في هذا البلد غريب. وإنما جرى إلى هذا، لأنه يقال إن أصل آل الأهتم من الحيرة، وإنهم أشابة2 دخلت في بني منقر من الروم.
ثم انحط الزبير بن علي على أصبهان، فحصر بها عتاب بن ورقاء الرياحي سبعة أشهر، وعتاب يحاربه في بعضهن. فلما طال به الحصار قال لأصحابه: ما تنتظرون? والله ما تؤتون من قلة، وإنكم لفرسان عشائركم، ولقد حاربتموهم
__________
1 ر: "حيث ابتلي".
2 الأشابة: الأخلاط من الناس ليس أصلهم واحدا. كالأوباش والاوشاب قاله المرصفي.
(3/245)

مراراً فانتصفتم منهم، وما بقي مع هذا الحصار إلا أن تفنى ذخائركم فيموت أحدكم فيدفنه أخوه، ثم يموت أخوه فلا يجد من يدفنه، فقاتلوا القوم وبكم قوة، من قبل أن يضعف أحدكم عن أن يمشي إلى قرنه. فلما أصبح الغد، صلى بهم الصبح، ثم خرج بهم1 إلى الخوارج وهم غارون، وقد نصب لواء لجارية له يقال لها ياسمين، فقال: من أراد البقاء فليلحق بلواء ياسمين، ومن أراد الجهاد فليخرج معي. فخرج في ألفين وسبعمائة فارس، فلم يشعر بهم الخوارج حتى غشوهم، فقاتلوا بجد لم ير الخوارج منهم مثله، فعقروا منهم خلقاً كثيراً وقتلوا الزبير بن علي، وانهزمت الخوارج، فلم يتبعهم عتاب. ففي ذلك يقول الشاعر:
ويوم بجي تلافيته ... ولولاك لاصطلم العسكر2
- قال أبو العباس: نفسر قول: ولولاك في آخر هذا الخبر إن شاء الله - وقال رجل من بني ضبة في تلك الوقعة:
خرجت من المدينة مستميتاً ... ولم أك في كتيبة ياسمينا
أليس من الفضائل أن قومي ... عدوا مستلمين مجاهدينا
وتزعم الرواة أنهم في أيام حصارهم كانوا يتواقفون، ويحمل بعضهم على بعض، وربما كانت مواقفة لغير حرب3، وربما اشتدت الحرب بينهم. وكان رجل من أصحاب عتاب يقال له شريح، ويكنى أبا هريرة، إذا تحاجز القوم مع المساء نادى بالخوارج وبالزبير بن علي:
يا ابن أبي الماحور والأشرار ... كيف ترون يا كلاب النار!
شد أبي هريرة الهرار ... يهركم بالليل والنهار4
ألم تروا جياً على المضمار ... تمسي من الرحمن في جوار5
__________
1 ساقطة من ر.
2 الصلم في الاصل. قطع الاذن.
3 ر: "بغير حرب".
4 أصل الهرير في الكلب والذئب, إذا كشر كل منهما عن نابه, واستعمل في الرجل تجاوزا.
5 المضمار: الغاية.
(3/246)

فغاظهم ذلك منه، فكمن له عبيدة بن هلال فضربه، واحتمله أصحابه، فظنت الخوارج أنه قد قتل، فكانوا إذا توافقوا نادوهم: ما فعل الهرار? فيقولون: ما به من بأس، حتى أبل من علته، فخرج إليهم فصاح: يا أعداء الله، أترون بي بأساً! فصاحوا به: قد كنا نرى أنك لحقت بأمك الهاوية، في النار الحامية.
قال أبو العباس: نفسر أشياء من العربية تحتاج إلى الشرح. من ذلك قوله: ولولاك، ومنه قوله: ألم تروا جياً ومنه قوله: يهركم بالليل والنهار.
أما قوله: لولاك فإن سيبويه يزعم أن لولا تخفض المضمر ويرتفع بعدها الظاهر بالإبتداء. فيقال: إذا قلت لولاك، فما الدليل على أن الكاف مخفوضة دون أن تكون منصوبة، وضمير النصب كضمير الخفض? فتقول: إنك تقول لنفسك: لولاي، ولو كانت منصوبة لكانت النون قبل الياء، كقولك: رماني وأعطاني، قال يزيد بن الحكم الثقفي:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي1
النيق: أعلى الجبل، وجزم الإنسان خلقه.
فيقال له: الضمير في موضع ظاهره، فكيف يكون مختلفاً? وإن كان هذا جائزاً فلم لا يكون في الفعل وما أشبهه، نحو إن وما كان معها في الباب? وزعم الأخفش سعيد أن ضمير مرفوع، ولكن وافق ضمير الخفض، كما يستوي الخفض والنصب، فيقال: فهل هذا في غير هذا الموضع? قال أبو العباس: والذي أقوله أن هذا خطأ لا يصلح، إلا أن تقول: لولا أنت، كما قال عز وجل: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} 2. ومن خالفنا "فهو لا بد"3 يزعم أن الذي قلناه أجود، ويدعي الوجه الآخر فيجيزه على بعده.
وأما جي فالأجود فيها أن تقول:
ألم تروا جي على المضمار
فلا تنون، لأنها مدينة، والاسم أعجمي، والمؤنث إذا سمي باسم أعجمي على ثلاثة أحرف ينصرف إذا كان مؤنثاً، وإن كان أوسطه سكاناً، نحو جور وحمص وماه4. وما كن مثل ذلك، ولو كان اسماً لمذكر لانصرف، فإن صرفته
__________
1 منهوي: ساقط.
2 سورة سبأ 31.
3 ساقط من ر.
4 ساقطة من ر.
(3/247)

جعلته اسماً لبلد، وإن لم تصرفه جعلته اسماً لبلدة أو لمدينة، ألا ترى أنك تصرف نوحاً ولوطاً، وهما أعجميان? وكذلك لو كان على ثلاثة أحرف كلها متحرك، لأنك تصرف قدماً لو سميت بها1 رجلاً، فالأعجمي بمنزلة المؤنث، لأن امتناعها واحد.
وأما قوله: يهركم فإن كل ما كان من المضاعف على ثلاثة أحرف وكان متعدياً، فإن المضارع منه على يفعل، نحو شده يشده، وزره يزره، ورده يرده، وحله يحله وجاء منه حرفان على يفعل، ويفعل، فيهما جيد: هره يهره، إذا كرهه، يهره أجود، وعله بالحناء يعله، ويعله أجود. ومن قال: حبته قال: يحبه لا غيره. وقرأ أبو رجاء العطاردي: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 2. وذلك أن بني تميم تدغم في موضع الجزم، وتحرك أواخره لالتقاء الساكنين.
__________
1 ر: "به".
2 سورة آل عمران 31.وهي قراءة شاذة. وقرأها الأربعة عشر: "يحببكم" بفك الإدغام.
(3/248)

ولاية قطري بن الفجاءة على الخوارج ومبايعتهم له
رجع الحديث: قال أبو العباس: ثم إن الخوارج أداروا أمرهم بينهم، فأرادوا تولية عبيد بن هلال، فقال: أدلكم على من هو خير مني! من يطاعن في قبل، ويحمي في دبر، عليكم قطري بن الفجاءة المازني. فبايعوه، فوقف بهم فقالوا: يا أمير المؤمنين، أمض بنا إلى فارس، فقال: إن بفارس عمر بن عبيد الله بن معمر، لكن نصير إلى الأهواز، فإن خرج مصعب بن الزبير من البصرة دخلناها. فأوا الأهواز، ثم ترفعوا عنها إلى إيذج1 وكان المصعب2 قد عزم على الخروج إلى باجميرا3، فقال لأصحابه: إن قطرياً قد أطل علينا، وإن خرجنا عن البصرة دخلها، فبعث إلى المهلب فقال: اكفنا هذا العدو، فخرج إليهم المهلب، فلما أحس به القطري، يمم4 كرمان، فأقام المهلب بالأهواز، ثم كر قطري عليه وقد استعد، فكان الخوارج في جميع حالاتهم أحسن عدة ممن يقاتلهم بكثرة السلاح، وكثرة الدواب، وحصانة الجنن، فحاربهم المهلب، فنفاهم إلى رام هرمز.
وكان الحارث بن عميرة الهمداني قد صار إلى المهلب مراغماً لعتاب بن ورقاء، يقال إنه لم يرضه عن قتله الزبير بن علي، وكان الحارث بن عميرة هو الذي تولى قتله وحاص إليه أصحابه، ففي ذلك يقول أعشى همدان:
__________
1 إيذج: بالمد بين خوزستان واصبهان.
2 ر: "مصعب".
3 باجميرا: بلد دون تكريت.
4 ر: "تبسم".
(3/248)

إن المكارم أكملت أسبابها ... لابن الليوث الغر من قحطان
لفارس الحامي الحقيقة معلماً ... زاد الرفاق إلى قرى نجران1
الحارث بن عميرة الليث الذي ... يحمي العراق إلى قرى كرمان
ود الأزارق لو يصاب بطعنة ... ويموت من فرسانهم مائتان
وتأويله: أن الرفقة إذا صحبها أغناها عن التزود، كما قال جرير وأراد ابن له سفراً، وفي ذلك السفر يحيى بن أبي حفصة، فقال لأبيه: زودني فقال جرير:
أزاداً سوى يحيى تريد وصاحباً ... ألا إن يحيى نعم زاد المسافر
فما تنكر الكوماء ضربة سيفه ... إذا أرملوا أو خف ما في الغرائر2
وقوله: ويموت من فرسانهم يكون على وجهين: مرفوعاً ومنصوباً، فالرفع على العطف، ويدخل في التمني. والنصب على الشرط والخروج من العطف، وفي مصحف ابن مسعود: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} والقراءة {فَيُدْهِنُونَ} 3 على العطف. وفي الكلام: ود لو تأتيه فتحدثه، وإن شئت نصبت الثاني.
قال أبو العباس: وخرج مصعب بن الزبير إلى باجميراء، ثم أتى الخوارج خبر مقتله بمسكن، ولم يأت المهلب وأصحابه، فتواقفوا يوماً على الخندق، فناداهم الخوارج: ما تقولون في المصعب? قالوا: إمام هدى، قالوا: فما تقولون في عبد الملك? قالوا: ضال مضل. فلما كان بعد يومين أتى المهلب قتل مصعب، وأن أهل الشأم فاجتمعوا على عبد الملك، وورد عليه كتاب عبد الملك بولايته، فلما تواقفوا ناداهم الخوارج: ما تقولون في مصعب? قالوا: لا نخبركم، قالوا: فما تقولون في عبد الملك? قالوا: إمام هدى، قالوا: يا أعداء الله! بالأمس ضال مضل، واليوم إمام هدى! يا عبيد الدنيا، عليكم لعنة الله!
وولي خالد بن عبد الله بن أسيد، فقدم فدخل البصرة، فأراد عزل المهلب، فأشير عليه بألا يفعل، وقيل له: إنما أمن أهل هذا المصر، بأن المهلب بالأهواز،
__________
1 زيادات ر: ويروى.
زاد الرفاق وفارس الفرسان
2 أرملوا: نفد زادهم.
3 سورة القلم 9.
(3/249)

وعمر بن عبيد الله بفارس فقد تنحى عمر، وإن نحيت المهلب لم تأمن على البصرة من الأزارقة1. فأبى إلا عزله، فقدم المهلب البصرة، وخرج خالد إلى الأهواز، فأشخصه، فلما صار بكربج دينار لقيه قطري فمنعه حط أثقاله، وحاربه ثلاثين يوماً. ثم أقام قطري بإزائه، وخندق على نفسه، فقال المهلب: إن قطريا ً ليس بأحق بالخندق منك، فعبر دجيلاً إلى شق نهر تيرى، واتبعه قطري، فصار إلى مدينة نهر تيرى فبنى سورها وخندق عليها، فقال المهلب لخالد: خندق على نفسك، فإني لا آمن عليك البيات، فقال: يا أبا سعيد، الأمر أعجل من ذلك، فقال المهلب لبعض ولده: إني أرى أمراً ضائعاً، ثم قال لزياد بن عمرو: خندق علينا، فخندق المهلب وأمر بسفنه ففرغت، وأبى خالد أن يفرغ سفنه، فقال المهلب لفيروز حصين: صر معنا، فقال: يا أبا سعيد، الحزم ما تقول، غير أني أكره أن أفارق أصحابي. قال: فكن بقربنا، قال: أما هذه فنعم.
وقد كان عبد الملك كتب إلى بشر بن مروان يأمره أن يمد خالداً بجيش كثيف، أميره عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ففعل، فقدم عليه عبد الرحمن، فأقام قطري يغاديهم القتال ويراوحهم أربعين يوماً، فقال المهلب لمولى لأبي عيينة: انتبذ إلى ذلك الناووس2 فبت عليه في كل ليلة، فمتى أحسست خبراً من الخوارج أو حركة أو صهيل خيل فاعجل إلينا. فجاء ليلة فقال: قد تحرك القوم. فجلس المهلب بباب الخندق، وأعد قطري سفناً فيها حطب فأشعلها ناراً، وأرسلها على سفن خالد، وخرج في أدبارها حتى خالطهم. فجعل لا يمر برجل إلى قتله، ولا بدابة إلا عقرها، ولا بفسطاط إلا هتكه. فأمر المهلب يزيد ابنه3 فخرج في مائة فارس، فقاتل وأبلى يومئذ، وخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأبلى بلاء حسناً؛ وخرج فيروز حصين في مواليه، فلم يزل يرميهم بالنشاب هو ومن معه، فأثر أثراً جميلاً، فصرع يزيد بن المهلب يومئذ، وصرع عبد الرحمن، فحامى عنهما أصحابهما حتى ركبا، وسقط فيروز حصين في
__________
1 ساقطة من ر.
2 الناووس: مقابر النصارى.
3 ساقطة من ر.
(3/250)

الخندق، فأخذ بيده رجل من الأزد فاستنقذه، فوهب له فيروز حصين عشرة آلاف درهم، وأصبح عسكر خالد كأنه حرة سوداء، فجعل لا يرى إلا قتيلاً أو صريعاً، فقال للمهلب: يا أبا سعيد، كدن نفتضح، فقال خندق على نفسك، فإلا تفعل عادوا إليك؛ فقال: اكفني أمر الخندق، فجمع له الأحماس1، فلم يبق شريف إلا عمل فيه، فصاح بهم الخوارج: والله لولا هذا الساحر المزوني لكان الله قد دمر عليكم. وكانت الخوارج تسمي المهلب الساحر، لأنهم كانوا يدبرون الأمر فيجدونه قد سبق إلى نقض تدبيرهم، فقال أعشى همدان لابن الأشعث في كلمة طويلة:
ويوم أهوازك لا تنسه ... ليس الثنا والذكر بالداثر2
وقد ذكرنا في قصر المدود، من أن مد المقصور لا يجوز، ما يغني عن إعادته.
__________
1 الأحماس. جمع حمس "بضم فسكون".جمع الاحمس, وهم الشجعان المتشددون في القتال.
2 في الديوان 34: بالباد.
(3/251)

فيروز حصين وبعض أخباره
ونذكر فيروز حصين لما مر من ذكره: وكان فيروز حصين رجلاً جيد البيت في العجم، كريم المحتد، مشهر الآباء، فلما أسلم والي حصيناً، وهو حصين بن عبد الله العنبري، من بني العنبر بن تميم بن مر، ثم من ولد طريف بن تميم، وكان فيروز حصين شجاعاً جواداً، نبيل الصورة، جهير الصوت، وتروي الرواة أن رجلاً من العرب كانت أمه فتاة، فقاول بني عم له. فسبوه بالعجمية، ومر فيروز حصين، فقال: هذا خالي، فمن منكم له خال مثله? وظن الفتى1 أن فيروز لم يسمعها، وسمعها فيروز، فلما صار إلى منزله بعث إلى الفتى، فاشترى له منزلاً وجارية، ووهب له عشرة آلاف درهم.
ومن مآثره المعروفة أن الحجاج بن يوسف لما واقف ابن الأشعث برستقاباذ نادى منادي الحجاج: من أتى برأس فيروز فله عشرة آلاف درهم. ففصل فيروز من الصف، فصاح بالناس: من عرفني فقد اكتفى، ومن لم يعرفني فأنا فيروز
__________
1 ساقطة من ر.
(3/251)

حصين، وقد عرفتم مالي ووفائي، من أتى برأس الحجاج فله مائة ألف، فقال الحجاج، فوالله1 لقد تركني أكثر التلفت وإني لبين خاصتي. فأتى به الحجاج فقال له: أأنت الجاعل في رأس أميرك مائة ألف درهم2 ? قال: قد فعلت، فقال: والله لأمهدنك3 ثم لأحملنك؛ أين المال? قال: عندي فهل إلى الحياة من سبيل? قال: لا، قال: فأخرجني إلى الناس حتى أجمع لك المال فلعل قلبك يرق علي! ففعل الحجاج، فخرج فيروز فأحل الناس من ودائعه، وأعتق رقيقه، وتصدق بماله، ثم رد إلى الحجاج فقال: شأنك الآن فاصنع ما شئت، فشد في القصب الفارسي، ثم سل حتى شرح، ثم نضح بالخل والملح، فما تأوه حتى مات.
قال أبو العباس: ومضى قطري إلى كرمان، فانصرف خالد إلى البصرة، فأقام قطري بكرمان أشهراً، ثم عمد لفارس، وخرج خالد إلى الأهواز، وندب للناس رجلاً، فجعلوا يطلبون المهلب، فقال خالد: ذهب المهلب بحظ هذا المصر، إني قد وليت أخي قتال الأزارقة، فولى أخاه عبد العزيز، واستخلف المهلب على الأهواز في ثلثمائة، ومضى عبد العزيز في ثلاثين ألفاً، والخوارج بدراب جرد، فجعل عبد العزيز يقول في طريقه: يزعم أهل البصرة أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلب، فسيعلمون! قال صعب بن زيد: فلما خرج عبد العزيز عن الأهواز جاءني كردوس حاجب المهلب فقال: أجب الأمير، فجئت إلى المهلب وهو في سطح وعليه ثياب هروية، فقال: يا صعب، أنا ضائع، كأني أنظر إلى هزيمة عبد العزيز، وأخشى أن توافيني الأزارقة ولا جند معي، فابعث رجلاً م قبلك يأتيني بخبرهم سابقاً به إلي، فوجهت رجلاً يقال له عمران بن فلان، فقلت: اصحب عسكر عبد العزيز واكتب إلي بخبر يوم يوم، أورده على المهلب.
فلما قاربهم عبد العزيز وقف وقفة، فقال له الناس: هذا يوم صالح، فينبغي أن تنزل4 - أيها الأمير - حتى نطمئن ثم نأخذ أهبتنا، فقال: كلا، الأمر قريب،
__________
1 ر: والله.
2 ساقطة من ر.
3 لأمهدانك. من مهدت الفراش مهدا. بسطة ووطأته. يريد لأجعلنك طريحا كالفراش الممهود. قاله المرصفي.
4 ر: "تترك".
(3/252)

فنزل الناس على غير أمره، فلم يستتم النزول حتى ورد عليهم سعد الطلائع في خمسمائة فارس، كأنهم خيط ممدود. فناهضهم عبد العزيز، فواقفوه ساعة، ثم انهزموا عنه مكيدة، فاتبعهم، فقال له الناس: لا تتبعهم فإنا على غير تعبية، فأبى، فلم يزل في آثارهم حتى اقتحموا عقبة، فاقتحمها وراءهم. والناس ينهونه، وكان قد جعل على بني تميم عبس بن طلق الصريمي، الملقب عبس الطعان، وعلى بكر بن وائل مقاتل بن مسمع القيسي وعلى شرطته رجلاً من بني ضبيعة بن نزار، فنزلوا عن العقبة ونزل خلفهم، وكان لهم في بطن العقبة كمين، فلما صاروا وراءها خرج عليهم الكمين. وعطف سعد الطلائع، فترجل عبس بن طلق فقتل، وقتل مقاتل بن مسمع، وقتل الضبعي1 صاحب الشرطة، وانحاز عبد العزيز، واتبعهم الخوارج على فرسخين يقتلونهم كيف شاؤوا، وكان عبد العزيز قد خرج معه بأم حفص ابنة المنذر بن الجارود امرأته. فسبوا النساء يومئذ، وأخذوا أسرى لا تحصى، فقذفوهم في غار بعد أن شدوهم وثاقاً، ثم سدوا عليهم بابه حتى ماتوا فيه.
وقال رجل حضر ذلك اليوم: رأيت عبد العزيز، وإن ثلاثين رجلاً ليضربونه بأسيافهم وما تحيك في جنته2.
يقال ما أحاك فيه السف، وما يحيك فيه، وما حك ذا الأمر في صدري، وما حكى في صدري، وما احتكى في صدري. ويقال: حاك الرجل في مشيته يحيك؛ إذا تبختر.
ونودي على السبي يومئذ، فغولي بأم حفص، فبلغ بها رجل سبعين ألفاً، وذلك الرجل من مجوس كانوا أسلموا ولحقوا بالخوارج، ففرض لكل واحد منهم خمسمائة، فكاد يأخذها، فشق ذلك على قطري وقال: ما ينبغي لرجل مسلم أن يكون عنده سبعون ألفاً، إن هذه لفتنة3، فوثب إليها أبو الحديد العبدي فقتلها، فأتي به قطري فقال له4: يا أبا الحديد، مهيم! فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت المؤمنين قد تزايدوا في هذه المشركة، فخشيت عليهم الفتنة. فقال قطري: قد أصبت وأحسنت! فقال رجل من الخوارج:
__________
1 ر"الضبيعي".
2 ر: "جسده".
3 ر. "فتنة".
4 ساقطة من ر.
(3/253)

كفانا فتنة عظمت وجلت ... بحمد الله سيف أبي الحديد
أهاب المسلمون بها وقالوا ... على فرط الهوى: هل من مزيد?
فزاد أبو الحديد بنصل سيف ... رقيق الحد فعل فتى رشيد
قوله: أهاب يريد أعلن، يقال أهبت به، إذا دعوته، مثل صوت، قال الشاعر:
أهاب بأحزان الفؤاد مهيب ... وماتت نفوس للهوى وقلوب
وقوله: مهيم حرف استفهام1، معناه: ما الخبر وما الأمر، فهو دال على ذلك محذوف الخبر، وفي الحديث أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى بعبد الرحمن بن عوف ردع خلوق2 فقال: "مهيم"! فقال: تزوجت يا رسول الله، فقال: "أولم ولو بشاة"، وكان تزوج على نواة، وأصحاب الحديث يروونه على نواة من ذهب قيمتها خمسة دراهم. وهذا خطأ وغلط. العرب تقول نواة فتعني بها خمسة دراهم، كما تقول: النش لعشرين درهماً، والأوقية لأربعين درهماً، فإنما هو اسم لهذا المعنى.
وكان العلاء بن مطرف السعدي ابن عمر عمرو القنا، وكان يحب أن يلقاه في تلك الحروب مبارزة، فلحقه عمرو القنا وهو منهزم، فضحك عمرو وقال متمثلاً:
تمناني ليلقاني لقيط ... أعام لك ابن صعصعة بن سعد
ثم صاح به: انج أبا المصدى! وكان عمرو القنا يكنى أيضاً أبا المصدى.
وهذا البيت الذي تمثل به عمرو ليزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي، يقوله يعني لقيط بن زرارة، وكان يطلبه. وقوله: "أعام لك" يريد يا عامر، فرخم، وإنما يريد الحي تعجباً، أي لكم أعجب من تمنيه للقائي! فدعا بني عامر بن صعصعة، وهم بنو صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ياقل إن عامر بن صعصعة هو ابن سعد بن زيد مناة بن تميم، لا ابن
__________
1 قال المرصفي: يريد كلمة "استفهام" هي مبتدأ محذوف الخبر.
2 الخلوق: الطيب.
(3/254)

معاوية، وإنهم ناقلة1 في قيس، ولذلك امتنعت2 بنو سعد من محاربتهم مع بني تميم يوم جبلة، ولذلك أنذرهم كرب بن صفوان.
وهذا البيت وضعه سيبويه في باب النداء الذي معناه معنى التعجب، وشبيه به قول الصلتان العبدي:
فيا شاعرا ًلا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن كليب تواضع
على معنى قوله: فلله دره شاعراً! وكان العلاء بن مطرف قد حمل معه امرأتين له، إحداهما من بني ضبة يقال لها أم جميل، والأخرى بنت عمه، وهي فلانة بنت عقيل، فطلق الضبية وتخلص بهما يومئذ، وحمل الضبية أولاً. ففي ذلك يقول:
ألست كريماً إذ أقول لفتيتي ... قفوا فاحملوها قبل بنت عقيل
ولو لم يكن عودي نضاراً لأصبحت ... تجر على المتنين أم جميل3
قال الصعب بن يزيد: بعثني المهلب لآتيه بالخبر، فضربت4 إلى قنطرة أربك5 على فرس اشتريته بثلاثة آلاف درهم، فلم أحسس خبراً، فسرت مهجراً إلى أن أمسيت، فلما أظلمنا سمعت كلام رجل عرفته من الجهاضم6، فقلت: ما وراءك? فقال: الشر، فقلت: فأين عبد العزيز? قال: أمامك، فلما كان من آخر الليل إذا أنا بزهاء خمسين فارساً معهم لواء، فقلت، لواء7 من هذا? فقالوا: هذا لواء عبد العزيز؛ فتقدمت إليه، فسلمت وقلت: أصلح الله الأمير! لا يكبرن عليك ما كان، فإنك كنت في شر جند وأخبثه. قال لي: أو كنت معنا? قلت: لا، ولكن كأني شاهد أمرك، قال: كأنك كنت معنا، قلت: أرسلني المهلب لآتيه بخبرك. ثم تركته وأقبلت إلى المهلب، فقال لي: ما وراءك? قلت ما يسرك، قد
__________
1 الناقلة: القبيلة تنتمي إلى أخرى.
2 ر: "تمنعت".
3 ر: "تخر".
4 ر: "قصرت".
5 أربك إحدى قرى خوزسنان.
6 الجهاضم: يريد بني جهضم بن عوف بن مالك.
7 ساقطة من ر.
(3/255)

هزم عبد العزيز1 وقل جيشه. فقال: ويحك! وما يسرني من هزيمة رجل من قريش وقل جيش المسلمين! قلت: قد كان ساءك أو سرك، فوجه رجلاً إلى خالد يخبره. قال الرجل: فلما أخبرت خالداً قال: كذبت ولؤمت. ودخل رجل من قريش فكذبني. وقال لي خالد: والله لهممت أن أضرب عنقك. قلت: أصلح الله الأمير! إن كنت كاذباً فاقتلني، وإن كنت صادقاً مطرف هذا المتكلف. فقال خالد: لبئس ما أخطرت به دمك! فما برحت حتى دخل بعض الفل.
وقدم عبد العزيز سوق الأهواز، فأكرمه المهلب وكساه، وقدم معه على خالد، واستخلف ابنه حبيباً، وقال له: تحسس عن الأخبار، فإن أحسست بخبر الأزارقة قريباً منك فانصرف إلى البصرة على نهر تيرى، فلما دخلها أعلم خالد، فغضب عليه، واستتر حبيب في بني هلال بن عامر بن صعصعة. فتزوج هناك في استتاره الهلالية أم عباد بن حبيب.
وقال الشاعر لخالد يفيل رأيه، أي يخطئه:
بعثت غلاماً من قريش فروقة2 ... وتترك ذا الرأي الأصيل المهلبا
أبى الذم واختار الوفاء وأحكمت ... قواه وقد ساس الأمور وجربا
وقال الحارث بن خالد المخزومي:
فر عبد العزيز لما رأى الأب ... طال بالسفح نازلوا قطريا
ويروى:
فر عبد العزيز إذ راء عيسى ... وابن داود نازلاً قطريا
عاهد الله إن نجا ملمنايا ... ليعودن بعدها حرميا
يسكن الخل والصفاح فمرا ... ن وسلعا وتارة نجديا
حيث لا يشهد القتال ولا يس ... مع يوماً لكر خيل دويا
__________
1 ساقطة من ر.
2 الفروقة: الشديد الفزع.
(3/256)

قوله: إذ راء عيسى، الأصل رأى ولكنه قلب فقدم الألف وأخر الهمزة، كما قال كثير:
وكل خليل راءني فهو قائل ... من اجلك هذا هامة اليوم أو غد
والقلب كثير في كلام العرب، وسنذكر منه شيئاً في موضعه إن شاء الله.
وقوله: ملمنايا يريد من المنايا، ولكنه حذف النون لقرب مخرجها من اللام، فكانتا كالحرفين يلتقيان على لفظ فيحذف أحدهما، ومن كلام العرب أن يحذفوا النون إذا لقيت لام المعرفة ظاهرة، فيقولون في بني الحارث وبني العنبر وما أشبه ذلك: بلحارث وبلعنبر وبلهجيم كما يقولون: علماء بنو فلان فحذفون إحدى اللامين.
وقوله: ليعودن بعدها حرميا العرب تنسب إلى الحرم فيقولون حرمي وحرمي على قولهم حرمة البيت وحرمة البيت، وقال النابغة الذبياني:
من قول حرمية قالت وقد رحلوا ... هل في مخفيكم من يشتري أدما1
والخل: ها هنا موضع، وأصله الطريق في الرمل.
وكتب خالد إلى عبد الملك بعذر عبد العزيز، وقال للمهلب: ما ترى عبد الملك صانعاً بي? قال: يعزلك، قال: أتراه قاطعاً رحمي? قال: نعم، قد2 أتته هزيمة أمية أخيك من البحرين، وتأتيه هزيمة أخيك عبد العزيز من فارس! قال أبو العباس: فكتب عبد الملك إلى خالد3:
أما بعد، فإني كنت حددت لك حداً في أمر المهلب، فلما ملكت أمرك نبذت طاعتي واستبددت برأيك، فوليت المهلب الجباية، ووليت أخاك حرب الأزارقة، فقبح الله هذا رأياً! أتبعث غلاماً غراً لم يجرب الحروب للحرب4، وتترك سيداً شجاعاً مدبراً حازماً قد مارس الحروب تشغله بالجباية،!
__________
1 المحف: الخفيف المتاع.
2 ساقطة من ر.
3 في س بعدها: "بسم الله الرحمن الرحيم". ولم تذكر في الأصل. ر.
4 ساقطة من ر.
(3/257)

أما لو كافأتك على قدر ذبنك لأتاك من نكيري ما لا بقية لك معه، ولكن تذكرت رحمك فلفتني عنك، وقد جعلت عقوبتك عزلك.
وولى بشر بن مروان وهو بالكوفة وكتب إليه: أما بعد، فإنك أخو أمير المؤمنين، يجمعك وإياه مروان بن الحكم، وإن خالداً لا مجتمع له مع أمير المؤمنين دون أمية، فانظر المهلب بن أبي صفرة، فوله حرب الأزارقة، فإنه سيد بطل مجرب، فأمدده1 من أهل الكوفة بثمانية آلاف رجل.
فشق عليه ما أمره به2 في المهلب، وقال: والله لأقتلنه، فقاله له موسى بن نصير3: أيها الأمير3، إن للمهلب حفاظاً وبلاء ووفاء.
وخرج بشر بن مروان يريد البصرة، فكتب موسى وعكرمة إلى المهلب أن يتلقاه لقاء لا يعرفه به. فتلقاه المهلب على بغل، فسلم عليه في خمار الناس، فلما جلس بشر مجلسه قال: ما فعل أميركم المهلب? قالوا: قد تلقاك أيها الأمير وهو شاك.
فهم بشر أو يولي حرب الأزارقة عمر بن عبيد الله، فقال أسماء بن خارجة: إنما ولاك أمير المؤمنين لنرى رأيك. فقال له عكرمة ابن ربعي: اكتب إلى أمير المؤمنين وأعلمه علة المهلب. فكتب إليه يعلمه علة المهلب وأن بالبصرة من يغني غناءه، ووجه بالكتاب مع وفد أوفدهم إليه، رئيسهم عبد الله بن حكم المجاشعي، فلما قرأ الكتاب خلا بعبد الله بن حكيم فقال: إن لك ديناً ورأياً وحزماً، فمن لقتال هؤلاء الأزارقة? قال: المهلب. قال: إنه عليل. قال: ليست علته بمانعة4، فقال عبد الملك: أراد بشر أن يفعل ما فعل خالد.
فكتب 5إلى بشر5 يعزم عليه أن يولي المهلب، فوجه إليه. قال المهلب: أنا عليل ولا يمكنني الإختلاف، فأمر بشر بحمل الدواوين إليه، فجعل ينتخب، فاعترض بشر عله، فاقتطع أكثر نخبته، ثم عزم6 ألا يقيم بعد ثالثة، وقد
__________
1 أمدده: أعنه.
2 ساقطة من ر.
3 ساقطة من ر.
4 ر: "بمانعته".
5 ساقطة من ر.
6 ساقطة من ر.
(3/258)

أخذت الخوارج الأهواز وخلفوها وراء ظهورهم وصاروا بالفرات، فخرج إليهم المهلب حتى صار إلى شهار طاق، فأتاه شيخ من بني تميم، فقال: أصلح الله الأمير! إن سني ما ترى، فهبني لعيالي قال: على أن تقول للأمير إذا خطب فحثكم على الجهاد، كيف تحثنا على الجهاد وأنت تحبس أشرافنا وأهل النجدة منا? ففعل الشيخ ذلك، فقال بشر: وما1 أنت وذاك? قال: لا شيء، وأعطى المهلب رجلاً ألف درهم على أن يأتي بشراً فيقول له أيها الأمير أعن المهلب بالشرط والمقاتلة، ففعل الرجل ذلك، فقال له بشر: ما أنت وذاك? قال نصيحة حضرتني2 للأمير والمسلمين، ولا أعود إلى مثلها، فأمده بالشرطة والمقاتلة.
وكتب بشر إلى خليفته بالكوفة أن يعقد لعبد الرحمن بن مخنف على ثمانية آلاف من كل ربع ألفين، ويوجه به مدداً إلى المهلب، فلما أتاه الكتاب بعث إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي فعقد له، واختار له من كل ربع ألفين، فكان على ربع أهل المدينة بشر بن جرير البجلي، وعلى ربع تميم وهمدان عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، وعلى ربع كندة وربيعة محمد بن إسحاق بن الأشعث الكندي، وعلى مذحج وأسد حر بن قيس المذاحجي، فقدموا على بشر، فخلا بعبد الرحمن بن مخنف، فقال له: قد عرفت رأي فيك وثقتي بك، فكن عند ظني، انظر هذا المزوني فخالفه في أمره، وأفسد عليه رأيه، فخرج عبد الرحمن بن مخنف وهو يقول: ما أعجب ما طمع مني فيه هذا الغلام! يأمرني أن أصغر شيخاً من مشايخ أهلي وسيداً من ساداتهم! فلحق بالمهلب.
فلما أحس الأزارقة بدنوه منهم انكشفوا من الفرات، فاتبعهم المهلب إلى سوق الأهواز، فنفاهم عنها، ثم اتبعهم3 إلى رام هرمز فهزمهم منها، فدخلوا فارس وأبلى يزيد ابنه في وقائعه هذه بلاء شديداً4، تقدم فيه وهو ابن إحدى وعشرين سنة، فلما صار القوم بفارس وجه إليهم ابنه المغيرة، فقال له عبد الرحمن بن صبح: أيها الأمير! إنه5 ليس برأي قتل هذه الأكلب، ولئن والله قتلتهم لتقعدن في بيتك، ولكن طاولهم وكل بهم، فقال: ليس هذا من الوفاء.
__________
1 ر: "ما أنت".
2 ساقطة من ر.
3 ر: "نتبعهم".
4 ر: "حسنا".
5 ر: "أتاه".
(3/259)

فلم يلبث برام هرمز إلا شهراً حتى أتاهم1 موت بشر، فاضطرب الجند على ابن مخنف، فوجه إلى محمد بن إسحاق بن الأشعث ابن زحر واستحلفهما ألا يبرحا، فحلفا له ولم يقيا، ف-جعل الجند من أهل الكوفة يتسللون حتى اجتمعوا بسوق الأهواز، وأراد أهل الانسلال من المهلب، فخطبهم فقال: إنكم لستم كأهل الكوفة، إنما تبون عن مصركم وأموالكم وحرمكم فأقام منهم قوم وتسلل منهم ناس كثير.
وكان خالد بن عبد الله خليفة بشر بن مروان، فوجه مولى له بكتاب منه إلى من بالأهواز، يحلف فيه بالله مجتهداً، لئن لم يرجعوا إلى مراكزهم وانصرفوا عصاة لا يظفر بأحد منهم إلا قتله فجاء مولاه، فجعل يقرأ الكتاب عليهم ولا يرى في وجههم قبوله، فقال: إني لأرى وجوهاً ما القبول من شأنها، فقال له ابن زحر: أيها العبد، اقرأ ما في الكتاب وانصرف إلى صاحبك، فإنك لا تدري ما في أنفسنا، وجعلوا2 يستحثونه بقراءته، ثم قصدوا قصداً الكوفة، فنزلوا النخيلة، وكتبوا إلى خليفة بشر يسألونه أن يأذن لهم في الدخول فأبى، فدخلوها بغير إذن.
__________
1 ر: "أتاه".
2 ر: "يستحثونه في قراءته".
(3/260)

ولاية الحجاج العراق وأمره مع المهلب والخوارج
فلم يزل المهلب ومن معه من قواده ابن مخنف في عدد قليل، فلم ينشبوا أن ولي الحجاج العراق، فدخل الكوفة قبل البصرة، وذلك في سنة خمس وسبعين، فخطبهم وتهددهم، وقد ذكرنا الخطبة متقدماً. ثم نزل فقال لوجوه أهلها: ما كانت الولاة تفعل بالعصاة? فقالوا: كانت تضرب وتحبس، فقال الحجاج: ولكن ليس لهم عندي إلا السيف، إن المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون، ولو ساغت المعصية لأهلها ما قوتل عدو ولا جبي فيء، ولا عز دين.
ثم جلس لتوجيه الناس، فقال: قد أجلتكم ثلاثاً، وأقسم بالله لا يتخلف أحد من أصحاب ابن مخنف بعدها ولا من أهل الثغور إلا قتلته، ثم قال لصاحب حرسه وصاحب شرطه: إذا مضت ثلاثة أيام فاتخذا سيوفكما عصياً، فجاءه عمير بن ضابئ البرجمي بابنه، فقال: أصلح الله الأمير! إن هذا أنف لكم مني، وهو أشد بني تميم أيداً، وأجمعهم سلاحاً، وأربطهم جأشاً، وأنا شيخ كبير عليل،
(3/260)

واستشهد جساءه، فقال له1 الحجاج: إن عذرك لواضح، وإن ضعفك لبين ولكني أكره أن يجترئ بك الناس علي. وبعد فأنت ابن ضابئ صاحب عثمان، ثم أمر به فقتل، فاحتمل الناس، وإن أحدهم ليتبع بزاده وسلاحه، ففي ذلك يقول ابن الزبير الأسدي:
أقول لعبد الله يوم لقيته ... أرى الأمر أمسى منصباً متشعبا
تخير فإما أن تزور ابن ضابئ ... عميراً وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
فما إن أرى الحجاج يغمد سيفه ... يد الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا
وهرب سوار بن المضرب السعدي من الحجاج وقال:
أقاتلي الحجاج إن لم أزر له ... دراب وأترك عند هند فؤاديا
وقد مرت هذه الأبيات.
وخرج الناس عن الكوفة، وأتى الحجاج البصرة، فكان عليهم أشد إلحاحاً2 وقد كان أتاهم خبره بالكوفة، فتحمل الناس قبل قدومه، فأتاه رجل م بني يشكر، وكن شيخاً كبيراً أعور، وكان يجعل على عينه العوراء صوفة، فكان يلقب ذا الكرسفة، فقال: أصلح الله الأمير! إن بي فتقاً، وقد عذرني بشر، وقد رددت العطاء، فقال: إنك عندي لصادق، ثم أمر به فضربت عنقه، ففي ذلك يقول كعب، الأشقري أو الفرزدق:
لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة ... تقرقر منها بطن كل غريف
ويروى عن ابن ميرة قال: إنا لنتغدى معه يوماً إذ جاء رجل من بني سليم برجل قوده، فقال: أصلح الله الأمير! إن هذا عاص، فقال له الرجل: أنشدك الله أيها الأمير في دمي، فوالله ما قبضت ديواناً قط، ولا شهدت عسكراً، وإني لحائك أخذت من تحت الحف3، فقال: اضربوا عنقه، فلما أحس بالسيف سجد،
__________
1 ساقطة من ر.
2 ر: "حاء".
3 الحف: المنسج.
(3/261)

فلحقه السيف وهو ساجد، فأمسكنا عن الأكل1، فأقبل علينا الحجاج فقال: مالي أراكم صفرت أيديكم واصفرت وجوهكم وحد نظركم من قتل رجل واحد! إن العاصي يجم خلالاً: يخل بمركزه، ويعصي أميره، ويغر المسلمين وهو أجير لهم، وإنما يأخذ الأجرة لما يعمل، والوالي مخير فيه، إن شاء قتل وإن شاء عفا.
ثم كتب الحجاج إلى المهلب: أما بعد؛ فإن بشراً رحمه الله استكره نفسه عليك، وأراك غناءه عنك، وأنا أريك حاجتي إليك، فأرني الجد في قتال عدوك، ومن خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله، فإني قاتل من قبلي، ومن كان عندي من ولي من هرب عنك فأعلمني مكانه، فإني أرى أن آخذ الولي بالولي، والسمي بالسمي.
فكتب إليه المهلب: ليس قبلي إلا مطيع، وإن الناس إذا خافوا العقوبة كبروا الذب، وإذا أمنوا العقوبة صغروا الذنب، وإذا يئسوا من العفو أكفرهم ذلك، فهب لي هؤلاء الذي سميتهم عصاة، فإنما هم فريقان2 أبطال، أرجو أن يقتل الله بهم لعدو ونادم على ذنبه.
فلما رأى المهلب كثرة الناس عليه قال: اليوم قوتل هذا العدو، ولما رأى ذلك قطري قال: انهضوا بنا نريد السردان3 فنتحصن فيها، فقال عبيدة بن هلال: أو نأتي سابور، وخرج المهلب في آثارهم، فأتى أرجان، وخاف أن يكونوا قد تحصنوا بالسردن، وليست بمدينة، ولكن جبال محدقة منيعة، فلم يصب بها أحداً، فخرج نحوهم فعسكر بكازرون، واستعدوا لقتاله، وخندق على نفسه، ثم وجه إلى عبد الرحمن بن مخنف: خندق على نفسك، فوجه إليه: خنادقنا سيوفنا، فوجه إليه المهلب: إني لا آمن عليك البيات، فقال ابنه جعفر: ذاك أهون علينا من ضرطة جمل! فأقبل المهلب على ابنه المغيرة فقال: لم يصيبوا الرأي ولم يأخذوا بالوثيقة، فلما أصبح القوم غادوه الحرب، فبعث إلى ابن مخنف يستمده، فأمده بجماعة، وجعل عليهم ابنه جعفراً، فجاؤوا وعيهم أقبية بيض جدد، فقاتلوا يومئذ حتى عرف مكانهم، وحاربهم المهلب، وأبلى بنوه يومئذ كبلاء الكوفيين أو أشد، ثم نظر إلى رئيس منهم يقال له صالح بن مخراق، وهو ينتخب
__________
1 ر: "الطعام".
2 ر: "فريسان".
3 السردان: موضع ببلاد فارس بإزاء كازرون "البكري". وفي ر: "السردان".
(3/262)

قوماً من جلة العسكر، حتى بلغوا أربعمائة، فقال لابنه المغيرة: ما يعد هؤلاء إلا للبيات. وانكشف الخوارج والأمر للمهلب عليهم، وقد كثر فيهم القتل والجراح.
وقد كان الحجاج في كل يوم يتفقد العصاة ويوجه الرجال، فكان يحسبهم نهاراً، ويفتح الحبس ليلاً، فينسل الناس إلى ناحية المهلب، وكأن الحجاج لا يعلم، فإذا رأى إسراعهم تمثل:
إن لها لسائقاً عشنزرا ... إذا ونين ونية تغشمرا
العشنزر: الصلب، والغشمرة1: ركوب الرأس. والمتغشمر: الجاد على ما خيلت.
وكتب إلى المهلب من قبل الوقعة: أما بعد، فإنه بلغني أنك أقبلت على جباية الخراج، وتركت قتال العدو، وإني وليتك وأنا أرى مكان عبد الله بن حكيم المجاشي وعباد بن حصين الحبطي. واخترتك وأنت من أهل عمان، ثم رجل من الأزد، فالقهم يوم كذا في مكان كذا، وإلا أشرعت إليك صدر الرمح.
فشاور بنيه فقالوا: إنه أمير، فلا تغلظ عليه في الجواب.
فكتب إليه المهلب: ورد علي كتابك تزعم أني أقبلت على جباية الخراج فهو عن قتال العدو أعجز، وزعمت أنك وليتني وأنت ترى مكان عبد الله بن حكيم المجاشعي وعباد بن حصين الحبطي، ولو وليتهما لكانا مستحقين لذلك في فضلهما وغنائهما وبطشهما، واخترتني وأنا رجل من الأزد، ولعمري إن شراً من الأزد لقبيلة تنازعها ثلاث قبائل، لم تستقر في واحدة منهن. وزعمت أني إن لم ألقهم في يوم كذا، في مكان كذا، أشرعت إلي صدر الرمح، فلو فعلت لقبلت إليك ظهر المجن، والسلام.
ثم كانت الواقعة. فلما انصرف الخوارج قال المهلب لابنه الميغرة: إني أخاف البيات على بني تميم فانهض إليهم فكن فيهم.
__________
1 ر: التغشمر.
(3/263)

فأتاهم المغيرة، فقال له الحريش بن هلال: يا أبا حاتم، أيخاف الأمير أن يؤتى من ناحيتنا? قال له فليبت آمناً، فإنا كافوه ما قبلنا إن شاء الله.
فلما انتصف الليل وقد رجع المغيرة إلى أبيه، سرى صالح بن مخارق في القوم الذي أعدهم إلى ناحية بني تميم، ومعه عبيدة بن هلال، وهو يقول:
إني لمذك للشراة نارها ... ومانع ممن أتاها دارها
وغاسل بالطعن عنها عارها
فوجد بني تميم أيقاظاً متحارسين، فخرج إليهم الحريش بن هلال وهو يقول:
لقد وجدتم وقراً أنجادا ... لا كشفاً ميلاً ولا أوغادا
هيهات لا تلفوننا رقادا ... لا بل إذا صيح بنا آسادا
ثم حمل على القوم فرجعوا عنه، فاتبعهم وصاح بهم: إلى أين كلاب النار! فقالوا: إنما أعدت النار لك ولأصحابك، فقال الحريش: كل مملوك لي حر إن لم تدخلوا النار إن دخلها مجوسي فيما بين سفوان وخراسان.
قوله: وجدتم وقراً جمع وقر. والنجد: ضد البليد، وهو المتيقظ الذي لا كسل عنده ولا فتور. والأميل فيه قولان: قالوا: الذي لا يستقر على الدابة، وقالوا: هو الذي لا سيف معه. والأكشف: الذي لا ترس معه. والأجم: الذي لا رمح معه. والحاسر: الذي لا درع عليه. والأعزل: الذي لا يتقوم على ظهر الدابة. والوغد: الضعيف.
ثم قال بعضهم لبعض: نأتي عسكر ابن مخنف فإنه لا خندق عليهم، وقد تعب فرسانهم اليوم مع المهلب، وقد زعموا أنا أهون علهم من ضرطة جمل، فأتوهم فلم يشعر ابن مخنف وأصحابه بهم إلا وقد خالطوهم في عسكرهم.
وكان ابن مخنف شريفاً. يقول رجل من غامد لرجل يعاتبه، ويضرب بابن مخنف المثل:
تروح وتغدو كل يوم معظماً ... كأنك فينا مخنف وابن مخنف
(3/264)

فترجل عبد الرحمن بن مخنف فجالدهم فقتل، وقتل معه سبعون من القراء، فيهم نفر من أصحاب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، ونفر من أصحاب ابن مسعود، وبلغ الخبر المهلب، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف عند المهلب، فجاءهم مغيثاً فقاتلهم حتى ارتث1 وصرع، ووجه المهلب إليهم ابنه حبيباً فكشفهم، ثم جاء المهلب حتى صلى على ابن مخنف وأصحابه رحمهم الله، وصار جنده في جند المهلب، فضمهم إلى ابنه حبيب، فعيرهم البصريون، فقال رجل لجعفر بن عبد الرحمن:
تركت أصحابنا تدمى نحورهم ... وجئت تسعى إلينا خضفة الجمل2
قوله: خضفة الجمل يريد ضرطة الجمل، يقال: خضف البعير. وأنشدني الرياشي لأعرابي يذم رجلاً اتخذ وليماً:
إنا وجدنا خلفاً بئس الخلف ... أغلق عنا بابه م حلف
لا يدخل البواب إلا من عرف ... عبداً3 إذا ما ناء بالجمل خضف4
يقال: ناء بحمله، إذا حمله في ثقل وتكلف، وفي القرآن: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} 5، والمعنى أن العصبة تنوء بالمفاتيح. وقد مضى تفسير هذا.
فلامهم المهلب، وقال: بئسما قلتم! والله ما فروا ولا جبنوا، ولكنهم خالفا أميرهم، أفلا تذكرون فراركم يوم دولاب، وفراركم بدارس6 عن عثمان، وفراركم عني! ووجه الحجاج البراء بن قبيصة إلى المهلب يستحثه في مناجزة القوم، وكتب إليه: إنك لتحب بقاءهم لتأكل بهم. فقال المهلب لأصحابه: حركوهم، فخرج فرسان من أصحابه إليهم، فخرج إليهم من الخوارج جمع، فاقتتلوا إلى الليل، فقال لهم الخوارج: ويلكم أما تملون! فقالوا: لا، حتى تملوا، قالوا: فمن أنتم?
__________
1 ارتث: حمل من المعركة وبه بقية من الحياة.
2 أي يا أيا خضفة.
3 ر: "عبد".
4 زيادات ر: "تقول العرب: حبج الرجل وخبق وخضف وردم. كل ذلك إذا ضرط".
5 سورة القصص: 76.
6 دارس: موضع قريب من البصرة.
(3/265)

قالوا: تميم، قالت الخوارج: ونحن بنو تميم، فلما أمسوا افترقوا، فلما كان الغد خرج عشرة من أصحاب المهلب وخرج إليهم عشرة من الخوارج، فاحتفر كل واحد حفيرة وأثبت قدمه فيها، فكلما قتل رجل جاء رجل من أصحابه فاجتره وقام1 مكانه، حتى أعتموا2، فقال لهم الخوارج: ارجعوا، فقالوا: بل ارجعوا أنتم، فقالوا إلى الحجاج، فقال له: مه! قال: رأيت قوماً لا يعين عليهم إلا الله.
وكتب إليه المهلب: إني منتظر بهم إحدى ثلاث: موت ذريع، أو جوع مضر، أو اختلاف من أهوائهم.
وكان المهلب لا يتكل في الحراسة على أحد، كان يتولى ذلك بنفسه، ويستعين بولده وبمن يحل محلهم في الثقة عنده.
وقال أبو حرملة العبدي يهجو المهلب:
عدمتك يا مهلب من أمير ... أما تندى يمينك للفقير!
بدولاب أضعت دماء قومي ... وطرت على مواشكة درور3
فقال المهلب: ويحك! والله إني لأقيكم بنفسي وولدي، قال: جعلني الله فداء الأمير! فذاك الذي نكره منك، ما كلنا يحب الموت، قال: ويحك! وهل عنه محيص? قال: لا، ولكنا نكره التعجيل، وأنت تقدم عليه إقداماً، قال المهلب: أما سمعت قول هبيرة4 الكلحبة اليربوعي:
فقلت لكأس ألجميها فإنما ... نزلنا الكثيب من زرود لنفزعا
قال: بلى والله قد سمعته، ولكن قولي أحب إلي منه، وهو5:
فلما وقفتم غدوة وعدوكم ... إلى مهجتي وليت أعداءكم ظهري
وطرت ولم أحف مقالة عاجز ... يساقي المنايا بالرجينية السمر
__________
1 ر: "ووقف".
2 أعتموا: صارواإلى العتمة وهي ثلث الليل الأول.
3 ر: "دماء قوم", ومواشكة دور: سريعة.
4 ساقطة من ر.
5 ساقطة من ر.
(3/266)

فقال له1 المهلب:بئس حشو الكتيبة والله أنت! فإن شئت أذنت لك فانصرفت إلى أهلك، فقال: بل أقيم معك أيها الأمير، فوهب له المهلب وأعطاه، فقال يمدحه:
يرى حتماً عليه أبو سعيد ... جلاد القوم في أولى النفير
إذا نادى الشراة أبا سعيد ... مشى في رفل محكمة القتير2
الرفل: الذيل.
وكان المهلب يقول: ما يسرني أن في عسكري ألف شجاع بدل بيهس بن صهيب، فيقال له: أيها الأمير، بيهس ليس بشجاع، فيقول: أجل، ولكنه سديد الرأي محكم العقل، وذو الرأي حذر سؤول، فأنا آمن أن يعتقل، فلو كان مكانه ألف شجاع قلت: إنهم ينشامون3 حين يحتاج إليهم4
ومطرت السماء مطراً شديداً وهم بسابور، وبين المهلب وبين الشراة عقبة، فقال المهلب: من يكفينا هذه العقبة الليلة? فلم يقم أحد، فلبس المهلب سلاحه وقام إلى العقبة واتبعه ابنه المغيرة، فقال رجل من أصحابه يقال له عبد الله: دعانا الأمير إلى ضبط العقبة، والحظ في ذلك لنا فلم نطعه، فلبس سلاحه واتبعه جماعة من أهل العسكر فصاروا إليه، فإذا المهلب والمغيرة لا ثالث لهما، فقالوا: انصرف أيها الأمير، فنحن نكفيك إن شاء الله، فلما أصبحوا إذا بالشراة على العقبة، فخرج إليهم غلام من أهل عمان على فارس، فجعل يحمل وفرسه يزلق، وتلقاه مدرك بن المهلب في جماعة حتى ردهم.
فلما كان يوم النحر والمهلب على المنبر يخطب الناس، إذا الشراة قد تألبوا، فقال المهلب: سبحان الله! أفي مثل هذا اليوم! يا مغيرة أكفنيهم، فخرج إليهم المغيرة بن المهلب وأمامه سعد بن نجد القردوسي، وكان سعد شجاعاً متقدماً في
__________
1 ر: "وقال المهلب".
2 القتير: رءوس مسامير حلق الدروع.
3 ينشامون. من إنشام الشيء. دخل وأختبأ. يريد أنهم يكون بمعزل مخافة أن ينتفلوا.
4 ر: "حتى يحتاج إليهم".
(3/267)

شجاعته، وكان الحجاج1 إذا ظن برجل أن نفسه قد أعجبته قال له: لو كنت سعد بن نجد القردوسي ما عدا - وقردوس من الأزد.
فخرج أمام المغيرة، وتبع المغيرة جماعة من فرسان المهلب، فالتقوا، وأما الخوارج غلام جامع السلاح، مديد القامة، كريه الوجه، شديد الحملة، صحيح الفروسية، فأقبل يحمل على الناس وهو يقول:
نحن صبحناكم غداة النحر ... بالخيل أمثال الوشيج تجري2
فخرج إليه سعد بن نجد القردوسي من الأزد، ثم تجاولا ساعة، فطعنه سعد فقتله، والتقى الناس، فصرع يومئذ المغيرة، فحامى عليه سعد بن نجد وذبيان السختياني وجماعة من الفرسان حتى ركب، وانكشف الناس عند سقطة المغيرة، حتى صاروا إلى أبيه المهلب، فقالوا: قتل المغيرة، ثم أتاه ذبيان السختياني، فأخبره بسلامته، فأعتق كل مملوك كان بحضرته.
ووجه الحجاج الجراح بن عبد الله إلى المهلب يستبطئه في مناجزة القوم، وكتب إليه: أما بعد، فإنك جبيت الخراج بالعلل، وتحصنت بالخنادق، وطاولت القوم وأنت أعز ناصراً، وأكثر عدداً، وما أظن بك مع هذا معصية ولا جبناً، ولكنك اتخذت أكلاً3، وكان بقاؤهم أيسر عليك من قتالهم، فناجزهم وإلا أنكرتني، والسلام.
فقال المهلب للجراح: يا أبا عقبة، والله ما تركت جيلة إلا احتلتها، ولا مكيدة إلا أعملتها، وما العجب من إبطاء النصر وتراخي الظفر، ولكن العجب أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره! ثم ناهضهم ثلاثة أيام، يغاديهم القتال، ولا يزالوا كذلك إلى العصر، وينصرف4 أصحابه وبهم قرح، وبالخوارج قرح وقتل، فقال [له الجراح5] : قد أعذرت.
__________
1 ر: "وكان المهلب". وما أثبته عن الأصل. س.
2 الوشيج: ما نبت من شجر الرماح متلفا دخل بعضه في بعض.
3 الأكل: الرزق.
4 من هنا خرم في نسخة الأصل ينتهي في ص 384 من هذا الجزء.
5 تكلمة من س.
(3/268)

فكتب المهلب إلى الحجاج: أتاني كتابك تستبطئني في لقاء القوم، على أنك لا تظن بي معصية ولا جبناً، وقد عاتبتني معاتبة الجبان، وأوعدتني وعيد العاصي، فاسأل1 الجراح، والسلام.
فقال الحجاج للجراح: كيف رأيت أخاك? قال: والله ما رأيت أيها الأمير مثله قط ولا ظننت أن أحداً يبقى على مثل ما هو عليه. ولقد شهدت أصحابه أياماً ثلاثة يغدون إلى الحرب ثم ينصرفون عنها وهم بها يتطاعنون بالرماح، ويتجالدون بالسيوف، ويتخابطون بالعمد، ثم يروحون كأن لم يصنعوا شيئاً، رواح قوم تلك عادتهم وتجارتهم. فقال: الحجاج: لشد ما مدحته أبا عقبة! قال: الحق أولى.
وكانت ركب2 الناس قديماً من الخشب، فكان الرجل يضرب ركابه فيتقطع، فإذا أراد الضرب أو الطعن لم يكن له معتمد، فأمر المهلب فضربت الركب من الحديد، وهو أول من أمر بطبعها، ففي ذلك يقول عمران بن عصام العنزي:
ضربوا الدراهم في إمارتهم ... وضربت للحدثان والحرب
حلقاً ترى منها مرافقهم ... كمناكب الجمالة الحرب3
وكتب الحجاج إلى عتاب بن ورقاء الرياحي، من بني رياح بن يربوع بن حنظلة، وهو والي إصبهان، يأمره بالمسير إلى المهلب، وأن يضم إليه جند عبد الرحمن بن مخنف، فكل بلد تدخلانه من فتوح أهل البصرة فالمهلب أمير الجماعة فيه، وأنت على أهل الكوفة، فإذا دخلتم بلداً فتحه لأهل الكوفة فأنت أمير الجماعة [فيه] 4، والمهلب على أهل البصرة.
فقد عتاب في إحدى جماديين من سنة ست وسبعين على المهلب، وهو بسابور، وهي من فتوح أهل البصرة فكان المهلب أمير الناس، وعتاب على أصحاب ابن مخنف، والخوارج في أيديهم كرمان، وهم بإزاء المهلب بفارس يحاربونه من جميع النواحي.
__________
1 س: "فسيل"
2 الركب: جم ركاب. وهو ما يعتمد عليه راكب السرج بقدميه.
3 أي ضربت حلفا. ومرافقهم. أي معتمدات أرجلهم. والجمالة: أصحاب الجمال.
4 من س.
(3/269)

فوجه الحجاج إلى المهلب رجلين يستحثانه مناجزة القوم، أحدهما يقال له زياد بن عبد الرحمن، من بني عامر بن صعصعة، والآخر من آل أبي عقيل جد الحجاج، فضم زياداً إلى ابنه حبيب، وضم الثقفي إلى يزيد ابنه، وقال لهما: خذا يزيد وحبيباً بالمناجزة، فغادوا الخوارج فاقتتلوا أشد قتال، فقتل زياد بن عبد الرحمن، وفقد الثقفي، ثم باكروهم في اليوم الثاني وقد وجد الثقفي، فدعا به المهلب ودعا بالغداء، فجعل النبل يعق قريباً منهم، والثقفي يعجب من أمر المهلب، فقال الصلتان العبدي:
ألا يا أصبحاني قبل عوق العوائق ... وقبل اختراط القوم مثل العقائق
غداة حبيب في الحديد يقودنا ... نخوض المنايا في ظلال الخوافق
حرون إذا ما الحرب طار شرارها ... وهاج عجاج الحرب فوق البوارق1
فمن مبلغ الحجاج أن أمينه ... زياداً أطاحته رماح الأزارق
قوله:
وقبل اختراط القوم مثل العقائق
يعني السيوف، والعقائق: جمع عقيقة، يقال: سيف كأنه عقيقة برق، أي كأنه لمعة برق، ويقال انعق البرق إذا تبسم. وللعقيقة مواضع: يقال فلان بعقيقة الصبي2، أي بالشعر الذي ولد به لم يحلقه، ويقال: عققت الشيء أي قطعته، ومن ذا فلان يعق أبويه، وكذا عققت عن الصبي، إذا ذبحت عنه، قوال أعرابي:
ألم تعلمي يا دار بلجاء أنني ... إذا أجدبت أو كان خصباً جنابها
أحب بلاد الله ما بين مشرف ... إلي أن يصوب سحابها3
بلاد بها عق الشباب تميمتي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
فلم يزل عتاب بن ورقاء مع المهلب ثمانية أشهر، حتى ظهر شبيب، فكتب الحجاج إلى عتاب يأمره بالمصير4 إليه ليوجه إلى شبيب، وكتب إلى المهلب
__________
1 قال المرصفي: "الحزون: لقب حبيب؛ لأنه كان يحرن في الأرض فلا يبرح". والبوارق والسيوف.
2 ر: "الصبي" بكسر الصاد وألف مقصورة.
3 مشرف: رمل بالدهناء.
4 س: "بالمسير".
(3/270)

[يأمره] 1 بأن يرزق الجند، فرق المهلب أهل البصرة، وأبى أن يرزق أهل الكوفة، فأبى، فجرت بينهما غلظة، فقال عتاب: قد كان يبلغني أنك شجاع فرأيتك جباناً. وكان يبلغني أنك جواد فرأيتك بخيلاً، فقال له المهلب: يا ابن اللخنا! فقال له عتاب: لكنك معم مخول2، فغضبت بكر بن وائل للمهلب للحلف، ووثب ابن تيم بن هبيرة بن أبي3 مصقلة على عتاب فشتمه، وقد كان المهلب كارهاً للحلف، فلما رأى نصرهة بكر بن وائل سره الحلف واغتبط به، ولم يزل يؤكده فغضبت تميم البصرة لعتاب، وغضبت أزد الكوفة للمهلب.
فلما رأى ذلك المغيرة بن المهلب مشى بين أبيه وبين عتاب، فقال لعتاب: يا أبا ورقاء، إن الأمير يصير لك إلى كل ما تحب، وسأل أباه أن يرزق أهل الكوفة، فأجابه، فصلح الأمر، فكانت تميم قاطبة وعتاب بن ورقاء يحمدون المغيرة بن المهلب، وقال عتاب: إني لأعرف فضله على أبيه، وقال رجل من الأزد من بني إياد بن سود:
ألا أبلغ أبا ورقاء عنا4 ... فلولا أننا كنا غضابا
على الشيخ المهلب إذ جفانا ... للاقت خيلكم منا ضرابا
وكان المهلب يقول لبنيه: لا تبدأوهم بقتال حتى يبدأوكم فيبغوا عليكم، فإنهم إذا بغوا نصرتم عليهم.
فشخص عتاب بن ورقاء إلى الحجاج في سنة سبع وسبعين، فوجه إلى شبيب، فقتله شبيب، وأقام المهلب على حربهم، فلما انقضى من مقامه ثمانية عشر شهراً اختلفوا.
وكان سبب اختلافهم أن رجلاً حداداً من الأزارقة كان يعمل نصالاً مسمومة، فيرمى بها أصحاب المهلب، فرفع ذلك إلى المهلب فقال: أنا قطري فقال: ألق هذا الكتاب في عسكر قطري واحذر على نفسك - وكان الحداد يقال له أبزى - فمضى الرسول، وكان في الكتاب: أما بعد، فإن نصالك قد وصلت إلي، وقد وجهت إليك بألف درهم، فاقبضها وزدنا من هذه النصال، فوقع الكتاب والدراهم إلى
__________
1 تكملة ر. س.
2 معم مخول. أي كريم الأعمام والأخوال.
3 ر: "أخي".
4 كذا في س, وفي ر: "بني ورقاء".
(3/271)

قطري. فدعا بأبزى، فقال: ما هذا الكتاب? قال: لا أدري، قال: فهذه الدراهم? قال: ما أعلم علماها، فأمر به فقتل، فجاءه عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة فقال له: أقتلت رجلاً إلى غير ثقة ولا تبين! فقال له: ما حال هذه الدراهم! قال: يجوز أن يكون أمرها كذباً ويجوز أن يكون حقاً، فقال له قطري: قتل رجل في صلاح الناس غير منكر، وللإمام أن يحكم بما رآه صلاحاً، وليس للرعية أن تعترض عليه، فتنكر له عبد ربه في جماعة [معه] 1، ولم يفارقوه.
فبلغ ذلك الملهب فدس إليه رجلاً نصرانياً، فقال له: إذا رأيت قطرياً فاسجد له، فإذا نهاك فقل: إنما سجدت لك. ففعل النصراني، فقال له قطري: إنما السجود لله، فقال: ما سجدت إلا لك، فقال له رجل من الخوارج قد عبدك من دون الله، وتلا: {إنكم إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} 2، فقال قطري: إن هؤلاء النصارى قد عبدوا عيسى ابن مريم فما ضر ذلك عيسى شيئاً، فقام رجل من الخوارج إلى النصراني فقتله، فأنكر ذلك عليه وقال: أقتلت ذمياً! فاختلفت الكلمة فبلغ ذلك المهلب، فوجه إليهم رجلاً يسألهم عن شيء تقدم به إليه، فأتاهم الرجل فقال: أرأيتم رجلين خرجا مهاجرين إليكم، فمات أحدهما في الطريق وبلغكم الآخر فامتحنتموه فلم يجز المحنة، ما تقولون فيهما? فقال بعضهم: أما الميت فمؤمن من أهل الجنة، وأما الآخر الذي لم يجز المحنة فكافر حتى يجيزها. وقال قوم آخرون: بل هما كافران حتى يجيزا المحنة، فكثر الاختلاف.
فخرج قطري إلى حدود إصطخر، فأقام شهراً والقوم في اختلافهم، ثم أقبل، فقال لهم صالح بن مخراق: يا قوم، إنكم قد قررتم أعين عدوكم وأطعمتوهم لكم، لما ظهر من اختلافكم، فعودوا إلى سلامة القلوب واجتماع الكلمة.
وخرج عمرو القنا فنادى: يا أيها المحلون3. هل لكم في الطراد، فقد طال العهد به! ثم قال:
ألم تر أنا مذ ثلاثون ليلة ... قريب وأعداء الكتاب على خفض
__________
1 تكملة من س.
2 سورة الأنبياء 98.
3 المحلون: الذين لاعهد لهم ولاحرمة.
(3/272)

فتهايج القوم، وأسرع بعضهم إلى بعض، فأبلى يومئذ المغيرة بن المهلب، وصار في وسط الأزارقة، فجعلت الرماح تحطه1 وترفعه، واعتورت رأسه السيوف، وعليه ساعد حديد فوضع يده على رأسه، فجعلت السيوف لا تعمل فيه شيئاً، واستنقذه فرسان من الأزد بعد أن صرع، وكان الذي صرعه عبيدة بن هلال، وهو يقول:
أنا ابن خير قومه هلال ... شيخ على دين أبي بلال
وذاك ديني آخر الليالي
فقال رجل للمغيرة: كنا نعجب كيف تصرع، والآن نعجب كيف تنجو! وقال المهلب لبنيه: إن سرحكم لغار، ولست آمنهم عليه، أفوكلتم به أغار على السرح، فشق ذلك على المهلب، وقال: كل أمر لا أليه بنفسي فهو ضائع، وتذمر عليهم، فقال له بشر بن المغيرة: أرح نفسك، فإن كنت إنما تريد مثلك فوالله لا يعدل أحدنا شسع نعلك، فقال: خذوا عليهم الطريق، فثار بشر بن المغيرة، ومدرك والمفضل ابنا المهلب، فسبق بشر إلى الطريق، فإذا رجل أسود من الأزارقة يشل السرح2، أي يطرده، وهو يقول:
نحن أقمعناكم بشل السرح ... وقد نكأنا القرح بعد القرح3
الشل: الطرد: ويقال: نكأت القرحة، مهموز، ونكيت العدو، غير مهموز، من النكاية، ونكأت القرحة نكأ، قال ابن هرمة:
ولا أراها تزال ظالمة4 ... تحدث لي قرحة وتنكؤها
ولحقه المفضل ومدرك، فصاحا برجل من طيئ: اكفنا الأسود، فاعتوره الطائي وبشر بن المغيرة فقتلاه، وأسرا رجلاً من الأزارقة، فقال المهلب: ممن الرجل? قال: رجل من همدان، قال: إنك لشين همذان، وخلى سبيله.
__________
1 هنا آخر الخرم في النسخة الأصل, وأوله في ص 377 من هذا الجزء.
2 السرح: المال الذي يسام في المرعى من الأنعام.
3 أقمناكم: قهرناكم.
4 أي لاتزال.
(3/273)

وكان عياش الكندي شجاعاً بئيساً1، فأبلى يومئذ، ثم مات على فراشه بعد ذلك، فقال المهلب: لا وألت نفس الجبان بعد عياش! وقال المهلب: ما رأيت كهؤلاء كلما ينقص منهم يزيد فيهم! ووجه الحجاج إلى المهلب رجلين: أحدهما من كلب، والآخر من سليم، يستحثانه بالقتال، فقال المهلب متمثلاً:
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
الشعر لأوس بن حجر، وقوله: زبنته يقول: دفعته، ولم يترمرم، أي لم يتحرك، يقال: قيل له كذا وكذا فما ترمرم.
وقال ليزيد: حركهم، فحركهم فتهايجوا، وذلك في قرية من قرى إصطخر، فحمل رجل من الخوارج على رجل من أصحاب المهلب فطعنه، فشك فخذه بالسرج، فقال المهلب للسلمي والكلبي: كيف نقاتل قوماً هذا طعنهم!
وحمل يزيد عليه وقد جاء الرقاد، وهو من فرسان المهلب، وهو أحد بني مالك بن ربيعة، على فرس له أدهم، وبه نيف وعشرون جراحة، وقد وضع عليها القطن، فلما حمل يزيد ولى الجمع وحماهم فارسان، فقال يزيد لقيس الخشني مولى العيتك من لهذين? قال: أنا، فحمل عليهما، فعطف عليه أحدهما، فطعنه قيس الخشني فصرعه، وحمل عليه الآخر فعانقه، فسقطا جميعاً إلى الأرض، فصاح قيس الخشني: اقتلونا جميعاً، فحملت خيل هؤلاء وخيل هؤلاء، فحجزوا بينهما، فإذا معانقه امرأة، فقام قيس مستحيياً، فقال له يزيد: أما أنت فبارزتها على أنها رجل، فقال: أرأيت لو قتلت! أما كان يقال: قتلته امرأة! وأبلى يومئذ ابن المنجب السدوسي، فقال له غلام له يقال له خلاج: والله لوددنا أنا فضضنا عسكرهم حتى أصير إلى مستقرهم فأستلب مما هناك جاريتين. فقال مولاه: وكيف تمنيت اثنتين? قال: لأعطيك إحداهما وآخذ الأخرى، فقال ابن المنجب:
__________
1 البئيس: الشديد البأس.
(3/274)

أخلاج إنك لن تعانق طفلة ... شرقاً بها الجادي كالتمثال
حتى تلاقي في الكتيبة معلمة ... عمرو القنا وعبيدة بن هلال
وترى المقعطر في الكتيبة مقدماً ... في عصبة قسطوا مع الضلال
أو أن يعلمك المهلب غزوة ... وترى جبالاً قد دنت لجبال
قوله: طفلة يقول: ناعمة، وإذا كسرت الطاء فقلت: طفلة فهي الصغيرة. والجادي: الزعفران، والكتيبة: الجيش، وإنما سمي الجيش كتيبة لانضمام أهله بعضهم إلى بعض. وبهذا سمي الكتاب. ومنه قولهم: كتبت البغلة والناقة إذا خرزت ذلك الموضع منها. وكتبت القربة. والمعلم: الذي قد شهر نفسه بعلامة، إما بعمامة صبيغ، وإما بمشهرة، وإما بغير ذلك. وكان حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه معلماً يوم بدر بريشة نعامة في صدره وكان أبو جدانة - وهو سماك بن خرشة الأنصاري - يوم أحد لم قال رسول الله صلى الله عليه سلم: "من يأخذ سيفي هذا بحقه?" قالوا: وما حقه يا رسول الله? قال: "أن يضرب به في العدو حتى ينحني"، فقال أبو دجانة: أنا، فدفعه إليه، فلبس مشهرة فأعلم بها، وكان قومه يعلمون لما بلوا منه أنه إذا لبس تلك المشهرة لم يبق في نفسه غاية، ففعل، وخرج يمشي بين الصفين، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنها لمشية يبغضها الله عز وجل إلا في مثل هذا الموضع". ويروى أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع علياً صلوات الله عليه يقول لفاطمة ورمى إليها بسيف، فقال: هاك حميداً فاغسلي عنه الدم. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدقه معك سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة". وفي بعض الحديث "وقيس بن الربيع" وكل هؤلاء من الأنصار.
عاد الحديث إلى ذكر الخوارج: وعمرو القنا من بني سعد بن زيد مناة بن تميم، وعبيدة بن هلال من بني يشكر بن بكر بن وائل، والذي طعن صاحب المهلب في فخذه فشكها مع السرج من بني تميم. قال: ولا أدري أعمرو هو أم غيره. والمقعطر من عبد القيس.
(3/275)

وقوله: قسطوا أي جاروا، يقال قسط فهو قاسط، إذا جار، قال الله جل ثناؤه: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} 1. ويقال: أقسط يقسط فهو مقسط، إذا عدل، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} 2.
وكان بدر بن الهذيل شجاعاً، وكان لحانة، فكان إذا أحس بالخوارج نادى يا خيل3 الله اركبي، وله يقول القائل:
وإذا طلبت إلى المهلب حاجة ... عرضت توابع دونه وعبيد
العبد كردوس وعبد مثله ... وعلاج باب الأحمرين شديد
كردوس: رجل من الأزد، وكان حاجب المهلب. وقوله: "وعلاج باب الأحمرين شديد"، العرب تسمي العجم الحمراء، وقد مر تفسير ذا.
وقوله: توابع أراد به الرجال، فجاز في الشعر، وإنما رده إلى أصله للضرورة، وما كان من النعوت على فاعل فجمعه فاعلون لئلا يلتبس بجمع فاعله التي هي نعت، وقد قلنا في هذا: ولم قالوا: فوارس وهالك في الهوالك.
وكان بشر بن المغيرة أبلى يوماً بلاء حسناً عرف مكانه فيه، وكانت بينه وبين بني المهلب جفوة، فقال لهم: يا بني عم، إني قد قصرت عن شكاة العاتب، وجاوزت شكاة المستعتب4؛ حتى كأني لا موصول ولا محروم، فاجعلوا لي فرجة أعش بها وهبوني امرأ رجوتم نصره، أو خفتم لسانه. فرجعوا له ووصلوا، وكلموا فيه المهلب فوصله.
وولى الحجاج كردماً فارس، فوجهه الحجاج إليها والحرب قائمة، فقال رجل من أصحاب المهلب:
ولو رآها كردم لكردما ... كردمة العير أحس الضيغما
الضيغم: الأسد. والكردمة: النفور.
__________
1 سورة الجن.
2 سورة الحجرات 9.
3 بكسر اللام, وهو موضع اللحن.
4 العاتب: الساخط المستعتب: طالب الرضا.
(3/276)

فكتب المهلب إلى الحجاج يسأله أن يتجافى له عن إصطخر ودراب جرد لأرزاق الجند، ففعل، وقد1 كان قطري هدم مدينة إصطخر، لأن أهلها كانوا يكاتبون المهلب بأخباره، وأراد مثل ذلك بمدينة فسا، فاشتراها منه آزاد مرد بن الهربذ بمائة ألف درهم فلم يهدمها، فواقعه المهلب فهزمه، ونفاه إلى كرمان، واتبعه ابنه المغيرة وقد كان دفع إليه سيفاً وجه به الحجاج إلى المهلب، وأقسم عليه أن يتقلده، فدفعه إلى المغيرة بعدما تقلد به، فرجع به المغيرة إليه وقد دماه، فسر المهلب بذلك وقال: ما يسرني أن أكون كنت قد1 دفعته إلى غيرك من ولدي، اكفني جباية خراج هاتين الكورتين، وضم إليه الرقاد، فجعلا يجبيان ولا يعطيان الجند شيئاً، ففي ذلك يقول رجل منهم، وأحسبه من بني تميم، في كلمة له:
ولو علم ابن يوسف مانلاقي ... من الآفات والكرب الشداد
لفاضت عينه جزعاً علينا ... وأصلح ما استطاع من الفساد
ألا قل للأمير جزيت خيراً ... أرحنا من مغيرة والرقاد
فما رزقا الجنود بها قفيزاً ... وقد ساست مطامير الحصاد2
يقال: ساس الطعام وأساس، إذا وقع فيه السوس، وداد وأداد، من الدود، وروى أبو زيد: ديد فهو مدود في هذا المعنى.
فحاربهم المهلب بالسيرجان حتى نفاهم عنها إلى جيرفت، واتبعهم فنزل قرباً منهم، واختلفت كلمتهم.
وكان سبب ذلك أن عبيدة بن هلال اليشكري أتهم بامرأة رجل رأوه مراراً يدخل منزله بغير إذن، فأتوا قطرياً فذكروا ذلك له، فقال لهم: إن عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن الجهاد بحيث رأيتم فقالوا: إنا لا نقاره على الفاحشة، فقال: انصرفوا، ثم بعث إلى عبيدة فأخبره وقال: إنا لا نقار على الفاحشة، فقال: بهتوني3 يا أمير المؤمنين، فما ترى? قال: إني جامع بينك وبينهم، فلا تخضع خضوع المذنب، ولا تتطاول تطاول البريء، فجمع بينهم فتكلموا، فقام عبيدة
__________
1 ساقطة من ر.
2 المطامير: جمع مطمورة, وهي حفرة تحت الأرض تخبأ فيها الحبوب.
3 من المقارة وهي السكون والطمأنينة.
(3/277)

فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} 1 الآيات. فبكوا وقاموا إليه فاتنقوه، وقالوا: استغفر لنا، ففعل، فقال لهم عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة: والله لقد خدعكم، فبايع عبد ربه منهم ناس كثير لم يظهروا ولم يجدوا على عبيدة في إقامة الحد ثبتاً.
وكان قطري قد استعمل رجلاً من الدهاقين فظهرت له أموال كثيرة، فأتوا قطرياً فقالوا: أن عمر بن الخطاب لم يكن يقار عماله على مثل هذا، فقال قطري: إني استعملته وله ضياع وتجارات، فأوغر ذلك صدورهم، وبلغ ذلك المهلب، فقال: إن اختلافهم أشد عليهم مني.
وقالوا لقطري: ألا تخرج بنا إلى عدونا? فقال: لا، ثم خرج، فقالوا: قد كذب وارتد! فاتبعوه يوماً فأحس بالشر، فدخل داراً مع جماعة من أصحابه، فصاحوا به: يا دابة، اخرج إلينا، فخرج إليهم، فقال: رجعتم بعدي كفاراً! فقالوا: أو لست دابة! قال الله عز وجل: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 2, ولكنك قد كفرت بقولك: إنا قد رجعنا كفاراً، فتب إلى الله عز وجل، فشاور عبيدة، فقال: إن تبت لم يقبلوا منك، ولكن قل: إنما استفهمت فقلت: أرجعتم بعدي كفاراً? فقال ذلك لهم، فقبلوه منه، فرجع إلى منزله، وعزم أن يبايع المقعطر العبدي، فكرهه القوم وأبوه، فقال له صالح بن مخراق عنه وعن القوم: ابغ لنا غير المقعطر، فقال لهم3 قطري: أرى طول العهد قد غيركم، وأنتم بصدد عدوكم، فاتقوا الله وأقبلوا على شأنكم، واستعدوا للقاء القوم، فقال صالح بن مخراق: إن الناس قبلنا قد3 ساموا عثمان بن عفان أن يعزل عنهم سعيد بن العاصي ففعل، ويجب على الإمام أن يعفي الرعية مما كرهت. فأبى قطري أن يعزله، فقال له القوم: إنا خلعناك وولينا عبد ربه الصغير، فانفصل إلى عبد ربه أكثر من الشطر، وجلهم الموالي والعجم، وكان هناك منهم ثمانية آلاف، وهم القراء، ثم نم صالح بن مخراق، فقال لقطري: هذه نفحة من نفحات الشيطان.
__________
1 سورة النور 11وما بعدها.
2 سورة هود 6
3 ساقطة من ر.
(3/278)

فأعفنا من المقعطر وسر بنا إلى عدوك، فأبى قطري إلا المقعطر، فحمل فتى من العرب على صالح بن مخراق، فطعنه فأنفذه، وأجره الرمح فقتله.
ومعنى أجره الرمح طعنه وترك الرمح فيه، قال عنترة:
وآخر منهم أجررت رمحي ... وفي البجلي معبلة وقيع
فنشبت الحرب بينهم، فتهايجوا، ثم انحاز كل قوم إلى صاحبهم، فلما كان الغد اجتمعوا فاقتتلوا قتالاً شديداً، فأجلت الحرب عن ألفي قتيل، فلما كان الغد باكروهم القتال، فلم ينتصف النهار حتى أخرجت العجم العرب من المدينة. وأقام عبد ربه بها، وصار قطري خرجاً من مدينة جيرفت بإزائهم، فقال له عبيدة: يا أمير المؤمنين، إن أقمت لم آمن هذه العبيد عليك إلا أن تخندق. فخندق على باب المدينة، وجعل يناوشهم.
وارتحل المهلب فكان منهم على ليلة، ورسول الحجاج معه يستحثه فقال له: أصلح الله الأمير! عاجلهم قبل أن يصطلحوا، فقال المهلب: إنهم لن يصطلحوا، ولكن دعهم، فإنهم سيصيرون إلى حال لا يفلحون معها، ثم دس رجلاً من أصحابه فقال: إيت عسكر قطري، فقل: إني لم أزل أرى قطرياً يصيب الرأي حتى نزل منزلة هذا فبان خطؤه؛ أنقيم بني المهلب وعبد ربه، يغاديه هذا القتال ويراوحه هذا! فنمى الكلام إلى قطري، فقال: صدق، تنحوا بنا عن هذا الموضع، فإن اتبعنا المهلب قاتلناه، وإن أقام على عبد ربه رأيتم فيه ما تحبون، فقال له الصلت بن مرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت إنما1 تريد الله فاقدم على القوم، وإن كنت إنما1 تريد الدنيا فأعلم أصحابك حتى يستأمنوا، وأنشأ الصلت يقول:
قل للمحلين قد قرت عيونكم ... بفرقة القوم والبغضاء والهرب
كنا أناسا على دين فغيرنا ... طول الجدال وخلط الجد باللعب
ما كان أغنى رجالاً ضل سعيهم ... عن الجدال وأغناهم عن الخطب
إني لأهونكم في الأرض مضطرباً ... ما لي سوى فرسي والرمح من نشب
ثم قال: أصبح المهلب يرجو منا ما كنا نطمع فيه منه، فارتحل قطري، وبلغ ذلك المهلب، فقال لهريم بن عدي بن أبي طحمة المجاشعي: إني لا آمن أن يكون
__________
1 ساقطة من ر.
(3/279)

قطري كادنا بترك موضعه، فاذهب فتعرف الخبر، فمضى هريم في إثني عشر فارساً، فلم ير في العسكر إلا عبداً وعلجاً، فسألهما عن قطري وأصحابه، فقالا: مضوا يرتادون غر هذا المنزل، فرجع هريم إلى المهلب فأخبره، فارتحل المهلب حتى نزل خندق قطري، فجعل يقاتلهم أحياناً بالغداة، وأحياناً بالعشي، ففي ذلك يقول رجل من سدوس، يقال له المعنق، وكان فارساً:
ليت الحرائر بالعراق شهدننا ... ورأيننا بالسفح ذي الأجيال
فنكحن أهل الجزء من فرساننا1 ... والضربين جماجم الأبطال
ووجه المهلب يزيد إلى الحجاج يخبره أنه قد نزل منزل قطري، وأنه مقيم على عبد ربه، ويسأله أن يوجه في إثر قطري رجلاً جلداً في جيش، فسر ذلك الحجاج سروراً أظهره. ثم كتب إلى المهلب يستحثه مع عبيد بن موهب؛ وفي الكتاب.
أما بعد، فإنك تتراخى عن الحرب حتى تأتيك رسلي، فترجع بعذرك، وذل أنك تمسك حتى تبرأ الجراح، وتنسى القتلى، ويجم الناس2. ثم تلقاهم فتحتمل منهم مثل ما يحتملون منك من وحشة القتل، وألم الجراح، ولو كنت تلقاهم بذلك الجد لكان الداء قد حسم، والقرن قد قصم3. ولعمري ما أنت والقوم سواء؛ لأن من ورائك رجالاً وأمامك أموالاً، وليس للقوم إلا ما معهم. ولا يدرك الوجيف بالدبيب، ولا الظفر بالتعذير.
فقال المهلب لأصحابه: إن الله عز وجل قد أراحكم من أقران أربعة قطري بن الفجاءة، وصالح بن مخراق، وعبيدة بن هلال، وسعد الطلائع، وإنما بين أيديكم عبد ربه، في خشار من خشار4 الشيطان، تقتلونهم إن شاء الله.
فكانوا يتغادون القتال ويتراوحون، فتصيبهم الجراح، ثم يتحاجزون كأنما انصرفوا من
__________
1 أهل الجزء: أهل الكفاية والغناء في الحرب.
2 يجم الناس: يسترخون.
3 قصم قرن الحيوان: كسره, ضربة مثلا لهلاك القوم.
4 الخشار: الردئ من كل شيء
(3/280)

مجلس كانوا يتحدثون فيه، فيضحك بعضهم إلى بعض، فقال عبيد بن موهب للمهلب: قد بان عذرك، وأنا مخبر الأمير. فكتب المهلب إليه.
أما بعد: فإني لم أعط رسلك على قول رسلك على قول الحق أجراً، ولم أحتج منهم مع المشاهدة إلى تلقي، ذكرت أني أجم القوم، ولا بد من راحة يستريح فيها الغالب، ويحتال فيها المغلوب، وذكرت أن في ذلك الجمام ما ينسي القتلى، وتبرأ منه الجراح، وهيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم، تأبى ذلك قتلى لم تجن، وقروح لم تتقرف1. ونحن القوم على حالة، وهم يرقبون منا حالات، إن طمعوا حاربوا. وإن ملوا وقفوا، وإن يئسوا انصرفوا، وعلينا أن نقاتلهم إذا قاتلوا، ونتحرز إذا وقفوا، وإن يئسوا انصرفوا، وعلينا أن نقاتلهم إذا قاتلوا، ونتحرز إذ وقفوا، ونطلب إذا هربوا فإن تركتين والرأي كان القرن مقصوماً، والداء بإذن الله محسوماً، وإن أعجلتني لم أطعك ولم أعص، وجعلت وجهي إلى بابك، وأنا أعوذ بالله من سخط الله، ومقت الناس.
ولما اشتد الحصار على عبد ربه قال لأصحابه: لا تفتقروا إلى من ذهب عنكم من الرجال، فإن المسلم لا يفتقر مع الإسلام إلى غيره، والمسلم إذا صح توحيده عز بربه، وقد أراحكم الله من غلظة قطري، وعجلة صالح بن مخراق ونخوته، واختلاط عبيدة بن هلال، ووكلكم إلى بصائركم، فالقوا عدوكم بصبر ونية، وانتقلوا عن منزلكم هذا؛ من قتل منكم قتل شهيداً. ومن سلم من القتل فه المحروم.
وقدم في هذا الوقت على المهلب عبيد بن أبي ربيعة بن أبي الصلت الثقفي، يستحثه بالقتال، ومعه أمينان، فقال له: خالفت وصية الأمير، وآثرت المدافعة والمطاولة، فقال له المهلب: ما تركت جهداً، فلما كان العشي خرج الأزارقة وقد حملوا حرمهم وأموالهم وخف متاعهم لينتقلوا، فقال المهلب لأصحابه: الزموا مصافكم، وأشرعوا رماحكم2، ودعوهم والذهاب، فقال له عبيد: هذا لعمري أيسر عليك، فقال للناس: ردوهم عن وجههم3، وقال لبنيه: تفرقوا في الناس،
__________
1 لم نتفرق: يم تنقشر ولم تيبس.
2 أشرع الرمح: صوبه.
3 "وجههم".
(3/281)

وقال لعبيد بن أبي ربيعة: كن مع يزيد فخذه بالمحاربة أشد الأخذ، وقال لأحد الأمينين: كنا مع المغيرة ولا ترخص له في الفتور، فاقتتلوا قتالاً شديداً، حتى عقرت الدواب وصرع الفرسان، وقتلت الرجال فجعلت الخوارج تقاتل على القدح يؤخذ منها والسوط والعلق الخسيس أشد قتال، وسقط رمح برجل من مراد من الخوارج، فقاتلوا عليه حتى كثر الجراح والقتل، وذلك مع المغرب، والمرادي يقول:
الليل ليل فيه ويل ويل ... وسل بالقوم الشراة السيل
إن جاز للأعداء فينا قول
فلما عظم الخطب فيه بعث المهلب إلى المغيرة1: خل لهم عن الرمح، عليهم لعنة الله1، فخلوا لهم عنه.
ثم مضت الخوارج حتى نزلوا على أربعة فراسخ من جيرفت، ودخلها المهلب، فأمر بجمع ما كان لهم فيها من المتاع، وما خلفوه من دقيق2 وختم عليه هو والثقفي والأمينان، ثم أتبعهم، فإذا هم قد نزلوا على عين لا يشرب منها إلا قوي، يأتي الرجل بالدلو قد شدها في طرف رمحه فيستقي بها، وهناك قرية فيها أهلها، فغاداهم القتال. وضم الثقفي إلى يزيد، وأحد الأمينين إلى المغيرة، واقتتل القوم إلى نصف النهار، فقال المهلب لأبي علقمة العبدي - وكان شجاعاً عاتياً: أمدد بخيل اليحمد، وقل لهم: فليعيرونا جماجمهم ساعة، فقال له: إن جماجمهم ليست بفخار فتعار، وليست أعناقهم كردان3 فتنبت - قال أبو العباس4: تقول العرب لأعذاق النخل: كرادن، وهو فراسي أعرب -.
وقال لحبيب بن أوس: كر على القوم، فلم يفعل، وقال:
يقول لي الأمير بغير علم ... تقدم حين جد به المراس
فما لي إن أطعتك من حياة ... وما لي غير هذا الرأس رأس
__________
1 ر"خل عن الرمح عليهم لعنهم الله" والجود ما أثبته عن الأصل, س.
2 ر: "رفيق". وما أثيته من الأصل, س.
3 ر: "كردي".
4 ر: "أبو الحسن الأخفش". وما أثبته من الأصل, س.
(3/282)

نصب: غير، لأنه استثناء مقدم، وقد مضى تفسيره.
وقال لمعن بن المغيرة بن أبي صفرة: احمل، فقال: لا، إلا أن تزوجني أم مالك بنت المهلب، ففعل، فحمل على القوم فكشفهم، وطعن فيهم، وقال:
ليت من يشتري الغداة بمال ... هلكه اليوم عندنا فيرانا
نصل الكر عند ذاك بطعن ... إن للموت عندنا ألوانا
ثم جل الناس جولة عند حملة حملها عليهم الخوارج، فالتفت عند ذلك المهلب إلى المغيرة فقال: ما فعل الأمين الذي كان معك? قال: قتل، وكان الثقفي قد هرب، وقال ليزيد: ما فعل عبيد بن أبي ربيعة? قال: لم أره منذ كانت الجول، فقال الأمين الآخر للمغيرة: أنت قتلت صاحبي، فلما كان العشي، فقال رجل من بني عامر بن صعصعة:
ما زلت يا ثقفي تخطب بيننا ... وتغعمنا بوصية الحجاج
حتى إذا ما الموت أقبل زاخراً ... وسما لنا صرفاً بغير مزاج
وليت يا ثقفي غير مناظر ... تنساب بين أحزة وفجاج
ليست مقارعة الكماة لدى الوغى ... شرب المدامة في إناء زجاج
قوله: بين أحزة هو جمع حزيز، وهو متن ينقاد من الأرض ويغلظ، والفجاج: الطرق، واحدها فج.
وقال المهلب للأمين الآخر: ينبغي أن تتوجه مع ابني حبيب في ألف رجل حتى تبيتوا عسكرهم، فقال: ما تريد أيها الأمير إلا أن تقتلني كما قتلت صاحبي. قال: ذاك إليك، وضحك المهلب، ولم تكن للقوم خنادق، فكان كل حذراً من صاحبه، غير أن الطعام والعدة مع المهلب، وهم في زهاء ثلاثين ألفاً، فلما أصبح أشرف على واد، فإذا هو برجل معه رمح مكسور وقد خضبه بالدماء، وهو ينشد:
جزاني دوائي ذو الخمار وصنعتي ... إذ بت أطواء بني الأصاغر
أخادعهم عنه ليغبق دونهم ... وأعلم غير الظن أني مغاور
كأني وأبدان السلاح عشية ... يمر بنا في بطن فيحان طائر
فدعاه المهلب فقال: أتميمي أنت? قال: نعم، قال: أحنظلي? قال: نعم، قال: أيربوعي? قال: نعم، قال: أثعلبي? قال: نعم، قال: أمن آل نويرة? قال:
(3/283)

نعم، أنا من ولد مالك بن نويرة، وسبحان الله أيها الأمير! أيكون مثلي في عسكرك لا تعرفه! قال: عرفتك بالشعر.
قوله: ذو الخمار يعني فرساً. وكان ذو الخمار فرس مالك بن نوير. قال جرير يهجو الفرزدق:
بيربوع فخرت وآل سعد ... فلا مجدي بلغت ولا افتخاري
بيربوع فوارس كل يوم ... يواري شمسه رهج الغبار
عتيبة، والأحيمر وابن عمرو ... وعتاب، وفارس ذي الخمار
قوله: أطواء يقال: رجل طوي البط، أي منطو يخبر أنه كان يؤثر فرسه على ولده، فيشبعه وهم جياع، وذلك قوله:
أخادعهم عنه ليغبق دونهم
والغبوق شرب آخر النهار، وهذا شيء تفخر1 به العرب، قال الأشعر الجعفي:
لكن قعيدة بيتنا مجفوة ... باد جناجن صدرها ولها غنى2
نقفي بعيشه أهلها وثابة ... أو جرشعاً نهد المراكل والشوى3
قال: فمكثوا أياما على غير خنادق يتحارسون ودوابهم مسرجة، فلم يزالوا على ذلك حتى ضعف الفريقان، فلم كانت الليلة التي قتل في صبحتها عبد ربه جمع أصحابه وقال: يا معشر المهاجرين، إن قطرياً وعبيدة هربا طلب البقاء، ولا سبيل إليه، فالقا عدوكم، فإن غلبوكم على الحياة، فلا يغلبنكم على الموت، فتلقوا الرماح بنحوركم، والسيوف بوجوهكم، وهبوا أنفسكم لله في الدنيا يهبها لكم في الآخرة.
فلما أصبحوا غادوا المهلب فقاتلوه قتالاً شديداً، نسي به ما كان قبله، فقال رجل من الأزد من أصحاب المهلب: من يبايعني على الموت? فبايعه أربعون رجلاً
__________
1 ر: "تفتخر".
2 الجناجن" عظائم الصدر.
3 الجرشع: المنتقخ الجنين. والمركل: موضع رجل الفارس من الفرس.
(3/284)

من الأزد وغيرهم، فصرع بعضهم وقتل بعض، وجرح بعض. وقال عبد الله بن رزام الحارثي لأصحاب المهلب، احملوا، فقال: المهلب: أعرابي مجنون! وكان من أهل نجران، فحمل وحده، فاخترق القوم حتى نجم من ناحية أخرى ثم رجع، ثم كر ثانية ففعل فعلته الأولى، وتهايج الناس، فترجلت الخوارج وعقروا دوابهم، فناداهم عمرو القنا ولم يترجل هو وأصحابه من العرب، وكانوا زهاء أربعمائة: موتوا على ظهور دوابكم ولا تعقروها فقالوا: إنا إذا كنا على الدواب ذكرنا الفرار.
فاقتتلوا، ونادى المهلب بأصحابه: الأرض الأرض، قال لبنيه: تفرقوا في الناس ليروا وجوهكم، ونادى الخوارج: ألا إن العيال لمن غلب، فصبر بنو المهلب، وصبر يزيد بين يدي أبيه، وقاتل قتالاً شديداً ألى فيه، فقال له أبوه: يا بني إني أرى موطناً لا ينجو فيه إلا من صبر، وما مر بي يوم مثل هذا منذ مارست الحروب.
وكسرت الخوارج أجفان سيوفهم، وتجاولوا، فأجلت جولتهم عن عبد ربه مقولاً، فهرب عمرو القنا وأصحابه، وأستأمن قوم، وأجلت الحرب عن أربعة آلاف قتيل وجرحى كثر من الخوارج، فأمر المهلب بأن يدفع كل جريح إلى عشيرته، وظفر عسكرهم فحوى ما فيه، ثم انصرف إلى جيرفت، فقال: الحمد لله الذي ردنا إلى الخفض والدعة، فما كان عيشنا بعيش، ثم نظر إلى قوم في عسكر لم يعرفهم، فقال: ما أشد عادة السلاح! ناولني درعي: فلبسها ثم قال: خذوا هؤلاء، فلما سير بهم إليه قال: ما أنتم? قالوا: نحن قوم جئنا لنطلب غرتك لنفتك بك، فأمر بهم فقتلوا.
قال أبو العباس: ووجه المهلب كعب بن معدان الأشقري، ومرة بن تليد الأزدي، من أزد شنوءة، فوفدا على الحجاج، فلما طلعا عليه تقدم كعب فأنشده:
يا حفص إني عداني عنكم السفر ... وقد سهرت فأودى نومي السهر1
فقال له الحجاج: أخبرني عن بني المهلب، قال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى
__________
1 وضع الشطر الثاني في ر بين علامتي الزيادة, وهو غير زائد في الصل, س.
(3/285)

بيزيد فارساً شجاعاً! وجوادهم وسخيهم قبيصة ولا يستحيي الشجاع أن يفر من مدرك، وعبد الملك سم ناقع، وحبيب موت زعاف، ومحمد ليث غاب، وكفاك بالمفضل نجدة! قال: فكيف خلفت جماعة الناس? قال: خلفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا، قال: فكيف خلفت جماعة الناس? قال: خلفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا، قال: فكيف كان بنو المهلب فيهم1 ? قال: كانوا حماة السرح نهاراً، فإذا أليلوا ففرسان البيات، قال: فأيهم كان أنجد? قال: كانوا كالحلقة المفرغة، لا يدرى أين طرفها، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوكم? قال: كنا إذا أخذنا عفونا، وإذا أخذوا يئسنا منهم، 2إذا اجتهدوا واجتهدنا بلغنا فيهم2 آمالنا بإدراك الفرصة منهم، فقال الحجاج إن العاقبة للمتقين، كيف أفلتكم قطري قال: كدناه ببعض ما كادنا به، فصرنا منه إلى التي3 نحب، قال: فهلا اتبعتموه? قال: كان الحد عندنا آثر من الفل، قال: فيكيف كان لكم المهلب وكنتم له? قال: كان لنا منه شفقة الوالد، وله منا بر الولد، قال: فكيف اغتباط الناس? قال: فشا فيهم الأمن، وشملهم النفل، قال: أكنت أعددت لي هذا الجواب? قال: لا يعلم الغيب إلا الله قال: فقال: هكذا تكون والله الرجال! المهلب كان أعلم بك حيث وجهك.
وكان كتاب المهلب إلى الحجاج:
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الكافي بالإسلام فقد ما ساه، الذي 4وصل المزيد بالشكر، والنعمة بالحمج، وقضى ألا ينقطع المزيد منه4 حتى ينقطع الشكر من عباده.
أما بعد، فقد كان من أمرنا ما قد بلغك، وكنا ونحن وعدونا على حالين مختلفين، يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا، ويسوءهم منا أكثر مما يسرهم، على اشتداد شوكتهم، فقد كان علن أمرهم حتى ارتاعت له الفتاة، ونوم به الرضيع، فانتهزت منهم الفرصة في وق إمكانها، وأدنيت السواد من السواد، حتى تعارفت الوجوه، فلم نزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 5.
__________
1 ر: "فيكم".
2 كذا في الأصل, س. وفي ر. "وإذا اجتهد واجتهدنا طمعنا فيهم".
3 ر. "الذي".
4 كذا في الأصل, س. وفي ر "الذي حكم بألا ينقطع المزيد منه".
5 سورة الأنعام: 45.
(3/286)

فكتب إليه الحجاج:
أما بعد، فإن الله عز وجل قد فعل المسلمين خيراً، وأراحهم من حد الجهاد، وكنت أعلم بما قبلك، والحمد لله رب العالمين فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسم في المجاهدين فيئهم، ونفل الناس على قدر بلائهم، وفضل من رأيت تفضيله، وإن كانت بقيت من القوم بقية فخلف خيلاً تقوم بإزائهم، واستعمل على كرمان من رأيت، وول الخيل شهماً من ولدك، ولا ترخص لأحد في اللحاق بمنزلة دون أن تقدم بهم علي، وعجل القدوم، إن شاء الله.
فولى المهلب ابنه يزيد كرمان، وقال له: يا بني، إنك اليوم لست كما كنت، إنما لك من مال كرمان ما فضل عن الحجاج، ولن تحتمل إلا على ما احتمل عليه أبوك، فأحسن إلى من معك، وإن أنكرت من إنسان شيئاً فوجهه إلي، وتفضل على 1قومك إن شاء الله 2.
قال أبو العباس: وقدم المهلب على الحجاج فأجلسه إلى جانبه، وأظهر إكرامه وبره، وقال: يا أهل العراق، أنتم عبيد المهلب، ثم قال: أنت والله كما قال لقيط الإيادي:
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا يطعم النوع إلا ريث يبعثه ... هم يكاد حشاه يقصم الضلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعاً طوراً ومتبعا
حتى استمرت على شر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحماً ولا ضرعا
فقام إليه رجل، فقال: أصلح الله الأمير! والله لكأني أسمع الساعة قطرياً وهو يقول: المهلب كما قال لقيط الإيادي، ثم أنشد هذا الشعر، فسر الحجاج حتى امتلأ سروراً.
قوله: نفل إي أقسم بينهم، والنفل: العطية التي تفضل، كذا كان الأصل، وإنما فضل الله عز وجل بالغنائم على عباده، قال لبيد:
__________
1 ساقطة من ر.
(3/287)

إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريث وعجل1
وقال جل جلاله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} , ويقال: نفلتك كذا وكذا. أي أعيطتك، ثم صار النفل لازماً واجباً.
وقول الإيادي: رحب الذراع، فالرحب: الواسع، وإنما هذا مثل.
يريد واسع الصدر متباعد ما بين المنكبين والذراعين، وليس المعنى على تباعد الخلق، ولكن عل سهولة الأمر عليه. قال الشاعر:
رحيب الذراع بالتي لا تشينه ... وإن قيلت العوراء ضاق بها ذرعا
وكذلك قوله جل وعز: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} 2. وقوله: مضطلعاً إنما هو مفتعل من الضليع، وهو الشديد، يريد أنه قوي عل أمر الحرب، مستقل بها. وقوله: يكون متبعاً طرواً ومتبعاً أي قد اتبع الناس فعلم ما يصلح به أمر الناس، واتبع فعلم ما يصلح الرئيس، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قد ألناوإيل3 علينا. أي قد أصلحنا أمور الناس، وأصلحت أمورنا. وقوله: على شرز مريرته فهذا مثل، يقال: شزرت الحبل، إذا كررت فتله بعد استحكامه راجعاً عليه. المريرة: الحبل. والضرع: لصغير الضعيف. والقحم: آخر سن الشيخ، قال العجاج:
رأين قحما شاب واقلحما ... طال عليه الدهر فاسلهما
والمقلحم مثل القحم، وهو الجاف، ويقال للصبي مقلحم، إذا كان سيء الغذاء، أو ابن هرمين، ويقال: رجل إنقحل وامرأة إنقحلة، إذا أسن حتى ييبس. والمسلهم: الضامر. قال الشاعر:
لما رأتني خلقا ًإنقحلا
ويقال في معنى: قحم قحر، ويقال: بعير قحارية، في هذا المعنى، وقوله: لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه هم. فريث وعوض ما يضاف إلى الأفعال، وتأويله أنه لا يطعم النوم إلا يسيراً حتى يبعثه الهم، فمعناه مقدار ذلك
__________
1 الشطر الثاني ساقطة من ر.
2 سورة الأنعام: 125.
3 من الإيالة: وهي سياسة الحكم.
(3/288)

ومما يضاف إلى الأفعال أسماء الزمان، كقوله عز ذكره: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} 1؛ فأسماء الزمان كلها تضاف إلى الفعل، نحو قولك: آتيك يوم يخرج زيد. وجئتك يوم قام عبد الله، وما كان منها في معنى الماضي جاز أن يضاف إلى الابتداء والخبر، فتقول: جئتك يوم زيد أمير، ولا يجوز ذلك في المستقبل، وذلك لأن الماضي في معنى إذ، وأنت تقول: أجيئك إذ زيد أمير، والمستقبل في معنى إذا، فلا يجوز أن تقول: أجئتك إذا زيد أمير، فلذلك لا يجوز: أجيئك يوم زيد أمير. فأما الأفعال في إذا وإذ فهي بمنزلة واحدة، تقول: جئتك إذ قام زيد، وأجيئك إذا قام زيد، فهذا واضح بين، ومما يضاف إلى الفعل ذو في قولك: افعل ذاك بذي تسلم، وافعلاه بذي تسلمان معناه: بالذي يسلمكما، ومن ذلك "آية" في قوله:
بآية تقدمون الخيل شعثاً ... كأن على سنابكها مداما2
والنحو يتصل ويكثر، وإنما تركه الاستقصاء لأنه موضع اختصار، 3وقد أتينا على جمع هذا في الكتاب المقتضب3. فقال المهلب: إنا والله ما كنا أشد على عدونا ولا أحد، ولكن دمغ الحق الباطل، وقهرت الجماعة الفتنة، والعاقبة للتقوى، وكان ما كرهناه من المطاولة خيراً مما أحببناه من العجلت. فقال له الحجاج: صدقت، اذكر لي القوم الذين أبلوا وصف لي بلاءهم، فأمر الناس فكتبوا ذلك للحجاج، فقال لهم المهلب: ما ذخر الله لكم خير لكم من عاجل الدنيا إن شاء الله. ثم ذكرهم للحجاج على مراتبهم في البلاء وتفاضلهم في الغناء، وقدم بنيه: المغيرة، ويزيد، ومدركاً، وحبيباً، وقبيصة، والمفضل وعبد الملك، ومحمداً وقال: إنه والله لو قدمهم أحد في البلاء لقدمته عليهم، ولولا أن أظلمهم لأخرتهم. قال الحجاج: صدقت، وما أنت بأعلم بهم مني وإن حضرت وإبت إنهم لسيوف من سيوف الله. ثم ذكر معن بن المغيرة بن أبي صفرة والرقاد وأشباههما، فقال الحجاج: أين الرقاد? فدخل رجل طويل أجنأ4، فقال المهلب هذا فارس العرب، فقال الرقاد: أيها الأمير، إني كنت أقاتل مع غير المهلب، فكنت
__________
1 سورة المائدة: 119.
2 نسبة سيبويه في الكتاب "1: 460"إلى الأعشى.
3 ساقطة من ر.
4 من الجنأ؛ وهو ميل في الظهر.
(3/289)

كبعض الناس، فلما صرت مع من يلزمني الصبر ويجعلني أسوة نفسه وولده ويجاريني على البلاء، صرت أنا وأصحابي فرساناً؛ فأمر الحجاج بتفضيل قوم على قوم على قدر بلائهم، وزاد ولد المهلب ألفين، وفعل بالرقاد وجماعة شبيهاً بذلك.
قال يزيد بن حبناء من الأزارقة:
دعي اللوم إن العيش ليس بدائم ... لا تعجلي باللوم يا أم عاصم
فإذ عجلت منك الملامة فاسمعي ... مقالة مقني بحقك عالم
ولا تعذلينا في الهدية إنما ... تكون الهدايا من فضول المغانم
فليس بمهد من يكون نهاره ... جلاداً ويمسي ليله غير نائم
يريد ثواب الله يوماً بطعنة ... غموس كشدق العنبري بن سالم
أبيت وسربالي دلاص حصينة ... ومغفرها والسيف فوق الحيازم1
حلفت برب الواقفين عشية ... لدى عرفات حلقه غير آثم
لقد كان في القوم الذين لقيتهم ... بسابور شغل عن بروز اللطائم
توقد في أيديهم زاعبية ... ومقهة تقري شؤون الجماجم
قوله: من يكون نهاره جلاداً ويمسي ليله غير نائم يريد يمسي هو في ليله ويكون هـ في نهاره، ولكنه جعل الفعل لليل والنهار على السعة، وفي القرآن: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} 2. والمعنى بل مكركم في الليل والنهار، وقال من أهل البحرين من اللصوص:
أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في جوف منحوت من الساج
وقال آخر:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
ولو قال: من يكون نهاره جلاداً ويمسي ليله غير نائم.
فكان جيداً، وذاك أنه أراد من يكون نهاره يجالد جلاداً، كما تقول: إنما
__________
1 الدلص من كل شيء البراق, ومنه سميت الدرع دلاسا.
2 سورة سبأ: 33.
(3/290)

أنت سيراً، وإنما أنت ضرباً تريد تسير سيراً، وتضرب ضرباً، فأضمر لعلم المخاطب أنه لا يكون هو سيراً، ولو رفعه على أن يجعل الجلاد في موضع المجالد، على قوله: أنت سير أي أنت جائز كما قالت الخنساء:
فإنما هي إقبال وإدبار
وفي القرآن: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً} 1 أي غائراً، وقد مضى تفسير هذا بأكثر من هذا الشرح، ولو قال: ويسمي ليله غير نائم لجاز: يصير اسمه في يمسي، ويجعل ليله ابتداء، وغير نائم خبره على السعة التي ذكرنا.
وقوله: غموس يريد واسعة محيطة. والعنبري بن سالم رجل منهم كان يقال له الأشدق. واللطائم: واحدتها: لطيمة، وهي الإبل التي تحمل البز والعطر. وقوله: توقد في أيديهم زاعبية يعني الرماح، والتوقد للأسنة، والزاعبية منسوبة إلى زاعب، وهو رجل من الخزرج كان يعمل الرماح. وتفري: تقد، يقال فرى إذا قطع، وأفرى إذا أصلح.
وقال حبيب بن عوف من قواد المهلب:
أبا سعيد جزاك الله صالحة ... فقد كفيت ولم تعنف على أحد
داويت بالحلم أهل الجهل فانقمعوا ... وكنت كالوالد الحاني على الولد
وقال عبيدة بن هلال في هربهم مع قطري:
ما زالت الأقدار حتى قذفنني ... بقومس بين الفرخان وصول
ويروى أن قاضي قطري، وهو رجل من بني عبد القيس، سمع قول عبيدة بن هلال:
علا فوق عرش فوق سبع ودونه ... سماء ترى الأرواح من دونها تجري
فقال له العبدي: كفرت إلا أن تأتي بمخرج، قال: نعم، روح المؤمن تعرج إلى السماء، قال: صدقت. وقال يذكر رجلاً منهم:
__________
1 سورة الملك 30.
(3/291)

يطوي وترفعه الرياح كأنه ... شلو تنشب في مخالب ضار1
فثوى صريعاً والرماح تنوشه ... إن الشراة قصيرة الأعمار
تنوشه: تأخذه وتتناوله، قال الله عز وجل: {وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} 2 أي التناول. ومثل بيته هذا قول حبيب الطائي:
فيم الشماتة إعلاناً بأسد وغى ... أفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع
وقال أيضاً في شبيه بهذا المعنى:
إن ينتحل حدثان الموت أنفسكم ... ويسلم الناس بين الحوض والعطن
فالماء ليس عجيباً أن أعذبه ... يفنى ويمتد عمر الآجن الأسن
وقالأيضاً:
عليك سلام الله وقفاً فإنني ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر
وقال القاسم بن عيسى:
أحبك يا جنان فأنت مني ... مكان الروح من بدن الجبان
ولو أني أقول كان روحي ... لخفت عليك بادرة الزمان3
لإقدامي إذا ما الحرب جاشت ... وهاب حماتها حر الطعان
وقال معاوية بن أبي سفيان في خلاف هذا المعنى:
أكان الجبان يرى أنه ... يدافع عنه الفرار الأجل
فقد تدرك الحادثات الجبان ... ويسلم منها الشجاع البطل
رجع الحديث: وقال رجل من عبد القيس من أصحاب المهلب:
سائل بنا عمرو القنا وجنوده ... وأبا نعامة سيد الكفار
أبو نعامة: قطري.
__________
1 الشلو: العضو.
2 سورة سبأ: 52.
3 بادرة الرجل: ما بدر منه من قولٍ أو فعلٍ.
(3/292)

وقال المغيرة بن حبناء الحنظلي من أصحاب المهلب:
إني امرؤ كفني ربي وأكرمني ... عن الأمور التي في رعيها وخم
وإنما أنا إنسان أعيش كما ... عاشت رجال وعاشت قبلها أمم
ما عاقني عن قفول الجند إذ قفلوا ... عني بما صنعوا عجز ولا بكم
ولو أردت قفولاً ما تجهمني ... إذن الأمير ولا الكتاب إذ رقموا
إن المهلب إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه فإن الناس قد علموا
أن الأريب الذي ترجى نوافله ... والمستعان الذي تجلى به الظلم
القائل الفاعل الميمون طائره ... أبو سعيد إذا ما عدت النعم
أزمان أزمان إذ عض الحديد بهم ... وإذ تمنى رجال أنهم هزموا
قال أبو العباس: وهذا الكتاب لم نبتدئه لتتصل فيه أخبار الخوارج ولكن ربما اتصل الشيء بالشيء، والحديث ذو شجون، ويقترح المقترح ما يفسخ به عزم صاحب الكتاب، ويصده عن سننه، ويزيله عن طريقه.
ونحن راجعون إن شاء الله إلى ما ابتدأ له هذا الكتاب، فإن مر من أخبار الخوارج شيء مر كما مر غيره ولو نسقناه على ما جرى من ذكرهم لكان الذي يلي هذا خبر نجدة، وأبي فديك، وعمارة الرجل الطويل، وشبيب، ولكان يكون الكتاب للخوارج مخلصاً.
(3/293)