Advertisement

الكشكول 002

المجلد الثاني


بسم الله الرحمن الرحيم قال سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر، صلوات اله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: الدنيا دار بلاء، ومنزلة بلغة وعناء، قد نزعت عنها نفوس السعداء، وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء، فأسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم بها أرغبهم فيها، فهي الغاشة لمن استنصحها، والمغوية لمن أطاعها، الفائز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها، طوبى لعبد اتقى فيها ربه، وقدم توبته وغلب شهوته، من قبل أن تليقيه الدنيا إلى الآخرة فيصبح في بطن موحشة غبراء مدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنة ولا ينقص من سيئة، ثم ينشر فيحشر إما جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها.
في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني
أبو حمزة الثمالي: قال رأيت علي بن الحسينم عليهما السلام يصلي وقد سقط رداؤه عن منكبه، فلم يسوه حتى فرغ من صلاته، فقلت له في ذلك فقال ويحك أتدري بين يدي من كنت؟ إن العبد لا يقبل منه صلاة إلا ما أقبل فيها، فقلت: جعلت فداك، هلكنا إذن، فقال: كلا، إن الله يتم ذلك بالنوافل:
لبعض الأعراب في تصميم العزائم:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر يفي أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
ولبعضهم في هذا المعنى:
سأغسل عن العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا
وتصغر في عيني بلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا
من خط س عن عنوان البصري وكان شيخا فد أتى عليه أربع وتسعون سنة قال:
(2/3)

كنت أختلف إلى مالك بن أنس، فلما قدم جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام اختلفت إليه وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك، فقال لي يوما، إني رجل مطلوب، ومع ذلك لي أوراد في كل ساعة في آناء الليل وأطراف النهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف، فاغتممت من ذلك وخرجت من عنده وقلت في نفسي: لو تفرس في خيرا ما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه، فدخلت مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وسلمت عليه، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين وقلت: أسألك يالله يا الله أن تعطف علي قلب جعفر، وترزقني من عليه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم، ورجعت إلى داري مغتما، ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حب جعفر، فما خرجت من داري إلا للصلاة المكتوبة، حتى عيل صبري فلما ضاق صدري تنعلت وترديت وقصدت جعفراً رضي الله عنه وكان بعد ما صليت العصر فلما حضرت باب داره استأذنت عليه، فخرج خادم له فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف، فقال: هو قائم في مصلاه فجلست بحذاء بابه، فما لبثت إلا يسيراً إذا خرج خادم فقال: ادخل على بركة الله فدخلت وسلمت عليه، فرد علي السلام وقال: إجلس غفر الله لك فجلست فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: أبو من؟ قلت: أبو عبد الله، قال: ثبت الله كنيتك وفقك يا أبا عبد الله ما مسألتك؟ فقلت في نفسي: لو لم يكن في زيارته والتسليم عليه غير هذا الدعاء لكان كثيراً، ثم رفع رأسه فقال: ما مسألتك؟ قلت: سألت الله أن يعطف علي قلبك ويرزقني من علمك وأرجو أن الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته.
فقال: يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعلم وإنما هو نور يقع على قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك.
قلت: يا شريف: قال: قل: يا أبا عبد الله، قلت: يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكاً، لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يورن المال مال الله يضعونه حيث أمر الله به، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيراً، وجعل اشتغاله فيما أمر الله تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوله الله ملكاً هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوض العبد تدبير نفسه إلى مدبره هان عليه مصايب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس وإذ أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا، وإبليس، والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثراً أو تفاخراً ولا يطلب ما عند الناس عزاً وعلواً ولا يدع أيامه باطلاً فهذا أول درجة التقى.
قال الله تعالى: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين "
(2/4)

قلت يا أبا عبد الله أوصني فقال: أوصيك بتسعة أشياء: فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى والله أسأل أن يوفقك لاستعماله، ثلاثة، منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم، فاحفظها وإياك والتهاون بها.
قال عنوان: ففرغت قلبي له قال: أما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالاً، وسم الله، وذكر حديث الرسول: ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، فإن كان ولابد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه.
فأما اللواتي في الحلم، فمن قال لك إن قلت واحدة سمعت عشراً، فقل له: إن قلت عشراً لم تسمع واحدة. ومن شتمك فقل: إن كنت صادقاً فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لي وإن كنت كاذباً فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لك، ومن وعدك بالخنا فعده بالنصيحة والدعاء.
وأما اللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتاً وتجربة وإياك أن تعمل برأيك شيئاً وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلاً، واهرب من الفتيا هربك من الأسد ولا تجعل رقبتك في الناس جسراً: قم عني يا أبا عبد الله فقد نصحت لك ولا تفسد علي وردي فإني امرؤ ضنين بنفسي، والسلام على من اتبع الهدى منقولة كله من خط س.
إن أرباب الأرصاد الروحانية أعلى شأناً وأرفع مكاناً من أصحاب الأرصاد الجسمانية فصدق هؤلاء أيضاً فيما ألقوه إليك مما دلت عليه أرصادهم، وأدى إليه اجتهادهم، كما تصدق أولئك السيد الرضي.
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى ... ولاقي بها ليلاً نسيم ربى نجد
فإن بذاك الحي حبي عهدته ... وبالرغم من أن يطول به عهدي
ولولا تداوي القلب من ألم الجوى ... بذكر تلاقينا قضيت من الوجد
في الحديث لا يترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه.
النفوس أربعة
عن كميل بن زياد قال: سألت مولانا أمير المؤمنين رضي الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن تعرفني نفسي فقال: يا كميل وأي الأنفس تريد أن أعرفك؟ قلت: يا مولاي وهل هي إلا نفس واحدة؟ قال رضي الله عنه: يا كميل إنما هي أربعة: النامية النباتية، والحسية
(2/5)

الحيوانية والناطقة القدسية، والكلية الإلهية، ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان: فالنامية النباتية لها خمس قوى: ماسكة، وجاذبة، وهاضمة، ودافعة، ومربية، ولها خاصيتان الزيادة والنقصان، وانبعاثها من الكبد.
والحسية الحيوانية لها خمس قوى: سمع، وبصر، وشم، وذوق، ولمس، ولها خاصيتان: الرضا والغضب وانبعاثها من القلب.
والناطقة القدسية لها خمس قوى: فكر، وذكر وعلم، وحلم، ونابهة، وليس لها انبعاث وهي أشبه الأشياء بالنفوس الملكية ولها خاصيتان: النزاهة والحكمة.
والكلية الإلهية لها خمس قوى؛ بقاء في فناء ونعيم في شقاء وعز في ذل وفقر في غناء وصبر في بلاء، ولها خاصيتان: الرضا والتسليم. وهذه هي التي مبدؤها من الله وإليه تعود قال الله تعالى: " ونفخت فيه من روحي " وقال الله تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية " والعقل وسط الكل.
تعريف القدر
في النهج إن أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه سئل عن القدر فقال: طريق مظلم فلا تسلكوه، ثم سئل ثانياً فقال: بحر عظيم فلا تلجوه، ثم سئل ثالثاً فقال: سر الله فلا تتكلفوه.
سمع رجلان سلعة ينادي عليها فقال: أحدهما للآخر إن أعطيتني ثلث ما معك وضممته إلى ما معي تم لي ثمنها، وقال الآخر: إن ضممت ربع ما معك إلى ما معي تم لي ثمنها طريق هذه المسألة وأمثالها أن تضرب مخرج الثلث في مخرج الربع وتنقص من الحاصل واحداً فالباقي ثمنها، فينقص من الحاصل ثلثه يبقى ما مع أحدهما وهو ثمانية ثم ربعه يبقى ما مع الآخر وهو تسعة.
مواعظ مؤثرة
قال أمير المؤمنين رضي الله عنه لرجل سأله أن يعظه: لم تكن ممن يرجو الآخرة بلا عمل ويرجو التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع لم يقنع، ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، إن سقم ظل نادماً وإن صح أمن لاهياً، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطراً وإن ناله رخاء أعرض مغتراً، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ويرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا
(2/6)

عمل ويبالغ إذا سئل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوف التوبة وإن عرته محنة، انفرج عن شرايط الملة، يصف العبر ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ، فهو بالقول مدل ومن العمل مقل؛ معل ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرماً، والغرم مغنماً يخشى الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن اللهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره ويغوي نفسه، فهو يطاع ويعصي، ويستوفي ولا يوفي، ويخشى الخلق في غير ربه، ولا يخشى ربه في خلقه.
قال جامع النهج كفى بهذا الكلام موعظة ناجعة، وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر.
ومن كلامه صلى الله عليه وسلم عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه.
قال يونس النحوي: الأيدي ثلاث: يد بيضاء، ويد خضراء، ويد سوداء، فاليد البيضاء هي الإبتداء بالمعروف، واليد الخضراء هي المكافآت على المعروف، واليد السوداء هي المن مع المعروف.
قال بعض الحكماء: أحق من كان للكبر مجانباً وللإعجاب مبايناً من جل في الدنيا قدره، وعظم فيها خطره، لأنه يستقل بعالي همته كل كثير، ويستصغر معها كل كبير.
وقال بعضهم: إسمان متضادان بمعنى واحد، التواضع والشرفإذا ضربت مخارج الكسور التي فيها حرف العين بعضها في بعض حصل المخرج المشترك للكسور التسعة، وهو ألفان وخمسمائة وعشرون.
ويقال إنه سئل علي رضي الله عنه عن مخرج الكسور التسعة: فقال: إضرب أيام سنتك في أيام أسبوعك.
كل مربع، فهو يزيد على حاصل ضرب جذر كل من المربعين الذين هما حاشيتاه في جذر الآخر بواحد. أزجر المسيء بثواب المحسنين: إن للقلوب شهوة، وإقبالاً، إدباراً فأتوها من قبل شهوتها، فإن القلب إذا أكره عمي، على كل داخل في باطل إثمان إثم العمل به، وإثم الرضا به.
من كتم سره كان الخير بيده، لم يذهب من مالك ما وعظك.
(2/7)

من النهج قد أحيى عقله وأمات نفسه حتى دق جليله ولطف غليظه وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعه الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة، وثبت رجلاه لطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة بما استعمل قلبه، وأرضى ربه الاستغناء عن العذر أعز من الصدق به.
من النهج إن للقلوب إقبالاً، وإدباراً، فإذا أقبلت فأحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض، لو لم يتوعد الله سبحانه على معصيته لكان يجب أن لا يعصى شكراً لنعمه.
في النهج قد كان لي فيما مضى أخ في الله وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، كان لا يلوم أحداً حتى لا يجد العذر في مثله، وكان لا يشكون وجعاً إلا عند برئه، وكان يفعل ما يقول، ولا يقول ما لا يفعل وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم بهذه الخلايق فالزموها وتنافسوا فيها فإن لم تستطيعوا فاعلموا ان أخذ القليل خير من ترك الكثير.
من كلام قاله رضي الله عنه لكميل بن زياد، قال كميل أخذ بيدي أمير المؤمنين رضي الله عنه فأخرجني إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال: يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، والناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجوا إلى ركن وثيق، ها إن ها هنا لعلماً جماً وأشار بيده إلى صدره لو أصبت له حملة بلى أصبت لقناً غير مأمون عليه، مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهراً لنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه أو منقاداً لحملة الحق لا بصيرة له في إحيائه ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لاذا ولا ذلك، أو منهوماً باللذة سلسل القياد للشهوة، أو مغرماً بالجمع والإدخار وليسا من رعاة الدين في شيء أقرب شيء شبهاً بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه.
اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً، وإما خافياً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين أولئك؟ ! أولئك والله الأقلون عدداً الأعظمون عند الله قدراً بهم يحفظ الله حججه وبيناته، حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هج بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون،
(2/8)

وصحبوا الدنيا بأبدان وأرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه آه آه شوقاً إلى رؤيتهم انصرف يا كميل إذا شئت. ة تعرقني عرق المدى
مارست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجو عليه ما شكا
هرمس الحكيم واضع علم الهيئة والنجوم، ومستخرج القوانين الحسابية هو إدريس على نبينا وعليه السلام، وبذلك صرح الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عند ذكر الصابئة، وبه صرح العلامة في شرح حكمة الإشراق أيضاً.
وقال السهر وردي في حكمة الإشراق: إن هرمس من أساتذة أرسطو، وفي تفسير القاضي وغيره أن إدريس على نبينا وعليه السلام أول من تكلم في الهيئة والنجوم والحساب وهذا مما يؤيد أنه هرمس أيضاً.
لبعضهم
نسمات هواك لها أرج ... تحيي وتعيش بها المهج
وبنشر حديثك يطوي الغم ... عن الأرواح ويندرج
وببهجة وجه جلال جمال ... كمال صفاتك يبتهج
ما الناس سوى قوم عرفوك ... وغيرهم همج همج
قوم فعلوا خيراً فعلوا ... وعلى الدرج العليا درجوا
شربوا بكؤوس تفكرهم ... من صرف هواك وما خرجوا
دخلوا فقراء إلى الدنيا ... وكما دخلوا منها خرجوا
يا مدعياً لطريقهم ... قوم فطريقك منعرج
تهوى ليلى وتنام الليل ... وحقك ذا طلب سمج
تمنت سليمى أن نموت بحبها ... وأهون شيء عندنا ما تمنت
سمع رجل رجلاً يقول: أين الزاهدون في الدينا الراغبون في الآخرة فقال له: يا هذا اقلب كلامك وضع يدك على من شئت.
بشار بن برد
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
وإن أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
(2/9)

فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
قيل للمهلب: ما الحزم؟ فقال: تجرع الغصص إلى تنال الفرص.
من كلام بعض الحكماء ارقص لقرد السوء في زمانه ولهذا الكلام قصة مشهورة أوردتها في المخلاة.
الصلاح الصفدي وفيه مراعاة النظير والتورية.
يا ساحباً ذيل الصبا في الهوى ... أبليته في الغي وهو القشيب
فاغسل بدمع العين ثوب التقى ... ونقه من قبل عصر المشيب
للكاتب الفرق الذي أبدوه بين البدل وعطف البيان رداً على من لم يفرق بينهما كالشيخ الرضي يشكل بنحو قولك جاء الضارب الرجل زيد، مما يمتنع جعله بدلاً كما نصوا عليه، وذلك إذا قصدت الإسناد إلى زيد وأتيت بالضارب توطية، وقد يتكلف بأنه إذا قصد مثل ذلك القصد لم يجزأ التلفظ بمثل هذا اللفظ.
حكى إبراهيم بن عبد الله الخراساني، قال: حججت مع أبي سنة حج الرشيد فإذا نحن بالرشيد في عرفة واتقف حاسر حاف على الحصباء وقد رفع يديه وهو يرتعد ويبكي ويقول: يا رب يا رب أنت أنت وأنا أنا أنا العواد بالذنوب، أنت العواد بالمغفرة فاغفر لي فقال لي أبي: يا بني انظر لجبار الأرض كيف يتضرع إلى جبار السماء.
صاحب الملل والنحل بعد أن عد الحكماء السبعة الذين قال إنهم أساطين الحكة وعد آخرهم أفلاطون قال: وأما من يليهم في الزمان ويخالفهم في الرأي فمنهم أرسطاطاليس وهو المقدم المشهور والمعلم الأول، والحكيم المطلق عندهم. ولد في أول سنة من ملك أردشير فلما أتت عليه سبعة عشرة سنة أسلمه أبوه إلى أفلاطون فمكث عنده نيفاً وعشرين سنة، وإنما سموه المعلم الأول لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل وحكمه حكم واضع النحو وواضع العروض، فإن نسبة المنطق إلى المعاني نسبة النحو إلى الكلام، والعروض إلى الشعر ثم قال: وكتبه في الطبيعيات والإلهيات والأخلاق معروفة، ولها شروح كثيرة، ونحن اخترنا في نقل مذهبه شرح سامسطيوس الذي مقدم المتأخرين ورئيسهم أبو علي بن سينا وأحلنا باقي مقالاته في المسائل على نقل المتأخرين، إذ لم يخالفوه في رأي، ولا نازعوه في حكم كالمقلدين له والمتهالكين عليه، وليس الأمر على ما مالت ظنونهم إليه. ثم إنه قرر ومحصول رأيه وخلاصة كلامه في الطبيعي والإلهي في كلام طويل. ثم قال في آخره فهذه نكت كلامه استخرجناها من مواضع مختلفة، وأكثرها من شرح سامسطيوس.
والشيخ أبو علي بن سينا الذي يتعصب له، وينصر مذهبه، ولا يعول من الحكماء إلا به.
مقصورة ابن دريد
لا تحسبن يا دهر أني ضارع ... لنكب
الحارث الهمداني عن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد إلا وله جواني وبراني يعني سريرته، وعلانيته، فمن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن أفسد جوانيه أفسد الله برانيه الحديث.
ولما قدم الحلاج للقتل، قطعت يده اليمنى، ثم اليسرى، ثم رجله، فخاف أن يصفر وجهه من رؤية الدم، فأدنى يده المقطوعة من وجهه ولطخه بالدم ليخفي اصفراره، وأنشد:
لم أسلم النفس للأسقام تبلغها ... إلا لعلمي بأن الوصل يحييها
نفس المحب على الآلام صابرة ... لعل مسقمها يوماً يداويها
فلما شيل إلى الجذع قال:
يا معين الضنى علي ... أعني على الضنى
ثم جعل يقول
مالي جفيت وكنت لا أجفى ... ودلائل الهجران لا تخفى
وأراك تمزجني وتشربني ... ولقد عهدتك شاربي صرفا
فلما بلغ به الحال أخذ يقول:
لبيك يا عالماً سري ونجوائي ... لبيك لبيك يا قصدي ومعنائي أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهل ... ناجيت إياك أو ناجيت إيائي؟
حبي لمولاي أضناني وأسقمني ... فكيف أشكو إلى مولاي مولائي
يا ويح روحي من روحي ويا أسفي ... على منى فأني أصل بلوائي
آخر
طربنا لتعريض العذول بذكركم ... فنحن بواد والعذول بواد
روى عن ابن الضحاك أن أبا نواس سمع صبياً يقرأ قوله تعالى: " يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا " فقال في مثل هذا تجيء صفة الخمر حسنة، ثم تأمل سويعة، وأنشد:
وسيارة ضلوا عن القصد بعدما ... ترادفهم جنح من الليل مظلم
فلاحت لهم منا على النأي قهوة ... كأن سناها ضوء نار تضرم
إذا ما حسوناها أناخوا مكانهم ... وإن مزجت حثوا الركاب ويمموا
فحدث محمد بن الحسن بهذا فقال: لا حباً ولا كرامة بل أخذه من قول بعض الأعراب.
وليل بهيم كلما قلت غورت ... كواكبه عادت فما تتزيل
(2/10)

به الركب إما أومض البرق يمموا ... وإن لم يلح فالقوم بالسير جهل
برهان التخليص: أورده ابن كمونة في شرح التلويحات يفرض خطين غي متناهيين متقاطعين قد خرج أحدهما من مركز كرة، فإذا فرض تحرك الكرة بحيث يخرج القطر من المقاطعة إلى الموازاة فلابد أن يتخلص عن الخط الآخر وهو إنما يكون عند نقطة ينتهي بها الخط مع كونه غير متناه.
بعض الأعراب يصف حماري وحش كانا يثيران في غدوهما غباراً يهيج مرة ويسكن أخرى.
يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاءكم محكمة هما نسجاها
تطوى إذا ورد إمكاناً محزناً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
لبعض أولاد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من أبيات:
ولست براءٍ عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
جواب الشرط الجازم لم يحل محل المفرد مع أنه في محل جزم.
المئاتم النساء المجتمعات في خير أو شر لا في المصيبة فقط كما يقوله العامة بل هي المناحة لتناوحهن أي تقابلهن.
قال بعض الحكماء: الظلم من طبع النفس وإنما يصدها عن ذلك أحدى علتين إما علة دينية كخوف معاد وإما سياسية كخوف السيف أخذه أبو الطيب فقال:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم
قيل لبعض الصوفية: لا تبيع مرقعتك هذه؟ فقال: إذا باع الصياد شبكته فبأي شيء يصطاد.
قولهم فلان لا يعرف هره من بره أي من يكرهه ممن يبره.
وقولهم فلان معربد في سكره مأخوذ من العربد وهي حية تنفخ ولا تؤذي.
من المستظهري: قصد الرشيد زيارة الفضيل بن عياض ليلاً مع العباس، فلما وصلا إلى بابه سمعاه يقرأ: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون فقال الرشيد للعباس: إن انتفعنا بشيء فبهذا فناداه العباس أجب أمير المؤمنين فقال: وما يعمل عندي أمير المؤمنين ثم فتح الباب وأطفأ السراج، فجعل هارون يطوف حتى وقعت يده عليه فقال: آه من يد ما ألينها إن نجت من عذا يوم القيامة. ثم قال: استعد لجواب يوم القيامة إنك تحتاج أن تتقدم مع كل مسلم ومسلمة، فاشتد بكاء الشيد فقال العباس اسكت يا فضيل فإنك قتلت أمير المؤمنين، فقال: يا هامان إنما قتلته أنت وأصحابك، فقال الرشيد: ما سماك هامان إلا وقد
(2/11)

جعلني فرعون، ثم قال له الرشيد هذا مهر والدتي ألف دينار وأريد أن تقبلها مني، فقال لا جزاك الله إلا جزاءها ردها على من أخذتها منه فقام الرشيد وخرج. ذكر في عيون الأخبار أن مما أنشده علي بن موسى الرضا رضي الله عنه للمأمون هذه الأبيات:
إذا كان دوني من بليت بجهله ... أبيت لنفسي أن تقابل بالجهل
وإن كان مثلي في محلي من النهى ... أخذت بحلمي كي أجل عن المثل
إن كنت أدنى منه في الفضل والحجى ... عرفت له حق التقدم والفضل
آخر
ولست كمن أخنى عليه زمانه ... فبات على أخدانه يتعتب
تلذ له الشكوى وإن لم نجد بها ... صلاحاً كما يلتذ بالحك أجرب
من كتاب أدب الكتاب: الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور؛ أو شدة الجزع وليس في الفرح فقط كما يظنه العامة.
قال النابغة
وأراني طرباً في إثرهم ... طرب الواله أو كالمختبل
قال المحقق الطوسي في شرح الإشارات: أنكر الفاضل الشارح جواز كون الجسم الواحد متحركاً بحركتين مختلفتين، قال لأن الإنتقال إلى جهة يستلزمه الحصول في تلك الجهة، فلو انتقل إلى جهتين لزم حصوله دفعة في جهتين سواء كان الإنتقال بالذات أو بالعرض أو بهما، ثم قال: لا يقال إنا نرى الرحى تتحرك إلى جهة والنملة عليه كذا إلى خلافها لأنا نقول، لا يجوز أن يكون للنملة وقفة حال حركة الرحى؟ وللرحى وقفة حال حركة النملة؟ وهذا وإن كان مستبعداً لكن الإستبعاد عندهم لا يعارض البرهان.
والجواب إن الجسم لا يتحرك حركتين إلى جهتين من حيث هما حركتان بل يتحرك حركة واحدة يتركب منهما، فإن الحركات إذا تركبت وكانت إلى جهة واحدة أحدثت حركة
(2/12)

مساوية لفضل البعض على البعض أو سكوناً إن لم يكن فضل، وإن كانت في جهات مختلفة أحدثت حركة مركبة إلى جهة توسط تلك الجهات على نسبتها، وذلك على قياس ساير الممتزجات، فإذن الجسم الواحد لا يتحرك من حيث هو واحد إلا حركة واحدة إلى جهة واحدة، إلا أن الحركة الواحدة كما تكون متشابهة قد تكون مختلفة، وكما تكون بسيطة فقد تكون مركبة وكل مختلفة مركبة وكل بسيطة متشابهة، ولا يتعاكسان، والحركة المختلفة تكون بالقياس إلى متحركاتها الأول بالذات وإلى غيرها بالعرض، ولا تكون جميعها بالقياس إلى غيرها متحرك واحد بالذات، بل لو كان فيها ما هي بالقياس إليه بالذات لكانت إحداهما فقط، وإذا ظهر ذلك فقد ظهر أنه لا يلزم من كون الجسم متحركاً بحركتين حصوله دفعة في جهتين ولم يحوج ذلك إلى ارتكاب شيء مستبعد فضلاً عن محال.
من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إذا ملأ البطن من المباح عمي القلب عن الصلاح إذا أتتك المحن فاقعد لها فإن قيامك زيادة لها، إذا رأيت الله سبحانه يتابع عليك البلاء فقد أيقظك، إذا أردت أن تطاع سل ما يستطاع، إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون، إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه، استشر أعداءك تعرف من رأيهم مقدار عدواتهم ومواضع مقاصدهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا عدوى، ولا هامة، ولا طيرة، ولا صفرة، فالعدوى ما يظنه الناس من تعدي العلل، والهامة ما كان يعتقده العرب في الجاهلية من أن القتيل إذا طل دمه ولم يدرك بثاره صاحت هامته في القبر اسقوني، والطيرة التشاؤم من صوت غراب ونحو ذلك، وأما الصفر فهو كالحية تكون في الجوف تصيب الماشية وهو عندهم أعدى من الجرب.
قال بعض الملوك: من والانا أخذنا ماله ومن عادانا أخذنا رأسه وقيل في الملوك هم جماعة يستكثرون من الكلام رد السلام؛ ويستقلون من العقاب ضرب الرقاب.
قال بعض العارفين: الدين والسلطان والجند والرعية كالفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد.
وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني خذ العلم من أفواه الرجال فإنهم يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، ويقولون أحسن ما يحفظون.
قال أبو ذر رضي الله عنه: يومك جملك إذا قدت رأسه اتبعك ساير جسده، يريد إذا عملت في أول نهرك خيراً كان ذلك متصلاً إلى آخره.
(2/13)

لبعضهم
ترى الفتى ينكر فضل الفتى ... مادام حياً فإذا ما ذهب
جد به الحرص على نكتة ... يكتبها عنه بماء الذهب
وصف الساق
من شرح القانون للقرشي في تشريح الساق: قال والموضعان اللذان من جانبيه في أسفله وهما طرفا القصبتين يسميان الكوع والكرسوع تشبيهاً لها بمفصل الرسغ من اليدين والعظمان الناتيان في هذين الموضعين، العاريان من اللحم، يسميهما الناس في العرف بالكعبين، وجالينوس غلط من سماهما بذلك كل الغلط، وقال: إن الكعب عظم هو داخل هذين الموضعين يخيطان به وهو مغطى من جميع الناحي ثم قال الشارح المذكور في تشريح الكعب: ما الكعب، فالإنساني منه أكثر تكعيباً وأشد تهندماً مما في ساير الحيوانات وذلك لأن لرجليه قدماً وأصابع ويحتاج في تحريك قدميه إلى انبساط وانقباض. وذلك بحركة سهلة ليسهل عليه الوطي على الأرض المائلة إلى الإرتفاع والإنخفاض وعلى المستوية فلذلك يحتاج أن يكون مفصل ساقه من قدمه مع قوته وإحكامه سلساً سهل الحركة، وهذا المفصل لا يمكن أن يكون بزائدة واحدة مستديرة تدخل في حفرتها فكان يحدث للقدم لذلك أن يتحرك مقدمه إلى جهة جانبيه بل إلى جهة مؤخرة وكان يلزم ذلك فساد التركيب أو مصاكة إحدى القدمين للأخرى فلابد أن يكون بزايدتين حتى يكون كل واحدة منها مانعة من حركة الأخرى على استدارة.
لا يمكن أن يكون إحدى الزائدتين خلفاً والأخرى قداماً لأن ذلك مما يعسر معه حركة الإنبساط والإنقباض اللتين بمقدم القدم فلابد أن يكون هاتان الزائدتان إحديهما يميناً والأخرى شمالاً ولابد أن يكن بينهما تباعد له قدر يعتد به ليكون امتناع تحريك كل منهما على الإستدارة أكثر وأشد فلذلك لا يمكن أن يكون مع قصبة واحدة فلابد أن يكون مع قصبتين، ولو كان بقدر مجموعها عظم واحد لكان يجب أن يكون ذلك العظم ثخيناً جداً وكان يلزم عن ذلك ثقل الساق فلذلك لابد أن يكون أسفل الساق عند هذا المصل قصبتين.
وأما على الساق وذلك حيث مفصل الركبة فإنه يكتفي فيه بقصبة واحدة، فلذلك احتيج أن يكون إحدى قصبتي الساق منقطعة عند أعلى الساق، فيجب أن يكون الحفرتان في هاتين القصبتين والزايدتان في العظم الذي في القدم، لأن هاتين القصبتين يراد بهما الخفة وذلك ينافي أن يكون الزوايد فيهما لأن ذلك يلزمه زيادة الثقل والحفة تلزمها زيادة الخفة. فلذلك كان هذا المفصل بحفرتين في طرفي القصبتين وزائدتين في العظم الذي في القدم، وهذا العظم لا يمكن أن يكون هو
(2/14)

العقب لأن العقب يحتاج فيه إلى شدة الثبات على الأرض، وذلك ينافي أن يكون به هذا المفصل لأن هذا المفصل يحتاج أن يكون سلساً جداً، لئلا يكون ارتفاع مقدم القدم وانخفاضه عسرين جداً وغير العقب من باقي عظام البدن بعيد أن يكون له هذا المفصل إلا الكعب، فلذلك يجب أن يكون له هذا الممفصل حادثاً بين طرفي القصبتين والعظم الذي هو الكعب، وأن يكون النقرتان في طرفي القصبتين والزائدتين في الكعب.
من كتاب التوضيح في علم التشريح: الكعب موضوع فوق العقب وتحت الساق يحتوي عليه الطرفان الناتيان الناتئان من القصبتين، ويدخل طرفاه في نقرتي العقب دخول الركز وله زائدتان فوقانيتان الأنسية منهما تدخل في حفرة طرف القصبة العظمى والوحشية في حفرة طرف القصبة الصغرى، فيحصل مفصل به ينبسط القدم وينقبض.
لبعضهم يهجو
لنا صديق وله لحية ... طويلة ليس لها فائدة
كأنها بعض ليالي الشتاء ... طويلة مغتمة باردة
لبعضهم في الإقتباس
إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ناظرة
أسكنتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهرة
ولآخر فيه
جائني الحب زائراً ... وعلى مهجتي عطف
قلت جد لي بقبلة ... قال خذها ولا تخف
ولآخر فيه
زار الحبيب بليل ... وفزت منه بأنسي
وبات عندي ضجيعي ... وما أبرىء نفسي
ولآخر فيه
أهيف كالبدر يصلي ... في قلوب الناس نار
يمزج الخمر بفيه ... فترى الناس سكارى
(2/15)

الصلاح وفيه تورية:
رب فلاح مليح ... قال يا أهل الفتوة
كفلي أضعف خصري ... فأعينوني بقوة
ولآخر فيه
يا عاشقين حاذروا ... مبتسماً من ثغره
فطرفة الساحر مذ ... شككتم في أمره
يريد أن يخرجكم ... من أرضكم بسحره
عبد الله بن المعتز
ضعيفة أجفانه ... والقلب منه حجر
كأنما أجفانه ... من فعله تعتذر
الصلاح وفيه تورية
أضحى يقول عذاره ... هل فيكم لي عاذر
الورد ضاع بخده ... وأنا عليه دائر
وله كذلك
وصاحب لما أتاه الغنى ... تاه ونفس المرء طماحة
وقيل قد أبصرت منه يداً ... لشكرها قلت ولا راحة
وله في المجون كذا
كم من مليح صغير ... على المعنى تعسر
وما تيسر منه ... وصل إلى أن تعذر سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلاً يتكلم بما لا يعنيه، فقال له: يا هذا إنما تملي على كاتبيك كتاباً إلى ربك.
قال أفلاطون إذا أردت أن يطيب عيشك فارض من الناس بقولهم إنك مجنون بدل قولهم إنك عاقل.
دخل أبو حازم على عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: عظني، فقال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك؛ ثم انظر ما تحب أن يكون فيك في تلك الساعة فخذ به الآن، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن، فلعل الساعة قريب.
دخل صالح بن بشر الزاهد على المهدي فقال له: عظني؛ فقال له: أليس جلس هذا المجلس أبوك وعمك قبلك؟ قال: بلى قال: أكانت لهم أعمال ترجو لهم النجاة بها وأعمال يخاف عليهم الهلكة منها، قال: نعم، قال: فأنظر فما رجوت لهم فيه فآته، وما خفت عليهم فاجتنبه.
أتى عبد الله بن مسلم إلى الرشيد فهم بقتله فقال له عبد الله: أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك؛ والذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي إلا عفوت عني فعفى عنه.
قوله تعالى: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " ليس دالاً على أن الكواكب مركوزة في فلك القمر بل على أن فلك القمر مزين بها وهو كذلك؛ لشفافة الأفلاك وكذا قوله
(2/16)

تعالى: " وجعلناها رجوماً للشياطين " لا يقتضي أن الكواكب نفسها تنقض ليلزم نقص الكواكب على مر الأيام، بل غاية ما يلزم منه أن الشهب تنفصل عن الكوكب كما يقتبس من السراج، ولم يقم برهان على أن جميع الكواكب مركوزة في فلك الثامن وأن فلك القمر ليس فيه إلا القمر، فلعل أكثر الكواكب الغير المرصودة مركوزة فيه، ومنها تنقض الشهب.
ابن الفارض
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنىً به وله عقل
فعش خالياً فالحب راحته ... عنىً وأوله سقم وآخره قتل
ولكن لدي الموت فيه صبابة ... حياة لمن أهوى علي بها الفضل
نصحتك علماً بالهوى والذي أرى ... مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو
فإن شئت أن تحيي سعيداً فمت به ... شهيداً وإلا فالغرام له أهل
فمن لم يمت في حبه لم يعش به ... ودون اجتناء النحل ما جنت النحل
تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا ... وخل سبيل الناسكين وإن جلوا
وقل لقتيل الحب وفيت حقه ... وللمدعى هيهات ما اكتحل الكحل
تعرض قوم للغرام وأعرضوا ... بجانبهم عن صحتي فيه واعتلوا
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... فما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا
وعن مذهبي لما استحبوا العمى على ... الهدى حسداً من عند أنفسهم ضلوا
أحبه قلبي والمحبة شافعي لديكم ... إذا شئتم بها اتصل الحبل
عسى عطفة منكم علي بنظرة ... فقد تعبت بيني وبينكم الرسل
أحباي أنتم أحسن الدهر أو أسا ... فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخل
إذا كان حظي الهجر منكم ولم يكن ... بعاد فذاك الهجر عندي هو الوصل
وما الصدر إلا الود ما لم يكن فلا ... وأصعب شيء غير إعراضكم سهل
وتعذيبكم عذب لدي وجوركم ... علي بما يقضي الهوى لكم عدل
وصبري صبر عنكم وعليكم ... أرى أبداً عندي مرارته تحلو
أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذي ... يضركم لو كان عندكم الكل
(2/17)

نأيتم فغير الدمع لم أر وافياً ... سوى زفرة من حر نار الهوى تعلو
فسهدي حيٌّ في جفوني مخلد ... ونومي بها ميت ودمعي له غسل
هوى طل ما بين طلول دمي فمن ... جفوني جرى بالسفح من سفحه وبل
تباً له قومي إذ رأوني متيماً ... وقالوا بمن هذا الفتى مسه الخبل
وماذا عسى عني يقال سوى غدا ... بنعم له شغل نعم لي بها شغل وقال نساء الحي عني بذكر من ... جفانا وبعد العز لذله الذل
إذا أنعمت نعم علي بنظرة ... فلا أسعدت سعدي ولا أجملت جمل
وقد صدئت عيني برؤية غيرها ... ولثم جفوني تربها للصدا يجلو
حديثي قديم في هواها وماله ... كما علمت بعد ولي له قبل
ومالي مثل في غرامي بها كما ... غدت فتنة في حسنها ما لها مثل
حرام شفا سقمي لديها رضيت ما ... به قسمت لي في الهوى ودمي حل
فحالي وإن ساءت فقد حسنت بها ... وما حط قدري في هواها به أعلو
وعنوان ما فيها لقيت وما بها ... شقيت وفي قولي اختصرت ولم أغلو
خفيت ضني حتى لقد ضل عايدي ... وكيف ترى العواد من لا له ظل
وما عثرت عيني على أثري ولم ... تدع لي رسماً في الهوى الأعين النجل
ولي همة تعلو إذا ما ذكرتها ... وروح بذكراها إذا رخصت تغلو
فنافس ببذل النفس فيها أخا الهوى ... فإن قبلتها منك يا حبذا البذل
فمن لم يجد في حب نعم بنفسه ... وإن جاد بالدنيا إليه انتهى البخل
فلولا مراعاة الصيانة غيره ... وإن كثروا أهل الصبابة أو قلوا
لقلت لعشاق الملاحة أقبلوا ... إليها على رأيي وعن غيرها ولوا
وإن ذكرت يوماً فخروا لذكرها ... سجوداً وإن لاحت إلى وجهها صلوا
وفي حبها بعت السعادة بالشقا ... ضلالاً وعقلي عن هداي له عقل
وقلت لرشدي والتنسك والتقى ... تخلوا وما بيني وبين الهوى خلوا
وفرغت قلبي من وجودي مخلصاً ... لعلي في شغلي إليها بها أخلو
ومن أجلها أسعى لمن بيننا سعى ... وأعدو ولا أعدو لمن دأبه العذل
(2/18)

وأرتاح للواشين بيني وبينها ... لتعلم ما ألقى وما عندها جهل
وأصبوا إلى العذال حباً لذكرها ... كأنهم ما بيننا في الهوى رسل
فإن حدثوا عنها فكلي سامع ... وكلي إن حدثتهم ألسن تتلو
تخالفت الأقوال فينا تبايناً ... برجم ظنون في الهوى لها أصل
فشنع قوم بالوصال ولم نصل ... وأرجف بالسلوان قوم ولم أسلو
وما صدق التشنيع عني لشقوتي ... وقد كذبت عني الأراجيف والنقل
وكيف أرجي وصل من لو تصورت ... حماها المنى وهماً لضاق بها السبل
فإن وعدت لم يلحق القول فعلها ... وإن أوعدت فالقول يسبقه الفعل
عديني بوصل وامطلي بنجازه ... فعندي إذا صح الهوى حسن المطل
وحرمة عهد بيننا عنه لم أحل ... وعقد بأيدٍ بيننا ما له حل
لأنت على غيض النوى ورضا الهوى ... لدي وقلبي ساعة منك لا يخلو
ترى مقلتي يوماً يرى من أحبهم ... ويعتبني دهري ويجتمع الشمل
وما برحوا معنى أراهم معي وإن ... نأوا صورة في الذهن قام لهم شكل
فهم نصب عيني ظاهراً حيث ما سروا ... وهم في فؤادي باطناً أينما حلوا
لهم أبداً مني حنوا وإن جفوا ... ولي أبداً ميل إليهم وإن ملوا
القول في إن الله واحد
من كتاب أعلام الدين تأليف أبي محمد الحسن بن أبي الحسن الديلمي عن مقداد بن شريح البرهاني عن أبيه قال: قام رجل يوم الجمل إلى علي رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين أتقول إن الله واحد؟ فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين رضي الله عنه من تقسيم القلب؟ فقال رضي الله عنه: دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ثم قال: يا هذا إن القول في أن الله لواحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله تعالى، ووجهان ثابتان له، فأما الوجهان اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل، وهو واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أما ترى أنه كفر من قال إنه ثالث ثلاثة.
وقول القائل هو واحد يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه جل ربنا عن ذلك؛ وأما الوجهان اللذان يثبتان له فقول القائل واحد يريد بن من ليس له في الأشياء شبيه ولا مثل كذلك الله ربنا.
وقول القائل إنه تعالى واحد، يريد أنه أحدي المعنى يعني أنه لا يتجسم لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك الله ربنا عز وجل.
(2/19)

عن نوف البكالي قال رأيت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه ذات ليلة وقد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم، فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق؟ قال بل رامق يا أمير المؤمنين، قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً وترابها فراشاً وماءها طيباً والقرآن شعاراً، والدعاء دثاراً، ثم قرضوا الدنيا قرضاً حسناً على منهاج المسيح عليه السلام.
يا نوف إن داود النبي قام في مثل هذه الساعة من الليل، فقال: إنما هي ساعة لا يدعو فيها عبد إلا استجيب له، إلا أن يكون عشاراً أو عريفاً؛ أو شرطياً، أو صاحب عرطبة، أو صاحب كوبة، العشار، الذي يعشر أموال الناس، والعريف النقيب، والشرطي الشحنة المنصوب من قبل السلطان، والعرطبة الطبل، والكوبة الطنبور أو بالعكس.
عدل علي كرم الله وجهه
من النهج والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً وأجر في الأغلال مصفداً أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحداً لنفس تسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها.
والله ولقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعاًن ورأيت صبيانه شعث الألوان شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكداً وكرر علي القول مردداً، فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قيادة مفارقاً طريقي فأحميت له حديدة ثم أدنيها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من مسحها فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبة؟ وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى؟ ولا أئن من لظى، وأعجب من ذاك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها، ومعجونة شنأها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها فقلت: أصله، أم زكاة أم صدقة؟ فذاك محرم علينا أهل البيت فقال: لا ذاك ولا ذاك ولكنه هدية فقلت: هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أم ذو جنة أم تهجر؟ .
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وإن دنياكم عندي أهون من ورقة في فم جرادة تقتضمها ما لعلي ونعيم يفنى؟ {ولذة لا تبقى؟} نعوذ بالله سبحانه من سيئات العقل وقبح الزلل وبه نستعين.
أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع.
عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أربع خصال الجهل: من غضب على من لا يرضيه، وجلس إلى من لا يدنيه وتفاقر إلى من لا يغنيه وتكلم بما لا يعنيه.
(2/20)

قال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يعلم أن الناس لا خير فيهم وأن يعلم أنه لابد منهم وإذا عرف ذلك عاملهم على قدر ما تقتضيه هذه المعرفة.
شتم رجل بعض الحكماء فتغافل عن جوابه، فقال: إياك أعني فقال الحكيم وعنك أغمض.
ومن درة الغواص قولهم: هاون غلط إذ ليس في كلام العرب فاعل والعين فيه واو الصواب أن يقال هاوون على وزن فاعول.
لسان العاقل من وراء قلبه وقلب الأحمق من وراء لسانه.
السكاكي يستهجن قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
لأن الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الإستعارة بالكناية، وصاحب الإيضاح يمنع الإنفكاك فيه مستنداً بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية، وإضافة الماء تخييلية، وأنه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة، قال ووجه الشبه أن اللوم يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام.
وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول: فيه نظر، لأن المناسب للعاشق أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن لا بالملام، ولا بشيء آخر، فكيف يجعل ذلك وجه شبه؟ ! إنتهى كلامه هذا.
ونقل ابن الأثير في كتاب المثل السائر أن بعض الظرفاء من أصحاب أبي تمام لما بلغه البيت المذكور أرسل إليه قارورة وقال: إبعث إلينا شيئاً من ماء الملام، فأرسل إليه أبو تمام إبعث علي بريشة من جناح الذل لأبعث إليك بشيء من ماء الملام. ثم إن ابن الأثير استضعف هذا النقل وقال: ما كان أبو تمام بحيث يخفى عليه الفرق بين التشبيه في الآية والبيت، فن جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام، فإن الجناح مناسب للذل، وذلك أن الطائر عند إشفاقه وتعطفه على أولاده يخفض جناحه ويلقيه على الأرض، وهكذا عند تعبه ووهنه، والإنسان عند تواضعه وانكساره يطأطىء رأسه ويخفض يديه اللذين هما جناحاه، فشبه ذله وتواضعه لحالة الطائر على طريق الاستعارة بالكناية وجعل الجناح قرينة لها وهو من الأمور الملائمة للحالة المشبه بها، وأما ماء الملام فليس من هذا القبيل كما لا يخفى انتهى كلام ابن الأثير مع زيادة وتنقيح هذا.
ويقول كاتب هذه الأحرف إن للبيت محملاً آخر كنت أظن أني لم أسبق إلى هذا الوجه حتى رأيته في التبيان وهو أن يكون ماء الملام من قبيل المشاكلة لذكر ماء البكاء ولا يظن أن
(2/21)

تأخر ذكر ماء البكاء يمنع المشاكلة، فإنهم صرحوا في قوله تعالى: " فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين " أن تسميه الزحف على البطن مشياً لمشاكلة ما بعده وهذا الحمل إنما يتمشى على تقدير عدم صحة الحكاية المنقولة.
ثم أقول: هذا الحمل أولى مما ذكره صاحب الإيضاح فإن الوجهين اللذين ذكرهما في غاية البعد، إذ لا دلالة في البيت على أن الظرف أو الماء مكروه كما قاله المحقق التفتازاني في المطول والتشبيه لا يتم بدونه.
وأما ما ذكره صاحب المثل السائر في أن وجه الشبه أن الملام قول يعنف به المعلوم وهو مختص بالسمع؛ فنقله أبو تمام إلى ما يختص بالحلق، كأنه قال: لا تذقني ما الملام ولما كان السمع يتجرع الملام أو لا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به، فهو وجه في غاية البعد أيضاً كما لا يخفى.
والعجب منه أنه جعله قريباً وغاب عنه عدم الملائمة بين الماء والملام هذا وقد أجاب بعضهم على نظر الفاضل الجلبي في كلام إيضاح بأن تشبيه الشاعر الملام بالماء في تسكين نار الغرام إنما هو على وفق معتقد اللوام أن حرارة غرام العشاق تسكن بورود الملام وليس ذلك على وفق معتقده، فلعل معتقده أن نار الغرام تزيد بالملام كما ينظر إليه قول أبو الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللؤم
أو أن تلك النار لا يؤثر فيها الملام كما قال الآخر:
جاؤوا يرمون سلواني بلومهم ... عن الحبيب فراحوا مثل ما جاؤوا
فقول الجلبي: لأن المناسب للعاشق الخ غير جيد، فإن صاحب الإيضاح لم يقل إن التشبيه معتقد العاشق.
ويقول كاتب الأحرف: إن ذكره صاحب الإيضاح الكراهة في الشراب صريح بأنه غير راض بهذا الجواب انتهى.
لبعضهم
بكرت عليك فهيجت وجدا ... هوج الرياح وأذكرت نجدا
أتحن من شوق إذا ذكرت ... نجد؟ وأنت تركتها عمدا
ابن الخياط
خذا من صبا نجدٍ أماناً لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه ... إذا مر كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أبصرتما لعلمتما ... مكان الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
وفي الحي محني الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوقاً على بعد المزار وقربه
ومحتجب بين الأسنة والقنا ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا أنست في الحي أنة ... حذاراً عليه أن تكون لحبه
آخر
وأتعب الناس ذو حال ترقها ... يد التجمل والأقتار تخرقها
نقل ركابك للعلا ... ودع الغواني للقصور
(2/22)

فمحالفوا أوطانهم ... أمثال سكان القبور
لولا التغرب ما ارتقى ... درر البحور إلى النحور
مسألة فلكية
إن أردت معرفة ارتفاع مخروط ظل الأرض تضع شظية الكوكب على مقنطرة ارتفاعه فالمقنطرة الواقع عليها، نظير درجة الشمس ارتفاع رأس المخروط فإن كان شرقياً أقل من ثمانية عشر لم يغرب الشفق بعداً وأكثر فقد غرب، أو مساوياً فابتداء غروبه وإن كان غريباً أقل فقد طلع الفجر، أو أكثر لم يطلع بعد، أو مساوياً فابتداء طلوعه وإن وقع النظير على خط وسط السماء فنصف الليل.
من يستجاب دعاؤه
قال القطب في شرح الشهاب: روى أن دعاء صنفين من الناس مستجاب لا محالة مؤمناً أو كافراً: دعاء المظلوم، ودعاء المضطر، لأن الله تعالى يقول: " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوة المظلوم مستجابة، فإن قيل: أليس الله تعالى يقول: " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال؟ " فكيف يستجاب دعاؤهم قلنا الآية واردة في دعاء الكفار في النار، وهناك لا ترحم العبرة ولا تجاب الدعوة، والخبر الذي أوردناه يراد به في دار الدنيا، فلا تدافع.
انظر إلى ما تبصره فإنه إنما يظهر لحس البصر إذا كان محفوفاً بالعوارض المادية متجلبباً بالجلابيب الجسمانية، ملازماً لوضع خاص وقدر معين من القرب والبعد المفرطين وهو بعينه يظهر في الحس المشترك خالياً عن تلك العوارض التي كانت شرط ظهوره لذلك الحس، عرياً عن تلك الجلابيب التي كانت بدونها بدونها لا يظهر لذلك المشعر أبداً أنظر إلى ما يظهر في اليقظة من صورة العلم وهو أمر عرضي يدرك العقل أو الوهم، ثم هو بعينه يظهر في النوم بصورة اللبن، فالظاهر في عالم اليقظة وعالم النوم شيء واحد هو علم لكن تجلى في كل عالم بصورة فقد تجد في عالم ما كان في آخر عرضاً.
أنظر إلى السرور التي يظهر في المنام بصورة البكاء وأحدس منه أنه قد يسرك في عالم ما يسوؤك في آخر.
إذا عرفت أن الشيء يظهر في كل عالم بصورة انكشف لك سر ما نطقت به الشريعة المطهرة من تجسد الأعمال في النشأة
(2/23)

الأخرى، بل ظهر لك حقيقة ما قاله العارفون: من أن أعمال الصالحة هي التي تظهر في صور الحور والقصور والأنهار وأن الأعمال السيئة هي التي تظهر في صور العقارب والحيات والنار، واطلعت على أن قوله تعالى: " وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " وارد على الحقيقة لا المجاز من إرادة الإستقبال في اسم الفاعل، فإن أخلاقهم الرذيلة، وأعمالهم السيئة، وعقائدهم الباطلة الظاهرة في هذه النشأة في هذه الصور هي التي تظهر في تلك النشأة صورة جهنم، وكذا عرفت حقيقة قوله تعالى: " الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً " وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يأكل في آنية الذهب إنما يجرجر في جوفه نار جهنم وقوله الظلم ظلمات يوم القيامة إلى غير ذلك.
كل من القائلين بأن الرؤية بالإنعكاس والإنطباع لا يريدون الإنعكاس والإنطباع الحقيقي، قال المعلم الثاني أبو نصر الفارابي في رسالة الجمع بين رأي أفلاطون وأرسطاطاليس: أن غرض كل منهما التنبيه على هذه الحالة الإدراكية، وضبطها بضرب من التشبيه لا حقيقة خروج الشعاع ولا حقيقة الإنطباع، وإنما اضطر إلى إطلاق ذينك اللفظين لضيق العبارة.
كان بعض أصحاب القلوب يقول: إن الناس يقولون: افتحوا أعينكم حتى تبصروا وأنا أقول: إغمضوا أعينكم حتى تبصروا.
معرفة الطالع من الإرتفاع صنع درجة الشمس أو الكواكب على مقنطرة الإرتفاع المأخوذ شرقياً أو غربياً فما وقع من منطقة البروج على الأفق الشرقي فهو الطالع، وإذا وقعت درجة الشمس أو مقنطرة الإرتفاع أو درجة الطالع بين خطين عمل بالتخمين أو التعديل، لله در من قال:
لا يخدعنك بعد طول تجارب ... دنياً تغر بوصلها وستقطع
أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع
(2/24)

الأقوال في المعاد
من كتاب تهافت الفلاسفة الأقوال الممكنة في أمر المعاد على خمسة، وقد ذهب إلى كل منها جماعة: الأول ثبوت المعاد الجسماني فقط وأن المعاد ليس إلا لهذا البدن وهو قول نفاة النفس الناطقة المجردة وهم أكثر أهل الإسلام، الثاني ثبوت المعاد الروحاني فقط، وهو قول الفلاسفة الإلهيين: الذي ذهبوا إلى أن الإنسان هو النفس الناطقة فقط وإنما البدن آلة تستعمل وتتصرف فيه لاستكمال جوهرها، الثالث ثبوت المعاد الروحاني والجسماني معاً وهو قول من أثبت النفس الناطقة المجردة من الإسلاميين كالإمام الغزالي والحكيم الراغب وكثير من المتصوفة، الرابع عدم ثبوت شيء منهما وهو قول القدماء والطبيعيين الذين لا يعتد بهم ولا بمذهبهم لا في الملة ولا في الفلسفة، الخامس التوقف وهو المنقول عن جالينوس، فقد نقل عنه أنه قال في مرضه الذي مات فيه إني ما علمت أن النفس هي المزاج فينعدم عند الموت فيستحيل إعادتها أو هي جوهر باق بعد فساد البدن فيمكن المعاد.
للشيخ الرئيس أبو علي بن سينا
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك فهي ذات تفجع
أنفت وما أنست فلما واصلت ... ألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهوداً بالحمى ... ومنازلاً بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها ... عن ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت ... بين المعالم والطاول الخضع
تبكي وقد ذكرت عهوداً بالحمى ... بمدامع تهوى ولم تتقطع
وتظل ساجعة على الدمن التي ... درست بتكرار الرياح الأربع
إذ عاقها الشرك الكثيف وصدها ... قفص عن الأوج الفسيح المربع
(2/25)

حتى إذا قرب المسير من الحمى ... ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت مفارقة لكل مخلف ... عنها حليف البرق غير مشيع
سجعت وقد كشف الغطا فأبصرت ... ما ليس يدرك بالعيون الهجع
وغدت تغرد فوق ذروة شاهق ... والعلم يرفع كل من لم يرفع
فلأي شيء أهبطت من شامخ ... عالٍ إلى قعر الحضيض الأوسع
إن كان أهبطها الإله لحكمةٍ ... طويت على الفذ اللبيب الأروع
وهبوطها إن كان ضربة لازب ... لتكون سامعة بما لم تسمع
وتعود عالمة بكل خفية ... في العالمين فخرقها لم يرقع
وهي التي قطع الزمان طريقها ... حتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع
أنعم برد جواب ما أنا فاحص ... عنه فنار العلم ذات تشعشع
حاصل الأبيات الستة أنها لأي شيء تعلقت بالبدن إن كان لأمر غير تحصيل الكمال فهي حكمة خفية على الأذهان، وإن كان لتحصيل الكمال فلم ينقطع تعلقها به قبل حصول الكمال، فإن أكثر النفوس تفارق أبدانها من دون تحصيل كمال ولا تتعلق ببدن آخر لبطلان التناسخ.
للشيخ ابن الفارض
أرج النسيم سرى من الزوراء ... سحراً فأحيا ميت الأحياء
أهدى لنا أرواح نجد عرفه ... فالجو منه معنبر الأرجاء
ورى أحاديث الأحبة مسنداً ... عن أذخر بأذاخر وسحاء
فسكرت من ريا حواشي برده ... وسرت حميا البرء في أدواء
يا راكب الوجنا بلغت المنى ... عج بالحمى إن جزت بالجرعاء
متيماً تلعات وادي ضارج ... متيامناً عن قاعة الوعساء
فإذا صلت أثيل سلع فالنقى ... فالرقمتين فلعلع فشظاء
(2/26)

فكذا عن العلمين من شرقية ... مل عادلاً للحلة الفيحاء
واقرا السلام أهيل ذياك اللوى ... من مغرم دنف كئيب نائي صب متى قفل الحجيج تصاعدت ... زفراته بتنفس الصعداء
كلم السهاد جفونه فتبادرت ... عبراته ممزوجة بدماء
يا ساكني البطحاء هل من عوذة ... أحيا بها يا ساكني البطحاء
إن ينقضي صبري فليس بمنقض ... وجدي القديم بكم ولا برحائي
ولئن جفا الوسمي ما حل تربكم ... فمدامعي تربو على الأنواء
واحسرتي ضاع الزمان ولم أفز ... منكم أهيل مودتي بلقاء
ومتى يؤمل راحة من عمره ... يومان يوم قلىً ويوم تنائي
وحياتكم يا أهل مكة وهي لي ... قسماً لقد كلفت بكم أحشائي
حبيبكم في الناس أضحى مذهبي ... وهواكم ديني وعقد ولائي
يا لايمي في حب من من أجله ... قد جد بي وجدي وعز عزائي
هلا نهاك نهاك عن لوم امرىءٍ ... لم يلف غير منعمٍ بشقائي
لو تدر فيم عذلتني لعذرتني ... خفض عليك وخلني وبلائي
فلنازلي سرح المربع فالشبيكة ... فالثنية من شعاب كداء
ولحاضري البيت الحرام وعامري ... تلك الخيام تلفني وعنائي
ولفتية الحرم المريع وجيرة ... الحي المنيع وزائري الجثماء
وهم هم صدوا دنوا ودو جفوا ... غدروا وفوا هجروا رثوا لضنائي
وهم عياذي حيث لم تغن الرقا ... وهم ملاذي إن عدت أعدائي
وهم بقلبي إن تنائت دارهم ... عني وسخطي فيهم ورضائي
وعلى مقامي بين ظهرانيهم ... بالأخشبين أطوف حول حمائي
وعلى اعتناقي للرفاق مسلماً ... عند استلام الركن بالإيماء
وعلى مقامي بالمقام أقام في ... جسمي السقام ولات حين شفاء
وتذكري أجياد وردي في الضحى ... وتهجدي في الليلة الليلاء
سري ولو قلبت بطاح مسيلة ... قلباً لقلبي ري بالحصباء
(2/27)

أسعد أخي وغنني بحديث من ... حل الأباحط إن رعيت إخائي
وأعده عند مسامعي فالروح إن ... بعد المدى ترتاحللأنباء
وإذا عن عذب الورود بأرضه ... وأحاد عنه وفي نقاه بقائي
وإذا أذى ألم ألم بمهجتي ... فشذا أعيشاب الحجاز دوائي
أأذا دعن عذب الورود بأرضه ... وأحاد عنه؟ ففي بقاه بقائي
وربوعه إربي أجل وربيعه ... طربى والشصار أزمة اللأواء
وجباله لي مربع ورماله لي ... مرتع وظلاله أفيائي
وترابه ند الذكي وماؤه ... عذبي الروي وفي ثراه ثرائي
وشعابه لي جنة وقبابه ... لي جنة وعلى صفاه صفائي
حيا الحيا تلك المنازل والربى ... وسقى الولي مواطن اللألاء
وسقى المشاعر والمحصب من منى ... سحاً وجاد مواقف الأنضاء
ورعى الإله بها أصيحابي الأولى ... سامرتهم بمجامع الأهواء
ورعى ليالي الخيف ما كانت سوى ... حلم مضى مع يقظة الإغفاء
واهاً على ذاك الزمان وما حوى ... طيب المكان بغفلة الرقباء
أيام أرتع في ميادين النى ... جذلاً وأرفل في ذيول حبائي
ما أعجب الأيام توجب للفتى ... محناً وتمنحه بسلب عطاء
يا هل لماضي عيشنا من أوبة ... يوماً وأسمح بعده ببقاء
هيهات خاب السعي وانفصمت عرى ... حبل المنى وانحل عقد رجائي
وكفى غراماً أن أبيت متيماً ... شوقي أمامي والقضاء ورائي
ولابن الفارض أيضا: ما بين معترك الأحداق والمهج ... أنا القتيل بلا إثم ولا حرج
ودعت قبل الهوى ولا نظرت ... عيناي من حسن ذاك المنظر البهج
لله أجفان عين فيك ساهرة ... شوقا إليك وقلب بالغرام شجى
وأضلع لجلت كادت لقوتها ... من الجوى كبدي الحرا من العوج
وأدمع هملت لولا التنفس من ... نار الجوىلا لم أكد أنجو من اللجج
وحبذا فيك أسقام حفيت بها ... عني تقوم بها عند الهوى حججي
(2/28)

أصبحت فيك كما أمسيت مكتئبا ... ولم أقل جزعا يا أزمة انفرجي
أهفو إلى كل قلب بالغرام له ... شغل وكل لسان بالهوى لهج
وكل سمع عن اللاحي به صمم ... وكل جفن عن الإغفاء لم يعج
لا كان وجد به الآماق جامدة ... ولا غرام به الأشواق لم تهج
عذب بما شئت غير البعد عنك تجد ... أوفى محب بما يرضيك مبتهج
وخذ بقية ما أبقيت من رمق ... لا خير في الحب إن أبقي على المهج
من لي بإتلاف روحي في هوى رشأ ... حلو الشمائل بالأرواح ممتزج
من مات غراما عاش مرتقيا ... ما بين أهل الهوى في أرفع الدرج
محجب لو سرى في مثل طرته ... أغنته غرته الغرا عن السرج
وإن ظللت بليل من ذوائبه ... أهدى لعيني الهدى صبحا من البلح
وإن تنفس قال المسك معترفا ... لعارفي طيبيه من نشره أرجى
أعوام إقباله كاليوم في قصر ... ويوم إعراضه في الطول كالحجج
فإن نأى سائرا يا مهجتي ارتحلي ... وإن دنا زائرا يا مقلتي ابتهجي
قل للذي لامني يفيه وعنفني ... دعني وشأني واترك نصحي بذاك الحي لا تعج
فيه خلعت عذاري واطرحت به ... قبول نصحي والمقبول من حججي
وابيض وجه غرامي في محبته ... واسود وجه ملامي فيه بالحجج
تبارك الله ما أحلى شمائله ... فكم أمات توأحيت فيه من مهج
يهوى لذكر اسمه من لج في عذلي ... سمعي وإن كان عذلي فيه لم يلج
تراه إن غاب عني كل جارحة ... في كل معنى لطيف رائق بهج
في نغمة العودج والناي الرخيم إذا ... تألفا بين ألحان من الهزج
ويفي مسارح غزلان الخمائل في ... برد الأصائل والإصباح في البلج
وفي مساقط أنداء الغمام على ... بساط نور من الأزهار منتسج
(2/29)

وفي مساحب أذيال النسيم إذا ... أهدى إلى سحيرا أطيب الأرج
وفي التثامي ثغر الكأس مرتشفا ... وبق المدامة أين كنا غير منزعج
فالدار داري وحبي حاضري ومتى ... بدا فمنعرج العرجاء منعرجي
ليهن ركب سروا ليلا وأنت بهم ... لسيرهم في صباح منك منبلج
فليصنع القوم ما شاءوا لأنفسهم ... هم أهل بدر فلا يخشون من حرج
بحق عصياني اللاحي عليك وما ... بأضلعي طاعة للوجد ةمن وهج
أنظر إلى كبد ذابت عليك أسى ... ومقلة من نجيع الدمع للوجد من وهج
وارحم تعسر آمالي ومرتجعي ... إلى خداع تمني النفس بالفرج
واعطف على ذل أطماعي بهب وعسى ... وامنن علي بشرح الصدر من حرج
أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه ... قول المبشر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم علي ما فيك من عوج
الصلاح الصفدي وفيه تورية:
أملت أن تتعطفوا بوصالكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا يرى
وعلمت أن بعادكم لابد أن ... يجري له دمعي دماً وكذا جرى
وله في امرأة في يدها سلسلة:
زارت وفي معصمها إذا أتت ... سلسلة زادت غرامي وله
وبددت عقلي في نظمها ... فها أنا المجنون في السلسله ودخل أعرابي على النعمان بن المنذر وعنده وجوه العرب فأنشأ يقول:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفه الندى ... ويمطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس فرغ كفه ... لبذل الندى لم يبق في الأرض معدم
ولو أن يوم الجود لم يثن كفه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم
فأعطاه مائة بكرة وعشرة أفراس وعشرة جواري على رأس كل جارية كيساً مملؤاً ذهباً.
تعريف الفلسفة
الفلسفة لغة يونانية معناها محبة الحكمة. وفيلسوف أصله فيلا سوف أي محب الحكمة وفيلا: المحب، وسوف: الحكمة، لله در قائله:
ومن عجب أن الصوارم والقنا ... تحيض بأيدي القوم وهي ذكور
وأعجب من ذا أنها في أكفهم ... تأجج ناراً والأكف بحور
(2/30)

كان لابن الجوزي امرأة تسمى نسيم، فطلقها، ثم ندم على ماكان منه، فحضرت يوما مجلس وعظه فعرفها، واتفق أن جلست امرأتان أمامها وحجباها عنه فأنشد مشيرا إلى تنيك المرأتين.
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها
قال البلاذري: كنت مع الجلساء المستعين، إذا قصده الشعراء، فقال يوما: لست أقبل إلا ممن يقول مثل قول البحتري:
لو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعي إليه المنبر
قال فرجعت ىإلى داري ثم أتيته، فقلت له: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري، فقال هات، فأنشدته:
ولو أن برد المصطفى إذا لبسته ... نعم هذه أوطافه ومناكبه
أمر لي بسبعة آلاف درهم.
بنى عبد الملك بن مروان بابا للمسجد الأقصى، وبنى الحجاج بابا آخر بأزائه، فجاءت الصاعقة فأحرقت باب عبد الملك وسلم باب الحجاج فشق ذلك على عبد الملك فكتب إليه الحجاج: ما مثلي ومثل مولاي إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم بتقبل من ىلآخر، فسرى ذلك عنه وأذهب حزنه.
في الحديث: لا يكمل إيمان المرء حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف
الصاحب بن عباد:
رق الزجاج ورقت الخمر ... وتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
وقريب من معنى بيتي الصاحب قول بعضهم:
وكأس قد شربناها بلطف. . تخال شرابنا فيها هواء
وزنا الكاس فارغة وملأى. . فكان الوزن بينهما سواء
وقد زاد عليه بعض المغاربة بقوله:
(2/31)

:
ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت أن تطير بما حوت ... فكذا الجسوم تخفف بالأرواح
كان الإمام فخر الدين الرازي في مجلس درسه إذا أقبلت حمامة خلفها صقر يريد صيدها فألقت نفسها في حجره كالمستجيرة به فأنشد ابن عنين في هذا المعنى أبياتاً منها:
جاءت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف
من نبأ الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف
الأبيات بأجمعها مذكورة في تاريخ الذهبي.
للمأمون وقد أرسل رسولاً إلى جارية يهواها:
بعثتك مشتاقاً ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا
ورددت طرفاً في محاسن وجهها ... ومتعت في استمتاع نغمتها الأذنا
أرى أثراً منها بعينيك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا
أوصى طفيلي ابنه فقال: يا بني إذا كان مجلسك ضيقاً فقل لمن بجنبك لعلي ضيقت عليك فإنه يتحرك ويتوسع مجلسك.
الصفي
ما زال كحل النوم في ناظري ... من قبل إعراضك بالبين
حتى سرقت الغمض من مقتلي ... يا سارق الكحل من العين
(2/32)

من أرسال المثل لبعضهم، وأظنه ابن الوردي:
وتاجر أبصرت عشاقه. . والحرب فيما بينهم ثائر
قال علي ما اقتتلوا ها هنا ... قلت على عينك يا تاجر
ابن المعتز
أترى الجيرة الذين تداعوا؟ ... عند سير الحبيب للترحال
علموا أنني مقيم وقلبي ... راحل معهم أمام الجمال
مثل صاع العزيز في أزحل القوم ... ولا يعلمون ما في الرحال
من الاقتباس من الرمل
فوق خديه للعذار طريق ... قد بدا تحته بياض وحمرة
قيل ماذا؟ فقلت أشكال حسن ... تقتضي أن أبيع قلبي بنظرة
لبعضهم
إذا به الحب حتى لو تمثله ... بالوهم خلق لأعياهم توهمه
لولا الأنين ولوعات تحركه ... لم يدره بعيانٍ من يكلمه
زاد على هذا المضمون بعض الشعراء العجم.
وأنشد بعض الأعراب هذه الأبيات عند النبي صلى الله عليه وسلم:
أقبلت فلاح لها ... عارضان كالسنج
أدبرت فقلت لها ... والفؤاد في لهج
هل علي؟ ويحكما ... إن عشقت من حرج
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حرج إنشاء الله مما ينسب إلى ليلى قولها:
لم يكن المجنون في حالة ... إلا وقد كنت كما كانا
لكن لي الفضل عليه بأن ... باح وإني مت كتمانا ومما ينسب إليها أيضاً قولها:
باح مجنون عامر بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي ... من قتيل الهوى تقدمت وحدي
(2/33)

تعريف علم الموسيقى
علم الموسيقى علم يعرف منه النغم والإيقاع وأحوالها وكيفية تأليف اللحون واتخاذ الآلات الموسيقارية، وموضوعه الصوت من وجه تأثره في النفس باعتبار نظامه والنغمة صوت لابث زماناً تجري فيه الألحان مجرى الحروف من الألفاظ، وبسائطها سبعة عشر، وأوتارها أربعة وثمانون، والإيقاع اعتبار زمان الصوت ولا مانع شرعاً من تعلم هذا العلم، وكثير من الفقهاء كان مبرزاً فيه. نعم الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل السلام منعت من عمله، والكتب المصنفة فيه إنما تفيد أموراً علمية فقط، وصاحب الموسيقى العلمي يتصور الأنغام من حيث أنها مسموعة على العموم من أي آلة اتفقت وصاحب العمل إنما يأخذها على أنها مسموعة من الآلات الطبيعية كالحلوق الإنسانية أو الصناعية كالآلات الموسيقارية، هذا وما يقال من أن الألحان الموسيقية مأخوذة من نسب الاصطكاكات الفلكية فهو من جملة رموزهم إذ لا اصطكاك في الأفلاك، ولا قرع فلا صوت.
شعر
تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل
الخوف والحزن
في معرفة ارتفاع المرتفعات من دون الاصطرلاب تضع مرآة على الأرض بحيث ترى رأس المرتفع فيها ثم تضرب ما بين المرآة ومسقط حجرة في قدر قامتك، وتقسم الحاصل على ما بين المرآة وموقفك، فالخارج ارتفاع المرتفع.
طريق آخر تنصب مقياساً فوق قامتك، ودون المرتفع ثم تبصر رأسها بخط
(2/34)

شعاعي وتضرب ما بين موقفك ومسقط حجر المرتفع في فضل المقياس على قامتك واقسم الحاصل على ما بين موقفك وقاعدة المقياس، وزد على الخارج قدر قامتك فالمجتمع قدر ارتفاعه.
الصلاح الصفدي
أراد الغمام إذا ما هي ... يعبر عن عبرتي وانتحابي
فجاءت دموي في فيضها ... بما لم يكن في حساب السحاب
وله في التورية
لقد شب جمر القلب من فيض عبرتي ... كما أن رأسي شاب من موقف البين
فإن كان ترضى لي مشيبي والبكا ... تلقيت ما ترضاه بالرأس والعين
من النهج: واتقوا عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم وترحلوا فقد جدبكم السير، واستعدوا للموت فقد أظلكم، وكونوا قوماً صيح بهم فانتبهوا، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا فإن الله لم يخلقكم عبثاً ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به، وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصير المدة، وإن غايباً يحدوه الجديدان الليل والنهار لحري بسرعة الأوبة وإن قادماً يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدة، فتزودوا في الدنيا ما تحرزون به نفوسكم غداً فاتقى عبد ربه نصح نفسه قدم توبته غلب شهوته. فإن أجله مستور عنه وأمله خادع له، والشيطان موكل به يزين المعصية ليركبها ويمنيه التوبة ليسوفها حتى تهجم منيته عليه، أغفل ما يكون عنها فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجا، وأن تؤديه أيامه إلى شقوة نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة ولا يقصر به عن طاعة ربه غاية ولا تحل به بعد الموت ندامة ولا كآبة.
في تفسير القاضي في قوله تعالى: " فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قال الخوف على المتوقع، والحزن على الواقع، وفيه نظر لقوله تعالى: " إني ليحزنني أن تذهبوا به " ويمكن أن يدفع بأن المراد أنه يحزنني قصد ذهابكم به وبهذا يندفع اعتراض ابن مالك على النحاة بالآية الكريمة في قولهم: إن لام الإبتداء تخلص المضارع للحال كما لا يخفى.
صورة كتاب كتبه الغزالي من طوس إلى الوزير السعيد نظام الملك، جواباً على كتابه الذي استدعاه فيه إلى بغداد يعده فيه بتقويض المناسب الجليلة إليه، وذلك بعد تزهد الغزالي، وتركه تدريس النظامية.
(2/35)

بسم الله الرحمن الرحيم: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات. إعلم أن الخلق في توجههم إلى ما هو قبلتهم ثلاث طوايف: إحداها العوام الذين قصروا نظرهم على العاجل من الدنيا، فمنعهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ما ذئبان ضاريان في زريبة غنم بأكثر فساداً من حب المال والسرف في دين المرء المسلم، وثانيها الخواص، وهم المرجحون للآخرة العالمون بأنها خير وأبقى العاملون لها الأعمال الصالحة فنسب إليهم التقصير بقوله صلى الله عليه وسلم: الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله تعالى. وثالثها الأخص وهم الذين علموا أن كل شيء فوقه شيء آخر فهو من الآفلين والعاقل لا يحب الآفلين، وتحققوا أن الدنيا والآخرة من بعض مخلوقات الله تعالى وأعظم أمورهما الأجوفان: المطعم، والمنكح، وقد شاركهم في ذلك كل البهائم والدواب فليست مرتبة سنية فأعرضوا عنهما وتعرضوا لخالقهما وموجدهما ومالكهما، وكشف عليهم معنى والله خير وأبقى وتحقق عندهم حقيقة لا إله إلا الله وأن كل من توجه إلى ما سواه فهو غير خال عن شرك خفي فصار جميع الموجودات عندهم قسمين: الله، وما سواه، واتخذوا ذلك كفتي ميزان وقلبهم لسان الميزان.
فكلما رأوا قلوبهم مائلة إلى الكفة الشريفة حكموا بثقل كفة الحسنات، وكلما رأوها مايلة إلى الكفة الخسيسة حكموا بثقل كفة السيئات، وكما أن الطبقة الأولى عوام بالنسبة إلى الطبقة الثانية كذلك الطبقة الثانية عوام بالنسبة إلى الطبقة الثالثة فرجعت الطبقات الثلاث إلى طبقتين، وحينئذ أقول: قد دعاني صدر الوزراء من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا وأنا أدعوه من المرتبة الدنيا إلى المرتبة العليا التي هي أعلى عليين: والطريق إلى الله تعالى من بغداد ومن طوس، ومن كل المواضع واحد ليس بعضها أقرب من بعض فأسأل الله تعالى أن يوقظه من نوم الغفلة لينظر في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده والسلام.
(2/36)

وفي الكشاف إن الفاتحة تسمى المثاني: لأنها تثنى في كل ركعة هذا كلامه، ومثل ذلك قال الجوهري في الصحاح: وفي توجيه هذا الكلام وجوه: الأول أن المراد بالركعة الصلاة من تسمية الكل باسم الجزء، الثاني أنها تثنى في كل ركعة بأخرى في الأخرى، ويرد على هذين الوجهين التنفل بركعة عند من يجوزه وأما صلاة الجنازة فخارجة بذكر الركعة. الثالث أن في السببية نحو إن امرأة دخلت النار في هرة، والمعنى أنها تثنى بسبب كل ركعة ركعة لا بسبب السجود كالطمأنينة، ولا بسبب ركعتين ركعتين كالتشهد في الرباعية ولا بسبب صلاة صلاة كالتسليم.
والحق أن هذا بعيد جداً والجواب هو الأول، وبه صرح صاحب الكشاف في سورة الحجر والتنفل بركعة لا يجوزه صاحب الكشاف، وهو عند مجوزيه نادر لا يخل بالكلية الإدعائية إذ ما من عام إلا وقد خص.
الصلاح الصفدي وفيه حسن تعليل:
لا تحسبوا أن حبيب بكا ... لي رقة يا بعد ما تحسبون
فما بكى من رقة إنما ... أراد أن يسقي سيف الجفون
آخر
إذا كان وجه العذر ليس ببين ... فإن اطراح العذر خير من العذر
كان أبو سعيد الإصفهاني شاعراً ظريفاً مطبوعاً، وكان ثقيل السمع إذا خاطبه أحد، قال له: إرفع صوتك فإن ما بأذني ما بروحك، وهو معدود من جملة شعراء الصاحب بن عباد، ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر، وشعره في نهاية من الجودة.
من ملح العرب قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: اللهم اغفر لأمي، فقلت: ما لك لا تذكر أباك؟ فقال: إن أبي رجل يحتال لنفسه، وإن أمي امرأة ضعيفة.
قيل لبعض الحكماء: لم تركت الدنيا؟ قال: لأني أمنع من صافيها وأمتنع من كدرها.
وقيل لعارف: خذ حظك من الدنيا فإنك فانٍ، فقال: الآن وجب أن لا آخذ حظي منها، لله در من قال:
هبك بلغت كل ما تشتهيه ... وملكت الزمان تحكم فيه
هل قصارى الحياة إلا ممات؟ ... يسلب المرء كل ما يقتنيه
لبعضهم
متى وعسى يثني الزمان عنانه ... بعثرة حال والزمان عثور
(2/37)

فتدرك آمال وتقضي مآرب ... ويحدث من بعد الأمور أمور
من كلام الإسكندر إن العقل على باطن العقل أشد تحكماً من سلطان السيف على ظاهر الأحمق. برهان لطيف لكاتب هذه الأحرف، على أن غاية غلظ كل من المتممين بقدر ضعف ما بين المركزين أقول إذا تماست دائرتان من داخل صغرى وعظمى، فغاية البعد بين محيطيهما بقدر ضعف ما بين مركزيهما، كدائرتي اب ج ام هـ المتماستين على نقطة وقطر العظمى اهـ وقطر الصغرى اح وما بين المركزين ر ح، فخط ح هـ ضعف خط ر ح لأنا إذا توهمنا حركة الصغرى لينطبق مركزها على مركز العظمى، ونسميها حينئذ دائرة ح فقد تحرك على قطر العظمى بقدر حركة مركزها، فخطوط اط ر ح ح ي متساوية، وخطا اط ي هـ متساويان أيضاً، لأنهما الباقيان بعد إسقاط نصفي قطر الصغرى من نصفي قطر الظمى، فخط ر ح الذي كان يساوي خط اط يساوي ي هـ أيضاً، وقد كان يساوي خط ح ي، فخط ح هـ ضعف خط ر ح وذلك ما أردناه والتقريب ظاهر كما لا يخفى.
برهان على امتناع اللا تناهي لكاتب هذه الأحرف، وسميته اللام ألف، لو أمكن عدم تناهي الأبعاد لفرضنا مثلث اب ح القائم زاوية ا، وأخرجنا ضلعي اح ب ح المتقاطعين على ح إلى غير النهاية في جهتي م وهـ، وفرضنا تحرك خط م ح ب على خط اح هـ إلى غير النهاية، لاشك أن زاوية ب الحادة تعظم بذلك آناً فآناً، فيحصل فيها زيادات غير متناهية بالفعل، وهي مع ذلك أصغر من زاوية القائمة، إذ لا يمكن أن يساويها لأن زوايا المثلث يساوي قائمتين فتأمل.
لما مات عبد الملك بن الزيات وزير المتوكل بعد أن عذب بأنواع العذاب وجد في جيبه رقعة فيها هذه الأبيات لأبي العتاهية:
هو السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنه ما تريك العين في النوم
لا تعجلن رويداً إنها دول ... دنياً تنقل من قوم إلى قوم
إن المنايا وإن طال الزمان بها ... تحوم حولك حوماً أي ما حوم
حكى ثمامة بن أشرس قال: بعثني الرشيد إلى دار المجانين، لأصلح ما فسد من أحوالهم، فرأيت فيهم شاباً حسن الوجه، كأنه صحيح العقل، فكلمته، فقال: يا ثمامة إنك تقول: إن العبد لا ينفك عن نعمة يجب الشكر عليها أو بلية يجب الصبر لديها؟ فقلت: نعم
(2/38)

هكذا قلت، فقال: لو سكرت ونمت، وقام إليك غلامك، وأولج فيك مثل ذراع البكر فقل لي: هذه نعمة يجب الشكر عليها أو بلية يجب الصبر لديها، قال ثمامة: فتحيرت ولم أدر ما أقول له.
فقال: وهنا مسألة أخرى أسألك عنها، فقلت: هات قال: متى يجد النائم لذة النوم؟ إن قلت إذا استيقظ فالمعدوم لا يوجد له لذة، وإن قلت قبل النوم فهو كذلك، وإن قلت حال النوم فلا شعور له، قال ثمامة: فبهت ولم أستطع له جواباًز فقال: مسألة أخرى قلت: وما هي؟ قال: إنك تزعم أن لكل أمة نذير فمن نذير الكلاب؟ قلت: لا أدري الجواب، فقال: أما الجواب عن السؤال الأول فيجب أن تقول الأقسام ثلاثة: نعمة يجب الشكر عليها، وبلية يجب الصبر لديها، وبلية يمكن التحرز منها كيلا ينضم العار إليها وهي هذه.
وأما المسألة الثانية فالجواب عنها أنها محال لأن النوم داء، ولا لذة مع وجود الداء.
وأما المسألة الثالثة وأخرج من كمه حجراً وقال: إذا عوى عليك كلب فهذا نذيره ورماني بالحجر فأخطأني، فلما رآه قد أخطأني قال: فاتك النذير أيها الكلب الحقير. فعلمت أنه مصاب في عقله فتركته وانصرفت ولم أر مجنوناً بعدها.
كان البهلول جالساً والصبيان يؤذونه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ويكررها فلما طال أذاهم له حمل عصاة، وكر عليهم وهو يقول:
أمر على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها؟
فتساقط الصبيان بعضهم على بعض فقال: هزم القوم وولوا الدبر أمرنا أمير المؤمنين أن لا نتبع مولياً ولا ندفف على جريح ثم جلس وطرح عصاه وقال:
وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
لا تضجرن ولا يدخلك معجزة ... فالنجح يهلك بين العجز والضجر
قال بعض الحكماء: إنكاء ما يكون لعدوك أن لا تريه أنك تتخذه عدواً.
لبعضهم
الدهر خداعة خلوب ... وصفوه بالقذا مشوب
فلا تغرنك الليالي ... فبرقها الخلب الكذوب
وأكثر الناس فاعتزلهم ... قوالب ما لها قلوب إسماعيل المفري
(2/39)

إلى كم تمادي في غرور وغفلة؟ ... وكم هكذا نوم إلى غير يقظة؟
لقد ضاع عمر ساعة منه تشتري ... بملء السما والأرض أية ضيعة
أترضى من العيش الرغيد تعيشه؟ ... مع الملأ الأعلى بعيش البهيمة
فيا درة بين المزابل ألقيت ... وجوهره بيعت بأبخس قيمة
أفانٍ بباق تشتريه سفاهة؟ ... وسخطاً برضوان وناراً بجنة؟
فأنت صديق أم عدو لنفسه؟ ... فإنك ترميها بكل مصيبة
ولو فعل الأعداء بنفسك بعض ما ... فعلت لمستهم لها بعض رحمة
لقد بعتها هوناً عليك رخيصة ... وكانت بهذا منك غير حقيقة
كلفت بها دنياً كثيراً غرورها ... تقابلنا في نصحها بالخديعة
إذا أقبلت ولت وإن هي أحسنت ... أساءت وإن ضاءت فثق بالكدورة
وعيشك فيها ألف عامٍ وتنقضي ... كعيشك فيها بعض يوم وليلة
عليك بما يجدي عليك من التقى ... فإنك في سهوٍ عظيم وغفلة
تصلي بلا قلب صلاة بمثلها ... يصير الفتى مستوجباً للعقوبة
تخاطبه إياك نعبد مقبلاً ... على غيره فيها لغير ضرورة
ولو رد من ناجاك للغير طرفه ... تميزت عن غيظٍ عليه وغيرة
تصلي وقد أتممتها غير عالم ... تزيد احتياطاً ركعة بعد ركعة
فويلك تدري من تناجيه معرضاً ... وبين يدي من تنحني غير مخبت
ذنوبك في الطاعات وهي كثيرة ... إذا عددت تكفيك عن كل ذلة
تقول مع العصيان ربي غافر ... صدقت ولكن غافر بالمشية
وربك رازق كما هو غافر ... فلم لم تصدق فيهما بالسوية
فكيف ترجي العفو من غير توبةٍ؟ ... ولست ترجي الرزق إلا بحيلة
فها هو بالأرزاق كفل نفسه ... ولم يتكفل للإنام بجنة
وما زلت تسعى في الذي قد كفيته ... وتهمل ما كلفته من وظيفة
تسيء به ظناً وتحسن تارة ... على حسب ما يقضي الهوا في القضية
وجد في عضد قابوس وشمكير رقعة بخطه فيها مكتوب إن كان
(2/40)

الغدر طباعاً فالثقة بكل أحد عجز، وإن كان الموت لابد آتياً فالركون إلى الدنيا حمق، وإذا كان القضاء حقاً فالحزم باطل.
ومن كلام بعض الحكماء: إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة، وإذا أردت الغنى فاطلبه بالقناعة، فمن أطاع الله عز نصره، ومن لزم القناعة زال فقره.
في شرح الشهاب للراوندي: ورد في الأخبار كراهة النوم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإنه وقت قسمة الأرزاق.
قال بعض الفلاسفة: الدنيا دار فجايع، من عجل فيها فجع بنفسه ومن أجل فيها فجع بأحبته.
ومن كلام بعض الحكماء: من ودك لأمر، ملك عند انقضائه، ومن كلامهم إنما للأنس المجلس الخاص لا المحفل الغاص، ومن كلامهم أيضاً: ليس من الإنصاف مطالبة الإخوان بالإنصاف.
لبعضهم
يا طالب الدنيا يغرك وجهها ... ولتندمن إذا رأيت قفاها
من التلويحات عن أفلاطون الإلهي أنه قال: ربما خلوت بنفسي كثيراً عند الرياضيات وتأملت أحوال الموجودات المجردة عن الماديات، وخلعت بدني جانباً وصرت كأني مجرد بلا بدن عري عن الملابس الطبيعية، فأكون داخلاً في ذاتي، لا أتعقل غيرها ولا أنظر فيما عداها، وخارجاً عن ساير الأشياء، فحينئذ أرى في نفسي من الحسن والبهاء والسناء والضياء والمحاسن الغريبة العجيبة الأنيقة ما أبقى منه متعجباً حيران باهتاً، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الأعلى الروحاني الكريم الشريف، وأني ذو حياة فعالة. ثم ترقيت بذهني من ذلك العالم إلى العوالم الإلهية، والحضرة الربوبية، فصرت كأني موضوع فيها معلق بها، فأكون فوق العوالم العقلية النورية. فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف، وأرى هناك من البهاء والنور ما لا تقدر الألسن على وصفه، ولا الأسماع على قبول نعته، فإذا استغرقني ذلك الشأن، وغلبني ذلك النور والبهاء ولم أقوى على احتماله، هبطت من هناك إلى عالم الفكرة، فحينئذ حجبت الفكرة عني ذلك النور فأبقى متعجباً أني كيف انحدرت من ذلك العالم {وعجبت كيف رأيت نفسي مخمتلية نوراً} وهي مع البدن كهيئتها فعندها تذكرت قول مطريوس حيث أمرنا بالطلب والبحث عن جوهر النفس الشريف، والإرتقاء إلى العالم العقلي.
(2/41)

من الكشاف في آية الوضوء: فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الرابع الممسوح، لا ليمسح ولكنه لينبه على وجوب الإقتصاد في صب الماء عليها، قال في الكشف: لو أريد المسح لقا إلى الكعاب أو الكعب لأن الكعب إذ ذاك مفصل القدم وهو واحد في كل رجل، فإن أريد كل واحد فالإفراد وإلا فالجمع، وأما إذا أريد الغسل فهما الناشزان، وهما اثنان في كل رجل فتصح التثنية باعتبار كل رجل رجل ولما كانت المقابلة باعتبار الغاية وصاحبها لم يرد أن الأول يصح مثنى باعتبار كل شخصٍ شخص إذاً لا مدخل للأشخاص في هذا التقابل.
من التفسير الكبير للإمام الرازي: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتيان من جانبي الساق، وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح: إن الكعب عبارة من عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم، وهو قول محمد بن الحسن، وكان الأصمعي يختار هذا القول.
ثم قال: حجة الإمامية إن اسم الكعب وقع على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات، فوجب أن يكون في حق الإنسان كذلك والمفصل يسمى كعباً ومنه كعب الرمح لمفاصله وفي وسط القدم مفصل فوجب أن يكون هو الكعب.
وصايا أمير المؤمنين لأولاده
مما أوصى به أمير المؤمنين رضي الله عنه أولاده يا بني عاشروا الناس عشرة، إن غبتم حنوا إليكم، وإن فقدتم بكوا عليكم، يا بني إن القلوب جنود مجندة يتلاحظ بالمودة ويتناجى بها وكذلك هي في البغض، فإذا أجبتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه إذا أبغضتم الرجل عن غير سوء سبق إليكم فاحذروه.
من المحاكمات في بحث حركات الأفلاك: هنا شك، وهو أنا إذا فرضنا دائرتين إحديهما حاوية للأخرى والأخرى محوية وهما يتحركان بالخلاف على محور واحد حركة واحدة، وعلى الدائرة المحوية نقطة في السماء على نصف النهار فتلك النقطة لابد أن يكون دائماً على نصف النهار، لأن المحوى إن حركها إلى جهة الشرق درجة فقد أعادها الحاوي إلى جهة الغرب، ومع أن تلك النقطة لما كانت من نقطة الدائرة المحوية وساير نقاطها يقطع دور الفلك بحركتها بالضرورة فلابد أن تكون تلك النقطة في جهة الشرق تارة وفي جهة الغرب أخرى. ومن الفضلاء من سمعته يقول في حل هذا الشك: لكل متحرك حركتان: حركة حقيقية وهي قطع المسافة التي يتحرك عليها، وحركة إضافية، أي بالإضافة إلى أي نقطة فرضت خارجة عن المسافة، وهي زاوية المسافة حركتها عندها، ونقطة المحوي وإن كانت
(2/42)

لها حركة في نفسها لا تحدث زاوية بالنسبة إلى النقاط الخارجة عن مبدئها لأن موضعها يتحرك بالخلاف حركة مساوية لها، ولهذا لا ترى إلا ساكنة، وللفكر فيه مجال، انتهى كلام المحاكمات.
والحاصل أن الدائرة المحوية لا يظهر لها حركة بالنسبة إلى النقاط الخارجة، وذلك لا ينافي كونها متحركة في نفسها. من كتاب الملل والنحل: الضابط في تقسيم الأمم أن تقول: من الناس من لا يقول بمحسوس ولا بمعقول، وهم السوفسطائية، ومنهم من يقول: بالمحسوس لا بالمعقول، وهم الطبيعية، ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول ولا يقول بحدود وأحكام، وهم الفلاسفة الدهرية، ومنهم من يقول: بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام ولا يقول بالشريعة والإسلام، وهم الصابئة، ومنهم من يقول: بهذه كلها وبشريعة وإسلام، ولا يقول بشريعة نبينا صلى الله عليه وآله وهم المجوس واليهود والنصارى، ومنهم من يقول: بهذه كلها وهم المسلمون.
ومن بعض كتب الإشراق: العناية الإلهية متعلقة بتدبير الكل من حيث هو كل أولاً وبالذات، وبتدبير الجزء ثانياً وبالعرض، ولا يمكن أن يكون نظام الكل أحسن من النظام الواقع، وإن أمكن لكل فردٍ فرد ما هو أكمل له بالنظر إلى خصوصية لكنه يكون مخلاً بحسن نظام الكل وإن خفي علينا وجهه، ويمثل ذلك بأن المعمار إذا طرح نقش عمارة فربما كان الأحسن لتلك العمارة من حيث الكل أن يكون بعض أطرافه مبرزاً والبعض الآخر مجلساً، والبعض الآخر مطبخاً، بحيث لو غير هذا الوضع لاختل حسن مجموع العمارة، وإن كان الأحسن نظراً إلى خصوصية كل من الأجزاء أن يكون مجلساً مثلاً.
من كتاب التبيان في المعاني والبيان: الأسلوب الحكيم هو أن يتلقى المخاطب بغير ما يترقب تنبيهاً على أنه أولى بالقصد قال:
أتت تشتكي عندي مزاولة القرى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي
فقلت كأني ما سمعت كلامها ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي
وقال القبعثري للحجاج: لما توعده بقوله: لأحملنك على الأدهم، مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، ومنه في قوله تعالى: " إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " إذ المراد منه التكثير، وحمله صلى الله عليه وسلم على العدد فقال: والله لأزيدن على السبعين.
(2/43)

من كتاب عدة الداعي ونجاح الساعي قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه للمفضل بن صالح: يا مفضل إن لله عباداً عاملوه بخالص من سره فعاملهم بخالص من بره، فهم الذين تمر صحفهم يوم القيامة فرغاً فإذا وقفوا بين يديه ملأها من سر ما أسروا إليه، قال: فقلت: مولاي ولم ذلك؟ قال: أجلهم أن تطلع الحفظة على ما بينه وبينهم.
قيل: قريباً من هذا المضمون، وأظنه بابا فغاني.
قيل لأعرابي: إن الله محاسبك غداً، فقال: سررتني يا هذا إذن إن الكريم إذا حاسب تفضل.
حكي أنه حاك بعض العارفين ثوباً وتأنق في صنعته فلما باعه رد عليه بعيوب فيه فبكى فقال المشتري: يا هذا لا تبك فقد رضيت به، فقال: ما بكائي لذلك بل لأني بالغت في صنعته وتأنقت فيه جهدي فرد علي بعيوب كانت خفية عني فأخاف أن يرد علي عملي الذي أنا أعمله هذا أربعين سنة.
قيل لبعض العارفين: كيف أصبحت؟ قال: أسفاً على أمسي، كارهاً ليومي مهناً، لغدي.
صواب الرأي بالدول، ويذهب بذهابها.
شعر
أرى ناساً بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا بالعيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك ... كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
إذا املقتم فتاجروا الله بالصدقة. من ظن بك خيراً فصدق ظنه. كفى بالأجل حارساً.
شتان بين عملين عمل تذهب لذته، وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤنته ويبقى أجره.
برهان على إبطال الجزء مما سنح بخاطر كاتب الأحرف نفرض دائرة مركبة من الأجزاء، ونخرج فيها خطين مارين بالمركز من طرفها جزء واحد من محيط الدائرة فهما متقاطعان على المركز، فالإنفراج الذي بينهما قبل التقاطع، إما أن يكون بقدر الجزء أو أكثر أو أقل، والكل باطل، لاستلزام الأول كون المتقاطعين متوازنين، والثاني كون المتقاربين في جهة المتباعدين فيها، والثالث الإنقسام.
من النهج والذي وسع سمعه الأصوات: ما من أحد أودع قلباً سروراً إلا وخلق الله
(2/44)

من ذلك السرور لطفاً، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه تطرد غريبة الإبل. قال تغلب: حدثنا ابن الأعرابي: قال المأمون: لولا أن علياً رضي الله عنه قال أخبر تقله أي لا تغتر بظاهر من تراه فإنك إذا اختبرته بفضته والهاء فيه للسكت، ومثله قول جرب الناس فإنك إذا جربتهم قليتهم وتركتهم، لما يظهر لك من بواطن سرايرهم، لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي من جربهم أبغضهم وتركهم لقلت أنا أقله تخبر.
قال يحيى بن معاذ في مناجاته إلهي يكاد رجائي لك مع الذنوب، يغلب على رجائي مع الأعمال، لأني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف لا أحذرها، وأنا بالآفة معروف، وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف: احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك.
من كتاب أدب الكتاب: مما جاء مخففاً والعامة تشدده، الرباعية للسن، ولا يقال رباعية وكذا الكراهية، والرفاهية، وفعلت كذا طماعية في معروفك، ومن ذلك الدخان والقدوم، ومما جاء ساكناً والعامة تحركه يقال في أسنانه حفر، وحلقة البات وحلقة القوم وليس في كلام العرب حلقة بفتح اللام إلا حلقة الشعر جمع حالق نحو كفرة جمع كافر ومما جاء مفتوحاً والعامة تكسره الكتان، والعقار، والدجاجة، وفص الخاتم، ومما جاء مكسوراً والعامة تفتحه الدهليز والأنفحة، والضفدع، ومما جاء مضموماً والعامة تفتحه على وجهه طلاوة، وثياب جدد بيض، ومما جاء مفتوحاً والعامة تضمه، الأنملة بفتح الميم واحدة الأنامل. ومما جاء مضموماً والعامة تكسره، المصران جمع مصير نحو جربان جمع جريب.
ظن بعض الفضلاء أن لبنة واحدة في العضادة كافية في استعلام ارتفاع الشمس، وكان يحاذي باللبنة الشمس، ويحرك العضادة إلى أن يقع ظل اللبنة بتمامه على نفس العضادة، ويحكم بأن الارتفاع ما وقعت عليه الشظية وهذا ظن باطل إذا الشظية إنما تكون على الارتفاع في وقت إذا كان ظل اللبنة غير متناه وهو وقت كون سطح الحجرة في دائرة الارتفاع وليس ذلك وقت وقوع ظل اللبنة على العضادة فتأمل.
من كتاب ورام: إلتقى ملكان فتساءلا فقال أحدهما للآخر: أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهودي، وقال الآخر: أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان الزاهد.
التفاضل بين كل مربعين بقدر حاصل ضرب مجموع جذريهما في التفاضل بين ذينك الجذرين.
ولكثير من قصيدة
ركبان مكة والذين رأيتهم ... يبكون من خوف المعاد قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خروا لعزة ركعاً وسجودا
الله يعلم لو أردت زيادة ... في حب عزة ما وجدت مزيدا
قولهم لا يقبل عنه صرف ولا عدل: الصرف التوبة، والعدل الفدية. لا يقال للعلف حشيش إلا إذا يبس.
من غرر الحكم
من كتاب غرر الحكم من كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه: الصديق إنسان هو إلا أنه غيرك المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لابد منها. الشركة في الملك تؤدي إلى الاضطراب، والشركة في الرأي تؤدي إلى الصواب. السبب الذي أدرك به العاجز بغيته هو الذي أعجز القادر عن طلبته.
إضرب خادمك إذا عصى الله، واعف عنه إذا عصاك. إختر من كل شيء جديده ومن الإخوان أقدمهم، أحيوا المعروف بإماتته، فإن المنة تهدم الصنيعة.
(2/45)

اضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب تخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الإجتهاد إذا أبيض أسودك مات أطيبك. قال يحيى بن معاذ في مناجاته: إلهي يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب على رجائي مع الأعمال؛ لأني أعتمد الأعمال على الإخلاص وكيف لا أحذرها وأنا بالآفة معروف. وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف. ألفاظ لغوية من كتاب أدب الكاتب: مما جاء مخففا والعامة تتشدد: الرباعية للسن، ولا يقال رباعية، وكذا الكراهية، والرفاهية، وفعلت كذا طماعية، في معروفك ومن ذلك الدخان والقدوم. ومما جاء ساكنا والعامة تحركه: يقال في أسنانه حفر ن حلقة الباب، وحلقة القوم، وليس في كلام العرب حلقة بفتح اللام إلى حلقة الشعر، جميع حالق، نحو كفره جمع كافر. ومما جاء مفتوحا والعامة تكسره: الكتان، والعفار ن والدجاج، وفص الخاتم. ومما جاء مكسورا والعامة تفتحه: الدهليز، والإنفحة ’ والضفدع. ومما جاء مضموما والعامة نفتحه: على وجهه طلاوة، وثياب جدد، والجدد ب بفتح الدال - الطرائق قال الله تعالى {ومن الجبال جدد بيض} وما جاء مفتوحا والعامة تضمه: الأنملة بفتح الميم واحدة الأنامل. ومما جاء مضموما والعامة تكسره: المصران جمع مصير، نحو جريان: جمع جريب.
قصة يوسف
قوله تعالى: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " روي في عيون الأخبار عن أبي الحسن الرضا رضي الله عنه فيما ذكره عند المأمون في تنزيه الأنبياء ما حصله إن قوله تعالى: " وهم بها " هو جواب لولا؛ أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما تقول: قتلتك لولا أني أخاف الله، أي لولا أني أخاف الله لقتلتك وحينئذٍ فلا يلزم كونه عليه السلام قد هم بالمعصية أصلاً كما هو شأن النبوة. أقول: وأما ما ذكره بعض المفسرين من أن جواب لولا لا يتقدم عليها محتجاً بأنها
(2/46)

في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام وأن الشرط مع ما في حيزه من الجملتين في حكم الكلمة الواحدة ولا يجوز تقديم بعض أجزاء الكلمة على بعض فكلام ظاهري لا مستند له في كلام المتقدمين من أئمة العربية، وحجته المذكورة لا يخفى ضعفها والصحيح أنه لا مانع من تقديم جواب لولا عليها ولأن ضويقنا في ذلك قدرنا لها جواباً آخر بحيث يكون المذكور مفسراً له كما في نحو أقوم إن قام زيد.
قال في الكشاف: فإن قلت: كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها؟ قلت: المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة، ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلاً يشبه الهم به والقصد إليه وكما يقبضه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم وهو يكسر ما به ويرده بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلف من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هماً لشدته لما كان صاحبه ممدوحاً عند الله، لأن استعظام الصبر على الإبتلاء على حسب عظم الإبتلاء وشدته. ثم إنه أكثر التشنيع على من فسر الهم بأنه حل الهميان، وجلس منها مجلس المجامع، وعلى من فسر البرهان بأنه سمع صوتاً إياك وإياها فلم يكترث فسمعه ثانياً فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته أو بأنه ضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله أو بأنه صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش، فلما زنا قعد لا ريش له، أو بأنه بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين فلم ينصرف. ثم رأى فيها " ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً " فلم ينته ثم رأى فيها " واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله " فلم ينجع، فقال الله لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل وهو يقول يا يوسف أتعمل عمل السفهاء؟ وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء أو بأنه رأى تمثال العزيز، أو بأنه قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته، وقالت أستحي منه أن يرانا، فقال يوسف: إستحييت ممن لا يسمع ولا يبصر ولا أستحي من السميع البصير العليم بذات الصدور.
ثم قال جار الله: هذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله وأنبيائه ورسله، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل ولو وجدت من يوسف عليه السلام أدنى ذلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما نعيت على آدم عليه السلام زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب، وعلى ذي النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم كيف وقد أثنى عليه، وسمى مخلصاً فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوة، والعزم ناظراً في دليل التحريم، ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أنزل من الكتب الأولين. ثم في القرآن الذي هو حجة
(2/47)

على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب سورة كاملة عليها ليجعل لها لسان صدق في الآخرين كما جعله لجده الخليل إبراهيم، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الأزار والتثبت في مواقف العثار فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى أن يكون إنزال الله سورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي بنبي من الأنبياء في العقود بين شعب الزانية، وفي حل تكته للوقوع عليها وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرات، ويصاح به من عنده ثلاث صيحتات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، والتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه ولا يتحلحل ولا ينهي ولا ينتبه حتى يتداركه الله بجبرئيل، وبإجباره وو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأجلحهم وجهاً لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي له عرق ينبض، ولا يتحرك فيا له من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه. إنتهى كلام صاحب الكشاف، لا خلاف في أن يوسف على نبينا وعليه السلام لم يأت بالفاحشة إنما الخلاف في وقوع الهم منه، فمن المفسرين من ذهب إلى أنه ذهب إلى أن هم وقصد الفاحشة وأتى ببعض مقدماتها وقد أفرط صاحب الكشاف في التشنيع على هؤلاء، كما نقلناه عنه في الصفحة السابقة، ومنهم من نزعه عن الهم أيضاً، وهو الصحيح وللإمام الرازي في تفسيره الكبير هنا نكتة لابأس بإيرادها. قال الإمام: إن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف عليه السلام، والمرأة، وزوجها والنسوة، والشهود، ورب العالمين، وإبليسن وكلهم قالوا ببراءته عليه السلام عن الذنب فلم يبق لمسلم توقف في هذا الباب، أما يوسف فلقوله: " هي راودتني عن نفسي " وقوله " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه " وأما المرأة فلقولها " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " و " قالت الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه " وأما زوجها فلقوله " إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم " وأما النسوة فلقولهن " امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلال مبين " وقولهن " حاش لله ما علمنا عليه من سوء " وأما الشهود فقوله تعالى: " وشهد شاهد من أهلها " إلى آخره.
وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله عز من قائل: " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين " وأما إقرار إبليس بذلك فبقوله: " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " فأقر بأنه لا يمكنه إغواء العباد المخلصين وقد قال الله تعالى: " إنه من عبادنا المخلصين " فقد أقر إبليس بأنه لم يغوه، وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله
(2/48)

فليقبلوا شهادة الله تعالى بطهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده، فليقبلوا إقرار إبليس بطهارته إنتهى كلام الإمام.
قيل للحسن البصري: كيف ترى الدنيا؟ فقال: شغلني توقع بلائها عن الفرح برخائها فأخذه أبو العتاهية فقال:
تزيده الأيام إن أقبلت ... شدة خوف لتصاريفها
كأنها في حال إسعافها ... تسمعه رقعة تخويفها
من كلام الحسن يا ابن آدم أنت أسير الدنيا رضيت من لذتها بما ينقضي، ومن نعيمها بما يمضي؛ ومن ملكها بما ينفد، ولا تزال تجمع لنفسك الأوزار، ولأهلك الأموال فإذا مت حملت أوزارك إلى قبرك. وتركت أموالك لأهلك.
بعض ما قيل في النساء
عيرت امرأة ديوجانس الحكيم بقبح المنظر فقال لها: يا هذه إن منظر الرجال بعد المخبر، ومخبر النساء بعد المنظر فخجلت.
ورأى يوماً امرأة قد حملها السيل فقال لأصحابه: هذا موضع المثل دع الشر يغسله الشرور ورأى امرأة تحمل ناراً فقال: الحامل أشر من المحمول.
ورأى يوماً امرأة متزينة يوم عيد، فقال هذه إنما خرجت لترى لا لترى. ورأى جارية تعلم الكتابة فقال: هذا سم يسقى سماً.
قال بعض أصحاب الإسكندر إنه دعاهم ليلة ليريهم النجوم، ويعرفهم خواصها وأحوال مسيرها فأدخلهم إلى بستان، وجعل يمشي معهم ويشير بيده إليها حتى سقط في بئر هناك فقال: من تعاطى علم ما فوقه بلي بجهل ما تحته.
قيل لدعبل الشاعر: ما الوحشة عندك؟ فقال النظر إلى الناس ثم أنشد:
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا
لبعضهم
تشك دهرك ما صححت به ... إن الغنى هو صحة الجسم
هبك الخليفة كنت منتفعاً ... بغضارة النيا مع القسم
لبعضهم
لقد عرفتك الحادثات نفوسها ... وقد أدبت إن كان ينفعك الأدب
ولو طاب الإنسان من صرف دهره ... دوام الذي يخشى لأعياه ما طلب
لبعضهم وهو ابن عبيد
يا أيها السائل عن منزلي ... نزلت في الخان على نفسي
كان عمر بن عبد العزيز يقول في دعائه اللهم أغنني بالإفتقار إليك ولا تفقرني بالإستغناء عنك.
الخنس والكنس التي أقسم الله سبحانه بهم في كتابه العزيز هم الخمسة المتحيرة من خنس
(2/49)

إذا رجع، ومن كنس الوحش إذا دخل كناسه، وهو بيته، لأنها تختفي تحت ضوء الشمس، وقد يقال: إن الكنس بمعنى المقيمات في الكناس، وفي الآية الكريمة إشعار بما يتعرض للخمس المتحيرة من الرجوع والإقامة والإستقامة، فالخنس إشعار بالرجوع والكنس إشعار بالإقامة، والجواري إشعار بالإستقامة. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن قبلك رجلين، يعني بكر بن عبد الله، وأياس بن معاوية، فول أحدهما قضاء البصرة قال: فلما عرض الكتاب عليهما امتنع كل منهما من قبوله فأحضرهما وألح عليهما في ذلك، فقال بكر: والله الذي لا إله إلا هو إني لا أحسن القضاء وإن أياساً أولى به مني، فإن كنت صادقاً فكيف أتولاه؟ وإن كنت كاذباً فكيف تولى كذاباً، فقال أياس: إنكم أوقفتم الرجل على شفير جهنم، فافتدى منكم بيمين يكفرها، فقال أما إذا اهتديت لهذا فأنت أحق، فولاه القضاء.
دخل أياس الشام، وهو غلام صغير، فقدم خصماً له إلى بعض القضاة وكان الخصم شيخاً، فصال عليه أياس بالكلام، فقال له القاضي: خفض عليه فإنه شيخ كبير، فقال أياس: الحق أكبر منه، قال: اسكت قال: فمن ينطق بحجتي إن سكت قال: ما أراك تقول حقاً فقال: لا إله إلا الله، فدخل القاضي على عبد الملك فأخبره فقال: إقض حاجته وأخرجه من الشام لا يفسد أهلها.
أسباب تخفيف الشدائد وتسهيل المصائب
لتسهيل المصايب وتخفيف الشدائد أسباب: إذا قارنت حزماً وصادفت عزماً هونت
(2/50)

وقعها وقللت تأثيرها وضرها.
فمنها إشعار النفس ما تعلمه من حلول الفناء، والمصير إلى الإنقضاء، إذ ليس للدنيا حال يدوم، ولا لمخلوق بقاء معلوم، ومنها أن تستشعر أن كل يومٍ يمر منها شطر، ويذهب منها جانب حتى تتخلى، وأنت عنها غافل، قال الشاعر:
تسل عن الهموم فليس شيء ... يقيم فما همومك بالمقيمة
لعل الله ينظر بعد هذا ... إليك بنظرة منه رحيمة
ومنه أن تعلم أن فيما وقي من الرزايا، وكفى من الحوادث والبلايا، ما هو أعظم من رزيته، وأشد من بليته.
ومنها أن تعلم أن طوارق الإنسان من دلائل فضله، ومحنه من شواهد نبله.
فعن أمير المؤمنين رضي الله عنه حذق المرء محسوب من رزقه، وقال الشاعر:
محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى ... كالنار مخبرة بفضل العنبر
وقلما تكون محنة فاضل إلا على يد جاهل وبلية كامل إلا من جهة ناقص قال الشاعر:
فلا غرو أن يمنى أديب بجاهل ... فمن ذنب التنين تنكسف الشمس
ومنها علمه بأنه يعتاض من الإرتياض بنوائب دهره، والإرتماض بمصائب عصره صلابة عود، واستقامة عمود، وتجارباً لا يغتر معه برخاء، وثباتاً لا يتزلزل بعده لكل شدة، وبأساً قال الشاعر:
نوائب الدهر أدبتني ... وإنما يوعظ الأديب
لم يمض بؤس ولا نعيم ... إلا ولي فيهما نصيب
ومنها التأسي بالأنبياء والأولياء السلف والصالحين، فإنه لم يخل أحدهم مدة عمره عن تواتر البلايا، وتفاقم الرزايا، وليشعر نفسه أن ينخرط بذلك في سلك أولئك الأقوام، وناهيك به من مقام يسمو على كل مقام.
سئل الحسن بن علي رضي الله عنهما: من أعظم الناس قدراً؟ فقال: من لم يبال بالدنيا بيد من كانت.
(2/51)

قال بعضهم: إن هذا الموت قد نغص على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيماً لا موت معه.
قال الحسن رضي الله عنه: فضح الموت الدنيا ما ترك لذي لب فرحاً.
روي أنه لما وضع إبراهيم عليه السلام في المنجنيق ليرمى به في النار أتاه جبرائيل عليه السلام فقال: ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا.
من كلام بعضهم: الفرق بين الهوى والشهوة مع اجتماعهما في العلة والمعلول واتفاقهما في الدلالة والمدلول هو أن الهوى مختص بالآراء والاعتقادات والشهوة تختص بنيل المستلذات، فصارت الشهوة من نتائج الهوى وهي أخص، والهوى أضل، وهو أعم، لامرأة من العرب:
أيها الإنسان صبراً ... إن بعد العسر يسرا
إشرب الصبر وإن كان ... من الصبر أمرا
أبو تمام
إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به صدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في مكانتها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ... ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوت منه غوث ... يمن به اللطيف المستجيب
فكل الحادثات وإن تناهت ... فموصول بها فرج قريب
لبعضهم
وكم غمرة هاجت بأمواج غمرة ... تلقيتها بالصبر حتى تجلت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فما رأت صبري على الذل ذلت
تعريف السيمياء
السيميا يطلق على غير الحقيقي من السحر وحاصله إحداث مثالات خيالية لا وجود لها وقد يطلق على إيجاد تلك المثالات وتصويرها في الحسن وتكوين صور في جوهر الهواء، وسبب سرعة زوالها سرعة تغير جوهر الهواء، وكونه لا يحفظ ما يقبله زماناً طويلاً.
(2/52)

ابن الدمينة اسمه عبد الله وهو من العرب العرباء من بني عامر، وشعره في غاية الرقة على خلاف ما كان عليه الصدر الأول، وهذا في ذلك الزمان عجيب، وكان العباس بن الأحنف يطرف بشعره جداً ومن شعره: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد الأبيات الخمسة.
وله أيضاً الأبيات المشهورة التي يقول فيها:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع
وله من أبيات
قفي يا أميم القلب نقضي لبانة ... ونشكو الهوى ثم افعلي ما بدى لك
أرى الناس يرجون الربيع وإنما ... ربيعي الذي أرجو زمان نوالك
تعاللت كي أشجي وما بك علة ... تريدين قتل قد ظفرت بذلك
لئن ساءني إن نلتني بمساءة ... فقد سرني أني خطرت ببالك
أبيني أفي يمنى يديك جعلتني؟ ... فأفرح أم صيرتني في شمالك؟
من كلام بعضهم لا يحصل هذا العلم إلا من خرب دكانه، وهاجر إخوانه، وباعد أوطانه، واستغنم إبانه.
قال في التبيان: بعد أن ذكر هذين البيتين في وصف الهلال لابن المعتز وقال: إنه أحسن ما قيل في الهلال:
وجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو في خوف وفي حذر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحني ... مثل القلامة إذ قصت من الظفر
قال لو قال لم يقص ليكون امتياز الهلال عن التدوير الذي يحس كالقلامة على الظفر كان أدق معنى هذا كلامه.
العجب من أبي نواس مع تمهره في كلام العرب وتعمقه في العربية كيف غلط في قوله:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
فإن فعلى التي هي مؤنث أفعل لا تعرى عن الألف واللام والإضافة معاً قاله في المثل السائر، وذكر ابن هشام أيضاً في الباب الثاني من كتاب مغني اللبيب ما صورته إنما قلت
(2/53)

صغرى وكبرى موافقة لهم وإنما الوجه استعمال فعلى أفعل بأل أو الإضافة ولذلك لحن من قال:
كان صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
فكيف يظن ظان أنه في وصف الدينار إذا استولى الحب أدهش عن إدراك الألم، والتجربة أعدل شاهد على ذلك.
حكى سمنون المحب قال: كان في جوارنا رجل له جارية يحبها غاية الحب فاعتلت فجلس الرجل يصنع لها حميساً فبينا هو يحرك ما في القدر إذ قالت الجارية: آه فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى تساقط لحم أصابعه وهو لا يحس بذلك، فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق والتصديق به في حب الخالق أولى، لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر، وجمال الحضرة الربوبية أوفى من كل جمال، فإنه الجمال الخالص البحت وكل جمال في العالم فهو مختلط ناقص.
قصد بعض الشعراء أبا دلف: فسأله أبو دلف ممن أنت؟ فقال: من بني تميم فقال:
تميم بطرق اللوم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت
فقال الرجل: نعم، بتلك الهداية جئت إليك فخجل وأستكتمه وأجازه. إلى آخر ما قاله.
لبيك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوايح
إن الأولى في معنى البيت أن يكون يزيد منادى، وضارع نايب الفاعل أي الضارع ينبغي أن يبكي بعدك لعدم المعين والممد، أما أنت ففي جنات النعيم، وعلى هذا فلا حذف في البيت. لله در من قال:
أليس عجيباً بأن امرءاً ... لطيف الطباع حكيم الكلم
يموت وما حصلت نفسه ... سوى علمه أنه ما علم
ذكر أهل التجارب أن لتكون الجنين زماناً مقدراً فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف المجموع مثلاً انفصل الجنين.
(2/54)

وقال الشيخ في الشفا في الفصل السادس من المقالة التاسعة من كتاب الحيوان: إن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبت أسنانه وعاش.
ذكر أرسطاطاليس: أن مدة الحمل في كل الحيوانات مضبوطة إلا في الإنسان، وقال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل، فرأيت امرأة ولدت في المائة وأربعة والثمانين ليلة.
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه:
هي حالان شدة ورخاء ... وسجالان نعمة وبلاء
والفتى الحاذق الأريب إذا ما ... خانه الدهر لم يخنه العزاء
إن ألمت ملمة بي فإني ... في الملمات صخرة صماء
صابر في البلاء علماً بأن ... ليس يدوم النعيم والبلواء
لابن المطروح
وعدك لا ينقضي له أمد ... ولا لليل المطال منك غد
عللتني بالمنى غداً فغداً ... إن غداً سرمداً هو الأبد
يضحك عن واضح مقبلة ... عذب برود كأنه البرد
أحوم من حوله ولي ظمأ ... إلى جنى ريقه ولا أرد
وكلما زدت وجهه نظراً ... بدت عليه محاسن جدد
البيت الأخير من هذه الأبيات مأخوذ من قول أبي نؤاس: كأن ثيابه اطلعن ... من أزراره قمرا
بعين خالط التغتير ... في أجفانه الحورا
يزيدك وجهه حسناً ... إذا ما زدته نظرا
الفاضل الجلبي في حاشيته المطول بعدما ذكر قول أبي نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء
قال: إن البيت في وصف االدينار
(2/55)

وقال جامع الكتاب: هذا عجيب من ذلك الفاضل، فإنه يفهم من حاشيته أن له اطلاعاً وممارسة بشعر العرب، وهذه الأبيات التي هذا البيت منها مشهور.
لأبي نواس في وصف الخمر وأولها:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
وبعده قوله:
من كف ذات حرٍ في زي ذي ذكر ... لها محبان لوطي وزناء
الاسطرلاب آلة مشتملة على أجزاء يتحرك بعضها فتحكي الأوضاع الفلكية ويستعلم بها بعض الأحوال العلوية، والساعات المستوية والزمانية، ويستنتج منها بعض الأمور السفلية.
قال أرسطو: القنية ينبوع الأحزان، نظمه أبو الفتح البستي فقال:
يقولون ما لك لا تقتني ... من المال ذخراً يفيد الفتى
فقلت فأفحمتهم في الجواب ... لئلا أخاف ولا أحزنا
حكى الصولي عمن أخبره قال: خرجنا للحج فعرجنا عن الطريق للصلاة، فجاءنا غلام فقال: هل فيكم أحد من أهل البصرة؟ فقلنا كلنا منها فقال: إن مولاي منها وهو مريض يدعوكم، قال: فقمنا إليه، فإذا هو نازل على عين ماء، فلما أحس بنا رفع رأسه وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً وأنشأ يقول:
شعر
يا بعيد الدار عن وطنه ... مفرداً يبكي على شجنه
كلما جد الرحيل به ... زادت الأسقام في بدنه
ثم أغمي عليه طويلاً، فجاء طائر فوقع على شجرة كان مستظلاً بها، وجعل يغرد ففتح عينيه وجعل يسمع التغريد، ثم أنشد:
ولقد زاد الفؤاد شجى ... طائر يبكي على فننه
شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه
ثم تنفس الصعداء فغاضت نفسه، قال: فغسلناه وكفناه، وسألنا الغلام عنه فقال: هذا العباس بن الأحنف وكانت وفاته سنة مائة وثلاث وتسعون ومائة وكان لطيف
(2/56)

الطبع، خفيف الروح دقيق الحاسة. حسن الشمائل، جميل المنظر، عذب الألفاظ كثير النوادر، ومن شعر وحدثتني يا سعد البيت.
للسيد الرضي رضي الله عنه:
من أجل هذا الناس أبعدت المدى ... ورضيت أن أبقى ومالي صاحب
إن كان فقر فالقريب مباعد ... أو كان مال فالبعيد مقارب
من كلامهم من بخل بماله دون نفسه جاد به على حليل عرسه.
ومن كلامهم جود الرجل يجيبه إلى أضداده ويبغضه إلى أولاده. من إحياء علوم الدين في كتاب ذم الغرور، وهو العاشر من المهلكات؛ وفرقة أخرى عظم غرورهم في فن الفقه، وظنوا أن حكم العبد بينه وبين الله تعالى، يتبع حكمه في حكم القضاء، فوضعوا الحيل في رفع الحقوق وهذا نوع عم العامة، إلا الأكياس منهم فنشير إلى أمثلته فمن ذلك فتواهم بأن المرأة متى أبرأت الزوج عن الصداق برىء الزوج بينه وبين الله تعالى، وذلك على إطلاقه عين الخطأ، فإن الزوج يسيء إلى الزوجة بحيث يضيق عليها الأمور فتضطر إلى طلب الخلاص فتبرىء الزوج لتخلص منه، فهو إبراء لا عن طيب نفس، لقد قال الله تعالى: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً " وإنما طيب النفس أن تسمح نفسها بالإبراء لا عن ضرورة، وبدون إكراه وإلا فهي مصادرة بالحقيقة، لأنها رددت بين ضررين: فاختارت أهونهما. نعم قاضي الدنيا لا يطلع على القلوب، إذ الإكراه الباطني مما لا يطلع عليه الخلق، ولكن متى تصدى القاضي الأكبر في صعيد القمة للقضاء لم يكن هذا مجزياً ولا مفيداً في تحصيل الإبراء، وكذلك لا يحل مال الإنسان أن يؤخذ إلا بطيب نفس، فلو طلب الإنسان مالاً على ملأ من الناس فاستحى المطلوب منه من الناس أن لا يعطيه، وكان يود أن يكون سؤاله له في خلوة حتى لا يعطيه، لكن يخاف ألم مذمة الناس، ويخاف ألم تسليم المال فردد نفسه بينهما فاختار ألم تسليم المال، وهو أهون الألمين، فسلمه فلا فرق بين هذا وبين المصادرة، إذ معنى المصادرة إيلام البدن بالضرب حتى يصير ذلك أقوى من ألم القلب ببذل المال فيختار أهون الألمين والسؤال في مظنة الحياء ضرب القلب بالسوط، ولا فرق بين ضرب الظاهر وضرب الباطن عند الله تعالى، لأن الباطن عنده ظاهر، وكذلك من يعطي شخصاً شيئاً إتقاء شره بلسانه أو شر معاتبته فهو حرام
(2/57)

عليه، وكذلك كل مال يؤخذ على هذا الوجه، ومن ذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول لزوجته مثلاً لإسقاط الزكاة، فالفقيه يقول: سقطت الزكاة، فإن أراد به أن مطالبة السلطان والساعي سقطت فقد صدق وإن أراد أنه يسلم في القيمة ويكون كمن لم يملك المال أو كمن باع لحاجته إلى البيع فما أجهله بفقه الدين ومعنى الزكاة، فإن سر الزكاة تطهير القلب عن رذيلة البخل، فإن البخل مهلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وإنما صار شحه مطاعاً بما فعله، وقبله لم يكن مطاعاً، فقد تم هلاكه بما يظن أن فيه صلاحه انتهى.
من كلامهم من تغير عليك فلا تتغير له لا تكثر مجالسة الجبار وإن كان لك مكرماً محباً.
من برك الصديق توقيرك إياه في المجالس. أهون التجارة الشرى، وأشدها البيع.
من كتاب قرب الإسناد عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه قال: كان علي رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنهما حين دخلت عليه إهاب كبش إذا أرادا أن يناما عليه قلباه، وكانت وسادتهما أدماً حشوها ليف، وكان صداقها درعاً من حديد.
منه عن أمير المؤمنين رضي الله عنه في قوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " قال: من ماء السماء وماء البحر، فإذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فيقع فيها من ماء المطر، فتخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة، واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة.
لكل داء دواء يستطيب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
صاحب الحاجة أبله لأنه يخيل إليه أنها لا تقضى فيحزن والقلب إذا حزن فارقه الرأي، والحزن عدو الفهم لا يستقران في معدن واحد.
(2/58)

حيلة جار السوء وقرين السوء أن تكرم أبناءهم فيندفع عنك شرور آبائهم.
من أتاك راجياً فلا ترده كما لا تحب أن ترد إذا جئت راجياً من استعان بظالم خذله الله.
قال بعض الحكماء: مثل أصحاب السلطان كقوم راقوا جبلاً ثم وقعوا منه، فكان أبعدهم في المرقى أقربهم من التلف.
قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والدنيا غمي، والآخرة همي.
قيل لصوفي ما صناعتكم؟ فقال: حسن الظن بالله، وسوء الظن بالناس.
قال بعض الحكماء: إنما حض بالمشاورة لأن رأي المشير صرف ورأي المستشير مشوب بالهوى.
ومن كلامهم إن سلمت من الأسد فلا تطمع في صيده. لا تمرر بمن يبغضك وإن مررت فسلم. قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً " إن عنه في موضع رفع بمسؤول كقوله تعالى: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " اعترض عليه أكثر المفسرين بأن هذا خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم على الفعل.
سهم قطعة الدائرة الصغرى أطول من سهم قطعة الدائرة الكبرى إذا كان وتراهما متساويين وكانت القطعة الكبرى أصغر من النصف، وعلى هذا تبتني المسألة المشهورة من أن الإناء كالطاس مثلاً يسع من الماء وهو في قعر البئر أكثر مما يسعه وهو على رأس المنارة، فنقول في بيانه: ليكن قوساً اهـ ب، ار ب من محيطي الدائرتين مختلفتين في المقدار وعلى وتر اب، وليكن قوس ار ب من الدائرة الكبرى أصغر من النصف ثم يخرج من منتصف اب وهو نقطة ح عموج ح ر هـ على اب فهذا العمود يمر بمركزي الدائرتين وهما نقطتا ح م لكونه عموداً على الوتر ومنصفاً له فنصل خطي اح ام وتقول نقطة ح التي هي أقرب إلى وتر اب مركز لدائرة اهـ ب الصغرى لكون خط اح أصغر من خط ام فنقطة ح داخلة في سطح دائرة ار ب العظمى وقد خرج خطا ح اح ر إلى محيطها وح ر على سمت المركز فهو أصغر من ح الكن خطا ح اح هـ لكون كل منهما نصف قطر الدائرة الصغرى متساويان فخط ح هـ أطول من خط ح ر فبعد إسقاط خط ح المشترك يكون خط ح هـ الذي هو سهم لقوس اهـ ر التي هي قطعة من محيط الدائرة الصغرى أطول من خط ح د الذي هو سهم لقوس ار ب التي هي قطعة من محيط الدائرة العظمى، وذلك ما أردنا بيانه.
قال ابن عباس: ما اتعظت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل كتاب كتب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أما بعد فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه فلا تكن بما نلت من دنياك فرحاً، ولا بما فاتك منها ترحاً، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجو التوبة بطول الأمل فكان وقد والسلام.
عباد الله الحذر، الحذر فوالله لقد ستر حتى كأنه قد غفر وأمهل، حتى كأنه قد أهمل الله المستعان على ألسنة تصف وقلوب تعرف، وأعمال تخالف.
قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل فانظر إلى حنينه إلى إخوانه وشوقه إلى أوطانه، وبكائه على ما مضى من زمانه.
(2/59)

ومن كلامهم كما أن الذباب يتبع موضع الجروح فينكأها، ويجتنب المواضع الصحيحة، كذلك شرار الناس يتبعون معائب الناس، فيذكرونها ويدفنون المحاسن.
كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل.
سئل الإسكندر أي شيء نلته بملكك أنت أشد سروراً به قال: قوتي على مكافأة من أحسن إلي بأكثر من إحسانه. سئل سولون أي شيء أصعب على الإنسان؟ قال: الإمساك عن الكلام بما لا يعنيه.
شتم رجل اسخنيس الحكيم فأمسك عنه، فقيل له في ذلك: قال لا أدخل حرباً الغالب فيها أشر من المغلوب.
من كلام علي رضي الله عنه أنعم على من شئت فأنت أميره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، واستغن عمن شئت فأنت نظيره. قوله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " المشهور أنه من باب المشاكلة، وبعض المحققين من أهل العرفان لا يجعله من ذلك الباب بل يقول: غرضه تعالى أن السيئة ينبغي أن تقابل بالعفو والصفح عمن فعلها، فإن عدل عن ذلك إلى الجزاء وكان ذلك الجزاء سيئة مثل تلك السيئة. وهذا الكلام لا يخلو من نفحة روحانية.
قيل لديوجانس الحكيم: هل لك بيت تستريح فيه؟ فقال إنما يحتاج إلى البيت ليستراح فيه، وحيث ما استرحت فهو بيت لي. وكان في زمانه رجل مصور فترك التصوير وصار طبيباً، فقال له: أحسنت إنك لما رأيت خطأ التصوير ظاهر للعين وخطأ الطب يواريه التراب تركت التصوير ودخلت في الطب. ورأى رجلاً أكولاً سميناً، فقال له: يا هذا إن عليك ثوباً من نسج أضراسك، كثير عزه من أبيات:
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظل الغمامة بعدما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذراً فأوفت وبرت
(2/60)

فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطئت يوماً لها النفس ذلت أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلوة إن تقلت
تمنت سليمى أن نموت بحبها ... وأهون شيء عندنا ما تمنت
دخل بشار على المهدي وعنده خاله يزيد بن منصور الحميري: فأنشده قصيدة يمدحه بها فلما أتمها قال له يزيد: ما صناعتك أيها الشيخ فقال: أثقب اللؤلؤ، فقال له المهدي: أتهزأ بخالي؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما يكون جوابي له وهو يراني شيخاً أعمى ينشد شعراً فضحك المهدي وأجازه.
قال بعض البلغاء صورة الخط في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض، رحم الله من أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه، لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال: وفي بعض الآثار إن لسان بني آدم يتشرف على جميع جوارحه كل صباح، فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير إن تركتنا، الله الله فينا ويناشدونه ويقولون: إنما نثاب ونعاقب بك.
رأيت في بعض التواريخ قال: كان كثير عزة رافضياً وكانت خلفاء بني أمية يعرفون ذلك ويلبسونه على أنفسهم ميلاً لمؤانسته ومحادثته.
دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: نشدتك بحق علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل رأيت أعشق منك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لو سألتني بحقك أخبرتك، نعم بينا أنا أسير في بعض الفلوات إذ أنا برجل قد نصب حبائله، فقلت: ما أجلسك هنا؟ فقال أهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حبائلي لأصيب لهم ولنفسي ما يكفينا يومنا هذا، فقلت: أرأيت إن أقمت معك وأصبنا صيداً تجعل لي منه جزءاً قال: نعم، فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية فخرجنا مبتدرين، فأسرع إليها فحلها وأطلقها فقلت له: ما حملك على هذا قال: دخلني عليها رقة لشبهها بليلى وأنشأ يقول:
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني ... لك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقا من وثاقها ... لأنت لليلى لو عرفت عتيق
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك رقيق
ولما أسرعت في العدو وجعل يقول:
(2/61)

إذهبي في كلاءة الرحمن ... أنت مني في ذمة وأمان
لا تخافي من أن يماجي بسوء ... ما تغني الحمام في الأغصان
ترهبيني والجيد منك لليلى ... والحشا والبغام والعينان
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أوصني، قال: إحفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني، قال: إحفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني قال: إحفظ لسانك ويحك هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلى حصائد ألسنتهم. .
وروي في كتاب ورام: أن أمير المؤمنين رضي الله عنه كان يحتطب ويستقي ويكنس وكانت فاطمة رضي الله عنها تطحن وتعجن وتخبز. وفي كتاب ورام في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر يا أبا ذر صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة وأفضل من هذه كلها صلاة يصليها الرجل في بيته، حيث لا يراه إلا الله عز وجل يرجو بها وجه الله عز وجل.
لبعضهم
حيث ما كنت لا أخلف رحلي ... من رآني فقد رآني ورحلي
المعلم الثاني أبو نصر الفارابي:
ما إن تقاعد جسمي عن لقائكم ... إلا وقلبي إليكم شيق عجل
وكيف يقعد مشتاق؟ يحركه ... إليكم الباعثان الشوق والأمل
وإن نهضت فما لي غيركم وطر ... وكيف ذاك وما لي عنكم بدل
وكم تعرض بي الأقوال قبلكم ... يستأذنون على قلبي فما وصلوا في الحديث إن الله تعالى يعطي الدنيا بعمل الآخرة ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا.
تعريف الدنيا
قال الخليل بن أحمد: الدنيا مختلفات تأتلف ومؤتلفات تختلف.
قال بعض العارفين: هذا والله هو الحد الجامع المانع. قال ابقراط الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع.
(2/62)

رأى أفلاطون شخصا ورث من أبيه ضياعا فباعها وأتلف ثمنهاة في مدة قليلة، فقال: الأراضي تبتلع الرجال، وهذا الفتى يبتلع الأرضين.
في تاريخ الحكماء للشهر زوري: إن رجلاً انكسرت به السفينة في البحر فوقع إلى جزيرة فعمل شكلاً هندسياً على الأرض فرآه بعض أهل تلك الجزيرة، فذهبوا به إلى الملك فأحسن مثواه، وأنعم عليه، وكتب الملك إلى ساير ممالكه أيها الناس اقتنوا ما إذا كسرتم في البحر صار معكم.
جاء رجل إلى إبراهيم بعشرة آلاف درهم. والتمس منه أن يقبلها فأبى عليه، فألح الرجل فقال إبراهيم: يا هذا تريد أن تمحو إسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم لا أفعل ذلك أبداً.
كان عمر الخيامي مع تبحره في فنون الحكمة سيء الخلق، له ضنة بالتعليم والإفادة وربما طول الكلام في جواب ما يسأل عنه بذكر المقومات البعيدة، وإيراد ما لا يتوقف المطلوب على إيراده ضنة منه بالإسراع إلى الجواب، دخل عليه حجة الإسلام الغزالي يوماً وسأله عن المرجح لتعيين جزءٍ من أجزاء الفلك للقطبية دون غيره مع أنه متشابه الأجزاء فطول الخيامي الكلام، وابتدأ بأن الحركة من أي مقول وضن بالخوض في محل النزاع كما هو دأبه وامتد كلامه إلى أن أذن للظهر، فقال الغزالي: جاء الحق، وزهق الباطل وقام وخرج
ما أثقل الدهر على من ركبه ... حدثني عنه لسان التجربة
لا تشكر الدهر بخير سببه ... فإنه لم يتعمد بالهبة
وإنما أخطأ فيك مذهبه ... كالسيل إذ يسقي مكاناً خربه
والسم يستسقي به من شربه
قال بعض الحكماء: مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لنجا منهما جميعاً، ولو رغب في الجنة كما رغب في الدنيا لفاز بهما جميعاً، ولو خاف الله في الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر، لسعد في الدارين جميعاً.
أبو الطيب
أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد
وحيداً من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
كشاجم
يا كامل الأدوات منفرد العلى ... والمكرمات ويا كثير الحاسد
شخص الأنام إلى جمالك فاستعذ ... من شر أعينهم بعيب واحد
الخوارزمي
أي خير يرجو بنو الدهر في الدهر ... وما زال قاتلاً لبنيه
من يعمر يفجع بفقد الأخلاء ... ومن مات فالمصيبة فيه
(2/63)

بشار بن برد
ويوم كتنور الإماء سجرنه ... وأوقدن فيه الجزل حتى تضرما
رميت بنفسي في أجيج سمومه ... وبالعيس حتى بض منخرها درما
كشاجم
وسحاب يجر في الأرض ذيلي ... مطرف زره على الأرض زرا
برقه لمحة ولكن له رعد ... بطيء يكسو المسامع وقرا
كخلي منافق للذي يهواه ... يبكي جهراً ويضحك سرا
لما رأت أم الربيع بن خيثم ما يلقى الربيع من البكاء والسهر، قالت له: يا بني ما بالك لعلك قتلت قتيلاً، قال: نعم يا أماه، قالت: ومن هو حتى تطلب إلى أهله فيعفو عنك فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك قال: يا أماه هي نفسي. قال: ذو النون المصري: خرجت يوماً من وادي كنعان، فلما علوت الوادي إذا بسواد مقبل علي وهو يقول: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ويبكي. فلما قرب مني السواد إذا بامرأة عليها جبة وبيدها ركوة، فقالت لي: من أنت؟ غير فزعة مني، فقلت رجل غريب، فقالت: يا هذا وهل توجد مع الله غربة؟ قال: فبكيت من قولها، فقالت: ما الذي أبكاك؟ قلت: وقع الدواء على داء قد قرح، فأسرع في نجاحه قالت: فإن كنت صادقاً فلم بكيت؟ قلت: يرحمك الله الصادق لا يبكي، قالت: لا، قلت: ولم ذاك؟ قالت: لأن البكاء راحة للقلب، قال ذو النون: فبقيت والله متعجباً من قولها. انتهى
(2/64)

تعريف الإخلاص
ومن كلامهم في الإخلاص قال سهل: الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله خاصة.
وقال: الإخلاص أشد شيء على النفس، لأنه ليس له فيها نصيب.
وقال الآخر: الإخلاص في العمل أن لا يريد صاحبه عليه عوضاً في الدارين.
وقال المحاسبي: الإخلاص إخراج الخلق عن معاملة الرب تعالى.
وقال آخر: الإخلاص دوام المراقبة المراقبة ونسيان الحظوظ كلها وقال الجنيد: الإخلاص تصفية العمل من الكدورات.
قال يحيى بن معاذ: الطاعة خزانة من خزائن الله مفتاحها الدعاء وأسنانها لقمة الحلال.
وقيل لبشر الحافي: من أين تأكل؟ قال من حيث تأكلون، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك.
من كلام بعض العارفين: إذا صحت المحبة لم يبق من المحب ولا حبه.
مر رجل ببعض العارفين وهو يأكل بقلاً، وملحاً، فقال: يا عبد الله أرضيت من الدينا بهذا؟ فقال العارف: ألا أدلك على من رضي بشر من هذا، فقال: نعم قال: من رضي بالدنيا عوضاً عن الآخرة.
مر ديوجانس بشرطي يضرب لصاً، فقال: انظروا إلى لص العلانية يؤدب لص السر.
من كتاب سر العربية في أنواع الخياطة: يقال خاط الثوب وخرز الخف والنعل وكتب القربةوكلب المزادة وسرد الدرع وخاص عين البازي.
قال أنوشيروان لبوذرجمهر: أي الأشياء خير للمرء؟ فقال عقل يعيش به، قال، فإن لم يكن، قال: إخوان يشيرون عليه قال: فإن لم يكن، قال: فمال يتحبب به إلى الناس قال: فإن لم يكن، قال فعي صامت، قال: فإن لم يكن قال: فوت جارف.
للمحقق التفتازاني ذكرهما في العكس من البديع في المطول:
طويت لاحراز الفنون ونيلها ... رداء ثباتي والجنون فنون
فمنذ تعاطيت الفنون وخقنتها ... تبيه لي أن الفنون جنون
للشيخ كمال الدين ابن ميثم البحراني:
جمعت فنون العلم أبغي بها الغنى ... فقصر بي عما سموت به القل
فقد بان لي أن المعالي بأسرها ... فروع وأن المال فيها هو الأصل
قال بعض الحكماء لابنه: يا بني ليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك ولباسك دون قدرك.
وقال: صحائف أعمالك، فجلدها بأجمل أفعالك. وقال آخر: اعملوا لآخرتكم في هذه الأيام التي تسير كأنها تطير.
(2/65)

قال بعض الحكماء: لبعض الوزراء تواضعك في شرفك، أشرف لك من شرفك.
قال بعض الحكماء: من قنع كان غنياً وإن كان فقيراً، ومن لم يقنع كان فقيراً وإن كان غنياً. وقال آخر: إذا طلبت العزة فاطلبها في الطاعة، وإن طلبت الغنى فاطلبه في القناعة.
قال بعض الأدباء القناعة عز المعسر، والصدقة حرز الموسر. قال الجزار:
لا تلمني مولاي في سوء حالي ... عندما قد رأيتني قصابا
كيف لا أرتضي الجزارة ما عشت ... قديماً وأترك الآدابا
وبها صارت الكلاب ترجيني ... وبالشعر كنت أرجو الكلابا
أبو نواس
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى؟
لو تفرغت لاستطالة ليلى ... ولرعي النجوم كنت مخلى
فراغ الرضي من شرح الكافية سنة ستمائة وأربع وثمانون.
لما تقلد عبد الله بن سليمان وزارة المعتضد بالله، كتب إليه عبد الله بن طاهر يهنيه ويظهر الشكوى من الدهر:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم
آخر
ما وهب الله لامرىء هبة ... أحسن من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى فإن عدما ... ففقده للحياة أجمل به
آخر
قدمات كل نبيل ... ومات كل فقيه
ومات كل شريف ... وفاضل ونبيه
لا يوحشنك طريق ... كل الخلايق فيه
وفيات بعض العلماء
مات الجوهري سنة 339. أبو نصر الفارابي سنة 339. والوزير بن العميد سنة 365. الصاحب ابن عباد سنة 385. ابن سينا سنة 428. السيد المرتضى سنة 436. أخوه السيد الرضي سنة 230. أبو العلاء المعري سنة 449. إمام الحرمين سنة 477. الشيخ أبو حامد الغزالي سنة 505 أخوه أبةو الفتح سنة 520. جار الله الزمخشري سنة 538. محمد الشهرستاني سنة 548. الشيخ المقتول سنة 587. الإمام الرازي سنة 606. الشيخ عمر بن الفارض سنة 636. الشيخ محيي الدين بن عربي سنة 438. ابن الحاجب سنة 646. ابن البيطار سنىة 646. البيضاوي سنة 693. المحقق الطوسي سنة 706. العلامة الشيرازي سنة 710. الشيخ عبد الرحمن الكاشالي سنة 735. الجار بردي سنة 646. المحقق التفتازاني سنة 791. العلامة الحلي سنة 726 ابن هيثم البحراني سنة 679 الشاطبي سنة 890. ابن
(2/66)

الجوزي سنة 597 أبو البقاء سنة 616. جلال الدين القزويني سنة 739. النواوي سنة 676. البديع الهمذاني سنة 394. الجعدي سنة 687. الآمدي سنة 631.
أبو الطيب المتنبي 354 ومن شعره:
أبداً تسترد ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا
فكفت كون فرحة تورث الغم ... وخل يغادر الهم خلا
وهي معشوقة على الغدر لا ... تحفظ عهداً ولا تتم وصلا
شيم الغانيات فيها ولا أدري ... ألذ أنث اسمها الناس أم لا؟
أحكام أن
قالوا: إذا سدت أن مع معموليها مسد المصدر فتحت وإلا كسرت، وإن جاز الأمران جاز الأمران، وقد حكموا بوجوب الكسر في بدء الصلة، وبعد القول.
ولكاتب الأحرف هنا دغدغة هي أنه في هاتين الصورتين وأمثالها يجوز سدها مسد المصدر، فإذا قلت جاء الذي أنه قائم مثلاً كان في تأويل جاء الذي قيامه ثابت، وقد حكموا بجواز الوجهين في اذا انه: عبد القفا والهازم، لا مكان التأويل بنحو إذا عبودية القفا والهازم ثابتة به. ورد في بعض الكتب السماوية عجباً لمن قيل فيه من الخير ما ليس فيه ففرح، وقيل فيه من الشر ما هو فيه فغضب شعر:
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت
آخر
إن القلوب بحاراً في مودتها ... فاسأل فؤادك عني فهو يكفيني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم عن ذاك يغنيني
قيل لأشعب الطماع: قد صرت شيخاً كبيراً وبلغت هذا المبلغ، ولا تحفظ من الحديث شيئاً، فقال بلى والله ما سمع أحد من عكرمة ما سمعت، قالوا فحدثنا قال سمعت عكرمة يحدث عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خلتان لا يجتمعان إلا في مؤمن، نسي عكرمة واحدة، ونسيت أنا الأخرى.
(2/67)

التمييز: ربما لا يرفع الابهام. ومنه التمييز الذي قالوا إنه للتأكيد، كما في قوله تعالى " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا " الهم إلا ان يقال التميز مما يصلح لرفع الابهام، وهو مرادهم، كما قالوه في صدق الدليل بما يلزم من العلم به العلم بشئ آخر على الدليل الثاني
من درة الغواص يقال لما يضرب بمؤخره كالزنبور والعقرب لسع، ولما يقبض بأسنانه كالكلب والسباغ نهش، ولما يضرب بفيه كالحية لذع.
القاضي يحيى بن أكثم، يقولون للعليل: هو معلول فيخطئون فيه، لأن المعلول هو الذي سقى العلل، وهو الشرب الثاني، وأما المفعول من العلة فهو معل.
من كلام بعض الحكماء: من جلس في صغره حيث يحب جلس في كبره حيث يكره. إذا جاء الصواب ذهب الجواب.
قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدء توبتك؟ فقال: أردت ضرب غلام لي، فقال: يا عمر اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة.
في الحديث إذا أقبلت الدنيا على الرجل أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبت محاسن نفسه.
القعود وهو الإنتقال من علو إلى سفل، ولهذا قيل لمن أصيب برجله: مقعداً، والجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو، والعرب تقول للقائم اقعد وللنائم أو الساجد إجلس.
ومن كلامهم في الإخلاص قال سهل: الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله خاصة.
وقال: الإخلاص أشد شيء على النفس، لأنه ليس له فيها نصيب.
وقال الآخر: الإخلاص في العمل أن لا يريد صاحبه عليه عوضاً في الدارين.
وقال المحاسبي: الإخلاص إخراج الخلق عن معاملة الرب تعالى.
وقال آخر: الإخلاص دوام المراقبة المراقبة ونسيان الحظوظ كلها وقال الجنيد: الإخلاص تصفية العمل من الكدورات.
قال يحيى بن معاذ: الطاعة خزانة من خزائن الله مفتاحها الدعاء وأسنانها لقمة الحلال.
وقيل لبشر الحافي: من أين تأكل؟ قال من حيث تأكلون، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك.
من كلام بعض العارفين: إذا صحت المحبة لم يبق من المحب ولا حبه.
مر رجل ببعض العارفين وهو يأكل بقلاً، وملحاً، فقال: يا عبد الله أرضيت من الدينا بهذا؟ فقال العارف: ألا أدلك على من رضي بشر من هذا، فقال: نعم قال: من رضي بالدنيا عوضاً عن الآخرة.
مر ديوجانس بشرطي يضرب لصاً، فقال: انظروا إلى لص العلانية يؤدب لص السر. .
ذكروا أن من شرط نصب المفعول له مقارنته لعامله في الوجود.
وكاتب الأحرف يقول: الظاهر أن مراد النحاة أن المتكلم إنما يصح له النصب إذا قصد المقارنة خارجاً، إذ لو اشترطت المقارنة في الواقع لكان قولنا ضربته تأديباً، فلم تحصل التأديب مثلاًن لحناً، مع أن أمثاله واقع في كلامهم.
دخل بعض أصحاب الشبلي وهو يجود بنفسه، فقالوا: له: قل: لا إله إلا الله فأنشأ يقول:
إن بيتاً أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج
(2/68)

لا أتاح الله لي فرجاً ... يوم أدعو منك بالفرج
قيل لرابعة العدوية لم ترتجين وأكثر ما ترتجين؟ فقالت: بيأسي من جل عملي.
من بدائع التشبيهات الواقعة من العرب العرباء ما حكاه الفرزدق، قال: لما أنشد عدي بن الرقاع قصيدته التي أولها: عرف الديار توهماً فاعتادها كنت حاضراً فلما وصل إلى قوله: تزجى أغن كان أبرة روقه قلت قد وقع ماذا عسى أن يقول: وهو أعرابي جاف ورحمته، فلما قال: قلم أصاب من الدوات مدادها استحالت الرحمة حسداً.
زعم قوم أن وضع نعم وبئس للإقتصاد في المدح والذم، وليس كذلك بل وضعها للمبالغة في ذلك، ألا ترى قوله تعالى في تمجيد ذاته، وتعظيم صفاته؟ " واعتصموا بالله هو موليكم نعم المولى ونعم النصير " وقال في صفة النار: " ومأويهم جهنم وبئس المصير ". في الكشاف في قوله تعالى: " إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات " فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع سمان صفة للمميز وهو البقرات دون المميز، وهو سبع؟ وأن يقال: سبع بقرات سماناً؟ قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات فقد قصدت إلى تميز السبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن لا بجنسهن، ولو وصفت بها السبع لقصدت إلى تميز السبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن لا بجنسهن، ولو وصفت بها السبع لقصدت إلى تميز السبع بجنس البقرات لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن. فإن قلت: هل يجوز أن يعطف قوله وأخر يابسات على سنلات خضر؟ فيكون مجرور المحل. قلت: يؤدي إلى تدافع وهو أن عطفها على سنبلات خضر تقتضي أن يدخل في حكمها، فيكون معها مميزاً للسبع المذكورة، ولفظ الآخر تقتضي أن يكون غير السبع، بيانه: إنك تقول عندي سبعة رجال قيام وقعود بالجر، فيصح، لأنك ميزت السبعة برجال موصوفين بالقيام والقعود، على أن بعضهم قيام وبعضهم قعود؛ فلو قلت: عنده سبعة رجال قيام، وآخرين قعود، تدافع، ففسد.
من جرى في عنان أمله عثرت رجله بأجله.
(2/69)

صاحب الكشاف جوز كون ما في قوله تعالى: " واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه " مصدرية، واعترضه الفاضل ابن هشام بأن ما المصدرية حرف، وهنا قد عاد الضمير إليها، وهو نص على إسميتها، وقد يذب عن جار الله بأنه ضمير فيه يعود إلى الظلم المفهوم من ظلموا، ولا يخلو من تكلف.
من كلام بعض الأكابر: من علائم إعراض الله تعالى عن العبد أن يشغله بما لا يعنيه دنياً ولا ديناً.
وقال بعضهم: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك. ذكر لي والدي طاب ثراه أنه سمع هذه الكلمة من بعض الناس فأثرت فيه وترك ما كان مقيماً عليه مما لا يعنيه بسببها.
كان صاحب الكشاف شديد الإنكار على الصوفية، وقد أكثر في الكشاف من التشنيع عليهم في مواضع عديدة، وقال في تفسير قوله تعالى: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني " والآية في سورة آل عمران، ما صورته: وإذا رأيت من يذكر محبة الله، ويصفق بيديه مع ذكرها، ويطرب وينعر ويصعق، فلا تشك في أنه لا يعرف ما الله، ولا يدري ما محبة الله، وما تصفيقه وطربه، ونعرته وصعقته، إلا لأنه تصور في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها الله بجهله ودعا ربه، ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصورها، وربما رأيت المني قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامة على حواليه قد ملؤا أردانهم بالدموع، لما رققهم من حاله.
قال صاحب الكشف عند هذا الكلام: المحبة إدراك الكمال من حيث أنه مؤثر، وكلما كان الإدراك أتم وأكمل، والمدرك أشد كمالية مؤثرة، كانت المحبة أتم ثم أنه ساق الكلام في المحبة إلى أن قال: ولو تأملت حق التأمل وجدت المحبة سارية في الموجودات كلها، عليها مدار البدء والإيجاد، ولولا أن الكلام فيها على سبيل الإستطراد أزرأ بمقامها لأوردت فيها مع ضعفي ما يحير الألباب، ويميز القشر من اللباب. هذا وإيداع الهجر ضمن تفسير كتاب الله جهل وسوء أدب، ممن مني بالحرمان بعد دخول الحرم نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وبمثل هذا التشنيع شنع الإمام الرازي في تفسيره الكبير وهكذا أكثر المفسرين. العفيف التلمساني في الاقتباس من علم النحو مع التوجيه:
ومستتر من نسا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في
(2/70)

كوى القلب مني بلام العذار ... وعرفني أنها لام كي
كأنه حام حول قول ابن الفارض وزاد عليه التورية.
نصباً أكسبني الشوق كما ... تكسب الأفعال نصباً لام كي
آخر
ومن البلوى التي ليس ... لها في الناس كنه
أن من يعرف شيئاً ... يدعي أكثر منه
العباس بن الأحنف
وحدثتني يا سعد عنهم فزدتني ... جنوناً فزدني من حديثك يا سعد
هواهم هوى لا يعرف القلب غيره ... فليس له قبل وليس له بعد
آخر
يا ويلنا من موقف ما به ... أخوف من أن يعدل الحاكم
كان العباس بن الأحنف إذا سمع الشعر الجيد ترنح له واستخفه الطرب.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي جاءني يوماً فأنشدته لابن الدمينة شعراً: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد الأبيات الخمسة فتمايل وترنح وطرب وتقدم إلى عمود هنا وقال إنطح هذا العمود برأسي، من حسن هذا الشعر فقلنا له: ألا أرفق بنفسك.
من بديع التشبيه مع حسن التعليل قول ابن تميم:
إني لأشهد للحتى للجمى بفضيلة ... من أجلها أصبحت من عشاقه
ما زاده أيام نرجسه فتى ... إلا وأجلسه على أحداقه
الإمام الغزالي من أبيات أوردها في منهاج العابدين:
ظفر الطالبون واتصل الوصل ... وفاز الأحباب بالأحباب
وبقينا مذبذبين حيارى ... بين حد الوصال والإجتناب
فاسقنا منك شربة تذهب الغم ... وتهدي إلى طريق الصواب
لبعض العارفين:
تشاغل قوم بدنياهم ... وقوم تخلو لمولاهم
(2/71)

فألزمهم باب رضوانه ... وعن سائر الخلق أغناهم
ان بعض العارفين يقول: إني أ ‘ لم أن ما أعمله من الطاعات غير مقبول عند الله تعالى، فقيل كيف ذلك؟ فقال إني أعلم ما يحتاج إليه بالفعل حتى يكون مقبولا، وأ ‘ لم أني لست أقوم بذلك، فعلمت أن أ ‘ مالي غير مقبولة
البدر الذهبي:
ما أبصرت مقلتي عجيباً ... كاللوز لما بدا نواره
إشتعل الرأس منه شيباً ... وابيض من بعد ذا عذاره
قال الكاتب قد حام حول هذا المعنى بعض شعراء العجم فقال شعراً.
قال بعض العارفين: إن آكل الحرام والشبهة مطرود عن الباب بغير شبهة، ألا ترى أن الجنب ممنوع عن دخول بيته، والمحدث محرم عليه مس كتابه، مع أن الجنابة والحدث أثران مباحان، فكيف بمن هو منغمس في قذر الحرام، وخبث الشبهات، لا جرم أنه أيضاً مطرود عن ساحة القرب، غير مأذون له في دخول الحرم.
لما مات الرشيد دخل الشعراء على الأمين ليهنؤونه بالخلافة، ويعزونه بالرشيد، وأول من فتح لهم هذا الباب أعني الجمع بين التهنأة والتعزية أبو نواس، فإنه دخل على الأمين أنشده:
جرت جوار بالسعد والنحس ... فالناس في وحشة وفي أنس
والعين تبكي والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم وفي عرس
يضحكها القائم الأمين ويبكيها ... وفاة الرشيد بالأمس
من لطيف حسن التعليل في خال تحت الحنك، ما حكاه ابن رشيق: قال: كنت أجالس محمد بن حبيب وكان كثيراً ما يجالسنا غلام ذو خال تحت حنكه، فنظر إلى ابن حبيب يوماً وأشار إلى الخال ففهمت أنه يصنع فيه شيئاً فصنعت أنا بيتين فلما رفع رأسه قال لي اسمع وأنشدني:
يقولون لم من تحت صفحة خده ... تنزل خال كان منزله الخد
فقلت رأى حسن الجمال فهابه ... فحط خضوعاً مثل ما يخضع العبد
فقلت له أحسنت ولكن اسمع شعراً:
حبذا الخال كائناً منه بين الخد ... والجيد رغبة وحذارا
رام تقبيله اختلاساً ولكن ... خاف من سيف لحظه فتوارى
(2/72)

فقال فضحتني قطع الله لسانك.
الفرق بين الرجاء والأمنية
من كلام الغزالي الفرق بين الرجاء والأمنية أن الرجاء يكون على أصل، والتمني لا يكون على أصل، مثاله من زرع واجتهد وجمع ببدراً ثم يقول أرجو أن يحصل منه مائة قفيز فذلك منه رجاء. وآخر لا يزرع زرعاً ولا يعمل يوماً، قد ذهب ونام وأغفل سنة فإذا جاء وقت البيادر يقول أرجو أن يحصل لي مائة قفيز، فقال من أين لك هذه الأمنية التي لا أصل لها؟ {فكذلك العبد إذا اجتهد في عبادة الله تعالى وانتهى عن معاصيه يقول: أرجو أن يتقبلا الله هذا اليسير، ويتم هذا التقصير ويعظم الثواب، فهذا رجاء منه، وأما إذا غفل وترك الطاعات وارتكب المعاصي، ولم يبال بسخط الله ورضاه، ووعده وعيده. ثم أخذ يقول: أرجو من الله الجنة والنجاة من النار، فذلك منه أمنية لا حاصل لها وسماها رجاء وحسن ظن، خطأ منه وجهلاً.
قال بعضهم: رأيت أبا ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد، فقلت يرحمك الله إن رحمة الله واسعة، فغضب وقال: هل رأيت ما يدل على القنوط؟ إن رحمة الله قريب من المحسنين، فأبكاني والله كلامه. ولينظر العاقل إلى حال الرسل والأبدال والأولياء واجتهادهم في الطاعات، وصرفهم العمر في العبادات لا يفترون عنها ليلاً ولا نهاراً، أما كان لهم حسن بالله؟} بلى والله إنهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأحسن ظناً بجوده من كل ظان، ولكن علموا أن ذلك بدون الجد والإجتهاد، أمنية محضة، وغرور بحت، فأجهدوا أنفسهم في العبادة والطاعة، ليتحقق لهم الرجاء الذي هو من أحسن البضاعة.
لابن العفيف في الاقتباس من التصريف:
يا سكناً قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثاني
لأي شيء كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان
قال الصلاح الصفدي: هذا المعنى فيه خلل، لأن القلب ظرف لاجتماع ساكنين فالساكنان غير القلب، ولم يكسر أحد الساكنين كما هو القانون، إنما كسر ما اجتمعا فيه قال: وقد ذكرت ذلك لجماعة من الأدباء فاستحسنوا انتهى.
مهيار الديلمي من الشعراء المجيدين، كان مجوسياً وأسلم على يد الشريف المرتضى وعظم شأنه، ومن شعره يمدح قوماً شعر:
ضربوا بمدرجة الطريق قبابهم ... يتقارعون على قرى الضيفان
(2/73)

ويكاد موقدهم يجود بنفسه ... حب القرى حطباً على النيران
في الشهاب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الرفق والإقتصاد، والصمت، جزء من ستة وعشرين جزءاً من النبوة. قال القطب الراوندي: في شرح الشهاب، فإن قيل: لم جعل أجزاء النبوة ستة وعشرين؟ قلنا روى ابن بابويه في كتاب النبوة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه جبرئيل وأمره أن يقول للناس إني رسول الله إليكم كان له أربعون سنة وعاش بعد ذلك ثلاث وعشرين سنة، وكان يوحى إليه قبل ذلك في خاصة نفسه ثلاث سنين، ومن قبل ذلك كان محدثاً بأحكام شرعية يحتاج إليها بنكت في القلب، ونقر في السمع وإلهام، فتكون مدة نبوته صلى الله عليه وسلم ستاً وعشرين سنة، فأشار بهذا الحديث إلى عظم شأن هذه الخصال الثلاث وقيل مراده والله أعلم: إن الله سبحانه علمني هذه الثلاثة الخصال في سنة تامة، ولم يوح إلي في تلك السنة إلا الوصية بهذه الأشياء فكأنها جزء من أجزاء نبوتي. انتهى كلام القطب.
في الحديث: الشتاء ربيع المؤمن، طال ليله فقام، وقصر نهاره فصام.
تفسير حديث الشقي من شقي في بطن أمه
قال بعض المحدثين في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم " الشقي من شقي في بطن أمه ": إن المراد والله ورسوله أعلم إن الشقي من كان في النار، أي الشقاء الأعظم ذاك وكل شقاء سواه، فبالنسبة إليه ليس بشقاء، والمراد ببطن الأم جوف جهنم، من قوله تعالى: " فأمه هاوية " وقال بعض المحققين: لا يخفى ما فيه من البعد.
قال المحقق الهمذاني في شرح الهياكل: إن للحيوانات عند المصنف نفوساً مجردة
(2/74)

كما هو مذهب الأوائل، بعضهم أثبت للنبات أيضاً نفوساً مجردة ويلوح ذلك من بعض تلويحات المصنف؛ وبعضهم أثبت ذلك للجمادات أيضاً.
رأى يهودي الحسن بن علي رضي الله عنه في أبهى زي وأحسنه، واليهودي في حال ردي، وأسمال رثة فقال: أليس قال رسولكم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ قال نعم، فقال: هذا حالي وهذا حالك فقال رضي الله عنه: غلطت يا اخا اليهود لو رأيت ما وعدني الله من الثواب وما أعد لك من العقاب لعلمت أنك في الجنة وأني في السجن.
قال القطب الراوندي في شرح الشهاب قوله: " إنما الأعمال بالنيات " إنه لما هاجر إلى المدينة هاجر بعضهم لرضاء الله، وبعضهم لغرض دنيوي من تجارة ونكاح، فأطلعه الله على ذلك: فقال: " الأعمال بالنيات، وإنما كان لكل امرىء ما نوى " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
نور الكواكب
رأيت في كتاب الفتوحات المكية في الباب التاسع والستين منه وهو الباب المعقود لبيان أسرار الصلاة، ما يدل بصريحه على أن أنوار جميع الكواكب مستفادة من نور الشمس، وكذا في كتاب الهياكل للشيخ السهر وردي ما يدل على ذلك فإنه، قال: إن الشمس هي التي تعطي جميع الأجرام ضوءها ولا تأخذ منها، قال المحقق الدواني في شرحه لهذا الكلام: هذا يدل على أن أنوار جميع الكواكب مستفادة من الشمس، كما هو مذهب بعض أساطين الحكماء انتهى. وكاتب الأحرف يقول: هذا هو الحق ولي في دلائل مخالفيه كلام تجده في زوايا الكشكول، وفي المثنوي للعارف الرومي ما يدل على ما ذكرناه إنه الحق، وقد أوردناه في المجلد الثاني من الكشكول.
قال القطب الراوندي في شرح الشهاب الأولى أن يقال صلى الله عليه وسلم لأن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار ضعيف، وإذا قيل صلى الله على محمد فالأولى أن يقال وآل محمد ولا يعاد الجار، ليكون الكلام جملة واحدة إنتهى كلامه، وأقول: إذا أردنا أن يكون الكلام في الصورة الأولى أيضاً جملة واحدة فإنا نقول وآله بالنصب على أن يكون الواو بمعنى مع كما قالوه في نحو مالك وزيداً، وقد ذكره الكفعمي في حواشي مصباحه.
(2/75)

بحث في ضمير النكرة
قال الإمام في كتاب الأربعين: اختلفوا في أن ضمير النكرة نكرة أو معرفة، في مثل قولك جاءني رجل وضربته، فقال بعضهم: إنه نكرة لأن مدلوله كمدلول المرجوع إليه وهو نكرة، فوجب أن يكون الراجع أيضاً نكرة، إذا التعريف والتنمكير باعتبار المعنى، وقال قوم: إنه معرفة وهو المختار، والدليل عليه أن الهاء في ضربته ليست شايعة شياع رجل لأنها تدل على الرجل الجائي خاصة لا على رجل، والذي يحقق ذلك أنك تقول جاءني رجل ثم تقول: أكرمني الرجل ولا تعني بالرجل سوى الجائي ولا خلاف في أن الرجل معرفة، فوجب أن يكون الضمير معرفة أيضاً لأنه بمعناه، ويعلم من هذا جواب شبهة من زعم أنه نكرة أعني قوله: لأن مدلوله كمدلول المرجوع إليه. هذه المسألة من مسائل النحو الموردة في هذا الكتاب.
الكلمة الطيبة صدقة. الصدقة على القرابة صدقة وصلة.
وفي الحديث إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الكوة. العاقل من يعمل في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده. رأى مالك بن دينار غراباً يطير مع حمامة فعجب وقال: اتفقا وليس من شكل واحد، ثم وقعا على الأرض فإذا هما أعرجان، فقال: من ها هنا، من العصمة تعذر المعاصي.
حجة الإسلام أبو حامد محمد الغزالي: هو تلميذ إمام الحرمين اشتغل عليه في نيشابور مدة وخرج منها بعد موته، وقد صار ممن تعقد عليه الخناصر، ثم ورد بغداد فأعجب به فضلاء العراق، واشتهر بها وفوض إليه تدريس النظامية، وكان يحضر مجلس درسه نحو ثلاث مئة من الأعيان المدرسين في بغداد ومن أبناء الأم أكثر من مئة، ثم ترك جميع ذلك، وتزهد، وآثر العزلة، واشتغل بالعبادة، وأقام بدمشق مدة، وبها صنف الإحياء ثم انتقل إلى القدس. ثم إلى مصر وأقام بالإسكندرية. ثم ألقى عصاه بوطنه الأصلي طوس، وآثر الخلوة وصنف الكتب المفيدة. ونسبته إلى غزالة قرية من قرى طوس. حكى بعض الصلحاء قال: رأيت الغزالي في البرية وعليه مرقعة، وبيده ركوة وعصا
(2/76)

فقلت: أيها الإمام أليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا؟ فنظر إلي نظر الازدراء، وقال: لما بزغ بدر السعادة من فلك الإرادة، وجنحت شمس الأصول إلى مغارب الوصول:
تركت الهوى سعدى وليلي بمعزل ... وعدت إلى مصحوب أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلا فهذه ... منازل من تهوى رويدك فانزل
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه:
دواؤك فيك وما تشعر ... وداؤك منك وتستنكر
وتحسب أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي ... بأحرفه يظهر المضمر
ومنه
أقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا
ومنه
أعاذلتي على إتعاب نفسي ... ورعيي في السرى روض السهاد
إذا شأم الفتى برق المعالي ... فأهون فائت طيب الرقاد
ومنه
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت ... أن السلامة فيها ترك مافيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ... إلا التي كان قبل الموت بانيها
ومنه
إغتنم ركعتين زلفى إلى الله ... إذا كنت فارغاً مستريحاً
(2/77)

وإذا ما هممت بالقول في الباطل ... فاجعل مكانه تسبيحاً من كلامهم: من كرمت نفسه عليه، هامت الدنيا في عينيه. قال أرسطو للإسكندر وهو صبي إذا وليت الملك فأين تضعني؟ فقال: حيث تضعك طاعتك، لله در من قال:
خذ من صديقك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر من معاتبة ... الصديق على الغير
الصلاح الصفدي مضمناً
دب العذار فظن منه لائمي ... إني أكون عن الغرام بمعزل
لا كان ذاك فإنني في معشر ... لا يسألون عن السواد المقبل
قال أمير المؤمنين رضي الله عنه ليس بلد بأحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك.
الأول من ثالثة الأصول نريد أن نجد مركز دائرة اب فنعلم على محيطها نقطتي ح ور وننصفه نصل على هـ ونخرج من هـ عليه عموداً قاطعاً للمحيط في الجهتين على اب، وننصف اب على ح فهو المركز، وإلا فليكن المركز ط، ونصل ط ح ط هـ ط ر، فمثلثا ط هـ ح ط هـ ر متساوي الأضلاع النظاير، فزاويتا ط هـ ح ط هـ ر منهما متساويان قائمتان، وكانت زاويتا ب هـ ر ب هـ ح قائمتين هذا خلف، فإذن لا مركز غير نقطة ج، وقد تبين منه أنه لا تتقاطع وتران على قوائم وتنصف أحدهما الآخر إلا ويجوز أحدهما بالمركز، وبعبارة أخرى لا يخرج عمود من منتصف وتر إلا ويمر بالمركز. قال المحرر: أقول: وإن فرض المركز على غير نقطة ح كان الخلف من جهة أخرى وهي انتصاب الخط في موضعين هما ح م
للشيخ ابن الفارض
خفف السير وابتدىء يا حادي ... إنما أنت سائق لفؤادي
ما ترى العيس بين سوق وشوق ... لربيع الربوع غرثى صوادي
لم تبق لها المهامه جسماً ... غير جلد على عظام بوادي
وتحفت أخفافها فهي تمشي ... من جواها في مثل جمر الرماد وبراها الونى فحل براها ... خلها ترتوي ثمام الوهاد
(2/78)

شفها الوجد إن عدمت دواها ... فاسقها الوجد من حفار المهاد
عمرك الله إن مررت بوادي ... ينبع فالدهنا فبدر غادي
وسلكت النقى فاودان ودان ... إلى رابع الروى الثماد
وقطعت الحرار عهد الحميات ... قديد مواطن الأمجاد
وتدانيت من خليص فعسفان ... فمر الظهران ملقى البوادي
ووردت الجموم فالقصر فالدكناء ... طراً مناهل الوراد
وأتيت التنعيم فالزاهر الزاهرج ... نوراً إلى ذرى الأطواد
وعبرت الحجون واجتزت فاخترت ... ازدياداً مشاهد الأوتاد
وبلغت الخيام فابلغ سلامي ... عن حفاظ عريب ذاك النادي
وتلطف واذكر لهم بعض ما بي ... من غرام ما أن له من نفاد
يا أخلاي هل يعود التداني ... منكم بالحمى يعود رقادي
ما أمر الفراق يا جيرة الحي ... وأحلى التلاق بعد انفراد
كيف يلتذ بالحياة معنى ... بين أحشائه كوري الزناد
عمره واصطباره في انتقاص ... وجواه ووجده في ازدياد
في قرى مصر جسمه والأصيحاب ... شآما والقلب في أجياد
إن تعد وقفة فويق الصخيرات ... رواحاً سعدت بعد بعادي
يا رعى الله يومنا بالمصلى ... حيث ندعى إلى سبيل الرشاد
وقباب الركاب بين العلمين ... سراعاً للمأزمين غوادي
وسقى جمعنا بغيث ملث ... ولييلات الحنيف صوب عهادي
من تمنى مالاً وحسن مآل ... فمناي معنى وأقصى مرادي
يا أهيل الحجاز إن حكم الدهر ... ببين قضاه ختم إرادي
فغرام القديم فيكم غرامي ... وودادي كما عهدتم ودادي
قد سكنتم من الفؤاد سويداه ... ومن مقلتي محل السواد
يا سميري روح بمكة روحي ... شادياً إن رغبت في إسعادي
(2/79)

فذراها سربي وطيبي سراها ... وسبيل المسيل وردي وزادي
كان فيها أنسي ومعراج قدسي ... ومقام المقام والفتح بادي
نقلتني عنها الحظوظ فجدت ... وارداتي ولم تدم أورادي
آه لو يسمح الزمان بعود ... فعسى أن تعود لي أعيادي
قسماً بالحطيم والركن والأستار ... والمروتين مسعى العباد
وظلال الجناب والحجر والميزاب ... والمستجار للقصاد
ما شممت البشام إلا وأهدى ... لفؤادي تحية من سعاد
ابن الخيمي
يا مطلباً ليس لي في غيره إرب ... إليك آل التقصي وانتهى الطلب
وما طمحت لمرىء أو لمستمع ... إلا لمعنى إلى علياك ينتسب
وما أراني أهلاً أن تواصلني ... حسبي علواً بأني فيك مكتئب
لكن ينازع شوقي تارة أدبي ... فأطلب الوصل لما يصعب الأدب
ولست أبرح في الحالين ذا قلق ... نام وشوق له في أضلعي لهب
ومدمع كلما كفكفت أدمعه ... صوناً لذكرك يعصيني وينسكب
والهف نفسي لو يجدي تلهفها ... عوناً وواحر باد لو ينفع الحرب
يمضي الزمان وأشواقي مضاعفة ... يا للرجال ولا وصل ولا سبب
يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
أما خفوق فؤادي فهو عن سبب ... وعن خفوقك قل لي ما هو السبب؟
القيراطي في بادهنج
بنفسي أفدي بادهنجا موكلا ... باطفاء ما ألقاه من ألم الجوى إذا فتحت في الحر منه طرايق ... أتاني هواه قبل أن أعرف الهوى
وله في موسوس
وموسوس عند الطهارة لم يزل ... بدا على الماء الكثير مواظبا
يستصغر النهر الكبير لذقنه ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
العرجي في الوداع
(2/80)

باتا بأنعم ليلة حتى بدا ... صبح يلوح بالأغر الأشقر
فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ العريم بفضل ذيل المعسر
الباخرزي:
قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي
ولكم تمنيت الفراق مغالطا ... واحتلت في استثمار غرس وداي
وطمعت منها في الوصال لأنها ... تبني الأمور على خلاف مرادي
الرضي:
يا ربع ذي الأثل من شرقي كاظمة ... قد عاود القلب من ذكراك أشجانا
أشم منك نسيما لست أعرفه ... أظن ليلاي جرت فيك أردانا
المتنبي:
بأبي من وددته فافترقنا. . وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
وافترقنا حولا فلما التقينا ... كان تسليمه علي وداعا
لبعضهم في الفانوس:
انظر إلى الفانوس تلق متيما ... ذوفت على فقد الحبيب دموعه
أحيا لياليه بقلب مضرم ... وتعد من تحت القميص ضلوعه.
وفي التضمين ما يحكى أن الحيص بيص الشاعر قتل جرو كلبة، فأخذ بعض الشعراء كلبة وعلق على رقبتها رقعة وأطلقها عند باب الوزير فأخذت الرقعة وإذا فيها مكتوب:
يا أهل بغداد إن الحيص بيص أتى ... بجرأة ألبسته العار في البلد
أبدى شجاعته بالليل مجترياً ... على جريٍّ ضعيف العطش والجلد
فأنشدت أمه من بعدما احتسبت ... دم الأبيلق عند الواحد الصمد
أقول للنفس تأسياً وتعرية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من بعد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
والبيتان الأخيان لامرأة من العرب قتل أخوها ابنها.
(2/81)

النظام
توهمه طرفي فآلم خده ... فصار مكان الوهم من خده أثر
فصافحه كفي فآلم كفه ... فمن صفح كفي في أنامله عقر
ومن بفكري خاطراً فجرحته ... ولم أر خلقاً قط تجرحه الفكر
يقال: إن هذه الأبيات لما بلغت الجاحظ، قال: مثل هذا ينبغي أن لا يكون إلا من الوهم.
عير سقراط الحكيم رجل بخمول نسبه، وتاه عليه بشرفه ورياسته، فقال له: سقراط: إليك انتهى شرف قومك، ومني ابتدأ شرف قومي، فأنا فخر قومي وأنت عار قومك.
من بعض التواريخ: سخط كسرى على بوذرجمهر فحبسه في بيت مظلم، وأمر أن يصفد بالحديد فبقي أياماً على تلك الحال، فأرسل إليه من يسأله عن حاله، فإذا هو منشرح الصدر مطمئن النفس، فقالوا له: أنت في هذه الحالة من الضيق، ونراك ناعم البال، فقال: اصطنعت ستة أخلاط، وعجنتها واستعملتها فهي التي أبقتني على ما ترون قالوا: صف لنا هذه الأخلاط لعلنا ننتفع بها عند البلوى، فقال: نعم أما الخلط الأول فالثقة بالله عز وجل، وأما الثاني فكل مقدر كائن، وأما الثالث فالصبر خير ما استعمله الممتحن، وأما الرابع فإذا لم أصبر فماذا أصنع، ولا أعين على نفسي بالجزع، وأما الخامس فقد يكون أشد مما أنا فيه، وأما السادس فمن ساعة إلى ساعة فرج، فبلغ ما قاله كسرى، فأطلقه وأعزه.
قال الفضيل بن عياض: ألا ترون كيف يزوي الله سبحانه الدنيا عمن يحب؟ ويمررها عليهم مرة بالجوع، ومرة بالعري، ومرة بالحاجة، كما تصنع الأم الشفيقة بولدها تقمطه بالصبر مرة، وبالحضض مرة، وإنما تريد صلاحه.
لقي المنصور سفيان الثوري فقال له: ما يمنعك أن تأتينا يا أبا عبد الله؟ فقال: إن الله سبحانه نهانا عنكم حيث يقول: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " ودخل عليه يوماً وقد أرسل إليه، فقال له: سل حاجتك، قال أو تقضيها؟ ، قال: نعم، قال: حاجتي أن لا ترسل إلي حتى آتيك، ولا تعطيني شيئاً حتى أسألك. ثم خرج فقال المنصور: القينا الحب إلى العلماء فلقطوه، إلا ما كان من سفيان الثوري.
قال: أرسطو الغنى في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة، أخذه الشاعر فقال:
الفقر في أوطانه غربة ... والمال في الغربة أوطان
وكان أبو الشمقمق أبو الرقعمق الشاعر الظريف المشهور قد لزم بيته لاطمار رثة كان يستحي أن
(2/82)

يخرج بها بين الناس فقال له بعض إخوانه يسليه عما رأى من سوء حاله أبشر يا أبا الشمقمق فقد روي أن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة فقال إن كان ذلك حقاً فوالله لأكون بزازاً يوم القيامة.
من كلام الحكماء: لأن أترك المال بعد موتي لأعدائي خير من أن أحتاج في حياتي لأصدقائي. عدو إذا لقيك سألك خير من صديق إذا افتقرت إليه سألته.
إذا احتاج إليك عدوك أحب بقاءك وإذا استغنى عنك صديقك هان عليه لقاؤك.
كل الدنيا فضول إلا خمساً: خبز تشبع به، وماء تروى به وثوب تستر به وبيت تسكنه وعلم تستعمله.
لبعضهم
كم من قوي قوي في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
وكم ضعيف ضعيف في تقلبه ... كأنه من خليج البحر يغترف
هذا دليل على أن الإله له ... في الخلق سرٌّ خفيٌّ ليس ينكشف
شعر
قلت للمعجب لما ... قال مثلي لا يراجع
يا قريب العهد بالمخرج ... لم لا تتواضع
قال المحقق الطوسي في التجريد في برهان تناهي الأبعاد: ولحفظ النسبة بين ضلعي المثلث وما اشتملا عليه مع وجوب إلصاق الثاي به. والشارح الجديد طول الكلام في حل هذا المقام. ثم اعترض أخيراً بأن هذا البرهان إنما يتم دليلاً على امتناع لا تناهي الأبعاد من جميع الجهات، في في جهتين، ولا يدل على امتناعه في جهة واحدة، ولو جوز محور اسطوانة غير متناهية لم يتم إنتهى كلامه. ولكاتب الأحرف فيه نظر، فإنه يمكن حمل كلام المحقق على وجه يدل على امتناع اللا تناهي في وجهة واحدة أيضاً، والعجب أن جميع الشارحين والمحشين غفلوا عنه، وتقريره: أنه لو فرض اسطوانة غير متناهية، مثلاً: لفرضنا خطاً ذاهباً في طولها إلى غير النهاية، وآخر في عرضها عموداً عليه، ولاشك أن لهما نسبة إلى ما اشتملا عليه أعني: الضلع الثالث الذي يتم به المثلث القائم الزاوية في الفرض المذكور، لأن مربعه يساوي مربعيهما بشكل العروس، وهذه النسبة محفوظة مهما امتد الخط الطولي، والثالث متناه لانحصاره بين حاصرين فالأول أولى بالتناهي فافهم. فنقول: هذه الصورة داخلة في كلام
(2/83)

المصنف: لأنه لم يعين النسبة، ولا قال إن الانفراج بقدر الامتداد ولا فرض ذهاب الضلعين إلى غير النهاية، فجميع الصور داخلة في كلامه وعبارته في نهاية السداد والله ولي الرشاد.
من التشبيه الواقع في الحركات والسكنات قول ابن مكنسه وهو بديع شعر:
ابريقنا عاكف على قدح ... كأنه الأم ترضع الولدا
أو عابد من بني المجوس إذا ... توهم الكأس شعلة سجدا أول ما ينتبه العبد للعبادة، ويستيقظ من سنة الغفلة، وتتوق نفسه إلى الانخراط في سلك السعد أيكون بحضرة سماوية وجذبة إلهية، وتوفيق سبحاني وهو المعني بقوله تعالى: " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه " والمشار إليه في كلام صاحب الشرع بقوله: إن النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح، فقيل يا رسول الله: هل لذلك علامة يعرف بها؟ فقال التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله.
روى في الخلاصة عند ذكر صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن رضي الله عنه ما ذئبان ضاريان في غنم غاب عنها رعاؤها بأضر في دين المسلم من حب الرياسة.
مواعظ
من كلام بعض الواعظين: إن إبليس إنما ينكد مجاهدات العابدين، ويكدر صفاء أحوال العارفين، لأنه يراهم يرفلون في خلع كانت عليه، ويتبخترون بولاية كانت إليه، ومعلوم أن كل من عزل عن ولاية عادي من استبدل به عنه، غيرة على الولاية وحسرة على أبواب الرعاية.
من كلام بعض العارفين لا يكن تأخير العطاء مع الإلحاح في الدعاء، موجباً ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك، لا فيما تختاره أنت لنفسك، وفي الوقت الذي يريده لا في الوقت الذي تريده.
ومن كلامهم لا تتعد همتك إلى غيره، فالكريم المطلق لا تتحظاه الآمال.
من أثبت لنفسه تواضعاً، فهو المتكبر حقاً، إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعاً فأنت من المتكبرين.
متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله
(2/84)

فيك فإن كان لا يقنعك علمه، فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم.
أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء.
ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع، ولكن المتواضع هو الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع.
إذا ما أردت ورود المواهب عليك، فصحح الفقر إليه " إنما الصدقات للفقراء ".
سئل جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه عن قوله تعالى: " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " فقال: هو توبيخ لابن ثماني عشر سنة.
من مناجات الحق تعالى لموسى على نبينا وعليه السلام: يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلاً فقل ذنب عجلت عقوبته.
لا تنظر في عبادتك إلى غناه عنها، فإنه تعالى لو نظر إلى ذلك لم يطلبها منك بل نظر إلى حاجتك إليها، وكمالك بها، فانظر إلى ما نظره لك، واجتهد في تصحيحه بالإعتماد على غناه، فإن لم تراع ذلك، غيرت المقام، وأفسدت النظام.
من كلام بعض العارفين اضطر كل ناظر بعقله إلى تحقق سبق الوجود على العدم إذ كل موجود يشهد بذلك، ولو سبق العدم المطلق لاستحال وجود موجود، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن شعر:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
لا ريب أن اللذة العقلية أتم وأعظم من الحسية بما لا يتناهى، والترقي إلى الله سبحانه بالأعمال الحميدة والأخلاق المجيدة ولذة مناجاته السعيدة من أفضل الكمالات وأعظم اللذات.
فمن العجب كيف جعل الحق تعالى على طاعاته وما يقرب إليه جزاء؟ ! فإن الدال على الهدى فضلاً عن الموفق والممد على فعله أولى بأن يكون له الجزاء لكن بسطة جوده وسعة رحمته اقتضى الأمرين معاً، قال الله تعالى: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " فانظر كيف أفاد إحساناً وسماه جزاءاً واقض حق العجب من دقائق ذلك واشكر من سلك بك هذه المسالك.
من كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه: العفو عن المصر لا عن المقر. قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. إتقوا من تبغضه قلوبكم.
قال بعض الصلحاء: لولا أني أكره أن يعصى الله لتمنيت أن لا يبقى في هذا المصر
(2/85)

أحد إلا وقع في، واغتابني، وأي شيء أهنأ من خمسة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها، ولم يعلم بها؟ .
المؤمن: لا يثقله كثرة المصائب وتواتر المكاره عن التسليم لربه والرضا بقدره كالحمامة التي يؤخذ فرخها من وكرها وتعود إليه.
العالم يعرف الجاهل، لأنه كان جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالماً.
وعمر الدنيا أقصر من أن يطاع فيه الأحقاد. من أنس بالله استوحش من الناس.
قال الرشيد لابن السماك: عظني، فقال: إحذر أن تقدم على جنة عرضها السماوات والأرض، وليس لك فيها موضع قدم.
قال أبو سليمان الداراني: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على فوت ما مضى منه في غير طاعة الله تعالى، لكان خليقاً أن يحزنه ذلك إلى الممات، فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله.
قال بعض العارفين: إن هذه النفس في غاية الخساسة والدناءة، ونهاية الجهل والغباوة، وينبهك على ذلك أنها إذ همت بمعصية أو انبعث لشهوة لو تشفعت إليها بالله سبحانه، ثم برسوله وبجميع أنبيائه، ثم بكتبه، والسلف الصالح من عباده، وعرضت عليها الموت والقبر والقيامة والجنة والنار، لا تكاد تعطي القياد، ولا تترك الشهوة، ثم إن منعتها رغيفاً سكنت وذلت ولانت بعد الصعوبة والجماع وتركت الشهوة.
البرهان على مساواتة الزوايا الثلاث في المثلث لقائمتين
رأيت في بعض التواريخ: أ، هـ سئل المعلم الثاني أبو نصر الفارابي عن البرهان على مساواة الزوايا الثلاث في الملث لقائمتين، فقال: البرهان على ذلك أن الستة إذا نقصنا منها أ {بعة بقي اثنان، أقول: يظهر ذلك من أنه إذا وقع خط على خطين متوازيين، فالداخلتان في جهة معادلتان لقائمتين بالتاسع والعشرين من أدنى الأصول، ثم بما خطه هذا الشكل فإن الزوايا الحادثة على (ع هـ) كقائمتين، والحادثة على (ر ح) كأربع قوائم، ومجموع (ر أ) كقائمتين، وكذا مجموع (ح أ) انتهى من شرح الهياكل.
للمحقق الواني: البصر قوة مرتبة في الروح المصبوب في العصبتين المجوفتين المتلقيتين أو المتقاطعتين المفترقتين بعده إلى العينين، مدركة للألوانت والأضواء بواسطة انطباع صورها في الرطوبتين الجلدتين، وثاني صورة واحدة إلأى المتقى، وذلك النادي ضروري، وإلا لرئي الشئ الواحد شيئين لانطياع الصورة منه في كل من الجلدتين، كذا قالوا، وأقول هذا منقوص بالسامعة. انتهى كلامه.
(2/86)

من كلام بعض الحكماء: كل شئ يحتاج إلى العقل، والعقل محناج إلى التجارب
قيل لأبي ذر وقد رمدت عيناه هلا داويتها فقال إني عنهما مشغول، فقيل له: هلا سألت الله أن يعافيهما؟ فقال أسأله فيما هو أهم أهم من ذلك
مات لبعض العارفين صديق: فرآه في النوم شاحب اللون ويده مغلولة إلى عنقه، فقال له: ما حالك فأنشد:
تولى زمانلعبنا به ... وهذا زمان بنا يلعب
اعلم أن الغيبة هي الصاعقة المهلكة، ومثل من يغتاب الناس مثل من نصب منجنيقاً يرمي به حسناته شرقاً وغرباً. وعن الحسن أنه قيل له: يا أبا سعيد إن فلاناً اغتابك فبعث إليه بطبق فيه رطب، وقال: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك، فأردت أن أكافيك. وذكرت الغيبة عند عبد الله بن المبارك فقال: لو كنت مغتاباً لاغتبت أمي، لأنها أحق بحسناتي إليها.
أبا زهير
من اليوم تعاملنا ... ونطوي ما جرى منا
فلا كان ولا صار ... ولا قلتم ولا قلنا
وإن كان ولا بد ... من العتب فبالحسنى
فقد قيل لنا عنكم ... كما قيل لكم عنا
كفى ما كان من هجري ... فقد ذقتم وقد ذقنا
وما أحسن أن نرجع ... للوصل كما كنا
السري الرفاء
وصاحب يقدح لي ... نار السرور بالقدح
في روضة قد لبست ... من لؤلؤ الطل سبح
والجو في ممسك ... طرازه قوس قزح
يبكي بلا حزن كما ... يضحك من غير فرح
في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهدوا في العمل، فإن قصر بكم ضعف فكفوا عن المعاصي.
(2/87)

وروى محمد بن يعقوب بإسناده إلى جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم افضل الناس من عشق العبادة، فعانقها، وأحبها بقلبه وباشرها بجسده، وتضرع فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا، على يسر أو عسر.
قال بعض العارفين: أخوك هو الذي يعظك برؤيته قبل كلامه.
القاضي الأرجاني
تمتعتما يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أشر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي؟ فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد
لابن مطروح
حلا ريقه والدر فيه منضد ... ومن ذا رأى في العذب دراً منضدا
رأيت بخديه بياضاً وحمرة ... فقلت له البشرى اجتماع تولدا
قيل لبعض العارفين: كيف حالك؟ فقال: أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجده.
قال ابن مسعود: لا يكون أحدكم جيفة ليله، قطر بنهاره.
شهاب الدين أحمد الأمشاطي
وفتاك اللواحظ بعد هجر ... جنى كرماً وأنعم بالمزاروظل نهاره يرمي بقلبي ... سهاماً من جفون كالشفار
وعند النوم قلت لمقلتيه ... وحكم النوم في الأجفان ساري
تبارك من توفاكم بليل ... ويعلم ما جرحتم بالنهار
من التوجيه في العروض، قول نصر الله الفقيه وهو حسن:
وبقلبي من الجفاء مديد ... وبسيط ووافر وطويل
لم أكن عالماً بذاك إلى أن ... قطع الليل بالفراق الخليل
وفي ذلك لابن بشار
وبي عروضي سريع الجفا ... وجدي به مثل جفاه طويل
قلت له قطعت قلبي أسى ... فقال لي التقطيع دأب الخليل
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين كرم الله وجهه:
(2/88)

حلاوة دنياك مسمومة ... فما تأكل الشهد إلا بسم
فكن موسراً شئت أو معسراً ... فما تقطع الدهر إلا بهم
إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالاً إذا قيل تم
منه
إذا النائبات بلغن المدى ... وكادت لهن تذوب المهج
وجل البلاء وقل العزاء ... فعند التناهي يكون الفرج
منه
هون الأمر تعش في راحة ... قل ما هونت إلا ويهون
ليس أمر المرء سهلاً كله ... إنما الأمر سهول وحزون
تطلب الراحة في دار العنا ... خاب من يطلب شيئاً لا يكون
منه
أصم عن الكلم المحفظات ... وأحلم والحلم بي أشبه
وإني لأترك جل المقال ... لكيلا أجاب بما أكره
إذا ما اجتررت سفاه السفيه ... علي فإني إذن أسفه
فلا تغترر برواء الرجال ... وإن زخر فوالك أو موهوا
فكم من فتى يعجب الناظرين ... له ألسن وله أوجه
ينام إذا حضر المكرمات ... وعند الدناءة يستنبه
ومنه
يمثل ذو اللب في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم يرع ... لما كان في نفسه مثلا
رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصر آخره أولا
وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا
فإن بدهته صروف الزمان ... ببعض مصائبه أعولا
ولو قدم الحزم في نفسه ... لعلمه الصبر عند البلا
(2/89)

ومنه
إلام تجر أذيال التصابي ... وشيبك قد نضى برد الشباب
بلال الشيب في فوديك نادى ... بأعلى الصوت حي على الذهاب
منه
كد كد البعد إن أحببت أن تصبح حرا ... واقطع الآمال من مال بني آدم طرا
لا تقل ذا مكسب يزري فقصد الناس أزرى ... أنت ما استغنيت عن غيرك أعلى الناس قدرا
من خصال التقوى
قال بعض العارفين: إن خيرات الدنيا والآخرة جمعت تحت كلمة واحدة وهي التقوى انظروا ما في القرآن الكريم من ذكرها فكم علق عليها من خير ووعد لها من ثواب وأضاف إليها من سعادة دنيوية وكرامة أخروية لنذكر لك من خصالها وآثارها الواردة فيه إثني عشر خصلة.
الأولى المدحة والثناء قال الله تعالى: " وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ".
الثانية الحفظ والحراسة قال تعالى: " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ".
الثالثة التأييد والنصر قال الله تعالى: " إن الله مع الذين اتقوا ".
الرابعة النجاة من الشدائد والرزق الحلال قال تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ".
الخامسة صلاح العمل قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم " السادسة غفران الذنوب قال تعالى بعد قوله: " يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم " السابعة محبة الله تعالى قال تعالى: " إن الله يحب المتقين ".
الثامنة قبول الأعمال قال تعالى: " إنما يتقبل الله من المتقين "
(2/90)

التاسعة الإكرام والإعزاز قال الله تعالى: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " العاشرة البشارة عند الموت قال تعالى: " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الحادية عشر النجاة في النار قال تعالى: " ثم ينجي الذين اتقوا " الثانية عشر الخلود في الجنة قال تعالى: " أعدت للمتقين " فقد ظهر أن سعادة الدارين منطوية فيها ومندرجة تحتها، وهي كنز عظيم وغنم جسيم وخير كثير وفوز كبير.
قال الشعبي: ما أعلم أن للدنيا مثالاً، إلا قول كثير شعراً:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلوة إن تقلت
قال بعض العارفين لشيخه: أوصيني بوصية جامعة، فقال: أوصيك بوصية الله رب العالمين للأولين والآخرين: قوله تعالى: " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " ولاشك أنه تعالى أعلم بصلاح العبد من كل أحد، ورحمته ورأفته به أجل من كل رحمة ورأفة، فلو كان في الدنيا خصلة هي أصلح للعبد أجمع للخير وأعظم في القدر وأغرق في العبودية من هذه الخصلة، لكانت هي الأولى بالذكر والأحرى بأن يوصي بها عباده، فلما اقتصر عليها، علم أنها جمعت كل نصح وإرشاد وتنبيه وسداد وخير وإرفاد.
وقال المأمون: لو وصفت الدنيا نفسها لم تصف كما وصفها أبو نواس.
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وقال بعض العارفين: الدنيا تطلب لثلاث الغنى والعز، والراحة، فمن زهد فيها عز، ومن قنع استغنى، ومن قل سعيه استراح.
لبعضهم
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هواناً بها كانت على الناس أهونا
(2/91)

فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكن ... عليك بها فاطلب لنفسك مسكنا
وإياك والسكنى بدار مذلةٍ ... يعد مسيئاً فيه من كان محسنا
آخر
شخوص الفتى عن منزل الضيم واجب ... وإن كان فيه أهله والأقارب
وللحر أهل إن نأى عنه أهله ... وجانب عز إن نأى عنه جانب
ومن يرض دار الضيم داراً لنفسه ... فذلك في دعوى التوكل كاذب
آخر
إذا ظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعاً وريا
فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا
أبياً بنفسك عن باخلٍ ... تراه بما في يديه أبيا
فإن إراقة ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا
آخر
بلاد الله واسعة فضاها ... ورزق الله في الدنيا فسيح
فقل للقاعدين على هوان ... إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا
آخر
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
أقوال الحكماء
قال بعض الحكماء: من أظهر شكرك فيما لم تأته فاحذر أن يكفر نعمتك فيما أتيته ومن أتيته كلامهم أجعل كتابك عالماً تختلف إليه.
وقال المأمون لو وصفت الدنيا نفسها، لم تصف كما وصفها أبو نؤاس بقوله:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
قال بعض الحكماء: العدو عدوان، عدو ظلمته، فجنيت بظلمك إياه عداوته، وآخر ظلمك فجنى بظلامتك إياك عداوتك، فإن نابتك نائبة تضطرك إلى أحدهما فكن بمن ظلمك أوثق منك بمن ظلمته.
ومن كلامهم حلمك عمن دونك ساتر عليك عيب الذل لمن هو فوقك.
(2/92)

احتضر بعض الحكماء: فجعل أخوه يبكي بإفراط، فقال المحتضر: دون هذا يا أخي فعن قليل ترى ضاحكاً في مجلس اذكر فيه.
قال جالينوس: غرضي من الطعام أن آكل لأحيي وغرض غيري أن يحيى ليأكل.
نظر حكيم إلى رجل يغسل يده، فقال انقها فإنها ريحانة وجهك.
من كلام بعض الحكماء لولا ثلاث ما وضع ابن آدم رأسه بشيء: الفقر، والمرض والموت وأنه معهن لو ثاب.
قيل لحكيم: من أبعد الناس سفراً؟ قال: من كان سفره في ابتغاء الأخ الصالح.
الأوصاف الستة التي نصفه بها جل وعلا إنما هي على قدر عقولنا القاصرة وأوهامنا الحاصرة، ومجرى عاداتنا من وصف من نمجده بما هو عندنا وفي معتقدنا كمال أعني أشرف طرفي النقيض لدينا.
وإلى هذا النمط أشار الباقر محمد بن علي رضي الله عنهما مخاطباً لبعض أصحابه، وهل سمي عالماص قادراً إلا أنه وهب العلم للعلماء والقدرة للقادرين، فكل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم، ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانتين كمالها، فإنها تتصور أن عدمها نقص لمن لا يكونان له، وعلى هذا الكلام عبقة نبوية تعطر مشام أرواح أرباب القلوب كما لا يخفى.
وإليه أيضاً ينعطف قول بعض العارفين في أرجوزة له:
الحمد لله بقدر الله ... لا قدر وسع العبد ذي التناهي الحمد لله الذي من أنكره ... فإنما أنكر ما تصوره
(2/93)

والحاصل أن جميع محامدنا له جل ثناؤه وعظمت آلاؤه، إذا نظر إليها بعين البصيرة والاعتبار، كانت منتظمة مع أقاويل ذلك الراعي، الذي مر به موسى عليه السلام في سلك، ومنخرطة، مع الماء الذي أهداه ذلك الأعرابي إلى الخليفة في عقد، فنسأل الله تعالى قبول بضاعتنا المزجاة، بجوده وامتنانه، وعفوه وإحسانه إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
أبو الفتح البستي
إذا أبصرت في لفظي قصوراً ... وحظي والبلاغة والبيان
فلا تجعل على لومي فرقصي ... على مقادر إيقاع الزمان
إذا أردت أن تعرف الدائر بالليل والنهار، فضع درجة الشمس على مقنطرة الإرتفاع واعلم المرى، ثم على الأفق الشرقي أو الغربي، واعلمه وعد من العلامة الأولى إلى الأخيرة على التوالي، فهو الدائر الماضي من النهار أو الباقي منه، وإن وضعت شظية الكوكب على مقنطرة ارتفاعه، وأعلمت المرى ثم درجة الشمس على الأفق الغربي أو الشرقي، وأعلمته وعددت كما مر فهو الدائر الماضي من الليل أو الباقي منه.
قنوت أفلاطون
كان قنوت أفلاطون الإلهي بهذه الكلمات: يا علة العلل، يا قديماً لم يزل، يا منشىء مبادىء الحركات الأول، يا من إذا شاء فعل إحفظ علي صحتي النفسانية ما دمت في عالم الطبيعة.
(2/94)

دعاء فيتاغورس
وكان دعاء فيثاغورث: يا واهب الحياة، أنقذني من درن الطبيعة إلى جوارك على خط مستقيم، فإن المعوج لا نهاية له، كذا وجدت في كتاب يعتمد عليه.
إذا أردت أن تعرف عدد الساعات المستوية الماضية أو الباقية من الليل أو النهار فخذ لكل خمسة عشر جزءاً من الدائرة ساعة، ولكل جزء مما دون الخمسة عشر أربع دقائق، فالمجتمع هو الساعات والدقائق الماضية، والباقية من الليل والنهار.
دعاء
اللهم إني أسألك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه، يا من تسربل بالجلال والكبرياء في تفرد مجده، يا من انقادت الأمور بأزمتها طوعا لأمره، يا من قامت السموات والأرض مجيبات لدعوته، يا من زين السماء بالنجوم الطالعة وجعلها هادية لخلقه، يا من أنار القمر المنير يفي سواد الليل المظلم بلطفه، يا من أنار الشمس المنيرة وجعلهلا معاشا لخلقه، وجعلها مفرقة بين الليل والنهار لعظمته، يا من استوجب الشكر بنشر سحائب نعمه، أسالك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وبكل اسم هو لك أنزلته في كتابك، أو أثبته يفي قلوب الصافين الحافين حول عرشك،، فتراجعت القلوب إلى الصدور عن البيان بإخلاص الوحدانية، وتحقق الفردانية مقرة لك بالعبودية، وأنت أنت الله أنت الله لا إله إلا أنت، وأسألك بالأسماء التي تجليت بها للكليم موسى على الجبل العظيم، فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاتء العظمة خرت الجبال متدكدكة لعظمتك وجلالك وهيبتك، وخوفا من سطوتك، راهبة منك، فلا إله إلا أنت، فلا إله إلا أنت، فلا إله إلا أنت، وأسألك بالأسم الذي فتقت به رتق عظيمم جفون العيون للناظرين، الذي به تدبرت حكمتك وشواهد الحجج، أنبيائك، يعرفوةنك بنظر القلوب وأنت يفي غوامض مسرا سوائد القلوب، أسألك بعزة ذلك الأسم أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني أهل خزانتي وجميع المءمنين والمؤمنات، جميع الآفات والعاهات، والأعراض والأمراض، والخطايا والذنوب والشك، والشرك، والكفر، والنفاق، والشقاق، والضلالة والجهل، والمقت والغضب، والعسر والضيق، وفساد الضمير وحلول النقمة، وشماتة الأعداء وغلبة الرجال، إنك سميع الدعاء لطيف لما تشاء. انتهى.
(2/95)

قال بعضهم: لسنا على يقين من تشخيص مقدار ما نبصره ولا نقدر على تشخيص حجمه الذي هو عليه في نفس الأمر، وليس البصر مأموناً على ذلك، ولا موثوقاً بصدقة لأن المرئي كلما ازداد قرباً ازداد عظماً في الحس، وكلما بعد ازداد صغراً، وأما حالة توسطه في القرب والبعد، فلسنا على يقين من أن حجمه في الواقع هو حجمه المرئي فيها على أنا نحدس أن الهواء المتوسط بيننا وبين المبصر موجب لرؤية حجمه أعظم فلعله لو تحقق الخلاء لكان يرى أصغر.
في إجراء الماء من القنوات ومعرفة الموضع الذي يسير فيه على وجه الأرض تقف على رأس البئر الأول وتضع العضادة على خط المشرق والمغرب ويأخذ شخص قصبة يساوي طولها وعمقه، ويبعد عنك في الجهة التي تريد سوق الماء إليها ناصباً للقصبة إلى أن ترى رأسها من ثقبتي العضادة، فهناك، يجري المياه على وجه الأرض وإن بعدت المسافة بحيث لا ترى رأس القصبة فاشعل في رأسها سراجاً واعمل ما قلناه ليلاً.
طرق وزن الأرض
ولوزن الأرض طرق عديدة أشهرها ما أورده صاحب النهاية وعسانا نذكره في هذا المجلد من الكشكول
المعلم الثاني أبو نصر الفارابي:
أخي خل حيز ذي باطل ... وكن والحقائق في حيز
فما نحن إلا خطوط وقعن ... على نقطة وقع مستوفز
ينافس هذا لهذا على ... أقل من الكلم الموجز
محيط السماوات أولى بنا ... فماذا التنافس في المركز
النفي يتوجه إلى القيد
صرح كثير من محققي أئمة المعاني: أن النفي إنما يتوجه إلى القيد إذا صح كون القيد قيداً في الإثبات، وأما إذا لا فلا، فإذا قلت زيد لا يحب المال محبة للفقر مثلاً، لم يكن النفي متوجهاً إلى القيد كما لا يخفى وعلى هذا فلا احتياج إلى تأويل قول من قال: لم أبالغ في اختصار لفظه تقريباً لتعاطيه بقوله أي تركت المبالغة كما وقع في المطول وغيره. تأمل.
من كتاب أنيس العقلاء كان من عادة ملوك الفرس أنه إذا غضب أحدهم على عالم حبسه مع جاهل.
(2/96)

ومن كلام بعض الحكماء دولة الجاهل عبرة العاقل.
روى عطاء عن جابر قال كان رجل في بني إسرائيل له حمار فقال: يا رب لو كان لك حمار لعلفته مع حماري فهم به نبي من أنبياء ذلك العصر فأوحى سبحانه إليه إنما أتيت كل إنسان على قدر عقله.
القرابة أحوج إلى المودة إلى القرابة. في تقلب الأحوال تعلم جواهر الرجال.
روى محمد بن علي الباقر رضي الله عنه عن أبيه عن أبيه عن أبيه أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: كان في الأرض أمانان من عذاب الله سبحانه وتعالى فرفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به، أما الأمان الذي رفع: فهو رسول الله، وأما الأمان الباقي فالاستغفار قال الله جل من قائل: " وما كان ليعذبهم وأنت فيهم وما كان معذبهم وهم يستغفرون ".
قال صاحب نهج البلاغة: وهذا هن محاسن الإستخراج ولطائف الإستنباط.
قالت امرأة أيوب له وقد اشتد به الحال: هلا دعوت الله تعالى ليشفيك مما أنت به فقد طالت عليك، فقال لها: ويحك لقد كنا في النعماء سبعين سنة، فهلمي نصبر على الضراء مثلها، قال فما لبث يسيراً أن عوفي.
مكتوب في التوراة يا موسى من أحبني لم ينسني ومن رجا معروفي ألح في مسألتي.
قال بعض العارفين: قد قطع يدك وهي أعز جوارحك في الدنيا لربع دينار، فلا تأمن أن يكون عقابه في الآخرة على هذا النحو من الشدة.
من النهج أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم.
(2/97)

قال بعض العارفين: قد قطعت اليد وهي اعز جوارحك في الدنيا لربع دينالر ن فلا يامن ان يكون عقابه في الآخر على هذا النحو من الشدة
ما قيل في أدب النفس: قال بعض الحكماء: إن النفس مهمولة على شيم مهملة، وأخلاق مرسلة لا يستغنى بمحمودها عن التأديب، ولا يكتفي بالمرضى منها عن التهذيب لأن لمحمودها أضداداً مقابلة، يسعدها هوى مطاع، وشهوة غالبة، وإن أغفل تأديبها تفويضاً إلى العقل، أو توكلاً على أن ينقاد إلى الأحسن بالطبع، أعدمه التفويض درك المجتهدين، وأعقبه التوكل ندم الخائبين، فصار من الأدب عاطلاً، وفي سور الجهل داخلاً.
قال بعض الحكماء الأدب أحد المنصبين. وقال: الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسب لأن من ساء أدبه ضاع نسبه، ومن قل عقله ضل أصله.
وقال: حسن الأدب يستر قبح النسب وهو وسيلة إلى كل فضيلة وذريعة إلى كل شريعة.
قال الأعرابي لابنه: يا بني الأدب دعامة أيد الله تعالى بها الألباب، وحلية زين بها عواطل الأحساب، والعاقل لا يستغني وإن صحت غريزته على الأدب المخرج زهرته، كما لا تستغني الأرض وإن عذبت تربتها عن الماء المخرج ثمرتها.
في الحديث إذا آخى أحدكم رجلاً فليسأله عن اسمه، واسم أبيه، وقبيلته، ومنزله، فإنه من واجب الحق، وصافي الإخاء، وإلا فهي مودة الحمقاء.
نريد عدداً إذا ضوعف وزيد على الحاصل واحد، وضرب الكل في ثلاثة وزيد على الحاصل اثنان، ثم ضرب ما بلغ في أربعة، وزيد على الحاصل ثلاث بلغ خمسة وتسعين فالبجبر فرضناه شيئاً وعملناه ما قاله السائل، فانتهى العمل إلى أربع وعشرين شيئاً وثلاثة وعشرين عدداً يعدل خمسة وتسعين، أسقطنا المشترك بقي أربعة وعشرين شيئاً، معادلاً لاثنين وسبعين، وهي الأولى من المفردات، قسمنا العدد على عدد الأشياء وهو المجهول، وبالعمل بالعكس نقصنا من الخمسة والتسعين ثلاثة، وقسمنا الباقي على أربعة، ونقصنا من الخارج اثنين وقسمنا الباقي على ثلاثة ونقصنا من الخارج وهو البعة واحداً ونصفنا الباقي وبالخطائين الفرض الأول اثنان، الخطاء الأول أربعة وعشرون ناقصة الفرض الثاني خمسة، الخطاء الثاني ثمانية وأربعون زائد المحفوظ الأول ستة وتسعون المحفوظ الثاني مائة وعشرون، والخطاآن مختلفان فقسمنا مجموع المحفوظين وهو مأتان وستة عشر على مجموع الخطائن، وهو اثنان وسبعون خرج ثلاثة وهي المطلوب.
(2/98)

لفطري بن الفجاة
أقول لها وقد هاجت وماجت ... من الأعداء ويحك لا تراعيا
فإنك لو سئلت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبراً من سبيل الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع
سبيل الموت غاية كل حيٍّ ... وداعية لأهل الأرض داعي
ومن لا يغتبط يسأم ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع
في الفقه ليس فيما ينفع البدن إسراف، إنما الإسراف فيما أتلف المال وأضر البدن.
قوله تعالى " ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ": قال في الكشاف عن ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة، وعن الفضيل إنه كان إذا قرأها قال: ضجوا والله من الصغائر قبل الكباير.
قال بعض الحكماء: لا سرف في الخير كما لا خير في السرف.
روى قيس بن حازم أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حضر أصابته دهشة ورعدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد، وإنما قال ذلك: حسماً لمواد الكبر، وقطعاً لذرائع الإعجاب، وكسراً لأشر الأنفس، وتذليل لسطوات الاستعلاء.
ودخل عليه عمر بن الخطاب فوجده على حصير قد أثر في جنبه فكلمه في ذلك فقال صلوات الله عليه وآله: مهلاً يا عمر أتظنها كسروية؟ يريد صلى الله عليه وسلم أنها نبوة لا ملك.
وفي الحديث إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب مسح إبليس على وجهه وقال بأبي وجه لا يفلح.
في بعض التفاسير في قوله: " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " أنها أعمال كانوا يرونها حسنات فبدت لهم يوم القيامة سيئات.
تجالس اثنان من أهل القلوب، فتذاكرا وتحادجثا ساعة وبكيا، فلما عزمت على الافتراق قال أحدهما للآخر: إني لأرجو أن لا نكونت جلسنا مجلسا أعظم بركة من هذا المجلس، فقال الآخر: لكني أخاف أن لا نكون جلسنا مجلسا أضر علينا منه، قال ولم؟ قال
(2/99)

: قصدت إلى أحسن حديثك فحدثتني، وقصدت أنا إلى أحسن حديثي فحدثتك به، فقد تزينت لك، فهكذا كانت ملاحظاتهم
قال لقمان لابنه: يا بني اجعل خطاياك بين عينيك إلى أن تموت، وأما حسناتك فاله عنها فإنه قد أحصاها من لا ينساها.
في الحديث: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذهب يلتمس وعاء يفرغها فيه فلم يجد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغها في الأرض، ثم أكل صلوات الله عليه وىله منها وقال: " آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد، لو كانت الدنيا عند الله تزن جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء ".
القيامة قيامتان
ملخص من كتاب الصبر والشكر من الإحياء: القيامة قيامتان: القيامة الكبرى، وهو يوم الحشر ويوم الجزاء، والقيامة الصغرى وهي حالة الموت، وإليها الإشارة بقول صاحب الشرع من مات فقد قامت قيامته، وفي هذه القيامة يكون الإنسان وحده، وعندها يقال له لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وأما في القيامة الكبرى الجامعة لأصناف الخلايق، فلا يكون وحده، وأهوال القيامة الصغرى تحاكي وتماثل أهوال القيامة الكبرى إلا أن أهوال الصغرى تخصك وحدك، وأهوال الكبرى تعم الخلق أجمعين.
وقد تعلم أنك أرض مخلوق من التراب، وحظك الخالص من التراب بدنك خاصة، وأما بدن غيرك فليس حظك، والذي يخصك من زلزلة الأرض زلزلة بدنك فقط الذي هو أرضك، فإذا هدمت بالموت أركان بدنك، فقد زلزت الأرض زلزالها، ولما كانت عظامك جبال أرضك، ورأسك سماء أرضك، وقلبك شمس أرضك، وسمعك وبصرك، وسائر حواسك نجوم سمائك، ومفيض العرق من بدنك بحر أرضك، فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفاً، وإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كورت الشمس تكويراً فإذا بطل سمعك وبصرك وساير حواسك فقد انكدرت النجوم انكداراً فإذا انشق دماغك فقد انشقت السماء انشقاقاً، فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيراً، فإذا التفت أحد ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك فقد عطلت العشار تعطيلاً. فإذا فارق الروح والجسد فقد ألقت الأرض ما فيها وتخلت.
واعلم أن أهوال القيامة الكبرى أعظم بكثير من أهوال هذه الصغرى، وهذه أمثلة لأهوال تلك، فإذا قامت عليك هذه بموتك، فقد جرى عليك ما كان جرى على كل الخلق فهي انموذج للقيامة الكبرى، فإن حواسك إذا عطلت فكأنما الكواكب قد انتثرت
(2/100)

إذ الأعمى يستوي عنده الليل والنهار، ومن انشق رأسه فقد انشقت السماء في حقه إذ من لا رأس له لا سماء له.
ونسبة القيامة الصغرى إلى القيامة الكبرى كنسبة الولادة الصغرى. وهي الخروج من الصلب والترائب إلى فضاء الرحم؛ إلى الولادة الكبرى وهي الخروج من الرحم إلى فضاء الدنيا، ونسبة سعة عالم الآخرة الذي يقدم عليه العبد بالموت إلى فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا إلى الرحم بل أوسع وأعظم لا يحصى.
علي بن الجهم يمدح المتوكل:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن ... سلوت ولكن زدن جمراً على جمر
سلمن وأسلمن القلوب كأنما ... تشك بأطراف المثقفة السمر
خليلي ما أحلى الهوى وأمره ... وأعرفني بالحلو منه وبالمر
كفى بالهوى شغلاً وبالشيب زاجراً ... لو أن الهوى مما ينهنه بالزجر
بما بيننا من حرمة هل علمتما ... أرق من الشكوى وأقسى من الهجر
وأفضح من عين المحب لسره ... ولا سيما إن أطلقت عبرة تجري
وما أنس بالأشياء لا أنس قولها ... لجارتها ما أولع الحب بالحر
فقالت لها الأخرى فما لصديقنا ... معنى وهل في قتله لك من عذر؟
فقالت أذود الناس عنه وقلما ... يطيب الهوى إلا لمنهتك الستر
وأيقنتا أني سمعت فقالتا ... من الطارق المصغي إلينا وما تدري
فقلت فتى إن شئتما كنتم الهوى ... وإلا فخلاع الأعنة والعذر
على أنه يشكو ظلوماً وبخلها ... عليه بتسليم البشاشة والبشر
فقالت هجيئاً قلت قد كان بعض ما ... ذكرت لعل الشر يدفع بالشر
فقالت كأني بالقوافي سوائراً ... يردن بنا مصراً ويصدرن عن مصر
فقلت أسأت الظن بي لست شاعراً ... وإن كان أحياناً يجيش به صدري
صلي واسألي من شئت يخبرك أنني ... على كل حال نعم مستودع السر
وما أنا ممن سار بالشعر ذكره ... ولكن أشعاري يسير بها ذكري
(2/101)

وللشعر أتباع كثير ولم أكن ... له تابعاً في حال عسر ولا يسر
ولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
فسار أمير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر
ولو جل عن شكر الصنيعة منعم ... لجل أمير المؤمنين عن الشكر
ومن قال إن البحر والقطر أشبها ... نداه فقد أثنى على البحر والقطر
لو وجد الجزء للزم صحة كون قطر الفلك الأعلى ثلاثة أجزاء لأنا نفرض قطراً وعن جنبيه وتران ملاصقان له ثم قطع الثالثة بقطر مار من طرف أحد الوترين إلى طرف الآخر فهو مركب من ثلاثة أجزاء، لعدم إمكان التقاطع على أكثر من جزء. اعترض بعض الأعلام بالاستغناء عن أحد الوترين، ربما يخبر من يغلب عليه الماليخوليا والسوداء، واستحكم جنونه عن أمور غيبيه فيكون كما أخبر، وسبب ذلك أن المرة السوداء إذا استولت على الدماغ أذهبت التخيل وحللت الروح المنصب في وسط الدماغ الذي هو آالته بسبب كثرة الحركة الفكرية اللازمة لها. وإذا وهن التخيل سكن عن التصرف، فتتفرع النفس عنه، فإنها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما يرد علها من الحواس باستخدام التخيل، وذلك، غيب، فاطباع ذلك فيها كانطباع الصور من مرآة في مرآة أخرى تقابلها عند ارتفاع الحجاب بينهما. انتهى.
(2/102)

كل حيوان يتنفس باستنشاق الهواء فهو إنما يتنفس من أنفه فقط، إلا الإنسان فإنه يتنفس من أنفه وفيه معا، وسبب ذلك أن الإنسان يحتاج إلى الكلام بتقطيع حروف مخرج بعضها الأنف فيحتاج إلأى نفوذ الهواء فيه، وقد فتح بيطار فم فرس بآلة سدت كمخريه فمات على المكان والإنسان أضعف شما من سائر الحيوان فهون يحتال على إدراك الرائحة بالتسخين تارة، وبالحك وتصغير الأجزاء أخرى، وعند أعلى الأنف منفذان دقيقان جدا ينفذان إلى داخل العينين بحدذاء الموق، وفيهما تنفذ الروائح الحادة إلى داخل العينين برائحة الصنان، وتدمع من شم البصل ونحوه. ومن هذين المنفذين تنفذ الفصول الغليظة التي في داخل العينين وهي التي تجهد عند الاندفاع بالدموع، وإذا حدث لهذين المنفذين انسداد كما يفي الغرب كثرت الفضول، فكثرت أمراض العين لذلك. انتهى.
الخلاف مشهور في أن رؤية الوجه مثلا في الصقيل هل هو بالانعكاس عنه أو بالانطباع فيه. والأدلة من الجانبين لا تكاد تسلم من خدش ولجامع الكتاب دليل على أنه بالانطباع لا بالانعكاس، وهو أن التجربة شاهدة برؤية المستوى في المرآة معكوسا والمعكوس مستويا، مثلا الكتابة ترى في المرآة معكوسة، ونقش الخاتم يرى مستويا، وهذا يعطي الانطباع كما ترسم الكتابة من ورقة على أخرى، فترى معكوسة، ويختم بالخاتم فيرى الختم مستويا، ولو كان بالانعكاس لرئي على ما هو عليه إذ المرئي على القول بالانعكاس هو ذلك الشئ بعينه، إلا أن الرائي يتوهم أنه لا يراه مقابلا كما هو المعتاد تأمل. انتهى.
دعاء الحجاج عند موته.
قال الحجاج عند موته: اللهم اغفر لي فإنهم يقولون إنك لا تغفر لي. وكان عمر بن عبد العزيز تعجبه هذه الكلمة منه ويغبطه عليها، ولما حكى ذلك للحسن البصري قال: أو قالها؟ فقيل نعم، فقال عسى.
رأى الشبلي صوفيا يقول لحجام: احلق رأسي لله، فلما حلقه دفع الشبلي للحجام أربعين دينارا وقال: وخذها أجرة خدمتك هذا الفقير، فقال الحجام: إنما فعلت ذلك لله ولا أحل عقدا بيني وبينه بأربعين دينارا، فلطم الشبلي رأس نفسه وقال: كل الناس خير منك حتى الحجام. انتهى.
الإمام الرازي في تفسيره الكبير، في تفسير قوله تعالى " يوصيكمن الله في أولاكم للذكر مثل حظ الأنثيين " بعد أن نقل الحديث الذي رواه أبو بكر رضي الله عنه " نحن معاشر
(2/103)

الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " قال يحتمل أن يكون قوله ما تركناه صدقة صلة لقوله لا نورث، والتقدير: أن الشئ الذي تركناه صدقة صلة لقوله لا نورث، والتقدير: أن الشئ الذي تركناه صدقة لا يورث، ويكون المراد أن الانبياء إذا عزموا على التصدق بشئ فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم. انتهى.
قال طاوس: كنت في الحجر ليلة إذ دخل علي بن الحسين رضي الله عنهما، فقلت رسجل من أهل بيت النبوة والله لأسمعن دعاءه، فسمعته يقول في أثناء دعائه: عبيدك بفنائك، سائل بفنائك، مسكينك بفنائك. قال طاوس: فما دعوت الله بهذه إلا وفرج الله عني. انتهى.
من كلام بطليموس: المرض حبس البدن، والهم حبس الروح.
كان ابن أبي صادق الطبيب حسن الشمائل، مهذب الأخلاق، متقناً لأجزاء الحكمة دعاه السلطان إلى خدمته، فأرسل إليه أن القنوع بما عنده، لا يصلح لخدمة السلطان ومن أكره على الخدمة لا ينتفع بخدمته.
الشريف الرضي:
أسيغ الغيظ من نوب الليالي ... ولا يشعرن بالحنق المغيظ
وأرجو الرزق من خرق دقيق ... يسدبللك حرمان غليظ
وأرجع ليس يفي كفي منه ... سوى عض اليدين على الخظوظ
ابن المعتز:
دمعة كاللؤلؤ الرطب ... على الخد الأسيل
هطلت في ساعة البين ... من الطرف الكحيل
حين هم القمر الزاهر ... عنا بالأفول
إنما يفتضح العاشق ... في وقت الرحيل.
الرياشي:
لم يبق من طلب العلا. . إلا التعرض للحتنوف
فلأقذفن بمهجتي ... بين الأسنة والسيوف
ولأطلبن ولو رأيت ... الموت يلمع في الصفوف لبعضهم:
(2/104)

الدهر لا يبقى على حاله ... لكنه يقبل أو يدبر
فإن تلقاك بمكروهه ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر.
مما قيل في تفضيل الموت على الحياة، قال بعض السلف: ما من مؤمن إلا والموت خير له من الحياة، لأنه إن كان محسناً فالله تعالى يقول: " وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا " وإن كان مسيئاً فالله يقول: " ولا تحسبن الذين كفوا أنما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ".
قال بعض الفلاسفة: لا يكمل الإنسان حد الإنسانية إلا بالموت، قال بعض الشعراء:
جزى الله عنا الموت خير جزائه ... أبر بنا من كل بر وأرأف
يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني من الدار التي هي أشرف
وقال أبو العتاهية
المرء يأمل أن يعيش ... وطول عمر قد يضره
تفنى بشاشته ويبقى ... بعد حلو العيش مره
وتخونه الأيام حتى ... لا يرى شيئاً يسره
ولكاتب الأحرف
إن هذا الموت يكرهه ... كل من يمشي على الغبرا
وبعين العقل لو نظروا ... لرأوه الراحة الكبرى
من الملل والنحل عند ذكر زيتون الأكبر، قال قيل له: وقد هرم كيف حالك؟ قال هو ذا أموت قليلاً قليلاً على مهل، قيل: فإذا مت من يدفنك؟ قال: من يؤذيه جيفتي.
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
جزى الله المهيمن نفس حر ... تصدق بالوفاة على أخيه
إذا أبصرت قبرا قلت شوقا ... ألا يا ليتني أمسيت فيه
من أعظم الآفات: العجب، وهو مهلك كما ورد في الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه،
(2/105)

ظهور النار بخارج المدينة
قال اليافعي في تاريخه سنة خمسمائة وأربع وخمسون كان ظهور النار بخارج المدينة النبوية وكانت من آيات الله تعالى ولم يكن لها حر على عظمها وشدة ضوئها وهي التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، فظهر بظهورها المعجزة العظمى التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم وكان نساء المدينة يغزلن على ضوئها بالليل وبقيت أياماً وظن أهل المدينة أنها القيامة وضجوا إلى الله، وكان ظهورها في جمادى الأخرى وكانت تأكل كل ما تأتي عليه من أحجار أو جبل، ولا تأكل الشجر ولم يكن لها حر وذهب إليها بعض غلمان الشريف صاحب المدينة، فأدخل فيها سهماً فأكلت النار نصله ثم قلبه وأدخله فيها فأكلت ريشه وبقي العود بحاله، قال بعضهم: إن علة عدم أكلها للشجر كونه في حرم المدينة النبوية.
قال صاحب التاريخ: والظاهر أن السهم لم يكن من شجر الحرم لأن شجرها لا يصلح للسهام ولعل السر أن هذه النار لما كانت آية من الآيات العظام جاءت خارقة للعادة فخالفت النار المعهودة، وكانت تثير كلما مرت عليه عين فيصير سداً لا يسلك فيه حتى سدت الوادي التي ظهرت فيها بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار.
لبشار في الإخوانيات
خير إخوانك المشارك في المر ... وأين الشريك في المر أينا
الذي إن شهدت سرك في الحي ... وإن غبت كان سمعاً وعينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم ... بدلوا كل ما يزينك شينا
وإذا ما رأوك قالوا جميعاً ... أنت من أكرم البرايا علينا
ما أرى في الأنام وداً صحيحاً ... صار كل الوداد زوراً ومينا
قال بعض العرب
إذا مت أين يذهب بي؟ فقيل إلى الله تعالى فقال: ما أكره أن أذهب إلى من لم أر الخير إلا منه، وقد حام حول هذا المعنى أبو الحسن التهامي في مرثية لابنه حيث يقول:
أبكيه ثم أقول معتذراً له ... وفقت حيث تركت ألأم دار
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
خلا أعرابي بامرأة فلم ينتشر له فقالت: قم خائباً فقال: الخائب من فتح الجراب، ولم يكتل له.
(2/106)

إسماعيل الدهان
خف إذا أصبحت ترجو ... وارج إن أصبحت خائف
رب مكروه مخاف ... فيه لله لطائف
سعد بن عبد العزيز
يا من تكلف إخفاء الهوى جلدا ... إن التكلف يأبى دونه الكلف
وللمحب لسان من شمائله ... بما يجن من الأهواء يعترف
قال النبي صلى الله عليه وآله: ما أسر المرء سريرة إلا ألبسه الله رداها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
أخذه بعض الأعراب فقال:
وإذا أظهرت أمراً محسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر
فمسر الخير موسوم به ... ومسر الشر موسوم بشرولي الحجاج أعرابياً ولاية فتصرف في الخراج فعزله، فلما حضر قال له: يا عدو الله أكلت مال الله، فقال الأعرابي: ومال من آكل؟ إن لم آكل مال الله، لقد راودت إبليس على أن يعطيني فلساً واحداً فلم يقبل فضحك وعفى عنه.
إثبات الجزء
ليس لمثبتي الجزء حجة أقوى من حكاية وضع الكرة عن السطح المستوي إذ لو انقسم موضع الملاقاة لوصل من طرفيه إلى مركزها ليحدث مثلث متساوي الساقين، ويخرج من ملاقات القاعدة عموداً إلى المركز، فالخطوط الثلاث الخارجة من المركز إلى المحيط متساوية لأنها كذلك ويلزم أطوله الساقين من العمود، لأنهما وتر القائمتين وهو وتر الحادتين.
وفد حريم الناعم على معاوية فنظر إلى ساقيه فقال: أي ساقين هما لو كان لجارية؟ فقال حريم: في مثل عجيزتك يا معاوية فقال معاوية واحدة بواحدة، والبادي أظلم.
أمثال عربية
من الكلمات الجارية مجرى الأمثال الدائرة على الألسنة. الغريب من ليس له حبيب، إذا نزل القدر عمي البصر، ما الإنسان إلا بالقلب واللسان الحر حر وإن مسه الضر، العبد عبد وإن ساعده جد، الإعتراف يهدم الإقتراب، بعض الكلام أقطع من الحسام، البطنة
(2/107)

تذهب الفطنة، المرأة ريحانة وليست قهرمانة، إذا قدم الإخاء سمج الثناء، لكل ساقطة لاقطة.
لما مات الإسكندر وضعوه في تابوت من ذهب وحملوه إلى الإسكندرية، وندبه جماعة من الحكماء يوم موته.
فقال بطليموس: هذا يوم عظيم العبرة، أقبل من شره ما كان مدبراً وأدبر من خيره ما كان مقبلاً.
وقال ميلاطوس خرجنا إلى الدنيا جاهلين وأقمنا فيها غافلين، وفارقناها كارهين.
وقال أفلاطون الثاني: أيها الساعي المعتصب جمعت ما خذلك، وتوليت ما تولى عنك، فلزمتك أوزاره وعاد إلى غيرك مهناه وثماره.
وقال مسطور: قد كنا بالأمس نقدر على الإستماع ولا نقدر على الكلام واليوم نقدر على الكلام فهل نقدر على الاستماع؟ وقال ثاون: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى؟ وإلى ظل الغمام كيف انجلى؟ وقال آخر: ما سافر الإسكندر سفراً بلا أعوان ولا عدة غير سفره هذا.
وقال آخر: لم يؤدبنا بكلامه كما أدبنا بسكونه.
وقال آخر: قد كان بالأمس طلعته علينا حياة واليوم النظر إليه سقم.
وقع في كلام بعض الأفاضل أن البدل الغلط لا يوجد في فصيح الكلام بخلاف أخواته قال: ولذلك لا يوجد في القرآن العزيز إنتهى، وفي كلامه هذا شيء فإن عدم وقوع بدل الغلط في القرآن لاستحالة الغلط عليه سبحانه لا لما قاله هذا القائل.
قال بعض حكماء الإشراق إنا والله لنكره أن يشتغل الناس بهذه العلوم، فإن المستعدين لها قليلون، والمتفرغون من المستعدين أقل، والصابرون من المتفرغين أقل.
مرض نصر فعاده أبو صالح. وقال له: مسح الله ما بك، فقال له نصر: قل مصح بالصاد. فقال أبو صالح: السين تبدل بالصاد كما ف الصراط وصقر، فقال له النصر: إن كان كذلك فأنت إذاً أبو سالح فخجل من كلامه.
الاستنكار من الألفاظ الغريبة
صاحب المثل السائر بعد أن شدد النكير وبالغ في التشنيع على الذين يستكثرون في كلامهم من الألفاظ الغريبة، المحتاجة إلى التفتيش والتنقير في كتب اللغة أورد أبيات السموئل المشهورة التي أولها:
(2/108)

إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
أوردتها في المجلد الرابع. ثم قال إذا نظرنا إلى ما تضمنه من الجزالة خلناها زبراً من الحديد وهي مع ذلك سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة ثم قال: وكذلك ورد للعرب في جانب الرقة ما كاد يذوب لرقته وأورد الأبيات المشهورة لعروة بن الأدية التي أولها:
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
ثم قال ومما يرقص الأسماع ويزف على صفحات القلوب قول يزيد بن الطثرية:
بنفسي من لو مر برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله
ومن هابني في كل شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله
ثم قال: إذا كان ذا قول ساكن في الفلاة لا يرى إلا شيحة أو قيصومة، ولا يأكل إلا ضباً أو يربوعاً فما بال قوم سكنوا الحضر يتعاطون وحشي الألفاظ وشظف العبارات. ثم قال ولا يخلد إلى ذلك إلا جاهل بأسرار الفصاحة أو عاجز عن سلوك طريقها، فإن كل أحد يمكنه أن يأتي بالوحشي من الكلام وذلك بأن يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقفه من أربابها ثم قال: هذا العباس بن الأحنف قد كان من أوائل الشعراء في الإسلام وشعره كمر النسيم على عذبات أغصان أو كلؤلؤ آت طل على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة فمن ذلك قوله:
وإني ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كنت لا أرضى لكم بقليل
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الود إلا عدتم بجميل
وهكذا ورد قوله في فوز التي كان يشبب بها في شعره:
يا فوزيا منية عباس ... قلبي يفدي قلبك القاسي
أسأت إذا أحسنت ظني بكم ... والحزم سوء الظن بالناس
يقلقني الشوق فآتيكم ... والقلب مملو من اليأس
وهل أعذب من هذه الألفاظ وأرشق من هذه الأبيات وأعلق في الخاطر، وأسرى في السمع؟ ولمثلها تخف رواجع الأوزان وعلى مثلها يسهر راقد الأجفان، وعن مثلها يتأخر السوابق عند الرهان ولم اجرها بلساني يوماً من الأيام إلا تذكرت، قول أبي الطيب المتنبي:
(2/109)

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق
ومن ذا الذي يستطيع أن يسلك هذا الطريق التي هي سهلة وعروة قريبة بعيدة، وهذا أبو العتاهية كان في غرة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك كثيرون، وإذا تأملت شعره وجدته كالماء الجاري في رقة ألفاظه ولطافة سبك، وكذلك أبو نؤاس، ثم قال: ومن أشعار أبي العتاهية الرقيقة قوله في قصيدة يمدح بها المهدي ويشبب بجاريته عتب وكان أبو العتاهية يهواها:
ألا ما لسيدتي مالها ... تدل فأحمل إدلالها
لقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب في اللوم عذالها
كأن بعيني في حيثما ... سلكت من الأرض تمثالها
ومنها في المديح قوله
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ويحكى أن بشار كان حاضراً عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فقال: انظروا إلى أمير المؤمنين هل طار عن كرسيه؟ ولعمري أن الأمر كما قال بشار. واعلم أن هذه الأبيات من رقيق الشعر غزلاً ومديحاً، وقد أذعن لها شعراء ذلك العصر، وناهيك بهم ومع هذا تراها من السلامة واللطافة في أقصى الغايات، وهذا هو الكلام الذي يسمى السهل الممتنع فتراه يطيعك وإذا أردت مماثلاً له راغ عنك كما يروغ الثعلب، وهكذا ينبغي أن يكون الكلام، فإن خير الكلام ما دخل في الأذن بغير إذن، وأما البذائة والتوعر في الألفاظ فتلك أمة قد خلت ومع ذلك فقد عيب على مستعمليها في ذلك الوقت أيضاً.
قال ابن عباس لرجل في يده درهم: ليس لك حتى يخرج من يدك
ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك
وقد حام حول هذا المعنى الحريري حيث يقول:
(2/110)

وشر ما فيه من الخلائق ... أن ليس يغني في المضايق
إلا إذا فر فرار الآبق
قال بعض الأعراب: مالك إن لم يكن لك كنت له.
قال بشار: ما من شعر تقوله امرأة إلا وفيه سمة الأنوثة. قيل له فما تقول في الخنساء؟ قال: لا، تلم لها أربع خصى ,
وللخنساء في أخيها صخر:
فما بلغت كف امرئ متناول ... من المجد إلا حيث ما نلت أطول
ولا بلغ المهدون في القول مدحة ... وإن أكثروا إلا وما فيك أفضل
في المثل: جاءوا على بكرة أبيهم. هذا مثل يضرب للجماعة إذا جاءوا كلهم ولم يتخلف منهم أحد. والبكرة: الفتية من الإبل. وأصل هذا المثل أنه كان لرجل من العرب عشرة بنين، فخرجوا إلأى الصيد، فوقعوا في أرض العدو، فقتلوهم ووضعوا رؤسهم في مخلاة، وعلقوا المخلاة في رقبة بكرة كانت لأبي المقتولين، فجاءت البكرة بعد هدأة من الليل، فخرج أبوهم وظن الرؤوس بيض النعام وقال قد اثطادوا وأرسلوا البيض فلما انكشف الأمر قال الناس: جاء بنو فلان على بكرة أبيهم.
من مليح العرب العرباء، غزا أعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له، ما نلت في غزوتك هذه: فقال: وضع عنا نصف الصلاة ونرجو إن غزونا أخرى أن يوض عنا النصف الآخر.
الجزء الذي لا يتجزأ
البرهان السلمي على نفي الجزء الذي لا يتجزأ: لو وجد الجزء لكان ضلعا المثلث كالثالث، وهو باطل بالشكل الحماري، لأنا نفرض سلما على حائط بين أسفله ورأس السلم عشرة أذرع مثلا، وكذا بين سفليهما، ثم يجر السلم على الأرض، فهو مماس برأسه الحائط بحيث تعظم قاعدة المثلث آنافآنا، فكلما قطع على الأرض جزءا قطع رأسه على الحائط جزءا وهكذا. فإذا قطع عشرة أجزاء انطبق السلم على قاعدة المثلث، فكان السلم عشرين ذراعا، فساوى مجموع الضلعين وهو محال
قولهم انطباق مركز ثقل الأرض على مركز العالم على ما هو التحقيق يستلزم حركة الأرض بجملتها بسبب تحرك ثقيل عليها، يريدون تحركها خلاف جهة تحرك الثقيل كما يظهر بأدنى تخيل، لا إلى جهة حركته كما ظنه بعض الفضلاء. انتهى.
(2/111)

ذكاء عربي
حكى الأصمعي قال: كنت أقرأ السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم وبجنبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟ فقلت كلام الله قال: أعد، فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله فانتبهت فقرأت والله عزيز حكيم، فقال أصبت هذا كلام الله فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، فقلت: فمن أين علمت؟ فقال: يا هذا عز فحكم فقطع فلو غفر ورحم لما قطع.
قال بعض الحكماء: من شرف الفقر أنك لا تجد أحداً يعصي الله ليفتقر، وأكثر ما يعصي المرء ليستغني. أخذ هذا المعنى المحمود الوراق فقال:
يا عايب الفقر ألا تنزجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر
إنك تعصي لتنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
قال بعض الحكماء: من ضاق قلبه اتسع لسانه.
ومن كلامهم ينبغي للعاقل أن يجمع عقله عقل العقلاء، وإلى رأيه رأي الحكماء فإن الرأي الفذ ربما زل، وأن العقل الفرد ربما ضل.
قال الحسن البصري، يا من يطلب من الدنيا ما لا يلحقه أترجو أن تلحق من الآخرة ما لا تطلبه؟ .
البرهان الترسي
: نفرض جسماً مستديراً كالترس ونقسمه بثلاث خطوط متقاطعة على المركز إلى ستة أقسام متساوية، فكل من الزوايا الست الواقعة حول المركز ثلثا قائمة، والانفراج بين ضلعي كل بقدر امتداده، إذ لو وصل بين طرفيهما بمستقيم لصار مثلثاً متساوي الأضلاع، لأن زوايا كل مثلث كقائمتين، والساقان متساويان فالزوايا متساوية فالأضلاع كذلك فلو امتد الضلعان إلى غير النهاية، لكان الانفراج كذلك مع أنه محصور بين حاصرين.
من كلام أبي الفتح البستي: من أصلح فاسده أرغم حاسده. عادات السادات سادات العادات: من سعادة جدك وقوفك عند حدك. الرشوة رشاء الحاجة. اشتغل عن لذاتك بعمارة ذاتك.
(2/112)

من التوراة من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليتخذ رباً سوائي من أصبح حزيناً على الدنيا فكأنما أصبح ساخطاً علي. من تواضع لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه. يا ابن آدم ما من يوم جديد إلا ويأتي إليك من عندي رزقك، وما من ليلة جديدة إلا وتأتي إلي الملائكة من عندك بعمل قبيح. خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد.
يا بني آدم أطيعوني بقدر حاجتكم إلي، واعصوني بقدر صبركم على النار، واعملوا للدنيا بقدر لبثكم فيها وتزودوا للآخرة بقدر مكثكم فيها. يا بني آدم زارعوني وعاملوني وأسلفوني، أربحكم عندي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. يا ابن آدم أخرج حب الدنيا من ق لبك، فإنه لا يجتمع حبي وحب الدنيا في قلب واحد أبداً. يا ابن آدم إعمل بما أمرتك وانته عما نهيتك، أجعلك حياً لا تموت أبداً.
يا ابن آدم إذا وجدت قساوة في قلبك، وسقماً في جسدك، ونقيصة في مالك وحريمة في رزقك، فاعلم أنك قد تكلمت فيما لا يعنيك. يا ابن آدم أكثر من الزاد، فالطريق بعيد وخفف الحمل فالصراط دقيق، وأخلص العمل فإن الناقد بصير وأخر نومك إلى القبور، وفخرك إلى الميزان، ولذاتك إلى الجنة، وكن لي أكن لك، وتقرب إلي بالإستهانة بالدنيا تبعد عن النار. يا ابن آدم ليس من انكسر مركبه، وبقي على لوح في وسط البحر بأعظم مصيبة منك، لأنك من ذنوبك على يقين، ومن عملك على خطر.
قال في التبيان: في قوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " إن قوله اشتروا استعارة تبعية، وما ربحت تجارتهم ترشيح وقوله: وما كانوا مهتدين تجريد.
وقال الطيبي أيضاً في التبيان في فن البديع، أن قوله وما كانوا مهتدين إيغال قال لأن مطلوب التجار في متصرفاتهم سلامة رأس المال والربح، وربما تضيع الطلبتان ويبقى معرفة التصرف في طريق التجارة، فيتحيل لطرق المعاش وهؤلاء أضاعوا الطلبتين، وضلوا الطريق فدمروا ونحو ذلك قال في الكشاف. قال كاتب هذه الأحرف: كلام الطيبي في الاستعارة يعاند كلامه في الإيغال لأن ما ذكره في الإيغال يقتضي أن يكون قوله تعالى: وما كانوا مهتدين ترشيحاً لا تجريداً، وهو الحق إذا الحمل عليه يكسب الكلام رونقاً وطراوة لا يوجدان فيه لو حمل على التجريد كما لا يخفى على من له دراية في أساليب الكلام فقوله بالتجريد باطل وعن حلية الحسن عاطل.
أقول أيضاً القول بأنه إيغال باطل أيضاً لأن الإيغال كما ذكروه حمل الكلام بنكتة زائدة يتم المعنى بدونها وهو معدود من الإطناب.
ومثلوا له بقوله تعالى: " اتبعوا
(2/113)

من لا يسئلكم أجراً وهم مهتدون " فإن الرسول مهتد لا محالة، لكن فيه زيادة حث على الاتباع كذا قالوا، وقوله تعالى: وما كانوا مهتدون ليس من هذا القبيل كما لا يخفى، فالحق أنه ترشيح ليس إلا وأن كلامي الطيبي المتعارضين ساقطان فليتأمل إن شاء الله تعالى.
قال الأحنف بن قيس سهرت ليلة في طلب كلمة أرضى بها سلطاني، ولا أسخط بها ربي، فما وجدتها.
الصفدي
كيف يزور الخيال طرفا ... يراه منكم جفا وبين
والنوم قد غاب منذ غبتم ... ولم يقع لي عليه عين
وله:
أفدي حبيبا إن أقل لك إنه ... بدر فصدقني عليه ولا تسل
وجه حلا إذا أثر الجدري في ... وجناته فكأنه قرص العسل
قال في التحفة: لو جعل للأفق دائرة يرسمها الخط الخارج من البصر، مماسا للأرض، منهيا إلى السماء، يكون الظاهر من الفلك أكثر من الخفي بأربع دقائق وست وعشرين ثانية إن كانت قامة الشخص الخارج الخط من بصره ثلاثة أذرع ونصفا على ما بينه ابن الهيثم يفي رسالته، في أن الظاهر من السنماء أكثر من نصفها:
وقال بعض الحكماء: إن الله لم يجمع منافع الدارين في أرض، بل فرقها.
آخر
ليس ارتحالك تزداد الغلا سفراً ... بل المقام على خسف هو السفر
بعضه
أشد من فاقة الزمان ... مقام حر على هوان
فاسترزق الله واستغنه ... فإنه خير مستعان
وإن بنا منزل بحر ... فمن مكان إلى مكان
مما كتبه والدي إلي:
(2/114)

:
خف الفقر ملتمساً للغنى ... فبالفقر كم من فقار كسر
وفي كل أرض أنخ برهة ... فإن وافقتك وإلا فسر
فما الأرض محصورة في الهراة ... ولا الرزق في وقفها منحصر
الصولي يمدح ابن الزيات
أسد ضار إذا هيجته ... وأب بر إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
أبو الفتح البستي
لئن تنقلت من دار إلى دار ... وصرت بعد ثواء رهن أسفار
فالحرحر عزيز النفس حيث ثوى ... والشمس في كل برج ذات أنوار
اجمع الحساب على أن تعريف العدد بأنه نصف مجموع حاشيته، لا يصدق على الواحد إذ ليس له حاشية تحتانية وفيه نظر إذ الحاشية الفوقانية لكل عدد يزيد عليه بمقدار نقصان الحاشية التحتانية وعنه من ثم كان مجموعها ضعفه، وقد أجمعوا على أن العدد إما صحيح أو كسر، فنقول الحاشية التحتانية للواحد هي النصف، فالفوقانية واحد ونصف لأنها تزيد على الواحد بقدر نقصان النصف عنه كما هو شأن حواشي الأعداد، والواحد نصف مجموعهما فالتعريف المذكور صادق على الواحد بل نقول التعريف المذكور صادق على جميع الكسور أيضاً وليس مخصوصاً بالصحاح، مثلاً يصدق على الثلاث أنه نصف مجموع حاشيتيه، فالتحتانية السدس والفوقانية ثلث وسدس أعني نصفاً ولا شك أن الثلث نصف النصف والسدس وهو المراد.
أهدى أبو إسحق الصابي في يوم المهرجان اصطرلاباً في دون الدرهم لعضد الدولة وكتب معه هذه الأبيات:
أهدى إليك بنو الأملاك واجتهدوا ... في مهرجان جديد أنت تبليه
لكن عبدك إبراهيم حين رأى ... سمو قدرك عن شيء يساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
لبعضهم ة
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
ما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا بيت نجم الله والطرب
(2/115)

لأن الزهرة بيتها الميسزان.
لبعضهم:
لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... من أن تبدل أواطانا بأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أرضا بأرض وإخوانا بأخوان
ابن نباتة المصري يهنئ بعض الأمراء بعيد النحر:
تهن بعيد النحر وابق ممتعا ... بأمثاله سامي العلا نافذ ألأمر
تقلدنا فيه قلائد أنعم. . وأحسن ما تبدو القلائد في النحر
قال بطليموس: إفرح بما لم تنطق به من الخطأ أكثر من فرحك بما نطقت به من الصواب.
وقال أفلاطون: انبساطك عورة من عوراتك، فلا تبذله إلا لمأمون عليه.
ومن كلامه: إحفظ الناموس، يحفظك.
وقال أرسطوطاليس اختصار الكلام طي المعاني. وقيل له: ما أحسن ما حمله الإنسان؟ قال: السكوت. ومن كلامه استغناؤك عن الشيء خير من استغناءك به. ومن كلامه اللئام أصبر أجساماً والكرام أصبر نفوساً.
وقال سقراط: لولا أن في قوله لا أعلم إخباراً بأني أعلم لقلت إني لا أعلم. وقال لا تظهر المحبة دفعة واحدة لصديقك فإنه متى رأى منك تغير اً عاداك. قال في المثل السائر: كان ابن الخشاب إماماً في أكثر العلوم، وأما العربية فكان أبا عذرها، وكان يقف كثيراً على حلق القصاصين والمشعبدين فإذا جاء طلبة العلم لا يجدونه فليم على ذلك وقيل له أنت إمام في العلم فما وقوفك في هذه المواقف، فقال: لو علمتم ما أعلم لما لمتم إني طالما استفدت من محاورات هؤلاء الجهال فوائد خطابية تجري في ضمن هذياناتهم لو أردت أن آتي بمثلها لم أستطع، فإنما أحضر لاستماعها.
قال السيد في حاشية الكشاف في قوله تعالى " فأتوا بسورة من مثله " ويجوز أن
(2/116)

يتعلق بفأتوا والضمير للعبد، أورد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون الضمير حينئذ لما نزلنا أيضا، كما جاز ذلك على تقدير أن يكون الظرف صفة للسورة، وأجيب بوجهين: الأول أن فأتوا أمر قصد به تعجيزهم باعتبار المأتي به، فلو تعلق به قوله من مثله، وكان الضمير للمنزل تبادر منه أن له مثلا محققا، وأن عجزهم إنما هو الاتيان بشئ منه، بخلاف ما إذا رجع الضمير إلى العبد فإن له مثلا في الشرية والعربية والأمية فلا محذور. الثاني أ، كلمة من على هذا التقدير ليست بيانية، إذ لا مبهم هناك، وأيضا هو مستقر أبدا فلا يتعلق بالأمر لغو ولا تبعيضية، وإلا كان الفعل واقعا عليه حقيقة، كما قولك أخذت من الدراهم، ولا معنى لإتيان البعض، بل المقصود طالإتيان بالبعض، ولا مجال لتقدير الباء مع وجود من كيف وقد صرح بالمأتي أعتي بسورة، فتعين أن تكون ابتدائية، وحينئذ يجب كون الضمير للعبد، لأن جعل المتكلم مبدأ الإتيان بالكلام منه معنى حسن معقول، ولا ترتضيه فطرة سليمة، وإن فرض صحة ما قيل في النحو إن جميع راجعة إليه، ولا نعني بالمبدأ الفاعل ليتوجه أن المتكلم مبدأ الكلام نفسه لا للإتيان بالكلام منهن، بل ما يعد عرفا من حيث يعتبر أنه اتصل به أمر له امتداد حقيقة أو توهما. انتهى كلام السيد الشريف
قال ابن أب الحديد في كتايه المسمى " بالفلك الدائر على المثل السائر ": إنما زعم صاحب كتاب المثل السائر أنه استطراد، وهو قول بعض شعراء الموصل يمدح الأمير قرواش ابن المفلد، وقد أمره أن يعبث بهجو وزيره سليمان بن فهد، وحاجبه أبي جابر ومغنيه البرقعيدي، في ليلة من ليالي الشتاء، وأراد بذلك الدعابة والولع بهم، وهم في مجلس الشرب.
وليل كوجه البرقعيدي ظلمة ... وبرداً أعانيه وطول قرونه
سريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سناوجه قرواش وضوء جبينه
فليس من الاستطراد في شيء لأن الشاعر قصد إلى هجاء كل واحد منهم، ووضع الأبيات لذلك، ومضمون الأبيات كله مقصود له، فكيف يكون استطراداً؟ ! .
عباس بن الأحنف
(2/117)

قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أحزاني وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوي؟ إذا ... كان عدوي بين أضلاعي
بعضه
لم أقل للشباب في دعة الله ... ولا حفظه غداة استقلا
زائر زارنا أقام قليلاً ... سود الصحف بالذنوب وولى
الصلاح الصفدي
أنا في حالي نقيض معكم ... وهو في شرع الهوى ما لا يسوغ
بلي الصبر وأضحى هرما ... والمنى في وصلكم دون البلوغ
غيره
هل الدهر يوماً بليلى يجود؟ ... وأيامنا باللوى هل تعود؟
عهود تقضت وعيش مضى ... بنفسي والله تلك العهود
ألا قل لسكان وادي الحمى ... هنيئاً لكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضاً ... فنحن عطاش وأنتم ورود
انعكاس نور الشمس على وجه الأرض
كما أن جرم القمر يقبل ضوء الشمس لكثافته وينعكس عنه لصقالته، كذلك الأرض يقبل ضوؤها لكثافتها وينعكس عنها لصقالتها لإحاطة الماء بأكثرها، وصيرورتها معها ككرة واحدة، فإذن لو فرض شخص على القمر يكون الأرض بالقياس إليه كالقمر بالنسبة إلينا، ولحركة القمر حول الأرض يخيل إليه أنها متحركة حوله، ويشاهد الأشكال الهلالية والبدرية وغيرهما في مدة شهر لكن إذا كان لنا بدر كان له محاق وإذا كان لنا خسوف كان له كسوف، لوقوع أشعة بصره داخل مخروط ظل الأرض، ومنعه إياها من وقوعها على المستنير من الأرض والماء بالشمس، وإذا كان له خسوف، لوقوع أشعة بصره داخل مخروط ظل القمر، ومنعه إياها من أن يقع على الأرض إلا أن خسوفه لا يكون ذا مكث يعتد به لكونه بقدر مكث الكسوف، ويكون لكسوفه مكث كثير لكونه بقدر مكث الخسوف، ولأن بعض وجه الأرض يابس فلا ينعكس عنه النور بالتساوي، فكما يرى على وجه القمر المحو، يرى على وجه الأرض مثله، وهذا الفرض وإن كان محالاً لكن تصور بعض هذه الأوضاع، يعد الفكر على تخيل أي وضع أراد بسهولة.
(2/118)

صفة الملائكة
من نهج البلاغة: ملائكة أسكنتهم سماواتك ورفعتهم عن أرضك هم أعلم خلقك بك وأخوفهم لك وأقربهم منك لم يسكنوا الأصلاب ولم يضمنوا الأرحام، ولم يخلقوا من ماء مهين، ولم يتشعبهم ريب المنون، وإنهم على مكانهم منك منزلتهم عندك، واستجماع أهوائهم فيك وكثرة طاعتهم لك وقلة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم ولأزروا على أنفسهم، ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ولم يطيعوك حق طاعتك سبحانك خالقاً ومعبوداً خلقت داراً وجعلت فيها مأدبة مطعماً ومشرباً وأزواجاً وخدماً قصوراً وأنهاراً وزروعاً ثماراً. ثم أرسلت داعياً يدعو إليها فلا الداعي أجابوا ولا فيما رغبت رغبوا ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا، وأقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها، واصطلحوا على خبها ومن عشق شيئاً أغشى بصره، وأمرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها، لا ينزجر من الله بزاجر، ولا يتعظ منه بواعظ وهو يرى المأخوذين على الغرة، حيث لا إقالة لهم ولا رجعة كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون. فغير موصوف ما نزل بهم اجتمعت عليهم سكرة الموت، وحسرة الفوت ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً وبين أحدهم وبين منطقة، وإنه لبين أهله ينظر إليهم ببصره ويسمع بأذنه على صحة من عقله، وبقاء من لبه. يفكر فيما أفنى عمره وفيما أذهب دهره، ويتذكر أموالاً جمعها أغمض في مطالبها وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها قد لزمته تبعات جمعها، وأشرف على فراقها تبقى لمن وراء ينعمون فيها، ويمتعون بها، فيكون المهنا لغيره والعبء على ظهره والمرء قد غلقت رهونه بها وهو يعض يديه ندامة على ما انكشف له عند الموت من أمره، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره، ويتمنى أن الذي كان يغبط بها ويحسده عليها قد حازها دونه لم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط سمعه، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه يردد طرفه بالنظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم. ثم ازداد الموت التياطاً به، فقبض بصره كما قبض سمعه وخرجت الروح من جسده وصار جيفة بين أهله قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه لا يسعد باكياً، ولا يجيب داعياً ثم حملوه إلى محط في الأرض فأسلموه فيه إلى عمله وانقطعوا عن زؤرته حتى إذا بلغ الكتاب أجله، والأمر مقاديره والحق آخر الخلق بأوله، وجاء من أمر الله ما يريده
(2/119)

من تجديد خلقه، وأماد السماء وفطرها وارج الأرض وأرجفها وقلع جبالها ونسفها، ودك بعضها بعضاً من هيبة جلالته ومخوف سطوته فأخرج من فيها، فجددهم بعد اخلاقهم، وجمعهم بعد تفريقهم ثم ميزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال، وجعلهم فريقين أنعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء فأما أهل الطاعة فأثابهم بجواره وخلدهم في دار حيث لا يظعن النزال ولا يتغير بهم الحال ولا ينوبهم الإفزاع، ولا تنالهم الأسقام ولا تعرض لهم الأخطار، ولا تشخصهم الأسفار. وأما أهل المعصية فأنزلهم شر دارهم، وغل الأيدي إلى الأعناق، وقرن النواصي بالأقدام، وألبسهم سرابيل القطران ومقطعات النيران في عذاب قد اشتد حره، وباب قد أطبق على أهله في نار لها كلب ولجب ولهب ساطع، وقصيف هايل، لا يظعن مقيمها ولا يفادي أسيرها، ولا تقصم كبولها، ولا مدة للدار فتفنى ولا أجل للقوم فيقضى.
قيل لبعض الحكماء: أيما أحب إليك أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقاً.
قال بعض العارفين: إن الشيطان قاسم أباك وأمك أنه لهما لمن الناصحين، وقد رأيت ما فعل بهما وأما أنت فقد أقسم على غوايتك كما قال الله تعالى حكاية عنه: " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " فماذا ترى يصنع بك؟ فشمر عن ساق الحذر منه ومن كيده ومكره وخديعته. قيل لبعض الأعراب: صف لنا فلانا وكان ثقيلا فقال: والله إنه ثقيل الطلعة بغيض التفصيل والجملة، بارد السكون والحركة، قد خرج عند حد الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال، يحكى ثقل الحديث المعاد، ويمشي على القلوب والأكباد لا أدري كيف لم تحمل الأمانة أرض حملته، وكيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلته، كأن وجهه أيام المصائب وليالي النوائب، وكأنما قربه بعد الحبائب وسوء العواقب، وكأنما وصله عدم الحياة، وموت الفجأة
وقال بعض الأعراب في وصف ثقيل: هو أثقل من الدين على وجع العين ثقيل
(2/120)

السكون بغيض الحركة، كثير الشؤم قليل البركة، فهو بين الجفن والعين قذاه، وبين الأخمص والنعل حصاه. النضر بن المتوكل العباسي
(متى ترفع الأيام من قد وضعته ... ويناقد لي دهر علي جموح)
(اعلل نفسي بالرجاء وإنني ... لغدو على ما ساءني وأروح)
عداؤ أثداء كل حيوان: بعد أكثر ما يمكن أن يولد له العادة، ومن ثمة كان أثداء الكلية ثمانية وأثداء الإنسان أبو عمرو الزاهد قال: دلك بعض المرائين جبهته بثوم وأبقاه وعصبة ونام ليصبح بها أثر كأثر السجود، فانحرفت العصابة إلى صدغه، فأثر الثوم هناك، فقال له ابنه: ما هذا با أبت؟ فقال: يا بنى أصبح أبوك ممتن يعبد الله على حرف.
صلى رجل إلى جنب عبد الله بن المبارك ثم سلم وقام عجلا، فجذب عبد الله بثوبه وقال له أما لك إلى ربك حاجة.
من أقوى دلائل القائلين بالخلاء رفع صحيفة ملساء، دفعة عن صفحة ملساء، فيلزم تدريج تخلل الهواء، وأجيب بالمنع من دفعة الارتفاع، بل دفعيته في حيز الامتناع إذا الحركة تدريجية من غير نزاع انتهى ... . رأيت في بعض التواريخ المعتمد عليها: أن عبد الله بن ظاهر كان يحمل إلى الواثق بالله البطيخ من مرو إلى بغداد، وكان ينقى في مدينة الري ويرمي بما فسد منه، فيأخذ أهل الري حب ذلك الفاسد فيزرعونه وهو أصل بطيخهم الجيد. كان ينفق عليه كل سنة خمسمائة ألف درهم.
قال اعرابي: ويل لمن أفسد آخرته بصلاح دنياه، ففارق ما اصلح غير راجع إليه وقدم على ما أفسد غير منتقل عنه.
وقال اعرابي لرجل يعظه: غفلنا فلم يغفل الدهر عنا فلم نتعظ بغيرنا حتى اتعظ غيرنا بنا، فقد أدركت السعادة من تنبه، وأدركت الشقاوة من غفل، وكفى بالتجربة واعظا. انتهى.
قال جواري المهدي للمهدي يوما: لو أذنت لبشار أن يدخل إلينا فيؤنسنا ويحدثنا وينشدنا وهو محجوب البصر لا غيرة منه، فأذن له المهدي فكان يدخل إليهن، فاستظرفنه وقلن له يوما: وددنا والله يا أبا معاذ أنك والدنا حتى لا نفارقك ولا تفارقنا ليلا ولا نهارا،
(2/121)

قال نحن على دين كسرى. فلما بلغ ذلك المهدي منعه من الدخول عليهن بعد ذلك انتهى.
قال المنتصر: لذة العفو أطيب من لذة التشفي، وذلك أن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة ولذة التشفي يلحقها ذم الندم.
حج أعرابي كان لا يستغفر والناس يستغفرون، فقيل له في ذلك، فقال: كما ان تركي الاستغفار مع ما أعلم من عفو الله ورحمته ضعف، كذلك استغفاري مع ما أعلم من إصراري لوم.
سمع بعض العارفين، ضجة الناس بالدعا في الموقف، فقال لقد هممت أن أحلف أن الله قد غفر لهم ثم ذكرت أني فيهم فكففت.
حكى عروة بن عبد الله قال: كان عروة بن اذنيه نازلا في داري بالعقيق فسمعته ينشد لنفسه هذه الأبيات:
(إن التي زعمت فؤادمك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها)
(فيك التي زعمت بها وكلاهما ... ابدي لصاحبه الصبابة واجلها)
(بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها)
(وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها)
(لما عرضت مسلما لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو حلها)
(منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها)
(قدنا وقال لعلها معذورة ... من بعض رقبتها فقلت لعلها)
قال فاتاني أبو السائب المخزومي، فقلت له بعد الترحيب: ألك حاجة؟ فقال نعم، أبيات لعروة بلغني أنك تحفظها، فأنشدته الأبيات، فلما بلغت قوله " فدنا " قام وطرب وقال: هذا والله صادق العهد، وإني لأرجو أن يغفر الله له الحسن الظن بها، وطلب العذر لها، فقال: فعرضت عليه الطعام فقال: لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات شيئا ثم خرج. انتهى.
خلا أعرابي بامرأة، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قام عنها مسرعا، فقالت ولم؟ فقال: إن امرا باع جنة عرضها السموات والأرض بمقدار إصبع من بين فخذين لقليل العلم بالمساحة.
(2/122)

أبو نؤاس
خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
إنما العاقل من ... ألجم فاه بلجام
شبت يا هذا وما ... تترك أخلاق الغلام
والمنايا آكلات ... شاربات للأنام
لبعضهم في قاض اسمه عمر، عزل عن القضاء وولى مكانه آخر اسمه أحمد لمال بذله لذلك:
(أيا عمر استعد لغير هذا ... فأحمد بالولاية مطمئن)
(وتصدق فيك معرفة وعدل ... ولكن فيه معرفة ووزن)
لبعضهم:
(لا تحقرن صغيرا في مخاصمة ... غن الذبابة أدمت مقلة الأسد)
رأي النصارى في الأقاليم
النصارى مجمعون على أن الله تعالى واحد بالذات، ويريدون بالأقانيم الصفات مع الذات ويعبرون عن الأقانيم بالأب والإبن وروح القدس، ويريدون بالأب الذات مع الوجود ويريدون بالإبن الذات مع العلم ويطلقون عليه اسم الكلمة، ويريدون بروح القدس الذات مع الحياة. وأجمعوا على أن المسيح ولد من مريم، وصلب، والإنجيل الذي هو بأيديهم: إنما هو سيرة المسيرة عليه السلام جمعه أربعة من أصحابه وهم متى، ولوقا، وماريوس، ويوحنا. ولفظة الإنجيل معناها البشارة، ولهم كتب تعرف بالقوانين وضعها أكابرهم يرجعو إليها في الأحكام من العبادات والمعاملات ويصلون بالمزامير، والمشهور من فرقهم ثلاثة: الأولى الملكانية يقولون قد حل جزء من اللاهوت في الناسوت واتحد بجسد المسيح وتدرع به، ولا يسمون العلم قبل تدرعه إبناً، وهؤلاء قد صرحوا بالتثليث وإليهم الإشارة بقوله تعالى: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " وهؤلاء قالوا إن القتل والصلب وقع على الناسوت لا على اللاهوت. الثانية اليعقوبية قالوا إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً فصار المسيح هو الإله وإليه الإشارة بقوله تعالى: " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ".
(2/123)

الثالثة النسطورية قالوا إن اللاهوت أشرق على الناسوت كإشراق الشمس على بلورة، والقتل والصلب إنما وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته والمراد بالناسوت الجسد وباللاهوت الروح.
من تحرير إقليدس كل مثلث أخرج أحد أضلاعه فزاويته الخارجية مساوية لمقابلتيها الداخلتين، وزواياه الثلاث مساوية لقائمين فليكن المثلث اب ح والضلع المخرج ب ح إلى د وليخرج من ح م هـ موازياً ل ب ا، فزاوية اح هـ مساوية لزاوية الكونهما متبادلتين وزاوية هـ ح د مساوية لزاوية ب لكونها خارجة وداخلة فإذن جميع زاوية اح د الخارجة من المثلث مساوية لزاويتي اب الداخلة وزاوية اح د مع زاوية اح ب مساوية لقائمتين فإذن الثلاث الداخلة وذلك ما أردناه. قال المحرر للتحرير أقول وإن أخرجنا ار موازياً ل ب م بدل ح هـ كانت زاوية ر اب مساوياً لمبادلتها أعني زاوية ب وزاوية ر اح مساوية لمبادلتها أعني زاوية اح م فإذن زاوية اح م مساوية لزاويتي اب. وبوجه آخر نخرج ار موازياً ل ب ح فزاويتا ر اح وب ح االداخلتان كقائمتين وزاوية ر اب مثل زاوية ب. وبوجه آخر تخرج ر اء موازياً ل ب ح فزاويتاه معادلتان لقائمتين ور اب منها مثل اح رء اح مثل اح ب وب اح مشتركة وبوجه آخر يخرج أيضاً ب اح اإلى ط هـ فزواياه ر اهـ هـ اط ط اء كقائمتين والأولى مثل اح ب والثانية مثل ب اح والثالثة مثل اب ح وبوجه آخر يخرج ر اهـ موازياً ل ب ح وب ح في جهتيه إلى هـ ط فزوايا اب ح مساوية لستة قوائم فإذا أسقطت منها زاويتا ر اب هـ اب المعادلتان لقائمتين وزاويتاه اح ط ح االمعادلتان لهما ثبت زوايا المثلث معادلة لهما. وبوجه آخر كل مثلث ففيه زاويتان حادتان بالسابع عشر ولنفرضهما في مثلث اب ح زاويتي ب وح ونخرج من نقط ب اح أعمدة ب هـ ار ح هـ على خط ب ح فزاويتاء ب
(2/124)

ح هـ ح ب قائمتان وزاوية هـ ب امثل زاوية ب اح وزاوية هـ ح امثل زواية ح ار والثاني مشترك انتهى.
يزيد البسطامي: جمعت جميع أسباب الدنيا وربطتها بحبل القناعة، ووضعتها في منجنيق الصدق، ورميتها في بحر اليأس فاسترحت.
عزيز النفس من لزم القناعة ... ولم يكشف لمخلوق قناعة
نفضت يدي من طمعي وحرصي ... وقلت لفاقتي سمعاً وطاعة
وفي بعض التفاسير في قوله تعالى: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين " أن المراد بالشياطين المنجمين فإن كلامهم رجم بالغيب.
أسماء اللبن
يسمى اللبن حين يخلب صريفاً، فإذا سلبت رغوته فهو الصريح، فإن لم يخالطه ماء، فهو مخيض فإذا أخذ اللسان فهو قارص، فإذا أخثر فهو رائب، فإذا اشتدت حموضته فهو حاذر.
أبو تمام
ينال الغنى في الدهر من هو جاهل ... ويكدي الغنا في الدهر من هو عالم
لو كانت الأرزاق تجري على الحجى ... إذن هلكت من جهلهن البهايم
الارب نذل كالحمار ورزقه ... يدر عليه مثل صوب الغمايم
وحر كريم ليس يملك درهماً ... يروح ويغدو صائماً غير صائم
القيراطي
كم من أديب فطن عالم ... مستكمل العقل مقل عديم
وكم جهول مكثر ماله ... ذلك تقدير العزيز العليم
(2/125)

ربما يتغير حسن الخلق والوطاء إلى الشراسة والبذاء لأسباب عارضة وأمور طارية تجعل اللين خشونة والوطاء غلظة والطلاقة عبوساً، وهذه الأسباب تنحصر بالاستقراء في سبعة: الأول الولاية التي تحدث في الأخلاق تغيراً وعلى الخلطاء تنكراً، أما للوم طبع أو من ضيق صدر، الثاني العزل.
الثالث الغنى فقد يتغير به أخلاق اللئيم بطراً وتسوء طرايقه أشراً قال الشاعر:
لقد كشف الإثراء عنك خلائقاً ... من اللوم كانت تحت ثوب من الفقر
الرابع الفقر فقد يتغير الخلق به إما أنفة من ذل الإستكانة أو أسفاً من فائت الغنى، ولذلك قال صاحب الشرع رضي الله عنه: كاد الفقر أن يكون كفراً، وبعضهم يسلي هذه الحالة بالأماني، قال أبو العتاهية:
حرك مناك إذا ... اغتممت فإنهن مراوح
وقال آخر
إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً ... إن المنى رأس أموال المفاليس
الخامس الهموم التي تذهل اللب وتشغل القلب، فلا يتسع لاحتمال ولا يقوى على صبر.
فقد قال بعض الأدباء: الهم هو الداء المخزون في فؤاد المحزون.
السادس الأمراض التي يتغير به الطبع، كما يتغير بها الجسم، فلا يبقى الأخلاق على اعتدال، ولا يقدر معها على احتمال.
السابع علو السن وحدوث الهرم، فكما يضعف بها الجسد عن احتمال ما كان يطيقه من الأثقال، كذلك تعجز النفس عن احتمال ما كانت تصبر عليه من مخالفة الوفاق ومضض الشقاق.
قال أبو الطيب
آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولى
قال بعض الحكماء: احتمال السفيه ايسر من التحلي بصورته، والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته
قال بعض السفهاء لبعض الحكماء: والله إن قلت واحدة سمعت عشرا، فقال الحكيم: والله قلت عشرا لم تسمع واحدة
وقال بعض الحكماء: غضب الأحمق في قوله، وغضب العاقل في فعله وقال آخر: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات.
(2/126)

كتب بعض البلغاء كتابة بليغة إلى المنصور، يشكو فيها سوء حاله وكثرة عائلته وضيق ذات يده. فكتب المنصور في جوابه البلاغة والغنا إذا اجتمعا لامرىء أبطراه وإن أمير المؤمنين مشفق عليك من البطر فاكتف بأحدهما.
سألت زماني؟ وهو بالجهل مولع ... وبالسخف مستهزء وبالنقص مختص
فقلت له هل لي طريق إلى الغنى ... فقال طريقان الوقاحة والنقص
آخر
سبل المذاهب في البلاد كثيرة ... والعجز شؤم والقعود وبال
يا من يعلل نفسه برخائه ... ما بالتعلل تدرك الآمال
يقال: علا في المكان يعلو علواً بالواو وعلا في الشرف يعلا علاء بالألف قاله في الصحاح.
قال بعض الصلحاء بينما أنا أسير في جبال بيت المقدس، إذ هبطت إلى واد هناك وإذاً أنا بصوت عال لتلك الجبال دوي منه، فاتبعت الصوت فإذا أنا بروضة فيها شجر ملتف وإذا برجل قائم يردد هذه الآية " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه " قال: فوقفت خلفه وهو يردد هذه الآية، ثم صاح صيحة خر منها مغشياً عليه، فانتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة، وهو يقول أعوذ بك من أعمال البطالين، أعوذ بك من إعراض الغافلين لك خشعت قلوب الخائفين وفرغت آمال المقصرين وذلت قلوب العارفين، ثم نفض يديه وهو يقول: ما لي وللدنيا ولي، أين القرون الماضية وأهل الدهور السالفة؟ ! في التراب يبلون وعلى مر الدهور يفنون.
فناديته يا عبد الله أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك فقال: وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره؟ وكيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقثت آثامه؟ ثم قال: أنت لها ولكل شدة أتوقع يرددها ثم لهى عني ساعة وقرأ " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " ثم صاح صيحة أشد من الأولى وخر مغشياً عليه، فقلت قد خرجت نفسه فدنوت منه وإذا هو يضطرب ثم أفاق وهو يقول: من أنا وما خطري هب لي إساءتي بفضلك وجللني بسترك واعف عني بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك.
فقلت له يا سيدي بالذي ترجوه لنفسك وتثق به إلا كلمتني، فقال: عليك بكلام من ينفعك كلامه، ودع كلام من أوبقته ذنوبه، أنا في هذا الموضع ما شاء الله أجاهد إبليس ويجاهدني فلم يجد عوناً علي ليخرجني مما أنا فيه غيرك فإليك عني قد عطلت لساني، ومالت إلى حديثك شعبة من قلبي، فأنا أعوذ من شرك بمن أرجو أن يعيذني من سخطه، فقلت: في نفسي هذا من أولياء الله أخاف أن أشغله عن ربه ثم تركته ومضيت لوجهي. انتهى
(2/127)

يقال: علا في المكان يعلو علوا بالواو، وعلى بالكسر في الشرف يعلي علا، بالألف. قاله في الصحاح:
لما ملك الإسكندر بلاد فارس كتب إلى أرسطو إني قد وترت جميع من في المشرق والمغرب، وقد خشيت أن يتفقوا بعدي على قصد بلادي وأذى قومي وقد هممت أن أقتل أولاد من بقي من الملوك وألحقهم بآبائهم لئلا يكون لهم رأس يجتمعون إليه، فكتب إليه إنك إن قتلتهم أفضى الملك إلى السفل والأنذال، والسفلة إذا ملكوا طغوا وبغوا وما يخشى بينهم أكثر، والرأي أن تملك كلاً من أولاد الملوك كورة ليقوم كل منهم في وجه الآخر، ويشغل بعضهم ببعض، فلا يتفرغون. فقسم الاسكندر البلاد على ملوك الطوائف.
عش عزيزاً أو مت حميداً بخير ... لا تضع للسؤال والذل خدا
كم كريم أضاعه الدهر حتى ... أكل الفقر منه لحماً وجلدا
كلما زاده الزمان اتضاعاً ... زاد في نفسه علواً ومجدا
يستحب الفتى بكل سبيل ... أن يرى دهره على الفقر جلدا
قف تحت أذيال السيوف تنل علا ... فالعيش في ظل السقوف وبال
لله در فتى يعيش ببأسه ... لم يغد وهو على النفوس عيال
على المجيب أن يتوخى صلاح السائل وما هو أهم بشأنه، وأن يرشده إلى ما فيه نجاحه وقد يجيبه بما هو خلاف مطلوبه بسؤاله إذا كان ما طلبه غير لائق بحاله فإن كان ذلك على نهج أنيق وطرز رشيق حرك الطباع وشنف الأسماع. مثاله إذا طلب من غلبت عليه السوداء من الطبيب أكل الجبن فيقول له الطبيب: كله، ولكن مع قليل من الخل.
قال صاحب التبيان: وقد جرى على الأول جواب سؤال الأهلة، وعلى الثاني جواب سؤال النفقة في الآيتين كما هو مشهور.
شعر
وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أحمق الحمقى لما قطعت أعضاء ابن المنصور الحلاج واحداً واحداً لم يتأوه ولم يتألم، وكان كلما قطع منه عضو يقول:
(2/128)

وحرمة الود الذي لم يكن ... يطمع في إفساده الدهر
ما قد لي عضو ولا مفصل ... إلا وفيه لكم ذكر
المحقق التفتازاني والسيد الشريف قالا في حاشيتيهما في الكشاف إن الهداية إن تعدت بنفسها كانت بمعنى الإيصال ولهذا تسند إلى الله وبالمفعول الثاني كقوله: " لنهدينهم سبلنا " وإن تعدت بالحرف كان معناها إرائة الطريق فتسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مثل " إنك لتهدي إلى صراط مستقيم " وكلام هذين المحققين منقوض بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: " فاتبعني أهدك صراطاً سوياً " وعن مؤمن آل فرعون " أهدكم سبيل الرشاد ".
قال بعض أصحاب الأرثماطيقي أن عدد التسعة بمنزلة آدم عليه السلام فإن للآحاد نسبة الأبوة إلى سائر الأعداد، والخمسة بمنزلة حواء فإنها التي تتولد منها مثلها، فإن كل عدد فيه خمسة إذا ضرب فيما فيه الخمسة فلابد من وجود الخمسة بنفسها في حاصل الضرب البتة، وقالوا قوله تعالى: " طه " إشارة إلى آدم وحواء، وكل من هذين العددين إذا جمع من الواحد إليه على النظم الطبيعي اجتمع ما يساوي عدد الإسم المختص به فإذا جمعنا من الواحد إلى التسعة كان خمسة وأربعين وهي عدد آدم وإذا جمع من الواحد إلى الخمسة كان خمسة عشر وهي عدد حواء وقد تقرر في الحساب أنه إذا ضرب عدد في عدد يقال لكل من المضروبين ضلعاً وللحاصل مضلعاً، وإذا ضربنا الخمسة في التسعة حصل خمسة وأربعون وهي عدد آدم، وضلعاه التسعة والخمسة، قالوا: وما ورد في لسان الشارع صلوات الله عليه وآله من قوله: خلقت حواء من الضلع الأيسر لآدم إنما ينكشف سره بما ذكرناه، فإن الخمسة هي الضلع الأيسر للخمسة والأربعين والتسعة الضلع الأكبر والأيسر من اليسير وهو القليل لا من اليسار.
نقل الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير عن زين العابدين رضي الله عنه إن ناشئة الليل في قوله تعالى: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً " هي ما بين المغرب والعشاء.
سأل رجل شريحاً ما تقول: في رجل مات وخلف أبوه وأخوه؟ فقال شريح قل أباه وأخاه، فقال الرجل كم لأباه ولأخاه؟ فقال شريح: قل لأبيه وأخيه، فقال أنت الذي علمتني يقال إن هذه الواقعة أحد الأسباب الباعثة على وضع النحو. انتهى. لله در من قال:
(صن الود إلا عن الأكرمين ... ومن بمؤاخاته تشرف)
(ولا تغير من ذوي خلة ... وإن موهوا لك زخرفوا)
(2/129)

لبعضهم
الا رب هم يمنع الغمض دونه ... أقام كقبض الراحتين على الجمر
بسطت له وجهي لأكبت حاسداً ... وأبديت عن باب ضحوك وعن ثغر
وخطب كأطراف الأسنة والقنا ... ملكت عليه طاعة الدمع أن يجري
قال ابن الأثير في المثل السائر: إنس سافرت إلأى الشام في سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودخلت مدينة دمشق، فوجدت جماعة من أربابها يلهجون من شعر ابن الخياط من قصيدة أولها:
(خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد أن تكون لحبه)
فقلت لهم: هذا مأخوذ من قول أبي الطيب المتنبي:
(لو قلت للدنف المشوق فديته ... مما به لأغرته بفدائه)
وقول أبي الطيب أدق معنى وإن كان ابن الخياط أرق لفظا. ثم إني أوقفتهم على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي، وسافرت إلى الديار المصرية في سنة ست وتسعين وخمسمائة فوجدت أهلها يعجبون من بيت يعزونه إلى شاعر من اليمن يقال له عمارة، وكان حديث عهد بزماننا هذا في آخر العلوية بمصر، وذلك اليمن من قصيدة يمدح بها بعض خلفائها عند قدومه عليه من الحجاز وهو قوله:
(فهل درى البيت أنى بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم)
فقلت لهم: هذا مأخوذ من قول أبي تمام يمدح بعض الخلفاء في حجة حجها، وهو قوله:
(يا من من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم)
ثم قلت في نفسي: يا لله العجب! ليس أبو تمام وأبو الطيب من الشعراء الذين درست أشعارهم، ولا هما ممن لا يعرف ولا اشتهر أمره بل هما - كما يقال - أشهر من الشمس والقمر، وشعرهما دائر في أيدي الناس، فكيف خفي على أهل مصر ودمشق بيتا ابن الخياط وعمارة المؤخوذان من شعرهما؟ وعلمت حينئذ أن سبب ذلك عدم الحفظ
(2/130)

للأشعار، والاقتناع بالنظر في دواوينهما. ولما نصبت نفسي للخوض في علم البيان، ورمت أن أكون معدودا من علمائه علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب إلى الصدور، والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور.
(ليس بعلم ما حوى القمطير ... ما العلم إلا ما حواه الصدر)
ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وأنفذت شطرا من العمر في المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهي إلى إحصاء قول لم تحص أسماء قائلة؟ فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده، وتتشعب مقاصده، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم، وفي اتباع من قصر نظره على العشر القديم، إذ المراد من الشعر إنما هو إبداء المعنى الشريف، في اللفظ الجزل اللطيف، فمتى وجدت ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل، وقد اكتفيت من هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس، وأبي عبادة الوليد، وأبي الطيب المتنبي، وهؤلاء لالثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين وفصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء
أما أبو تمام فإنه رب معان، وصقيل ألباب وأذهان، قد شهدت له بكل معنى مبتكر، لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب، الذي برز فيه على الأضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقوله إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه، وراض فكره برائضه أطاعته أعنه الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالته حذام. فخذ مني في ذلك قول حكيم، وتعلم ففوق كل ذي علم عليم.
وأما أبو عبادة البحتري، فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى ولقد حاز طرفي لالرقة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف نجد حتى يتشبث بريف العراق وسئل أبو الطيب المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال: أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري. ولعمرى إنه أنصف في حكمه وأعرب في قوله هذا المصوغ من سلالة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الإفهام. وما أقول إلا إنه أتى في معانيه باخلاط الغالية، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.
وأما أبو الطيب المتنبي، فإنعه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، لكنه حظى في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال وأنا أقول قولا ولست فيه متأثما، ولا منه متلئما، وذلك أنه إذا
(2/131)

خاض في وصف معركة كانه لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا. وطريقة في ذلك يضل بسالكه، ويقوم بعذر تاركه. ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة فيصف لسانه ما أداه إليه عيانه. ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن السنن المتوسط، فإما مفرط في وصفه وإما مفرط وهو وإن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكثر من شعره. وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء. ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدول:
(لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخارهم يدا ختموا)
(ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم)
ولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى، وعين المعرفة التي ما ضل صاحبها وما غوى، وجدته أقساما خمسة: خمس منه في الغاية المتقهرة التي لا يعبأ بها وعدمها خير من وجودها. ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها؛ فإنها هي التي لا يعبأ بها وعدمها خير من وجودها ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شر؛ فإنها هي التي ألبسته لباس الملام، وجعلت عرضه إشارة لسهام الأقوام. ولسائل هنا أن يسأل ويقول: لم عدلت نظرا واجتهادا. وذلك أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم يبق ديوان لشاعر مفلق يثبت شعره على المحك إلا وعرضته على على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأني الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض والمقاصد، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنفس ديباجة ولا أبهج سبكا، فاخترت حينئذ دواوينهم لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ، ولما حفظتها ألقيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها. انتهى كلام صاحب المثل السائر.
قيل لحكيم: إن الذي قلته لأهل مدينة كذا لم يقبلوه، فقال: لا يلزمني ن يقبل، بل يلزمني أن يكون صوابا.
قيل الأعرابي: ما السرور؟ فقال: الكفاية في الأوطان، والجلوس مع الأخوان.
قال حكيم: لا يكون الرجل عاقلا حتى يكون تعنيف الناصح ألطف موقعا من ملق الكاشح.
قال بعض الملوك: إنما الدنيا فيما لا يشاركنا فيه العامة من معالي الأمور.
(2/132)

من كلام بعض الحكماء: حرام على النفس الخبيثة أن تخرج من الدنيا حتى تسيء إلى من أحسن إليها انتهى
هارون بن علي
أصلي وفرعي فارقاني معاً ... واجتث من حبليهما حبلي
فما بقاء الغصن في ساقه ... بعد ذهاب الفرع والأصل
غيره
جسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن
بعض الحكماء إذا قال السلطان لعماله: هاتوا فقد قال لهم خذوا.
تعلق أعرابي بأستار الكعبة، وقال: اللهم إن قوماً آمنوا بك بألسنتهم ليحقنوا دماءهم فأدركوا ما نالوا، وقد آمنا بك بقلوبنا لتجيرنا من عذابك، فبلغنا ما أملنا.
للمتنبي
إذا كان عون الله للمرء شاملاً ... تهيء له من كل شيء مراده
وإن لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجنى عليه اجتهاده قال ابن عباس رضي الله عنه: من حبس الله الدنيا عنه ثلاثة أيام وهو راض عن الله تعالى فهو من أهل الجنة. قال معاوية لرجل: من سيد قومك؟ فقال أنا، فقال معاوية: لو كنت كذلك لم تقله. تكلم الناس عند معاوية في يزيد بأنه لعنه الله إذا أخذ له البيعة، وسكت الأحنف فقال له معاوية: تكلم يا أبا بحر، فقال أخافك إن صدقت، وأخاف الله إن كذبت.
الصفي الحلي
لحى الله الطبيب فقد تعدى ... وجاء لقلع ضرسك بالمحال
أعاق الظبي في كلتا يديه ... وسلط كلبتين على غزال
قال بعض الوعاظ لبعض الخلفاء: لو منعت شربة من الماء مع شدة عطشك بم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي. قال: فإن احتبست عند البول بم كنت تشتريها؟ قال: بالنصف الآخر. قال: فلا يغرنك ملك قيمته شربة ماء! .
ومن كلامهم الدنيا ليست تعطيك لتسرك بل لتغرك. قال يحيى بن معاذ: الدنيا خمرة الشياطين فمن شرب منها سكر فلم يفق إلا وهو في عسكر الموتى خائب خاسر نادم.
(2/133)

تكلم الناس: عند معاوية في يزيد ابنه إذ أخذ له البيعة وسكت الأحنف، فقال له معاوية: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: أخافك إن صدقت، وأخاف الله إن كذبت
حمدة الأندلسية
ولما أبى الواشون إلا فراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على إسماعنا كل غارة ... وقل حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والماء والنار
شعر
وإذا ما الصديق عنك تولى ... فتصدق به على إبليس
جمال الدين ابن نباتة
أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب دائب
وتعجب لطرة وجبين ... أن في الليل والنهار عجائب
شعر
أهواه لدن القوام منعطفاً ... يسل من مقلتيه سيفين
وهبت قلبي له فقال عسى ... دمعك أيضاً فقلت من عيني
لما وصل الرشيد الكوفة قاصداً للحج، خرج أهل الكوفة للنظر إليه وهو في هودج عال فنادى البهلول يا هارون فقال من المجرى علينا، فقيل: هو البهلول يا أمير المؤمنين، فرفع السجف، فقال البهلول يا أمير المؤمنين روينا بالإسناد عن قدامة بن عبد الله العامري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة لأضرب ولا طرد ولا قال: إليك إليك، وتواضعك يا أمير المؤمنين في سفرك هذا خير من تكبرك، فبكى الرشيد حتى جرت دموعه على الأرض، وقال أحسنت يا بهلول زدنا، فقال: إيما رجل أتاه الله مالاً وجمالاً وسلطاناً ونفق ماله وعف جماله وعدل في سلطانه كتب في ديوان الله من الأبرار، فقال الرشيد: أحسنت وأمر له بجائزة، فقال لا حاجة لي فيها ردها إلى من أخذتها منه، قال فتجري عليك رزقاً يقوم بك؟ قال فرفع البهلول طرفه إلى السماء وقال: يا أمير المؤمنين أنا وأنت عيال الله فمحال أن يذكرك وينساني.
ورؤي أعرابي ماسكاً بحلقة باب الكعبة وهو يقول عبدك ببابك ذهبت أيامه وبقيت
(2/134)

آثامه، وانقطعت شهواته وبقيت تبعاته، فارض عنه فإن لم ترض عنه فاعف عنه، فقد يعفو المولى عن عبده وهو عنه غير راض.
من النهج إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملقى. تذل الأمور للمقادير حتى يكون الحتف للتدبير.
إن ذا يوم سعيد بك يا قرة عيني ... حين أبصرتك فيه يا حبيبتي مرتين
آخر
ولا سرحن نواظري ... في ذلك الروض النضير
ولآكلنك بالمنى ... ولأشربنك بالضمير
ابن الخيمي وسبحة سوداء
وسبحة مسودة لونها ... تحكي سواد القلب والناطق
كأنني وقت اشتغالي بها ... أعد أيامك يا هاجري
ابن محاسن الشواء
لنا صديق له خلال ... تعرب عن أصله الأخس
أضحت له مثل حيث كف ... وددت لو أنها كأمس
من بديع الاستتباع قول بعض العراقيين، وقد شهد عند القاضي برؤية هلال العيد فرد شهادته:
إن قاضينا لأعمى ... أم تراه يتعامى
سرق العيد كأن ... العيد أموال اليتامى
من النهج: من ضيعة الأقرب أتيح له الأبعد.
تلاعب الشعر على ردفه ... أوقع قلبي في العريض الطويل
يا ردفه جرت على خصره ... رفقا به ما أنت إلا ثقيل
أبو الشمقمق:
(2/135)

برزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على أحد حجاب
فمنزلي الفضاء وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع السحاب وأنت إذا أردت دخول بيتي ... دخلت مسلماً من غير باب
لأني لم أجد مصراع باب ... يكون من السحاب إلى التراب
إسماعيل بن معمر الكوفي القراطيسي الشاعر المجيد البارع كان بيته مألفاً للشعراء وكان يجتمع عنده أبو نؤاس وأبو العتاهية ومسلم ونظراؤهم يتفاكهون وعندهم القيان.
ومن شعره
لهفي على ساكن شط الفرات ... مر رحبيه على الحياة
ما تنقضي من عجب فكرتي ... من خصلة فرط فيها الولاة
ترك المحبين بلا حاكم ... لم يعقدوا للعاشقين القضاة
وقد أتاني خبر ساءني ... سماعها في السر واسوأتاه
أمثل هذا يبتغي وصلنا ... أما يرى ذا وجهه في المرآة
قال القراطيسي: قلت للعباس ابن حنف: هل قلت في معنى قولي هذا شيئاً؟ قال: نعم، ثم أنشدني:
جارية أعجبها حسنها ... ومثلها في الناس لم يخلق
خبرتها أني محب لها ... فأقبلت تضحك من منطقي
والتفتت نحو فتاة لها ... كالرشإ الوسنان في القرطق
قالت لها قولي لهذا الفتى ... انظر إلى وجهك ثم اعشق
القاضي الأرجاني كان نائاً للقضاة في بلاد خوزستان ومن شعره:
ومن النوائب أنني ... في مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أن لي ... صبراً على هذي العجائب
آخر
سهر العيون لغير وجهك باطل ... وبكاؤهن لغير قطعك ضائع
(2/136)

لبعضهم
المقلة الكحلاء أجفانها ... ترشق في وسط فؤادي نبال
وتقطع الطرق على سلوتي ... حتى حسبنا في السويد ارجال
تحريم السحر
من كتاب إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد: لا نزاع في تحريم عمل السحر، إنما النزاع في مجرد علمه، والظاهر إباحته بل قد ذهب بعض النظار إلى أنه فرض كفاية لجواز ظهور ساحر يدعي النبوة، فيكون في الأمة من يكشفه ويقطعه، وأيضاً نعلم أن منه ما يقتل فيقتل فاعله قصاصاً.
والسحر منه حقيقي ومنه غير حقيقي، ويقال له الأخذ بالعيون وسحرة فرعون أتوا بمجموع الأمرين وقدموا غير الحقيقي وإليه الإشارة بقوله تعالى: " سحروا أعين الناس " ثم أردفوه بالحقيقي وإليه الإشارة بقوله تعالى: " واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم " ولما جهلت أسباب السحر لخفائها وتراجمت بها الظنون اختلف الطرق إليها، فطريق الهند تصفية النفس وتجريدها من الشواغل البدنية بقدر الطاقة البشرية لأنهم يرون أن تلك الآثار إنما تصدر عن النفس البشرية، ومتأخروا الفلاسفة يرون رأي الهند وطائفة من الأتراك تعمل بعملهم أيضاً، وطريق النبط عمل أشياء مناسبة للغرض المطلوب مضافة إلى رقية ودخنة بعزيمة في وقت مختار، وتلك الأشياء تارة تكون تماثيل ونقوشاً، وتارة تكون عقداً تعقد وينفث عليها، وتارة كتباً تكتب وتدفن في الأرض أو تطرح في الماء أو تعلق في الهواء أو تحرق بالنار، وتلك الرقية تضرع إلى الكواكب الفاعلة للغرض المطلوب وتلك الدخنة عقاقير منسوبة إلى تلك الكواكب لاعتقادهم أن تلك الآثار إنما تصدر عن الكواكب، وطريق اليونان تسخير روحانيات الأفلاك والكواكب واستنزال قواها بالوقوف لديها والتضرع إليها، لاعتقادهم أن هذه الآيار إنما تصدر عن روحانيات الأفلاك والكواكب لا عن أجرامها، وهذا الفرق بينهم وبين الصابئة، وقدماء الفلاسفة تميل إلى هذا الرأي وطريق العبرانية والقبط والعرب الإعتماد على ذكر أسماء مجهولة المعاني كأنها أقسام عزائم بترتيب خاص يخاطبون بها حاضراً لاعتقادهم أن هذه الآثار إنما تصدر عن الجن ويدعون أن تلك الأقسام تسخر ملائكة قاهرة للجن. ومن الكتاب المذكور النيرنجا إظهار خواص الامتزاجات ونحوها، ونيرنج فارسي معرب وأصله نورنك: أي لون جديد والنيرنجات ألحقها بعضهم بالسحر بل ألحق بعضهم به الأفعال العجيبة المرتبة على سرعة الحركة وخفة اليد والحق أن هذا ليس
(2/137)

بعلم وإنما هو شعبدة لا يليق أن يعد في العلوم، وبعضهم ألحق بالسحر أيضاً غرائب الآلات والأعمال الموضوعة على امتناع الخلاء، والحق أنه من فروع الهندسة. ذكر ابن الأثير في المثل السائر في ابتداء وضع النحو أن ابنة أبي الأسود الدؤلي قالت له يوماً: يا أبت ما أشد الحر وضمت الدال وكسرت الراء فظنها أبو الأسود مستفهمة فقال: شهر آب، فقال: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك، فأتى أبو الأسود إلى أمير المؤمنين وقال: يا أمير المؤمنين ذهبت لغة العرب وأخبره بخبر ابنته، فقال رضي الله عنه: هلم صحيفة؟ ثم أملى عليه أصول النحو.
الشمالية من قطري الانقلابين نظيرة الشتوية والجنوبية نظيره الصيفية كما هو ظاهر، وقد وقع في التحفة أن الشمالية نظيرة الصيفية والجنوبية نظيرة الشتوية، وهو سهو ظاهر.
شعر
برهن اقليدس في فنه ... وقال النقطة لا تنقسم
ولي حبيب فمه نقطة ... موهومة تقسم إذ يبتسم
كتب بعض الأدباء إلى القاضي ابن قرية فتوى، ما يقول القاضي أيده الله تعالى في رجل سمى ابنه مداماً وكناه أبا الندامى، وسمى ابنته الراح، وكناها أم الأفراح وسمى عبده الشراب وكناه أبا الأطراب، وسمى وليدته القهوة وكناها أم
(2/138)

النشوة أينهى عن بطالته أم يترك على خلاعته؟ فكتب في الجواب لو نعت هذا لأبي حنيفة لأقعده خليفة ولعقد له راية وقاتل تحتها من خالف رأيه، ولو علمنا مكانه لمسحنا أركانه، فإن أتبع هذه الأسماء أفعالاً وهذه الكنى استعمالاً علمنا أنه قد أحيى دولة المجون وأقام لواء ابنة الزرجون فبايعناه وشايعناه وإن لم يكن إلا أسماء سماها بها ما له من سلطان خلعنا طاعته وفرقنا جماعته فنحن إلى إمام فعال، أحوج منا إلى إمام قوال. انتهى.
لله در قائله
لا يصبر الحر تحت ضيم ... وإنما يصبر الحمار
فلا تقولن لي ديار ... للمرء كل البلاد دار
آخر
لا تقل دارها بشرقي نجد ... كل نجد للعامرية دار
فلها منزل على كل ماء ... وعلى كل دمنة آثار
قال موسى على نبينا وعليه السلام لا تذموا السفر فإني قد أدركت في السفر ما لم يدركه أحد، يريد أن الله تعالى اصطفاه برسالته وشرفه بمكالمته في السفر.
من كلام بعض الحكماء من تتبع خفيات العيوب حرم مودات القلوب.
ومن كلامهم من نكد الدنيا أنها لا تبقى على حالة، ولا تخلو عن استحالة، تصلح جانباً بإفساد جانب، وتسر صاحباً بمساءة صاحب، ومن كلامهم إياك وفضول الكلام فإنها تظهر من عيوبك ما بطن وتحرك من عدوك ما سكن.
ومن كلامهم: من أفرط في الكلام زل، ومن استخف بالرجال ذل.
ومن كلامهم: يستدل على عقل الرجل بقلة مقاله وعلى فضله بكثرة احتماله.
لما صلب الرشيد جعفر البرمكي، أمر بإبقائه على الجذع مدة، وعين له حرساً لئلا ينزله الناس ليلاً، وكان السبب في الأمر بإنزاله أنه سمع شخصاً يخاطبه وهو مصلوب بهذه الأبيات:
وهذا جعفر في الجذع يمحو ... محاسن وجهه ريح القتام
أما والله لولا خوف واش ... وعين في الخليفة لا تنام
(2/139)

لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام قال في شرح حكمة الإشراق: إن الصور الخيالية لا تكون موجودة في الأذهان لامتناع انطباع الكبير في الصغير، ولا في الأعيان وإلا لرآها كل سليم الحس، وليست عدماً محضاً وإلا لما كانت متصورة، ولا متميزاً بعضها عن بعض، ولا محكوماً عليه بأحكام مختلفة، وإذ هي موجودة وليست في الأعيان ولا في الأذهان ولا في عالم العقول لكونهما صوراً جسمانية لا عقلية، فبالضرورة تكون موجودة في صقع وهو عالم يسمى بالعالم المثالي والخيالي متوسط بين عالمي العقل والحس لكونه بالرتبة فوق عالم الحس ودون عالم العقل لأنه أكثر تجريداً من الحس وأقل تجريداً من العقل، وفيه جميع الأشكال والصور والمقادير والأجسام وما يتعلق بها من الحركات والسكنات والأوضاع والهيئات وغير ذلك قائمة بذاتها معلقة لا في مكان ومحل، وإليه الإشارة بقوله: والحق في الصور المرايا والصور الخيالية أنها ليست منطبعة أي في المرآة والخيال ولا في غيرهما بل هي صياصي أي أبدان معلقة أي في عالم المثال ليس لها محل لقيامها بذاتها وقد يكون لها أي لهذه الصياصي المعلقة لا في مكان مظاهر ولا يكون فيها لما بينا، فصورة المرآة مظهرها المرآة وهي معلقة لا في مكان ولا في محل وصورة الخيال مظهرها الخيال وهي معلقة لا في مكان ولا في محل.
في الكليني عن الصادق رضي الله عنه حرام على قلوبكم أن تعرفوا حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا وفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تجد الرجل حلاوة إيمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا.
من تفسير النيشابوري في تفسير قوله تعالى: " يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم " قال مؤلف الكتاب: إني في عنفوان الشباب رأيت فيما يرى النائم: أن القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أن الله لو خاطبني بقوله: " يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم " فماذا أقول، ثم ألهمني الله في المنام أن أقول غرني كرمك يا رب ثم أني وجدت هذا المعنى في بعض التفاسير.
قال الشيخ الطبرسي في تفسيره المسمى بمجمع البيان بعد أن نقل عن أبي بكر الوراق: أنه لو قيل لي ما غرك بربك الكريم لقلت غرني كرمك ما صورته، وإنما قال سبحانه الكريم دون سائر أسمائه وصفاته، لأنه تعالى كأنه لقنه الإجابة حتى يقول غرني كرم الكريم انتهى.
والظاهر أن مراد الفاضل المحقق مولانا نظام الدين رحمه الله
(2/140)

تعالى ببعض التفاسير هو هذا التفسير، فإنه مقدم على عصره، وهو كثيراً ما يأخذ من كلامه كما لا يخفى على من تتبع ذلك والله أعلم بحقايق الأمور.
من كتاب التحصين وصفات العارفين: أن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله: ليأتين على الناس زمان لايسلم لذي دين دينه إلا من يفر من شاهق إلى شاهق ومن حجر إلى حجر كالثعلب بأشباله، قالوا ومتى ذلك الزمان؟ قال: إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله عز وجل فعند ذلك حلت العزوبة قالوا: يا رسول الله أما أمرتنا بالتزويج قال: بلى ولكن إذا كان ذلك الزمان فهلاك الرجل على يد أبويه فإن لم يكن له أبوان فهلاكه على يد زوجته وولده فإن لم يكن له زوجة وولد فهلاكه على يد قرابته وجيرانه قالوا وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يعيرونه بضيق المعيشة، ويكلفونه ما لا يطيق حتى يوردونه موارد الهلكة.
ولله در قائله
لله در النائبات فإنها ... صدء اللئام وصيقل الأحرار
قال بعض الحكماء: إذا قيل نعم الرجل أنت وكان أحب إليك من ان يقال بئس الرجل فأنت بئس الرجل. ومن وصية لقمان لابنه: يا بني إنك استدبرت الدنيا من يوم نزلتها واستقبلت الآخرة فأنت إلى دار تقرب منها أقرب من دار تباعد عنها.
من خط والدي طاب ثراه:
لقد شمت بقلبي ... لا فرج الله عنه
كم لمته في هواه ... فقال لابد منه
لبعضهم
أنا والله هالك ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي
لبعضهم
قهوة في الكأس تجلى ... ذوب تبر في لجين
فإذا الديك رآها ... قال أفديك بعيني
لبعضهم
(2/141)

لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فباطنها للغنى ... وظاهرها للقبل
وبطشتها للعدا ... وسطوتها للأجل
ابن العفيف في مؤذن ومؤذن في حبه ... أنا مغرم لا أصبر
لما طلبت وصاله ... أضحى علي يكبر
وله في رسام
رسامكم قلت له ... بك الفؤاد مغرم
قلت محتى تذيبه ... فقال حين أرسم
أبو نؤاس
إنما الدنيا طعام ... وغلام ومدام
فإذا فاتك هذا ... فعلى الدنيا السلام
أخذه آخر فقال
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
من كتاب أنيس العقلاء لا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة فمن اعتقد أن خوار بقرة أو نعيب غراب يردان قضاء ويدفعان مقدوراً فقد جهل.
واعلم أنه قلما يخلو من الطيرة أحد لا سيما من عارضته المقادير في إرادته وصده القضاء عن طلبته، فهو يرجو واليأس عليه أغلب ويأمل والخوف إليه أقرب، وإذا عاقه القضاء أو خانه الرجاء جعل الطيرة عذر خيبته وغفل عن قدرة الله ومشيته، فهو إذا تطير من بعد أحجم من الإقدام ويئس من الظفر وظن أن القياس فيه مطرد، وأن العثرة فيه مستمرة، ثم يصير ذلك له عادة فلا ينجح له سعي ولا يتم له قصد، وأما من ساعدته المقادير ووافقه القضاء فهو قليل الطيرة لإقدامه ثقة بإقباله وتعويلاً على سعادته فلا يصده خوف ولا يكفه خور، ولا يؤب إلا ظافراً ولا يعود إلا منجحاً، لأن الغنم بالإقدام، والخيبة من الإحجام، فصارت الطيرة من سمات الإدبار وإطراحها من إمارات الإقبال، فينبغي لمن منىء وبها وبلي أن يصرف عن نفسه وساوس النوكي ودواعى
(2/142)

الخيبة وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشياطين سلطاناً في نقص عزائمه ومعارضة خالقه ويعلم أن قضاء الله تعالى غالب وأن رزق العبد له طالب وأن الحركة سبب، فليمض في عزائم واثقاً بالله إن أعطي وراضياً به إن منع، وليقل إن عارضه في الطير ريب أو خامره فيها وهم ما روي عن رسول الله قل من تطير فليقل اللهم لا يأتي بالخيرات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عن سيد البشر صلى الله عليه وآله ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله تعالى من الثقلين أيها الناس هلموا إلى ربكم، إن قل ما وكفى خير مما كثر وألهى.
قال بعض العارفين أن الله تعالى جعل خزائن نعمه عرضة لمؤمليه وجعل مفاتيحها صدق نية راجيه: كتب ابن دريد على دفتره بخطه حسبي من خزائن عطاياه مفتوحة لمؤمليه، ومن جعل مفاتيحها صحة الطمع فيه وعليه أيضاً بخطه: أفوض ما تضيق به الصدور ... إلى من لا تغالبه الأمور
من كلام بعض الحكماء: الراضي بالدون هو من رضي بالدنيا. من أعرض عن خصومة لم يأسف على تركها. لا تتكل على طول الصحبة، وجدد المودة في كل حين، فطول الصحبة إذا لم يتعهد درست المودة. العاقل لا يشير على المعجب برأيه. العز في المجالسة بقلة الكلام وسرعة القيام. ليس لماء الوجه ثمن.
قد يسمع الجاهل ما ذكره أصحاب القلوب من المبالغة والتأكيد في أمر النية وإن العمل بدونها لا طائل تحته كما قال سيد البشر: إنما الأعمال بالنيات، ونية المؤمن خير من عمله، فيظن هذا المسكين أن قوله عند تسبيحه أو تدريسه اسبح قربة إلى الله أو أدرس قربة إلى الله مختصراً معنى هذه الألفاظ على خاطره هو النية، وهيهات إنما ذلك تحريك لسان وحديث نفس أو فكر وانتقال من خاطر إلى خاطر والنية عن جميع ذلك بمعزل إنما النية انبعاث النفس وانعطافها وميلها وتوجهها إلى فعل مافيه غرضها وبغيتها إما عاجلاً وإما آجلاً، وهذا الإنبعاث والميل إذا لم يكن حاصلاً لها لم يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد الإرادة المتخيلة، وما ذلك إلا كقول الشبعان أشتهي الطعام وأميل إليه قاصداً حصول تلك الحالة وكقول الفارغ أعشق فلاناً وأحبه وأعظمه بقلبي بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله وتوجهه إليه إلا باكتساب أسبابه، فإن النفس إنما
(2/143)

تنبعث إلى الفعل الذي يقصده ويميل إليه إجابة للغرض الموافق الملائم لها بحسب اعتقادها وما يغلب عليها من الأحوال فإذا غلبت شهوة النكاح واشتد توقان النفس إليه لا يمكن المواقعة على قصد الولد، بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة فحسب وإن قال بلسانه أفعل السنة وأطلب الولد قربة إلى الله فخطراً معاني هذه الألفاظ بباله ومحضراً لها في خياله. وأقول من هنا يظهر سر قوله صلى الله عليه وسلم: نية المؤمن خير من عمله فتبصره العاقل يكفيه الإشارة والله ولي التوفيق.
حكم
من كلام بعض الحكماء أيسر شيء الدخول في العداوة، وأضعف شيء الخروج منها. إذا ذكر جليسك عندك أحداً بسوء فاعلم أنك ثانيه. من رفعك فوق قدرك فاتقه.
أغلب الناس سلطان جابر وامرأة سليطة. وإذا اتهمت وكيلك فاخزن لسانك واستوثق بما في يده. أكرم المجالسة مجالسة من لا يدعي الرياسة وهو في محلها.
قال محمد بن مكي: وشر المجالسة مجالسة من يدعي الرياسة وليس في محلها. ترك المداراة طرف من الجنون. من قصر بك قبل أن يعرفك فلا تلمه. من لا يقبل قوله فلا تصدق يمينه. لا تصدق الحلاف وإن اجتهد في اليمين. جفاء القريب أوجع من ضرب الغريب. اللطف رشوة من لا رشوة له. أشد ما على السخي عند ذهاب ما له ملامة من كان يمدحه وجفاء من كان يبره. الذل أن تتعرض لما في يد غيرك وأنت في الوصول إليه على خطر. من دارى عدوه هابه صديقه.
من أفسد بين اثنين فعلى أيديهما هلاكه إذا اصطلحا،
(2/144)

شيئان لا ينقطعان أبداً المصائب والحاجات. النمام يخرج منك الكلام بالمنقاش. الرشوة في السر طرف من السحر. من عادى من دونه هبت هيبته. من عادى من فوقه غلب. ومن عادى مثله ندم. صاح رجل بالمأمون يا عبد الله يا عبد الله فغضب وقال تدعوني اسمي، فقال الرجل: نحن ندعو الله باسمه، فسكت المأمون وعفى وأنعم عليه انتهى.
قال الصلاح الصفدي:
ما هذه الدنيا وإن أقبلت ... عليك أو ولت بدار المقام
فسام لمن سام فيها البقاء ... دار به صرف المنايا وحام
قال محمد بن عبد الرحيم بن نباتة لما مات أبو القاسم المغربي رجم الناس ظنونهم فيه متذكرين ما كان يقدم عليه من المعاصي، فرأيته في النوم، فقلت: إن الناس قد أكثروا فيك فأخذ بيدي وأنشدني:
قد كان أمن لك فيما مضى ... واليوم أضحى لك أمنان
والعفو لا يحسن عن محسن ... وإنما يحسن عن جان برهان للسيد السمرقندي على امتناع اللاتناهي في جهة: يخرج من نقه اء الغير المتناهي يفصل منه خط اب ويرسم عليه مثلث اب ج المتساوي الأضلاع، ويصل بين ح وكل من النقاط الغير المتناهية المروضة في خط اء الغير المتناهي بخط، فكل من تلك الخطوط وتر منفرجة وهي زوايا ح ب ح هـ رح رء) فح ر أعظم من ب ر، وح هـ أعظم من ب هـ إذ وتر المنفرجة أعظم من وتر الحادة فلو ذهب بء إلى غير النهاية كان الانفراج بين خط ح ر والخط المتناهي أطول من غير المتناهي مع انه محصور بين حاصرين. هذا آخر كلامه.
واعترض عليه بعض الأعلام بأنه لا حاجة إلى رسم المثلث، بل يكفي إخراج عمود من نقطه اإلى ح ونسوق البرهان إلى آخره. ولجامع الكتاب في هذا الاعتراض نظر، إذ السيد المذكور من أهل الهندسة، وقد تكرر أن كل مطلب يمكن إثباته بشكل سابق لا
(2/145)

يجوز التعويل على إثباته بالشكل اللاحق، ورسم المثلث المتساوي الأضلاع هو الشكل الأول من المقالة الأولى، وهو من أجلى المطالب الهندسية. وأما إخراج العمود فموقوف على أشكال كثيرة، ورسم المثلث المتساوي الأضلاع واحد منها، فهذا هو الباعث على التعويل على رسم المثلث وصاحب الاعتراض لما لم يكن مطلعا على حقيقة الحال وقال ما قال
الجفر والجامعة
قال المحقق السيد الشريف في بحث العلم من شرح المواقف: الجفر والجامعة كتابان لعلي كرم الله وجهه، قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعرفون من ولده يعرفونهما، ويحكمون بهما وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى الرضا رضي الله عنه إلى المأمون إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك فقبلت منك ولاية العهد، إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم.
ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف، ينتسبون فيه إلى أهل البيت ورأيت بالشام نظماً أشير فيه بالرمز إلى ملوك مصر، وسمعت أنه مستخرج من ذينك الكتابين انتهى. للأمير أبو فراس
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ... ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد النوى ... وأدللت دمعاً من خلايقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصبابة والهجر
معللتي بالوصل والموت دونه ... إذا مت عطشاناً فلا نزل القطر
(2/146)

بدوت وأهلي حاضرون لأنني ... أرى أن داراً لست من أهلها قفر
وحاربت أهلي في هواك وإنهم ... وأياي لولا حبك الماء والخمر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلة ... لإنسانة في الحي شيمتها الغدر
وقور وريعان الصبا يستفزها ... فتأرن أحياناً كما أرن المهر
فإن كان ما قال الوشاة ولم يكن ... فقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر
تسائلني من أنت وهي عليمة ... وهل للفتى مثلي على حاله نكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ... قتيلك قالت أيهم وهم كثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق ... وأن يدي مما علقت به صفر
فلا تنكريني يا ابنة العم إنني ... ليعرف ما أنكرته البدو والحضر
وقلبت أمري لا أرى لي راحة ... إذا البين أنساني ألح بي الهجر
فعدت إلى حكم الزمان وحكمها ... لها الذنب لا تجزي به ولي الغدر
وإني لحراب نزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النظر الشزر
فأظمأ حتى يرتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
ويا رب دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجر
وحين ملكت الخيل حتى رددته ... هزيماً فردتني البراقع والخمر
وما حاجتي بالمال أبغي وفوره ... إذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر
أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مهر ولا ربه عمرو
ولكن إذا جم القضاء على امرىء ... فليس له برتقيه ولا بحر
هو الموت فاختر ما علالك ذكره ... ولم يمت الإنسان ما حيي الذكر
ولا خير في دفع الردى بذلة ... كما ردها يوماً بسوأته عمرو
فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه ... وتلك القنا والبيض والضمر والشقر
وإن مت فالإنسان لابد ميت ... وإن طالت الأيام وانفسح العمر
تمنون أن خلوا ثيابي وإنما ... علي ثياب من دمائهم حمر
وقائم سيفي فيهم دق نصله ... وأعقاب رمحي منهم حطم الصدر
ستذكرني قومي إذا جد جدها ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به ... وما كان يغلو التبر لو نفق الصفر
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسنان لم يغله المهر
هذا آخر ما اخترته منها وهي طويلة عذبة جيدة رائقة المعاني جزلة الألفاظ.
سمع بعض الحكماء رجلاً يقول: قلب الله الدنيا فقال: إذن تستوي لأنها مقلوبة.
ومن كلامهم: الابتلاء بمجنون كامل أهون من الابتلاء بنصف مجنون.
ومن كلامهم: عداوة العاقل أقل ضرراً من صداقة الأحمق.
(2/147)

قيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالاً قال: من بعدت همته واتسعت أمنيته وقصرت مقدرته وقد لمح هذا المعنى أبو الطيب فقال:
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
وقال أيضاً وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام
قال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب ونحن لا نتوب حتى نموت.
حكي أن بعض الزهاد نظر إلى رجل واقف على باب سلطان وفي وجهه سجادة كبيرة فقال له: مثل هذا الدرهم بين عينيك وأنت تقف هيهنا، وكان بعض الزهاد حاضراً فقال: يا هذا إنه ضرب على غير السكة.
أسفار التوراة
التوراة خمسة أسفار السفر الأول يذكر فيه بدء الخلق والتاريخ من آدم إلى يوسف عليه السلام. السفر الثاني فيه استخدام المصريين لبني إسرائيل وظهور موسى عليه السلام، وهلاك فرعون، وإمامة هارون، ونزول الكلمات العشر، وسماع القوم كلام الله تعالى.
السفر الثالث يذكر فيه تعليم القرابين بالإجمال. والسفر الرابع يذكر فيه عدد القوم وتقسيم الأرض عليهم، وأحوال الرسل التي بعثها موسى عليه السلام إلى الشام، وأخبار المن والسلوى والغمام. والسفر الخامس يذكر فيه الأحكام وفاة هارون، وخلافة يوشع عليه السلام.
والربانيون والقرائون ينفردون عن بقية اليهود بالقول بنبوة أنبياء أخر غير موسى وهارون ويوشع، وينقلون منهم تسعة عشر كتاباً ويضيفونها إلى خمسة أسفار التوراة ومجموع كتابهم على أربعة مراتب.
المرتبة الأولى التوراة وقد ذكرناها.
(2/148)

المرتبة الثانية أربعة أسفار يسمونها الأول أولها ليوشع عليه السلام يذكر فيه ارتفاع المن ومحاربة يوشع وفتحه البلاد وقسمتها بالقرعة وثانيها يدعى سفر الحكام فيه أخبار قضاة بني إسرائيل وثالثها لصموئل فيه نبوته وملك طالوت وقتل داود جالوت رابعها سفر الملوك فيه أخبار هلك داود وسليمان وغيرهما، والملاحم ومجيء بخت نصر وخراب بيت المقدس.
المرتبة الثالثة أربعة أسفار تسمى الأخيرة، أولها لشعيا فيه توبيخ بني إسرائيل وإنذار بما وقع وبشارة للصابرين وثانيها لأرميا عليه السلام ويذكر فيه خراب بيت المقدس والهبوط إلى مصر. وثالثها لحزقيل يذكر فيه حكم طبيعية وفلكية مرموزة، وأخبار يأجوج ومأجوج. ورابعها اثني عشر سفراً: فيه إنذارات بزلازل وجراد وغيرها، وإشارة إلى المنتظر والمحشر، ونبوة يونس عليه السلام وابتلاع الحوت له وتوبته، ونبوة زكريا عليه السلام وبشارة بورود الخضر عليه السلام.
المرتبة الرابعة عن الكتب وهي إحدى عشر سفراً الأول تاريخ نسب الأسباط وغيرهم. وثانيها مزامير داود مائة وخمسون مزمار كلها طلبات وأدعية. وثالثها قصة أيوب وفيه مباحث كلامية. ورابعها آثار حكمية عن سليمان عليه السلام، وخامسها أحكام الأحبار، وسادسها أناشيد عبرانية لسليمان عليه السلام في مخاطبة النفس والعقل، وسابعها يدعى جامع الحكمة لسليمان عليه السلام فيه الحث على طلب اللذات العقلية الباقية، وتحقير اللذات الجسمية الفانية وتعظيم الله تعالى والتخويف ومنه وثامنها يدعى النواح لأرميا عليه السلام فيه خمس مقالات على حروف المعجم يذب على البيت.
(2/149)

وتاسعها فيه ملك أردشير. وعاشرها لدانيال فيه تفسير منامات وحال البعث والنشور. والحادي عشر لعزير عليه السلام فيه صفة عود القوم من أرض بابل إلى البيت وبناءه.
اعلم أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة، إلا أن هذه الآثار يختلف على المحب بحسب نظره، وما يغلب عليه في وقته فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال، واستشعر قصوره من الاطلاع على كنه الجلال، انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه فيسمى هذه الحالة شوقاً بالإضافة إلى أمر غائب وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصوراً على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف، غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد، استبشر القلب بما يلاحظ فيسمى استبشاره أنساً وإن كان نظره مقصوراً إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالات وخطر إمكان الزوال والبعد، وتألم قلبه بهذه الاستشعار فيسمى تألمه خوفاً، وهذه الأفعال تابعة لهذه الملاحظات.
كل مربع فالفضل بينه وبين أقرب المربعات التي تحته إليه: يساوي مجموع جذريهما، والفضل بينه وبين أقرب المربعات التي فوقه إليه يساوي مجموع جذريهما. من كتاب نهج البلاغة أنه كرم الله وجهه قال لقائل قال بحضرته: أستغفر الله: ثكلتك أمك أتدري ما الإستغفار؟ ! الإستغفار درجة العليين، وهو إسم واقع على ستة معان أولها الندم على ما مضى والثاني العزم على ترك العود إليه أبداً والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى أن تلقى الله سبحانه أملس ليس لك تبعة. والرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها. الخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله. وفيه إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.
(2/150)

قال الإمام الرازي في قوله تعاى: {هو الذي خلقكم من طين} إن غلإنسان مخلوق من المنى ودم الطمث، وهما يتوالدان من الدم، والدم إنما يتولد من الأغذية، والأغذية إما حيوانية أو نباتية فإن كانت حيوانية فالحال في تولد ذلك الحيوان كالحال في تولد الإنسان، فبقى أن تكون نباتية، فإنسان مخلوق من الأغذية النباتية، ولا شك أنها متولدة من الطين، فيكون هو أيضا متولدا من الطين.
من النهج من أواخر الكتاب الذي كتب إلى سهل بن حنيف: إليك عني يا دنيا، فحبلك على غاربك، ولقد انسللت من مخالبك، وأفلت من حبائلك، وأحببت الذهاب من مداحضك. أين القرون الذين غررتهم بمداعبتك؟ أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك. ها هم رهائن القبور، ومضامين اللحود. والله لو كنت شخصا مرئيا، وقالبا حسيا لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني، وأمم ألقيتهم في المهاوي، وملوك أسلمتهم إلى التلف، واوردتهم موارد البلاء، اغربي عني، فوالله لا أذل لك فتذليني، ولا أسلس لك فتقوديني، وايم والله يمينا لا أستثنى فيها لأروض نفسي رياضة تهش معها إلى القرض إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما، ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها، أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض، ويأكل علي من زاده فيهجع، قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة، والسائمة المرعية، طوبى لنفس أدت لربها فرضه وعركت بجنبها بؤسها وهجرت في الليل غمضها حتى إذا الكرى غلبها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاهم وتقشعت لطول استغفارهم ذنوبهم. اهـ.
من التائية الصغرى للشيخ عمر بن الفارض رحمه الله تعالى:
نعنم بالصبا قلبي صبا لأحبتي ... فيا حبذا ذاك الشذى حين هبت
سرت فأسرت للفؤاد غدية ... أحاديث جيران العذيب فسرت
تذكرني العهد القديم لأنها ... حديثة عهد من أهيل مودتي
أيا زاجرا حمر الأوارك تارك الموارك ... وجبت فيافي خبت آرام وجرة
ونكبت عن كثب العريض معارضا ... حزونا لحزوي سائقا لسويقتي
(2/151)

(وباينت بانات كذا عن طويلع ... بسلع فسل عن حلة فيه حلت)
(وعرج لذياك الفريق مبلغا ... سلمت عربيا ثم عني - تحيتي)
(فلي بين هاتيك الخيام ضنينة ... علي بشملي سمحة بتشتتي)
(محجبة بين الأسنة والظبا ... إليها انثنت ألبابنا إذ تثنت)
(ممنعة خلع العذار نقابها ... مسربلة بردين قلبي ومهجتي)
(تتيح المنايا إذ تبيح لي المنى وذاك رخيص منيتي بمنيتي ... )
(وما غدرت في الحب إذ هدرت دمي ... بشرع الهوى لكن وفت إذ توفت)
(متى أوعدت أولت وإن عدت لوت ... وإن أقسمت لا تبرئ السقم برت)
(وإن عرضت أطرق حياء وهيبة ... وإن أعرضت أطرق ولا لتلفت)
(هي البدر أوصافا وذاتي سماؤه ... سمت بي إليها همت حين همت)
(منازلها مني الذراع توسدا ... وقلبي وطرفي أوطنت إذ تجلت)
(منعمه أحشاي كانت قبيل ما ... دعها لتشقى بالغرام فلبت)
(فلا دعا لي ذاك النعيم ولا أرى ... من العيش إلا أن أعيش بشقوتي)
(ألا في سبيل الله حالي وما عسى ... بكم أن ألاقي لو دريتهم أحبتي)
(أخذتم فؤادي وهو بعضي عندكم ... فما ضركم أن تتبعوه بجملتي)
(وجدت بكم وجدا قوى كل عاشق ... لو احتملت من عبئه البعض كلت)
(كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي)
(وقالوا جرت حمرا دموعك قلت من ... أمور جرت في كثرة الشوق قلت)
(نحرت لضيف السهد في جفني الكرى ... قرى فجرى دمعي دما فوق وجنتي)
(كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي)
(وقالوا جرت حمرا دموعك قلت من ... أمور جرت في كثرة الشوق قلت)
(نحرت لضيف السهد في جفني الكرى ... قرى فجرى دمعي دما فوق وجنتي)
(ولما توافينا عشاء وضمنا ... سواء سبيلي ذي طوى والثنية)
(ومنت وما ضنت علي بوقفة ... تعادل عندي بالمعروف وقفتي)
(عتبت فلم تعتب كأن لم يكن لقا ... وما كان إلا أن أشرت وأومت)
(ايا كعبة الحسن التي لجمالها ... قلوب أولى الألباب لبت وحجت)
(بريق الثنايا منك أهدى لنا سنا ... بريق الثنايا وهو خير هدية)
(ولوحي لقلبي إن قلبي مجاور ... حماك فتاقت للجمال وحنت)
.
(2/152)

(ولولاك ما استهديت برقا ولا شجت ... فؤادي فأشجت إذ شدت أيكة)
(فذاك هدى أهدى إليك وهذه ... على العود إذ غنت عن العود أغنت)
(أروم وقد طال المدى منك نظرة ... وكم من دماء دون مرماي طلت)
(أمالك عن صد أمالك عن صد ... لظلمك منك ميلا لعطفه)
(جمال محياك المصون لثامة ... من اللثم فيه عدت حيا كميت)
(وجنبني حبيك وصل معاشري ... وحببني ما عشت قطع عشيرتي)
(وأبعدني عن أربع بعد أربع ... شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي)
(فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا ... وبالأنس وحشي إذ من الأنس وحشتي)
(إبائي أبي إلا خلافي ناصحا ... يحاول مني شيمة غير شيمتي)
(يلذ له عذلي عليك كأنما ... يرى منه مني وسلواه سلوتي)
(سقى بالصفا الربعي ربعا به الصفا ... وحيا بأجياد منه ثروتي)
(مخيم آمالي وسوق مآربي ... وقبلة آمالي وموطن صبوتي)
(منازل أنس كن لم أنس ذكرها ... فمن بعدها والقرب ناري وجنتي)
(غرامي أقم صبري انصرم دمعي انسجم ... عدوي انتقم دهري احتكم حاسدي اشمت)
(ويا جلدي بعد النقا لست مسعدي ... ويا كبدي عز اللقا فتفتت)
(سلام على تلك المعاهد من فتى ... على حفظ عهد العامرية ما فتى)
لبعضهم:
(أعلل القلب بذكراكم ... والقلب يأبي غير لقياكم)
(حللتم قلبي وبنتم فما ... أدناكم مني وأقصاكم)
(يا حبذا ريح الصبا إنها ... تروح القلب برياكم)
قطب الفلك الأعلى
ربما يتوهم كثير من الناس أن قطب الفلك الأعلى داخل في الشكل الإهليلجي الملقب بالسمكة في لسان الهند، وبفأس الرحى عند العرب، وأنه في وسط الحقيقي وهذا توهم باطل وإنما قطب المعدل على حد القوس الذي من جملة كواكبه كوكبات من بدن الدب وقد صرح بهذا جهابذة الفن.
(2/153)

قال الفاضل عبد الرحمن الصوفي صاحب صور الكواكب أقرب كوكب إلى القطب الشمالي كوكب الدب الأصغر وكواكبه من نفس الصور سبعة، ثلاثة: منها على ذنبها وهي الأول والثاني والثالث: أولها الأنوار وهو على طرف الذنب من القدر الثالث والباقيان من الرابع والأربعة على مربع مستطيل على بدنه الإثنان اللذان يليان الذنب الأخفى وهما الرابع والخامس واثنان التاليان لهما وهو السادس والسابع أنور.
والعرب تسمي السبعة على الجملة بنات نعش الصغرى، وتسمى النيرين الذين على المربع الفرقدين والنير الذي طرف الذنو الجدي وهو الذ ي به يتوخى القبلة وبقرب الأنور من الفرقدين، وهو السادس كوكب أخفى منه على استقامة الفرقدين، ليس من الصورة وقد ذكره بطليموس وسماه خارج الصورة من القدر الرابع، ويتصل هذا الكوكب الذي على طرف الذنب بسطر من الكواكب خفية، فيه تقويس أيضاً مثل تقويس السطر الأول، وقد أحاط القوسان بسطح شبيه بحلقة السمكة يسمى الفاس تشبيهاً لها بفاس الرحى التي يكون القطب في وسطها، وقطب معدل النهار على حدبة القوس الثانية السابقة عند أقرب كوكب من السطر إلى الجدي إنتهى كلامه.
ومثل ذلك قاله العلامة في كتابه الموسوم بنهاية الإدراك في دراية الأفلاك. وكذا غيره من النقاد.
انطباع الصور في الحواس
انكر محققو الإشراقيين انطباع الصور في الحواس مطلقا، لأن المدرك ربما يزداد مقداره على مقدار محل الحس بالأضعاف. قالوات وما يقال من أن النفس تستدل بالصورة وإن كانت أصغر من المرئي على ما عليه المرئي في نفسه، بمعنى أن ما مقدار صورته هذا كم يكون أصل مقداره باطل؛ لأن إدراك مقدار الشيء بالمشساهدة لا بالاستدلال. وكذا يستحيل عندهم انطباع الصورة غائرة في عمق المرآة بحسب بعد ذي الصورة الخيالية وصور المرآة أنها صياصي معلقة لا في مكان، بل هي موجودة في عالم آخر متوسط بين التجرد التام والتعلق التام يسمى عالم المثال، والنفس تشاهدها هناك، ولها مظاهر كالمرآة والخيال. وأنكروا انخفاظ المعاني الجزئية في المحافظة، إذ ربما يجتهد الإنسان جهدا عظيما في تذكر شيء منها فلا يتأتى له، ثم يتفق له أن يتذكره بعينه، فلو كان محفوظا في بعض قوى بدنه لما غاب عنه مع الفحص الشديد، بل المعاني عندهم محفوظة في النفس المنطبعة
(2/154)

السماوية، كما أن الكليات محفوظة في المجردات، نعم، جوزوا أن يتعلق بالحافظة استعداد استفادتها من الخزانة. وحقيقة الإدراك عندهم: إضافة إشراقية النفس بالنسة إلى المدرك وتلك الإضافة ربما تترتب على استعمال الحواس، وربما تتحقق بدونه، فإن النفوس المنسلخة عن الأبدان ربما تشاهد أمورا يتيقن أنها ليست نقوشا في بعض القوى البدنية، والمشاهدة باقية مع النفس ما بقيت. اهـ.
الحب القاتل
كان بعض الأعراب يهوى جارية وكانت تتجنى عليه ولا تكلمه، فأدنفه الهوى إلى أن حضرت الوفاة، فقيل لها إنه أتلفه حبك فهلا زريته وفيه رمق؟ فأتت إليه وقبضت بعضاده الباب وقالت: كيف حالك؟ فأنشد:
(ولما دنا مني السياق تعطفت ... علي وعندي من تعطفها شغل)
(أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل)
ثم نظر إليها نظرة تحسر، وتنفس الصعداء ومات. رحمه الله تعالى.
تشريح القدم
قال الشيخ الرئيس في القانون في تشريح القدم: وخلق له أخمص تلي الجانب الإنسي ليكون ميل القدم عند الانتصاب - وخصوصا لدى المثنى - هو إلى الجهة المضادة لجهة الرجل المشيلة؛ ليقاوم بما يجب أن يشتد من الاعتماد على جهته، لاستقلال الرجل المشيلة للنقل، فيعتدل القوام. قال الشارح القرشي في شرح هذا الكلام: إن المشي إنما يتم رفع إحدى الرجلين، ووضعها حيث يراد الانتقال، ولا بد من ثبات الرجل الأخرى ليمكن بقاؤه منتصبا، وعند رفع إحدى الرجلين لا بد وأن يميل البدن إلى ضد جهة ذلك الجانب، وتقعير الأخمص يوجب ميل البدن إلى جهته وهي جهة الرجل المرفوعة فيتقاوم الميلان لا محالة مشيه عند رفع كل رجل إلى ضد جهتها. ولقائل أن يقول: إنما يلزم الميل إلى ضد جهة المشيل إذا كان ذلك المشيل بحيث لا تكون حركته بانفراده، كطرف الخشبة مثلا، وأما إذا لم يكن كذلك، بل كان المشيل له انفصال عن الباقي حتى تمكن حركته كما في الرجل فإنه إنما يلزم من رفعه ميل الباقي إلى
(2/155)

تلك الجهة بعينها كما لو أزلنا إحدى الدعامتين فإن الجسم المدعوم إنما يميل حينئذ إلى جهة المزيلة. وجوابه أن الميل بعد إزالة الدعامة لا شك إنه إنما يحصل غلى جهة المزيلة، ولكن في حال إزالتها إنما يكون الميل إلى ضد تلك الجهة؛ لأن هذه لإزالة إنما تكون بعد رفع جزء من الباقي حتى يزول الثقل عن الدعامة فتزول، ويلزم ذلك ميل كل الجسم إلى ضد جهتها، وليس لكم أن تقولوا إن الدعامة قد يمكن إزالتها بدون ذلك، بأن تجر مثلا؛ لأنا نقول: الحال في رفع الرجل عند المشي ليس كذلك؛ لأن الرجل إنما ترتفع بتقلص العضلة الرافعة لها تقلصا إلى فوق، ويلزم ذلك رفع بعض أجزاء البدن، وذلك كما قلنا يلزمه ميله إلى ضد جهة تلك الرجل. اهـ كلام القرشي. قال جامع الكتاب هذا الشارح غير منطبق على كلام الشيخ الرئيس؛ فإن كلام الشيخ ظاهر في أن تقعير الأخمص يوجب الميل إلى الجهة المضادة لجهة الرجل المشيلة، وكلام هذا الشارح صريح في أن ذلك يوجب الميل إلى جهة الرجل المشيلة، ودليله على ذلك إلى آخر كلامه لا بأس به، وإن أمكن خدشه فليتأمل. من كلام عبد الله بن المعتز لا يزال الإخوان يسافرون في المودة حتى يبلغوا الثقة، فإذا بلغوها أقوا عصى التسيار، واطمأنت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت خبايا الضمائر، وحلوا عقدة التحفظ، ونزعوا ملابس التخلق. ومن كلامه: تجاوز عن مذنب لم يسلك من الإقرار طريقا، حتى اتخذ من رجاء عفوك رفيقا.
في علم الفلك
إذا أردت معرفة تقويم أحد السيارة فاستعلم ارتفاعه، ثم ارتفاع أحد الثوابت المرسومة في العنكبوت، وضع شظية الثابت على ميل ارتفاعه من المقنطرات، فأعلى ميل ارتفاع السيارة من منطقة البروج هو درجة ذلك السيار. معرفة ارتفاع قطب البروج أن تضع طالع الوقت على الأفق وتعد منه إلى تسعين، فالباقي ارتفاع قطب البروج ذلك الوقت. انتهى. انظر رجل إلى امرأة في رجلها خف مخرق، فقال لها: يا هذه خفك يضحك،
(2/156)

فقالت: نعم إنه يسيء الأدب، ومن عادته إذا رى كشخانا لم يملك نفسه أن يضحك، فقال الرجل: هذا جزاء من يمزح. تاسع الأولى من كتاب الأصول. نريد أن ننصف زواية كزاوية ب اح فلنعين علم ب نقطة ونفصل من اح اهـ مثل اء ونصلء هـ ونرسم عليه مثلثء هـ ر المتساوي الأضلاع، ونصل ار فهو ينصف الزاوية. وذلك لأن أضلاع مثلثيء ارا هـ ار متساوية بالتناظر، فزاويتا راء را هـ متساويتان وذلك ما أردناه. انتهى كلام اقليدس.
ولجامع الكتاب وجه آخر: نعين على اء ح كيف اتفق، ونجعل ار مثل احء ر هر ح متقاطعين على ر ط، ونصل اط ففي مثلثيء ار هـ اح ضلعاء اار وزاوية امساوية لضلعي اب اح، وزاوية فيتساوى المثلثان فيلزم تساوي مثلثيء ط ح هـ ط ر هـ متساوية كل لنظيره فزواياهما كذلك، وذلك ما أردناه. انتهى. لبعضهم:
(لما نظر العذال حالي بهتوا ... في الحال وقالوا لوم هذا عنت)
(ما نفرض إلا أننا نعذله ... من يسمع من يعقل من يلتفت)
لبعضهم:
(على بعدك لا يصبر ... من عادته القرب)
(ولا يقوى على هجرك ... من تيمه الحب)
(إذا لم ترك العين ... فقد أبصرك القلب)
ذهب بعضهم إلى أن بين العبادة المجزئة والمقبولة عموما مطلقا، فكل عبادة مقبولة مجزئة ولا عكس. وحاصله عدم التلازم بين القبول والإجزاء، فالمجزئ ما يخرج به
(2/157)

المكلف من العهدة، والمقبول ما يترتب على فعله الثواب. واستدلوا بوجوه: الأول سؤال ابرهيم واسماعيل عليهما وعلى نبينا السلام التقبل، مع أنهما لا يفعلان إلا صحيحا. الثاني: قوله تعالى: {فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ". الثالث: الحديث: " إن من الصلاة لما يقبل ثلثها ونصفها وربعها " الحديث. الرابع: أن الناس مجمعون على الدعاء بقبول الأعمال، وهو يعطى عدم التلازم. الخامس: قوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} مع أن عبادة الفاسق مجزئة. وقد تكلف بعضهم في الجواب عن هذه الوجوه بما لا يخلو عن خدش. الكسوف: إن كان غير تام والباقي من الشمس هلاليا فالضوء الخارج منهما النافذ في ثقب ضيق مستدير إلى سطح مواز مقابل للثقب يكون هلاليا، وليس ضوء القمر وقد انخسف بعضه، ولا أوائل الشهر وأواخره، مع أن المستنير منه في الأحوال هلالي إذا نفذ من الثقب إلى السطح الموازي هلاليا، بل مستدير وإن كان الثقب واسعا والسطح الموازي له كان الضوء الخارج من النيرين وقت انخسافهما على هيئة أشكال الثقوب، أعنى مستديرا إن كان الثقب مستديرا، أو مربعا إن كان مربعا إلى غير ذلك، وسببه مذكور في النهاية فليراجعها من أراد الاطلاع عليه.
متى يقرأ المنطق
قال العلامة في شرح حكمه الإشراق: اعلم أن مرتبة المنطق أن يقرأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من الهندسة والحساب. أما الأول فلما قال أبقراط في كتاب الفصول: البدن الذي ليس بالنقي كلما غذيته إنما تزيده شرا ووبالا، ألا ترى أن من لم تتهذب أخلاقهم، ولم تطهر أعراقهم، إذا شرعوا في المنطق سلكوا نهج الضلال، وانخرطوا في سلك الجهال، وأنفوا أن يكونوا مع الجماعة وأن يتقلدوا ذل الطاعة، فجعلوا الأعمال الظاهرة والأقوال الظاهرة التي وردت بها الشرائع دبر آذانهم، والحق تحت أقدامهم متمحلين لطريقهم حجة، ومتطلبين لضلالهم محجة، وهي أن الحكمة ترك الصور وإنكار الظواهر، إذ فيها يتحقق معاني الأشياء دون صورها، وبممارستها يطلع على حقائق الأمر دون ظواهرها ولم يخطر لهم بالبال أن الصورة مرتبطة بمعانيها، وظواهر الأشياء منبئة عن حقائقها، وأن الحقيقة ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل كما ظنوا الطوائف عن الحكماء عقيدة، وأظهر المعاندين لهم سريرة. وأما الثاني فلتستأنس طباعهم إلى البرهان.
(2/158)

قال بعضهم: إن الأمل رفيق مؤنس، إن لم يبلغك فقد ألهاك.
مجنون ليلى:
(أماني من ليلى حسان كأنما ... سقتني بها ليلى على ظلما بردا)
(منى إن تكن حقا غاية المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا)
لبعضهم:
(أعلل بالمنى قلبي لأني ... أذود الهم بالتعليل عني)
(وأعلم أن وصلك لا يرجى ... ولكن لا أقل من التمني)
قيل لأعرابي: ما لذة الدنيا؟ فقال في ثلاث: ممازحة الحبيب، ومحادثة الصديق، وأماني تقطع بها أيامك:
ابن أبي حازم:
(طب عن الأمة نفسا ... وارض بالوحدة أنسا)
(ما عليها أحد يسوى ... على الخبرة فلسا)
محمود الوراق:
(أظهروا للناس دينا ... وعلى المنقوش داروا)
(وله صلوا وصاموا ... وله حجوا وزاروا)
(لو علا فوق الثريا ... ولهم ريش لطاروا)
تركان: اسم امرأة فصيحة، جيدة الشعر، فمن شعرها إلى رجل خاشنها في كتابه كتبها إليها:
(قد راينا تنكرا ... وسمعنا تنقصا)
(وأتانا كتابكم ... أمس في كفه عصا)
(وتخرصتم الذنوب ... علينا تخرصا)
(فعلمنا بأنكم ... تشتهون التخلصا)
أمر بعض الخلفاء لبعض الفقهاء بكيس فيه دراهم، فقال: يا أمير المؤمنين آخذ الخيط؟ فقال له الخليفة: ضع الكيس.
(2/159)

حكم
من كلام بعض العارفين: سيئة تسؤوك خير من حسنة تعجبك. من غاب نفسه فقد ذكاها.
مما أوحى الله إلى بعض أنبياءه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن نفسك الخضوع ومن عينك الدموع، وسلني فإنه قريب مجيب.
كن في الدنيا وحيداً فريداً مهموماً حزيناً، كالطائر الواحد الذي يظل بأرض الفلاة، يروى من ماء العيون ويأكل من أطراف الشجر فإذا جن عليه الليل آوى وحده استيحاشاً من الطير واستيناساً بربه.
من كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه من أراد الغنى بغير مال، والكثرة بغير عشيرة، فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة.
من أصلح ما بينه وبين الله تعالى، أصلح الله ما بينه وبين الناس.
قال بعض الحكماء: لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
أبو إسحاق الصابي: هو إبراهيم بن هلال أوحد الزمن في البلاغة وفريد الدهر في الكتابة بلغ التسعين في خدمة الخلفاء، وتقلد الأعمال الجلائل ومع ديوان الرسائل وذاق حلو الدهر ومره ولابس خيره وشره ومدحه شعراء العراق وسار ذكره في الآفاق،
(2/160)

راوده الخلفاء على الإسلام بكل حيلة، وتوسلوا إلى ذلك بكل وسيلة، فلم يسلم، وعرض عليه السلطان بختيار الوزارة إن أسلم، وكان يعاشر المسلمين أحسن عشيرة ويساعدهم على صيام شهر رمضان، ويحفظ القرآن حفظاً يدور على طرف لسانه، وكان في زمن شبابه أرخى بالأمنة في زمن كبره. وإلى ذلك أشار في قصيدة كتب بها إلى الصاحب يستمطر سحابه ويستدر أخلاف جوده، بعد أن كان يخاطبه بالكاف ويعده من جملة الأكفاء فمن أبياتها:
عجباً لخطي إذا رآه مصاحبي ... عصر الشباب وفي المشيب معاصي
أمن الغواني كان حلي خانني؟ ... شيباً وكان له الشبيبة صاحبي
وعزل في آخر عمره واعتقل وقيد، وكان يقوم ويقع إن تهتك ستره ورخت حاله، وكان الصاحب يحبه أشد الحب ويتعصب له ويتعهده على بعد الدار بالمنج وهو يخدم الصاحب بالمدح.
قال المحقق التفتازاني في المختصر: اختلف في التفضيل بين الصحاب والصابئ، والحق أن الصاحب كان يكتب ما يريد، والصابئ يكتب ما يؤمر، وبين المقامين بون بعيد. ومات سنة 384 على كفره، وكذا ابنه المحسن ورثاه الشريف الرضي بقصيدة طويلة جيدة.
حكم
من كلامهم: من تاجر الله لم يوكس بيعه، ولم يبخس ريعة. لا ينال ما عند الله إلا بعين ساهدة، ونفس مجاهدة. الكريم سلس القياد واللئيم عسر الانقياد، ويل لمن كان بين عز النفس وذل الحاجة. ويل لمن كان بين سخط الخالق وشماتة المخلوق. الآمال متعلقة بالأموال. الأريب لا يجالس من لا يجانس. رب ذئاب في أهب نعاج، وصقور في صور دجاج. رب رقعة تفصح عن رقاعة كاتبها. ربما تطيب الغموم بالعموم. إذا نابتك النائبة ولا حيلة لها فلا تجزعن، وإن كان لها حيلة فلا تعجزن. أدوية الدنيا تقصر عن سمومها وتسميتها لا يفي بسمومها. شر النوائب ما وقع من حيث لا يتوقع. قال بعض الأعراب: أفرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد لله. لا يطيب حضور الخوان إلا مع الإخوان. رب أكله منعت أكلات. شكا رجل إلى بعض الزهاد كثرة عياله، فقال له الزاهد: انظر من كان منهم ليس رزقه على الله فحوله إلى منزلي ...
(2/161)

قال ابن سيرين لرجل كان يأتيه على دابة، فأتاه يوما راجلا: ما فعلت بدابتك؟ فقال قد اشتدت علي مؤنتها فبعتها، فقال ابن سيرين: أفتراه خلف رزقها عندك. سئل أنو شروان: ما أعظم المصائب؟ فقال: أن تقدر على المعروف فلا تصنعه حتى يفوت. . كان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان بن عبد الملك أيام خلافته، فسمع صوت رعد ففزع منه ووضع صدره على مقدم رحل، فقال له عمر: هذا صوت ورحمته، فكيف صوت عذابة! قال بعض العارفين: إذا قيل لك هل تخاف الله فاسكت، لأنك إن قلت لا فقد كفرت، وإن قلت نعم فقد كذبت. من الإحياء - في كتاب آداب الصحبة - قال علي بن الحسين رضي الله عنهما: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد من غير إذن؟ فقيل لا، فقال: اذهبوا فلستم باخوان. وقال أبو سليمان الداراني: إني لألقم اللقمة أخا من أخواني فأجد طعمها في فمي. جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم، وهو يريد بيت المقدس، فقال له: إني أريد أن أرافقك، فقال له إبراهيم: علي أن أكون أملك لشيئك منك. قال لا، فقال إبراهيم: أعجبني صدقك.
بيان اختلاف الخلق في لذاتهم
انظر إلى صبي في أول حركته وتمييزه، فإنه تظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب، حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء، ثم يظهر فيه بعد ذلك استلذاذ اللهو، ولبس الثياب الملونة، وركوب الدواب الفرهة، فيستخف معه اللعب، بل يستهجنه، ثم تظهر فيه بعد ذلك لذة الزينة بالنساء والمنزل والخدم فيحتقر ما سواها لها. ثم تظهر فيه بعد ذلك لذة الجاه والرياسة، والتكاثر من المال، والتفاخر بالأعوان. والأتباع والأولاد. وهذه آخر لذات الدنيا، وإلى هذه المراتب أشار سبحانه وتعالى بقوله عز من قائل: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر} الآية. ثم بعد ذلك فقد تظهر لذة العلم بالله تعالى، والقرب منه، والمحبة له، والقيام بوظائف عباداته، وترويح الروح بمناجاته، فيستحقر معها جميع اللذات السابقة، ويتعجب من المنهمكين فيها. وكما أن طالب الجاه والمال يضحك من لذة الصبى باللعب بالجوز مثلا، كذلك صاحب المعرفة والمحبة يضحك من لذة الطالب الجاه والمال، وانتهى بوصوله إلى ذلك.
(2/162)

ولما كانت الجنة دار اللذات، وكانت اللذات مختلفة باختلاف أصناف الناس، لا جرم كانت لذات الجنة على أنواع شتى على ما جاءت به الكتب السماوية، ونطق به أصحاب الشرائع صلوات الله عليهم، ليعطي كل صنف ما يليق بحالهم منها. فإن كل حزب بما لديهم فرحون، والناس أعداء لما يجهلون. ورد في بعض الكتب السماوية: يا ابن آدم، لو كانت الدنيا كلها لك، لم يكن لك منها إلا القوت، فإذا أنا أعطيتك منها القوت، وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن أم لا؟ من الإحياء: لما ولى عثمان بن عفان رضي الله عنه ابن عباس رضي الله عنهما أتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يهنئونه، وأبطأ عنه أبو ذر، وكان له صديقا، فعاتبه ابن عباس، فقال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الرجل إذا ولى ولاية تباعد الله عنه ". قال بعض العارفين: رأيت الفضيل يوم عرفة والناس يدعون وهو يبكى بكاء الثكلى الحزينة، حتى إذا كادت الشمس تغرب رفع رأسه إلى السماء قابضا على لحيته وقال: واسوأتاه منك وإن غفرت، ثم انقلب مع الناس. ورد في بعض التفاسير: في تفسير قوله تعلى: {إنه كان للأوابين غفورا} أن الأواب هو الرجل يذب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. ابن مسعود إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق، إلا باب التوبة فإن عليه ملكا موكلا لا يغلق. من الإحياء: قدم هشام بن عبد الملك حاجا أيام خلافته، فقال ائتوني برجل من الصحابة فقيل قد تفانوا، قال فمن التابعين، فأتى بطاوس اليماني، فلما دخل عليعه خلع نعله بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بأمرة المؤمنين، بل قال: السلام عليك ولم يكنه، ولكن جلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا وقال: يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال وما صعنت؟ فغزداد غضبه وقال: خلعت نعلك بحاشية بساطي، ولم تسلم علي بأمره المؤمنين ولم تكنني، وجلست بازائي، وقلت كيف أنت يا هشام. فقال طاوس: أما خلع نعلي بحاشبة بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يغضب علي لذلك، وأما قولك لم تسلم علي بأمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بأمرتك فكرهت أن أكذب. وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أولياءه فقال يا داود يا يحيى يا عيسى، وكنى أعداءه، فقال: تبت يدا أبي لهب. وأما قولك
(2/163)

جلست بازائي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس حوله قوم قيام. فقال هشام عظني. فقال طاوس: سمعت من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن في جهنم حيات كالتلال، وعقارب كبالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام وهرب. قيل لبعض الزهاد: إلى أي شيء أفضت بكم الخلوة؟ فقال: إلى الأنس بالله تعالى. قال سفيان بن عيينة: رأيت إبراهيم بن أدهم في جبال الشام، فقلت: يا إبراهيم تركت خراسان؟ فقال: ما تهنأت بعيشي إلا هنا، أفر يديني من شاهق إلى شاهق. لبعضهم في العزلة:
(من حمد الناس ولم يبلهم ... ثم بلاهم ذم من يحمد)
(وصار بالوحدة مستأنسا ... يوحشه الأقرب والأبعد)
وقيل لقرواش الرقاشي: مالك لا تجالس أخوانك؟ فقال: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي. وكان الفضيل إذا رأى الليل مقبلا فرح به، وقال: أخلو فيه بربي وإذا أصبح استرجع كراهة لقاء الناس. وجاء رجل إلى مالك بن دينار فإذا هو جالس وكلب قد وضع رأسه على ركبته، قال فذهبت أطرده، فقال دعه يا هذا لا يضر ولا يؤذي، وهو خير من جليس السوء. وقيل لبعضهم ما حملك أن تعتزل عن الناس. فقال خشيت أن اسلب ديني ولا أشعر. وهذا إشارة منه إلى مسارقة الطبع واكتسابه الصفات الذميمة من قرناء السوء. مما ينسب إن المجنون، وعليه نفحة معنوية وهو قوله:
(وإني لاستغفي وما بي غفوة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا)
(وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالليل خاليا)
للسودي:
(لقد غنى الحبيب لكل صب ... فأين الراقصون على الغناء)
أبو إسحق الصابي:
(إذا جمعت بين امرئين صناعة ... وأحببت أن تدري الذي هو أحذق)
(2/164)

(فلا تتفقد منهما غير ما جرت ... به لهما الأرزاق حيث تفرق)
(فحيث يكون الجهل فالرزق واسع ... وحيث يكون الفضل فالرزق ضيق)
وجدت في بعض الكتب المعتمد عليها: أن أفلاطون كان يقول في صلاته هذه الكلمات: يا روحانيتي المتصلة بالروح الإعلى تضرعي إلى العلة التي أنت معلولة من جهتها لتتضرع إلى العقل الفعال ليحفظ علي صحتي النفسانية، ما دمت في عالم التركيب ودار التكليف. ابن الفارض:
(يا محيى مهجتي ويا متلفها ... شكوى كلفي عسك أن تكشفها)
(عين نظرت إليك ما أشرفها ... روح عرفت هواك ما ألطفها)
سئل اسطرخس الصامت عن علة لزومه الصمت فقال: إني لن أندم عليه قط، وكم ندمت على الكلام. قال بعض الحكماء: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد. كان الحارث بن عبد الله منفاقا، فقيل له في ولده، فقال إني لأستحيي من الله أن أدع لهم ثقة غيره. قال بزرجمهر: من أعيب عيوب الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحقه، إما أن تزيده وأما أن تنقصه. أعجز الناس من عجز عن اكتساب اتلإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم وقع بين الحسن عليه السلام وأخيه محمد بن الحنفية لحاء، ومشى الناس بينهما، تفضلي ولا أفضلك، وأمي امرأة من بني حنيفة، وأمك فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ملئت الأرض بمثل أمي لكانت أمك خيرا منها، فإذا قرأت كتابي هذا فأقدم حتى تترضاني، فإنك أحق بالفضل مني. والسلام. قد يرضى الرب على العبد بما يغضب به على غيره إذا اختلف مقامهما. وفي الذكر الحكيم تنبيه على ذلك، ألا ترى إلى قصة إبليس وىدم كيف تراهما اشتراكا في اسم المعصية والمخالفة عند من يقول به، ثم تباينا في الاجتباء والعصمة، أما إبليس فأبلس عن رحمة الله، وقيل إنه من المبعدين، وأما آدم فقيل فيه " ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ".
(2/165)

في الحديث لو لم تذنبوا، لخلق الله تعالى خلقاً يذنبون، فيغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم.
في الحديث لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو شر من الذنوب، قيل وما هو يا رسول الله؟ قال: العجب.
أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
في كتاب الرجاء من الأحياء قال إبراهيم المطاف خلالي ليلة، وكانت ليلة مظلمة مطيرة فوقفت الملتزم، وقلت: يا رب اعصمني حتى لا أعصيك أبداً فهتف بي هاتف من البيت: يا إبراهيم أنت تسألني العصمة وكل عبادي المؤمنين يطلبون ذلك فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر؟ !
حوض أرسل إليه ثلاث أنابيب تملؤه إحداهما في ربع يوم، والأخرى في سدسه والأخرى في سبعه، وفي أسفله بالوعة تخليه في ثمن يوم ففي كم يمتلىء؟ .
طريقته: أن يستعلم ما تملؤه الجميع في يوم وهو سبعة عشر حوضاً، وما تفرغه البالوعة وهو ثمانية حياض فأنقصه من الأول يبقى تسعة، ففي اليوم الواحد يمتلىء تسع مرات فيمتلىء مرة في تسع النهار.
جمع الأعداد على النظم الطبيعي بزيادة واحد على الأخير وضرب المجموع في نصف الأخير وجمع الأزواج دون الأفراد بضرب نصف الزوج الأخير فيما يليه بواحد والعكس بزيادة واحد الفرد الأخير وتربيع الحاصل. وجمع المربعات المتوالية بزيادة واحد على ضعف العدد الأخير وبضرب ثلث المجموع في مجموع تلك الأعداد. وجمع المكعبات المتوالية بضرب مجموع تلك الأعداد المتوالية من الواحد في نفسه.
سئل سؤلون الحكيم أي شيء أصعب على الإنسان؟ فقال: معرفة عيب نفسه، والإمساك عن الكلام بما لا يعنيه.
طعن رجل على ديوجانس الحكيم في حسبه، فقال الحكيم: حسبي عيب علي عندك وأنت عيب على حسبك عندي.
ابن الفارض
أوميض برق بالأبيرق لاحا ... أم في ربي نجد أرى مصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرت ... ليلى فصيرت المساء صباحا
يا راكب الوجنا بلغت المنى ... إن جئت حزناً أو طويت بطاحا
وسلكت نعمان الأراك فعج إلى ... واد هناك عهدته فياحا
(2/166)

فبايمن العلمين من شرقية ... عرج وأم أرينه الفياحا
فإذا وصلت إلى ثنيات اللوى ... فانشد فؤاداً بالأبيطح طاحا
واقرأ السلام عريبة عني وقل ... غادرته لجنابكم ملتاحا
يا ساكني نجد أما من رحمة ... لأسير ألف لا يريد سراحا
هلا بعثتم للمشوق تحية ... في طي صافية الرياح رواحا
يحمى بها من كان يحسب هجركم ... مزحاً ويعتقد المزاح مراحا
يا عاذل المشتاق جهلاً بالذي ... يلقى ملياً لأبلغت نجاحا
أتعبت نفسك في نصيحة من يرى ... أن لا يرى الإقبال وإلا فلاحا
أقصر عدمتك واطرح من أثخنت ... أحشاءه نجل العيون جراحا
كنت الصديق قبيل نصحك مغرماً ... أرأيت صباً يألف النصاحا
إن رمت إصلاحي فإني لم أرد ... لفساد قلبي في الهوى إصلاحا
ماذا يريد العاذلون بعذل من ... لبس الخلاعة واستراح رواحا
يا أهل ودي هل لراجي وصلكم ... طمع؟ فينعم باله استرواحا
مذ غبتم عن ناظري لي أنة ملأت نواحي أرض مصر نواحا
وإذا ذكرتكم أميل كأنني من طيب ذكركم سقيت الراحا
وإذا دعيت إلى تناسي عهدكم ألفيت أحشائي بذاك شحاحا
سقياً لأيام مضت مع جيرة كانت ليالينا بهم أفراحا
حيث الحمى وطني وسكان الفضا سكني وورد الماء فيه مباحا
وأحيله إربي وظل نخيله طربي ورملة وادييه مراحا
واحاً على ذاك الزمان وطيبه أيام كنت من اللغوب مراحا
قسماً بمكة والمقام ومن أتى البيت الحرام ملبياً سياحا
ما رنحت ريح الصبا شيح الربى إلا وأهدت منكم أرواحا من النهج من كتاب كتبه أمير المؤمنين كرم الله وجهه إلى الحارث الهمداني جد جامع
(2/167)

الكتاب: وتمسك بحبل القرآن وانتصحه وأحل حلاله وحرم حرامه وصدق بما سلف من الحق واعتبر بما مضى من الدنيا على ما بقي منها، فإن بعضها يشبه بعضاً وآخرها لاحق بأولها كلها حايل مفارق وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت، ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق، واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكرهه لعامة المسلمين واحذر كل عمل إذا سئل صاحبه عنه أنكره واعتذر منه. ولا تجعل عرضك عرضاً لنبال القوم. ولا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذباً. ولا ترد على الناس كلما حدثوك به، فكفى بذلك جهلاً واكظم الغيظ واحلم عند القدرة، واصفح مع الغضب وتجاوز عند الدولة تكن لك العاقبة واستصلح كل نعمة أنعم الله عليك، ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك وليكن عليك أثر ما أنعم الله به عليك.
واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله، وأنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره، وما تؤخر يكن لغيرك خيره، واحذر صحابة من يفيل ريه أو ينكر عمله، فإن الصاحب معتبر بصاحبه واسكن الأمصار العظام فإنها جماع المسلمين، واحذر منازل الغفلة والجفا وقلة الأعوان على طاعة الله وأقصر رأيك على ما يعنيك وإياك ومقاعد الأسواق فإنها محاضر الشيطان، ومعاريض الفتن، وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه فإن ذلك من أبواب الشكر. ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا قاصداً في سبيل الله، أو في أمر تعذر به وأطع الله في جل أمورك فإن طاعة الله فاضلة على ما سواها، وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها ولا تقهرها وخذ عفوها ونشاطها إلا ما كان مكتوباً عليك من الفريضة، فإنه لابد من قضائها، وتعدها عند محلها. وإياك أن ينزل بك الموت، وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا. وإياك ومصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق، ووقر الله. وأحب أحباءه واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس والسلام.
من الملل والنحل، بقراط واضع الطب قال بفضله الأوايل والأواخر ومن كلامه الأمن مع الفقر، خير من الخوف مع الغنى.
ودخل على عليل. فقال: أنا والعلة وأنت ثلثة، فإن اعنتني عليها بالقبول لما أقول صرنا اثنين، وانفردت العلة والاثنان إذا اجتمعا على واحد غلباه.
وسئل ما بال الانسان أثور ما يكون بدنه إذا شرب الدواء؟ فقال: كما أن البيت أكثر ما يكون غباراً إذا كنس.
وقال يداوي كل عليل بعقاقير أرضه. فإن الطبيعة متطلعة إلى هواها، نازعة إلى غذائها
(2/168)

منه: كان ثانينة نقاشا حاذقا فأتى ديمقراطيس وقال: جصص بيتك حتى انقشه وأصوره لك، فقال ديمقراطيس، صوره أولا حتى أجصصه.
من كلام بعض الحكماء: الموت كسهم مرسل عليك وعمرك بقدر مسيره إليك.
غيلان الاصفهان يهجو
رغيفك في الامن يا سيدي ... يحل محل حمام الحرم
فلله درك من ماجد ... حرام الرغيف حلال الحرم
ابن فارس
اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقة
اياك واحذران تبيت ... من الثقاة على ثقة
في أحاديث شريفة عن زرارة عن أبي جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان واستجيب الدعاء، فطوبى لمن رفع له عمل صالح "
السيد الرضي
أملتكم لدفاع كل ملمة ... عني فكنتم عون كل ملمة
فلأرحلن رحيل لا متلهف ... لفراقكم أبداً ولا متلفت
ولأنفضن يدي يأساً منكم ... نفض الأنامل من تراب الميت
وأقول للقلب المنازع نحوكم ... أقصر هواك لك اللتيا والتي
يا ضيعة الأمل الذي وجهته ... طمعاً إلى الأقوام بل يا ضيعتي
لبعضهم:
(كيف يرجى الصلاح من أمر قوم ... ضيعوا الحزم فيه أي ضياع)
(فمطاع المقال غير سديد ... وسديد المقال غير مطاع)
من النهج: إن الله فرض عليكم فروضاً، فلا تضيعوها، وحد لكم حدوداً، فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء، فلا تهتكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلفوها.
قال بعض العارفين: قد جمعت مكارم الخصال في أربع: قلة الكلام، وقلة الطعام وقلة المنام، والاعتزال عن الأنام.
(2/169)

ينسب إلى المجنون
تمنيت من ليلى على البعد نظرة ... ليطفي جوى بين الحشا والأضالع
فقالت نساء الحي تطمع أن ترى ... بعينيك ليلى مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سوا ما في خروق المسامع
من النهج خالطوا الناس مخالطة أن متم معها بكوا عليكم وان عشتم حنوا إليكم. أعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم.
من كلامهم: لو صور الصدق لكان أسداً ولو صور الكذب لكان ثعلباً، للبستي
إذا صبحت الملوك فالبس ... من التوقى أعز ملبس
وادخل إذا ما دخلت أعمى ... وأخرج إذا ما خرجت أخرس
متاع التاجر في كسبه، ومتاع العالم في كراريسه.
قال يحيى بن معاذ: إنكسار العاصين أفضل عندنا من صولة المصلين.
من النهج: من أراد الغنى بلا مال، والعز بلا عشيرة، والطاعة بلا سلطان، فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله، فإنه واجد ذلك كله.
ومنه سئل عليه السلام عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود، فقال كرم الله وجهه: إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك والدين قل، فأما الآن وقد اتسع نطاقه، وضرب بجرانه، فأمره وما اختار. انتهى.
لبعضهم:
(لله تحت قباب العز طائفة ... أخفاهم في لباس الفقر إجلالا)
تقويم الشمس
اذا أردت معرفة تقويم الشمس في بلد معلوم العرض، فاعرف الفصل الذي أنت فيه من فصول السنة، واستعلم غاية ارتفاع الشمس ذلك اليوم، وخذ التفاوت بينه وبين تمام العرض أعني ميلها وعد بقدره من أجزاء المقنطرات على خط وسط السماء، مبتدياً من مدار رأس الحمل إلى مدار رأس السرطان؛ إن كانت في ربع الربيعي أو الصيفي، وإلا
(2/170)

فإلى مدار رأس الجدي، وعلم ما انتهى إليه العدد، ثم امرر ربعها على خط وسط السماء، فما وقع من المنطقة على العلامة فهو موضعها.
قولهم هذا الأمر مما تركب له أعجاز الابل، أي مما يقاسي لأجله الذل، والأصل في هذا المثل، إن الرديف كالعبد والأسير، ومن يجري مجراهما يركب عجز البعير؛ قاله الرضي في النهج عند قول أمير المؤمنين عليه السلام لنا حق فإن أعطيناه، وإلا ركبنا أعجاز الابل وإن طال السرى.
من شرح النهج لابن أبي الحديد في قوله: وطويت دونها كشحاً، قال الشارح أي قطعتها وصرمتها، وهو مثل قالوا لأن من كان إلى جنبك الأيمن مثلاً فطويت كشحك الأيسر، فقد ملت عنه؛ والكشح ما بين الخاصرة والجنب وعندي أنهم أرادوا غير ذلك وهو أن من أجاع نفسه، فقد طوى كشحه كما أن من أكل وشبع؛ فقد ملا كشحه، فكأنه قال كأني أجعت نفسي عنها، ولم اكتنفها
وقال الشيخ كمال الدين ابن ميثم البحراني: أنه عليه السلام نزلها منزلة المأكول الذي منع نفسه من أكله، وقيل أراد به بطي الكشح التفاته عنها كما يفعله المعرض.
عنه صلى الله عليه وآله قال، " ليجيئن يوم القيامة أقوام لهم من الحسنات كأمثال جبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار "، فقال يا نبي الله أمصلون فقال: " كانوا يصلون، ويصومون، ويأخذون وهنا من الليل، لكنهم كان إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه ".
قال بعض السلف؛ كن وصي نفسك، ولا تجعل الناس أوصيائك، كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك؛ وقد ضيعتها في حياتك
طرق معرفة ارتفاع الأرض وانخفاضها
إذا أردت إنشاء نهر أو قناة، فأردت أن تعرف صعود مكان على مكان وانخفاضه عنه، فلك فيه طرق: أحدها أن تعمل صفحة من نحاس أو غيره من الأجسام الثقيلة مثلثة متساوي الساقين وتضع على طرفيها لبنتين كما في عضادتي الاسطرلاب، وفي موقع العمود منها خيط رقيق في طرفه ثقالة، فإذا أردت الوزن أدخلت الصفحة في خيط طوله خمسة عشر ذراعاً وليكن الصفحة في حاق الوسط منه، وطرفاه على خشبتين طول كل واحدة خمسة أشبار مقومتين غاية
(2/171)

التقويم بيدي رجلين كل منهما في جهة والبعد بينهما بقدر طول الخيط وأنت تنظر في لسان الميزان فإن انطبق على المنجم فالأرض معتدلة، وإن مال فالمائل عنها هي العليا. وتعرف كمية الزيادة في العلو بأن تحط الخيط عن رأس الخشبة إلى أن تطابق المنجم واللسان، ومقدار ما نزل من الخيط هو الزيادة ثم تنقل إحدى رجلي الميزان إلى الجهة التي تريد وزنها وتثبت الأخرى إلى أن يتم العمل وتحفظ مقدار الصعود بخيط على حدة، وكذا مقدار الهبوط ثم يلقى القليل من الكثير فالباقي هو تفاوت المكانين في الإرتفاع، وإن تساويا شق نقل الماء وإن نزلت ما وقع إليها الثقل سهل ذلك، وإن علت امتنع. وهذه صورة الميزان وآلات الوزن وقد يستغنى عن الصفحة بالأنبوبة التي يصب فيها الماء من منتصفها، فإن قطر من طرفيها على السواء أنبأ عن التعادل وإلا عمل كما عرفت.
هذه كتابة كتبها العارف الواصل الصمداني الشيخ محيي الدين ابن عربي
حشره الله مع محبيه إلى الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وعلى وليي في الله فخر الدين محمد أعلى الله همته، وأفاض عليه بركاته ورحمته، وبعد، فإن الله يقول: " وتواصوا بالحق " وقد وقفت على بعض تؤاليفك وما أيدك الله به من القوة المتخيلة والفكرة الجيدة، ومتى تغدت النفس كسب يديها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب، وتكون ممن أكل من تحته، والرجل من يأكل من فوقه كما قال الله تعالى: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " وليعلم وليي وفقه الله تعالى: أن الوراثة الكاملة هي التي تكون في كل الوجوه لا من بعضها، والعلماء ورثة الأنبياء. فينبغي للعاقل العالم أن يجتهد لأن يكون وارثاً من كل الوجوه، ولا يكون ناقص الهمة، وقد علم وليي وفقه الله تعالى أن حسن الطبيعة الإنسانية بما تحمله من المعارف الإلهية وقبحها بضد ذلك. فينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها، فيفوته حظه من ربه وينبغي له أيضاً أن يشرح نفسه من سلطان فكره فإن الفكر يعلم مأخذه، والحق المطلوب ليس ذلك والعلم بالله غير العلم بوجود الله، فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة الله من حيث المشاهدة. وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقيه عند هذا من عالم الخيال، وهي الأنوار المتجسدة الدالة على معان وراءها، فإن الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن، والقرآن في صورة الحبل، والدين في صورة القبة. وينبغي
(2/172)

للعالي الهمة أن لا يكون معلمه مؤنثاً كما لا ينبغي أن يأخذ من فقير أصلاً، وكل ما لا كمال له إلا بغيره فهو فقير. وهذا حال كل ما سوى الله تعالى. فارفع الهمة في أن لا تأخذ علماً إلا من الله سبحانه على الكشف واليقين.
واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيه الغاية القصوى أداهم فكرهم إلى حال المقلد المصمم، فإن الأمر أجل وأعظم من أن يقف فيه الفكر، فما دام الفكر موجوداً فمن المحال أن يطمئن العقل ويسكن، وللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري ولها صفة القبول لما يهبه الله تعالى، فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبغي ماسوراً في تقييد نظره وكسبه، وإنه على شبهة في ذلك. ولقد أخبرني من ألفت به من إخوانك من له فيك نية حسنة. أنه رآك وقد بكيت يوماً فسألك هو ومن حضر عن بكاءك؟ فقلت مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي الساعة بدليل لاح لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي، فبكيت وقلت، لعل الذي لاح لي أيضاً يكون مثل الأول، فهذا قولك. ومن المحال على الواقف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح، ولاسيما في معرفة الله تعالى. فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة ولا تدخل طريق الرياضيات والمكاشفات والمجاهدات والخلوات التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنال ما نال من قال فيه سبحانه وتعالى: " عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً " ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة والمرتبة العظيمة الرفيعة.
وليعلم وليي وفقه الله تعالى أن كل موجود عند سبب ذلك السبب محدث مثله، فإن له وجهين: وجه ينظر به إلى سببه، ووجه ينظر به إلى موجده. وهو الله تعالى، فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم، والحكماء والفلاسفة كلهم وغيرهم إلا المحققين من أهل الله تعالى كالأنبياء والأولياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، فإنهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم، ومنهم من نظر إلى ربه من وجه سببه لا من وجهه. فقال: حدثني قلبي عن ربي وقال الآخر وهو الكامل: حدثني ربي ومن كان وجوده مستفاداً من غيره فإن حكمه عندنا لا شئيء فليس للعارف معول إلا الله سبحانه البتة وأعلم أن الوجه الإلهي الذي هو الله اسم لجميع الأسماء: مثل الرب والقدير والشكور، وجميعها كالذات الجامعة لما فيها من الصفات، فاسم الله مستغرق
(2/173)

لجميع الأسماء فتحفظ عند المشاهدة، فإنك لا تشاهده أصلاً، فإذا ناجاك به وهو الجامع فانظر ما يناجيك به وانظر المقام الذي تقتضيه تلك المناجاة، وتلك المشاهدة، وانظر أي اسم هو الذي خاطبك أو شاهدته فهو المعبر عنه بالتهول في الصورة كالغريق، إذا قال يا الله فمعناه: يا غياث أو يا منجي أو يا منقذ وصاحب الألم إذا قال يا الله فمعناه: يا شافي أو يا معافي وما أشبه ذلك.
وقولي لك التحول في الصورة ما رواه مسلم في صحيحه أن الباري تعالى يتجلى فينكر ويتعوذ منه فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها فيفترون بعد الإنكار، هذا هو معنى المشاهدة هيهنا والمناجاة والمخاطبات الربانية.
وينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم إلا ما يكمل به ذاته، وينتقل معه حيث انتقل وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى، فإن علمك بالطب إنما يحتاج إليه في عالم الأمراض والأسقام، فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه السقم ولا المرض ممن تداوي بذلك العلم، وكذلك العلم بالهندسة إنما يحتاج إليه في عالم المساحة فإذا انتقلت تركته في عالمه ومضت النفس ساذجة ليس عندها شيء منه، وكذلك الاشتغال بكل علم تركته النفس عند انتقالها إلى اشتغال الآخرة.
فينبغي للعاقل أن لا يأخذ منه إلا ما مست إليه الحاجة والضرورة، وليجتهد في تحصيل ما ينتقل معه حيث انتقل وليس ذلك إلا علمان خاصة العلم بالله، والعلم بمواطن الآخرة ما يقتضيه مقاماتها حتى يمشي فيها كمشيه في منزله، فلا ينكر شيئاً أصلاً، فلا يكون من الطائفة التي قالت عندما تجلى لها ربها: نعوذ بالله منك لست ربنا. ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا فلما جاءهم في الصورة التي عرفوها أقروا به فما أعظمها من حسرة، فينبغي للعاقل الكشف عن هذين العلمين بطريق الرياضة والمجاهدة والخلوة على الطريقة المشروطة.
وكنت أريد أن أذكر الخلوة وشروطها، وما يتجلى فيه على الترتيب شيئاً بعد شيء لكن منع مني ذلك الوقت وأعني بالوقت علماء السوء الذين أنكروا ما جهلوا، وقيدهم التعصب وحب الظهور والرياسة عن الإذعان للحق والتسليم له إن لم يكن الإيمان به والله ولي الكفاية: كان توبة بن الصمة محاسباً لنفسه في أكثر أوقات ليله ونهاره، فحسب يوماً ما مضى من عمره فإذا هو ستون سنة، فحسب أيامها فكانت إحدى وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم، فقالت: يا ويلتا ألقى مالك بإحدى وعشرين ألف ذنب ثم صعق صعقة كانت فيها نفسه.
(2/174)

قال بوزرجمهر: من لم يكن له أخ يرجع إليه في أموره، ويبذل نفسه وما له في شدته فلا يعدن نفسه من الأحياء.
وقال بعض الحكماء: لا تساغ مرارة الحياة، إلا بحلاوة الإخوان الثقات. وقال بعضهم: من لقي الصديق الذي يفضي إليه بسره، فقد لقي السرور بأسره وخرج من عقال لهم بعمره.
وقيل: لقاء الخليل يفرج الكروب، وفراقه يقرح القلوب.
من كتاب أدب الكاتب يذهب الناس إلى أن الظل والفيء واحد، وليس كذلك: لأن الظل يكون من أول النهار إلى آخره ومعنى الظل الستر، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال ولا يقال لما كان قبل الزوال فيء، وإنما سمي فيئاً: لأن الظل فاء من جانب إلى جانب: أي رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، والفيء الرجوع قال الله تعالى: " حتى تفيء إلى أمر الله " أي ترجع.
قيل لأعرابي: كيف حالك؟ فقال: بخير أمزق ديني بالذنوب وأرقعه بالإستغفار وإليه ينظر قول الشاعر:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فطوبى لعبد آثر الله ربه وجاد بدنياه لما يتوقع
لبعضهم
ولما توافينا بمنعرج اللوى بكيت إلى أن كدت بالدمع أشرق
فقالت أتبكي؟ {والتواصل بيننا فقلت ألسنا بعده نتفرق؟}
قال بعضهم: عشيرتك من أحسن عشرتك، وعمك من عمك خيره، وقريبك من قرب منك نفعه.
قال ابن السكين: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال رجل شريف ماجد أي له آباء متقدمون في النبالة والشأن، وأما الحسب والكرم فيكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء ذو نبل وشرف.
لبعض الأعراب:
تسبق أموالنا مؤملنا ... لا يعترينا مطل ولا بخل
تسمح قبل السؤال أنفسنا ... بخلا على ماء وجه من يسل
(2/175)

لبعضهم:
إذا قال مال المرء قل بهاؤه ... وضاقت عليه أرضه وسملؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراؤه
وإن غاب لم يشتق إليه خليله ... وإن عاش لم يسرر صديقا بقاؤه
وللموت خير لأمرئ خصاصة ... من العيش في ذل كثير عناؤه
ولبعضهم:
إنما الدنيا فناء ... ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت ... نسجته العنكبوت
كل ما فيها لعمري ... عن قليل سيفوت
ولقد يكفيك منها ... أيها الطالب قوت
الابل اسم جمع لا واحد له من لفظه وهو مؤنث لأن اسم الجمع لغير العاقل يلزم التأنيث وإذا صغرت الإبل قلت أبيله بالهاء.
سئل بعض العارفين امرأة في البادية؛ ما الحب عندكم؟ فقال: جل فلا يخفى أو دق فلا يرى وهو كامن في الحشاكمون النار في الصفا، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى.
من كتاب أنيس العقلاء اعلم أن النصر مع الصبر والفرج من الكرب واليسر مع العسر.
قال بعض الحكماء بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور؛ وقال بعضهم عند انسداد الفرج تبدو مطالع الفرح.
ولله در من قال
الصبر مفتاح ما يرجى ... وكل صعب به يهون
فاصبروا إن طالت الليالي ... فربما أمكن الحزون
وربما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات لا يكون
جار الله الزمخشري
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت هي الدرر التي قد حشى بها ... أبو مضر اذني تساقط من عيني
(2/176)

الصلاح الصفدي
نزهت طرفي في وجه ظبى ... كم نلت في الحب منه منة
لم أشق من بعدها لأني ... نعمت في وجنة وجنة
دخل بعضهم على المأمون في مرضه الذي مات فيه، فوجده قد أمر أن يفرش له جل الدابة، وبسط عليه الرماد وهو يتمرغ عليه ويقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه.
لغويات
من كتاب تقويم اللسان لابن الجوزي، جواب لا يجمع وقول العامة أجوبة كتبي وجوابات كتبي غلط والصحيح جواب كتبي.
حاجات وحاج جمع حاجة وحوائج غلط.
يقال حميت المريض لا أحميته.
يقال للقائم اقعد وللنائم اجلس، والعكس غلط، يقال الحمد لله كان كذا لا الذي كان كذا.
العروس يقال للرجل والمرأة لا للمرأة فقط، لا يقال كثرت عيلته، إنما يقال: كثرت عياله، والعيلة الفقر.
المصطكي بفتح الميم والضم غلط.
الصلاح الصفهدي:
قد أنزل الدهر حظي بالحضيض إلى ... أن اغتديت بما ألقاه منه لقا
يضوع عرف اصطباري إذ يضيعني ... والعود يزداد طيبا كلما حرقا
أبو الفتح البستي
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وإني له خلق واحد ... وفيه طبايعه الأربع
محمد بن عبد العزيز النبلي:
وذي جدال لنا كشفت له ... عن خطأ كان قد تعسفه
فلم يجبني بغير ضحكته ... والضحك في غير موضع سفه
(2/177)

لبعضهم:
لسان من يعقل في قلبه ... وقلب من يجهل في فيه
يمكن استخراج خط نصف النهار من الارتفاع، بأن ترضد غاية الارتفاع للشمس في يوم مفروض، وتخرج من أصل المقياس في الأرض المستوية على منتصف عرض الظل خطا على استقامة الظل، وتمده في الجهتين فهو خط نصف النهار. انتهى.
خسر وفريدوزين جلال الدين يصف ناقته:
إذا برها السرى مالت نواظرها ... تشكو إلى الركب ما تلقاه في الركب
دعاء السمات
اللهم إني أسألك بإسمك العظيم الأعظم الأعظم الأعظم الأعز الأجل الأكرم الذي إذا دعيت به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت وإذا دعيت به على مضائق أبواب الأرض للفرج انفرجت وإذا دعيت به على العسر لليسر تيسرت وإذا دعيت به على الأموات للنشور انتشرت وإذا دعيت به على كشف البأساء والضراء انكشفت وبجلال وجهك الكريم أكرم الوجوه وأعز الوجوه الذي عنت له الوجوه وخضعت له الرقاب وخشعت له الأصوات ووجلت له القلوب من مخافتك وبقوتك التي تمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك وتمسك السماوات والأرض أن تزولا وبمشيئتك التي دان لها العالمون وبكلمتك التي خلقت بها السماوات والأرض وبحكمتك التي صنعت بها العجائب وخلقت به الظلمة الظلمات وجعلتها ليلاً وجعلت الليل سكناً وخلقت بها النور وجعلته نهاراً وجعلت النهار نشوراً مبصراً وخلقت بها الشمس ضياء وخلقت بها القمر وجعلت القمر نوراً وخلقت بها الكواكب وجعلتها نجوماً وبروجاً ومصابيح وزينة رجوماً وجعلت لها مشارق ومغابر وجعلت لها مطالع ومجاري وجعلت لها فلكاً ومسابح وقدرتها في السماء منازل فأحسنت تقديرها وصورتها فأحسنت تدبيرها وسخرتها بسلطان الليل وسلطان النهار والساعات وعدد السنين والحساب وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرئى مراء واحداً وأسألك اللهم بمجدك الذي كلمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران في المقدسين فوق إحساس الكروبين فوق غمائم النور فوق تابوت الشهادة في عمود النار في طور سيناء وفي جبل حوريث في الوادي المقدس في البقعة المباركة من جانب الطور الأيمن من الشجرة وفي أرض مصر بتسع آيات بينات ويوم فرقت لبني
(2/178)

إسرائيل وفي المنبجسات التي صنعت بها العجائب في بحر سوف وعقدت بها ماء البحر في قلب الغمر كالحجارة وجاوزت ببني إسرائيل البحر وتمت كلمتك الحسنى عليهم بما صبروا وأورثتهم مشارق الأرض ومغاربها التي باركت عليهم فيها للعالمين وأغرقت فرعون وجنوده ومراكبهم في اليم وباسمك العظيم الأعظم الأعظم الأجل الأكرم وبمجدك الذي تجليت به لموسى عليه السلام كليمك في طور سيناء ولإبراهيم خليلك عليه السلام من قبل في مسجد الخيف ولإسحاق صفيك في بئر شيع وليعقوب نبيك عليه السلام في بيت إيل وأوفيت لإبراهيم عليه السلام بميثاقك ولإسحاق بحلفك وليعقوب بشهادتك وللمؤمنين بوعدك وللداعين بأسماءك فأجبت وبمجدك الذي ظهر لموسى بن عمران عليه السلام على قبة الرمان وبأيدك التي رفعت على أرض مصر بمجد العزة والغلبة بآيات عزيزة وبسلطان القوة وبعزة القدرة وبشأن الكلمة التامة وبكلماتك التي تفضلت بها على أهل السماوات والأرض وأهل الدنيا والآخرة وبرحمتك التي مننت بها على جميع خلقك وباستطاعتك التي أقمت بها على العالمين وبنورك الذي قد خر من فزعه طور سيناء وبعلمك وجلالك وكبرياءك وعزتك وجبروتك التي تستقلها الأرض وانخفضت لها السماوات وانزجر لها العمق الأكبر وركدت لها البحار والأنهار وخضعت لها الجبال وسكنت لها النيران في أوطانها وبسلطانك الذي عرفت لك به الغلبة دهر الدهور وخمدت به في السماوات والأرضين وبكلمتك كلمة الصدق التي سبقت لأبينا آدم وذريته بالرحمة وأسألك بكلمتك التي غلبت كل شيء وبنور وجهك الذي تجليت به للجبل فجعلته دكاً وخر موسى صعقاً وبمجدك الذي ظهر على طور سيناء فكلمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران وبطلعتك في ساعير وظهورك في جبل فاران بربوات المقدسين وجنود الملائكة الصافين وخشوع الملائكة المسبحين وببركاتك التي باركت فيها لإبراهيم خليلك عليه السلام في أمة محمد صلواتك عليه وآله وباركت لإسحاق صفيك في أمة عيسى عليه السلام وباركت ليعقوب إسرائيلك في أمة موسى عليه السلام وباركت لحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم في عترته وذريته وأمته اللهم وكما غبنا عن ذلك ولم نشهده وآمنا به ولم نره صدقاً وعدلاً أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تبارك على محمد وآل محمد وترحم على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد فعال لما تريد وأنت على كل شيء قدير شهيد ثم اذكر ما تريد. ثم قل يا الله يا حنان يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين اللهم
(2/179)

بحق هذا الدعاء وبحق هذه الأسماء التي لا يعلم تفسيرها ولا يعلم ظاهرها ولا يعلم باطنها غيرك صل على محمد وآل محمد وافعل بي كذا وكذا وانتقم لي من فلان بن فلان واغفر لي ذنوبي ما تقدم منها وما تأخر ووسع علي من حلال رزقك واكفني مؤنة إنسان سوء وجار سوء وسلطان سوء إنك على كل شيء قدير وبكل شيء عليم آمين رب العالمين انتهى
قال في حكمة الإشراق عند ذكر الجن والشياطين: وقد شهد جمع لا يحصى عددهم من أهل دربند من مدن شيروان، وقوم لا يعدون من أهل ميانج من مدن آذربايجان أنهم شاهدوا هذه الصور كثيراً بحيث أكثر أهل المدينة كانوا يرونهم دفعة في مجمع عظيم على وجه ما أمكنهم دفعهم، وليس ذلك مرة أو مرتين بل كل وقت يظهرون ولا يصل إليهم أيدي الناس. انتهى.
ولله در من قال
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت انسان فكدت أطير
أسلك من الطرق المناهج ... وأصبر ولو حملت عالج
وسع همومك لا تضق ... ذرعاً بها فلها مخارج
إذا رأيت أموراً منها القلوب تفتت ... فتش عليها تجدها من النساء تأتت
ابن الفارض
قلبي يحدثني بأنك متلفي ... روحي فداك عرفت أم لم تعرفي
لم أقض حق هواك أن كنت الذي ... لم أقض فيه أسى ومثلي من يفي
ما لي سوى روحي وباذل نفسه ... في حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني ... يا خيبة المسعى إذا لم تسعف
يا مانعي طيب المنام ومانحي ... ثوب السقام به ووجدي المتلفي
عطفاً على رمقي وما أبقيت لي ... من جسمي المضني وقلبي المدنف
فالوجد باق والوصال مماطلي ... والصبر فان واللقاء مسوفي
(2/180)

لم أخل من حسد عليك فلا تضع ... سهري بتشييع الخيال المرجف
وأسأل نجوم الليل هل زار الكرى ... جفني وكيف يزور من لم يعرف
وبما جرا في موقف التوديع من ... ألم النوى شاهدت هول الموقف
إذ لم يكن وصل لديك فعد به ... أملي وماطل إن وعدت ولا تفي
فالمطل منك لدي إن عز اللقا ... يحلو كوصل من حبيب مسعف
اهفوا لأنفاس النسيم تعلة ... ولوجه من نقلت شذاه تشوفي
فلعل نار جوانحي بهبوبها ... أن تنطفي وأودان لا تنطفي
يا أهل ودي أنتم أملي ومن ... ناداكم يا أهل ودي قد كفي
عودوا لما كنتم عليه من الوفا ... كرما فإني ذلك الخل الوفي
وحياتكم وحياتكم قسماً وفي ... عمري بغير حياتكم لم أحلف
لو أن روحي في يدي ووهبتها ... لمبشري بقدومكم لم أنصف
لا تحسبوني في الهوى متصنعا ... كلفي بكم خلق بغير تكلف
أخفيت حبكم فأخفاني أسى ... حتى لعمري كدت عني أختفي
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف
أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من يصطفي
قل للعذول أطلت لومي طامعاً ... إن الملام عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
برح الخفاء بحب من لو في الدجا ... سفر اللثام لقلت يا بدر اختفي
وكتمه عني لو ابديته ... لو جدته أخفى من اللطف الخفي
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف
أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من يصطفي
قل للعذول أطلت لومي طامعاً ... إن الملام عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
برح الخفاء بحب من لو في الدجا ... سفر اللثام لقلت يا بدر اختفي
وإن اكتفى غيري بطيف خياله ... فأنا الذي بوصاله لا أكتفي
وقف عليه محبتي وبمحنتي ... بأقل من تلفى به لا أشتفي
وهواه وهو اليتي وكفى به ... قسماً أكاد أجله كالمصحف
لو قال تيهاً قف على جمر الغضاء ... لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف
أو كان من يرضى بخدي موطئاً ... لوضعته أرضاً ولم أستنكف
(2/181)

غلب الهوى فأطعت أمر صبابتي ... من حيث فيه عصيت نهي معنفي
مني له ذل الخضوع ومنه لي ... غز المنوع وقوة المستضعفي
ألف الصدود ولي فؤاد لم يزل ... مذ كنت غير وداده لم يألف
يا ما أميلح كل ما يرضى به ... ورضا به ياما أحيلاه بفي
لو أسمعوا يعقوب بعض ملاحة ... في وهه نسى الجمال اليوسفي
أو لو رآه عائدا أيوب في ... سنة الكرى قدما من البلوى شفي
كل البدور إذا تجلى مقبلا ... تعنوا إليه وكل قد أهيف
إن قلت عندي فيك كل صبابه ... قال الملاحة لي وكل الحسن في
كملت محاسنه فلو أبدى السنا ... للبدر عند تمامه لم يخسف
وعلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
ولقد صرفت لحبه كلي على ... يد حسنه فحمدت حسن تصرفي
فالعين تهوى صورة الحسن التي ... روحي بها تصبو إلى معنى خفي
أسعد أخي وغن لي بحديثه ... وانثر على سمعي حلاه وشنف
لأرى بعين السمع شاهد حسنه ... معنى فاتحفني بذاك وشرف
يا أخت سعد من حبيبي جئتني ... برسالة أديتها بتلطف
فسمعت ما لم تسمعي ونظرت ما ... لم تنظري وعرفت ما لم تعرفي
إن زاد يوماً يا حشاي تقطعي ... كلفا به أو ساريا عين اذرفي
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ... إن غاب عن إنسان عيني فهو في
قال الشريف المرتضي ره، خطر ببالي إن أفرد ما قيل فيمن ضاجع محبوبته وهو مرتدء سيفاً في تلك الحال فاتكلم على محاسنه، فأنه معنى مثمر مقصود، ثم أنه أورد بعد كلام طويل هذه الأبيات الثلاثة لامرئ القيس:
فبتنا نذود الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعرف لنا الناس مضجعا
تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وترخي على السابري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا وقال رأيت قوماً من متعمقي أصحاب المعاني يقولون، أراد بالمأثور السيف وعني
(2/182)

أنه كان مقلداً حال مضاجعته لها سيفاً؛ وأنها كانت تتجافى عنه استثقالاً له ثم قال بعد كلام: والذي يقوي في نفسي أن امرأ القيس لم يعن هذا المعنى، وإنما عني أنها تتجافى عن الحديث المأثور بيني وبينها من الوشايات، والسعايات التي يقصد بها الوشاة تفريق الشمل وتقطيع الحبل، وإنها تعرض عن ذلك كله، وتطرحه، وتقبل على ضمي، واعتناقي وإدخالي معها في غطاء واحد، ثم قال، ولفظة مأثور تصلح للحديث وللسيف فمن أين لنا بغير دليل القطع على إحدى المعنيين؟ فالأولى التوقف عن القطع، ثم أنه طول الكلام ورجح في آخره إن إرادة الكلام أولى، ثم قال. ولم أحجد ما بين امرئ القيس: وبين أبي الطيب من ألم بهذا المعنى، ثم أورد لأبي الطيب قوله:
وقد طرقت فتاة الحي مرتدياً ... بصاحب غير عز هاة ولا عزل
فبات بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل
ثم أنه أورد بعد كلام طويل يستغرق بياض الصفحة أبياتاً لأخيه الشريف الرضي في هذا المضمون، وقال ما وجدت لأحد من الشعراء بين المتنبي وبين أخي الرضي شيئاً في هذا المعنى ووجدت له رحمة الله عليه، أبياتاً جيدة هي هذه:
تضاجعني الحسناء والسيف دونها ... ضجيعان لي والعضب أدناهما مني
إذا دنت البيضاء مني لحاجة ... أبى الأبيض الماضي فماطلها عني
وإن نام لي في الجفن انسان ناظر ... تيقظ مني ناظر لي في الجفن
أغرت فتاة الحي مما ألفتني ... أعلله بين الشعار من الظن
وقالوا هبوه ليلة الأمن ضمه ... فما عذره في ضمه ليلة الأمن
ثم قال وهذه الأبيات استوفت هذا المعنى واستوعبته واستغرقته، وطول الكلام في مدحها ثم قال في ديوان شعري نظم هذا المعنى في اقطاع، أنا أثبتها لتعلم زيادتها على ما تقدم ورجحانها فمن تلك الاقطاع قولي:
لما اعتنقنا ليلة الرمل ... ومضاجعي ما بيننا نصلي
قالت أما ترضي ضجيعك من ... جسمي الرطيب ومعصمي الطفل
ألا احتملت فراق نصلك ذا ... في هذه الظلماء من أجلي
انظر إلى ضيق العناق بنا ... تنظر إلى عقد بلا حل
لا بيننا يجري العقار ولا ... فصل به لمدبة النمل
(2/183)

فأجبتها أني أخاف إذا ... فطنوا بنا أهلوك أو أهلي
عديه مثل تميمة نصبت ... كيلا نصاب بأعين بخلي
إني أخاف العار يلصق بي ... يوماً ولا أخشى من القتل
ثم قال: ومن ذلك قولي أيضاً:
ولما تعانقنا ولم يك بيننا ... سوى صارم في جفنه لا من الجبن
كرهت عناق السيف من أجل جفنه ... فها عانقي مني حساماً بلا جفن
فما كنت إلا منه في قبضة الحمى ... ولا ذقت إلا عنده لذة الأمن
ويجني على من شئت منك غراره ... وأما عليك ساعة فهو لا يجني
ثم قال ولي مثله:
أنكرت ليلة اعتنقنا حسامي ... وهو ملقى بيني وبين الفتاة
إن يكن عائقاً يسيراً عن الضم ... فما زال واقياً من عداتي
هو قرب صفو ولا بدفي ... كل صفات تناله من قذاة
وانتفاع وما رأينا انتفاعاً ... أبد الدهر خالياً من قذاة
ثم قال ولي مثله أيضاً:
زرت هنداً ومن ظلام قميصي ... لا بوعد ومن نجاد ردائي
واعتنقنا وبيننا جفن ماض ... في فراش الرؤس أي مضاء
وتجافت عنه وليس لها أن ... أنصفت عن جواره من إباء
إنه حارس لنا غير أن ليس ... علينا من جملة الرقباء
لك في النحر من عيون تميم ... فاحسبيه نميمة الأعداء
هو ساه عن الذي نحن فيه ... من حديث وقيلة واشتكاء
ودعيني طوال هذا التداني ... ناعماً لا أخاف غير الثنائي
فلئن مس فبه بعض عناء ... فعناء مستثمر من عناء
ثم قال ومثل هذا المعنى قولي: ولما أردت طروق الفتاة ... وصاحبني صاحب لا يغار
(2/184)

صموت اللسان بعيد السماع ... فسري مكتتم والجهار
وضاق العناق فصار الرداء ... لها ملبساً ولباسي الخمار
وما لفنا كالنفاف الغصون ... جميعاً هنالك إلا الأزار
وطاب لنا بعد طول البعاد ... ذاك الحديث وذاك الحوار
شربت بريقتها خمرة ... ولكنها خمرة لا تدار
كان الظلام بأشراق ما ... أنالت وأعطته منها نهار
وأثر في جيدها ساعدي ... وأثر في جانبي السوار
فلو صبت الكأس ما بيننا ... لما خرجت من يديها العقار
وناب مناب ليال طوال ... تقصر هذي الليالي القصار
ثم قال وأنا الآن أنبه على معاني أبياتي وما شابه، منها ما تقدم، وما زاد عليه وتجاوزه ثم أنه أطنب الكلام في ذلك، وأخذ في ذكر محاسن أبياته، وبيان ما لاحظ فيها من النكات بياناً طويلاً؛ قريباً من خمسين سطراً، وبه انتهت الرسالة، وهي منقولة من خط س.
حكم
مقاربة الناس في أخلاقهم لمن من غوائلهم.
من طلب شيئاً ناله أو بعضه.
زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس.
ذكروا أن من التجنيس التام قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون، ما لبثوا غير ساعة} ابن أبي الحديد في كتابه المسمى بالفلك الدائر على المثل السائر " ينازع في هذا المعنى، ويقول: إن المعنى واحد فإن يوم القيامة وإن طال فهو عند الله تعالى كالساعة الواحدة عند أحدنا، وحينئذ فإطلاق الساعة عليه مجاز، فهو كقولنا رأيت أسداً أو زيد أسد، وأردنا بالأول الحيوان المفترس، وبالثاني الرجل الشجاع معرفة عرض البلد: خذ غاية ارتفاع الشمس متى شئت، وأنقص منه مليها إن كان شمالياً، أو زده عليه إن كان جنوبياً، فما بقي أو حصل فهو تمام العرض، فأنقصه من ص يبقى العرض.
طريق آخر أسقط غاية انحطاطه كوكب أبدى الظهور من غاية ارتفاعه، وزد نصف الباقي على غاية الإنحطاط وأنقصه من غاية الإرتفاع، فما حصل أو بقي فهو عرض البلد.
طريق آخر سهل وهو أن تجمع الغايتين المذكورتين وتنصف المجموع فنصفه عرض البلد
(2/185)

لله در من قال
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالجهل فعل ذوي الجهل
وخلط إذ لاقيت يوماً مخلطاً ... يخلط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
السيد عبد الرحيم عباسي
يا فؤادي وأين مني فؤادي ... لست أدريه ضل في أي وادي
شعب الحب قد تشعب قلبي ... في ذراها وغاب عنها الهادي
يا خليلي أن تمرا بلعل ... فأنشداه ما بين تلك الوهاد
فهو في قبضة الغرام أسير ... دون فادو هالك دون وادي
ليس غير الصدا يرد جواباً ... لي عنه في حالة الانشاد
كلما قلت أين غاب فؤادي ... رد لي منه أين غاب فؤادي
أبو الشيص
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت احبهم ... اذ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي عايداً ... ما من يهون عليك ممن يكرم
أشرف الأعداد
أشرف الأعداد العدد التام؛ وهو ما كانت أجزاؤه مساوية له، قالوا: ولهذا كان عدد الأيام التي خلقت فيها السموات والأرض وهو الستة كما نطق به الذكر الحكيم؛ وأما العدد الزائد والناقص فما زادت عليه أجزاؤه أو نقصت كالأثني عشر، فأنه زائد والسبعة فانها ناقصة اذ ليس لها إلا السبع، قال في الأنموذج وقد نظمت قاعدة في تحصيل العدد التام فقلت:
جو باشد فرد أول ضعف ... زوج الزوج كم واحد
بود مضرب إيشان تام ورنه ناقص وزايد
ومعناه أنه يؤخذ زوج الزوج، وهو زوج لا يعده من اأفراد سوى الواحد، وبعبارة
(2/186)

أخرى عدد لا يعده عدد فرد، وهذا مبني على أن الواحد ليس بعدد كالاثنين في المثال المذكور، ويضعف حتى يصير أربعة، ويسقط منه واحد حتى يصير ثلاثة، وهو فرد أول لأنه لا يعده سوى الواحد فرد آخر، وهو المراد بالفرد الأول؛ فيضرب الثلاثة في الاثنين الذي هو زوج الزوج، فيصير ستة، وهو عدد التام وقس عليه، مثلاً نأخذ الأربعة وهو زوج الزوج ونضعفه حتى يصير ثمانية، واسقطنا منه واحداً صار سبعة، وهو فرد أول فنضربه في الأربعة فيصير ثمانية وعشرين، وهو أيضاً عدد تام، ومن خواص العدد التام أنه لايوجد في كل مرتبة من الأحاد والعشرات وما فوقها إلا واحداً، مثلاً لا يوجد في مرتبة الآحاد إلا الستة، وفي العشرات الا الثمانية والعشرين، فقس عليه واستخرج البواقي كما عرفت.
المعلول أن اعتبر من حيث نسبته إلى العلة على الوجه الذي انتسب إليها كان له تحقق وان اعتبر ذاتاً مستقلة كان معدوماً بل ممتنعاً كالسوادان اعتبر على النحو الذي هو في الجسم كان موجوداً، وان اعتبر على أنه ذات مستقلة كان معدوماً بل ممتنعاً انتهى
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو يجود بنفسه فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الرجاء والخوف لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا بلغه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف ".
قال بعض الحكماء: الصبر صبران، صبر على ما يكره، وصبر على ما يحب، والثاني أشدهما على النفوس.
لبعضهم.
دهر علا قدر الوضيع به ... وترى الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤة ... سفلاً ويعلو فوقه جيفه
لا غرو ان فاق الدني أخا العلا ... في ذا الزمان وهل لذلك جاحد
فالدهر كالميزان يرفع كلما ... هو ناقص ويحط ما هو زائد
من كتاب أنيس العقلاء
، قال: أنه قد يحدث الولاية لاقوام اخلاقاً مذمومة، يظهرها سوء طباعتهم ولآخرين
(2/187)

فضايل محمودة ينشرها زكي شيمهم لأن لتقلب الأحوال سكرة يظهر من الأخلاق مكنونها ويبرز من السرائر مخزونها، لا سيما اذهبت من دون تأهب وهجمت من غير تدرج.
قال الفضل بن سهل من كانت ولايته فوق قدره تكبر لها، ومن كانت ولايته دون قدره تواضع لها، وأخذ هذا المضمون بعض البلغاء، وزاد عليه، فقال الناس في الولاية اثنان: رجل يحل عن العمل بفضله ومروته، ورجل يجل بالعمل لنقصه ودنائته، فمن جل عن عمله ازداد به تواضعاً وبشراً، ومن جل عنه عمله تلبس به تجبراً وكبراً.
من صفات الدنيا
قال بعض الحكماء: الموت كسهم مرسل عليك وعمرك بقدر مسيره إليك.
من كلام بعض البلغاء الدنيا إن أقبلت بلت وإن أدبرت برت أو أطنبت بنت أو أركبت كبت أو بهجت هجت أو أسعفت عفت أو أينعت نعت أو أكرمت رمت أو عاونت ونت. أو ما جنت جنت، أو سامحت محت أو صالحت لحت أو واصلت صلت أو بالغت لغت، أو وفرت فرت أو زوجت وجت أو نوهت وهت أو ولهت لهت أو بسطت سطت.
الذي في أكثر التفاسير المحدث عنه بقوله تعالى: " عبس وتولى " هو النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه ابن أم مكتوم، وعنده صناديد قريش، والقصة مشهورة وذهب بعضهم إلى أن المحدث عنه رجل من بني أمية كان عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي عبس لما دخل ابن أم مكتوم وهو يذهب الشريف المرتضي، قال ان العبوس ليس من صفاته صلى الله عليه وسلم، مع الأعداء المباينين فضلاً عن المؤمنين المسترشدين، وكذا التصدي للأنبياء، والتلهي عن الفقراء ليسا من سماته كيف وهو القائل: الفقر فخري والوارد في شأنه وأنك لعلي خلق عظيم.
وقد روى عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ان الذي عبس كان رجلاً من بني أمية لا النبي صلى الله عليه وسلم.
قال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحياءك من ربك وقال بعضهم. من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر، ودعا قوم رجلاً كان يألفهم في المداعبات، فلم يجبهم، وقال: إني دخلت البارحة الأربعين وأنا استحي من سني.
(2/188)

قال بعض ال
حكماء ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعا من السطوة، ولا معقلاً من البطشة.
من الأحياء خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر يغتسل عندها فامسك حذيفة بن اليمان بالثوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وستره به، حتى اغتسل ثم جلس حذيفة ليغتسل فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب وقام يستر حذيفة من الناس فأبى حذيفة وقال بأبي وأمي أنت يا رسول الله لا تفعل فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أن يستره بالثوب حتى اغتسل، وقال: صلى الله عليه وسلم ما اصطحب اثنان قط الا وكان أحبهما إلى الله رفقهما بصاحبه.
من كان في قلبه خردلة ... سوى جلالك فاعلم أنه مرض
حكم
نبذ من كلام جار الله الزمخشري، من زرع الاحن حصد المحن، كثرة المقالة عثرة غير مقالة إلى كم اصبح وأمسى ويومي شر من أمسى، لا بد للفرس من سوط وإن كان بعيد الشوط، لا بد من ذامع ذيا والدبران تلو الثريا شعاع الشمس لا يخفى ونور الحق لا يطفى كم لا يدي الركاب من أياد في الرقاب البراطيل تنصر الأباطيل اتزعم أنك صائم وأنت في لحم أخيك سائم ما أدري أيهما أشقى من يعوم في الأمواج أم من يقوم على الازواج لا ترض لمجالستك الا أهل مجانستك أهيب وطأة من الأسد من يمشي في طريق الأسد.
اذا كثر الطاغون ارسل الله الطاعون.
أعمالك نية أن لم تنضجها النية.
لا يجد الأحمق لذة الحكمة، كما لا يلتذ بالورد صاحب الزكمة.
طوبى لمن كانت خاتمة عمره كفاتحته، وليست أعماله بفاضحته.
حدى بعض الثقات أن رجلاً من المنهمكين في الفساد مات في نواحي البصرة، فلم تجد امرأته من يعينها على حمل جنازته، لتنفر الطباع عنه فأستأجرت من حملها إلى المصلى فما صلى عليها أحد، فحملوها إلى الصحراء للدفن، وكان على جبل قريب من الموضع زاهد مشهور، فرأوه كالمنتظر للجنازة، فقصدها ليصلي عليها فانتشر الخبر في البلدان فلان الزاهد نزل يصلي على فلان، فخرج أهل البلد فصلوا معه عليها، وتعجب الناس من صلوة الزاهد فقيل له في ذلك: فقال: رأيت في المنام انزل إلى الموضع الفلاني ترى فيه جنازة ليس معها أحد الا امرأة فصل عليها، فانه مغفور له، فازداد تعجب الناس من ذلك، فاستدعى الزاهد امرأة الميت، وسألها عن حاله، فقالت كان طول نهاره
(2/189)

مشغولاً بشرب الخمر، فقال: هل تعرفين له شيئاً من أعمال الخير؟ فقالت ثلاثة: كان كل يوم يفيق من سكره وقت الصبح فيبدل ثيابه ويتوضأ ويصلي الصبح.
الثاني: أنه كان لا يخلوا بيته من يتيم أو يتيمين، وكان أحسانه اليهم أكثر من احسانه إلى أولاده.
الثالث: أنه كان يفيق من سكرة في أثناء الليل، فيكبي ويقول: يا رب أي زاوية من زوايا جهنم تريد أن تملأها بهذا الخبيث؟ لما مات المهدي لبس حواريه مسوحاً سوداً، وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
رحن بالوشي وأصبحن عليهن المسوح ... كل نطح وان عاش له يوم تطوح بين عيني كل حي علم الموت يلوح ... كلنا في غفلة والموت يغدو ويروح
احسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح ... نح على نفسك يا مسكين أن كنت تنوح
الحاجزي
خمار هواك قد اتى بالقدح ... والوقت ضغافقم بنا نصطبح
كم تكتم سر حالك المفتضح ... قل علوة واكشف الغطاء واسترح
غيره
يا قلب صبراً على الفارق ولو ... روعت ممن تحب بالبين
وانت يا دمع أن ابحث بما ... أخفاه سري سقطت من عيني
من الاحياء: في كتاب الخوف والرجاء، روى محمد بن الحنيفة عن ابنة علي قال: لما نزل قول تعالى " فاصح الصفح الجميل " قال النبي صلى الله عليه وسلم " وما الصفح الجميل " قال ذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتبه فقال: يا جبرئيل فالله تعالى أكرم من أن يعاتب من عفى عنه فبكى جبرئيل، وبكى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إليهما ميكائيل، وقال أن ربكما يقرء بكما السلام ويقول كيف أعاتب من عفونت عنه، هذا ما لا يشبه كرمي.
في الحديث: ليغفرن الله تعالى يوم القيمة مغفرة ما خطرت قط على قلب أحد حتى أن إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه.
(2/190)

كان بعض العارفين يصلي أكثر ليلة ثم يأوي إلى فراشه، ويقول، يا ماوي كل شر والله ما رضيتك لله طرفة عين، ثم يبكي فيقال له ما يبكيك فيقول قوله تعالى: " أنما يتقبل الله من المتقين.
اذا أردنا أن نعرف ارتفاع الشمس أبداً من غير اسطرلاب ولا آلة ارتفاع فأنا نقيم شاخصاً في أرض موزونة ثم نعلم على طرف الظل في ذلك الوقت ونمد خطاً مستقيماً من محل قيام الشاخص يجوز على طرف الظل إلى مالا نهاية معينة له، ثم نخرج من ذلك المحل على خط الظل في ذلك ذلك السطح عموداً طوله مثل طول الشاخص، ثم نمد خطاً، مستقيماً من طرف العمود الذي في السطح إلى طرف الظل فيحدث سطح مثلث قائم الزاوية، ثم نجعل طرف الظل مركزاً وندير عليه دائرة بأي قدر شئنا، ونقسم الدائرة بأربعة أقسام متساوية على زوايا قائمة يجمعها المركز، ونقسم الربع الذي قطعه المثلث من الدائرة بتسعين جزءاً وما قطعه ضلع الذي يوتر الزاوية القائمة من الدائرة مما يلي خط الظل هو الارتفاع، وليكن محل الشاخص نقطة 1 وطرف الظل ب والخط الشاخص 1 ج والعمود في السطح 1 د و 1 هي الزاوية القائمة والمستقيم الواصل بين طرف العمود، وطرف الظل د ب والمثلث اب د ومركز الدائرة ب والدائرة ي رج هـ والضلع الموتر للزاوية القائمة من المثلث ضلع ب د فاذا كان قاطعاً للربع على نقطة ك مقدار الارتفاع في ذلك الوقت من ذلك اليوم وهذا مما برهن عليه لكن برهانه ما يطول ولا يتسع له الكشكول.
قال بعض العارفين: والله ما أحب أن يجعل حسابي يوم القيامة إلى أبوي لأني اعلم أن الله تعالى ارحم بي منهما.
وفي الخبر، أن الله تعالى خلق جهنم من فضل رحمته سوطاً يسوق به عباده إلى الجنة.
وفي الخبر أيضاً، أن الله تعالى يقول، أنم خلقت الخلق ليربحوا علي، ولم أخلقهم لأربح عليهم.
كل عدد قسم على عدد فيكون نسبة الخارج من القسمة إلى مربعه كنسبة المقسوم عليه إلى المقسوم فاذا أردنا أن يحصل مجذوراً يكون نسبته إلى جذره كنسبة عدد إلى عدد آخر نقسم العدد الأول على العدد الثاني فما خرج من القسمة يكون مضروبه في نفسه العدد المطلوب.
قال الأصمعي، رآني أعرابي، وأنا أكتب كلما يقول فقال: ما أنت الا الحفظة، تكتب لفظ اللفظة.
(2/191)

رأى بعض الصلحاء أبا سهل الزجاجي في المنام على هئية حسنة وكان يقول بو عيد الأبد، فقال له: كيف حالك؟ فقال وجدنا الأمر أسهل مما توهمنا
وما أحسن قول أبي نواس في عظم الرجاء:
تكثر ما استطعت من الخطايا ... فإنك بالغ ربا غفوراً
ستبصر أن وردت عليه عفواً ... وتلقى سيد ملكاً كبيراً
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا
قال ابن الأعرابي: نظر إلى اعرابي، وأنا اكتب الكلمة بعد الكلمة من ألفاظه.
فقال أنك لحتف الكلمة الشرود.
البهاء زهير المصري
ماله عني مالا وتجنى ... فاطالا اترى ذاك دلالا
من حبيبي أو ملالا فلقد ... ارخصني من أنا فيه اتغالا
سيدي لم يبق لي حبك بين الناس حالا ... فإذا غبت تلفت يميناً وشمالاً
أنت في الحسن إمام ... بك قلبي يتوالا
لا وحق الله ما ... ظنك في حقي حلالا
أن بعض الظن إثم ... صدق الله تعالى
الغيبة جمد
لبعضهم
وذي سفه يخاطبني بجهل ... فآنف أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهة وازيد حلما ... كعود زاده الأحراق طيباً
لبعضهم
بدا على خده عذار ... في مثله يعذر الكئيب
لما أراق الدماء ظلما ... بدت على خده الذنوب
القاضي منصور الهروي
(2/192)

ومنتقب بالورد قبلت خده ... وما لفؤادي من هواه خلاص
فاعرض عني مغضباً قلت لا تجر ... وقبل فمي أن الجروح قصاص
ابن هلال العسكري
ومهفهف قال الاله لوجهه ... كن مجمعاً للطيبات فكانه
زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسنا فسلوا من قفاه لسانه
لبعضهم:
كفى زاجراً للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي
كتب الشيخ أبو سعيد ابن أبي الخير إلى الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا أيها العالم وفقك الله لما ينبغي، ورزقك من سعادة الا بد ما تبتغي أني من الطريق المستقيم على يقين الا أن أودية الظنون على الطريق المستجد متشعبة، واني من كل طالب طريقة، ولعل الله يفتح لي من باب حقيقة حاله بوسيلة تحقيقه، وصدقه تصديقه، وأنك بالعلم لموسوم وبمذاكرة أهل هذا الطريق مرسوم فاسمعني ما رزقت، وبين لي ما عليه وقفت وإليه وفقت وأعلم أن التذبذب بداية حالي الترهب ومن ترهب ترأب وهذا سهل جداً وعسران عد هذا والله ولي التوفيق. فأجابه الشيخ الرئيس وصل خطاب فلان مبيناً ما صنع الله تعالى لديه، وسبوغ نعمه عليه والاستمساك بعروة الوثقى، والاعتصام بحبله المتين والضرب في سبيله، والتولية شطر التقرب إليه، والتوجه تلقاء وجهه نافضاً عن نفسه غير هذه الخربة رافضاً بهمته الاهتمام بهذه القذرة أعز وأرد واسر واصل، وانفس طالع، واكرم طارق، فقرأته وفهمته، وتدبرته وكررته وحققته في نفسي وقررته، فبدأت بشكر الله واهب العقل، ومفيض العدل، وحمدته على ما أولاه، وسألته أن يوفقه في أخراه وأولاه، وأن يثبت قدمه على ما توطاه ولا يلقيه إلى ما تخطاه وتزيده إلى هداية وإلى درايته التي آتاه دراية، أنه الهادي المبشر والمدبر، المقدر، عنه يتشعب كل أثر وإليه تستند الحوادث والغير، وكذلك تقضي الملكوت ويقضي الجبروت، وهو من سر الله الأعظم يعلمه من يعلمه، وذهل عنه من لا يعصمه طوبى لمن قاده القدر إلى زمرة السعداء وحاد به رتبة الأشقياء، وأوزعه استرباح البقاء من رأس مال الغنى وما نزهة هذا العاقل في دار يتشابه فيها عقبى مدرك ومفوت ويتساويان عند حلول وقت مؤقت دار أليمها موجع
(2/193)

ولذيذها مشبع، وصحتها قر الأضداد على وزن واعداد وسلامتها استمرار فاقة إلى استمراء مذاقة، ودوام حاجة إلى مج مجاجة نعم والله ما المشغول بها مثبط والمتصرف فيها الا مخبط موزع البال بين ألم وياس ونقود وأجناس أخيذ حركات شتى، وعنيف أوطار تترى، وأين هو عن المهاجرة إلى التوحيد، واعتماد النظام بالتفريد، والخلوص من التشعب إلى التراب وعن التذبذب إلى التهذب، وعن باد يمارسه إلى أبد يشارقه، وهناك اللذة حقاً والحسن صدقاً، سلسال كلما سقيته على الري كان أهنى وأشفى، ورزق كلما أطعمته على الشبع كان أغذي، وامرىء ري استقاء لا رى اباء وشبع استشباع لأبشع استبشاع، ونسأل الله تعالى أن يجلو عن أبصارنا الغشاوة وعن قلوبنا القساوة، وأن يهدينا كما هداه ويؤتينا مما آتاه، وأن يحجز بيننا وبين هذه الغارة الغاشة البسور في هيئته الباشة المعاصرة، في حلية المباسرة المفاصلة، في معرض المواصلة، وأن يجعله أمامنا فيما أثر وأثر وقايدنا إلى ما صار اليه وسار أنه ولي ذلك فأما ما التسمه من تذكره ترد مني وتبصرة تأتيه من قبلي وبيان يشفيه من كلامي فكبصير استرشد عن مكفوف، وسميع استخبر عن موقور السمع غير خبير فهل لمثلي أن يخاطبه بموعظة حسنة، ومثل صالح، وصواب مرشد وطريق اسنه له منقذ والى غرضه الذي أمه منفذ، ومع ذلك فليكن الله تعالى أول فكرة، وآخره، وباطن اعتباره وظاهره، وليكن عين نفسه مكحولة بالنظر إليه، وقدمها موقوفة على المثول بين يديه، ومسافراً بعقله في الملكوت الأعلى، وما فيه من آيات ربه الكبرى، فإذا انحط إلى قراره لير الله في آثاره، فانه باطن ظاهره تجلى لكل شيء ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
قاذا صارت هذه الحال ملكة، وهذه الخصلة وتيرة، انطبع في فصه نقية الملكوت، وتجلى له آية قدس اللاهوت، فألف الأنس الأعلى وذاق اللذة والقصوى ومذعن نفسه إلى من هو به أولى، وفاضت عليه السكينة، وحفت به الطمأنينة، واطلع على العالم الأدنى ... اطلاع راحم لأهله، مستوهن بحبلة، مستخف لثقله، وليعلم أن أفضل الحركات الصلوة وأفضل السكنات الصيام، وارفع البر والصدقة، وازكى السير الاحتمال، وأبطل السعي الرياء ولن تخلص النفس عن البدن ما التفت إلى قيل وقال، ومناقشة وجدال، وخير العمل ما صدر عن مقام نية، وخير النية ما ينفرج عن جناب علم.
والحكمة أم الفضايل، ومعرفة الله أول الأوايل، اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه،
(2/194)

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وأستهديه، وأتوب إليه وأستكفيه. وأسأله أن يقربني إليه إنه سميع مجيب. انتهى.
قال في الملل والنحل: إن سقراط الحكيم كان تلميذاً لفيثاغورس وكان مشتغلاً بالزهد ورياضة النفس وتهذيب الأخلاق والإعراض عن ملاذ الدنيا، واعتزل إلى جبل وأقام في غار به، ونهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك وعبادة الأوثان فثوروا عليه الغاغة وألجأوا الملك إلى قتله، فحبسه الملك ثم سقاه السم.
توحيد سقراط
قال سقراط: أخص ما يوصف به الباري تعالى: هو كونه حياً قيوماً لأن العلم والقدرة والجود والحكمة تندرج تحت كونه حياً، والحياة صفة جامعة للكل والبقاء والسرمد، والدوام يندرج تحت كونه قيوماً، والقيومية صفة جامعة للكل.
وكان من مذهبه: أن النفوس الإنسانية كانت موجودة قبل وجود الأبدان فاتصلت بالأبدان لاستكمالها فإذا بطلت الأبدان رجعت النفوس إلى كليتها.
وقال للملك: لما أراد قتله إن سقراط في حب والملك لا يقدر إلا على كسر الحب فالحب يكسر ويرجع الماء إلى البحر. وله حكم مرموزة: منها لا تنعس على باب أعداءك، إضرب الأترجه ترنج بالرمان. اقتل العقرب بالصوم، إن أحببت أن تكون ملكاً فكن حمار وحش. إزرع بالأسود، واحصد بالأبيض. إن أمت الحي تحيي بموته. روى العارف الرباني مولانا عبد الرزاق الكاشاني في تأويلاته عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: لقد تجلى الله لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون.
وروى في كتاب المذكور أنه خر مغشيا عليه في الصلاة فسئل عن ذلك فقال: ما زلت أرددت الآية حتى سمعتها من المتكلم بها. الشسعن الشيخ السهروردي أنه قال: بعد نقل هذه الحكاية عن الصادق رضي الله عنه أنه لسان الإمام في ذلك الوقت كان كشجرة موسى عند قوله إني أنا الله، وهو مذكور في الإحياء في تلاوة القرآن.
قال معاذ بن جبل: ارض من أخيك إذا ولى ولاية بعشر وده قبلها.
(2/195)

وقال بعضهم: التواضع من مصائد الشرف، من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وقيل لبعضهم: من السيد؟ فقال الذي إذا حضر هابوه، وإذا غاب عابوه.
أنصفك من كلفك إجلاله، ومنعك ماله. إن امرأ ليس بينه وبين آدم أب حي لعريق في الموت. لا تكن ممن يلعن إبليس في العلانية ويوالية في السر
كثير عزة:
وكنت إذا ما زرت ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
وله من أبيات:
تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن ... على شجن في البين حين تبين
وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لآخر من خلانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
لبعضهم:
حسب المحب تلذذ بغرامه ... من كل ما يهوى وما يتحبب
خمر المحبة لا يشم نسيمها ... من كان في شيء سواها يرغب
عن علي بن أبي رافع قال: كنت على بيت مال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكاتبه، وكان في بيت ماله عقد لؤلؤ كان أصابه يوم البصرة، فأرسلت إلى بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالت: إنه قد بلغني أن في بيت مال أمير المؤمنين عقد لؤلؤ في يديك، وأنا أحب أن تعيرينه أتجمل به في يوم الأضحى، فأرسلت إليها عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام فدفعته أيام يا بنت أمير المؤمنين، فقالت: نعم، عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام فعدفعته إليها، وإن أمير المؤمنين رضي الله عنه رآه عليها فعرفه، فقال لها: من أين صار إليك هذا العقد، فقالت: استعرته عن ابن أبي رافع خازن بيت مال أمير المؤمنين رضي الله عنه لأتزين به في العيد ثقم أرده قال: فبعث إلي أمير المؤمنين رضي الله عنه فجئته فقال لي: أتخون المسلمين يا ابن أبي رافع؟ فقلت: معاذ الله أن أخون المسلمين، فقال: كيف أعرت بنت أمير المؤمنين العقد الذي من بيت المال بغير إذني ورضاهم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنها ابنتك، وسألتني أن أعيرها تتزين به فأعرتها إياه عارية مضمونة مردودة علي أن أرده مسلماً إلى موضعه فقال: رده من يومك وإياك أن تعود إلى ذلك فتنالك عقوبتي.
ثم قال: ويل لابنتي لو كانت أخذت العقد على غير عارية مردودة مضمونة لكانت إذن أول هاشمية قطعت يدها في سرقة. فبلغت مقالته رضي الله عنه ابنته، فقالت له: يا أمير المؤمنين أنا ابنتك وبضعة
(2/196)

فمن أحق بلبسه مني؟ ! فقال لها: يا بنت ابن أبي طالب لا تذهبين بنفسك عن الحق، أكل نساء المهاجرين والأنصار يتزين في مثل هذا العيد بمثل هذا؟ فقبضته منها ورددته إلى موضعه.
يقال: شغلت فلاناً شاغل له، ولا يقال: أشغلته فإنها لغة ردية قاله في الصحاح.
نصائح نبوية
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن هذه الدار دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء. ألا وإن الله خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي. إنها لسريعة الذهاب وشيكة الإنقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، واحذروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها. ولا تسعوا في تعمير دار، وقد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها، وقد أراد منكم اجتنابها. فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين.
عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس بسط الأمل متقدم على حلول الأجل والمعاد مضمار العمل. فمغتبط بما احتقب غانم ومستيئس بما فاته من عمل نادم أيها الناس إن الطمع فقر. واليأس غنى. والقناعة راحة. والعزلة عبادة. العمل كنز. والدنيا معدن وما بقي منه أشبه بما مضى من الماء بالماء، وكل إلى نفاد وشيك، وزوال قريب، فبادروا وأنتم في مهل الأنفاس وجدة مدة الإخلاص قبل أتن يؤخذ بالكظم فلا يغني الندم. انتهى
من كلام أرسطوطاليس
من شرح حكمة الأشراق
للعلامة على الاطلاق، والمعلم الأول يعني أرسطا طاليس، وأن كان كثير القدر، عظيم الشأن، بعيد الغور، تام النظر لا تجوز المبالغة فيه على وجه يفضي إلى الازراء باساتذته كأنه يشير إلى الشيخ أبي علي ابن سينا، حيث قال في آخر منطق الشفافي تفخيم قدر أرسطو وتعظيم شأنه، بعد أن نقل عنه ما معناه: أنا ما درينا عمن تقدمنا في الأقيسة، الاضوابط غير مفصلة، وأما تفصيلها، وأفراد كل قياس بشروطه، وضروبه، وتميز المنتج عن العقيم إلى غير ذلك من الأحكام، فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا، وأسهرنا أعيينا، حتى استقام على هذا الأمر، فلوقع لأحد من ياتي بعد نافية زيادة، أو أصلاح فليصلحه أو خلل فليسده
(2/197)

انظروا معاشر المتعلمين هل أنى بعده أحد زاد عليه، أو أظهر فيه قصوراً، وأخذ عليه مأخذاً مع طول المدة، وبعد العهد، بل كان ما ذكره هو التام، والميزان الصحيح، والحق الصريح، ثم قال في تحقير أفلاطون الإلهي، فان كانت بضاعته من الحكمة، ما وصل الينا من كتبه، وكلامه، فلقد كانت بضاعته من العلم مزجاة.
قال العلامة بعد اسطر ولو أنصف أبو علي لعلم أن الأصول التي بسطها، وهذبها أرسطو طاليس، مأخوذة عن أفلاطون، وأنه ما كان والعلم عند الله عاجزاً عن ذلك، وانما عاقه عنه شغل القلب بالأمور الكشفية الجليلة والذوقية الجميلة التي هي الحكمة بالحقيقة دون غيرها، ومن هو مشغول بهذه الأمور المهمة الشريفة النفيسة كيف يتفرغ لتفريع الأصول وتفصيل المجمل الغير المهم انتهى كلام العلامة طاب ثراه.
حقائق الأشياء
حقائق الأشياء مغايرة.
الصور التي يتحلى فيها على المشاعر الظاهرة، وتتحير بها لدى المدارك الباطنة وكل منها في حد ذاتها قابلة للظهور.
في صور متخالفة، ومظاهر متباينة، وتلك الصور متساوية الأقدام بالنسبة إليها ليس بعضها في حد ذاته أولى ببعض، وإنما يختص الظهور في بعض الصور.
بحسب المواطن والمشاعر والنشآت: فيلبس في كل موطن لباساً، ويتجلبب في كل مشعر بجلباب، ويتزيأ في كل نشأة بزي، ويسمى في كل عالم باسم، وأما السنخ الذي هو معروض هذه الصور، فلا يعلمه الاعلام الغيوب.
ووجه واحد في كل حال ... وما التعدد إلا في المرايا
من كلام سقراط
قال سقراط، وهو تلميذ فيثاغورث الحكيم: إذا أقبلت الحكم خدمت الشهوات العقول وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات.
وقال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
وقال: ينبغي أن تفرح بالموت، وتغتم بالحياة لأنا نحيي لنموت ونمون النحيي.
وقال: قلوب المعترفين في المعرفة منابر الملائكة، وبطون المتلذذين بالشهوات قبور الحيوانات الهالكة.
وقال للحيوة حدان: الأول الأمل، والثاني الأجل، فبالأول بقاؤها، وبالثاني فناؤها. انتهى
(2/198)

كان أبو الحسن النوري مع جماعة في دعوة، فجرى بينهم مسألة في العلم، وطال البحث وهو ساكت، فقالوا: لم لا تتكلم؟ فرفع رأسه وأنشد: رب ورقاء هتوف بالضحى ... ذات شجو صدحت في فنن
ذكرت الفا ودهراً صالحاً ... فبكت حزناً فهاجت حزني
فبكائي ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقني
ولقد أشكو فما تفهمه ... ولقد تشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضاً بالجوى تعرفني
قال بعض الحكماء
أحق الناس بالهوان المحدث لمن لا يصغى إلى حديثه.
ومن كلامهم: من البسة الليل ثوب ظلمائه، نزعه عنه النهار بضيائه.
لغويات
من كتاب أدب الكتاب
، يقال لولد كل سبع: جرو، ولولد كل ذي ريش فرخ ولولد كل وحشية طفل، وولد الفرس مهر وفلو، وولد الحمار جحش وعفو، وولد البقرة عجل والأنثى عجلة، وولد الضأن ذكراً أو أنثى سخلة وبهمة، فإذا بلغ أربعة أشهر فهو حمل وخروف، والأنثى خروفة، وولد الماعز سخلة وبهمة إلى أربعة أشهر، فهو جفر والأنثى جفرة، ثم جدي، والأنثى عناق، وولد الأسد شبل، وولد الضبع فرعل، وولد الدب ديسم ولولد الفيل دغفل، ولولد الناقة حوار، ولولد الأروبة غفر، ولولد الأرنب خرنق، ولولد الحية حربش، ولولد النعام دال، ولولد الفار درص، ولولد الضب حسل، ولولد الغزال خشف، ولولد الخنزير خنوص، وولد الذئبة والكلبة والهرة والجرد درص، وولد الثعلب هجرس.
الحزن والعضب
سبب الحزن هجوم ما تكرهه النفس ممن هو فوقها وسبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها، والغضب، حركة إلى الخارج والحزن حركة إلى الداخل فيحدث عن الغضب السطوة والإنتقام لبروزه، ويحدث عن الحزن المرض والسقم لكمونه ولهذا يعرض الموت من الحزن ولا يعرض من الغضب.
من التحفة للعلامة قطب الدين الشيرازي: ليست رؤية الكوكب في الأفق أعظم لكونه أقرب إلينا فينافي الاستدارة، بل لأن البخار يرى ما وراءه أعظم مما هو عليه، لأن رؤية الكوكب في البخار إنما يكون بأشعة مستقيمة تخرج من البصر إلى سطح البخار الواقع بين
(2/199)

البصر والمبصر. ثم ينعطف منه إليه، ولهذا تعظم الزاوية الجليدية، ويرى الشيء أعظم، لما تقرر في علم المناظر أن عظم المرئي وصغره إنما هو بعظم الزاوية الجليدية وصغرها، لا لسمك البخار، بل البعد بين البصر والكوكب وهو على الأفق أكثر مما بينهما وهو على سمت الرأس، إذا قصر الخطوط الخارجة من نقطة داخل دائرة غير مركزها إلى محيطها تمام القطر، لما بينه إقليدس بكون الانعطاف عند الأفق من أجزاء أبعد من سهم المخروط البصري بخلافة في وسط السماء ولذلك تعظم الزاوية الجليدية، وتكون رؤية الكوكب بالأفق أعظم من رؤيته في وسط السماء، مع توسط البخار بينهما في الحالين. ومنه يظهر أن الكوكب في وسط السماء كان يرى أعظم مما يرى في الأفق وأصغر مما تراه الآن لولا البخار انتهى.
من تفسير القاضي قوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " الآيات قال: من أراد أن يعرف أعدا عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي، فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبا، ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رايقة المنظر غير مذللة في طلب الدنيا مسلمة عن دنسها لاشية بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه، فتحيا حياة طيبة وتعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التداوي والنزاع.
قوله تعالى: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً " قال جار الله: قوله: وآتينا داود زبوراً دلالة على وجه تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في الزبور، قال تعالى: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " أقول ومن هنا يظهر وجه ضعف عطف قوله وآتينا على ولقد فضلنا إذ المراد بالبعض المفضل نبينا صلى الله عليه وسلم كما قال بعض المفسرين.
الشريف الرضى يرثو أبا إسحاق الصابي:
اعلمت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي
جبل رسى لو حر في البحر اغتدى ... من وقعه متتابع الأزباد
ما كنت أعلم قبل حطك في الثرى ... أن الثرى يعلو على الأطواد
بعداً ليومك في الزمان فأنه ... اقذى العيون وفت في الأعضاد
لو كنت تفدى لافتدتك فوارس ... مطروا بعارض كل يوم طراد
وإذا تالق بارق لوقيعة ... والخيل تفحص بالرجال بداد
(2/200)

نثلوا الدروع من القباب واقبلوا ... يتحدثون على القنا المياد
لكن رماك مجبن الشجعان عن ... أقدامهم ومضعضع الأنجاد
اعزز علي بأن أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد
من للبلاغة والفصاحة إن هما ... خباك الغمام وعب ذاك الوادي
من للملوك تجر في أعدائها ... بظبي من القول البليغ حداد
إن الدموع عليك غير بخيلة ... والقلب بالسلوان غير جواد
ليس الفجائع بالذخاير مثلها ... يا ماجد الأعتاق والأفراد
ويقول من لم يدر كنهك إنهم ... نقصوا به عدداً من الأعداد
هيهات أدرج بين برديك الردى ... رجل الرجال وواحد الآحاد
لا تطلبي يا نفس خلا بعده ... فلمثله أعيي على المرتاد
ما مطعم الدنيا بحلو بعده ... أبداً ولا ماء الحمى ببراد
الفضل ناسب بيننا إن لم يكن ... شرفاً مناسبة ولا ميلاد
لك في الحشا قبر وإن لم تاوه ... ومن الدموع روائح وغوادي
ما مات من جعل الزمان لسانه ... يتلو مناقبه مدى الآباد
لا تبعدن وإن قربك بعدها ... إن المنية غاية الأبعاد
صفح الثرى عن حر وجهك أنه ... مغرى بكل محاسن الأمجاد
وتماسكت تلك البنان وطالما ... عبث البلا بأنامل الأجواد
وسقاك فضلك أنه أروى حيا ... من رائح متعرض أو غادي
هذا آخر ما انتخبته منها، وهي نحو من تسعين بيتاً في غاية الجودة والحسن.
لبعضهم
قلت مستعطفاً لساق سقاني ... من طلانيل مصر أطيب كاس
أنت أشهى إلى منه ولكن ... قلبه لين وقلبك قاسي برهان على أن غاية غلظ كل من المتممين بقدر ضعف ما بين المركزين، ومنه يظهر فساد ما قال صاحب المواقف من أن غايته تساوي ما بين المركزين إذ افرضنا اب ح محدب فلك يكون الخارج في تحت وء هـ ر مقعره، فمنء إلى ا، ومن هـ إلى ب، ومن
(2/201)

ر إلى ح يكون حجم ذلك الفلك وح مركزان، وا ح ج قطره، وا ط ى محدب الخارج، وك ل ر مقعره. ومن ك اومن ل إلى ط، ومن إلى ى حجم الخارج، وى مركزه وا ن قطره ون ح ما بين المركزين فنقول: ن ايساوي ن ى لأن كل واحد منهما قد خرج من المركز إلى المحيط فينقص من ن ى ن ح فيبقى ح ى فح ى أقصر من ن بمقدار ن ح الذي هو ما بين المركزين، وأضفنا ح ن إلى ن افيكون ح ن أعظم من ح ى بمقدار ضعف ن ر ح الذي هو ما بين المركزين. وإذا أضفنا ح ى الذي هو غاية الغلط من المتمم الحاوي إلى ح ى صار مساويا لح ا. ولما كان اأعظم من ح ى يضعف ما بين المركزين وقد ساواه بإضافة مقدار المتمم الحاوي إليه يكون ح المتمم الحاوي مساويا بالضعف ما بين المركزين. وبهذه الطريقة نثبت أن المحوى أيضا ضعف ما بين المركزين وينقص من ح اح ى مثل ح ر وى مثل اى فيبقى من ح ابعد نقصان حء ىء الذي هو
المتمم للمحوي وقد كان زائداً عليه بضعف ما بين المركزين فيكون ك ر ضعف ما بين المركزين انتهى.
من تأويلات الشيخ العارف العامل مولانا عبد الرزاق الكاشاني رحمه الله عند قوله تعالى في سورة يس " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون " قال أصحاب القرية هم أهل مدينة البدن والرسل الثالثة الروح والقلب والعقل إذ رسل إليهم اثنين أولاً فكذبوهما لعدم التناسب بينهما وبينهم ومخالفتهم إياهما في النور والظلمة فعززنا بالعقل الذي يوافق النفس في المصالح والمناجح ويدعوها وقومها إلى ما يدعو إليه القلب والروح، وتشأمهم بهم وتنفرهم عنهم لحملهم إياهم على الرياضة والمجاهدة ومنعهم عن اللذات والحظوظ، ورجمهم إياهم واستيلاؤهم عليهم رميهم بالدواع الطبيعية والمطالب البدنية، وتعذيبهم عليهم واستعمالهم في تحصيل الشهوات البهيمية والسبعية، والرجل الذي جاء من أقصى المدينة أي من أبعد مكان فيها العشق المنبعث من أعلى وأرفع موضع منها بدلالة شمعون العقل، يسعى بسرعة حركته، ويدعو الكل بالقهر والإجبار إلى متابعة الرسل في التوحيد، ويقول: ما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون وكان اسمه حبيباً وكان نجاراً ينحت في مدينته أصنام مظاهر الصفات من الصور لاحتجابه بحسنها عن جمال الذات وهو المأمور بدخول جنة الذات قائلاً: يا ليت قومي المحجوبين عن مقامي وحالي يعلمون بما غفر لي ربي ذنب عبادة أصنام مظاهر الصفات وتنجيرها، وجعلني من المكرمين بغاية قربي في الحضرة الأحدية.
من إيجاز البيان في تفسير القرآن لأبي القاسم محمود النيشابوري قوله تعالى: " ولا الليل سابق النهار " سئل الرضا رضي الله عنه عند المأمون عن الليل والنهار أيهما
(2/202)

أسبق؟ فقال النهار ودليله أما في القرآن ولا اليل سابق النهار، وأما من الحساب فإن الدنيا خلقت بطالع السرطان والكواكب في إشرافها فتكون الشمس في الحمل عاشر الطالع وسط السماء.
من الجزء الثالث من كتاب الفتوحات المكمية لجمال العارفين الشيخ محيي الدين بن عربي، قال: اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في صورة طهارتهما هل ذلك بالغسل أو بالمسح أو بالتخيير بينهما؟ ومذهبنا التخيير والجمع أولى، وما من قول إلا وبه قائل، فالمسح بظاهر الكتاب والغسل بالسنة ثم قال بعد كلام طويل يتعلق بالباطن وأما القراءة في قوله تعالى: وأرجلكم بفتح اللام وكسرها من أجل العطف على الممسوح فالخفض، أو على المغسول فالفتح، فمذهبنا أن الفتح في اللازم لا يخرجه عن الممسوح، فإن هذه الواو قد تكون واو مع وواو المعية تنصب فحجة من يقول: بالمسح في هذه الآية أقوى لأنه يشارك القائل بالغسل في الدلالة التي اعتبرها، وهي فتح اللام ولم يشاركه من يقول بالغسل في فتح اللام.
من كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه: والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً وأجر في الأغلال مصفداً أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد أو غاصباً شيئاً من الحطام، كيف أظلم أحداً والنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطون في الثرى حلولها، والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم لأهون علي من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ونعيم يفنى ولذة لا تبقى نعوذ بالله من سيئات الفعل وقبح الزلل. رأى زيتون الحكيم رجلاً على شاطىء البحر مهموماً محزوناً ويتلهف على الدنيا، فقال له: يا فتى ما تلهفك على الدنيا لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر، وقد انكسرت بك السفينة وأشرفت على الغرق أما كانت غاية مطلوبك النجاة وأن يفوت كل ما بيدك، قال: نعم قال: ولو كنت ملكاً على الدنيا وأحاط بك من يريد قتلك أما كان مرادك النجاة من يده، ولو ذهب جميع ما تملك، قال: نعم. قال: فأنت ذلك الغني الآن وأنت ذلك الملك فتسلى الرجل بكلامه.
كتب العلامة المحقق الطوسي إلى صاحب حلب بعد فتح بغداد: أما بعد فقد نزلنا بغداد سنة خمس وخمسين وستمائة فساء صباح المنذرين، فدعونا مالكها إلى طاعتنا فأبى، فحق القول عليه فاخذناه أخذا وبيلا. وقد دعوناك إلى طاعتنا، فإن أتيت فروح وريحان
(2/203)

وجنة نعيم وإن أبيت فلأسلطن منك عليك، فلا تكن كالباحث عن حتفة بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه. والسلام.
من خطب النبي صلى الله عليه وسلم " أيها الناس، إن الأيام تطوى والأعمار تفنى، والأبدان في الثرى تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات، ورغب في الباقيات الصالحات ".
من كلام بعض العارفين اعملوا لآخرتكم في هذه الأيام التي تسير كأنها تطير، وإن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما.
التفاضل بين كل مربعين بقدر حاصل ضرب مجموع جذريهما المعادل لضعف جذر الأقل مع فضل الجذر الأكثر عليه في التفاضل بين ذينك الجذرين.
لبعضهم
من غاب عنكم نسيتموه ... وقلبه عندكم رهينة
وجدتكم في الوفاء ممن ... صحبته صحبة السفينة
ظهر ابليس لعيسى عليه السلام فقال له: الست تقول لن يصيبك إلا ما كتب الله عليك؟ قال: بلى، قال: فارم نفسك من ذروة هذا الجبل فانه أن قدر لك السلام تسلم، فقال له: يا ملعون أن الله يختبر عباده وليس للعباد أن يختبر ربه.
هذه النماظرة أوردها المحقق الرومي، وقال: انها جرت بين امير المؤمنين عليه السلام ويهودي.
مر بعض العارفين بقوم فقيل: هؤلاء زهاد فقال: وما قدر الدنيا حتى يحمد من يزهد فيها.
ليس قبل الموت شيء الا والموت أشد منه، وليس بعد الموت شيء الا والموت ايسر منه.
إن بقاؤك إلى فناء، وإن فنائك إلى بقاء، فخذ من فنائك الذي لا يبقى لبقاءك الذي لا يفنى، اعمل عمل المرتحل، فإن حادى بالموت يحدوك ليوم ليس بعدوك.
إذا تيسر لأنس به لم يكن مطلب المحب إلا الانفراد والخلوة، وكان ضيق الصدر من معاشرة الخلق؛ متبرماً بهم؛ فإن خالطهم اكان كمنفرد في جماعة؛ مجتمعاً بالبدن منفرداً بالقلب المستغرق بعذوبة الذكر، وحلاوة الفكر.
حكى عن إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل، فقيل له: أين أقبلت؟ قال من الأنس بالله.
(2/204)

وروي أن موسى عليه السلام لما كلم ربه تعالى وتقدس، مكث دهراً لا بيسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغشيان، وما ذلك إلا لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب؛ فيخرج من القلب عذوبة كلام ما سواه، بل يتنفر منه كمال التنفر، والأنس بالله ملازمة التوحش من غير الله، بل كان ما يعوق عن الخلوة به يكون من انقل الأشياء على القلب. قال عبد الواحد، مررت براهب فقلت: يا راهب لقد أعجبتك الوحدة، فقال يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة، لاستوحشت إليها من نفسك، قلت يا راهب ما أقل ما تجد في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرهم. قلت يا راهب: متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله قال: إذا صفا الود وخلصت المعاملة، قلت: متى يصفو الود، قال: إذا اجتمع الهم، فصارهما واحداً في الطاعة.
وأطيب الأرض ما للنفس فيه هوى ... سم الخياط مع الأحباب ميدان
ومن كلام أمير المؤمنين قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر؛ فباشروا روح اليقين، واستلانوا وما استوعره المترفون، وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملإ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه.
قال عليه السلام خذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك ومن حيلتك لوفاتك، فإنك لا تدري ما اسمك غداً؟ روى عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكثروا ذكر هادم اللذات، فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم فرضيتم به فاجرتم، وإن ذكرتموه في غنى بغضه إليكم فجدتم به فاثبتم، فإن المنايا قاطعات الأمال، والليالي مدنيات الأمال، وإن المرء بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه علمه فختم به، ويوم بقى لا يدري لعله لا يصل إليه، إن العبد عنده خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف وقلة غناء ما خلف؛ ولعله من باطل جمعه أو من حق منعه.
أبو الحسن التهامي يرئو ابنه:
حكم المنية في البرية جار ... ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا ترى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار
(2/205)

طبعت على كدر وانت ترومها ... صفواً من الاقذار والاكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
والعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت ... منقادة بازمة المقدار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
وتركضوا خيل الشباب وبادروا ... إن تسترد فإنهن عوار
فالدهر يشرق إن سقى ويغص ان ... هنى ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزمان وإن حرصت مسالماً ... خلق الزمان عداوة الأحرار
يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يبتدر ... بدراً ولك يمهل لوقت شرار
عجل الخسوف عليه قبل اوانه ... فغطاه قبل مظنة الابدار
فكأن قلبي قبره وكأنه ... في طيه سر من الأسرار
ان يحتقر صغر فرب مفخم ... يبدو ضئيل الشخص للنظار
إن الكواكب في علو محلها ... لترى صغاراً وهي غير صغار
ولد المعزى بعضه فإذا انقضى ... بعض الفتى فالكل في الأدبار
أبكيه ثم أقول معتذراً له ... وفقت حيث تركت الام دار
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
ولقد جريت كما جريت لغاية ... فبلغتها وأبوك في المضمار
فإذا نطقت فأنت أول منطقي ... وإذا سكت فإنت في اضماري
لو كنت تمنع خاض دونك فتية ... منا بحار عوامل وشفار
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سحباً مزورة على اقمار
وترى سيوف الدار عين كأنها ... خلج تمد بها اكف بحار
من كل من جعل الظبي انصاره ... وكرمن فاستغنى عن الانصار
واذا هو اعتقل القناة حسبتها ... صلا تابطه هزبر ضاري
يزادد هما كلما ازددنا غنى ... والفقر كل الفقر في الاكثار
(2/206)

اني لارحم حاسدي لحرما ... ضمنت صدورهم من الاوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنة وقلوبهم في نار لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنما برقعت وجه نهار
وسترتها بتواضعي فتطلعت ... اعناقها تعلوا على الاستار
هذا آخر ما اخترته من هذه القصيدة نحوا من مأة بيت كلها في غاية الجودة.
وصف المتقين
من النهج روى ان صاحباً له كرم الله وجهه يقال له همام وكان عابداً فقال له يا أمير المؤمنين صف لي المتقين كأني انظر اليهم، فتثاقل صلوات الله عن جوابه، وقال يا همام اتق الله واحسن " فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون "، فلم يقنع همام بذلك القول حتى عزم عليه قال: فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي ثم قال، اما بعد فان الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من اطاعه فقسم بينهم معايشهم ووضعهم في الدنيا مواضعهم، فالمتقون فيها هم اهل الفضايل منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع غضوا ابصارهم عما حرم الله عليهم ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم نزلت انفسهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الاجل الذي كتب الله لهم لم تستقر ارواحهم في اجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الصواب وخوفاً من العقاب عظم الخالق في انفسهم فصغر ما دونه في اعينهم فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قال قد رآها فهم فيها معذبون قلوبهم محزنونة وشرورهم مامونة وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة صبروا إياماً قصيرة اعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، ارادتهم الدنيا فلم يريدوها واسرتهم ففدوا انفسهم منها اما الليل فصافون اقدامهم تالون لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً يحزنون به انفسهم، ويستبشرون به دواء دائهم، فاذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنوا انها نصب اعينهم، واذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا ان زفير جهنم وشهيقها في اصول آذانهم فهم حانون على اوساطهم مفترشون لجباههم واكفهم وركبهم، واطراف اقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم، أما النهار فحلماء علماء ابرار اتقياء، قد براهم الخوف برى القداح، ينظر اليهم الناظر، فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ويقول قد خولطوا وقد خالطهم أمر
(2/207)

عظيم، لا يرضون من اعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لا نفسهم متهمون ومن اعمالهم مشفقون اذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول أنا اعلم بنفسي من غيري، وربي اعلم بنفسي مني اللهم لا تؤاخذهم بما يقولون واجعلني افضل مما يظنون واغفر لي مالا يعلمون فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين وجزماً في لين وايماناً في يقين وحرصاً في علم وعملاً في حلم قصداً في غنى وخشوعاً في عبادة وتجملاً في فاقة وصبراً في شدة وطلباً في حلال ونشاطاً في هدى وتحرجاً عن طمع يعمل الاعمال الصالحة وهو على وجل، يمسى وهمه الشكر ويصبح وهمه الذكر يبيت حذراً ويصبح فرحاً حذراً لما حذر من الغفلة وفرحاً لما اصاب من الفضل والرحمة أن استصعبت عليه نفسه فيما يكره لم يعطعها سؤلها فيما تحب قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى يمزج الحلم بالعلم والقول بالعمل تراه قريباً أمله قليلاً زلله، خاشعاً قلبه قانعة نفسه منزوراً أكله سهلاً امره، حريزاً دينه ميتة شهوته مكظوماً غيظه، الخير منه مأمول والشر منه مأمون أن كان في الغافلين كتب في الذاكرين وان كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيداً فحشة ليناً قوله، غائباً منكره، حاضراً معروفه، مقبلاً خيره مدبراً شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالالقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق أن صمت لم يغمه صمته وان ضحك لم يعل صوته، وان بغى عليه صبر، حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، اتعب نفسه لأخرته، واراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة. ولا دنوه بمكر وخديعة قال: فصعق همام صعقة كانت فيها نفسه فقال امير المؤمنين عليه السلام أما والله لقد كنت أخافها عليه، ثم قال: هكذا تضع المواعظ البالغة بأهلها.
نيل المعالي وحب الأهل والوطن ... ضدان ما اجتمعا للمرء في قرن أن كنت تطلب عزاً فادرع تبعاً ... أو فارض بالذل واختر راحة البدن
قال في الأنموذج: ذكر بعض العرفاء أن جذب المغناطيس الحديد مستنداً إلى كون مزاجها على نسبة الاعداد المتحابة وكون مزاج احدهما على العدد الاقل والاخر على العدد الاكثر.
(2/208)

اقول: هذا خيال لطيف، لكن لا يساعد التجربة، فانا شاهدنا ان المغناطيس يجذب المغناطيس، وكان عندنا قطعة فقطعناها قطعاً متخالفة، وشاهدنا أن القطعة الصغيرة تنجذب إلى القطعة الكبيرة والقطعتنما المتساويتان يجذب كل منهما الاخر، وهذه التجربة يقتضي ان لا يكون الجذب والانجذاب لما ذكره، فان اجزاء المغناطيس الواحد يجذب بعضها بعضاً والاختلاف بينها بحسب المزاج، وقد يتوهم ان ذلك لكون الاجزاء العنصرية الممازجة في الصغير والكبير على تلك النسبة وهذا التوهم باطل لان الصغير على أي حد كان من الصغر ينجذب إلى الكبير ولو كان الامر كما توهم لم يستمر الحكم في جميع مراتب الصغر وأيضاً القطعتان المتساويتان متساويتان في عدد اجزاء العناصر، فمازجه انجذاب كل منهما إلى الاخرى، ولو كان العددان المتساويان يفيدان هذه الخاصية لم يحتج إلى الاعداد المتحابة أنتهى كلام الأنموذج.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدنيا، فنعمت مطية المؤمن فعليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشرانة اذا قال العبد: لعن الله الدنيا قالت الدنيا: لعن الله اعصانا لربه.
مرارة الدنيا حلاوة الاخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الاخرة.
نصائح
قال علي عليه السلام قصر من ثيابك، فانه ابقى، واتقى، وانقى.
برئ قلبك من الذنوب، ووجه وجهك إلى علام الغيوب بعزم صادق، ورجاء واثق وعدانك عبد آبق من مولى كريم رحيم حليم، يحب عودك إلى بابه، واستجارتك به من عذابه، وقد طلب منك العود مراراً عديدة، وانت معرض عن الرجوع إليه مدة مديدة مع أنه وعدك أن رجعت إليه، واقلعت عما انت عليه فيه أحد، وعن جميع ما صدر عنك، والصفح عن كل ما وقع منك، فقم واغتسل احتياطاً، وطهر ثوبك وصل بعض الفرائض، واتبعها بشيء من النوافل، ولتكن تلك الصلوة على الأرض بخضوع وخشوع واستحياء وانكسار وبكاء، وفاقة وافتقار في مكان لا يراك فيه أحد، ولا يسمع صوتك إلا الله سبحانه، فاذا سلمت فعقب صلوتك وانت حزين مستح، وجل، راج ثم اقرء الدعاء المأثور عن زين العابدين عليه السلام الذي أوله: اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون، ويا من إلى ذكر احسانه يفزع المضطرون، ثم ضع وجهك على الأرض واجعل التراب على رأسك، ومرغ وجهك الذي هو اعز اعضائك، في التراب بدمع جار، وقلب حزين وصوت عال، وانت تقول: عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك تكرر ذلك، وتعد ما تذكره من ذنوبك، لائماً نفسك موبخاً لها نايحاً عليها، نادماً
(2/209)

على ما صدر منها، وابق على ذلك ساعة طويلة، ثم قم وارفع يدك إلى التواب الرحيم: وقل، الهي عبدك الآبق رجع إلى بابك عبدك العاصي رجع الصلح، عبدك المذنب اتاك بالعذر، وانت اكرم الأكرمين وارحم الراحمين.
ثم تدعو ودموعك تنهمل بالدعاء المأثور عن زين العابدين في طلب التوبة وهو الذي أوله: اللهم يا من لا يصفه نعت الناعتين الخ.
واجهد في توجه قلبك اليه، واقبالك بكليتك عليه، مشعراً في نفسك سعة الجود والرحمة.
ثم اسجد سجدة تكثر فيها البكاء والعويل والانتحاب بصوت عال لا يسمعه إلا الله تعالى، ثم ارفع رأسك، واثقاً بالقبول، فرحاً ببلوغ المأمول.
لبعضهم
واذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد واين ذاك الواحد
كان عمر بن الوردي وقد مر به شاب في اذنه قرط فيه لؤلؤة:
مر بنا مقرط ... ووجهه يحكي القمر
قلت أبو لؤلؤة ... منه خذوا ثار عمر
فاستحسنوه وأخفوا ما قالوه.
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو فليصمت
قال العلامة في التحفة: الأشبه أن أنوار سائر الكواكب ذاتية، إذا كانت من الشمس لظهرت فيها التشكلات البدرية والهلالية باختلاف وصفها منها كما في القمر.
قال جامع الكتاب: لعل القائل بأن نور الشمس يقول بنفوذ نور الشمس في أعماقها، لأن المنير وجهها المقابل لنا هو المقابل للشمس، كما في القمر فلا يرد هذا الكلام عليه، تأمل.
ثم قال صاحب التحفة: فإن قيل إنما هذا في السفلية لا في العلوية، لأن وجهها المقابل لنا هو المقابل للشمس، بخلاف القمر.
لا يقال لو كانت كذلك لانخسفت في المقابلات إذا كانت على نفس المنطقة؛ لأن ظل الأرض لا يصل إليها، قلنا العلوية إذا كانت على سمت الرأس غير مقابلة لها ولا مقارنة لم يكن وجهها المقابل لنا هو المقابل لها، بل بعضه، ولزم ما قلنا.
(2/210)

فإن قيل إنما لا يرى هلاليا لخفاء طرفه ولصغر الكوكب في النظر، وظهوره من البعد المتفاوت مستديرا، قلنا لو كان كذلك لرئى الكوكب في قرب الشمس أصغر منه في بعدها انتهى كلام صاحب التحفة. في الحديث " من صمت نجا ".
ومن أمثالهم لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب.
الشيخ السعدي الشيرازي
يا نديمي قم بليلى ... واسقني واسق النداما
خلني أسهر ليلي ... ودع الناس نياما
أسقياني وهدس ... الرعد قد أبكى الغماما
في أوان كشفا الورد ... عن الوجه اللثاما
أيها المصغي إلى الزهاد ... دع عنك الملاما
فزبها من قبل أن ... يجعلك الدهر عظاما
قل لمن عير أهل ... الحب بالحب ولاما
لا عرفت الحب هيهات ... ولا ذقت الغراما
لا تلمني في غلام ... أودع القلب سقاما
فبداء الحب كم من ... سيد أضحى غلاما
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون
وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون؟
من كلام جالينوس رؤساء الشياطين ثلاثة: شوائب الطبيعة، ووساوس العامة ونواميس العادة.
استدل النفيسي في شرح الموجز على أرطبية اليمين من باقي الأعضاء بثلاثة وجوه: الأول أنه يتولد من مائية الدم، والثاني أنه يغلب عليه الهوائية، والثالث لين الجوهر ولين الجوهر يكون لزيادة الرطوبة من اللحم المجاور له.
أقول في الثالث نظر فإن استفادة الأقوى كيفية من الأضعف غير معقول، وهو مثل أن يقال إن الماء يستفيد الرطوبة بمجاور البطيخ مثلاً فتأمل.
(2/211)

قال النفيسي في بحث الصداع: والصداع الذي يكون عن دود متولد في مقدم الدماغ مؤذ بحركته وتمزيقه يكون مع نتن في رائحة الأنف لأن الدود إنما يتولد من رطوبة قد تعفنت بالحرارة الغريبة. فينفصل عنها قبل استحالتها إلى الدود عما لم يستحل قبل أبخرة نتنه إنتهى كلامه. وفي قوله عما لم يستحل قبل نظر فإن هذا هو بعينه ما قبل الاستحالة، والصواب إبدال لفظ قبل ببعد ويمكن التكلف في إصلاح كلامه: بأن مراده أن الأبخرة ينفصل عن جميع تلك الرطوبة قبل استحالة شيء منها دوداً، وعن بعضها وهو ما لم يستحل قبل إذا استحال البعض الآخر وهو كما ترى.
قوله والصواب الخ هنا مسامحة من وجهين: الأول أن الأقرب إبدال لفظ قبل ببعد فإن قوله عما لم تستحل متروك، الثاني أن التكلف تكلف. كما قاله سلمه الله.
وصف القرآن
قال الإمام الراغب: القرآن منطو على الحكم كلها علميها وعمليها، كما قال جل وعلا " وكل شيء أحصيناه في إمام مبين " لكن ليس يظهر ذلك إلا للراسخين وما من برهان ودليل وتقسيم وتحديد في المعلومات العقلية والسمعية الا وكلام الله قد نطق به وأورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق الحكماء والمتكلمين: لأمرين أحدهما ما أشار إليه سبحانه بقوله: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " والثاني: أن المائل إلى دقيق المحاجة وهو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذين يفهمه الأكثرون لم يتحظ إلى الأدق، وقد ورد القرآن العظيم في صورة جلية تحتها كنوز خفية، لتفهيم العامة من جليه ما يقنعهم، ويفهم الخواص من دقائقه ما يزيد على ما أدركه فهم الحكماء بمراتب شتى، ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من القرآن أكثر، وكذلك إذا ذكر سبحانه حجة اتبعها، مرة بالإضافة إلى أولي العلم، ومرة إلى ذوي العقل، ومرة إلى المتفكرين ومرة إلى المتذكرين. وبالجملة قد انطوى على أصول الأولين والآخرين، وأبناء السابقين واللاحقين. وفيه تجلى الله لعباده المؤمنين، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو الذي تدفع الأهواء والشبهة عن العلماء، ولكن محاسن أنواره لا يفقهها إلا البصائر الجلية، ولطائف ثماره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه لا ينالها إلا الأنفس التقية: " إنه لقرآن كريم لا يمسه إلا المطهرون "
(2/212)

في تفسير النيسابوري عند قوله تعالى: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " ما صورته قيل علامة قبول التوبة هجران إخوان السوء وقرناء الشر ومجانبة البقعة التي باشر فيها الذنوب والخطايا، وإن يبدل بإخوان إخواناً، وبالأخدان أخداناً والبقعة بقعة، ثم يكثر الندامة والبكاء على ما سلف منه، والأسف على ما ضيع من أيامه، ولا يفارقه حسرة ما فرط وهمل في البطلات، ويرى نفسه مستحقة لكل عذاب وسخط.
خطبة النبي صلى الله عليه وسلم
قال سيد المرسلين، وأشرف الأولين والآخرين صلوات الله عليه وآله أجمعين في خطبة خطبها وهو على ناقته العضباء.
أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة، وأمنا كل حائجة، طوبى لمن أنفق ما اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالف أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن ذلت نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة.
بسط الكلام مع الأحباب مطلوب وإطالة سمعه معهم أمر مرغوب، على أن القرب من الحبيب يبسط اللسان، وينشط الجنان، وعلى هذا المنوال جري قول موسى على نبينا وعليه السلام: " هي عصاي " الآية، ولبعضهم هنا سؤال، هو أن تكليم العبد للرب سبحانه ميسر كل وقت لكل واحد، كما في الدعاء ونحوه، فإنه أقرب إلينا من حبل الوريد وأما العكس؛ فهو منال عزيز لا يفوز به إلا صفوة الصفوة، فكان ينبغي لموسى أن لا يطيل الكلام، بل يختصر فيه، ويسكت ليفوز بسماع الكلام مرة اخرى، فإنه أعظم اللذتين كما عرفت. والجواب: أن تكليم موسى للحق جلا وعلا في ذلك الوقت، ليس من قبل التكليم الميسر كل وقت، لأنه جواب عن سؤاله تعالى ومكالمة له سبحانه كما يتكلم جليس الملك مع الملك وفرق بين تكليم الجليس للملك، وبين سماع الملك كلام شخص محجوب عن بساط القرب يصيح خارج الباب؛ وهذا هو الميسر لكل أحد، على أن موسى عليه السلام لم يكن على يقين من أنه إن اختصر وسكت، فاز بالمخاطبة مرة اخرى، ألا ترى كيف أجمل في آخر كلامه بقوله " ولي فيها مآرب آخرى "، لرجاء أن يسأل عن تلك المآرب فيبسط الكرم مرة اخرى
(2/213)

ولا يبعد أن يكون عليه السلام قد فهم أن سؤال الحق تعالى له إنما هو لمحض رفع الدهشة عنه، فأخذ يجري في كلامه مظهر ارتفاع الدهشة أو أن السؤال إنما هو لتقريره على أنها عصا، كمن يريد تعجب الحاضرين من قلب النحاس ذهباً، فيقول: ما هذا فيقول: نحاس فيخرجه لهم ذهباً، فأخذ موسى في ذكر خواص العصا لتأكيد الإقرار بأنها عصا، فيكون بسط الكلام لهذا أيضاً لا للإستلذاذ وحده، كما هو مشهور.
استماح أعرابي خالد بن عبيد الله، وألح في سؤاله، وأطنب في الإبرام، فقال خالد: أعطوه بدرة يضعها في حرامه، فقال الأعرابي: واخرى لاستها يا سيدي لئلا تبقى فارغة، فضحك وأمر له بها أيضاً.
وأيضاً في شرح النهج لكمال الددين ابن ميثم، إن قلت: كيف يجوز تجاوز الإنسان في تفسير القرآن وقد قال صلى الله عليه وسلم: من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، وفي النهي عن ذلك آثار كثيرة.
قلت: الجواب عنه من وجوه: الأول -: أنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم: إن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً، وبقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: إلا أن يوتي الله عبداً فهماً في القرأن، ولو لم يكن سوى الترجمة المنقولة، فما فائدة ذلك الفهم؟ الثاني -: لو لم يكن غير المنقولة لاشتراط أن يكون مسموعاً من الرسول صلى الله عليه وآله، وذلك مما يصادف إلا في بعض القرآن، فأما ما يقوله ابن عباس وابن مسعود وغيرهم، من أنفسهم فينبغي أن لا يقبل ويقال: هو تفسير بالرأي.
الثالث -: أن الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات، وقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، وسماع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم محال، فكيف يكون الكل مسموعاً؟ الرابع - أنه صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس بذلك: فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل ومحفوظاً مثله، فلا معنى لتخصيص ابن عباس بذلك.
الخامس: قوله تعالى: " لعلمه الذين يستنبطونه منهم "، فأثبت للعلماء استنباطاً، ومعلوم أنه وراء المسموع، فإذن الواجب أن يحمل النهي عن التفسير بالراي أحد معنيين: أحدهما - أن يكون لإنسان في شيءٍ رأي وله إليه ميل بطبعه، فيتأول القرآن على وفق طبعه ورأيه حتى لو لم يكن له ذلك الميل لما خطر ذلك التأويل بباله، سواء كان ذلك الرأي مقصداً صحيحاً؛ أو غير صحيح، وذلك كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي، فيستدل على تصحيح غرضه من القرآن بقوله تعالى: " إذهب إلى فرعون إنه طغى " ويشير إلى أن قلبه هو المراد بفرعون، كما يستعمله بعض الوعاظ تحسناً للكلام، وترغيباً للمستمع وهو ممنوع.
الثاني - أن يتسرع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهاره بالسماع، والنقل
(2/214)

فيما يتعلق بغرايب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة وما يتعلق به من الإختصار والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير والمجاز، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبارد إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، مثاله قوله تعالى: " وآتينا ثمود الناقة مبصرة، فظلموا بها " والناظر إلى ظاهر العربية ربما يظن أن المراد الناقة كانت مبصرة، ولم يكن عمياً، والمعنى أية مبصرة أنهم اذا ظلموا غيرهم انتهى.
وفد حاجب بن زرارة على أنوشيروان، فأستأذن عليه، فقال للحاجب: سله من هو؟ فقال: رجل من العرب، فلما مثل بين يديه قال له أنوشيروان: من أنت؟ قال: سيد العرب. قال: أليس زعمت أنك أحدهم؟ فقال: إني كنت كذلك، ولكن لما أكرمني الملك بمكالمته صرت سيدهم، فأمر بحشو فيه دراً.
استماح أعرابي خالد بن عبيد الله، وألح في سؤاله، وأطنب في الإبرام، فقال خالد: أعطوه بدرة يضعها في حرامه، فقال الأعرابي: واخرى لاستها يا سيدي لئلا تبقى فارغة، فضحك وأمر له بأخرى أيضاً.
قال بعض الخلفاء: إني لأبغض فلان له إلي ذنب، فقال بعض الحاضرين: أوله خيراً تحبه، فأنعم عليه، فما لبث أن صار من خواصه.
سئل بعض الجند عن نسبه، فقال: أنا ابن أخت فلان، فسمع ذلك أعرابي، فقال: الناس ينتسبون طولاً، وهذا الفتى ينتسب عرضاً.
لبعضهم:
قالوا حبيبك محموم فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كل محذور
فليت علته بي غير أن له ... أجر العليل وأني غير مأجور
قال بعض الحكماء: إصنع المعروف إلى من يشكره، واطلبه ممن ينساه. وقال: النعم وحشية فأشكلوها بالشكر. أثنى بعضهم على زاهد، فقال الزاهد: يا هذا لو عرفت مني ما أعرفه من نفسي لأبغضتني.
شعر:
إذا كان ربي عالماً بسريرتي ... فما الناس في عيني بأعظم من ربي
خطب معاوية خطبة عجيبة فقال: أيها الناس هل من خلل؟ فقال: رجل من عرض الناس: نعم خلل كخلل المنخل، فقال: وما هو؟ فقال: إعجابك بها ومدحك إياها.
(2/215)

من أمثال العرب، قالوا: شتم جديٌ على سطح ذئباً مر به. فقال الذئب: لم تشتمني أنت وإنما شتمني مكانك.
من كلام الحكماء: لا تكن ممن يرى الغذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع المعترض في حلق نفسه، ومن كلامهم إذا رأيت من يغتاب الناس، فأجهد جهدك أن لا يعرفك، فإن أشقى الناس به معارفوه.
وقال جار الله الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في الباب السابع والتسعين منه: مر رجل بأديب فقال: كيف طريق بغداد؟ فقال: من هنا، ثم مر به آخر، فقال: كيف طريق كوفة؟ فقال: من هنا وقال له: بادر مسرعاً من ذلك المار الألف واللام أنت تحتاج إليهما وهو مستغن عنهما فخذهما فإنك أحوج إليهما منه.
وقال بعضهم: الدنيا مدورة، ومدارها على ثلاث مدورات: الدرهم، والدينار والرغيف.
قال امرأة لرجل أحسن إليها: أذل الله كل عدو لك إلا نفسك، وجعل نعمته عليك هبة لك لا عارية عندك. وأعاذك من بطر الغنى وذل الفقر، وفرغك الله لما خلقك له ولا شغلك بما تكفل به.
وجد يهودي مسلماً يأكل شوياً في شهر رمضان، فأخذ يأكل معه، فقال له المسلم: يا هذا إن ذبيحتنا لا تحل على اليهود، فقال: أنا في اليهود مثلك في المسلمين.
إستأذن سالم بن قتيبة في تقبيل يد المهدي، فقال: إنا نصونها عن غيرك، ونصونك عنها.
دعا رجل آخر إلى منزله، وقال: لنأكل معك خبزاً، وملحاً، فظن الرجل أن ذلك كناية عن طعام لذيذ أعده صاحب المنزل، فمضى معه فلم يزد على الخبز والملح، فبينما يأكلان إذ وقف سائل، فزجره صاحب المنزل مراراً فلم ينزجر، فقال له: إذهب وإلا خرجت وكسرت رأسك، فقال: المدعو: يا هذا إنصرف فإنك لو عرفت من صدق وعيده ما عرفت من صدق وعده ما تعرضت له.
أنشد الفرزدق لسليمان بن عبد الملك قصيدته التي يقول فيها:
فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام
فقال له: ويحك با فرزدق أقررت عندي بالزنا ولابد من حدك، فقال: كتاب الله يدرؤ عني الحد قال: وأين؟ قال: " والشعراء يتبعهم الغاوون " إلى قوله: " أنهم يقولون ما لا يفعلون " فضحك وأجازه.
قال كاتب الأحرف ومن هذه القصة أخذ الصفي قوله:
(2/216)

نحن الذي أتى الكتاب مخبراً ... بعفاف أنفسنا وفسق الألسن
لبعضهم:
يا هند ما في زماني ... مساعف أو مساعد
قولي صدقت وإلا ... فكذبيني بواحد
كتب ملك الهند إلى الرشيد: يتهدده في كتاب طويل، فكتب إليه الرشيد: الجواب ما تراه ما لا تقرأه.
من كلامهم: نوائل الملوك للشرف لا للعلف، لا تستمع ببرد الضلال، مع حر البلبال، قال هشام لبعض نساك الشام: عظني، فقرأ الناسك " ويل للمطففين " الآيات، ثم قال: هذا لمن طفف المكيال والميزان، فما ظنك بمن أخذ كله، فبكى هشام من كلامه.
دخل الشعبي على عبد الملك، وعنده ليلى الأخيلية، وقال: إن هذه لم يخجلها أحد في كلام، فقال الشعبي: إن قومها يسمون ولا يكتنون، فقال: ولم لا نكتني؟ فقال: لو فعلت لزمتني الغسل، فأخجلها وكانت قبيلتها يكسرون نون المضارع.
ودخل ثمامة دار المأمون وفيها روح بن عبادة، فقال له روح: المعتزلة حمقى، وذلك أنهم يزعمون أن التوبة بأيديهم، وأنهم يقدرون عليها متى شاؤوا وهم مع ذلك دائبون يسألون الله تعالى أن يتوب عليهم فما معنى مسألتهم إياه ما هو بأيديهم والأمر فيه إليهم لولا الحمق؟ فقال له ثمامة: ألست تزعم أن التوبة من الله وهو يطلبها من العباد أجمع في كلامه وعلى لسان أنبيائه، فكيف يطلب الله تعالى من العباد شيئاً ليس بأيديهم، ولا يجدون إليه سبيلاً فأجب حتى أجيب.
(2/217)

قال محمد بن شبيب غلام النظام: دخلت إلى دار الأمير بالبصرة، وأرسلت حماري فأخذه صبي يلعب عليه، فقلت له: دعه، فقال: إني أحفظه لك، فقلت: إني لا أريد حفظه قال: يضيع إذن، قلت: لا ابالي بضياعه، فقال: إن كنت لا تبالي بضياعه فهبه لي، فانقطعت من كلامه.
ومن كلامهم: الكريم شجاع القلب، والبخيل: شجاع الوجه، ولا تطلب المفقود حتى تفقد الموجود.
قال رجل للفرزدق: متى عهدك بالزنا يا أبا فراس؟ فقال: منذ مالت امك يا أبا فلان.
قيل لعاشق: لو كان لك دعوة مستجابة ما كنت تدعو؟ قال: تسوية الحب بيني وبين ما احب حتى يمتزج قلبانا سراً وعلانية.
بعث ملك في طلب اقليدس الحكيم، فامتنع وكتب إليه إن الذي منعك أن تجيئنا، منعنا أن نجيئك.
قال رجل ليوسف عليه السلام: إني لأحبك، فقال: وهل أوتيت إلا من المحبة، أحبني أبي فالقيت في الجب، واستعبدت، وأحبتني امرأة العزيز فلبثت في السجن بضع سنين.
ومن كلام بعض الحكماء: ثلاثة لا تسخف بهم: السلطان، والعالم، والصديق، فمن استخف بالسلطان ذهب دنياه، ومن استخف بالعالم ذهب دينه، ومن استخف بالصديق ذهب مروته.
ومن كتاب المدهش في حوادث سنة 241 ماجت النجوم، وتطايرت شرقاً وغرباً كالجرادة من قبل غروب الشمس إلى الفجر، وفي السنة التي بعدها رجمت السويد وهي ناحية من نواحي مصر بحجارة، فوزن منها حجر كان عشرة أرطال، وزلزلت الري وجرجان، وطبرستان، ونيشابور، وإصفهان، وقم، وكاشان، ودامغان في وقت واحد، فهلك في دامغان خمسة وعشرون ألفاً، وتقطعت الجبال، ودنا بعضهم من بعض، حتى سار جبل من يمن، وعليه مزارع قوم فأتى مزارع قوم آخرين، ووقع طاير أبيض بحلب، وصاح أربعين
(2/218)

صوتا، يا أيها الناس اتقوا الله، ثم طار وأتى من الغد وفعل ذلك، ثم ما رؤي بعدها ومات رجل من بعض أكوار الأهواز، فسقط طاير على جنازته، وصاح بالفارسية، إن الله قد غفر لهذا الميت ومن حضر جنازته انتهى.
وجود الله سبحانه
غن التصديق بوجوده تعالى من أجلى البديهيات، كما قال، " أفي الله شك فاطر السموات والأرض " كذلك تصور كنه الحقيقة أو ما ما يقرب من الكنه من أمحل المحالات " ولا يحيطون به علما " كيف وسيد البشر صلوات الله عليه وآله يقول: " ما عرفناك حق معرفتك " وقال عليه السلام " إن ن الله اجتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه لأنتم ": وما أحسن قول ابن أب الحديد:
تاه الأنام بسكرهم ... فلذاك صاحي القوم عربد
تالله لا موسى الكليم ... ولا المسيح ولا محمد
كلا ولا جبريل وهو ... إلى محدل القدس يصعد
علموا ولا النفس البسيطة ... ولا العقل المجرد
من كنه ذاتك غير أنك ... أو حدى الذات سرمد
فليخسأ الحكماء عن ... حرم له الأملاك سجد
من أنت يارسطو ومن ... أفلاط قبلك يا مبلد
ومن ابن سينا حين هذب ... ما أتيت به وشيد
ما أنتم إلا الفراش ... رأى السراج وقد توقد
فدنا فأحرق نفسه ... ولو اهتدى رشدا لأبعد
والحاصل أن كل ما يتصوره العالم الراسخ فهو عن كنه الحقيقة بفراسخ. وكل ما وصل إليه النظر العميق، فهو غاية مبلغة من التدقيق، وسرادقات الذات عن ذلك بمراحل وأميال، لا يستطيع سلوكها بريد الوهم والخيال. وللله در من قال:
فيك يا أغلوطة الفكر ... تاه عقلي وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر
رجعت حسرى وما اطلعت ... لا على عين ولا أثر
(2/219)

فلا يلتفت إلى هذيان من يزعم أنه وصل إلى كنه الحقيقة، بل احثوا التراب بفيه، فقد ضل وغوى، وكذب وافترى. فإن الأمر أجل وأرفع وأعلى من أن يحيط به عقل بشر.
وأما ما ينقل عن سيد الأولياء وسند الأصفياء أمير المؤمنين كرم الله وجهه من قوله: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فالمراد غير ذلك لنا في قول سيد البشر: ما عرفناك حق معرفتك. وقول الحكماء: جل جناب الحق عن أن يكونت شريعة لكل وارد، وأن يطلع عليه إلا واحد بعد واحد، لا يريدون به الاطلاع التام ولا يزاحم التمام.
لبعضهم:
لو صادف نوح دمع عيني غرقا ... أو حل بمهجتي الخليل أحترفا
أو حملت الجبال حبي لكم ... مالت وتململت وخرت صعقا
رأيت في كتاب خط قديم أن الحب سر روحاني، يهوي من عالم الغيب إلى القلب، ولذلك سمي هوى، ومن هوى يهوي إذا سقط، ويسمى الحب بالحب لوصوله إلى حبة القلب التي هي منبع الحياة، وإذا اتصل بها سرى مع الحياة في جميع أجزاء البدن، وأثبت في كل جزء صورة المحبوب كما حكي أن الحلاج لما قطعت أطرافه كتب في مواضع الدم: ألله ألله، وفي ذلك قال:
هو ما قد لي عضواً ولا مفصل ... إلا وفيه لكم ذكر
وهكذا حكي عن زليخا: أنها فصدت يوماً فارتسم من دمها على الأرض: يوسف يوسف.
قال صاحب الكتاب: ولا تعجب من هذا، فإن عجائب بحر المحبة كثير.
قال حكيم لرجل كان مولعاً بحب جارية لها مشتغلاً بها عما يهمه من امور معاده: يا هذا هل تشك في أنك لا بد أن تفارقها؟ فقال: نعم قال: فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم في يومك هذا، وأربح ما بينهما من الخوف المنتظر وصعوبة معالجة ذلك بعد الإستحكام واشتداد الإلفة.
مر الجنيد برجل، فرآه يحرك شفتيه، فقال: بم اشتغالك يا هذا؟ قال: بذكر الله، فقال: إنك اشتغلت بالذكر عن المذكور.
ومر الشلبي بمءذن وهو يؤذن، فقال: اشتدت الغفلة فكررت الدعوة.
(2/220)

لبعضهم:
غيري جنى وأنا المعذب فيكن ... فأنني سبابة المتندم
وعلى هذا المنوال لبعض الأعراب:
وحملتني ذنب أمرئ وتركته ... كذي العر تكوي غيره وهو راتع
العر قروح يخرج في مشافر الإبل وقوائمه.
قال في كتاب مجمع الأمثال: إن الإبل إذا فشا فيها العر أخذ بعير صحيح، وكوي بين يدي الإبل بحيث ينظر إليه فتبرأ كلها بإذن الله تعالى منه قول النابغة: وحملتني ذنب أمرئ البيت.
دعت أعرابية في الموقف فقالت: سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله وأوحشه على من لم تكن أنيسه؟ بنى أردشير بناءاً عجيبة، فقيل لبعض الحكماء: هل تجد فيه عيباً؟ فقال: ما رأيت مثله: ولكن فيه عيب واحد قال: وما هو؟ قال إن لك منه خرجة لا تعود بعدها إليه ودخلة إليه لا تخرج بعدها منه فبكى أردشير. من كلامه
لبعضهم:
رأيت العشف حوشيتم عيوناً ... تسيل دماً وأكباداً تشظى
ألا يا معشر العشاق توبوا ... " فقد أنذرتكم ناراً تلظى "
من كتاب رياض النعيم عن إبراهيم بن نفطويه النحوي قال: دخلت على محمد بن دواد الإصفهاني صاحب المهذب في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى، قلت: ما منعك منه مع القدرة عليه؟ فقال: إن الاستمتاع على وجهين النظر المباح واللذة المحظورة، أما النظر المباح فقد أوصلني إلى ما ترى، وأما اللذة المحظورة، فقد منعني منها ما بلغني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من عشق وكتم وعف غفر الله له وأدخله الجنة، قال: ثم أنه أنشدني أبياتاً لنفسه فلما انتهى إلى قوله:
إن يكن عيب خده من عذاري ... فعيوب العيون شعر الجفون
فقلت له: أنت تنفي القياس في الفقه وتثبت في الشعر.
وقال: غلبة الهوى وملكة النفوس دعوا إليه، قال: ومات في ليلته؛ وقد ذكرت شرذمة من أحوال محمد بن داود الإصفهاني في المجلد الأول من الكشكول، فمن شاء وقف عليه. لبعضهم:
(2/221)

أمر بالحجر القاسي فألثمه ... لأن قلبك قاس يشبه الحجرا
قال رجل لأحمد بن خالد الوزير: لقد اعطيت ما لم يعطه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وكيف ذلك يا أحمق؟ قال: لأن الله تعالى يقول لنبيه: " ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك " وأنت فظ غليظ ونحن لا ننفض من حولك.
لما قتل جعفر بن يحيى البرمكي قال أبو نواس: والله مات الكرم والجود والفضل والأدب، فقيل: ألم تكن تهجوه حال حياته؟ فقال ذلك والله لشقائي وركوني إلى أهوائي، وكيف يكون في الدنيا مثله في الجود والأدب، ولما سمع قولي فيه:
لقد غرني من جعفر حسن بابه ... ولم أدر أن اللوم حشو إهابه
ولست إذا أطنبت في مدح جعفر ... بأول إنسان خرى في ثيابه
بعث إليّ بعشرين ألف درهم، وقال: إغسل ثيابك بها،
قيل لبعض الظرفاء: ما أهزل برزونك؟ قال: نعم يده مع أيدينا.
ضرب رجل أعور بحجر فأصاب العين الصحيحة من أعور، فوضع الأعور يده على عينيه، وقال: أمسينا والحمد لله.
حجب بعض الأمراء أبا الينا ثم كتب إليه يعتذر منه، فقال: يحجبني مشافهة، ويعتذر إلي مكاتبة.
مدح بعض الشعراء صاحب شضرطة، فقال: أما إني أعطيك شيئا من مالي فلا يكون أبدا، ولكن اجن جناية حتى لا اعاقبك بها.
قيل لمؤاجر في شهر رمضان: هذا شهر الكساد. فقال: أبقى الله اليهود والنصارى. قال الشيخ في الشفا: المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة وهو الذي للبدن عند البعث وخيرات البدن وشروره معلوم لا يحتاج أن يعلم، وقد بسطت بالشريعة الحقة التي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن منه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقه النبوة وهو السعادة والشقاوة التابعتان للأنفس، وإن كانت الأوهام تقصر عن تصورها الآن لما توضحه من العلل، والحكماء الإلهيون رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة هذه السعادة البدنية انتهى.
دخلت غرة على عبد الملك، فقال لها: أنت غرة كثيرة؟ فقالت: أن غرة بنت جميل قال: أتروين قول كثير؟ .
(2/222)

لقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عزلا يتغير
تغير جسمي والخليقة كالتي ... عهدت وما يخبر بسرك مخبر
فقالت: أروي ذلك، واكن أروي قوله:
كأني انادي صخرة حين أدبرت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت
صفوح فما تلقاك إلا بنجلة ... فمن مل منها ذلك النجل ملت
قال: فأمرها بالدخول على زوجته عاتكة، فلما دخلت قالت لها عاتكة: خبريني عن قول كثير فيك:
قضى كل ذي دين فوفى عزيمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
من هذا الدين؟ فقلت: وعدته قبلة، فقالت عاتكة: أنجزي وعدك وعلي إثمه.
قال بعض الفضلاء: ذهب لذات الدنيا بأجمعها، ولم يبق منها إلا حك الجرب والوقيعة في الثقلاء.
سئل بعض الأعراب ممن راى مسيلمة: كيف وجدته: فقال ما هو نبي صادق ولا متنبئ حاذق.
قال بعض الأمراء لجنده: يا كلاب، فقال له احدهم: لا تقل ذلك فإنك أميرنا
لبعضهم:
فتى لرغيفه قرط وشلف ... وإكليلان من خرز وشذر
إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنسا إذا فجعت بصخر
قال أبو العينا: أخجلني ابن صغير لعبد الرحمن بن خاقان قلت له: وددت أن لي ابناً مثلك، فقال: هذا بيدك، قلت: كيف ذلك؟ قال: إحمل أبي على امرأتك تلد لك ابناً مثلي.
قال رجل لابن عمر: إن المختار كان يزعم أنه يوحي إليه فقال: صدق إن الله تعالى يقول: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ".
قيل لحكيم ظريف: هل يولد لابن خمس وتسعين ولد؟ فقال نعم: إن كان في جيرانه ابن خمس وعشرين سنة.
رأيت في بعض الكتب: أن الوجه في تسمية الشيخ العارف كمال الدين بالكبرى أن مشايخ زمانه كانوا يقولن في شأنه: قد قامت عليه قيامه العشاق فأتت عليه الطامة الكبرى، فاشتهر بذلك وغلب عليه حتى عرف به.
(2/223)

في بعض التواريخ المعتمدة عليها أن معن بن زائدة كان يتصيد، فعطش فلم يكن في تلك الحال مع غلمانه ماء، فبينما هو كذلك إذ مر به جاريتان من حي هناك، في جيد كل واحدة قربة من الماء، فشرب منهما، وقال لغلمانه: هل معكم شيء من نفقتنا؟ فقالوا: ليس معنا شيء، فدفع لكل منهما عشرة أسهم من سهامه كان نصالها من تبر، فقالت إحداهما للاخرى: ويحك ما هذه الشمايل إلا لمعن بن زايدة، فليقل كل منا في ذلك شيئاً، فقالت إحداهما:
يركب في السهام نصار تبر ... ويرميها العدى كرماً وجودا
فللمرضى علاج من جراح ... وأكفان لمن سكن اللحودا
وقالت الاخرى
ومحارب من فرط جود بنانه ... عمت مكارمه الأقارب والعدا
صيغت نصال سهامه عن عسجد ... كيلا يعوقه القتال عن الندىفي كشف الغمة عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: جعت يوماً بالمدينة فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، إذاً أنا بامرأة قد جمعت مدراً، فظننتها تريد بله فقاطعتها كل ذنوب على تمرة، فملئت ستة عشر ذنوباً حتى مجلت يداي ثم أتيت الماء، فأصبت منه ثم أتيتها، فقمت بكفي هكذا بين يديها، وبسط الراوي كفيه، فعدت لي ستة عشر تمرة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأكل معي منها.
قولهم: إن سر الحقيقة مما لا يمكن أن يقال له محملان: إحداهما - أنه مخالف لظاهر الشريعة في نظر العلماء: فلا يمكن قوله: وعلى هذا جرى قول زين العابدين عليه السلام.
يار ب جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي أنت ممن تعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسملون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا
الثاني: إن العبارات قاصرة عن أدائه وغير وافية ببيانه فكل عبارة قربته إلى الذهن من وجه أبعدته عنه من وجوه.
كلما أقبل فكري ... فيك شبراً فر ميلا
وعلى هذا جرى قول بعضهم:
وإن قميصاً خيط من نسج تسعة ... وعشرين حرفاً من معاليك قاصر
(2/224)

ومن هذا يظهر أن قولهم: إفشاء سر الربوبية كفر، له محملان أيضاً، فعلى محمل الأول يراد بالكفر ما يقابل الإسلام، وعلى المحمل الثاني يراد بالكفر ما يقابل الإظهار إذ الكفر في اللغة الستر، فيكون معنى الكلام أن كلما يقال في كشف الحقيقة، قفهو سبب لإخفائها وستر لها في الحقيقة.
الصاحب
غزال له وجه ينال به المنى ... يرى الفرض كل الفرض قتل صديقه
فإن هو لم يكفف عقارب صدغه ... فقولوا له يمسح بترياق ريقه
وله أيضاً
ما في زمانك من ترجو مودته ... ولا صديق إذا جار الزمان وفى
فعش وحيداً ولا تركن إلى أحد ... ها قد نصحتك فيما قلته وكفى
وإني لتعروني لذكراك هزة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى لا أكاد اجيب
ويضمر قلبي حبها ويعينها ... علي فيما لي في الفؤاد نصيب
السبب في تسمية الأيام التي في آخر البرد بأيام العجوز، ما يحكى أن عجوزاً كاهنة في العرب، كانت تخبر قومها ببرد يقع، وهم لا يكترثون بقولها حتى جاء فأهلك زرعهم فقيل: أيام العجوز وبرد العجوز، وقال جار الله في كتاب ربيع الأبرار: قيل الصواب أنها أيام العجز أي آخر البرد، وقيل: إن عجوزاً طلبت من أولادها أن يزوجوها، فشرطوا عليها أن تبرز إلى الهواء سبع ليال، ففعلت وماتت.
لبعضهم:
وإني وإن أخرت عنكم زيارتي ... لعذر فإني في المحبة أول
فما الود تكرار الزيارات دائماً ... ولكن على ما في القلوب المعول
الحاجري: هبت فعلمت أنها من نجد ... ريح لنسيمها أريج الند
(2/225)

لكن أنا قد قلت لواش عندي ... هذي النسمات للكثيب الفرد
يا عاذل كم تطيل في العذل علي ... دعني وتهتكي فقد راق لدي
خذ رشدك وانصرف ودعني والغي ... ما أحسن ما يقال قد جن بمي
وله
حيا وسقى الحمى سحاب هامي ... ما كان ألذ عامه من عام
يا مي وما ذكرت أيامكم ... إلا وتظلّمت على أيامي
سئل الصادق عليه السلام لم يكلب الناس على الأكل في أيام الغلاء؟ فقال: لأنهم بنوا الأرض وإذا قحطت قحطوا، وإذا أخصبت أخصبوا.
في كتاب ربيع الأبرار: من عجايب بغداد أنه موطن الخلفاء، ولم يمت بها خليفة أبداً.
وفيه: طول ثقيل عند رجل، فما أمسى وأظلم البيت لم يأته بالسراج، فقال الرجل: أين السراج؟ فقال صاحب البيت: إن لله تعالى يقول: " وإذا أظلم عليهم قاموا "، فقام وخرج.
لبعضهم:
دع الأيام تفعل ما تشاء ... وطب نفسا إذا نزل البلاء
ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما الحوادث الدنيا بقاء
إذا ما كنت ذا قلب قنوع. . فأنت ومالك الدنيا سواء
قال جامع الكتاب: لا والله، فإن صاحب القناعة ومالك الدنيا غير متساويين كما قاله صاحب الأبيات، بل صاحب القناعة أقل حزنا، وأطيب نفسا، وأقر عينا. ولله در من قال:
ومن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا
الوجه المشهور في قوس قزح لم يرتضه المولى الفاضل كمال الدين حسين الفارسي؛ وتصدي لتخطئة القائلين به في أواخر تنقيح المناظر، وأورد هو في الكتاب المذكور وجهاً لطيفاً في غاية الدقة والمتانة وعساك تجده في بعض مجلدات الكشكول.
لأصحاب النفوس القدسية، التصرف في الأجرام الأرضية والسماوية للتأييدات
(2/226)

الإلهية، ألا ترى إلى تصرف إبراهيم على نبينا وعليه السلام في النار " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " وموسى في الماء والأرض " فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق. فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً " وسليمان في الهواء " ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر " ودواد عليه السلام في المعدن " وألنا له الحديد " ومريم في النبات " وهزي إليك بجذع النخلة " وعيسى في الحيوان " كونوا قردة خاسئين "، ونبينا في السماويات " اقتربت الساعة وانشق القمر ".
قال في الهياكل لما رأيت الحديدة المحمية يتشبه بالنار لمجاورتها، ويفعل فعلها فلا تعجب من نفس استشرقت واستنارت واستضاءت بنور الله، فأطاعتها الأكوان.
قال القيصري في شرح فصوص الحكم: الأرواح منها كلية، ومنها جزئية، فأرواح الأنبياء أرواح كلية يشتمل كل منها على أرواح من يدخل في حكمه، ويصير من امته، كما تدخل الأسماء الجزئية في الأسماء الكلية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: " إنّ إبراهيم كان امة قانتاً لله ".
مسيلمة وسجاح
كتب مسيلمة الكذاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد، فإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون؛ وبعث معها رجلين، وقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: أتشهدان أنّي رسول الله؟ قالا: نعم، قال: أتشهدان أنّ مسيلمة رسول الله؟ قالا: نعم، إنه قد اشرك معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا أنّ الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما، ثم كتب إليه رسول الله: من محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد؛ " فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ".
وادعت سجاح بنت الحارث النبوة في أيام مسيلمة، وقصدت حربه، فأهدى إليها مالاً واستأمنها، حتى أمنته وأمنها فجاء واستدعاها، وقال لأصحابه: اضربوا لها قبة وجمروها، لعلها تذكره لباه، وفعلوا فلما أتت قالت له: إعرض عليّ ما عندك، فقال لها: إنّي أريد أن أخلو معك حتى نتدارس، فلما خلت معه في القبة، قالت: إقرأ عليّ ما يأتيك به جبرائيل؛ فقال: إسمعي هذه الآية: إنّكن معشر النساء خلقن أفواجاً، وجعلن لنا أزواجاً، نولجه فيكنّ إيلاجاً، ثم نخرجه منكنّ إخراجاً. فقالت: صدقت إنّك نبي مرسل، فقال لها: هل لك في أن أتزوجك فيقال: نبي تزوج نبية؟ فقالت: إفعل ما بدا لك فقال لها:
ألا قومي إلى المخدع ... فقد هبي لك المضجع
(2/227)

فإن شئت فملقاه ... وإن شئت على الأربع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
فقالت، بل به أجمع، فإنّه للشمل أجمع، فضرب بعض ظرفاء العرب لذلك مثلاً وقال: أعلم من سجاح، فأقامت معه ثلاثاً، وخرجت إلى قومها، فقالوا: كيف وجدته؟ فقالت: لقد سألته فوجدت نبوته حقاً، وإنّي قد تزوجته، فقال قومها: ومثلك يتزوج بغير مهر، فقال مسيلمة: مهرها أنّي قد رفعت عنكم صلاة الفجر والعتمة: قال أهل التاريخ: ثم أقامت بعد ذلك مدة في بني تغلب، ثم أسلمت، وحسن إسلامها.
ومن خزعبلات مسيلمة: والزارعات زرعاً، فالحاصدات حصداً، فالذاريات ذوراً، فالطاحنات طحناً، فالعاجنات عجناً، فالآكلات أكلاً.
فقال بعض ظرفاء العرب: فالخاريات خريا.
قد تستعين النفوس في إحداث التعاليم بمزاولة أعمال مخصوصة وهي السحر، أو بقوى بعض الروحانيات، وهي العزائم، أو بالأجرام الفلكية، وهي دعوة الكوكب، أو بتمزيج القوى السماوية بالأرضية، وهي الطلسمات، أبو بالخواص العنصرية وهي النيرنجيات، أو بالنسب الرياضية وهي الحيل.
قال الشيخ محي الدين في الباب الثامن من الفتوحات: إن من جملة العوالم عالماً على صورنا إذا أبصره العارف، يشاهد نفسه فيها، وقد أشار إلى ذلك عبد الله بن عباس فيما روي عنه في حديث الكعبة، أنها بيت واحد من أربعة عشر بيتاً، وأنّ في كل أرض من الأرضين السبع؛ خلقاً مثلنا، حتّى أنّ بينهم ابن عباس مثلي، وصدقت هذه الرواية عند أهل الكشف، وكل ما فيه حي ناطق وهو باق لا يتبدل واذا دخله العارفون، فإنّما يدخلونه بأرواحهم لا بأجسامهم؛ فيتركون هياكلهم، في هذه الأرض، ويتجردون، وفيها مداين لا تحصى، وبعضها يسمى مداين النور لا يدخلها من العارفين الا كل مصطفى مختار، وكل حديث وآية وردت عندنا مما صرفها العقل عن ظاهرها في هذه الأرض، إنتهى كلام الشيخ، وهذا العالم يسميه حكماء الإشراق الإقليم الثامن من عالم المثال وعالم الأشباح.
وقال التفتازاني في شرح المقاصد: وعلى هذا بنو أمر المعاد الجسماني، فإنّ البدن المثالي الذي يتصرف فيه النفس حكمه حكم البدن الحسي، في أنّ له جميع الحواس الظاهرة والباطنة فيلتذ، ويتألم باللذات، والآلام الجسمانية.
قال جامع الكتاب: ومما يلائم ما نحن ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي في
(2/228)

كتاب تهذيب الأحكام في أواخر مجلد الأول منه، عن الصادق جعفر بن محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال ليونس بن ظبيان: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين؟ فقال يونس: يقولون يكونون في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش، فقال أبو عبد الله: سبحان الله! المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في موصلة طير أخضر، يا يونس المؤمن إذا قبضه الله تعالى صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون، ويشربون، فإذ قدم عليهم القادم عرفوا بتلك الصورة التي كانت في الدنيا وروى بعد هذا الحديث عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن أرواح المؤمنين فقال: في الجنة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت فلان.
قال الراغب في المحاضرات: كان الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عند المأمون فلما حضر وقت الصلاة رأى الخدم يأتونه بالماء والطشت، فقال الرضا عليه السلام: لو توليت هذا بنفسك. فإن الله تعالى يقول: " فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً ".
قال جعفر الخالدي: رأيت الجنيد في النوم. فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك العلوم، ودرست هاتيك الرسوم، وما نفعنا الا ركيعات كنا نركعها في السحر.
عن بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ذبحنا شاة، فتصدقنا بها الا الكتف، فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم، ما بقي الا الكتف، فقال صلى الله عليه وسلم: كلها بقي الا الكتف.
قال الحسن البصري: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه، بشك لا يقين فيه من الموت.
شعر
الموت لو صحّ اليقين به ... لم ينتفع بالعيش ذاكره
دخل العتبي المقابر فأنشأ يقول:
سقياً ورعياً لإخوان لنا سلفوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدهم كل يوم من بقيتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد
قال رجل لأبي الدرداء: لم نكره الموت؟ فقال: لأنّكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب.
(2/229)

قال الحسن البصري لرجل حضر جنازة: أتراه لو رجع إلى الدنيا لعمل صالحاً؟ فقال: نعم، قال: فإن لم يكن هو، تكن أنت.
قال الشيخ في آخر الشفاء: رأس الفضايل عفة، وحكمة، وشجاعة، ومن اجتمعت لها معها الحكمة النظرية فقد سعد، ومن فاز مع ذلك بالخواص النبوية كاد يصير رباً إنسانياً ويكاد أن يحل عبادته كعبادة الله تعالى، وهو سلطان العالم الفاضل في الأرض، وخليفة الله فيهم.
شعر
وجاهلة بالحب لم تدر طعمه ... وقد تركتني أعلم الناس بالحب
جميل
وإني لأستحييك حتى كأنّما ... عليّ بظهر الغيب منك رقيب
آخر
أقول لهم كروا الحديث الذي مضى ... وذكرك من بين الأنام اريد
اناشده الا أعاد حديثه ... كأنّي بطيء الفهم حين يعيد
إبن المعتز
يا رب إن لم يكن في وصله طمع ... وليس لي فرج من طول هجرته
فاشف السقام الذي في لحظ مقلته ... واستر ملاحة خديه بلحيته
قال في المحاضرات: نظرت امرأة من أهل البادية في المرآة؛ وكانت حسنة الصورة، وكان زوجها رديّ الصورة؛ فقالت له والمرآة في يدها: إنّي لأرجو أن ندخل الجنة أنا وأنت، فقال: فكيف ذلك؟ فقالت: أما أنا فلأنّي ابتليت بك، فصبرت، وأما أنت فلأن الله تعالى أنعم بي عليك، فشكرت، والشاكر والصابر في الجنة.
لبعض الأعراب
ماء المدامع نار الشوق تحدرها ... فهل سمعتم بماء فاض من نار
الخزارزي
يا من اذا أفبل قال الهوى ... هذا أمير الجيش في موكبه
كل الهوى صعب ولكنّني ... بليت بالأصعب من أصعبه
عبدك لا تسأل عن حاله ... حل بأعدائك ما حل به
قد كان لي قبل الهوى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بي ... في مقلة الوسنان لم ينتبه ابن المعتز
وجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
(2/230)

فقمت أفرش خدي في الطريق له ... ذلاً وأسحب أذيالي على الاثر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قدّت من الظفر
فكان ما كان مما لست أذكره ... فظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر
ابن بسام
ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير
لا أظلم الليل ولا أدعي ... أنّ نجوم الليل ليست ثغور
العباس بن الأحنف
قد تسحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا
وكاذب قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادق ليس يدري أنّه صدقا
الصاحب:
صرحت في حبي عن شكله. . ولم أصخ فيه إلى عذله
وبحت للعالم باسم الهوى ... فليقعد المغتاب في نزله
قال في المحاضرات: نظرت امرأة من أهل البادية في المرآة؛ وكانت حسنة الصورة، وكان زوجها رديّ الصورة؛ فقالت له والمرآة في يدها: إنّي لأرجو أن ندخل الجنة أنا وأنت، فقال: فكيف ذلك؟ فقالت: أما أنا فلأنّي ابتليت بك، فصبرت، وأما أنت فلأن الله تعالى أنعم بي عليك، فشكرت، والشاكر والصابر في الجنة.
ابن المعمار
يا صاح قد ولى زمان الردى ... والهم قد كشر عن نابه
باكر لكرم العنب المجتنى ... واستجنه من عند عنّابه
واعصره واستخرج لنا ماءه ... لكي تزيل الهمّ عنّا به
ولا تراعي في الهوى عاذلاً ... أفرط في العذل وعنّى به
كتب العباس بن معلى الكاتب إلى القاضي ابن قريعة: فتوى، ما يقول القاضي أدام الله تعالى أيامه في يهودي زنا بنصرانية؟ فولدت له ولداً جسمه كالبشر، ووجهه كالبقر فما يرى القاضي في ذلك فليفتنا مأجوراً؟ فأجاب هذا من أعدل الشهود على الملاعين اليهود، أنّهم اشربوا حب العجل في صدورهم فخرج من ايورهم، وأرى أن اخلق على الأرض وينادي عليهما ظلمات بعضها فوق بعض.
(2/231)

لما تزوج المهلب ب أبي صفرة بديعة المطربة، أراد الدخول بها، فجاءها الحيض، فقرأت: وفار التنور فقرأ و: " ساوي إلى الجبل يعصمني من الماء " فقرأت " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ".
شعر
القلب لديك عذره متضح ... والعين عليك دمعها منسفح
يا غاية منيتي وأملى أملي ... قد طال عتابنا متى نصطلح
قد قضينا العمر في مطلكم ... فظننا وعدكم كان مناما
أإذا متنا نرى وعدكم ... أم اذا كنا تراباً وعظاما
شعر
أرى الأيام صبغتها تحول ... وما لهواك من قلبي نصول
حداة العيس بالاظعان مهلاً ... فلي في ذلك الوادي خليل
فوا أسفا على عيش تقضى ... وعمر قد بقى منه القليل
أتت ودموعها في الخد يحكي ... قلائدها وقد أخذت تقول
غداة غد تزم بنا المطايا ... فهل لك في وداع يا خليل
فقلت لها وعيشك لا ابالي ... أقام الحيّ أو جد الرحيل
يخاف من النوى من كان حياً ... وإنّي بعدكم رجل قتيل
البهاء زهير
ويحك يا قلب أما قلت لك ... إياك أن تهلك فيمن هلك
حركت من نار الجوى ساكناً ... ما كان اغناك وما اجملك
ولى حبيب لم يدع مسلكا ... تشمت بي الأعداء الا سلك
ملكته رقي فيا ليته ... لو رقّ أو أحسن فيما ملك
بالله يا أحمر خديه من عضّك ... أو أدماك أو أخجلك
وأنت يا نرجس عينيه كم ... تشرب من قلبي وما أذبلك
ويا لمي مرشفة إنّني ... يغيرني المسواك إن قبلك
(2/232)

ويا مهزّ الرمح من قدّه ... تبارك الله الذي عدّلك
مولاي حاشاك ترى غادراً ... ما أقبح الغدر وما أجملك
ما لك في حسنك من مشبه ... ما تم للعالم ما تم لك
شعر
لا سلاماً لا كلاماً لا رسولاً لا رسالة ... كل هذا يا حبيبي من علامات الملالة رأيت في بعض التواريخ أنّه لما قتل الفضل بن سهل في الحمام بسرخس، كما هو في الكتب مسطور، أرسل المأمون إلى امه، أن ترسل من متروكاته ما يليق بالخليفة من الجواهر الثمينة والأموال النفيسة، وأمثال ذلك، فأرسلت إلى المأمون سفطاً مقفولاً مختوماً بختم الفضل، ففتح المأمون السفط، فإذاً فيه درج بخط الفضل المكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى به الفضل بن سهل على نفسه، قضى أن يعيش ثمانية وأربعين سنة ثم يقتل بين ماءٍ ونار.
وفي عيون الأخبار: أنّه لما كان صباح اليوم الذي قتل فيه، دخل الحمام وأمر أن يحجم وتلطخ جسده بالدم ليكون ذلك تأويل ما دلت عليه النجوم؛ من أنّه يهراق دمه ذلك اليوم بين ماء ونار، ثم أنّه أرسل إلى المأمون والرضا عليه السلام أن يحضر الحمام أيضاً، فامتنع الرضا عليه السلام وأرسل إلى المأمون يمنعه من ذلك، فلما دخل إلى الحمام جرى دمه.
أبو الرضا الفضل بن منصور الظريف الشاعر الأديب حسن الشعر؛ له ديوان جيد توفي سنة 435، ومن شعره:
وأهيف القد مطبوع على صلف ... عشقته ودواعي البين تعشقه
وكيف أطمع منه في مواصلة ... وكل يوم لنا شمل يفرقه
وقد تسامح قلبي في موافقتي ... على السلوّ ولكن من يصدقه
أهابه وهو طلق الوجه مبتسم ... وكيف يطعمني في السيف رونقه
شكر العلوي امير مكة له شعر حسن توفي سنة 453:
قوّض خيامك عن أرض تضام بها ... وجانب الذل إنّ الذل مجتنب
وارحل اذا كان في الأوطان منقصه ... فالمندل الرطب في أوطانه خشب
لما دعى إبراهيم بن المهدي الخلافة، أتى إليه المعتصم بابنه الواثق، وقال: هذا عبدك هارون ولما استخلف المعتصم قبض إبراهيم بيد ابنه ودخل عليه وقال: هذا عبدك هبة الله، قال أصحاب التواريخ: وكانت الواقعة في بيت واحد.
قال في كامل التواريخ: لما قتل الوزير نظام الملك، أكثر الشعراء من المراثي فيه، فمن ذلك قول شبل الدولة مقاتل بن عطية:
كان الوزير نظام الملك جوهرة ... مكنونة صاغها الباري من النطف
جاءت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف
وفيه أيضاً إنّ الأسعار غلت بمصر سنة 465 وكثر الموت، وبلغ الغلا إلى أنّ امرأة يقوم عليها رغيف بألف دينار، وسبب ذلك أنّها باعت عروضاً لها، قيمتها الف دينار بثلاثمأة، واشترت عشرين رطلاً حنطة، فنهبت عن ظهر الحمال فنهبت أيضاً مع الناس فأصابها مما خبزته رغيف انتهى
(2/233)

أبو الرضا الفضل بن منصور الظريف الشاعر الأديب حسن الشعر؛ له ديوان جيد توفي سنة 435، ومن شعره:
وأهيف القد مطبوع على صلف ... عشقته ودواعي البين تعشقه
وكيف أطمع منه في مواصلة ... وكل يوم لنا شمل يفرقه
وقد تسامح قلبي في موافقتي ... على السلوّ ولكن من يصدقه
أهابه وهو طلق الوجه مبتسم ... وكيف يطعمني في السيف رونقه
شكر العلوي امير مكة له شعر حسن توفي سنة 453:
قوّض خيامك عن أرض تضام بها ... وجانب الذل إنّ الذل مجتنب
وارحل اذا كان في الأوطان منقصه ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب
مهيار الشاعر الأديب صاحب المحاسن والشعر العذب الرائق كان مجوسياً فأسلم على يد السيد المرتضى وكان يتشيع، قال في كامل التواريخ: إنّ أبا القاسم ابن برهان قال له يوماً: يا مهيار قد انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية، قال: وكيف ذلك؟ قال: إنّك كنت مجوسياً فصرت تسب أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم في شعرك.
أحمد بن علي بن الحسين المؤدب المعروف بالغالي، توفي سنة 448، ومن شعره:
تصدّر للتدريس كل مهوّس ... بليد تسمّى بالفقيه المدرس
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس
لقد هزلت حتى بدى من هزالها ... كلاها وحتى رامها كل مفلس
(2/234)

القاضي القاسم أبو علي بن محسن التنوخي، ولد بالبصرة سنة 465 وتوفي في شوال سنة 494 ومن شعره:
أرى ولد الفتى كلا عليه ... لقد سعد الذي أمسى عقيما
فإما أن يربيه عدوا ... وإما أن يخلفه يتيما
أحمد بن عمر بن روح النهرواني، من الأدباء المشهورين، توفي سنة 447، شعره جيد، سمع رجلا يغني:
وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا
فاستوقفه وقال: أضف إليه هذين البيتين:
على قلبي الأحبة بالتمادي ... في الهوى غلبوا
وبالهجران من عيني ... لطيب النوم قد سلبوا
وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا
أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الواسطي كان أديبا شاعرا، توفي سنة 446 ومن شعره:
واحسرتا من قولها. . خان عهودي ولها
وحق من صيرني , ... وقفا عليهما ولها
ما خطرت بخاطري ... إلا كستني ولها
يحيى بن سلامة الحصكفي الأديب كان يتشيع. توفي 552. ومن شعره
وخليع بت أعذله ... ويرى عذلي من العبث
قلت أن الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث
قلت فالآرفاث يتبعها ... قال طيب العيش في الرفث
قلت منها القيء قال نعم ... شرفت عن مخرج الحدث
وسأسلوها فقلت متى ... قال عند الكون في الجدث
أبو جعفر البياضي:
يا من لبست لأجله ثوب الضنى ... حتى خفيت به عن العواد
وأنست بالسهر الطويل فأنسيت ... أجفان عيني كيف كان رقادي
(2/235)

إن كان يوسف بالجمال مقطع الأيدي ... فأنت مفتت الأكباد
بو المعمار:
قد بلينا بأمير ... ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح
لبعضهم:
عذبه بالهجر مولاه ... ومله ظلما واقصاه
قد كتب الدمع على خده ... مت كمدا يرحمك الله
أبو الحسن محمد بن جعفر الجرهمي الشاعر، توفي سنة 433، وكان بينه وبين المطرزي مهاجاة. ومن شعره:
يا ويح قلبي من تقلبه ... أبدا يحن إلى معذبه
بأبي حبيبا غير مكترث ... يجني ويكثر من تعتبه
قالوا كتمت هواه قلت لهم ... لو أن لي رمقا لبحث به
أبو بكر محمد بن عمر العنبري الشاعر الأديب توفي سنة وشعره جيد ومنه قوله:
ذنبي إلى الدهر أني لم أمد يدي ... في الراغبين ولم أطلب ولم أسل
وإنني كلما نابت نوائبه ... ألفيتني بالرزايا غير محتفل
قال الشيخ في فصل المبدأ والمعاد من إلهيات الشفاء: لو أمكن إنساناً من الناس أن يعرف الحوادث التي في الأرض والسماء جميعاً وطبائعها، لفهم كيفية ما يحدث في المستقبل، وهذا المنجم القائل بالأحكام مع أنّ أرضاعه الأولى ومقدماته ليست مستندة إلى برهان بل عسى أن يدعي فيها التجربة أو الوحي، وربما حاول قياسات شعرية أو خطابية في إثباتها فإنّه إنّما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب الكائنات، وهي التي في السماء، على أنّه لا يضمن من عنده الإحاطة بجميع الأموال التي في السماء، ولو ضمن لنا ذلك ووفى به لم يمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث يقف على وجود جميعها في كل وقت وإن كان جميعها من حيث فعله وطبعه معلوماً عنده، وذلك لأنّه لا يكفيك أن تعلم أنّ النار حارة مسخنة وفاعلة كذا وكذا في أن تعلم أنّها سخنت ما لم تعلم أنّها حصلت وأي طريق في الحساب يعطينا المعرفة بكل حدث في الفلك؟
(2/236)

ولو أمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث نقف على وجود ذلك، لم يتم لنا به الإنتقال إلى المغيبات، فإنّ الأمور المغيبة التي في طريق الحدوث، إنّما تتم بمخالطات بين الامور السماوية والامور الأرضية المتقدمة؛ والاحقة فاعلها ومنفعلها طبيعيها وإراديّها، وليست تتم بالسماويات وحدها، فما لم يحط بجميع الأمرين وموجب كل منهما خصوصاً ما كان متعلقاً بالمغيب، لم يتمكن من الإنتقال إلى المغيب، فليس لنا إذاً اعتماد على أقوالهم، وإن سلمنا متبرعين أنّ جميع ما يعطوننا من مقدماتهم الحكمية صادقة، إنتهى كلام الشيخ في الشفاء.
عن محمد بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: يا عبد العزيز الإيمان على عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرة بعد مرة، فلا يقول صاحب الواحدة لصاحب الإثنين لست على شيء، حتى ينتهي إلى العاشرة، ولا تسقط من هو دونك، فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك درجة، فارفعه إليك برفق، ولا تحمل عليه مما لا يطيق فتكسره، فإنّه من كسر مؤمناً فعليه جبره، وكان المقداد في الثامنة، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة.
قال في كامل التواريخ في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ومات في هذه السنة عبد الباقي محمد بن الحسين الشاعر البغدادي، وكان يتهم بأنّه يطعن على الشرائع، فلما مات كانت يده مقبوضة، فلم يطق الغاسل فتحها، فبعد جهد فتحت فإذاً فيها مكتوب:
نزلت بجار لا يخيب ضيفه ... ارجّي نجاتي من عذاب جهنم
وإنّي على خوفي من الله واثق ... بإنعامه والله أكرم منعم من كامل التواريخ في حوادث سنة 603: ما صورته: في هذه السنة قتل صبي صبياً ببغداد كانا يعاشران وعمر كل منهما يقارب عشر سنة، فقال أحدهما للآخر: ألا إن أضربك بالسكين وأهوى بها نحوه، فدخل رأسها في جوفه، فمات، فهرب القاتل ثم أخذ وأمر بقتله فلما أرادوا قتله، طلب دواة وبياضاً، وكتب فيها من قوله:
وفدت على الكريم بغير زاد ... من الحسنات والقلب السليم
وسوء الظن إن يعتد زاد ... اذا كان القدوم على كريم
قيل لأنوشيروان: ما بال الرجل يحمل الحمل الثقيل فيحتمله؟ ولا يحتمل مجالسة الثقيل، فقال: لان الحمل يشترك فيه جميع الأعضاء، والثقيل يتفرد به الروح انتهى.
(2/237)

ابن المعتز في وصف الإبريق
كأنّ إبريقنا والراح في فمه ... طير تناول ياقوتاً بمنقار
أوصى بعض الوزراء، أن يكتب على كفنه، اللهم حقق ظنّي بك.
عميد الملك وزير الب أرسلان في غلام تركي كان واقفاً على رأسه، يقطع بالسكين قبضته.
شعر
أنا مشغوف بحبه وهو مشغوف بلعبه ... صانه الله فما أكثر إعجابي بعجبه
لو أراد الله خيراً وصلاحاً لمحبه ... نقلت رقة خديه إلى قسوة قلبه
سمع بعض العارفين غناء مخارق وعلوية: نعم الوسيلتان لإبليس في الأرض. من كلام حكماء الهند: إذا احتاج إليك عدوك أحب بقاءك، وإذا استغنى عنك وليك هان عليه موتك.
من كلامهم: كل مودةعقدها الطمع حلها اليأس.
قال رجل لابن عباس: ادع الله أن يغنيني عن الناس، فقال: إن حوائج الناس متصل بعضها ببعض، فما يستغني المرء عن بعض جوارحه، ولكن قل: اللهم أغنني عن شرار الناس.
سمع أعرابي ابن عباس يقرأ " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " فقال الأعرابي: والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها، فقال ابن عباس: خضذوها من غير فقيه.
أوصى بعض الوزراء أن يكتب على كفنه: اللهم حقق حسن ظني بك
ضحك العبد وهو مشفق من ذنبه، خير من بكائه وهو مدل على ربه
لبعض الأعراب:
ليس في الناس وفاء ... لا ولا في الناس خير
قد بلوت الناس، في الناس ... كسير وعوير
من كلام بعض العارفين: الأخ الصالح خير من نفسك، لأن النفس أمارة بالسوء، والأخ الصالح لا يأمر إلا بالخير.
قيل لأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وهو على بغلة له في بعض الحروب: لو
(2/238)

اتخذت الخيل يا أمير المؤمنين، فقال: أنا لا أفر عمن كر، ولا أكر على من فر، والبغلة تكفيني.
رأيت في بعض الكتب: أنّ الشطرنج إنّما وضعها الحكماء لملوك الروم والفرس لأنّهم لا يكون لهم علم وكانوا لا يطيلون الجلوس مع العلماء لجهلهم، واذا اجتمعوا مع أمثالهم تلاحظوا كما يتلاحظ البقر، فوضعوا لهم في ذلك ليشتغلوا بها، وأما ملوك اليونان وقدماء الفرس والروم، فكان لكل منهما كعب عال في العلم، وكانوا لا يتفرغون عنه لأمثال الامور الواهية.
قال الحجاج لشيخ من الأعراب: كيف حالك في الأكل؟ فقال: إن أكلت ثقلت، وإن تركت ضعفت، قال: فكيف نكاحك؟ قال: إذا بذلت لي عجزت، وإذا منعت شرهت، قال: فكيف نومك؟ قال: أنام في المجمع، وأسهر في المضجع، قال: فكيف قيامك وقعودك؟ قال: اذا قعدت تباعدت عنّي الأرض، وإذا قمت لزمتني، فقال: فكيف مشيك؟ قال: تعقلني الشعرة، وتعثرني البعرة.
كان يحيى بن أكثم يناظر رجلاً في إبطال القياس؛ وكان الرجل يقول في أثناء مناظرته: يا أبا زكريا، فقال: لست أبا زكريا؛ فقال الرجل: يحيى يكون كنية أبا زكريا؛ فقال: يحيى بن أكثم: ففيم بحثنا إلى الآن؟ يعني أنّك قلت بالقياس وعملت به.
دق رجل الباب على الجاحظ، فقال الجاحظ من أنت؟ فقال الرجل: أنا، فقال الجاحظ: أنت والدق سواء.
هارون بن أبي الفرج المنجم وقيل: هارون ابن علي المنجم:
سقى الله أياماً لنا ولياليا ... مضين فلا يرجى لهنّ رجوع
إذ العيش صاف والأحبة جيرة ... جميعاً وإذ كل الزمان ربيع
واذ أنا إما للعواذل في الصبا ... فعاصي وإما للهوى فمطيع
قال الصاحب ابن عباد: هذا الشعر إن أردت كان اعرابيا في شملته، وإن أردت كان عراقيا في حلته. انتهى.
(2/239)

كشاجم
ما لذة اكمل في طيبها ... من قبلة في إثرها عضه
خلستها بالكره من شادن ... يعشق منه بعضه بعضه
ابن الأعرج
وده ود صحيح وهو عني ذو انقباض ... فهو في الظاهر غضبان وفي الباطن راضي
قدماء الحكماء: على أنّ نفوس الحيوانات ناطقة مجردة، وهو مذهب الشيخ المقتول وقد صرح الشيخ الرئيس في جواب أسئلة بهمنيار، بأن الفرق بين الإنسان والحيوانات في هذا الحكم مشكل.
وقال القيصري في شرح فصوص الحكم: ما قال المتأخرون: من أنّ المراد بالنطق هو إدراك الكليات لا التكلم، لأن التكلم مع كونه مخالفاً لوضع أهل اللغة لا يفيدهم، لأنّه موقوف على أنّ النفس الناطقة المجردة تكون للإنسان فقط. ولا دليل لهم على ذلك، ولا شعور لهم بأنّ الحيوانات ليس لها إدراك الكليات، والجهل بالشيء لا ينافي وجوده، وإمعان النظر فيما يصدر عنها من العجايب يوجب أن يكون لها إدراك الكليات. انتهى كلامه ولا يخفى أنّ كلام القيصري يعطي أنّ مراد المتقدمين بالنطق هو المعنى اللغوي، وبذلك صرح الشيخ الرئيس في أول كتابه الموسوم بدانش نامه علائي
نقل الفاضل المبيدي في شرح الديوان.
قال السيد الشريف في حاشية شرح التجريد: إن قلت: ما تقول فيمن يرى أنّ الوجود مع كونه عين الواجب وغير قابل للتجزي والانقسام، قد انبسط على هياكل الموجودات وظهر فيها فلا يخل منه شيء من الأشياء، بل هو حقيقتها وعينها، وإنّما امتازت وتعينت بتقيدات وتعينات وتشخصات اعتبارية، ويمثل ذلك بالبحر وظهوره في صورة الأمواج المتكثرة، مع أنّه ليس هناك الا حقيقة البحر فقط، قلت: هذا طور وراء طور العقل، لا يتوصل إليه الا بالمجاهدة الكشفية دون المناظرات العقلية، وكل ميسر لما خلق له:
شعر
أنت في الأربعين مثلك في ... العشرين قل لي متى يكون الفلاح.
نور الأنوار محيط بجميع الأرواح والأشباح، ولا تخلو منه ذرة من ذرات الأرضين والسموات، " ألا إنه بكل شيء محيط ... ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ... فأينما
(2/240)

تولوا فثم وجه الله ... وهو معكم أينما كنتم ... ونحن أقرب إليه منكم ... ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ".
قال أرسطو في كتابه الموسوم باثولوجيا، إنّ من وراء هذا العالم سماء وأرض وبحر، وحيوانات ونبات وناس سماويون، وكل من في ذلك العالم سماوي وليس هناك شيء أرضي، والروحانيون الذين هناك يلائمون للإنس الذين هناك، لا ينفر بعضهم عن بعض، وكل واحد لا ينافي صاحبه، ولا يضاره بل يستريح إليه. بعض الحكماء، على أنّ الفلزات المتطرقة أنواع مختلفة مندرجة تحت جنس وصيرورة نوع نوعاً آخر محال عنده، وأصحاب الكيمياء وبعض الحكماء على أنّ الأجساد المذكورة إنّما هي أصناف مندرجة تحت نوع واحد، والذهب كالإنسان الصحيح وبقية الأجساد اناس مرضى دواؤهم الإكسير.
قال بعض المحققين: وعلى تقدير تسليم كونها نوعاً لا يلزم استحالة الإنقلاب، فإنا كثيراً ما نشاهد صيرورة النواة عقرباً، والشيخ الرئيس بعد ما تصدى لإبطال الكيميا في كتاب الشفا، ألف في صحتها رسالة سماها حقايق الأشهاد.
شكى رجل من علته، فقال له بعض العارفين: أتشكو ممن يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ! دخل الإمام الحسن بن علي عليهما السلام على عليل، فقال له: ان الله تعالى قد أنالك فاشكره، وذكرك فاذكره.
إعتل الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، فقال: اللهم اجعله أدباً ولا تجعله غضباً.
قيل: العلة تحمل على الجمال، والعافية على المنال.
عن ابن عباس، قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم فقالوا: إنّ فلاناً صائم الدّهر قائم الليل كثير الذكر، فقال النبي: أيّكم يكفيه طعامه وشرابه؟ فقالوا: كلنا، قال: فكلكم خير منه.
قال بعض الحكماء: لا ينبغي لعاقل أن يجهد إلا في إحدى خصال ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم.
ذكر الزهد عند الفضيل بن عياض، فقال هو حر فإنّ في كتاب الله تعالى، لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم.
(2/241)

ابن الرومي من أبيات
رأيت الدهر يرفع كل وغد ... ويخفض كل ذي زنة شريفه
كمثل البحر يغرق فيه در ... ولا ينفك يطفو فيه جيفه
وكالميزان يخفض كل واو ... ويرفع كل ذي زنة خفيفه
قال بعض الأماجد: ما رددت أحداً عن حاجة الا تبينت العزة في قفاها والذل في وجهي.
وقف أعرابي على قوم يسألهم، فقالوا: من أنت؟ فقال: إنّ سوء الإكتساب يمنعني من الإنتساب.
قال بعضهم: كان الناس يفعلون، ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون واليوم لا يقولون ولا يفعلون.
من كلام الحكماء: من لم يستوحش من ذل السؤال، لم يأنف من لوم الرد.
من الكشاف في تفسير سورة التطفيف، الضمير في كالوهم أو وزنوهم، ضمير منصوب راجع إلى الناس، وفيه وجهان: أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار واوصل الفعل كما قال:
ولقد جنيتك اكمؤاً وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الاوبر
والحريص يصيدك لا الجواد، بمعنى جنيت لك ويصيد لك، وأن تكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل والموزون ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً للمطففين، لأنّ الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أنّ المعنى اذا أخذوا من الناس، استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين، انقلب إلى قولك اذا أخذوا من الناس استوفوا، واذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر، لأنّ الحديث واقع في الفعل، لا في المباشر، والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وإنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك، لأنّ خطّ المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط على أنّي رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين، هذا الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعاً؛ لأنّ الواو وحدها معطية معنى الجمع وإنّما كتب هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو فمن لم يثبتها قال: إنّ المعنى كاف في التفرقة بينهما.
وعن عيسى بن عمرو وحمزة، أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين للمطففين: ويقفان عند الواوين وقيفة يبنيان بها ما أرادا.
(2/242)

لفظ خاتم في قولنا: محمد خاتم النبيين يجوز فيه فتح التاء وكسرها، فالفتح بمعنى الزينة مأخوذ من الختم الذي هو زينة للألبسة، والكسر إسم فاعل بمعنى الآخر، وذكر ذلك الكفعمي في حواشي المصباح، وفي الصحاح الخاتم بكسر التاء وفتحها وخاتمة الشيء آخره ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وقوله تعالى: " وختامه مسك " أي آخره، لأنّ آخر ما يجدونه رائحة المسك. في الكشاف أنّ امرأة أيوب عليه السلام قالت له يوماً: لو دعوت الله؛ فقال لها: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.
الحب القاتل
حكى بعض الثقات قال: إجتزت في بعض أسفاري بحي بني عذرة، فنزلت في بعض بيوته فرأيت جارية قد البست من الجمال حله الكمال فأعجبني حسنها وكلامها، فخرجت في بعض الأيام أدور في الحي؛ وإذا أنا بشاب حسن الوجه عليه أثر الوجد، أضعف من الهلال: وأنحف من الخلال، وهو يوقد ناراً تحت القدر، ويردد أبياتاً، ودموعه تجري على خديه فمما حفظت منه قوله:
فلا عنك لي صبر ولا فيك حيلة ... ولا منك لي بدولاً عنك مهرب
ولي ألف باب قد عرفت طريقه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
فلو كان لي قلبان عشت بواحد ... وأفردت قلباً في هواك يعذب
فسألت عن الشاب وشأنه: فقيل: يهوى الجارية التي أنت نازل في بيت أبيها، وهي محتجبة عنه منذ أعوام، قال: فرجعت إلى البيت، وذكرت لها ما رأيت، فقالت: ذاك ابن عمي، فقلت لها: يا هذه إن للضيف حرمة، فنشدتك بالله إلا متعتيه بالنظر إليك في يومك هذا؛ فقالت: صلاح حاله في أن لا يراني، قال: فحسبت أن امتناعها عنه ضنة منها، فمازلت اقسم عليها حتى أظهرت القبول، وهي متكرهة، فلما قبلت ذلك مني قلت: أنجزي الآن وعدك فداك أبي وأمي، فقال: تقدمني فإني ناهضة في أثرك، فأسرعت نحو الغلام فقلت: إبشر بحضور من تريد فإنها مقبلة نحوك الآن، فبينا أنا أتكلم معه إذاً خرجت من خبائها مقبلة تجر أذيالها وقد أثارت الريح غبار أقدامها؛ حتى ستر الغبار شخصها، فقلت للشاب: ها هي وقد أقبلت، فلما نظر إلى الغبار، صعق وخر على النار لوجهه، فما أقعدته إلا وقد أخذت النار
(2/243)

من صدره ووجهه فرجعت الجارية وهي تقول: من لا يطيق مشاهدة غبار نعالنا، كيف يطيق مطالعة جمالنا.
أقول: وما أشبه هذه القصة بقصة موسى على نبينا وعليه السلام: " ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً ".
قيل لبعض العارفين: هل تعرف بلية لا يرحم من ابتلي بها ونعمة لا يحسد المنعم عليه بها؟ قال هي الفقر؟ ويقال إنه لما سمع بعض العارفين الكلام المشهور: نعمتان مكفورتنان: الصحة والأمان، قال: إن لهما في ذلك ثالثاً لا يشكر عليه أصلاً، بخلاف الصحة والأمن، فإنه قد يشكر عليهما، فقيل: ما هو؟ فقال ذلك الفقر، فإنها نعمة مكفورة من كل من انعم عليه به، إلا من عصمه الله.
الوقت باصطلاح الصوفية
، هي الحال الحاضرة التي يتصف السالك بها، فإن كان سروراً فالوقت يكون سروراً، وإن كان حزيناً، فيكون حزيناً، وهكذا، وقولهم: الصوفي ابن الوقت، يريدون به أنه لا يشتغل في كل وقت إلا بمقتضياته من غير التفات إلى ماض، أو مستقبل.
لا أدري
اديرت علينا بالمعارف قهوة ... يطوف بها من جوهر العقل خمار
فلما شربناها بأفواه فهمنا ... أضاءت لنا منه شموس وأقمار
وكاشفنا حتى رأيناه جهرة ... بأبصار صدق لا تواريه أستار
فغبنا به عنا فنلنا مرادنا ... ولم يبق عنا عند ذلك آثار
لبعضهم:
يا مالكا ليس لي سواه. . وكم له في الورى سوائي
وليس لي عنه من براح ... في العسر واليسر والرجاء
ظهرت للكل لست تخفى ... وأنت أخفى من الخفاء
وكل شيء أراك فيه ... بلا جدال ولا مراء
فعن يميني وعن شمالي ... ومن أمامي ومن ورائي
(2/244)

مما ينسب إلى الشيخ العارف السهروردي:
ىيات قيامة الهوى لي ظهرت ... قبلي سترت وفي زماني اشتهرت
هذي كبدي إذا السماء انفطرت ... شوقا وكواكب الدموع انتثرت
لبعضهم:
من كلام العرافين: إن للعارف تحت كل لفظ نكتة، وفي ضمن كل قصة حصة، وفي أثناء كل إشارة، وفي طي كل حكاية كناية، ولذلك تراهم يستكثرون من الحكايات في تضاعيف محاوراتهم ليأخذ كل من السامعين ما يصيبه ويحظى بما هو نصيبه على حسب الاستعداد وقد علم كل انسان مشربهم وعلى هذا ورد: أن للقرآن، ظهراً وبطناُ إلى سبعة أبطن، فلا تظن أن المراد بالقصص والحكايات الواردة في القرآن العزيز محض القصة والحكايات لا غير، فإن كلام الحكيم يجل عن ذلك.
من كلامهم: أذ اعيد الحديث، ذهب رونقه. دخلت سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية، بعد موت أمير المؤمنين عليه السلام فجعل يؤنبها على تحريضها عليه أيام صفين، وآل امره إلى ان قال، ما حاجتك؟ فقال: أن الله ماسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا يزال يعدو علينا من قبلك من يسمو بمكانك، ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس الحرمل يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، هذا بشر بن ارطأة قدم علينا، فقتل رجالنا، وأخذ أموالنا، ولولا طاعتك لكان فينا العز والمنعة، فإن عزلته عنا شكرناك، وإلا كفرناك فقال لها معاوية اياي تهددين بقومك؟ لقد هممت أن احملك على قبة اشرس فاردك فينفذ فيك حكمه، فاطرقت سودة ساعة، ثم قالت:
صلى الإله على جسم تضمنها ... قبر فاصبح فيه العز مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً ... فصار بالحق والايمان مقرونا
فقال معاوية: من هذا يا سودة؟ قالت هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والله لقد جئته في رجل كان ولاه صدقاتنا، فجار علينا، فصادفته قائماً يصلي فلما رآني انفتل من صلاته، ثم أقبل علي بوجهه ورفق ورأفة وتعطف، وقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، فأخبرته الخبر، فبكى، وقال: اللهم انت الشاهد علي وعليهم، أنى لم آمرهم بظلم خلقك! ولا
(2/245)

بترك حقك، ثم اخرج قطعة جلد، فكتب فيها بسم الله الرحمن الريم قد جاءتكم بينة من ربك، فافوا الكل والميزان، ولا تبخسوا الناس اشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها الخ "، فإذا قرأت كتابي هذا، فاحتفظ بما في يدك من علمنا حتى يقدم من يقبضه منك والسلام، ثم دفع الرقعة إلي فوالله ما ختمها بطين، ولا حزمها، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، انصرف عنها معزولاً فقال معاوية: اكتبوا لها ما تريد، واصرفوها إلى بلدها غير شاكية.
من الكافي، أن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام خرج من الحمام، فلقيه إنسان فقال: طاب استحمامك، فقال: يا لكع وما تصنع بالإست هاهنا؟ فقال: طاب حميمك، فقال: أما تعلم أن الحميم: العرق، قال طاب حمامك، فقال: وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟ قل طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك.
وقيل لأمراة من الأعراب: من أين معاشكم؟ فقالت: لو لم نعش إلا من حيث نعلم لم نعش.
خفف أعرابي صلاته، فلاموه على ذلك، فقال: إن الغزيم كريم.
قال ابن السمالك لبعض الصوفية: إن كان لباسكم هذا موافقاً لسرايركم، فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفاً لها فقد هلكتم.
في كتاب ما لا يحضره الفقيه، أن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام خرج من الحمام، فلقيه إنسان فقال: طاب استحمامك، فقال: يا لكع وما تصنع بالإست هاهنا؟ فقال: طاب حميمك، فقال: أما تعلم أن الحميم: العرق، قال طاب حمامك، فقال: وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟ قل طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك.
قال بعض الأمراء لمعلم ابنه: علمه السباحة قبل الكتابة فإنه يجد من يكتب له ولا يجد من يسبح عنه.
كانت العرب إذا أوفدت وافداُ، قالت له: إياك والهيبة، فإنها الخيبة، وعليك بالفرصة، فإنها مزيلة للغصة،
هذا آخر المجلد الثالث من الكشكول
ةعلى هذه المجلدات الثلاثة اقتصرت النسخة الأميرية
وقد وجدنا في بعض نسخ الكشكول زيادة كبيرة تشتمل على المجلد الرابع والخامس، فأحببنا إلحاقها بنسختنا لتمتاز بهذه الزيادة عن النسخ التي طبعت في مصر وبذلك تكون نسختنا اشتملت على المجلدات الخمسة التي هي كل ما اشتملت عليه نسخ الكشكول المختلفة.
وكان المؤلف رحمه الله يعبر بكلمة المجلد عن الجزء. . وتبتدئ هذه الزيادة بالمجلد الرابع، وتنتهى بنهاية المجلد الخامس الذي هو آخر الجزء الثاني من نسختنا.
(2/246)

المجلد الرابع من كشكول الشيخ بهاء الدين بن محمد العاملي رحمه الله
أول الزيادات التي عثرنا عليها في نسخ الكشكول ولم تطبع قبل
(2/247)

صفحة فارغة
(2/248)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال سيد المرسلين، وأشرف الأولين والآخرين صلوات الله عليه وآله أجمعين في خطبة خطبها وهو على ناقته العضباء.
أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة، وأمنا كل حائجة، طوبى لمن أنفق ما اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالف أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن ذلت نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة.
قيل الإعرابية: ما الذل؟ قلت: وقوف الشريف بباب الدنئ ثم لا يؤذن له. قيل وما الشرف؟ قالت: عقد المنن في أعناق الرجال.
قيل لإياس القاضي: لا عيب فيك إلا أنك تعجل في القضاء من غير ترو فيما تحكم به، فرفع كفه وقال: كم إصبعا؟ فقالوا خمسة، قال: عجلتم، هلا قلتم واحد، اثنان، ثلاثة أربعة، خمسة فقالوا: لا نعد ما عرفناه، فقال: أنا لا أؤخر ما تبين لي الحكم فيه
قال رجل للأعمش: إنك تحب الدراهم، فقال إنما أحب الاستغناء عن السؤال.
من كلام بعض العارفين: الأخ الصالح خير لك من نفسك؛ لتن النفس أمارة بالسوء، والأخ الصالح لا يأمرك إلا بالخير.
قيل لأمير المؤمنين علي عليه السلام - وهو على بغلة له، وهو في بعض
(2/249)

الحروب -: لو اتخذت الخيل يا أمير المؤمنين، فقال: أنا لا أفر عمن كر، ولا أكر على من فر، والبغلة تكفيني.
لما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوصنا، قال: إحملوني على حمار، فإنه لم يمت عليه كريم فلعلي لا أموت ثم أنشد:
لكل جديد لذة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ
من كلام الحكماء: إذا أردت أن تعذب عالماً، فاقرن معه جاهلاً.
غضب الرشيد على ثمامة بن أبرش وكان فاضلاً فسلمه إلى خادم له، يقال له: ياسر، وكان الخادم يتفقد ويحسن إليه فسمعه ثمامة يوماً يقرأ: " ويل للمكذبين " بفتح الذال فقال له ثمامة: ويك إن المكذبين هم الأنبياء، فقال الخادم: كان يقال إنك زنديق، وما كنت اصدق أن أشتم الانبياء يا ثمامة؟ فتركه وهجره، فما رضي عنه الرشيد ورده إلى مجلسه، سأله يوماً في أثناء محاورته: ما أشد الأشياء؟ فقال: عالم يجري عليه حكم جاهل.
قالت: امرأة مالك بن دينار له في أثناء مجادلة: يا مرائي فقال لها: لبيك هذا إسم ما عرفني به أحد إلا أنت
من كلام الحكماء: الصديق نسيب الروح، والقريب نسيب الجسم.
قيل لراع عابد وجدت الذئاب بين غنمه وهي لا تؤذيها: متى اصطلحت الذئاب مع غنمك؟ قال: منذ اصطلح الراعي مع الله.
عن زبن العابدين عليه السلام: الدنيا سبات، والآخرة يقظة، ونحن بينهما أضغاث.
وفي ربيع الأبرار: يقال: إن من لا يعلم إلا فنا واحد من العلم ينبغي أن يسمى خصي العلماء:
لبعضهم:
دافع الأيام بالتفكير ... في يوم الممات
وارض عن عيناك بالكسرة والماء الفرات
فهي تكفيك وتغني ... عن جميع الشهوات
في ذم قوم:
قوم إذا اشتهرت للمرء بينهم ... فضيلة جعلوها من رذائله
(2/250)

(يعنفون على المعروف باذله ... ويقدحون به في عقل فاعله)
قال في ربيع الأبرار: كان المعتصم ثامن خلفاء العباسيين، وكان ملكه ثمان سنين وثمانية أشهر، وكان له من الأولاد ثمانية ذكورا، وثمانية إناثا، وفتح ثمانية حصون، وبنى ثمانية قصور، وخلف ثمانية آلاف درهم، وثمانية آلاف دينار.
قيل للبهلول: أتعد مجانين بلدك؟ قال: هذا شيء يطول، ولكن أعد عقلاءه.
قال رجل لفيلسوف: إن فلانا عابك بكذا وكذا، فقال الفيلسوف: لقد واجهتني أنت بما استحى الرجل من استقبالي به.
قال بعض الزهاد لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال آخر ما غمني إلا طلوع الفجر.
سمع بعضهم بكاء على ميت فقال: عجبا من قوم مسافرين يبكون على مسافر قد بلغ منزله.
قيل لواحد من الحكماء: هل تزوجت؟ قال لو قدرت لطلقت نفسي.
اختصم رجلان في مجلس المأمون فرفع أحدهما صوته، فقال المأمون: يا هذا، إنما الصواب في الأسد لا في الأشد.
من كلامهم: إذا أردت أن تفتضح فمر من لا يمتثل أمرك.
أبو نواس:
(والله والله وحق الهوى ... وهو يمين ليس يرتاب)
(ما حطك الواشون من رتبة ... عندي ولا ضرك مغتاب)
(كأنما أثنوا ولم يعلنوا ... عليك عندي بالذي عابوا)
لبعضهم:
(ولقد قصدتك حين جربت الورى ... فوجدت مثلك في الورى معدوما)
(وكذا الليالي صيرتني سائلا ... لا تجعلني سائلا محروما)
كتب هشام بن عبد الملك إلى ملك الروم: من هشام أمير المؤمنين إلى الملك الطاغية. فكتب في جوابه: ما كنت أظن أن الملوك يسب بعضها بعضا، وإلا لكنت أكتب إليك: من ملك الروم إلى الملك المذموم، وهشام الأحول المشئوم.
(2/251)

لبعضهم:
(وقالوا في الهجاء عليك إثم ... وليس الإثم إلا في المديح)
(لأني إن مدحت مدحت زورا ... وأهجو حين أهجو بالصحيح)
قال رجل لأبي العيناء: يا مخنث، فقال وضرب لنا مثلا ونسي خلقه.
من كلامهم: الهدية ترد بلاء الدنيا، والصدقة ترد بلاء الآخرة.
فلس القاضي بمصر رجلا كثرت ديونه، فأركبه حمارا وطوف به في البلد ليحترز الناس من معاملته بعد ذلك، فلما أنزل عن الحمار قال له صاحب الحمار: أد الكراء، فقال: ففيم كنا طول النهار يا أبله؟ !
لكاتبه:
(جاء البريد مبشرا ... من بعد ما طال المدا)
(بالله خبرني بما ... قد قال جيران الحمى)
(يا أيها الساقي أدر ... كأس المدام فإنها)
(مفتاح أبواب الهنا ... مشكاة أنوار الهدى)
(قد ذاب قلبي با بني ... شوقا إلى أهل الحمى)
(هذا الربيع أتى أتى ... يا شيخ قل حتى متى)
(فالقلب ضيع رشده ... ومن المواعظ ما اهتدى)
(رأي الصوفية في الجن)
الصوفية يقولون: إن الجن أرواح متجسدة في أجرام لطيفة، الغالب عليها النار والهواء، كما أن الغالب على بدن الإنسان التراب والماء. وهم قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة وخلع الصور، والدخول في الصورة الأخرى، ومزاولة الأعمال الخارجة عن طوق البشر، وغذاؤهم الهواء المتكثف برائحة الطعام. وقد نهى النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] عن الاستنجاء بالعظام وقال: إنها زاد إخوانكم الجن.
وقال الشيخ العارف الشيخ محيى الدين بن عربي في الفتوحات: أخبرني بعض المكاشفين أنه رأى الجن يأتون إلى العظم فيشمونه ثم يرجعون.
قيل لرجل: ما بلغ بك عشق فلانة؟ فقال: وايم الله إني كنت أرى القمر في دارها أضوأ منه في دار غيرها. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
(2/252)

من دعاء أم الإسكندر للإسكندر: رزقك الله حظا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الحظوظ.
قال أبو يزيد البسطامي: ليس الزاهد من لا يملك شيئا، إنما الزاهد من لا يملكه شيء.
قال أرسطو: العاقل يوافق العاقل، وأما الجاهل فلا يوافق العاقل ولا الجاهل. كما أن الخط المستقيم ينطبق على المستقيم. وأما المعوج فلا ينطبق على المعوج ولا المستقيم.
بعث السلطان محمود إلى الخليفة القادر بالله يتهدده بخراب بغداد، وأن يحمل تراب بغداد على الفيلة إلى غزنة. فبعث إليه الخليفة. كتابا فيه " أل م " وليس فيه سوى ذلك، فلم يدر السلطان ما معنى ذلك وتحير العلماء في حل هذا الرمز، وجمعوا كل سورة في القرآن في أولها " ال م " فلم يكن فيها ما يناسب الجواب. وكان في جملة الكتاب شاب لا يعبأ به فقال: إن أذن لي السلطان حللت الرمز، فأذن له، فقال ألم تتهدده بالفيلة؟ قال نعم. قال قد كتب إليك: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} فاستحسن السلطان ذلك، فقربه وأجازه.
العرب تسمي المائة سنة من التاريخ حمارا، وسمي مروان بالحمار لأنه كان على رأس المائة من دولة بني أمية.
وفي المحاضرات: أن المأمون مر متنكرا، وإذا برجل يقول: قد سقط المأمون من عيني منذ قتل أخاه، فبعث إليه بدرة وقال له: إن رأيت أن ترضى عني فعلت.
(لغويات)
قال ابن خالويه النحوي: من كلام العرب الذي غلب فيه المؤنث على المذكر: تقول صمت عشرا، ولا تقل عشرة، مع أن الصوم لا يكون إلا بالنهار وكذا تقول: سرت عشرا، لا عشرة. . والنفس مؤنثة. وتقول ثلاثة أنفس على لفظ الرجال، ولا يقال ثلاث أنفس.
الباخرزي:
(وطمعت منها بالوصال لأنها ... تبني الأمور على خلاف مرادي)
(قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي)
(2/253)

(أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها فأين فؤادي)
قال بعض العلماء: حججت في بعض السنين، فبينما أنا أطوف بالبيت إذا بأعرابي متوشح بجلد غزال ويقول:
(أما تستحي يا رب أنت خلقتني ... أناجيك عريانا وأنت كريم؟)
قال وحججت في العام القابل، فرأيت الأعرابي وعليه ثياب وحشم وغلمان، فقلت له: أنت الذي رأيتك في العام الماضي وأنت تنشد ذلك البيت!
فقال: نعم، خدعت كريما فانخدع.
كان بعضهم في أيام صغره ينشد أشد ورعا منه أيام كبره. وقد أنشأ في هذا المعنى يقول:
(عصيت هوى نفسي صغيرا وعندما ... أتتني الليالي بالمشيب وبالكبر)
(أطعت الهوى عكس القضية ليتني ... خلقت كبيرا ثم عدت إلى الصغر)
من كتاب تعبير الرؤيا للكلبي: جاء رجل إلى الصادق عليه السلام وقال: رأيت أن في بستاني كرما يحمل بطيخا، فقال له: احفظ امرأتك لا تحمل من غيرك.
وأتاه رجل فقال: كنت في سفر، فرأيت كأن كبشين ينتطحان على فرج امرأتي، وقد عزمت على طلاقها لما رأيت. فقال: صلوات الله عليه: أمسك أهلك، إنها لما سمعت بقرب قدومك أرادت نتف المكان، فعالجته بالمقراض.
وجد بعض الأعراب رجلا مع أمه فقتلها، فقيل له: هلا قتلت الرجل وتركت أمك؟ فقال: كنت أحتاج كل يوم إلى أن أقتل رجلا.
شهد رجل عند ابن شبرمة، فرد شهادته وقال: بلغني أن جارية غنت فقلت، لها أحسنت، فقال: قلت ذلك حين ابتدأت أوجين سكتت؟ قال: حين سكتت، قال: إنما استحسنت سكوتها أيها القاضي، فقبل شهادته.
قال أبو العيناء يوما لبعض الصبيان: في أي باب من أبواب النحو أنت؟ قال: في باب الفاعل والمفعول به. فقال: أنت في باب أبويك إذن.
وقالت له فتاة يوما: يا أعمى، فقال ما أستعين على قبح وجهك بشيء أنفع منه.
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه:
(يعيب الرجال زمانا مضى ... وما لزمان مضى من غير)
(2/254)

(فقل للذي ذم صرف الزمان ... ظلمت الزمان فذم البشر)
كانت علية بنت المهدي أخت هارون الرشيد من أجمل الناس وأظرفهم، وأعقلهم. وأشعرهم، وأمهرهم في صناعة الموسيقى والألحان. وكانت عفيفة، حسنة الدين، لا تغني ولا تشرب إلا أيام اعتزالها الصلاة، فإذا طهرت لازمت الصلاة. وتلاوة القرآن. ومن كلامها: ما حرم الله تعالى شيئا إلا وجعل فيما حلل عوضا عنه، فبأي شيء يحتج عاصيه. وهي التي كانت تهوى غلاما للرشيد وحكايتها فيه مشهورة. وقد أوردتها في المجلد الأول من الكشكول، وفي أولها أبيات رائعة فمن ذلك قولها:
(وضع الحب على الحور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج)
(ليس يستحسن في فن الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج)
للرشيد في جواريه الثلاث:
(ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان)
(ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني)
(ما ذاك إلا حكم سلطان الهوى ... وبه غلبن أعز من سلطاني)
مما قله أمير المؤمنين علي في مرثية النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] :
(كنت السواد لناظري ... فبكى عليك الناظر)
(من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر)
قالت امرأة بعض الأجواد لزوجها: أما ترى أصحابك إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت رفضوك. فقال هذا من كرم نفوسهم، يأتوننا في حال القوة منا على الإحسان إليهم، ويتركوننا في حال الضعف عنهم.
وفد بعض الشعراء على زبيدة فقال في مدحها:
(أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب)
(تعطيه من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب)
فوثب الخدم لضربه، فقالت كفوا عنه، فما قصد ما فهمتوه، إنه لما رأى الناس يقولون شمال فلان أندى من كل يمين، أراد أن ينسج على هذا المنوال.
ومن شعر السهروردي:
(وكم قلت للقوم أنتم على ... شفا حفرة من كتاب الشفا)
(2/255)

(فلما استهانوا بتوبيخنا ... فزعنا إلى الله حتى كفى)
(فماتوا على دين رسطاطليس ... ومتنا على ملة المصطفى)
قيل لأعرابي على مائدة بعض الخلفاء - وقد حضر فالوذج وهو يأكل منه - يا هذا، إنه لم يشبع منه أحد إلا مات، فأمسك يده ساعة، ثم ضرب بالخمس وقال: استوصوا بعيالي خيرا.
حكى الأصمعي قال: نزلت في بعض الأحياء، فنظرت إلى قطع من القديد منظومة في خيط، فأخذت في أكلها، فلما استوفيتها أقبلت المرأة صاحبة الخباء وقالت: أين ما كان في الخيط؟ فقلت: أكلته، فقال: ليس هذا مما يؤكل، إنني امرأة أخفض الجواري، وكلما خفضت جارية علقت خفضتها في هذا الخيط.
كان الجاحظ قبيح الصورة جدا، حتى قال الشاعر فيه:
(لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... ما كان إلا دون قبح الجاحظ)
قال يوما لتلامذته: ما أخجلني إلا امرأة أتت بي إلى صائغ، فقالت: مثل هذا، فبقيت حائرا في كلامها، فلما ذهبت سألت الصائغ، فقال: استعملتني أن أصنع لها صورة جني فقلت: لا أدري كيف صورته، فأتت بك. .
جلس كسرى يوما للمظالم، فتقدم إليه رجل قصير وجعل يقول: أن مظلوم وهو لا يلتفت إليه، فقال الوزير: أنصف الرجل، فقال: إن القصير لا يظلمه أحد. فقال: أصلح الله الملك، إن الذي ظلمني أقصر مني.
قال حائك للأعمش: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ قال: لا بأس بها على غير وضوء. قال: فما تقول في شهادته؟ قال: تقبل مع عدلين يشهدان معه.
لبعضهم:
(والله والله وحق الهوى ... وعيشنا الماضي وودي القديم)
(ما خطر السلوان في خاطري ... أعوذ بالله السميع العليم)
ولي أعرابي اليمن، فجمع اليهود فقال: ما تقولون في عيسى؟ قالوا: قتلناه وصلبناه، فقال: لا تخرجوا من السجن حتى تؤدوا ديته.
عزم الحجاج على قتل رجل فهرب واستخفى منه، ثم جاء إليه بعد أيام وقال: أيها
(2/256)

الأمير اضرب عنقي، فقال له الحجاج: وكيف جئت؟ قال: أصلح الله الأمير، إني أرى كل ليلة أنك تقتلني، فأردت أن أقتل مرة واحدة، فعفا عنه.
لما خرج سقراط ليقتل بكت زوجته، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: لأنك تقتل مظلوما، فقال: يا هذه، أو كنت تحبين أن أقتل ظالما؟
لغز في باب:
(ما اسم إذا عكسته ... فعكسه كطرده)
(يباع لكن حفظ مال ... المشتري في رده)
في المكارم: أن النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] قال لأبي ذر: إن أكثر من يدخل النار المتكبرون، فقال رجل وهل ينجو من الكبر أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، من لبس الصوف، وركب الحمار، وحلب النعم، وجالس المساكين.
قيل لبعض العباد - وكان شيخا هرما -: يا شيخ هل بقي منك ما تحب له الحياة؟ فقال نعم: الإنابة إلى الله، والبكاء من الذنوب السوالف.
وجد مكتوبا علت صخرة في جبال بيت المقدس: كل عاص مستوحش، وكل طائع مستأنس، وكل قانع عزيز، وكل حريص ذليل.
في كتاب الروضة عن الصادق جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أنه قال: إن الله ليحفظ من يحفظ صديق أبيه.
كان أبو القيس يهوى جارية وكانت مولعة بهجره وتعذيبه حتى أدنف وأشرف على التلف، فلما احتضر بلغها ذلك، فأتت إليه، وأخذت بعضادتي الباب وقالت: كيف حالك؟ فلما رآها وسمع كلامها أنشد:
(ولما رأتني في السياق تعطفت ... علي وعندي من تعطفها شغل)
(أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل)
ثم وضع رأسه على قدميها، ومات، رحمه الله تعالى.
كان رجل جارا لفيروز الديلمي، فأراد بيع داره لدين ركبه، فلما سامها وأحضر المشتري الثمن قال البائع: هذا ثمن الدار، فأين ثمن الجار؟ فقال نعم، جوار فيروز يباع بأضعاف ثمن الدار. فلما بلغ ذلك فيروز بعث إليه ضعف ثمن الدار وقال: بعها على نفسك بورك لك فيها.
(2/257)

نجد بالتجربة أن الأرض في الصيف حارة الظاهر باردة الباطن، وفي الشتاء بالعكس ولذا كانت مياه العيون والآبار حارة في الشتاء باردة في الصيف؛ لأن الحرارة والبرودة يهرب كل منهما عن الآخر، فإذا استولى الحر على ظاهر الأرض هرب البرد إلى باطنها، وبالعكس.
علي بن الجهم:
(وارحمتاه للغريب في البلد النازح ... ماذا بنفسه صنعا)
(فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده وما انتفعا)
من كلام بعض الأعراب: الصبر مر لا يتجرعه إلا حر.
ومن كلامهم: الصبر على ما تحب أشد على النفس من الصبر على ما تكره.
من كلامهم: كن حلو الصبر عند مرارة النازلة.
قال كسرى لبرزجمهر: ما علامة الظفر بالأمور المطلوبة المستعصية؟ قال: ملازمة الطلب، والمحافظة على الصبر، وكتمان السر.
لبعضهم:
(وإذا تكامل للفتى من عمره ... خمسون وهو إلى التقى لا يجنح)
(عكفت عليه المحزنات فما له ... متأخر عنها ولا متزحزح)
(وإذا رأى الشيطان صورة وجهه ... حيا وقال فديت من لا يفلح)
قيل لابن المهلب: مالك لا تبني لك في البصرة دارا؟ فقال: أنا لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا، فإن كنت أسيرا فالسجن داري، وإن كنت أميرا فدار الإمارة داري.
قال طاوس: رأيت رجلا يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب، وهو يدعو ويبكي، فجئته وقد فرغ من الصلاة فإذا هو علي بن الحسين صلوات الله عليه، فقلت له: يا بن رسول الله رأيتك على حالة كذا وكذا، ولك ثلاثة، أرجو أن يؤمنك من الخوف أحدها: أنك ابن رسول الله [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] ، والثاني شفاعة جدك، والثالث رحمة الله. فقال: يا طاوس، أما أني ابن رسول الله، فلا تؤمنني، وقد سمعت الله يقول: {فلا أنساب بينهم يومئذ} وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني؛ لأن الله تعالى يقول {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وأما رحمة الله فإن الله تعالى يقول: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ولا أعلم أني محسن.
(2/258)

السموأل بن عاديا:
(إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل)
(وإن هو لم يحمل عن النفس ضيمتها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل)
(تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل)
(وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل)
(وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول)
(يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول)
(وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل)
(تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل)
(إذا مات منا سيد قام سيد ... قئول بما قال الكرام فعول)
(وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول)
(وما أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمنا في النازلين نزيل)
(وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدار عين فلول)
(معودة ألا تسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قبيل)
من كلام المعلم الأول أرسطو: الإنسان حقير بالجثة عظيم بالحكمة، شريف بالعقل. والعقل أعظم وأعلى من سائر المخلوقات.
الشيخ المقتول: هو أبو الفتح شهاب الدين يحيى، ابن أخت الشيخ شهاب الدين السهروردي، وكان مرتاضا سياحا، أعزه الملك الظاهر فحسده فقهاء حلب، وأفتوا بقتله فقتل سنة 586.
اختلفوا في أن الإنسان هل يمكنه تغيير خلقه أم لا، فالغزالي في الإحياء والمحقق الطوسي في الأخلاق على الأول، ويعضه قول النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] " حسنوا أخلاقكم " وبعض الأكابر على الثاني، وعليه قول بعضهم:
(لكل داء دواء يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها)
وفي الديون المنسوب إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام:
(وكل جراجة فلها دواء ... وسوء الخلق ليس له دواء)
(2/259)

تظلم أهل الكوفة عند المأمون من وال كان عليهم، فقال المأمون: كفوا فلا أعلم أعدل منه في عمالي ولا أقوم، فقال المتظلم: إذا كان هذا الوصف، فاجعل لكل بلد فيه نصيبا ليستووا في العدل، فضحك المأمون وعزله.
(إذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا)
بعض الشعراء في عامل يقال له أبو علي طالت مدة ولايته:
(وقالوا العدل للعمال حيض ... لحاه الله من حيض بغيض)
(فإن يك هكذا فأبو علي ... من اللائي يئسن من المحيض)
قال بعض الحكماء: إذا وليت ولاية، فإياك أن تستعين في ولايتك بأقاربك، فتبتلى بما ابتلى به عثمان بن عفان، واقض حقوقهم بالمال لا بالولاية.
قال المنصور العباسي لجنده: صدق القائل: أجع كلبك يتعبك، فقال بعض الجند: نعم ولكن ربما يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك.
زعمت العرب أن من ضل في مفازة فنزع ثوبه ولبسه مقلوبا اهتدى إلى الطريق.
من كلام أنوشروان:
حصن البلد بالعدل، فهو سرير لا يغرقه ماء، ولا تحرقه نار، ولا يهدمه منجنيق.
لبعضهم:
(ألا يا دولة السفل ... أطلت المكث فانتقلي)
(ويا ريب الزمان أفق ... نقضت الشرط في الدول)
كتب بعض العمال إلى وال ولاه ولاية يقال له الشيز، يستعفي منها ويطلب العزل:
(ولاية الشيز عزل ... والعزل فيها ولاية)
(فولني العزل عنها ... إن كنت بي ذا عناية)
كان عبد الملك قبل ولايته ملازما للمسجد الحرام، مواظبا على الصلاة وتلاوة القرآن، حتى سموه حمامة المسجد. فلما جاء خبر ولايته كان المصحف في حجره، فوضعه وقال: هذا فراق بيني وبينك.
ابن عبد الجليل الأندلسي:
(أتراه يترك العذلا ... وعليه شب واكتهلا)
(2/260)

(علق بالبيض ما علقت ... نفسه السلوان مذعقلا)
(غير راض عن سجية من ... ذاق طعم الحب ثم سلا)
(أيها اللوام ويحكم ... إن لي عن لومكم شغلا)
(ثقلت عن لومكم أذني ... لم يجد فيه الهوى ثقلا)
(تسمع النجوى وإن خفيت ... وهي ليست تسمع العذلا)
(نظرت عيني لشقوتها ... نظرات صادفت أجلا)
(غادة لما مثلت لها ... تركتني في الهوى مثلا)
(أبطل الحق الذي بيدي ... سحر عينيها وما بطلا)
(حسبت أني سأحرقها ... مذ رأت رأسي قد اشتعلا)
(يا سراة الحي مثلكم ... يتلافى الحادث الجللا)
(قد نزلنا في جواركم ... فشكرنا ذلك النزلا)
(ثم واجهنا ظباءكم ... فلقينا الهول والوهلا)
كان أمير المؤمنين عليه السلام يقذف بابنه محمد بن الحنفية في المهالك، ويقدمه في الحروب، ولا يسمح في ذلك بالحسن والحسين عليهما السلام، حتى إنه كان يقول: هو ولدي وهما أبناء رسول الله [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] ، فقيل لمحمد: كيف يسمح بك أبوك في الحروب ويبخل بهما؟ فقال أنا يمينه، وهما عيناه، فهو يدفع عن عينيه بيمينه.
قال كميل بن زياد: سألت مولاي أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما الحقيقة؟ فقال: مالك والحقيقة! قلت: أولست صاحب سرك؟ قال بلى، قلت: ومثلك يخيب سلائلا؟ فقال: الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير إشارة. قلت: زدني بيانا، فقال: محو الرسوم مع صحو المعلوم. قلت زدني بيانا، قال نور يشرق مع صبح الأزل، فتلوح على هياكل التوحيد آثاره، قلت زدني، بيانا، فقال: أطفئ السراج فقد طلع الصبح.
أهدى بعضهم موسى لمن يدعى موسى وكتب معه، وفيه تورية:
(بعثت إلى موسى بموسى هدية ... ولم يحظ في التأليف بينهما العبد)
(فهذا له حد ولا نصل عنده ... وذاك له نصل وليس له حد)
ذو الرمة:
(2/261)

(وقفت على ربع لمية ناقتي ... وما زلت أبكي عنده وأخاطبه)
(وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه)
الباخرزي:
(يوم دعانا إلى حث الكؤوس به ... ثلج سقيط وغيم غير منجاب)
(وأطنب البرد حتى الشمس ما طلعت ... إلا مزملة في فرو سنجاب)
لبعضهم:
(لقد ظلم القمري إذا ناح باكيا ... وليس له من مثل ما ذقته ذوق)
(فها أنا ذا شوق ولا طوق لي به ... وها هو ذا طوق وليس له شوق)
لبعضهم:
(وقالوا في العزوبة ألف هم ... فقلت لهم وفي التزويج أيضا)
(فذا في حيص بيص بغير أهل ... وذا في أهله في حيص بيصا)
عاد بعضهم بعض العارفين مبتلى بأمراض عديدة وآلام شديدة، فقال له يسليه: يا هذا من لم يصبر على البلاء فليس صادقا في دعوى المحبة. فقال العارف: ليس كما قلت، ولكن من لم يجد لذة في البلاء فليس صادقا في دعوى المحبة.
قال بعض العارفين: إذا أشرب القلب حب الدنيا لم تنجح فيه كثرة المواعظ، كما أن الجسد إذا استحكم فيه الداء لم ينجع فيه كثرة الدواء.
لبعضهم:
(رب ورقاء هتوف بالضحى ... ذات شجو صدحت في فنن)
(ذكرت إلفا ودهرا ماضيا ... فبكت حزنا فهاجت حزني)
(فبكائي ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقني)
(قد أثارت في فؤادي لهبا ... كاد لولا أدمعي يحرقني)
(أتراها بالبكا مولعة ... أم سقاها البين ما جرعني)
(فمتى تسعدني أسعدها ... ومتى أسعدها تسعدني)
(ولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمني)
(غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفني)
(2/262)

سئل الصادق عليه السلام عن قوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} قال: القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه.
قال أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر: لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
قال الإمام في المباحث المشرقية: زعم بعض الحكماء أن السبب في حدوث الحوادث الجوية كالهالة وقوس قزح هو اتصالات فلكية، وقوى روحانية، اقتضت وجودها ولا يكون من قبيل الخيالات. ثم قال: وهذا الوجه يؤيده أن أصحاب التجارب شهدوا بأن أمثال هذه الحوادث في الجو تدل على حدوث حوادث في الأرض، ولولا أنها موجودات مستندة إلى تلك الاتصالات والأوضاع لم يستمر هذا الاستدلال.
من وصية النبي عليه السلام لأبي ذر: " يا أبا ذر، إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غدا، يا أبا ذر، كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك، يا أبا ذر، من طلب علما ليصرف وجوه الناس إليه لم يجد ريح الجنة، يا أبا ذر، لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر لمن عصيت، يا أبا ذر دع ما لست منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك، يا أبا ذر، لو نظرت إلى الأجل ومسيره لأبغضت الأمل وغروره ".
قال المنصور لبعض الخوارج وقد أتي به أسيرا: عرفني أي أصحابي أشد إقداما في الحرب؟ فقال: إني لا أعرفهم بوجوههم، فإني لم أر في الحرب إلا قفاهم.
لبعضهم:
(خذ الوقت أخذ اللص واسرقه واختلس ... فوائده بالطيب أو بالتطايب)
(ولا تتعلل بالأماني فإنها ... عطايا أحاديث النفوس الكواذب)
لما أسرت أم علقمة الخارجية وأتى بها إلى الحجاج، وقد كان قد وقع بينها وبين الحجاج حروب شديدة، فقال لها: يا عدوة الله، تخبطين الناس بسيفك خبط عشواء؟ فقال: ويحك، أعلي ترعد وتبرق ولقد خفت الله خوفا صيرك في عيني أصغر من ذباب، وكانت منكسة، فقال: ارفعي رأسك وانظري إلي، قالت: أكره النظر إلى من لا ينظر الله إليه، فقال: يا أهل الشام ما تقولون في دمها؟ فقالوا جميعا: حلال أيها الأمير، فقالت: ويحك، لقد كان جلساء أخيك فرعون خيرا من جلسائك حيث استشارهم في موسى وهرون، فقالوا: " أرجه وأخاه " وهؤلاء الفسقة أمروا بقتلي، فأمر بها فقتلت.
(2/263)

سأل شقيق البلخي رجلا: كيف يفعل فقراؤكم؟ قال: إن وجدوا أكلوا، وإن فقدوا صبروا. قال: هكذا كلاب بلخ. قال: فأنتم، قال إن وجدنا آثرنا، وإن فقدنا شكرنا.
أكل أعرابي مع معاوية، وجعل يمزق جديا على الخوان تمزيقا عنيفا، ويأكله أكلا ذريعا، فقال له معاوية: إنك تمزقه كأن أمه نطحتك؟ فقال: وإنك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك.
مرت أعرابية بقوم يشربون، فسقوها، فلما شربت أقداحا وجدت خفة وطربا، فقالت: أيشرب نساؤكم في العراق من هذا؟ فقالوا ربما شربن، فقالت. فما يدري أحدكم من أبوه، زنين إذن ورب الكعبة.
لبعضهم:
(مهفهف القد هضيم الحشا ... يكاد ينقد من اللين)
(كأن في أجفانه منتضى ... سيف علي يوم صفين)
لبعضهم:
(غنينا بنا عن كل من لا يريدنا ... وإن كثرت أوصافه ونعوته)
(ومن صد عنا حسبه الصد والقلا ... ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته)
لبعضهم:
(قالت متى الظعن يا هذا فقلت لها ... إما غدا زعموا أولا فبعد غد)
(فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد)
ابن المعلم من أبيات طويلة:
(هو الحمى ومغانيه مغانيه ... فاجلس وعانى خليلي ما نعانيه)
(ما في الصحاب أخو وجد نطارحه ... حديث وجد ولا خل نجاريه)
(إليك عن كل قلب في أماكنه ... ساه وعن كل دمع في مآقيه)
(ما واجب القلب في المعنى كقاعده ... وجامد الدمع في المعنى كجاريه)
(نجدد الحب والأشجان تخلقه ... وننشر الدمع والأحزان تطويه)
(وموجع القلب إذ أسمعته شجني ... حاشاه حاشاه من قلبي وما فيه)
(لم أدر حين بدا والكأس في يده ... من كأسه السكر من عينيه أم فيه)
(2/264)

(ينأى ويقرب والأيام تبعده ... عن المتيم والأحلام تدنيه)
(يا مالكا غير ذلي ليس يقنعه ... وفاتكا غير قتلي ليس يرضيه)
(أهدى السلام نحيي من قتلت أسى ... فميت الحب محييه محييه)
سوف - في لغة اليونانيين - اسم للعلم، وأسطا اسم للغلط، فسوفسطا. أي علم الغلط.
وفيلا: اسم للمحب، ففيلسوف معناه محب العلم. ثم عرب هذان اللفظان، واشتق منهما السفسطة، والفلسفة، ونسب إليهما فقيل سوفسطائي وفلسفي. وكان الأولى سفسطي، وفلسفي، وسوفسطائي، وفيلسوفي.
قال رجل للحسن: ما أعظمك في نفسك! فقال: من قول الله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} .
قيل في أصحاب الكشف:
(لله تحت قباب العز طائفة ... أخافهم في لباس الفقر إجلالا)
(غبر ملابسهم شم معاطسهم ... جروا على فلك الأفلاك أذيالا)
مثل لظهور آثار القدرة الإلهية في جميع المخلوقات:
(لا تقل داؤها بشرقي نجد ... كل نجد للعامرية دار)
(ولها منزل على كل أرض ... وعلى كل دمنة آثار)
قصيدة عائشة بنت الباعوني تمدح بها الحبيب. الأعظم، صلى الله عليه وعلى آله وكرم وعظم:
(سعد إن جئت ثنيات اللوى ... حي عن الحي من آل لؤي)
(واجر ذكرى فإذا أصغوا له ... صف لهم ما قد جرى من مقلتي)
(وبشرح الحال فانشر ما انطوى ... في سقام قد طواني أي طي)
(في هوى أقمار تم نصبوا ... حسنهم أشراك صيد للفتى)
(عرب في ربع قلبي نزلوا ... وأقاموا في السويدا من حشي)
(أطلقوا دمعي ولكن قيدوا ... بهواهم عن سواهم سودي)
(2/265)

(ذبت حتى كاد شخصي يختفي ... عن جليسي فكأني رسم في)
(وجنوبي قد تجافت مضجعي ... وجفوني قد تجافاها الكرى)
(قال لي الآسي وقد شف الضنى ... وتمادى الداء من فرط الهوى)
(لا شفا إلا بترياق اللقا ... وبرشف الشهد من ذاك اللمى)
(آه واحر غليلي في الهوى ... وبغير الراي ما لي قط ري)
(أترى هل يسعفوني بالمنى ... قبل موتي وأرى ذاك المحي)
(ما قلوني لا ولكن قد شووا ... بالجفا والصد قلبي أي شي)
(وإذا هبت صبا من نحوهم ... بلبلت لبي صبابات لدي)
(بان عذري وغدا متضحا ... وكمال الحسن إحدى حجتي)
(غاض سلواني فهل من رحمة ... هي أقصى القصد من آل قصي)
(ولعمري كل حسن في الورى ... قاصر عن حسن جد الحسني)
(خير مبعوث محت أنواره ... بصباح الرشد عنا ليل مي)
(صاحب الجاه الذي لا يحتمى ... بسواه يوم تطوى الأرض طي)
(وبه أسري إلى معراجه ... لاختصاص من ورافهم النهي)
(وأراه الله من آياته ... ما أراه فكأي وكأي)
(وله كم معجزات ظهرت ... وتبدى نورها في كل حي)
هذا آخر ما وقع عليه الاختيار من هذه القصيدة، وفيها أبيات رايقة أخرى أوردت بعضها في المجلد الأول من الكشكول.
حسام الدين الحاجري:
(لمع البرق اليماني ... فشجاني ما شجاني)
(ذكر دهر وزمان ... بالحمى أي زمان)
(يا وميض البرق هل ترجع ... أيام التداني)
(وترى يجتمع الشمل ... فأحظى بالأماني)
(أي سهم فوق البين ... مصيبا فرماني)
(أبعد الأحباب عني ... فأراني ما أراني)
(2/266)

(يا خليلي إذا لم ... تسعداني فذراني)
(هذه أطلال سعدي ... والحمى والعلمان)
(أين أيام التصابي ... وزمان العنفوان)
(والأماني في أمان ... من صروف الحدثان)
إسماعيل بن بشر:
(بأبي غزالا أسقم الجسم ... الصحيح وأنحله)
(قصر النهار بوصله ... والهجر منه طوله)
(فأحببته يا من عرفت ... به الصبابة والوله)
(من كان قاضي نفسه ... فالحق في يده وله)
أظنه لابن المسلمي:
(كلما أنشد حاديهم وغنى ... هام قلبي نحوهم شوقا وحن)
(وإذا فكر قلبي في الذي ... مر من أيامه هام وجن)
(أترى عصر الصبا أين مضى ... آه ما أحلى لياليه وأهنى)
(يا زمان البين لا كنت ولا ... كان قلبي إنه قلب مغنى)
(أي معنى لحياتي بعدهم ... بعدهم والله ما للعيش معنى)
(سادتي بالله عودوني ولو ... ساعة فالعمر قد قارب يفنى)
(وارحموا من قد مضت أيامه ... في الترجي والمنى خسرا وغبنا)
(بعتموه ثوب سقم وعنى ... وأخذتم قلبه في البيع رهنا)
(يتمنى القلب منكم نظرة ... آه من أين لقلبي ما تمنى)
(أيها السائق إن جزت على ... أثلاث في ربى حزوى ولبنى)
(فقل الصب المعنى بعدكم ... غيركم من دهره ما يتمنى)
(كل شيء بعدكم قد خانه ... وعليه كل شيء يتجنى)
(أبعدتنا عنكم أيدي النوى ... فتفرقنا كأنا ما اجتمعنا)
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام:
(2/267)

(إذا أظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريا)
(فكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا)
(أبيا بوجهك عن باخل ... تراه بما في يديه أبيا)
(فإن إراقة ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا)
ومنه:
(وفي قبض كف الطفل عند ولاده ... دليل على الحرص المركب في الحي)
(وفي بسطها عند الممات مواعظ ... ألا فانظروني قد خرجت بلا شي)
حركة النبض عند الحكماء من مقولة الأين، وعند بعضهم من مقولة الوضع، وعند بعضهم من مقولة الكم، والقول الأوسط أوسط الأقوال.
ولله در أبو نواس:
(حامل الهوى تعب ... يستخفه الطرب)
(لا تلمه في وله ... ليس ما به لعب)
(كلما انقضى سبب ... منك جاءه سبب)
(تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب)
قيل لبعض الحكماء: أتدخر المال وأنت ابن سبعين سنة، قال: يموت الرجل فيخلف مالا لعدوه خير من أن يحتاج في حياته لصديقه.
من كلامهم: إذا أثريت فكل رجل رجلك، وإذا افتقرت أنكرك أهلك.
قيل لأفلاطون: لم لا يجتمع العلم والمال؟ فقال: لعز الكمال.
كان سقراط فقيرا، فقال له بعض الملوك: ما أفقرك؟ فقال أيها الملك، لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجع لي.
عن محمد بن الحنفية قال: من كرمت نفسه عليه هانت الدنيا في عينيه.
قال بعض الحكماء: لا تصحب من هو أغنى منك، فإنك إن ساويته في الإنفاق أضر بك، وإن زاد عليك استذلك.
لما مات حاتم أراد أخوه أن يتشبه به، فقالت أمه: لا تتعبن، فلن تناله، قال: وما
(2/268)

يمنعني وهو أخي وشقيقي؟ فقالت: إنه كان كلما أرضعته لا يرضى أن يرضع حتى آتيته بمن يشاركه فيرضع معه الثدي الآخر. وكنت إذا أرضعتك ودخل رضيع بكيت حتى يخرج.
قال النظام: مما يدل على لؤم الذهب والفضة كثرتهما عند اللئام؛ لأن الشيء يصير إلى شكله.
قال الراغب في المحاضرات: فرق الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام مذ كان بخراسان أمواله كلها في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: ما هذا المغرم! فقال بل هو المغنم.
بعضهم:
(لو ضرط الموسر في مجلس ... قالوا له يرحمك الله)
(أو عطس المفلس في مجلس ... سب وقالوا له ماساه)
(فمضرط المفلس عرنينه ... ومعطس الموسر مفساه)
الحكماء عندهم أن وجود العالم على هذا النظام خير محض، وإيجاده كمال تام. والواجب جل وعلا هو المبدأ الفياض، والجواد المطلق فلا تنفك ذاته عن هذا الخير المحض والكمال التام؛ لأن انفكاكها عنه نقص، وهو منزه، عن النقائص. وهذا هو الذي دعاهم إلى القول بقدم العالم.
والمتكلمون يقولون: إنه يصح منه إيجاد العالم وتركه، وليس الإيجاد لازما لذاته، وهذا هو معنى القدرة والاختيار عند المتكلمين. وأما كونه تعالى قادرا بمعنى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، هو متفق عليه بين الحكماء والمتكلمين، ولا نزاع فيه بين العقلاء.
بعضهم:
(هم رحلوا يوم الخميس عشية ... فودعتهم لما استقلوا وودعوا)
(ولما تولوا ولت النفس معهم ... فقلت ارجعي قالت إلى أين أرجع)
يستغرب أن الصاعقة تذيب الذهب والفضة في الصرة، ولا تحرق الخرقة المصرورين فيها. قال لمحقق الشريف في شرح المواقف قد أخبرنا أهل التواتر بأن الصاعقة وقعت بشيراز على قبة الشيخ الكبير أبي عبد الله بن خفيف، فأذابت قنديلا فيها ولم تحرق شيئا فيها. والسبب في ذلك: أن تلك النار لغاية لطافتها تنفذ في المتحلل، وهي سريعة الحركة
(2/269)

جدا، فلا تبقى فيها حتى تذيبها. وأما الأجسام المندمجة فتنفذ فيها في زمان أطول، فتبقى فيها قدرا يعتد به فتذيبها.
جاء فاعل في القرآن بمعنى المفعول في موضعين الأول قوله تعالى {لا عاصم} أي لا معصوم. والثاني في قوله تعالى: {ماء دافق} أي مدفوق وجاء اسم المفعول بمعنى الفاعل في ثلاثة مواضع: الأول قوله تعالى {حجابا مستورا} أي ساترا. والثاني قوله تعالى: {كان وعده مأتيا} أي آتيا. والثالث قوله تعالى: {جزاء موفورا} أي وافرا.
قال الراغب في المحاضرات: إن بقزوين قرية أهلها متناهون في التشيع، مر بهم رجل فسألوه عن اسمه فقال: عمر، فضربوه ضربا شديدا. فقال: ليس اسمي عمر، بل عمران، فقالوا: هذا أشد من الأول، فإنه عمر، وفيه حرفان من اسم عثمان، فهو أحق بالضرب، فضربوه أشد من الأول.
سئل يحيى بن معاذ عن حقيقة المحبة فقال: هي التي لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء.
قيل لبعض العارفين: ما الفرق بين المحبة والهوى فقال: الهوى يحل في القلب والمحبة يحل فيها القلب.
محمد بن غالب:
(أحسن إذا أحسن الزمان ... وصح منه لك الضمان)
(بادر بإحسانك الليالي ... فليس من غدرها أمان)
قال بعض الأعراب لابن عباس: من يحاسب الناس يوم القيامة؟ فقال: يحاسبهم الله تعالى، فقال الأعرابي: نجونا إذا ورب الكعبة. فقيل له وكيف؟ فقال: إن الكريم لا يدقق في الحساب.
سمع المأمون أبا العتاهية يقول:
(وإني لمحتاج إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه)
فقال المأمون: خذ مني الخلافة وأعطني مثل هذا الصاحب.
قال رجل لبعض الناسكين: صف لنا التقوى، فقال: إذا دخلت أرضا فيها شوك كيف كنت تعمل؟ فقال: أتوقى وأتحرى، قال: فافعل في الدنيا كذلك، فهي التقوى، أخذه ابن المعتز فقال:
(2/270)

(كن مثل ماش فوق أرض ... الشوك تحذر ما ترى)
(لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصا)
قال رجل لبعض الظرفاء: ابتلاك الله بحب فلانة، وكانت قبيحة الشكل، فقال: يا أحمق، لو ابتليت بحبها لكانت أحسن في عيني من الحور العين.
قال مالك بن دينار لراهب: عظني، فقال إن قدرت أن تجعل بينك وبين الناس سورا فافعل.
كان بعضهم يقول: اللهم احفظني من صديقي، فقيل له: في ذلك، فقال: لأني أتحرز من العدو، ولا أقدر أن أتحرز من الصديق.
قال في الكشاف: قيل لإبراهيم بن أدهم: مالنا ندعو ولا نجاب؟ فقال لأنه دعاكم فلم تجيبوه، ثم قرأ: {والله يدعو إلى دار السلام} . {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} .
سئل سقراط: ما سبب فرط نشاطك وقلة حزنك؟ فقال: لأني لا أقتني ما إذا فقدته حزنت عليه.
لبعضهم:
(كم تدعي بطريق القوم معرفة ... وأنت منقطع والقوم قد وصلوا)
(فانهض إلى ذروة العلياء مبتدرا ... عزما لترقى مكانا دونه زحل)
(فإن ظفرت به قد حزت مكرمة ... بقاؤها ببقاء الله متصل)
(وإن قضيت بهم وجدا فأحسن ما ... يقال عنك قضى من وجده الرجل)
من وصية للنبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] : إن النور إذا وقع في القلب انشرح وانفسخ، قيل يا رسول الله فهل لذلك علامة؟ فقال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله.
ابن مسعود: من اشتاق إلى الجنة نازع في الخيرات، ومن خاف النار ترك الشهوات. ومن ترقب الموت زهد في الدنيا وهانت عليه المصيبات.
قال بعض العارفين: من استثقل سماع الحق كان للعمل به أشد استثقالا.
قيل لأعرابي: ما تقرأ في صلاتك؟ قال: هجو أبي لهب ونسبة الرب، أي سورة الإخلاص.
(2/271)

خرج بعض ملوك الفرس يتصيد، فرأى في طريقه أعور، فأمر بضربه وحبسه تشاؤما برؤيته، واتفق أنه صاد صيدا كثيرا، فلما عاد أمر بإطلاق الأعور، فقال أيأذن لي الملك في الكلام؟ قال: تكلم، قال: لقيتني فضربتني وحبستني، ولقيتك فاصطدت ورجعت سالما، فأينا أشأم على صاحبه؟ فضحك الملك وأمر له بجائزة.
قال رجل لابن سيرين: رأيت كأن بيدي خاتما، وأنا أختم أفواه الرجال وفروج النساء. فقال: أمؤذن أنت؟ قال: نعم، قال: أنت تؤذن في رمضان قبل طلوع الفجر فيمتنع الناس لأذانك.
وقال آخر: رأيت كأني أطأ مصحفا، فقال انفض خفك، فنفضه فكان فيه درهم، فقال هذا هو.
وقال له آخر: كأن عيني اليمنى دارت من قفاي فقابلت عيني اليسرى. فقال: ألك ولدان؟ قال: نعم. قال: إن أحدهما يفجر بالآخر، فلما استكشف كان كما قال.
قوله تعالى: {وكان تحته كنز لهما} ذهب بعض المفسرين إلى أن الكنز لم يكن ذهبا ولا فضة، ولكنه كان كتب العلم. وهذا القول نقله الزمخشري في الكشاف، والبيضاوي في تفسيره.
وفي الكافي في باب فضل اليقين عن الرضا صلوات الله عليه. قال: الكنز الذي قال الله عز وجل: {وكان تحته كنز لهما} كان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن إليها، ويبغي لمن غفل عن الله أن لا يتهم الله في قضائه، ولا يستبطئه في رزقه.
قال الراوي: قلت: جعلت فداك، أريد أن أكتبه، قال فعرج والله إلى الدواة ليضعها بين يدي، فتناولت يده فقبلتها، وأخذت الدواة فكتبته.
في شرح النهج لابن أبي الحديد قال: انتبه معاوية فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره، فقعد، فقال له. يداعبه: يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت: فقال: لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر، قال: وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب؟ قال: لا جرم أنه قتلك وإياي بيسرى يديه، وبقيت اليمنى فارغة طالبة من يقتله بها.
الجنب يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، صرح به صاحب الكشاف
(2/272)

في قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} وعلله بأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب.
قيام العرض الواحد الشخصي بمحل منقسم بحيث ينقسم ذلك العرض بانقسامه، ويوجد كل جزء من ذلك العرض في كل جزء من ذلك المحل لا خلاف بينهم في جوازه.
ذهب بعض الأطباء إلى أن شعر الميت وظفره يطولان بعد الموت. قال العلامة في شرح القانون: لا شك أنهما يطولان بعد الموت أزيد مما كانا.
وقال قوم: إنهما لا يطولان، ولكن لما تحلل ما حولهما ظن أنهما طالا.
علي بن الجهم:
(بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين)
(أباحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون)
العفيف التلمساني:
(سأل الربع عن ظباء المصلى ... ما على الربع لو أجاب سؤاله)
(ومحال من المحيل جواب ... غير أن الوقوف فيه علاله)
(هذه سنة المحبين من قبل ... على كل منزل لا محاله)
(يا ديار الأحباب لا زالت الأدمع ... في قرب ساحتيك مذاله)
(وتمشى النسيم وهو عليل ... في مغانيك ساحبا أذياله)
البهاء زهير:
(تراكم قد بدت منكم ... أمور ما عهدناها)
(نبشتم بيننا أشياء ... كنا قد طويناها)
(وعرضتم بأقوال ... وما نجهل معناها)
(وقبحتم بأفعال ... وحسنتم مسماها)
(وكم جاءت لنا عنكم ... حكايات رددناها)
(وأشياء رأيناها ... وقلنا ما رأيناها)
(دعوا تلك المقالات ... وإياكم وإياها)
(2/273)

(فلا والله لا يحسن ... بين الناس ذكراها)
(قرأنا سورة السلوان ... عنكم ودرسناها)
(ومازلتم بنا حتى ... خسرنا وفعلناها)
(فرجل تطلب السعي ... إليكم قد قطعناها)
(وعين تتمنى أن ... تراكم قد غضضناها)
(ونفس كلما اشتاقت ... للقياكم زجرناها)
(وكانت بيننا طرق ... وها نحن سددناها)
(فلو أنكم جنات ... عدن ما دخلناها)
لبعضهم:
(بالله قل لي خبرك ... فلي ثلاث لم أرك)
(وناظري إلى الطريق ... لم يزل متنظرك)
(يا أيها المعرض عن ... أحبابه ما أصبرك)
(بين جفوني والكرى ... مذ غبت عني معترك)
(خذلت قلبا طالما ... علي ظلما نصرك)
(كيف تغيرت ومن ... هذا الذي قد غيرك)
(قد كان لي صبر يطيل ... الله فيه عمرك)
(وحاسد قال وما ... أبقى لنا وما ترك)
(مازال يسعى جهده ... يا ظبي حتى نفرك)
لما نصب الحجاج المنجنيق لرمي الكعبة جاءت صاعقة فأحرقت المنجنيق، فتقاعد أصحابه عن الرمي، فقال الحجاج: لا عليكم من ذلك، فإن هذا كنار القربان دلت على أن فعلكم متقبل.
قال العلامة الكاشي في الاصطلاحات: إن الاسم في اصطلاحهم ليس هو اللفظ، بل هو ذات المسمى باعتباره صفة وجودية، كالعليم والقدير، أو سلبية كالقدوس والسلام.
وفيه أن الدبور صولة داعية هوى النفس واستيلاؤها، شبهت بريح الدبور التي تأتي من جهة المغرب؛ لانتسابها إلى جهة الطبيعة التي هي مغرب النور، ويقابلها القبول، وهي
(2/274)

الصبا التي تأتي من جهة المشرق وهي صورة داعية الروح واستيلاؤها؛ ولهذا قال [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] : " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ".
في عيون الأخبار أن الرضا عليه السلام سئل: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجها؟ فقال: لأنهم خلوا بالله فكساهم الله من نوره.
في كتاب المعيشة: إن أبا عمر الشيباني رأى الصادق عليه السلام وبيده مسحات: وعليه إزار غليظ وهو يعمر في حائط له والعرق يتصبب منه على ظهره، قال: فقلت: جعلت فداك أعطني أكفك، فقال: إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة.
(في كشف الغمة)
إن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، وفيه: السعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها:
من كلام بعض العارفين: أخل بنفسك في بيت الفكر وازجرها عما هي عليه، فإن انزجرت، وإلا فاخرج بها على عسكر الموتى أعني القبور، فإن لم ترعو فاضربها بسياط الجوع.
ومن كلامهم: لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين، لاح لهم هلال الهدى في جنح اليقظة، فبيتوا نية الصوم عن الهوى.
من كلام لبعض الحكماء: استغناؤك عن الشيء خير من استغنائك به.
أشخص المنصور من الكوفة رجلا سعي به أن عنده من ودائع بني أمية، فقال: أوارث القوم أنت أو وصيهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنهم خانوا المسلمين وأنا القائم بأمورهم، فقال الرجل: عليك بينة أن هذا من تلك الجنايات، فقد كان لهم مال، فأطرق المنصور، ثم قال: خلوا سبيله، فقال: والله ليس لهم عندي مال، ولكن رأيت الاحتجاج أقرب إلى الخلاص، وهذا الساعي عبد آبق مني، فأشهده المنصور، فاعترف بالرق، فقال الرجل: أما إذا اعترف فهو في حل مما اقترف.
لبان يخلط اللبن بالماء ويبيعه، فجاء سيل فأخذ غنمه فاشتد لذلك جزعه، فرآه بعض العارفين، فقال: اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلا.
(2/275)

بعضهم في التوبة عن الشراب:
(يقول القوم لي لما رأوني ... عفيفا منذ عام ما شربت)
(على يد أي شيخ تبت ماذا ... فقلت على يد الإفلاس تبت)
ابن الوردي في المجون:
(نمت وإبليس أتى ... بحيلة منتدبه)
(فقال ما قولك في ... حشيشة منتخبه)
(فقلت لا، قال ولا ... خمرة كرم مذهبه)
(فقلت لا، قال ولا ... مليحة مطيبه)
(فقلت لا، قال ولا ... آلة لهو مطربه)
(فقلت لا، قال فنم ... ما أنت إلا حطبه)
كان شقيق البلخي في أول أمره ذا ثروة عظيمة، وكان في أول أمره كثير الأسفار للتجارة، فدخل سنة من السنين في بلاد الترك، وهم عبدة أصنام، فقال: لعظيمهم: إن هذا الذي أنتم فيه باطل، وإن لهذا الخلق خالقا ليس كمثله شيء، وهو رزاق كل شيء، فقال له: إن قولك هذا لا يوافق فعلك، فقال شقيق: وكيف ذلك؟ فقال: زعمت أن لك خالقا رازقا، وقد تعبت في السفر إلى هنا لطلب الرزق، فلما سمع شقيق منه هذا الكلام رجع وتصدق بجميع ما يملكه، ولازم العلماء والزهاد إلى أن مات رحمه الله.
لبعضهم يستدعي صديقا له:
(ثب إلى اللذات فالعمر قصير ... وحياة المرء في الدنيا غرور)
(لا تعب بيت سرور عاجل ... كل ما أمكن في الدنيا سرور)
(أسرع الخطو فهذا شادن ... وقيان وخمور وزمور)
(كلما درنا رأينا بيننا ... شادنا يشدو وكاسات تدور)
لما ظهر أبو مسلم المروزي، كتب نصر بن سيار والي خراسان إلى مروان الحمار بهذه الأبيات.
(أرى تحت الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام)
(2/276)

(فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها كلام)
(أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام)
(فإن يك قومنا أضحوا نياما ... فقل قوموا فقد آن القيام)
ومن شعر أبي مسلم المروزي:
(أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ سمدوا)
(مازلت أسعى كميا في ديارهم ... والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا)
(حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد)
(ومن رعى غنما في أرضه مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد)
فيمن اسمه عثمان وبيده شمعة:
(وافى إلي بشمعتين ووجهه ... بضيائه يزهو على القمرين)
(ناديته بالاسم يا كل المنى ... فأجابني عثمان ذو النورين)
وبعضهم:
(لا تمنعني إذ نظرت ... فلا أقل في النظر)
(دع مقلتي تنظر إليك ... فقد أضر بي السفر)
قال بعض الأدباء: الشاعر كالصيرفي، يجتهد أن يروج ما في كيسه من النقود.
كان الرشيد إذا قرب الصباح قال لضجيعه: قم بنا نتنسم هواء الحياة قبل أن تفتض عذرته، وتكدره أنفاس العامة.
الهالة، وقوس قزح، وذوات الأذناب، وسائر حوادث الجو كظهور الحمرة، وانقضاض الكواكب العظيمة، كلها تدل على حوادث في هذا العالم.
قال كاتب الأحرف: وقد رأيت في ذلك الفن كتابا ضخما لبعض حكماء الإسلام أثبت فيه أحكاما لهذه الأشياء حتى بحدوث الزوابع.
قيل لسقراط: متى أثرت فيك الحكمة؟ فقال: منذ حقرت نفسي.
لما خص الله تعالى الإنسان بكرامته، واصطفاه من بين الموجودات بخلافته، كما قال سبحانه: {إني جاعل في الأرض خليفة} وجب عليه التخلق بأخلاقه، والتشبه بأوصافه، لأن الحكيم لا يستخلف السفيه، والعالم لا يستنيب الجاهل، ولهذا قال النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] : " تخلقوا بأخلاق الله ".
(2/277)

العلم مقرون بالعمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
ابن نباتة:
(قضى وما قضيت منكم لبانات ... متيم عبثت فيه الصبابات)
(ما فاض من جفنه يوم الفراق دم ... إلا وفي قلبه منكم جراحات)
(حبا بنا كل عضو في محبتكم ... كليم وجد فهل للوصل ميقات)
(سقيا لتلك اللييلات التي سلفت ... فإنما العمر هاتيك اللييلات)
لآخر:
(قتلى هواك هم الأحياء لا ماتوا ... يا من عوارضه كاللمسك لا مات)
(وثغرك الباسم المفتر عن حبب ... تدور منه على الندمان كاسات)
(نيران خديك في الأحشاء سعرها ... كما يشاء وفي الحبات حيات)
(تكلم القلب من تبريح جفوته ... فهل لعهد الوفا بالوصل ميقات)
(يا صاح قد صاحت الأطيار من طرب ... ماذا التأخر والتأخير آفات)
لبعضهم:
(أصبحت والله في مضيق ... هل من دليل على الطريق)
(أف لدنيا تلاعبت بي ... تلاعب الموج بالغريق)
من كلام بعض الأعلام:
يا هذا: إنما خلقت الدنيا لتجوزها لا لتحوزها، ولتعبرها لا لتعمرها.
لبعضهم:
(إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل)
(وإن هو لم يرشدك في كل مطلب ... ضللت ولو أن السماك دليل)
الصفي الحلي:
(نقيط من مسيك في وريد ... خويلك أم وشيم في خديد)
(وذياك اللويمع في الضحيا ... وجيهك أم قمير في سعيد)
(ظبي بل صبي في قبي ... مريبيب السطيوة كالأسيد)
(2/278)

(معيشيق الحريكة والمحيا ... مميشيق السويلف والقديد)
(مغيسيل اللمي له ثغير ... رويقته خمير في شهيد)
(رويدك بالنبي فلي قليب ... مسيليب المهيجة والجليد)
(جفيني من هجيرك في سهيد ... أطيول من مطيلك في الوعيد)
لابن حجة:
(طريفي من لييلات الهجير ... مقيريح الجفين من السهير)
(نويري الخديد كوى قليبي ... فصحت من الحريق أيا نويري)
(مسيبيل الشعير على كفيل ... يذكرنا مويجات البحير)
(حويجبه القويس له سهيم ... مويض في القليب بلا وتير)
(لثمت خديده فجرى دميعي ... فما أحلى الزهير على النهير)
(رقيق خصره وله قليب ... شديد قسيوة مثل الحجير)
(شهير وصيله عندي بيوم ... ويوم هجيره مثل الشهير)
لبعضهم:
(سواد في الجفين بلا كحيل ... أسال مديمعي وسبا عقيلي)
(لحيظك من صويرمه بقلبي ... جريح قد صرمت به حبيلي)
(قويس حويجبيك لقد رماني ... سهيما في القليب بلا نصيل)
(وكم شرقتني بدميع عيني ... وغربني هويك عن أهيلي)
(لقد وقف الهليل بالمحيا ... كما وقف الغزيل بالشكيل)
(وكم لي من عقيد في نظيم ... وإن غار الجويد من قويلي)
(يويم من هجيرك قد دهاني ... فما أحلى لييلات الوصيل)
(حبيب مهجتي هل من وصيل ... فما أحلى الوعيد بلا مطيل)
في كشف الغمة عن الإمام جعفر عليه السلام: قال: فقد أبى بغلة له، فقال: لئن ردها الله تعالى لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أتي بها بسرجها ولجامها. فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، ولم يزد. ثم قال: ما
(2/279)

تركت ولا أبقيت شيئا، جعلت كل أنواع المحامد لله عز وجل، فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت.
مر بعض الصوفية ببغداد، وإذا بسوقي ينادي: الخيار عشرة بدرهم، فلطم الصوفي وجه نفسه وقال: إذا كان الخيار عشرة بدرهم فكيف بالشرار {}
قال بعض الحكماء:
المروءة ألا تفعل سرا ما تستحي منه علانية.
(تعريف القضاء والقدر)
القضاء: هو وجود جميع الوجودات في اللوح المحفوظ إجمالا، والقدر تفصيل ذلك الإجمال بإيجاد المواد الخارجية، واحدا بعد واحد، في وقت تعلق العلم الأزلي به،.
القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني:
(ليس عندي شيء ألذ من العلم ... فلا أبتغي سواه أنيسا)
(ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا)
(إنما الذل في مخالطة الناس ... فدعهم وعش عزيزا رئيسا)
كان الفراء النحوي معلما لولدي المأمون، وكان إذا قام من مجلسه بادرا إلى نعليه فقدم كل واحد منهما فردة، وذلك بأمر أبيهما المأمون.
(لغويات)
نبذ من الكنى: يقال للأسد أبو الحارث، وللضبع أم عامر، وللثعلب أبو الحصين، وللنمر أبو عون، وللذئب أبو زياد. ويقال للديك أبو نبهان، وللهرة أم خداش، وللدجاجة أم حفص، وللفأرة أم فساد، وللخنفساء أم سالم. ويقال للدينار أبو الحسن، وللدرهم أبو صالح، وللخبز أبو جابر، وللملح أبو صابر، وللبغل أبو جميل، وللحم أبو الخصيب، وللأرز أبو لؤلؤة، وللجبن أبو مسافر، وللجوز أبو مقابل، وللبن أبو الأبيض، وللبيض أبو الأصفر، وللهريسة أم جابر، وللثريد أبو راجع، وللماء أبو حيان، وللأشنان أبو البقاء.
قال بعض التابعين: كانت فاكهة أصحاب النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] خبز البر.
سئل بعضهم عن أعظم الصبر فقال: الصبر عن صحبة من لا توافقك أخلاقه، ولا يمكنك فراقه.
(2/280)

بعضهم:
(نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا)
(واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا)
قال محمد بن منصور النيسابوري:
(وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... إذا الشمس لافته فما خلته حقا)
(فلما التوى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقنته صدقا)
قال ابن المنجم:
(تحصن بأفعالك الصالحات ... ولا تبخلن بحسن جليل)
(فحسن النساء جمال الوجوه ... وحسن الرجال وجوه الجميل)
من كلامهم: الغيبة جهد العاجز.
روى أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى، أبرص مقعدا، مضروب الجنبين بالفالج، وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا من خلقه، فقال له عيسى: يا هذا، وأي شيء من البلاء أراه مصروفا عنك؟ {فقال: يا روح الله، أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته، فقال: صدقت، هات يدك، فناوله يده، فإذا هو من أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان. فصحب عيسى عليه السلام ولم يزل معه.
قال بعض الحكماء: لا تجعلوا قلوبكم التي هي منابر الملائكة قبورا للحيوانات الهالكة.
قال حكيم لرجل يستكثر من العلم ولا يعمل به: يا هذا، إذا أفنيت عمرك في جمع السلاح فمتى تقاتل؟}
بعضهم:
(إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار)
(فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار)
(2/281)

دخل بعض الأعراب على ثعلب النحوي فقال: أنشدني يا إمام الأدب أرق شعر قالته العرب، فقال: لا أجد أرق من قول جرير:
(إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا)
(يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا)
فقال الأعرابي: هذا شعر قد لاكته السفلة بألسنتها، هات غيره، فقال ثعلب: أفدنا مما عندك يا أخا العرب، فقال الأعرابي: قول مسلم صريع الغواني:
(نبارز أقران الوغى فنقدهم ... ويغلبنا في السلم لحظ الكواعب)
(وليست سهام الحرب تفنى نفوسنا ... ولكن سهام فوقت في الحواجب)
فقال ثعلب لحضار مجلسه: اكتبوها على الحناجر ولو بالخناجر.
ابن دقيق العيد:
(قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثل ما يقتضي)
(فقلت لما لم يكن ذا تقى ... تعارض المانع والمقتضى)
عمر بن عبد العزيز:
(نهارك يا مسرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم)
(وتكدح فيما سوف تنكر غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم)
من كلام واليس الحكيم:
محبة المال وتد الشر، ومحبة الشر وتد العيوب.
ومن كلامه: أعط حق نفسك، فإن الحق يخصمك إن لم تعطها حقها.
قال بعض العارفين:
إذا استوت سريرة المرء وعلانيته فذلك النصف. وإن كانت سريرته أحسن من علانيته فذلك الفضل، وإن كانت علانيته أحسن من سريرته فذلك الهلاك. وقد قيل في ذلك:
(إذا السر والإعلان في المؤمن استوى ... فقد عز في الدارين واستوجب الثنا)
(وإن فضل الإعلان سرا فما له ... على سره فضل سوى الكد والعنا)
لبعضهم:
(2/282)

(قامت تودعني والدمع يغلبها ... كما يميل نسيم الريح بالغصن)
(وأعرضت ثم قالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن)
لبعضهم:
(أيها الدائب الحريص المعنى ... لك رزق وسوف تستوفيه)
(فاسأل الله وحده ودع الناس ... وأسخطهم بما يرضيه)
(لن ترى معطيا لما منه الله ... ولا مانعا لما يعطيه)
أشار بعض وجوه العرب على أبي قيس المجنون أن يأخذه إلى مكة ليطوف بالبيت، ويسأل الله أن يعافيه مما ابتلاه به، فبينما هم في منى، إذ سمع امرأة تنادي أختا لها: يا سلمى، فأغمى على المجنون حتى ظن أبوه أنه قد مات، فلما أفاق بعد ساعة أنشأ يقول:
(وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني ... فهيج أشواق الفؤاد وما يدري)
(دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائر كان في صدري)
قال بعض الحكماء:
أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وعفا عن قدرة، وأنصف عن قوة.
بعضهم:
(حججي عليك إذا خلوت كثيرة ... وإذا حضرت فإنني مخصوم)
(مالي لسان أن أقول ظلمتني ... والله يعلم أنني مظلوم)
قال بعض الأدباء:
من حكى لك أنه رأى مكاريا حسن الخلق، أو قوادا سيئ الخلق، أو سائسا لا يسرق الشعير، أو خياطا لا يسرق ما يخيطه، أو أعمى لا يكون ثقيلا، أو معلم أطفال ليس قليل العقل، أو قصيرا غير متكبر، أو طويلا غير أهوج فلا تصدقه فيما ادعاه أبدا.
بعضهم:
(ليلي وليلى نفي نومي اختلافهما ... بالطول والطول يا طوبي لو اعتدلا)
(يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا)
قال سعيد الدين الطيبي: تنازعت أنا وأبو غالب في أمر محمد بن سليمان بن قطرش
(2/283)

الأديب المشهور وقدرته على حل كل ما يرد عليه من الألفاظ من غير تردد، فقلنا: هلم لغزا محالا ونسأله عنه، فقلنا:
(وما شيء له في الرأس رجل ... وموضع وجهه منه قفاه)
(إذا غمضت عينك أبصرته ... وإن فتحت عينك لا تراه)
فأنفذناه إليك، فكتب في الجواب: هو طيف الخيال: فقلت لأبي غالب: عالت المسألة، قم بنا حتى نسأله الآن عن هذا التأويل، فذهبنا إليه، فقلت له: هب أن البيت الثاني فيه معنى طيف الخيال فما تأويل الأول؟ فقال: المعنى كله فيه، فقلت كيف ذلك؟ فقال: إن المنامات تفسر بالعكس، فإذا رأى الإنسان أنه مات فسر بطول العمر، وإذا رأى أنه يبكي فسر بالفرح والسرور، وعلى هذا جرى اللغز في جعل رأسه رجله، ووجهه قفاه، فعجبنا من ذكائه.
ولد محمد بن سليمان بن قطرش سنة 543 وتوفي سنة 626.
ولد عثمان بن إبراهيم العمري سنة 441 هـ وكان له شعر جيد، ومن شعره:
(إنما هذه الحياة متاع ... والسفيه الغوي من يصطفيها)
(ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها)
حكى بعض الثقات قال: مررت مع رفيق لي بفلاة، وإذا نحن بأعرابية كأنها فلقة قمر، فقالت هلم إلى القرى، فلما دخلنا خباءها وجدنا قبرا، فقلنا لها ما هذا؟ فتنفست الصعداء، ثم قالت: قبر خليلي، كان يظهر ودي، ويحسن رفدي، فمات، فدفنته عندي. قال فقلت لها: فهل لك فيمن يجدد ما قد درس من وده، ويزيدك إحسانا إلى رفده، فتغير وجهها، وأسبلت دمعتها، وقامت مولية وهي تقول: بصوت حزين:
(وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني)
(فإن تسألاني في هواي فإنني ... رهينة هذا القبر يا رجلان)
قال ولم تعد حتى خرجنا.
من الحماسة:
(وكنت إذا ما جئت جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فكيف أقول)
(فما كل يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يوم لي إليك وصول)
قطري بن الفجاءة:
(2/284)

(أقول لها وقد جاشت وهاجت ... من الأعداء ويحك لا تراعى)
(فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي)
(فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع)
(سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داع)
قال ابن الهرمة - وهو من العرب العرباء - يصف استئناس كلبه بالأضياف:
(يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم)
ابن الدمينة. وهو من شعر الحماسة:
(ألا يا صبا نجد متى هجت متى نجد ... لقد زادني مسراك وجدا على وجد)
(أئن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غض النبات من الرند)
(بكيت كما يبكي الحزين ولم يكن ... جزوعا وأبديت الذي لم تكن تبدي)
(وقد زعموا أن المحب إذا نأى ... يمل وأن النأي يشفى من الوجد)
(بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد)
(على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود)
كل جسم له صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى إلا بعد أن تفارقه الصورة الأولى مفارقة تامة، كجسم مشكل بصورة التثليث - مثلا - فإنه لا يقبل صورة التربيع أو غيرها من الأشكال إلا بعد أن يزول عنه ذلك التثليث، بالكلية، فإن بقي فيه شيء من الرسم الأول لم يقبل الرسم الثاني على التمام، بل يختلط فيه الرسمان فلا يخلص له أحدهما. وهذا حكم مستمر في جميع الأجسام كلها.
ونحن نجد أنفسنا نقبل صور الأشياء كلها على اختلافها من المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال، من غير مفارقة الأول، ولا زوال رسمه، بل يبقى الرسم الأول: تاما كاملا، ويقبل الرسم الثاني أيضا تاما كاملا، ولا يزال يقبل صورة بعد صورة أبدا، من غير أن يضعف في وقت من الأوقات عن قبول ما يطرأ عليها من الصور، بل تزداد بسبب الصورة الأولى قوة على قبول ما يرد عليها من الصور الأخرى. ولهذا العلة كلما كان الإنسان أكثر علوما وأدبا كان أتم فهما وكياسة، وأشد استعدادا للعلم والاستفادة. وهذه الخاصية مضادة لخواص الأجسام، فليست جسما.
(2/285)

ابن مقلة الكاتب المشهور: قطعت يده، ثم لسانه، وكان يستقي الماء بيد واحدة. وقال أصحاب التواريخ: إنه تولى الوزارة ثلاث مرات، لثلاثة خلفاء، وكتب ثلاثة مصاحف، وسافر ثلاث مرات، ومات ودفن، ثم نبش ثلاث مرات.
يقال إن الخلاف والعناد موكل بكل شيء، حتى قذاة الكوز، إن أردت أن تشرب الماء جاءت إلى فيك، وإن صوب الكوز لتخرج رجعت، وهذا مثل في محقر مؤذ.
إلى هنا انتهى المجلد الرابع من الكشكول حسب تقسيم المؤلف
ويليه المجلد الخامس إن شاء الله. وأوله:
بسم الله الرحمن الرحيم. قال سيد المرسلين الخ.
(2/286)

(المجلد الخامس من الكشكول لبهاء الدين العاملي)
(2/287)

صفحة فارغة
(2/288)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال سيد المرسلين، وأشرف الأولين والآخرين، صلوات الله عليه وآله أجمعين: إذا اقشعر قلب المؤمن من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجو ورقها.
وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يكون العبد مؤمنا حتى يعد البلأ نعمة، والرخاء محنة، لأن بلاء الدنيا نعمة في الآخرة، ورخاء الدنيا محنة في الآخرة.
وعنه عليه وعلى آله من الصلوات أفضلها، ومن التحيات أكملها، أنه قال: إن الله تعالى يقول: إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه، أو ولده، أو ماله، واستقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا.
إنما سميت الجمعة جمعة لاجتماع الناس فيها للصلاة.
وقيل أول من سماها جمعة الأنصار وذلك قبل قدوم النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] إلى المدينة، وقبل نزول سورة الجمعة؛ فإنهم اجتمعوا، وقالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه، وهو يوم السبت، وللنصارى آخر كذلك، وهو يوم الأحد، فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه ونذكر الله ونشكره، وكانوا يسمون يوم الجمعة قبل ذلك يوم العروبة، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وذكرهم، فسموه يوم الجمعة.
(في تعظيم حق الوالدين:)
اعلم أن الله جل جلاله علم حاجتك إلى أبويك فجعل لك عندهما من المنزلة ما يغنيهما عن وصيتهما بك. وعلم غناك عنهما فأكد وصيتك بهما.
قال علي بن الحسين عليهما السلام لولده يحيى: يا بني، إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فلم يوصني بك.
من كلام بعض الحكماء: فضيلة الفلاحين التعاون بالأعمال، وفضيلة التجار التعاون بالأموال، وفضيلة الملوك التعاون بالآراء والسياسة، وفضيلة العلماء التعاون بالحكم
(2/289)

الإلهية، والفضيلة المشتركة بين الأصناف الأربعة هي التعاون على ما يصلح به المعاش والمعاد.
قال بعض الأكابر: الصلاة معراج العارفين، ووسيلة المذنبين، وبستان الزاهدين. ومن ثم ورد في الحديث أنها عمود الدين، وذكرت في اثنين ومائة موضع من القرآن العزيز المبين.
من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: ما من غريم أحسن تقاضيا من جوع، مهما دفعت إليه قبل.
أصيبت السمراء بنت قيس بابنين لها، فعزاها النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] بهما، فقالت: كل مصيبة بعدك جلل، والله لهذا النقع الذي على وجهك أشد من مصابي بهما يا رسول الله. الجلل: العظيم، والهين، فهو من الأضداد. والنقع: غبار الحرب، وهو العثير، ولا تفتح فيه العين.
عربد غلام قوم فشكوه إلى الوالي، وقد أفاق، فأراد أن يناله بمكروه، فقال: أيها الأمير، إني أسأت وليس معي عقلي، وتسيء إلي ومعك عقلك!
لابن الفارض:
(زدني بفرط الحب فيك تحيرا ... وارحم حشى بلظى هواك تسعرا)
(وإذا سألتك أن أراك حقيقة ... فاسمع ولا تجعل جوابي لن ترى)
(يا قلب أنت وعدتني في حبه ... صبرا فحاذر أن تضيق وتضجرا)
(إن الغرام هو الحياة فعش به ... صبا فحقك أن تموت وتعذرا)
(ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا ... سر أرق من النسيم إذا سرى)
(وأباح طرفي نظرة أملتها ... فغدوت معروفا وكنت منكرا)
(لو أن كل الحسن يكمل صورة ... ورآه كان مهللا ومكبرا)
في الكشاف: عند قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما، بعوضة فوقها} : وربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يحليها للبصر إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها، وتجنبت مضرتها. فسبحان من يدرك صورة تلك البعوضة وأعضاءها الظاهرة والباطنة، وتفاصيل خلقها، ويبصر بصرها، ويطلع على ضميرها. ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر.
(2/290)

{سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون} ثم أنشد:
(يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل)
(ويرى عروق نياطها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل)
(اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول)
(علم التصوف)
التصوف علم يبحث عن الذات الأحدية، وأسمائه وصفاته من حيث إنها موصلة لكل من مظاهرها ومنسوباتها إلى الذات الإلهية. وموضوعه الذات الأحدية ونعوتها الأزلية، وصفاتها السرمدية، وبيان مظاهر الأسماء الإلهية والنعوت الربانية، وكيفية رجوع أهل الله تعالى إليه سبحانه، وكيفية سلوكهم ومجاهداتهم ورياضاتهم، وبيان نتيجة كل من الأعمال والأذكار في دار الدنيا والآخرة على وجه ثابت في نفس الأمر. ومبادئه معرفة حده، وغايته، واصطلاحات القوم فيه.
قال بعض العارفين: من كان نظره في وقت النعم إلى المنعم لا إلى النعمة، كان نظره في وقت البلاء إلى المبلى لا إلى البلاء، فيكون في جميع حالاته غريقا في ملاحظة الحق، متوجها إلى الحبيب المطلق، وهذه أعلى مراتب السعادة.
بعضهم:
(أرأيت ما قد قال لي بدر الدجى ... لما رأى طرفي يزيد سهودا)
(حتام ترمقني بطرف ساهم ... أقصر فلست حبيبك المفقودا)
ذكر في المعتبر: أن فاطمة صلوات الله عليها قبضت من تراب قبر النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] فوضعته على عينيها وقالت:
(ماذا على من شم تربة أحمد ... ألا يشم مدى الزمان غواليا)
(صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام صرن لياليا)
الأمي: من لا يكتب، منسوب إلى أمة العرب، المشهورين بعدم الخط والكتابة. ووصف نبينا محمد [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] بالأمي لذلك.
كان عمر بن فطر بن سهل الداري يغير أحيانا على مسارح النعمان بن المنذر، فطلبه زمانا فلم يقدر عليه، فأمنه وجعل له مائة ناقة إن دخل في السلم، فقبل ذلك، ودخل على
(2/291)

النعمان، فاقتحمته عينه لأنه كان دميما، فقال النعمان: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال له عمر: مهلا أبيت اللعن، فإنما المرء بأصغريه: لسانه وقلبه، فإذا نطق نطق ببيان، وإذا قابل قابل بجنان، قال: نعم والله. ثم قال له: فما السوأة؟ قال: المرأة الصخابة، الخفيفة الوثابة. قال: فما الفقر الحاضر؟ قال: الشاب القليل الحيلة، المطيع للحليلة، إذا غضبت ترضاها، وإذا رضيت تعداها. فقال: فما قرين السوء؟ قال جارك الذي إن كان فوقك قهرك، وإن كان دونك شتمك، إن منعته لعنك، وإن أعطيته مدحك. فقال له النعمان: لله أبوك، وأعطاه خمسين ألف درهم، وسوده على مائة من أصحابه.
(لغويات)
قال القرشي: الحرارة التي تجعل الطعام بحيث يصلح لأن يؤكل: إما أن تكون ملاقية له أو لا، الأول إما أن تكون هوائية، وهو الشي، أو أرضية كالجمر وهو التكبيب.
والثاني وهو ما يكون بينهما واسطة كالقدر، فإن كانت الحرارة تؤثر في ذلك المتوسط، والمتوسط في الطعام من غير أن يكون معه شيء آخر فهو القلي، وإن كان معه شيء آخر، فإن كان دهنا فهو التطجين، وإن كان ماء فهو الطبخ.
من كلام العارفين:
الدنيا تطلب لثلاثة أشياء: الغنى، والعز، والراحة: فمن زهد فيها عز. ومن قنع استغنى. ومن قل سعيه استراح.
أشرف عمر بن هبيرة من قصره، وإذا بأعرابي يرقص بعيره، فقال لحاجبه: لا تحجبه، فلما مثل بين يديه، قال له عمر: ما خطبك يا أعرابي؟ فقال:
(أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا)
(ألح دهري على كلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا)
فأخذت عمر الأريحية، واهتز وقال: أرسلوك إلي وانتظروا! إذا والله لا تجلس حتى ترجع إليهم غانما، وأمر له بألف دينار، ورده من ساعته إلى أهله.
النافون للمعاد بنوا كلامهم على محض الاستبعاد، فقالوا: كيف تجتمع أجزاء البدن بعد التفرق والتشتت العظيم، سيما من قطعت أوصاله، وفرقت في مواضع متباعدة، وصارت كل ذرة منها في مكان، وكل جزء منها في قطر من الأقطار. فيقال لهؤلاء: ألم
(2/292)

تعلموا أن المني الذي هو فضلة منبث في أطراف الأعضاء كالظل، والقوة الشهوانية تجمع تلك الأجزاء الظلية في أوعية المني بعد انبثاثها في جميع الأعضاء. ألم تعلموا أن المني يولد من الأغذية التي كانت منبثة في أقطار العالم، والأغذية من العناصر المتشتتة المتباعدة، فالذي جمع تلك الأجزاء المتباعدة المتفرقة، المتشتتة قادر على جمع أجزاء البدن بعد التشتت والتفرق. وإليه الإشارة بقوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} .
(قال الشريف الرضي:)
تاهت العقلاء في ذاته تعالى وصفاته، لاحتجابها بأنوار العظمة، وتحيروا أيضا في لفظ الجلالة، كأنه انعكس إليه من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين، فاختلفوا أسرياني هو أم عربي؟ اسم أو صفة؟ مشتق، ومم اشتقاقه؟ وما أصله؟ أو غير مشتق؟ علم أو غير علم؟
لبعضهم:
(أحب التقي والنفس تطلب غيره ... وإني وإياها لمصطرعان)
(فيوم لها مني ويوم أذلها ... كلانا على الأيام معتركان)
قال بعضهم: لا تكن ممن غلبت بظنته فطنته.
من كلام أبقراط: كل ما تستمرئ، لا مالا تستمرئ فإنه يأكلك.
لابن الفارص:
(أشاهد معنى حسنكم فيلذلي ... خضوعي لديكم في الهوى وتذللي)
(وأشاق للمعنى الذي أنتم به ... ولولاكم ما شاقني ذكر منزلي)
(ولله كم من ليلة قد قطعتها ... بلذة عيش والرقيب بمعزل)
(فدعني ومن أهوى لقد مات حاسدي ... وغاب رقيبي عند قرب مواصلي)
من كلامهم:
لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيجترئ عليك.
توفي أبو نصر الفارابي بدمشق سنة 339.
لبعضهم:
(2/293)

(تتنبى طلاوة وجهه عن وده ... فيكاد يلقى النجح قبل لقائه)
(وضياء وجه لو تأمله امرؤ ... صادي الجوانح لارتوى من مائه)
سئل حكيم: ما الناطق الصامت؟ فقال: الدلائل المخبرة، والعبر الواعظة. وعليه قوله تعالى: {قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} إذ معلوم أن الأشياء كلها لا تنطق إلا من حيث العبرة ولسان الحال. وقريب من ذلك قوله تعالى حكاية عن سليمان: {علمنا منطق الطير} فإنه سمى أصوات الطير منطقا باعتبار دلالتها وفهم المعاني منها. ومن فهم من شيء معنى، فذلك الشيء بالإضافة إليه ناطق وإن كان صامتا.
قال بعض أصحاب اللغة: حقيقة النطق اللفظ الذي كالنطاق للمعنى.
وفي الحديث: " إني تركت فيكم واعظين: صامتا وناطقا، فالصامت الموت، والناطق القرءان ".
قوله تعالى: {والقناطير المقنطرة} : أي المجموعة قنطارا قنطارا، كقولهم دراهم مدرهمة، ودنانير مدنرة. قاله الراغب.
حضرة القدس: قيل هي الجنة، وقيل هي الشريعة، قال الراغب: وكلاهما صحيح، لأن الشريعة منها يستفاد القدس: أي الطهارة.
(تعريف السعادة)
من كلام أرسطاطاليس:
السعادة ثلاثة: إما في النفس، فهي الحكمة، والعفة، والشجاعة. وإما في البدن فهي الصحة، والجمال، والقوة. وإما خارج النفس والبدن، فهي المال، والجاه، والنسب.
القبلة في الأصل: اسم للحالة التي عليها المقابل، نحو الجلسة، والقعدة. ولكنها صارت في العرف اسما للمكان المقابل المتوجه إليه في الصلاة.
سميت ريح الصبا بالقبول؛ لاستقبالها القبلة. قاله الراغب.
حاتم الطائي:
(ولله صعلوك مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوسا ومطعما)
(ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مفلوج الفؤاد مورما)
(ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما)
(2/294)

(فتى طلبات لا يرى الجوع سبة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنى)
(ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي وهو مختضب دما)
(فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما)
من كلام بعض الحكماء: من كسب مالا من مهاوش، أنفقه الله في نهابر: من كسب مالا من مثل أفواه الحيات، أنفقه الله في مثل الآبار التي يطرح فيها مالا ينتفع به.
لقلع الدسومة من الثوب إذا كان حريرا أو صوفا: تغلى النخالة، ويغسل الثوب بمائها، ويبخر بعد ذلك بالكبريت. وإن ألقيت على الموضع نورة مسحوقة مع ملح، ووضع عليه حجر زالت الدسومة من غير غسل.
بعضهم:
(علم قومي بي جهل ... إن شأني لأجل)
(كم أناس اهتدوا بي ... وأناس بي ضلوا)
(واستشاروا وأشاروا ... أبرموا القول وحلوا)
(كل أين لي أين ... ومحل لي محل)
(أنا جسم أنا رسم ... أنا نفس أنا عقل)
(أنا سر أنا جهر ... أنا علم أنا جهل)
(أنا حرب أنا سلم ... أنا جزء أنا كل)
(أنا قرب أنا بعد ... أنا هجر أنا وصل)
(أنا حلو أنا مر ... أنا حزن أنا سهل)
لبعضهم:
(أعيذك من زورة وقتها ... يحط ويذهب قدر النبيل)
(فإما رجعت بذل الحجاب ... وإما حللت مقام الثقيل)
في سنة 310 هـ دخل القرامطة لعنهم الله مكة أيام موسم، وأخذوا الحجر الأسود، وبقي عندهم عشرين سنة، وقتلوا خلقا كثيرا، وممن قتلوه علي بن بابويه، وكان يطوف فلم يقطع طوافه، فضربوه بالسيف فوقع على الأرض وأنشد:
(ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا)
(2/295)

قال بعض الحكماء: احفظ عشرا من عشر: أناتك من التواني. وإسراعك من العجلة. وسخاءك من التبذير. واقتصادك من التقتير. وإقدامك من الهرج. وتحرزك من الجبن. ونزاهتك من الكبر. وتواضعك من الدناءة. ولسانك من الاعتذار. وكتمانك من النسيان.
في كتاب الاستيعاب لابن عبد ربه، عن سفيان بن عيينة قال: قال لي جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: توفي علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن ثمان وخمسين. وقتل حسين بن علي عليهما السلام وهو ابن ثمان وخمسين. وتوفي علي بن الحسين عليهما السلام وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام وهو ابن ثمان وخمسين. . قال سفيان: وقال لي جعفر عليه السلام: وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين، فتوفي بها.
(محاورة بين الحجاج وسعيد بن جبير)
لما دخل سعيد بن جبير على الحجاج قال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: بل شقي ابن كسير، فقال: أمي سمتني سعيدا، قال: سعت. قال: الغيب يعلمه غيرك؟ قال الحجاج: والله لأبدلنك من دنياك نارا تلظي. قال لو علمت أن ذلك إليك ما اتخذت إلها غيرك. قال الحجاج: لأقطعنك قطعا قطعا، ولأفرقن أعضاءك عضوا عضوا. قال: إذا تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك. فقال: الويل لك. قال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. فقال: اضربوا عنقه. فقال سعيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، أستحفظهما حتى ألقاك يوم القيامة. فقال الحجاج: أضجعوه للذبح. فقال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض. فقال الحجاج: اقلبوا ظهره إلى القبلة. فقرأ سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله. فقال كبوه على وجهه. فقرأ سعيد: منها خلقناكم وفيه نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى. فذبح من قفاه، فما بقي الحجاج بعده إلا ثلاثة أيام.
(عدد من قتلهم الحجاج)
في تاريخ ابن الجوزي، عن هشام بن حسان قال: أحصينا من قتلهم الحجاج صبرا، فبلغوا مائة ألف وعشرين ألفا. وقال: ووجد في سجنه ثلاثة وثلاثون ألفا ما يجب على أحد منهم قطع ولا صلب ولا قتل.
وكان سجنه حائطا محوطا لا سقف له، فإذا أوذي المسجونون من حر الشمس وأتوا
(2/296)

الجدران يستظلون بها، رماهم الحرس بالحجارة ... وكان يطعمهم خبز الشعير مخلوطا بالملح والرماد. وكان لا يلبث رجل في سجنه إلا يسيرا حتى يسود ويصير كأنه زنجي. حتى إن غلاما حبس فيه، فجاءت أمه بعد أيام تتعرف خبره، فلما قدم إليها أنكرته وقالت: ليس هذا ابني، هذا بعض الزنج، فقال: لا والله يا أماه، أنت فلانة، وأبي فلان، فلما عرفته شهقت شهقة كان فيها نفسها.
أول من سمى في الإسلام عبد الملك هو عبد الملك بن مروان. وأول من سمى أحمد في الإسلام هو أبو الخليل بن أحمد. ولم يكن في زمن رسول الله [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] من الصحابة من اسمه أبو بكر إلا أبو بكر الصديق.
قيل لأفلاطون: بأي شيء ينتقم الإنسان من حاسده وعدوه؟ قال: بأن يزداد في نفسه فضلا.
لبعضهم:
(خلقان لا أرضاهما لفتى ... بطر الغنى ومذلة الفقر)
(فإذا اغتنيت فلا تسكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدهر)
دخل أبو دلامة على المنصور، وعنده المهدي وجعفر ابناه، وعيسى بن موسى، فقال له المنصور: عاهدت الله يا أبا دلامة إن لم تهج واحدا ممن في المجلس لأقطعن لسانك، قال أبو دلامة: فقلت في نفسي: قد عاهد، وهو لا بد فاعل، ثم نظرت إلى أهل المجلس، فإذا خليفة، وابنا خليفة، وابن عم خليفة، وكل منهم يشير إلي بأصبعه بالصلة إن تخطيته، وأيقنت أني إن هجوت أحدهم قتلت، والتفت في المجلس يمنة ويسرة لأرى بعض الخدم فأهجوه فلم أر أحد، فقلت في نفسي: إنما حلف على من في المجلس، وأنا أحد من في المجلس ومالي إلا أن أهجو نفسي فقلت:
(ألا قبحت أنت أبا دلامه ... فلست من الكرام ولا الكرامه)
(إذا لبس العمامة قلت قرد ... وخنزير إذ نزع العمامة)
(جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه)
(فإن تك قد جمعت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه)
قال فضحك المنصور حتى استلقى، وأمر لي بجائزة، ووصلني كل من الحاضرين بصلة سنية.
(2/297)

لحمدون الموصلي:
(يا رسول الحبيب ويحك قد ألقى ... عليك الحبيب حسنا وطيبا)
(ولقد كدت أن أضحك لولا ... أن تسيء الظنون أو تستريبا)
لبعضهم:
(ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد)
(ولو عرضت على الموتى حياة ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا)
في ربيع الأبرار:
صلى أعرابي صلاة مخففة، فقام إليه علي عليه السلام بالدرة، وقال أعدها فلما فرغ قال أهذه خير أم الأولى؟ فقال: بل الأولى، فقال: ولم؟ قال: لأن الأولى لله وهذه للدرة.
قال الحجاج ليحيى بن سعيد: إنك تشبه إبليس، فقال: وما ينكر الأمير أن يكون سيد الأنس يشبه سيد الجن؟ فأعجبه جوابه.
(من كلام نجم الدين السكبري:)
الفقر على ثلاثة أصناف: فقر إلى الله دون غيره، وفقر إلى الله مع غيره، وفقر إلى الغير دون الله. . وقد أشار النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] إلى الأول بقوله: " الفقر فخري "، وإلى الثانية بقوله: " كاد الفقر يكون كفرا "، وإلى الثالث بقوله: " الفقر سواد الوجه في الدارين ".
من شرح القانون للعلامة:
صغر العين مع خفة حركتها، وكثرة طرفها دليل قوي على رداءة الباطن.
من كان طرف أنفه دقيقا فهو محب للخصومة.
من كان أنفه عظيما ممتلئا من اللحم فهو قليل الفهم.
من كان أنفه طويلا دقيقا فهو قليل العقل.
من كان ثقب أنفه شديد الانفتاح فهو غضوب.
من كان أنفه عظيما فهو قليل الخير.
من كان واسع الفم فهو شجاع.
من كان لحيم الوجه فهو جاهل كسلان.
(2/298)

من كان وجهه شديد الاستدارة فهو جاهل حقير النفس.
من كان عالي الضحك فهو وقح.
من كان عظيم الأذنين فهو طويل العمر جاهل.
من كان دقيق الخصر فهو قوي صبور على المؤلمات.
من قصر ذراعاه جدا فهو جبان محب للشر.
دقة الكف جدا دليل على السلاطة والرعونة.
(ما جاء في الثياب:)
قال بعض الحكماء: البس من الثياب ما يخدمك لا ما يستخدمك.
اشترى النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] حلة بثمانين ناقة.
اشترى بعض الأكابر حلة بألف ودخل المسجد، فقيل له في ذلك، فقال: أنا أجالس ربي.
كان بعض الأكابر من قريش إذا اتسع لبس أرث ثيابه، وإذا افتقر لبس أفخرها. فقيل له في ذلك، فقال: إذا اتسعنا لبسنا بالهيئة، وإذا افتقرنا تزينا بالهيئة.
(من خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام:)
والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من رقعها، ولقد قال قائل: ألا تنبذها؟ فقلت: اغرب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى.
من كلامهم: كل ما تشتهيه، والبس ما يشتهيه الناس.
(أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت ... والبس لباسا يشتهيه الناس)
قيل للأحنف في شهر رمضان: إنك شيخ كبير، وإن الصوم يهدك، فقال: إن الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله.
ولبعضهم في الصبر:
(ويوم كيوم البعث ما فيه حاكم ... ولا عاصم إلا فتى ودروع)
(حبست به نفسي على موقف الردى ... حفاظا وأطراف الرماح شروع)
(وما يستوي يوم الملمات إن عرت ... صبور على مكروهها وجزوع)
(2/299)

لبعضهم:
(ويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم يكن جمر قيام على الجمر)
(صبرت له حتى تجلى وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر)
لبعضهم:
(أضن بليلى وهي عندي سخية ... وتبخل ليلى بالهوى وأجود)
(وأعذل في ليلى ولست بمنته ... وأعلم أني مخطئ وأعود)
(من أمثال العرب)
" ذكرتني الطعن وكنت ناسيا ".
أصل هذا أن رجلا حمل على رجل ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رمح، فأنساه الدهش ما في يده، فقال له الحامل: ألق الرمح، فقال: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا.
" ذكرني فوك حماري أهلي ".
أصله أن رجلا خرج يطلب حمارين قد ضلا من الحي، فرأى امرأة منتقبة فأعجبته فذهب يمشي خلفها ونسى الحمارين، فما زال يحدثها حتى أسفرت عن لثامها، وإذا فمها واسع رديء كريه المنظر، فلما رأى ذلك ذكر الحمارين وقال:
" ذكرني فوك حماري أهلي ".
" كفيت الدعوة " أي كفيت مؤنة الدعاء لي.
وأصل هذا المثل أن بعض مجان العرب نزل بصومعة راهب، وأحب أن يوافقه في دينه ويقتدي به في عبادته ويزيد عليه، وبقي على ذلك أياما. ثم إنه سرق صليب الراهب وكان من ذهب، ثم استأذنه في الفراق، فأذن له وزوده من الطعام، وقام لوداعه، فلما ودعه قال له: صحبك الصليب، وهذه العبارة رسمهم في الدعاء للمسافر، فقال الماجن " كفيت الدعوة " وصارت مثلا.
" ما أهون الليل على الراقد "
" هان على الأملس ما لاقى الدبر "
هذا مثل يضربونه في الرجل القليل الاهتمام بشأن صاحبه. والأملس: هو صحيح الظهر، والدبر: الذي قد دبر في ظهره.
(2/300)

[يعني أن صحيح الظهر يهون عليه ما يلقاه دبر الظهر من ألم ومشقة، لأنه لا يحس بالألم مثله] .
" خير حالبيك تنطحين ".
يضرب لمن يسيء إلى من أحسن إليه، ويحسن إلى من أساء إليه.
وأصله أن بقرة كان لها حالبان، وكان أحدهما أرفق بها من الآخر، وكانت تنطح الذي يرفق بها وتدع الآخر.
" وافق شن طبقة ".
شن: بطن من عبد القيس، وطبقة حي من إياد، توافقا على أمر فيه صلاح حالهما، فقيل: " وافق شن طبقة ".
" يداك أوكتا، وفوك نفخ ".
أصله أن رجلا أراد أن يعبر البحر، فنفخ زقا كان معه، ولم يحسن إحكامه، فلما توسط البحر خرج الريح من الزق وأخذه الموج فاستغاث برجل، فقال له: " يداك أوكتا وفوك نفخ ".
" حين تقلين تدرين ".
أصله أن رجلا أتى مومسا فقضى وطره منها، فلما خرج رأى في الدار مقلا فحمله وهي لا تدري، فلما ولى سمعها تقول لجارتها: سخرنا بهذا الأحمق وأخذنا منه ثلاثة دراهم ولم ينقص منا شيئا، فالتفت الرجل إليها وقال: " حين تقلين تدرين ".
لبعضهم:
(شجاك الفراق فما تصنع ... أتصبر للبين أم تجزع)
(إذا كنت تبكي وهم جيرة ... فكيف بذاك إذا ودعوا)
لبعضهم:
(ومقتدر على قتلي ... بهجراني له ولع)
(يواعدني ويخلفني ... ويدنو ثم يمتنع)
(ولا هجر ولا يأس ... ولا وصل ولا طمع)
لبعضهم:
(2/301)

اعتبر بما ترى، واتعظ بما تسمع، قبل أن تصير عبرة للرائي، وعظة للسامع.
قال أرسطوطاليس: اعص الهوى وأطع من شئت.
اترك ما تريد لتستغني عن العلاج بما تكره.
الحزن مرض الروح، كما أن الألم مرض البدن.
قال بعض الحكماء: ثلاث من كن فيه استكمل العقل: أن يكون ماسكا للسانه، عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه.
(من أمثال العرب)
عاقني المطر عن الوطر ... يوم السرور قصير يكاد يطير ... من جعل نفسه عظيما أكلته الكلاب ... كلب جوال خير من أسد رابض ... ترك الحيلة.
(الوزارة)
اختلف اللغويون في اشتقاق اسم الوزارة على أقوال، فقيل إنه مأخوذ من الوزر الذي هو الملجأ، ومنه قوله تعالى: {كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر} . وقيل من الأزر، وهو الظهر، لأن الملك يقوى بوزيره. وقيل من الوزر وهو العناد والثقل. ومنه قوله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك} وقيل من الوزر الذي هو الإثم؛ لشدة ما في الوزارة من ارتكاب المآثم، فكأن وزير الملك يتحمل أوزاره.
لما أتى إخوة يوسف بقميصه ملطخا بالدم، ألقاه يعقوب على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه.
قال بعض الحكماء: برد اليأس خير من حر الطمع.
قال بعضهم: روحوا الأذهان كما تروحوا الأبدان، وإذا نطق لسان الدعوى أخرسته يد الامتحان.
قال السراج الوراق.
(وقالت يا سراج علاك شيب ... فخذ لجديده خلع العذار)
(فقلت لها نهار بعد ليل ... فما يدعوك أنت إلى النفار)
(فقالت قد صدقت وما سمعنا ... بأضيع من سراج في نهار)
(2/302)

لبعضهم:
(قل لمن مل هوانا ... وتولى وجفانا)
(قل لنا أي قبيح ... قد جرى منا وبانا)
(كم تتبعنا مراضيك ... ولم تتبع رضانا)
(كم أمرناك وخالفت ... هوانا في هوانا)
(هكذا الحر الوفي ... هكذا كان جزانا)
لبعضهم:
(ظالمي ما منه منتصر ... أبدا يجني وأعتذر)
(وجهه في كل ناحية ... أينما أبصرته قمر)
(حل من قلبي بمنزلة ... لم ينلها قبله بشر)
من أمثال العرب: إذا سرقت فاسرق درة، وإذا زنيت فازن بحرة.
قال بعض الحكماء: دع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك، وعليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك.
الكذاب شر من اللص؛ لأن اللص يسرق مالك، وهذا يسرق عقلك.
علامة الكذاب جوده باليمين لغير مستحلف.
لآخر:
(سألت القلب سلوتكم ... فقال سألت ممتنعا)
(فلا والله ما أسلو ... ولو قطعتني قطعا)
(فلو قد ذاب من حرق ... وأقبل يشتكي الوجعا)
(شمت به وأعجبني ... تضرعه وقد وقعا)
من أوهام الخواص:
يقولون: أبدأ به أولا، فينونون، والصواب أبدأ به أول بالضم، كما قال:
(لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول)
وإنما بني أول هنا لأن الإضافة مراده فيه، وتقدير الكلام أول الناس، فلما انقطع عن
(2/303)

الإضافة بني، كأسماء الغايات التي هي قبل وبعد ونظائرهما. ومعنى تسميتها بأسماء الغايات أنها جعلت غاية للنطق بعد ما كانت مضافة، ولهذه العلة استوجب أن يبني، لأن آخرها حين قطع عن الإضافة صار كوسط الكلام، ووسط الكلمة لا يكون مبنيا.
قال جعفر الصادق عليه السلام: ليس الزهد في الدنيا إضاعة المال وتحريم الحلال، بل الزهد أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله.
ولآخر:
(طرفك الفتان أرقني ... لا عدمت الطرف والأرقا)
(من رأى شيئا فأعجبه ... كان معذورا إذا عشقا)
أراد شيخ ابتياع جارية شابة فكرهته، فقال لها: لا يريبك هذا الشيب فإن وراءه ما تحبين، فقالت له: أيسرك أن تكون عندك عجوز معتلة؟
دخل الشعبي الحمام، فرأى رجلا مكشوف العورة فغمض عينيه، فقال له الرجل يهزأ به: متى كف بصرك يا شيخ؟ فقال: منذ هتك سترك.
قال بحيرا الراهب لأبي طالب: احذر على ابن أخيك فإنه سيصير له شأن، فقال: فهو إذن في حصن الله.
(ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا)
(فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا)
(ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر شرعا)
(بلى وقد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا)
(فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا)
قال الجاحظ: يقال الأشياء كلها ثلاث طبقات: جيد، ووسط، ورديء، والوسط من كل شيء أجود من رديئه، إلا الشعر فإن رديئه خير من وسطه، ومتى قيل شعر وسط فهو عبارة عن الرديء.
أوصى بعض الأعراب ابنه فقال: يا بني كن سبعا خالسا، أو ذئبا خانسا، أو كلبا حارسا، ولا تكن إنسانا ناقصا.
قال في الفتوحات المكية: إن فلك الثوابت يتم دورته في ثلاثة وعشرين ألف سنة،
(2/304)

ومائة وسبع وستين سنة. وقال بطليموس: إنه يتمها في ستة وثلاثين ألف سنة، وقال الأعلم والمحقق الطوسي: إنه يتمها في خمسة وعشرين ألف سنة ومائتي سنة.
حسين بن مساعد:
(دعاني والغرام بحسنهنه ... فلست عن الهوى ألوى الأعنه)
(كفاني في المحبة ما ألاقي ... وشاهدي الدموع وسحهنه)
(ألا أبلغ ظباء الحي عني ... سلام متيم بفراقهنه)
(وإن مرت نياقك في ذراها ... فقف بي ساعة بطلولهنه)
(سكناها بأفئدة خوال ... من التفريق كانت مطمئنه)
(رعى الله الظباء وإن بظلم ... أراق دمي ظبا ألحاظهنه)
(فدعني والصبابة يا عذولي ... فإن اللوم يغريني بهنه)
(ومات الجابري بهن مضنى ... مصادا حل في أشراكهنه)
مضغت أعرابية علكا ثم طرحته وقالت: تعسا له: تعب الأضراس، وخيبة الحنجرة.
أعلم أن أرباب القلوب على أن الاسم هو الذات مع صفة معينة وتجل خاص، وهذا الاسم هو الذي وقع فيه التشاجر أنه هو عين المسمى أو غيره. وليس التشاجر في مجرد اللفظ كما ظنة المتكلمون، فسودوا قراطيسهم، وأفعموا كراريسهم بما لا يجدي بطائل، ولا يفوق العالم به الجاهل.
قال أبقراط لرجل رآه يتكلم مع امرأة: تنح عن الفخ لا تقع فيه. وسئل: أي السباع شر؟ فقال النساء.
قيل للجنيد: ما الدليل على وجوده تعالى؟ فقال: أغنى الصباح عن المصباح.
اجتمع جماعة على البهلول، فقال أحدهم: أتعرف من أنا؟ فقال البهلول: أي والله، وأعرف نسبك، أنت كالكمأة لا أصل نابت، ولا فرع ثابت.
لبعضهم:
(رفعت رايتي على العشاق ... واقتدى بي جميع تلك الرفاق)
(وتنحى أهل الهوى عن طريقي ... وانثنى عزم من يروم لحاقي)
(2/305)


(ضربت سكة المحبة باسمي ... ودنت لي منابر العشاق)
(كان للقوم في الزجاجة باق ... أنا وحدي شربت ذاك الباقي)
(شربة لا أزل سكران منها ... ليت شعري ماذا سقاني الساقي)
من كلام بعض الحكماء:
صاحب القناعة عزيز في عاجله، مصاب في آجله.
من كلامهم: اليأس يعز الأسير، ويذلك الأمير.
القناعة ملك خفي، والرضا بالقضاء عيش هني.
قال بعض الأدباء: أحسن الشعر ما كان إلى القلب أسرع منه إلى الأذن.
أسلم مجوسي، فسئل عن الإسلام، فقال: دين من دخل فيه قطعوا كمرته، ومن خرج منه قطعوا رقبته [ومعنى قطعوا كمرته: منع من الزنا] .
(تعريف الحكمة)
الحكمة عندهم هي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، وارتباط الأسباب بالمسببات، وأسرار انضباط نظام الموجودات، والعمل بمقتضاه، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.
والحكمة المنطوق بها هي علوم الشريعة والطريقة. والحكمة المسكوت عنها هي أسرار الحقيقة التي لا يفهمها علماء الرسوم والعوام على ما ينبغي فتضرهم أو تهلكهم.
والحكمة المجهولة عندهم هي ما خفي عليهم وجه الحكمة في إيجاده، كإيلام بعض العباد، وموت الأطفال، والخلود في النار، فيجب الإيمان به، والرضا بوقوعه، واعتقاد كونه حقا وعدلا. قاله في الاصطلاحات.
من أمثال العرب قولهم: الحديث ذو شجون. يريد أنه يذكر بعضه ببعض.
(تقسيم النفس، وتعريفها)
النفس الإنسانية إن كانت مسخرة للقوة البهيمية، مائلة إلى الطبيعة البدنية فهي النفس الأمارة التي تأمر باللذات والشهوات الحسية، وتجذب القلب إلى الجهة السفلية، وهي مأوى الشر ومنبع الأخلاق الدنيئة، والأفعال الرديئة، قال الله تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} .
(2/306)

وإن كانت حاكمة على القوة البهيمية، منقادة للقوة الملكية، راسخة فيها الأخلاق المرضية، فهي النفس المطمئنة المترقية إلى جانب عالم القدس، المتنزهة عن جانب الرجس، الواظبة على الطاعات التي طال شوقها إلى حضرة رفيع الدرجات، حتى خاطبها بقوله: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} .
وإن لم يكن فيها شيء من الأخلاق الفاضلة، ولا الرذائل المهلكة لها، بل تميل إلى الخير تارة، وإلى الشر أخرى، وإذا صدر منها شيء لامت نفسها، فهي النفس اللوامة التي حصلت من النور على مقدار ما تتنبه به من سنة الغفلة، فبدأت بإصلاح حالها من جهة الربوبية والحقيقة، وكلما أساء طبعها الأصلي تداركها نور التنبيه فأنابت واستغفرت ربها، وأقبلت عليه، ولهذا أقسم الله بها فقال {ولا أقسم بالنفس اللوامة} .
الخالدي:
(هتف الديك بالدجى فاسقيها ... خمرة تترك المقل سفيها)
(لست أدري من رقة وصفاء ... هي في كأسها أم الكأس فيها)
أتى المنصور برجل أذنب، فأمر بقتله، فقال: إن الله يأمرك بالعدل والإحسان، فإن أخذت في غيري بالعدل فخذ في بالإحسان، فأمر بإطلاقه.
قيل لبعض الحكماء: ما الشيء الذي لا يجوز أن يقال وإن كان حقا؟ فقال: ذكرا الرجل مآثره.
شكا يزيد بن أسيد إلى المنصور ما أصابه من العباس أخي المنصور فقال له المنصور: اجمع إحساني إليك مع إساءة أخي فإنهما يتعادلان، فقال يزيد: إذا كان إحسانكم إلينا جزاء لإساءتكم، كانت الطاعة منا لكم تفضلا.
وصف أعرابي امرأة فقال: هي أرق من الهواء، وأحسن من النعماء، تكاد العيون تأكلها، والقلوب تشربها، فكأنما خاصمت الولدان فهربت من رضوان.
قال إسكندر لابنه: يابن الحجامة، فقال: أما هي فقد أحسنت الاختيار، وأما أنت فلا.
قال الأطباء: كل حيوان إذا خصى زال صنانه، كالتيس ونحوه، إلا الإنسان فإنه يزداد نتنا وصنانا.
قال الفرزدق: ربما أتت علي ساعة كان قلع ضرسي أهون علي من أن أقول بيتا.
(2/307)

(هل الأرض شفافة؟)
القول بأن الأرض شفافة يلزمه ألا يقع خسوف أصلا، إذ لو كان ينفذ فيها شعاع الشمس فأي شيء يحجب نورها عن القمر؟ ولعل القول بأنها شفافة من قبيل طغيان القلم، وتفسير الشفاف بما لا لون له ولا ضوء مما لا يساعد الاصطلاح.
لبعضهم:
(لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن وهنا وإني لنائم)
(كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم)
لآخر:
(بقيت غداة النوى حائرا ... وقد حان ممن أحب الرحيل)
(فلم تبق لي دمعة في الشئون ... إلا غدت فوق دمعي تسيل)
(فقال نصيح من القوم لي ... وقد كاد يقضي علي العويل)
(ترفق بدمعك لا تفنسه ... فبين يديك بكاء طويل)
(في وصف الكتاب:)
قال الرياشي: قال لي الأصمعي: ألا أدلك على لسان يكون في كمك، وروضة سكانها حجرك، وأخرس يعلمك إذا شيئت، وينقطع عنك إذا سئمت؟ قلت: وما ذاك؟ قال: هو كتابك، فعليك به.
(الشريف الرضي:)
(أأبقي كذا نضو الهموم كأنما ... سقتني الليالي من عقابيلها سما)
(وأكبر آمالي من الدهر أنني ... أكون خليا لا سرورا ولا غما)
(فلا جامعا مالا ولا مدركا علا ... ولا محرزا أجرا ولا طالبا علما)
(كأرجوجة بين الخصاصة والغنى ... ومنزلة بين الشقاوة والنعمى)
(لبعض الأعراب:)
(شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا)
(2/308)

(وذاك لأن النوم يغشى عيونهم ... سراعا ولا يغشى لنا النوم أعينا)
(إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى ... جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا)
(فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا)
(لبعض الأعراب:)
(ألا إن لي نفسين نفسا تقول لي ... تمتع بليلى ما بدا لك لينها)
(ونفسا تقول استبق ودك واتئد ... ونفسك لا تطرح على ما يهينها)
(من كلام بعض الحكماء:)
خير الأمور ثلاثة: الحياة، وضعف الحياة، وما هو خير من الحياة: فأما الحياة: فالراحة وحسن العيش. وأما ضعف الحياة: فالمحمدة وحسن الثناء. وأما ما هو خير من الحياة: فرضوان الله تعالى.
وشر الأمور ثلاثة: الموت، وضعف الموت، وما هو شر من الموت: أما الموت فالفاقة والفقر. وأما ضعف الموت: فالمذمة وسوء الثناء. وأما ما هو شر من الموت: فسخط الله تعالى.
(حقيقة النفس)
المذاهب في حقيقة النفس - أعني ما يشير إليه كل أحد بقوله أنا - كثيرة. والدائر منها على الألسنة، والمذكور في الكتب المشهورة أربعة عشر مذهبا: الأول: هذا الهيكل المحسوس، المعبر عنه بالبدن. . الثاني: أنها القلب: أعني العضو الصنوبري اللحماني المخصوص. . الثالث: أنها الدماغ. . الرابع أنها أجزاء لا تتجزى في القلب، وهو مذهب النظام ومتابعيه. . الخامس أنها الأعضاء الأصلية المتولدة من المني ... السادس أنها المزاج. . السابع أنها الروح الحيواني. ويقرب منه ما قيل: إنها جسم لطيف سار في البدن سريان الماء في الورد، والدهن في السمسم. . الثامن: أنها الماء. . التاسع: أنها النار والحرارة الغريزية. . العاشر: أنها النفس. . الحادي عشر: أنها هي الواجب، تعالى عما يقولون علوا كبيرا. . الثاني عشر: أنها الأركان الأربعة. . الثالث عشر: أنها صورة نوعية قائمة بمادة البدن، وهو مذهب الطبيعيين. . الرابع عشر: أنها جرم مجرد عن المادة الجسمانية وعوارض الجسمانيات، لها تعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف. والموت هو قطع هذا التعلق. وهذا هو مذهب الحكماء الإلهيين، وأكابر الصوفية، والإشراقيين، وعليه
(2/309)

استقر رأي المحققين من المتكلمين، كالإمام الرازي، والغزالي، والمحقق الطوسي، وغيرهم من الأعلام، وهو الذي أشارت إليه الكتب السماوية، وانطوت عليه أنباء النبوة، وقادت إليه الإيماءات الحسية والمكاشفات الذوقية.
قال الرشيد للفضيل: ما أزهدك! قال أنت أزهد مني يا أمير المؤمنين، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأني زهدت في الفاني وزهدت أنت في الباقي.
قال بعض العرب: إن من كمال اليقظة إظهار الغفلة مع تمام الحذرة.
لبعضهم:
(إن يكن نالك الزمان يبلوي ... عظمت عندها الأمور وجلت)
(وأتت بعدها مصائب أخرى ... سئمت عندها النفوس وملت)
(فاصطبر وانتظر بلوغ مداها ... فالرزايا إذا توالت تولت)
لبعضهم:
(ووالله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جد جد البين أم أنا غالبه)
(فإن أستطع أغلب وإن غلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه)
سمع الأصمعي بعض الأعراب ينشد:
(أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف شر ما يأتي به القدر)
(وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر)
فقال: كأنه مأخوذ من قوله تعالى: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} .
قال الراغب:
سمى الطريق صراطا على توهم أنه يبتلع سالكه، أو يبلعه سالكه، كما يقال: أكلته المفازة، إذا أضمرته وأهلكته، وأكل المفازة إذا قطعها، ولذلك يسمى لقما - بفتحتين - لأنه يلتقمهم، أو يلتقمونه.
عن ابن مسعود أنه قال: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طف فقد سمعتم ما قال الله تعالى في المطففين.
(2/310)

لأبي نصر الفارابي:
(نظرت بنور العلم أول نظرت ... فغبت عن الأكوان وارتفع اللبس)
(وما زال قلبي لائذا بحماكم ... وحضرتكم حتى فنت فيكم النفس)
(فصار بكم ليلي نهارا وظلمتي ... ضياء ولاحت من ضيائكم الشمس)
قال لقمان الحكيم: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: الشجاع عند الحرب، والحلم عند الغضب، وأخوك عند حاجتك إليه.
قال بعضهم: ثلاثة ليس فيهن حيلة: فقر يخالطه كسل، وعداوة يداخلها حسد، ومرض يمازجه هرم.
قال الحسن بن سهل: ثلاثة أشياء تذهب ضياعا: دين بلا علم، وقدرة بلا فعل، ومال بلا بذل.
وقال بعضهم: إذا استغنى الرجل وحسنت حاله ابتلى به أربعة: خادمه القديم يستغني عنه، وامرأته يتسرى عليها، وداره يهدمها ويبني غيرها، ودابته يستبدل بها.
قالت امرأة لزوجها: والله ما يقيم الفأر في بيتك إلا لحب الوطن.
قال الأحنف بن قيس: لا تحمد العجلة إلا في أربع: تزويج القرابة إذا وجد لها كفء، ودفن الميت، وركوب مالا بد منه من الهول، وصنيعة المعروف.
قال المأمون: الرجال ثلاثة: رجل كالغذاء لا يستغني عنه، ورجل كالدواء قد يحتاج إليه. ورجل كالداء نعوذ بالله منه.
قال بعضهم: من منع نفسه من أربعة سعد: العجلة، واللجاج، والتواني، والعجب.
السعد خلاف النحس، وإذا كان الوصف للإنسان فهو مقابل للشقي، لكن يختلف الفعل فيهم، فإن الماضي في الأول مفتوح العين، وفي الثاني مكسورها.
في كليلة ودمنة: ينبغي أن ينفق ذو المال ماله في ثلاثة مواضع: في الصدقة إن أراد الآخرة، وفي مصانعة السلطان وأعوانه إن أراد الدنيا، وفي النساء إن أراد العيش.
في دملج:
(ومضروب بلا جرم ... مليح اللون معشوق)
(2/311)

(له شكل الهلال على ... رشيق القد ممشوق)
(وأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط في السوق)
الغذاء الذي لا غناء عنه في قوام البدن لا بد منه، فليقتصر على مالا يمكن التبلغ بأقل منه، وهو أكل الصالحين، وعلى هذا روى: عند أكل الصالحين تنزل الرحمة.
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: من كرم المرء أربع خصال: ملكته للسانه، وإقباله على شأنه، وحبه لأوطانه، وحفظه لقديم إخوانه.
وقال عليه السلام: لا خير في صحبة من إن حدثك كذبك، وإن حدثته كذبك، وإن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك اتهمك، وإن أنعمت عليك كفرك، وإن أنعم عليك من بنعمته.
(حكم مأثورة)
من أشرف فعال الكرام غفلتهم عما يعلمون
من سعادة المرء أن يكون خصمه عاقلا
لسان الجاهل مالك له ... لكل قوم يوم. .
موت الخير راحة لنفسه، وموت الشرير راحة لغيره ...
خير مالك ما وقاك، وشره ما وقتيه ... خير ما جربت ما وعظك. .
خير الأوطان أعونها على الزمان ... خير البلاد ما حملك.
فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها ...
ظلم الضعيف أفحش الظلم ...
من التوفيق التوقف عند الحيرة ... خاطر بنفسه من استبد برأيه. .
قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. . صلاح نفسك معرفتك بفسادها. .
ارع حق من عظمك لغير حاجة إليك. .
اعرف أخاك بأخيه قبلك
قارب الناس في عقولهم تسلم من غوائلهم
دع ما شاء القلب لا ما شاء الرب ... لا تنكح خاطب سرك
لا تفتح بابا يعيبك سده، ولا ترسل سهما يعجزك رده
(2/312)

لا تستح من إعطاء القليل، فإن المنع أقل منه
لا تكن كالجراد يأكل ما وجده، ويأكله ما وجده
لا تكن رطبا فتعصر، ولا يابسا فتكسر
لا يزيدنك لطف الحسود إلا وحشة منه ... إذا قبح السؤال حسن المنع
لا تشرب السم اتكالا على ما عندك من الترياق
لا تتهاون بالأمر الصغير إذا كان يقبل النمو
لا تقل مالا تعلم فتهتم بما لا تعلم
لا تصحب الأشرار فإنهم يمنون عليك بالسلامة منهم
إذا فاتك الأدب فالزم الصمت
إذا اشتبه عليك أمران فاجتنب أقربهما من هواك
إذا لم يكن ما تريد فرد ما يكون
مر حاتم الطائي ببلاد بني عنزة، فناداه أسير في أيديهم: يا أبا سفانة قتلني الإسار والقمل، فقال: ويحك، والله لقد أسأت إذ نوهت بي في غير بلادي، ثم نزل فشد نفسه مكانه في القد وأطلقه، ولم يزل إلى أن بلغ الخبر قومه ففدوه بمال كثير.
قال أفلاطون: الملك كالنهر، والأمراء كالسواقي، فإن كان عذبا عذبت، وإن كان ملحا ملحت.
(تعريف البلاغة)
سئل ابن المقفع: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب في غير خطل ... وسئل مرة أخرى عنها فقال: هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها.
من كلام الحكماء: الأماني أحلام المستيقظين. . المنية تضحك من الأمنية ... السلم سلم السلامة ... الرشوة رشاء الحاجة ... الليل يكفيك الجبان ونصف الشجاع ... البرايا أهداف البلايا ...
مر الفرزدق بزياد الأعجم وهو قائم بنشد، فقال له: تكلمت يا أغلف {فقال: ما أسرع ما أخبرتك بها أمك} ! ... من أعز فلسه أذل نفسه ... من كانت حياتك به فمت دونه ... من تأنى أصاب ما تمنى ... العفو عن المقر لا عن المصر ...
(2/313)

قال بعض القضاة: إذا جاءك الخصم وقد فقئت عينه، فلا تحكم له إلى أن يجيء خصمه، فلعله يأتيك وقد فقئت عيناه معا.
قال أفلاطون: الظفر شافع المذنبين لدى الكرماء. . ومن كلامه: إذا صار عدوك في قبضتك فقد خرج من جملة أعدائك، ودخل في عدة حشمك.
(وفاء أعرابي)
أتي الحجاج بقوم كانوا قد خرجوا عليه، فأمر بقتلهم وبقي منهم واحد، فأقيمت الصلاة، فقال الحجاج لقتيبة بن مسلم: ليكن عندك، وتغدو به علينا، قال فخرجت والرجل معي، فلما كنا في الطريق قال لي: هل لك في خير؟ قلت وما هو؟ قال إن عندي ودائع للناس، وإن صاحبك لقاتلي، فهل لك أن تخلي سبيلي؛ لأودع أهلي، وأعطي كل ذي حق حقه، وأوصي بما علي ولي، والله تعالى كفيل لي أن أرجع إليك بكرة. قال فتعجبت من قوله وتضاحكت. قال: فأعاد علي القول وقال: يا هذا، الله كفيل أن أعود إليك. ومازال يلح إلى أن قلت: اذهب. فلما توارى عني كأنني انتبهت، فقلت: ما صنعت بنفسي، ثم أتيت أهلي فباتوا بأطول ليلة، فلما أصبحنا إذا برجل يقرع الباب. فخرجت وإذا به، فقلت رجعت؟ فقال: جعلت الله كفيلا ولا أرجع! فانطلقت، فلما بصر بي الحجاج قال: أين الأسير؟ قلت: بالباب أصلح الله الأمير، فأحضرته وقصصت عليه القصة، فجعل يردد نظره فيه، ثم قال وهبته لك، فانصرفت به، فلما خرجت من الدار قلت له: اذهب أين شئت، فرفع بصره في السماء وقال: اللهم لك الحمد، ولا قال لي أحسنت ولا أسأت، فقلت في نفسي مجنون ورب الكعبة. فلما كان في اليوم الثاني جاءني فقال: يا هذا جزاك الله عني أفضل الجزاء، والله ما ذهب عني أمس ما صنعت، ولكن كرهت أن أشرك في حمد الله أحدا.
في كتاب الجواهر: ارتجل علي بن أبي طالب عليه السلام تسع كلمات، قطعت أطماع البلغاء عن واحدة منهن: ثلاث في المناجاة، وثلاث في العلم، وثلاث في الأدب.
أما التي في المناجاة فقوله: كفاني عزا أن تكون لي ربا، وكفاني فخرا أن أكون لك عبدا، كنت لي كما أحب فوفقتني لما تحب.
وأما التي في العلم فقوله: المرء مخبوء تحت لسانه، ما ضاع امرؤ عرف قدره، تكلموا تعرفوا.
(2/314)

وأما التي في الأدب، فقوله: أنعم على من شئت تكن أميره، واستعن بمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.
لبعضهم:
(يا حسن الوجه توق الخنا ... لا تبدلن الزين بالشين)
(ويا قببيح الوجه كن محسنا ... لا تجمعن بين قبحين)
قال بعض الأمراء: دعوتان أرجو إحداهما بقدر ما أخاف الأخرى؛ دعوة مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته.
قال سقراط: من لم يصبر على تعب العلم صبر على شقاء الجهل.
وقع حريق في بيت كان فيه زين العابدين علي بن الحسين وهو في صلاته، فجعلوا يقولون له: يابن رسول الله، يابن رسول الله النار النار، فما رفع رأسه من سجوده حتى أطفئت، فقال له بعض خواصه: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: نار الآخرة. وكان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل يطوف به على فقراء المدينة يتصدق به عليهم ويقول: صدقة السر تطفئ غضب الرب.
ابن القرية يضرب به المثل في الحفظ، والقرية أمه، وهي بكسر القاف، وتشديد الراء المكسورة. وهي في الأصل حوصلة الطائر، وهو ممن قتلهم الحجاج.
ابن سناء الملك:
(سار الحبيب بليل حين ودعني ... ولم يدع لي صبرا ساعة البين)
(وقال إن كنت مشتاقا إلى نظري ... أجر المدامع حمرا قلت من عيني)
العفيف التلمساني:
(بحق هذه الأعين الساحرة ... وحق هذي الوجنة الزاهرة)
(خف في الهوى إثمي أيا قاتلي ... فاليوم دنيا وغدا آخره)
أوحى الله إلى داود عليه السلام: اذكرني في أيام سرائك حتى أستجيب لك في أيام ضرائك.
أنشد النابغة الذبياني عند النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] قوله:
(ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا)
(2/315)

(ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا)
فقال له النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -] : لا يفضض الله فاك، فكان من أحسن الناس ثغرا.
قال بعض ال
حكماء: العمر اقصر من أن تصرفه فيما لا يعنيك.
لبعضهم:
(من بأسياف هجرهم كلمونا ... ما عليهم لو أنهم كلمونا)
(أغلقوا باب نصحهم فتح الله ... لهم بالهناء فتحا مبينا)
(ملكوا رقنا فصرنا عبيدا ... ليتهم بعد رقنا كاتبونا)
(وغدونا لهم أرقا ولكن ... قد تغالوا في الهجر مذ فارقونا)
سئل اسطرخس الصامت عن سبب صمته فقال: لأني لم أندم عليه قط، وكم ندمت على الكلام.
ابن حجر:
(مزاج خمرة فيه جاء معتدلا ... فراح منه مزاج الراح منحرفا)
(ومذ غدا جسمه ماء برقته ... علمت والله أن القلب منه صفا)
سأل بعض الأنبياء ربه أن يكف عنه ألسنة الناس، فأوحى الله إليه: إن هذه خصلة لم أجعلها لنفسي، فكيف أجعلها لك؟
مثل نفس الإنسان في بدنه كمثل وال في بلده، وقواه وجوارحه أعوانه، والعقل له وزير ناصح، والشهوة فيه كعبد سوء جالب للشر.
لبعضهم:
(لقد قال الرسول وقال حقا ... وخير القول ما قال الرسول)
(إذا بدت الحوائج فاطلبوها ... إلى من وجهه حسن جميل)
قال بعض الحكماء: إن الله تعالى خلق الملائكة من عقل بلا شهوة، وخلق البهائم من شهوة بلا عقل، وخلق الإنسان من عقل وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم.
(حكم)
من دام كسله خاب أمله. من ركب جده غلب ضده. من أعمل اجتهاده حصل مراده.
(2/316)

قيل لبعض الحكماء: أي إخوانك أحب إليك؟ قال من سد خللي، وقبل عللي، وغفر زللي.
من كلام عيسى عليه السلام: لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
من كلام بعض الحكماء: لا تستصغروا شيئا من المعروف إن قدرتم على اصطناعه، فإن اليسير في حال الحاجة أنفع لأهله من درك الكثير في حال الغنى عنه.
وفي الحديث:
" المجنون من يتمنى على الله جنته وهو مقيم على معصيته ".
يوم 14 من المحرم سنة 1060 هـ.
تم الكشكول؛ ويليه شرح الشيخ أحمد المنيني على قصيدة بهاء الدين العاملي المسماة " وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان ".
(2/317)