Advertisement

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي 001



الكتاب: المآخذ على شُرّاح ديوان أبي الطَّيب المُتَنَبِّي
المؤلف: أحمد بن علي بن معقل، أبو العباس، عز الدين الأزدي المُهَلَّبي (المتوفى: 644هـ)
المحقق: الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع
الناشر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض
الطبعة: الثانية، 1424 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الأول
المآخذ على شرح ابن جني
الموسوم بالفسر
(1/5)

نص الكتاب
(1/7)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرف الإنسان بنطق اللسان على سائر الحيوان، وفضل اللغة العربية على سائر اللغات بالبيان والتبيان، وألقى في صدف الآذان من جوهر بحار الأذهان ما يربي على الدر والمرجان، وألهم من الكلم المنظوم ما يوفي على المنثور إلا على القرآن، وجعل الشعراء يتسابقون في حلبة الشعر كالخيل يوم الرهان: فمنهم مجل نبرز، وسكيت مقصر عن مدى ذلك الميدان، وميز بين الفكر الصحيح والسقيم في استخراج دفائن معان كالعقيان، فلا يهتدي لإصابة عيون تلك المحاسن إلا المحسنو النضال والطعان، وصلى الله على الكامل المبعوث من عدنان، بأكمل الأديان إلى الإنس والجان، وعلى آله وصحبه أولي الضل والإفضال واليمن والإيمان، وبعد:
فإني لما رأيت ما حظي به أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي من اعتناء الناس بشعره؛ العالم منهم والجاهل، ولهجهم بذكره؛ النبيه فيهم والخامل، والتقييد لأوابد أمثاله السيارة، والتنقيب عن غوامض معانيه الحسنة المختارة، والتمثيل بأبياته الشوارد، والترتيل لآياتها في المشاهد، والتضمين لها في صدور الكتب والرسائل، والتزيين بها في قلوب المجالس والمحافل، وكثرة الشارحين لها من الفضلاء، والحانين عليها من الأدباء، حتى لقد كادت تنسيهم أشعار الأوائل وتلهيهم عن تلك
الفضائل، فتهدم منها ذلك المنار، وتطفئ منها تلك النار. وقد قال في ذلك بعض شعراء أهل العصر: (الرمل)
يَا أبَا الطَّيَّب أَهْدَيْ ... تَ لنا من فِيكَ طِيبَا
مَنْطِقاً نَظْماً كَنظْم ال ... درَّ في الدُّرَّ غَرِيَبا
أَطْرَبَ الأنْفُسَ لَّما ... راحَ للرَّاح نَسِيَبا
مُنْسِيا ذِكْراهُ من ذِكْ ... رى حَبِيبٍ وحَبيبَا
(1/9)

إلا أنهم قصروا في بعض المعاني فهدموا بها تلك المباني، وأشكل عليهم بعض الأبيات، فخفيت عنهم تلك الآيات. فرأيت أن أضع كتابا مختصرا ينبه على ما أغفلوه، ويهدي إلى ما أضلوه، ويبين ما جهلوه، من غير أن أكون زاريا عليهم أو مهدي اللوم إليهم، كيف وقد سهلت أقدامهم من وعره، وبينت أفهامهم من سره، فأصابوا الجم الغفير، وأخطئوا النزر اليسير: (الطويل)
ومَنْ ذَا الذي حَازَ الكمالَ فيَكْمُلاَ
والشروح التي تتبعها، واستخرجت مآخذها وجمعتها خمسة شروح:
شرح ابن جني.
شرح أبي العلاء المعري.
شرح الواحدي.
شرح التبريزي.
شرح الكندي.
لأن هذه المشهورة الدائرة في أيدي الناس، المحفوظة المنقولة بألسن الرواة الأكياس، فإذا وقف الطالب على هذا المختصر، وتأمله ممعنا فيه النظر، تبين أن قد حلت له تلك المعاني المشكلة، وفتحت له تلك الأبواب المقفلة، وتناول بعد ذلك ما سواها في هذه الشروح على ثقة بالصواب، ويقين لدى السؤال بصحة الجواب.
وربما وقع فيها قول لغير من ذكرته فبينت الصحيح من السقيم، والمعوج من القويم، إلا أن هذا الخطر الذي تجشمته، والعبء الذي تحملته مرام بعيد، ومقام شديد، ليس من شأن من استنفد عمره في معرفة وجوه الإعراب، واستفرغ جهده في ضبط لغة الأعراب، ولا من نظم
(1/10)

أبياتا في صدر كتاب أو رد جواب، أو استزارة صديق، أو استهداء رحيق وما أشبه ذلك مما لم ينعم فيه النظر، ويتعب به الفكر. ولكن هذا من شأن من أطال معاركة المعاني والقوافي، فبات منها على مثل الأشافي ودفع إلى سلوك مضائقها، وحماية حقائقها، وجاب سهولها وحزونها، وراض ذلولها وحرونها، وافترع أبكارها وعونها، وفجر أنهارها وعيونها، وأبرم حبال وقصيدها، وأحكم نظام درها وفريدها، وأطال إبالة حيلها وعشارها، وأجال قداحه على أعشارها، وكسع شولها بأغبارها، فإذا وصل إلى هذه الفضيلة، ورقي هذه الرتبة الجليلة، وأحس من نفسه بلوغ كمالها، وإحراز خصالها، فعند ذلك فليتعاظ شرح أشعار الفحول، وليعان استنباط معاني فروعها والأصول، وأحكام علم جملها والفصول. ولست بمدع إدراك هذه المنزلة، وإحراز هذه التكملة، ولكني حاطيها لعلى ممن يدانيها، ويبلي فيها (فيسلك بعض شعابها، ويتمسك ببعض أسبابها)، فإن أصبت الصواب فبيمن من وسمت باسمه هذا الكتاب، وإن زلت قدمي عن الطريق، فمنه استمد الهداية والرشد والتوفيق، ومن الله تلتمس لإعانة، وتقتبس الإبانة.
فأول ما ينبغي أن يبتدأ به من المآخذ في شروح ديوان أبي الطيب، المآخذ على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني؛ لأنه هو المبتدئ لشرحه، المفتتح لفسره، المسند إليه رواياته، المأخوذ عنه حكاياته، وقد طول في الشواهد وقصر في المعاني، وسأبين ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
(1/11)

فمن ذلك ما ذكره في خطبة الكتاب من قوله: (الخفيف)
حَسَنٌ في عيونِ أعدائِهِ أَقْ ... بَحُ مِنْ ضَيْفِهِ رَأَتْهُ السَّوامُ
قال: الذي يسبق إلى النفس من هذا؛ أنه حسن في عيون أعدائه، وأنه أقبح من ضيفه رأته السوام. وليس الأمر كذلك بل بضده. وإنما معناه: حسن: أي: هو حسن، وتم الكلام. ثم كأنه قال: هو أقبح في عيون أعدائه من ضيفه في وقت رؤية السوام له، وهو المال الراعي؛ لأنه ينحره للأضياف، وكذلك يهلك الأعداء ويبرهم.
وأقول: إن هذا الذي فسره وجه صالح، وليس أن يرد التفسير الأول، وقد ذكره الشيخ أبو العلاء، وهو أن أعداءه يرونه حسن الصورة قبيح الفعل فهم في هذا يرونه قبيحا حسنا، وفي الوجه الآخر يرونه قبيحا. فتفسير أبي العلاء أمدح لإثبات الحسن له (عند كل أحد)، وأصنع لإثبات الحسن له والقبح، (وأخذه) من وجهين مختلفين.
ومن ذلك في الخطبة أيضا قوله:
(1/12)

قال: تم الكلام على أصغره أي: استكبروه منه واستصغروه هو.
ثم قال مبتدئا:
. . . . . . . . . ... أكبرُ من فعِلِهِ الذي فَعَلَهْ
أي: فاعل الفعل أكبر من الفعل، فكأنه قال: هو أكبر من فعله.
وأقول: هذا وجه حسن، وثم وجه آخر قد ذكره غيره، وهو أن يكون أكبر من فعله فاعلا العامل فيه أصغره، كأنه قال: وأصغره رجل أو فارس أكبر من فعله.
ومن ذلك في الخطبة أيضا تفسيره قوله: (الطويل)
وقد عَادَتِ الأجْفَانُ قُرحاً من البُكا ... وعادَ بَهَاراً في الخُدودِ الشَّقَائقُ
قال: ومما استدللت به حصافة لفظه وصحة صنعته ودقة فكره؛ أنني سألته عن قوله في البيت، فقلت: أقرحى: مما أم قرحا: منون؟ فقال: قرحا: منون، ثم قال:
ألا ترى أن بعده: وعاد بهارا؟
يقول: فكما أن بهارا جمع بهارة وإنما بينهما الهاء، فكذلك قرحا جمع قرحة فإنما بينهما الهاء.
(1/13)

وأقول: لعل أبا الطيب لم يرد الذي ذكره من الجمع بينهما بالجمع الذي بينه وبين مفرده الهاء، وإنما أراد بالتنوين المبالغة في المعنى، فجعل الأجفان قرحا ولم يصفها بقرحى؛ لأن الأول أبلغ (كما كان بهارا كذلك)، ويكون من باب: (البسيط)
. . . . . . . . . ... فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدبارُ
لأن الوصف بالمصدر أبلغ من الوصف باسم الفاعل، ومنه رجل فطر وصوم، أو يكون أراد تحسين الألفاظ فصرف الكلمتين؛ لأن ذلك أحسن في الذوق وأعذب في السمع.
ومن ذلك قوله: وإني لأعجب ممن يجهل فضله، أو يستجيز تجاهله وهو الذي يقول: (الطويل)
إذَا كان شَمُّ الرَّوح أدنى إليكم ... فلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وقَبُولُ
فأي محدث يتعالى في عذوبته إلى أن يقول:
. . . . . . . . . . ... فلا بَرِحتَنْي رَوْضَةٌ وقَبْولُ
فيقال له: إذا كان تفسير هذا كما ذكرته وهو: فلا برحت روضة وقبول إياي، لم يكن فبه عذوبة ولا عليه طلاوة، وأما المعنى فلم يقع موقعه من الغزل لذكر الموت وذلك قوله قبله: (الطويل)
(1/14)

وإنَّ رَحِيلاً واحداً حالَ بيْنَنَا ... وفي المَوْتِ من بعد الرَّحيلِ رَحيِلُ
ومن ذلك قوله في شرح قوله: (الكامل)
وَهَبِ المَلامَةَ في اللَّذَاذةِ كالكَرَى ... مَطْرُودةً بسُهَادِهِ وبكائِهِ
قال: يقول: أجعل ملامتك إياه في التذاذكها كالنوم في لذته، فاطردها عنه بما
عنده من السهاد والبكاء، أي: لا تجمع عليه اللوم والسهاد والبكاء، أي: فكما أن السهاد والبكاء قد أزالا كراه، فاترك ملامتك إياه.
(1/15)

وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أنه قال لعاذله: إن الكرى الذي يستلذ به الإنسان قد طردته عن عيني بالسهاد والبكاء؛ فاجعل الملامة المستلذة عنه كالكرى مطرودة عني بهما.
ويحتمل أن يكون المعنى: هب الملامة التي لا استلذ بها، بل استضر بها، كاكرى في اللذاذة، أفليس الكرى المستلذ به مطرودا بالسهاد والبكاء؟ فما ظنك بالملامة؟ فاجعلها كذلك؛ (والوجه الأ (ول) هو الصواب).
وقوله: (الكامل)
وشَكِيَّتي فَقْدُ السَّقَام لأنَّهُ ... قد كانَ لَّما لي أَعْضَاءُ
قال: يقول: إنما كنت أحس السقام بأعضائي، فلما فنيت وتلفت للضر والمشقة شكوت فقد السقام؛ لأن السقيم، على كل حال، موجود والفاني معدوم، والعدم اعظم من السقم؛ هذا يقتضيه ظاهر اللفظ. ومحصول البيت أنه يطلب أعضاءه لا السقام.
(1/16)

وأقول: إن تفسيره البيت صواب إلى قوله: والعدم اعظم من السقم. وقوله: ومحصول البيت أنه يطلب أعضائه لا السقام ليس بشيء! بل محصول البيت أنه يطلب حالا اصلح من الحال التي هو فيها وإن غير صالحتين، أي: أنا في حال العدم، فمن لي أن أرجع إلى حال السقام! وهذا مثل قوله: (الطويل)
ومن لي بَيوْمٍ يَوْمٍ كَرِهْتُهُ ... قَرُبْتُ به عند الوَدَاعِ من البُعْدِ
وقوله: (الكامل)
لا تكْثُرُ الأمْواتُ كثْرَةَ قِلَّةِ ... إلاَّ إذا شَقِيتْ بكَ الأحْيَاءُ
قال: قوله: كثرة قلة: يقول: إنما تكثر الأموات إذا قل الأحياء، فكثرتهم كأنها، في
الحقيقة، قلة.
وقوله: شقيت بك أي: شقيت بفقدك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهذا كقوله تعالى: (ولكن البر من آمن بالله). وقوى ذلك بما حكاه عن أبي عمرو السلمي قال: عدت أبا علي في علته التي مات فيها فاستنشدني:
لا تكثُرُ الأموات. . . البيت. . .
فلم أزل أنشده وهو يستعيده إلى أن مات!
(1/17)

قال الواحدي: وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه إذا مات واحد لا يكون ذلك كثرة قلة.
والآخر: أنه لا يخاطب الممدوح بمثل هذا. قال: ولكن المعنى أنه أراد بالأموات القتلى، لا اللذين ماتوا قبل الممدوح. ومعنى شقيت بك أي: بغضبك عليهم، وقتلك إياهم. يقول: لا تكثر القتلى إلا إذا قاتلت الأحياء، وشقوا بغضبك، فإذا غضبت عليهم وقاتلتهم قتلتهم كلهم.
وأقول: إن قوله: إنه أراد بالأموات القتلى لا اللذين ماتوا بغير قتل خطأ؛ لأن في ذلك صرف الكلام عن ظاهره، وحمله على المجاز من غير علة محوجة.
والمعنى: لا تكثر الأموات الذين في القبور إلا إذا غضبت على الأحياء وقتلتهم، فحينئذ تكثر الأموات (بمن قتلته لإضافتهم إليهم،) وتلك الكثرة قلة؛ لأنه لا فائدة لهم فيها ولا انتفاع بها.
وقوله: (الخفيف)
وأنا مِنْكَ لا يُهَنَّئ عُضْوٌ ... بالمَسَرَّاتِ سَائرَ الأعْضَاءِ
(1/18)

قال: يقول: أنا منك أهنئك؟ وهل رأيت عضوا من جملة هنأ سائر الأعضاء منها؟
وأقول: هذا الذي أنكره مستبعدا قد جاء لأبي نواس أحسن مجيء على وجه المجاز والاستعارة وهو قوله: (البسيط)
قَنِعْتُ إذْ نِلْتُ من أَحْبَابِي النَّظرا ... وقلتُ: يا ربَّ ما أعطيتَ ذّا بَشَرا
لم يَبْقَ مِنَّيَ من قَرْنٍ إلى قَدَمِ ... شيءٌ سوى القَلْبِ إلاَّ هَنَّأ البَصَرا
وقوله: (الطويل)
سُبِقْنَا إلى الدُّنْيَا فَلَوْ عَاش أَهْلُهَا ... مُنِعْنَا بها من جَيْئَةٍ وذُهُوبِ
قال: أي لو عاش من قبلنا لما أمكننا نحن المجيء والذهاب، لأن الله - تعالى - بنى الدنيا على الكون والفساد ولم يخصصها بأحدهما وليس ذلك في الحكمة.
وأقول: الظاهر أنه أراد: أي لو عاش أهل الدنيا فلا يموتون لامتلأت الأرض من الخلق فتعذرت الحركة عليها؛ المجيء والذهاب، لكثرة الخلق. وفي هذا تسلية لسيف الدولة بكثرة من مات.
(1/19)

وقوله: (الطويل)
ولا فَضْلَ فيها للشَّجاعة والنَّدَى ... وصَبْرِ الفَتَى لَوْلاَ لِقاءُ شَعُوبِ
قال: يقول: لو أمن الناس الموت لما كان للشجاع فضل؛ لأنه قد أيقن بالخلود فلا خوف عليه، وكذلك الصابر والسخي، لأن في الخلود وتنقل الأحوال من عسر إلى يسر، وشدة إلى رخاء ما يسكن النفوس، ويسهل البؤس.
وأقول: إن قوله في الشجاع صواب، وفي الصابر والسخي بما علله من العسر واليسر وغير ذلك غير صواب. والصحيح؛ أن يعلل أمر الصابر والسخي بما علل به أمر الشجاع، فيقال إن الشجاع لو لم يتخوف الموت، ويجوز وقوع الهلاك، لما كان لإقدامه فضل. وكذلك الصابر؛ لأنه بمنزلة الشجاع لأن الصبر شجاعة، والشجاعة صبر.
وكذلك يقال في الجواد: إنه إذا أعطى ماله وهو واثق بالسلامة في غزو الأعداء، وسلب الأموال، واقتحام الأخطار في الأسفار بقطع البحار، وجوب القفار، لم يكن له بالجود فضل؛ لأنه قادر على خلف ما يعطي من غير خوف هلاك، ولا تجويز
تلف. (وهذا مثل قوله أيضا: (البسيط)
لولا المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كلهُمُ ... الجُودُ يُفْقِرُ والإقدَامُ قَتَّالُ)
(1/20)

وقوله: (الطويل)
وكَمْ لَكَ جَدا لم تَرَ العَيْنُ وَجْهَهُ ... فَلَمْ تَجْرِ في آثارهِ بِغُروبِ
قال: يقول: إذا لم تعاين الشيء لم تعتدد به أكثر الأحوال، فلذلك ينبغي لك أن تتسلى عن عينك، كما لم تحزن لأجداد الماضين الذين لم ترهم.
وأقول: إن هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى أنه أراد تسلية سيف الدولة فقال: كم لك جدا فقد عن بعد لم تبكه، فاجعل هذا الذي فقد عن قرب بمنزلته؛ لأنه قد شاركه في الفقد، وسواء في ذلك القريب والبعيد.
وقوله: (الطويل)
نَزَلْنَا عن الأكْوَارِ نَمْشِي كَرامةً ... لِمَنْ بانَ عنه أن نُلِمَّ به رَكْبا
لم يذكر معنى البيت وهو من أغرب المعاني وأحسنها. يقول: نزلنا عن إبلنا نمشي إكراما للمحبوب الذي بان عنه؛ أي: لم يعلم أن نلم به، أي: بالربع، ركبا،
(1/21)

أي: لو ألممنا به راكبين، لم يعلم بذلك لبعده عنه، ولكننا ألممنا به ماشين كرامة له. فأن والفعل في موضع رفع بأنه فاعل بان عنه.
وقوله: (الطويل)
لَقَدْ لَعَبَ البَيْنُ المُشِتُّ بها وبي ... وزَوَّدني في السَّيْرِ ما زَوَّدَ الضَّبَّا
قال: الضب لا يرد الماء، وأنشد رجزا وضع على لسانه وقد قال هـ الحوت: رد
(1/22)

يا ضب فقال: (منهوك الرجز)
أصْبَح قَلْبي صَرِدَا
لا يَشْتَهِي أَنْ يَرِدَا
إلا عَرَادا عَرِدَا
وصلِيَاناً بَرِدا
وعَنْكَثاً مُلْتَبِدَا
قال: والمعنى لم يزودني البين شيئا استعين به على السير. ضربه مثلا.
وأقول: إن الضب يوصف بالذهول، وقد قالوا: أذهل من ضب وذلك أنه إذا خرج من جحره راعاه بطرفه، فإذا غاب عنه ذهل وحار!
يقول: زودني البين الذهول والحيرة بفراق الأحباب.
(1/23)

وقوله: (الطويل)
ومَنْ تَكُنِ الأسْدُ الضَّواري جُدودَهُ ... يَكُنْ ليلُهُ صُبْحا ومَطْعَمُهُ غَصبْا
لم يذكر ابن جني تعلق هذا البيت بما قبله واتصاله به.
وأقول: إنه لما ذكر في البيت الذي قبله لعب البين به، وأخبر أنه كثير الأسفار، قلق في البلاد، قال: فأنا في ذلك ليلي نهار ومطعمي غصب، وذلك فعل الأسد؛ لأن أجدادي أسود. وليت شعري! كيف ساغت له هذه الدعوى في أجداده بأنهم أسود، وهم يقصرون عن أن يكونوا ثعالب؟! وكأنه عاد عن هذه الدعوى فيما بعد مخافة الإكذاب؛ فشط، فاستفهم، فقال: (الطويل)
ولستُ أبَالي بَعْدَ إدْرَاكي العُلا ... أكانَ تُراثا مَا تَنَاولتُ أم كَسْبَا
يقول: إذا أدركت العلا فلا أبالي أورثته عن آبائي أم أدركته بنفسي.
وقوله: (الطويل)
فَبُورِكتَ من غَيْثِ كأَنَّ جُلُودَنَا ... به تُنبتُ الدَّيباجَ والوَشْيَ والعَصْبَا
قال: جعله كالغيث، وجعل جلودهم كالأرض التي تنبت إذا أصابها الغيث؛ يريد كثرة ما يعطيهم من الكسي والتحف.
(1/24)

وأقول إنه لم يرد كثرة الكسي والتحف، ولكن أراد ألوانها المختلفة؛ وذلك أن الغيث إذ أصاب الأرض أنبتت ألوانا مختلفة من الزهر، فكذلك الكسي التي
يعطيها، ولذلك جعلها من الوشي والعصب، وهي برود اليمن، تحوي ألوانا مختلفة، والديباج عمل الروم كذلك.
وقوله: (الطويل)
فَحُبُّ الجَبَانِ النَّفْسَ أورَدَهُ التُّقَى ... وحُبُّ الشُّجاع النفسَ أورَدَهُ الحَرْبَا
قال: يرد الشجاع الحرب (إما) ليبلي بلاء يشرف ذكره في حياته به، وإما يقتل فيذكر بالصبر والأنفة بعد موته. وأنشد على ذلك أبياتا للعرب والمحدثين، وقال: المحدثون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد (بالقدماء) في الألفاظ. وفسر البيت الذي بعده، وهو قوله: (الطويل)
ويختَلِفُ الرَّزقانِ والفِعْلُ واحِدٌ ... إلى أنْ تَرَى إحسانَ هذا لِذَا ذَنْبَا
بأن قال: إن الرجلين ليفعلان فعلا واحدا، فيرزق أحدهما ويحرم الآخر؛ فكأن الإحسان الذي رزق به هذا، هو الذنب الذي حرم به هذا.
(1/25)

قال: وهذا مثل قول الشاعر: (الوافر)
وكَمْ مِنْ مَوْقِفٍ حَسَنٍ أُحِيلتْ ... مَحَاسِنُهُ فَعُدَّ من الذنُوبِ
قال: ومثله: (الطويل)
يَخِيبُ الفَتَى مِن حيثُ يُرْزَقُ غيرُهُ ... وَيُعْطَى الفَتَى مِن حيثُ يُحْرَمُ صَاحِبُهْ
وأقول: إنه لم يفهم معنى البيتين، ولا ترتيب الآخر منهما على الأول.
ومعنى البيت الأول، أن الجبان يحب نفسه فيحجم طلبا للبقاء، والشجاع يحب نفسه فيقدم طلبا للثناء، والبيت الثاني مفسر للأول.
يقول: فالجبان رزق بحبه نفسه الذم لإحجامه، والشجاع رزق بحبه نفسه المدح لإقدامه، فكلاهما محسن إلى نفسه بحبه لها؛ فاتفقا في الفعل الذي هو حب النفس، واختلفا في الرزقين اللذين هما الذم والمدح، حتى إن الشجاع لو أحسن إلى نفسه بترك الإقدام، كفعل الجبان، لعد ذلك له ذنبا. فهذا هو المعنى، وهو في غاية
الإحكام بل في غاية الإعجاز، لا ما فسره.
(1/26)

وقوله: (الطويل)
وخَيْل تُثَنَّي كُلَّ طَوْد كأنها ... خَرِيقُ رِياحٍ واجَهَتْ غُصُناً رطْبا
قال: وقريب من قوله: (يثني كل طود) قول أبي النجم في صفة ناقة بثقل الوطء: (الرجز)
تُغَادِرُ الصَّمْدَ كَظَهْرِ الأَجْزَلِ
قال: والصمد: ما غلظ من الأرض، والأجزل: البعير المنفضخ السنام. كأنه يريد أن الجيش لكثرته إذا مر بجبل جعله اثنين لشدة الوطء وكثرة الحافر.
وأقول: أحسن من هذا أن يكون يثني بمعنى يعطف، شدد للتكثير والمبالغة؛ أي: يجعل الطود الذي يمر به (متثنيا) كالغصن الرطب في اللين والانعطاف إذا مرت به الريح الشديدة.
وقوله: (الطويل)
(1/27)

أهذا جزاءُ الصِّدقِ إن كنتُ صَادِقا ... أهَذا جَزَاءُ الكِذْبِ (إن كنتُ كاذَبا)
ويقوي هذا قوله فيما يليه: (البسيط)
بياضُ وَجْهٍ يُرِيِكَ الشَّمْسَ حَالِكَةً ... ودُرُّ لَفْظِ يُرِيكَ الدُّرَّ مَشْخَلَبَا
وقال في تفسير هذا البيت: وقد تصف العرب بالبياض كما تصف بالآدمة. قال زهير: (الطويل)
وابيضَ فَيَّضٍ يداهُ غَمَامَةٌ ... على مُعْتَفِيِهِ ما تُغِبُّ نَوافِلُهْ
(1/28)

وأقول: إن العرب إذا وصفت الرجل بالبياض، مادحة له، لم ترد اللون على الحقيقة، وإنما تكني به عن وضوح شرف الممدوح وبيانه. وقد فسر قول حسان: (الكامل)
بِيضُ الوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ ... شُمُّ الأنُوفِ من الطَّرازِ الأوَّلِ
على ذلك، فكنى عن ظهور شرفهم وبيانه ببياض وجوههم. وقيل: إنه كنى في النصف الثاني عن إبائهم وحميتهم بشمم أنوفهم، ذلك لتناسب الصفتين في النصفين. وفسر بيت زهير أيضا على ذلك، وهو أشبه بكلام العرب.
وقوله: (البسيط)
وكُلَّما لَقِي الدَّينَارُ صاحِبَهُ ... في مِلْكِهِ افْتَرقَا من قَبْلِ يَصطْحِبا
قال: قوله: افترقا من قبل يصطحبا مع قوله: وكلما لقي الدينار صاحبه صحيح المعنى على ما في ظاهر لفظه من مقارنة التناقض، وذلك أنه يمكن أن يقع التقاء من غير اصطحاب ومواصلة، لأن الصحبة مقرونة بالمواصلة؛ يقول: فإنما يلتقيان مجتازين لا مصطحبين.
وأقول: إنه لم ينفصل من التناقض؛ وذلك أنه اثبت الصحبة بقوله: لقي الدينار صاحبه في ملكه، ثم قال: افترقا من قبل يصطحبا فنفى المصاحبة، فالمناقضة باقية بحالها وإنما كانت المناقضة إذا قدر اسم الفاعل الذي هو صاحبه عاملا في
(1/29)

الجار والمجرور الذي هو قوله: في ملكه؛ لأن بذاك تثبت المصاحبة بينهما، وإنما العامل في الجار والمجرور قوله: لقي، والتقدير: وكلما لقي الدينار في ملكه صاحبه قديما في ملك غيره (أو دينارا آخر مثله) افترقا هنا قبل أن يصطحبا. فالصحبة بينهما إنما كانت في ملك غيره (أو يكون صاحبه بمعنى كغيره أو مثله في كونه دينارا).
والملاقاة، كما ذكر، تكون من غير اصطحاب كقولهم: لقيته منحدرا مصعدا، فلا مناقضة حينئذ، وهذا بين لمن تدبره وأجال فيه نظره.
وقوله: (البسيط)
مَالٌ كاَنَّ غُرابَ البَيْنِ يَرْقُبُهُ ... فَكُلَّما قِيَلَ: هَذا مُجْتَد، نَعَبَا
قال: بعد أن فرق بين صياح الغراب، فقال: يقال: نعب: إذا مد عنقه وصاح،
ونعق: إذا صاح ولم يمد عنقه - هذا معنى حسن.
يقول: فكما أن غراب البين لا يهدأ من الصياح، فكذلك الممدوح لا يفتر عن العطاء.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أنه يصف الممدوح بكثرة تفريق ماله على المجتدين، وضرب لماله بتفريقه مثلا ما ذكر من صياح الغراب وتفريقه بين الأصحاب فقال: مال الممدوح كأن غراب
(1/30)

البين موكل به يرقبه، فإذا جاء مجتد نعب هنالك؛ فتفرق ماله لصياحه كما يتفرق الأحباب عند صياح الغراب.
وقوله: (البسيط)
إنَّ المَنِيَّةَ لو لاقَتْهُمُ وَقَفَتْ ... خَرْقَاَء تَتَّهِمُ الإقْدَامَ والهَرَبَا
قال: يقول: لو لاقتهم لبقيت متحيرة؛ تتهم الإقدام مخافة الهلكة، والهرب مخافة العار.
وأقول: هذا ليس بشيء! لأن التهمة إنما تكون فيما يشك فيه، والعار في الهرب متيقن. وإنما جعل المنية إذا لاقته بمنزلة القرن الخائف من قرنه، الحائر في أمره يخشى إن اقدم الهلاك، وإن هرب الإدراك.
وقوله: (البسيط)
مُبَرْقِعِي خَيْلَهمْ بالبِيضِ قد جَعَلوا ... هَامَ الكُمَاةِ على أرمَاحِهِمْ عَذَبَا
(1/31)

قال: أي: قد جعلوا مكان براقع خيلهم حديدا على وجوهها؛ ليقيها الحديد إن توصل إليها.
وأقول: ليس لهم في هذا مزية على غيرهم، وكيف عبر عن صفائح الحديد التي على وجوه الخيل بالبيض؛ وهذا استعمال لم يستعمله أحد؟
والمعنى (أن) هؤلاء لا براقع لخيلهم، على الحقيقة، تقي وجوهها من السيوف
والرماح، ولكن بيضهم، أي سيوفهم، تقوم مقام البراقع في حفظ رؤوسها، لنجدتهم وحسن مراسهم في الحرب، ولإحجام أعدائهم عن الإقدام عليهم، وهذا مثل قوله: (الوافر)
لقوه حَاسِراً في دِرْعِ ضَرْبٍ ... . . . . . . . . .
وكقوله: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . . . . لَبِسْنَا إلى حَاجَاتِنَا (الضرَّبَ والطَّعْنَا)
وقوله: (الكامل)
حَاوَلْن تَفْدِيتَي وخِفْنَ مُراقِباً ... فَوَضَعْنَ أيْدِيهُنَّ فَوْقَ تَرائِبَا
(1/32)

قال: أي أشرن إلي من بعيد، ولم يجهرن بالسلام والتحية خوف الوشاة والرقباء.
وقال الواحدي: الإشارة بالسلام، لا تكون بوضع اليد على الصدر. وإنما المعنى: أنهن طلبن أن يقلن لي: نفديك بأنفسنا، وخفن الرقيب، فنقلن التفدية من القول إلى الإشارة بوضع الأيدي على الترائب (وهو الصحيح).
وقوله: (الوافر)
شَدِيدُ الخُنْزُوانةِ لا يُبَالي ... أصَابَ إذا تَنَمَّرَ أَمْ أُصِيَبا
قال: أراد: أأصاب، فحذف همزة الاستفهام ضرورة، وقد جاء مثله، وأنشد سيبويه: (الطويل)
لَعَمْرُكَ مَا ادْري وإنْ كُنْتُ دَاريا ... شُعَيْبُ بن سَهْمٍ أم شُعيبُ بن مِنْقَرِ
(1/33)

وأقول: ليس حذف الهمزة هنا بضرورة، وليس هذا مثل البيت الذي استشهد به، وذلك أنه يقال: وصاب بمعنى؛ لغتان، وقد قال أبو الطيب: (الكامل)
ورَمَى وما رَمَتَا يداه فَصَابني. . . . . . . . .
فقد جمع، في هذا، بين اللغتين كما قال: (الكامل)
. . . . . . . . . أَسْرَتْ إليكَ ولم تَكُنْ تَسْري
وقوله: (الوافر)
كأن دُجَاهُ يَجْذِبُهَا سُهَادي ... فَلَيْسَ تَغيبُ إلاَّ أنْ يَغِيبا
قال: أي: فكما أن سهادي لا تغيب عني فكذلك هذا الليل لا يغيب عني لتعلق أحدهما بصاحبه.
واقول: المعنى، أن سهادي ثابت لا يزول، وكأن الدجى متصلة بسهادي متعلقة به، فهو يجذبها ويمنعها من أن تغيب، أي: من الزوال والانقضاء. فإذا كان سهادي ثابتا لا يغيب، أي: لا يزول، فالدجى ثابتة لا تزول، لأنها متصلة به كالسبب والمسبب، وكأن هذا من قول امرئ القيس: (الطويل)
فيالكَ من لَيْلٍ كأنّ نجومَهُ ... بكُلَّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بَيذْبُلِ
(1/34)

وقوله: (الوافر)
ولما قَلَّتِ الإبلُ امْتَطَيْنَا ... إلى ابن أبي سُليمانَ الخُطوبَا
قال: يقول: كأن هذه الشدائد أكلتني، فكنت بمنزلة أرض أكل جميع ما كان عليها من نبت فأجدبت.
وأقول: أنه عرض للممدوح بإقتاره ورقة حاله بقوله: ولما قلت الإبل لأن الإبل ليست بقليلة إلا على المعسرين، أي: ركبنا ما لا يشبه الإبل، وهي الشدائد، لأن الإبل ترتع في نبت الأرض، والشدائد ترتع فينا، أي: تنهك أجسامنا وأموالنا، ولما استعار للخطوب الرعي استعار لجسمه الجدب، للمناسبة التي بينهما، وذكر أنه فارق الشدائد، بوصوله إلى الممدوح (في قوله بعد ذلك: (الوافر)
. . . . . . . . . . . . فما فارَقْتُها إلاَّ جَديبَا)
ليلزمه الإحسان إليه، والإنعام عليه.
وقوله: (الطويل)
إليك فإني لستُ مِمنْ إذا اتَّقَى ... عِضَاضَ الأفَاعي نَامَ فوقَ العَقَاربِ
(1/35)

قال: يقول: لست ممن إذا اتقى عظيمة صبر على مذلة وهوان؛ تشبه العظيمة بالأفاعي، ويشبه الذل بالعقارب، وكل مهلك، أي: إذا كرهت أمرا عظيما، لم أصبر على مكروه دونه، بل أبى الجميع، صغيره وكبيره.
وأقول: (هذا بضد شرحه لقوله:
. . . . . . . . . ولم تَدْرٍ أنَّ العارَ شَرُّ العَواقِبِ
بقوله: أي: تخوفني الهلاك وهو عندي دون العار الذي أمرتني بارتكابه. . . . . .).
ولو شبه الأفاعي بالمهالك، والعقارب بالأذى والنمائم والمكائد لكان أولى، وقد قال أبو النشناش: (الطويل)
وللْمَوْتُ خَيْرٌ للفَتَى من قُعودِهِ ... عَديماً، ومن مَوْلى تَدِبُّ عَقارِبِهُ
أي: لست ممن يصبر على الأذى والضيم لخوف المهالك.
(1/36)

وقوله: (الطويل)
بأيَّ بلاَدٍ لم أَجُرَّ ذَوَائبي ... وأيّ مَكَانٍ لم تَطَأهُ رَكَائبي
قال: أي: لم أدع من الأرض موضعا إلا جولت فيه، إما متغزلا أو غازيا.
وأقول: إن قوله: لم تطأه ركائبي لا يدل على (الغزو)، ولو قال: سوابقي لأنه يحتمل أن يكون لوفادة أو لغيرها.
وقوله: (الطويل)
يقولونَ تأثيرُ الكَواكبِ في الوَرَى ... فما بَالُهُ تأثيرُهُ في الكَواكِبِ!
قال: يقول: هو يؤثر في الكوكب، فكيف قال الناس: إن الكواكب تؤثر في الناس؟! يعجب من ذلك ويعظم أمره؛ وذلك أنه يبلغ من الأمر ما أراد فكأن الكواكب تبع له.
وأقول: هذا المعنى الظاهر. وقد قال غيره: إنه أراد، بتأثيره في الكواكب، تغطيتها
وإخفاءها بما تثيره سنابك الخيل من العجاج حتى يخفى (نور) الشمس في
(1/37)

النهار فتظهر الكواكب، فإن كان المعنى ذلك فهو من قوله: (البسيط)
والشَّمسُ طَالعةٌ لَيسَتْ بكاسِفِةٍ ... تَبْكِي عَلَيْكَ نُجومَ اللَّيْلِ والقَمَرا
وقوله: (الطويل)
حَمَلْتُ إليه من لِسَاني حَدِيقَةً ... سَقَاهَا الحِجَى سَقْيَ الرَّياضِ السَّحَائبِ
قال: جعل لسانه حديقة مجازا، وتشبيها للثناء بنور الروضة.
وأقول: إن اللسان يحتمل أن يكون العضو الذي يتكلم به، وأن يكون الكلام نفسه كقول، الحطيئة: (الوافر)
نَدِمْتُ على لِسَانٍ كانَ مِنَّي ... فليتَ بأنَّهُ في جَوْفِ عِكْمِ
فإذا جعل اللسان الكلام كان هو الحديقة (كما ذكر).
وإن جعل اللسان العضو لم يكن الحديقة، وكانت الحديقة منه، وهي النظم يحسنه ويزينه.
(1/38)

وقوله: (البسيط)
كأنَّ كلَّ سؤالٍ في مَسَامِعِهِ ... قميصُ يُوسُفَ في أجفَانِ يَعْقُوبِ
قال: يقول: يفرح بكل سؤال فرحة يعقوب بقميص يوسف؛ كرما وسخاء.
وأقول: المعنى أن سمعه ينتفع بسؤال العفاة، كانتفاع أجفان يعقوب بقميص يوسف، وذلك إشارة إلى قوله تعالى: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا).
فإن قيل: فهذا يناقض قوله في مكان آخر: (الخفيف)
والجِرَاحَاتُ عندَهُ نَغَماتٌ ... سَبَقتْ قَبْلَ سَيَبْهِ بسُؤالِ
أي: يستضر بنغمات السؤال قبل العطاء؛ كاستضراره بالجراحات.
فيقال: لا يع هذا تناقضا وعيبا، ولكن يعد هذا حذقا وتوسعا وصناعة من الشاعر،
فيمدح بشيء في موضع، ويجعله ذما في موضع آخر. ألا ترى إلى مديح الشعراء الشجعان والأجواد بتشبيههم لهم بالأسود والبحار، وإلى قول أبي الطيب: (الطويل)
ولَوْلاَ احْتِقَارُ الأُسْدِ شَبَّهْتها بهم ... ولكنَّها مَعْدُودَةٌ في البَهَائم
وإلى قول بعض شعراء المغرب: (الطويل)
سألتُ أخَاهُ البَحْرَ عنه فقال لي ... ضقِيقِيَ إلاَّ انَّهُ السَّاكِنُ العَذْبُ
لنا دِيمَتَا ماءٍ ومَالٍ فَديمَتي ... تَمَاسَكُ أَحْيَاناً ودِيَمَتُهُ سَكْبُ
(1/39)

وقوله: (الطويل)
وأخْلاقُ كافُورٍ إذا شِئْتُ مَدْحَهُ ... وإنْ لَمْ أَشَاْ تُملِي عليَّ وأكْتُبُ
قال: قوله: شئت مَدْحَهُ وإنْ لم أشَأْ فأخلاقه تعرب عن فضله وكرمه.
وقوله: وإن لم أشأ فيه ضرب من الهزء، وهكذا عامة شعره فيه.
وأقول: إن قوله: وإن لم أشأ ليس فيه ضرب من الهزء، كما ذكر، بل فيه ضرب من الجد؛ يقول: تلزمني أخلاقه مديحه، وإن لم أرده، فكأنها هي المادحة له؛ لأنها تملي علي وأنا أكتب، وهذا ينظر إلى قوله: (الطويل)
يُقِرُّ له بالفَضلِ من لا يَوَدُّهُ. . . . . . . . .
(وهو) من قول الآخر: (الكامل)
. . . . . . . . . والفَضْلُ ما شَهِدَتْ به الأعداءُ
(1/40)

وقوله: (الطويل)
أَبَا المِسْكِ هَلْ في الكأسِ فَضْلٌ لشَارِبٍ ... فإنَّي أُغَني منذُ حِينٍ وتشربُ
قال: ضرب هذا له مثلا؛ يقول: مديحي يطربك كما يطرب الغناء الشارب.
وأقول: إنه جعل الملك (أو الغنى) في يده كالكأس، وجعل مديحه له كالغناء الذي يطربه، وجعل نفسه بإنشاده كالمغني، وهو يشرب ولا يسقيه، وذلك بخلاف ما تقتضيه العادة والمروءة وهذا فيه توبيخ له.
وقوله: منذ حين استبطاء لمعروفه.
وقوله: (الطويل)
إذَا لَمْ تَنُطْ بي ضَيْعَةً أوْ وِلاَيَةً ... فَجُودُكَ يَكْسُوني وشُغلُكَ يَسْلُبُ
قال: إذا لم تنط بي، أي: تسند إلي جيشا، ولم تهب لي ضيعة، فليس في دخلي كفاء لخرجي؛ يريد كثرة مئونته وقلة فائدته.
وأقول: ليس في كلامه ما يدل على أن ليس في دخله كفاء لخرجه، ولا على كثرة
(1/41)

المؤونة وقلة الفائدة، وإنما كان كافور قد وعده بأن يوليه ويقطعه، فجعل يسوفه ويمطله، وجعل يعطيه الشيء بعد الشيء ما يقوم بمئونته ومؤونة دوابه وغلمانه، فلما طال عليه ذلك قال له: إذا لم تنط بي ما وعدتني، وأعطيتني شيئا لا يبقى لي، ولا يفضل عني لأني أخرجه أولا فأولا، فكأنك لم تصنع شيئا، فجعل جوده في إعطائه له هذا الشيء اليسير بمنزلة الكسوة، وشغله له وقطعه عن التسبب بمنزلة السلب، فهذا هو المعنى.
(وقد روي: وشغلك، بفتح الشين، وذلك مما يدل على ما قلت).
وقوله: (الطويل)
وكُلُّ تمرْئ يُولي الجميلَ مُحَبَّبٌ ... وكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيَّبُ
قال: قوله: ينبت العز استعارة حسنة؛ أي: من حصل بين يديك عز وعلا قدره.
وأقول: لا شك أن الاستعارة حسنة، ولكنه لم يفهم معنى البيت. ومعناه: أنه لما ذكر أهله وأوطانه فيما قبله، وذكر حنينه اليهم، وفضل كافورا عليهم في مقامه عنده، وانقطاعه إليه قال: لا ينبغي للإنسان أن يحن إلى الأهل والوطن إذا لم يوافق، وإن كان الأهل محببين، والوطن طيبا، بل المرء الذي يولي الجميل هو المحبب على الحقيقة، وكذلك المكان الذي ينبت العز هو الطيب، ويعني بذلك مقامه عند كافور لأنه بهذه المثابة.
(1/42)

وقوله: (الطويل)
وعَنْ ذَمَلانِ العِيس إنْ سامَحَتْ به ... وإلاّ فَفِي أَكْوارِهِنَّ عُقَابُ
قال: يقول: إن سمحت العيس لي بسيرها وإلا ففي أكوارها مني عقاب، فلا حاجة لي إلي سيرها؛ فأنا أقطع المفاوز على قدمي.
وأقول: إنه لم يفهم المعنى، ولا تنبه له أحد من بعده (والتقدير: أنا غني عن الأوطان والحنين إليها وعن ذملان العيس، وإلا اغن عنهما - لما يعرض لي من سوء المقام عند من أنا مقيم عنده - فإني خفيف في السير والاضطراب، كأني في أكوار العيس عقاب، فجعل الكور كالوكر له وهو آلف له معتاد كالعقاب).
(وقوله: (الطويل)
وأَكْثرُ مَا تَلْقَى، أبا المِسْكِ بِذلَة ... إذا لم يَصُنْ إلاَّ الحَديدَ ثِيَابُ
(1/43)

قال: يقول: إذا تكفرت الأبطال فلبست الثياب فوق الحديد خشية واستظهارا؛ فذلك الوقت أشد ما يكون تبذلا للضرب والطعن شجاعة وإقداما.
وأقول: ليس المعنى في التقدير كما. . .)
وقوله: (السريع)
لو دَرَتِ الدُّنيَا عندَهُ ... لاسْتَحْيَت الأيامُ من عَتْبِهِ
قال: يقول: لو علمت الدنيا بما عنده من الفضل والنفاسة، لاستحيت الأيام من عتبه عليها.
وأقول: إنها تعلم بما عنده من الفضل والنفاسة، ولكنها لا تعلم ما عنده من الحزن والكآبة، (ولهذا) اعتذر لها بما ذكره فيما بعد.
وقوله: (الكامل)
هُنَّ الثَّلاثُ المَانِعَاتِيِ لذتي ... في خَلْوَتي لا الخَوْفُ من تَبِعَاتِهَا
(1/44)

قال: يقول: إنما أترك لذتي في خلوتي، لما في المروءة والفتوة والأبوة، لا لما
يتخوف من تبعات اللذة، وهذا سرف نعوذ بالله منه.
وأقول إن أبا الطيب أطلق اللفظ بذكر التبعات، ولم يقيد بالتبعات التي تتخوف من قبل أهل المحبوب من قتل وقتال، وتوعد وتهدد، فذلك أراد، ولم يرد التبعات التي تلحقه من الآثام التي يكون الله - سبحانه - هو المطالب بها والمجازي عليها في الآخرة.
وقوله: (الكامل)
عَجَباً لهُ حَفِظَ العِنَانَ بأَنْمُلٍ ... ما حِفْظُهَا الأشْياَء من عَادَاتِها!
قال: يقول: كيف حفظ العنان بأصابعه، وإنما من شأنها، ابدا، العطاء والبذل، لا الحفظ.
وأقول: إن كان أراد بالحفظ إمساك الشيء ولزومه طويلا، كإمساك المال، فليس من عاداتها.
وإن أراد بالحفظ إمساك الشيء ولزومه، على الجملة، كلزوم السيف في الحرب وحفظه، وإمساك الرمح والقلم والكتب، فهي كذلك وهو من عاداتها.
وكأنه أراد بقوله: الأشياء التي تتمول وتقتنى من الذهب والفضة، ونفائس الذخائر من الثياب والجواهر والخيل والعبيد، فإن ذلك ليس من عاداتها، فأطلق بقوله:
(1/45)

الأشياء وهو يريد بعضها، وهذا كثير في استعمالهم كقوله - تعالى -: (وأوتيت من كل شيء) وقوله: (تدمر كل شيء) وقول أبي الطيب: (الوافر)
يقولُ لِيَ الطَّبيبُ أكَلْتَ شَيْئاً. . . . . . . . .
أي: شيئا ضارا.
وقوله: (الكامل)
لا تَعذُلُ المَرَضَ الذي بِكَ شائِقٌ ... أنْتَ الرَّجَالَ وِشَائقٌ عِلاتِها
أقول: إن هذه (الأبيات) في وصف المرض من أغث شعر قيل فيه وأبرده، وأناه
عن الصواب وأبعده. ومثلها الأبيات التي في فصد بدر بن عمار، بل تلك تربي عليها في الثقالة وتزيد في الإحالة، (وهي التي منها: (المنسوخ)
لم تُبْقِ إلاَّ فَبيلَ عافيةٍ ... قَدْ وفَدَتْ تَجْتَديكَها العِلَلُ
وتلك بشارة. . . .) وهذا إنما يوقعه فيه طلب التدقيق، فيخرجه عن المجار والتحقيق، فلا يأتي منه بما يستفاد، فضلا عما يستجاد.
(1/46)

وقوله: (الوافر)
ووَجْهُ البَحْرِ يُعْرَفُ من بَعِيدٍ ... إذَا يَسْجُو، فكيفَ إذا يَموجُ!
قال: قوبه: يموج لأنه رآه يدير الرمح فشبهه بالبحر المائج.
وأقول: الأظهر أنه وصف الجيش بالبحر وجعل سيف الدولة وجهه، لأنه أعلاه ومقدمه؛ فيكون فيه مدح له ولجيشه بأن جعل جيشه كالبحر في عظمه وتموجه، وسيف الدولة وجهه لعلوه، وشرفه وإقدامه.
وقوله: (الكامل)
نَازَعْتُهُ قُلُصَ الرَّكابِ ورَكْبُهُ ... خَوْفَ الهَلاكِ، حُدَاهُمُ التَّسْبِيحُ
قال: نازعته، أي أخذت منه بقطعي إياه، وأعطيته ما نال من الركاب.
(1/47)

وأقول: الذي قاله ليس بشيء!
وإنما هو من نازعت فلانا الشيء إذا جاذبته إياه.
يقول: نازعت هذا البلد الطويل الإبل لاستنقذها منه؛ لأنه يجذبها ليهلكها، وأنا أجذبها لأنجيها وأنجو عليها. وهذا من أفصح كلام وأحسن استعارة، (وقلما يقع لمحدث مثله).
وقوله: (الكامل)
جَهْدُ المُقِلَّ فَكَيْفَ بابْنِ كَريمةٍ ... تُوليهِ خَيْراً واللَّسَانُ فَصيِحُ
قال: يقول: الشكر جهد المقل، فكيف ظنك بكريم شاعر فصيح؛ يعني نفسه!
وأقول: إن قوله: الشكر جهد المقل خطأ، وإنما يريد ما ذكره من وصف الرياض في البيت الذي قبله، وهو قوله: (الكامل)
وذَكيُّ رائحةِ الرَّياضِ كَلامُهَا ... يَبْغي الثَّنَاَء على الحَيَا فَيَفُوحُ
قال الواحدي: ذاك (من الرياض) جهد المقل؛ لأنها لا تملك النطق ولا تقدر من
(1/48)

شكر السحاب إلا على ما يفوح منها من الروائح الطيبة، فكيف ظنك بابن كريمة - يعني نفسه - تحسين إليه وله لسان فصيح يقدر في الثناء (على) ما لا تقدر عليه الرياض؟
وقوله: (الرياض)
يَرُدُّ يداً عن ثَوبِهَا وهو قَادِرٌ ... ويَعْصي الهَوَى في طَيْفِها وهو رَاقِدُ
قال: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا لكنه لما لم يجد إليه سبيلا، شحا على الوزن، جاء بلفظ كأنه مقلوب راقد، وهو قادر لقرب اللفظ في التجانس. على أن في البيت شيئا وهو أن الراقد قادر أيضا لأنه قد يتحرك في نومه ويصيح، ولكن لما كان ذلك لغير قصد وإرادة صار كأنه غير قادر.
ومعنى البيت: إنه يعصي الهوى من منازعته إياها راقدا ويقظان؛ يصف نفسه بالنزاهة.
وأقول في قوله: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا: لو أراد ذلك
(1/49)

لأمكنه أن يجعل موضع يقظان لأنه في معناه وأحسن منه لأنه على وزن راقد وليس كذلك يقظان، ولم يرد ذلك لأن اليقظان قد يكون غير قادر، والقادر على الملامسة لا يكون إلا يقظان، وهذا يفسد قوله في النائم إنه قادر، فالأخذ الذي أخذه عليه غير صحيح، والصحيح ما ذكره أبو الطيب؛ (يقول: يعف عن الحبيب في اليقظة وعن طيفه في النوم. وهذا من قول الآخر: (الكامل)
ماذا يُريدُ النَّاسُ مِنْ رَجُلٍ ... خَلُصَ العَفافُ الأنامِ لَهُ
إن هَمَّ في حُلْم بفاحِشَةٍ ... زَجَرْتهُ عِفَّتُهُ فينتَبِهُ
وقوله: (الطويل)
وأورِدُ نَفْسي والمُهَنَّدُ في يَدِي ... كَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ من لا يُجَالِدُ
قال: أي: من وقف مثل موقفي في الحرب، ولم يكن شجاعا جلدا هلك.
وأقول: لم يفهم المعنى وهو: إني أورد نفسي موارد من الحرب لا ينجي فيها الفرار، لشدتها وضيقها وصعوبتها، ولا ينجي غيها إلا الجلاد. وكأن أبا الطيب وقف على قول
(1/50)

المهلب لابنه يزيد في بعض أيامه من الخوارج - وكان على رأسه (فوق البيضة) قلنسوة محشوة، وإن قطنها ليتطاير من ضرب السيوف -: هذا يوم لا ينجو فيه إلا من صبر! ذكر ذلك أبو العباس في الكامل.
وقوله: (الطويل)
وغَلَّسَ في الوَادي بهنَّ مُشَيَّعٌ ... مُبَاركُ ما تَحْتَ اللَّثَامَيْنِ عَابِدُ
(أقول): اشتغل (ابن جني) بذكر الفرق بين اللثام واللفام، فذكر عن الفراء وأبي زيد أن الذي على طرف الأنف بالثاء، والذي على الأنف بالفاء، عن معنى قوله: تحت اللثامين وهما: لثام العمامة ولثام المغفر، ومبارك ما تحتهما يعني وجهه، يقال: فلان مبارك الوجه وميمون النقيبة، فيكنى بذلك عن الجملة كقوله - تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) و (وجوه يومئذ ناعمة).
وقوله: (الطويل)
فَتَى يَشْتَهِي طولَ البِلادِ وَوَقِتِه ... تَضيقُ به أَوقَاتُهُ والمَقَاصدُ
(1/51)

قال: أي يشتهي طول البلاد ووقته، والزمان يظهر ما عنده من الفضل والكمال، ومع ذلك تضيق به مقاصده.
وأقول: ليس في اللفظ ما يدل على ما ذكره من إظهار الزمان ما عنده من الفضل والكمال. ولكن: تضيق في موضع الحال.
يقول: إن الممدوح، لعظمه وعظم همته يشتهي طول البلاد وطول وقته، في حال ضيق أوقاته به ومقاصده ليبلغ من ذلك ما يليق به (وما يشابهه. ومثله قوله فيه: (البسيط)
ضَاقَ الزَّمَانُ وَوَجْهُ الأرضِ عن كَلِكِ ... ملءِ الزَّمان وملءِ السَّهْلِ والجَبَلِ)
وقوله: (الطويل)
أَخُو غَزَواتٍ ما تُغِبُّ سيُوفُهُ ... رِقَابَهُمُ إلاَّ وسَيْحانُ جَامِدُ
قال: أي: ما يغبهم إلا لجمود الماء.
وأقول: هذه عبارة ليست بتلك الجيدة؛ لأنه يقال: فجمود ماء شيحان مما يعينه على غزوهم، ويسهل له الدخول إليهم، (لأنه، كما ذكر أنه يجمد بحيث تدخل عليه المارة
(1/52)

والناس والدواب فيحملهم). ولو قال: ما يغبهم إلا لشدة البرد بهجوم الشتاء، كان أجود، وذلك أن قوله: وسيحان جامد في موضع الحال، أي: في حال جمود نهرهم المعروف سيحان، وذلك يدل على شدة البرد فيمتنع الغزو.
وقوله: (الطويل)
ذِكِيٌّ تَظَنَّيهِ طَلِيعةُ عَيْنِهِ ... يَرَى قَلْبُهُ في يَومهِ ما تَرَى غَدا
قال: يقول: لصحة ذهنه وفرط ذكائه إذا ظن شيئا رآه بعينه لا محالة، وهذا كقول دريد: (الطويل)
قليلُ التَّشَكَّي للمَصِيِبَات حَافظٌ ... من اليَومِ أعقْابَ الأَحَاديث في غَدِ
وأقول: إن بينهما فرقا. وذلك أن دريدا يصف أخاه بأنه متنبه للمكارم، باكتساب المحامد واجتناب الملاوم، لأن قوله:
. . . . . . حافظٌ ... من اليَوْمِ أعقابَ الأحاديثِ في غَدِ
(1/53)

أي: ما يعقب الأحاديث التي يذكر بها الإنسان (بعد موته) من حمد إن كانت خيرا أو ذم إن كانت شرا.
ومن ذلك ما حدث به أبو تمام عن بعض المهلبيين قال: قال يزيد بن المهلب: والله الحياة أحب إلي من الموت، ولثناء حسن أحب إلي من الحياة، ولو أنني أعطيت ما لم يعط أحد لأحببت أن تكون لي أذن تسمع ما يقال في غدا إذا أنا مت!
وأبو الطيب يصف الممدوح بصحة الحدس وحدة الذهن كقوله: (الكامل)
مُسْتَنْبطٌ من عِلْمهِ ما في غَدٍ ... فكأنَّما سَيكونُ فيهِ دُونا
ولو قال: هذا كقول أوس: (المنسرح)
الأَلْمعِيَّ الذي يَظُنُّ لك الظَّ ... نَّ كأنْ قد رأى وقد سَمِعَا
كان أولى من بيت دريد.
وقوله: (الطويل)
عَرَضْتَ له دونَ الحَياةِ وطَرْفِهِ ... وأبْصَرَ سَيْفَ اللَّهِ منكَ مُجَرَّدا
قال: لما رآك لم تسمع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.
(1/54)

(وأقول:) وهذا الذي ذكره ليس بشيء!
والمعنى: أن الدمستق لما رأى سيف الدولة خاف منه؛ فلشدة خوفه كأنه حال بين طرفه وحياته وقد:
. . . . . . . . . . . . أَبْصَرَ سَيْفَ اللَّهِ منه مُجَرَّدا
أي: في تلك الحال، وقد هاهنا مقدرة، أي: سيف الله لا سيف خلقه، كقوله: (المتقارب)
فيا سيف ربك لا خلقه. . . . . . . . .
(1/55)

وقوله: (الطويل)
رَأَيْتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍ ... ولو شئتَ كانَ الحِلُمُ منكَ المُهَنَّدا
قال: أي حلمك عن الجهال عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.
وأقول: الجيد لو قال: (لقتلتهم) بالسيف.
وقوله:
. . . . . . . . . ... . . . كان الحِلْمُ منك المُهَنَّدا
(1/56)

فمن قولهم: عتابك السيف. وقول عمرو: (الوافر)
وخَيْلٍ قد دَلَفْتُ لها بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضَرْبٌ وَجيعُ
وقوله: (الكامل)
اليَوْمَ عَهْدُكُمُ فأينَ المَوْعِدُ ... هَيْهاتَ ليس ليَوم عَهْدِكمُ غَدُ
قال: أي: أموت وقت فراقكم فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم، فليس لذلك اليوم غد عندي.
وأقول: لهم يفهم معنى هذا البيت، ولا فهمه أحد ممن جاء بعده!
ومعناه: كأنه سأل أحبته: متى الوصال؟ فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ أي: في أي مكان يكون. ثم كأنه تبين له منهم الخلف فقال: هيهات! أي: استبعد أن يكون ليوم عهدهم بالوصال غد. وهذا مثل قول بعضهم: (الكامل)
في كلَّ يَوْمٍ قائِلٌ لي في غَدٍ ... يَفْنَى الزَّمَانُ ومَا تَرَى عَيْني غدا
(1/57)

وقوله: (الكامل)
المَوْتُ أقْرَبُ مِخْلبا من بَيْنِكُمْ ... والعَيْشُ أبْعَدُ منكُمُ لا تَبْعُدُوا
قال: (أي: قبل أن تبينوا عني أموت خوفا لبينكم.
قال: وهذا مثل قوله: (الوافر)
أَرَى أسَفِي ومَا سِرْنا شَديداً ... فكَيْفَ إذا غَدا السَّيرُ ابْتراكَا)
يقول: فإذا بعدتم كان العيش أبعد منكم؛ لأنه يعدم البتة وأنتم موجودون، وإن كنتم
بعداء عني فالعيش إذا أبعد منكم لأن بكم الحياة.
وأقول: أخصر من هذه العبارة (وأبين) أن يقول: الموت مني قريب ببينكم، وبينكم أيضا مني قريب. إلا أن الموت أقرب منه، وعيشي إذا بعدتم بعيد، وأنتم بعيدون إلا أن العيش ابعد منكم، فدعا لهم أن لا يبعدوا، وإنما الدعاء له في الحقيقة لأن ببعدهم بعد حياته وبقربهم قربها.
وقوله: (الكامل)
قالَتْ، وقد رأَتِ اصفرارِي: مَنْ بهِ؟ ... وتَنَهَّدَتْ، فأَجَبْتُها: المُتَنَهَّدُ
(1/58)

قال: أي: من المطالب به؟ كذا معناه.
وأقول: ليس كذا معناه، ومعنى: من به، أي: من في قلبه أو من يهوى؟ فأجبتها: المتنهد، أي: أنت، وهذا أمثل من قوله؛ لأن المطالبة تكون بالقتل، والاصفرار يدل على الهوى (لا على القتل) وهو مثل قول الآخر: (الكامل)
ظَلَّتْ تُسَائِلُ بالمُتَيَّمِ أهْلَهُ ... وهي التي فَعَلَتْ بهِ أفْعَالَها
وقوله: (الكامل)
فَرَأيتُ قَرْنَ الشَّمسِ في قَمَرِ الدُّجَى ... مُتَأوَّداً غُصْنٌ به يتأوَّدُ
قال: قرن الشمس: أعلاها؛ أي: قد جمعت حسن الشمس والقمر.
وأقول: المعنى غير ذلك، وهو أنه شبه صفرتها من الحياء بقرن الشمس، وهو أول ظهورها وشروقها، وشبه بياضها بالقمر، فكانت مصفرة الحياء في بياض وجهها كالشمس في القمر.
وقوله: (الكامل)
أبْلَتْ مَوَدَّتَها اللَّيالي بَعْدَنَا ... ومَشَى عَلَيْهَا الدَّهْرُ وهو مُقَيَّدُ
(1/59)

قال: هذا مثل واستعارة،
وذلك أن المقيد يتقارب خطوه، فيريد أن الدهر دب إليها فغيرها كما قال أبو تمام: (الوافر)
فَيَا حُسْنَ الدَّيارِ وما تَمَشَّى ... إليهَا الدَّهْرُ في صُورَ البُعَادِ
وقال الواحدي في قوله:
. . . . . . . . . وَمَشى عَلَيْهَا الدهرُ وهو مُقَيَّدُ
وهو الصحيح، أنه أراد المبالغة في الإبادة؛ أي وطئها وطأ ثقيلا، كما قال الحارث بن وعلة: (الكامل)
وَوَطئتَنَا وَطأ على حَنَقٍ ... وَطْأَ المُقَيَّدِ نَابِتَ الهَرْمِ
وقوله: (الكامل)
أبْرَحْت يا مَرَضَ الجُفُونِ بِمُمْرَضٍ ... مَرِضَ الطَّبِيبُ له وَعيِدَ العُودُ
قال: يعني بالممرض جفنها.
و:
. . . . . . . . . ... وَرِضَ الطَّبيبُ له وعِيدَ العُوَّدُ
(1/60)

مثل، ولا طبيب هناك ولا عود، ولكن لما جعل الممرض جفونا، جعل لها طبيبا وعودا.
(وأقول:) وهذا ليس بشيء! والمعني بالممرض نفسه، ووصفها بالمبالغة في المرض إلى أن مرض الطبيب والعود رحمة له وخوفا عليه.
والمعنى أن مرض جفون المعشوق أبرح بالممرض، الذي هو العاشق، أي: اشتد وتجاوز في الأذى والألم، فجعل مرض (الجفن) الذي هو ضعيف يشتد على العاشق ويبالغ في أذاه. وذلك عجب وهو من أحسن معنى.
ويدل على أن الممرض نفسه، الضمير الذي يليه في البيت الذي بعده وهو:
فَلَهُ بَنْو عبد العزيز. . . . . . . . .
وقوله: (الكامل)
نَظَرَ العُلوجُ فلم يَرَوْا مَنْ حَوْلَهُمْ ... لَّما رأَوْكَ وقيلَ: هذا السَّيدُ
قال: لما رأوك تشاغلوا بالنظر إليك، وبرقت أبصارهم فلم يروا أحدا لديك.
وأقول: لا حاجة إلى ذكر البرق، بل لما رأوا الممدوح لم يروا من دونه؛ لعظمته، اشتغالا به عمن سواه.
(1/61)

وقوله: (الكامل)
كُنْ حَيثُ شِئْتَ تَسِرْ إليك رِكابُنا ... فالأرضُ واحدةٌ وأنتَ الأوْحَدُ
قال: قوله: فالأرض واحدة: أي ليس للسفر علينا مشقة لإلفنا إياه، وهذا كقوله: (الوافر)
ألِفتُ تَرَحُّلي وجَعَلْتُ أرْضِي ... قُتُودي والغُرَيْرِيَّ الجُلالاَ
وأقول: لم يرد ذلك، وليس بين البيتين مشابهة. وكيف يقول: ليس علينا في السفر مشقة؟ والمعروف المألوف من الشعراء في أشعارهم أنهم يذكرون للممدوح ما يلقونه من الضرر ومشقة السفر بسلوك القفار، وتحمل الأخطار، يمتون بذلك إليه، ويدلون عليه، فمن ذلك قول الأعشى: (المتقارب)
إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرى ... وآخذُ من كُلَّ حَيَّ عُصُمْ
وقول علقمة: (الطويل)
إليكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كان وَجِيفُهَا ... بمُشْتَبِهاتٍ هَوْلُهُنَّ مهِيبُ
وقول الحطيئة: (الطويل)
إليكَ سَعِيدَ الخَيرِ جُبتُ مَهَامِها ... يُقَابِلُني آلٌ بهَا وتَنُوفُ
وما أشبه ذلك.
وإنما المعنى: كن حيث شئت من البعد، فإنا نصل إليك على كل حال؛ لأن الأرض
(1/62)

واحدة فلا بد من قطعها، وأنت الأوحد فلا بد من الوصول إليك، فلا نعدل عنك إلى غيرك.
وقوله: (الكامل)
وصُنِ الحُسَام فلا تُذلِهُ فإنَّهُ ... يشكُو يَمِينَكَ والجَمَاجِمُ تَشْهَدُ
قال: يشكو يمينك من كثرة ما يضرب به.
والإذالة: ضد الصون.
وقوله: صنه أي: لا تذله. لأنه به يدرك الثار ويحمى الذمار.
(وأقول): وقال ابن فورجة: كيف أمن أن يقول: ما أذلته إلا لأدرك (ثأري) وأحمي ذماري؟ ثم ذكر وجها من عنده غير حسن!
وأقول: المعنى أن السيف يتنزل من الشجاع منزلة الأخ؛ لطول مصاحبته وملازمته له، وذلك في كلامهم مشهور كقول طرفة: (الطويل)
أخي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضَرِيبةٍ ... إذَا قيلَ مَهْلاً قالَ حَاجِزُهُ ثَدِي
فيلزمه حينئذ صونه وحفظه؛ لأنه أخوه وصاحبه، وهو قد أذاله بكثرة ضربه للجماجم حتى شكا يمينه لذلك. وجعل الجماجم تشهد لأنها المباشرة له، فجعل السيف
(1/63)

والجماجم، بالشكوى والشهادة، بمنزلة من يحسن ويعقل ويتكلم. كل هذا استعارة ومبالغة، وكأن هذا ينظر إلى قوله: (الوافر)
لِمَنْ مَالٌ تُمَزَّقُهُ العَطايَا ... وتَشْرَكُ في رَغَائبِه الأنَامُ
ولا ندْعوك صَاحِبهُ فَتَرضَى ... لأنَّ بِصُحْبةٍ يَجِبُ الذَّمامُ
وقوله: (المتقارب)
تُعَجَّلُ قِيَّ وُجُوبَ الحُدودِ ... وَحَدَّيَ قَبْلَ وُجُوبِ السُّجودِ
قال: أي: إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب علي الصلاة، فكيف أحد؟ وليس يريد، في الحقيقة، أنه صبي غير بالغ، إنما يصغر أمر نفسه عند الوالي. ألا ترى أن صبيا لا يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف.
وأقول: إن تأويله، وصرف الكلام عن ظاهره هو الواجب، ولكن ليس كما قال من أنه يصغر أمر نفسه عند الوالي، ولكن ضرب ذلك مثلا في الظلم. يقول:
(1/64)

أنا
فيما فعل بي من الحبس، وأنا غير مستحق له، بمنزلة صبي حد، وبما قيل عني من الكذب وأنه مستحيل، بمنزلة من قيل عنه، وهو طفل لم يبلغ القعود، إنه ظلم الناس، وهو تفسير البيت الذي يليه.
وقوله: (الوافر)
أُحَادٌ أمْ سُداسٌ في أحَادِ ... لُيَيْلَتُنَا المَنُوطَةُ بالتَّنادي
قال: كأنه قال: أواحدة أم ست؛ لأن ستا في واحدة ست.
والتنادي: يريد تنادي أصحابه بما يهم به؛ ألا ترى إلى قوله: (الوافر)
أُفَكَّرُ في مُعَاقَرِة المَنَايا. . . . . . . . .
وأقول: إن هذا الذي ذكره ليس فيه طائل ولا له معنى سائغ. وقد كثر الاختلاف في تفسير هذا البيت، والأظهر فيه ما ذكره الواحدي وهو أنه أراد بقوله: سداس في أحاد: سبعة لأنه جعل (الواحد) طرفا للستة ولم يرد الضرب الحسابي، وتلك أيام الأسبوع تدور إلى آخر الدهر. والتنادي: يريد به يوم القيامة، فكأنه قال لما استطال ليلته: أهذه الليلة واحدة أم أيام الأسبوع التي تدور أبدا فهي متصلة بيوم القيامة؟
(1/65)

وقوله: (الوافر)
جَزَى اللَّهُ المَسيرَ إليه خَيْراً ... وإنْ تَرَك المَطَايا كالمَزادِ
قال: أي: قد أنضاها وهزلها، وأراد المزاد البالية، فحذف الصفة لأن المعهود منهم أن يشبه النضو المهزول بالمزادة، وأنشد: (الرجز)
كأنَّها والشَّوْلُ كالشَّنانِ
تَمِيسُ في حُلَّةِ أرْجُوانِ
(وأقول:) وقال ابن فورجة: لا دليل على حذف الصفة، وأراد: كالمزاد التي تحملها في مسيرها إذ قد خلت من الماء والزاد لطول السفر، والألف واللام في
المزاد للعهد، ولم يدل على ذلك، والدليل (عليه) أنهما في المطايا كذلك، لأنه يريد مطاياهم ولم يرد جميع المطايا.
قال: والمعنى أن المسير إليه، أذهب لحوم مطايانا، وأفنى ماء اسقيتنا، فلم يبق في المطية لحم، ولا في المزادة ماء.
(1/66)

وقوله: (الوافر)
كأنَّ عطاَءكَ الإسلامُ تَخْشَى ... إذَا مَا حُلْتَ عاقِبَةَ ارتدادِ
قال: يقول: أنت تقوم على سخائك، وتتعهده كما يحفظ الإنسان دينه.
وأقول: إنه أراد المبالغة في محافظته على جوده، فشبه رجوعه عنه برجوعه عن الإسلام في الدنيا عار، وفي الآخرة نار!
وقوله: (الوافر)
لقُوكَ بأَكْبُدِ الإبلِ الأَبَابَا ... فَسُقْتَهُمُ وحَدُّ السَّيفِ حَادي
قال: الأبايا: جمع أبية، فسقتهم وحد السيف حاديك، ضربه مثلا. وهكذا قال أبو الطيب.
وأقول: المعنى: إنه لما ذكر هؤلاء الذين بغوا وعصوا في اللاذقية شبههم بالإبل في إبائهم وغلظ أكبادهم، وجعل السيف حاديهم وسائقهم بخلاف الإبل فإنها تساق وتحدى بالعصا، (فغلظ عليهم مقابلة لأفعالهم).
(1/67)

وقوله: (الوافر)
فإنَّ الماَء يَخْرُجُ من جَمادٍ ... وإنَّ النَّارَ تَخْرُجُ من زِنَادِ
قال: يقول: إن الأشياء تكمن؛ فإذا استترت ظهرت.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يقول: لا تغتر بلين القول من عدو؛ فإنه يخرج من قلب قاس كالماء من الصخر. ولا تحقر عدوا ضئيلا ضعيفا فربما كبر أذاه واشتد إلى أن يلحقك ضرره، كالنار تخر من عود.
وقوله: (المتقارب)
كأَنَّ عطاءكَ بعضُ القَضاءِ ... فما تُعْطِ منه نَجِدْهُ جُدُودا
قال: أي: إذا وصلت أحدا ببر، سعد ببرك وبركتك، وشرف بعطيتك
(1/68)

فصارت جدا. وهذا قريب من قول أبي تمام: (البسيط)
وأقول: لا خلاف في النصف الآخر من البيت أنه كما قال، وأن (عطاء إذا) حصل لإنسان عده حظا وسعادة. وإنما الكلام في النصف الأول وهو قوله:
كأنَّ عَطَاءَكَ بعضُ القَضَاء. . . . . . . . .
وما معنى بعض القضاء؟ فإن ابن جني لم يذكره.
وقال الواحدي: (المعنى:) إن القضاء سعد ونحس، ونوالك سعد كله فهو أحد شقي القضاء.
وأقول: إنه كما ذكر الواحدي، وذلك أن القضاء فيه خير وشر، ونفع وضر، وعطاء ومنع، كقوله - سبحانه: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) وذلك (كله) من الباري - تبارك وتعالى - عدل وحكمة، وشطر ذلك من الممدوح خير وجود.
(1/69)

وقوله: (المتقارب)
فأنْفَدْتَ من عَيْشِهِنَّ البَقَاَء ... وأَبْقَيْتَ مما مَلَكْتَ النُّفُودَا
قال: أي: أنفذت بقاء نفوس العدا، وأبقيت نفاد ما تملكه بسخائك وجودك.
وأقول: هكذا قال أبو الطيب، فلم تزد عليه إلا بتكرار اللفظ! وإنما جعل نفاذ ما يملكه بقاء لأجل الذكر الذي يبقى له به، والقول الذي يثنى به عليه دائما.
وقوله: (المتقارب)
كأنَّكَ بالفَقْرِ تَلْغي الغِنَى ... وبالمَوْتِ في الحَرْبِ تَبْغي الخُلُودا
قال: يقول: كأنك لإفراط سرورك ببذلك وهبات مالك، إنما تبغي بذلك الغنى؛ لأنك تسر بما تعطيه سرور غيرك بما يأخذه، وكأنه عندك أن الفقر هو الغنى، وكأنك إذا مت في الحرب أنك مخلد وهذا من قول الحصين: (الطويل)
تَأخَّرْتُ أسْتبَقِي الحَيَاةَ فلم أَجِدْ ... لِنَفْسِي حَيَاةٌ مثلَ أَنْ أتَقَدَّما
(1/70)

وأقول: إنه أراد المبالغة فعكس المعنى، (وذلك) أن الإنسان يريد الغنى والحياة، ويكره الفقر والموت، فجعل الممدوح، لكثرة عطائه، وقلة إبقائه على ماله بإنفاده وإنفاقه، وشهوته لذلك وسروره به، كأنه يبغي بذلك الغنى. ولذلك جعله لشدة إقدامه، وإلقاء نفسه في المهالك، وقلة إبقائه عليها من المتالف، كأنه يبغي بذلك البقاء، وهذا مثل قوله: (البسيط)
ضرَبَتْهُ بِصدورِ الخَيْلِ حَامِلَةً ... قوماً إذا تَلفُوا قُدْماً فَقَدْ سَلِمُوا
وقوله: (المتقارب)
خَلائِقُ تَدْعُو إلى رَبَّها ... وآيةُ مَجْد أرَاها العَبِيَدا
قال: أي: هذه تدعو إلى صاحبها، وتدل على معرفته وعلامة مجد أراها الناس لأنهم عبيد له.
وأقول: لو أن هذا البيت في صفة الباري - جلت عظمته - لكان أولى وأحرى من أن يكون في صفة غيره؛ لما فيه من الحكمة والإتقان بأن يكون موضع خلائق بدائع؛ لأن بالصناعة يستدل على الصانع، وعظم الآية من المجد والملك يستدل بها على عظم صاحبها.
(1/71)

وقوله: (المتقارب)
مُهَذَّبَةٌ حُلوَةٌ مُرَّةٌ ... حَقَرْنَا البِحَارَ بها والأسُودا
قال: مهذبة لا عيب فيها؛ حلوة؛ لأن كل أحد يستحسنها ويعشقها، ومرة؛ لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس. ومثل قوله: حلوة مرة قول
أبي تمام: (الطويل)
هو المرْكَبُ المُدْني إلى كُلَّ سُؤدَدٍ ... وعَلْيَاَء إلا أنَّهُ المركَبُ الصَّعْبُ
وأقول: أنه أراد بذلك حلوة للأولياء بالمنافع، مرة للأعداء بالمضار، وهذا من قول لبيد: (الرمل)
مُمْقِرٌ مُرٌّ على أَعْدَائِهِ ... وعلى الأذْنَيْنَ حُلْوٌ كالعَسَلْ
وقوله: (الطويل)
وطَعْنٍ كأنَّ الطَّعْنَ لا طَعْنَ عِنْدَهُ ... وضَرْبٍ كَنَّ النَّارَ من حَرَّهِ بَرْدُ
قال: الهاء في عنه تعود على طعن الأول من صفته. والطعن الثاني اسم كأن، وخبرها الجملة بعده، والعائد عليه منها محذوف للعلم به، فكأنه قال: وطعن كأن الطعن لا (طعن) منه أو به عنده.
(1/72)

وأقول: ليس الأمر على ما ذكر في العائد، بل العائد على اسم كأن معنوي، وذلك أن لا لما كانت تنفي نفيا عاما في قوله: لا طعن عنده كان الطعن داخلا تحته (وذلك كقوله: (الطويل)
وأمَّا الصُّدورُ لا صُدورَ لجعْفَرٍ ... ولكنَّ أعجازا شديداً ضريرها)
وقد شبه الشيخ أبو علي به قولهم: نعم الرجل عبد الله، في أحد الوجهين وقال: فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعا ينتظم الجنس كان عبد الله داخلا تحته وصار بمنزلة الذكر الذي يعود عليه، (وكذلك قال في البيت لعموم النفي). وقوله: (الطويل)
وأَكْرَمُهُمْ كَلْبٌ وأَبْصَرُهُمْ عَمٍ ... وأسْهَدُهُمْ فَهْدٌ وأَشْجَعُهمْ قِرْدُ
وأقول: لو قال: وأبصرهم خلد لكان مناسبا للأجناس الثلاثة التي ذكرها (وتكون الهمزة في ابصرهم غير معتد بها لزيادتها، أو تكون: أنضرهم، بالنون والضاد، وذلك أحسن في الاستعارة)، ويكون البيت مصرعا، أو يكون إذا نون
(1/73)

خلد مثل
قوله: (الطويل)
تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومنطِقُهُ حُكْمٌ ... وبَاطِنُهُ دِينٌ وظاهرهُ ظَرْفُ
وقوله: (الطويل)
تَلَجُّ دُمُوعي بالجُفُونِ كأنَّما ... جُفُوني لِعَيْنَيْ كلَّ باكِية خَدُّ
قال: أي: كلما بكت باكية فكأن دموعها تمر بجفوني كما تمر بخدها، فلست أخلو من بكاء ودموع، كما لا تخلو الدنيا من باكية يجري دمعها.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: وصف جفونه بكثرة الدموع؛ يقول: يفيض على جفوني من دموع عيني مثلما يفيض على خد كل باكية.
وقوله: (الطويل)
بِنَفسِيَ من لا يُزْدَهَى بِخَدِيعَةٍ ... وإنْ كَثُرَتْ فيها الذَّرائعُ والقَصْدُ
قال: كأنه قال: بنفسي غيرك أيها الممدوح، لأني أزدهيك بالخديعة، وأسخر منك
(1/74)

بهذا القول. وهذا مذهبه في أكثر شعره، لأنه يطوي المديح على الهجاء، حذقا منه بصنعة الشعر. ثم ذكر من مديحه في كافور أبياتا تحتمل التوجيه، وأضاف إلى ذلك قوله: (البسيط)
مَدَحْتُ قَوْماً وإنْ عِشْنَا نَظَمْتُ بهم ... قصائِداً من إنَاثِ الخَيْلِ والحُصُنِ
وليس بينه وبين تلك مناسبة؛ لأنه يقول في هذا: مدحت قوما لا يستحقون المديح بقصائد من نظم، وإن عشت نظمت لهم قصائد من خيل، محاربا لهم ومغيرا عليهم، إما لأنهم لم يتجاوزه (على قدر مدحه) وإما لأنهم لا يستحقون ما هم فيه، وأنه أولى به منهم.
وأقول: إن قوله: وهذا كان مذهبه في أكثر شعره يطوي المديح على الهجاء، وصف لأبي الطيب بالطبع الرديء والخلق الدنيء، وتخرض منه عليه؛ لأن هذا
لم يقع (منه) إلا في مدح كافور؛ لأنه كان عبدا أسود خصيا؛ ترك مثل سيف الدولة في الشرف والفضل والكرم، وقصده رجاء الزيادة عنده فوقع في النقص.
وهذا الممدوح - قال ابن فورجة - ذكره الواحدي - من صميم بني تميم، عربي ممدح، ينتابه الشعراء، لا يبعد من فهم. فكيف يسوغ لأبي الطيب ذلك في حقه؟ ولو كان المعني في هذا البيت غيره، وقد أتبعه بأوصاف كثيرة على نسق واحد، لكانت هذه القصيدة خالية أو أكثرها من مدحه.
(1/75)

والصحيح أن معنى قوله: لا يزدهي بخديعة أي: لا يستخف بها وإن كثرت فيها الوسائل توصلا إلى أخذ غرته؛ يصفه بصحة فطنته، وحصافة عقله، ورزانة لبه.
وينبغي أن تكون هذه الخديعة في غير المكارم؛ لأن المكارم ينبغي للكريم أن ينخدع (منها) كقوله: (البسيط)
. . . . . . . . . ... والحُرُّ يُخْدَعُ أحْيَاناً فَيَنْخَدِعُ
وكما يحكى عن معاوية، أنه دخل عليه رجل من أهل الكوفة، فشكا إليه زيادا فقال: يا أمير المؤمنين إن زيادا غصبني داري، وقد اشتريت ساجها بكذا وكذا ألف درهم، وقد دخلها أمير المؤمنين سنة كذا وكذا ورآها! قال: فكتب له: ردها له، وبما ذكره من قيمة ساجها، فلما خرج من عنده أقبل معاوية على أصحابه وقال: والله ما أعرف مما يقول شيئا، وإنما يخادعوننا فننخدع!
وقوله: (الطويل)
ألومُ به مَنْ لاَمَني في وِدادِهِ ... وحُقَّ لِخَيْرِ الخَلْقِ من خَيْرِهِ الوُدُّ
قال: أي: هو خير الخلق وأنا كذلك، وحقيق أهل الخير أن يود بعضهم بعضا، فحقيق علي إذا أن أوده.
(1/76)

وأقول: إنه يحتمل أن يكون من خيره راجعا إلى آباء الممدوح، كأنه قال: هو خير الخلق من خير الخلق، وهذا الأقرب والأشبه بغرضه، لأن وصفه نفشه بأنه خير
الناس من أقصى الرقاعة، وأقبح الشناعة!
وقوله: (الطويل)
وسَيْفي لأنْتَ السَّيفُ لا ما تَسُلُّهُ ... لِضَرْبٍ ومَّما السَّيفُ منه لك الغِمْدُ
قال: أقسم بسيفه ثم أقبل على الممدوح فقال: لأنت السيف لا السيف الذي تسله لتضرب به الأعداء؛ أي: أنت في الحقيقة سيف، لا السيف المطبوع من الحديد، لأنك أمضى منه:
. . . . . . . . . وممَّا السَّيْفُ منه لك الغِمْدُ
أي: ومن الحديد الذي تطبع منه السيوف غمدك.
يقول: إذا لبست الحديد، كالدرع والجوشن ونحوهما، كنت فيه كالسيف، وكان كالغمد. وأقول: إن في قوله:
. . . . . . . . . . . . وممَّا السَّيْفُ منه لك الغِمْدُ
تفضيلا للممدوح على السيف، وذلك أن السيف من الحديد، والحديد للممدوح غمد؛ أي: درع، والسيف أشرف من الغمد لأن الغمد لأن الغمد للسيف كالخادم فوجب أن يكون أشرف من السيف لأن الذي السيف منه، وهو الحديد، وهو جنسه، له غمد، وهذا كما يقال: زيد من تميم، وتميم لعمرو عبيد، فوجب أن يكون زيد لعمرو عبدا.
(1/77)

وقوله: (الطويل)
وعِنْدَي قَبَاطيُّ الهُمامِ ورِفْدُهُ ... وعندهُمُ مما ظفِرتُ به الجَحْدُ
قال: قوله:
. . . . . . . . . وعندهُمُ مما ظفِرتُ به الجَحْدُ
دعاء عليهم بأن لا يرزقوا شيئا، حتى إذا قيل لهم: هل عندكم خير أو بر من هذا الممدوح؟ قالوا: لا، فذلك هو الجحد؛ لأن لا حرف نفى هنا، أو يجحدوا ما
رزقوا، إن كانوا رزقوا شيئا، ليكون ذلك سببا لانقطاع الخير عنهم.
وأقول: إنه لم يفهم المعنى، وذلك أن قوله في البيت الذي قبله: (الطويل)
. . . . . . . . . وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرَّفْدُ
والبيت الثاني، إلى آخره، في موضع حال من الضمير في ألقى من قوله: (الطويل)
فلا زِلْتُ ألْقَى الحَاسِدين بِمِثْلِها. . . . . . . . .
أي: بمثل أياديه التي هي ثناء ثناءٌ.
(1/78)

وقوله:
. . . . . . . . . ... وعندهُمُ مِمّا ظَفِرتُ به الجَحْدُ
أي: عندي الظفر برفد الممدوح وليس عندهم مما ظفرت به إلا الجحد له، أي: ليس عندهم من ذلك العطاء شيء إلا جحدهم له حسدا لي عليه، وكذلك يفعل الضد، والحاسد إما يقلل ما صار إلى محسوده أو ينفيه رأسا، فالجحد إذا إنما وقع من الحاسدين، فيما صار إلى أبي الطيب لا فيما صار إليهم ولا هو دعاء عليهم.
وقوله: (الطويل)
ومَّي استفادَ الناسُ كُلَّ فَضِيلَةٍ ... فَجازُوا بِتَرْكِ الذَّمَّ إن لم يَكُنْ حَمْدُ
قال: قوله: فجازوا، كما تقول: هذا الدرهم يجوز على خبث نقده؛ أي: يتسمح به، أي: فغايتهم أن لا يذموا، وأما أن يحمدوا فلا.
وأقول: إنه قد عابوا عليه هذا التفسير وقيل: كيف يزعم أنه قد أحكم سماع شعر أبي الطيب منه، وقراءته عليه ويقول هذا القول؟ وإنما قوله: فجازوا أمر من المجازاة لا من الجواز، أي: فجازوا على ما استفدتم مني من الغرائب بترك الذم لي إن لم يكن منكم حمد. (وهو مثل قوله: (البسيط)
إنَّا لَفِي زَمَنٍ القَبيحِ به ... من أكْثَرِ النَّاسِ إحْسَانٌ وإجمالُ)
(1/79)

وقوله: (الخفيف)
قد يُصيبُ الفَتَى المُشيرُ ولم يَجْ ... هَدْ ويُخْطِي الصَّوابَ بعد اجتْهَادِ
قال: هم، وإن كانوا قد اعملوا الرأي، فإنهم قد أخطؤوا فيه وإن أصبته عفوا.
وأقول: هذا ليس بشيء!؛ وذلك أن هذا القول (إنما) ضربه مثلا لمشير وكافور هنا هو المشار عليه فليس المثل له، وذلك أن قوما أشاروا عليه بالشقاق والقتال لابن سيده، فأبى ذلك عليهم، ويدل على ذلك ما قبله من قوله: (الخفيف)
ولَعَمْرَي لقد هُزِرتَ. . .
والبيت الذي بعده.
والمعنى أن القوم الذي أشاروا عليه بالخلاف، اجتهدوا في ذلك الرأي وأخطؤوا، وقد يصيب الإنسان الرأي عفوا من غير اجتهاد، فالمثل الذي ضربه بالإصابة والإخطاء لشيء واحد، وليس ذلك لكافور وللمشير عليه (كأنه يقول: أنت فعلت الصواب وقد أشير عليك بالخطأ).
(1/80)

وقوله: (البسيط)
ما يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُ ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ
قال: أي: لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها.
وأقول: إن قوله: لا يباشر الموت أنفسهم كأنه يريد: لا يمسها بيده استقذارا لها، ولكن يمسها بعود.
وكذلك قال غير ابن جني، وهذا ليس بشيء!
والمعنى أن أنفس هؤلاء الكذابين المخلفين البخلاء، الذين ذكرهم أولا، أنفس منتنة، فإذا قبضها الموت وظفر بها فكأن في يده من نتنها عودا؛ أي: لا يعد ذلك نتنا بل طيبا؛ فرحا بها وسرورا بأخذها؛ وذلك أن اللئيم صعب الموت طويل العمر. (وكأن هذا المعنى من قول الراجز: (الرجز)
يا رِيَّهَا إذا بَدَا صُنَانِي
كأنَّني (جَانِي عَبَثْرَانِ)
وقد جاء ذلك كثيرا في أشعارهم، منه قول أبي تمام: (البسيط)
فالماءُ غيرُ عَجيبٍ أنَّ أَعْذَبَهُ ... يَفْنَى وَيْمتَدُّ عُمْرُ الآسِنِ الأَجِنِ
(1/81)

وقول: الأول: (الطويل)
لَعَمْرُكَ أنَّي بالخَليل الذي له ... عَلَىَّ دَلالٌ وَاجب لمُفَجَّعُ
وإنَّي بالمَوْلى ليس نَافعي ... ولا ضَائري فُقْدانُهُ لَمُمَتَّعُ
وقوله: (البسيط)
إنَّ امْرءاً أَمَةٌ حُبْلَى تُدَبَّرُهُ ... لمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفؤودُ
قال: يعرض بابن الإخشيد، يعني ابن سيده.
وأقول: لم يعن بذلك إلا نفسه، فالضمير في تدبره راجع إلى أبي الطيب، ويدل على ذلك ما قبله وهو قوله: (البسيط)
جَوعَانُ ياكُلُ من زَادي ويُمْسِكُني. . . . . . . . .
وما بعده وهو قوله، متعجبا من ضيزه عليه وإقامته عنده: (البسيط)
وَيْلُ أمَّهَا خُطَّةً وَيْلُ أمَّ قَابِلها ... . . . . . . . . .
(1/82)

وقوله: (الخفيف)
يَنْثَني عنكَ آخرَ اليَوْمِ (منهُ ... نَاظِرٌ أنتَ طَرْفُهُ وَسُهَادُهْ قال: أي: إذا انصرف عنك
آخر اليوم) خلف عندك طرفه فبقي بعدك بلا طرف ولا نوم إلى أن يعود، وهذا مثل، وقد أحسن فيه.
(وأقول): هذا ليس بشيء! وقد قال الواحدي: قال العروضي: هذا هجاء قبيح للممدوح إن أخذنا بقول أبي الفتح؛ لأنه يراه وينصرف عنه أعمى عديم النوم. ومعناه أنه استفاد منه النظر والرقاد وهما اللذان تستطيبهما العين.
وقوله: (الخفيف)
نحنُ في أَرْضِ فَارسٍ في سُرورٍ ... ذَا الصبَّاحُ الذي يُرَى ميلادُهْ
(1/83)

قال: أي: نحن كل يوم في سرور؛ لأن الصباح كل يوم يرى؛ يريد اتصال سرورهم.
(وأقول): وقال الواحدي: قال العروضي: ليس كما ذهب إليه، وإنما يريد أن يخص صباح النيروز بالفضل فقال: ميلاد السرور إلى مثله من السنة هذا اليوم.
وقال ابن فورجة: يريد: أنا في سرور، ميلاده في هذا الصباح؛ يعني: صباح نيروز؛ لأن السرور يولد في صباحه لفرح الناس الشائع في النيروز.
وقوله: (الخفيف)
كيفَ يرتَدُّ مَنْكِبي عن سَمَاءٍ ... والنَّجادُ الذي (عليه نِجادُهْ
قال: يريد طول حمائل سيفه لطوله، وقد تجتوز في هذا قول أبي نواس: (الطويل)
أشَمُّ طُوَالُ السَّاعِدَيْنِ كأَنَّمَا ... يُنَاطُ نِجَادا سيفهِ بِلِواءِ
(1/84)

وأقول: هذا ليس بشيء! ولم يتعرض ها هنا لطول نجاده ولا قصره، وإنما أراد علو شرفه، فوضع نجاد سيف ابن العميد على منكبه وقد وهبه له).
(وقوله:) (الخفيف)
مَثَّلُوهُ في جَفْنِه خَشيْةَ الفَقْ ... - دِ فَفي مِثْلِ أُثْرِهِ إغْمَادُهْ
قال: كان جفن هذا السيف مغشى فضة منسوجة عليه صونا له من الفقد لئلا يأكل جفنه.
وأقول: المعنى غير ما ذكره، وهو ان معنى مثلوه أي جعلوه قائما في جفنه خشية أن يفقد؛ لأن الشمس تزعم أنها رئده، أي: مثله وتربه فتذهب به، أي: تأخذه وتستلبه (للمناسبة التي بيتها وبينه)، وهذا البيت على هذا التفسير مرتب على ما
قبله وهو الصحيح، ولم أسبق إليه!
(1/85)

وقوله:
. . . . . . . . . . . . ففي مِثْلِ أثْرِهِ إغْمَادُهْ
أي: جوهره أفخر الجواهر، فكذلك غمده لأنه ذهب لا فضة كما قالوا، ويدل عليه قوله:
مُنْعَلٌ لا من الحَفَا ذَهَباً ... . . . . . . . . .
وقوله: (الخفيف)
فَرَّسَتْنَا سَوَابِقٌ كُنَّ فيه ... فَارَقَتْ لِبْدَهُ وفيها طِرَادُهْ
قال: أي: جعلتنا فرسانا خيل كن في نداه، أي: كانت في جملة ما أعطانا خيل سوابق.
فارقت لبده، أي: انتقلت إلى سرحي وفارقت سرح ابن العميد.
وفيها طراده: أي: قد سرت معه كأحد من في حملته، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المطارد عليها؛ لأن ذلك بأمره وطلب الحظوة عنده.
(وأقول): وقال الواحدي: قال العروضي: هذا كلام من لم يتنبه من سنة الغفلة! إنما هو: فارقت هذه الخيل لبده وفيها تأديبه وتقويمه.
(1/86)

وقوله: (الخفيف)
إنَّني أَصْيَدُ البُزَاة ولكِنَّ أَجَلَّ النُّجُومِ لا أَصْطَادُهْ
قال: لو استوى له أن يقول: ولكن أعلى النجوم لكان أليق.
وأقول: إن أبا الطيب لو أراد ذلك لاستوى له بأن يقول: ولكني أعلى النجوم، بزيادة الياء، ولو قال ذلك لدخل عليه نجوم خفية كالسها وما أشبهه، وذلك قبيح، ولكنه أراد بأجل النجوم الشمس؛ لأنها أعظم الكواكب وأضوؤها وأنفعها.
وقال: الواحدي: عنى بأجل الكواكب زحل.
وقوله: (الخفيف)
ما تَعَوَّدْتُ أنْ أَرَى كأبي الفَضْ ... - لِ (وهذا الذي أتَاهُ اعْتِيادُهْ
قال: أي (لم أمدح مثله فلذلك قصرت عن كنه وصفه و) هذا الذي أتاه من الكرم عادة له لم يتخلق لي به.
(وأقول:) وقال الواحدي: هذا ليس المعنى، لأنه ليس في وصف كرمه، إنما يعتذر عن التقصير في مدحه.
(1/87)

وقوله:) (الخفيف)
غَمَرَتْني فَوَائِدٌ شَاَء فيها ... أنْ يكونَ الكلامُ مِمَّا أفَادُهْ
قال: أي: تعلمت منه حسن القول؛ يصفه بالبلاغة والخطابة.
وأقول: إن أبا الطيب أشار إلى مواضع كان قد أخذها عليه في حال إنشاده:
بادٍ هواك. . .
يقول: أعطاني عطايا كثيرة، وأفادني فوائد جليلة من أموال، وتحف أراد أن يكون فيها فوائد الكلام، وهذا من قول أبي تمام: (المنسوخ)
. . . . . . . . . ... نأخُذُ من مَالِهِ ومِنْ أدَبِهْ
وقوله: (الخفيف)
ما سَمِعْنَا بمن أحَبَّ العَطَايا ... فاشْتَهَى أَنْ يَكونَ فيها فُؤادُهْ
قال: يقول: هذا الكلام الحسن الذي عنده نتيجة عقله وقلبه؛ فكأنه إذا أفاد إنسانا فقد وهب له عقلا ولبا وفؤادا.
(1/88)

وأقول: إنه لم يفهم معنى البيت؛ لأنه جعل الكلام الحسن الذي يفيده فؤاده، وليس كذلك، ولو كان الأمر على ما يقول، لكان بين البيت الأول والثاني تناقض، وذلك أنه قال في الأول: (الخفيف)
غَمَرَتَني مواهبٌ شَاَء فيها ... أنْ يكونَ الكَلامُ ممَّا أَفَادُهْ
فقد أراد بهذا البيت و: شاء أن يفاد كلامه، والبيت الثاني: (الخفيف)
ما سَمِعْنَا بمن أحَبَّ العَطَايا ... فاشْتَهى أنْ يكونَ فيها فؤادُهْ
أي: لا يشتهي ولا يريد أن يكون فيها فؤاده، أي: كما ذكر. وهذا التناقض إنما وقع في حمله البيت الثاني على الأول وتعلقه به، فجعل الفؤاد كلاما وليس بينهما تعلق. والبيت الثاني من قول مسلم: (البسيط)
يَجُودُ بالنَّفْس إنْ ضَنَّ الجوادُ بها ... والجُودُ بالنَّفسِ أقْصَى غَايةِ الجُودِ
وهذا المعنى كثير ظاهر لكل بصير.
(وقوله: (الخفيف)
خَلَقَ اللَّهُ أَفْصَحَ النَّاسِ طُرَّا ... في مَكَانٍ أَعْرابُهُ أكْرَادُهْ
(1/89)

لأنهم أفسد الناس لغة وأردأهم لسانا، فقد خرق الله العادة بهذا الممدوح أن خلقه أفصح الناس من أنكر الناس. ولم يعرف ابن جني هذا المعنى فروى: أفضل، والصحيح: أفصح).
وقوله: (الخفيف)
وأحقَّ الغُيُوثِ نَفْساً بحمْدٍ ... في زَمَانٍ كل النُّفُوسِ جَرادُهْ
قال: جعله كالغيث، وجعل جميع الناس كالجراد. أي: لأنه يعطيهم، وجميعهم يأخذ منه وهو سبب حياته.
وأقول: الصواب؛ أن يجعله كالغيث لعموم نفعه، ويجعل الناس كالجراد لظهور فسادهم في الأرض، ويدل على ذلك قوله فيما يليه: (الخفيف)
مِثْلَمَا أحْدَثَ النُّبُوَّةَ في العَا ... لَمِ والبَعْثَ حين شَاعَ فَسَادُهْ
(وهو من قول ابن أبي عيينه: (الطويل)
أبُوكَ لنَا غَيْثٌ نَعِيشُ لِظِلِهِ ... وأنتَ جَرادٌ لستَ تُبقِي ولا تَذَرْ)
(1/90)

وقوله: (الطويل)
نَسِيتُ وما أَنْسَى عتاباً الصَّدَّ ... ولا خجَلاً زادَتْ به حُمْرةُ الخَدَّ
قال: وفيت بمن غدر بعهدي.
وأقول: إنه فسر البيت على نسيت، بضم النون، ولم يجد التفسير، والجيد فتحها.
يقول: نسيت كل شيء ولا أنسى عتاب الحبيب على صده، ولا أنسى خفره عند ذلك وحمرة خده. وهم كثيرا ما يذكرون أيام (الوصال) والوداع ولياليها، وما جرى بينهم وبين أحبابهم فيها، كقوله: (الطويل)
وما أَنْسَ مِ الأشياءِ لا أنْسَ قَوْلَهَا ... وأدْمُعُها يُذْرين حَشْوَ المكَاحِلِ
تَمَتَّعْ بِذا القَصِيرِ فإنَّهُ ... رَهينٌ بأيَّامِ الشُّهورِ الأطَاوِلِ
(وأشباه ذلك)
(1/91)

وقوله: (الطويل)
يَحُلُّ القَنا يومَ الطَّعَانِ بِعَقْوَتي ... فَاَحْرِمُهُ عِرْضِي وأُطعِمُهُ جِلْدَي
قال: يقول: إذا أحاط بي الطعن لم أهرب إشفاقا من أن يعاب حسبي أو يطعن، بل أنصب نفسي وأعرض وجهي له، فإما هلك وإما ملك. وهو قريب من قول الآخر: (الوافر)
نُعَرَّضُ للطَّعَانِ إذَا التَقَيْنَا ... وجُوها لا تُعَرَّضُ للسِبَابِ
وأقول: إن هذه العبارة غير مرضية في تفسير هذا المعنى المرضي!؛ وذلك أنه يصف نفسه بالشجاعة والأنفة من الفرار، ولما جعل الرماح بمنزلة الأضياف التي تحل بعقوته، جعل قراها إطعامه جلده دون عرضه. يعني أن تخريقها جلده بالطعن أسهل من تخريقها عرضه بالذم للفرار.
وقوله: (الطويل)
إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاَء يَعْرِضُ نَفْسَهُ ... كَرَعْنَ بِسِبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ
(1/92)

قال: يقول: إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول، فلكثرتها كأنها تعرض أنفسها على الإبل فتشرب منها مستحيية منها لكثرة عرضها نفوسها عليها، وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة، ولكنه جرى مثلا. ويعني بالسبت مشافرها للينها ونقائها، وجعل الموضع المتضمن للماء، لكثرة الزهر فيه، كإناء من ورد
(وأقول:) وقال الواحدي: إن أبا الفضل العروضي روى عن جماعة عن أبي الطيب أن أبا الفتح صحف استحين وبسبت وإنما هو استجبن وبشبيب، أي: إذا ما استجبن الماء، والاستجابة بالعرض أشبه وأوفق في المعنى؛ هذا يعرض نفسه وذلك يجيب. والكرع بالشيب: أن ترشف الماء، وحكاية صوت مشافرها: شيب شيب، ومنه قول ذي الرمة: (الطويل)
تَدَعَيْنَ باسْمِ الشَّيبِ في مُتَثَلَّمٍ ... جَوانِبُهُ من بَصْرَةٍ وسِلاَمِ
قال الواحدي: وليس ما قال ابن جني ببعيد من الصواب.
وأقول: إنه نقص في الإعراب وذلك أن استحين أصله: استحيين، يقال: استحيى يستحي فهو مستحى، كقوله - تعالى -: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا) فيقع الحذف لغير علة. واستجبن ليس فيه حذف والمعنى معه صحيح مستقيم فكان (هو) الصواب، ويكون استجبن بمعنى اجبن؛ قال كعب بن سعد: (الطويل)
(1/93)

وَداعٍ دَعَا: هَلْ مُجيبٍ إلى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عند ذَاكَ مُجِيبُ
أي: فلم يجبه.
وقوى الواحدي رواية ابن جني بسبت وقال: مشافر الإبل، تشبه في صحتها ولينها بالسبت، وهي جلود تدبغ بالقرظ، واحتج على ذلك بقول طرفة: (الطويل)
وخَدَّ كقِرطاسِ الشَّامي ومِشْفَرٍ ... كَسِبْتِ اليَمَاني قِدُّهُ لم يُجَرَّدِ
وضعف الرواية بشيب وقال: لا يقال: كرعت الإبل في الماء بشيب.
فيقال له: ولم لا يقال: كرعن بشيب؟، إذا جعله في مكان الحال، والعامل في الجار والمجرور محذوف، كأنه قال: كرعن مصوتة بشيب، فإن ذلك جائز حسن. وإذا قيل: كرعن بسبت، كان الجار والمجرور في مكان المفعول به والعامل فيه الفعل.
وقوله: (الطويل)
يُعَلَّلُنَا هَذَا الزَّمانُ بذا الوَعْدِ ... ويَخدَعُ عمَّا في يَديْهِ من النَّقْدِ
قال: يقول: قد طال انتظارنا لهذا المهدي المتوقع، ولسنا نرى لذلك أثرا، فكأن الزمان يسخر منا ويخدعنا، ولا حقيقة لما يدعيه أناس من ذلك.
وأقول: إن هذه العبارة ليست بحسنة، والحسنة عبارة الواحدي، قال يقول: هذا الزمان يعدنا خروج المهدي فيعللنا بوعد طويل، ويخدعنا عما عنده من النقد
(1/94)

بالوعد. يعني: أن الممدوح هو المهدي نقدا حاضرا، ومن ينتظر خروجه وعد وتعليل وخداع، ثم أكد ذلك بالبيت الذي بعده.
وقوله: (الطويل)
وكُلُّ شَرِيكٍ في السُّرور بمُصبَحي ... أَرَى بَعْدَهُ من لا يَرَى مِثْلَهُ بَعْدي
قال: أي: وكل من يشاركني في السرور بمصبحي عنده إذا عدت إليه من أهلي وغيرهم، فرأى ما أفدتنيه وحظيت به منك، أرى أنا بعده منك - يا ابن العميد - إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه، لأنه لا نظير لك في الدنيا.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! لأنه لم ينتبه على معودات الضمائر.
والمعنى: أن كل شريك لي في السرور بمصبحي عند ابن العميد أرى بعد المصبح، أو بعد الشريك إنسانا لا يرى مثل شريكي بعدي، لما حصل لي وله من الفوائد والشرف، وأنا أفضل منه ومقدم عليه.
وقوله: (الكامل)
(1/95)

أنا بالوُشَاةِ إذَا ذَكَرْتُكَ أَشْبَهُ ... تَأْتي النَّدَى ويُذاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
وإذَا رأيتُكَ دونَ عِرْضٍ عَارِضاً ... أيْقَنْتُ أنَّ اللَّهَ يَبْغي نَصْرَهُ
قد أطال الشيخ أبو الفتح الكلام في قافية هذين البيتين، وأثبت أن الروي قيهما الراء لأن ما قبل هاء الإضمار إذا كان محركا لم يكن إلا رويا احترازا من مثل قول الحطيئة: (البسيط)
يا دَارَ هِنْدٍ عَفَتْ إلاَّ أثَافِيها ... بين الطَّوِيَّ فَصَاراتٍ فَواديها
(أو ما أشبه ذلك)
وإذا ثبت أن حرف الروي (الراء) من فتكره ونصره بطلت التقفية في المصراع الأول من البيتين، وذلك لأن ما قبل الهاء، التي هي وصل، الباء.
ثم إنه جوز ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الواو في أشبه ملحقة على لغة من يقف بالواو والياء على المرفوع والمجرور كما يقف بالألف على المنصوب.
والثاني: أنه أشبع الضمة فنشأت الواو كقوله: (البسيط)
. . . . . . . . . من حيثما سَلَكُوا أدنو فَأنْظُور
والوجه الثالث، وهو أبعدها: أن يكون أكفاء بالحروف المتباعدة المخارج كما جاء عن بعضهم: (الطويل)
(1/96)

خليلَيّ حُلاَّ واترُكَا الرَّحْلَ إنَّني ... بمَهْلكَةٍ والدَّائِراتُ تَدُورُ
فبَيْنَاهُ يَشْري رَحْلَهُ قالَ قائِلٌ ... لِمَنْ جَمَلٌ رِخْوْ المِلاطِ نَجِيبُ
فجمع بين الراء والباء رويا كما جاء لأبي الطيب.
وأقول: إنه يحتمل وجها رابعا: وهو أن لا يعتد بالمخالفة في التصريع والتقفية اعتداد ما في أواخر الأبيات فلا يبلغان في القوة، من المراعاة لهما والمثابرة عليهما، مبلغ آخر البيت، فإذا لا يعد ذلك إكفاء، ألا ترى إلى قول امرئ القيس:
(الطويل)
خَلِيلي مُرَّا بِي على أمّ جُنْدَبِ. . . . . . . . .
وقوله في البيت الثاني: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . تَنْفَعْني لدَى أمَّ جُنْدَبِ
ولم يعد ذلك إيطاء، وإلى قول الآخر: (البسيط)
أَلْمِمْ بَجَوْهَرَ بالقضبان والمَدَرِ ... وبالعِصِيَّ التي في رأسِهَا عَجَرُ
وقول أبي نواس: (البسيط)
تَخَاصَمَ الحُسْنُ والجَمَالُ ... فيكَ فصارا إلى جِدَالِ
ولم يعد ذلك إقواء.
(1/97)

وقوله: (المتقارب)
وأعلمُ أني إذا ما اعتذَرْتُ ... إليك أرادَ اعتذَاري اعْتِذَارا
قال: أي: اعتذاري من غير ذنب منكر، ينبغي أن اعتذر منه.
وقال الواحدي: أي: إذا اعتذرت إليك من غير جناية، كان ذلك كذبا، والكذب مما يعتذر منه.
وأقول: الاعتذار إنما يكون من القبيح الذي يصل إلى من يتعذر إليه، إذ الحسن لا يعتذر منه، وإنما يفعله الإنسان إلى صاحبه حسن أدب ولطف تأت استبقاء لوده، واستلالا لضغنه. فالاعتذار إذا من غير ذنب ذنبٌ لأنه إقرار بالقبيح على نفسه، والعاقل لا يقر على نفسه بالقبيح ثم يعتذر منه! وهذا - لعمري - قد يحسن مع الملوك والأحباء؛ لأنه ربما أفضى بهم الدلال والإدلال إلى التجني على الإنسان بذنوب لم يقترفها، فيحتاج إذا إلى الاعتذار منها، بل ربما جرى بينه وبينهم أشياء، كان الذنب لهم فيها فجعله لنفسه استبقاء للود، وخوفا على النفس، ورجاء للنفع، وقد قال الشاعر: (البسيط)
إذَا مَرِضنَا أَتَيْناكُم نَعُودكُمُ ... وتُذنِبونَ فَنأْتيكمْ فنعتَذِرُ
(1/98)

وقال عروة: (الطويل)
ويُضْمِرُ عُذْرَهَا ويُعِينُها ... عليَّ، فما لي في الفؤادِ نَصِيبُ
وقوله: (البسيط)
تَشْبيهُ جُودكَ بالأَمْطَارِ غَادِيَةً ... جُودٌ لِكَفَّكَ ثَانٍ نَالَهُ المَطَرُ
قال: أي: قد أفرطت كفك في الجود، حتى جادت على المطر بأن شبه بها.
(وأقول:) وقال الواحدي: أي: إذا شبهنا جودك بالأمطار التي تأتي بالغدوات، وهي أغزرها، كان ذلك جودا ثانيا لكفك، لأن المطر يسر ويفتخر أن يشبه بجودك.
وأقول: المعنى أنك إذا جدت على إنسان بجود استكثره فشبه، لكثرته، بالمطر، وتشبيهه بالمطر بعد جوده على الطالب جود ثان على المطر بأن شبه به وهو أغزر منه. ومن عادة الأقل أن يشبه بالأكثر ولا ينعكس، فلما شبه الأكثر بالأقل كان ذلك بمنزلة الجود عليه.
(1/99)

(وقوله: (الوافر)
وكنتَ السَّيْفَ قائِمُهُ إليهم ... وفي الأعْدَاء حَدُّكَ والغرارُ
فأمْسَتْ بالبَدِيَّةِ شَفْرَتَاهُ ... وأَمْسَى خَلْفَ قائِمِهِ الحِيَارُ
قال: الحيار أقرب إلى العمارة من البدية، والبدية أدخل في البر من الحيار، فلما خالفوه ضربهم بالسيف الذي كانوا يضربون به أعداءهم، ثم عظم حال لسيف فقال: كان الحيار خلف قائمه؛ أي: قائمة أدنى إلى العمارة من الحيار وكانت شفرتاه، وقت كون قائمه دون الحيار بالبدية، وبين الحيار والبدية مسيرة ليلة، فطال السيف إليهم لطول باع حامله وراءهم، فكأنه مد يده إليهم فلم يفوتوه.
فيقال له: إذا كان الحيار أقرب إلى العمارة - كما ذكرت - وكان خلف قائمه،
فكيف يكون قائمه أدنى إلى العمارة من الحيار وهو خلفه؟! هذا خلف من القول! والمعنى: إنه
(1/100)

كان سيفا في أيديهم حين الطاعة، فلما عصوه صار سيفا فيهم، وذلك أنه جاوز الحيار إليهم وهم في البدية فأوقع فيهم.).
وقوله: (الوافر)
يُغادِرُ كلَّ مُلْتَفِتٍ إليه ... ولَبَّتهُ لِثَعْلبهِ وِجَارُ
قال: يقول: يطردهم بكل رمح، إذا التفت الفارس المنهزم لينظر أين هو منه طعنه في لبته، فصارت لبته لطرف الرمح، وهو ثعلبه، بمنزلة الوجار للثعلب؛ أي: دخل السنان وما في جبته من طرف الرمح في لبته.
وأقول: إن هذه استعارة حسنة، ما علمت أنه سبق إليها. وذلك أنه لما ذكر الثعلب من الرمح جعل الطعنة في لبة الفارس وجارا لدخوله فيها وللمناسبة التي بينهما. وقد استعملت بهده هذه الاستعارة كثيرا، من ذلك قول بعض أهل العصر: (الرمل)
ضَبَحَ الثَّعْلَبُ من خَطَّيَّهِ ... في وِجَارِ الصَّدْرِ لَّما وَلَغَا
فزاد عليه في ذلك زيادتين وهما: الضبح والولوغ.
وقوله: (الوافر)
إذَا صَرَفَ النَّهارُ الضَّوَْء عنهم ... دَجَا لَيْلاَنِ لَيْلٌ والغُبَارُ
(1/101)

قال: أي: إذا زال ضوء النهار، دخلوا في سواد الليل وظلمة الغبار، فكأن هناك ليلين.
وكذا قال في البيت الذي يليه (في صفة الليل) وهو قسيمه في معناه.
قال: وقد أتى النابغة بمعنى هذين البيتين في بيت واحد في قوله في وصف الجيش (البسيط)
تَبْدو كَوَاكِبُهُ والشَّمْسُ طَالِعَةٌ ... نُوراً بِنُورٍ وإظْلاما بإظلامِ
وأقول: هذا المعنى قد جاء كثيرا، وكأن معنى أبي الطيب وترتيبه من قول أبي
تمام: (البسيط)
ضَوْءٌ من النَّارِ والظَّلْمَاءُ عَاكِفَةٌ ... وظُلْمَةٌ من دُخَانٍ في ضُحى شَجِبِ
فالشَّمْسُ طَالِعَةٌ مِنْ ذَا وقَدْ أفَلَتْ ... والشَّمْسُ واجِبةٌ مِنْ ذَا ولم تَجِبِ
إلا أن بيتي أبي الطيب أقصر وزنا، وأظهر معنى، وأقل كلفة، فإن كان أخذ المعنى منه، فقد زاد عليه فيه، وإن كان وارده (فيه) فهو أحق به منه. والأظهر أن أبا الطيب لم يكن ليعتمد إلا على ما يجلبه فكره ويستنتجه خاطره.
(1/102)

وقوله: (الوافر)
فكانُوا الأُسْدَ لَيْسَ لهَا مَصَالٌ ... على طَيْرٍ وليسَ لهَا مَطَارُ
قال: أي: كانوا قبل ذلك أسدا، فلما غضبت عليهم وقصدتهم لم تكن لهم صولة على طير لضعفهم، ولم يقدروا أيضا على الطيران فأهلكتهم.
وأقول: ليس هذا بشيء! لأنه جعل الضمير في لها التي في صدر البيت، ولها التي في عجزه (للفرسان)، وليس كذلك بل الأولى للفرسان والثانية للخيل.
يقول: هؤلاء الأعراب كانوا كالأسد في الشدة والشجاعة، ولكن ليس لها مصال على خيل كالطير في السرعة، وليس لتلك الخيل مطار؛ إما لما حل بها من الإعياء والكلال، أو لما لحقهم من الخذلان والخوف (والخبال) بلحاق سيف الدولة لهم، (وهذا المعنى والتفسير لم أسبق إليه، ولا ثم معنى سواه).
وقوله: (الوافر)
فَهُمْ حِزَقٌ على الخابور صَرْعَى ... بهم من شُربِ غَيْرِهِمُ خُمَارُ
(1/103)

قال: ومعنى البيت انهم ظنوا ان قد قصدهم فهربوا من بين يديه فتقطعوا.
وأقول: إن هذا مثل ضربه، وذلك أن العادة جارية بحدوث الخمار فيمن يشربون الخمر فتحدث لهم سكرا وصرعا بالنون، لا فيمن لم يشربها. وهؤلاء - بنو نمير الذين أجفلوا خوفا من سيف الدولة مما صنع ببني كلاب الذين أوقع (بهم) -
بمنزلة الذين صرعوا سكرا وخمارا من شرب غيرهم.
وقوله: (الوافر)
تَصَاهَلُ خَيْلُهُ مُتَجَاوِبَاتٍ ... وما من عَادَة الخَيْلِ السَّرارُ
قال: يقول: كأن بعضها يسر إلى بعض شكيته، لما يجشمها من ملاقاة الحروب وقطع المفاوز، ألا ترى إلى قوله: (الكامل)
نَطَقَتْ بسُؤدَدِكَ الحَمَامُ تَغَنَّياً ... وبِمَا تُجَشَّمُهَا الجِيَادُ صَهِيلاَ
ويجوز أن يكون معناه أن خيله مؤدبة فتصاهلها سرارا هيبة له كقوله في أبي شجاع يصف خيله ورجاله: (الرجز)
ما يَتَحَّركْنَ سِوَى انْسِلاَلِ
فَهُنَّ يُضْرَبْنَ على التَّصْهَالِ
كُلُّ عَليلٍ فَوْقَهَا مُخْتَالِ
يُمْسِكُ فاهُ خَشْيَةَ السُّعَالِ
(1/104)

وأقول: إنه فهم المعنى مقلوبا!
قال الواحدي: قال ابن فورجة: لفظ البيت لا يساعده على واحد من التفسيرين؛ فإنه ليس في البيت ذكر التشاكي ولا المسارة في الصهيل، ولكن المعنى أنها تتصاهل من غير سرار، وليس السرار من عادة الخيل، أي: إن سيف الدولة لا يباغت العدو ولا يطلب أن يكتم قصده العدو لاقتداره وتمكنه، والذي يطلب المباغتة والتستر عن عدوه يضرب فرسه على الصهيل كما قال: (المتقارب)
إذا الخَيْلُ صَاحَتْ صِياحَ النُّسور ... حَزَزْنَا شَراسِيفَها بالجِذَمْ
وقوله: (الوافر)
لَهُمْ حَقٌّ بِشَركِكَ في نِزَارٍ ... وأَدْنَى الشَّركِ في أَصْلٍ جِوَارُ
قال: يقول: أنت تجتمع معهم في نزار، فهذه قرابة لهم تعطفك عليهم.
وأقول: إنه فسر النصف الأول ولم يفسر الثاني، ومعناه: أن هؤلاء؛ بني كلاب، لهم حق عليك بمشاركتهم لك في نزار، وأقل ما يوجبه حق الشركة، (في الأصل)، أن تجيرهم بالعفو عنهم.
(1/105)

وقوله: (الوافر)
لعَلَّ بَنِيهمُ لِبَنيكَ جُنْدٌ ... فأوَّلُ قُرَّحِ الخَيلِ المِهَارُ
قال: أي: الأمور أوائلها صغار وأواخرها كبار.
وأقول: ليس هذا المعنى، وإنما هو ما ذكره الواحدي؛ قال: يستعطفه عليهم ويحثه على العفو عنهم؛ يقول: لعل أبناءهم يكونون جندا أبنائك، فالمهار من الخيل تصير قرحا، أي: الصغير يصير كبيرا، كما قال بعض العرب: (الرجز)
وإنَّما القَرْمُ مِنَ الأفِيلِ
وسُحُقُ النَّخْلِ من الفَسِيلِ
وقوله: (البسيط)
فَقَدْ تَيَقَّنَّ أَنَّ الحَقَّ في يَدِهِ ... وقَدْ وَثِقْنَ بأَنَّ اللَّهِ ناصِرُهُ
قال: هذا مثل قول النابغة: (الطويل)
(1/106)

جَوَانِحُ قد أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ... إذَا ما التَقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِبِ
وأقول له: إن الطير وصفهن باليقين لما ذكره فيما بعد من قوله: (الطويل)
لَهُنَّ عَلَيْهِمْ عَادَةٌ قَدْ عَرَفْنَهَا ... إذَا عُرَّضَ الخطيُّ فَوْقَ الكَوائِبِ
وأنت فلم تذكر لم وصفهن أبو الطيب باليقين والثقة، وكان ينبغي أن يقول: إنما وصفهن بذلك لما قبله من قوله: (البسيط)
تَحْمَى السُّيُوفُ على أَعْدَائِه مَعَهُ ... كأَنَّهُنَّ بَنُوهُ أَوْ عَشَائرُهُ
(إذَا انْتَضَاهَا لَحْرْبٍ لم تَدَعْ جَسَداً ... إلاَّ (وباطُنُهُ للعَيْنِ ظاهِرُهُ)
وقوله: (الطويل)
رَأَتْ وَجْهَ مَنْ أَهْوَى بِلَيْلٍ عَوَاذِلي ... فَقُلْنَ: نَرَى شَمْساً ومَا طَلَع الفَجْرُ
قال: إنما خص العواذل هنا دون غيرهن؛ لأنهن لم يعترفن له بهذا إلا لما فاق عندهن الوجوه، فعذرنه في محبته، وذلك الغاية في معناه.
(وأقول:) وقال الواحدي: وخص العواذل لأنهن إذا اعترفن بهذا، مع إنكارهن عليه حبها، كان ذلك أدل على حسنها.
(1/107)

وأقول: إن العواذل إنما يعذلن العاشق شفقة عليه ورحمة له، فمن شأنهن أن يصغرن حال المحبوب عنده، ويقبحنه في عينه، ويخدعنه عنه ليزهد فيه؛ فيحصل لهن الغرض الذي قصدنه منه. وكأن عواذل أبي الطيب لم يرين محبوبه قبل تلك الليلة، فلما رأينه بهرهن وجهه بالحسن الذي أراهن، كأن الشمس طالعة بالليل، فلم يقدرن على المخادعة والمغالطة، ووصفنه بذلك فعدن، بعد إذ كن يعذلنه؛ يغرينه، لأن وصف المحبوب إغراء به وتعريض لعشقه كما قال الشاعر: (الوافر)
وَلسْتُ بواصِفِ أَبداً حَبِيباً ... أُعَرَّضُهُ لأَهْوَاءِ الرَّجَالِ
(وقوله: (الكامل)
أو يَرْغَبُوا بقصُورِهِمْ عن حُفْرَةٍ ... حَيَّاهُ فيها مُنْكَرٌ ونَكِيرُ
قال: أعيذهم أن يتركوا زيارة قبره ويلزموا قصورهم.
وقال الواحدي: قال العروضي: ما أبعد ما وقع، وإنما أراد: لا يحسبوا قصورهم أوفق له من الحفرة التي صارت من رياض الجنة حتى حياه فيها الملكان.
وأقول: ما العجب (من وقوعه) في مثل هذا، بل سلامته!)
(1/108)

وقوله: (الكامل)
غَاضَتْ أنَامِلُهُ وَهُنَّ بُحورُ ... وخَبَتْ مَكائِدُهُ وهُنَّ سَعِيرُ
قال: أي: لما مات بطلت أفعاله، إلا من الذكر الجميل.
وأقول: هذا الاستثناء (الذي ذكره) لا يدل عليه اللفظ، وإنما ذكر غيض أنامله وهن بحور، وخبو مكائده وهن سعير، على وجه الإعظام والتعحب للبحار، مع كثرة مائها كيف تغيض، وللنار مع شدة اضطرامها (- ويعني نار جهنم -) كيف تخبو؟!
(والواو في وهن المكررة للحال.)
والمعنى: أنه يصفه بكثرة الجود على الأولياء، وبكثرة الانتقام من الأعداء.
وقوله: (الكامل)
طَارَ الوُشَاةُ على صَفَاءِ ودادِهِمْ ... وكذا الذُّبَابُ على الطَّعام يَطِيرُ
قال: معنى طاروا: ذهبوا وهلكوا، لما لم يجدوا بينهم مدخلا.
(1/109)

قال الواحدي: وقال أبو علي بن فورجة: كيف يعني بقوله: طاروا: ذهبوا وهلكوا وقد شبه طيرانهم على صفاء الوداد بطيران الذباب على الطعام؟ وإنما يعني أن الوشاة تعرضوا لما بينهم، وجهدوا أن يفسدوا ودهم، كما أن الذهاب يطير على الطعام، ومثله قول الآخر: (البسيط)
وَجَلَّ قَدْرِيَ فاسْتَحْلَوا مُسَاجَلَتي ... إنَّ الذُّبَابَ على المَاذِيّ وَقاعُ
قال الواحدي: والمعنى أن اجتماع الوشاة وسعيهم فيما بينهم بالنمائم، دليل على ما بينهم من المودة كالذباب، لا يجتمع إلا على طعام، كذلك الوشاة إنما يتعرضون للأحباء المتوادين.
قال: وقال العروضي، فيما أملاه علي: يظلم نفسه ويغر غيره من يفسر شعر المتنبي بهذا النحو، ألا تراه يقول:
. . . . . . . . . . وكذَا الذُّبابُ على الطَّعَامِ يطِيرُ
أذهاب هذا عنه أم اجتماع عليه؟!
وقال:
طَارَ الوُشَاةُ عَلَى. . . . . . . . . . . .
ولو أراد ما قال أبو الفتح لقال: (طار) عنه.
وأقول: هذا (الذي) أخذوه على ابن جني حسن، إلا أنهم لم يبينوا المعنى ويكملوه؛ وهو أن الوشاة تعرضوا لإفساد ما بينهم من الوداد، ولا يعبأ بهم لحقارتهم عندهم، فكانوا بينهم بمنزلة الذباب الذي يطير على الطعام متعرضا لفساده فلا يعبأ به ويطرد عنه.
(1/110)

وقوله: (الطويل)
مَرَتْكَ - ابنَ إبراهيمَ - صَافِيَةُ الخَمْرِ ... وهُنَّئْتَهَا من شَارِبٍ مُسْكِرِ السّكْرِ
قال: معنى مسكر السكر: إما لأنك لا يغلبك السكر، ومن عادته أن يغلب كل شيء، فكأنك قد غلبته، وإما أنه استحسن شمائلك فسكر لحسنها، وكلاهما يحتمله البيت.
وأقول: الصحيح الوجه (الأول)، والثاني ليس بشيء! والمعنى أنه أراد المبالغة فعكس فجعله يسكر السكر الذي من عادته أن يسكر، ولا يسكره السكر. وهو مثل قوله: (الطويل)
طِوَالُ الرُّدَيْنياتِ يَقْصفُها دَمي ... وبيضُ السُّريْجِياتِ يَقْطَعُها لَحْمِي
وقوله: (الوافر)
عَدُويَّي كُلُّ فيكَ حَتَّى ... لَخِلْتُ الأُكْمَ مَوُغَرةَ الصُّدُورِ
(1/111)

قال: وقوله:
. . . . . . . . . لَخِلْتُ الأكْمَ مُوغَرَةَ الصُّدُورِ
يحتمل أمين: أحدهما: أنه يريد أن الأكم تنبو به فلا يستقر فيها، ولا تطمئن به فكأنه ذلك لعداوة بينهما.
والآخر، وهو الوجه: أن يكون أراد شدة ما يقاسي فيها من الحر والبرد، وأنها
موغرة الصدور من شدة حرارتها، ويؤكد هذا قوله في هذه القطعة أيضا: (الوافر)
. . . . . . . . . وأَنْصِبُ حُرَّ وَجْهي للهَجِيرِ
وذكر الواحدي عن ابن فورجة تزييف الوجهين؛ بأن قال: لم يرد أن يستقر في الأكم فتنبو به وبئس ما يختار لداره ومقامه، وكيف خص الأكم بشدة الحر، والمكان الضاحي للشمس أولى بالحر؟ وللأكم ظل فهي أبرد من المكان الذي لا ظل فيه.
ثم إنه ذكر وجها ثالثا ليس يحسن كالوجهين الأولين يذكر في شرح الواحدي.
وأقول: إنما خص الأكم، ويريد بها الجبال، وجعلها موغرة الصدور لحسدها له حيث يفضلها في العلو والثبات والرصانة، وقوله: كل شيء أطلق وأراد التخصيص أي: كل شيء حسن عال غال، كقوله - تعالى: (وأوتيت من كل شيء).
(1/112)

وقوله: (الوافر)
ولو كُنْتَ امْرءاً يُهْجَى هَجَوْنا ... ولكِنْ ضَاقَ فِتْرٌ عن مَسِيرِ
قال: أي لست ممن يستحق الهجاء.
وأقول: هذه عبارة ناقصة، والمعنى: أنت أقل من أن تهجى، كما أن الفتر أضيق من أن يسار فيه؛ كأنه يقول: ليس لك (عرض)، وإنما يهجى من له عرض.
وقوله: (الطويل)
ذَرِ النَّفْسَ تأخُذْ وُسْعَهَا قبلَ بَيْنِهَا ... فمُفْتَرِقٌ جَارانِ دَرُهُمَا عُمْرُ
(قال: أي: إنما النفس مجاورة لهذا الجسم مدة العمر، ثم يفترقان إذا فني العمر.)
وأقول: فسر عجز البيت، وعجز أن يفسر صدره وهو: دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تريد من لذة أو مال أو حرب؛ فإنها غير باقية مع الحسد.
(1/113)

وقوله: (الطويل)
إذَا الفَضْلُ لم يرفَعْكَ عن شُكْرِ نَاقِصٍ ... عَلَى هِبَةٍ فالفَضْلُ فِيمَن له الشُّكْرُ
قال: أي: إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر الأصاغر من الناس على ما تتبلغ به إلى إمكان الفرصة، فالفضل فيك ولك، لا للممدوح المشكور.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء!
وقال الواحدي: قال أبو الفضل العروضي: يقول أبي الطيب: الفضل فيمن له الشكر، ويقول أبو الفتح: الفضل فيك ولك فيغير اللفظ ويفسد المعنى، وإنما أوقعه في ذلك أنه توهم قوله، فالفضل فيمن له الشكر أنه الشاكر، وإنما هو المشكور. والذي أراد أبو الطيب أن الفضل إذا لم يرفعك عن شكرك الناقص على هبة، فالناقص هو الفاضل؛ يشير إلى الترفع عن هبة الناقص لئلا يلتزم شكره.
وقوله: (الطويل)
وكَمْ من جِبَالِ جُبْتُ تَشْهَدُ أنَّني ال ... جِبَالُ وبَحْرٍ شَاهِدٍ أَنَّي البَحْرُ
لم يفسر البيت لظهوره.
إلا أن قوله: أنني البحر يسبق إلى الوهم أنه في الجود، ولم يكن أبو الطيب
(1/114)

ليدعي ذلك، ولا يدعى له، وإنما أراد: في العلم.
وأقول: لو كان (قال):
وكم من جِبَالٍ جُبْتُ تَشْهَدُ أنَّني ... أخُوهَا. . . . . . . . .
لكان (أقل كلفة، وأوقع تشبيها،) وأحسن من الإدماج في البيت، وتشبيه الواحد بالجمع. ولكنه لما قال:
. . . . . . . . . . . . . وبَحْرٍ شَاهدٍ أنَّني البَحْرُ
أراد أن يكون الأول مثل الآخر في ازدواج اللفظ فأوقعه في ذلك، والتكلف ظاهر فيه مع سوء التشبيه.
وقوله: (الطويل)
وخَرْقٍ مكانُ العِيسِ منهُ مَكَانُنَا ... مِنَ العِيسِ فيه واسِطُ الكُورِ والظَّهْرُ
قال: ومعنى البيت: أن هذه الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، وهو المتسع من الأرض، ليست تذهب فيه ولا تجيء، وذلك لسعته، فكأنها ليست تبرح منه كما قال آخر في صفة خرق: (الرجز)
يُمْسِي به القَوْمُ بِحَيْثُ أَصبْحَوا
(1/115)

أي: فكما أنا نحن في ظهور هذه الإبل، فكذلك هي، كأن لها من أرض هذه الخرق كورا وظهرا، فقد أقامت به لا تبرحه.
وأقول: هذا كلام من لم يشم رائحة هذا المعنى فضلا عن أن يذوقه! وهو ما قاله الواحدي، ويقوله كل من له أدنى تأمل!: أنه توسط هذا الخرق راكبا ظهر البعير في جوزه، فمكانه من ظهر البعير من الخرق. والمعنى: نحن في وسط ظهور الإبل والإبل في وسط الخرق، ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها، ثم ذكر سيرها في البيت الثاني.
وقوله: (الطويل)
ولا يَنْفَعُ الإمكانُ لولا سَخَاؤه ... وهَلْ نَافِعٌ لولا الأكُفُّ القَنَا السُّمْرُ
قال: يقول: لولا سخاؤه لما انتفع الناس بإمكانه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع، كما أن القنا لو لم تحفزها الأكف لم تقتل.
وأقول: الصحيح؛ أن الانتفاع راجع إلى الممدوح لا إلى الناس. يقول: لولا سخاؤه لما انتفع بكثرة ماله، وضرب مثلا للثراء والسخاء بالقنا السمر والأكف، فالثراء لا ينتفع (به) لولا السخاء، كما أن القنا السمر لا ينتفع به لولا الأكف.
(1/116)

وقوله: (الطويل)
كأَنَّكَ بَرْدُ المَاءِ لا عَيْشَ دَونَهُ ... ولو كُنْتَ بَرْدَ لم يكُنِ العِشْرُ
قال: يقول: لو كان برد الماء مثلك لما وردت الإبل العشر؛ أي: كانت تتجاوز مدة
العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.
وأقول: إنه فهم المعنى مقلوبا!
والمعنى: أنه شبهه ببرد الماء؛ لأنه لا حياة دونه ولا صبر عنه. ثم قال: ولو كنت برد الماء حقيقة لم يكن العشر؛ أي: لم تصبر الإبل عنك مدة العشر كالصبر عن الماء لأن النفع بك والحاجة إليك أمس من الماء، فجعله أفضل من الماء يصبر عنه، وهو لا يصبر عنه.
وقوله: (الكامل)
أَنتَ الوَحِيدُ إذَا ارْتَكبتَ طريقةً ... فَمَنِ الرَّديفُ وقد رَكِبْتَ غَضَنْفرا
(1/117)

قال: يقول: قد ركبت من خلائقك وطرائقك (أمرا) لا يتبعك فيه أحد مخافة الفضيحة لتقصيره عن مداك وتأخره عن مغزاك.
وأقول: الأحسن في هذا تفسير الشيخ أبي الحسن الواحدي: قال: يقول: أنت فرد الطريقة في كل أمر تقصده، لا يقدر أحد أن يقتدي بك في طريقتك، كراكب الأسد لا يقدر أحد أن يكون رديفا له، وعلى هذا القول: الغضنفر مركوب. ويجوز أن يكون (راكبا بأن يكون) حالا لممدوح: يقول: لا يقدر أحد أن يكون رديفا لك وأنت غضنفر.
وقوله: (الكامل)
أَرَأَيْتَ هِمَّةَ نَاقتي في نَاقَةٍ ... نَقَلَتْ يداً سُرُحاً وخُفا مُجْمَرَا
لم يذكر ابن جني معنى هذا البيت ولا الذي بعده، وهو معنى لطيف، واشتغل بذكر الغريب من المجمر والرمث وطول فيهما بتكثير الاستشهاد.
قال الواحدي: أخبر عن علو همة ناقته إذ قصدته، وذلك إخبار عن علو همة نفسه بأنها تركت دخان الرمث الذي توقده الأعراب؛ أي: تركت الأعراب وأتت قوما
(1/118)

وقودهم العنبر. وهذا مثل قول البحتري: (الكامل)
نَزَلُوا بأرضِ الزَّعفَرانِ وجَانَبُوا ... أرْضاً تَرُبُّ الشَّيحَ والقَيْصُومَا
وقوله: (الكامل)
وتَرَى الفَضِيلةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كنَهْوَرَا
(1/119)

قال: وروي: لا ترد، أي: وترى الفضيلة فيك مشرقة واضحة غير مشكوك فيها؛ كما ترى الشمس إذا اشرقت، والسحاب إذا كان متكاثفا عظيما.
وقوله: لا ترد أي: مقبولة غير مردودة. ونصب الشمس والسحاب بفعل مضمر؛ كأنه قال: ترى، برؤية فضائلك، الشمس والسحاب، ونصب فضيلة على الحال.
وخبط تخبيطا كثيرا يرغب عن ايراده!
(وأقول): وإنما أوقع في هذا التفسير أبا الفتح، تصحيف الضم من الفتح! ولولاه لما احتاج إلى هذا الخبط الشديد، والتعسف لتقدير الإعراب البعيد! ونصب فضيلة ب ترد مفعولة، فاعلها الضمير فيها، والشمس والسحاب بدلا من الفضيلة.
والمعنى ما قاله غير أن جني، أي: الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهد في المتضادين. ثم فسر ذلك فقال: ترى الشمس مشرقة كنهورا؛ أي: في حال واحدة يريك هذا الممدوح هذين المتضادين؛ إذ وجهه كالشمس (إشراقا)، ونائله كالسحاب إغداقا، ومع (ذلك) لا يتنافيان في حاله كالضدين.
قال الواحدي: وقد أوضح ابن الرومي هذا المعنى حيث يقول: (الكامل)
يُلْقَى مُغِيماً مُشْمِساً في حَالهٍ ... هَطِلَ الإغَامَةِ نَيَّر الإشْمَاسِ
(1/120)

قال: وتبعه البحتري فقال: (الطويل)
وأبيضُ وَضَّاحٌ إذَا ما تَغَيَّمَتْ ... يَداه تَجَلّى وَجْهُهُ فتَقَشَّعَا
وأقول: إن تسبيه وجهه بالشمس، لا ينبغي أن يكون من أصل الخلقة؛ لأن ذلك ليس بفضيلة للممدوح، وقد قال أبو الطيب:
وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تُرُدُّ فَضِيلةً ... . . . . . . . . .
فأثبت له فضيلتين لا ترد إحداهما الأخرى، وينبغي أن يراد بالشمس ما في وجهه من البشر (والطلاقة)، والتهلل والبشاشة، عند العطاء؛ وذلك أن الإنسان إذا أعطى ناله، والأول بمنزلة الروح، فربما تعير وجهه، وهذا الممدوح قد جمع بين كثرة البشر فشبه (وجهه) بالشمس (مشرقة)، وبين كثرة العطاء فشبه جوده بالسحاب كثيرا عزيرا فجمع بين هاتين الفضيلتين ولم ترد إحداهما الأخرى.
وقوله: (الخفيف)
سَلَّهُ الرَّكْضُ بعد وَهْنٍ بِنَجْدٍ ... فَتَصدَّى للغَيْثِ أَهْلُ الحِجَازِ
(1/121)

قال: أي: ظنوا لمعانه ضوء برق فتعرضوا للغيث.
قال: قال - يعني المتنبي: وإنما خصصت أهل الحجاز لأن فيهم طمعا. ولم أسمع هذا منه، فإن يكن على ما حكي، وإلا فالذي قاده إليه القافية كقول الراجز: (الرجز)
رَعَيْتُهَا أكْرَمَ عُودٍ عُودَا
الصَّلَّ والصَّفْصَلَّ واليَعضِيدا
والخَاز بازِ السَّنِمَ المجُودَا
بحيثُ يَدْعو عَامِرٌ مَسْعُودا
ولم يرد رجلين على الحقيقة، اسم أحدهما عامر واسم الآخر مسعود، ولو كانت القافية نونية لجاز أن يقول:
بحيث يَدْعو عَامِرٌ سَعْدَانَا
وكذلك لو كانت ميمية لجاز أن يقول:
بحيث يَدعُو عَامِرٌ تَمِيمَا
وأقول: إنه قد منع أن يكون ثم وجها ثالثا يحمل عليه قوله: أهل الحجاز، وفر مما لا معنى له إلى مثله؛ لأن تلك اللفظة - كما قال: - لا معنى لها، وإنما قاده إليها
(1/122)

القافية. والمعنى بتلك اللفظة، اظهر من أن يخفى على من له أدنى نظر، وذلك الحجاز بلاد شديدة الحر؛ قليلة المطر، مجاورة لنجد؛ فلما سل الركض السيف بليل أومض فظن أهل الحجاز أنه برق، والبرق مظنة الغيث، فتصدوا له.
وقوله: (الخفيف)
تَقْضَمُ الجَمْرَ والحَدِيدَ الأعادي ... دونَهُ قَضْمَ سُكَّرِ الأَهْوَازِ
قال: أي تقضمها حنقا عليه، وقصورا عنه كقول الأعشى: (الطويل)
فَعَضَّ جديدَ الأَرْضِ إن كُنتَ سَاخِطا ... بِفيكَ وأَحْجارَ الكُلابِ الرَّواهِصَا
وأقول: إنما خص الجمر والحديد بالذكر دون غيرهما؛ لأنه جعل أعداءه، من خوفه، بمنزلة النعام تأكل الجمر والحديد، والنعام يوصف بذلك، كقوله: (الخفيف)
إنَّما مُرَّةُ بنُ عَوْفِ بن سَعْدٍ ... جَمَراتُ لا تَشْهِيهَا النَّعامُ
ويوصف بالخوف والذعر كقول يزيد بن قفافة: (الطويل)
كأَنَّ بصَحراءِ المُريط نعامَةً ... تبادِرُهَا جِنْحَ الظَّلامِ نَعَائِمُ
أعَارَتْكَ رِجْليْهَا وهَافِيَ لُبَّهَا ... وقد جُرَّدَتْ بِيضُ السيوف صَوَارِمُ
(1/123)

وقوله: (البسيط)
إنْ تَرْمِني نَكَباتُ الدَّهْرِ عن عُوضٍُ ... تَرْمِ امرءاً غَيْرَ رِعْديد ولا نَكِسِ
قال: النكس: الساقط الفسل من الرجال. وأصله أن السهم يرمي به فينكسر فينكس؛ أي: يجعل رأسه أسفله.
وقال الواحدي: لم اسمع بالنكس بمعنى النكس إلا في هذا البيت.
وأقول: إن لم يسمع النكس - بفتح النون - فينبغي أن يكون بكسرها، ويكون أصله: نكس بسكون الكاف، فنقلت الكسرة التي على اللام إلى العين وحمل الوصل على الوقف كقوله: (مشطور السريع)
بِبَازِلٍ وَجْنَاءَ أو عَيْهَلَّ. . . . . . . . .
ويكون مثل قوله: (الرجز)
(1/124)

علَّمَنا إخوانُنَا بَنُو عِجِلْ
شُرْبَ النَّبِيذِ واصْطِفَاقاً بالرَّجِلْ
وقوله: (الكامل)
هذي بَرَزْتِ لنَا فَهِجْتِ رَسِيسَا ... ثم انْصَرَفْتِ وما شَفَيْتِ نَسيسَا
قال: هذي: أي: يا هذي؛ ناداها وحذف حرف النداء ضرورة؛ لأن هذي تصلح أن تكون وصفا لأي، ألا تراك تقول: يا أيتهاذي، كما يقال: يا أيها الرجل. فلما كان كذلك كرهوا حذف أي ويا جميعا. قال: وذلك يجوز في ضرورة الشعر كقوله: (الرجز)
جارَيَ لا تَسْتَنْكِر] عّذِيري
أراد: يا جارية.
و (أقول): قال أبو العلاء: هذي موضوعة موضع المصدر، وإشارة إلى البرزة
(1/125)

الواحدة، كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا، كأنه يستحسن تلك البرزة، وأنشد: (الرجز)
يا إبلي إما سَلِمْتِ هّذي
فَاسْتَوسِقي لصَارِمٍ هَذَّاذِ
وطَارقٍ في الدَّجْنِ والرَّذَاذِ
يريد: هذه الكرة.
وهذا التأويل يخرج قول أبي الطيب من الضرورة في الشعر إلى الجائز في الكلام.
وقوله: (الكامل)
إنْ كُنْتِ ظَاعِنَةً فإنَّ مدامِعي ... تَكْفِي مَزَادَكُمُ وتُروي العِيسَا
قال: وهذا نقيض قوله: (البسيط)
ولا سَقَيْتُ الثَّرَى، والمُزْنُ مُخْلِفُهُ، ... دَمْعاً يُنَشَّعُهُ من لَوْعةٍ نَفَسِي
لأن هناك، ذكر أن نفسه ينشف دموعه فيذهب به، وهاهنا ذكر أن مدامعه تكفي المزاد وهذا يدل على كثرتها. وما عدمت هذا الشعراء، ألا ترى أنهم ذهبوا (37/أ)
(1/126)

من قول زهير: (البسيط)
قِفْ بالدَّيَارِ التي لم يَعْفُها القِدَمُ ... بَلَى وغَيَّرها الأرْوَاحُ والدَّيَمُ
إلى أنه رد على نفسه.
وكذلك قول امرئ القيس: (الطويل)
فَتُوضِحَ قالمقراةِ لم يَعْفُ رَسْمُهَا ... لِمَا نَسَجتْهَا من جَنُوبٍ وشَمْأَلِ
ثم قال:
. . . . . . . . . فَهَلْ عند رسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّلِ
وأقول: إن ابن جني طبعه تكثير الكلام، وغرضه تكبير الكتاب، فما يبالي بعد ذلك أخطأ أم أصاب!
والجواب عن ذلك سأذكره فيما بعد، فإنه قد نقل عنه، وأخذ منه، وأعجب به غيره ممن هو في الفطانة مثله!
(1/127)

وقوله: (السريع)
وإنما يُظهِرُ تَحْكيِمَهُ ... لِيُحْكِمَ الإفْسَادَ في حِسَّهِ
قال، يقول: إذا اعتقد تحكيم العبد على نفسه، ورضي به في الظاهر كما رضي به في الباطن؛ فقد حقق عند الناس فساد حسه لقبح اختياره.
وأقول: ليس في كلام أبي الطيب ما يدل على الرضا لا ظاهرا ولا باطنا، وإنما يقول: إن من حكم عبدا لئيما جاهلا عليه يتصرف به تصرف المالك، وأظهر
تحكيمه للناس؛ فقد بالغ في إفساد حسه. هذا فيمن روى: ليحكم، ومن روى: ليظهر، وهو الأظهر، فيقول: من أظهر تحكيم العبد على نفسه مثلي، فقد أظهر فساد عقله للناس! وفي هذا توبيخ لنفسه، وزراية على فعله بقصده كافورا وانقطاعه إليه، وما بعده يدل عليه.
وقوله: (السريع)
فلا تُرَجَّ الخَيْرَ عند امْرئٍ ... مَرَّتْ يَدُ النَّحَّاس في رَأسَهِ
(1/128)

قال: وهمز عين الفعل من رأسه لأن القافية غير مردفة كما قال: (الطويل)
يقولُ ليَ الحَدَّادُ وهو يَقُودني ... إلى السَّجنِ: لا تَجْزَعْ فما بك من بَأسِ
ألا تراه يقول في هذه القصيدة: (الطويل)
. . . . . . . . . ويتركُ عُذري وهو أَضْوَا من الشَّمْسِ
فجعل همزة بأس بازاء ميم شمس.
وأقول: إنما فعل ذلك لأن عين رأس أصلها الهمز فأتى بها على الأصل، وإذا كانت كذلك فهي موازية موازنة لجميع الحروف الصحاح، الميم وغيرها، وإنما الكلام فيها إذا خرجت عن أصلها فجاءت في قصيدة مردفة ردفا كقول الحطيئة: (البسيط)
أزْمَعْتُ يأساً مُرِيحاً من نَوالِكُمُ ... ولن تَرَى طارداً للحُرَّ كاليَاسِ
من قوله: (البسيط)
واللهِ ما مَعْشَرٌ لأَمُوا امْرَءا جُنُباً ... في آلِ لأْيِ بن شَمَّاسٍ بأْكَياسِ
فحينئذ يقال: إنما ترك الهمز هاهنا، وهو أصل، لأجل الردف، إذ القصيدة مردفة. فالشيء إنما يعلل إذا خرج عن أصله، وإنما الشيخ جار على طريقته المألوفة، وشنشنته المعروفة، في كثرة الكلام بالتمويه والإيهام!
(1/129)

وقوله: (الوافر)
فَما خَاشيكَ للتَّكذِيبِ رَاجٍ ... ولا رَاجيكَ للتَّخْييبِ خَاشي
قال: ليس يرجو من يخشاك أن يلقى من يكذبه ويخطئه في خوفك، لأن الناس مجمعون على خوفك.
ومعنى راج: خائف، كقوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا)، وقال الشاعر:. (الطويل)
إذَا لَسِعَتْهُ النَّحْلُ لم يرْجُ لَسْعَهَا ... وخَالَفَهَا في بَيْتِ نُوبٍ عَوامِلِ
وأقول: إن الذي ذكره في هذا البيت من جنس كلامه قبله في إيهامه، ونفخه وجفخه، باطلاعه على غريب اللغة، واستخراجه منها ما يخفى على غيره في راج أنه بمعنى خائف، واستشهاده على ذلك بالآية والبيت. وليس راج إلا من الرجاء، وهو الطمع، وصنعة البيت بتركيبه وترتيبه يدل عليه، وهو قلب صدره على عجزه!
والمعنى أن خاشيك في الحرب لا يرجو التكذيب من نفسه أو من غيره، وراجيك في الجود لا يخشى التخييب؛ لأنه واثق منك بالعطاء وبلوغ الرجاء.
(1/130)

وقوله: (الوافر)
بُلِيتُ بهِمْ بَلاَء الوَرْدِ يَلْقَى ... أُنُوفاً هُنَّ أوْلَى بالخِشَاشِ
قال: أي: تأذيت بلقاء غيرك من الرؤساء، ولم يليقوا بي، كما لا يليق الورد بأنوف الإبل.
وأقول: إنه يريد ببليت بهم أي: اضطررت إليهم، وامتحنت بهم، وهم لئام صعاب جهال لا يلائمونني ولا يليقون بي، فتأذيت بهم كالورد الذي يقرب من أنوف الإبل لتشمه (وهي لا تفهمه) فيتأذى بها، وهي بتقريب الخشاش إليها أولى ليذلها ويقودها.
وقوله: (الكامل)
فَعَلَتْ بِنَا فِعْلَ السَّماءِ بأرْضِهِ ... خِلَعُ الأَميرِ وحَقَّهُ لم نَقْضِهِ
أقول: إنه لم يذكر معناه، فكأنه استغنى عن ذكره بذكر مثله وهو قوله: (طويل)
فَبُورِكْتَ من غَيْثٍ كأنَّ جُلُودَنَا ... به تُنْبِتُ الدَّيبَاجَ والوشيَ والعَصْبَا
قال في هذا: جعله كالغيث، وجلودهم كالأرض التي تنبت إذا أصابها (38ب)
وأقول: إنه يحتمل البيتان معنى آخر، وهو أن الغيث إذا أصاب الأرض أنبتت
(1/131)

أنواعا من الزهر، وألوانا مختلفة، فجعل الخلع في اختلاف ألوانها بمنزلة الزهر في اختلاف ألوانه، وهذا أجود من المعنى الأول.
وقوله: (الكامل)
وإذا وَكَلْتَ إلى كَريمٍ رأيَهُ ... في الجُودِ بَانَ مَذيقُهُ من مَحْضِهِ
فأقول: لم يذكر معنى هذا البيت أيضا وهو مثل قوله: (الطويل)
وللنَّفْسِ أَخْلاقٌ تَدُلُّ على الفَتَى ... أكانَ سَخَاءً ما أَتَى أم تَسَاخِيَا
كأنه جعل الكرم المحض الذي هو بطبعه ومن تلقاء نفسه، والمذيق الذي هو باقتضاء أو بشافع، وهذا معنى كثير مطروق. وهو ينظر إلى قول امرئ القيس: (الطويل)
على هَيْكَلٍ يُعطِيكَ قَبْلَ سُؤالِه ... أفَانِينَ جَرْيٍ غْيرَ كَزَّ ولا وَانِ
وقوله: (الطويل)
مَضى اللَّيْلُ والفَضْلُ الذي لك يَمْضِي ... ورؤيتكَ أَحْلى في العُيونِ من الغُمْضِ
على أنَّني طُوَّقْتُ منكَ بنعمةٍ ... شَهيدٌ بها بَعْضِي لغَيْري على بَعْضِي
(1/132)

قال: أمدحك وأثني عليك على ما طوقتنيه من نعمك؛ أي: أفعل هذا الفعل لها، فحذف أول الكلام للدلالة عليه.
وإن شئت كان تقديره: مضى الليل على هذه الحال؛ أي: على أنني ملتبس بنعمتك.
وإن شئت كان المعنى: على أنني طوقت بنعمتك، أهدي إليك سلاما وتحية. ألا
تراه يقول بعد هذا البيت: (الطويل)
سَلام الذي فوقَ السَّموات عَرْشُهُ. . . . . . . . .
وأقول: الأجود في هذا أن يكون على بمعنى اللام كقول الراعي: (الوافر)
رَعَتْهُ أشْهُراً وخَلاَ عَلَيْهَا ... فطَارَ النَّيُّ فيهَا واستغَارَا
ويكون هذا تعليلا لما قبله من قوله:
. . . والفَضْلُ الذي لك يَمْضي. . . . . . . . .
(أي: لتطويقك إياي)
وقد أنكر بعضهم قوله: لغيري وقال: إنه حشو رديء لا يحتاج إليه.
والصحيح، أنه يحتاج إليه لتصحيح المعنى أو لتكميله، وذلك أن الشهيد لابد أن يكون لشيء وعلى شيء، فلغيري هو الذي له الشهادة، وهو الممدوح، وبه يتم المعنى.
(1/133)

وقوله: (البسيط)
ولو رآهُ حَوارِ يُّهُمُ لبَنَوْا ... على مَحَبَّتِه الشَّرْعَ الذي شَرَعُوا
(قال:) الحواريون: أصحاب عيسى - عليه السلام. وإنما أضافهم إليهم؛ لما بينهم من التناسب بلزومهم شرعهم، واتباعهم ملتهم عندهم.
وأقول: إن هذه عبارة سيئة!
ولو قال: لادعائهم ملتهم وانتسابهم إلى شرعتهم، لكان أولى وأسلم.
وقوله: (البسيط)
وَجَدْتُمُوهُمْ نياماً في دِمَائِكُمُ ... كأنَّ قَتْلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
(1/134)

قال: حدثني أبو الطيب قال: لما هزم سيف الدولة الدمستق، وقتل أصحابه جاء المسلمون إلى القتلى يتخللونهم، ينظرون من كان به رمق قتلوه.
قال: وكانوا يقولون لهم: رميس رميس، ليوهموهم أنهم من الروم، فإذا تحرك
أحدهم اجهزوا عليه، فبينا هم كذلك، أكب المشركون عليهم لاشتغال سيف الدولة فلذلك قال:
وَجَدتُموهُمْ نِياماً في دِمائِكُمُ. . . . . . . . .
أي: في دماء قتلاكم، وكأن قتلاهم قد فجعوهم فهم قعود بينهم يتوجعون لهم.
وأقول: تأمل - هداك الله - هذه الخرافة المتناقضة التي ينقض آخرها أولها! وذلك أن هؤلاء المسلمين الذين كانوا يجهزون على من وجدوا به رمقا من جرحى الكفار لا يستحقون أن يسلموا إليهم، وقد قال أبو الطيب: (البسيط)
قُلْ للدُّمُسْتُقِ: إنَّ المُسلمين لكُمْ ... خَانُوا الأميرَ فَجَازَاهُمْ بما صَنَعُوا
لأن إجهازهم على الكفار ليس بخيانة، وإنما الخيانة بما ذكره بعد من قوله:
وجدتُموهُمْ نياماً في دمَائِكُمُ ... كأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
أي: من قصورهم في القتال، وفتورهم في الطلب جعلهم نياما وليسوا نياما على الحقيقة.
وقوله: في دمائكم أي: في طلب دمائكم، لا كما ذكروا من التلطخ بدماء القتلى للنوم بينهم خوفا من الروم. وهذه الحكايات التي تؤخذ من ظاهر الألفاظ لا يعتد بها السباق من الشعراء، ولا يغتر بها الحذاق من الأدباء، وأبو الفتح فيهم ليس بعريق النسب ولا بغزير النشب!
(1/135)

وقوله: (البسيط)
لا تَحْسِبُوا من أَسَرْتُمْ كانَ ذَا رَمَقٍ ... فَلَيْسَ تأكُلُ إلاَّ المَيَّتَ الضَّبُعُ
(قال:) أي: إنما أسرتموهم وهم ضعاف مغترون.
وأقول: إن تفسيره هذا، الأولى أن يكون أراد بالضبع (- كناية عن الروم لضعفهم واغترارهم -) لا بمن تأكله الضبع؛ وذلك أن الضبع تغتر (وتوصف بالاغترار) كقول أمير المؤمنين - عليه السلام: والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم
حتى يصل إليها طالبها، ويختلها راصدها. (جعل الروم بمنزلة الضبع في الضعف من بين السباع، والاغترار بأن الذي أسروه به شجاعة وله غناء، وليس كذلك بل هم كالم (سلمين) (؟) والروم في أخ (ذهم) (؟) كالضبع)
وقد أخذ على أبي الطيب قوله:
. . . . . . . . . وليسَ تأكُلُ إلاَّ المَيَّتَ الضَّبُعُ
(1/136)

وقيل: إنها تأكل الميت وغير الميت، وإنها أخبث الوحوش؛ تدخل على الغنم فتخنق عشرا حتى تأكل واحدة، وقد استفاض ذلك من أخبارها وكثر في أشعارها، وقال الراجز: (الرجز)
سَلَّطْ على أُولئِكَ الأَغْنَامِ
سَمَيْدَعاً مُعَاوِدَ الإقْدَام
أو جَيْأرً ظَلَّتْ بذَاتِ الهَامِ
تَلُفُّهَا مُدْ لَمَّسَ الظَّلامِ
لَفَّ العَجُوزِ قَرَدَ القُمَامِ
وإنما أراد أبو الطيب الميت من الناس، دون غيرهم فأطلق، وذلك المهور في أشعارهم، كقول الشنفري: (الطويل)
إذا احتَمَلَتْ رأسي وفي الرأس أكْثَري ... وغودِرَ عند الملتقَى ثَمَّ سَائري
وقول متمم: (الكامل)
يا لَهْفَ من عَرْفَاَء ذاتِ فَلِيلةٍ ... جاَءتْ إليَّ على ثَلاثٍ تَخْمَعُ
وغيرهما. وغيرها من السباع يأكل الحي والميت (والناس)، كالأسد والنمر والذئب.
(1/137)

وقوله: (البسيط)
رَضِيتَ منهم بَأنْ زُرْتَ الوَغَى فَرأَوْا ... وأنْ قَرَعْتَ حَبِيكَ البِيضِ فَاسْتَمَعُوا
قال: يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم، أي: أنا أضرب معك بالسيف وهم متخلفون عنك.
وأقول: هذا على رواية رضيت بالفتح، وزرت وقرعت بالفتح، ويكون الضمير في منهم عائدا على دني.
والجيد أن يكون الضمير راجعا إلى الملوك، ويكون رضيت بالضم، (وكذلك زرت وقرعت) ويعني نفسه. أي: رضيت من الملوك - أي: من عطاء الملوك - ويعني به سيف الدولة، أن زرت الوغى، فرأى فيها قتالي، واستمع ضربي حبيك البيض. وفي هذا تقريع لسيف الدولة وتوبيخ له وعتب عليه. وهذا التفسير يشهد له بالصحة ما قبله وما بعده.
وأما من روى فتح الضمائر الثلاثة فليس تحته معنى طائل.
وقوله: (الطويل)
أَبَحْرٌ يَضُرُّ المُعْتفِينَ وطَعْمُهُ ... زُعَاقٌ كبَحْرٍ لا يَضُرُّ وينْفَعُ
(1/138)

قال: فيه قبح لأن المشهور عندهم أن ينسب الممدوح إلى المنفعة لأوليائه، والمضرة لأعدائه؛ ألا ترى إلى قول الآخر: (الطويل)
ولكِنْ فَتَى الفِتْيَانِ من رَاحَ واغتَدَى ... لِضَرَّ عَدُوَّ أو لنَفْعِ صَدِيقِ
وقال الآخر: (الرجز)
كَفَّاك كَفٌّ ما تُلِيقُ درهما
جوداً وأُخْرى تُقْطِرُ السَّيفَ دَمَا
فيقال له: ليس في هذا قبح، وإنما فيه مبالغة، وقد جاء هذا المعنى لغيره قبله وكأنه مأخوذ منه وهو: (الكامل)
عند المُلوكِ مَضَرَّةٌ ومنافِعٌ ... وأرَى البرامِكَ لا تَضُرُّ وتَنْفَعُ
وبيت المتنبي أسلم من هذا؛ وذلك أنه لما جعله كالبحر في جوده وسعة كرمه،
وهذه صفة حسنة، نفى عنه ما يكره منه، وهو الملوحة، وما يؤذي ويضر؛ كالغرق وغيره، وهذه مبالغة في المدح، ونهاية في الحذق.
(1/139)

وقوله: (الطويل)
ألاَ أيُّهَا القَيْلُ المُقِيمُ بِمَنْبِجٍ ... وهمَّتُهُ فَوْقَ السَّمَاكَيْنِ تُوضِعُ
قال: القيل: دون الملك.
وأقول: بل القيل الملك نفسه، وكذلك قال ابن السكيت: والقيل: الملك من ملوك حمير.
وقال ابن فارس: أقوال حمير ملوكها.
وقد وافق ابن حماد ابن جني فقال في القيل مثل قوله، وهو مأخوذ منه. وكأن ابن جني أخذ ذلك من الاشتقاق من قولهم: فلان يتقبل أباه، أي: يتبعه، فجعله، فجعله يتبع الملك بمنزلة الردف للملك. والاشتقاق صحيح؛ إلا أنه من أن الثاني يتبع الأول. ومنه أيضا تبايعه اليمن، لأنه في معناه. ولم يذكر ما قال ابن جني، الخليل ولا ابن دريد.
وقوله: (الكامل)
وَمَا وَجَدْتُّمْ في الصَّراةِ مُلوُحَةً ... مِمَّا أُرَقْرِقُ في الفُراتِ دُمُوعي
(1/140)

قال: وذلك أن دمع الفرح حلو ودمع الحزن ملح.
وأقول: إن هذا شيء لم يرد في الاستعمال، ولم يعلم بالاختبار. وقد ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.
وقوله: (الكامل)
ما زلتُ أَحْذَرُ من وداعِكَ جَاهداً ... حَتَّى اغْتَدَى على التَّوديعِ
قال: هذا قريب من قوله: (الكامل)
أَسَفي على أَسَفي الذي دَلَّهْتِنِي ... عن عِلْمِهِ فَبِهِ عَليَّ خَفَاءُ
وأقول: لو قال: من البيت الذي بعده لكان أقرب وهو: (الكامل)
وَشَكِيَّتي فَقْدُ السَّقَام لأنَّه ... قَدْ كانَ لَّما كانَ لي أَعْضَاءُ
(1/141)

وقوله: (الوافر)
مُلِثَّ القَطْرِ أَعْطِشْهَا رُبُوعا ... وإلاَّ فاسْقِهَا السَّمَّ النَّقِيعا
أُسَائِلُها عن المُتَدَيَّرِيها ... فَلاَ تَدْرِي ولا تُذْرِي دُمُوعا
قال: دعا عليها لأنها لم تجبه ولم تبك على أهلها الماضين عنها.
وقال غيره: بلى! قد اجابته لو سمع، وبكت عليهم لو فهم، كما فهم غيره كلام الربوع، وبكاءها على أهلها، ولكنه سلك مسلك الجفاء، وما لا يطرب من النسيب.
وأقول: إن معنى قول هذا الآخذ على أبي الطيب أن الديار تجيب وتبكي (يعني): بلسان الحال؛ كقول أمير المؤمنين - عليه السلام: ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية، لقالت: ذهبوا في الأرض ضلالا، وذهبتم في أعقابهم جهالا.
وقوله: (الوافر)
وليس مُؤدَّباً إلاَّ بِسَيْفٍ ... كَفَى الصَمْصَامةُ التَّعَبَ القَطِيعَا
(1/142)

قال: أي أغنى السيف السوط عن التعب؛ فقد أقم سيفه في التأديب مقام سوطه.
وقد قيل: إنه وصفه على هذا التفسير بالخرق، واستواء الذنوب صغيرها وكبيرها، وهذا ذم لا مدح.
وأقول: كأنه يقول: هذا الممدوح أمير كبير عظيم الشأن لا يؤدب (43: أ) بالسوط فعل الشرطي، وإنما يؤدب بالسيف من يستحق القتل فيرتدع من دونه وهو من استحق الجلد فلا يتعب السوط؛ أي: لا يؤدب به.
وقوله: (الوافر)
عَلِيٌّ قَاتِلُ البَطَلِ المُفَدَّى ... ومُبْدِلُهُ من الزَّرَد النَّجِيعا
قال: أي: يقتل قرنه، ويسلبه درعه، ويلبسه الدم.
وأقول: أحسن من هذا التفسير، أن لا يلبسه درعه كقول (أمير المؤمنين - عليه السلام - ويعني عمرو بن عبد ود: (الكامل)
وعَفَفْتُ عن أثوابهِ ولَوَ أنَّني ... كنْتُ المُقَطَّرَ بَزَّنِي أَثوابِي
وقول) أبي تمام: (البسيط)
إنَّ الأُسُودَ - أسودَ الغَابٍ - هِمَّتُهَا ... يَوْمَ الكَريهِة في المَسْلوبِ لا السَّلَبٍ
ولكن يهتكُ الدرعَ عليه بالضرب، ويبدله منها الدم.
(1/143)

وقوله: (الوافر)
قد اسْتَقْصَيْتَ في سَلْبِ الأعَادي ... فَرُدَّ لهم من السَّلَبِ الهُجُوعَا
قال: أي سلبت أعاديك كل شيء حتى النوم، فلاد عليهم الهجوع.
فيقال له: ولم يرد عليهم سلب النوم، وهو أضر الأسلاب لهم، وهم اعداؤه؟ وإنما المعنى ما ذكرته في شرح الواحدي.
وقال في قوله: (الوافر)
فلا عَزَلٌ وأنتَ بلا سِلاحٍ ... لَحاظُكَ ما تكونُ به مَنِيعا
العزل: مصدر الأعزل؛ وهو الذي لا سلاح معه، وجمع اعزل: عزل وقالوا: عزل وأعزل ومعازيل، وأنشد أبياتا استشهادا على ذلك.
فيقال له: معازيل ليس بجمع أعزل، وإنما هو جمع معزال؛ قال الأعشى: (الخفيف)
تُذْهِل الشيخَ عن بينه وتَلوي ... بسُوَامِ المِعْزَابة المِعْزَالِ
(1/144)

وقال: (الكامل)
وإذَا هَلكتُ فلا تُرِيدي عَاجِزاً ... غُساً ولا بَرَماً ولا مِعْزَالاَ
وقوله: (الكامل)
رُدَّي الوِصَالَ سقَى طُلُولَكِ عَارِضٌ ... لو كانَ وَصْلُكِ مثلَهُ ما أَقْشَعَا
قال: وكان الأليق بمثل هذا في صناعة الشعر، أن يقول: لو كان وصلك مثله ما هجرت، ولكن الضرورة حملته على هذا وهو جائز.
وأقول: ليس في هذا ضرورة، ولكن إتقان صناعة، وإحكام صياغة، كما ذكرته في شرح التبريزي.
(1/145)

قوله: (الكامل)
ترَكَ الصَّنَائعَ كالقَواطِع باترا ... - تٍ، والمَعَالي كالعَوالي شُرَّعَا
(قال): أي: جعل الصنائع مشرقة والمعالي مشرفة.
وقال غيره: ليس غرضه في قوله: كالقواطع وكالعوالي الإشراق والإشراف، وقد كان يجد ما هو أشد إشراقا من هذه وإشرافا، وإنما أراد أنها شهرها على أعدائه فغلبهم بها.
وأقول: ويكون على هذا التفسير ينظر إلى قوله: (الخفيف)
ولَهُ في جَماجِم المَالِ ضَرْبٌ ... وَقْعُهُ في جَماجِمِ الأبْطَالِ
(1/146)

وقوله: (الكامل)
مُتَبَسَّماً لعُفَاتِهِ عن وَاضِحٍ ... تُعْشِي لوَامِعُهُ البرُوقَ اللُّمَّعَا
قال: الواضح: ثغرة.
وتعشي: تذهب بنور إبصارها؛ استعار لها العشا، وأحسبه نقله من قول القحيف: (الكامل)
مُتَسَربْلينَ سَوابِغاً مَاذِيَّةً ... تُعْشِي القَوانِسُ فوقَهَا الأبصَارا
وأقول: إن هذا المعنى، وهو إعشاء الأبصار، قد جاء كثيرا في القرآن والشعر، فلا معنى لتخصيصه بأخذه من القحيف، وإنما المعنى فيه الإغراق والمبالغة بجعل البروق، التي من شأن لوامعها أن تعشي الأبصار، معشية بلوامع ثغره، وهذا من
المقلوب كقوله: (المجتث)
ما مَسَّكِ الطَّيبُ إلاَّ ... أهْدَيْتِ للطَّيبِ طِيبَا
وأمثاله.
وقوله: (الكامل)
الكاتِبَ اللَّبِقَ الخَطِيبَ الواهِبَ النَّدُسَ الْ ... لبِيبَ الهِبْرِزِيَّ المِصْقَعَا
(1/147)

قال لبيق ولبق بمعنى.
وأقول: إنه ذكرهما بمعنى واحد، واستشهد على أحدهما، وهو لبق، بأبيات للعرب، وبأبيات في حكاية عن امرأة من المحدثين. وكأنه استشهد على صحة هذه اللفظة، وأنها منقولة عنهم مقولة، ولم يستشهد على لبيق، وهي أقل من لبق، والاستشهاد عنه على ذلك! يقول عبد يغوث: (الطويل)
وكنتُ إذَا ما الخيل شَمَّصَها القَنَا ... لَبِيقاً بِتَصرِيفِ العِنَانِ بَنَانِيَا
وقوله: (الكامل)
إنْ كانَ لا يَسْعَى لجُودٍ ماجِدٌ ... إلاَّ كَذَا فالغَيْثُ أبْخَلُ من سَعَى
قال: أي: لما لم يصح سعي ماجد لجود حتى يفعل مثل فعلك، وجب أن يكون الغيث أبخل الساعين لبعد ما بينك وبينه، ووقوعه دونك. فإن قيل: فلم جعل الغيث إذا قصر عن جوده أبخل الساعين، وهلا كان كأحدهم؟ فإنما جاء هذا على المبالغة كما تقول: فالغيث لم يمرر بشيء من الجود.
وأقول: إن جاء على المبالغة ولكن ليس على ما قال، وإنما من المعلوم
(1/148)

أن الغيث أجود الساعين، فإذا أراد أن يسعى الممدوح صار أبخل الساعين، وذلك أن من بخل حاتما كان بخله أفحش من بخل غيره، وهذا ظاهر مسلم لا خلف فيه.
وقوله: (الكامل)
النَّوْمُ بعد أبي شُجَاعٍ نافِرٌ ... والليلُ مُعْيٍ والكواكِبُ ظُلَّعُ
(قال:) ضرب هذا مثلا؛ أي: لو كان الليل والكواكب مما يؤثر فيه حزن لأثر فيها موته.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يصف كثرة سهره وطول ليله لحزنه، فجعله كالبعير المعيي، والكواكب فيه كالأبل الظالعة. وكأنه من قول سويد بن أبي كاهل: (الرمل)
يَسْحَبُ اللَّيلُ نجوماً ظُلَّعاً ... فَتَوَالِيها بَطِيئاتُ التَّبَعْ
وهو من قول امرئ القيس: (الطويل)
فقلتُ له لمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وأردَفَ أعجازاً ونَاَء بكلكلِ
(1/149)

وقوله: (الكامل)
أيْدٍ مُقَطَّعَةٌ حَوَاليْ رأسِهِ ... وَقَفاً يَصيحُ بها أَلا مَنْ يَصْفَعُ!
قال: الصفع (ليس) من كلام العرب، وقد أولعت به العامة فقالوا: صفعته، أصفعه، ورجل صفعان؛ كأنه دخيل مولد لا أعرف له في اللغة العربية أصلا.
وأقول: قد ذكره الخليل! قال: يقال صفعت فلانا أصفعه صفعا؛ إذا ضربت بجمع كفك قفاه، ورجل مصفعاني: يفعل ذلك به.
وأما استشهاده على حوالي بقوله: (الطويل)
فلو كنتَ مَوْلى العِزَّ أو في ظِلالِه ... ظَلَمْتَ ولكِنْ لا يَدَي لك في الظلم
وأنه لجرير، فليس له إنما هو الفرزدق يخاطب به عمر بن لجأ، وكان قد رفده بأبيات يهجو بها جريرا ففطن أنها للفرزدق. والقصة مشهورة ذكرها الصولي في أول
(1/150)

شرح ديوان أبي نواس. وقبل هذا البيت: (الطويل)
ما أنتَ إنْ قَرْما تَمِيمٍ تخاطَرا ... أخَا التَّيْمِ إلا كاوَشيظة في العَظْم
فيقال: إن جريرا قال: ما انصفني الفرزدق في شيء إلا في هذا! يعني قوله: قرما تميم.
وقوله: (الكامل)
فاليومَ قَرَّ لكُلَّ وَحْشٍ نَافرٍ ... دَمُهُ وكانَ كأنَّهُ يَتَطَلَّعُ
قال: أي: كأنه يهم بالظهور والخروج من غير أن يظهر ويخرج خوفا وجزعا. ونحو هذا أن الحمار إذا أروح الأسد واشتد فزعه قصده وطلبه دهشا وتحيرا. وأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لحبيب بن خالد: (الوافر)
سِلاحُ مُجَرَّبِ شَاكٍ إذ مَا ... نفوسُ القَوْمِ هَمَّتْ باطَّلاعِ
أي: من الخوف كما قال الآخر: (الطويل)
وخَفَّضْتُ من نَفْس وَقُورٍ كَريمةٍ ... إذا جَعَلتْ نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ
(1/151)

وأقول: كأنه أنشد هذين البيتين على أن النفس الدم، وجعلهما مثل الأول ولم يرد بالنفس هاهنا الدم وإنما أراد الروح، وهي مما يوصف حال الخوف بالتطلع؛ قال عمرو بن معدي كرب: (الطويل)
وجاشَتْ إليَّ النفسُ أولَ مَرَّةٍ ... ورُدَّتْ مَكْروهِها فاسْتَقرَّتِ
وكذلك القلوب كقوله تعالى: (وبلغت القلوب الحناجر). فالدم لا يتطلع؛ وإنما الدم عند الخوف يغور، والنفس تفور. ويحتمل أن يكون أبو الطيب جعل الدم النفس التي هي الروح أو بمنزلتها توسعا ومجازا، فقر دم الوحش بموته أمنا، وكان يتطلع إلى الخروج خوفا؛ يصفه بكثرة الصيد. ويكون بيت أبي الطيب من بيت عمرو المذكور. وأما ضربه لذلك مثلا بالحمار فليس بينهما مقاربة.
وقوله: (الكامل)
وتصَالَحتْ ثَمَرُ السَّياطِ وخَيْلُهُ ... وأَوَتْ إليها سُوقُها والأذْرُعُ
قال: ثمر السياط: أطرافها، وهذه استعارة حسنة لأنه كان يديم ضربه إياها إما لقصد
(1/152)

عدو، وإما لإدمان طرد، وإما لإغاثة مستصرخ، قال سلامة بن جندل: (البسيط)
كُنَّا إذَا ما أتَانَا طَارِقٌ فَزِعٌ ... كان الصُّراخُ له قَرْعَ الظَّنَابيبِ
أي: قرعها بالسياط لمعونته.
وأقول: ليس في هذا مما يستشهد به على ضرب الخيل؛ لأن قرع الظنابيب مثل يضرب للعزم على الأمر والجد فيه؛ يقال: قرع لذلك الأمر ظنوبه، وضرب جروته، وشد له حزيمه. وهذا البيت (- أعني بيت أبي الطيب -) ينظر إلى قول أبي صخر الهذلي (الطويل)
عَجِبتُ لِسَعي الدَّهْرِ بيني وبينَها ... فلمَّا انْقَضى ما بَينَنَا سَكَنَ الدَّهْرُ
ومثله قول بعض شعراء العصر: (المتقارب)
وبَعْدَكِ ضَنَّتْ غداةَ الطَّرا ... دِ أيدي الجِيادِ بما تُسْألُ
وزُرْقِ اللَّهاذِمِ أضْحَتْ لَقّى ... وبِيضُ الصَّوارِمِ لا تُحْمَلُ
وأما تشبيهه:
(1/153)

. . . وأوَتْ إليها سُوقُها والأذْرُعُ
بقول أبي النجم: (الرجز)
يَأْوِي إلى مُلْطٍ (له) وكَلْكَلِ
فليس بينهما مشابهة. وذلك أن قوله: وأوت إليها سوقها معناه أنها كأنها (كانت) سلبتها، أو أخذت منها، أو غلبت عليها، فرجعت إليها بقرارها من كثرة الطراد وإدمان القتال. ومعنى بيت أبي النجم: إن (هذا الجمل) يعتمد على اعظائه ويستأند إليها لشدته وقوته.
وقوله: (المنسرح)
أَهْوِنْ بطُولِ الثَّواءِ والتَّلَفِ ... والسَّجنِ يا أبا دُلَفِ
غيرَ اختيارٍ قَبِلْتُ بِرَّكَ بي ... والجُوعُ يُرْضِي الأسودَ بالجِيَفِ
قال: أبو دلف هذا صديق له، بره ولاطفه، وهو في سجن الوالي الذي كتب إليه:
(المتقارب)
أيَا خَدَّدَ اللَّهُ وَرْدَ الخُدودِ. . . . . . . . .
(1/154)

فيقال: إذا كان أبو دلف صديقه، وقد بره ولاطفه وأحسن إليه، فكيف يحسن به أن يهجوه؟ ولو أنه غير صديق ولا ذو معرفة وقد أحسن إليه لما ساغ له أن لا يشكره فضلا عن أن يكون صديقه ويهجوه! وإنما هذا غير صديق؛ لعله أراد بحبائه إياه إذلاله فقال له ذلك، وأراد بالبر العطاء.
وقوله: (الطويل)
نَفُورٌ عَرَتْها نَفْرَةٌ فَتَجاذَبَتْ ... سَوَالِفها والحَلْيُ والخَضْرُ والرَّدْفُ
قال: هذا مثل قوله: (الوافر)
إذا ماسَتْ رأيتَ لها ارتجاجا ... له - لولا سَواعِدُهَا - نَزُوعَا
وأقول: الأقرب أن يكون مثل قوله: (المنسرح)
يَجْذِبُهَا تحت خَصْرِهَا عَجُزٌ ... كأنَّهُ مِنْ فِراقِها وَجِلُ
(1/155)

وقوله: (الطويل)
وخَبَّلَ منها مِرْطُهَا فكأنَّها ... تَثَنَّى لنا خُوطٌ ولا حَظَنَا خِشْفُ
قال: المرط: الثوب والقميص ونحوه، وأنشد الطوسي عن ابن الأعرابي: (الطويل)
تَسَاهَمَ ثَوْباهَا ففي الدَّرْعِ رأدَةٌ ... وفي المِرْطِ لفَّاوانِ رِدْفُهما عَبْلُ
وأقول: المرط في قول الخليل: كساء من خز أو كتان. وفي قول ابن دريد: ملحفة يؤتزر بها. والبيت الذي أنشده يدل على ذلك من قوله:
. . . . . . . . . وفي المِرْطِ لفَّاوانِ. . .
لأنه يريد: فخذان لفاوان، والفخذ يكون في المئزر وما أشبهه، وإنما قال في البيت: ثوباها ثم فسر (أحد القسمين) بالمرط (فلأن) ذلك مجاز لأنهما كلاهما يلبس ويستر الجيد.
(1/156)

وقوله: (الطويل)
يُفَدُّونَهُ حتى كأنَّ دِمَاَءهُمْ ... لجَاري هَوَهُ في عُرُوقِهِمُ تَقْفُو
قال: أي: كأن محبة الناس له أشد تقدما عند أنفسهم واختصاصا بهم من دمائهم.
وأقول: إن هذا مثل قوله: (الطويل)
جَرَى حُبُّهَا مَجْرى دَمي في مَفَاصِلي. . . . . . . . .
وفيه زيادة بجعله الدماء التي بها الحياة تقفو هواه وهو متقدم عليها.
وقوله: (الطويل)
تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومَنْطِقُهُ حُكْمٌ ... وباطِنُهُ دِينٌ وظاهرُهُ ظَرْفُ
قال: هذه القصيدة من الضرب الأول من الطويل. وعروض الطويل مقبوضة على مفاعلن إلا أن يصرع البيت فيكون ضربه مفاعيلن أو فعولن فيتبع العروض الضرب، وليس هذا البيت مصرعا، وقد جاء بعروضه على مفاعيلن وهو تخليط
(1/157)

منه. وأقرب ما يصرف إليه هذا أن يقال: إنه رد مفاعلن إلى أصلها وهو مفاعيلن لضرورة الشعر كما أن للشاعر إظهار التضعيف وإلحاق المعتل بالصحيح، وقصر الممدود، وصرف ما لا ينصرف ردا إلى الأصل فكذلك هاهنا. وذكر أن العرب خلطت فعولن بمفاعلن وأنشد: (الطويل)
لَعَمْري لقَدْ بَرَّ الضَّبابَ بَنُوهُ ... وبَعْضُ البَنينَ حُمَّةٌ وسُعَالُ
وقول النابغة: (الطويل)
جزى الله عَبْساً عَبْسَ آل بَغِيضٍ ... جَزََء الكِلابِ العَوِيَاتِ وقد فَعَلْ
إلا أن مفاعيلن أقبح لأنها لم تأت عن العرب.
وأقول: إن هذا مشبه بالمصرع، وذلك أن المصرع ما غيرت عروضه حملا على ضربه وزنا وتقفية، وهذه محمولة على الضرب وزنا لا تقفية، فأشبهه من أحد الوجهين، وقد جاء مثل هذا للعرب؛ منه قول الربيه بن زياد: (الكامل)
أفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَلِكِ بن زُهَيْرٍ ... ترجو النَّسَاءُ عَواقِبَ الأَطْهَارِ
فقوله: نزهيرن: فهلاتن مقطوع من متفاعلن والقطع إنما يكون في الضرب ولا يكون في العروض إلا حملا على الضرب في التصريع، ومنه قول الحارث بن حلزة: (الخفيف)
(1/158)

أسَدٌ في اللَّقَاءِ ذو أشْبَالٍ ... ورَبَيعٌ إنْ شَنَّعَتْ غَبْراءُ
فقوله: أشبال (مفعولن) مشعث من فاعلاتن، والتشعيث إنما يكون في الضرب، ولا يكون في العروض إى حملا على الضرب أو ما يجوز في الضرب. فهذا امثل مما ذكره أبو الفتح، وهو وما شبه به شاذ، والشاذ الأولى اجتنابه.
وقوله: (الوافر)
وخَصْرٌ تَثْبُتُ الأبصارُ فيه ... كأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطاقا
قال: تثبت فيه: أي تؤثر فيه لنعمته وبضاضته. وهذا نحو من قول الآخر: (الطويل)
ومَرَّ بَقَلْبي خَاطِراً فَجَرَحْتُهُ ... ولم أَرَ شَيْئاً قَطُّ يجرَحُهُ الفِطْرُ
وأقول: إنه فسر صدر البيت بما فسر، وليس بشيء!؛ والصحيح ما ذكرته في تفسير الواحدي. وقد جاء هذا المعنى في شعر السري أظهر، وهو قوله: (الطويل)
أحَاطَتْ عيونُ العَاشقين بخَصْرِهِ ... فَهُنَّ له دون النَّطاقِ نِطَاقُ
(1/159)

وفي قول بعض شعراء هذا العصر أخضر، وهو قوله من أبيات: (الوافر)
وأَحْوَرُ بَابِليُّ الطَّرْفِ أَحْوىَ ... إلى ألْحَاظِهِ تُعْزَى المُدامُ
تَثَنَّى فالعيونُ له نِطَاقٌ ... وغَنَّى فالقُلوبُ له نِظَامُ
وقوله: (الوافر)
فلا تَسْتَكرَنَّ له ابتِسَاماً ... إذَا فَهِنَ المَكَرُّ دَماً وضَاقا
قال: فهق: اتسع. وقال: (الطويل)
وإنَّا وإيَّاهَا لكالهَائِم الذي ... رأَى الماَء يجري من جَداوِلَ تَفْهَقُ
ومنه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون).
ويقال أيضا: انفهق المكان أي: اتسع، وركي فيهق: أي: واسعة. أي: إذا كثر الدم واتسع فضاق المكر به - وهو موضع الحرب، وهو من قول الأعشى: (الرمل)
والْتَقَى القَوْمُ بِضَرْبٍ صَادِقٍ ... مَلأ القَاعَ نَجِيعا فَطَفَحْ
(1/160)

فيقال: ينبغي إذا كانت الفظة الواحدة محتملة معنيين أو معاني، واستعملت في مكان، أن يتأمل ذاك المكان وتحمل على ما يليق به فتختص به. وفهق؛ هذه اللفظة؛ قد استعملت بمعنى الاتساع ومعنى الامتلاء؛ قال الخليل: انفهقت العين: امتلأت بالماء.
وقال الأعشى: (الطويل)
نَفَى الذَّمَّ عن آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ ... كجَابِيةِ السَّيحِ العِراقَي تَفْهَقُ
والبيت الذي أنشده والحديث يحتملان هذا المعنى. فلا يليق بهذه اللفظة من قول أبي الطيب إلا أن تكون بمعنى الامتلاء؛ لأن ضيق المكر إنما حصل بالامتلاء من الدم، فالاتساع يضاد الضيق. ولو أراد بيفهق الاتساع لقال:
. . . . . . . . . إذا رَحُبَ المكَرُّ دَما وضَاقَا
ولو قال ذلك حسن (حسن الأول).
وقوله: (الوافر)
ولكِنَّا نُداعِبُ منه قَرْما ... تَراجَعَتِ القُرومُ له حِقَاقَا
(1/161)

قد أخذ على أبي الطيب في هذا البيت فقيل: كان ينبغي لما ذكر المداعبة أن يبدل قرما بلفظة غيرها؛ فإن القرم بعيد من المجاعبة، أو يبدل نداعب بكلمة تليق بالقرم.
وقال: هذا موضع يدق على أكبر نقاد الشعر.
وأقول: إنه يقول: إن الاستعارة ينبغي أن تكون مناسبة لما استعار له، والمداعبة، وهي الممازحة، لا يحسن أن تستعار للقرم، وإنما تحسن بالرجال، فلو أنه قال: نلاطف أو نلاين لكان مناسبا. ولو وضع موضع قرما ملكا فقال:
ولكنَّا نُداعِبُ منه مَلْكاً ... صَفَا خُلُقَاً ورَقَّ لنا وَرَاقَا
لكان أيضا مناسبا. ولكن أبا الطيب جاز على طبعه في الجفاء، فليس من شأنه خلق الرقة والصفاء!
وقوله: (الوافر)
فأبْلِغ حَاسِدِيَّ عَلَيْكَ أَنَّي ... كَبَا بَرْقٌ يحَاوِلُ بي لَحَاقَا
وهَلْ تُغْني الرَّسَائلُ في عَدُوًّ ... إذا ما لم يَكُنَّ ظُباً رِقَاقَا
قال: إن قيل: كيف استجاز أن يجعل الممدوح رسولا مبلغا عنه، وهذا قبيح، قيل: إنما حسن له ذلك قوله:
(1/162)

حَاسِديَّ عليك. . . ... . . . . . . . . .
فالكاف في: عليك حسنت الصنعة.
ولعمري أن لو قال: فأبلغ حاسدي على غيرك؛ لكان قد هجن المديح، ولكنه أحسن التخلص بالكاف.
وقال الوحيد رادا عليه: ما أغنت الكاف في هذا شيئا؛ بل من شأنها أن تزيد! وذلك أن الملوك يجلون عن الخطاب بالكاف.
وأما قوله: لو قال: فأبلغ حاسدي على غيرك؛ لكان قد هجن المديح فإنه لو قال ذلك لعد من المجانين!
وأما قوله:
فأبِلغْ حاسِديَّ عليك. . . . . . . . . . . .
فإنه يعد به جافيا جفاء الأعراب، أو سيئ الآداب! لأن الملوك لا يستقبلون بهذا!
وأقول: وفيه أيضا زيادة وهي: أن هؤلاء الذين أمر سيف الدولة بإبلاغ رسالته إليهم، وأنه قد فاتهم في الفضائل فلا يمكن أن يلحقوا به، إذ كان البرق يكبو، دونه، هم أصحابه وجلساؤه وندماؤه. ثم لم يرض ولم يقنع من سيف الدولة بإبلاغ رسالته إليهم إلا بضرب أعناقهم! وفي هذا الإدلال والتحكم غاية الجهل والتهور. وبقوله هذا وأمثاله في أشعاره، وإكثاره، حتى لا تكاد قصيدة تخلو من
(1/163)

تعريضه بهم وتنقصه لهم، حتى أنه في أول لقائه له ومدحه إياه بدأ بهم فقال: (الطويل)
غَضِبْتُ له لَّما رأيتُ صِفَاتِهِ ... بلاَ واصِفِ والشَّعْرُ تَهْذي طَمَاطِمُهْ
ما أحوجهم وألجأهم إلى السعي به، والتتبع له يتوقعون سقطاته، ويترقبون هفواته، إلى أن أضحوه من ظل نعمته، وأقصوه عن منزل كرامته، فكان كما قال صالح بن عبد القدوس: (السريع)
ما تَفْعلُ الأعْداءُ في جاهِلٍ ... ما يَفعل الجاهِلُ في نفسِهِ
وقوله: (الطويل)
لِعَيْنَيْك مَا يَلْقَى الفُؤَادُ وما لَقِي ... ولَلحُبَّ ما لَمْ يَبْقَ مِنَّي وما بَقي
قال: أي دنفي لعينيك فهما سقامي، وجسمي لحبك فهو يذيبه.
وأقول: هذه العبارة قاصرة عن هذا المعنى الطائل. والجيد أن يقال: لعينيك؛ أي: لعشق عينيك ما يلقى الفؤاد من العذاب بهجرك وبعدك وما لقي، وبحبك
(1/164)

ما لم يبق من جسمي؛ يعني: شدة النخول؛ وما بقي: يريد أن العشق أفنى بعضي وسيفي كلي؛ كأنه يقول: سهل عذاب قلبي في عشق عينيك، وسهل سقام جسمي وذهابه في حبك!
وقوله: (الطويل)
وأشْنَبَ مَعْسُولِ الثَّنياتِ واضحٍ ... سَتَرتُ فمي عنه فقَبَّلَ مَفْرقي
قال: يعني بالأشنب ثغرا.
وقال الواحدي: يعني حبيبا.
وأقول: الأحسن ما قال ابن جني، وذلك أنه قال فيما بعد:
وأَجْيَادِ غزلان. . . . . . . . .
فعطف الجيد على الثغر، عضوا على عضو، احسن مناسبة من عطف الأجياد على الحبيب.
وقوله: (الطويل)
كَسَائِلِهِ من يَسْألُ الغَيْثَ قَطرَةً ... كَعَاذِلِهِ من قَالَ للفَلكِ ارْفُقِ
(1/165)

قال: أي: فكما أن القطرة لا تؤثر في الغيث؛ فكذلك سائله لا يؤثر في ماله وجوده.
وقال الواحدي: قال العروضي: هذا الذي قاله أبو الفتح، على خلاف العادة في المدح؛ لأن العرب تمدح بالإعطاء من القليل والمواساة مع الحاجة إليه قال الله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقال الشاعر: (الوافر)
وَلَمْ يَكُ أكْثَرَ الفتَيانِ مالا ... ولكن كانَ أرْحَبَهُمْ ذِراعَا
وأقول: يحتمل هذا البيت معنيين:
أحدهما: أن سائله الشيء الكثير بمنزلة من يسأل الغيث قطرة؛ أي: ما يسأله حقير في جنب جوده.
والثاني: أن سائله لجهله، كمن يسأل الغيث قطرة؛ أي: ينبغي له أن لا يسأله؛ فإنه يجود بالكثير من غير سؤال كالغيث، وكذلك عاذله، في جهله، كمن يقول للفلك: ارفق، فسائله وعاذله جاهلان!
(1/166)

وقوله: (الطويل)
إذا شَاَء أنْ يَلْهُو بِلحْيَةِ أَحْمَقٍ ... أراهُ غُبَاري ثم قالَ لَهُ: الحَقِ
قال: هذا أشد مبالغة من قول أبي نواس: (البسيط)
إذَا العِتَاقُ جَرَتْ يوم الرَّهانِ بَدَا ... قَبْلَ السَّوابقِ يَحْثُو في نَواصِيهَا
فهذا يدل على قرب ما بينه وبينها لمجاورته إياها، وهذا قال: غباري فدل على بعد ما بينهما.
وقال الوحيد: وهب الله للشيخ العافية - ليس هذا ذلك، ولا بين المعنيين قرب. ولو كان كما يظن لكان (فرس) بيت أبي نواس أسبق؛ لأن فرس ذاك الممثل به جرى مع العتاق فبرز عليها، وخرج منها يحثو في نواصيها، وهذا معنى مستوفى. والمتنبي قال:
. . . . . . . . . أرَاهُ غُبَاري ثم قالَ له: ألْحَقِ
ولو كان كودنا أو حمارا لفات اللاحق لأن الغبار يرى من بعد، وقد ظلم سيف الدولة من كلفة هذا على تفسير صاحب الكتاب، لأنه أراه إياه وقد جرى فراسخ ثم قال له: الحق، فهذا ظلم، فإن لم يلحق فلا عار عليه لأنه لم يضم معه، ولم يرسلا
(1/167)

معا، وإنما أراه غباره على البعد، فليس للفائت فخر، ولا على الطالب، إن لم يلحق عيب؛ بل هو فرس مطموع في لحاقه على البعد.
وأقول: إما تمثيل بيت أبي الطيب ببيت أبي نواس فليس بينهما مماثلة. والذي ذكره الوحيد على ابن جني في هذا متوجه، والمعنى الذي أراد المتنبي: أن سيف الدولة قد ثبت عنده أني جواد لا يجارى، وسابق لا يبارى، لمن ضمني وإياه طلق، (وجمعني وإياه شأو)، فإذا أراد أن يلهو بأحمق أراه غباري، والغبار يرى من بعد، ثم قال له: الحق ولحاق الفائت إنما يكون للجواد بما دونه، فأما الكودن فإنه لا يمكنه لحاق المرسل معه، فكيف يكون مع الفائت الجواد! فأمره بذلك له هزء به وسخري منه.
وقوله: (الطويل)
وإطراقُ طَرْفِ العَيْنِ ليسَ بنافِعِ ... إذا كانَ طَرْفُ القَبْبِ ليس بمُطرِقِ
قال: الإطراق أن يرمي ببصره إلى الأرض.
قال: (الطويل)
وَمَا كنْتُ أخْشَى أنْ تكونَ مَنِيَّتي ... بِكَفَّ سَبَنْتَى أَزْرقِ العَيْنِ مُطْرِقِ
(1/168)

(وأقول:) والرواية:
وما كنتُ أخْشَى أنْ تكونَ وفَاتُهُ. . . . . . . . .
والشعر للشماخ يرثي عمر بن الخطاب - رحمه الله.
وقوله: (الطويل)
تّذَكَّرْتُ ما بينَ العُذَيبِ وبَارِقِ ... مَجَرَّ عَوَالِينَا ومَجْرى السَّوَابقِ
قال: يعني بالعذيب: العذيبة، وهي في طريق مكة. قالوا في قول كثير: (الطويل)
خَلِيلَي إنْ أمُّ الحكيم تَحَمَّلتْ ... وأخْلَتْ بَخيْمَاتِ العُذَيب ظِلاَلَهَا
أراد العذيبة، فحذف الهاء ضرورة.
وقيل له: أما كثير فيجوز أن يكون أراد العذيبة لأنه حجازي، وأما المتنبي فالعذيب بظاهر الكوفة، وهي بلده. أيضا، ما بين العذيب وبارق يدل على
(1/169)

ذلك. ولو أراد العذيبة لكان بينهما مسافة بعيدة طويلة لا يذكر مثلها هذا الذكر، فإنما يقال: بين كذا وكذا إذا تقارب.
وأقول: إنما فسر العذيب بالعذيبة ليورد ما أورده من الترخيم في غير النداء، ومقصوده تطويل الشرح وتكثير الكلام ليري إحاطته بذلك واطلاعه عليه!
وقال في قوله:
. . . . . . . . . مَجَرَّ عَوالينا ومُجْرَى السَّوابِقِ
معنى الكلام: تذكرت مجر عوالينا ومجرى السوابق ما بين العذيب وبارق. فحمل إعرابه على هذا لا يمكن لئلا تقدم صلة (المصدر) عليه، ولكن تحمله على أن
تجعل ما بين العذيب مفعول تذكرت وتجعل مجر عوالينا ومجرى السوابق بدلا منه على أن يكون بدل الاشتمال؛ كأنه أراد: مجر عوالينا فيه، حذف: فيه للعلم بها كقولك: تذكرت أيامنا الخالية: صحتنا وشبيبتنا وأكلنا وشربنا، أي: صحتنا فيها.
وأقول: ويحتمل أن تكون ما زائدة وتكون: مجر عوالينا مفعولا لا على أنه بدل؛ أي: تذكرت بين العذيب وبارق ذلك. وهذا الوجه أوجه من قول ابن جني.
(1/170)

وقوله: (الطويل)
وصُحْبَةَ قَوْمٍ يَذْبَحونَ قَنِيصَهُمْ ... بفَضْلاتِ ما قَدْ كَسَّرُوا في المَفَارقِ
قال: أي يَذْبَحون قنيصهم ببقايا سيوفهم التي كسروها في هام أعدائهم؛ يصفهم بالفتك والتغرب والجرأة.
وأقول: إن كان (أراد) بالتكسير الانفصال والانقطاع؛ يعمي: كسر السيوف فليس بشيء! لما ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله: (الطويل)
بلادٌ إذَا زَارَ الحِسَانَ بِغَيْرها ... حَصَى تُرْبهَا ثَقَّبْنَهُ للمَخَانِقِ
قال: أي إذا حمل حصاها من هذه الأرض إلى النساء الحسان بأرض غيرها ثقبنه لمخانقهن لحسنه ونفاسته. والحصى مرفوع بفعله.
وأقول: ويجوز أن يكون منصوبا بأنه مفعول، ويكون مزورا لنفاسته، وهو أبلغ من الأول.
(1/171)

وقوله: (الطويل)
وأَغْيَدُ يَهْوى نَفْسَُ كلُّ عَاقِلٍ ... عَفيفٍ، ويَهْوَى جِسْمَهُ كلُّ فاسِقِ
وأقول: إن المتنبي كان يبالغ في كلامه وشعره وزيه في التبادي والتعارب. والعرب لا ترى الغلام مظنة لما يراد به من الفسق وجعله بمنزلة المرأة، فلا
معنى لوصف هذا الغلام العواد المغني بحسن الجسم ووصف الفاسق بهواه لينال منه مناه.
وقوله: (الطويل)
أَلمْ يَحْذَروا أَيْدي الذي يَمْسَخُ العِدا ... ويَجْعَلُ أَيْدي الأُسْدِ أَيْدي الخَرانِقِ
قال: يد الخرانق قصيرة، أي: يذل العزيز إذا عاداه، ويقبضه عما انبسطت له يداه، وقد لاذ في هذا بقول أبي تمام: (الكامل)
لَوْ أنَّ أَيْدِيَهُمْ طِوالٌ قَصَّرَتْ ... عنه، فكيفَ تكون وهي قِصَارُ!
فيقال له: نعم! يد الخرانق قصيرة، كما ذكر، ولكنه لم يرد بها هاهنا القصر (الذي هو ضد الطول) ولكنه أراد الضعف وذلك أنه قابل بها أيدي الأسد التي إنما يراد بها الشدة لا طول الخلق.
(1/172)

وقوله: (الكامل)
أَبِنَي أَبينَا نَحْنُ أَهْلُ مَنَازِلٍ ... أَبَداً غُرَابُ البَيْنِ فِينَا يَنْعِقُ
قال: عنى بغراب البين داعي الموت، فنقل لفظ الغزل إلى الوعظ، وهذا من عاداته وحسن تصرفه.
فيقال له: ليس نقل الغزل بذكر الموت وفناء الأكاسرة، وهلاك الجبابرة، من حسن التصرف وجوده الصناعة. وذلك أن الغزل إنما ابتدئ به ليبسط النفس ويسر القلب بذكر محاسن امرأة، أو وصف كأس شراب، وما أشبه ذلك مما يرتاح به الممدوح ويصغي إليه، ثم يتخلص منه إلى مديحة، بوصف خصاله، والثناء على خلاله، فيهتاج للعطاء، ويهش للكرم، فيحصل المقصود. ولو قال: إنه يضاد جوده التصرف وحسن التلطف لكان أولى.
وقوله: (مجزوء الرجز)
أيَّ مَحَلًّ أرْتَقي ... أيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
(1/173)

الأبيات الثلاثة.
قال: هذا غلو نستعيذ بالله منه!
وقال غيره: هذا كلام ما خرج من راس صحيح!
وقلت: إن من الشعراء من يقع منه في حال شبيبته، أو في حال غضبه، أو سكره (أشعار) يرغب العاقل المستبصر عن إثباتها له، وروايتها عنه، فيسقطها عند إفاقته وتأمله، ولا يكاد يذكرها بعد ذلك. وهذا المتنبي كان يقرأ عليه ديوان شعره إلى حين هلاكه ولا يسقط شيئا منه مما يقدح في دينه وعقله، ويثلم في فضله ومروءته، ولا يغيره. هذا مع أنه لا يشتمل على لفظ بديع ولا معنى غريب.
وقوله: (الطويل)
وقد صارت الأجْفَانُ قُرْحاً من البُكا ... وصارَ بَهاراً في الخُدودِ الشَّقَائِقُ
قد ذكرنا في خطبة كتابه هذا مل فيه، وما قال وقيل له، فلا فائدة في إعادته.
وقوله: (الطويل)
وهَزٌّ أَطَارَ النَّوْمَ حتى كأَنَّني ... من السُّكْرِ في الغَرَزَيْنِ ثَوْبٌ شُبَارِقُ
قال: يعني: هز السير، وأراد بالسكر سكر النعاس.
(1/174)

وقال الوحيد: قال: أطار النوم، ثم وصف سكر النعاس به، ولم يكن موضع: أطار النوم، ب كان ينبغي أن يكون: أطار السهر حتى كأنني بهذه الصفة، فإذا أطار النوم لم يكن ما وصفه من السكر.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى الذي أراده (أبو) الطيب أن الراكب قد ينام على ظهر راحلته في حال سيره وسراه، فيستريح وتقوى أعضاؤه بذلك في حال انتباهه؛ وهذا هز شديد، وسير مقلق لا يمكن معه النوم لشدته، فقد أطار النوم (الذي ينتفع به) وأرخى سكر النعاس - وهو أوائل النوم - الأعضاء إلى أن صار كالثوب المشبرق، لضعف مفاصله واسترخائها.
وقوله: (الطويل)
شَدَوْا بابن إسحاقَ الحُسَينِ فَصَافَحَتْ ... ذَفَاريُهَا كِيْرانُهَا والنَّمارِقُ
قال مستشهدا على الكيران: وليست من الغريب الذي يحتاج إلى استشهاد، وإنما مقصوده ذكر هذا البيت لما فيه من المعنى وهو: (الكامل)
قَوْمٌ إذَا تَرَكَ الكِرامُ مَحَلَّهُمْ ... قَلَبُوا الثَّيابَ وأَرْدَفُوا الكِيرانَا
وقال في تفسيره: هؤلاء لصوص أخذوا في مضلة من الأرض، فكانوا إذا ضلوا
(1/175)

قلبوا ثيابهم؛ يقولون: ستنقلب حالنا هذه إلى حال أخرى.
وقال غيره: الرواية في هذا البيت الشاهد غير ما رواه وهي:
قومٌ إذَا اشْتَبَهَ الخُروقُ عليهِمُ ... قَلَبُوا الثَّيَابَ. . . . . .
وأي معنى في البيت لذكر الكرام ونزولهم في محلهم وهم في فلاة ضلالا؟
وأقول: كأن هذا البيت - أعني بيت أبي الطيب - من قول أبي نواس: (الكامل)
فإذَا قَصَرْتَ لها الزَّمَامَ سَمَا ... فَوْقَ المَقَادِمِ مِلْطَمٌ حُرُّ
وقوله: (الطويل)
غذا الهُنْدُوانِيَّاتِ بالهَامِ والطُّلَى ... فَهُنَّ مَدَارِيهَا وهُنَّ المَخانقُ
قال: غذاها، أي: تعهد هامها كما يغذى الصبي، فصارت سيوفه للهام كالمداري وفي الأعناق كالمخانق؛ أي: قد صاحبت سيوفه الهام والأعناق كما صاحبتها المداري والمخانق.
وأقول: لا يحسن هاهنا ذكر المصاحبة بين الهام والأعناق والسيوف؛ لأنها لا تبقى معها حتى تصاحبها، ولكن لما كانت تحل في الرؤوس والأعناق جعلها لها مداري ومخانق لأن تينك محلهما.
(1/176)

وقوله: (المتقارب)
وَجَدْتُ المُدامَةَ غَلاَّبَةً ... تُهَيَّجُ للمَرْءِ أَشْوَاقَهُ
تُسِيءُ من المَرْءِ تأدِيبَهُ ... ولكن تُحَسَّنُ أخلاقَهُ
قد أخذ على أبي الطيب هذا، ولم يذكر ابن جني فيه شيئا، فقيل: من ساء أدبه فهو بعيد من حسن الخلق بل في نهاية سوئه.
وقوله: (المتقارب)
وأَنْفَسُ ما للفَتَى لُبُّهُ ... وذو اللُّبِ يَكْرَهُ إنْفَاقَهُ
(1/177)

وقيل في هذا: إن العقلاء احتالوا لراحة النفس في إنفاق العقل (باللهو) وقتا ما لأنه ثقيل عليها وهو كالحابس لها، فعلى هذا لا يكره إنفاقه على الإطلاق، (وقد قال أبو تمام: (البسيط)
كانَتْ لنا ملعَباً نلهُو بزُحْرُفِهِ ... وقد يُنَفسُ من جِدَّ الفَتَى اللَّعِبُ)
وقوله: (البسيط)
لَوْ أَنَّ فَيْضَ يَدَيْهِ مَاءُ غَادِيَةٍ ... عَزَّ القَطَا في الفَيَافي مَوْضِعُ اليَبسِ
قال: استشهاد على الفيافي - قال ذو الرمة: (الطويل)
تَرَى بينَ مَجْرى نِسْعَتَيْهِ وَثِيلهِ ... هَواءً كَفَيْفَاةٍ بَدَا أَهْلُهَا قَفْرِ
(1/178)

وأقول: إن هذا البيت للحطيئة من أبيات أولها: (الطويل)
إذَا قلتُ إنَّي آيبٌ أَهْلَ قَفْرَةٍ ... وَضَعْتُ بِهَا عَنْهُ الوِليَّةَ بالقَصْرِ
وقوله: (الرجز)
أَرُدُهُ منه بِكَالسُّوذَانِقِ
(1/179)

قال: الهاء في تروده يعود على النبت، أراد: أرود فيه، فحذف حرف الجر كما قال الآخر: (الرجز)
في سَاعةٍ يُحَبُّهَا الطَّعَامُ
أي: يحب فيها
وأقول: لا حاجة إلى تقدير حذف الجر وإضماره، بل: أروده: أطلبه وأنظره.
يقال: بعثنا رائدا يرود لنا الكلأ؛ أي: ينظر ويطلب. فالفعل على هذا متعد في هذا الموضع بنفسه، غير محتاج إلى إضمار جار، وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا بال أحدكم فليرتد لبوله أي: ليطلب مكانا لينا.
وقوله: (الرجز)
رَحْبِ اللَّبانِ نَائِهِ الطَّرائقِ
قال: النائه: العالي الشريف؛ يقال: ناه الشيء ينوه إذا علا، ونهت به ونوهته إذا أشدت به، ومنه قيل للنواحة نواهة لرفعها صوتها. والطرائق: جمع طريق وطريفة؛
(1/180)

يعني: الخلق؛ أي: هو مرتفع الأخلاق شريفها لعتقه وكرمه.
وقال الواحدي: قال ابن فورجة: الرواية: نابه، من التنبه، يقال: أمر نابه، إذا كان عظيما جليلا، وقد أتى النابه للبحتري قال:
. . . . . . . . . . . . ويَنْحُو نَحْوهَا النَّابِهُ الغَمْرُ
وأراد بالطرائق: طرائق اللحم على متنه وكفله.
وأقول: الصحيح: نابه؛ بالياء؛ بنقطتين من تحتها، وهو المرتفع كما قال ابن جني. ولكن الطرائق (ليست) كما قال من أنه أراد الخلق، ولكن كما قال ابن فورجة، وذلك أنه في صفة خلقه لم يصل بعد إلى صفة خلقه، فأراد أن جلد لبانه رخو مستفل، وطرائق لحمه مرتفعة، فكلاهما محمود وفيه حسن صناعة بالطباق.
وقوله: (الرجز)
مُحَجَّلٍ نَهْدٍ كُمَيْتٍ زَاهِقِ
قال: الزاهق: السمين، وأنشد قول زهير: (البسيط)
. . . . . . . . . منَها الشَّنون ومنها الزَّاهِقُ الزَّهِمُ
(1/181)

ثم فسره فقال: الشنون: اليابس، لأنه مشبه بالشن؛ وهو القربة اليابسة، الخلق؛
والزاهق أكثر طرقا من الزهم.
فيقال له: من أين قلت ذلك وكلاهما السمين؟ وهل ذلك إلا تحكم ودعوى بغير بينه، ورجم ظن بغير تحقيق؟ ولو قال قائل: إنه بالضد لم تجد له مدفعا، والظاهر أنه تكرير للتأكيد، وقد جاء ذلك كثيرا.
وقوله: (الرجز)
كأنَّما الجِلْدُ لِعُرْي النَّاهِقِ
مُنْحَدِرٌ عن سِيَتَيْ جُلاَهقِ
قال: الناهق: عظم مجرى دمع الفرس؛ شبه رقة جلده وصلابته على خده بسيتي قوس البندق.
وأقول: هذه عبارة غير مرضية! إنما أراد رقة الخد (وملاسته) وخلوه من اللحم، وذلك من علامات العنق.
قوله: (الرجز)
وزَادَ في السَّاقِ على النَّقَانِقِ
(1/182)

قال: النقانق: جمع نقنق، وهو ذكر النعام، وساقه دقيقة صلبة.
هكذا رأيتها في هذه النسخة التي نقلت منها!
قال: وذلك مستحب في الخيل.
وأقول: الصواب أن يقول: غليظه صلبة. وقد قيل في قول امرئ القيس: (الطويل)
له أيْطَلاَ ظَبْيٍ وسَاقَا نَعَامةٍ. . . . . . . . .
إنما قال: ساقا نعامة لأن النعامة قصيرة الساقين صلبتهما غليظة ظمياء ليست برهلة.
وقوله: (الرجز)
أَيْ كَبْتَ كلَّ حَاسِدٍ مُنَافِقِ
قال: الكبت: القهر والإذلال؛ كأنه يخاطب ممدوحا.
فيقال: إن كان أراد بالممدوح الفرس، الذي ذكره واصفا له، فصواب. وإن أراد بالممدوح (إنسانا) فليس كذلك، ويدل على ذلك قوله: أنت لنا أي: ملكنا وكلنا ملك لله تعالى.
(1/183)

وقوله: (البسيط)
تَسْتَغْرقُ الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبةُ ... وتَكْتَسِي منه ريحَ الجَوْرَبِ العَرِقِ
قال: يصفه بالدمامة وخبث العرض.
وأقول: أراد بالدمامة صغر الخلق لأنه لما قال:
تَستْغرق الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبَهُ. . . . . . . . .
توهم أن ذلك معا في وقت واحد بفعل واحد، وذلك لا يلزم؛ لأن الواو لا توجب ذلك، بل تستغرق الكف الفودين في وقت، والمنكب في وقت آخر. ويريد باستغراق الكف لتلك المواضع بسطها لصفعه.
(1/184)

وقوله: (الخفيف)
ولَسِرْنَا ولو وَصَلْنَا عليها ... مِثْلَ أنَفاسِنَا على الأرْمَاقِ
قال: الأرماق: جمع رمق، وهو بقية النفس؛ أي: لو صلنا إليك وهي تحملنا على مشقة، وقد بلغنا أواخر أنفسنا.
فيقال له: ليس هذا الموضع من شأنك باستنباط معناه واستخراج غامضه! هذا أراه تشبيهين بمشبيهين: شبه أجسامهم بالأنفاس (للضعف) ولشدة النحول، وإبلهم تحتها، بالأرماق لشدة الضمر والقفول. وله مثل هذا وهو قوله: (الطويل)
بَرتَنْي السُّرَى بَرْيَ المُدَى فَرَدَدْنَني ... أخَفَّ عَلَى المَرْكُوبِ من نَفَسي جِرْمي
وقوله: (الخفيف)
كاثَرَتْ نائِلَ الأميرِ مِنَ المَا ... لِ بما نَوَّلَتْ من الإيرَاقِ
(1/185)

قال: الإيراق: مصدر أورق إيراقا. يقال: أورق الصائد إيراقا، إذا لم يصد. قرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى لجرير: (البسيط)
إذَا كَحَلْنَ عُيُونا غيرَ مُؤرِقَةٍ ... رَيَّشْنَ نَبْلاً لأَصْحابِ الصَّبا صُيُدَا
وأقول: إنما جعل الإيراق من أورق. . . إذا لم يصد لأنه رباعي نحو: أوعد إيعادا وأكرم إكراما. ولم يجعله من أرق، وهو عدم النوم، لأنه ثلاثي لا يكون على ذلك. بل يقال: أرق أرقا. فيقال: أيها النحوي التصرفي! ليس هذا من أرق، ولا مصدره إفعال، وإنما هو من: آرق: فاعل ومصدره فعال، يقال: آرق يوارق إراقا كما يقال: قاتل يقاتل قتالا. وقيل: إيراق كما قيل: قيتال؛ أبدلت الياء من حرف التضعيف طلبا للتخفيف. (أو يكون معدى بالهمزة: أأرق على وزن أفعل أفعل فمصدره إفعال كما يقال: ألم زيد وآلمه عمرو إيلاما، كذلك أرق وآرقه إيراقا)
وقوله: (الخفيف)
يَا بَني الحَارث بن لقمانَ لا تَعْ ... دَمْكُمُ في الوَغَى مُتُونُ العِتَاقِ
قال: ما أحسن ما دعا لهم! ونكت في البيت نكتا حسنا بقوله: في الوغى، وهو - لعمري - حشو لأنهم ملوك فإنما يركبون الخيل إذا طلبوا عدوا أو أثروا طردا، ولو
(1/186)

لم يقل: في الوغى لكان قد دعا لهم أن لا يفارقوا متونها في كل وقت وهذا من أفعال الرواض لا الملوك! لأنهم يحتاجون إلى تدبير الملك، واستخلاص الرأي، وهذا إنما يليق به الخلوة والاستقرار.
وقد قيل على ذلك: إنه لو لم يقل في الوغى إنه أيضا دعاء لهم بأن لا يزالوا ممن يركبها، والغرض معروف، والمعنى ظاهر لا يلبس بغيرهم من الرواض وأشباههم.
واستشهد - (أعني ابن جني) - على قوله بأن الركوب إنما يكون في وقت القتال بأبيات ثم قال: وأما قول عنترة: (الكامل)
تُمْسِي وتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشِيَّةٍ ... وأبيتُ فَوْقَ سَراةِ أدهَمَ مُلْجَمِ
فهذا مما توصف به الصعاليك لا الملوك.
قال: وقوله: وأبيت ليلا، وأظل نهارا، وإذا كان يبيت على فرسه فهو بأن يكون عليه نهارا أحرى.
كأنه يقول: إن أمري يضاد من تلك عليه؛ لأنها تمسي وتصبح في التنعم، وأنا أمسي وأصبح في الشقاء.
وأقول: لا يلزم إذا قال:
. . . . . . . . . وأبيتُ فَوْقَ سَراةِ أَدْهَمَ. . .
(1/187)

أن يظل أيضا فوقه، بل يحتمل أن يظل نهاره مرتقبا كامنا طلبا للغارة، ويمسي ليلة ساريا لئلا ينكشف، فيصابح الغارة صباحا كعادتهم الجارية على ذلك ويدل عليه قول لبيد: (الكامل)
فَعَلَوْتُ مُرْتَقِباً على مَرْهوبةٍ ... حَرجٍ على أعلاْمِهِنَّ قَتامُهَا
حتى إذا ألْقَتْ يَداً في كافرٍ ... وأجنَّ عَوْراتِ الثُغورِ ظَلامُهَا
أسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ مجِذْعِ مُنِيفَةٍ ... جَرْدَاَء يَحْصَرُ دُونَها جُرَّامُهَا
(ومثله قول أبي الطيب: (الطويل)
ويومٍ كلَيْلِ العَاشِقين كَمَنْتُهُ ... أرَاقِبُ فيه الشَّمْسَ أيانَ تَغْرُبُ)
وقوله: (الخفيف)
جَاعِلٍ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْ ... لم يَكُنْ دونَهَا من العارِ واقي
قال: أي ينضم في منيته كما ينضم في درعه.
وأقول: هذا ليس بشيء يمال إليه أو يعرج عليه! وإنما أراد أن هذا الممدوح إذا
اتقى غيره المنية بالعار، من نحو الهرب أو الاستسلام، أتقى هو العار بالمنية - (أي: يقتل ولا يلحقه عار) - فجعلها له كالدرع، وهذا من المقلوب الذي يستعمله كثيرا ويجيده؛
(1/188)

ومنه قوله: (الخفيف)
وإذَا أشْفَقَ الفَوارسُ من وَقْ ... عِ القَنَا أشْفَقُوا من الإشفْاقِ
وقوله: (الخفيف)
لو تَنَكَّرْتَ في المَكَرَّ لقَومٍ ... حَلَفُوا أنَّك ابنُهُ بالطَّلاَقِ
قال: في المكر - وإن كان أيضا حشوا - فإنه شبهه به في المكان الذي يتيقن فيه الفضل والشجاعة، فذكر أشرف المواضع فجعل أشبهه به فيه لا في غيره مما ليس له شهرته، وهذا النكت الحسن كثير في شعر البحتري.
فيقال له: هذا - لعمري - نكت (حسن) كما قلت، ولكن لم نتبين ما هو، ولا لم خص الشكر بالمكر دون غيره؟! وقد بينته في شرح التبريزي.
وقوله: (الخفيف)
كَيْفَ يَقْوَى بِكَفَّكَ الزَّنْدُ والآ ... فَاقُ فيها كالكَفَّ في الآفاقِ
(1/189)

قال: وهذا مثل قول مروان بن أبي حفصة: (الطويل)
فَيَا قَبْرَ مَعْنٍ كَيْفَ وَارَيْتَ جُودَهُ ... وَقدْ كان منه البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا
فيقال له: ليس هذا لمروان وإنما هو للحسين بن مطير؛ ذكره أبو تمام من كتاب (الحماسة) في باب المراثي من قطعة مشهورة أولها: (الطويل)
ألِمَّا عَلى مَعْنٍ. . . . . . . . . . . . .
وقوله: (الخفيف)
والأَسَى قبل فُرْقَةِ النفس عَجْزٌ ... والأسَى لا يَكونُ بعد الفِراقِ
قال: مصراعه الأول احتجاج على من شح بنفسه، ومصراعه الآخر احتجاج له؛
(1/190)

أي: هو - لعمري - وإن كان كذا - فإن مفارقة الروح تبطل العجز غيره، وهي النهاية في الخوف والحذر.
فيقال له: ليس المصراع الآخر احتجاجا عليه مثل الأول. يقول: الحزن على النفس قبل فرقتها عجز، أي: ينبغي للإنسان أن لا يحزن على الشيء قبل فقده، والحزن بعد فراق النفس لا يكون، لأن الحزن إنما يكون للحي، فإذا ذهبت النفس فلا حياة، فلا حزن!
وقوله: (الخفيف)
شَاعِرُ المَجْدِ خِدْنُهُ شَاعِرُ اللَّفْ ... ظِ كلانَا رَبُّ المَعَاني الدَّقَاقِ
قال: وهذا البيت كأنه تفسير الذي قبله وقد سبق إليه البحتري؛ يقول (الكامل)
غَرُبَتْ خَلائِقُهُ وأَغْرَبَ شاعِرٌ ... (فيه) فأحَسَنَ مُغْرِبٌ في مُغْرِبِ
وأقول: هكذا رأيته في هذه النسخة أنه للبحتري، والصحيح أنه لأبي تمام من قصيدة يمدح بها عمر بن طوق أولها: (الكامل)
أَحْسِنْ بأيَّامِ العَقيقِ وأَطْيِبِ. . . . . . . . .
(1/191)

وقوله: (المنسرح)
كُنْ لًجَّةً أيُّها السَّمَاحُ فقد ... آمنهُ سَيْفُهُ من الغَرَقِ
قال: أي: سيفه له جنة من كل عدو ناطقا كان أو غير ناطق.
وأقول: هذا يقال له فيه: دعوه فإنه يهجر! والمعنى: وصفه له بكثرة العطاء والشجاعة، فقال:
كُنْ لُجَّةً أيها السَّماحُ. . . . . . . . . . . .
أي: كن كثيرا؛ فإنك لا تقدر على إغراقه. أي: لا يخشى عليه منك فقر وإجحاف لأن سيفه قد آمنه من ذلك، وذلك بما يجدد له من أخذ مال أعدائه بإغارته عليهم وقتله لهم.
وقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1/192)

وقوله: (الوافر)
إذا التَّودِيعُ أَعْرَضَ قالَ قَلْبي ... عليكَ الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاكَا!
(قال:) أي: قال لي قلبي: لا تمدح أحدا بعده.
وأقول: إن قوله في هذا: لا تمدح أحدا تفسير لا يقوله أحد، وهل يشكل هذا على من له أدنى تبصر، وأيسر تفكر وقد قال:
إذا التَّوديعُ أَعْرَضَ. . . . . . . . . . . .
أن قلبه يأمره بالصمت عن ذكر الوداع الذي هو مقدمة الفراق، وقوله:
. . . . . . . . . . . . لا صَاحَبْتَ فَاكَا
دعاء عليه نطق به. أولا يرى إلى البيت الذي بعده وهو قوله: (الوافر)
ولولاَ أن أكْثَرَ ما تَمَنَّى ... مُعَاوَدَة لقُلْتُ ولا مُنَاكَا
كأنه وقع بينه قلبه خصام ومنازعة، فدعا عليه قلبه بأن قال: لا صحبت فاك إن ذكرت الوداع! وقال هو لقلبه: ولولا أن أكثر مناك المعاودة إلى عضد الدولة لقلت: وأنت، لا صاحبت مناك! فإنما قلبه أمر قلبه له بالصمت عن ذكر الوداع لا عن مدح غيره!
(1/193)

وقوله: (الوافر)
أَذَمَّتْ مَكُرُمَاتُ أبي شُجَاعٍ ... لِعَيْني من نَوَايَ على أُولاكَا
قال: أي منعت مكرماته عيني أن تجري منهما دموع كاذبة، أو أختار البعد والمقام
دونه لأني لا أعطى عنه الصبر لما فعلت بي.
فيقال له: هذا ليس لعشك فادرجي!
والمعنى - أيها الشيخ - بضد ما ذكرته! فليتأمل في شرح الواحدي!
وقوله: (الوافر)
فلا غِيضَتْ بحَارُكَ يا جَمُوماً ... عَلَى عَلَلِ الغَرائِبِ والدَّخَالِ
قال: الدخال: أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا على الماء ثانية لقلة الماء، وقال لبيد - وهو من أبيات الكتاب -: (الوافر)
(1/194)

فأرْسَلَهَا العِراكَ ولم يَذُدْهَا ... ولم يُشْفِقْ على نَغَصِ الدَّخَالِ
ثم قال: وهذا البيت - يعني بيت المتنبي - أبلغ في ذكر العطاء والسعة من قول الكميت: (المتقارب)
أناسٌ إذا وَرَدَتْ بَحْرَهُمْ ... صَوَادي الغَرائِبِ لم تُضْرَبِ
لأنه لم يصرح بالجموم مع الورود، والمتنبي صرح به وذكر أيضا الدخال وأنه يجم أوقات القلة، فزاد فيه وصار أحق به لما ذكرت لك.
فيقال له: ليس ذكر الدخال بزيادة في المعنى بل نقص! وذلك لما فسره من أنه دخول بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا لقلة الماء، فهذا نقص لقوله:
فَلا غِيضَتْ بِحَارُكَ يا جَمُوماً. . . . . . . . .
لأن البحر هو الماء الكثير فلا ترده الإبل دخالا بل جملة مرة واحدة لكثرته. وأما بيت الكميت فإنه صحيح المعنى، حسن اللفظ، منصب في قالب الاسترسال بالطبع.
وقوله: (المتقارب)
ولَّما نَشِفْنَ لَقِينَ السَّيَاطَ ... بِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ
(1/195)

قال: أي: لما نشفن من العرق وضربن بالسياط وقعت في مفاصلها على مثل
صفا البلد الماحل. والصفا: الصخر، والماحل: الذي لا مطر فيه؛ فليس على صفاه نبت بل أقرع فهو أصلب له. وهذا كقول الآخر: (الطويل)
وأَحْمَرَ كالدَّينارِ أمَّا سَماؤهُ ... فَرَيَّا وأمَّا أَرْضُهُ فَمَحُولُ
فيقال له: أما تفسيرك البيت فحسن، وأما تمثيلك له بقول الآخر فليس بحسن؛ وذلك أنه قال:
. . . . . . . . . أما سَمَاؤهُ ... فَرَيَّا. . . . . .
يعني أهلاه؛ كفله وظهره وما والاهما، والري ضد المحل، وقوله:
. . . . . . . . . . . . وأمَّا أَرْضُهُ فَمَحُولُ
يعني قوائمه، فكنى بالري عن السمن وكثرة اللحم، وبالمحل عن التجرد من اللحم. وإنما بيت أبي الطيب أقرب إلى التمثيل بقول علقمة: (البسيط)
. . . . . . . . . جلذيَّةٌ كَاَتَانِ الضَّحْلِ عُلْكَومُ
وقوله: (المتقارب)
وما بينَ كَاذَتَيِ المُسْتَغيرِ ... كما بينَ كَاذَتَيِ البَائلِ
قال: المستغير: الذي يطلب الغارة، قد (اتسعت) فروجهن لشدة العدو.
(1/196)

فيقال له: بل اتسعت فروجهن لجودة الخلق، وذلك أنه يستحب سعة ما بين أيديهن وارجلهن فإن الضيق عيب. وقد قال زهير: (البسيط)
. . . . . . . . . ر فَحجٌ فيَها ولا صحَكُ
وقوله: (المتقارب)
فَلُقَّينَ كُلَّ رُدَيْنِةٍ ... ومَصبْوحَةٍ لَبَنَ الشَّائِلِ
قال: سألت أبا الطيب وقت القراءة عليه عن هذا فقلت: إن الشائل لا لبن لها، وإنما التي بها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة - بالهاء. قال: أردت الهاء فحذفتها!
فيقال له: حذف الحرف الفارق بين الضدين ضعيف.
قال: وسألته عن غرضه في لبن الشائلة فقال: إن الناقة إذا شالت شال لبنها، فحذف ومرؤ، ونجع في شاربيه، فلم يسقوه إلا كرائم خيلهم، والأمر على ما ذكر، وبذلك وردت أشعارهم.
فيقال له: أما كونه خفيفا مريئا (فيحتاج) إلى استشهاد عليه. وأما كونه لذيذا طيبا، فالمعروف بذلك ألبان الحديثات النتاج؛ قال أبو ذؤيب: (الطويل)
(1/197)

وإنَّ حَدِيثاً منكِ لو تَبْذُلينَهُ ... جَنَى النَّحْلِ في أليْانِ عُوذٍ مَطَافِلِ
مَطَافِيلَ أبْكَارٍ حَديثٍ نِتَاجُهَا ... تُشَابُ بِمَاءٍ مثلِ مَاءِ المَفَاصِلِ
فاللذيذُ السائغ أنجع وأنفع من غيره. وإنما ألبان الشول تقل وتعز فلا تسقى إلا كرائم الخيل.
قال: (الطويل)
جَزَاني بِلالي ذو الخِمَرِ وصُنعُهُ ... إذَا بَاتَ أطواءٌ بنيَّ الأصاغِرُ
أخادِعُهُمْ عنه لِيُغْبَقَ دونَهُمْ ... وأَعْلَمُ أنَّي بعدَ ذاك مُغَاوِرُ
وأما روايته عنه فكروايته عنه غيرها مما يشهد المعنى أو العرف بخلافه.
وقوله: (المتقارب)
بِضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جَائِرٍ ... له فِيهمُ قِسْمَةُ العَادِلِ
قال: هذا الضرب، وإن كان لإفراطه جورا، فإن قسمته في الحقيقة عدل؛ لأن قتل مثله وقربه إلى الله - عز وجل - وهذا مثل قول أبي تمام: (الكامل)
أنْ لَسْتَ نعمَ الجَارُ للسُّنَنِ الأُلَى ... إلاَّ إذَا ما كُنْتَ بئْسَ الجَارُ
(1/198)

فيقال له: إن لك أن لا تصيب، وعليك أن تخطئ إلا نادرا! وهذا الذي قلته لا يقوله أقل محصل وأدنى متأمل!
والمعنى ما ذكرته في شرح أبي العلاء.
وقوله: (المتقارب)
فَظَلَّ يُخَضَّبُ منها اللَّحى ... فَتًى لا يُعيدُ على نَاصِلِ
قال: الناصل: المضروب بالنصل، وهو فاعل بمعنى مفعول. أراد إذا ضرب إنسانا بسيفه لم يبق ما يحتاج له إلى إعادة الضربة كما قال طرفة: (الطويل)
حًسَامٌ إذَا ما قُمتُ مُنْتَصِراً به ... كَفَى العَوْدَ منه البَدْءُ ليسَ بِمُعْضَدِ
فيقال له: أما ناصل بمعنى منصول فليس بشيء! وهذا تعسف وتكلف لا يحتاج إليه، بل الناصل ها هنا من نصول الخضاب؛ يقول: إذا ضرب خصمه ضربة فخضبه بدمه لم يبق، فينصل الخضاب فيحتاج إلى ضربة أخرى إعادته، وهو كما ذكر من قول طرفة، وقد زاد عليه زيادة حسنة يتبينها أولو المعرفة!
وقوله: (المتقارب)
فإنَّ الحُسامَ الخَضِيبَ الذي ... قُتِلْتُمْ به في يدِ القَاتِلِ
(1/199)

قال: الخضيب: الذي من شأنه أن يخضب، وهذا مثل قول الآخر - أخبرنا به ابن مقسم عن ثعلب -: (الوافر)
كَذَبْتُمْ - والذي رَفَع المعالي ... ولَّما يَخْضِبِ الأسَلَ الخَضِيبُ
وأقول: إنه يحيد عن الظاهر الحسن إلى الجافي البعيد الغريب لبيت نادر يقع إليه، فيعول في المهم عليه! وأسهل من هذا يكون الخضيب بمعنى المخضوب، إلا أنه لما ظفر بذلك البيت استشهادا على قوله، ترك المألوف المعروف ميلا إلى الإغراب، وتركا للصواب، ولم يذكر هذا الوجه وهو باد لفظه للفهم سافر، واف معناه في الصحة وافر!
وقوله: (المتقارب)
يَقُدُّ عِدَاهَا بلا ضَارِبٍ ... ويَسْرِي إليهم بلا حَامِلٍ
أي: ليس هو من الحقيقة سيفا فيحتاج إلى ضارب وحامل، وإنما هو سيف الدولة.
وأقول: الجيد أن يقال: إن سيف الدولة سيف لا كالسيوف؛ لأن السيوف تحتاج إلى ضارب وحامل، وهذا بخلافها. وفيه إشارة إلى عدم مساعد، وفقد معاضد لقوله قبله: (المتقارب)
(1/200)

أمَا للخلافَة من مُشْفِقٍ ... على سَيْفِ دَوْلَتِها القَاصِلِ
وقوله: (البسيط)
يَعُودُ من كُلَّ فَتْحٍ غيرَ مُفْتَخِرٍ ... وقد أغَذَّ إليه غَيْرَ مُحْتَفِلِ
قال: أغذ: جد في السير، فإن قيل: كيف يكون مغذا غير محتفل؟ فإنما يعني أنه غير محتفل عند نفسه وإن كان محتفلا عند غيره؛ لأن كبير الأشياء عند سواه صغير عنده.
فيقال له: ليس بين إغذاذ السير وترك الاحتفال تناقض أو تضاد؛ لأن ذلك إسراع إلى فتح الأمصار، وقتل الأعداء بغير احتشاد، وذلك ممكن، وهو مثل قوله: (الطويل)
وما هي إلاَّ خَطْرَةٌ خَطَرَتْ له ... بحَرَّان لَبَّتْهَا قَنا ونُصُولُ
وقوله: (المتقارب)
ومثلُ الذي دُسْتَهُ حَافِياً ... يُؤثَّرُ في قَدَمِ النَّاعِلِ
(1/201)

وقوله: (الطويل)
بِمَوْلودِهِمْ صَمْتُ اللَّسَانِ كَغَيرهِ ... ولكِنَّ في أَعْطَافِهِ مَنْطِقَ الفَضْلِ
قال: الصمت والصمات مصدر صمت، وأنشد لبعض الأعراب يذكر إبلا: (الرجز)
ما أنْ رأيتُ من مُغَنَّيَاتِ
ذَوَاتِ آذانِ وجُمْجُمَاتِ
أصْبَرَ منهُنَّ على الصُّمَاتِ
قالوا: غناؤها: صريفها بأنيابها.
وقل أبو زيد: يغنين بالحداء، وأنشد: (الرجز)
فَغَنَّها وهي لك الفِدَاءُ
إنَّ غِنَاءَ الإبلِ الحُدادُ
وقال بعضهم: غناؤهن: أطيط رحالهن.
وأقول: ينبغي أن تكون الرواية على ما ذكر. ولم تتبين له بكسر العين من
(1/202)

مغنيات وفتحها - اسم فاعل أو اسم مفعول - فإذا كان اسم فاعل فقد جعلها تغني مع أنها لا تتكلم، يعني بالصريف، وذلك عجيب منه. ومنه قول المثقب: (الوافر)
وتسمَعُ للذُّبابِ إذا تَغَنَّى ... كَتَغْريدِ الحَمَامِ على الوُكُونِ
قال الأصمعي: الذباب هاهنا: حد نابها إذا صرفت.
وإذا كانت اسم مفعول فقد جعلها صابرة لا تأوه وتوجع كما يفعل ذلك الي يسمع الغناء؛ أي: لا ترغو في حال السير للكلال والإعياء كما قال الأعشى: (المتقارب)
كَتُوم الرُّغاءِ إذَا هَجَّرَتْ ... وكانَتْ بَقِيَّةَ ذَوْدٍ كُتُمْ
وذلك أيضا غريب.
وقوله: (الطويل)
بَدَا وَلَهُ وَعْدُ السَّحابةِ بالرَّوَى ... وصضدَّ وفينَا غُلَّةُ البَلَدِ المَحْلِ
وأنشد استشهادا على الروي بقول عمرو بن قعاس المرادي: (الوافر)
وماءٍ ليسَ من غُدُرٍ رَوَاءِ ... ولا مَاءِ السَّماءِ قد اسْتَقَيْتُ
قال: يعني أنه رشف ريق امرأة.
فيقال: هذا إن دلت عليه قرينة، وإلا فالمراد بذلك الماء ماء الكرش الذي يفتظ بعقر الإبل عند عدم الماء، فيخرج فيعتصر ويشرب كقوله: (الطويل)
(1/203)

توخَّى بها مَجْرى سُهَيل ودونَهُ ... من الشَّامِ أعلامٌ تطولُ وتَقْصُرُ
فلمَّا رأى أنَّ النَّطافَ تعذَّرَتْ ... رَأى أنَّ ذَا الكلْبينِ لا يَعَذَّرُ
وقول الآخر: (الطويل)
ويَهْمَاَء يَسْتَافُ الدَّليلُ تُرابَهَا ... وليسَ بها اليَمَانيَّ خَالِفُ
أي: مستق.
وقوله: (البسيط)
ما بَالُ كُلَّ فُؤَادٍ في عَشِيرتها ... بها الذي بي وما بي غَيْرُ مُنْتَقِلِ
قال: أي: جميعنا ثابت المحبة لها غير منتقل الهوى عنها.
وقال غيره آخذا على أبي الطيب: كان ينبغي ان يكون: ما بال العشاق تنتقل، وما بي غير منتقل.
وكلاهما لم يصب الصواب!
والمعنى: إنه كان ينبغي أن ينتقل ما بي من الهوى وأسلو إذ كان كل واحد من
(1/204)

عشيرتها عاشقا كعشقي، فيكونون، حينئذ، أشد غيره عليها، وحماية من دونها، وحفظا لها، فأياس منها فأسلو عنها.
وقوله: (البسيط)
وما الفِرَارُ إلى الأجْبَال من أسدٍ ... تُمْسِي النَّعَام به في مَعقْقِلِ الوعَلِ
قال: أي: قد أخرج النعام عن البر إلى الاعتصام برؤوس الجبال.
وقيل له: أنت أضل من الضب عن حجره! فأين يذهب بك! شبه خيله بالنعام لسرعتها. ومعناه: تمسي به الخيل المشبهة للنعام سرعة، في معقل الوعل؛ يعني رأس الجبل. يقول: أين الفرار إلى الأجبال ممن هذه حاله؟
وأقول: قد روي: تمسي بالشين المعجمة والسين، وقد ذكرت ما معناهما في شرح الواحدي.
وقوله: (البسيط)
وكُلَّمَا حَلَمَتْ عَذْرَاءُ عندهُمُ ... فإنَّما حَلَمَتْ بالسبَّيِ والجَمَل
(1/205)

قال: أي: لخوفها ذلك، واستماعها إياه.
وقد أخذ على أبي الطيب قوله: عذراء وتخصيصها بذلك دون غيرها، إذ كان من طريق الخوف، وهو قد عم القوم كما ذكر.
وقيل: إن غير العذراء أولى لأنها أعلم بالأمور، وأثبت قلبا، وأكثر تجارب.
وأقول: إنما خص العذراء، وهي البكر، لأنها أشفق على نفسها من غيرها، لأنها تخاف أن تفتض بالسبي فليزم العار عشيرتها وأهل دينها.
وقوله: (الطويل)
إذَا كانَ شَمُّ الرَّوح أَدْنَى إليكم ... فلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وقَبُولُ
قد ذكرت في شرح الواحدي قوله، وما قيل فيه، وبينت الوجه الذي أراده الشاعر ولم يبينه سواي أحد!
(1/206)

وقوله: (الطويل)
وأضْحَتْ بحصْنِ الرَّانِ رَزْحَى من الوَجَى ... وكلُّ عَزيزٍ للأمير ذَلِيلُ
قال: وقوله:
. . . . . . . . . وكلُّ عَزيزٍ للأميرِ ذَليلُ
اعتذار لها؛ أي: لم يلحقها ذلك لضعفها؛ ولكن كلفها من همة صعبا.
وأقول: هذا ليس بشيء!
وقوله:
. . . . . . . . . وكُلَّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ
ليس فيه إشارة إلى الخيل واعتذار لها بأنها لم يلحقها ذلك لضعفها وكلالها، بل أخبار عن علو هم سيف الدولة وشدة عزمه بما كلفها من شدة السير، وطول الغزو، إلى أن كلت في حال ذل له به كل عزيز.
وقوله: (الطويل)
(1/207)

أتَاكَ كأنَّ الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... وتَنْقَدُّ تحْتَ الذُّعْرِ منه المَفَاصِلُ
قال: أي: يتبرأ بعضه من بعض لإقدامه على المصير إليك هيبة لك.
وأقول: هذا التفسير بضد المعنى؛ ولو قال في موضع يتبرأ بعضه من بعض: يتداخل بعضه في بعض لأصاب؛ لأن الخائف كذلك يفعل؛ يتجمع ويتضاءل، والآمن يتظاهر ويتطاول.
وقوله: (الطويل)
كَريمٌ إذَا اسْتُوهِبْتَ مَا أَنْتَ راكِبٌ ... وقد لَقِحَتْ حَرْبٌ فإنكَ نَازِلُ
قال: وهو كقوله: (الوافر)
ولو يَمَّمْتَهُمْ في الحَشْرِ تَجْدو ... لأعْطَوْكَ الذي صَلَّوا وصَامُوا
وأقول: ويحتمل أن يكون هذا من قول أبي تمام: (الطويل)
أخا الحَرْبِ! كَمْ أَلْقَحْتَها وهي حَائِلٌ ... وأَخَّرْتَهَا عن وَقْتِها وهي مَاخِصُ
فيكون قوله:
. . . إذَا استُوهِبْتَ ما أنتَ راكِبٌ. . . . . . . . .
من الجد في القتال، وقد لحقت الحرب، أي: في أوائلها وعند اتصالها فإنك نازل؛ أي: تارك لها كرما وحياء وإبقاء. ويكون هذا البيت مثل شطر بيت أبي تمام
(1/208)

إلا أن أبا الطيب كان إذا أخذ معنى زاد عليه ولم ينقص منه، والجيد حمله على التفسير الأول.
وقوله: (الطويل)
إذَا الجُودِ أعْطِ النَّاسَ ما أنتَ مالِكٌ ... ولا تُعْطِيَنَّ الناسَ ما أنَا قائِلُ
قال: أي: لا تعط الناس أشعاري فيفسدوها بأخذ معانيها.
وقيل فيه معنى آخر: وهو أنه خوفه بارتحاله عنه إلى غيره؛ يقول: لا تعاملني
معاملة أرحل بسببها فيحصل مدحي لغيرك، كأنك أنت أعطيته إياه!
وقوله: (الخفيف)
خِطْبةٌ لِلحِمامِ ليس لها رَدْ ... دُ وإنْ كانَتِ المُسَمَّةَ ثُكْلاَ
قال: يقول: الموت يجري مجرى الخطبة من الحمام للميت، وإن كان الناس يسمونه ثكلا.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما قال:
خِطْبَةٌ لِلخَمامِ ليسَ لهَرَدْ ... دٌ. . . . . .
(1/209)

أشار إلى هذه الميتة بأنها شريفة، وأن ليس لها كفؤ فيكون منه خطبة لها، فلو كان الخاطب (لها) غير الموت لرد. وكأن هذا ينظر إلى بيت مهلهل: (المنسرح)
أنْكَحَها فَقْدُها الأرَاقِمَ في ... جَنْبٍ وكانَ الحِبَاءُ من أدَمِ
لَو بأبانَيْنِ جاَء يَخْطُبُها ... ضُرَّج ما أنفُ خَاطبٍ بَدَمٍ
والذي يَدُلُّ على صِحَّة هذَا التفسير البيت الذي يليه وهو قوله: (الخفيف)
وإذَا لم تَجِدْ من النَّاسِ كفؤاً ... ذاتُ خِدْرٍ أَرَادَتِ المَوتَ المَوتَ بَعْلا
وقوله: (الخفيف)
شِيَمُ الغَانِيات فِيهَا فَلاَ أَدْ ... رِي لذا أنَّثَ اسْمَها الناسُ أَمْ لاَ
قال: إنما سميت الدنيا لأنها الدار الدانية، وليست الآخرة المتوقعة، فأظهر تجاهلا ب ذا لما فيه عذوبة اللفظ وصنعة الشعر، وهذا كقول زهير: (الوافر)
وما أدْرِي وَسَوْفَ إخالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنِ أم نِسَاءُ
أي: أرجال أم نساء هم، وهو يدري أنهم رجال، ولكن تعامى عن هذا؛ لأن فيه ضربا من الهزء.
وأقول: ليس التشكك والتجاهل في بيت المتنبي لأجل عذوبة اللفظ وصنعة الشعر،
(1/210)

ولكن للتقريب بين الدنيا وبين النساء في الأخلاق وتقلبها وأنها لا تدوم على حال،
وذلك (في التقريب) مثل قول ذي الرمة: (الطويل)
أَيا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلاَجِل ... وبين النَّقَا أنتِ أَمْ أُمُّ سَالمِ
وكذلك القول في بيت زهير، وفيه زيادة ما ذكره من التهكم بهم والسخري منهم.
وقوله: (الخفيف)
فأتَتْهُمْ خَوضرقَ الأرْضِ ما تَحْ ... مِلُ إلاَّ والأبْطاَلاَ
قال: أي: تخرق الأرض بحوافرها؛ يعني خيل سف الدولة، وهذا نحو قوله: (الوافر)
إذَا وَطئَتْ بأيْدِيها صُخُوراً ... بَقينَ لِوَطءِ أرْجُلِها رِمَالاَ
وقوله: (الرجز)
يَتْرُكُ في حِجَارةِ الأبَارقِ
آثارَ قَلْع الحَلْي في المَناطِقِ
(1/211)

وقول أبي النجم: (الرجز)
يُغَادرُ الصَّمْدَ كظَهْرِ الأجْزَلِ
فيقال له: لم يرد شدة التأثير بالحوافز كما زعمت، وإنما يريد قطع الأرض بسرعة، كقوله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا).
وقوله: (الخفيف)
أَقْلَقَتْهُ بَنِيَّةٌ بَيْنَ أُذْنَيْ ... - هِ وبَانٍ بَغَى السَّماَء فَنَالاَ
قال: يعني قلعة الحدث، وذكر مؤخر رأسه لأن أبلغ في هجائه.
فيقال له: لم يرد مؤخر رأسه ولا هجاءه بذلك، وقوله: بين أذنيه، أراد: جملة رأسه، وهذا كما يقال: يعجبني ما بين شفتيها، يعني: ثغرها، وما بين جفنيها، يعني: طرفها. والمعنى: أن هذه البنية كأنها، لثقلها عليه، حامل لها فوق رأسه،
البيت الذي بعده يدل على ما قلته وهو: (الخفيف)
كُلَّمَا رَامَ حَطَّهَا اتَّسَعَ البَنْ ... يُ فَغَطَّى جَبِيْنَهُ والقَذَالاَ
(1/212)

وقوله: (الخفيف)
أخَذُوا الطُّرْقَ يَقْطَعُون بها الرُّسْ ... لَ فكانَ انقِطَاعٌها إرْسَالاَ
قال: أي: لما أبطأت الأخبار، وخالفت العادة، تطلعوا إلى ما وراء ذلك؛ فوقعوا على الخبر، فعادوا به إلى سيف الدولة.
وقال الواحدي: تطلع سيف الدولة.
(وأقول:) وكلاهما أخطأ المعنى وهو ما ذكرت في شرح الواحدي.
وقوله: (الخفيف)
تَحْمِلُ الرَّيحُ بينَهُمْ شَعَرَ الهَا ... مِ وتُذْرِي عليهمُ الأَوْصَالاَ
قال: أي لم يبعد العهد بمن قتلته، فشعورهم وأوصالهم هناك موجودة بعد.
فيقال له: لا تطير الريح الشعور عن الرؤوس، وتذري الأوصال من العظام إلا لكثرة بلى، وطول عهد بالحياة، ولكن ليس بطول أفنى رسوم الأجسام، وأعدم ما يدل عليه
(1/213)

من الآثار، وقوله (قبله): (الخفيف)
نَزَلُوا في مَنازلٍ عَرَفُوها ... يَنْدبونَ الأعْمامَ والأخْوَالاَ
يمكن أن تكون (المعرفة) للحضور فيها قبل، وللمشاهدة لها مع الأعمام والأخوال، وتقدم ذلك إلى أن صاروا كما ذكر من البلى، وأن لا يكون بالحضور، والمشاهدة للقتال، لأنه أفنى ذلك الجمع، بل بما سمعوه من أخبارهم، واستدلوا عليه من آثارهم.
وقوله: (الخفيف)
ما يَشُكُّ اللّضعِينُ في أَخْذِكَ الجَيْ ... شَ فَهَلْ يَبْعَثُ الجُيوشَ نَوَالاَ
قد أخذ على أبي الطيب لفظة النوال هاهنا، وقيل: إن النوال العطية، فكان ينبغي
أن يضع موضع النوال الجزية، أو الرشوة وما أشبههما مما يقرب به إليه.
وأقول: إنه ذكر النوال على وجه الهزء به السخري منه.
وقوله: (الخفيف (
غَصَبَ الدَّهْرَ والملوكَ عليها ... فَبَنَاها في وَجْنَةِ خَالاَ
(1/214)

قال: ما علمت شيئا قيل في بنية أنشئت مراغمة مثل هذا في الحسن! على أن مزردا قد قال: (الطويل)
فمَنْ أرْمِهِ مِنْها بِسَهْمٍ يَلُحْ بِهِ ... كشَامَةِ وَجْهِ، ليسَ للشَّامِ غاسِلُ
وما أحسن استعارته في قوله:
. . . . . . . . . . . . في وَجْنَةٍ الدَّهْرِ خَالاَ
ونصب خالا على أنه حال.
وقد قيل في هذا ما معناه: إنه لا يخلو من أن يكون بنى في وجنة الدهر مع غصبه إياه ما يزينه أو يشينه. فإن كان ما يزينه، فبعيد مع الغضب، وإن كان ما يشينه فهذا هجو، مع أنه كرر لفظ الدهر، ولو وضع في صدر البيت غير الدهر لحسن اللفظ.
وأقول: (قوله:
(1/215)

غَصَبَ الدَّهْرَ والملوكَ. . . . . . . . . . . .
لا يريد أنهم كانوا مستحقين لها فأخذها منهم ظلما، ولكن يريد أنه غلبهم عليها، وهو ملك، وهم ملوك، إلا أنه كان أقدر.
وأما قوله: الدهر فإنها استعارة، لأنه كان بين كثرة غير مالكها، ثم ملكها وبناها. فلا يبعد على هذا أن تكون زينة الدهر؛ لأنها صارت ملكا له).
وأما تكرار لفظ الدهر فإنه وضع المظهر موضع المضمر، وهو كثير، منه قوله: (الخفيف)
لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شيءٌ ... نَغَّص الموتُ ذا الغِنَى والفَقِيَرا
أو أظهر لتعظيم الدهر والموت وتفخيمهما.
وقوله: (الخفيف)
في خَميس من الأُسُود بَئيس ... يَفْتَرسْنَ النُّفُوسَ والأَمْوالاَ
(1/216)

قال: سمي الخميس خميسا، أي: يخمس ما وجده، أي: يأخذه.
وأقول: هذا غير معروف. لم يجيء في اللغة خمسة بمعنى أخذه، إنما يقال: خمست القوم إذا أخذت خمس أموالهم.
والذي قيل: إنه إنما سمي خميسا لبلوغه خمسة آلاف.
وقيل: إنما خميسا لعظمه في أنه خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساق، (على أن أبا نواس قال: (الطويل)
لِنَخْمِسَ مالَ اللهِ من كلَّ فاجِرٍ ... وذي بِطْنَةٍ للطَّيَّبَاتِ أكْولِ
فهذا مما يشهد لقوله إلا أنهم لم يستشهدوا به).
وقوله: (الخفيف)
وظُباً تَعْرِفُ الحَرامَ من الحِلَّ فَقَدْ أَفْنَتِ النُّفُوسَ حَلالاَ
قال: هذا مثل ضربه؛ أي: سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف الحلال من الحرام.
وأقول: هذه استعارة ومجاز لكثرة قتله الأعداء. يقول: ظباه لا تقتل إلا من يستحق القتل، وأراد بذلك سيف الدولة، وقد استقصيت ما في هذا البيت في شرح الواحدي فيتأمل هناك.
(1/217)

وقوله: (الخفيف)
إنْ تَرَيْني أَدُمْتُ بعد بَيَاضٍ ... فَحميدٌ من القَناةِ الذُّبُولُ
قال: أي: إن كانت الأسفار لوحت وجهي فليس بعيب في، وإن كان عيبا في
غيري، بل هو وصف في كما أن الذبول، وإن كان مذموما في غير القناة، فإنه محمود فيها لأنه يؤذن بقوتها كما قال أبو تمام: (الكامل)
لأنَتْ مَهَزَّتُهُ فَعَزَّ وإنَّما ... يَشْتَدُّ بَأْسُ الرُّمْحِ حينَ يَلِينُ
وأما قوله: بعد بياض فلا معترض به بل هو مشدد للمعنى لأنه لم يبال تغير لونه وشحوبه وسهومه، وإن كان غيره من الناس يستوحش لذلك ويشفق منه، فإنه هو يحمده من نفسه، ولو كان لم مدح نفسه لقلة الحفل بتغير لونه، وإنما لأجل أن بياضه استحال فلم يعبأ به (بل) ارتاح له ما بجح هذا وفخر به. فأما قول من يجهل وليس من أهل هذه الصناعة هلا قال.
. . . . . . . . . فَحَمِيدٌ من القَنَاةِ السَّوادُ
(1/218)

أو نحو ذلك من الألوان ليتطابق أو البيت وآخره، فليس في وزن من يلتفت إليه؛ لأن صناعة الشعر تؤذن بخرسه وبكمه؛ لأن الشاعر إذا وافق بين الشيئين وجمعهما من حيث اجتمعا؛ فقول من قال: هلا جمع بينهما من الوجه الآخر جهل منه، ولو كان الشيئان لا يتشابهان حتى يتضارعا من جميع الوجوه لما أمكن أن يوجد تحت الفلك شيئان متشابهان، لأنهما لا يخلوان أن يكونا جوهرين أو عرضين. ثم أبطل أن يكون التشابه لكونهما جوهرين باختلاف محليهما، وأن يكونا عرضين لجواز عدم أحدهما مع بقاء الآخر.
فيقال له: هذه سفسطة! والسؤال ها هنا حسن متوجه لم يجب عنه إلا بالسب والتنقص، والسب لا تقام به الحجة، والشتم لا تدفع به الشبهة.
والجواب عنه في قوله: إن. . . أدمت ثم قال:
. . . . . . . . . فَحَميدٌ من القَنَاةِ الذُّبولُ
ولم يقل: الأدمة، ليتطابق صدر البيت وعجزه، أن الذبول يكون معه تغير اللون إلى الأدمة فأقامه مقامها لأنه مصاحب لها ويدل عليها، ومثل هذا كثير؛ منه قوله:
(الطويل)
ولو ضَرَّ مَرْءاً قَبلهُ ما يَسُرُّهُ ... لأثَّرَ فيهِ بأسُهُ والتكرُّمُ
فأقَامَ لأَثَّرَ مقام لأضَرَّ بهِ لأنه في معناه وقد جعل نفسه، هاهنا، القناة مجازا، (مثلا)، كأنه قال: فحميد مني الذبول، أي: الأدمة.
(1/219)

وأما قوله: إن الأدمة بعد البياض، وإن كانت مكروهة من غيري، فإني أسر بها وأجذل؛ لأني اكسبها من طلب المعالي كما أن الذبول، وإن كان مذموما في غير القناة فإنه محمود فيها. فلو وضع موضع أسر بها فإنها حميدة في كما أن الذبول حميد في القناة فحذف حميدة أولا استغناء عنها بحميد آخرا لدلالته عليها لأصاب المعنى، وأطاب المجنى.
ومثله: إن تبسم زيد، فحميد من السحاب البرق؛ كأنه قال: فحميد منه التبسم كما أنه حميد من السحاب البرق. فعلى هذا التفسير لا يكون زيد السحاب، ولا أبو الطيب القناة، بل يكون ذلك مثلا لهما، وعلى التفسير الأول: هما هما.
وقوله: (الخفيف)
نَحْنُ أَدْى وقد سَأَلْنَا بنَجْدٍ ... أَطَويلٌ طَريقُهُ أمْ يَطُولُ
قال: أطويل هو في الحقيقة، أم يطوله الشوق إلى المقصود؟ وهذا البيت يؤكد عندك أنه أراده في قوله: (الخفيف)
شِيَمُ الغَانِيَاتِ فيها فَمَا أَدْ ... رِي لذَا أنَّثَ اسْمَهَا الناسُ أم لا
وهذا كنحو قول زهير: (الوافر)
وما أَدْرِي وسوفَ إخَالُ أَدْري ... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ؟
(1/220)

ألا تراه يقول بهد هذا: (الخفيف)
وكَثِيرٌ من السُّؤالِ اشْتِيَاقٌ ... وكَثيرٌ من رَدَّهِ تَعْلِيلُ
فهذه طريقة للشعراء؛ يظهرون التجاهل بالشيء وإن كانوا يعرفونه، وهذا من نحو
قول أبي تمام: (الكامل)
ومكَارِماً عُتُقَ النَّجَارِ تَليدةً ... إنْ كانَ هَضْبُ عَمَايَتَيْنِ تَلِيدا
ألا تراه أدخل الكلام شرطا، فأوقع في لفظه شكا؟ لأن أحدا لا يجهل أن هضب عمايتين قديم تليد غير معروف الأول. ومن خاص كلام العرب، ونظر إلى تصرفها، ومذاهبها، وإشاراتها، أجاز ما منع غيره، ومنع ما يجيزه. أولا ترى إلى قول بشر: (الوافر)
أُسَائِلُ صَاحَبَيَّ وقد أَرَاني ... بَصسِراً بالظَّعَائنِ حيثُ سَارُوا
وله أشباه كثيرة.
وأقول: هذا التمثيل غير صحيح! أما بيت أبي الطيب فتفسيره البيت الذي يليه؛ يقول: نسأل عن طريق نجد ونحن أعلم به، وإنما نفعل ذلك لأن من السؤال اشتياقا؛ أي: لشوقنا نفعل ذلك؛ ولأن من رد السؤال تعليلا؛ أي: لنتعلل به، فليس ذلك لتجاهل.
وأما بيت أبي الطيب الذي مثله به وهو قوله:
شِيَمُ الغَانِيات فيها. . . . . . . . .
(1/221)

وقول زهير:
ومَا أَدْرِي. . . . . . . . . . . . . . .
فلا خلاف أنهما تجاهل وتشكك ليقرب أحد الشيئين من الآخر، إذ أراد هجوهما فقرب الدنيا من الغانيات لتغيرها وتنقلها، وقرب آل حصن من النساء لعجزهم وضعفهم.
وأما بيت أبي تمام وهو قوله:
ومَكَارِماً عُتُقَ النَّجَار. . . . . . . . . . . .
فليس من قول زهير في شيء، وأنه أراد به التشكك والتجاهل، بل أراد التحقيق
والإثبات بقياس مركب من مقدمتين:
الأولى شرطية وهي قوله: إن كان هضب عمايتين قديما.
والأخرى: حملية محذوفة وهي أن هضب عمايتين قديم.
فنتج من هاتين المقدمتين أن مكارم الممدوح قديمة، وهذا تحقيق - كما ترى - لا تشكيك.
وأما بيت لشر وهو قوله:
أسائِلُ صَاحَبَيَّ. . . . . . . . . . . . . . .
فلم يرد التجاهل، وإنما سألهما عن الظعائن، وهو عالم بهن، تعللا (بهن) واشتياقا إليهن، كقول أبي الطيب: (الخفيف)
وكثيرٌ من السُّؤال اشْتِيَاقٌ. . . . . . . . .
(1/222)

أو حبا لذكرهن، ولهجا بالحديث عنهن؛ كقول أبي الشيص: (الكامل)
. . . . . . . . . حُباً لذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
وقول أبي نواس: (الطويل)
ألا سَقَّنِي خَمْراً وقُلْ لي هي الخَمْرُ. . . . . . . . .
وقوله: (الخفيف)
وإذا العَذْلُ في النَّدَى زار سَمْعاً ... فَفِداهُ العَذُولُ والمَعُّولُ
قال: أي: المعذول الذي يدخل العذل سمعه لا غيره ممن يرد العذل.
فقيل له، على هذا التفسير: فينبغي للمتنبي أن يقيد هذا في لفظ البيت ليأمن نقصان العبارة واللبس بنقصان المعنى.
وأقول: إن قوله: لا غيره ممن يرد العذل ليس بشيء! وإنما يريد: إذا زار العذل سمع إنسان؛ أي: استمعه ولم يصم عنه، إذ استماعه منقصة ولوم، ففداه العذول
(1/223)

لأنه لا يسمع منه، والمعذول لأنه ليس كهو في استماع العذل. وهذا المعنى
مطروق، كثير؛ منه قول بعض بني حميد: (المتقارب)
أَصَمًّ عن الكَلِمِ المُحْفِظاتِ ... وأحْلُمُ والحِلْمُ بي أشْبَهُ
وضده قول قعنب: (البسيط)
صُمٌّ إذَا سَمِعوا حَيْراً ذُكِرْتُ به ... وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرًّ عندَهُمْ أَذِنُوا
وقوله: (الخفيف)
أنت - طُولَ الحَيَاةِ - للرَّومِ غَارٍ ... فَمَتَى الوَعْدُ أنْ يكونَ القُفولُ
لم يقل ابن جني في هذا البيت شيئا.
وقال غيره: إذا جعله طول الحياة غازيا فلا قفول له إلا بالموت. فقوله: فمتى الوعد هاهنا ليس بحسن.
وأقول: لو قال:
أنْتَ غَارِ للرُّوم في كل وَقْتٍ ... سَائرٌ والمسِيرُ منكَ قُفُولُ
لحسن اللفظ وسلم المعنى.
(1/224)

وقوله: (الطويل)
مُحِبَّي قَيَامي ما لذلكمُ النَّصْلِ ... بَريئاً من الجَرْحَى سَليماً من القَتْلِ
قال: معناه: يا من يحب مقامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بمنصلي أعدائي ولم اقتلهم؟!
قال الوحيد: ليس هذا أراد الرجل، ولو أراده لقال، بدل قيامي، مقامي والوزن واحد، ولكن قيامي هاهنا من قمت بالأمر ولذلك سمي القائم المنظر. يقول: يا من يحب نهوضي بالأمر، ما لكم لا تخرجون معي وتساعدونني حتى نجرح أعداءنا ونقتلهم؟
وقوله: (البسيط)
هَا فانْظُري أوْ فَطُنَّي بي تَرَيْ حُرَقاً ... من لَمْ يذُقْ منها فَقَدْ وَأَلاَ
قال: أي: إن لم تريني أهلا أن تنظري إلي ففكري في تري من أمري كيت وكيت.
(1/225)

وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يقول: تنبهي فانظري - من النظر الذي هو طلب الرؤية - أو فظني - من الظن الذي هو اليقين كقول دريد: (الطويل)
فقلت لهم: ظُنُّوا بأَلْفيْ مُدَجَّجٍ. . . . . . . . .
أي: أيقنوا.
وتري: يحتمل أن يكون من رؤية العين، ويكون جواب فانظري: أي: فانظري تري.
و (أن) يكون أيضا، جواب فظني.
ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، ويكون أيضا، جوابا لهما.
يقول: تري حرقا عظيمة؛ (يعني: حرقه)؛ من لم يذق اليسير منها فقد نجا، والذي ذاق اليسير لم ينج، فكيف بمن ذاق العظيم منها؟! وهذه مبالغة عظيمة كما ترى.
وقوله: (البسيط)
كَمْ مَهْمَه قَذَفٍ قَلْبُ الدَّليلِ به ... قَلْبُ المُحِبَّ قَضَاني بعد ما مَطَلاَ
قال: يريد شدة رعب سالكه.
(1/226)

وأقول: قد أخذ على أبي الطيب قوله:
. . . . . . . . . قلبُ المُحِبَّ. . . . . .
وقيل: كان ينبغي أن يقول: إذا كان على رقبة من واش، أو اتقاء من غائر ونحو ذلك.
وأقول: هذا غير لازم، بل قلب المحب قلق على الإطلاق، فلا يحتاج إلى التقييد، وقوله:
. . . . . . . . . . . . قَضَاني بعد ما مَطَلاض
من قول أبي نواس: (البسيط)
من للجذاع إذا المَيْدَانُ ما طَلَها ... بشَأوِ الغَايَاتِ قَد قَرَحَا
وهما من قول كثير: (الطويل)
قَضَى كلُّ ذي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ ... وعَزَّهُ مَمْطولٌ مُعَنَّى غَرِيمُها
وقوله: (الكامل)
أَحْبَبْتُ برَّكَ إذْ أَرَدْتُ رَحِيلاَ ... فَوَجَدْتُ أكثرَ ما وَجَدْتُ قليلا
ورأَيْتُ أنك في المَكَارِم رَاغبٌ ... صَبٌّ إليها بُكْرَةً وأصيلا
فَجَعَلْتُ ما تُهْدي إِليَّ هَدَّيةً ... منَّي إليكَ وظَرْفَها التَّأمِيلا
بِرٌّ يَخِفُّ على يَديكَ قَبُولُهُ ... ويكونُ مَحْملُهُ عَليَّ ثَقِيلا
(1/227)

قال: هذا البيت يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون أهدى إليه شيئا كان أهداه إليه صديقه الممدوح؛ فيكون هذا استعمالا لما ركبه ابن الرومي في قوله: (الخفيف)
أيُّ شيءٍ أُهْدي إليك وفي وَجْ ... هِكَ من كُلَّ ما تُهُوديَ مَعْنَى
منك يا جّنَّةَ النَّعِيمِ الهَدايَا ... أفَأُزْجِي إليْكَ ما مِنْكَ يُجْنَى
إلا أن المتنبي أخبر أنه أهدي إليه ذلك الشيء بعينه، وابن الرومي قال: كيف أهدي إليك ما من عادة مثله أن يهدى منك، فبينهما فصل لطيف، فهذا أحد المعنيين.
والمعنى الآخر أن يكون أراد أني جعلت ما من عادتك أن تهديه إلي وتزودنيه وقت فراقك هدية مني إليك؛ أي: أسألك أن لا تتكلفه لي.
والقول الأول أشد اتساقا وأظهر، والقول الثاني أقوى وألطف.
وأقول: انظروا - هداكم الله - إلى إرسال عنانه في الضلال، وإقامته لصور المحال، وذكره لهذين الوجهين القبيحين اللذين لم يصدرا إلا عن قبح فهم، وخبط
في ظلم الشك ورجم. وما العجب من تفسيره هذا وحده بل العجب من الجماعة الذين جاءوا بعده يقتصون في ذلك أثره، ويسلكون سبيله!
(1/228)

والمعنى أني أحببت برك إذ أردت الرحيل عنك، يخاطب الممدوح، فوجدت أكثر ما وجدت من المال، ومما يحسن أن يهدى قليلا بالإضافة إلى ما يصلح وما يكون على قدرك. ورأيت رغبتك في المكارم، فجعلت الذي تهديه إلي هدية مني إليك لأنك ترى وتعتد الذي تعطيه كأنك تعطاه، وهذا من قول زهير: (الطويل)
. . . . . . . . . كأنك تُعْطِيِهِ الذي أنت سائِلُهْ
وقد بَسَطتُهُ في مَوْضِعٍ آخر من هذا الكتاب بسطا تاما، وذكرت ما جاء من قوله مثلا له.
وقوله: (الطويل)
فَما وَرَدَتْ رُوحَ امْرِئ رُوحُهُ له ... ولا صَدَرَتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخِلُ
قال: إذا وَرَدَت السُّيوفُ رُوحَ امرئ، كانت أملك بها منه وصار، إن كان باخلا، كأنه غير باخل؛ لأنها ق نالت منه ما بغت.
وأقول: معنى قوله:
فما وَرَدَتْ رُوحَ اْمرِئ روحُهُ له. . . . . . . . .
أي: إن السيوف إذا وردت روح امرئ غلبت عليها؛ أي: أخذتها. وقوله:
(1/229)

. . . ولا صَدَرتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخِلُ
أي: لأنها تخرجه عن صفة البخل بخروجه عن صفة الحياة والموت، لأنه إنما يوصف بالبخل من يوصف بالحياة فصفة الحياة مصححة لصفة البخل، فإذا مات خرج عن الصفتين.
وقوله: (الطويل)
رأيتَ ابنَ أمَّ المَوْتِ لو أن بأسه ... فَشَا بَيْنَ أهْل الأرْضِ لا نَقَطَعَ النَّسْلُ
قال: أي: لأن الناس كان يفتل بعضهم بعضا.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما أراد المبالغة في وصف شجاعته. يقول: هو يخفي من بأسه بقيا على الناس من خوفه، لئلا ينقطع النسل (بإفشائه) وانقطاعه، إما بأن يكون بإسقاط قواهم عن الجماع لشدة الخوف، وإما بإهلاكهم، وهو أبلغ من الأول.
وقوله: (الخفيف)
وله في جَماجِمِ المالِ ضَرْبٌ ... وقعُهُ في جَماجِمِ الأَبْطَالِ
(1/230)

قال: أي يهب المال فيقتدر بذلك على رؤوس الأبطال.
فيقال له: هذه عبارة غير مرضية، والمعنى ما ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله: (الرجز)
فحَلَّ كَلاَّبي وَثَاقَ الأحْبُلِ
قال: وثاق، جمع وثيق، مثل: طويل وطوال. فأما الوثاق فمصدر، وقد تكسر الواو.
فيقال له: الكلب المعلم لا يحتاج إلى الأحبل الوثيقة، ويكفيه حبل واحد، فلا يكون وثاق الأحبل جمعا، كما زعمت، ولا مصدرا؛ لأنه في معنى الجمع لإضافته إليه؛ بل الوثاق، ما يشد به كالعقال والزمام؛ واحد (لا جمع) وإضافة إلى الأحبل.
فإن قال: فقد قال فيما بعد: (الرجز)
عن أشْدَقٍ مُسَوْجَرٍ مُسَلْسَلِ
(1/231)

وهذا يدل على صعوبة الكلب فيقال: يكفي مع السلسلة والساجور - وهو عصا تجعل في عنق الكلب - حبل واحد فلا حاجة إلى الزيادة على ذلك.
وقوله: (الرجز)
آثارُهَا أمثَالُهَا في الجَنْدَلِ
قال: هذا من إغراقاته التي ذكرت؛ لأنه لم يوصف كلب قط بمثل هذا من ثقل
الوطء، وإنما جاء هذا عنهم في آثار الخيل والإبل، قال أبو النجم: (الرجز)
يُغادرُ الصَّمْدَ كظَهْرِ الأجْزَلِ
(فيقال له: لم يرد ثقل الوطء كما ذكرت، بل خشونة القوائم. وقولك: وإنما جاء هذا (عنهم) في آثار الخيل والإبل غير صحيح، بل إنما جاء صفة لحوافرهن وخفافهن بالصلابة لا بثقل الوطء). وليس من الإغراقات وصفه بثقل الوطء، بل بالسرعة والخفة حتى إنه يوصف بالطيران كقول أبي نواس: (الرجز)
يَكادُ عندَ ثَمَلِ المِرَاحِ ... يَطِيرُ في الجَّو بلا جَنَاحِ
(1/232)

وإذا وصف بذلك، لم يكن له أثر في الأرض البتة، كقوله في صفة براثنه: (الرجز)
ينشطُ أُذْنَيْهِ بهنَّ نَشْطَا
فَمَا يَقَعْنَ إِلاَّ فَرْطَا
أي: إلا بعد حين. يقول: كأنه يطير كقول كعب: (البسيط)
. . . . . . . . . وقعُهُنَّ الأرْضَ تَحْلِيلُ
وقوله: (الرجز)
ذِي ذَنَبٍ أجْرَدَ غَيْرِ أَعْزَلِ
يَخُطُّ في الأَرْضِ حِسَابَ الجُمَّلِ
كأَنَّهُ من جِسمِهِ بِمَعْزِلِ
قال: هو من سرعته وحدته يكاد يترك جسمه ويتميز عنه، وقد لاذ فيه بقول ذي الرمة إلا أنه تجاوزه: (البسيط)
لا يَذْخَرانِ من الإيغَالِ باقيةً ... حتى تكادَ تَفَرَّى عنهُما الأهُبُ
(1/233)

وقول أبي نواس: (الرجز)
تراهُ في الحُضْرِ إذا هَاهَا بِهِ
يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ من إهابِهِ
فهذا ذكر الجلد، وهو ذكر جميع الجسم.
فيقال له: ليس الضمير في قوله كأنه راجعا إلى الكلب حتى تفسره هذا التفسير، وتقرنه بذلك النظير، وإنما الضمير راجع إلى الذنب، والذي يدل عليه ما قبله وما بعده، وإنما أنت في كثرة الكلام وقلة الصواب كقولهم في المثل: أسمع جعجعة ولا أرى طحنا.
وقد غلط، أيضا، في البيت الذي يليه وهو قوله: (الرجز)
لو كانَ يُبْلي لسَّوْطَ تَحْرِيكٌ بَلِي
فجعله صفة للكلب ففسره بقوله: أي: هو كالسوط في الصلابة والجذل فلا يؤثر في السوط التحريك. وإنما هو صفة للذنب.
وقوله: (المنسرح)
كأنَّما قَدُّهَا إذَا انْفَتَلَت ... سَكْرانُ من خَمْرِ طَرْفِها ثَمِلُ
(1/234)

قال: أي: يتثنى قدها كأنه نشوان لأنه نظر إلى طرفها فسكر.
وأقول: قوله: لأنه نظر إلى طرفها فسطر كلام واهن القوى، واهي العرا، وإنما ينبغي أن يقال: وصفها بشيئين؛ بحسن القد، وحسن الطرف، فجعل قدها، لتثنيه، كأنه ثمل، وطرفها، لإزالته العقل، كأن فيه خمرا شرب (منه) قدها فمال سكرا، وهذا مذهب غريب، وطريق عجيب، أرى أن يكون من صناعة البديع، وينضم إلى التكميل وذلك أنه كمل الوصف بأن جعل المشبه والمشبه به كليهما منها. أو يزاد في صنعة البديع ويسمى التوشيع. وهذا مثل قوله في خلعة خلعها عليه سيف الدولة: (الكامل)
فكأنَّ صِحَّةَ نَسْجِهَا من لَفْظِهِ ... وكأنَّ حُسْنَ نَقَائِها من عِرضِهِ
وقد جاء مثل هذا لبعض أهل العصر في بعضه: (الكامل)
حَسُنَتْ لنا أخْلاَقُهُ فكأنَّهَا ... من ذِكْرِهِ في النَّاسِ أو أشْعَارِهِ
وقوله: (المنسرح)
يَجْذِبُهَا تَحْتَ خَصْرْهَا عَجُزٌ ... كأنَّه من فِراقِهَا وَجِلُ
قال: وهذا البيت نسيب الأول، ولقد أحسن فيهما وعذب لفظه. يقول: كأن عجزها وجل من فراقها، فهو متساقط متحرك قد ذهبت منته وتماسكه.
(1/235)

وأقول: هذه عبارة واهية قد ذهبت منتها وتماسكها!
ومعنى قوله:
. . . . . . . . . كأنَّهُ من فِراقِهَا وَجِلُ
قيل فيه: إن العجز لما كان مرتجا مضطربا شبه بإنسان عاشق لها خائف من فراقها فهو يضطرب لذلك؛ يريد ارتجاجه.
والذي عندي في هذا، أن الوجل العجز نفسه على وجه المجاز والاستعارة. وذلك أنه لما كان خصرها (خفيفا) دقيقا نحيلا، وعجزها ثقيلا نبيلا، وهو يجذبها إذا أرادت القيام، فكأنه خاف أن ينفصل منها فوجل لذلك فاضطرب بارتجاجه.
وقوله: (المنسرح)
جَرْدَاَء مِلءْ الحِزَامِ مُجْفَرَةٍ ... تَكونُ مِثْلَيْ عَسِيِبهَا الخُصَلُ
قد أخذ على أبي الطيب قوله:
. . . مِلءِ الحِزَامِ مُجْفَرةٍ. . . . . . . . .
وقيل: مجفرة في معنى: ملء الحزام، فالصفتان شيء واحد فلو اجتزأ بإحداهما وجاء بصفة تخالف الأخرى لكان أحسن له.
(1/236)

وأقول: لو قال:
. . . مِلءْ الحزَامِ ضامرةً. . . . . . . . .
نصبا على الحال، أي: في حال ضمرها ودقتها تكون ملء الحزام، لزاد المعنى
زيادة ظاهرة حسنة.
وقوله: ملء الحزام من قول أبي نواس: (الكامل)
. . . . . . . . . مِلْءِ الحَبَالِ كأنَّهَا قَصْرُ
وقوله: (الوافر)
وكان مَسيرُ عِيسهِمُ ذَميلاً ... وسَيْرُ الدَّمعِ إثرَهُمُ انهِمَالا
قال: أي سبقت دموعي عيسهم وجاوزت حدها.
وأقول: لم يرد أبو الطيب أن عيسهم سارت وسارت دموعي تسابقها في السير فسبقتها، ولو أراد ذلك لكان - لعمري - معنى سائغا بالغا، ولعله أراده! والظاهر أنه
(1/237)

وصف عيسهم بالجد في السير، ووصف نفسه بالجد في البكاء، وأن جده في ذلك أكثر من جدهم. وجعل صفة الانهمال في الانحدار أوفى من صفة الذميل في السير.
وقوله: (الوافر)
وضفَّرْنَ الغَدَائِرَ لا لِحُسْنٍ ... ولكِنْ خِفْنَ في الشَّعَرِ الضَّلالاَ
قال: الغدائر: الذوائب. قال امرؤ القيس: (الطويل)
. . . . . . . . . تَضِلّ العِقَاصُ في مُثَنى ومُرْسَلِ
فجعل أن العقاص تضل في الشعر، وهذا جعلهن يضللن فيه، فزاد على ذكر العقاص.
وقيل: هو المدرى.
وأقول: إن الضلال يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون الضلال الغيبة من قوله تعالى: (أئذا ضللنا في الأرض) أي: غبنا.
والآخر: أن يكون ضد الهداية، وهو الحيرة.
والبيت يحتمل المعنيين، فإن أريد به الغيبة عني به الكثرة؛ يريد: فخفن أن يغبن في
(1/238)

شعورهن لكثرتها. ولو أريد به الحيرة عني به شدة السواد وتشبيهه باليل؛ يريد: فخفن أن يحرن فيه لشدة سواده. وبيت امرئ القيس فيه الوجهان كالأول، (والغيبة فيه أولى.)
وقوله: (الوافر)
سِنَانٌ في قَنَاةِ بني مَعَدًّ ... بَني أَسَد إذا دَعَوُا النَّزَالاَ
قال: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه: أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء: يا بني أسد يقوم في الغناء والدفع مقام سنان مركب في قناتهم؛ لأنهم إذا دعوهم أغنوا عنهم.
(وأقول:) قال الواحدي: هذا تكلف وتمحل كلام من لم يعرف وجه المعنى! والمتنبي يقول: الممدوح سنان في قناة العرب الذين هم بنو معد، ثم خصص فأبدل من بني اسد، فكأنه قال: سنان في قناة بني أسد عند الحرب إذ أسد من ولد معد؛ فلهذا جاز إبدالهم من بني معد لاشتمالهم عليهم.
(1/239)

وقوله: (الكامل)
يَعْلَمْنَ ذاكَ ومَا عَلِمْتِ وإِنَّما ... أولاكُمَا يِبُكى عليه العَاقِلُ
قال: أي: منازل الحزن بقلبي تعلم ما يمر بها من ألم الهوى، وانتن تجهلن ذلك.
وأقول: هذا القول ليس بشيء!
والمعنى: أن منازل الهوى في الفؤاد، اللاتي هن منازل لمنازل الأحبة يعلمن ما تجهله منازلهن من أن لهن في الفؤاد منازل، وأنهن مقفرات من الأحبة، و (أن) منازل الفؤاد منهن أواهل.
(وقوله: ذاك إشارة إلى المنازل في البيت قبله وهذا تفسيره)
وقوله: (الكامل)
لو لَمْ يَخَفْ لَجَبَ الوُفُودِ حَوالَهُ ... لسَرَى إليه قَطَا الفَلاةِ النَّاهِلُ
(1/240)

قال: يراه القطا ماء معينا فيهم بوروده، ويشفقن من لجب وفوده.
(وأقول:) وقال الواحدي: إنه لعموم نفعه تهم الطير بالوفود عليه لتنفع غلتها، ليس أنه ماء يشرب، أو تراه الطير ماء كما ذكر (الشيخان).
وقوله: (الكامل)
يَدْري بما بكَ قبلَ تُظْهِرُهُ له ... من ذِهْنِهِ ويجيبُ قَبْلَ تُسَائِلُ
قد قيل في هذا البيت إن صدره فيه لين وضعف وعجزه رديء فاسد، وذلك أن المجيب قبل السؤال منسوب إلى الخفة والعجلة.
ويقال أيضا: إن الجواب لا يكون إلا بعد السؤال، فقوله:
. . . . . . . . . ويجيبُ قبلَ تُسَائِلُ
خطأ، وإنما ينبغي أن يقول: ويخبرك بأمرك قبل تسائله. وكأنه أقام يجيب مقام يخبر وهو ضعيف. وقد كرر هذا المعنى في مواضع من شعره، هذا أضعفها، منها
(1/241)

قوله: (الطويل)
ذَكيٌّ تَظَنَّيهِ عَيْنِهِ ... يَرَى قلبُهُ في يَوْمِهِ ما تَرَى غَدَا
وقوله: (الكامل)
مُسْتَنْبَطٌ من عِلْمِهِ ما في غَدٍ ... فكأنَّ ما سيكونُ فيهِ دوَّنَا
وهذا معنى متداول بين الشعراء، وأظن أن السابق إليه أوس في قوله: (المنسرح)
الأَلَمعِيُّ الذي يَظُنُّ لك الظَّ ... نَّ كأنْ رَأَىَ وقد سَمِعَا
وقوله: (الكامل)
لو طَابَ مَوْلِدُ كلَّ حيًّ مثلَهُ ... وَلَدَ النَّسَاءُ ومالهُنَّ قَوابِلُ
قال: أي: لم يحتجن إلى من يشارفهن ويشاهد المستور من أحوالهن وقت الولادة.
وقد قيل في هذا البيت: هذا كلام فحواه أن طيب المولد هو سهولة الولادة، وكم
من سهل الولادة بطيب المولد، فلا يتعلق العجز بمعنى الصدر.
فيقال لقائل ذلك: فما تعني أنت بطيب المولد؟ فإن قال: الكرم والنجابة وحسن الأخلاق وطيب الأعراق، حسن أن يضاف إلى ذلك أيضا سهولة الولادة، وطهارة الوالدة والولد والمكان، وترك الاستعداد إلى ما تحتاج إليه القوابل في أمر النسوان كما
(1/242)

يُحكى عن فاطمة بنت أسد - رحمها الله - حين أخذها الطلق أن أبا طالب أعلم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بأمرها فأدخلها الكعبة فولدت فيها عليا - عليه السلام - ولم تر دما!
وقوله: (الكامل)
وإذَا أتَتْكَ مَذَمَّتي من نَاقِصٍ ... فَهْيَ الشَّهَادَةُ لي بأني فَاضِلُ
قد أخذ على أبي طيب في هذا البيت بأن الناقص يذم الفاضل وغير الفاضل لسوء فهمه وقلة تمييزه، فإذا ذمه فلا يدل على أنه فاضل.
(وأقول:) وهذا ليس بشيء! وذلك أن الناقص إنما يذم الفاضل لفضله حسدا له عليه، لنقصه، فالناقص لا يذمه لأنه لا يحسده، أو للمناسبة التي بينهما - وهذا المعنى من قول أبي تمام: (الطويل)
(1/243)

لقد آسَفَ الأعداَء مَجْدُ ابن يوسُفٍ ... وَذو النَّقْصِ في الدُّنيا بذي الفَضْلِ مولِعُ
أو كلاهما من قول مروان بن أبي حفصة: (الكامل)
ما ضَرَّني حَسَدُ اللئامِ وَلَمْ يَزَلْ ... ذو الفَضْلِ يَحْسِدُهُ ذوو التَّقْصيرِ
وقوله: (الكامل)
مَنْ لي بِفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعي ... أنْ يَحْسُبَ الهِنديَّ فيهم باقِلُ
(أقول:) قد ذكرت في غيره من الشروح ما ذكر من اخذه عليه في هذا، والجواب عنه، لأن غيره أخذه منه.
وقوله: (الطويل)
وإسْحَاقُ مَأمُونٌ على مَنْ أَهَانَهُ ... ولكِنْ تَسَلَّى بالبكاءِ قَلِيلاَ
قال: يأمنه من أهانه لسقوط نفسه. ولو قال ها هنا: تجمل بالبكاء لكان أشبه.
وقيل له: ليس في البكاء هنا جمال، إنما هو ضعف ووهن، ولكن تسلى
(1/244)

أوقع كما قال الرجل.
وأقول: إنما قال: تسلى بالبكاء وذلك أنه إذا أهين حزن، وكئب، واهتم لذلك، فالأبي ذو الأنفة والنفس العزيزة يكون تسلية من ذلك بالانتقام ممن قصد هوانه. والدنيء الذليل الضعيف يكون تسليه بالبكاء يستروح به كالنساء، ليس لهن تسل بغيره، فهو مأمون على من أهانه.
وقوله: (المنسرح)
أنَا مَنْ بَعْضُهُ يَفُوق أبا البَا ... حِثِ، والنَّجْلُ بَعْضُ من نَجَلَهْ
قال: معناه: أنا أفوق أبا من يبحث عني، إلا أن صنعة الشعر قادته إلى هذا النظم وليس لضرورة.
فيقال له: ليس فيه ضرورة - كما تقول - ولكن فيه زيادة لا تعلمها! وهي في قوله:
. . . . . . . . . . . . والنَّجْلُ بعضُ من نَجَلَه
يقول: أنا بعض أبي، والباحث بعض أبيه، فبعض أبي - وهو أنا - يفوق كل الباحث وهو أبوه! وهذه قضية عقلية من مقدمتين ونتيجة:
فالمقدمة الأولى: أن الكل أفضل من البعض.
والثانية: أن الإنسان بعض أبيه.
(1/245)

والنتيجة: أنه إذا فضل شيء الكل وجب أن يفضل البعض.
فعلى هذا إذا فضلت أبا الباحث وجب أن أفضل الباحث لأنه بعضه، ووجب أن يفضله ويفضل أباه أبي لأنني أنا فضلتهما وأنا بعضه، فما ظنك بالكل!
وقوله: (البسيط)
إِذَا العِدَا نَشِبَتْ فيهم مَخَالِبُهُ ... لم يَجْتَمِعْ لَهُمُ حِلْمٌ ورِئبَالُ
قال: كأن في هذا البيت ضربا من الاعتذار لعدوه الملقبه بالمجنون مع الهزء به؛ لأنه يرى من إقدامه وتعجرفه في الحرب، ورميه بنفسه في المهالك، وما يبعده عن الحلم عنده فلذلك لقبه مجنونا.
فيقال له: بل في هذا البيت ضرب من الاعتذار إلى عدوه لفتكه بهم، وقتله لهم، وترك إبقائه عليهم، وعدم حلمه عنهم بجعله أسدا، والأسد ليس عنده ذلك، فهذا عذر له إليهم، لا عذر لهم إليه.
وفيه أيضا إشارة إلى تلقيبه بالمجنون؛ لكونه على صفات الأسد الذي ليس له عند الفرس، تثبت ولا تأمل ولا إبقاء.
(1/246)

وقوله: (الطويل)
فَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغَيْثَ خَلَّفَنْ ... وتَطلُبُ ما قَدْ كان في اليدِ بالرَّجْلِ
قال: لو ظفرت بالكوفة، وما قصدت له لوصلت إلى منازل الغيث باليد.
فيقال له ولغيره ممن فسر هذا البيت: أطلت الحز ولم تصب المفصل! فدع ما قلت لغوا، وخذه من المآخذ على الواحدي عفوا!
وقوله: (الكامل)
لو أنَّ فَنَّا خُسْرَ صَبَّحَكُمْ ... وَبَرَزْتِ وَحْدِك عاقَهُ الغَزَلُ
(1/247)

قال: ما أحسن ما كنى عن الانهزام بقوله:
. . . . . . . . . . . . عاقَهُ الغَزَلُ
فيقال له: أطو ثوب هذا البيت على غره، فلست بأبي عذره، وأطلع من مأخذ (ي) على التبريزي على غامض سره!
وقوله: (الرجز)
لَوْ جَذَبَ الزَّرَّادُ من أّذْيَالي
مُخَيَّراً لي صَنْعَتَيْ سِرْبَالِ
ما سُمْتُهُ سَرْدَ سِوَى سِرْوَالِ
قال: لو عرض علي الزراد صنعتين من الدروع مخيرا لي بينهما لما طلبت منه إلا أن يصنع لي سراويل من حديد تحصن بها عورتي، ولا أبالي بعد ذلك بانحسار سائر جسدي. وهذا، في أنه أراد تحصين بعض جسده دون بعض، يشبه ما يحكى في الخبر من أن درع أمير المؤمنين - عليه السلام - كانت صدرا بلا ظهر، لأنه لم يول قط،
(1/248)

إلا أنه أخفى الأخذ بنقله التحصين من عضو إلى عضو آخر، وهذا من عاداته. ولفظ المتنبي أشد مبالغة من لفظ الخبر؛ إلا أن الخبر حق وهذه دعوى منه.
فيقال له وللمتنبي: ما الحاجة إلى هذه السراويل من حديد؟ إن كانت لأجل التحصين من الفحشاء فالتحصن بدرع العفاف بغني عنها وأوفى منها، وإن كان لحفظ العورة وسترها من الانكشاف، وعورة الرجل دبره، فلا يول الدبر ولا يحتج إلى ستر العورة خوف الانكشاف، وليفعل كفعل علي - عليه أفضل الصلاة والسلام - ما لا فائدة فيه ولا عائدة له.
وقوله: (الرجز)
وُلِدْنَ تَحْتَ أَثْقَلِ الأَحَمَالِ
قال: يعني بأثقل الأحمال: الجبال.
وقيل له: (كيف) تكون الجبال فتولد تحتها، وهي بالضد من ذلك تولد في أعاليها؟ وإنما أراد بأثقل الأحمال: القرون، وهي وإن لم تكن في حال الولادة موجودة؛ فإنها ستوجد فيما بعد لا محالة، فكأنها موجودة، والبيت الذي بعده:
قَدْ مَنَعَتْهُنَّ مِنَ التَّفَالي
يدل على أنها القرون.
(1/249)

وقوله: (الرجز)
لهَا لِحى سُودٌ بلا سِبالِ
قال: أراد بسبال أسبلة، فوضع الواحد موضع الجمع كما قال الشماخ: (الطويل)
أَتَتْنِي سُلَيْمٌ قَضُّهَا بِقضِيضِهَا ... تُمَسَّحُ بالبَقِيع سِبَالَهَا
فيقال له: بل السبال جمع سبلة، مثل أكمة وإكام، وهو ما انسبل من شعر الشارب في اللحية.
هذا قول ابن دريد. وقال: إن السبال طرف اللحية، وهو الذي قصده ابن جني؛ واحد في موضع الجمع، والأول أولى؛ لأنه جمع على الحقيقة.
وقوله: (الرجز)
وقد بَلَغْتَ غايةَ الآمَال
(1/250)

فَلَمْ تَدَعْ مَنها سِوى المُحالِ
في لا مَكانٍ عِنْدَ لا مَحالِ
قال: أرجو له - عفا الله عنه - أن لا يكون أراد بهذا القول، الغمز على أهل التوحيد، أن ما لم يحوه مكان، ولم يصر إليه مثال فهو محال. وهذا محال لأن الله تقدست أسماؤه، وجل ثناؤه لا يحويه مكان، ولا يُدرَك وهو حق الحق.
فيقال له: قوله:
وقد بَلَغْتَ غَايَةَ الآمالِ
يعني: من أفعالك وأمور دنياك، ينفي عنه ذلك التوهم الفاسد، وذلك أن هذه الأشياء ما لم تكن منها في مكان وله مثال يمثله الخاطر أو يراه الناظر، فهو محال لا محالة. فعلى هذا لا يكون قد أراد ما توهمه من أنه غمز على أهل التوحيد في إثبات ذات الباري على هذه الصفة، لأنه - سبحانه - ليس مما يبلغ
بالآمال ويدرك بالأفعال.
وقوله: (الطويل)
وفَاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمهْ ... بأنْ تُسْعِدا والدَّمْعُ أَشْفَاهُ سَاجُمهْ
(1/251)

قال: معنى البيت: كنت أبكي الربع وحده، فصرت أبكي وفاءكما معه.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أنه يخاطب صاحبيه؛ يقول: وفاؤكما بأن تسعدا بالدمع كالربع؛ أي: ينبغي أن يكون الإسعاد بالبكاء علي وفق الربع في حال أشجاه للمحب (طاسمه)، وفي حال أشفى الدمع للمحب ساجمه. وكأن في هذا إشارة إلى أن صاحبيه لم يفيا له بالإسعاد، وأنهما قصرا معه في البكاء فلهذا قال، فيما بعد: (الطويل)
وقَدْ يَتَزَيَّا بالهَوَى غَيْرُ أَهْلِهِ ... ويَسْتَصْحِبُ الإنسَانُ من لا يُلائِمُهُ
يقول: هذان الصاحبان اللذان سمتهما الإسعاد بالبكاء، متصنعين بالهوى متكلفين له، غير ملائمين لي ولا موافقين لطباعي، فهذا المعنى الذي يقتضيه اللفظ وتدل عليه القرائن ويتبين به الإعراب.
وقوله: (الطويل)
بَلِيتُ بِلَى الأطْلاَلِ إنْ لم أقف بها ... وقُوفَ شَحيحٍ ضَاعَ في التُّرْبِ خَاتِمُهُ
قال: وقد ذهبوا إلى نقصان هذا البيت؛ فإن وقوف الشحيح على طلب خاتمه ليس مما يتناهى في ضرب المثل به. وأجاب عنه بأن هذا شبيه بقوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) ثم قال: وليت شعري! هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح إلى أن تفيء بنور الله؟! ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء، وتتجاوز
(1/252)

الحد، فقد تقصد أيضا وتستعمل المقاربة، واستشهد على بيت أبي الطيب في إضلال الخاتم والحيرة بسببه بقول الراجز:
فَهُنَّ حَيْرَى كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ
فيقال له: ليس فيما ذكرت من الآية اقتصار ومقاربة، بل إغراق ومبالغة! وذلك أن المشكاة، وإن كانت في اللغة الكوة التي فيها مصباح، كما ذكرت، فالمراد بها هنا فاطمة الزهراء - عليها السلام - لما ذكره المفسرون ونقله المحدثون، منهم أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن المغازلي الواسطي يرفعه إلى الحسن - عليه السلام - وهي من رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو السراج المنير لقوله تعالى: (وسراجا منيرا) والسراج هاهنا المراد به الشمس لقوله تعالى: (و (جعل) الشمس سراجا). فلا نور أضوأ من هذا النور، فضرب الله مثلا لنوره في الهداية والبيان (بهذه المشكاة): التي هي فاطمة، والمصباح الحسن والحسين، و (الزجاجة كأنها كوكب دري) قال: كانت فاطمة - عليها السلام - كوكبا دريا من نساء العالمين:
(يوقد من شجرة مباركة): إبراهيم عليه السلام.
(لا شرقية ولا غربية): لا يهودية ولا نصرانية.
(يكاد زيتها يضيء): قال: يكاد العلم ينطق منها.
(1/253)

(ولو لم تمسه نار نور على نور): قال: منها إمام بعد إمام.
(يهدي الله لنوره من يشاء): قال: يهدي الله لولايتها من يشاء.
وأما البيت الذي استشهد به على ضياع الخاتم والحيرة بسببه، فقد حرفه وبدله، أو نسيه وجهله، لأن الشيخ أبا العلاء أنشده في تفسيره للديوان.
إِذَا قَطَعْنَ عَلَماً بَدَا عَلَمْ
يَبْحَثْنَ بَحْثاً كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ
حَتَّى يُوَافِينَ بنَا إلى حَكَمْ
وقد ذكرت تفسيره في المآخذ عليه.
وقوله: (الطويل)
قِفي تَغْرَمِ الأولَى من اللَّحظِ مُهْجَتي ... بثانَيةٍ، والمُتلِفُ الشَّيَْ غارِمِهْ
(1/254)

قال: سألته في وقت القراءة عليه، قلت: الأولى هي الفاعلة؟ قال: نعم. يريد أنه نظر إليها نظرة فأقلقت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى لترجع إليه نفسه فجعل الأولى، في الحقيقة، كأنها هي الغارمة لأنها كانت سبب التلف.
فيقال له: فما يؤمنه أن تكون النظرة الثانية مالأولى، فلا يحصل الغرم بالإحياء بل يتضاعف تلف الحوباء!
والجواب: أن النظرة الأولى هي في وقت الفراق، وظنه أنه للقلى والملال، فإذا وقفت عليه، فالنظرة الثانية للإحسان إليه؛ لأن التوقف يوجب التعطف، فلهذا جعل النظرة الأولى مميتة، والثانية محيية.
وقوله: (الطويل)
سَقَاكِ وَحيَّانَا بِكِ اللهُ إنَّما ... عَلَى العِيسِ نَوْرٌ والخُدورُ كَمَائِمُهْ
قال: قوله:
سَقَاكِ وحَيَّانَا بِكِ اللَّهُ. . .
كلام في غاية العذوبة وحسن الطريقة، فأخذه السري بن احمد وأنشدني لنفسه في قصيدة يمدح بها أبا الفوارس بن فهد: (المنسرح)
حَيَا بهِ اللهُ عاشِقِيْهِ فَقَدْ ... أَصْبَحَ رَيْحَانة لِمَن عَشِقَا
(1/255)

فيقال له: هذا استحسان للكلام
كما زعمت، فهلا استحسنت المعنى بشرحك له وإبدائك عنه؟ فإنه أحسن من اللفظ؛ وهو أنه لما جعل هؤلاء النساء نورا، دعا لهن بالسقيا؛ لأن الماء نضرة النور، ودعا لنفسه بأن يحيا بهن؛ لأن ذلك من شأن النوار والأزهار.
وقوله: (الطويل)
إذَا ظَفِرَتْ منكِ العُيونُ بِنَظْرَةٍ ... أثابَ بِها مُعْيِي المطيّ ورازِمُهُ
قال - بعد تفسير غريبه -: والمعنى أن الإبل الرازمة إذا نظرت إليك عاشت
أنفسها، فكيف بنا نحن؟!
وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى ما ذكرته آخرا في مآخذ شرح الكندي.
وقوله: (الطويل)
وتكملَةُ العَيْشِ الصَّبَا وعَقيبُهُ ... وغائبُ لَوْنِ العَارِضَيْنِ وقَادِمُهْ
قال: قال المتنبي: أردت بعقيبه الشيب.
وأقل: هذا غير صحيح بل تكملة العيش هو الصبا أولا، ثم ما يعقبه من بلوغ الأشد حين يكون يافعا مترعرعا، ثم غائب لون العارضين وهو لون البشرة
(1/256)

(قبل) أن يغيب بسواد الشعر بياضه، ثم قادمه وهو الشعر الأسود. فالشيب والهرم ليسا من تكملة العيش وتمامه، بل من نقصه.
ويجوز أن يكون غائب لون العارضين وقادمه شيئا واحدا وهو الشعر الأسود فيقال: غائب: لأنه لم يبد؛ يعني في حال كونه أمرد، وقادم: بظهوره في حال كونه ملتحيا.
وقوله: (الطويل)
لقَدْ مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ ممَّا تُغِيرُهُ ... ومَلَّ سَوادُ اللَّيْل ممَّا تُزَاحِمُهْ
قال: أراد: تغير فيه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، وأنشد: (الرجز)
في سَاعَةٍ يُحَبُّهَا الطَّعَامُ
وأقول: إن تغيره هاهنا من الغيرة لا من الغارة، ولا يحمل على الضرورة؛ يعني تغيره بكون الحديد يصحبك طالعا معك في حروبك.
(1/257)

وقوله: (الخفيف)
نَحْنُ مَنْ ضَايَقَ الزَّمَانُ له فِي ... كَ وخَانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ
قال: قال لي - يعني المتنبي -: أردت ضايقه، فزدت اللام. واستشهد ابن جني على ذلك بقوله تعالى: (ردف لكم) وبأبيات قليلة.
وأقول: لو قال: نحن من ضايقته فيك لياليه، أو قال: فيك الليالي وأفاتته قربك الأيام، أو: وحمته دنوك، أو: ورمته ببعدك لكان أحسن. وهذا فيه مقابلة الأيام بالليالي، وهي صناعة وحسن براعة!
وقوله: (البسيط)
بأيَّ لَفْظٍ يَقٌولٌ الشَّعْرَ زِعْنِفَةٌ ... يَجُوزُ عندكَ لا عُرْبٌ ولا عجمُ
قال: قوله: لا عرب ولا عجم أي: ليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم الفصاحة للعرب، فليسوا شيئا.
(1/258)

فيقال له: بل هذا التفسير ليس شيئا! ومعنى قوله: لا عرب ولا عجم إنما أراد بنفيهم عن ذلك تحقيرهم ودناءتهم بجهل أنسابهم، وأنهم غير معروفين فهم بمنزلة الأدعياء والعبيد.
وقوله: (الطويل)
وقد حَاكَمُوهَا والمَنايَا حَوَاكِمٌ ... فَمَا مَاتَ مَظْلُومٌ ولا عاش ظالِمُ
قال: أي لما ظلموا، وعتوا بقصدهم هدمها، أهلكهم سيف الدولة، وسلم أصحابه.
وأقول: قوله: وسلم أصحابه ليس بشيء! ولو قال: وسلمت هي؛ يعني الحدث، لكان صوابا، وذلك أن المحاكمة كانت بينهم وبين الحدث، وهم ظالموها بقصدهم هدمها، وليس لهم ذلك وهي مظلمومة بذلك؛ فما مات مظلوم: يعني الحدث، ولا عاش ظالم: يعني الروم.
وقوله: (الطويل)
بِضَرْبٍ أَتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غائِبٌ ... وصَارَ إلى اللَّباتِ والنَّصْرُ قَادِمُ
(1/259)

قال: يقول: إذا ضربت عدوك فحصل سيفك في رأسه، لم تعتد ذلك نصرا ولا ظفرا، فإذا فلق السيف رأسه، فصار إلى لبته، فحينئذ يكون ذلك عندك ظفرا ولا يرضيك ما دونه.
وأقول: إن هذا البيت فيه معنى شريف لم يطلع عليه أحد من شراح الديوان، وقد خبطوا فيه خبطا كثيرا، والصحيح ما ذكرته في شرح التبريزي.
وقوله: (الطويل)
حَقَرْتَ الرُّدَيْنياتِ حَتَّى طَرَحْتَهَا ... وحَتَّى كَنَّ السَّيْفَ للُّرْمحِ شَاتِمُ
قال: أي: كأن السيف يعيب الرمح ويزوي به، فلم يلتفت إلى الرمح؛ لأن صاحب السيف أبلغ ما يطلب النجاح به.
وأقول: قوله:
. . . . . . . . . كأنَّ السيفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
أي: لما كان السيف أشد غناء في الحرب من الرمح، وأكثر مضايقة، وحامله أشجع من حامل الرمح، كان كأنه شاتمه، وشتمه له أن يقول (بلسان الحال): يا جبان! أنت لا تنال من عدو حاملك إلا على بعد، ولست مثلي في القرب والفعال!
(1/260)

وقوله: (الطويل)
تَدوسُ بك الخَيْلُ الوكُورَ عَلَى الذُّرَا ... وقد كَثْرَتْ حَوْلَ الوُكورِ المَطَاعِمُ
قال: يقول: إذا اخذوا عليك دربا، صعدت إليهم إلى رؤوس الجبال، فقتلتهم هناك، فلذلك تكثر المطاعم حوا الوكور.
وأقول: إن قوله: إذا أخذوا عليك دربا ليس بشيء، وإنما يقول: إذا تحصنوا منك بالجبال، لم تحتم على خيلك، وإن كانوا في أعلاها عند وكور العقبان، فقتلتهم هناك وصاروا طعاما لهن، وقرى عند بيوتهن.
وقوله: (الكامل)
وذراعُ كُلَّ أبي فُلاَنٍ كُنْيَةً ... حَالَتْ فَصَاحِبُهَا أبو الأيْتَامِ
قال: يسأل عن هذا فيقال: إن الاسم الذي يقع بعد كل إذا كان واحدا في معنى جمع فلا يكون إلا نكرة، نحو قولك: كل رجل في الدار، فلست تعني به رجلا
واحدا. ولا يجوز أن تقول: ضربت كل عبد الله، وأنت تريد ما تريد برجل، فكيف جاز له أن يقول كل أبي فلان وهو يعني جماعة هذه أحوالهم، وفلان معرفة فيكون
(1/261)

أبي معرفة لإضافته إليه؟ والجواب أنه اضطر إلى (ترك) الفصل بينه وبينه؛ كأنه قال: إن لفلان؛ أي: كل إنسان يقال له أبو فلان، كما يقال: (رب) واحد أمه لقيته، ورب عبد بطنه ضربت، فافهمه!
فيقال له: الدخل الذي ذكرته وارد، والجواب عنه غير شاف كاف؛ لأن ما ذكرته من رب واحد أمه وعبد بطنه يسمع ولا يقاس عليه. والجيد أن يقال: إن أبا فلان هاهنا، كناية عن كل شجاع معروف، وذلك أن الفارس منهم، كان إذا طعن قرنه طعنة قال: خذها وأنا أبو فلان، ومنه قول أبي نواس: (الطويل)
وللفَضْلُ أمْضَى مُقدماً من ضُبَارمٍ ... إذا لبِسَ الدَّرْعَ الحَصِينَةَ واكتَنَى
فهذا نكرة معنى، وإن كان معرفة لفظا، فلذلك جاز إضافة كل إليه واحدا في معنى الجمع.
وقوله: (البسيط)
وقد تَمَنَّوا غداةَ لدَّرْبِ في لَجِبٍ ... أنْ يُبْصِرُوكَ فلمَّا أبْصَرُوكَ عَمُوا
قال: أي: هلكوا فزالت أبصارهم، ويكون عموا، أي: تحيروا لما نظروا إليك فلم يملكوا أبصارهم.
(1/262)

وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى؛ أنهم تمنوا لقاءك ليهزموك ويغنموك، فانعكس التمني عليهم، فهزمتهم وغنمتهم وهو معنى قوله:
. . . . . . . . . فلما أبْصَرُوكَ عَمُوا
ضربه مثلا، وليس هناك عمى، على الحقيقة، ولا زوال أبصار.
وقوله: (الكامل)
كُفِّي أَراني - وَيْكِ لَوْمَكِ - ألوَمَا ... هَمٌّ أقامَ على الفُؤادِ أنْجَمَا
قال: يقول: أراني هذا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني.
وقيل له: على قولك هذا يكون أفعل مبنياً على المفعول لا الفاعل، فاللوم من الملوم لا من اللائم، وهذا قليل شاذ.
وأقول: قد جاء عنهم: هو ألوم منه، مخالفا للكثير المقيس عليه، ولم يصل إلى معنى اختصاص أفعل ببنائه من الفاعل دون المفعول. والذي عندي فيه أن أفعل صفة مبالغة في مدح أو ذم وإذا كان كذلك، فلا يكون إلا من الفاعل، لأن الرجل إنما يحمد أو يذم على ما يفعل، لا على ما يفعل به. وما جاء عنهم مبنيا من المفعول نحو: أزهى من ديك، وأشغل من ذات النحيين، وهم بشأنه أعنى، ففي
(1/263)

ذلك (المعنى) إضافة الفعل إلى الفاعل، ألا ترى أن الزهو من فعله (وإن كان قد حمل عليه) والشغل من فعلها، والعناية من فعلهم (فزهي وشغلت ليس كضرب وقتلت مما ذكر فاعله ولكن بني على المفعول المتروك فاعله تشبيها ببنائه على الفاعل). فلذلك جاز أن يبنى من المفعول في اللفظ، والمعنى للفاعل، ولهذا حسن الذم على الزهو والشغل، والحمد على العناية بالشأن. وكذلك قولهم هو أحمد منه وأرجى؛ كأنه بجوده فعل الحمد والرجاء. وألوم من قول المتنبي (مبني) من الفاعل لا من المفعول؛ كأنه أراد لوم لائم، على المبالغة، كما قالوا: شعر شاعر، وشغل شاغل، ثم بناه على أفعل للزيادة في المبالغة.
وقوله: (الكامل)
وإذَا سَحَابةُ صَدَّ حِبًّ أَبْرقَتْ ... تَرَكَتْ حَلاوةَ كُلَّ حُبًّ عَلْقَمَا
قد أخذ على أبي الطيب استعارة السحابة هاهنا، وقيل: إنها غير مناسبة.
وأقول: لو قال:
وإذَا مَرَارةُ صَدَّ حِبًّ أَشْرَقَتْ. . . . . . . . .
لكان أشبه بالمناسبة وأقرب إلى الصناعة.
(1/264)

وقوله: (الكامل)
يا وَجْهَ دَاهَيَةَ الذي لو لاكِ ما ... أكَلَ الضَّنَى جَسَدي ورَضَّ الأَعْظُمَا
قال: داهية: اسم لتي شبب بها.
وقيل: إن داهية اسم غير مليح في التغزل.
وقد ذكرت في شرح الواحدي ما قيل في هذا الاسم، وما هو الأولى.
وقوله: (البسيط)
وكُلَّمَا نُطِحَتْ تحتَ العَجَاج به ... أُسْدُ الكَتَائِبِ رامَتْهُ ولم يَرِمِ
قال: رامته: أي: زالت عنه ولم يزل هو، وأراد: رامت عنه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، قال الأعشى: (المتقارب)
أَبَانَا! فلا رِمْتَ مِنْ عِنْدنَا ... فإنَّا بخَيْرٍ إذَا لم تَرِمْ
(1/265)

أي: لا برحت! وقد استعمله أبو نواس بغير الجر؛ قال: (الطويل)
فما رِمَتُهُ حَتَّى أَتَى دونَ ما حَوَتْ ... يَمينِيَ حتى رِيْطَتي وحِذَائي
فيقال له ولأبي الطيب: إن رمت: لم تستعملها العرب إلا في النفي فقالوا: لم يرم، وما رمت، ولم يقولوا: أرام، ولا: يريم.
وأقول: إنما كان ذلك كذلك، لأنه مشبه بقولهم: ما فتئ وما برح وما زال، وهذه المنفيات بمعنى الإيجاب، ألا ترى أن حرف الاستثناء لا يدخل عليها، كما لا يدخل على كان واخواتها، مما ليس منفيا، فلا يقال: ما فتئ إلا قائما، كما لا يقال: كان إلا قائما. وإذا كان كذلك، فلا يجوز حذف حرف النفي منها، لاختلال ذلك المعنى.
وقوله: (الوافر)
ذَكْرتَ جَسِيمَ ما طَلَبي وأنَّا ... نُخَاطِرُ فيه بالمُهَجِ الجِسَامِ
قال: أراد: جسيم طلبي فزاد ما توكيدا. وإنما جعل ما زائدة ها هنا ولم يجعلها
بمعنى الذي لأن طلبي لا يكون بانفراده صلة.
فيقال له: لم لا تكون بمعنى الذي ويكون الجزء الأول من الصلة محذوفا مقدرا؟ أي: الذي هو طلبي، كقوله تعالى: (تماما على الذي أحسن) أي: الذي هو أحسن، وذلك جائز.
(1/266)

وقوله: (الطويل)
طِوالُ الرُّدَيْنِيَّاتِ يقْصِفُهَا دَمِي ... وبِيضُ السُرْيجيَّاتِ يَقْطَعُها لَحْمِي
قال: هذا فوق قول القائل: (الطويل)
فلا تُوعِدَنَّا بالقِتَالِ سَفَاهَةً ... فقد نَحِلَتْ فينَا الأسِنَّةُ والنُّبْلُ
وأقول: كأنه عنى بقوله: نحلت فينا أي: بكثرة طعنها لنا ورميها إيانا. وقال غيره: نحلت فينا: أي بكثرة استعمالنا لها بالطعن في غيرها، والرمي لعدونا، فعلى هذا لا يصح التمثيل بالبيت، ويصح على المعنى الأول؛ (أي: قد ألفناها وأنسنا بها).
وقوله: (الطويل)
إِذَا بَيَّتَ الأعْدَاَء كانَ استماعُهُمْ ... صَرِيرَ العَوَالي قَبْلَ قَعْقَعَةِ اللُّجْمِ
(1/267)

قال: يبادر إلى أخذ الرمح، فإن لحق إسراج فرسه فذاك، وإلا ركبه عرياً.
وقال الواحدي: هذا هذيان المبرسم والنائم، وكلام من لم يعرف المعنى،! يقول: إذا لاقاهم ليلاً أخفى تدبيره ومكره، وتحفّظ من أن يُفطن به، فيأخذهم على غفلة حتى يسمعوا صرير رماحه بين ضلوعهم قبل أن يسمعوا أصوات اللجم.
وأقول: قوله: إذا لاقاهم ليلاً عبارة ضعيفة، ولو قال: إذا أطرقهم أو غشيهم ليلاً، أو دهمهم ليلاً، على غرة، لكان أحسن، لأن هذا هو البيات، فأما الملاقاة فهي المواجهة والمقابلة، وتلك لا تكون عندها الغفلة والغرة.
وقوله: (الطويل)
لِهُ رَحْمَةٌ تُحيي العِظامَ وَغَضْبَةٌ ... بِها فَضْلَةٌ في الجُرْمِ عَنْ صاحِبِ الجُرْمِ
قال: يقول إذا غضب على مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته قدر المجرم، فكانت أعظم منه، فإما احتقره فلم يجازه، وإما جازاه فجاوز قدر جرمه فأهلكه.
(1/268)

وأقول: هذا ليس بشيء؛ لأن تجاوزه قدر جرمه ظلم، ولا يمدح بفعل الظلم.
والجيد ما قال الواحدي. يقول: له غضبة فيها فضل عن صاحب الجرم؛ يعني أنه يهلك بغضبه المجرم، ويفني ذلك الجرم الذي جناه، حتى لا يجني أحد تلك الجناية، ولا يأتي بذلك الجرم خوفاً من غضبته.
وقوله:
أحَقُّ عَافٍ بَدَمعِكَ الهِمَمُ ... أحْدَثُ َشيءٍ عَهداً بِهَا القِدَمُ
قال: العافي هنا: الطالب والقاصد.
وأقول: العافي: الدارس والداثر.
يقول: لا تبك على الدارس من دار كما جرت العادة بالبكاء على رسوم ديار الأحباب الذين رحلوا، وأبك على الهمم؛ فإنها قد درست؛ فهي أحق بدمعك من الديار.
(1/269)

وقوله:
مِلْتُ إلى من يكَادُ بينكُمَا ... إن كُنتُمَا السَّائلَينِ يَنقَسِمُ
قال: خاطب صاحبه مخاطبة الأثنين؛ لأن من عادة الشعراء، أن يخاطبوا الاثنين نحو قول عبيد:
يَا خلِيلَيَّ اربَعَا واستَخبِرا المنزلَ ... الدارسَ من أهلِ الحِلاَلِ
وأنشد استشهادا على ذلك خمسة أبيات أولها: يا خليلي، ثم قال: ولما كانت هذه عادة لهم جارية، ومذهبا مألوفا، جاز أن يخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، ويؤكد هذا عندك قول الشاعر:
فإنْ تَزجُراني يا ابن عَفَّانَ انزَجِرْ ... وإنْ تَترُكاني أحمِ لَحماً مُوَضَّعَا
(وهذا التفسير على من روى: (ملت)، بفتح التاء والرواية المشهورة: (ملت) بتاء مضمونة).
فيقال له: أما مخاطبة الواحد خطاب الاثنين، فقد جاء عنهم كثيرا. من ذلك قول امرئ القيس:
قفَا نَبكِ من ذِكرَى حَبيبٍ وَمَنزِلِ. . . . . . . . . .
(1/270)

وقوله تعالى: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) وأشباه ذلك. ولكن أبا الطيب لم يخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، (وذلك) لأجل الانقسام الذي ذكره، لأن الانقسام لا يكون من دون أثنين، وأبو الفتح مقصوده تكثير الكلام، وتكبير الكتاب، فسواء عنده، بعد ذلك، أخطأ المعنى أم أصاب!.
وقوله:
سَلامٌ، فولا الخَوفُ والبُخلُ عِندَهُ ... لقُلتُ: أبو حَفصٍ علينَا المُسلِّمُ
قال: أي: قال لي سلام، فلولا خوفي من مفارقته ومعاتبته على نومي، ولولا بخله لأنه لا حقيقة لزيارته لقلت: السلام من أبي حفص؛ يعني الممدوح إجلالا لخيال حبيبه.
وأقول: هذا ليس بشيء!.
وقوله: لولا خوفي خطأ أن يجعله من الشاعر؛ إنما هو من خيال الحبيب لقوله:
(1/271)

. . لولا الخَوفُ والبخل عنده. . . . . .
وذلك أن هاتين الخلتين محمودتان في النساء مذمومتان في الرجال، فولاهما لقلت: أبو حفص، يعني الممدوح، هو المسلم علينا لا خيال الحبيب. والمعنى أن الممدوح بمنزلة الحبيب عنده لولا ما استثناه من الخوف والبخل.
وقوله:
يَجِلُّ عن التَّشبيه، لا الكفَ لُجَّةٌ ... ولا هُوَ ضرغَامٌ ولا الرَّأيُ مِخدَمُ
ولا جُرحُهُ يُوسَى ولا غَورُهُ يُرَى ... ولا حَدُّه يَنبُو ولا يَتَئَلَّمُ
قال: سبحان الله! ما احسن ما عطف (لا) في هذا البيت، وما أغرب الصنعة فيه، وذلك أن قوله: (ولا الكف لجة) معناه: أن فيها ما في اللجة وزيادة عليها. وكذلك قال في (ضرغام) و (الرأي). وأما قوله (ولا جرحه يوسى) فليس معناه أنه يوسى وزيادة على الأسو، وكذلك قال: في (غوره) و (حده) فهو في البيت الأول مثبت في المعنى ما نفاه في اللفظ، ومتجاوز به في الوصف. وهو في البيت الثاني ناف في اللفظ والمعنى جميعا.
فيقال له: إنك سبحت الله متعجبا من حسن العطف والإغراب في الصنع بما ذكرته من الإثبات والنفي في معنى البيتين ولفظهما، وليس فيهما إغراب ولا عجب ولا إعجاب، ومع ذلك فلم تبين من أين وقع الاختلاف في المعنى مع الاتفاق في النفي!.
(1/272)

وبيانه: أما البيت الأول فهو أنه لما كان من عادة الكف أن تشبه بالجة، والشجاع أن يشبه بالضرغام، والرأي أن يشبه بالسيف، وأراد أن يمدح الممدوح بالكرم والشجاعة ومضاء الرأي فضله على هذه مماثلتها. وتفضيل الشيء عن الشيء، إنما يكون بإثبات ما فيه والزيادة عليه. فلذلك كان اللفظ في الأول نفيا، والمعنى إثباتا، ودخل النفي على تقدير التشبيه.
وأما البيت الثاني، وهو قوله: (ولا جرحه يوسى) فهو نفي في المعنى وفي اللفظ فلم يدخل النفي على تقدير التشبيه.
وذلك أنه دخل في الأول على تقدير: (كفه لجة) وذلك تشبيهٌ وفضيلةٌ على الجملة.
وفي الثاني دخل على (جرحه يوسى) وليس ذلك تشبيهاً ولا فضيلةً، بل نقصاً على الإطلاق! فلهذا اتفق البيتان في النفي واختلفا في المعنى.
وقوله:
وَلَنْ يُبْرَمَ الأمرُ الذي هو حَالِلٌ ... وَلَنْ يُحْلَلَ الأَمْرُ الذي هو مُبْرِمُ
قال: أظهر التضعيف ضرورةً، ومثله قول الآخر:
تَشْكُو الوَجَى من أَظْلَلٍ وأَظْلَلِ
(1/273)

يريد: الأظل.
وقول قعنب:
مَهلاً أعاذلَ قد جَرَّبتِ من خُلُقي ... إنِّي أَجُودُ لأقوَامٍ وإن ضِنَنُوا
فيقال له: ليس في هذا ضرورة لأنه كان يمكنه أن يقول:
وَلَنْ يُبرَمَ الأَمرُ الذي هو نَاقِضٌ ... ولَنْ يُنقَضَ الأمرُ الذي هو مُبرِمُ
فيخرج من الضرورة ويأتي بالطباق الصحيح، وذلك أن النقض يضاد الإبرام، والحل إنما يضاد العقد، ولكنه يحب أن يأتي بما يقع فيه الكلام، الإبهام بمعرفة جواز ذلك والإعلام، وركوب الضرورة لذلك مقصد فاسد، وسنن عن الصواب حائد، وابن جني يعجبه ذلك غاية الإعجاب، ليجول في ميدان الإغراب!.
وقوله:
وأغرَبُ من عَنقَاَء في الطَّيرِ شَكلُهُ ... وأعوَزُ من مُستَرفدٍ منه يُحرَمُ
قال: الوجه أن يقول: أشد إعوازا ولكنه جاء على حذف الزيادة.
فيقال له: فقد يمكنه أن يقول:
. . . . . . . . ... وأَعجَبُ من مُستَرفِدٍ منهُ يُحرَمُ
وهذا أشبه بالصناعة، وأكثر في الكلام.
(1/274)

وقوله:
إلى اليَومِ مَا حَطَّ الفِدَاءُ سُروجَهُ ... مُذُ الغَزوُ سَارٍ مُسرِجُ الخَيلِ مُلجِمُ
قال: أي: هو سار مذ الغزو، والغزو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف والتقدير:
مذ الغزو كائن.
فيقال: أحسنت - يا نحوي عصره - يجعلك فيج ملة مستقلة بنفسها من مبتدأ وخبر تقدير مبتدأ وخبر محذوفين! وما الحاجة إلى تقدير (كائن) مع (الغزو) وهو مع (سار)؟ ولم لم تجعل (سار) خبرا عن (الغزو) فيكون من باب: ليل نائم ونهار صائم؛ أي: ينام فيه، ويصام، كقوله:
. . . . . . . . . ... ونِمتِ وما لَيلُ المَطِيِّ بنَائِمِ
ولكنك لم تتنبه لهذا المجاز البليغ وتهتد له، وحملت الكلام على الحقيقة في صفة الممدوح بهذا التقدير البعيد، فوقعت في الخطأ الشديد!.
وقوله:
صُفوفاً لِلَيثٍ في لُيُوثٍ حُصُونُهُمْ ... مُتُونُ المَذَاكي والوَشيجُ المُقَوَّمُ
(1/275)

قال: أي: برزت له صفوفا لأن (عاتق) هنا في معنى جماعة كما تقول: كم من رجل جاءني، فالرجل، هاهنا، جماعة. ويجوز أن تكون الصفوف هي الكتائب.
وأقول: لا يجوز أن تكون (صفوفا) حالا من الضمير في (برزت) الراجع إلى (عاتق) وأن يكون (عاتق) بمعنى الجنس لأنه لا معنى لذلك ولا فائدة فيه، وإنما (هو) حال من الضمير في (تساير) الراجع إلى (كتيبةٍ) وهي في معنى الجنس؛ أي: (مصطفين لليث في ليوث)؛ يعني: الممدوح وأصحابه ليس لهم حصون غير ظهور خيلهم ورماحهم، وتلك حصون الشجعان. والعرب بخلاف الروم، فإنهم حصونهم (الجبال) والقلاع، وتلك حصون الجبناء الأذلاء.
وقوله:
كُلُّ حِلْمٍ أتَى بغيرِ اقتدارٍ ... حُجَّةٌ لاجئٌ إليها اللَّئَامُ
قال: إنما يحسن الحلم مع القدوة، فأما من لا قدرة له؛ فاعتصامه بالحلم حجة للؤمه.
(1/276)

وأقول: قوله: (فأما من لا قدرة له. . .،) إلى آخره، ليس بشيء! وإنما هذا ضد قول الشاعر:
إنَّ من الحِلمِ ذُلاً أنتَ عَارِفُهُ ... والحِلمُ عن قُدرَةٍ ضَربٌ من الكَرَمِ
فإذا كان الحلم عن قدرة من الكرم، كان الحلم عن غير قدرة من اللؤم.
وقيل: كان ينبغي أن يقول:
. . . . . . . . . . ... حُجَّةٌ لاجئٌ إليها الضِّعَافُ
لأن الذي يحلم عن غير قدرة، لا يسمى بذلك لئيما بل ضعيفا، والشاهد له على ذلك البيت المستشهد به.
وقوله:
حَسَنٌ في عُيونِ أعدائهِ أَقبَحُ ... من ضَيفهِ رأتهُ السَّوَامُ
قال: هذا مما يسأل عنه فيقال: كيف يكون حسنا في عيون أعدائه؟ وهل هذا إلا هجاء؟ ألا ترى إلى قول الراجز:
لَمَّا رَأتنِي سَقَطَتْ أبصَارُهَا
أي: غضتها عني حسدا.
وأقول: قد تقدم في خطبة الكتاب ما قال فيه وقيل عليه.
(1/277)

وقوله:
لَيلُهَا صُبحُهَا من النَّار، والإصبَاحُ ... لَيلٌ من الدُّخَانِ تِمَامُ
قال: كل ليل طال من مرض أو هم فهو تمامٌ. وأكثر ما جاء في هذا ليل التمام بالألف واللام.
وأقول: ليل التمام: أربعون ليلة؛ عشرون قبل الميلاد، وعشرون بعد الميلاد، فهذا حقيقة ليل التمام. والذي ذكره إنما يستعمل مجازاً.
قال النابغة:
يُؤَرَّق من لَيْلِ التِّمام سَلِيمُهَا ... لِحَلْي النِّسَاءِ في يَدَيْهِ قَعَاقِعُ
وقوله:
أنَا لاَئمي إنْ كنتُ وَقُتَ اللَّوائِمِ ... عَلِمْتُ بما بي بين تلك الَمعَالِمِ
قال: هذا كقولك: أنا مثلك إن فعلت كذا وكذا. ونظيره قوله أيضًا:
(1/278)

عُيونُ رَواحِلي إنْ حِرْتُ عَيْني ... وكلُّ بُغَامِ راَزِحَةٍ بُغَامي
وأقول: إن هذا الكلام دعاء على نفسه، أخرجه مخرج القسم، كقوله الآخر:
إنْ كانَ ما بُلِّغْتَ عَنِّي فَلا مَنِي ... صَديقي وشُلَّتْ من يَدَيَّ الأَنَامِلُ
فليس كما قال في هذا البيت وبيته الآخر الذي هو نظيره.
وقوله:
وذِي لَجَبٍ لا ذو الجَنَاحِ أمامَهُ ... بِنَاجٍ ولا الوَحشُ المُثَارُ بِسَالِمِ
قال: يقول: الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه.
وأقول: بل الجيش هو الصائد للجنسين جميعا من الوحش والطير، والعقبان مرتفعة فوقه، صيدها جثث القتلى لا الطير ولا الوحش. هذا هو الصواب.
وقوله:
يا أُختَ مُعتَنِقِ الفَوارسِ في الوَغَى ... لأخُوكِ ثَمَّ أرَقُّ منكِ وأَرحَمُ
(1/279)

قال: يرميه بأخته وبالابنة! وثم: إشارة إلى المكان الذي تخلى فيه للحالة المكروهة.
وأقول: بل يصفه بضد ذلك من العفة والرجولية والشجاعة. وثم: إشارة إلى الحالة المحمودة، وهي الوغى، واعتناقه الفوارس فيها.
وقد إنقلب فهمه في هذا البيت، ففسره بضد ما أراد الشاعر من أوله إلى آخره. (ويدل على ما قلت قوله بعد ذلك:)
يَرنُو إليكِ معَ العَفافِ وعنَدهُ ... أنَّ المجوسَ تُصِيبُ فيما تَحكُمُ
وقوله:
ومن العَداوةِ ما يَنَالُكَ نَفعُهُ ... ومن الصَّدَاقَةِ ما يَضُرُّ ويُؤلِمُ
قال: أي عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه فتنفع، ومودته تدل على مناسبته فتضر.
وأقول: أن عداوة الساقط سقوط همة، وذلك مضرة لذوي الأقدار والرتب العالية (لا نفع كما ذكر) ويدل عليه قول الشاعر:
نَبيلُ العَدوِّ والصَّديقِ وإنَّمَا ... يُعَادي الفَتَى أكفاؤهُ ويُصَالِحُهْ
وبيت أبي الطيب من قول الحكماء: إياك ومصادقة الأحمق؛ فربما أراد أن ينفعك فضرك!.
(1/280)

وقوله:
سَجِيَّةُ نَفسٍ لا تَزَالُ مُلِيحَةً ... من الضَّيمِ مَرمِياً بها كُلُّ مَخرَمِ
قال: مليحة: مشفقة من أن تضام.
قال:
يُلحِنَ من ذي زَجَلٍ شِرواطِ
أي: يشفقن.
وأقول: قد قيل لأبي الطيب: أن (مليحة من الضيم) تقصير لأن الإشفاق ضعف، وأجود منه: أبية على الضيم.
وقوله:
وأحلُمُ عن خِلِّي وأعلَمُ أَنَّنِي ... مَتَى أجزِهِ حلماً على الجَهلِ يَندَمِ
قال: أي: إذا جازيته بالحلم ندم، فكيف أن آخذته وقابلت أفعاله؟.
(1/281)

وأقول: أن قوله: (أن آخذته وقابلت أفعاله) فيه سوء فهم ونقص علم، وذلك أن معناه: فكيف أن آخذته على أفعاله، وقابلته بسيئاته؛ فأنه يكون حينئذ أندم، وليس
المراد ذلك، ولا للمقابلة هاهنا معنى، ولا هي مفهوم الخطاب، وإنما يراد بالحلم عن جهل الصديق رجوع إلى صداقته، واستبقاء لمودته، لأنه إذا حلم عن جهله ندم على ما فرط منه من قبح القول أو قبح الفعل فأستحيى، واستدرك ما فات، وعاد إلى ما حاد عنه.
وقوله:
عيونُ رَوَاحلي إنْ حِرتُ عَيني ... وكلُّ بُغامِ رِازِحَةُ بُغَامي
قال: وسألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه: أن حارت عيني، فعيون رواحلي عيني، وبغامهن بغامي؛ أي: أن حرت فأنا بهيمة مثلهن، كما تقول: أن فعلت كذا وكذا فأنت حمار!.
فيقال له: وما آمنك أن يقال لك وأنت في هذا التفسير كذلك! وإنما هذا دعاء على نفسه بمعنى القسم كقول مالك بن الحارث:
بَقَّيتُ وَفرِي وانحَرفتُ عن العُلاَ ... ولقيتُ أضيافِيْ بَوجهِ عَبوسِ
(1/282)

وقوله:
وإنَّ مَنِيَّتَهُ عنده ... لكالخمرِ سُقِّيَهُ كَرمُهُ
فذاكَ الذي عَبَّهُ ماؤهُ ... وذَاكَ الذي ذاقَهُ طَعمُهُ
قال: وهذا البيت يفسر ما قبله، وذلك أن الماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق. فكأن الزمان قد أتى من موت فاتك بما فيه نقض العادة تعظيما لأمره.
وأقول: ليس في هذا نقض للعادة، والضمير (المستتر) في (عبه) ضمير الفاعل راجع إلى فاتك، والضمير البارز، وهو الهاء، ضمير المفعول، راجع إلى (الذي) وهو (ماؤه) و (طعمه). وأني لأعجب من إنقلاب فهم هذا الرجل بتفسيره المعاني على ضد ما هي عليه، وجعله الماء والطعم يعب ويذوق فاتكا ولا يكون هو الفاعل لذلك!.
وقوله:
هَوِّنْ عَلَى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ ... فإنَّما يَقظاتُ العَينِ كالحُلُمِ
(1/283)

قال: يقال: شق بصر الميت شقوقا، وذلك قبل الموت. ومعنى البيت: هون على بصرك شقوقه ومقاساة النزع والحشرجة للموت، فأن الحياة، كالحلم، تبقى قليلا ثم تزول.
وأقول: أنه قد روي: (منظره) بالضم والفتح.
فإذا كان بالضم كان: (شق منظره) من المشقة؛ أي: هون على بصرك الشيء الشاق عليه منظره فأنه لا بقاء له، ويزول كما يزول الحلم.
ومن يروي: (منظره) بالفتح: (فشق منظره) من: شققت الشيء بمعنى فتحته؛ أي: هون على بصرك الشيء الذي يشق منظره لرؤيته في اليقظة فأنه لا حقيقة له ولا بقاء كالأحلام، والمنظر على هذا، موضع النظر و (ما) في الوجهين بمعنى (الذي)، ويجوز أن تكون للنفي؛ أي: هون على بصر لم يشق منظره؛ يريد: عدم الإدراك والعمى.
وقوله:
ضُرِبْنَ إلينا بالسِّياطِ جهالةً ... فلمَّا تَعارفنَا ضُرِبْنَ بِهَا عَنَّا
قال: كانت خيل الروم قد رأت عسكر سيف الدولة، فظنتهم روما فأقبلوا نحوهم مسترسلين، فلما تحققوا ذاك ولوا هاربين.
(1/284)

وأقول: لم يرد بقوله: (جهالة) ما ذكره من التباس الفريقين، (ولا جهالة ببأسنا وإقدامنا)؛ وإنما أراد (جهالة) بكثرتهم وقلتنا، وظنهم أن يغنمونا أو يربحونا، فكان كما قال في البيت الذي قبله:
وخَيلٍ حَشَوناها الأسِنَّة. . . . . . . . . . . . .
وهذه قطعة من عسكر سيف الدولة، رأتها كتيبة من عسكر الروم، فأقبلوا نحوها
طامعين ثم ولوا عنها هاربين.
وقوله:
والماءُ بينَ عَجاجَتينِ مُخلِّصٌ ... يَتَفَرَّقَانِ بهِ وَيَلتَقِيَانِ
قال: أي: عجاجة المسلمين وعجاجة الروم. يقول: ربما حجز الماء بين العجاجتين، وربما جازتاه فالتقتا.
وأقول: بل العجاجتان للمسلمين لما ذكرته في شرح التبريزي.
(1/285)

وقوله:
يَتَقَيُّلُونَ ظلالَ كُلِّ مُطَهَّم ... أَجَلِ الظَّليمِ ورِبْقَةِ السِّرْحَانِ
قال: يقول: يتتبعون آباءهم سباقين إلى المجد والشرف؛ كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك، وإذا رأى الذئب؛ كان كأنه مشدود بحبل في عنقه. والعرب إذا مدحت رجلاً شبهته بالفرس السابق، كقول النابغة:
إلاَّ لِمثْلِكَ أَوْ مَنْ أنتَ سَابِقُهُ ... سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَولى على الأَمَدِ
ونحو ذلك، وهو كثير جداً، وإنما استعار هنا لفظ (الظلال) لأن ظل كل شيء ملازمه وعلى سمته، فيريد بذلك احتذاءهم طرق آبائهم وسلوك مذاهبهم من غير تبديل ولا تعريج، كما قال: (شنشنة أعرفها من أخزم).
وأقول: هذا التفسير ليس بشيء! وإنما قال قبل:
متصعلكين. . . . . . . . . . . .
أي: يفعلون في غزوهم فعل الصعاليك، ثم قال:
يتقيلون ظلال كل مطهم. . . . . . . . . . . .
(1/286)

من القائلة، كأنهم في الظهيرة يقيلون في ظلال خيلهم، كما تفعل الفرسان المتغربة. ثم وصف الخيل، وهو وصف ومدح لهم، لأنهم يستجيدون الخيل. فقال: (كل مطهم) أي: حسن الخلق، (أجل الظليم): (أي: يصاد الظليم) عليه ولا ينجو،
و (ربقة السرحان) مثله، وهو كما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . قَيْدِ الأوابد َهيكَلِ
وقوله:
يَغشَاهُمُ مَطَرُ السَّماءِ مُفَصَّلٌ ... بمُهَنَّدٍ ومُثقَّفٍ وسِنَانِ
قال: يعني بالسحاب الجيش، شبهه به لكثافته كما قال الراجز:
كأنَّهُمْ لما بَدوا من عَرعَرِ
مُستَلئمينَ لاَبِسِي السَّنَوَّرِ
نَوءُ سَحَابٍ صَيِّفٍ كَنَهورِ
فيقال له: بل السحاب هنا السحاب بعينه!.
(1/287)

يقول: ينزل عليهم قطره والسيوف والرماح والأسنة متواصلا متتابعا كالعقد المفصل، وهذه استعارة حسنة رائقة.
وقوله:
وَجَرَى على الوَرَقِ النَّجيعُ القَاني ... فكأنَّهُ النَّارَنجُ في الأغصَانِ
(قال): القانيء: الأحمر، وأبدل الهمزة مضطرا وأجراها مجرى اللام. ألا ترى جعل الياء وصلا كما جعلها عبد الرحمن بن حسان لما اضطر فقال:
وكُنتَ أذَلَّ من وَتَدٍ بِقَاعٍ ... يُشَجِّجُ رأسهُ بالفهِرِ وَاجِي
فيقال له: ليس في القاني، هاهنا، والواجي اضطرار! وذلك أنه وقف على الهمزة فسكنت وما قبلها مكسور، فقلبها ياء كما قلبت في: ذيب وبير، وقد قريء بهما، وذلك قلب تخفيف لا إضطرار، فكذلك هي في (قاني) و (واجي) قافيتين لطروء السكون فيهما بوجوب الوقف عليهما.
وقوله:
أنسَابُ فَخرِهِمُ إليك وإنَّما ... أنسَابُ أصلِهِمُ إلى عَدنانِ
(1/288)

قال: بمثل هذا الثناء الشريف فليمدح الملوك والأجلاء!.
فيقال: هو كما تقول، ولكنه من قول ابن الرومي:
قالوا: أبو الصَّقرِ من شيبانَ، قلت لهم: ... كَلاَّ - لَعَمري - ولكن منه شَيبَانُ
وَكَمْ أبٍ قد عَلاَ بأبنٍ ذُرَا شَرَفٍ ... كما عَلاَ بِرَسُولِ الله عدنانُ!
وقوله:
كتَمتُ حُبَّكِ حَتَّى منكِ تكرِمَةً ... ثُمَّ استَوَى إسرَارِي وإعلاَنِي
كأنه زَادَ حَتَّى فاضَ عن جَسَدي ... فَصَار سُقمي به في جِسمِ كِتمَانِي
قال: كأنه، أي: كأن الكتمان، فأضمره وأن لم يجر له ذكر، لأنه لما قال: (كتمت) دل على الكتمان. وما علمت أحدا ذكر انستار سقمه وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل.
(1/289)

وأقول: لهم يفهم الشيخ المعنى، ولا ألم بشيء منه، ولا قاربه. ولم يتبين له الضمير في (كأنه) إلى (أي) شيء هو راجع، ولا الضمير في زاد، ولا الضمير في به وكل ذلك راجع إلى حبك.
يقول: كتمت حبك من كل أحد، حتى منك، تكرمة له أو لك، وهذا أبلغ ما يكون من الكتمان. ثم بعد ذلك الكتمان الشديد ظهر، فاستوى فيك الإسرار والإعلان. أي: لم يبق إسرار. وبين ما سبب ظهور الحب؟ فقال: (كأنه)، أي: كأن الحب زاد في حتى فاض عن جسدي لكثرته، وجعله بمنزلة الجسم السائل، الذي هو الماء، استعارة فصار سقمي به، أي: بالحب الذي كان يسقمني كتمانه، وذلك سقم شديد في جسم الكتمان، فأضمحل وفني إلى أن صار مثل الإعلان. واختصاره: كتمت حبك إلى أن زاد، وغلبني فبان وزال الكتمان.
وابن جني في تفسير المعاني دون حال أبي العلاء؛ لأن أبا العلاء، في الأكثر، إذا لم يفهم المعنى أعاد اللفظ، وابن جني لا يعيد اللفظ ولا يفهم المعنى!!.
وقوله:
فَطِنَ الفؤادُ لما أتَيتُ على النَّوَى ... وَلِما تَرَكتُ مَخَافَةً أَنْ تَفطُنَا
(1/290)

قال: أي: قد عرفت مني ما كان من شكرك والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضد ذلك لئلا ينمي إليك. أي: فلو لم أتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشيء به إليه، وكأنه مع هذا، أعترف بتقصير منه، ألا تراه يقول:
أضحى فراقُكَ لي عليهِ عُقُوبةً ... ليسَ الذي لَيسَ الذي قاسَيتُ منه هَيِّنَا
وأقول: أن تفسير قوله:
. . . . . . . ولما تَركتُ مخافةً أنْ تَفطُنَا
بقوله: (ولم أتعرض لضد ذلك) أي: لضد الشكر لك والثناء عليك، يعني: من السب والشتم، كلام في غاية القبح! وهل يحسن بأحد أن يقول لمن احسن إليه وأنعم عليه: إنني ما تركت سبك وشتمك إلا مخافة أن تفطن! ومفهوم الخطاب أنك لو لم تفطن بما أقول في غيبتك لشتمتك وسببتك! والجيد أن يفسر (ما أتيت) و (ما تركت) بأن يقال: ما أتيت من الأفعال الحميدة، وما تركت من الأفعال التي تضادها، فلأنك بصحة ذهنك، وجودة حدسك، تعلم ما غاب عنك منها. والصحيح أنه لم يعترف بتقصير، والضمير في (عليه) لا يعود على ذنب وقع منه أو خطأ إقترفه، وإنما يعود على (فراقك) وذلك أنه ترك المسير معه فرأى كأن ذلك ذنب اجترمه فقال:
أضحى فراقك لي عليه. . . . .
أي على فراقك، وجعل ذلك لعظمه عليه، وشدة أذاه له بمنزلة العقاب والقصاص، ولهذا قال:
. . . . . . . . ليس الذي قَاسيتُ منه هَيِّنَا
أي: من فراقك.
(1/291)

وقوله:
ألقَى الكِرامُ الأولى بَادُوا مكارِمَهُمْ ... على الخَصِيبِيِّ عند الفَرضِ والسُّننِ
فَهُنَّ في الحَجرِ منه كُلَّما عَرَضَتْ ... لهُ اليَتَامَى بَدَا بالمَجدِ والمِنَنِ
قال: المكارم بيده وتحت تصرفه، يستعملها في أي وقت شاء، وكيف شاء.
فيقال له: هل يحسن به أن يستعملها وهي في الحجر منه، من جملة اليتامى مقدمة عليها مبدوءا بها قبلها أن هذه لعبارة سخيفة من غفل سخيف!!.
وقوله:
قد شَرَّفَ الله أرضاً أنتَ سَاكِنُهَا ... وشَرَّفَ الناسَ إذ سَوَّاكَ إنسَاناً
قال: ما أعجبني قوله: (سواك) لأنه لا يليق بشرف ألفاظه، ولو قال: (أنشاك) أو نحو ذلك لكان أليق بالحال.
فيقال له: (سواك) أشرف من (أنشاك) وأليق من جانب اللفظ والمعنى:
(1/292)

أما اللفظ: فلأنها لفظة القرآن، وكلام الله أفصح الكلام (كقوله تعالى: (ثم سواك رجلا).
وأما من جانب المعنى: فإن (سواك) فيها ما في (أنشاك) وزيادة، وهو أن (سواك) بمعنى: أنشاك كاملا غير ناقص. هذا مع أن (سواك) ليس فيها ما في (أنشاك) من الضرورة، وهو قلب الهمزة ألفا من غير علة موجبة.
وهذا مبلغ نقده لجوهر الشعر، وإجلاله لقدر لفظ الذكر!!.
وقوله:
جَزَى عَرَباً أمسَتْ بِبلبيِسَ ربُّهَا ... بشمَعَاتِهَا تَقررَ بذاكَ عُيُونُهَا
قال: بلبيس بأعلى الشام دون مصر، وقد ذكرها أبو نواس في شعره فقال:
حَالَ بِلبِيسُ دُونَنَا فكفرُ شَمسَا ... فَدَاراتُ حارِثِ الجَولانِ
فيقال له: إذا لم تحقق البلاد بعيان أو سماع، فكيف تخبر عنها وتحدها فتقع في
الخطأ، وتنسب إلى الجهل وكثرة الكلام، بجعل بلبيس من الشام؟!. وبيت أبي نواس لا يدل على ذلك فلا وجه إنشاده، فإن كنت أردت تعريفه به فهو أعرف منه!.
(1/293)

وقوله:
غَدَونَا تَنفُضُ الأغصانُ فيه ... على أعرافِهَا مثلَ الجُمَانِ
قال: يريد ما يقع عليها من خلل الأغصان من ضوء الشمس.
وأقول: بل يريد ما يقع من طل الأغصان وشبه ذلك بالجمان؛ وهو حب يعمل من الفضة على شكل الدر، فشبه الطل المتناثر على أعراف الخيل به، والذي ذكره من ضوء الشمس الذي يقع من خلل الشجر هو تفسير البيت الذي يليه - (إلا أنه شبهه بالدنانير لصفرته وجعلها تفر، لأنه لا يمكن إمساكه) - وهو قوله:
وَألقَى الشَّرقُ منها في ثِيَابي ... دنانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ
وقوله:
فإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طَريقٌ ... إلى مَنْ ما لَهُ في النَّاسِ ثَاني
(1/294)

قال: هذا كقوله أيضا لكافور:
ولكنَّهُ طالَ الطَّريقُ ولم أزَلْ ... أُفَتِّشُ عن هذا الكلامِ ويُنهَبُ
وأقول: أنه لم يتبين وجه المشابهة بينهما وهو خفي جدا، وبيانه: أنه اعتذر إليه من مديحه غيره بقوله في البيت الذي قبله:
وَتَعذُلُني فيك القَوافِي وهِمَّتي ... كأني بِمَدحٍ غَيرِ مَدحِكَ مُذنِبُ
ثم قال:
ولكنَّهُ طالَ الطَّريقُ. . . . .
أي: اضطررت لبعد الطريق إلى أن أتوصل إليك بمدح غيرك، وأنت المقصود بالمدح. ومع ذلك، فإني لم أزل (أفتش عن هذا الكلام)، أي: يطلب مني جعله
بمنزلة الدر المنتقى، أو البز المختار، والأعلاق النفيسة التي يتزين بها، و (ينهب): أي: يتسابق إليه للرغبة فيه ليدخر ويقتنى. وفي هذا إعلام له أنه مطلوب من غيره، مرغوب فيما عدنه. ولو تمثل لقوله في عضد الدولة بقوله في سيف الدولة:
كُلَّمَا رَحَّبَتْ بنا الرَّوضُ قلنا: ... حَلَبٌ قَصدُنَا وأنتِ السَّبيلُ
والبيت الذي بعده لكان أشبه به وأقرب منه.
(1/295)

وقوله:
دَعَتهُ بِمَفزَعِ الأعضَاء منها ... لِيَومِ الحَربِ بِكرٍ أو عَوَانِ
رواية ابن جني: (بموضع الأعضاء).
قال: أي: دعته السيوف بمقابضها، والرماح بأعقابها؛ لأنها مواضع الأعضاء منها، وحيث يمسك المحارب والطاعن. ويحتمل أن يكون أراد: دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرماح. ومعنى (دعته): اجتذبته وأمالته.
وقال الواحدي: قال ابن فورجة: هذا مسخ للشعر لا شرح له. وما قال الشاعر إلا (بمفزع الأعضاء) يعني: دعته الدولة عضدا، والعضد مفزع الأعضاء؛ كأنه شرح قوله:
بِعضدِ الدَّولة إمتَنَعَتْ وَعزَّتْ. . . . . . . .
وهو على ما قال، يريد أن الدولة سمته عضدها، وهي مفزع الأعضاء؛ لأن الأعضاء عند الحرب تفزع إلى العضد، والعضد هي المدافعة عنها المحامية لسائر الأعضاء.
وأقول: وهو ما قال الواحدي إلا أنهم لم يبينوا ما معنى قوله: (دعته) وهو أنها
(1/296)

نادته فقالت: يا عضدي؛ أي: يا حافظي وكالئي، والناصر لي، والمدافع عني؛ فهذا معنى دعائها له.
وقوله:
أعلَى قَنَاةِ الحُسَين أوسَطُهَا ... فيه وأعلَى الكَمِيِّ رِجلاَهُ
قال: (فيه) أي: في هذا المأرق، وسألته عن معنى هذا البيت فقال: هو مثل البيت الآخر:
ولَرُبَّما أطَرَ القناةَ بفارسٍ ... وَثَنَى فَقَوَّمَهَا بآخَرَ منهُمُ
أي: قد انثنت القناة لما طعن بها فارسا، فصار أوسطها أعلاها، وأعلى الكمي رجلاه. وقال شيخنا أبو اليمن الكندي: يردي: أن الرمح ينفذ في الكمي فيناطر، حتى يصير أوسطه أعلاه، والكمي منكس (فيه) كقول امرئ القيس:
. . . . . . أرجُلُهُمْ كالخَشَبِ المآئِلِ
(1/297)

وأقول: الأحسن أن يكون (أعلى القناة أوسطها) بالكسر لا بالانثناء، وأعلى الكمي رجلاه بالانقلاب على رأسه عن سرجه، وهذا أقرب إلى الحقيقة وأمثل في الطريقة.
وقوله:
تُنشِدُ أثوَابَنا مدائِحَهُ ... بِألسُنٍ ما لَهُنَّ أفوَاهُ
قال: أي: تقعقع لجدتها. ولهذا فسر البيت الذي يليه، وهو قوله:
إذَا مَرَرنْا على الأصَمِّ بها ... أغنَتهُ عن مِسمَعَيهِ عَينَاهُ
بقوله: أي: يراها الأصم فيستغني عن صورتها وهو مما يجانس الأول.
(وأقول): هذا تفسير يقعقع، يجهل ذاكره، وينادي بعمى قلبه! وإنما يقول: إذا رأى الناس ثيابنا التي هي خلع أبي العشائر، وتفردها بالحسن والشرف، علموا أنها من عطائه، فهي بلسان الحال تنشر ثناءه وتنشد مدائحه، وهذا من قول نصيب:
فَعَاجُوا فَأثنَوا بالذي أنتَ أهلُهُ ... ولو سَكَتُوا أَثنَتْ عليك الحَقَائِبُ
وقوله:
قَالُوا: ألم تَكنِهِ؟ فقلت لهم: ... ذلك عِيٌّ إذا وَصَفنَاهُ
(1/298)

قال: في هذا البيت اختلال من جانب الإعراب، وذلك أنه لم يكن أبا العشائر في هذه القطعة، فأنكر قوم عليه ترك الكناية فإذا قال: (ألم تكنه) فدخول همزة الاستفهام على النفي تقرير يوجب أنه كناه كقوله تعالى: (ليس الله بكاف عبده) وقول جرير:
ألَستُمْ خَيرَ من رَكِبَ المَطَايَا. . . . . . . . .
أي: الأمر كذلك. ودخولها على الإثبات نفي كقوله تعالى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) أي: ليس الأمر كذلك. فعلى هذا قوله:
قالوا: ألم تكنه. . . . .
تقرير لكنايته إياه، وهم أنكروا عليه تركها؛ فكان خطأ لذلك.
وأقول: لعل هذه الحكاية موضوعة، وهي إنكار ترك كنايته، ولعل ابن جني توهم قوله:
قالوا: ألم تكنه. . . . .
أنه من الكناية التي هي: أبو فلان، أو قصد ذلك ليورد عليه ما أورد، ولم يرد أبو الطيب بقوله: (ألم تكنه) أبا العشائر؛ وإنما أراد الكناية التي هي الإضمار، أي: لم تذكر أسمه، فيكون معنى قوله:
قالوا: ألم تكنه. . . .
التقرير، أي: قد كنيته، أي: أضمرته، ولم تبين أسمه الذي هو أبو العشائر، وذلك إنكار عليه، فقال في جواب قولهم:
. . . . . . . . . ذلك عِيٌّ إذَا وَصَفنَاهُ
(1/299)

أي: إذا وصفناه وأظهرناه وسميناه، كانت هذه بلاغة، وهي عي على الحقيقة؛ لأن الوصف، والإظهار، والتبيين؛ إنما يكون عند البأس غيره به، وهو كما قال في
البيت الذي يليه:
لا يَتَوَفَّى أبو العَشَائرِ مِنْ ... لَبسِ مَعَاني الوَرَى بِمعنَاهُ
فهذا الذي أراده أبو الطيب؛ وهو استفهام بمعنى التقرير والإيجاب كما ذكر ابن جني، إلا أنه ما قصده، والزمه عليه ما الزمه. ويدل على (ما) قلته قولهم: نحن العرب أقرى الناس للضيف. ولم يحتاجوا أن يرفعوا (العرب) تأكيدا ل (نحن) أو خبرا عنه، ليتميزوا به من غيرهم، أو يخبروا عنه أنهم أقرى الناس، بل ألما قالوا: (نحن) علم من هم؟ وأنهم العرب، ونصبوا على المدح والاختصاص، حتى كأن الكلام قد تم بقولهم: (نحن)، ولو قالوا: نحن أقرى الناس، ولم يذكروا (العرب) لعرفوا، وإنما يذكر التأكيد والوصف والإظهار عند الالباس بالمشاركة، وكذلك قول الراجز:
نَحنُ بني ضَبَّةَ أصحابَ الجَملْ
وقول الآخر:
إنا بني نَهشَلٍ لا نَدَّعِي لأبٍ ... عنهُ ولا هو بالأبنَاءِ يَشرِينَا
وأن ما دعا ابن جني أن حمل قوله: (ألم تكنه) أنه من الكنية بأبي فلان، أنه ذكر في هذه الأبيات الحسين ولم يذكر أبا العشائر، وهو أشهر من الحسين. والذي حملني على
(1/300)

أن جعلت (ألم تكنه) من الكناية التي هي الإضمار أنه أضمر أسمه من أول الأبيات إلى آخرها، من قوله:
. . . . . . . . . . ما لَمْ يروك. . . . . . . . . .
ولم أحفل بذكر الحسين؛ لأنه ليس باسم له، وإنما أسمه كنيته، وهو أبو العشائر، والحسين موضوع عليه مستعار له. فيصبح إذا قول المتنبي على هذا الاعتلال ولا يحمل على الاختلال.
وقوله:
تَبُلُّ خَدَّيَّ كلما ابتسَمَتْ ... من مَطَرٍ بَرقُهُ ثَنَايَاهَا
قال: وقد دل في هذه الأبيات على أنها كانت متكئة عليه، وعلى غاية القرب منه، يصيب خديه شيء من ريقها!.
فيقال له: هذا أبرد تفسير، وأغث معنى بأن جعل بصاقها ينزل على وجهه، ويسيل على خديه ولحيته!! والمعنى ما ذكرته مستقصى في شرح التبريزي.
(1/301)

وقوله:
في بَلَد تُضرَبُ الحِجَالُ به ... على حِسَانٍ وَلَسنَ أشبَاهَا
قال: أي: كل واحدة منهن منفردة من الحسن، بما لا يشاركها فيه غيرها. ويجوز أن يكون (لسن أشباها) أي: قد صارت هذي المشبب بها سببا لإختلافهن؛ لأنها لا نظير لها فيهن كقوله أيضا:
الناسُ ما لَمْ يَرَوكَ أشَبَاهُ. . . . .
وأقول: هذا التفسير قد تلقاه عنه جميع من شرح هذا الديوان بعده، وليس بشيء! والمعنى: أنه شبه هؤلاء النساء بالظباء، فقال: لقيننا في بلد تضرب الحجال فيه على ظباء حسان - يعني النساء - ولسن أشباها؛ لأنهن بخلاف الظباء؛ لأن الظباء لا تضرب عليهن (الحجال) وهن متشابهات. ودل على ذلك قوله بعده:
كلُّ مَهَاةٍ تَقُولُ مُقلَتُهَا. . . . . .
وقوله:
يُعجِبُها قَتلُهَا الكثمَاةَ ولا ... يُنظِرُهَا الدَّهرُ بَعدَ قَتلاَهَا
(1/302)

قال: يقول: يعجب الخيل أن تقتل الكماة، كما يعجب فرسانها. ألا تراه يقول في موضع آخر:
تَحمَى السُّيوفُ عَلى أعدائِهِ مَعَهُ ... كأنَّهُنَّ بَنُوهُ أو عَشَائِرُهُ
فإذا جاز أن يوصف السيف بأنه يحمى مع صاحبه، فالحيوان الذي يعرف كثيرا
من أغراض صاحبه - لأنه مؤدب معلم - أحرى بذلك.
فيقال له: هذا الذي ذكرته استعارة، والاستعارات لها مواضع تحسن فيها وتقبح، وهو جائز على وجه المجاز، وقد يقع المجاز في بعض المواضع أحسن من الحقيقة، ولكن الحقيقة، وهي أصحاب الخيل هاهنا، أولى من الخيل، فالضمير في: (يعجبها) في اللفظ راجع إلى الخيل، وهو في المعنى لأصحابها؛ يصفهم بالشجاعة والجرأة على القتل وسفك الدماء؛ يقول: يعجبها أن تقتل الكماة ولا تنظر بعدهم بل تموت في أثرهم.
وقوله:
هو النَّفيسُ الذي مواهِبُهَ ... أنفَسُ أمَوالِهِ وأسنَاهَا
قال: هذا تقصير في مدح ملك أن يقال له: هو النفيس.
فيقال له: ولم كان ذلك تقصيرا، والنفيس: هو الشيء الفاخر المرغوب فيه، المضنون
(1/303)

به؟ يقال: نفس الشيء نفاسة، إذا كان كذلك. على أنه وإن كان فيه تقصير، فقد طوله حسن الترديد، وهو قوله:
. . . . . . . . . . أنفَسُ أموالِهِ وأسنَاهَا
فحسن لذلك.
وقوله:
النَّاسُ كالعَابدِين آلِهَةً ... وعَبدُهُ كالُوَحِّدِ اللاَّها
قال: أي: عبده مقبل بالطاعة عليه، مفوض بالرجاء إليه، لا يلتفت إلى من سواه لإغنائه عنه. وعبد غيره، يطلب من هذا تارة، ويرجو هذا أخرى.
وأقول: هذا ليس بشي!.
والمعنى أن الناس من غير عبيده في ضلال، وعبده في هداية.
وقوله:
إذا كنتَ تَرضَى أن تعيش بِذِلَّةٍ ... فلا تَستَعِدَّنَّ الحُسَامَ اليَمانِيَا
(1/304)

قال: أستعمل النفي في موضع الاستفهام، في قول ربيعة بن مقروم:
فَدَعَوا: نَزَالِ، فكنتُ أوَّلَ نَازِلٍ ... وعَلامَ أركَبُهُ إذا لَمْ أنزِلِ؟
قال: ومثل هذا الاستفهام قول الآخر:
فَلِمْ طَالَ حضملِي جَفنَهُ وجَفِيرَهُ ... إذَا أنا لم أطعَنْ إذا الخَيلُ كَرَّتِ
فيقال له: أقلب تصب! وذلك (أن) ربيعة استعمل الاستفهام في موضع النفي؛ لأن قوله:
. . . . . . . . . . . ... وعَلامَ أركَبُهُ إذَا لَمْ أنزِلِ؟
بمعنى: لا ركوب أنتفع به إذا لم انزل، وكذلك التقدير في بيت الآخر، فبيت أبي الطيب محمول على الحقيقة لأنه نفي، وبيت ربيعة محمول على المجاز، لأنه استفهام في موضع النفي، فالأولى أن يحمل المجاز على الحقيقة، ولا تحمل الحقيقة على المجاز.
(1/305)

وقوله:
إذَا الجودُ لم يُرزَقْ خلاصاً من الأذَى ... فلا المَجدُ مَكسُوباً ولا المالُ بَاقِيَا
قال: شبه (لا) بليس فنصب الخبر، قال سعد بن قيس:
مَنْ صَدَّ عن نِيرانِهَا ... فأنا ابن قَيسٍ لا بَراحُ
فيقال له: نعم، هي مشبهة بليس إذا وليتها النكرة، وهاهنا وليتها المعرفة، وإنما حملت - هاهنا - (لا) على (ما) في دخولها على المعرفة لنفي الحال كما حملت عليها في نفي الماضي المقرب من الحال في قوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى).
وقوله:
بِعَزمٍ يَسِيرُ الجسمُ في السَّرجِ راكباً ... به وَيَسيرُ القَلبُ في الجسمِ ماشِيَا
(1/306)

قال: أي: لقوة العزم ما يكاد القلب يتحرك من موضعه، ولو تحرك في الحقيقة
لمات صاحبه، وقد أتى نحو هذا أبو تمام في قوله:
مَشَتْ قلوبُ أُنَاسٍ في صُدُورِهمُ ... لمَّا رأوكَ تَمَشَّى نَحوَهُمْ قُدُمَا
وطريق أبي تام أسلم؛ لأنه ذكر تحرك القلب في موضع الشدة والمهلكة، ألا ترى إلى قولهم: قد انخلع قلبه فمات! أي: فارق موضعه، فلهذا كانت أسلم.
فيقال له: ما كان أغناك عن التعرض لشرح معاني الشعر، وأنت فيها بهذه المنزلة، وأحوج هذا الديوان إلى غيرك! ولو كان تصرفك في المال، كتصرفك في المعاني، لكان ينبغي أن يحجر فيه عليك، ويؤخذ به على يديك! ولقد أخطأت سبيل هذا المعنى وتجاوزت طريقه، فأنت في واد وهو في واد، وهو قوله:
بِعَزمٍ يَسِيرُ الجِسمُ. . . . . . . . . . . . .
أي: بعزم شديد يسير القلب به تعبا في الجسم، وأن كان الجسم مستريحا بركوبه في السرج، فكنى عن تعب القلب بمشيه في الجسم لكثرة قلقه واضطرابه وكنى عن راحة الجسم بركوبه في السرج لكونه مستقرا فيه، مستقلا محمولا.
فهذه آخر المآخذ على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني الذي قويت عليه يد الطاقة، ووصلت إليه يد المنة.
الحمد لله حق حمده، وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، أئمة الدين، وأصحابه المنتجبين الأكرمين.
(1/307)

سمع مني - بقراءتي - مآخذي على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني، المولى الشيخ العلامة الفاضل الكامل البارع شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين الإربلي أدام الله سعادته وإسعاده. وأجزت له أن يرويه عني، ويقرأه لمن شاء حيث شاء.
وكتب أحمد بن علي بن معقل الأزدي ثم المهلبي لثلاث بقين من رجب سنة ست وثلاثين وست مائة، حامدا لله على نعمه ومصليا على محمد وآله.
(1/308)