Advertisement

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي 003

الجزء الثالث
المآخذ على شرح التبريزي
الموسوم بالموضح
(3/5)

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أخذ على الشيخ أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي في تفسير شعر أبي الطيب المتنبي.
من ذلك قوله: الكامل
أسَفي على أسَفِي الذي دلهُتنِي ... عن علْمه عَليُ خَفَاءُ
قال: المعنى، أني أحزن لذهاب عقلي، حتى أني خفي علي حزني، لما لقيت فيك من الجهد.
وأقول: هذا لا يستقيم؛ لأن من ذهب عقله لا يحزن لشيء ولا يفرح به ولا يخفي عنه ولا يبدو له، والمعنى: أني كنت أتأسف عليك، لشدة شوقي إليك، فبلغت من السقم والنحول إلى الحال دلهتني عن علم الأسف، فأنا أتأسف على ذلك الأسف؛ لأنه كان وبي رمق وفي بقية. فيقال على هذا: إذا دلهته عن علم الأسف، فكيف لم تدلهه عن أسفه على الأسف؟!
(3/7)

وقوله: الكامل
وشكَيتُي فَقْدُ السُقام لأنه ... قد كان لماُ كانَ لي أعضْاَءٌ
ذكر المعنى، إلا عقبه بقوله: ومحصول البيت؛ انه يطلب أعضاءه لا السقام وذلك غير سائغ، بل محصول البيت، أنه يطلب حال أصلح من الحال التي هو فيها، وإن كانتا غير صالحتين، وهذا ينظر إلى قول الشاعر: الخفيف
رُبُ يومِْ بَكْينٌ منه فلمُا ... ضِرْتُ في غَيْرِهِ بَكَيتْ عَلَيهِ
وقوله: الكامل
يَتَلَوُنُ الخرُيتُ من خَوْفِ التُوىَ ... فيها كَماَ تَتَلَوُنٌ الحِرْبَاءُ
ذكر المعنى، إلا أنه نقضه، وقد ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله: الكامل
يَتَلونَ الخرُيتُ من خوْف التُوْى ... فيها كَماَ تَتَلَونُ الحرْباءُ
(3/8)

قال: يتلفت يمنة وشامة.
وأقول: ليس في البيت ما يدل على ذلك، والتلون هنا هو تغير اللون خوف الهلاك بالضلال كتلون الحرباء، وتلونه مذكور مشهور.
وقوله: الكامل
لا تَكثُرٌ الأمْواتُ كَثْرةَ قلةٍ ... إلاُ إذاَ شَقَيتْ بها الأحياءْ
قال: إن الأحياء إذا بك كثر الأموات، وترك الكثيرة يؤدي القلة، إما لأن الأحياء يقلون بمن يموت، وإما لأن الميت يقل بنفسه.
وأقول: إن تقسيمه هذا ليس بحسن، بل كان ينبغي له أن يقول: إن قوله: كثرة قلة، لا تخلو قلة من أن تكون للأموات أو للأحياء، فإن كانت للأحياء؛ فلا فائدة في ذلك؛ لأن الكثير في الأموات قلة في الأحياء، وإن كانت للأموات، وهو الصحيح فقد جرت العادة أن زيادة الشيء يكون لفائدة، ولا فائدة في كثرة الأموات؛ فكثرتهم بمنزلة القلة؛ فهذا هو المعنى.
وأما قوله:
. . . . . . شقيت بك الأحياء
فقد قيل فيه: إن معنى بك بموتك وهو قول أبن جني.
وقيل: ببأسك
(3/9)

وقوله: الكامل
لم تشُم يا هارونُ إلاُ بعدماْ اقْترَعَتْ ... وناَزعَتِ اسمْكَ الأسْماَءْ
ذكر فيه تفسير ابن جني، وهو الصحيح، وذكر تفسير المعري وهو القبيح! والرد عليه ذكره له الظهور فساده، ثم أردفه بتفسير البيت التالي على قول المعري، وذلك كلم على كلم!
وقوله من قصيدته التي أولها: المتقارب
ألاَ كٌلُ مَاشيةَ الخَيَزَلَي. . . . . .
فما كان ذلك مدحا له ... ولكنه كان هجو الورى
قال: كانت طباعه تنافر طباع الناس، سفالاً، ثم مدح فذلك هجو لهم.
(3/10)

وقوله من قصيدته التي أولها: الطويل
لا يخْزِنِ الله الأمير فإنني ... . . . . . .
وإنُي وإن كان الدُفينٌ حَبيبِهُ ... حَبيِب إلى حبِيبُ حبيِبي
قال: أي: يلزمني أن أحب من يحيه؛ فالمدفون وإن كان حبيبه، فهو حبيبي لأجل سيف الدولة.
وأقول: إنه قصر في هذا التفسير، وهذه العبارة! والمعنى: إن كان يماك الدفين حبيب سيف الدولة؛ فهو حبيبي لأن سيف الدولة حبيبي؛ فيلزم أن يكون حبيبه حبيبي. وهذه نتيجة المقدمتين.
ومثل هذا علي - عليه السلام -: أصدقاؤك ثلاثة: صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك. أعداؤك ثلاثة: عدوك وعدو صديقك، وصديق عدوك.
وقوله فيها: الطويل
سُبقْنَا إلى الدنُيا فلو عَاش أهْلُهاَ ... مٌنعْا بِهاَ منْ جِيئةٍ وذٌهُوبِ
(3/11)

ذكر فيه معنيين.
ويحتمل معني ثالثا: أي: لو عاش أهل الدنيا، لامتلأت من الخلق، فمنعنا من الحركة؛ المجيء والذهاب لكثرة الناس، وفي هذا تسلية له بكثرة من مات من الناس.
وقوله فيها: الطويل
ولولا أيادي الدُهْر الَجمْعِ بينَناَ ... غَفَلناَ فَلَم نْشَعْرْ له بذُنُوبِ
قال: المعنى أن الدهر لو لم يحسن إلينا بالجمع بيننا، ولكنا غافلين في العدم.
وذكر عن ابن جني قال: لولا إحسانه بالجمع بيننا، لم نشعر بذنوبه في تفرقنا، أي: تارة يحسن الدهر وتارة يسيء، وما أحسن ما اعتذر للدهر!
وأقول: المعنى أن الدهر لو لم يحسن إلينا باجتماعنا، لم نشعر له بذنوب عظيمة بتفرقنا. فينبغي أن يكون قوله: بذنوب أي: بذنوب بذنوب عظيمة؛ لأن من ابتدأ الإساءة فهو مذنب، ولا كمن بدأ بالإحسان عقبه بالإساءة، وكذلك من لم يرب الإحسان، وهو معنى البيت الذي بعده.
وقوله: ما أحسن ما اعتذر للدهر ليس في هذا بيان عذر بل بيان إساءة!
(3/12)

وقوله فيها: الطويل
فَعُوُضَ سَيْفُ الدُولة الأجرَ إنُهُ ... أجَلُ مُثَاب من أجَلُ مُثيِبِ
قال: يجوز أن يكون الضمير في إنه للأجر، ويجوز أن يكون لسيف الدولة قلت: فإذا كان للأجر ينبغي أن يكون مثاب بفتح الميم، مصدراً، وإن كان لسيف الدولة، فينبغي أن يكون مثاب بضم الميم، اسم مفعول لا غير.
وقوله من قصيدته التي أولها: البسيط
دَمْعُ جَرىَ. . . . . .
إذَا بداَ حَجَبَتْ عَيْنيْكَ هَيْبتُهُ ... وليسَ يَحْجٌهُ ستْرُ إذاَ احْتجبَاَ
قال: يحتمل معنيين:
أحدهما: حجابه قريب، لما فيه من التواضع.
والآخر: وهو أنه، وإن احتجب بالستر؟ فلا يخفي عليه ما وراءه لشدة مراعاته للأمور.
(3/13)

قلت: ويحمل معني ثالثاً، وهو أنه لكثرة نور وجهه لا يحجبه ستر، والبيت الذي بعده يدل عليه وهو قوله: البسيط
بياضُ وضجْه يرِيكَ الشمسَ حاَلِكَةً. . . . . .
وقوله في قصيدته التي أولها: الكامل
بأبِي الشُمٌوس الجَانحاَتٌ غَوَاربِاَ. . . . . .
أظْمتْني الدنُيا فَلمُا جئْتهَا ... مُستْقياً مَطَرتُ عليُ مَصاَئبا
قال: أراد أظمأتني فحذف الهمزة، ويحمل ذلك على أن يقال: أظمأ في الوقف فتسكن الهمزة، فإذا سكنت وقبلها فتحة، جاز أن تجعل ألفا كما فعلوا ذلك في فاس ورأس، وإذا صارت إلى ذلك حذفت تاء التأني، ومنهم من يرى ذلك مطردا ومنهم من يجعله مسموعا.
وأقول: إذا هذا التعليل غير سائغ، والصحيح ما قاله سيبويه، وهو حملوا ذلك على الهمزة التي تجعل بين فقلبوها ألفاً للفتحة قبلها؛ لأنها صارت لوضعها بمنزلة الهمزة الساكنة الكامل:
. . . . . . فَارْعَيْ فَزَارةُ لا هَنَاكِ الَمرْبَعُ!
(3/14)

ويدل على ذلك، أن همزة بين بين لا يكون ما قبلها إلا متحركا، لئلا يلتقي ساكنان، إلا الألف؛ فإنها جاز معها ذلك معها ذلك في نحو هباءة لزيادة المد فيها فأشبهت المتحرك فقلبوها في منساه وأظمأني ونحو ذلك تشبيها لها بهمزة سأل وقرأ ثم حذفوها إذا لقيها ساكن بعدها لأنها قربت من الساكن.
وقوله: ومنهم من يرى ذلك مطرداً ليس بصحيح إذا أطلق، بل إنما ذلك في الشعر خاصة.
وقوله: الرمل
ليس بالُمنكَرِ أن بَرُزْتَ سَبْقاً ... غير مَدفُوعِ السُبقِ العرابُ
ذكر في رفع العراب وجهين:
أحدهما: أن تكون مبتدأ، وغير مدفوع السبق خبره.
قال: إلا أن الأجود أن تقول: مدفوعة وهو كما قال.
والثاني: أن تكون العراب مرفوعة بمدفوع، على قول من أعمل اسم الفاعل غير معتمد نحو: قائم زيد.
وأقول: إن هذا لا يشبه ذلك؛ يغر فيها معنى النفي. تقول: زيد غير قائم، كما تقول: زيد لا يقوم، فإذا كانت كذلك، فاسم الفاعل هنا معتمد، فكأنه قال: لا تدفع العراب عن السبق.
وقوله: الوافر
ويدل على ذلك، أن همزة بين بين لا يكون ما قبلها إلا متحركا، لئلا يلتقي ساكنان، إلا الألف؛ فإنها جاز معها ذلك في نحو هباءة لزيادة المد فيها فأشبهت المتحرك فلبوها في منساة وأظمأني ونحو ذلك تشبيها لها بهمزة سأل وقرأ ثم حذفوها إذا لقيها ساكن بعدها لأنها قربت من الساكن
وقوله: ومنهم من يرى ذلك مطردا ليس بصحيح إذا أطلق، بل إنما ذلك في الشعر خاصة.
وقوله: الرمل
ليس بالمنكُرِ أنْ بَروُتَ سَبقاً ... غير مَدفٌوعٍ السُبقِِ العرابُ
ذكر في رفع العراب وجهين:
أحدهما: أن تكون مبتدأ، وغير مدفوع عن السبق خبره
قال: إلا الأجود أن تقول: مدفوعة وهو كما قال.
والثاني: أن تكون العراب مرفوعة ب مدفوع، على قول من أعمل أسم الفاعل
(3/15)

غير معتمد نحو: قائم زيد.
وأقول: إن هذا لا يشبه ذلك؛ لأن غير فيها معنى النفي. تقول: زيد غير قائم، كما تقول: زيد لا يقوم، فإذا كانت كذلك، فاسم الفاعل هنا معتمد، فكأنه قال: لا تدفع العراب عن السبق. وقوله: الوافر
(3/16)

أدمنا طَعُنهمْ والقَتْل حَتُى ... خَلَطْنا في عظَامِهمِ الكُعٌوبَا
قال: أدمنا: خلطنا وجعنا، يقال للمتزاوجين: أدم الله بينكما: جعلنا القتل مقرونا بالطعن؛ أي: خلطنا القنا في عظامهم.
وأقول: إن هذا وه. وأجود منه، قد ذكره الواحدي: أن يكون أدمنا من الدوام، أي: أدمنا فيهم والقتل لهم إلى أن تحطمت الرماح فيهم، وفي هذا الوجه إشعار بكثرة القتل، ولا كذلك في الأول.
وقوله: الوافر
يقَدُمهَا وقد خُضبِتْ شَوَاهاَ ... ففَي تَرْمي الحْروبُ به الحُروبَا
قال: أنث الشوى لأنه القوائم، وتذكيره أحسن، وإن كان يجوز في الجمع الذي بينه وبين واحده التاء التذكير والتأنيث، إلا يؤلف أحدهما فيكون أحسن.
قال: وإن رويت:
. . . وقد خصَبتْ شَوَاَهَا. . . . . .
كان أحسن في حكم النظم، وسلم البيت من تأنيث الشوى، ويجعل التخضيب للخيل.
(3/17)

وأقول: إن قوله: وسلم من تأنيث الشوى مع اعترافه بجوازه غير حسن، وأحسن من هذا، أن يقر لفظه على ما هو عليه، ويجعل شواها جمع شواة وهي جلدة الرأس. وتلك ليس تذكيرها بأشهر من تأنيثها، ويكون هذا مثل قوله: البسيط
ينظرْنَ من مقٌلِ أدْمَى أحجُتَهاَ ... قَرْعُ الفَوارِسِ بالعسُالةِ الذبلِ
وقوله: الوافر
شَديدُ الخنز وأنَه لا يبْالي ... أصابَ إذاَ تنََمر أوَ أصيبَا
قال: ومن روى أم أصيبا فلا بد له من إضمار حرف الاستفهام
كقوله:
. . . . بسَبعِ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بثمانِ
وأقول: لا يلزم هاهنا يقال: أصحاب وصاب، وقد قال: الكامل
. . . . . . فصابني ... سَهْمُ بَعذُبُ والسُهامُ تريحُ
(3/18)

فتكون الهمزة للاستفهام، ولا يحتاج إلى إضمار، ويجمع بين اللغتين في اللفظتين كقوله: الكامل
. . . أسْرَتْ إليكَ ولم تكْن تَسْري
وقوله: الوافر
فَشمْ في القُبةِ المَلك الُمرجُى ... فَشَمرَ بعدما عَزمَ انسِكابَا
قال: أكثر ما يستعمل: عزم وعزمت مع حروف الخفض أو مع أن فيقولون: عزمت على الارتحال، وعزمت أن أرتحل، ولا يكادون يقولون: عزمت الارتحال ثم قال: إلا أن ذلك جائز لأن العزم القطع والإمضاء.
وأقول: كأنه ظن أنه عدى عزم إلى انسكابا تعدية المفعول به وليس الأمر كذلك، ولكنه عداه إليه لأنه مصدر في موضع الحال
(3/19)

وقوله: الطويل
إليك فإني لستُ ممن إذا أتقىً ... عضاَضَ الأفاعي نَامَ فوقَ العقَاربِ
ذكرَ قولَ ابن جنُي وهو: لستُ ممُن إذا اتقىُ عظيمةُ صبرَ على مذَلةِ؛ وهو أن يشُبه العظائمَ بالأفاعي والمذلة بالعقارَب
وأقول: أحسنُ من هذا تشبيهٌ الأفاعي بالمهالك، والعقارب بالمكائد، والأذى والنمائم. وقد جاءَ ذلك في قول أبي النشاشَ: الطويل
وللموْتُ خيرُ للفتىَ منْ قُعورهِ ... عَديماً ومن مَولى تَدبُ عقاربهُ
وقوله: البسيط
كأن كُل سؤال في مَسامعهِ ... قَميصُ يُوسفَ في أجفانِ يعقوبِ
(3/20)

قال: يفرح بكل سؤال فرح يعقوب بقميص يوسف
وأقول: إنه يحتاج مع ذكر الفرح بالسؤال إلى ذكر انتفاعه به لقوله سبحانه:
(ألقَاه عَلى وجهِهِ فَارتد بَصيراً) ولهذا قال:
في أجفان يعقوب كأنه يقول: ينتفع بسؤال الناس له، لما فيه من الشرف العظيم، والذكر الجميل بجلبة سائله، وإعطاء آمله، (كانتفاع يعقوب بقميص يوسف):
وقوله: الطويل.
وكُل امرئ يُولي الجَميِل مُحبَبُ ... وكل مَكَان يُنبِتُ العِز طَيَبُ
قال ينبت العز استعارة حسنة؛: أي من دخل في خدمتك علا قدره
وأقول: إن المعنى في هذا البيت مرتب على ما قبله، لأنه ذكر أهله في أوطانه، والأهل محببون إلى الإنسان، والأوطان طيبة، فكأنه قال: لا ينبغي أن يخص الأهل بالحب، بل كل من أولاك الجميل فهو محبب، ولا ينبغي أن يخص الوطن بالطيب، بل كل مكان يحصل لك العز فيه فهو طيب.
(3/21)

وقوله: الطويل
سللت سيوفاً علمت كل خاطب ... على كل عود كيف يدعو ويخطب
ذكر فيه معنى؛ وهو أنه رأى الناس ما صنعت سيوفك، أدعوا لك، ودعوا لك، رغبة ورهبة.
وأقول: إنه يحتمل معنى آخر، وهو أن يستعير لسيوفه نطقاً تعلم منه الناس كيف يخطبون، ونطقها ضرب رقاب أعدائه، فجعلها، وهي خرس، تعلم الناس النطق كقوله: الطويل
يحاجى به ما ناطق وهو ساكت ... يرى ساكتاً والسيف عن فيه ناطق
وقوله: البسيط
نواطق مخبرات في جماجمهم ... عنه بما جهلوا منه وما علموا
وقوله: الطويل
وعن ذملان العيس ما سامحت به ... وإلا ففي أكوارهن عقاب
قال: أي أنا غني عن الأوطان، وعن ذملان العيس. ثم ابتدأ كلاماً فقال: إن
(3/22)

سامحت بذملانها، ركبتهعا، وإن لا تسامح به، وإلا ففي أكوارهن عقاب، أي: أنا أقدر من السير والتصرف على ما لا تقدر عليه. وهذا قول الجماعة.
أقول المعنى غير ذلك وهو ما ذكرته في مآخذ أبي العلاء وقوله: الطويل.
وأكَثرُ ما تلَقَى أبا المِسكِ بِذلَةً ... إذا لمِ إلا الحديدَ ثَيابُ
ذكر معناه، وهو أنه أشد ما يكون تبذلاً، إذا كان غيره أشد اتقاء.
وأقول: لعله قص إلى وصفه بالخرق موجها للمدح كعادته فيه، وكأنه علم بقضية كثير مع عبد الملك بن مروان، وقد مدحه بقوله فيه: الطويل.
(3/23)

على ابنِ أبي العَصِي دِلاصُ حَصِينة ... أجادَ المُسدي نَسجَها فأذَالهَا
فقال له: هلا قلت كما قال الأعشى: الكامل.
وإذا تكونُ كَتِيبة مَلومَةُ ... شهباءُ يَخشَى الذائدُونَ نِهَالَهَا
كنت الُقَدومَ غير لا بِسِ جُنةٍ ... بالسيفِ تَضربُ مُعلماً أبطَالَها
فقال: إنه وصفه بالخرق، ووصفتك بالحزم!
وقوله: الكامل
وفَشَت سَرَائرنُا إليك وشفَنا ... وتَعريِضُنا فَبدا لك التصريِحُ
ذكر فيه وجوها اختار منها: أنا لما جهدنا التعريض، استروحنا إلى التصريح؛ فانتهك الستر.
وأقول: وقوله: انتهك الستر هو قول أبن ني وقد ذكره في شرحه.
(3/24)

وقوله: الكامل
نَازعْتُهُ قُلصَ الركابِ وركبهاَ ... خوفَ الهلاك حدُاهمُ التَسبيحُ
قال: المعنى: نازعتهُ بقطعي إياهُ، وأعطيتهُ بما نالَ من الركابِ.
وأقولُ: وهو قولُ ابن جنيً، وقد ذُكرَ المعنى هناك.
وقوله: الطويل
يمشي به العكازُ في الديرِ تاَئباً ... وما كانَ يَرضيَ مشْيَ أشقرَ أجرُداَ
قال: هذا البيت فيه قلْب، وإنما أصل الكلام: يمشي في الدير بالعكار، إلا أنه لما كانت تؤديه إلى المشي، جار أن تجعلَ هي الماشيةَ كقولهم: ليلُ نائم، لما كان مؤديا إلى النوم.
وأقولُ: إنه لم يرد هذا، وإنما أراد أنً الدمستقَ لما تَرهبَ خوفاَ من سيف الدولة، مشَى معتمداً على عكارِ فعلْ الرهبان، فجعلَ العكارَ، لاعتمادهَ عليه، بمنزلةِ الدابةُ التي تحملهُ وتمشي به، بعد أن كان لا يرضى أن يمشي به فرس كريمّ وهذه استعارةٌ ومجازُ. فعلى ليس قلبُ في البيت وإنما هو الفهم!
(3/25)

وقولهُ: الطويل
رأيتك مَحْضَ الحَلمِ في محضِ قدُرةِ ... ولو شئتَ كانَ الحلمُ منك المهندُا
قال: أيْ حلمكَ عن الجُهالِ عن قدرةِ، ولو شئت لسلكَ عليهمُ السيف
أقول: وليس كذلك، وإنما هو: لضَربتَ أعناقهمُ، وقد فسًرهُ بقولهِ بَعدهُ: وما قتل الأحرار كالعفوْ عنهم.
وقوله: المنسرح
يا ليستَ بي ضَربهَ أتيحَ لهاَ ... كما أتيحتُ له مُحمدهاُ
ذكر فيه عن المعري معنببن، وقد بينا في شرحه ما في ذلك.
(3/26)

وقوله: الخفيف
فرَؤوسُ الرماحِ أذهبُ للغياظ ... وأشفىْ لغلِّ صدرِ الحقودِ
قال: كان الوجه أن يقول: أشد إذهاباً للغيظ؛ لأنه رباعي، ولكنه جاء به على حذف الزائد، على أنه لو قال: أذهب بالغيظ لا ستغنى عن هذا القول.
يقول: إنه إذا عداه بالباء جعله ثلاثيا، فجار أن يبني منه أفعل، فيقال: ذهبت به وأنا أذهب به
(3/27)

وقوله: الكامل
اليومَْ عَهُدكُمُ فأينَ الموعدُ ... هيَهْات ليسَ ليوْمِ عهْدُكمُ غَدُ
اشتغلَ عن المعنى بلفظ هيهات، وهيهات أن يدركه (هيهات)!! وذكر قول ابن جني، وقد ذكرت ما فيه في موضعه.
وقوله: (الكامل)
فرأيتُ قرنَ الشمس في قَمرِ الدُجىَ ... متأوداً غُصْنُ به يتأوَدُ
ذكر فيه معنيين عن المعري، والمعنى، الصحيح ما ذكره الواحدي، وهو أنه شبهَ وجهها في بياض لونه بالقمر، والصفرة التي عرضت فيه من الحياء بالشمس أول طلوعها
(3/28)

وقوله: الكامل
فلهُ عَبدْ العزيز بن الرُضا ... ولكلُ ركْبِ عيسُهمْ والفدْفَدُ
قال: الهاء في (له) راجعة إلى الممرض، وإنما يعني نفسه؛ أي: إنه قد اختار هؤلاء القوم دون غيرهم وترك المقاصد لمن يريدها من الركبان.
وأقول: إن معنى هذا البيت لم يحققه أحد من الجماعة، وهو أن الممرض الذي هو المتنبي له بنو عد العزيز ولكل ركب ساروا إليهم عيسهم والفدفد؛ أي: العيس التي يسيرون عليها والفدفد الذي يسيرون فيه لهم، وهذا مثل قوله:
أسيرُ إلى أقطاعهِ في ثيابهِ ... على طِرفهِ من دارهِ بحسامه
وقد ذكرتهُ قبل.
وقوله: الكامل
في كل مُعتْركِ كُلي مَفريةٌ ... يَذممنْ منهُ ما الأسنةُ تَحمدُ
(3/29)

قال: ذم الكلي هذا الفعل. يريد أنه يفعل بها فعلا قبيحا من الفري، وإنما الذم من أصحابها، ولكن لما كان ذمهم لأجل فريها، جار أن يستعار الذم لها. قوله:
. . . . . . ما الأسنة تحمدُ
لو وضع موضع الأسنة غيرها، لكان ذلك أقوى في النظم؛ لأن الأسنة لا تنتفع بالمفري، وربما تحطمت فيه. ولكن لما كان الممدوح يفعل الأسنة ما يحمد عليه، جار أن ينقل إليها الحمد لأنها كالخدم له.
وأقول: انظر إلى هذا التفسير، وما فيه من قلة التحصيل، (وكثرة) الجهل باستعارة العرب! والذم والحمد من الكلي والأسنة، ليس حقيقة، وإنما هو مجار واستعارة. والمعنى ما قاله الواحدي؛ وهو أن الكلي تذم الممدوح لأنه يقطعها، والأسنة تحمده لإصابة الطعن، وجودة الشق بها وهذا مثل قوله: (الرمل)
ما يجيلُ الطرُف إلا حَمدتهُ ... جهدَهاَ الأيدي وذَكتهُ الرقابُ
وأقول: إنه يحتمل أن يكون الضمير في قوله: (منه) راجعا إلى المعرك، فيرجع
الذم إليه، وهو أحسن من رجوعه إلى الممدوح، ويكون ذم الكلي لأنها تفري، وحمد الأسنة لأنها تروى.
(3/30)

وقوله: (الوافر)
أحادُ أم سُداسٌ في أحادٍ ... لُيَيلَتُنَا المُنوطةُ التَناد
ذكر فيه أقوالاً معانيها لا تطاق اللفظ. والصحيح، ما قاله الواحدي؛ وهو أنه استفهم فقال: أواحدة هذه الليلة، أم ست في واحدة؟ وأراد ب (في) معنى الظرفية، كأنه قال: ست مستقرة في واحدة، ولم يرد الضرب الحسابي، وإذا كان كذلك فهي سبعة، وتلك أيام الدهر (الدائرة) المتصلة بالقيامة.
وقوله: (المتقارب)
فَوَلى بأشْيَاعِه الخَرْشَنِيُ ... كشاَءٍ أحسن بزارالأسود
قال: الشاء يستعملونه مذكراً، ولو أنت لم يبعد ذلك. واختلفوا في أصله فقالوا في همزته أنها بدل من هاء، واستدلوا على ذلك بأنهم يقولون في تصغير شاة: شويهة،
(3/31)

ويقولون في الجمع: شياه، فتظهر الهاء
وأقول: إن هذا يخالف قول سيبويه، وذلك لم يجعل شاء من الجمع الذي ينه وين واحدة التاء، لو قال إن شاء من بنات الياءات والواوات التي تكون لا مات، وشاة من بنات الياءات والواوات التي تكون عينات ولامها هاء.
وقال: إن ذلك منزلة امرأة ونسوة ليست على لفظ امرأة: أي أنه اسم للجمع، فشاء منزلة جامل وباقر وليس منزلة تمر وتمرة فإذا كان كذلك، فلا يجوز أن يؤنث؛ لأن تصغيره شوى فلا يكون كالنخل، ولا يقال في همزته إنها بدل من هاء
وقوله: الوافر
مَتىَ لَحظتْ بياضَ الشَّيِب عيْني ... فَقدْ وَجَدتْهُ منها في السوادِ
ذكر ما ظن أنه المعنى لفظ عجيب، أنا أذكره لك وهو: أي: أني إذا لحظت بياض الشي فكأني لحظت به بياضا في سواد عيني، ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت، جاز أن يحمل على سواد القلب
(3/32)

ويكون نحوا من قول الطائي: الخفيف
شَاَبَ رأسيَ وما رأيتُ مشَيبَ الرَّا ... سِ إلا من فَضلِ شيب الفؤادِ
إلا أن الطائي جعل شيب فؤاده متقدماً شيب رأسهِ، وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه.
وأقول: أنظر إلى هذه المشابهة بين البيتين وبعدها! بل لا مشابهة البتة، ولا إقامة صورة لفظ صحيح، ولا معنى صحيح! وقول أبي الطيب من قول ابن المعتز: البسيط
في كلً يَومِ أرى بيضَاء طاَلعةَ ... كأنماً نبَتْ في باَطنِ البصر
إلا أنه زاد عليه بالطباق. والمعنى: أن عيني إذا رأت الشعر الأبيض في رأسي أو لحيتي؛ فكأنما لم تجده نابتا هناك، بل كأنه نابت في سوادها. وهو توهم أن رؤية الشعر الأبيض في سواد العين كأنه حقيقة؛ وذلك لا يمكنه إدراكه إلا بالمرآة وليس كذلك، بل هو استعارة ومجاز. وجدير لمن لم يضرب في الشعر بسهم، ولم يقف منه على رسم، ولم يعرف منه غير اسم، أن يفسره هذا التفسير، ويعبر عنه بهذا العبير!!
(3/33)

وقوله: المتقارب
مهَذبةُ حُلوةُ مُرةُ ... حَقرْنا الَبحارَ بها والأسودا
قال: مهذبة: لا عيب فيها:
حلوة: لأن كل أحد يعشقها.
مرة: لأن الوصول إليها صعب، لبذل المال والمخاطرة بالنفس.
وأقول: إنما أراد: حلوة بالجود، مرة بالبأس، وقوله:
. . . . . . حقَرناَ الحارَ بها والأسودا
مرت على ذنبك، مفسر لهما.
وقوله: المتقارب
وأنتَ وَحيدُ بني آدمِ ... ولَستَ لفقْدِ نظيرهاٍ وَحيداَ
ذكرَ قَولَ ابنَ جني قال: أدعى الوحدة في أول البيت ثم قال:
. . . . . . ولستَ لفَقْدِ نظيرٍ وَحيداَ
أي: إن الناس يشاركونك في الصورة الإنسية، وفي الأشياء التي يشترك فيها
(3/34)

العالم؛ كالنوم والطعام والشرب، فإذا جاء السؤدد والكرم، والشجاعة، وما يحمد عليه الرجال، كنت الأوحد.
وأقول: والمعنى ما ذكر الواحدي؛ وهو أنه لم تصر وحيداً لأنك فقدت لأنك فقدَت نظيرا لك؛ بل كنت وحيدا مذ لم تزل، والوحدة صفة لازمة لك.
وأقول: إنه نظر إلى قول الشاعر فعكسه، وهو: الكامل
خلَتِ الديارُ فَسدتُ غيرُ مسودِ ... ومن الشقًاءِ تفرَدي بالسؤددِ
وقوله: الطويل
وطعنِ كأنً الطعنَ لا طعنَ عندهُ ... وضَرِب كأنً النارَ من حرهً بردُ
قال: الهاء في عندهُ تعود على تعود على طعن الأول من صفته، والطعن الثاني اسم كأن وخبره الجملة بعدهُ والعائد عليه منها ضمير محذوف للعلم هـ كأنه قال: وطعن كأن الطعن لا طعن منه أو عنده.
وأقول: إن العائد على أسم كأن غير ضمير يقول مقام المضير، وذلك أنه لما قال: كأن الطعن لا طعن نفي عاماّ، فعاد من الثاني إلى الأول لعمومه ودخول الأول تحته عائد معنوي، ومنه: الطويل
(3/35)

وأما الصدرُ لا صُدورَ لجعْفر ... وأما القَتالُ لا قَتالَ لَديكمُ
ومثله: نعم الرجل زيد، العائد إلى زيد المبتدأ، لما في الرجل من عموم الجنس.
وقوله: الطويل
بنفَسي الذي لا يزُْدهيَ بخدَيعةٍ ... وأنْ كَثُرتْ فيها الذًرائع والقصدُ
ذكر فيه قول ابن جني: إن هذا البيت موجه، وأنه يريد به الهجو؛ أي: نفس غيرك أيها الممدوح؛ لأني أنا أزدهيك بالخديعة، وأسخر منك هذا القول، وأن هذا مثل مدحه في كافور وأنه موجه.
وأقول: وهذا قول مرغوب عنه؛ لأنه في غاية الوهن والضعف وقلة التأمل والتحصيل. ولو سلكت هذه الطريقة في تأويل الشعر، لأمكن أن يحمل كثير من المديح على الهجو، وإنما يعلم ذلك قرائن الأحوال، وعلامات الإشكال.
وقوله: الطويل
ألوم به من لامنَي في وِدَادهِ ... وحُقً لخيرْ الخَلق من خَيرهِ الوُدُ
قال: هو خير الخلق، وأنا كذلك، وحقيق على أهل الخير، أن يود عضهم بعضا، فحقيق علي إذا أن أوده.
(3/36)

وأقول: فجعل الضمير في قوله: من خيره راجعا إلى المتنبي، والأجود أن يرجع إلى آبائه الذين تقدم ذكرهم، فيكون الممدوح خير الخلق، مستخرج من خير الخلق، وإن كانت حمامة المتنبي تقضي ما ذكره، إلا أن هذا الأحسن، وقد ذكرته في شرح الواحدي
وقوله: الطويل
كذا فَتنحوًا عن عليً وطرُقهِ ... بني اللُومِ حتى يعترُ الملكُ الجعُد
قال: الجعد إذا وصف به الرجل فإنما يراد هـ أنه مجتمع وليس بسبط؛ يريدون صفة حاله التي هو عليها، والسباط أحمد عندهم، قال الراجز: الرجز
قالتْ سُليمىَ لا أحبُ الجعْدينْ
ولا ألفظَاظ إنهم مَناَتينْ
وأقول: إن الجعد قد استعمل مطلقاً في الكريم، وهو مأخوذ من قولهم: ثرى جعد لكثرة نداه0 قال بعض العرب يصف مطرا: مجزوء الكامل
رأيت غيثَا مَعدا ... مُتراكِبا جَعد
(3/37)

فإذا أضيف فقالوا: جعد اليدين، أو: جعد الأنامل، وأرادوا هنا البخيل، وربما استعمل مطلقاً في الخيل؛ قال الراجز:
لا تعذلني في ظُرُب جَعدِ
وقوله: الطويل:
كذلك أخلاقُ النساء ورُبما ... يضل ها الهَادي ويخَفَى ها اللاُشدُ
قال: أخلاق النساء يخلبن في أول الأمر فإذا تملكن قلوب الرجال نكصن عن وصالهن.
وأقول: ليس الأمر كما ذكر، بل أشار إلى ذلك ما تقدم من صفاتهن؛ فإن أخلاقهن تخالف أخلاق غيرهن، وأفعالهن لا تجري على سنن واحد وقياس مطرد.
وقوله: الطويل
وشهوة عَودٍ إن جُودَ يميِنهِ ... ثُناءُ ثُناءٌ والجَوادُ بها فَردُ
(3/38)

قال: ترك صرف ثناء الأولى
قال: ترك صرف ثناء الأولى على ما يجب، وصرف الثانية ضرورة لأنه لو لم يصرفه لصار في البيت رحاف يسمى القض، وكان أبو الطيب يجتنبه.
أقول: يعني في مفاعيلن وأما وإما فعولن فإنه قد جاء فيها القبض في أول البيت، وفي أول النصف الثاني بترك صرف ثناء الأولى على ما ذكر.
وأقول: إنه لا ضرورة في ذلك؛ لأنه جاء كثيراً من أشعار العرب وغيرهم. إلا
أن يجعله ضرورة لما التزمه أو الطيب، وهو غير لازم، في شعره، أو أنه سمع من لفظه صرف الثاني وترك الأول. وإنما حسن القبض في فعولن دون مفاعيلن لأن سببه يعتمد على وتد قله ووتد بعده، ومفاعلن أحسن من مفاعيل؛ لأن القبض زحاف في السبب الأول، فيعتمد على وتد معه في الجزء، وليس كذلك مفاعيل؛ لأن الكف في السب الآخر، فيعتمد على الوتد الذي بعده في الجزء الذي يليه. وشيء آخر، وهو أن مفاعيلن تشابه العروض، فحسن ذلك لتواليهما على وتيرة واحدة.
وقوله: الطويل
وعندي قَباطيُ الُهمامِ وماَلهُ ... وعندهمُ مما ظفرتُ به الجحْد
قال: - وذكر المعنى عن ابن جني:
دعاء عليهم بأن لا يرزقوا شيئاً، أو يجحدوا ما رزقوه إن كانوا رزقوا شيئاً، ليكون سبباً لانقطاع الخير عنهم.
(3/39)

وأقول: الصحيح أن قوله:
. . . وفي يَدهَمِ غيَظٌ وفي يَدهِ الرُفدُ
والبيت الذي بعده إلى آخره في موضع الحال من قوله:
. . . ألقى الحاسدين بمثلها. . . . . .
فلا يكون دعاء عليهم. ويكون المعنى: ألقى الحاسدين في حال قباطي الهمام عندي، وعندهم الجحد مما ظفرت به من جوده حسدا لي ذلك، وذلك مشهور من الحاسد أن يقلل ما ظفر به محسوده، أو ينفيه عنه جملة.
وقوله: البسيط
ما يقَضي الموتُ نفَساً من نُفوسهمُ ... إلاَّ وفي يَدهِ من نتنَهْاَ عُودُ
قال: يحتمل وجهين:
أحدهما وأحسنهما: أن يكون العود مرادا الذي يتبخر به؛ لأنه يدفع ما يكره من رائحة الميت إيقاده.
(3/40)

والآخر: أن يكون أراد عودا من العيدان؛ لأن من عادة الإنسان إذا كره أن يمس شيئاً استعان على قلبه ونقله عود من عيدان الشجر.
وأقول: إن الوجهين اللذين ذكرهما في نهاية الضعف والغثاثة، في أن الموت إذا أراد قبض نفس من نفوسهم خر يده بعود أو مس النفس بعود! والمعنى غير ذينك، وهو أن الموت إذا ظفر بنفس من نفوس هؤلاء اللئام، فقبضها بيده عد نتنها في يده كأنه طيب، سروراً بظفره بها لأن اللئيم كأنه يمتنع على الموت بلؤمهِ
وقوله: الخفيف
يَنثنيَ عنك آخرَ اليوم منه ... ناظرُ أنت طرَفهُ ورقاَدُهُ
ذكر فيه معنى عن ابن جني: أي إذا انصرف عنك آخر اليومخلف عندك طرفه ورقاده، فبقي بعدك، بلا لحظ، ولا نوم إلى أن يعود إليك.
وأقول: وقد استقبح هذا، وأن يعود عنه أعمى ساهراً، والمعنى قد ذكرته في موضعه من شرحه.
(3/41)

وقوله: الخفيف
نحن في أرضِ فَارسِ في سرورِ ... ذاَ الصًباحُ الذي يُرىَ ميلادُهْ
قال: فكأنه لنا كل يوم ميلاد؛ فنحن كل يوم في سرور؛ لأن الصباح كل يوم يرى.
وأقول: كأنه أراد بالصباح الجنس؛ أي: الصباح الذي يرى كل يوم، وليس كذلك، بل هو صباح يوم النوروز. يقول: نحن في أرض فارس في سرور، ميلاد يوم النوروز. وإنما خصه بالذكر تعظيماً له؛ لأنه يوم عيد عظيم عندهم، فجعله ميلاد السرور؛ أي: كأنه ولد فيه. ولا يمنع، إذا كانوا في سرور، يوم النوروز أوله، أن يكونوا في سرور آخر قبله.
وقوله: الخفيف
كُلماَ قال نَائلٌ أنا منهٌ ... سَرفَ قال آخرٌ ذا اقتصادهٌ
قال: أي: كلما استعظم النائل نفسه، استصغره نائل آخر لما يجده في نفسه من العظم.
وأقول: إن المعنى: أنه كلما استكثر منه نائل، قلله آخر بعده، واستعار للنائل قولا بلسان الحال، دليلا على كثرة كقوله: الرجز
(3/42)

امتَلأ الحَوضُ وقالَ قطَني
مهلاُ رُويداً قد ملأتَ طني
وقوله: الخفيف
ورَجتْ راحَةً بنا لا تَراها ... وبلادّ تسيرُ فيهاَ بلادُهُ
قال: أي هذه السواقُ رجت أن تستريح إذا صارت إلينا؛ لأنها كانت متعبة عنده بالطراد، ودعا عليها أن لا تنال ذلك. أنا نتعبها؛ لأنا نتع سيرته، ونفعل كما يفعل من طراد الأعداء.
قال: وهذا معنى مستطرف؛ لأنه كان ينبغي لهذه الخيل أن تستريح ما دامت في بلاد الممدوح؛ إذ كانت آمنة من الأعداء، فإذا خرجت منها، جار أن يحتاج أربابها إلى قتالها. وأقول: إن قوله (لا تراها) ليس بدعاء، بل هو نفي على غير وجه الدعاء
وأما قوله: إن هذه الخيل ينبغي أن تستريح ما دامت في بلاد الممدوح، إذ كانت آمنة من الأعداء. فيقال فهي وإن كانت آمنة من جهة الأعداء، إلا أنه يريد أن تكون الأعداء آمنة من جهتها. وما ذلك إلا بسيرها إليها، وإغارتها عليها. وإذا كانت كذلك، فلا تستريح فهذا الإلزام غير لازم، والمعنى ذلك، وهو ما ذكره ابن جني
(3/43)

وقوله: الخفيف
هل لُعدوي إلى الُهمامِ أبي الفضلِ ... قَبولُ سَوادُ عينيَ مَدادهُ
ذكر قول ابن جني وهو أني رضيت أن يجعل المداد الذي به قبول عذرة، سواد عيني حبا له واعترافا بالتقصير.
وذكر الواحدي أن قوله:
. . . . . . سواد عيني مداده
دعاء لابن العميد، لأنه كاتب.
وأقول: إن الجند؛ أن يكون سواد عيني، في قول ابن جني، في موضع الحال من العذر طرح الواو كقول المسيب: الكامل
نَصَفَ النهاُر الماءُ غَامرهُ ... ورفيقُهُ بالغْيبِ ما يدري
أي: أعتذر إليه، في حال عذري، بسواد عيني، لا بالمداد؛ تقربا إليه فهل يقبله على هذا الوجه؟ وهذا في غاية التلطف ونهاية التحبب
(3/44)

وقوله: الخفيف
إنَّني أصيدُ البُزاةِ ولكنْ ... نَ أجلً النُجومِ لا أصطادُهْ
قال: لو استوى له أن يقول: أعلى النجوم لكان الألبق
قلت: وأقل شاعر يستوي له أن يقول ذلك، أن تزيد ياء فيقول: ولكني أعلى النجوم. . . . ولو قال أبو الطيب ذلك، لدخل عليه السها وما أشبهه من النجوم الخفية في تشبيه الممدوح أو تشبيه صفاته وشرفه، وذلك قبيح جدا. وإنما أراد بأجل النجوم الشمس، وهذا النقد على أبي الطيب نقد غير صراف
وقوله: الخفيف
غَمَرتْني مَواهبُ شَاَء فيها ... أنْ يكونَ الكلامَ مما أفادُهْ
(3/45)

قال: أي تعلمت منه حسن القول فيما أفادني. فهذا الكلام تفسيره البيت الذي يليهوهو قوله: الخفيف
ما سَمعْنا بمن أحًب العَطاَيا ... فاشتْهىَ أن يكونَ فيها فؤاده
أي: كلامه الحسن نتيجة عقله وقلبه، فكأنه إذا أفاد إنسانا وهب له عقلا ولبا.
وأقول: ليس بين البيت الأول والثاني تعلق، لأنه إن جعل قوله: فؤاده نتيجة عقله لأنه محل العلم، أو ما ذكره الواحدي، أن يعني بفؤاده ما أفاد من العلم، فذلك غير جائز، لأن ذلك يشتهي أن يعطي، ولا يمتنع العطاء فيه، لأنه يحسن أن يسمع بفؤاده منها علوم. فالبيت الأول غير مفسر، والمعنى: غمرتني:
أي: غلبت قولي منه فوائد، إذ أن يكون الذي أجازيه به منها، وأمت به إليه من جملتها، وذلك حسن الكلام في دقة التنقيح وجودة التنبيه، على المآخذ التي أخذها عليه، كما ذكر. والبيت الثاني قائم نفسه، وهو أن الممدوح جواد معطاء، وما سمعنا بمن أحب العطايا فاشتهى أن يجعل فيها قلبه، وهذا المعنى مطروق مشهور، وقد أكثرت الشعراء منه نحو قوله:
يجود بالنفس إن ضن الجواد بها ..........
(3/46)

وقوله: الطويل
ولو أن ما في كفه غير نفسه ............
ونحو ذلك، فأقام القلب مقام النفس.
وقوله: الطويل
نسيتُ وما أنسىَ عتاَباً على الصًدٌ ... ولا خَجلاً زَادتْ به حُمرةُ الخَد
قال: وفيت بمن غدر بعهدي
رَوَىَ ابن جني: نسيتُ وفسره بهذا والأكثر نسيت يقول: نسيتُ كل شيْ،
ولم أنس عتاب حبيب لي على صده قديما عند اجتماعي به، وإنما قال ذلك لطيبه؛ لأن عتاب الحبيب على صده وإعراضه طيب، ولا سيما عند اجتماعه؛ ووصاله له، ولذلك بما بعده عاطفا من قوله: ولا خفرا ولا ليلة
(3/47)

وقوله: المنسرح
اختْرتُ دَهْماَء تَينِ يا مطرُ ... ومنْ له في الفَضائلِ الخيرُ
قال: موضع من نصب؛ لأنها تكون معرفة ونكرة. وهي هاهنا واقعة موقع النكرة لأنها موصوفة بقوله:
. . . . ومنْ لهُ في الفضائلِ الخُيرُ
كقوله: السريع
يا رب من يبغِضُ أذوادنا ... رُحن على بَغضَائِهِ واغتدين
وأقول: إن الأولى أن تكون معروفة؛ لأنه قد عطفها على معرفة، وهي قوله يا مطر وتكون بمعنى الذي. ويجوز أن يكون موضعها نصاً ورفعا على قولك، يا زيد والحرث والحرث.
وقوله: المتقارب
كأني عَصَت مُقلتَي فيكُمُ ... وكاتمتِ القلبَ ما تُبصِرُ
(3/48)

قال: لا تخشوا أن أظهر سرا؛ فإن بعض جوارحي، لا يفشي إلى بعضها، ما تعلم من أخباركم، فالعين هي التي تدل القلب على ما تبصر، فكأنها لا تعلم بشيء لما تؤثره من فرط الكتمان.
وأقول: إن قوله:
كأني عصت مقلتي. . . . . . . . . . . . .
إشارة إلى ما ذكر أن القلب في الجسد وأن الجوارح والأعضاء، بمنزلة الخدم والأعوان له؛ إليه تؤدي وعنه تأخذ، فعلى هذا ينبغي للعين أن تؤدي إلى القلب ما تبصر، فكأنه عيني خالفت هذه الطريقة، فعصت القلب وهي من بعض أعوانه، فلم تؤد إليه ما رأت من الأحبة حفظا لسرهم، وصيانة لحبهم، فما ظنك بغير القلب من الناس؟ وذلك نهاية في كتمه السر، وحفظه الحب، والمعنى ما ذكره إلا أنه بهذه العبارة.
وقوله: المتقارب
سماَكَ هَميُ فَوقَ الُهمومِ ... فَلستٌ أعُدُ يَساراً يسَارَا
(3/49)

ذكر فيه أن اليسار من المال، وقد ذكره غيره وزاد فيه بأن قال: والأحسن أن
يحمل الكلام على الشعر، كأنه يقول: وإن كنت أقدر على أن أقول ما تيسر من الشعر، فلا أعد ذلك يسارا منه، إذ كنت لا أقنع الأبيات ولا أرضى بمدحك إلا القصائد، وأني لا أرضى بالقطعة التي هي كالدرة الصغيرة، حتى أني بقصيدة تشبه ما كبر من الدر.
وأقول: انظر إلى هذا التفسير الذي لا يقوله محصل، ولا يرضا، وترك حمل المعنى اليسار في الحال، ومطابقة البيت الثاني لما وطأ له في البيت الأول يدل على حذق الشاعر وإتقانه!
وأقول: إنه استزاد سيف الدولة في العطاء استعظام سيف الدولة في قوله: المتقارب
ومن كنت بحرا له. . . . . . . .
أي: إذا كنت أكبر بحر، لم أقبل منه أكبر در؛ لا أقنع بالعطايا الصغار، ولا أقبلها إلا كبارا؛ لأن عظم يقتضي عظم على وجه المشابهة والمشاكلة.
وقوله البسيط
تَشْيهُ جُوكَ بالأمْطارِ غَاديةً ... جُودُ لكَفكَ ثَانٍ نَاَلهُ المَطرُ
(3/50)

قال: معناه إذا شبه جودك بالمطر؛ فذلك جود منك عليه. ولو أمكن الوزن لكان قوله: تشبيه الأمطار بجودك أول في النطق.
وأقول: إن الذي قاله أبو الطيب هو الأولى؛ وذلك أنه إذا جاد على إنسان بجود استكثر جوده، فشبه لكثرته فقيل: كأنه المطر، وتشبيه جوده بالمطر وقد جاد على سائله جود ثان على المطر كيف شبه وهو أشرف منه؟ إذ العادة جارية بأن الأدنى يشبه بالأعلى ولا ينعكس.
وقوله: الوافر
عَدوُي كلُ شيء فيكِ حتى ... لَخلتُ الأكْمَ موُغَرةَ الصُدورِ
قال: معناه يحتمل وجهين:
أحدهما: يريد أن الأكم تنبو به ولا يستقر فيها ولا تطمئن به كأن ذلك لعداوة بينهما.
(3/51)

والآخر، وهو الوجه: أن يكون أراد شدة ما يقاسي منها من الحر، فكأنها موغرة الصدر من شدة حرارتها. ويؤكد ذلك قوله فيما تقدم: الوافر
. . . . . . والصْبُ حُرً وَجهين للَهجيرِ
وأقول: هذان المعنيان، ذكرهما الواحدي، وذكر كلام ابن فورجة عليهما، ورده لهما. وذكر من عنده معنى كان دونهما. والمعنى الصحيح ما ذكرته هناك
وقوله: الطويل
وَخَرقِ مكانُ العيسِ منه مَكانناُ ... من العيسِ فيه واسطُ الكُورِ والظّهرُ
قال: قوله:
. . . مكان العيس فيه مكاننا
أي: العيس في وسطه، ونحن في وسطه. ثم فسر مكانه ومكان أصحابه بقوله:
الكور والظهر والمعنى أن الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، ليست تذهب فيه، ولا تجيء وذلك لسعته، فكأنه ليست تبرح منه، فنحن في ظهور هذه الإبل، لا نبرح منها
(3/52)

في أوساط أكوارها وكذلك هي، كأن لها من أرض الخرق كورا فقد قامت به لا تبرحه. ألا تراه يقول بعد ذلك:. . . وذكر البيت. وأقول: هذا الذي ذكره معنى ابن جني وليس بشيء!
والمعنى: إن هذا الخرق مكان العيس منه وسطه، لقوله بعده: الطويل
يحدْنَ بنا في جَوزِهِ. . . . . .
وقوله: مكاننا من العيس، يعني وسط الكور والظهر، فكما أن مكننا من العيس وسط كورها وظهرها، فكذلك هذه الإبل، مكانها وسط الخرق، فكان هذا الخرق
لسعته، لا تقطع العيس منه بسيرها شيئاً، فتصل إلى طرفه تسري ولا تبرح في وسطه. وشبهه في البيت الثاني بالكرة، والكرة ليس لها طرف ثم قال:
. . . . . . . . . . . . أو أرضه معنا سفرُ
أي: تسير بسيرنا فلا تقطع منها شيئاً، وقد ذكره الواحدي.
وقوله: الطويل
ولا ينَفعُ الإمكانُ لولا سَخاؤهُ ... وهَلْ نَافعُ لولا الأكفُ القناُ السمرُ
(3/53)

قال: لولا سخاؤه ما أنتفع الناس بإمكانه وغناه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا يقع نفع، كما أن القنا لو لم تحفره الأكف لما عمل.
وأقول: والأولى أن يجعل النفع بالإمكان للممدوح؛ أي: لا تنفعه كثرة المال لولا جوده، فجعل المال بمنزلة الرمح، والسخاء منزلة الكف، ولولا الكف ما نفع الرمح.
وقوله: الطويل
إذا وَرَمتْ من لسعةٍ مَرَحتْ لها ... كأنً نوالاً صر في جلدهاَ النبًرُ
قال: هذا الناقة إذا لسعها الذباب مرحت لذلك، كأنها تفرح، فكأن الورم الذي يحدث فيها نوال صره في جلدها
وأقول: وعندي في هذا المعنى زيارة فيه وتحرير له، وذلك أنه وصفها بالمرح، وهو من شدة الفرح من صفات من يعقل، جعل الورم من لسع النبر بمنزلة الصرر من النوال التي يفرح بها من يعقل، فهي، حال لسع الذباب لها، وألمها بها، وقلقها منها، كأنها مرحة المتألمة قلقة. وهذا التفسير ينظر إلى قوله سبحانه:
(3/54)

إني رأيتٌ أحدَ عَشرَ كَوكباً والشمسَ والقَمر رأيتهمْ لي ساجدينَ لما وصف الكوكب بالسجود، وهو من صفات من يعقل، جمعها جمع من يعقل. وكذلك أو الطيب لما وصف الناقة بالمرح، وهو من وصفات من يعقل، جعل الورم في جلدها كصرر
النوال التي لا يفرح بها إلا من يعقل.
وقوله: الطويل
غَداَ الناسُ مثْلهمْ به لا عَدِمتْهُ ... وأصحَ دَهْري في ذُراهُ دُهُورا
قال: قوله:
. . . . . . . وأصبحَ دَهريِ في ذُراهُ دُهُورا
فيه زيادة على ما ذكره في الأول - يعني قوله:
ووقت وفي بالدهر. . . . . . . .
أي: جعل الوقت وافيا، وجعل الناس مثيلهم بالممدوح، وجمع الدهر فبالغ فيه أكثر مما بالغ فيه أكثر مما بالغ في الممدوح؛ لأن الجمع أكثر من التثنية إذ الجمع لا نهاية له.
(3/55)

وأقول: كأن هذا نقد منه وأخذ عل أبي الطيب. والجواب أن الوقت الذي ذكره وقت شره معه ومنادمته له، فجعل الوقت أنه بالدهر لطيبه وحسنه، لا لطوله، فإن أوقات السرور إنما توصف بالقصر لا بضده، وقوله:
. . . . . . . . . و. . . دَهري في ذُراهُ دُهورا
ليس على ما ذكره من الطول، بل لأنه عظمه بعظم الممدوح فجعله كأنه دهور كثيرة، قد اجتمعت دفعه واحدة كاجتماع أشخاص كثيرة
وأما تثنيته قوله: (مثليهم) فذلك لأنه قال في البيت الأول: الطويل
. . . . . . . عند واحدِ ... وفيَ لي بأهليهِ. . . . . . . . .
فجعله مثل الناس فكانوا على هذا: الناس به مثيلهم، وليس في تثنيه الناس نقص عن الجمع في الدهور كما ذكر؛ وذلك أنه جعل الممدوح، وهو أحد، بمنزلة الناس، كما أنه جعل الدهر، وهو واحد بمنزلة الدهور، فقد تماثلا في ذلك ولم تحصل الزيادة للدهور. وهذا المعنى قد كرره في شعره بألفاظ مختلفة، والأصل فيه قول
أي نواس:
وليسَ على اللهِ مستنكْرِ ... أنْ يجمْعَ العَالمَ في واحدِ
(3/56)

وقوله: الكامل
نافَستُ فيه صورةً في سترهُِ ... لو كنُنتهاَ لَخفيتُ حتُى يظهرَ
قال: نافستُ: فاعلت، من قولهم: نفستُ عليه بالشيء إذا بخلت به، وهم يتنافسون في الشيء؛ إذا كان كل واحد منهم يريده، وينفس به على الآخر والهاء في قوله: (فيه) راجعة على المصور الذي هو الشخص
قال: ولا يمتنع أنه يريد أنه (بمصور) أنه مصور في قلبه ممثل
قال: وهذا البيت فيه مبالغة عظيمة، يراد شدة النحول. والمعنى أني نفست على هذه الصورة أن تقرب من ذلك المصور، ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته
وأقول: وهذا المعنى ذكره غيره
(3/57)

قال: ويحتمل أن يكون المراد مقصورا على صفة بالنحول، فيجوز أن يضاف
وقوله: الكامل
نافَسْتُ فيه صورةً في سِتْرِهِ ... لو كُنْتُهَا لَخَفِيتُ حَتَّى يَظْهَرَا
قال: نافست: فاعلت، من قولهم: نفست عليه بالشيء إذا بخلت به، وهم يتنافسون في الشيء؛ إذا كان كل واحد منهم يريده، وينفس به على الآخر. والهاء في قوله: (فيه) راجعة على المصور الذي هو الشخص.
قال: ولا يمتنع إنه يريد (بمصور) إنه مصور في قلبه ممثل.
قال: وهذا البيت فيه مبالغة عظيمة، يراد بها شدة النحول. والمعنى أني نفست على هذه الصورة أن تقرب من ذلك المصور، ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته.
وأقول: وهذا المعنى ذكره غيره.
قال: ويحتمل أن يكون المراد مقصورا على صفة نفسه بالنحول، فيجوز أن يضاف إليه إرادته بأن يظهر هذا المستور؛ لأنه قد حجب عنه بالستر.
وأقول: أما قوله: (بمصور في القلب ممثل) فليس بشيء! لأن اللفظ لا يعطيه، ولا يدل عليه. وإنما أراد شخصا مصورا؛ أي: ممثلا، كالصورة لحسنه. والمعنى الذي ذكر فيه ما أراه يصح على ما قاله بعض العلماء: وهو أن العاشق لو كان مكان الصورة التي في ستر محبوبه لكان مواصله؛ قريبا منه، يعاينه، ويلاصقه، ويماسه، فكيف ينحل، مع هذا الحال، حتى يرق فيظهر محبوب محجوبه من ورائه؟ فيقال على هذا: أن العاشق قد يعرض له، في حال وصاله معشوقه، ما يكون سببا لنحوله من خوف الفراق، كما يعرض له في حال فراقه ما يكون سببا لنحوله من ألم البعاد، وهذا دليل على شدة العشق وهو قوله: الوافر
ومَا في الأرضِ أشْقَى من مُحِبٍّ ... . . . . . . . . .
أبيات الحماسة الأربعة.
(3/58)

وقوله: الكامل
نُسِقُوا لنا نَسَقَ الحِسَابِ مُقَدَّماً ... وأتَى (فذلك) إذ أتَيْتَ مُؤَخَّرا
لم يذكر معناه التبريزي، وهو ما ذكره الواحدي: وهو أن الحساب قد يذكر مفرقا بأعداده المستعملة فيه؛ يتبع بعضها بعضا، فإذا انتهى إلى آخرها، جمع ذلك المفصل وأشار إليه فقال: فذلك كذا إشارة إلى مجموع تلك الأعداد المتفرقة. وكذلك هذا الممدوح، هو مجموع من تقدم وتتابع من الفضلاء المتفرقين في الأزمان.
ومثل هذا قوله: الخفيف
ومن اللَّفْظِ لَفْظَةٌ تجمَعُ الوَصْ ... فَ وذاك المُطَهَّمُ المعروفُ
(3/59)

وقوله: الكامل
وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كَنَهْوَرا
قال: هذا من التصنيف المبين لأن قوله:
. . . . . . . . . ... الشمسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كَنَهْورَا
بيان لقوله:
وتَرَى الفضيلةَ لا تَرُدُّ فَضِيلةً ... . . . . . . . . .
وذلك أن الشمس لا تشرق إذا تراكم السحاب، وإن السحاب لا يمطر إذا أشرقت الشمس، فإحدى الفضيلتين رادة للأخرى، لأن المنفعة بالشمس عظيمة وكذلك بالسحاب.
وأقول: إنه لم يبين المعنى بهذا القول، ولا رأيت غيره ذكره على ما ينبغي، إلا أن ابن فورجة قال: إن الممدوح جمع بين المتضادين؛ إذ وجهه كالشمس، ونائله كالسحاب. والمعنى إنه أثبت له في أول البيت فضيلتين، وأخبر أن أحدهما لا ترد الأخرى ولا تنفيها، وضرب لهما مثلا بالجمع بين شيئين حسنين متضادين من الشمس والسحاب فلا يكونان وجهه ونائله لأنه ليس بينهما تضاد، ولكنهما البشر والعطاء؛ وذلك أن مال الإنسان بمنزلة نفسه، فإذا أخرجه ربما تغير وجهه بإخراجه، فيقول: إن
(3/60)

الممدوح يعطي ماله، ولا يحدث له تغيرا كغيره بل بشرا، ولا ترد بشؤه كثرة عطائه، بل يجتمعان فيه ولا يتضادان، وإن كانا بمنزلة الضدين.
فإن كان ابن فورجة أراد بوجهه بشره لأنه محله او وجهه ببشره فهو المعنى، وهذا مثل قوله: المنسرح
القاتِلُ الواصِلُ الكَميلُ فلا ... بعضُ جَميلٍ عن بَعْضِهِ شَغَلهْ
فواهبٌ والرِّماحُ تَشْجُرُهُ ... وطاعِنٌ والهِبَاتُ مُتَّصِلَهْ
وقوله: الخفيف
تَقْضَمُ الجَمْرَ والحديدَ الأعادي ... دونَهُ قَضْمَ سُكَّرِ الأهوازِ
قال: أعداؤه يقضمون الجمر والحديد، مكرهين، لما يلقونه من شدته عليهم كما يقضم غيرهم السكر.
وأقول: إنما خص الجمر والحديد بالذكر دون غيرهما؛ لأنه جعل أعداءه بمنزلة النعام في ذعرها منه وخوفها له. والنعام يوصف بذلك كقوله: الخفيف
إنَّما مُرَّةُ بن عَوْفِ بن سَعْدٍ ... جَمَراتٌ لا تَشْتَهِيهَا النَّعَامُ
(3/61)

وقوله: الكامل
إنْ كنتِ ظاعِنَةً فإنَّ مَدَامعي ... تَمْلاَ مزادَكُمُ وتُرْوِي العِيسَا
قال: هذا نقيض قوله: البسيط
ولا سَقَيْتُ الثَّرَى والمُزْنُ مُخْلِفُهُ ... دَمْعاً يُنَشِّفُهُ من لَوْعَةٍ نَفَسي
لأنه هناك، ذكر أن نفسه ينشف دموعه، وهنا ذكر أن مدامعه تملأ المزاد وتروي العيس، وهذا يدل على كثرتها، وما عدمت الشعراء مثل هذا، وأنشد بيت زهير: البسيط
قِفْ بالدِّيار التي لم يَعْفُهَا القِدَمُ ... بَلى وغَيَّرَهَا الأرواحُ والدِّيَمُ
وقال: إنه رد على نفسه، وإن كان يمكن أن يخرج معنى قول زهير على غير الرد.
وأقول: إن الذي ذكره لا يلزم أبا الطيب؛ لأن البيتين من قصيدتين، فلا يعد فيهما مناقضا، وكيف وتغزله بامرأتين يجوز أن يختلف حاله معهما في زيادة العشق ونقصانه فتختلف حال دمعه بكثرته وقلته. والذي ذكره من التناقض في قول المتنبي لا يشبه بيت زهير؛ لأنه معدود في محاسن الشعر لا في عيوبه، وذلك النمط يسمى الاستدراك.
(3/62)

وقوله: الكامل
حَاشَى لمثلكِ أنْ تَكُونَ بَخِيلةً ... . . . . . . . . .
والبيت الذي بعده قد ذكرت ما جاء فيهما عن ابن جني وغيره في شرح الواحدي، وذكرت ما خطر لي فيه، مما يخالف أقوالهم.
وقوله: الوافر
يَقُودُهُمُ إلى الهَيْجَا لَجُوْجٌ ... يُسِنُّ قِتَالَهُ والكَرُّ نَاشِي
قال: استعار السن للقتال؛ يريد إنه يديم القتال، ويطيل فيه، كما أن المسن يتقادم الوقت عليه؛ يقول: إنه محدث الكر في وقت بعد وقت، فهو كأنه ناشئ، أي: في أول أمره، ولا يضعف لتقادم القتال.
وأقول: إن المعنى غير ذلك! وهو إنه وصف القتال بأنه مسن لشدته، ووصف الكر
(3/63)

بأنه ناشئ؛ أي كأنه في أول اللقاء أي: لم يكسره ويضعفه؛ وذلك يدل على صدقه في القتال، ومعاجلته للأبطال، وهذا من قول قطري: الكامل
. . . . . . . . . ... جَذَعَ البَصيرِة قارِحَ الإقدامِ
أي: صغير التأمل، كبير الجرأة. فكنى عن ضعف التأمل، والنظر في العواقب بالجذع، وعن قوة الإقدام بالقارح.
وقوله: الطويل
على أنني طُوِّقْتُ منك بِنِعْمَةٍ ... شهيدٌ بها بَعْضي لغيري على بَعْضي
قال: قوله: على أنني، أي: أمدحك وأثني عليك على ما طوقتنيه من نعمك؛ أي: أفعل هذا الفعل، ولهذا حذف أول الكلام للدلالة عليه. وإن شئت كان تقديره: مضى الليل على هذه الحال، على أنني متلبس بنعمتك، أهدي إليك سلاما وتحية؛ ألا تراه يقول بعد هذا البيت: الطويل
سَلامُ الذي. . . . . . ... . . . . . . . . .
(3/64)

وأقول: إن قوله:
على أنني طُوِّقَتُ منك بنعمةٍ ... . . . . . . . . .
تعليل وتحقيق لقوله:
. . . والفَضْلُ الذي لك لا يمضي ... . . . . . . . . .
كأنه يقول: فضلك لا يمضي لتطويقك إياي بنعمة شهد بعضي بها لغيري على بعضي، فجعل نعمته، للزومها وظهورها كطوق الحمامة، وتكون (على) بمعنى اللام كقول الراعي: الوافر
رَعَتْهُ أشْهُراً وخَلاَ عليها ... فَطارَ النَّيُّ فيها واسْتَغَارَا
وقوله: البسيط
كَمْ مِنْ حُشَاشةِ بِطْريقٍ تَضَمَّنَها ... للبَاتِراتِ أمينٌ ماَلُه وَرَعُ
قال: لم يذكر المعنى وأطال في ذكر اللفظ وذكره أهم من ذكر اللفظ.
(3/65)

والمعنى، ما قاله الواحدي؛ وهو أن أرواحهم في ضمان القيود للسيوف؛ أي: الأسرى مقيدون متى شاء قتلهم قتلهم.
وقوله: البسيط
تَغْدُو المنايا فلا تَنْفَكُّ واقِفَةً ... حتى يقولَ لها عُودِي فَتَنْدَفِعُ
زعم أن هذا البيت يجب أن يكون في صفة القيد؛ لأنه يلي ما قبله في وصفه.
قال: ولولا ذلك لكان تصييره للممدوح أشبه.
قلت: وكذلك هو، وإن كان بعد وصف القيد؛ لأن هذا الوصف لا يصلح إلا له. وقد قدر فيما اختاره تقديرا، إذا تأمله من تأمله، تبين له فيه سوء الاختيار وقبح الاختبار!
وقوله: البسيط
وجدتموهُمْ نياماً في دِمَائِكُمُ ... كأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
قد اختلفت أقوال الجماعة في قوله:
. . . نياماً في دِمَائِكُمُ ... . . . . . . . . .
(3/66)

فروي عن ابن جني، أن أبا الطيب حدثه، أن سيف الدولة لما هزم الدمستق، وقتل أصحابه، جاء المسلمون إلى القتلى يتخللونهم، فمن كان به رمق أجهزوا عليه، فبينا هم كذلك أكب عليهم المشركون.
وهذا الذي ذكره لا يطابقه قول أبي الطيب.
وقال الواحدي: أنهم ناموا بين القتلى، وتلطخوا بدمائهم، تشبها بهم خوفا من الروم.
وأقول: إن المعنى في قوله:
. . . نياماً في دِمَائِكُمُ ... . . . . . . . . .
غير ذلك! وهو إنه ليس عندهم جد في اللقاء، ولا حرص على القتال، فشبهوا بفتورهم وترك اهتمامهم، بالنيام وليسوا نياما على الحقيقة.
وقوله: في دمائكم يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى، في سفك دمائكم.
والثاني: أن يكون المعنى، في ثاراتكم عند المسلمين بقتلهم من قتلوا منكم؛ لأن الدم هو الثار. يقال لفلان عند فلان دم، أي: ثار، فقصروا عند لقائكم لطلب ثاراتكم، حتى كأن من قتل منكم فجعوا به، وقول أبي الطيب:
وَجَدْتموهُمْ نياماً في دمائِكُمُ ... . . . . . . . . .
عذر لسيف الدولة في إسلامه لهم، لقوله في البيت الأول: البسيط
(3/67)

قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسْلَمِينَ لكم ... خَانُوا الأميرَ فجَازَاهم بما صَنَعُوا
والذين أجهزوا على القتلى، ليس لهم ذنب فيسلمهم للقتل. والذين ناموا بين القتلى نفر يسير، بالإضافة إلى من فقد في هذه الوقعة كما ذكر. والمعنى، أن هؤلاء
الذين أصبتم من أصحاب سيف الدولة خانوه بتركهم الجد في القتال، وبذلهم الجهد في النزال، ونكوصهم عن اللقاء في قراع الأعداء، فأسلمهم جزاء لهم على ذلك، فلا تفرحوا وتفخروا بأخذهم وقتلهم وهم بمنزلة الموتى التي تأكلها الضباع، فلو شاء أن يمنعهم لمنعهم، وهذا أحسن ما يعتذر به لسيف الدولة، وقد كسر، وأسر من عسكره من أسر.
وقوله: البسيط
رَضِيتَ منهم بأنْ زُرْتَ الوَغَى فَرَأوْا ... وأنْ قَرَعْتَ حَبِيكَ البِيْضِ فاسْتَمعُوا
قال: المعنى، إنه يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم؛ أي: أنا أضرب معك بالسيف، وهم مختلفون ومتخلفون عنك. وهذا التفسير يدل على أن الرواية: بأن زرت وأن قرعت بضم التاء في الفعلين، والذي رويته ورأيته بالفتح.
وأقول: أن الصحيح الضم. ويدل عليه ما فسره الواحدي من قوله: البسيط
ليتَ الملوكَ على الأقدار مُعْطِيةٌ ... فلم يَكُنْ لدنيٍّ عندَهُمْ طَمَعُ
(3/68)

أي: ليتهم يعطون الشعراء على أقدارهم في الاستحقاق بفضلهم وعلمهم. قال: وهذا تعريض؛ بأنه يسوى مع غيره، ممن لم يبلغ درجته. فقد اجتمع من التفسيرين في البيتين ما يدل على ان الرواية الصحيحة بالضم وكذلك قوله: رضيت، وإن المعنى بالملوك سيف الدولة.
يقول: ليته يعطي على قدر الاستحقاق، ليبين فضل السني على الدني، ثم قال:
رضيتَ منهم بأن زُرْتُ الوَغَى فرأوا ... . . . . . . . . .
أي: من سيف الدولة، وكذلك قوله:
. . . . . . . . . ... وإنْ قَرَعْتُ حَبِيكَ البِيضِ فاسْتَمَعُوا
وهذا يدل على إنه ثبت في هذه الوقعة وقاتل. يقول: رضيت من عطائه بزيارتي الحرب، وقرعي البيض رؤياه واستماعه، وحسبي ذلك عطاء وفخرا، وفي ذلك
عتب ومن عليه، ولوم وتقريع له، وما بعد هذا البيت يدل على هذا التفسير.
وقوله: الطويل
بما بين جَنْبَيَّ التي خَاضَ طَيْفُهَا ... إليَّ الدَّيَاجي والخَليُّونَ هُجَّعُ
لم يذكر المعنى، وقد ذكرته فيما قبل.
(3/69)

وقوله: الطويل
أبَحْرٌ يَضُرُّ المُعْتَفِينَ ومَاؤُهُ ... زُعَاقٌ كَبَحْرٍ لا يَضُرُّ ويَنْفَعُ
قال: قوله:
. . . . . . . . . ... . . . كَبَحْرٍ لا يَضُرُّ ويَنْفَعُ
فيه قبح، لأن المشهور عنهم؛ أن ينسب الممدوح إلى المنفعة لأوليائه، وإلى المضرة لأعدائه، كقوله: الطويل
ولكنْ فَتَى الفِتْيَانِ من رَاحَ أو غَدَا ... لِضرِّ عَدُوٍّ أو لِنَفْعِ صَدِيقِ
وأقول: ليس فيه قبح، وقد قال الشاعر: الكامل
عندَ المُلوكِ مَضَرَّةٌ ومنافِعٌ ... وأرَىَ البَرامِكَ لا تَضُرُّ وتَنْفَعُ
والإغراق في الشعر حسن بالغ، إلا إنه لا يلزم، فتركه ليس بقبيح.
(3/70)

وقوله: الكامل
أوَ مَا وَجَدْتُمْ في الصَّراة مُلوحَةً ... مما أرَقْرِقُ في الفُراتِ دُموعي
قال: وذلك أن دمع الفرح حلو، ودمع الحزن ملح.
وأقول: وهذا شيء لم نسمع به؛ إنما قالوا في قولهم: أقر الله عينه، وأسخن عينه. أن ذلك دعاء له وعليه، لأن دمع الفرح بارد، ودمع الحزن سخن. فأما الحلاوة والملوحة فلم تسمع ولم تستعمل. وإنما ذكر أبو الطيب ذلك؛ لأن الدمع في ذوقه ملح، فأخبر عن كثرة دموعه وشدة بكائه بذكر الملوحة في الماء، وإنه قد أراق في الفرات، مع كثرتها من الدموع، ما يوجب تغير طعم ماء الصراة التي هي
بعض لها وشرب منها ورده من الحلاوة إلى الملوحة. وهذا إغراق في المعنى وحسن صناعة في النظم.
وقوله: الوافر
إنِ استَعْطَيْتَهُ ما في يَدَيْهِ ... فَقَدْكَ، سألْتَ عن سِرٍّ مُذِيعَا
قال: تم الكلام عند قوله: فقدك ثم استأنف فقال: كأنك إذا سألته ما في يديه
(3/71)

سألت عن سر من جرت عادته أن يذيع الأسرار، فأنت مستغن عن سؤاله.
وأقول: كأنه يقول: لا ينبغي لك أن تسأله؛ لأنه يعطيك من غير سؤال؛ كمذيع السر؛ فانه يخبرك به من غير سؤال، فقد أخطأت في السؤال.
وأقول: لو أراد ذلك لكان في الكلام ما يدل عليه ولقال: أكفف ولم يقل اكتف. والمعنى انك إذا سألته أعطاك جميع ماله، فلا يبقي منه شيئا؛ كمذيع السر إذا سألته عنه فإنه لا يكتم منه شيئا.
وقوله: () الوافر
عليٌّ قاتِلُ البَطَلِ المُفَدَّى ... ومُبْدِلُهُ من الزَّرَدِ النَّجِيعَا
قال: يقتل قرنه، ويسلبه درعه، ويلبسه الدم.
وأقول: إن قوله: ويسلبه درعه ليس بجيد؛ لأن الجيد أن لا يسلبه، لقوله في موضع آخر: الوافر
فتىً لا تَسْلُبُ القَتْلَى يداهُ ... ويَسْلُبُ عَفْوُهُ الأسْرَى الوِثَاقَا
(3/72)

وقول أبي تمام: البسيط
إنَّ الأسودَ أسودَ الغاب هِمَّتُهَا ... يومَ الكَريهةِ في المَسْلوبِ لا السَّلَبِ
والمعنى، إنه يهتك الزرد عنه بالضرب، ويلبسه الدم.
وقوله: الوافر
قد استَقْصَيْتَ في سَلَبِ الأعَادي ... فَرُدَّ لهم من السَّلَبِ الهُجوعَا
قال: المعنى، انك سلبت الأعداء جميع ما يملكون، وكل خلة مثل الأمن ونحوه، حتى سلبتهم الهجوع، فأردده عليهم؛ لأنهم لا يأمنون من خوفك.
فيقال له: ولم يرد عليهم النوم وهم أعداؤه، وهو من أنفس الأسلاب التي يسلبهم، وأضرها لهم، وأقلقها لمضاجعهم؟! والمعنى ما ذكرته على الواحدي، فإنه فسره بنحو من هذا التفسير.
(3/73)

وقوله: الوافر
فَلاَ عَزَلٌ وأنْتَ بِلا سِلاَحٍ ... لِحَاظُكَ مَا تَكُونُ به مَنِيعَا
قال: المعنى: إذا كنت بلا سلاح، فلست بأعزل؛ لأن لحاظك تقوم مقام السلاح. فإذا نظرت إلى العدو انهزم.
وأقول: إن قوله:
. . . . . . . . . ... لِحَاظُكَ ما تَكُونُ به مَنِيعَا
لا يدل على هزيمته اعداءه، بل يدل على امتناعه من أدائه. فقوله: إذا نظرت إلى العدو انهزم لا يطابق اللفظ، ولا يطابقه إلا: إذا نظرت إلى العدو امتنعت منه، وامتناعه منه، لا يدل على هزيمته له.
ويجوز: إذا جعل لحظه بمنزلة سلاحه، أن يكون إذا نظر إليه هزمه. . .
وقوله: الكامل
رُدِّي الوِصَالً سَقَى طُلولَكِ عارِضٌ ... لو كانَ وَصْلُكِ مثلَهُ ما أقْشَعَا
(3/74)

قال: الأليق في صناعة الشعر أن يقول: لو كان وصلك مثله ما هجرت، ولكن الضرورة حملته على هذا، وهو جائز.
وأقول: الأليق ما ذكره أبو الطيب، وأبلغ في المعنى، وأدخل في الصنعة. وذلك إنه استسقى لطولها سحابا دائما في قوله: لو كان وصلك الذي ذهب، وسألتك رده مثله ما أقشع؛ أي: ما انكشف. فقوله: ما أقشع، بمعنى: ما هجرت لأن الانقشاع
من صفة السحاب. فإذا جعله مثله، وصفه بوصفه فكان مناسبا للسحاب.
وقوله: الكامل
النَّومُ بعد أبي شُجَاعٍ نافِرٌ ... واللَّيلُ مُعْيٍ والكواكبُ ظلَّعُ
قال: ضرب هذا مثلا؛ أي: لو كان الليل، والكواكب، مما يؤثر فيه حزن، لأثر فيها حزنه.
وأقول: لم يرد التأثير في الليل، والكواكب، وإنما أراد التأثير في نفسه بحزنه وهمه وسهره وطول الليل عليه. فكنى عن طوله بذلك، وجعله كالبعير المعيي،
(3/75)

والكواكب كالإبل الظلع، وهذا من قول امرئ القيس: الطويل
فقلت له لمَّا تَمطَّى بصُلْبِهِ ... وأردفَ أعجازاً وناَء بِكَلْكَلِ
ومثله قول بعض شعراء العصر: السريع
أقولُ لمَّا طال لَيْلِي وقد ... تَحَيَّرَتْ أنْجُمُهُ ما تَسِيرْ
وقد تَمَطَّى ملقياً بَرْكَهُ ... كأنَّهُ عَوْدٌ طَلِيحٌ حَسِيرْ
ما لِظَلامِ اللَّيلِ لا يَنْجَلي ... وما لضَوْءِ الصُّبْحِ لا يَسْتَنِيرْ
وقوله: الكامل
فالَيوْمَ قَرَّ لكلِّ وَحْشٍ نَافِرٍ ... دَمُهُ وكانَ كأنَّهُ يَتَطَلَّعُ
قال: المعنى، أن هذا المرثي، كان مغزي بالصيد. وهذه صفة حال ليست مما يمدح بها الملوك؛ لأن اشتغالهم بغير ذلك اجمل، إلا أن يريد بالوحش هاهنا عدوا يستوحش فينفر خوفا من القتل؛ فحينئذ يكون فيه مدح للمذكور.
وأقول: إنه لم يرد بالوحش إلا الصيد! وقد مدحه بذلك في قوله: البسيط
له من الوَحْشِ ما اختارتْ أسِنَّتُهُ ... عَيْرٌ وَهَيْقٌ وخَنْساءٌ وَذيَّالُ
(3/76)

وإذا وصفه بذلك في حياته، جاز ان يصفه به بعد وفاته.
وقوله: صفة حال ليست مما يمدح بها الملوك غير مسلم. وذلك أن الملوك
توصف تارة بالصيد والقنص، وأخرى بالحرب والقتال. ولاسيما العرب؛ فانهم لذلك معتادون، وبه مرتاضون. على أن فاتكا لم يكن ملكا وإنما كان مملوكا!!
وقوله: الكامل
كُنَّا نَظُنُّ دِيَارَهُ مَمْلُوَءةً ... ذَهَباً فمَاتَ وكلُّ دَارٍ بَلْقَعُ
قد خبط المعنى بألفاظ طويلة غير طائلة بذكر البيت الذي بعده والمعنى في البيتين، إنه وصفه بخلو داره من الذهب، وغير خلوها مما ذكر في البيت الثاني، فأثبت له صفة حمد، ونفى عنه صفة ذم.
وقوله: الطويل
وَخبَّلَ منها مِرْطُهَا فكأنَّمَا ... تَثَنَّى لنا غُصْنٌ ولا حَظَنَا خِشْفُ
(3/77)

يروى: خيّل وخبّل - بفتح الخاء - وأرى أن ضمها أحسن لأنه أتم في المعنى.
ولم يذكره، ود ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله: الطويل
ولما فَقَدْنَا مثلَهُ دامَ كَشْفُنَا ... عليهِ فَدامَ الفَقْدُ وانكشَفَ الكَشْفُ
قال: لولا إنه منظوم، لكان الأشبه به في هذا الموضع أن يقال: عنه في موضع عليه.
فيقال له: وعليه هنا بمعنى عنه ولم يمنع النظم من ذلك، وقد جاء في الشعر كثيرا؛ من ذلك قول القحيف: الوافر
إذَا رَضيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ ... لعَمْرُ اللَّهِ أعجبني رِضَاهَا
وقول الراجز: الرجز
أرْمِي عليها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ
وقد ذكرته فيما قبل.
(3/78)

وقوله: الطويل
تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومنطِقُهُ حُكْمٌ ... وباطِنُهُ دِينٌ وظاهِرُهُ ظَرْفُ
وقد ذكرت ما فيه من جانب العروض فيما تقدم3.
وقوله: الطويل
أماتَ رياحَ اللُّؤمِ وهي عواصِفٌ ... ومَغْنَى العُلا يُودي وَرَسْمُ النَّدَى يَعْفُو
ذكر عن ابن جني أن قوله: ومغنى العلا ورسم الندى في موضع الحال، ثم قال: وله وجه آخر؛ وهو أن يكون أراد أن مغنى العلا مما يودي، ورسم الندى مما يعفو، كما يودي ويعفو غيرهما، فلا تكون الواو في موضع الحال بل تكون لاستئناف جملة.
وأقول: إن هذا الوجه الذي ذكره، لا يجوز؛ - كما ذكر - استئناف جملة خبرية، وذلك كذب؛ لأن مغنى العلا لا يودي، ورسم الندى لا يعفو، بل هما باقيان. وجاز في الوجه الأول؛ لأنهما جعلهما حالا من: إماتة رياح اللؤم على طريق المبالغة، فلا يجوز غيره، ولا يصح أن يقال: العلم مما يفنى، كما لا يصح أن يقال: الجهل مما يبقى، إلا على ما ذكرته.
(3/79)

وقوله: الطويل
ولم نَرَ شيئاً يحملُ العِبَء مِثْلَهُ ... ويَسْتَصْغِرُ الدُّنيا ويَحْمِلُهُ طِرْفُ
لم يذكر معناه، وقد ذكرته قبل.
وقوله: الطويل
ولستُ بدُونٍ يُرْتَجَى الغيثُ دونه ... ولا مُنْتَهى الجُودِ الذي خَلْفَهُ خَلْفُ
قال: أي: لست بقليل من الرجال.
وأقول: إن هذا لا يكفي في مدح من يريد الإغراق في مدحه؛ بل لا يحسن؛ بل يقبح أن يقال له: لست بلئيم أولست بخسيس، من غير أن يتبع ذلك بشيء يتخلص به من النقص، كما تخلص أبو الطيب على طريقته في المدح والإغراق، وقد
ذكرت ذلك في شرح الواحدي.
وقوله: الوافر
ولو تَبَّعْتِ ما طَرَحَتْ قَنَاهُ ... لكَفَّكِ عن رذَايَانَا وعَاقَا
(3/80)

قال: سبق إلى هذا الأولون؛ أعني اتباع الطير والوحش الجيش. ولم يبالغ أبو الطيب في هذا البيت لأنه جعل الوحش تتبع الجيش لتأكل رذاياه، والرذايا: جمع رذية، وهي الناقة التي حسرها السير، ولم يقل كما قال الحكمي: المديد
تَتَأيَّا الطَّيْرُ غُدْوَتَهُ ... ثِقَةً بالشِّبْعِ من جَزَرِهْ
وأقول: إن هذا، إما وهم، وإما سوء فهم في جعل الوحش تتبع الجيش لأكل رذاياه ولا تتبع ما طرحت قنا الممدوح من القتلى كما ذكر. وبيت أبي الطيب فيه زيادة على بيت أبي نواس؛ وذلك إنه ذكر شدة سيره إلى الممدوح تقربا اليه، وبما لقي من الجهد في طريقه بانحسار ابله، وانقطاع رواحله، حتى طمعت بها الوحش. كما قال الحطيئة: البسيط
والذِئبُ يَطْرُقُنَا في كُلِّ منزلةٍ ... عَدْوَ القَرِينين في آثارِنَا خَبَبَا
فخاطب الوحش وقال لها: لو تتبعت ما طرحت قنا سيف الدولة من أعدائه، لكفك عن أن تتعرضي لما كل من إبلنا، وانحسر من مطينا.
وقوله: الوافر
تَبِيتُ رِمَاحُهُ فوق الهَوَادي ... وقد ضَرَبَ العَجَاجُ لها رِوَاقَا
قال: الهوادي: جمع هادية، وهي العنق، واستعار الرواق هاهنا للغبار لأنهم
(3/81)

يركزون الرماح إلى رواق البيت، والهاء تعود على الرماح، أو على الهوادي.
وأقول: إنها تعود على الرماح ولم يتبين له معنى البيت، والهوادي هاهنا، أعناق الفرسان، فجعل الرماح مسندة إليها، مائلة عليها كالعمد، والعجاج ساطعا فوقها كالرواق، ولهذا قال: الوافر
تميلُ كأنَّ في الأبْطالِ خَمْراً ... . . . . . . . . .
ولا تميل إلا إذا كانت قائمة.
وقال الواحدي: الهوادي: أعناق الخيل؛ كأنه نظر إلى قول النابغة: الطويل
. . . . . . . . . ... إذا عُرِّضَ الخَطِّيُّ فوقَ الكَواثِبِ
والصحيح الأول، لما ذكرناه.
وقوله: الطويل
إذَا ما لَبِسْتَ الدَّهْرَ مُسْتَمِتعاً بهِ ... تَخَرَّقْتَ والملبوسُ لم يَتَخَرَّقِ
(3/82)

ذكر فيه قول ابن جني. هذا البيت إذا طولب الشاعر بحسن الأدب، وجب أن لا يقابل الممدوح بمثله. وقد أنكر عبد الملك على جرير ما هو دونه، من قوله: الوافر
أتَصْحُو أمْ فُؤادُكَ غيرُ صَاحِي ... . . . . . . . . .
فقال: فؤادك لأجل مخاطبته بالكاف، وإن كان لم يرد إلا نفسه.
وأقول: إن هذا، إذا أنشده الشاعر الممدوح كان فيه، كما ذكر، سوء أدب. وأما إذا أرسله فليس فيه ذلك؛ لأنه إنما قبح لأجل المخاطبة، والإرسال لا مخاطبة فيه. ولعل أبا الطيب أرسل القصيدة إليه، ولم ينشدها إياه. وفي هذا البيت أيضا ما يسأل عنه، وهو ضربه المثل فيه، لما هو كأنه منقطع منه، فلا يكون المثل ورد في موضعه. والصحيح إنه متصل بما قبله، وذلك إنه قال: الطويل
سَقَى اللَّهُ أيَّامَ الصِّبَا. . . ... . . . . . . . . .
لما بانت عنه، وصار في غيرها من أيام الكبر، فضرب مثلا بتغيره بالدهر وعدم تغير الدهر به، فجاء بأغرب مثل وأعجبه، لأن من العهود الأكثر، أن اللابس يبلي الملبوس ويخرقه، فكأنه يقول: الدهر ملبوس يخالف غيره من اللابس؛ لأن هذا يبلي اللابس، وغيره يبليه اللابس.
(3/83)

وقوله: الطويل
أدَرْنَ عُيوناً حَائراتٍ كأنَّها ... مُرَكَّبَةٌ أحْداقُهَا فَوْقَ زئْبَقِ
ذكر في شرح هذا البيت، ما يرغب عن ذكره! والمعنى فيه ظاهر، وهو إخبار عن شدة حال الفراق وصعوبته، بحيرة الأعين وقلق أحداقها؛ وذلك لأن الزئبق رجراج لا يستقر فلا يستقر المركب فوقه.
وقوله: الطويل
ضَرُوبٌ بأطرافِ السُّيوفِ بنانُهُ ... لَعوبٌ بأطراف الكلامِ المُشَقَّقِ
ذكر في قوله: المشقق من الاشتقاق ما لا يحسن معه المعنى! والصحيح: أن المشقق مشتق من الشق الذي هو نصف الشيء، وعنى بالكلام المشقق: المعتدل الأوزان، المحكم الألفاظ، ولعله أراد الشعر، أما النظم له؛ فان سيف الدولة كان شاعرا، أو إنشاد المتقن منه، أو أراد السجع المعتدل القرائن، كالخطب وما أشبهها.
وقوله: الطويل
وما بلدُ الإنسان غَيْرُ المُوَافِقِ ... ولا أهلُهُ الأدنونَ غَيْرُ الأصَادَقِ
(3/84)

قال: هذا البيت، بالتصريع، وقد ضعف ضعفا بينا، وهو كالمنقطع مما قبله.
وأقول: إن التصريع لا يضعف البيت، ويدل على ذلك ما جاء من أشعار العرب مصرعا كقول امرئ القيس: الطويل
ألاَ أيُّهَا اللَّيلُ الطويلُ ألا انْجَلي ... بِصُبْحٍ وما الإصبَاحُ منك بأمْثَلِ
وقوله: () الطويل
ديارٌ لسَلْمَى عَافِيَاتٌ بذي خَالِ ... ألَحَّ عليها كُلُّ أسْحَمَ هَطَّالِ
وما أشبه ذلك. وهذا ليس فيه ضعف، بل قوة بمجيء قافيتين فيه، وبيت أبي الطيب قد جاء بمثلين وقافيتين، فهو بيت كبيتين.
وأما قوله: كالمنقطع مما قبله فليس كذلك، لأنه ذكر فيما قبل بلاده في قوله: الطويل
بلادٌ إذا زَارَ الحِسَانُ. . . ... . . . . . . . . .
ثم وصفها فقال: الطويل
سَقَتْنِي بها القُطْرُبُّلِيَّ مَلِيحةٌ ... . . . . . . . . .
ثم وصف تلك المليحة، وعطف عليها الاغيد، ووصفه ثم قال:
وما بَلدُ الإنسان غير المُوَافِقِ ... . . . . . . . . .
(3/85)

أي: تلك البلاد كانت موافقة له، وأصحابه الذين ذكرهم فيها؛ كانوا كالأهل الأدنين منه.
وقوله: الطويل
تُصِيبُ المجَانيقُ العِظَامُ بكَفِّهِ ... دقائِقَ قد أعْيَتْ قسِيَّ البَنَادِقِ
قال: وصف الشاعر الممدوح بأنه لطيف، يصيب بحجر المنجنيق، للطف رأيه، ما لا تصيبه البندقة التي تخرج من قوس البندق.
وأقول: إن المعنى بخلاف ما ذكر! ولم يتنبه عليه أحد من الجماعة، وهو إنه ينال بالمجاهرة والقسر، ما لا ينال غيره بالمجاملة والمكر، فكنى عن المجاهرة والمغالبة بالمجانيق لعظمها، وعن المسارة والمخاتلة بقسي البندق لصغرها. والذي يدل على هذا المعنى البيت الذي قبله وهو قبله: الطويل
ولم أرَ أرْمَى منه غَيْرَ مُخَاتِلٍ ... وأسْرَى إلى الأعداءِ غيرَ مُسَارِقِ
وقوله: الكامل
أبَني أبِينَا نحنُ أهْلُ مَنَازِلٍ ... أبداً غُرابُ البَيْنِ فينا يَنْعِقُ
(3/86)

قال: عنى بغراب البين داعي الموت.
وأقول: إنه لم يرد ذلك؛ وإنما أراد التفرق، فكنى عنه بنعيق الغراب، وذلك
المشهور من كلامهم، والمعروف في استعمالهم، ويدل عليه قوله فيما بعد: الكامل
. . . . . . . . . ... جَمَعَتْهُمُ الدُّنيا ولم يَتَفَرَّقُوا
وهذا الذي ذكره أبو الطيب في البيت) وما بعده، إلى التخلص إلى المدح، من المواعظ بفناء الأكاسرة، وهلاك الجبابرة، وموت الأنفس، ليس هذا موضعه من القصائد التي يتغزل فيها بصفات النساء، طلبا لبسط الممدوح، وطربه وسروره، فهذا وضع الشيء في غير موضعه. وما ذلك إلا لأنه من نظم الصبا.
وقوله: الطويل
وليلٍ دَجُوجيٍّ كأنَّا جَلَتْ لنا ... مُحَيَّاكَ فيه فَاهْتَدَيْنَا السَّمالِقُ
قال: ينشد بكسر الكاف من محياك وفتحها. فإذا روي بالكسر: فقبل ذلك ينبغي قوله أن يكون سلي لأنه مخاطب مؤنثا، وإذا كان: سل خاطب مذكرا،
(3/87)

فهو خروج، لم تجر عادة أبي الطيب بمثله؛ لأنه ترك النسيب وخرج إلى ذكر الممدوح.
وأقول: إن قوله: أن أبا الطيب لم تجر عادته بمثل هذا الخروج، وقد ذكر قبل هذه القصيدة قوله: الكامل
أمَّا بنو مَعْنِ بن أوْسِ بن الرَّضَا ... . . . . . . . . .
وهو من اقبح الخروج، تغفل عن مثله!
على أن ما ذكره، ليس بقبيح من إنه ترك النسيب وخرج إلى ذكر الممدوح بل من النسيب خرج إليه! وذلك أن قوله:
ولَيْلٍ. . . . . . ... . . . . . . . . .
قد أضمر فيه: (رب) فالواو للعطف، فينبغي أن يكون على شيء قبله؛ فكأنه قال: فرب فلاة سرنا بها، وليل دجوجي جلت السمالق محياك فيه فاهتدينا، فعلى هذا التقدير لا يكون قبيحا بل حسنا، ومثل هذا التخلص إلى المدح كثير.
وقوله: الرجز
(3/88)

يَتْرُكُ في حجَارَةِ الأبَارِقِ
آثارَ قَلْعِ الحَلْيِ في المناطِقِ
مَشْياً وإنْ يَعْدُ فكالخَنَادقِ
قال: إنما المبالغ، في صفة الفرس بالخفة، أن يدّعي لحوافره إنها لا تقع على الأرض من خفته؛ إذ كانوا يشبهون الفرس بالبازي، والصقر، وغيرهما من الطيور.
وأقول: إن الذي ذكره، إنما يستعملونه في الأرض السهلة، وأما الأرض الحزنة؛ فبخلاف ذلك. كقول زياد بن منقذ: البسيط
يَرْضَخْنَ صُمَّ الحَصَى في كل هَاجِرَةٍ ... كما تَطَايَرَ عن مِرْضَاخِهِ العَجَمُ
(3/89)

وقال النابغة في صفة الحمار والأتان، وهما في ذلك بمنزلة الفرس: الطويل
إذا هَبَطا سَهْلاً أثَارا غَيَايَةً ... وإنْ عَلَوَا حَزْناً تَقَضَّتْ جنادِلُ
أي: تكسرت.
وقال وهو يصف الخيل في أحد التفاسير: الطويل
. . . . . . . . . ... ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاح نَارَ الحُبَاحِبِ
ومثله قوله تعالى: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً) فهذا، كما ترى، وصف جريها، في الحزن، وشدة اعتمادها عليه، وذلك يدل على غلظ القوائم، وصلابة الحوافر، وعدم اتقائها واحتفالها بالحجارة.
وقوله: الرجز
يُرِيكَ خُرْقاً وهو عينُ الحَاذِقِ
قال: المعنى أن هذا الفرس، إذا رأيت خلقه دلّك على إنه بهيمة، وإذا نظرت إلى معرفته بالأشياء، علمت إنه صاحب معرفة وحذاقة.
(3/90)

وأقول: إن هذا الفرس لحدة قلبه ونشاطه، يريك إنه اخرق، والخرق نقيض الرفق؛ وهو العجلة والتسرع. والفرس يوصف بذلك، وبالجنون أيضا؛ قال امرؤ القيس: الطويل
ويَخْضِدُ في الآريِّ حتى كأنما ... به عُرَّةٌ من طائفٍ غيرِ مُعْقِبِ
وقوله:
. . . وهو عينُ الحَاذِقِ
أي: ماهر في الصنعة بما ذكره قبل من معرفته وحسن خصاله فهذا هو التفسير الصحيح، لا ما ذكره من قوله: إذا رأيت خلقه دلّك على إنه بهيمة فإن هذا التفسير لا يقوله أحد.
وقوله: البسيط
تَسْتَغْرِقُ الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبَهُ ... وتَكْتَسِي منه ريحَ الجَوْربِ العَرِقِ
قال: تسرف القائل في صفة هذا المذكور بصغر الرأس، وضؤولة الخلق.
وأقول: لم يرد ذلك حتى يرى الكف تستغرق الفودين والمنكب معا على وجه التقدير والمساحة، بل لما وصفه بالذلة والطيش، وصفه بأنه يصفع، فجعل اليد تستغرق فوديه، وهما معظم شعر اللمة مما يلي الأذنين؛ وذلك أعلى العنق، تارة، وتارة تستغرق
(3/91)

المنكب، وهو مجتمع ما بين العضد والكتف. والواو لا توجب أن يكون ذلك في وقت واحد حتى تستغرق الكف الفودين والمنكب معا؛ وذلك انك تقول: ضربت زيدا وعمرا فتعلم وقوع الضرب بهما، ولا تعلم كيف وقع في التقديم والتأخير والجمع والتفريق.
وقوله: الخفيف
جاعِلٌ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْ ... لم يكُنْ دونَها من العَارِ واقي
قال: هذا معنى لطيف، والغرض فيه، إن هذا الذمر لا يلبس درعا؛ لأن العرب
تفضل الذي يشهد الحرب حاسرا، على الذي يشهدها دارعا. كقوله: الطويل
وأكثرُ مِنَّا ناشئاً يطلب العُلا ... يجالِدُ قِرْناً دَارِعاً وهو حَاسِرُ
وأقول: إن المعنى الذي ذكره ليس بشيء! وإنما هو في قولهم: المنية ولا الدنية والنار ولا العار يقول: يجعل الدرع التي يتقي بها المنية، المنية نفسها، فيلبسها إذا لم يجد درعا سواها يقيه العار.
(3/92)

وقوله: الخفيف
لو تنكَّرْتَ في المَكَرِّ لقوم ... حَلَفُوا أنَّكَ ابنُهُ بالطَّلاقِ
قال: قوله: (ابنه) راجع إلى (المكر)، وقرره بكلام ضعيف، في معنى ضعيف! والصحيح: إنه راجع إلى أبيه المذكور في البيت قبله؛ أي: لو تنكرت في موضع الحرب لقوم، لتبين لهم من أفعالك فيه بالشجاعة والبأس، ما يحملهم على اليمين بأنك ابن علي؛ لاشتهار أفعال أبيك، وإنها لا يفعلها إلا من هو منه.
وقوله: الخفيف
كيفَ يَقْوَى بكفِّكَ الزَّنْدُ والآ ... فَاقُ فيها كالكَفِّ في الآفَاقِ
قال: هذا من قول مروان بن أبي حفصة: الطويل
ويا قَبْرَ مَعْنٍ كيفَ وارَيْتَ جودَهُ ... وقد كان منه البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا
والصحيح إنه للحسين بن مطير.
(3/93)

وقوله: المنسرح
بِضَرْبِ هَامِ الكُمَاةِ تَمَّ له ... كَسْبُ الذين يَكْسِبُونَ بالمَلَقِ
قال: يريد أنه على ما يلحق بالأعداء محبوب؛ كأنه يقتلهم بلين.
وأقول: هذا التفسير على رواية من روى: (يضرب) فعل مضارع و (ثم) حرف عطف، وهو تصحيف، والصحيح: (بضرب) اسم مصدر و (تم) فعل ماض؛ يريد إن هذا الممدوح يتم له، بضرب الكماة، من كسب المال، ما يتم لغيره من كسبه
بالملق؛ أي: باللين والتذلل. والبيت الذي بعده يدل عليه. وهو قوله: المنسرح
كُنْ لُجَّةً أيُّهَا السَّمَاحُ فقد ... آمَنَهُ سَيْفُهُ من الغَرَقِ
أي: كن أيها السماح؛ أي: العطاء، كثيرا، فانك لا تغرقه؛ أي: لا تجحف به وتفقره؛ لأن سيفه يؤمنه من ذلك، بما يأخذه من مال أعدائه. فهذا هو المعنى، وهو مرتب على ما قبله.
(3/94)

وقوله: البسيط
رُبَّ نَجِيعٍ بسَيْفِ الدَّولةِ انْسَفَكَا ... ورُبَّ قَافِيةٍ غَاظَتْ به مَلِكَا
قال: لم يزاحف أبو الطيب زحافا ينكره الطبع، إلا في هذا الموضع، ولا ريب إنه قاله على البدية، ولو أن لي حكما لقلت:
كَمْ مِنْ نَجِيعٍ. . . . . . ... . . . . . . . . .
لأن (ربّ) تدل على القلة، ويجب أن يصف كثرة سفكه دماء الأعداء. ويحسن ذلك أن (ربّ) جاءت في النصف الثاني، وهي ضد (كم).
وأقول: إن قوله: (رب: للقلة) فكذلك هي، إلا إنها قد استعملت في مواضع كثيرة، للكثرة. كقول الأعشى: الخفيف
رُبَّ رَفْدٍ هَرَقْتَهُ ذلك اليَوْ ... مَ وأسْرَى من مَعْشَرٍ أقْتَالِ
وقول سويد: الرمل
رُبَّ من أنضجتُ غَيْظاً صَدْرَهُ ... قد تَمَنَّى لِيَ موتاً لم يُطَعْ
وغير ذلك من الشعر. وهذا لا يحسن أن يراد به القلة؛ لأنه في موضع مدح وفخر،
(3/95)

فإذا كانت كذلك ف (رب) للكثرة في أول النصفين.
وقوله: ويحسن من ذلك، أن (ربّ) جاءت في النصف الثاني وهي ضد كم لعله أراد بالتحسين الطباق بالكثرة والقلة، وهذا، وإن كان تحسينا في اللفظ، فهو تقبيح في المعنى؛ لأن فيه قلة غيظ الملوك به، وحسدهم له، بل الصحيح أن إتيانه
بالزحاف، وان لم يكن قبيحا، حسّن تكميل المعنى، وتطابق النصفين في الصحة بذكر الكثرة فيهما على مذهب العرب.
وقوله: البسيط
مَنْ يَعْرِفِ الشَّمْسَ لا يُنْكِرْ مَطَالِعَها ... أو يُبْصِرِ الخَيْلَ لا يَسْتْرِمِ الرَّمَكَا
قال: الرمكة: أنثى البرذون، ولم تجئ في الشعر إلا أن يكون شاذا، لأنها إذا جاءت في حشو البيت اجتمعت فيها أربعة حروف متحركة، وذلك مستثقل.
وأقول: إن تعليله بذلك يقتضي أن لا يجيء شيء من الثلاثي، المحرك العين، المؤنث بالتاء في الشعر، وهذا لا يقوله أحد.
ويقال له: وإذا استثقل حشوا، فلم لم يجيء آخرا؟ لأنه ينقص بالوقف حركة فيخف وتذهب العلة المانعة من ذلك؛ كقول ابن الرومي: البسيط
(3/96)

شَهْرُ الصِّيامِ وإن عَظَّمْتُ حُرْمَتَهُ ... شهرٌ طويلٌ ثَقيلُ الظِّلِّ والحَرَكَهْ!
يَمْشي الهُوَيْنَى وأمَّا حينَ يُدْرِكُنَا ... فلا السُّلَيْكُ يُدَانِيهِ ولا السُّلكَهْ
كأنه طالبٌ ثأراً على فَرَسٍ ... أجَدَّ في إثْر مَطْلُوبٍ على رَمَكَهْ
يا صِدْقَ من قال: أيامٌ مبارَكَةٌ ... إنْ كانَ يَكْنِي عن اسم الطُّولِ بالبَرَكَهْ
وقوله: الوافر
يُحَرِّمُ أنْ يَمَسَّ الطيبَ بَعْدي ... وقد عَبِقَ العَبيرُ به وصَاكَا
لم يذكر معناه!
وهو من قول امرئ القيس: البسيط
ألَمْ تَرَيَاني كُلَّمَا جئتُ طارقاً ... وَجَدْتُ بها طيباً وإنْ لم تَطَيَّبِ
(3/97)

وقوله: الوافر
وما أنَا غَيْرُ سَهْمٍ في هَواءٍ ... يَعودُ ولم تَجِدْ فيه امْتِسَاكَا
قال: لم يقل في سرعة الأوبة، وتقليل الشيء كهذا.
وأقول: إنه لم يرد السرعة في العود إليه والتقليل؛ لأن ذلك في غاية التثقيل. وإنما أراد إنه لابد أن يعود إلى خدمته، وهو غير متماسك من الشوق؛ كالسهم الذي يرمى به إلى فوق فلا بد أن يعود إلى الرامي إذا انقطع اعتماده بحركته القسرية إلى خلاف جهة حركته الطبيعية. فكأنه يقول: وذلك من أحسن تدقيق في المعنى، ورشاقة في اللفظ، أن حركتي: عنك وبعدي بالقسر، وحركتي: إليك وقربي بالطبع، كالسهم الذي يرمي به في الهواء.
وقوله: الوافر
وكنتُ أعِيبُ عَذْلاً في سَماحٍ ... فهَا أنَا في السَّمَاحِ له عَذُولُ
قال: المعنى، أني كنت أعيب عذلا في السماح، فلما دام هذا المطر، عذلته في الدوام؛ لأنه قد منعنا من السير.
(3/98)

وأقول: إن هذا التفسير فيه مناقضة لما ذكره أبو الطيب من قوله: الوافر رويدك وتأي:
وَجُودَك بالمقام، ولو قليلاً ... . . . . . . . . .
فإذا حصل له ذلك بدوام المطر، كيف يلومه؟ بل ينبغي له، أن يحمده، لحصول ما أراده. ومعنى عذله للسحاب في سماحه، إنما يكون بسبب كثرته، وما يلحق فيه من الكلفة والمشقة، وان كان مع كثرته، غير مانع لسيف الدولة من المسير، وثان عزمه عن الرحيل، ولهذا قال بعده: الوافر
وما أخْشَى نُبُوَّكَ عن طَريقٍ ... وسَيْفُ الدَّولة الماضي الصَّقِيلُ
وقوله: المتقارب
فَلَمَّا نَشِفْنَ لَقِينَ السِّياطَ ... بِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ
قال: لأن عرق الخيل ابيض، فلما يبس على ظهورها، لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل؛ أي انها مبيضة بالعرق.
وأقول: إنه لم يرد البياض؛ وإنما أراد الصلابة، وخص صفا البلد الماحل لأنه
(3/99)

أبعد عهدا بالمطر من غيره؛ فهو أصلب وهذا مثل قول امرئ القيس: المتقارب
لهَا عَجُزٌ كَصَفاةِ المسي ... لِ أبرَزَ عنها جُحَافٌ مُضِرّْ
ومثل قول علقمة: البسيط
هل يُلْحِقَنِّي بأخرى الحَيِّ إنْ شحَطُوا ... جِلْذِيَّةٌ كأتَانِ الضَّحْلِ عُلْكُومُ
وقوله: المتقارب
وما بينَ كاذَتَي المُسْتَغيرِ ... كما بين كاذَتي البائلِ
قال: شبه العرق ونزوله بنزول البول.
قال: وقد ذهب من فسر هذا البيت، إلى أن الفرس إذا أعيا، تباعد ما بين فخذيه؛ فكأنه فرجهما ليبول.
وأقول: إن الفرس الجواد، يوصف بتباعد ما بين اليدين والرجلين؛ لأن قربهما هو الصكك، وقد قال زهير: البسيط
. . . . . . . . . ... . . . لا فَحَجٌ فيها ولا صَكَكُ
فكأنه بالغ في ذلك حتى جعله كالبائل.
(3/100)

وقوله: المتقارب
فإنَّ الحُسَامَ الخَضِيبَ الذي ... قُتْلِتُمْ به في يَدِ القَاتِلِ
قال: الخضيب: الذي من شانه ان يخضب؛ أي: بمعنى خاضب، وأنشد: الوافر
كذَبْتُمْ والذي رَفَعَ المعَالي ... ولمَّا يَخْضِبِ الأسَلَ الخَضِيبُ
قال: ويعني بالحسام سيف الدولة.
قلت: ويكون، على هذا التفسير، القاتل هو الله، وسيف الدولة، سيفه في يده يضرب به أعداءه كقوله: الطويل
. . . . . . . . . ... وفي يدِ جَبَّارِ السَّموات قائِمُهْ
وهو من قول أبي تمام الطويل
. . . . . . . . . ... لِحَدِّ سِنَانٍ في يَدِ اللَّه عامِلُهْ
ويحتمل معنى آخر، وهو أن يكون الخضيب بمعنى المخضوب، ويكون صفة سيف الدولة وهو هاهنا القاتل؛ أي: سيفه معد لكم، أن عدتم كما عهدتم.
(3/101)

وقوله: البسيط
أعْلَى الممالكِ ما يُبْنَى على الأسَلِ ... والطَّعْنُ عند مُحِبِّيهنَّ كالقُبَلِ
قال: أي: ما وصل إليه اقتسارا وغلابا بالطعن، لا ما جاء عفوا.
وأقول: إنه لما وصف الممالك بالعو والارتفاع، وتلك من صفات ما يبنى، جعل الرماح لها أساسا؛ لأنها بها تثبت، وعليها تعلو؛ كأنه يقول: إنما تثبت الممالك وتعلو بطعان الأعداء وقتالهم، لا بالمسالمة والموادعة، وهذا مثل قوله: الطويل
وكَيْفَ تُرَجِّي الرومُ والروسُ هَدْمَهَا ... وذَا الطَّعْنُ أساسٌ لها ودَعَائِمُ
وقوله: البسيط
الفَاعِلُ الفِعْلَ لم يُفْعَلْ لشِدَّتِهِ ... والقائلُ القَوْلَ لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ
لم يذكر في هذا البيت ما يحسن ذكره فيستفاد معناه!
والمعنى، أن سيف الدولة يفعل فعلا لا يستطيع أحد مثله لصعوبته، ويقول قولا لا يقدر أحد يقول مثله لفصاحته وبلاغته.
(3/102)

وقوله:
. . . . . . . . . ... . . . . . . لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ
أي: مطمع ممتنع.
ويحتمل أن يكون معنى: لم يترك أي: يقول قولا، منه ما هو امر، فلا يترك؛ لأن امتثاله واجب. ومنه ما هو غير أمر، من بيان في نثر، أو نظم، فلم يقل مثله.
وقوله: البسيط
قد عَرَّض السَّيْفَ دونَ النَّازلاتِ بهِ ... وظَاهَرَ الحَزْمَ دونَ النَّفْسِ والغِيَلِ
قال: ظاهر الحزم: أي: جعل بعضه فوق بعض، كما يظاهر الرجل بين درعين.
وأقول: ويحتمل ان يكون المظاهرة بين السيف والحزم، فيكون كل واحد منهما كالدرع. كقوله: الوافر
لقَوْهُ حاسِراً في دِرْعِ ضَرْبٍ ... دَقيقِ النَّسْجِ مُلْتَهِبِ الحَواشِي
وقوله: البسيط
بذِي الغَبَاوَةِ من إنْشَادِهَا ضَرَرٌ ... كما تُضِرُّ رِيَاحُ الوَرْدِ بالجُعَلِ
(3/103)

قال: يقول: شعري إنما يعرف جودته من هو صحيح الفكر سليم النظر فإن كان بضد ذلك، نال منه كما ينال الورد من الجعل، وإن كان مستلذا له، في الحقيقة.
وأقول: فليت شعري! من أين علم أن الجعل تستلذ بالورد على الحقيقة وذلك شيء لا يعلمه ويخبر به إلا جعل؟!!
والمعنى إن شعري كالورد، يستلذه وينتفع به النبيه الفاضل، ويستضر به الخسيس الجاهل، كاستضرار الجعل بالورد.
وقوله: الطويل
تَيُلُّ الثَّرَى سُوداً من المِسْكِ وَحْدَهُ ... وقد قَطَرَتْ حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
قال في آخر شرح البيت - بعد تطويل -:
قوله: وحده: أي: إنما سواده من المسك وحده لا الكحل.
وأقول: هذا وهم! لأن قوله: وقد قطرت حمرا ينفي أن يكون من الكحل. وإنما
(3/104)

قوله: وحده احترازا من السخم الذي تفعله النساء في الحزن كما قال: الوافر
. . . . . . ... يَضَعْنَ النِّفْسَ أَمْكِنَةَ الغَوالي
وقوله: الكامل
إنِّي لأبْغِضُ طيفَ من أحْبَبْتُهُ ... إذ كانَ يَهْجُرُنا زَمَانَ وِصَالِهِ
قال: قال في أول القصيدة:
لا الحُلْمُ جَادَ به ولا بِمِثَالِهِ ... . . . . . .
فزعم، أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال. ثم ذكر بعد ذلك، إنه مبغض طيف من أحب.
قال: وهذا يسمى الاكذاب كقول زهير: البسيط
قِفْ بالدِّيارِ التي لم يَعْفُهَا القِدَمُ ... بَلَى وغَيَّرَهَا الأرواحُ والدِّيَمُ
وأقول: إن أبا الطيب، لم يكذب نفسه؛ لأنه لم يخبر في الأول إنه يحب الطيف، ثم أخبر بعد إنه يبغضه. وإنما قال: لم يجد الحلم به لو لم أتذكره، فالخيال في النوم إنما رآه بسبب الذكر، وذلك لا يدل على إنه أحب الخيال؛ لأن الخيال إنما عرض له في النوم اتفاقا بسبب الذكر للحبيب، ولم يكن الخيال من قصده، فلا يسمى ذلك اكذابا
(3/105)

ولا مناقضة، ولكنه مناقضة من وجه آخر وهو قوله: الكامل
بِتْنَا يُنَوِلُنا المُدامَ بكَفِّهِ ... . . . . . .
وقوله: الكامل
. . . . . . ... ونَنَالُ عَيْنَ الشَّمْسِ من خَلْخَالهِ
ثم قال:
إني لأبغض طَيْفَ من أحْبَبْتُهُ ... . . . . . .
فكيف ابغضه وقد بات يناول المدام على ما ذكر لولا التغفل؟!
وقوله: المتقارب
جَعَلْتُكَ بالقَلْبِ لي عُدَّةً ... لأنَّكَ باليَدِ لا تُجْعَلُ
(3/106)

قال: أي جعلتك في قلب الجيش لي عُدة؛ لا تجعل في شمال الجيش، ولا في يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب.
قال: هذا وجه، ووجه آخر، وهو أجود، أن يريد الشاعر قلب نفسه؛ أي: جعلتك
عدتي بقلبي؛ لأنك أجل من أن تجعل باليد؛ لأنها إنما تصرف فيما صغر من الأشياء، والقلب يتسع في الضمير، حتى يضم ما لا يدرك.
وأقول: الوجه الصحيح، هو الثاني إلا إنه لم يعبر عنه بعبارة حسنة، وكان الجيد أن يقول: أنك يا سيف الدولة، لست بمنزلة السيوف التي يعتد بها في اليد من الحديد! أنت أعظم وأشرف من ذلك؛ إنما يعتد بك في القلب بصدق الولاء والمحبة.
وقوله: البسيط
أشكو النَّوَى ولَهُمْ من عَبْرَتي عَجَبٌ ... كذَاكَ كانَتْ وما أشكو سوى الكِلَلِ
قال: يقول: أشكو النوى، وأصحابي يتعجبون من عبرتي، وليس ينبغي أن يتعجبوا لذلك؛ لأنها كانت على ما شاهدوه، والذي أحب قريب، ليس بيني وبينه سوى الكلل.
(3/107)

وأقول: وهذا هو المعنى، إلا إنه زاد فيه بعد هذا ما لا يؤديه اللفظ. وهو قوله: فكيف بي إذا اجتمعت الكلل مع البعد؟ وهذا البيت مثل قول أبي تمام: البسيط
لا أظْلِمُ النأيَ قد كانَتْ خلائِقُهَا ... من قَبْلِ وَشْكِ النَّوى عندي نَوىً قَذَفَا
وقوله: البسيط
ما بَالُ كلِّ فُؤَادٍ في عَشِيرتِهَا ... به الذي بي ومَا بي غَيْرُ مُنْتَقِلِ
ذكر في تفسير معناه، ما لا يليق ذكره. والصحيح، ما قاله الواحدي. قال: يعني أن قومها يحبونها كحبي إياها، فهي بعيد مرامها، منيع وصالها، وهم دونها، وذلك مما يؤنس من الوصول إليها، وإذا وقع الياس دعا إلى السلو، ومع ذلك فأني لا أسلو، ولا ينتقل ما بي من الهوى.
وقوله: البسيط
تُمْسِي الأمَانيُّ صَرْعَى دون مَبْلَغِهِ ... فما يقولُ لِشَيءٍ لَيْتَ ذلك لي
(3/108)

قال: أي دون أن تبلغ إلى قلبه أو لسانه فتجري عليه.
وأقول: إن معنى قوله: دون مبلغه أي دون بلوغه الأشياء. يقول: إنه قد بلغ من الأشياء ما تقصر الأماني عن بلوغه. فهو لا يقول: ليت؛ لأن ليت للتمني، والتمني، إنما يكون للشيء الذي لم يحصل.
وقوله: البسيط
انظُرْ إذا اجتمَعَ السَّيفان في رَهَجٍ ... إلى اختلافِهِمَا في الخَلْقِ والعَمَلِ
قال: يعني بالسيفين سيف الدولة، والسيف الذي يقاتل به، وهما مختلفان في الخلق والعمل، لأن بني آدم لا يشبهون السيوف في الخلق، والسيف في الحقيقة لا يعمل شيئا، إنما يعمل به الإنسان.
وأقول: إن هذا البيت، تفسيره فيما بعده. وهو قوله: البسيط
هذا المُعَدُّ لرَيْبِ الدَّهْرِ مُنْصَلِتاً ... أعدَّ هذَا لِرأسِ الفَارِس البَطَلِ
أي: إن سيف الدولة معد لريب الدهر، يقطعه بجوده. وسيفه معد لقطع رأس البطل بحده، فاختلفا لذلك، فكان سيف الدول أعظم منه، لأن فعله أعظم من فعله، وشكله أكمل من شكله.
(3/109)

وقوله: الوافر
شديدُ البُعْدِ من شُرْبِ الشَّمولِ ... تُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخِيلِ
قال: رفع ترنج الهند بالابتداء، كأنه قال: بين يديك، أو في مجلسك ترنج الهند؛ لأنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر؛ لأنه مشاهد. فدلت الحال على ما أضمره؛ كما تقول إذا رأيت رجلا سدد سهما إلى القرطاس، فسمعت صوته: القرطاس والله! أي: أصاب القرطاس.
قال: فان قيل: وما في أخباره عما في مجلسه، وهو بحضرته، من الفائدة؟ وهل كان يشك في ذلك فيجوز الإخبار عنه؟
قيل: إنما جاز ذلك لأنه ثناء عليه.
فيقول له: أنت شديد البعد من شرب الشمول، وإن كان بين يديك ما يحضر، في أكثر الأوقات، للشرب. فأثنى عليه ونفى عنه الظنة.
وأقول: إن تقديره حذف المبتدأ من النصف الأول وهو أنت صواب، وتقديره حذف الخبر من النصف الثاني، وهو بين يديك أو في مجلسك، خطأ لأن التقدير الأول مفيد، والثاني غير مفيد. والصواب أن يقدر الخبر المحذوف: ما تصنع به؟ أو: ما حاجتك إليه؟ كأنه قال: أنت شديد البعد من شرب الشمول، ترنج الهند، أو طلع النخيل، ما تصنع به،
(3/110)

وهو من آلات الشرب؟ ثم استدرك السؤال بقوله في البيت الذي يليه: الوافر
ولكنْ كلُّ شيءٍ فيه طِيبٌ ... لديكَ من الدَّقيق إلى الجَليلِ
وكذلك البيت الثالث.
وقوله: الطويل
وأضْحَتْ بحصْنِ الرَّانِ رَزْحَى من الوَجَى ... وكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَلِيلُ
قال: اعتذر للخيل، أي: لم يلحقها ذلك لضعفها، ولكنه كلفها من همه صعبا.
وأقول: ليس هذا عذر للخيل، وإنما النصف الثاني جملة وقعت حالا من الخيل خبرا؛ أي: أضحت الخيل رزحى بحصن الران، في حال ذل فيها كل عزيز ممن ذكره لسيف الدولة.
وقوله: الخفيف
قارَعَتْ رُمْحَكَ الرِّماحُ ولكِنْ ... تَرَكَ الرَّامحين رُمْحُكَ عُزْلا
(3/111)

قال: يقول: قارعت الرماح رمحك، فترك الرامحين عزلا؛ أي: لا سلاح معهم.
وأقول: إنه لم يأت في تفسيره بشيء يزيد على ما في لفظه، سوى أن بين أن قوله: عزلا لا سلاح معهم! وهذا الذي ذكره أبو الطيب كرره لفظا، ولم يبين له
معنى! والمعنى: أن رمحك جعل الرامحين بمنزلة العزل، فهم، وإن كانوا ذوي رماح، كمن لا رماح معهم، وذلك أما لحذقك بالطعن فبطلت رماحهم به، وأما لخوفهم منه، فضعفت أيديهم بالرماح؛ فصار وجودها كعدمها.
وقوله: الخفيف
يَجْمَعُ الرُّومَ والصقاِلَبَ والبُلْ ... غَرَ فيها وتجمَعُ الآجَالاَ
قال: الآجال: جمع أجل؛ أي: يجمع آجالهم ومناياهم.
وأقول: إنه لم يرد آجالهم مخصصا لهم، وإنما أراد الآجال على الإطلاق؛ أي: المنايا والحتوف، وذلك أبلغ في المعنى للعموم، وأشبه باللفظ للألف واللام.
(3/112)

وقوله: الخفيف
وقِسِيٍّ رُمِيتَ عنها فَرَدَّتْ ... في قُلوبِ الرُّماةِ عنكَ النَّصَالاَ
قال: أي: لما هزموا اخذ سرلاحهم، فقوتلو به.
وأقول: وهذا ليس بشيء! وإنما ذكر القسي مثلا للمكائد؛ أي: أعدوا لك مكائد فعادت عليهم.
وقوله: الخفيف
كلَّمَا صَبَّحَتْ ديارَ عَدُوٍّ ... قالَ: تلك الغُيوثُ هذي السُّيُولُ
قال: المعنى: الغيوث التي هي نعم على قوم، حدثت منها سيول هي نقم على آخرين.
وأقول: إنه عنى بالسيول الدماء في الكثرة، لأن النعم التي ذكر إنها تحيي مواليه وتقتل أعاديه، وعددها، وهي أربعة أنواع من آلات الحرب، وبها تراق الدماء كثيرة
(3/113)

كالغيوث، فأخبر عن كثرة ما تريقه من الدماء بالسيول.
وقوله: الخفيف
لو تَحَرَّفْتَ عن طَريق الأعادي ... ربَطَ السِّدْرُ خَيْلَهُمْ والنَّخيلُ
قال: لو ملت عن طريق الأعادي، لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل، فكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيل الأعداء.
وأقول: لم يذكر معنى البيت، وهو ما ذكره الواحدي؛ أي: لو ملت عن طريق الروم، لساروا فأوغلوا في ديار العرب حتى يربطوا خيولهم بالسدر والنخيل؛ يريد بهذا الغض ممن بالعراق، ومصر من الملوك، والرفع من شانه.
وقوله: الخفيف
وسِوَى الرُّومِ خَلْفَ ظَهْرِك رُومٌ ... فعَلَى أيِّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ
قال: أي: أعداؤك كثير، وليس الروم أعداء، بل هم دون غيرهم فلأيهم تقاتل؟
(3/114)

وأقول: المعنى في هذا البيت: إشارة أيضا إلى من بمصر، والعراق من الملوك، لأنه جعل سيف الدولة مستقبلا بلاد الروم بسبب الغزو، وجعل أولئك خلف ظهره عن منكبيه، فقال: إن الذي وراءك أيضا روم، وفي ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعطيلهم الحدود، واشتهارهم بالفسوق. وبين هذا، فيما بعد، في قوله:
ما الذي عندَهُ تُدَارُ المنَايا ... كالذي عِنْدَهُ تُدَارُ الشَّمُولُ
وقوله: الكامل
وجَعَلْتُ ما تُهدي إليَّ هديَّةً ... منِّي إليك وظَرْفَهَا التَّأمِيلاَ
قال: يحتمل المعنى وجهين:
أحدهما: أن يكون أهدى إليه شيئا، كان أهداه إليه الممدوح.
والآخر: أن يكون أراد: جعلت ما من عادتك أن تهديه إلي، وتزودينه وقت فراقك هدية مني إليك؛ أي: أسألك أن لا تتكلف لي.
قال: والقول الأول أشد انكشافا واظهر، والثاني أقوى وألطف.
قال: وظرفها التأميلا أي: جعلت تأميل قبولك ذلك، مشتملا على هذه الهدية،
(3/115)

كاشتمال الظرف على ما فيه وأقول: لم يصب في الوجهين اللذين ذكرهما؛ لأن أبا الطيب لم يكن ممن يهدي لأحد شيئا، ولا ممن يقنع بعطاء فيسأل أن لا يتكلف له فيه!
والمعنى: أني جعلت الهدية التي تهديها إلي؛ أي: العطاء الذي تعطينيه، لسرورك به، هدية مني إليك؛ أي كأني أتحفتك بتحفة وذلك لفرط جودك.
وقوله: وظرفها التأميلا أي: وجعلت ظرف الهدية، وهي عطاء الممدوح، التأميل. وهذا المعنى قد لطفّه هاهنا، وهو في مواضع كثيرة من شعره كقوله: الوافر
قبولُكَ مَنَّهُ مَنٌّ عليه ... . . . . . .
وقوله: المتقارب
. . . . . . ... فَتىً لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ
وقوله: الوافر
وأسْعَدُ من رأيْنَا مُسْتَمِيحٌ ... يُنِيلُ المُسْتَمَاحَ بأنْ يَنَالاَ
وأشباه ذلك. وأصله قول زهير: الطويل
. . . . . . ... كأنَّكَ تُعْطيهِ الذي أنتَ سائِلُهْ
(3/116)

وقوله: الخفيف
بطُلُولٍ كأنَّهُنَّ نُجُومٌ ... في عِرَاصٍ كأنَّهُنَّ لَيَالي
قال: شبه الطلول بالنجوم؛ لأنها عنده مستحسنة، لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص كالليالي؛ لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها.
وأقول: إنه شبه الأطلال وهي ما شخص من آثار الدار، بالنجوم للاهتداء بها، والعراص بالليالي، لدروسها بعد الأحباب وخفائها. فالعراص لا يهتدي فيها إلا بالأطلال، كالليالي لا يهتدي فيها إلا بالنجوم.
وقوله: الرجز
ذي ذَنَبٍ أجْرَدَ غَيْرِ أعْزَلِ
كأنَّهُ من جِسْمِهِ بِمَعْزِلِ
قال: هو من سرعته وحدته يكاد يترك جسمه وينعزل.
(3/117)

أقول: وجعل ذلك من صفة الكلب، وانشد عليه استشهادا، وهو قول ابن جني.
وأقول: ليس ذلك من صفة الكلب، وإنما هو من صفة الذنب. ويدل عليه قوله:
لو كانَ يُبْلِي السَّوْطَ تَحْريكٌ بَلِي
وجعل ابن جني هذا من صفة الكلب ايضا، لما جعل الذي قبله من صفته، وجعله التبريزي من صفة الذنب فخبط!
وقوله: الرجز
لا يأتَلِي في تَرْكِ أنْ لا يَأتَلِي
قال: معناه: لا يقصر في ترك أن لا يقصر.
أقول: ولم يذكر هنا أن (لا) زائدة، وهو يذكر أشياء لا حاجة إليها، ولا فائدة فيها!
وأقول: إنما قدر هنا زيادة (لا) لئلا يفسد المعنى، وذلك لأن نفي النفي إيجاب،
(3/118)

لأنك إذا قلت: فلان لا يقصر في ترك أن يقصر، وكانت أن والفعل بمعنى المصدر فكأنك قلت: لا يقصر في ترك التقصير، وترك التقصير جد. فإذا قلت: في ترك أن لا يقصر، فكأنك قلت: لا يقصر في ترك الجد، وترك الجد تقصير! فلهذا قدر زيادة (لا) وهي كثير ما تزاد زيادة في الكلام والشعر.
وقوله: المنسرح
يُقْبِلُهُمْ وَجْهَ كلِّ سابِحَةٍ ... أرْبَعُهَا قَبْلَ طَرْفِهَا تَصِلُ
قال: هذا اسراف في المبالغة، يخرج إلى الكذب الذي لا يجوز مثله! ومع هذا فإن القوائم إذا وصلت قبل الطرف فقد وصف النظر بالضعف.
وأقول: إنه إذا فضّل عدوها على طرفها في السرعة، لا يدل على وصف النظر بالضعف. وكذلك إذا وصفوا الفرس بأنه يسبق البرق في السرعة، لا يدل على فتور البرق وضعفه؛ لأن ذلك قد عرف في السرعة، وكذلك طرف الفرس الجواد، قد عرف بالحدة؛ قال: الهزج
حديدُ الطَّرفِ والمِنْكَبِ والعُرْقوبِ والقَلْبِ
فإذا فضل عليه عدوه، لا يدل على ضعفه، بل إنما يراد به المبالغة.
(3/119)

وقوله: المنسرح
قُصِدْتَ من شَرْقِهَا ومَغْرِبِهَا ... حَتَّى اشْتَكَتْكَ الرِّكابُ والسُّبُلُ
قال: في هذا البيت مبالغتان؛ إحداهما يجوز أن يكون مثلها: وهو ادعاؤه أن الركاب تشتكي الممدوح من كثرة ما تركب إليه. فهذا يجوز مثله، لأنها إذا صارت انضاء، وأخذ منها السير فكأنها تشتكيه.
والأخرى: ادعاؤه أن السبل تشتكيه؛ أي: الطرق؛ وهذا ما لا يمكن أن يكون.
وأقول: يقال له: اشتكاء الإبل والطرق مجاز لا حقيقة، فلا يمكن أن يكون، وإذا جوزت ذلك في الإبل لكثرة ما تركب إليه وينضيها السير، فلم لا يجوز مثل ذلك في الطرق لكثرة ما تركب ويؤثر فيها السير؟ وكلاهما لا يعقل الاشتكاء فلا فرق بينهما إلا أن إحداهما فيها حياة، والأخرى لا حياة فيها.
وقوله: المنسرح
عُذْرُ المَلُوَمْينِ فيكَ أنهما ... آسٍ جَبَانٌ ومبضَعٌ بَطَلُ
قال: قد اعتذر للآسي؛ أي: الطبيب، وللمبضع، فذكر أن الآسي جبن لفرط الهيبة، وإن المبضع، لما عجز الطبيب عن تدبيره، كان كالبطل الشجاع. فوصل إلى
(3/120)

موضع لا يجب أن يصل إليه.
وأقول: إنما وصف المبضع بالبطل لمضائه وحدته - وقد وصف أبو الطبيب ما
هو كالمبضع، وهو السيف، بالجبان لكونه لم يقطع في قوله: الكامل
تَلْقَى الحُسَامَ على جَرَاءةَ حَدِّهِ ... مِثْلَ الجَبَانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبَانِ
فهاتان صفتان مختلفتان، والمؤثر فيهما غير مختلف، لأن هذا جبان مضى في يده المبضع، وذلك جبان جبن في كفه السيف، فكان فيهما تناقض.
فيقال: لا تناقض فيهما. وذلك أن أحوال الجبان تختلف وتتباين؛ فتارة تكون بترك الإقدام والفرار، وتارة بالإقدام مع اضطراب واضطرار.
وقوله: المنسرح
مَدَدْتَ في راحة الطَّبِيبِ يَداً ... وما دَرَى كيفَ يُقْطَعُ الأمَلُ
قال: ليس من عادة الطبيب أن يقطع الآمال، وإنما عادته أن يقطع العروق، لأن عروق كفك تتصل بها اتصال الآمال، فكأنها آمال.
أقول: وهذا أخذه من ابن جني!
(3/121)

وقال الواحدي: هذا كلام من لم يعرف المعنى! وقال (الأمل) لأن يدك أمل كل أحد؛ منها يرجون العطاء والإحسان.
وأقول: إنما جعل اليد الأمل على وجه المبالغة، كما جعلت الخنساء البقرة إقبالا وإدبارا في قولها: البسيط
. . . . . . . . . ... فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدْبَارُ
أي: كأنها خلقت من ذلك. ويجوز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: ذات الأمل، وكذلك قول الخنساء، والأول أبلغ.
وقوله: الوافر
بقائي شَاَء ليسَ هُمُ ارتحالا ... وحُسْنَ الصَّبْرِ زَمُّوا لا الجمَالا
قال: ادعى انهم لم يشاءوا الرحيل، ولا محالة أنهم شاءوا الرحيل، وزعم أنهم لم يزموا الإبل وتلك دعوى ليست بالصحيحة.
وأقول: إن هذا نقد غير بصير بجوهر الكلام! وذلك أن هذا الكلام إنما ذكره على وجه المبالغة كما يقال: ما مات زيد ولكن مات الجود، وما سار عمرو ولكن سار الكرم، وإن كان زيد وقع فيه الموت، وعمرو منه السير؛ ومثله قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إذ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى).
(3/122)

وقوله: الوافر
كأنَّ العِيسَ كانت فوق جَفْني ... مُنَاخَاتٍ فَلَمَّا ثُرْنَ سَالاَ
قال: يقول: كأن العيس كانت مناخات فوق جفن عيني؛ فهي مانعة له من أن يسيل، فلما ثرن فاض الدمع.
قال: وبدخول كاف التشبيه، خلص اللفظ من الكذب!
أقول: تأمل هذا التفسير الذي يحتاج إلى تفسير، لأنه إعادة لفظ البيت بعينه!!
وأقول: المعنى إن مقام الأحبة، كان يمنعني من دمع كثير بسبب هجر الحبيب لي، أو منعه مني. فكنى عن مقام الأحبة بإناخة العيس فوق جفنه، وجعلها كالسكر الذي يحبس الماء، فلما ثرن سال ذلك الماء؛ أي: الدمع، وكنى عن الرحيل بثوران العيس. والسيل إنما يكون عن الماء الكثير من المطر، فكنى به عن كثرة الدمع والبكاء الذي كان مجتمعا قبل الرحيل.
وقوله: الوافر
وضَفَّرْنَ الغَدائِرَ لا لِحُسْنٍ ... ولكِنْ خِفْنَ في الشَّعَرِ الضَّلاَلاَ
قال: أراد: خفن أن يضللن في الشعر؛ أي: يغبن، من قوله تعالى: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ) أي: غبنا.
(3/123)

قال: وهذه مبالغة في الصفة، وإذا احتجبت المرأة في شعرها كان عيبا.
وأقول: إن تفسيره (يضللن)، أي: يغبن، لم يرده الشاعر، وإنما أراد يضللن، ضد (يهتدين). وذلك أن الشعر يشبه بالظلام، فخشين أن يضللن في الظلام، بالشعر
المحلول، فضفرنه خوفا من ذلك. فعلى هذا التفسير لا يكون عيبا. والذي حمله على هذا التفسير تنبيهه على إحاطته بهذه اللغة الغريبة التي هي (ضللنا) بمعنى (غبنا) فخطأ الرجل فوقع في الخطأ!
ويقال له: لم قلت: إذا احتجبت المرأة بشعرها كان عيبا وقد قال الشاعر: الوافر
. . . . . . . . . ... فأرسَلَتِ الظَّلامَ على الضِّياءِ
وقال أبو الطيب: الطويل
وَمَنْ كلَّمَا جَرَّدْتُهَا من ثِيَابِهَا ... كسَاهَا ثياباً غَيْرَها الشَّعَرُ الوَحْفُ
وقوله: الوافر
ولولا أنَّني في غَيْرِ نَوْمٍ ... لَبِتُّ أظُنُّني مِنِّي خَيَالاَ
(3/124)

قال: قوله: الكامل
. . . . . . . . . ... . . . أظُنُّنِي مِنِّي خَيَالا
يناسب قوله في الأخرى: الكامل
. . . . . . . . . ... كأنَتْ إعادَتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ
وأقول: لا مناسبة بينهما لأن قوله:
. . . . . . . . . ... لَبِتُّ أظُنُّنِي مِنِّي خَيَالاَ
أي: أظن نفسي من نفسي خيالا، أو: أظن جسمي.
وقوله:
. . . . . . . . . ... كانَتْ إعادتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ
أي: تذكرته فتخيلته، فلما نمت رايته، فكان الخيال الذي رايته نائما، خيالا للخيال الذي رايته متذكرا. فلا مناسبة بين البيتين إلا بلفظ (الخيال)!
وقوله: الوافر
ويا ابنَ الضَّاربين بكُلِّ عَضْبٍ ... من العَرَبِ الأسافِلَ والقِلاَلاَ
قال: القلال جمع قلة؛ وهي أعلى الرأس. وجعلهم يضربون الأسافل؛ لأنهم إذا ضربوا الفارس في قلة رأسه، نزل السيف إلى أسفل جسده!
(3/125)

وأقول: انظر إلى هذا التفسير العجيب، والتقدير الغريب!
وأقول: إن قوله:
. . . . . . . . . ... من العَرَبِ الأسَافِلَ والقِلاَلاَ
تفضيلا له على غيره من العرب؛ وذلك أن العرب تضرب الأسافل والقلال من الإبل، وهذا يضرب الاسافل والقلال من العرب. ولهذا خصص العرب بالذكر، وإلا كان قال: من الناس، فوصفه بضربه من العرب الذي يوصفون بضربه من الإبل.
وقوله: الكامل
حَدَقٌ يُذِمُّ من القَواتِلِ غَيْرها ... بدرُ بنُ عَمَّارِ بن إسْمَاعِيلاَ
قال: زعم أن الممدوح يذم؛ أي: يعطي الذمة، من كل القواتل، إلا من هذه العيون! وقد افرط في صفة العيون بتمكنها من القتل، إلا إنه جعل الممدوح لا يستطيع أن يمنعهن من القتل!
وأقول: كأنه أنكر جعل الممدوح لا يذم من حدق الغواني القواتل، وليس في ذلك إنكار، ولا يلحقه بذلك عار، لأن الممدوح إنما يذم من أهل البأس والنجدة، وممن يقاتل ويقتل بسلاح، وحدق العيون لسن كذلك.
(3/126)

وقوله: الكامل
أعْدَى الزَّمَّانَ سَخَاؤهُ فَسَخَا بهِ ... ولقد يكونُ به الزَّمانُ بَخِيلاَ
ذكر فيه قول ابن جني وقد نسب فيه إلى الإحالة.
وأقول: والجيد في قوله: فسخا به أي: فسخا به علي، بأن اتصلت به، وانضممت إليه.
أو يكون: فسخا به أي: ابقاه، ويكون قوله:
. . . . . . . . . ... ولقد يكونُ به الزَّمَانُ بَخِيلاَ
من قول أبي تمام: الطويل
عليكَ سَلامُ الله وقْفاً فإنَّني ... رأيتُ الكرِيمَ الحُرَّ ليسَ له عُمْرُ
وكقوله:
. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . .
وقوله: الكامل
لو طَابَ مَوْلِدُ كُلِّ حَيٍّ مثلَهُ ... وَلَدَ النِّسَاءُ وما لهنَّ قَوَابِلُ
(3/127)

قال: نصب (مثله) على تقدير قوله: لو طاب مولد كل حي طيبا مثل طيب مولد هذا الممدوح لولد النساء ولا قوابل لهن لأن أمرهن كان يتيسر. وهذا الكلام يؤدي إلى أن الممدوح ادعى له الشاعر إنه لما ولد لم يحتج إلى قابلة!
فيقال: بلى ولد بقابلة، إلا أن القابلة وجدته متيسر الولادة، طيبا، طاهرا، فلو علم منه ذلك قبل القبول لما احتيج إليها، ولو طاب مولد كل حي طيب مولده في الطهارة والتيسير؛ لما احتاجت النساء إلى قوابل ييسرن امرهن، ويقيهن الخبث والتنجيس.
وقوله: الكامل
مَنْ لي بِفَهْم أُهَيْلِ يَدَّعِي ... أنْ يَحْسُبَ الهنديَّ فيهم بَاقِلُ
قضية باقل مشهورة بالظبي الذي اشتراه وتسييبه، وقد سئل عن ثمنه، برفع أصابعه وإخراج لسانه عبارة عن (أحد عشر).
قال: باقل لم يؤت من سوء الحساب، وإنما أتى من سوء العبارة! ولو قال: أن يفحم الخطباء فيهم باقل، ونحوه، لكان أسوغ.
وأقول: وهذا نقل قول ابن جني! وقد أجيب عن هذا بأنه من جانب الحساب
(3/128)

أيضا؛ لأنه كان يقدر على أن يمسك الظبي بإحدى يديه، ويعقد الثمن بالأخرى عقد الحساب.
وقوله: المنسرح
فَصِرْتُ كالسَّيف حَامِداً يَدَهُ ... ما يَحْمَدُ السَّيْفُ كلَّ من حَمَلَهْ
قال: المعنى: إن يد الممدوح يد شجاع، وأنا سيف ماض، فهي تحمدني، وأنا أحمدها. واستعار الحمد للسيف الذي يضرب به، وإنما يعني شعره.
وأقول: إن قوله: وأنا سيف ماض فهي تحمدني يعني يده، وأنا أحمدها ليس في الكلام ما يدل على أن يده تحمدني، وإنما المعنى أني صرت كالسيف في حمده يده؛ لأن السيف يحمد يده على جودة الضرب، وأنا احمدها على جودة العطاء!
وقوله: البسيط
قالَ الزَّمَانُ له قَوْلاً فأفْهَمَهُ ... إنَّ الزَّمَانَ على الإمْسَاكِ عَذَّالُ
(3/129)

قال: الهاء في (فافهمه) و (له) عائدة على (الكسوب) - يعني في قوله: البسيط
. . . . . . . . . ... ولا كَسُوبٌ بغَيْرِ السَّيفِ سَآّلُ
والمراد إن أكرم الناس هو الذي يتعب في جمع المال، ويطلبه بالسيف، ثم يهبه بعد ذلك
وأقول: إن التفسير هذا كان ينبغي أن يكون للبيت الذي قبله وهو من: البسيط
لا وارِثٌ جَهِلَت يمناهُ ما وَهَبَتْ ... ولا كَسُوبٌ بغير السَّيْفِ سَآّلُ
وهو من قول ابن الرومي: الوافر
وما في الأرْضِ أكرَمُ من جَوادٍ ... وإنْ أعْطَى القَليلَ من النَّوَالِ
وذلكَ إنه أعْطَاك مِمَّا ... تَفِيءُ عليه أطرافُ العَوَالي
وقوله: البسيط
تَدْري القَنَاةُ إذا اهْتَزَّتْ بَراحتِهِ ... أنَّ الشَّقِيَّ بها خَيْلٌ وأبْطَالُ
قال: ادعى للقناة الدراية بما يفعله الفارس، التي هي معه، وهذا مدح للقناة، ليس للفارس به فضيلة!
(3/130)

وأقول: إن المدح، وإن كان للقناة مجازا، إلا إنه للفارس حقيقة، لأنها إنما فعلت ذلك به لكونها في يده، وهو الطاعن بها، فعلى قوله هذا: إذا قيل: السيف يدري إنه يضرب رقاب الأعداء في يد زيد، والفضل يدري إنه يكسب المحامد في صحبة عمرو، وأن لا يكون لزيد ولا لعمرو فضيلة! وهذا لا يقوله محصل، وإنما استعار الدراية هنا للقناة، لأنه جعلها بمنزلة من قد علم ذلك بطول الصحبة وجري العادة. وهذا من احسن الاستعارات والطف المجازات.
وقوله: البسيط
أمْضَى الفَريقين في أعْدائِهِ ظُبَةً ... والبِيضُ هَادِيةٌ والسُّمْرُ ضُلاَّلُ
قال: قوله والبيض هادية أي: يهتدى بها في ظلم النقع، لأن النهار قد استتر بالغبار. واستعار الضلال للرماح. وهو يحتمل إنها تغيبت في النقع، فهي كالضالة فيه. ويمكن أن يعني بقوله ضلال أي: إنها لا يطعن بها؛ لأن القوم قد دنا بعضهم من بعض، فهم يتضاربون بالسيوف، فكأن الرماح ضالة طريقها.
وأقول: إن قوله:
. . . . . . . . . ... والبِيضُ هاديةٌ والسُّمْرُ ضُلاَّلُ
حال من الضمير في قوله: أمضى؛ كأنه قال: الممدوح أمضى الفريقين ظبة في حال
(3/131)

اجتمع فيها حالتان متضادتان وهما: هداية السيوف بضوئها، وضلال الرماح في ظلم الأجوف بالطعن، لا ظلام النقع كما قال! لأنه قد انجلى بضوء السيوف. وقول أبي الطيب بضد قول ابن دريد: الرجز
يُرِي المَنُونَ وهي تَقْفُو إثْرَهُ ... في ظُلَمِ الأكْبَادِ سُبْلاً لا تُرَى
وقوله: البسيط
عليهِ منهُ سَرابيلٌ مضاعَفَةٌ ... وقد كَفَاهُ من الماذِيِّ سِرْبَالُ
قال: يقول: على الممدوح سرابيل من الحمد كثيرة، وقد كفاه سربال واحد من الماذي.
وأقول: إن هذا تفسير الشيء بنفسه، كما تقول لغيرك: ما الإنسان؟ فيقول: الإنسان! أو تقول له: ما الجوهر أو العرض؟ فيعيد اللفظ الذي سألته عنه، وأردت تفسيره منه!
وأقول: المعنى إن الحمد سربال الجود، والماذي سربال البأس، وكان يكفيه من سرابيل الحمد الكثيرة عليه سربال واحد من البأس لاشتهاره به وتقدمه فيه، وإنما أراد أن يجمع بينهما.
(3/132)

وقوله: الكامل
لو أنَّ فَنَّا خُسْرَ صَبَّحكُمْ ... وبَرَزْتِ وَحْدَكِ عَاقَهُ الغَزَلُ
قال: ما أحسن ما كنى عن الانهزام بقوله: عاقه الغزل!
وأقول: وهو قول ابن جني!
وأقول: لم يرد بقوله: عاقه الغزل الانهزام؛ وإنما أراد العشق والافتتان. ويدل على ذلك قوله فيما قبل: الكامل
. . . . . . . . . ... بَدَوِيَّةٌ فُتِنَتْ بها الحِلَلُ
أي: قد بلغ من حسن هذه المرأة البدوية، إلى أن عضد الدولة، مع علو قدره، ووفور عقله، ورصانة حلمه، واحتقاره للشيء النفيس، لو صبح حيها مغيرا عليه أو ضيفا له لعاقه الغزل؛ أي: لشغله الهوى، عما جاء بصدده، ولرغب عن الجيوش والملك حبا لها، وشغفا بها، وليس في هذا توهين لعضد الدولة الممدوح، ولا غض منه، ولا إزراء به؛ بل في ذلك إخبار عن جلالة حسن هذه المرأة بجلالة قدر الصابي إليها، المفتتن بها، وعلو شأنه، وعظم ملكه. وهذا مثل قول
النابغة - وهو
(3/133)

مذهب العرب، وقصدهم فيه المبالغة -: الكامل
لو أنَّها عَرَضَتْ لأَِشْمَطَ رَاهِبٍ ... عَبَدَ الإلهَ صَرُورةٍ مُتَعَبِّدِ
لصَبَا لِبَهْجَتِهَا وحُسْنِ حَدِيثها ... ولخَالَهُ رَشَداً وإنْ لَمْ تَرْشُدِ
وقوله: الرجز
لو جَذَب الزَّرَّادُ من أذْيَالي
مَخَيَّراً لي صَنْعَتي سِرْبَالي
ما سُمْتُهُ سَرْدَ سِوَى سِرْوَالِ
قال: يقول: لو أن الزراد خيرني فقال: ما تريد ان اصنع لك من اللباس لم اسمه سوى سروال من زرد لأن لي درعا ومغفرا.
وأقول: هذا قوله. وهو قول المعري.
(3/134)

وقال: قال أبو الفتح: لو عرض علي الزراد صنعتين من الدرع، مخيرا لي بينهما، لما طلبت منه أن يصنع لي إلا سراويل من حديد تحصن عورتي، ولا أبالي، بعد ذلك، بانحسار سائر جسدي.
وأقول: القول قول أبي الفتح، إذا وضع موضع: تحصن عورتي تحصن فرجي لأن ذلك، والمستعمل في كلام العرب، وكلام الله تعالى، إذا أريد العفة. وفي هذا التفسير وصفه نفسه بالعفة والشجاعة، وإشارة إلى قوله: الطويل
ولا عِفَّةٌ في سَيْفِهِ وسِنَانِهِ ... ولكنَّها في الكَفِّ والفَرْجِ والفَمِ
وقوله: الطويل
وَفَاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... بأن تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمُهْ
أقول: إن هذا البيت قد قدر تقديرات كثيرة، وقيل فيه أقوال مختلفة. والصحيح التقدير فيه: إنه كان يخاطب صاحبيه، فقال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدمع كالربع، فالربع أشجاه طاسمه، والدمع أشفاه ساجمه، فحذف الربع الثاني لدلالة الأول عليه،
وذلك إنه قدّر أن صاحبيه كانا قد عاهداه على ان يسعدا بالبكاء على الربع،
(3/135)

فقال لهما: لا أعد وفاءكما بالدمع وفاء، إلا أن يكون على قدر حال الربع، فالربع أشجاه طاسمه، فينبغي أن يكون الدمع أشفاه ساجمه؛ أي: يكون الدمع في سجومه على قدر الربع في دروسه، وذلك بمنزلة رجل له صاحب وعده بان يسعده بالجاه على البر فقال له: وفاؤك بأن تسعدني بالجاه كالبر، فالبر خيره أعجله، والجاه أفضله أسهله.
وقوله: الطويل
فقد مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ مما تُغِيرُهُ ... ومَلَّ سَوادُ اللَّيلِ مما تُزَاحِمُهْ
قال: أراد: تغير فيه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل بنفسه اختصارا وأنشد: الرجز
في سَاعةٍ يُحَبُّها الطَّعَامُ
وأقول: يحتمل أن يكون (تغيره) من الغيرة، فتعديه بالهمزة لأنك تقول: غرت أنا وأغرت غيري، أي: جعلته ذا غيرة؛ كأنه يقول: مل ضوء الصبح من كثرة ما تغيره بضوء الحديد في الغارات على الأعداء، وهذا التقدير أشبه بالقافية لأنها متعدية بنفسها فيكون (تغيره) مثل (تزاحمه).
(3/136)

وقوله: الخفيف
أينَ أزْمَعْتَ أيُّهَذا الهُمَامُ ... نحنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنْتَ الغَمامُ
قال: قوله: نحن نبت الربى إنما جاء بالربى لإقامة الوزن، ولو أمكنه أن يقول: نحن النبت وأنت الغمام لكان ذلك أعم.
قال: ويجوز أن يقال: إنما خص (الربى) لأن النبت عليها احسن من الوهد لأن السيل يصرع الشجر فيقذفه في الأودية ويلقي عليه الدمن.
وأقول: المعنى بقوله:
. . . . . . . ... نَحْنُ نبتُ الرُّبَى وأنتَ الغَمَامُ
أي: ليس لنا نفع إلا بك، ولا عطاء إلا منك، كما إن نبت الربى ليس له سقي إلا من الغمام، بخلاف نبت السهول والوهاد، فإنه يسقى من الغمام ومن غيره، ولا كذلك نبت الربى.
وقوله: الخفيف
ليتَ أنَّا إذا رَحَلْتَ لك الخيْ ... لُ، وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيامُ
(3/137)

قال: تمنى أن يكون غير مفارق له في المسير والمقام. وقد عاب بعض الناس هذا القول عليه، وقال: الخيام تكون متعالية على من فيها، فقال أبو الطيب: الوافر
لقد نَسَبُوا الخِيَامَ إلى عَلاءٍ ... . . . . . . . . .
وحجة أبي الطيب في هذا واضحة؛ لأن الخيمة إنما هي خادمة لمن يحل فيها، تصد عنه حرارة الشمس وغيرها من المؤذيات. وتلخيص معناه ليتنا نقيك الردى، ونحتمل عنك الأذى.
وأقول: إنما تمنى أن يكون بمكان الخيل، والخيام، ليقيه الأذى، من تحته، وفوقه، بعقل وفهم وشفقة وتوفية؛ لجلب المنافع، ودفع المضار، بخلاف الخيل والخيام فانهما لا يمكن فيهما ذلك.
وقوله: الطويل
ولا كُتْبَ إلا المشرفيَّةُ عنَدهُ ... ولا رُسُلٌ إلاَّ الخميسُ العَرَمْرَمُ
أقول: لو كان قال:
(3/138)

ولا كُتُبٌ إلا الصَّفائحُ عندَهُ ... . . . . . . . . .
لكان أعدل لألفاظه؛ لأن (كتب) تقابل (رسل) وتوازيها بالحروف والحركات، من غير إخلال بالمعنى، وتكون قد جاءت على أصلها لأن جمع (فعال): فعل.
وقوله: الطويل
وَهُنَّ مَعَ الغِزلانِ في الوَادِ كُمَّنٌ ... وَهُنَّ مع العِقْبَانِ في النِّيقِ حُوَّمُ
قال: كثر (الوادي) في كلامهم حتى حذفوا منه الياء، والأجود إثباتها مع الألف واللام كقول سحيم: الطويل
ألا أيُّهَا الوَادي الذي ضَمَّ سَيْلُهُ ... إلينَا نَوَى الحَسْنَاءِ حُيِّيتَ وادِيَا
وأقول: إن حذف الياء من الوادي هاهنا أحسن، من اثباتها؛ ليقابل بين (الواد) و (النيق) كما قابل بين (الغزلان) و (العقبان) و (كمن) و (حوم)، ومثل ذلك مجيئه في الفواصل كقوله تعالى: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البْلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) وإنما حذفت لأجل السجع، وإن كانت الفواصل كالقوافي، يجوز فيها ما لا يجوز في حشو البيت. إلا أنهم قد يعنون بتحسين الالفاظ، كما يعنون بتحسين المعاني. وذلك إنما يكون في ازدواج ألفاظ، أو في سجع، كقولهم: (الغدايا والعشايا) و: ارجعن مأزورات غير مأجورات وقولهم: شهر ثري وشهر ترى والمقابلة والموازنة بهذه المثابة لأن فيها تحسين الألفاظ.
(3/139)

وقوله: البسيط
إذَا رأيتَ نيوبَ اللَّيثِ بارزةً ... فلا تَظُنَّنَّ أنَّ اللَّيْثَ مُبتَسِمُ
قال: يقول لسيف الدولة: إذا الليث أبدى نيوبه؛ فليس ذلك تبسما، وإنما ذلك إرادة الصولة.
قال: وهذا نقيض ما زعمه الفرزدق في وصف الذئب، لما رفع ناره، فجاءه يلتمس عنده الخير في قوله: الطويل
فقلتُ له لما تَبَّسمَ ضاحِكاً ... وقائمُ سَيْفي من يَدِي بِمَكَانِ
وأقول: إن قول أبي الطيب مثل قول الفرزدق، وليس نقيضه! وذلك أن الذئب لما كشر للفرزدق عن أنيابه، شبهه بالمتبسم ضاحكا، وإن لم يكن كذلك، لأن الضحك من خواص الإنسان ولهذا قال:
. . . . . . . ... وقائمُ سَيْفي من يَدِي بِمكانِ
خيفة غدره وأذاه، فهذا مثل قوله فليس ذلك تبسما؛ إنما هو للصولة، فقد اتفقا في المعنى، وإن اختلفا في اللفظ. وهذا من قول عنترة: الكامل
. . . . . . . . . ... أبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ
(3/140)

وقوله: البسيط
رِجْلاهُ في الرَّكْضِ رِجْلٌ واليَدَانِ يَدٌ ... وفِعْلُهُ ما تُرِيدُ الكَفُّ والقَدَمُ
قال: معناه: ما تريد كف راكبه وقدمه؛ أي: هو جواد مؤدب، فإذا قصر عنانه قصر في الجري، وإذا أرخى له العنان، بذل ما يريد الراكب من الجري. وكذلك إن حرك الفارس قدمه عليه ليمتري حضره فانه يسمح بما يرضيه.
وأقول: إنما فسر هذا، نظرا إلى قول امرئ القيس: الطويل
فللزَّجْرِ ألْهُوبٌ وللسَّاق دِرَّةٌ ... . . . . . . . . .
وقد أخذته عليه امرأته أم جندب.
وقال الواحدي: () معنى قوله:
. . . . . . . . . . . . ... وفِعْلُهُ ما تريد الكَفُّ والقَدَمُ
أي: يستغني عن تحريك اليد بالسوط، والرجل بالحث.
وكأن قول التبريزي اقرب إلى الحقيقة من قول الواحدي؛ لأن الإرادة، إنما تتعلق بالفعل، لا بالترك. وقول الواحدي يتعلق بالترك؛ لأن اليد تريد أن لا تتحرك بالسوط، والرجل أن لا تتحرك بالحث. وهو مع ذلك جائز حسن لأنه مجاز واستعارة، والمجاز في الشعر أحسن من الحقيقة.
(3/141)

وقوله: البسيط
صَحِبْتُ في الفَلواتِ الوَحْشَ منفرداً ... حتَّى تَعَجَّبَ منِّي القُورُ والأكَمُ
إن قيل: لم قال: القور والاكم وهما بمعنى واحد؟ وهلاّ قال: الوهد والاكم ليختلف
المعنى، فيكون أحسن في اللفظ، وأعم في الفائدة؟
فيقال: إنما خص القور والاكم للمناسبة التي بينها وبينه في الارتفاع والجلد والصلابة، ولأن ذا الشرف، والمجد، والحلم، والصبر، يشبه بالجبل، ولا يشبه بالوهد وما انخفض من الأرض. فلهذا خصها بالذكر دون أضدادها.
وقوله: البسيط
إذَا تَرَحَّلْتَ عن قَوْمٍ وقد قَدَرُوا ... أنْ لا تُفَارِقَهُمْ فالراحلون هُمُ
قال: قال أبو العلاء: هذه دعوى كغيرها. وإنما غرضه إن الرجل، إذا فارق أناسا وقد ظنوا إنه غير مفارق لهم أسفوا له فكأنهم راحلون.
وأقول في قوله: فارق أناسا وقد ظنوا إنه غير مفارق: إن هذا ظن فاسد إلا أن يريد: غير مفارق لهم بالمودة.
(3/142)

وقوله: أسفوا له فكأنهم راحلون.
فيقال: ولم خص الأسف بالراحلين دون المقيمين؟
والمعنى إنك إذا رحلت عن قوم وهم قادرون على أن لا تفارقهم بإحسانهم إليك، وكف الأذى عنك، ثم الأذى عنك، ثم لم يفعلوا فهم الراحلون؛ أي: المقاطعون؛ لأن الرحيل مقاطعة؛ أي: هم ألجأوك إلى الرحيل فكأنهم فعلوا الرحيل.
وقوله: البسيط
بأيِّ لَفْظٍ تَقُولُ الشِّعْرَ زِعْنِفَةٌ ... تجوزُ عِندَكَ لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ
قال: قوله: لا عرب ولا عجم أي: ليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم لفصاحة العرب.
وأقول: إن قوله:
. . . . . . . . . زِعْنِفَةٌ ... . . . لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ
أي: خسيس مجهول في القبيلين؛ أي: وضيع في النفس والنسب.
وقوله: الطويل
إذَا كانَ ما تَنْويهِ فِعْلاً مُضَارعاً ... مَضَى قبلَ أن تُلْقَى عليه الجَوازِمُ
(3/143)

قال: كأنه إذا جرى في نفسه، أن يقتل عدوا قتله، من قبل أن يقول قائل: لم يقتله.
وأقول: إنه لم يبين ما سبب ذلك. والمعنى، إنه يجعل ذلك ماضيا. أما كان عطاء فإنه لا يتردد فيه، ويؤامر نفسه بخلا. وأما أن يكون إقداما، فإنه لا يتوقف فيه، ويؤخره جبنا، بل إذا نواه أمضاه عاجلا، جواد كان أو بأسا فيقال: فعل قبل أن يقال لم يفعل. ويحتمل أن يكون في ذلك إشارة إلى سعادته.
وقوله: الطويل
وقد حلكَمُوهَا والمَنايَا حَوَاكِمٌ ... فمَا مَاتَ مَظْلومٌ ولا عاشَ ظالِمُ
قال: أي: لما ظلموا، وعتوا بقصدهم هدمها، أهلكهم الله، وسلّم سيف الدولة وأصحابه.
وأقول: إن المحاكمة، إنما وقعت بين الروم وبين الحدث، إلى المنايا. وكنى بها عن الحروب أو عن السيوف والرماح. فالمظلوم هو الحدث، والظالم هم الروم، فعاش المظلوم بسيوف الدولة ومات الظالم، فهذا هو المعنى لا قوله: فأهلكهم الله وسلّم سيف الدولة وأصحابه.
(3/144)

وقوله: الطويل
بِضَرْبٍ أتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غَائِبٌ ... وصَارَ إلى اللّبَّاتِ والنَّصْرُ قَادِمُ
قال: يقول: إذا ضربت عدوك، وصار السيف إلى رأسه، لم تعد ذلك نصرا، ولا ظفرا. فإذا فلق السيف رأسه، وصار إلى لبته؛ فحينئذ يكون ذلك عندك نصرا، ولا يرضيك ما دونه.
وهذا قول ابن جني أيضا!
وأقول: إن قوله:
بِضَرْبٍ أتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غائبٌ ... . . . . . . . . .
أي: غائب عنك، وعن أعدائك. وفي هذا إخبار عن اشتداد الأمر في الحرب، وإنه كان له فيها، مثلما عليه. ويدل على ذلك قوله قبل: الطويل
وَقَفْتَ وما في المَوْتِ شكٌّ لواقِفٍ ... . . . . . . . . .
وقوله:
. . . . . . . . . . . . ... وصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنَّصْرُ قادِمُ
أي: لما فلقت السيوف الجماجم، تبين بذلك النصر، وإن الظفر لك.
(3/145)

وأقول: إنه لا يمكن أحد أن يعبر عن شدة أمر الحرب، والتباسه على الفريقين، بأحسن من هذه العبارة!
وقوله: الطويل
أَيُنْكِرُ رِيحَ اللَّيْثِ حَتَّى يّذٌوَقَهُ ... وقد عَرَفَتْ رِيحَ اللُّيوثِ البهائِمُ
قال: يقول: ألم يشم هذا الدمستق رائحة الليث، فيعلم إنه إن وقف فرسه؛ فقلة فطنته تمنعه من أن يهرب حتى يذوقه الليث؛ فعند ذلك يفر. والبهائم إذا وجدت رائحة الأسد فرت منه؛ أي: لو كان حازما، لكفاه ما سمعه من شجاعتك عن ملابستك.
وأقول: إن قوله: ألم يشم هذا الدمستق رائحة الليث وقوله: حتى يذوقه الليث ليس بشيء! وإنما معناه: ألم يعلم خبرك في الشجاعة، وهو مشهور فلا يقدم عليك ويسلم؟ وضرب مثلا بالأسد والبهائم، وإنها مع جهلها، تعرف الأسد برائحته فتتقيه، فأنت أسوأ حالا من البهائم، مع إنك إنسان، إذ لم تعرف خبر سيف الدولة فتتقيه. والهاء في (يذوقه) راجعة إلى الدمستق؛ أي: تخبره وتلابسه.
وقوله: الطويل
تَغُرُّ حَلاوَاتُ النفوس قُلُوبَهَا ... فَتَخْتَارُ بَعْضَ العَيْشِ وهو حِمَامُ
(3/146)

قال: قلوبها أي: قلوب النفوس فتختار الهرب خوف القتل، وهو كالقتل.
وأقول: إن قوله: فتختار الهرب لم يرده وإنما أراد: فتختار الذل بطلب الهدنة، وقد فسره بالبيت الذي بعده.
وقوله: البسيط
أبْدَيْتِ مثلَ الذي أبْدَيْتُ من جَزَعٍ ... ولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ
قال: وصفها بصحة الوفاء في أول الأبيات - يعني قوله: البسيط
تَبَسَّمَتْ عن وفاءٍ غير مُنْصَدِعٍ ... . . . . . . . . .
ثم نقض ذلك بقوله: إنها أبدت مثل الذي أبداه من الجزع، ولم تخف كما أخفاه من الألم.
وأقول: إن ذلك ليس بنقض للأول؛ لأن المها إذا كان دون ألمه، فقد أتمت على الجملة. وإذا ألمت فقد وفت، والعاشق لا بد أن يكون توجعه بالفراق أكثر من توجع المعشوق، وكذلك جميع أحواله في الهوى، ولو تساويا في ذلك، لكان العاشق معشوقا،
(3/147)

ولكان كما قال في البيت الذي يليه: البسيط
إذاً لَبَزَّكِ ثَوْبَ الحُسْنِ أصْغَرُهُ ... وصِرْتِ مثلِيَ في ثَوْبينِ من سَقَمِ
وقوله: البسيط
وكلَّما نُطِحَتْ تحت العَجَاجِ به ... أُسْدُ الكتَائبِ رَامَتْهُ ولم يَرِمِ
قال: ليس النطح مما يليق بذكر الأسد، وكان الأولى أن يقول: وكلما صدمت أو رميت أو نحو ذلك، فيما يليق بعضه ببعض.
وأقول: إنه إنما قال: نطحت. . . به أسد الكتائب ليغرب في الاستعارة، فجعل الأسد تنطح، إشارة إلى أن هذه أسد، ليست كالأسد المعروفة، إيماء إلى إنها رجال في أيديها رماح تنطح بها، بمنزلة النطح بالقرون، وهذا ينظر إلى قوله: البسيط
فما تَرَكْنَ بها خُلْداً له بَصَرٌ ... تحت التُّراب ولا بازاً لَهُ قَدَمُ
وقوله: الطويل
ونَكْهَتُهَا والمَنْدِليُّ وقهوةٌ ... مُعَتَّقَةٌ صَهْبَاءُ في الرِّيح والطَّعْمِ
(3/148)

ذكر التبريزي في هذا البيت، إن أبا الطيب ذكر فيه ثلاثة أشياء، وأخبر إنها قد تساوت في شيئين؛ في الريح والطعم، ولم تتساو إلا في شيء واحد وهو الريح، فأما الطعم فلم تتساو فيه، لأن النكهة؛ رائحة الفم، ليس لها طعم، والمندلي: العود؛ ليس بطيب الطعم لأنه مر.
وأقول: إنه لو كان وضع موضع نكهتها ريقتها، لكان تساوى منها شيئان في الطعم، وهما الريقة والخمر، وجاز الإخبار عن الثلاثة بالتساوي، لتساويها في الريح، وتساوي شيئين منها في الطعم. ويكون مثل قوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وإن كان من أحدهما.
وقوله: الطويل
مُقَلَّدُ طَاغي الشَّفرتين محكَّمٌ ... على الهَامِ إلاَّ إنه جَائِرُ الحُكْمِ
قال: يريد أن شفرتيه قد طغت في قتل الناس.
قال: وكل شيء زاد وزيادته مؤدية إلى هلكه فهو طاغ. وادعى أن سيفه محكم على الهام، وهو، مع ذلك، جائر في الحكومة، وإنما ينبغي أن يحكم المنصف. وهذا اللفظ يحتمله الشعر، ولا حكم للسيف، وإنما هو لمن يضرب به.
(3/149)

وأقول: إنه لم يفهم المعنى!
يقول: أن شفرتيه قد طغتا في قتل الناس! وإنما طغيانهما هاهنا في المضاء والقطع لا في القتل. ولهذا وصفه بأنه جائر في الحكم، وفي البيت الثاني بأنه متحرج عن حقن الدماء؛ أي: لا بد له من اراقتها، وان يطير الرؤوس عن الأجسام. وكل هذا صفة له بالمضاء والحدة. فينبغي أن يفسر بهذا طغيان شفرتيه
وجوره في الحكم، لا بقتل من لا يستحق القتل. والذي يدل على ذلك قوله فيما بعد: الطويل
وَجَدْنَا ابنَ إسحاقَ الحُسَيْنَ كَجَدِّهِ ... على كَثْرَةِ القَتْلَى بريئاً من الإثْمِ
وقوله: الوافر
وخَيْلِ لا يَخِرُّ لها طَعِينٌ ... كأنَّ قَنَا فوارِسِهَا ثُمامُ
قال: قوله: وخيل أن أراد بعض الخيل فهو صادق في ذلك؛ فإن كثيرا من الملوك تجري خيولهم في الميادين، وتلعب فرسانها بالرماح، المدة الطويلة، ولا يكون جرح ولا قتل.
(3/150)

وأقول: إن قوله: وخيل عطف على قوله: بأجسام، وهي راجعة إلى قوله: الوافر
أرانبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌ ... . . . . . . . . .
والمعنى، إنه وصف هؤلاء الملوك بالتغفل والتواني، وترك التيقظ. ثم وصفهم بالنهم وكثرة الاكل، وأنهم لا تقتلهم الأقران بالطعان، وإنما يقتلهم الإمعان في الطعام، ثم وصفهم وأصحابهم بالضعف، وكنى عنه بضعف رماحهم، وإنها ليست قنا في الصلابة التي تنكت الأقران، وإنما هي من ثمام. فهذا ترتيب معاني هذه الأبيات.
وقوله: الوافر
ولو حِيزَ الحِفَاظُ بغَيْرِ عَقْلٍ ... تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسَامُ
قال: هذا البيت متصل بما قبله.
يقول: الناس لا عقول لهم، وإنما يؤدي إلى حفظ المودة عقل الإنسان، وابن آدم كالسيف، لا عقل له صحيح، فكيف يعتمد جميل الأفعال؟
وأقول: إنه لم يعبر عن المعنى بعبارة له مستوفية، وفية شافية. وهذا البيت - كما ذكر - متصل بما قبله، والتقدير: كأنه يقول: أنت ليس لك صديق إلا نفسك، فلا
تثق بمودة من ترى من هؤلاء الناس بإحسانك إليه، ونفعك له، ولا تأمن أذاه، ولا ترج حفاظه
(3/151)

وهو غير عاقل، فإنك وإياه بمنزلة الصيقل والسيف في صقله وإرهاف حده؛ فانه مع ذلك لا يتجنب عنقه؛ لأنه لا عقل له. وقوله: الطويل
ولا جُرْجُهُ يُؤسَى ولا غَوْرُهُ يُرَى ... ولا حَدُّهُ يَنْبُو ولا يَتَثَلَّمُ
قال: هو في البيت الأول مثبت في المعنى لما نفاه في اللفظ، ومتجاوز له في اللفظ والوصف. وهو في البيت الثاني ناف في اللفظ والمعنى جميعا.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! وهو قول الواحدي، وقد ذكرته في شرحه.
وقوله: الطويل
ولا يَشْتَهِي يَبْقَى وتَفْنَى هِبَاتُهُ ... ولا تَسْلَمُ الأعداءُ منه ويَسْلَمُ
(3/152)

قال: أي لا يشتهي هذا الممدوح أن يسلم ويسلم أعداؤه، ولكن يريد أن يسلم هو في نفسه ويهلك أعداؤه!
تأمل هذا التفسير الذي لا يقوله بصير! وكأنه قد التزم أن لا يصيب معنى فيه أدنى إشكال!
والمعنى في قوله:
. . . . . . . . . ... ولا يَسْلَمُ الأعداءُ منه ويَسْلَمُ
أي: لا يريد مسالمتهم، وموادعتهم، ضعفا وجبنا وخوفا منهم، وكراهة للقتال. وقد اخبر بهذا القول في عجز البيت، عن شجاعته، كما اخبر في صدره عن سماحته.
وقوله: الطويل
إلى اليَوْمِ ما حَطَّ العِداءُ سُروجَهُ ... مُذُ الغَزْوُ سَارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ
قال: الغزو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: مذ الغزو كائن، أو واقع.
وأقول: وهذا ليس بشيء! والكلام تام لا يحتاج إلى تقدير محذوف. وقد ذكرته في شرح الواحدي.
(3/153)

وقال: الخفيف
لَيْلُهَا صُبْحُهَا من النَّارِ والإصْ ... باحُ لَيْلٌ من الدُّخَانِ تِمَامُ
قال: يعني انهم يوقدون النيران بالليل لقرى الضيفان، فالليل كأنه صبح لزوال الظلام.
وقوله: والإصباح ليل يحتمل وجهين:
أحدهما: انهم يوقدون النار بالنهار أيضا، لأن قراهم لا ينقطع في ليل ولا نهار، فدخان النار يستر ضياء الشمس.
والآخر: أنهم يعقرون في النهار ويحاربون، فيزول نور النهار لأجل الغبار.
وأقول: إن الوجه الثاني الذي ذكره في قوله: والإصباح ليل من الدخان ليس بشيء! لأنه لا دليل عليه من لفظ البيت ولا من مفهومه. ولو أراد الحرب لقال: ليل من العجاج أو الغبار والوجه الصحيح هو الأول.
وقوله: الخفيف
ونُفُوسٌ إذا انْبَرَتْ لقتالٍ ... نَفِدَتْ قبلَ ينفَذُ الإقدامُ
(3/154)

قال: إذا انبرت لقتال أنفدتها الحرب وإقدامها لم ينفد.
وأقول: هكذا قال أبو الطيب، فكلا القولين يحتاج إلى تفسير. وقد ذكرته قبل.
وقوله: الطويل
ولم تُسْلِها إلاَّ المنَايَا وإنما ... أشَدُّ من السُّقْمِ الذي أذْهَبَ السُّقْمَا
لم يذكر معنى هذا البيت! وهو أن جدته كانت سقيمة بسبب شوقها إليه، فجاءها ما أسلاها عنه، وهو الموت، فذهب السقم بما هو اعظم منه وهو الموت. وهذا مثل قولهم: هذا أعظم من الحرش! ومثل قوله بعده: الطويل
وكنتُ قُبَيْلَ المَوْت أسْتَعْظِمُ النَّوَى ... فَقَدْ صَارتِ الصُّغْرَى التي كانت العُظْمَى
وقوله: الطويل
وإنِّي لِمَنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفُوسَنَا ... بهَا أَنَفٌ أنْ تَسْكُنَ اللَّحْمَ والعَظْمَا
(3/155)

قال: كأنه أراد بهذا القول: نؤثر القتل؛ لأن نفوسنا تأنف أن تسكن اللحم والعظم.
وأقول: إن هذه العبارة ناقصة، قاصرة عن المعنى، وهو: أنّا لكثرة ما نتعرض للقتل، بإلقاء نفوسنا في الحرب، ولا نشفق عليها من الموت، كأن نفوسنا تأنف أن تسكن أجسامنا المركبّة من اللحم والعظم أو أراد أنهم من الملائكة، لا من الناس؛ فأنفسهم تأنف من سكنى الأجسام المركبّة من اللحم والعظم.
وقوله: الطويل
ويَبْسِمْنَ عن غُرٍّ تَقَلَّدْنَ مِثْلَهُ ... كأنَّ التَّراقي وُشِّحَتْ بالمبَاسِمِ
قال: إنما عدل عن الدر إلى الغر؛ لأن الدرة ربما كانت عظيمة لا يحسن أن تشبه بها السن.
وأقول: إن كان عدل عنه لذلك؛ فإنه قد وقع فيه! لأن الغر هنا صفة للدر، ولهذا قال: تقلدن مثله؛ أي درا مثله؛ ثم قال:
. . . . . . . . . ... كأنَّ التَّراقي وُشِّحَتْ بالمبَاسِمِ
(3/156)

فحقق إنها در؛ لأن العقود المتوشح بها لا تكون إلا درا. على إنه قد روي: ويبسمن عن در وإنما في غر زيادة الوصف.
وقوله: الطويل
تَمُرُّ عليه الشمسُ وهي ضَعِيفَةٌ ... تُطَالِعُهُ من بين رِيشِ القَشَاعِمِ
قال: يقول: إن الجيش ارتفع غباره، فالشمس لا تصل إليه، إلا أن تدخله من بين ريش القشاعم.
وأقول: وكذلك إذا لم يرتفع غباره؛ فان الشمس لا تدخله إلا من بين ريش القشاعم! وضعف الشمس هنا ما هو لكثرة الغبار، وإنما هو لكثرة الطير التي قد حجبت بين الجيش وبينها، فربما نزل من فرجها ضوء، فتدور على البيض، مثل
الدراهم ولو كان من ارتفاع لما كان كذلك. وقد جعل أبو الطيب ضوء الشمس النازل من خلل الأشجار في مكان آخر بمنزلة الدنانير، وهو قوله: الوافر
وألْقَى الشَّرقُ في ثيابي ... دَنَانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ
(3/157)

وقوله: الكامل
والناسُ قد نَبَذُوا الحِفاظَ فُمْطَلقٌ ... يَنْسَى الذي يُولَى وعَافٍ يَنْدَمُ
قال: عاف من العفو عن الإساءة، يندم لأن ضنيعه لم يشكر. وعلى كل حال فالندم على فعل الجميل، غير مستحسن.
وأقول: المعنى قد ذكرته فيما تقدم.
وقوله: الطويل
وقد وَصَل المُهْرُ الذي فوقَ فَخْذِهِ ... من اسْمِكَ ما في كُلِّ عُنْقٍ ومِعْصَمِ
قال: أي أنت مالك كل حي، فرسا كان أو إنسانا.
وأقول: ليس هذا تفسير هذا البيت. بل هو تفسير البيت الذي يليه! وإنما تفسيره، أن هذا الفرس في فخذه سمة بالنار، يعرف بها لك، كما إن في كل عنق
(3/158)

ومعصم سمة من جميلك يعرف بها لك، فكلا السمتين يدل على الملك؛ إلا أن هذه سمة بنار، وهي للدواب، وهذه سمة بغير نار وهي للناس.
وقوله: الوافر
مَلُومُكُمَا يَجِلُّ عن المَلامِ ... وَوَقْعُ فَعَالهِ فَوْقَ الكَلامِ
قال: قوله:
. . . . . . . . . ... وَوَقْعُ فَعَالهِ فَوْقَ الكَلامِ
يريد إنه إذا قال قولا، اتبعه بالفعل، من غير تلبث. وليس كمن يمطل إذا وعد إنه يفعل.
وأقول: إنه لم يرد اتباع قوله بالفعل، ولا في الكلام دليل عليه. وإنما أراد إنه
يفعل أكثر مما يقول، وليس كمن يقول قولا، من وعد، أو وعيد، فيكون فعله اقل من قوله. وهذا مثل قول الآخر: الوافر
يقولُ فُيُحْسِنُ القَوْلَ ابنُ لَيْلَى ... ويَفْعَلُ فَوْقَ أحْسَنِ مَا يَقُولُ
(3/159)

وقوله: الوافر
ومَنْ يَجِدُ الطَّريق إلى المَعَالي ... فلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ
قال: من في هذا البيت معطوف على من في البيت الأول. يقول: اعجب ممن يجد طريقا إلى المعالي ولا يطلبها، حتى يذهب أسنمة الإبل.
وأقول: هذا المعنى لا يكون إلا على رواية ولا يذر بالواو، وأما برواية فلا يذر بالفاء، فيكون المعنى غير ذلك. ويجوز في قوله: ومن يجد الرفع على ما قبله، وتكون من نكرة أو بمعنى الذي. . ويحتمل أن يكون هذا البيت غير معطوف على الأول، ويكون مثلا قائما بنفسه، وتكون من للشرط ويجد مجزومة. والتقدير: ومن يجد طريقا إلى المعالي، وطريق المعالي صعبة شاقة بعيدة، فليستظهر عليها بالإبل التي لها أسنمة؛ أي: بالسمان، ليقوى على طريقها، والوصول اليها، كالابل التي تستعد للحجاز وما أشبهه من البلاد الشاقة البعيدة. وهذا مثل ضربه بذلك؛ يقول: من أراد إدراك المعالي، فليتوصل إليها بالعطايا الكثيرة، والجود الظاهر القوي.
(3/160)

وقوله: المتقارب
فذَاكَ الذي عَبَّهُ مَاؤهُ ... وذاك الذي ذَاقَهُ طَعْمُهُ
قال: يقول: هذا الهالك، إنما شرب ماء نفسه. والذي ذاق، إنما هو طعمه؛ لأنه كان يذيق عداته الموت. يقول: كأن الزمان أتى من موت فاتك بما فيه نقض للعادة، لأن الماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق.
وأقول: إنه توهم إن الهاء في عبّه وذاقه ضمير فاعل، وليس كذلك، إنما هو
ضمير المفعول والفاعل مستتر؛ كأنه قال: وذلك الشيء الذي شربه فاتك ماؤه، وذاك الشيء الذي ذاقه فاتك طعمه. وهذا البيت مرتب على البيت الذي قبله وهو: المتقارب
وإنَّ مَنِيَّتَهُ عنَدهُ ... لكَالخَمْرِ سُقِّيَهُ كَرْمُهُ
وإذا كان كذلك، فهو الشارب لما سقي، والذائق لما أطعم. فالماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق. والعادة جارية على ما هي عليه لم تنتقض.
(3/161)

وقوله: الكامل
والماءُ بين عَجَاجَتينِ مُخَلِّصٌ ... يَتَفَرَّقَانِ بهِ وَيْلتَقِيَانِ
قال: يعني عجاجة المسلمين وعجاجة الروم.
وأقول: وليس كذلك! بل العجاجتين للمسلمين؛ لا نمنعهم من عبر النهر، ومنهم من لم يعبره. فكلا الفريقين، قد أثار عجاجة، فإذا قويتا التقتا، وإذا ضعفتا خلّص بينهما النهر فافترقتا. وقد أخبر أبو الطيب أنهم قطعوه، فدل على ما قلت.
وقوله: الكامل
يَتَفَزَّعُ الجَبَّارُ من بَغَتَاتِهِ ... فَيظَلُّ في خَلَواتِهِ مُتَكَفِّنَا
قال: زعم إنه يتكفن، لأنه لا يأمن أن يأتيه من قبل الممدوح. ومما هو
(3/162)

بضد هذا الغرض، قول مسلم بن الوليد: البسيط
تراهُ في الأمنِ في دِرْعٍ مُضَاعَفَةٍ ... لا يأمَنُ الدَّهْرَ أن يُؤتَى على عَجَلِ
وأقول: إن أبا الطيب وصف الجبار بالخوف من الممدوح، ومسلما وصف الممدوح بالحزم. حتى روي، أن يزيد بن مزيد، دخل على الرشيد ذات يوم، فاستبان من تحت ثيابه درعا، فقال: ما هذا؟ قال: أردت تصديق قول مسلم يا أمير المؤمنين! وذكر البيت. والحزم هو التحفظ، والتحفظ ضرب من الخوف؛ وإذا كان كذلك فليس بين البيتين تضاد.
وقوله: الكامل
طَرِبَتْ مَرَاكِبُنَا فَخِلْنَا أنَّها ... لَوْلاَ حَيَاءٌ عاقَهَا رَقَصَتْ بنا
قال: المراكب: جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدابة ليركب فيه. ويجوز أن تسمى الدابة مركبا.
قال: وكون المركب في معنى السرج، أبلغ في هذا الموضع؛ لأن الدابة حيوان فهي أقرب إلى الرقص من الذي يركب فيه.
وأقول: إن الإغراق في المبالغة في كل موضع لا يستحسن، فوصف السروج بالطرب والحياء، والرقص، بعيد من الحقيقة. وقد جعل - هو - البعد من الحقيقة سببا للحسن، وذلك غير حسن؛ لما فيه من الإحالة. ونحن إذا وصفنا الخيل، التي هي حيوان، بذلك، كنا من الإحالة على وجل، فكيف بالسروج التي هي خشب؟!
(3/163)

وقوله: الكامل
فَطِنَ الفُؤادُ لِمَا أتيتُ على النَّوَى ... وَلِمَا تَرَكْتُ مَخَافَةً أنْ تَفْطُنَا
ذكر فيه أقوالا، غير سائغ ذكرها.
والصحيح إنه وصفه بالفطانة، وبالغ، حتى جعله بمنزلة من يعلم الغيب؛ يقول: أنت عالم بما فعلت، وما تركت على النوى، فأتيت الأفعال الحسنة، وتركت الأفعال القبيحة، خيفة أن تفطن، اتباعا لمرضاتك، وما يعجبك ويقرب منك.
وقوله: الكامل
أضْحَى فِراقُكَ لي عليه عُقُوبةً ... لَيْسَ الذي قاسيتُ منه هَيِّنَا
ذكر أيضا في تفسير هذا البيت، ما لا تتحصل منه فائدة! والذي تحصل به الفائدة، أن يكون الضمير في عليه راجعا إلى: فراقك؛ يقول: أضحى فراقك عقوبة لي عليه؛ أي: على فراقك، لكوني لم أسر في صحبتك، وأمضي في خدمتك. ولهذا قال: ليس الذي قاسيت منه - أي: من فراقك - هينا؛ أي: عذبت على تفريطي
وخطئي، عذابا صعبا، أي: عذبت به عليه واعترف أن ذلك ذنب، وسأله فيما بعد أن يغفره له، فليس له ذنب سواه، ولا يدل اللفظ على غيره، وما ذكر فليس يثبت.
(3/164)

وقوله: الطويل
رَأتْ كلَّ مَنْ يَنْوي لك الغدر يُبْتَلَى ... بِغَدْرِ حَيَاةٍ أو بِغَدْرِ زَمَانِ
قال: لا فرق بين غدر الحياة، وغدر الزمان. وإنما حمله على ذلك إقامة الوزن. والزمان غدره على ضربين:
أحدهما: هلاك النفوس.
والآخر: هلاك المال، وزوال الدول، وموت الأعزاء.
فغدر الحياة في غدره.
أقول: إن استعارة الغدر للحياة والزمان مجاز. وقد جعلهما كالصاحبين، فليس أحدهما داخلا تحت الآخر. فكنى عن الموت بغدر الحياة، وعن ذهاب المال والملك بغدر الزمان. وإذا كانا كذلك، فبينهما فرق. ولم يذكر غدر الحياة لإقامة الوزن، كما ذكر، بل لزيادة الفائدة التي بيناها.
وأعجب من تتبعه له دائما من غير عثور على خطأ، أو إظهار فائدة، ولكنه يشتهي أن ينخرط في سلك الأدباء، ويجري في حلبة النقاد على الشعراء!!
وقوله: الطويل
ثَنَى يَدَهُ الإحْسَانُ حتى كأنَّهَا ... وقد قُبِضَتْ كانَتْ بِغَيْرِ بَنَانِ
(3/165)

أخبر عن المعري:
قال: ملأت يده بالإحسان حتى ثناها إلى ورائه، فكأنها، لما قبضت ما وهبت له، لم يكن لها بنان يطبقها على الموهوب فأرسلته!
وأقول: إن في هذا البيت توبيخا لشبيب يتبع ما تقدمه؛ أي: لم يمسك من إحسانك على شيء فيجازيه بالكف عن الخروج عليك. فكأن إحسانك رد يده، لما قبضته،
وكانت صحيحة، بغير بنان، فلم يحصل منه على شيء. فقد نسبه إلى الغدر بسوء المجازاة، وما بعده يدل عليه. فهذا هو الأشبه بالمعنى، لا قوله: رد يده إلى ورائه لما قبضت ما وهبت له!
وقوله: المنسرح
تَبُلُّ خَدَّيَّ كُلَّما ابْتَسَمَتْ ... من مَطَرٍ بَرْقُهُ ثَنَايَاهَا
قال: قال المعري: هذا البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون: كلما ابتسمت أخذه البكاء؛ لأنه يخاف من الفراق، أو تغير النية،
(3/166)

فيكون المعنى كقوله: الطويل
. . . . . . . . . ... . . . ظَلْتُ أشْكُو وتَبْسُمُ
والآخر: أن تكون المحبوبة تقبله، فيصيب خديه شيء من الريق وإن قل. ويقوي هذا الوجه قوله: المنسرح
فَقَبَّلَتْ ناظري تُغَالِظُني ... . . . . . . . . .
وأقول: الوجه هو الأول، وهو مشهور كثير، وقد سبق اليه، فمن ذلك قول أبي نواس: المقتضب
تَضْحكينَ لاهِيَةً ... والمُحِبُّ يَنْتَحِبُ
إلا أن أبا الطيب زاد فيه زيادة حسنة، وذلك إنه استعار للبكاء مطرا، وللثنايا بالضحك برقا، وجعل ذلك المطر، الذي هو الدمع، نتيجة ذلك البرق، الذي هو إضاءة الثنايا. والبرق يولد المطر، فجعل برق الثنايا بحسنه يولد مطر الدموع بسبب العشق. وهذا من ألطف البديع وأحسن التفريع.
وأما الوجه الثاني، فهو قول ابن جني وليس بشيء! وتقويته بالبيت الذي ذكره، يدل على ضعفه وضعف رأيه!
(3/167)

وقوله: المنسرح
لَقِنَنَا والحمولُ سَائِرَةٌ ... وَهُنَّ دُرٌّ فَذُبْنَ أمْوَاهَا
قال: قوله: فذبن أمواها يحتمل أن يكون من الحياء، ويحتمل أن يكون من كثرة البكاء.
قلت: ويحتمل أن يكون من الشوق إلينا، أو من نعمتهن، وشدة حركة الإبل بالسير، أو من حرارة أنفاسنا بلقائهن لنا، ويكون مثل قوله: الكامل
وَبَسَمْنَ عن بَرَدٍ خَشِيتُ أذِيبُهُ ... من حَرِّ أنفاسي فكُنْتُ الذَّائِبَا
إلا إنه بالغ هاهنا فجعل أنفاسه تذيب الدر.
وقوله: المنسرح
في بَلَدٍ تُضْرَبُ الحِجَالُ به ... على حِسَانٍ وَلَسْنَ أشْبَاهَا
قال: أي: كل واحدة منهن منفردة بالحسن، لا يشاكلها فيه غيرها.
قال: ويجوز أن يكون: لسن أشباها أي: قد صارت هذه المشيب بها سببا
(3/168)

لاختلافهن؛ لأنها لا نظير لها فيهن؛ كقوله: المنسرح
الناسُ ما لَمْ يَرَوْكَ أشْبَاهُ ... . . . . . . . . .
وأقول: إنه وصف هذه النساء، فجعلهن كالضباء؛ الا انهن يخالفن الظباء، بأنهن في بلد يضرب عليهن فيه الحجال، وليس الظباء كذلك. وإنهن لسن أشباها، وليس كذلك الظباء لأنهن أشباه، ويدل على ذلك قوله: المنسرح
كُلُّ مَهَاةٍ تقولُ مُقْلَتُهَا ... . . . . . . . . .
وقوله: المنسرح
تَعُومُ عَوْمَ القَذَاةِ في زَبَدٍ ... من جُودِ كَفِّ الأميرِ يَغْشَاهَا
قال: جعل الممدوح في أول المدح مولى الملوك، ثم خاطبه بالأمير فنقصه.
وأقول: إن أبا الطيب، كان قادرا على أن يقول: من جود كف المليك ولكن ليس له من القوة، والجزالة، واللذاذة، ما للفظة الأمير هنا. وهم يعنون بتحسين الالفاظ،
وتهذيبها، كما يعنون بتحسين المعاني وترتيبها، ولعل عضد الدولة كان، في ذلك الوقت، يخاطب بالأمير؛ لأنه قبل أن يتسع ملكه وتزداد عظمته.
(3/169)

وقوله: المنسرح
النَّاسُ كالعَابدينَ آلِهَةً ... وعَبْدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّها
قال: يقول: الناس الذين في طاعة غيره، كأنهم يعبدون آلهة مختلفة. وعبيده الذين يطيعونه، كأنهم الموحدون، وهذا كقوله: الطويل
ولَسْتَ مَلِيكاً هازِماً لِنَظِيرِهِ ... ولكنَّكَ التَّوْحيدُ للشِّرْكِ هَازِمُ
وذكر عن ابن جني وجها آخر، أي: عبده مقبل بالطاعة عليه، معرض بالرجاء إليه عمن سواه لإغنائه إياه عنه. وعبد غيره، يطلب من هذا تارة، ويرجو من هذا أخرى.
وأقول: المعنى هو الأول؛ أي: الناس الذين هم في دين غيره ضلال. والذين هم في دينه وطاعته مهتدون. وضرب لذلك مثلا بالشرك والتوحيد.
وأما تمثيله هذا البيت، بالبيت الذي ذكره، فغير صحيح. لأن في ذلك البيت إخبارا عن عظم سيف الدولة، وعظم عدوه ملك الروم؛ يقول: لست ملكا يهزم ملكا، وإنما أنت التوحيد يهزم الشرك. وهذا من قول النبي - صلى الله عليه - في علي - عليه السلام - وعمرو بن عبد ود: برز الإيمان كله، إلى الشرك كله!
ومعنى هذا البيت إن طاعتك توحيد، وطاعة غيرك شرك، فليس بينهما تماثل إلا باللفظ.
(3/170)

وقوله: الطويل
حَبَبْتُكَ قَلْبي قَبْلَ حُبِّكَ من نَأى ... وقد كانَ غَدَّاراً فكُنْ أنْتَ وَافِيَا
أقول: إنه عرّض بسيف الدولة، بهذا البيت إلى قوله:
خُلِقْتُ ألوفاً. . . . . . ... . . . . . .
وقوله: حبك من نأى إشارة إلى قوله: البسيط
إذَا تَرَحَّلْتَ عن قَوْمٍ وقد قَدَرُوا ... ألاَّ تُفَارِقَهُمْ فالرَّاحِلُونَ هُمُ
فجعل سيف الدولة عنه نائيا، وإن كان هو النائي عن سيف الدولة.
وهذا آخر المآخذ على الشيخ، أبي زكريا، يحيى بن علي، الخطيب التبريزي.
(3/171)