Advertisement

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي 004



الجزء الرابع
المآخذ على شرح الكندي
الموسوم بالصفوة
(4/5)

بسم الله الرحمن الرحيم
هذه مآخذ على الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي في أبيات أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي.
وأقول: إن الشيخ - رحمه الله - ذكر هذه الألفاظ في الحواشي، وذلك أن القاضي الفاضل سأله فيها فأجابه إليها وكتبها بخطه وأهداها له، فلم يزد فيها من عنده على من قبله من الشراح إلا الشيء اليسير، وقد ذكرت ما وقع لي في ذلك فمنه قوله: المنسرح
يا ليتَ بي ضَرْبةً أُتِيحَ لها ... كما أُتِيحَتْ له مُحَمَّدُهَا
قال: تمنى أن يفديه من شربة أصابته في وجهه في بعض حروبه، وأضاف اسم الممدوح إلى الضربة لما كسب بها من الحمد.
وأقول: كيف تمنّى أن يفدي الممدوح من ضربة لم تؤثر فيه؛ بل هو أثر فيها واكتسب بها شرفا وحمدا؟! إنما يتمنى المحب أن يفدي من يحبه من شيء تألم به وضره وآذاه؛ فهذا، على ما قال، دعاء عليه لا دعاء له!
(4/7)

وقوله: المنسرح
أثَّرَ فيها وفي الحَديدِ وَمَا ... أثَّرَ في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
قال: ادعى التأثير في العرض مجازا شعريا. ويمكن أن يحمل على أن تأثيره في الضربة ردها عن إزهاق نفسه وفي الحديد تغليل السيف المضروب به. وقوله:
. . . . . . وما ... أثَّرَ في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
أي: لم تشنه بل حسنته بالفخر، فان العرب تفتخر بالضرب في الوجوه، وتسب بالضرب في الظهور.
وأقول: أن أبا الطيب بالغ في القول فعكس القضية، وذلك أن من عادة الحديد والضرب أن يؤثر في المضروب ويكسبه بتأثيره فيه، فخرا وشرفا فجعل أبو الطيب أن الممدوح أثر في السيف، وفي الضربة، وكسبها زينة وشرفا وجعل الجراح تحسدها في قوله: المنسرح
فاغْتَبَطَتْ إذْ رأتْ تزيُّنَهَا ... بمثلهِ والجراحُ تَحْسُدُهَا
وهذه طريقة له مشهورة في المبالغة، من ذلك قوله: الطويل
طِوالُ الرُّدَينياتِ يَقْصِفُها دَمِي ... وبِيضُ السُّرَيْجِيَّاتِ يَقْطَعُهَا لَحْمِي
(4/8)

وقوله: الخفيف
ولعَلِّي مُؤَمِّلٌ بَعْضَ ما أبْ ... لُغُ باللُّطْفِ من عَزيزٍ حَميدِ
قال: حمل بعض الناس هذا البيت على القلب الوارد في كلام العرب، وهو أن يذكر الشيء ويراد عكسه. ولكن إنما يجوز ذلك عندهم إذا أمن الإلباس، فإذا خيف اللبس لزم الأصل، وهاهنا يقع اللبس لأنه يجوز أن يريد: أن الذي أبلغه بلطف الله أمر عظيم فوق أملي.
وقد روي عن المتنبي إنه سئل عنه فقال: لم أقل الا:
ولعلِّي مُبَلَّغٌ بعض ما آ ... مُلُ. . . . . .
أي: أملي فوق ذلك.
وأقول: لا يحسن أن يكون إلا:
ولعَلِّي مُؤَمِّلٌ بَعْضَ ما أبْ ... لُغُ. . . . . .
وذلك أن قرنه بلطف الله العزيز الحميد؛ أي: بلطف الله وتيسيره أبلغ فوق ما آمل. ولا يحسن أن يقال: بلطف الله أمل فوق ما ابلغ أو ابلغ بعض ما آمل، هذا لا يقوله محصل، فالرواية عن أبي الطيب غير صحيحة، والبيت مستو غير مقلوب، والمقلوب فهم الرواي!
(4/9)

وقوله: المنسرح
كَيْفَ أُكَافِي عَلَى أجَلِّ يَدٍ ... مَنْ لا يَرَى أنَّهَا يَدٌ قِبَلِي
قال: أكافي: محذوف الهمزة، والمعنى: لا يعتد أجل نعمة له عندي نعمة، احتقارا لها في جنب منزلتي عنده.
وأقول: لم يحذف الهمزة وإنما قلبها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وقوله: لا يعتد اجل نعمة له عندي نعمة احتقارا لها إلى هاهنا تم الكلام والمعنى.
وقوله: في جنب منزلتي نقض للمعنى! والجيد إطلاق النعمة من غير اشتراط منزلة أحد من الناس.
وقوله: الكامل
أحْبَبْتُ بِرَّكَ إذْ أرَدْتُ رَحِيلا ... فوجَدْتُ أكْثَرَ ما وَجَدتُ قَلِيلاَ
وتمام القطعة وهي أربعة أبيات.
(4/10)

قال: هذه القطعة تحتمل تأويلين:
أحدهما: أن المتنبي أهدى لصديقه شيئا كان الصديق أهداه له.
والآخر: أن يكون جعل ما من عادة صديقه أن يزوده به عند فراقه، ويهديه إليه هدية منه له؛ أي: سأله أن لا يتكلف له.
وأقول: إن أبا الطيب مستحيل أن يهدي لأحد شيئا، أو يسأله ترك التكلف له، وهو يرى إنه مع بذل الجهد مقصر عما يستحقه. والمعنى قد ذكرته فيما قبل.
وقوله: الطويل
بما بَيْنَ جَنْبَيَّ التي خَاضَ طَيْفُهَا ... إليَّ الدَّيَاجي والخَلِيُّونَ هُجَّعُ
قال: لا معنى لتخصيصه إياهم بالنوم دون نفسه؛ لأن الخيال إنما يزوره وهو نائم، وما أعلم أحدا أخذ عليه هذا المعنى غيري!
وأقول: إن قوله: ما أعلم أحدا أخذ عليه هذا المعنى غيري عجيب!!
وهذا الواحدي تفسيره أيسر وأشهر من الشمس، وهو ينقل منه دائما، قد ذكره وقال: إن هذا كالمضادة، لأن الخليون وإن كانوا نياما فهو أيضا نائم حين رأى خيالها، ولكن يجوز أن يكون نومه نعسة خفيفة وغيره نام جميع ليله.
ولعل الشيخ لم يقف على هذا الموضع، والجيد أن لا يكون أخذ عليه لأن هذا
(4/11)

الأخذ غير صحيح، وبيانه: إنه لم يرد تخصصهم بالنوم دونه، ولا إدخالهم في شيء خرج منه، وإنما قال: أفدي بقلبي التي خاض طيفها إلي الدياجي، واللوام، أو العذال الخليون من الهوى، هجع؛ أي: غافلون عنه بنومهم، وهذا من قول بعضهم: () الرمل
رَاقَبَ الفُرْصَةَ حتى أمْكَنَتْ ... ورَعَى السَّامِرَ حتى هَجَعَا
ويحتمل وجها آخر وهو إخباره إنه نام ونام الخليون فخضه بالزيارة دونهم وقد اشتركا في سبب الزيارة فهو يفديه لذلك الاختصاص.
وقوله: الطويل
رَمَاني خِسَاسُ النَّاسِ من صائبِ أسْتِهِ ... وآخَرُ قُطْنٌ من يَدَيْهِ الجَنَادِلُ
قال: قال ابن جني والربعي جميعا: أي: من ضعفه لا يتعدى رميه أسته.
وقال شيخنا الشريف ابن الشجري: إنما هذا مثل؛ أي: رماني بعيب هو فيه لأنه
ذو ابنة فكأنه أراد إصابتي فأصاب أسته!
وأقول: إن هذه الأقوال ضعيفة وأضعفها قول ابن الشجري: رماني بعيب هو فيه؛ أي: رماني بالابنة.
والمعنى إنه رماني بسهم من عيب فرد عليه أقبح رد؛ كأنه يقول: أنا ليس في عيب
(4/12)

فغلبني عائب نفسه أقبح عيب.
وقوله: البسيط
أبْدَيْتِ مثلَ الذي أبديتُ من جزعٍ ... ولم تُجِنِّي الذي أجنَنْتُ من ألمِ
قال: ناقض في هذا البيت بما أخبر به عنها في قوله: البسيط
تَنَفَّسَتْ عن وفاءٍ غَيرِ مُنْصَدعٍ ... يَوْمَ الوَدَاعِ وشَعْبٍ غير مُلْتَئِمِ
وأقول: لم يناقض! وقد بينته فيما قبل.
وقوله: البسيط
ورَبَّ مَالٍ فَقِيراً من مُرُوَءتِهِ ... لم يُثْرِ منهَا كما أثْرَى من العَدَمِ
(4/13)

قال: ورب مال منصوب بأرى؛ يعني عطفا على ما قبله وهو:
أرَى أُنَاساً ومَحْصُولي على غَنَمٍ ... . . . . . .
وفقيرا حال؛ أي: إذا كان رب المال لا مروءة له، فإثراؤه من العدم لا من الوجود.
وأقول: إن قوله: فقيرا: حال وهم، لأنه بعد نكرة، والصحيح إنه صفة لرب مال، وإنما أوقعه في ذلك إنه رأى: أرى من رؤية العين لا تتعدى إلى مفعولين، ورأى فقيرا منصوبا فظن إنه حال، وذلك جائز في الضرورة، وأما مع الاختيار فلا.
والمعنى إن رب المال إذا كان فقيرا من المروءة بخل بماله، فلا ينتفع به ولا ينفع، فيكون وجوده كعدمه، والعدم اصلح!
وقوله: البسيط
وَجَدَّدَتْ فَرَحاً لا الغَمُّ يَطْرُدُهُ ... ولا الصَّبَابةُ في قَلْبٍ تُجَاوِرُهُ
قال: أي: امتلأت القلوب بالفرح، فلا غم يغلبه، ولا صبابة شوق تجاوره.
وأقول: إنه كرر الألفاظ المنظومة منثورة، وكلاهما محتاج إلى شرح، وقد ذكرته قبل.
(4/14)

وقوله: البسيط
في فَيْلَقٍ من حَديدٍ لو قَذَفْتَ به ... صَرْفَ الزَّمَانِ لما دارَتْ دَوَائِرُهُ
قال: أي: لبهت الزمان وتحير ولم تتغير على أحد به حال.
وأقول: إنه بالغ في القول! وذلك إن أوفى ما يوصف عندهم بالإقدام والإهلاك صرف الزمان، ولهذا قال سبحانه حكاية قولهم: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)، فقال: إن فيلق الممدوح، وهو جيشه العظيم، لو رمي به صرف الزمان، الذي هو أعظم الأشياء، لما دارت على أحد دوائره؛ أي: أحداثه ونكباته، ولشغله ما يلقاه منه عن التعرض لغيره.
وقوله: الطويل
رأيْتَ ابنَ أمِّ المَوْتِ لو أنَّ بأسَهُ ... فَشَا بينَ أهلِ الأرْض لانْقَطَعَ النَّسْلُ
قال: جعله أخا الموت لكثرة قتله أعداءه، ولو فشا باسه لفنوا بقتل بعضهم بعضا.
وأقول: إن قوله: لفنوا بقتل بعضهم بعضا ليس بشيء! والصحيح ما ذكرته في شرح الواحدي.
(4/15)

وقوله: الطويل
ولولا تَوَلِّي نَفْسِهِ حَمْلَ حِلْمِهِ ... عَنِ الأرْضِ لانْهَدَّتْ وناَء بها الثُّقْلُ
قال: بالغ في وصف حلمه بالرزانة.
قال: والمعنى: إنه لو كان جسما لهد الأرض ثقله.
وأقول: إنه قصر في العبارة عن المعنى، وقد ذكرته قبل.
وقوله: الكامل
اليَوْمَ عَهْدُكُمُ فأيْنَ المَوْعِدُ ... هَيْهَاتَ لَيْسَ ليَوْمِ عَهْدِكُمُ غَدُ
قال: يعني بالعهد الوداع، ونعى نفسه إلى نفسه يأسا من حياته بعدهم فلا غد له.
وقوله: فأين الموعد؟ استبعاد، ولو قال: متى مكان أين لكان أحسن.
وهذا الذي ذكره الجماعة قبل، وجاء الكندي بعد فتبعهم فيه.
وأقول: إن كثيرا من الناس يتبع بعضهم بعضا في الخطأ استرسالا من غير تأمل
(4/16)

ولا تدبر، فلا أشبههم بالعميان المتتابعين المتصلين حبلا؛ يعثر الأول منهم بحجر صغير، أو يقع في حفر قصير، فلا يتكلم خبثا ولعنة ويتتابعون كذلك، وذلك انهم علموا بالوقوع ولم يتكلموا، ولكن أشبههم بالذباب الذي يقع في اللبن، أو الفراش الذي يلقي نفسه في النار ولا يعلم!
ومعنى هذا البيت وتقديره إنه سال قبل ذلك أحبته: متى الوصال؟ فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ أي: في أي مكان. فلا يجوز هاهنا متى كما ذكر، لأنهم قد عينوا له الزمان بقولهم: في غد، فلما حضر سال بأين عن المكان الذي يكون فيه الوصل فلما تبين له خلف موعدهم قال:
. . . . . . ... هيهات! ليسَ ليومِ عَهْدِكُمُ غَدُ
وهذا مثل قول بعضهم: الكامل
في كُلِّ يومٍ قائِلٌ ليَ في غَدٍ ... يَفْنَى الزَّمَانُ ومَا تَرَى عَيْني غَدا
وقوله: الكامل
الموتُ أقْرَبُ مِخْلباً من بَيْنَكُمْ ... والعَيْشُ أبعَدُ منكُمُ لا تَبْعُدُوا
قال: أي أموت قبل فراقكم خوفا منه، فإذا بعدتم كان العيش أبعد منكم لأن بكم الحياة.
وأقول: هذه عبارة قاصرة، وألفاظ عن بيان المعنى ناقصة، وهو ما ذكرته في
شرح ابن جني.
(4/17)

وقوله: الكامل
نَظَرَ العُلُوجُ فَلَمْ يَرَوْا مَنْ حَوْلَهُمْ ... لمَّا رَأوْكَ وقيل هَذَا السَّيَّدُ
قال: نظروا إليه نظر مبهوت للعظمة والجمال، فلبرق أبصارهم لم يروا أحدا.
وأقول: بل لاحتقار من دونك لم يروه بالإضافة إليك لاشتغالهم بعظمتك لم ينظروا إلى من سواك، ولا حاجة إلى ذكر البرق.
وقوله: البسيط
أيامَ فِيكَ شُموسٌ ما انْبَعَثْنَ لنا ... إلاَّ ابْتَعَثْن دماً باللَّحْظِ مَسْفُوكا
(4/18)

قال: أي ما تحركن في ذهاب ولا مجيء إلا أبكيننا دما صبيبا بلحظنا إياهن.
وأقول: بل بلحظهن إيانا! وذلك إن اللحظ مصدر أن جعل من العشاق فهو على ما قال، وإن جعل من الشموس، وهن النساء، فهو على ما قلت، وهو الأحسن؛ أي: يسفكن دماءنا بسيوف لحاظهن.
وقوله: البسيط
أحْيَيْتَ للشُّعراءِ الشِّعْرَ فامتَدَحُوا ... جَمِيعَ من مَدَحُوه بالذي فيكَا
ذكر في شرحه ما هو غير مرضي، والمرضي، ما ذكرته في شرح الواحد.
(4/19)

وقوله: البسيط
ولا الدِّيارُ التي كانَ الحَبيبُ بِهَا ... تَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ
قال: قوله: ولا الديار عطف على الشوق، أي: ولا تقنع الديار مني به أيضا وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال:
. . . . . . ... تَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ
أي: الديار تشكو إلي وحشتها بفراق أهلها، وأنا لا أشكو، لأني كتوم لأسراري، أو لجلدي، أو لأن الشكوى لا تجدي، وشكوى الدار إليه بلسان الحال.
وأقول: هذا الذي ذكره قول ابن فورجة، ورد قول ابن جني وهو صحيح؛ قال: لم يبق فيّ فضل للشكوى، ولا في الديار، لأن الزمان أبلاها. وهذا القول عطف جملة على جملة، والقول الأول عطف مفرد على مفرد، وقد ذكرت ما في ذلك في شرح الواحدي.
وقوله: البسيط
وأينَ زَفَراتي من كَلِفْتُ به ... وأيْنَ منك ابنَ يَحْيَى صولةُ الأسَدِ
(4/20)

قال: أنكر أن يكون الحبيب يعرف حاله، وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح.
وأقول: التقدير الصحيح: فأين من زفراتي زفرات من كلفت به، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله في المصراع الثاني:
. . . . . . ... وأيْنَ مِنْكَ ابنَ يحْيَى صَوْلةُ الأسَدِ
أي: أين من صولتك صولة الأسد.
وقوله: الكامل
وفَشَتْ سَرَائِرُنَا إليْكَ وشَفَّنَا ... تَعْرِيضُنَا فَبَدَا لكَ التَّصْريحُ
قال: اختار ابن جني، بعد أقوال ذكرها، أن يكون المعنى: لمّا جهدنا التعريض استروحنا إلى التصريح فانهتك الستر.
قال: والصحيح إن الكتمان هزاه فصار الهزال صريح المقال؛ لأنه استدل بالهزال على ما في القلب من الهوى، فناب عن التصريح.
وأقول: المعنى محتمل أن يقال: كنا نسر حبك منك ففشا اليك، وقد شفنا التعريض لك، أي: جهدنا وشق علينا، فاضطرنا إلى التصريح لك بالهوى. فإن كان ابن جني أراد انهتاك الستر للمحبوب فقد أصاب، وإن كان أراد للناس فقد أخطأ، ولكن الجيد ما ذكره الشيخ وهو قول الواحدي.
(4/21)

وقوله: الوافر
وكُنْ كالمَوْتِ لا يَرثي لِبَاكٍ ... بَكَى منه وَيَرْوَى وَهْوَ صَادي
قال: جعل الموت ريان صاديا على المجاز؛ أي: يشرب من دمائهم ما يروي مثله من مثله وهو من حرصه كالصادي.
وأقول: لا معنى هاهنا لشرب الموت الدماء، وإنما جعل كثرة الإهلاك للموت بمنزلة كثرة الماء للصادي، لكن الصادي يرويه كثرة الماء، والموت لا يرويه كثرة الإهلاك لأنه أخذ في الشرب لم ينقطع.
وقوله: الوافر
فإنَّ الماَء يَخْرُجُ من جَمَادٍ ... وإنَّ النَّارَ تَخْرُجُ من زِنَادِ
قال: أي: إن العدو يخفي فتكمن في الوداد كمون الماء في الجماد، والنار في الزناد.
(4/22)

وأقول: هذا البيت مرتب على ما قبله؛ يقول: لا تغتر بلين القول من العدو، فإنه يخرج من قلب قاس، كما إن الماء يخرج من الصخر، ولا تحقر منه خاملا ضئيلا فربما كبر أذاه وازداد حتى يلحقك ضرره، كالنار تخرج من عود، وقد ذكرته قبل.
وقوله: الوافر
ذِرَاعاهَا عَدُوَّا دُمْلَجَيْهَا ... يَظُنُّ ضَجِيعُهَا الزَّنْدَ الضَّجِيعَا
قال: أفرط حتى لو دخل ذلك في الإمكان لخرج إلى الذم، والذراع ليس بمحل للدملج.
وأقول: إن أبا الطيب لم يجهل أن الذراع ليس بمحل للدملج، وإنما قوله:
ذِرَاعَاها عَدُوَّا دُمْلَجَهَا ... . . . . . .
إخبار عن عظم معصمها، وإن دملجها لو وضع موضع السوار من معصمها
لانفصم من غلظه!
(4/23)

وقوله: المنسرح
وقد تَوَالى العِهَادُ منهُ لَكُمْ ... وجَادَتِ المَطْرةُ التي تَسِمُ
قال: ويروى وجازت بالزاي، ويكون البيت، حينئذ، تقاضيا لطيفا؛ أي: المطرة التي تسم، وهي القصيدة التي القصيدة الأولى قبلها، كنت استمطر العطاء بها وقد تأخر.
ومن روى جادت بالدال فقد أراد هذه القصيدة.
وأقول: هذا التفسير على أن الضمير في منه راجع إلى قوله قبل: فمدحكم، وليس كذلك بل الضمير راجع إلى قوله: في الفعل أي: فعلكم منه جود أول فهو كالوسمي وما بعده، متواليا، كالعهاد، وهي الولي وما بعده من المطر، يتعهد الأرض بالري. وعلى هذا التفسير يتساوى المعنى في: جادت وجازت وقد ذكرته قبل.
(4/24)

وقوله: الطويل
إلى اليَوْمِ ما حَطَّ الفِداءُ سُرُوجَهُ ... مُذُ الغَزْوُ سَارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ
قال: سار خبر مبتدأ محذوف والغزو مبتدأ خبر محذوف.
وأقول هذا التفسير كأنه ذكره الأول ثم تتابعوا في أثره من غير تأمل كما ذكرت لك!
وأقول: ما المانع أن يكون سار خبر الغزو ولا يحتاج إلى تقدير محذوفين في مكان واحد، ويكون مثل قولهم: ليل نائم ونهار صائم؛ أي ينام فيه ويصام، وكذلك الغزو يسرى فيه ويسرج ويلجم.
وقوله: الكامل
أسَفي على أسَفِي الذي دَلَّهْتني ... عَنْ عِلْمِهِ فَبهِ عَلَيَّ خَفَاءُ
والبيت الذي بعده. نقل شرحهما من قبل غيره وهو خطأ وقد ذكرت ما فيهما في شرح الواحدي.
(4/25)

وقوله: الكامل
أنْسَاعُهَا مَمْغُوطة وخِفَافُهَا ... مَنْكُوحَةٌ وطَرِيقُهَا عَذْرَاءُ
إن قيل: إن جعله الطريق إلى الممدوح عذراء، لم تفتتح بالسير إليه، غير حسن، والجيد في هذا قول زهير: البسيط
قَدْ جَعَلَ المبتَغُونَ الخَيْرَ في هَرمٍ ... والسَّائلونَ إلى أبْوَابهِ طُرُقَا
وقد قال في موضع آخر موافق زهيرا: المنسرح
قُصِدْتَ من شَرْقِهَا ومَغْرِبِهَا ... حَتَّى اشْتَكَتْكَ الرِّكابُ والسُّبُلُ
قيل: لم يرد الطريق إلى الممدوح، وإنما وصف أحواله في سفره، وما يقاسي من خطره، وإن الليالي قد ألجأته إلى سلوك الفيافي المقفرة، والطرق الموحشة.
وقوله: الكامل
من يَظْلِمُ اللؤمَاَء في تَكْلِيفِهمْ ... أنْ يُصْبِحُوا وَهُمُ له أكْفَاءُ
(4/26)

قال: ليس عندي في هذا البيت مدح له بل لو قال: الكرماء لكان مدحا.
وأقول: إن هذا البيت موطئ لما بعده وهو قوله: الكامل
وَنَدِيمُهُمْ وبه عَرَفْنَا فَضْلَهُ ... وبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشْيَاءُ
فلو قال: الكرماء لفسد المعنى.
وقوله: الكامل
ولك الزَّمَانُ من الزَّمَانِ وقَايةٌ ... ولك الحِمَامُ مِن الحِمَامِ فِداءُ
قال: دعا له أن يهلك الزمان قبله وأن يموت الموت.
وأقول: إنه دعا له أن يقيه الزمان من نفسه بنفسه، وان يفديه الحمام من نفسه بنفسه، فهذه العبارة أحسن وأسلم وأشبه بلفظ البيت من غير ان يتعرض لذكر لفظ
الهلاك قبل الزمان أو بعده.
(4/27)

وقوله: الوافر
وقالُوا: هَلْ يُبَلِّغُكَ الثُّرَيَّا ... فقلتُ: نَعَمْ إذا شِئتُ اسْتِفَالاَ
قال: درجته عند الممدوح أعلى من الثريا فلو بلّغه، على قولهم، الثريا لكان ذلك انحطاطا عن منزلته عنده.
وأقول: الجيد في هذا إنه مثل قوله: الكامل
فَوْقَ السَّماءِ وفَوْقَ ما طَلَبُوا ... فإذا أرادوا حَاجَةً نَزَلُوا
أي: أنا بخدمته فوق الثريا، فإذا أراد أن يبلغني إياها نزلت إليها.
وقوله: الكامل
أجِدُ الجَفَاَء على سِوَاكِ مُرُوءةً ... والصَّبْرَ إلاَّ في نَوَاكِ جَمِيلاَ
قال: يعني تجافيه النساء لعفته عنهن ومروءته.
فيقال له: فمن تمام العفة والمروءة أن يتجافى، أيضا، عن هذه التي استثناها! وهذا الذي ذكره لم يرده، وإنما أراد: أني أرى الجفاء على سوى الحبيب مروءة لأن الغدر
(4/28)

مواصلة غيره، والوفاء هجر من سواه.
وكذلك قوله: والصبر؛ يقول: إن الصبر في كل شيء إلا في فراق الحبيب فإنه قبيح كقول عتي بن مالك العدوي: الطويل
أعَدَّاءُ ما وَجدي عليكِ بِهَيِّنٍ ... ولا الصَّبْرُ إنْ أعْطِيْتُهُ بِجَميلِ
وكقول ديك الجن، وبالغ: الطويل
ومَا الإثمُ إلاَّ الصَّبْرُ عنك وإنما ... عَوَاقِبُ حَمْدٍ أنْ تُذَمَّ العَواقِبُ
وقوله: الكامل
ما قُوبِلَتْ عَيْنَاهُ إلاَّ ظُنَّتَا ... تَحْتَ الدُّجَى نَارَ الفَرِيقِ حُلولاَ
قال: لو قدر أن يقول نارين، بالتثنية، كان أحسن.
وأقول: إنما شبه عينيه في الدجى بالنار للإضاءة، فكل واحدة منهما تشبه النار في النور، فجعلهما كنار الفريق، وهو القطعة من الناس يكون لهم نار واحدة فهي أقوى من غيرها.
(4/29)

وقوله: الكامل
سَمِعَ ابنُ عَمَّتِهِ به وبِحَالِهِ ... فَنَجا يُهَرْوِلُ منك أمْسِ مَهُولا
قال: ليس في ابن عمته تحقيق نسب، لا ولو قال (أخوه)، وإنما أراد واحدا من جنسه.
فيقال له: لا بد أن يكون الاختصاص بالذكر لأمر أما معنوي أو لفظي، فتخصيص ابن العمة دون ابن الخالة وغيره، بالمعنى، مستحيل فلم يبق إلا اللفظ وهو استعمال العرب له؛ قال أبو زبيد: البسيط
أفَزَّ عَنْهُ بَنِي العَمَّاتِ جُرْأتُهُ ... فكلُّها خاشِعٌ منه ومُكْتَنِعُ
وقوله: الكامل
وتَوَقَّدَتْ أنفاسُنَا حتى لقد ... أشْفَقْتُ تَحْتَرِقُ العَواذِلُ بَيْنَنَا
قال: وعذر الإشفاق هاهنا، والعواذل لا يشفق عليهن، خوفه أن ينم عليهما الاحتراق فيطلع على حالهما.
(4/30)

فيقال له: ولم لا يشفق على العواذل وهن إنما يعذلن على وجه الشفقة والمحبة؟ أما في إتلاف المال كقوله: الطويل
وعَاذلةٍ هَبَّتْ عليَّ تَلُومُنِي ... كأنِّي إذا أتْلَفْتُ مالي أضِيمُهَا
أو على الغي في ارتكاب اللهو والباطل كقوله: الكامل
بكَرَ العوَاذِلُ في الصَّبُو ... حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ
فإن قال: العواذل لا يشفق عليهن لأجل عذلهن له على الهوى فيقال: لم يبلغ ذنبهن بالعذل إلى إحراقهن، ويكفي في ذلك، الإعراض عنهن واطراح قولهن.
وقوله: الكامل
أضْحَى فراقُكَ لي عَلَيْهِ عُقُوبةً ... لَيْسَ الذي قَاسَيْتُ منه هَيِّنَا
قال: الذي في (عليه) يرجع إلى ما فعلته مما أنت كارهه، والضمير في (منه) يرجع إلى الفراق.
وأقول: أن الضمير في (عليه) و (منه) راجع إلى الفراق؛ أي: عوقبت بفراقك على فراقك، لكوني لم أمض في صحبتك، فليس الذي قاسيت منه؛ أي من فراقك، هينا بل صعبا، فهذا ذنبه إليه ليس له ذنب سواه.
(4/31)

وقوله: المنسرح
سَأشْرَبُ الكَأسَ من إشَارَتِها ... ودَمْعُ عَيْني في الخَدِّ مَسْفُوحُ
قال: إنما ذكر بكاءه عند شربه الكأس لأنه كره الشرب ولم يقدر على مخالفة الإشارة ولا الخروج عن موافقة الممدوح.
وأقول: لم يذكر البكاء لذلك، وإنما ذكره لحبه اللعبة إذ هي بمنزلة الإنسان، وقد قال:
. . . . . . ... في القَلْبِ من حُبِّهَا تَبَارِيحُ
فما هذا التغفل والتكلف؟!
وقوله: الطويل
ألاَ لاَ أُرِي الأحْدَاثَ حَمْداً ولا ذَمَّا ... فما بَطشُهَا جَهْلاً ولا كَفُّهَا حِلْمَا
قال: لا تحمد الأحداث ولا تذم لأنها لا توصف بحلم ولا بجهل، وإنما الله تعالى هو المصرف لها.
(4/32)

وقوال الواحدي: يعني إن الفعل في جميع ذلك لله لا لها، وإنما تنسب الأفعال إليها استعارة ومجازا.
وأقول: إن الأحداث هي حوادث الزمان وما يتجدد فيه من الأحوال. يقول: لا
أحمدها على كفها عن أذى، لأن ذلك ليس عن حلم، ولا أذمها على سرعة إيقاع فعل؛ لأن ذلك ليس عن جهل؛ يعني إن الحمد والذم إنما يتوجه إلى العاقل، وحوادث الزمان ليست كذلك، وهذا الكلام فيه ذم لأحداث الزمان على ما أحدثته من هلاك جدته، وإن زعم إنه لا يحمدها ولا يذمها، وهذا كما يقال: فلان لا أحمده لأنه لا يكف عن حلم، ولا أذمه عن غضب، وفي هذا بيان نقصه، ووصفه بوضعه الشي في غير موضعه.
وقوله: الطويل
منافِعُهَا مَا ضَرَّ في نَفْعِ غَيْرِها ... تَغَدَّى وتَرْوَى أنْ تجوعَ وأنْ تَظْمَا
قال: يقول: أنها ترى منفعة نفسها أن تنفع غيرها وإن عاد ذلك بالضرر عليها، فهي تطعم وتجوع، وتروي وتظمأ، وفسر النصف الآخر النصف الأول.
وأقول: إن هذا التفسير على أن الضمير عائد على الجدة، وهو قول ابن فورجة، وقد ضعفه الواحدي وقال: الوجه رد الكناية إلى الأحداث أو الليالي لا إلى الجدة،
(4/33)

والمعنى منافع الليالي في مضرة غيرها من الناس. وجعل الضمير في أن تجوع وأن تظمأ للمخاطب، وجوّز عوده إلى الليالي، وروى:
. . . . . . ... . . . . . . أن نَجُوعَ وأنْ نَظْمَا
بالنون.
وقوله: الكامل
مَنْ لي بِفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعي ... أنْ يَحْسُبَ الهِنْديَّ فِيهِمْ بَاقِلُ
قال: قال ابن جني ردا على المتنبي: أن باقلا لم يؤت من سوء حسابه، وإنما أتي من سوء عبارته، والعذر للمتنبي ظاهر، وهو إنه لولا سوء حسابه، وجهله به كان عقد ببنانه ثمن الظبي فلم يفلت منه فصح جهله بالحساب، وهذا الرد لي على رد ابن جني.
وأقول: إن هذا الرد على ابن جني قد سبقه إليه الواحدي فقال: - ويعني ابن جني - ليس كما قال، فأن باقلا كما أتى من سوء البيان أتى من سوء الحساب بالبنان فإنه لو ثنى من سبابته وإبهامه دائرة وثنى من خنصره عقدة لم يفلت منه الظبي فصح قوله في نسبته إلى الجهل بالحساب.
ولعل الشيخ لم يقف عليه مع كثرة وقوفه على شرحه ونقله منه.
(4/34)

وقوله: البسيط
قَدْ كنتُ أشْفِقُ من دَمْعي على بَصَري ... فاليومَ كلُّ عَزِيزٍ بعدَكُمْ هَانَا
قال: هان عليه فقد بصره بعد عزته، وإنما كان عزيزا عنده زمان وصالهم وأما بعد الفراق فهو هين.
وأقول: إنه لم يحسن العبارة، والجيد أن لو قال: معنى قوله:
قد كنتُ أشْفِقُ من دمعي على بَصَري ... . . . . . .
لأني كنت أراكم به، فأما وقد غبتم عنه فلا أشفق عليه أن يضر به الدمع، وأن يذهب نوره البكاء، وهان عندي بعد عزته، ومن هذا قول بعضهم وإن كان قد عكسه: الطويل
وأخْشَى على عَيْنَيَّ من كَثْرَةِ البُكَا ... إذا الدَّمْعُ أفْنَتْهُ وأسْبَلَتِ الدَّمَا
وما بِيَ إلاَّ خَوْفُ أنْ لا تَراكُمُ ... وإلاَّ فَما بالعَيْنِ شَرٌّ من العَمَى
ومثله قول ابن جني: المتقارب
صُدودكَ عَنِّي ولا ذَنْبَ لي ... يَدُلُّ على نِيَّةٍ فَاسِدَهْ
فَقَدْ - وحَيَاتِكَ - ممَّا بَكَيْتُ ... خَشِيتُ على عَيْنِيَ الوَاحِدهْ
ولولا مَخَافَةُ أنْ لا تَراكَ ... لما كانَ في تَرْكِهَا فائِدَهْ
(4/35)

وقوله: الكامل
ليسَ التَّعَجُّبُ من مَوَاهِبِ مَالِهِ ... بَلْ من سَلامَتِهَا إلى أوْقَاتِهَا
قال: العجب من سلامة المواهب إلى أوقات بذلها.
وأقول: إنه بتر قول الواحدي فلم يتبين المعنى، وذلك إنه قال: لسنا نعجب من كثرة مواهبه وإنما نتعجب كيف سلمت من بذله وتفريقه إلى أن وهبها لأن ليس من عادته الإمساك.
وقوله: الوافر
شَدِيدُ الخُنْزُوَانَةِ لا يُبَالي ... أصَابَ إذا تَنَمَّرَ أمْ أُصِيبَا
قال: حذف همزة الاستفهام لدلالة (أم) عليها.
وأقول: إن الهمزة لم تحذف على لغة من قال: (صاب)، وقد قال هو: الكامل
. . . . . . فَصَابني ... سَهْمٌ يُعذِّبُ. . . . . .
(4/36)

وقوله: الوافر
كأنَّ نُجومَهُ حَلْيٌ عَلَيْهِ ... وقَدْ حُذِيَتْ قَوائِمُهُ الجَبُوبَا
قال: الجبوب: الأرض؛ جعلها قوائم لليل اتساعا.
وأقول: لم يجعلها قوائم، وإنما جعلها حذاء لقوائم الليل استعارة وإشارة إلى طول الليل وبطئه، وذلك حذاء ثقيل لا يستطيع لابسه المشي به.
وقوله: الوافر
كأنَّ دُجَاهُ يَجْذِبُهَا سُهَادِي ... فَليسَ تَغِيبُ إلاَّ أنْ يَغِيبَا
قال: سهاده وظلمة الليل يتجاذبان، فلا يخلي أحدهما الآخر، ولا يغيب هذا حتى يغيب هذا.
وأقول: المعنى؛ ان سهادي ثابت لا يزول فكأنه متصل بالليل يجذبه فلا يغيب؛ أي: فلا يزول حتى يزول؛ فهما كالسبب والمسبب لا ينفصل أحدهما من صاحبه.
وقوله: الطويل
وطَعْنٍ كأنَّ الطَّعْنَ لا طَعْنَ عِنْدَهُ ... وضَرْبٍ كأنَّ النَّارَ من حَرِّهِ بَرْدُ
(4/37)

قال: وطعن مجرور بالعطف على ومشائخ وكان يجب أن يكون اسم كأن مضمرا، ولكنه أوقع الظاهر موقع المضمر.
وأقول: إنه أنشدني، وقت القراءة عليه، استشهادا على هذا التفسير: الخفيف
لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْئاً ... نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرا
وغير هذا التقدير أولى منه للضرورة التي فيه، وهو أن يقول: كأن طعن الناس عنده؛ أي: بالإضافة إليه، ولا طعن؛ لشدته وضعف غيره عنه، أو لسرعته فكأنه لا يدرك.
وقوله: الطويل
تَلَجُّ جُفُوني بالبُكاءِ كأنَّما ... جُفُوني لِعَيْنَي كُلِّ باكِيَةٍ خَدُّ
قال: أي: لا تخلو جفونه من بكاء ودمع، كما لا تخلو الدنيا من باكية يجري دمعها.
(4/38)

وأقول: هذا قول ابن جني، نقله وليس بشيء!
والمعنى: وصف جفونه بكثرة الدموع، يقول: كأنما يفيض على جفوني من دموع عيني مثلما يفيض على خد كل باكية من دمعها.
وقوله: الطويل
فلا زِلْتُ ألْقَى الحاسِدينَ بِمِثلِهَا ... وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرَّفْدُ
قال: الضمير في مثلها يعود على العطايا، ودخل البيت الآخر في الدعاء له بالأخذ وعليهم بالجحد.
وأقول: إن قوله:
. . . . . . ... وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرِّفْدُ
والبيت الآخر. . . إلى آخره. . .، في موضع الحال من الضمير في (ألقى). ولا أقول أن ذلك دعاء بل خبر.
وقوله: الوافر
فَشِمْ في القُبَّةِ المَلِكَ المُرَجَّى ... فأمسَكَ بَعْدَما عَزَمَ انسِكَابَا
(4/39)

قال: عزم: يتعدى بحرف الخفض وهو الأصل، وقد يحذف الحرف فيتعدى بنفسه.
وأقول: إن كان أراد بأن عزم تعدى هاهنا إلى انسكابا تعدي المفعول به فليس كذلك، لأن انسكابا هاهنا مصدر في موضع الحال.
وإن أراد غير ذلك فلا فرق بينه وبين غيره من الأفعال في حذف الجار وإيصال الفعل إلى ما بعده اتساعا.
وقوله: المنسرح
أعْلَى قَنَاةِ الحُسَين أوْسَطُهَا ... فيه وأعلْى الكَمِيِّ رِجْلاهُ
قال فيه: يعني المأزق؛ يريد أن الرمح ينفذ في الكمي ثم يروم حمله به فينأطر للينه حتى يصير أوسطه أعلاه، والكمي منكس، وإلى هذا أشار امرؤ القيس: السريع
. . . . . . ... أرْجُلُهمْ كالخَشَبِ الشَّائِلِ
وأقول: إنه يحتمل معنى آخر، وهو أقرب إلى الحقيقة، وذلك أن ينكسر الرمح في المأزق بالطعن أعلاه أوسطه، وإن ينكس الكمي بالطعن فيصير أعلاه رجلاه.
(4/40)

وقوله: المنسرح
إذا مَرَرْنَا عَلَى الأصَمِّ بها ... أغْنَتْهُ عن مِسْمَعَيْهِ عَيْنَاهُ
قال: يعني إنها خلعة تقعقع لجدتها.
وأقول: وهو قول ابن جني؛ وأعجب كيف رضي الشيخ بهذا التفسير مع ضعفه ووقوفه على غيره مع قوته، وهو مذكور في المآخذ على ابن جني.
وقوله: الطويل
وفاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... بأنْ تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمُهْ
ذكر فيه قول ابن جني: كنت أبكي الربع وحده فصرت وفاءكما معه؛ أي: كلما ازددت بالربع ووفائكما وجدا ازددت بكاء.
(4/41)

وأقول: وليس هذا بشيء! وقد ذكرت معناه وما فيه من مشكل التقدير قبل، وهو أن صاحبيه عاهداه على أن يفيا له بالإسعاد بالبكاء على الربع، فقصرا في ذلك، فقال: وفاؤكما بالإسعاد بالدمع كالربع، أي: ينبغي أن يكون إسعادا كثيرا كالربع فإنه دارس دروسا كثيرا، وبين ذلك بقوله:
. . . . . . أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... . . . . . .
والتقدير: الربع أشجاه طاسمه، فحذف الربع، وهو المبتدأ لدلالة الأول عليه:
. . . . . . ... . . . . . . والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمهُ
أي: الربع، أحزنه للمحب، طاسمه. والدمع ينبغي أن يكون على وفقه في المبالغة، أشفاه للمحب ساجمه. وقد بيّن ذلك فيما بعد، فان الشيخ ذكر في تفسير البيت الثالث - ولم أر أحدا ذكره مثله - بأنه عرّض بصاحبيه انهما ليسا من أهل الهوى، ولا ممن استصحب فوافق؛ كأنهما لم يفيا له بما عاهداه من الإسعاد؛ يقول: إن لم تسعداني على هواي وما أقاسيه فكفا عن لومي، أو: فتجملا بأن تصحباني على علاتي، فقد يصحب الإنسان من لا يلائمه ولا يشبهه، وهذا التقدير الآخر يدل على الأول.
وقوله: الطويل
إذا ظَفِرَتْ مِنْكِ العيونُ بِنَظْرَةٍ ... أثابَ بها مُعْيِي المَطِيِّ ورَازِمُهْ
(4/42)

قال: معناه: إذا نظرت إليك الإبل الرزح المعيية جعلت ثواب ذلك أن تنهض وتسير لما نالها من قوة الأنفس والنشاط فكيف بنا نحن، ونحن نعقل من أمرك ما لا تفعله الإبل.
وهذا ليس بشيء!
وأقول: إنه يحتمل أن يكون: أثاب بها من الثواب، وهو الجزاء، أي: جازى برؤياك معيي المطي ورازمه، ما كنا نصنع إليه قبل المسير إليك من العلف والخفض والدعة.
ويحتمل أن يكون أثاب بمعنى عدا ونهض معيي المطي ورازمه برؤياك وما يعقبه فيما بعد من الراحة، لأن الإعياء والرزوم إنما كان بسبب السير إليك لرؤياك، فإذا قد حصلت رؤياك، وعدم السير، حصلت الراحة، ويكون هذا من قول أبي نواس: الكامل
وإذَا المَطِيُّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمَّداً ... فَظُهورُهُنَّ على الرِّجالِ حَرَامُ
وقوله: الخفيف
ليتَ أنَّا إذا ارتْحَلْتَ لك الخَيْ ... لُ وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيَامُ
قال: تمنى أن يقيه المشقة في رحيله والأذى في نزوله. وعاب عليه قوم هذا البيت، تعنتا، فاعتذر عنه بقوله: الوافر
(4/43)

لقد نَسَبُوا الخِيَامَ إلى عَلاءٍ ... . . . . . .
وأقول: إن الذي أخذ عليه من أن الخيام تعلوه ليس بشيء! لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون من كل وجه حتى إذا تمنى أن يكون من الخيام، ليقيه، لزم أن يكون فوقه، وأن يكون في ظله، وأن يكون سماء له. على أني قد ذكرت فيه وجها يزيل هذا الاعتراض من غير هذا الاحتجاج، فليتأمل فيما تقدم.
وقوله: الوافر
يَحِيدُ الرُّمْحُ عنكَ وفيه قَصْدٌ ... ويَقْصُرُ أنْ يَنَالَ وفيه طُولُ
قال: أي: من شرفك، ومن سعادتك، يميل الرمح عنك إلى غيرك، ويقصر مع طوله أن ينال.
وأقول: لو قال: من شجاعتك، وباسك، يحيد الرمح عنك وفيه قصد؛ أي: استقامة لا لأنه معوج، وكذلك يقصر وفيه طول. ومثله قوله: الوافر
طِوالُ قَناً تُطَاعِنُها قِصَارُ ... . . . . . .
لكان أولى من التعليل بالشرف والسعادة في هذا الموضع.
(4/44)

وقوله: الوافر
فَلَوْ قَدَرَ السِّنانُ على لِسَانٍ ... لقالَ لك السِّنَانُ كما أقُولُ
قال: لو قدر السنان، لقال مثل هذا القول؛ أي: أنا قصير عنك، وميلي عنك لسعادتك وشرفك.
وأقول: الأحسن أن يكون القول من السنان، الثناء عليه بالإقدام والشجاعة كالقول الذي أقول من ذلك، فان السنان مباشر مشاهد له كما أنا مشاهد له.
وقوله: المتقارب
ولَوْ زُلْتُمُ ثُمَّ لَمْ أبْكِكُمْ ... بَكَيْتُ على حُبِّيَ الزَّائلِ
قال: صار الحب معشوقه، حتى لو ذهب الحب عنه لبكى عليه.
وأقول: كأن هذا مستحيل! وذلك إنه جعل الحب بمنزلة الحبيب، فالحبيب إذا زال بكي عليه للحب، فالحب سبب البكاء، فكيف يبكي على الحب الزائل وهو كالحبيب بلا حب؟! هذا مستحيل، لأن البكاء لا يكون على الحبيب الزائل إلا بحب مقيم!
(4/45)

وقوله: المتقارب
فأقْبَلْنَ يَنْحَزنَ قُدَّامَهُ ... نَوَافِرَ كالنَّحْلِ والعَاسِلِ
قال: الهاء في (قدامه) لسيف الدولة، والنون في (أقبلن) لخيل الخارجي، أي: نفرن منه نفور النحل من العاسل.
وأقول: الهاء في (قدامه) راجعة إلى (أمام) وهو الخارجي، لقوله قبل هذا البيت: المتقارب
وجَيْشِ إمَامٍ على نَاقَةٍ ... . . . . . .
وسيف الدولة لم يجر له بعد ذكر. ولقوله فيما بعد:
فلمَّا بَدَوْتَ لأصْحَابهِ ... . . . . . .
وقوله: (نوافر) لا يدل على انهم منهزمون، لأنه يقال: نفر إلى الشيء وعن الشيء، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانِفرُوا ثُبَاتٍ أو انفِرُوا جَمِيعاً). وقال علي - عليه السلام -: انفروا إلى بقية الأحزاب أي: أسرعوا. فإذا كان كذلك فيقال: إن خيل الخارجي أقبلت تنحاز قدامه إلى خيل سيف الدولة طلبا للقاء وجهلا به، ثم خاطب سيف الدولة فقال: فلما بدوت لأصحابه رأت
(4/46)

شجعانهم أنك آكل الأكل، أي: قاتل القاتل، ثم وصف ما حل بهم منه. وقد ذكر بعضهم في قوله: (نوافر) أن أوائل خيل سيف الدولة نفرت من الخارجي، والصحيح ما ذكرته.
وقوله: المتقارب
فَظَلَّ يُخَضِّبُ منها اللِّحَى ... فَتىً لا يُعِيدُ على النَّاصِلِ
قال: معناه يخضب لحى الأعادي بدمائهم.
فتى: يعني سيف الدولة.
لا يعيد على الناصل: أي: لا يعيد الخضاب.
وأقول: إنه لم يذكر ما سبب ترك إعادة الخضاب، ولا ذكره غيره، وذلك أن ضرباته أبكار، كما روي ذلك عن علي - عليه السلام - إنه كان إذا اعتلى قد، وإذا اعترض قط. يقال: ضربة بكر إذا كانت قاطعة لا تثنى؛ يقول: لا يسلم المضروب المخضوب بدمائه فينصل خضابه فيحتاج إلى أن يعيده بضربة أخرى.
(4/47)

وقوله: المتقارب
يُشَمِّرُ للُّجِ عن سَاقِهِ ... ويَغْمُرُهُ المَوْجُ في السَّاحِلِ
قال: كان الخارجي يموه على أصحابه إنه نبي، وإنه سوف يملك بيضة الإسلام فهو كالمشمر عن ساقه ليخوض اللجة، وسيف الدولة وعسكره قطعة من عسكرها وواحد من أمرائها كالساحل، وقد كسره واهلكه، فكانه قد غرق في ساحل تلك اللجة.
وأقول: إن قوله في سيف الدولة، مع إعظام المتنبي له: إنه قطعة من عساكر بيضة الإسلام وواحد من أمرائها، وإنه كالساحل وهو مادح له ومواجهه بذلك، مناف لأقواله فيه: الطويل
أرَى كُلَّ ذي مُلْكٍ إلْيكَ مَصِيرُهُ ... كأنَّكَ بَحْرٌ والملوكُ جَدَاولُ
وأمثال ذلك.
والجيد أن يقال في قوله:
يُشَمِّرُ لِلُّجِّ. . . . . . ... . . . . . .
أي: يقدم على الأمر العظيم من عداوة سيف الدولة بأسر ابن عمه أبي وائل وجعل سيف الدولة كالبحر، وإن القرمطي شمر، من جهله، ليخوض لجه؛ أي: معظمه، فغرّقه الموج في الساحل؛ أي: بعض عسكره، ولم يصل إليه معظمه. فهذا أمثل بأحوال سيف الدولة عند أبي الطيب وأقواله فيه مما ذكر.
(4/48)

وقوله: الطويل
تَبُلُّ الثَّرى سُوداً من المِسْكِ وَحْدَهُ ... وَقَدْ قَطَرَتْ حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
قال: قال ابن جني في قوله: وحده: أنهن غنيات بالكحل عن الكحل، فالسواد القاطر على الأرض لون المسك وحده، وقد تبعه الناس على ذلك.
قال: وعندي أن قوله: يدل على فخر طيبهن ورفعة قدره، وأنهن من بنات الملوك، وإلا فما عسى أن يبلغ كحل العين من السواد حتى يقطر على الأرض أسود؟! لا سيما وهو مما قد كان قبل حلول المصيبة.
وأقول: إن قوله: وحده دليل على فخر طيبهن حسن. وقوله: فما عسى أن يبلغ كحل العين من السواد، حتى يقطر على الأرض أسود غير حسن. وذلك أن قوله: وقد قطرت يعني دموع الغانيات، حمرا، ينفي أن يكون خالطهن كحل، وإنما الدموع تقطر حمرا من عيونهن؛ لأنهن مازجن الدمع بالدم لكثرة البكاء على الشعر فيخالط المسك ويذيبه؛ فتقطر على الثرى سودا. فمستحيل هاهنا ذكر السواد من الكحل مع قوله:
. . . . . . ... . . . . . . حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
(4/49)

وقوله: المنسرح
أنتَ الذي لو يُعَابُ في مَلأٍ ... مَا عِيبَ إلاَّ لأنه بَشَرُ
قال: المعنى إنه لو قدر أن فيك عيبا لم يكن إلا ما لا تعاب به؛ مثل قول الشاعر: الطويل
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهُمْ ... بهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكَتَائِبِ
وأقول: لم تقع المطابقة في التمثيل بين البيتين، لأن فلول سيوفهم من قراع الكتائب ليس بعيب بل هو فخر، وكون سيف الدولة من البشر، على مذهبه في الإغراق، عيب له فليس بينهما تماثل.
والمعنى: إنه بالغ فجعله اشرف من البشر، كأنه جعله من الملائكة، كقوله تعالى: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)، على أن الوجه الذي ذكره من غير تمثيل جائز، وذلك أن الإنسان إنما يعاب بشيء من أفعاله لأنه هو الموقع لها، وأما بشيء فعله فيه خالقه من كونه بشرا، وما أشبهه، فلا يعاب به.
وقوله: الكامل
أنَا بالوُشَاةِ إذا ذَكَرْتُكَ أشْبَهُ ... تأتي النَّدَى ويُذَاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
(4/50)

قد وقع في هذا البيت والذي بعده اختلال واختلاف في القوافي الثلاث، وقد طول
فيه ابن جني وخطأه.
وقال الواحدي: يمكن أن يجعل له وجه، على البعد، وهو إنه الحق الواو في أشبه لا على إنه قافية ولكنه اشبع ضمة الهاء فلحقها واو كقوله: () البسيط
. . . . . . ... مِنْ حيثُ ما سَلَكُوا أدْنُو فأنظُورُ
قال: وعلى هذا قول أبي تمام: الطويل
يقولُ فَيُسْمِعُ ويَمْشِي فَيُسْرِعُ ... ويَضْرِبُ في ذَاتِ الإلهِ فَيوُجِعُ
وقال الشيخ الكندي آخرا: وعندي أن المتنبي إنما جسر على ذلك وارتكبه لأنه وجدهم يجيزون دخول الهاء الأصلية على الهاء الوصلية استحسانا، والقياس أن لا يجوز، فأجاز هو أن تدخل الوصلية على الأصلية والقياس غيره.
وأقول: يجوز عندي إنه لم يعتد بآخر النصف الأول من البيت قافية لان العناية إنما تكون بقافية آخر البيت؛ يجتنب فيها الايطاء والاقواء والسناد وغير ذلك من العيوب، فلا يتجنب في قافية المصراع الأول اجتنابا عاما، ولهذا جاء قول امرئ القيس: الطويل
(4/51)

خَلِيلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ ... . . . . . .
وجاء في البيت الثاني:
. . . . . . ... . . . . . . يَنْفَعْني لَدَى أمِّ جُنْدَبِ
فلم يعتد ذلك ايطاء. وقد جاء لأبي نواس: مخلع البسيط
تَخَاصَمَ الحُسْنُ والجَمَالُ ... فِيكَ فَصَارا إلى جِدالِ
فلم يعتد ذلك إقواء، فإذا كان كذلك لم يعتد بالنصف الأول وكانت القافية الراء، والهاء وصلا، ولا عيب فيه.
وقوله: البسيط
رُبَّ نَجِيعٍ بِسَيْفِ الدَّولةِ انْسَفَكا ... ورُبَّ قَافِيَةٍ غَاظَتْ به مَلِكَا
قال: لم يجئ في شعر أبي الطيب بيت تنكره الغريزة إلا في هذا البيت.
قال المعري: ولو أن لي في هذا البيت حكما جعلت أوله: كم من نجيع وكان ذلك أليق من رب لأن كم للكثرة. ويحسنه أيضا أن رب جاءت في النصف
(4/52)

الثاني ضد كم.
وأقول: هذا الذي قالاه ليس بشيء! وقد ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.
وقوله: الطويل
فَدَيْنَاكَ أهْدَى النَّاسِ سَهْماً إلى قَلْبِ ... وأقْتَلَهُمْ للدَّارِعِينَ بِلا حَرْبِ
قال: اطالوا، في هذا البيت، شرح افعل فجعلوه تارة من هديته الطريق وتارة من هدى الوحش إذا تقدم. وهو عندي من هديت هدي فلان أي: قصدت قصده، وأهدى منادى؛ أي: يا أهدى وأقتلهم.
وأقول: إذا لم أجعل هذه الكلمة من أهدى فعلى أي وجه شئت من الثلاثي فاحملها فإن هذه المعاني متقاربة.
وقوله: أهدى: منادى وكذلك اقتلهم فجائز أن يكون كما قال، منادى، وأن يكون بدلا من الكاف، وأن يكون تمييزا، فالنصب فيهما من هذه الأوجه الثلاثة، وهي متساوية في الجودة سواء، فلا وجه لذكر بعضها وتخصيصه.
(4/53)

وقوله: الطويل
وكَمْ لكَ جَدّاً لم تَرَ العَيْنُ وَجْهَهُ ... فَلَمْ تَجْرِ في آثارِهِ بِغُرُوبِ
قال: قال ابن جني: إذا لم تعاين الشيء لم تعتدد به في أكثر الأحوال فلذلك ينبغي أن تتسلى عن (يماك) لأنه قد غاب عن عينك كما لم تحزن لأجدادك الذين لم ترهم.
وقال: إن كان المتنبي أراد هذا المعنى فقد اخطأ لأنه لمير أجداده، وهو فقد يماك بعد رؤيته.
وأقول: إنه رد قول ابن جني ولم يذكر المعنى، وهو إنه أراد تسليته فقال: كم لك جدا فقد عن بعد لم تكبه فاجعل هذا الذي فقد عن قرب بمنزلته لأنه قد شاركه في الفقد، ولا فرق في ذلك بين البعيد والقريب.
وقوله: الطويل
فَحُبُّ الجَبَان النَّفْسَ أوْرَدَهُ التُّقَى ... وحُبُّ الشُّجَاعِ النَّفْسَ أوْرَدَهُ الحَرْبَا
(4/54)

قال: الجبان يحب نفسه فيحجم، والشجاع يحب نفسه فيقدم؛ هذا يطلب بقاءها وذلك يطلب مدحها. ثم فسر البيت الذي يليه وهو: الطويل
ويَخْتَلِفُ الرِّزقانِ والفِعلُ واحِدٌ ... إلى أنْ تَرَى إحسَانَ هذَا لِذَا ذَنْبَا
فقال: يتفق اثنان في فعل واحد يرزق منه أحدهما ويحرم الآخر فيعد للمرزوق إحسانا وللمحروم ذنبا.
وأقول: إن تفسير البيت الثاني ينبغي أن يكون مطابقا للبيت الأول لأنه كالمفسر له، وقد فسره على خلاف ذلك. ومطابقته له أن يقال في قوله:
ويَختلِفُ الرِّزْقانِ والفعل واحدٌ ... . . . . . .
أي: الجبان رزق بحبه نفسه الذم على جبنه، والشجاع رزق بحبه نفسه الحمد على شجاعته، فكلاهما محسن إلى نفسه، فاشتركا في الفعل، وهو حب النفس، واختلف الرزقان لأن هذا رزق الذم بفعله، وهذا رزق الحمد بفعله، وصار إحسان الجبان إلى نفسه بالاتقاء ذنبا للشجاع لو فعله.
وأما تفسير الشيخ للبيت الثاني فهو من قول القطامي: البسيط
والناسُ، مَنْ يَلْقَ خَيْراً قائلون لَهُ ... ما يَشْتَهي ولأمِّ المُخْطِئ الهَبَلُ
وقول الآخر: الطويل
فمن يَلْقَ خَيْراً يَحْمَدِ النَّاسُ أمْرَهُ ... ومَنْ يَغْوِ لا يَِعْدَم على الغيِّ لائِمَا
أي: ومن يخب. وهذا معنى آخر ليس من الأول في شيء.
(4/55)

وقوله: الطويل
وَجَيشٍ يُثَنِّي كُلَّ طَوْدٍ كأنَّهُ ... خَرِيقُ رِيَاحٍ وَاجَهَتْ غُصُناً رَطْبا
قال: يصفه بالكثرة حتى إنه إذا مر بجبل شقه بنصفين فتسمع حسيسه كما تشق الريح الخريق الغصن الرطب باثنين.
وأقول: أن قوله: يثني أي: يعطف، من ثنيت، أي: عطفت، فشدده للتكثير والمبالغة، وجعل الطود، في علوه وثباته، كأنه غصن رطب تثنيه الريح الخريق، وهي الشديدة الهبوب، أي: تعطفه. وهذا اقرب إلى الاستعارة، واكثر في المبالغة، والأول اقرب إلى الحقيقة.
وقوله: الكامل
وَهَبِ الملامةَ في اللَّذَاذةِ كالكَرَى ... مَطْرُوَدةً بِسُهَادِهِ وبُكَائِهِ
قال: هذا البيت أطال فيه ابن جني ورد غيره عليه، وكلا القولين غير خال من اضطراب. وعندي إنه يريد أن الكرى المستلذ عندي مطرود عني بالبكاء والسهاد، فهب أنت الملامة اللذيذة عندك مطرودة عنك ككراي المطرود عني.
وأقول: وهذا الذي ذكره لم يخل من اضطراب لأنه يحتاج إلى تتمة.
(4/56)

فيقال له: أن العاشق ترك كراه المستلذ عنده لما هو ألذ منه، وهو الهوى، فالعاذل لم يترك الملامة المستلذة عنده في لوم صاحبه، وهو ينتفع بها بانتفاع صاحبه عند القبول لها فينبغي أن يتمم ذلك ويعلل بان يقال: لأنه يزيد في كلفه ويغريه بوجده فينبغي له إذا لم ينقص ما به من الوجد أن لا يزيده. وعندي أن قوله:
وَهَبِ المَلامَةَ في اللَّذَاذَةِ. . . . . . ... . . . . . .
يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون اللذاذة راجعة إلى العاشق فيقول لعاذله: هب أني استلذ بالملامة وانتفع بها كانتفاعي بالكرى، أفليس الكرى مطرودا بالسهاد والبكاء؟ فاجعل
الملامة مثله.
والوجه الآخر: أن تكون اللذاذة راجعة إلى العاذل فيقول له العاشق: اجعل الملامة عندك في اللذاذة، وانفاعك بها كالكرى عندي، وقد طردته بالسهاد والبكاء، فاجعل الملامة كذلك مطرودة بسهادي وبكائي رحمة لي، فإنها تزيدني ولا تنقصني، وهذا أبلغ ما يحرر في معنى هذا البيت.
وقوله: الطويل
وتَمْشِي بع العُكَّازُ في الدَّيْرِ تَائباً ... ومَا كانَ يَرْضِى مَشْيَ أشْقَرَ أجْرَدَا
قال: قوله:
(4/57)

وتَمْشِي به العُكَّاز. . . . . . ... . . . . . .
على مذهب القلب لأنه هو الماشي بالعكاز.
وأقول: إن هذا لا يحتاج إلى تقدير القلب، وأعيذ فهم الشيخ، كيف تبع غيره في هذا مع ظهوره؟! وقد ذكرته في شرح التبريزي.
وكذلك قوله: البسيط
تَشْبِيهُ جُودِكَ بالأمطار غَادِيَةً ... جُودٌ لِكَفِّكَ ثَانٍ نَالَهُ المَطَرُ
ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.
وقوله: الطويل
أتاكَ كأنَّ الرَّأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... وتَنْقَدُّ تَحْتَ الذُّعْرِ منه المَفَاصِلُ
قال: عظمت هيبة سيف الدولة في قلبه حتى كأنه تبرأ بعضه من بعض.
وأقول: بل دخل بعضه في بعض ولذلك قال:
. . . . . . كأنَّ الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... . . . . . .
أي: تجمّع من خوفه فلم يتبين له عنق، وذلك فعل الخائف والذليل، كقول
(4/58)

الشاعر: الطويل
تَضَاَءلْتُمُ مِنَّ كما ضَمَّ شَخْصَهُ ... أمامَ البُيُوتِ الخَارِئُ المُتَقَاصِرُ
وقوله: الوافر
ولَوْ غَيْرُ الأميرِ غَزَا كِلاباً ... ثَنَاهُ عن شُمُوسِهِمُ ضَبَابُ
قال: كنى بالشموس عن النساء، وبالضباب عن المحاماة عنهن. وقيل فيه قول آخر لكن هذا أجود.
فيقال له: وأجود من هذا أن يكون الضباب كناية عن عجاج الخيل بلقائه وهو أشبه بذلك، وفيه تضمن معنى المحاماة.
وقوله: الطويل
إذا كانَ ما تَنْويهِ فِعْلاً مُضَارِعاً ... مَضَى قَبْلَ أنْ تُلْقَى عليه الجَوَازِمُ
(4/59)

قال: أراد بالمضارع هاهنا المستقبل دون الحال.
وأقول: إن قوله: فعلا مضارعا معناه انك إذا أردت أن تفعل فعلا في الحال الراهنة أو المتأخرة، أي: فعلا على الفور أو التراخي مضى بجودك وباسك، أو بسعادتك، قبل القواطع من الزمان، فكنى بالتقديم والتأخير عن المضارعة إذ هي للحال والاستقبال، أي: إذا نويت أن تفعل، وكنت مترددا فيه بين أن تفعله في الزمن القريب من زمنك أو البعيد، مضى: أي: فعل قبل أن يقال لم يفعل لما ذكرته.
وقوله: الوافر
فكانُوا الأُسْدَ ليسَ لها مَصَالٌ ... عَلى طَيْرٍ وليسَ لها مَطَارُ
قال: لابن جني كلام في تفسير هذا البيت قليل المنفعة! والصواب إن الضمير في كانوا يعود على رجال سيف الدولة، جعلهم اسودا وجعل البادية المنهزمة طيرا، وصولة الأسد لا تدرك طيران الطائر، أي: انهم هربوا مسرعين كالطير فلا لوم على جيش سيف الدولة إذ لم يلحقهم لأنهم كالأسد وأولئك كالطير.
وأقول: إن الضمير في فكانوا يرجع إلى ذكر الأعادي قبل؛ يقول: أنهم كانوا كالأسد في الشجاعة إلا أنهم لم يكن، في وقت لحاق سيف الدولة بهم، لهم مصال.
(4/60)

وقوله: على طير أي: على خيل كالطير في السرعة، إلا أنها ليس لها مطار لإعيائها؛ يصف فرسانهم بعدم الغناء في الحرب لكلال خيلهم، أو للخذلان الذي لحقهم بلحاق سيف الدولة لهم.
وقوله: الكامل
إنَّ السُّيوفَ مع الذين قُلوبُهم ... كَقُلوبِهِنَّ إذا التَقَى الجَمْعَانِ
قال: إنما ينفع السيف إذا كان قلب حامله كقلبه في القتال؛ لا هذا يفزع ولا هذا.
وأقول: لو قال: كقلبه في المضاء عند القتال لأصاب وأجاد.
وقوله: البسيط
تَرُدُّ عنهُ الفُرْسَانِ سَابِغَةٌ ... صَوْبُ الأسِنَّةِ في أثنائِهَا دِيَمُ
تَخُطُّ فيها العَوَالي لَيْسَ تَنْفُذُها ... كأنَّ كُلَّ سِنَانٍ فَوْقَهَا قَلَمُ
(4/61)

قال: عظّم شأن درعه وحقّر شان الرماح على كثرتها فيها، وفي هذا من الهجو، بضعف الطعن، ما فيه.
وأقول: هذه صفة حال وقعت، فيها ذم لابن شمشقيق بتولية الدبر وطعنه في ظهره، وإن كان فيها ضعف طعن من لحقه من أصحاب سيف الدولة، فالمقصود إنما هو الأول لا الثاني. على إنه يمكن أن يعتذر لهم بأن درعه كانت، لإحكام نسجها، ملساء كالصفيحة فهي تزلق الأسنة فلا تتمكن منها بالطعن فلا يدل على ضعفه.
وقوله: الطويل
بِعَزْمٍ يَسِيرُ الجِسْمُ في السَّرْجِ رَاكِباً ... به ويَسِيرُ القلبُ في الجِسْمِ مَاشِيَا
قال: يصف قوة العزم على السير. والهاء في (به) تعود على العزم؛ أي: كأن
الجسم، وهو مقيم في السرج، وكأن القلب، وهو مقيم في الجسم، يسبق الجسم.
وأقول: إن هذا ليس بشيء! وهو قول الواحدي. والصحيح قول الشيخ أبي زكريا؛
(4/62)

قال: يصف عزمه بالمضاء والشدة؛ أي إنه عزم على أمر عظيم، فالراكب، وإن كان جسمه في سرج، فكأن قلبه ماش في جسده لأنه في مشقة وتعب لعظم ما يهم به. وهذا المعنى، قبل إن انظر كلام التبريزي، لمحته بعين الفكر وحققته ثم رايته له بعد ذلك فأثبته.
وقوله: البسيط
لا تَجْزِنِي بِضَنىً بي بَعْدَهَا بَقَرٌ ... تَجْزِي دُمُوعِيَ مَسْكُوباً بِمَسْكُوبِ
ذكر معنى البيت نقلا عن غيره، وقال في قوله:
. . . . . . ... تَجْزي دُمُوعِيَ مَسْكوباً. . . . . .
إن مسكوبا بدل من دموعي ولا يحسن الحال هاهنا.
وأقول: ليس كذلك بل هو مفعول ثان، وذلك أن جزى يتعدى إلى مفعولين؛ يقال: جزى الله زيدا خيرا؛ قال المساور بن هند: الطويل
جَزَى اللَّهُ خيراً غَالباً من عَشِيرةٍ ... إذا حَدَثَانُ الدَّهْرِ نَابَتْ نَوائِبُهْ
(4/63)

وقال المعذل: الطويل
جَزَى اللَّهُ فِتْيَانَ العَتِيكِ وإنْ نَأتْ ... بِي الدَّارُ عنهم خَيْرَ ما كانَ جَازِيَا
وقوله: لا تحسن الحال هاهنا.
فأقول: لا تحسن على أن تقتصر على أحد المفعولين، وتكون حكاية حال متعدية، وإن كان دموعي جمعا، ومسكوبا واحدا، وذلك كما تقول: لقيت القوم فارسا بفارس وراجلا براجل.
وقوله: الطويل
وبي ما يَذُودُ الشِّعْرَ عنِّي أقَلُّهُ ... ولكنَّ قَلْبِي يا ابنَةَ القومِ قُلَّبُ
قال: يقول: عندي هموم يصرف الشعر اقلها لولا أن قلبي كثير التقلب لا يموت خاطره.
وهذا ليس بشيء!
وأقول: إن قوله: قلب أي: ثابت عند الحوادث غير مسلوب الحيلة، من قولهم: فلان قلب حول، وهو الذي يقلب الأمور ويحتال لها.
(4/64)

وقوله: الطويل
ثناهُمْ وَبَرْقُ البِيضِ في البَيضِ صَادِقٌ ... عليهِمْ، وبَرْقُ البَيضِ في البِيضِ خُلَّبُ
قال: صادق: مؤثر، وخلب: لا اثر له؛ هذه تبرق وتسيل الدماء، وهذه تبرق ولا تسيل دما.
وأقول: وهذا الذي ذكره لا يتحصل به كثير فائدة!
والمعنى: أنه استعار للبيض والبيض برقين لصقالهما وصفائهما، وجعل برق البيض في البيض صادقا لتأثير السيوف فيها بالقطع ووصولها إلى الرؤوس باراقة الدماء. وجعل برق البيض في البيض خلبا لكونها لم تؤثر في السيوف بالرد والتثليم، لأن برق البيض إنما كان صادقا بتأثير القطع، وفي هذا وصف سيوف الممدوح بالمضاء وقوة الضرب، ووصف بيض أعدائه بعدم الغناء في رد السيوف والوفاء.
وقوله: الطويل
فنالَ حَيَاةً يشتَهِيهَا عَدُوُّهُ ... وموتاً يُشَهِّي المَوْتَ كُلَّ جَبَانِ
قال: يريد إنه مات موتا وحيا لم يعذب قبله بآلام العلل.
(4/65)

وأقول: وهو قول التبريزي.
وأقول: إن الجبان شهوته أن لا يموت قتلا في الحرب مباشر السيوف والرماح. وشبيب: قيل: إنه مات صرعا بالخمر، فالجبان يتمنى أن يموت تلك الموتة.
وقوله: الطويل
ثَنَى يَدَهُ الإحْسَانُ حتى كأنَّهَا ... وقَدْ قُبِضَتْ كانَتْ بغير بَنَانِ
قال: القبض باليد لا يحصل إلا بواسطة البنان. يقول: لما قبضت يده إحسانك الذي ملأها حتى ثناها إلى ورائها فأرسلته صارت كأنها كانت بغير بنان يطبق على الموهوب.
وأقول: لم يرد بثنى يده: عطف يده ولواها إلى ورائها، والمراد غير ذلك وقد بينته في شرح التبريزي.
وقوله: الطويل
وعندَ مَنِ اليومَ الوفاءُ لصَاحِبٍ ... شَبِيبٌ وأوْفَى من تَرَى أخَوانِ؟
(4/66)

قال: كان يظن في شبيب الوفاء فظهر غدره بكافور، فقال: من يغتر بوفائه بعده وهو الذي كان أخا لأصح الناس وفاء؟ كان هو وأوفى الناس سواء.
وأقول: إنه ظن أن قوله:
. . . . . . ... شَبِيبٌ وأوْفَى من تَرَى أخَوَانِ
إنه إخبار عن حاله التي كان عليها قبل الغدر وإنه مدح له وليس كذلك. وإنما ذلك إخبار بما تبين عن قبح غدره، وإن أوفى الناس، أي: اشد الناس وفاء، هو وشبيب اليوم إخوان في قبح الغدر. يريد أن الزمان قد فسد، فلا يوثق اليوم بأحد.
وقوله: الوافر
ومَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إلى المَعَالي ... فلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ
قال: تعجب ممن له نفاذ وعزيمة، ويجد طريقا إلى المعالي ولا يسري إليها سرى يقطع أسنمة الإبل.
وأقول: هذا التفسير على أن ومن معطوف على لمن قبله، وليس كذلك. ولو أراد العطف على البيت الأول لكان ينبغي أن يكون قوله: ولا يذر بالواو لا بالفاء حملا
على البيت الأول وهو: الوافر
(4/67)

عَجِبْتُ لِمَنْ له قَدٌّ وَحَدٌّ ... ويَنْبُو نَبْوَةَ القَضِمِ الكَهَامِ
ويكون ينبو بالنصب لان الواو للجمع. وكذلك قوله:
ومَنْ يَجِدِ الطَّرِيقَ إلى المَعَالي ... فلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ
وقد ذكرت في قوله: ومن يجد أن من للشرط، ويجد مجزوم بها، والفاء في فلا يذر جواب الشرط، وبينت فيه معنى حسنا، فليتأمل في شرح التبريزي.
وقوله: الوافر
وَمَلَّنِيَ الفِراشُ وكانَ جَنْبِي ... يَمَلُّ لقاَءهُ في كُلِّ عامِ
قال: يعني أن مرضه طال حتى مله الفراش، وقد كان كثير الأسفار والنقل المانعة جنبه من لقاء الفراش في العام مرة.
وأقول: إن تخصيصه المرة ليس بشيء! لأنه يحتمل أن يكون أكثر من مرة. وقوله قول الواحدي.
وعندي أن المعنى غير ذلك، وهو أن الفراش مله لطول مرضه العام، وكان في كل عام يمل هو الفراش في مقامه ودعته بسبب قصده الأسفار؛ يقول: انعكست عليَّ القضية فبدلت بالصحة سقما وبالقوة ضعفا.
وقوله: الوافر
إذا مَا فَارَقَتْني غَسَّلَتني ... كأنَّا عاكِفَانِ على حَرَامِ
(4/68)

قال: خص الحرام لأنه جعلها زائرة ليست بزوج ولا سرية.
وأقول: لو قال: لأنه جعلها زائرة في الظلام، فاستتارها وخفاؤها يدل على إنها غريبة ليست بزوج ولا سرية، لأصاب الصواب، إلا إنه لم يذكر ما يدل على ذلك.
وقوله: الطويل
وعَنْ ذَمَلانِ العِيسِ ما سَامَحَتْ به ... وإلاَّ فَفِي أكْوارِهِنَّ عُقَابُ
ذكر في هذا ما ذكره من تقدمه، والصحيح ما ذكرته فيما تقدم فليتأمل.
وقوله: الطويل
وأوْسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْراً وخَلْفَهُ ... رِمَاءٌ وطَعْنٌ والأمَمَ ضِرَابُ
قال: جعل ابن جني الرماء والطعن وراءه من أصحابه، وليس المعنى عليه؛ بل إذا كان الجميع من أعدائه كان امدح.
وأقول: أن الرماء مصدر رامى رماء يكون من الفريقين في الفريقين، وكذلك الطعن، فإذا طاعن أصحابه الأعداء وراءه لزم أن يكون الأعداء وراءه إلا
(4/69)

الذين يضاربهم فانهم قدامه، فلم يخطئ ابن جني على هذا التقدير وفي هذا تفضيله على أصحابه؛ يقول: إذا رامى بعضهم وطاعن بعضهم، ضارب هو فتقدمهم وفضلهم في الشجاعة، وهذا من قول زهير: البسيط
يَطْعَنُهُمْ ما ارتَمَوْا حتى إذا طَّعَنُوا ... ضَارَبَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعْتَنَقَا
وقوله: السريع
لو كانَ ذا الآكلُ أزْوَادَنَا ... ضَيْفاً لأوْلَيْنَاهُ إحْسَانا
قال: هذا مثل قوله فيما مضى: البسيط
جَوْعَانُ يأكُلُ من زَادي ويُمْسِكُني ... . . . . . .
وأقول: هذا وهم، بل هو فيما سيأتي في قوله: البسيط
عِيدٌ بأيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يا عِيدُ ... . . . . . .
وقوله: البسيط
ما يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُ ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ
(4/70)

قال: جعل للموت عند قبض أرواحهم عودا في يده، لئلا يباشر بها قبض أرواحهم استقذارا لها، ضرب ذلك مثلا للموت مجازا.
وأقول: وهذا الذي ذكره هو قول الجماعة، وهو غير مرضي، وقد ذكرت ما عندي فيه فيما قبل.
وقوله: المتقارب
فما كانَ ذلك مَدْحاً لَهُ ... ولكنَّهُ هَجْوَ الوَرَى
قال: لما نافى أهل زمانه فيه من السفال كان مدحه إياه إرغاما لهم.
وأقول: متابعة الجماعة لابن جني في هذا التفسير، ومطابقتهم له على لفظة السفال سفال! وهي لا تدل على معنى في البيت، ولا فصاحة في اللفظ.
ومعنى البيت: أني لما مدحت كافورا ووصفته بصفات الناس وأخلاق الكرام جعلته من الناس، وهو لا يستحق ذلك، كان ذلك هجوا لهم إذ هو ليس منهم وقد أدخلته فيهم.
(4/71)

وقوله: البسيط
أمْضَى الفَريقين في أقرانِهِ ظُبَةً ... والبيضُ هَادِيَةٌ والسُّمْرُ ضلاَّلُ
قال: السيوف تمضي قدما فهي هادية، والرماح تمضي يمينا وشمالا فهي ضلال. وهذا ليس بشيء!
والصحيح أن السيوف هادية في ظلم النقع بضوئها، والرماح ضلال في ظلم الصدور بطعنها.
وقوله: المتقارب
ولا ما تَضُمُّ إلى صَدْرِهَا ... ولَوْ عَلِمَتْ هَالَهَا ضَمُّه0ُ
قال: المعنى: أن أمه لو علمت إنه يكون شجاعا، عظيم الشأن لهالها ضمه إلى صدرها.
وأقول: ليس كذلك! ولكنه جعله أسدا فلم تدر أمه ما ولدت منه، ولا ما تضم إلى صدرها، ولو علمت إنه أسد لهالها ذلك.
(4/72)

وقوله: الكامل
نَافَسْتُ فيه صُورةٌ في سِتْرِهِ ... لَوْ كُنْتُهَا لَخَفِيتُ حتى يَظْهَرَا
قال: ادعى إنه يحسد الصورة لقربها من الحبيبة، حتى لو قدر أن يكون إياها لأخفى نفسه وزال حتى تراها العيون لأنها مما تشوق الأبصار.
وقيل: لخفيت نحولا وضنى حتى يظهر كأنه يشير إلى العدم، وهذه مبالغة تامة.
وأقول: أما قوله: لو قدر أن يكون أباها لأخفى نفسه. . . . . . حتى تراها العيون: إن هذا مما لا يسمح به العاشق، لو قدر عليه، لأنه أشح الناس على محبوبه أن تراه العيون.
وأما قوله: لخفيت نحولا وضنى حتى يظهر فيقال: كيف يضنى إذا كان مكان الصورة، وهو مشاهد لمحبوبته، مواصلها، يمسها وتمسه في حال الدخول والخروج؟ وقد أجبت عن هذا السؤال في شرح التبريزي بما يحصل عنه الانفصال.
(4/73)

وقوله: الخفيف
مَثَّلُوهُ في جَفْنِهِ خَشْيَةَ الفَقْ ... دِ ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ
قال: قوله:
. . . . . . ... . . . . . . ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ
أي: غشوة بفضة منقوشة نقشا دقيقا، وأرادوا بذلك تمثيله، لأنه لا يكون مسلولا دائما لينظر إلى حسنه، فلخشية فقدهم له جعلوا غمده مشبها له فضة بيضاء، نقشها الدقيق كفرنده.
وأقول: إنه قد ذكر فيه أقوال؛ هذا أحدها. والذي عندي فيه أن هذا البيت مرتب على ما قبله، وهو قوله: الخفيف
كلَّما سُلَّ ضَاحَكَتْهُ إيَاةٌ ... تَزْعُمُ الشَّمْسُ أنَّها أرْادُهْ
فأخبر أن الشمس تزعم إنها ترب له ونظير، فلما ادعت الشمس ذلك مثلوه في جفنه خشية الفقد؛ أي، جعلوه ماثلا مقيما في غمده لأنه نور، خشية أن يذهب كما تذهب الشمس، وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ
(4/74)

أي: يغمد في غمد شريف من جنس جوهره، وهو الذهب، ويدل عليه قوله: الخفيف
مُنْعَلٌ لا مِنَ الحَفَا ذَهَباً. . . . . . ... . . . . . .
فعلى هذا غمده محلى بالذهب.
وأما الفضة، التي ذكرها الشيخ، ونقشها، وهو قول ابن فورجة، فليس في كلامه ما يدل عليها.
وقوله: الخفيف
ورجَتْ رَاحَةً بِنَا لا تَراهَا ... وبلادٌ نسير فيها بلادُهْ
قال: رجت أن تستريح عندنا، وذلك لا تراه، لأنا نسير صحبته في غزواته وصيده، فما دمنا في خدمته فلا راحة لها.
وأقول: أجود من هذا ما قال ابن جني: إن خيله رجت أن تستريح عندي من طول كده لها، وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده،
(4/75)

والعمل الذي يتولاه لسعة بلده. وهذا يكون عند انصرافه عن ابن العميد، وفي هذا تعظيم له وإغراق، وهو مثل قوله في بني عبد العزيز: الكامل
. . . . . . ... ولكلِّ رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ
أي: العيس التي يركبونها إليهم لهم، وكذلك الفلاة التي يسيرون فيها إليهم.
وقوله: الخفيف
أنَا مِنْ أصْيَدِ البُزاةِ ولكنْ ... نَ أجَلَّ النُّجومِ لا أصْطَادُهْ
قال: قال ابن جني: لو استوى أن يقول: أعلى النجوم كان أليق. وليس هذا بشيء! لأنه جعل الممدوح نجما في علو القدر، ثم انظر إلى جلالة قدره في الرئاسة.
فيقال لابن جني: كان يستوي له أن يقول: ولكني أعلى النجوم، فيزيد ياء، ولا يفوت أبا الطيب ذلك لو رآه صوابا، ولو قال ذلك لدخل عليه نجوم كالسها وما أشبهه، ولكنه أراد بأجلّ النجوم الشمس، وهي أشرف الكواكب وأعظمها وأضوؤها، وهذا التفسير لم أجده لأحد سواي.
(4/76)

وقوله: الطويل
وتلقَى نَواصيهَا المَنايَا مُشِيحَةً ... وُرُودَ قَطاً صُمٍّ تَشَايَحْنَ في وِرْدِ
قال: مشيحة: جادة في لقاء الموت إيثارا لبقائها في ملكه، ولا ترى الخروج من يده إلى غيره حبا له.
وأقول: إن قوله: جادة في لقاء الموت حسن، وما زاد على ذلك من قوله: إيثار لبقائها في ملكه. . . . . . إلى اخره، ليس بشيء! وإنما أوقعه في ذلك البيت الذي
(4/77)

قبله وذكر تعرض أعناق الخيل لزواره خوفا من الخروج إليهم عنه، فرتب البيت الثاني عليه، وجعل جدها في لقاء المنايا إيثارا لبقائها عنده، وليس الأمر كذلك، وإنما وصف خيله بحالتين محمودتين:
حالة تكون في السلم، فهي تتعرض بأعناقها خوفا من مفارقته بإعطائها الزوار كما تتعرض الوحش خوفا من الطرد.
وحالة تكون في الحرب، فهي لا تعرض وتنحرف بل تلقى بنواصيها الموت جادة في طلبه كما تجد القطا في طلب الماء. فليس ذلك لخروجها عن ملكه بل ذلك لما عوّدها من لقاء العدو.
وقوله: الطويل
يُغَيِّرُ ألوانُ اللَّيالي على العِدَا ... بمَنْشُورةِ الرَّايَاتِ مَنْصُورةِ الجُنْدِ
قال: الليالي سود، وتغيرها بالنيران في جيوشه وتألق السلاح من عساكره التي هي منشورة الرايات، فحذف الموصول للعلم به.
وأقول: لم يحذف الموصول وإنما حذف الموصوف؛ أي: بكتيبة منشورة الرايات.
(4/78)

وقوله: الطويل
وكلُّ شَريكٍ في السُّرورِ بِمُصْبَحي ... أرَى بَعْدَهُ مَنْ لا يَرَى مثلَهُ بَعْدِي
ذكر فيه من التقدير ما لا يؤديه اللفظ ولا يحسن معه المعنى. والجيد أن يقال فيه: وكل شريك شاركني في السرور بمصبحي عندك وبما نلت أنا وإياه من رفدك، أرى بعده؛ أي: بعد المصبح أو الشريك، من لا يرى مثله، أي: إنسانا لا يرى مثل شريكي بعدي؛ أي: لا يرى مثلي ومثله، وأنا أتقدمه في الفضيلة وهو بعدي.
وقوله: المنسرح
وصَارَتِ الفَيْلقَانِ وَاحِدَةً ... تَعْثُرُ أحْيَاؤُهَا بِمَوْتَاهَا
(4/79)

قال: المعنى إن المخالفين له يصيرون من عبيده وأصحابه.
وقال ابن جني: إنه يشن الغارة في الارض، فيختلط الجيش بالجيش حتى يصير واحدا.
وقال غيره: يجتمع أهل هذا الزمان وتلك الأزمنة فيصيرون شيئا واحدا، وتضيق الأرض بهم حتى يعثر حيها بميتها للزحمة وكثرة الناس.
قال: وهذا مثل قوله: الطويل
سُبقنا إلى الدنيا فلو عاشَ أهْلُهَا ... مُنِعْنَا بها جِيئَةٍ وذُهُوبِ
وأقول: الصواب من هذه الأقوال قول ابن جني، وأعجب من ظهوره في الصحة وظهور ما سواه في الفساد! كيف قرن به غيره مكثرا، وهو إنما ذكر هذه الحواشي مختصرا؟ ومن نظره في بعض المواضع ما هو أخفى من الشعر وخفائه عليه في بعضها ما هو أجفى من الشرع!
(4/80)

وقوله: المنسرح
ودَارتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍ ... تَسْجُدُ أقْمَارُهَا لأبْهَاهَا
قال: يريد بالنيرات ملوك الدنيا إذا اجتمعوا في زمن واحد. وأراد بأبهاها عضد الدولة.
وأقول: قال الشيخ أبو الفتح، وهو الصحيح: شبّه الجيوش لمّا اختلط بعضها ببعض بفلك تدور فيه نجومه، وشبّه ملوك الجيوش بالأقمار، وشبّه عضد الدولة بالشمس لأنه أشرفهم وأشهرهم، والهاء في أبهاها عائدة على الأقمار. ومعنى تسجد تذل وتخضع.
وقوله: المنسرح
النَّاسُ كالعَابدين آلِهَةً ... وعَبْدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّها
قال: أي: من التجأ إلى غيره لم يجد عنده ما يغنيه عن سواه، فهو يرجو هذا وهذا، ومن التجأ إليه كفاه وأغناه عمن سواه، فكأنه موحد لله لا يرجو الرزق من غيره.
وأقول: هذا قول ابن جني، والأولى غيره؛ أي: الناس الذين هم في دين غيره ضلال، والذين هم في دينه وطاعته مهتدون، وضرب لذلك مثلا بالشرك والتوحيد.
(4/81)

وقوله: الوافر
ولكنَّ الفَتَى العَربيَّ فيها ... غريبُ الوَجْهِ واليَدِ واللِّسَانِ
اختلف في قوله: غريب اليد فقال ابن جني: سلاحه غير سلاحهم.
وقال المعري: اليد هنا النعمة.
وقال الكندي آخرا: عندي أن غربة اليد هنا، عبارة عن قلة الانبساط إليهم، لأنها مظنة الأخذ والعطاء.
وأقول: وعندي أن غربة اليد كناية عن عدم فهم الكتابة، كما أن غربة اللسان كناية عن عدم فهم اللغة، فاليد في هذه بلاد لا يفهم منها ما تكتب، كما أن اللسان لا يفهم منه ما يقول. وهذا هو المعنى الذي أراده أبو الطيب لمن تدبره بقلبه وأنصف بلسانه.
(4/82)

وقوله: الوافر
وأمْوَاهٌ يَصِلُّ بها حَصَاهَا ... صَلِيلَ الحَلْي في أيْدِي الغَوَاني
قال: بها: أي بالأمواه، أي: يصل حصاها بجريها عليه، وفيه تشبيه خفي للأشجار بالغواني، والحصى بالحلي.
وأقول: هذا التشبيه للأشجار بالغواني من أين صار إليه، وليس في كلامه ما يدل عليه؟ وكأنه لمّا رأى التبريزي قال: إن في هذا البيت صفة الأمواه وحصاها، فجعل حصاها كالحلي وجعلها كالغانيات من النساء، وهذان تشبيهان في مشبهين جعل هو مكان تشبيه الأمواه بالغواني تشبيه الأشجار بالغواني من غير دلالة.
والذي عندي في هذا إنه شبه أصوات حصى هذه المياه بجريها في أنها تشوق القلوب وتستفزها كما يشوق القلوب الحلي في أيدي الغواني، ولا يحسن أن يكون الحلي هاهنا الأسورة وما أشبهها مما يجعل في اليد، فإن ذلك لا يوصف بالصليل والتصويت، ولكن الحلي هاهنا ما يكون في الأعناق من القلائد فهن يعبثن بأيديهن ويلعبن فيصوت فيشوق القلوب ويجذبها.
وقوله: الوافر
له عَلَّمْتُ نَفْسِي القَوْلَ فيهم ... كتَعْليمِ الطِّرادِ بلا سِنَانِ
(4/83)

قال: أي: إنما تأخرت عنه، لا تدرب بمدائح من مدحتهم، حتى أتمهر وأبلغ درجة الكمال بالشعر، ثم أقصد حضرته بعد ذلك وأمدحه، فكنت كمن طارد مدة بلا سنان ليتعلم ويتمهر ثم صار أهلا للطعان بالسنان.
وأقول: إن فيه زيادة، وهي أن المدائح التي كنت أمدح بها غيره، لم تكن مني جدا بل كانت بمنزلة الطعان بلا سنان، وهو اللعب، ومدائحه هي الجد بمنزلة الطعان بالسنان.
وقوله: الوافر
بِعَضْدِ الدَّولةِ امتَنَعَتْ وعَزَّتْ ... وليس لغَيْرِ ذي عَضُدٍ يَدَانِ
ولا قبضٌ على البِيضِ الموَاضِي ... ولا حَظٌّ من السُّمْرِ اللِّدَانِ
قال: أي: الدولة به قدرت وقهرت، وإنما صارت ذات يدين بكونه عضدا لها، وعرّض بسيف الدولة وغيره من الملوك رمزا خفيا؛ أي: غيره لا يقوم مقامه في الدفع عن الدولة لأنها لا عضد لها، ومن لا عضد له لا يد له، ومن لا يد له، لا قبض له على السيوف للضراب بها، ولا حظ له من الرماح للطعن بها.
وأقول: إن هذا موضع حسن، إنما أثبته تنبيها للأخذ عنه لا لأخذ عليه، وإن كان التبريزي قد سبقه إليه، إلا إنه زاد بحسن الترتيب عليه.
(4/84)

وقوله: الوافر
رُقَاهُ كلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ ... لِكُلِّ أصَمَّ صِلٍّ أُفْعُوانِ
قال: اللص الخبيث صل والسيف رقيته.
وأقول: إنما أداه إلى هذا التفسير دون غيره ليجمع بين لفظ لص وصل، والمعنى غير ذلك! يريد إنه يدفع الشر بما هو أشد منه؛ أي: أذى الرمح الذي هو كالصل في لسعه وسمه لا يدفعه بالرقى والكلام، كما جرت به العادة، ولكنه يدفعه بالفعل من السيف خاصة، لأن سم صل الرمح ليس له رقى غير السيف. ومعناه إنه يدفع أذى الأعداء بالقهر لهم والقسر، لا باللين لهم والرفق. وفي هذا البيت من حسن المعنى وصحة اللفظ وجودة السبك ما لا زيادة عليه. واتفق له فيه من البديع أن أصم من صفة الرمح، وهو الصلب القناة، ومن صفة الحية، وهو الصل الذي لا
يجيب الرقاة.
وقوله: الوافر
حَمَى أطْرَافَ فارِسَ شَمَّريٌّ ... يَحُضُّ على التَّبَاقي في التَّفَاني
قال: أراد بشمري الممدوح، ولو قال: بالتفاني لكان أبين؛ أي: بالقتل يحصل الكف عن القتل.
(4/85)

وأقول: الذي ذكره الشيخ معنى حسن ظاهر، كما قال، إلا إنه غير الذي قصده أبو الطيب، ومعنى هذا البيت معنى قوله: البسيط
. . . . . . ... . . . . . . إذَا تَلِفُوا قُدْماً فقَدْ سَلِموا
وقوله: المتقارب
. . . . . . ... وبالمَوْتِ في الحَرْبِ تَبْغي الخُلُودَا
وقوله: الوافر
بَضَرْبٍ هَاجَ أطْرَابَ المَنَايَا ... سِوَى طَربِ المثَالثِ والمَثَاني
قال: جعل للمنايا طربا في قتل الذعار، إلا إنه لا يشبه طرب الأوتار!
وأقول: إنه إنما ذكر لفظة الذعار لسجعة الأوتار وذلك تحسين للفظ وتغيير للمعنى، والذعار هم المفسدون والسراق، وهو يظن أن أبا الطيب في هذه الأبيات مستمر في ذكر اللصوص من قوله: الوافر
يُذِمُّ على اللُّصُوص. . . . . . ... . . . . . .
(4/86)

وليس الأمر كذلك، بل قطع ذكرهم وأخذ في ذكر ما هو أعظم منهم من قتال الأعداء واصطلاء الحروب، وابتدأ في ذلك من قوله:
رُقَاهُ كُلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ ... . . . . . .
وقوله: السريع
لَوْ دَرَتِ الدُّنْيَا بما عِنْدَهُ ... لاستَحْيَتِ الأيَّامُ من عَتْبِهِ
قال: أي لو علمت الأيام بما فيه من الفضل والنفاسة، لاستحيت من عتبه عليها وكفت من أذاه.
وأقول: إن أبا الطيب لم يرد إلا ما عنده من الحزن والكابة على عمته، لا الفضل والنفاسة فإنها تعلمه، ويدل على ذلك ما بعده من أن عمته كانت في بغداد فظنت الأيام إنه لا يتأذى بموتها لكونها بعيدة عنه، وإنها، لبعدها، ليست مقيمة في ذرا سيفه وفي جواره، فلو علمت ذلك لاستحيت من عتبه. وفي هذا إشارة إلى أن الأيام مسالمة له، طائعة لأمره، متجنبة ما يسوءه ولمن هو بسببه.
(4/87)

وقوله: السريع
أخَافُ أنْ يَفْطُنَ أعْدَاؤُهُ ... فَجُفِلوا خَوْفاً إلى قُرْبِهِ
قال: أي لو فطن الأعداء بهذا المعنى، لاعتصموا بالقرب من داره، ليأمنوا منه ومن دهرهم.
وقال: أطال في هذا المعنى وأسهب، ثم خرج إلى التحقيق. أي: ما ذكره بعد ذلك من الموت وأحواله في قوله: السريع
لا بُدَّ للإنْسَانِ من ضَجْعَةٍ ... لا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنْبِهِ
ثم قال الشيخ: على أن في لقاء الملوك به جفاء.
وأقول مثل قوله، وان هذا الموضع من بعض جفائه، وغلظ طباعه، وسوء عشرته، ومن ذلك قصيدته الميمية التي أولها: البسيط
وَاحَرَّ قَلْبَاهُ ممَّنْ قلبُهُ شَبِمُ ... . . . . . .
ومواجهته سيف الدولة، ابتداء بأن قلبه حار وقلبه بارد، وان بجسمه وحاله عنده سقم، وهذا أيسر ما يتبع ذلك في أثناء هذه القصيدة، وقد علم، وعلّم
(4/88)

الناس كيف كان حاله قبل مصيره إليه واتصاله به، وهذا متجاوز حد الجفاء والغلظ إلى حد السفه والجنون، حتى أن سيف الدولة أراد قتله لولا البقية والتقية، وإشفاقا من
سوء الأحدوثة، والسمعة.
وقوله: المنسرح
عُدْ وأعِدْهَا فحبَّذَا تَلَفٌ ... ألْصَقَ ثَدْيِي بِثَدْيِهَا النَّاهِدْ
قال: الغشية سبب مجيء الخيال وهي المعيدة له، لا هو المعيدها، فهي أولى بالخطاب. والكلام مقلوب عن أصل وضعه.
(4/89)

وأقول: ومع ذلك فان تشبيه الغشية وهي ضرب من الموت بالرقدة، ليغرب في المعنى، ضرب من التعسف والتكلف والإحالة والثقالة. وكذلك جميع غزله في مدائح عضد الدولة وابن العميد، ولاسيما غزل هذه القصيدة ووزنها وقافيتها، وما فيه من البرد والجمود، ونبو السمع عنه، وتجهم القلب له.
وقوله: الوافر
ولا إلاَّ بأنْ يُصْغِي وأحْكِي ... فَلَيْتَهُ لا يُتَيِّمُهُ هَواكَا
(4/90)

قال الشيخ: وفي هذا أحماض ومزح مع الممدوح.
قلت: وتقديم وتوطئة للدلالة قبل الرسالة، وهذا أيضا أحماض ومزح مع المادح!
وقوله: الوافر
وما أنَا غير سَهْمٍ في هَوَاءٍ ... يعَوُدُ ولَمْ يَجِدْ فيه امتِسَاكَا
قال: ما قيل في السرعة، وتقليل اللبث، ابلغ من هذا البيت!
وأقول: لم يرد ذلك، لأن هذا التقليل في غاية التطفيل والتثقيل، والمعنى ما ذكرته فيما قبل، فتأمله تر الصواب.
هذه جملة المآخذ على الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، والحمد لله وحده وصلواته على محمد وآله.
(4/91)

سمع جميع هذا الكتاب على مصنفه الشيخ الإمام العالم العلامة عز الدين، حجة العرب، افتخار أهل الأدب، أبي العباس أحمد بن علي بن معقل الازدي المهلبي
بقراءة الإمام الفاضل جمال الدين أبي العباس أحمد بن عبد الله بن شعيب التميمي، الائمة:
شرف الدين أبو عبد الله الخطيب بن إبراهيم الاربلي
ونجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العز أبي طالب، الشيباني الصفار.
وجمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الجليل بن الموقاني.
(4/92)

والحكيم أبو العباس أحمد بن صدّيق الطبيب.
وابنه محمد
ومحمد بن إبراهيم بن محمد الحمصي
ويوسف بن محمد بن يوسف البرزالي.
ومحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي.
وعمه عبد الله بن إسماعيل.
وكاتب السماع إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن الحسن القرشي.
وذلك في يوم الأربعاء السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربعين وست مائة بمنزل المسمع بدمشق، وأجاز للجماعة جميع ما يجوز له روايته، وبلفظه بذلك، والحمد لله وحده.
(4/93)