Advertisement

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي 005



الجزء الخامس
المآخذ على شرح الواحدي
القسم الأول
(5/5)

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
هذه مآخذ على الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي في شرح ديوان أبي الطيب، أحمد بن الحسين المتنبي. من ذلك قوله: المنسرح
فَفِي فُؤَاد المُحِبِّ نَارُ جَوىً ... أحَرُّ نَارِ الجَحيمِ أبْرَدُهَا
قال: الجحيم: النار الشديدة التوقد، العظيمة؛ يقول: أحر النار، العظيمة المتوقدة،
أبرد نار الهوى، يعني أن نار الهوى أشد حرارة.
وأقول: إن نار الجحيم على تفسيره إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك غير جائز، وإنما الجحيم هاهنا من أسماء النار في الآخرة نحو: جهنم، ولظى، وسقر، فعلى هذا يحسن إضافة النار إلى الجحيم، تخصيصاً لها؛ لأنها أعظم نار، وأحرها، وأشدها. وهذا الذي قصد المتنبي، وفي ذلك كثرة غلو، وقلة تحرج، بجعل أبرد نار للهوى أشد حرارة من أحر نار للجحيم، وهو مجاز شعري، لا يتحرج منه مثل المتنبي.
(5/7)

وقوله: المنسرح
في مِثْلِ ظَهْرِ المِجَنِّ مُتَّصِلٍ ... بِمِثْلِ بَطْنِ المِجَنِّ قَرْدَدُهَا
قال: القَرْدَدُ: أرض فيها نجاد ووهاد، وظهر المجن ناتٍ وبطنه لاطٍ فهو كالصعود والهبوط؛ أراد: يسبقه تأيدها في مفازة مثل ظهر المجن متصل قرددها بمثل بطن المجن؛ أي: أرضها الصلبة بمفازة أخرى مثل بطن المجن.
فيقال له: القَرْدَدُ: المكان الغليظ المرتفع، وليس كما ذكرت، من إنه أرض فيها نجاد ووهاد. وإنما غره ذكر ظهر المجن وبطنه، فظن إنه تشبيه بأرض واحدة، وإنما هو تشبيه أرضين؛ مرتفعة ومنخفضة، متصلة إحداهما بالأخرى، وقد بين ذلك بقوله: في مَفَازٍة مثل ظَهْرِ المجن إلى آخره. فتناقض في كلامه ولم يشعر!
وقوله: المنسرح
له أيَاد إليَّ سَالِفَةٌ ... أُعَدُّ مِنْهَا ولا أُعَدِّدُهَا
قال: إليَّ من صلة معنى الأيادي، لا من صلة لفظها؛ لأنه يقال: له عندي يد، ولا يقال: له إليَّ.
(5/8)

وأقول: يريد بمعنى الأيادي الإحسان؛ لأنه يقال: له إحسان إلي، ولا يقال: له أياد إلي، فيقال له: إلي، هنا، بمعنى عند، وقد استُعمل ذلك كثيرا؛ منه قول الراعي:
الطويل
ثَقَالٌ إذا رَادَ النَّسَاءُ، خَريدةٌ ... صَنَاعٌ فقد سَادَتْ إليَّ الغَوانِيَا
أي: عندي
وقال أبو كبير: الكامل
أمْ لا سَبيلَ إلى الشَّباب، وذِكْرُهُ ... أشْهَى إليَّ من الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
أي: عندي.
وقول غيرهما.
وقال في معنى البيت: قال أبو الفتح: أي: أنا أحدها، كما قال الجماز: السريع
لا تَنْتِفَنِّي بعد ما رشْتَنِي ... فإنني بعضُ أياَدِيكَا
ثم قال: يريد إنه وهب له نفسه!
قال الواحدي: وهذا فاسد؛ لأنه ليس في البيت ما يدل على إنه خلَّصه من ورطة، أو أنقذه من بلية، أو أعفاه من قصاص وجب عليه، ولكنه يقول: أنا غَذِيُّ نعمته، وربيب إحسانه، فنفسي من جملة نعمه.
(5/9)

فيقال: أما استشهاده بالبيت على ما ذكر، فحسن ليس فيه طعن. وأما قوله: يريد إنه وهب له نفسه، فيريد إنه كان في جهد من العيش، وعلى شفاً من الفقر فأنقذه بعطائه وحبائه، فقوله غير فاسد بما فسَّرته وألزمته وذهبت به عن غير وجهه لتوجه عليه الأخذ، بل هو مطابق لما رأيته من حيث لا تعلم.
وقوله: المنسرح
يا ليتَ بي ضَرْبةً أُتيحَ لها ... كما أُتِيحَتْ له مُحَمَّدُهَا
قال: كان هذا العلوي قد أصابته في بعض حروبه ضربة على وجهه، فقال: ليت الضربة التي قُدَّر لها مُحمَّدها - يعني الممدوح - كما قُدرت له، كانت بي؛ أي: ليتني فديته من تلك الضربة، فوقعت بي دونه. ويجوز أن يكون الممدوح أتاح
وجهه للضربة حين ثبت في الحرب فجُرح فتمنى المتنبي رتبته في الشجاعة، وأضاف محمداً إلى الضربة إشارة إلى أنها كسته الحمد فأكثرت حتى صار محمداً بها.
فيقال له: الوجه الأول الذي اعتمدت عليه، بتقديمك له، فاسد لأنه لا يسوغ له أن يفديه من ضربة كسته حمداً على قولك، ولم تؤثر فيه بل أثر فيها. فهذا التمني بمعنى الدعاء على الممدوح على هذا الوجه. والوجه الصحيح هو الثاني، وهو إنه تمنى رتبته في الحال التي قُدرت له من الشجاعة.
(5/10)

وقوله: وأضاف محمدا إلى الضربة إشارة إلى أنها كسته الحمد وأكثرت حتى صار محمدا بها خطأ من وجهين:
أحدهما: إنه جعل الضربة كسته حمدا، وذلك بالعكس بل اكتست به، ويدل على ذلك قوله فيما بعد: المنسرح
واغْتَبَطَتْ إذْ رَأتْ تَزَيُّنَهَ ... بمثِلِه والجِرَاحُ تَحسُدُهَا
يعني: أن الضربة فرحت، لما تزينت بالممدوح، في حال حسد الجراح لها؛ لأنها تمنت أن تكون مكانها، لما حصل لها من الشرف به دونها.
والوجه الثاني: من الخطأ قوله: كسته الحمد والشرف حتى صار محمدا، وذلك إنه جعل محمدا هاهنا صفة تكثير كما يقال: كرمته فهو مكرم، وقدمته فهو مقدم. وليس كذلك بل محمد اسم علم على الممدوح، أضافه إلى الضربة لشدة اعتناء الممدوح بذلك الفعل، والإكثار منه كقولهم: عمرو القنا، وزيد الخيل، وقيس الرأي، وقس البيان، وحاتم الجود، وقول الراجز: الرجز
يا زيدُ زَيْدَ اليَعْمُلاتِ الذُّبَّلِ
وأشباه ذلك.
وقوله: المنسرح
أثَّر فيها وفي الحَديدِ وما ... أثَّر في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
قال: قصد السيف، والضربة إزهاق روحه وإهلاكه، فردهما عن قصدهما فهذا تأثيره
(5/11)

فيهما. وقوله:
. . . . . . وما ... أثَّر في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
أي: ما شانه، ولا أثَّر تأثيرا لأن الضربة على الوجه شعار الكرام، والعرب تفتخر بالضرب على الوجه. ألا ترى إلى قول الحصين: الطويل
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما
فيقال: هذا خبط عشواء وكلام من هو ذاهب عن الرشد ليس -كما ذكر في الخطبة- سالكاً الجدد ولا سابقاً غيره. البسيط
......... سبق الجواد إذا استولى على الأمد
وقول المتنبي: المنسرح
أثر فيها وفي الحديد .........
يس كما زعمت أنت غيرك، وإنما هذا من المقلوب على طريق المبالغة، يقول: الممدوح أثر في الضرب وفي السيف الذين من شأنهما أن يؤثرا وما أثرا فيه، وذلك نحو قوله: الطويل
طِوَالُ الرُّدَيِنْيَّاتِ يَقْصِفُها دَمِي ... وبيضُ السُّرَيْجِيَّاتِ يَقْطَعُهَا لَحْمي
وقوله: المنسرح
(5/12)

تَبْكي على الأنْصُلِ الغفُمُودُ إذا ... أنْذَرَهَا إنه يُجَرِّدُهَا
لِعِلْمِهَا أنَّها تَصِيرُ دَماً ... وإنه في الرِّقابِ يُغْمِدُهَا
قال: يقول: إذا أنذر الغمود بتجريد السيوف، بكت عليها، لعلم الغمود إنه يغمس السيوف في رقاب الاعداء، حتى تصير كأنها دم، لخفاء لونها بلون الدم؛ وإنه يتخذ لها أغمادا من رقاب الأعداء؛ أي: أنها لا تعود إلى الغمود فلذلك تبكي عليها.
وأقول: لو أتم ذلك بأن قال: للمصاحبة التي بينهما؛ لأن المصاحب يبكي لفراق مصاحبه، لأفاد وأجاد.
وهذان البيتان، يُرى كان الثاني منهما تتمة للاول؛ يزيد في معناه، أو لا معنى له من دونه، وليس الأمر كذلك بل إذا انفرد البيت الأول من الثاني، كان مستقلا بنفسه واكمل معنى؛ وبيانه: إنه إذا انذر الغمود إنه يُجرد السيوف، بكت عليها لعلمها بالعادة إنه سيقتلها في جسم القتيل بها، لما ذكرنا من الصحبة التي بينهما. وإذا اتصل بالبيت الثاني كان المعنى أن الغمود تبكي لفراقها، لكونها تصير في غمود غيرها وهي الرقاب، والبكاء على الفاني الماضي أولى من البكاء على الباقي النائي، والمديح به اكمل والمعنى اجمل.
وقوله: المنسرح
تَنْقَدِحُ النَّارُ من مَضَاربها ... وصَبُّ مَاءِ الرِّقابِ يُخْمِدُهَا
(5/13)

قال: إنها تصير إلى الأرض لشدة الضرب فتوري النار، ثم يُخمدها ما ينصب من الدماء عليها.
وأقول: لم يُرد بمضاربها ضربها وإنما أراد حدودها، فالنار تنقدح منها لعتقها وجودتها وحسن جوهرها، لا بالضرب والإيراء بالبلوغ إلى الأرض؛ لأنها لا توري النار إلا وقد سبقت الدماء، ومستحيل الإيراء مع صب الدماء، فينبغي أن يكون انقداح النار منها قبل الضرب بها وصب ماء الرقاب عليها. وإذا كانت السيوف قد شُبهت كلها بالنار فالأولى أن تُشبه حدودها بالنار، أو تُجعل النار تنقدح منها.
وقوله: المنسرح
قد أجمْعَتْ هَذه الخَليقةُ لي ... أنَّكَ يا ابْنَ النَّبيَّ أوْحَدُهَا
قال: أجمعت الخليقة موافقة لي، أنك أوحدها. ويجوز أن يكون على التقديم والتأخير؛ أي: أوحدها إحساناً إليَّ وأفضالاً عليَّ، ولا يكون في هذا كبير مدح. ويجوز أن يكون: أجمعت فقالت لي؛ لأن القول يُضمر كثيرا.
وأقول: هذه الوجوه كلها تخيلات على تقرير قوله: لي، وهي أينما قُررت قلقة مضطربة، ولو إنه قال:
قَدْ أجْمَعتْ سَادةُ الأنام معي ... . . . . . .
أو:
. . . . . . الكرام. . . . . . ... . . . . . .
لهجر التكلف وأمن التعسف.
(5/14)

وقوله: المنسرح
ومَكْرُمَاتٍ مَشَتْ على قَدَمِ ال ... برِّ إلى مَنْزلي تُرَدِّدُهَا
أقَرَّ جِلْدي بها عَلَيَّ فما ... أَقْدِرُ حتى المَمَاتِ أَجْحَدُهَا
قال: أراد بالمكرمات هاهنا ثيابا أنفذها؛ أي: أقر الجلد بظهور ما عليه من الخلع للناس الناظرين اليه، فكأنه باكتسائه ناطق مُقر، كما قال الناشئ الأكبر: الطويل
ولَوْ لَمْ يَبُحْ بالشُّكْرِ لَفْظي لَخَبَّرَتْ ... يَميني بما أوْلَيْتَني وشِمَاليَا
وأقول: المعنى الذي قصده أبو الطيب، أتم مما ذكره الواحدي، وهو إنه أراد بالثوب الناطق بشكره جلده؛ جعله كأنه كساه إياه بجوده وإحسانه، وهو من قول الحطيئة: الطويل
سَقَوا جَارَكَ العَيْمَان لما تَرَكْتَهُ ... وَبَرَّدَ عن بَرْدِ الشِّتاءِ مَشَافِرُهْ
سنَاماً ومَحْضاً أنْبَتَ اللَّحْمَ فاكْتَسَتْ ... عظامُ امرئٍ مَا كانَ يشبَعُ طائِرُهْ
ومثله قوله: الوافر
وإن يَكُ سَيْفَ دولةِ غيرِ قَيْسٍ ... فمنه جلودُ قَيسٍ والثيابُ
(5/15)

ويكون إقرار جلده هاهنا مثل قوله في مكان آخر: المنسرح
تُنْشِدُ أثوابُنَا مدائِحَهُ ... بألْسُنٍ ما لَهُنَّ أفْواهُ
وقوله: البسيط
مُلَقَّبٌ بك ما لُقِّبتَ وَيْكَ به ... يا أيُّهَا اللَّقَبُ المُلْقَى على اللَّقَبِ
قال: يقول: ما لُقبت به مُلقب بك؛ أي: أنت تشين لقبك وأنت بنفسك عار له، فلقبك مُلقى على لقب؛ أي: على عار وخزي.
وأقول: تفسيره النصف الأول مستقيم، وهو ظاهر والثاني لم يتبين له وهوانه أراد بقوله:
. . . . . . ... يا أيُّهَا اللقبُ المُلْقَى على اللَّقَبِ
يا أيها الشائن العائب ما من شأنه أن يُعاب ويُشان به، وذلك إنه جعله لقباً للقب
فهو عار مُلقى على اللقب، أي: عار له، لا اللقب ملقى عليه عار عليه.
(5/16)

وقوله: الكامل
يا وَجْهَ دَاهِيَةَ الذي لولاك ما ... أكَلَ الضَّنَى جِسْمي وَرَضَّ الأعْظُمَا
قال: قال ابن جني: داهية اسم التي شبب بها.
وقال ابن فورجة: ليس باسم علم لها، ولكنه كنى به عن اسمها، على سبيل التضجر بما حل به من بلائها؛ أي: إنها لم تكن إلا داهية علي.
والوجه قول ابن جني لترك صرفها في البيت، ولو لم تكن علما لكان الوجه صرفها.
فيقال: إذا كنى عن اسمها فقال: يا وجه داهية على التحقيق لما حل به منها، لا: فلانة، يريد: نحو عائشة وفاطمة. كيف يكون الوجه صرفها لولا قلة التأمل وكثرة التغفل! فالوجه الذي ذكره ابن فورجة سائغ في المعنى وفي الاعراب، غير خارج من حيز الصواب.
وقوله: الكامل
أنْ كانَ أغْنَاهَا السُّلُوُّ فإنني ... أصْبَحْتُ من كَبِدِي ومنها مُعْدِمَا
(5/17)

أقول: لو قال:
. . . . . . ... أصْبَحْتُ من صَبْري. . . . . .
فوضع: صبري أو جلدي مكان كبدي لكان أحسن وألطف وأصنع. ولكنه أجفى وأغلظ من ذلك!
وقوله: الكامل
يا أيُّهَا المَلِكُ المُصَفَّى جَوْهَراً ... مِنْ ذاتِ ذي المَلَكُوتِ أسْمَى من سَمَا
أقول: أن هذا البيت وثانيه ورابعه وخامسه من أقبح الشعر وأرذل الألفاظ وأخس المعاني، ولا يصدر مثل هذا إلا عن متهافت في الرأي والعقل، غير متماسك في
التقى والدين، وكأنه ينبه على قائله بذلك بل ينادي!
وقوله: الطويل
وخُضْرَةُ ثَوْبِ العَيْش في الخُضْرَةِ التي ... أرتْكَ احْمِرَارَ المَوْتِ في مَدْرَجِ النَّمْلِ
(5/18)

قال: مدرج النمل: مدبه، وهو حيث درج فيه بقوائمه فأثر آثاراً دقيقة، وجعل النصل مدرج النمل لما فيه من آثار الفرند.
وأقول: مفهوم قوله إنه شبه جوهر السيف بآثار النمل لخفائها ودقتها. وليس كذلك، إنما تشبيه جوهر السيف بالنمل أنفسها لا بآثارها، وذلك لما يُشاهد من تفرقه وتنقله واضطرابه مع صغره. وهذا الذي أرادته الشعراء؛ قال أوس: الطويل
كأنَّ قُرَى نَمْلٍ على جَنَبِاتِه ... أحَسَّ بِقَلعٍ نَفْخَ ريحٍ فأجْفَلا
وقوله: البسيط
إلاَّ يَثِبْ فَلَقَدْ شَابَتْ له كَبِدٌ ... شَيْباً إذا خَضَّبَتْهُ سَلْوَةٌ نَصَلا
قال: هذا من قول أبي تمام: الخفيف
شَابَ رأسِي وما رأيتُ مَشِيبَ ال ... رَّأسِ إلاَّ من فَضْلِ شَيْبِ الفُؤادِ
(5/19)

وهو مما استُقبح من أشعاره، والمتنبي نقل شيب الفؤاد إلى الكبد.
وأقول: الأشبه أن يكون أبو الطيب اخذ ذلك من قول أبي نواس: المنسرح
يا عمرو أضْحَيْتُ مُبْيَضَّةً كَبِدي ... فأخْضِبْ بياضاً بعُصْفُرِ العنبِ
ويكون أبو تمام نقل منه شيب الكبد إلى الفؤاد.
وقوله: البسيط
حَتَّى وَصَلْتُ بنَفْسٍ مَاتَ أكثَرُهَا ... وليتني عِشْتُ منها بالذي فَضَلا
قال: مات أكثرها: ذهب أكثر لحمها وقوتها لما قاسته من هول الطريق وشدته، ثم تمنى أن يعيش بما بقي من نفسه ليقضي حق خدمة الممدوح.
وأقول: قوله: ليقضي حق خدمة الممدوح ليس بشيء، إنما يريد أن نفسه نفس كبيرة عظيمة. ولما قال: مات أكثرها خاف أن يسبق إلى الوهم أن الذي بقي يسير ضعيف فقال: ليتني عشت بالذي فضل منها فأنه قوي كثير مع ذهاب أكثره.
(5/20)

وقوله: الخفيف
ذاتُ فَرْعٍ كأنَّما ضُرِبَ العَنْبَ ... رُ فيه بماءِ وَرْدٍ وعُودِ
(5/21)

قال: يريد إن شعرها طيب الرائحة كأنه خُلط بهذه الأنواع من الطيب. ويقال: إن العود إنما تفوح رائحته عند الإحراق، ولا تطيب رائحة الشعر إذا خُلط بالعود.
فيقال: أراد: ضُرب العنبر فيه بماء ورد ودُخن بعود، وحذف الفعل الثاني كقوله: الرجز
عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارِداً
وقول الآخر: الكامل
ورأيتُ بَعْلَكِ قد غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا
فيقال: لا حاجة إلى حذف عاملين: الفعل والياء وإضمارهما والكلام مستقل بنفسه، والعود يُخلط بالعنبر مدقوقا، وهو معروف، ويرقق بما الورد إذا أريد وضعه في الشعر.
(5/22)

قوله: الخفيف
جَمَعَتْ بين جِسْمِ أحْمَدَ والسُّقْ ... م وبينَ الجُفُونِ والتَّسْهِيدِ
وأقول: أن هذا البيت والذي بعده فيه أيضا مناقضة كما ذكرت في الأول، لأن من يترشف ريقه كيف يسقم ويسهد ويُعذب؟ وهذا إنما وقع في هذه القصيدة لأنها من نظم الصبا كما ذكر.
وقوله: الخفيف
ولعَلَّي مُؤمِّلٌ بَعضَ ما أبْ ... لُغُ باللُّطْفِ من عَزيزٍ حَميدِ
قال: يقول: لعلي راج بعض ما ابلغه بلطف الله العزيز الحميد؛ أي الذي أرجوه لعله بعض الذي أبلغه بلطف الله. . . وقيل: إن هذا على القلب؛ تقديره: لعلي بالغ بلطف الله تعالى بعض ما أؤمله.
فيقال له: الوجه الأول، هو الحسن، والثاني هو القبيح، وذلك لأنه لا يقال: لعلي أبلغ بلطف الله دون ما أؤمله، أو بعض ما أؤمله، بل يقال: ابلغ بلطف الله فوق ما أؤمل. على أن الشيخ الكندي قال: حمل بعض الناس هذا البيت على القلب الوارد في كلام العرب، وهو أن يذكر الشيء ويراد عكسه، ولكن إنما يجوز ذلك عندهم إذا
(5/23)

أُمن الإلباس،. . . وهاهنا يقع اللبس، لأنه يجوز أن يريد أن الشيء الذي أبلغه بلطف الله أمر عظيم فوق أملي. وهذا هو الصحيح وهو الوجه الأول؛ يقول: أنا مؤمل أشياء لعلها بعض الذي أدركه بلطف الله وتيسيره. وكأن هذا من قول جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو؛ فإن موسى ذهب ليقتبس لأهله ناراً، فعاد نبياً مرسلاً!
وقوله: الخفيف
لا كما قَدْ حَيِيتَ غيرَ حَميدٍ ... فَإذَا مِتَّ مِتَّ غَيْرَ فَقيدِ
قال: يقال: حيي يَحيى حياة، ويقال أيضا: حي بالإدغام في الماضي، ولا يقال في المستقبل بالإدغام، وذلك أن حيي عين الفعل منه ياء مكسورة ولامه أيضا ياء، والياء أخت الكسرة، فكأنه اجتمع ثلاث كسرات، فحُذفت كسرة العين، وأدغمت في اللام، ولم يعرض في المستقبل شيء من هذا.
فيقال له: ليس الإدغام في حيي وبابه لكسرة العين، وإنما هو للزوم فتحة اللام واجتماع مثلين متحركين. ولو إنه كما تقول: لجاز الإدغام في يُحيى من الرباعي لان عينه مكسورة، كما في حيي، ولامه ياء، والذي يدل على صحة ما قلت قوله تعالى: (. . . بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فقد اجتمع فيها ما جعله علة من
الياءين والكسرة وزيادة فتحة اللام؛ ومع ذلك فلم يدغم؛ لأن الفتحة هاهنا عارضة، فهذا الذي ذكره ليس بشيء، وما كان له أن يتعاطاه لأنه ليس من شأنه!
(5/24)

وقوله: المنسرح
وقد شَغَلَ الناسَ كَثْرَةُ الأمَلِ ... وأنْتَ بالمَكْرُمَاتِ في شُغُل
قال: الناس مشغولون بكثرة آمالهم بك، وأطماعهم فيما يأخذون من أموالك، وأنت مشغول بتحقيق آمالهم، وتصديق أطماعهم.
وأقول: الأولى أن يكون المعنى أن الناس شغلتهم الآمال بتحصيل الأموال وجمعها، وأنت مشغول بتفريقها في المكارم، وهذا كأنه من قول الآخر: الطويل
لَشَتَّانَ ما بين اليَزِيدين في النَّدى ... يَزِيدَ سُلَيْمٍ والأغَرِّ ابن حَاتِم
فَهَمُّ الفَتَى الأزْديِّ إِنفَاق مَالِهِ ... وَهَمُّ الفَتَى القَيْسيِّ جَمْعُ الدَّراهمِ
فلا يَحْسبِ التَّمْتَامُ أني هَجَوْتُهُ ... ولكنَّني فَضَّلْتُ أهْلَ المكارمِ
وقوله: المنسرح
تَمَثَّلُوا حَاتِماً ولو عَلموا ... لكُنْتَ في الجُودِ غَايةَ المَثَلِ
(5/25)

قال: أراد تمثلوا بحاتم، أي في الجود، فحذف الباء ضرورة وذلك أن المثل يُضرب بحاتم؛ فيقال: أجود من حاتم.
فيقال: ليس في هذا ضرورة بحذف الباء؛ والفعل متعد بنفسه لأن: تمثلت بمعنى: اتخذت مثلا، وتفعلت لاتخاذ الشيء كثير نحو: تديرت المكان وتوسدت الرأي، أي اتخذت ذلك داراً ووسادة، فتمثلوا حاتما، أي اتخذوه مثلا تُضرب به الأمثال، فيقال: فلان في الجود مثل حاتم فهذه حقيقة المثل. وبين تمثلت الشيء وتمثلت به فرق: فتمثلته: اتخذته مثلا، وتمثلت به: جعلته تُلحق به أمثال له.
وقوله: الطويل
خليليَّ ما هذا مُنَاخٌ لمِثْلِنَا ... فَشُدَّا عَلَيْها وارْحَلاَ بِنَهَارِ
قال في قوله: فشدا عليها نوعان من الضرورة: حذف المفعول، والكناية عن غير مذكور.
فيقال له: ما جاء مثله في كلام الله - سبحانه - فليس بضرورة: فأما حذف المفعول فقوله: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) وأما الكناية عن غير مذكور فقوله: (حَتَّى تَوَارَتْ
(5/26)

بِالْحِجَابِ)، و: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ). ولو أعرض عن التعرض للعربية، واشتغل بتفسير المعاني الذي أرصد نفسه له، وجعله المعتمد الذي هو بصدده، وعاب على ابن جني بخروجه عن المقصود من الديوان فيما ذكره، لكان أليق به وأستر له!!
وقوله: الكامل
والمَرْءُ يأمُلُ والحَيَاةُ شَهِيَّةٌ ... والشَّيْبُ أوْقَرُ والشَّبيِبَةُ أنْزَقُ
قال: الشهية: المشتهاة من شهي يشهى. . . ذا اشتهى الشيء، فهي فعيلة بمعنى مفعولة.
فيقال له ولأبي الطيب: لا يجوز دخول فعيلة الهاء إذا كانت بمعنى مفعولة بل يستوي فيها المذكر والمؤنث فيقال: رجل قتيل وامرأة قتيل. وأما حميد وحميدة فمشبه رشيد ورشيدة. وأما الذبيحة والرمية من قولهم: بئست الرمية الارنب، فإنها دخلت في الأسماء. ألا ترى إنها يقال لها ذلك. ولم تُذبح ولم تُرم؟!
(5/27)

وقوله: الطويل
أشَاروا بتَسْليمٍ فَجُدْنَا بأنْفُسٍ ... تَسِيلُ من الآمَاقِ والسِّمُ أدْمُعُ
قال: يقول: أشاروا إلينا بالسلام فجدنا عليهم بأرواح سالت من الآماق واسمها دموع، وتفسير هذا قولي: الطويل
خَلِيلَيَّ لا دَمْعاً بَكْيتُ وإنما ... هو الرُّوحُ من عَيْني تسيل فَتَخْرُجُ
وأصل الاسم: سم، بكسر السين ويقال سم أيضا.
فيقال له: لقد ضعف تفسيرك وشعرك وتصريفك! أما قوله:
. . . فجُدْنَا بأنْفُسٍ. . . ... . . .
فليس من الجود الذي هو كثرة العطاء، إنما هو من الجود الذي هو كثرة البكاء بإسالة الأنفس، التي اسمها دموع من الآماق. وأما البيت الذي فسر به بيت أبي الطيب فقد كان له مندوحة عن ذكره بستره، لضعف عجزه وثقل صدره، واكتفاء بقوله: الكامل
أروَاحُنَا انهمَلَتْ وعِشْنَا بَعْدَهَا ... من بَعْدِ ما قَطَرَتْ على الأقْدامِ
(5/28)

وقد جاء مثله لبعض أهل العصر: المتقارب
بعَادُكمُ في قَرارِ القُلوبِ ... أضْرَمَ نَاراً تُسَمَّى هُلوعَا
وهَجْرُكُمُ من سَماءِ العيونِ ... أسَالَ نُفوساً تُسَمّىَ دُموعَا
وأما الاسم فأصله: سمو، لأن كل معرب على حرفين فإنما أصله ثلاثة نحو: يد، ودم، وفم، وفيه لغات: اسم بالحذف وبالتعويض، وسِم وسُم بلا تعويض، وسما على الأصل من غير حذف.
وقوله: الطويل
يَتِيهُ الدَّقيقُ الفِكْرِ في بُعْدِ غَورِه ... ويَغْرَقُ في تَيَّارِه وهو مِصْقَعُ
قال: المصقع: البليغ الفصيح لأنه يأخذ في كل صقع من القول، والدقيق الفكر: الفهم الفطن. . . . . .، وهذا هو الرواية الصحيحة بالألف واللام في الدقيق، مع الإضافة إلى الفكر، وهو جائز في أسماء الفاعلين كالحسن الوجه، ومن روى: دقيق الفكر جعل الدقة نعتا للفكر؛ أي: يتيه الدقيق من الأفكار، والأول أجود، ليكون نعتا للرجل كأنه قال: يتيه الرجل الدقيق الفكر؛ ألا تراه يقول: وهو مصقع، وهذا نعت للرجل لا للفكر.
(5/29)

فيقال له: قوله: أن المصقع مشتق من الصقع، وهي الناحية، ليس بشيء وإنما هو
مشتق من الصاقعة كأنه يدفع الخطباء المتكلمين فلا يقدرون على الكلام.
وقوله: الطويل
ألَيْسَ عَجيباً أنَّ وَصْفَكَ مُعْجِزٌ ... وأنَّ ظُنُوني في مَعَاليكَ تَظْلَعُ
قال: أليس من العجب أني مع جودة خاطري وبلاغة كلامي أعجز عن وصفك، ولا يبلغ ظني معاليك، ولا أدركها لكثرتها.
وأقول: هذه عبارة قاصرة، وإنما يقول: أليس من العجب أن وصفك معجز وأنا آتي في القول بالمعجزات، وظنوني تقصر عن صفات معاليك فلا أقدر على الإتيان بها وهذا خرق للعادة من قبلك وقبلي.
وقوله: المتقارب
أنَا ابنُ الفَيَافي أنا ابنُ القَوافي ... أنا أبنُ السُّرُوج أنا ابنُ الرِّعَانِ
(5/30)

قال: وكان ينشده أيضا بطرح الياء منهما اكتفاء بالكسرة كقوله تعالى: (جَابُوا الصَّخْرَ بِالَوَادِ).
وأقول: هذا التشبيه ليس بسائغ؛ لأن حذف الياء من الوادي إنما كان من أجل الفواصل لتشابه المقاطع بالوقوف على الدال، التي هي آخر السجع، وهذا البيت ليس كذلك. ولكن إنما كان ذلك لتوازن الفياف والقواف السروج والرعان فتجري هذه الألفاظ الأربع في البيت على متن واحد؛ لأنه يجوز الوقوف على الرعان من غير إطلاق فيحصل التوازن ويخف اللفظ ويعذب الذوق.
وقوله: الطويل
فما وَرَدَتْ رُوحَ امرئٍ روحُهُ له ... ولا صدَرَتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخلُ
قال: إذا وردت السيوف روح امرئ، كانت بها املك منه، وصار - وإن كان بخيلا - غير بخيل؛ لأن السيف ينال منه ما يطلب أو يفتدي روحه بماله.
وأقول: تفسيره أول البيت صالح، وتفسيره آخره ليس بشيء، ومعنى قوله:
. . . . ... ولا صَدَرَتْ عن بَاخلٍ وهو بَاخِلُ
(5/31)

أي: إنها تقتله فيخرج من صفة البخل بخروجه، من صفة الحياة. وهذا مثل قوله: الخفيف
فرؤوسُ الرِّماحِ أذهَبُ للغّيْ ... ظِ وأشْفَى لِغلِّ صَدْرِ الحَقُودِ
أي: إنه يُقتل فيخرج من صفة الغل والحقد بخروجه من صفة الحي التي هي مُصححة لهما.
وقوله: الطويل
غَثَاثَةُ عَيْشي أن تَغِثَّ كَامتي ... وليس بِغَثٍّ أن تَغِثَّ المآكِلُ
قال: يقول: هزال عيشي في هزال دمي، لا في هزال مطاعمي.
وأقول: أن تفسيره كرامتي بمعنى دمي عجيب غريب. وهذا لم يقله أحد، ولا له هاهنا معنى سائغ. وإنما كرامتي بمعنى إكرامي؛ أي: إكرام غيري لي.
يقول: هُزال عيشي في هُزال كرامتي، وفصد إهانتي وإضاعة حُرمتي.
. . . . . . ... وليس بِغَثٍّ أن تَغِثَّ المآكِلُ
بل أن تغث الكرامة والحرمة، وهذه إشارة إلى قوله: الطويل
. . . . . . ... إلى أن بَدَتْ للضيم فيَّ زلازِلُ
(5/32)

وقوله: البسيط
أبْدَيْتِ مثلَ الذي أَبْدَيْتُ من جَزَعٍ ... ولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ
إذاً لبَزَّكِ ثَوْبَ الحُسْنِ أصْغَرُهُ ... وَرُحْتِ مِثْلِيَ في ثَوبَيْنِ من سَقَمِ
قال: ذكر إنها لم تجن الألم، كأنه قال: لو أجننت من الألم، ما أجننته، إذا لسلبك ثوب الحسن أصغر جزء من أجزائه.
أقول: وهذا، من تفسيره، يدل على إنها لم تُجن شيئاً من ألم، وأقول: إن قول أبي الطيب: البسيط
. . . . ... ولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ
لا يدل على إنها لم تجن ألما البتة، وإنما معناه: ولم تُجني مثل الذي أجننت. وكذلك إذا قلنا: زيد يفعل فعل أبيه أو لا يفعل، فإنما معناه إنه لا يفعل مثل فعله لأنه مستحيل إذ الفعل الواحد لا يكون من فاعلين. وعلى ذلك فسر أبو علي قوله - سبحانه -: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) وقال: ولا يجوز أن يُعطف ورهبانية على ما قبلها لان ما يجعله هو - سبحانه - لا يبتدعونه هم. وصدر البيت يدل على هذا التفسير وهو قوله: البسيط
(5/33)

أبْدَيتِ مثلَ الذي أبْدَيْتُ من جَزَعٍ ... . . . . . .
وإذا صح ذلك قلنا: إنها أجنت الما، الا إنه ليس مثل ألمه، وإنما احتجنا إلى ذلك لئلا يتناقض قوله، لأنه قال قبل: البسيط
تَنَفَّسَتْ عن وَفَاءٍ غَيْرِ مُنْصدعٍ ... . . . . . .
فلو قدرنا إنها أبدت جزعا مثل جزعه ولم تُجن ألما البتة، لكان ذلك خداعا، ولم يكن وفاء
وقوله: البسيط
مِنْ كُلِّ أحْورَ في أنيابِه شَنَبٌ ... خَمْرٌ مُخَامِرُهَا مِسْكٌ تُخَامِرُهُ
قال: الشنب: صفاء الأسنان، ورقة مائها. وسئل ذو الرمة عن الشنب، فأخذ حبة رمان فقال: هذا الشنب؛ إشارة إلى صفائها ورقة مائها.
قال: وقال ابن جني: خمر بدل من شنب، كأنه قال: في أنيابه خمر قد خالطت المسك، والمسك قد خالطها. وهذا قول جميع من فسر هذا الديوان.
(5/34)

قال: ويبعد إبدال الخمر من الشنب لأنه ليس في معنى الخمر، والقول فيه إن خمر رفع بالابتداء، ومخامرها ابتداء ثان ومسك خبره، وهما في محل الرفع بالخبر عن خمر، والهاء في مخامره ضمير الشنب.
وأقول: إذا كان قد فسر الشنب برقة ماء الأسنان، فكيف استبعد أن تُجعل الخمر بدلا منه، كناية عن طيب النكهة ولذاذة الريق؟
وكيف جاز أن يجعل خمر، وهي نكرة، مبتدأ ولم يصفها؟
ولم جعل مخامرها مبتدأً ثانياً خبراً عنها ولم يجعله صفة لها؟
وما اضطره إلى ذلك وقد قال: ومن روى: يخامرها مسك جعل الجملة صفة للنكرة وتخامره الخبر؟
فيقال: وكذلك إذا قال: مخامرها مسك فهذا جائز حسن!
وقوله: البسيط
يا مَنْ تَحَكَّمَ في نَفْسِي فَعَذَّبَني ... ومَنْ فؤادي على قَتْلي يُضَافِرُهُ
قال: المضافرة: المعاونة، يعني أن قلبه يهينه على قتله حيث لا يسلو مع ما يرى من كثرة الجفاء.
وأقول: إن قوله حيث لا يسلو ليس بشيء. ولكن حيث يزداد له حباً، كلما ازداد له جفاء؛ لأن من شأن الذي يجفوه شخص أن يميل قلبه عنه، وهذا يميل قلبه اليه،
(5/35)

فكأنه يعينه عليه، وهو من قول الرشيد: قلب العاشق عليه مع المعشوق! قال الأصمعي: قلت هذا - والله - يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام: الطويل
ويُضْمِرُ قَلبي عُذْرَهَا ويُينُهَا ... عليَّ فما لي في الفُؤاد نَصِيبُ
وقوله: البسيط
من بَعْدِ ما كان لَيْلي لا صَبَاحَ له ... كأنَّ أولَ يَوْمِ الحَشْرِ آخرُهُ
قال: يقول: بعد ما كنت أقاسي من الحزن ما يُسهرني فيطول عليَّ الليل للسهر حتى كأنه متصل بيوم الحشر.
وأقول: ليس في الكلام ما يدل على الاتصال بيوم الحشر، ولكن أبا الطيب بالغ
في وصف الليل بالطول، فجعل آخر ليله كأول يوم وهو يوم الحشر لقوله تعالى: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) وكأن هذه المبالغة التي بالغ بها أبو الطيب في عجز البيت نقص بل نقض م لما ذكره في صدره وذلك إنه قال:
. . . . . . لَيْلي لا صَبَاحَ له ... . . . . . .
فنفى أن يكون له آخر. ويوم الحشر وإن كان طويلا فله آخر، ويمكن أن يُعتذر عنه بحذف الصفة؛ أي: لا صباح قريب له، وليتأمل هذا الموضع فإنه صالح.
(5/36)

وقوله: البسيط
قد اشْتَكَتْ وَحْشَةَ الأحْيَاءِ أرْبُعُهُ ... وخَبَّرَتْ عن أسَى المَوْتَى مَقَابِرُهُ
قال: لما غاب الأمير عن البلد، حزن لغيبته الأحياء حتى أحست بذلك دورهم، وكذلك الموتى، حزنوا حتى أخبرت المقابر عن حزنهم.
وأقول: إن قوله: أحست بذلك دورهم ليس بشيء، ولو قال: استوحش لغيبته الأحياء حتى سرت الوحشة إلى منازلهم فاشتكت ذلك بلسان الحال. وكذلك يقال في الموتى في مقابرهم لكان حسنا، وكان في هذا البيت من المجاز والاستعارة ما في قوله تعالى: (إنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إنه كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً). كأنه يقوله - والله أعلم -: لو إن هذه الأشياء مما يعقل وعُرض عليها حمل الأمانة لأشفقت من حملها لعظمها. وكذلك يقال في الاربع، والمقابر، لو إنها مما ينطق لأخبرت عن وحشة الأحياء وأسى الموتى.
وقوله: البسيط
وَجدَّدَتْ فَرَحاً لا الغَمُّ يَطْرُدُهُ ... ولا الصَّبَابَةُ في قَلْبٍ تُجَاوِرُهُ
قال: عودة دولته جددت فرحا لا يغلبه الغم، ولا تجاوره شدة الشوق بعد هذا الفرح في قلب؛ أي لا تسكنه لامتلاء كل قلب بهذا الفرح لا يكون م فيه موضع
للعشق.
(5/37)

وأقول: إن قوله: لامتلاء كل قلب بالفرح، لا يكون فيه موضع للعشق ليس بشيء! وإنما غره بذلك ذكر الصبابة، فوهم إنها من العشق. والصبابة، وهي رقة الشوق، تكون من العشق وغيره. والمعنى أن الممدوح لما غاب عن ذلك البلد، حصل عند الناس غم لغيبته، وشوق شديد إليه، فلما عاد تجدد عندهم فرح أزال الغم والشوق لأنهما إنما حدثا بسبب بعده.
وقوله: البسيط
دَخَلْتَها وشُعَاعُ الشمس مُتَّقِدٌ ... ونُورُ وَجْهِكَ بين الخَيْلِ باهِرُهُ
قال: يقول: دخلت هذه البلدة في إشراق الشمس حين توقد ضياؤها، ونور وجهك قد بهر ضوء الشمس؛ أي: غلبه.
وأقول: إنه لم يُفسر معنى قوله: بين الخيل ولا بد له من فائدة. والمعنى إنه كان بين الخيل، وهي تُثير النقع، فلابد أن يعلو وجهه غباره فيؤدي إلى أن يستر من نوره، وهو مع ذلك يبهر شعاع الشمس، أي: يغلبها بكثرة ضيائه.
وقوله: الطويل
عَزِيزُ أسىً مَنْ داؤه الحَدَقُ النُّجْلُ ... عَيَاءٌ به ماتَ المُحِبُّون من قَبْلُ
(5/38)

قال: النجل: جمع أنجل، وهو الواسع العين.
وأقول: النجل: جمع نجلاء، وهي العين الواسعة، وقد قال: الكامل
مَثَّلْثِ عَيْنَكِ في حَشَايَ جراحَةً ... فتشابَهَا كِلْتَاهُمَا نَجْلاءُ
ولم يرد جمع انجل، ويدل عليه قوله: الحدق النجل، أي: العيون.
وقوله: الطويل
وما هِيَ إلاَّ نَظْرَةٌ بعد نَظْرةٍ ... إذا نَزَلَتْ في قَلْبِهِ رَحَلَ العَقلُ
قال: هي كناية عن لحظات العاشق.
يقول: ما هي إلا أن يلحظ مرة بعد أخرى، فإذا تمكنت النظرة من قلبه زال عقله لأن الهوى والعقل لا يجتمعان.
وأقول: إن هي محتمل أن تكون كناية عن الصبابة ويدل عليها الهوى قبلها. ويحتمل أن تكون ضميرا راجعا إلى الحدق للمبالغة؛ كأنه يقول: ما الحدق النجل إلا نظرات متتابعة تعقب الهوى فتزيل العقل.
وقوله: الطويل
رأيتَ ابنَ أمِّ المَوْتِ لو أنَّ بأسَهُ ... فَشَا بينَ أهْلِ الأرضِ لانقَطَعَ النَّسْلُ!
(5/39)

قال: المعنى: إن بأسه لو كان للناس، لكان كل واحد قتالا، فينقطع النسل بكثرة القتل.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: إنه لو ظهر للناس بأسه كله لأهلك الرجال فانقطع النسل، وإنما يخفيه عنهم بقيا عليهم.
وقوله: الطويل
ولولا تَوَلِّي نفسه حَمْلَ حِلْمِهِ ... عن الأرض لانْهَدَّت ونَاَء بها الثُّقْلُ
قال: وصف حلمه بالرزانة.
يقول: لولا إنه باشر بنفسه حمل حلمه عن الأرض لانكسرت الأرض بثقل حمله، وأثقلها ذلك الحمل.
فيقال له ولأبي الطيب: أليست الأرض حاملة له وهو حامل حلمه الثقيل فقد ازدادت ثقلا على ثقل فلمَ لم تنهد؟
والجواب عنهما: إن الكلام مجاز وهو أن الأرض لو كانت من الأجسام الأحياء، وكان الحلم جسما وحملته كما يحمله الممدوح لانهدت وأثقلها حمله، والواو هنا لم تُرتب؛ لأن التقدير: لناء بها الحمل ولانهدت. والمعنى: وصفه بكثرة الحلم وقوة
الصبر والجلد.
(5/40)

وقوله: الكامل
اليومَ عَهْدُكُمُ فأين الموعِدُ ... هَيْهاتَ ليس ليومِ عَهْدِكُمُ غَدُ
قال: العهد: اللقاء.
يقول لأحبته عند الوداع: اليوم ألقاكم، فأين موعد لقائكم؟ ثم التفت إلى سلطان البين فقال: هيهات! بعد ما أطلبه! ليس لهذا اليوم غد! أي: لا أعيش بعد فراقكم، فلا غد لي بعد هذا اليوم، ولو قال: فمتى الموعد لكان أليق بما ذكر بعده؛ لأن: أين سؤال عن المكان، ومتى سؤال عن الزمان. ويريد بقوله:
. . . . . . ... . . . . . . ليسَ ليَوْمِ عَهْدِكُمُ غَدُ
أي: يوم عهدكم للوداع.
وأقول: الكلام فيه تقدير محذوف، كأن أحبته وعدوه بالوصال، فسألهم عن وقته، فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ فلما تبين له خُلف موعدهم استبعد قولهم، فقال:
. . . . . . ... هيهات ليس ليوم عَهْدِكُمُ غَدُ
ومثل هذا قول بعضهم: الكامل
في كُلِّ يومٍ قائلٌ لي في غَدٍ ... يَفْنَى الزَّمَانُ وما تَرَى عَيْني غَدَا
(5/41)

وانظر إلى غلط الواحدي وتخبطه في شرح هذا البيت، وغلطه في المعنى وفي اللغة بجعل العهد اللقاء، وفي قوله: لو قال: فمتى الموعد لكان أليق لظنه إن الموعد الزمان، وإنما هو المصدر. وكيف يسال بمتى عن الوقت وهو فيه يعلمه؟ وإنما يسال بأين عن مكان الوعد بالوصال لأنه لا يعلمه، وهذا السؤال كأنه تقريع وتوبيخ لأحبته؛ لأنه عند الرحيل، وفي ذلك الوقت لا يمكن الوصال.
وقوله: الكامل
إنَّ التي سَفَكَتْ دمي بجُفُونِها ... لم تَدْرِ أنَّ دَمِي الذي تَتَقَلَّدُ
قال: إن التي قتلتني لما نظرت إلي، ليست تدري إن دمي في عنقها، وإنها باءت بإثم قتلي.
وأقول: إن في هذا البيت خبئاً! وهو أن هذه المرأة لم تدر أن دمي عظيم، وإنها قد ارتكبت بسفكه خطراً عظيماً. وفي هذا تنبيه على كبر شأنه وعلو قدره.
وقوله: الكامل
قَالتْ، وقد رأت اصْفِراري مَنْ بهِ؟ ... وتَنَهَّدَتْ فأجَبْتُها المُتَنَهِّدُ
قال: لما رأت صفرة لوني وجدا بفراقها قالت: من به؟ أي: من فعل به هذا الذي أراه؟ وقال ابن جني: من المطالب به؟
(5/42)

وأقول: إن قوله: وجدا بفراقها غير جيد، والجيد لو قال: وجدا بها. وتفسيره: من؟ أي: من فعل به، وتفسير ابن جني: من المطال به ليسا بصواب. ولو قالا: من به؟ أي: من في قلبه؟ أو: من يهواه؟ لا صابا، وهذا من قول ديك الجن، عبد السلام، شاعر الشام: الكامل
مَرَّتْ فقلتُ لها مَقَالةَ مُغْرَمٍ ... مَاذَا عليكِ من السَّلامِ فَسَلِّمي
قالتْ: بمَنْ تَعْني فَحُبُّكَ ظَاهِرٌ ... بنحُولِ جسْمِكَ قلتُ: بالمُتَكَلِّمِ
فتضاحَكَتْ عَجَباً وقالَتْ يا فَتَى ... لو لَمْ أدَعْكَ تنامُ بي لم تَحْلُمِ
وقوله: الكامل
فَمضَتْ وقد صَبَغَ الحَيَاءُ بَيَاضَها ... لَوْني كَمَا صَبَغَ اللُّجَيْنَ العَسْجَدُ
قال: إنما عدّي الصبغ إلى مفعولين لأنه تضمن معنى الإحالة؛ كأنه قال: أحال الحياء بياضها لوني.
وأقول: إن لوني صفة مصدر محذوف؛ كأنه قال: لوناً مثل لوني. وهذا كما يقال: ضربته ضرب زيد؛ أي: ضربا مثل ضرب زيد. وكقول امرئ القيس: الطويل
إذا قامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهما ... نَسِيمَ الصَّبَا جَاَءتْ بِرَيَّا القَرنفلِ
(5/43)

وقوله: الكامل
فَلَه بنو عبد العزيز بن الرِّضَا ... ولكلِّ رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ
قال: أي: للممرض المذكور قبل وهو المتنبي، هؤلاء الذين يقصدهم، ويبلغ بهم آماله، ولسائر الناس من المسافرين إلى غيرهم الإبل والمفازة؛ أي: لا يحصلون من سفرهم على شيء سوى التعب وقطع الطريق.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: إن المتنبي له هؤلاء؛ بنو عبد العزيز الممدوحون، ولكل ركب يقصدهم عيسهم التي يسيرون إليهم عليها؛ والأرض التي يسيرون فيها؛ أي: إذا قصدوا بني عبد العزيز ركبوا إليهم ما أخذوه قبل منهم، وساروا إليهم في أرضهم، وهذا إخبار بكثرة عطائهم وسعة مملكتهم، وهو مثل قوله: الطويل
أسِيرُ إلى إقْطَاعِهِ في ثِيَابِهِ ... على طِرْفِهِ من دَارِهِ بحُسَامِهِ
وقوله: الكامل
ما مَنْبِجٌ مُذْ غِبْتَ إلاَّ مُقْلَةٌ ... سَهِدَتْ وَوَجْهُكَ نومُهَا والإثمِدُ
(5/44)

قال: يقول: هذه البلدة مذ غبت عنها كالمقلة الساهرة، ووجهك لها بمنزلة النوم والكحل، وهما اللذان بهما تصلح العين؛ أي: صلاحها بحضورك.
وأقول: لو قال في قوله:
. . . . . . ... . . . . . . وَوَجْهُكَ نَوْمُهَا والإثْمِدُ
أي: تهدأ به وتُزين؛ فيجعل النوم للهدوء، والكحل للتزيين، لكان أكمل وأجمل.
وقوله: الكامل
قَطَّعْتَهُمْ حَسَداً أرَاهُمْ مَا بِهم ... فتقطَّعُوا حَسَداً لمن لا يَحْسُدُ
قال: يريد أنهم حسدوك فماتوا لشدة حسدهم إياك فكأنك قطعتهم إربا حتى تقطعوا.
وأقول: لم يرد الموت وإنما المعنى انك بالغت في المهم، وإذا هم - حسداً لك - بمنزله من تقطّع أعضاؤه. ولو أنهم ماتوا لم يحسن أن يقول فيما بعد:
حتى انْثَنَوْا. . . . . . ... . . . . . .
وقوله: الكامل
وصُنِ الحُسَام فلا تُذِلْهُ فإنه ... يَشْكو يَمينَكَ والجَماجِمُ تَشْهَدُ
(5/45)

قال: قال ابن جني: صنه فانه به يُدرك الثار ويُحمى الذمار.
قال ابن فورجة: كيف أمن أبو الفتح أن يقال له: ما أذلته ألا لأدرك ثأري وأحمي ذماري؟ وهذا تعليل، لو سكت عنه لكان أحب إلى أبي الطيب. إنما يعني إنك أكثرت القتل فحسبك واغمد سيفك. فقال: صن سيفك! وإنما يريد أغمده، وهذا كقوله: الكامل
شِمْ ما انْتَضَيْتَ. . . . . . ... . . . . . .
فيقال: كيف أمن ابن فورجة أن يقول له: ما أكثرت إلا قتل من يستحق القتل، ومن يجب عليه؛ فكيف نهيتني عن فعل الواجب؟ وهذا البيت لا يُجعل مثل:
شِمْ ما انْتَضَيْتَ. . . . . . ... . . . . . .
ومعناه قد ذكرته في شرح ابن جني.
وقوله: المتقارب
(5/46)

تَعَجَّلَ فيَّ وُجُوب الحُدودِ ... وحَدِّيَ قبلَ وجُوب السُّجودِ
قال: يريد أتعجل؟ الاستفهام، وحذف الهمزة.
وأقول: هذا فيمن روى تعجل بفتح التاء والعين وضم اللام، وجعل وجوب الحدود مفعولا به منصوبا.
والأكثر أن يُجعل تعجل فعل ما لم يُسم فاعله ووجوب مرفوعا به.
وروي: تَعجل فعلا ماضيا ووجوب، مرفوعا، فاعله.
والوجه الذي ذكره أضعف الوجوه الثلاثة لإضمار همزة الاستفهام وحذفها من غير دليل عليها. ومعنى البيت قد ذكره عن ابن جني، والأجود ما ذكرته هناك.
وقوله: الوافر
أبا عبد الإلهِ مُعَاذُ إني ... خَفِيُّ عنك في الهَيْجَا مُقَامي
قال: يقول: يخفى عليك مقامي في الحرب لأني مختلط بالأبطال، ملتبس بالأقران بحيث لا تراني.
وأقول: المعنى غير ذلك، وهو: إنك جاهل بي لا تعلم عنائي وبلائي في الحرب، فأنت تقيدني وتعظم ما أطلبه لتثبطني عن السعي فيه، وما بعده يدل عليه.
(5/47)

وقوله: الوافر
فَمَوْتي في الوَغَى عَيشي لأنِّي ... رَأيْتُ العَيْشَ في أرَبِ النُّفوسِ
قال: أي إذا قتلت في الحرب فكأني قد عشت؛ لأن حقيقة العيش أن يكون فيما تشتهي النفس، وحاجتي أن أقتل في الحرب، فإذا أدركت حاجتي فكأني قد عشت!
وأقول: إن العاقل لا يؤثر القتل على الحياة من غير سبب يدعوه اليه، وغرض يقصده فيه، فقوله: فحاجتي أن أقتل في الحرب فإذا أدركت حاجتي فكأني قد عشت ليس بشيء. وإنما يريد بقوله:
فَمْوتي في الوغى عَيْشي. . . . . . ... . . . . . .
لأني أبلي فيها حسنا أذكر فيه كقوله:
ذِكْر الفَتَى عُمْرُهُ الثَّاني. . . . . . ... . . . . . .
فإذا كان كذلك فأنا لا أكره الموت في الوغى لأنه أرب نفسي الحصول ما تهواه من حسن الذكر وجميل الثناء؛ وعيش الإنسان في حصول أرب نفسه.
وقوله: البسيط
الفَرْقَدُ ابنُكَ والمِصْباحُ صاحِبُهُ ... وأنتَ بَدْرُ الدُّجَى والمَجْلِسُ الفَلَكُ
(5/48)

قال: جعل ابنه، وهو قريب من المصباح، كالفرقدين وأراد بالصاحب الفرقد الأخر، وهما كوكبان معروفان.
وأقول: قد قيل في قوله:
الفَرْقَدُ ابنُكَ والمِصْبَاحُ والمِصْبَاحُ صَاحِبُهُ ... . . . . . .
يحتمل أن يكون صاحبه أخا له أو غيره، وأن يكون المصباح الشمس كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجا)، فلم يمكنه أن يقول السراج فقال: المصباح لأنه في معناه كقول بعضهم: أنشدنا أبو علي: الطويل
وقاَء عليه اللَّيْثُ أفلاذَ كِبْدِهِ ... وكَهَّلَهُ قِلْدٌ من البَطْنِ مُرْدِمُ
يصف نبتا أصيب بنوء الأسد، فوضع الليث موضع الأسد لإقامة الوزن.
والوجه الصحيح هو الأول. وفي هذا البيت أربعة تشبيهات. وقد جاء مثل ذلك لبعض أهل العصر: الرمل
رُبَّ كَأسٍ قد شَرِبْنَاها على ... وَجْهِ خَوْدٍ ذاتِ ثَدْيٍ قد فَلَكْ
إنْ تَقُلْ من دونها بدرُ الدُّجَى ... في السَّنَا والحُسْنِ والظَّرْفِ فَلَكْ
وهي قُطْبٌ والنَّدامَى أبْرُجٌ ... والطِّلا شَمْسٌ وسَاقِينَا فَلَكْ
(5/49)

وقوله: البسيط
أظبَيْةَ الوَحْش لَوْلاَ ظَبْيَةُ الأنَسِ ... لما غَدَوْتُ بِجَدٍّ في الهَوَى تَعِسِ
قال: يخاطب الظبية الوحشية، لأنها أليفة لكثرة ملازمته ومساءلته الأطلال كما قال ذو الرمة: الطويل
أخُطُّ وأمْحُو الخَطَّ ثم أعِيدُهُ ... بِكَفِّيَ والغِزْلاَنُ حَوْليَ رُتَّعُ
وهو قول ابن جني.
وأقول: ليس بدؤه لظبية الوحش لما ذكره، ولكن لمشابهتها لها في عينيها وجيدها ونفارها، فخاطبها كانها نسيبة لها، كقول ذي الرمة أيضا: الطويل
أيا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلاجِلٍ ... وبين النَّقَا آأنتِ أمْ أمُّ سَالمِ
فلا حاجة إلى ذكر ملازمة الفيافي وسؤال الأطلال.
(5/50)

وقوله: الكامل
هذي بَرَزتِ لَنَا فهِجْتِ رَسِيسَا ... ثم انْصَرَفْتِ ومَا شَفَيْتِ نَسِيسَا
قال: يقول: برزت لنا فحركت ما كان في قلوبنا من هواك، ثم انصرفت عنا ولم تشفي بقايا نفوسنا التي أبقيت لنا.
وأقول: الجيد أن يقال: إن هواك أفنى نفوسنا إلا بقية بقيت منها مريضة كنا نؤمل أن تشفيها بوصلك فانصرفت وما شفيتها.
وقوله: الكامل
حَاشَا لِمِثْلِكِ أنْ تكونَ بخيلَةً ... ولِمِثْلِ وجْهِكِ أن يكونَ عَبُوسَا
ولمثلِ وَصْلِكِ أن يكون مُمَنَّعاً ... ولمثلِ نَيْلِكِ أن يكونَ خَسيِسَا
أقول: إنه قد اعترض على أبي الطيب بقوله:
حَاشَا لمثِلكِ أن تكونَ بَخيلةً ... . . . . . .
(5/51)

وبقوله:
ولمثلِ وَصْلِكِ أن يكوَنَ مُمَنَّعاً ... . . . . . .
بأن قيل: البخل بالوصل في النساء محمود، وأطيب الوصل ما كان ممنعا، واستشهد على ذلك بأبيات للعرب وللمحدثين نحو قول أبي تمام: الكامل
عالي الهَوَى مما يُرَقِّصُ هامتي ... أرْوِيَّةُ الشَّعَفِ التي لم تُسْهِلِ
وقول كثير: الطويل
وإني لأسْمُو بالوِصَالِ إلى التي ... يكونُ سَناءً وَصْلُهَا وازْدِيَارُهَا
وقيل: بل يحسن البذل منهن، وهو مذهب لبعضهم، وقد جاء عنهم: الطويل
أحِبُّ اللواتي هُنَّ من وَرَقِ الصِّبَا ... وفيهنَّ عن أزْوَاجِهنَّ طِماحُ
ومن ذلك قول بعض المحدثين: الكامل
قالُوا: فَفِيهِ تَبَذُّلٌ ... يأباهُ مثلُكَ قلت: أدري
لو كانَ مَسْتُوراً لما ... هَتَكَ الغَرامُ عليهِ سِتْري!
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن صفة الجود لما كانت محمودة في الرجال، معروفة بين الناس ذكرها لها ليخدعها عن وصلها فتسمح له به، ويكون مثل قوله: الوافر
أخِفْتِ اللَّهَ في إِحْيَاءِ مَيْتٍ ... مَتَى عُصِيَ الإلهُ بأنْ أُطِيعَا
(5/52)

وقوله: الكامل
لمَّا وَجَدْتُ دَوَاَء دَائي عندَهَا ... هانَتْ عليَّ صِفَاتُ جَالينُوسَا
قال: يريد بصفاته: ما وصفه من الأدوية في كتبه ومعالجاته.
وأقول: يقول: دائي عشقها، ودواؤه وصلها، وإذا كان كذلك فحقير لدي وهين علي ما وصفه جالينوس في كتبه من معالجة العشق، فقد ذكر فيها أشياء لا تُغني غناء الوصل ولا تقوم مقامه.
وقوله: الكامل
ولَحَظْتُ أنْمُلَهُ فَسِلْنَ مَوَاهِباً ... ولمَسْتُ مُنْصُلَهُ فَسَالَ نُفُوسَا
قال: لحظ الأنامل كناية عن الاستمطار، ولمس المنصل كناية عن الاستنصار.
يقول: تعرضت لعطائه فسالت بالمواهب أنامله، وتعرضت لإعانته فسال سيفه بنفوس أعدائه وأرواحهم لأنه قتلهم.
وأقول: ما ينبغي أن يكون بنفوس أعدائه - وهكذا رايته في نسخ - بل بنفوس أعدائي لأني أنا المستنصر به، فنصره لي بقتل أعدائي لا أعدائه. والمعنى: أني لما سمعت به أردت أن أختبره جوده وبأسه وكنى عن اختبار الجود بلحظ الأنمل وعن اختبار البأس بلمس المنصل فوجدتهما يفعلان ويؤثران في غاية الكثرة؛ هذه تسيل مواهب وهذه تسيل نفوسا!
(5/53)

وقوله: البسيط
أيَّامَ فيك شُموسٌ ما انْبَعَثْنَ لنَا ... إلاَّ انْبَعَثْنَ دَماً باللَّحْظِ مَسْفُوكَا
قال: أي لم يظهرن لنا إلا أبكيننا دما مصبوبا بنظرنا إليهن.
وأقول: لم يُرد باللحظ لحظ العشاق ولكن أراد لحظ الشموس اللواتي هن النساء؛ أي: يسفكن دماءنا بسيوف لحاظهن، وهو ابلغ في المعنى وأصح في اللفظ وأكمل في الاستعارة.
قوله: البسيط
نَجَا امرؤٌ - يا ابنَ يَحْيَى - كنتَ بِغيَتَهُ ... وخَابَ رَكْبُ رِكَابٍ لم يَؤُمُّوكَا
قال: تخلص من مكاره الزمان من كنت حاجته؛ أي من قصدك بسفره، وخاب من لم يقصدك كما قال: الكامل
. . . . . . ... ولكل رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ
وأقول: ليس بينهما تماثل إلا بذكر ركب. ومعنى: ولكل ركب قد ذكرته قبل وبينت خطأه فيه، واستشهاده به خطأ على خطأ فلا يشبه هذا البيت.
(5/54)

وقوله: البسيط
أحْيَيْتَ للشُّعَراءِ الشِّعْرَ فامْتَدَحُوا ... جَميعَ من مَدَحُوه بالذي فيكَا
قال: يقول: أحييت لهم الشعر بما أريتهم من دقائق الكرم، وعلمتهم من غوامض المعاني، حتى استغنوا عن استخراجها بالفكر، فسهل عليهم الشعر حتى كأنه صار حيا بعد أن كان ميتاً، ثم امتدحوا ممدوحهم بما فيك من خصال المجد ومعاني الشرف، وهي لك غير أنهم ينحلونها ممدوحيهم.
وأقول: إن موت الشعر إنما هو بموت الكرام وحياته بحياتهم، أي: كان الشعر قبل وجودك ميتاً؛ فلما وجدت ورأى الشعراء ما فيك من الخلال الحميدة، والأفعال الجميلة، فكأنك أحييته لهم وسهلته عليهم فاخذوا ما فيك فمدحوا به غيرك. وهذا
مثل قوله: الكامل
من يَهْتَدي في الفِعْلِ مالا تَهْتَدي ... في القَوْلِ حَتى يَفْعَل الشُّعَراءُ
والبيت الذي بعده يشهد بما قلته وهو قوله: البسيط
وعَلَّمُوا النَّاسَ منكَ المجدَ واقْتَدَرُوا ... على دَقيقِ المعَاني من مَعَانيكا
ومثله قول أبي العتاهية: الخفيف
شِيَمٌ فَتَّحَتْ من المَجْدِ ما قَدْ ... كانَ مُسْتَغْلِقاً على المُدَّاحِ
وقول احمد بن أبي فنن: الطويل
يُعَلِّمُنَا الفتح المَدِيحَ بجُودِهِ ... ويُحسِنُ حتى يُحْسِنَ القَوْلَ قَائِلُهْ
(5/55)

وضده قول أبي تمام: الطويل
ولولا خِلاَلٌ سَنَّها الشِّعْرُ ما دَرَى ... بُغَاةُ العُلا من أين تُؤْتَى المَكارِمُ
وقوله: الطويل
وإنْ كانَ يُبِقي جُودهُ من تَلِيدهِ ... شَبيهاً بما يُبْقي من العاشِقِ الهَجْرُ
قال: يقول: سارت ناقتي إليه وقصدته وإن لم أكن واثقاً بإبقاء نواله شيئاً من ماله، والمعنى أن جوده يبقي من ماله الشيء اليسير.
وأقول: إن قوله: وإن لم أكن واثقا بإبقاء نواله شيئاً من ماله ثم يقول: إن جوده يبقي من ماله الشيء اليسير تناقض. والصحيح في هذا أن قوله:
وإن كان يُبْقي جُودُهُ. . . . . . ... . . . . . .
متعلق بقوله: الطويل
. . . . . . ... وبَحْرِ نَدىً. . . . . .
لا بقوله: الطويل
. . . . . . تَجَاوَزَتْ ... بي البِيدَ عِيسٌ. . . . . .
(5/56)

والمعنى؛ إن هذا الممدوح يعطي عطاء كثيرا وإن كان يبقى جوده من ماله شيئا
يسيرا؛ لا يكاد ينتفع به بمنزلة إبقاء الهجر من العاشق بخلاف المعهود من عطاء غيره من الأجواد فإنه لا يكاد يعطي الكثير إلا وقد أبقى أكثر مما أعطى؛ كأنه يقول: يؤثر الطالب من ماله بعطاء كثير، يزيد على البحر ويغرقه ولا يبقى له شيء.
وقوله: البسيط
ولا الدِّيَارُ التي كانَ الحَبيبُ بِهَا ... تَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ
قال: قال ابن جني: لم يبق في فضل للشكوى، ولا في الديار أيضا فضل لأن الزمان أبلاها.
قال ابن فورجة: ذهب أبو الفتح إلى إن تقدير الكلام: ولا الديار تشكو إلي، وقد عُلم أن الديار لما كانت أشد دثوراً وبلىً كانت أشكى لما تُلاقي من الوحشة بفراق الأحبة، فكيف جعل الديار لا فضل فيها للشكوى، وشكواها ليس بحقيقة وإنما هو مجاز؟ وإنما كان يكون على ما ذُكر لو أن شكواها حقيقة فكانت تُقصّر عنها لضعفها
(5/57)

وبلاها كما يصح ذلك في العاشق، كما قال الملقب بالببغاء: البسيط
لم يَبْقَ لي رَمَقٌ أشكُو إليك بهِ ... وإنما يَتَشَكَّى من به رَمَقُ
وأيضا: فلو كان على ما ادعى ما كان لعطف هذه الجملة على قوله:
ما الشَّوق مُقْتَنِعاً مِنَّي ... . . . . . .
معنى، ولما عطفها عليها دل على إنها منها بسبيل، وإنما يعني: ما الشوق مُقتنعا مني بذا الكمد، ولا الديار تقنع مني وتم الكلام عند قوله:
. . . . . . كان الحَبيبُ بها ... . . . . . .
ثم ابتدأ فقال: هذه الديار تشكو إلي وحشتها بفراق أهلها، وأنا لا أشكو إلى أحد: أما لجلدي، أو لأني كتوم لأسراري، ويكون قد نظر إلى قول القائل: الوافر
فإنِّي مثلُ ما تَجدِينَ وَجْدي ... ولكنِّي أُسِرُّ وتُعْلِنينَا
وأقول: الأولى ما قال ابن جني وليس بمخطئ؛ وذلك إن الديار توصف بالنحول والصمم والخرس؛ قال: الرجز
مَنْزِلةٌ صَمَّ صَدَاهَا وعَفَتْ ... أرْسُمُهَا إنْ سُئِلَتْ لم تُجِبِ
(5/58)

وتوصف أيضا بالموت والقتل وكل ذلك مجاز واستعارة كقوله: المنسرح
لا تَحْسِبُوا رَبْعَكُمْ ولا طَلَلَهْ ... أوَّلَ حَيٍّ فِراقُكُمْ قَتَلَهْ
فإذا وصفها إنها لا تشكو إليه، ولا تكلمه لفرط نحولها، فقد سلك طريق من تقدمه، ويدل على ذلك قوله في البيت الذي يليه: البسيط
ما زالَ كلُّ هَزِيمِ الوَدْقِ يُنْحِلُها ... والسُّقْمُ يُنحِلُني حتى حَكَتْ جَسَدي
فقد جعل حالها كحاله. ولا يلزم أن تكون هذه الجملة معطوفة على ما قبلها في المعنى كما ذكر، فيكون التقدير: ما الشوق مقتنعا، ولا الديار مقتنعة؛ لأن ذلك يلزم في عطف المفرد وأما عطف الجملة على الجملة فلا.
وقوله: البسيط
فأينَ من زَفَراتي من كَلِفْتُ بِهَا ... وأينَ منكَ - ابنَ يَحْيَى - صَوْلَةُ الأسَدِ
قال: يقول: أين من عشقته من معرفة ما بي من الشوق إليه والحسرة على فراقه، وأين تقع منك - أيها الممدوح - صولة الأسد؛ أي: من صولتك! كأنه قال: صولتك فوق صولة الأسد فلا تقع صولة الأسد من صولتك إلا دونها! أنكر أن يعرف الحبيب حاله، وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح!
وأقول: لو قال: إن تكون زفرات الحبيب كزفراته وصولة الأسد كصولة الممدوح لأصاب. تقديره: فأين من زفراتي زفرات من كلفت به؟ فحذف المضاف وأقام المضاف
(5/59)

إليه مقامه لأن ما قبله وهو زفراتي تدل عليه. كما إنه حذف المضاف في قوله:
. . . . . . ... وأين منكَ - ابنَ يَحْيَى - صولَةُ الأسَدِ
أي: من صولتك، لدلالة ما بعده عليه وهو صولة الأسد. فهذا هو التقدير الصحيح، واللفظ الفصيح، والمعنى المليح
وقوله: البسيط
لمَّا وَزَنْتُ بك الدُّنْيَا فَمِلْتَ بهَا ... وبالوَرَى قَلَّ عندي كَثرةُ العَدَدِ
قال: يقول: لما رجحت كفتك، وقد وضعت الدنيا وأهلها في الكفة الثانية علمت أن الرزانة للمعاني لا للاشخص؛ أي: إذا رجح الواحد على الكثير كان ذلك الكثير قليلا بالإضافة إلى ذلك الواحد الراجح.
وأقول: هذا كأنه مما حدث به ابن المغازلي عن رقبة بن مصقلة عن عبد الله عن أبيه عن جده قال: أتى عمر رجلان فسألاه عن طلاق العبد، فانتهى إلى حلقة فيها رجل أصلع، فقال: يا أصلع! كم طلاق العبد؟ فقال له بإصبعيه هكذا وحرك السبابة والتي تليها، فالتفت إليهما فقال: اثنتان، فقال أحدهما: سبحان الله! جئناك، وأنت أمير المؤمنين، فسألناك، فجئت إلى رجل - والله - ما كلمك! فقال: ويلك! أتدري من هذا؟ هذا علي بن أبي طالب، سمعت رسول الله - صلى الله عليه - يقول: لو أن السموات والارضين وضعتا في كفة وإيمان علي لرجح إيمان علي.
(5/60)

وقوله: البسيط
ماذَا البَهَاءُ ولاذا النُّورُ في بَشَرٍ ... ولا السَّمَاحُ الذي فيه سَمَاحُ يَدِ
قال: يقول: أنت أجل من أن تكون بشرا، فإن ما نشاهده منك من الجمال والنور لا يكون في البشر، وليس سماحك سماح يد؛ لأن اليد لا تسمح بما تسمح به، بل هو سماح غيث وبحر.
وأقول: لو كان قال بعد قوله: ما نشاهده منك من الجمال والنور لا يكون في البشر بل في القمر، كما قال: لأن اليد لا تسمح به، بل هو سماح غيث وبحر. فيستدرك بالقمر كما استدرك بالغيث والبحر لكما المعنى وحسنه بتكميل اللفظ
وتحسينه.
وقوله: الكامل
نازَعْتُهُ قُلُصَ الرِّكَابِ وَرَكْبُهَا ... خَوْفَ الهَلاكِ حُدَاهُمُ التَّسْبيحُ
قال: قال ابن جني: نازعته: أخذت منه بقطعي إياه وأعطيته ما نال من الركاب. وليس المعنى على ما قال؛ لأن التقلص هي المتنازع فيها فالبلد يفنيها ويأخذ منها وهو يستبقيها، والمعنى: أني أحب إبقاءها والبلد يحب إفناءها بالمنازعة فيها.
(5/61)

وأقول: هذه عبارة ملجلجة، وألفاظ مجذجة، والمعنى ذكرته في شرح ابن جني.
وقوله: الكامل
ومَتَى وَنَتْ وأبُو المُظَفَّرِ أَمُّهَا ... فأتَاحَ لي ولَهَا الحِمَامَ مُتِيحُ
قال: ونت: ضعفت وفترت، وأمها: قصدها، والمعنى: مقصودها؛ أي: ان الموت خير لنا أن تخلفنا عنه.
وأقول: هذا الذي قاله ضعيف. والمعنى إنه أقسم، بلفظ الدعاء، على نفسه وإبله؛ يقول: أهلكني الله وأهلكها إن ونت في السير، والممدوح أمها كقول الشاعر: الطويل
أنْ كانَ ما بُلِّغْتِ عني فَلامَني ... صَدِيقي وشَلَّتْ من يَدَيَّ الأنَامِلُ
وأمثاله كثير. وهذا فيه إخبار عن جده وجد ابله في السير وترك الفتور والتمكث والتلبث عن قصد الممدوح.
وقوله: الكامل
يَغْشَى الطِّعَانَ فلا يَرُدُّ قناتَهُ ... مَكْسُورةً ومن الكُمَاةِ صَحِيحُ
(5/62)

قال: قوله: مكسورة: حشو، أراد أن يطابق بينها وبين الصحيح، لأنه لا فائدة في أن يرد القناة من الحرب مكسورة، ولو ردها صحيحة لم يلحقه نقص.
فيقال له: وعلام قلت: لا فائدة في قوله: المتقارب
وهَوْلٍ كَشَفْتَ ونَصْلٍ قَصَفْتَ ... ورُمْحٍ تَرَكْتَ مُبَاداً مُبِيدَا
وفي قوله: البسيط
القَاتِلِ السَّيْفَ في جسْمِ القتيلِ به ... . . . . . .
أو قول أبي تمام: الطويل
فما كنْتَ إلاَّ السَّيفَ لاقى ضَرِيبَةً ... فقَطَّعَها ثم انْثَنَى فَتَقَطَّعَا
وهو من قول البعيث: الطويل
وإنَّا لَنُعْطي المشرفيةَ حَقَّهَا ... فَتَقْطَعُ في أيمانِنَا وتَقَطَّعُ
لأنه لو ردهما صحيحين لم يلحقه بذلك نقص، وهذا لا يقوله من له أدنى تأمل، والفائدة في ذلك ظاهرة وهي كثرة الطعن بالرمح والضرب بالسيف.
(5/63)

وقوله: الكامل
يَخْطُو القتيلَ إلى القَتِيلِ أمَامَهُ ... ربُّ الجَوادِ وخَلْفَهُ المَبْطوحُ
قال: يقول: قد امتلأت المعركة من القتلى؛ فالفارس على الفرس الجواد يخطو من قتيل إلى قتيل، ويخلف وراءه فارسا مبطوحا، أي: مطروحا على وجهه. ويجوز ان يكون رب الجواد الممدوح؛ يصف إغراقه في القتل.
وأقول: هذا الذي قاله ليس بشيء، والضمير في يخطو راجع إلى الممدوح؛ يعني إنه يبارز فارسا فيقتله، ويتجاوزه إلى قتيل آخر؛ أي: إنه سيُقتل، كقوله تعالى: (أِنَّكَ مَيِتٌ) فقدامه رب الجواد الذي لم يُقتل، وخلفه المبطوح الذي قُتل، يصفه بشدة الإقدام في الحرب والإغراق في القتل.
وقوله: الكامل
جُهْدُ المُقِلِّ فكيفَ بابْنِ كَريمةٍ ... تُوليهِ خَيْراً واللِّسَانُ فَصِيحُ
قال: يقول: ذاك من الرياض جهد المقل لأنها لا تملك النطق، ولا تقدر من شكر السحاب إلا على ما يفوح منها من الروائح الطيبة، فكيف ظنك بابن كريمة -
يعني نفسه - تُحسن اليه، وله لسان فصيح وقدرة على الثناء لا يترك شكرك والثناء عليك.
(5/64)

وأقول: لو قال موضع لا يترك شكرك والثناء عليك يبالغ فيه ويأتي منه بما لا تقدر عليه الرياض، لكان أحسن وأكمل.
وقوله: الكامل
فَغَدا أسِيراً قد بَلَلْتَ ثيابَهُ ... بِدَمٍ، وبَلَّ بِبَوْلهِ الأفْخَاذَا
قال: يريد إنه تلطخ بالبول والدم جميعاً.
وأقول: لو أتم كلامه بان قال: فيه بلللان: أحدهما منك وهو الدم، والآخر منه وهو البول للخوف، والأول سبب للثاني لكان حسناً.
وقوله: الكامل
مُتَعَوِّدٌ لِبْسَ الدُّروع يَخَالُها ... في البَرْدِ خَزّاً والهَوَاجرِ لاذَا
قال: عطف في هذا البيت على عاملين مختلفين؛ لأنه عطف الهواجر على البرد، واللاذ على الخز. وذلك لا يجوز إلا على قول الأخفش، على إنه قد حُكي عنه الرجوع عن هذا. وقال أبو بكر بن السراج: إجماع إنه لا يجوز: مر زيد بعمرو وبكر خال.
(5/65)

وأقول: إن مثال البيت لا يجوز، لا على قول الأخفش ولا غيره. وهو كما قال ابن السراج، وإنما الخلاف إذا جعلوا المخفوض يلي الواو كقول الأعور الشني: المتقارب
هَوِّنْ عليكَ فإن الأمُورَ ... بكَفِّ الإلهِ مَقَاديرُهَا
فلَيْسَ بآتيكَ مَنْهِيُّهَا ... ولا قاصِرٍ عنك مَأمورهَا
على إنه يحتمل أن يكون أضمر حرف الجر الذي هو في، كأنه قال: وفي الهواجر وهو مذهبه لأنه كان كوفي النسب والأدب مثل قولهم: ما كل سوداء تمرة ولا
بيضاء شحمة. قال سيبويه: كأنك أظهرت كل فقلت: ولا كل بيضاء شحمة، وكذلك قول أبي دؤاد: المتقارب
أكلَّ امرئٍ تَحْسَبين امرءاً ... ونارٍ تَوَقَّدُ باللَّيلِ نِارَا
فعلى هذا لا يكون عطف على عاملين.
(5/66)

وقوله: الكامل
بِمُزَوَّدٍ كَفَنَ البِلَى من مُلْكِهِ ... مُغْفٍ وإثْمِدُ عَيْنِهِ الكَافُورُ
قال: يعني إنه لم يزود من مُلكه ومِلكه إلا كفناً يبلى، وجعله مُغفيا؛ لأن الميت كالنائم لإطباق جفنه. يقول: كُحل بالكافور بدل الاثمد.
وأقول: احسن من هذه العبارة؛ أن يقول: هذا المرثي مسافر، لا كالمسافرين؛ لأنه لم يُزود من مُلكه إلا كفناً يبلى، ونائم لا كالأحياء لأن من شأن الأحياء أن يكتحلوا بالاثمد؛ وهذا ميت كُحله الكافور.
وقوله: الطويل
وَقَفْنَا وممَّا زَادَ بثّاً وُقُوفُنَا ... فَرِيقَيْ هَوىً مِنَّا مَشُوقٌ وشَائِقُ
قال: فريقي هوى: منصوب على الحال من النون والألف في وقوفنا وجعل هذه الحال تزيده بثا؛ لأن فراق الأحبة أشد على القلب من فراق المجاورين والمعارف الذين لا علاقة بينك وبينهم.
وأقول: إنه ظن أن زيادة البث إنما كانت بسبب وقوفهم فريقين: مشوق وشائق فحسب، ففسر هذا التفسير، وليس كذلك وإنما كان بسبب ما ذكره في آخر البيت
(5/67)

الأول، وما ذكره أبو الطيب في البيت الثاني وهو قوله: الطويل
وقد صَارَتِ الأجْفَانُ قُرْحاً من البُكا ... وصَارَ بَهَاراً في الخُدودِ الشَّقائقُ
وذلك إنه في موضع الحال معطوف على الأول، مقسم مرتب عليه، بصيرورة الأجفان قرحا من جانب المشوق، وهو العاشق، وصيرورة الشقائق بهاراً من
جانب الشائق وهو المعشوق، فزيادة البث إنما بزيادة البيت الثاني بما تضمنه وعطفه على الأول لا بانفراده. فتأمل إحكام هذه الصناعة، وإتقان هذه الصياغة!
وقوله: الطويل
طوالُ الرُّدَيْنِيَّاتِ يَقْصِفُهَا دَمِي ... وبِيضُ السُّرَيْجِيَّات يَقْطَعُهَا لحْمي
قال: يقول: الرماح تنقصف قبل الوصول إلى إراقة دمي، والسيوف تنقطع قبل قطع لحمي، فجعل دمه يقصفها لما كان السبب في قصفها وكذلك لحمه.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يريد أن الشيء الصُلب الذي من شأنه أن يؤثر في اللين، قد انعكس بالإضافة إليّ، فجعل دمه يؤثر في الرماح القصف، ولحمه يؤثر في السيوف القطع على طريق المبالغة كقول ذي الرمة: الطويل
ورَمْلٍ كأوْرَاكِ العَذَارَى قَطَعْتُهُ ... . . . . . .
(5/68)

إذ من شأن الأوراك، أن تُشبه بكثب الرمل، كما من شأن السيوف أن تقطع، ومثله: الوافر
أرِانبُ غير أنَّهُمُ مُلُوكٌ ... . . . . . .
ومثله قوله: المنسرح
أثَّرَ فيها وفي الحَديدِ ومَا ... أثَّرَ في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
وقوله: الوافر
نلومُكَ يا عَليُّ لغيرِ ذَنْبٍ ... لأنَّكَ قد زَرَيْتَ على العِبَادِ
قال: أي عبت أفعالهم وصغرت مناقبهم بزيادتك عليها.
وأقول: ويكون هذا مثل قوله: الكامل
شَادُوا مناقِبَهُمْ وشِدْتَ مَنَاقِباً ... وُجِدَتْ مُنَاقِبُهُمْ بِهِنَّ مَثَالِبَا
وكقول أبي تمام: الطويل
مَحَاسِنُ من مَجْدٍ مَتَى يَقْرِنوا بهَا ... مَحَاسِنَ أقْوَامٍ تَكُنْ كالمعائبِ
(5/69)

وقوله: الوافر
كأنَّ سَخَاَءكَ الإسلامُ تَخْشَى ... إذا ما حُلْتَ عَاقِبَةَ ارْتِدَادِ
قال: يقول: أنت تعتقد سخاءك اعتقاد الدين، وتخاف لو تحولت عنه عاقبة الردة، وهو القتل ودخول النار.
وأقول: ليس للقتل هاهنا معنى صالح، والحد ما ذكرته في شرح ابن جني.
وقوله: الوافر
وحامَ بها الهَلاكُ على أنَاسٍ ... لهُمْ باللاَّذِقِيَّةِ بَغْيُ عَادِ
قال: يقول: دار الهلاك بخيلك على قوم لهم ببلدك ظلم عاد.
وأقول: اللاذقية: يحتمل أن يكون بلد عدو الممدوح، وهو الأشبه والأظهر ويدل عليه قوله قبله: الوافر
ويومَ جَلَبْتَهَا. . . . . . ... . . . . . .
والجلب إنما يكون من مكان إلى مكان، وقوله فيما بعد: الوافر
فكانَ الغَرْبُ بَحْراً من مِيَاهٍ ... وكانَ الشَّرْقُ بَحْراً من جِيَادِ
لأنهم لو كانوا من بلده لكانوا رعيته ولم يُحتج في قتالهم إلى جيش يكون بهذه الصفة.
(5/70)

وقوله: الوافر
وقَدْ خَفَقَتْ لك الرَّاياتُ فيه ... فَظَلَّ يَمُوجُ بالبِيِض الصِّعَادِ
قال: أي: اضطربت الأعلام وتحركت لك لا عليك.
وأقول: قوله: لك لا عليك زيادة في اللفظ ونقص في المعنى، وذلك إنها لو خفقت عليه من جيش العدو لم يكن في ذلك عيب له ولا عار عليه بل دل ذلك على عظم الأمر وعظم العدو وعظم من يلقاه.
وقوله: الوافر
وإنَّ المَاَء يَخْرُج من جَمادٍ ... وإنَّ النَّارَ تَخْرُجُ من زِنَادِ
قال: يريد أن يقول: إن العداوة تكمن في الوداد ككمون النار في الزناد، والماء في الجماد، كما قال نصر بن سيار: الوافر
وإنَّ النَّارَ بالزَّنْدَيْنِ تُورَى ... وإنَّ الفِعْلَ يَقْدُمُهُ الكَلامُ
وأقول: هذا ليس بطائل، والصحيح ما ذكرته قبل.
(5/71)

وقوله: الوافر
تُرَفِّعُ ثوبَهَا الأردافُ عَنْهَا ... فَيَبْقَى من وِشَاحَيْهَا شَسُوعَا
قال: يريد بالوشاحين قلادتين تتوشح بهما المراة؛ ترسل إحداهما على جنبها الأيمن، والأخرى على الجانب الأيسر.
يقول: أردافهما سمينة، عظيمة، شاخصة عن بدنها، ترفع ثوبها، وتمنعه من أن يلاصق جسدها حتى يكون بعيدا عما توشحت به من القلائد.
وأقول: هذا ليس بشيء، والوشاح يكون على خصرها بمنزلة القلادة في عنقها، ويدل على ذلك قول أبي تمام: الطويل
من الهِيفِ لو أنَّ الخلاخِلَ صُيِّرَتْ ... لهَا وُشُحاً جَالَتْ عليها الخلاخِلُ
وأحسن من قول أبي الطيب قول الآخر: الكامل
أبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقُمْصِهَا ... مَسَّ البُطونِ وأن تَمَسَّ ظُهُورَا
ومثل ذلك قول بعض الأعراب في صفة امرأة: ما يمس ثوبها منها إلا طرفا حلمتيها ورانفتا اليتيها، ومشاشا منكبيها!
(5/72)

وقوله: الوافر
ذراعَاهَا عَدُوَّا دُمْلَجَيْهَا ... يَظُنُّ ضَجِيعُهَا الزَّنْدَ الضَّجِيعَا
قال: الدملج يضيق عن ذراعها فتفصمه وتكسره لامتلائه بها، وعظم ساعديها غليظ اللحم حتى يظن الضجيع زندها شخصا مضاجعا له!
وأقول: إن أبا الطيب يبالغ في مواضع حتى تخرجه المبالغة إلى الإحالة أو الثقالة!
وقوله: الوافر
فليسَ بَواهِبٍ إلا كَثيراً ... وليسَ بقَاتِلٍ إلاَّ قَرِيعَا
أقول: لو قال في موضع كثيرا نفيسا لكان أطيب في الذوق، وأفصح في اللفظ، وأبلغ في المعنى، لأن النفيس هو الشيء الذي ينفس به؛ أي: يظن، كقوله: الكامل
لا تَجْزَعي إنْ مُنْفِساً أهْلَكْتُهُ ... وإذا هلكتَ فعنْدَ ذلك فاجْزَعِي
(5/73)

وقوله: الوافر
وليسَ مُؤَدِّباً إلاَّ بسَيْفٍ ... كفَى الصَّمْصَامةُ التَّعَبَ القَطِيعَا
قال: يقول: أقام سيفه في التأديب مقام سوطه فقد أغنى السيف السوط عن التعب؛ يصف شدته على المذنب المريب، وصعوبة سياسته للناس.
وأقول: المعنى على هذا التفسير في وقله:
. . . . . . ... كَفَى الصَّمْصَامَةُ التَّعَبَ القَطِيعَا
أي: إنه يضرب المذنب ضربة واحدة، عقابا له فليس على السيف فيها تعب، والسوط عقابه ضربات كثيرة بحركات كثيرة، فكأنه يتعب بذلك. ويحتمل البيت معنى غير ما قال الواحدي، وذلك إنه لما كان يؤدب الأعداء بالسيف، وذلك للذنب العظيم، تحومي الذنب اليسير الذي يؤدب فيه بالسوط، فترك السوط لأنه لم يحتج إليه فكأنه كفاه التعب بالترك، فهذا أولى من ذكر صعوبة سياسته للناس، وإنه يؤدب بالسيف من يستحق التأديب بالسوط، لأن ذلك وضع الشيء في غير موضعه فهو صفة ظلم، والظلم لا يمدح به.
وقوله: الوافر
فصَيَّرَ سيلُهُ بَلَدِي غَدِيراً ... وصَيَّر خَيْرُهُ سَنَتي رَبِيعَا
(5/74)

قال: أي: ملاني بالعطاء كما يملأ السيل الغدير، وأصلح دهري حتى صار
كالربيع؛ وهو فصل الخصب والأمطار.
وأقول: البلد: المكان القفر. قال رؤبة: الرجز
بل بلدٍ مِلءَ الفِجَاج قَتَمُهْ
والسنة: الجدب، قال الله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آل فِرْعَوْنَ بِالسّنِيِنَ) أي: فصير مطره الذي سال - أي جوده - أرضي القفر غديرا، وزمني الجدب خصبا، فاصلح مكاني وزماني.
وقوله: الوافر
وجَاوَدَني بأنْ يُعْطٍي وأحْوِي ... فَغَرَّقَ نَيْلُهُ أخْذِي سَريعَا
قال: جعل العطاء من الممدوح، والأخذ منه، مجاودة على معنى: أن أخذي منه كالجود مني عليه؛ يقول: لم يلحق أخذي إعطاءه حتى اغترق أخذي؛ أي: كان هو في العطاء أسرع مني في الأخذ.
وأقول: إن الجود وهو كثرة العطاء، والمجاودة المفاعلة منه تكون من اثنين فصاعدا،
(5/75)

يقال: جاود فلان فلانا، إذا كاثره بالعطاء كقوله: الطويل
كأنك ما جاوَدْتَ من بَانَ جودُهُ ... عليكَ ولا قابَلْتَ من لم تُقَاومِ
إلا أنها هاهنا من الممدوح بكثرة العطاء، ومن المتنبي بكثرة الأخذ لأن الممدوح يرى الأخذ منه جودا عليه كقوله: الوافر
قبولَكَ مَنَّهُ مَنٌّ عليه. . . . . . ... . . . . . .
فغلبت كثرة العطاء كثرة الأخذ مع سرعة، وذلك معنى قوله:
. . . . . . ... فَغَرَّق نَيْلُهُ أخْذِي سَرِيعَا
وقول الواحدي: كان في العطاء، أسرع مني في الأخذ. ولم يذكر الكثرة التي تقتضيها المجاورة، فيه نقص، بل فضله وغلبه في الكثرة والسرعة جميعا.
وقوله: الوافر
قد اسْتَقْصَيْتَ في سَلَبِ الأعَادي ... فَرُدَّ لهم من السَّلَبِ الهُجوعَا
قال: يقول: بالغت في سلب الأعداء؛ تسلبهم كل شيء حتى النوم، فرد عليهم ذلك، فإنهم لا يجدون ذلك خوفا منك.
(5/76)

فيقال له: ولم يرد عليهم النوم، وهم أعداء، وهو أضر الأسلاب لهم، التي سلبها منهم؟ فهذه العبارة لا تؤدي هذا المعنى، وإنما يقول: استقصيت في أذى الأعداء، والاستقصاء بغي، والبغي مذموم، وهم ضعفاء عنك، والضعيف ينبغي أن تكف عنه. وما بعد هذا البيت من صفتهم يدل على ذلك، فسأله الكف عنهم والبقيا عليهم والأمن لهم برد سلب النوم، وهو كناية عن الخوف، ولأن رد السلب وتركه مما توصف العرب به، كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في يوم حنين وفعل علي - عليه السلام - حين قتل عمرو بن عبد ود في قوله: الكامل
وعَفَفْتُ عن أثوابهِ وَلَوَ أنني ... كنتُ المُقَطَّرَ بَزَّني أثْوابي
وقوله: المنسرح
تُشْرِقُ أعْراضُهُمْ وأوْجُهُمْ ... كأنها في نُفُوسِهم شِيَمُ
قال: يصفهم بنقاء الأعراض والوجوه والشيم.
وأقول: إن هذا البيت فيه إحكام وإتقان للصناعة. وذلك إنما يشبه الشيء بالشيء الذي هو أظهر منه، المشهور المسلّم له، كقولنا: فلان كأنه البحر، أو كأنه الأسد؛ لأنهما معروفان بالجود والبأس مسلّم لهما ذلك، فشبه أبو الطيب بعض خلال الممدوح ببعض حتى كان المشبه به ظاهر للناس، معروف لهم مسلّم.
(5/77)

وقوله: المنسرح
فهي كمَاوِيَّةٍ مُطَوَّقَةٍ ... جُرِّدَ عنها غِشَاؤهَا الأدَمُ
قال: الماوية: المرآة وجعلها مطوقة، لما حولها من سواد الجنان.
وأقول: لم يُرد إنها مطوقة بالسواد؛ لان السواد لا يكون طوقاً بل غُلاً، ولكن
بذهب وفضة، وذلك إنه شبهها في صفاتها بالماوية، وهي المرآة، والروض الذي حولها بالطوق من الذهب والفضة لان الروض يشبه بذلك.
وقوله: المنسرح
أبا الحُسَينِ اسْتَمِعْ فَمَدْحُكُمُ ... في الفِعْلِ قبل الكَلامِ مُنْتَظِمُ
قال: يقول: فعلكم يمدحكم، قبل ان ينظم في الشعر؛ أي: بحسنه يُثنى عليكم. وأقول: هذا مثل قوله: الكامل
من يَهْتَدي في الفِعْل. . . . . .
البيت.
(5/78)

وقوله: المنسرح
وقد تَوَالى العِهَادُ منه لكُمْ ... وجَادَتِ المَطْرَةُ التي تَسِمُ
قال: العهاد: الأمطار، والمطرة التي تسم: هي الوسمي الذي يسم الأرض بالنبات. شبه مدائحه فيهم بأمطار تتابعت فانبتت له أنعامهم عليه، والتي؛ يعني بها هذه القصيدة.
وأقول: هذا التفسير على أن الضمير في (منه) راجع في البيت الذي قبله: إلى: (فَمَدْحُكُمُ. . . . . .)، وليس كذلك بل راجع فيه إلى قوله: (في الفعل)؛ يقول: أول جودكم علي ظاهر بمنزلة المطرة التي تسم الأرض بالنبات، ولم تقنعوا بذلك حتى اتبعتم الجود الأول بجود ثان متوال وذلك بمنزلة العهاد، وهو الولي وما بعده من المطر الذي يتعاهد الأرض بالري.
وقوله: البسيط
هَامَ الفُؤادُ بأعْرابِيَّةٍ سَكَنَتْ ... بيتاً من القَلْبِ لم تَمْدُدْ له طُنُبَا
قال: قال ابن جني: أي ملكت قلبي بلا كلفة ولا مشقة؛ فكانت كمن سكن بيتا
(5/79)

لم يتعب بإقامة أوتاده، ولا مد أطنابه. واحسن من هذا أن يقول: اتخذت بيتا من قلبي
فنزلته والقلب بيت بلا أطناب ولا أوتاد.
وأقول: وأحسن من ذلك أن يقول: سكنت بيتا من قلبي، بخلاف بيتها المعتاد، إذ بيوت الأعراب بأوتاد وأطناب، وهي أعرابية، وهو ليس كذلك.
وقوله: البسيط
وكُلَّمَا لقِيَ الدَّينارُ صاحِبَهُ ... في مِلكِهِ افْتَرَقَا من قَبْلِ يَصْطَحِبَا
قال: أراد إذا التقيا تفرقا قبل الاصطحاب؛ فهما يلتقيان مجتازين لا مصطحبين.
وأقول: هذا المعنى قد بينته في شرح ابن جني.
وقوله: البسيط
مالٌ كأنَّ غُرابَ البَيْنِ يَرْقُبُهُ ... فكُلَّما قيلَ: هذا مُجْتَدٍ نَعَبَا
ذكر في هذا البيت قول ابن جني، قال: هذا معنى حسن: يقول: كما ان غراب البين لا يهدأ من الصياح، فكذلك هذا الممدوح، لا يفتر من العطاء.
(5/80)

وقال: قال العروضي: لعمري إن الذي قاله المتنبي، لحسن لكن تفسيره غير حسن! ومن قال: إن الغراب لا يهدأ من الصياح؟! ولكن معناه: إن العرب تقول: إن غراب البين إذا صاح في ديار قوم تفرقوا فقال المتنبي: كأن المجتدي إذا ظهر صاح هذا الغراب في ماله فتفرق
وأقول: كأن في هذا البيت مناقضة لما قبله، وذلك أن غراب البين، إذا صاح تفرق الجمع. وهو في البيت الذي قبله قال: إن الدينار يفارق الدينار الآخر إذا لاقاه في ملكه قبل الاصطحاب فلا معنى لصياح الغراب، إذ لم يكن لماله اجتماع!!
وقوله: الوافر
قَبِيلٌ أنْتَ أنتَ، وأنْتَ منهم ... وَجَدُّكَ بِشْرٌ المَلِكُ الهُمَامُ
قال: أراد: قبيل أنت منهم وأنت أنت في علو قدرك. يعني: إذا كنت منهم وجدك
بشر فكفاهم بذلك فخرا، وقد أخر حرف العطف وهو قبيح جداً.
وقال التبريزي: قوله: أنت أنت، أي: أنت الرجل المشهور المعروف، يقول: الرجل فلان هو هو، أي، قد عُرف وشُهر، ومن ذلك قول أبي خراش: الطويل
رَفَوْني وقالُوا يا خُوَيلدُ لا تُرَعْ ... فقلتُ: وأنكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
(5/81)

أي: هم الذين كنت أخافهم واتقيهم. ولما شهد له بالفضل قال: أنت من هؤلاء القوم الذين هم بنو عجل، وفيهم جدك المسمى ببشر.
وأقول: هذا الذي ذكره التبريزي هو في معنى الصفة لقبيل، وهو تفسير قول ابن جني الثاني؛ لأنه قال: وقد جوز ابن جني أن يجعل جميع ما بعد قبيل وصفا له، ولم ينو تقديم بعضه. قال: وفيه قبح، فعلى هذا يكون قبيل الثاني بدلا من قبيل الأول أعني قوله:
قَبِبلٌ يَحْمِلونَ من المَعَالي ... . . . . . .
والأول وما بعده إلى آخر البيت وصف له فكذلك الثاني.
وقوله: الطويل
وخّيَّلَ منها مِرْطُهَا فكأنَّما ... تَثَنَّى لنَا غُصْنٌ ولا حَظَنَا خِشْفُ
(5/82)

قال: خيّل: من قوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ. . . . . .) أي: يرى ذلك كالخيال، والمرط: كساء من خز أو صوف. يقول: مرطها يرينا ويُمثّل لنا صورتها كغصن بأن تثنّى، وولد ظبي رنا.
وأقول: لا يجوز أن يكون وخيّل بالياء لوجود الفاء في (كأنما) وكان ينبغي أن يقول: وخيّل منها مرطها كأنما تثنّى، والصحيح ما رواه عن ابن جني إنه و (خبّل) بالباء ولكن لا كما فسره من ستر محاسنها وإنما خبّل من الخبل وهو الجنون.
يقول: لما نفرت خبّلها، أي أدهشها وحيرها، سقوط مرطها في تلك النفرة، فبدا لنا
قدُّها وكأنه غصن تثنّى، ولاحظتنا فكأنما لاحظنا خشف.
وقد روي: (وخُبّل) بضم الخاء وبالباء، أي: جن واضطرب مرطها من نفرتها ودقة خصرها ومجاذبته ردفها، فوصف مرطها بالخبل لاضطرابه، كقول ذي الرمة: الطويل
. . . . . . ... على خَصْرِ مِقْلاتٍ سَفيهٍ جَدِيلُهَا
فوصف جديلها بالسفه لاضطرابه؛ لأنه دليل على نشاطها وحدة قلبها.
وقوله: الطويل
زِيَادةُ شَيْبٍ وَهْيَ نَقْصُ زِيَادَتي ... وقُوَّةُ عِشْقٍ وَهْيَ في قُوَّتي ضَعْفُ
هَرَاقَتْ دَمي مَنْ بي من الوَجْدِ ما بِهَا ... مِنَ الوَجْدِ بي والشَّوْقُ لي ولها حِلْفُ
(5/83)

أقول: أن أبا الطيب أخبر في البيت الأول بزيادة الشيب فيه وقوة العشق، وأخبر في البيت الثاني أن وجده بالمعشوقة كوجدها به، وأن الشوق لها حلف كما هو له حلف، وفي هذا دليل على قوة عشقها له كقوة عشقه لها لأنهما متماثلان في الوجد، فإخباره عن هذه المحبوبة بشدة عشقها له ومحالفة الشوق لها مع ذكر زيادة شيبه وشعف قوته أقبح من زيادة شيبه وضعف قوته!
وقوله: الطويل
وقابَلَني رُمَّانَتَا غُصْنِ بانَةٍ ... يَمِيلُ به بَدْرٌ ويُمْسِكُهُ حِقْفُ
قال: المعنى: إنها عند الوداع قامت بحذائي فقابلني من ثدييها رمانتان على قد كالغصن يميله وجه كالبدر، يعني إنها إذا قصدت مشياً بوجهها مالت إليه نحو الوجه فكان وجهها يميل قامتها، ثم يميل الردف بثقله قامتها فلا تقدر على سرعة الحركة.
وأقول: انظر إلى هذا التفسير وما فيه من ضعف التقدير!
وأقول: إن قوله: عند الوداع قامت بحذائي ليس بشيء! لأن الوداع لم يجر له ذكر
وإنما وقابلني عطف على: الطويل
. . . . . . ... كسَاهَا ثِياباً غَيْرَهَا الشَّعَرُ الوَحْفُ
(5/84)

وأما تفسيره أن وجهها يميل قدها فهو بالعكس وإنما غره قوله:
. . . . . . غُصْنُ بانةٍ ... يَميلُ به بَدْرٌ. . . . . .
وإنما التقدير: يميل بميله، فحذف المضاف للعلم به، فالبدر في أعلى الغصن فإذا مال الغصن مال به البدر، أي لميله لأنه كالثمرة فيه.
وأما قوله: ثم يميل الردف بثقله قامتها الخفيفة فلا تقدر على سرعة الحركة فمن جنس تفسيره ما قبله. والظاهر المعلوم أن الردف بثقله لا يميل القامة بل يمسكها ويقيمها وذلك إنه حقف قد أنبت غصنا فهو يمسكه ويقيمه ولا يميله، وإنما تقدير البيت: وقابلني من المحبوبة لما جردتها من ثيابها نهدان كالرمانتين في قد كغصن بانة، وذلك عجب يميل بميل الغصن، الذي هو قدها، وجه كالبدر، ويمسك قدها الذي هو كالغصن في اللين والخفة ردف كالحقف في الثقل.
وقوله: الطويل
أكَيْداً لنا - يا بَيْنُ - واصَلْتَ وَصْلَنَا ... فلا دَارُنَا تَدْنُو ولا عَيْشُنَا يَصْفُو
وأقول: ولم يُفسر هذا البيت وما فيه من حسن الترتيب.
يقول: إذا واصل البين الوصال بعد من العاشق، وإذا بعد الوصال بعدت الدار، وإذا بعُدت الدار لم يصف العيش.
(5/85)

وقوله: الطويل
ولمَّا فَقَدْنَا مِثْلَهُ دامَ كَشْفُنَا ... عليه فَدامَ الفَقْدُ وانكشَفَ الكَشْفُ
قال: يقول: لما فقدنا نظيره ومن يكون مثلا له دام كشفنا على حال الفقد عن مثل له، يعني: طلبنا ذلك فلم نجد، وهو قوله:
. . . . . . ... . . . . . . فَدَامَ الفَقْدُ وانكشَفَ الكَشْفُ
أي: زال وبطل لأنا يئسنا عن وجود مثله.
قال: ولم يُفسر أحد هذا البيت تفسيرا شافيا كما فسرته وبينته، ولو حكيت تخبيط الناس فيه، وأقوالهم المرذولة، والروايات الفاسدة لطال الخطب!
وأقول: إنه قد خبّط في قوله: عليه؛ أي: على حال الفقد، وجعل الضمير في عليه لشيء غير مذكور وهو حال الفقد، وإنما الضمير في عليه راجع إلى مثله ويكون على بمعنى عن كقول القُحيف العُقيلي: الوافر
إذَا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ ... لعَمْرُ اللَّهِ أعْجَبَني رِضَاهَا
وقول الراجز: الرجز
أرْمي عليها وَهْيَ فَرْعٌ أجْمَعُ
يقول: لما فقدنا مثل الممدوح دام كشفنا عنه، هل نجده؟ فلما لم نجده دام الفقد لمثله بعد دوام الكشف عن مثله، وانكشف الكشف؛ أي: زال أن يكون له مثل.
(5/86)

وقوله: الطويل
ولم نَرَ شَيْئاً يَحْمِلُ العِبَْء حَمْلَهُ ... وَيَسْتَصْغِرُ الدُّنْيَا ويَحْمِلُهُ طِرْفُ
لم يذكر ما في هذا البيت!
وأقول: العبء: الحمل الثقيل، فيجوز أن يكون الممدوح يحمل العبء، ويستصغر الدنيا بالإضافة إلى ما يحمله، ومع ذلك يحمله طرف وقد حمل ما تصغر الدنيا عنده فيكون التعجب من شيئين: من حمل العبء الذي تصغر الدنيا عنده، ومن حمل الطرف له ولما يحمله.
ويجوزان يكون قوله: ويستصغر الدنيا لأنه أعظم منها، ويحمله مع ذلك الطرف! فالتعجب هاهنا من شيء واحد؛ ممن هو أعظم من الدنيا كيف يحمله طرف، والطرف جزء من الدنيا صغير؟!
وقوله: الطويل
وَلَسْتَ بدونٍ يُرْتَجَى الغَيْثُ دُونَهُ ... ولا مُنْتَهَى الجُودِ الذي خَلْفَهُ خَلْفُ
قال: أي لست بقليل من الرجال ولا صغير المقدار، ولست بخسيس يرتجى الغيث ولا ترتجى، وليس وراءك للجود منتهى، والمعنى: أن الجود مقصور عليك لا يرتجى دونك ولا يتجاوز عنك كما قال أشجع: المتقارب
فلا خَلْفَهُ لامرئٍ مَطْمَعٌ ... ولا دُونَهُ لامرئٍ مَقْنَعُ
(5/87)

وقال الطائي: الطويل
إليكَ تَنَاهَى الجُودُ من كلِّ وجْهَةٍ ... يَصِيرُ فما يَعْدوكَ حيث تَصِيرُ
قال: وأراد أبو الطيب هذا المعنى وأساء العبارة.
وأقول: إن الذي يُثنى عليه ويُمدح لا يحسن أن يقال له: لست بخسيس ولست بقليل كما ذكر في تفسيره. وقوله
ولسْتَ بدُونٍ يُرْتَجَى الغيث دُونَهُ ... . . . . . .
فيه مبالغة وذلك إنه قدّر إذا رُجي الغيث دونه إنه بخيل، وليس يُبخّل الإنسان بإضافته إلى الغيث أو البحر، وإنما يُبخّل بإضافته إلى إنسان مثله فبقي عيبه أن يُرتجى الغيث دونه فيكون بخيلا فعبر (بدون) بدون (بخيل) لحسن الترديد وازدواج اللفظ.
وقوله: الكامل
المُنْهِبَاتُ قُلُوبَنَا وعُقُولَنَا ... وجَنَاتِهِنَّ النَّاهِبَاتِ النَّاهِبَا
(5/88)

قال: يقول: أنهبته الشيء إذا جعلته نُهبى له. يقول: انهبن وجوههن قلوبنا وعقولنا حتى نهبنها بحسنهن، ثم وصف تلك الوجنات بأنها تنهب الناهب؛ أي: الرجل الشجاع المغوار.
وأقول: لم يرد بالناهب الرجل الشجاع، كما ذكر، وإنما الناهب هاهنا القلوب والعقول، فجعل الوجنات التي نهبتها القلوب والعقول ناهبة لها بحسنها على طريق
القصاص، فكل من الوجنات والقلوب والعقول ناهب منهوب وهذا من قول أبي تمام: الطويل
سَلَبْنَ غِطاَء الحُسْنِ عن حُرِّ أوْجُهٍ ... تَظَلُّ لِلُبِّ السَّالِبِيهَا سَوَالبَا
وقوله: الكامل
يا حَبَّذا المُتَحمِّلونَ وحَبَّذا ... وَادٍ لثمتُ به الغَزَالةَ كَاعِبَا
قال: الغزالة من أسماء الشمس، كنى بها عن الحبيبة وأخبر أنها كانت كاعبا حين لشمها.
وأقول: الأحسن، أن تكون الغزالة هاهنا الظبية لذكر الوادي وتقارب الاستعارة بينهما.
(5/89)

وقوله: الكامل
يَسْتَصْغِرُ الخَطَر العَظيمَ لوفدهِ ... ويَظُنُّ دِجْلَةَ ليس تَكْفي شَارِبَا
كَرَماً فَلَوْ حَدَّثْتَهُ عن نَفْسِهِ ... بِعَظِيمِ ما صَنَعَتْ لظَنَّكَ كاذِبَا
قال: يعني كرما يفعل ما ذكرت. ثم قال: فلو حدثته بعظيم ما صنعه لكذبك استعظاما له. وقد أساء في هذا، لأنه جعله يستعظم فعله، وبضده يُمدح، وإنما يحسن أن يستعظم غيره ما فعل كما قال أبو تمام: الطويل
تجاوزَ غاياتِ القلوبِ رَغَائِبٌ ... تكادُ بهَا لولاَ العَيَانُ تُكَذِّبُ
وقال البحتري: الكامل
وحديثِ مجدٍ عنكَ أفرَطَ حُسْنُهُ ... حَتَّى ظَنَنَّا إنه مَصْنُوعُ
وأقول: أن قوله: لو حدثته بعظيم ما صنعت لكذبك استعظاما له خطأ بل لكذبك استصغارا له وذلك إنه إذا أخبره بأنه قد فعل عظيما من الجود، ظن إنه يكذب لأنه:
يَسْتصْغِرُ الخَطَر الكبير لوَفْدِهِ ... . . . . . .
كما ذكر في البيت الذي قبله، فإذا كان كذلك وحدثه بأنه قد فعل عظيما ظنه كاذبا؛ لأنه أخبر بالشيء على خلاف ما عنده، وما هو ثابت في ذهنه من أن دجلة
(5/90)

لا تكفي شاربا، وذلك في غاية الاحتقار فكيف يكذبه استعظاما له لولا كثرة التغفل وقلة التأمل؟ فعلى هذا الوجه ما أساء أبو الطيب بل أساء الراد عليه بغير علم
وقوله: الطويل
ظَلُومٌ كمَتْنَيْهَا لِصَبٍّ كَخَصْرِها ... ضَعيفِ القُوَى من فِعْلِهَا يتظَلَّمُ
قال: العادة جرت للشعراء، بوصف الردف بالعظم، والخصر بالهيف، ولم نسمع ذكر سمن المتن وكثرة لحمه، بل يصفون النصف الأعلى بالخفة والرشاقة.
فيقال له: والمتن ليس من النصف الأعلى، والمتنان مكتنفا الصلب من اللحم والعصب فهو إذا من الردف. ويؤيد ذلك أن المتن ما غلظ من الأرض، فقوله: لم نسمع لا يدل على عدم الجواز!
وقوله: الطويل
يَجِلُّ عن التَّشْبيهِ لا الكفُّ لُجَّةٌ ... ولا هو ضِرْغَامٌ ولا الرأيُ مِخْذَمُ
ولا جُرْحُهُ يُؤسَى ولا غَورُهُ يُرَى ... ولا حَدُّهُ يَنْبُو ولا يتثلَّمُ
(5/91)

قال: عطف لا في قوله: ولا جرحه يؤسى على لا في البيت قبله في ظاهر اللفظ، لا في المعنى لأن قوله: لا الكف لجة يريد أن فيها ما في اللجة وزيادة عليها، وكذلك ما بعده في هذا البيت.
وقوله: ولا جرحه يؤسى ليس يريد إنه يؤسى ويزاد عليه، فهو في هذا ينفي ما في اللفظ والمعنى، وفيما قبل مثبت في المعنى ما نفاه لفظا. والمعنى: جرحه أوسع من أن يُعالج.
وأقول: هذا الذي ذكره هو قول ابن جني وليس بشيء؛ وذلك إنه يمكن أن يتأول البيت الأول بما تؤول به البيت الثاني فيقال: كفه أكرم من أن تُشبه باللجة، وهو
أشجع من أن يُشبه بالضرغام كما قال: جرحه أوسع من أن يؤسى. على أن قوله أن معنى: لا الكف لجة أي فيها ما في اللجة وزيادة هو بمعنى أكرم من اللجة، لأن لفظة افعل تقتضي ذلك؛ فعلى هذا يكون الأول كالثاني نفيا في اللفظ والمعنى.
وقوله: الطويل
ولا يَشْتَهي يَبْقَى وتَفْنَى هِبَاتُهُ ... ولا يَسْلَمُ الأعداءُ منه ويَسْلَمُ
قال: يقول: لا يحب ان يبقى ولا عطاء له، وإنما يحب البقاء ليعطي، فإذا لم يكن له عطاء لم يحب البقاء، ولا يحب ان يسلم في نفسه مع سلامة الأعداء؛ أي إنه يحب أن يقتلهم وإن كان في ذلك هلاكه.
(5/92)

وأقول: يُحتمل أن يكون أراد: ولا يسلم الأعداء منه، ويسلم منهم؛ فحذف منهم للعلم به ولما دل عليه الأول؛ أي: لا يحب مسالمة الأعداء وموادعتهم خوفا وفرقا منهم، فيكون بمعنى قولهم: دعني كفافاً؛ أي: تكف عني واكف عنك.
وقوله: الطويل
سَنِيُّ العَطَايا لَوْ رَأى نَوْمَ عَيْنِهِ ... من اللُّؤومِ إلى أنَّها لا تُهَوِّمُ
قال: التهويم: اختلاس أدنى النوم. يقول: لو كان النوم الذي لابد منه لؤما حلف إنه لا ينام
وأقول: إنه قصّر في العبارة فنقص المعنى الذي أراده أبو الطيب؛ وذلك إنه بالغ فقال:
. . . . . . لو رأى نَوْمَ عَيْنِهِ ... من اللؤمِ. . . . . .
أي: من بعض اللؤم لأقسم إنه لا يذوق أدنى النوم.
وقوله: الطويل
إلى اليَوْم ما حَطَّ الفِدَاءُ سُرُوجَهُ ... مُذُ الغَزْوُ سارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ
(5/93)

قال: قوله: مذ الغزو: مبتدأ محذوف الخبر كأنه قال: مذ الغزو واقع أو كائن.
وقوله: سار: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو سار، يعني الممدوح.
وأقول: ليس سار الممدوح وإنما هو الغزو. وشار خبر عنه ولا حاجة إلى تقدير محذوفين في مكان واحد؛ أحدهما خبر عن الغزو والآخر مبتدأ لسار، وهو الممدوح بل:
. . . . . . ... الغَزْوُ سَارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ
على طريق المبالغة كما قالوا: ليل قائم ونهار صائم.
وقوله: الطويل
ومن عَاتِقٍ نَصْرانَةٍ بَرَزَتْ لَهُ ... أسِيلةِ خَدٍّ عن قَريبٍ سَيُلْطَمُ
قال: يريد جارية عاتقا؛ أي: شابة بكرا.
والنصرانية تأنيث نصران؛ أي برزت للممدوح وخرجت من سترها لأنها سُبيت فهي تُلطم وتُهان وإن كانت أسيلة الخد.
وأقول: العاتق من الجواري التي أدركت فخُدرت.
وقوله: برزت له: أي للملك الطاغي، يعني: ملك الروم؛ أي: من نسائه.
ويحتمل أن يكون (له) راجعا إلى الممدوح، أي: لأجله، أي: خوفا منه.
يقول: انكشفت للناس في بلادها وخدرها وقد أجفلوا من شق الممدوح بلاد الروم ودخوله فيها، كما ذكر.
وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . عن قريبٍ سَيُلْطَمُ
(5/94)

أي: بقتل من سيقتله من أقاربها وأهل دينها. وقول الواحدي: (سُبيت فهي تُلطم وتهان) غير صحيح لأن ذلك لم يقع بعد لقوله: عن قريب، والمعنى ما ذكرته.
وقوله: الطويل
صُفًوفاً لليثٍ في لُيُوثٍ حُصُونها ... مُتونُ المَذَاكي والوَشيجُ المُقَوَّمُ
قال: أي برزت له صفوفا، يعني: النصرانة، لأن من عاتق هاهنا في معنى جملة كما تقول: كم من رجل جاءني.
وأقول: إن صفوفا ليست صفة للنساء، كما ذكر، وإنما هي للرجال وهي راجعة إلى قوله: الطويل
. . . . . . فكم من كَتِبَةٍ ... . . . . . .
يقول: كم من كتيبة للروم رجالها وأبطالها اصطفت صفوفا للقاء ليث - يعني الممدوح - في ليوث من عسكره وأصحابه، ليس لهم حصون كحصون الروم من الجبال والصخور، وإنما حصونهم متون الخيل والرماح.
وقوله: الكامل
وكَفَى بمَنْ فَضَح الجَدَايَةَ فاضِحاً ... لِمُحِبِّهِ وبمَصْرَعي ذَا مَصْرَعَا
(5/95)

قال: يقول: من فضح الجداية بحسنه، كفى فاضحا لمن أحبه، وكفى بمصرعي في حبه مصرعا؛ يريد إنه غاية في الحسن، وهو غاية في عشقه وحبه.
وأقول: إن هذا المعنى محتاج إلى زيادة ايضاح؛ وذلك إنه لما ذكر فيما قبل من البيتين زوال حيائه بكثرة بكائه وكثرة ما به من رنة، وله من دمع، قال بعد ذلك: كفى بمن فضح الجداية بالحسن أن يفضحني بالحب، فاعتذر لنفسه في ظهور حبه بزيادة حسن حبيبه فقال: إذا فضح الغزال بحسنه فجدير أن يفضح العاشق بحبه لأن حسنه أوفى حسن، ومصرعي في عشقه أوفى مصرع.
وقوله: الكامل
أَلِفَ المُروءةَ مُذْ نَشَا فكأنَّهُ ... سُقِيَ اللِّبَانَ بهَا صَبيّاً مُرْضَعَا
نُظِمَتْ مَوَاهِبُهُ عليهِ تَمائِماً ... فاعتادَهَا فإذا سَقَطْنَ تَفَزَّعَا
قال: من روى: (نُظمت) بضم النون فالمعنى أن هباته وما يفعله من الإعطاء جُعلت له كالتمائم التي تُعلق على من خاف شيئاً، فإذا سقطت عنه عاد الخوف؛
أي: إنه ألف العطاء واعتاده، حتى لو ترك ذلك بمنزلة من سقطت تمائمه.
ومن روى (نظمت) بفتح النون فقال ابن فورجة: إنما يعني ما حصّلت له المواهب من الحمد والثناء والمدح بالأشعار وأدعية الفقراء فهو إذا لم يسمع ما تعود أنكر ذلك وكان كمن ألقى تميمته فتفزّع.
(5/96)

وأقول: إن (نظمت) وما بعدها صفة لقوله: صبيا مرضعا لأن التمائم تُستعار للصبي، وما نرى الواحدي وابن فورجة ذكرا ذلك، بل أطلقا القول بذكر الممدوح من غير اعتبار قوله: (صبيا) فذكرا الخوف للممدوح والفزع والتمائم وتلك من صفات المجانين! م فلا بد من جعل البيت الثاني صفة لآخر البيت الاول، لتصح الاستعارة فيصح المعنى، وإلا لا مقال بصحته دون ذلك. ويجوز نظمت مواهبه، بفتح النون ونصب المواهب، ويكون ضمير الفاعل للمروءة قبل.
وقوله: الطويل
أَجارُكِ يا أُسْدَ الفَراديسِ مُكْرَمٌ ... فَتَسْكُنَ نَفْسِي أمْ مُهَانٌ فَمُسْلَمُ
قال: هذه عادة العرب يخاطبون الوحوش والسباع، لأنهم يساكنونها في البرية؛ يقول لأسود هذا المكان: هل يكون من جاورك مكرما عزيزا فتسكن نفسي أو يكون مخذولا مهانا؟
وأقول: إنه فسر البيت بإعادة لفظه! والمعنى: إنه استفهم الأسد اتهاما لها لأنها غير مأمونة على جار، وجعلها بمنزلة من يعقل؛ يقول: أنا قد نزلت جاراً لك، وأنت فيك منعة، وعندك حماية فهل اُكرم منك بكف الأذى عني، والذب من دوني كما يفعل الكريم بجاره فأطمئن أم أهان وأسلم وتُخفر ذمتي كجار اللئام الضعاف فاحترز لنفسي؟ وفي هذا تنبيه على خوفه، وما بعده يدل عليه.
(5/97)

وقوله: الخفيف
ما تُرِيدُ النَّوَى من الحَيَّةِ الذَّوَّ ... اقِ حَرَّ الفَلا وبَرْدَ الظِّلالِ
قال: عنى بالحية نفسه؛ يريد إنه كثير السفر قد تعود حر الفلوات بالنهار وبرد الليل، والليل ظل كله، وهذا شكاية من الفراق وانه مبتلى به.
وأقول: ليس هذا شكاية من الفراق كما ذكر لأن الشكاية إنما تكون من الضعيف المتألم؛ مأخوذ من الشكو وهو المرض، وكيف يشكو وقد جعل نفسه بمنزلة الحية التي قد أدمنت وتمرنت على الحر والبرد، وإنما هذا استفهام إنكار وتوبيخ للنوى في ولوعها به وتعرضها له وهو لا يعبأ بها، وكيف يشكو النوى وهو أمضى في الروع من ملك الموت لا يخاف أحداً م ولا يرتدع من أحد عن زيارة محبوبه: الخفيف
. . . . . . ... وأسْرَى في ظُلْمَةٍ من خَيَالِ
أي: إذا شاء وصال حبيبه كان في الليل كطيف الخيال وهذه صفات لنفسه بالقوة لا بالشكاية التي هي ضعف.
وقوله: الخفيف
وربيعاً يضَاحِكُ الغَيْثَ فيه ... زَهَرُ الشُّكْرِ في رِيَاضِ المَعَالي
(5/98)

قال: جعله ربيعا وجعل عطاءه غيث ذلك الربيع، وجعل شكر الشاكرين زهرا يُضاحك الغيث، لأن الزهر إنما يتفتح ويحسن بعد مجيء الغيث كالشكر يكون بعد العطاء، ثم استعار لمعاليه رياضا ليجانس الألفاظ، وكأن هذا الزهر قد طلع من رياض معاليه؛ لأنه لولا كرمه وحبه للجود، ما أثنى عليه الشاكرون.
وأقول: أن تفسيره إلى قوله: يُضاحك الغيث حسن، وقوله بعد ذلك في تعليله: لأن الزهر إنما يتفتح. . . . . . إلى اخره، ضعيف إلا قوله: استعار لمعاليه رياضا ليجانس الألفاظ فإنه أيضا حسن لتكميل الاستعارة به. ولم يذكر معنى المضاحكة، وبها يحسن المعنى، وقد جعلها أبو الطيب بين الغيث، الذي هو الجود، وزهر الشكر فهما يتضاحكان؛ هذا بالبرق في حال الأمطار، وهذا بالتفتيح والإنارة في
حال الأزهار، فكلاهما يتقابلان في الحُسن ويزايدان. وقد جاء مثل هذا لأبي تمام في قوله: الطويل
إذا ضاحَكَ الرَّوْضُ الغَزَالةَ نُشِّرَتْ ... زرابيُّ في أكنَافِهَا ودَرَانِكُ
وكلاهما من قول البصير أبي البصير: البسيط
يضاحِكُ الشمسَ منها كَوْكَبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ بِعَميمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ
وقوله: الخفيف
والجِراحَاتُ عنَدهُ نَغَماتٌ ... سَبَقَتْ قَبْلَ سَيْبهِ بِسُؤَالِ
(5/99)

قال: يقول: عادته أن يعطي بغير سؤال، فان سبقت نغمة من سائل عطائه بلغ ذلك منه مبلغ الجراحات.
وأقول: كأن هذا رد لقول أبي تمام: الطويل
تكادُ عَطَاياهُ يُجَنُّ جُنُونُهَا ... إذا لم يُعَوِّذْهَا بنَغْمةِ طَالبِ
لأنه يقول: ينتظر بالعطايا السؤال فهي تنتفع به كانتفاع المجنون بالعوذ، وأبو الطيب يقول: إنه يستضر بالسؤال إذا سبق النوال فنغمات السائل عنده بمنزلة الجراحات.
وقوله: الخفيف
ذا السَّراجُ المُنِيرُ هذا النَّقِي الْ ... جَيْبِ هذا بَقِيَّةُ الأبدالِ
قال: نقي الجيب عبارة عن الطاهر من العيب؛ يعني أن ثوبه لم يشتمل منه على دنس
وأقول: إن الجيب بمنزلة الثوب عبارة عن القلب. يقال: فلان نقي الجيب وناصح الجيب، يعني به سلامة الباطن وصفاء السريرة كقول أبي نواس: البسيط
تَئِطُّ دونَ الرَّجالِ الأقربين به ... قُوىً رؤومٌ وجَيْبٌ طالمَا نَصَحَا
(5/100)

وقوله: الخفيف
وله في جَمَاجِمِ المَالِ ضَرْبٌ ... وقعهُ في جَمَاجمِ الأبْطَالِ
قال: قال ابن جني: يهب المال فيقدر بذلك على رؤوس الأبطال، وهذا فاسد وكلام من لم يعرف المعنى. والرجل يوصف بضرب رؤوس الأعداء من حيث الشجاعة لا من حيث الجود والهبة؛ والمعنى إنه يُفرّق ماله بالعطاء، فإذا فني ماله أتى أعداءه فضرب جماجمهم وأغار على أموالهم كما يقال: هو مفيد متلاف، فوقع ضربه في رؤوس أمواله يكون في الحقيقة في رؤوس الأبطال، وهذا كقوله: الكامل
والسِّلْمُ تَكْسِرُ من جَنَاحَيْ مَالِهِ ... بنَوالِهِ ما تَجْبُرُ الهَيْجَاءُ
وأقول: قوله: جماجم المال؛ أراد اشرف العطاء وأعلاه وأسناه كالجماجم من الأعضاء، ولما ذكر جماجم الأبطال استعار للمال جماجم على وجه المقابلة كقول أبي تمام: الكامل
لا تَسْقِني مَاَء المَلامِ فإنَّني ... صَبٌّ قد اسْتَعْذَبْتُ مَاَء بُكَائي
يقول: لكثرة إعطائه نفيس الأموال، أوقع خوفا في صدور الأبطال فهي ترى كأن ضربه، أي تفريقه، لنفيس ماله في المكارم ضرب منها في الجماجم، فالذي ذكره ابن جني أقرب إلى المعنى، إلا إنه أساء فيه بسوء العبارة عنه، والذي ذكره الواحدي معنى
(5/101)

مشهور إلا أن الأشبه به ما ذكرته؛ لأنه يصف رجلا بالزهد والانقطاع وترك الدنيا وإنه بقية الأبدال، ويدل على ذلك قوله قبل: الخفيف
قَابِضاً كَفَّهُ اليمين عن الدُّنيا ... . . . . . .
وقوله بعد: الخفيف
فَهُمُ لاتِّقَائِه الدَّهْرَ في يَوْ ... مِ نزَالٍ ولَيْسَ يَوْمَ نِزَالِ
وقوله: الكامل
أمِنَ ازْدِيَارَكِ في الدُّجَى الرُّقَبَاءُ ... إذ حيث أنتِ من الظَّلامِ ضِيَاءُ
قال: ويروى: حيث كنت، وعلى هذا ضياء ابتداء وهبره محذوف على تقدير: حيث كنت من الظلام ضياء هناك. وكان: في معنى حصلت، لا يحتاج إلى خبر.
(5/102)

وأقول: إن ضياء هاهنا مبتدأ نكرة قد تقدم خبرها عليها، وهو الظرف، تقدم وجوب، فلا يحتاج إلى تقدير خبر محذوف، والتقدير: إذ ضياء حيث حللت من الظلام؛ أي إذ نور في مكان وجودك، فلا تقدرين على الزيارة.
وقوله: الكامل
أسَفي على أسَفي الذي دَلَّهْتِني ... عَنْ عِلْمِهِ فَبِهِ عَلَيَّ خَفَاءُ
قال: يقول: إنما أتأسف على أن شغلتني عن معرفة الأسف، حتى خفي علي ما الأسف؟ لأنك أذهبت عقلي وإنما تُعرف الأشياء بالعقل.
فيقال له: فإذا أذهبت عقله فكيف يتأسف؟ والأسف: الحزن، والحزن إنما يكون للعاقل ومن ذهب عقله لا يحزن ولا يفرح؟! فهذا الذي ذكره ليس بشيء!
وقوله: الكامل
شِيَمُ اللَّيَالي أنْ تُشَكِّكَ نَاقَتي ... صَدْري بها أفْضَى أم البَيْداءُ
قال: قال ابن جني: من عادات الليالي أن توقع لناقتي الشك: أصدري أوسع أم البيداء؟ لما ترى من سعة قلبي وبُعد مطلبي. وهذا إنما يصح إذا لم يكن في البيت بها
(5/103)

وإذا رددت الكناية في (بها) إلى الليالي بطل ما قال لأن المعنى: أصدري بالليالي وحوادثها، وما تورده علي من مشقة الأسفار وقطع المفاوز، أوسع أم البيداء؟
وأقول: لا يبطل ما قال ابن جني برد الكناية إلى الليالي، وقوله أحسن من قولك! وبها لها في البيت معنى حسن.
يقول: من عادات الليالي أن توقع لناقتي الشك، أصدري أوسع أم البيداء؟ أي شيمتها الجور علي وإحواجي إلى السير الطويل في الفلاة الواسعة، فتشكك ناقتي:
أصدري أوسع بها، أي بسيرها وأعمالها، أم البيداء؟ وذلك إن الناقة يطول عليها السير، وتتسع بها الفلاة، ويتسع بأعمالها صدري، فتشك أيهما أوسع؟ وإنما ذلك مما تباشره وتعانيه من هذين الأمرين الشاقين، فهو أولى من غيره.
ويحتمل أن تكون بها بمعنى فيها، وهو راجع إلى الليالي، أي: لما تشاهده في الليالي من سعة الفلاة، وسعة صدري تشك أيهما أوسع.
وقوله: الكامل
وكذَا الكريمُ إذا أقامَ بِبَلْدَةٍ ... سَالَ النُّضَارُ بها وقَامَ المَاءُ
قال: معنى هذا البيت متصل بالذي قبله لأنه يقول: بياض الثلوج يعمي فقام مقام السواد والبياض، إذا عمل عمل السواد نقض العادة كذلك الكريم إذا أقام ببلدة نقض
(5/104)

العادة، فيجعل الذهب سائلا ويجمد الماء، وإنما قال هذا لأنه في الشتاء عند جمود الماء، ولم يعرف أحد ممن فسر هذا الشعر معنى قوله: وكذا الكريم؛ والتشبيه فيه واتصاله بما قبله.
وأقول: قد روي البيت الذي بعده وهو:
جَمَد القِطَارُ. . . . . . ... . . . . . .
مقدما عليه وهو الصحيح، وإذا كان كذلك فقد اتضح المعنى وزال الإشكال وحسن الاتصال، ولم يُحتج إلى هذا التقدير البعيد والتعسف الشديد!
وقوله: الكامل
يا أيُّها المُجْدَى عليه نَفْسُهُ ... إذْ لَيْسَ يأتيهِ لها اسْتِجْداءُ
أحْمَدْ عُفَاتَك لا فُجِعْتَ بحَمْدِهِمْ ... فَلَتَرْكُ ما لم يأخُذُوا إعْطَاءُ
قال: يريد: لا قطع الله شكرهم عنك.
(5/105)

وأقول: اقلب تُصب! يريد لا قطع الله شكرك عنهم؛ لأنهم محسنون إليك بإبقاء روحك عليك، ولهذا قال له: أحمد عفاتك، وقوله: بحمدهم أي بحمدك إياهم على
إبقاء روحك إياك وبينه بقوله:
. . . . . . ... فَلَتَرْكُ مَا لمْ يأخُذُوا إعْطَاءُ
ويحتمل أن يكون الحمد منهم، ويكون دعاء له على إحسانه إليهم، وتكون جملة معترضة لا موضع لها من الإعراب.
وقوله: الكامل
لا تَكْثُرُ الأمواتُ كَثْرَةَ قِلَّةٍ ... إلاَّ إذا شَقِيَتْ بكَ الأحْيَاءُ
قال: أراد بالأموات القتلى الذين ماتوا قبل الممدوح ومعنى شقيت بك: أي بغضبك فقتلك إياهم. يقول: لا تكثر القتلى إلا إذا قاتلت الأحياء وشقوا بغضبك، فإذا غضبت عليهم وقاتلتهم قتلتهم فزدت في الأموات زيادة ظاهرة، ونقصت من الأحياء نقصانا ظاهرا، ولم يفسر أحد هذا البيت كما فسرته.
فيقال له: أنت مصدق في قولك: لم يفسر أحد هذا البيت كتفسيرك ولكن في الرداءة لا في الجودة! لكونك جعلت الأموات القتلى من غير على محوجة، واللفظ إذا استقل بالمعنى على ظاهره وعلى الحقيقة لم يحمل على المجاز. والتقدير الصحيح:
(5/106)

لا تكثر الأموات الذين في القبور إلا إذا شقيت بك: أي: بغضبك، الأحياء، كما فسرت، بأن تقتلهم فتُكثر بهم الأموات وتلك الكثرة لا فائدة فيها ولا تأثير بها فهي كالمقلة.
وقوله: الكامل
وإذا مُدِحْتَ فلا لتُكْسَبَ رِفْعَةً ... للشَّاكرينِ على الإلهِ ثَنَاءُ
قال: يقول: بلغت من الرفعة غاية لا تزداد بمدح المادحين علوا، ولكنك تُمد ليؤخذ منك العطاء، وليعد الشاعر في جملة مدّاحك كالشاكر لله تعالى يُثنى عليه ليستحق به أجرا ومثوبة.
وأقول: قوله: ولكنك تُمدح ليؤخذ منك العطاء. . . . . . إلى آخره ليس بشيء!
والمعنى: إنك تُمدح لا لتكسب بالمدح علوا - وقد جاوزت العلو - ولكن لك نعم على الناس شكرها واجب، فيذكرونها شاكرين لك، وفيها ثناء عليك، كما أن البارئ - سبحانه - إذا شكرت نعمه لا يُكسب بالثناء عليه رفعة فكذلك أنت. وفي هذا قلة تحرج وكثرة غلو.
وقوله: المتقارب
وهَوْلٍ كَشَفْتَ ونَصْلٍ قَصَفْتَ ... ورُمْحٍ تَرَكْتَ مُبَاداً مُبِيدَا
(5/107)

قال: يقول: ورب هول كشفته عن أوليائك وحزبك، ورب سيف كسرته بقوة ضربك، ورب رمح تركته مهلكا باستعمالك إياه في الطعن. ومبيدا حال من الممدوح، أي: تركته مهلكا في حال إبادتك وطعنك العدو به. ولا يجوز أن يكون نصبه كنصب مبادا لأنه بعد أن صار مبادا لا يكون مبيدا. وجميع من فسر هذا الديوان جعلوا المباد والمبيد للرمح، ومثل هذا قول البعيث: الطويل
وإنَّا لنُعْطي المَشْرَفِيَّةَ حَقَّهَا ... فَتَقْطَعُ في أيْمانِنَا وتَقَطَّعُ
فيقال له: في قوله: بعد أن صار مبادا لا يكون مبيدا ما تعني بالإبادة؟ إن أردت بها الفناء الذي هو العدم فمستحيل فيه ذلك، كما ذكرت؛ لأن المعدوم لا يُعدم كما إن الموجود لا يوجد. وان جعلتها كناية عن الكسر على طريق المجاز كما يقال للشيخ الكبير: فإن، فذلك جائز ويكون المبيد والمباد كالسبب والمسّبب يجوز فيهما ذلك في حالة واحدة من غير تقديم وتأخير، ولا فرق في اللفظ بين أن تقول كاسر ومكسور أو مكسور وكاسر، ويقال، على هذا، إن كسر الرمح، إنما كان بالطعن، ودخوله في المطعون ففي ذلك الوقت حصلت الإبادة من الرمح والمطعون معا؛ هذا بالحطم وهذا بالقتل، ويكون قد أصاب جميع من فسر المباد والمبيد للرمح.
وقوله: المنسرح
يَجْذِبُها تحت خَصْرِهَا كفَلٌ ... كأنه من فِراقِهَا وَجِلُ
(5/108)

قال: اخطأ في تفسير النصف الثاني ابن جني وابن دُوست.
قال ابن جني: كأن عجزها وجل من فراقها، فهو متساقط متحرك، قد ذهبت منته وتماسكه.
وإنما يصير العجز بالصفة التي وصف عند الموت، وما دامت الحياة باقية فلا يصير العجز متساقطا ذاهب المُنة.
وقال ابن دوست: عجزها يجذبها إلى القعود، كأنه خائف من فراقها فيقعدها بالأرض.
وهذا افسد مما قاله ابن جني، ومتى يوصف العجز بالخوف من فراق صاحبه؟ وأين رأى ذلك؟ ولكنه أراد وصف عجزها بكثرة اللحم، وتحرك اللحم عليه لكثرته، فشبهه في ارتعاده واضطرابه بخائف من فراقها، والخائف يوصف بالارتعاد، وكذلك العجز إذا كثر لحمه كما قال: الوافر
إذا مَاسَتْ رَأْيتَ لها ارِتْجَاجَا ... . . . . . .
وأقول: لم يخطئ ابن دوست، وإنما قصّر في البيان وعن الاتمام، وفي قوله إشارة إلى عظم العجز ودقة الخصر، وذلك إنها إذا أرادت القيام أبطأت فيه لثقل عجزها ودقة
(5/109)

خصرها، فجعل عجزها كأنه - في إقعادها عن القيام ومسكها - خائف أن ينفصل منها ويفارقها لثقله ودقة خصرها. فإن جعل الارتجاج في الردف استعارة للخوف، وإمارة عليه فهو تمام لما ذكره، وان جعله للخائف من فراقها، كما ذكره، ولم يرد ما ذكره ابن دوست، فهو مقصّر كغيره مخطئ لنقص الاستعارة. فمجموع قوله، وقول ابن دوست كمال المعنى، وهو من قول الأعشى: البسيط
صِفْرُ الوِشَاح ومِلءُ الدِّرْعِ بَهْكَنَةٌ ... إذا تأتَّى يَكادُ الخَصْرُ ينخرِلُ
أي: إذا تهيأت للقيام يكاد خصرها ينقطع.
وقوله: المنسرح
أصْبَحَ مَالاً كَمَالِهِ لذَوِي ال ... حاجَةِ لا يُبْتَدَى ولا يُسَلُ
قال: أي: يغنيهم بنفسه وماله، فهو لهم مال، كما أن ماله يؤخذ بلا إذن، كذلك الاستئذان في الدخول عليه، وكل من ورد عليه اخذ ماله بلا ابتداء ولا مسالة من الوراد.
(5/110)

وأقول: ليس للاستئذان في الدخول عليه ذكر ولا وجه! وإنما يصفه بكثرة الجود والسخاء. يقول: إنه للمحتاج مال يأخذه ويملكه من غير ابتدائه بسؤال كما قد عُلم ذلك من ماله. وهذا المعنى مطروق، كثير، منه قول مسلم: البسيط
يَجُودُ بالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ الجَوادُ بِهَا ... والجُودُ بالنَّفْس أقْصَى غَايةِ الجُودِ
وقوله: المنسرح
هَانَ على قلبهِ الزَّمَان فَمَا ... يَبِينُ فيه غَمٌّ ولا جَذَلُ
قال: هذه صفة الكامل العقل، الذي يستخف بالنوائب والحوادث؛ لعلمه إنها لا تُبقي لا الغم ولا السرور فلا يُتبين لهما فيه اثر، فلا يبطر عند السرور، ولا يجزع عند ما يُحزنه.
وأقول: إنه لم يجد العبارة مع التطويل! وأجود منها أن لو قال: هذا الممدوح علم بأحوال الدهر وتغيرها فهان عليه أمرها فلا يبين به في الشدة غم ولا في الرخاء سرور، وهذا كقول أمير المؤمنين - عليه السلام -: الزهد كله في كلمتين من القرآن وهما قوله تعالى: (لِكَيْلا تأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ (؛ لأنه من لم يأس على الماضي ولم يفرح بآلاتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.
(5/111)

وقوله: المنسرح
خَامَرَهُ إذْ مَدَدْتَها جَزَعٌ ... كأنَّهُ من حَذاقةٍ عَجِلُ
قال: خالط الطبيب لما مددت يدك للفصد جزع من هيبتك، فعجل في الفصد ولم
يتأن؛ كأنه عجل من حذقه.
قال: ومن روىعجلعلى المصدر أراد: كأنه ذو عجل من حذقه فحذف المضاف.
وأقول: الجيد أن لا يُقدر حذف المضاف، ولا يجعل الضمير راجعا إلى الطبيب ولكن إلى قوله: جزع. يقول: كأن ذلك الجزع عجل وليس به.
وقوله: الوافر
ويا ابنَ الضَّاربين بكُلِّ عَضْبٍ ... من العَرَبِ الأسافِلَ والقِلالا
قال: يريد بالأسافل الأرجل وبالقلال الرؤوس، وهو جمع قلة رؤوس الجبال فجعلها رؤوس الرجال.
وأقول: إن تخصيصه بذلك الضرب للعرب دون غيرهم قد ذكرته فيما قبل.
(5/112)

وقوله: الوافر
إذا وَطِئَتْ بأيْدِيهَا صُخُوراً ... يَفِئْنَ لِوَطْءِ أرْجُلِهَا رِمَالا
ويروى: بقين. وهذا كما قال ابن المعتز: الطويل
وأقول: يُحتمل أن يكون أراد: إذا وطئت بأيديها صخوراً اندقت فصارت حصى فإذا وطئتها بأرجلها صارت رمالا، فتكون من عند الأرجل كما قال ابن المعتز.
وقوله: الرمل
ما بِهِ قَتْلُ أعَاديهِ ولكِنْ ... يَتَّقِي إخْلاَفَ ما تَرْجو الذِّئَابُ
قال: يقول: ليس له مراد في قتل الأعداء لأنه قد أمنهم بقصورهم عنه، ولكنه يحذر أن يخالف رجاء الذئاب، وما عودها من إطعامه إياها لحوم القتلى؛ أي: فلذلك يقتلهم.
(5/113)

وأقول: هذا مثل قوله: الكامل
سَفَكَ الدِّمَاَء بجُودِهِ لا بأسِهِ ... كَرَماً لأنَّ الطَّيْرَ بَعْضُ عِيَالِهِ
وكلاهما من قول مسلم؛ إلا إنه زاد عليه فيهما أحسن زيادة: البسيط
قد عَوَّدَ الطَّيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بها ... فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ في كُلِّ مُرْتَحَلِ
وقول أبي نواس: المديد
تتأيَّا الطَّيْرُ غدوَتَهُ ... ثِقَةً بالشِّبْعِ من جَزَرِهْ
وقوله: الكامل
سَبَقَ التِقاَءكَهُ بوَثْبِة هَاجِمٍ ... لو لَمْ تُصَادِمْهُ لجَازكَ مِيلاَ
قال: يقول: عجل الأسد بوثبته على ردف فرسك، قبل التقائك معه فهجم عليك بوثبة فلو لم تصكه لجازك ميلا.
وأقول: هذا ليس بشيء، والمعنى في قوله: سبق التقاءكه: يعني إنه وثب عليك أولا فتلقيته بضربة السوط؛ فلو لم تصادمه بتلك الضربة لجازك ميلا. يصف قوة الأسد
(5/114)

في هجومه عليه بشدة تلك الوثبة، وقوة الممدوح بشدة تلك الضربة، ولا يكون الالتقاء بالضرب إلا بعد الوثوب؛ ليجتمع بالمصادمة قوة الوثوب وقوة الضرب فيحصل التأثير باجتماعهما ما لا يحصل بالانفراد.
وقوله: الكامل
خَذَلَتْهُ قُوَّتُهُ وقد كافَحْتَهُ ... فاسْتَنْصَرَ التَّسْلِيمَ والتَّجدِيلا
قَبَضَتْ مَنِيَّتُهُ يَدَيْهِ وعُنْقَهُ ... فكأنَّما صَادَفْتَهُ مَغْلُولا
قال: أساء أبو الطيب في هذا حيث لم يجعل أثرا للممدوح، ولا غناء في قتل الأسد.
وقال: كأنما كان مغلول اليد والعنق بقبض المنية عليه.
فيقال له: وأي غناء أوفى من التقائه له بسوطه، وصكه به تلك الصكة التي لو لم تصادمه لجازه ميلا وهل يكون غناء أو قوة أو شجاعة أوفى من ذلك؟ وإنما قال:
قَبَضَتْ مَنِيَّتُهُ يديهِ وعُنْقَهُ ... . . . . . .
لما قال قبله: خذلته قوته خوفا منك وقد كافحته؛ أي قابلته وجها لوجه:
. . . . ... فاستَنْصَرَ التَّسْلِيمَ والتَّجْدِيلا
أي: رأى إن قتاله لك لا يُغني عنه ولا ينجي منك فرأى النصر عليك في التسليم لك، وذلك أن بدرا لم يقتله وإنما قتله عسكره وهذا مثل قوله: الطويل
أعَدُّوا رماحاً في خُضُوعٍ. . . . . . ... . . . . . .
(5/115)

والتجديل: سقوطه على الجدالة، وهي الارض، لسقوط قوته، وكل هذا من جهة الممدوح، فكأن الأسد لما لم يُغن شيئاً في قتالك، وحل به ما حل منك، قبضت منيته، التي أنت سببها، يديه وعنقه فكأنك صادفته مغلولا لذلك. وهذا في ظني ابلغ ما يُحتج به عنه ويُعتذر له به.
وقوله: الوافر
أرَى حُلَلاً مُطَوَّاةً حِسَاناً ... عَدَاني أنْ أرَاكَ بها اعْتِلالي
قال: إنما قال هذا لأنه رأى الحلل مطوية إلى جانبه ولم يره فيها؛ لأنه كان ذلك اليوم الذي لبس فيه الخلعة عليلا. ومعنى: أراك بها أي: أراك وهي عليك ومعك كما يقال: ركب بسلاحه وخرج بثيابه.
فيقال له: أسهل من هذا التقدير أن تكون بها بمعنى فيها، وقد قال ذلك في شرحه وقوله: مطوية إلى جانبه ولم يره فيها. ويكون كقول الأعشى: الخفيف
ما بُكاءُ الكبيرِ بالأطْلالِ ... . . . . . .
ولكنه أراد الإغراب في الإعراب!
(5/116)

وقوله: الكامل
الحبُّ ما مَنَعَ الكلامَ الألْسُنَا ... وألذُّ شَكْوَى عَاشِقٍ ما أعْلَنَا
قال: يروى بفتح السين وضمها، وتكون ما بمعنى الذي، والمعنى: غاية الحب ما منع لسان صاحبه من الكلام، فلم يقدر على وصف ما في قلبه منه؛ كقول المجنون: الطويل
شكوتُ إليها الحُبَّ قالَتْ: كَذَبْتَني ... فما لي أرَى الأعْضَاَء منك كَواسِيَا
فَمَا الحُبُّ حَتَّى يَلْصَقَ الجِلْدُ بالحَشَا ... وتَخْرَسَ حتى لا تُجِيبَ المُنَادِيَا
ثم قال: والظاهر أن ما نفي لان المصراع الثاني حث على إعلان العشق، وإنما يعلن من قدر على الكلام - وأنشد أبياتا على ذلك منها قول أبي نواس: الطويل
فَبُحْ باسِمْ من تَهْوَى وَدَعْنِي من الكُنَى ... فلا خَيْرَ في اللَّذاتِ من دُونها سِتْرُ
وأقول: بل الظاهر هو المعنى الأول، وقيل فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكر من أن يكون الحب قد بلغ بالعاشق إلى حال لا يقدر فيه على
(5/117)

الكلام من النحول والضعف.
والثاني، وهو المختار: أن يكون الحب ما أوجب على العاشق الكتمان، ويكون في النصف الأول مضادة للنصف الثاني وهي قوله:
. . . . . . ... وأَلَذُّ شَكْوَى عَاشِقٍ ما أعْلَنَا
كأنه يقول: العاشق بين أمرين متضادين: الحب يوجب الكتمان، ولذة العشق تقتضي الإعلان، فالعاشق حائر بينهما.
وقوله: الكامل
بِنَّ فَلَوْ حَلَّيْتَنَا لم تَدْرِ ما ... ألوانُنَا مما امْتُقِعْنَ تَلَوُّنَا
قال: يقول: فارقنا أحبابنا، فلو أردت أن تُثبت حليتنا لم تدر ألواننا لتغيرها عند الفراق، فكنت لا تدري بأي شيء تصفها.
وأقول: يحتما أن يكون: بنا بمعنى: بدونا وظهرنا كقوله: الطويل
يَرَى أنَّ ما ما بانَ منه لِضَاربٍ ... . . . . . .
يقول: ومع ذلك فلو أردت تحلية لنا، لم تدر بأي صفة تصفنا بها لتغير ألواننا، وهذا المعنى أولى وأبلغ لأنه مع الرؤية لا يتحقق الوصف.
(5/118)

وقوله: الكامل
نَفَتِ التَّوهُّمَ عنه حِدَّةُ ذِهْنِهِ ... فَقَضَى على غَيْبِ الأمور تَيَقُّنَا
قال: هذا كأنه اعتذار له مما ذكره من إقدامه، فذكر أن فطنته تقفه على عواقب الأمور؛ حتى يعرفها يقينا لا توهما.
وأقول: ليس هذا اعتذار له مما ذكره من شدة إقدامه وإيغاله بالطعن في أعدائه، ولا بينه وبين البيت الذي قبله تعلق، ولو كان كما قال: إنه يطّلع في حال إقدامه على عواقب الأمور، بأنه يظفر ويقتل ولا يُقتل؛ لم يكن في ذلك كبير فضيلة؛ بل لا فضيلة فيه رأسا. ولكن هذا البيت قائم بنفسه، منفصل من غيره، فيه وصفه له بالذكاء وصحة الفراسة، وحدة الذهن، وانه يقضي على الغائبات يقينا، لا حدسا وتخمينا.
وقوله: الكامل
عَقَدَتْ سَنَابِكُهَا عليها عثِيْرَاً ... لو تَبْتَغي عَنَقاً عليهِ أَمْكَنا
أقول: لو أتى باللام في قوله: أمكنا لكان أحسن من وجهين:
أحدهما: إنه جواب لو.
والثاني: قولك: عليه مال أحسن من قولك: عليهي مال لما ذكره أبو علي.
(5/119)

وقوله: الكامل
أضْحَى فراقُكَ لي عَلَيْهِ عُقُوبَةً ... ليس الذي قاسَيْتُ منه هَيِّنَا
قال: إن الضمير في عليه راجع إلى قوله فيما قبله: الكامل
فَطَنَ الفُؤَادُ لما أتيتُ على النَّوَى ... . . . . . .
أي إنه اعترف بتقصير منه.
أقول: يحتمل أن الضمير راجع إلى قوله: فراقك بل هو الواجب، وقد ذكرته قبل.
وقوله: الكامل
ومكائدُ السُّفَهَاءِ وَاقِعَةٌ بهم ... وعَداوةُ الشُّعراءِ بئس المُقْتَنَى
أقول: إن في هذا البيت والذي بعده تخويفا وترهيبا لبدر من عداوة الشعراء ومقارنة اللئيم الذي يصحب الكريم فيكسبه من سوء أخلاقه لآمة وندامة خوفا من أن يفرط إليه أذى من جهته. وهذا لم يذكره الواحدي ولا غيره.
(5/120)

وقوله: الطويل
علَى أنَّني طُوِّقتُ منكَ بنعمَةٍ ... شهيدٌ بها بَعْضي لغَيْري على بَعْض
قال: يريد: انصرف عنك مع انك قلدتني نعمة يشهد بها بعضي على بعضي.
وأقول: لا يقدر محذوف في الكلام إذا استقل بالمعنى من غير تقدير محذوف، والتقدير قد ذكرته فيما قبل.
وقوله: المنسرح
سَأشْرَبُ الرَّاحَ من إشارتها ... ودَمْعُ عَيْني في الخَدِّ مَسْفُوحُ
قال: إنما يبكي كراهة للشرب ولكنه لا يمكنه مخالفة إشارتها.
فيقال له: لم يبك كراهة للشرب وإنما بكى للعشق؛ لأنه جعل اللعبة بمنزلة الجارية، وقد قال: المنسرح
جَارِيةٌ ما لِجْسمِهَا رُوحُ ... في القَلْبِ من حُبِّهَا تَبَارِيحُ
(5/121)

فهذا التفسير الذي فسره تغفل عن شيء قريب المتناول، وتكلف لشيء بعيد الامتناع، لأن المتنبي ما كان ليكره الخمر ويمتنع من شربه فيبكي إذا فعله!
وقوله: الخفيف
وكَفَتْكَ الصَّفَائِحُ الناسَ حتى ... قد كَفَتْكَ الصَّفَائحَ الأقلامُ
قال: قال ابن جني: استغنيت بسيوفك عن نصرة الناس لك.
وليس المعنى على ما ذكر. يقول: هاب الناس سيوفك فكفوا عنك، ولم تحتج إلى قتالهم، ثم صرت إلى إن كفتك الأقلام السيوف لما استقر لك من الهيبة في قلوب الناس.
وقال ابن دوست: كفتك سيوفك الناس، من العساكر وغيرها، حتى استغنيت عنهم ولم تحتج اليهم.
وهذا أيضا ضعيف لان السيوف تحتاج إلى من يحملها لتحصل بها الهيبة، وهي بمجردها لا تكفيه الناس. والمعنى ما ذكرنا.
وأقول: المعنى على ما ذكر ابن جني:
يقول: كفتك الصفائح؛ أي سيوفك نصرة الناس. والذي يدل عليه القسم الثاني من
(5/122)

البيت وهو قوله:
. . . . . . حَتَّى ... قد كَفَتْكَ الصَّفَائِحَ الأقْلامُ
أي: كفتك الأقلام نصرة السيوف، أي: استغنيت بسيوفك عن الناس، وبأقلامك عن السيوف وكذلك تقدير البيت الثاني.
وقول ابن دوست هو قول ابن جني بعينه، واعتراضه عليه بأن السيوف تحتاج إلى من يحملها لتحصل الهيبة.
فيقال له: هو يحملها وحده، كالأقلام، ولا يلزم أن يحملها جميعها في مرة واحدة بل يحملها على البدل!
وقوله: الوافر
عَدُوِّي كُلُّ شيءٍ فيكَ حَتَّى ... لَخِلْتُ الأكْمَ موغَرَةَ الصُّدورِ
ذكر فيه ابن جني وجهين ردهما ابن فورجة وقد ذكرتهما قبل، وذكر وجها ثالثا من عنده، ذكره الواحدي وسكت عليه كأنه راض به، وهو إن قال: والذي يعني أبو الطيب، ان كل شيء يعاديه حتى الأكمة، التي هي شخص بلا عقل، معادية له، وإن لم يظهر منها ما يوجب ذلك، كما يقول الرجل الخائف: أخاف الجدار وأخاف كل شخص ماثل. وإن لم يظهر من الحائط ما يستريب به، وإنما يريد بذلك المبالغة في الخوف.
(5/123)

وأقول: هذا ليس بشيء. وإنما خص الأكم لارتفاعها، ولو أمكنه أن يقول الجبال لقال.
يقول: عدوي فيك كل شيء رفيع حتى الأكم لأنها تحسدني على سموي ورفعتي لكونها دوني في ذلك، وقد ذكرته قبل. وهذا كقوله: البسيط
صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحْشَ مُنْفَرِداً ... حتى تَعَجَّبَ مني القُورُ والأكَمُ
وإنما خص القور والاكم دون ما انخفض من الأرض واستوى للمناسبة التي بينه وبينها في ارتفاع.
وقوله: البسيط
ألْقَى الكِرامُ الأُلَى بادوا مَكَارِمَهُمْ ... على الخَصِيبيِّ عند الفَرْضِ والسُّنَنِ
فهنَّ في الحَجْرِ منه كلَّمَا عَرَضَتْ ... له اليَتَامَى بَدَا بالمَجْدِ والمِنَنِ
قال: يقول: فالمكارم في حجره يربيها وكلما عرضت الأيتام بدأهم باستعمال المجد فمن عليهم، واحسن اليهم، وإنما ذكر اليتامى لأنه يمدح قاضيا، والقضاة يتكلفون أمر الأيتام!
(5/124)

قال: وأطال ابن فورجة الكلام في معنى البيتين. وذلك إنه قال: يعني أن المكارم قل طالبوها، وكان لها من الكرام آباء كفلوها هذا الممدوح لأنه قاض، والقضاة تتكفل اليتامى فجعلوه كفيلها فهو يربيها مع سائر الأيتام! غير إنه يؤثر المكارم بحسن التربية على سائر الأيتام وهذا معنى:
. . . . . . كلَّمَا عرضَتْ ... له اليَتَامَى بَدَا بالمَجْدِ والمِنَنِ
أراد بذلك المكارم فأقام المجد والمنن مقامها لأنهما في معناها.
قال: وهذا كلامه وهو تكلف من لم يعرف المعنى.
فيقال له: المعنى ما ذكره ابن فورجة لا معنى سواه. فيقول: إن المكارم كاليتامى في فقد من تنتسب إليه من الكرام. إلا إنه كان ينبغي له أن يجعل في موضع
قوله: إن المكارم قل طالبوها وكان لها من الكرام آباء كفلوها هذا الممدوح لأنه قاض، فكأن هذا الممدوح كفيلها، لأنه قاض، والباقي منهم والأولى بها.
والذي ذكره ليس بشيء وكلام من لم يعرف المعنى.
وقوله: البسيط
قَاضٍ إذا الْتَبَسَ الأمْرَانِ عَنَّ لَهُ ... رَأيٌ يُخَلِّصُ بين المَاءِ واللَّبنِ
(5/125)

أقول: أنشدني الشيخ الوجيه الضرير النحوي لنفسه في هذا المعنى: الطويل
وَلَوْ وَقَعَتْ في لُجَّةِ البَحْرِ قَطْرَةٌ ... من المُزْنِ يوماً ثم شَاَء لمَازَهَا
ولو مَلَكَ الدُّنيا فأضْحَتْ مُلوكُهَا ... عَبِيداً في الخَافِقَيْنِ لَمَا زَهَا
وقال: قولي في هذا أبلغ من قول المتنبي؛ لأن ماء القطر لا يمكن تمييزه من ماء البحر إذا خالطه، والماء يمكن تخليصه من اللبن بالقش يُلقى فيه فيشرب الماء ويبقى اللبن.
وأقول: وهذا شيء لم أجربه إلى الآن فاعلم صحته!!
وقوله: البسيط
لم نَفْتَقِدْ بكَ من مُزْنٍ سِوَى لَثَقٍ ... ولا من البَحْرِ غيرَ الرِّيحِ والسُّفُنِ
قال: يقول: لم نفتقد بجودك من السحاب سوى الوحل الذي يكون من مائه ولا من ماء البحر غير الريح والسفن التي لا يمكن عبور البحر الا بهما. والمعنى: إنه سحاب وبحر.
وأقول: اللثق: هو الندى والبلل، يقال: لثق الشيء بمعنى ابتل، وطائر لثق: مبتل. والمعنى: إنه يفضل السحاب والبحر لان السحاب، مع نفعه، قد يؤذي بالبلل، والبحر يتكلف له ويكون الإنسان معه وفيه على خطر، وليس كذلك الممدوح.
(5/126)

وقوله: البسيط
ولا من اللَّيْثِ إلاَّ قُبْحَ مَنْظَرِهِ ... ومن سِوَاهُ سِوَى ما لَيْسَ بالحَسَنِ
قال: يقول: وجدنا بك كل شيء إلا ما كان قبيحا. يعني أن جميع محاسن الدنيا مجتمعة فيه، وجميع المقابح منفية عنه.
وأقول: أراد فقدنا بك من الليث قُبح المنظر، أي: الذي ليس بحسن، ولم نفقد بك من سوء الليث سوى الذي ليس بحسن، أي: لم نفقد الحسن، وفي هذا نفي قُبح الأسد عنه وإثبات ما سواه من شجاعته وحميته، واثبات المحاسن جميعها له.
وقوله: الطويل
ألا لاَ أُرِي الأحْدَاثَ حَمْداً ولا ذَمَّا ... فَمَا بَطْشُهَا جَهْلاً ولا كَفُّهَا حِلْمَا
قال: يقول: لا أحمد الحوادث السارة ولا أذم الضارة، فأنها إذا بطشت بنا وأضرب لم يكن ذلك جهلا منها، وإذا كفت عن الضرر لم يكن ذلك حلما، يعني أن الفعل في جميع ذلك لله لا لها، وإنما تنسب الأفعال إليها استعارة ومجازا.
وأقول: إنه أراد بذلك وصف الأحداث بصفات الخُرق والجهل - استعارة ومجازا -
(5/127)

أي: أن بطشها وكفها، وحربها وسلمها عن غير قصد. وهذا كقوله: البسيط
لكنَّهَا خَطَراتٌ من وساوسهِ ... يُعْطي ويَمْنَعُ لا بُخْلاً ولا كَرَمَا
وقول زهير: الطويل
رأيتُ المنَايَا خَبْطَ عَشْوَاَء من تُصِبْ ... تُمِتْهُ، ومن تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرم
وقوله: الكامل
مَمْطُورَةٌ طُرُقي إليه ودونَهُ ... من جُودِهِ في كلِّ فَجٍّ وَابِلُ
قال: يعني أن طريقه إلى الممدوح مملوءة بآثار بره.
ويروى: إليها دونها؛ رواه ابن جني والضمير للرؤية.
والمعنى: يصل إلي إحسانه قبل الوصول إليه.
(5/128)

وأقول: إن هذا البيت والذي قبله وهو قوله: الكامل
. . . . . . رؤ ... يَتُهُ المُنَى وهي المَقَامُ الهَائِلُ
تبين لما قبلهما من قوله: الكامل
. . . . . . فما لذيذٌ خالصٌ ... مما يَشُوبُ ولا سُرورٌ كَامِلُ
فجعل جود الممدوح كالوابل، فالطرق دون الوصول إليه ممطورة به، والسير في حال المطر كلفة ومشقة، ورؤيته منى الزائر، إلا أنها هائلة له، فما خلصت لذة المطر والسرور به ورؤية الممدوح والانتفاع بها من شوب يُنغصه. وأراد بذلك المبالغة، وهذا لا يدل على نقص في المدح، ولا نقص في الممدوح؛ ولكنه وصفه بصفتين فيه من اجتماع الجود والهيبة له، ولم يُرد أن إحداهما تنقص الأخرى؛ لأنه لو انفردت كل واحدة منهما لكانت له فضيلة، فكذلك إذا اجتمعتا. فشوب اللذيذ، ضرب له مثلا من جوده بتشبيهه بالوابل للسائر إليه وما يقاسي منه. وعدم كمال السرور، ضرب له مثلا برؤيته الحسنة النافعة، وهيبته الهائلة المانعة؛ إلا إنه أغرق وأسرف في البيت الذي يليه من قوله: الكامل
محجوبَةٌ بِسُرَادِقٍ من هَيْبَةٍ ... تَثْنِي الأزِمَّةَ والمَطِيُّ ذَوَاملُ
(5/129)

فجعل رؤيته محجوبة بسرادق من هيبة تثني أزمة مطي القاصدين إليه والوافدين عليه في حال ذم لأنها، وهي شدة سيرها، أي: تردها عنه خوفا منه. وهذا، كما قال الواحدي، إلى الهجاء اقرب منه إلى المدح، إلا على رأي ابن جني فقد تكلف تصحيحه
وأقول: إن أبا الطيب مديحه في جميع شعره أجود من غزله، إلا في هذه القصيدة فانه جاء فيها بما يخالف المعهود منه.
وقوله: البسيط
وتَسْحَبُ الحِبَرَ القَيْنَاتُ رافِلةً ... في جُودِهِ وتَجُرُّ الخَيْلُ أرْسَانَا
قال: يريد أن جميع ما تنفقه من ماله وما تلبسه الجواري وترفل فيه من ثياب الحبر من جوده. وكذلك ما تجر خيلنا من الأرسان.
وأقول: هذا كلام من لم يفهم هذا المعنى مع وضوحه!
والمعنى إنه يهب الجواري وعليهن الحبر، والخيل وعليهن الأرسان. وهو من قول النابغة: البسيط
(5/130)

الوَاهِبُ المئةَ الأبكارَ زَيَّنَها ... سَعدانُ تُوضِحَ في أوبارِهَا اللِّبَدِ
والسَّاحباتِ ذُيولَ الرِّيْط فَنَّقَهَ ... بَرْدُ الهَوَاجِر كالغِزْلانِ في الجَرَدِ
وقوله: البسيط
خَلائِقٌ لو حَوَاهَا الزَّنْجُ لانْقَلَبُوا ... ظُمْيَ الشِّفَاهِ جِعَادَ الشَّعْرِ غُرَّانَا
قال: يريد بالخلائق الخلق، جمع الخليقة، وهي الخلق، وليس يريد السجايا لأن السجايا الحسان قد تكون في الصورة القبيحة، والزنج لا يجتمع فيهم بياض الوجه مع جعودة الشعر ورقة الشفاه؛ لان شفاههم غليظة وهو سود الألوان.
ومعنى: ظمى الشفاه: رقاق الشفاه كأنها لم ترو فتغلظ.
والمعنى: لو أن خلقهم للزنج لحسنوا مع جعودة شعرهم فكانوا احسن خلق الله، وهذا معنى قد ذكرناه؛ إلا أن الخليقة بمعنى الخلقة لا يصح، وإذا حملنا الخلائق على السجايا فسد معنى البيت لأن الخلقة لا تتغير بالسجية.
فيقال له: أن الخليقة بمعنى الخلقة لا يصح كما ذكرته وقدرته. ويصح أن تُحمل الخلائق على السجايا ولا يفسد المعنى، وهو الذي أراده أبو الطيب، وذلك على وجه المبالغة؛ يقول: إن خلائقهم لو حواها الزنج الذين يوصفون بالقبح لوصفوا بالحسن، واستجمعوا هذه الأشياء المتضادة فجعل خلائقهم تؤثر في الخلقة، حتى تجعل القبيح الصورة حسنا، فالمعنى على هذا صحيح غير فاسد.
(5/131)

وقوله: الكامل
أوْفَى فَكُنْتُ إذا رَمَيْتُ بِمُقْلَتي ... بَشَراً رأيتُ أرَقَّ من عَبَراتِهَا
ذكر أن الضمير في عبراتها للمقلة ثم قال: ويجوز أن يكون الضمير للبشر. وأراد
بالعبرات عرقهن الذي يسيل منهم، ويكون فيه إشارة إلى أنهن قد عرقن من الإعياء.
فيقال له: يجوز أن يكون الضمير في عبراتها للبشر كما ذكرت، ولا يريد بالعبرات عرقهن بل دموعهن حزنا وجزعا عند الفراق، ويُحمل الكلام على الحقيقة وهو الوجه السديد لا على المجاز الغريب البعيد.
وقوله: الكامل
لَيْسَ التَّعَجُّبُ من مَوَاهِبِ مَالهِ ... بل من سَلامَتِهَا إلى أوقاتِهَا
قال: يقول: لسنا نتعجب من كثرة مواهبه وعطاياه، وإنما نتعجب كيف سلمت من بذله وتفريقه إلى أن وهبها لأنه من عادته الإمساك. ومعنى: إلى أوقاتها: إلى أوقات بذلها.
(5/132)

وأقول: في هذا اخذ على الممدوح في اجمام ماله وترك تفريقه ولم يعتذر له. والجواب: إنما أخره انتظارا لمستحق فلما وجده أخرجه مرة واحدة، فدل على أن ترك تفريقه واجمامه إنما كان انتظارا لمستحقه، وليس هو من بخل.
وقوله: الكامل
كَرَمٌ تَبَيَّنَ في كَلامِكَ مَاثلاً ... ويَبينُ عِتْقُ الخَيْلِ في أصْوَاتِهَا
قال: الماثل: الظاهر.
يقول: إذا سمع إنسان كلامك عرف كرمك، كما أن الفرس الكريم إذا صهل عرف عتقه بصهيله. والمعنى: إن كلامك أمر بالعطاء ووعد بالإحسان وما أشبه ذلك مما يدل على كرمك.
وأقول: هذا وهم منه إذ توهم أن الكرم هاهنا الجود والعطاء والوعد بالإحسان. وإنما الكرم هاهنا جودة النفس وكرم الاصل، وذلك إنه وصفه قبل هذا بجودة القراءة وحسن الترتيل حتى جعل ذلك آية، ثم قال:
كَرَمٌ تَبَيَّنَ في كَلامِكَ. . . . . . ... . . . . . .
(5/133)

أي: جودة نفسك وكرم أصلك يبين في حسن صوتك كما يبين عتق الخيل، أي: كرمها، في أصواتها وذلك كقول الشاعر: المتقارب
ويَصْهِلُ في مِثْلِ جَوْفِ الطَّوِيِّ ... صَهِيلاً يُبَيَّنُ للمُعْرِبِ
وقوله: الطويل
ولا يَنْفَعُ الإمْكَانُ لَوْلاَ سَخَاؤهُ ... وهَلْ نافِعٌ لوْلاَ الأكُفُّ القَنَا السُّمْرُ
قال: يقول: لولا سخاؤه ما انتفع الناس بإمكانه وغناه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع. والمعنى: إن الوجود لا ينفع بلا جود كالرماح لا تنفع ولا تعمل بلا راح.
وأقول: الأولى أن يكون النفع راجعا إليه لا إلى الناس كما ذكرته قبل.
وقوله: الطويل
كأنَّكَ بَرْدُ الماءِ لا عَيْشَ دونَهُ ... ولو كُنْتَ بَرْدَ الماءِ لم يَكُنِ العِشْرُ
قال: العشر: أبعد إظماء الإبل.
(5/134)

يقول: لو كنت الماء لوسعت، بطبع الجود، كل حيوان في كل مكان، وفي ذلك ارتفاع الإظماء. ويجوز أن يقال: لو كنت برد الماء لما عاودت غلة أطفأتها.
وقال ابن جني: حتى كانت تتجاوز المدة في وردها العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.
وأقول: انظر إلى هذا التفسير الذي هو خبط عشواء في ظلماء من قوله: لارتفعت الإظماء! وأبو الطيب إنما نفى العشر وهو أحد إظماء الإبل وآخرها فكيف ينتفي الجميع؟ وكان ينبغي على هذا أن يقول: لم يكن الغب أو الثلث؛ لأنه إذا نفى ذلك انتفى ما فوقه. وإيراده قول ابن جني، وهو ضد المعنى، دليل على إنه غير واثق بوجهيه المظلمين، والمعنى قد ذكرته في شرحه.
وقوله: الوافر
أعَزْمي طالَ هَذا اللَّيلُ فانْظُرْ ... أمِنْكَ الصُّبْحُ يَفْرَقُ أَنْ يَؤوبَا
قال: قال ابن فورجة: أراد: لعظم ما عزمت عليه، ولشدة الأمر الذي هممت به كان الصبح يفرق من عزمي ويخشى أن يصيبه بمكروه فهو يتأخر عنه ولا يؤوب.
(5/135)

وقال العروضي: يخاطب عزمه، يقول: انظر يا عزمي: هل علم الصبح بما اعزم عليه من الاقتحام فخشي أن يكون من جملة أعدائي؟
وأقول: ويحتمل أن يكون المعنى إن الصبح لما عوده من إغارتي فيه، وإثارتي عجاج الخيل حتى أرده مظلما كالليل، خاف أن يؤوب لذلك؛ فخاطب عزمه وسأله لأن ذلك إنما يكون به. وهذا وجه ظاهر كثير في الكلام، مستعمل، فهو أولى مما ذكراه أو أراده فجمجما عنه ولم يبيناه!
وقوله: الوافر
أَيَا مَنْ عَادَ روحُ المَجْدِ فيهِ ... وصَارَ زمَانُهُ البَالي قَشِيبَا
قال: قال ابن جني: معناه: أي: روح المجد انتقل إليه فصار هو المجد على المبالغة.
وقال غيره: يا من عاد روح المجد في المجد. يعني إن المجد كان ميتا فعاد به حيا وعاد الزمان، الذي كان باليا، جديدا.
وأقول: قول ابن جني هو الأولى من جانب اللفظ لأنه لا يفتقر إلى تقدير محذوف، وقول غيره يفتقر اليه، فيقال: أيا من عاد روح المجد في المجد به أو بجوده أو ما أشبه ذلك.
(5/136)

وقوله: الطويل
سأطلبُ حَقِّي بالقَنَا ومشَائخٍ ... كأنَّهُمُ من طُولِ مَا الْتَثَمُوا مُرْدُ
قال: أراد إنه يطلب حقه بنفسه وبغيره، فكنى بالقنا عن نفسه وبالمشائخ عن أصحابه.
وأقول: لم يكن بالقنا عن نفسه، وإنما كنى بها عن الحرب؛ أي اطلب حقي، وهو أشبه بالمعنى، بالإباء والقهر والقتال، لا بالتذلل والتضرع والسؤال كما يفعل السائل.
وقوله: الطويل
ويُنْفِذُهُ في العَقْدِ وهو مُضَيَّقٌ ... من الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ واللَّيلُ مُسْوَدُّ
وأقول: إن أبا الطيب أتى في هذا من المبالغة بما لم يكد يأتي لغيره وذلك إنه قال: وينفذه يعني السهم، والرمي منه نافذ وغير نافذ، فبالغ بذكر الإنفاذ.
(5/137)

ثم قال: في العقد وهو مضيّق والعقد يكون منه مضيّق وغير مضيّق فبالغ بذكر المضيّق
ثم قال: من الشعرة والعقد يكون في الشَّعرة وفي غيرها من خيط وحبل فبالغ بذكر الشعرة
ثم قال: السوداء والليل مسود فبالغ بذكر السوداء في الليل لخفائها. ولم يقنع بذلك حتى وصف الليل بالاسوداد، ومثل هذا قول الأعشى: الكامل
كنتَ المُقَدَّمَ غير لاَبِسِ جُنَّةٍ ... بالسَّيفِ تَضْرِبُ مُعْلِماً أبْطَالَهَا
وذلك إنه قال: كنت المقدم فبالغ لأن من الفرسان من يكون متقدما وغير متقدم.
ثم قال: غير لابس جنة فبالغ في الإقدام لأن من الشجعان من يكون لابس جنة.
ثم قال: بالسيف فبالغ لان منهم من يطعن بالرمح، وهو دون الضرب بالسيف.
ثم قال: معلما فبالغ لأنه لا يُعلم إلا كل مشهور بالبأس.
ثم قال: أبطالها فبالغ لأنه خص بذلك الأبطال دون غيرهم لشدة إقدامه.
وكنت اجتمعت ببعض متأدبي حلب وقد جرى ذكر المبالغة في الوصف والإغراق
فذكرت له بيت أبي الطيب هذا ومبالغته في صفة الرمي فقال لي: قد جاء مثل هذا المعنى للشيخ أبي العلاء في قصيدته الطائية وأنشد: الطويل
ونَبَّالةٍ من بُحْتُرٍ لو تَعَمَّدوُا ... بِلَيْلٍ أنَاسِيَّ النواظرِ لم يُخْطُوا
فقلت: هذا من هذا إلا إنه قصّر عنه وذلك إنه قال: أناسي النواظر فأطلق، فدخل في ذلك ناظر الأسد والهر وهما يريان في الليل، كالنارين، اظهر من النهار فيمكن رميهما، ونقص مع ذلك من درج المبالغة. فاعترف بذلك بعد مدة وشدة!.
(5/138)

وقوله: الطويل
ويَصْطَنِعُ المَعْروفَ مبتدئاً بهِ ... ويَمْنَعُهُ مِن كُلِّ من ذَمُّهُ حَمْدُ
قال: يصفه بالتيقظ، ومعرفة ما يأتي وما يدع. يقول: يمنع معروفه من كل ساقط، إذا ذمّ أحدا فقد مدحه، لأنه يُنبئ عن بُعد ما بينهما. يعني إنه يُعطي المستحقين وذوي القدر ويبدأهم بالإحسان قبل أن يسألوه.
وأقول: هذا الذي ذكره قول ابن جني؛ نقله فجعل المصدر مضافا إلى ضمير الفاعل، والمفعول محذوف لقوله: إذا ذم أحدا فقد مدحه لأنه ينبئ عن بُعد ما بينهما. وليس الأمر كذلك وهذا لا يعطي معنى صالحا، وإنما المصدر مضاف إلى ضمير المفعول والفاعل محذوف كقولك: يعجبني من زيد ضربه، أي: ضربك إياه، أي: أن ضربته. فيكون على هذا المعنى: إنه يصطنع المعروف ابتداء إلى الأفاضل، ويمنعه الأراذل الذين إذا ذممت أحدهم تنزّل ذمه منزلة الحمد، أما لأنه مستحق لذلك، أو لجهله ولؤمه يتساوى الأمران عنده فلا يفرق بينهما.
(5/139)

وقوله: الطويل
ألُومُ به مَنْ لامَنِي في وِدَادِهِ ... وحُقَّ لخَيْرِ الخَلْقِ من خَيْرِهِ الوُدُّ
قال: يقول: من لامني في وده لمته بما وصفت من فضائله، فيتبين أن من أحبه لا يستحق اللوم، وإنه أهل أن يحب وحق له مني الود؛ لأنه خير الأمراء، وأنا خير
الشعراء، وحقيق على أهل الخير أن يود بعضهم بعضا.
وأقول: القول الصحيح أو الأجود في هذا قد ذكرته قبل.
وقوله: الكامل
أمَّا الفِراقُ فإنَّهُ ما أعْهَدُ ... هُوَ تَوْأمي لو أنَّ بَيْناً يُولَدُ
ولَقَدْ عَلِمْنَا أنَّنَا سَنُطِيعُهُ ... لمَّا عَلِمْنَا أننا لا نَخْلُدُ
لم يذكر أحد من شراح الديوان تعلقا بين البيت الأول والثاني ولا فسروا معناهما تفسيرا جليا تسكن إليه النفس ويقبله القلب. وأقول: إنما ذكر البيت الثاني عذرا لما ذكره في البيت الاول، وذلك إنه أخبر فيه عند وداع صديقه عن ألفه للفراق، وصبره عليه لمّا جعله أخا له فهو لا يستنكره وقد نظر فيه إلى قول طفيل: الطويل
وما أنا بالمُسْتنكرِ البَيْنَ إنَّني ... بذي لَطَفِ الجِيرَانِ قِدْماً مُفَجَّعُ
(5/140)

قال: إنما قلت ذلك لأنه لا يجدي الجزع للفراق والامتناع منه شيئا، وأقسم على ذلك فقال: والله لقد علمنا إننا سنطيعه، واستدللنا على ذلك بالموت المفرق بين الأخلاء والأحباء، وذلك لا يمكن الإباء له والعصيان عليه فعلمنا بوجوب فراق الأرواح أفادنا علمنا بطاعة فراق الأجسام وسهله علينا.
وقوله: الخفيف
وأطَاعَتْهُمُ الجُيوشُ وهِيبُوا ... فَكَلامُ العِدَا لَهُمْ كالنُّحازِ
قال: قال ابن فورجة: أي لم يعبئوا بكلام أحد لما صاروا إلى هذه الحال.
وأجود من هذا أن يقال: السعال يرقق الصوت. والمعنى: لهيبتهم كانوا لا يرفعون الصوت بين أيديهم
فيقال له: أما الوجه الذي ذكرته عن ابن فورجة فإنما هو لابن جني قلبه!
وأما قولك: إن السعال يرقق الصوت فهو بخلاف المعلوم بل يجفي الصوت،
والمراد أنهم كانوا لعظم هيبتهم إذا كلمهم الناس خافوهم فضغط الخوف النفس وقطع الصوت فلا تتبين الحروف فيكون كلامهم كالسعال لا يفهم منه معنى.
(5/141)

وقوله: الطويل
سُهَادٌ أتَانَا مِنْكَ في العَيْنِ عِنْدنَا ... رُقَادٌ وقُلاَّمٌ رَعَى سَرْبُكُمْ وَرْدُ
قال: يقول: السهاد، إذا كان لأجلكم، رقاد في الطيب، والقلاّم، على خبث رائحته، إذا رعته ابلكم ورد.
فيقال: لم يُرد بالقلام خبث الرائحة، وإنما أراد الخشونة.
وقوله: الطويل
ضَروبٌ لِهَامِ الضَّاربي الهَامِ في الوَغَى ... خفيفٌ إذا ما أثْقَلَ الفَرَسَ اللِّبْدُ
قال: يقول: هو خفيف مسرع إلى الحرب، إذا بلغ الفرس من الجهد ما يثقل عليه لبده.
وأقول: لم يرد إنه خفيف إلى الحرب، ولكن في الحرب بعد طول القتال والطراد والوصول إلى حال يُثقل الفرس فيها لبده من الجهد والكلال، فيكون في تلك الحال خفيفا، أي: قويا شديدا لم يثقل بالتعب على ظهر فرسه عن حمل درعه وسلاحه أو عن لقاء قرنه.
(5/142)

وقوله: الطويل
بتأمِيلِهِ يَغْنَى الفَتَى قَبْلَ نَيْلِهِ ... وبالذُّعْرِ من قَبْلِ المُهَنَّدِ يَنْقَدُّ
قال: يقول: إذا أمله الفتى صار غنيا قبل أن يأخذ عطاءه، ومعنى غناه أن يُنفق ما يملكه، ثقة بالخلف من عنده، إذا كان يأمل عطاءه فيعيش عيش الأغنياء.
فيقال له: لم يرد بقوله:
. . . . . . يَغْنَى الفَتَى قَبْلَ نَيْلِهِ ... . . . . . .
ما ذكرته من إنه ينفق ماله ثقة بالخلف؛ لان هذا يسوغ فيمن له مال، وإنما أراد
بذلك الإطلاق على وجه المبالغة والإغراق لا على وجه الحقيقة.
يقول: إذا أملّه الفتى تيقن بلوغ الامل، وحصول النيل قبل النيل فكأنه مستغن فجعل تأميله لثقته به لعطائه وهذا كقوله: الوافر
لقد أمِنَتْ بك الإعْدامَ نَفْسٌ ... تَعُدُّ رجاَءهَا إيَّاكَ مَالا
وقوله: الطويل
وأنْفُسُهُمْ مَبْذُولَةٌ لوفُودِهِمْ ... وأمْوَالهُمْ في دَارِ من لم يَفِدْ وَفْدُ
قال: أي أنهم غير محجوبين عمن يقصدهم من الوفود، وأموالهم ترد على من لم يأتهم لأنهم يبعثونها إليهم.
(5/143)

وأقول: لم يرد انهم غير محجوبين عمن يقصدهم؛ فإن ذلك ليس فيه كبير فائدة، ولكنه قسّم الناس قسمين: وفود عليهم، وغير وفود، فجعلوا للوافدين إليهم مزيدا على غيرهم بأن بذلوا لهم أنفسهم، والذين لم يفدوا إليهم، جعلوا أموالهم تفد إلى بلادهم عليهم.
فالمعنى على هذا التقسيم والترتيب في غاية الكمال، وعلى ما قال في غاية النقص!
وقوله: الكامل
أحْبَبْتُ تَشْبِيهاً لها ... فَوَجَدْتُهُ ما لَيْسَ يُوجَدْ
قال: يقول: أردت أن أشبهها بشيء فوجدت تشبيهها معدوما. ويجوز أن يريد بالتشبيه المفعول، وهو المشبه به، فقال: أردت مشبها لها فكان مستحيل الوجود، فإن قيل: هذا يناقض ما قبله؛ لأنه ذكر التشبيه، قلنا: ذاك تشبيه جزئي لأنه ذكر خضرة النبات على حمرة التراب في التشبيه وأراد في هذا البيت تشبيه الجملة فلم يتعارضا.
وأقول: هذا تخليط من أخلاط في الدماغ! وإنما يقول: أحببت تشبيها لها بجنة
أخرى فأقول: كأن هذه الجنة جنة فلان فوجدت ذلك غير موجود. ولهذا قال في البيت
(5/144)

الذي بعده: إنها واحدة، أي: ليس لها مثيل من جنة اخرى، وكذلك صاحبها أوحد.
وقوله: الوافر
لأنِّي كُلَّمَا فَارقْتُ طَرْفي ... بَعِيدٌ بَيْنُ جَفْني والصَّبَاحِ
قال: هذا تعليل لقوله:
. . . . . . ... ومُنصَرفي له أمْضَى السِّلاح
لأني كلما لم أرك، طال ليلي فبعُدما بين جفني والصباح لسهري شوقا إلى لقائك ولو قال:
. . . . . . ... . . . . . . بينَ عَيْني والصَّبَاحِ
كان اظهر؛ لان الصبح إنما يُرى بالعين لا بالجفن.
فيقال له: إن النائم والساهر والرائي، على الحقيقة، إنما هو الإنسان وإنما خص الجفن بالذكر لأنه بانطباقه يتبين النوم وبانفتاحه يتبين السهر. والعين، وإن كانت آلة النوم، والجفن فيه تبع لها، إلا إنه فيه اظهر منها، ولو قال:
. . . . . . ... بعيدٌ بين عَيْني والصَّبَاحِ
وقد قال قبله:
(5/145)

كلَّمَا فارَقْتُ طَرْفي ... . . . . . .
والطرف هو العين، لحصل التكرار ولزم الإضمار، فكأنه قال: إذا فارقت عيني سهرت فلم يغمض جفني، وطال بالسهر عليه الليل فبعُد عنه الصباح. والموصوف على الحقيقة بذلك إنما هو الحي لا أعضاؤه.
وقوله: المتقارب
فماذا تَركْتَ لمن لم يَسُدْ ... وماذَا تَرَكْتَ لمن كانَ سَادَا
قال: يعني لم يبق شيء من أسباب السيادة إلا وقد جمعتها، فلم تترك منها شيئاً يختص به من لم يسد أو من ساد من قبل.
وأقول: لم يزد في الشرح على ما في الشعر! وقوله:
فماذَا تَرَكْتَ لمن لم يَسُدْ ... . . . . . .
أي: لو أراد الإنسان أن يسود، أي: يأتي بفضيلة غريبة لم يسبق إليها ليعلو بها ويدعى سيدا لم يجد، لأنك قد سبقته إليها. وقوله:
. . . . . . ... وماذا تَرَكْتَ لمن كانَ سَادَا
أي: أنك صغّرت أفعالهم العظيمة، التي سادوا بها بحسن أفعالك؛ فكأنك سلبت مآثرهم ومحاسنهم بمآثرك ومحاسنك، وقد حقّرتها وأخفيتها.
(5/146)

وقوله: الرجز
يُسَارُ من مَضِيقهِ والجَلْمَدِ ... في مِثْلِ مَتْنِ المَسَدِ المُعَقَّدِ
أقول: لم يذكر معنى قوله:
في مثلِ مَتْن المسَدِ. . . . . .
وذلك إنه شبه طريقا في وسط هذا الجبل وطرفيه في الخشونة والخزونة بحبل ليف عقد وسطه ولم يُعقد طرفاه فجعل الجبل الذي في وسط الطريق كالعقد التي في وسط الحبل، وطرفيه في الخشونة كطرفيه، وهذا من بديع التشبيه وغريب التمثيل.
وقوله: الرجز
للصَّيْدِ والنُّزْهَةِ والتَّمَرُّدِ
أقول: النزهة والتنزه، على ما ذكر ليس من كلام العرب، إنما التنزه التباعد عن الريف والمياه لئلا يتأذى بها. ولذلك قالوا: فلان يتنزه عن الأقذار، إذا
(5/147)

كان يباعد نفسه عن الدنايا، وفلان نزيه كريم إذا كان بعيدا من اللؤم. والعامة تجعل التنزه
الخروج إلى البساتين وهو غلط. وقد جوز ذلك ابن قتيبة على طريق التوسع وقال: لان في كل مصر وبلد بساتين، فإذا أرادوا الخروج إليها فقد تباعدوا عن المنازل، ثم كثر ذلك حتى صارت النزهة القعود في الخضر والجنان. وقول ابن قتيبة في ذلك ليس بحجة، إلا أن العرب تجوزت في ذلك كما تجوزت في الفرس وأصله دق العنق، ثم كثر ذلك في كلامهم، حتى صار كل قتل فرسا. وكذلك: الاخيذ: المشدود ثم كثر حتى صار كل اخيذ أسيرا، شُد أو لم يُشد، وأشباه ذلك كثير في كلامهم.
وقوله: الخفيف
غيرَ أنِّي تَرَكْتُ مُقْتَضَبَ الشِّعْ ... رِ لأمْرٍ مِثْلي به مَعْذُورُ
قال: لم يبين العذ الذي اعتذر به في ترك الشعر؛ كأنه كان واضحا قد عرفه الممدوح فأهمل ذكره.
فيقال له: بلى، قد بينه وذكره من حيث لم تعلم، وهو واضح ظاهر ولم تره في البيت الذي يليه من أوله إلى آخره في قوله: الخفيف
وسجَايَاك مَادِحَاتُكَ لاشِعْ ... ري وَجُودٌ على كلامي يُغِيرُ
(5/148)

وهو في موضع الحال.
يقول: تركت اقتضاب الشعر مادحا لك لأمر أنا به معذور، وهو أن سجاياك مادحة لك لا شعري، وجود لك يغير على كلامي، أي: يأخذه ويستغرقه ويستنفده؛ لأنه أكثر وأقوى منه، فجعله بمنزلة الجيش الذي يغير على ما دونه فيأخذه فقد اعتذر بأمرين:
أحدهما: أن سجايا الممدوح، أي: خلاله العظيمة الكريمة، تمدحه لشهرتها، فشعر أبي الطيب غير شيء بالإضافة إليها. والثاني: أن جوده أكثر من شعره فقد غلبه وملكه وأهلكه، وقد فسره هو بهذا التفسير إلا إنه لم ينتبه له إنه عذر!
وقوله: الطويل
فإنَّ نَهَاري ليلةٌ مُدْلَهِمَّةٌ ... على مُقْلَةٍ من فَقْدِكُمْ في غَيَاهِبِ
قال: إنما جعل النهار ليلا، إشارة إلى إنه لا يهتدي إلى شيء من مصالحه، أو إلى أن جفونا فُتحت على وجوههن، مختومة لا تُفتح على غيرها، وإذا انطبقت الجفون فالنهار ليل كقوله: الوافر
ولو أنِّي استَطَعْتُ خَتَمْتُ طَرْفي ... فَلَمْ أُبْصِرْ به حَتَّى أرَاكَا
(5/149)

وأقول: تفسير هذا البيت على ما ذكره، يفسده البيت الذي يليه وهو قوله: الطويل
بعيدةُ ما بَيْنَ الجُفُونِ كأنَّما ... عَقَدْتُمْ أعَالِي كلِّ جفنٍ بحاجِبِ
فكيف تكون الجفون مختومة لا تُفتح على غيرها، وهي بعيد ما بينها، لولا أن هذه غفلة شديدة وفطنة بعيدة؟! ولو استدل على معنى هذا البيت بما قبله لأمن النقض بما بعده، وهو ما ذكره ابن فورجة: لا صباح إلا وجوههن، وإذا كان كذلك فنهاره ليل مدلهم بعدهن ومقتله في غياهب لفقدهن.
وقوله: الطويل
وأحْسِبُ أنِّي لو هَوِيتُ فرِاقَكُمْ ... لفَارَقْتُهُ والدَّهْرُ أخْبَثُ صَاحِبِ
قال: يريد أن الدهر يخالفه في كل ما اراد، حتى لو أحب فراقهم لواصلوه وكان من حقه أن يقول: لفارقني؛ لأن قوله: لفارقته، فعل نفسه، وهو يشكو الدهر فلا يشكو فعل نفسه ولكنه قلبه؛ لأن من فارقك فقد فارقته فهذا من باب القلب.
وأقول: لم يرد بذلك: لو أحب فراقهم لواصلوه. ولا قوله: فارقته، من باب القلب. وإنما معنى قوله:
. . . . . . لو هَوِيتُ فراقَكُمْ ... . . . . . .
(5/150)

أي لو أن فراقكم الذي هو غاية المكروه والأذى مما يُهوى، لاضطرني الدهر إلى أن أفارقه قصدا لعنادي وخلافي؛ يذم بذلك صحبة الدهر في إنه لا يقع منه
لصاحب مساعدة بل مخالفة ومعاندة.
وأما قوله: كان من حقه أن يقول: لفارقني، لما علل به، فليس بشيء، وقوله: لفارقته أبلغ لأن معناه لاضطررت إلى فراقه، وإذا كان كذلك فالشخص المحبوب الذي تضطر إلى أن تفارقه أنت بنفسك، أبلغ في أذاك من أن يفارقك هو بنفسه لأن ذلك لا يمكن أن يقع من جهة المحب اختيارا، ويمكن أن يقع من جهة الحبيب اختيارا.
وقوله: الطويل
إليك فإني لسْتُ مِمَّنْ إذا اتَّقَى ... عِضَاضَ الأفَاعي نَامَ فَوْقَ العَقَارِبِ
أقول: إنه ذكر عن ابن فورجة في معنى هذا البيت كلاما فيه طول، وليس بطائل فأذكره وأجيب عنه. وذكر قول ابن جني وذكرت ما فيه وأجبت عنه وبينت المعنى هناك.
وقوله: الرجز
وزَادَ في السَّاقِ على النَّقَانِقِ
(5/151)

قال: زاد في طول الساق وشدتها على النعام، كما قال امرؤ القيس: الطويل
لهُ أيْطَلاَ ظَبْيٍ وسَاقَا نَعَامَةٍ ... وإرخاءُ سِرْحَانٍ وتَقْريبُ تَنْفُلِ
وأقول: النعامة لا توصف بطول الساق بل بقصرها وغلظها وصلابتها، وطول وظيفها، وكذلك ساق الفرس ووظيفها، وبخلاف ذلك اليد فانه يُستحب قصر وظيفها وطول ذراعها لأنه اشد لرميه بها.
وقوله: الرجز
يُمَيَّزُ الهَزْلَ من الحَقَائقِ
قال: أي يعرف أن صاحبه إذا استحضره يطلب بحضوره هزلا أم حقيقة.
وأقول: هذا لا يعرفه الفرس وإنما يصفه بصحة السمع، أي: يميز الصوت
الصحيح الذي يسمعه من الذي ليس بصحيح، وهذا من قول طرفة: الطويل
وصادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ في السُّرَى ... لِهَجْسٍ خَفِيٍّ أو لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
وقوله: الطويل
وعيني إلى أذْنَيْ أغَرَّ. . . . . . ... . . . . . .
(5/152)

وقوله: الكامل
. . . . . . ... . . . . . . فكأنَّما يُبْصِرْنَ بالآذَانِ
ويدل على ما قلته قوله بعده: الرجز
وَيُنْذِرُ الرَّكْبَ بِكُلِّ سَارِقِ
أي: إذا أحس بسارق صهل ليعلم مكانه.
وقوله: الرجز
يُرِيكَ خُرْقاً وهو عَيْنُ الحَاذِقِ
قال: أي لشدة جريه وتناهيه في العدو، يُظن به خرق، وهو مع ذلك حاذق، وحذقه أن لا يُخرج ما عنده من الجري مرة واحدة، بل يعلم ما يراد منه فيستبقي جريه كما قال: الطويل
ولَلْقَارِحُ اليَعْبُوبُ خَيْرٌ عُلالَةً ... من الجَذَع المُرْخَى وأبْعَدُ مَنْزَعَا
وأقول: كأن الشيخ قليل المخبرة بالخيل فلذلك لم يُصب في صفاتها، فإن كان ذلك لقلة اقتنائه لها واعتنائه بها فهلاّ استقرأ ذلك من أقوال الشعراء فيها؟!!
وهذا الذي ذكره ليس بشيء!
(5/153)

والمعنى: إنه يصف هذا الفرس لنشاطه ونزقه وحدة قلبه بالخُرق، وقد يتجاوز ذلك إلى وصفه بالجنون كقول امرئ القيس: الطويل
ويَخْضِدُ في الآرِيِّ حَتَّى كأنَّما ... به جِنَّةٌ أو طَائِفٌ غيرُ مُعْقِبِ
وأما استشهاده بالبيت الذي ذكره فليس على ما قال، وإنما القارح من الخيل الذي
استكمل قوته، والجذع لم يستكمل قوته؛ فكان بُعد منزعه أي: غايته، وعلالته: أي: بقية جريه لقوته، ومثل ذلك قول أبي نواس: البسيط
مَنْ للجِذَاعِ إذا المَيْدانُ مَاطَلَهَا ... بِشَأوِ مُطَّلعِ الغَايَاتِ قَدْ قَرَحَا
وقوله: الكامل
والنَّاسُ قَدْ نَيَذُوا الحِفَاظَ فَمُطْلَقٌ ... يَنْسَى الذي يُولَى وعَافٍ يَنْدَمُ
قال: يريد أنهم لا يحافظون على الحقوق، ولا يُراعون الاذمة؛ فمطلق من الإسار ينسى ما أُزلّ إليه من الإحسان، وعاف عن مجرم يندم لأن صنيعته كُفرت فلم تُشكر.
وأقول: إن قوله: يندم لأن صنيعته كُفرت فلم تُشكر ليس بشيء لأنه إذا كُفرت صنيعته، وندم على وضعها في غير موضعها لم يكن نابذا للحفاظ وإنما يقول: الناس اثنان؛ محسن اليه، وهو المطلق من إسار، ينسى الذي أولى من الجميل، ومحسن عاف عن مجرم يندم على العفو من غير سبب وكلاهما تارك للحفاظ.
(5/154)

وقوله: الكامل
يَقْلِي مُفَارَقَةَ الأكُفِّ قَذَالُهُ ... حَتَّى يَكَادَ على يَدٍ يَتَعَمَّمُ
قال: يريد إنه صفعان فيكاد يتعمم على يده فتُصفع يده أيضا!
وأقول: هذا ليس بشيء، وإنما يقول: يُبغض قذاله مفارقة الاكف، ويهوى مصاحبتها. . . . . . ليُصفع بها فلو أمكنه أن يجعل يدا على قذاله، وهو جماع مؤخر رأسه، ويتعمم عليه حبا للصفع لفعل.
وقوله: الطويل
ولو لَمْ يَكُنْ بين ابن صَفْراَء حَائِلٌ ... وبَيْني سِوَى رُمْحِي لكانَ طَويلا
قال: قال ابن جني: صفراء: اسم أمه.
وقال ابن فورجة: صفراء: كناية عن الاست، والعرب تسب بنسبة الرجل إلى
الأست كما قال: الطويل
. . . . . . ... بأنَّ بني أسْتَاهِهَا نَذَرُوا دَمِي
(5/155)

وأقول: ومما يؤكد ما قاله ابن فورجة قول عتبة بن ربيعة في بدر، وقد أشار على قريش بأن يرجعوا عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقال أبو جهل: انتفخ سحره! فقال عُتبة: سيعلم مُصفر أسته من ينتفخ سحره!
والظاهر قول ابن جني أن صفراء أمه لقول أبي الطيب: الكامل
أرْسَلْتَ تَسْألني المَدِيحَ سَفَاهَةً ... صَفْراءُ أضْيَقُ منك مَاذَا أزْعُمُ
وقوله: الخفيف
أتُرَاهَا لِكَثْرِةَ العُشَّاقِ ... تَحْسِبُ الدَّمْعَ خِلْقَةً في المآقي
قال: يصف المعشوقة؛ يقول لصاحبه: أتظنها لكثرة ما ترى الدمع في مآقي عشاقها تتوهم إنه خلقة فهي لا ترثي لمن يبكي.
وأقول: الجيد في هذا ان يكون القول لنفسه لا لصاحبه وذلك كقول ذي الرمة: البسيط
ما بَالُ عَيْنِكَ منها الماء يَنْسَكِبُ ... . . . . . .
(5/156)

وقول الراعي: الكامل
ما بالُ دَفِّكَ في الفِراشِ مُذِيلاَ ... . . . . . .
وأشباه ذلك.
يقول لنفسه: أتظنها تحسب الدمع خلقة، وإذا كانت كذلك فلا ترثي لباك فلا يحصل منها لعاشق راحة ولا رحمة، كما ذكره في البيت الذي يليه.
وقوله: الخفيف
حُلْتِ دون المَزارِ فاليَوْمَ لوزُرْ ... تِ لحَالَ النُّحولُ دُونَ العنَاقِ
قال: يقول: منعتني من زيارتك حتى نحلت شوقا اليك، فلو زرتني اليوم لم تقدري
على معانقتي لشدة النحول ورقة الجسم.
وأقول: إن قوله: لم تقدري على معانقتي ليس بجيد، والجيد أن تقول: لم اقدر على معانقتك. كأنه يقول: منعتني الوصال في حال عدم الزيارة وفي حال وجودها فلم أقدر عليه في الحالين للهجر والنحول.
وقوله: الخفيف
كاثَرَتْ نَائِلَ الأميرِ من الما ... لِ بما نَوَّلَتْ من الإيرَاقِ
(5/157)

قال: الإيراق مصدر قولهم أورق الصائد إذا لم يصد شيئا، وأورق الغازي إذا لم يغنم. والناس يحملون هذا البيت على الأفعال من الأرق، فكان ابن جني يقول في تفسير هذا البيت: هي تطلب باسهارها إيانا الغاية طلب الأمير بإنالته النهاية فكأنها تكاثره نوالا؛ لكن نوالها الأرق ونواله الورق!
فإن كان أبو الطيب أراد بالإيراق هذا، فقد أخطأ؛ لأنه لا يبنى الأفعال من الأرق، وإنما يقال: أرق يأرق أرقا، وأرقه تأريقا. والأولى أن يُحمل الإيراق على منع الوصل والتخييب منه، يقول: هي في منعها وصلها في النهاية، كما إن الأمير في بذله نائله قد بلغ الغاية، فكأنها تُكاثر عطاءه بمنعها.
وأقول: قد طوّل في شرح هذا البيت أقصى غاية التطويل وقصّر أقصى غاية التقصير! والصحيح ما ذكره ابن جني، ولم يخطئ المتنبي، والإيراق هاهنا فيعال، لا أفعال كما ذكر، وذلك مثل: القيتال: مصدر قاتل، من المفاعلة. وكذلك آرق إيراقا. قال تأبط شرا: البسيط
يا عيدُ مَالَكَ من شَوْقٍ وإيَراقِ ... . . . . . .
وهذا من الأرق لا من إيراق الصائد!
(5/158)

وقوله: الخفيف
لو تَنَكَّرْتَ في المَكَرِّ لِقَوْمٍ ... حَلَفُوا، أنَّكَ ابنُهُ، بالطَّلاقِ
قال: يقول: لو غيرت زيك في الحرب، حتى لا يعرفك أهلها لعرفوك بشبه أبيك حتى يحلفوا بالطلاق انك ابنه.
وأقول: لم يذكر ما يعرفونه به وما وجه المشابهة بينهما عند التنكير بتغيير الزي وإخفاء النفس، وذلك بما يظهر من أفعاله عند إخفاء خلقه وزيه من شدة إقدامه وكثرة قتاله كفعل علي - عليه السلام - في قتال صفين لأنه كان عُرف فتحومي فجعل يتنكر ولذلك خص المكر بالذكر فيُحلف عند ذلك بالطلاق لمشابهة الأخلاق إنه ابن أبيه لأن أباه أيضا، كان مشهورا بالشجاعة معروفا بالاقدام، فلا يفعل أفعاله إلا من هو منه وفي هذا مدح له ولأبيه.
وقوله: الوافر
(5/159)

يُشَارِكُ في النِّدامِ إذا نَزَلْنَا ... بِطانٌ لا تُشَارِكُ في الجِحَاشِ
وَمِنْ قَبْلِ النِّطَاحِ وقَبْلِ يَأني ... تَبِينُ لك النِّعَاجُ من الكِبَاشِ
قال في تفسير البيت الثاني: يقول: قبل المناطحة وقبل أوانها يتبين من ينلطح ممن لا يناطح، ومن يقاتل ممن لا يقاتل، وذلك إن الكباش تتلاعب بقرونها وان لم ترد النطاح بها، وكذلك تتلاعب الناس بالأسلحة في غير الحرب فيُعرف من يحسن استعمالها.
وأقول: قوله: وذلك أن الكباش تتلاعب. . . . . . إلى اخره، ليس بشيء، وإنما ضرب مثلا لمن يصلح للقتال، ولمن لا يصلح له بالكباش والنعاج؛ يقول: قبل النطاح يبين ذلك منهما، فتعلم أن النطاح لا يكون إلا بالكباش، ولا يكون بالنعاج، وإن كانوا من الغنم؛ لأن ذلك إنما يكون بالذُكران منها دون الإناث، فكذلك هؤلاء الذين ذكرهم في البيت الأول من أنهم يشاركون في الندام ولا يشاركون في القتال؛ يقول: قبل القتال يتبين انهم لا يصلحون له، كما قبل النطاح يتبين أن النعاج لا تصلح له، فهم، وإن كانوا رجالا، بمنزلة الإناث
وقوله: الوافر
فما خَاشِيكَ للتَّكْذِيبِ رَاجٍ ... ولا رَاجِيكَ للتَّخْيِيبِ خَاشِي
(5/160)

قال: قال ابن فورجة: أي: أن خاشيك حال به بأسك، واقع به سخطك وانتقامك فما يرجو تكذيبا لما يخافه لشدة خوفه، ولا راجيك يخشى أن يُخيبه لقطع عرفك.
قال: والصحيح في هذا البيت رواية من روى:
فما خاشِيكَ للتَّثرِيبِ رَاجٍ ... . . . . . .
أي: من خشيك لم يخف أن يُثرّب ويُعيّر بخشيتك؛ وراج بمعنى خائف.
قال: ومن روى للتكذيب لم يكن فيه مدح، لأن المدح في العفو لا في تحقيق الخشية، فإنما يُمدح بتحقيق الأمل وتكذيب الخوف كما قال السري: الطويل
إذا وَعَدَ السرَّاَء أنْجَزَ وَعْدَهُ ... وإنْ وَعَدَ الضَّرَّاَء فالعَفْوُ مَانِعُهْ
فيقال له: دعنا من تفسير ابن جني: راج بمعنى خائف، والتمحل لتصحيح المعنى إذ لم يصح على قوله برواية شاذة، واجعله من الطمع الذي أراده الشاعر واستدل على ذلك بقلب صدر البيت على عجزه، فانه بذلك المعنى يقول: خاشيك في الحرب وعند القتال لا يرجو التكذيب بأنك تقتله وانه ينجو منك، وكذلك راجيك لا يخشى أن يخيب من جودك وإنك تحرمه لأنه مستحيل لراجيك أن لا تبلغه ما يرجو، كما أن مستحيل لخاشيك في الحرب أن ينجو. وعلى هذا التفسير لا يرد عليه ما أورده من أن المدح في العفو لا تحقيق الخشية، ولم نحتج إلى أن نجعل موضع للتكذيب للتثريب، ونفسر راج بمعنى خائف فنلتزم ضعف معنى البيت أو ضعف صناعته.
(5/161)

وقوله: الوافر
مِن المُتَمَرِّدَاتِ أذُبُّ عَنْهَا ... بِرُمْحِي كُلَّ طَائرِة الرَّشَاشِ
قال: المتمرد متفعل من المارد والمريد، وهو الذي قد أعيى خبثا، والمتمردة:
المتمنعة، يصف فرسه بالخبث وترك الانقياد لمن لا يحسن ركوبها.
والمعنى: أني أصونها برمحي من كل طعنة يترشش دمها.
وأقول: المارد والمريد هو العاتي، أي: المتكبر الشديد، فوصفها بأنها متمردة كناية عند حدتها ونزقها وشدتها، ولا يصفها بالخبث وترك الانقياد فان تلك من الصفات التي تضاد الجياد بالإضافة إلى كل ركب وكل مركوب.
وقوله: الوافر
إذا ذُكِرَتْ مَوَاقِفُهُ لِحَافٍ ... وشِيكَ فما يُنَكِّسُ لانْتِقَاشِ
تُزِيلُ مَخَافةَ المَصْبُورِ عَنْهُ ... وتُلْهِي ذا الفِيَاشِ عن الفِيَاشِ
(5/162)

قال: يقول: إنه يستنقذ المصبور على القتل فيزيل خوفه، ويشغل المفاخر عن المفاخرة، لأنه يتواضع له ويقر بفضله. وفسر الكلام على أن الضمير في يزيل للممدوح.
قال: ومن روى تُزيل بالتاء فقد خاطب، يعني الممدوح.
وأقول: الرواية الصحيحة: تزيل بالتاء لا للمخاطب ولكن للمواقف التي ذكرها قبل.
يقول: هذه المواقف في الحرب إذا سمع ذكرها المصبور، أي: المحبوس على القتل، ازالت، لعظم هولها ما عنده من الهول والخوف بالإضافة اليها، وألهت ذا المفاخرة عن مفاخرته لحقارتها عندها. وهذا التفسير لم ينتبه له أحد من الجماعة، وهو الذي قصده أبو الطيب، وغيره ليس بشيء إلا شيئاً لا يعبأ به.
وقوله: المنسرح
أنا ابنُ مَنْ بَعْضُهُ يَفُوقُ أبا البَ ... احِثِ والنَّجْلُ بَعْضُ من نَجَلَهْ
قال: يقول: أنا فوق أب الذي يبحث عن نسبي. ثم بيّن في المصراع الثاني إنه أراد ببعضه الولد، والنجل: الولد.
وأقول: إن هذا البيت لم يعلم معناه ولم يعلم فحواه، وقد بيّنته في شرح ابن جني.
(5/163)

وكأن هذا البيت جواب لمن سأل المتنبي عن أبيه. وقيل: إنه رجل يُعرف بالمسعودي، من أصحاب أبي العشائر؛ لأن أباه كان خاملا غير معروف، وكان المتنبي يُعرف بابن عيدان السقاء. ذكره ابن ماكولا في إكماله بكسر العين من عيدان. وسألت شيخنا الكندي عنه فقال: هو بفتح العين، وذكر إنه كان يغضب إذا سُئل عن أبيه ونسبه لضعفه وقماءته، وذلك لأنه قد كان يتيه بخدمة سيف الدولة، إلى أن صار يجلس إلى جانبه، ويأكل معه في صحفته، ويشرب من قدحه، ويأخذ ما شاء من خزانته، فدخله الإعجاب بنفسه حتى إنه كان إذا مدحه أو مدح بعض أهله وكبراء دولته أودع في ذلك النظم فخرا، واظهر كبرا؛ فمن ذلك قوله في هذه القصيدة: المنسرح
فَخْراً لِعَضْبٍ أرُوحُ مُشْتَمِلَهْ ... وسَمْهَرِيٍّ أرُوحُ مُعْتَقِلَهْ
والبيت الذي بعده. وهذا لا يحسن بذي أدب وافر، وعقل طاهر، ومعرفة بمواضع النظام، ومواقع الكلام، ومخبرة بإتقان المدائح، ومخاطبة أولى المنائح، وبذلك وأمثاله تبغّض إلى سيف الدولة وأهله وأصحابه، وكان السبب في بعده عن بابه ومفارقة جنابه.
وقوله: المنسرح
أأخْفَتِ العَيْنُ عندَهُ خَبراً ... أمْ بَلَغَ الكَيْذُبَانُ ما أمَلَهْ
(5/164)

قال: أكذبتني عيني فيما أدت إلي من محاسنه، أم وجد الكاذب فرصة فغيّر ما بيننا؟ ويجوز أن يريد بالعين الرقيب وأنّث على اللفظ.
يقول: هل أخفى الرقيب عنده خبرا من أخباري في حبي إياه وميلي إليه؟ وهذا استفهام إنكار.
وأقول: هذا الذي فسره من صدر البيت، على المعنيين في العين، غير سائغ رائق،
ولا معجب شائق، وإنما يقول: هل نظرت عيني إلى شيء من أفعاله كان جميلا فاستقبحته فأخفته، أي: هل تغير لي عما كنت أعهده عليه من الإحسان إلي فأترك مدحه لذلك؟ أي: ليس الأمر كذلك.
ولو قال: - أعني المتنبي -:
أأكذبَ العَيْنَ بَرْقُ عَارِضِه ... . . . . . .
وعارضه، يريد به: مبسمه أو سحابه، وفيه تورية، وكذلك العين، وهي الباصرة أو المطر الدائم، لكان اظهر واحسن لفظا وأتم معنى.
وقوله: المنسرح
فَأكْبَرُوا فِعْلَهُ وأصْغَرهُ ... أكْبَرُ من فِعْلِهِ الذي فَعَلَهْ
قال: قال ابن جني: أي استكبروا فعله واستصغره هو، وتم الكلام، ثم
(5/165)

استأنف فقال:
. . . . . . ... أكْبَرُ من فِعْلِهِ الذي فَعَلَهْ
قال: وقال العروضي فيما أملاه علي: على هذا التفسير لا يكون مدحا؛ لأن من المعلوم إن كل فاعل أكبر من فعله الذي فعله، وان الخالق - تعالى - فوق المخلوقين.
ومعنى البيت: إن الناس استكبروا فعله واستصغره هو، فكان استصغاره لما فعل أحسن من فعله.
فيقال له: فهذا الذي ذكره ابن جني في النصف الأول بعينه، وإنما المؤاخذة في النصف الآخر.
وقوله: لا يكون مدحا فيقال: لم لا يكون إذا قال: فعله عظيم، وهو أعظم منه، مدحا له وهذا معنى قوله:
. . . . . . ... أعظَمُ من فِعِلْهِ الذي فَعَلَهْ
وهو من قول أعرابي دخل على يزيد بن المهلب فقال له: كبُرت أن يستعان بك أو يستعان عليك، وليس من شيء وإن كبُر إلا وهو صغير عندك وأنت أكبر منه، ولا أرى العجب في أن تفعل، وإنما العجب في أن لا تفعل! فقال: حاجتك؟ فقال: عشر ديات، قال: هي لك ومثلها!
وقوله: الوافر
أعَنْ إذْني تَهُبُّ الرِّيحُ رَهْواً ... ويَسْري كلَّما شِئْتُ الغَمَامُ
(5/166)

قال: هذا استفهام معناه الإنكار. يقول: الريح لا تهب سهلة ساكنة بأذني، وكذا الغمام لا يسري على مشيئتي؛ يريد بالريح والغمام الممدوح في سرعته في العطاء وجوده.
يقول: إن الذي يفعله لا يفعله بأذني أو بمشيئتي إنما يفعله طبعا طُبع عليه.
وأقول: الجيد في هذا، لو قال: إنه لما رأى أفعال الممدوح جارية على اقتراحه، موافقة لأغراضه، شبهه بالريح ساكنة سهلة للين أخلاقه، وبالغمام لكثرة عطائه فقال مُتشككا: أعن أذني تهب الريح، وعن مشيئتي يسري الغمام، أي: يهدي إلي العطاء، أم ليس كذلك؟ ثم أنكر هذه الحالة التي لو أثبتها لكانت غاية في المدح إلى ما هو أعلى منها، مستدركا بقوله في البيت التالي: الوافر
ولكنَّ الغَمَامَ له طِبَاعٌ ... تَبَجُّسُهُ بهَا وكَذَا الكِرامُ
يقول: إنه يفعل الجود طبعا كالغمام لا كما بدا لي وخطر ببالي.
وقوله: المنسرح
بِضَرْبِ هَامِ الكُمَاةِ تَمَّ لَهُ ... كَسْبُ الذينَ يَكْسِبونَ بالمَلَقِ
قال: يريد أن كل أحد يحبه لشجاعته كما يُحب من يتملق إلى الناس، ويلين لهم ويتودد إليهم، فتم له بضرب الهام ما يكسبه بالتملق.
أقول: كأنه يقول: يقتل الكماة وهم يحبونه. وهذا الذي ذكره ليس بشيء!
(5/167)

وإنما يقول: تم لأبي العشائر بالقهر، وهو ضرب رؤوس الكماة في الحرب واخذ أموالهم، مثل ما تم لغيره من كسب الأموال باللين والضعف. والبيت الذي بعده يدل عليه وهو قوله: المنسرح
كُنْ لُجَّةً أيها السَّمَاحُ فَقَدْ ... آمَنَهُ سَيْفُهُ من الغَرَقِ
قال: يقول: هو لا يغرق في بحر السماح إن كان بحرا لأن سيفه آمنه من كل محذور حتى من الغرق. يعني إنه وإن كان سمحا؛ فإنه شجاع لا يخاف مهلكا، حتى لو صار السماح مهلكا ما خافه لشجاعته.
فيقال له: لقد وقعت في التيه! فأين يتاه بك عن هذا المعنى وهو ظاهر لمن تأمله بعين البصيرة؟!
يقول: كن أيها السماح لجة، أي: كثيرا، فانك لا تُغرقه، أي: لا تجحف به وتُفقره؛ لأن سيفه قد آمنه من ذلك بقتل أعدائه وأخذ أموالهم، وهو كقوله: الكامل
وَالسِّلْمُ تَكْسِرُ من جناحَيْ مالِهِ ... بنَوَالهِ ما تَجْبُرُ الهَيْجَاءُ
وينظر إلى قول الخطيئة: الطويل
كَسُوبٌ ومِتْلافٌ. . . . . . ... . . . . . .
انتهى
(5/168)

وقوله: الطويل
بَلِيتُ بِلَى الأطْلالِ إنْ لَمْ أقِفْ بها ... وقوفَ شَحيحٍ ضَاعَ في التُرْبِ خَاتِمُهْ
ذكر فيه أقوالا منها قول ابن جني:
قال: ليس في وقوف الشحيح على طلب الخاتم مبالغة يُضرب بها المثل. وأجاب عن هذا بأن قال: إن العرب كما تبالغ في وصف الشيء فتتجاوز الحد، فقد تقتصر أيضاً وتستعمل المقاربة. قال: وهذا بعينه قد جاء في الشعر الفصيح فضربت العرب به المثل في الحيرة، وهو قول الراجز: الرجز
فَهُنَّ حَيْرَى كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ
وقول العروضي: لا نلتزم هذا في قدر وقوف الشحيح، بل في صورة وقوفه بالانحناء ووضع يده على كبده وإطراقه، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: المنسرح
نَكَّسَ لما أتَيْتُ سائِلَهُ ... واعْتَلَّ تَنْكِيسَ ناظِمِ الخَرَزِ
(5/173)

ثم قال: على أنّا إن التزمنا هذا؛ يعني قدر الوقوف فقد تبلغ قيمة الخاتم ما يحق للشحيح أن يُطيل وقوفه لطلبه بأن يكون خاتما ذا فص نفيس، أو يختم به خزائن ملك أو يُحبس به ويُطلق.
وقول ابن فورجة: وهو إنما وهو وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه.
ثم قال الواحدي: ونقول أيضاً في جواب هذا السؤال: إن وقوف الشحيح، وإن كان لا يطول كل الطول، فقد يكون أطول من وقوف غيره فجاز ضرب المثل به، كقول الشاعر: الخفيف
ربَّ لَيْلٍ أمَدَّ من نَفَسِ العا ... شِقِ طُولاً قطَعْتُهُ بانْتِحَابِ
وقد علمنا أن أقصر ليل أطول من نفس العاشق، ولكن لمّا كان نفس العاشق أمدّ من نفس غيره جاز ضرب المثل به، وإن لم يبلغ النهاية في الطول. وكذلك قول الآخر: الطويل
ويومٍ كظِلِّ الرمح قَصَّر طولَهُ ... دَمُ الزِّقِّ عَنَّ واصطفاقُ المزَاهِر
وأقول: أما اعتراض ابن جني عليه وجوابه عنه، واستشهاده له بالرجز الذي ذكره فقد حرّفه لآن الذي أنشده أبو العلاء في وصف الإبل: الرجز
(5/174)

إذَا قطَعْنَ عَلَماً بَدَا عَلَمْ ... يَبْحَثْنَ بَحْثاً كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ
حتى يوافين بنا إلى حكَمْ
وإذا كان كذلك، فلا وقوف هناك ولا حيرة، ولكنه يصف هذه الإبل إنها؛ لشدة
سيرها، ورميها بأيديها؛ كأنها تبحث الترب كما تفعل النساء اللاتي اضللن خلاخيلهن.
وأما ما ذكره العروضي من الانحناء واستشهاده عليه ببيت الخرز، وإن الخاتم يحتمل أن يكون خاتما نفيسا فوجه قريب ضعيف.
وأما ما رواه ابن فورجة فليس بسائغ لو صح! ولكن إطباق الروايات على خلافه يبطله.
وأما ما ذكره الواحدي من أن وقوف الشحيح، وإن كان لا يطول كل الطول، فقد يكون أطول من غيره، واستشهاده عليه بالبيتين فغير حسن، وذلك أن الشعراء والعرب إنما ذكرت ذلك وهي تريد به المبالغة في طول الليل وطول اليوم؛ لأن عندها أن لا شيء أمد من نفس العاشق وأطول من ظل الرمح. وكذلك وصفهم القصر بإبهام القطاة، فكان ينبغي أن يقول على هذا: فلا وقوف إذا أطول من وقوف الشحيح. ولعله هذا اراد، فقصّر في الإيراد!
(5/175)

وقوله: الطويل
إذا ظَفِرَتْ منكِ العُيونُ بنَظْرةٍ ... أثَابَ بها مُعْيِي المَطِيِّ ورَازِمُهْ
قال: المعنى إن الإبل الرازحة التي كلّت وعجزت عن المشي إذا نظرت إليك عاشت أنفسها وعادت قوتها فكيف بنا نحن؟ وهذا قول ابن جني.
قال: وقال ابن فورجة: إنما يعني بالمطي أصحابها، وأما الإبل فإنه لا فائدة لها في النظر إلى هذه المحبوبة وإن فاقت حسنا وجمالا، وإنما ركّابها يُسرون بذلك.
ثم قال: والقول ما قال ابن جني.
وأقول: إن هذين الوجهين ضعيفان، وقد ذكرت وجهين غيرهما فليُتأملا في شرح الكندي.
وقوله: الطويل
حَبِيبٌ كأنَّ الحُسْنَ كانَ يُحِبُّهُ ... فآثَرَهُ أو جَارَ في الحُسنِ قاسِمُهْ
قال: يقول: هذا الحبيب منفرد بالحسن لا حظ لغيره فيه، فكأن الحسن أحبه فاستخلصه لنفسه دون غيره. أو: من قسّم الحسن من الناس جار فأعطاه جميع الحسن وحرمه من الناس.
(5/176)

وأقول: تفسيره صدر البيت حسن وعجزه غير حسن! لأن الذي يقسم الشيء بين اثنين ويجوز، لابد أن يُعطي أحدهما شيئا ما ويجعل قسم الآخر أوفر من قسم صاحبه. وأما أن لا يعطي شيئا البتة ويعطي الآخر الجميع فهذا لا يسمى قسما بل إيثارا، وقد ذكره في صدر البيت. على أن البيت من أصله فيه شيء؛ وذلك إنه لا يجوز مع هذا الحبيب إلا وقد أعطاه أكثر مما يستحقه من الحسن! فهل يحسن بأحد ويسوغ له أن يصف حبيبه بذلك؟!
وقوله: الطويل
مُشِبُّ الذي يَبْكِي الشبابَ مَشِيُهُ ... فكيفَ تَوَقِّيهِ وبَانيهِ هَادِمُهْ
قال: يقول: الذي يجزع على فَقد الشباب إنما أشابه من اشبّه، والشيب حصل من عند من حصل منه الشباب فلا سبيل له إلى التوقي من الشيب لأن أموره بيد غيره.
فيقال له: هذا التفسير على ما تقول، ولكن: أي مناسبة بين هذا البيت والذي قبله؟ فقد كان يحسن ذكرها وهي: إنه لمّا ذكر في البيت الذي قبله عادته من معاناة الشدائد، وألفه للمهالك ذكر الشيب وحاله لأنه من جملة الشدائد، وعرّض بأن الإنسان لا يحسن به أن يجزع من مصيره إليه، وقدومه عليه إذ لا يمكنه أن يتوقى منه.
(5/177)

وأقول: إن هذا البيت، واللذين بعده، من موطئات التخلص إلى المدح، وهي من الموطئات المظلمة، والمقدمات المؤلمة تُعمي ناظر الخاطر وخاطر الناظر، ألفاظها
واقفة راكدة، ومعانيها باردة جامدة. ومثلها الأبيات الموطئة للتخلص في قصيدته التي أولها: الطويل
لياليَّ بعدَ الظَّاعنينَ شُكولُ ... . . . . . .
فإن الشيخ الكندي كان يقول فيها ما هو قريب من هذا.
وقوله: الطويل
قياماً لِمَنْ يَشْفي من الدَّاءِ كَيُّهُ ... ومَنْ بَيْنَ أُذْنَي كُلِّ قَرْمٍ مَواسِمُهْ
قال: قياما مصدر لم يُذكر فعله، كأنه قال: قاموا قياما، وكنى بالكي عن طعنه وضربه، ولذعة حربه، وبالداء عن غوائل الأعداء. ومعناه إنه يرد، بالطعن والضرب من عصاه إلى طاعته كما يُرد من به الداء إلى الصحة بالكي.
وأقول: إن قياما جمع قائم وهو نصب على الحال فلا يُجعل مصدرا فيحتاج إلى إضمار فعل.
وقوله:
. . . . . . يَشْفي من الدَّاءِ كيُّهُ ... . . . . . .
(5/178)

كناية عن علمه بالأشياء ووضعها في مواضعها؛ لأن من الناس من لا يشفي من الداء كيّه لجهله بالداء وبمواضع الكي، وهو مثل يدخل تحته علمه بالحرب وغيرها.
وإن جُعل من قولهم: آخر الطب الكي، فمعناه إنه صبور على الأعداء، حليم عنهم، غير مستعجل بهلاكهم لعلهم يرجعون عن خلافه إلى طاعته فيُسلمون، وفي ذلك بقيا عليهم، فإن أبوا إلا تماديا ولجاجاً، كان آخر أمرهم معه هلاكهم.
وقوله: الطويل
قَبَائِعُهَا تَحْتَ المَرَافِقِ هَيْبَةً ... وأنْفَذُ مما في الجُفُونِ عَزَائِمُهْ
قال: يقول: قاموا متكئين على قبائع سيوفهم هيبة له وتعظيما.
وأقول: هذا التفسير ليس بشيء! لأنهم إذا كانوا متكئين عليها لا تكون تحت مرافقهم، وإنما تكون كذلك إذا كانت مشدودة في أوساطهم أو معلقة في حمائلهم. ويحتمل أن يكون إنما يفعل بها ذلك لأنها على اسمه؛ لأنه سيف وهي سيوف فتختفي تحت مرافق حامليها هيبة له، ويُجعل الفعل لها على طريق المجاز، أو لحامليها. وهذا التفسير ما علمت أحداً سبقني إليه!
وقوله: الطويل
له عَسْكرَا خَيْلٍ وطَيْرٍ إذا رَمَى ... بها عَسْكراً لم تَبْقَ إلاَّ جَمَاجِمُهْ
(5/179)

قال: يقول: له عسكران، خيله والطير التي تطير معها للوقوع على القتلى، فإذا رمى عسكرا بعسكره لم يبق إلا عظام الجماجم، لأن عسكر الخيل يقتلهم وعسكر الطير يأكلهم.
وأقول: لا ادري لم خص بإلقاء عظام الجماجم؟ ونحن نعلم إن عظام الناس والأضلاع والأسوق والأيدي تبقى أيضاً! وإنما يقول: إذا رمى بهذين العسكرين من الخيل والطير عسكر أعدائه قتلتهم الفرسان فسقطوا إلى الأرض فدّقت الخيل عظامهم بوطئها إلا الجماجم فإنها كُرية لا تثبت تحت حوافر الخيل فتبقى، وأكلت الطير اللحوم. وقد بالغ في موضع آخر من مدحه اكثر من هذا فجعل الجماجم تندق بالوطء في قوله: المتقارب
تَرَكْتَ جَمَاجِمَهُمْ في النَّقَا ... وما يَتَحَصَّلْنَ للنَّاخِلِ
فهذا وجه لبقاء الجماجم
ويحتمل وجها آخر وهو أن تكون الرؤوس تقطع لتُحمل فتبقى، والأجسام تُدق بالخيل وأكل الطير فتفنى.
وقوله: الخفيف
ليتَ أنَّا إذا ارْتَحَلْتَ لَكَ الخْي ... لُ وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيَامُ
(5/180)

قال: ليتنا معك نتحمل عنك المشقة في مسيرك ونزولك في سفرك. هذا معنى البيت، ولكنه أساء حيث تمنى أن يكون بهيمة أو جمادا، ولا يحسن بالشاعر أن يمدح غيره بما هو وضع منه؛ لا يحسن أن يقول: ليتني امرأتك فأخدمك!
فيقال له: هذا الذي ذكره آخرا لا يحسن، ولكن يحسن من الشاعر أن يبالغ أكثر مما بالغ أبو الطيب فيتجاوز الخيل إلى أن يقول: ليت خدي أرضا لك تطؤها، وكما قال: الوافر
وكُلُّ شَواةِ غِطْريفٍ تَمَنَّى ... لِسَيْرِكَ أنَّ مَفْرِقَهَا السَّبيلُ
ومثل هذا كثير في كلامهم.
وقد تلطف أبو الطيب غاية التلطف في المراد، لكنه أحسن غاية الإحسان، وقد بينت القول في ذلك أولا من الشروح وآخرا، فتبينه!
وقوله: الخفيف
والذي تُنْبِتُ البلادُ سرورٌ ... والذي تُمْطِرُ السَّماءُ مُدَامُ
قال: والذي ينبت ذلك المكان الذي حللت به سرور؛ أي: يقيم السرور والطرب بذلك المكان.
(5/181)

وأقول: يُحتمل ان تكون الواو في قوله:
. . . . . . ... والذي تمطرُ السَّماءُ مدامُ
للعطف. والجيد أن تكون للحال من البلاد؛ أي: تنبت البلاد سرورا في حال أمطارها بالمدام؛ لأن المدام توصف بالسرور، وتُعرف بالاطراب، كما تقول: الذي سمعته منك الفصاحة، والذي نشأت به نجد؛ لان نجداً يُعرف ويوصف بالفصاحة، وهذا معنى حسن لم يتنبه له ولا غيره!
وقوله: الوافر
وكنتُ أعِيبُ عذلاً في سَماحٍ ... فها أنا في السَّماحِ له عَذُولُ
قال: يقول: كنت فيما مضى أعيب الملامة في الجود، وقد صرت الآن عذولا له لإفراطه في السماح، والمعنى من قول الطائي: الطويل
عطاءٌ لو اسْطَاع الذي يَسْتَمِيحُهُ ... لأصْبَحَ من بَينِ الوَرَى وهو عَاذِلُهْ
وأقول: إنه توهم الضمير الذي في (له) راجع إلى سيف الدولة ولي كذلك إنما هو راجع إلى السحاب وقد ذكرته قبل.
(5/182)

وقوله: الوافر
ومثلُ العَمْقِ مملوءٌ دماءً ... مَشَتْ بك في مَجَاريهِ الخُيُولُ
قال: يقول: رب مكان مثل المكان العميق قد امتلأ دما مشت بك الخيل في مجاريه.
وأقول: لم يفهم أن (العمق) مكان بعينه علم من أرض (حلب)؛ أي: رب مكان مثل (العمق)، هذا الذي هو في بلدك، العميق الأرض الكثير الوحل، كثر فيه القتل حتى جرت فيه الدماء، ومشت بك في مجاريه الخيول ولم يصدك عن المسير، فكيف يصدك العمق بكثرة وحوله، والسحاب بشدة هطوله.
ويحتمل أن يكون قوله:
ومثلُ العَمْق. . . . . . ... . . . . . .
وهو يريد (العمق) نفسه، كما يقال: مثل زيد من يقول ويفعل، وكأنه يشير إلى وقعة كانت له فيه، والوجه الأول أثبت.
وقوله: الوافر
يَحِيدُ الرُّمْحُ عنك وفيه قَصْدٌ ... وَيَقْصُرُ أن يَنَالَ وفيه طُولُ
قال: يقول: بلغ من نباهتك وشرفك أن الجماد يعرفك! فالرمح يميل عنك مع أن فيه قصدا إذا طُعن به غيرك، ويقصر أن ينالك، مع طوله، هيبة لك.
(5/183)

وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! وقوله: مع أن فيه قصدا إلى سواك؛ أي:
اعتمادا، غير صحيح. والقصد هاهنا الاستقامة؛ يقول: يحيد الرمح عنك؛ أي: يميل وفيه استقامة، ويقصر أن يصل إليك وفيه طول، وإنما يريد بذلك لخوف حامله منك.
وقوله: الوافر
وما التأنيثُ لاسم الشَّمسِ عَيْبٌ ... ولا التَّذكيرُ فخرٌ للهِلالِ
قال: يقول: لم تُزر بها الانوثة، كما لم يُزر بالشمس تأنيث اسمها. والذكورة لا تُعد فضيلة في احد، كما لم يحصل للقمر فخر بتذكير اسمه.
وأقول: العبارة فيها قصور، وكان ينبغي أن يقول: إنه ضرب لهذه المرأة في الأنوثة، ولغيرها من الرجال في الذكورة، مثلا بالشمس والقمر فقال: هذه وإن كانت مؤنثة فإنها أشرف ممن هو مذكر، كما إن الشمس، وإن كانت مؤنثة أشرف من القمر الذي هو مذكر.
وقوله: المتقارب
كأنَّ خلاصَ أبي وائلٍ ... معاوَدَةُ القَمَرِ الآفِلِ
(5/184)

قال: كنا بعد استتاره في ظلمة فلما تخلص وعاد إلينا، كان كعودة القمر بعد الأفول.
وأقول: هذا القول مع وجود سيف الدولة لا يحسن. ولم يُرد أبو الطيب ذلك وإنما جعل أبا وائل في شرفه وأسره بمنزلة القمر إذا افل، ثم إنه عاود الطلوع باستنقاذ سيف الدولة له.
وقوله: المتقارب
ولما نَشِفْنَ لَقِينَ السِّياطَ ... بِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ الماحِلِ
قال: يقول: لما نشفت الخيل من السوق لقيت السياط من أعجازها بمثل الصفا لا ندوة به، فإنها لم تسترح، ولم تضعف لما لحقها من التعب؛ أي: لما ضُربن
بالسياط وقعت من مفاصلها على مثل صفا البلد الماحل.
وأقول: هذا التفسير فيه تقصير، وقد ذكرته قبل.
وقوله: المتقارب
ومَا بَيْنَ كاذَتِي المُسْتَغيرِ ... كما بَيْنَ كاذَتِي البَائِلِ
(5/185)

قال: أي يشتد عدو الفرس المستغير؛ أي: الذي يطلب الغارة فينفحج للعدو كما ينفحج البائل يصيبه البول.
قال: ويجوز إنه يعرق في عدوه حتى يسيل العرق بين رجليه كالبول.
قال: وذكر في هذا البيت انه أراد أن المنهزم يبول فرقا، وهذا لا يصح لأن المستغير لا يكون منهزما.
وأقول: انظر إلى أقوال هؤلاء واتباع بعضهم بعضا تقليدا في الخطأ، وتهورا في الضلال! فهم في ذلك كقوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). والذي ينبغي أن يقال فيه ما قلته قبل.
وقوله: المتقارب
وأقْبَلْنَ يَنْحَزْنَ قُدَّامَهُ ... نَوَافِرَ كالنَّحْلِ والعاسِلِ
قال: الانحياز: الانهزام؛ هو الانضمام إلى جانبه.
قال: يقول: أقبلت خيل الخارجي تنفر وتهرب من جيش سيف الدولة نفور النحل من العاسل.
وأقول: إن هؤلاء القوم إذا كان في البيت معنى مشكل، أو لفظ محتمل لم ينتبهوا
(5/186)

له ولم يحملوه على وجهه! وهم في ذلك كقوله تعالى: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِنَ الْعِلْم). والذي فيه من اللفظ والمعنى قد ذكرته أيضاً قبل.
وقوله: المتقارب
إذا طَلَبَ التَّبْلَ لم يَشْأَهُ ... وإنْ كان دَيْناً على مَاطِلِ
قال: إذا طلب وترة لم تفته، وان مطل بها من يطلب عنده تلك الترة؛ يعني: يدرك ثأره وان طال العهد.
وأقول: إن قوله: وإن طال العهد ليس بشيء! والماطل هو الغريم العسر الوفاء، وهو هاهنا كناية عن الشجاع، وذلك إنه لما جعل الترة دينا جعل الماطل بها شجاعا للمناسبة بين الاستعارة، وهما بخلاف الدَّين والغريم في الدَّين، فهذا معنى المطل لا ما ذكره وذلك كقوله: الكامل
مَحِكٌ إذا مطَلَ الغَريمُ بدينِهِ ... جَعَلَ الحُسَامَ لما أرادَ كفِيلا
وقوله: المتقارب
يُشَمِّرُ للُّجِّ عن ساقِهِ ... ويَغْمرُهُ المَوْجُ في السَّاحِلِ
(5/187)

ذكر في هذا البيت قول ابن فورجة، وهو الصحيح، وصوّب قول ابن جني الذي خطّأه فيه ابن فورجة. فخطّأ المصيب وصوّب المخطئ! والذي ذكر فيه ابن فورجة ذكرته في مآخذ شرح الكندي - شهد الله - إلا اختلافا قليلا في العبارة من غير وقوف عليه، لأن النهج الواضح لا يكاد يختلف فيه البصيران. وإنما ذكرته آخرا لأن هذه الشروح لم تصل إلي وتقع في يدي على الترتيب، وكل شرح منها قائم بنفسه، فإذا نصصت على موضع منها، فلا فرق بين أن يكون منها أولا أو آخرا.
وقوله: المتقارب
أمَا للخلافةِ من مُشْفِقٍ ... على سَيْفِ دَوْلَتِهَا الفَاصِلِ
يَقُدُّ عِداها بلا ضَارِبٍ ... ويَسْري إليهم بلا حامِلِ
قال: يقول: هذا سيف يقطع الأعداء من غير أن يُضرب به، ويسري إليهم غير محمول.
وأقول: هكذا قال أبو الطيب إلا إنه جعل موضع: يقطع، وموضع: عداها الأعداء،
وموضع: بلا ضارب من غير أن يضرب به، وموضع: بلا حامل غير محمول!
وفي ذلك بيان للمعنى ظاهر وفضل وافر!!
وأقول: البيت يحتمل وجهين من التفسير، أحدهما:
(5/188)

أنه سيف لا كالسيوف، لان السيف لا يقد حتى يحمل ويضرب به وهذا يقد بلا ضارب وبلا حامل، وهذا استعار ومجاز.
والثاني: يقول: أما لخلافة الله في بلاده وعلى عباده من مشفق على هذا السيف، ويعني به سيف الدولة حقيقة لا مجازا، فيعنيه على جهاد الأعداء في قتاله إياهم، وسيره إليهم؟ وفي هذا إشارة إلى أن ما ثم من يشار إليه في أعانته.
وقوله: الطويل
ومن كانَ ذا نَفْسٍ كنَفْسِكَ حُرَّةٍ ... فَفِيه لها مُغْنٍ وفيها له مُسْلي
قال: يقول: من كانت نفسه حرة، كنفسك، أغنته عن تعزية غيره، واسلته عن مصيبته؛ لأنه يعرف أن الإنسان لا يخلو في دهره من الحوادث، ومن عرف هذا وطَّن نفسه على فقد الأحبة.
وأقول: إن قوله:
. . . . . . ... ففيه لها مُغْنٍ. . . . . .
أي: تستغني نفسه به عن غيره كما قال: البسيط
. . . . . . ... إذا سلمتَ فَكُلُّ الناس قد سَلِمُوا
(5/189)

وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . وفيَهَا لَهُ مُسْلِي
أي: يسلو بنفسه عن غيرها لفضل شرفه وشرفها؛ أي: إذا سلم لنفسه وسلمت نفسه له ففي ذينك مغن ومسل له عن كل واحد.
وقوله: الطويل
نُبَكِّي لِمَوْتانَا على غيرِ رَغْبةٍ ... تَفُوتُ من الدُّنْيَا ولا مَوْهبٍ جَزْلِ
إذا ما تأمَّلْتَ الزَّمانَ وصَرْفَهُ ... تَيَقَّنْتَ أنَّ الموتَ ضَرْبٌ من القَتْلِ
أقول: لم يذكر تعلق ما بين البيتين وهو كأنه يقول: نُبكي لموتانا محبة للبقاء ورغبة في الحياة، وليس يفوتهم بذلك من الدنيا رغبة ولا عطاء كثير، وذلك غير صواب منا لأنك إذا نظرت إلى الزمان، الذي هو قوام الدنيا، وجدت صرفه يقتل الناس بالموت. فهل يسوغ لعاقل أن يحب الدنيا أو يرغب فيها وهي على هذه الصفة عدوة له، تقتله بالموت؟ ثم قال بعد ذلك: الطويل
هَلِ الوَلدُ المحبُوب إلاَّ تَعِلَّةٌ ... وهَلْ خَلْوَةُ الحَسْنَاءِ إلاَّ أذَى البَعْلِ
أي: هذه من المواهب التي ليست بجزلة، وذلك أن شهوة الولد مرض وعلة، ووجوده تعلة؛ أي: تعليل لذلك المرض، فهو وان كان فيه لذة فغبه آلام. وكذلك يقال في خلوة الحسناء، وهي كناية عن جماعها، إنه أذى بما يصحبه من نهك القوة وضعف الجسم، أو بما يُعقبه من الولادة، والتعب بها، والكلفة لها!
(5/190)

وقوله: المنسرح
اخْتَرْتُ دَهْمَاَء تَيْنِ يا مَطَرُ ... ومَنْ له في الفَضَائِلِ الخِيَرُ
قال: أراد يا من له الاختيار في الفضائل، يعني تأخذ، مختارا، الفضائل ونخبتها فتختار منها ما تريد.
قال: ويروى الخبر؛ يعني اشتهاره في الفضائل، وخبره في الناس.
وأقول: إنه جعل الفضائل له بمنزلة الملك فهو يختار منها ما يشاء، فإذا أراد أن يفعل مكرمة أو يسدي إلى أحد صنيعة كان ذلك خيرها. يقول: اخترت إحدى هاتين الفرسين، وهي الدهماء فيهما، وينبغي أن لا أتخير عليك؛ بل لك الخير في الفضائل التي تفعلها. وهذا مثل قوله: الخفيف
ما لنا في النَّدى عليكَ اختيارٌ ... كلُّ ما يَمْنَحُ الشَّريفُ شَرِيفُ
وأما روايته الخبر بالباء فضعيف لأن الصناعة تقتضي الخير بالياء. .
وقوله: الكامل
أنِّي لأبْغِضُ طَيْفَ من أحْبَبْتُهُ ... إذْ كانَ يَهْجُرنَا زَمَانَ وِصَالِهِ
(5/191)

قال: أني أبغض طيف الحبيب لأن رؤيتي الطيف عنوان الهجر إذ لا أراه إلا في حال فراق الحبيب. وكان من حقه أن يقول: إذ كان يواصلني زمان الهجران؛ لأن هجران الطيف زمان الوصال لا يوجب بغضا له، إذ حاجة به إلى الطيف زمان الوصال، ولكنه قلب الكلام على معنى أن هجراته زمان الوصال يوجب وصاله زمان الهجران.
فيقال له: لم يقلب الكلام، ولكنك أنت انقلب فهمك! إذ توهمت أن الضمير في يهجرنا راجع إلى الطيف، والضمير في وصاله راجع إلى الحبيب وهو بالعكس! والتقدير: أبغض طبع الحبيب، إذ كان يهجرنا الحبيب زمان وصال الطيف، ولو واصلنا الحبيب لهجرنا الطيف؛ لأن الطيف لا يكون إلا عند هجره وبعده.
وقوله: الكامل
مثلَ الصبَّابةِ والكآبةِ والأسَى ... فَارَقْتُهُ فَحَدَثْنَ من تَرْحَالِهِ
قال: يقول: يهجرنا الطيف زمان الوصال مثل هجر هذه الأشياء، وأبغضه مثل بغض هذه الأشياء التي حدثت من ترحال الحبيب.
وأقول: تفسيره هذا البيت مرتب على البيت الذي قبله لمّا فسره مقلوبا! وهل يسوغ لذي فهم أن يقول: ابغض الطيف والصبابة والكآبة والأسى إذ كانت هذه الأشياء تهجر المحب زمان وصال الحبيب؟! وهل شيء أحب إلى المحب من هجر هذه الأشياء له
(5/192)

ووصل حبيبه؟! والتقدير: أني أبغض الطيف مثل بغض الصبابة والكآبة والأسى لأن هذه الأشياء إنما حدثت بسبب ترحاله فكذلك الطيف.
ومثل ينتصب بأنه صفة مصدر محذوف والعامل فيه ما قبله، وهو الفعل في أول
البيت الذي قبله، وهو: أبغض وتقديره: أني لأبغض طيف من أحببته بغضا مثل بغض الصبابة، وحذف المضاف لدلالة الفعل عليه.
وقوله: الكامل
ولَقَدْ دَخَرْتُ لكُلِّ أرْضٍ سَاعةً ... تَسْتَجْفِلُ الضِّرْغَامَ عن أشْبَالِهِ
قال: لكل أرض أي: لافتتاح كل أرض فحذف المضاف. وتستجفل: يستدعي سرعته في الهرب؛ من قولهم: جفل الظليم وأجفل إذا أسرع، وكنى بالساعة عن قصر المدة التي يستولي عليها، وسرعة تمكنه منها؛ يقول: ادخرت لفتح كل ارض ساعة شديدة تحمل الأسد على الفرار عن أشباله لشدتها وهولها.
وأقول: لا معنى لذكر فتح الأرض، والجيد ما ذكره التبريزي؛ قال: يقول: ذخرت لكل أرض مخوفة، أحل فيها، ساعة أكون فيها شجاعا أُفزع من أمن بها، حتى أني لأُفزع الليث فيفر عن الأشبال.
(5/193)

وقوله: الكامل
وإذَا تَعَثَّرتِ الجيادُ بَسَهْلِهِ ... بَرَّزْتُ غَيْرَ مُعَثَّرٍ بجبالِهِ
قال: يقول: الشعراء الفصحاء إذا تعثروا بالكلام السهل، سبقتهم غير متعثر بحزنه؛ يعني: إذا لم يقدروا على السهل المستعمل، كنت قادرا على الغريب المهمل.
وأقول: الغريب المهمل من الكلام لا يفضل السهل المستعمل، فليس في ذلك فضل له عليهم. وإنما فضل عمر بن الخطاب - رحمه الله - زُهيرا على غيره من الشعراء لقوله: كان لا يتتبع حوشي الكلام.
وقد قال البحتري: الكامل
مِيلُوا إلى سَهْلِ الكلامِ فإنه ... من خَافَ مال إلى الطريق الأوْعَر
وكأن أبا الطيب يريد بذلك المنظوم، والمسارعة فيه، والمسابقة اليه؛ يقول: إذا
الجياد، وهم البلغاء الفصحاء، جاروني فيه تعثّروا بالسهل منه، أي الضعيف اللفظ والمعنى، سبقتهم لا أتوقف ولا أتعثر منه بالجزل اللفظ والمعنى. وقد كان معروفا في البداية بالسرعة والاجادة، فمن ذلك تشبيهه بطيخة الند، وقد قال له أبو العشائر: أي شيء تُشبه هذه؟ فقال مجيبا له: الكامل
وبَنِيَّةٍ من خيزُرانٍ. . . . . . ... . . . . . .
وقال فيها: الطويل
وسوداَء منظومٌ. . . . . . ... . . . . . .
(5/194)

فعجب أبو العشائر من سرعة خاطره فقال: الوافر
أتنكِرُ ما أتيتُ به بديهاً ... وليسَ بمُنْكَرٍ سَبْقُ الجَوادِ
أرَاكِضُ مُعْوِصَات الشِّعْرِ قَسْراً ... فأقْتُلُهَا وغيري في الطِّرادِ
والمعوصات: يعني المعاني الآبية الغريبة.
وقوله: الكامل
وَهَبَ الذي وَرِثَ الجُدودَ وما رأى ... أفْعَالَهُمْ لابْنٍ بلا أفْعَالِهِ
قال: يقول: وهب ما ورثّهم من المال والمآثلا كلها، فوهب المال للعفاة وترك مفاخر آبائه لقومه غير مفتخر بها؛ لأنه يرى الافتخار بفعل نفسه، ولا يرى أفعال الجدود شرفا له دون أن يبني عليها.
قال: واخذ الشريف الرضي هذا المعنى فقال: الطويل
فَخَرْتُ بِنَفْسِي لا بقومي مُوَفِّراً ... عَلَى نَاقِصِي قَوْمي مَآثِرَ أسْرَتي
فيقال له: الاقتصار على مآثر الجدود وأفعال الآباء من غير أن يضاف إليها من أفعال النفس نقص، وترك مآثر الآباء من غير اعتداد بها جهل، والجمع بينهما فضل. ولذلك قال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر - عليه السلام: الكامل
(5/195)

لَسْنَا وإنْ أحْسَابُنَا كَرُمَتْ ... يوماً على الأحْسَابِ نَتَّكِلُ
نَبْني كما كانَتْ أوائِلُنَا ... تَبْنِي ونَفْعَلُ مثل ما فَعَلُوا
والتفسير الذي ذكره ليس بسديد، وإنما حمله عليه بيت الرضي وهو غير مرضي! ويدل على ما قلته بعده: الكامل
حتَّى إذا فَنِيَ التُّراث سوى العُلاَ ... . . . . . .
لأنه تفسير لما قبله؛ يعني إنه وهب الموروث من آبائه من المال سوى العلا فإنه لا يحسن به أن يهبها وأن يتركها لغيره، كما قال الواحدي؛ لأن ذلك ذم له لا مدح.
وقوله: الكامل
الجيشُ جَيْشُكَ غير أنَّكَ جَيْشُهُ ... في قَلْبهِ ويميِنِهِ وشمَالِهِ
(5/196)

قال: يقول: الجيش في الحقيقة جيشك، وكل جيش سوى جيشك فليس بجيش.
وأقول: إنه ظن إن هذا مثل قولهم: الجود جود حاتم، والحلم حلم أحنف، يراد به المبالغة؛ أي: لا حلم ولا جود معروف إلا ذلك، وهذا التأويل سائغ، إلا إنه لم يرده هاهنا، وإنما الكلام باق على ظاهره؛ يقول: الجيش جيشك على الحقيقة، غير أنك أنت جيشه؛ لأنه بك يتقوى وتحتمي أقسامه؛ وهي قلبه ويمينه وشماله، وبيّن ذلك في البيت الذي بعده وهو قوله: الكامل
تَرِدُ الطِّعانَ المُرَّ عن فُرْسَانِه ... وتُنَازِلُ الأبطالَ عن أبْطَالِه
وهذه الصفات لم تجتمع لأحد حقيقة إلا لعلي - عليه السلام - لأنه كان المشهور بذلك، وما أجدر أن يكون هذان البيتان فيه، لا بغضا لعلي بن أبي الهيجاء، وهو ممن يُحَب، ولكن زيادة حب لعلي بن أبي طالب!
وقوله: الوافر
وخَضْرٌ تَثْبُتُ الأبْصَارُ فيه ... كأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطَاقَا
(5/197)

ذكر فيه قول ابن جني أنه لنعمته وبضاضته تؤثر فيه الأبصار، وذكر عليه قول
ابن فورجة أن الخصر لا يتجرد من الثياب، ومع ذلك فالنعمة والرقة إنما توصف بها الخدود والوجنات.
قال: ولكن المتنبي أراد أن الأبصار تثبت في خصرها استحسانا له وتكثر عليه من الجوانب حتى تصير كالنطاق له، وهذا منقول من قول بشار: الكامل
ومُكَلَّلاتٍ بالعُيو ... نِ طَرَقْنَنَا ورَجَعْنَ مُلْسَا
وأقول: أنهم لم يذكروا معنى:
. . . . . . تَثْبُتُ الأبصَارُ فيه ... . . . . . .
وهو إنه بالغ في وصف هذا الموضع، فجعل الأبصار، للنهاية في حسنه، لا تنتقل عنه إلى غيره كقول أبي تمام: الطويل
لها مَنْظَرٌ قيدُ النَّواظِرِ لم يَزَلْ ... يروحُ ويغدو في خُفَارتِهِ الحبُّ
وهو بضد قول امرئ القيس: الطويل
. . . . . . ... مَتَى ما تَرَقَّ العَيْنُ فيه تَسَهَّلِ
أي لا تقف العين عند عضو من أعضائه لفضله على غيره، بل أعضاؤه متشابهة في الحسن، فإذا رقت العين إلى ما علا منها، استحسانا له، تسفلت إلى غيرها كذلك.
وقوله: الوافر
سَلِي عن سِيرَتي فَرَسي ورُمْحي ... وسَيْفي والهَملَّعَةَ الدِّفَاقَا
(5/198)

قال: يقول للمرأة: سلي عن سيرتي هذه الأشياء؛ يعني إنه كان وحده لم يصحبه غير ما ذكره فلا يستخبر عن سيره غيرها.
وأقول: إن قوله كان وحده غير صحيح، لأنه قال فيما بعد: تركنا، ونكبنا، وهذا ضمير الجمع على الحقيقة، وليس في كونه منفردا في السير قاصدا سيف الدولة بحلب تاركا وراءه نجدا كبير فائدة في فخر وحسن ذكر.
والجيد أن يكون في جماعة من اتباعه، وجملة من غلمانه، وكذلك كان ينبغي أن يكون، وإنما خص سؤالها لهذه الأشياء إعظاما لشأنه ومدحا لنفسه تفهم من أمره أكثر مما يفهمه صحبه لأنها هي المباشرة لأحواله ولما كلفها من أفعاله.
وقوله: الوافر
وما التْتَرَى والليلُ داجٍ ... لسيَفِ الدَّولة المَلِكِ ائتلاقَا
أدَلَّتْهَا رياحُ المِسْكِ منهُ ... إذا فتَحَتْ مَنَاخِرَهَا انتِشَاقا
أقول: إنه وصف العيس باهتدائها إلى سيف الدولة في البيت الأول بنور بشره وفي البيت الثاني بطيب نشره، ويكون المعني بذلك أصحابها وركابها.
ويحتمل أن يكون وصفها بذلك للمبالغة. وكلا الوجهين حسن بالغ، كثير سائغ.
(5/199)

وقوله: الوافر
أقامَ الشِّعرُ ينتظِرُ العطايا ... فلمَّا فاقَتِ الأمطارَ فَاقَا
قال: أقام الشعر ببابه منتظرا لعطائه، فلما فاق عطاؤه الأمطار في الكثرة فاق الشعر أيضاً الأمطار؛ يعني كثرت عطاياه، وكثرت الأشعار في مدحه ليس بمراد، ولا بذي سداد!
وقوله: الطويل
ولو زَحَمَتْهَا بالمنَاكِبِ زَحْمَةً ... دَرَتْ أيُّ سُورَيْهَا الضَّعِيفُ المُهَدَّمُ
قال: يعني أن الخيل أقوى من هذه البلدة، فهي لو قصدتها لهدمت سورها، فكانت تعلم أن سورها ضعيف لا يقوى على دفع خيل سيف الدولة.
(5/200)

وأقول: إن هذه البلدة - أعني ميافارقين - هي لسيف الدولة، وكذلك الخيل التي ذكرها، اجتازت بها قاصدة غزو غيرها من بلاد العدو فمالت عنها، فجعل أبو الطيب أنها مالت عنها، كما ذكر أولا، رحمة لها ورقة عليها أن لو دنت منها لزاحمتها، فكان يزدحم سوراها؛ بناؤها وخيل سيف الدولة. وجعل الخيل سورا لها
ثانيا لأنها أيضاً تحفظها وهي أقوى من سور البناء، فكان حينئذ تبين القوة في سور الخيل والضعف في سور البناء، وإنما ذكر هذا على وجه المبالغة في قوة الخيل، ولا يدل ذلك على ضعف بناء سورها كما توسمه ابن جني فروى إنه سقط في تلك الليلة!
وقوله: المتقارب
أيَنْفَعُ في الخَيْمَةِ العُذَّلُ ... وتَشْمَلُ مَنْ دَهْرَهَا يَشْمَلُ
قال في جملة شرح هذا البيت: إن إضافة الدهر إلى الخيمة غير مستحسن ولو قال:
. . . . . . ... . . . . . . مَنْ دَهْرَهُ يَشْمَلُ
لكان أحسن: ومعنى شمل الشيء: أحاط به؛ يقول: أتحيط الخيمة بمن أحاط بالدهر؛ يعني: علم كل شيء، فلا يحدث الدهر شيئا لم يعلمه، ومن كان المحل لا يعلوه شيء ولا يحيط به شيء.
فيقال له: بل إضافة الدهر إلى الخيمة، كما قال أبو الطيب، أولى من إضافته إلى سيف الدولة وأبلغ في المعنى وأصنع في اللفظ وهذا كما يقال: أتحيط هذه الدار بزيد
(5/201)

وهو يحيط ببلدها؟ أي: إذا كانت جزءا مما أحاط به فكيف تحيط به؟
وأما قوله: أحاط بالدهر من جانب العلم، وان الدهر لا يُحدث شيئا لا يعلمه فلذلك لم يحط به لم يُرد العلم، والمراد بذلك وصفه بالجلالة وعظم القدرة، وجعل ذلك كعظم الجسم استعارة وتوسعا، فجعل الدهر دونه في العظم، فالدهر لا يحيط به. كما وصفه بالمجد والشرف فجعل زحل في العلو دونه فزحل لا يعلوه.
وقوله: المتقارب
فَلَيْتَ وقارَكَ فَرَّقْتَهُ ... وحَمَّلْتَ أرْضَكَ ما تَحْمِلُ
قال: ليت ما فيك من الوقار، فرّقته على الناس، وحمّلت أرضك من باقي وقارك
ما تُطيق حمله؛ أي: لو فرّقت وقارك لكان يخص الخيمة منه ما يوقّرها ويثبتها.
(5/202)

فيقال له: إن الخيمة لم تقوّض لخفتها حتى إذا ثقلت بوقاره ثبتت، وإنما تقوّضت لأنها لا تحيط بسيف الدولة لأنه أعظم منها فلا وجه لذكر الخيمة في هذا البيت. وقول أبي الطيب:
فليتَ وَقارَكَ فَرَّقْتَهُ ... . . . . . .
أطلق بقوله: فرّقته وهو يريد: فرّقت بعضه، ولذلك قال: المتقارب
. . . . . . ... وسُدْتَهُمُ بالذي يَفْضُلُ
وقوله: المتقارب
الأبيات الثلاثة:
رأت لَوْنَ نُورِكَ. . . . . . ... . . . . . .
والبيتان اللذان يليانه وهما:
وأنَّ لها شَرَفاً باذِخاً ... . . . . . .
فلا تُنْكِرَنَّ لها صَرْعَةً ... . . . . . .
أقول: إنه علّل أولا سقوط الخيمة بكونها لا تشمل من هو أعظم منها وأولى.
(5/203)

هاهنا علّل سقوطها بشيء غيره، وهو ما ذكره في هذه الأبيات من أن نوره فيها كنور الغزالة، وإنها تشرف به، فسقطت لذلك فرحا. ولا يكون النور الذي فيها، والشرف الذي حصل لها، إلا وقد دخلها، فقد علته وشملته. وقد قال أولا إنها لا تشمله لان الاستفهام هنا يراد به النفي في قوله: أينفع، وتشمل وهذا هو التناقض بعينه! إلا أن يريد إنها علته شيئا يسيرا ثم سقطت به وكذلك كانت القضية، فيكون قوله أولا:
. . . . . . ... وتَشْمَلُ مَنْ دَهْرَهَا يَشْمَلُ
أي: كيف تشمل مدى طويلا، أو: كيف تشمل دائما من دهرها يشمل، فأطلق لفظه
ولم يُقيده للأمارة التي دلت عليه. .
وقوله: المتقارب
ولو بُلِّغَ الناسُ ما بُلِّغَتْ ... لخَانَتْهُمُ حولَكَ الأرْجُلُ
قال: أي لو بُلغوا مبلغها من القرب منك لخانتهم أرجلهم ولم تحملهم هيبة لك كما خانتها أطنابها وعمودها.
وأقول: لم يُرد بقوله: ما بُلغت قربها من الممدوح ولكن علوها عليه؛ يقول: إن هذه الخيمة، مع كونها جماداً، قد حل بها من هيبتك ما حل، فلو اتفق أن يُبلّغ ذلك أحد من الناس لكان أبلغ في ذلك من الخيمة، ولسقط كما سقطت، ولخانتهم أرجلهم حولك في قصدهم العلو عليك كما خان الخيمة ما هو لها بمنزلة الأرجل، وهي أطنابها وعمودها.
(5/204)

وقوله: المتقارب
وعَرَّفَ أنَّكَ من هَمِّهِ ... وأنَّكَ في نَصْرِهِ تُرْقِلُ
قال: من همه: أي: من إرادته؛ يقول: عرّف الله الناس بتقويض الخيمة إنه لم يخذلك، ولم يُسلمك، بل يُعنى بك ويريد إرشادك، وإنك تمشي في نصر دينه، فجعل قلع الخيمة سببا لمسيرك، وعلامة على إنه خار لك الارتحال.
وأقول: استعمال هم الله بمعنى إرادته لا يجوز، كما لا يجوز عشق الله بمعنى محبة الله، ولا فهم الله بمعنى علم الله، بل يراعى في ذلك استعمال ما جاء ولا يقاس عليه. ولم أسمع هم الله بمعنى إرادته ولعله قد جاء على أن له محملا غير ذلك، وهوان يكون: من همه مضافا إلى المفعول لا الفاعل؛ أي: عرف الله إنك من همه؛ أي ممن يهتم بطاعته، ويناسبه ما بعده من قوله:
. . . . . . ... وأنَّكَ في نَصْرِهِ تُرْقِلُ
لأن ذلك أيضاً من جملة طاعة الله ومضاف إلى المفعول.
وقوله: الوافر
وَوَجْهُ البَحْرِ يُعْرَفُ من بَعيدٍ ... إذا يَسْجُو فكيفَ إذا يَموجُ
(5/205)

قال: يقول: البحر يعرف وان كان ساكنا، فكيف إذا تحرك واضطرب! ضرب هذا مثلا له حيث عرفه، وهو يدير الرمح فجعله كالبحر الهائج.
وأقول: الصحيح؛ إن البحر هاهنا جيشه، ويموج: يسير، ووجه البحر: سيف الدولة، فجعل جيشه بحرا وهو وجهه؛ يقول: البحر إذا سجا عُرف وجهه من بعيد فكيف إذا تحرك! وكذلك سيف الدولة يُعرف إنه وجه عسكره وملكه، وهو واقف بما يتبين فيه من الجلالة والشهامة والصرامة. فكيف إذا سار الجيش فإنه يكون اشد تبيينا، وأوفى ظهورا، بحُكمه فيه من أمره ونهيه، وتقديمه وتأخيره، وجمعه وتفريقه وما أشبه ذلك. فالذي رُوي عن ابن جني من إدارة الرمح ليس بشيء! وكذلك روايته: الوافر
. . . . . . ... وأنت بغير سَيْفِكَ. . . . . .
والصحيح:
. . . . . . ... وأنت بغير سَيْرِكَ. . . . . .
لقوله بعد:
تحاول نَفْسَ مَلْكِ الروم. . . . . . ... . . . . . .
ولو إنه كما ذكر كان يُقلّب رمحا لقال:
وأنتَ بغَيْرِ رُمْحِكَ. . . . . . ... . . . . . .
(5/206)

ولم يقل:
. . . . . . بغير سَيْفِكَ. . . . . . ... . . . . . .
فلا حقيقة للرمح ولا للسيف في الرواية، وإنما جاء بهما شيئا فريّا! وإنما أوقعه في ذلك جعله البحر سيف الدولة، ولم يدر أن البحر هو جيشه، وإنه هو وجهه،
وكثيرا ما يقع في مثل هذه المواضع فيحكي عنه حكاية قد أخذها من شعره، وفسرها على غير الوجه بسوء فهمه، كما وقع له وحسن مع قبحه في رأيه! وليس لها حقيقة معلومة ولا قصة مشهورة!
وقوله: البسيط
وما نَجَا من شِفَار البِيضِ مُنْفَلِتٌ ... نَجَا ومِنْهُنَّ في أحْشَائِهِ فَزَعُ
قال: لم ينج من السيوف من نجا وفي قلبه منها فزع؛ لان ذلك الفزع يقتله ولو بعد حين.
وأقول: إنه توهم ما حرف نفي والحق أن تكون ما هاهنا بمعنى الذي وجعلها صفة؛ يقول: والرجل الذي نجا من شفار البيض منفلت، أي: منهزم، نجا وفي أحشائه من السيوف فزع، فما وصلتها في موضع رفع بالابتداء، ومنفلت خبره، ونجا الثانية وما بعدها، إلى آخر البيت، صفة لمنفلت، والبيت الثاني بدل من الصفة؛ أي: الذي نجا منفلت من السيوف بهذه الصفة، في قلبه منهن فزع يباشر الأمن
(5/207)

في أرضه وفي قومه دهراً، وهو مختبل أي: ذاهب العقل ويشرب الخمر التي من شأنها أن تُظهر دم الوجه وتحمره حولا وهو ممتقع؛ أي متغير الوجه من الفزع. فهذا التفسير اقرب إلى المعنى وأشبه باللفظ من تفسيره، وهو مع ذلك جائز مأخوذ من قوله: الطويل
صَدَدْتُ كما صَدَّ الرَّمِيُّ تطاوَلَتْ ... به مُدَّةُ الأيَّامِ وهو قَتِيلُ
وقوله: البسيط
وَجَدْتُموهُمْ نِياماً في دِمائِكُمْ ... كأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
قال: أي: في دماء قتلاكم، وذلك أنهم تخللوا القتلى وتلطخوا بدمائهم وألقوا أنفسهم بينهم تشبها بهم خوفا من الروم.
يقول: كأنهم كانوا مفجوعين بقتلاكم فهم فيما بينهم يتوجعون لهم.
وأقول: هذا من جملة التفاسير التي استنبطها ابن جني، واستخرجها من شعره بسوء فهمه وضعف رأيه! وجعلها حكاية عن المتنبي، وتلقّاها من بعده بالنص والقبول، وقد ذكرتها في مواضع من الشروح، وبينت ما فيها من الغلط، واستخرجته بما قبل البيت وما بعده، ومن وقف عليه تبين منه نور الصواب، ولم يغتر بلمع السراب!
(5/208)

وقوله: الطويل
ضُرِبْنَ إلينا بالسِّيَاطِ جَهَالةً ... فلمَّا تَعَارَفْنَا ضُرِبْنَ بها عَنَّا
قال: إنما قال: جهالة لأن خيل الروم رأت عسكر سيف الدولة، فظنتهم روما، فأسرعت إليهم، فلما عرفوا الحال أسرعوا هاربين.
وأقول: إن هذه الحكاية أيضاً من خرافات ابن جني! ذلك أن قوله قبل: الطويل
وخَيْلٍ حَشَوْناها الأسِنَّةَ بعدما ... تكَدَّسْنَ مِنْ هَنَّا علَيْنَا ومِنْ هَنَّا
يُفسد هذه الحكاية لأنه وصف خيل الروم بالتكدس من جوانب، وذكر أنهم حشوها الأسنة؛ يعني فرسانها، وذلك كله لا يكون عن جهل بالردية لان الجهل بها إنما يكون مع البعد، فأما إذا قاربوهم عرفوهم لا محالة؛ لان زي المسلمين وشعارهم لا يكاد يُلبس بزي الروم وشعارهم، فرجعوا عنهم ولم يحشوهم الأسنة. وإنما قوله:
ضُرِبْنَ إلينا بالسِّيَاطِ جَهَالَةً ... . . . . . .
أي: جهالة بقتالنا وطعاننا، فلما تعارفنا بالطعان وصدق القتال ضُربن بها عنا، لأنهم إنما دعاهم إلى ذلك الطمع بنا والجهل بأمرنا.
(5/209)

وقوله: الطويل
ولا فَضْلَ فيها للشَّجَاعة والنَّدَى ... وصَبْرِ الفَتَى لولا لقاءُ شَعُوبِ
قال: يقول: لولا الموت لم يكن لهذه المعاني فضل، وذلك ان الناس لو أمنوا
الموت لما كان للشجاع فضل على الجبان؛ لأنه قد أيقن بالخلود فلا خوف عليه، ولا حمد له على شجاعته. وكذلك الصابر على المكروه والسخي لان في الخلود وتنقل الأحوال من عسر إلى يسر، ومن شدة إلى رخاء ما يُسكن النفوس ويُسهل البؤس.
وهذا قول ابن جني، نقله!
قال: ويجوز أن يكون المعنى: إنما يشجع ليدفع الموت عن نفسه، ويجود أيضاً لذلك، ويصبر في الحرب ليدفع الموت أيضاً. فلو لم يكن في الدنيا موت لم يكن لهذه الأشياء فضل.
وأقول: إن تعليل ابن جني للشجاع بما ذكره صواب، وتعليله الصبر والندى بما ذكره تزويق في اللفظ وتلفيق، ليس تحته لمعنى تحقيق! واتباع الواحدي له في نقل ألفاظه، كأنه إعجاب بكلامه، وجهل بمراد الشاعر ومرامه! وكذلك تفسيره هو أيضاً الندى بما فسره به، لم يتنبه له ولا أبان عنه! وقد ابنته في شرح ابن جني.
(5/210)

وقوله: الطويل
وأوْفَى حياةِ الغابرين لصَاحِبٍ ... حياةُ امرئٍ خانَتْهُ بعد مَشِيبِ
قال: يقول: أوفى عمر أن يبقى المرء حتى يشيب ثم يخونه عمره بعد المشيب. يعني أن الحياة وإن طالت فهي إلى انقضاء.
وأقول: إنه توهم أن أوفى بمعنى أزيد، ففسره على ما ذكر، وليس كذلك. وإنما أوفى من الوفاء؛ ضد الخيانة والغدر. يقول: أوفى حياة؛ أي أشد وفاء لغابر حياة خانته بعد مشيبه، فجعلها كأنها إذا خانته بعد مشيبه فقد وفت له، إذ لم تعاجله قبل المشيب بالموت. فعلى هذا التفسير يكون معنى البيت غريبا؛ وهو أن جعل الخائن وافيا على الوجه الذي ذكره. وعلى التفسير الأول ليس فيه كبير فائدة؛ بل لا فائدة فيه أصلا لأن معناه أن حياة المرء التي تخونه بعد المشيب أزيد من التي تخونه
قبله، كأنه يقول: حياة الشائب أزيد من حياة الشاب، وهذا معلوم ضرورة كما يقال: الباع أطول من الذراع، والجمل أكبر من الحمل، والعشرة أكثر من الخمسة!
وقوله: الطويل
ولولا أيَادي الدَّهْرِ في الجَمْعِ بينَنَا ... غَفَلْنَا فلَمْ نَشْعُرْ له بذُنوبِ
(5/211)

قال: يقول: لولا إن الدهر أحسن إلينا في الجمع بيننا ما كنا نعلم بذنوبه في التفريق، أي: بإحسانه عرفنا إساءته! وهذا كالاعتذار للدهر في التفريق، ثم عاد إلى ذمه.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى قد بينته في شرح التبريزي.
وقوله: الطويل
وكم لكَ جَدّاً لم تَرَ العينُ وَجْهَهُ ... فَلَمْ تَجْرِ في آثارِه بغُروبِ
قال: يقول: كم لك من أب وجد لم تره عينك فلم تبك عليه فهب هذا مثلهم لأنه غاب عنك، والغائب عن قرب كالغائب عن بعد.
وأقول: هذا قول ضعيف، والقول ما ذكرته قبل.
وقوله: الطويل
فَدَتْكَ نُفُوسُ الحَاسِدين فإنَّها ... مُعَذَّبَةٌ في حَضْرةٍ وَمَغِيبِ
لم يُفسر هذا البيت!
(5/212)

وأقول: أن فيه دعاء لحساده بالراحة إذا فدوه، لان نفوسهم في الحياة معذبة بحالي حضوره ومغيبه وهو بضد قوله: الطويل
بَلاَ اللَّهُ حُسَّادَ الأميرِ بحِلْمَهَ ... وأجْلَسَهُ منهم مكانَ العَمائمِ
فإنَّ لهم في سُرْعَةِ الموتِ راحةً ... وإنَّ لهم في العَيْشِ حَرَّ الغَلاصِمِ
وقوله: الطويل
ويَخْتَلِفُ الرِّزقانِ والفِعْلُ واحِدٌ ... إلى أنْ تَرَى إحْسَانَ هذا لِذا ذَنْبا
أقول: إنه فسر هذا البيت، كما فسره غيره، ولم يصيبوا! وهذا البيت كالمفسر للبيت الذي قبله، وقد ذكرته قبل وبعد، فقف عليه تهتد الطريق، وتتبين التحقيق!
وقوله: الطويل
وأضحتْ كأنَّ السُّورَ من فَوْقِ بَدْئِهِ ... إلى الأرض قد شَقَّ الكَواكبَ والتُّرْبا
(5/213)

قال: كان سورها، يعني: جدارها، من فوق بدئه، أي: من أعلى ابتدائه، قد شق الكواكب والتراب برسوخه في الأرض، وروى ابن جني:
فأضْحَتْ كأنَّ السُّورَ من فَوْقُ بَدْؤُهُ ... . . . . . .
بالرفع فيهما.
قال: أراد: من فوقه، فلما حذف الهاء بناه
قال: وعلى هذه الرواية لا يستقيم لفظ البيت ولا معناه.
وأقول: إن هذه الرواية الكثيرة الظاهرة! ولفظ البيت معها مستقيم ومعناه، والتقدير: فأضحت القلعة كأن السور بدؤه من فوقه؛ أي: من أعلاه، آخذ إلى الأرض؛ أي: بدئت عمارتها كذلك فشق الكواكب أولا ونزل إلى الترب، وهذا بناء بخلاف الأبنية المعتادة فإنها تبدأ من أسفل إلى فوق، وهذا من فوق إلى أسفل! وإنما أراد بذلك المبالغة فتناهى فيها، وتجاوز الغاية بها، وهو من قول السموأل إلا إنه قلبه: الطويل
رَسَا أصْلُهُ تحتَ الثَّرَى وسَمَا بهِ ... إلى النَّجْمِ فَرْعٌ لا يُرَامُ طويلُ
وهو مثل قوله: الوافر
وقالوا هل يُبَلِّغُكَ الثُّرَيَّا ... فَقُلْتُ نَعَمْ إذا شئتُ اسْتِفَالا
(5/214)

وقوله: الكامل
. . . . . . ... فإذا أرادوا حاجةً نَزَلُوا
فعلى هذا بدؤها مبتدأ من فوق خبره مقدم عليه، والجملة في موضع رفع خبرا
لكأن، وقد شق الكواكب والتربا في موضع الحال.
وعلى قول الواحدي يكون قوله: قد شق الكواكب والتربا خبرا لكأن ومن فوق بدئه في موضع الحال. يقول: كأن السور قد شق الكواكب والترب كائنا من أعلى ابتدائه؛ أي: في تلك الحال، وهذا تقدير القولين، ورواية ابن جني أكثر، والمعنى معها أظهر!
وقوله: الطويل
وجَيْشٍ يُثَنِّي كُلَّ طَوْدٍ كأَنَّهُ ... خَرِيقُ رياحٍ واجَهَتْ غُصُناً رَطْبا
قال: وجيش إذا مروا بجبل شقوه، لكثرتهم، نصفين فيجعلونه اثنين كالريح إذا مرت بأغصان رطبة. والخريق: الريح الشديدة.
وأقول: لم يرد هاهنا بيُثني إلا يُعطف؛ شدد للتكثير والمبالغة، فجعل الجبل كالغصن إذا واجهته الريح الشديدة فإنها تزيد في عطفه وانثنائه. وهذا المعنى الذي أراد أبو الطيب لأنه أمكن في الصناعة، وأكمل في الاستعارة، وإن كان الأول جائزا وقد ذكرته.
(5/215)

وقوله: الطويل
وسَمْراءُ يَسْتَغْوي الفوارس قَدُّهَا ... ويُذْكِرْهُمُ كَرَّاتِهَا وطِعَانَهَا
قال: استغواء قد هذه القناة للفوارس أطماعه إياهم بطوله، وملاسته، وشرائط كماله، وتصريفه واستعماله، وإظهار عجزهم عنه إذا باشروا ذلك.
وأقول: إن معنى: يستغوي الفوارس أي: تدعو الفوارس إلى الغي بحسن قدها؛ أي: تزيد في إقدامهم وشجاعتهم فتفرط إلى أن تصير غيا، وتشوقهم وتعجبهم فيذكرون بها كراتها في الحرب وطعانها. ولم يُرد ما ذكره من أطماعهم بتصريفه واستعماله وإظهار عجزهم عنه إذا باشروا ذلك، لأنه لا دليل في اللفظ عليه.
وقوله: البسيط
أنَا الذي نَظَر الأعْمَى إلى أدَبي ... وأسْمَعَتْ كلماتي من به صَمَمُ
قال: يقول: الأعمى على فساد حاسة بصره، أبصر أدبي، وكذلك الأصم يسمع
(5/216)

شعري؛ يعني إنه شعر اشتهر وسار في البلاد حتى تحقق عند الأصمعي والأصم أدبه فكأن الأعمى رآه، لتحققه عنده، وكأن الأصم سمعه.
وأقول: تعليله، من قوله: يعني. . . . . . إلى آخره. . . . . . ليس بشيء! والمعنى على تعريضه بسيف الدولة، وهو مرتب على البيت قبله وهو قوله: البسيط
وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بناظِرِهِ ... إذا استَوَتْ عنده الأنوارُ والظُّلَمُ!
كأنه يقول له: أنت مع كونك صحيح حاسة البصر والسمع أسوأ حالا من الأعمى والأصم لأنهما قد جعلهما أدبي وشعري وكلامي مدركين له رؤية وسمعا وأنت لا تراه ولا تسمعه!
وقوله: البسيط
أنامُ مِلَْء عن شواردها ... ويَسْهَرُ الخَلْقُ جَرَّاهَا ويَخْتصِمُ
قال: يقول: أنا أنام عنها وجفوني ممتلئة بها، كأني انظر اليها، والناس يسهرون ويتعبون ويختصمون.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! لأنه لم يذكر ما معنى نومه عن شواردها، ولا لأي سبب يسهرون الناس ويختصمون لأجلها؟ وذلك أن هذه شوارد ليست كالإبل الشوارد التي يسهر الإنسان في طلبها، وإنما هي قواف فلا أخشى عليها إذا شردت، ولا أسهر في طلبها إذا ندّت، بل أنام ملء جفوني لأنها حينئذ تكون محفوظة لا ضائعة، وقوله:
(5/217)

... ويَسْهَرُ الخلق جَرَّاهَا. . . . . .
أي: محبة لها واهتماما بها، ويختصم: لا نكل أحد يريد أن يحويها ويستبد بها،
لجلالتها وجلالة من يُمتدح بها. ويحتمل أن يكون ذلك في استنباط معانيها بغموضها والخلاف الذي يقع بينهم فيها.
وقوله: البسيط
صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحْشَ مُنْفَرِداً ... حتى تَعَجَّبَ مني القُورُ والأكَمُ
قال: يقول: سافرت وحدي حتى لو كانت الجبال تتعجب من أحد لتعجبت مني، لكثرة ما تلقاني وحدي.
وأقول: هذا ليس بشيء! لان ما انخفض من الأرض، مثل الأودية والوهاد والتلاع تلقاه أيضا وحده، وإنما خص القور والاكم، وهي ما ارتفع من الأرض، بالذكر لمشابهتها له في الرفعة، ومناسبتها له في العلو، وهذا كقوله: الوافر
عَدُوِّيْ كُلُّ شيءٍ فيك حَتَّى ... لخِلْتُ الأكْمَ مُوغَرَةَ الصُّدورِ
أي: لكوني أعلى منها، واثبت وأقوى، تحسدني، فصدورها موغرة علي لذلك.
وقوله: الطويل
ألا ما لسَيْفِ الدَّولةِ اليومَ عاتِبَا ... فَداهُ الوَرَى أمضى السُّيوفِ مَضَارِبَا
(5/218)

قال: أمضى خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أمضى مضارب؛ أي: لا سيف أمضى مضربا منه.
فيقال له: لا يحتاج البيت إلى تقدير محذوف، وأمضى ليس بمرفوع بل هو منصوب حالا أو تمييزا! وإضافة أفعل إضافة ليست بمحضة لأنها في تقدير الانفصال، فهي نكرة وإن أضيفت إلى المعرفة.
وقوله: الطويل
وما لي إذا ما اشْتَقْتُ أبْصَرْتُ دونَهُ ... تنائِفَ لا أشْتَاقُهَا وسَبَاسِبَا
قال: وما لي بعيدا عنه إذا اشتقت إليه رأيت بيني وبينه مفاوز وأمكنة خالية؟!
وأقول: لم يتبين ما أراد بقوله:
. . . . ... تنائفَ لا أشتاقُهَا وسَبَاسِبَا
وذلك إنه لما انشد القصيدة الميمية، التي قبل هذه الأبيات، أغضبت سيف الدولة بما ذكره فيها من ممض العتاب، ومؤلم التقريع، تلويحا وتصريحا، أمر أبا العشائر بقتله، فكمن له جماعة من غلمانه، والقضية مشهورة مذكورة، فلهذا جعلها مع القُرب تنائف وسباسب للخوف والوحشة الذي أدركه منها، والهلاك الذي كاد يلحقه فيها.
(5/219)

وقوله: الطويل
وقَدْ كانَ يُدْني مَجْلسِي من سَمَائِه ... أُحَادِثُ فيها بَدْرَها والكواكِبَا
قال: أراد بالسماء مجلسه، جعله كالسماء رفعا له، وجعله كالبدر، وندماءه وأهل مجلسه كالكواكب حوله.
وأقول: لو قال هذا القول أولا في ندمائه وجلسائه - ولعل أكثرهم الذين عرّض بهم، والذين لا تكاد تخلو قصيدة يمدح بها سيف الدولة من ذمهم - لم يُحوج سيف الدولة إلى ما أحوجه ولم يحملهم على ما حملهم من التعصب عليه ولم يحتج إلى هذا التضرع والتذلل فيما بعد ذلك من قوله: الطويل
حَنَانيْكَ. . . . . . ... . . . . . .
وما بعده، إلى آخر الأبيات، ولكنه للؤم النجر لا يعطي إلا على القسر!
وقوله: البسيط
مُطَاعَةُ اللَّحْظِ في الألحاظِ مالِكَةٌ ... لُمْلَتَيْهَا عَظِيمُ المُلْكِ في المُقَلِ
(5/220)

قال: يقول: هي مطاعة اللحظ في جملة ألحاظ النسوان، أي إنها إذا لحظت إلى إنسان فتنته حتى يصير الملحوظ إليه مطيعا لها، وهي مالكة للقلوب، ولمقلتيها ملك عظيم في جملة المقل.
وقال ابن فورجة: أي إن العيون إذا نظرت إلى عينيها لم تملك صرف ألحاظها
عنها، لأنها تصير عُقلة لها، فكأنما عينها مالكة للعيون.
وأقول: لم يرد ما ذكرا، وإنما قوله:
مُطَاعةُ اللَّحظ في الألحاظِ. . . . . . ... . . . . . .
كقولهم: فلان مطاع الأمر في الامراء، أي انهم تبع له وهو مقدم عليهم لامتثالهم أمره، وانقيادهم اليه، فكذلك لحظ هذه المحبوبة، والنصف الثاني مفسر للأول ومؤكد له.
وقوله: البسيط
تُمسِي الأمَانيُّ صَرْعَى دونَ مَبْلَغِهِ ... فما يقولُ لشيءٍ ليْتَ ذلك لي
قال: يريد إنه مسلط على الأنام، مالك للرقاب والأموال فما يتمنى شيئا، والأماني لا ترتقي إليه.
(5/221)

وأقول: إن تفسيره وصرعى دون مبلغه بقوله: لا ترتقي إليه ليس بشيء! وإنما معناه: قاصرة دون بلوغه الأشياء لأنه قد أدرك منها ما تعجز الأماني من الوصول اليه، فلا يتمنى، لأن التمني إنما يكون للشيء الذي لم يحصل، وأما الممدوح فقد حصلت له الأشياء جميعها.
وقوله: البسيط
وما الفِرَارُ إلى الأجبْالِ من أسَدٍ ... تَمْشي النَّعامُ به في مَعْقِلِ الوَعِلِ
قال: يريد بالنعام خيله، شبهها بها في سرعة العدو وطول الساق.
فيقال له: النعامة لا توصف بطول الساق ولكن بقصرها، وقد ذكرت هذا قبل في تفسيره الرجز
وزاد بالسَّاق على النَّقَانِقِ
وأما تفسيره قوله:
. . . . . . ... تَمْشي النَّعامُ به في مَعْقِلِ الوَعِلِ
بمعنى إن خيله لا تعجز عن قطع الجبال في آثار الروم فحسن.
وأما رواية ابن جني: تمسي وتفسيره بأنه قد اخرج النعام من البر إلى الاعتصام بالجبال فهوس، كما ذكر الواحدي! ولكن له تفسير غير ذلك، إن لم يزد على تفسير
(5/222)

الواحدي في الجودة فلا ينقص عنه؛ يقول: تمسي النعام، أي: من حلّ في السهل فهو بأمنه ومسالمته في معقل الوعل حماية وتمنعا؛ كأنه يقول: ما الحاجة إلى الاحتماء بالجبال، وهذا الممدوح إذا أطيع وأمن صار الذي في السهل من أعدائه كأنه به في جبل
وقوله: البسيط
ما كانَ نَوْمِيَ إلاَّ فَوْقَ مَعْرفتي ... بأنَّ رأيَكَ لا يُؤْتَى من الزَّلَلِ
قال: روى ابن جني:
. . . . . . إلاَّ بعد مَعْفتي ... . . . . . .
وقال: ما لحقني من السهو والتفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك وحلمك.
وقال ابن فورجة: أقام النوم مقام السهو والغفلة؛ يقول: ما نمت عمّا وجب علي من صيانة مدحك عن خلطه بالعتاب إلا لثقتي باحتمالك، وسكوني إلى جزالة رأيك.
قال: وكلاهما قد بعُد عن الصواب!
والمعنى إنه يقول: إنما أخذني النوم مع عتبك لثقتي بحلمك، ولزوم التوفيق لرأيك، وعلمي أنك لا تعجل علي، ولا ترهقني عقوبة، وأراد النوم الحقيقي لا السهو والتفريط؛ إلا ترى إنه قال: فوق معرفتي فجعل المعرفة بمنزلة الحشية ينام فوقها! ومعنى قوله:
(5/223)

... بأنَّ رأيَكَ لا يُؤْتَى من الزَّلَلِ
أي إنه موفق فيما يفعله، لا يأتي الزلل رأيك.
وأقول: إن قول ابن جني وقول ابن فورجة متقاربان في إنه كنى بالنوم عن السهو والتفريط، فيما قال من العتاب، وذلك ليس ببعيد من الصواب.
وأما تفسيره نومي بالنوم الحقيقي، ومنعه أن يكون ذلك استعارة ومجازا لقوله: فوق معرفتي وجعل المعرفة كالحشية، فلا يجب مع ذلك أن يكون النوم الحقيقي، بل جائز أن يكون نومي كناية عن اطمئناني، وامني، وسكون نفسي، وذلك اكمل في الصناعة، وأحسن في الاستعارة؛ يقول: ما كان أمني وسكون نفسي فيما قلته من العتب في شعري حال الإنشاد إلا فوق معرفتي بأن رأيك مصيب فيّ لما تعلمه من صدق محبتي، وصفاء سريرتي لا يؤتى من زلل، وتكون المعرفة حشية، ولا بُعد في ذلك عن الصواب.
وإن جعل نومي بعد إنشاده الشعر، ومفارقته سيف الدولة، ونومه في منزله أمنا له وسكونا إليه فجائز والأول الأجود.
وقوله: الوافر
شَدِيدُ البُعْدِ من شُرْبِ الشَّمُولِ ... تُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخِيلِ
(5/224)

قال: قال ابن جني: أنت شديد البعد من شرب الشمول، وأراد: بين يديك تُرنج الهند، أو في مجلسك، فحذف لأنه مُشاهد فدلّت الحال على ما أراد.
وقال ابن فورجة: أراد: شديد البعد من شرب الشمول تُرنج الهند لديك، فحذف لديك وأتى به في البيت دالاً على المحذوف، والظروف كثير ما تُضمر. وأراد من شرب الناس الشمول عليه أو على رؤيته، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول كما تقول: أعجبني دق هذا الثوب، كذلك تقول: تُرنج الهند بعيد من شرب الشمول؛ أي: شُرب الناس الشمول عليه. والمعنى: إن هذا الاترج الذي حضرك لم يحضرك للشرب عليه، ولكن كل شيء فيه طيب بحضرتك، ويكون عندك.
وأقول: أما التقدير الذي قدّره ابن جني فبعيد عن الصواب.
وأما تقدير ابن فورجة فهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول المعدّى إليه بحرف الجر مع عدم اللبس كما ذُكر، ومنه قول الشاعر: الوافر
ولستُ مُسَلٍّماً ما دمتُ حَيّاً ... على زَيْدٍ بتَسْليمِ الأميرِ
إلا أن إضافة الشرب إلى الناس غير جيد، والجيد إضافة الشرب إلى سيف الدولة من غير إضمار لديك لأنه لا حاجة اليه؛ تقول: تُرنج الهند أو طلع النخيل بعيد شُربك الشمول عليه، فحذف الفاعل الذي هو ضمير سيف الدولة، وحرف الجر، وأضاف المصدر إلى المفعول. فهذا وجه صالح على هذا التقدير الذي ذكرته. وقول
(5/225)

المعترض من الحاضرين على المتنبي يدل على هذا الوجه والتقدير الذي ذكرته وهو قوله: بعيد أنت من شُرب الشمول على النارنج أو طلع النخيل. وفيه وجه آخر قد ذكرته قبل.
وقوله: الوافر
وهذا الدُّرُّ مأمونُ التَّشَظِّي ... وأنتَ السَّيفُ مأمونُ الفُلولِ
قال: يقول: هذا الكلام كالدر لا تُثقب أجزاؤه، ولا تصير قطعا لاكتنازه وصلابته، وأنت السيف لا ينفل بالضرب.
وأقول: لو قال: هذا الكلام در لا كالدر، لأن الدر يتشظى، وهذا إنما هو نظم فقد أمن فيه التشظي، وهذا سيف الدولة لا كالسيوف لان السيوف تفل، وهذا إنما هو شجاع ماض فقد أمن فيه الفلول، لكان احسن في العبارة، واكمل في الاستعارة.
وقوله: المتقارب
لقيتَ العُفَاةَ بآمَالِهَا ... وزُرْتَ العُداةَ بآجَالِهَا
(5/226)

قال: أي أعطيت سائليك ما أملوا، وأحضرت آجال أعدائك بقتلهم.
وأقول: تفسيره النصف الأول صواب، والثاني خطأ! ومعنى:
. . . . . . ... وزُرْتَ العُدَاة بآجَالهِا
أي زرتهم زيارة مهلك، لا زيارة محب مشفق كما تكون الزيارة؛ يعني: بغزوك إياهم في بلادهم. وهو مثل قوله: الطويل
نَزُورُ دِيَاراً ما نُحِبُّ لها مَغْنَى ... . . . . . .
وقوله: الطويل
ولم أرَ كالألْحَاظِ يومَ رحيلِهمْ ... بَعَثْنَ بكُلِّ القَتْلِ من كُلِّ مُشْفِقِ
قال: قال ابن جني: أي نظرت إليهن ونظرن إلي، فقتلتهن وقتلنني، وما منا إلا مشفق على صاحبه. هذا كلامه! ولم يعرف معنى البيت ولا تفسيره.
وقال ابن فورجة: بعثن: يعني النساء، ومفعول بعثن ضمير الألحاظ، وإن لم يذكره كقولك: لم أر كزيد أقام الأمير عريفا، ويريد: أقامه. ولا يجوز أن
(5/227)

يكون ضمير بعثن للألحاظ على إسناد الفعل إليها، لأن الألحاظ تُبعث عند خوف الرقيب. وقوله: بكل القتل أي بقتل فظيع.
ثم قال: وإن بعثن ألحاظهن رسل القتل، فهن مشفقات علينا، غير قاصدات لقتلنا.
وأقول: الصواب ما ذكره ابن جني! وهذا الذي ذكره عن ابن فورجة وارتضاه لنفسه لا يرتضيه محصّل! لأن ابن جني جعل اللحظ منه ومن أحبته، وكلاهما محب مشفق، ويدل عليه قوله فيما بعد: الطويل
أدَرْنَ عيوناً. . . . . . ... . . . . . .
فجعل ضمير في بعثن للنساء، ولم يجر لهن ذكر، فاعلا، وتقدير مفعول راجع إلى الألحاظ لما ذكره من إن الألحاظ تُبعث عند خوف الرقيب ليس بشيء لأنها بئست الرسالة بكل القتل! وإنما البعث هاهنا للألحاظ لبعدها عن الحقيقة فهي في ذلك اسهل من النساء، لأنهن مشفقات فلا يبعثن القتل، وإنما الألحاظ بعثته بغير قصدهن.
وقوله: المنسرح
أحْسَنُ ما يُخْضَبُ الحديدُ به ... وخَاضِبَيْهِ النَّجيعُ والغَضَبُ
(5/228)

قال: قال ابن جني: أحسن ما يخضب الحديد النجيع، وأحسن خاضبيه الغضب. وخاضبيه عطف على ما، وجمع الخاضبين جمع التصحيح لأنه أراد من يعقل وما لا يعقل كقوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّنِ مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) لأنه لما خلط الجميع كنى عنهم يكنى عمن يعقل، وذكر الغضب مجازا وأراد صاحب الغضب.
وقال ابن فورجة: وخاضبيه: قسم؛ أراد: وحق خاضبيه وجعل الغضب خضابا للحديد لأنه يخضبه بالدم كما يقال: احسن ما يخضب الخدود الحمرة والخجل.
وأقول: الوجه ما قاله ابن جني لأنه أعرب وأغرب وأصنع؛ كأنه قال: أحسن خضاب الحديد وأحسن خاضبيه النجيع والغضب، فالنجيع أحسن ما خُضب به والغضب أحسن من خضبه، على الوجه الذي ذكره. وهذا مما أشرت إليه من أقوال ابن فورجة التي تُترك سدى لميله فيها عن طريق الهدى!
وقوله: الكامل
وَهَبِ الملامَةَ في اللذاذة كالكَرَى ... مَطْرودةً بِسُهَادِهِ وبُكَائِهِ
قال: قال ابن جني: اجعل ملامتك إياه في التذاذك كالنوم في لذته فاطردها عنه
(5/229)

بما عنده من السهاد والبكاء؛ أي: لا تجمع عليه اللوم والسهاد والبكاء؛ أي: فكما أن السهاد والبكاء قد أزالا كراه، فلتترك ملامتك إياه! وهذا كلام من لم يفهم المعنى وظن زوال الكرى عن العاشق. وليس على ما ظن ولكنه يقول للعاذل: هب انك تستلذ الملامة كاستلذاذك النوم، وهو مطرود عنك بسهاد العاشق وبكائه؛ فكذلك دع الملامة فإنها ليست بألذ من النوم؛ أي: فإن جاز أن لا تنام جاز أن لا تعذل.
وأقول: قول ابن جني اقرب إلى الصواب من قوله، والموضع الذي خطاه منه،
منه أخطأ! ولا شك أن فهمه انقلب هاهنا فتأوله اقبح تأول، وقال ما لم يقله من له أدنى تأمل! والمعنى قد بينته في شرح ابن جني أولا، واستقصيته في شرح الكندي آخرا.
وقوله: الكامل
لَوْ قلتَ للدَّنِفِ الحَزِيِن فَدَيْتُهُ ... مِمَّا به لأغَرْتَهُ بفِدائِهِ
قال: أراد: بفدائك إياه بأن تفديه فتقول: ليت ما بك من حزن الصبابة وبرح الأسى بي.
وأقول: هذا الذي ذكره إنما هو تمن له، وليس بفداء منه، والفداء أن يقول للمخاطب: فديتك مما بك، أو للغائب: فديته مما به، كما ذكر الشاعر.
(5/230)

وقوله: الطويل
وما عِشْتُ من بعد الأحِبَّة سَلْوَةً ... ولكنَّني للنائباتِ حَمُولُ
قال: يقول: ليس بقائي بعدهم لسلوي عنهم، ولكن لاحتمالي النوائب والشدائد كما قال أبو خراش: الطويل
ولا تَحْسَبي أنَّي نَسِيتُ عهودَكُمْ ... ولكنَّ صَبْري يا أمَيْمَ جَمِيلُ
فيقال له: هو كما شبّهت، لا كما فسّرت! لأنك جعلت بقاءه إنما كان لاحتمال النوائب والشدائد، وإنه علّة لذلك، ولا فائدة في ذلك، وهو يقول: ليس بقائي بعد فرق أحبتي سلوة عنهم، لكن فراقهم نائبة، وأنا حمول للنوائب أي صبور عليها وكذلك يقول أبو خراش: لا تحسبي أني نسيت عهودكم لبعد عهدي بكم، وطول تركي لزيارتكم، بل أنا ذاكر لعهودكم، قلق لفراقكم، ولكن صبري على ذلك جميل.
(5/231)

وقوله: الطويل
إذا كانَ شمُّ الرَّوْحِ أدْنَى إليكُمُ ... فلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وقَبولُ
قال: ابن جني: إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا، وملاقاة نسيمها، فلا زلت روضة وقبولا اجتذابا إلى هواكم، ومصيرا لما تؤثرونه، ويكون سبب الدنو؛ وأراد: فلا برحت روضة وقبولا. ثم إنه جعل الاسم نكرة والخبر معرفة لأجل القافية.
قال: ومن فسَّر هذا التفسير فقد فضح نفسه وغرّ غيره.
وقال ابن فورجة: روح الهواء يؤثره من يأوي إلى هم، وينطوي على شوق، فأما المحبوب، وان كان إيثار الروح طبعا من الناس كلهم فانهم لا يوصفون بطلب الروح، وشميم النسيم، والتعرض لبرد الريح، والتشفِّي بنسيم الهواء. وأيضا: فما الحاجة إلى أن يجعل فلا برح من أخوات كان فيجعل اسمها نكرة وخبرها معرفة، وإنما هي من: برح فلان من مكانه، أي: فارقه؛ يقول: إذا لم يكن من فراقكم راحة إلا التعلل بالنسيم، وطلب روح الهواء، وتشبيهي لطيب روائحكم، وما كان ينالني أيام اللهو من الفرح بقربكم فلا فارقتني روضة وقبول تشوق إلى روائح تلك الروضة، وهذا من قول البحتري: الطويل
يُذَكِّرُنَا رَيَّا الأحِبَّةِ كُلَّما ... تَنَفَّسّ في جُنْحٍ من اللَّيلِ بَارِدِ
(5/232)

وأقول: انه خطأ ابن جني وأخطأ هو أيضا في المعنى، ولم يلابسه أدنى ملابسة، ولا قاربه أدنى مقاربة! وإنما هذا البيت مرتب على البيت الذي قبله، وهو قوله: الطويل
وإنَّ رحيلاً واحداً حَالَ بَيْنَنَا ... وفي المَوْتِ من بعد الرَّحيلِ رَحِيلُ
يقول: رحيل واحد حال بيننا، وهو الفراق، وثم رحيا ثان وهو الموت، وهو أطول وأبعد من رحيل الفراق. ثم قال فإذا كان شم الروح أدنى إليكم؛ أي: إذا كان للرحيل الذي يشم معه روح الحياة أدنى إليكم، وهو رحيل الفراق، فلا زايلتني روضة وقبول أشمهما لطيبهما لان بهما بقاء روح الحياة عليَّ، أو زيادتهما فيَّ،
فأكون بهذا الرحيل أقرب إليكم من الرحيل الثاني وهو رحيل الموت. فهذا المعنى الذي يقتضيه اللفظ ويدل عليه لا ما ذكره، وما أعلم أحدا ذكره قبلي!
وقوله: الطويل
وما هيَ إلاَّ خَطْرَةٌ عَرَضَتْ له ... بِحَرَّانَ لَبَّتْهَا قناً ونُصُولُ
قال: هي كناية عن الرمية التي دل عليها قوله: الطويل
رَمَى الدَّرْبَ. . . . . . ... . . . . . .
يقول: لم يكن إلا خاطر عرض له فأجاب خاطره الرماح والسيوف.
وأقول: يحتمل أن يكون هي ضمير القصة؛ يقول الشأن والقصة خطرة عرضت
(5/233)

له ثم أثبتها ونفى ماعداها بما وإلا؛ أي: لم تكن حركته هذه وغزوته عن اهتمام وجمع واستعداد، وإنما هي خطرة عرضت له دعت أصحابه إلى الغزو فلبتها منهم القنا والنصول.
وقوله: الطويل
وَرُعْنَ بِنا قَلْبَ الفُراتِ كأنَّما ... تَخِرُّ عليه بالرِّجالِ سُيُولُ
قال: لما جعل الفرات مروعا، استعار له قلبا؛ لان الروع يكون في القلب.
فيقال: هذا تكميل للاستعارة وإتمام للصناعة، وإنما كنى بقلب الفرات عن وسط مائه ومعظمه، وإشارة مع ذلك إلى قطعه، وما بعده دليل عليه.
وقوله: الطويل
يطاردُ فيه مَوْجَهُ كلُّ سابحٍ ... سَوَاءٌ عليه غَمْرَةٌ ومَسِيلُ
قال: الموج كان يتجفل عن قوائم الخيل، وهي تتبعه، فجعل ذلك كالمطاردة. والغمرة: معظم الماء. والمعنى إن الخيل تسبح في الغمرة وتسير في الجبل.
وأقول: المطاردة هي المفاعلة؛ تكون من اثنين فصاعدا، فجعل المطاردة بين الخيل
(5/234)

والموج، وجعل الموج كالخيل لأنها تشبه بها، وبالإبل ايضا، كقوله:
المنسرح
والطيرُ فوقَ الحَبَاب تَحْسبُهَا ... فُرْسَانَ بُلْق تَخُونها اللُّجُمُ
والموجُ مثلُ الفُحولِ مُزْبِدةٌ ... تَهْدِرُ فيها وما بها قَطَمُ
فذكر القوائم هاهنا ضعيف لأن ذلك إنما يكون في الماء الرقيق؛ ألا ترى إلى قوله فيما بعد: الطويل
تراهُ كأنَّ الماَء مَرَّ بِجِسْمهِ ... وأقْبَلَ رأسٌ وَحْدَهُ وتَلِيلُ
وهذا لا يكون معه مطاردة بالقوائم، وإنما المطاردة هنا إن الخيل قُدّامها موج وخلفها موج فكأنها تطرد وتُطرد، وقوله:
. . . . . . ... سَواءٌ عليه غَمْرَةٌ ومَسِيلُ
أي: سواء على هذا السابح، ويعني الفرس، وهو من صفات الخيل، جريه في غمرة من الماء، وهو معظمه، أو مسيل وهو المكان، أي: سواء عليه بحر وبر.
وقوله: الطويل
وأضْحَتْ بِحصْنِ الرَّانِ من الوَجَى ... وكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ
قال: باتت الخيل رزاحة معيبة بذلك المكان بما أصابها في حوافرها، ثم اعتذر لها فقال: لم يلحقها ذلك لضعفها، ولكن الأمير كلفها من همته صعبا، فذلّت له وإن كانت قوية عزيزة.
(5/235)

وأقول: إنه توهم قوله:
. . . . . . ... وكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ
مثلا ضربه للخيل في أنها ذلت بعد عزة؛ أي: كلّت وتعبت فلا ينكر لها ذلك لأن كل عزيز ذليل للأمير وليس الأمر كذلك، وإنما قوله:
. . . . . . ... وكلُّ عَزيزٍ للأميرِ ذَليلُ
في موضع الحال من الخيل؛ يقول: أمست الخيل رازحة في حال ذل كل صعب
من ملوك الروم للأمير. وإنما أخبر برزوح خيله في حال ذل غيرها له.
وقوله: الطويل
فأوْرَدَهُمْ صَدْرَ الحصانِ وسَيْفَهُ ... فَتىً بأسُهُ مثلُ العَطَاءِ جَزِيلُ
قال: يعني انهم قُتلوا بحضرته وهو راكب؛ جعلهم واردين صدر فرسه حين احضروا بين يديه وهو راكب، وواردين سيفه حين قُتلوا.
وأقول: سبحان رب أبلى هذا الشعر، بل قائله، بهؤلاء الشراح يتلاعبون به كيف شاءوا تلعّب الصبيان ولا يدرون بما يجنون عليه! هذا الواحدي أصلحهم في المعاني! وانظر إلى تفسيره هذا وما فيه من الغلط والعمى عن القصد، والذهاب عن الصواب، وكأنه قد التزم أن لا يهتدي إلى إدراك معنى فيه أدنى إشكال! وليس أوردهم بمعنى جعلهم يردون سيفه، بل جعل صدر فرسه، وصدر سيفه، يردهم وهم له كالورد، كما يردُ الظمآن الماء؛ أي: دخل فيهم وخالطهم وحده إقداما ونجدة وجعلهم كالبحر في
(5/236)

الكثرة، ويدل عليه قوله فيما بعد: الطويل
أغَرَّكُمُ طولُ الجيوشِ وعَرْضُهَا ... عَلِيّ شَرُوبٌ للجيوشِ أكُولُ
وليس في البيت ما يدل على انهم احضروا بين يديه، لا راكبا ولا راجلا!
وقوله: الطويل
أُعادَى على ما يُوجِبُ الحبَّ للفَتَى ... وأَهْدَأُ والأفكارُ فيَّ تَجُولُ
قال: أي: أعادي على فضلي وعلمي وتقدمي في الشعر، وذلك مما يوجب الحب لا العداوة، وأسكن أنا وأفكاري تجول فيّ ولا تسكن.
وأقول: يحتمل أن يكون قوله:
. . . . . . ... . . . . . . والأفكارُ فيَّ تَجُولُ
أي: أفكار الحساد تجول في السعاية بي وطلب أذاي لا أفكار نفسي، وهو أشبه باللفظ لأن الأفكار جمع والحساد جمع فيُجعل الجمع للجمع. وأسكن: يريد به ثباته
وحلمه، ولم يُرد السكون الذي هو ضد الحركة.
وقوله: الوافر
يُجَمِّشكَ الزَّمانُ هَوىً وَحُبّاً ... وقد يُؤذَى من المِقَةِ الحَبِيبُ
(5/237)

قال: التجميش شبه المغازلة وهي الملاعبة بين الحبيبين؛ يقول: الذي أصابك تجميش من الزمان حبا لك، لأنك جماله وشرف أهله، فإن تأذيب به، فقد يكون من الأذى ما يكون من مقة.
وأقول: كأنه يقول: هذا الذي بك، ليس هو مرضا على الحقيقة، وإنما هو تجميش، وهو الملاعبة التي تقع بين المحب والمحبوب، على إنه قد يؤذي، بكثرة المقة له والشفقة عليه المحبوب، وكأن هذا المعنى الذي ذكره أبو الطيب لا يليق بمثل سيف الدولة أن يجعله بمنزلة المعشوق الذي ويداعب ويلاعب، ولم يبق بعد ذلك إلا أن يضاجع ويباضع، فهذه الصفات يُجل عنها ولا تحسن بمثله.
وقوله: الوافر
مَلِلْتَ مُقَامَ يومٍ ليس فيه ... طِعَانٌ صَادِقٌ وَدمٌ صَبِيبُ
قال: المقام بمعنى الإقامة.
يقول: أقمت يوما ولم تخرج إلى الغزو، ولم يكن لك فيه طعان ولا دم مصبوب فمللت ذلك؛ أي انك تعوّدت الطعان وسفك دم الأعداء فإذا أقمت يوما واحدا مللته.
وأقول: كأنه قد حظر على نفسه الإصابة في دقيق المعاني وجليلها! ولم يُرد هاهنا يوما واحدا! كيف ولم يكن مرضه ذلك المقدار، وإنما أراد يوما ما من الأيام؛ أي: أيُّ
(5/238)

يوم لا يقع فيه طعان ودم صبيب فقد مللت مقامه. وهذا كما يقال: شنئت رؤية رجل ليس فيه شجاعة وسماحة. فلست تعني بذلك رجلا واحدا، بل أي رجل لم يكن بهذه الصفة فقد شنئته، وذلك يحتمل أن يكون قليلا أو كثيرا، فكذلك قوله: مقام يوم.
وقوله: المتقارب
عَوَاقِبُ هذا تَسُوءُ العدوَّ ... وتَثْبُتُ فيهِ وهَذا يَزولُ
قال: عاقبة العارض الذي أصابك تسوء العدو؛ لأنك تغزوهم وتثبت فيهم، لأنك لا تنفك عن غزوهم.
وأقول: يقول: عواقب هذا المرض غزوك العدو فهي تسوء العدو وتثبت فيه بشدة الأذى له والنكاية به، وهذا المرض يزول، فالضمير في تثبت راجع إلى العواقب عطفا على تسوء وضعيف أن يرجع إلى سيف الدولة، فإن كان أراد ذلك فغير قوي، كأنه يقول: أذى هذا المرض زائل وأذاك للعدو غير زائل.
وقوله: الطويل
عَرَضْتَ له دون الحياةِ وطَرْفِهِ ... وأبْصَرَ سيفَ اللَّه منك مُجَرَّدَا
(5/239)

قال: أي لما رآك لم تسع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحُلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.
فيقال له: هذا قول ابن جني! وقد أجبت عنه وذكرت اتّباعك له في شرحه.
وقوله: الطويل
هو الجَدُّ حتى تَفْضُلَ العينُ أخْتَهَا ... وحتى يكونَ اليومُ لليوم سَيِّدا
قال: جعل العينين واليومين مثلا لكل متساويين يجد أحدهما ويحد الآخر؛ يقول: الجد يؤثر في كل شيء حتى العينين تجمعهما بنية ثم تصح إحداهما وتسقم الآخر، ويسود اليوم وكلاهما ضوء الشمس.
وأقول: إن قوله في العينين تصح إحداهما وتسقم الأخرى، بمعنى تعمى أو ترمد أو تحل بها آفة، غير صحيح، ولم يرد ذلك لأنه لا يصح به التمثيل، وكان يقال ذلك في اليدين أيضا بأن تُشل إحداهما وتسلم الاخرى، وإنما تفضل إحدى العينين أختها بأن تكون يمينا، ولعله امتنع من هذا القول نظرا إلى ديتهما وانهما سواء،
وليس المراد ذلك ولكن الفضل بين العينين بالإضافة إلى الإنسان وما هو معروف في الاستعمال. وكذلك القول في اليدين فمن ذلك قول النابغة: الوافر
ولو كَفِّي اليمينُ بَغَتْكَ خوناً ... لأفْرَدْتُ اليمينَ من الشّمالِ
وقول الآخر: الوافر
ترابُهُمُ وحَقِّ أبي تُرَابٍ ... أعزُّ عليَّ من عَيْني اليَمينِ
وهذا كثير أمثاله، مطرد استعماله.
(5/240)

وقوله: الطويل
رأيتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍ ... ولو شئتَ كانَ الحِلم منكَ المُهنَّداَ
قال: المعنى ان حلمك عن الجهال حلم عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.
وأقول: هذا قول ابن جني وليس بشيء، وقد ذكرته في شرحه.
وقوله: الطويل
أتاك كأن الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... وتَنْقَدُّ تحت الذُّعر منه المَفَاصِلُ
قال: أتاك هذا الرسول وبعضه يتبرأ من بعض، لإقدامه على المصير إليك هيبة لك، وهو قوله:
. . . . . . يكادُ الرأسُ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... . . . . . .
والمعنى: يجحد صحبة عنقه، وتتقطع مفاصله بالارتعاد.
وأقول: إن قوله: يتبرأ بعضه من بعض بضد ما أراد أبو الطيب لما ذكرته آخرا في شرح الكندي.
(5/241)

وقوله: الوافر
فَمَسَّلهُمْ وبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ ... وصَبَّحَهُمْ وبُسْطُهُمُ تُرابُ
قال: أتاهم مساء وهم يفترشون الحرير فبيتهم وقتلهم ليلا حتى جدّلوا على الأرض مقتولين مع الصباح.
وأقول: لم يقاتلوا حتى يُقتلوا، ويدل على ذلك قوله قبل: الوافر
وقاتلَ عن حرِيمهمُ وفَرُّوا ... نَدَى كَفَّيْكَ والنَّسَبُ القُرابُ
ولكن أراد بذلك: فمساهم وهم أغنياء وصبحهم فقراء، فكنى ببسط الحرير عن الغنى، وببسط التراب عن الفقر.
وقوله: إن صبحهم بمعنى بيّتهم وقتلهم ليلا خطأ لأن التصبيح غير التبييت، وإنما صبحهم: أغار عليهم صباحا؛ لأن الغارة تكون في ذلك الوقت، وذلك مشهور في فعلهم وقولهم.
وقوله: الطويل
وما ضَرَّهَا خَلْقٌ بغير مَخَالبٍ ... وقد خُلِقَتْ أسيافُهُ والقوائمُ
قال: يقول ما ضر الأحداث من النسور، يعني الفراخ، والقشاعم؛ وهي المسنة التي ضعفت عن طلب الرزق، وخص هذين النوعين من النسور لعجزهما عن طلب القوت؛ يقول: فليس يضرها أن لا مخالب لها قوية مفترسة، بعد أن خُلقت أسيافه فإنها تقوم بكفاية قوتها
وأقول: لم يرد بالقشاعم المسنة التي
(5/242)

قد ضعفت عن طلب الرزق كما ذكر فيكون ثم قسم ثالث بين الفراخ والقشاعم يطلب الرزق لنفسه بكسره فذلك مستحيل، وإنما قسم النسور قسمين: صغير وكبير، وكلاهما ليس له مخلب يكسر به ويرتزق به كغيره من الجوارح كالعقاب وما أشبهه من الكواسر، فلا يضر النسور ذلك لان سيوفه تقوم مقام مخالبها فتستغني بها عنها بأكلها ما كسرته؛ أي: قتلته.
وقوله: الطويل
هل الحَدَثُ الحمراءُ تعرِفُ لونَهَا ... وتعلَمُ أيُّ السَّاقيينِ الغَمائِمُ
قال: قوله: الحمراء لأنها احمرت بدماء الروم، وذلك انهم غلبوا عليها فأتاهم سيف الدولة فقتلهم فيها حتى احمرت بدمائهم فقال المتنبي: هل تعرف الحدث
لونها؟ يعني إنه غيّر ما كان لونها بالدم، وهل تعلم أي الساقيين سقتها: الغمائم أم
(5/243)

الجماجم؟ وحذف ذكر الجماجم اكتفاء بذكر الغمائم كما قال الهذلي: الطويل
عَصَيْتُ إليها القلبَ إنِّي لأَِمْرِهَا ... مُطِيعٌ فما أدري أرشدٌ طِلابُهَا
أي: أم غيٌّ.
وأقول: يحتمل أن يكون ذكر ساقيين سقياها وهما المطر والدم، وجعلهما غمائم لكثرتهما؛ ولذلك استفهم؛ لأنه أُلبس عليه ذلك منهما. وإنما قصد المبالغة في كثرة إراقة دماء الروم حتى جعلها موازية للمطر وجمعهما ولم يبينهما اعتمادا على تبيينهما وتقسيمهما في البيت الذي يليه وهو قوله: الطويل
سَقَتْهَا الغمامُ الغُرُّ قبل نزوله ... فلما دنا منها سَقَتْهَا الجَماجِمُ
وقوله: الطويل
وكانَ بها مثلُ الجنون فَأصْبَحَتْ ... ومن جِيَفِ القَتْلَى عليها تَمَائمُ
قال: جعل اضطراب الفتنة فيها جنونا لها، وذلك أن الروم كانوا يقصدونها ويحاربون أهلها فلا تزال الفتنة بها قائمة، فلما قتل سيف الدولة الروم وعلق القتلى على حيطانها سكنت الفتنة وسلم أهلها فجعل جثث القتلى كالتمائم عليها.
وأقول: لم يرد تعليق الجثث على حيطانها، ولكن إلقاءها على أرضها، لأن تعليق الجثث إنما يكون في الشي الخفي القليل، والشاعر قد وصف كثرة القتل والقتلى إلى أن
(5/244)

بدّل لون أرضها بلون غيره لكثرة الدم، فلا حاجة إلى تعليق القتلى على حيطانها مع كثرة إلقائها على أرضها واشتهار ذلك فيها. فإن قيل: فالتمائم تكون معلقة على المجنون قيل: يكفي أن يقال: عليها.
وقوله: الطويل
وَقَفْتَ وما في الموتِ شَكٌّ لواقفٍ ... كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدِى وهو نائمُ
ذكر في هذا البيت والذي بعده حكاية عن سيف الدولة وتشبيههما ببيتي امرئ
القيس: الطويل
كأنِّيَ لم أرْكَبْ جواداً لِلَذَّةٍ ... . . . . . .
والذي بعده، وما قيل من اخذ منهما ورد عنهما، ثم قال: ولا تطبيق بين صدر وعجز احسن من بيتي المتنبي لان قوله:
. . . . . . ... كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدَى وهو نَائِمُ
هو معنى قوله:
وَقَفْتَ وما في الموتِ شَكٌّ لواقِفٍ ... . . . . . .
(5/245)

فلا معدل لهذا العجز عن هذا المصدر؛ لأن النائم إذا أطبق جفنه أحاط بما تحته، فكأن الموت قد أظله من كل مكان كما يحدق الجفن بما تضمنه من جميع جهاته، وجعله نائما لسلامته من الهلاك؛ لأنه لم يبصره وغفل عنه بالنوم فسلم ولم يهلك.
وأقول: إن تفسيره لآخر البيت يناقض أوله: وما في الموت شك، أي: الموت متيقن، ثم جعل الموت، آخرا، نائما لم يبصره وغافلا عنه، فالموت حينئذ غير متيقن، وإنما أوقعه في ذلك ظنه أن نائم من النوم الذي يكون معه ذهاب العقل والعلم، وإنما أراد هاهنا بنائم صورة النائم في تغميض عينه وطبق جفنه. وإنما يقول: وقفت في وقت لا يشك فيه الموت لواقف؛ أي: الموت فيه متيقن، وضرب لذلك مثلا بقوله:
. . . . . . ... كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدَى وهو نَائِمُ
أي: أحاط بك الردى وأطبق عليك؛ يصف شدة ذلك الوقت، وصعوبة ذلك المكان. فهذا هو المعنى لمن تأمله بنور البصيرة!
وقوله: الطويل
بِضَرْبٍ أتَى الهاماتِ والنَّصْرُ غائِبٌ ... وَصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنَّصْرُ قادمُ
ذكر فيه ما قال ابن جني وغيره، وليس بشيء! وقد بينت ما فيه هناك في الشرح
التبريزي.
(5/246)

وقوله: الطويل
حَقَرْتَ الرُّدَيْنِيَّاتِ حتى طَرَحْتَهَا ... وحَتَّى كأنَّ السَّيْفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
قال: يقول: تركت القتال بالرماح وازدريتها؛ لأنها من سلاح الجبناء، وسلاح الشجعان السيف.
وأقول: قوله: لأنها من سلاح الجبناء ضعيف، ولو قال: كأنها لكان الصواب.
وقوله: الطويل
وإني لتَعْدُو بي عَطَاياكَ في الوَغَى ... فلا أنا مَذْمُومٌ ولا أنتَ نَادِمُ
قال: أي: امتطي في الغزو خيلك التي أركبتنيها ولست مذموما في أخذها لأني شاكر أياديك، ناشر ذكرك.
وأقول: أن تعليله بقوله: لأني شاكر لأياديك ناشر لذكرك ليس بشيء! وإنما يصف نفسه بأن الخيل التي يأخذها من سيف الدولة يقاتل عليها فلا يُذم بأنه يفر عليها، ولا يندم سيف الدولة لأنه وضع العطاء في غير موضعه. فإن أريد بالشكر هاهنا الفعل لا القول فصواب، لأن الشكر قد يكون بالفعل أيضا فيكون شكره له بما يفعله من نصره له بقتال أعدائه.
(5/247)

وقوله: الطويل
وَلِمْ لا يَقِي الرَّحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقَى ... وتَفْلِيقُهُ هامَ العِدَا بِكَ دائِمُ
قال: يقول: لم لا يحفظ الرحمن ما دام يحفظ.
وأقول: إنه توهم إن ما هاهنا ظرفية وليس كذلك، وإنما هي هاهنا بمعنى الذي، وذلك إنه لمّا قال: الطويل
هنيئاً لضَرْبِ الهَامِ. . . . . . ... . . . . . .
وما بعده: الطويل
. . . . ... . . . . . . أنَّكَ سالم
أخبر بسلامته فقال:
وَلِمْ لا يَقِي الرحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقَى ... . . . . . .
أي: ما وقاهما؛ أي: لم لا يُسلمك، فحذف المفعول العائد إلى الذي تحقيقا، وللعلم به، كقوله تعالى: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً)؛ كأنه يقول: لم لا يُسلم منك الله الذي سلّم وأنت سيف، وهو يُفلق بك هام عداه دائما؛ أي: لا يكون ذلك إلا مع سلامتك.
(5/248)

وقوله: الطويل
إذا زار سيفُ الدولةِ الرومَ غَازِياً ... كفَاهَا لِمامٌ لو كَفَاهُ لِمَامُ
قال: اللمام الزيارة القليلة.
يقول: إذا غزاهم كفاهم أدنى نزول منه بهم لو اكتفى هو بذلك، لكنه لا يكتفي حتى يبلغ أقصى بلادهم.
وأقول: لو قال: حتى يطيل الغزو والنزول في بلادهم، ويكثر القتل والسبي، لكان أولى، وهو ضد اللمام.
وقوله: الطويل
وما تنفَعُ الخَيْلُ الكرامُ ولا القَنَا ... إذا لم يكُنْ فَوْقَ الكرام كِرامُ
قال: يذكر ان النفع والقنا للرجال والفرسان لا للخيل، وان كرمها ليس بنافع إذا لم يكن فوقها رجال كرام في الحرب.
وأقول: إن قوله: إن النفع والقنا للرجال والفرسان لا للخيل عبارة ناقصة! وأي نفع أعظم من نفع الكرام من الخيل في الحرب! وإنما ذلك النفع لا يحصل إلا إذا كان فوقها فرسان كرام. فلو أسقط أول الكلام وقال: إن كرم الخيل لا ينفع إلا بكرم فرسانها لقصّر العبارة وأصاب الصواب!
(5/249)

وقوله: الطويل
ومَنٌّ لفُرْسَانِ الثُّغُورِ عليهمُ ... بِتَبْلِيغِهِمْ ما لا يكادُ يُرامُ
قال: يعني أن فرسان الثغور كانوا شفعاء لهم إليك حتى تؤخر الحرب أياما، وذلك ما لا يكادون يقدرون على طلبه اليك، فلهم المنة عليهم إذ بلّغوهم ما كانوا لا يبلغونه بأنفسهم.
وأقول: هذا كلام من لم يصب فص المعنى، ولا وقع على مفصله! وليس هاهنا شفاعة لهم ولا تأخير منهم، وإنما يقول: إن هذا الصلح ذل للروم وغرام لهم، ومن فوقه لفرسان الثغور بكفهم عنهم، وهم قادرون عليهم، حين تأمرهم بالكف وقد سألوك واستجاروا بك.
وقوله: الطويل
وصُحْبَةَ قَوْمٍ يَذْبَحُونَ قَنِيصَهُمْ ... بِفَضْلاتِ ما قد كسَّروا في المَفَارِقِ
قال: يقول: تذكرت صحبة قوم صعاليك يذبحون ما يصيدون بما بقي من فضلات سيوفهم التي كسّروها في الرؤوس، وهذه إشارة إلى جودة ضربهم، وقوة سواعدهم.
(5/250)

وأقول: لو قال: إشارة إلى هؤلاء القوم الذين صحبهم أولو جد يفضل كل جد، وأولو لعب يفضل كل لعب، وذلك لكسر سيوفهم في رؤوس أعدائهم، وذبحهم، بما بقي منها، صيدهم لكان أولى وأحسن. والتكسير هاهنا يريد به كثرة التثليم ولم يرد التحطيم لأنها لو كانت كذلك لم تصحبهم أو لم يكن في صحبتها طائل. ولعل الشيخ الواحدي أراد ذلك، فوصفهم بأنهم صعاليك لذبحهم القنيص بكسر السيوف وقطعها، وهذا ليس بشيء ولا يقوله محقق! لأن صحبة أولئك لا فخر فيها. ويدل على ما قلت إن التكسير صيغة التكثير والسيف لا يحتمله، ولا يصح فيه أكثر من مرة واحدة. وإنما بالغ في صفة التثليم إلى أن جعله كالتكسير، وهذا كقوله:
الطويل
. . . . . . كأنَّمَا ... مَارِبُهَا مما انْفَلَلْنَ مَضَارِبُ
وكقول البحتري: الطويل
وكنتَ متى تَجْمَعْ يَمِينَكَ يَهْتِكِ ال ... ضَّرِيبَةَ أو لا تُبْقِ للسَّيْفِ مَضْرِبَا
فالصحيح ما ذكرته، وإذا كان كذلك؛ فليسوا بصعاليك على الإطلاق، أو صعاليك ولا إلى هذا الحد الذي ذكره.
(5/251)

وقوله: الطويل
وليلاً توسَّدْنا الثَّوِيَّةَ تَحْتَهُ ... كأنَّ ثَراهَا عَنْبَرٌ في المَرافِقِ
قال: الثوية: موضع بالقرب من الكوفة.
يقول: تذكرت ليلا اتخذنا فيه هذا المكان وسائد لنا؛ أي: نمنا عليه وكان طيب التراب، فكأن ترابها الذي تتربت به مرافقنا حين اتكأنا عليه عنبر فيها.
قال: وقال ابن جني: المرافق: جمع مرفقة، وهي الوسادة.
قال: ولم يرد بالمرافق ما ذكر، إنما أراد مرافق الأيدي لأن الصعلوك الفاتك لا وسادة له.
وقال العروضي فيما استدركه عليه: ألا ينظر أبو الفتح إلى قوله: توسدنا الثوية؛ وإنما يصف تصعلكه وتصعلك أصحابه وصبرهم على شدائد السفر، ففضلات المتكسر من السيوف مداهم، والأرض وسائدهم لأنه وضع رأسه على المرفق من يده، وإنما سميت الوسادة مرفقة لأن المرفق يوضع عليها، ولا يفتخر الصعلوك بوضع رأسه على الوسادة.
فيقال له: ألا ينظر العروضي إلى قول أبي الطيب: توسدنا الثوية، أي: اتخذناها وسادة ثم وصف ترابها بالطيب فقال:
. . . . . . ... كأنَّ ثَراهَا عَنْبَرٌ في المَرافِقِ
أي: في الوسائد التي اتخذناها من أرضها. فان كان ابن جني أراد ذلك فقد أصاب،
(5/252)

ويكون موافقا للعروضي فيما ذكره من تصعلكه وتصعلك اصحابه؛ بل يزيد على ما أرداه من ذلك، ويجوز ان تكون المرافق هنا الأيدي، ويكون من قول الحادرة: الكامل
عَرَّسْتُهُ وَوِسَادُ رأسِيَ سَاعِدٌ ... خَاطي البَضيعِ عُرُوقُهُ لم تَدْسَعِ
وما ذكر من التصعلك بقطع السيوف وجعلها كالمدى فقد ذكرت ما فيه في البيت الذي قبله
وقوله: الطويل
بلادٌ إذا زَارَ الحِسَانَ بِغَيْرها ... حَصَى تُرْبِهَا ثَقَّبْنَهُ للمَخَانِقِ
قال: أي إذا حُمل حصى هذه البلاد إلى النساء الحسان بأرض غيره ثقبنه لحسنه ونفاسته. والحصى مرفوع بفعله.
وأقول: ويحتمل ان يكون الحصى فاعلا ومفعولا، وكذلك النساء بأن تكون مزورات له وزائرات لنفاسته.
وقوله: الطويل
سُهَادٌ لأجفانٍ وشَمْسٌ لنَاظِرٍ ... وسُقْمٌ لأبدانٍ ومِسْكٌ لناشِقِ
(5/253)

قال: قال ابن جني: قد اجتمعت فيها الأضداد: فعاشقها لا ينام شوقا إليها، وإذا رآها كأنه يرى بها الشمس، وهي سقم لبدنه، ومسك عند شمه. وقد جعل البيت من صفة المليحة.
وقال العروضي: البيت من صفات القطربلي، والخمر تجمع هذه الصفات.
فيقال له: أن الأولى أن تكون من صفات المليحة لأنها مرفوعة، وصفاتها مرفوعة؛ هكذا جاءت الرواية.
والقطربلي منصوب، فلا يستقيم ان تكون هذه الصفات المرفوعة جارية عليه إلا
بإضمار مبتدأ.
هذا من جانب اللفظ والإعراب.
وأما من جانب المعنى فكذلك؛ وذلك إنه يقول: إن هذه المليحة تُسهر عاشقها مع إنها شمس بادية له غير محجوبة عنه، وذلك بخلاف المعتاد. وتُسقم بدنه مع إنها مسك إذا شمها، والرائحة الطيبة لا يحدث عنها سقم البدن وضعفه بل قوته بقوة قلبه وذلك منها بخلاف المعتاد أيضا.
(5/254)

وقوله: الطويل
أتاهُمْ بها حَشْوَ العَجاجَةِ والقَنَا ... سَنَابِكُهَا تَحْشُو بطونَ الحَمَالِقِ
قال: يقول: أتاهم بالخيل وقد أحاطت بها الرماح والعجاج فهي حشو هاذين، وحوافرها تحشو العيون بما تثير من الغبار.
قال ابن جني: تحشو الجفون بالعجاجة.
وقال العروضي: أحسن من هذا وأبلغ؛ إن الخيل تطأ رؤوس القتلى فتحشو حمالقها بسنابكها كما قال: الطويل
. . . . . . ... وموطِئُهَا من كلِّ باغٍ مَلاغِمُهْ
فأما أن يرتفع الغبار فيدخل فلا كثير فخر في هذا.
وأقول: هذا الذي ذكره العروضي ليس بشيء ولا يشبه معنى هذا البيت، معنى البيت الذي أشار اليه، وما أعلم لم جعل الخيل تحشو حمالق القتلى بسنابكها إذا وطئت رؤوسها، دون أقدامها وآنفها وآذانها! وإنما يصف هذه الكتيبة بكثرة العجاج وتكاثفه إلى أن يحشو بطون الحمالق، وذلك يدل على كثرتها ويدل عليه قوله:
أتاهم بها حَشْوَ العَجاجةِ والقَنَا ... . . . . . .
وقوله فيما بعد: الطويل
ومَلْمُومَةٌ سَيْفيَّةٌ. . . . . . ... . . . . . .
(5/255)

وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . قَرِيبةُ بَيْنِ البِيضِ. . . . . .
وفي ذلك كثير فائدة كبير افتخار.
وقوله: الطويل
فهاجوكَ أهْدَى في الفَلا من نُجومِهِ ... وأبْدَى بيوتاً من أدَاحي النَّقَائِقِ
قال: حركوك بحربهم فكنت أهدي في الفلاة من النجم، واظهر بيوتا فيها من مواضع بيت النعام.
وأقول: إنه أراد بأبدى من البادية، أي بيوتك الزم للبدو من لزوم بيوت النعام له؛ يصفه بكثرة الغزو، وقلة مقامه في المدن. وإذا كان كذلك، فالبادية الأعراب الذين هاجوه دونه في ذلك.
وقوله: الطويل
تَعَوَّدَ أنْ لا تَقْضَمَ الحَبَّ خَيْلُهُ ... إذا الهامُ لم تَرْفَعْ جُنُوبَ العَلائِقِ
قال: يروى: جيوب وجنوب وترفع وترقع.
(5/256)

قال: جنوب العلائق نواحيها، وجيوبها ما جيب من أعلاها؛ أي فُتح، وجيب المخلاة فمها، فعلى هذا يروى: لم ترقع جيوب ويكون المعنى: إذا الرؤوس لم تسد جيوب المخالي؛ يقول: تعودت خيله أن لا تقضم إلا من المخلاة لأنها أبدا تسافر. ويجوز أن يريد بالهام هام الأعداء وإنها، لكثرتها، اجتمعت حتى توضع عليها مخالي دوابه فترفعها إليها، وقد تعودت خيله في اعتلافها ذلك، وهذا قول ابن جني حكاه عن أبي الطيب.
وأقول: هذا تفسير ابن جني في ترفع بالفاء، ومن روى بالقاف أراد بالهام أيضا هام الأعداء وأراد أن مخاليها إذا جيبت؛ أي: قورت من طول الغزو، رقعت
برؤوس الأعداء؛ أي: سدت؛ أي: قد الفت ذلك فلا تنكره، وهذا أبلغ من الأول والبيت الذي بعده اقرب إلى تقوية هذا الوجه من الأول وهو قوله: الطويل
ولا تَرِدُ الغُدْرانَ إلاَّ وماؤُهَا ... من الدَّمِ كالرَّيحانِ تحت الشَّقائِقِ
وذلك لمخالطة الرؤوس لما يعلف كمخالطة الدم لما يشرب، ويضعف تفسيره بالهام هام الخيل ويؤيد هام القتلى.
وقوله: الوافر
وأفْرَحَتِ المَقاوِدُ ذفْرَيَيْهَا ... وصَعَّرَ خَدَّهَا هذا العِذَارُ
(5/257)

قال: الصحيح رواية من يروي بالفاء - يعني في أفرحت - ومعناه: أثقلت؛ يقال: أفرحه الدين: إذا أثقله.
يقول: لمّا وضعت المقاود على العرب لتقودهم إلى طاعتك أثقلت مقاودك رؤوسهم لأنك ضبطتهم ومنعتهم عن التلصص والغارة، فصاروا كالدابة التي تُقاد بحكمة شديدة، وشكيمة ثقيلة.
ومن روى بالقاف جعلهم قرحا؛ أي: بالغت في رياضتهم حتى جعلتهم كالقرح في الذل والانقياد.
والصحيح هو الأول لأن الذفرى لا تختص بالذل والانقياد إلا على بعد.
فيقال له: الرواية بالقاف اكثر، ولم يرد بذلك ما ذكرته من إنه جعلهم قرحا، ولكن: أقرحت من القرح؛ أي: جعلت المقاود في ذفرييها قروحا بشدة ضبطها لها وأخذها منها، وهو مثل ضربه لسيف الدولة في إذلالهم، وذلك أشبه بالاستعارة وابلغ في المعنى.
وقوله: الوافر
وغَيَّرها التراسُلُ والتَّشَاكي ... وأعْجَبَهَا التَّلَبُّبُ والمُغَارُ
قال: أي: غيرها عن الطاعة، إنها كانت ترسل لك الرسل وتشكو ما يجري عليها
من سراياك.
فيقال له: الصحيح ما قال ابن جني، ويقوله كل بصير! أي: غيرها عن الطاعة إنها راسلت وتشاكت ما يجري عليها من سيف الدولة؛ أي: من إذلالها وضبطها ومنعها مما كانت معودة له من العيث في البلاد والفساد. وهذا أشبه بالحال واحسن، واصح في الاستعمال.
(5/258)

وقوله: الوافر
وظَلَّ الطَّعْنُ في الخَيْلَيْنِ خَلْساً ... كأنَّ المَوتَ بينهما اخْتِصَارُ
قال: يقول: اختلسوا الطعن فأسرع فيهم الموت حتى كأنه وجد طريقا مختصرا إليهم.
وأقول: بيان ذلك أن الطعن الخلس هو السريع، فلما أسرعوا الطعن، وكان الموت مع الطعن، كان الموت أيضا سريعا لسرعة ما أوجبه؛ فسرعته اختصاره.
وقوله: الوافر
مَضَوْا مُتَسَابِقي الأعْضاءِ فيه ... لأرْؤسِهِمْ بأرجُلِهِمْ عِثَارُ
قال: يقول: هربوا والرجل تسابق الرأس، والرأس يسابق الرجل سراعا في الهرب وخوفا من القتل، فهذا معنى قوله:
. . . . . . مُتَسَابقي الأعضاء. . . . . . ... . . . . . .
وقوله:
. . . . . . ... لأرؤسِهِمْ بأرْجُلِهِمْ عِثَارُ
قال ابن جني: إذا ندر رأس أحدهم فتدحرج تعثر برجله أو رجل غيره.
قال: وهذا إبداع لان المعهود أن تعثر الرجل لا الرأس.
قال الواحدي: وأبين مما قاله وأجود أن يقال: بأرجلهم عثار لأجل رؤوسهم؛ أي: لأجل حفظها ينهزمون.
(5/259)

وأقول: هذا الذي ذكره لا يقوله محصل، فضلا عن أن يستجده على الوجه الأول! والأظهر - فيما قال ابن جني - أن يكون رأس المقتول الذي طار رأسه يعثر برجل غيره؛ لأنه إذا ضرب الرأس فطار عن الجسد فبعيد أن يسبقه الجسد فيكون قدامه حتى يعثر به، فالعدو والحركة من الجسد بعد سقوط الرأس بعيد إلا ما يحكى عن هدبة ابن خشوم وتحريكه رجله بعد سقوط رأسه ثلاثا. وإنما الرأس إذا ندر عن جسد أحدهم تدحرج فعثر برجل آخر فكأنه يسابقها.
وقوله: الوافر
وكلِّ أصَمَّ يَعْسِلُ جانِبَاهُ ... على الكَعْبَيْنِ منه دَمٌ مُمَارُ
قال: أراد بالكعبين اللذين في عامله وهما يغيبان في المطعون؛ فلذلك وصفهما بأن عليهما دما، ويجوز أن يريد الكعب الأعلى والكعب الأسفل؛ لأن الطعن يقع بهما.
ويجوز أن يريد بالتثنية الجمع، وهو قول ابن جني.
وأقول: يجوز أن يريد بالكعبين الأعلى والأسفل، ولكن على غير ما ذكر لأن الطعن لا يكون بأسفل الرمح، وإنما خص الكعبين بالذكر؛ لأن الأعلى به يقع الطعن، والأسفل، لكثرة الطعن بالأعلى يكثر الدم حتى يصل إليه، فاستغنى بذلك عن ذكر ما بينهما لأن الدم لا يصل إليه إلا وقد وصل إلى جميع كعاب الرمح.
ويحتمل أن يريد بالكعبين نفوذ الأعلى بقوة الطعن ونفوذ الرمح إلى الكعب الأسفل.
(5/260)

وقوله: الوافر
فكانوا الأُسْدَ ليس لها مَصَالٌ ... على طَيْرٍ وليسَ لهَا مَطارُ
قال: قال ابن جني: كانوا قبل ذلك اسدا، فلما غضبت عليهم وقصدتهم، ولم تكن لهم صولة على طير لضعفهم، ولم يقدروا أيضا على الطيران فأهلكتهم. وعلى هذا القول يكون البيت من صفة المنهزمين.
وقال العروضي: هذا من صفة خيل سيف الدولة؛ يقول: كانوا اسودا ولا عيب عليهم إذ لم يدركوا هؤلاء؛ لأن الأسد القوي لا يمكنه أن يصيد الطائر لأنه لا مطار للأسد. والمعنى أنهم أسرعوا في الهرب إسراع الطير في الطيران وهذا كالعذر لهم في التخلف عمن لم يلحقوهم من سرعان الهرّاب.
وأقول: الصحيح ما ذكرته في شرح ابن جني.
وقوله: الوافر
فهم حِزَقٌ على الخَابورِ صَرْعَى ... بهم من شُرْبِ غَيْرِهمُ خُمَارُ
(5/261)

قال: الحزق: الجماعات؛ أي ظنوا أنهم المقصودون، فهربوا وتفرقوا في الهرب، فصاروا جماعات، فكان الذنب لغيرهم وتعب الهرب لحقهم.
وأقول: لم يرد بذلك تعب الهرب، وإنما ذلك لخوف الطلب، وقد بينه فيما بعده بقوله: الوافر
حِذَارَ فَتىً. . . . . . ... . . . . . .
وقد ذكرته في شرح ابن جني مبينا.
وقوله: الطويل
أيا رامياً يُصْمِي مَرامِهِ ... يُرَبِّي عداهُ ريشَهَا لِسهَامِهِ
قال: أي: أعداؤه يجمعون الأموال والعدد وهو يأخذها فيتقوى بها على قتالهم؛ فكأنهم يربون الريش لسهامه حيث يجمعون المال له. فالريش مثل لأموالهم والسهام مثل له.
وأقول: أن السهام هاهنا مثل لأصحابه وفرسانه، يصفهم بالنفوذ في أوامره، والمضاء في مقاصده، والأقدام في الحرب كقوله: الطويل
. . . . . . ... وأقْدَامُ بين الجَحْفَلينِ من النَّبْلِ
(5/262)

وقوله: الطويل
أَسِيرُ إلى إقطاعِهِ في ثِيَابهِ ... عَلَى طِرْفِهِ مِنْ دَارِهِ بِحُسَامِهِ
قال: هذا تفصيل ما أجمله النابغة في قوله: الوافر
وما أغْفَلْتُ شُكْرَكَ فانْتَصِحْني ... وكيف ومن عطائِكَ جُلُّ مالي
وقد فصله النابغة أيضا في قوله: الطويل
وإنَّ تلاَدِي إنْ نَظَرْتُ وشِكَّتي ... ورُمْحي وما ضَمَّتْ إليَّ الأناملُ
حِبَاؤُكَ والعيسُ الهجانُ كأنها ... نعاجُ الملا تَرْدي عليها الرَّحَائلُ
وأقول: إن قول النابغة حسن، إلا أن قول أبي الطيب أخصر لفظا وأكثر معنى واصنع وانصع لأنه ذكر الخمسة الأشياء وعدى الفعل إليها بخمسة أحرف الجر من غير حشو حرف ولا زيادته. وهذا التركيب لم يتفق لأحد من الشعراء في هذا المدح الذي لم يمدح بمثله غير سيف الدولة من الكبراء.
وقوله: الطويل
ولا زالتِ الشَّمسُ التي في سمائِهِ ... مُطِالعَةَ الشَّمسِ التي في لِثامِهِ
(5/263)

قال: قال ابن جني: أضاف السماء إليه، لإشرافها عليه كما قال الآخر: الطويل
إذا كوكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرَةٍ ... سُهَيْلٌ أذاعتْ غَزْلَهَا في القَرائبِ
وأقول: هذا ليس بشيء! لأن السماء تشرف عليه وعلى غيره، فالسماء سماء كل أحد لعلوها عليه، وإنما أضافها إليه دون غيره واختصه بالذكر لشرفه كقوله تعالى: (مَن كَانَ عَدُوّاً وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) ومثله كثير. والبيت الذي انشده يصلح أن يكون استشهادا لما ذكرته. وجعل الشمس تطالع شمس لثامه - ويعني وجهه - لتكسب النور منه كقوله في موضع آخر: البسيط
تَكسَّبُ الشمسُ منكَ النورَ طالعةً ... كما تكَسَّبَ منها نُورَهَا القَمَرُ
وقوله: الخفيف
قاسَمَتْكَ المَنُونُ شَخْصَيْنِ جَوْراً ... جَعَلَ القَسْمَ نَفْسَهُ فيه عَدْلاَ
قال: المنون: المنية والدهر، ويجوز تذكيره وتأنيثه.
يقول: قاسمك الموت أو الزمان شخصين؛ يعني أختيه.
(5/264)

وأقول: لم يستدل على أن المنون الدهر ولا على جواز تذكيره وتأنيثه، والذي يدل عليه قول أبي ذؤيب: الكامل
أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ ... والدَّهْرُ ليس بِمُعْتِبٍ من يَجْزَعُ
فقد روي: ريبها وريبة.
وقوله:
. . . . . . ... والدَّهْرُ ليسَ بمُعْتِبٍ من يَجْزَعُ
يدل على أن المنون الدهر؛ لأنه تفسير للاول، فالتذكير في قوله: وريبة راجع إلى الدهر، والتأنيث راجع إلى الأيام لأنها هي الدهر لقوله: الطويل
هل الدَّهْرُ إلاَّ ليلة ونهارها ... وإلاَّ طلوع الشمس ثم عيارها
. . . . . . صفة للمذكر والمؤنث، والمعنى على هذا التفسير في المنون واحد.
وقوله: الخفيف
قارَعَتْ رُمْحَكَ الرِّماحُ ولكن ... تَرَكَ الرَّامِحِينَ رُمْحُكَ عُزْلاَ
(5/265)

قال: أي: غلبتهم حتى سلبت رماحهم فتركتهم عزلا لا سلاح معهم.
وأقول: القول الجيد، ما ذكرته في شرح أبي العلاء.
وقوله: الخفيف
وَقِسيٍّ رُمِيتَ عنها فَرَدَّتْ ... في قُلوبِ الرُّماةِ عنك النِّبَالاَ
قال: يقول: رب قسي لهم كانوا يرمونك عنها، فلما هربوا أخذت تلك القسي فقوتلُوا بها ورموا بالسهام عنك، والتقدير: فردت عنك النصال في قلوب الرماة الذين كانوا يرمونك.
وأقول: الأحسن أن يكون ضرب القسي والنبال مثلا للمكائد وما يصدر عنها من
الأذى؛ أي: أعدوا لك مكائد بالأذى فعادت إليهم.
وقوله: الخفيف
أخَذُوا الطُّرْقَ يقطعون بها الرُّسْ ... لَ فكانَ انقطاعُهَا إرسَالاَ
(5/266)

قال: يقطعون بتلك الطرق عن النفاذ إلى سيف الدولة، لئلا يبلغه الخبر أنهم يقصدون الحدث فلما أبطأت الأخبار وتأخرت عن عادتها، تطلَّع سيف الدولة لما وراء ذلك فوقف على الأمر فكان الانقطاع كالإرسال.
قال: وهذا كقوله:
قَصَدوا هَدْم سُورها فَبَنَوْهُ ... . . . . . .
وأقول: لم يرد قطع الأخبار وإبطاءها وتأخرها عن عادتها بقوله:
. . . . . . ... . . . . . . فكانَ انقطاعُها إرسالا
وإنما هذا كما تقول: أردت بذلك الكلام حبس زيد فكان حبسه اطلاقه؛ أي: حبسه الذي أردته ولم يقع؛ أي: كان سببا له وذلك من حسن المجاز. وكذلك قوله: انقطاع الأخبار ارسالها؛ أي: لم يقدروا على قطعها وقتا من الأوقات لشدة تيقظ سيف الدولة ورعايته للأمور وضبطه وحفظه لها.
وهو كما قال:
قَصَدوا هَدْم سُورها فَبَنَوْهُ ... . . . . . .
كأنه قال: فكانوا سبب بنائه، فكذلك يقال في الأخبار، وهو أبلغ من قطعهم الأخبار بحفظهم الطرق وتطلع سيف الدولة وتنبيهه من ذات نفسه.
وقوله: الخفيف
أبصَرُوا الطَّعْنَ في القلوبِ دِرَاكاً ... قبلَ أن يُبْصِروا الرِّماحَ خَيَالاَ
(5/267)

قال: فيه تقديم وتأخير؛ لأن المعنى ابصروا الطعن في القلوب دراكا خيالا قبل أن يبصروا الرماح؛ أي: لشدة خوفهم وتصورهم ما صنعت بهم قديما رأوا الطعن
متداركة متتابعة في قلوبهم تخيلا قبل أن يروا الرماح.
وأقول: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير كما ذكر، ولكن الكلام جار على سننه! والمعنى أنهم لشدة خوفهم منك أبصروا طعنك في قلوبهم متدراكا قبل أن يبصروا رماحك خيالا؛ أي: قبل أن يتخيلوها على بعد، وهو مثل قوله: الوافر
يَرَى في النَّومِ رُمْحَكَ في كُلاَهُ ... ويَخْشَى أنْ يَراهُ في السُّهادِ
وقوله: الخفيف
وإذا حاوَلَتْ طِعَانَكَ خَيْلٌ ... أبْصَرَتْ أذْرُعَ القَنَا أَمْيَالاَ
قال: يقول: الأعداء إذا أرادوا طعانك رأوا اذرع القنا لطولها وسرعة وصولها إليهم أميالا.
وقال ابن جني: ذلك لشدة الرعب.
قال: وهو كقوله تعالى: (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ).
هذا كلامه.
(5/268)

أمَّا شِدَّةُ الرُّعْبِ فلَهُ وَجْهٌ.
وأمَّا احتجاجُهُ بالآية فَخَطأ.
وأقول: لم يبين وجه الخطأ، وأرى أن قول ابن جني صواب؛ وذلك أن الخائف يرى البعيد قريبا، والصغير كبيرا، فما يمنعه أن يرى القصير طويلا؟ ولم يرد ابن جني أن الذراع مثليه على الحقيقة حتى يدخل عليه إنه جعل الذراع ميلا، والميل أذرع كثيرة، بل يريد أن الخائف يرى الشيء أكبر مما هو، ويرى القليل أكثر مما هو عليه، وسواء كان ذلك مثليه أو أمثاله وذلك على قدر الخوف.
وقوله: الخفيف
ووجوهاً أخافَهَا منكَ وَجْهٌ ... تركَتْ حُسْنَهَا له والجَمالاَ
قال: قوله: ووجوها عطف على الأيدي من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، لأنه
ليس يريد: وينفض وجوها والمعنى ويغير وجوها؛ أي يغير ألوانها ويصغرها ومعنى أخافها: أخاف أصحابها.
(5/269)

فيقال له: فإن كان أخافها بمعنى أخاف أصحابها، واستعمال ذلك كثير كقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) وأشباه ذلك. فما المانع أن تُعطف ووجوها على أبديا من حيث اللفظ والمعنى، ولا يحتاج إلى تقدير فعل غير الأول عاملا في المعطوف، وذلك ظاهر لا خفاء فيه؟
وقوله: الخفيف
أقسَمُوا لا رأوكَ إلا بقَلْبٍ ... طَالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ
قال: قوله: إلا بقلب أي: إلا والقلب معهم؛ يريد: حلفوا ليحضرن عقولهم، وليعملن أفكارهم في ذلك.
قال: طالما غرت العيون الرجال، أي: كذبهم عنك كثيرا ما رأوه بعيونهم مما يوهمهم أنهم يقاومونك.
وأقول: إن هذا المثل في قوله:
. . . . . . ... طالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ
لم يرد به سيف الدولة وحده والروم كما ذكره من كثرة ما غرتهم أعينهم مما يوهمهم مقاومته، ولكن هذا مثل لكل أحد. يقول: هؤلاء الروم لحزمهم وجدهم وشدة بأسهم وأقدامهم، اقسموا لا رأوك إلا بقلوبهم دون أعينهم؛ فإن العيون قد تغر الرجال بأن تخطئ في إدراك المرئي بالزيادة والنقص في إدراك الصغير كبيرا؛ كالجسم الذي تراه في قعر الماء الصافي، وإدراك الكبير صغيرا كرؤية الكواكب والجبال على بعد.
(5/270)

وقوله: الخفيف
أيُّ عَيْنٍ تأمَّلَتْكَ فَلاقَتْ ... كَ وطَرْفٍ رَنَا إليكَ فآلاَ
قال: هذا متناقض الظاهر لأنه ينكر أن تمسكه عين تديم إليه النظر في المصراع الأول، وفي الثاني ينكر أن يعود طرف رنا إليه ولم يشخص.
قال: والمعنى يحمل على عيون الأعداء والاولياء، فعين العدو لا تليقه؛ لأنه لا يديم النظر إليه هيبة له. وعين الولي تتحير فيه فتبقى شاخصة فلا تؤول إلى صاحبها. وهذا مما لم يتكلم فيه أحد.
فيقال له: قولك: هذا مما لم يقله أحد مسلّم، وليس لاقتك من لاق كما ذكرت، ولكن من لاقى لأنه في ذكر الحرب والقتال. يقول: أي عين تأملتك في الحرب فلاقتك ولا تهرب منك؟ أي: ذلك بعيد، وأي طرف رنا إليك فآل؛ أي رجع سالما ولم يذهب ويهلك؟ ويعني بالعين والطرف صاحبهما، وهذا استفهام بمعنى الإنكار والنفي.
وقوله: الخفيف
غَصَبَ الدهرَ والملوكَ عليها ... فَبنَاهَا في وَجْنَةِ الدهر خَالاَ
قال: يعني استنقذها من أيدي الدهر والملوك؛ يقال: غصبته على كذا: أي: قهرته
(5/271)

عليه، وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . في وَجْنَة الدهر خَالا
يجوز أن يريد به الشهرة، كشهرة الخال في الوجنة، ويجوز أن يريد ثبوتها ورسوخها فيكون كقول مزرد: الطويل
فمن أرْمِهِ منها بسَهْمٍ يَلُحْ بهِ ... كشامَةِ وَجْهٍ ليس للشَّامِ غَاسِلُ
وأقول: ويجوز أن يكون أراد حسّن الدهر بها، كما يحسّن الخد، وهو الأولى، ويدل عليه ما يعده من قوله: الخفيف
فهيَ تَمْشي مَشْيَ العَروسِ اخْتِيَالاً ... وتَثَنَّى على الزَّمانِ دَلالاَ
وقوله: الخفيف
وَظُباً تَعْرِفُ الحَرَامَ من الحِ ... لِّ فَقَدْ أفْنَتِ الدِّمَاَء حَلاَلاَ
قال: قال ابن جني: هذا مثل ضربه؛ أي سيوفه معودة للضرب؛ أي تعرف بالدربة الحلال من الحرام.
(5/272)

وقال ابن فورجة: العادة والدربة ليستا مما يعرف به الحلال والحرام في الناس فكيف فيما لا يعقل! وإنما يعني أن سيف الدولة غاز للروم وهم كفار فلا يقتل إلا من حل دمه ونسب ذلك إلى سيوفه.
هذا كلامه.
وأظهر مما قاله أن يقال: إنما عنى بمعرفة الحلال والحرام أصحابها، فكأنه قال: وذوي ضبا يعرفون الحرام من الحلال، فلما حذف المضاف عاد الكلام إلى المضاف إليه.
وأقول: الأحسن من قال ابن فورجة: وأن يحمل الكلام على المجاز بجعل ذلك للسيوف دون أصحابها، لأن به تحصل الاستعارة، وتكمل الصناعة، وتختصر الألفاظ، وليس ذلك من باب: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) بلا مرية. ومثله قوله: الطويل
تَحَرَّجَ عن حَقْنِ الدِّماءِ كأنما ... يَرَى قتلَ نَفْسٍ تَرْكَ رأسٍ على جِسْمِ
فإنه صفة لسيف الممدوح، وهو صحيح، لا للممدوح.
وقوله: الكامل
يَقْمُصْنَ في مِثْلِ المُدَى من بَاردٍ ... يَذَرُ الفحولَ وهُنَّ كالخِصْيانِ
(5/273)

قال: يقول: هذه الخيل تثب في هذا النهر الذي هو كالمدى بضرب الريح اياه حتى صيرته طرائق كأنها مدى.
وأقول: لم يرد بذلك شكل الماء؛ وإنما أراد حدته بشدة برده، فجعله كالمدى لمّا كان يقلص خصي الفحول فيجعلها كالخصيان.
وقوله: الكامل
يَغْشَاهُمُ مَطرُ السَّحابِ مُفَصَّلاً ... بِمُثَقَّفٍ ومُهَنَّدٍ وسِنَانِ
قال: يعني أن وقع السلاح بهم، كوقع المطر يأتي دفعة دفعة، وأراد بالسحاب الجيش وبالمطر الوقعات التي تقع بهم من هذه الأسلحة التي ذكرها، وهي تقع بهم مفصلة لأنهم يضربون تارة بالرماح وتارة بالسيوف.
وأقول: الأظهر؛ إن القتال كان في يوم مطر، وجعل قطر السحاب يهمي عليهم بمنزلة العقد، وهو مفصل بما ذكره من رمح وسيف وسنان كما يفصل العقد من الدر بغيره من الجوهر، وهذا من أحسن التشبيه وأغرب البديع.
وقوله: الكامل
رفَعَتْ بك العُرْبُ العِمَادَ وصَيَّرَتْ ... قِمَمَ الملوكِ مَوَاقِدَ النِّيرانِ
(5/274)

أي: قاتلوا الملوك وأوقدوا على رؤوسهم نار الحرب.
وأقول: لم يرد نار الحرب، وإنما أراد نار الحطب؛ أي: جعلت رؤوس الملوك أثافي القدور، موضع الأثافي من الحجارة؛ يصف عز العرب به وقهرهم وغلبهم من سواهم من الملوك حتى فعلوا بهم ذلك.
وقوله: البسيط
ولَّى صوارِمَهُ إكْذَابَ قولِهِمُ ... فهنَّ ألسِنَةٌ أفواهُهَا القِمَمُ
قال: ولى سيف الدولة سيوفه أن تكذبهم فيما قالوا من الصبر على القتال، فكذبتهم بقطع رؤوسهم، وجعلها كالألسنة تعبر عن تكذيبهم، وأمّا جعلها ألسنة جعل رؤوسهم كالأفواه لأنها تتحرك في تلك الرؤوس.
وأقول: إن كان أراد الرؤوس تبريتها عن الأجسام فلا يحسن التشبيه بأن تجعل أفواها للسيوف التي هي كالألسنة. وإن كان أراد بالقطع الشق فيها والتفليق منها فذلك أحسن، لأن بذلك تصير كالأفواه وهي فيها كالألسن، فلا يصلح التمثيل
وتكمل الاستعارة وتتحرك، كما ذكر في تلك الرؤوس، إلا على هذا التقدير، وهذا موضع لا يتنبه له إلا من نزع إلى هذه الصناعة بعرق وضرب فيها بقدح.
(5/275)

وقوله: البسيط
والنَّقْعُ يأخُذُ حَرَّاناً وبُقْعَتَها ... والشَّمسُ تُسْفِرُ أحْيَاناً وتَلْتَثِمُ
قال: حران على بعد من سروج؛ يعني أن الغبار وصل إليها لعظم الحرب.
وأقول: إنه توهم بالبيت الذي قبله، وهو قوله: البسيط
فَلَمْ تُتِمَّ سَرُوجٌ فَتْحَ ناظِرِهَا ... إلاَّ وجيشُكَ في جَفْنَيْهِ مُزْدَحِمُ
إنه كان قتال على سروج، وإن النقع لقوته واشتداده يصل منها إلى حران وبقعتها، وليس الأمر كذلك، بل حران وسروج من بلاد سيف الدولة متوسطة في مملكته، فليس النقع لقتال في تلك البلاد، وإنما ذلك صفة لكثرة جيشه في دخوله إلى بلاد الروم، وممره بحران وغيرها من بلاده، ولهذا قال بعده:
سُحْبٌ تَمُرُّ بِحصْنِ اللرَّان ممسِكَةً ... وما بهَا البُخْلُ لولا أنَّها نِقَمُ
فجعل هذا الجيش، لكثرته، يتوالى كالسحب، وتلك السحب على حصن الران وغيره من بلاده ممسكة لأنها نقم لا نعم وديم، لئلا يؤذيها ويهلكها. والشيخ الواحدي لا شك إنه غر من هذه البلاد لبعده عنها، فكان ينبغي - إذ لم يحققها - أن لا يفسرها ولا يتعرض لذكرها!
وقوله: البسيط
وجَاوَزوا أرْسَنَاياً مُعْصِمينَ به ... وكيفَ يَعْصِمُهُمْ ما ليس يَنْعَصِمُ
(5/276)

قال: يقول: قطعوا هذا النهر ممسكين بقطعه ليعصمهم عنك، وكيف يعصمهم ما ليس ينعصم منك لأنك تقطعه وتركبه بالسفن وراءهم.
فيقال له: لا حاجة به، في قطع أرسناس، إلى السفن مع وجود الخيل، ألا ترى إلى قوله قبل هذه القصيدة: الكامل
حتى عَبَرْنَ بأرْسَنَاسَ سوابحاً ... . . . . . .
وما بعده؟! فما بعد بذلك عهد ولا طال عليه طول، وإلى ما بعده ببيت من قوله، يعني ارسناس: البسيط
ضربْتَهُ بصدور الخيل. . . . . . ... . . . . . .
والذي يليه: البسيط
تَجَفَّلَ الموجُ عن لَبَّاتِ خيلِهمُ ... . . . . . .
فإن ذلك قريب منك غير بعيد عنك!
وقوله: البسيط
وفي أكُفِّهِمُ النَّارُ التي عُبِدَتْ ... قبلَ المَجُوس إلى ذَا اليومِ تَضْطَرِمُ
(5/277)

قال: يعني السيوف التي كانت مطاعة في كل وقت قبل إن عبدت المجوس النار، وهي نار تضطرم إلى هذا اليوم؛ أي تتوقد وتبرق.
وأقول: إنه جعل سيوفه وفضلّها على نار المجوس؛ بأن جعلها قبلها وبعدها في قوله:
. . . . . . ... قبلَ المَجُوس إلى ذَا اليوم تَضْطَرِمُ
وذلك أن نار فارس انطفأت عند مولد النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث، وهذه النار التي هي السيوف لم تنطفئ بل تضطرم إلى اليوم.
وقوله: البسيط
وقد تَمَنَّوا غداةَ الدَّرب في لَجَبٍ ... أنْ يُبصروكَ فلمَّا أبْصروكَ عَموا
ذكر عن ابن جني في تفسير عموا وجهين:
أحدهما: هلكوا وزالت أبصارهم.
والثاني: عموا عن الرأي والرشد.
قال: وكلاهما ليس بالوجه، وذكر وجها من عنده، وهو: أنهم أرادوا ان يبصروك
فلما أبصروك غضت هيبتك أبصارهم وعيونهم فكأنهم عموا.
(5/278)

وأقول: إن هذا الوجه لا يزيد على الوجه الثاني من شرح ابن جني، وفيه وجه رابع قد ذكرته قبل.
وقوله: البسيط
تَرُدُّ عنه قَنَا الفُرْسَانِ سَابغةٌ ... صَوْبُ الأسِنَّةِ في أثْنائِها دِيَمُ
قال: أي تمنع الرماح من النفوذ فيه درع سابغة، قد تلطخت بالدماء التي تسيل من الأسنة عليها.
وأقول: إنه لم يفهم معنى هذه الاستعارة، ولم يرد بصوب الأسنة الدم، وإنما يصف كثرة سقوط الأسنة على درعه فجعل ذلك كالديم في الكثرة.
وقوله: البسيط
أُجِلُّ قَدْرَكِ أن تُسْمَيْ مُؤَبَّنَةً ... ومن يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ للعَرَبِ
(5/279)

قال: مؤبنة: مرثية، من التأبين وهو مدح الميت، أي: أنت أجل من أن تعرفي باسمك، بل وصفك يعرفك بما فيك من المحاسن والمحامد التي ليست في غيرك.
وأقول: رواية ابن جني: مؤبنة من التأبين، وروى غيره: مؤنثة وذلك إنه لما قال مبتدئا: البسيط
يا أختَ خيْرِ أخٍ يا بنتَ خير أبٍ ... . . . . . .
أغناه أن يقول: يا خولة لأنه أجلها عن التسمية بالتأنيث إذ هو دون التذكير، فوصفها بصفات تغني عن التسمية وتقوم مقامها في التعريف بإضافتها إلى خير أخ وخير أب، لأن عنده إذا قيل ذلك عرف أنهما سيف الدولة وأبوه لاشتهارهما بالفضل على الناس. وانتصب مؤنثة بأنها مفعول ثان. ومن قال مؤبنة نصبها على الحال؛ أي: أجل قدرك في حال التأبين وإنما أصفك بصفات تقوم مقام الاسم.
وقوله: الخفيف
كلَّمَا صَبَّحَتْ دِيَارَ عَدُوٍّ ... قالَ تلكَ الغُيُوثُ هذي السُّيُولُ
قال: أي كلما أتت متوالية صباحا للغارة دار عدو، قال العدو: تلك التي رأينا قبل كانت بالإضافة إلى هؤلاء غيوثا عند الإضافة إلى السيول؛ يريد كثرة مواليه.
(5/280)

وقال ابن جني: هذا مثل: عنى بالغيوث سيف الدولة، وبالسيول مواليه، وذلك إن السيل عن الغيث يكون، كذلك مواليه، به قدروا وغزوا.
وأقول: المعنى ما قال ابن جني، ويحتمل أن تكون السيول النعم التي ذكرها قبل؛ تحيي مواليه، وتقتل أعاديه لكثرتها. وقد ذكرت فيه وجها آخر في شرح التبريزي.
وقوله: الطويل
بِعَزْمٍ يَسِيرُ الجِسْمُ في السَّرجِ راكباً ... به ويَسِيرُ القلبُ في الجسْمِ مَاشِيَا
قال: يقول: سرنا بعزم قوي كان الجسم، وهو مقيم في السرج، يسبق السرج، وكان القلب، وهو مقيم في الجسم، يسبق الجسم.
وأقول: هذا الذي قاله ليس بشيء! والوجه ما ذكرته في شرح الكندي آخرا.
وقوله: الطويل
نَجُوزُ عليها المُحْسِنينَ إلى الذي ... نَرَى عندهم إحسَانَهُ والأيَادِيَا
(5/281)

قال: أي نتخطى على هذه الخيل المحسنين؛ يعني سيف الدولة وعشيرته، إلى الذي يحسن إليهم وينعم عليهم وإنه فوقهم؛ يعني الأسود.
وأقول: لم يرد بقوله:
نَجُوزُ عليها المُحْسِنينَ. . . . . . ... . . . . . .
سيف الدولة وعشيرته، لأن أولئك خلاهم وراءه، وهم البياض والمآقي. وإنما عنى بالمحسنين من عداهم ممن جاوزه بعدهم في ولايته من دمشق إلى مصر.
وقوله: البسيط
ليتَ الحوادثَ باعَتْني الذي أخَذَتْ ... منِّي بِحِلْمِي الذي أعْطَتْ وتَجْريبي
قال: يقول: الحوادث أخذت مني الشباب، وأعطتني الحلم والتجربة، فليتها باعت ما أخذت مني بما أعطت.
قال: وهذا من قول ابن جبلة: الكامل
وأرَى اللَّياليَ ما طَوَتْ من قُوَّتي ... أدَّتْهُ في عَقْلي وفي إفْهَامي
فيقال له: إلا أن فيه زيادة وهو إنه تمنى أن يباع ما أخذ منه، وهو الشباب، بالذي
(5/282)

أعطيه وهو الحلم والتجربة. وذلك أن حال الشبيبة قد يجد فيه مثل ما أعطيه، ولا يجد في حال الشيب مثل ما اخذ منه، وجعل ذلك توطئة لما اعتزمه من مدح كافور بأنه شاب، وإن عنده ما عند الإنسان من الحلم والتجريب، وهذا من لطيف البديع، ودقيق التوليد والتفريع وحسن التخلص.
وقوله: البسيط
يَحُطُّ كلَّ طَويلِ الرُّمْحِ حَامِلُهُ ... عن سَرْجِ كلِّ طَويلِ البَاعِ يَعْبُوبِ
قال: يقول: حامل خاتمه ينزل الفارس الطويل الرمح من سرج الفرس، وذلك أن الفرس إذا رأى خاتمه سجد له فنزل عن فرسه.
وأقول: يحتمل أن يكون حامله فاعلا ومفعولا، والأحسن أن يكون مفعولا صفة أو بدلا من كل طويل الرمح، والفاعل في البيت الأول: البسيط
. . . . . . طينُ خَاتَمِهِ ... . . . . . .
وذلك إنه إذا رآه حطه عن سرجه هيبة له وخوفا منه، ونفاذا لأمره وانساط قدرته من غير واسطة؛ لأن حامله أن حطه - أعني: كل طويل الرمح - برؤيته إياه فهو
(5/283)

الأول، وإن حطه بجذبه وإكراهه على النزول فليس بشيء، لأن الأول اسهل وابلغ، وجعل حامله مفعولا بدلا من كل تأكيد لطويل الرمح إنه حامله، واحتراز
من ان يكون غير حامله، فحطه مع ذلك أبلغ.
وقوله: البسيط
ولا يَرُوعُ بمَغْدورٍ به أَحَداً ... ولا يُفَزِّعُ مَوْفُوراً بِمَنْكُوبِ
قال: أي لا يغدر بأحد من أصحابه ليروع به غيره، ولا ينكب أحدا بظلم وأخذ مال ليفزع به موفورا، وهو الذي لم يؤخذ ماله أي إنه حسن السيرة.
وأقول: لم يكن كافور عند أبي الطيب ولا عند غيره بهذه الصفة، وإنما مدحه بذلك ليلزمه به خوفا على نفسه وماله منه، كما بالغ في مديح عضد الدولة بحفظ الطرق وأمن السبل بقوله: الوافر
أُرُوضُ النَّاسِ من تُرْبٍ وخَوْفٍ ... وأرْضٍ أبي شُجاعٍ في أمَانِ
وما بعده في ذلك، وهي خمسة أبيات1، والصحيح إنها اربعة، وذلك حذق منه وفطانة به ليؤكده عنده، ويزيده محافظة عليه، وكل ذلك خوفا على نفسه، وإشفاقا على ماله، لما رأى من خشونة تلك البلاد، ووعورة تلك الجبال، ومع ذلك فلم ينج حذر من قدر، والذي خاف منه وقع فيه!
(5/284)

وقوله: البسيط
فُتْنَ المَهَالِكَ حتَّى قالَ قائِلُهَا ... ماذا لَقِينَا من الجُرْدِ السَّراحِيبِ
قال: قال ابن جني: أي ضجت المفاوز من سرعة خيلي ونجاتها وقوتها، وعلى ما قال: المهالك: المفاوز.
والمعنى أن خيله قطعت المفاوز حتى لو كان بها قائل لقال: ماذا لقينا من هذه الخيل، وتذليلها إيانا بالوطء، وقطعها البعد في سرعة، ونجاتها من غوائل الطرق.
وقال ابن فورجة: المهالك إذا أطلقت لم يفهم منها المفاوز، وإنما يفهم الأمور المهلكة، يعني أن هذه الخيل لم يعلق بها شيء من الهلاك، حتى تعجبت المهالك من نجاتها بسلامة منها.
هذا كلامه.
وآخر البيت يدل على ما قال ابن جني.
وأقول: أما قول ابن فورجة: إن المهالك إذا أطلقت لم يفهم منها المفاوز فغير صواب، وذلك لأن المهلكة المفازة، وقد استشهد عليها ببيت معروف وهو قول الخنساء: البسيط
ورُفْقَةٌ حَارَ هاديها بمَهْلَكَةٍ ... كأنَّ ظُلْمَتَهَا في اللُّجَّةِ القَارُ
ولا خلاف أن الفلاة تسمى مهلكة فجمعها على مهالك وكذلك سميت الفلاة مفازة تفاؤلا بالسلامة والظفر، واشتياقا من التطير بذكر الهلاك، لأن أصلها
(5/285)

مهلكة. فما ذكره ابن جني وجه حسن، وما ذكره ابن فورجة مثله في الجودة. وأما قول الواحدي: أن آخر البيت يدل على ما قال ابن جني؛ يعني: ولا يدل على ما قال ابن فورجة، فغير سديد لأن قوله:
. . . . . . ... مَاذَا لَقِينَا من الجُرْدِ السَّرَاحيبِ
يجوز أن يستعار هذا القول للمفاوز، كما ذكر، ويجوز أن يستعار للأمور المهلكة؛ كأنها تقول للخيل: ماذا لقينا منها بتنجيتها من أردنا إهلاكه، وتسليمها من حاولنا إتلافه؛ لأن القول منهما استعارة ومجاز لا حقيقة.
وقوله: الطويل
أبَى خُلُقُ الدُّنْيَا حَبيباَ تُدِيمُهُ ... فما طَلَبي منها حَبِيباً تَرُدُّهُ
قال: تديمه: من فعل الدنيا، وكذلك ترده؛ أي: تدفعه. ويجوز أن يريد: ترده إلى الوصل.
فيقال له: الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرتهما هو الصحيح الجائز، والأول لا يجوز لأن ذلك لا يطلب، والبيت الذي بعده يدل على ما قلت، وهو قوله: الطويل
وأسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّراً ... تَكَلُّفُ شِيْءٍ في طباعِكَ ضِدُّهُ
يقول: إن الدنيا من طباعها التفرقة بين الأحباء فكيف أروم منها رد الحبيب؛ أي وصله والاجتماع به، وهو ضد طباعها. فترده بمعنى تدفعه لا معنى له.
(5/286)

وقوله: الطويل
ووعدُكَ فِعْلٌ قبل وَعْدٍ لأنه ... نَظِيرُ فَعَالِ الصَّادق القَوْلِ وَعْدُهُ
كان كافور وعد أبا الطيب وحلف له ليبلغنه جميع ما في نفسه، لمّا أنشده القصيدة المهموزة يهنئه بالدار، وكان في نفس أبي الطيب الولاية، والارتفاع عن درجة الشعر لكثرة فضله، وعزة نفسه وانفه لمّا أسن وكبر عن قيامه قيام المنشد المستعطي تارة والمستعطف أخرى، وكان لا يطمع بذلك من سيف الدولة ولا يخرجه عن كونه شاعرا. فهذا من بعض أسباب فراقه له، ولم يفارقه من قلة عطاء، لأن اقطاعه له كان كثيرا؛ فهذا مقطعا قرية اسمها بصف، مغلها، كما ذكر، عشرة آلاف دينار، وهذا سوى الإطلاق والخلع التي كانت تصير إليه في كل عام، فحمله البطر والكبر والأنفة من الشعر، على أن فارقه وأوقع في نفسه إنه يصير إلى كافور، وهو أسود خصي، يتلهى به ويخدعه ليوليه بعض الولايات فيتقوى بها فربما غلبه على ما في يده، أو أقام على طاعته فزاد ماله، وارتفع شانه، وعلت منزلته، ورأى سيف الدولة إنه قد زاد عما كان عليه عنده، وارتفع عما كان يسومه منه. فاقتضى كافورا بهذا البيت والأبيات التي بعده، وسامه أن يجربه ببعض أعماله، ويختبره ببعض أشغاله، ليعلم موقعه من حسن التدبير وجودة السياسة، فانعكس عليه قياسه، وانتفض رأيه مما لقي من هوان كافور له بقيامه بين يديه، وتوكيله عليه، وقلة اهتمامه به وكثرة غفلته عنه، أضعاف إكرام سيف الدولة له، وقربه منه! وهذه الأبيات، بل القصيدة من جيد الشعر وحر الكلام.
(5/287)

وقوله: الطويل
فَأحسن وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُحْسِنٍ ... وأيْمَنُ كفٍّ فيهُمُ كفُّ مُنْعِمِ
قال: هذا البيت يوري عن هجائه بقبح الصورة، وإنه لا منقبة له يمدح بها غير إنه أن أحسن الإعطاء فوجهه أحسن الوجوه بالإحسان، ويده أيمن الأيدي بالإنعام، وكذلك البيت الذي بعده.
وأقول: ليس في هذا البيت ولا الذي بعده تورية عن هجائه بقبح صورته وإنه لا منقبة له يمدحلها، ولا ما يدل على ذلك، ولكن إن كان فيه تعريض له بالعطاء، وتحريض عليه فربما؛ كأنه يقول: لا يشينك سوادك إن كنت محسنا كما ان غيرك لا يزينه بياضه إن كان مسيئا، بل أحسن الوجوه وجه محسن.
وقوله: الطويل
وما عَدِمَ اللاَّقوكَ بأساً وشِدَّةً ... ولكنَّ من لاقَوْا أشَدُّ وأنْجَبُ
(5/288)

قال: يقول: لم يعدم هؤلاء الذين لقوك محاربين شجاعة وشدة إقدام، أي كانوا شجعاء اشداء، ولكن أصحابك كانوا أشد منهم وأنجب، وهو كقول زفر بن الحارث: الطويل
سَقَيْنَاهُمُ كأساً سَقَوْنَا بِمِثْلِهَا ... ولكنَّهم كانوا على المَوْتِ أصْبَرَا
وأقول: إن قوله: ولكن أصحابك كانوا أشد منهم وأنجب ليس بشيء! ولو قال: ولكنك أنت كنت أشد منهم وأنجب، ورد الفعل إليه لكان هو الوجه، وقوله: الطويل
ثَنَاهُمْ. . . . . . ... . . . . . .
فيما بعد، يدل على ما قلت، ويكون أصحابه في ذلك تبعا له، فلا تجعل لهم دونه.
وقوله: الخفيف
كلَّمَا أنْبَتَ الزَّمَانُ قَنَاةً ... رَكَّبَ المَرْءُ في القَنَاةِ سِنَابَا
(5/289)

قال: يقول: إذا انتدب الزمان للإساءة بما جبل عليه صارت عداوة المعادي مددا لقصده فجعل القناة مثلا لما في طبع الزمان، وجعل السنان مثلا للعداوة.
وأقول: هذه العبارة غير مرضية، والجيد لو قال: جعل الدهر، بما عرف من غدره بأبنائه، إذا انبت قناة فكأنما أنبتها لأذاهم ولم يقنع أحدنا منه بذلك الأذى حتى زاده بأن ركّب في تلك القناة سنابا، وذلك مثل لعداوة بعضنا بعضا، وهذا البيت تفسير لما قبله من قوله: الخفيف
وكأنَّا لم نَرْضَ فِينَا بِرَيْبِ ال ... دَّهْرِ حتَّى أعَانَهُ من أعَانَا
وهو من قول الآخر: الطويل
أعَانَ عليَّ الدَّهْرَ إذ حَكَّ بَرْكَهُ ... كَفَى الدَّهْرُ لو وكَّلْتَهُ بي كافِيَا
وقوله: الخفيف
غَيْرَ أنَّ الفَتَى يُلاقِي المَنَايَا ... كَالِحاتٍ ولا يُلاقِي الهَوَانَا
قال: يعني إن الحر أحب إليه الموت من أن يلقى ذلا وهوانا.
وأقول: إنه هوّن مراد النفوس فيما قبل وحقّره في جنب التعادي والتفاني فيه، ثم استثنى منه ما أفضى تركه إلى هوان، فإن لقاء الموت كالحا دون لقائه.
(5/290)

وقوله: الوافر
زمَلَّنِيَ الفِراشُ وكانَ جَنْبي ... يمَلُّ لِقَاَءهُ في كُلِّ عامِ
قال: يعني إن مرضه قد طال حتى مله الفراش، وكان هو يمل الفراش، وإن لاقى جنبه في العام مرة واحدة لأنه أبدا كان يكون في السفر.
وأقول: قوله: مرة واحدة ليس بشيء! لأنه لا دليل في الكلام عليه، والمعنى ذكرته في شرح الكندي.
وقوله: الوافر
إذا ما فَارقَتْني غَسَّلَتَنْي ... كأنَّا عاكِفَانِ على حَرَامِ
قال: يريد إنه يعرق عند فراقها فكأنها تغسله لعكوفهما على ما يوجب الغسل، وإنما خص الحرام لحاجته إلى القافية وإلا فالاجتماع على الحرام كالاجتماع على
الحلال في وجوب الغسل.
وأقول: ليس ذلك لحاجته إلى القافية، وإنما ذلك لمعنى لم يتنبه له، وهو إنه لمّا قال: الوافر
وزَائِرَتي كأنَّ بها حَياءً ... فليسَ تَزُورُ إلاَّ في الظَّلامِ
أخبر إنها غريبة منه؛ أي: معشوقة له وليست بزوج ولا سرية، فعكوفهما على جماع لا يكون إلا من حرام!
(5/291)

وقوله: الوافر
كأنَّ الصُّبْحَ يَطْرُدُهَا فَتَجْري ... مَدَامِعُهَا بأربْعَةٍ سِجَامِ
قال: يعني إنها تفارقه عند الصبح فكأن الصبح يطؤدها، وكأنها تكره فراقه فتبكي بأربعة آماق؛ يريد كثرة الرخصاء، والدمع يجري من المؤقين فإذا غلب وكثر جرى من اللحاظ أيضا فأراد بالأربعة: لحاضين ومؤقين. ولك يعرف ابن جني هذا فقال: أراد الغروب وهي مجاري الدمع، والغروب لا تنحصر بأربعة ذات سجام فحذف المضاف.
فيقال له: أما قولك: الدمع يجري من المؤقين فصحيح.
وأما قولك: إذا كثر حري من اللحاظ فليس بمعروف، والصحيح ما قال ابن جني وذلك ان لكل عين غربين، فلذلك قال: بأربعة سجام؛ قالت فاطمة الخثعمية: الكامل
يا عَيْنُ بَكِّي عند كلِّ صَبَاحِ ... جُودي بأربعةٍ على الجِرَّاحِ
تريد العينين.
(5/292)

وقوله: الطويل
لياليَ عند البِيضِ فَوْدايَ فِتْنَةٌ ... وفَخْرٌ وذاكَ الفَخرُ عِنْدِيَ عَابُ
قال: تمنيت ذاك ليالي كان رأسي فتنة عند النساء لحسن شعري وسواده، وكن
يفتخرن بوصلي وذاك الفخر عيب عندي لأني أعف عنهن، وازهد في وصالهن.
وأقول: إن قوله: وكن يفتخرن بوصلي ليس بشيء! وإنما يريد: يفتتن بشعري لحسنه ويرينه فخرا لي لشرفه عندهن بسواده وطوله، وأنا أراه عابا لأنه علامة ومظنة للصبا وذلك يدعو إلى اللهو والجهل، وأنا حينئذ أريد الجد في الأمور، وحسن الذكر، وعلو القدر، وأرى الفخر في ذلك لا في سواه. فقوله: يفتخرن بوصلي لا يدل عليه اللفظ، ولا هو حسن في المعنى لأن النساء لا يفتخرن بذلك.
وقوله: الطويل
وعن ذَمَلانِ العِيسِ إنْ سَامَحَتْ به ... وإلاَّ فَفِي أكوارِهِنَّ عُقَابُ
قال: يقول: أنا غني عن سير الإبل، أن سامحت بالسير سرت عليها وإلا فأنا كالعقاب الذي لا حاجة به أن يُحمل.
(5/293)

وأقول: هذا الذي ذكره هو قول ابن جني وغيره، وليس بشيء! والمعنى ما ذكرته في شرحه.
وقوله: الطويل
وغَيْرُ فُؤَادي للغَوَاني رَمِيَّةٌ ... وغَيْرُ بَنَاني للزُّجاجِ رِكَابُ
قال في تفسير عجز البيت: بناني لا تصير مركبا للزجاج؛ أي: لا احمل كأس الخمر بيدي.
وروى ابن جني: للرخاخ بالخاء معجمة، وقال في تفسير البيت: أي لست ممن يصبو إلى الغواني واللهو بالشطرنج.
وقال ابن فورجة: البنان ركاب للقدح، وأما الرخ فالبنان راكبة له في حال حمله. وأيضا فإنها كلمة أعجمية لم تستعملها العرب القدماء الفصحاء. وأيضا فإن التنزه عن شرب الخمر أليق بالتنزه عن الغزل من التنزه عن لعب الشطرنج.
فيقال لهما: يجوز أن يكون البنان ركابا للرخ وان كانت فوقه لأنها حاملته ويكون
مثل قول بعضهم ملغزا في نعل: المنسرح
وَجْرَةٍ أشْتَكي إذا نَقِبَتْ ... تَحْمِلُني ماشِياً وأحْمِلُهَا
فاعْجَبْ لها في المَسِيرِ يَعْمَلَةً ... تُعْمِلُني فَوْقَهَا وأُعْمِلُهَا
وأما قوله: لم تستعمل هذه اللفظة العرب فيقال له: لاشك أن هذه الآلة كانت
(5/294)

موجودة مستعملة في زمانهم، لعب بها جماعة من الصحابه، وهم عرب، وكانوا يسمونها بهذه الأسماء المعروفة في قطعها. على إنه يقال: لعل العرب إنما لم تستعمل هذه اللفظة أو الألفاظ لأنها لم تلعب بهذه الآلة وتتعاطاها فتحتاج إلى تسميتها والتعبير عنها، وذلك لا يخرجها من الوجود، ولا يمنع من تسمية هذه الآلة الكثيرة الاستعمال والمعاطاة بأسماء تحصل بها الإبانة والفائدة فتقر على ما وضعها واضعها وإن كان أعجميا، وتكون من جنس الأسماء التي أفقت موافقة الأعجمية فيها العربية نحو يعقوب وإسحاق وما أشبههما.
وأما قوله: التنزه عن شرب الخمر أولى من التنزه عن لعب الشطرنج، فيقال له: هو كما قلت إلا أن ابن جني اعتبر قافية البيت الذي يليه وهو قوله: الطويل
. . . . . . ... وليسَ لنا إلاَّ بِهنَّ لِعَابُ
فرأى أن استعمال لفظ اللعب أكثر وأولى بالشطرنج من اللعب بالأقداح فلذلك اختار الرخاخ، بالخاء، على الزجاج، بالجيم.
وقوله: الطويل
وأوسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْراً وخَلْفَهُ ... رِمَاءٌ وطَعْنٌ والأمامَ ضِرَابُ
قال: قال ابن جني: يقول: أوسع ما يكون صدرا إذا تقدّم في أول الكتيبة يضرب بالسيف وأصحابه من ورائه ما بين طاعن ورام.
(5/295)

قال ابن فورجة: جعل ابن جني الرماء والطعن من أصحاب الممدوح، ولا يكون هناك كثير مدح؛ لأن كل أحد إذا كان خلفه من يرمي ويطعن من أصحابه؛
فصدره واسع وقلبه مطمئن. وإنما أراد: خلفه رماء وأمامه طعن من أعدائه، وإنما المعنى: فإذا كان في مضيق من الحرب قد أحاط به العدو من كل جانب، لم يضجر، ولم يعد ذلك لضيق صدره.
فيقال له: الذي قاله ابن جني صحيح، والذي اعترضه ابن فورجة ليس بشيء، وذلك أن الرماء والطعن إذا كان خلفه من أصحابه في أعدائه، فلا بد أن يكون بعض أعدائه خلفه أيضا، فهو أمامهم متقدم يضرب بالسيف من هو قدامه وهم متأخرون عنه يطاعنون ويرامون. ولم يرد أبو الطيب ولا ابن جني إنه متقدم وأصحابه يتبعونه من ورائه محامين ومدافعين عنه؛ هذا لا طائل فيه وإنما في هذا الكلام تفضيل الممدوح بإفراط تقدمه على أصحابه ضاربا بالسيف وتأخرهم عنه مطاعنين ومرامين، وإشارة إلى قول زهير، وإن انحط عنه: البسيط
يَطْعَنُهُمْ في الوَرَى إذا اطَّعَنُوا ... ضارَبَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعْتَنَقَا
وأما قوله: وخلفه رماء وأماه طعن فليس ذلك في الكلام، ولا يكون هذا مثل قوله: مجزوء الكامل
(5/296)

يا ليتَ زَوْجَكِ قد غَدَا ... متَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا
لأن الكلام تام على ما ذكر فلا حاجة به إلى التقدير كحاجة ذلك، ولا يجوز ذلك مع الإلباس.
وقوله: الطويل
أرَى لي بِقُرْبي منكَ عَيْناً قَرِيرَةً ... وإنْ كانَ قُرْباً بالبِعَادِ يُشَابُ
قال: يقول: عيني قريرة بالقرب منك لحصول مرادي، وإن كان هذا القرب مستويا بالبعاد عن الوطن والأحبة.
وأقول: لم يرد ما فسره، من إنه مشوب بالبعاد عن الوطن والأحبة، ولكنه مشوب بالبعاد عما وعده إياه وأطمعه به من الإقطاع والولاية، وهو قوله: الطويل
إذا لم تُنِطْ بي ضَيْعَةً أو ولايةً ... فجودُكَ يَكْسُوني وشُغْلُكَ يَسْلُبُ
والبيت الذي بعده يدل على ما قلته وهو قوله: الطويل
وهَلْ نَافِعِي أنْ تُرْفَعَ الحُجْبُ بَيْنَنَا ... ودونَ الذي أمَّلْتُ منكَ حِجَابُ
أي: لا ينفعني قربي منك أن ترفع الحجب بيني وبينك ودون أملى منك حجاب. وأمله منه هي الولاية المشئومة عليه التي لو قدرت له لما قنع فيها بالمتنبي دون التأله!!
(5/297)

وقوله: البسيط
جَازَ الأُلَى مَلَكَتْ كفَّاك قَدْرَهُمُ ... فَعُرِّفُوا بك أن الكَلْبَ فَوْقَهُمُ
قال: يقول: هؤلاء الذين تملكهم تجاوزوا قدرهم بالبطر والطغيان فملكت عليهم تحقيرا لهم، ووضعا من قدرهم حين ملكهم كلب.
وأقول: يحتمل ان يقال: هؤلاء الذين ملكتهم جازوا قدرهم في الفخر والعلو على الناس، فعُرفوا، أي: بُين لهم بانتمائهم اليك، وبملكك لهم، أن الكلب فوقهم، أي: يعلوهم ويفضلهم، وأن يقال: فبُين لهم إن الذي يملكهم كلب في الخسة والدناءة واللُّؤم، فهذا معنى قوله: الكلب فوقهم.
وقوله: فملكت عليهم تحقيرا لهم ووضعا من قدرهم - وهو تفسير: فعُرفوا بك - ليس بشيء! لأنه يدل على أن بطرهم وفخرهم كان قبل تمليكه لهم، وليس كذلك، بل إنما كان منهم بتمليكه لهم فأرادوا به الارتفاع، فحصل لهم الاتضاع فالوجه الصحيح ما فسرته.
وقوله: البسيط
ما أقْدَرَ اللهَ أنْ يُخْزي خَلِيقَتَهُ ... ولا يُصَدِّقَ قَوْماً في الذي زَعَمُوا
(5/298)

قال: يقول: الله تعالى قادر على إخزاء الخليقة؛ بأن يملك عليهم اسما ساقطا من غير أن يصدق المُلحدة الذين يقولون بقدم الدهر؛ يشير إلى أن تأمير مثله إخزاء
الزمان، والله تعالى فعل ذلك؛ عقوبة لهم، وليس كما تقول الملحدة.
وأقول: يحتمل أن يكون أراد بالخليقة اختراع الكذب، ويخزي: يبعد، من قولهم: أخزاه الله؛ يقول: الله - سبحانه - قادر على أن يبعد ولايته المكذوبة، ولا يصدق قوما في قولهم: إنما ثم صانع للعالم، ولو كان ثم صانع لما ولاَّه، أو لما أدام ولايته. وهذا كأن فيه معنى الدعاء عليه كقول الآخر: البسيط
ما أقْدَرَ الله أنْ يُدْني على شَحَطٍ ... من دَارُهُ الحَزْنُ مِمَّنْ دَارُهُ صُولُ
وقوله: الوافر
تَشَابَهَتِ البَهَائمُ والعِبِدَّى ... عَلَيْنَا والمَوالي والصَّمِيمُ
قال: العبدى: العبيد.
يقول: عم الجهل الناس كلهم؛ الذين هم عبيد الله حتى أشبهوا البهائم في الجهل، وملك المملوكون، فالتبس الصميم، وهو الصريح النسب الخالص، يعني: الأحرار بالموالي وهو الذين كانوا عبيدا ارقاء، وذلك أن نفاذ الأمر يترجم عن علو القدر،
(5/299)

والإمارة إذا صارت إلى اللئام التبسوا على هذا الأصل بالكرام؛ يعني أن التمليك إنما استحقه الكرام فإذا صار إلى اللئام ظنوا كراما.
وأقول: لم يرد بالعبدى جمع الناس الذين هم عبيد الله إنما يريد العبيد الذين هم مماليك. يقول: إن الناس قد تغيرت وفسدت؛ حتى تشابهت العبيد وهم ممن يفهم، بالبهائم التي لا يفهم؛ أي: تساووا في الجهل وعدم الفهم والتحصيل، وتشابهت الموالي وهم المعتقون بالصريحي الأنساب في اللؤم والدناءة. وما ذكره من أن نفاذ الأمر يترجم عن علو القدر. . . . . . إلى آخره غير مرضي.
وقوله: الوافر
وما أدْري إذا دَاءٌ حَدِيثٌ ... أصَابَ النَّاسَ أمْ دَاءٌ قَدِيمُ؟
قال: يقول: هذا الذي أصاب الناس من تمليك العبيد واللئام عليهم حدث الآن أم هو
قديم؟
فيقال له: لم يرد تمليك العبيد واللئام، ولم يجر لذلك ذكر، ولا اشتمل عليه لفظ، وإنما يشير إلى تشابه الأجناس التي ذكرها، والتباسها عليه فقال: وما أدري، وهو يدري، وإنما تجاهل لتأكيد الندم بحصول الاشتباه بينها وهو مثل قول زهير: الوافر
وما أدْري وسوفَ إخَالُ أدْري ... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ
(5/300)

وقوله: الوافر
ولمَّا أنْ هَجَوْتُ رأيتُ عِيّاً ... مَقَالي لابْنِ آوَى يَالَئِيمُ
قال: يقول: لما هجوته، وهو ظاهر اللؤم؛ كان نسبتي إياه إلى اللؤم عيا، لأن التكلم بما لا يحتاج فيه إلى بيان عي، ومن قال لابن آوى، وهو من أخس السباع: يا لئيم كان متكلفا.
وأقول: قوله: إن التكلم بما لا يحتاج فيه إلى بيان عي حسن، وذلك كمن قال للشمس: هي مضيئة، أو للنار: هي حارة فإن وصفهما بذلك، مع بيانه، بمنزلة العي والخرس إذ لا فائدة فيه للسامع؛ لأنه يعلم ذلك ضرورة.
وقوله: ومن قال لابن آوى، وهو من أخس السباع: يا لئيم كان متكلفا ليس بشيء! لأن الأخس هو الأحقر، ولعل في السباع ما هو أحقر منه. ولو قال: وهو من ألأم السباع، للؤم اصله؛ لأنه لا يعرف له أب، وذلك إشارة إلى قول الشاعر: الطويل
وما خبرُهُ إلاَّ كآوَى يُرَى ابنُهُ ... ولم يُرَ آوَى في الحُزونِ ولا السَّهْلِ
لأصاب المعنى وأحسن العبارة.
وقوله: البسيط
لا يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُ ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ
(5/301)

قال: يقول: لا يباشر الموت بيده قبض أرواحهم؛ تقززا واستقذارا لهم.
وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى قد ذكرته أولا وآخرا.
وقوله: البسيط
العَبْدُ ليسَ لِحُرٍّ صَالحٍ بأخٍ ... لَوَ إنه في ثيابِ الحُرِّ مَوْبودُ
قال: يقول: العبد لا يؤاخي الحر لما بينهما من التباعد في الأخلاق، وإن ولد العبد في ملك الحر، وهذا إغراء لابن سيده به! يعني أن الأسود وإن أظهر له الود؛ فليس له بمصاف مخلص.
وأقول: يقول لا ينبغي لحر صالح، أن يتخذ عبدا صديقا وأخا ولو ولد في ثيابه؛ أي: نشأ معه وهو طفل على سنه؛ لأن العبد لا تلائم طباعه طباع الحر للؤم أصله. وليس هذا، كما قال، إغراء لابن سيده به، ولكن هذا تبيين لكل أحد، وإشارة من أبي الطيب بذلك إلى نفسه في ترك الاغترار بكافور والركون إلى قوله.
(5/302)

وقوله:
إنَّ امرأً أمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُ ... لَمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْؤودُ
قال: جعل الأسود أمة لعدم آلة الرجال، وجعله حبلى لعظم بطنه، وكذا خلقه الخصيان، وهذا تعريض بابن سيده؛ يقول: الذي صار تدبيره إلى من هذه صفته فهو مظلوم مصاب العقل.
وأقول: قوله:
. . . . . . ... لَمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْؤودُ
أي: مستذل، حزين، مصاب الفؤاد. وفسر ابن جني، وتبعه الواحدي، مفؤود ذاهب العقل.
قال: كأنه أصيب فؤاده بسهم أو غيره، يقال: فادت الظبي: أفاده؛ إذا أصبت فؤاده. وإصابة فؤاده لا يعبر بها عن ذهاب عقله، ولا يصح هذا إلا على أن
يجعل الفؤاد القلب العقل لقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي: عقل، هكذا فسر. وليس المعنى في هذا البيت تعريض بابن سيده، ولكن تعريض بنفسه، وإزراء بها في مقامه عنده، ممتثلا أمره، قابلا حكمه، متدبرا رأيه، لا يفارقه فيأبى الضيم، ويأنف من الذل، ولهذا قال فيما بعد: البسيط
وَيْلمِّهَا خُطَّةً وَيْلُمِّ قابِلِهَا ... لِمِثْلِهَا خُلِقَ المَهْرِيَّةُ القُودُ
(5/303)

أي: لمثل هذه الخطة والحالة الصعبة، خُلقت الإبل الكرام؛ يعني: للنجاء عليها، ومفارقة الذل بها، وهذا دليل على ما قلته، وأنه أراد بالضمير في تدبره نفسه لا ابن سيده. ولو نظر الواحدي إلى البيت الثاني وما بعده وتدبره، لم يفسر الأول على ما فسره. وما رأيته، مع حذقه، يتفقد هذه المواضع التي هي أصل التفسير، ليأمن التناقض والاختلاف، بل وقع في كثير منها.
وقوله: الطويل
لَقَدْ كنتُ الغَدْرَ عن تُوسِ طَيِّىءٍ ... فلا تَعْذُلاني رُبَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ
قال: يقول: كنت أقول أن طيئا لا تغدر، ولم تكن آباؤهم غدارين فلا تعذلاني إن غدر هذا لأنه ليس من الأصل الذي يدعي من طيئ.
وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . ربَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ
أي: رب صدق يكذبه الناس، يعني: كنت صادقا في نفي الغدر عن طيئ، وإن كذبني الناس لأجل وردان بادعائه إنه من طيئ، ويريد إنه صادق أن وردان ليس من طيئ. ولم يعرف ابن جني هذا فقال: رجع عن نفي الغدر عنهم، وليس في البيت ما يدل على رجوعه عن نفي الغدر.
(5/304)

فيقال: بل الصحيح إنه ليس في البيت ما يدل على أن وردان ليس من طيئ والذي ذكرته خبط وتخليط، والذي ذكره ابن جني ظاهر، وذلك إنه اقسم لصاحبيه فقال:
والله لقد كنت أنفي الغدر عن القدماء من طيئ فلا تعذلاني على ذلك بما ظهر من غدر وردان؛ فأني فيما قلت صادق، والصدق قد يكذب في بعض الأحيان؛ يعني أن القدماء منهم أهل وفاء إلا هذا حدث فيهم؛ يعني وردان فإنه غدَّار.
وقوله: المتقارب
ألاَ كُلُّ مَاشِيَةِ الخَيْزَلَى ... فَدا كلِّ مَاشِيَةِ الهَيْدَبى
وكلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... خَنُوفٍ ومَا بِيَ حُسْنُ المِشَى
قال في تفسير البيت الأول: يقول: فدت كل امرأة تمشي الخيزلي كل ناقة تمشي الهيدبى، وذلك وهم لأن الهيدبى من مشى الخيل، قال امرؤ القيس: الطويل
على كُلِّ مَقْصُوصِ الذُّنابَى مُعَاوِدٍ ... بَرِيدَ السُّرَى في اللَّيلِ من خَيْلِ بَرْبَرْا
إذا رُعْتَهُ من جانِبَيْهِ كِلَيْهِمَا ... مَشَى الهَيْدبَى في دَفِّهِ ثم فَرْفَرا
(5/305)

وقال في تفسير البيت الثاني: يقول: لا أحب مشية النساء؛ وما بي إلى ذلك ميل، وإنما أحب كل ناقة خفيفة المشي.
وأقول: لو أن المعنى على ما ذكر من إنه لا يحب مشى النساء، ويحب مشي الجمال لقال في البيت الثالث: لأنهن ولم يقل ولكنهن. والمعنى إنه لما قال:
ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيْزَلَى ... . . . . . .
ويعني بذلك النساء:
. . . . . . ... فِدَا كُلِّ مَاشِيَةِ الهَيْدَبَى
ويعني بذلك الخيل، وفدى كل نجاة بجاوية خنوف، وهي الناقة التي ترمي بيديها إلى وحشيها، والخناف: ضرب من مشي الإبل، قال الأعشى: الطويل
أجَدَّتْ بِرِجْلَيْها نجاءً وَراجَعَتْ ... يَداهَا خِنَافاً لَيِّناً غيرَ أحْرَدَا
وهو يرى أن مشي الخيل عنده ومشي الإبل أحسن من مشى النساء لجده في الأمور وطلبه للمعالي وتركه للهو والغزل، قال:
. . . . ... . . . . . . ومَا بِيَ حُسْنُ المِشَى
أي: ما قصدي ومرادي حسن المشى وتفضيلي للخيل عليهن في ذلك، ولكن لما هو أحسن وأفضل من ذلك وهو ما استدركه من قوله: المتقارب
ولكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحياة ... وكَيْدُ العُداةِ ومَيْطُ الأذَى
وقد وهو في اعتقاده أن الهيدبى من مشي الإبل، وذلك لما رآه قد عطف قوله:
(5/306)

وكل نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... . . . . . .
وهي من صفات الإبل، على قوله:
. . . . . . ... . . . . . . ماشِيَةِ الهَيْدَبَى
توهم إنه عطف لتأكيد الوصف للإبل وذلك خطأ لما ذكرته.
وقوله: المتقارب
وشِعْرٍ مَدَحْتُ به الكَرْكدَنْ ... نَ بين القَرِيضِ وبين الرُّقَى
قال: يقول: هو شعر من وجه ورقية من وجه، لأني كنت أرقبه لأخذ ماله.
وأقول: الجيد لو قال: لأسلم منه، كذات السموم التي ترقى خوفا من أذاها.
وقوله: المتقارب
فما كانَ ذلك مَدْحاً لَهُ ... ولكنَّهُ كانَ هَجْوَ الوَرَى
قال: يقول: لم يكن ذلك الشعر مدحا له، ولكنه كان في الحقيقة هجوا للخلق كلهم حيث أحوجوني إلى مدحه.
وقال ابن جني: إذا كانت طباعه تنافي طباع الناس كلهم سفالا ثم مدح فذلك
(5/307)

هجوهم لأن فيه إرغامهم، ومدحا لما ينافي طباعهم.
فيقال له: هذا ليس بشيء!
والقول غير قولك وقول ابن جني، وهو ما ذكرته في شرح الكندي.
وقوله: البسيط
وإنْ تَكُنْ مُحْكماتُ الشُّكْلِ تَمْنَعُني ... ظُهورَ جَرْيٍ فلي فيهنَّ تَصْهَالُ
قال: يقول: إن لم تكن عندي مكافأة بالفعل؛ فعندي مكافأة بالقول. والمعنى: إن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور؛ فإني أمدحك إلى أوان، ذلك كما أن الجواد إذا شكل عن الحركة صهل شوقا إليها. وكان فاتك يسر خلاف الأسود، وينطوي على بغضه ومعاداته، وكان أبو الطيب يحبه ويميل إليه ولكن ليس يمكنه إظهار ذلك خوفا من الأسود.
وأقول: الجيد أن يقال: إنه يقول: إن لم أقدر على مهاداتك ومجازاتك بالبذل والعطاء، لعلو قدرك، وعظم شأنك، وضيق مالي عن ذلك، فجعل نفسه جوادا،
(5/308)

وجعل الإقلال له بمنزلة الشكال الذي يمنعه عن الجري وهو المجازاة بالعطاء، فإني أجازيك بالقول؛ أي: بالمدح والثناء، وجعل ذلك بمنزلة الصهيل للجواد إذا لم يقدر على الجري شوقا إليه.
وقوله: البسيط
لا وارِثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما وَهَبَتْ ... ولا كَسُوبٌ بغير السَّيفِ سَآَّلُ
قال: يقول: لا يدرك المجد إلا سيد لا وارث؛ أي: لم يرث أباه شيئا لأنه كان جوادا فلم يُخلف مالا، ويمناه جهلت ما وهبت لكثرته.
وأقول: لم يفهم المعنى! وتفسيره: لا وارث بقوله: لم يرث أباه شيئا. . . . . . إلى آخره، خطأ، ومعنى هذا البيت في الظهور كقول الشاعر: البسيط
حَتَّى ظَهَرْتَ فما تَخْفَى على أحَدٍ ... إلاَّ على أحَدٍ لا يَعْرِفُ القَمرَا
والمعنى: لا يدرك المجد إلا سيد فطن المكارم، يفعل منها أفعالا تشق على السادات، ووصف ذلك السيد فقال:
لا وارثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما كَسَبَتْ ... . . . . . .
وذلك أن الوارث لم يتعب في تحصيل المال، فإذا وهبه فهو جاهل به، وإنما كسب
ذلك المال بسيفه ثم جاد به فهو ابلغ في الجود وافضل في العطاء. وقد ذكرت هذا في
(5/309)

شرح التبريزي، وهو من قول ابن الرومي: الوافر
وما في الأرض أكْرَمُ من جَوادٍ ... . . . . . .
وقوله: البسيط
القائدُ الأُسْدَ غَذَّتْها بَراثِنُهُ ... بِمِثْلهَا من عِداهُ وَهْيَ أشْبَالُ
قال: أي: الذي يقود إلى الحرب رجالا هم أسود تغذوهم براثن فالتك بأمثالهم من الأعداء، يعني إنه يغنمهم الأبطال، وجعلهم كالأشبال له حيث قام بتغذيتهم.
وأقول: إن هذه عبارة غير بينة مرضية. والمعنى إنه جعل فاتكا اسدا، يقود من غلمانه أسدا غذتها براثنه في حال صغرها بأسد مثلها من عداه. يعني إنه كان يصحبهم وهم صغار فيغنمهم ويجرئهم على القتال، ويرشحهم للقاء الأبطال، فهذا معنى قوله:
. . . . . . ... . . . . . . وهي أشْبَالُ
وقوله: الكامل
ما كانَ منكَ إلى خَليلٍ قبلَهَا ... ما يُسْتَرابُ به ولا ما يُوجِعُ
قال: يقول: لم يكن منك إلى خليل قبل المنية ما يريبه منك أو يوجعه، وذلك أشد لتوجعه عليك إذ لم تربه في حياتك.
(5/310)

وأقول: المعنى إنه لما ساله ان يبرد حشاه بكلمة ولم تقع منه، استراب به لأنه لم يعهد ذلك منه، وتوجع له لترك جوابه فقال: ما كان منك إلى خليل قبل هذه الحالة، ما يوقع له ريبة بك وتوجعا منك بكونك لا تكلمه، ولا تقدر على نفعه لما حل بك من الموت.
وقوله: البسيط
لا أبْغِضُ العيسَ لكنِّي شَفَيْتُ بها ... قَلْبي من الهَمِّ أو جِسْمي من السَّقَمِ
قال: يقول: ليست الإبل ببغيضة إلي، أي: ليس إتعابي لها في السفر بغضا لها مني، لكن أسافر عليها لأقي قلبي من الحزن، وجسمي من السقم، وذلك أن السقيم إذا غيّر الماء والهواء وسافر صح جسمه، وكذلك المحزون يتنسم بروح الهواء، ويصير إلى مكان يسر فيه بالإكرام.
وأقول: لم يرد ما ذكره من حال السقيم وحال المحزون، ولكن يشير إلى ما كان يجده ويكابده في مصر، بسبب كافور، من الحزن في قلبه، والسقم في جسمه؛ يعني
(5/311)

إنه بسير العيس، خلص من كافور ووقى وجسمه من ذلك، فهذا الكلام حكاية للحالة التي كان عليها، والشدة التي نجا منها.
وقوله: البسيط
في غِلْمَةٍ أخْطَروا أرْوَاحَهمْ ورَضُوا ... بما لَقُوهُ رِضَا الأيْسَار بالزُّلَمِ
قال: يقول: سريت من مصر في غلمة حملوا أرواحهم على الخطر لبعد المسافة، وصعوبة الطريق، ورضوا بما يستقبلهم من هلك أو ملك، كما يرضى المقامرون بما يخرج لهم من القداح.
وأقول: الجيد لو قال: بما يلقونه من نجاة أو هلاك، لأن أبا الطيب في خروجه من مصر على تلك الحال لم يحاول ملكا وإنما حاول نجاة من الأسود لخوفه على نفسه وماله منه بتوصيته عليه، ولكنه قصد بتلك العبارة الازدواج فوقع في الاعوجاج.
وقوله: الطويل
تُمِرُّ الأنابيبُ الخواطِرُ بينَنَا ... ونَذْكُر إقبالَ الأميرِ فَتَحْلَوْ لي
(5/312)

قال: عند بعض الناس لا تجوز هذه الواو في هذه القافية.
وقال: خطأ أن يجمع بين تجلي وتحلو لي في قافية. وليس كذلك؛ لأن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح مثل القول والمين، وكذلك إذا
انفتحتا وسكن ما قبلهما مثل أسود وأبيض، وهذا مثل قول الكسعي: الرجز
يا رَبِّ وَفِّقْني لِنَحْتِ قَوْسِي
فإنَّها من أرَبِي لِنَفْسي
وانْفَعْ بِقَوْسي وَلَدِي وعِرْسِي
وأقول: ليس هذا عند بعض الناس، كما ذكر، بل عند كل الناس ممن له علم بالقوافي واستقراء لأشعار العرب. وقوله: أن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح؛ غير صحيح، ولو كانا كذلك لجاز أن يجتمع في قافية: الطول والصقل والقول والقتل. وهذا لا يجيزه أحد. ولجاز أن يأتي في قول رويشد: البسيط
يا أيُّها الرَّاكبُ المُزْجي مَطِيَّتَهُ ... بَلَّغْ بني أسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ
المرت والخبت.
(5/313)

وفي قول عبد الشارق: الوافر
ألا حُيِّيتِ عنا يا رُدَيْنَا ... نُحَيِّيهَا وإنْ كَرُمَتْ عَلَيْنَا
ردعنا وغلبنا، وذلك غير جائز البتة.
قالوا: والواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما لم يصيرا كالصحاح، ولكن يقربان من الصحاح بنقص المد فيهما، فإذا جاءا في قافية مجردة كان ذلك فيهما أسهل من مجيئهما إذا كانت حركة ما قبلهما من جنسهما، فالأبيات التي انشدها ببكسعي، والتي ذكرها ابن جني في المعرب وهي: الوافر
نَدِمْتُ ندامةً لو أنَّ نَفْسي ... تُطَاوعُني إذا لقَتَلْتُ نَفْسي
تَبَيَّنَ لي سَفَاهُ الرَّأي مني ... لعَمْرُ إبِيكَ حين كَسَرْتُ قَوْسِي
معدودة في عيوب الشعر؛ ذكر ذلك ابن جني وغيره.
وأما قوله: وكذلك إذا انفتحتا وسكن ما قبلهما فالقول: أنهما إذا تحركا أشبها
الصحاح، وسواء في ذلك انفتحتا أو انضمتا أو انكسرتا أو سكن ما قبلهما أو تحرك.
وقوله: الطويل
ظَلِلْنَا إذا أنْبَى الحديدُ نُصولَنَا ... نُجَرِّدُ ذِكْراً منك أمْضَى من النَّصْلِ
(5/314)

قال: يقول: إذا لم تنفذ نصولنا على أسلحة الأعداء ذكرناك فنفذت عليهم بدولتك فكان ذكرك أمضى من النصل.
وأقول: هذا ليس بشيء! وليس في الكلام ما يدل على أن نصولهم إذا لم تنفذ من ملاقاتها الأسلحة، تنفذ بذكره. ولكن المعنى أنا ظللنا إذا أنبي سيوفنا كرة الضرب بملاقاة الحديد، فلا تغني سيوفنا هنالك شيئا، ولا تؤذي الأعداء، ذكرناك لهم لما اشتهر من بأسك وهيبتك، فكان ذكرك أمضى من نصولنا فيهم؛ يشير إلى الخوف في قلوبهم، وذلك لا يرد بدرع وسلاح.
وقوله: الطويل
فَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغيْثَ خَلَّفَتْ ... وتَطْلُبُ ما قَدْ كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ
قال: قال ابن جني: لو ظفرت بالكوفة وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد عن قرب.
وقال العروضي فيما أملاه عليَّ: هذا تفسير من لم يخطر البيت بباله؛ لأنه ظاهر على المتدبر! إنما يقول: قد كانوا في أمن ونعمة، وشبّه ما كانوا فيه بالغيث فاستزادوا طلب الملك، وجاءوا محاربين فهزموا فلما تولوا هاربين قصدوا ما كان في أيديهم من
(5/315)

مواطنهم ونعمتهم يطلبون بأرجلهم، فذلك قوله:
. . . . . . ... ويطلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ
وقال ابن فورجة: يعني قد كانت في غيث من إقطاع السلطان وإنعامه، فلما عصوا وحاربوا، ثم انهزموا وولوا هاربين تطلب حصنا ومأمناً وقد خلّفت آمنا
كان حاصلا لها، وتطلب بأرجلها ما كان في أيديها؛ أي: تطلب بهربها وإغذاذها على أرجلها ما كان حاصلا في أيديها.
وأقول: لم يصب أحد منهم المعنى! والغيث هاهنا هو العشب والكلأ كقوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجِبِ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ) وقال امرؤ القيس: الطويل
وغيثٍ كألوانِ القَنَا قد هَبَطْتُهُ ... تجاوَبَ فيه كلُّ أوْطَفَ حَنَّانِ
يقول: ولت بنو كلاب منهزمين تطلب العشب الذي كانت مقيمة فيه في راحة وطمأنينة بتعب ونصب، فكنى بالأيدي عن الراحة، وبالأرجل عن التعب متجاوزين المكان الذي كانوا فيه حين أمنهم وتركهم العيث والفساد في الكوفة، وقوله:
. . . . . . ... وتَطْلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ
تفسير لما ذكره في صدر البيت؛ أي: تطلب ما قد كان في اليد؛ أيدي الخيل في حال أمنها، بارجلها لخوفها، ولو طلبته بأيديها لوقفت عنده، ولكنها لمّا جاوزته للخوف كأنها طلبته بأرجلها؛ يقول: ما كان أمامها صار وراءها، وما كان قريبا منها صار بعيدا عنها، فكنى باليد والرجل عن القرب والبعد وعن استقبال الشيء واستدباره. وهذا
(5/316)

هو المعنى لم يتنبه له أحد سواي، ولا ألم به غيري! وإنما أوقعهم في التفسير الذي فسروه، ظنهم أن اليد والرجل للإنسان وليس كذلك. والذي يدل على إنه لم يكن بالغيث عن الأمن والنعمة، كما ذكر العروضي، ولا عن الإقطاع والانعام، كما ذكر ابن فورجة، ولم يرد به إلا ما ذكرته من العشب والكلأ قوله فيما بعد: الطويل
تُحاذِرُ هَزْلَ المالِ وهي ذليلةٌ ... وأشْهَدُ أنَّ الذُّلَّ شَرٌّ من الهَزْلِ
وقوله: الكامل
بَادٍ هَواكَ صَبَرْتَ أم لم تَصْبِرا ... وبُكَاكَ إن لم يَجْرِ دمُعكَ أو جَرَى
أقول: إنه أخبر في هذا البيت أن هواه باد صبر أو لم يصبر، وإن بكاه باد جرى دمعه أو لم يجر، وأخبر في البيت التالي وهو قوله: الكامل
كم غَرَّ صَبْرُكَ وابْتِسَامُكَ صَاحِباً ... لمَّا رآهُ وفي الحَشَا ما لا يُرَى
أن هواه خاف، لأنه لا يغر صاحبه بابتسامه وصبره وهو باد، وهذا ظاهره التناقض كما ترى. وقد سئل أبو الطيب عن هذا فقال: ليس هذا في حال واحد إنما هو في حالين، وبيانه أن قوله: الكامل
كَمْ غَرَّ صَبْرُكَ وابتسامُكَ صَاحِباً ... . . . . . .
(5/317)

إنما كان أولا، فكان صاحبه يرى منه الصبر والابتسام، ولا يرى ما في حشاه من الهوى والغرام، ثم إنه بعد ذلك بدا وظهر. فالبيت الثالث وهو قوله: الكامل
أمَرَ الفؤادُ لسَانَهُ وجفُونَهُ ... فكتَمْنَهُ وكَفَى بِجِسْمِكَ مُخْبِرا
ينبغي ان يكون متعلقا بالبيت الأول مؤكدا لما فيه من ظهور الهوى، ولا يكون للثاني لأنه يناقضه بما يناقضه بما في الثاني من الإخفاء بالصبر والابتسام، ولما في الثالث من الإبداء بالنحول والسقام.
وقوله: الكامل
يَتَكَسَّبُ القَصَبُ الضَّعِيفُ بخَطِّهِ ... شَرَفاً على صُمِّ الرِّماح ومَفْخَرا
قال: يقول: قلمه اشرف من الرماح؛ لأن كفه تباشره عند الخط فيحصل له الشرف والفخر على الرماح التي لم يباشرها.
وأقول: أن بعض مفسري الديوان حمل هذا القول على أن ابن العميد كاتب وليس من أهل الحرب، فالأقلام التي يحملها، مع كونها ضعيفة، تشرف الرماح التي يحملها غيره، مع كونها قوية، فلذلك أطلق القول على صم الرماح، وذلك منه غير سديد، لأنه قد وصفه قبل هذا البيت بشدة الإقدام في الحرب، وكثرة الطعن للأبطال، وذلك لابد أن يكون بالرماح. فالذي ذكره الواحدي تخصيص للرماح،
وهو الصواب؛ فجعل بعض الأقلام، وهي التي مسها، تفتخر على بعض الرماح، وهي التي لم يمسها، وإنه أتى بلفظ العموم وهو يريد الخصوص. وبهذا التفسير يسلم قول أبي الطيب من التناقض.
(5/318)

وقوله: الكامل
ويَبِينُ فيما مَسَّ منه بنَانُهُ ... تِيهُ المُدِلِّ مَشَى لتَبَخْتَرَا
قال: يقول: كل شيء يمسه ببنانه يظهر فيه الكبر حتى لو مشى الشيء لتبختر شرفا بمسه إياه.
وأقول: إنه جعل الضمير في منه راجعا إلى الشيء الذي قدره ووصفه بالذي وليس ذلك بحسن وإن كان فيه مبالغة، بل الضمير راجع إلى ما قبله من القصب الضعيف وصفه بتيه المدل لمسه إياه. فلو إنه بمنزلة إنسان يمشي لتبختر كبرا وعجبا.
وقوله: الكامل
قَطَفَ الرِّجالُ القولَ قبلَ نباتِهِ ... وقَطَفْتَ أنت القَول لما نَوَّرَا
قال: يقول: أقوال الناس كالثمر التي تقطف قبل ينعها وأدركها، وقولك كالنبات المتناهي في نبته. وقوله: قبل نباته، أي: قبل تمام نباته فحذف المضاف.
(5/319)

وأقول: لم يرد بالقطف هاهنا الثمر، ولكن أراد الزهر، وإنما غره ذكر القطف فظن إنه للثمر وحده، والقطف يستعمل فيهما كليهما، ولهذا قال:
. . . . . . ... وقطَفْتَ أنت القولَ لما نَوَّرا
وتفسيره: قبل نباته بقوله: قبل ينعه، ويريد به الثمر، خطأ، بل يريد قبل تمام نباته كما ذكر، وذلك يدل على الزهر.
وقوله: الكامل
وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَحَابَ كَنَهْوَرَا
ذكر في هذا البيت قول ابن جني، وهو قول مرغوب عنه إعرابا ومعنى!
وذكر قول ابن فورجة وتخطئته لابن جني، وهو صواب، ثم قال: والمعنى أنها ترى الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهده في المتضادين، وفسر ذلك فقال: يوجدك الشمس مشرقة، والسحاب كنهورا أي: في حال واحدة يُوجدك هذا الممدوح هاذين المتضادين، إذ كانت الشمس يسترها السحاب كنهورا، فوجهه كالشمس إضاءة، ونائله كالسحاب الكنهور فيضا، وهما لا يتنافيان في وقت واحد.
وأقول: لا يحتاج قوله:
(5/320)

... الشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحابَ كَنَهْوَرا
إضمار فعل كما ذكر من قوله يوجدك ولا غيره! بل ذلك نصب على البدل من الفضيلة.
وأما قوله: فوجهه كالشمس إضاءة إن أراد بذلك حسن الخلق فليس بصحيح؛ لأن ذلك ليس بفضيلة له، وإن أراد حسن الخلق من بشر وطلاقة تبدو في وجهه فتلك فضيلة فيه، وبها يصح المعنى لا بسواه.
وقوله: الخفيف
ما لبِسْنَا فيه الأكاليلَ حتَّى ... لَبِسَتْهَا تلاعُهُ ووِهَادُهْ
قال: يريد بلبس التلاع ما عليها من النبات، والوهاد ضد التلاع؛ جمع وهدة، وهي المنخفض من الارض، وجعل ما على الوهاد أكاليل ولا يحسن ذلك. والبيت مأخوذ من بيت أبي تمام: الكامل
حَتَّى تعَمَّمَ صُلْعُ هَامَاتِ الرُّبَا ... من نَبْتِهِ وتَأزَّرَ الأهْضَامُ
وهذا البيت سليم لأنه جعل ما على الربا بمنزلة العمامة، وما على الاهضام - جمع هضم وهو المطمئن من الأرض - بمنزلة الإزار، ووجه قول أبي الطيب إنه أراد: حتى لبستها تلاعه والتحفت بها وهاده، فيكون من باب:
عَلَفْتُهَا تِبْناً وماءً بَارِدَا
(5/321)

وأقول: هذا التقدير لا يصح في بيت أبي الطيب، وذلك أن قوله: لبستها تلاعه راجع إلى الأكاليل فلا يجوز أن يقدر: والتحفت بها وهاده لأن الأكاليل لا يلتحف بها، وإنما الأكاليل هنا هي الأزهار المنظومة، والأكاليل استعارة فيها وكناية عنها لأنها تجعل على الرؤوس فصح أن يقال فيها:
. . . . . . حَتَّى ... لَبِسَتْهَ تِلاعُهُ وَوِهَادُهْ
ولا حاجة إلى إضمار فعل.
وقوله: الخفيف
مَثَّلُوهُ في جَفْنِهِ خَشْيَةَ الفَقْ ... دِ فَفِي مِثْلِ أَثْرِهِ إغمادُهْ
قال: يقول: مثلوا هذا في غمده؛ يعني: جعلوا على مثاله وصورته، وهو انهم غشوه فضة محرقة فأشبهت تلك الآثار هذا السيف وما عليه من آثار الفرند فهو قوله:
. . . . . . ... فَفِي مِثْلِ أثْرِهِ إغمادُهْ
أي إنه يغمد في جفن عليه آثار كأثره. وقوله: خشية الفقد: الناس يقولون: أراد أن هذا السيف عزيز، فلعزه وخوف فقده غشوا جفنه الفضة.
وقال ابن جني: صونا للجفن من الفقد لئلا يأكل جفنه.
وقال ابن فورجة: يعني ما نسج من الفضة على جفنه تصويرا لما على متنه من
(5/322)

الفرند؛ فعل ذلك به إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده؛ بل تكون كأنها ناظرة إليه، ولم يرد بقوله: خشية الفقد ذهابه وضياعه بل أراد أنه، لحسنه، لا يشتهي مالكه أن يفقد منظره بأغماده فقد مثله في جفنه.
وأقول: قد أطال المشائخ الكلام في شرح هذا البيت ولم يأتوا بطائل والمعنى ما ذكرته أولا وآخرا في شرح ابن جني والكندي.
وقوله: الخفيف
ورَجَتْ رَاحةً بنا لا تَراها ... وبلادٌ تَسِيرُ فيها بلادُهْ
قال: قال ابن جني: لما انتقلت خيله إلي، رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده والعمل الذي يتولاه لسعته وامتداد الناحية التي تحت يده. هذا كلامه! وليس لسعة البلد وامتداد الناحية هاهنا مهنى، إنما يقول: لا ترى هذه الخيل ما ترجوه، لانّا لا نزال نغزو معه بغزواته، ونطارد عليها معه إذا ركب إلى الصيد، وإنما نستريح إذا فارقنا خدمته، ونحن لا نفارق خدمته وبلاده.
وأقول: القول ما قال ابن جني لما ذكرته في شرح الكندي.
(5/323)

وقوله: الخفيف
هَلْ لعُذْري إلى الهُمامِ أبي الفَضْ ... لِ قبولٌ سَوادُ عَيْني مِدَادُهْ
قال: قال ابن جني: أني رضيت أن يجعل المداد، الذي يكتب به، قبول عذري، سواد عيني حبا له وتقربا منه. هذا كلامه! وليس على ما قال؛ لأن المراد قبول العذر لا أن يكتب الممدوح. والمعنى إنه يقول: هل يقبل عذري؟ أو: هل عنده قبول لعذري؟ ثم قال:
. . . . . . ... . . . . . . سواد عَيْني مِدَادُهْ
على طريق الدعاء، كأنه قال: جعل الله مداده سواد عيني؛ يعني إنه إن استمد من سواد عيني لم أبخل عليه. وإنما قال هذا لأنه كاتب حاسب يحتاج إلى المداد. والكناية في مداده يعود إلى أبي الفضل، وعلى ما قال ابن جني يعود إلى العذر وليس بشيء.
وأقول: الوجه الذي ذكره ابن جني أحسن في المعنى واقرب إلى الصواب، وقد تصحف على الشيخ الواحدي يكتب؛ فعل ما لم يسم فاعله ب: يكتب فجعله
للممدوح وقال: المراد قبول العذر لا أن يكتب الممدوح، ولم يرد ابن جني ذلك وإنما قال: يقول: رضيت أن يجعل المداد الذي يكتب به قبول عذري سواد عيني؛ يعني إذا كتبت اعتذر إليه من تقصيري في مدحه، وعجزي عن إحاطة وصفه. وهذا المعنى على هذا الوجه هو الحسن، والذي ذكره من قوله:
. . . . . . ... . . . . . . سواد عَيْني مِدَادُهْ
أنه دعاء، ليس بحسن؛ لأنه منفصل عن الأول غير متعلق به فلا يحسن أن يكون من تمامه.
(5/324)

وقوله: الخفيف
ما سَمِعْنَا بمن أحبَّ العَطايَا ... فاشْتَهَى أنْ يكونَ فيها فؤادُهْ
قال: يقول: لم نسمع قبله بجواد يحب الإعطاء ويتمنى أن يكون قلبه من جملة ما يعطي؛ يعني أن ما أفاده من العلم هو نتيجة عقله وقلبه وبنات فكره، فعبّر عن العلم بالفؤاد لأن محله الفؤاد كما قال تعالى ذكره: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي: عقل، فسمى العقل قلبا، ولم يعرف ابن جني هذا فقال: الكلام الحسن الذي عنده إذا أفاد إنسانا فقد وهب له عقلا ولبا وفؤادا وهذا إنما يحسن لو قال: فاشتهى أن يكون فيها فؤاد؛ منكر، وأما إذا أضافه إلى الممدوح فليس يجوز.
وأقول له: لم يعرف ابن جني المعنى ولا أنت!! ولا يجوز قولك ولا قوله لما ذكرته في شرح التبريزي والكندي!!
وقوله في وصف كتاب ابن العميد: المتقارب
فأخْرَقَ رِائَيهُ ما رَأى ... وأبْرَقَ ناقِدَهُ ما انْتَقَدْ
إذا سَمِعَ الناسُ ألفاظهُ ... خَلَقْنَ له في القُلوبِ الحَسَدْ
فقلتُ وقد فَرَسَ النَّاطِقينَ ... كذا يَفْعَلُ الأسَدُ ابن الأسَدْ
(5/325)

قال: لو خرس المتنبي فلم يصف كتاب أبي الفتح بن العميد بما وصف لكان خيرا
له! وكأنه لم يسمع وصف كلام قط! وأي موضع للاخراق والبراق والفرس في وصف الألفاظ والكتب! وهلا احتذى على مثال البحتري في قوله يصف كلام ابن الزيات: الخفيف
وكلامٌ كأنَّهُ الزَّهَرُ الضَّا ... حكُ في رَوْنقِ الرَّبيع الجَديدِ
ومَعَانٍ لو فَصَّلَتْهَا القَوافي ... هَجَّنَتْ شِعْرَ جَرْوَلٍ وَلَبيدِ
حُزْنَ مستعْمَلَ الكلامِ اختيارا ... وتَجَنَّبْنَ ظُلْمَةَ التَّعْقيدِ
أو هلا ربع على ظلعه ولم يكن معورا تبدو مقاتله!!
فيقال له: لم يكن أبو الطيب ممن يقال له: ربع على ظلعه وهو احذق الناس بأصل الشعر وفرعه، وهو المسلم إليه قصب السبق على تأخر العصر!
وأما قوله: لو خرس فلم يصف كتاب ابن العميد. . . . . . فيقال له: لم يكن ليخرس وهو القائل: الكامل
مَا نَالَ أهلُ الجَاهِلَّيةِ كُلُّهم ... شِعْري ولا سمِعَتْ بِسحْرِيَ بَابلُ
والبيت الذي بعده.
وإن كان وقع منه تقصير في هذه الأبيات؛ فلأنه لم يحتفل بها، ولم يتكلف لها بل قالها بديها.
(5/326)

وأما قوله: وأي موضع للاخراق والإبراق والفرس في صفة الألفاظ.
فيقال له: هذه استعارة لم يسبق إليها، فلا يحتاج أن يقتدي بأحد فيها.
وأما قوله: هلا احتذى على مثال البحتري في الأبيات التي ذكرها.
فيقال له: لم يكن أبو الطيب ليحتذي به فيما هو اقل منها؛ ألا ترى إلى ما يحكى عنه من انه لما نظم قوله: الوافر
إذا اعوَجَّ القَنَا في حَامِليهِ ... وجازَ إلى ضُلوعِهِمُ الضُّلُوعَا
قال: كنت قلت:
. . . . ... وأشْبَهَ في ضُلوعِهمُ الضُّلُوعَا
ثم أنشدت بيتا لبعض المولدين يشلهه فرغبت عنه؛ يعني قول البحتري: الكامل
في مَأزَقٍ ضَنْكٍ تُخَالُ به القَنَا ... بينَ الضُّلُوع إذا انْحَنَيْنَ ضُلُوعَا
ولعمري ما أبيات البحتري بتلك الأبيات الغريبة المعاني المحكمة الألفاظ، وما المستحسن منها غير سهولتها وترك التكلف فيها. ولا أعلم لم خصها بالذكر دون غيرها مع أن لأبي تمام أشهر وأسير من أبيات البحتري وأشد أسرا وأتم معنى، وصف بها كتابا جاءه من الحسن بن وهب وهي: الوافر
فَضَضْتُ خِتَامَهُ فَتَبَلَّجَتْ لي ... غَرائِبُهُ عن الخَبَرِ الجَلِيِّ
وكان أغَضَّ في عَيْني وأنْدىَ ... على كَبدِي من الزَّهَرِ الجَنيِّ
(5/327)

وأحسن مَوْقِعاً منِّي وعندي ... من البُشْرَى أتَتْ بعدَ النَّعِيِّ
وضُمِّنَ صَدْرُهُ ما لم تُضَمَّنْ ... صُدورُ الغَانياتِ من الحُلِيِّ
وكأن الواحدي استضعف هذه الأبيات التي في أبي الفتح فقال فيها ما قال فهلاَّ تعرض لقوله في أبيه يصف بلاغته: الكامل
أنت الوحيدُ إذا ارتكبْتَ طَرِيقةً ... فمن الرَّديفُ وقد رَكِبْتَ غَضنَفْرا
قطَفَ الرجالُ القولَ قَبْلَ نباتِهِ ... وقطَفْتَ أنت القولَ لمَّا نَوَّرا
فهو المُتَبَّعُ بالمسَامعِ إن مَضَى ... وهو المُضَاعَفُ حُسْنُهُ إنْ كُرِّرا
وقوله: الطويل
وليسَ حَيَاءُ الوَجْهِ في الذِّئبِ شيمةً ... ولكنَّهُ من شيمةِ الأسَدِ الوَرْدِ
قال: المعنى أن حياءهم ليس بمزر بهم كما إنه لا يعيب الأسد حياؤه.
وأقول: الجيد أن لو قال: حياؤهم فضيلة فيهم وفخر لهم، كما إنه في الأسد كذلك. وذكره الورد صفة للأسد زيادة يتم الكلام من دونها، لأن جميع الأسد توصف بالحياء؛ الورد منها وغير الورد، وإنما ذكرها للقافية.
(5/328)

وقوله: الطويل
إذا ما اسْتَجَبْنَ الماء يَعْرِضُ نفسَهُ ... كَرِعْنَ بِسِبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ
قال: قال أبو الفضل العروضي: ما أصنع برجل ادعى إنه قرا على المتنبي ثم يروي هذه الرواية؛ يعني: استحين؛ بالحاء، ويفسر هذا التفسير! وقد صحت روايتنا عن جماعة منهم: محمد بن العباس الخوارزمي، وأبو محمد بن أبي القاسم الحرضي، وأبو الحسن الرخجي، وأبو بكر الشعراني، وعدة يطول ذكرهم رووا:
إذا ما اسْتَجَبْنَ الماَء يَعْرِضُ نَفْسَهُ ... كَرِعْنَ بِشَيْبٍ. . . . . .
وأقول: أن ابن جني لم يقرأ على أبي الطيب مديح ابن العميد ومديح عضد الدولة؛ لأنه لم يكن معه في حال توجهه إليهما، ولم يجتمع به بعد رحيله عنهما، وذلك إنه رجع من شيراز يريد الكوفة فقتل في الطريق فلا يؤخذ عليه ذلك من جانب الرواية، مع أن التصحيف لا يحسن بمثله لعلو قدره واشتهار فضله، وهؤلاء الجماعة الذين روى عنهم العروضي، استجبن وبشيب ينبغي أن يكونوا بارجان أو بشيراز وقد قرؤوا وسمعوا الديوان على أبي الطيب. وقد ذكرت ما ذكره من المآخذ في هذا البيت والجواب عنها في شرح ابن جني.
(5/329)

وقوله: الطويل
هَلِ الخيرُ شَيءٌ لَيْسَ بالخَيْرِ غَائِبٌ ... هَلِ الرُّشْدُ شَيءٌ غائبٌ ليس بالرُّشْدِ؟
قال: يقول: لا ينبغي ان يعتقد في الخير والرشد الحاضرين انهما ليسا بخير ولا رشد، كذلك لا ينبغي أن يقال: ليس ابن العميد المهدي، والمهدي غيره وهذا استفهام معناه الإنكار.
وقال ابن جني: أيحسن أن يترك الخير والرشد الحاضران وأن يقال: هما الرشد والخير ويدعي أن هنا رشدا وخيرا غائبين هما في الحقيقة الخير والرشد، أي اعتقاد هذا فاسد فلذلك ينبغي أن يكون من ترك أن يقول: إن ابن العميد هو
المهدي في الحقيقة، وادعى أن المهدي غائب متوقع فاسد الاعتقاد.
فيقال له: بل الفاسد الاعتقاد، من يرى أن المهدي من غير ولد النبي وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: المهدي من فاطمة وذلك مروي عنه من طرق معروفة في أحاديث مشهورة. ولكن لا ينكر للمتنبي أن يدعي في ابن العميد إنه المهدي، ولو علم إنه يزيده في العطاء بزيادته على ذلك لقال إنه نبي بل قال إنه إله، وتهوره في هذا المديح، يدل على تهوره في الضلال ووقوعه في الوبال!!
(5/330)

وقوله: الطويل
وكلُّ شَرِيكٍ في السُّرورِ بمَصْبَحي ... أرَى بَعْدَهُ من لا يَرَى مِثْلَهُ بَعْدي
قال: يقول: كلمن شاركني في السرور بمصبحي عنده إذا عدت إليه من أهلي وغيرهم ورأى ما أوتيته أرى بعده منك يا ابن العميد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه لأنه لا نظير لك في الدنيا.
وأقول: هذا قول ابن جني، وليس بشيء! والمعنى قد بينته في شرحه.
وقوله: المنسرح
أوْهِ بَديلٌ من قَوْلتي وَاهَا ... لِمَنْ نَأتْ والبديلُ ذِكْراهَا
أقول: إن هذا من الابتداءات البشعة، والافتتاحات المظلمة التي يتطير منها ويرغب عنها وهل يحسن بشاعر في أول قدومه على ملك ولقائه له، أن يبتدئ ناطقا
(5/331)

بأوه مكررا لها ثلاث مرات؟! أفأمن أن يقال له: علة تقطع أمعاءك وأعضاءك؟! وما أعلم هل وقع هذا منه لتغفل، أو لسوء أدب وجفاء طبع؟!
ومثل ذلك ابتداؤه في مديح كافور أول وفوده عليه ووصوله إليه بقوله: الطويل
كَفَى بك داءً أنْ تَرَى الموت شَافِيَاً ... وحَسْبُ المنايا أنْ يَكُنَّ أمَانِيَا
وهذا إذا قيل مع كافور، وهو جاهل بالشعر وبما يقال فيه، فهل يقال ذلك في عضد الدولة وهو من الحذاق في العربية والنقاد للشعر؟ ولكنه أراد أن يتعرب
ويتغرب بلفظ أوه وواها فتبرص وتبغض!
وقوله: المنسرح
شَامِيَّةٌ طالَماَ خَلَوْتُ بها ... تُبْصِرُ في ناظِري مُحَيَّاها
قال: هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: إنه يريد فرط قربها منه حتى إنها منه بحيث ترى وجهها في ناظره، وهذه عبارة عن غاية القرب.
والآخر: إنه أراد حبها إياه فهي تنظر إلى وجهه وتدنو منه لحبه، حتى ترى وجهها في ناظره
(5/332)

وأقول: الوجه الثاني وجه قبيح، وذلك إنه قال فيما يليه: المنسرح
فَقَبَّلَتْ نَاظِري تُغًالطني ... وإنما قَبَّلَتْ به فَاهَا
فكيف تقرب منه لحبها اياه، وهي تغالطه وتخادعه بما تظهر له من تقبيل ناظره غير الذي تخفيه من تقبيل فيها، وهذا لأن يدل على البغضاء أولى من أن يدل على المحبة، ومع ذلك فإن هذه من الألفاظ الغثة، والمعاني الباردة.
وقوله: المنسرح
في بَلدٍ تُضْرَبُ الحِجَالُ به ... على حِسَانٍ ولَسْنَ أشْبَاهَا
قال: يقول: هي في بلد، الحسان المحبوسات في الحجال كثيرة بذلك البلد، ولسن أشباها لهذه؛ لأنها تفضلهن في الحسن والجمال. ويحوز أن يكون المعنى: إن كل واحدة منهن منفردة من الحسن بما لا يشاركها فيه غيرها، فلا يشبه بعضها بعضا.
وأقول: الوجه الحسن في هذا، قد ذكرته في شرح المعري.
وقوله: المنسرح
لا تجدُ الخَمْرُ في مَكارِمِهِ ... إذا انْتَشَى خَلَّةً تلافَاهَا
(5/333)

قال: يقول: هو قبل الشرب متكرم بالبذل والعطاء، فلا يزيد تكرمه شرب الخمر، وليست في مكارمه حلة تتلافاها. وأول هذا المعنى لعنترة: الكامل
وإذا صَحَوْتُ فما أقَصِّرُ عن نَدىً ... وكما عَلِمْتِ شمائلي وتَكَرُّمي
فيقال له: بل أول هذا المعنى لامرئ القيس: الطويل
وتعرِفُ فيه من أبيهِ شَمائلاً ... ومن خالِهِ ومن يَزِيدَ ومن حُجُرْ
سماحَةَ ذَا وبِرَّ ذَا ووَفَاَء ذَا ... ونائِلَ ذَا إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
وقوله: المنسرح
وصَارتِ الفَيْلقَانِ واحدةً ... تَعْثُرُ أحْيَاؤهَا بمَوْتَاها
قال: قال ابن جني: أي: شن الغارة في جميع الارض، فخلط الجيش بالجيش، حتى يصير اختلاطهما كالشيء الواحد.
وقال ابن فورجة: ليس أبو الطيب في ذكر الغارة وشنها، وإنما يقول قبله
(5/334)

بيتين: في قلبه همم إحداها أعظم من فؤاد الزمان، فهو لا يبديها لأنه لا يجد زمانا يسعها، فإن قضي لها وجاء حظها وبختها بأزمنة أوسع من هذا الزمان، حينئذ أظهر تلك الهمم، واجتمع أهل هذا الزمان وأهل تلك الأزمنة، وصارا شيئا واحدا، وضاقت الأرض بهم حتى يعثر حيها بميتها للزحمة وكثرة الناس، ومثل هذا في الزحمة قوله أيضا: الطويل
سُبِقْنَا إلى الدُّنيا فلو عاشَ أهْلُهَا ... مُنِعْنَا بها من جيئةٍ وذُهوبِ
وأنث الفيلق على إرادة الكتيبة والجماعة.
وأقول: القول قول ابن جني.
وقول ابن فورجة قول الذي يتخبطه الشيطان من المس!! وهل يلبس على أحد قوله: المنسرح
وصارتِ الفَيْلَقَانِ واحدةٍ ... تَعْثُرُ أحياؤهَا بموتَاهَا
إنه يريد اختلاط الجيشين في الحرب وكثرة القتال والقتل.
وأما تفسير البيتين اللذين قبل هذا فانه يقول: تجمعت في فؤاد عضد الدولة همم لا يسعها فؤاد الزمان لعظمها؛ بل إحداها ملؤه! كأنه يقول: هذا الزمان يصغر عن هممه بأن يملكه بالقتال؛ أي: كل من فيه من الملوك ليسوا بأكفاء له، ولا بأهل أن
(5/335)

يقصد حربهم لحقارتهم بالإضافة إلى عظمته! فإن اتفق لهممه أن تتضاعف الأزمنة وتكثر، فحينئذ يقصد تملكها وقتال ملوكها، ويقدم إقداما في الحرب إلى أن يخلط الجيش بالجيش، ويكثر القتل إلى أن يعثر الحي بالميت. وإيراد الواحدي كلام ابن فورجة ووقوفه عليه وسكوته عنه، يدل على الرضا به فهو مشارك له في الخطأ، وزائد عليه في إيراده بالتعب!
وقوله: المنسرح
ودارَتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍ ... تَسْجُدُ أقمارُهُ لأبْهَاهَا
قال: لم يأت ابن جني ولا ابن فورجة في هذا البيت بشيء يفهم ويتحصل! والمعنى: يريد بالنيرات، والأقمار ملوك الدنيا إذا عادوا واجتمعوا في زمان واحد كما ذكرنا فيما قبل. وأراد بأبهاها عضد الدولة. ومعنى سجود الأقمار: خضوع الملوك، فحينئذ يبدي هممه.
وأقول: هذا البيت مرتب على ما ذكره عن ابن فورجة في تفسير البيت الذي قبله وهو خطأ نتيجة مقدمة خطأ، والصحيح ما ذكرته في شرح المعري.
وقوله: الوافر
ولكنَّ الفَتَى العربيَّ فيها ... غَريبُ الوَجْهِ واليَدِ واللِّسَانِ
(5/336)

ذكر في قوله غريب الوجه وجهين:
أحدهما: إنه لا يعرف.
والثاني: إنه اسمر اللون؛ لأنه عربي، وغالب ألوان العرب السمرة. وأهل الشعب
شقر الوجوه.
وذكر في غربة اليد أيضا وجهين:
أحدهما: أن سلاحه الرمح، وأسلحة ذلك المكان الزانات والمزاريق، وهذا قول ابن جني وليس بشيء!
والوجه الآخر، وهو الصحيح، أن كتابته العربية وكتابتهم الفارسية.
وهذا الوجه كنت كتبته، وظننت أني لم اسبق اليه، وما كنت - شهد الله - رأيته لأحد قبل ذلك، فاتفقت مواردي له فيه، وذلك إنه المعنى الذي أراده الشاعر فالذهن الصحيح لا يميل عنه!
وقوله: الوافر
غَدَوْنَا تَنْفُضُ الأغصانُ فيها ... على أعْرافِهَا مِثْلَ الجُمَانِ
(5/337)

قال: الجمان خرز من فضة يشبه اللآلئ؛ يريد إنه إذا سار في شجر هذا المكان وقع من خلل الأغصان على أعراف خيله مثل الجمان من ضوء الشمس، فكأن الأغصان تنفضه على أعرافها.
وأقول: لم يرد ما ذكره من تشبيه ضوء الشمس الساقط من خلل الأشجار بالجمان، وإنما أراد قطر الندى الذي تنفضه الأغصان بتحركها؛ شبهه للونه وصفائه، بالجمان، ولهذا قال: غدونا لأن الندى يكون بالغداة.
وقوله: الوافر
ولو كانَتْ دِمَشْقَ ثَنى عِنَاني ... لَبِيقُ الثُّرِدْ صِينِيُّ الجِفَانِ
قال: يقول: لو كانت هذه المغاني الطيبة دمشق لثنى عناني إليه رجل ثريده ملبق وجفانه صينية؛ يعني: لأضافني هناك رجل ذو مروءة يحسن إلى الضيفان؛ لأنها من بلاد العرب، وشعب بوان من بلاد العجم. وحمل ابن جني قوله: لبيق الثرد على الممدوح. وليس الأمر على ما قال، فإن البيت ليس بمخلص، ولم يذكر
الممدوح بعد. والمعنى إنه يبين فضل دمشق وأهلها وإحسانهم إلى الضيفان.
فيقال له: الصحيح ما قال ابن جني في أن المراد بذلك عضد الدولة الممدوح. والذي قلته من إنه لغيره، وان البيت ليس بمخلص، والممدوح لم يذكر بعد، قول من ليس له اطلاع على طرائق أشعار العرب وغيرهم من فحول الشعراء، فمن ذلك قول زياد بن منقذ: البسيط
لا حَبَّذَا أنت يا صَنْعَاءُ من بَلَدٍ ... ولا شَعوبُ هوىً منِّي ولا نُقُمُ
(5/338)

فابتدأ بذم صنعاء وبلادها، وبقاعها التي تحل بها عنس وقدم، ودعا عليها بسقيا النار إذا سقيت غيرها الأمطار، ثم خرج من ذلك إلى مدح وادي اشي ومن حاده من الجيران، ووصفهم بالكرم والإحسان في أبيات، ثم أخذ في الغزل فذكر منه شيئا، ثم عاد إلى ذكرهم والثناء على مواضعهم وديارهم، وأيامه التي تقضت له فيها، وتشوقه إليها وتأسفه عليها.
وإذا تفقدت أشعار العرب وجد فيها مثل ذلك كثير.
وإذا صح أن المراد بذلك الممدوح، كان البيتان اللذان بعد هذا البيت من صفاته أيضا، وبطلت المآخذ الفاسدة، والروايات الكاذبة، والاختلاف في القلبين اللذين في البيت الثالث هل هما للضيف أو للمضيف؛ اعني قوله: الوافر
تَحُلُّ به على قَلْبٍ شُجَاعٍ ... وتَرْحَلُ منه عن قَلْبٍ جبان
وقوله: الوافر
منازلُ لم يَزَلْ منها خَيَالٌ ... يُشَيَّعُني إلى النَّوْبَنْدِجَانِ
قال: نوبندجان: بلد بفارس؛ يريد إنه يرى دمشق في النوم وهو بفارس، فخيال منازل دمشق يتبعه. والمعنى إنه يحبها، ويكثر ودها، ويحلم بها. ويجوز أن يريد خيال حبيب له بدمشق ونواحيها يأتيه في منامه.
(5/339)

وأقول: لم يرد دمشق، ولا خيال حبيب فيها، وإنما يريد الواضع التي استحسنها
ومغاني الشعب، ووصفها قبل، فعاد إلى ذكرها فقال: منازل لطيبها وحسنها لم يزل منها خيال يشيعني إلى مكان مثلها في الطيب والحسن أو أحسن منها وهو النوبندجان فإنه أنسانيها لزيادته في الطيب عليها.
وقوله: الوافر
رُقَاهُ كلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ ... لكلِّ أصَمَّ صِلٍّ أُفْعُوَانِ
قال: جعل اللصوص كالافاعي، وجعل سيوفه رقى لتلك الأفاعي فكما أن الحية تدفع بالرقية، كذلك هو يدفع اللصوص بسيوفه.
فيقال له: هذا الموضع أغمض من أن تدركه وأعز من أن تملكه! ولم يرد باللصوص الأفاعي أيها الشيخ الواحدي، لما ذكرته في شرح الكندي!
وقد فسر قوله: الوافر
حَمَى أطرافَ فَارِسَ شَمَّرِيٌّ ... يَحُضُّ على التَّبَاقي بالتَّفَاني
بشيء من هذا حاكيا قول العروضي: إنه حمى فارس من الخراب واللصوص رادا على ابن جني قوله: إن المعنى: يقول لأصحابه: افنوا أنفسكم ليبقى ذكركم. وهو القول الحق، وقول العروضي هو الباطل! لأن ذكر اللصوص انقطع من لدن قوله:
(5/340)

فباتَتْ فوقَهُنَّ بلا صِحَابٍ ... . . . . . .
وأخذ بعد ذلك في ذكر ما هو أعظم منهم متنقلا بذكر الحرب عنهم.
وقوله: الوافر
فلو طُرِحَتْ قلوبُ العِشْقِ فيها ... لما خافَتْ من الحَدَ قِ الحِسَانِ
قال: أراد قلوب أهل العشق. والمعنى: إن الأمن قد عم بلاد فارس حتى لو كانت قلوب العشاق فيها، لما خافت سهام أحداق الحسان.
وأقول: المعنى ما ذكره، إلا أن زيادة تخفى على مثله! وهي إن الأشياء المخوف
عليها، التي لا تحمى بالبأس من جميع الناس، لو حلت في بلاده لأمنت وحميت وهي قلوب العشاق المرمية بسهام الأحداق. وفي هذا البيت زيادة على قوله: الكامل
حَدَقٌ يُذِمُّ من القَواتِلِ غيرها ... بَدْرُ بنُ عَمَّارِ بن إسْمَاعِيلا
وذلك إنه جعل بدر بن عمار لا يحمي من الحدق، وجعل عضد الدولة يحمي منها.
وقوله: الوافر
وأكثرَ في مَجَالسِهِ حَديثاً ... فُلانٌ دَقَّ رُمْحاً في فُلانِ
(5/341)

قال: لم أر ولدين أكثر منهما استماعا في مجالس الأدب دق رمحا فلان في فلان؛ يعني: لا يجري في مجلس أبيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك.
وأقول: إنه قد نقص البيت بنقص العبارة، وذلك أن أبا الطيب إنما قال: أكثر استماع ولم يقل: لا يجري في مجلس أبيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك فينفي أن يجري في مجلسه ذكر العلم والجود، وهما اشرف من البأس! وإنما يقول: إن هذا ملك صاحب جد وقتال لا لهو ولعب فاكثر ما يجري في مجلسه ذكر الطعان، وقد يجري فيه غير ذلك من الفضائل.
وقوله: المنسرح
ناثِرُهُ ناثِرُ السُّيُوفِ دَماً ... وكلِّ قَوْلٍ يقولُهُ حِكَمَا
قال: يقول: الذي نثر هذا الورد ينثر السيوف؛ أي يفرقها وهي دم؛ أي: متلطخة فكأنها دم.
وأقول: الجيد البالغ، أن يقال: إنه ينثر السيوف بضرب يده؛ أي: يقطّعها به ولا يفرّقها
(5/342)

بأيدي غيره، ويدل على قولي، قوله بعده: المنسرح
فَلْيُرِنَا الوَرْدُ إن شكا يَدَهُ ... أحسن منه من جُودها سَلِما
والبيت الذي بعده1.
وقوله: المنسرح
والخيلُ قد فَصَّلَ الضِّياعَ بها ... والنِّعَمَ السَّبِغَاتِ والنِّقَمَا
قال: يقال: فصل العقد إذا نظم فيه أنواع الخرز فجعل كل نوع من نوع ثم فصّل بين الأنواع بذهب أو بشيء آخر. هذا هو الأصل في تفصيل العقود، ثم يسمى نظم العقد تفصيلا فيقال: عقد مفصل إذا كان منظوما، ومنه قول امرئ القيس: الطويل
. . . . . . ... . . . . . . أثناءِ الوشَاحِ المُفَصَّلِ
والمعنى إنه جمع هذه الأشياء بالخيل؛ أي: تمكن من جمعها بالخيل، وجعل جمعها تفصيلا؛ لأنها أنواع فجعل ذلك كتفصيل العقد. والمعنى إنه ينثر الخيل؛ أي: يفرقها في الغارة، ثم ذكر إنه جمع بها هذه الأشياء التي ذكرها من النعم لأوليائه، والنقم لأعدائه.
وأقول: إن الواحدي قد خبّط وخلّط في مواضع من هذا التفسير ولا كتخبطه
(5/343)

وتخليطه هاهنا!! وسأذكر لك المعنى حتى يتبين فساد ما ذكره جملة، فلا احتاج إلى تتبع ألفاظه مفرقة، وهو إنه لمّا ذكر في البيت الذي قبله ان ناثر الورد ناثر السيوف دما، فذكر حماسته، عطف عليه بهذا البيت ما فيه ذكر سماحته فقال: والخيل؛ أي: وناثر الخيل بمعنى مفرقها بالعطاء قد فصّل الضياع؛ أي: جعل الضياع في مواهبه منظومة كالعقد مفصلا بالخيل؛ لأن الذي يفصل به العقد من الدر مثل الذهب وغيره يكون دون الدر فكذلك الخيل المفصل بها الضياع، وكذلك قوله:
. . . . . . ... والنَّعَمَ السَّابغاتِ والنَّقَمَا
أي: فصّل النعم لأوليائه بالنقم على أعدائه.
وقوله: المنسرح
وقُلْ له لسْتَ خَيْرَ ما نَثَرَتْ ... وإنما عَوَّذَتْ بكَ الكَرَمَا
قال: قل للورد: لست خير ما نثرت يده، وإنما جعلتك عوذة للكرم.
فيقال له: لم تزد بالنثر على ما ذكره في النظم! والمعنى أن كرمه بنفيس مواهبه وجزيل عطاياه ظاهر، فأراد أن يبقى ولا يزول؛ فنثر الورد على أصحابه وجلسائه، وهو حقير خسيس بالإضافة إليها، فكان ذلك له بمنزلة العوذة من عظام الذئب والضبع وكعاب الأرانب التي كانت العرب تعلقها عليها عند الاوباء ليتعذر بها الموت كقول امرئ القيس: المتقارب
(5/344)

أيا هندُ لا تنكحي بُوهَةً ... عليهِ عَقِيقَتُهُ أحْسَبَا
مُرَسَّعَةٌ بين أرساغِهِ ... به عَسَمٌ يَبْتَغي أرْنَبا
ليَجْعَلَ في كَفِّهِ كَعْبَهَا ... حِذَارِ المَنِيَّةِ أنْ يَعْطَبا
وقوله: الكامل
يُشْتَاقُ من يَدِهِ إلى سَبَلٍ ... شَوْقاً إليه يَنْبُتُ الأسَلُ
قال: السبل المطر؛ يريد به العطاء هاهنا. يقول: الناس يشتاقون إلى عطاء يده، والرماح تنبت شوقا إلى أن تباشر يده؛ أي: ليطعن بها ويستعملها في الحرب، وتقدير اللفظ: ينبت الأسل شوقا إليه؛ أي: إلى الممدوح.
وأقول: إن جعل الضمير في إليه راجعا إلى الممدوح، غير صحيح، بل هو راجع إلى سبل لأن تقدير الكلام: يشتاق الناس من يده إلى سبل تنبت الرماح شوقا إليه، فجعل السبل يشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس في يده من السبل، فما بعد سبل صفة له، فلا بد فيه من ضمير يرجع إليه.
(5/345)

وقوله: السريع
لو دَرَتِ بما عنَدَهُ ... لاسْتَحْيَتِ الأيامُ من عَتْبِهِ
أي: لو كانت الدنيا عالمة بما عنده من الفضل والنفاسة لأخذها الحياء من عتبه عليها، ولكفت من أذاها.
وأقول: هذا قول الجماعة وليس بشيء! والمعنى ما ذكرته أولا وآخرا.
وقوله: السريع
أستغفِرُ اللَّهَ لِشَخْصٍ مَضَى ... كان نَدَاهُ مُنْتَهى ذَنْبِهِ
قال: يقول: كان غاية ذنبه إسرافه في العطاء، والإسراف اقتراف، وورد النهي في النص عن الإسراف فلهذا استغفر له.
وأقول: ليس في اللفظ ما يدل على الإسراف، وإنما اخرج الكلام على معنى قوله: الطويل
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهُمْ ... بهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكتَائبِ
وسؤال المغفرة له لا يدل علة وقوع ذنب منه، بل ذلك دعاء له كدعاء الأنبياء لأنفسهم، والاعتراف منهم بالاقتراف على وجه الخضوع لله والتذلل له والانقطاع اليه،
(5/346)

ومع ذلك فذكر الذنب لامرأة بوصف نداها والاستغفار لها قبيح، وان حُمل على أحسن محمل وتؤول على أجمل متأول. وقد كان أبو الطيب دخيلا في عشرة الملوك، حديث الصحبة لهم والاتصال لهم، فجفا لذلك في مدحهم طبعه، وجف زرعه، وهو مع ذلك شاعر عصره وواحد دهره.
وقوله: المنسرح
عُدْ وأعِدْهَا فَحَبَّذَا تَلَفٌ ... ألْصَقَ ثَدْيي بِثَدْيِهَا النَّاهِدْ
قال: يقول للخيال: عد واعد الغشية التي لحقتني، وان كان فيها تلفي فحبذا تلف كان سببا لقربك ومعانقتك، وكان من حقه أن يقول للغشية: عودي وأعيدي الخيال لأن الغشية كانت سبب زيارة الخيال، لا الخيال سبب لحاق الغشية، ولكنه قلب الكلام في غير موضع القلب.
وأقول: لم يقلب الكلام، ولكنه لمّا رأى طيف الحبيب في تلك الغشية توهم إنها بسببه، وإنه قادر عليها لمّا رآه فيها، فقال: عد وأعدها، وإن كانت من مقدمات الموت، فإن وصال طيف الحبيب محبوب إلي ولو بالموت، ومؤثر لدي على الحياة.
وقوله: المنسرح
حَكَيْتَ يا لَيْلُ فرعها الوَارِدْ ... فاحْكِ نَواهَا لِجَفْنِيَ السَّاهِدْ
(5/347)

قال: الوارد: الشعر الطويل المسترسل؛ يقول لليل: أشبهت شعرها في السواد فأشبه بعدها عني؛ أي: أبعد مني بعدها.
وأقول: لم يرد بقوله: شعرها الوارد السواد وحده بل السواد والطول، وذلك إنه استطال الليل فقال: يا ليل أشبهت شعرها في السواد والطول، فأشبه نواها في البعد؛ أي: أبعد عني، بعدها عني.
وقوله: المنسرح
إذا المَنَايا بَدَتْ فَدَعْوَتُها ... أُبْدِلَ نُوناً بدالِهِ الحائدْ
قال: أخبر عن المنايا، وهو يريد أهلها؛ لأن المنايا لا تقول شيئا. والمعنى أن أهل الحرب؛ يعني جيش عضد الدولة، يقولون عند الحرب: جعل الله الحائد منا حائنا؛ أي: من حاد منا صار هالكا.
وقال ابن جني: أي يصير الحائد، وهو الذي يهرب من الشيء، حائنا وهو الهالك. يقول: إذا جاءت المنية، صار بعدك عن الموت سببا للوقوع فيه، ولم يكن لك بد من لقائه. فضعف أولا رأي وهسوذان ثم رجع كأنه يعذره، إنه إذا أتت المنية لم يكن منها بد، ولم يتجه لأحد دفعها.
وقوله: فدعوتها أي: هذا قولها؛ استعار ذلك ولا قول لها.
(5/348)

وأقول: الصحيح؛ إنه أراد أن المنايا في الحرب إذا بدت واشتد الامر، فليس ينجي
الفار فراره، ولا ينجي هنالك إلا صبر الصابر وقتاله والحائد خائن وهذا مثل قوله: الطويل
وأورِدُ نَفْسي والمُهَنَّدُ في يَدي ... مَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ من لا يُجَاِلدُ
وقد ذكرت هنالك إنه من قول المهلب4.
وقوله: المنسرح
ليتَ ثَنَائي الذي أصُوغُ فِدَى ... من صِيغَ فيه فإنه خَالِدْ
لويتُهُ دُمْلُجاً على عَضُد ... لدولةٍ رُكْنُهَا له وَالدْ
وأقول: ينبغي أن يقال له على هذا النظم: المنسرح
عَريتَ من حُلَّةِ حتَّى ... جئتَ في القَوْلِ هاهُنا بارِدْ!
ولاشك أن أبا الطيب استفرغ قوة ألفاظه وجودة معانيه، في مديح سيف الدولة فلم يبق لعضد الدولة غير الغث الغثاء والجف الجفاء!
وقوله: الرجز
(5/349)

لو جَذَبَ الزَّرَّادُ من أذْيالي
مُخَيِّراً لي صَنْعَتَيْ سِرْبَالِ
ما سُمْتُهُ سَرْدَ سوى سِرْوَال
قال: يقول: إذا اخبرني الزراد، فكنى بجذب الذيل عن الأخبار، لأنه ربما يجذب ثوب الإنسان إذا أريد إخباره بشيء. يخيرني بين صنعتي سربال - أي: درع من السابغة والبدن - لم اختر إحداهما. وإنما اختار السروال؛ يشير إلى أن سيفه درعه وهو يحمي به بدنه، وإنما حاجته أن يحصن عورته، وهذه طريقة المتنبي يترفع عن معاشرة النساء كبرا وتعففا.
وأقول: أن تفسيره الجذب بالإخبار، وما ذكره من إنه ربما جذب ثوب الإنسان، إذا أريد إخباره بشيء، ليس بشيء! وهذا الذي ذكره من مفهوم العوام وفعل
الجهال، وإنما يريد بجذب الزراد أذيال ثوبه عليه عند تقدير الطول والقصر في سرد السربال؛ يعني الدرع، يقول: لو جذب الزراد من ذيل ثوبي عليَّ مقدرا لي صنعتي سربال طويلة أو قصيرة لم اخترهما، ولا سمته إلا سرد سروال من حديد تحصن فرجي، وكنى بذلك عن عفته.
وقوله: تحصن عورته، وهو قول ابن جني، قول قبيح وهو مع ذلك صحيح!
(5/350)

وقوله: الرجز
مُعْتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجْذَالِ
وُلِدْنَ تحتَ أثقَلِ الأحْمَالِ
قال: قال ابن جني: يعني بأثقل الأحمال، الأجبال.
وقال ابن فورجة: ألا يكفي من الحمل الثقيل القرون ذوات الشعب التي تقطع فيحمل الواحد منها حمار أو رجل؟
فأثقل الأحمال على قول ابن فورجة القرون. وقول ابن جني أظهر، لأنها ولدت ولا قرون لها، ومن البعيد أن يراد قرون أبويها.
وأقول: يحتمل أن تكون الأحمال لها قرونها. وإن لم تكن موجودة في حال الولادة لأنه متيقنة أن ستوجد فكأنها موجودة. وليس من البعيد، كما ذكره، أن تكون لأبويها بل هذا هو القريب لوصفه إياها بقوله: الرجز
قَدْ مَنَعَتْهُنَّ من التَّفَالي
وذلك لا يليق بذكر الجبال. فإن قال: هذا راجع إلى قوله فيما قال:
مُعْتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجْذَالِ
فيقال له: بل هذا البيت أولى بها لقربه منها، ولحسن جواز معناه فيها.
(5/351)

وقوله: الوافر
أتَتْرُكني وعينُ الشَّمسِ نَعْلي ... فتقطَعُ مِشْيَتي فيها الشِّراكَا
قال: يقول: إذا كنت بحضرتك كنت من الرفعة كمن انتعل عين الشمس، وإذا ارتحلت عنك قطع مشيتي شراك تلك النعل، فيزول عني سبب الرفعة.
وقوله: أتتركني معناه: أأتركك، وهو استفهام إنكار؛ أي: لا أتركك، ولكن من تركته فقد تركك فقلب الكلام كما قال الآخر: البسيط
. . . . . . ... كأنَّما أسْلَمَتْ وَحْشِيَّةٌ وَهَقَا
والوهق يسلم الوحشية.
وأقول: لو اقتصر على التفسير الأول قبل تفسيره: أتتركني لكان قريبا من الصواب!
وأما قوله: أتتركني بمعنى أأتركك، وإن هذا من المقلوب فليس كما قال، لأن ذلك إنما يكون عند الضرورة لتصحيح المعنى. واللفظة إذا حملت على وجهها من غير قلب وصحَّ بها المعنى لم تحتج إلى القلب.
وقوله: أتتركني: أي: أتجعلني في منزلة عالية، عين الشمس فيها نعلي، ويقطع مشيتي فيها الشراكا؛ أي: لا أخسر رب هذه النعمة، ولا التمتع بها والمحافظة عليها بطلب فراقي لك ورحيلي عنك، فضرب ذلك مثلا لسوء رأيه وفعله!
(5/352)

وقوله: الوافر
أغرَّ له شَمَائلُ من أبيهِ ... غَداً يَلْقَى بَنُوكَ بها أبَاكا
قال: يقول: أنت ورثت شمائل أبيك، وكما ورثتها أباك تورثها بنيك فهم يلاقون أباك بمثل الخلائق التي ورثوها منك. وحقه أن يقول أباهم لكنه قال أباك إشارة إلى أنهم لم يبلغوا بعد رتبتك حتى يشبهوك بل يشبهون أباك.
وأقول: إنه جعل أبناء الممدوح، وهم صبيان أو غلمان، انهم سيشبهون أبا الممدوح، واجل الممدوح عن ذلك، وفيه احتقار لأبيه وإصغار له. ولاشك أن في احتقار الأب احتقار الابن وهذا كلام من لم يفهم المعنى!
وقوله:
. . . . . . ... غَداً يَلْقَى بنوك بها أبَاكَا
أي: الشمائل والخلائق التي ورثتها من أبيك وأشبهته بها، سوف يشبهه بنوك بها إذا كبروا كما أشبهته لما كبرت، وقد قيل: من أشبه أباه فما ظلم فاللقاء هنا كناية عن المماثلة والمشاكلة؛ فهذا المعنى الذي يفهم من كلامه، لا ما ذكره!
وقوله: الوافر
أذَمَّتْ مَكْرُمَاتُ أبي شُجَاعٍ ... لعَيْني من نَواي على أولاَكَا
(5/353)

قال: أذمت بمعنى منعت. يقول: مكرماته منعت عيني، وعقدت لها عقدا على أهلي من فراق عضد الدولة، ويكون على من صلة اذمت.
ويروى: ثواي مقصور من الثوى بمعنى المقام. والمعنى: مكرماته اذمت لعيني من المقام عليهم؛ أي: عقدت لعيني عقدا يؤمنها من النظر إلى أولئك؛ يريد: أنها قصرها على عضد الدولة فلا تنظر إلى غيره.
وأقول: وفسر هذا التفسير بعد أن حكى قولي ابن جني، وابن فورجة، وهما لا يساويان الحكاية!
وقوله هذا مثل قولهما، وهو ضد المعنى الذي أراد أبو الطيب، وذلك إنه يقول: أن مكرمات عضد الدولة اذمت لعيني؛ أي: أعطتها ذماما من النوى على الإبل؛ أي: على رؤية اولئك؛ يعني أحبابه الذين خلقهم وراءه، فالنوى لا تقدر على منعي، ولهذا قال فيما بعد:
فَزُل يا بُعْدُ. . . . . . ... . . . . . .
وقوله: الوافر
فَزُلْ يا بُعْدُ عن أيْدي ركابٍ ... لها وَقْعُ الأسِنَّةِ في حَشَاكَا
قال: يقول للبعد تنح عن أيدي هذه المطايا، فأنها تقطعك كما تقطع الأسنة الحشا.
(5/354)

فيقال له: هذا يضاد التفسير الذي فسرته قبل من أن مكرمات عضد الدولة اذمت لعيني؛ أي عقدت لها عقدا يؤمنها من النظر إلى أولئك؛ أي: قصرها على عضد الدولة فلا تنظر إلى غيره؛ لأن هذا العقد قد انفسخ، ويوافق التفسير الذي فسرته.
وكذلك قوله: الوافر
وأيًّا شئتِ يا طُرُقي فكوني ... أذاةً أو نَجَاةً أو هَلاكَا
قال: هذا كلام ضجر يقول لطريقه: كوني كيف شئت؛ فأني لا أبالي، وإن كان الهلاك في سلوكك.
وأقول: هذا كلام مناقض، كأنه لا يعلم قبل ما ذكره ففسره هذا بما فسره!
وكلام المتنبي هذا كلام معجب بنفسه، مدل بماله، متهور في مقالة، وأثق بما في يده، معتمد عليه غير معتمد على الله في الوقاية له، والمدافعة عنه، ولهذا قال فيما بعد: الوافر
فلو سِرْنَا وفي تِشْرِينَ خَمْسٌ ... رَأوْني قَبْلَ أنْ يَرَوُا السِّمَاكَا
لأنه لم يستثن مشيئة الله، فحل به ما كان يخشاه، وحال الهلاك دون الآل!
قال الواحدي في تفسير هذا البيت: هذا كلام فيه حذف وتقديم وتأخير، تقديره: فلو سرنا في تشرين وقد مضت منه خمس، وإذا أخل الحذف بالكلام ولم يظهر المعنى لم يجز، والسماك يطلع لخمس خلون من تشرين الأول، وهذا مبالغة في ذكر سرعة السير والرجوع إلى اهله؛ يقول: لو أخذن في السير واخذ السماك في الطلوع لسبقته
(5/355)

بالطلوع عليهم وهم بالكوفة؛ كأنه قال: أسبق النجم بسرعة السير.
فيقال له: ليس في الكلام حذف ولا تقديم ولا تأخير، بل الكلام مستقل لنفسه غير محتاج إلى غيره، والواو في قوله: وفي تشرين خمس واو الحال من الضمير في سرنا.
وقوله: الوافر
يُشَرِّدُ يُمْنُ فَنَّاخُسْرَ عنِّي ... قَنَا الأعداءِ والطَّعْنَ الدِّرَاكَا
وألْبَسُ من رِضَاهُ في طريقي ... سْلاحاً يَذْعَرُ الأعداَء شَاكَا
أقول: لم يشرد عنه يمن فناخسر الطعن الدراك، ولا البس من رضاه سلاحا منع الأعداء شاك، وذلك إنه استعان بغير الله على دفاع الأعداء، فوكله الله إلى من استعان به ولم ينجي من الاسواء، فذهبت نفسه، وثل عرشه، وجذ غرسه.
انتهى
(5/356)